صفحة 1
الكتاب: السِّيَر
المؤلف: أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي
طبع: المطبعة البارونية . القاهرة . مصر
سنة الطبع: 1301هـ
[طبعة حجرية]
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
[مراجعة سريعة لنص الكتاب للشاملة: د. مصطفى بن محمد شريفي]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الرابع (1036 عنوان): ربيع (الثاني) الأنوار 1434هـ / فيفري (فبراير) 2013م (قرص مضغوط) هذا كتاب السير تأليف الإمام أبي العباس سلالة الكريم بن الكرام أحمد بن سعيد بن عبد الواحد الشمَّاخي رحمه الله آمين ... (1/1)
صفحة 2
بسم الله الرحمن الرحيم
صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، هذا كتاب السير تأليف الإمام أبي العباس سلالة الكريم ابن الكرام أحمد بن سعيد بن عبد الواحد الشمَّاخي رحمه الله آمين.
الحمد لله الذي كتب في صحائف القلوب ألفة أوليائه الأخيار، ونقش في ألواح الضمائر التوادد بين الأتقياء الأبرار، ومحي من رق الصدور محبة أولي الضلال الفجار؛ لخلافهم ما شرع من الصراط للأنام، المبين بلسان الرسول عليه السلام. الذي نقله الأتقياء والعدول. خصوصا من ارتضاه ربنا لصحبة الرسول: مثل عمار والفاروق والصديق. والتابعين لهم بالإحسان والتصديق، هدى من اتبعه رشد واهتدى، ومن حاد عنه تجنبا ضل وغوى، وحل عليه غضب الله وهوى، ومن آكدها بعد الإيمان عقدا وأكملها بعد التوحيد عهدا، المحافظة على الأخوة في الدين، والموالاة في ذات (1/2)
صفحة 3
الحق اليقين، فوجب علينا الولاية والدعاء للسابق كما فرض علينا مراعاة حق اللاحق، إذ نقلوا لنا الهدى ناصحين، وأدوه إلينا محتسبين، لا يسألون عنه أجرا، ولا كانوا متكلفين، لازموا القبض على جمر التكليف، من أتباع الرسول من غير تعنيف صلى الله عليه وعلى آله ما طلع شمس وعاد خريف.
(وبعد) وردت رسالة ممن أهمه أمرنا، وابتغاء المطالعة على أحوالنا، ومعرفة أخبار بلادنا، المصان منها بإخواننا، والذي ضرب بجرانه عدونا، ومعرفة ما نحن فيه من التبرج، والاكتنان والظهور والكتمان، والوقوف على مناقب الإخوان، ونسب من سلف به من الزمان؛ من الأئمة أولي البقية والإحسان؛ أم من سنام المجد قحطان أم من أهل السماح والصباح والرماح رأس الشرف عدنان.
وتضمنت الرسالة: إنهم أوجبوا نفس الشريعة الساطعة الغراء، وطلع شمس النحلة النقية البيضاء، وإنهم رعوا العفو، وشربوا الصفو، وساسوا بالعدل العباد، وتمكنوا في البلاد، وساموا الخسف أهل الجور والفساد، بالإمام الجواد الواري الزناد الماجد الأجداد الهمام الفاضل الأشم الباذل اللباب الحلاحل أبو عبد الله محمد الأمير العادل، المنتهي في الشرف إلى قحطان سواء كان من حمير أو أزد أو همذان، فانشرحت لسطوع نور هدايتهم صدورنا، وسلوكهم محجة من مضى من أسلافنا، وإظهار منهج مذهب الحق مشرفا بشهادة غرابيل الصدق.
وها أنا اذكر بعض أخبار السالفين (1/3)
صفحة 4
بعد التيمن بلمع من أخبار الرسول والتبرك بشيء من أخبار الصحابة ومن الله استمد العون والتوفيق والسداد واللطف.
أخبار الرسول
(اعلم) أن الله تعالى منَّ علينا بلطفه؛ بأن أنزل علينا كتابا نوّر به كل حالك، وأضاء به المسالك، وأشرقت به دجى المهالك، وأرسل رسولا؛ هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان .. وأُختلف فيما فوق ذلك، إلى إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام، وعلى سيدنا محمد الصلاة والسلام.
ويتميز - صلى الله عليه وسلم - من سائر بطون قريش بهاشم؛ واصطفاه الله من بني هاشم، كما اصطفا بني هاشم من قريش، وأمه: آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب. حملت به أيام التشريق، في شُعب أبي طالب، عند الجمرة الوسطى، وولد عليه السلام بمكة، يوم الاثنين لاثني عشر خلت من رمضان، وقيل من ربيع الأول، وقيل لثمان، وقيل أول اثنين فيه، وقيل لليلتين خلتا منه عام الفيل، وقيل يوم الفيل؛ أي اليوم الذي حبس فيه، وقيل بعده بشهر، وقيل بأربعين، وقيل بخمسين يوما، يوم عشرين من نيسان، وقيل لثلاث عشرة بقيت من المحرم، يوم الأحد وضعته أمه؛ قيل في شعب بني هاشم، وقيل بمكة بدار تدعا لمحمد بن يوسف، أخي الحجاج بن يوسف.
وأرسله الله يوم الاثنين لثمان خلون من ربيع الأول سنة إحدى وأربعين؛ من عام الفيل، وهو ابن أربعين سنة ويوم، (1/4)
صفحة 5
ومن بعثه إلى أول المحرم عام الهجرة اثني عشر عاما.
وخرج من مكة يوم الاثنين ودخل المدينة يوم الاثنين وكانت وقعة بدر يوم الاثنين على قول وقبضه الله يوم الاثنين - صلى الله عليه وسلم -. وقيل وقعة بدر يوم الجمعة صبيحة سبع عشرة من رمضان وهو القول العدل إن شاء الله تعالى. وقيل قدم المدينة يوم الاثنين الثامن من ربيع الأول سنة أربع وخمسين من عام الفيل يوم عشرين من أيلول.
وعليه أن من مبعثه إلى يوم دخوله المدينة ثلاثة عشرة كاملة وأقام بالمدينة عشرة أعوام وقيل أقام بمكة عشرا.
وقيل لأمه حين حملت به: ((إنك حملت بسيّد هذه الأمة)) فإذا وضع إلى الأرض فقولي: ((أعيذه بالواحد من شر كل حاسد ثم سميه محمدا)).
ورأت حين حملت به أنه خرج منها نور رأت به قصور بصرى من أرض الشام؛ فلما وضعته أرسلت إلى جده فدخل به الكعبة فدعا الله وتشكر له ما أعطاه ثم رده إلى أمه ثم دفعه جده إلى حليمة بنت عبد الله بن الحارث ترضعه، فردته في السنة الخامسة، ومات أبوه؛ وأمه حامل به. وقيل ابن ثمانية وعشرين شهرا، وقيل سبعة أشهر، وقيل ابن شهرين، وقبره بالمدينة.
فكفله جده عبد المطلب، وماتت أمه وهو ابن ستة أعوام، وقيل سبعة، وقيل ثمانية، وتوفي جده سنة تسع من عام الفيل، وقيل مات جده وهو ابن ثمان سنين، وقيل ثلاث سنين، فأوصى به إلى أبي طالب شقيق أبيه، فكان في حجره إلى خمس عشرة فاستقل بنفسه.
وخرج مع عمه سنة (1/5)
صفحة 6
ثلاث عشرة من الفيل، فرآه بحيرا الراهب فقال: ((احتفظوا به فإنه نبي)). وشهد يوم الفجار عام أحد وعشرين من الفيل، وخرج إلى الشام عام خمس وعشرين في تجارة لخديجة بنت خويلد، فرآه نسطور الراهب وقد أظلته غمامة فقال: ((هذا نبي)).
وتزوجها بعد ذلك بشهرين وخمسة وعشرين يوما، في عقب صفر سنة ست وعشرين، وقيل تزوجها وهو ابن أحد وعشرين عاما، وقيل ثلاثين، وهي ابنة أربعين، وشهد بنيان الكعبة بعد ذلك بعشر سنين، وتراضت قريش بحكمه في وضع الحجر، فوضعه بيده - صلى الله عليه وسلم -، وقيل عام خمسة وعشرين، وقيل بين بنيان الكعبة ومبعثه خمس سنين.
ونزل عليه الوحي وهو ابن أربعين سنة، يوم الاثنين، فأسرّ أمره ثلاث سنين، أو نحوها. ثم أمره الله بإظهار دينه والدعاء إليه، وقيل وكل به إسرافيل ثلاث سنين، ثم وكل به جبريل، فلما دعا إلى الله نابذه قومه وكذبوه، وأجاره عمه أبو طالب إذ أرادوا قتله، وحصره قريش ومعه بنو هاشم وبنو المطلب في الشعب، في سنة ست من مبعثه، وتوفي عمه سنة ثمان في النصف من شوال، وقيل عام عشر وهو اقرب، وخرجوا من الشعب سنة خمسين؛ بعد أن مكثوا في الحصار ثلاث سنين، ومات بعد ذلك أبو طالب بستة أشهر، وتوفيت بعده خديجة بثلاثة أيام، وقيل بسبعة، وقيل بشهر، وبقيت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أربعة وعشرين عاما وستة أشهر وأربعة أيام، وتزوج بعدها سودة وعائشة قيل في تلك السنة. (1/6)
صفحة 7
وفيها خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الطائف، بعد عمه فلم يجد عندهم خيرا، ثم رجع في جوار مطعم بن عدي؛ سنة أحد وخمسين، وفيها جاءه جنّ نصيبين بعد ثلاثة أشهر، فاسلموا، وأُسْرِي به إلى بيت المقدس، وقيل بعد سنة ونصف من رجوعه من الطائف، وقيل الاسرا قبل خروجه إلى المدينة بسنة، قيل وشهرين، ثم بايعته الأنصار بيعة العقبة.
ثم اذن الله له بالخروج في سنة أربع وخمسين؛ حين أراد نصره وإظهار دينه، بعد أن أقام بمكة ثلاثة عشر عاما، وقيل عشرا، وقيل خمسة عشر، فهاجر؛ وكان رفيقه أبو بكر الصديق، وكان يخدمهما عامر بن فهيرة.
فقدم المدينة ضحوة نهار يوم الاثنين، لاثنتي عشرة خلت من ربيع الأول، وكان خروجه من مكة يوم الاثنين بعد العقبة بشهرين وليال، والعقبة أيام التشريق، وقيل خروجه من الغار أول ربيع الأول يوم الاثنين، وقيل قدم المدينة يوم الجمعة، وقيل يوم الاثنين لثمان خلت منه، فنزل في بني عمرو بن عوف، فأقام عندهم أربعة أيام، قيل عند سعيد بن خثعمة أو عند كلثوم بن الهرم وأسس مسجدهم. وخرج منتقلا إلى المدينة فأدركته الجمعة في بني سالم فصلاها في بطن الوادي، ثم استوى على ناقته، فثارت لا يردها راد حتى أتت موضع مسجده عليه السلام، فبركت ثم ثارت فمضت غير بعيد ثم عادت إلى مبركها واطمأنت، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يراعي حكم الله تعالى فنزل عنها. وأوى إلى منزل أبي أيوب الأنصاري البخاري فلم يزل عنده شهرا، حتى بنا مسجده في تلك السنة (1/7)
صفحة 8
ومساكنه، فانتقل إليها، وأذن الله له بالقتال وآخى بين المهاجرين والأنصار.
وبعث عمه حمزة في جمادى الأولى، وهي أول غزوة وأول من عقدت له راية في الإسلام في ثلاثين راكبا إلى سيف البحر فلقي أبا جهل بن هشام، في ثلاثمائة من قريش، فحجز بينهم رجل من جهينة،
ثم بعث عبيدة بن الحارث في خمسين راكبا يعارض عير قريش فلقوا جمعا كثيرا، فتراموا بالنبل ولم تكن بينهم مسافة، وقيل سرية عبيدة كانت قبل حمزة وفيها رمى سعد بن أبي وقاص أول سهم رمى به في سبيل الله. وقيل أول لواء عقده عليه السلام لعبد الله بن جحش والصحيح إن سيرته في العام الثاني إلى نخلة، وفيها قتل الحضرمي لليلة بقيت من جمادى الأخرى.
فلما أطمأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واجتمع إليه المهاجرون والأنصار فأقام الصلاة وفرضت الزكاة والصيام والحلال والحرام وأقام الحدود.
ثم خرج غازيا في صفر غزوة الأبواء حتى بلغ ودان، ثم خرج يوم الثلاثاء لثلاث خلون من ربيع الأول إلى بواط؛ وهو على ثلاث مراحل من المدينة، ورجع لعشر خلون منه، ثم خرج غازيا في جمادى الأولى لعشيرة من بطن ينبع، وقد بعث فيما بين ذلك سعدا غازيا، حتى بلغ الخوار، من أرض الحجاز. ثم خرج غازيا في أثر كرز بن جابر، إلى صفوان، من بدر؛ وهي بدر الأولى، وذلك في جمادى الأخرى.
ثم بعث عبد الله بن جحش وقد تقدم التنبيه عليها. ثم بدر الكبرى قتل فيها صناديد قريش يوم الجمعة على الصحيح، صبيحة سبع عشرة من رمضان، وافترض الله رمضان، (1/8)
صفحة 9
وحولت القبلة، وليس في الإسلام أفضل منها.
ثم غزا بني سليم بعد رجوعه من بدر بسبعة أيام حتى بلغ الكدر من مياههم، فأقام به ثلاثا، ثم رجع.
ثم غزا غزوة السويق: خرج في أثر أبي سفيان، في ذي الحجة حتى بلغ قرقرة الكدر. ثم غزا نجدا، يريد غطفان، خرج إليها بعد أن أقام بالمدينة بقية ذي الحجة أو قريبا منها، وأقام بنجد صفرا كله وتسمى غزوة ذي أمر.
ثم رجع وأقام بالمدينة ربيع الأول كله، أو إلا قليلا منه، ثم خرج غازيا يريد قريشا حتى بلغ نجران من ناحية الفرع، فأقام بها شهر ربيع الآخر وجمادى الأولى، وفيما بين ذلك أمر بني قينقاع من اليهود، ومحاصرة النبي عليه السلام إياهم حتى نزلوا على حكمه، وتشفع ابن أبي فيهم.
وبعث النبي - صلى الله عليه وسلم - زيد بن حارثة إلى نجد، فأصاب عير قريش، على القردة ماء من مياه نجد، ثم قتل كعب بن الأشرف؛ قتله محمد بن مسيلمة في فتية أمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذلك. وقتل محيصة بن مسعود، بن مسينة أو سبينة اليهودي،
ثم غزوة أحد، أصيب فيها حمزة عم النبي - صلى الله عليه وسلم -، وجماعة من الصحابة أكرمهم الله بالشهادة، ثم رجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة، ثم خرج في أثر العدو، حتى انتهى إلى حمراء الأسد، أقام بها ثلاثا، ثم رجع.
ثم بعث مرتد بن أبي مرتد، وخبيب بن عدي، في سبع نفر، وأخذوا يوم الرجيع، ثم بعث المنذر بن عمر في أربعين رجلا إلى نجد؛ يدعون إلى الله فأصيبوا بـ بئر معونة، ثم غزوة بني النضير، ثم غزوة ذات الرقاع، من نخل إلى نجد في جمادى (1/9)
صفحة 10
الأولى، ثم غزوة بدر الأخيرة، لميعاد أبي سفيان في شعبان عام أربعة.
ثم غزوة دومة الجندل، في شهر ربيع الأول عام خمسة ثم غزوة الخندق، ولرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيها معجزات كثيرة. ثم غزوة بني قريظة، ثم غزوة بني لحبان، من هذيل، طالبا بأصحاب الرجيع خبيب وأصحابه.
ثم غزوة ذي قرد في أثر عيينة بن حصن، اغار على لقاح لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم غزوة بني المصطلق عن خزاعة وفيها حديث الإفك ثم غزوة الحديبية، في ذي القعدة بعد إقامته رمضان وشوال من رجوعه من بني المصطلق فصده المشركون وفيها بيعة الرضوان وتقرب في الفضل من بدر ثم غزوة خيبر، ثم غزوة وادي القرى، ثم اعتمر عمرة القضاء، ثم الفتح، ثم غزوة حنين، ثم غزوة الطائف، ثم غزوة تبوك، قاتل فيها - صلى الله عليه وسلم - في تسع.
وزاد الواقدي غزوة وادي القرى، وغزوة الغابة، فهي إحدى عشرة، وقبل كانت غزواته وسراياه وبعوثه من قدومه المدينة إلى أن مات خمسا وثلاثين،
قال المسعودي: ذكر الطبري عن من حدثه عن من حدث عن الواقدي كانت ثمانيا وأربعين وقيل كانت ستا وستين ثم قبضه الله إليه وهو ابن ستين، وقيل ابن خمس وستين.
قال المسعودي: تزوج من النساء خمس عشرة امرأة، دخل بإحدى عشرة، ومات عن تسع: خديجة، وسودة وعائشة بنت أبي بكر ولم يتزوج بكرا غيرها وأم سلمة بنت أبي أمية واسمها هند وكانت من أجمل النساء وجهًا وحفصة بنت عمر وأم حبيبة بنت أبي سفيان واسمها رملة (1/10)
صفحة 11
زوجها النجاشي من النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصدقها منه أربعمائة دينار وزينب بنت جحش وميمونة بنت الحارث وجويرة بنت الحارث بن ضرار وصفية بنت حيي بن اخطب الكندية وزينب بنت خزيمة ماتت قبل النبي - صلى الله عليه وسلم - وعمرة بنت يزيد الكلابي وأسماء بنت النعمان الكندية.
وله أسماء - صلى الله عليه وسلم -: محمد، وأحمد، والماحي، والعاقب، والحاشر.
وأولاده القاسم، وهو أكبرهم وبه كان يكنى. وعبد الله وهو الطيب، والطاهر، ورقية، وأم كلثوم، وزينب، وفاطمة، كلهم من خديجة. وإبراهيم، من مارية القبطية.
مرض الرسول ووفاته.
عن أبي مويهبة مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((بعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من جوف الليل فقال: ((يا أبا مويهبة إني قد أمرت أن أستغفر لأهل هذا البقيع)) فانطلق معي فانطلقت معه فلما وقف بين أظهرهم قال: ((السلام عليكم يا أهل المقابر ليهني لكم ما أصبحتم فيه مما أصبح الناس فيه أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع الآخرة الأولى والآخرة أشر من الأولى)) ثم أقبل علي فقال: ((يا أبا مويهبة إني قد أوتيت مفاتح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة فخيرت بين ذلك وبين لقاء ربي والجنة)) فقلت بأبي أنت وأمي فخذ مفاتح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة قال: ((لا والله يا أبا مويهبة لقد اخترت لقاء ربي والجنة)) ثم استغفر لأهل البقيع ثم انصرف)).
فابتدأ به الوجع ووجد عائشة تقول: ((وارأساه)) لوجع في رأسها فقال: ((بل أنا والله يا عائشة وارأساه ثم قال: ((وما يضرك لو مت قبلي فقمت عليك وكفنتك وصليت عليك ودفنتك)) (1/11)
صفحة 12
قلت: ((والله فكأني بك لو فعلت ذلك لقد رجعت إلى بيتي فأعرست فيه ببعض نسائك)) فتبسم عليه السلام.
فتتام به وجعه وهو يدور على نسائه حتى اشتد به وهو في بيت ميمونة فدعا نساءه فاستأذنهن أن يمرض في بيتي فأذن له جميعا قالت: فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمشي بين رجلين من أهله أحدهما الفضل بن العباس ورجل آخر عاصبا رأسه تخط قدماه حتى دخل بيتي فاشتد به وجعه قال: ((أهرقوا علي سبع قرب من أبار شتى حتى اخرج إلى الناس فاعهد إليهم)) فأقعدناه في مخضب ثم صببنا عليه الماء حتى طفق يقول: ((حسبكم حسبكم)). والمخضب: شبه أجانة يغسل فيها كالثور والمدكن.
ثم خرج - صلى الله عليه وسلم - عاصبا رأسه حتى جلس على المنبر: فصلى على أصحاب أحد واستغفر لهم فأكثر الصلاة عليهم ثم قال: ((إن عبدا من عباد الله خيره الله بين الدنيا وبين ما عند الله فاختار ما عند الله)) فبكى أبو بكر وفهم إن نفسه أراد فقال: بل نحن نفدوك بأنفسنا قال: له على رسلك يا أبا بكر. فأمر بسد أبواب المسجد إلا باب أبي بكر ثم نزل.
وأشتد برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجعه فقال: مروا أبا بكر فليصل بالناس قالت له عائشة: إن أبا بكر رجل رقيق ضعيف الصوت كثير البكاء إذا قرأ القرآن، قال: مروه فليصل بالناس قالت: فعدت لمثال قولي فقال: إنكن صوأحبة يوسف مروه فليصل بالناس وإنما فعلت ذلك عائشة خشية أن يتشاءم الناس بمن قام مقامه عليه السلام في كل حدث فأحبت صرفه عن أبيها.
وقال ابن زمعة: كنا عنده (1/12)
صفحة 13
عليه السلام فدعا بلال إلى الصلاة فقال: مروا من يصلي فخرجت وكان أبو بكر غائبا فقلت: لعمر قم صل بالناس فلما كبر قال عليه السلام: فأين أبو بكر فأين أبو بكر يأبي الله ذلك والمسلمون فكررها فبعث إلى أبي بكر وكان يصلي بالناس غير تلك الصلاة فقال عمر: ويحك ماذا صنعت بي يا ابن زمعة والله ما ظننت حين أمرتني إلا أن رسول الله أمرك بذلك فقال: ما أمرني ولكن حين لم أر أبا بكر رأيتك أحق ممن حضرنا للصلاة بالناس.
ثم خرج يوم الاثنين والناس في صلاة الصبح فلما رفع الستر وفتح الباب وخرج كاد المسلمون يفتتنون في صلاتهم برسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرحا به فتفرجوا فأشار إليهم أن تثبتوا على صلاتكم وتبسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما رآه من هيأتهم في صلاتهم وما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحسن هيئة منها تلك الساعة فعلم أبو بكر إن الناس لا ينفرجون كذلك إلا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنكص عن مصلاه فدفعه في ظهره فقال له: صل وجلس إلى جنبه الأيمن فصلى قاعدا فكلم الناس بعد الفراغ من الصلاة رافعا صوته ((سعرت النار وأقبلت فتن كقطع الليل المظلم إني لم أحل إلا ما احل القرآن ولا احرم إلا ما حرم القرآن)).
ثم رجع وانصرف الناس وهم يرون أنه قد أفاق من مرضه أي بريء فاضطجع في حجر عائشة فرأى سواكا اخضر في يد بعض آل أبي بكر فنظر إليه في يده نظرة عرفت أنه يريده قالت: فأخذته فمضغته حتى لينته ثم أعطيته إياه فاستن (1/13)
صفحة 14
كأشد ما رأيته استن بسواك قط ثم وضعه فنقل في حجري فنظرت في وجهه وإذا بصره قد شخص وهو يقول: (الرفيق الأعلى من الجنة) قلت: خيرت فاخترت والذي بعثك بالحق وقبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورضوانه ورحمته عليه بين سحري ومنحري وفي بيتي لم اظلم فيه أحدا ثم وضعت رأسه على وسادة وقمت من سفهي ألتدم مع النساء وأضرب وجهي.
اضطراب المسلمين وأحداث السقيفة.
فقال عمر: إن رجالا من المنافقين يزعمون إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توفي وإن رسول الله ما مات ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران والله ليرجعن كما رجع موسى. فاقبل أبو بكر حين بلغه الخبر وعمر يكلم الناس فلم يلتفت إلى شيء حتى دخل على رسول الله في بيت عائشة وهو مسجي عليه برد حبرة فكشف عن وجهه فقبله فقال: أما الموت الذي كتبه الله عليك فقد ذقته ثم لم يصيبك بعده موت أبدا. فرد البردة على وجهه. فخرج فقال: على رسلك أنصت فلم ينصت فاقبل على الناس فلما سمع الناس كلامه اقبلوا عليه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ثم تلا {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ} إلى {الشَّاكِرِينَ} فكان الناس لم يعلموا إن هذه الآية نزلت حتى تلاها أبو بكر وأخذها الناس عن أبي بكر وإنما هي في أفواههم فاحتفل الناس واجتمعوا إلى وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
واعتزلت الأنصار إلى سعد بن عبادة في سقيفة لبني ساعدة (1/14)
صفحة 15
واعتزل بنو هاشم وعلي والزبير وطلحة في بيت فاطمة واعتزل خالد بن سعيد بن العاص، وانحاز بقية الناس إلى أبي بكر ومعهم بنو عبد الأشهل فأتى آت أبا بكر وعمر فقال لهما: أن كان لكما بأمر الناس حاجة فأدركوا الناس قبل أن يتفاقم أمرهم ورسول الله في بيته لم يفرغ من أمره قد أغلق أهله دونه الباب، فقال: لأبي بكر انطلق بنا إلى إخواننا من الأنصار.
قال عمر: فلقينا منهم رجلان صالحان فذكرا لنا ما تمالا عليه القوم فقالا: فلا عليكم إلا تقربوهم واقضوا أمركم فقلت لنأتينهم في سقيفة بني ساعدة فإذا سعد بن عبادة مزمل لوجع به فاتفق رأيهم بعد أن كثر اللغط وارتفعت الأصوات فبويع أبو بكر فأول من بايع بشر بن سعد وقيل عمر بن الخطاب والرجلان عويم بن ساعدة ومعن بن عدي أما عويم فمن الذين قال الله فيهم {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} وفيه قال عليه السلام: نعم المرء عويم بن ساعدة وأما معن فقتل يوم اليمامة شهيدا.
وأتى أبو بكر المسجد فبويع بيعة العامة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ((توليت عليكم ولست خيركم فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني وقال: الضعيف فيكم قوي عندي حتى ارجع إليه حقه والقوي ضعيف فيكم عندي حتى أخذ الحق منه إن شاء الله ثم قال: أطيعوني ما أطعت الله ورسوله فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم)).
ثم أقبل الناس على جهاز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الثلاثاء وتولى غسله (1/15)
صفحة 16
وكفنه وتكفينه ودفنه وأمره كله عمه العباس وأبناء الفضل وقتم وعلي وأسامة وشقران وأوس من الأنصار فغسل وعليه قميصه يدلك من ورائه. وصلى عليه المسلمون جميعًا من غير إمام، الرجال ثم النساء ثم الصبيان، ودفن ليلة الأربعاء في جوف الليل، وكفن في ثلاثة أبواب سحولية، ليس فيها عمامة ولا قميص، وحفر له تحت موضعه الذي قبض، ودفنت معه قطيفته التي يفترشها، وآخر الناس عهدا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - قتم بن عباس فعظمت بموته مصيبة المسلمين.
وارتدت العرب، واشرأبت اليهودية، والنصرانية، ونجم النفاق، وهم أكثر أهل مكة بالرجوع عن الإسلام، حتى خافهم عتاب بن أسيد عاملها فتوارى فقام سهيل بن عمرو فحمد الله وأثنى عليه وقال: إن موت محمد عليه السلام لم يزد الإسلام إلا قوة فمن رابنا ضربنا عنقه وكف الناس عما هموا به.
(ذكر خلافة أبي بكر رضي الله عنه)
لما بويع في المسجد بيعة العامة يوم الثلاثاء، لم يتخلف عن بيعته إلا من ذكرنا، فبايعه علي بعد ستة أشهر، وبعد موت فاطمة، وقيل أقل، وبعد مخاطبات ومراجعات، وبايعه جميع من تخلف إلا سعد بن عبادة، وأراد عمر أن يلجأ إلى البيعة فأبى بشير بن سعد من ذلك.
وكان أبو بكر ازهد الناس وأكثرهم تواضعا في أخلاقه وطعامه ولباسه وكان يلبس العباءة والشملة فأوصى عائشة أن ترد ذلك إلى عمر بن الخطاب بعده، (1/16)
صفحة 17
وأوصى بما انفق من بيت المال وهو ثمانية آلاف درهم أن يقضي عنه.
قال: الحسن هو غداء بعضهم اليوم، وقدمت زعماء العرب وأشرافهم وملوكهم وعليهم الحلل وبرود الوشي المثقل بالذهب والتيجان والحبر، فلما شاهدوا ما عليه من الزهد واللباس والتواضع والنسك والوقار وما البسه الله من الهيبة في أعين الناس ذهبوا مذهبه.
منهم ذو الكلاع الحميري قدم ومعه ألف عبد غير عشيرته، فنزع وزهد وتزيَّى بزيه.
وقد رئي يومًا يمشي في السوق على كتفه جلد شاة؛ ففزعت عشيرته لذلك وقالوا: فضحتنا بين المهاجرين والأنصار والعرب قال لهم: أردتم مني أن أكون جبارا في الجاهلية جبارا في الإسلام لا والله لا تكون طاعة الرب إلا التواضع لله والزهد في الدنيا الفانية.
فغلب على الناس في أيامه الزهد والتواضع تأسيا بفعله وسمعه أبوه يوما يصيح على أبي سفيان وهو يتذلل له ويتملق فقال لقائده على من يصيح فقال: على أبي سفيان فقال: أعلى أبي سفيان ترفع صوتك ياعتيق لقد تعديت طورك وجزت مقدارك فتبسم أبو بكر ومن حضره فقال: إن الله عز وجل رفع بالإسلام قوما وأذل به آخرين.
وارتدت العرب بعد استخلافه بعشرة أيام، فلبس لهم جلد النمر، كما لبس للمؤمنين ثوب التواضع، وشمر لهم عن ساق الجد، وحصر عن ساعد الجهاد والحرب، بعدما شاور أصحاب النبي عليه السلام فأشاروا أن يتركوا وما اختاروا لظنهم إن لا طاقة لهم بالعرب لطول ما عالج رسول (1/17)
صفحة 18
الله - صلى الله عليه وسلم - فيهم من الجهاد والتكذيب والأذى والشدة والمشقة والمكروه مع كثرة عددهم وشدة شوكتهم وتخوفوا أن يكون لا طاقة لهم بحربهم فرضوا أن يتمسكوا بدينهم ويتركوا الناس وما اختاروا لأنفسهم.
فقال: أبو بكر: (والله لو لم أجد أحدا يؤازرني لجاهدتهم بنفسي وحدي حتى أموت أو يرجعوا إلى الإسلام ولو منعوا مني عقالا لجاهدتهم حتى الحق بالله) فشمّر الذيل وقاتل من ارتد فعادوا جميعا مذعنين للحق وذلك سنة إحدى عشرة.
ثم وجه فيها خالد إلى اليمامة فقتل مسيلمة بعد أن استشهد من المسلمين ألف ومائتا رجل وقيل أربعمائة منهم سبعمائة جمعوا القرآن.
وفيها بعث المهاجر ابن أبي أمية إلى حرب الأشعث بن قيس فأوتي به أسيرا في الحديد فقال لأبي بكر بعد إن وبخه وشدّ عليه وعدّ عليه رذائله وسوء فعله، أبقني لحربك وزوجني أختك ففعل أبو بكر.
وفيها أمر خالد أن يسير إلى العراق لقتال الفرس؛ ففتح حصونا في طريقه إلى أن بلغ الحيرة فلقي فيها صاحب مصالح كسرى فقاتلهم قتالا شديدا فهزمهم الله للمسلمين. فصالح أهل الحيرة.
وحج بالناس أبو بكر، فلما انصرف بعث أبا عبيدة إلى الشام لقتال الروم. وكتب إلى خالد أن يمده أميرا على المسلمين، وفتح في طريقه حصونا وصالح، فنزلوا على بصرى وصالحوها، والتقوا بجموع الروم بأجنادين؛ بين الرملة وحيرون. فهزم الله المشركين بعد قتال شديد مات منهم في المعركة ثلاثة آلاف. وذلك عام ثلاثة عشر في جمادى الأولى.
وتوفي مساء ليلة الثلاثاء لثمان (1/18)
صفحة 19
بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة ودفن خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وله مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحوال وأخبار، وله فضائل ومنزلة عند رسول الله لا يطمع فيها غيره، وهو أفضل من اهتدى بهداه، وخير من سلك سبيله، وأتم من اقتدى به، وأكمل من اتبع أثره، وقال فيه رسول الله عليه السلام: ((ارحم أمتي بأمتي أبو بكر)) وفي رواية أرأف أمتي بأمتي.
عن أبي الدرداء إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((ما طلعت الشمس وما غربت على أحد خير وأفضل من أبي بكر)). وكان مجلسه عن يمين رسول الله وصلاته خلفه، وهو الذي يؤمن إذا دعا، ويتلوه إذا مشى، وكان أول الناس إسلاما، وأخلصهم أيمانا، وأشدهم يقينا. وأخوفهم لله قلبا، وأحسنهم صحبة، وأحوطهم على رسول الله، - صلى الله عليه وسلم - وأفضلهم مناقب، وأكثرهم سوابق، وأقربهم من رسول الله مكانا، وأشبههم به هدى، وخلقا، وفضلا، وسمتا، وأكرمهم عليه، وأوثقهم عنده.
وردت فيه عن النبي أحاديث، تدل على كمال فضله، وتمام قربه منه، وكثرة يقينه، ورسوخ إيمانه، فاطلبها في فضائله ومناقبه وكفاك إن الله سماه صديقا، متقيا، {وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} وسماه صاحبا. {ثَانِيَ اثْنَيْنِ إذ هُمَا فِي الْغَارٌِ} إلى معنا. وأنه رافق رسول الله في الهجرة، ومواطن الكره، وسار مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين تخلفوا، وأقام معه إذ قعدوا، وصبر في الشدائد أكرم الصبر، واستخلفه رسول الله في الصلاة؛ بل قيل أنه أراد أن يكتب له؛ أن لا يختلف عليه اثنان. فلما تولى (1/19)
صفحة 20
قوي إذ ضعفت أصحابه وجبنت، وبرز حين استكانوا، ونهض حين وهنوا، وقام بالأمر حين فشلوا، ومضى بقوة الله حين وقفوا.
كان أطول الناس صمتا، وابلغهم قولا، وأشجعهم قلبا، وأشدهم يقينا، وأحسنهم عملا، فحمل ثقل ما عنه ضعفوا، وحفظ ما أضاعوا، وراعي ما أهملوا، وعلا إذ سفلوا، وصبرا إذ جزعوا، ما أشبهه بالجبل الذي لا تحركه العواصف، ولا تزلزله القواصف، صدق فيه عليه السلام: ضعيف في نفسك، قوي في أمر دينك، متواضع في نفسك عظيم عند الله، محبوب إلى أهل السماوات والأرض، فجزاه الله عن الإسلام خيرا.
(خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه)
عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن قرط بن رباح بن عبد الله بن رزاح بن عدي بن كعب. اسلم قبل الهجرة بأربعة أعوام، وكنيته أبو حفص، ولقبه الفاروق؛ لأنه فرق بين الحق والباطل.
وسبب أسلامه: أنه توشح سيفه، وخرج يريد قتل النبي وأصحابه، فلقيه النمام نعيم بن عبد الله العدوي وكان مسلما، فصرفه إلى أخته فاطمة وزوجها؛ ابن عمه سعيد بن زيد وهما مسلمان، فقال فأمره أن يقيم أمرهما.
وكان خباب بن الأرت يختلف إليهما ليعلمهما، فلما دنا عمر سمع القراءة، فلما أحسوا به، توارى خباب، وجعلت فاطمة لوحا يعلمهما فيه خباب تحت فخذها، فسألهما عما سمع، فأنكرا، فآل أمرهم إلى أن بطش بهما وشج أخته، فرق لها وندم لما رأى الدم، وقال (لأخته): أعطني الصحيفة؛ وكان (1/20)
صفحة 21
قاريا، فخافته عليها، فحلف أن يردها إذا قراها. وقالت: أنت نجس على شركك، ولا يمسها إلا الطاهر، فاغتسل، فلما قرأ صدرا منها قال: ما أحسن هذا. فخرج خباب وقد طمعوا فيه، فقال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول اللهم أيد الإسلام بأبي الحكم بن هشام أو بعمر بن الخطاب فقال: دلني على محمد أُسلم فقال: هو في بيت عند الصفا. فلما أتاهم نظر رجل من خلال الباب فقال: هذا عمر متوشحًا سيفًا فقال حمزة: ائذن له فإن أراد خيرا بذلناه له وإن أراد شرا قتلناه بسيفه فقال عليه السلام: ((ائذن له)) فلقيه عليه السلام في الحجرة فأخذ بمجمع ردائه ثم جبذه فقال: ((ما جاء بك يا بن الخطاب فو الله ما أراك تنتهي حتى ينزل الله بك قارعة)) فقال: جئتك لأومن بالله ورسوله وما جاء به حق من عند الله فكبر رسول الله فعلموا إن عمر قد اسلم.
وتفرقوا من مكانهم، وعزوا في أنفسهم بإسلامه وإسلام حمزة، فكان إسلامه فتحًا، وهجرته، نصرًا، وخلافته رحمة، وتوفي رسول الله وهو عنه راض.
وهو أول من تسمي بأمير المؤمنين، وكان رديف أبي بكر في التواضع والعدل والأخلاق والملبس وخشونة المطعم والزهد، يلبس العباءة والجبة من الصوف المرقعة بالأدم، ويحمل القربة على كتفه. شديدا في حق الله تعالى هبة.
شبه رسول الله عليه السلام أبا بكر بإبراهيم وعيسى وشبه عمر بموسى ونوح في الرأفة.
وأكثر ما يركب الجمل، ورحله مشدود بالليف، وسلك أصحابه مسلكه.
وقال في بعض خطبه: (من أظهر إلينا منكم خيرا ظننا به خيرا وأجبناه عليه ومن أظهر منكم شرا (1/21)
صفحة 22
ظننا به شرا وأبغضناه عليه) وقال: (فيها لا يصلحنا إلا أربع شدة في غير عنف ولين في غير ضعف وأخذ مال من حله وضعه في حله).
ورأى نارا بليل فقال: أرى ركبا فيضربهم الليل والبرد فهرول حتى دنا منهم فإذا بصبية صغار يتضاغون، وقدر نصبتها امرأة على نار فقال: السلام عليكم يا أصحاب الضوء أأدنو؟. فقالت: وعليك السلام ادن بخير أو دع، فقال: ما بالكم وما بال الصبية قالت: ضربنا الليل والجوع ونصبت القدر أسكتهم بها حتى يناموا، والله بيننا وبين عمر قال: وما يدري بكم عمر قالت: يتولى أمرنا ويغفل عنا، فرجع بمن معه حتى أتى دار الدهن فاخرج عجلا من دقيق، وكبة شحم، فحمله على ظهره حتى أتاهم يهرول، فاخرج من الدقيق شيئا فقال للمرأة: ذري على وأنا أحرك لك، وينفخ تحت القدر، فاتته بصحفة فأفرغها فيها، فما زال حتى شبعوا وترك لها الباقي، ثم قام وهي تقول: جزاك الله خيرا، كنت أولى بهذا الأمر من أمير المؤمنين، ويقول: قولي خيرا إذا جئت أمير المؤمنين وجدتني هناك إن شاء الله. وتربص مستقبلا غير بعيد فما انصرف حتى أبصر الصبية يصطرعون ثم ناموا، فقال: لا أريد أن انصرف حتى أرى ما رأيت.
وكان يأمر عماله أن لا يقتلوا امرأة، ولا يغدروا، ولا يقاتلوا حتى يدعوا إلى الإسلام، ثم إلى الجزية، فإن أبوا قوتلوا.
وأرسل إليه بعض عماله بسفطين عظيمين من المال فردهما إليه وقال: إن الجيش أحق بهما.
وفي السنة الأولى من خلافته فتحت: حمص، والأيلة، والفرات، وولي أبا عبيدة الشام كله (1/22)
صفحة 23
وعزل خالدا وفيها وقعة الأردن وفيها بعث أبا عبيدة بن مسعود الثقفي إلى العراق فبلغ الجسر.
وفي سنة أربعة عشر فتحت دمشق وما حولها إلى حمص في ربيع الآخر أو رجب كذا ذكره بعضهم وقيل غير ذلك.
وفيها أمر بالقيام في شهر رمضان. وفي عام خمسة عشر وقعة اليرموك وكسر الله بها شوكة الروم، على يد أبي عبيدة، فلم يكن لهم وقعة بعدها،
قيل أنهم أربعمائة ألف، منح الله أكتافهم للمسلمين يقتلونهم كيف شاؤوا، وركب بعضهم بعضا، فانتهوا إلى مكان مشرف على الهاوية تساقط منهم نحو مائة ألف، وقتل منهم نحوا من خمسين ألفا؛ في المعركة بعدما أدبروا، وتبعهم المسلمون يقتلونهم في كل واد وعلى كل جبل، وانتهت الهزيمة إلى قيصر وهو في أنطاكية، وارتحل إلى القسطنتينية.
وفيها وقعة القادسية بالعراق على يد سعد بن أبي وقاص وعلى الفرس رستم عامل يزدجر ابن كسرى.
فاستشهد فيها من المسلمين ألفان وخمسمائة، وقتل هلال بن علقمة رستما. وقتل معه مائة ألف، واسر نحو خمسين ألفا، وفيها فتحت الأردن كلها عنوة إلا طبرية فتحت صلحا.
وفي سنة ست عشرة فتح أبو عبيدة الجابية من عمل دمشق، وفيها قدم عمر الشام وفتح بيت المقدس.
وفي سنة سبع عشرة فتحت دار من الجزيرة، وبني عمر المسجد الحرام، وأقام بمكة عشرين يوما يقصر الصلاة، وهي عام الرمادة، فاستسقى عمر بالعباس عم النبي عليه السلام فقال: اللهم أنا نستشفع (1/23)
صفحة 24
إليك بعم نبيك عليه السلام فسقوا مكانهم.
ويأتي أن عمر ترك فيها قطع يد السارق، وفي عام ثمانية عشر وقع طاعون عمواس بالأردن وفلسطين ومات فيه من المسلمين بضعة وعشرون ألفا وهي قرية من الرملة.
وفيها مات أبو عبيدة ومعاذ وفيها فتحت الرها وشمشاط وحران والموصل وحلوان والمهات ونيسابور.
وفي عام تسعة عشر فتح سعدا وابن أخيه هشام جلولا؛ من أرض العراق؛ وتسمى فتح الفتوح، بلغت غنائمها ثمانية عشر ألف ألف. وفيها فتح معاوية قيسارية. ولم يبق في أقصى الشام ولا أدناه عدو للمسلمين.
وفيها مات يزيد بن أبي سفيان، واثبت عمر معاوية مكانه على بعض الشام.
وفيها زاد عمر في مقدم مسجد النبي عليه السلام. وفي سنة عشرين فتح عمرو بن العاص مصر وفيها فتحت أنطاكية وتستر.
وفيها أجلا عمر يهود خيبر، ومن كان بالمدينة والحجاز، وفيها دون الدواوين.
وفيها كتب إلى نيل مصر (أما بعد فإن كنت تجري من قبلك وبحولك وقوتك، فلا تجري وإن كان الله الواحد القهار الذي يجريك فنسأل الله الواحد القهار أن يجريك) فألقى عمرو بن العاص الكتاب في النيل قبل يوم الصليب بيوم، فأجراه الله ستة عشر ذراعا في ليلة واحدة، وقد كان قبل ذلك يلقون فيه جارية بكرا محلاة بأنواع الزينة قد أرضي أبواها.
في سنة إحدى وعشرين كانت غزوة نهاوند، ولم تكن لفارس بعدها وقعة. وفيها فتح عمرو بن العاص إسكندرية.
وفيها فتح عثمان بن أبي العاص الثقفي (1/24)
صفحة 25
في ثلاثة آلاف من أهل عمان وغيرهم ثوج وقتل باب الحميري ملكها سهرك؛ وهو في ثلاثين ألف، وبيعت منطقته في البصرة بثلاثين ألفا.
وفي سنة اثنتي وعشرين فتحت أذربيجان الأولى وفيها كانت غزوة سانيدما؛ في أرض الشام، وغزوة عمورية.
وفيها بعث عمر، عثمان بن حنيف، لمساحة أرض العراق، فبلغ الخراج مائة ألف ألف ونيفا،
وفي سنة ثلاث وعشرين كان افتتاح الري على يد قرطبة بن كعب وافتتاح إصطخر وهمدان وأصبهان.
وفتحت سرت وطرابلس وأراد عمرو بن العاص، غزو افريقية، وكتب إليه عمر: أنها ليست بإفريقية ولكنها مفرقة غادرة مغدور بها لا يغزوها أحد ما بقيت. وكان الأمر على ما قال عمر.
(واعلم) بأن الله سدد عمر؛ فكانت أفعاله موافقة للحق، ولذلك انتقمت الشيعة عليه أمورا قالوا: خالف فيها كتاب الله منها منعه قرابة النبي حقهم من الخمس الذي جعل الله لهم بقوله: (وذي القربة).
وكان الذي يتولى أمره في زمان الرسول محمية الأسدي وأجراه أبو بكر وعمر في أول خلافته، وكان النبي عليه السلام يجريه على أيتام بني هاشم وينكح به إماءهم بدلا ما طهرهم به من الصدقات التي هي أوساخ الناس.
قال الشيخ أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم في كتاب العدل منعه برأي رآه ونظر، ولم يجوزه أحد من المهاجرين والأنصار، وهو دليل على جواز القياس، والتعبد به، وذلك أنه لما أغناهم بالعطاء نزههم عن مزاحمة اليتامى والمساكين وابن السبيل، كما نزههم عن مزاحمة الفقراء والمساكين في الزكاة، ومنها منع المؤلفة (1/25)
صفحة 26
قلوبهم سهمهم من الصدقات فقيل له في ذلك فقال: ذلك إذ كان الإسلام حقيا وأما الآن فقد بزل، ومنعه القطع عن السارق عام الرمادة لأن المسغبة عمت الآفاق فنظر أنها شبهة يدرأ بها الحدود وبه أخذ بعضهم في جواز تنجية النفوس من الهلاك بمال الغير وقال: (حق أوجبه الله على أهل الأموال).
وذكر بعضهم أنه يجوز له أن يقاتل صاحب الطعام والماء لينجي نفسه أن منعه.
ومنها أنه ترك على الناس الصدقة عام الرمادة. وأخذها في العام المقابل مرتين.
قال صاحب العدل: مع انتقال الأموال وتبدل الأحوال فربما رجع المعسر موسرا، والموسر معسر، أو الحي ميتا، والميت حيا.
ومنها أنه اعتق أمهات الأولاد عن أربابها. بعدما اجتمعت الأمة أنهن إماء على عهد النبي عليه السلام وأبي بكر وعمر ثم بدا له رأي منه أن يعتقهن على مواليهن فعوتب فقال: ما أردت إلا خيرا ألحقت حرمة بحرمة أي منع بيعها لا غير مدة حياة مولاها، ويجري عليها أحكام الإماء في غير ذلك.
ومنها إسقاط اسم الجزية والذلة على نصارى بني تغلبة وأضعف عليهم الصدقة وسماها صدقة والله عز وجل يقول {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر} إلى قوله {حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون}. نظر رضي الله عنه أن التجار حنكتهم وأرضعتهم الحروب ألبانها وهم على ذلك من عهد المهلهل الأبد فانفوا من الجزية، وهموا بقطع الفرات ودجلة إلى أرمينية؛ لمعاضدة النصارى على المسلمين، واختاروا السيف حين خيرهم عمر بين السيف والجزية، فصالحهم على ذلك وجعلهم المسلمون بينهم وبين العدو فأيد الله بهم الإسلام، وكانوا أهل نكاية. ثم ظهر أن رسول الله عليه (1/26)
صفحة 27
السلام قال: ((الله ليؤيد هذا الدين بناس من ربيعة في شاطئ الفرات)) فشكر الله عمر إذ وفقه الله.
ومنها رد الأملاك والأصول من الفيء إلى أربابها بعد أن حازها جيوش المسلمين وأعتقهم على المسلمين بعد أن كانوا عبيدا لهم وأجرى عليهم جميع أحكام الأحرار. والله عز وجل قد قسم الغنيمة في كتابه فعورض بذلك وبتقسيم رسول الله عليه السلام خيبر أصولا وغنائم وأجاب بفعل رسول الله عليه السلام في أهل مكة وبلدهم.
قال صاحب العدل: نظر إلى الفرس وغيرهم، وقد تعلقت بحصونها، ولو قسم بينهم الأرض لاشتغلوا بها؛ فيكر عليهم العدو، فيعطل الجهاد، وينقطع ما أراد الله لهم من الغنائم، {وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا}، للمسلمين ضريبة كالخراج يأخذونها، وتفرغ المسلمون للجهاد.
ومنها إجلاؤه اليهود من الحجاز بعد عهد الله وذمة رسوله من خيبر وفدى وإجلاء نصارى نجران لئلا يجتمع دينان في جزيرة العرب.
ومنها تمصيره الأمصار، وتدوينه الدواوين، وقسم الفيء بالتفضيل، وضرب للأحرار والعبيد فيه، وللصبيان ولأهل الذمة، ومقاسمته العمال، وقد كان رسول الله قسم الفيء، وجعله في حوائج المسلمين، واثر به أهل الفاقة، وأبو بكر قسم بالسوية.
وله فضائل كثيرة مشهورة وكثير ما يقول رسول الله عليه السلام فيه وفي أبي بكر ذهبت أنا وأبو بكر وعمر وخرجت أنا وأبو بكر وعمر.
قال علي بن أبي طالب: ما خلفت أحد أحب أن ألقى الله بمثل عمله منك -يخاطبه وهو على النعش-.
وتوفي لأربع بقين من ذي الحجة تمام (1/27)
صفحة 28
ثلاث وعشرين، من طعنة أبي لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة لعنه الله، بعد ما كبر لصلاة الصبح، وطعن معه ثلاثة عشر مات منهم سبعة.
ودفن في بيت عائشة مع صاحبيه وهو ابن ثلاث وستين سنة. ولم يقدم أحدا خليفة بل جعلها شورى بين ستة إلى ثلاثة أيام. وصلى عليه صهيب وقيل له حين طعن استخلف فقال: أتقلد أمركم حيا وميتا. فقال له ابنه عبد الله: لو كان لك راعي إبل أو غنم ثم جاءك وتركها لرأيت أنه ضيع فكيف بأمة محمد فقال: إن الله يحفظ دينه وإن رسول الله لم يستخلف.
عن ابن عباس بينما أنا امشي مع عمر رضي الله عنهما إذ تنفس نفسا؛ ظننت أنه قد فضت أضلاعه، فقلت: سبحان الله ما اخرج هذا منك إلا أمر عظيم قال: ويحك ما ادري ما اصنع لأمة محمد قلت: أنت بحمد الله قادر أن تصنع ذلك قال: أراك تقول صاحبك أزكى الناس يعني عليا، قلت: اجل لسابقته وعمله وقرابته وصهره قال: أنه كما ذكرت ولكنه كثير الدعابة أي المزاح قلت: فعثمان قال: لو فعلت حملت بني معيط على رقاب المسلمين، يعملون فيهم بمعصية الله، والله لو فعلت لفعل ولو فعل لفعلوا فوثب الناس إليه فقتلوه. قلت: فطلحة بن عبيد الله فقال: به باوى ما كان الله ليراني أوليته أم أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - وهو على ما هو عليه من الزهو، قلت: فالزبير قال: إذا كان يلاطم الناس في الصاع والمد، قلت: سعد بن أبي وقاص قال: ليس بصاحب ذلك قلت: عبد الرحمن قال: نعم الرجل ذكرت، لكنه ضعيف ولا يصلح لهذا الأمر إلا القوي في غير عنف، اللين في غير ضعف، الجواد في غير سرف، (1/28)
صفحة 29
الممسك في غير بخل، فرحم الله عمر رضي الله عنه.
(ذكر خلافة عثمان بن عفان)
ابن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بويع في غرة المحرم بعد موت عمر بثلاثة أيام يوم السبت عام أربعة وعشرين وذلك أن المقداد جمع أهل الشورى في بيت ومعهم عبد الله بن عمر فأمروا أبا طلحة الحجمي أن يحجبهم فجاء عمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة فجلسا بالباب فصحبهما سعد وأقامهما وقال: تريدان أن تقولا حضرنا وكنا في الشورى فتنافس القوم في الأمر فقال أبو طلحة: والذي ذهب بنفس عمر ما أزيدكم على الثلاثة أيام التي أمرتكم فردوا الأمر إلى عبد الرحمن بعد أن خلع نفسه منها إلا عليا قال: ما تقول يا أبا الحسن فقال: أعطني موثقا لتؤثرن الحق ولا تتبع الهوى ولا تألوا الأمة خيرا فأخذ ميثاقهم وأعطاهم مثله على أن يختاروا دون هوى وأن يرضوا بمن يختار فاختار عثمان لسنه وسابقته وقال المقداد بن الأسود: أناشدكم الله لا تولوا أمركم رجلا لم يشهد بيعة الرضوان وفر يوم احد؛ يعني عثمان، واجتمع الناس وغص بهم المجلس فقال عمار: إن أردت إلا يختلف المسلمون فبايع عليا فقال المقداد: صدق عمار وقال سعد بن أبي سرح: إن أردت إلا يختلف قولان فبايع عثمان، وكان قد ارتد عن الإسلام على عهد النبي عليه السلام وقال عبد الله بن أبي ربيعة: صدقت، فتكلم بنو هاشم وبنو أمية فقال رجل من بني مخزوم لعمار وقد قال: إن الله أكرمنا بنبيه وأعزنا بدينه فكيف تصرفون هذا الأمر عن بيت نبيكم لقد (1/29)
صفحة 30
عدوت طورك يا ابن سمية وما أنت وتأمير قريش ومازال عبد الرحمن حتى بايع عثمان بعد أن أخذ عليه عهد الله وميثاقه ليعملن بكتاب الله وسنة رسوله عليه السلام، فقال علي: ليس هذا أول ما تظاهرتم علينا فصبر جميل والله المستعان فلما بويع دخل داره ومعه بني أمية فقال أبو سفيان: أفيكم أحد من غيركم وقد كان أعمى قالوا: لا، فقال: يا بني أمية تلقفوها تلقف الكرة فوالذي يحلف به أبو سفيان مازلت ارجوها لكم ولتصيرن إلى صبيانكم وسأله عثمان كتمان ذلك ونما إلى المهاجرين والأنصار وغير هذا من الكلام ثم شرع في عزل عمال عمر ويولي أقاربه على فسقهم عزل عمرو بن العاص عن مصر وولاها عبد الله بن سعد بن أبي سرح وسعد بن أبي وقاص من الكوفة وولاها المغيرة بن شعبة ثم عزله بعد أيام يسيرة ثم ولاها سعدا ثم عزله وولاها الوليد بن عقبة بن أبي معيط.
قال المسعودي: وهو ممن أخبر النبي عليه السلام أنه من أهل النار.
وعزل أبو موسى الأشعري عن البصرة وولاها عبد الله بن عامر وهو ابن ستة عشر عاما. وقيل غير ذلك، وسبب ذلك أنه دخل شبل بن معبد على عثمان وليس معه إلا أموي فقال: أما فيكم يا معشر قريش صغير تريدون نبله أو متحير تريدون غناه أو خامل تريدون التنوه باسمه على ما أقطعتم هذا الأشعري العراق يأكلها خضما وقضما فقال عثمان: ومن لها وأشار إلى ابن عامر وهو ابن خاله من بني حبيب ابن عبد شمس ومعاوية بن أبي سفيان بالشام وسعيد بن العاصي ورد الحكم بن العاصي وابنه مروان.
قال المسعودي: هو طريد (1/30)
صفحة 31
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي غر به عن المدينة ونفاه عن جواره انتهى
قال غيره طلب عثمان أبا بكر وعمر من بعده أن يراده فأبيا وكثر شرب الخمر واقتناء الأموال في أيامه.
قال المسعودي: شيد داره وجعل أبوابها من الساج والعرعر واقتنى أموالا وجنانا وعيونا بالمدينة وضياعا بوادي القرى وحنين وغيرهما. ثم قال بعد أن عد أموالا لغيره ولم يكن قبل ذلك في عصر عمر بن الخطاب شيء مما وصفنا رضي الله عنه بل كانت جادة واضحة وطريقه بينة وقد قال (لولده): لقد أسرفنا في نفقتنا في سفرنا هذا وقد انفق في حجه غاديا ورائحا ستة عشر دينارا وفرض كل يوم شاة بين عمار بن ياسر عاملا على ثغر الكوفة وعثمان بن حنيف على الخراج وابن مسعود على بيت المال وتعليم الناس كل يوم. انتهى.
أما الوليد فكان يشرب مع ندمائه ومغنياته من أول الليل إلى الصباح فخرج منفصلا في غلائله فصلى بهم أربعا وقال: أزيدكم.
قال المسعودي: قيل قال في سجوده اشرب واسقني وقال عتاب بن غيلان: (لا تزدنا لا زادك الله مزيد الخير والله ما أعجب إلا ممن بعثك إلينا أميرا وعلينا واليا) فدخل قصره لعنه الله وهو يتمثل.
ولست بعيدا عند خمر وقينة ... ولا بصفا صلد عن الخير معزل
ولكنني أروى من الخمر هامتي ... وامشي الملا بالشاحب المتشلشل
وفي ذلك يقول الحطيئة
نادى وقد تمت صلاتهم ... أزيدكم ثملا وما يدري (1/31)
صفحة 32
ليزيدهم أخرى ولو قبلوا ... لأتت صلاتهم على العشر
حسبوا عنانك إذ جريت ولو ... خلوا عنانك لم تزل تجري
قال المسعودي: وشاع بالكوفة فعله وظهر فسقه ومداومته شرب الخمر، وهجم عليه جماعة فأخذوا خاتمه وهو سكران لا يعقل، فأتوا به عثمان فزجرهم ودفع في صدورهم.
واتخذ الوليد يهوديا معه أنواع من السحر والخيالات والشعوذة فأراه في المسجد ضربا من الخيالات أظهر له فيلا عظيما على فرس يركض في صحن المسجد ثم صار اليهودي ناقة يمشي على حبل واراه في صورة حمار يدخل من فيه ويخرج من دبره وضرب عنق رجل فرق بين رأسه وجسمه فقام الرجل فاخترط جندب بن كعب الأزدي وقيل ابن زهير سيفه بعد أن استعاذ من فعل الشيطان فضرب اليهودي ضربة أبان رأسه فقال: احي نفسك أن كنت صادقا فسجنه الوليد فأطلقه السجان وقتل فيه السجان ومات عثمان وابنه الوليد مخلق الوجه سكران عليه مصبغات واسعة.
قال المسعودي: كان الوليد صاحب شراب وفتوة ومجون.
وقال صاحب العدل: ((انتهك من المسلمين الحرم الأربع وانتهك عنه المسلمون الحرم الأربع أولاها استخلفوه على دينهم ودمائهم وأموالهم وأماناتهم فولى على المسلمين الظلمة الفجرة والخلفاء الخونة ليحكم بين الناس في دين الله وعلى صلاتهم وزكاتهم وفروجهم وأزواجهم ودمائهم وأموالهم فأي بغي أعظم من هذا وقد صلى بهم عامل من عماله في أعظم مصر من أمصارهم وهو الكوفة (1/32)
صفحة 33
بمحضر من المهاجرين والأنصار صلاة الصبح ثلاثا وهو سكران فشغر وبال فقام وقال: إلا أزيدكم فقال ابن مسعود: حسبنا من ثلاثك ثنتان والثانية منعه العطايا التي افترضها لهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقصر بيوت الأموال على ذوي قرابته وأرحامه ومنع منها كبراء الصحابة والثالثة ضربه الأبشار وهتكه الأستار وطرد وشرد الصالحين من أفاضل أصحاب النبي عليه السلام، طرد أبا ذر وسيره وفتق بطن عمار وأمر بابن مسعود فكسرت أضلاعه فتوفي في خلال ذلك وطيف بعبد الرحمن بن حنبل في الأسواق على قوله.
فإن الإمامين قد بينا ... منار الطريق عليه الهدى
فما أخذا درهما غيلة ... ولا جعلا درهما في هوى
وأعطيت مروان خمس العباد ... فهيهات شارك فيمن سعى
والرابعة كتب إلى عماله في خواص المسلمين ما كتب)) انتهى كلام أبو يعقوب ملخصا.
أما ما كتب عثمان فهو الذي كتب إلى عبد الله بن سعد حين رجع الناس بعد توبته وإعطائه المواثيق والعهود للمهاجرين والأنصار أن يرد المظالم ويقيم الحدود التي عطلها ويعزل عماله أما بعد فانظر فلانا وفلانا فاضرب أعناقهم وفادنا أدبه بكذا وفلانا بكذا منهم نفر من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
ومنهم قوم من خيار التابعين وأما عبد الرحمن بن حنبل ضربه مائة سوط وحمله على بعير فطاف به المدينة كلها وأوثقه في الحديد ورمي به في السجن وأخرجه بعد، على أن يسكن خيبرا حتى يموت. (1/33)
صفحة 34
وأما تشريد الصالحين وطردهم فكفعله بأبي ذر حين رد على كعب في مجلسه إذ قال: ليس في المال حق غير الزكاة بقوله تعالى {وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ} الآية فقال: ما أكثر أذاك لي غيب وجهك فانتقل إلى الشام فكتب إليه معاوية احمل أبا ذر إليك وإلا افسد عليك القلوب فقال: أرسله، فأرسله محمولا على بعير عليه قتب يابس يطرد به خمسة من الصقالبة إلى المدينة وقد أسلخت بواطن أفخاذه وكاد يتلف فلما أفاق بعد عشرين ليلة احضره وقد هيأ بني أبي العاص ليكذبوه وقد أرسل إلى قريش فجمعها فقال لا انعم الله لعير عينا فقال ما سماني الله عيرا وما غيرت العهد الذي فارقت النبي عليه ولا بدلت فقال عثمان كذبت على نبينا وطعنت في ديننا وفارقت رأينا وضغنت قلوب المسلمين علينا وقد رأينا أن نقتله أو نصلبه أو ننفيه من الأرض وقال هل أدلكم على خير من ذلك واقرب رشدا انزلوه منزلة مؤمن آل فرعون: {فإن يك كاذبا فعليه كذبه وإن يك صادقا ... } إلى قوله: {كذاب} بعد أن قال عثمان تكلم حتى يكذبوك هؤلاء فقال أبو ذر إني أسالهم فإن صدقوني تكلمت وإلا كففت ثم سألهم بالله وبأسمائه هل سمعوا رسول الله عليه السلام يقول ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء اصدق ذي لهجة من أبي ذر قالوا اللهم نعم ثم قال لقد سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول إذا بلغ بنو العاص ثلاثين رجلا جعلوا مال الله دولا ودينه دغلا وعباده خولا فقال له عثمان كذبت فأجابه (1/34)
صفحة 35
علي بما تقدم وقد كان قائما على عصاه إذ لم يجد في البيت مقعدا لمجيئه أخرى قال له عثمان بفيك الحجر فقال علي بفيك التراب فقال عثمان قد أخذك رسول الله سارقا فما منعه من قطع يدك إلا قرابتك منه قال له كذبت على الله ورسوله فنادى مناديا عثمان لا تكلموا أبا ذر فنفاه إلى الربذة فمات بها وشيعه علي وعمار فأراد أن يمنعهما مروان فضربه علي بالسوط فشكاه عثمان إلى الناس فاستقبلوه فقالوا إن أمير المؤمنين عليك غضبان فقال غضب الخيل على اللجم ونفى جماعة من أهل الكوفة وسيرهم وكذا من أهل البصرة واحدث ما لم يكن عند رسول الله عليه السلام ولا أبو بكر ولا عمر حمى لأحبابه وأهله وأقاربه قطر السماء وضربة وما أشبهها ونقص أهل بدر ألفا ألفا من عطاياهم وأعطى ابني طريد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مائة ألف درهم لكل واحد منهما مروان والحارث ولأبيهما ثلاثة آلاف من صدقات البحرين وأعطاه خمس إفريقية وبعث إليه أبو موسى مع زياد بن عتبة مالا فقسمه بين أهله وأولاده وقرابته بالصحفة وأين هذا من نزع عمر من فم ابنه درهما فرده في مال الله وأعطى عبد الله بن خالد ستمائة ألف درهم ومنع أهل البحرين وأهل عمان أن لا يبيعوا طعامهم حتى يبيع طعام الصدقة وأمر عمر بقتل ابنه عبيد الله في الهرمزان وأبا وصعد على مرقاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المنبر وأبو بكر نزل مرقاة وعمر مرقاتين واستسلف مالا من مال المسلمين فأتاه عبد (1/35)
صفحة 36
الله بن أرقم وهو في بيت المال يتقاضاه فماطله فألح عليه قال له والله لا اقضي منه شيئا أبدا فلما سمع منه ذلك عبد الله أخذ المفاتيح فالقاها له ولجماعة المسلمين فقال والله لا إلى لك ولاية أبدا وجاءه رجل يتظلم بان أهل الحمى ضربوه ووطئوا بطن امرأته فألقت ولدها فقال ما أصنع أفأرد إليك امرأتك حاملا وحضره بصري فقال والله لا أسأل عن عثمان أحدا بعد اليوم وقال ابن مسعود وددت أنا وعثمان برمل عالج يحثو علي وأحثو عليه حتى يموت إلا عجل وقيل له يقتلك إذا قال لا يمين الله الكافر على المؤمن وكان ابن مسعود بالبصرة يخطب عشية كل خميس يذكر معايب عثمان فسيره فنزل على سعد بن مالك فسأله عثمان أين نزل فتجاهل بان قال أو قدم قال عثمان نعم والله لأشفينك لشيء كان بينه وبين ابن مسعود قديما قال سعد لا أريد أن تتجاوز فيه الحق فاعيى أمره أين نزل فخطب الناس فقال أيها الناس قد أطرقتكم الليلة دويبة من تمشي على طعامه تسلخ وتتقيأ فاحذروها فقال ابن مسعود أنا صاحبه عليه السلام يوم بدر ويوم أحد إذ فررت ويوم بيعة الرضوان إذ غبت فقال انك لها هنا فأمر به اسودا له فضرب به الأرض فكسر بها أضلاعه (قال الراوي) فكأني انظر إلى ساقيه تخفقان على عنق الأسود وصاحت عائشة وفتحت الأبواب وحلفت لئن لم تخلو عنه لأكشفن عن وجهي وقال لها لتسكتن أو لأملأنها عليك سودانا وأمر بابن مسعود (1/36)
صفحة 37
فاخرج إلى ناحية المدينة فضربنا أمهات المؤمنين بيوتهن حوله يمرضنه وقد حبس عطاءه خمس سنين وله خمسة آلاف كل عام فدخل عليه بعد أن استشفع بعائشة فقال أرسل أعطياتك واستغفر لي فقال أن كان الأمر كما تقول لا يضرك عدم استغفاري وإن كان كما أقول فما ينفعك وأبى من قبض العطاء فمات ابن مسعود فعجلوا بتجهيزه فركب عثمان إليه وقد فرغوا من دفنه وقد أمر أن لا يصلي عليه فأراد أن ينبشه ليصلي عليه فقال ابن حنبل تصلي عليه بعدما قد قتلته فياشر ذي قتلة وياشر نابش في أبيات وفي الخبر طول اختصرته.
وأكثر الناس في عثمان وعابوه في وجهه وصاحت عائشة هذا قميص رسول الله ونعلاه لم يخلقا وخلقت سنته أن فيكم فرعون أو مثله تعينه فقال عثمان لئن لم تنتهين لأدخلن عليك حمر الرجال وسودها فقالت لقد لعنك رسول الله وما استغفر لك حتى مات وكان حذيفة من أشد الناس عليه وروى عنه عليه السلام أنه قال فتنة بعضكم أخوف من فتنة الدجال فلما أكثر الناس على عثمان صعد المنبر فقال لقد هممت أن لا تكون عقوبة سفيهكم إلا السيف إن رسول الله يؤثر بني هاشم وأبا بكر يؤثر تميم وعمر بن عدي فعلي بني أمية تلومونني والله لأخصنهم ولأكر منهم على رغم الأنوف ولو كانت الجنة بيدي لأدخلتموها قبل الناس فقال عمار انفي ورسول الله وانف أبي بكر وانف عمر ترغم فقال أرغم الله أنفك وأنف أبي بكر وعمر ونزل إليه (1/37)
صفحة 38
فوطئه فاستخرجوه من تحته وقد غشي عليه وفتق بطنه وقد ثبت عندهم إن رسول الله عليه السلام قال يا آل ياسر موعدكم الجنة ومن أشد الناس عليه عبد الرحمن بن عوف قال له والله لئن بقيت لك لأخرجنك من هذا الأمر كما أدخلتك فما لبث إن مات فأوصى أن يدفن سرا لئلا يصلي عليه عثمان فدفن كذلك فشتم ولده فقال بعضهم كره أن تصلي عليه فأراد ضربه، وخطب بني أمية بان قال يا بني أمية يا فراش النار وذبان الطمع أشأمتم بي الناس وألَّبتم علي أصحاب محمد عليه السلام فلما رأى المسلمون عتوه وعصيانه واستئثاره بالفيء وضربه الرجال وأخذه الأموال ومنعه العطايات وتعطيله الحدود واستحلاله الحرام وإذلاله الناس وما عمهم به من البلاء اجتمعوا إليه من كل أفق على أن يتوب أو يعتزل أو يقتل فتاب كما قدمنا فكتب في قتل بعضهم وتأديب بعض فرجعوا إليه وأرسل إلى عماله فتباطؤوا عليه لعلمهم باجتماع الناس عليه فقتلوه حيث لم يف بما عاهد عليه من رد المظالم وإقامة الحدود وعزل العمال وما أشبه ذلك وقد أرسل إلى علي أن يؤخر عنه ويتوب ففعل ثانيا فلم يف وأرسل إلى عائشة وارتحلت إلى مكة وقالت لمروان وددت أنه في غرايري مشدودا حمله حتى اقذفه في البحر وسمته طاغيا وقالت لابن عباس لا تخذل عنه الناس وطلحة يصلي بالناس وعلي يحرض الناس وطلحة عليه السلاح وأرسلت أم حبيبة إلى علي امن أهلي من الدار (1/38)
صفحة 39
فقال كلهم آمنون إلا سعيد بن العاصي الشقي وعثمان فإن قلت إن الحاصرين له والقاتلين أهل مصر والبصرة دون أصحاب النبي عليه السلام قلت عن سعد بن إبراهيم ابن عبد الرحمن بن عوف وقد سئل عن هذا فقال إنما قتله أصحاب رسول الله عليه السلام فكيف يحاصره الوافدون ويقتلوه والمدينة مشحونة بالمهاجرين والأنصار فيها ألوف والقادمون ستمائة رجل ويسلمون خليفتهم للأعراب والغوغاء وفيهم مثل علي والزبير وغيرهما الذي يقوم بقتال الستمائة وحده.
قال المسعودي: اقرض طلحة والزبير مائة ألف لمالك الأشتر النخعي وحاصروه شهرين وعشرين يوما وقيل تسعة وأربعين يوما فما نصره أحد من ستمائة رجل والله عز وجل يقول قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا فالذي نسب كبراء الصحابة إلى ذلك نسبهم إلى ارتكاب كبائر من الذنوب عظيمة من عدم النهي عن المنكر وهم قادرون ولا يأمرون بالمعروف وقد مدحهم بقوله {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ} إلى قوله: {وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ} وذم بني إسرائيل بقوله {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ} إلى قوله {عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ} ومدح طائفة منهم بقوله {مِّنْ أهل الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ} إلى {ينهون عن المنكر} وأعجب من هذا أن يقتل خليفة المسلمين بين ظهرانيهم وموضع بيضتهم وكبرائهم ويمنع أن يدفن في مقبرة المسلمين!. وخطب بعض المسلمين يومئذ فقال: لم نقتله خطأ ولم نصبه غيلة. واختلف الناس (1/39)
صفحة 40
في هذه الفتنة فقال بعضهم: مسألة اجتهادية المصيب مأجور والمخطئ معذور وقيل كل مجتهد مصيب وقال أهل الحق: مسألة دينية المحق مأجور والمخطئ مأزور بل هالك بدليل: {فإن بغت إحداهما على الأخرى ... }.
(خلافة علي بن أبي طالب)
ابن عبد المطلب بويع في اليوم الذي قتل فيه عثمان وخلافته حتى باجتماع أهل العقد من المسلمين واختلفت أهل السنة فيها فقيل إنما أتاه الأشتر النخعي فقال: هل تنتظرون أحدا قم ياطلحة ويا زبير فبايعا فقاما فبايعا ثم خرجا فقالا: لم نبايعه بقلوبنا وقيل جلس على المنبر وبعث إلى طلحة والزبير فشرع أهل مصر والرماح لهما فبايعا على شرط أن قام أحد بدم عثمان قمنا معه فقال: والله لا ينتطح فيه عنزان فبايعاه على ذلك وفيهم من قال: أنها عن رضًا من المسلمين ولم يأخذها غصبا بان دخل داره حين قتل عثمان فجاؤوا أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقالوا: إن هذا الرجل قد مات فلابد للمسلمين من إمام فدافعهم فأبوا فبايعه في المسجد المهاجرون والأنصار وأرسل إلى طلحة والزبير فتلكأ طلحة وسل الأشتر عليه سيفه وقيل أولى من بايعه طلحة ومرادهم التماس العذر لهما في نكت البيعة والمرجئة ارجوه عن الخلافة وأخذ هاشم بن عتبة له البيعة على أهل الكوفة حين تربص أبو موسى الأشعري فلما تولى الخلافة قسم بيت المال على (1/40)
صفحة 41
العدل بين الناس وجعل مال عثمان بين أولاده إلا شيئا معروفا بعينه وأرسل ابن عباس إلى طلحة والزبير ليستعملهما فقالا: وصل أمير المؤمنين رحما فأخبره ابن عباس بذلك فقال: لا أراهما يعدان استعمالي لهما إلا صلة فأمره بالرجوع على أن يقعدا فاضمرا عدواته فاشتكيا كثرة العيال وضيق عيش المدينة وكثرة المؤنة فأراد أن يعطيهما ما يسعهما فقال: شاور المسلمين فقالا: إذا لا يفعلون ثم أتياه واستأذناه في العمرة فأخذ عليهما أشد العهود وآكد المواثيق وجعلا الله كفيلا على أنهما يعتمران ويرجعان ولا يحدثان حدثا دون أن يصلا المدينة فلما بلغا مكة نكثا وخالفا ونسيا أعظم العهود التي أعطياها وألفيا بها عائشة وعبد الله بن الزبير وابن عامر وسعيد بن العاص ويعلا بن منبه والوليد بن عقبة ومن كان بمكة من بني أمية فالتمسوا وجها يتوصلون به إلى الخلاف لجمع الناس فأشار ابن عامر أن تظهروا إن عثمان قتل مظلوما واظهروا لعائشة إن عثمان استخلف عبد الله بن الزبير فالتمسوا خروجها معهم فامتنعت فما زالا يزينان لها أمر الصلح بين عبد الله وعلي وكان عبد الله عزيزا عليها فأبت إلا أن تخرج أم سلمة فكانت رسولهما إليها فأغلظت لها أم سلمة وأكثرت عليها فقالت عائشة: والله لا اخرج أبدا فمازالا بها اعني الزبير وطلحة وأراها أن عبد الله غير راجع وأنه مقتول ولعله إذا كانت أن يتسمع منها فرقت له وخرجت (1/41)
صفحة 42
ترده عما أراد وتصلح ما فسد وهما يريدان اجتماع الناس عليهما فخرج الناس وسائر قريش لخروجها حتى وردوا بليل ماء يقال له الحوأب عليه أناس من بني كلاب فقالت عائشة: ما اسم هذا الماء فقال لها السائق: الحوأب فاسترجعت وقالت: ردوني إلى حرم رسوله وذكرت أن رسول الله عليه السلام قال: كلاب ماء يقال له الحوأب قد تنبح امرأة من نسائي وهي فيه راكبة معصية فقال عبد الله بن الزبير ليس هذا بالحوأب وقيل القائل الزبير وكان الزبير في ساقة الناس.
قال المسعودي: فلحقها فأقسما أنه ليس بالحوأب وشهد معهما خمسون ممن كان معهم. قال المسعودي: وذلك أول شهادة زور في الإسلام.
وقاله غيره فأتى الخبر عليا بخروجهما وطلبهما بدم عثمان قال: والله يعلم أنهم قتلوه وقد أعان يعلا بن سنبة طلحة والزبير بأربعمائة ألف وأعطى عائشة العسكر جملا اشتراه بمائة دينار وجهزهم ابن عامر بألف ألف درهم ومائة من الإبل وبعث علي عثمان بن حنيف فأنعمهم البصرة حين وردوها وقد سبقهم إليها فاصطلحوا عن الكف عن القتال إلى أن يرد علي فلما كان في بعض الليالي بيتوا عثمان واسروه ونتفوا لحيته وضربوه ومنعهم من قتله خوفهم على أهلهم بالمدينة من اخية سهل ومانعهم الخزان بيت المال فقتل منهم سبعون رجلا غير الجرحى منهم خمسون قتلوا صبرا.
قال المسعودي: وهؤلاء أول من قتل في الإسلام صبرا وظلما وقتل حكيم بن جبلة وكان سيدا زاهدا (1/42)
صفحة 43
ناسكا ويسمى المقتولون هناك السبابحة وصار علي من المدينة بعد أربعة أشهر في تسعمائة راكب منهم أربعمائة من المهاجرين والأنصار منهم سبعون بدريا واتته طي في ستمائة راكب واستنفر أهل الكوفة فثبطهم أبو موسى عامله فعزله علي وكتب إليه اعتزل يا ابن الخنا مذموما مدحورا فما هذا أول يوم منك وإن لك فيها لهنات وهنات فلما انتهى إلى البصرة التقى مع طلحة والزبير فاقتتلوا قتالا شديدا وعائشة على الجمل في هودج من دفوف الخشب عليه جلود البقر وقد غشي على ذلك بالدروع فدنا عمار من موضعها فناداها إلى ماذا تدعين قالت: إلى الطلب بدم عثمان قال: انكم أيها الناس لتعلمون أيكم الممالئ في قتل عثمان ثم أنشأ يقول وقد رشقوه بالنبل.
فمنك البكاء ومنك العويل ... ومنك الرياح ومنك المطر
وأنت أمرت بقتل الإمام ... وقاتله عندنا من أمر
وتواتر عليه الرمي واتصل وزال عن موضعه والتحم القتال وقد أمرهم على أن لا يجهزوا على جريح ولا يقتلوا أسيرا ولا يتبعوا موليا ولا يطلبوا مدبرا ولا يكشفوا عورة ولا يمثلوا بقتيل ولا يهتكوا سترا ولا يأخذوا مالا إلا ما يجدونه في عسكرهم من سلاح أو كراع أو عبد أو أمة وما سوى ذلك فهو ميراث لورثتهم وذكّر علي الزبير بقوله عليه السلام انك ستقاتله وأنت ظالم له وقال له ولطلحة قتل الله أولانا بدم عثمان وقطع على خطام (1/43)
صفحة 44
الجمل سبعون يدا من بني ضبة وخرج الزبير إلى وادي السباع فأدركه ابن جرموز فقتله ومات طلحة وابنه محمد في المعركة وصرع عبد الله بن الزبير صرعه الأشتر ولم يجد إلى قتله سبيلا لشدة اضطرابه وقتل منهم ثلاثة عشر ألفا ومن أصحاب علي خمسة آلاف وقيل قتل الفريقين عشرة آلاف وقيل سبعة في يوم الخميس لعشر خلون من جمادى الأولى عام ستة وثلاثين وسقط الجمل ووقع الهودج وأمر علي أخاها وانزلها دار صفية بنت الحارث بن طلحة وهي أم طلحة الطلحات فدخل علي البصرة وأقام بها خمسة عشر يوما وخلف فيها ابن عباس وسار إلى الكوفة.
وأتى الأحنف بن قيس عائشة فقال: ألم تقولين إن الله قتل عثمان بذنبه إن سربال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يبل حتى بدل عثمان دينه، فقالت: بلى، قال: أتاب عثمان بعد ما مات.
وحديث الجمل والدار كثير ومن أراد بسطه فعليه بحديث المسلمين يوم الدار والجمل من الكتاب المسمى بالنهروان وغيره من الكتب المبسوطة وكذلك تسمية رجالها من بدري وغيره وأكثر حديث الناس في ذلك على قدر شهواتهم والحق أبلج وعلى الشهوة ظلمة ولم أحفظ خلافا في هذه الفتنة إن الحق فيها مع علي والخلاف في توبة طلحة والزبير والاتفاق على توبة عائشة ورجوعها إلى المدينة عن موسى بن طلحة جاوزت ثمانية أشهر بعد الجمل فما رأيت مريضا كان أشد منها تأوها ولا حزينا (1/44)
صفحة 45
باكيا فما رقى دمعها حتى ماتت وتقول إذا ذكر يوم الجمل ياليتني كنت نسيا منسيا.
ثم كتب علي إلى معاوية أن يدخل فيما دخل فيه المسلمون وامتنع من بيعته والرسول جرير بن عبد الله البلجي قيل هواه أموي ونهاه عنه مالك الأشتر النخعي وأكثر الناس هواهم مع عثمان لما مكنهم من الدنيا كالأشعث وأبي موسى ولكون علي يقسم بالسوية وكان عثمان يؤثر الكبرى واجتمع أهل الشام مع معاوية والطلب بدم عثمان واجتمع شرحبيل وعمرو بن العاص وغيرهما واجتمعت الكلمة على ذلك ورجع خائبا وخطب على الناس وقال: إن الله قتل عثمان وأنا معه وارتحل علي إلى صفين ومعه أهل العراق والمهاجرين والأنصار وارتحل معاوية ومعه أهل الشام ومعه من اختار الدنيا وركن إليها والباغون بعد مكاتبات ومخاطبات جرت بينهم وكاتب معاوية من تخلف عن بيعة علي كسعد وعبد الله بن عمر ومحمد بن مسلمة وأنكروا عليه مقالته وأنه ليس أهلا لذلك وكان علي في سبعين ألفا ومعاوية في خمسة وثمانون ألفا وقيل غير ذلك ومات بصفين سبعون ألفا من أهل العراق خمسة وعشرون وخمسة وأربعون من أهل الشام وكانت الوقائع تسعون ومات فيها عمار وثبت عن النبي عليه السلام عند الأمة إن الفئة الباغية تقتله ومات فيها جماعة من كبراء الصحابة وخيارهم ومن كلام علي فيما اعموا الأصوات وأكملوا (1/45)
صفحة 46
اللامة واستشعروا الحسنة واقلقوا السيوف في الأجفان قبل السلة والحظوا الشرز واطعنوا المتن وناجوا بالضبات وصلوا السيوف بالخطى والنبال بالرماح وطيبوا عن أنفسكم انفسا فانكم بعين الله عز وجل ومع ابن عم نبيكم - صلى الله عليه وسلم - عاودوا الكر واستقبحوا الفر فإنه عار عليكم في الأعقاب ونار يوم الحساب ومما يحفظ لعمار والذي نفسي بيده لنقاتلنكم على تأويله كما قاتلناكم على تنزيله وقوله والله لو هزمونا حتى يبلغوا بنا شعبات هجر لكنا على الحق وكانوا على الباطل ولقد اشتهرت الأحاديث التي وردت في عمار في الفتنة وغيرها (فائدة) نصرت العرب من وقت ولد رسول الله على غيرهم وأضاء الأرض بمبعثه وكان الخير يزيد منذ اسلم عمر إلى يوم مات فبدا في النقصان وبدا ظهور الجور مذ سقط خاتم رسول الله عليه السلام لعثمان في بئر أريس وكان الناس على بصيرة من أمرهم في القتال حتى مات عمار فالتبس الأمر على الناس إلا قليلا منهم عن أبي وائل شقيق ابن سلمة قال: والله ما وضعنا سيوفنا على عواتقنا قط إلا أسهلن بنا إلى أمر نعرفه حتى كان يوم صفين وما مات من القوم حتى شكوا وكف الناس عن القتال وذلك إن أهل الشام لما رأوا أنفسهم إلى التلاف أشار عمرو على معاوية أن ينادوا بان كتاب الله بيننا وبينكم فمن لثغور الشام من النصارى ومن لثغور العراق من فارس فرفعوا المصاحف على الرماح قال: علي قد قبلت (1/46)
صفحة 47
فقام عمار بن ياسر فقال: يا علي أما والله لقد أخرجها إليكم معاوية بيضاء من أقر بها كفر ومن أنكرها سلم كفتنة نهر طالوت أشككنا في ديننا ورددنا على بصائرنا انحكم في ديننا بعد مائة ألف منا ومنهم وقد دعاك طلحة والزبير وعائشة إلى ذلك فابيت وزعمت إن من خالف ضال حلال الدم وقد حكم الدم وقد حكم الله في الملل ما قد سمعت فما فاؤوا إلى أمر الله ولا طفئت الفتنة فلما رأى عليا وأصحابه مسارعين إلى القضية نادى هل من رايح إلى الجنة فحمل في خمسمائة من البدريين والعقبيين والأحديين وغيرهم من خيار من بقي بعد الشربة التي اخبره الرسول عليه السلام أنه آخر ما يدخل بطنه اللبن وهو يقول اليوم ألقى الأحبة محمد أو خربه وحمل علي بعد موت عمار فهزم أهل الشام وقد رفع أهل الشام المصاحف، فقال الأشعث بن قيس: والله ما نرد ما دعونا إليه أبدا والصحيح إن رفع المصاحف عند انتقاض صفوفهم والدعاء إلى كتاب الله قبل موت عمار وأنكر الحكومة طائفة من أصحاب علي فقال مالك الأشتر: أمهلوني غدوة فرس فاني طمعت في النصر قالوا: إذا لا ندخل معك في خطيئتك فقال: متى كنتم محقين حين يقاتل خياركم فيقتلون ويقتلون أم الآن حين لمستكم وخياركم الذين لا تشكون في فضلهم في النار أو كلام هذا معناه. فمر الأشعث ببني حنظلة وهو يسير على الأحياء يعرض الناس أمر الحكومة فحمل عليه عروة بن أدية فضربه فوقع السيف على عجز بغلته فقال: أين قتلانا يا أشعث (1/47)
صفحة 48
لا حكم إلا لله وهو أول من قالها ثم أرسل معاوية ابعثوا حكما منكم وحكما منا ونرضى بما يحكمان فقبل علي القضية تبعا لرضاء الأشعث والسواد الأعظم ممن معه وأنكرها الأخيار من المسلمين تبعا لعمار وعبد الله بن بديل وغيرهما ممن قتل وبعض من خالفنا يقول طلب الحكومة بعد قتل عمار والصحيح أنها قبله وانظر في رفع المصاحف فلما اتفق الناس على التحكيم إلا من أنكر وكتبوا على ذلك كتابا وسمي علي نفسه أمير المؤمنين فأبى معاوية فقال علي: على يدي يدور هذا الأمر وذكر إنكار سهيل بن عمرو على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأراد أن يكتب اسمه مجردا من أمير المؤمنين فنهاه الأحنف وقال: خشيت إلا يرجع إليك أبدا أنه ليس لكم ما لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعصاه ثم رجع الناس إلى العراق بعد كتابة الكتاب يتدافعون على الماء يتزاحمون عند الارتحال يعير الراضون المنكرين بأنكم عصيتم أمر أمير المؤمنين وخالفتموه يا أعداء الله ويرد المنكرون عليهم بأنكم أعداء الله إذ شككتم في دينكم وعصيتم أمر ربكم وحكمتم الرجال وتركتم حكم الله إذ يقول اقتلوا الفئة الباغية حتى تفيء إلى أمر الله وقبل كثير منهم الحق ورجع إليه إلا من مال إلى الدنيا وكان معاوية يمنيهم بها فلما نزل علي الكوفة دخل عليه نفر ممن أنكر الحكومة فعاتبوه وسألوه نقضها فأبى فخرجوا ونزلوا حروراء باثني عشر ألفا وقيل عشرون ألفا وقيل أربعة وعشرون وهم (1/48)
صفحة 49
خيار أهل الأرض يومئذ وقراؤهم وزهادهم ممن بقي من كبراء الصحابة والتابعين وفيهم من أهل بدر ومن شهد له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالجنة كحرقوص بن زهير السعدي الذي قال فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في رواية عائشة أول من يدخل علينا اليوم من أهل الجنة فكان هو الداخل إلى ثلاث مرار وشجرة بن أوقا وكان بدريا ومن أراد علي معرفة أسمائهم فعليه بالنهروان وغيره من الكتب واخرج علي إليهم ابن عباس فناظروه بان الأمر الذي كانوا عليه أهدى في قتل عثمان لأحداثه وامتناعه من كتاب الله وفي سفك الدماء يوم الجمل لنكثهم وعدم رجوعهم إلى كتاب الله وفي قتالنا أهل الشام لبغيهم وتعديهم كتاب الله وسنة نبيه عليه السلام أم ضلال، قال: بل رشد، قالوا: فهل نزل أمر من السماء يحرم الأمر الأول، قال: لا، قالوا: فلم حكم في دين الله، قال: قد علمتم أن الله قد أمر بالتحكيم في رجل وامرأة وفي طير يقتله المحرم، قال: فكيف يأمر أمة محمد عليه السلام، قالوا: تحكيم الحكمين في رجل وامرأة وفي طير رد الله الحكم فيه إلى العدول وهذا الأمر جاء الحكم فيه من الله كالزنا والسرقة والقذف ولا يمكن لإنسان أن يحكم فيها بغير حكم الله ولو أراد إمام قطع يد السارق فقال له الناس: حتى نحكم فيه حكمين له أن يحكمهما أم يمضي على حكم الله قال: بلى بل لا يحكم الرجال قالوا: معاوية فاء إلى حكم الله وعمرو بن العاص، قال: لا، قالوا: فعمرو بن العاص عدل الذي صرح بالعداوة والبغي (1/49)
صفحة 50
وباع دينه بمصر وسفك دماء المسلمين بغير حق وأبو موسى الذي ثبط الناس عن الجهاد قال: لا وأيضا أن كان عمرو عدلا وهو يقاتلنا فنحن على غير حق وقد كان شنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سبعين بيتا من الشعر فقال عليه السلام: اللهم إني لا أحسن الشعر فالعنه بكل بيت قالها لعنة وإذا كان عدلا فنشهد إن عمارا ومن استشهد معه قتلوا على باطل وضلالة ثم رجع إلى علي فقال: خصمك القوم ثم خرج إليهم على فوقعت بينهم مناظرة قال: لهم دعوني إلى كتاب الله، فأجبت قال الله تعالى {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوْتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ}، قالوا: إذا نزلت معاوية منزلة المؤمنين وأنت منزلة أهل الكتاب إذ كانوا هم الذين يدعونك إلى كتاب الله فإن كنت على الحق فإن كتاب الله حكم عليهم بالقتل إلى أن يرجعوا إلى الحق فقال: أنتم القائلون لا نقاتل قوما يدعوننا إلى كتاب الله فقلت هذه خدعة فقلت ابعث رجلا لا يعقد صاحبهم عقدة إلا حلها وأبيتم إلا أبا موسى الأشعري قالوا: عرفنا إخواننا الحق فتبنا، قال: إني استغفر الله وأتوب إليه فكبروا ورجعوا وقيل قال له بعضهم: إن الله حكم العدلين في الجرادة وحكمتم في دماء المسلمين عمرا فما زال به الأشعث بن قيس حتى نقض الذي أعطاهم ورجع إلى الحكومة ومعاوية يرسل إلى وجوه أهل العراق يمنيهم ويحثون على علي في التحكيم وبعث أبا موسى فخرجوا إلى النهروان وبايعوا (1/50)
صفحة 51
عبد الله بن وهب الراسبي يدافع عنهم من أرادهم وخرج مسهر بن فدكي من البصرة في عصابة فجاز على قرية فيها عبد الله بن خباب فأخبره بالتحكيم فقال: إن أبي أوصاني أن ألزم بيتي إذا وقعت الفتنة فقال: إن الله أوصانا بغير ما أوصاك به أبوك قال: قاتلوهم حتى لا تكون فتنة فقتله مسعر فأتى أصحاب النهر فأنكروا ذلك عليه وهموا بقتله وفر منهم وبرؤوا منه وقيل الذي تولى قتله ريسة الفهري وطرده أهل النهر وبرؤوا منه فخرج يستعرض الناس وفي كتاب النهروان حدثني عتاب بن إبراهيم إن مسعرا حين هرب لقي أناسا من أهل خراسان حجاجا فضرب أعناقهم ثم أتى المدائن فما شعر علي إلا وهو واقف على رأسه فأمنه والله أعلم في صحة ذلك ثم التقى الحكمان بأدرج وحضرها عبد الله بن عمر في جماعة من قريش وآل الأمر بينهم أي بين من حضر حتى اتفق الحكمان على خلع علي من الخلافة بل من الأمر واختلفا في معاوية اتباعا للهوى وميلا للدنيا.
وذكر بعض المخالفين أن عبد الله بن عباس حضرها من جهة علي وليس كذلك بل الذي أرسل علي شريح بن هاني الحارثي بل طلب حضوره وطلب الأحنف أن يحضرا وأبو الأسود ولم يجدوا ذلك بالناس فلما بلغ عليا فعلهما صعد المنبر فبرا منهما وخلعهما وقد فاته الأمر ولم يأخذ بقول نصحاء الدين الذين ضللوا الحكومة ولا بقول نصحاء الدنيا ونصحاء الدنيا قالوا: أرسل الأحنف أو أبا الأسود أو ابن عباس وعصى الفريقين ثم نفر الناس إلى معاوية وأعطاهم العطاء فلما انتهى إلى (1/51)
صفحة 52
الأنبار فالتمسوا وجها يصرفونه عن الشام فقال له الأشعث: أتسير إلى أهل الشام وتدع أهل النهر خلفك فصرفه إليهم فبعث ابنه حسنا وفي كتاب النهر قالوا له فيما حدثنا عبد الله ما تريد منا يا حسن نذكرك الله في دمائنا أتقاتلنا على أن سمينا أباك أمير المؤمنين وخلع نفسه فأبينا أن نخلعه وطلبناه أن يمضي إلى قتال عدو فأبى وشك وثبتنا على ذلك في كلام كثير فانصرف الحسن عن قتالهم فقال الأشعث: ناجز القوم وإن كلموا الناس أفسدوهم علينا ثم قدم عليهم صعصعة بن صوحان فخطب فقالوا: عصاك الله بضعة تقلبها فيك لكن لو أنكر علي الحكومة وقد دعونا إليها أمعنا الحق أم معه فسكت وانصرف فأرسل إليهم قيس بن سعيد فناظروه فقال: هذا أمير المؤمنين يحكم بكتاب الله قالوا: لم يخلعه وكيله وغضب لنفسه حين لم يحكم له وقد سلب دينه وسلطانه قال قيس: أن أتاكم تائبا قتلتموه كما قتلتم عثمان قالوا: أنتم قتلتموه وعلى أمركم قتل قال قيس: إني آتيكم به تائبا ففرحوا وصرحوا خيولهم ثم أقبل بجميع من معه فلما رأى عزتهم وقلتهم أشار إلى أمراء خيوله فانعطفت عليهم الخيل ثم اجتمعوا إلى عبد الله ذي الثفنات فقال: اكسروا الجفون ثم ارموا بها وتنادوا هل من رائح إلى الجنة وقاتلوا قتالا شديدا وقتل زيد بن حويم نحو مائة وأكثرهم من همدان فقال علي: افني بيت همدان رجل واحد (1/52)
صفحة 53
واقتتلوا من صلاة الغداة إلى الأصيل وعلي واقف ومعه ذو العقيصة فسمعه يقول: والله أن كنتم لأصحاب الدار يوم الدار وأصحاب الجمل يوم الجمل وأصحاب صفين يوم صفين وأصحاب القرآن إذا تلي القرآن فقال له: ففيما نحن إذا فضرب فرسه فلحق بهم واقبل ابن لعدي بن حاتم فسأل عن زيد بن حصن فقيل له هناك فلحق بهم وقتل فيها خيار من على وجه الأرض وقتل فيهم أويس القرني. عن ابن عباس قال: حدثني قنبر مولى علي قال: تحولت أنا وعلي إلى النهر بعد القتال فانكب طويلا يبكي فقلت: ما يبكيك قال: ويحك صرعنا ها هنا خيار هذه الأمة وقراءها فقلت أي والله فأبكى وبكى طويلا ثم قال: جذعت انفي وشفيت نفسي فاظهر الندامة على قتله إياهم وقال له: رجل هؤلاء الذين يحسبون أنهم يحسنون صنعا قال: ويحك أولئك أهل التوراة والإنجيل وقال له آخر: والله ما بين الطريقين طريق أن كان أمر الحكمين هدى فقد ضللت بنقضك عهدك وبراءتك منهما وإن كان ضلالة لقد ضللت بقتلك أهل النهر إذ نهوك عن الضلالة ودفن الناس قتلاهم ودفن عدي بن حاتم ابنه فقال الحمد لله الذي ابتلاني بموتك حين حاجتي إليك ومات فيهم أويس القرني وخبره مشهور في المبسوطات وتفرق عن على أصحابه لما رأوا أنهم قتلوا خيارهم فخرج عنه في يوم اثني عشر ألفا وأيضا ثلاثمائة وما زالت أيامه في الإدبار من يومهم ونزع له معاوية (1/53)
صفحة 54
اليمن والحجاز ومصر وغارت خيله إلى الأنبار وقتلوا عماله ولا يسمع له كلام ولا يمتثل له أمر قال له عدي بن حاتم تركتنا لا ندري أين نسكع قتلت من رضي القضية ومن أنكرها لأنه قتل أيضا الحارث بن راشد إذ رضيها وتلقاه ابنه الحسن حين دخل الكوفة فقال يا أبت أقتلت القوم قال نعم قال لا يرى قاتلهم الجنة قال ليت إني ادخلها ولو حبوا فلما فقد على تلك الأصوات بالليل كأنها دوي النحل قال أين اسود النهار ورهبان الليل قالوا له قتلناهم يوم النهر. وفي كتاب النهروان حدثني مسعود بن الحكم الهمداني أن ابن عباس قال للحسن إنكم لأحق بيت في العرب أن تتيهوا كما تاهت بنو إسرائيل قمتم بكتاب الله وبسنة نبيه عليه السلام فجاهدتم بها ثم جعلتم حكما على كتاب ربكم ثم قتلتم خيار المسلمين وفقهاءهم وقد افنوا المخ واللحم وأجهدوا الجلد والعظم من العبادة وبذلوا أموالهم وأنفسهم في سبيل الله وفيه. وحدثني مسعود بن عبد الله بن شداد أنه قدم المدينة فأرسلت إليه عائشة فقالت يا عبد الله لم قتل علي أصحابه فحدثها بالقصة كلها فقالت ظلمهم قالت هل تسمى أحدا ممن قتل قال نعم حرقوص بن زهير السعدي فاسترجعت وقالت اشهد إن رسول الله عليه السلام كان في منزلي قال يا عائشة أول رجل يدخل من هذا الباب من أهل الجنة فدخل حرقوص ولحيته تقطر ماء وقال ذلك في اليوم الثاني فدخل وكذلك في اليوم الثالث قالت ومن قلت (1/54)
صفحة 55
زيد بن حصن الطائي فبكت وقالت والله لو اجتمعت الأمة على الرمح الذي طعن به زيد لكان حقا على الله أن يكبهم جميعا في النار وفرح معاوية فرحا شديدا لقتله إياهم فاستنفرهم من النهر إلى الشام فقال الأشعث نفد لزاد وكلت السيوف ونصلت الأسنة فارجع بنا إلى مصرنا نستعمل أحسن عدتنا ويزيد أمير المؤمنين فينا عدة من هلك منا فنزل النخيلة فأمر الناس أن يلزموا معسكرهم فتسللوا فدخلوا الكوفة وتركوه فدخل في أثرهم فغار سفيان بن عوف العامري على الأنبار وعليه حسان بن حسان فقتله وأجلى ما هناك من الخيل وسلب النسوان ورجع وافرا فخرج علي في أثره حتى ورد النخيلة فأقام بها واستنفر الناس فأبطؤوا عنه ووبخهم بخطبة وعيرهم وكتب لهم فما نفع ذلك أجمع وقال في بعض خطبه جندي لا يمنعون الضيم ثم من فاز بكم فقد فاز بالسهم الأخيب أصبحت والله لا أصدق قولكم ولا اطمع في نصرتكم فرق الله بيني وبينكم وفي كتاب النهروان قال الشعبي لما قتل على أهل النهر أيس أن يستقيم له الأمر قال لابنه لا تكرهوا بيعة معاوية وفيه عن جابر بن زيد إن عليا لما أظهر الندامة للناس قيل له قتلت قوما وأظهرت الندامة عليهم وطفقت تمدحهم وتزين أمرهم لتخلعن أو لتقتلن فلما أصبح قال ابتغوا في القتلى رجلا فوجدوا نافعا مولى ترملة صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان صالحا مجتهدا قطع الفحل يده فقال هذا هو فقال له الحسن (1/55)
صفحة 56
هذا نافع مولى ترملة قال له اسكت الحرب خدعة فانتقل من بقي من أهل النهر إلى النخيلة ثم قتل عبد الرحمن بن ملجم عليا وبايعت الناس الحسن وخادعه معاوية وسلم له واقبل ليدخل الكوفة فدعاه أهل النخيلة إلى كتاب الله فأبى فقاتلوه فقال اغدرا يا أهل الكوفة وخرج الحسن في أهل الكوفة ونصروه وعاتبهم ابن عباس على ذلك واستقام الأمر لمعاوية وذهب العمل بكتاب الله لا ينازعه أحد إلا أتى عليه.
(فصل)
فإن قلت الصحابة كلهم عدول والواجب إذا ذكروا أن يمسك لمدح الله لهم في غير موضع من كتابه ولأمره عليه السلام بالإمساك إذا ذكر أصحابه ولما روى في جملتهم وخاصتهم من الأحاديث قلت الأمر كذلك إلا من احدث ويدلك على ذلك قتال أبي بكر للعرب الذين ارتدوا وكثير منهم صحب وسمع وروى ولقوله تعالى واتقوا فتنة الآية {وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} فإن قلت إن معاوية أعطاه سهما عليه السلام فقال له خذها حتى تلقاني بها في الجنة وقال اللهم قه العذاب. وعن عون بن مالك أنه نام في بعض المساجد فإذا بأسد ففزع منه قال له إنما أرسلني ربى لتخبر معاوية أنه من أهل الجنة فيكون تسليم الحسن له صوابا قلت قال ابن عبد البر حديث مجهول ولو ثبت هذا ما سماه عليه السلام هو وأتباعه فئة (1/56)
صفحة 57
باغية في قتلهم عمارا ولقوله لعمار قاتلك وسالبك في النار. وروى إن أبا سفيان أقبل راكبا جملا يقوده معاوية ويسوق عتبة فقال لعن الله السائق والقائد والراكب واجمع أصحاب علي والعارفون من أصحاب معاوية إن معاوية باغ في سفكه الدماء وسيأتي بيان ذلك فإن قلت قال عليه السلام في الحسن سيصلح ما بين فئتين عظيمتين من المسلمين قلت لو ثبت هذا الحديث لما اتفق جميع أصحابه على تعييبه حتى سموه مذل المؤمنين بعد أمير المؤمنين يا عار المؤمنين ولو كان الفعل لله لم يشترط عليه إن الأمر من بعده له وأيضا لا يجوز له أن يسلمها لمعاوية وقد علم أنه لا يعمل بكتاب الله وإن علم أنه يعمل بكتاب الله فقد تحقق إن من قاتله باغ ضال هذا تخليط صدق ابن عباس في قوله له لأنتم أحق بيت في العرب أن تتيهوا.
دولة معاوية وأيامه
لما غصب الناس الملك وقهر الناس بسيفه وإذا رأى الحسن رحب وأعطاه ثلاثمائة ألف وحمل الأئمة الجورة على رقاب المسلمين واصطفى لنفسه البيضاء والصفراء وتكلم الحسن عنده يوما فزجره فقال الحسن إياي تزجر ثم افتخر عليه فقال معاوية كنت بالأمس حولك مائة ألف سيف يغمدها رضاك ويسلها غضبك فتركت ذلك إما ضعفا عنه فأنت اليوم اضعف وإما زهدا فاليوم أحرى أن تزهد فلا يوردك لسانك موردا يقل فيه إخوانك وأخدانك في كلام يصغره به قال ابن عبد البر لما بايع الحسن لمعاوية قال عمرو لمعاوية مره أن يخطب فكره (1/57)
صفحة 58
معاوية فمازال به حتى أمره وخطب ومراد عمرو أن يبدو عيه وقال لمعاوية لا يدرى في هذه الأمور ما هي مستجهلا له ونسبه إلى ضعف الرأي والعقل وعدم الدهاء وقال ابن عبد البر أول من بلغ درجات المنبر خمس عشرة وكان يقول أنا أول الملوك وولى الكوفة المغيرة بن شعبة وأمره بشتم علي وذمه والترحم على عثمان والاستغفار له فامتثل له فينكر عليه حجر ابن عدي قائلا إياك ذم الله ولعن وكان المغيرة شيخا كبيرا ويتحلم عن مثله لمنعته في قومه وشرفه فقيل للمغيرة على ما تترك هذا الرجل يجترئ عليك في سلطانك قال: إني تركته يجترئ على من بعدي فيأخذه بأول وهلة فمات فتولى بعده زياد فخطب وترحم وشتم كالمغيرة ورد عليه حجر فأخذه وأرسل به إلى معاوية فقتله في ست من أصحابه وتتبع أصحاب علي فمن شتمه أطلقه ومن أبي أخذه فبعث إلى بعض أصحاب حجر فقال له يا عدو الله ما تقول في أبي تراب فقال: لا اعرفه قال هو علي قال فيه أحسن قول أقول فضربه بالعصا على عاتقه حتى الصق بالأرض ولزمها ثم قال له لتلعننه أو لأضربن عنقك فاستقام لهم الأمر وظهر الجور وعم الناس فتبعهم القريب والبعيد خوفا من سلطانهم ورغبة فيما في أيديهم وتزاحمت على طاعتهم العلماء والأشراف وذهب الدين وسكن أهل الحق زوايا الخمول والكتمان وقد بقي في أيديهم شيء من (1/58)
صفحة 59
اليقين وعرفوا من جور الظلمة ما عرفه من قبلهم فلم يستطع أحد أن ينهى عن معصية وتتبع زياد وابنه المسلمين يقتل ويسجن وكذا شيعة علي وربما جمع أهل العراق فمن لعن عليا أطلقه وإلا قتله كذا في كتاب المسعودي.
قال المسعودي إن أصحاب معاوية ارتقى بهم الأمر في طاعته إلى أن جعلوا لعن علي سنة ينشأ عليها الصغير ويهلك عليها الكبير ويلعنه على المنابر قيل لبعضهم من هذا أبو تراب الذي يلعنه الأمير على المنبر قال لص من لصوص الفتن فأقام المسلمون على ذلك بعد أن قتل أهل النخيلة مع إمامهم فروة بن نوفل الأسجعي ثم صار الأمر من بعده إلى عبد الله بن أبي الحيساء الطائي إلى عام ثلاثة وأربعين فانسوا من أنفسهم قوة فاجتمعوا منهم معاذ بن جوين بن حصن الطائي وحيان بن طيبان السلمي والمستورد بن علقمة التيمي تيم الرباب وغيرهم فقالوا اخرجوا بنا نامر بالمعروف وننهى عن المنكر فلا عذر لنا وإخواننا قتلوا في المجالس آمنين فإن ظفرنا يشفى الله صدور المؤمنين وإن قتلنا ففي مفارقة الفاسقين راحة ولنا بأسلافنا الصالحين أسوة ففطن لهم زياد وسجن معاذ بن جوين وحيان بن ظيبان وبايع المسلمون المستورد فخرج في ثلاثمائة وسار على شاطئ دجلة فأرسل المغيرة في أثره معقل بن قيس الرياحي في ثلاثة آلاف من قريش فالتقوا عام خمسة وأربعين فقتل كل من المستورد وابن قيس صاحبه ولما خرج معاذ وحيان من السجن في نحو عشرين اجتمع إليهما أصحابهما فقام حيان (1/59)
صفحة 60
فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فإن الله كتب علينا الجهاد فمنا من قضى نحبه وأولئك الأبرار الفائزون بفضلهم ومن يكن منا ينتظر فهو من سلفنا القاضين نحبهم فحرض أصحابه على الجهاد فبايعوه فخرج بعدما تشاوروا أين يوجهون فقال معاذ أرى أن نسير إلى حلوان فإنها كورة بين السهل والجبل والثغر والمصر قالوا له عدونا لا يتركوننا ويمهلوننا بل يعاجلوننا قبل ذلك. قال حيان نخرج إلى جانب الكوفة فنقاتل حتى نموت فذلك عذر لنا عند ربنا، فقال عتريس بن عرقوب الشيباني الرأي ما قال معاذ أو تسيرون إلى عين النمر فقال حيان عدوكم معاجلكم عن ذلك فقالوا الرأي ما رأيت فقال إنكم تبادرون بذلك الجنة فخرجوا فقتلوا جميعا رحمهم الله ثم أراد خالد بن عباد السدوسي رحمه الله الخروج فسعى به فأخذه ابن زياد لعنه الله وكان زاهدا صالحا ناسكا وكذب الساعي فضمنه رجل ثم أتى بن زياد بعد ذلك أنه لم يبت البارحة في أهله فأرسل إليه فقال أين كنت، قال عند إخوان لي ذكرنا الله وذكرنا أئمة الهدى وذكرنا ما الناس فيه من الجور قال دلني عليهم قال لو دللتك لقتلتهم وسعدوا وأشقى ولم أكن لأروعهم قال له العن أهل النهر قال أن كانوا لله أعداء فلعنهم الله قال فما تقول في أبي بكر وعمر قال خيرا قال وعثمان ومعاوية قال أن كانا وليين لله فلست أعاديهما قال له رجل انك في تقية قال قل علمت ولكن لا تقية اليوم في الله فأمر بقتله وكان شاسفا من العبادة بين عينيه أثر السجود وكره الناس قتله (1/60)
صفحة 61
لما رأوا عليه من أثر العبادة والخشوع فأتى المثلم بن مسروح فقتله فائتمر المسلمون بقتله فدسوا إليه رجلا في هيئة الفتيان فلقيه بالمربد يسأل عن لقحة صفى قال له قد علمت مكان كذا وكذا ناقة صفى فإن شئت تركت حاجتي وسرت معك فسار معه حتى دخل دارا فقال ادخل بفرسك فدخل فقتله حريث بن حجل السدوسي وكهمس بن طلق الصريمى وجعلوا دراهمه في بطنه ثم خرجت جماعة من الموالي أميرهم أبو ليلى مولا لبني الحارث بن كعب فخرجت معهم قطام وكحيلة فدعوا الناس إلى الحق حتى قتلوا وتولى ذلك جابر بن حشر البجلي بعثه المغيرة فناداهم على ما تقاتلون قالوا: {سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ} الآية ثم خرج زياد بن الحراش العجلي من الكوفة في ثلاثمائة وقيل أنه سار بالبسط والله أعلم حتى أتى الأجنوبية فقتلوا منهم عددا كثيرا وهو يوم من أيام الكوفة لا ينسونه ثم انتقلوا وبعث إليهم زياد من أتى على جميعهم ثم خرج علي الأعرج الكوفي ثم خرجت جماعة فعاجلتهم الخيل فأصيبوا بنهر عبد الرحمن عليهم ابن معاذ الطائي وقد كان عبد الله بن عوف فيمن خرج مع أهل الكوفة لقتال النخيلة فقتل ابن وداع الأسدي رحمه الله فقال
قتلت أخا بني أسد سفاها ... لعمر أبيك ما لقيت رشدي
قتلت مصليا محييا لليل ... وذاك لشقوتي وعثار جدي
تقبل توبتي يارب واغفر ... إذا حاسبتني خطإي وعمدي
وأخذ المغيرة معبد المحارب ورجلا من بني تميم فسجنهما وأرسل (1/61)
صفحة 62
فيها إلى معاوية فقال إن شهدا أني أمير المؤمنين فأطلقهما فشهد تميم أن صاحبهم مجنون فخلى سبيله فقال للمحارب أتشهد أن معاوية أمير المؤمنين فقال اشهد إن الله حق وإن الله يبعث من في القبور فقال أمجنون فقال وددت إني من صالحي الجن فقال أحروري قال وددت إني من الذين تحروا رشدا قال أتشهد بذلك على معاوية وأخلي سبيلك فقال اشهد إن تميما أكثر من محارب فقال قبيصة بن التبر الهلالي اسقني دمه فقتله المغيرة وزياد وابنه وخالد بن أسيد والضحاك وعبد الرحمن بن أم الحكم ثم النعمان بن بشير ثم بشير بن مروان فاقبل رجل من عمان فاستثبت قبيصة بأربعة شهود فقتله ثم خرج طواف في جماعة فأصيبوا ثم خرج قريب الأزدي وزحاف الطائي وهما ابنا خالة فقتلا رحمهما الله بحومة بني راسب عاجلوهما ولم يكونا تهيأ للخروج فرموهما من فوق البيوت ومن الأزقة فبعث عبيد الله بن أبي بكرة إلى زياد بالكوفة أن كان لك بالبصرة حاجة فالعجل العجل فلما قدم قامت الخطباء على رأسه وعم عمران بن حطان وأبوه من الخطباء فرأيا عمران يريد السير معهما فعزم عليه أبوه أن يرجع وينزع ففعل ثم عاد فلم يشعر به إلا وهو يخطب على رأس زياد فقال الناس هذا اخطب العرب لو مازج خطبته بكتاب الله قال فرجعت إلى كتاب الله فإذا به شاغل وهذا سبب توبته رحمه الله ثم خرج أبو بلال مرداس بن جدير أحد بني ربيعة بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم (1/62)
صفحة 63
وأصحابه وأدية جدته من محارب وقيل أمه وسبب خروجه فيما ذكر في كتاب الأعلام أن زيادا قال على المنبر لآخذن المحسن بالمسيء والحاضر بالغائب والصحيح بالسقيم فقام إليه رحمه الله فقال ما هكذا ذكر الله إذ يقول: {وإبراهيم الذي وفى ألا تزر وازرة وزر أخرى وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى ثم يجزاه الجزاء الأوفى} وذكر عبيد الله بن زياد البلجاء الحزامية من بني حازم بن يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم وكانت مشهورة بالورع والزهد والنسك فلقي غيلان بن خرشة الضبي أبا بلال فقال له سمعت الأمير يذكر البلجاء فمضى إليها أبو بلال فقال إن الله جعل لأهل الإسلام سعة في التقية فإن هذا الجبار المسرف ذكرك قالت أكره أن يصل إلى أحد مكروه بسببي فإن أخذني فهو أشقى له وأخذها عدو الله فقال لها إنك حرورية محلوقة الرأس فقالت ما أنا كذلك قال لأرينكم منها عجبا اكشفوا رأسها فمنعتهم فقال لأكشفن أحسن بضعة منك قالت لقد سترته حيث لم تستره أمك قال إيه ما تشهدين علي؟ قالت شهد الله عليك ثلاث شهادات بقوله: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} و {الظالمون} و {الفاسقون} وشهدت على نفسك أن أولك لزينة وآخرك لدعوى. فعض على لحيته فقتلوها فخرج أبو بلال في جنازتها قال لو اعلم إني ابعث على ما تبعث عليه لعلمت إني ابعث سويا على صراط مستقيم وفي كتاب الأعلام انه (1/63)
صفحة 64
قطع يديها ورجليها وطرحها في السوق فمر بها أبو بلال فقال لهذه أطيب نفسا عن بقية الدنيا منك ما من ميتة أموتها أحب إلى من ميتة البلجاء وفي بعض النسخ البثجاء بثاء. وألح عبيد الله في طلب المسلمين فاجمع أبو بلال على الخروج وقال لأصحابه إن الإقامة على الرضا بالجور لذنب وإن تجريد السيف وإخافة الناس لعظيم ولكن نسير في أرض الله ولا نجرد سيفا وإن أرادنا قوم بظلم امتنعنا منهم فقالوا له أنت سيد المسلمين وبقيتهم فخرج في ثلاثين فلقيه عبد الله بن رياح عامل عبيد الله على الجسر وكان صديقا لأبي بلال وفي كتاب الأعلام كان فاضلا فراودهم على الرجوع فأبوا فأتوا الأهواز فأصابوا أموالا تحمل إلى ابن زياد فأخذوا عطيتهم وردوا الباقي فبلغ عبيد الله خروجهم فوجه إليهم اسلم بن زرعة في الفين قال يونس بن أرقم خرجنا في جيش نريد خراسان فدخلنا ذر بآسك فيه ثلاثة أخبية فإذا هو أبو بلال في ستة وثلاثين رجلا فقال ابن عمى السلام عليكم قالوا وعليك امن هذا الجيش الذين يريدون قتالنا قلنا لا قال سلمكم الله ابلغوا من لقيتم أنا لم نخرج لنفسد في الأرض ولا نقاتل إلا من اكرهنا على قتاله ولا نأخذ من الفيء إلا أعطيتنا فبلغهم اسلم باسك وهم في أربعين رجلا فقالوا له اتق الله فانا لا نريد قتالا فما تريد قال أردكم إلى ابن زياد قال يقتلنا وتشاركه في دمائنا قال نعم دماؤكم حلال وهو (1/64)
صفحة 65
محق قالوا اللهم أن كان كاذبا فانصرنا عليه قال حريث بن حجل ياعدو الله امحق وهو يطيع الفجرة ويقتل بالظنة ويخص بالفيء ويجور في الحكم فرموا رجلا من المسلمين فقتلوه قال أبو بلال جاهدوا ولتكن إلى الله رغبتكم واستعينوا بالله واصبروا فحملوا فانهزم وكاد معبد يأخذه فغضب عليه ابن زياد فقال لأن يذمني ابن زياد حيا أحب إلى أن يمدحني ميتا وأرسل إليهم عباد بن اخضر في أربعة آلاف مع ما انضم إليه قال له أبو بلال ما تريد قال أردكم قال أتدعونا إلى طاعة من يسفك الدماء ويأخذ المال الحرام ويعطل الحدود ويرتشي في الحكم ويتسلط بالجبرية ويقتل بالظنة ويأخذ على التهمة لا يقيل عثرة ولا يقبل معذرة قال نعرف ما تقولون ولكن لهم مع ذلك الطاعة. وقيل قال كذبتم هو خير منكم وأنتم أولى بالضلال منه وقدم القعقاع بن عطية الباهلي من خراسان يريد الحج قال ما هذا قيل له الشراة فحمل عليهم وانتشب الحرب في يوم جمعة وأبو بلال يتلو {مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ} الآية فاسروا القعقاع فقال لست من أعدائك وإنما غدرت ولم اعلم وأطلقه ورجع فرجع يقاتل فحل عليه حريث وكهمس فأسراه فقتلاه فلما جاء وقت صلاة الجمعة ناداهم أبو بلال إنكم في يوم عظيم فادعونا حتى نصلى وتصلوا فأجابوهم فلما دخلوا في الصلاة حملوا عليهم فقتلوهم بين راكع وساجد وقائم وقاعد. (1/65)
صفحة 66
(فصل) ذكر في كراماتهم وأحوالهم
أبو بلال وأخوه عروة وبعض أصحابه ممن حضر صفين وكان مع أهل النهر وله في العلم والورع والديانة والشجاعة هو وأخوه الأمد الأقصى ولكل منهما فضائل لا تحصى لا تأخذهما في الله لومة لائم ومن شجاعته أن غيلان بن خرشمة ذكر أصحابه عند ابن زياد فلما خرج لقيه فقال قد بلغني ما كان منك يا غيلان ما يؤمنك أن يلقاك رجل احرس والله على الموت منك إلى الحياة فينفذك برمحه فقال لن يبلغك إني ذكرتهم بعد الليلة.
ومر على فرسه ينادى قومه فوقف وسلم فقال شاب منهم فرسك حروري قال وددت والله لو وطأته بطنك في سبيل الله فمضى وقال الفتى لأصحابه إني مقتول فمشوا إليه بالفتى فقالوا اصفح عنه فصفح عنه.
وقال إذا كنت في مجلس فأحسن حملان رأسك، ومن خوفه أنه جاز مع صاحب له على الحدادين فسقط مغشيا عليه ولم يزل صاحبه يرشه بالماء حتى أفاق ثم سارا فاستقبلتهما امرأة جسيمة عليها زينة عظيمة فغشي عليه فلم يزل يرشه حتى أفاق ورأى رجلا فغشي عليه فرشه حتى أفاق فقال ما هذا الذي أرى قال أما أولا فمعاينة النار والثاني تفكرت كيف تقلبها في النار مع الجسامة والحسن وأما الرجل فكثير ما أراه يشهد مجالس المسلمين فرجع إلى ما رأيت من الهيئة والغلمان والنزهة فاستعذت من سوابق الشقاء.
ومن تورعه هو وأصحابه أنهم يبيعون حلا سيوفهم (1/66)
صفحة 67
من الحاجة وأبوا أخذ المال إلا من له عطاء. وقد تقدم.
ومن كراماته ما قال أبو سفيان: قال: اخبرني أبو العلا بن الشهيد رجل من حجبة البيت عن بعض أبائه قال: إني لفي الطواف في ليلة صاحية قمراء فإذا برجل تحت الميزاب يدعو الله ويرغب إليه فبينما هو كذلك إذ لح فقال اللهم حاجتي فكرر سمعه أهل الطواف قالوا اللهم اقض حاجته قال اللهم أن كنت رضيت ما أريد فأرني من ذلك علما فقال فقطرت عليه من الميزاب قطرات فلما أحس بالماء انساب في الناس فإذا هو أبو بلال.
قال أبو سفيان: لما حضر خروجه اجتمع هو وأصحابه في بيت لبني تميم قال فدعوا الله ورغبوا إليه أن يجعل لهم علامة أن رضي خروجهم قال فانشق سقف البيت حتى نظروا إلى السماء.
روى أبو سفيان عن قرة بن عمران أتى بني تميم يسأل عن البيت فإذا هو مشهور فيهم فرايته وكثيرا ما يخرج إلى ساحة الدار بليل ويقول {ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة} ويقول لأصحابه أعرضت نفسي على الله فلم أره يقبلني أبو سفيان قال دخل هو وجابر على عائشة أم المؤمنين فعاتباها مما كان منها يوم الجمل فتابت واستغفرت مما كان منها وكان أبو بلال يفارق جابرا من بعد ما يصلي العتمة إلى آخر الليل مع بعد مابين منزليهما فيقول له ارفق بنفسك أو كلام مثل هذا فيجيب بأنه لا يقدر على مفارقته.
وأما عروة فهو أول من قال لا حكم إلا لله وسل سيفه وضرب عجز دابة الأشعث واحضره زياد وسأله زياد عن الخلفاء والولاة (1/67)
صفحة 68
ثم سأله نفسه فقال أولك لزينة وآخرك لدعوى وأنت عاص لربك فاعر به فضربت عنقه ثم دعا مولاه فقال له صف لي أموره وأوجز قال ما أتيته بطعام بنهار قط ولا فرشت له فراشا بليل قط فقال إذا قتلناه صالحا، وبقي في حفظي قديما إن ابن زياد لما صلب عروة عاين الحرس النور عليه فكذبهم فخرج فعاين فتركه ودفنه المسلمون وسأل غلامه وفي كتاب الأعلام إن ابن زياد خرج في رهان فقال له عروة خمس كن في الأمم قبلنا وقد صرنا اليوم فينا تبنون بكل ريع آية تعبثون وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون وإذا بطشتم بطشتم جبارين وخصلتان لم يحفظهما الراوي فترك رهانه وطلبه ابن زياد وقدم به عليه وقطع يديه ورجليه ثم قال له ما رأيت قال أفسدت دنياي وأفسدت آخرتك فقتله وقتل بنيه.
وقيل لما قتل ابن اخضر أرسل ابن زياد من الكوفة إلى ابن أبي بكرة لا تدع أحدا ممن يذكر بهذا الرأي وأوتي بعروة فكفله ابن أبي بكرة فلما قدم ابن زياد قتل من في السجن وتغيب عروة وقال ابن زياد للكفيل لئن لم تأت به لأقتلنك فأوتي به من سرب يعبد الله فكتب الكاتب في شرب فقرء في شرب فقال ابن زياد كذبت وصحفت ياليته ممن يشرب قال له بعد محاورة لأمثلن بك قال اختر لنفسك من القصاص ما شئت وابن خضر لما رجع بعد غدر أبي بلال في الصلاة وأصحابه اتفق عبيدة بن هلال مع ثلاثة من أصحابه فقتلوه في يوم الجمعة فنجا عبيدة بن هلال.
ومن أمانة أبي بلال أن (1/68)
صفحة 69
ابن زياد سجنه في جماعة المسلمين فرأى السجان اجتهاده فقال أن تركتك تبيت عند اهلك أترجع قال نعم فأتاه الخبر عند أهله إن ابن زياد أراد قتلهم غدا فرجع أبو بلال إلى السجن بعد أن قال له أهله اتق الله في نفسك قال أتريدون أن ألقى الله غادرا وقال للسجان قد علمت رأى صاحبك قال أعلمت وجئت قال نعم فقتل ابن زياد من في السجن فأخبره السجان بفعله فأطلقه رحمه الله.
ومن أصحابه حريث بن حجل السدوسي وهو الذي طلبوه أن يؤمر عليهم فأبى وقال لا الي على رجلين أبدا وقد سمعت ما قيل يؤتى بالإمام يوم القيامة مغلولة يده إلى عنقه حتى يفكه عدله أو يوثقه جوره. وسأل الهيثم أمين بن سماعة أبو بلال أفضل أم حريث فقال ما كنت أرى أن أعيش أو أبقى في قوم يشكّون في فضل حريث.
ومنهم كهمس بن طلق الصريمي وليس له أهل إلا أمه وكان عابدا زاهدا من خيار المسلمين وقال لامه خرج أبو بلال وحريث وحويص أبو الشعثاء ولا في العيش بعدهم خير فقالت مالي غيرك قال اكره الخروج وأنت ساخطة قالت وهبتك لله فاخرج.
ومنهم حويص أبو الشعثاء وكان فاضلا تقيا واليه يفزعون في المهمات وقد قيل له لا تقبل منا هذا قال انطلقوا إلى كهمس فإني والله ما رأيت رجلا من المسلمين يعدله.
ومنهم غسان وله بنات وقد هم بالرجوع لأجلهن فقال له حويص ما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها وهو والله خير لبناتك منك وفي حفظي (1/69)
صفحة 70
طابت إحداهن أن تشرب ليلة فسكت عنها فقامت أختها فسقتها فتيقن إن الله نعم المتكفل.
ومنهم شيبان وجاء إلى البصرة يطلب إرثا فصادف خروج أبي بلال فاختار ما عند الله على عرض الدنيا.
ومنهم أبو العباس بن عبد القيس وهو الذي أرسلوه إلى ابن خضر يدعوه إلى كتاب الله وسنة نبيه عليه السلام فدعاهم إلى طاعة ابن زياد.
ومنهم أبو عمران عون وهو الذي ضرب برمح فمشى في الرمح إلى طاعته فقتله فقال إن ربي أرضيت.
ومنهم أبو عمر بن عقيل ويزيد ومعاذ بن ضيبان وبيهس والمغيرة رحمهم الله وذكرهم عمران بن حطان في قصيدته جمعهم فيها.
ومنهم جابر بن زيد الأزدي رحمه الله بحر العلم وسراج الدين أصل المذهب واسه الذي قامت عليه آطامه صاحب ابن عباس رضي الله عنه وكان أشهر من صحبه وقرا عليه.
وفي الطبقات ذكر أبو طالب مكي في كتاب قوت القلوب أن ابن عباس قال اسألوا جابر بن زيد فلو سأله أهل المشرق والمغرب لوسعهم علمه وفيها قال إياس بن معاوية رأيت البصرة وما فيها مفت غير جابر بن زيد وعن الحصين عن حيان قال سمعت ابن عباس في المسجد الحرام يقول جابر بن زيد اعلم بالطلاق وعن الحصين بن حيان قال لما مات جابر بن زيد فبلغ موته أنس بن مالك فقال مات اعلم من على ظهر الأرض أو قال مات خير أهل الأرض وعن ابن عباس رضي الله (1/70)
صفحة 71
عنه قال جابر بن زيد اعلم الناس وعنه قال عجبا لأهل العراق كيف يحتاجون إلينا وعندهم جابر بن زيد لو قصدوا نحوه لوسعهم علمه أبو سفيان كان جابر بن زيد يحج كل سنة فلما كان ذات سنة بعث إليه عامل البصرة أن لا تبرح العام فإن الناس يحتاجون إليك فقال لا افعل فسجنه فلما كان غرة ذي الحجة جاءه الناس فقالوا أصلحك الله قد هل هلال ذي الحجة قال فأرسله فخرج من السجن فأتى منزله وناقته حوله في الدار قد كان هيئها للخروج فأخذ يشد عليها الرحل ويقول ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها يا آمنة أعندك شيء قالت نعم فهيئته في جرابين فقال من سالك فلا تخبريه بمسيري يومي هذا فخرج من ليلته وانتهى إلى عرفات والناس بالموقف فضربت بجرانها الأرض وتجلجلت فقال الناس ذَكِّها ذكِّها! قال حقيق لناقة رأت هلال ذي الحجة بالبصرة أن لا يفعل بها هذا ثم سلمها لله تعالى وقد كان سافر عليها أربعا وعشرين مرة بين حج وعمرة. أبو سفيان أصاب الناس على عهد جابر بن زيد ظلمة وريح ورعد ففزعوا إلى المساجد فخرج أبو الشعثاء إلى بعض المساجد فجلس يذكر الله والناس في تضرع وضجة فلما انجلت أخذ الناس ينصرفون إلى أسواقهم ومنازلهم فدعا من كان قريبا منه فقال ما كنتم تظنون هذا الأمر قالوا خفنا أن تكون القيامة قامت قال وإنما خفتم طي الدنيا والإفضاء (1/71)
صفحة 72
للآخرة قالوا نعم قال خفتم أمرا عظيما فحق عليكم أن تخافوه ثم قال أين تذهبون الآن قالوا إلى منازلنا قال لقد خفتم أمرا عظيما ففزعتم إلى الدعاء ولو جاء ما خفتم لم يغن عنكم ما كنتم فيه شيئا فالآن إذ رد الله عليكم دنياكم فاعملوا حين قبول العمل فأما ما كنتم فيه فلو كان الأمر كما خفتموه لم يغن عنكم دعاؤكم من الله شيئا أبو سفيان دخل جابر وأبو بلال على عائشة فعاتباها على ما كان منها يوم الجمل فاستغفرت وتابت قال ودخل جابر عليها فاقبل يسألها عن مسائل لم يسألها أحد عنها حتى سألها عن جماع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كيف كان يفعل وإن جبينها يتصبب عرقا وهي تقول سل يا بني ثم قالت له ممن أنت قال من أهل المشرق ومن عمان فذكرت له شيئا لم أحفظه إلا إني أظنها قالت إن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكره أو نحو هذا قال ورأى رجلا من الحجبة يصلي فوق الكعبة فقال من المصلى لا قبلة له وكان ابن عباس في ناحية المسجد فسمع قوله أو أخبر به فقال أن كان جابر في شيء من البلد فهذا القول منه قال ودخل ثابت البناني على جابر حين احتضر فقال هلا تشتهى شيئا قال: إني لاشتهى أن ألقى الحسن البصري قبل أن أموت فخرج ثابت فأعلمه بقول جابر وكان مستخفيا من الحجاج فركب بغل ثابت على السرج وركب خلفه ثابت بطيلسانه فلما دخل على أبي الشعثاء وهو مضطجع انكب الحسن عليه وهو يقول قل لا إله إلا الله فرفع جابر عينيه وهو يقول (1/72)
صفحة 73
أعوذ بالله من غدو ورواح إلى النار فقال له قل لا إله إلا الله فقال أعوذ بالله من غدو ورواح إلى النار ثم قال يا أبا سعيد يوم يأتي لبعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا فقال الحسن هذا والله الفقيه العالم ثم قال يا أبا سعيد اخبرني عن حديث ترويه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المؤمن إذا حضرته الوفاة فقال قال عليه السلام إن المؤمن إذا حضرته الوفاة وجد على كبده بردا فقال جابر الله أكبر اللهم إني أجد بردا على كبدي ثم قبض رحمة الله عليه قال مر رجلان من المسلمين وأبو الشعثاء قاعد في سقيفة باب داره ولم يرياه فلعنا رجلا، قال لعن الله من لعنتما فقالا ما علمنا بمكانك وكيف تلعن رجلا لم يثبت عندك أمره قال وأي تثبيت اثبت منكما وقد اجتمعتما على لعنه قال خرجت آمنة زوجة جابر إلى الحج ولم يخرج تلك السنة فلما رجعت سألها عن كريها فذكرت سوء الصحبة واثنت ثناء قبيحا فخرج إليه وادخله دارا واشترى لإبله علفا وعولج له طعام واشترى له ثوبين كساه بهما فدفع له ما كان مع آمنة من قربة وأداوة وغير ذلك فقالت أخبرتك بسوء الصحبة ففعلت ما أرى فقال أفنكافئه بمثل فعله فنكون مثله؟ لا بل نكافئه بالإساءة إحسانا وبالسوء خيرا. قال شاورته امرأة على جاريتها يخطبها رجل قال لا تزوجيه فعادت فقال لا فقال لها الخاطب إن لم تزوجينها أوقعتها (1/73)
صفحة 74
حراما قال زوجيه الآن فهذا خوف العنت.
قال أبو سفيان: كان جابر خاصا بيزيد بن أبي مسلم كاتب الحجاج فوفد عليه مرة فادخله على الحجاج فقال أتقرأ قال نعم قال أتفرض قال نعم فعجب به قال لا ينبغي أن نؤثر بك أحدا نجعلك قاضيا للمسلمين قال جابر أنا اضعف عن ذلك قال وما بلغ ضعفك قال يقع بين المرأة وخادمها شر فما أحسن أن أصلح بينهما قال إن هذا لهو الضعف قال فهل لك من حاجة قال نعم قال وما هي قال تعطيني عطاي وتدفع عني المكروه قال الحجاج هذا لا يستقيم أنعطيك من بيت مال المسلمين ولا نستعملك لهم قال فقال يزيد بن أبي مسلم هاهنا خصلة تخف عن الشيخ وفيها عون للمسلمين تجعله في أعوان صاحب ديوان البصرة قال كذلك فلما خرجا قال جابر ما صنعت شيئا أتراني أكون عونا لصاحب الديوان أن لا يكلفك مؤنة ويعطيك عطاك كاملا وكان عطاه سبعمائة أو ستمائة وكان في ديوان المقابلة قال وكان يزيد شديد الحب لجابر فخرج إليه ذات مرة إلى واسط في يوم جمعة فلما تغديا دعا يزيد جارية له فجاءت بغالية فغلت بها رأس جابر ولحيته فقال ياغلام أسرج البرذون لأبي الشعثاء قال أعفني من البرذون قال فالبغلة قال نعم فخرج فقال للغلام قف لي عند باب المسجد بموضع سماه له وأخذ على دجلة ونزل وغسل رأسه ولحيته ودلكها دلكا شديدا يقول اللهم لا تجعل حظي منك (1/74)
صفحة 75
منزلتي عند هؤلاء القوم ثم جاء إلى المسجد فلما حضر خروج جابر تنافست امرأتا يزيد في زاده فصنعتا له شيئا كثيرا وكان معه عمارة بن حيان فلما ركبا السفينة قال لعمارة لا تدع أحد من أهل المركب يفتح زاده فلما انتهى إلى البصرة قال بقي جرابان احملهما إلى الصبيان قال صبهما على ظهر السفينة واطعم ملاحيك وادع المساكين وادفع إليهم ما بقي قال وقع في نفس الحجاج شيء من أمر القدر فشكا ذلك إلى يزيد فكتب إلى جابر فأجابه قل للأمير يكثر ترديد خطيته فإن فيها بيان ما سال عنه فرددها مرارا كل ذلك لم ينتبه ثم بعد ذلك انتبه فقال من يهد الله فهو المهتدى ومن يضلل فلا هادى له قال ويحك يا يزيد ما اعلم صاحبك قال أتى جابر الجمعة فتلقى الناس خارجين عنها فشق عليه ذلك فقال اللهم لك على أن لا أعود.
قال أبو سفيان: أرسلت عاتكة بجزور إلى جابر فأمر العنبر أن ينحرها ويجزيها بين جيرانه وأن يرسل إلى أهله فأطاب وأكثر في جزء أبي الشعثاء فقال أكل جيراننا أصاب مثل هذا قال بلى ولكن أطبنا هذا لأهل البيت قال واسوأتاه لا تفعل ساوى بيننا وبين جيراننا. قال أتى شاب أبا الشعثاء فقال أي الجهاد أفضل قال قتل خردلة والشاب لا يعرفه فأراه إياه رجل من المسلمين في المسجد ووضع يده عليه لئلا يخطئه فضربه بين كتفيه ضربة بخنجر قد سمه وأخذ فقال له الوالي قد علمت انك لم تفعل هذا من نفسك وإنما أمرت فدلني على من أمرك ومناه فقال دع (1/75)
صفحة 76
عنك هذا فقتله وكان خردلة سعى بجماعة من المسلمين فقتلوا قال خرج ابن لجابر وهو قاعد على باب داره فقبله ومسح رأسه فقال لجلسائه أتروني أحبه قالوا اجل قال صدقتم والله إني لأحبه وما من نازل ينزل به أحب إلى من الموت ينزل به وبإخوته ثم ينزل بي ثم بآمنة قالوا فآمنة اعز عليك من ولدك قال ما هي بأعز على منهم ولكن لا أحب أن أبقى في الدنيا يوما واحدا عازبا وكان كما تمنى.
قال أبو سفيان: نفى الحجاج جابرا وهبيرة جد أبي سفيان إلى عمان قال كانت جدة أبي أم الرحيل عم أبي وجدي العنبر وكبرت فأتيا أبا الشعثاء فقالا أمنا لا تطيق الصوم قال صوما عنها فصام عنها الرحيل فأتياه في العام القابل فقالا أم الرحيل لا تطيق الصوم قال فاطعما عنها فاطعما عنها العنبر قال جابر بن زيد ليس للعالم أن يقول للجاهل اعلم مثل علمي وإلا قطعت عذرك وليس للجاهل أن يقول للعالم ارجع إلى جهلي وضعفي وإلا قطعت عذرك وإذا قال العالم ذلك قطع الله عذر العالم وإذا قال الجاهل ذلك قطع الله عذر الجاهل قال قال ضمام كان جابر يأتي الخوارج فيقول لهم أليس قد حرم الله دماء المسلمين بدين فيقولون نعم وحرم الله البراءة منهم بدين فيقولون نعم فيقول أوليس قد أحل الله دماء أهل الحرب بدين بعد تحريمها بدين فيقولون بلى فيقول وحرم الله ولايتهم بدين بعد الأمر بها بدين فيقولون نعم فيقول هل احل ما بعد هذا بدين فيسكتون قال قال جابر لامرأة من المسلمين إني أحبك فافترقا فتفكر (1/76)
صفحة 77
في قوله لها إني أحبك فرجع إليها فقال في الله قالت وما نظن إني حملت ذلك على غير الحب في الله أي والله في الله قال لما مات جابر أتى قتادة قبره وهو أعمى إذ ذاك فقال أدنوني من قبره فوضع يده على قبره فقال اليوم مات عالم العرب قال اطلع أبو الشعثاء فإذا برجل من الأكارين يبكى ويمسح دموعه قال مالك ويحك قال صبيان دربكم هذا نزعوا مني قنوين جئت بهما إلى صاحب الأرض فأخاف أن لا يصدقني فبعث جابر إلى بعض أصحابه له نخل فأخذ قنوين فبعث بهما إليه ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر وتوفي سنة ست وتسعين وكان أعلم الناس وأورع الناس واعبد الناس استضاء بنوره جماعة عظيمة وأخذ عنه ناس كثيرة وكان مجاب الدعاء قال سألت ربى امرأة مؤمنة وراحلة صالحة ورزقا كفافا فأعطانيهن.
ومنهم عبد الله بن إباض المري التميمي إمام أهل التحقيق والعمدة عند شغب أولى التفريق سلك بأصحابه محجة العدل وفارق سبل الضلالة والجهل وكان رحمه الله على ما حفظت ممن خرج إلى مكة لمنع حرم الله من مسلم عامل يزيد الملقب بمسرف وكان كثيرا ما يبدى النصائح لعبد الملك بن مروان وفي حفظي أنه يصدر في أمره عن رأى جابر بن زيد وله مناظرات مع الخوارج وغيرهم.
ومنهم عمران بن حطان الشيباني تقدم سبب توبته وكان ورعا صالحا شاعرا خطيبا عالما وأشعاره كثيرة وتغيب من الحجاج فانتقل في القبائل حتى نزل بروح بن زنباع وزير عبد الملك بن مروان فانتمى له من الأزد وكان (1/77)
صفحة 78
مسامرا لعبد الملك وكان لا يسمع شعرا نادرا ولا حديثا غريبا عند عبد الملك إلا سال عنه عمران فيجده عنده ويزيده ما ليس عنده فذكر ذلك لعبد الملك فحدثه ببعض أخباره وإنشاده فقال عبد الملك اللغة عدنانية وأظن صاحبك عمران بن حطان فتذاكرا الليلة:
يا ضربة من تقي ما أراد بها ... إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا
إني لأعلمه يوما وأحسبه ... أوفى البرية عند الله ميزانا
ولم يعرفا لمن هما فسأل عنهما عمران فقال هما لعمران بن حطان فأخبر عبد الملك بذلك صاحبه عمران فجيء به فقال له روح إن أمير المؤمنين أحب أن يراك فقال عمران أردت أن أسالك ذلك فاستحييت فامض فإني بالأثر فأخبر عبد الملك بذلك فقال انك سترجع فلا تجده فخرج من عنده وخلف له رقعة فيها أبيات ونزل بزفر بن الحارث الكلابي فانتسب له أوزاعيا وكان يطيل الصلاة وكانت غلمان بني عامر يضحكون منه فسلم عليه رجل يعرفه عند روح بن زنباع فسأله زفر من يكون فقال من الأزد رايته ضيفا عند ابن زنباع فقال له زفر يا هذا أأزديا مرة وأوزاعيا أخرى، أن كنت خائفا أمناك وإن كنت فقيرا أجزناك. فلما أمسى خلف في منزله رقعة فيها أبيات منها:
إن التي أصبحت يعيى بها زفر ... أعيت عياء على روح بن زنباع
ثم ارتحل حتى نزل عمان فوجدهم يعظمون أمر أبي بلال ويظهرونه فنزل فيهم وأظهر أمره فبلغ ذلك الحجاج فكتب فيه إلى عمان فهرب فنزل بقوم من الأزد فلم يزل فيهم حتى مات رحمه الله (1/78)
صفحة 79
وقال في ذلك
نزلنا بحمد الله خير منزل ... نسر بما فيه من الأنس والفخر
نزلنا بقوم يجمع الله شملهم ... ومالهم فعل سوى المجد يعتصر
في أبيات.
ومنهم الوليد جد حمزة بن عنبسة وهو رجل من عبد قيس.
قال أبو سفيان: كان من خيار المسلمين ومن بقية أصحاب أبي بلال قال وكان عنبسة وحمزة فاضلين وأدركت عنبسة شيخا كبيرا قال لما أخذ ابن الأزرق في الخروج أخذ له خيلا وسلاحا من نحو أربعة وعشرين ألف درهم فلما احدث ابن الأزرق ما تبرا منه المسلمون به ورفضوه ورجعوا عنه سقط في يد الوليد وكان ذو جاه خرج إليه واخبره خبر المال فتبسم وقال صرنا إلى غير ما تعرف فقال الوليد لا أجد قضاها فجاءه جمل مال ودفعه إلى الشيخ فلما قرب من البصرة وجد به فضلا على ماله وسقط في يده وكره أن يرده فلقيه عمران بن حطان فأخبره الخبر فقال عمران إني أطالبه بأربعة آلاف فدفع إليه ما فضل من حق القوم.
ومنهم جعفر بن السماك العبدي رحمه الله شيخ الصيانة والنزاهة المشهور في الورع والعلم والنباهة له الكعب العالي بين الفضلاء والنصيب الأوفى بين الأتقياء.
قال أبو سفيان: كان معلم أبي عبيدة وما حفظ عنه أكثر مما حفظ عن جابر قال وفد هو والحباب بن كليب وسالم الهلالي في جماعة إلى عمر بن عبد العزيز فدخلوا عليه فكلموه فقال لهم هل تنكرون من أمر الأحكام شيئا فكلما كلموه فزع لهم إلى الأحكام فعاتبوه (1/79)
صفحة 80
وذكروا أمر عثمان فأخذ يعذره ويريد أن ينصرفوا عنه وضرب الحباب على ركبته وقال وإنك لهاهنا تعذر الظلمة وتفعل فقال له امسك يدك يا عبد الله وكان جعفر ألطفهم وقال ما فيكم أرفق من الأشج فأجابهم عبد الملك ولد عمر وقبل منهم ما دعوا إليه أباه وكان عبد الملك فاضلا متقيا دخل عليه رجال من بني أمية فقال بعضهم سمعت أمير المؤمنين يقول إذا صليت الظهر ناديت في الناس بالصلاة جامعة فيأمر كل من له مظلمة عنده أو عند أحد بنيه أو غيرهم من الناس فهي مردودة عليه لئن فعل لهلاك أهل البيت قال له عبد الملك بئس والله بداخل وبئس المحضر حضرته فدخل على أبيه نصف النهار فقال رأيت بابا من العدل وأردت أن تنام عنه قبل أن تنفذه ولا تدرى ما يحدث عليك في نومك قال بارك الله فيك من ولد ثم توضأ فخرج فنادى الصلاة جامعة فقال من كانت له مظلمة فهي مردودة عليه عند من كانت فمات عبد الملك قبل أبيه فدعا الحباب وجعفر وأصحابهما فولوا أمر صاحبهم فلما أخذوا في غسله دخل عمر فغشي عليه ووقع فرفع فقال له بعضهم يا أمير المؤمنين لو خرجت إلى الناس وعزوك وحدثوك فخرج فغسلناه وكفناه وصلى عليه أبوه وكتب إلى عماله أن لا يقام عليه مأتم وسئل جعفر عن عمر فقال مثل الحسن بن الحسن البصري.
ومنهم الحباب وسالم الهلالي وتقدم الكلام عليهما.
ومنهم صحار العبدي.
قال أبو العباس: (1/80)
صفحة 81
كان ممن يدعو إلى الله على بصيرة ويده في العقائد طويلة.
قال أبو سفيان: قال صحار في القدرية كلموهم في العلم فإن اقروا به نقضوا وإن أنكروا كفروا وكان أحد شيوخ أبي عبيدة.
قال أبو سفيان: أكثر ما حمل أبو عبيدة عن جعفر بن السماك وعن صحار وكان من أئمة المسلمين وقاداتهم.
ومنهم هبيرة جد أبي سفيان محبوب بن الرحيل بن العنبر بن هبيرة وكان فاضلا تقيا.
قال أبو سفيان: وكان الحجاج نفى جابرا وهبيرة إلى عمان.
ومنهم الأحنف بن قيس التميمي السعدي يكنى أبا بحر واسمه الضحاك وقيل صخر بن قيس بن معاوية بن حصين بن عبادة بن النزال بن مرة بن عبيد بن الحارث بن عمرو بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم أدرك النبي عليه السلام ولم يره ودعا له النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال اللهم اغفر للأحنف وهو أحد الجلة الحلماء الدهاة الحكماء العقلاء معدود في كبراء التابعين وتوفي سنة سبع وستين ومشى مصعب بن الزبير في جنازته وأخباره كثيرة وهو الذي قال لمعاوية على يزيد حين أراد أن يأخذ له البيعة انظر من تشيد إليه عهدك ومن توليه الأمر من بعدك واعص رأي من يشير عليك ولا ينظر وله أخبار مع على ومع عبيد الله وزياد وغيرهم كثيرة.
ومنهم إياس بن معاوية.
قال أبو العباس: به تضرب الأمثال في الذكاء وتحر الصواب في القضاء قال إن والي البصرة جمعه والقاسم بن ربيعة بأمر عمر بن عبد العزيز لينظر أصلحهما للقضاء فيقدمه فقال إياس سل عني وعنه (1/81)
صفحة 82
فقيهي المصر الحسن وابن سيرين فقال القاسم لا تسأل أحدا واسمع مني قال قل فحلف يمينا مستوفاة جامعة لمعاني الحلف إن إياسا لأصلح للحكم مني فإن صدقتني فقدمه وإن كذبتني فلا يحل لك أن تقلد الحكم بين المسلمين من يبادر الله تعالى بمثل هذه اليمين الكاذبة فقال إياس لا تسمع منه أتيت به إلى شفير النار فافتدى منها بيمين يكفرها ويستغفر الله قال الوالي أو لست فطنت لها وقلد إياسا الحكم وله مآثر قد عمرت بها الدفاتر.
ومنهم أبو روح تبرح على وزن المضارع في بعض النسخ بالتاء وبعضها بالياء ومازن.
قال أبو سفيان: حدثني يسار وهو من خيار من أدركت عن والدته وهي بنت ثمانين سنة قالت أدركت اخوين من بني راسب يقال لأحدهما تبرح والآخر مازن ابنا كنان وكانا من خيار من مضى من أهل هذه الدعوة وكانا نظيري أبي بلال وأخيه عروة رحمهم الله وكانا في زمانهما، فأما تبرح فكان عابدا مصليا لا يفتر من العبادة حتى دبرت ركبتاه ويداه ورجلاه وجبهته كدبر البعير وكان قد اتخذ سربا في الأرض يعبد الله فيه.
قال أبو سفيان: قال يسار أدركت سربه ذلك وحضرته الوفاة وقعد مازن عند رأسه فأفاق فقال أين تراها تذهب يعني نفسه قال نحو الذي كانت تعبد فلما حضرت الوفاة مازن صاحت بناته فقال: يا بناتي لا تبكين على إن أباكن عن ساعة هو الباكي أو الضاحك قال قال يسار عن والدته إني كنت في مجلس من مجالس المسلمين يذكرون الله إذ دخل رجل (1/82)
صفحة 83
متقنع بثوبه فجلس وهم لا يعرفونه فلما فرغ المتكلم قام فقال: إني أخبركم بما رأت عيني وسمعته أذني أو عن خبر من رأى وسمع واقتص الفتن المتقدمة واحدة بعد أخرى ونبه على من أنجاه الله تعالى منها قالت فما رأيت أحدا في مجلس من مجالس المسلمين يتكلم قائما قبله ولا بعده فإذا به مازن.
وهذا كاف في ذكر أئمتنا وقادتنا من هذه الطبقة أعني طبقة تابع التابعين.
تابع طبقة التابعين
منهم أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي كان مولى فيهم كان اعور وشهر بالقفاف توفي في ولاية أبي جعفر بعد وفات حاجب رضي الله عنهما تعلم العلوم وعلمها ورتب روايات الحديث واحكمها وهو الذي يشار إليه بالأصابع بين أقرانه ويزدحم لاستماع ما يقرع الأسماع من زواجر وعظه وقد اعترف له بحوز قصب السبق في العلوم واعترف مع ذلك بضيق الباع مع ما هو عليه من الاتساع وكان رحمه الله يضعف أمر الشفعة ويقول لا تحبس على يتيم ولا غائب فابتلى بها رجل من أصحابه فجاءه يسأله فقال اذهب فاسأل أشياخ البصرة هل لجابر فيها ذكر فأخبر أن جابرا يوجبها فأخذ بقول جابر.
قال أبو سفيان: بعث عبد الله بن الحسن إلى أبي عبيدة وإلى جماعة المسلمين حين أراد الخروج فتشاورا فتكلم كل برأيه فاتفق رأيهم أن يبعثوا إليه صالح بن كثير وقد قال لهم إني على دينكم وكان من متكلمي المسلمين إلا أنه احدث أشياء قلاه المسلمون عليها فقال أبو عبيدة إن هذا ليس برأي أترون رجلا يخاف على نفسه ويطلب (1/83)
صفحة 84
الملك إلا يعطيكم كل ما سالتموه وإذا طاوعكم على ما تدعونه إليه قال أنا مقر بدعوتكم ولكن الناس إلى أسرع وأنا أحق فما عسى تقول له يا صالح وقد صدق فإن أراد الدين كما يزعم فليلحق بصاحبنا بحضرموت عبد الله بن يحيى فليقاتل بين يديه حتى يموت ففرق جماعتهم وافسد رأيهم.
قال أبو سفيان: قيل لأبي عبيدة ما يمنعك من الخروج ولو خرجت ما تخلف عنك أحد قال ما أحب ذلك ولو إني فعلت ما أحببت ولا أحب أن أقيم ما بين الظهر والعصر مخافة الأحكام.
قال أبو سفيان: كان أبو عبيدة يتخذ جوارب يصلي فيها يتقى بذلك أن يصيب مذاكره مواضع الوضوء من رجليه فبلغ ذلك حيان الأعرج فقال لقد أشقانا الله في ديننا أن كان الأمر كما يقول أبو عبيدة.
قال أبو سفيان: عن من حدثه إن أبا عبيدة قدم مكة ومعه امرأة من المهلبيات وهي جدة سعيدة أو عمتها فلما فرغا من حجهما قالت له أريد المقام بمكة قال لها الخروج أفضل قال الراوي فقلت وأنا اخرج معكم قال أنت فأقم قلت تأمر هذه بالخروج وتأمرني بالإقامة قال لأنك قريب من مكة ونحن بعيد منها أنتم قريب من خيرها يعني الطواف وبعيد من شر أهلها كأنه يكره المقام فيها للتجارة.
قال أبو سفيان: شهد رجلان على شهادة أبي عبيدة عند قاضى البصرة قال المشهود عليه أصلحك الله إنما شهدا على شهادة فلان قال ويحك أنا به عارف ولو جاز لي أن احكم بشهادة رجل واحد لحكمت بشهادته.
قال أبو سفيان: أتى حمزة الكوفي أبا عبيدة ليذاكره في أمر القدر فخرجنا إلى منزل حاجب فتناظرا كثيرا وآخر (1/84)
صفحة 85
ما سمع من أبي عبيدة ياحمزة على هذا فارقت غيلان فخرج فكلمه حاجب وكان هيبته من حاجب أعظم من هيبته من أبي عبيدة فقال حمزة إنما أخذت هذا القول عن المسلمين فقال له حاجب لم تدرك أحد إلا وقد أدركته إلا جابرا فعن من أخذته فقال عنك فقال حاجب إني ارجع عنه فارجع عنه كما رجعت عنه فقال ارفق بي واقبل ما أقول ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك فالحسنة من الله والسيئة من العباد وأقول لا يكلف الله نفسا إلا وسعها فقال له أما هذه الكلمة فمقبولة من غيرك وأما منك فانا أعرف مذهبك فيها أولا فخرج فسيل عنه حاجب فقال ارفقوا بحمزة ثم بلغهم بعد مدة أنه مشى إلى النساء والضعفاء فكلمهم قال فأمر أبو عبيدة حاجبا فجمع له الناس قال فتكلم المتكلمون ثم تكلم حاجب فحمد الله وأثنى عليه وقال إن حمزة وعطية احدثا علينا أحداثا فمن آواهم أو أنزلهم أو جالسهم فهو عندنا الخائن المتهم فتفرق الناس وطردا من المجلس.
قال أبو سفيان: وهجره أبو عبيدة وأمر بهجرانه لقوله بشيء من القدر فقال ياعجبا لأبي عبيدة قد أمر بهجراني وهؤلاء الفتيان يقولون أن أراد وشاء وأحب ورضي عنهم وهو يدينهم ولا يقول بمثل قولهم فقال أبو عبيدة هؤلاء أرادوا ثبات القدر فغلوا فيه وحمزة يريد إزالته وليس مثبته كمزيله وقيل لأبي عبيدة هل يستطيع الكافر الإيمان فقال من يستطيع أن يأتي بحزمة حطب من حل إلى حرم يستطيع أن يصلي ركعتين ولا أقول يستطيع ذلك إلا بتوفيق من الله وسأله (1/85)
صفحة 86
جماعة من الفتيان على من كان على دين عيسى ولم يبلغه أمر النبي عليه السلام فدعا رجلا من المجوس فأجابه فانظر فيها قال فما تقولون قال الداعي مسلم والمجيب كافر قال فهل يدعو إلى طاعة الله مسلما والمجيب كافرا فراددوه الجواب فبرء منهم فخرجوا من عنده منكسرين فاتوا حاجبا فقالوا أغثنا قد عجل عليه بالبراءة إنما أردنا أن نستفهمه فأخبره بتوبتهم فقال فليأتوا الربيع وعبد السلام بن عبد القدوس ومن فليخبراهما بتوبتهم قال ففعلوا وأمر بهم وادخلوا المجالس.
قال أبو سفيان: اجتمع ابن أبي الشيخ البصري وأبو عبيدة بمنى فقال لأبي عبيدة هل اجبر الله أحدا على طاعة أو معصية فقال لا ولو قلت ذلك لكان تخويفه لهم وترهيبه إياهم فقال فالعلم هو الذي أقاد العباد إلى ما عملوا قال لا ولكن سولت لهم أنفسهم وزين لهم الشيطان أعمالهم فكان منهم ما علم الله.
قال أبو سفيان: اشترى رجل غلاما فبرى إليه البائع من الرمد وبرى من الرمد وخلف عينيه بياضا فسالا نخاسا بأمر أبي عبيدة فقال إن برى إليه من الرمد وما جر فلا شيء عليه وإلا فعليه ما جر الرمد أو يرد غلامه فاستحسنه أبو عبيدة وأخذ عنه خلق كثير وعنه حملت العلم إلى المغرب وإلى المشرق حملة العلم ومن أهل طبقته ضمام بن السائب من أهل العلم والتحقيق والكاشف أمر المعضلات عنه حصر ذوي الضيق أخذ عن جابر وغيره وكان ما أخذ عن جابر أكثر مما أخذ عنه أبو عبيدة.
قال أبو سفيان: اشتكى ضمام شكاية فعاده الربيع فوجد عنده رجلا من المسلمين يسمى (1/86)
صفحة 87
عمران وهو يقول يا أبا عبد الله إن في نفسي لشيئا وأني لأضيق منه أن يكون الله أمر العباد بأمر ثم يحول بينهم وبينه قال الربيع فقلت له أتوفيق الله وتسديده وفضله ومنه على أبي بكر وعمر كتوفيقه وتسديده وفضله ومنه وإحسانه على أبي جهل قال لا والله قال ضمام اشدد يدك عليه يا ربيع أي قم بالحجة.
قال أبو سفيان: لما سجن الحجاج أبا عبيدة وضماما منع أن يوصل إليهما شيء وكانا يقصان شاربهما بأسنانهما وكان أحدهما لينفض لحيته فيتساقط منه القمل وكان يطعم أهل السجن خبز الشعير وملح الجريش ويعمد إلى مراكن عظام فيسكب فيها الماء ويطرح فيها الملح ثم يضربوه حتى تخرج رغوته فمن شرب أولا كان امثل قليلا ومن شرب آخرا كان العذاب وربما ضاق ضمام فيقول أبو عبيدة على من تضيق ولم يخرجوا من سجنه حتى مات الفاسق إلى النار وعمد إلى ثلاثة من رؤساء الخوارج فبنى عليهم بنيانا من قصب وطلاه بالعذرة داخلا وخارجا فلما أبقوا فيه ثلاثة ماتوا ووقع الموت في أهل السجن فقال لطبيب مجوسي أردت أن أعذبهم قال له اجعل طعامهم الزيت والكراث قال ضمام فلما أكلت الزيت والكراث سمنا وقيل للمجوسي لو تركتهم فماتوا قال لعله يموت فيخرجون ومن مات فلا مطمع فيه.
قال أبو سفيان: كان رجل من أهل خراسان بمنزلة عظيمة من أبي عبيدة وضمام والمشايخ وله قدر في أهل بلده أتى يوما ضماما فذكر رجلا من المسلمين فنقصه فقال له ضمام مه لا تفعل فعاد فانتهره فقال تبرأ الله منه فقال ضمام تبرأ الله منك فقال أتبرأ مني ياضمام (1/87)
صفحة 88
قال أنت أحللت بي ما ترى وألجأتني إليه أترى انك تبرا من رجل أتولاه وأتولاك بئس ما ظننت قال فاستغفر الله وأتوب إليه قال فغفر الله لك. أتت امرأة أبي طارق ضماما تسأله عن أمر زوجها وقد قال لها أخري عني أنفالك يعني أولادها فضمت ثيابها فاستغفر الله فقال ضمام دعيني حتى ألقى جابرا فأتى هو وأبو حمزة جابرا فقال لا بأس عليهما فليسترا ما ستر الله عليهما.
قال أبو سفيان: قال أبو الحر لأبي عبيدة أقم للناس خمسة أيام بعد الموسم فأبى فقيل له عليك بضمام فقال أو عنده من العلم ما يكتفي به الناس قالوا وفوق ذلك فأتاه فأقام للناس وكثر عليه السؤال وكان جوابه سألت جابرا وسئل جابر وسمعت جابرا وقال جابر وكان راوية جابر.
قال أبو سفيان: وقد سئل عن الجهر في الدعاء فقال بلغني عن ضمام وكان رواية جابر يقول ما بال أحدكم يمر ديناره ودرهمه ويبدى دينه على كفيه ولعله يلقاه من يسلبه إياه فإذا لم يكن شاريا ولا باذلا لنفسه فإن الستر والمداراة والرفق بالناس أعجب إلينا فإذا اشترى نفسه فليس بشيء من الأعمال أعظم عند الله شرفا من الشراء.
ومنهم أبو نوح صالح الدهان وكان شديد الورع غزير العلم ممن أدرك أهل العلم وأخذ منهم أخذ عن جابر وغيره رحمهم الله.
قال أبو سفيان: دخل أبو نوح على عاتكة بنت المهلب وكانت من المسلمات فقال كأني أرى مجلس رجل قالت الآن خرج من عندي الأحول تعني جابرا قال فهل ظفرت منه بشيء قالت سألته عن لباس من الخفين قال أن كنت تلبسينهما من حر (1/88)
صفحة 89
الأرض وبردها وخشونتها فلا بأس فلا تبالين وإن انكشفا وإن لبستهما لغير ذلك فلا تبديهما وعن حلى لبنات أخي يستعار مني فيقوم بمال فقال أن أعرته فاضمني فأنت ضامنة وعن عبد كان من أنفس مالي عندي وأوثقه فأعتقته ثم استخلفته على ضيعتي قال لا أخرجيه من ذلك ولا تدخليه في شيء من منافعك قال الشيخ أبو العباس أحمد احمد بن سعيد رحمه الله هذه بمناقب جابر أولى بها وإنما أثبتناها هاهنا لتعلم حرص أبي نوح على التقاط الفوائد من كل من يثق به.
قال أبو سفيان: قال أبو نوح صالح الدهان أدركت الناس ثلاثة أصناف صنفا يزينون أمر عثمان ولا يفرطون في الأرجاء وصنفا يزينون أمر على ولا يفرطون في التشييع والمسلمون بعد على هداهم وما رزقهم الله من العون والتوفيق وأصابه الحق قال المليح دخلت أنا وعبد الملك الطويل على أبي عبيدة فسألناه عن رجل ادخل يده تحت امرأة فأنكرت إنكارا تاما ونهضت إليه أن يتزوجها فقال أبو عبيدة أنها الفروج يا أبا نوح قال صدقت ولكن أفتى بها جابر فقال أنها الفروج فقال نعم ثم قال أبو نوح ألم أنهكم يامعشر الفتيان أن تسألوني إذا كان أبو عبيدة حاضرا.
ومنهم حيان الأعرج وكان من العلماء الراسخين وأهل التقوى والدين من كبراء من صحب جابرا وأخذ عنه.
قال أبو سفيان: ممن حمل عن جابر وكان أكبر سنا من أبي عبيدة وكان أبو عبيدة يتخذ جوارب ليصلى فيها يتقى بذلك أن يصيب مذاكره مواضع الوضوء من رجليه فبلغ ذلك حيان الأعرج فقال لقد أشقانا الله في ديننا أن كان الأمر كما يقول أبو عبيدة.
وكان أبو نوح يقول: لا ينقض الوضوء إلا (1/89)
صفحة 90
من مس موضع البول منه وأما القضيب فليس فيه وضوء إلا من مس الثقبة التي يخرج منها البول وقال أبو عبيدة القضيب كله ينقض.
قال أبو سفيان: وأما الدبر والانثيان وموضع الشعر فلا ينقض مسهن عندهم.
قال أبو نوح: حدثني حيان الأعرج عن جابر أنه قال للرجل أن يتزوج المرأة إذا ادخل يده تحت ثيابها فأنكرت.
ومنهم أبو حمزة الأشعث بحر العلم الزاخر والجامع بين العمل والورع الفاخر.
قال أبو سفيان: كان من كبار أصحاب جابر وممن جاء عنه الفقه قال سألت امرأة ضماما عن امرأة قال لها زوجها أخرى عني أنفالك فراح هو وأبو حمزة الأشعث إلى جابر فقصا عليه القصة قال لا بأس عليهما.
قال أبو سفيان: تكلم نساء من المسلمين بعد جابر في تحريم الذي يجمعه الجبابرة من المال وأفشين ذلك ووافقهن أبو الوزير وهممن أن يرفعن ذلك إلى ضمام وأبي عبيدة فلقين أبا حمزة الأشعث فكلمنه في ذلك فقال ومن يوافقكن على ما تقلن قلن أبو الوزير قال أو بلغ من ضعف أبي الوزير ما أرى؟! ثم نهاهن وعظم ذلك عليهن وقال إذا زعتمن ذلك فإنكن تقدمن على جابر وأبي بلال وأصحابه فإنهم ماتوا وهم يأخذون عطاءهم فبلغ ذلك ضماما فاشتد في ذلك وعظم عليه قولهن فرجعن واستغفرن الله.
ومنهم حاجب أبو مودود الطائي رحمه الله.
قال أبو العباس: كان بالاجتهاد موصوفا وبالزهد والورع معروفا.
قال أبو سفيان: قال المليح بلغنا ذات ليلة أن في منزل حاجب مجلسا -قال أبو سفيان- وكان المشايخ لا يدعوننا أن نحضر معهم المجالس بالليل فقلت لرجل من أهل عمان (1/90)
صفحة 91
انطلق بنا إلى منزل حاجب فلعلهم يأذنون لنا فجئنا المنزل فأذن لنا فوجدنا المختار بن عوف ورجلين وثلاثة من المشايخ فقال لنا حاجب اخبرا بلج بن عقبة واخبراه بمكاننا فأخبرناه فأتى فلما صلينا العتمة أخذوا في الكلام فيقوم أحدهم فيتكلم ما شاء الله ثم يجلس فيقوم الآخر فكذلك حتى أضاء لنا الصبح قال المليح ما رأيت متكلما يتكلم قائما في مجلس قبله ولا بعده فجاء شعيب بن عمر وكانت أخته تحت حاجب فرده وأبى علي إدخاله وكان يومئذ من أفضل الفتيان وكان بين منزله ومنزل حاجب نحو ثلاثة أميال.
قال أبو سفيان: احتبس حاجب ولم يخرج إلى الحج حتى بقي للموسم ثمانية أيام قال وأراد الخروج هو وجماعة معه ووافق خروجهم يوم الجمعة فقال لأصحابه أن في نفسي من يوم الجمعة لشيئا فقالوا سبحان الله إنما بقي ما تعلم فقال اخرجوا وأنا ألحقكم فخرج القوم وتخلف حاجب حتى صلى الجمعة فركب فلحقهم على مسيرة ليلتين من البصرة.
قال أبو سفيان: وقع غلام كان لحاجب عند أبي جعفر فسأله لمن كان فقال لحاجب وكان علما به وبأبي عبيدة فدخل عليه يوما فرآه حزينا فسأله فقال مولاي الذي كنت له مات يعني حاجبا فرجع أبو جعفر فقال رحم الله حاجبا ثم دخل عليه بعد ذلك فرآه حزينا فقال مالي أراك حزينا فقال مات صديق لمولاي يقال له أبو عبيدة الأعور قال وأنه قد مات قال نعم فرجع وقال ذهبت الإباضية.
قال أبو سفيان: خرج أبو عبيدة وحاجب من البصرة يريدان مكة فأصبحا بالأبطح فإذا جماعة تصلى الصبح فدخلا معهما الصلاة فقنت الإمام في الركعة الثانية، فلما انصرفا إلى خبائهما فقد أبو عبيدة (1/91)
صفحة 92
حاجبا فسأل عنه فقالوا خرج فقال لعل اللحياني يريد أن يعيد الصلاة -وكان حاجب كبير اللحية- وليس علينا إعادة الصلاة لانا لم نتعمدهم وهم يريدون أن يقنتوا.
قال أبو سفيان: ولا ينبغي لمن علم أن الإمام يقنت أن يصلي معه.
قال أبو سفيان: عن وائل أن حاجبا قدم مكة عام وقع بين أهل حضرموت ما وقع في أمر عبد الله بن سعيد حين جعلوه في الحديد وبايعوا حسنا وخالفت طائفة يكرهون ما فعل به فبعث هؤلاء رجالا وهؤلاء رجالا فدخلوا على حاجب وهو أرمد فقال لقد خرجت من أجلكم فما أبصر من البصرة سهلا ولا جبلا ومما أرجو من قضاء نسكي يا أهل حضرموت إنكم قد غلبتمونا قال وائل يرحمك الله لا نخرج من رايك فقال له اسكت والله ما أريدك ولا صاحبك فقال الذين أنكروا على عبد الله ما أحق بالأمر الدافع أم الشاري قال بل الشاري فقال أصحاب ابن سعيد أما إذا شروا فليخرجوا عنا فانا لا طاقة لنا بالحرب فقال صدقوا اخرجوا عنهم فقالوا يؤجلننا شهرا فقال لا والله ولا ثلاثة أيام إلا برضاهم.
قال أبو سفيان: وكان حاجب هو القائم بمثل هذه الأمور للمسلمين في مثل هذه الأشياء من أمر الحرب وجمع المال والمعونة والخضومة وأبو عبيدة إليه يسند أمر الدين والمسائل وكان حاجب لم يبصر الإسلام إلا بعد جابر.
ومنهم أبو سفيان قنبر كان شيخا تقيا وفي الناس مرضيا قال أبو جميل ما رأيت أحدا ممن مضى يذكر الجنة والنار ويصف من أمرهما مثل ما كان يصف ويذكر قنبر وكان يصف صفة من رأى وعاين وشاهد وكانوا (1/92)
صفحة 93
يقولون ما رأينا متكلما يتكلم بالقرآن مثل أبي سفيان وكانت امرأة من المسلمين من بني كلاب يقال لها أم يحيى وكانت تحت يوسف بن عمرو وثم تزوجها جعفر بن سليمان بن علي الهاشمي وكانت عظيمة الشأن فبلغها أن مجلسا فيه قنبر فأقبلت فدخلت البيت التي تكون فيه النساء فاشتم رائحة أنكرها فحول وجهه نحو النساء ثم قال تأتي إحداكن إلى مجلس الذكر والقرآن والتخويف بهذا فمن أراد منكن التطيب والزينة والفخر والحلي ففي غير مجالس المسلمين فتصاغرت إليها نفسها ولم تسفر عن وجهها فلما سكت المتكلمون خرجت نصف النهار ولم تكن تخرج قبل ذلك حتى تبرد ثم تتروح.
قال أبو سفيان: إن الرجل يرى عليه أثر الخشوع فيقال إن هذا الرجل قريب العهد بمجلس أبي سفيان.
قال أبو سفيان: كان أبو سفيان قنبر شيخا كبيرا أخذ وجلد أربعمائة سوط على أن يدل على أحد من المسلمين فلم يفعل قال جابر بن زيد وكنت قريبا منه وما كنت انتظر إلا أن يقول هذا هو فعصمه الله وكان من خيار المسلمين وكان يجتمع المسلمون عنده فيأخذ في الذكر والدعاء والرغبة في الخير ويحض عليه والزهادة في الدنيا.
ومنهم خيار وكان من العلماء الراسخين والفقهاء العارفين.
قال أبو سفيان: كان رجل من المسلمين يقال له خيار بن سالم من طي من أهل عمان وكان فاضلا وكان يقول لأبي عبيدة إذا جاوزت نهر البصرة فانا افقه منك ولو كنت شريفا ما أجابك أحد أنت تشدد على الناس فيضحك أبو عبيدة من قوله فمات رحمه الله (1/93)
صفحة 94
فقيل له أوصي فقال بماذا أوصي ما علي درهم ولا لي على أحد درهم فكانوا يقولون يالها موتة كموتة خيار.
ومنهم أبو عبيدة عبد الله بن القاسم كان ممن حاز قصب السبق في حلقة الرهان علما وعملا وغاص في بحور الزهد والتقوى شابا وكهلا.
قال أبو سفيان: ربما سئل عبد الله بن القاسم فيقول عليكم بوائل فإنه أقرب عهدا بالربيع.
قال أبو العباس عن أبي سفيان: أقام أبو عبيدة عبد الله بن القاسم بمكة وليست له امرأة فقال له أصحابه: (لو تزوجت) قال: (ما أريد ذلك فما زالوا به حتى أجاب وهناك امرأة من المسلمين موسرة وقالوا لا تكلفك مؤنة فقال إذا أبيتم إلا ذاك فابلغوا بمهرها مهر مثلها ولا تنقصوها شيئا ففعلوا فلما تزوجها ودخل بها طابت له نفسا عن الصداق وكان يأتي منزل الفضل بن جندب ومعه قرصان من خبز وملح وكان الفضل يطيب الطعام ويكثره ويقول يا أبا عبيدة تفعل لي مثل هذا فيقول دعني منك وإلا لم ادخل لك منزلا فتركه وكان خرج إلى الصين تاجرا فاشترى قوم عودا فسألهم أن يشركوه ففعلوا فاقبلوا يعيبون العود عند صاحبه حتى استنقصوه مما كانوا اشتروا به فظن أنهم صادقون ونقد معهم عشرين دينارا فلما خرجوا اقبلوا يمدحون فقال سبحان الله تعيبون عودا بلا عيب ردوا علي رأس مالي فاستغنموا منه ذلك وردوا عليه ماله وكان بمكة حين مات أبو جعفر فأخذت على الناس أبواب المسجد للبيعة وكان أبو عبيدة والفضل بن جندب ووائل وعلي الحضرمي فلطف الله بهم فنجوا (1/94)
صفحة 95
فقيل لأبي عبيدة لو أخذت ما أنت صانع قال تذهب والله نفسي قبل أن أعطيهم هذه البيعة.
ومنهم أبو يزيد الخوارزمي رحمه الله وكان من السادات الأخيار والمشار إليهم في العلم والأخبار قيل سئل عن رجل لقي عالما فقال له العالم أن الأمر الذي أنت عليه أو أنت فيه حرام فقال له الرجل هل تعلم عالما أعلم منك فقال نعم قال الرجل سأترك هذا الحرام ولكن لا أخذ منك ذلك حتى أسأل من هو أعلم منك فلم يسأل الرجل حتى مات فقال أبو يزيد مات هذا مسلما إذ مات في طلب السؤال تائبا.
ومنهم العنبر جد أبي سفيان وكان ممن أخذ عن جابر.
قال أبو سفيان: دخل العنبر على جابر في ليلة صافية مظلمة وعنده زوجه آمنة فأخذت عليها ملاءتها فجبذها جابر وقال إن الله جعل الليل لباسا قال يقول المقنعة والخمار بالليل تجزي عن الرداء.
قال أبو سفيان: أتى العنبر والرحيل أبا الشعثاء فسألاه عن أم الرحيل وقد كبرت ولا تطيق الصوم فأمرهما أن يصوما عنها فصام عنها الرحيل فأتياه من قابل فقال اطعما عنها فاطعم العنبر.
قال أبو سفيان: أرسلت عاتكة بنت المهلب بجزور إلى جابر فأمر العنبر أن ينحرها ويجزئها بين الجيران وأطاب جزء جابر وأكثره فنهاه عن عدم التسوية.
ومنهم عمارة بن حيان وكان فاضلا خيرا يتيما في حجر جابر وهو الذي يصاحبه في أسفاره وقد تقدم وفده معه إلى يزيد بن مسلم.
قال أبو سفيان: استأذن عمارة بن حيان على جابر فقال ارجع فلما ذهب قال ردوه قال أراك وجدت في نفسك أما أنه أزكى لك إذ رجعت.
قال أبو سفيان: (1/95)
صفحة 96
توفي عندنا في الحي عمارة بن حيان اليتيم الذي كان في حجر جابر وكان من خيار المسلمين ولم يترك وارثا إلا بنتيه فقال مالي لابنتي بميراثهن وما بقي فهو عليهن رد إلا أن يرى غير ذلك المسلمون قال فسألنا الربيع وقال كان الشيخ عالما صادقا.
ومنهم أبو سالم وابنه أبو سنان وابن ابنه سلمة وكانوا من خيار المسلمين زهدا ويسارا وتقى وجودة.
قال أبو سفيان: وكان المسلمون من أكثر الناس حجا وكان لغير واحد نجائب يحملوا عليها إلى مكة وكان جد سلمة يدعى بأبي سالم من خيار المسلمين وكان أبو سنان له نجائب عدة قال سلمة لأبي نجائب يحمل عليها مشايخ المسلمين ممن لا سعة له إلى مكة شبه المختار بن عوف وغيره وكان أبو سالم من الفضلاء الأخيار وذوي السعة وكان ممن سجن مع أبي عبيدة وضمام قال وقرمنا اللحم فقلنا لرجل كان ممن يدخل علينا اشو لنا دجاجة وائتنا معها بأربعة أرغفة وصانع عليها صاحب السجن فلما أوصلها واقتسمناها فإذا بجلبة نحو البيت الذي نحن فيه فخفنا أن يكون فطن بنا فرمينا بالجميع في الكنيف فإذا لم يفطن بنا فكان طرحنا لها أشد علينا مما مر للمعاينة.
ومنهم أبو فقاس وكان حقه أن يذكر قبلهم وكان من رفقاء جابر واسمه الأسود بن قيس وكانا يحجان معا فيلقيان ابن عباس رضي الله عنهم فلاقاه جابر مرة ولم يكن معه أبو فقاس فقال ابن عباس أين صاحبك قال أخذه ابن زياد قال ابن عباس لجابر وأنه لمتهم قال نعم أو ما أنت متهم قال اللهم بلى.
عن حصين بن نوفل عن ابن عباس قال أصاب أهل النهر (1/96)
صفحة 97
السبيل أصاب أبو بلال السبيل.
ومنهم أبو محمد النهدي وكان مرضيا ممن أبصر الإسلام بنظره وكثرة علمه.
قال أبو سفيان: خرج غازيا فنظر إلى أفعال الناس من الغلول والجور فأنكره وقال ليس هذا من فعل أولياء الله وأهل الإيمان ونظر إلى صلاتهم وقيامهم بتوحيد الله فقال ما هذا بفعل المشركين فلما رجع إلى البصرة وكان له مجلس يذكر ويحدث فيه ويقص ويقول أهل الأحداث ليسوا بمشركين ولا مؤمنين بل كفار فبلغ ذلك المسلمين فحدثوه ووصفوا له ما هم عليه فقبله وقال هذا هو الحق ومازلت على هذا منذ دهر ولم أجد من يوافقني عليه وما كنت أرى أن أحدا يقول بهذا القول فقالوا بلى والله إن لك إخوانا على هذا وأعوانا وكان من أفاضل المسلمين بعد وكان يظهر هذا الأمر ويبوح به وكان يدعو في مسجده على خالد بن عبد الله وهشام بن عبد الله وكان على البصرة بلال بن بردة بن أبي موسى الأشعري وكان طريقه على مسجد أبي محمد فأرسل إليه بالكف عن ذكرهما فلم يفعل فقال إذا رأيتني مقبلا فكف حتى امضي عنك فلم يكن يلتفت إلى ما قال له قال أبو سفيان: قال أبو محمد لا تذكر الحسن في شيء من القدر فإني عاتبته فيه فقال معاذ الله أن أقول ذلك إنما افسد على قلبي واصل بن عطا أياما كنت عنده مستخفيا وأما أن أقول بالقدر فمعاذ الله وقال هو ابعد الناس من القدر.
ومنهم محمد بن حبيب ومحمد بن سلمة المدنيان وكانا من خيار المسلمين علما وعبادة.
قال أبو سفيان: عن وائل قال أما رأينا أبا عبيدة قام إلى أحد من مجلسه يسلم عليه إلا محمد بن سلمة ومحمد بن حبيب (1/97)
صفحة 98
قال وكان محمد بن حبيب من عباد المسلمين وخيارهم وكان أبو عبيدة يعظمهما وإذا رآهما قام إليهما فاعتنقهما قال قال وائل في خبائي أبي عبيدة وكان حاجب حاضرا ومحمد بن حبيب ومحمد بن سلمة المدنيان ومشايخ من أهل حضرموت فقهاء علماء فسألتهم عن رجل اكترى دابة إلى موضع معلوم فجاوز الموضع فتلفت الدابة فاجتمعوا كلهم على أن ضامن للدابة ولا رأوا عليه كراء حين ضمنوه القيمة وأبو عبيدة غائب أو نائم فحضر فقال حاجب سل الشيخ عن مسألتك ياحضرمي فسأله فلزمه الكراء والقيمة فقال له محمد بن سلمة من أين يضمن الكراء قال من حيث لا تعلم.
ومنهم سلمة بن سعد رحمه الله وهو الذي وصل إلى المغرب يدعو الناس إلى هذا المذهب وهو يتمنى ظهوره يوما واحدا ويموت في آخره وهو الذي دل حملة العلم أو بعضهم على موضع أبي عبيدة بالبصرة.
ومنهم ابن يحيى عبد الله بن يحيى طالب الحق وأبو حمزة المختار بن عوف وبلج بن عقبة وأبو الحر علي بن الحصين ويحي بن حرب وأبرهة وغيرهم من أصحاب طالب الحق كانوا أشداء على الأعداء صبراء عند اللقاء أذلة على الأتقياء وفيما بينهم رحماء أرغموا الجور وأورثوا أهله ذلا وصغارا وأقاموا منار الحق وعظموا إله كبارا وصغارا.
أما أبو يحيى عبد الله بن يحيى بن عمر بن الأسود بن عبد الله بن الحارث بن معاوية بن الحارث الكندي فكان قاضيا لإبراهيم بن جبلة عامل القويسم على حضرموت وهو عامل مروان على اليمن فاظهرا باليمن وحضرموت جورا كبيرا ففزعت الناس إلى عبد الله بن يحيى فكاتب أبا عبيدة فقال أن استطعت (1/98)
صفحة 99
فلا تبقى يوما واحدا وأرسل إليه بأبي حمزة المختار بن عوف بن سليمان بن مالك بن فهر الأزدي أحد بني سلمة وأرسل إليه أنا بعثنا لك برجل إنجيله في صدره وأرسل إليه ببلج بن عقبة الأزدي وكتب إليه أنا بعثنا لك اثني عشر رجلا وألفا يعني بالألف بلج بن عقبة الأزدي أحد بني مسعود فلاقا جموع الفجرة والجورة فهزمها الله على يديه وهو لا يتبع مدبرا ولا يجيز على جريح حتى بلغ إلى جند القويسم وهو في ثلاثين ألفا وأبو يحيى في ألف وستمائة وعلى ميمنته يحيى بن حرب والمهاجرين وعمارة وعلى ميسرته بلج بن عقبة وأبرهة بن على وعبد الله في القلب ومعه ابن عيسى فأمرهم أن لا يجيزوا على جريح ولا يتبعوا مدبرا فهزم الله القويسم ودخل صنعاء ثم خرج منها وفر وخرج من جميع اليمن وخلص لعبد الله وقسم ما وجد من مال على فقراء صنعاء قصد إليه ابن خيران وعبد الله بن مسعود وغيرهما من المسلمين فاتوا به من الخزانة إلى المسجد فقسمه عبد الله على فقراء صنعاء ولم يأخذ منه شيئا ولم يستحل منه لأصحابه متاعا فلما حضر الموسم وجه أبا حمزة وبلجا وأبرهة إلى مكة فلما قدموها خاف الناس فساد حجهم فمشت بينهم السفراء فتواعدوا إلى أن يقضي الناس نسكهم. فوقف أبو حمزة على حدة وكان بلج يأتي الجمار بالخيل والسلاح خشية الغدر فلما كان يوم النفر خرج عبد الواحد من جوف الليل إلى المدينة وأقام أبو حمزة بمكة أربعين يوما فلما التام إليه أصحابه ودخلوا مكة يحكمون قال أبو الحر علي بن الحصين هذا صوت غريب في أرض الحرم وخطب بمكة خطبا وأقام بها ما شاء (1/99)
صفحة 100
الله أن يقيم وهو يكاتب أبا يحيى وكان أبو الحر علي بن الحصين العنبري من علماء المسلمين وفقهائهم أقام بمكة عن عيسى بن أبي عمرو.
قال أبو سفيان: أدركته شيخا كبيرا بعث مروان بن محمد إلى أبي الحر إذ كان بمكة وشد في الحديد مع رجل من الرافضة اسمه اصفر ثم ساروا بهما فخرج عيسى في أربعة عشر رجلا من المسلمين فخلصوه منهم بعد ما جاوزوا المدينة بمراحل ثم رجعوا حتى دخلوا مكة مستخفين فخرجوا إلى مني وإلى عرفات وكانوا ينتظرون قدوم أبي حمزة فعند الرواح فاجأهم أبو حمزة في نواصي الخيل قد طلعت فلما رآهم أبو الحر قال احرموا فاغتسلنا واحرمنا ودخلنا في عسكر أبي حمزة فأرسل عبد الواحد إلى أبي حمزة الخطباء فأفحمهم فتهادنوا فوقفنا وأفضنا إلى جمع ثم إلى مني فنزلنا في مؤخر مني وكانت هلبية المهلبية إذ ذاك حضرت الموسم وكانت من خيار المسلمات وفاضلاتهن وهي أم سعيدة فعالجت لهم طعاما فحمله أبو واقد إليهم وابنه وكانا فاضلين فأخذهما الحرس فأرسل إليهم أبو حمزة إن النقض وقع من قبلكم إما أوفوا بعهدكم وإما نناقضكم فأرسلهما وتم العهد فخرج عبد الله لما قضوا المناسك.
قال أبو سفيان: وكان بلج بن عقبة يأتي لرمى الجمار في الخيل والسلاح فقال أبو حمزة رحمك الله لو رميته متنكرا فقال له لا آمن غدرهم بنا ونقض عهدهم وخرج أبو حمزة يريد الشام فتعرض له أهل المدينة بقديد وقد اجتمع إليه نحو أربعمائة من نواحي مكة مع من أقبل معه من أهل اليمن فقال ندعوكم إلى كتاب الله وسنة رسوله فالى ما تدعوننا أنتم قالوا ندعوكم إلى طاعة مروان فاقتتلوا (1/100)
صفحة 101
فقتل منهم أبو حمزة نحوا من أربعة آلاف واصيب مع أبي حمزة يوم مكة أبو عمر وابنه وكانا من أفاضل المسلمين ومن مناقب أبي الحر إن أهدى إليه رجل من أهل البصرة بساطا فيه تصاوير فباعه فقال له وائل إن كان مما يوطأ ويمهد فلا بأس فلم يلتفت إلى كلامه.
عن عيسى بن علقمة قال كان أبو الحر موسرا وتأتيه غلته من البصرة إلى مكة نقرة واحدة ذهبا فيقسمها نصفين فيفرق نصفها في فقراء المسلمين وربعا في نفقته وربعا يحبسه ليهيئه لمن يمر به من المسلمين وفي معاونتهم ولزمه شاب من المسلمين وكان صاحب أمره والذي يولى حوائجه فاتته غلته مرة وأعطى فقراء المسلمين النصف فاحتاج إلى ثمنه والنصف الباقي فدعا فأمره ببيعها فأبطأ عنه فقال له ما حبسك فقال إن القطعة ضاعت فقال أبو الحر في الله خلف من كل هالك ولم يسأله عن شيء فخرج يوما إلى المسجد فإذا القطعة موضوعة بين يدي صائغ فعرفها فقال من أين أتتك قال ناس من بني مخزوم دفعوها إلى أصوغها لهم حليا فجاز عليه مرة أخرى قال له إني سألت القوم فقالوا إن الشاب الذي يخدمك باعها منهم فاستثبت أبو الحر الخبر من المخزوميين وكان لأبي الحر مجلس يجلس فيه للذكر يوم الاثنين ويوم الخميس فأمر الشاب أن يدعو جماعة من مشايخ المسلمين أن يحضروا مجلسه ففعل قال لهم أبو الحر لا يكون أكثر كلامكم إلا في تعظيم الأمانة فإن بعض أصحابكم قد ابتلى ففعلوا فلما بلغ الأمر إلى أبي الحر عظم من ذلك ما شاء الله والفتى جالس قد غمره العرق فخرج (1/101)
صفحة 102
الناس ولم يبق في البيت إلا أبو الحر قال الفتى قد والله هلكت قد خنتك في القطعة قال أبو الحر الله أكبر ذلك الذي أردت هي والله لك ولا حاجة لي فيها وأستغفر الله. وكان مع أبي الحر في أحسن حالاته قال أبو محمد عن عيسى بن علقمة إن شابا يلازم مجلسه ففقده فأتى أمه فسألها عن شأنه قالت: أخذ في السفه وترك ما كان عليه ونفد ما في يده ولا يأتينا إلا ليلا أو نصف نهار، وقال أبو الحر إذا أتيت وهو في البيت فلا تحبسيني على الباب فأتاهم نصف النهار ومعه ستة أثواب وثلاثمائة درهم فاستأذن فأذنت له فإذا بالفتى في خلق في ناحية البيت قال له ما منعك أن تأتينا فنحن الذين أسأنا في أمرك، فخذ هذه الأثواب واكتس بثوبين ولأمك ثوبان ولأختك ثوبان وخذ هذه الدراهم فاستنفقها على نفسك فرجع الفتى وحسنت حالته. فقتل مع أبي الحر يوم مكة رحمهما الله ومن أصحاب أبي يحيى أبو بكر بن محمد بن عبد الله القريشي من بني عدي كعب.
ثم من بعدهم طبقة الربيع بن حبيب رحمه الله طود المذهب الاشم وبحر العلوم الأخلم صحب أبا عبيدة فنال وافلح وتصدر بعده على الأفاضل فانجح.
قال أبو سفيان: لما أصاب أبا عبيدة الفالج وحضر خروج الناس إلى الموسم مضى إلى أبي عبيدة حاجب بعبد الله بن العزيز ليرسله مع الربيع فقال لا افعل فقال له فالمثنى قال نعم فأرسلوا إلى المثنى فحضر فقال أشير عليكم إلا تفعلوا فيقال ما وجدوا من فيبعثوا مع الربيع في سنه وفضله إلا هذا الغلام فازداد محبة بقوله في نفس أبي عبيدة وازداد عندهم رضا فخرج الربيع وحده. (1/102)
صفحة 103
قال أبو سفيان: ذكر الربيع عند أبي عبيدة فقال تقينا وأميننا وثقتنا.
قال أبو سفيان: اجتمع وائل والمعتمر بن عمارة وجماعة إلى الربيع فسألوه أن يخرج إلى الموسم قال ما عندي ما أتحمل به فمشوا إلى النظر بن ميمون وكان من خيار المسلمين ومن تجار الصين فاعلموه بقوله فأتاه بأربعين دينارا فقال له حج بها قال فلم يقبلها وكان به خاصا فأتاه وائل والمعتمر فقالا تعلم يا أبا عمرو حاجة الناس إليك فأبيت أن تقبل من النظر قال لهما قال لي خذها على أن تحج بها ولست أقبلها على شرط فرجعا إلى النظر قال خذاها وادفعاها إليه ولست أظن أنه يكره ذلك ففعلا فأبى أن يقبلها.
قال أبو سفيان: استحلف أبو جعفر رجلا من أهل الموصل بالطلاق على رجل اتهم أنه عنده أو ماله فحلف فرجع الرجل إلى داره فوجد نعله فكتب بالمسألة إلى الربيع فقال لابد أن يحضر الحالف فلما حضر جمع العلماء والأشياخ فاتفق رأيهم على أن الملوك لا يستحلفون على النعال وما أشبهها والربيع ساكت فقال الرجل ما تقول يا أبا عمرو فقال أرى فراقها فقال شعيب إن الملوك لا يستحلفون على النعل فقال صدقت ولكن صاحبنا قال ما له عندي قليل ولا كثير ولا تخلو النعل أن تكون من القليل والكثير.
قال أبو العباس: إن يمينه انعقدت على علمه ولا علم له بالنعل وأيضا فإن لفظه عندي لا يلزمه ما لزمه لأن فيه تخصيصا لا يقض قصر الحلف ولعله أخذ بالأحوط انتهى.
قال أبو سفيان: يرى التغليظ على من قال علي عهد الله وميثاقه أو كافر أو يهودي أو نصراني أبو سفيان جاء نصر أبو محمد الأزدي إلى أبي عبيدة يسأله عن (1/103)
صفحة 104
مسألة فأجابه ثم قال ائت بالربيع فلما حضر سأله فأجاب بغير جواب أبي عبيدة فراجعه أبو عبيدة فيه وقال الذي حفظت عنك كذا قال أو قد حفظت قال نعم قال للرجل انظر ما قال الربيع فخذ به فإنه عني حفظ وكان أبو عبيدة في وقته ذلك في شكاية وكان الربيع إذا سئل عن مسألة قيل ويقال له إذا أجاب عمن أخذتها فيقول إنما حفظت الفقه عن ثلاثة أبي عبيدة وضمام وأبي نوح هذا قول أحدهم ولم يكن يخفى عليه قول واحد منهم وسئل عن رجل مشتمل من البرد فيضع كساءه تحت قدميه ويسجد ويداه على الطيلسان قال هذا صنيعى إلا أن يرى أبو المضا غير ذلك وكان أبو المضا من السند قد أدرك أصحاب النخيلة قال أبو المضا القول قولك ودخل عليه أبرهة بن عطية فقال يا أبا عمر رجل من إخوانك من أهل الشام فكان يختلف عليه ويسأله عن الفقه زمانا فحضر بعض المسلمين مجلسه فقال سلم على أخينا فسلم عليه فقال من أي البلاد قال من الشام قال من أي الشام قال من أهل الجزيرة قال لعلك ابن عطية قال نعم قال يا أبا عمرو هذا الذي أهلك أهل خراسان وأبوه قبله فلا يدخلن عليك قال الربيع أسرعت على الرجل فخرج الرجل فأتى وائلا والمعتمر وعبد الملك وجماعة من أصحابنا فأعلمهم فاتوا الربيع فقالوا قذفت ابن عطية فقال لا يجمل بمثلى أن أرد من يأتيني مع أن الرجل لم يسألني عن شيء اكرهه قالوا فلا يدخلن عليك فأتى فاستأذن فحجبه فقال ما ظننت الربيع في فضله وعلمه وورعه وحلمه يرد مثلى وإنما اسأله عما ينتفع الناس به عن أمر دينهم فبكى وانصرف وارتحل من جواره وفي أيامه خالف عبد الله بن عبد العزيز وأبو المؤرج وشعيب وأصحابهم في الجمعة والمرأة (1/104)
صفحة 105
التي تؤتى فيما دون وإن أهل القبلة المتأولين في الذي ورد ما يوهم التشبيه مشركون ورد الربيع مقالتهم وبرئ منهم وقد كانوا تكلموا بذلك في أيام أبي عبيدة فأنكرها عليهم وطردهم من المجالس واتوا حاجبا والربيع فتابوا وأعادهم إلى المجالس ثم أظهروها في أيام الربيع وتمادوا عليها وكذا مخالفة عبد الله بن يزيد وابن عمير عيسى وأما حمزة الكوفي وعطية وغيلان فخلافهم في القدر في زمان أبي عبيدة.
ومنهم أبو أيوب وائل بن أيوب الحضرمي وهو من أفاضل أصحابنا علما وزهدا وتقى وأمرا ونهيا وإذا سئل أبو عبيدة الصغير عبد الله بن القاسم قال عليكم بوائل فإنه أقرب عهدا بالربيع.
قال أبو سفيان: قال وائل أدركت بحضرموت رجالا أن كان الرجل منهم لو ولى على الدنيا كلها لاحتمل ذلك في عقله وحلمه وعلمه وورعه ورأيت جزءا فيه مناظرة أبي أيوب للمعتزلة مع رجل منهم يقال له كهلان وأصحابه.
قال أبو العباس: صنو الربيع وتلوه فإنهما رضيعا لبان التفقه في العلوم فما منهما إلا له فيه مقام معلوم وإن كان لأبي عمرو فضل وزيادة وشهرة في الاستفادة والإفادة فإن لوائل أنواعا من جميل الصفات أحيى الله بها على يديه أعظم الدين الرفات من طيب شيم وخلق كريم.
قال أبو سفيان: قال وائل قدم علينا ابن عطية بعد أن قتل أبا يحيى حضرموت فقاتلناهم فتحصنوا في قرية فأقمنا عليها أربعة وعشرين يوما نحاصره فطلب الصلح فصالحناه على أن يرد جميع ما في عسكره مما أصابوا من أموال (1/105)
صفحة 106
المسلمين فدخل المسلمون فأخذوا ما عرفوا في عسكره وأرسل إليه مروان أن يلحق بالموسم يصلي بالناس وخرج في نفر يبادر الموسم وجيشه خلفه فوافق رجلين اخوين من المسلمين يقال لهما ابنا جمانة فظنا أنه جاء منهزما فدخلا عليه في قرية بات فيها ومعهما نفر من أصحابهما فقتلوه وقتلوا من معه واحتزوا رؤوسهم وطلبوا جيش المسلمين فبينما هم يسيرون إذ لقوا جيش ابن عطية فسألوهم عن ابن عطية قالوا تقدم فعجل الله بروحه إلى النار ومات مع ابن يحيى أسد بن كثير وعبد الله بن خيران وكانا من أهل الفضل.
ومنهم الفضل بن جندب هو مولى للأزد وكان من خيار المسلمين وفضلائهم وكان ذا مال وكان سخيا.
قال أبو سفيان: مات حاجب ودخل عليه قرة بن عمرو وجماعة المسلمين ليغسلوه فقال قرة ما تقولون في دين هذا الرجل فابتدر قرة في أربعة فضمنوه وكان دينه خمسين ألفا وفي كتاب أبي العباس مائة ألف وخمسون ألفا فحضر الفضل بن جندب وكان من خيار المسلمين وكان موسرا فأخبروه فقال هو في مالي دونكم حتى اعجز عنه ولا يبقى لي مال فقالوا له شانك فمات الفضل قبل أن يؤدي عن حاجب فأوصى إلى أبي عبيدة عبد الله بن القاسم وإلى زوجته وإلى حبيب بن سابور وإلى أبي سنان البناني فمات أبو عبيدة فردوا الوصية إلى أم الصلت زوجة الفضل والي حبيب بن سابور والي أبي سنان فلم يقبلا الوصية وكان للفضل بن جندب على رجل مال فوقع ماله عند القاضي وهو عبد الله بن الحسن بن أخي أبي الحر فأرادوا أن يثبتوا عنده أم (1/106)
صفحة 107
الصلت وصى زوجها الفضل فلم يجدوا شهودا إلا من شهد أنه أوصى إليها والي أبي عبيدة والي حبيب بن سابور والي أبي سنان وخشوا إذا لم يقبل حبيب وأبو سنان الوصية أن يدخل القاضي رجلين مكانهما فيفسد عليهما الأمر فسألوا الربيع هل يجوز للشهود أن يشهدوا إن الفضل أوصى إلى زوجة أم الصلت ولا يذكروا غيرها قال نعم إلا أن يسألوا فلابد لهم حينئذ أن يأتوا بالشهادة كما استشهدوا وإن لم يسألوا فلا بأس عليهم وأما أبو عبيدة عبد الله بن القاسم فضاق عليه ذلك وقال لا يجوز أن يشهدوا إلا كما استشهدوا قال أبو أيوب وائل إنما الفقيه الذي يعلم ما يسع الناس فيه مما يسألونه عنه وأما التضييق فمن شاء أخذ بالاحتياط.
ومنهم قرة بن عمرو وحبيب بن سابور وأبو سنان وهم من فضلاء المسلمين وخيارهم.
قال أبو سفيان: غضب عبد الله بن القاسم على حبيب بن سابور في أمر وصية الفضل بن جندب وكان سلفا للفضل فقال لأدعون الله عليه قال اللهم ادخل بيته قناطير الذهب والفضة قالوا أدعوت له قال والله وأي شيء أشر عليه أن يدخل بيته قناطير الذهب والفضة.
ومنهم عبد الملك الطويل وكان شيخا فاضلا وعالما متقنا استفاد وأفاد وكان له مجلس.
قال أبو سفيان: بلغ حاجبا أن في منزل عبد الملك الطويل مجلسا بالليل تكثر فيه الجماعة ولهم كلام يسمعه الجيران فأرسل إليه فقال له ارفق على نفسك يا عبد الملك ما هذا الذي بلغني أنكم تفعلون قال إنا لنفعل وإن أمرتنا أن لا نفعل تركنا فسكت طويلا فقال لئن تخافون وتعمرون لأحب إليَّ من أن لا تخافون (1/107)
صفحة 108
ولا تخربون اعمروا مجالسكم فإن الله يحفظكم قال أبو العباس: لا تخافون وتخربون.
قال أبو سفيان: وما بلغنا أنهم ظفر لهم بمجلس قط إلا أنهم كانوا في عهد زياد وابنه أتاهم الخبر بان الخيل تريدهم فخرجوا مسرعين وتركوا نعالهم فجاءت الشرطة فنظروا إلى نعالهم فقالوا للعجوز التي لها البيت ما هذه النعال قالت مكاتب لنا يطلب الناس فيعطوه النعال وغيرها فقال بعضهم قد ذكرت ما ذكرت فلا تعرضوا العجوز للبلاء فلعلها صادقة وكانوا إذ ذاك يأتون المجالس في هيئة النساء وكان لأبي الحر علي بن الحصين مجلس فقيل له خشينا أن يظهر علينا قال أما سمعت أن الله يقول: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} قال أبو سفيان: سمعت عبد الملك الطويل يتحدث عن أبي حمزة المختار قال أدركت المسلمين أن كان الرجل منهم ما يستزاد في صلاة ولا في صيام ولا في حج ولا في اعتمار ولا في وجه من الوجوه أن عرف أنه ليس بشديد الحرص في الشر اسقط من أعينهم وتسقط منزلته عندهم قال حاجب لعبد الملك الطويل فيما يود به فيه إذا كان أحد يعيب عليه المسلمون في أشياء تكون منه فيما بينه وبين الله فاستروا عليه وعظوه واحضروه مجالسكم وارفقوا به جهدكم عسى الله أن يتوب عليه وإن عابوا عليه في خلافهم في الدين يريد أن يشغب ويفتق عليهم فتقا فابدوا عورته واهجروه واعلموا الناس به حتى يكونوا منه على حذر.
قال أبو سفيان: كان زوج سعيدة يقال له عبد الله بن الربيع خال المهدي واتخذت سعيدة للمسلمين سربا في دارها يجتمعون فيه الليل ولابن الربيع أولاد من غير (1/108)
صفحة 109
سعيدة فكان أحدهم قد دعاه المسلمون فأجابهم ودخل مجالسهم وعرف المشايخ بوجوههم ومنازلهم وأسمائهم وكان له أمهات أولاد مسلمات فاعتق واحدة يريد إكرامها وأراد أن يتزوجها فأبت عليه وقالت الحمد لله الذي نجاني منك فغضب عليها ثم اعتق أخرى لينظر ما تفعل ففعلت كفعل صاحبتها قال لهن إنما خدعتنني حتى أدخلتنني في دينكن فلما أعتقتكن وأردت إكرامكن بأن أتزوجكن فأبيتن فغضب وكتب إلى أبي جعفر بأسماء مشايخ المسلمين ومجالسهم وكتب بان سعيدة تجتمع عندها الإباضية في سرب لها في دارها فلما قرأ أبو جعفر الكتاب دفعه إلى ابن الربيع فلما قرأه أكثر الاسترجاع قال أبو جعفر مالك قال ابني قد ذهب عقله وأرجو أن يعافى وصار إلى ما أرى واسترجعت لمصيبتي فيه قال احبسه قال لابد من ذلك قال أبو جعفر فأرسل إليك طبيبا يداويه قال لا أحب أن أشهره لكن ابعث لي بالأدوية فبعث إليه أصنافا من الأدوية وجعل ابنه في الحديد زمانا حتى كتب إلى أبي جعفر بأنه كتب الكتاب وهو لا يعقل وقد قال ابن الربيع لأبي جعفر أو مثل سعيدة يقال فيها هذا.
ومنهم المعتمر بن عمارة وكان من مشايخ المسلمين وخيارهم ومن أولى الفضل.
قال أبو سفيان: عن المعتمر قال قلت لأبي عبيدة انك لأحب إلي من والدي قال كذلك ينبغي لك يا معتمر أن تكون لأنك بذلت لي ما لم تبذله لأبيك يعني الولاية.
قال أبو سفيان: قال شعيب أبو المعرف للمعتمر بن عمارة أقبل مني أن أقول إن المسلمين جمعوا مع الجبابرة وهم (1/109)
صفحة 110
أفضل منا فقال المعتمر هم أفضل منك في حضورها وتركك لها قال لا تحمل عني ذلك قال المعتمر إنما كلامك في الجمعة فإن زعمت أنهم أفضل منك في حضورها قبلت منك قال لا أعطيك ذلك قال المعتمر ذلك لتعلم انك طاعن عليهم في حضورهم لها.
قال أبو سفيان: سمعت المعتمر بن عمارة يقول وكان من خيار من أدركته من المسلمين ما لقي الله أحد ممن يقر بالإسلام بذنب أعظم من ترك الصلاة متعمدا.
قال أبو سفيان: وكان المعتمر قد حفظ من أبي عبيدة وضمام وغيرهما علما كثيرا ولكن لم يكن يبذل نفسه ولا يقعده للناس وكان يقول إن للعالم أن يعبد الله بكتمان علمه ما لم يحتج إليه.
ومنهم المثنى وكان شيخا فاضلا تقيا.
قال أبو سفيان: لما أبى أبو عبيدة من إرسال عبد الله بن عبد العزيز مع الربيع إلى الحج قيل فالمثنى بن المعرف قال نعم قال فبعث إلى المثنى في ذلك فقال ما كنت لأفعل اخرج مع الربيع والربيع غاية في فضله وسنه ومعرفته فما أشير عليكم أن تبعثوا غلاما حدثا مثلى وفي الربيع كفاية فبلغ قوله أبا عبيدة فازداد له في نفسه محبة وازداد عندهم بذلك رضا فقال أبو عبيدة صدق مثنى فقال الربيع يا أبا عبيدة كنت تحضر أنت وحاجب حفص الوائلي فما تكادون تقومون بما يرد عليكم فكيف بي قال له ليس بيني وبين الناس سوط ولا سيف من جاءك موافقا لك يقول بقولك فيه ونعمت ومن أتاك مخالفا عليك فأبعد الله من أبعده.
ومنهم المليح (1/110)
صفحة 111
وكان من العلماء الأخيار والفضلاء الأبرار.
قال أبو سفيان: قال المليح دخلت أنا وعبد الملك الطويل على أبي عبيدة فسألناه فيمن ادخل يده تحت ثياب المرأة فأنكرت إنكار الحرة أله أن يتزوجها فأبى ذلك وأجازه أبو نوح.
قال أبو سفيان: قال المليح بلغنا ذات ليلة إن في منزل حاجب مجلسا فأتيته أنا وعماني فأستاذنا فأذن لنا واستأذن شعيب فرد وتقدم الخبر بالتعريف لحاجب.
ومنهم أبو غسان مخلد بن المعرد وكان من العلماء النحارير والفقهاء القناطير.
قال أبو سفيان: أفتى عبد الله بن عبد العزيز وجماعة معه إن من أفتى الناس بما لا يعلمون أنه حق فإن لهم أن يقفوا عنه فقال أبو غسان للراوي قل له ما قلت فيما أفتيتنا به من أمر حجنا فانا لا نعلم ما تقول أليس لنا أن نقف عنك لانا لا نعلم ما قلت حقا فقال له ذلك فقال ابن عبد العزيز أنت رجل شغب ولم يجبه بشيء قال أبو غسان إن الذي قال لك لا يجوز في الدين ولا يسع نقض ولاية أهل الدين إلا بما لا يسع مقارفته.
ومنهم بسطام.
قال أبو سفيان: وكان خيرا فاضلا له فضل في المسلمين وشرف قال وكان يحضر المجالس فهو أول من يتكلم وكنيته أبو النظر وكان قبل ذلك صفريا وهو بسطام بن عمر بن المسيب بن زهير الضبي من أصحاب شبيب وفر من الحجاج ونزل البصرة.
قال أبو سفيان: نزل عندنا في دارنا في الأزد فدعاه المسلمون فأجاب وكان اسمه مصقلة ثم غلب عليه بسطام فقال له المسلمون حين دعوه ندعوك إلى ولاية من قد علمته (1/111)
صفحة 112
يقول بالحق ويعمل به والي براءة من قد علمته يقول بخلاف الحق ويعمل به والوقوف فيمن لا تعلم حتى تعلم قال فعلمت أنه الحق وأنه دين الله.
ومنهم أبو طاهر.
قال أبو سفيان: مات أبو طاهر وأوصى بكفارات لأيمانه وترك عيالا فسألت الربيع كم يعطي لكل مسكين وهو عالم بعياله فقال اشتروا الشعير فإنه ارخص وأعطوا لكل مسكين مدين.
ومنهم أبو محفوظ وكان شيخا فاضلا.
قال أبو سفيان: وكان من خيار من أدركت قال جاء رجل إلى أبي عبيدة فقال له أنهم يعرضون بنا في المجالس قال له فهل سموا أحدا قال لا قال ومن يعلم ما تقول فأشار إلى شيخ يقال له أبو محفوظ وكان من خيار من أدركت قال صدق قال أبو عبيدة وإن القرآن ليعرض بالناس فمن عرف من نفسه شيئا فأبعد الله من أبعده.
ومنهم أبو الوزير وكان من أشياخ المسلمين وحقه أن يذكر في طبقة أبي عبيدة.
قال أبو سفيان: ذكَّر أبو عبيدة يوما في مجلسه وذكر النار وما أعد الله فيها لأهلها والجنة وما أعد الله فيها لأهلها وخوَّف ورغَّب وكان ذلك في أيام أبي يحيى فلما سكت قام أبو الوزير فقال يا أبا عبيدة لو أردنا الجلوس إلى ما كنت فيه لجلسنا إلى من هو أوصف لما كنت فيه منك من قومنا إلا تزين أمر أصحابك وتحض على نصرتهم والعون لهم فنحن إلى ذلك أحوج إلى ما كنت فيه يعني أبا يحيى وأبا حمزة ومن معهم رحمهم الله قال أبو عبيدة إنما يتكلم الرجل بقدر ويمسك إلى أجل.
قال أبو سفيان: تكلم نساء من المسلمات بعد جابر في المال الذي يجمعه الجبابرة وقلن أنه حرام ثم أفشينه فوافقهن أبو (1/112)
صفحة 113
الوزير على ذلك فكلمن أبا حمزة الأشعث فنهاهن عن ذلك وتقدم الكلام على ذلك.
ومنهم عيسى بن علقمة وهو من أصحاب أبي الحر علي بن الحصين والله أعلم إن كان هو عيسى بن أبي عمرو أو غيره وتقدمت روايته في التعريف بأبي الحر. قال أبو سفيان: أدركت عيسى وهو شيخ كبير.
ومنهم أنس بن المعلا وهو من مشايخ المسلمين.
قال أبو سفيان: وهو من خيار من أدركته من مشايخ المسلمين قال خرج إلى ابن عم له واليا على فارس فأحسن إليه فبينما هو عنده إذ عزل فهرب أنس إلى البصرة وخرج مستخفيا في مركب ومعه ماله الذي جازه به ابن عمه وخشي أن يؤخذ منه فدفعه إلى أبي حمزة المختار حتى سكن عنه ما يخاف منه.
ومنهم الحسن بن عبد الرحمن.
قال أبو سفيان عن الربيع عن الشيوخ: إنه كان معروفا مسلما فاضلا خطب أم عفان وكانت مسلمة بنت مسلم وأن أباها استأمرها فكرهت ذلك فنهاه جابر أن يزوجها وهي كارهة ثم خطبها رجل من قومها ليس منا فشاوروا أبا الشعثاء فيه وقد رضيت به فأمره أن يزوجها إياه وكان حقه أن يذكر في طبقة أبي عبيدة.
ومنهم سفيان وكان من التائبين.
قال أبو سفيان: كان سفيان هجره المسلمون على أشياء أحدثها ثم تاب ورجع وكانوا يقولون له ياسفيان أكنت تبرأ من أبي عبيدة والمشايخ قال والله كنت أفعل ولكن أستغفر الله من ذلك وكان حاجب يقول يا لها من توبة كتوبة سفيان.
ومنهم يحيى بن نجيح وديال رحمهما الله وكان سعيهما أن يجمعا من الأغنياء للفقراء أما يحيى فيخرج بجراب فيطوف على أغنياء المسلمين فمن (1/113)
صفحة 114
حضر عنده الخبز أو التمر أو الرمان أو الدراهم وما حضر -قال أبو سفيان وهو يحيى الصغير- ثم يطوف بما جمع على الفقراء يفرق عليهم ومات مع الجلندى بن مسعود بعمان. وأما ديال بن يزيد فيفعل مثل ذلك بعده وربما أستأجر الأكسية في البرد الشديد والطنافس والقطف بألف درهم أو أقل أو أكثر وليس عنده منها شيء وإنما يتكل على الله ثم على المسلمين ثم يفرق تلك الأكسية والقطف والطنافس على الفقراء ثم يخرج فيجمع ذلك على الأغنياء فيقضي أهل الثياب حقوقهم. وكان المسلمون يكثرون الصدقات ويفرحون لأبواب البر.
قال أبو سفيان: سمعت بعض مشايخ من أدركت يقولون إنا لنذكر إذا دخل شعبان إن كان الفقراء من المسلمين لتأتيهم الأحمال بالسويق والتمر ما يصلحهم لشهر رمضان ولا يعلمون من بعث بها يأتي الرجل بالجمال حتى يقف به على باب الدار فيقول أدخل فيكتب في خرقة كلوا وأطعموا وكانوا يحملون المشايخ إلى الحج ويكون لأحدهم عدة نجائب أعدها لذلك وكانوا يجمعون الأموال يبعثون بها إلى المغرب والمشرق من اليمن وتيهرت لإقامة دين الله وكان الذي يتولى ذلك في أيام أبي عبيدة حاجبا.
قال أبو سفيان: لما خرج الإمام عبد الله بن يحيى وأبو حمزة جمع حاجب لهما أموالا كثيرة يعينهما بها وكتب على كل موسر من المسلمين قدر ما يرى فما أمتنع عليه أحد ودعا أبا طاهر وكان شيخا فاضلا وقال له عليك بالنساء وأوساط الناس فأنا نكره أن نكتب عليهم ما لا يحملون فانطلق أبو طاهر فيمن انطلق معه من المسلمين فلم يأتوا امرأة ولا رجلا (1/114)
صفحة 115
إلا وجدوه مسارعا فيما سألوه وكان رجل من المسلمين لم ير إنه صاحب مال فدفع إليهم ثلاثة آلاف درهم فقال له أبو طاهر أي أخي العيال قال الله لهم والله ما رأيت مذ كنت وجها مثل هذا أنفق فيه فإذ وجدته أفأدعه والله لا يرجع إلي منها درهم ولكن عهد الله لا تخبر باسمي ما بقيت ففعلوا فلم يمس الليل حتى جمع أبو طاهر عشرة آلاف درهم فأخبروا حاجبا فسر بذلك فقال: إن في الناس لبقية!. بعد فاشترى بتلك الأموال سلاحا فوجهه ووجه ما بقي. وتقدم الكلام على حاجب وعلى أبي طاهر.
ومنهم سابق العطار.
قال أبو سفيان: كان سابق من خيار من أدركت قال خرج أبو عبيدة ذات مرة حاجا مع سابق العطار فبينما هما نازلان في بعض المنازل إذ وقفت عليها إعرابية بلبن وسمن وجدي، فاشتراها سابق بقرورة خلوق وقلادة فجاء باللبن إلى أبي عبيدة فقال اخر عنا لبنك يا سابق كم ثمن القلادة قال نحو دانق وكذا القاروة ويحك إنما الغبن للعشرة إثنان أو خمسة للعشرة وللدرهم درهم ولعله والله أعلم إنه أراد ما ثمنه درهم تبيعه بدرهمين يعني الثلث أو السدس أو النصف قال له وأما مثل هذا فلا فأرسل سابق إلى الإعرابية فقال لها أبو عبيدة كم ثمن اللبن عندكم قالت لا ثمن له قال وثمن الجدي والسمن قالت أربعة دراهم فاخرج سابق أربعة دراهم فدفعها إليها قال أبو عبيدة هلم الآن لبنك يا سابق.
ومنهم أردون.
قال أبو سفيان: أخبرنا شيخ لنا من أهل عمان يقال له (1/115)
صفحة 116
أردون وكان من خيار من أدركته من مشايخ المسلمين إن نسوة من أهل عمان استأذن على عائشة فأذنت لهن فدخلن فسلمن عليها وسلمت عليهن فسألتهن من تكونن قلن من أهل عمان فقالت لقد سمعت حبيبي عليه السلام يقول ليكثرن وارد حوضي من أهل عمان.
ومنهم أبو الموسر.
قال أبو سفيان: شيخ فاضل من المسلمين قال أبو سفيان كان له ابن يدعى عبد الرحمن قال الناس كلهم عندي أهل ولاية إلا من ظهر لي منه ما أبرأ به منه فنهاه المسلمون ونهاه أبوه عن ذلك القول فلم ينته فخلعوه وبرئوا منه وأعلموا الناس إنه على غير طريقتهم وذلك في زمان أبي عبيدة.
ومنهم أبو منصور.
قال أبو سفيان: وكان فقيها عالما قال أبو منصور: النفساء لا تزيد على ستين ليلة يوما واحدا إذا تمادى بها الدم تطهرت وصلت وتغتسل وتجمع بين الصلاتين.
قال أبو سفيان: أخبرني رجل من المسلمين من أهل خراسان عندهم في الأثر عن أبي عبيدة إنها تتربص ما بينها وبين تسعين يوما فإن انقطع وإلا فلتتطهر وتصل.
قال أبو سفيان: لعل أبا عبيدة جعل لكل شهر من شهور الحمل أقصى مدة الحيض عشرة أيام وجعل شهور الحمل تسعا.
ومنهم أبو واقد من خيار المسلمين.
قال أبو سفيان: قال الربيع يكره أن يتزوج الرجل المرأة ويتزوج أبوه ابنتها فقال لي أن امرأة واقد وأبي واقد ليست كذلك إنما كانت امرأة وخالتها. (1/116)
صفحة 117
قال أبو سفيان: وكانت هلبية المهلبية إذ قدم أبو حمزة مكة حضرت الموسم فعالجت لهم طعاما كثيرا وكانت من خيار المسلمات فأرسلته مع أبي واقد وابنه وكانا فاضلين فأخذهما الحرس فقالوا معكما السلاح ففتشا فلم يجدوا معهما سلاحا فلما أصبح أبو حمزة أرسل إليهم النقض جاء من جهتكم وكانت بينهم وبينه مواعدة إلى انقضاء الموسم قال لهم فإن شئتم ناقضناكم وإن شئتم فأوفوا بعهدكم فأرسلوها فتم العهد حتى فرغ الناس من مناسكهم.
ومنهم زجر الحضرمي.
قال أبو سفيان: كان ذا فضل وعبادة وورع قال وسمعت وائلا يقول إن معنا بن زائدة لعنه الله لما قدم اليمن وقتل من قتل من المسلمين وغيرهم هرب زجر إلى قلعة فأمتنع فيها زمانا وكان له ابن عم بلغ مع معن منزلة ومكانة فاستأمنه على زجر منه فلما قدم به ابن عمه قتله فسألنا أبا عبيدة فقال يقتل علانية وسرا فقالوا لا نتهمه على ابن عمه قال أيعرف إن معني يقتل بعد أن يؤمن قلنا نعم قال يقتل سرا وعلانية.
ومنهم حفص الويلي وكان من طبقة أبي عبيدة.
قال أبو سفيان: قال الربيع لأبي عبيدة حين بعثه ليقوم بأمر الناس في الموسم قد كنت تحضر أنت وحفص الويلي فما تكادون تقومون بما يرد عليكم فكيف بي وقد تقدم الخبر.
ومنهم أبو سفيان محبوب بن الرحيل أحد الأشياخ الأخيار والمقيد غرائب الفقه وعجائب الأخبار ساد الفضلاء علما وحفظ الآثار.
قال أبو العباس: مناقب أبي سفيان مغنية شهرتها عن المشاهرة (1/117)
صفحة 118
فقد قامت مقام العيان.
قال أبو سفيان: كنت أصلي بجماعة النساء في منزلنا وأنا إذ ذاك شاب فجاءنا الربيع يوما من الأيام وجاء معه أبو طاهر فيمن جاء فقال لي أبو طاهر يا محبوب إنك تحبس النساء وتطول عليهن فقال لي الربيع فكم تقرأ؟ قلت: عشرين وعشرا ونحو ذلك، فقال له الربيع وهذا كثير يا أبا طاهر ثم قال الربيع: كان ضمام يقرأ خمسين آية وكان حافظا سريع القراءة.
قال أبو سفيان: عن عبد الملك الطويل قال قال أبو حمزة كنا نأتي منزل حاجب في رمضان يصلي بنا فيه فيقرأ بنا المائدة في ثلاث ركعات.
قال أبو سفيان: من لم يقدر على القيام من مرض أو في سفينة أو طين أو ماء فإنه يصلي جالسا ويومئ برأسه ولا يسجد وهو قول أبي عبيدة والربيع وجابر وذكرت للربيع أن رجلا من أهل خراسان حدثني عن أبي عبيدة الصغير وهو الذي تولى أمره في مرضه الذي مات فيه أعني عبد الله بن القاسم إنه كان يصلي قائما فلما غلب حملته حتى قعد على المسجد فكبر ثم ركع ثم أهوى إلى السجود فظننت إنه غلب فبادرت لأرفعه فجبذني فأرسلته فسجد وهو جالس فلما فرغ والتفت إلي قال إنما الإيماء على من كان على الفراش أو دابة أو سفينة وأما من كان في المسجد فإنما يركع ويسجد.
قال أبو سفيان: أدركت أصحابنا يكرهون أن يصلي الرجل في داخل المحراب ولكن ليقم خارجا منه ويكون سجوده فيه.
قال أبو سفيان: أفتى الربيع لامرأة سألت والدتي وكانت والدته تحت الربيع عن من أشتغل عن الظهر إلى العصر قال تعتق رقبة قالت لا تجد قال تصوم شهرين قالت (1/118)
صفحة 119
فعلت ذلك غير مرة قال فلتصم لكل مرة شهرين. [وعن] أبو سفيان عن الربيع أن أبا عبيدة يجمع الصلاة في الفلوات فإذا مر بقرية فإن شاء جمع وإن شاء أفرد وإن نزل بقرية يقيم فيها أفرد.
ومنهم أبو صفرة عبد الملك بن صفرة بلغ في العلوم فكان كبيرا وحاز منها شيئا كثيرا روى آثار الربيع عن ضمام عن جابر وهو مشهور وأما كتاب المسند عن أبي عبيدة المسمى بكتاب الربيع فلا أدري من رواه ولعله هو الراوي أيضا وكان مشوشا وإنما رتبه أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني.
ومنهم حملة العلم إلى المغرب وحملة العلم إلى المشرق.
ومنهم الجلندى بن مسعود وهلال بن عطية الخراساني.
ومنهم سالم بن ذكوان رحمه الله وحقه أن يذكر في طبقة أبي عبيدة وهو من مشاهير العلماء الأبرار وكان ممن يكاتبه جابر بن زيد رحمه الله وينبغي أن تذكر من خالف الربيع في بعض المسائل وإن كان من خالفه لا يلتفت إليه لأن لهم أقوالا في الفقه وأسانيد يأخذ بها أصحابنا وفي جواب الإمام أفلح وقد سئل عن أبي المؤرج وأبن عبد العزيز فقال وقعت منهم مسائل معروفة فلم يؤخذ بقولهم في تلك المسائل وأما غيرها فما فيه اختلاف من رأي أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - واختلاف فقهائنا فلا يدفع إسنادهم وهم بمنزلة من سواهم من المسلمين وأما البراءة قال لم يكن عند المسلمين يعني ابن عبد العزيز محمود أو هو إلى البراءة أقرب وهم سهل بن صالح وأبو المعروف شعيب بن المعرف وعبد الله بن (1/119)
صفحة 120
عبد العزيز وأبو المؤرج وتقدم الكلام على حمزة الكوفي وعطية وغيلان وأنهم أخذوا بقول أهل القدر فبرئ منهم أبو عبيده وحاجب والمشايخ وقد أجتمع شعيب وابن عبد العزيز مع حمزة وعطية فتناظروا فقال حمزة لشعيب ومن أدركت وما لنت إنما أنت صبي فقال عبد الملك الطويل لشعيب لك عندي شهادة قال هاتها قال عدلت حمزة منذ سوار في شهادة فعاتبني أبو عبيده فقال أتعدل من هجره المسلمون وجمع حاجب وأبو عبيده الناس فقالا أن حمزة وعطية والحارث أحدثوا علينا إحداثا فمن آواهم فهو الخائن المتهم وكان حمزة منقطعا إلى هلبية أم سعيدة فدخل عليها أبو النصر بسطام وقد تقدم التعريف به فقالت له علمت أنسي بك وراحتي في لقائك فأبطأت عني قال كيف أتيك وأنت كهف من هجره المسلمون قالت أوقد فعلوا قال نعم قالت أما ما مضى فلم أعلم وأما ما يستقبل فلن يدخل علي فلما هجرته خرج من البصرة إلى الموصل يبتغي ضعفاء المسلمين فلما بلغ أمره أبا محفوظ تتبع القرى يحذر منه ويخبر أنه على خلاف المسلمين ودخلوا على أم شهاب فكلموها قالت قد سمعت ما قلتم فمنه ما أعرف ومنه ما لا أعرف فالذي أعرف قد عرفته والذي لا أعرف فقولي فيه قول المسلمين وديني دينهم ولا تعودوا على هذا الكلام فعجب المسلمون من قولها وفرحوا به ودخل عليها عبد الله بن العزيز وصالح بن كثير فسألتهما عن مسألة فأجابها صالح فقالت عمن أخذتها قال رأي قالت أضرب برأيك (1/120)
صفحة 121
الحائط لا حاجة لي فيه وأما حفص بن مقتات وأخوه صالح فمن المتكلمين وحاتم بن منصور ومن شاكلهم فلم أحفظ فيهم ما أقول ولا أدري ما هم وأما حيان بن حاجب فإلى الولاية أقرب والجميع ما أعرف قول المسلمين فيهم وأما بن عباد المصري ففي الولاية وابن عباد المتكلم كذلك وسيأتي التنبيه عليهما إن شاء الله تعالى وكذا خلف بن زياد النجراني وموسى بن أبي جابر الإزكوي ومحمد بن المعلا وهاشم بن غيلان ومنير بن المنير العجلاني وبشير بن المنذر النزواني.
ومن بعدهم من أئمتنا وكذا فقهاء الكوفة وسائر العراق واليمن ولكن الجهل بهم منع من ذكرهم وسأذكر أشياخا يروى عنهم الربيع ويروون عن جابر لكنهم مجاهيل ما رأيت من عرف بهم:
يحيى بن أبي قرة. عباس بن الحارث. قتادة سعيد عبد الله بن الحارث. الوليد بن يحيى. سري بن سالم. كعب بن سوار. يحيى بن نافع. حبيب بن أبي حبيب. عمر بن هرم. محارب بن يزيد. أبان بن يزيد. ابن جريج ضمام بن يحيى. عمرو بن أبي قرة. سلام بن مسكين. عمار بن حبيب. أبو خليل. أبو عوانة بن جعفر. ابن إلياس. خداش بن عبد الحميد. حماد بن سلمة. القاسم بن الفضل. حسان العامري.
وأما جابر بن عمارة فمن شيوخ أهل الدعوة بصري وإن عده أبو يعقوب في المجاهيل وكذا أبو المهاجر الكوفي وإسماعيل بن القديد وأبو محمد عبد الرحمن بن مسلمة المدنيان وعبد السلام بن عبد القدوس رحمهما الله.
[مشايخ المغرب وأئمتهم وكرامتهم ومناقبهم]
وأما رجال حديث مسند الربيع فقد ذكرهم أبو يعقوب (1/121)
صفحة 122
يوسف إبراهيم فلا أتعرض لذكرهم إلا من تقدم ذكره في تعريفنا وإنما مقصدنا فيه التعريف بمشايخ المغرب وأئمتهم وكراماتهم ومناقبهم وها أنا بائح بهم والله المستعان.
منهم ابن اليسع من أهل مصر وكان شيخا سخيا ذا يسر فاضلا شهيرا وقد جعل كراء عشرة فنادق لفقراء المسلمين قال أبو طاهر إسماعيل بن موسى رجل عظيم القدر واسع المال فيما وجدت والله أعلم.
ومنهم أبو إسحاق إبراهيم المصري.
ومنهم ابن عباد وهو شيخ مرضي فقيه كان بمصر وفي كتاب سير الجبل أن أم أبي ميمون لما حضرتها الوفاة قيل لها لمن وكلت وصيتك قالت لهذا الذي في المهد تعني أبا ميمون فلما بلغ أخبروه بمقالة أمه فأراد أن يحج عنها فسأل عن ولايتها فلم يجد من يتولاها إلا امرأة واحدة متقية فألتمس من يفتي له أن يتولى أمه بها فلم يجد فسار إلى مصر ودخل على ابن عباد فرخص له وقدم إليه تينا ولحما فأكل ابن عباد التين وأبى من اللحم فقال هذا يضر وهذا يضر يعني أن اللحم يأكل أموال الناس في حال حياته وهرب وتنزه من الشبهة وهذا من كثرة ورعه وخوفه على نفسه.
ومنهم الإمام الماهر الشيخ الطاهر عيسى بن علقمة المصري وهو من متكلمي الإباضية وحذاق علمائها قال الشيخ أبو عمار عبد الكافي: إن مثل عيسى لمن حذاق متكلمي هذه الدعوة المباركة فيما بلغنا عنه قال عارض من قال أن أسماء الله مخلوقة وصفاته محدثة في كتاب التوحيد الكبير بأمر مقنع بما فيه الكفاية.
وعيسى بن (1/122)
صفحة 123
علقمة هذا مصري وعيسى بن علقمة الذي ذكرته قبل مكي صاحب أبي الحر علي بن الحصين وكذا ابن عباد هذا أيضا وهو غير ابن عباد المدني الذي ناظره محمد بن محبوب في مكة اسمه محمد بن عباد وكان له مقالات واعتقادات أفسدها عليه ابن محبوب وعرفه الحق ودعاه إليه فقال تبت من جميع الخطأ فقال من حضر انك متدين ولا يجزيك إلا أن تعد مسائلك وتتوب منها ومن اعتقادك فيها فخاف من البراءة فتوقف قال له ابن محبوب المعترف بذنبه الراجع عنه لا يبرأ منه في قول بعض فتاب ورجع إلى قول المسلمين. قال أبو عمرو عثمان بن خليفة وليس هو بابن عباد الذي في زمان الربيع هذا متكلم وذاك فقيه.
ومنهم أبو الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري الحميري اليمني وسبب وروده أرض المغرب أن سلمة بن سعد لما قدم المغرب يدعو إلى هذه الصبغة يعني مذهب الإباضية فيما نقل الإمام عبد الوهاب عن أبيه عبد الرحمن بن رستم قال وددت أن يظهر هذا الأمر يوما واحدا فما أبالي أن تضرب عنقي فتعلق بمسامع عبد الرحمن ما قال فأجتهد في طلب ذلك أتم الطلب والاجتهاد قال ولا أدري كيف التوصل إليه وكان بمدينة القيروان وسبب وصوله إليها أن أباه رستم بن بهرام بن بسام بن كسرى قدم مكة حاجا بزوجته وابنه عبد الرحمن فمات فتزوجت زوجته رجلا من القيروان فاقبل مع أمه فلما سمع ما سمع من سلمة بن سعد وتعلق قوله بقلبه وطلب ذلك قال له رجل من أهل (1/123)
صفحة 124
الدعوة أن أردت هذا الأمر الذي كلفت به فعليك بالبصرة برجل عالم فيها يقال له مسلم أبو عبيده بن أبي كريمة التميمي تجد عنده ما تطلب وقيل أمه هي القائلة له ذلك فسافر مرتحلا طالبا علما فقدم على أبي عبيده.
ذكر حملة العلم
ووافق ارتحال جماعة إليه في ذلك العام وهم عاصم السدراتي وإسماعيل بن درار الغدامسي وأبو داود القبلي النفزاوي فلما بلغوه صافحهم وسألهم عن أحوالهم وما يريدون فقالوا نطلب العلم فأجابهم فمكثوا عدة سنين عنده وكان في أيام استخفائه من بعض أمراء البصرة وكان يقريهم في سرب وعلى فمه سلسلة فإذا أقبل أحد حركت فيسكتون وإذا انصرف حركت فيأخذون في القراءة وكان عبد الرحمن جميلا شابا حدث السن وضرب أبو عبيده بينه وبين الناس سترا لئلا يشغلهم بجماله فلما استكفوا وأرادوا الانصراف كلمن العجائز أبا عبيده أن يريهن عبد الرحمن وهن ثلاث فأدخله عليهن فدعون له بالبركة ثم استشاروا أبا عبيده في شأنهم أن انسوا من أنفسهم قوة أيؤمرون عليهم واحدا منهم قال نعم وأشار إلى أبي الخطاب فإن أبي قتلوه وهو أراد المسير معهم فلما أراد وداعهم سأله إسماعيل بن درار الغدامسي عن ثلاثمائة مسألة من مسائل الأحكام قال له أبو عبيده أتريد أن تكون قاضيا يا ابن درار قال أرأيت أن ابتليت بذلك فلما بلغوا بلادهم وأنسوا من أنفسهم قوة اجتمع من أهتم بأمور المسلمين ومن له النظر من الشيوخ وتشاوروا بموضع يقال له صياد غربي مدينة (1/124)
صفحة 125
طرابلس فأتفق رأيهم على تولية أبي الخطاب المعافري ويظهرون أن اجتماعهم بسبب أرض أرادوا قسمتها وقيل بسبب رجل وامرأته اختصما فاتعدوا ليوم معلوم يجتمعون فيه ويأتي كل واحد بمن خلفه من أتباعه ويجعلون عدتهم في غرائر مملوءة تبنا فاخرجوا أبا الخطاب معهم فتكلم بعضهم فقال امضوا الأمر الذي عزمتم عليه فقامت طائفة يتناجون وكل ذلك لا علم لأبي الخطاب بشيء فلما رجعوا من المناجاة قالوا لأبي الخطاب ابسط يدك نبايعك على أن تحكم بيننا بكتاب الله وسنة نبيه عليه السلام وأثار الصالحين من بعده فقال لهم ليس لهذا أخرجتموني قالوا لابد من ذلك فلما رأى الجد والحقيقة منهم قال لا أقبل منكم إلا على شرط إلا تذكر في عسكري مسألة الحارث وعبد الجبار فأعطوه ذلك الشرط ومسألة الحارث وعبد الجبار هي أن يقتتل رجلان من أهل الولاية فيقتل كل واحد صاحبه ولا يدري الظالم والباغي من المبغى عليه فبعضهم قالوا هما على ولايتهما حتى يتبين أمرهما وبعضهم قال نقف وكان عبد الجبار والحارث قاما عام أحد أو اثنين وثلاثين بناحية طرابلس على عامل مروان بن محمد أحدهما إمام والآخر وزيره أو قاضيه أخوان لأم أو ابنا خالة فوجدوهما ميتين في بيت واحد وسلاح كل واحد في صاحبه فاختلفوا في ولايتهم فبلغت مسألتهما أهل المشرق فاختلفوا كما اختلف أهل المغرب فكتب أبو عبيده وحاجب بالكف عن ذكرهما فأراد أبو الخطاب قطع مادة الخلاف وقد كان الحارث وعبد الجبار خرج (1/125)
صفحة 126
إليهما عامل طرابلس فقتلوه فلما بايعوا أبا الخطاب على الإقامة بحق الله والعمل بما في كتابه والإقتداء بسنة نبيه وأتباع الأئمة المهتدين قبله فقبل ذلك ودخل مدينة طرابلس ومعه جماعة المسلمين على حين غفلة من أهلها وذلك عام أربعين ومائة وادخلوا الرجال في الجواليق في هيئة الرفقة فلما توسطوا المدينة أشهروا السلاح وقالوا لا حكم إلا لله وقصدوا عامل أبي جعفر المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس فخيره أبو الخطاب بين الخروج بالأمان والقعود على أن ينتزع من الولاية فأختار الخروج نحو المشرق وأمنوا أهل المدينة وأحسن أبو الخطاب السيرة وأظهر العدل والتواضع فسلكت عماله ورعيته مسلكه وتولت ورفجومة القيروان وهم بطن من البربر وسبب توليتهم القيروان أنه لما قتل حبيب بن عبد الرحمن عمه إلياس في أبيه وكان عبد الرحمن عامل بني أمية وأقره المنصور ثم خلع المنصور ثم قتله أخوه إلياس غدرا بليل أراد أن يوادعه فقتل إلياس حبيب في حرب بينهما وفر عبد الوارث من ابن أخيه حبيب ومن فل من جيش إلياس إلى ورفجومة فبعث حبيب بن عبد الرحمن إلى عاصم بن جميل الورفجومي يرسل إليه عمه عبد الوارث ومن معه فأمتنع فزحف إليه حبيب فاقتتلوا وهزم حبيب فزحف عاصم وأخوه مكرم إلى القيروان فدخلوها بعد حرب وفر حبيب إلى قابس ثم إلى جبل أوراس فاستحكمت ورفجومة على القيروان وعتوا وطغوا وجاروا وساموا الناس سوء العذاب (1/126)
صفحة 127
وربطوا دوابهم في المسجد الجامع فخرج إليهم أبو الخطاب غضبا لله ولدينه وسبب ذلك امرأة أرسلت إليه كتابا أن لها ابنة جعلتها في مطمورة خوفا عليها من ورفجومة وحكى ابن الرقيق ((عن بن حسان إن رجلا من الإباضية دخل القيروان فرأى ناسا من الورفجوميين كابروا امرأة على نفسها والناس ينظرون ولم ينكروا ذلك عليهم فترك حاجته فأتى أبا الخطاب)) وقال بعض أصحابنا إن ورفجومة أخرجوا امرأة وهي تصيح يا معاشر المسلمين أغيثوني فلم يغثها أحد فبلغ الخبر أبا الخطاب وقيل ظلموا فصاحت يا أبا الخطاب فمد الله في صوتها فسمعها فقال لها لبيك ياأختاه إلى ثلاث مرار وبكى رضي الله عنه فنادى بالصلاة جامعة فاجتمع الناس وصلى بهم فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله وصلى على النبي عليه السلام ورغب في الجهاد وأمر بالاستعداد فلما خرج من باب المسجد سل سيفه وكسر غمده غضبا لله وترغيبا للجهاد وكان عام قحط وسنة عسيرة وأرض مجدبة فخرج بمن معه ممن رغب في إقامة الحق من أهل البصائر فأمدهم الله بالجراد يتزودون منه يرتحل بارتحالهم وينزل بنزولهم منه من الله عليهم فلما برزوا نادى مناديه من له أبوان كبيران أو واحدا أو عروس جديدة فليرجع بليل، فإذا أصبح أمر من ينظر الأثر هل رجع أحد ويخبر بالرجوع وكل ذلك يكرر النداء فلما أخبر بعدم الرجوع ولم يبق إلا من له رغبة في الجهاد وعدتهم ستة آلاف فخطب (1/127)
صفحة 128
أصحابه بعد أن حمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه عليه السلام فقال أطمع لمن مات في هذه الغزوة الجنة إلا من فيه إحدى ثلاث خصال قاتل نفس ظلما وقاعد على فراش حرام ومن في يده أرض مغصوبة والمخرج منها أن يتبرأ من المرأة ويتوب إلى الله وليتبرأ من الأرض وليشهد على تركها وليقد نفسه القاتل لأولياء المقتول فإن لم يجدهم فليدفع نفسه في سبيل الله فقال رجل اجتمعن في ياأمير المؤمنين فأمره أن يتبرأ من المرأة والأرض ويقود نفسه لأولياء المقتول فإن لم يجدهم فليدفع نفسه في سبيل الله وجاز في مسيره إلى القيروان على مدينة قابس فحاصرها حتى ضعف أهلها فاذعنوا وأطاعوا فترك عليهم عاملا ثم ارتحل إلى القيروان فلما بلغها حاصر أهلها ما شاء الله وقد كان خرج إليه عبد الملك بن الجعد بورفجومة فقاتلوه فهزمهم الله وقتل عبد الملك وأصحابه وذلك في صفر عام إحدى وأربعين ومائة وكان تغلب ورفجومة على القيروان سنة وشهرين.
وقال أبو زكريا يحيى بن أبي بكر رحمه الله: إن عاصم السدراتي وهو أحد النفر الخمسة من حملة العلم كان من أشد الناس شوكة على أهل القيروان فمرض مرضا شديدا فسمع بمرضه أهل القيروان ثم اشتهى قثاء فبلغهم ذلك فسموا قثاة فأرسلوا بايعا يبيع القثاة فأمروه إلا يبيع تلك التي جعلوا فيها السم إلا لعاصم فاشتروا تلك القثة المسمومة لعاصم فلما أكلها مات فاستشهد رحمه الله فجمع الله له أجر (1/128)
صفحة 129
الجهاد وشدة النكاية في العداء والمرض والموت بالسم رضي الله عنه فلما فعلوا فعلتهم صاحوا من فوق المدينة أين عاصم السدراتي الذي قتل بالسم وبلغ ذلك في أبي الخطاب مبلغا عظيما فأمر أهل العسكر أن يخرجوا بالليل بسلاحهم ويتركوا الأخبية كما كانت أشباه المنهزمين فلما أصبح أهل القيروان ظنوا أنهم هربوا فاتبعوهم مشرقين وقد كمن لهم أبو الخطاب فيمن معه فلما تراء الجمعان ووقع القتال انهزم أهل القيروان وولوا مدبرين فتبعهم حتى دخل القيروان فخرج أهل المدينة إلى موضع القتلى فإذا هم بثيابهم لم يسلب أحد منهم فقالت امرأة كأنهم رقود وسمي الموضع رقادة إلى أيام عبد العزيز بن أحمد المكني بأبي فارس فسماه نبهانه على ما قيل وخرجوا إلى زروعهم فإذا هي كما كانت لم يقع فيها فساد ولا ضرة بالناس ولا بالمواشي فتعجب الناس من عدل أبي الخطاب وطاعة أصحابه له فتفقد رحمه الله القتلى فوجد واحدا منهم مسلوبا فنادى مناديه من أخذ من القتلى شيئا فليرده فلما آيس دعا الله ربه وكان مستجاب الدعاء أن يفضحه على رؤوس الأشهاد فركبوا خيلهم ليجروها وانقطع حزام جميل السدراتي وسقط وظهر السلب تحت سرجه فأخذه الإمام وأدبه.
وكان رحمه الله أحسن السيرة فيهم حين هزمهم لم يجز على جريح ولم يتبع مدبرا فقال له خالد اللواتي ناكل من أموالهم كما يأكلون من أموالنا قال (1/129)
صفحة 130
أبو الخطاب حقيق على الله أن يدخلنا معهم النار {كلما دخلت أمة لعنت أختها حتى إذا اداركوا فيها جميعا قالت أولاهم لأخراهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون} ثم ارتحل من القيروان وولى عليها عبد الرحمن بن رستم أحد حملة العلم من المشرق المتقدم ذكرهم ورتب عبد الرحمن العمال على مدائن إفريقية ونواحيها ثم أن المسودة أقبلوا من ناحية برقة في جيوشهم وعليهم العوام بن عبد العزيز البجلي فخرج أبو الخطاب حتى أتى ورداسة فوجه إليهم مالك بن سحران الهواري فلقي العوام بأرض سرت فهزم الله العوام والمسودة وأقبل أبو الأحوص عمر بن الأحوص العجلي بالمسودة فخرج إليه أبو الخطاب فالتقاه بمغمداس من أرض سرت على شاطئ البحر فهزم الله أبا الأحوص بعد أن قتل من أصحابه بشر كثير وأنصرف أبو الخطاب إلى طرابلس وخلصت طرابلس وأفريقية لأبي الخطاب وأنبسط العدل في الناس حتى قال شيخ من أهل القيروان يخاطب أصحابه تشبهون دينكم بدين أبي الخطاب وأين مثل أبي الخطاب في فضله وعدله وأقام حدود الله وأحيى سيرة العدل بعد أن أماتها الأئمة الجورة وقهر الجبابرة وعظم أولياء الله مع زهد وتواضع ثم أن جميل السدراتي خرج مغاضبا لما وقع به من الأدب وما لبس من الفضيحة إلى أبي جعفر فأقام سنة لا يؤذن له بالدخول ثم أذن له ثم سأله عن حاجته فقال أن تبعث معي عسكر إلى المغرب. [فأرسل] ابن الأشعث محمد في سبعين ألفا وقيل خمسين ألفا وخرج من إفريقية إلى أبي (1/130)
صفحة 131
جعفر من كره العدل من بقية الجند وغيرهم كنافع بن عبد الرحمن وعبد الرحمن بن أنعم وأبو البهلول وغيرهم وخرج مع محمد بن الأشعث الخزاعي الأغلب بن سالم التميمي والمحارب بن هلال والمخارق بن الغفار الطائي وأمرهم بالسمع والطاعة لأبن الأشعث فلما جاوز حدود مصر أرسل العيون وقد تهيأ له أبو الخطاب في المسلمين فلما رجعت له عيونه سألهم عن أبي الخطاب وأحواله وجنده فقالوا نجمل أم نفسر فقال أجملوا قالوا رأينا رهبانا بالليل أسودا بالنهار يتمنون الجهاد بلقائكم كما يتمنى المريض لقاء الطبيب لوزنا صاحبهم لرجموه ولو سرق لقطعوا يده خيلهم من نتاجهم ليس لهم بيت مال يرتزقون منه وإنما معايشهم من كسب أيديهم فلما وصفوا له حال أبي الخطاب وحال أصحابه ضاق بلقائه ذرعا فهاله أمرهم فأستشار أصحابه في الرجوع فأبوا له فخاف الافتراق صانع في كتاب أقواما أخرجهم بليل يقبلون به يورون الناس أنهم قدموا من بغداد فلما قدموا كما أمرهم وقرأ الكتاب أمر الناس بالرجوع كأنه مأمور من أبي جعفر بذلك فكره بعض أصحابه ذلك وأظنه المحارب بن هلال فأمر به فقتل فخيل للناس أن أبا جعفر أمره بذلك وكر راجعا وتباطأ في سيره وقرب المراحل فرجعت عيون أبي الخطاب فأخبروه بذلك ففطن لمكره وكيده وكان وقت زرع فأراد الناس التفرق إلى زروعهم وأوطانهم قال لهم أن العرب (1/131)
صفحة 132
أصحاب مكر فلا تتفرقوا عن إمامكم فما زالوا به حتى أذن لهم بالرجوع فلما رجعت عيون ابن الأشعث إليه وأخبروه بتفرق أصحاب أبي الخطاب طوى المراحل ليلا ونهار ولم يشعر أبو الخطاب إلا وقد دخلوا طرابلس فقال لا يسعني في ديني أن أقعد عن دفاع العدو عن رعيتي فخرج في قلة وكانوا أهل بصائر وقد كانوا أشاروا عليه أن يقيم حتى تجتمع عليه جنوده الذين تفرقوا فأبى عليهم يرى أن ذلك لا يسعه في الدين فلقي ابن الأشعث بتورغا وكان معه نفوسة وهوارة وطريشة أعني من قرب من المدينة منهم وقد سبقه ابن الأشعث إلى الماء وقال لأصحابه أن أستقى أبو الخطاب واستراح هو وأصحابه لا تطيقون لقاءهم ولا تقدرون لهم على شيء وأنتم الآن أقدر عليهم مع التعب والجوع والعطش وأصحاب أبي الخطاب تاقت نفوسهم إلى الجهاد وملاقاة الأعداء ومجالدة الأقران وكان بينهم قتال شديد وصبر أبو الخطاب في قلته حتى من الفريقين بشر كثير فأبى أبو الخطاب وأصحابه من الانهزام حتى استشهدوا رحمهم الله تعالى وهم أثنا عشر ألفا وقيل أربعة عشر وتتبع عدو الله المسلمين في الجبال فتعلقوا في الجبال والقلاع وأدرك عبد الرحمن بن رستم وهو بمن معه من أهل إفريقية بقابس وتفرق أصحابه وذهب وهو مستخف حتى دخل مدينة القيروان فلما بلغ أهل القيروان موت أبي الخطاب قاموا على عامله وأوثقوه (1/132)
صفحة 133
وقدموا عمر بن عثمان القرشي على أنفسهم حتى قدم ابن الأشعث وقام عبد الرحمن بن حبيب يلتمس عبد الرحمن بن رستم وفر رحمه الله إلى المغرب قال أبو يحيى ظفر به عبد الرحمن بن حبيب فتشفع فيه رجل من أهل القيروان فقال له ابن حبيب كل حاجة لك عندي مقضية إلا ابن رستم فقال إن لم أسألك ابن رستم فمن ذا أسألك فأطلقه له وكان ابن رستم حين أراد المسلمون توليته لبعض أمورهم قال ابن حبيب إبليس أو شيطان في صورة إنسان فحقدها عليه ابن حبيب وخرج عبد الرحمن بن رستم وما معه إلا ابنه عبد الوهاب وغلام له فمات فرسه في بعض الطريق فدفنه خشية الطلب وضعف عن المشي وأدركه العياء والملل فصار ابنه وغلامه يحملانه نوبا وكل واحد يقول لصاحبه أن أدركنا العدو فما دون الخمسمائة لا تضع الشيخ لجلدهما وشجاعتهما حتى بلغوا بالمغرب سوفجج جبل منيع وفات عدو الله بن الأشعث واجتمع إليه بعض شيوخ أهل الدعوة من طرابلس وغيره فارتحل إليه ابن الأشعث فحاصره زمانا فلم يصنع شيئا ووخم الجبل بأهله ومات من أصحاب عبد الرحمن بشر كثير بالمرض فأيس منه ابن الأشعث ورجع إلى القيروان وضبطها وأمعن في قتل أهل الدعوة ثم قام عليه الجند فأخرجوه إلى المشرق واتقدت بالمغرب نيرانا لكثرة الفتن.))
[أئمة المغرب ومشايخها]
ومن أئمة المغرب ومشايخها أبو حاتم يعقوب بن حبيب مولى كندة وهو أبو حاتم الملزوزي النجيسي.
قال ابن سلام بن عمر ((إن أهل دعوتنا من المسلمين بعد ما قتل أبو الخطاب ومن معه (1/133)
صفحة 134
في أربعة عشر ألفا تتبع عدو الله محمد بن الأشعث المسلمين يقتل ويستذل، وأخرج الجزيري عاملا باغيا جبارا على مثل فعله وطريقته، ويشترط على من نزل عليه من أحياء المسلمين إلا يفلي لحيته إلا الجواري الحرائر من المسلمين حتى أنتهى إلى ناحية زهانة فنزل على مياههم ومعه وانيتن بن يلاتس وعبد الله بن يزيد وسليمان بن دوستن من بني يجدلتن فأرسل عبد الله بن وانيتن ورجلا من الجند معه لحشد زهانة فلم تزل زهانة تتوانا بهما حتى تهور الليل فضرب الحارث بن يردون عنق الجند وكتف عبد الله وظعنوا إلى الجزيري ولم يشعر إلا وقد أحاطوا به وبجنده فقتلوهم ولم يفلت منهم أحد إلا من أراد الله.))
ثم خرج سليمان بن دوستن بالجند في طلبهم فلم يحسن الدلالة وأخذ بهم طريقا قليل المياه حتى بلغ بهم الأحمر موضعا معروفا فرجعوا خائبين، فلما أنس المسلمون من أنفسهم قوة في حيز طرابلس اجتمعوا فأظهروا إن اجتماعهم في شأن امرأة صالحة اسمها مسلمة أساء إليها زوجها فلما أتقنوا رأيهم وحضر كل من ينظر إليه عقدوا الولاية لأبي حاتم عام أربعة وخمسين فأرسل إليهم والي طرابلس خمسمائة فارس فقاتلهم أبو حاتم فهزمهم فتفقد رحمه الله القتلى فوجد بعضهم قد جرد فغضب وقال أن لم تردوا أسلابهم اعتزلت ولايتكم فردوا الأسلاب وأجابوا الطاعة وتابوا مما اقترفوا وأتاه جيش ثان من إفريقية فتلقاهم قرب قابس فهزمهم ودخل طرابلس (1/134)
صفحة 135
مع هزيمتهم وأقام بها أشهرا فلما تعدلت أحوالها واستقام أمرها خرج يبتغي إفريقية فنزل على القيروان فحاصرها أشهرا بل سنة ففتحها الله له.
وقال ابن سلام بن عمر كان عاصم السدراتي من أشد الناس على الأعداء مع أبي حاتم وسموه في قثاء ونادوا من فوق السور ابن عاصم السدراتي قتلناه فخادعهم أبو حاتم حين كمن لهم في وادي رقادة وتقدم ما حكاه أبو زكريا أن قصته وموته مع أبي الخطاب والأقرب ما رواه ابن سلام لأنه قال رويته عن سليمان بن زرقون وفي كتب المخالفين ما يدل على أنه كان حيا بعد أبي الخطاب والله أعلم.
قال ابن سلام: أقام أبو حاتم بالقيروان سنة فيما روى سليمان بن زرقون وكان عامل الجند بها ابن الأشعث قال: ((اخبرني سليمان وكيل الزهاني عن خبر والده وكيل بن محمد وكان وكيل ممن حضر حصار القيروان مع أبي حاتم قال سليمان أن محمد بن الأشعث هو أمير المحصورين فأقاموا في حصارهم سنتين)).
قال أبو زكريا: ((حاصرها سنة وألقوا بأيديهم وانحاز الجند مع ابن الأشعث في دار الإمارة فحاصرهم فيها سنة)).
وقال الرقيق: ((إن الجند اخرجوا من إفريقية محمد بن الأشعث عام ثمانية وأربعين في ربيع الأول وإن المحصور عمر بن حفص بن هزار مرض وبلغ الجهد بالحصار حتى انتهى أوقية ملح بدرهم)) فلما فتح الله عليه أخرج الجند وأحسن السيرة وأعطى لكل خمسة قربة وخشبة يحملون بها قربتهم وخنجرا يصلحون نعالهم.
كذا قال أبو زكريا وابن سلام وأعطى لكل واحد رغيفا (1/135)
صفحة 136
وأجلاهم من مدينة القيروان ثم أرسل أبو جعفر يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلب في ستين ألفا وما أنضم إليه فخرج أبو حاتم من القيروان يريد طرابلس فغدر أهل القيروان بأصحابه فرجع إليهم من طرابلس فقاتلهم فانهزموا وأتبعهم جرير بن مسعود المديوني ورجع هو إلى طرابلس ينتظر قدوم يزيد فبلغ في جماد الآخرة عام خمسة وخمسين ومائة وانضمت إليه الجنود واستمد بمليلة ومن يدين بطاعتهم على قتال أبي حاتم ومعهم أيضا عمر بن مطكود النفوسي قال أبو حاتم من أمدهم قالوا مليلة فدعي عليهم فلم يزالوا في مذلة من الجند الظلمة لا ينقطع عنهم دون البربر.
وقيل كان في ستين ألفا من أهل خراسان وستين ألفا من أهل البصرة والكوفة والشام وأنضم إليه الجند الفارون من إفريقية ومن أمده من قبائل البربر ويوسف الفرطيطي وجماعة من قبائل البربر من هوارة وغيرهم وجعل يزيد على مقدمته سالم بن سوادة التميمي فالتقى بأبي حاتم فهزمه أبو حاتم وقتل منهم ما قتل وبلغ الباقي يزيد وقال عمر بن مطكود ليزيد استند بجبل غربي جندوبة فلما التقى الجمعان مات أبو حاتم في أهل البصائر من أصحابه ومن يلتمس الشهادة.
قال أبو زكريا: ((سمع أبو حاتم بطوالع أقبلت من المشرق فتلقاهم بموضع يدعى مغمداس فهزمهم الله ومنح أكتافهم له وقتل منهم نحو ستة عشر ألفا وحاور رجل من الجند رجلا من أصحابنا بأن قال له ما تفسير (1/136)
صفحة 137
تورغا يعني موضع قتل فيه أبو الخطاب ومن معه فأجابه بأن تفسيره مغمداس فيه أربعة أكداس في كل كدس أربعة آلاف)) وقد تقدم أن أبا الخطاب قاتل الجند بمغمداس وهزمهم وقتل منهم بشر كثير أما أن يكون قتال أبي حاتم لهم به ثانيا وأما سهو من أبي زكريا لأن قتال أبي الخطاب لهم به مشهور. ذكره ابن سلام والرقيق.
وقال أبو زكريا: ((موضع مقتل أبي حاتم وموضع المعركة يستضيء كل ليلة نورا ويبصر ضياؤه من مكان بعيد ساطعا في الهواء ممتدا صاعدا قال ذكر بعض أصحابنا من أهل عصرنا أنه رآه وهو نور ساطع وضياء عظيم.
قال وحدث يعقوب بن يوسف الباجراني الملقب بابن أبي منصور أنه مر ومعه رفيق وقد سكنا بجبال تلك النواحي في أحياء من البربر فجاز بموضع المعركة بليل مظلم فرأيا به نورا ساطعا وضياء ممتدا بين السماء والأرض فشقاها فاستبان لهم في المعركة أثر الهوام الصغار من شدة الضياء وقوة النور فخرجا منها فالتفتا فإذا النور خلفهم ممتد بين السماء والأرض وقد أحاطت به الظلمة وحفت به من جميع جهاته وجوانبه فصارا يدعوان الله تعالى ويرغبان إليه حين توسطا المعركة وكان شجاعا قوي المرة شديد الطبيعة)) انتهى كلامه.
وقد اشتهر عندنا من غير أن أراه أن النور ينزل على قبره وقيل لم يزل ينزل حتى دفن إلى جنبه أعرابي (1/137)
صفحة 138
فكف والله أعلم، وبتلك الجهة مقبرة يقال أنه للذين ماتوا عنده يوجد بأطرافها تراب أحمر يقال أنه دمهم لم يغيره الزمان يتبرك الناس به ويحملونه للمرضى وهذا في مثلهم ليس بغريب وقد شاهدت بنفوسة دماء رجال ثلاثة سفحت على صفا مسيل ماء المطر مضى عليها مئون من الأعوام وهي باقية وكل ما وقع مطر جرى عليه الماء ومسحته بثوبي مبلولا بالريق فأثر فيه وشممته فإذا هو رائحة دم وحكمه عند العلماء الطهارة كذا ذكر الشيخ أبو يحيى في كتاب الطهارات والمارة يدعون الله عندها لأنهم صالحون ففتك بهم هناك.
وقال أبو زكريا: أبو الخطاب أمام ظهور وأبو حاتم أمام دفاع وأنه يرسل ما زاد على ما يحتاج إليه مما جمع من الزكاة لعبد الرحمن بن رستم قبل أن يتولى الأمور ولاية الظهور.
عبد الرحمن بن رستم
ومنهم عبد الرحمن بن رستم بن بهرام بن سام بن كسرى الملك الفارسي تقدم ارتحاله إلى أبي عبيدة وأخذه العلم منه ودعاء العجائز له وقدومه المغرب وتوليته إفريقية عاملا لأبي الخطاب وهروبه إلى المغرب ونزوله بسوفجج وحاصر ابن الأشعث له وامتناعه منه وقول ابن الأشعث هذا سوفجج لا يدخله إلا دارع أو مدجج وبقي لنا أن نتكلم على ولايته وسيرته وعدله وورعه وزهده في الدنيا ورفضه لها إذ تمكن منها وبنيانه مدينة تيهرت.
قال أبو زكريا: (1/138)
صفحة 139
حدث غير واحد من أصحابنا أن عبد الرحمن بويع بالإمامة عام ستين ومائة وقيل عام اثنين وستين بتيهرت وكانت تيهرت غياطيل وأشجار ملتفة يسكنها أنواع السباع والوحوش أرضها؛ لقوم من البربر فلما أذن الله بعمارتها بالناس.
قال أبو زكريا: إن بقية المسلمين ورؤساء العابدين وكبراء الزاهدين وجماعة المؤمنين اتفقوا أن يتخيروا موضعا يبنون فيه مدينة لتكون حرزا وحصنا للإسلام فأرسلوا الرواد فطافوا أطراف تلك البلاد فاستحسنوا موضع تيهرت فأتفق رأى المسلمين على بنائها فجعلوا لأهلها عليها خراجا معلوما يأخذونه من غلتها فأمروا مناديا فنادى بأعلى صوته من بها من الوحش أن أخرجوا وارتحلوا فأنا مريدون عمارتها ونازلين بها واجلوا ثلاثة أيام.
قال أبو زكريا وذكروا أنهم رأوا بها وحشا تحمل أولادها في أفواهها يعني سباعا والله أعلم وهي خارجة من تلك الأشجار والغياطيل فرغبهم ذلك فيها وزادهم بصيرة في عمارتها فلما تم الأجل أرسلوا فيها نارا فأحرقت ما ظهر من الأشجار وبقي الأصول والعروق فجعلوا في أطرافها حيسا مدفونا فلما جن الليل حفرتها الخنازير لرائحة ذلك الحيس فقلعوا جميعه فاقترعوا بين أربعة أمكنة أيها يجعلون المسجد الجامع فوقعت قرعتهم على مكان الجامع فاختطوها دورا أو قصورا وبيوتا فلما بنوها أنسوا من أنفسهم قوة فنظروا من يصلح للولاية من رؤساء القبائل فوجدوا جماعة كل واحد صالح (1/139)
صفحة 140
شجاعة وعلما وتقى فأتفق رأيهم على عبد الرحمن لفضله وكونه من حملة العلم ولكون المسلمين أرادوا تقديمه قبل أبي الخطاب وأمتنع لأمانات كانت تحته للناس وودائع ولكونه عامل أبي الخطاب على إفريقية وما والاها ولأنه لا قبيلة له تمنعه إذا تغير عن طريق العدل فبايعوه على إقامة كتاب الله وسنة رسوله وإتباع أثر الخلفاء الراشدين فقبلها على ذلك وأقام بأمر الله وزهد الدنيا بعد أن تمكن منها فلم ينقم أحد عليه في خصومة ولا حكومة ولا أخذ مال ولا إقامة حد ولا ميل إلى الدنيا.
فلما أشتهر عدله واتصلت أخباره بذلك وتواترت أخباره بالمشرق والمغرب بعث له أهل البصرة بثلاثة أحمال مال فلما بلغت الرسل إلى تيهرت ألفوا الإمام فوق دار يطينها والعبيد يناولونه الطين فسألوا العبيد عن أن يستأذنوا لهم على الإمام وقد سمع قولهم وما طلبوا فنزل وغسل الطين فأذن لهم فدخلوا فسلموا ورد عليهم وفتت لهم خبزا وعصر عليه عكة فلما أكلوا خلصوا نجيا قال أبو زكريا: وأجتمع رأيهم على أنهم رضوا عنه واتفقوا على أن يدفعوا له المال فلما أتوه بالمال نادى الصلاة جامعة فلما صلوا شاروا أخيار المسلمين وذوي الرأي والفقه منهم فأشاروا عليه أن يفرقه في ذوي الحاجات ففعل وذلك بمحضر الرسل فلما رجعوا أخبروا بما رأوا وشاهدوا من عدله أرسلوا له بما يقرب من عشرة أحمال أو أزيد بقليل فلما وصلوا إلى تيهرت وجدوا البلد قد تغير عما تركوه عليه (1/140)
صفحة 141
فوقع في نفوسهم وسيأتي سبب ذلك إن شاء الله فلما تلقوا الناس سألوهم عما أتوا به قالوا مال للأمير قالوا أن قبله منكم فلما بلغوا وجدوه على حاله الذي تركوه عليه فأخبروه بالمال قال قد علمتم السيرة فنادى الصلاة جامعة فلما صلوا واجتمعوا وشاورهم على عادته قالوا الرأي إليك فلما ردوا الرأي إليه قال للرسل ارجعوا بمالكم فإن أربابه أحوج إليه منا لأنا في أرض قد استولى عليها العدل وهم في بلد غلب عليهم الجور يدارون به على أنفسهم ومالهم ودينهم وبسط هذه الأخبار في كتاب ابن الصغير ولم يحضرني وقت جمعي لهذه السيرة. قال أبو زكريا فشق ذلك على الرسل ولم يكن لهم بد من طاعة الإمام فردها إلى المشرق فتعجبوا من زهده في الدنيا ورغبته في الآخرة وأعترف كل إباضي بإمامته ووصلوه بكتبهم ووصاياهم.
ومن أئمة المغرب ومشاهد أشياخها وقادة أهلها عاصم السدراتي وكان من حملة العلم عن أبي عبيدة مسلم وتقدم بعض أخباره مع أبي الخطاب وكان من خيار من صحبه وأشتهر موته بحصار القيروان بسم في قثاء وهو مع أبي الخطاب كما قال أبو زكريا ومع أبي حاتم كما قال ابن سلام قال الرقيق عسكره ستة ألاف وكان رحمه الله تعالى جمع العلم والعمل والجهاد والحزم وشدة العزم والرأي وحيد الدهر وفريد العصر.
ومنهم أبو درار الغدامسي وقد تقدم ذكره في حملة العلم عن أبي عبيدة وهو أحد الشيوخ المشهورين في العلم (1/141)
صفحة 142
والتعليم والعمل والورع أخذ عنه جماعة واسمه إسماعيل بن درار وهو السائل لأبي عبيدة عند الوداع بعد أن تعلموا عنده خمسة أعوام عن نحو ثلاثمائة مسألة من مسائل الأحكام فقال له أبو عبيدة أردت أن تكون قاضيا يا بن درار فقال له أرأيت إن ابتليت بذلك يا شيخ فابتلى بالقضاء وممن أخذ عنه مامد بن يانس الدركلي النفوسي رحمهما الله.
ومنهم عبد الأحد بتخفيف الدال بن تلانيس المزاتي وهو من رؤساء أصحاب أبي الخطاب ومن كبرائهم وحضر معه المشاهد وأستشهد معه.
ومنهم عمر بن تمطنين وابنه يحيى وأخوه أبو حميد وهم من خيار جند أبي الخطاب وممن حضر معه المشاهد واستشهدوا معه.
ومنهم عمر بن يمكتن ساد أهل زمانه علما وعملا وسارع إلى الخيرات قولا وفعلا.
قال ابن سلام: ((كان عالما من علماء المسلمين قال أخبرني أبو صالح النفوسي بتوزر قبل سنة أربعين ومائتين أن أول من علم القرآن بجبل نفوسة عمر بن يمكتن علمه بمنزل يقال له إيفاطمان قال ويقال إن عمر بن يمكتن إنما تعلم القرآن بطريق مغمداس يتلقى فيها السائلة والمارة من المشرق فيكتب عنهم لوحه من القرآن وينصرف فإذا حفظه رجع إلى المحجة فيكتب من المارة والرفاق كذلك حتى حفظ القرآن وتعلم العلم)) قال) وهو أصغر ولد دمر الحمدانية بنت درجو امرأة يمكتن)) قال: ((وذلك لحرصه على طلب العلم، والقرآن في أول الإسلام وقل المعلمون (1/142)
صفحة 143
في البلدان)) وكان عاملا لأبي الخطاب على سرت وهو الذي مر عليه أعرابي مقبلا من المشرق فقال عمر له نخشى أن يغفلنا محمد بن الأشعث فأجابه بأنه لا يأتيكم بغفلة وهو في جند أمير المؤمنين برجال مشمرين وخيل مضمرات وسيوف مهندات بل يأتيكم نهارا جهارا فيعطي الله الغلبة لمن يشاء وهو رحمه الله من خيار المسلمين واستشهد مع أبي الخطاب وهو صاحب لواء لواتة قال ليس للواتة مع أبي الخطاب إلا لوا إن عمرا.
ومنهم موسى بن عبد الله بن يمكتن وأخوه إبراهيم وهما من خيار جند أبي الخطاب رحمهما الله.
ومنهم أوس بن عمر الهواري وأبو يحيى الهواري.
قال ابن سلام ومع أبي الخطاب ليلة الجند بمغمداس من خيار قادة البربر في محاربته الجند أبو يحيى الهواري وأوس بن عمر الهواري المليلي.
ومنهم عيسى بن يطوفت وأوس المزاتيان وكانا من خيار جند أبي الخطاب ومن مشاهير أصحابه.
ومنهم محمد البدي وسعيد بن قايد المزاتي وهما أيضا من جند أبي الخطاب.
ومنهم ابن مغطير النفوسي الجناوني وكان شيخا فاضلا فقيها مفتيا كان ممن أخذ عن أبي عبيدة مسلم ثم قدم بعده الخمسة المذكورون فأنتقل عن الفتيا وقال: إني أخذت عن أبي عبيدة ولم يحرر لي المأخوذ به عنده من الأقوال وهؤلاء أخذوا اخر وقد حرر المختار عنده من الأقوال وفي كتاب سير مشايخ نفوسة ومثله لأبي زكريا أن أمير المؤمنين عبد الوهاب بن عبد الرحمن حين كان بجبل (1/143)
صفحة 144
نفوسة تخاصم عنده رجلان فتكلم المدعي فاستردد الإمام المدعى الجواب فلم يجب بشيء بل تكلم بما لا ينبغي فقال الإمام هل هاهنا ابن مغطير قالوا لا قال الإمام قوما إلى غد ثم اختصما من غد فأبى من رد الجواب قال الإمام هل هنا ابن مغطير قالوا لا فقال ارتفعا إلى غد فلما اختصما أمتنع من رد الجواب فقال الإمام أبالمجلس ابن مغطير قالوا لا فلما كان اليوم الرابع وأمتنع من رد الجواب وكان ابن مغطير حاضرا في ناحيته مستغشا بثوبه قال الإمام أبا لمجلس ابن مغطير فلم يتم الإمام قوله إلا وقد وثب ابن مغطير على الممتنع فوطئه بركبته وصاح أغثني يا أمام أدركني يا أمير المؤمنين فأمره الإمام بتركه فتركه فأستردده الجواب فأجاب وأذعن للحق وكان ابن مغطير شديد الشكيمة قوي العريكة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ومنهم أبو داود القبلي من بلاد نفزاوة وكان شيخا مشهورا عالما ممن أخذ العلم عن أبي عبيدة بل أحد الخمسة وأخذ عنه وكان الإمام عبد الوهاب مع كثرة علما إذا جلس بين يديه كالصبي أمام المعلم وفي كتاب سير أشياخ نفوسة أن أبا عبيدة قال له لا تفت بما سمعت مني ولا ما لم تسمع وقال للإمام عبد الرحمن أفت بما سمعت وما لم تسمع وقال لأبي الخطاب أفت بما سمعت مني.
(ثم الطبقة) الذين من بعدهم
منهم الإمام الباسل الشجاع التقي اللين الحليم أمير المؤمنين عبد الوهاب (1/144)
صفحة 145
ابن عبد الرحمن بن رستم بن بهرام بن دوستار بن سابور بن بابكان بن سابور ذي الاكتاف الفارسي بويع بالإمارة بعد أبيه عبد الرحمن بمدينة تيهرت بنحو شهر وذلك إن عبد الرحمن لما حضره الموت جعلها شورى بين أشياخ المسلمين مسعود الأندلسي ويزيد بن فندين وأبي قدامة اليفرني وعمران بن مروان الأندلسي وأبي الموفق سعدوس بن عطيدة وشكر بن صالح الكتامي ومصعب بن سرمان وعبد الوهاب بن عبد الرحمن فتدافعوها فاجمعوا على أحد اثنين مسعود وعبد الوهاب ثم مال الأكثرون والعامة إلى تولية مسعود فبادروا إلى مبايعته فبلغه الخبر فاختفى فأرادوا عبد الوهاب وخرج مبادرا ليكون أول من بايع عبد الوهاب ومال أبو قدامة إلى مبايعة عبد الوهاب لأن أم عبد الوهاب يفرنية وطمع أن يؤثره على من سواه فتكلم هو وأصحابه حين أرادوا مبايعته أن لا يقطع أمرا دون مشورة جماعة من المسلمين معلومة فقال مسعود وجماعة المسلمين لا نعلم شرطا في الإمامة إلا أن يحكم بيننا بكتاب الله وسنة نبيه عليه السلام وآثار الصالحين قبله فسكت يزيد وأصحابه عن ذكر الشرط حين رد عليهم المسلمون فأول من بايعه مسعود وتتابع المسلمون ثم بايعه المسلمون بيعة عامة فحملوه إلى دار الإمارة فلم يتخلف عن بيعته أحد ولم ينقم عليه أحد حكما ولا أمرا.
وكانت تيهرت مدينة عظيمة بناها عبد الرحمن في موضع مربع ولذا سميت تاقدمت وتفسيرها (1/145)
صفحة 146
الدف وقد تقدم أنها أرض لقوم وهم بعض صنهاجة ومداسة مستضعفين فراودهم عبد الرحمن على البيع فامتنعوا فمن ورعه وعدله أن أتفق معهم أن يأخذوا الخراج من الأسواق ويتركوا الناس يبنون ففعلوا وكانوا يأخذون ما عليه الاتفاق.
ثم أن عبد الوهاب لما تمت بيعته قدم الراغبين عن الأمور وأخر الراغبين فيها فوقع في نفس ابن فندين وسقط في يده جماعة من أهل الرغبة في الولايات فجددوا فيما أمسكوا عنه من الشرط أعني قولهم لا يقطع أمرا دون جماعة معلومة من المسلمين التماسا لشق العصا وسلما للتفريق فالتمسوا عزل بعض الولاة لغير سبب فشاور جماعة من أهل الصلاح فأبوا إلا بحدث فأكثروا الحديث والنجوى فسموا نجوية وخادعوا الناس بأقوالهم واضطربوا فإذا لقوا من لا بصيرة له في الدين قالوا شرطنا أن لا يقطع أمرا ولا يقضي دون جماعة معلومة وإذا خلوا بإخوانهم قالوا قدم علينا من نحن أولى منه بالتقديم وقد وليناه الأمر على أن يقدمنا ويرفع درجتنا فأخرنا وإذا لقوا الضعفاء قالوا لا تجوز إمامة رجل إذا كان في المسلمين من هو أعلم منه فأفشوا القيل والقال وارتحلوا إلى خارج المدينة وإلى الجبال ليمكنوا من قارب الضعفاء ومن لا بصيرة له ولتتم كلمتهم فأصطلح جماعة المسلمين ومن لا يريد الافتراق وشق العصا مع ابن فندين أن يكتبوا إلى إخوانهم وعلمائهم بالمشرق فيعملون بموجب ما يرونه (1/146)
صفحة 147
ويجيبونهم به فاختاروا من يرفع الكتاب وكتبوا ما وقع به الخلاف وحمله الأمناء فلما بلغوا مصر صادفوا بها شعيبا أبا المعرف وشيعته وقصوا عليه الأخبار وما جرى من موت الإمام عبد الرحمن واتفاق الناس على تقديم عبد الوهاب وذكر يزيد بن فندين الشرط الذي شرطه وسألوا سائر العلماء الذين بها واتفقت الفتيا على أن الإمامة تامة والشرط باطل وقد كلف أهل المغرب لحمل ما كتبوا رسولين أمينين عند الجميع فلما قدما مكة مع من معهم ألفوا بها الربيع بن حبيب ووائل بن أيوب ومخلد بن المعرد وغيرهم من المشايخ ففهموا ما سألوهم عنه وأتفق رأيهم على أن يكتبوا لهم جواب ما سألوا عنه ولم يألوا جهدا في النصح واجتهدوا في النظر لله ولدينه ولأهل دينه ثم كتبوا الكتاب وألقاه مخلد بن المعرد إلى عبد الرحمن بن محمد بن مسلمة فدفعه إليه وأمره بنسخة ليكون حجة للمسلمين بعدهم.
ومن جملة ما تضمنه الكتاب: أن الإمامة تامة والشرط باطل وأن القول قوله وأنه مصيب وله ما صنع إلا أشياء عابوها عليه وأمروه أن يرجع عنها فكان قوله أنه لم يفعل ذلك فقال أنه كان غلطا مني في كتاب كتبته في أسنان الإبل ولم يكن يقصد.
وكان شعيب حين أخبره الرسولان بمصر عن أمر المغرب خرج من غير مشورة المسلمين ومشايخ مصر، بل نهاه خيارهم أن يخرج إلى المغرب.
فخرج ومعه أبو المتوكل من أصحابه وجماعة من شيعته فجدوا السير طمعا في الولاية. وقيل (1/147)
صفحة 148
وردوا تيهرت في عشرين يوما وانضوا رواحلهم وأعجفوها فنزلوا عنها وكانوا يسوقونها سوقا فلما وصل تيهرت بمن معه دخل على الإمام عبد الوهاب فسأله الإمام رضي الله عنه عن إمام ولي بشرط أن لا يقضي أمرا دون جماعة معلومة فأجابه شعيب أن الإمامة صحيحة والشرط باطل وسأله هل يتولى الإمامة رجل وفي جماعة المسلمين من هو أعلم فأجابه بجواز ذلك.
ثم أن شعيبا خرج فتوجه نحو أبي قدامة وأصحابه فأطمعوه في الأمور قيل فندم على فتياه التي تقدمت فوازر بن فندين على الإمام فخرج من كان ينظر إليه من النكار من المدينة إلى الجبال والمنازل فأكثروا التناجي ثم اجتمعوا بكدية فأظهروا إنكار أمامة عبد الوهاب ولذلك سموا نكارا وسموا نكاثا لنكثهم بيعة الإمام ثم أكثروا دخول المدينة بالجماعات فكلم بعض المسلمين الإمام أن ينهاهم فنهاهم فلم يشتغلوا به فكلمهم في خروجهم من المدينة إلى المنازل وجبال المدينة فقالوا هذه مدينتنا وتلك منازلنا فإن عصينا في خروجنا من المدينة انتهينا ثم صاروا يدخلون المدينة بالسلاح فنهاهم عن إمساك السلاح فقالوا أن كان معصية تركنا وخاف من غدرهم فأمر أهل المدينة أن يأخذوا حذرهم وأسلحتهم فلما لم يجدوا غفلة أرادوا أن يكيدوا الإمام فيقتلوه فتكا أو غيلة.
قال أبو زكريا بلغنا أن جماعة منهم تواثقوا على غدر الإمام رضي الله عنه فالتمسوا الحيلة في الوصول إلى ذلك فأداروا الرأي (1/148)
صفحة 149
بينهم فلم يتجه لهم فقام منهم رجل فقال أجعلوني في تابوت واجعلوا قفله من داخله فالتمسوا وصولي إلى بيته فعمدوا إلى تابوت فجعلوه فيه فأظهروا أنهم يتخاصمون على ما فيه وإن كل واحد لا تطمئن نفسه بتركه عند خصيمه ورغبوا إلى الإمام أن يكون عنده إلى أن يتفقوا فأجابهم فلما حملوه استراب ثقله وكون قفله من داخل واتفقوا مع صاحبهم إذا قتل الإمام أذن لصلاة الصبح فيضعون السلاح في أهل المدينة وتهيؤا لذلك واستبشروا بنيل المطلوب فلما جاء الليل وقضا الإمام ورده من الصلاة وغيرها من نظر الكتب وكان من عادته إذا فرغ من الصلاة أخذ كتابا ينظر فيه ثم عمد الإمام تلك الليلة إلى زق منفوخ فالقاه على فراشه وألقى عليه رداء أبيض وأخفى السراج وتنحى ناحية لما وقع في نفسه من الريبة فلما سجى البيت وهدى وسكنت حركة الإمام ظن أنه نام فتح التابوت وخرج فتأمل البيت فظن أن الزق هو الإمام فضربه بالسيف وظن بالفوز والظفر بالبغية فأخرج الإمام السراج وسقط في يده فقتله الإمام وكان شجاعا بطلا فرده في تابوته فتسمعوا للأذان عند الصبح فلما لم يسمعوا علموا أن صاحبهم لم يفعل شيئا فاقبل بعضهم على بعض يتساءلون عن الإمام وصاحبهم وهل سمع أذانا أو شيئا فاجتمعوا إلى الإمام وقالوا اتفقنا ونريد تابوتنا قال اذهبوا إلى موضعه الذي تركتموه (1/149)
صفحة 150
به فخذوه فذهبوا فحملوه إلى مأمنهم فإذا صاحبهم قتيلا فخيب الله سعيهم وأظهر بغيهم وأخلف ظنهم فخرجوا منها خائفين أن يجازوا بما صنعوا ثم أن شعيبا أبا المعرف حرض ابن فندين على مناجزة الإمام بالقتل خشية أن يرجع الرسولان من المشرق فتقوم عليهم الحجة فينتقض ما ابرموا وينفتق ما رتقوا لأنهم زينوا للضعفاء أمورا وزخرفوا لهم ما يحسبونهم به محقين فصاروا ينتظرون الغرة والغفلة فخرج الإمام يوما لبعض حوائجه فانتهزوا الفرصة فبادروا المدينة ففطن بهم قبل دخولها فتلقاهم الناس وكان أفلح بن عبد الوهاب يمشط رأسه وقد ظفر منه نحو الشطر وبقي الشطر فأخذ سلاحه وترسه فوقف لهم على باب المدينة وقد كادوا يدخلونها ونشب إحدى رجليه على العتبة السفلى من باب المدينة فانسلخ رجليه إلى العرقوب وجالدهم حتى لم يبق في مدرقته ما يصلح أن يكون وقاية فأخذ إحدى مصرعي باب المدينة فأتقى به وابن فندين بين يديه يضرب الناس يمينا وشمالا وعلى رأسه بيضتان فضربه فقسمه نصفين فنشب السيف في الصفا من شدة الضربة فلما مات انهزمت أصحابه فقدم الإمام فوجد القتلى على باب المدينة فصلى عليهم جميعا طمعا في اجتماع الكلمة بعد الفرقة وقيل عدد القتلى تقرب من اثني عشر ألف قتيلا والله أعلم فأراد جماعة رد الباب عن المصراع الذي نزع أفلح فلم يقدروا فقالوا له أردد ما نزعت فقال (1/150)
صفحة 151
ارددوا علي غيظي أرده ثم أن شعيبا أنهزم مع القوم وانتقل إلى طرابلس وأظهر البراءة من عبد الوهاب وقال قتل المسلمين واستقبل الحاج بمثل ذلك فبرئ منه الربيع ومن ابن فندين وممن قتل معه إلا من تاب قال أبو زكريا كان الربيع بن حبيب يقول في مجلسه عبد الوهاب أمامنا وثقتنا وأمام المسلمين أجمعين ويظهر البراءة من شعيب ويزيد بن فندين وعوتب على براءته من شعيب من غير حدث قال وأي حدث أعظم من براءته من عبد الوهاب أمير المؤمنين ورأيت في رسالة تنسب إلى الربيع ومخلد ووائل إن شعيبا خرج من البصرة مستخفيا لا يعلم به الربيع ولا غيره من المسلمين ولا أين توجه إلا خاصته الذين هم على رأيه فقدم مصر وبلغه وفات ابن رستم رحمة الله عليه ومغفرته وجازاه عن الإسلام وأهله خيرا وأن شعيبا وأبا المتوكل ونفرا من أهل مصر كانوا في مجلس لهم وأن شعيبا تكلم فزعم إن الربيع رحمه الله كذاب خائن مخلف جاهل فشهد عليه بذلك رجلان من المسلمين شهدا ذلك المجلس وهما من صلحاء المسلمين وخيارهم فلم يلبث شعيب أن خرج بغير مشاورة من أهل مصر ولا رأي منهم ولقد نهاه خيارهم أن يخرج إلى المغرب فخرج وهو عند المسلمين بأقبح المنازل حتى قدم على عبد الوهاب رحمه الله وقد كان من أمر أبي قدامة وأصحابه ما قد كان من منازعتهم أمامهم عبد الوهاب رضي الله عنه فقال أبو قدامة وناس من (1/151)
صفحة 152
أصحابه لعبد الوهاب أعتزل أمرنا حتى تولى أمرنا غيرك وكثرت منازعتهم في ذلك حتى استقام رأيهم على أن يبعثوا رسولين ويكف بعضهم عن بعض حتى يرجع إليهم رسولاهم وجواب كتابهم من عند المسلمين فما أتاهم من قبل المسلمين أخذوا به واجتمعوا عليه فقدم رسولاهم مكة وبها يومئذ الربيع وجماعة المسلمين فقرؤا كتابهم وسألوهم ثم نظروا واجتهدوا ولم يألوا فيما يوافق الهدى والعدل وفيما يصلح الله به أمر المسلمين فكتبوا به وبعثوا به مع رسوليهم فلم يصل الرسولان ولا كتابهما الذي رجوا منفعته وصلاح أمرهم فيه حتى خرج أبو قدامة وأصحابه فعسكروا حيث شاء الله ثم أن أبا قدامة ومن معه ساروا إلى عبد الوهاب والمسلمين وهم في منازلهم وبدوا بالقتال فاقتتلوا فقتل من بلغ أجله فقدم الحاج فكان فيهم من كان مع عبد الوهاب والمسلمين ومنهم من كان مع أبي قدامة ومن معه فذكروا أن المسير كان من أبي قدامة وأصحابه إلى المسلمين وإن عبد الوهاب كان مقيما في منزله وعسكره حتى غشيهم أبو قدامة ومن معه فقامت البينة العدول فيما علمنا أن البداءة كانت من أبي قدامة وأن شعيبا كان الرسول فيما بينهم وأمر أصحاب أبي قدامة بالمسير والقتال وزعم أن دم عبد الوهاب ومن معه حلال وشجع القوم وهو أمر بذلك وأعجلهم من أن يأتي رسولاهم وجواب كتابهم وكان تصديق ذلك عند المسلمين على شعيب (1/152)
صفحة 153
أنه لما كان من قتل أصحاب أبي قدامة ما كان خرج منها شعيب وقدم طرابلس فأظهر البراءة من عبد الوهاب ومن معه وأحل دماءهم فأستقبل الحاج فأظهر مثل ذلك فلما رأى الربيع والمسلمون معه ما كان من شعيب ومن مسير أبي قدامة ومن قبله نظروا واجتهدوا في النظر لله ولدينه ولأهل دينه فرأوا أن من عمل بمثل ما عمل به شعيب فهو هالك بريء من الإسلام حتى يتوب ويراجع الحق فأظهروا البراءة منه حيث لم يسعه إلا ذلك انتهى كما هو.
وفيها أن أصحاب أبي قدامة ومن قتل منهم قتل باغيا متعديا ومن بقي منهم فهو هالك إلا من تاب وندم وراجع الحق وأهله فمن تاب لم يعير بما كان منه وقبل منهم انتهى
ورأيت في رسالة أخرى ما هو ابسط من هذا وفيها أنهم عزلوا الربيع في البراءة من شعيب فقال سماني كاذبا خائنا وبرئ من عبد الوهاب قالوا عبد الوهاب قتل المسلمين فهو أحق بالبراءة من شعيب ثم ذكر فيها أمر عبد الوهاب من أول البيعة وما اشترطوا عليه وإرسال الكتاب والرسولين بالجواب إلى آخر القصة إلا أن فيها بسطا وطولا وقصدي الاختصار.
قال أبو زكريا أصبح ميمون بن عبد الوهاب قتيلا مفرق الأعضاء فقال أبوه أجتمع فيك قول القائل ويل لمن مرت الخيل بكساه وويح لمن أصيب بليل وإذا مسست ابن السلطان فأمسسه مسا عنيفا ثم أستعمل ابنه جابيا للصدقة فلما بلغ إلى النكار قالوا يا ابن المهدور دمه (1/153)
صفحة 154
فأخبر جده بقولهم فاستثبت فصح عنده أنهم قتلوه فأرسله إليهم في عسكر فقاتلهم فهزمهم الله ولم يطيقوا إحصاء القتلى فنظروا في أقل الأسماء فوجدوه هارون فأحصوا ما قتل ممن اسمه هارون فوجدوا ثلاثمائة فأوهن الله شوكتهم لعله لما قدم عليهم أبو أن يدفعوا له القتلى أو ناصبوه الحرب فبدؤه بالقتال وإلا فالمشهور من سيرته أنه لا يتبع مدبرا ولا يجيز على جريح ولا يبتدئ بقتال ثم تحركت عليه قبائل البربر وكانوا على مذهب واصل بن عطاء أعني معتزلة وذلك أنه لما وقع ما وقع بين الإباضية من انشقاق العصا وكثرت القتلى انتهزوا الفرصة لكثرة عددهم وقوة شوكتهم فأعتذر الإمام عبد الوهاب إليهم عادته في عدم المبادرة إلى البسط وسفك الدماء مرة بعد أخرى فما زادهم ذلك إلا شغبا وكانت فيهم أبطال وكان زعيمهم وحاميتهم ابن قائدهم وسيدهم فبرز إليه عبد الوهاب في عساكره فال أمرهم إلى القتال فكانت بينهم وقعات فلما رأى الإمام شدة شوكتهم وكثرة عددهم أرسل إلى جبل نفوسة وإلى عامله بها أن يمده بجيش يتضمن شجعانا وفرسانا عارفين بأبواب الحرب ومبارزة الأبطال وعلماء بفنون التفسير والرد على المخالفين والحلال والحرام وقيل مائة بطل للمبارزة ومائة مفسر ومائة متكلم عارف بفنون الرد ومائة علام بفنون الحلال والحرام لأن الواصلية معهم عالم عيا من هناك في (1/154)
صفحة 155
الكلام وفيهم شاب لا يبارزه أحد إلا قتله ولا يقوم له في القتال شيء فلما ورد الخبر إلى نفوسة اختاروا محمد بن يانس ومهديا وأبا الحسن الأبدلاني وأيوب بن العباس فلما وردوا على الإمام استسر بقدومهم وقد قدم لغلمانه أن من أتاه بخبرهم أعتق وخرج حرا فلما رأوهم مقبلين كان غلام منهم أعرج على سور المدينة فلما رأى الغلمان يتسابقون علم أن ذلك من قدوم نفوسة فأخبر الإمام بقدومهم فخرج حرا فلما بشره الغلمان قال لهم فاز الأعرج فأرسلها مثلا وسيأتي خبرهم عند ذكر محمد بن يانس وكان ينتظر قدوم العسكر الذي فيه كثرة العلماء والأبطال فلما دخلوا عليه بأربعة استخبرهم عن أحوالهم وكل واحد وما يخصه وما ضمن من الخصال التي بعث لهم فيها فذكر أيوب بن العباس أنه تكفل أمر المبارزة ومحمد بن يانس تفسير القرآن وأنه أخذ عن الثقة ومهدي للكلام والحجة وأبو الحسن الحلال والحرام وسيأتي التعريف بأخبارهم وأحوالهم إن شاء الله ثم أدخلهم إلى دار الضيافة وأجرى عليهم الأرزاق وكان للإمام مع المعتزلة حروب ومناظرات ووقائع وكان الإمام من العلماء الراسخين وكذا سائر أهل بيته كما سيأتيك التعريف عليهم بعد إن شاء الله فسألهم يوما فقال مهدي سأكفيك أمر المناظرة إن شاء الله وقال محمد سأكفيك أمر التفسير وكان قد أجلوا أجلا جعلوا الموعد يوما معلوما فقال الإمام لمهدي وقع بيني وبين (1/155)
صفحة 156
المعتزلي في مناظرتي له كذا وكذا فذكر ما وقع بينهما من الحديث فكلما زاغ المعتزلي عن الحق وحاد عن الصواب قال مهدي هاهنا ذهب عن الإلزام وهاهنا لبس بالشبهة حتى أطلعه على مكامنه وما لبس به وقيل غاب مهدي يوما وهو بتيهرت فرجع من الليل بعد أن أكلوا عشاءهم فقالوا أين غبت فقال أفحمت تسعين عالما من المخالفين فتقدم إلى عشائه فصادف عجين غدائهم فلما أخذ بلغته قال أن عشاءكم الليلة لم ينضج قال له بعضهم لعلك صادفت العجين فكان الأمر كذلك قال حمدت الله في ثلاث أقضي بقليل من النوم غرضي وبأي طعام سددت جوعتي ولا أخشى من مخالف يفحمني في حجتي فلما بلغ الأجل حضرت المعتزلة أشتكى أيوب من تعب فرسه وحفائها وطلب غيره فأدخل إلى خيل السلطان يختار ما يريد ويشتهي فكلما أعجبه فرس منها أخذ بناصيته فيجبذه فيكاد يقع على ركبتيه فلم يجد فيها ما يرضيه فقال علي بفرسي فأحضر فأخذ بناصيته جابذا له بقوته فما أثر فيه شيء من ذلك فجره من الحفاء الذي به فحضر به القتال وبلغ الخبر المعتزلة بقدوم نفوسة فلما التقى العسكران تاقت النفوس من الفريقين إلى رؤية أيوب لما يسمع الناس من شجاعته وأنه المتكفل بفارس المعتزلة وحاميتها الذي يفترس الأقران وأعجز الفرسان ثم إن الإمام دعا المعتزلة إلى ترك ما به ضلوا وأبوا إلا التمادي وطلبوا المناظرة فخرج عالمهم وبرز إليه (1/156)
صفحة 157
مهدي بين الصفين ومعه الإمام في جماعة المسلمين فقال مهدي لمحمد بن يانس ناظره قال بل ناظره أنت ولست بأعلم مني ولكن خشيت العرق الذي في من قبل يانس فتناظرا حتى غاصا بحيث لا يفهم ما يقولان من الحاضرين إلا الإمام فتمادى بهم البحث حتى خفي عن الإمام وغيره فأفحمه مهدي فكبر المسلمون فافترقا من المناظرة وقد خزي المعتزلة فخرج حاميتهم طالبا للبراز فخرج إليه أيوب جابذا فرسه حتى أبصره الفريقان فتجاهل حين أراد الركوب فأضحك الفريقين واستبشر المعتزلة وازدارته أعينهم إلا أباه فقال هيهات جاء قاتل ابني قالوا وكيف ذلك قال إلا ترون كيف أدلى فرسه حين ركبه ولا يفعل الفرس ذلك إلا تحت الفارس الحاذق وقيل إن في سنان حربته ثمانية عشر رطلا فقذفها في الهواء وهيأ لها رمحه فوقعت فيه مستوية فتمكنت لا تحتاج إلى تركيب والناس ينظرون فبارزه المعتزلي قيل سلكه في رمحه وقيل ألقاه مجندلا فانهزمت المعتزلة لما أبصرت عمدها وحاميتها قتيلا قيل قتل أيوب منهم قتلى كثيرة وكذا أفلح وفات أحدهما صاحبه بواحد وقيل أن أيوب قال ضربت شيئا نبا عنه السيف لصلابته فنظروا فإذا هو عمود قسمه نصفين بضربته فدخل المعتزلة تحت طاعة الإمام ووضعت الحرب أوزارها وأرادوا أن يمكروا بأيوب ويقتلوه غيلة أو فتكا فأرسلوا إليه ليكرموه فمنعه المسلمون أو بعضهم فأبى إلا السير فأخافوه الغدر ولم يلتفت إلى قولهم فلما بلغ إلى بعض أحيائهم انزلوه في خص (1/157)
صفحة 158
فقدموا إليه العشاء ورحبوا به فأكل ما على المائدة وما فيها ومن جملة ذلك شاة ثم قدم إليه وطب لبن فشربه جميعا ثم أخذ في قراءة القرءان بعد أن صلى حتى أصبح فصلى بوضوئه فأمرهم أن يقربوا إليه فرسه فلم يجدوا فرصة لغدره فتكفل لهم بعض فتاكهم بقتله فلما ركب طلبوا إليه أن يعلمهم الفروسية فأجابهم فأخذوا قضبانا يترامون بها فهو معهم في ذلك إذ حمل عليه المتكفل بقتله ولم يشعر حتى كاد أن يطعنه فتغافل له حتى ضربه فالتقى الضربة وحمل عليه فقتله وقتل معه ثمانية ثم حمل على الجهة الأخرى وقتل ثمانية فقال لنساء الحي أيكفيكن أم أزيدكن فقلن يكفينا. ومن مشهور شجاعته ما ذكر أنه جاز على أسد ولبؤة وأشبال فقطع أرجلها فجاز على حي فقال من يبتغي اللحم المكروه فعليه بالوادي فذهبوا مبادرين فمن كان يأكل المكروه أخذ. وكان الإمام رضي الله عنه كثير المال ممن اتسعت عليه الدنيا وسببه أنه كان في أيام أبيه رحمه الله تاجرا وكانت تيهرت لما أشتهر عدل عبد الرحمن أنتقل إليها أهل الأموال والتجار من مصر وإفريقية والمغرب لخوفهم على أموالهم من أئمة الجور ومن هناك دخلتها الفرق ونفقت فيها السلع مع كونها كثيرة الخصب فعظمت بها الأموال وكان عبد الوهاب حاذقا بالتجارة واتسعت أمواله فلما تمكن من الخلافة وانقطعت مادة الفساد والفتنة وهدت الأوطان أراد الحج فارتحل حتى نزل جبل دمر وله مسجد مشهور بمسجد عبد الوهاب وله في تطاوين (1/158)
صفحة 159
مصلى غير مسقف وكنت أتيته في موعد بيني وبين بعض المخالفين فطلبت من أهل تلك البلاد فسقفوه.
وذكر أبو زكريا أن له مصلى بتلالت والله أعلم قال وفي موضع المصلى بلاطة يتكئ عليها إذا قعد مساو بها رأسه وهي اليوم تحاذي رأس الواقف ثم تحول إلى جبل نفوسة عازما على الحج فمنعوه خوفا من المسودة أن يمسكوه فتتعطل أمور المسلمين وحدود الله وأحكام الشريعة قالوا له ولا نجد سبيلا إلى تولية غيرك وبيعتك في أعناقنا فأرسل رجلا نفوسيا من أهل تمزدا إلى أبي عمر الربيع بن حبيب وإلى ابن عباد وكانا مرجع أمور المسلمين فأجابه الربيع من كان مثلك في العنا بأمور المسلمين وحمل أمانتهم وخاف على نفسه من المسودة أن يبعث بحجة وهو حي وأجابه ابن عباد إن من كان على هذه الصفة فلا حج عليه لأن من شرط الحج أمان الطريق فلما قدمت عليه رسله أخذ بقول الربيع فأرسل رجلا من أهل تمزدا يحج عنه فأقام بجبل نفوسة في تلك النوبة سبعة أعوام يقرؤون عليه مسائل الصلاة ومسجده بميري في بني زمور مشهور إلى الآن وتزوجت الفرس ومن مع الإمام إماء أهل زمور فلما أراد الرجوع والانتقال إلى تيهرت حملوا أولادهم منها فقال أبو عبيدة عبد الحميد الجناوني لأهل زمور خذوا عبيدكم فأخذوهم بعد أن حملوهم على السروج.
ذكر محاصرة مدينة طرابلس
ولما أقام الإمام بجبل نفوسة ببني زمور وقعت بين هوارة (1/159)
صفحة 160
وبين جند طرابلس مخالفة فخرج الجند إليهم إلى واد الرمل فاقتتلوا فهزم الله الجند إلى مدينة طرابلس فأتبعهم من حضر من أهل الدعوة إلى المدينة فخرج الجند هاربين إلى إبراهيم بن الأغلب وهو عامل لهارون الرشيد على إفريقية ومنزله بالقيروان ومات هارون وأقره الأمين فوجه إبراهيم ابنه عبد الله في ثلاثة عشر ألف فارس سوى الأتباع فقاتل هوارة من أهل الدعوة فبلغ الخبر إلى الإمام فأقبل حتى نزل على طرابلس وفيها عبد الله بن إبراهيم وحاصرها وسد عبد الله باب زناتة وكان يقاتل من باب هوارة فأقام عليها زمانا وكانت محاصرته لها عام ستة وتسعين ومائة وهناك مات مهدي النفوسي وذلك أنه خرج من العسكر إلى شاطئ البحر فسبحوا له حين أبصروه منفردا فسكوه وقطعوا رأسه قال أبو زكريا إذا قالوا له انهزم المسلمون يعنون الإمام ومن معه تعبس وإذا قالوا له انهزمت المسودة انبسط وجهه وتبسم وفي كتاب سير نفوسة أنهم علقوا رأسه على السور فإذا قالوا له انهزم المسلمون انقبض وجهه وإذا قيل له انهزم أهل المدينة انفتح حاجبه وتبسم وكل قريب فلما طال الحصار على أهل طرابلس وكان الإمام يشاور أصحابه في المكائد التي يكيدهم بها وكانت المدينة في غاية الحصانة والمنعة فيخرج ما اتفقوا عليه من الرأي وينقص من اتهم بالإخراج حتى إذا لم يبق إلا وزيره مزور بن عمران فلم يخرج لهما خبر فقال الإمام لا نحاصر المدينة برجل واحد (1/160)
صفحة 161
ثم مات إبراهيم بن الأغلب فورد الخبر به إلى الإمام فأخبر بذلك المحصورين وأبنه عبد الله فتصالحا على أن تكون المدينة والبحر المسودة وما كان خارجا فللإمام عبد الوهاب وكانت أيامه بعد ذلك في سكون واعتدال وعماله إلى سرت وإلى قسطالية زقون بن عمير وأرسل إلى قابس قطعان بن سلمة الزواغي فحاصرها وكان خارج قابس مطماطة وزنزفة ودمر وزواغة وغيرهم تحت ولاية نظره وكذا جربة فلما تم حجه وقضي وطره منه بعد مراجعات إلى المشرق ومراسلات إلى الربيع وكذا طرابلس وما وليها ارتحل راجعا إلى المغرب إلى تيهرت فطلب إليه أهل نفوسة وغيرهم من القبائل أن يولي عليهم رجلا يستندون إليه ويسندون أمورهم نحوه فطلبوا إليه وزيره السمح بن عبد الأعلى أبي الخطاب بن السمح بن عبيد بن حرملة المعافري وقد تقدم بعض أخبار أبيه وولايته المغرب وبعض سيره وعدله وكان الإمام عبد الوهاب ظنينا به وكان السمح عزيزا عليه ولم يرد الإمام أن يفارقه ولكن أثر هواهم على نفسه وعقد له الولاية وتركه في حيز طرابلس عاملا عليها وقد كان الإمام بعث إلى الربيع بن حبيب باثني عشر ألف درهم أو دينار.
قال ابن سلام بن عمر على ما حدثه نفاث بن نصر النفوسي قال فاشترى بها الربيع جهازا من البصرة وأرسل به أخاه إلى تيهرت فلما وردها جمع عبد الوهاب تجار تيهرت فاشتروا منه جهازه واشتروا له حوائجه في ثمانية أيام فأنصرف راجعا إلى المشرق. (1/161)
صفحة 162
وقال أبو زكريا حدث بعض أصحابنا أن عبد الوهاب أرسل ألف دينار إلى المشرق إلى إخوانه بالبصرة أن يشتروا له بها الكتب فلما وصلهم الألف اشتروا بها رقا فنسخوا له فيها وقر أربعين جملا كتبا فلما بلغته تشمر وجد لقراءتها ليلا وبعض أوقات النهار وقيل يجرد ثيابه إلا السراويل فختمها فقال الحمد لله إذ وجدت جميع ما فيها محفوظا عندي ولم أستفد منها إلا مسألتين ولو سئلت عنهما لأجبت فيهما قياسا كما رسما في الكتب وهذا من كثرة علمه وقوة فهمه ونقاء قريحته وتهيؤ نفسه لاكتساب العلوم وبيت الرستميين احتوى على علوم كثيرة من فقه وإعراب ولغة وفصاحة وعلم نجوم وعن بعضهم أنه قال معاذ الله أن تكون عندنا أمة لا تعلم أين بات القمر وقيل إن عبد الوهاب بات مع أخت له يتعلمان مسائل الفرائض فلم يطلع عليهما الفجر إلا وهما قد تعلماها جميعا.
وقال ابن سلام قال قائل من علماء أهل المشرق لا أعلم بمن يخرج دماء أهل القبلة في زماننا هذا إلا عبد الرحمن بن رستم بالمغرب وأبو يزيد الخوارزمي يعني والله أعلم أنك لا تتقدم على سفك الدماء إلا بفتيا أحد الرجلين من غزارة علمهما وورعهما وتحفظهما وقال الإمام عبد الوهاب رحمه الله ذاكرت أبا مرداس في الوجوه التي تحل بها الدماء أو بأحدها فذكرت أحدها فتنكر وتكره فأمسكت عن باقيها كذا قال أبو العباس أحمد بن سعيد في كتاب طبقات العلماء والصالحين من أهل الدعوة.
وكفاك في فضل الإمام وعدله قول أبي مرداس (1/162)
صفحة 163
لا أعرف إلا الإمام ووزيره وهذا الفزاني لم أره وإنما أعرفه بكتابه يعني عبد الخالق ويأتي التعريف بهما وأخبار الإمام وحلمه وشجاعته وعدله وعلمه مشهورة ومقصدنا في هذا التصنيف مطلق التعريف والتنبيه على بعض الكرامات.
ومنهم الشيخ الأفضل أبو هارون من أهل بندوفرك وممن أخذ منه ويروي عنه أبو يوسف بن منيب النفوسي وسيأتي التعريف به ومما روي عنه ما ذكر أبو الخير الأرجاني عن أبي يوسف بن منيب عن أبي هارون من أهل بندوفرك أنه قال ثم من يقول من العلماء بتشريك الشاك فيمن دفع الرأي المجتمع عليه.
ومنهم أبو الخير الأرجاني وهو شيخ فاضل مذكور وحقه أن يتأخر عن أهل هذه الطبقة وإنما ذكرته لتقدم ما ذكروه ورواه عن أبي يوسف بن منيب ولم أرد أن أعيده وأما أبو يوسف وإن كثرت فضائله فإنه يأتي به التعريف مع أخيه بعد هذا إن شاء الله وحق بني المنيب لكثرة فضائلهم أن يبسط في أخبارهم ولكن القصد من هذا الكتاب التعريف وفي بعض الكتب عن أبي الخير الأرجاني أنه قعد في المجلس في فرسطاء مع أبي محمد الكباوي وأبي يحيى الفرسطائي فوقع سؤال عمن لا يفرز بين كبائر الشرك وكبائر النفاق فقال أبو يحيى هو مشرك فأنكروا عليه قوله فقالوا له انزع وتب فحلف بالله لا انزع منها قولي إلا أن ينزعه الدرفي يعني أبا عيسى وهو حي يومئذ فقال أبو محمد الكباوي ارفقوا به صدق لكم.
ومنهم السمح بن أبي الخطاب وقد كان وزيرا للإمام عبد (1/163)
صفحة 164
الوهاب فطلبه أهل طرابلس إلى الإمام أن يوليه عليهم وكان به ظنينا فأثرهم على نفسه وقدمه عليهم.
وقال أبو عيسى الخراساني في رسالته إلى أهل المغرب في قضية خلف بن السمح بعد أن ذكر عبد الوهاب وأثنى عليه: ((بأنه مضى رحمه الله على الرضا من المسلمين والاستقامة لا ينقم عليه أحد من أهل الخير عندنا وعندكم سيرته فيكم سيرة من مضى من أئمة الهدى وحكم فيكم حكمهم وحربه فيمن حارب من مضى من الأخيار وسيرتهم ولا ينقم عليه أحد في حكم حكمه ولا في قسم قسمه ولا في سيرة سار بها بل كان يدين الله عندنا وعندكم بالحق ودين المسلمين ومشاورة الفقهاء وأهل الرأي من الصالحين والبصيرة في الدين ممن كان قبلنا وقبلكم حتى توفي رحمه الله فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وقد أدركنا أبا أيوب وائل بن أيوب وغيره من الفقهاء - بل من الأشياخ- ومن بعده محبوب أبي سفيان بن الرحيل وهم راضون عنه لا ينقمون عنه شيئا والحمد لله.
وقد كان فيما بلغنا استعمل على بعض قرائكم وبلادكم السمح فكان السمح على تلك الطريقة والاستقامة لا ينقم عليه أحد من المسلمين في حكم حكمه ولا في قسم قسمه يسير فيهم بسيرة صاحبه وأهل التقوى من الأئمة قبل ثم مضى لسبيله رحمه الله)) انتهى كلامه.
قال أبو زكريا: السمح عامل على حيز طرابلس فأحسن فيهم السيرة وعدل في حكمه، فذلك حاله مقر بإمامة عبد الوهاب وناصحا له في رعيته وراضيا عنه (1/164)
صفحة 165
فلما حضرت الوفاة السمح اجتمع إليه وجوه أصحابه وقد استعمل في طرابلس وحيازها عمالا كثيرة تحته قالوا له أوصنا ومرنا بأمرك يرحمك الله فأنا مطيعوك في حياتك وبعد وفاتك فانك لن تألونا رشدا جزاك الله عنا وعن الإسلام خيرا فقال السمح أوصيكم بتقوى الله والاتباع لما أمركم به والانتهاء عما زجركم عنه وطاعة أمامكم عبد الوهاب وتأييده ما دام مستقيما على الحق الذي عليه سلفكم وجهاد من خالفهم فتوفي رحمه الله وفي كتاب سير نفوسة أن رجالا من أهل المشرق قدموا زائرين زمان الإمام عبد الوهاب فاختاروا من تيهرت الإمام ووزيره أبو عبد الأعلى السمح واختاروا من نفوسة أبا مرداس وأبا زكريا التكيتي والعباس ولعل الوزير مزور بن عمران لأن اشتهار العباس وتوليته بعد السمح.
ومنهم مزور بن عمران وزير الإمام وشهرته في الخير كاف عن التعريف به وأخباره وسيرته وحسن سياسته وإنصافه ونصيحته للإسلام معروفة.
ومنهم أيوب بن العباس النفوسي من أهل التقى والصلاح والاشتهار في طرق الخير وسبل الرشاد وكان الغاية في الشجاعة وقيل أنه قال لا اعلم من فاس إلى مصر فارسا يبارزني وله أخبار في الشجاعة وسير في الحروب ومعرفة مرايسها ومزاولتها خلدت في بطون الأوراق وقد قدمنا التنبيه عليه في سيرة الإمام عبد الوهاب.
ومنهم أبو المنيب محمد بن يانس رحمه الله المجاهد لنفسه المطيع (1/165)
صفحة 166
لربه ذو المناقب الشهيرة والمآثر الكريمة وهو أحد الأربعة الذين تكفلوا رد الواصلية الباغين على الإمام وهو خصوصنا تكفل علم تفسير كتاب الله وأنه أخذه ممن وثق به وهو من الاثني عشر الذين وسموا في الجيل بإجابة الدعاء في زمان واحد وقد أختص بكثرة الكرامات والتفرغ لفعل الطاعات ومن ذلك أنه لما أرسل الإمام إلى نفوسة أن يبعثوا له جيشا تضمن مائة فقيه ومائة مفسر ومائة مبارز ومائة متكلم أي يقوموا بعلم الكلام وهو أصول الدين فساروا بأربعة كل واحد تكفل ما تفعله المائة وقيل إن أبا المنيب إنما ضمن الحلال والحرام وأبو الحسن هو الذي ضمن تفسير القرآن فلما ارتحلوا واستقلوا طلبهم محمد بن يانس أن يولي أمر خدمتهم لما يرجو فيه من الثواب فأجابوه إلى ذلك وكان عادته معهم إذا نزلوا قيد خيلهم واشتغل بعشائهم ثم إذا صلوا وأتموا أورادهم وناموا أخذ في الصلاة إلى طلوع الفجر فلما رأوا ما تحمل من المشقة وحمل على نفسه من الطاقة قالوا أترك قيام الليل أو خدمتنا وعزموا عليه بترك أحدهما قال ترك خدمتكم مما لا سبيل إليه وأما قيام الليل فذروني أصل ركعتين فسامحوا في الركعتين فقرأ بنصف القرآن في ركعة وبالنصف الآخر في ركعة فانفلق الصبح وطلع الفجر فلما نظروا إلى ما حمل نفسه من المشقة في طول القيام قالوا ارجع إلى عادتك فرجع إليها ونظر إليه بعضهم في ليلة باردة ذات مطر والريح تضرب بثوبه رجليه والمطر (1/166)
صفحة 167
نازل عليه وهو قائم في الصلاة فقال إن لم يدخل الجنة إلا من فعل فعلك أخذته الوحشة فلما رجعوا من عند الإمام أخذهم شدة الحر فضربوا خباءهم فدخلوا فلم يدخل فسمعهم يتمنون ما يشتهون تمنى أحدهم لبنا وآخر ماء إيندل ولم أحفظ ما تمنى الثالث.
وذكر أبو العباس أنه رافق رجلين فتمنيا فقال لهما إن كتمتما ما تريانه يحضر ما تمنيتماه فحل فم السقا فصب منه لبنا وصب للآخر ما تمنى من الماء بحيث لا يشكون أنه ماء الموضع أعني إيندل وإيندل عين بقرب الجزيرة بجبل نفوسة ورأيته بخط عمنا يحيى بن أبي العز في كتاب السير لمشايخ نفوسة بياء بعد همزة وقد أخذ عليهم أو عليهما ميثاقا أن لا يذكران ذلك.
قال أبو العباس: ودخلوا في وجهتهم هذه مدينة من المدن فمرت بهم امرأة في أيدي الشرطة يقتلونها وهي تصيح أغيثوني معاشر المسلمين فأغاثها وسل سيفه فدافعهم وخلصها ثم حملوه إلى السلطان فقال ما حملك على ما فعلت قال لما سمعتها تستغيث بالله والمسلمين لم أتمالك ولم أوف بديني إن سلمتها فأمعن فيه النظر فقال تركناها لله وإيجابا لحقك ثم رجع فوجد أصحابه مستخفين خوف سوء العاقبة فقال قيامي لله وهو أعلم بحالي وفي سير مشايخ نفوسة وهو الصواب إن شاء الله تعالى أنه كان بمصر وسمع رجلا يقول أنا بالله وبالسلطان ثم قال أنا بالله وبأهل المروءة فلم يشتغل به ثم قال أنا بالله وبالمسلمين أو قال وبالإسلام وصادف قوله (1/167)
صفحة 168
أبا المنيب قد فتح زق زيت فتركه وأغاث الرجل فخلصه من أعوان السلطان ورجع إلى زقه فوجده على حاله لم تنهرق منه نقطة، ثم أن الشرطة اقبلوا إليه وحملوه إلى السلطان فقال ما حملك على ما فعلت فقال لم يسعني في ديني حين استغاث بالمسلمين أن أتركه فقال السلطان لأعوانه أفبمثل هذا تأتوني ولولا هذا ومن كان مثله لم تطلع علينا الشمس فبهم أمهلنا الله فقال ابن يانس ما فعلتها لله قط فخرجت دنية ومن شدته في الأمر والنهي أنه وجد رجلا على باب الأمير له حاجة عنده والباب مغلق فأخذ يقذف الباب بالحجارة ويشتم أهل المدينة وكان شديد الغضب في الله معروفا بالحدة ففتح الإمام الباب واعتذر باشتغاله بغسل الجنابة وعصر لحيته فلما سكن عنه الغضب قال له الإمام وكيف تشتم أهل المدينة وأنا وأنت في وسطها قال إن لم نعمل بموجب الشرع فلا محيد لنا عنها وهذا من مناقب الإمام إذ تحمل لرجل من رعيته مثل هذا لله وقيل أنه ضرب ثلاثة إخوة على الخط فدخلوا عليه ليلا فضربوه حتى أضعفوه فلم يطق إتيان المسجد وعلم أهل المسجد أنه لا يحبسه عنها إلا الأمر العظيم فدخلوا فسألوه فأخبرهم بما فعل به فأرادوا الانتقام منه فمنعهم مخافة أن ينتصف لنفسه فساروا صبيحتهم إلى أشغالهم فأخذ أحدهم يسقي الغنم فسقط في البئر فاخرج ميتا فصعد آخر إلى قنة جبل يجني الكبار فوقع من أعلاه وقعد الثالث في بيت فانتفخت بطنه فعظمت حتى لا يرى أحد القاعدين (1/168)
صفحة 169
من بالجانب الآخر فانشقت فمات وذلك في يوم واحد فنعوذ بالله من عقوبته ومن عقوق أوليائه. وقيل أنه مكث في الجزيرة شهرا من غير زاد فصعدت إليه امرأته ليلة فوافقت وقت الإفطار فمال إلى أشجار الأرض يأكل منها من رمث وشيح فقال لها كلي فأكلت مما يأكل فصادفته أحلى ما أكلت فأخذت منه فلما أصبحت نظرته فإذا هو أشجار الأرض فقالت أبهذا عشت فقال لها نقي قلبك وافتحي يديك وأغلقي فاك يجعل الله لك كل عود طعاما أو عسلا وقيل إذا أتاه أبو خليل يأخذ عنه العلم عظم مجلسه وإذا أتاه أخوه عمرو بن يانس حقر مجلسه فعوذل على ذلك فقال تعليم أبي خليل لله وتعليم أخيه عمرو ليؤذي المسلمين فخرجا كما تفرس فيهما وكان عمرو بلاء على المسلمين وصاحب خلفا واحدث أحداثا على المسلمين ويتبع عوراتهم ويكاتب بها الإمام فبلغ ذلك في الإمام فكتب إليه أعاذنا الله يا عمرو من النزول بعد الطلوع ومن الترك بعد الاجتهاد ومن بغض المسلمين بعد محبتهم ومن نفاق تخفيه الأبدان ومن أشياء ليس لها تجارب فقال بلغوه الكتاب ولا أظن أن تدركوه حيا فوجده حامل الكتاب محمولا على النعش وقيل قسم عمره بين طلب العلم والزيارة والحج وقراءة العلم فعام للحج وعام يذهب زائرا إلى تيهرت عند الإمام وعام يقرأ العلم عند إسماعيل بن درار الغدامسي وعام يتعبد فيه في مشاهد الجبل.
قال أبو العباس: إن محمد بن يانس كانت له غنيمة لا راعي لها فكان (1/169)
صفحة 170
إذا أصبح وأراد أن يرسلها إلى المرعى قال لها أنهاك أن تضري أحدا وأنهى أن يضرك أحد أمض في حفظ الله فتمر أوساط الزرع ولا تضر شيئا ولا تأكل غير الحشيش والمباح الذي لا حق فيه للناس حتى تروح إليه سالمة لا يطمع فيها سارق ولا يتعرض لها ذئب ولا ضبع.
وقال أبو العباس: وحدث أن له سبعة مساجد بعضها في الجبل وبعضها في السهل ولا تفوته الصلاة في كل واحد منها وتسبيح كثير.
ومنهم مهدي النفوسي الويغوي رحمه الله المقوم في علم الجدال الذي له اليد العليا في البرهان والاستدلال القامع كل ملحد ومحيد والناصر كل مجد مجيد وقد مضى من أخباره في مناقب إمامه وما ردع من شبه أهل الزيغ والبدع واشتهر عنه أنه أحد من صد مكايد نفاث بن نصر النفوسي ومنع انتشار بدعه في الآفاق وضربت لذلك مثال وفي كتاب السير أن جماعة اجتمعت في تنين أن دركل فيهم أبو نصر التمصمصي وهو المفتي وفيهم نفاث بن نصر وهو يلقي عليهم من المسائل الغويصة ما لا يفهمون فأقبل مهدي وعمروس فأمسك فقال أبو نصر الآن جاء السلوقان اللذان يحرزان الحي من الذئب وأما جروة أبي نصر فتنبح على الغنم وتنهزم ونسب أبو العباس المقالة إلى أبي مهاصر رحمه الله والصواب ما قدمنا يعني بالجروة نفسه لضعفه عن نفاث وبالغنم نفوسة وبالسلوقين مهديا وعمروسا والصواب إن هذا غير مهدي المعاصر للإمام لأنهما متأخران أعني مهديا وعمروسا وقد (1/170)
صفحة 171
تقدم أنه قال لا أبالي من أي طعام أخذ قوتي واقل شيء من النوم يكفيني ولا أخشى مخالفا يغلبني في الحجة حين أكل عجين غداءهم فقال لم ينضج طعامكم.
وروي أن جماعة من أهل الجبل قدموا تيهرت على الإمام فعجب من كثرة علمهم وشدة ورعهم ورزانة أحلامهم فقال هل تركتم في الجبل خيرا منكم فقال له مهدي تركنا من هو خير منا أبا عبيدة الجناوني وفي سير أهل نفوسة أن مهديا وابن خالته فرجا تخاصما عند الإمام بتيهرت فقال مهدي خذ لي حقي من فرج فقد اشتغل بالدنيا وخفت على فوات الآخرة وقال فرج وخذ لي بحقي منه اشتغل بآخرته فضاعت دنياه وخفت على آخرته تتبعها فلم يجد الإمام جوابا فلما قدم نفوسة وقع عليهم مطر غزير فابتلت ثيابهم ووليهم منزل ويغو فدخلوا عند مهدي فألقوه بيت زاهد أفقر من مرافق الدنيا فقال له فرج اتركهم يسيرون إلى بيتي فإنه أنفع لهم فذهبوا إلى داره فوجدوها واسعة كثيرة الثياب فبدلوا ثيابهم ونشروها بثياب يابسة وأكثر لهم مجامر النار وقدم لهم أطباق التمر ووسع عليهم أنواع الأطعمة فدفئوا وشبعوا قال الإمام لمهدي خاصمك فرج يامهدي فهو خير منك وتعجب الناس من كثرة الكوانين لأن الثياب والأطعمة مما يدخر للتجارة وأما الكوانين فليس لدخرها معنى وقيل إنما استعملها للفرس يمنعها من خشايش الأرض وقيل إن مهديا لما مات في حصار الإمام بطرابلس دخل طائر في ذلك اليوم الذي قتل فيه ونزل على وتد يجعل عليه عمامته فتكلم فقال قتلوا من قتلك يا سيد الرجال فعلموا أنه (1/171)
صفحة 172
مقتول رحمة الله عليه وأخبار مهدي كثيرة مشهورة.
ومنهم أبو الحسن الأبدلاني كان واسطة العقد وإنسان العين تعلم العلوم وعمل بموجبها وتحصن من الشيطان بزهد الدنيا ورفضها وهو أحد الأربعة الذين تكفلوا بما طلبه الإمام ولما التقى العباس في فاغيس مع خلف وخلف في جنود كثيرة أتى رجل أبا مرداس فقال له خفت على عسكرنا من كثرة عدونا فقال أبو مرداس لا أخاف على عسكر فيه أبو الحسن الأبدلاني فأتى أبا الحسن فقال له مثل ذلك فأجابه باني لا أخاف على عسكر فيه أبو مرداس.
وأبو الحسن أحد الاثني عشر المشهورين بإجابة الدعاء في عصر واحد بجبل نفوسة وهم:
أبو مرداس وأبو عامر التصراري وأبو منيب محمد بن يانس -وقد تقدم- وماطوس بن ماطوس الشروسي وأبو مهاصر الفاطمي وأبو الحسن الأبدلاني فهؤلاء الستة من جهة الغربية من جبل نفوسة وأبو الشعثاء السنتوتي وأبو يحيى الأصغوي وأبو يحيى تسكنيت وأبو عبيدة عبد الحميد الجناوني وأبو زيد المصغوري وبعضهم يكتبه بالباء بدل الميم وأبو زكريا التوكيتي فهؤلاء من جهة جادو وهي الجهة الشرقية من جبل نفوسة.
ومنهم أبو مرداس مهاصر السدراتي الساكن بتبرست بلغ في العلوم النهاية وجرا في أمر الصلاح الغاية قنع في دنياه بالخمول ورأى إن ما سوى أمر المعاد فضول وكانت عادته إذا وقع الجذب وعظم البلاء أن يجمع حشايش الأرض ويطبخها ويرسل بها إلى من احتجب من النساء.
وفي سير نفوسة إن (1/172)
صفحة 173
أبا مرداس في الشدائد ينفق ماله على الضعفاء وكان يقعد على طريق رجوع الخدم ورواحهن من الاحتطاب فيعطيهن قبضة قبضة من دقيق مبلول بماء يسمى الصميت ويسمى أيضا بعرف بعض البلاد البسيسة حتى نفد ما عنده ثم صار ينفق الحشيش فلما يبس صار ينزل إلى تيج فيحمل القطف من السباخ فلما يبس بالقحط صار يحفر عروقه ويطبخها فينفقها.
وكان له مسجد في كهف يتعبد فيه ويقول لولا أمور الإسلام ما أجازوا هذا الشعب إلى هذا الشعب وكان شديدا في الأمر والنهي ويتبع الأمراء يأمر وينهي ويشدد عليهم في أمور الإسلام.
وكان الإمام عبد الوهاب يقول: أحفظ أربعة وعشرين وجها تحل بها الدماء ولم يحفظ أبو مرداس إلا أربعة وشدد علي فيها وصاحب الإمام حتى مات، وصاحب أيوب بن العباس بعد رجوع الإمام إلى تيهرت حتى مات وكان مع أبي عبيدة عبد الحميد حتى مات ثم صحب العباس بن أيوب وقد كبر وانحني ويجر سيفه إذا مشى أمام الجيوش وكان قصيرا.
ورأيت فوق مصلاه الذي في الكهف أثر قدم على صفاة ملسا وكان في طريق واشتهر عند العامة إن ذلك أثر قدمه تحول ثلاث مرات يتبرك الناس بها إلى يومنا هذا. وقيل تكلم حين لاقوا خلفا باني اطمع الجنة لمن مات في وجهتنا هذه إلا القاعد على فراش حرام أو القاتل النفس أو الأكل مال غيره ظلما وله منها مخرج أن تاب ورفع نفسه عن المال والفراش وليقد نفسه لأولياء المقتول وإن لم يجدهم (1/173)
صفحة 174
فليقاتل بنفس غيره وليوص بالتباعات.
فقام وادكن الجارازراري فقال قتلت أبا مكشان وأكلت ماله فقال أبو مرداس حملين حملان ثقيلان أي تحملت حملين هما حملان فأمره فدخل القتال من غير مجن ولم يتق عن نفسه ضربة ولم تأخذه ضربة ولم يحمدوا له ذلك ونظيرها تقدم لأبي الخطاب حين سار إلى قتال ورفجومة في القيروان وكان قد أهدى بطة عسل قبل ذلك لأبي مرداس فردها له واستعار دابة فركبها وطلبه رفيق له أن يحمل صرة دراهم فأعتذر بان الدابة عارية فصاح الرجل فقال أبو مرداس صار العلم عجبا واستفتاه آخر فيمن قرن بين الصلاتين هل يفعل بينهما فعلا وجعل يكرر عليه السؤال وهو يجيب باني لا أحفظ بينهما إلا الإقامة والتسليم وفي سير نفوسة إن أبا مرداس يحضر الجمعة مع الإمام إذا قام بنفوسة ففقده الإمام ذات جمعة فسأل عنه فقيل له تزوج فقال ذاق أبو مرداس ما ذاقت الناس ومن شدة ورعه أنه طلع على منزله وهو تبرست فرأى بنيانا كثيرا قد حدث في البلد فقال: متى حدث هذا البناء؟! وذلك من قلة التفاته إذا مشى وإنما نظر ذلك اليوم لأن الناس خرجوا إلى الخصوص وليس في المنزل أحد.
وفي السير أن مشايخ قدموا من أهل المشرق زائرين فاختاروا من أهل تيهرت الإمام ووزيره ومن أهل الجبل أبا مرداس وأبا زكريا التوكيتي والعباس ثم قالوا أبو مرداس يقول نفسي نفسي كالغزالة والعباس نعم الفتى وأبو زكريا هو الجبل والجبل هو أبو زكريا وفيها إن (1/174)
صفحة 175
مشايخ نفوسة يقبلون إلى الإمام فيجلسون إليه حين كان بالجبل فإذا قدم أبو مرداس قام إليه وكان قصيرا فقال رجل من أهل المشرق لم يعظم الإمام هذا فقال حين سمعهم كيف لا أجل من تجله الملائكة ولا أعرف في الدنيا مثل هذا إلا رجلا بالمشرق وهذا أرجح منه يسيرا فقالوا للإمام اردده علينا لنسأله ونتحدث معه فقال لا يلبث عني فلما رجع بعد ذلك سألوه فقال أسألوا الإمام فكرروا السؤال فكل ذلك يقول أسألوا الإمام فقال له الإمام أجبهم فأجابهم وتحدث معهم فلما قاموا قالوا لا نعلم أحدا بالمشرق ولا بالمغرب مثل هذا.
وفيها أن رجلا من أهل أبديلان قال لأبي مرداس يا كافر فقال سميتني باسم هربت منه زمانا فلا مت حتى تنبح مثل الكلب فابتلاه الله فصار يطلع على المزابل فينبح مثل الكلب فإذا أفاق وزال عنه قيل له مالك تنبح فيقول بدعوة أبي مرداس نعوذ بالله من سوابق الشقاء ومن غضبه.
وفيها أنه ذهب يحرث على بقرة له فجاز على أهل اكرين والناس مسنتون وأحاط بهم القحط وأكلهم الضبع فرأى ما بهم من الحاجة فتصدق عليهم بالزريعة وذبح بقرته فقسمها بينهم وقسم الجلد فأخذ نصيبه بينهم فلما رجع قالت له زوجته زرزرت أين البقرة وأين حرثت فقال حرثت حرثا استغني عن المطر ولا تصيبه آفة فأخبرها بما فعل فقالت لم لم تردد علينا من بقرتنا إلا هذا فقال لنا بقرتنا إلا هذا.
وفيها جاز عليه رجل يحرث في فدانه ببقرته فقال له أخرج من فداني فخرج أبو مرداس وترك الفدان (1/175)
صفحة 176
فأدركه وقال له أترك البقرة لأنها لي فتركها فرجع إلى بيته فأتاه فقال أخرج من بيتي فدخل إلى زوجته فقال ناوليني سلاحي ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها يريد دفاعه فقال الرجل: أستهزئ وليس لي في الفدان ولا في البقرة قال أبو مرداس ما نبثك الله إلا وقد علم في الفدان والبقرة شيئا فتركهما ورفع يده عنهما وفيها بلغنا أن أهل منزله قالوا نرى في هذا الرجل أمرا عظيما من الصلاح ياليته بعيد عنا قال لهم أموت ولا ترون بعدي إلا الفقر فقيل أنهم بعده صلوا على ميت بالركوع فجاز رجل من فوقهم فقال ليس لها ركوع.
وفيها أنه خرج في عير يمتار ومعهم الأحوص الأبدلاني وهو المقدم على القافلة فغارت عليهم قطاع السبيل فتبعوهم فقال أبو مرداس ارجعوا فرجعوا فكر العدو فهزموهم ثانية فقال أبو مرداس ارجعوا فرجعوا فكروا فتركوا القتال لأبي مرداس وحده فلما أشتد عليه القتال فقال أدركني ياأحوص فرجع إليه أصحابه فهزموهم وتبعوهم فسكت أبو مرداس وإنما فعلوا ذلك ليسكت عنهم إذا تبعوهم.
وفيها إن رجلا أتاهم يبتغي أن يرافقهم فمنعه أبو مرداس من صحبتهم فلما انصرف أقبل قوم يطلبونه بدم وليهم فقال عند ذلك أبو مرداس لمثل هذا منعتكم من صحبته ولو اجبنا له لوجب علينا منعه حتى يبينوا ما يدعون قال أبو الربيع أبو مرداس رجل حازم ممارس للأمور ورع نبيه وجيه حاذق عاقل فطن مجتهد رحيم للضعفاء شديد على الفجار دليل على المؤمنين لاتأخذه (1/176)
صفحة 177
في الله لومة لائم يؤثر الحق والصدق وإذا أراد الزيارة لأهل تيهرت أخذ الوصايا من أهل الدعوة من أهل الجبل فيرفعها إلى تيهرت لنفع بيت مال المسلمين ولنفع أرباب الوصايا لرخص السعر فإذا اشترى الطعام جمعه جميعا ويؤذن للمساكين فيرفعون ما قدر لهم ولا يكيل لأحد ولا يكيلون لأنفسهم بل يحملون كذلك وقال أبو الربيع قال الإمام سبعون وجها تحل بها دماء الموحدين وذكرت منها لأبي مرداس ثلاثة فقال من ابن من أين منكر ذلك قال أبو الربيع وفعل أبي مرداس في جميع الوصايا ودفعها بغير كيل أصل لمن بعده لأن ذلك بمشهد أئمة العلم من أهل الجبل وأهل تيهرت ولم ينكر عليه أحد ما فعل وقال أبو الربيع رأى امرأة مكشوفة الرأس فصام سنة كفارة لرؤيته وسببها أن الناس خرجوا من البلد إلى الربيع فقالت في نفسها لم يبق إلا أبو مرداس ولا ينظر أحدا فطلعت فوق البيت فوقعت عليها عين أبي مرداس وقال ذكر أن ماء وضوئه نفد فطلب سبع بيوت من جيرانه وسمع كلام جارته فقال كفرت جارتنا اليوم مرارا وما بين خيمتيهما إلا قدر سبع حزمات حطب وكان إذا حصد الناس زروعهم ولقط اللقاطون خلفهم ورعت أرباب المواشي مواشيهم لقط من بعدهم نفقته لأنه يراه متروكا وسمع رجلا بتيهرت يدعو غريمه إلى الحق ولم يجبه فأتى إلى دار الإمام فقذفها بالحجارة فقال بهلة الله اليوم على من سكن هذا البلد فقال رجل للإمام كيف نحن وهذا الذي يذكر أبو مرداس قال نحن في وسطها إذا لم نأمر بالمعروف ولم ننه عن المنكر وقد تقدم مثلها (1/177)
صفحة 178
لمامد أي محمد بن يانس ولعل القصة واحدة والغلط من قبل النقل.
وفي كتاب طبقات الأشياخ لأبي العباس أحمد بن سعيد الدرجيني أن أبا مرداس شاور بعض إخوانه في التزويج وسأله أن يخطب له امرأة تصلح لمثله فدار في الجبل ولم يجد إلا امرأة مجنونة فخطبها فأجابت فرضي بها على جنونها إذ اختارته فلما تزوجها ارتفع ما بها فكانت من أفضل نساء نفوسة وأحسنهن وأكملهن وارفعهن ذكرا ببركة الشيخ وموافقته قال أبو العباس: إما أن يعني بالجنون الوسوسة وشراسة الأخلاق أو من يجن ويفيق وإلا فكيف ينعقد النكاح على مجنون لا يفيق وبالجملة شهرة أبي مرداس في العلم والورع والزهد كافية.
ومنهم أبو زكريا التوكيتي.
قال أبو العباس: كان علما لكل الفضائل ومعلما لكل ناهل قال أبو العباس وغيره: إن رجلا من أهل المشرق أقبل زائرا فجاز بنفوسة فتصفح أحوالهم واختبر كل من يتوجه إليه منهم ثم توجه إلى تيهرت فتصفح أحوال أهلها أيضا فسألوه عن الجبل ونفوسة قال الجبل هو أبو زكريا وأبو زكريا هو الجبل وأما أبو مرداس فكالغزالة نفسي نفسي وأما أبو العباس ففتى مقرعي وصفه بالشدة والنجدة ثم رجع إلى الجبل فسألوه عن أهل تيهرت فقال ليس بها أحد إلا الإمام ووزيره مزور بن عمران وقد تقدمت الحكاية أنه جماعة لا رجل واحد.
وفي السير إن العباس خرج بعسكره إلى حرب بني يفرن ومعه أبو زكريا التوكيتي وأبو مهاصر ثم إن العباس فقد الشيخين فلم يجدهما في العسكر فخشي أن يكون رجوعهما لحدث أحدثه فرجع يقفوا أثرهما فوجدهما عند أم الخطاب اغرم إينان والمشهور اغرميمان (1/178)
صفحة 179
ووجدته بخط عمنا يحيى بن أبي العز بألف بعد ميم بعدها ياء بعدها نون وألف ونون وهما في مجلس الذكر وقد أرخوا الستر فقال ما ردكما عني قالا أنت على المنهاج وإنما رجعنا من اجل لمع السيوف فقال أنا الذي يحمل لمع السيوف فأخذت أم الخطاب شاة ذبحتها لهما فجعلتها في خرجه وقالت لهما يكفيكما الجلبان فرجع العباس إلى عسكره.
وفيها أن أبا عبيدة لما دفع الولاية ولاية جهته وأعتل بأنه ضعيف كتب إليه الإمام أن كنت ضعيفا في العلم فعليك بأبي زكريا يصلتن التوكيتي وستأتي الحكاية في التعريف بأبي عبيدة وشهرة أبي زكريا وعلمه وورعه مما لا يخفي على الحفاظ وكفاك أنه في زمان امتلأ فيه جبل نفوسة علما وعملا وعدلا فاختير من جميعهم حتى قيل أبو زكريا هو الجبل والجبل أبو زكريا.
ومنهم فرج الويغوي النفوسي وقد تقدم التعريف به مع مهدي.
[أبو عبيدة عبد الحميد الجناوني].
ومنهم أبو عبيدة عبد الحميد الجناوني قال أبو العباس أحمد بن سعيد أحد علماء نفوسة الموصوفين بأخلاق نفيسة ومال إلى ما طبع عليه من الورع واطراح الحرص والدنيا وترك الطمع وكان غاية في إنفاذ الأمور وإمضائها وقائما بالمدافعة لأحوال البغاة ودفاعها ووافيا بما أمر من إصلاح النفس والدين والدنيا وتحصنها.
وفي السير فلما ولى أحسن السيرة وأول من اخرج منه الحق رجل دعا ياآل فلان دعوة الجاهلية وفيها حجر على أهل إجناون خرط زيتونهم إلى وقت معلوم فكسر بعضهم الحجر فأدبه قال أتضربني على مالي يا ابن فحمس قال له حاش لله أن أضربك على مالك وإنما ضربتك على الحق.
وفيها وروي (1/179)
صفحة 180
أنه اخرج الحق من رجل على التهمة فخرج الفاعل، غيره فقال المضروب ظلمتني يا ابن فحمس فقال معاذ الله أن يظلمك ابن فحمس إنما أنت الظالم لنفسك الذي جعلتها في مواضع التهمة.
وفيها إن الفرس تزوجوا إماء بني زمور في مدة إقامة الإمام بنفوسة فلما أرادوا الرجوع إلى تيهرت حملوا أولادهم منها فقال أبو عبيدة لبني زمور خذوا عبيدكم فأنزلوهم عن السروج.
واستمسك رجل بآخر عنده بنصف دينار أو بثلاثة أرباع إلى الآخرة وقال لا احكم بدين الآخرة.
وله سبع مساجد معلومة يتعبد في جميعها كل ليلة.
وفيها وفي غيرها من الكتب لما مات السمح بن عبد الأعلى المعافري عامل الإمام عبد الوهاب رحمهما الله تعالى وقد أوصى الناس ووجوه أصحابه بتقوى الله تعالى وبطاعة إمامكم وتأييده مادام مستقيما بلغ في الناس مبلغا عظيما لعدله ولفضل أبيه أبي الخطاب فبادرت العامة ومن لا بصيرة له بالأمور إلى تقديم ولده خلف ظنا منهم إن ذلك أرفق بالمسلمين وأوفق بأمير المؤمنين فرد فعلهم من له بصيرة بأنه ليس لكم أن تسبقوا إمامكم بالتقديم قال بعضهم نوليه فإن أبي أمير المؤمنين عزلناه وأهل الصلاح أبوا ذلك وامتنعوا منهم أبو المنيب إسماعيل بن درار وأبو الحسن أيوب بن العباس وغيرهم فبعثوا كتابا إلى الإمام فأجابهم بأنه:
((بسم الله الرحمن الرحيم من أمير المؤمنين عبد الوهاب إلى جماعة المسلمين بحيز طرابلس (أما بعد) فاني أمركم بتقوى الله والاتباع لما أمركم به والانتهاء عما نهاكم عنه وقد بلغني ما كتبتم إلى به من وفاة السمح واستخلاف بعض (1/180)
صفحة 181
الناس خلفا ورد أهل الخير ذلك فإن من ولى خلفا من غير رضا إمامه فقد أخطأ سيرة المسلمين ومن أبي من توليته فقد أصاب فإذا أتاكم كتابي هذا فليرجع كل عامل استعمله منكم السمح على عمالته التي ولى عليها إلا خلفا حتى يأتيه أمري وتوبوا إلى ربكم وراجعوا التوبة لعلكم تفلحون)).
فلما وصل كتابه طرابلس وعلموا ما فيه من تصويب من وقف عن توليته وتخطئة من ولاه ورجوع كل عامل إلى عمله كاتبوه ثانيا أن يجوز لهم ما فعلوا من توليته فأجابهم بأنه: ((لا يسعني في ما بيني وبين ربي ولو وسعني لفعلت)) فافرد كتابا لخلف يأمره فيه بتقوى الله وأن يعتزل أمر المسلمين كافة وأرسله إلى جماعة المسلمين بطرابلس وكتابا آخر فيه توليته وأمرهم أن يدفعوا إليه الأول فإن أطاع وامتثل دفعوا إليه الثاني وإن أبى تركوه في غيه حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين فلما قرأ الكتاب الأول أبي واستكبر فاجتمع الذين ولوه وكتبوا إلى أبي سفيان محبوب بن الرحيل يستفتونه إذ هو يومئذ واسطة العقد ورأس من بالمشرق من أصحابنا والمقدم في الأمور بعد الربيع وأبي المهاصر وأبي غسان وأبي أيوب فلما علم ما في كتابهم أجابهم بتخطئة من ولى خلفا وأمرهم بتقوى الله وطاعة إمامهم فلما وصل إليهم جوابه أنكروا إمامة عبد الوهاب من غير حدث وزعموا إن إمامهم خلف واعتلوا إن حوزة طرابلس منقطعة عن حوزة تيهرت وبعيدة منها فلما أبو من قبول الحق استعمل الإمام أبا الحسن أيوب بن العباس وقد تقدم بعض أخباره (1/181)
صفحة 182
وأنه أحد الأربعة الذين وصلوا إلى تيهرت متكفلين بأمر المعتزلة وتقدم قوله إني لا أعرف فارسا يبارزني من فاس إلى مصر وكان ذا بأس وشدة وشجاعة فهابوه وكان ذا عدل واستقامة فلما حضرته الوفاة أرسلوا إلى الإمام أن يولي عليهم فأجابهم أن يختاروا أفضلهم وأولاهم بأمور المسلمين ويسموه وكتبوا إليه أنه ليس مثل أبي عبيدة لهذا الأمر عبد الحميد الجناوني فأرسل الإمام إليهم أن يولوه بأمره فاجتمعوا إلى أبي عبيدة واخبروه بما كتب به إلى الإمام وما أمرهم به من توليتهم إياه على أنفسهم أن يقضي بينهم بكتاب الله وسنة نبيه وآثار الصالحين فأجابهم بان قال أنا ضعيف أنا ضعيف ولا أطيق القيام بأمور المسلمين فأرسلت نفوسة إلى الإمام بامتناعه وقوله أنا ضعيف أنا ضعيف فأجابهم وحلف بالله بلغة العرب وبلغة العجم وبلغة البربر أن لا يقلد المسلمين وأمورهم إلا رجلا يقول أنا ضعيف أنا ضعيف فكتب إلى أبي عبيدة يأمره بالدخول في أمور المسلمين كذا قال أبو زكريا وفي سير نفوسة إن أبا عبيدة استعذر بأنه ضعيف المال ضعيف البدن ضعيف العلم وقولهما إن الإمام كتب إليه أن كنت ضعيف البدن فادخل في أمور المسلمين يقوي الله بدنك وإن كنت ضعيف العلم فعليك بأبي زكريا يصلتن التوكيتي وإن كنت ضعيف المال فبيت المال يسعك ويسع غيرك فلما ورد عليهم جواب الإمام اجتمعوا إلى أبي عبيدة وقالوا لا يسعك إلا الدخول في أمور المسلمين وطاعة إمامك فقال أمهلوني حتى أستشير فأتى عجوزا معروفة بالعلم والورع والدين تسكن (1/182)
صفحة 183
بموضع يقال له ارجي ازمار فيما يقول أبو محمد فقال لها أن أمير المؤمنين بعث الي بالولاية فأشيري علي فقالت أن علمت في نفوسة أفضل منك فتقدمت فستكون خشبة في جهنم فقال أما في أمور الرجال فلا أعلم فيهم مثلي فرجع إلى المشايخ فقبل الدخول في أمورهم فلما ولوه قالوا سيروا نزور وقاية أفضل من عمائمنا فلما ولى الأمور أحسن السيرة وعدل في القضية وساس الرعية وصحب الأشياخ ورضي به أهل الخير مثل أبي زكريا الذي هو الجبل والجبل أبو زكريا وأبي مرداس وأبي الحسن الأبدلاني وغيرهم ممن يكثر عددهم.
فلما سمع خلف بولايته اشمخر واستكبر وشن الغارات على المسلمين ومن كان في حيز أبي عبيدة وأرسل إليه أبو عبيدة يكف عن فعله فأبى فأرسل إلى الإمام أن يأذن له في دفاعه فأجابه بان يلاطفه ويلاينه إلا إن فاجأه فليدفعه فمكثوا كذلك حتى مات الإمام وهم على حالهم ثم إن المسلمين بتيهرت اجتمعوا بعد موت الإمام واتفقوا على أن يولوا ابنه أفلح فقدموه من يومهم لعلمهم بصلاح أحواله في أيام أبيه وكثرة علمه وقوة نفسه وشجاعته وسيأتي الكلام عليه فلما بلغ موت الإمام وتولية ابنه أفلح خلفا انف وانحاز بمن معه إلى ناحية تيمتي وما يليها من المشرق وزاد في الفساد على فعله فكاتب أبو عبيدة أفلح يستأذنه في دفاعه فأجابه أن يلاطفه كما أجابه أبوه من قبل فلح خلف وتمادى في العتو والفساد فقتل الأنفس ونهب الأموال وقتل بعض أصحابه غلطا فأخصب الله جهته استدراجا (1/183)
صفحة 184
وأجدب جهة أبي عبيدة فمال الناس إلى خلف طلبا للخصب والرخاء وإخلاد إلى الأرض والدنيا فلما رأى كثرة من معه وتعجب بعساكره خرج بها يريد أبا عبيدة ومن معه من المسلمين لعلمه بقتلهم وأن يستأصل شأفتهم ويذهب شوكتهم فلما سمع به أبو عبيدة خرج من الجبل فعسكر بعيدا من الجبل وتهيأ لدفاعه فأرسل خلف إخوته ومواليه في نحو أربعمائة فارس ولم يشعر بهم أبو عبيدة حتى غشوهم نهارا فأمر أبو عبيدة أصحابه بالكف حتى يعلموا ما يريدون فغاروا على إدرف قرية هناك فنهبوا الأموال وقتلوا الأنفس وقيل قتلوا نحو عشرة فأمر أبو عبيدة أصحابه بمناجزتهم لما أبصر بغيهم وعتوهم فهزمهم الله تعالى وقتل منهم كثيرا فأمرهم بالكف عن اتباعهم وأحسن فيهم السيرة فرجع خلف إلى تيمتي ورجع أبو عبيدة إلى إجناون وكتب إلى خلف إذ نزعت يدك من الطاعة فكن في حيزك وأكون في حيزي فما بال الحرب فأبى وتمادى في شن الغارات ونهب الأموال وقتل الأنفس وما قدروا عليه من الفساد ثم أقام على ذلك نحو سنة فخرج بعسكره يريد أبا عبيدة ومن معه من المسلمين فعسكر أبو عبيدة بعيدا من الجبل في قلة لكنهم أهل بصائر يموتون على ما أبصروا وقيل عددهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا وعسكر خلف في أربعين ألفا وقيل عدد من مع أبي عبيدة سبعمائة والله أعلم وأعجبت خلفا كثرة عساكره وغفل أن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون فلما قرب أرسل رجلين إلى أبي عبيدة يخلع ولاية الإمام أفلح ويثبت ولايته قال أبو عبيدة لهما لما اخبراه بالرسالة أيخلع بغير سبب (1/184)
صفحة 185
وحدث يستحق به خلع طاعته واحتج عليهم بطاعة السمح للإمام عبد الوهاب ورد ما ادعوه من انقطاع الحوزات بذلك فقالا إن لم تجبه نخاف إراقة الدماء أهون من عدم القيام بأمر الله ودينه فقالا إراقة الدماء أعظم ورد مقالتهم بفعل أهل النهر والنخيلة وأبي بلال وعبد الله بن يحيى وغيرهم فرجع الرسولان فأخبراه برأي أبي عبيدة فأمر عسكره بالتهييء للقتال ورتب الصفوف فأتى أبا عبيدة رجل نكاري ممن تقدم ذكرهم في أخبار عبد الوهاب رضي الله عنه وهم الذين قاتلوا مع ابن فندين فقال له لا طاقة لك اليوم بخلف وعساكره ولا حاجة لك في لقائه فحلف أبو عبيدة بالله بكل لغة يحسنها من عربية وبربرية وكانمية وغيرها لأقاتلنهم ولو لم ألقاه إلا بسيفي هذا وضرب بيده على قائم السيف ثم تقدم إليه رجل ممن كان مع خلف حين تدانى العسكران فقال آوي إلى الجبل بأصحابك فإن كانت لكم الدائرة أدركتم ما رجوتم وإن كانت عليكم كنتم في حصن من عدوكم فقال أبو عبيدة لأصحابه نصيحة الله نزعها من عدوه فأمر أصحابه أن يسندوا إلى الجبل فلما تنحى أبو عبيدة إلى الجبل ظن خلف أن بهم ذلا وخوفا فغشيهم بعساكره فتنحى أبو عبيدة واستتر واغتسل وصلى ركعتين فدعا الله تعالى وقال يا من لم اعرض عنه منذ استقبلت أمره أعطني دابرهم اليوم ثم إن أهل شروس اقبلوا يريدون خلفا شاكين بالسلاح فقال أبو عبيدة حين أبصرهم هيجوا فينا حرارة الخوف فلا أعدمهم الله ذلك فبقي فيهم ذلك إلى يومنا هذا (فخطب) (1/185)
صفحة 186
الناس ورغبهم في الجهاد فقال اطمع الجنة لمن مات ثابتا في هذه الوقعة إلا من كان على فراش حرام أو قتل نفسا أو غصب مالا وقد تقدم مثلها لأبي الخطاب وآية لأبي مرداس فقام إليه رجلان من أهل أبدلان فأقرا بالثلاثة فأمرهم برفع أنفسهما عن الأموال والفروج وليقودا أنفسهما فلم يجد الوليين فقال لهما قاتلا بنفسي غيركما ففعلا فماتا فحمدوا لهما ذلك ثم خرج من عسكر خلف عبيد بن سيدي بين رجلين من أصحابه يطلبون المبارزة وكان عبيد ممن يدعى النسك والتقى قبل ذلك وكان يحمل أحمال القمح والكباش للمشايخ قبل ذلك فخرج إليهم أبو عبيدة بنفسه وأبو مرداس والعباس بن أيوب فلم يمهل العباس بصاحبه إن قتله وأبو عبيدة كافا صاحبه وأبو مرداس لقي مشقة فكر العباس على صاحب أبي مرداس وهو عبيد بنفسه حين رأى الشيخ في شدة منه فضربه فرمى بركبته ثم أبان رأسه بضربة فقال إلى النار فقال الرأس بعدما طار وبئس المصير فقال جسد أدعو له بالجنة زمانا تأكله النار إنا لله وإنا إليه راجعون فلما نظر أبو مرداس إلى ضربة العباس قال ضربة فتى لا أكلت معصمه النار واشتهر إن رجلا من أصحاب أبي عبيدة قذف بحربة فوقعت برجل فخرجت منه وركزت خلفه وجعلوا مصلى فيه وهو معروف فأسرع القتل فيهم فانهزموا فتبعهم أبو عبيدة حتى خرجوا من حوزته وأحسن السيرة.
ثم إن الناس رجعوا بعد انهزام خلف ورجع من أصحابه من أظهر التوبة فقبلهم أبو عبيدة إلا من أتى منهم الأمر (1/186)
صفحة 187
عمدا وأتاه سائد الفرسطائي فقال تبت يا أبا عبيدة قال له إن لم يُسدَّ بعدُ يا ابن تجيمت يعني باب التوبة، وهو ممن أتى الأمر عمدا، واسمه يوسف بن سادين أي اسم سائد والله أعلم، وكان سائد ومنيب بن إسماعيل بن درار الغدامسي وأبو يوسف وافتين ممن مال إلى خلف فأعطى الحجاج شقه فأتى أهله فأراد الدخول فقالت له امرأته من عندك يابائع دينه فوقف في الباب إلى الصبح إحدى رجليه داخل الباب والأخرى خارج الباب يميز بين الحق والباطل بين أبي عبيدة وخلف فظهر له إن خلفا على خطا وأبو عبيدة على حق فتاب ورجع إلى أبي عبيدة وكان أبو يوسف بعد ذلك من أفضل الشيوخ.
فلما اوهن الله شوكة خلف وأظهر الإسلام استقامت الأمور وحسنت الأيام وذهب الجور وقام العدل فبلغ الخبر المشرق والمغرب فكتب أبو عيسى الخراساني رسالة مع جماعة المسلمين إلى أهل المغرب يوصونهم بالحق واتباعه ومنابذة الباطل واطراحه والاقتداء بمن قبلهم من السلف الصالح ثم ذكروا سماتهم بما بلغهم من هلاك من هلك قبلهم من أهل دين المسلمين وخلافهم أئمة الهدى ثم ذكروا أن عبد الوهاب مضى على الرضا من المسلمين والاستقامة على الدين لا ينقم عليه أحد من أهل الخير عندنا وعندكم سيرته سيرة من مضى من أئمة الهدى في حكمه وحربه وقسمه ودينه وقد أدركنا أبا أيوب وائل بن أيوب وغيره من الأشياخ ومن بعده أبي محبوب سفيان بن الرحيل وهم راضون عنه واستعمل السمح فكان (1/187)
صفحة 188
على طريقته من العدل والاستقامة ثم ابتلى القوم بعد ذلك فنسأل الله ربنا أن يعيدنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن وبلغنا أن أهل تلك القرية استعملوا خلفا على غير رضا من عبد الوهاب وإجازته وينبغي لهم إذا أنكر الأمر ولم يجزه أن يسمعوا له ويطيعوه ويخلعوا من خلع وينتهوا إلى رأيه وطاعته واجبة عليهم فمن شاقه وبغى عليه فهو عندنا كافر ضال حتى يرجع ويتوب ويستغفر الله مما صنع ثم كان بعد عبد الوهاب أفلح ابنه حفظه الله عمل بالسنة وقسم بالسوية وعدل في الرعية لا ينقم عليه أحد قبلنا وقبلكم في حكم ولا قسم متعنا الله بحياته فخالف خلف وأصحابه وأبوا إلا رأيهم وقد فسرنا لهم ولكم معالم ديننا ورأي المسلمين انتهى مختصرا.
قال أبو زكريا لما أتى الرسولان إلى أبي عبيدة واخبراه بتعظيم الدماء وقبول ولاية خلف وخلع أفلح وأجابهم واحتج عليهم قال لهما فإذا كان عندكما إراقة الدماء أعظم من القيام بدين الله فعلام يقتتل الناس ارجعا إلى صاحبكما وقولا له إن هذا يوم الخميس فإذا كان غدا يوم الجمعة إن شاء الله نصوم إن شاء الله واطلع أنا وخلف وأبو المنيب إلى شعبة الجبل فنبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين وأن يحكم بيننا وبينكم وهو خير الحاكمين هذا والخيل باسطة أكفها على قرا أبي عبيدة وتقدم رجل من عسكر خلف إلى رجل في طرف صف أبي عبيدة فقال لصاحبنا ما أوقفكم فقال لنذكر الله فقال ما بال السلاح قال لندافع في سبيل الله قال من تدفعون قال من بغى علينا وخالف أمر (1/188)
صفحة 189
الله فقال آخر من عسكر أبي عبيدة لصاحبه مالك ألنت له قال طمعا في الصلح وحسم الشر وكانت الوقعة عشية الخميس لثلاث عشرة خلت من رجب عام أحد وعشرين ومائتين فلما التحم القتال نظر أبو عبيدة إلى العباس بن أيوب يضرب في أعراض الخيل ويكشفها يمينا وشمالا قد حمى الميمنة والقلب والميسرة فقال صار في عيني كالعقاب معصما لا أكلته النار وقد تقدم أن أبا مرداس دعا له فأخذت فيه دعوة الشيخين وكان أبو عبيدة شديد الشكيمة قوي العريكة لا تأخذه في الله لومة لائم.
ومن شدته في الأمر والنهي إن الإمام لما قدم نفوسة أهمل الرعاة الكراع في الأشجار فأتاه أبو عبيدة فقال أنه الرعاة عن المضرة إن لم تعرف فقد أعلمناك وإلا فصل بيننا هذا يعني السيف فسأل الإمام عنه من يكون فقيل له أبو عبيدة فقال صدق الشيوخ هو مثلهم أو خير منهم تفكر قول الشيوخ بتيهرت إذ سألهم هل تركتم في الجبل مثلكم فقالوا أبو عبيدة مثلنا أو خير منا.
وقيل عين إجناون تدور على اثني عشر ألف زيتونة. وسمع ليلة عند قيامه إلى الصلاة صوت التفليق في الغابة فتوضأ فلما دخل المسجد جعلوا له موضعا فقال لا ارجع تبت إلى الله أيها الشيوخ سمعت تكسيرا في الغابة ولا تيبس الغابة إلا بتضييع الحق وكان في مسجده سبعون شيخا كلهم من أهل ولايته إلا ابن زور وهو الذي احتال على التفليق في الغابة لرشوة أخذها وهي مائة دينار.
ومنهم عبد الخالق الفزاني وكان في المنزلة العليا علما وعملا وورعا وتقًى قال أبو مرداس لا اعرف (1/189)
صفحة 190
إلا الإمام ووزيره وهذا الفزاني يعني عبد الخالق وإنما اعرفه بكتابه وقيل كتب إليه أبو مرداس يسأله عن دواء مرض الريح وأن يدعو الله لأهل الجبل إن يغنيهم فأجابه بان مثلك يا أبا مرداس إنما يكون سؤاله عن دواء الذنوب وأجابه عن الثانية ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء فقال أبو مرداس لقد ردني هذا الفزاني أعض الأصابع إلى الموت ومن مشايخنا بفزان عبد القهار بن خلف رحمه الله وكان عالما ورعا مفتيا وكان من فتياه إن الابن لا يتزوج ربيبة الأب وأنه مكروه ويروي ذلك عن جابر بن زيد ثم تزوج ربيبة أبيه وسأله بعض إخوانه عن سبب رجوعه عن قول جابر فأخبره بأنه ارتحل ليلة من شباهه إلى زريعة حين انهزم إبراهيم ووزبون بعساكرهما فأكثر عليه الناس في شأن هذه الجارية فقال لعل الخيرة في ذلك وإن كل أمر سهلت أسبابه ففيه الخيرة وكل أمر ضاقت مذاهبه وانغلقت أبوابه وتعسرت أسبابه فالخيرة في تركه فاستخرت الله عند النوم بان قلت اللهم انك قد ترى ما قد انفتح من أبواب هذه الجارية وسهل من أسبابها فإني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم رب انك تعلم ولا اعلم وتقدر ولا اقدر وأنت علام الغيوب أسألك أن تأخذ بناصيتي في أمر هذه الجارية إلى خير ولا تكلني إلى نفسي ولا تذرني وهواي فأكون مخطئا وأنت تعلم قدرها في نفسي أنه صغير وغايتي لو كانت الخيرة في تركها وأنت تعلم كراهيتي لها غير أني فيما اختبرت إن كل أمر سهلت لي أسبابه وانفتحت (1/190)
صفحة 191
لي أبوابه إن فيه الخيرة والعلم علم التجارب فإن كانت لي فيها الخيرة لديني ودنياي وآخرتي ومعيشتي وعاقبة أمري فيسرها لي وإلا فحل بيني وبينها وارزقني الاستسلام لأمرك والرضا بقضائك وإن كان منك في هذا أمر يارب فارني ذلك في المنام على يد النبي عليه السلام وحفظني ما يقول الرسول حتى لا أنساه ولما تعلق بي النوم رأيت النبي عليه السلام قادما مع أربعة من أولياء الجارية غير أنهم ليسوا بالأولياء الذين أعرف وبيني وبينهم مقدار عشر خطا فقال لهم عليه السلام إن جبريل بعثني إليكم أن تزوجوا فلانة لفلان ثم قعد فقال إن جبريل بعثني إليكم أن زوجوا فلانا فلانة أو قال فلانة فلانا وعلمت في النوم أنها رؤيا وتمنيت لو أنها طالت ثم استيقظت وقد حفظت ذلك فقلت ما بعد هذا من البصائر لقوم يوقنون ما بعد جبريل والنبي عليهما السلام من ازدياد بيان فتزوجتها اتباعا لما جاء من السبب وكان كثير النصح لوزيون بن الحسن وكان قائما هو وإبراهيم بن أسدين أظن بفزان من أهل الدعوة والله أعلم.
ومنهم الشيخ إدريس الفزاني وكتب جناو بن فتى المديوني إلى عبد القهار بن خلف يرغبه في القدوم عليه لدراسة كتب أبي عبيدة لعل الله إن يحيى بك أهل هذه الدعوة وأحب تعجيل ذلك لأني على آخر أيامي واقتراب اجلي ثم قال فليكن معك ما تستطرفه من كتب أخينا إدريس أكرمه الله وأعانه ووفقه بالتوبة والازدياد مما طلب.
ومنهم أبو الحسن جناو بن فتى المديوني كان من أهل التحقيق وممن يتحرى ويروم التحقيق واليه المرجع في الحكم الخفي الدقيق وهو مفتي واطلعت (1/191)
صفحة 192
له على أجوبة لعبد القهار وأظن أنه أستاذه وأخذ منه لأنه يدعوه إلى الأخذ عند إمكان الزمان ويرغبه في ذلك وعلى أجوبة لأبي بكر بن أسدين وأجوبة لأبي يوسف وزيون بن الحسن.
ومنهم بكار بن محمد الفزاني واطلعت له على مسائل نقلت من كتابه ونظراؤهم كثيرون.
[الإمام أفلح بن عبد الوهاب]
(ثم من الطبقة) الذين من بعدهم الإمام التقي العدل السمي العالم الأنجح أمير المؤمنين أفلح بن عبد الوهاب الذي تمسك بالمحجة البيضاء والصراط الأفيج بويع في اليوم الذي مات فيه أبوه وذلك إن المسلمين بتيهرت خافوا من حولهم من كثرة العدو فبادروا إلى البيعة من يومهم وقد اختبروه من قبل قال أبو زكريا وكان ميمون الناصية سكن الله به البلاد ووقي به الفساد وكان أبوه نظر إليه يوما وهو يقاتل وأحسن فقال أنه يصلح للأمر قال ابن الصغير أخذ بالعزم والحزم ولم يطعن عليه في أحكامه ولا صدقاته ولا أعشاره ومما امتحنوه به إن نفوسة شرعوا يأكلون بليل وهو ماسك لهم مصباحا يستضيئون به فناوله بعضهم لقمة من طعام فجعل المصباح على ركبته فأخذها بيديه معا كالمملوك فنظر بعضهم إلى بعض فظن أنهم يختبرونه فقال أعوذ بالله من ظنكم يا مشايخ ومما امتحن به إن مات بعض قضاة أبيه فاجتمع إليه الأخيار أن يولي عليهم من يستحق فقال اجتمعوا واختاروا من يصلح واخبروني اكرهه فاتفق رأيهم على محكم الهواري فأكرهه على القضاء وكانت نفوسة تلي عقد تقديم القضاة وبيوت الأموال وإنكار المنكر في الأسواق وغيرها والاحتساب على الفساق وكان في الحلم (1/192)
صفحة 193
والشجاعة والقوة والعدل ما قد اشتهر وتقدم ما فعل يوم قيام ابن فندين على أهل المدينة والإمام عبد الوهاب غائب فوقف أفلح على باب المدينة فمنع جميع من أراد الولوج حتى فني ترسه فأخذ أحد شقي باب المدينة يتقي به فلم يطق جماعة من الناس رده بعد ذلك وتقدم قتاله الواصلة مع أيوب بن العباس وأيهما زاد على صاحبه بقتيل واحد وتقدم أنه ضرب ابن فندين على مفرق رأسه وعليه بيضتان فشقه نصفين فوقع السيف بعتبة الباب السفلي فظن أنه لم يزل ناشبا برأسه فقال ما أقصح رأسك قال أبو زكريا بلغنا عنه أنه قعد بين يديه أربع حلق قبل بلوغه يتعلمون منه فنون العلم يعني الفقه والأصول والنحو وغير ذلك قال أبو زكريا وكانت بيت الرستميين بيت العلم في فنونه من الأصول والفقه والتفاسير وفنون الدين والرد على المخالفين وعلم اللغة والنجوم والإعراب والفصاحة قال وقال بعضهم معاذ الله أن تكون عندنا أمة لا تعلم منزلة يبيت فيها القمر.
ولهم تواليف حسنة وذكروا للإمام عبد الرحمن تفسير كتاب الله واطلعت للإمام عبد الوهاب على أجوبة في الفقه والأحكام وأصول الدين وكذا للإمام أفلح قال أبو زكريا بلغ أفلح في علم الغبار والنجامة مبلغا عظيما وقعد ليلة مع أخته فتذاكرا ما أول ما يذبح غدا في السوق إن شاء الله فقال أفلح بقرة صفراء في بطنها عجل أغر قالت الاخت ذلك البياض في طرف ذنبه وكان الأمر كما قالا والله أعلم وطالت دولة أفلح في عدل وسكون ولم يكثر الحرب في أيامه وطعن عليه نفاث بن (1/193)
صفحة 194
نصر في قلة محاربته المسودة وما هو فيه من خفض العيش وله في ذلك رسائل اطلعت على بعضها وسيأتي الكلام على نفاث إن شاء الله وكان أخوه أبو العباس غير ناقص في العلم والتقى لكنه فتى ولا كذلك.
ومنهم محكم الهواري قاضيه وكان في الطبقة العليا علما وتقى قال ابن الصغير لما قال أفلح قدموا خياركم ثم أعلموني به حتى اجبره اجمعوا على محكم الهواري الساكن بجبل أوراس فأخبروه أنهم ارتضوه لدينهم ودنياهم ولخاصتهم وعامتهم فقال أفلح هو كما ذكرتم في ورعه ودينه لكن نشأ في بادية لا يعرف لذي القدر قدره ولا لذي الفضل فضله قالوا لا نرضي لقضائنا غيره وأشدهم على أفلح في توليته أخوه أبو العباس فلما رآهم لا يرضون غيره قالوا أرسلوا إليه فخرج الرسول بكتاب من أفلح وكتاب من الشرات وفيه بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإنه نزل بالمسلمين أمر لا غناء به عن حضورك وهم منتظرون قدومك ولا يسعك التخلف فيما بينك وبين ربك عن اللحوق بهم والاجتماع معهم ليجتمع رأيك ورأي المسلمين على ما فيه الصلاح فلما بلغه الرسول توجه إليهم ونزل بالجامع فأخبروه ما يريدون وأنه إن تخلف فقد أعان على كل فرج يوطأ حراما وكل دم يسفك بغير حق وكل مال يؤكل لا من حل فاعتل إن الحق مر ولا يقبل إلا بكره وإنكم أبناء النعم وغيري أصلح بكم فأبوا فقال شاوروا الإمام قالوا قد فعلنا فقبلها ونزل بدار القضاء وسار فيهم السيرة التي أملوها فيه فبينما هو في ذلك، فتنازع أبو العباس بن عبد الوهاب وصهر لأفلح في أرض فارتفعا إليه فسبق أبو العباس فجلس معه (1/194)
صفحة 195
في سقيفة الدار وأدنى مجلسه، وحادثه، فخرجت جارية القاضي فاستسقاها، فوصل الخصم ورأى بعض ذلك، فوقع في نفسه أنَّ خصمه بجنب القاضي يحادثه ويستسقي وأنا ملقًى على باب الدار لا يلتفت إليَّ، فلاحت من القاضي نظرة فرآه فقال: ما حاجتك؟ قال جئت خصما لأبي العباس فوجدته جالسا إلى جنبك فجلست هنا، فأغضبه ذلك فقال لأبي العباس: تأتيني خصما وتجلس إلى جنبي وتستقي جاريتي! ياغلام خذ بيد أبي العباس وأجلسه مكان خصمه ولا يبرح، وخذ بيد خصمه وأجلسه إلى جنبي وأْمر الجارية فلتسقه، ففعل الغلام. ثم إن أبا العباس بعد انصراف شكاه إلى أفلح فقال: قد أعلمتك بهذا، ولكن الصواب ما فعل، ولو فعل غيره كان مداهنا. فاتصل فعله بوجوه الإباضية فأعجبهم فاستحسنوه.
ومنهم أبو يونس وسيم النفوسي التمزيني قال أبو زكريا إن الإمام استعمل على قنطرارة أبا يونس وسيم وما ولاها فأحسن السيرة وسبب خروجه من جبل نفوسة إلى قنطرارة إن خدمه إذا احتطبن من مساقي أرباع الناس تركن الحفر من غير تسوية فيمسكن الماء عند مجيء المطر فخشي التباعات فولي قنطرارة فأحسن السيرة وعدل في القضية وأحسن إلى الرعية وربما طلع على اشرف موضع حيث يسمعه الأقصى والأدنى فينادى لا فرار من الصدقة والفار من الصدقة يؤذي ويكرر ذلك وتمادى على ولايته وعدله إلى إن مات مرضيا حميدا.
ومنهم مدمان الهرطلي كان شيخا تقيا وقافا وفي سير نفوسة إن مدمان الهرطلي كان قاضيا أو عاملا للإمام عبد الوهاب رضي الله عنه فأراد الإمام تجربته فبعث إليه (1/195)
صفحة 196
بكتابين في أحدهما عزله فإن امتثل وقبل دفع له الآخر وفيه تقريره فلما قرأ الأول قال رحم الله الإمام علم ضعفي وقصوري عن هذا الأمر فكتب بعزلي فلما رفع إليه الثاني قال رحم الله الإمام علم إن لا أحد يحلني من هذا الأمر فاستقامت حالته أولا وآخرا ومن توقفه أن استمسك رجل بآخر مدعيا أنه باع له بقرة لا أسنان للفك الأعلى من فيها وهل هذا من عيوبها فقال حتى أسأل فشكوه إلى الإمام إذ استعمل عليهم من لا يعلم إن ليس للبقرة الأسنان العليا فقال الإمام كيف حكم قالوا قال حتى اسأل قال إنما استعملته لتوقفه.
ومنهم العباس بن أيوب وكان عاملا للإمام أفلح على جبل نفوسة بل على ما أدركه مما حوله من البلاد وتقدم إن أهل المشرق اختاروا من الجبل ثلاثة رجال ثم اختاروا أبا زكريا التكيتي وأما أبو مرداس فنفسي نفسي كالغزالة وأما العباس فنعم الفتى.
وفي السير اصطحب أبو مرداس والعباس وجماعة معهما فجازوا في طريقهم بموضع قطعه الماء فجاز العباس الجرف ولم يطق أبو مرداس الجواز فوقف فقال للعباس لا نقدر أن نثب مثلك ولا نريد مخالفتك بان نتسهل فرجع العباس فقال تبت إلى الله يا أبا مرداس ثم تسهل وتسهلوا معه فقال أبو مرداس أن سلكت الطريق أو صعدت مع الحائط فلابد من سلوكها ولا نخالفها فإن خالفناها لن نرجع إليها أبدا لأن العباس ولى أمرهم ويرى اتباعه ولو في سلوك الطريق وفيها لماذا خلف العباس بفاغيس وكان خلف في كثرة فخاف بعض المسلمين فأتى أبا مرداس فأخبره فقال لا أخاف على عسكر فيه أبو الحسن الأبدلاني فأتى أبا الحسن فقال له أخاف على عسكر (1/196)
صفحة 197
فيه أبو مرداس فلما حما الوطيس واشتد القتال قال أبو مرداس اطمع لمن مات هنا الجنة إلا من قتل نفسا أو كان على فراش حرام أو غصب مالا وتقدم مثلها ومخرجها غير مرة ولما طال القتال أتى أبو مرداس العباس فقال له تب إلى الله فإن الباطل لا يقف للحق أكثر من هذا فقال العباس تبت إلى الله فانهزم خلف وقيل قال ماذا فعل العباس ولكن عدمت الحرب رجالها ومن يفعل هكذا فنزل بنفسه للقتال فانهزم القوم فقال أبو مرداس للناس ارجعوا عن طلبهم فقال له رجل أين لالت يعني طرف نفوسة لأنهم في الحيز بعد فقال نسيت لالت فاتبعوهم حتى خرجوا حيز لالت فلما رجعوا اقبلوا يهنون العباس على ما أعطاه من النصر والظفر فقال لهم هنوا أبا مرداس وأبا الحسن اللذين لم يناما ليلهما يدعوان ربهما ويرغبانه فلما رجع العباس إلى معسكره ترجل وأقبل يعزي الشيوخ في أقاربهم الذين ماتوا مع خلف وقال: آجركم الله في مصابكم في إخوانكم، فقالوا: ياعباس ليسوا بإخواننا ولكنهم أرحامنا وإنما إخواننا أنتم.
وفي السير إن زوجة أبي مرداس قالت له رزقك الله الجنة فقال لها إنما يستأهل الجنة توفيق بن أيوب يعني العباس الذي لم يخلع الدرع من عنقه من يوم إلى يوم فوجد صدا الحديد في فيه وبه أصبنا أنا وأنت مسجدنا ولقد بلغنا إن العباس خرج إلى بني يفرن بعسكره فخشي أبو مرداس على العسكر أن يضعف فخلى بالعباس فقال له ارجع فأبى فقال أن لم ترجع صحت في العسكر فيفترقوا عليك فجمع العباس الناس فخطبهم (1/197)
صفحة 198
فقال نفذ الزاد وضعف الكراع فارجعوا حتى إذا سمنت الدواب وجددنا الزاد رجعنا إلى عدونا وخرج إلى جهادهم مرة أخرى فقال له ارجع فأبى فقال أبو مرداس ما اجن مهاصر الذي يطلب رجلا مثله ويترك ربه فدعا الله فانزل عليهم ماء غدقا فتفرق العسكر يريدون منازلهم فقال أبو مرداس للعباس ارددهم الآن أن قدرت وخرج إلى قتالهم مرة ثم فقد أبا مهاصر وأبا زكريا التوكيتى فخشي أن يكون رجوعهما لحدث فقفا أثرهما فوجدهما عند أم الخطاب في أغرميمان -ووجدته بخط عمنا يحيى بن أبي العز في كتاب السير في أغرم اينان بهمزة بعد ميم ونون قبل ألف ويجوز أن يكون من نقل حركة الهمزة إلى الساكن قبلها ومعناه بالميم قصر النفس في مجلس الذكر- فقال لم رجعتما قالا كراهة لمعان السيوف وأنت على المنهاج فقال اتركا لمعان السيوف لمن يطيقه فأخذت أم الخطاب لحم الشاة التي ذبحت للشيخين فجعلته في خرج العباس فقالت للشيخين يكفيكما الجلبان.
ومنهم أبو مهاصر الإفطماني رحمه الله واسمه موسى بن جعفر.
قال أبو العباس: شيخ النسك والتبتل والمكرم بالدعاء المستجاب المتقبل رفض الشهوات النفس فباعها وفاز بأسنى المنازل واستوجب الرقي في درجات الأفاضل قال حدث جماعة من المشايخ أن أبا مهاصر خرج سنة من السنين في أوان الربيع إلى البادية هو وعمروس بن فتح رحمهما الله فلبثوا أياما على غير ماء فأخذوا يتيممون للصلوات فتكدرت نفس أبي مهاصر فقال قلوب يربوا عليها الشحم مما سمنت ووجوه تعلوها الغبر قلت سلامة الدين (1/198)
صفحة 199
مع أهل الوبر إنما الدين في المدرر والله لا يحمل بنا أن نترك الدين لاتباع شهواتنا وإني لأخاف أن نكون ممن عاب الله عز وجل بقوله أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا فرد عليه عمروس بان قال ليس في ذلك ما تخافه لقد أباح الله التيمم لعدم الماء وأباح الضرب في الأرض لطلب الفضل وابتغاء الرزق حيث قال وابتغوا من فضل الله وقال إلا عابري سبيل وقال فإن لم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فلم يقنع ذلك أبا مهاصر فرجع إلى منزله فاستصحب معه من تحف البادية فلما بلغ قسمها بين الأقارب والجيران والفقراء ومن تجب مواصلته فأعطى ليهودي فقال اللهم لا تنساه من رحمتك كما لم ينسني قال أبو مهاصر ذلك ما أبتغي عندك قال أبو العباس: لعله إنما أراد ما يعطفه ويلين قلبه ويدخله الإسلام وإلا فأبو مهاصر لا يجهل قوله تعالى {لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ} قلت إنما يريد ما يجده عند الله لأن الله أمر بذلك إذا كان جارا أو قريبا أو فقيرا ذا حاجة.
قال أبو العباس: جمع الصبيان وأعطاهم ثم أعطى لهرة معهم وقيل جروة فاحتفلوا يدعون الله له ولقد شوهدت الهرة عند احتفالهم شائلة يدها معهم على هيئة الداعي إلى الله تعالى فيما ذكروه فقال لمن شاهد من ذلك ما شاهد أن الله خلق الرأفة واسكنها قلوب المؤمنين وخلق القسوة والجفوة واسكنها قلوب الكافرين.
قال أبو العباس: وجواب أبي مهاصر قد حكى عن ابن مسعود رضي الله عنهما قال أبو العباس: قال أبو نوح وحدث غير (1/199)
صفحة 200
واحد من أصحابنا إن أبا مهاصر كانت له أتان حج عليها سبع مرات وعادته إذا خرج متوجها إلى الحج له مصلى يدعو الله عنده ويصلى فيه فتنهق أتانه فإذا رجع من الحج قصده فيدعو ويصلى ثم تنهق فيعلم أهل المنزل بانفصاله وبرجوعه وربما ضحك عوامهم وجهالهم فيقول لهم أبو مهاصر تضحكون من نهاق أتان أقامت الحجة عليكم!. وخرج مرة إلى مصلاه الذي بالشبيعان أو غيره فمر بظبية ولدت في الطريق وهي ترضع طلاها ففرت منه حين أبصرته فقال لها ارجعي يا مسكينة أنا موسى بن جعفر فرجعت فقال لها: ولدتِ في الطريق فيضرك الناس، فأخذ ولدها حتى أبعده من الطريق فتركه لها.
وذكر غير واحد أنه سمع نقنقة ضفدع فنظر إلى فيه فأبصر علقة متعلقة به فقال افتح فاك ففتح الضفدع فاه فنزعها منه فقال له كادت أن تقتلك يا مسكين وفي كتاب السير ذكر عن أبي مهاصر حين يبني مسجد إمسراتن يحمل الخبز في الفخار من منزله فيجدونه سخنا وأنه أخذ قصبتين من سقفها فقال لهم لا أعطيهما بأربعين دينارا قصبتي وقصبة تلولي ومر مرة على جماعة أهل دجى أو زعرارة راكبا حمارته ومعها جحش يتبعها فقالوا ليتيم لو طلبته لأعطاكه فقام اليتيم فطلبه عند أبي مهاصر فأعطاه له فسار بحمارته وامتنعت من السير من اجل ولدها فأخذوا خليفة اليتيم فاشتراه منه بدينارين وفقد دنانير فسأل زعرار يا بات عنده عنها فقال هي عندي وكم عددها قال أربعة فأعطاها له فرجع إلى بيته فقالت زوجته أنا حملتها فرد الزعراري ما أخذ منه فقال ما حملك على ما صنعت (1/200)
صفحة 201
فقال إذا سمعت الناس يصدقوك ويكذبونني. ومصلاه باشبيعان يتوضأ ويصلى فيه الظهر وبينه وبين المنزل اثني عشر ميلا وأعطى ليلة قِرَى أضياف باتوا عنده وأعطى لكلبتهم فقال إذا أكلتم فادعوا لي وانصرف إلى بعض أموره فلما قاموا يدعون له وقفت الكلبة على رجليها رافعة يديها تعوى معهم وأعطى بغله لقوم غربا اشتكى بعضهم قلة الظهر ومشقة المرض فحمل عليه فقال أين أرده قال يوم القيامة فلقوا أخاه بإفريقية فتمسك بالبغل قالوا أعطاه لنا أبو مهاصر قال كيف آخذه يوم اللقاء قال هذا من كلام أخي وقال له أبو القاسم البغطوري إذا رأيت المصباح على مغلق بيتي فسر إلى فإذا رأى ذلك سار وأكل مع الأضياف ويحضر المجلس وبينهما أزيد من سبعه أميال.
وذكر أنه فطن بامرأة حاملة لا زوج لها فرآها يوما أوت إلى خربة فتبعها فقال تكون الغلبة ويكون الرقاد فوضعت حملها وهيأ لها ما يحتاج إليه مثلها قالت وجدني ادبر كيف اصنع به فسلمه الله بقول الشيخ.
وفي حفظي باع وكيل يتيم زيتونة بأربعة دنانير لرجل محاباة فبلغه الخبر فأنكر ذلك وأفسده ثم أنه أعطاه من جناه فباع بأحد عشر دينارا واطعم اليتيم من الباقي سنة.
وكذا أيضا جاز على بستان رجل اسقط ما أثمر كرمه إما من قلة المطر أو لعدم التذكير قبل أوان إدراكها فقال لصاحبه لم لم تأخذ ما وقع من أشجارك قال لا حاجة لي فيه قال له أتأذن لي في أخذه؟ قال خذه، فأخذه أبو مهاصر وجعله في وعاء، فتمادى الجدب وعظم القحط وأسنت الناس فالتمس الطعام فلم (1/201)
صفحة 202
يوجد، فأتى صاحب البستان الشيخ يلتمس ما يأخذ منه قال له ليس معي إلا كرموس غير منضج، فاشتراه منه بالبستان ورضي بالصفقة، وخدم أبو مهاصر البستان واخضر وآتى أكله ضعفين فلما أينع جاز عليه بائعه وتعجب من حسنه وحمرة ثماره فأتى الشيخ فقال: اجن بستانك فقال له الشيخ اجن بستانك إنما أعطيتك ما فرطت فيه من ثمرة أشجارك.
ومنهم يحيى بن موليت ابن خالة أبي مهاصر ورفيقه في طريق الحج وصنوه في الدين والعبادة وروى أنهما حجا معا في مرات مات يحيى في آخرهن وقال إذ حضره الموت وقف على وقيل ادخل الجنة من أي باب شئت يا بن موليت وروى أن أبا مهاصر قال يا يحيى إياك أن تعاتب سارت إذا أعطت شيئا فإني لا أعاتب تلولا ولو أعطت جملا بحمله.
ومنهم أبو نصر التمصمصى من فضلاء جبل نفوسة علما وعملا وزهدا وقيل دار الجبل أربعين مرة يحذر الناس من فتنة نفاث وقيل من فتنة خلف وحضر مع العباس بفاغيس وكان إذ ذاك ضرير البصر فنزل إلى القتال فقال اللهم لا أبصر ما اتقى ولا ما اضرب فلم تقع به ضربة ولم تخط له ضربة وفي سير نفوسة مات على ختم الأذان فبلغ أبا مرداس على ما قيل حين فرغ من غسل رجليه من الوضوء رحمة الله عليهما.
ومنهم إبراهيم بن عزيز وهو من البيض والبيض في جبل نفوسة أربعة هذا وأبو القاسم الملوشائي وماطوس بن ماطوس وأبو بكر الغفسفي وزاد طلبة الشيخ ورسفلاس مونر بن مادت.
وفي السير إذا اجتمع الأشياخ قدموا إبراهيم بن عزيز أن يصلي بهم (1/202)
صفحة 203
لفضله وورعه ويقرأ قل هو الله أحد من رثة بلسانه وكان أبو محمد الدرفي يقول كل هو الله أحد من إبراهيم خير من تلاوتكم أهل جادو.
ومنهم ابنا منيب وكان لهما السبق في العلم والعمل.
وذكر أظن أبو الربيع أنهما شيخان فقيهان من نفوسة صالحين أبو يعقوب وأبو يوسف ومن شدة تحفظهما وكثرة ورعهما أنهما يترافقان إلى تيهرت وغيرها وإذا كان طريقهم على وارجلان لا يدخلانها بل ينزلان ظاهر المدينة حذرا منه وشفقة على أنفسهما من الاختلاف والشقاق ويبعثان من يقضى لهما حوائجهما وكان ذلك دأبهما سائرين وراجعين ولهما أخبار وذكر.
ومنهم وكيل بن دراج عامل الإمام عبد الوهاب على قفصة النفوسي كذا نسبه من قيد مشايخ أهل الدعوة وهو من بني يخلف.
ومنهم الإخوان محمد وأبو عمرو أبنا أبي المنيب إسماعيل بن درار الغدامسى وهم بني تناوث وأيوب ولد محمد وقد تقدمت أخبار إسماعيل وأنه من حملة العلم عن أبي عبيدة وأما منيب بن إسماعيل وحجاج بن وافتين الويغوي ويوسف بن سادين فقد مالوا إلى خلف فتاب حجاج وتقدم خبره.
ومنهم سلام بن عمرو اللواتي عامل الإمام عبد الوهاب على سرت ونواحيها.
ومنهم ميال بن يوسف عامل الإمام أفلح على نفزاوة وأبوه وزيره وهو أيضا لواتى.
ومنهم سلمة بن قطفة عامل الإمام عبد الوهاب على قابس ونواحيها.
ومنهم محمد بن إسحاق الخزري عامل الإمام عبد الوهاب على نفزاوة.
ومنهم جارون بن القمري عامل الإمام عبد الوهاب وصهره وهو زناتي.
ومنهم نهدي بن عاصم الزناتي عامل الإمام عبد الوهاب.
ومنهم ييران بياءين من بني يزمتن (1/203)
صفحة 204
المزاتي عامل الإمام عبد الوهاب.
ومنهم يبيب بن زلغين بورك له في الحركتين التقى والدنيا وكان سخيا فاضلا.
وذكر الشيخ إسماعيل بن الشيخ ييدير أنه اصطحب مع رجل فلقيا عجوزا وقد اجتهدت جوعا فاستطعمتهما ولم يكن معهما سوى رغيف فضن صاحبه بنصيبه فأخذ نصف رغيف وهو نصيبه فأعطاه لها فقالت قسم الله لك بين الدارين فوسع الله عليه دنياه ورجونا له في الآخرة أكثر وقيل كان له بعد ذلك ثلاثون ألف ناقة وثلاثمائة ألف شاة واثني عشر ألف حمار وإذا جاءه العامل وقت الصدقة قال للرعاة اختاروا خيار الإبل فغيبوها فيأمر العامل بأخذها وقيل ذهب له جمال فقام في طلبها فمر بعجوز رحل عنها الناس فقال لم أقمت فاشتكت بقلة الظهر فأعطاها نجيبة فقالت أين أرده قال يوم اللقاء فسالت العجوز عن يوم اللقاء فأخبرت أنه يوم القيامة فتحول إلى ظل شجرة فنام فلم يوقظه إلا جماله يأكلن من الشجرة وأخذ منها واحدا غير ذلول فجعل له رسنا فركبه فسهله الله له وفي الخبر مر إلى غنمه حتى وصل إلى الحي فنزل مقابل خيمة فنادت امرأة لأخرى أدخلي الضيف فصاحب المال لا يريد أن يبيت الضيف بلا عشاء فردت عليها الأخرى أدخليه أنت فبادرت فأدخلته فلما قدم الرعاة وفيهم من يعرفه وكانوا جميعا عبيدا له فأعتق المدخلة وزوجها وأوهب لهما ما بأيديهما من المال وملكهما الأخرى وزوجها استحسانا لفعلها وقولها وقدم إليه ثلاثة نفر يبتغون معروفة فقالت له امرأته سلهم عن حوائجهم كي يبيتوا على سرور فسألهم فقال أحدهم ابتغى (1/204)
صفحة 205
صوفا والثاني ابتغى جملا والثالث ابتغى ما احلب فقضى حوائجهم فقال صاحب الجمل رزقك الله الجنة فقال ليس هذا جمل الجنة وكان المعطى أولا بكرا خيارا فأعطاه جملا أحسن منه وقيل صادفه طالب حاجة يغربل جديا لم يتم فأعرض عن الطلب ففطن فقال ما جاءت حاجتك فذكرها له فقضاها وقال إنما افعل ما ترى لأقضي حاجتك وحاجة غيرك وكفاك في غاية مدحه قول الإمام عبد الوهاب رحمه الله لولا أنا ومحمد بن جرني ويبيب بن زلغين لخرب بيت مال المسلمين أنا بالذهب ومحمد بن جرني بالحرث وابن زلغين بالأنعام وقال أيضا ما قام هذا الدين إلا بسيوف نفوسة وأموال مزاتة.
ومنهم أبو عثمان المزاتي الساكن من جبل نفوسة بقرية دجي.
قال أبو العباس: ذو الإيثار والسخاء وكرامات الأولياء المفزوع إليه في استجابة الدعاء المقصود في الشدة والرخاء سلك في النسك والزهد انهج المسالك وتحرى جهده ما يبعده من المهالك.
قال أبو العباس: ومن كراماته أن مجاعة وقعت بجبل نفوسة وعنده غرفة موسوقة شعيرا وخرج يوما يستقي ولم يجد على الماء إلا ذئبا فقال له لم أجد على الماء غيرك فامسك لي فم السقايا آفة الغنم فانطلق الله الذئب فقال أنا ساع في تحصيل معيشتي ولم أدخر الشعير لحولي مثلك يا أبا عثمان فاقبل فادخل رأسه بين علاقتي السقا فمسك بفيه فم السقا فملأ أبو عثمان سقاه ومضى الذئب. وأُلهم أن ذلك تنبيه من الله عز وجل فعمد إلى الغرفة فتصدق بها جميعا.
قال أبو (1/205)
صفحة 206
العباس: أمحل الجبل على ما ذكر وكان لأبي عثمان بستان جفت أغصانه وتساقطت ثماره وأوراقه وقالت امرأته لابن لها سر إلى والدك فقل له يدعو الله أن يسقى بستاننا فقد هلك فلما أبصر الصبي قال له قبل أن يتكلم: أبعثتك أمك لأستقى الله للبستان؟ فقال نعم فدعا ربه فأرسل سحابة على بستان الشيخ فسقته فانعم واخضر فجاز به رجل فتعجب من نضارته وحسن اخضراره فأخذه بالعين فاذبل فعاد إلى تساقط الورق فبلغ أبا عثمان ذلك فقال اللهم أمته فريدا بلا وصية فقيل دخل مغارة لأخذ طَفَل وهو الطين فسقط عليه سقفها فمات وقيل حمل غداء الحصادين فوجد ميتا بالطريق وقد كتب وصيته في التراب فنسفها الريح وهذان الخبران ذكرهما غير أبي العباس أيضا وأسند الروايات إلى أبي الربيع وأبي سهل وأبي نوح أعني هذين الخبرين وغيرهما من كرامات أبي عثمان.
وذكر أن منزو بنت أبي عثمان اجتمعت مع امرأتين بجبل نفوسة وأفضى بهن الحديث إلى أن تمنت منزو أن تتزوج رجلا فظا غليظا فيحملني ما يعجز عنه مثلي ويكلفني من خدمته فوق طاقتي ويؤذيني بأنواع من سوء العشرة فأطيعه على ذلك وأصبر على أذاه لعل الله يرحمني بذلك فقضى الله أمنيتها أن تزوجها رجل من قومها فركب جملا وجاز على نسوة فقال: إن كانت منزو فيكن فلا آذن لها في المقام بعدي وكانت فيهن فارتدت رداءها وسارت في أثر بعلها حافية راجلة فحفيت حتى إذا رفعت رجلا ظهر الدم في موضع القدم وإذا نزل للمبات بادرته بردائها توسده له (1/206)
صفحة 207
وكان ذلك دأبه ودأبها حتى وصل وطنه فبنى لها بيتا نبذه عن الناس وكان يسيء وتحسن ثم تزوج عليها امرأة فازداد سوء العشرة والذي يبدو منها من الصبر والطاعة في زيادة فمرت بها قافلة يوما لنفوسة فسمعها بعضهم وهي تقول: لا أحد يزور في الله فيذهب عنا غم النفوس ويزيل الوحشة فلما بلغوا نفوسة تذاكروا الحديث ففطن له الشيخ أبو زكريا يحيى بن يونس السدراتي رحمه الله فعلم أنه كلام ابنة الشيخ أبي عثمان فساروا في جماعة من مشايخ الجبل ومعهم أبو عثمان فلما وصلوها وجدوها متفضلة في قميص تصلح خيمتها خارجا من الخيمة فقال لها أبو زكريا: إني لاختار أن أجد جنازتك خارجة ولا أراك خارج بيتك متفضلة فاستتابها وتابت مما كان منها، فمكثوا عندها ثلاثا فأرادوا الانصراف فرغبت إليهم أن يقيموا عندها ثلاثا أخرى ففعلوا فلما اجتمعوا لوداعها عند الانصراف قالت لأبي زكريا انصب لي قدمك هاهنا لأذكركم بها فتذهب عني الوحشة ففعل فأكفأت عليه قدحا فدعت له أن يرويه الله يوم القيامة فقال أبو عثمان: احتسبي واصبري وقد سبق القضاء، وأرجو من الله أن لا تنصرم عشرة أيام إلا أن يموت من يموت ويفرج الله عليك وينقطع ما تجدينه من النصب فودعوها فلما كان اليوم العاشر أورد بعلها إبله على بئر لهم فسقط دلوه في البئر فانحدر إليه ومنع غلمانه من النزول لما سبق في علم الله، فلما شدها قال لهم: احملوني فرفعوه إلى أن حاذى الحفير في البئر فإذا قد رصد له حنش أعظم ما يقدر فاغرا فاه تبيض عيناه فناداهم: أنزلوني فأنزلوه (1/207)
صفحة 208
فرجع الحنش في غاره ثم قال لهم: ارفعوني، فرفعوه فلما وازى أيضا موضعه برز فاغرا فاه فقال أنزلوني فكان أمره بين ارفعوني أنزلوني فلما أيس قال ارفعوني فالتقمه ودخل إلى مغارته فلم يسمعوا له إلا قضقضة عظامه. وهو آخر العهد به ذكر القصة أبو العباس وغيره.
وتمنت الثانية من النساء أن يأوي إليها ملأ من المسلمين في ليلة مطر وبرد وقد بلهم القطر وتمكن منهم البرد وضربهم الجوع فأعالج لهم ما أزيل به عنهم ما بهم لعل الله يرحمني بذلك فأعطيت ما تمنت.
وتمنت الثالثة أن لو وقعت بين قوم جهال أذكِّرهم وأعلِّمهم أمر دينهم لعل الله أن يرحمني فأعطيت ما تمنت.
وذكر أبو العباس وغيره عن الشيخ أبي نوح أن منزو لما جلبها الزوج الفاجر تسير معه حتى إذا نزل فرشت له وعالجت طعاما لعشائه ثم تقوم تصلي بقية الليل إلى أن يطلع الفجر فكذا دأبه ودأبها حتى بلغا.
وفي السير إن ثلاث نسوة زرن تزعرارت فتمنين فأعطين ما تمنين.
وذكر أبو العباس وغيره أن تكفا بنت أبي عثمان زارته فصحبها في الرجوع وهي على أتان فأصابها مطر وخشيت بلل الثياب وفساد الزينة وقيل وقت إهدائها إلى زوجها فاشتكت إلى أبيها فساد زينتها وبلل ثيابها بالمطر وحال الصغر والعروس معلوم فدعا الله أن يحفظ عليها زينتها وعدم فساد ثيابها وأن يسترها فلم يبتل بقدرة الله شيء من ثيابها وابتل أبو عثمان وثيابه وأتانه وما ركبت عليه تكفا وما ذلك على الله بعزيز ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وفي السير دخل عليه رجل في غاره فوجد رؤوسا كثيرة مختلفات الألوان (1/208)
صفحة 209
فسأله عن ذلك فقال أبو عثمان سمعت إن من ذبح لإخوانه في الله شاة فله من الأجر عدد ذلك اللون من ذلك اللون لو ذبحه ولذلك أخالف بين الألوان.
وفيها أنه يتعبد في ليلة من الليالي في مصلاه المعروف فوقع به لصان فقال كل واحد منهما لصاحبه اضرب فضرباه فوقعت ضربة كل واحد منهما بصاحبه فأصبحا ميتين في موضعهما فوقاه الله شرهما وفيها أنه أودع غنمه الجبل حين سافر إلى الحج فلم يضرهن سبع ولا لص حتى رجع وقيل إذا طلعت إليها اللصوص وقد أبصروها لم يجدوها ولما طلع إليها وجدها لم ينقص منها شيء ووجد أثر الذئب حواليها وفيها إن أبا مهاصر لما عزم على الارتحال إلى الحج في بعض سفراته إليه أتاه أبو عثمان قال اسافر معك أيها الشيخ قال له لا استطاعة لك فارجع فقال أبو عثمان منكر القولة أنبقى بعدك لعلنا نرعى الغنم أو الإبل فلما رآه عازما رجع إلى زوجته فقال زديني شيئا فأعطته حليها فتسابق الناس إلى طعامه وحمله ثم ملوه لطول الطريق فرجع إلى أبي مهاصر فكفله وكان يمسك في المسير بأذناب الإبل وقالت له النساء دع الإبل تمشى فاتفقت كلمتهن فدعا عليهن فسلط الله على النسوان سيلا مات فيه ثلاثمائة عجوز ولم يرجع منهن إلا امرأة أجابته حين دعا عليهن فلامه المشايخ على ذلك فصام لذلك سنة وكان كثير الزيارة لإخوانه خصوصا أبا مهاصر بل هو خاص به وأهدى له مرة قلة سمن فأطعمها له في خبز القمح لكثرة ما يغشاه فقال له أبو مهاصر انك خير البرابر أكلت زيتك في خبز القمح.
ومنهم الشيخ أبو عامر التصراري من الاثني عشر (1/209)
صفحة 210
شيخا المعلومين بإجابة الدعاء في جبل نفوسة.
وفي السير كانت له امرأة يقال لها أمة الواحد وكانت صالحة متقية حزيمة لأمر الدنيا والآخرة مشهورة بذلك وكانت شابة بتندميرة صالحة منعت نفسها من التزوج كل الامتناع، فاستعانت عليها أمها بجماعة من المشايخ فيهم أبو عامر التصراري فلما كلموها وألحوا عليها قالت لا افعل إلا بشرط إن اختار من شئت منكم فأذنوا لها فاختارت أبا عامر فجلبها إلى داره في حينه فقال لأمة الواحد قومي إلى أختك فنزليها فنزلتها مع النسوة اللائي ينزلن العروس فهيأت لهم ما يصلح للعروس إلا البخور ورمت به من تحت الباب حين تذكرته فقامت بهما وبأمورهما وأشغالهما وأرسلت إليها زينب اللالوتية في أمر أظهرته لو أمكن لنا أن نستر قبورنا بين القبور لفعلنا فتابت مما وقع منها.
وفي السير رأت الشيطان مرتين في يوم واحد حملت حزمة حطب على رأسها فوسوس لها أن أبا عامر تغدا مع زوجته وجعلا لك لقمتك في البرمة فرمت الحزمة لتزيد فيها الحطب إذ علمت إن ذلك من الشيطان فخرج من الحزمة مثل القط وهو يصيح فلما بلغت الدار وجدت الأمر كما وسوس فانتقع لونها وتغير حالها فعرف أبو عامر أن ذلك من الشيطان فأخذ بكمها وهزها فقال اخرج عدو الله من جسد طاهر فخرج من كمها كالقط وهو يصيح خارجا من باب البيت وفيها أنها تبكر فتجني التين صبحا باردا ليأكل الشيخ وزوجه ثم تعود فتجني فتنشر.
وفيها اجتمع المشايخ في تنين ان دركل موضع فقالت لأبي عامر احضر أنت وزوجك المجلس وأنا أكفيكما مؤنة الصبي ابن الضارة (1/210)
صفحة 211
والبقرة ثم أرسلت إليهما اجتهدا فيما أنتما فيه من الخير وقال أبو عامر للمشايخ إن لم تكن الضرائر مثل ما عندي فقد غبنتم فقال المشايخ لولا من أمة الواحد لانكشفت أنت وتوزينك.
وفيها إن لها أختين تزوجتا بتصصليت فولدتا غلامين معا فزارتهما مع أبي عامر فلما بلغا إليهما نظر أبو عامر إلى الصبيين فقال: إنهما يكونان نفعا للإسلام وهذا أفضل من هذا، وكان أحدهما أبا ميمون والآخر أبا حمزة لوابا أعني لوابا بن يوسف وسيأتي مناقب كل واحد منهما إن شاء الله.
ومنهم أبو خليل صال من أهل دركل رحمة الله عليه وأكثر المؤلفون من أخباره وذكر كراماته وأعظمهما ما ذكره الأكثرون بل صار في المكتب والسير والسنة المحدثين كالتواتر أن أبا خليل لما حضرته الوفاة اجتمعت إليه الأشياخ والعباد وهم يبكون فقال ما يبكيكم فقالوا كيف لا نبكى ومصيبة الإسلام فيك وفي فقدك أعظم رزية وأشنع كل مصيبة قال لهم كيف حالي عندكم قالوا خير حال عبدت ربك العمر الطويل وتعلمت وعلمت العلم والسير والخلق الكريم قال أتشهدون لي بذلك عند الله قالوا نعم فقال اكتبوها هنا فكتبوها فقال إذا مت فاجعلوها بيني وبين كفني ففعلوا كما أمرهم فلما دفنوه وسدوا قبره ودمسوه فوقفوا يخطون عليه الخطة للحريم فإذا كتابهم الذي فيه شهادتهم موضوعة على القبر فقرؤوه فإذا فيه كما هو عندكم كذلك هو عندنا قيل مات عن مائة سنة وقيل مائة وعشرين.
وفي السير أنه ما بينه وبين قابس وما بينه وبين فزان حتى وقع قطاع الطريق (1/211)
صفحة 212
عليه فجرحوه سبعة عشر جرحا فدخل مغارة مكث فيها أربعين يوما ما أكل ولا شرب إلا ما رأى في منامه أنه اطعم وسقى فخرج وقد نظر بدنه نظرة لم يرها قط فظنوا إن الرجل هو أبو خليل.
وفي السير وكان من قادات المسلمين وكان يمضى إلى المسجد يمكث فيه ما شاء الله يصلي ثم يرجع مسرعا فقالت له امرأته لم تفعل ذلك يا شيخ فقال لها للنفس إقبال وإدبار فإذا وجد الرجل في نفسه إقبال اغتنم واجتهد وإذا لم يجد ذلك في نفسه تمسك بالفرائض وأداها حتى ينشط لئلا يمل.
وروى عنه أنه تكلف أنواعا من العبادات عجز عنها غيره وذلك أنه ربما جعل ليله اجمع ركعة واحدة وربما جعله سجدة واحدة.
وكان من العلماء الذين جرت عليهم نسبة الدين بالمغرب من نفوسة وغيره.
وذكر أبو عمرو السوفي في إسناده أبو عمرو عن أبي العباس عن أبي الربيع سليمان بن يخلف عن أبي عبد الله محمد بن بكر عن أبي زكريا فصيل عن والده أبي مسور عن أبي معروف عن أبي ذر أبان بن وسيم عن أبي خليل عن أبي المنيب محمد بن يانس عن حملة العلم عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن عمر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن جبريل عن اللوح المحفوظ عن رب العالمين.
وأما نفوسة فذكر الشيخ البغطوري أنه أخذ الدين عن الشيخين الفقيهين التقيين أبى محمد عبد الله بن محمد المجدولي وأبي يحيى توفيق بن يحيى الجناوني وعن داود بن هارون وعن داود بن يوسف عن أبي زكريا يحيى الجناوني عن أبي الربيع سليمان بن موسى عن يحيى بن سفيان وعن البشر بن محمد وعن وجدليش بن في عن أبي يحيى يوسف بن زيد وعن أبي نصر (1/212)
صفحة 213
عن أبي محمد يصليتن بن محمد عن أبي هارون الجلالي عن أبي القاسم البغطوري عن أبان عن أبي خليل.
ومن أخباره أن ابنا له مات مقتولا فاتته المشايخ بقاتله يلتمسون الفضل والعفو فلما جن الليل قتله واستعان عليه بغيره فلما أصبحوا طلبوه فقال قتلته فغضبوا وعابوا عليه ثلاث خصال تركه للأفضل الذي هو العفو واستعانته بمن ليس له في الدم شيء وخان في وديعته فأجاب بأنه لو أخذت بالأفضل وعفوت فإذا كبر أولاده وقتلوه كانوا جانين فيقتلون فيه والاستعانة على شاة عيد بغير من يضحى بها جائز والوديعة إذا ثبتت أنها مال المودع عنده جاز له التصرف من غير إذن المودع.
وقال لأبان بعد ما كبر هل على مثلي صوم قال: إذا لم تقدر فأطعم مسكينا قال لم تأت بها وقال له ليس عليك صوم أصلا قال الآن جئت بها يا أبان.
ومنهم والي العهد وكان من أهل العلم والدين والورع واليقين.
وفي السير أنه من أهل مرجس من قرى نفوسة وقيل إنه باحث يوما أبا المنيب مامد بن يانس فارتفع بهما البحث إلى أن قال أحدهما يافنفان وقال الآخر يا كنكان فافترقا على حرج فقال والي العهد لزوجته في اليوم الثالث ناوليني عكازي لئلا تحل على الرواية لا يحل للمؤمن أن يهجر أخاه فوق ثلاث فإذا أبو المنيب استأذن عليه فقال له مثلك الذي يوافق مثل هذا يا ابن يانس.
ومنهم أبو ذر صدوق الفرسطائي ممن أخذ العلم عن أبي مرداس وجازت عليه نسبة الدين.
وفي السير قال أبو مرداس حين يتعلم عنده قولوا لأبي ذر ينصف من نفسه (1/213)
صفحة 214
وإلا فلا يطلع إلى الجبل ولم يذكر فيما نصف وفيها قال أبو ذر أي شيء تركت لك يا دنياي أتيمم لصلاة الضحى بحدسورت.
ومنهم سعد بن أبي يونس عامل الإمام عبد الوهاب على قنطرار.
وفي السير أن أبا القاسم الفرسطائي زار أبا محمد سعد بن يونس في تيجي فلما حضر وقت الصلاة نزلوا ليغتسلوا في العين فالقوه مسدودا حوضه وناس يعومون فيه فقال أبو محمد ضرونا وضروا أنفسهم ونزلوا إلى ماء آخر فلما رجعوا وجدوا موضع السد يرشح قال أبو محمد لولا من الرشح لنجسوا ونجست ثيابهم وقال أبو زكريا أرسل أبو يونس وسيم بن سعيد ابنه سعدا إلى تيهرت ليتعلم العلم ومعه نفاث بن نصر فتعلما عند الإمام فلما بلغا من العلوم ما أراد الله أرادا الرجوع إلى بلدهما وذلك وقت موت أبي يونس عامل الإمام على قنطرارة وتقدمت أخباره فاختار الإمام أفلح سعد الأحكام الناس وقدمه في موضع أبيه وكتب بذلك كتابا وطبعه وأمرهما أن لا يقرأه حتى يصلا بلدهما فاستخف نفاث أثره ببعض الطريق ففك الختام على حين غفلة من سعد ليطلع على ما فيه ومن المقدم منهما فلما وجد سعدا مقدما حمله الحسد وحب الرياسة أن أظهر الطعن في الإمام فأرسل إليه أن يأتيه ويوضح له ما انتقم عليه فما استحق التوبة فتاب ورجع والافايه وقد اطلعت على بعض كتب الإمام إلى المشايخ في شأنه وقد أكثروا الكتب إلى الإمام في شأنه ثم أنه خاف فانتقل إلى المشرق ثم أتى بغداد وله فيها أخبار في شدة الحفظ وكثرة العلم وحمله لديوان جابر إلى المغرب وبقي سعدا أميرا عدلا (1/214)
صفحة 215
متقيا وقيل إن سعدا بنا دارا وكان الباني نفاثا وكان بناء عظيما وإذا اجتمعت الناس لحوائجهم إلى سعد خشي أن يظنوا به بأنه رضي على نفاث فيقول في ذلك الملأ متى تترك ضلالك وكفرك يا نفاث فيقول معاذ الله أن اكفر يا شيخ وفي حفظي يقول ليس الشتم بعبادة يا شيخ فإذا خلا سعد يقول ليس هذا جزاء من يخدمك ولكن جزاؤه الخبز واللحم وسعد ممن كره الغدو إلى مانو لقتال ابن الأغلب وقال له بعضهم لم ترد الموت في سبيل الله واشتقت شداخ قنطرارة قال رحمه الله ليس بي ما تقول لكن خفت أن تذبح البقرة ويتبعها الولد يعني نفوسة وقنطرارة.
ومنهم أبو ذر أبان بن وسيم الويغوي من العلماء العاملين وكان عاملا على جبل نفوسة قال أدركنا الناس الذين هم الناس أحاديثهم ذكر الله وزيارتهم في الله ومعانقتهم بالمودة والصحبة والمحبة وبقيت حتى صحبت ناسا أحاديثهم الدنيا وزيارتهم الحوائج ومعانقتهم بالنطاح وجاءته ابنته زائرة فأمطرت السماء فقال بتي قالت إنما أذن لي في الزيارة لا في المبيت فقال سيرى في حفظ الله وستره فمضت والليل مقبل والمطر هاطل والبلد شاسع فوصلت وقد حفظها الله ولم تقع عليها قطرة ومثلها لأبي عثمان فجازت بقوم بسقيفة جمعهم المطر إليها أو ساباط فتعجبوا من قدرة الله تعالى وكيف حفظها الله وذكر أبو الربيع أن ذئبا آذاه في بستان له فدعا عليه فأصبح منتفخا في البستان.
وفي السير إن أبان أخذ العلم بعد أن كبر والسبب الحامل له أنه مرض هو وأخ له صالح فرقدا في بيت أبان عند بابه وكان الناس يغشونهما زائرين (1/215)
صفحة 216
فيقولون لأبان كيف حالك يا مسكين فيجيب إن عاش أبان جعل للدنيا جزاها إن شاء الله ثم يدخلون إلى أخيه أبي عبد الله فيحدثونه بل يقولون ذلك لأبان عند خروجهم والله أعلم فقام من مرضه ذلك فاجتهد في طلب العلم فتعلم عند أبي خليل الدرشلي وكان يعمل شغله إلى آخر النهار ثم ينزل إلى درشل فيجتهد ليلته ثم إذا حضر مجلس الصبح طلع إلى ويغو وحفظ مرة سبعين مسألة فطلع فنسى أربعا فرجع فلما رآه أبو خليل قال نسيت كذا وكذا فعدهن فقال من أخبرك قال يعرف الراعي النفورة من غنمه وقال له أبو خليل أفت للناس بالرخص لكل زمان نذير وأنت نذير زمانك وقعد أبان والمشايخ في خباء مرض فيه العبيد الجدري ونزل المطر فأول قطرة وقعت من الخباء على عمامة أبان ولم يشتغل بذلك وسئل عن من حلف لامرأته بطلاقها لازوج ابنته لمن احبها ولا كرها فقال زوجها ممن لاتعرف وله مسائل في الفقه كثيرة واختلف هو والمشايخ في ولاية الخاص في زمان الإمام فقال بوجوبها وأبوا فدخل داره واتى بسلاحه فنظر إلى العباس فقال لم تنظر إلي قال أفأنت شعاع الشمس حتى لا أنظر إليك وقيل قال ذلك لأبي عبيدة وهو الصحيح فقال له العباس عمن أخذتها قال عمن أوجب علينا أمارتك يعني الإمام فرجعوا إلى قوله ومر على العباس وابن يزيد قاعدين يتحدثان حتى كادت عمامة العباس تصل عمامة ابن يزيد فانتهره فلما تولى بعد العباس قعد في ذلك الموضع مع ابن يزيد يتحدثان حتى كادت عمامته تمسح عمامة ابن يزيد فتذكر كلامه للعباس فقال رحم الله العباس ولما ولوه بعد العباس دعا (1/216)
صفحة 217
الله تعالى أن لا يمكث فيها أكثر من سبعة أيام فإن جاز فلا يتجاوز سبعة أشهر فإن جاز فدون سبعة أعوام فمكث أقل من سبعة أشهر. وكان له مجلس علم عند امرأة صالحة فقيهة فخطبها وتزوجها فأتى إليها كالعادة فاستأذن فأذنت له فقال تزوجتك من وليك وعقدت نكاحك فأغلقت الباب فقالت كنت تدخل بأمانتك ففتحنا لك والان صرت مدعيا فإن أتيت ببينة رضينا بك زوجا وإلا فانصرف وقيل قالت له إنك أمين وقد احتجت الأمناء ولو كنت أبانا وهي زوجته بهلولة. وسألها مرة عن النسوان اللائي يغشين بيته للتعلم والإفادة فقالت فلانة على الزيادة في الخير فقال زدي الزيت والفتيلة وفلانة تكون عند جماعتين قال أغلقي الباب في وجهها.
وفي السير قال له أستاذه وشيخه أبو خليل: ثلاث يصلحن لدنياك وأخراك لا بأس أن تستخدم العبيد بالليل إذا لم تستقص خدمتهم بالنهار ومن اتفق على عمل الربا وفسخ ذلك بلسانه وتاب أجزاه وإن قدرت أن لا يصلك الموت إلا في حفرة غرس الشجر فافعل.
ودخل عليه يهودي وهو غضبان فقال مثلك لا يغضب على أمر الدنيا فوطن نفسك على أن لا ترى فيها ما يسرك وكن كمن قدَّم بضاعته إلى بلد يريد اللحوق بها.
وقيل كان وقت التعلم على أبي خليل يتعلم معه ابن مؤنسة وكان أبو خليل يحتفل ويتحفز ويتهيأ ويستوي إذا دخل أبان وإذا دخل ابن مؤنسة عكس استخفافا به فلامه بعض قربائه بان الناس قالوا في ذلك فقال أن أبان يتعلم لله وابن مؤنسة يتعلم ليؤذى به وكان الأمر كما تفرس وتقدم مثلها لشيخه محمد بن يانس حين (1/217)
صفحة 218
يتعلم أبو خليل وعمرو بن يانس عنده وكانت زوجته بهلولة ممن وافقه وطابقه علما وعملا وحسن عشرة.
وفي بلده بعده غزالة أمة وقيل عنها قبل أن تُجلب من السودان إذا أكلت الدم قاءته ولا يثبت في بطنها، فلما جلبها مشتريها إذا جعلها قبل أن تسلم في سلسلة مع العبيد خشية الإباق، فإذا سمعت القراءة قعدت على نفسها وبركت على ركبتيها واستمعت وأسلمت، فاشتراها رجل من أهل ويغو فكان دأبها أن تخدم مولاها بالنهار فإذا نام ونام عياله انصرفت فتحضر مجلس الذكر عند أبي محمد عبد الله بن الخير في تنورزيرف وجدتها بخط عمنا يحيى بن أبي العز براء بين واو وزاي بعدها ياء وراء وفاء وبينهما نيف وعشرون ميلا أكثره صعود وهبوط وعقابي وجبال فإذا انقضى المجلس رجعت فتأتي مصلًّى لها في كهف معلوم فتصلِّي وتجد مصباحين يقدان لها فإذا كان آخر الليل أتت أهلها فأيقظتهم للصلاة ففطن لها سيدها فأعتقها وتمادت على فعلها وتجد بعد العتق مصباحا واحدا.
ومنهم أبو الحسن التويغتي وهو من السادات الأخيار جمع علما وفقها وعمل بهما وحج على أتان له سبع مرار وكلما قدمت نهقت فيضحكوا فيقول ما أضحككم وقد أقامت عليكم الحجة.
وفي السير إذا أصبح اشرف على الجبل فيقول هل من ماء يا وارد فيقولون نعم فيحمد الله ويتلو {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا} الآية وضجر الوارد من سؤاله فأجابوه يوما بلا فنظروا إلى البئر وقد غار ويبس ولم يبصروا إلا صلصلة الطين.
ومنهم أبو يوسف حجاج الويغوي.
وفي السير كان رجلا صالحا وله امرأتان تكلف تمام العدل بينهما وفي البلد بئران احدهما (1/218)
صفحة 219
أطيب واقل ماء فإن وجد فيها ما يكفيهما أخذ منها وإلا أخذ من الأخرى وإذا أراد أن يكسيهما أخذ شقتين فيخلطهما ثم يكسيهما.
وفي السير تلف له أربعمائة دينار فقام إلى الصلاة ولم تخطر بباله حتى استكمل صلاته.
وفيها دخل أندر اليتيم، فسافر إلى الحج فوجد في كرزيته حبة شعير فحفظها حتى رجع فأعطاها له.
وفيها أرسل أمته تستسقي فاستبطأها فخرج في طلبها فوجدها استراحت وأخذها النوم. وجعل سراويله تحت رأسها وأخذ القربة خشية أن تستاحش من فقد القربة، فلما استيقظت وفقدت القربة وعرفت السراويل، قالت: هذا فعل سيدي رزقه الله الجنة.
وفيها عزل نفسه في بيت خشية الميل وقال لامرأتيه من أحب منكما أن تأتيني فلتفعل في نوبتها.
ومنهم أبو وزجمين وقيل ويسجمين وهو الصحيح وسيأتي أنه في زمان أبي عامر من ذرية عاصم فانظره هناك ذكر بعض أصحابنا أن شدة وقعت بجبل نفوسة وجدبا وبلاء وقحطا حتى اضر الناس وماتوا جوعا وتصوح النبات فصار هشيما فأرسل وزجمين إلى عاصم السدراتي ولده يدعو الله ويرغبه أن يغيث أهل الجبل ويرسل عليهم رحمته فلما بلغه قال له ارجع لم تأتنا الرحمة بعد ولم أر لها علامة فرجع وأخبر والده بما قال له فلم يزدد الأمر إلا ضيقا ثم أرسله بعد مدة فوجد في غنم عاصم مرضا فقال نعم الآن جاءتنا الرحمة فدعا الله لأهل الجبل فرجع ولم يصل أباه إلا والأودية هرير والأتلاع شرير وقد دفع له عراق لحم نضيج يرفعه لأبيه من تلك الغنم فدفعه لوالده فقال له على ما أفطرت قال على عروق الأشجار وقشورها (1/219)
صفحة 220
وجدور النبات قال له والده لو أكلت منه نزعت من الولاية وهو من تاغرويت وسيأتي في مناقب أبي عامر مثلها ثم تولى بعد الإمام أفلح ابنه أبو بكر ثم أبو اليقظان محمد بن أفلح بتسليم أخيه له إذ كان وقت وفاة الإمام أفلح محمد بالمشرق. (1/220)
صفحة 221
وأحكام بيوت الأموال وعقد تقدم القضاة وأحكام المنكر في الأسواق والاحتساب على الفساق إنما يلي أمرها نفوسة الجبل. فلما اجتمعت الكلمة بعد اختلافها على محمد بن أفلح لعلمه وورعه كان أول شيء نظر فيه التماس قاض عدل يصلح لأن يقلد أمور الإسلام فأشاروا عليه بتقديم الشيخ التقيِّ العالم النقيِّ محمد بن عبد الله بن أبي الشيخ وكان وقافا شديدا في دين الله حازما لقمع المظالم والمناهي آمرا بالمعروف ثم عزل نفسه لمنكر بلغه بعد أن أحسن السيرة وأظهر الحق وتجردت نفوسة الجبل لإصلاح الأسواق وقمع الفساق لأن نفاقهم نجم مدة الفتنة وظهر فسادهم وعظم ضررهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون منار الحق فأصلح الله الفساد على أيديهم حتى عاقبوا القصاب على نفخ الشاة ومنعوا الحمال على دابته أن يحمل عليها فوق طاقتها وانقطعت مادة الفتنة وعمرت المساجد وكانت خلافته نحو الأربعين وعمره نحو المائة قال ابن الصغير رايته يوما بمصلى الجنائز ينتظر فراغ دفن جنازة من وجوه الناس أبيض اللحية والرأس ربعة وضعت له وسادة من جلد قال كان إذا جلس لا يتكلم أحد في مجلسه إلا أن تكون ظلامة ترفع قال وكان زاهدا ورعا سكيتا وإذا جلس في المسجد الجامع جلس على وسادة من ادم وله سارية تعرف به يجلس إليها وجمع العلم والعمل وألف كتبا كثيرة قال أبو زكريا إن محمد بن أفلح اجتمع المسلمون فولوه على أنفسهم ولم يكن منهم في توليته اختلاف وبلغ في العدل والفضل غاية عظمته وكانت نفوسة لا تعدل بولايته إلا ولاية جده عبد الرحمن رضي الله عنهما (1/221)
صفحة 222
وكانت نفوسة تجعل باب داره كالمسجد يسهرون حوله طائفة يقرؤون وطائفة يصلون وطائفة يتحدثون في فنون العلم وكان حسن السيرة أورع من في زمانه وله في الرد على المخالفين كتب كثيرة ومات عام أحد وثمانين ومائتين ووجد في تركته من العين سبعة عشر دينارا وبلغ في العلم مبلغا عظيما وألف كتبا كثيرة ووضع في الاستطاعة أربعين كتابا وحدها وقد تقدم إن بيتهم بلغت في العلم مبلغا عظيما.
وذكر عن أبيه أفلح قعد عليه قبل بلوغ الحلم ثلاث حلق يتعلمون فنون العلم من الكلام واللغة والفقه وإن الإمام عبد الوهاب أتته خزانة كتب نظرها فما استفاد منها إلا ثلاث مسائل لكثرة علمه ومكث الإمام أفلح ما تقدم في الولاية قيل لم يعد خطبة عيد ولا جمعة ومع ذلك أراد قبل الولاية السفر للتجارة فسأله أبوه فتوقف في مسألة فمنعه خشية أن يدخل عليهم الربا وأخبار أبي اليقظان كثيرة واقتصرنا على هذا.
ومنهم عيسى بن فرناس النفوسي وكان من أورع الناس وكان أبو اليقظان محمد إذا جلس قبالته نصب عينيه على ما حكى ابن الصغير.
ومنهم محمود بن بكر وكان اخص الناس بأبي اليقظان.
ومنهم عبد الله بن اللمطي وكان الشيخان غاية في علم الكلام وكانا يردان على الفرق وينقضان مقالات المبتدعة وألفا كتبا في ذلك قال ابن الصغير وقد جمع بين الإباضية والمعتزلة للمناظرة نادى زعيم المعتزلة عبد الله بن اللمطي فأجابه قال هل تقال وتستطيع الانتقال من مكان لست فيه إلى مكان لست فيه قال لا قال هل تستطيع الانتقال من مكان لست فيه إلى (1/222)
صفحة 223
مكان أنت فيه قال لا قال هل تستطيع الانتقال من مكان أنت فيه إلى مكان لست فيه قال إذا شئت.
ومنهم أبو عبيدة الأعرج وكان غاية في العلم والعمل والورع والأدب قال ابن الصغير فيما نقل عنه كلهم مقرون له بالفضل معترفون له بالعلم والحلم وإذا اختلفوا في مسألة في الكلام والفقه صدروا عن رأيه قال جالسته مرارا فما رأيت في سود الرأس اخشع لله تعالى منه وكان لا يجمعه مع أبي اليقظان إلا المسجد الجامع قال حدثني أحمد بن بشر أن أبا اليقظان ضرب سرادقه لأمر أراده وبرز بنفسه وعلم الناس بخروجه فخرج إليه القراء والفقهاء وضربوا أخبيتهم حوله حشا أبا عبيدة فبينما الناس ذات يوم إذا أقبل أبو عبيدة فقالوا هذا أبو عبيدة جاء إما مسلما أو مفتقدا فاعلموا بقدومه أبا اليقظان فلما دخل عليه رحب به ورفع درجته وأدنى منزلته ومكانه فقال أمسلما أو مفتقدا فقال لا مسلما ولا مفتقدا ولكن جارة لي خرج ابنها البارحة لطلب معاش له ولها فأخذه صاحب الحرم فحبسه فأتتني أمه شاكية فأردت إطلاقه فأمر بإطلاق من حبس تلك الليلة إجلالا لأبي عبيدة ثم سلم وانصرف فعجب الحاضرون من صدقه وتركه التصنع وإظهاره على لسانه ما اسر في قلبه قلت إنما ذلك فيمن أخذ تأديبا لا من عليه حد من حدود الله قال وكان عالما بالكلام والفقه واللغة والنحو والوثائق وكان مع الديانة والعلم حسن الأدب وكان أهل المغرب كلهم مشغوفين به ويرسلون إليه بزكاة (1/223)
صفحة 224
أموالهم يصرفها حيث شاء من سجلماسة وغيرها ومن ورعه وتقشفه إن خديمه أبا سابق علف ليلة فرسه من بيت المال فأعلمه فقال ما هذا يا أبا سابق وحلف لا قام ولا أكل ولا شرب حتى ترد في بيت المال فنزع أبو سابق عن الفرس وكمل ما نقص من أكل الفرس من ماله ورده من حينه فما برح حتى رجع أبو سابق فأعلمه فقال الآن أحسنت.
ومنهم أبو منصور النفوسي عامله على نفوسة وطرابلس واسمه إلياس من أهل تندميرة قرية من قرى نفوسة وكان في ابتدائه- قال في السير- من أهل الجملة. فنزل مرة إلى تيجي فالتقى بأبي مرداس مهاصر حافي الرجل قد أدماها الشجر والحجر في سنة قحط وشدة فأعطاه نعليه قال أبو مرداس نزع الله منك يا فتى ما لا يرضى ورد فيك ما يرضى قال أبو منصور فحسست حين دعا بما غشيني فوقع في نفسه التعلق بالمراتب العالية من العلم والعمل ببركة الشيخ وقد تقدم.
وكان بعد أن تولى أمور المسلمين إذا خرج لقتال العدو ويركب بغلة ولا يتقى نبلا ولا ضربة على نفسه ولا على مركوبه ولا تقع به ولم يهزم له جيش ولم تنكس له راية وخرج مرة في طلب ولد خلف وقد هرب إلى زواغة وكان على مذهب أبيه ونزل عليهم بريموا فاجتمع رأيهم على قتاله ومدافعته ومنع ولد خلف منه فقال شيخ من شيوخ بني يهراسن يسمى أبا سلمة هل لكم أن تتركوا ريموا وتتحصنوا بجزيرة جربة أو ترسلوا إلى الإمام بتيهرت يخرجكم من عمالة نفوسة ويفرد لكم عاملا أو تدفعوا صاحبكم إلى نفوسة وأنا كفيل لكم أن لا يتجاوزوا فيه الحق وحكم (1/224)
صفحة 225
الله فسفهوا رأيه فقام فاجتمع أمرهم على لقاء أبي منصور فلما بلغهم ناصبوه الحرب فهزمهم الله وقتل منهم بشرا كثيرا فدخل ولد خلف إلى جربة فتحصن ببعض قصورها ثم أرشى من نزل عنده فدفعه لأبي منصور وسجنه ثم وقعت مسألة وهي قطع الرجل في الحد فسألوه من أين يقطع فقال دون العاقب ثم تاب ورجع وفي حفظي يسمى الطيب بن الخبيث بن الطيب.
وذكر ابن الرقيق أن أبا العباس بن طيلون نقل من بيت مال مصر مائة حمل ذهبا وأراد المغرب وتلقاه ابن قرهب صاحب طرابلس فهزمه وقتل من رجاله ومن على من اسر منهم ودخل ابن قرهب طرابلس وتحصن بها وحاصره ابن طيلون ثلاثة وأربعين يوما واستغاث أهل طرابلس بأبي منصور النفوسي فقام محتسبا وكان خارج طرابلس رعيته فلاقاه أبو منصور في اثني عشر ألفا فهزم الله ابن طيلون وقتل أكثر أصحابه ولم يأخذ من أموال ابن طيلون شيئا تورعا عنها وزهدا في الدنيا إلا رجلا واحدا أخذ حملا وستأتي قصته.
ومنهم عمروس بن فتح المساكني النفوسي قاضى أبي منصور إلياس.
قال أبو العباس بحر العلم الزاخر بل حاز كل المفاخر وحاز قصب السبق وإن كان في السن متأخرا كان ضابطا حافظا محتاطا محافظا قال أبو العباس لم تشغله المجاهدة في الله عن دراسة العلم ولم يلهه التبحر في العلم عما تعين عليه من مصادرة تلك الهموم لازم الدرس والاجتهاد ثم رابط على الجهاد. قال أبو العباس له مصنفات في الفروع والعقائد قال أبو الربيع عن الشيخ أبي محمد عبد الله عن أبي محمد ما كسن بن الخير رحمهما الله إن عمروسا عالما غاية زمانه وبلغنا أنه هم وعزم أن (1/225)
صفحة 226
يفرز مسائل الفروع فيبين ما استخرج من الكتاب وما استنبط من السنة وما كان من الإجماع فيرد كل شيء إلى أصله قال أبو العباس وصرف إلى ذلك وجه العناية حتى يكون تأليفه طرازا لما صنف في علوم الشرائع. وأعجلته المنية.
قال أبو الربيع وأبو العباس اختصم إليه رجلان في مجلس الحكم بمحضر أبي منصور فأدلى الطالب بالحجة فاستردده المطلوب الجواب فسكت فأعاد وسكت ثم أعاد فلم يفعل فاستبان له لدده فقام إليه فركله برجله ورمحه فقال الجلساء عجلت على الرجل فجمع أصابعه فقام كم هذه قالوا خمسة قال أهذه عجلة حيث لم يبتدئوا بالعدد من الواحد ثم قال لأبي منصور إن لم تأذن لي بثلاث فخذ خاتمك عني يا إلياس قتل مانع الحق والطاعن في دين المسلمين والدال على عوراتهم.
وفي السير خرج أبو منصور إلى قوم سمع أنهم أكلوا عيرا فاشتبه عليه الأمر بين أهل العير والقاطعين عليهم فأرسل إلى عمروس أن يسرع إليه فلما أتاه سال أهل العير عن صفة امتعتهم وسأل الآخرين فتميز له الحق وذكر ذلك أبو العباس وأبو الربيع.
وذكر أبو الربيع وأبو العباس أنه قال لإلياس هؤلاء أصحاب الرفقة وهؤلاء أضيافك يكني بذلك عن حبسهم والإنكال بهم قال أبو العباس وأبو الربيع جلس معه ذات مرة داود بن ياجرين وماطوس رحمهم الله فتحدثوا حتى جرى بينهم ذكر أهل الصدق والكذب وذكروا أهل شروس فقال الشيخان أهل شروس لا يكذبون فاظهر عمروس أجازة شهادة كل شروسي فعاتباه على ذلك وقال إنما حكمت بشهادتكما إذ زكيتماهم قالا لا نريد ذلك فتوقف عن الحكم بشهادة غير المعلومين بالعدل (1/226)
صفحة 227
والتقى.
قال أبو العباس عمروس من اجل من أن يتجاوز إلى هذا القدر وينسب إليه هذا التهاون ولعله أظهر لهما ذلك تجازفا إذ برَّآ من الكذب جميع أهل البلد جملة لا تفصيلا وتأدب أن يواجههما بالمناقصة فسلك معهما طريقا يرجعان فيه إلى الصواب من غير تخطئة ولا توبيخ وهذه من جملة فضائله.
وذكر أبو الربيع وأبو العباس وذكر في السير أن عمروسا وأصحابه قدموا مكة حجاجا فدخلوا على محمد بن محبوب في مجلس من أصحابه فسلموا ورحب بهم وأدنى مجلسهم تعظيما للجنس فلما تبوؤوا للمذاكرة سأله عمروس عن مسألة فقال ابن محبوب إن كان أبو حفص في شيء من هذا البلد فهذا السؤال منه فقالوا له هو السائل فرفع ابن محبوب مجلسه وزاد في دنوه فجعل عمروس يسأله في مسائل الدماء وأكثر فقال ابن محبوب هذا من مكنون العلم فلا يعلن به في قوم جهال فقال عمروس لأصحابه: (احفظوا السؤال أحفظ لكم الجواب) فلما قدموا نفوسة قال عمروس هلموا ما تكفلتم قالوا لم يبق معنا إلا قولك احفظوا السؤال أحفظ لكم الجواب فقام بهما جميعا سؤالا وجوابا.
وفي السير سأله رجل بمحضر أبي مهاصر عمن أخذ من مال ابن طيلون خرجا فتاب ولم يعلم له صاحبا قال تسال عن مولاه فإن أعياك أمره فتصدق به فغضب أبو مهاصر فقال لا اقعد في مجلس يفتي فيه بمثل هذا قال عمروس أن أردت أن تقعد فاقعد فإن من شان المسلمين أن لا يؤيسوا أحدا من رحمة الله.
وفيها وسمع بموت أبي مهاصر وقد لبس إحدى نعليه وذهل عن لبس الأخرى فمسكها في يده ذهولا وتفجعا وتفظيعا لما سمع فما أدركهم إلا وقد دفنوه (1/227)
صفحة 228
فتمرغ على القبر فقال كما أمنت لك يا أخي يعني من المصائب الدينية فقال الجهال استراح منه وتأولوه لأمور الدنيوية أعني جهال إفاطمان بلد أبي مهاصر.
ولما وفد أبو غانم بشر بن غانم الخراساني على الإمام عبد الوهاب ومعه مدونته المشهورة في الفقه التي رواها عن تلامذة أبي عبيدة وجاز على جبل نفوسة واستودع عمروسا نسخة منها، وأخذ في نسخها وأخته تملي عليه، ويلازم الموضع حتى تدركه الشمس فينتقل حرصا في أحياء العلم. فما رجع (بشر) إلا وقد استكمل نسخها وهو في اثني عشر جزءا، فوجد نقطة حبر على بعض الكراريس فقال: (سرقت هذه) قال: (سماني سارق العلم) فلما وقع ما وقع بتيهرت وأحرقت كتبها بقيت نسخة عمروس ينتفع بها الإباضية ولولا منها لبقى أهل المذهب من غير ديوان بالمغرب يعتمدون عليه وذلك ببركة عمروس وحسن نيته ويمنه.
وكتب وصيته في كتاب ودفعها لورثته فأمرهم أن يعملوا بمضمونه وأنا خصيمكم بين يدي الله وذلك أظن عند خروجه إلى مانو للقاء العدو وفيه استشهد رحمه الله.
وقال أبو العباس وأبو الربيع ((إن أم عمروس أوصت إليه في المهد واستخلفته فلما كبر وقضى وصية أمه وجد فيها الحج فسأل هل يتولاها ليدعو لها أم لا فلم يجد من يتولاها به إلا امرأة فتولاها بها فحج عنها.
وكان المسلمون من أهل جبل نفوسة أكثر الناس حجا وأزكاهم نهجا وأنهم يحجون بالنساء والذرية، وذكر أنه ولد في ركب واحد ثلاثمائة صبى ذكورا ولهذا قالوا من حج من غير متوليه فهو هالك)) انتهى كلام أبي الربيع.
وفي السير أن لأبي ميمون مثلها كما تقف عليها إن شاء الله وذكر (1/228)
صفحة 229
أبو زكريا وأبو الربيع وأبو العباس أن عمروسا لما وقعت الهزيمة بمانو استشهد هناك قال أبو زكريا إن عمروسا يحمى على الناس ويذود عنهم وكان على فرس سابق ولم يقدروا له على شيء فاتخذوا حبالا اضطروه إليها فعثر فأخذوه أسيرا فسأله عدو الله إبراهيم بن الأغلب أمير المسودة أن يطلبه العفو فقال كلمة لا تسمعها مني أبدا ولكن أسألك أن لا تعريني من سراويلى فقطعوه بمقراض الحديد فلما بلغوا الإكحل استشهد.
وفي السير حمى ساقه الناس على فرس سابق فأخذوه بالحبال وطلبوه أن يرجع عما هو عليه فيتركوه قال تلك كلمة لا أقولها حتى الحق بالله فقطعوا يديه إلى المرفقين فمات شهيدا رحمة الله عليه.
وفي السير مكث بالمغرب يتعلم عشرين سنة فلما قدم قال له أخوه لو رأيت أجرافا في فدادينك قال له مجيبا لو رأيت أجرافا يتلموا دينك وكانت أخته عالمة وحضرت وقعت مانو فأخذت أسيرة في عدة نساء فخافت عليهن الفساد من الفساق فأمرت أن تستخلف كل واحدة على نفسها من يزوجها لمن أرادها بسوء.
وبعث إليه بعض الأشياخ من المتكلمين من أهل فزان أن يؤلف له كتابا في الأصول فكتب إليه الكتاب المعروف بالعمروسي وكتب إليه رسالة فلما رآه الفزاني وهو الذي وضع الكتابين المعروفين بأصول الكلام قال: (النفوسي أقوى مني).
وفيها خرج مع أبي مهاصر وكانوا يستقون الماء على بغلته من الجبل قال إن دمتم عليها لا ينفعها أكل الربيع فتركوها وتيمموا للصلاة وتقدم رجوع أبي مهاصر.
وفيها نزع من القضاء من غير حدث فطلبوه الرجوع فأبى والسبب إن عبدا اشتكى مولاه فقال اصطلح (1/229)
صفحة 230
مع مولاك وكان أبو مهاصر حاضرا فقال له أعطِ له حقه من مولاه نزعك الله من ذلك المكان ورد فيه غيرك فنفذت دعوته.
وروي أن له عبدا نصرانيا فاستخبره ماذا يبلغ فيهم فقال: قلة الذواقة من الطرفة.
ومنهم سدرات بن إبراهيم المساكني النفوسي وكان شيخا عالما متقيا.
وفي السير سئل عن امرأة وضعت ولدا وبقي آخر في بطنها هل تأكل في رمضان نهارا قال نعم فقال بعض الأشياخ نعس الشيخ فقالت أخت عمروس: إن نعس لم ينعس علمه وكلامه، وجدناها تأكل إذا انشقت المبولة فكيف بهذه؟!.
وفي منزله امرأة صالحة ولدت صبيا على فقر وقلة لباس فتنام في شق ثوب وابنها في شقٍّ سنةً فإذا أصبح ذهبت إلى ماء بعيد عن البلد فتغسل بعض الثوب ثم تلبس ما غسلت وتغسل الباقي كذلك شتاء وصيفا وصبرت على ذلك فسمع بذلك ابن خليل فأرسل إليها بثوب فوسع الله عليه من هناك.
ومنهم أبو مسور يصلتين النفوسي الإدوناطي قال أبو الربيع هذا الشيخ عظيم القدر في الإسلام عالم عامل ورع.
قال أبو العباس أحد الشيوخ المجتهدين في أفعال البر المخلصين في العلانية والسر وعمر حتى بلغ الغاية في السن والهرم وكان في زمان الإمام عبد الوهاب وعاش بعده وكان يقول عشت حتى لم أجد في الإمام ما أريده ولا في نفسي ولا في الإخوان ولا في الأولاد ولا في القبيلة فأدعو الله أن يريحني مما أنا فيه قال أبو نوح لعله لما ضعف جسمه وقل ما بيده وقصر عن ما كان يسدى من الصلاة وفقد ما أدرك في ريعان (1/230)
صفحة 231
الشباب لامه أولئك على ما فقدوا من عرفه وقد كتم ما أصابه احتسابا.
وقال أبو الربيع وأبو العباس وفي كتاب السير أن ابنته سألته عن بعض مسائل الحيض ووصفت له ما ولت من ذلك قال: (ألا تستحيين) قالت: (أخشى إن استحييت منك أن يمقتني الله يوم القيامة) فانتبه الشيخ فقال: (لا يمقتك الله يا بنيتي)
قال أبو العباس وكانت عظيمة القدر في الإسلام قال أبو مسور يوما المسلمون أفضل من أقوالهم وقالت هي أقوالهم أفضل لأن المسلمين يفنون وتبقى أقوالهم إلا أن تريد فضل الأجسام على الأعراض وإلا فالعلم أفضل المخلوقات ونشرا ثيابهما يوما من غسل فقال الشيخ تمنيت إن الله طهر قلبي مثل تنقية الثياب وصفائها قالت تمنيت أن يكون تطهير قلبي بيدي فأطهره كهذه الثياب ثم أرسله إلى مولاه قال انك ابلغ مني ولو في الأماني ومن كلامه إذا كانت الفتنة لزمنا أيدينا وألسنتنا وأعيننا وكلنا أمر قلوبنا إلى الله وقال من افسد شيئا من الحيوان عليه شراؤه.
وفي السير أنه يضرب رجلا بالسياط قدام مسجد منزله فأبصر رجلا يمشى في المقبرة على بعد فقال لا اخرج حق الأحياء حتى اخرج حق الأموات فأوتي به فضربه والأول بين الأعواد ثم أكمل له وأتم له ما يستحق وهذا من تمام عدلهم رحمهم الله وفيها وجدوا منبوذا بالمسجد فاجتمع الناس في أمره فقالوا ما نختار له أفضل من الحجر الذي هو فيه فتولى أمره فإذا أعطى مالا يدخر وكان له قيمة أو لم تكن أخذه بالقيمة نفعا للمنبوذ فقيل له إن مال اليتيم نار ياعمي فكان بعد ذلك يتركه حتى يفسد (1/231)
صفحة 232
فيرمى به وقال لابنته إني أزوجك لمن له عليك سبعون حقا فقالت أردها إلى ثلاث إن دعا أجبت وإن أمر امتثلت وإن نهى تركت ونحو هذا.
ومنهم أبو ميمون وابن خالته أبو حمزة لواب بن يوسف وتقدم التنبيه عليهما في التعريف بأبي عامر ومن أخبارهما إذا زار أحدهما الآخر مكث عنده من يوم إلى يوم يتذاكران العلم ويتعاونان على العبادة وينشرحان في أمر الإسلام وكانا اخوين في الله وزارت امرأة من أهل المنزل أبا حمزة فالفته ساجدا فانتظرت قيامه فاستبطأته فذهبت إلى إدوناط فاتت مجلس أبي مسور حتى افترق فزارت في إدوناط من زارت ثم رجعت إلى أبي حمزة فوجدته ساجدا كما كان وعيناه تذرفان بالدموع.
وفي السير لما حضرت الوفاة أم أبي ميمون استخلفته على وصيتها وهو في المهد فأنفذها إلا الحج فسأل هل هي من أهل الولاية فوجد ولايتها عند امرأة واحدة فسأل هل يتولاها بها فلم يفت له بها وعندهم من حج من غير متولى هالك فسافر إلى المشرق فدخل على عبد الله بن عباد المصري فسأله فرخص له فحج عنها وتقدم التعريف بابن عباد وأنه امتنع من أكل اللحم لأنه يأكل أشجار الناس.
وفي السير ارتحل أبو ميمون من قحط وشدة وقعت بالجبل ومعه وديعة لرجل شروسي فنزل بإفريقية فأدركه المستودع ووجده من تمام الحاجة يطبخ ميتة فقال وديعتي فأعطاها له وهي مائة دينار فقال له أبو ميمون لا يحل لك أكل ما تطبخ فسأله ما يحل لأبي ميمون من المطاعم ولا يحل له فأخبره فأعطى للشيخ عشرين دينارا فقال لزوجته أم يحيى أهرقي ما في البرمة فحفرت له ودفنته (1/232)
صفحة 233
فعصم الله بفضله الشيخ والعجوز من أكلها.
وخطب عليه أبان أم يحيى وقال لها سأخطبك على رجل قائم بأمر آخرته كسلان لأمر دنياه وانكسرت ساقية ماء إلى غاره فإن قضى الله عليك بتزويجه فصلاحها عليك، فقضى الله بينهما بالزواج فجلبها فلما نزل من الجبل فنظرت إليه من القبة من فوق الجبل فاستصغرت شأنه فتذاكروا في الطريق العلوم فمكثوا من يوم إلى يوم قالت فما طلعوا إلى الجبل إلا وهو أعظم الناس في عيني. قالت: وجدت عليه أربعين دينارا دينا فقضاها الله عليه بعمل يديها وقيل تعمل عديلة ثياب في سنتها.
وقيل تقدم رجل يصلي بالناس وهو لا يستحق التقديم فقالت له اخرج من المحراب يا رجل سوء لئلا يأتيك من السماء أكثر مما يأتيك من الأرض فجبذته فكانت تحتذر منه خوفا من شره فالتقته في مضيق يوما فحس منها الخوف والحذر فقال جوزي كما أمكنك ولولاك لهلكنا رزقك الله الجنة وكانت حزيمة لأمور الآخرة وأمور الدنيا ومن كثرة حفظها أنها سمعت رجلا في طريق الحج ينشد قصيدة ثمانين بيتا فحفظتها كلها ونافستها امرأة من أهل منزلها فسمعت بان شوال قد استهل فلما أصبحت قدمت حلاوة لعيالها فقالت امتها خفت أن يكون لطبقك ريح تفوح قالت كلوا لودعا بالهلال غراب أو أمة مثقوبة الشفة فبلغ الخبر أم يحيى فقالت ما أخذنا ديننا بالغراب ولا بالأمة ففضحها الله بفعلها وزارهما أبان اعنيها وأبا ميمون وكان يوم مطر فوجدها تصلح الساقية التي ذكر لها حين خطبها فراته فتذاكرا فتبسما فتعاونا على إصلاحها فلما قضى (1/233)
صفحة 234
الله لأبي ميمون بالاستشهاد شيَّعَتْه حين خرج قالت ادع الله أن يكتب سلامتك قال: ذلك عقدٌ فُرغ منه، ولكن ادع الله أن يجعلك زوجة لي في الجنة، فلما استشهد بقيت بعده كهفا للإسلام ومأوى للأخيار فكانوا يجتمعون عندها عزابة أمسين في ليلة الجمعة يتذاكرون ويحيون ليلتهم في العبادة وتفقدت أبا يوسف بن منيب ليلة فلاقته بعد ذلك فقالت اكفر بعد إيمان يا زكريا فاعتذر أنه اشتغل بغسل ثيابه من نجس بإجلازن وأبو يوسف بن منيب وأخوه بل بنو منيب دار علم وعمل وزهد في الدنيا ورغبة فيما يبقى ومن العجائب من مؤلف أخبار علماء نفوسة ومناقبهم كيف ترك الكلام على كرامات بني منيب مع شهرتهم في الإسلام وأعجب منه ترك ذكر بني العباس وآكد في العجب غفلة أخبار أبي زكريا والجميع في حوزة واحدة ولعله ألف وضاع حين الجمع للكتاب والقرطاس الذي فيه مناقبهم فذهل عنه وغفل وتقدم التنبيه عليهم فيما مضى بالاختصار.
وكانت شاكرة الزعرارية من أهل إنر تقرأ على أم يحيى فروت: من اطعم مسلما مقدار ما يقع على الضرس يعطى له اثنان وعشرون سهما ونصف في الجنة ولو أعطى أهل الدنيا ذلك النصف لوسعهم من أول الدنيا إلى آخرها فلم تفسر من أي شيء يطعمه وتختلف عليها سنة أن رجعت تفكرت وعزمت حين اللقاء على السؤال مماذا وتذهل حين الاجتماع فتفكرت يوما وهي خارجة من بيتها وهي تقول مماذا حتى بلغت أم يحيى قالت مماذا قالت من أطيب طعام من ماله قالت ومن أعلمك أن السؤال على ذلك قالت أم يحيى علمت حين لم أفسره أنه بقي في نفسك. (1/234)
صفحة 235
وفي السير إن كتاب الخليل الصالح أول ما وقع بالجبل عند بعض أهل أمسين فمنع من أعطائه للنسخ فأخذته بل عرضه عليها مرة فقالت من أراد أن ينسخ فليأت.
ومنهم أبو القاسم سدرات بن الحسن البغطوري النفوسي بقية الحافظين واعتماد أهل الدنيا والدين بل كان من الراسخين أخذ العلم من منبعه وسقاه كل عطشان من مستحقه أضاء كل حالك من أرجاء الجبل بعد إظلامه وأحياه بعد انطماسه تعلم عند أبان بويغو وكان يسبق أبان إلى المسجد فسبقه أبان ليلة فخرج ينظر ففاجأه فقال ما أبطأك قال اغتسلت على فوجز وكان يسير في كل ليلة من بقطورة وبينهما مسافة بعيدة فيحضر مجلس الليل ثم يرجع إلى بقطورة ثم يرجع إلى ويغو في ليلته فيصلي مع أبان ولم يفقده سنة إلا مرة وهي المنبَّه عليها.
وقيل قعد يفتي بعد وقعت مانو ثلاثة أيام بلياليها وقيل يوم وليلة وهو يقول الكبر عيب وهو يومئذ له من العمر مائة وعشرون سنة وعاش بعدها يعلم الناس ثلاثين سنة وكان الحاكم أبا محمد عبد الله بن الخير وسيأتي التعريف به أن شاء الله تعالى.
وقالت له التلامذة أنكتب عنك ما سمعنا قال اكتبوا ولو بأقلام النحاس صمت إذن نسيت ما سمعت منذ أربع سنين.
وافتقد ابنه بمانو فأتاه رجل بخبره فقال لزوجة ولده أن صدقته كما صدقته فاعتدى وقال فقدت بمانو ثلاثمائة متولى ولا سيما شيبة الدجي وميال الأتلجامى وجانا التلجامى التنزغتي وهو أخ له من الرضاعة.
وختم ابنه المجلس والمعلم فقال ليس لنا من ثواب مجلسنا شيء ثم ختم مرة أخرى مع أبي يحيى بن (1/235)
صفحة 236
ماطوس فقال لنا نصفه. ثم ختم مع ابن ماطوس رجل صالح فقال لنا جميعه.
ودعاه رجل من أهل تمنكرت يبيت عنده فالتقيا يهوديا فقال له التمنكرتي: مرحبا فقال أبو القاسم لا رحب الله بك إلى ثلاث فرجع عنه وتركه.
وقال لأبي محمد عبد الله بعد مانو: أحكم بان المرأة هي القاعدة فيما ينسب إلى النساء وورثة الزوج هم القاعدون فيما ينسب إلى الرجل والمأخوذ به قبل ذلك أن الباقي من الازواج هو القاعد في الكل فتوقف أبو محمد فقال أبو القاسم أتعتقد أني أكثر منك علما واكبر سنا قال نعم قال لترجعن إلى هذا القول وإلا لم اسلم عليك أبدا فرجع إليه.
وتزوج آخر عمره امرأة سوء كانت تؤذيه وأسرفت عليه فبلغه الضرر مع الكبر قال فدخل عليه المشايخ زائرين وعليهم حسن اللباس ومعه ابنة أخيه من الرضاعة جانا التنزغتي فقالت: شيخكم يصوم على الحسو وأنتم على ما أرى من حسن الهيئة فجمعوا له دراهم أعطوها لها ونفقتها على الشيخ كيف لا يعرف، فحسنت حالة الشيخ، وإذا أرادت أن تطعمه أورت أنها تفلي قمله، فيجعل رأسه بين ركبتيها، ففطنت زوجته بعد زمان فلما ظنت أن يأكل أخذته من رجله فرمت به تحت الدكان فقال رددت العيال إلى بطنك. فكانت حاله معها إلى أن مات فحضرت نساء جنازته فسألناها عن مسألة فقالت للأمة ما كان يفعل فيها مولاك؟ قالت: لا تعرفينها أنت فكيف أنا اعرف.
ومنهم أبو محمد عبد الله بن الخير.
وذكر أبو الربيع أن عبد الله بن الخير عالم كبير يضرب به المثل يقال من ضيع كتابا كمن ضيع خمسة عشر عالما لما مثل عبد الله بن الخير وهو نفوسي من (1/236)
صفحة 237
تونزيرف.
قال أبو العباس: ((شيخ التقى والإخلاص المتحرى مسالك الخلاص وكان عالما كبيرا فاضلا أثيرا كانت الأمثال تضرب به يقال من ضيع كتابا كمن ضيع خمسة عشر عالما مثل عبد الله بن الخير)).
وذكر أبو الربيع وأبو العباس أن سعالا أصابه فقيل التصبح بالفطور على لبن ناقة دواء وعند أفلح ناقة فجعل يأتيه كل صباح فرأى يوما زيتا على أصل زيتونة فسأله عنه فقال أفلح غدائي قدم ملثوثا بزيت في إناء مشعوب بحديد فأصاب يدي حديده فرفعتها فإذا الدم فأكفيته فقال أخطأت ولعل الدم لم يسل إلا بعد أن رفعت يدك وكانت العلماء تقول إذا توجه النجس من تسعة وتسعين وجها والطهارة من وجه واحد غلبت الطهارة النجس وما جعل الله علينا في الدين من حرج.
ثم قال لأفلح إذا أخذت الرهن فقل هذا الرهن في يدي إلى آخر حقى اساوم قبل الاجل وابيع بعد الاجل وليس لي ما أصابته الافات ولاينفسخ باستنفاعى ولا يكون سخريا.
وكان أهل الجبل لا يقدمون للصلاة إلا التقيَّ الأسن العالم اقتداء بالسنة وكان يصلي بهم فثقل سمعه فكان يجهر في صلاة النهار حتى يسمع من خلفه فقال له يحيى بن يونس ما تسعنا الصلاة خلفك وأنت لم تكلف إلا ما تسمع فقال له لم أكلف سماعك يا ابن يونس فزاد في الضعف والهرم والكبر وكان يجلس جلوس قومنا فقال أيضا ما حال صلاتنا خلفك ياشيخ وترك التقدم.
قيل: مات على مائة وعشرين وأخذ العلم عن أبان بن وسيم.
وفي السير لم يبق من المشايخ بعد مانو إلا هو وأبو القاسم البغطوري وعلق زاده لنية السير إلى تعليم العلم وهو الحاكم والقاضي بين الناس. (1/237)
صفحة 238
وزاره أبو القاسم في أيام حصاد الزرع فلم يؤذن خشية أن يهلك الناس إن لم يحضروا، فقال أبو القاسم: أذِّن فإن لم يحضروا فأهلكهم الله.
وقال ثلاثة من الكبائر: تبديلك سنتك وقتالك أهل صفقتك وخروجك من ملتك.
وكان يأتي أبا القاسم إلى منزله بعد مانو فيحكم هناك فيتعاونا، وموضعهما مشهور هناك.
وفي منزله امرأة صالحة تسمى مكنا تزوجت رجلا من أهل تيري واشترطت عليه سكنى منزلها، فطلب موضعه فلم ترد أن تعصيه فدخل بها المفاوز حتى إذا بلغت منزله اجتمع عليها مع الغربة فقد الإخوان في الله وسوء البعولة ثم تزوج عليها وتركها كالمعلقة وسار إليها يحيى بن يونس ونزعت به الوحشة فأقام عندها ما شاء الله ودعت له وجعل قدمه على رملة في إناء لتتسلى بأثره عند تحريك الهموم فيزول بعض ما بها. ثم ساقته المقادير إلى أن نزل بئرا فإذا بثعبان عظيم فوق رأسه فعلم من أين أوتى فأوتي بقطيفة فالتف بها فما نفع من سخط الله شيء. وتقدم مثلها لمنزو وابنة أبي عثمان والحكاية واحدة إلا أن هذه أبسط قليلا، وذكر هذه في السير، وهي أولى لأنه أقعد بوطنه منهم، وذكر الأولى أبو الربيع عن أشياخه وأبو العباس. ويجوز أن تكون القضيتان مختلفتين.
ومنهم يحيى بن يونس السدراتي الونزيرفي بلدا النفوسي وطنا.
قال أبو العباس كان من أهل الورع والزهد وممن أخذ نفسه بالجهد والجهد.
وذكر (1/238)
صفحة 239
أبو الربيع وأبو العباس أن أبا زكريا عادته أن يوصل بين المغرب والعشاء بالصلاة ثم إذا صلى العشاء تنفل بما كان يتنفل به ثم يوتر ثم يحتاط لجميع الصلوات فهذا دأبه وعادته رحمه الله.
وذكر أبو الربيع وأبو العباس أنه زار أم زكار وكانت من الصالحين المجتهدين فوجدها هالكة جوعى وليس بها إلا رمق فخرج من ماذر إلى زنابرت عند أبي كبت وكان عالما متمولا رديا بخيلا فأخبر بخبر العجوز وعنده لبن فأبى أن يعطيه شيئا من اللبن فعالج لها حسوا وقد انطبقت أسنانها من شدة الجوع فمازال حتى أدخل الحسو إلى بطنها فلما أفاقت قالت من ذا الذي من الموت بالجوع نجاني نجا الله عظامه من النار فلما قعدت قالت مستحمي اغتسل للصلاة.
وفي السير أن الذي أتاها يحيى بن موليت الدرفي ووجد بابها رد عليه التراب وكانت عادة الجائع في ذلك الزمان يغلق بابه ويترك الباقي وكان أبو كبت يبغضها من إنكارها عليه رديء أفعاله فسمع أهل ويغو بخبرها فجمعوا لها شيئا فبورك في رزقهم إلى يومنا هذا كذا في السير وهم أعرف ببلادهم ومشايخهم.
وكان أبو محمد الدرفي يقول لولا يحيى بن موليت لهلك أهل جادو ومضى أبو كبت إلى الحج وافتقرت العامة إلى علمه لكثرتهم ويتزاحمون عليه للسؤال حتى كانت الرماح على رأسه لكثرتها كالقصب فسأله رجل لالوتي عن نازلة فقال له وأنتم يا مذبذبون يا أهل لالت فأتى اللالوتي شيخهم فأخبره فقال أدنوني منه فقال مالك جعلتنا مذبذبين أرى الله المسلمين منك كما أرى منك فجعل الناس ينفضون عنه حتى بقي وحيدا بدعوة الشيخ ومن ردى أفعاله إن سألته امرأة ليقوم حليها للزكاة فقال أقومه عليك لابسة له فخرجت فقال المشايخ قتلها في عطش الإسلام احرمه الله إياها وولت هاربة ومنها إن تلاميذه حصدوا يوما زرعه فلما قضوا قال ارجعوا إلى أهاليكم وكلوا.
ومنهم مصلوكن (1/239)
صفحة 240
التائب من أهل أمرساون كان سخي الكف قد قل من لم يأكل طعامه من فقهاء الجبل وأشياخهم وكان كثيرا ما يغشى زورغ الأرجانية زائرا ونزل يوما إلى إجلازن فغسل ثيابه واشتوى شاة فجعلها في سفرة فدعا الله أن يغفر ذنوبه وأن يجعل له آية لذلك ثم قال وعلامة ذلك أن أجد كلب زورغ ميتا أو غائبا وزوجها عند الضارة وأنه أول ما تأكل هذه البضعة لعضو من الشاة فجعل ذلك العضو أسفل السفرة فطلع ليلا فسأل عن الكلب فقالت مات بالأمس وعن الزوج قالت عند الضارة ففتحت السفرة فأخرجت ما فيها فأول ما ابتدأت بأكل ذلك العضو فقال الحمد لله. قالت لعل الدعوة مشتركة قال نعم.
وكانت زورغ في زمان امتلاء الجبل بالإسلام فيه كالرمانة وقالت الناس من شدة ورعها ومن كثرة عبادتها ومن قوتها في الأمر والنهي النصف عليها كثير والثلث قليل.
ومن كرامتها إذا رفعوا فراشها في الصيف وجدوا تحته ثلجا وأرضت زوجها وضارتها وأمتها فكانوا يدعون لها بالجنة.
وذكر أن أختا لزوجها مرضت فأراد الرحيل إلى الربيع وما أمكنه أن يقول لإحدى امرأتيه اقعدي تمرضين أختي وارتحل بالأخرى وارتجى الخير عند زورغ فقال لها لي عندك حاجة قالت كل حاجة لك مقضية إلا تمريض أختك فلا ارتحل واتركها فقال رزقك الله الجنة وتلك أعظم حاجتي. وكان يريد نقل شيء من التراب وقد عيا فقال لها عليه فقالت نقلته بالبقرة فقال رزقك الله الجنة.
وفي السير وخدمت أخت زوجها سنة لم تخلع طوقها من عنقها فماتت فخلعت ثوبها لتنام وتستريح فلما وضعت جنبها على الأرض سمعت طائرا (1/240)
صفحة 241
قد وقع على زرب دارها يقول يا زورغ طريق الجنة بخلاف الهوا فأيقظت ضارتها لتسمع فقال ما تريدين إلى من لا تحبه الملائكة يازورغ وقال أمرت أن أيقظ رجلا في ليلتي في وادي أزلجم فقامت مبادرة إلى الصلاة وتحير زوجها وقد أتى بشيء من الطيب فقالت اقصد اقصد عند الضارة قال رزقك الله الجنة.
وفيها زارتها نساء من ايجيطال بل جواري ثم زارتها نساء من أبديلان فلم يردن الجواري أن يرينهن ولا أن يعلمن بمكانهن فدعت الله أن يردهن فرجعن بعد ما بلغن والمسافة قرب ستة أميال ثم قلن على إحداهن تكثر أمها عتابها إذا قصرت في عمل الصوف فدعت لها ولم تعاتبها بعد ذلك وبقين عندها إلى قرب المغرب والموضع بعيد فدعت الله أن يطوى لهن الأرض فجزن على أرجان وقد أخذ الناس الماء لوضوء المغرب وكذا أمرساون ثم جزن على تميجار كذلك ثم جزن على إدوناط كذلك فبلغن منزلهن والناس في حال الوضوء.
وعرضت على مصلوكن قراءتها فقال لا صلاة لك من اللحن ثم عرضت على أبان وقد زارها فلقنها ولم تطق تقويم لسانها فقال اعجني اعجن الله عظامك في الجنة فرخص لها بعد أن تحيرت.
ومنهم أبو الأنصر التنزجي النفوسي فمن كبراء الأشياخ وممن يقتدى به وله امرأة سوء.
ومنهم أبو زيد البصغورتي وكان من المعدودين في إجابة الدعاء وله زوجة سوء مسرفة إذا قال لها احمر الفجر قالت حمر الله عينيك بالسم دعني ارقد فقالت له ليلة احملني الآن إلى أهلي فحملها على حمار فما بلغوا أهلها إلا وفاضت روحها ووجدوا ثعبانا قد طوق عنقها فحفروا لها قبرا فإذا ثعبان ثم حفروا ثانيا كذلك ثم ثالثا كذلك فقال له (1/241)
صفحة 242
أبو زيد أمرنا وأمرت فدعنا نمتثل ما أمرنا ثم افعل ما أمرت فتنحى حتى وضعوها فنزل على صدرها وردوا عليها التراب كذلك.
ومنهم أبو الليث الجناوني وكان رجلا صالحا عابدا وقيل ليس بنفوسي بل بربري لكنه يسكن إجناون. قالت له زوجه يوما انتقص لبن بقرتنا فقال ناوليني عكازي لا يقع هذا إلا من ضعف الحق فطلع إلى جادو فوجد أبا منصور يضرب رجلا أتى فيه كتاب من تيمتي وعمروس وجماعة من الأشياخ حاضرون فقالوا له: ارجع هاهنا لموضع في المجلس فقال حتى أعلم على ما يضرب الرجل فأخبروه فقال: بسواد في قرطاس تضرب الناس يا إلياس فقال له: ما نفعل يا شيخ قال ترده إلى السجن وابعث الأمناء فإن صح ذلك عنه فأنفذ وإلا فقاصصه من نفسك في ضربه فبعثوا الأمناء فلم يصح عنه ذلك وتبين أن الفاعل غيره فأخرجه وقاصصه.
ومنهم أبو معبد الجناوني جمع بين العلم والعمل والورع تعلم العلم بالمغرب عند سعد بن أبي يونس بقنطرار فقدم إلى تندباس فوجد أمة تستقى فطلبها أن تجعل الماء في وعائه قالت له أتخدم أموال الناس يا جاهل فرجع إلى التعلم فمكث عشرين سنة والله أعلم فلما ودع شيخه للانصراف قال اجعلني في حل قلت لامتك وقد أتتني بمعيشتي ناوليني الإبريق قال الشيخ السوداء أم البيضاء قال لا أعرف منهما السوداء من البيضاء من كثرة غضه لبصره فلما اشرف على إجناون في رجوعه قال لو ماتوا جميعا وفصلوا أعضاء لأورثتهم بعضهم من بعض جميعا من كثرة علمه وهو وسعد بن يونس وافلح بن العباس وغيرهم ممن نهى عن المسير إلى مانو وقيل له قد فزع البغال فقال لم يفزع (1/242)
صفحة 243
البغال ولكن ينزل ويموت وترجع وتكون شيخ زمانك فلا أحياني الله إلى ذلك الوقت.
ومنهم أبو يحيى زكريا الأرجاني القاضي العادل العالم الكامل الإمام الفاضل جمع علما وعملا وورعا.
وفي السير لما قدمه نفوسة حاكما أو إماما مدافعا أخذت أمه وأخته تبكيان يقولان أحرقوك وأشووك وكانتا صالحتين، وتولد عنده ولد فجمع اليهود له أربعين دينارا فقالوا خذها خرصا لولدك فقال لو قدرت أن أصونكم لأخذت الجزية فأبى أن يقبلها وأطعمهم عنبا وانصرفوا قالوا ما رأينا مثل هذا البلاد لا يطمع سلطانها في أموال الناس فأخذوا في اشتراء الربع.
وفيها اشترى مشايخ إجناون لحما فشووه وجعلوا له قسما بينهم فحمله بعض واخبره فانتهره وقال لم يتجاسر غيرك على ذلك واسمه ضمام فرده وفيها وإذا جلس للحكم يقول اللهم أعط الحق لذي الحق ياذا الحق ولا حجة لمحتج إذا احتج بلا حق وفيها وأتاه يهودي تاجر فألفاه خلط دقيقا بالماء فعجنه ليأكله نيا من غير طبخ فمد له قبضة فقال كلها طيبة قال اليهودي المترف فأكلتها فما أكلت أطيب منها وفيها وفي أيامه لا يجتمع في سوق جادو أهل زمور وطرميسة بل لهؤلاء يوم ولآخرين يوم فصادف تاسع المحرم يوم طرميسة فتشفع أهل زمور بأبي زكريا أن يتركوا لهم الدخول ليقضوا حوائج عاشوراء ولو عشية فأبوا وصموا وتكلموا بكلام ردى فقضى الله بينهم بحرب مات فيه كثير من طرميسة وانهزموا لاستخفافهم بحق الله ولاستخفافهم بحق الأشياخ وفيها غارت كتامة على الجزيرة فخرج إليهم فهزمهم الله وخرج إليهم مرة أخرى في قرب تركت فهزمهم الله وفيها ضرب ومات (1/243)
صفحة 244
ضربه رجل من أصحابه قيل من تين بكر كان قد اخرج منه الحق فسألوه من ضربه فقال لا أترك لولدي ما يؤذيه وكتامة جند أبي عبيد الله.
وفي السير يجلس للقضاء بين الناس في جادو إلى آخر النهار ويرجع إلى أهله ويستريح سبع مرار بينه وبين أرجان والمسافة غير بعيدة وقيل ثلاثا من الضعف والعيا والجوع رحمه الله، ولنذكر ابنه وإن تراخى زمانه عن وقته
وفي السير أن أبا زكريا بن أبي يحيى قد ولوه أمور المسلمين وقد نزعوا أبا عبد الله بن أبي عمر من غير حدث فخرجوا إلى المسودة في الأشهر الحرم فهزموا ومات خلق كثير وهناك مات أبو عيسى الدرفي في عدة من المشايخ.
وضرب أبو زكريا ضربه رجل من طرميسة من أصحابه فلما حضرته الوفاة قالوا من ترى لنا بعدك قال زيد بن فصيت رايته يتعلم مسائل الأحكام.
وقالت أم زوجته لابنتها لما أراد أن يجلبها أبو زكريا خذي بما افتات لك الوازن أعني أم أبي زكريا إلا في ثلاث مسائل أخذتها من ابن مغطير عبد الحميد الجناوني لا تشربي نبيذ الدباء ولا تجعلى الحنة ليديك إلى الرسغين ولا تغتسلي إذا مضى ثلاثة أيام من وقت حيضك.
ومنهم أبو عيسى وقد مات شهيدا كما تقدم ومن كلامه أن قال لزوجة أبي زكريا كلامي كله علم من سوء العلامة أن تعقب المرأة المنافق مكان الزوج المسلم ومن علامة الخير أن تعقب الصالح مكان الطالح فأعقبت أبا زكريا بن أبي عبد الله مكان أبي زكريا بن أبي زكريا.
ومنهم الشيخ الإمام الداعي إلى معالم الإسلام المنبه على مشاعر الحلال والحرام لواب بن سلام أوتي الحكمة صغيرا فدام على منهاجها إلى أن صار كبيرا. (1/244)
صفحة 245
وفي السير وجد لواب بن سلام أهل أغرمينان يلعبون في المبارك فردهم إلى المساجد ويؤذن وهو طفل وإذا قيل له أقم الصلاة قال الطفل لا يقيم الصلاة وإذا قيل له تقدم تصلى قال الطفل لا يؤم وإذا قيل ارجع في وسط الصف قال الطفل لا يتوسط الصف وتعلم العلم من أبي كبة من أهل تنكنيص فلما ظهر من أبي كبة ما تقدم ذكره امتنع لواب من الفتوى خشية الإثم إذ لا يميز ما أخذ من الثقة وغيره وهو أحد الأئمة العشرة الذين ذكر أبو يعقوب في كتاب الدليل لأهل العقول واسند إلى كل واحد مسألة ومسألة لواب أنه ليس على الإنسان شيء مما يسبق إلى ذهنه من الوسواس في صفة الله من كونه محدودا وعلى العرش أو على صفة كذا وذا جوارح ما لم يقطع للشهادة على الله أنه كذلك ويجزم باعتقاد ذلك بدليل أنه عليه السلام سأله رجل أن في النفس أشياء أريد أن أسالك عنها وددت إني لو مت قبلها لكان أحب إلى فقال له عليه السلام كلنا يجد ذلك وحديث ابن مسعود تلك برازخ الإيمان وحديث زوجة جابر حين سألت مجاهدا قالت أنه يخطر ببالي بعد حبيبي أشياء وددت لو مت قبلها لكان أحب إلى قال ليس عليك من ذلك شيء.
ومنهم أبو يحيى تكسنيت وكان موفقا صغيرا في المهد وحين بلغ الأشد وقوى على الاجتهاد والجهد ومن أعجب كراماته أن أمه نصرانية لا يرضع لها ثديا إذا شربت خمرا وذاقت محرما وبقربه أم أمان ومن كراماتها أنها رأت ليلة القدر وهي في مصلاها المعروف وأبصرت ذئبا في ناحية أشفي كذا وجدته بخط عمنا يحيى بن أبي العز بغير همز قبل الشين ومن كراماتها أعارت ثوبا ملكا لها (1/245)
صفحة 246
لامرأة بغير إذن الزوج فأراد ضربها على ذلك بعمود فأولته ظهرها وانتظرت وقوع العمود بظهرها فاستبطأته فالتفتت فإذا هو ميت ومنها أن امرأة كلفتها امرأة عليها في فعله ضرر فمضت لحاجة لها فسقطت من جبل فتقطعت قطعا فنسأل الله العصمة مما يوصلنا إلى عقوق أوليائه.
ومنهم أبو الشعثاء المعدود في المستجابين الدعاء الجامع بين العلم والعمل والورع المخلص في السراء والضراء من كراماته أنه دخل عليه ابن أخته أبو يونس التميدالي في مسجده فنظر إلى سقف المسجد قد انفتح ورأى السماء فلما تحقق هذه الكرامة قال ادع الله لهذا الجبل يا خالي أن لا يعلوه سيف المسودة إلى يوم القيامة فقال الآخر مثل ذلك وقال أبو يونس كنت أصلي في مسجدنا فدخل عليه رجل فقال له صل قاعدا يا شيخ وكان إذا قام من السجود أخذ عكازه فقالوا له بماذا أجبته فقال اشتغلت بنفسي واشتغل بنفسه ثم وجدوا رائحة المسك في روث دابته وقال أبو الشعثاء لأهل بلده سنتوت لا ألقى الله منكم من ظلمكم خيرا ولا ألقاكم ممن ظلمتم خيرا.
ومن شدة ورعه أن دعاه رجل إلى طعام وده به فلما غسل تذكر أن له عليه شهادة فأبى من الأكل فقال وهبته لك فأبى فقال تركت شهادتي فأبى فقال تركت ذلك المال فأبى أجمع ثم بعد ذلك أعطى لذلك الرجل دراهم يعمل له طعاما مثل ذلك الطعام فلما صنعه دخل الشيخ ونزع الغطاء وقال كله أنت وعيالك فخرج وقال إنما أفسدت مالك بسببي.
وخرج مرة إلى المرج فحرث ثم حصد إذا طاب الزرع ودرس وحمل الحب على جمله فتلقاه رجل ببعض الطريق وادعى أنه من أهل المرج فقال تعلم يارب أنا لم نجعل أحدا في حل (1/246)
صفحة 247
فسمعه الشيخ وقال لولده نوخ الجمل ثم فرغا ما في الحمل وانصرفا وقيل إن نساء من أهل تدينة يحضرون مجلسه ليلا ومعهن أولادهن فإذا تفرق المجلس رجعن إلى منازلهن وهذه كرامة له ولهن لأن المسافة أزيد من أربعة وعشرين ميلا ومن كراماته أنه يصلي في مصلاه وتصلى بصلاته امرأته امرأة صالحة من مصلاها من ناحية تارديت وبينهما بعد وفيها إن أم الخطاب حلفت بعتق رقيقها أن لا تتزوج أخا زوجها ثم قلب الله قلبها فقيل لها المخرج أن تهبي مماليكك ثم تتزوجي ففعلت فرد عليها فأخبرت أبا الشعثاء بقضيتها فقال أتخادعين من خلق الخداع يا أم الخطاب وكانت صالحة فدخلت الدار وجدت الجواري ينسجن فقالت إنكن معتقات فقمن من الفرح فلم تزد واحدة منهن خيطا وهن ثلاثة عشر جارية.
ومنهم أبو صالح سدرات من أهل اغل وكان صالحا متقيا متحريا وكان منفردا في منزله ليس فيه كثرة الأشياخ ولا الفقهاء فخاطب نفسه أؤذن وأقيم الصلاة وأتقدم بالناس وحضر الشهادة ياسدرات فلا اسكن بلدا أنا فيها كذا فانتقل إلى أبي محمد التغرمني وعلق وضوءه يوما بخص أبي محمد فأخذه من خارج من فرحه من غير استئذان فعاتبه أبو محمد على ذلك فتاب.
ومنهم أبو إسحاق الأشارني وكان عالما ورعا شديدا في الأمر والنهي ممن لا تأخذه في الله لومة لائم قال لأهل منزله أشارن اضمنوا لي أربعا اضمن لكم أربعا الصلاة والأذان وحفظ الخط وتعليم القرآن يسلم مسافركم وينمو رزقكم وتطفأ نار الحرب عنكم ويرتفع القحط وإذا رجع من حوائجه أتى المسجد فإذا لم يجد أحدا دخله يقول ما هذا (1/247)
صفحة 248
يا أهل إشارن صرتم إشارن.
ومن كراماته خرج هو وزوجته حفصة سائرا إلى الجزيرة وصاحبهما أسد ولبؤة أحدهما يحاذيهم يمنة والآخر ذات الشمال إلى أن وصلا.
وكان يقول لأن أتردى من فوق جبل خير من أن أقول لا افعل شيئا ثم افعله.
وكان أبو محمد التغرميني حاكما وكان يطلب الخصماء الحل فقال له أبو هارون هذا أمر لا تصلح له ولا يصلح لك الحق بيتك وجرتك يعني يشتغل بأمر صلاته قال له رزقك الله الجنة فرجع أبو إسحاق وكان قويا في دين الله فسجن يوما أبا زكار من أهل اينان وهو صهر أبي محمد التغرميني فسجنه في مسجد امسراتن تأديبا عن رعي غنمه في الخط فنزلت عليه جنابة فتشفع بأبي محمد إلى أبي إسحاق يتركه ينزل إلى تموجط يغتسل ويرجع فأبى له قال أبو محمد أما يجد الرجل يقض ما عليه فاصطحب الشيخان راجعين إلى منازلهم فلما بلغا اشارن والعادة أن يبيت عند آل أبي إسحاق لأن بلده لم يزل شاطا فأرادت الحمارة العادة وفي نفس أبي محمد من رد شفاعته فأبى لها فقال أبو إسحاق دع الحمارة تذهب حيث عرفت رزقك الله الجنة بابها مثل ما بين السماء والأرض وقد ذكر له عذره بأنه لو أراد أرسل بعض مواليه أو خدمه فأتاه بالماء فذهب معه فلما دخلا الدار أتى أبو إسحاق بطبق فيه أنواع من الثمار فأكلا قال له أطعمك الله من ثمار الجنة.
ومنهم أبو محمد عبيدة بن زارور التغرميني وشهرته في العلم والعمل والورع وإجابة الدعاء كافية عن التعريف.
وفي السير أرسل جرته إلى ابن خالته عبيدة بن محمد يطلب الماء للوضوء فلم يعطه فوقف ودعا الله بباب بيته فملأ قلته من (1/248)
صفحة 249
الميزاب من ماء المطر وفيها عملت ثلاثا يشبهن الفضول وثلاثا يشبهن الكذب أعطى حمارا يركب عليه ومن عادتهم رحمهم الله لا يضربون الدواب إلا يسيرا فاستحسن سيره فقال ما أحسنه قالوا نعم هو لليتيم فنزل ومر على جنان تينا فعزم على الشيخ أن يأكل فاستحسن فقال ما أحسن تين هذا الجنان قال نعم انكسرت عليه ساقية ليتيم فخرج وأبى من الأكل وقال لأمة لقيها ما أحسنك إن عرفت توحيدك فتعلقت به أن يعلمها توحيدها لأنه لو لم يسأل لم يقع في محذور. واللائي يشبهن الكذب أبصر ذئبا فقال لرفيقه هل رأيت هذا الذئب ولم يدر اذكر أم أنثى وقال لصبي يبكي هذه أمك أقبلت ونفرت بغلته وأخذ مخلاتا يدعوها بها لترجع وليس في المخلات شيء فناهيك من شيخ معمر هذه سقطاته تجنُّب الكبائر والصغائر حتى عد على نفسه هذه.
وله زوجتان إحداهما تؤذيه والأخرى صالحة عملت له مرة طعاما فاشتغل بالصلاة فأكلت من الطعام عناق فماتت فعمدت أم زعرور إلى الطعام فدفنته ونقَّت الإناء وصنعت طعاما آخر فلما فرغ الشيخ من ورده أقبل على الأكل فاستحسن الطعام فقال لأم زعرور: عملت طعاما جيدا فقالت أم زعرور: نعم. لعلها تعني أن الطعام جيد. وكانت تكثر من شتم أم زعرور وتسكت عنها وتقول: إياكِ أشتمُ، وتجيبها: فلك سكتتُ. وكانت من عباد الله الصالحين وكذا الشيخ أبو إسحاق ممن ابتلى بزوجة سوء وكانت تضربه ويحتمل ذلك لله وكانت أم زعرور عالمة ورعة شديدة في دين الله وهي من ايجيطال خرج أهلها في الشدة (1/249)
صفحة 250
فطلبتها أم يحيى تكون عندها لما أراد الله بها من الخير فتعلمت عندها فقدم أخوها فخرجت إليه وسلمت عليه فقالت لها أم يحيى إذا جاء إخوانك المنافقون تعانقيهم وإذا جاء إخوانك المؤمنون دخلت الخزانة! فتابت إلى الله.
وقدم أبو محمد التغرميني زائرا أم يحيى يوما فأخبرته بشأنها ورغبته فيها فخرجت لتستسقي من الجب فأخذ إناءه وتبعها لتملأ له إناءه فطلبها فملأت له فرجع ولم يرض فأخبر العجوز فقالت: لعلك صادفت غيرها والأمر كذلك فخرجت مرة فصادفها أبو محمد فطلب الماء فلم تعطه حتى ملأت جرتها قبل ثم ملأت جرة العجوز ثم أعطته الماء ثالثا فاستحسن حيث عملت بالعلم لأجل الصلاة فسألها هل لله مزرعة يا جارية قالت نعم وهل له من يحرثها قالت نعم قال وهل له من يحصد ما نبت فيها وهل له مخازن قالت نعم قالت المزرعة الدنيا والحراثون الناس والحصاد الموت والمخازن الجنة والنار فخطبها إلى عمها فاجتمع رأي أهل المنزل أن لا تخرج من منزلهم ورجع الشيخ إلى الدعاء والرغبة إلى الله فأجاب الله دعاءه والجارية قالت: لا أتزوج غيره فتزوجها لأنها قالت: لا أتزوج إلا من أحبَّ عمِّي، وعمُّها قال: لا أزوجها إلا من أرادت فأرادته.
وقال لها أبو محمد يوما فإني سمعت من نظر إلى الفجر فله من الأجر كمن رمى بخمسين نبلة يوم بدر فقالت: أنت راعية، ثم قالت له سمعت كمن رمى بسبعين قال الزيادة من عندك أبدا زادك الله من أعمال البر.
وما نزلا عن فراشهما قط إلا وتحاللا لئلا يبقى على أحدهما من حقوق الزوجية شيء فنسيا مرة فتذكر بعد أن خرج وتذكرت فخرجت في أثره فألفته راجعا فتحاللا.
ولما أراد إخراج ابنته لأبي زكار (1/250)
صفحة 251
احتاجت إلى الشورى والشيخ زاهد في الدنيا وتحير فصار أمره خروجا ودخولا وكانت أم زعرور حزيمة للدنيا والآخرة فأخرجت متاعا كثيرا فكلما أخرجت شيئا قال: لنا؟ فتقول: نعم، فيقول: رزقك الله الجنة.
وسألتها امرأة من أهل اغرم اينان عن موسى بن جانا من بلدها أتاها وقال قد تزوجتك من وليك فصدقته فلما حملت أنكر فقالت لها بئس ما صنعت أنت وموسى ودعت ربها أن كان فعل هذا أن لا يخرج من الدنيا سالما واتت أم زعرور الشيخ وأخبرته وهو يتوضأ فقال بئس ما فعلا واسأل الله أن يغفر ذنوبي وإن فعل موسى ذلك أن لا يخرج من الدنيا سالما فما لبث إلا يسيرا فجاءه أمر الله فمات وحضره الموت صار شبه ثعبان فخرج من إحدى ثقبة الأنف ويدخل في الأخرى حتى مات على تلك الحال فانتظروه أن ينقطع فلم ينقطع فادخلوه في قبره كذلك نعوذ بالله من ذنوب عاقبتها البوار ولأبي محمد أربعة أولاد زعرور وأبو عبد الله عالم صالح قدوة وهو ابن ضارة أم زعرور وتوزين تلميذ أبي عبيدة البغطوري وموسى.
وفي السير خرج أبو عبد الله أفضل أهل زمانه وهو ابن المرأة السوء وتخلفت أم زعرور بعد أمه فأخذ متاع أمه فباعه لئلا تلبسه ضارتها وربما وقع بينه وبين أم زعرور كلام فيقول: أقوم لئلا أكون رجلا سوءا وتكوني امرأة سوء.
ومن دعاء أم زعرور له ولولدها: رزق الله زعرور الخير، تعني ولدها، ورزق أبا عبد الله محمد الجنة وكان مساعدا لأبيه صغيرا وكبيرا فإذا أراد أن يأكل قال ادع أخاك زعرورا ليأكل فيدعوه خشية أن يصل الشيخ الدرك في ذلك من شأن العدالة وكان زعرور طالحا (1/251)
صفحة 252
ومما أفتت له أنه ليس بيننا وبين مخالفينا أمر ولا نهي وفيمن حلف لامرأته بطلاقها أن تخبره بما أكلت من التمر وقد ألقت نوى ما أكلت في البحر وانعدم ولم تدر عدده أنه تخبره وتعد مما تيقنت أنه أقل عددا مما أكلت حتى تتيقن أنه أكثر مما أكلت فتكون قد اخبرته بذلك العدد فيما اخبرت لأنها لابد أن توافقه، ومن عود نفسه صيام يوم معلوم فنسى أن يبيت الصيام من الليل أن له أن يجدد النية ولو بعد ما أصبح، ومن قال من النساء ولم تدر بحملها لغيرها اطلعي فوق ظهري فسقطت إن لا شيء عليهما إذا لم يعلما بالحمل وسألتها امرأة من أهل اغرم اينان وهي تفلي لها القمل عن امرأة من أي وقت تحسب المرأة إذا رأت طهرا أو حيضا قالت تحسب ذلك اليوم ولو بعد طلوع الشمس، والمشايخ ما رأت بعد طلوعها لا تحسب ذلك اليوم وكذا في العدة وأجل البيع والإجارة وجميع الأحكام.
ولأبي عبد الله ولدان وراع يدعو الله عز وجل الجنة فغارت صنهاجة على تغرمين فخرجوا إلى القتال وسأل الراعي الشيخ أنه جهاد فقال سبيل الله وابناه خرجا بثوبين جديدين فماتوا جميعا فصبر فإذا سئل عن خبر موتهما يقول إذا انفتح الكيس ذهب ما فيه يعني الذكر يذهب الأجر وكشف السيل عن الراعي بعد زمان فوجد كما هو لم يغيره الزمان ولا المكان ولما مات أبو عبد الله وحملوه خرج طائران أبيضان فوقع أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه فلما دفنوه وقع أحدهما عند رأسه من القبر والآخر عند رجليه وإنما يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب.
ومنهم أبو يالدس وكان ورعا قويا في دين الله وزاره المشايخ ورد وجهه إلى الحائط فقال (1/252)
صفحة 253
له المشايخ أوصنا قال عليكم بالآثار عليكم بالآثار عليكم بالآثار إلى ثلاث وهو تغرميني.
ومنهم أبو يعقوب؛ وكان واسطة العقد، وإنسان العين، علم علما عمل به، ولا تأخذه في الله لومة لائم في ذات ربه، أرسل إليه أبو زكريا والمشايخ من جادو؛ فرجع الرسول فقال: ((مشغول عن المجيء)) قال ابن جنون: ((لمثل هؤلاء يمسك الزمان ياشيخ)) قال أبو محمد خصيب: ((اسكت. أبو يعقوب خير منك ومني ومن أهل الجبل)).
وجمع أهل نفوسة مالا يدارون به عن الجبل عامل المسودة، ولم يجدوا من يحمله، فحمله أبو يعقوب، فلما دخل عليه، قال بعض أهل مجلسه: ((ما وجدوا من يرسلوا إلا هذا الوجه)) تحقيرا لأبي يعقوب، فنظر إليه أبو يعقوب نظرة فرد بصره، ثم ضربه الله بما شاء فانتفخ بطنه حتى إن القاعد عند رجليه لا يرى القاعد عند رأسه فانشق فطار فرته إلى السقف يعني الخباء.
وأراد أبو زكريا أن يرجع من جادو إلى تندميرت، فقال أبو يعقوب: ((إن أمور الناس لم تنقض بعد)). فاشتكى بالقلة وأنه أراد أن يلتمس للعيال نفقة، فقال الشيخ أبو يعقوب لأهل تغرمين بخبر الشيخ فجمعوا له خمسة وعشرين حملا من طعام فحملوها له إلى منزله وتولى أبو يعقوب الحكومة.
وفي السير كان حاكما ورعا شديدا في الأمر والنهي، وكتب إليه أبو الربيع: ((كل نفسك بمكيال العلم، وزنها بميزان الورع، وخذ لها منها وخذ لما في يديك)).
وتخاصم إليه رجلان فوجب على أحدهما اليمين قال خصمه حلفه لي فاشتغل عنه بحفر مواضع الفرس فكرر عليه واشتغل فغضب ثم رجع وقد انحل مع صاحبه فقال له الشيخ لو حلفته لحلف كاذبا وضاع مالك فشكر له غفلته.
وأتاه رجل بنميمة فقال فلان لا يقول هذا بل هو منك (1/253)
صفحة 254
فقطع عن نفسه النمائم، وامتنع عنه بعض الكبراء من أن يخرج منه الحق وأوكل أمره إلى الله فتتابعت عليه المصائب، فعلم من أين أوتي فألقى بنفسه إليه وطلبه أن يخرج منه الحق، فأبى وقال: ((قد أوكلت الحق الذي فيك لمن هو أقوى مني وهو أشد بأسا واشد تنكيلا)).
وقالت أم زيد لأم زعرور شيعيني أفيدك ثلاثا. قال أبو محمد: ((شيعيها ولو ندفنك بإدبيرن)) -وهو اسم موضع وفيه مصلى أبي محمد الذي أبصرت أم زعرور خلف أبي محمد وهو يصلي فيه صفوفا شبه رجال عليهم ثياب بيض- فلما شيعتها قالت من شيع أخاه في الله كتبت له بكل خطوة حسنة ومحيت عنه سيئة، ولا ينبغي للمسلم أن يبقى بغير صديق يفشى إليه سره ويشترك معه همومه فإن لم يجده من الرجال اتخذه من النساء والعكس للنساء، وإذا اتفق رجلان على نكاح ولية ثم رجع الخاطب والمخطوب إليه من غير ألم بعدما فشا أمرهما فلا يلقى خيرا ولا يجد بركة.
ومنهم أبو عمران موسى الأندمومني التغرميني؛ من الأذلة على المؤمنين الأعزة على المنافقين، كان ورعا لكنه غليظ على الفجار. وصنع لهم رجل طعاما، فقال: ((كلوا فالله الذي أخرجه من هذا الرجل السوء)) والرجل واقف فجعل لهم الزيت.
وادخله رجل يطعمه فخرج لحاجة فشم رائحة الخمر فوجد الخوابي مملوءات فكسرها، فخرج وتبعه صاحب البيت بعد أن رجع يريد أذاه فأعطاه دعوة سوء ومنعه الله من شره.
ووجد غنما تحت زيتونة في الخط فأخذ يطردهن حتى أدركه العطش من شدة الحر فوقع صريعا فسقاه صاحب الغنم وكان يتبعه بدلو من ماء فكثر خيره ونمى ماله من هناك وبقيت تلك البركة في ذريته - قال في السير- إلى يومنا هذا.
ولقي أبا داود الدرفي في بعض الطرق فتنحى (1/254)
صفحة 255
عن الطريق فتبعه حتى أدركه فسلم عليه ثم قال اخبرني بشيء من كرامات جدي قال له جدك يركب حمارته وتركب هذا الأحمر العينين جزء من هناك وأجوز من بعدك يعني أنه يفارقه فاعتذر بتغير الزمان واختلاف الأحوال عما كانت عند جده وكانت عجوز بأندمون قتل ولداها فقطعا قطعا فرزقها الله الصبر فجمعت أعضاء كل واحد منفردة وكفنتها بعد أن أعيى الناس كيف يصنعون ومن كراماته أنه مسح بجرح ودعا فدمل وبرأ ويأتي خبره في التعريف بأبي زكريا.
ومنهم أبو حيان من أهل تمسيانت ويسمى ضيف أم أبي محمد التغرميني.
وذكر في السير أنه بات عند أم أبي محمد وهو طفل إذ ذاك قال فحملت له الماء فوجدته يتمعك في التراب وهو يقول ثم اليوم اليوم يتزود من له في نفسه حاجة قولك سيكتب عملك سيرفع خيره لك وشره عليك لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت وحفظه أبو محمد مع صغره ويذكره لطلبته ويقول أخبركم بكلام ضيف أمي ومن كلام أبي عبد الله بن أبي محمد من يعمل للآخرة يصب الدنيا والآخرة ومن يعمل للدنيا يصب الدنيا ومن يعمل للمروءة يقه الله مصارع السوء ومن يعمل لما يقال فلا يزن له عند الله ولو مثقال عنق الذرة.
ومنهم أبو محمد القنطراري كان مستجاب الدعاء وكان دأبه طاعة ربه ومصالح عباده قيل أنه يسير إلى جادو فيصلح طريق الجبل فإذا انتصف النهار ذهب إلى جادو والمسافة بينهما قرب أربعة وعشرين ميلا أعني طريق جبل تالكيت يسوى ما صعب وتوعر منه فوصل مرة إلى منزل أصغوا فوجد سبعة من أوغادهم فقالوا لا نتركك تسير حتى تغني لنا وهم لا يعرفونه بل حتى ترقص (1/255)
صفحة 256
فلما أيس من خيرهم وأنه لابد مما طلبوا أن يفعله وأراد أن يدرك الصلاة في مسجد إمسراتن والمسافة بعيدة فحرك رجليه وهز منكبيه وضربوا له الكف ودعا عليهم على تجبرهم بكلام بالبربرية أن يعجل الله انتقامهم فجاز غير بعيد فوقع شربينهم فقتل بعضهم بعضا ولم ينجح واحد منهم في ساعته والموضع إلى يومنا معروف نعوذ بالله من سخطه ومن كراماته أن أثر قدميه على صخرة وقوفه لأذانه بحيال مسجدهم إلى يومنا هذا قاله في السير.
ووقعت شدة وقحط فخرج أهل منزله إلى إفريقية فخرج ببناته معهم فسار ما شاء الله فنظر إلى ضعفه وضعف بناته وبعد السفر فرجع وقال اتكل على الله وأرُدُّ الحاجة إليه وهو المطعم في موضعي وغيره -وهو كلام بالبربرية- فما بقي إلا يسيرا حتى أغاثه الله بالمطر وكان إذا أمسى أغاثهم الله بذود غزلان فتمتلئ عليهم الدار فيحلبن بناته حاجتهم ثم يخرجن فهكذا دأبهن وتواترت الأمطار وخصبت البلاد وإذا اشتهت بناته لحما اختار تيسا منهم فيذبحه لهن فأنبت الله الزرع من غير بذر فوجد تسعين مودي شعيرا مما حصد من ربعه فحصد لأهل بلده مزارعهم وخزنه لهم فسمعوا بالخصب ورجعوا فأعطى لكل واحد منهم متاعه فكان منه بذرهم وطعامهم.
ومنهم أبو يحيى الأزدالي رحمه الله وزوجه أم الخطاب وسبب تزويجه لها أراد صرم من العنب فأرسل إلى نصراني كان يقضى له حوائجه ليأكل العنب فأتاه وعياله وبناته وكن بدور الخدور فأبصرهن الشيخ فقال أعندكم هذا الجمال قال نعم وإن جاز في دينكم زوجتك واحدة منهن قال نعم قال فاختار أم الخطاب (1/256)
صفحة 257
فلما دخل بها وكانت كاملة العقل قال لها اختاري الإسلام أو الرجوع إلى اهلك وكان الخروج عندهم عن الزوج حراما يعني في دين النصارى واختارت الإسلام على الرجوع فاغتسلت وأسلمت فلما أصبحت أتتها أمها فقالت: مرادي بقاؤك على دينك وإذا تركته فكوني أفضل أهل دينك فأخذت بقول أمها فشمرت عن ساق الاجتهاد فآثرت ما ينجيها يوم المعاد، ووافقت الشيخ، فسمعت مرة قراءة في دارها ثم سمعتها الليلة الثانية في البيت والليلة الثالثة في أذنها قرأ لها سورة البقرة وآل عمران فأصبحت وقد حفظتهما فعرضتهما على الشيخ فاستحسنها فقال هذه ليس بقراءة أهل الأرض. وجاز عليها أبو ميمون فلم يجدها فأخبرت فتبعته وقد لتت دقيقا بماء فلما اقتربت منه تنحنحت فتنحيا إلى زيتونة بحيال قصر شماخ فأعطته ذلك فوجد فيه سبع قبضات فقال سبعة أشراف وسبع كذا وسبع نوب وسبع قبضات وسبع درجات فدعوا الله ربهما وتوادعا وافترقا فلما جن الليل فنامت فاتاها آت في المنام ففسر لها قول أبي ميمون سبعة أشراف مشت إليه وسبع كذا صعدت وسبع نوب لم يأكل فيها شيئا وسبع قبضات وجد في الطعام وسبع درجات تعطى في الجنة.
ومنهم أبو القاسم موضين التغريمني وكان ذا كرامات ومن أعظمها إذا رفع إليه طعام فيه ريبة انغلق فاه ومثله في ذلك أبو داود كما يأتي فصانه الله بمنه من كل ريبة وزاره أبو موسى الدجي فسأله عن علامات آخر الزمان قال جاءتك جاءتك يا ولدى قال هل أدركت شيئا من الماضين قال مروا مروا.
وذكر بعض الساعين في الأرض فسادا أنه قال أعرف (1/257)
صفحة 258
المؤمن بفرسي إذا أطلقته على أبي القاسم فلا يقربه ولا يدنو منه فلا أطيق الغارة عليه. وروي عنه أنه يقع الحمام على رأسه.
ومنهم أبو يعقوب من أهل تدينت وكان فاضلا ونعس من العياء على المحراث فأتاه آت فمسك شيئا من ناصيته فقال قم يايوسف اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا. ورأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في النوم ليلة تمام أربعمائة فقال له الليلة تمام أربعمائة فقلت نعم قال من عرف الله فليتقه.
وروى عن أم زيد أنها رفعت من بيتها ليلا وهي نائمة مع زوجها على الفراش فانفرج البيت حتى وصلوا بها إلى وزان مصلاها المعروف فقال بعضهم لبعض قد استقبلت فقال نعم فوضعوها قالوا من صلى في هذا الموضع ركعتين كمن صلاها بمكة وكانت حازمة فعقدت في الشجر الذي يليها عقدا لئلا يذهب عنها الموضع فردوها إلى بيتها وإلى فراشها فلما أصبحت ذهبت حتى وجدت علامتها فبنت هناك مصلاها المعروف وشاهدوا بركته وإجابة دعوته فيما قيل والله أعلم.
ونابها دينار من الخفارة ولم تجد مخرجا فذهبت إلى أخيها في الله أبي محمد التغرميني فاشتغلت عن العبادة فغار الأعرابي يومه ذلك في تمزدا فضرب فسقط ميتا فأراح الله منه العجوز وعجن حارس التين لامرأة صالحة قفة تينها إذ امتنعت منه وقد راودها عن نفسها فشكته إلى ربها فنزلت عليه نار فأحرقته.
ومنهم أبو الفضل الجرامي بن الشيخ سهل وكلاهما فائق وفي ميدان العلم والعمل سابق سئل أبو الفضل عن القرآن فقال اعن الخالق أو عن المخلوق تسألوني فقال السلطان جوهرة (1/258)
صفحة 259
في تليس وسئل أبوه عن إحدى سبع لا تكون الدنيا مع عدمها فتلا عليه من أول والشمس.
ونزل بعض أشياخ قومنا جادو وهو قوي في العلوم فقال له أبو الفضل بعد محاورة ما بيننا وبينكم كفاه المتقدمون ولكن أن سال بعض المعتزلة هل كلف الله الكافر الإيمان في حال كفره قال نعم قال أبو الفضل هل كلفه مالا يستطيع أولا فيلزم على الأول الاستطاعة قبل الفعل وعلى الثاني تكليف المحال فحار ولم يجد جوابا واسمه أبو إسحاق فقال لأبي الفضل أوهمت السامعين أن عندك جوابا قال نعم قال كلفه مالا يستطيع لاشتغاله بالكفر لا لزمانه أو غيرها.
[ومنهم أم جلدين] وكانت أم جلدين تزوجت شيخا من أشياخ العلم وله بنات وكن يؤذينها يأخذن الدقيق ويرددن التربة البيضاء موضعه ويأخذن اللبن ويرددن الماء فإذا قال الشيخ لم يكون في لبنك الماء فتقول كذلك قدر الله وتأخذ الدقيق فتجعله في آنية وتصب عليه الماء فترسب التربة وتأخذ الدقيق من فوق فضعفت واصفرت من إيذائهن ولم تخبر أباهن بشيء من ذلك ثم متن جميعا فأراحها الله منهن وبقيت بغير ولد واستحيى الشيخ أن يتزوج عليها واستحيت منه أن يبقى من غير ولد فرغبت ربها فأجيب دعاؤها فسمع هاتفا يبشرها فولدت أربعة ذكور متتابعين متعها الله بهم زمانا ثم ماتوا جميعا وزارها المشايخ فقالت بيتوا فإن لم تبيتوا إلا لتأكلوا فلا تبيتوا يأمن يزيل الوحشة عمن لا يعرفهم فإذا عرفهم زادوه وحشة واشتكت من الذنوب فقال لها الزواغي: حب المسلمين حب المسلمين يخرج العبد من الذنوب كما تكشط الشاة من جلدها وكما ينزع الشعر (1/259)
صفحة 260
من الزيت وسألت ربها أن لا تموت حتى ترى أم زعرور وزيتون تغرمين وأن يصلي عليها أبو محمد إذا ماتت فقضى الله إن ارتحل أهلها للربيع حتى بلغوا تغرمين فمضت ابنتا ابنها إلى تغرمين يطحنان فصادفتا بيت أم زعرور فأخذتا في الطحن والعجوز مشغولة بالعبادة فقالتا فيما بينهما إن هذه العجوز مثل جدتنا فسمعتهما فسألتهما فأخبرناها عن أم جلدين فخرجت إليها زائرة فقالت لها أم زعرور ادعى الله فقالت بل ادعي أنتِ فإني استحييت من ربي قد سألته ثلاثا تعني أم زعرور وترى زيتون تغرمين وأن يصلي عليها أبو محمد قالت أم زعرور ادعى أنا أم زعرور وهذه تغرمين فدعت الله فرجعت أم زعرور فأخبرت أبا محمد فخرج ليزورها فوجدها ماتت فصلى عليها وكانت أم جلدين أول عمرها إذا سمعت صوت الدف تحرك قلبها فدعت الله فلم تسمع دفا حتى ماتت وللعجائز بالجبل وغيره شان عظيم.
ومنهم أبو عبد الله فضل مسكنه غربي مدينة القيروان وسط سوق الأحد حارة أبي محرز يخرج إلى المرج بالسبخة إلى إخوانه من هوراة وزناته كورة قريبة من سبعة منازل يتعلمون منه العلم في مساجد عدة عامرة.
قال ابن سلام بن عمرو وهو عالم مفت بالقيروان. يعني إذا رجع من التعليم قعد للفتيا ببلده بالقيروان.
ومنهم الإمام الشهير الفقيه الكبير سعيد الحدائي وكان فقيها عالما مفتيا بالقيروان وكان ذا مال وجاها.
قال ابن سلام بن عمرو من فقهائنا بالقيروان رجل يسمى سعيد الحدائي وهو الذي رد مقاله عبد الله بن يزيد في الحجة.
قال أبو عمار: قال سعيد الحدائي: (إن حجة رسول الله قامت على الناس جميعا (1/260)
صفحة 261
من البالغين أشدهم الأصحاء ولزمتهم كافة سمعوا بها أو لم يسمعوا) ثم قال نظر المسلمون فرأوا أن مقالة سعيد أقرب إلى الصواب والرشد وابعد من مقالة من اجمعوا على تخطئته ممن قال بحجة الفكر.
قال ابن الرقيق لما عزل إبراهيم بن أحمد أبا العباس بن طالب عن قضاء إفريقيا سنة خمس وسبعين ومائتين وأمر فكتب كتابا قرئ بالجامع فلما قرئ لم يوقف له أحد غير سعيد بن الحدائي فإنه تكلم فيه كلاما جميلا ..
قال ابن سلام وأبو سعيد هو الذي ادحض حجة عابدين الكبش بالقيروان فقتلهم أبو جعفر بن خرز قال وهم المشركون عابدون الكبش ذكر هذا أثر التعريف بسعيد وقوله أبو سعيد فأبو زيادة من الناسخ.
ومنهم حارث أبو الغدير الهواري ومسكنه. قال ابن سلام قبلة سوسة غربي مدينة القيروان قال وهو فقيه مفت كبير معروف بدعوة المسلمين.
ومنهم سليمان بن ياسر. قال ابن سلام منزله بقلوط حوزة شرقي القيروان وهو رجل فقيه من علمائنا.
ومنهم يقال له أبو يوسف وهو عربي وهو من علماء أصحابنا وهم حوزة وجماعة ومنازل عدة ومساجد كثيرة.
ومنهم أبو الفتاح.
قال ابن سلام بعد كلام وكان كبيرهم يقال له أبو الفتاح وهو الذي يعلمهم العلم توفي قبل سنة ستين ومائتين وهو رجل بصير بالفقه تعلم العلم بتاهرت وهم نحو من خمسمائة رجل في حوزة واحدة.
ومنهم أبو حبيب ومنزله بقفصة الساحل شرقي القيروان. قال ابن سلام وهو رجل عالم فقيه.
ومنهم أبو عمرو حفصون النفوسي. قال ابن سلام ومنزله بباطن المرج في عدد من نفوسة نحو خمسمائة أو أكثر قال وهو رجل عالم (1/261)
صفحة 262
فقيه فارض.
ومنهم العسيري الهواري.
قال ابن سلام رجل عالم فقيه بصير واسع العلم ومنزله بفحص القيروان فاوذى بنزول الموالي عليه فترحل.
ومنهم السمح بن عبد الجبار الهواري.
قال ابن سلام فقيه عالم.
ومنهم أبو حفص سليمان بن حفص الفراء عند من قال أنه تاب من الذي خالف فيه قال بعض أصحابنا لو لم يكن إلا أحمد بن الحسين الأطرابلسي أو سليمان بن حفص الفراء لتبعته المذاهب ولو لم يكن إلا الإمام أفلح لتبعته المذاهب وقد تقدم في التعريف به بعض مناقبه وكلهم إباضية إلا أحمد بن الحسين وابن عمارة يأخذون بمسائل القياس وأخذا بقول عيسى بن عمير في الكلام وبقول ابن علية في الفقه ورأيت له كتبا كثيرة اجلها وأحسنها المقالات وبعده المختصر في الفقه.
وأما الفراء فرجل عالم يسكن القيروان خالف في بعض المسائل وذكر بعض أصحابنا أنه تاب ورجع إلى مذهب أهل الحق، قال أبو عمرو وإذا ذكر الشيخ أبو زكريا الفراء وعليا قال إنا لله وإنا إليه راجعون مما أصابهما على كثرة علمهما.
ومنهم الإمام الماهر والبحر الزاخر العالم الذاكر أبي حاتم يوسف بن أبي اليقظان محمد رضي الله عنهما بويع بعد موت أبيه ومكث في الخلافة أربعة عشر سنة.
قال أبو زكريا قد اطردت له الأمور ولم ينقم عليه أحد من رعيته في حكم ولا فعل وقدم على جبل نفوسة بعد أبي منصور أفلح بن العباس.
قال ابن الصغير: لما دخل أبو حاتم مدينة تيهرت جمع مشايخ البلد واستشارهم فيمن يوليه القضاء، فأشاروا بأن يولي عبد الله بن محمد بن عبد الله بن الشيخ وكان أبوه قاضيا، وتقدم التعريف به وبعدله وبإتقانه الأمور. قالوا: وما عبد الله (1/262)
صفحة 263
دون محمد في العلم والورع والدين، قال: أشرتم وأحسنتم، فولاه القضاء وولَّى بيت المال عبد الرحمن بن صواب النفوسي، وولَّى الشرطة زكار لأنه ذو نصيحة وهيبة وإبراهيم بن مسكين لأنه ذو صلابة في الحق.
وقد كانت حروب فسدت بها البلد وفسد أهلها وأظهروا المنكر، وكثر الفسق والزنا وشرب الخمر جهارا، فلما تولَّى الرجلان الشرطة قطعا ذلك في أسرع وقت وأقرب زمان، فكسروا الخوابي في كل دار عظم قدرها أو صغر، وفرَّ المفسدون إلى الجبال، وشرد الأشرون إلى الأطراف والأودية، ونفيا قطَّاع الطرق، وردعا السرَّاق ردعا شديدا، وحملا الناس على العدل والسبيل.
ولم ينقم على أبي حاتم شيء إلا أنه ضرب مرة على الظنة لا غير وكانت له خطباء قال ابن الصغير وشهدت له خطبا كثيرة أولهم ابن أبي إدريس والثاني أحمد والثالث أبو العباس والرابع عثمان بن الصفار والخامس أحمد بن المنصور وكان الرستميون أهل علم وفصاحة وذكر عن الإمام أفلح أنه لم يعد خطبة قط لجمعة ولا لعيد أو لغيرهما وقد تقدم التعريف بهم من ذلك.
ومنهم أبو معروف ويار بن جواد رحمهما الله.
قال أبو العباس ناهيك بأبي معروف في الآثار والمعروف والموصوف بدراسة العلوم المعروف قال وله في النوازل والأسئلة المعضلات أجوبة كاشفة إشكال المشكلات.
قال أبو العباس وأبو الربيع دخل رجل على أبي معروف في مرضه الذي مات فيه فسأله عن ستة نفر دخلوا على مريض ثلاثة رجال وثلاث نسوة فقالوا له أوص فقال بماذا أوصي ومالي ورثتموه أسداسا لكل واحد سدس فأجاب بأنه رجل له أم وأختان لأم وثلاثة بنو عم فتزوج كل رجل امرأة (1/263)
صفحة 264
فالمال بينهم أسداس واستمسك زوج عمه في نفقة ابنة عمه معها إلى أبي منصور إلياس فقال أبو معروف اردد إلى ابنة عمي وهي كبيرة فقال أبو منصور لئن فعلت لأنكلن بك فساق ويغو. وأتى أبا معروف يتيم فشكاه بأن سيف أبيه في يد الطواف أعطاه له زوج أختي فأرسل الشيخ أبو معروف إلى الطواف فقال ساوم بنصيب الأخت من السيف ففعل فلم يجد من يشتريه. وقيل: اشترى جنانا وباعه ولم يره وعيب عليه ذلك.
وأهدى أمير القيروان سيفا لأهل الجبل ومراده اختلاف رأيهم فاختلفوا فبعضهم أمر برده وهو أولى بريبته وبعضهم قال ذلك عون له على باطله وقال بعضهم اكسروه وادفنوه وقال بعضهم امسكوه فإن عطايا الملوك جائزة.
وعن هؤلاء أبو معروف فأصيب ببصره قال ابن ماطوس الحمد لله الذي جعله له في دنياه ولم يجعله له في آخرته وبعث إلى الشيخ عبد الحميد الفزاني أن يرسل إليه دواءا لعينيه قال عجبا لهذا الشيخ أعطاه الله شفاء الذنوب فأراد ما يزيله قال أبو معروف حين بلغه قوله جعلني كالصبي أرضع لإبهامي! فمراد الفزاني اجر المصيبة ومما تكتسب العين من الإثم ومراد أبي معروف ما يكسب من الخير بالبصر.
وكان يتجر فإذا وزن غيره زاد له خروبة وإذا أخذ نقص خروبة فأوصى بعشرين دينارا لحوطة الميزان ودخلت المشايخ على أمه لتوصي فقالت ما أكثر الوصية قالوا في الكفارة فأوصت بثلاثمائة كفارة فأنفذها أبو معروف عنها.
ورمى رجل طائرا فوقعت برجل قتلته فاختصما لأبي معروف فأخذ القاتل منهم فقال أولياؤه لم يتعمد فقال اصبروا وإلا دفعته ليقتل وأنتم (1/264)
صفحة 265
تنظرون وقال خصماؤهم ادفعه لنا لأنه قاتل ولينا ظلما فقال اصبروا وإلا تركته ولا تجدون إليه سبيلا وحكم بينهم بالدية وإنما قال لهم ذلك لأن في المسألة اختلافا.
وسُرقت بغلته فوجدت بمصر فأخذ المشايخ له خليفة فاستمسك بمن هي عنده وشهد له من حضر فحكم له بها. ومن عادته إذا جاز على أغصان الأشجار التي زادت حتى منعت السابلة فيكسرها ويرمي بها إلى بستان صاحبها وكان يوما يعمل عملا في جنانه لابسا سراويل لا غير فدخل عليه تلميذه أبو مسور فلما رآه كذلك أخرجه إلى الخطة فقال تبت فأراد لومه بعد ذلك قال ليس لك ذلك بعد التوبة وهذا منهم رحمهم الله من إحياء السير والورع والحذر.
وجاز يوما وتلاميذه على فدان فيه أشجار التين للبغطوري فادخل الشيخ الطلبة فأكلوا بالدلالة فالتقى بصاحب الفدان فأخبره ليسره بذلك فقال قد صادفتم وقت جنايتها فأمر أبو معروف فاوقروا بغلته تينا وأرسل بها إلى البغطوري فأمر خادمه أن يصبها في داره.
ومنهم ماطوس بن هارون وماطوس بن ماطوس وكلاهما قد سبق في ميدان العلم والعمل وشمر عن ساق الجد وحصر عن ساعد الاجتهاد وتجنب الكسل. وكان ابن هارون ذا بنات واحتاج لما ينوبهن فأرسل معه عامل اليتيمة ثلاثمائة دينار إلى أبي منصور فأتاه فقال له عليها وأنه محتاج إليها ولا يعطيها له فأساغها له.
ودخل داره جار له يسوي في المطر فقال له ليس لك عندي ماء. وجاز على تندميرت فاشلا عليه سفهاؤها الكلاب ونزل بلده شروس ودخل بيته وعليه ثوب جديد وجعل (1/265)
صفحة 266
يتقلب من شدة الغيظ وهو يقول لو كان لجهنم بأبان ادخل من أحدهما واخرج من الآخر لشفيت غيظي ولكم يعلم أحدا خشية الفتنة بين القبائل حتى تقطع القميص من كثرة التقلب.
ورأى رؤيا أنه لبس جبة من قصب فعبرت بأنه يموت شهيدا فاستشهد بمانو رحمه الله وهو ممن شد في الخروج إليه لأجل رؤياه فضرب بها وخرج أمعاؤه فمسكها بيده وقاتل بالأخرى حتى استشهد وقال له بعض أصحابه حين ضرب إلى هذا توصلونا قال هذا الذي نتمناه زمانا وهو خير من الرجوع إلى الاغتسال بالماء البارد بالأسحار.
ووقعت فتنة بين شروس وتندميرت فخرج الماطوسان من شروس خشية ما يلحقهما من الإثم فقال يوما ابن هارون لابن ماطوس: أين تريد أن ينهدم الحائط فقال لا أبالى أين وقع لسلامة قلبه وقال ابن هارون وأنا كذلك وإذا كان لابد فلينهدم إليهم وكان ابن ماطوس اختص بكمال الصبر وكثرة الكرامات وإجابة الدعاء وهو من الاثني عشر المشهورين بإجابة الدعاء.
ومن صبره أنه ابتلي بامرأة سوء، وكان يوما يحدِّث امرأته فألقت على عمامته رمادا وما زاد إلا الحمد والشكر وأخذت يوما ابنه وضربت به الحائط فخرج دماغه وما فعل إلا الصبر وإذا قيل له: طلقها قال: لا أريد أن يُبتلى بها أحد غيري.
ومن أعلى كراماته أنه إذا كان يسير بالليل من المسجد وأراد دخول بيته سبقه عمود من النور بين يديه. ومدحه رجل بذلك فقال الشيطان يرفع إلى حيث يمكنه من خلف وإمام فنسال الله العصمة منه وكانت امرأته تقول له سبقك جنك.
ومنهم شيبة الدجي (1/266)
صفحة 267
النفوسي وتقدم أن أبا القاسم قال فقدت بمانو ثلاثمائة متوليا ولاسيما شيبة في دجي وميال في أتلجام وجنا في تنزغت وهو صاحب اللواء في وقعة مانو فقال أفلح بن العباس أثبت البند في الأرض ياشيبة فأبى ثم أعاد عليه فقال مسكته عند أبيك وجدك ولم يأمرا بذلك سأحفر له حفر الله لك فلما اثبت البند في الأرض انصرف أفلح وترك المسلمين يقعون حوله خشية أن يولوا الدبر واللواء قائم فصرعه بعض أهل البصائر فانهزم الباقون ولم يكره موت المشايخ لأنهم اكرهوه على الخروج ومسجد دجى له.
وأما جنا التنزغتي وهو أخ لأبى القاسم من الرضاعة كان في التقى والزهد والشهرة في الخير بمكان وكفاك ذكر أبي القاسم له في الثلاثة الذين خصص من الألوف ومن الثلاثمائة الذين هم في ولايته وله بنات مشهورات في طرق الخير حتى قيل فيهن بنات جانا في الإسلام في جبل نفوسة كالغرابيب البيض وكذا ميال أيضا والثلاثة غاية في العبادة والشجاعة والتقى واستشهدوا جميعا بمانو وتقدم أن المشايخ حين دخلوا على أبي القاسم زائرين قالت لهم إحدى بنات جانا ما قالت وجمعوا ما جمعوا وجعلوه بيدها تنفقه على عمها سرا لعلمهم بأنها غاية في ذلك. وكفى التنبيه على القاضي عبد الله والخازن عبد الرحمن وعلى الخطباء عن إعادة التعريف بهم ثانيا.
[وقعة مانو]
وفي أيام يوسف وقعت مانو التي فل بها حد سيف نفوسة على يد أفلح بن العباس وذلك إن نفوسة بلغت في العلم والتقى والعدل والورع مبلغا عظيما يكاد أن يكون حاكيه كاذبا وهابهم من بالمشرق والمغرب ولذا قال الإمام عبد الوهاب رضي الله عنه إنما قام هذا الدين (1/267)
صفحة 268
بسيوف نفوسة وأموال مزاتة وقد تقدم هذا وكان إبراهيم بن أحمد من بني الأغلب والي بني العباس على إفريقية وكان ظالما جائرا فقدم طرابلس ولعله افسد فاجتمع رأى أكثر نفوسة على ملاقاته فأبى لهم أميرهم أفلح بن العباس وسعد بن يونس عامل قنطرارة ومعبد الجناوني وعزم من رغب في الجهاد وإظهار المعروف ودين الله لتكون كلمة الله هي العليا.
قال ابن الرقيق وفي سنة ثلاث وثمانين ومائتين تحرك إبراهيم بن أحمد يريد محاربة ابن طيلون وأمر بالحشد فلما اجتمع له ما يريد خرج من تونس لعشر خلون من المحرم فأقام برقادة إلى سبع بقين من صفر ثم خرج بجميع من معه فاعترضه أهل نفوسة في جمع عظيم وذلك في النصف من ربيع الأول فكان بينهم قتال عظيم فقتل من جنده جماعة من الرؤساء وغيرهم ثم انهزم أهل نفوسة وكان في أيام المعتضد فتبعهم وقتلهم قتلا ذريعا وتطارح منهم في البحر بشر كثير وقتلهم فيه حتى غلبت حمرة الدم على الماء قال أبو زكريا قال بعضهم لبعض دعوا هذا الرجل ولا تتعرضوا له بشيء فأبى جمهور الناس منهم سعيد بن أبي يونس حتى قال بعضهم اشتقت شداخ قنطرارة لم ترد الموت في سبيل الله قال خفت على البقرة فيتبعها عجلها يعني بالبقرة نفوسة وبالعجل قنطرارة فكان الأمر كما ظن وتقدم كراهة معبد لذلك في التعريف به وكراهة أفلح فلاقوه بقصر مانو على ساحل البحر فاقتتلوا قتالا لم ير مثله في ذلك الزمان فبارز رجل من المخالفين يريد من يقابله فكل من خرج إليه قتله فخرج إليه أفلح بنفسه واشتد القتال (1/268)
صفحة 269
فأمر أفلح شيبة الدجي صاحب البند أن يثبته في الأرض فأبى ثم أمره ثانيا فأبى فقال لم يأمرني أبوك ولا جدك باثباته والحفر له سأحفر له حفر الله لك وكان أفلح قد أضمر للأشياخ إيجاس سوء لأنهم اكرهوه إلى الخروج فلما حفر للبند انصرف وتركهم وبقي أهل البصائر لأنه لا يجوز لهم أن يولوا الأدبار والبند قائم فصرعه بعض أهل الخير فمات اثنا عشر ألفا ومن العلماء أربعمائة وحمل منهم أسرا ثمانين عالما وفيها مات أبو ميمون وعمروس وماطوس وشيبة وجانا وميال ومعبد وغيرهم من الأشياخ وكانت في الإسلام فلة لم تترقع إلى يومنا هذا وتقدم أن عمروسا حما الناس على فرس سابق فجعل له حبال فعثر فرسه فأسروه فقالوا ارجع عن الذي كنت عليه نطلقك واستعف نعف عنك فقال تلك كلمة لا أقولها حتى الحق بالله وكان يقرض بمقاريض الحديد من يديه حتى بلغوا به المرفق فمات شهيدا حميدا رحمة الله عليه وجاز عدو الله إلى طرابلس وفيها ابن عمه فقتله وأراد الزيادة فتفرق عنه جمعه ورجع إلى إفريقية وفي سنة أربع وثمانين اخرج ابنه العباس إلى حيز نفوسة في شهر رجب فقتل من وجد في الأطراف واستباح النساء وحمل ثلاثين أسيرا قتلهم إبراهيم بعد أن قدموا عليه وأوتي بنفر من أهل نفوسة فأمر بقتلهم وقدم رجل منهم وكان أحسنهم منظرا فقال أظنك معلم القوم وإمامهم قال لست كذلك قال ما تقول في قال ما عسى أن أقول فاسق ظالم سفاك لدماء المسلمين أبعدك الله فاستشاط إبراهيم غيظا فقال والله لأقتلنك قتلة لم اقتل بها أحدا من (1/269)
صفحة 270
أصحابك قال إن كان الأمر لك فستفعل ما قلت فزاده حنقا فقال ومن يمنعك مني فأذن المؤذن فقام فصلى بأصحابه فألقى الله في قلبه أن يطلقه فتركه ليعلم إن الأمر لله لا له عدو الله.
واستأصل من قدر عليه من قنطرارة فصح ما ذكر لهم سعد بن أبي يونس ثم فعل بأهل نفزاوة كذلك في المرتين.
وذكر أبو زكريا أن الصفين لما افترقا بمانو حدث غير واحد من أصحابنا إن رجلا من عسكر الفاسق لما جنه الليل أقبل ليحمل أخاه من المعركة فيدفنه نظر بعد إن حمل أخاه على بغل له شبه سلوقي يطوف في القتلى فسمعه يقول كبروا يا أهل الجنة فكبرت نفوسة ومن معها ثم قال انبحوا يا كلاب النار فنبحت قتلى المسودة فنبح أخوه بين يديه على سرج الدابة فالقاه إلى الأرض فهرب وتقدمت حكاية الذي صلب أبا يحيى طالب الحق وما رأى له من البراهين وكذا صالب عروة بن أدية وبراهين قتلى مكة مع أبي حمزة المختار ووقعة مانو بعد وقعة ابن ثور أحمد بأهل عمان وقد خرج عليهم من البحرين عام ثمانين ومائتين وكان عاملا للمعتضد وخليفة أهل عمان عمران بن تميم.
قال المسعودي إمامهم يومئذ الصلت بن مالك والصحيح إن الصلت عمر إماما لم يعمره غيره بعمان من الأئمة فلما كبر عزل من غير جرحة واغتنم ذلك موسى بن موسى وبايع لراشد بن النظر إماما وفي الناس بقية فاحتالوا حتى عزلوه وبايعوا عزانا وخرج عليهم أحمد بن ثور وقتل عزانا وخلقا كثيرا حمل رؤوس بعضهم إلى بغداد فابتلى الله المعتضد بان أظهر له شخصا في داره بالليل تارة بحربة (1/270)
صفحة 271
فيطعن بعض غلمانه فيقتله وتارة تاجرا فجمع الأطباء والمنجمين والمعزمين وأصحاب الخواص فما صنعوا شيئا.
وكذلك ابتلى الله ابن الأغلب واستحال طبعه وغلب عليه سوء المزاج فتغير عقله وساءت حالته وأسرف في قتل أصحابه وأولاده وبناته وكتابه وحجابه وانهمك في الشر وسقط له منديل من يد بعض جواريه فأصابه خادم فقتله وقتل بسببه ثلاثمائة خادم وقتل ابنه المكني بأبي الأغلب صبرا بين يديه وقتل ثمانية إخوة صبرا كانوا من رجاله وقتل يوما ست عشرة بنتا قال ابن الرقيق واتى بأمور لم يأت بها أحد قبله ولم يتقدمه إلى مثلها ملك واتخذ الأحداث حتى جمع أربعا وستين حدثا وجعل لكل واحد منهم فراشا ومرقدا وملحفا وبلغه عن بعضهم أمر فقتلهم جميعا منهم من ضرب بعمود من حديد فطار دماغه وكان يحرق منهم كل يوم خمسة أو ستة حتى أتى على آخرهم وادخل بعضهم الحمام فسد عليهم وماتوا من حينهم وقتل ندماءه وطبيبه وقتل كتابه وحجابه وسجن بعض كتابه واستعطفه على نفسه وفي جملته إن الملوك إذا ما استرحموا رحموا فأجابه إن الملوك إذا ما استرحموا قتلوا فقتله وألجأه وابل المطر إلى مسجد قرية فسقط بعضه وخشي من سقوط الباقي عليه وعلى أصحابه فخرجوا ووقفوا في المطر فأبصرهم فتى فأنزلهم وأحسن بما قدر وباتا بأحسن مبات وكان زمان التين فأدخلهم بستانا له وأطعمهم ما أرادوا فأمر به فضرب ضربا وجيعا وكانت له عبيد صقالبة فرمى ببعضهم من أعلى القصر وبعضهم (1/271)
صفحة 272
أدخلهم بيتا وبنى عليهم ليموتوا جوعا فوجدوا في البيت سيفا فقتلهم واحد منهم ثم قتل نفسه وحزن لذلك إذ لم يموتوا جوعا وقتل صاحب الديوان وشريكه لا لأمر عظيم بان قطع يدي أحدهما ورجليه وحمل رأسه إلى صاحبه فقال له إن لك خدمة وقديم صحبة وأقتلك قتلة مريحة قال ما خنت لك عهدا منذ توليت وأمر بضرب عنقه وقتل ابنه أبا عقال إذ قال لأخيه إن أبي زال عقله وقتل جواريه وبناته فمنهن من خنق ومنهن من بني عليها حتى ماتت جوعا وله أفعال غير هذا واضطرب أمره ثم أظهر التوبة وأراد الحج ثم رجع غازيا إلى صقيلية فمات بها طريدا ملعونا ولم تبق أيامهم بعد ذلك إلا قليلا حتى أباد الله ملكهم وأهلكهم وأزال الأمر من أيديهم وذلك عام ستة وتسعين ومائتين وجعل الله سبب وهن شوكتهم إن إبراهيم قتل رجاله خصوصا من برقادة فنازلهم بنفسه وحاربهم وبارزهم فلم يقدر لهم على شيء ثم أظهر أنه عفا عنهم ثم خلع عليهم ثم اجتمع عنده نحو ألف منهم فأحاط بهم وقاتلوا عن أنفسهم قتالا شديدا ثم قتلهم جميعا وقتل غلمانه الصقالبة ثم اشترى العبيد السودان مكانهم فبلغت عدتهم مائة ألف وقتل وزيره أحمد بن أبي إسحاق وكاتبه رجاء بن محمد فدمرهم الله واوهن شوكتهم وسلط عليهم كتامة مع بني عبيد الله.
ومنهم أبو بكر بن يوسف النفوسي وإن عالما فقيها مستجاب الدعاء قال أبو زكريا ذكر لإبراهيم بن أحمد أن من علماء الإباضية أبا بكر بن يوسف فوجه إليه من أخذه فطلبهم أن يصلي ركعتين ففعلوا فدعا ربه إني مظلوم (1/272)
صفحة 273
فبعث الله ريحا وظلمة فحالت بينهم وبين الشيخ وكان مكفوف البصر فأخذ ابنه بيده فنجاه الله مما مكروا.
ومنهم ابن يكوب وكان عالما قال أبو زكريا أخذه إبراهيم بن أحمد في ثمانين عالما فحملهم إلى القيروان وكان مقطوع العرقوب فاستأذن أصحابه في الهروب فأذنوا له فهرب فنجاه الله من شره وقتل سائر أصحابه.
ومنهم داود بن ياجرين وياجرين ورأيت بخط بعضهم ياكرين بالكاف.
قال أبو العباس هما شيخا نسك وزهد واجتهاد في العبادة وجد وقد ذكر أنهما خرجا سنة من السنين إلى البادية في اوان الربيع وكانا متوافقين مترافقين فلما عزما على الافتراق أو قبل أن يفترقا قال ياكرين ياداود أوصني قال لا تستنج بيمينك ولا تنزل اهلك إلا في موضع الرداء والسترة ولا تسكن أزواجك في بيت واحد وتقدم أنه حضر مجلس القضاء هو وماطوس عند عمروس عند التعريف به.
ومنهم ميمون بن محمد أبو عمر وأبو الفضل سهل وكلاهما في الفضل والتوفيق فائق وفي ميدان الرضا والعدل سابق وبالحكمة وفنون العلم ناطق أما أبو عمر فكان حاكما وشديدا في الأمر والنهي.
وفي السير سمع بمجلس الخمر في الفحص على ستة أميال من شروس وشروس أم قرى نفوسة وجادو مدينتهم فكسر آنيتهم وأراق شرابهم. وفيها جاز عليه ركب التكرور قدم من بلاد السودان فجمعوا له أربعمائة دينار فأبى من أخذها وأمر بإغلاق الأسواق والبروز إلى التكرور من اجل الانتفاع بالبيع والشراء فطلب التكرور رؤية أبي عمر لما سمعوا عنه من العدل ودلوا عليه (1/273)
صفحة 274
فسلموا وكاسع أبي الربيع سليمان بن هارون فلما ملأ أعينهم وأفئدتهم علما وأدبا وحياء وأبى من أخذ المال تورعا سألوا عن اسمه لاشتهاره بالكنية فقيل ميمون قالوا ميمون أي طابق اللفظ المعنى وناسب.
وكان ميمون الناصية على نفوسة مدة ولايته وأنه رجع يوما من جادو فسمع بجيش عظيم للمسودة على الطريق وأراد السير معه لأنه محجة الأوائل وطريق الأشياخ ولم يرد أن يخالفها فلما نام أصحابه قصد غار تكيت فبات فيه يعبد ربه ويرغب إليه فلما أصبح أتاه خبر انصرافهم فسار مع طريق الماضين.
ومن عادتهم أنهم لا يخالفوا طريق السلف ولو في المشي فلاقى يوما أبا سليمان التندنميرتي فنزل عن فرسه إجلالا له فقال ابنه من هذا يا أبتي قال أو ما تعرفه هذا الذي أنزل الحمل عن ظهره فحملته وما زال حتى طرحه عن ظهره فلاموه فقال عسى من الله توبة نصوح قبل موتى ولو بسنة أو بشهر أو بجمعه أو بيوم ولو بساعة ولو عند الغرغرة.
وضعف حين كان في الأمور حتى لم يطق الصلاة واقفا للهرم فلما ترك الأمور قوى واشتد وقال كأنما حط عني حمل.
وحبس جانيا في بيته مغلولا فقام أبو عمر بليل فتوضأ للصلاة ففك الجاني وثاقه وأخذ سكينا فضرب أبا عمر وجرحه فقام إليه ونزع من يده السكين وشد وثاقه ولم ينتصف لنفسه وكان الحاكم إذ ذاك غيره فلما أصبح حمله المشايخ إلى الحاكم قال الحاكم كدت أن تعمي الإسلام يا عدو الله.
وروى أنه إذا أراد أن يحكم أخذ يرتعد كالسعفة وإذا قال الخصم أعطني حقي جعل يبكى خوفا (1/274)
صفحة 275
من الميل عن الحق وأما أبو الفضل سهل لما تولى أدرك الناس في ذل من المسودة وزناته والعرب وواحد من أولئك يقدم على عشرة من نفوسة لما ملؤوا قلوبهم من الرعب فلم يبرح حتى عكسها وصار النفوسي يقدم على عشرة من أهل البادية ورفع الجور عن نفوسة.
وخرج مرة إلى طلب زناته ونزل الأبراج فلما قرب من العدو ضرب خيمته فدخلها يرغب ربه وأرخى أطنابها فانتشب الحرب فهزم الله زناته وشتتهم.
ووقع فساد بمدينة غدامس وهي على سبع أو ثمان مراحل من نفوسة وخرج إليهم يصلح فسادهم فاتفق رأى المشايخ في رده فلما بلغه الرسل أبصروا رايات وأعلاما فوق رأسه وعلموا أن ذلك برهان من الله فتركوه ولم يردوه فلما بلغ غدامس ناصبوه وقتلوه فهزمهم الله وأزال الحدث وأصلح الفساد.
ومنهم أبو صالح الدركلي النفوسي وكان من أهل الخير والعلم والاجتهاد أخذ العلم من معدنه أبي خليل وأفاد به أهله واشتهر عنه أنه وجد امرأة على الماء تسمى العافية وحملت قربة على خادم وحاذرت ثيابها مما يقطر خشية ما يصل ثوب الخادم فرخص لها ولو نجس ثوب الخادم وزادها إن مربط الجديان والخرفان وبلل الجدى يوم ولادته ولبن امرأة حلبت في ليلة مطيرة شاة وقت ولادتها في جملة الغنم وغبار البيت النجس والكنس والماء الذي يطير من البئر إذ يغرف منه ماء السنة والماء السائل حول البئر ليس شيء منها ينجس وكذا الطين المعجون بالماء النجس إذا جف وإن الوضوء لا ينتقض ممن سلك دمنة الغنم ليلة المطر.
وقال اختلفت أنا وفقهاء الجبل في مسائل تمام العدة ابتداء الاغتسال (1/275)
صفحة 276
من الحيضة الثالثة قالوا تمامها تمام الغسل وإذا ابطت عنها الحيضة الثالثة فلا تنقض عدتها حتى ترى الحيضة الثالثة وقلت تتربص عاما ثم تتزوج وإن من أجبر على نفقة زوجته يقال له أنفق وإن طلقت انحللت وقلت أقول له أنفق أو طلق.
ومنهم أبو يحيى سليمان بن ماطوس الشروسي النفوسي وأبو هارون الجلالمي موسى بن يونس النفوسي وأبو الربيع سليمان بن ذرقون النفوسي ثلاثتهم أضاؤوا الأرض شرقا ومغربا بعد ما أشافت شموس العدل والدين على الأفول بمصيبة مانو فانتعش بهم الدين وأحيى الله بهم قلوب الجاهلين كانوا بدورا بين الفراقد وكلهم مطلبا للناشد.
وفي السير إن ابن ماطوس حاكما على شروس فحرضه أبو هارون الجلالمي صنوه في التقى وقرينه في العلم على تأثير الحق فقال أن لم تقدر على الغائية فأت ما دونها وضرب له مثالا فقال ابن ماطوس آجرك الله إنما حسبت إن لم أقدر على الكل تركت الكل وشاع علمه وفتياه في البلدان شرقا ومغربا.
وذكر أبو زكريا يحيى الجناوني عن أبي محمد ورسفلاس عن أبيه عن أبي يحيى الفرسطائي أنه قال اجتمعت مع بعض العلماء بناحية زويلة فقال أن فتوى ابن ماطوس كلها حسنة إلا أنه لا يرى الشفعة ليتيم ولا لغائب قال أبو يحيى فلما قدمت أتيت ابن ماطوس فأخبرته فقال قل له ذلك تعطيل الحقوق يا جاهل.
قال أبو العباس وغيره إن أبا صالح وأبا موسى ومن معهم من التلامذة أقاموا عند ابن ماطوس ما شاء الله يقرؤون العلم ثم انتقلوا إلى إفريقية إلى سلام ليك منها فدرسوا فيه الكتب (1/276)
صفحة 277
زمانا ثم رجعوا يعرضون على ابن ماطوس ويصححون ما قرؤوا في تلك المدة فالتقوا ببكر بن أبي بكر بنفزاوة وصحبهم فساروا إلى وقت صلاة الظهر فسألهم رجل صحبهم ولم يخرج من أميال بلده أيصلي تماما أم قصرا قال الجميع تماما إلا بكرا قال أن نويت السفر فصلى قصرا ومروا بامرأة تغسل صوف شاة ميتة قال الجميع لا تطهر بالغسل بل حتى تترب في سبعة مواضع بسبعة اقضبة ثم تغسل بعد فقال بكر اغسلي صوفك كما تغسلين غيره ومن تيمم ويده نجسه فقد طهرت ونجس التراب وقال بعدم نجاسة التراب قالوا أين ذهب النجس قال ذهب بين الضربات فلما بلغوا الشيخ اعلموه بالمسائل وقول بكر فيها قال لهم الفرسطائي عالم يعني بكرا وصححوا في ستة أشهر جميع ماقرؤوا من شدة اجتهادهم.
قال أبو العباس هذه بمناقب بكر أشبه وأنكر على بعض من يرد عليه لما بلغه إن بعضا يأخذون الصدقات ثم يردون منها عن من أخذها منه وأنكر ذلك وقال ذلك مما لا يرضاه الله تعالى. وقدم رجل ليلا من أهل بلده وأراد الخروج ليلا فصنعت له امرأته طعاما وكانت حزيمة فأحضرت للطعام ابن ماطوس فحملت من وطء زوجها فقيل فيها فقالت من زوجي قدم ليلا وعند ابن ماطوس الخبر الصحيح فاتته فذكرت له فنسى فذكرته فلم يتذكر فرجعت مقهورة فإذا جنها الليل أخذت في الدعاء وتقول ياملائكة السحر ذكروا ابن ماطوس فقام ذات ليلة ليلا ليصلى فتذكر فلما أصبح أمر بضرب الطبل فلما اجتمع الناس اخبرهم بصدقها ومجيء زوجها لها ليلا.
قال البغطوري (1/277)
صفحة 278
إن ابن ماطوس قادة بعد أبي القاسم وبورك في علمه فبلغت فتواه شرقا ومغربا وهو أحد فروع مانو.
وأما أبو هارون الجلالمى فقال البغطوري جذور مانو أبو القاسم وعبد الله بن الخير وفروعه أبوهارون الجلالمى وابن ماطوس وأبو زكريا يحيى بن يونس الفرسطائي ومن يتاماه أبو يحيى زكريا الفرسطائي قال وقال الشيخ أبو محمد بن محمد إن أبا هارون كان يتعلم عند أبي القاسم ثلاثين سنة الأصول والحجة والمناظرة ويقولون للفقه علم العجائز وتعلقت به العلوم مما أعطاه الله من الفهم. قال قال فيه ابن ماطوس لو علم الناس ما ينفعهم لازدحموا عند باب داره كما يزدحمون عند باب دار أبي عبيدة بالبصرة.
وكان حزيما لدنياه وأخراه وهو أفضل من تعلم عند أبي القاسم وكان غراسا للشجر وذكر أنه يجني من أشجار التين ثلاثمائة مديا وأظن أنه مائة وخمسون وسقا والمودي بحوزتنا نحو ثلثي الوسق وكان قادة في الدين يطعم مائة لعياله ومن يأمنه ومائة للأضياف وأبناء السبيل ومائة لتلامذته ومن يتعلم وكان في ابتدائه يعمل شغله في ربعه إلى العشية فيمضى إلى الشيخ أبي القاسم يتعلم ثم يدرس ثم يرجع مصبحا شغله وذلك دأبه وأخذ العلم منه جماعة كبيرة.
وفي السير قال أبو القاسم البغطوري يحيي الله الدين بهذين ابن يونس وابن يونس لاسيما هذا يعني أبا هارون فخرجا كما تفرس وكان واسع الدنيا تاجر أسفار أجمع مالا أنفقه في الطاعة وأكثر من شراء الربع وضاف عنده الشيخ عبد الله بن الخير بالجزيرة حين حصروا بها فوقعت صيحة على شان غارة (1/278)
صفحة 279
فخرج أبو هارون ثم رجع يسأل الشيخ كيف يفعلون إن أدركوا أحدا فقال إن قتلوا الأنفس وحازوا الأموال فقاتلوهم وإن أخذوا الأموال خاصة فاقصدوا أموالكم فإن حالوا بينكم وبينها فقاتلوهم وضيع رجل زكاة غنمه سنينا فحمل زاده يتعلم مسألته والتقى مع الشيخ ولم يعرفه فأخبره بقصته ولماذا جاء إليه فأجابه عما سال بان يعطى عما في يده وكان أكثر مما عنده قبل على جميع السنين الماضية فرجع وقال صدق الناس العالم كالحوض من جاء استقى وكان عنده أجير دمري استعمل الورع ويجعل ثوب صلاته في المزود فاطمأنت نفس الشيخ إليه ثم سرق بقرة الشيخ.
وفي السير قال له ابن زرقون ما رأيت مثلك ياموسى أو خيرا منك وأما ابن زرقون فقال أبو زكريا كان قادة أي إماما يقتدى به وهو من نفوسة تاديوت وبها مولده ومسكنه قال أبو زكريا وحدثني بعض أصحابنا أنه أدرك ديوانه وكتبه بقرية تاديوت وقد بلغ من العلوم ما لم يبلغه كثير وتعلم هو وأبو زيد بسجلماسة وكانوا يومئذ من أهل الدعوة وأستاذهم ابن الجمع وكان من مشايخ المسلمين أقبل من المشرق تاجرا غزير العلم فنزل توزر فخدمه أبو الربيع فاختبره في أمور كثيرة فألفاه حاذقا فاستخبر يوما تمام تنبيهه وتوقد نفسه فقال له انك فطين ولم يظهر الياء وأوراه أنه فطين ففهم ما أراد فأجابه بأنه غير منزلق فنام يوما فغطاه قال الزيت خير موريا بجزيت خيرا فأجابه بأنه يصلح للخبز فانتقل إلى سجلماسة وانتقل معه ومكث معه سنين فتعلم عنده فنون العلم فحضره الموت هناك وأوصى (1/279)
صفحة 280
بكتبه لأبي الربيع ورجع إلى قصطالية واشتهر في العلوم واضطربت قصطالية كلها من اجله واختلف أهل سجلماسة بعدما خرج من عندهم في مسألة كادوا يقتتلون عليها فاتفق رأيهم على أن يرسلوا أمينين إلى أبي الربيع فيعملوا بما يجيبهم به فأدركه الرسولان فأجابهم فأخذوا بما قال واصطلحوا وبات ليلة وضل هو وأبو يزيد بعض أهل الدعوة فلم يحسنوا قراهما ومر ببعض النكار وأحسنوا إنزالهما وذلك سبب هلاك أبي يزيد فقال لأبي الربيع إلا ترى ما بين الطائفتين فهل لك في الرجوع إلى مذهبهم فقال أبو الربيع أأخلد إلى الأرض لهواي؟ فرجع أبو يزيد نكاريا وهم فرقة من الإباضية اتبعوا في الكلام عبد الله بن يزيد ويأخذون في الفقه بقول ابن عبد العزيز وأبي المؤرج وحاتم بن منصور وشعيب وخلافهم إنكار إمامة عبد الوهاب وقد تقدم الكلام عليهم هناك ودخل مرة إلى إفريقية فوجدها تغيرت واستولت مشايخ النكار عليهم فأصلح ذلك اجمع وردها إلى الحق ودخل مرة خصا فيه سبعة أسرة لكل شيخ من مستاوة سرير يجلس عليه فقال له واحد منهم هاهنا ياأبا الربيع فقصده فلما تمكن من الاستواء عثر فوقع على المستاوي ولكزه بمرفقه حتى كاد إن يكسره قال كدت أن أكسرك ثم ناظروه فغلبهم وحضر غداؤهم فخرجوا وانتقلوا من غير أكل وتبعهم في أحياء إفريقية حتى نفى جميع من يميل إلى مذهبهم وأصلح البلاد رحمه الله وتوجه إلى الجبل وكان أبو القاسم يوالي نفاث قبل إحداثه ما أحدث ولم تقم عليه عنده بينة يقطع بها عذره فيتبرأ منه (1/280)
صفحة 281
وبقي على حاله قال لهم أبو الربيع شيخكم يوالي نفاثا وأنتم توالون شيخكم فكلكم نفاثيون. وسألته امرأة عن البراءة من مستاوة قال كلهم في البراءة ومستاوة هم النكار وقد تقدم الكلام على نفاث ومخالفته للإمام أفلح وطلب خرقة إلى العجوز يرقع بها ثوبه فأعطته فقالت أنها نجسة فقطع منها طرفا وقال خذي نجسك ورقع بالباقي وطلب مرة ماء فأعطته عجوز فقالت اشرب قليلا فاستوعب ما في الاناء قالت ألم أقل لك اشرب قليلا قال إنما شربت قليلا تأول قوله تعالى: {قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا} قليل ورأى تبرجا بنساء قصطالية فقال ما أكثر إماء أهل هذا البلد فحملهن على غير الحرائر وعيب عليه الفتيا بالرخص فقال بيني وبينكم النسيان. ووطئ برجله شيئا رطبا فقال ما أكثر طعام أهل هذا البلد ثم وجد طعاما. ومر على غدير ماء في فصل الشتاء ومعه عالمان آخران متقيان وكان وقت صلاه فلم يتوضأ خشية الضرر من البرد وغسل أحد الآخرين يديه وتوضأ الآخر فأخذه شدة البرد فوقع فلفه صاحباه في ثيابه وحملاه وقال لم تهون على نفسك إن تتيمم لصلاة واحدة فتيمم الآن لصلوات.
قال أبو العباس أرى أبا الربيع أفقه الثلاثة في المسألة وسيأتي تمام أخباره مع أبي الخطاب وغيره.
ومنهم أبو الخطاب وسيل بن سنتين الزواغي رحمه الله تعالى.
قال أبو العباس مذكور في من أفنى بدنه في العبادة وماله في الصدقة موسوم بسيمة الصلاح وسمته معدود في ديوان علماء وقته لا بطيئا في السباق ولا قاصرا عن اللحاق.
وجاز ابن زرقون على ريصو (1/281)
صفحة 282
فوجد بها أربع فرق من الإباضية مستاوة أتباع عبد الله بن يزيد والخلفية أتباع خلف بن السمح والنفاثية أتباع نفاث بن نصر وأهل الدعوة وذلك في أيام أبي الخطاب وسيل فأمر القضاء والأحكام لأبي الخطاب والفتيا للنكار وهو مستاوة وإمامة رمضان للخلفية والأذان للنفاثية.
ووقف أبو الربيع على حلقتهم والنكاري يفتي فألقى لمن يليه مسألة يسأل عنها ولعلهم لا يعرفونه فسأل المفتي فتعجب من ترتيب السؤال وحسنه ولم يطق جوابه فقال أبو الربيع أجب الرجل قال النكاري اجبه أنت ولعله ظن أن السؤال أعطال فأجابه أبو الربيع فزاده أسئلة أجاب فيها من غير توقف فرجع السؤال إليه وسقط النكاري.
ثم إن بعض أهل الدعوة سأله عن النكار والخلفية والنفاثية وهم حضور قال كفار فنظر بعضهم إلى بعض فتفرقوا وأبو الخطاب غائب وأخبر بما وقع وأنه عجل على القوم فقال أبو الخطاب كلا أنه فصل لكم دينكم وعاتب على أبي الخطاب نفوسة الجبل وعاتبوه في استفتائه النكاري والتزامه الأمر ليقظان وتغريمه الأرامل واليتامى للمظلمة وتقديمه خلفيا فلما بلغه بكى وقال الحمد لله الذي جعل لي إخوانا يعاتبوني على ما بلغهم مني من التقصير قبل يوم القيامة فأجابهم بأني لا احكم بما به يفتي وإنما احكم بعلمي والتزامي الأمر ليقظان إنما التزمته احتسابا لله لا ليقظان وأمر اليتامى والأرامل أن يداروا عن أنفسهم ولم أقدم خلفيا إنما أصلي فريضتي ثم أقول له أتصلي وقال أبو زكريا فيما بلغه عن بعض أهل القيروان (1/282)
صفحة 283
والله أعلم أن كان من أهل الدعوة أو من غيرهم كان عنده من العلم إن من بني مسجدا في تاصروت فهو مسلم عند الله فخرج إلى الموضع ليبني فيه المسجد فوجدا أبا الخطاب بناه وهو مسجده المعروف وأتاه رجل لا يعرفه فقال لي عليك دينار قال لا أعرفك فألح في الطلب فأعطاه ما طلب خشية الخصومة وسأله بعض أغنياء بني يهراسن أن يعطي زكاته أخاه فقيرا قال: ادعه فدعاه فقال تب إلى الله فتاب قال أعطه زكاتك قال للآخذ ألبسناك ثوبا وهو لباس التقوى فإن تعريت منه فلا قتلك إلا الجوع فنزعه بعد فبقي أثر الفقر في ذريته وأخذت فيه دعوة الشيخ وقالت امرأة من ذرية أبي الخطاب المعافري حين مات أبو الخطاب مات الحق وبقيتم يازواغة بطون كالأخرجه وعمائم كالأبرقة ونعال سجلماسية وأحكام متعوجة.
ومنهم أبو أيوب صنو أبي الخطاب في التقى وإجابة الدعاء والعلم والسخاء خرج هو وأبو الخطاب يوما في بعض حاجتهما فأدركهما الليل فأبصرا ليلة القدر فاجتهد أبو الخطاب في الدعاء لأمر آخرته وأبو أيوب يدعو أن يصيب دنيا سببا للجنة فأنكر عليه أبو الخطاب إن هذا مقام عظيم أتتعرض فيه للدنيا فقال أبو أيوب إن لم أصب بها الجنة فلا رزقنيها الله ومسكنهما ريصو.
وبسط الله الرزق والدنيا على أبي أيوب وقيل إذا جمع زرعه للدرس رآه من بجربة وأطلق يده للنفقة للوارد والصادر ونزلت به عير له احتاروا ففتح لهم مطمورة فلما اكتالوا قال لابنه انزل وانظر ما فعلت المطمورة قال له قمحها قمح الجنة (1/283)
صفحة 284
فتصدق بما فيها وابتدأ بأهل العير واتته نفوسة الجبل في سنة شديدة القحط فرأى على وجوهم لباس الجوع فأنزلهم وانفق عليهم مما أعطاه الله وكان يذبح لهم كبشا غداء وعشاء كبشا شهرا وما يمونهم من الطعام فسمعوا برخص الطعام بجربة فارادوها ليمتاروا فمنعهم وكان الرسول بينهم أبو مسور وأطلق دواب الأشياخ في الأندر تأكل قالوا كيف يصنع بالزكاة فلما حضر الكيل اخرج العاشر والتاسع والثامن والسابع والسادس للزكاة وذلك النصف فامتاروا جميعا من زكاته وكان معهم أبو يعقوب الدمري ومعه ابنه وقال اجعلوا للصبي سهما قالوا أن كان متول لك يبيت عندي الليلة يريد يختبره فلما أصبح قال توليته.
وخرج في جماعة يريدون زيارة الجبل فبينما هم في السير إذ أبصروا شخصا ظنوه عدوا ونزلوا عن دوابهم من البغال فتعلقوا بالوعر فكمنوا بالوعر فلما جنهم الليل وتيقنوا أن يبيتوا تلك الليلة طاوين قال: عندي ألف قفيز من طعام وما يلوثه زيتا وأنا أبيت بغير عشاء خيار ما يدخر المرء التقي وكان الشبح عيرا فعقلوا دواب الشيوخ فساقوها.
ومنهم أبو محمد الدرفي
قال أبو العباس: اسمه ملي وفي كتاب السير اسمه زيد بن فصيت فإما أن يكون ملي لقبا وإما شيخٌ آخر اسمه ملي. وقال أبو العباس: هو ممن يُعزى إلى الورع والصلاح وممن ضرب في الدراسة بالقداح وأديرت عليه من راح المذاكرة أقداح.
وذكر أن رجلا دعاه إلى طعام فذاكره بشهادة له فقال ارفع طعامك (1/284)
صفحة 285
لأن لك عليَّ شهادة فقال: كلْ وأشهدك أني تركت لغريمي مالي عليه من حق بشهادتك فانصرف. وأحضر أبو محمد قمحا صالحا واستدعى الرجل المذكور فقال خذ الطعام واصرفه فيمن ترى محتاجا واحتاط بذلك لما أتلف بسببه من الطعام وتقدم مثلها لأبي الشعثاء الزنتوتي وبعضهم يكتبه بالسين وللشيخ بن إبراهيم مثلها كما سيأتي.
وفي السير كان عالما زاهدا في الدنيا وكان حاكما على أهل جادو وركب حمارته ذات يوم فبركت فأخذ يصفق نعليه عند أذنيها وذهب أصحابه ولم تقم فقال بعض أصحابه ما أظن إلا حمارته بركت فرجع فضربها فقامت والورع منع الشيخ من ضربها وفيها أن نصر بن اكبت مقدم فساطو قدم على الشيخ وهناك معتق صالح اسمه نصر قدم أيضا فقال الشيخ للمعتق ارجع يا أبا حبيب هنا فظن ابن اكبت يريده قال موضعي مستويا ياشيخ قال لم أعنك وإنما أعني المعتق وأما أنت فارجع في الجحيم قال استحق المعتق ما فعلت به ياشيخ ووقعت فتنة فإذا جاز على جماعة فساطو قال لم اجتمعتم يا جماعة سوء وكان مقدمهم ابن اكبت يحذرهم من أن يجيبه أحد فأجابه يوما أخوه ليستقيم لك المشي ولحمارتك قال الشيخ لا يستقيم مشيي ومشي حمارتي إلا بك عسى الله أن يقتلوك ويصطلحوا قال ابن اكبت لأخيه احذر أهل زمور من الشيخ فوقعت لي فيك يا ابن أخي فكان الأمر كذلك فقتلوه واصطلحوا، وازداد عند ابنه أبي يحيى يوسف ولد قال أخذنا في التوسع وسموه سليمان لعله (1/285)
صفحة 286
يسلم من دهره وقيل عنه يجتنبوه الخصماء خوفا من عقوقه وأتاه مسكين وهو يأكل شواء اشتراه فأعطاه ما يشترى به شواء وقال إنما اشتريت هذا لآكله لنفسي وكان ابنه أبو يحيى لا يصلي فزار أبا محمد شيخ من تميجار فقال له أبو محمد بت عندي يا شيخ فقال لا افعل وابنك لا يصلي فانصرف فجعل أبو محمد حبلا في عنق ولده وحمله إلى السجن وقال ما وجد لي عيب إلا انك لا تصلى فاختر إما الصلاة أو دوام السجن أو تركب جملا ولا أراك أبدا فاختار الصلاة فأخذ يرائي بها زمانا ثم تاب ورجع إلى الله بقلبه فأحسن وضوءه واقبل إلى المسجد وجاز على أترابه كان إذا جاز عليهم قبل قالوا على وجه الهزوية هذا فلان أراد أن يصلي فما قالوا شيئا يومهم استحياء منه حين أقبل فأراه الله عبرة التوبة من ساعته فهابوه وألبسه الله ثوب الوقار. وغشي عليه في مرضه الذي مات فيه وهو بدار بني أبي عبد الله بسوق جادو فحملوه يبتغون منزله حتى بلغوا ماطس فأفاق فقال أين تريدون بي قالوا منزلك قال ردوني وجدتموني في الجهاد وموضع الرباط فحملتموني فردوه ومات بدار بني أبي عبد الله ودفن قبلة الدار فلما جن الليل قال الشيخ أبو زكريا اللالوتي فخرجت لأرى قبر الشيخ فلما قربت رأيت صفوفا من الرجال مصطفة حول القبر بيض الثياب.
وأما ابنه أبو يحيى فأخذ العلم من أبي محمد الكباوي وكان من اعلم أهل زمانه واستفتى أبو محمد الدرفي أبا محمد الكباوي (1/286)
صفحة 287
في المرأة إذا فادت زوجها وقام من موضعه فقبل فرخص الفداء وفي من حلف لامرأته أن لا تعطي مفتاح الجب فأرتها لمن حملها وقالت لا أعطيها لك إلا حنث وفيمن حلف لزوجه أن يأكل بالزيت وتأكل بغير زيت وهو مختلط فرخص إذا أكل من موضع تأخر فيه المغرف حين الأثراد وكان زمانهم قليل الزيت ويجعلون الزيت على المغرف وكان أبو يحيى متفننا في العلوم وعارفا بالنجوم وتولى بعد أبيه حكومة جادو وتخاصم إليه اثنان أحدهما سرق زيتون الآخر فأبى أن يقر قال أبو يحيى قم خذه من موضع كذا وكان مطيعا لوالده وقال ما يشق علي شيء أكثر من أن يقول أطعمني لحما لذيذا فأبادر بنفسي فأذبح شاة وأسلخها وأهيئها بنفسي.
وفي السير أن أبا محمد الآخرة دون الدنيا وأبو يحيى يوسف بن أبي محمد الدنيا والآخرة وسليمان أبو داود بن أبي يحيى الدنيا دون الآخرة قال أبو يحيى أخذت العلم بالقصعة وفرقته بالأقداح يشير إلى كثرة فهمه وقلة فهم غيره.
وقطع قاطع على امرأة عفيفة من أرجمان فحملت منه فشاورت عجوزا في أمرها فقالت اقعدي عند الحبس حتى إذا رأيت من خرج إلى حاجة الإنسان فتواري عن المنزل فتعلقي به ففعلت فخرج أبو يحيى حتى إذا دار من الشعبة خلف أبي طين فتعلقت به فقال إذا ولدت فقولي هو لفلان فولدت صبية فقالت هي لفلان فأرسل إليها بجميع ما يحتاج إليه مثلها فوقعت البركة في أرزاقهم من هناك.
وأما أبو داود سليمان وأبو عبد الله محمد بن أبي (1/287)
صفحة 288
يحيى فكان حاكمين في أهل زمور قال أبو محمد يحب نفوسة ويبغض جماعة منهم وابنه أبو يحيى يحب الجميع وأبو داود بعكس جده وكان أبو محمد إذا قام من مجلس القضاء أكل ما حضر وأبو يحيى يأكل ما خبزوا وربما استطرف وأبو داود يأكل اللحم والقمح وتمر فزان في أكثر أوقاته وكانت أيام أبي داود مباركة على نفوسة بدعوة الشيخ رحمه الله وقالوا ما جاوزت أيام أبي داود على نفوسة قط وفي أيام أبي يحيى هدم قصر إدرف استحشد له مجدول بن يوسف الطرميسي ألف فارس من زناتة وأخذ العلم عن يحيى بشر كثير منهم أبو يوسف وجدليش بن في وأبو سهل وغيرهم.
ومنهم أبو يوسف يعقوب بن سيلوس الطرفي السدراتي رحمه الله تعالى.
قال أبو العباس العالم الفقيه الفاطن النبيه اليقظان الذكي ذو الجهادين الأكبر والأصغر والاجتهادين المصلى والدفتر الورع الزكي وكانت قراءته على الأئمة بتاهرت وقال له ابنه أوصني فقال ما أراك تقبل يا ابن الردية فتردد في ذلك ثلاثة أيام فلما رأى جده قال لا يكن ندبك الناس إلى الخير أوكد من ندبك نفسك ولا يكن غيرك اسبق إلى الحرث منك وكن للناس كالميزاب وكالسيل للأدران وكالسمار للماء وقصده رجل من دمر في مجاعة يطلب ما يتبلغ به قال له عرفني بأرخص ما في السوق فأعلمه برخص الجمال فاقرضه الشيخ أربعة وعشرين دينارا من وديعة فاشترى ثلاثة أجمال فأحسن رعيها ومرعاها فحسنت حالها فأمره ببيع احدها فباعه بأربعة وعشرين (1/288)
صفحة 289
دينارا فجاء صاحب الوديعة فردها له الشيخ فباع الثاني فاشترى به ما حمل على الثالث فرجع إلى أهله على أحسن حال والشيخ لم يتسلف إلا بإذن صاحبها فتلك عادة وكان قاضيا ولا يمنعه القضاء من فعل أشغاله لقوة ذكائه وقلة كبره وهو النهاية في الفتيا بوارجلان وله مصلى معروف بإجابة الدعاء.
ومنهم أبو سهل الفارسي رحمه الله.
قال أبو العباس غلبت عليه هذه العزوة الفارسية وليس بفارسي وإنما هو نفوسي ولاشك أن أمه رستمية من بيت الإمامة فغلب نسبها عليه واشتهر وقيل بل هو رستمي أبا وأما وإن أباه بعض ولد ميمون بن عبد الوهاب رحمة الله تعالى عليهم.
قال أبو العباس الغالب من أحواله إهمال الدمع والتلهف على فائت ليس له رجوع فجعل هجيراه مراثي الدين وأهله والبكاء عليه بوابل الدمع وطله فدونت الدواوين من كلامه قال: وعن أبي زكريا يحيى بن أبي بكر إن رجلا من العرب من موالي لواتة قنطرار يسمى سعيدا طلع إلى البادية فانتهى إلى موضع أبي سهل بمرسى الخرز وقيل بمرسى الدجاج بجزائر بني مزغنان قال فأكرمه وسأله عن أهل الدعوة فدون لهم اثني عشر كتابا وعظا وتذكيرا أو تخويفا نظما بلغه البربر وكان يحسنها إذ هو ترجمان الإمام أفلح والإمام يوسف وفيه جمل من تواريخ أهل الدعوة فاختلس النكار شطرها فاحترق الباقي حين أخذت قلعة بني درجين ولم يبق إلا ما حفظ من ذلك فجمع ما تحصل في الصدور فكان أربعة وعشرين (1/289)
صفحة 290
بابا وقبره بالموضع المذكور يزار وربما قال القائل انطلقوا بنا إلى قبر النادب دينه.
ومنهم أبو محمد جمال المزاتي المدوني رحمه الله.
قال أبو العباس هو بقية الأسلاف المثلى في سيرهم حين التلاف أقام المرفض إذا أراد أن ينقضي قال وهو في السباق في العلم والعمل والنداء. وقارض في أيامه رجل رجلا فبينما هو في تجارته إذ ورد تفسير هود بن محكم فاشتراه لنفسه لكن من مال القراض قال لصاحب المال لك رأس مالك عندي وقال صاحب المال الكتاب لي ولك نصيبك من الربح فتعصب قوم كل واحد له فأتى أبو محمد ففتح الكتاب فإذا في وسطه ورقتان غير مكتوبتين فقسمه بينهما نصفين وقال من أراد نسخ النصف الآخر فليفعل وقيل الناسخ تفرس أنه يقسم فبيض موضع القطع فاصطلحوا.
ووقعت مجاعة وفي جوار أبي محمد رجل اضر الجوع عياله وله إبل ولم يتركه الشح المطاع أن ينحر منها ناقة فقام الشيخ إلى خيارها فنحرها للعيال بغير إذن فلما أصبحوا غارت عليهم غارة أكسحت إبل الرجل فلولا أن الله بلطفه ألهم الشيخ لماتوا جوعا قيل فتبلغوا بشحم تلك الناقة ولحمها وسدوا فاقتهم تلك السنة الشديدة.
وخرج عامل الظلمة إلى قبيلة وهم أهل مواشٍ وقال كلما بت ضاعفت عليكم الطلب فلم يكترثوا بقوله حماقة وخرقا لا قدرة وعزا فقال أبو محمد للعامل امنعهم من أن يسرحوا مواشيهم حتى يعطوك ففعل وفعلوا فطعن الجهال في فعله بأنه عون للظلمة على الظلم فقال إذ بلغته (1/290)
صفحة 291
مقالتهم على العالم أن ينظر للجاهل ويدله على ما فيه سلامة دينه ودنياه.
وكان يصلي بجماعة أكثرها أهل خلاف ممن يرى القنوت وكان يقنت بآي القرآن وقيل الفاعل لذلك فتوح.
وتوجه مشايخ إفريقيا إلى طرابلس واتفقوا أنهم لا يتكلمون إلا بقول واحد في المسألة فدخلوا جربة فحضر شيوخها مجلسا جمعهم فوقع الكلام على الثياب التي صنعت مما انبتت الأرض فقال الجميع لا تطهر إلا بالغسل إذا نجست وقال أبو محمد تطهر بما به تطهر الأرض فنبهه بعض أصحابه على ما وقع من الاتفاق فأبى من الرجوع وكان أبو مسور حاضرا فقال العالم مثل الأجدل إذا حلق ضرب.
قال أبو العباس إنما نبه بعض أصحابه واعلمه بان اتفاقهم هو الصواب. وصحبه إلى الحج الشيخان مطكداسن وعبد الله بن الأمير ومعه اثنا عشر جملا فدعا يوما الشيخ مطكداسن يعينه على ارتحالها قال ليس ذلك من شأني قال وما شانك إذا قال الدواة والقلم وحسبك إني كتبت أحد عشر كتابا في عشرة أيام فلما بلغوا مدين رأى أبو محمد رجلا يطفف الكيل فلطمه قال أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين فرفع المضروب رأسه فقال فينا والله نزلت يا مغربي وإنما نبهه أبو محمد بالآية لذلك فلما قضوا مناسكهم ورجعوا إلى بلادهم جاء لتهنيتهم الشيوخ فقال الشيخ عبد الله بن مانوج للشيخ عبد الله بن الأمير لعلك أصبت في سفرك بشيء قال قد سلمني الله وعافاني قال ابن مانوج أود لو احتسبت بشيء تصاب به فأصبح له أحد عشر جملا موتى (1/291)
صفحة 292
أراد ابن مانوج قوله عليه السلام من يرد الله به خيرا يصب منه وقصد أن يوفر الله أجره.
ومنهم الشيخ فتوح بن أبي حاجب الوسلاتي المزاتي.
وذكر عنه أن مخالفا طعن في دين الوهبية بمسمع منه فغضب وقال ليس هاهنا أحد من أولاد المشومات فسمعه جماعة من شبان مزاتة وفتاكهم ممن يغضب لغضبه فتسوروا ليلا على الرجل داره وخنقوه حتى مات فرموا به في الزقاق وذلك ببعض قرى الزاب فلما أصبح ونظره الناس ولم يجدوا به جرحا قالوا والله ما قتله إلا الملائكة ثم مر الفاعلون بالشيخ بعد عام فقالوا يا شيخ هل هنا أحد من أولاد المشومات أو لا؟ يذكِّرونه فعلتهم، فأثنى عليهم وشكر فعلهم.
وأذاه ذئب في بحيرة فقوص فدعا عليه فأصبح فيها ميتا.
وسرق له فقوص فجعله السارق في زق ماء حمله على ظهره فلما توسط مجمع الناس وقع وانقطع السقاء ففضحه الله وهي بعد امرأة سرقته مرارا فلما تمادت دعا عليها.
ومنهم سحنون بن أيوب هو في العلوم آية وأما في الكلام فغاية اغترف من بحر علمه جماعة واقتبس من نور هداه قوم قادة منهم أبو القاسم وأبو خزر وغيرهما ممن يكثر عددهم.
قال أبو العباس فقيه أو أنه وعميد مكانه وكان من الأئمة الثقات علقت عنه الفتاوى والمسائل في كثير من النوازل وله آثار محفوظة في جهة طرابلس.
ومنهم أبو عامر السدراتي وكان عالما ورعا وزاهدا عاملا.
وفي السير أراد شروس فأوصته أم سحنون ليقضي لها حوائجها فقال لا تكلي إليَّ حوائجك فإن الدنيا (1/292)
صفحة 293
عندي لا تساوي جناح ذباب فقالت أظن أن ليس لنا عمل يوزن عند الله فقال: مسكينة ظننت أن الأعمال توزن، وإنما توزن القلوب.
وقدم مرة من الصحراء حتى بلغ رأس الجبل فقال له ابنه أحملك أم أحمل أمي قال احمل أمك فحمل أمه على ظهره إلى منزله فوجد أبا عامر سبقهما وهو قبل ذلك لا يقدر على المشي.
وبعث حماره مرة إلى إفريقيا يمتار الزيت فأصيبت العير التي رافقته، فأُخبر فقال: حماري سالم، إلى ليلة من الليالي فقال: قوموا حطوا عن الحمار حمله فإذا به على الباب واقف.
ونام مرة في غاره فسمع نداء عليه فخرج فلم يجد أحدا فرجع فوجد صخرة وقعت من سقف الغار في مكانه ولولا من فضل الله لكانت القاضية.
وكان أبو عامر يبعث حماره إلى الجبل يرعى فيقول عند الرواح اذهبوا إلى موضع كذا فأتوا به إلى مرة قال اذهبوا إلى موضع كذا فأتوا ببردعته قد مات بل قد أكله الضبع.
وبعض بنيه يخالط أهل زناتة في البيع والشراء فجعل وليمة وأبوه أمر بتجنب طعامه، فكره أن يأكل الناس ولا يأكل أبوه، فاصطاد ظبيا فقدموه له عند الإفطار فقيل له من عند ابنك قال نحوه ما جاء من يونس فهو مونس فأرسلها مثلا.
ومنهم الشيخ التقي الأفضل الحاكم الأعدل أبو ويسجمين من أهل تاغرويت.
وفي السير أن أبا عامر السدراتي أرسل ابنه أبا حسان إلى الشيخ أبي ويسجمين أن يدعو الله له أن يرزقه الجنة فإني سمعت عنه أنه يخرج الحق كما انزله الله وذلك أنه بلغه أنه استمسك (1/293)
صفحة 294
رجل بآخر عنده أنه خوفه فاقر الآخر بذلك فأخرج الشيخ حزمة السياط قدامه ثم أشتغل بوظائف الصلاة فلما صلى أمره أن يتزر فتقدم وأخذ سوطا من تلك السياط فهزه كهيئة من يعرض للضرب فتركه وأخذ غيره حتى أتى على الحزمة فقال له تبت قال له تبت ياشيخ لا أعود فقال المدعي أعطني منه حقي قال خوفا فخوفته فسار أبو حسان بوصية أبيه أبي عامر فأخبره فقال فما نحن حتى نطلب الجنة لأبي عامر تحقيرا لنفسه وهضما لها عن مراتب الكمال ثم دعا له فأعطاه تمرات قال بلغها لأبيك يفطر عليها وقل له يدعو لي بالجنة وبات أبو حسان في رجوعه بالصحراء لبعد المكان فلما بلغ أباه وأخبره بالخبر قال أين بت قال في الفحص قال على ما أفطرت قال على بقلة الزباح قال الشيخ لو أنك أكلت التمرات لم تفلح أبدا وسمعه رجل يقول رب لم كان مالي مثل مال النصراني لا تصيبه الآفات ثم جاءه بعد ذلك وهو مسرور فقال له انك تفرح لي مات لي سبع من الإبل جيفا.
ومنهم أبو حسان بن أبي عامر المتقدم قيل ينسبان لعاصم السدراتي ودخل على الأشياخ بتلات فوقعت بينهم مباحثة في مسألة خطَّأه فيها قالوا تب إلى الله من قولك وفيهم أبو عيسى الدرفي وكان أبو يحيى الفرسطائي ساكتا ونصرته عجوز ثم تكلم أبو يحيى فقال لأبي حسان تب إلى الله فتاب فقال أبو عيسى للعجوز التي قوت قوله هلاَّ توليت أبا حسان قالت نعم قال هل تدعين له بالجنة قالت نعم قال هل تدعين أن يشاركك معه في المنزل في الجنة قالت (1/294)
صفحة 295
نعم قال توبي إلى الله ليس للعبد أن يدعو بالمشاركة إلا مع المعصوم قالت من تكن يا فتى كي أنسب إليك ديني قال قد امتلأت من دين ابن أبي عامر.
وحضر أبو حسان مجلس أبي هارون الجلالمي في شروس فسأله فيمن عظم في الصلاة واحدة أو اثنتين أو ثلاثا أو أربعا أو خمسا فأجابه بأن الثلاثة هي السنة وفي الأربع والاثنان قولان والنقض في الواحدة والخمسة وسأله في الذي أخر يديه عن ركبتيه في السجود أو قدمهما على رأسه أو وسطهما أو ساواهما بالرأس فأجابه بالنقض في التقديم والتأخير والخلاف في المساواة والمعمول التوسط. فقال: ما تقول في جالب الخدم فتسرى واحدة فأتت بأولاد سود مثل الزيتون قال يلزمونه فضحك بعض من حضر فغضب أبو حسان وقام وقال الضحك في المجالس! فانتهر أبو هارون الضاحك ولما حضرته الوفاة أوصى بثمانين دينارا قالوا لماذا قال للنار السود.
وكانت العجوز تبركانت جدة الشيوخ من عباد الله الصالحين واليها هربت البنت الصالحة البصيرة حين ظهر حملها وقصتها أنها من أهل تاغرويت وكانت عمياء فغلبت على نفسها فحملت وخافت من أخيها فهربت حتى أتت العجوز فولدت عندها غلاما فاحتال أخوها حتى رأى العجوز ليلة اشتغلت ببعض ما يهمها فدخل فوجدها تعجن فذبحها فخرج فدخلت العجوز فوجدتها مذبوحة وولدها يرضعها فدفنوها فرآها بعض الصالحين في الليلة المقبلة في المنام قالت له قل لأخي ما ترجمته بالعربية فليضرب ذو الفعل السوء وجدت (1/295)
صفحة 296
منازل بنيت باللؤلؤ وهو شعر له وزن بلغة البرابر. واسم ولدها وزال عاش فتعلم القرآن والعلم وصار شيخا إماما وقدوة وعلما يهتدي به وولد له ولد سماه عيسى قال الشيخ أبو محمد الشيخ عيسى والشيخ أبو الربيع اليوجلاني ليس عندهما من كلام الدنيا شيء إلا الاشتغال بطاعة الله تعالى حتى لحقا بالله تعالى.
وتاغرويت مدينة قريبة من لالت تحتها وجلا أهلها زناتة واجتمع فيها في أيام أبي ويسجميمان سبعون شيخا أصحاب القلنسوات وأكثر أهلها ذهبوا إلى وارجلان وكان رجل من أهل لالت قويا في دين الله وجعل الناس يوكلونه على إنفاذ وصاياهم وكان لا يتربص ولا ينتظر في إنفاذها ويأتيه أهل تاغرويت فيعطيهم فإذا قال أحد منهم: عيالي كذا صدَّقَهُ، وإذا قال: وصاني فلان أن آخذ له وعياله كذا صدَّقه، وأعطاه على ذلك الحساب.
ومنهم التقيان الورعان العاملان الذائبان في طاعة الرحمن ومعصية الشيطان أبو أحمد ومحمد بن بصير اللالوتيان النفوسيان.
وفي السير أعاد أبو أحمد صلاة سنه في ليلة واحدة وذكر لأم زورغ ذلك أيضا وهذا الشيخ بورك فيه وله فضائل قالوا ما دخلنا على محمد بن بصير قط إلا أوصانا أن نتحفظ من الشيطان بأربع فإذا فعلتم تركتموه كالخابية التي لا عُرا لها عند الرغبة والشهوة وعند الغضب والرهبة.
ومنهم أبو زكريا يحيى بن سفيان اللالوتي النفوسي وكان من المعمرين وكان حاكما عادلا وعالما فاضلا.
وفي السير سافر إلى الحج ومر في طريقه برجل يسقى الماء (1/296)
صفحة 297
ويسألهم عن أسمائهم فاستسقاه فسقاه وسأله عن اسمه قال يحيى بن سفيان فأنصرف الساقي فقيل له لم تركت السقي قال رأيت في المنام أني أسقي رجلا من أهل الجنة اسمه يحيى بن سفيان وظفرت به واصطحب مع قوم من المخالفين وكان هو الذي يصلي بهم جميعا وكان يحصد الزرع فأحتاج إلى ما يحمل عليه فأتاه جاره بجمله يحمل عليه فأبى له وانتهره ثم بعد موت الشيخ حصد ابنه في ذلك المكان فأحتاج أيضا إلى ما يحمل عليه فأتى جاره يطلب جمله قال له أردت أن احمل شبكتي ثم أحمل أنت بعدي فغضب ابن الشيخ حيث لم يؤثر بالتقديم فقال صاحب الجمل إن ذا لمن العجب الشيخ يغضب علينا إذا أثرناه على أنفسنا وابنه يهددنا إذ لم نؤثره وأتاه أبو الربيع يتعلم عنده فأخذ يفتي بالرخص في مجلسه قال أبو الربيع هذا كثير قال أبو زكريا أن لم ترد فقم فقام أبو الربيع فقال أبو زكريا للتلامذة ردوه أن لم يفهم هو فلا يفهم غيره فوجدوه راجعا قد بدا له وحضر مع المشايخ يضربون رجلين خففوا على أحدهما وثقلوا على الآخر فقال خففتم على هذا غلظ الله عليه وشددتم على الآخر خفف الله عليه فكر الضرب على الذي خففوا عليه فمات وكان نفوسيا وسلم الله الآخر وانزل الأشياخ رجلا من أهل تارديت في السجن فأراد أهله إخراجه من غير رضا المشايخ قال أبو زكريا اتركوه يخرج لا نفعهم الله به فلم ينتفع به أهله بل أخذت الدعوة في الجميع فرأى بعد ذلك غلاما عليه ثياب حسنة وبرنوس احمر وهو على (1/297)
صفحة 298
فرس فقال من والد هذا قالوا من أهل أندامر يعنون قبيلة الذي أخرج من السجن قال أوبقي من أولاد فلان أحد إلى الآن فسأجدد التوبة ثم مات الفتى بعد قليل فنعوذ بالله من عقوق أوليائه وباته المشايخ فأكثر عليهم اللحم دون الطعام واستعذر وباتوه تارة أخرى فأطعمهم الطعام والزيت فلم يستعذر فذكر له ذلك فقال لا عذر مع الطعام والزيت وأخذ منه العلم بشر كثير وأخذ عن أبي محمد خصيب التمصمصي وعن أبي عبد الله محمد بن جلداسن اللالوتي.
ومنهم أبو عبد الله محمد بن جلداسن اللالوتي النفوسي وكان بحر العلم الزاخر وإمام الحكام الفاخر قيل له في بعض أحكامك ضعف قال اقعدوا على طريق الحطابة فإن رأيتم معهم عودا يابسا فصدقتم إني ضعيت شيئا من الحق وكان بشروس في يوم مطر فمشى بخفيه حتى دخل المسجد فتقدم وصلى بالناس بهما وللإمام أفلح ما يقرب منها وذلك أن بعض علماء تيهرت دخله الشك فأدركه يوما يحاذر ما يطير إليه من طين الأزقة وذلك في أثر مطر فحرك الإمام فرسه متعمدا فأطار عليه من الطين الذي يحاذر منه فلما بلغ المسجد قدمه بثيابه فصلى بالناس وزال عنه الشك وقال رجل لابن جلداسن حين تقدم بخفيه إن متولي الناس مثل اللبن يغيره أدنى ما يقع به فترك مثل ذلك من هناك وكانت أم سحنون اللالوتية من أفضل عجوز بالجبل وسار المشايخ لزيارتها فلما قربوا أتاهم حبر حدث وقع بجادو فرجعوا إلا أبا هارون فلما وصلها اخبرها (1/298)
صفحة 299
قالت يا أخي خشيت أن أكون ممن قيل فيهم إذا زارت الأخيار فاسقا سد الملائكة عليهم الفجوج وإذا زار الأشرار صالحا قيدتهم الملائكة وقالت للشيخ ماطوس بن ماطوس رضي الله عنهم ما زوجتك قال ليست بشيء فرأتها بعد ذلك فقالت قلت ليست بشيء وهي كالشحم المغموس في الدم بارعة الجمال قال ما انتن من لم يتق الله وقد تقدم شيء من أخباره.
ومنهم أبو الربيع سليمان بن هارون اللالوتي شيخ العلم والتحقيق وقدوة أهل التقى والتوفيق.
وفي السير مات وهو ابن سبع وعشرين سنة وقد جازت عليه نسبة الدين خرج أيام الربيع هو وتلاميذه فصادفهم بنوتيجن يمشون بين الخصوص فقتلوهم جميعا.
وكتب أبو يحيى الفرسطائي إلى أهل جادو المؤمنون تتكافأ دماؤهم بلغنا إن تسعة رهط من بني تيجن يفسدون في الأرض ولا يصلحون قتلوا أبا الربيع يعني لهم إن قدروا على أحد منهم قتلوه وأخذ العلم عنه كثير منهم أبو محمد خصيب بن إبراهيم التمصمصي وأخذ هو عن أبي هارون الجلالمي موسى بن يونس وقد تقدم ذكره ولالت موضع الأشياخ والعلم.
ومنهم أبو نصر زار بن يونس التفستي النفوسي من الأئمة الأخيار والقادة الأبرار.
وفي السير قال أبو نصر: الكلام كله لغو إلا مسألة في الخير واستعاده من الشر وقراءة القرآن والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر.
وفيها أتاه أبو سهل البشر بن محمد يتعلم عنده فحضر المجلس فسمعه يقول لن ينجو من علماء آخر الزمان إلا قدر ما يسلم من المصابيح اللاتي رفعت (1/299)
صفحة 300
من بيت إلى بيت في يوم ريح فلما أصبح أتى الشيخ للوداع قال له ما السبب قال سمعتك وما ذكرت من قلة من ينجو من العلماء قال أبو نصر إذا كان هذا شأن العلماء فكيف بنجاة غيرهم بل الجهال دود لا يفلت منهم أحد.
ولما حضرت الوفاة أبا نصر أخذ يبكي قيل ما يبكيك قال خوفا من الفتيا قلت دار من دور نفوسة لم يدخلها فتياي.
ومنهم أبو غلبون النفوسي وأبو محمد بن المطا النفوسي الامللي كانا عالمين عاملين صالحين كان أبو غلبون يقرأ في منزله وتقرأ معه ابنته من بيتها من الجانب الآخر من الوادي ورأى ليلة القدر فأضاءت الأرض فأبصر ذئبا بموضع بعيد يكاد أن لا يبصر فيه بالنهار.
وفي السير أن أبا المطا شديد الورع فطلق امرأته فقال من قال الآن يتبين ورعه يعني أن صدقات النساء ثلاثة أرباع ما عند الزوج من الربع هل ينصف نفسه فيعطيها ثلاثة أرباع الأصل فأنصف من نفسه وأعطاها حقها وأم الربيع موضعها بقرب موضعه كانت مأوى للأخيار وكهفا للأبرار وسيأتي ذكرها مع ذكر أبي حسان خيار بني ملال الفرسطائي.
ومنهم أبو محمد عبيدة التلاتي النفوسي.
وفي السير كان شيخا وذكر من سخائه أن وقع بنفوسة قحط وشدة فأخذ ينفق أهل بلده ما شاء الله من الدهر وقال لهم من أراد أن يأخذ نصف صاع لغدائه ونصف صاع لعشائه من أي نوع شاء من شعيرا أو تمرا وتين.
ومن ورعه أن أرسل ناقته ترعى وديعة عند العرب فحملت فلما ولدت رد لهم الولد ومن حزمه (1/300)
صفحة 301
قالوا غرس ثلاثمائة كرمة بيده. وأوصت عجوز عجوزا بعد أن عجزتا عن الزيارة والالتقاء وقد كانتا تلتقيان بموضع بين بلديهما تتذاكران وتذكران الله ثم تفترقان فلما عجزتا أوصت إحداهما إلى الأخرى لا تتركي نصيبك وحظك من الأمر والنهي لأن من أحيي نصيبه منهما كمن أحيي المسلمين من مخه ومن ترك ذلك كمن قتلهم وباع سهمه من الجنة إحداهما من إكراين والأخرى من توغرست.
ومن عادة أهل الجبل الاجتماع والتزاور في الله خصوصا أهل ولون وكان اجتماعهم على ما يصلح الإسلام وأموره يخرجون الحق ممن كان عليه حتى إذا نزع أحد بقلة الشاش من أصلها أدبوه وفي يوم جمعة يتزاورون يختلفون في الطرق بين سائر وراجع مثل النمل وتبيض الجبال من كثرتهم.
ومنهم الشيخ السمي العالم التقي أبو هارون التملوشايتي وابنه أبو الربيع وصنوه في العلم والتقى لا في النسب أبو يوسف خلاص وكان أبو هارون صائم الدهر مع علم كثير وورع قوي وأخذ العلم عن أبي محمد خصيب بن إبراهيم التمصمصي وكان سبب ابتداء فتياه أن أبا محمد لما عجز بالكبر على المسير نزل الأشياخ إلى إجناون وفيهم أبو زكريا بن أبي عبد الله وأبو هارون فلما قعد المجلس قال أبو زكريا لأبي هارون أفت فتقدم من هناك يفتي.
وسبب انتقاله إلى إبناين كان يزور عجوزا فيها فلما رجعت له الأمور وكان قد استحسن المنزل وقت الزيارة فانتقل إليه فبنى فيه مسجدا.
وفي السير فصار كهفا ومأوى لأهل الإسلام وله امرأة صالحة من خيار المسلمين ورعا (1/301)
صفحة 302
ودينا ولا ولد له معها وكلمه المشايخ أن يتزوج أخرى قال لا أتزوج إلا امرأة صالحة ورعة وأمر زوجته يوما تجعل له الماء في آنيته للوضوء فلما أخذت في الصب حاذرت ما يطير عليها من جرة الشيخ فاهتم بالتزويج عليها من هناك فالتمسوا له امرأة تصلح له فلم يجدوا إلا ابنة العجوز جدة الشيوخ تبركانت السدراتية وقد تقدم الكلام على بعض أمورها فخطبوها وجلبوها فلما قربت من المنزل أتى أبو يوسف من أهل تنفخست زوجته الأولى فوافق سماعها الخبر ذلك الوقت وقد أخذت الماء للوضوء وأخذتها الرعدة جزعا من الضارة حتى تحرك الماء في الجرة من شدة الاضطراب فقال لها صبرك الله وهداك وأعطاك ما يقوم به الإسلام وهو شعر بالبربرية فأجاب الله دعاء الشيخ وزال عنها ما بها ولم يبق بها شيء فأنزلت ضارتها مع من أنزلها فولدت للشيخ أبو زكريا يحيى مات على أربع وعشرين سنة همه آخرته وقد جمع جميع خصال الخير.
وفي السير قال لا أبالي بالموت متى نزل بي لقوة استعداده له وقال ما علمت إني قارفت إثما قط إلا مرة وجدت دابة في الظل فأخرجتها إلى الشمس فقعدت في موضعها وكان كثير الوضوء للصلاة حتى أتلف عضوا من أعضائه بالبرد فشددوا عليه بان النار أولى بذلك العضو لأنه أهلكه بالجور عليه بالماء البارد فبلغ فيه ذلك فتحير فقال له الشيخ وافي بن عمار العضو الذي أهلك في طاعة ربه الجنة أولى به وكان يقول ماذا وجدت في عمي وافي (1/302)
صفحة 303
والثاني أبو الربيع والثالث إبراهيم دنياوي والرابع محمد لا يصلح للدنيا ولا للدين عكس أبي الربيع وكان الشيخ أبو هارون يصوم الدهر ولا يفطر إلا العيدين ويصوم أيام التشريق يكون ممن يسكن بير الفلق وانتهى عن صومها وحجر عليها الفتيا بذلك.
وكانت أم داود عالمة ورعة خاشية لله خاشعة كانت مرة تصلي فابتلاها الله بان دخل حنش تحتها دخل من كمها وخرج من الكم الآخر ولم تنقض صلاتها.
وفي السير أنه أنفذ وصية أمه ثلاث مرات ثم رآها في المنام فقالت له أغسل هذا الموضع من ثوبي فقد طلبت أخاك بهلول أن يغسله فأبى فسأل فقيل له ليهودي على أمك شيء من الشعير طلب أخاك وأبى أن يعطيه فقضاه الشيخ وجاز على قبر أمه فوجد عليه جلبانا نابتا فسأل فقيل لامرأة عليها شيء من جلبان.
وإذا نعس في مجلس العلم وأرادوا إزالة النوم عنه ذكروا الموت فيزول عنه ما به من السنة ويأخذ في وصف شدائده.
فكلموه في شراء الأصل لأولاده قال من يتبع منهم طريق الهدى لا يعدم من الله خيرا ومن نبذه وراء ظهره فلا أعدمه الله جوعا ودعا الله أن يجعل رزق ولده وذريته فيما بين لالت وتغرمين أعني جبل نفوسة.
وبات ميتون فأرسل بغلته إلى أم ماطوس لينزل عندها فردتها ثم أرسلت إليها بعد فأخذتها فلما التقيا عند العشاء اعتذرت بأن زوجها غائب حين بعث بها فلما جاء استأذنته فأذن لها واسمها عافية، فلما أكلا ما قضى لهما اشتغلا بالعبادة، وقيل قالت له أبو حسان خير منك قليل المؤنة كثير الفائدة وأنت (1/303)
صفحة 304
كثير المؤنة بتلاميذك وأصحابك حتى لا نصل إلى حضور المجلس ورخص لرجل أن يصلي قائما ويده مقطوعة.
وأما ابنه أبو الربيع فوحيد العصر وفريد الدهر غلب عليه الشيخ فصار علما عليه.
وفي السير كان سخي الكف عالما شديدا في الأمر والنهي أخذ العلم عن أبي يحيى زكريا بن سفيان اللالوتي وأبي سهل البشر بن محمد التندنميرتي وأبي يوسف وجدليش بن في اليجلاني وأخذ عنه بشر كثير.
وسافر إلى الحج مع الأشياخ وغيرهم فترافقوا رجلين رجلين فطال الطريق وافترقوا إلا إياه وأبا يعقوب الساكن بتملشايت قال لولا أنه يحتملني لافترقنا وهذه بمناقب أبي يعقوب أولى وإذا سئل أهل الركب عن من عالمكم فيقولون أبو الربيع وأبو عبد الله الدرفي وعابدهم أبو موسى من أهل دجى وسخيهم زكريا بن عمار الشروسي.
وقيل تسلفوا منه ثلاثمائة دينار فلما رجعوا طلبوه أن يأخذها فأبى قال لا أخذ سلف الحج وإذا سئلوا من أفضلكم فيقولون أبو يعقوب البرني رفيق أبي الربيع المتقدم الذكر وطبخت لهم امرأة في طريقهم طعاما وأدامته بخل فقالت كلوا طيبا له خمسة عشر يوما فاتفقوا أن لا يصدقوها فأكلوا.
وأشتهر طلوع هلال شوال فأكل بعض منازل نفوسة وأمسك بعض يريدون العدالة فخرج ليكسر على من تمادى على الصوم حتى بلغ جادو ليغير هذا الحدث.
وصام مرة رمضان في جادو واجتهد في العبادة والقراءة فقال لأبي عمرو حجر عليهم أن لا يناموا بالليل ومن كسر الحجر فالسجن أولى وتصدق تلك المرة بمائة دينار هناك (1/304)
صفحة 305
واستحق عنده بعض أهل إكراين الأدب فجعل السلسلة في عنقه فطلبوه أن ينزعها فقال لو أمكن لي أن أترك رباط يوسف بن عبد الله بمائة دينار لأعطيتها ولكن الحق أولى.
وصادف بعض تلاميذه جماعة من أهل تندنميرت يلعبون العرس بالدف فأراد كسرها فامتنعوا فلما بلغ الشيخ أخبره وسار إليهم وأنزلهم في السجن، وأكرمه وأصحابه رجل فأمتنع بعض تلاميذه من الأكل تورعا فغضب عليه أبو الربيع وقال لأبي محمد عبد الله التميجاري فليلحق بيته وهو رديف الشيخ على البغلة وقال له أبو محمد أن لم تأثم أنت فلا يأثم هو فطأطأ الشيخ رأسه حتى قرب قربوس السرج.
وعادته إذا صلى العشاء الآخرة وأكمل ورده جعل للطلبة المجلس هونا من الليل ثم ينصرف إلى داره ومعه محمد بن زكريا البغطوري ومحمد بن يفون فيقرأ عليه أحدهما حتى يفتر ثم يقرأ الآخر إلى آخر الليل وذلك أن كتبا أتته من فزان وضعف عن النظر والقراءة بالكبر ثم يقوم من المجلس مشتغلا بصلاته فإذا أذن وصلى صلاة الفجر أخذ في القراءة حتى تطلع الشمس ثم يجعل لهم المجلس فإذا افترقوا جلس للقضاء بين الناس إلى الزوال فيقوم فيشتغل بأمر الصلاة ولذلك قال بعض لا ندري متى ينام واجتمع المشايخ بدار بني عبد الله فتذاكروا عيوبهم وقال أبو الربيع لم أترك شيئا لعقت القضيب والورق ثم قال الله على ألا آخذ الزكاة وأرسل إلى أولاده في إبناين أن يشتروا الشعبة بأربعمائة دينارا ويبيعوها من غيرهم فحملوا له الأربعمائة (1/305)
صفحة 306
فتصدق بها وتسوق جادو حين يتعلم عند أبي محمد ورسفلاس فأعطى هناك أربعة دنانير فاشتراها ثورا فأتى به إلى الشيخ والطلبة فذبحه لهم فأكلوه.
وقدم هو وأبو عمرو بغطورة فنزلوا منهم خمسة وعشرين في السجن فعاتب أبا عمرو على التفريط قال لم يبلغوا لي شيئا من ذلك فسألهم وسكتوا قال لهم يا جماعة سوء.
وقدم أيضا جادو ومعه أبو عمرو وأبو موسى الدجي فطلبوا أبا داود الدرفي يسير معهم فهجموا على داود بن تيتيس قاتل جلدين بن فلاوسن فأخذوه فنزلوه في الحبس فمروا بالشيخ أبي يوسف بن في فأخبروه فقال داود بن تيتيس في السجن اعتقوني يا أولادي ثم أخرجوه بعد فضربوه حتى مات.
وكان يختلف إليه رجل من أهل زمور ليجعل لهم حاكما منهم وقال إلى متى يطلعن نساء بني زمور عقبة تالكيت وكان الحاكم يومئذ أبو يعقوب التغرميني وقد تقدم ذكره قال أبو الربيع اصبر على هذه السنة فسافر الرجل فمات فأراح الله منه الشيخ.
وإذا استقبل شهر رمضان أرسل إلى الشيخ طاهر بن يوسف والعجائز وفيهن أم ماطوس فيصومون عنده فبينما الشيخ طاهر جالس تحت درج الأذان وهم في القراءة فتكلم بعض من في المجلس قال طاهر رأيت كهيئة الرجال قاموا من المجلس بيض الثياب حين تكلم وأدب رجلا من أهل إجطال فرصده عند باب داره بليل فخرج الشيخ فأراد ضربه فيبست يده فلما ذهب الشيخ انطلقت يده فرجع فأراده ثانيا فيبست فلما دخل انطلقت واعترف بعد ذلك إلى الشيخ فسأله (1/306)
صفحة 307
الحل وأما أبو يوسف فكان ممن يؤثر ما يبقى وإن بلغت به الحاجة إلى ما يفنى وله الحظ الأوفر من العلم والتقى.
وفي السير قعد يوما مع أبي هارون موسى وكان لهما ابنان يلعبان بين أيديهما فدعيا ربهما أن يجعلهما ذخرا للآخرة لشدة محبتهما لهما فلم يلبثا إلا قليلا حتى جاء أبو يوسف أبا هارون مسرورا بإجابة دعائه بوفاة ولده فحضراه ودفناه ثم مات بعد ذلك هارون ولد أبي هارون ولم يصبر كصبر أبي يوسف حتى قال يقدر الله أن يرزقنا الجنة بغير موت هارون فرأى أبو يوسف بعد ذلك رؤيا قيل له أبو يوسف في عليين قال وصاحبي قيل له وصاحبك أيضا قال له علامة ذلك إن شئت أن تطر فطر وإن شئت أن تنظر إلى بدنك فانظر قال فنظرت إلى جسدي أبيض كالنجم وله ضوء.
ومنهم أبو يعقوب البدني نسبا والملشائي دارا من أكابر الأشياخ وممن يؤثر ذوي السكينة على الزماخ وتقدم تمام صبره حين رافق أبا الربيع إلى الحج وتقدم أنه أفضل من حضر الركب من أولى العلم والعمل.
وفي السير إذا اجتمعت الشيوخ قدموه للصلاة وأين من يقدمون في ذلك الزمان وكان يلبس الثياب الحسنة فقيل له في ذلك فأشار إلى قلبه وضميره.
ومنهم أبو محمد الكباوي واسمه يصلتين وغلبت عليه الكنية ابن محمد أخذ العلم عن أبي هارون موسى بن يونس الجلالمي وكان ربيبه وأخذ عنه خلق كثير منهم أبو نصر زار بن يونس التفستي وأبو يحيى يوسف بن زيد الدرفي وقد تقدم الكلام عليهما وأبو محمد هو الذي (1/307)
صفحة 308
رمته أمه في صغره برغيف وقطعة لحم وقالت له الحق أهلك فقال لها أبو هارون بمثل هذا يضرب الحبيب حبيبه وعليه قال أبو هارون لأبي على الكباوي فراستي فيه يكون خيرا منك فكان الأمر كذلك.
وفي السير تصدق بماله وعلمه وصحته لأنه نحيل الجسم ضعيفه وكان الناس يتسابقون أن يقبل منهم الزكاة وله علامة قدر عولته لعامته فإذا بلغ العلامة سد المصب وأبى من القبول ويقول لا تجعلوا لي ما يضرني ومر به رجل ينزع الحجارة من الأصل وقال بنفسك يا شيخ قال لم يكن ذلك رغبة وحرصا على الدنيا لكن سمعت أن من رفع حجرا واحدا من الأصل فله ألف حسنة وكان أبو زكريا بن أبي عبد الله يأتيه يستفتيه حتى جعل طريقا في الجبل فلما مات حضر جنازته قال السلام عليك يا كباوى الآن صرت كسائر المنازل.
ومنهم أبو محمد ونتين الوريورى شيخ العلم والتحقيق والحائز قصب السبق في البحث والتدقيق سأل أبو نصر زار بن يوسف أبا محمد الكباوي وتقدم أنه أستاذه وشيخه عن امرأة رأت ثلاث علقات كل يوم علقة وأجابه بأن ذلك يكون وقتا للحيض ثم جاز على أبي محمد ونتين الوريوري فسأله أيضا عنها وكان وقت مقيله وأخبره بجواب الكباوي فلبس ثيابه ومضى من حينه مبادرا حتى أتاه فقال ما تقول فيمن وقعت من أنفه علقة دم أينتقض وضوؤه قال لا قال وإن وقعت أخرى قال لا قال فإن وقعت ثالثة قال تب أيها الشيخ وكانوا رحمهم الله يسارعون إلى الخيرات (1/308)
صفحة 309
من إنكار غير الصواب وقبول الحق والسداد.
ومنهم أبو حسان خيران بن ملال الفرسطائي ممن تكشف عن قبح الدنيا فلم يخطبها واطلع على غدرها وحذر منها وشمر عن ساق الجد أن يحاربها.
وذكر عنه أنه يمسح في الاستجمار بعد زوال الأثر بسبعين حجرا وقال لو أخذت الحجر الآخر من الحجار التي مسحت بها لم أبال أن أصلي به.
وعادته التنفل في المنازل لإحياء الدين وتقوية الضعفاء وتعليم الجهال وتنبيه الغفال، وربما مكث في ذلك زمانا لا يرجع إلى أهله. وتحضر العجائز والنساء مجالسه، ويحملن الصوف ويعملنها، فنهاهن عمل شغل الدنيا في مجالس العلم، فتأخرن فرخص لهن رغبة في إتيانهن. وشدد في لباس الوقاية على النساء حتى ظننت أن أراها معلقات في السدر فلم يمتثلن وقال انفض ما تعلق بي من حوائج البيت إذا أردت الخروج كالبراغيث فإذا رجعت رجعت.
وفي السير أنه قال لم أبدل مع من سار إلى الحج إلا حجة الفريضة. وقال لأصحابه على طعام صنع لهم لوجه الله كلوا فإن كنا أهلا له عند الله فنحن أهل لأكثر منه وإن كنا على غير ذلك فسواء علينا أأكلنا أو تركنا وشيع أبا الخطاب وسيل بن سينتين وفي بعضها سنتين حين سافر إلى الحج حتى نزل بجبل إجريجن فقال لأبي الخطاب أوصني قال أوصيك بتقوى الله يا خيران فتوادعا وافترقا ثم رجع أبو الخطاب وقال تذكرت كلما لو لم أتذكرهن إلا بعد ما حال الماء بيني وبينك لرجعت عليك بقيام الليل صل ركعتين في سواد الليل لوحشة القبور وصم يوما شديدا حره لحر يوم النشور وتصدق بصدقة (1/309)
صفحة 310
على مسكين ليوم عسير وحج حجة مبرورة تحط عنك عظائم الأمور قلت هذا من كلام أبي ذر وقيل مرفوع.
وكان كثيرا ما يمكث عند أم الربيع الوريورية وكانت سخية مأوى للأخيار وربما أقام زمانا من الدهر ويجعل للناس المجلس عندها وأظله عيد الأضحى مرة وهو عندها وأرسلت إلى بيته بشاة وجمعت جميع ما يحتاج إليه في العيد فأرسلت به إلى بيته مع الشاة وقد عول أن يضحى عندها وما عنده ما يذهب إليه فقالت بادر أهلك وولدك وكل عندهم العيد ولا علم عنده فلما وصل وجد كل شيء يحتاج إليه قد هيئ له وهذه بمناقب أم الربيع أولى.
ومنهم أبو القاسم الفرسطائي وابنه أبو يحيى فكلاهما نصيبه في العلم الدرجة العليا ومن التقوى الغاية القصوى زاحما في المجالس على الركب وعانقا السواري في الليالي مع النشاط والنقب.
وفي السير أن أبا القاسم نزل إلى تيجي لزيارة أبي محمد، محمد سعد بن يونس فلما حضر وقت الصلاة نزلا ليغتسلا للصلاة فوجدا قوما يعومون في الحوض فانتقلا إلى عين أخرى فلما توضأ ورجعا وجدا موضع المغلق يرش بالماء قال أبو محمد لولا من هذا الرشح لنجسوا ونجست ثيابهم.
ورأت زوجته في النوم أولادها على قصعة من عسل يلعقون منها غير واحد فخرج هو وذريته لا خير فيهم وحسنت حالة الباقين.
ولما أراد أبو يحيى قراءة العلم أتى ابن ماطوس في شروس ولم يجد مسكنا على كبر البلد فقال ما أوسع شروس وما أضيقها قال له ابن ماطوس أدلك على من عرفه الناس تزاحموا على بابه كباب (1/310)
صفحة 311
أبي عبيدة بالبصرة يعني أبا هارون الجلالمي فرجع وتعلم عنده.
وكلفه أخوته أن يعمل معهم الشغل قال: ((أي شغل ثقل عليكم)) قالوا: ((مؤنة جملين)) فأخذهما وجعلهما في مغارة على طريقه وسد عليهما إلا موضع يرمى لهما منه ما يأكلان وكان ينزع الحشيش في غدوه ورواحه إلى المجلس ويرمى لهما فلما أراد إخراجهما أخرجهما بعد أن هدم من كثرة سمنهما. فأخذ العلم عن أبي هارون وأخذ عنه خلق كثير منهم أبو محمد خصيب بن إبراهيم واسم أبي يحيى زكريا بن يونس وأول مسألة أخذ من أبي هارون قال سألته أني رعفت ولم أغسل أنفي وتوضأت قال نجست ونجست ثيابك وكان أبو حسان حاضرا فسأله عني قال ولد أبي القاسم قال أرجع ياولد خليلي فرخص لي أن تجزيني الضربتان الأولتان لغسل الدم والثالثة للوضوء.
وسافر مع أبيه وأمه إلى الحج ثم حج مرة ثانية فطاف بالبيت فلما تم أخذ رجل بيده فأخرجه من الناس فسأله عن علي فقال فارس المسلمين قاتل المشركين وابن عم رسول رب العالمين وله فضائل قال فضائحه أكثر من فضائله فسأله عن شيوخ الجبل كأنه معهم نشأ فسألني عن أبي معروف قلت مات قال ثلمة لا تنجبر إلى يوم القيامة فمر بي إلى أصحابه فإذا أحدهم مريض وهم يختلفون عليه في حوائجه كالنحل وهم تسعة وثلاثون رجلا وراودوني أن يتموا بي ويخرجون شراة فاعتللت بأمي فلما رجع عاتبه المشايخ وقالوا وجدت باب الجنة مفتوحا ورجعت ثم رجع فأخبر بأنهم استتموا بامرأة فخرجوا فقاتلوا زمانا ثم قتلوا وأبو يحيى من يتامى مانو (1/311)
صفحة 312
وفروعه يحيى بن يونس وسليمان بن ماطوس وأبو هارون وجدوره أبو القاسم وأبو محمد ونحوهما ومن ورع أبي القاسم أن أرسل بعض ولده إلى مديانه فسقاه لبنا فأعطاه درهما ثمن لبنه وأخذ من آخر دينارا وافيا وله عليه ناقص فرد له ما بينهما وأبى من إمساك ما بينهما وسافر أبو يحيى إلى بلاد السودان فألفى ملكهم ناحل الجسم ضعيف القوى قال له ما بك قال خوف الموت قال أبو القاسم فأخبرته عن الله وصفاته سبحانه والجنة والنار والحساب وما أعد الله للمطيع والعاصي فكذبني وقال لو صح عندك ما تقول لما بلغت إلينا لطلب الدنيا فما زلت أذكره نعم الله وآلاءه حتى أسلم وحسن إسلامه وقد أعطي قوة وقد قيل ينقل التراب من خلفه إذا عزق سبع ثيران ومات في قافلة رجل فرسطائي وفي القافلة أبو يحيى وأبو هارون فأخذ أهل الرفقة خليفة لمال الميت فأتى أبا يحيى أستاذه وشيخه مسرورا حيث لم يكن خليفة قال له انك قد وحلت إذا وإنما نجونا بحضورك فرجع مبادر إلى رحل الميت فإذا الخليفة بادر طبخ عصبان الميت في برمته فنزع الرحل منه وباع البرمة بما فيها.
ومنهم أبو سليمان داود التبرستي.
وفي السير كان رجل ورع ذو براهين وكان أهل تبرست على التلاشي والدبران من زمان أبي مرداس إلى زمانه لعدم وفاقهم أبا مرداس فعلموا من أين أوتوا فعظموا منزلة أبي سليمان وساعفوه ووافقوا خلقه فيما يأمر أو ينهي فظهرت عليهم بركاته وأثرها من هناك.
وقيل إذا أوتى بطعام فيه شبهة انغلق فاه وفي السير (1/312)
صفحة 313
أرسل إليه أبو الربيع بلحم ليأكله فلما أراد أكله انغلق فاه فبحثوا عن اللحم فإذا في أصله خبث.
وحمل بذرا يحرثه بحماره يومه فأدركه أهل المنزل بعشر من الدواب فحرثوا يومهم فرد من البذور، وعلف رجل تيسين فذبح الأول فأعطى الشيخ منه ثم قال يوما ما يقول الضاجر لغنمه يا مال السحت فذبح الثاني فأعطاه فلم يقبل قال لم قال سمعتك تقول يا مال السحت وله وعظ وكلام ومناقب وعبادة واجتهاد وكرامات.
ومنهم أبو محمد التمصمصي وكان من الراسخين في العلم وممن ظنت عليه الدنيا إذ اعرض عن خطبتها فقنع بما وجد ورأى بعض الأشياخ في النوم أن من أخذ مسألة عن أبي محمد التمصمصي كمن أخذها عن ربه.
وفي السير ما مات حتى وصلته الضيعة وقال له ابنه اشتر لنا الربع قال ناولني الماء أغسل يدي فغسلهما في إناء فقال كيف أشترى لك من قبل هذا الوسخ يعني أنه زكاة.
وفي السير ربما أخذ في سنته ألف مدي شعيرا فلا يدور الحول إلا وهو يأخذ الدين والمودي بعرف يفرن اثنا عشر ويبة. ويقول: ((ياليتني سلمت منها رأسا برأس)).
وكان أبو عبد الله محمد بن جنون يقهر المشايخ لا يسكت لأحد منهم إلا أبا محمد التمصمصي لا يطيق أن يجيبه وتصدق بجبته على من احتاجها فقالت امرأته من عراك فما مكث إلا يسيرا فأوتي بحمل طعام وعليه جبة جديدة فتأسف على رجوعها في الدنيا قال له ابنه لست بكيس قال الكياسة يابني عدوة الإسلام.
وسار إلى لالت ليتعلم عند أبي الربيع سليمان بن هارون فجاز على معلم الصبيان بتنومات قال أين تريد قال لالت للتعلم قال نعم ما طلبت الدنيا (1/313)
صفحة 314
ظلمة والعلم فيها دليل ركعتان من عالم خير من عبادة الجاهل ستين سنة، عبادة الجاهل كسير حمار الطاحونة يدور ولا يبرح ووصلت إليه الحاجة في آخر عمره فأرسل إلى جادو ليطلب الصلة لأنه موضع اجتماع المشايخ ثم بدا له بعد أن ذهب الرسول وأراد الصبر والتوكل فلقي الرسول أبا عبد الله محمد بن جنون فأخبره قال إنا لله وإنا إليه راجعون لي مال ومثل هذا الشيخ الذي هو جرثومة من جراثيم الإسلام تصل إليه الضيعة فوجد في جيبه أحدًا وعشرين دينارا فأعطاها له قال إن نفذت فارجع إليَّ ولا تخبر أحدا من تلقاء نفسه فلما رجع وأخبر الشيخ بالقصة أعطى الرجل منها دينارين فقال وجدني الشيخ في حاجة لا يعلمها إلا الله فكان أبو محمد بعد ذلك يقول إن كنت على شيء فلا يقول في محمد أبي عبد الله بن جنون إلا خيرا فما فرغت إلا وفارق الشيخ الدنيا فجهزه الزعراري ومن هناك كثر ماله وبورك في اكتسابه فلام بن جنون أهل تمصمص على تضييعهم التكفين وانزله رجلان صالحان من أهل تملشايت في قبره فأراهما الله من آياته عبرا أن قال أحدهما لصاحبه ترى مثل ما رأيت قال نعم كأني واقف بقنة ايا أين اسم جبل إذا وقفت عليه لا يرد بصرك شيء لإشرافه قال الآخر وأنا مثل ذلك وفاحت رائحة من قبره ولم يشما أحسن منها قال أحدهما يكفينا في صحة مذهبنا هذا وتقدم أن أبا محمد خصيب بن إبراهيم أنه أخذ العلم من أبي يحيى زكريا بن يونس الفرسطائي وأبي الربيع سليمان بن هارون اللالوتي وأخذ عنه جماعة منهم أبو زكريا يحيى بن سفيان اللالوتي وتقدم التعريف به.
ومنهم الشيخ (1/314)
صفحة 315
الحائز من التقوى النصيب الأجزل والحظ الأكمل ومن الكرامات القسم الأوفر الأوفى والسهم الأعظم الأزكى أبو محمد عيسى بن محمد الملشائي النفوسي.
وفي السير كان صاحب براهين مستجاب الدعاء وكان فقيرا صابرا يجوز الناس عليه بالتين وهو يخدم نفسه بيده فيعرضون عليه أن يأكل فيقول الأشجار محمرة بالتين فيخدم في فدانه بزج رمحه حتى يحمى النهار ثم يأكل لقلة ما بذات اليد وقال له ولده يوما وقد أتاه بغدائه أمي قالت لك أدع الله أن يسقي فداديننا قال ما أكثر رغبتك ورغبة أمك في الدنيا فتوضأ وصلى ركعتين فدعا الله فقال أخرج البقرة وآلة الحرث فإذا بالسماء قد فتح الله أبواب رحمته بالماء فامتلأت فدادينه دون غيره من الجيران وكان يخدم يوما في فدادينه فبلغه ألم الجوع فقال رب العبد إذا جاع استطعم مولاه وأنا عبدك جعت فأطعمني فنظر إلى السماء فإذا موائد متتابعات نحوه فخر ساجدا قال رب اجعله ذخرا للآخرة فصعدت راجعات.
وسافر إلى درج بغير زاد وكان يطعمه رجل من أهل منزله فعيي جمله وتأخر عن الرفقة فنزع عنه رحله وحويته فمسح أبو محمد على ظهره وتكلم ودعا ما شاء الله ورد عليه حويته ورحله فكان أول القافلة فلما وصلوا باعوا ما معهم ولم يترك الشيخ رفيقه يبيع ثم دخلت عليهم قافلة يطلبون الزيت وباع وربح ربحا كثيرا وسافر يريد إفريقيا وحده فسمع ببعض الطريق صوت الأسد بقربه فرقد فنزع نفسه فأتاه فشم قلب الشيخ وقبض بقدمه ثم رد فمه إلى قلبه ثلاث مرات فلم يجد به حسا فأنصرف فلما بعد قام الشيخ ومضى على طريقه وكان قويا (1/315)
صفحة 316
إذا أجَّر نفسه للحصاد تسابقت الأجراء جنبه لكثرة حصاده وعزق فدادينه بزج رمحه وغرسها ويحفظ الغرس بالماء ومن مر من أهل فرسطا إلى السوق يشرب ويتوضأ للصلاة ويختم القرآن كل يوم وهو يعمل أشغاله. وبات [في] تمنكرت فخرج الناس من المسجد وهم لا يعرفونه فأستفتح يقرأ وكان حسن الصوت فرجعوا وأتوه بطعام فأبى أن يأكل قال لو كان طعامهم لله لكان قبل.
ومنهم أبو موسى عيسى بن زرعة النفوسي الملوشائي كان سخي الكف تعلم العلم في داره لكثرة من يغشاه من المشايخ ويمكثون عنده ومن عجائبه إن لازم الفراش مرضا مدة دهره إلا أوقات الصلاة فيزول عنه ما به فيصلي قائما ثم يعود إلى حاله وفتح كوة من بيته تقابل موضع قعوده ونومه يعطي منها الفقراء.
ومنهم أبو محمد عطية الله الملوشائي وكان برا تقيا مشهورا في الخير نقيا وهو صاحب الرؤيا المشهورة في الكتب رواها غير واحد قال رأيت رسول الله في المنام قال لي اختاركم الله على سائر الأديان يعني المذاهب فقلت ربح البيع يا رسول الله لا نقيل ولا نستقيل. ورآه بعض الشيوخ قاعدا في مجلس عظيم وأهل المجلس يسألونه عليه السلام وفي مقدمة المجلس أبو محمد عبد الله بن محمد المجدولي وأبو يوسف الأمليلي وأبو يوسف الأرجاني ومقام رسول الله مشرف عليهم في هيئة حسنة وتحته ثلاث درجات قال فجزت وسط المجلس وهمتي الوصول إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فمسكني أهل المجلس ولم أشتغل بهم فجزت حتى وصلت الدرجة الأولى أو الثانية فمسكوني فسالت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن (1/316)
صفحة 317
هذا الدين فقال أنتم خير الأديان.
وكانت زيديت بنت عبد الله الملوشائية قاعدة مع النساء وقد اجتمعن لعمل الصوف وأخذن يغنين فوعظتهن وزجرتهن وذكرتهن أمر المعاد والحساب والقبر والموت بكلام بالبربرية له وزن وحلاوة.
وأما أطيل فخرجت لتعمل الصوف عند مجمعهن فسمعت هاتفا ولم تر شخصا وقد أمرها بالرجوع إلى بيتها ونبهها ما في ذلك من الخير وكانت يتامى بجنبها وطبخت رأسا لعشاء أهل بيتها وعودت اليتامى صلتها ولم يحضر العشاء حتى ظنت أن اليتامى قد نامت فأرادت أن تحفظ سهمهم إلى الصبح فهتف بها ونبهها أنهم ينظرونها فحملت لهم سهمهم فأدركتهم يقتسمون ما تأتيهم به فأعطتهم ذلك كما قسموه أولا.
وأما أم ماطوس فحقها أن تذكر مع شيخها أبي محمد خصيب وكانت بكرا وأرادت العلم وبلدها جار إصرا فإذا جنها الليل ونام الناس أخذت مزراقا في يدها وذهبت إلى أبي محمد التمصمصي فتحضر المجلس فإذا افترق رجعت وتجعل مزراقها في زيتونة فسمع أخوها وصار يغلق خلفها وينام على الباب فكانت تتركه حتى ينام فتفتح وتغلق خلفها فإذا رجعت دخلت وأغلقت ثم تزوجت بعد ذلك في أميتيون قالت أعطاني أبو محمد أصلا لمسائل الحيض أنتسب داخل الستين وأترك خارج الستين يوما ومرت إلى تندوزيغ لتحضر المجلس فولدت بنتا فإذا أثقلت عليها قالت ألست ولدت في المجلس فتترك ذلك وذهبت مرة ليلا إلى إجناون لتحضر المجلس وبينهما قرب عشرة أميال ومعها أمتها ورأت أمامها جماعة كأنما عليهم ثياب بيض ومكث عندها كوز زيت سنة تجعل منه (1/317)
صفحة 318
بأصابعها لطعام ابنتها ودامت على الصيام خمسين سنة متتابعات.
ومنهم أبو عبد الله بن أبي عمرو بن أبي منصور إلياس التندنميرتي وابنه أبو زكريا وكلاهما حكم عدل وفيصل في القضاء فحل أما أبو عبد الله فلمّ الشعث وكشف اللبث ورتق الفتوق ورقع الخروق.
وفي السير اختصم إليه قوم في أرض تلفت حدودها فاصطحب معهم إليها فبينما هو يمشي فيها إذ وقع سيفه قال احفروا موضع سقوطه فإذا التخوم.
وفيها: وعزلوه نفوسة من غير حدث فولوا مكانه أبا زكريا الأرجاني فخرجوا إلى قتال المسودة في الأشهر الحرم فانهزموا ومات جماعة من الأشياخ منهم أبو عيسى الدرفي وتقدم الكلام على ذلك في التعريف بأبي زكريا ثم اجتمعت نفوسة إليه ليردوه قال لولا خفت أن أكون كمن قتل نفوسة مرة أخرى ما رجعت في أموركم أبدا.
وأما أبو زكريا فاستصلح الفاسد ورد الشارد وقمع المعاند وجبر الكسير وأعان الفقير وسد الثغور وأبرم الأمور.
وفي السير تولى أمور نفوسة ستين وقيل سبعين سنة ولا ينام كل ليلة حتى يميز نفوسة كلها من يستحق الأدب أو المواساة ومن له الحق أو عليه خوف التقصير وخشية العيا في الجواب يوم الحساب إذ كل راع مسئول عن رعيته ولم تر معه نفوسة نكبة. وإليه هرب أبو خزر من أبي تميم كما سيأتي إن شاء الله.
ومن شدة ورعه وضبطه لنفسه وقمعه شهوته أنه جاز ببعض المنازل فأعطاه بعضهم عدة كباش لعشائه قال لو كلفت حمل قرونها ما قدرت فكيف بحملها جميعا يوم القيامة وتخاصم إليه رجل وامرأة على فدان وكان أبو يوسف الأجفري حاضرا وهما من بلده قال له (1/318)
صفحة 319
ما تقول يا أبا يوسف قال إن جزت على المرأة أسلم وأسأل لها العون وإن أطعمتني أكلت وإن مررت على الرجل فيه لا أسلم ولا أسأل العون له ولا آكل إن أطعمني قال أبو زكريا للخصم اسمع ما يقول الشيخ يا أبا فلان قال مالي يا شيخ قال أسمع يا فلان ما يقول الشيخ قال مالي قال يا مرعون إن ذهبت إليه لا جعلنهن في جنبك يعني السياط قال أبو زكريا إذا أرسلني أبي إلى نخل أبي موسى فأتيه بتمرها ولا آكل ولا أعطي وإذا أرسلت عيسى ولدي فيأكل ويحمل إلى أقاربه بإفاطمان وإنما سماه بأبي موسى العرب بعد أبي زكريا والمؤلف أراد تبيين الموضع بشهرته اليوم.
ومن حزمه وكراماته أنه أخبر أن رجلا من أهل إجناون جانيا بات أهله فهجم عليه صبيحة العيد بعد أن صلى الصبح في مسجد إجناون فلما فرغوا من الصلاة تكلم خادم الشيخ أبي زكريا للعزابة كما أنتم فأخبرهم الخبر فقاموا فلما أخذوه أمر من يرفعه إلى السجن فطلبوه النزول فاعتل بأن أهل أملن ينتظرونه ليصلي بهم العيد وبينهما قرب أربعين ميلا وأكثر واشتهر فيما بين الطلبة أنه أدرك وقت الفجر الضحى وصلى بهم وأنه قال رأيت الأرض تطوى تحت فرسه وأنهم يقولون صهل فرسه بالصليعاء وسمعوه من مصلاهم وبين الموضعين أميال كثيرة والله أعلم.
وذكر له جانيا بات ويفات فهجم عليه مع أصحابه وحملهم وجعلهم طريقا وضرب أبا زكريا فأخذها عنه رجل بنفسه فجرح قال أبو زكريا يقال في المثل أحبك لا مثل نفسي وهذا أحبني فوق نفسه وقال لموسى الأدمومني وكان حاضرا: اُدع الله أن يفرج عنه فدعا الله ومسح الجرح بيده فبرأ بإذن الله وذلك بكرامات موسى أولى وتقدم التعريف به.
وأبصر برجل من أهل شروس يسير بفرسه خارج (1/319)
صفحة 320
الطريق ويهدم جسور الناس قال هؤلاء الذين نسرج معهم كمن نسرج إليهم يعني كلهم على الباطل وقال له أبو محمد الدرفي إذا نزلت عليك مسألة فاستفت إما أبا يحيى الفرسطائي وإما أبا محمد الكباوي فاحكم بما اتفقا عليه وقف إذا اختلفا فكان يستفتيهما فأكثر عليه أبو يحيى الأقاويل فاعتمد على أبي محمد فلما مات وشهد جنازته قال سلام عليك يا كباوي فاستفتى بعده أبا محمد خصيبا وقال له مرة: عندي تأتي بمثل هذا قال أبو زكريا: أفت حيث كانت الرجال لا تسأل عنك. وكاتبه محمد بن جنون فلكمه المشايخ عليه فقال ما تنكرون على ما حكمت بشهادته قط فإذا استقصوا عليه قال: لا حاجة لي بأموركم.
وقتل ولد أبي الحسن بن علي الشروسي رجلان كلم المشايخ أبا علي في شأنه فلم يطاوعهم في القود منه فلم يلبث إلا قليلا فمات بإذن الله. ثم إن عاملا من قواد أهل القيروان أتى نفوسة يطلب منهم ألف دينار فألتمس أبو زكريا في نفوسة فلم يقدروا على أكثر من مائتي دينار فأتى بها أبا الحسن بن على وقت نزوعه لباسه لأن يقيل، فدعاه فخرج في رداء فلما أبصر الشيخ استحيى وأراد الرجوع واللباس فعزم عليه أن لا يرجع فقال لم أجد في الجبل إلا هذا فإن قدرت لهم على شيء فافعل فنزل إلى العامل فأخبره بمكانه فقال لوزيره ما يسترنا منه وما أتى به قال أتى بمائتي دينار وأرددها له تستر منه ففعل فردها أبو الحسن إلى أبي زكريا قال حينئذ لم أطعكم في قتل ولده وكلته إلى الله فكفانا مؤنته ولو أطعتكم لنزل إلى المسودة وربما كان منه بعض ما نكره لكن نفع الآن.
ومن تعففه وصبره أن امرأته أرسلت إليه وهو بشروس أنه يرسل إليها بشيء من زيت لتضيء به (1/320)
صفحة 321
على مولود زيد عنده وتطعمه ورد الرسول وقال تستصبح بالحطب فسمع رجل فأرسل ببطة زيت إلى زوجة الشيخ فوسع الله عليه وعلى ذريته من بعده من هناك.
قال له ابن ومّار من ترى لنا ولنفوسة بعدك قال ما تجرأ أن يسألني عن هذا أحد غيرك قال: قد فعلت فأخبرني قال أبو زكريا اللالوتي يبلغ مثل ما أبلغ أو أكثر ولكن منزله في الطرف وأبو يعقوب البغطوري مثل ذلك لكن نفوسة يأبون أن تتقدم قبيلته ولكن عيسى إن أراد يعوط يعني أبا داود سليمان بن أبي يحيى يوسف بن أبي محمد زيد الدرفي ذلك فلما مات بلغت مقالته أبا داود فقدمه ومرض الشيخ أبو زكريا في جادو فرفعوه في محمل نحو بلده فلما بلغ تمزدا أفاق فسأل عن المكان فأخبر فقال حطوني فمرض هناك حتى مات قبره هناك رحمة الله عليه. وله أخبار كثيرة وكرامات جليلة. وقدموا مكانه أبا موسى عيسى وكان تقيا من ذوي الحظوظ والأخطار وأولي الشرف والأقدار حكم فعدل وقضى ففصل.
وفي السير تخاصم إليه رجل ويهودي على ثمن دابة أعطاها الرجل اليهودي فباعها وجحده فسبق الدعوى فتكلم واشتغل الشيخ بالأحكام وأعاد واشتغل عنه ثم التفت الشيخ إلى الويغوي وهو صاحب الدابة فقال: هل لك عند اليهودي شيء قال نعم فأخبره بالقضية فقال علي بالسلسلة فاعترف وأعطاه ماله. ولعل الشيخ قد علم مثلها لليهودي أو عنده الخبر ممن يثق به.
وضرب رجلا فتألم ولم يصبر فقال أبو موسى بلغتك حرارتها يا عدو الله قال المضروب أو لم تذقها قال ذقتها وكانت لي رشدا وصلاحا.
وذكر عن أبي زكريا عن خاله إسحاق بن إبراهيم (1/321)
صفحة 322
أن داود بن علي ترتيب عليه الحق بين يدي أبي موسى فأعرض ونأى بجانبه وثنا عطفه تكبرا وقام وقال أبو موسى ردوه فلم يجد من يقدر على ذلك ثم رجع وحده فقال رجعت بثلاث اتركه سنة يتبعها كل متكبر وإن تواضع مثلي لمثلكم لا يزيده إلا رفعة وعزا وإن نفوسة ولدت غيري فخذوا مني الحق فألتمس من يطيق يضربه فلم يجد فقام أبو موسى بنفسه فجلده فقال تعلم ربي لو كان رضاك في نزع نفسي لنزعتها ومات داود بعد ذلك وترك ابنا صغيرا اجتمعت نفوسة في أمر دهمهم عظيم يلتمسون دفعه وذهب عليهم هونٌ من الليل يشاورون فرجع ابنه إلى داره وكان له عبد كبير السن فقال لم تأخرت عن عشائك فأخبره قال العبد أدركت من قبلك من المشايخ إذا نزل بهم ما أهمهم من الظلمة اجتمعوا فينقون بلدانهم من المظالم واخرجوا الحق ممن كان فيه وعملوا المعروف وواسوا الضعفاء فمتى ما فعلوا ذلك كشف الله عنهم ما يحذرون فرجع الفتى فأخبر الجماعة والمشايخ فبادروا صبحا إلى ما قال العبد وكشف الله عنهم ما منه حذروا وتقدم أن مثلها لعبد التمنكرتي.
ومنهم وليد بن جرطوم ووهبلى التندنميريان كلاهما على الخير وثاب وعن طريق الشر تاب وفي سبيل الخيرات أواب.
وفي السير قال ابن جرطوم لا يؤدي حق حصيري إذا بات عندي إلا أبو عمرو الشروسي -وتقدم التعريف به- وأبو موسى من أهل دجى -وسيأتي- يعني أنهما يصليان الليل أجمع لا ينامان وأما وهبلي كان أول عمره لا يبالي في أخذ الأموال خفية فاستعانت امرأته بنساء يغزلن معها فأتاهن بتين فلما أبصرت زوجته التين ولم تعرفه تين أشجاره وطئت برجليها القفة عجنا (1/322)
صفحة 323
فرمت بها خارجا فانكسرت نفسه وبادر من حينه فغسل ثيابه وجلس يتفكر ما أكل بالباطل من أموال الناس ويخط كل دينار خطة فإذا هي سبعة عشر دينارا وهو يبكي على ما فرط في جنب الله فوجد بكل خطة دينارا فشاور المشايخ في رفعها قالوا ذلك زرق ساقه الله إليك وبقي ثمن كبش ليهودي سافر إلى المشرق فأرسل به مع الحجاج فصادفوه بحول الله خارجا من مصر إلى نحو الشام فأخبر بالتوبة وأعطى الثمن فقال متعجبا تاب وهبلي قالوا نعم وكررها ثلاثا ثم قال اشتروا له بها عمامة ولو لم تصادفوني لما رأيتموني إلى يوم القيامة وقد كانت الدراهم سقطت قبل بليل فلقطت ولم يضع منها شيء وهذه كلها من علامات القبول ثم تمادى في عبادة ربه حتى لقيه.
ومنهم أبو يوسف الأجفري وكان متقدم السابقين في الخيرات خصوصا في الحسنات اللاتي يذهبن السيئات.
وفي السير أبو يوسف إذا كان الشيوخ في منزله قدموه فيصلي بهم وتقدم حكم أبي زكريا في إثبات كون القاعدة المرأة لزوجها في الفدان الذي تخاصما عليه بخبره كناية لا تصريحا وجعله لها ولعل لأبي زكريا علما فيه وكلامه تقوية.
ومنهم أبو سليمان التندنميرتي وتقدم أنه ترك الحكومة وتولى موضعه أبو عمرو الشروسي.
ومنهم أبو عبد الله محمد بن جنون الشروسي الطود الفاخر والبحر الزاخر إليه المفزع في عظائم الأمور وعند توقع المحذور وكان كاتب أبي زكريا.
وفي السير وقع بينه وبين أخيه كلام فقال مدرار يا عالم فاجر فأجابه يا عابد جاهل لا تعرف كيف تتوضأ قال مدرار فرجعت إلى مسائل وضوئي فما أحسنتها كما قال وكتب ملوك إفريقية إلى نفوسة يهددونهم فما كتبوا كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون فأجابهم ابن جنون (1/323)
صفحة 324
بكتاب تضمن ألم نهلك الأولين ثم نتبعهم الآخرين كذلك نفعل بالمجرمين ورأى بعض رؤيا أن قوما علقوا من ألسنتهم فقيل له هؤلاء الذين يغتابون ابن جنون وتقدم أن أبا محمد خصيب قال إن كنت على شيء فلا يقول أحد في محمد بن جنون إلا خيرا وقيل أنه يقبل الهدايا وما يعطي لأنه ليس بشاهد ولا حاكم لما تقدم أن أبا زكريا قال لم أعمل بشهادته قط فعاتبه المشايخ على أخذه قال إن كنت أخذ ضربه الله سكة في وجهي في الدنيا وقيل رأي بعضهم ذلك في وجهه ويجعل عليها وقاية والله أعلم وقيل أتاه ابن أخي أبي يعقوب التغرميني وناوله عكازه ومع العكاز صرة لأن عمه أوصى له بكثير ولعل بعضا أراد نقض الوصية فأخبر ابن جنون بقصته قال إذا تفرق المجلس فتكلم فلما كان عند تفرق المجلس قال ابن جنون فمثل أبي يعقوب يكسر قوله يا شيخ يعني أبا زكريا وهو الحاكم فلم يتكلم أحد بعد ابن جنون والله أعلم ومثل ابن جنون لا يهمل التعريف به لكثرة فضائله وكان ابن جنون يدعو أبا علي أسيان التمنكرتي من غير إن يكنيه وأراد الأشياخ يوما ابن جنون لأمر عناهم قال أبو علي ادعوه لكم فجعل يقول يا محمد بن جنون من غير أن يكنيه وأراد أبو زكريا والمشايخ معه جادو وباتوا بتمنكرت وكان ابن جنون سمينا وأرادوا به شدة الحر فلما صلوا الصبح أخذوا في العلم والأسئلة ففطن ما أرادوا فخرج وركب فرسا إلى زكريا خوف الحدث بالطريق من بعض القطاع والفساد فلما بلغ إفاطمان قال الشيخ يقيلكم وأصحابه فبردوا لهم البيوت وهيؤوا لهم الغداء والأشياخ كلما قال لهم أبو زكريا قوموا لئلا يشتد عليكم الحر قالوا لم يزل فلما أرادوا المسير التمسوا ابن جنون فلم يجدوه ولا فرس الشيخ وترك (1/324)
صفحة 325
بغلته فأرادوا أمرا فوقعوا فيه فبلغوا إفاطمان في أشد الحر وقد هيئ لهم ما يحتاجون إليه ولما حضرته الوفاة قال طلقت امرأتي قبل هذا فاجتمع المشايخ على قضيته قال أبو زكريا بن جنون حاكم على الرجال فكيف بالنساء ففسر القبيلة بأنه قبل قوله طلقت فاجمعوا أن لها الإرث وعدتها عدة المطلقة.
ومنهم أبو علي أسيان التمنكرتي وهو من المشايخ المذكورين ومن العلماء العاملين وهو في زمان أبي زكريا وهو الذي دعا ابن جنون ولم يكنه.
ومنهم السيد الطاهر الزكي الزاهر خيار التمنكرتي.
وفي السير من ورده لا ينام حتى يقرأ سورة الإخلاص أربعمائة مرة فاشتغل مرة بعرس ابنه فأدركه العيا ونسي أن يقرأ حتى وضع ثيابه للنوم فأبى له السأم والملل والعيا من القراءة فجاهدها وقرأ ورده فلما أتمه انفرج سقف البيت وهو يرى فأبصر النجوم فرفع رأسه للتعجب من قدرة ربه فسقطت قطرة ماءٍ ما أخطأت فمه بل لسانه قال ما أكلت ولا شربت بعد ذلك إلا وأعقبت حلاوة تلك القطرة في فمي وفي مرضه الذي مات فيه يأتونه بالشهوات والحلوات فيقول في فمي ما هو ألذ من هذا فغشي عليه فلما حضره الموت انطقه الله تعالى فقال إياكم والحقيرات إياكم والحيف إياكم والانتقام من أحد إياكم جعلت لك ولم تجعل لي فأني رأيت موضعا الحبة فيه خير من القيراط والقيراط خير من الدينار والدينار خير من الدنيا بما فيها فما نطق بعدها وزار المشايخ بعض أشياخ تمنكرت فلم يجدوه فأرسلوا إليه من وجده يعزق فقال شيخ يزوره الأشياخ فيعزق فسار معه إلى المشايخ ولم يجبه بشيء فصافحهم وأدخلهم البيت وقدم إليهم شيئا فلما أكلوا قال أحكموا بيني وبين هذا لو لم أعمل شغلي لم أجد ما أقدم (1/325)
صفحة 326
لكم.
ومنهم أبو أيوب التمنكرتي كان تعلم من العلوم فنونا كثيرة وعمل بها مع تجنبه للصغيرة من الذنوب والكبيرة.
وفي السير زارته المشايخ فأطعهمهم بسيسا مركبا من العسل والزيت وغيرهما من الأطعمة فقال لم أرد الفخر وإنما اتخذته لاستعين به على الوضوء ومن عادته إذا برز إلى موضع تدركه فيه الصلاة حمل مرجله فيسخن الماء إذا أدرك وقت الصلاة وزاره المشايخ بعد الهرم والخرف في رمضان وفيهم أبو الربيع بن أبي هارون فقال لهم أتأكلون فلما خرجوا قال بعضهم فيه قال أبو الربيع اسكت فو الله ما أعرف اليوم في الجبل أورع منه.
وأتى سائل امرأة من أهل تمنكرت وهي تغربل في ضوء القمر فأعطته دقيقا أخلطته بماء فأبصرت خلقا عظيما فأخبرت به فلما أصبحوا لم يجدوا له إلا أثر قدم واحد في الخط وجعلوا عنده مصلى وكان بعض أشياخهم يجتمع بشيخ من أهل شروس كل جمعة في مسجد أجلمم ويتذاكران ويذكران الله ويحمل تينا يأكلانه فحمل الشروسي مرة عجنته فقال له دعنا نأكل ما كنا نأكل فأكلا التين وتركاها على صخرة وكان أبو أيوب عالما بالنجوم.
ومنهم أبو عبد الله الويغويان الكبير حاكم على أهل ويغو والصغير ولكنه ارسخ واكبر في درجة العلم وأبو الشعثاء ابن البغطورية الشروسي حاكم فيهم فوقع حرب بين أهل ويغو وأهل شروس فقال أبو محمد خصيب إنما جزاء محمد يعني أبا عبد الله ومؤمن يعني أبا الشعثاء السجن حيث لم يخرجا من البلدين وقت الفتنة وبلغ الخبر أبا عبد الله محمد فقال أنا على الطريق فليأت أبو الشعثاء يسير إلى الحبس وكان واسع الخلق ولأبي عبد الله ديناران على يتيم وأبو عبد الله الصغير وكيل اليتيم وعرف بأحدهما فدفعه له وأراد الآخر فقال يكفيك (1/326)
صفحة 327
ما أعطيتك بعد وكان أعلم منه.
ومنهم وارسفلاسان بن مهدي وابنه عبد الله فكلاهما علامة في العلم والتقى أما ابن مهدي فإمام ابن إمام لأن أباه كان من كبراء العلماء بل ممن أخذ عن أبي يحيى الفرسطائي بل حاز قصب السبق بين النظراء فلما توفي أبوه ركب بغلته وأتى شروس فسأله بعض عن مسألة فلم يحسنها قال له آخر لو سألت عنها بغلة أبيك أجابتك عنها أو صاحبه الذي قال له ذلك فانكسرت لذلك نفسه ودخل قصر ولم وفيه خزانة نفوسة فمكث فيه اثني عشرة سنة يدرس العلم.
ووقعت حرب بين أهل ويغو بلده وأهل شروس سبعة أعوام ومكث في داره يدرس ديوان أبيه ولا يُرى خارجا إلا إلى حاجة الإنسان فقام في العلم، وجرَّبه المشايخ بكثرة الأسئلة في المشكلات وغيرها فما وجدوا عنده خطأ، فأخذ عنه بشر كثير ويروي كتب أبيه عن أبي يحيى الفرسطائي.
وروى البغطوري عن أبي محمد بن محمد عن أبي الشعثاء البغطوري أنه قال لو لم يعلم أبو محمد وارسفلاس إلا المسائل التي يروي عن أبيه عن أبي يحيى الفرسطائي لكفاه وألف تلك المسائل أبو الربيع بن هارون.
قال البغطوري قال أبو محمد إذا التقى أهل شروس وأهل ويغو فلا يخرج أبو محمد وارسفلاس إلا لحاجة الإنسان.
وأرسل أبو محمد وارسفلاس إلى أبي زكريا بن أبي عبد الله وهو في (غف سوف) بمسائل:
• هل يغسل الرجل يده في القصع؟
• وهل يرمي أكمام التين إذا أكله؟ ورخص له فيها.
• وهل يرجع اليمين إذا قال لي على أبيك؟ قال لا يرجع اليمين وإذا قال لأبي على أبيك ففيها قولان. وكفى هذا في علو مرتبة أبيه في العلم عن التعريف به. وأما وارسفلاس بن عبد الله فكان (1/327)
صفحة 328
من العلماء المسلمين ومن الفقهاء المشهورين وليس مهدي هذا هو صاحب الإمام لأن ذلك مات عام ستة وتسعين ومائة وهذا في القرن الرابع.
ومنهم مهدي المتكلم الويغوي وليس هو بالمهدي صاحب الإمام ولا مهدي الذي في زمان أبي زكرياء بل هو آخر في القرن الثالث.
وفي السير وغيرها واللفظ للسير ((وبلغنا أن جماعة اجتمعوا في موضع يسمى تنِين ازدَرْشَل في طلب العلم وفيهم أبو نصر من تمصمص وهو المفتي والمجيب وفيهم نفاث بن نصر وكان يلقى عليهم مشكلات المسائل وربما عسر جوابها عن أبي نصر ومن معه ثم أتى عمروس ومهدي فسكت نفاث فقال أبو نصر الآن جاء السلوقان اللذان يحرزان الحي وأما جروة أبي نصر فتنبح على الغنم)). وتقدمت الحكاية وتقدم أن لو سلم منهما أحمد بن الحسين ونفاث وسليمان الفراء لردوا جميع الناس على مذاهبهم.
ومنهم أبو العباس وجندوز التمنكرتيان من المسلمين في زمرة المتقين ومن المذكورين في حملة العلم العاملين.
ومنهم أبو عبد الله البغطوري وكان فاضلا تقيا عالما من الأشياخ المشار إليهم المتصدر للفتيا بينهم في تلك المدة وفي الأثر تزوج امرأة في الشدة في دجى ولكل واحد منهما مال فباع عبد نفسه واشترى آخر فأكل ما بينهما فادعت المرأة أن لها فيه وشهدت فقهاء دجى أنه باع عبد نفسه واشترى بثمنه آخر وأكل ما بينهما ولم يستغلا في تلك السنين من أرباعهما شيئا قال الشيخ أبو الربيع ليس لها في العبد شيء واسألوا أبا عبد الله البغطوري فسألوه فقال لها في العبد نصيبها حين كان لها الأصل.
ومنهم أبو عبيدة جلدين البغطوري وكان عالما متفننا أخذ العلم من أبي عبد الله بن جلداسن اللالوتي وكان أبو عبد الله (1/328)
صفحة 329
يمكث بشروس أربعة أشهر في أيام ابن ماطوس وهو حاكم على أهل لالت وابن ماطوس على أهل شروس ويتخاصم الناس إليه بين يدي ابن ماطوس ويقول لابن ماطوس أردت أن أتعلم أنا أيضا وكان جلدين البغطوري أبو عبيدة يتعلم عنده له من الدنيا الحظ الاوكس ومن العلم والعبادة الأوفر ومن الصبر النصيب الأكمل ومن القناعة السهم الأجزل وكان أيام التعلم لا يأكل الشيء السخون إلا من يوم إلى يوم أي كل جمعة مرة وطعامه في سائر الأيام يبل الشعير بالماء ويصره فيأكله عند الفطور وفي أيام الربيع يختار وقت وضوئه موضعا خصيبا نقيا من الأنجاس قد نبت فيه الخبيز فيقصده عند الفطور، وأبو عبد الله وسائر أصحابه يأكلون أنواع الأطعمة عند أهل شروس قال فإذا دخلوا بالجفان فيعظم ويشتد رائحة الطعام فتتيق النفس فلا الشيخ يدعوني إلى الأكل ولا أهل المنزل يهتدون ويبقى كذلك فإذا كملت الجمعة صعد إلى أهله في بغطورة فيأكل وكان الشيخ أبو الربيع إذا ذكر هذا الحديث تأسف.
وكان مدار المجلس عليه، فاغتسل من جنابة واشتد عليه البرد وسكت وضعف المجلس والبحث والسؤال فقال الشيخ أبو عبد الله هل هاهنا جلدين فأجابه بنعم واعتل سكوته بالبرد فقال تعلمت وحضرت ما حضرت وليس معك ما يمنعك من الاغتسال حتى كدت أن تهلك نفسك، كاد أن يكون جلدين جلدينة، فصار بعد ذلك أعلم أهل زمانه ومن يشار إليه بالأصابع ويدخر له المشكلات ليوضحها.
وأخذ عنه خلق كثير. وكثيرا ما ينزل بأصحابه الذين يتعلمون عنده إلى أتلجام عند أبي يعقوب فيمكث عنده شهرا فأتاه يوما هناك (1/329)
صفحة 330
أبو يوسف التنزغتي فقال يا أبا يوسف لنا هنا شهر وما رأيتك فقد استغنيت بعد فقال: ما أستغني عنك ياشيخ وقد أدركتَ من لم ندركه.
ومنهم أبو يعقوب البغطوري.
وفي السير كان ورعا سخي الكف وفيها أبدل باب داره ليتمكن من إدخال مزارق الأضياف لكثرتها.
وفيها: وذكر أنه أتاه ثمانون فارسا في الشدة والقحط بعد أن اطعم جماعة من الأضياف باتوه وذلك ليلا وأعطى ويبة شعير لعلف كل فرس.
وأتى ليلة من المسجد في الشدة فوجد حول باب داره سبعة وعشرين رجلا من أهل دمر، فدخل فخلط لهم دقيقا بالماء فأعطى لكل واحد قبضة، ثم قضى الله أن ولي أحدهم إمارة قابس وإذا حدثهم بحديث الشيخ يقول: ما أكلت ألذ من تلك القبضة مع ما تصرف على من أنواع الأطعمة والحلاوات ولو يقبل مني المال لأغنيته وذريته.
وضاعت له أربعمائة دينار فاجتمع الناس لهذا الأمر وقالوا لا نصبر لمثل هذا وأن يلتمس عند كل من اتهم به فسمع قائلا يقول: ((عجبا لأهل هذا الزمان إذا ذهب لهم شيء إلى الآخرة أرادوا رده إلى الدنيا)) فقال أبو يعقوب: ((تفرقوا واتركوا عنكم هذا)).
وزار أبا موسى عيسى بن زرعة التملشايتي فمرض هناك فجعل الناس يغشونه عائدين له فضر من رقد عنده فحملوه إلى منزله فزارته (آسية) عائدة من أهل ويغو فرأت في النوم أن لا مطمع فيه للحياة ورأت له الجنة كما وصفها المسلمون وكانت من الصالحين فأخبر بالبشارة فقال من جاء إهضاما لنفسه وإشفاقا عليها ولم يقض له بحج وشاور الفقهاء في أمر الحج وحضره جماعة من الأشياخ فقال أبو محمد وارسفلاس وهو أصغر المشايخ يومئذ أرى أن تحج ولمدة حيا وتنفق على ثانية (1/330)
صفحة 331
وتوصي بثالثة فما زاد أحد كلاما على ما قال.
ومنهم أبو يوسف مجدول النفوسي ذو البصيرة النافذة والعزيمة الناصبة وجمع مع العلم والتقى المال والدنيا له منها الحظ الوافر ومن الدين النصيب الأوفى والسهم الأزكى أخذ العلم من معدنيه وشربه من منبعيه أبي محمد الكباوي وأبي محمد الدرفي أقام مع الكباوي خمسة عشر عاما فقضى نحبه وتوفي اجله فانتقل إلى الدرفي فصحبه تسع عشرة سنة وأقام يقرأ بعدها ولد له خليل ثمان عشرة سنة وطلبوه للإقراء والتعليم بعد أن قرأ وتعلم فقال أنا محب في مالي أراد القيام به.
وذكر أنه قال لو تمادت الشدة عشرين سنة أو ثلاثين سنة لم أبال فيها لعيالي ولا لحيواني لما أدخر لكل نوع ما يليق به. وعنه: من لم يتعلم عند أبي محمد الكباوي ولا عند أبي محمد الدرفي من أين له ما يفتي به.
وأرسلته امرأة بمسألة إلى أبي محمد الكباوي سقطت لها جمرة على رأس يتيم فجعلتها أمه في حل فهل يجزيها ذلك ويجزي الأم؟ فرخص لهما إذا قعدت الأم عليه وتنفعه بأكثر من ذلك. وستأتي المسألة بعد إن شاء الله. وكان كثير السؤال لشيخه أبي محمد الدرفي فقال له مرة: ليس لك يا مجدول هم إلا السؤال!.
ومنهم الشيخان الفاضلان العالمان العاملان أبو يعقوب وأبو موسى من أهل أتِلجَام أما أبو يعقوب فكان غنيا يمكث عنده أبو عبيدة شهرا في بعض الأوقات هو وأصحابه وهو مع ذلك من العلماء المشار إليهم. وأما أبو موسى فمن شدة ورعه وكثرة تحفظه إذا أراد أن يحرث الأصل استأذن زوجه لكونه أصدقها بعضه ولم تقبضه بعدُ، وتقول: ياشيخ أولم أجعلك في حلٍّ بعد؟. ويقول لها: جزت اليوم على كرمتنا يافلانة محمرَّة بالتين (1/331)
صفحة 332
وتقول: إلى متى يا شيخ وقد جعلتك في حلٍّ؟ فيقول: خشيت تغيُّر قلبك.
ومنهم أبو القاسم التملوشايتي وقد تقدم أنه من البيض وكان من أورع الناس وازهدهم في الدنيا وختم له بخواتم الصالحين وفي السير أنه مات في السجود وذلك غاية المقصود واقوى علامة إن قبل علمه المعبود.
ومنهم أبو بكر الففسوفي وتقدم أنه من البيض وكان ورعا حاذقا لدينه من البله في دنياه وكان يربط حماره إلى قرب الزرع فيحول وجهه إلى الجهة التي ليس فيها زرع فإذا قيل حمارك يضر الزرع فيقول حولت وجهه إلى غير الزرع وذلك مبلغ علمه ولا يلتفت بقدرة الله إلى الزرع.
ومنهم أبو موسى الدجي النفوسي وكان من عباد الله الصالحين الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر الحافظين لحدود الله المحافظين.
وفي السير كان عابدا شديدا في الأمر والنهي ولقي رجلا ساق شاة يريد ذبحها فدخل بها الخط فرده قال أردت ذبحها قال لا تجوز بها فذبحها الرجل هناك قال له الشيخ يا رجل سيء.
وروي عنه لما أراد السفر إلى الحج رأى في منامه بعد أن هيَّأ أموره وقضى تباعته قائلا يقول له أتمضي إلى الحج وأنت غتاب فتفكرت فلم أعلم أحد اغتبته إلا أبا داود سليمان بن أبي يحيى يوسف بن أبي محمد زيد الدرفي فطلبته فجعلني في حل فقال الصدر الذي فيه بغض أكلته النار.
وقدم أبو الربيع دجي ذات مرة فقال له أبو موسى أهل دجي رجالهم ونساؤهم يستحقون السجن إلا محمدا وأمه يعني ابنه وزوجته ووقع ابنه في صهريج وطلع سالما فهنأه الناس بسلامة ولده فقال لولده ولا يظلم ربك أحدا ياولدي.
ومنهم أبو أيوب حسن الجادوي النفوسي كان ورعا تقيا مشهورا في طريق الخير.
وفي السير (1/332)
صفحة 333
كان خليفة يتيم فقام به وأحسن تربيته وقيل اشترى له طوقا من ورق وخرصا من ذهب وإذا انكسر غصن من زيتونه باعه هذا لعلمه أن الله يعلم المفسد من المصلح.
ومنهم أبو القاسم التغريسني وكان من عباد الله الصالحين المتحرين المتحرزين.
وفي السير سئل هل يتولى البشر بن محمد فقال توليت المسلمين وقيل له توليت أبا يوسف وجدليش بن في قال توليت المسلمين وقيل له توليت أبا أيوب حسن قال توليته وادعوا له بالجنة انظر رحمه الله لم يظهر ولايتهما إلا في الجملة مع شهرتهما في الخير والمعروف والصلاح قلت لعله أراد أن يهضم لهما أنفسهما خشية العجب كما فعل أبو سليمان الأنري وغيره من الأشياخ.
ومنهم أبو يوسف وجدليش بن في كان عالما وعاملا وآمرا وناهيا شديد الشكيمة في حق الله لين العريكة في حق نفسه.
وفي السير حضر ليلا المجلس في دار بني أبي عبد الله فلما افترق المجلس خرج إلى بيته فرصد له جماعة من فساطو وجرحوه سبعة عشر جرحا ودافع عن نفسه وأبى أن يتكلم خشية الحرب ووقود النار للفتنة ومات تلك الليلة من فساطو أربعون رجلا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا ما بين لسيع عقرب أو لديغ حية ودعاه بعض التجار فأعطاه زكاة ماله في بيته وأغلق الباب دونه ومراده أن يقبلها ويردها عليه أو بعضها فلما قضاها له وحازها رد يده على قائم سيفه وخرج مع الحائط وحج بها.
وفي السير وذكر عنه أنه سمع الناس في عرفات مناديا حين مات ينادي في الهواء مات وجدليش بن في مات الأمر بالمعروف والناهي عن المنكر.
وذكر بعض أصحابنا (1/333)
صفحة 334
أنه مات يوم عرفة وفيه سمع النداء.
وكان أمر سوق جادو إليه يأذن لمن يشاء أن يبيع ويمنع من في ماله شبهة وفي عسره أحدثوا ذلك لدخول الريبة وطن طرابلس، أتاه بعض أهل أنير فأستأذنه أن يبيع غنما فقال: من تكن؟ قال: ولد فلان قال هي عندكم تاليد قال نعم فأذن له. وأتاه آخر من أغل فاستأذنه قال من تكن قال ولد فلان قال: أفي سوق جادو تبيع حرام أبيك فقام إليه ففر وتبعه إلى ماطس ثم رجع عنه.
ومن اجتهاده حين يتعلم أنه يخرط الزيتون ولوحه معلق بين عينيه يقرأ فيه وأخذ العلم عن أبي يحيى يوسف بن زيد الدرفي ومن أبي نصر بن زار بن يوسف التفستي وجازت عليه نسبه الدين وأخذ عنه بشر كثير منهم أبو الربيع سليمان بن موسى.
ومنهم أبو سهل البشر بن محمد التندميرتي أخذ العلم عن أبي يوسف بن زيد الدرفي ومن أبي نصر زار بن يوسف التفستي وجازت عليه نسبة الدين وأخذ عنه بشر كثير قال البغطوري روى لي ثقة أنه أخذ عنه شيخ ممن فاق في العلوم وتفقه وذلك من بركته وحسن نيته ..
وفي السير كان عالما وكانت عنده حلقة وكان لا يأخذ الزكاة وكان تاجرا وسيرته وعادته إذا صلى الفجر واستفتح مضى لشغل دنياه فيرجع إلى القايلة فيقيل وإذا قرب وقت الظهر قام وتوضأ ولبس ثوبين أي قميصين معقودتين بطوق واحد وعمامة حسنة وكساة سجلماسية ثم يذهب إلى مسجد إمسراتن بجادو فيؤذن ويصلي ولا يزال في الصلاة والعبادة إلى العصر فيؤذن ويصلي ثم يعمل المجلس لتلاميذه إلى المغرب فيصلي ثم إلى العشاء الآخر اعني العتمة فالله اعلم أن كان له ورد وعبادة بعدها ثم يرقد ثم يقوم آخر الليل فيشتغل بالعبادة إلى أن يصلي الصبح وكان ربما سبقه رجل قال في السير من أهل اغل وقال البغطوري من أهل سنتون إلى الأذان في مسجد إمسراتن فأعطاه الشيخ دينارا فترك ذلك ومسجد إمسراتن لجميع (1/334)
صفحة 335
نفوسة وإذا دخل رمضان أعطى طلبته وعزابة تمر جرمة يفطرون عليها وكان يعطيهم صرر الدراهم من زكاته.
وأخذ طلبته أمة لأهل فساطو ليخرجوا منها الحق فنزعوها منهم وزحموهم وعاتبهم إذ لم يشاوروه قال ولو شاورتموني لأمرت أبا داود بن أبي يحيى فيأخذها.
ومنهم أبو محمد عبيدة بن أفلح اليجلاني وكان عالما سخيا قيل تعلم العلم في بيته لكثرة من يغشاه من المشايخ ويقيمون عنده وربما مكث عنده بعضهم أربعة أشهر أو ستة وكان يكثر الإقامة عنده أبو عبد الله بن جلداسن اللالوتي وكان يطعمهم من خالص ماله وقيل يعرف الخوف على وجهه.
وذكر بعض أصحابنا أن ثلاثة يتغير وجوههم من خشية الله أبو محمد عبيدة بن أفلح اليجلاني وأبو أيوب حسن الجادوي وأبو زكريا بن هارون الشروسي.
ومنهم أبو الربيع اليجلاني وكان عالما عاملا حافظا محافظا لا يشتغل إلا بما يعنيه وقد أخذ العلم من الشيخ أبي الربيع.
وفي السير إن أبا الربيع اليجلاني وأبا موسى عيسى بن وزال ليس معهما من كلام الدنيا شيء إلا الاشتغال بطاعة الله وفيما يعنيهم حتى لحقا بالله وكذا ذكر البغطوري ثم قال فهذان وأمثالهما الناس.
ومنهم أبو عبد الله بن يدويسن وكان تقيا مشهورا في الخير وسرق في صغره درهما لرجل فكان بعد يطلبه الحل ويقول سرقت لك درهما فجعله في حل ثم بعد ذلك كلما رآه طلبه وكان الرجل يلوذ عن وجهه استحياء.
ومنهم الشيخ التقى العالم السخي الفاضل أبو علي النفوسي من فساطو كان كهفا للأبرار ومأوى للأخيار وربما مكثت عنده المشايخ زمانا من الدهر خصوصا أبا الخير الزواغي.
وفي السير يذبح كل يوم شاة للأضياف فكلمه المشايخ أن يترك ذلك فشاور أبا الخير فقال له زد (1/335)
صفحة 336
الخير يا أبا علي فصار يذبح شاتين كل يوم.
ومن غيره وقعت شدة فنزل بعض المشايخ على الشيخ أبي علي وكان كثير المال من الحيوان وغيره فكان يجعل لهم على القصعة شاة للغذاء وشاة للعشاء فلبثوا كذلك ما شاء الله فقالوا للشيخ أبي الخير كلم صاحبك أن يترك اللحم عن أحد النوبتين فكلمه فقال أبو علي إيش ترى قال زد في الخير فصار يجعل على القصعة شاتين للغداء ومثلها للعشاء فقال المشايخ أرسلناك لتنقص نوبة فأمرت بالزيادة قال استشارني فنصحته وقال لأبي الخير أقاسمك مالي فخذ نصفه قال ما أريد بمالك يا أبا علي.
ومنهم أبو الخير توزين الزواغي كان عارفا فضل طاعة ربه فحافظ عليها فحفظه الله من كل رذيلة أن يرتكبها وهمته تنقية نفسه من أدناسها فسدده الله إلى المعالي فارتكبها خشي ربه فكفاه واقتصر على ما أمره ونهاه.
وذكر بعض أصحابنا أن تمصولت مولى للمعز بن باديس كان فاجرا جائرا جبارا عنيدا عنيفا جعل على أبي الخير مائة دينار وليس له مال فأتى خليله أبا علي الفساطوي المتقدم فقال اطلب لي الصلة من مشايخ نفوسة وأهل المعروف لئلا يعنف على هذا الجبار قال أبو علي لا اتشفع لك في المائة دينار وهي عندي فأعطاه المائة دينار فأعطاها أبو الخير لتمصولت فلما أمسى صارت البيت عليه ثعابين وأحناشا فدعا من حينه شرطته فدعوا أبا الخير بعد أن التمسوه في موضعه فلم يجدوه ودلوا عليه بأنه يتعبد بالساحل وله علامة يعرف بها وهو العطاس فرد له المائة دينار.
وفي السير إن المسودة يستدون بلاد الزواغي ويتركون لأبي الخير ما ينوبه ثم قال لهم أهل الغش والحسد لا نودي عنه (1/336)
صفحة 337
فرجع عليه الطالب فحاسبه على ما ترك له فوجد ذلك مائة دينار فلم يجد ما يعطي فطلع إلى الجبل فسلفها له أبو على الفساطوي فأعطاها له فلما جن الليل تقلبت تلك الدنانير عقارب وأشفق منها ودخله الرعب فأرسل إلى أبي الخير فقال احمل دنانيرك عني فلما أراد أخذها عادت دنانير كما كانت أولا بإذن الله فردها إلى أبي علي فأبى من أخذها وقال قد وهبتها لك ثم تصدق بها أبو الخير.
وقيل إذا كان في بلده زواغة لبس الطاق وإذا طلع إلى الجبل لبس عباءة وعادته الترديد بين الجبل وزواغة طالعا نازلا لا يحمل معه زادا.
وفي السير: ذكر ابن أخته قال سافرت معه فإذا كان وقت العشاء قيل لنا اغسلوا أيديكم فإذا غسلنا وضع بين أيدينا طعاما فنأكل فإذا بلغ وقت الغداء كذلك ولا نرى شخصا وإذا كنا في المجلس للسؤال فيقع السؤال فيجيب الشيخ ولا نرى شخصا كذلك ولا نرى شخصا كذلك حتى نفترق.
وذكر أن من عادته إذا نزل إلى زواغة وضع حديدا في كوة فإذا صدأ قال قلبي كذلك صدأ فيطلع إلى الجبل ليصقله يعني بالمذاكرة ولقاء الإخوان في الله ومضى مرة بالليل وهو في الجبل وله مصلى معلوم إليه فتبعه أبو على فإذا به يصلي ونور نازل من السماء على المصلى أي مقابل المصلى فقصده فإذا هو يصلي وهو يعطس وتلك عادته في الصلاة.
وفي السير قدم أبو الخير ليلا فنظر إلى الضوء بالمصلى الأسفل الذي لأبي عبيدة بإجناون فقصده فلما قرب فإذا معتقة تصلي وحولها جماعة شبه رجال عليهم ثياب بيض فقالوا له دونك فتأخر حتى أكملت وسلمت فطلب الماء ليشرب فناولته وشرب اللبن ثم طلب الماء ليتوضأ قالت توضأ من الإناء الذي شربت منه فتوضأ بماء ثم رأى في المنام أنها تكون (1/337)
صفحة 338
زوجته فوجد لها زوجا ثم مات والله أعلم فتزوجت آخر وتحير من ذلك وبلغ فيه ثم قضى الله فتزوجها بعد ذلك.
وقال له بعض: أشكو إليك من قلب قاس وعقل لا يفهم ولسان لا يسأل وبدن لا يخشع ويد لا تعطي ورجل لا تزور فأجابه بان دواء ست بست بمحبة المسلمين وزيارتهم ونحيل جسمك بالصيام وعليك بقيام الليل والتضرع عند السحر وقراءة القرآن لما عند الله.
وذكر أنه مرض فزاره ابن أبي زكريا قال كيف حالك قال بخير قال أما أنت يا شيخ فقد قدمت لنفسك مالا تخاف عليها أراد من العمل الصالح فقال له ياولدي أخاف على المخزن أن يأكله السوس.
ومنهم أبو موسى يزيتن بن ياسين الجناوني.
وفي السير كان تائبا زاهدا في الدنيا ورعا سخيا وقيل أكثر صدقاته في السر وفي السير أدرك رجلا في صب فدادينه فأراد عزابتهم أن يحبسوه فغضب وحلف بعتق رقبة لئن حبستموه لما أكلت ثمار تلك الفدادين ما دمت حيا فتركوه لا يريد أن ينتصر لنفسه.
وانكسرت غرفته وأخذ السراق ما فيها فلما نظر إليها كذلك قال الحمد لله الذي كان هذا منكم ولم يكن منا وقال البغطوري أبو موسى مستجاب الدعاء.
ومنهم أبو الخير توزين الجناوني كان عالما متفننا أخذ العلم من أبي يحيى يوسف بن زيد الدرفي وأخذت فيه دعوة أبي الخير الزواغي وذلك أنه بات إجناون عند بعض أهلها فازداد عنده مولود سموه باسمه وطلبوا إلى أبا الخير فدعا له فقال أسأل الله ربي أن يفهمه دينه فكان أفضل أهل زمانه.
وتخاصم منتاوي مع رجل استمسك به عند سرغين الجناوني فكان قاضيا من أولاد مدرار على أن يعطيه سلفا سلفه في غير ذلك البلد فألزمه سرغين الدفع فشكاه المستاوي (1/338)
صفحة 339
إلى أبي الخير وكلاهما أخذ من أبي يحيى فكلمه أبو الخير قال سرغين كذا حفظتها من أبي يحيى قال أبو الخير لعلك سمعت ذلك في الدين قال نعم قال حكمها مختلف فرجع عن حكمه.
ومنهم معبد أو ابن معبد الجناوني تعلم العلم بالمغرب وهو غير ابن معبد الذي تعلم عند سعد بن أبي يونس لأن ذلك مات بمانو وهذا بعد ذلك في زمان بني عبيد الله.
وذكر البغطوري أن الشيخ أستاذ ابن معبد خرج في الدولة فجعل لهم أبو تميم الضيافة فأكلوا ولم يأكل ابن معبد وأبو تميم جالس ينظر ثم أعاد لهم ولم يأكل فبلغه غاية الجوع فقال لنفسه أتيت للتعلم فأكل الشيخ والتلاميذ وهو اعلم مني فما يمنعني من الأكل فأعاد لهم اليوم الثالث فأكل معهم فلما خرجوا قال له أبو تميم أكلت قال نعم قال أبو تميم والله ما هذا بمالي وكانت يومئذ علماء الإباضية كثيرة بالقيروان.
ومنهم أبو سليمان البطريسي وكان عالما شديد الشكيمة في الأمر والنهي ممن لا تأخذه في الله لومة لائم، ذكر مغر بن محمد البغطوري أن ابن فلاوسن أحد الشطار يدخل في الفنادق ويأخذ أولاد اليهود ولا يردهم حتى يفدونهم ودخوله من فسحة غير مبنية طلبوا إلى صاحبها أن يترك لهم يبنوها فأبى وبذلوا له مالا على ذلك فأبى وامتنع كل الامتناع، واشتكوا لابن نصر وقالوا: نعطيك أربعين دينارا إن سببت لنا في بنائها وقال لا آخذ ولا نخادعكم ولا نأخذ طمعكم حتى تبني فكلم أبا داود سليمان بن أبي يحيى الدرفي فاستفتا فيها الشيخ أبا يوسف وجدليش بن في فأفتاه أنها تبني ولو لم يرض صاحبها لتعيين المضرة فأمر ببنائها أبو داود فانصرف صاحبها إلى الشيخ أبي سليمان البطريسي فاشتكى مما وقع به فأتى أبو سليمان جادو فقصد الشيخ أبا سهل البشر بن (1/339)
صفحة 340
محمد فقال هل معك علم بالحدث الذي وقع قال لا فخرجا فأتيا أبا داود وكان أبو يوسف حاضرا فقالا له: صرت مثل ابن باديس بالقيروان في التصرف في مال الغير بغير رضًا منه قال ما فعلت إلا بفتيا أبي يوسف فقالا لهما توبا إلى الله فتابا وهدما ما بنيا وسبب توبته ورجوعه إلى الإسلام أنه يجني التين فجعل مروة في حبة منها حسنة ونوى أن يأكلها من يأكلها فتكسر ضرسه فقضى الله أن كان هو الآكل فانكسر ضرسه بها فارتدع وتاب فأخذ في التعلم والطلبة يضحكون لعدم استقامة لسانه وهو يقول علموني واضحكوا فتعلم القرآن ثم العلم حتى صار أفضل أهل زمانه والتوفيق من الله واسمه داود وكان أبوه يهون أمره ويقول ماذا خفتم في داود ودار عليه الأدب فقال سِر بنا إلى جادو لنحتجم فسار فانزله في السجن فأكل أمر إطلاقه إلى المشايخ وظن المشايخ إذا نزله أن يخرجه وبقي فيه دهرا فلما خرج من السجن صار يقول إياكم وداود احذروا من داود وطرد المشايخ جانيا فرماه بحجر فكانت سبب موته فتكلم المشايخ في ذلك فقال أبو الربيع ضرب الله فاه إنما قتله الحق وكان ينكر تقديم أبي يعقوب وبنيان قصر فساطو.
ومنهم أبو سليمان الأنري كان من الأشداء الأقوياء في دين الله وممن لا تأخذه في الله لومة لائم وكان شيخا مهابا موقرا ومن عادته مع أبي زكريا بن أبي عبد الله إذا كان حاضرا يقول له يا يحيى ليهضم له نفسه وإذا غاب يقول أبو زكريا بن أبي عبد الله جرثومة الإسلام ويعظمه ويكبر أمره ويفخم شأنه.
وجاز أبو زكريا مرة فنزل في مسجد إنر فقال أبو سليمان قعدت يايحيى هاهنا والناس (1/340)
صفحة 341
مساكين لا يقدرون على شيء؟ ارجع تحت الزيتونة حتى نعالج لكم شيئا، وأراد أبو هارون موسى بن هارون وتلامذته جادو وفجازوا على أبي سليمان فدخل ليصافحه فأعرض عنه فقال أبو هارون بن موسى تبت إلى الله أيها الشيخ فقال له أبو زكريا يا جرثومة من جراثيم الإسلام خرجت وتركته فقال أبوهارون موسى فإذن ماذا أفعل؟ قال ترجع إلى غار توكيت وتأتيك معيشتك هناك وترسل إلى أبي زكريا ففعل فلما أتاه ساروا إلى جادو وانحازا أبو زكريا بمن معه ليسلم على أبي عبد الله بن جنون في أندّماد فخرج إليهم وصافحهم فلما رجعوا جازوا على أبي سليمان فأعرض عن أبي هارون فقال تبت إلى الله أيها الشيخ إلى ثلاث قال جازا أبو زكريا إلى ابن جنون ولم تجز أنت ثم جاؤوا إلى جادو مرة أخرى فجاز أبو زكريا إلى أندماد فجازا معه أبو هارون فقال ابن جنون رحم الله الأنري.
ومنهم أبو عبد الله محمد بن أبي يحيى الدرفي وحقه أن يذكر مع أخيه أبي داود وأبيه أبي يحيى وجده أبي محمد ولكن أخر لأمر ما.
وكان شيخا فاضلا وكان تقدم حاكما تم عزل فاغتابه الشيخ طاهر ثم أتى يسأله الحل فقال لا أحل شيئا حرمه الله ولم يجعله من الغيبة في حل.
وذكر أنه لما حج قيل له من أخذ منكم دار جدكم أبي محمد في نصيبه وهي المشهورة بدار بني عبد الله هو الذي تكون البركة فيه وفي ولده ولو لم يبق من ذريه أبي مرداس إلا امرأة فواتها نفوسة رشدوا فلما رجع اقتسم هو وأخوه أبو داود وهو الحاكم يومئذ فأخذ أبو عبد الله الدار وأخذ أخوه فدان زيتون في إدرف فرجع الخير والبركة في ذرية أبي عبد الله وكان أخذ العلم من أبي سهل البشر بن محمد هو وأبو الربيع وأبو عمرو والخير. (1/341)
صفحة 342
ومنهم أبو حكم وكان عالما وتقدم أنه ممن أخذ العلم من أبي سهل.
ومنهم عيسى بن محرز التاردينتي وعنده قصد طاهر بن يوسف حين انتقل من يفرن ومشى به في الجبل وجمع له مالا وصلة وتمام حديثه يأتي بعد.
ومنهم الشيخ التقي طاهر بن يوسف وكان مستجاب الدعاء قال الشيخ مقرين بن محمد البغطوري إن أصل عمي طاهر بن يوسف من ساحل المهدية وهو من هروغة وكان في أيام المعز بن باديس وقطع عليهم الزيتون بشيء معلوم من الخراج يعطونه وقتا معلوما فلما حضر وقته في بعض السنين اجتمعوا ليعلموا ما يلزمهم فقرأ عليهم الكتاب ما يلزم كل واحد فبلغ الشيخ طاهرا فقرأ إن عليه سبعين قفيزا زيتا وقال المعز للقارئ اقرأ بعد أن اطرق إلى الأرض ببصره فقرأ على طاهر بن يوسف سبعون قفيزا زيتا ثم أطرق فلما رفع بصره قال ناولني الكتاب فقرأ على طاهر بن يوسف سبعمائة قفيز زيتا قال الشيخ فدبرت فرأيت أن ما عندي من المال ما يخلص ذلك فأردت الانتقال فإذا إفريقية مثل حوض الدم أي قل حلالها لاختلاط الأموال وكثرت الريبات فطار قلبه منها فأراد جبل نفوسة فدعا الله أن لا يدخل الجبل بشيء من أموال إفريقية وأن يسكن منزل الطرف وأن يرزقه الجنة فحمل ما معه من الحلي والناض فلما بلغ بحر جربة أرادت امرأته أن تغسل يديها فتلفت الخريطة التي فيها مالهم وطلع إلى يفرن وكانوا إذ ذاك غير وهبية إما خلفية أو حسنية أو مستاوة من فرق الإباضية فجمعوا له ثلاثمائة مدى شعيرا فرأى في المنام أن واديا من زفت وواديا من قطران تبعاه فتأولها بمال يفرن فجمعهم فقال لهم: شيوخ (1/342)
صفحة 343
نفوسة سمعوا بخبري فلا يمكن لي القعود حتى أراهم فنزل من تاغما وطلع إلى تارديت وخلصه الله من ريباتهم.
ونزل على الشيخ أبي موسى عيسى بن محرز فمر به إلى سوق جادو فبات ليلة الجمعة فلما أصبح وفرغ من المجلس تكلم الشيخ عيسى فقال هذا شيخ من أشياخ أهل الدعوة خرج من بلده بما علمتم وبلغكم فاجعلوا له صلة فأعطى كل واحد ما سهل عليه فجمعوا ستة وخمسين دينارا فرفعها التارديتي ونزل به إلى إجناون فجمعوا أربعين قفيزا زيتا ومر به إلى شروس وذلك في أيام أبي عمرو ميمون بن محمد فجمعوا له أربعين دينارا فسكن في أشفي وهو منزل الطرف ونطمع له إجابة الدعوة الثالثة وهي الجنة وكان من أولياء الله الصالحين.
وذكر بعض الأشياخ قال زرته مع أمي في رمضان مع صغر سني وصنعوا له طعاما لغذائه فأكلت معه لأنه صار في حد أرذل العمر وكان مستجاب الدعاء صاحب براهين وتقدم أن أبا الربيع إذا استقبل رمضان أرسل إلى عمي طاهر بن يوسف وإلى العجائز أن يصوموا عنده وفيهن أم ماطوس وكانوا مرة يقرؤون والشيخ طاهر قاعد تحت مطلع الأذان فتكلم من في القراءة قال الشيخ طاهر رأيت كهيئة الرجال بيض الثياب قاموا من المجلس حين تكلم.
ومنهم أبو يونس أبدين الفرسطائي وكان من العلماء العاملين المشار إليهم بالأصابع أخذ العلم من أبي ذر صدوق عن أبي مرداس وأخذ عنه أبو حسان خيران بن ملال وهو ممن جازت عليه نسبة الدين.
ومنهم أبو محمد عبد الله بن مطكود وكان عالما زاهدا ورعا عاملا.
وفي السير يختم القرآن في كل جمعة ثلاث مرات وفي صلاة الجماعة مرة ومرة منفردا وكان يندب نفسه ويقول (1/343)
صفحة 344
يانفساه قولي خيرا تغنمي واسكتي عن شر تسلمي وإلا تفعلي هذا تندمي وإذا كره مصافحة أحد اجهر بقراءة القرآن حتى يذهب وأخذ العلم عن أبي الربيع وعادته في رمضان إذ كان تلميذا عند أبي الربيع في إبناين إذا قاموا للطعام فيحرم للصلاة فيقرأ في الركعة الأولى بسورة البقرة وفي الثانية بقل هو الله أحد فإذا سلم أعطوه في يده فيأكل وقيل يصوم هناك على نصف صاع بصاع إبناين ومن شدته في الأمر والنهي أنه ينزل أهل الجملة جميعا في السجن لأنهم استحقوا ذلك عنده وله أربع بنات وقال لرجل له أربع بنات ما أتحير من شان بناتي كما لم أتحير من شعر رأسي وقال الآخر واسمه جعفر أنا متحير منهن وترك للعزابة والطلبة مفتاح مخزنه من احتاج منهم إلى شيء أخذه وقال ثلاث لا أريد أن يحول بيني وبينها أحد الأذان والإقامة والفتيا وكان لا يستأذن أهل المسجد على الأذان والإمامة فكل مسجد أدركته فيه الصلاة أذن وصلى. وكان لا يقدر على أشغال الدنيا خرج مرة إلى حصاد زرعه فملأ يده فأوجعته واشتد عليه الحر فوضع من يده الزرع وانصرف إلى شيخه في إبناين فحصد بعد ذلك زرعه أهل منزله ولو جمع له الحطب والنار واللحم ما قدر أن يشوي ويأكل. اصطحب في صغره مع الأشياخ وفي كبره مع التلاميذ طلبا للسلامة.
ومنهم أبو بحر الفزاني وكان مذاكرا ناصحا وهو من أهل تامزوات.
وفي السير صلى بهم العيد بنحو أربعمائة ثم صلى العيد المقبل بنحو المائتين أو المائة فلما قضى التفت فقال انتقصتم فربي يعلم ما يحل بكم ثم أخذوا في النقصان فصلى العيد بخمسين فالتفت فقال لهم كمقالته الأولى ثم أخذوا يتناقصون فما بلغ العيد الرابع إلا وصلُّوا بثلاثة (1/344)
صفحة 345
هو وابناه فقال: بادروا بالرحيل، فأخذوا في الرحيل، ففاجأهم العدو فقتلوا ما قتلوا، ومات ابناه ولم يجدوا ما يقتلون فيه من الكبر، والسخطة تعم.
ومنهم أبو مسور يسجا بن يوجين اليراسني ممن خدم الدين وخدمته الدنيا ونال منها الدرجة العليا أخذ العلم من معدنه أبي معروف واقتنص الأناسي من عيون التعريف فساد كل فائق فحاز القصب عن كل سابق.
وذكر أن أكثر وهبية جربة اهتدت على يديه وكانت قبل على مذهب الخلفية من الإباضية وكان يسمع بها من النكار أذى كثيرا لما يرونه أنه بها غريب فجمعهم يوما أمر اجتمعت فيه أهل جربة وقد اتصل الخبر بالبلدان مما يؤذي به من الكلام وممن حضر المجلس من الناس خلف بن أحمد عالم النكار وعميدها خال أبي مسور فبينما هم في محفلهم مجتمعين وهبيتها ونكارتها إذ ورد عليهم كتاب من قبل زواغة البادية وفيه سمعنا يا شيخ أن النكار يقعون فيك ويؤذونك بالهمز واللمز فإن صح فأعلمنا نصرخك وما علينا إلا الأزر والسلاح رغبة في نصرتك فقال: لا علم لي بهذا فإذا بكتاب ثان من قبل دمر وفيه: بلغنا أن النكار يسيؤون إليك فإن صح نصرناك بعسكر أوله عندك وآخره عندنا، فقال: ما لي بهذا علم وما استتموا مجلسهم إلا وكتاب ثالث من أهل نفوسة وفيه ما في الأولين وزيادة كسرنا غمد السيوف ونصل وهي ملصقة في أيدينا فقال لا علم لي بذلك فكأنهم تواعدوا فملئ النكار رعبا لما علموا من الحزم والجد وعدم الغفلة عنه، فكانوا يعظمونه ويوقرونه، وكان عميدهم خلف يقول في مجالسه أبو مسور ابن أختي إمامنا أجمعين لحمي لحمه دمي دمه.
واختلف معهم مرة في مسألة، وخلف (1/345)
صفحة 346
بن أحمد غائب فلما حضر سأله أصحابه فوافق أبا مسور فبلغه الخبر فقال فلهذا تقول العلماء لا يعوج قول العالم وإن كان مخالفا.
وسئل أبو مسور عما يقرأ عند من حضره الموت فقال ما سألني أحد عنها منذ فارقت أبا معروف فقال: {يا أيتها النفس المطمئنة ... } إلى آخرها.
ووضع مرة طعاما بين يدي التلاميذ بعد أن غسلوا أيديهم فخرج فلما يأكلوا حتى رجع فقال مالكم لا تأكلون أخشيتم أن أغرمكم كلوا وإن شئنا غرمناكم وعزاه الشيوخ في ابن مات له وتذاكروا ما فيه تسلية فقال: ما الصبر الجميل وصفته؟ قالوا منك الجواب، قال: أن لا تظهر المصيبة على وجه المصاب قال: وهل أسهل من هذا قالوا: منك الجواب، قال: ما لم يتغير وجهه، قال: وهل أيسر من هذا؟ قالوا: منك الجواب، قال: ما لم يبك، قال: وهل أيسر من هذا قالوا منك الجواب، قال: ما لم يصح ويدعو بالويل والثبور لأن البكاء يكون من الرحمة.
ومنهم الشيخان الإمامان القدوتان أبو القاسم يزيد بن مخلد وأبو خزر يغلا بن زلتاف الوسيانيان رضي الله عنهما، كان مسكنهما بالحامة تعلما الكلام عند حسنون بن أيوب وسائر العلوم من اللغة والفقه والتفسير وسائر الفنون عند أبي الربيع سليمان بن زرقون وأخذ عنهما خلق كثير من جملتهم أبو نوح سعيد بن زنغيل.
وكان أبو القاسم غنيا ذا مال واسع وأبو خزر يخدم ويكتسب على نفسه وكانا يقرآن كتابا واحدا فإذا قام أبو خزر إلى بعض أشغاله قرأ أبو القاسم فإذا رجع ابتدآ من المكان الذي ذهب عنده فيقول أبو القاسم لي مرتان ولك مرة فبلغا في العلوم مبلغا عظيما فقعدا يقرآن العلوم والأدب وسير الصالحين واشتهر أمرهما وعلا ذكرهما وأبو القاسم ينفق على من يقرأ وقالوا لأبيه ابنك (1/346)
صفحة 347
مجنون يعلم ويطعم ويعطي.
وتزوج (الغاية) وقد قيل حين سمع عن بعض الطلبة تزوج: لأن يبلغني موت الطالب أحب إليَّ من أن يبلغني تزويجه. فقالت له زوجته (الغاية): لِمَ تزوجت إذًا؟ قال لو علمت مسألة ليست عندي لشددت إليها رحلي.
وتقدم أن عبد الله بن الخير علق زاده لطلب العلم قال وما أخاف أن يعذبني الله إلا على الجهل وسمعت (الغاية) أن من قرأ سرا ولم يحرك شفتيه انتقضت صلاته فأعادت صلاة سنة في ليلة لأنها كانت تكيف قبل.
وقصد الشيخين نكاريٌّ فأظهر لهما الرجوع إلى مذهب الوهبية فمكث دهرا طويلا معهما يتعلم وهو ينتهز الفرصة في الغدر، وكانوا في بعض الأحياء، فذهب الشيخ أبو القاسم ليتهيَّأ لصلاة الظهر وتباعد عن الحي وذهب كل من الطلبة لشأنه فصادف من الشيخ غرة فتبعه وهو لا يعلم به وقد أخذ رمحا من أرماح التلاميذ فطعنه من خلفه وكان الشيخ لابسا محشوة فأخذت ثيابه جانبا فظهر أمامه وسلم جسده فابتدره الناس من كل جانب فأخذوه فجروه وسحبوه ولم يريدوا أن يحدثوا به حدثا إلا عن رأي الأشياخ، فقال رجل: أذهب وأشاور الأشياخ فتوارى ساعة ورجع وقال: قالوا اقتلوه فقتلوه ولم يشاور الأشياخ.
وقال لأبي القاسم بعض نفوسة ورآه راكبا بغلة بسرج محلى بالذهب ليس هذا بسيرة أهل الدعوة فبكى ثم رجع إلى الجبل فأخبر أهل الجبل بأنه وعظ الشيخ فبكى قالوا له: إنما بكى من جهلك.
وكان له عشرون جملا محلاة بالخلاخل يسافر بها إلى القيروان. وكان مشهورا بالعلم والأدب عظيم المنزلة شديد الورع وأهل القيروان يعرفونه بذلك وإذا دخلها اضطربت المدينة يسألونه (1/347)
صفحة 348
عن المشكلات ويستفتونه بل يدخرونها لوروده من موافق ومخالف.
عن أبي نوح أن أبا القاسم جاز بها على وراق يسمى إبراهيم المشبه يكتب تشبيه الله تعالى بخلقه فعجب منه وجرى بينهما بحث كثير قال فيه إبراهيم إذ لم يكن الله جسما ولا عرضا ولا له صورة فكيف يبطله من أراد إبطاله قال أبو القاسم فليقل مثل قولك فانقطع. فسأله بعضهم عن بيت كيف ينشد قال بكسر اللام ومن أنشده بالفتح فهو ذم. فقال القروي لأصحابه أبو القاسم عالم كبير.
ولما بلغ أبو القاسم ما بلغ عظمت منزلته عند الملوك وكان سلطان المغرب أبو تميم وكان له راية حمراء علامة لسخطه على من أرسلها إليه فأرسلها بجيش إلى الحامة فسمع بها أبو القاسم فأتى القيروان فشفع في أهل الحامة بلده فشفَّعه، وأعطاه راية بيضاء مشهورة لرضاه فأسرع بها وأدرك الجيش عند وصوله فرجع وقال أبو تميم في أبي القاسم لم تلد العرب مثله وقال في أبي خزر: عالم ورع. وذكر أبا نوح فقال: ((فتى مجادل)).
ودخل أبو القاسم على أبي تميم فطلبه أن يريه ذا الفقار سيف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأراه له فسله وهزه ثم رده قال أبو تميم لم آمنه على نفسي إذ هزه حتى رده ودخل يدي وتخوف أبو تميم من جهة أبي القاسم وعمرت نفسه بذلك وكثرت وزراؤه الطعن فيه.
وذكر أبو الربيع سليمان بن يخلف أن أبا القاسم تكلم مع يهودي فقال له لم يبق إلا يسير فنخرجه من تلك المدينة فأفشاه سره لأبي تميم وعاتبه المشايخ على إفشاء سره لليهودي وقالوا له أحسن الله عزانا فيك، وكان أبو القاسم يخرج أيام الربيع إلى أحياء مزاته وكانت عدتهم وعددهم في قوة وكثرة قيل (1/348)
صفحة 349
اثني عشر ألف فارس والرجل لا يعد كثرة وقالوا لأبي تميم يريد الخروج عليك فكتب إلى عامله بالحامة بقتل أبي القاسم فتكا ولم يرد قتله فأشار عليه العامل بالمسير إلى الحج قال قد حججت بعد قال: إنكم الوهبية تستحبون إعادة الحج وترون فضله قال ليس لله عليَّ أن أحج مرتين ثم أشار عليه أن يخرج إلى وارجلان قال لست أن أخرج من الدنيا وأنا حي وفي حفظي قال: زر نفوسة فلم يفعل فاستبطأ فعله أبو تميم وكتب إليه كتابا ثانيا ثم ثالثا يقول إما رأس أبي القاسم وإما رأسك فأرسل إلى أبي القاسم فركب وأتاه فأراه الكتاب الأول والثاني والثالث فتيقن الشيخ بالموت فقال أمهلني أصلي ركعتين فلما قضاهما بادرته الرجال بالسلاح فطلع العامل إلى علو لم يرد أن يرى أبا القاسم في تلك الحال لما بينهما من الخلة وكان بيد أبي القاسم سكين فدافع عن نفسه ففرقهم وفرح العامل وأشرف ثم اجتمعوا عليه ثانيا وأغلق عليه الباب ثم دافعهم وفرقهم ففتح العامل الباب واطلع عليهم فما زالوا معه كذلك حتى قتلوه رحمه الله.
وبادروا أبا محمد ويسلان فسجنوه فشكاه أهل السجن لكونه يصهرهم بالدراسة والقراءة، فأخرجوه وإذا سئل بعد ذلك عن السجن قال يصلح لدراسة القرآن فلما قتل بلغ موته في أهل الدعوة مبلغا عظيما وعزموا على الطلب بدمه وشمر أبو خزر لذلك ومن معه من المشايخ إلا أنهم لا يريدون أن يحدثوا حدثا إلا عن رأى أهل الدعوة فخرج أبو نوح إلى طرابلس ونفوسة وكان القائم بأمورهم أبو عبد الله بن أبي عمرو بن أبي منصور وقد تقدم التعريف به فجمعهم وشاورهم فقالوا نحن في تمام الضعف من وقعة مانو ولكن إذا تهيأتم نعينكم (1/349)
صفحة 350
بما نقدر فأتى جربة فعزم العامة على الطلب بدم الشيخ وأبى أبو صالح اليهراسني وقال لا تهيجوا على أنفسكم أهل الخلاف فإنهم أكثر منكم عددا ومددا فرجع أبو نوح وأخبر أبا خزر بما عند أهل طرابلس واتفق رأيهم فكاتبوا بني أمية بالأندلس والكاتب أبو نوح فأخذ الكتاب في الطريق وأوتي به أبو تميم وزاده ذلك حنقا وممن كره قيامهم أبو محمد ويسلان وقال لأبي نوح وقد أكثر النجوى في شأن القيام ستعلم من أين تخرج نجواك فلما سمع أبو تميم بتهيئهم للخروج أشفق وأرسل إليهم جماعة من المشايخ أن ارجعوا إلى بلادكم التي توليتموها من تيهرت والجريد ونحن في بلادنا وكان ذلك مراد أبي خزر ولكن العامة أبت إلا مناصبة أبي تميم وأرسل أبو خزر إلى الزاب وأريغ ووارجلان أبا محمد جمالا يستنفرهم.
وذكر يعقوب بن إسحاق أن أهل وارجلان خرجوا في العدد والعدة لما وصلتهم رسل أبي خزر واجتمعت جموع مزاتة على أبي خزر ولم ينتظر المدد وبايعوه على الدفاع والطلب بدم أبي القاسم فإن ظفروا بايعوه للظهور ونزل على باغاي وحاصرهم أشد ما يكون فصاروا يرشون أهل العسكر ويمنوهم فقبل بعضهم الرشا وقالوا إن قبيلة بانة تخلفتهم إلى أموالهم فانهزموا وكانت الهزيمة في الجميع وصارت الأشياخ والتلاميذ يذودون خلف الناس وكان أبو نوح على فرس أدهم فإذا لجوه رمى بنفسه إلى الخندق ونفس على خلق كثير وقيل عن الشيخ عبود الكزيني قال له الطلبة نخشى إن وقع ما نكره أن تذهب بفرسك وتتركنا قال لا أذهب عنكم فوفى لهم قال وشكل فرسه حتى استشهدوا جميعا.
وعن أبي زكريا (1/350)
صفحة 351
بن أبي زكريا رضي الله عنهما أنه قال مات في تلك الواقعة من التلاميذ عشرات لم يفتهم أبو نوح إلا باللغة.
عن يحيى بن أبي يحيى عن أبي عبد الله محمد بن أحمد عن وانودين إن أبا محمد جمالا لما استنفر أهل الزاب وأهل وارجلان خرجوا في جموع كثيرة مع خزرون بن فلفل ولم يبق بينهم وبين باغاي إلا مقيل فسمع بخبر الهزيمة فرجع وقال أبو خزر عجلنا بالتلاميذ وقيل رأى ثلاثة رجال في ليلة واحدة ثلاث رؤيات أن يسموا هذه الوقعة وقعة الشهداء وانتقل أبو خزر إلى جبل نفوسة بعد أن اختفى أربعين يوما في جبل وما معه إلا رجل واحد وخرج أبو تميم مجدا في طلب الشيوخ بعسكره وفرق عيونه في أثرهم فصادف أبا نوح يرعى إبلا فقيدوه وحملوه على جمل وطافوا به الأسواق وأمه تتبعهم فقالوا لا تلد السبع إلا اللبؤة فلما نزل العسكر آخر النهار وأنزلوه بادر التيمم قبل أن يقتل فقال صاحب السجن ادخل الخباء واسترح وأزل البرد فعلمت أني لا أقتل وكان يأتيه بعضهم ويقول: تركت القوم يقعون فيك ويأكلون لحمك فأقول مولانا خير منكم فيبلغ ذلك أبو تميم فيعطفه على وكان الرجل بعد أن عفا عني أبو تميم يأتيني ويقول يا حبيبى ياحبيبى فقلت له يوما هل رأيت حبيبا يأكل لحم حبيبه قال نحن رجال الملك من أحبه أحببناه ومن كرهه كرهناه وأجمع أبو تميم أصحابه على الكتاب الذي كتبه إلى بني أمية وقال لهم يهودي أنا آتيكم بخطه فبينما أنا في السجن إذ أتاني ببطاقة ومحبرة قال اكتب إلى مولانا واطلبه أن يعفو عنك واعتذر له وترك البطاقة وجلس ساعة ثم خرج فأخذت أكتب فكتبت بسم الله الرحمن الرحيم (1/351)
صفحة 352
فألهمني الله وتذكرت الكتاب الذي كتبت إلى بني أمية فخفت أن يكونوا أخذوها وأرادوا استخراج خطي فأخذت الجلم وقطعت ما كتبت ثم بدلت خطي ثم بعد ساعة دخل اليهودي وأعطيته الكتاب فجمع الكتاب والوراقين فقاسموا بين الخطين فاتفقوا أنه ليس بخط يد واحدة إلا واحدا قال الكاتب واحد وبدل الخط فتركوا قوله وأحضر أبو نوح وهو في القيد والأضمار وأبو تميم في قبة حمراء على سرير أحمر ولباس أحمر وحوله رجال بأيديهم الحراب فهاله ما رأى وآيس من الحياة وسلم عليه وأطرق أبو تميم مليا ثم رفع رأسه فقال ياسعيدا حقا كاتبتم فينا بني أمية قال له أبو نوح أن تقبل حجتي ويرفع عذري تكلمت وإلا فمولانا يفعل ما يشاء قال بل يقبل عذرك وكان أبو نوح فصيح اللسان كثير البيان قال كيف نكاتب بني أمية ونأمنهم وقد علمت ما بيننا وبينهم يوم الدار ويوم الجمل ويوم صفين وهم الشجرة الملعونة التي ذكر الله في القرآن فلما سمعه أبو تميم سره وتبسم وانطلق وجهه فدفع إلى الكتاب الذي كتبت إلى بني أمية فقال أنت كتبت هذا الكتاب فقلت والله ما هذا كتاب كتبته بيدي فاختلفوا في يميني فطائفة قالوا جعل ما زائدة وقال بعضهم لا يفطن لمثل هذا فقال أبو تميم لو صادفتني يوم باغاي أتتركني لغيرك قال أبو نوح لا فصدقه في جميع ما قال قال أبو تميم إن القيود دخلت في رجلك بالعلم ولا تخرج إلا بالعلم قال أبو نوح: عسى الله أن يجعل ذلك كفارة لذنوبي فغضب وقال أفنحن مسيئون فيك؟ قلت ليس في ذلك ما يدل على إساءتك ألا ترى أن الله يبتلى عباده فيصبروا فيؤجروا وليس في ذلك ما (1/352)
صفحة 353
يثبت الإساءة لله فزال غضبه فطلبته العفو فعفا عني، فخرجت فأرسل إلي بثياب نفيسة وأمر بنزع الأغلال والأضمار فأرادوا أخذها فأبى أبو نوح وقال مال مولانا نأكله حسن فبلغه ذلك عني فزاد في إكرامي وكان يرسل إلي مرة بعد مرة فدخلت عليه مرة وقد أرسل فسألني عن أبي خزر أين هو فقلت لا أعرف فقال تأتي به دراهمنا حيث كان فقال أنخشى أمره؟ فقلت إن أعطيت الأمان للناس في بلادهم لا تخشى أمره وإلا خشي أمره فرآني نصحته فبعث في أقاليم الوهبية كلها بالأمان.
وعن أبي الربيع سليمان بن يخلف عن أبي يعقوب يوسف بن نفاث أن أهل الدعوة إلى يومنا هذا في ذلك الأمان وحدث إبراهيم بن أبي إبراهيم إن أبا تميم أمر الخازن أن يملأ كُمَّ أبي نوح مالا دراهم ودنانير وكان الخازن يجعل فيه وأبو نوح يرخي كمه حتى كاد لا يقوم به فأخبر أبا تميم فأرسل خلف أبي نوح عينا ينظر ما يفعل بالمال فلما برز إلى باب القصر صار يقبض من المال ويعطي المارة حتى بقي القليل فرجع الجاسوس وأخبر أبا تميم بأنه مجنون لفعله بالمال ذلك قال أبو تميم هو منتحل الرياسة ولا جنون به.
وكان أبو تميم من العلماء وعادته يجمع علماء الفرق يتناظرون بين يديه وكان أبو نوح غاية في العلم والفصاحة والرد على من خالفه وارتفعت بذلك درجته عند أبي تميم وسئل أبو نوح ما الدليل إن لهذه الصنعة صانعا وأجاب جلساؤه بأجوبة غير مرضية قال أبو نوح فرأيت أبا تميم كأنه يريد الجواب وتأدب أبو نوح فقال جوابك مفهوم من سؤالك لأن الصنعة بنفسها دليل الصانع ولا صنعة بغير صانع.
وذكر بعض المعتزلة بين يديه يوما أن أسماء الله متغايرة كزيد وعمرو (1/353)
صفحة 354
لأن الأسماء عندهم هي الألفاظ كمستاوة وقال أبو نوح يلزمك أن يكون الله غير الرحمن وأن مغيرا غيرهما جعل هذا غير هذا فأراد الجواب فأنكر أبو تميم قوله وقال هذا الكفر بعينه.
ثم إن أبا تميم عرف موضع أبي خزر بجبل نفوسة فأرسل إليه بالأمان وكان القائم بأمره بجبل نفوسة حاكمها يومئذ أبو زكريا بن أبي عبد الله وقد تقدم وقد خرج أبو خزر يريد أبا تميم فلما بلغ قابس أرسل إلى أبي نوح وقال تلق أبا خزر صاحبك أنه بقابس فقلت أرسل معي خيلا من مزاتة معي ثمانين فارسا وكانت من أهل الدعوة فطعن فيه بعض جلسائه وردها أبو تميم إلا ما قل فلما التقيا بقابس تعانقا وبكيا قال أبو نوح أما تخاف ياشيخ على نفسك قال إنه أعطاني أمانا وعهدا وعادته لا ينقض العهد فلما دخلا على أبي تميم رفع منزلة أبي خزر وعظم شأنه ويقعده معه على سريره وغيره من الناس وقوف بين يديه وافتتح أبو تميم مصر من القيروان وأراد التنقل إليها وأراد الخروج بالشيخين خشية أن يحدثا بعده بإفريقية حدثا من قيام على عامله فكلمهما فقال أبو خزر كيف بالقعود خلفك وكره أبو نوح الخروج إلى مصر فأخذ ماء نخالة الشعير أي ما بلت به واغتسل به واصفر وسأل عنه فقيل مريض فأتاه وهو مصفر الوجه وخرج أبو تميم ومعه أبو خزر فأنشأ أبياتا على مفارقة الإخوان والأوطان واستخلف أبو تميم على إفريقية يوسف بن زيري بن مناد وذلك في عام اثنين وستين وثلاثمائة ولما استخلف يوسف بن زيزى الصنهاجي أوصاه أن يشفى نفسه في زناته ومزاته وقال تركت لك بإفريقية مائة ألف منزل فاجعل في كل (1/354)
صفحة 355
منزل فارسا تكتفي بذلك وتأتي على كل من حاربك وانتقل إلى مصر ومعه الشيخ أبو خزر فلما بلغوا عظموا درجة أبي خزر وحسده الوزراء والصحاب فطعنوا فيه وسار مرة وتعرض له زرع وشقه ومال عنه الشيخ وقيل عدل عن اتباعك فقال له لم نسلك طريقك للحديث إذا غابت الثريا لا يدخل الزرع إلا ثلاثة ساقيه وواقيه أو ناقيه ولست بواحد منهم وأنت واقيه فتعجب من حسن بداهته وقال لأصحابه ألم أقل لكم لا تقدرون على يغلى؟. وسمع أهل مصر بأن أبا تميم أتاهم بعالم المغرب فاجتمع فقهاؤها على امتحانه وهابوه فاتفق رأيهم على أن يصنعوا طعاما فيأكلون قليلا فيقومون فإن قام لقيامهم طمعوا فيه وإلا فلا طاقة لهم به فاحضروا الشيخ للطعام فأكلوا قليلا وتأخروا ولم يشتغل بهم حتى قضى حاجته فهابوه وتركوا معارضته وحسنت أحوال الشيخ بمصر واقتطع له أبو تميم ديارا وضياعا وأموالا وقال ما همني إلا ذهاب مسائل الرخص ولكن أفمن الجنة لمن عمل بقوله تعالى: {لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ} إلى قوله {أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} ومن خفض عيشه ورغده يتمنى عشرين من طلبة أهل الدعوة يتعلمون عنده ويتحمل بما يحتاجون من اللباس والطعام.
أبو زكريا عن أبي الربيع عن أبي عبد الله بن أبي بكر عن أبي نوح أنه قال ما أورع أبا خزر وما أجمعه لخصال الخير من العلم والعمل والحلم والفراسة وعادته إذا صلى الصبح بالناس استفتح بالقرآن ثم يتنحى ناحية يتضرع لربه حتى تطلع الشمس، والتقى بنو يفرن وبنو واسين في حرب وانهزمت بنو واسين فبلغوا الحي وأخذ بنو يفرن في السلب وأدرك بعض السلابة (1/355)
صفحة 356
الغاية زوجة أبي القاسم فأخذ في سلبها فرمى أبو خزر بفرسه عليهم وكان قبل واقفا وهزمهم فلما أصبح سار إليهم وطلبهم إلى الصلح وما زال حتى أصلح ذات بينهم ولم يكترثوا بما فعل بهم بالأمس ورأى لوحا بيد إنسان فتبعه فإذا به نكاري فرجع ثم أتاه التلامذة بعد ذلك فقال أنا لنقع في غيركم بسببكم لأن من غيب وجهه عن أخيه في الله فهو هالك وكتب له أبو نوح إلى بعض المسودة ودعا له بما لا يستحقه إلا المتولى والإمام العدل قال له أبو نوح انفعل هذا بالكافر قال له أنا معهم بحالة لو قلنا لهم لكم الدنيا والآخرة لو سعنا ذلك يعني تقية ولما ولى أبو تميم ابنه فرط في حق الشيخ وغمره الخمول فقدم معتزل يطلب المناظرة ففحم فقهاء مصر فشق عليهم ذلك وشكوا أمره إلى السلطان فاستشار أصحابه في أمر المعتزلي فقال له ذوو السن عليك بأبي خزر عالم المغرب الذي قدم به أبوك يكفيكه فأرسل إلى أبي خزر يخرج لمناظرة المعتزلي فقال للرسول لا ثياب لي تصلح لحضور المجالس ولا مركوب فأرسل له بثياب وبغلة فركب وخرج فناظره فغلبه فقال أين تعلمت قال في بلاد الشيخ قال حاشا بلاد الشيخ أن يتعلم مثلك فيها وحدث أبو سليمان صاحبه إلى مصر قال قال أبو خزر ما دخلت معه في فن إلا وغلبته والحمد لله قال أبو سليمان قلت له وهو يقرأ مصحفا لم لم تنظر في كتب العلم قال إنما ينظر فيها من يستفيد منها وإن لم يستفد فقراءة القرآن أفضل.
ومن خشوعه وسكونه في العبادة أنه صلى مرة بالناس فنزل الطير على رأسه وضحك بذلك من خلفه فنقضوا وأتم.
وقبل أن يموت أبو القاسم هو الذي يتقدم ومن تواضع أبي خزر أن أقيمت الصلاة وفقد أبو القاسم فتقدم أبو خزر (1/356)
صفحة 357
ثم حس بأبي القاسم فتأخر وتقدم أبو القاسم واختلف أبو خزر وأبو القاسم في مسائل من قال لا إله ولا حول ولا قوة فسكت فقال أبو خزر أشرك وقال أبو القاسم مسألة احتمال ولا يظن بالمسلم إلا خيرا والحمل فيما يحتمل على أحسنها وقال أبو القاسم الأم أعظم حقا لأنها أعظم مؤنة وقال أبو خزر الأب أعظم لأنه المأخوذ بحقوق الابن وقال أبو خزر من أجهد نفسه من أهل الدعوة فإما نال خيرا وإما لم ينله ومن لم يجاهد فلا ينال خيرا وقال أبو القاسم الأول ينال خيرا على كل حال والثاني يحتمل.
ومنهم أبو نوح وتقدم كثير من أخباره في أخبار الشيخين واسمه سعيد بن زنغيل تمارض وتخلف عن أبي تميم بل أراد التخلف هرب وقصد وارجلان بأهله مستخفيا خشية أن ينتقل إلى مصر فلما بلغ الخبر إلى أبي صالح جنون بن يمريان قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين فلما استقر بها أكرمه أهلها ورفعوا قدره وواسوه بمالهم وأعطاه أبو صالح بيتا مملوءة إلى السقف تمرا وأجرى عليه مائدة بكرة وأخرى عشية وقعد معه يوما فطال معه الكلام فقال له أبو صالح اجعل يدك في جيبى فما وجدت فيه فاغمل به ثيابك فوجد فيه سبعين دينارا فقال أبو نوح من كان له أخ مثل جنون فلا يعدم شيئا وكانت جماعة وارجلان يجتمعون إليه في مسجد جنون فقال له يوما بعضهم حدثنا الليلة بجميع ما حفظت قال كيف أحدثكم بما أكلت في تعليمه أقفرة ملح في ليلة ثم أراد الرجوع إلى بلاده فقال أبو صالح اقعد وأقاسمك في كل ما أملك وكان ذا ربع كثير فأبى وتوجه إلى إفريقية فوجد الأمور تبدلت وتغيرت عن حالها حتى قال له بعض أصحابه ما أخرجك من وارجلان (1/357)
صفحة 358
وقد أحسنوا القيام بأمورك جمع قال الإخوان والأصحاب وكان يتقلب بين قصطالية وإفريقية.
وتلقى ويجنين مقدم درجين وقد قدم من عند المنصور سلطان القيروان وكان ذو مكانة عنده ومع أبي نوح أصحابه وتلقته كبراء مستاوة أيضا وسبقوا الشيخ إليه فقال لأصحابه اقعدوا فإن سلم عليهم قبلنا هجرناه فلما قربوا منه صرف فرسه عن النكار إلى الشيخ فقال أبو نوح قدموا فلما قربوا منه نزل عن فرسه وتلقاهم قال أبو يعقوب يوسف بن نفاث كأني أنظر إلى ويجنين يسعى إلى الشيوخ وعليه ثوب خز واشبروه يأخذ في ثوبه حتى صافحهم واهتزوا لفعله ودعوا له ولولده من بعده وأرسل إلى الشيخ المنصور فأتى ويجنين فشاوره وقت الهاجرة فقال أن أردت المسير فلا أخاف عليك وإن لم ترد كفيتك ولو خالفت عليك فسار فأكرمه المنصور وقرب مجلسه وقال المنصور إن سيفي للوهبية ورمحي واجتمع يوما مع ابن حمو بين يدي المنصور فتناظرا فسأله أبو نوح عن علامة الصنعة قال الحدث والحركة والسكون والانتقال والزوال قال قلت له وكل محدث مخلوق قال كل مخلوق محدث لا عكس قال أبو نوح من الحدث مخلوق وغير مخلوق فيلزم أن القديم خالق وغير خالق قال القديم كله خالق قال أبو نوح المحدث كله مخلوق فوافق قال أبو نوح والكفر محدث مخلوق قال الكفر مخلوق لي قال أبو نوح فهو إذًا مربوب لك ومألوه فأنت إله فعلك وربه قال لا يلزمني ذلك المخلوق إذ كان مخلوقا لي أن يكون مربوبا لي قال قلت يلزمك أن يكون مخلوقا لله غير مربوب له -قال عمنا محمد بن زكريا صححتها من غير الأم لأن المسألة مشهورة انتهى- لكن ينظر (1/358)
صفحة 359
قوله يلزمك أن يكون مخلوقا لله غير مربوب له من أين هذا اللزوم كذا الله يجوز أن يكون غير مربوب فأفحم وهو معتل قال المنصور: ماذا يقول قلت يقول لله خلق وله خلق وكل انفرد بما خلق قال له وقد جعلت لله شريكا وهذا هو الشرك بعينه فأخبره بإجازة سنية وأمره بالرجوع إلى أهله.
وناظره مرة يحيى الأعرج النكاري وكان عميدها في العلم وقدوتها فسأله أبو نوح عمن دعا مشركا إلى الإسلام وأخذ يعلمه التوحيد كلمة كلمة فما تراه مشركا أو مسلما إن قلت مسلما فيصح ببعض التوحيد وإن قلت مشركا فبماذا أشرك أبما علم أم بما بقي ففحم فقال له الشيخ لا تحتشم وقفت حيث وقف إمامك عبد الله بن يزيد وعندهم أن الحجة لا تقوم إلا بالسماع وقولنا إنه أشرك بما لم يسمع.
وتناظر وهبي ونكاري فآل أمرهما إلى المشاتمة بل إلى الحرب والتقى الفريقان بفحص توزر وانهزمت مستاوة إلى تقيوس ومات منهم جماعة وأدرك رجل يحيى الأعرج قال له لا تقتلني لأني يهودي قال: لا أقتل الموحد وأترك المشرك لأنه في صفة اليهودي. فأرادوا حصارهم بتقيوس فأبى أبو نوح وعصوه فحملوا على الوهبية حملة رجل واحد فانكشفوا إلى توزر وكان أبو نوح في ساقة العسكر يحمي ويذود عن المنهزمين حتى غشيه النكار وحملوا عليه حملة واحدة فحال بينهم وبينه عزيز بن عيسى أخو صابر بن عيسى وحمل عليهم ونفس عن الشيخ وكر عليهم مرة بعد أخرى حتى أيسوا من الشيخ وكان عزيز بعد ذلك يقول: أنا خير من أخي صابر نفست عن الشيخ وفر أخي وترك الشيخ لولا أنا لقتلته النكار. وتمارض أبو نوح بقنطرارت فعاده أبو يعقوب يوسف (1/359)
صفحة 360
بن نفاث فسأله عن حاله قال ما بي مرض لكن أظن أن عبيد الوهبية وإماءهم يغلبون جميع مستاوة ثم قاومونا وهزمونا فكيف لا أعرض بقلبي.
واستشارة جماعة من مزاتة في بناء مسجد قال إن اتفق الإخوان على موضع يصلح شاوروا العامة فإن رضوا شاوروا من ينظر إليه من المسلمين فإن رضوا ابنوه.
وحبسه عامل توزر طمعا فيما ينال من الوهبية لعظم منزلته عندهم فقدمت عير من أريغ لتمتار وليس فيهم من الوهبية إلا يوسف بن توجينت فقال له الشيخ: اشتر لي جمال أصحابك فاشترى منهم عشرين أو أقل كل واحد منها فتسامعت صنهاجة أن الشيخ اشترى جمالا فأقبلوا إليها وأخذوها وأيس أهلها منها فرجعوا وعاتبوا يوسف وقال لهم لا يضيع لكم شيء فعلى ثمن ما اشتريت به فأطلق الشيخ فحمله يوسف على ناقته وأحسن خدمته قال له يوسف أفدني قال أحبب للناس ما تحب لنفسك واكره للناس ما تكره لنفسك وكل ما تكرهه نفسك لا تفعله لغيرك فلما بلغ سوف أعانه أهلها بما قدروا عليه فمن معط دنانير ومن معط حليا ومن معط جملا وجمع منها مالا وجمالا فأعطاه نكاري في جملة الناس دينارا فأخبر الشيخ أنه نكاري فرد عليه ديناره وقال طبت به نفسا قال قال عليه السلام جبلت هذه القلوب على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها وأكره أن أحبك.
وقيل عن الشيخ مر بقرية ونفد ماؤه ونزل وأراد أصحابه الاستقاء، فقيل له اسمها نكارة فأمر بالرحيل ولم يستق فلما بلغ أريغ جمع له مغراوة أموالا فأعطى أثمان الجمال التي ضمن يوسف وقيل لما كان بورجلان علموا أنه (1/360)
صفحة 361
قام على رغد العيش ولينه وطعام الملوك فالتمسوا طباخا يصلح لطعامه فلم يجدوا إلا امرأة من بني أم جعفر فكان الشيخ يدعو لها بالبركة فظهر ذلك فيها وفي ذريتها ولما حضرتها الوفاة حضر لموتها سبعون نسمة من ذريتها وسأله الشيخ أبو عبد الله محمد بن بكر عن ولد المتولى إذا بلغ قال إن علمت منه خيرا فجدد له الولاية وإلا فأقف قال هذه مسألة النكار في الانتقال من الولاية إلى الوقوف وهي المعلومة بمسألة الحارث وعبد الجبار قال أبو نوح إنما كانت ولاية الأطفال بالاتباع ثم استحقت للذات بخلاف مسألة الحارث وعبد الجبار لأنها استحقت للذات أولا وسأله عما يرويه المشبهة عن النبي عليه السلام لم تمتلئ جهنم حتى يضع الجبار فيها قدمه قال إن صحت فمعناها ما قدم لها من أهل الشقاوة كقوله تعالى {أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ} وعنه شر ما خلق الله الكفر والفقر فيبتلي الله بهما أهل آخر الزمان إن عاشوا فعلى فقر وإن ماتوا إلى النار.
ورجع إلى وارجلان بعد موت أبي صالح فتغيرت عليه وتنكر فجمع وجوه أصحابها فقال ظهر فيكم نكاح السر فلا ينكر الزنا على أحد إلا قال تزوجت سرا، وتطلقون عبيدكم في أموال الناس فيأخذون الجريد والليف والكرانيف فتكادون أن تسرقوا، وأظهرتم الفرقة فقائل: مسجدنا ومسجدكم، ويهودينا ويهوديكم، فلم يجيبوه بشيء فأستبطأ الجواب وبات تلك الليلة في تين باماطوس عند حمو بن اللؤلؤ وسأل يهوديا بين يدي ابن الخطاب بزويلة عن رجل ضرب عنق نفسه فأبانها متى قتل نفسه قبل أن يموت أو بعد أن مات، أو رمى غيره فمات بالرمية ومات الرامي قبل المرمي فمتى قتله في حال الحياة أم (1/361)
صفحة 362
في حال الموت وعن من كان في السفينة كيف يطلب الراحة والسكون لا يمكنه على حال وحار ولم يجد جوابا قال ابن الخطاب هات جوابهن قال أما الضارب عنقه والرامي غيره إنما قتلا في حال الموت بما فعلا في حال الحياة وأما الكائن في السفينة فله حركة الاكتساب وحركة الاضطرار فيطلب الراحة إلى اجتماع الحركتين فيقصد إلى حركة نفسه. قال أبو نوح ناظرت عن هذه النحلة بين يدي أبي تميم وأبي منصور وأبي الخطاب سائر الفرق ولم يبق مذهب إلا غلبته وقهرته.
وركب يوما بغلته ومعه المغير (المعز بن فضالة) وجدا في السير من قنطراره حتى نزلا بسوف فقال ما في مفصل إلا ويوجعني قال المغير وكان ماشيا ما بي من وجع فقال عليك الحج ورجع وباع من أصله وأعطى صداق امرأته وأنفذ وصيته وقيل أنفذ وصيته ثلاث مرات وتهيأ إلى الموت وسار إلى الحج ثم رجع وصار يختلف إلى مجالس الذكر إلى أن مات وقالوا من أراد أن يتوب فليتب توبة المعز بن فضالة.
ومنهم عبود الكزيني وكان فاضلا عالما وافيا صادق الوعد وعليه حلقة يأخذون العلم ومات يوم باغاي وتقدم أن طلبته قالوا له خشينا إن وقع مكروه أن تفر بفرسك وتتركنا فلما وقع ما كرهوا شكل فرسه وذاد عنهم حتى مات معهم.
ومنهم أبو صالح جنون بن يمريان رحمه الله كان عالما ورعا سخيا ذا كرامات تقدم من أخباره ما يكفي وهو أحد أقطاب الدين وثمال اليتامى والمساكين وتوجه أبو صالح بكر بن قاسم وأبو زكريا فصيل وأبو موسى عيسى بن السمح زائرين أهل أريغ ووارجلان فلما دخلوا على أبي صالح جنون صافحوه وتبركوا بمشاهدته ثم تساءلوا فيما بينهم عنه فقال أحدهم لما رأيته توليته والثاني لما عانقته توليته (1/362)
صفحة 363
والثالث لما تكلم توليته يعنون تحقق ما معهم من الولاية بالشهرة.
وأوصى بنيه أن يتولوا حفظ غلتهم بأنفسهم حتى تصل مكان الحرز، وإن أردتم شراءها فما دامت في أصولها، وإن احتجتم إلى طلبها فاطلبوها قبل دخولها في الحرز فيصعب إخراجها، وإذا أردتم الانتقال فهيئوا لأنفسكم مسكنا منفردا تسترون فيه غناكم وفقركم فلا يقال مبذرون ولا أشحة ولا فقراء لا منفعة فيهم إلا الأذى بالدخول والخروج. واشتروا كسوة الشتاء في الصيف فإن من بات مبيت سوء ليلة واحدة لا يخلفه وفيه بقية لكسوة الصيف وأرخص وفيه الكف لألسنة الناس.
وكاتبه ابن عمه بأرض قفراء وأجابه بأن أرضنا مقعد رجل يوقر بعيرا عسلا فأقبل إليها يعني النخل.
وسأله رجل فقير هل له أخذ زكاة زوجته؟ وتوقف تورعا حتى قدم أبو نوح فأجاز له ذلك.
ومما يذكر من سعة صدره وقلة ضجره أنه خاطب يوما زوجته بما لم يوافقها وهي تعجن فلطمت وجهه وأثرت فيه فشكاها شيخَه أبا يعقوب الطرفي قال له: أترى هذه ضربتني بمقلات فصارت طوقا في عنقي، يعني دخل من رأسه، قال أبو صالح أنت أنت، أي أصبرُ منِّي، وحلف لا يشكوها أبدا. في كتاب المعلقات تشاكيا هما فكفاهما الله شرهما فرجع كل واحد منهما إلى داره فوجد زوجته ماتت.
وقال أبو طاهر إسماعيل بن ييدير عن الشيخ أبي زكريا يحيى بن جعفر رضي الله عنهم عن رجل من بني واشية راعى رجل من بني عمارة أنهم ذكروا يوما أبا صالح فقال رجل منهم: ما مذهبه قالوا وهبيٌّ، فشتمه فشتمه الراعي لشتمه أبا صالح فقام إلى الراعي ليضربه لرده عليه الشتم فحال بينها بعض (1/363)
صفحة 364
الحاضرين وأراد بعضهم ضرب الراعي لانتصاره للشيخ أبي صالح فرجعوا إلى مجالسهم فأرسل الله سحابة فيها برق فضرب البرق فوقع بالشاتم للشيخ أبي صالح ومن أراد ضرب الراعي فاحترقا مكانهما في حينهما والحمد لله رب العالمين.
وذكر أبو طاهر عن الشيخ يونس بن أجاح أنه قال كان بنو خزر يجتمعون في موضع يتحدثون فيه فحلف بعضهم بأبي صالح فقال آخر: ما مذهبه قال له وهبي، فشتمه فقام في دواره فقامت إليه الكلاب فكلمهم والعادة إذا كلمهم انصرفوا لأنها كلابه فلم ينصرفوا حتى قتلوه ومزقوه.
وشتمه رجل بتادمكت وهو في البيت فصاح إليه صائح وخرج إليه فضربه فسقطت عيناه فقال المضروب كيف صفة أبي صالح قالوا كذا وكذا قال والله ما بي غيره.
وعن أبي طاهر وقعت مجاعة بوارجلان وكان الشيخ ينفق على الفقراء فنفذ ما في البيت من التمر فأتاه سائل بليل فقام إلى البيت يلتمس ما يعطيه فإذا البيت مملوء والتمر ينزل من فوق الباب ففتح الباب فصار ينفق.
قال أبو طاهر رأى رجل آخر في النوم قال له ما ينفق أبو صالح لغير الله ثم رآه ثانية وثالثة كل ذلك يقول له عمله لغير الله ومضى الرجل لما تكرر عليه ذلك فأخبر الشيخ برؤياه فأخذ أبو صالح قبضة من تراب فرمى به إلى خلفه فقال هذا يعم من أخبرك بذلك فلما نام بالليل أتاه رابعة فقال ما أخطأ التراب الذي رمى به الشيخ فمي.
وذكر أبو طاهر أنه اشترى جملا فعلفه حتى سمن فنحره أيام التمر فقسمه على الضعفاء ولم يستوعبهم فقال لعبده وقد أخذ شيئا من الجمل مني ما أخذت بدينار فأعطاه للباقين وذبح شاة لعياله واشتغل بنوبة مائة ففاتته صلاة المغرب مع الإمام (1/364)
صفحة 365
فشق عليه وكانت ليلة جمعة فأخذ في الصلاة فأتوه بفطوره فلم يشتغل به ثم تمادى في صلاته فأتوه بسحوره فلم يشتغل به فلما أصبح تصدق بالطعام على المساكين ثم قال هذا جزاء راع ضيع ما يرعاه.
وذكر أبو طاهر أن رجلا آذاه فصبر فوقعت مجاعة فأخذ يتصدق فوقف عليه المؤذي فتذكر فعله فزاده على ما يعطي غيره من المساكين ثم بعد زمان وقعت أيضا مجاعة فأخذ يتصدق فوقفت عليه ابنة المؤذي فتذكر فزادها ثم بعد مدة وقعت مجاعة فأخذ يتصدق فوقف عليه ابن ابنة المؤذي فتذكر فزاده كل ذلك ليرغم الشيطان وكان حزيما لدنياه وأخراه.
ومنهم أبو يوسف يعقوب بن أفلح الإمام ابن عبد الوهاب أمير المؤمنين ابن عبد الرحمن رضي الله عنهم قال أبو زكريا حدث غير واحد من أصحابنا أن الحجاني لما سار متوجها إلى تيهرت خرج يعقوب بن أفلح في أصحابه إلى وارجلان ومعهم أهاليهم فأدركه العدو فإذا غشوهم وقف وحده في وجه العساكر حتى تنتقل أصحابه فيسير حتى إذا أدركوه وقف في وجوههم فيهابونه أن يحملوا عليه فأيس العدو منهم فرجعوا.
وكان منجما فنظر فقال لا يجتمع منكم ثلاثة إلا طُلبوا فقد ذهب ملككم فلما بلغوا وارجلان تلقاهم أبو صالح جنون بن يمريان في جموع أهل وارجلان فأكرموه ورفعوا درجته وأحسنوا القيام بحوائجه ثم طلبوه أن يولوه على أنفسهم فامتنع فقال الجمل لا يستتر بالغنم فأرسلها مثلا.
وكان له ابن وابنتان فاجتمع وجوه وارجلان ليزوج البنتين فاختار من أهل الصلاح حمو بن اللؤلؤ فزوجه إحداهما واختار من أهل الدنيا المعز بن محمد فزوجه الأخرى (1/365)
صفحة 366
وكان عالما مجتهدا قال لرجل سأله: معاذ الله أن ينزل الله على موسى وعيسى ما لم أحفظ وأحفظ معناه وأما ما أنزل الله على نبينا محمد عليه السلام فأحرى.
أكثر اجتهاده بالليل وكان يصلي ليلة فسقط عليه سقف البيت إلا الخشبة التي تقابله فاجتمع الناس وحفروا حتى أدركوه فإذا به قائم يصلي فقالوا ما ظننت قال قيام القيامة. وله آثار جميلة. وكان يحذر من ابنه وقال درس ديوان أحمد بن الحسين واسمه سليمان، فلما مات يعقوب دفن في مقبرة جنون قال أبو زكريا وقبره كالربوة لم يندرس وأجرى أهل وارجلان الضيافة لأبي سليمان بن يعقوب وأصحابه فدعوه يوما وعلى طعام عصبان عليها أثر فرث فشق واحدة منها فلما وجد الفرث رمى بها وقال نجس الطعام فاحفروا له وادفنوه وقطع عذر من أكله فبلغ الخبر أبا صالح وكان صائما وذلك بعد صلاة العصر فمضى في جماعة من أصحابه فأكل لأنهم استرابوه فناظر أبا سليمان في المسألة قال أمرهم إلى المباهلة فاتفقا ليوم الجمعة فخرج أبو صالح إلى تسريدين وخرج أبو سليمان إلى كريمة فأخذ الشيخ أبو صالح في العبادة والابتهال إلى الله أن ينصر أحب الفريقين إليه فبقيا يدعوان الله على المبطل ثم رجعا فتاه أبو سليمان ففضحه الله وهو يقول بتنجيس الفرث وتحريم الجنين المذبوحة أمه وتنجيس عرق الجنب وعرق الحائض ودم العروق بعد تنقية مذبح الشاة وتحريم صوم يوم الشك وتحريم الزكاة للقرابة.
ومنهم أبو صالح أبو بكر بن قاسم اليراسني.
قال أبو العباس أنجب من طالع ودرس وأخذ في إحياء ما عفا واندرس.
وذكر أن أبا صالح نكل ببعض (1/366)
صفحة 367
تلاميذ أبي مسور ثم استغاث بشيخه شاكيا ما به وقع قال أبو مسور وطن نفسك على ما تلقى من أبي صالح وأمثاله فإن المسلم في الحق كالحديدة المحماة تحرق ما وقعت عليه أو وقع عليها ثم تعين على التلميذ حق آخر بعد ذلك فنكل به ثانيا فجاء أبا زكريا يشتكى مما فعل به فانتهره وقال لا وأخذ الله الشيخ أبا صالح فيما ترك من تمام أدبك فإن أباك ذكر أنك تنتف لحيته.
وذكر أن [أول أمره] كان بالبادية بازارن وكان شديدا على العصاة حديدا على العتاة ومع ذلك كان لا يضرب السارق من صنهاجة تقية لا مداهنة وكانت له خشبة عظيمة فيها حلق وسلاسل يجعل الجاني في حلقة منها ثم يقلبها على ظهره لئلا يهرب فكانوا يصيحون بالليل صياح التيوس من شدة الحر أو البرد ثم انتقل إلى جربة حين كثرت الزلازل واضطربت نيران الفتنة وعمد إلى الخشبة وآلاتها فرمى بها في بئر فتكلم بعضهم في ذلك قال ولده أبو محمد ويسلان إنما اتخذ ذلك ليصرفه في الوجه الذي أراده فإن تخلى من ذلك فلا ينبغي أن ينتفع به في غيره.
وتخاصم إليه رجلان باع أحدهما للآخر سلعة بستين ولم يبين من أي جنس قال البائع لي ذهب قال المشترى إنما أعطي حناديس النحاس قال أبو صالح للبائع خذ ما ذكر وإلا فخذ سلعتك لأن عرف جربة التبايع بالحناديس.
وكان لنكاري على وهبي دينار واحد فمات المسؤول وله ابن ولم يترك إلا شاة وتبرأ ولده مما خلف فطلب النكاري الدنيا فقال دونك الشاة فبعها وخذ مالك قال النكاري بعها وأعطني فارتفعا إلى أبي صالح فقال لابن الوهبي بع الشاة وأعطه ديناره وقال بعض (1/367)
صفحة 368
من حضر أعان النكاري على الوهبي قال الحكم لا يختلف قال أبو محمد لو كان حكم أبي مما يختلف لتبدل في هذه المسألة لأن فيها قولا آخر أن لا يلزم الوارث شيئا إذا تبرأ من التركة.
قال أبو العباس: ((إذا لم يخلِّف المديان إلا معينا فعلى الحاكم أن يجتهد في النداء حتى يبلغ أقصى ثمنه في الوقت ثم يقضى الدين)) وهو الصواب إن شاء الله لئلا يقوم غيره على الوارث من أصحاب الديون.
واصطحب يوما مع ولده أبي محمد ويسلان فوجدا شاة على آخر رمق ولم يدريا لمن هي قال أبو صالح لولده اذبحها وامتنع ونزل عن دابته فذبحها. ثم قال لابنه أعطني قضيبا حسنا فأعطاه فرمى بالذي كان في يده قال هذا المتروك الذي يسميه العلماء متروكا.
ومن كراماته أن بعض أهل الحي اشتكى إليه شاة تشرب اللبن من الآنية فأتوه بها فضربها ضربة واحدة بين أذنيها فصاحت صيحة منكرة فلم تعد تشرب اللبن.
وغضب مرة على أهله لتركهم الصرار على ناقة فأثر خيطه فيها حتى قرحت واستعظم ذلك، وكان قدم من غيوبة فأراد نزعه منها فقطر الصديد على كمه من قرحها فشمره أبو محمد لئلا يصيبه الصديد ونهره وقال لا بأس به.
ووقعت شدة وقحط فتوقفت الأشياخ عن التصرف في البلاد وسمع أبو صالح أن النكار استولوا على جبل دمر بحلقة وجماعة يطوفون فخرج من جربة وكابد صعود الجبال وكان أبو محمد يردفه من خلفه كلما أراد الصعود فلما بلغ إلى رئيسهم زيري بن كملين فلامه على ما سمع وعاتبه قال: إن عذرنا بين المرأة إذا لم يغْشَها زوجها ابتغت السفاح وأنتم إذا لم تأتونا أتتنا مستاوة قال الشيخ منعنا عنكم الشدة قال فأتوا (1/368)
صفحة 369
بأزوادكم معكم! ففحم الشيخ لأن الله أثنى على المؤمنين بقوله {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ ... } الآية.
وكان أبو محمد يقرأ على أبيه مختصر ابن محبوب وكان أبو صالح يقول كلام محقق فقيه أصولي ولم يصل إلينا إلا الجزء السادس كذا قال أبو العباس قال وهو سبعون جزءا وقرأ عليه الجزء الثالث في المحيض فكان كلما قرأ في النسخة الأولى قال هنا الفقيه العالم وفي الثانية سكت وفي الثالثة خلط خلط وذلك ليعلم أن تأليف أهل المشرق مفيدة دون ما سواها.
وجاوره بعض علماء نفوسة بجربة وكان متقنا لمسائل الحيض واسمه أبو يخلف فكلما وردت على أبي صالح مسألة في الحيض ردها إليه فيتكلم فيها بما عنده ويقول لا أرى نفسي أهلا لذلك ويسأل الجواب بن أبي صالح وأخذ أبو صالح العلم من سليمان بن ماطوس النفوسي وتقدم التنبيه على ذلك.
ومن تمام ضبطه للسانه أنه لم تسمع منه لفظة شر قط إلا مرتين:
سئل عن بئر في جنان هل هي عيب قال أشر العيوب.
وسئل عمن وكل رجلا يتزوج له فعقد له على أربع نسوة قال شر الوكلاء هو.
وسأله نكاري: هل تجوز الصلاة بثوب واحد قال إذا ستره جاز قال: أعني الشاشية قال: قلت إذا سترته.
وسأله أيجوز صوم يوم العيد قال: لا قال لم تصومون يوم الجمعة قال إذا كان في رمضان فسكت.
وذكر أن ابن ماطوس ما أفتى برخصة إلا في ثلاث:
- من باع سلعة بقراريط وهو يعني دراهم الحندوس فجائز؛ لأن القراريط في أوزان الذهب والدراهم في أوزان الفضة.
- ومن توضأ وفي بعض أعضاء وضوئه نجاسة إذا أدركها ومر عليها الماء أن ذلك يجزيه لنزع النجاسة والوضوء ولو لم
- (1/369)
صفحة 370
يقصدها فأنكر عليه ابنه أبو محمد لأن هذا من أقوال المخالفين.
- ومن يسأل من رجل خمسين دينارا سلفا وخمسين قراضا فأعطاه مائة ولم يبين له القراض من السلف أن ذلك جائز.
- وقال للمرأة التي تزوجت فأنكرت إن لها أن ترجع إلى الرضا وليس لها أن ترجع إلى الإنكار بعد الرضا وهو قول أبي عبيدة وقول أبي نوح غير هذا.
وقرأ عليه بعض طلبته فرد عليه مستاوي مرارا ففهم أن المستاوي ينتفخ بما ليس عنده فقال للطالب ناول الكتاب من هو أجود منك قراءة فناوله النكاري فأراد القراءة ولم يحسن قراءة حرف واحد فبهت وخزي.
وتخاصم إليه قوم من أهل دمر في رجل ألقى حجرا إلى وراء الستر فوقع على رجل فمات فقضى بينهما بالدية فسر بذلك زيري بن كملين رئيسهم لأن المقدم في عادتهم له ثلثها وزعم أهل دمر أنهم أخذوا هذه السيرة عن الأئمة فأنكر عليهم ذلك أبو صالح إنكارا تاما وغيَّر ذلك عليهم لئلا يزاد في الشريعة ما ليس فيها ومعاذ الله أن يكون ذلك عن الأئمة فمنع ذلك.
واشتكى إليه أولاد بعض بني يهراسن أباهم، وكان كثير الصدقة قالوا أتلف المال وتركنا فقراء، فقال: مالك ولبنيك يشكونك؟ قال يريدون أن أكون مثل الذي نزلت فيه آية الكنز {الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ ... } الآية، فاستحسن الجواب من العامي.
وزاره جماعة من العزابة وهو مريض فقعدوا قريبا من موضع الوضوء فاحتذروا قال لا بأس عليكم فإني لم آبه بنجس قط.
وعادته إذا أكمل ورده من الصلاة دعا من يقرأ عليه سجدات القرآن كلها ويسجدها. (1/370)
صفحة 371
ومنهم أبو زكريا فصيل بن أبي مسور اليهراسني رحمه الله تعالى.
قال أبو العباس الطيب موردا ومرعًى الكريم أصلا وفرعا، إن ذكرت السباق في حلبة العلم كان المبرز، وإن ذكر المخلصون وجدته لخصال الخير بأسرها قد أحرز.
وذكر أن قائدا من قواد السلطان مزاتيا وهو من أهل المذهب من مزاتة القيروان لكنه كان جائرا فاسقا توجه إلى جربة وكاتب أبا زكريا أن ينضمَّ بأهله وعشيرته إلى المسجد الكبير لئلا يدركهم من ضرره شيء أو تصيبهم من العسكر معرة ففعل أبو زكريا فاستباح العامل جربة نهبا وغصبا حاشا بني يهراسن فإنهم في جانب الشيخ لم يصبهم ما أصاب أهل جربة ببركته فلما قضى ابن ويمي إربه وصل إلى أبي زكريا قال له على م يقدرون؟ قال يقدرون على دينارين وهم ضعفاء الحال فأعطاه الدينارين. فأصاب لأبى ملدين عنزاء وولدها وهو من جوار الشيخ فأعلم بذلك القائد قال العنز لك والجدي لا فأطلقهما فأبى الجدي من اتباعها قال ألم أقل لك أن ليس بولدها قال فزع منك فتحير كما فزعنا فضحك وسلمهما له وذلك ببركة الشيخ وكلما أكرمهم الشيخ تبرع بطعام مثله للعزابة، فالأول مداراة ووقاية العرض والثاني تكفير له، على أنه قيل من أطعم جبارا كمن أطعم وليًّا.
وكان يقول رحمه الله موضع التلاميذ كشجرة الخروب يعني يكون كل اهتمامهم بمصالح الطلبة لا يهتم المجاور لهم بحوائج غيرهم كما أن شجرة الخروب لا ينبت حولها إلا ما قل من الأشجار يخاطب أهله وحشمه ليكون تمام اهتمامهم بمصالح الطلبة.
وكان يجعل الدراهم في القراطيس والصرر ثم يعلقها في ألواح التلاميذ وربما جعلها (1/371)
صفحة 372
في أوعية دفاترهم وبينهم وبين ثيابهم رغبة في كتمان الصدقة فلما مات فقدوا ذلك. وأخبار أبي زكريا مشهورة وذريته بقية الصالحين والعلماء بجربة وفيهم مشاهير في العلم وإجابة الدعاء وكذا أبوه مسور وقد تقدم التعريف به.
ومنهم أبو بكر بن يحيى الزواغي وكان عالما قدوة وكان يعيب نفسه وأهل زمانه وكان يقول لسنا في ظهور ولا في دفاع ولا في كتمان ولا في شراء ولكن زماننا سائب يريد أن الناس ضيعوا الحقوق والقيام بها قال أبو العباس لا يريد أن السيبة وجه خامس في الدين بل يعيب أهل الزمان.
قال أبو زكريا اخبروه إن مسالك الدين أربعة الكتمان وهو ما كان عليه عليه السلام قبل أن يهاجر وما كان عليه جابر أبو عبيدة ثم الظهور وهو ما كان عليه عليه السلام بعد أن أمر بالجهاد وما كان عليه أبو بكر وعمر وغيرهم ممن قام بحق الدين ثم الدفاع كأهل النهر ممن تكون إمامته مادام القتال فإذا زال القتال زالت كعبد الله بن وهب الراسي والشراء كابي بلال مرداس وغيره عابا رحمهما الله زمانهما فكيف لو أدركا زماننا.
ومنهم أبو عمرو النميلي رحمه الله وكفى به ما وصفه به أبو العباس وصدق كان الورع خدينه والعلم في كل وجهة قرينه وهو أحد أقطاب الجزيرة ومن تحرى فيها الفرض والسنة والسيرة عاش مائة وعشرين عاما ومات شهيدا قتله بنو وتراتن من زويلة وزار أبا محمد ويسلان بن أبي صالح بعد ما كبر وقيل زاره أبو محمد فسأله أبو عمرو أن يذاكره بشيء ينتفع به فسكت عنه أبو محمد قال له مهلا ياويسلان مهلا عليك إن استثقلت سؤالي أخفف عنك وإلا فما بالك تركت سؤالي ولم تجبني فلما رأى تغيره أقبل عليه وذاكره (1/372)
صفحة 373
وقال إن تتيمم اغسل أطرافك قال أحسنت ياويسلان أحسنت وذكر أنه لما ذبح خرج من مذبحه شيء كاللبن والقاتلون جيش أخرجه المعز بن باديس الصنهاجى سلطان إفريقية قتلوا فيها عدة شيوخ منهم أبو عمرو وأبو صالح وأبو موسى وأبو محمد كموس وأبو بكر.
وخرج رجل ليلا إلى المقتلة يتفقد لعل فيهم من بقي فيه شيء من الحياة فسمع قائلا يقول ياقاتل أبي عمرو شتت الله شملك وأزال عزك فلم يلبث إلا قليلا فخرج عليه يونس بن يحيى ومزق ملكه وأباد رجاله ونفاه إلى المهدية ولم تقم له بعد ذلك قائمة.
واختلف أبو عمرو وأبو صالح فيمن طلب إلى امرأته رد المال فردته قال أبو صالح ليس بفداء حتى يقبل قال أبو عمرو فداء.
ومنهم أبو موسى عيسى بن السمح الزواغي الرباني.
قال أبو العباس ذو الرصانة والحلم والتقدم في فنون العلم وكان مجاب الدعاء وذكر أنه يتحرى الصواب ويتحفظ في الجواب قال خرجنا من هؤلاء يعني قومه وتركناهم أصحاب شياه وبقرات وقرانا العلم ورجعنا وجمعنا مثل ما عندهم من شياه وبقرات.
قال أبو العباس إنما قال ذلك تحضيضا على التعلم وإيثار طلب العلم وتنبيها على أن طلب الدنيا مدرك وعاب عليه الأشياخ قوله إن الأمر والنهي ارتفعا عن أهل الكتمان وقوله: إن الرياء لا يكون بين العبد والناس إنما هو بين العبد وربه ولما أصيب قومه إربان لازم الفراش اغتماما لما أصابهم من إخوانهم بني يتيتن وأجيب عنه أنه يعني سقوط الأمر والنهي في أهل الخلاف وهو قريب من قول أبي محمد جمال ما أجازه أهل الخلاف ولا نجيزه فليس علينا من شيء في إنكاره وتقدم مثله لبعض نفوسة والجمهور على خلاف هذا وعن الثانية إن الرياء لا يكون في الفرائض إنما يكون في النوافل (1/373)
صفحة 374
لأنها ليس عليها سوط عذاب فيختلهم الشيطان من جهتها وأجاب عن الثالثة بأن قال لأبي بكر بن قاسم يا أبا بكر ألستم تقولون من إذا أصابه خير أصابك وإذا أصابه شر كذلك أن لا حمية في كراهتك ما ينزل به من المصائب قال أبو صالح اطلبوا الحل من الشيخ أجابكم بمخ العلم وأفتى بأن لا شفعة في الوقيعة واتى منزل أبي صالح وهو غائب قالت له زوجته أنت ممن يستحق الشاة أو الخبز وما تيسر قال في الخبز كفاية فأتى أبو صالح فأمر بشاة فذبحت وكان مستجاب الدعاء.
ومنهم أبو نوح سعيد بن يخلف المزاتي رحمه الله كان في العلم آية وفي العبادة غاية، صدق في وصفه أبو العباس: "لا يضجر من السائل ولا يعيا من أجوبة المسائل" ذكر أبو العباس عن أبي نوح كان له أربعون فرسا وكان يصطفى منها فرسا عتيقا كان تبذل فيه الأثمان الجليلة والأموال الجزيلة فيضن به ولا يسمح بخروجه عن ملكه ويعده للشدائد لما اختبر من صبره وحج به وسافر به إلى تادمكت.
قال أبو العباس لعل ما أكثر من اقتناء الخيل لما يأمله من الخير في نصرة الدين ومدافعة المعتدين ويكثر من سكنى البادية.
وذكر أنه لم يصل بتيمم قط ولم يلبس الثياب المعدة للصلاة إلا لها ولم يفته الضحى قط ولا نوم القائلة وأن كان مسافرا نزل وقت القائلة ونام فإذا انتبه وصلى ركب وأدرك القافلة وكذلك فعله عند وقت كل صلاة ينزل ويصليها وينفل ما عود في الحضر ثم يدركهم.
وكثيرا ما يغشاه الأضياف وله أربع زوجات في أربع خيمات فإذا نظرت لكل خيمة رأيت كثرة جلود الشياه منشورة وعليها لفائف القطن من كثرة ما يذبح للأضياف.
ومن فتياه أن التصرف في مال الغير (1/374)
صفحة 375
لتدخل عليه بذلك نفعا أو تدفع عنه ضررا لا تباعة فيه.
وذكر أنه رأى بقرا في الزرع فأخرجها وهو على فرس يتبعها مهر ولم ير باسا بإدخاله الزرع في إخراج البقر. وأتاه أبو نوح سعيد بن زنغيل وهو بنواحي طرابلس حين وقعت الحرب بين صنهاجة وزناتة وكثرت الزلازل بإفريقية فانضمت مزاتة إلى طرابلس فأضافه بالطعام المصنوع من الشعير واللبن فكلما قدم له شيء من ذلك قال له كل يا شيخ لا أعتذر لمن أطلب له الجنة.
ومنهم ويسلان بن أبي صالح بكر رحمه الله قال أبو الربيع عن أحمد بن يوجين.
عن أبي العباس قال كان لأبي محمد ويسلان سبعة أكسية واحدة للصلاة لا لغيرها والأخرى للخروج إلى الجماعة والقعود بين الناس وللبراز وللنوم. وندم على ترك ثلاثة زيارة أهل الدعوة أهل السهل وقراءة الجهالات ومجالس أبي عمران موسى بن أبي زكريا لأنه أخذ العلم عن أبيه أبي صالح وكان قائما بأمر الضعفاء ومحسن الضيافة وقال الحامل المغتدية لها النفقة وعن أبي سليمان داود بن أبي يوسف لا نفقة لها إلا أن اشترطتها وقال في قول ابن عبد العزيز من استثني في الطلاق أو العتق نفقه أنه لا ينفعه الاستثناء في الطلاق والعتق وأفتى بحنث من نسى وفعل ما حلف على فعله إلا يفعله ومن نسى أنه أخذ من غريمه فادعا عليه فهو هالك وبهلاك من نسى وجحد ما عليه وقال لا حجر على البالغ الصحيح العقل في ماله وقال فيمن باع شاة بأربعة واشترى جلدها بخمسة أنه يحجر عليه ويغضب على من يفتي أن يعطى أكثر من صاع أو أقل في الكفارات ومن يجيز غير الحبوب الستة ومن يفتي أن المضمضة والاستنشاق غير واجبتين ومن ادخل (1/375)
صفحة 376
دارا كرها حنث إذا حلف لا يدخلها وحكى له طالب مسألة من كتاب قال له اجتنب ذلك الكتاب وإلا حال بينك وبين دينك وآخر حكى له من كتاب قال اغسله في النهر وآخر حكى له عن قفيز العلم اسم كتاب قال قفيز البلا واختلف هو والشيخ سعد بن ييفاو في الثور الذي أكل للشيخ وارسفلاس بن مهدي النفوسي ما أخذ بفيه قال أبو محمد يحلفه ويأخذ كلما أعطاه له لأنه يفك رأسه منه وقال سعد لا يجوز له أخذ فوق ما يقول إلا منا ويحلفه له القاضي أيضا وادعى رجل دارا بالشراء بين يدي قاض بوارجلان فأتى بالبينة فأراد أن يحكم له القاضي قال نصف الدار شراء ونصفها ميراثا فتوقف القاضي فسأل الشيخ ماكسن أبا عبد الله محمد بن بكر قال له ما قدرنا على مسائل الصيبان والقمل فكيف غيرها فسار الشيخ ماكسن حتى وصل جربة فسأل أبا محمد عنها قال ابطل بينته.
ومنهم سعد بن ييفاو وكان غائصا في بحور العلم لأخذ الفرائد وإليه الإشارة في إيضاح المشكلات ونشرها على النواهد وتوقف أبو محمد في مسائل فكتب بها حمو بن أفلح المطكودي فوضع فيها الكتاب المنسوب لتلامذته الأولين وهم ستة انصرفوا إليه من عند أبي محمد ويسلان وهم أول من قعد بين يديه للتعلم أحمد بن محمد أول مسألة أخذت عنه في ذبيحة الأقلف قولان وتقدم في أخبار أبي العباس. وأخرجه شيوخ مسنان إلى الخطة منه لأمور فتاب ولم يقبلوا. فاجتمعوا لإماتة غائب ولم يدركوا غيوبته وترقيق ولد الشريك فنهاهم فتفرقوا وقبلوا توبته. وأول طلبته حمو بن أفلح وعبد الرحيم بن عمرو وأحمد بن أبي الله وأحمد بن ويجمن (1/376)
صفحة 377
وأخوه يحيى والمعز بن تاغرايت.
ومنهم أبو محمد ويسلان بن يعقوب المزاتي
قال أبو العباس كان بالمجاهدة مذكورا وبالعلم والورع مشهورا وكان في صغره راعي غنم وعادته يغني للرعاة فإذا أراد أن يسكت غنى بكلمات يدعو فيهن الله أن يهديه ويرشده فإذا سألوه الغناء بعد الدعاء امتنع ثم رجع إلى الله وأخذ في تعليم القرآن مع الكبر وكان جهير الصوت فمر به بعض فوجده يعالج من القراءة ما يعالج فقال له ارجع إلى أهلك والزم الصلاح فكأنه أيس من قراءته فرمى باللوح وأخذ يبكى فمر عليه آخر فقال ما بالك فأخبره قال ائتني بلوحك فاقرأ عليَّ فلما قرأ قال وأي عالم يخرج منك ياويسلان ورجع إلى التعلم فتعلم القرآن والأصول عند أبي القاسم يزيد بن مخلد وأراد استكمال العلوم والعلو فيها إلى أعلى المراتب فاستأذن أمه في الطلوع إلى الجبل وظنت إلى رجل يقريه وهو يعني نفوسة فلما بلغها اشتغل بتحصيل العلوم وإذا وصله كتاب من أهله رمى به في كوة حتى قضى وطره من العلوم وأراد الرجوع فأخذ في قراءة الكتب التي وردت عليه فوجد في الأول موت أمه وفي كل واحد منها ما يشغل باله لو اطلع على ما فيه فلما خرج شيعه المشايخ مودعين فسألهم عمن حلف بالله العظيم فحنث ما عليه قالوا العتق أو الإطعام أو الكسوة مخير فيها إن كان مستطيعا قال أو هو مخير قالوا نعم قال هذا ما كنت أريد أن أسمعه منكم قالوا له هذا مرادك يريد أنهم يقولون بالتخيير وأهل الجبل إنما يقولون بالجبل والاكتساب. وأقام بالجبل سبع سنين وحصل ديوانا عظيما فكان يقرأ فيه ويدرسه عند أهله وعادته عدم الفتور عن القراءة فإذا قيل (1/377)
صفحة 378
كتابك يبتل بأندية الشتاء يقول يأتيه حر الصيف يجففه وإذا قيل له يحترق بالشمس في الصيف يقول يأتيه الشتاء وينبسط وتقدم بعض أخباره في أخبار أشياخه من جبل نفوسة وفي أخبار أبي القاسم إذ قتل فسجن فأذى أهل السجن بالدرس والقراءة فأطلق.
وذكره قوم من أهل القيروان وما خصه الله به من العلم والعمل والحلم وسعة الصدر والعقل فاتفقوا على امتحانه فقعد يوما راصد له فلما مر رفع أبو محمد رجلا فجبذ الراصد الأخرى فصرع فمسح التراب عن وجهه ولم يزد على حمد الله ولم يكترث بذلك.
ومنهم أبو صالح الياجراني.
قال أبو العباس أعبد العباد وأزهد الزهاد وكان لا يكترث إلا بخدمة ربه ولا يعمل لشيء غير وجهه حتى خص بالكرامات التي خص بها أولياؤه وأفاض عليه من نور معرفته وكساه الآلاء ولكثرة زهده يحسب أن ذلك بله ولفرط حزنه على الآخرة يظن أن الذي به وله.
وذكر عن أبي الربيع عن خاله عبود بن منار أنهم يذكرون عن أبي صالح أنه ينتقل في ليلة في جميع مساجد وارجلان فاتبعته ليلة لأحقق ما سمعت فجعل كل ما أتى مسجدا ركع ما شاء الله فإذا انصرف قفوت أثره وهو لا يشعر ثم يأتي آخر فيركع ما شاء ثم يخرج وأنا في أثره حتى أتى بعض المساجد فغلب علي النوم وهو يصلي ولم أستيقظ إلا وقد خرج فغلب على ظني أنه يطوف عليها جميعا.
وكان يحضر مجالس أبي عبد الله محمد بن بكر فأكثر يوما في الوعظ والتخويف وأسهب فقال أبو صالح يا محمد أليس يقال الجنة في آخر الزمان أرخص من حمار أدبر قال نعم أرأيت إذا وجدت جملا بقيراط واحد وليس معك هل تحصل الجمل.
وعن عيسى بن يرزكسن قال أضاف جماعة من العزابة وهو بالقيروان فلما كان وقت من الليل أخذ العزابة في القراءة فجعلت الجن ترد عليهم يسمعون الأصوات ولا يرون (1/378)
صفحة 379
الأشخاص ولعلهم تأنسوا بأبي صالح وتأنس بهم.
ومن كراماته إذا أتى الغار الذي هو مصلاه يتعبد بليل وجد فيه مصباحين ولا يعلم من يسرجهما.
وخرج مهاجرا إلى درج لفتنة وقعت بوارجلان فمكث بها سبع سنين وبسط الله العافية وأراد الرجوع إلى الوطن فخرجت معه العزابة والشيوخ وعلى بعضهم حلقة فيها نحو ثلاثمائة طالب يقرؤون عليه العلوم والسير وكان أبو صالح في مدة إقامته يستفيد منه ويحضر مجلسه فخرج مع أبي صالح مودعا وسائر الطلبة وكانوا يرجعون جماعات حتى لم يبق إلا الشيخان فقال له ما أحسن ما تنال به الدنيا ورزقها قال الجواب من عندك قال: دعاء الصالحين لا سيما إغاثة ملهوف وسد فاقة مضطر.
واستسلف عشرة دنانير فلما قدم وارجلان أراد قضاء دينه وأراد أن يبذلها بيده ليستريح من البينة وتطمئن نفسه من التباعة فلما ارتحل اجتاز بقوم يعملون بالمعروف ويتطوعون به لسد خلة أو نفقة، ورأى أبو صالح فرصة تنتهز ورأى أن الدين لا يفوت وأن مثل هذا يفوت وتطوع بدينار من دنانير الدين فلما وصل درجا وأعطى الدين لصاحبه على أن يبقى من الدين دينار واحد وهو الذي تصدق به فإذا به واف فأعاد عدها فإذا هي عشرة لا نقص فيها {وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون}.
وجلب من إبله أبعرة إلى وارجلان فباعها فأراد قبض الثمن قال المشترى ثمنها بتادمكت فأراد السير معه موافقة له فقال له بعض: أتحمل لي على جملك حملا وتبيعه بكذا وكذا قال نعم فحمل له ذلك فانتقص على ما وقت له وسمى قيل ثلاثة أرباع قيراط فرد الحمل من هناك ولم ير حمل في الأزمان رجع من هناك لأن المسافة بعيدة وهذا من تمام التحرج وكان ابناه صالح وسليمان يقول فيهما أن اسأل عن (1/379)
صفحة 380
صالح وأما سليمان فقد رضي عنه المسلمون وكان يقول إذا نظرت إلى سليمان وإلى عمران بن زيري وسدري بن سليمان احتقرت نفسي وعلمت أني محتاج إلى تجديد التوبة وهذه الثلاثة يقولون سيروا بنا إلى زيارة الأخيار ودعونا من هذا الشيخ فإنه لو سكن بين أظهر المشركين ما تبدل ولا تغير يعنون أبا صالح وليس معه من الاستعمال شيء، وربما قعد مع أبي عبد الله بن بكر فذاكره في الصغائر من الأمور والكبائر قال له يوما: لو أراك أدركتني يا محمد ياولدي في شبابي وقوة شجاعتي وعبادتي لرأيت أمرا عجيبا لكن رأيتني ورأسي كالثغامة ولحيتي كالصفار وجسدي هزيل لم يرد رحمه الله التفاخر حاشاه ثم حاشاه.
واشتهى ماء الدلو في مرضه فأتوه به قال شربته بعد، واشتهى عنبا فأتوه به قال أكلته بعد كذا.
ذكر أبو طاهر إسماعيل بن ييدير ((واصطحب مع رجل من لمطة ومعه فصيلان جلبهما وعزم اللمطي على غدره فلم يرد أن يباشر قتله بيده وأراد أن يموت عطشا فقال له اقعد هاهنا فآتيك بالماء فقعد حتى تمكن منه العطش فدعا الله أن يسقيه فأرسل سحابة من ماء فشرب وسقى فصلانه وملأ زقه فظن اللمطي أن العطش قتله فأتاه ليعلم ما حاله فوجده على أفضل حال فتعجب من صنع الله.
ونام مرة فحس بشيء قال من هذا قال جبريل قال أوصني ياحبيبي قال: اقرأ القرآن لما عند الله وأمدد يدك بما أمكنك من الطعام لله وأكثر الدعاء لما عند الله)) هذا كله من كتاب أبي طاهر.
قال وكان يصلي كل ليلة في جميع مساجد وارجلان ووصل مرة إلى المسجد الذي بقصر وراديرن وركع فيه وخرج ينظر الصبح فرأى أبواب السماء مفتوحة إلى السماء السابعة ثم تغلق الأبواب واحد بعد واحد إلى آخرهن ثم نودي أصبت ما طلبت (1/380)
صفحة 381
ياأبا صالح قال أبو طاهر سار مرة وحده في الفحص راكبا جملا وإذا بشبه أطفال عند عنق الجمل قال واحد منهم إخواني المسلمون إذا التقوا تذاكروا فإذا تفرقوا عزموا وإذا ماتوا استراحوا.
ونظر إلى مسكين فأعطاه من جرابه حتى نقص من العرا فرجع إلى جرابه فإذا به مملوءا كما كان.
ونظر رجل إلى نور ساطع في ليلة شديدة الظلام فأتاه فإذا بأبي صالح.
ومنهم هود بن محكم الهواري وتقدم الكلام على أبيه وهو عالم متفنن غائص وهو صاحب التفسير المعروف وهو كتاب جليل في تفسير كتاب الله لم يتعرض فيه للنحو والإعراب بل على طريقة المتقدمين وأتاه من يستعينه على نوائب الدهر وعلى التخلص من دين ركبه فقال له ائت حيا هناك من أحياء مزاتة وأرسل معه رسولا وقال له قل لهم قال لكم هود بن محكم اجعلوا له صلة فبلغهم فأعلمهم رسوله فبسط رداءه فجعلوا يلقون فيه الذهب والفضة والدراهم والحلي حتى كاد أن لا يحمل فأتى به هودا فأخذ ما احتاج وترك لهود الباقي لمن يغشاه من الفقراء والمحتاجين ومن يقصده من العزابة ومن جملة دينه خمسة دنانير رهن كتبه فيها عند رجل مستاوي.
ومنهم الشيخ الفاضل السخي العالم العلامة أبو عبيدة وشق قال أبو نوح إن بالبادية بإفريقية اثنين وثلاثين عالما من شيوخ أهل الدعوة تكفلوا بنوائب الحلقة وبحوائج الطلبة فيه الشيخ وشق فمن مات منهم قام الباقون مقامه حتى لم يبق إلا الشيخ وشق يكنى أبا عبيدة فقام بنوائبها من الكسوة والطعام والإقراء والتعليم فدارت سنة قحط وشدة وجدب فافترق الناس يطلبون الخصب فأرادت التلاميذ ذلك (1/381)
صفحة 382
فمنعهم فقال لسنا بإخوة إذًا الآن! الإخوان إنما يُعرفون عند الشدائد وأنفق عليهم حتى نفد ماله بل مطاميره فأتوه ليوادعوه فأبى فأنفق ما عنده من الدراهم والدنانير ثم الحلي ثم باع الحيوان وامتار لهم وكل ذلك يطلبون إليه الرجوع إلى الخصب فيأتونه ويأبى عليهم ولم يبق معه إلا ثور تركب عليه أمُّه وثور تركب عليه زوجته فقالوا ننصرف لئلا نموت جوعا وهزالا ونطلب فضل الله ويأجرك الله فقال: بيتوا هذه الليلة فذبح لهم ثور الزوجة فباتوا إلى وقت قيامهم من الليل فقاموا ولم يقم الشيخ قالوا دعوه ينام قليلا فلما طلع الفجر أرادوا أن يوقظوه فإذا هو ميت بارد رحمه الله عليه فجهزوه ودفنوه وأرادوا أن يذهبوا فقالت أمه: اجلسوا إليه الليلة ودعوه فنحرت لهم ثورها فلما أصبحوا وجدوا كتابا {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} الآية في أبي عبيدة وشق خاصة ثم افترقوا وأخذ أبو عبيدة العلم من الشيخ سليمان بن زرقون وهو الذي أخرجه إلى الخطة بسبب مسألة أفتاها ووجدت بعده في كتبه فقال تبت إلى الله قال ارجع من فتيا تلك المسألة ويقول الشيخ أخرجتك ياوشق من الضلال وأخرجتني من المساجد.
ومنهم أبو باديس وعن عيسى بن حمدان المديوني الهواري عن الشيخ شاكر بن مالول عن الشيخ سعيد بن خزرون المدحمي رحمة الله عليهم عن أبي باديس اليكشني أبحت بن زيدان رحمة الله عليه قال الشيخ سعيد زار العزابة الشيخ أبا باديس أبحت بن باديس فقام بهم وأحسن إنزالهم فدفع لهم ثلاثمائة بقرة طروقة الفحل كلها وكان ذا (1/382)
صفحة 383
مال كثير وعنده رعايل خيل فيها تسعون فرسا قد أعدها للظهور وقد حج وزار بيت المقدس وكان في فحص بونة وقد ذهب بصره آخر عمره وكان كثير البكاء وله كتاب مواعظ. قال وأتاه ابن ابنه بمهر فقال ولدته الفرس الفلانية فادع له قال أحسن تربيته وأدبه تأخذ فيه ألف دينار فمسح له ودعا له ثم أتاه بآخر قال ولدته فلانة قال أحسن تربيته وأدبه تأخذ فيه خمسمائة دينار فأحسن سياستهما وأدبهما فعرض له أن يهديهما للمعز بن باديس صاحب إفريقية فلما بلغه قبلهما منه وفرح به وبهما وأكرمه فكرهوا وزراءه ذلك فمكروا به وطعنوا فيه وخبثوا قلب المعز قالوا اقتله فإنه من الإباضية وقد أمكنك ورأيت عظم ما أتاك به وكيف ما خلف وراءه لئلا يخالف عليك فقلبوا قلبه وذكروه الأمور الماضية قال: كيف الحيلة في قتله وقد عرف القاصي والداني في قبولنا لهديته قالوا أتأمره يلاعب أسد السخط وهو الأسد الضاري العادي بفرسه فيهلكه فأجمع أمرهم على ذلك وباتوا عليه فأرسل إلى المعز فلما مثلت بين يديه سنح في نفسي كلام جدي وجدتي فرجوت البركة فيه وقد وقع في قلبي أني ما دعيت إلا إلى خباء فجور أو جريرة وتذكر ضب أي غل كامن في النفس قلت العفو، قال تلاعب مهر الخط وأنتم زناتة تذكر عنكم الفروسية فقلت لبيك زهوا سهوا فأمر بي أن أدخل خان السباع فركبت مهري الأول وأطلق على سبع ضار عادي وصعدوا المعالي وجلت مع السبع في الدار مليا حتى ارتاضه المهر ومرن عليه وأفرج روعه وهم ينظرون وظهر لهم حذقي وفراستي فقربت إليه (1/383)
صفحة 384
الفرس قليلا قليلا حتى طمع فيّ وفي الفرس ضمر ضمورا يريد قطاط الفرس فهمزت الفرس بالأشابير فضربه على أم رأسه فتفلفل حافره في رأسه فوقع كالنخلة السحوق والحمد لله رب العالمين، فعد لي عند حافره ألف دينار وفي الآخر خمسمائة دينار وصدقت فراسة الشيخ أبي باديس وسلم الفتى من القوم العادين فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين والشيوخ يكرهون الوفادة إلى الجورة وقد أخرجوا عبد الله بن جابر لوفادته إلى أمراء قابس وهاجروه. في الخبر: إذا رأيتم العالم يمشى إلى أبواب السلطان فاتهموه على أمر دينكم.
ومنهم الشيخ العالم المتقن بكر بن أبي بكر النفوسي الفرسطائي أخذ العلم من ابن ماطوس سليمان وقد تقدم التنبيه على بعض أخباره مع أستاذه ابن ماطوس ويأتي تمام التعريف به في التعريف بابنه إذ هو أشهر وإن كان هذا أقدم.
ومنهم أبو عبد الله محمد بن بكر رحمهما الله.
قال أبو العباس الطود الذي تطالت دونه الأطواد والبحر الذي لا تقاس به البلاد أقامه الإباضية مقام الإمام في جميع الأمور والأحكام، أسس لهم قواعد السيرة، وله في كل فن تأليف، وله كرامات كالكواكب الزاهرة، وفضائل كثيرة باهرة، فواضل ساطعة ظاهرة.
قال أبو العباس أضاف جماعة من أهل الخير والصلاح ولم يجد لحما لكرامتهم وغنمه بالبادية فقال: انظروا العريش يعني عريش داره فإذا فيه كبش عظيم فجهزوا به ضيافة أضيافه فقدم بعد ذلك رعاء الغنم فأخبروا أن اليوم الفلاني دارت زوبعة ريح على الكبش الفلاني ففقد قال أبو العباس هذه الحكاية ذكرها جماعة ممن لا يرد ما ذكروا ومثلها لمثله لا ينكر.
وقال أبو العباس عن أبي الربيع قال كنت عنده ذات مرة فقدم بسر العمال (1/384)
صفحة 385
يعملون قال كل معهم ياسليمان فامتنعت قال كل من يطاوع مشكور الحال فأردت أن أقول ولو فيما لا ينبغي فأمسكت فاطلع على ما كتمت وكشف بما عنه سترت قال يا سليمان ذلك ليس بمطاوع فنطق به قبل أن أظهره له.
وذكر أبو العباس أن زوج امرأة غاب عنها وضرتها غيبته وكان أبو عبد الله كثير الاهتبال بها وبما يهمها لقيامها بمعايش التلامذة وشأنهم وأرسل أبو عبد الله إلى ناحية طرابلس في أثره علي بن يعقوب وعمرو بن يحيى وأشهدتهما أنه متى طلقها فقد أسقطت عنه المهر فلما وصلاها طلقها فرجعا إلى الشيخ فأخبراه ثم إن عليا انقلب إلى جبل نفوسة فمر بقرية من قراها فيها عجوز يجتمع الناس إليها يسألونها عن دينهم ولها مصلى تصلي فيه فصلى فيه الصبح مع أهل المنزل فتفرقوا قال: فجلست أتلوا القرآن حتى غلبتني سنة فما أيقظني إلا صوت جني يقرأ بإزائي أسمع الصوت ولا أرى الشخص ثم سمعت صرير ثيابه لما تحرك وهي جديدة، فارتعت ارتياعا شديدا، قال لي: لا تخف أنا جني ممن لا يخشى أذاه، فسألته عن كثير من الأخبار فأنباني عنها ثم سألني عن السبب الباعث لي على السفر فأخبرته ثم سألني عن ولايتنا لهم وعن ولايتهم لنا فقلت الجواب من عندك قال: ولايتكم لنا بالجملة وولايتنا لكم بالأشخاص، فسمعت العجوز تحاورنا فسبَّحت وأكثرت التعجب فشكوت إليه وما استقبلته من مشقة السفر وما أتوقع من خوف الطريق قال: اقرأ {قُولُواْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا} إلى قوله: {فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} ثم قال: إن لنا (1/385)
صفحة 386
موعدا بالجزيرة اليوم ولا يمكنني التخلف والمغيب ولا تغب عن هذا المكان حتى أعود إليك إن شاء الله فطلعت الشمس قال: هذا وقت الختمة فخذ بنا في الدعاء لأنكم أفضل فدعوت ثم دعا ثم قال للعجوز زدي من الدعاء فدعت وأكثرت من التسبيح ثم مضى الجنيُّ وانتشر الخبر في القرية أن جنيا تكلم مع الناس فتنحيت عن الناس في خربة ثم نمت فلما استيقظت أقبلت أنظر ميعاد صاحبي فأتيت العجوز فأخبرتني أنه أتى ولم يجدك وناولني حصيات فإذا عليها خط رقيق لا أكاد أبينه فسافرت راجعا إلى أهلي فسلكت على نفزاوة ثم على تقيوس فلما توسطنا السبخة التي بينهما ومعي كساء طاقي غارت علينا خيل فصرت أردد الآية التي علمني فقال أميرهم: من أنتم؟ قلت: عزابة تلاميذ، قال: امضوا راشدين فخلصني الله ببركة الشيخ أبي عبد الله بمساعدتي له وحافظت على الحصيات فلم أر شيئا في أسفاري مما يسوءني مذ ظفرت بها.
وعن يعقوب بن أبي القاسم فيما نقل أبو العباس إن بني ورتيزلن احتاجوا قاضيا فقدم عليهم أبو عبد الله خليله أبا الحسن أفلح وهو ممن أخذ عن حمو بن اللؤلؤ فحكم بالعدل بينهم فضجروا منه وأكثروا منه الشكوى إلى أبي عبد الله فأحضره وأحضر جماعتهم ومن يليهم قال أبو عبد الله: ما نقمتم من أحكام أبي الحسن قالوا يحكم بين بعض دون بعض وحكم على رجل بالصداق دون بينة وإقرار وأبطل الشفعة من القائم بها وأوصى رجل بوصية في ماله فاستأثر بها وكل ذلك يقول أبو الحسن: نعم فأجاب بأن مالا أحكم فيه أرض المشاع قالوا حين (1/386)
صفحة 387
أتيتهم تلك أرض المشاع والرجل أقر بالنشوز فحكمت عليه بالصداق والذي أبطلت فيه الشفعة في نخل نبت في أعلى مجرى العامة فلا تكون الشفعة فيها لبعض دون بعض. والرجل الميت استخلف امرأته على تنفيذ وصيته قالت: أرسل معي من يعلمني كيف أنفذها فأرسلت ولدي، وبلغني أنها تصدقت عليه بربع شاة لحما ولم أره ولم آكله، ثم حلف أبو الحسن أن لا يقضى بينهم سبع سنين فصاح فيهم الشيخ فتفرقوا ودخل هو وأبو الحسن الغار وقال ليعقوب: أنظرني وذلك أول الليل فلم يخرجا صبحا ولا عشية ثم إلى الصبح القابل فخرجا فتوادعا قال يعقوب: فقمت إلى أبي عبد الله فقلت: من متى أنا قاعد؟! قال: لم تزل إلى الآن! قال قلت: أجل، قال: لم يزل أبو الحسن يسألني عن مسائل الأحكام فلم يفتر عن السؤال إلا إذا قمنا إلى الصلاة، قال: إن جيرانك يصارعون من لا يقدروا على مصارعته.
وكان بعض نفوسة لازم الشيخ ينكول بن عيسى المزاتي بتجديت ويسعى في شؤونه فصار له عليه عشرون دينار فمات ينكول بإفريقية فخرج النفوسي يطلب ماله في تركته ولقي أبا عبد الله ومحمد بن الخير وداود بن أبي يوسف وسعيد بن إبراهيم رحمهم الله في جماعة وشكاهم تعذر خلاصه فقال الشيخ داود عليَّ خلاص ذمة ينكول من مالي قال سعيد على قضاء دينه قال محمد بن الخير أنا أوسع مالا وأولى بقضاء الدين قال النفوسي لما رأى مسارعتهم إلى الخير تركت لينكول مالي عليه فقضى بينهم أبو عبد الله أن يجمعوا له دينه ويسقط النفوسي الخمس وهو نصيبه بينهم وأخذ جريدة (1/387)
صفحة 388
على وجه الدالة توكأ عليها فقال لأبي الربيع انظر صاحبها وادفعها إليه تحرجا أن تبقى تباعة.
ووقع بين أهل أوغلانت تنازع وتدابر فقال لعبد الله رجل ممن يسبب في الشغب والخلاف ليس واحد أفضل من جماعة إلا رسول الله ويا عبد الله من يتكلم وقد احتيج إلى كلامه فقد ابتلي ببلية ومن تكلم ولم يحتج إلى كلامه فقد ابتلي ببليتين وقدم أوغلانت وبها جماعة التلامذة فآثره موسى بن كانون برطب وقثاء فعلم أنه خص به دون التلامذة الغرباء قال يا موسى أعليّ تجترئ بمثل هذا وعبس وتجهم في وجهه قال وما ذلك؟ قال تتحفني بهذا ومعك أضياف الله لا يتحفهم أحد بمثل هذا وهم أولى من أوثر فاذهب وادفع ذلك إليهم ودعني أطيب نفسا بما يقر عيونهم وجز القثاء على عددهم أو أكثر ووضعها على الرطب الباكوري فدفعهما إليهم ولعله أخذ مثل نصيب أحدهم تطيبا لنفس المتحف وليقتدي به من بعده.
ونزل الجراد بضيعته وكاد يتلفها فرأى رجلا فقال سر إلى الضيعة وأقرأ {سَوَاء مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ} الآية وقل يا إخواننا يستعين الشيخ الضعيف الأعمى بالله ثم بكم على دفع الجراد عن ضيعته ففعل الرجل ما أمره به فانكشف الجراد.
ونفرت مرة بغلته وهو بالبادية فتوجهت إلى أريغ فأعجزتهم فقال قولوا يا إخواننا ردوا على الشيخ الضعيف الأعمى بغلته ففعلوا فرجعت البغلة دون راد لها.
ومن حِكَمه: قوله أهل زمان كالسبخة إن ابتلت زلقت وإن جفت خدشت. وقوله: كالتيوس أن اجتمعوا تناطحوا وإن افترقوا تصايحوا. وقوله: قطيعة الرحم كقطع عضو من الجسد لا يخاط ولا ينخاط ولا يربط.
وذكر أن بني ورماز طغوا وأكثروا من الفساد وقطع الطرق فاجتمعت جماعة أهل أريغ إلى (1/388)
صفحة 389
الشيخ أبي عبد الله فوعظهم وذكر على حسب ما جرت به العادة في مجالسه ثم ذكر لهم ضرر بني ورماز بالسالكين والمستضعفين في الأرض وأكثر القول فأجاب قائلهم بأن لا طاقة لنا وما عسى أن نقدر عليه قال الشيخ نقدر على أنفسنا فارتحل بأهله ونزل بفزان من قرى وارجلان فقام بها عاما فضاعت أحوال أريغ لفقدانهم أبا عبد الله وما كان يصلح من أحوالهم وفسادهم فاجتمعوا أهل أريغ وأتوه وراغبوه في الرجوع فامتنع قالوا: ضيعتك أقبلت منفعتها وخيرها قال هي عندي مثل هذه الزيت، أَصِرْتُ فيكم كالفريسة يعتادها السباع من كل مكان يقصدني العزابة من الأفق من طرابلس وإفريقية والزاب وقصطالية وغيرها فيقتلون بنواحي أريغ وعد عليهم أشياء قبيحة وأيسوا من رجوعه فرجعوا واجتهدوا في وجوه الصلاح وتعاونوا على البر والتقوى وتجنبوا الإثم والعدوان وقمعوا الطغاة فأتوه ثانيا ورغبوه في الرجوع فرجع.
وزاره الشيخ محمد بن سليمان النفوسي وهو هناك ورغب إليه أن يسير معه إلى وارجلان ليرى الناس ويرونه يتبركون به فامتنع واعتل بكثرة تخليط أهل وارجلان الحسن بالقبيح.
قال أبو زكريا وأبو العباس: زاره محمد بن سليمان النفوسي ومحمد بن عمرة اليروتني وكانا يدرسان الكتب في غيران بني أجاج فسألهما عن أحوالهما فأخبراه بأنهما يدرسان الكتب قال نعم ما فعلتم وقال من يدرس الكتب أفضل ممن يقرأ عند خمسة علماء مثل عبد الله بن الخير. وقال: من يدرس كتب اللقط مثل من يهيل أنواع التمر إلى غرائره وإن كتب أبي غانم قد أوضح فيه قول كل عالم وأجوبة الأئمة مخ الفقه. (1/389)
صفحة 390
وزاره بعض أصحابه في حالة رثة وعهده به في حال سنية فسأله لم صار إلى هذه الحال قال نحن في زمان من فقد دنياه فقد آخرته ومن قبلنا إذا فقد دنياه لم يفقد آخرته فالسعيد من احتاط لآخرته.
وقصده رجل من لمطة وتاب على يديه وتعلم السير وسلك سبيل الصلاح فصار من حاشيته وأرسله في غنمه بجبال بني مصعب وله معها غنم فغار عليه بنو غمرت فتبعهم يطلب ردها أو بعضها فضربه بعضهم برجله فتيبست رجله ولم يطق ردها إلى الركاب فرغبوا إليه أن يجعله في حل وكروا عليه فجعله في حل فلم تزل على حالها فقالوا له نريد بنية صادقة ففعل وانطلقت رجله فصاروا بعد ذلك يتجنبون أذاه ثم أغاروا عليه مرة أخرى ومعه غنم الشيخ فقال خذوا غنمي واتركوا غنم الشيخ فأبوا فكان عاقبتهم خسرا.
وعنه: مَثَل الجماعة كالخشبة والمستتر برأيه كالوتد يضرب في وسطها يعني تفريق الجماعة بسببه.
وأوصى بعض تلامذته عند وداعه: إن وجدت من تقدم في الأمور فاتبعه وإلا إن وجدت من تتعاون معه فتعاونوا على البر والتقوى وإلا فإن وجدت من يقتدي بك فكن إماما وإلا فالزم الطريق وحدك وجانب الناس.
وكان بالساحل في جماعة يزور أهل الدعوة فتلقاهم بعض أهل المنازل وأنزلوهم وأكرموهم قال وكان معهم رجل ممن تطلب معي وأخذ عن شيوخي وعليه كساء حشمي وفي رجله قرق قلعي وعلى رأسه شاشية حمراء وفي يده مزراق ويرفعه ويضعه وعولت على هجرانه وزاد بأن أدخلنا بيتا وأدخل علينا أعوان الجبابرة فتضاعف غضبي وقدموا لنا طعاما فأكلنا جميعا (1/390)
صفحة 391
ثم نفد الطعام وصار الفوار يتصاعد من قعرها ولم أر قبلها ولا بعدها قصعة تفور بعد فراغ الطعام وذلك لشره الأعوان وقلة أدبهم وزاد حنقي ثم انصرفوا وأدخلنا بيتا آخر ولا خلط معنا وأحضر طعاما طيبا يصلح لمثلهم قال: كلوا لعلنا نؤدي بعض حقوق الإسلام وأهله ويكفي ما تعلق بنا من طعام كنا نأكله من أموال أهل الدعوة في حرمة هذا الاسم، وما حملنا على ما تقدم من مؤاكلتكم غير الجنس إلا المداراة عليكم وعلى أهل المذهب فانحل بعض ما بي، فدعونا الله، فلما دخل وقت الصلاة أتى وأذن وانحل بعض ثم ركع ما شاء الله ثم أقام الصلاة فلم يجد من يُقدِّم فتقدَّمَ وصلَّى ثم دعا ثم قام وركع ما شاء الله ثم جلس وأخذ الكتاب وجعل يقرأ ويفسر ما أشكل منه وانحل جميع ما في نفسي واستحسنت حاله وشكرت الله إذ لم أعجل عليه بما يكره.
وعن ابنه أبي يعقوب قال أوصى أبي بألف دينار فاستكثرها وأوصى بخمسمائة دينار وقال: هذه وصيتي فأنفذها ولا جعلك الله في حل. دفعت لشخص أكثر من أربعة دراهم لأنها حوطة من أموال أهل الدعوة لم آكل منها ولم أطعمكم ولكن ربما أرادوا وجها فرأيت غيره أصلح فصرفت فيه.
ومن تمام تواضعه أن كنسوا غارا فجعل يرفع معهم الكناس فقال له يوما بعضنا: اقعد واسترح يا شيخ فالطلبة يكفونك قال: لا يحملون عني ذنوبي فقال له فأحمل إذًا كثيرا كثيرا، قال: لو كان رأيك يؤخذ لأخذنا به آنفا.
وكان أبو الربيع إذا شبه الشيوخ قال عليه: هو نذير من النذر الأولى وليس بنذير نبوة بل من الذين قيل فيهم: {ولوا إلى قومهم منذرين}.
قال أبو الربيع إن أبا عبد الله (1/391)
صفحة 392
توجه إلى القيروان من عند شيخه أبي زكريا يتعلم النحو والإعراب وكان أهل الدعوة بنواحيها كثيرين، فقصد شيخنا فتعلم عنده ثم قال له أوصي بك إلى من هو أعلم مني، فانتقل بكتابه إلى الثاني فتعلم في أقرب مدة لما أعطى من الفهم، وسأله يوما الشيخ منصور بن الشيخ عبد الغني الوسلاتي المزاتي رضي الله عنهما عن لحوم الحمر قال: إنما يسأل أن لم يكن هو خيرا من ثمر نخلكم في أول ما شب قال الشيخ المنصور عجبا من فراسته.
وأخذ الكلام من أبي نوح سعيد بن زنغيل ودارهم معدن العلم قديما من أبيه وجده وجد جده على ما أظن وقد تقدم أبوه ولكنهم دونه في الشهرة ومات عام أربعين وأربعمائة.
ومن سياسته أن أبا تغلى سمع قراءة العزابة في غار آجلو الشرقية قال ما هذه البدعة فبلغ قوله أبا عبد الله فاتخذ قصعة من طعام طيب ومنادل حسانا وبطة مملوءة زيتا فأرسلها إليه قال أمسكها هي لك فجلس غدا في موضعه فسمع قراءتهم فقال ما في هذا البلد إلا كلام ابن بكر فمن كره فهذا في قلبه، لرمحٍ في يده. والرشوة لرفع ظلم أو دفع جور - قال جابر - في سبيل الله.
ورآه رجل بعد موته في النوم على حالة حسنة من اللباس والهيئة والمركب والجمالة.
ومنهم الشيخان القدوتان العاملان العالمان عبد الغني الوسلاتي وابنه المنصور وهما في السن والعلم كأبي العباس بن محمد وأبي عبد الله أبيه ابن بكر قالوا فهما قرينان لهما سنا وعلما، ووسلات جبل مشرف على القيروان وتقدم أن الشيخ المنصور سأل أبا عبد الله عن لحوم الحمر فأجابه بما تقدم وكونهما قريني أبي عبد الله وأبي العباس في العلم والسن كاف في الشهرة والتعريف بهما.
ومنهم الشيخ جعفر الوسلاتي (1/392)
صفحة 393
وابنه الشيخ أبو زكريا يحيى بن جعفر كانا شيخين فاضلين عالمين قدوتين.
وروى أبو زكريا عن أبيه جعفر أن معنى قولهم التعزية بعد ثلاث تجديد للمصيبة يصرف لمن هو قريب الدار وأما من بعد فلا. وجعفر ولد في آجلو وكان شيخا فاضلا ومات وابنه غائب فكان العزابة يكنسون الغار ويكنس أبو عبد الله معهم ويرفع معنا فقلت له: اقعد ياشيخ العزابة يكفونا ذلك قال لي: لا ترفع عني ذنوبي وكان يرفع قليلا فقلت له: ارفع إذًا كثيرا قال لي لو كان يؤخذ قولك لأخذ آنفا.
وعن الشيخ أبي زكريا ابن الشيخ جعفر ثلاث من الحكمة لو شئت كتبتها في ظفري: اتبع ولا تبتدع، اختفض ولا ترتفع، من تورع فلا يتسع.
ومنهم الشيخان الأخوان أبو يحيى زكريا وأبو القاسم يونس ابنا أبي زكريا فصيل بن أبي مسور اليراسني رحمهم الله.
قال أبو العباس: لكل واحد منهما سجايا جود كالسحاب وذكاء كالشهاب وحسن سلوك الطريقة وحفظ العلوم على الحقيقة.
قال أبو العباس ذكر أبو الربيع أن الشيخ أبا زكريا يحيى بن جرناز قدم طرابلس زائرا واجتمع الناس عليه يسألونه عن مسائل دينهم، وفي المجتمعين زكريا بن فصيل ووقع السؤال عما أنبتت الأرض كالحصير هل تطهره الشمس إذا نجس قال: نعم قال الشيخ زكريا ليس هذا الجواب معمول به قال ابن جرناز: معمول به قال زكريا: لا عمل عليه قال ابن جرناز صدق القائل: إن أولاد الشيوخ غير منقادين، قال ابن أبي زكريا الأولاد عقبة المستجاب، إياكم والمرخصين لئلا تفارقوا دينكم وأنتم لا تشعرون.
وذكر أن أبا القاسم يونس (1/393)
صفحة 394
بن أبي زكريا وأبا نوح صالح التجمي قدما على أبي محمد عبد الله بن مانوج زائرين فلما أديا حق الزيارة وانفصلا راجعين مرا بشجرة تفاح لأبي محمد قال أبو نوح ألم تراها يايونس حمراء فنزل أبو القاسم ونزع ما في رجله وأظهر أثَرَه خشية أن يظنَّ غيرَه، ثم اجتنى على وجه الدالة ما فيه كفاية وأعطى لأبي نوح فرد بعضه. وجاء أبو محمد فعرف الأثر وسُرَّ بما فعل، وقال لم يزل مثله يدلُّ في مال أخيه.
وكان يونس كثير الزيارة له فقال له مرة بلغني أن وكيلك على الحج قد أخذ ما معه فاستخلفني لعلي أجمع لك شيئا فاستخلفه فجمع له من جربة قرب أربعة وعشرين دينارا فقال أبو محمد: نقاسمك لأنك قريب عهد بعرس فأبى وأعطاه خمسة دنانير فردها واستحسن قناعته وإيثاره على نفسه.
ومنهم الشيوخ الثلاثة أبو عبد الله محمد بن سودرين وأبو محمد عبد الله بن زوزرتن وميمون بن حمودي بن زوزرتن رحمهم الله الوسيانيون الثلاثة من أهل كنومة.
وجمعتهم في التعريف تبعا لأبي العباس أما أبو محمد فهو فتى أبي نوح سعيد بن زنغيل وبذلك اشتهر لأنه منه أخذ العلم وهو أقرب إليه من سائر طلبته ومصاحبه في أسفاره وموافقا لخلقه ومواتيا لحوائجه. ومن سياسته وحسن نظره أن صحب شيخه مرة إلى بني كطوف فألفاهم ظاعنين فاتبعهم فلما نزلوا أرسل فرسه فاشتغل عنه أهل الحي فاستبطأ اجتماعهم إليه فقال لأبي محمد: اردد عليَّ فرسي قال قمت إليها متثاقلا وصرت أزاول الفرس وأصلح من شأنه للركوب وعيني إلى أهل الحيِّ فرأيتهم اجتمعوا إلى الشيخ فأقبلت بالفرس فسلموا واعتذروا (1/394)
صفحة 395
عن ريثهم فقبل منهم فأخبرته بفعلي وتثاقلي قال: أحسنت.
وأخذ علم الفقه من أبي صالح وأخذ الأصول من أبي نوح وكان أبو نوح إذا سئل عن مسألة قال اخبرني هذا الفتى فيها عن أبي صالح كذا.
ومن ورعه قال قصدت أبا صالح فرأيت سوادا على بعد فقلت للعير التي كنت فيها ما ذاك؟ فتسابقوا فإذا هي أمة فضقت ذرعا ولم يهنأ له عيش فلما بلغت جربة وصلينا الظهر وحلقت الجماعة وفيهم أبو عمرو النميلي فناولني كتابا فكنت أقرأ وأفسر فلما جاء أبو صالح قرأت وأمسكت عن التفسير فقال لأبي عمرو النميلي فسر فأخذ يفسر فاستحييت من فعلي وكنت قبل ذلك لا أعرفه ولم أره فسألته عن مسألتي قال لا شيء عليك ما تعمدت إتلاف مال الناس ولا أتلفته.
وأما ميمون بن حمودي قال كنت أظن أني استوعبت ما عند بعض أشياخي من العلم فقال يوما رؤية المديان غريمه فيه تقاض بعض دينه فلما قال أبو العباس إذا كان الغريم يستحي ويتقي على عرضه ودينه.
وروى ميمون أن رجلا من العزابة جاء هود بن محكم الهواري يستعينه في افتكاك كتبه مرهونة عند بعض النكار في خمسة دنانير فأرسل معه رجلا إلى أحياء مزاتة فلما أعلمهم بوصيته بادروا فكل يعطي ما أمكنه رجالا ونساء وقد تقدم الخبر في التعريف بهود.
وأما محمد بن سودرين فكان إماما عالما ورعا فمن ورعه ما ذكر أنه كان بالساحل فرأى بابا مفتوحا والناس بين داخل وخارج قال فدخلت فإذا رجل جالس على دكان فكل من دخل أعطاه دينارا فأعطاني دينارا فخرجت فوقع في نفسي (1/395)
صفحة 396
واستقبحت فعلي فرجعت فقلت أنا على خلاف مذهبك فنظر فيّ وتبسم وزادني دينارا. ألا ترى أنه لم يقبل صلة من ظن أنه مخالف حتى تحقق أنه آثره بها.
وقد اجتمعت بوارجلان بالمسجد الكبير جماعة من المشايخ أبو عبد الله محمد بن بكر وعبد الله المدوني ومحمد بن سودرين وعبد الله بن زوزرتن وغيرهم فسألهم رجل عن مسألة وهي الأجرة هل تؤخذ على تعليم القرآن فقال أبو عبد الله بن بكر للمدوني أجب فقال نعم إن لم تؤخذ عليه فعلى ماذا تؤخذ عليه بل على رعي البقر، فسكت الفقهاء توقيرا له وإن لم يحسن في الجواب للإجماع على جواز الأجرة على رعي البقر ولعله يريد على تعليم الحروف والأدب.
قال أبو العباس: العذر عنه أن لو منعها كان ذلك ذريعة إلى ترك التعليم فيفض إلى تمام الجهل وتصير الناس أميون.
ومنهم أبو محمد عبد الله بن مانوج اللمائي رحمه الله.
قال أبو العباس أحد من أبصر فاستبصر وذكر بعد حين فتذكر. وذكر أنه ممن تاب بعد الكبر وكان السبب أن لقيه رجل من لماية يرعى غنما فقال: نعم الغنم التي ترعاها لحية وبئس اللحية التي ترعى الغنم فوقعت التوبة في نفسه فأتى المشايخ أبا مسور وأبا صالح وأبا موسى عيسى بن السمح فمكث عندهم ما شاء الله بالجزيرة ثم رجع إلى أهله فلقيه الشيخ الذي ذكره أولا فقال جميع الإبل تبرك للحمل ولكن التفاضل في التبليغ فرجع فمكث ما شاء الله ثم رجع إلى أهله فلقيه فقال جميع الأواني تصلح لأخذ المائعات والتفاضل فيما بقي فيه الماء فرجع فبقي عندهم حتى تفقه وصار إمامًا ومشار إليه وهو أحد السبعة المشهورين المنسوبين إلى غار (1/396)
صفحة 397
أمجماج.
ومما يذكر من تمام قناعته وقلة تعلقه بعلائق الدنيا ما ذكر عنه أنه لم يستسلف من أحد شيئا قط إلا مرة دينارًا فرده بعينه مع كونه محتاجا وقليل المال ومع ذلك ضيافته لا تفضلها ضيافة. وسأل راعي غنمه عنها قال بخير إن رزقها الله العافية إلى قابل تصير مائة. وقيل: لما كبر وضعفت قواه وعمشت عيناه صار يتيمم لوجهه للوضوء وللجنابة واتخذ مستحما في كل جهة خشية الرياح، وقيل له: اكتف بالتيمم قال تلك مسألة العاجز.
وتذاكر هو وأبو عمران موسى بن زكريا ما الناس فيه من الأمور والضيق وكثرة الريب وما يدخل على الناس من ذلك مما لا يعملون وما يعملون فقال أحدهما إنما عاش الناس اليوم بحمل الأشياء على أحسن وجوهها قال الآخر إنما يرتكب ذلك في أحوال الطهارات وأما الأموال فلا واستحسن الآخر ذلك وسئل ما العبادة فقال النية والإخلاص لا ما يتخيلونه من الاجتهاد إلا إذا صحبه الإخلاص ألا ترى أن داود يقيم الفتنة وهو يحفظ ما بين دفتي المصحف ثم بعد ذلك تاب داود وحسنت توبته قال الشيخ ماكسن بن الخير لما توجهت إلى جربة برسم الطلب جزت على الشيخ أبي عبد الله واستشرته بأي من أبتدئ بالكلام أم الفروع قال اقرأ الجميع قلت فإن قصر فهمي قال: فدينك علم الفروع.
وذكر أن عبود بن منار المزاتي زاره قال ياعبود إنك لعظيم القدر عندي فما حالك؟ قال ركبتني ديون قال أعليك الدين وتزورني ابعد عني، فلما رجع عبود إلى أهله فقال لعلي بن يخلف أخي سليمان بادرني يا علي بمن يخلصني من هذا الدين (1/397)
صفحة 398
فأتاه بمن اشترى منه قطيع غنم ومطمورة شعير وعبدا فقضى دينه فلم يلبث إلا يسيرا فغارت غارة عليه فدافع عن نفسه وماله وأهله حتى قتل شهيدا رحمة الله عليه ومنزله بزريق فرآه بعض الصالحين في النوم فقال مضيت وتركتنا قال لا تقل كذلك وقد تركت فيكم سليمان بن يخلف نذيرا بعدي وكان يقول بعد أن كبر: إن بعض العلماء يقول إذا علم العالم من نفسه ضعف عقل فلا يفتي، وآخذ بهذا القول وأترك الناس قبل أن يتركوني.
ومنهم أبو جعفر أحمد بن خيران الوسياني رحمه الله حاز من الورع والفضل والتقوى الحظ الوافر وكفاك فضله قول أبي عبد الله بن بكر فيه قطع أبو جعفر عذركم إن زعمتم أنكم مقلون فهو مثلكم وإن زعمتم أنكم في بلاد قائمة الأسواق كثيرة السالك فهو كذلك. وعادته تأخير العَشاء إلى أن يصلي العتمة فينادي في المسجد لا يبيت ضيف دون عشاء ثم يفتش أركان المسجد وزواياه فإن وجد طارقا وابن سبيل حمله وإلا انصرف.
ومن عجيب أخباره أنه دفع بذر الزراع يزرع جناته ثم بعد ذلك إذا قدم عليه من الجنة سأله ما حال الزرع؟ فيقول بخير فلما فات الوقت خرج يرى زرعه فلم يجد شيئا فقال للجنان ما هذا يافلان وتلقاه بكلام قبيح أن قال أتظن أن أزرع لك ويموت أولادي جوعا فخرج وهو يقول سلام سلام أراد قوله تعالى: {وإذا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} ولم يسمع منه ما يكره.
قال أبو العباس قال أبو الربيع سليمان بن يخلف مررت أنا وخالي عبود بن منار بأبي جعفر فأخرج صرة فيها دراهم وقال خذاها واشتريا من السوق خبزا نقيا لغدائكما قلنا تغدينا قال الحمد لله فردها.
ومنهم أبو الخطاب (1/398)
صفحة 399
عبد السلام بن منظور بن وزجونة المزاتي وهو أحد من رتب للحلقة الأساس وأحكم لها الأمراس وهو أحد الأشياخ النجباء الذين اشتهروا ممن أخذ عن أبي نوح سعيد بن زنغيل.
وقيل كان مع التلامذة حين رتبوا الحلقة على أبي عبد الله بن بكر فكان يتحرى مجاني الصلاح وينتهز الفرص حيث سنحت حتى عرفت له هذه الشنشنة وقال له الشيخ أبو محمد يوجين اليفرني أردت أن أعرف موضع نومك لأوقظك للصلاة وكان عبد السلام يطيل القعود في المجلس فإذا نام قليلا جاءه الشيخ فأيقظه ويقول يا عبد السلام ما نال الصالحون ما نالوا إلا بترك اللذات فلما ارتحل الشيخ من كنومة إلى أريغ قال لعبد السلام انتقل معي لأن من يقصده الناس بحاجاتهم كمن دخل الحرب لا غناء به عمن يعنيه ويؤيده ويرعاه ويرفده ويداوي جراحه وإلا كان هلاكه وشيكا فأجابه إلى ذلك وأنكحه ابنة أبي القاسم فمكث عنده ما شاء الله فأتى عشيرته زائرا قالوا له إن تركتنا فلسنا بتاركيك فكن معنا كما كان أبوك لتحيي ما كان أحياه من الدين وإلا كنت عنا مسؤولا فأجاب رغبتهم فأنكحوه زينب بنت أبي الحسن ثم أقام حينا ثم انحدر إلى أريغ وأخبرا باعبد الله برغبة قومه فيه وأردت مفارقة ابنة الشيخ أبي القاسم وقد أتيت ببعض الصداق وأوفي بالباقي إن شاء الله فأخبر بذلك أبو عبد الله أبا القاسم قال معاذ الله أن آخذ من عبد السلام عوضا من أعواض الدنيا وأشهد أنه تحمل عنه جميع ما أوجب لها عليه وتركته فلم يقنعه ذلك فبرأته المرأة بنفسها وراوده الشيخ أن يقيم عنده فلم يمكنه فلما ارتحلت مزاتة إلى طرابلس ارتحل معهم وأقام حتى (1/399)
صفحة 400
رجعوا وأقام هو بجبل نفوسة ما شاء الله فحج من هناك فلما رجع قصد درجين وسكنها في رغد من العيش ورفاهة وكان كثير البنات مع زينب بنت أبي الحسن.
وفي سنة ثلاثين وأربعمائة وقع بطرابلس قحط عظيم وتفرق أهلها وتسمى فرورا فنزل رجل من ورغمة بقلعة درجين في جوار الشيخ عبد السلام فاستحسنت زينب صورة ابنة الورغمي فخطبتها على بعلها فتزوجها وسكن معه في داره وطلع معه إلى إفريقية فنزل عسكر صنهاجة على قلعة درجين فحاصرها حصارا شديدا فلما اشتد عليهم الحصار وخرجوا عليه خروج رجل واحد يقاتلون فقتلوا عن آخرهم واستبيح ما في القلعة فخرجت امرأة ابن أبي ورجون وهي تنادي يا آل مزاتة! ومعها بناتها فخلصهن رجل من أهل العسكر وسلمهن الله من الانكشاف، ورجع عبد السلام فرأى تلك الأحوال فسمع به بنو ورتيزلن فارتحلوا به إلى آجلو فمنحوه أرضا عظيمة فعمرها وولد له من الورغمية ولد سمّاه سعيدا فلما بشر به قال ولد الشيخ يتيم ومنه تناسلت ذرية الشيخ وحين قدم إلى أريغ وجد أبا عبد الله في آخر أيامه من الدنيا فزاره وهو في السياق فتأسف وأظهر الجزع على فراقه فقال اقصر عن هذا وعليك بالدعاء وجعل يكررها حتى قبض فجعل يقول: مثلي كمثل من يسير في شدة الحر قاصدا شجرة يتفيأ ظلالها فلما وصلها اقتلعت فأضحى ضاحيا.
وقيل اشترى مرة بإفريقية خرفانا فأراد بائعها قبض الثمن فقال له أَرَا وهي بلغة صنهاجة هات فدفع ثمن الخرفان وتصدق بها تحرجا من رزق صنهاجة لتجبرهم وغصبهم للناس أموالهم.
وسأله أهل مسنان عمن أقر على نفسه (1/400)
صفحة 401
بالزنا ما الحكم فيه قال: أدخلوه مزبلة وارجموه ففعلوا فحضرت الجمعة فصلاها ركعتين والزمان كتمان وخطب ثم قال الكتمان يأخذ من الظهور والظهور لا يأخذ من الكتمان يعني أهل الكتمان إذا استطاعوا تنفيذ بعض الأحكام فلهم ذلك وأهل الظهور لا يجوز لهم التقية.
ومنهم أبو عمران موسى بن زكريا رحمه الله أحد أعلام المذهب ورؤوسه وممن أضاء الله به دجى الجهل وظلمته.
قال أبو العباس أدرك المشايخ وروى عنهم العلوم والآثار ولكل من تلاميذه منبر في الدين ومنار وله كرامات مذكورة وبركات مشهورة، هو الذي تولى نسخ الديوان المشهور الذي ألفه الفقهاء السبعة بغار أمجماج أبو عمران هذا وأبو عمرو النميلي وعبد الله بن مانوج وتقدم التعريف بهما وأبو زكريا يحيى بن جرناز النفوسي وجابر بن سدرمام وكباب بن مصلح وأبو مجبر توزين ونسب إلى أبي عمران لفضل البنان وإلا فهو كأحدهم في البيان. وكان ذا حظ عظيم وقيل رأى في المنام إن يده صارت مصباحا فعبرت له بأن يده يحيى بها دين الله.
وقال أبو محمد ندمت على ثلاث فاتتني من الدنيا قراءة كتاب الجهالات وهو كتاب في الكلام عظيم الشأن وزيارة أهل الدعوة وحضور مجالس أبي عمران. وسافر أبو عمران زائرا لأهل الدعوة فمر بقصطالية بأبي جعفر أحمد بن خيران فقال له سر بنا إلى زيارة الغاية زوجة أبي القاسم فلما سلما عليها سألتهما عن امرأة نزلت بثيابها في الماء وجعلت على رأسها سترة فقال أبو عمران أيما امرأة نزلت مكشوفة الرأس في ماء تعوم في سبعة أودية من نار جهنم قالت هل (1/401)
صفحة 402
من رخصة قال إذا كان ما ذكرت من السترة فهو أقرب إلى السلامة فقال ما جوابك فيها قالت كذلك حفظت من كتاب سعد بن يونس.
واختلف أبو نوح سعيد بن زنغيل وأبو نوح سعيد بن يخلف في أمة صلت مكشوفة الرأس فأعتقت وهي في الصلاة هل عليها النقض فهما في المحاورة إذ طلع عليهم أبو عمران موسى بن زكريا فقال أحدهما قد جاء من هو اعلم منّا ثم سألاه عنها فأجاب بما يوافق احدهما.
قال أبو العباس والأظهر إن علمت بالعتق وهي في الصلاة فأتمت صلاتها كذلك فعليها الإعادة وإن لم تعلم فلا إعادة وهذا تفصيل حسن.
وروى أبو محمد عنه أن تعلم حرف من العربية كتعلم ثمانين مسألة من الفروع وتعلم مسألة من الفروع كعبادة ستين سنة ومن حمل كتابا إلى بلد لم يكن فيه فكأنما تصدق بألف حمل دقيقا على أهل البلد.
ومنهم جابر بن سدرمام تقدم أنه أحد أهل الغار وكفاه تعريفا وشهرة وعلما وصلاحا.
وذكر أنه أضاف أضيافا فلما استدعاهم وكان ذلك بمحضر صاحب له يعرف بخليفة بن تزراغت فرغب إليه جابر أن يصحبهم فامتنع فالح عليه قال يعلم الله أني لا أصحبهم قال جابر قد وجبت عليك الكفارة إما اصحبهم أو اقعد، قال الراوي: أوجبها لأنه حتى فيما لا يعلم أن يكون أم لا.
قال أبو العباس هذا تشديد لأنه لم يذكر شيئا من ألفاظ القسم.
ومنهم أبو زكريا يحيى بن جرناز النفوسي وكان من جملة أصحاب الغار وممن ألف في الديوان أبو الربيع قدم أبو زكريا بن جرناز طرابلس فدخل جربة زائرا فاجتمع عليه الناس يستفتونه وفيهم زكريا بن أبي زكريا فأجاب بالرخصة فيما عمل مما أنبتت الأرض كالحصر (1/402)
صفحة 403
وغيرها أن تنقيه الشمس والريح كالأرض فقال زكريا هذا ليس عليه عمل قال ابن جرناز بل عليه العمل فرده زكريا بأنه ليس عليه عمل قال ابن جرناز الذي يقول الناس: إن أولاد الأشياخ لا ينقادون صحيح، قال زكريا قال عقبة المستجاب لأولاده: إياكم المرخصين لئلا تفارقوا دينكم وأنتم لا تشعرون.
ومنهم أبو مجبر توزين وكباب بن مصلح كلاهما تعلم العلم وعمل به واستفاده من الأشياخ وأفاده وممن نور الله بهما الدين وتقدم أنهما من أهل غار أمجماج ولا شهرة أعظم منها وهما في زمان أبي عمرو النميلي وأبي صالح وغيرهما كما تقدم التعريف.
ومنهم أبو إسماعيل البصير بن ملال المزاتي رحمه الله وكان ممن لازم زوايا المساجد لاجتناء العلوم والفوائد وتعلمه بمدينة توزر بدرب بني ميدول من بني واسين.
روى أبو محمد ماكسن عن أبي إسماعيل أنه قال تعلمت خمسمائة كتاب بتوزر وجمعت خمسمائة دينار وأكلت خمسمائة رأس ضأنا سودا.
قال: وقد رجع من سفر قال لقد استفدت في سفري هذا إذا تعلق القراد بالميت فأثر يتيمم له وإلا غسل. وما نبت من الأشجار في المقبرة والغار والطريق إن سبقن المقبرة فالحكم لهم وإلا فالحكم للمقبرة أي لا يجوز سلوكها ولا دخول الغار ولا جنا الشجرة.
وخرج زائرا فجاز على كدية بني غمرت من أريغ فرغبوه في المبات فامتنع كل الامتناع لأن بها قوما أظهروا الفساد والظلم وفيها قوم صالحون قال لا يحل المبيت عند قوم أظهروا المظالم وأعلنوا بالمناكر ولا ينقادون للحق ولا يذعنون فجازهم ولم يلبث إلا يسيرا فنزل بهم حماد بعسكر فأجلاهم ودمرهم تدميرا. (1/403)
صفحة 404
وسألهم أبو مسور وهو بسوق الخميس بجربة عن رجل أعطى وليته لرجل مخالف فردها إلى مذهبه وعن رجل رد ولده إلى مؤدب مخالف يعلمه فرده إلى خلافه ومن زوج وليته لمن يطعمها الحرام فأجابه أبو إسماعيل بأنهم هلكوا وهلكن بل هلك الجميع.
ومنهم أبو محمد عبد الله بن الأمير اللمائي رحمه الله كان عالما ورعا مستجاب الدعاء وفي الأثر: زار أبا محمد عبد الله بن مانوج ومعه لحم مطبوخ في يوم جمعة بعد الظهر فألفاه صائما فأفطر لموافقة قلب المؤمن وإدخال السرور عليه ذكر أبو العباس عن أبي الربيع ان أبا محمد كان يعظ لماية ويحذرهم وقال لهم يوما: قال أبو صالح: السخط يعم والرحمة تخصص يهلك الصالح بذنب الطالح.
قال أبو العباس قال أبو الربيع جئت لزيارة عبد الله بن الأمير فلم أجده في منزله فقصدته في الأندر فإذا به في جبة صوف طرح رداءه وهو يضم أطراف الأندر فلما رآني لبس كساه فصافحني ثم أقبل يعتذر كأنه أساء في اطراح الكساء قلت له وهل في ذلك من بأس أليس هو العمل بالحلال؟ قال نعم ولكن أين من يحسن العمل بالحلال إنما يحسن ذلك أبو صالح، قلت كيف يعمل؟ قال ينقل الزرع إلى الأندر على ناقته فإذا كان وقت الضحى أناخ ناقته وصلى ما كان يصليه ثم يرحل وكذا العمل إذا كان لا يضر بعمل الآخرة.
قال أبو العباس قال أبو الربيع وجه إليَّ سليمان بن موسى شيئا وأمرني أن اشترى به طرفا من المأكل وآت بها عبد الله بن الأمير يأكلها ففعلت وحملت من طريقي من الكلأ ما يقوم بدابتي فلما وصلت قال لأولاده اعلفوا دابة سليمان قلت ما هو بحمار يعتلف العلف قال يعلف ولابد فإن (1/404)
صفحة 405
علف دابة الضيف أهم من طعامه قال هكذا كانت قصتي مع عبد الله بن مانوج جئته مرة على دابة جمعت لها من الكلأ ما يكفيها قال لأولاده اعلفوا دابة عبد الله قلت ما هو بحمار يعلف قال لا بل يعلف ولابد من ذلك فإن علف دابة الضيف يا عبد الله أهون من إطعامه.
وكانت أمه من أمة سوداء وكان ذلك غالبا على لونه فذكر أنه صحب في بعض أسفاره شيخا اسمه عزون فلما كان ببعض الطريق كلفه عزون ببعض الأحوال فلم يفعل وقال عزون معرضا بسواده لو كان العبد من ديباج كانت أطرافه من تليس قال أبو محمد أتقع الفرقة ولابد؟ قال نعم، قال تعال فاركب على عاتقي.
ومنهم أبو زكريا يحيى بن وجمين الهواري رحمه الله كان ورعا ذكيا فطنا غائصا في بحار العلوم كاشفا للغطاء عن مشكلها.
قال أبو محمد عبد الله بن محمد فيما روى عنه أبو العباس قلت لأبي زكريا ما معنى قول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: هلكت فيك ياعلي فئتان: محبك المفرط ومبغضك المفرط، قال: صدق عليه السلام قالت فيه الشيعة بقول النصارى في عيسى عليه السلام حتى قال بعضهم بإلهيته وقالت الصفرية إن كل معصية شرك أو كل كبيرة شرك وقالوا إنه فعل الكبائر وإنه مشرك.
قال أبو العباس قال أبو محمد كنا في مجلس في آجلو يقرأ فيه عزابي آثار الربيع عن ضمام عن جابر رواية أبي صفرة عبد الملك بن صفرة وأفسر بالبربرية ما يقرأه ولا أتعرض لذكر السند وأبو زكريا في زاوية من المسجد يصلي فقال ما لك لا تذكر أئمتك؟ فكان كلما قرأ سندا أعدته ثم أفسر وهذا الكتاب رواية أبي صفرة عبد الملك بن صفرة عن (1/405)
صفحة 406
الربيع.
قال أبو محمد إذا سألت ماكسن عن مشكلة قال دعنا حتى يأتي صاحب المشكلات أبو زكريا.
قال أبو محمد اجتمعت الشيوخ في مسجد الشيخ ينكول بن الطويل ليصلحوا بين جماعة تينوال وكانوا يقرؤون كتابا ومروا فيه بقصة رجل في زمان سيدنا موسى وله حمار فقال رب لو كان لك حمار لعلفته مع حماري وربطته معه فهم به موسى فأوحى الله إلى موسى ذلك مبلغ عقل عبدي فتركه موسى.
واجتمعوا بأثر ذلك بتينوال وجعل الشيوخ يعاتبون أيوب بن حمو قال أبو زكريا اتركوا عنكم البله الذين تمتلئ بهم الجنة يعني خبر صاحب الحمار واشتغلوا بمن يثقب الخرزة بكياسته يعني ابن حمو، فما زالوا يعاتبونه حتى تاب واصطلحوا.
ورأى أبو زكريا ليلة القدر في مصلى المسجد عند موضع المحراب الذي يلي الحائط القبلي من مسجد أكلوا فبنوا محرابا ملصقا إلى جدار قبلة المصلى في داره وهو معروف بالبركة.
وذكر أن رجلا ممن ينتحل التقوى لابنه عليه دين فماطله فدعاه إلى المشايخ وفيهم أبو زكريا فحكموا عليه بالدفع فحبسوه وأخرجوه إلى الخطة فسمع ماكسن فأقبل فقال على ما يسجن؟ قال أبو زكريا حكم بها أبو عبد الله وحكم بها هذا واحكم بها ولا يخرج حتى يقضي ما عليه أو يسرحه ابنه أبا نوح قال محمد البستي بها ولا يخرج حتى يقضى ما عليه يحيكم هذا لا يؤذي الأرض ولا تحس مشيه عليها يعني يمشي هونا.
ومنهم أبو عبد الله محمد بن سليمان النفوسي رحمه الله كان ممن وسع الله عليه في كثرة العلم والمال والتقى وسماحة النفس وسخاوة القلب كانت عنده كثرة التلاميذ يعلمهم (1/406)
صفحة 407
ويطعمهم ويكسيهم من خالص ماله فإذا أقبل الشتاء اشترى لهم أكسية جديدة فيها دفء وإذا أقبل الصيف اشترى لهم ما يخفُّ وادخر الأخرى وربما باعها بالثمن الذي اشتراها به.
أبو العباس عن أبي عمرو عن إبراهيم بن يرموز الزنزفي وكان شيخا صالحا قال دعاني أبو عبد الله يوما أن أصحبه إلى السوق ليبيع زيتونة مشرفة على السوق ضاعت غلتها فقلت: بكم قال بعشرة دنانير فلما ساومها باعها بأربعين دينارا فلما رجعنا فرق الثمن على العزابة والتلاميذ وأعطاني ستة دنانير فمسك العشرة التي طابت نفسه بالبيع بها ونواه فجعل ما زاد لله.
قال أبو عمرو فسألت عن ذلك، أبو العباس: قال من العلماء من قال: الزيادة للفقراء، والذي فَعَلَه حَسَنٌ جميل.
وكان يقول لا أريد أن أرى الفرس والكلب والمرأة إلا في بيت عدو، الفرس في رأسه مطحنة، وتحته مزبلة، والكلب يروع، والمرأة تفشي السر وتهتك الستر.
وقيل لم يملك قط ذا روح وقال لأصحابه: إن عادة آبائي إذا كبروا اعترضتهم حبسة في ألسنتهم تؤذن بفراق الدنيا فإذا رأيتم ذلك فزوجوني فلما رأوا ذلك منه زوجوه امرأة قامت بمرضه حتى توفي رحمه الله.
قال أبو العباس التزويج أفضل وهو الحق لقوله: {وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ} الآية وكذا اكتساب الحيوان إلا إن خشي ما ترد عليه من المضرة. والتفرغ للعلم والتزويج في المرض خشية أن يتكشف عليه غير زوجته ولقوله عليه السلام: من مات عازبا مات شيطانا.
وقد كان في تطلبه يكابد سوء المعيشة وصبر حتى كاد لا يجد فصار يأكل اللقطة بل القطف والرسا وهما شجرتان معروفتان فيما ذكر.
وكان خرج من أهله (1/407)
صفحة 408
من أبديلان من نفوسة فأخذ في الطريق فدخل وارجلان وليس عليه إلا خِرَقٌ، ولم يعرفه أحد ولم يعرف أحدا وصادف رمضان فكان يتبع الطلبة للكرامات التي تصنع لهم فإذا دخلت الطلبة رده صاحب الدار إنكارا للباسه وهيئته وعدم معرفته، فاجتمع عليه لباس الجوع والبرد حتى ورم رأسه ويسوخ فيه الأصبع، فلما رأى ذلك رجع إلى الصبر وحبس نفسه في المسجد وتوكل على الله، وابتدر الناس الطلبة يحملونهم، وكثر الحمل، وأرسل واحد ابنه فلم يجد من يحمل، ووجده لازم الفراش فدعاه فقال: لست ببغيتك، فرجع إلى أبيه فقال لم أجد إلا رجلا ليس بعزابي قد اضطجع، ومن رغبته في إفطار الصائم قال: ائت به وما قضى الله به من الفرج، فرجع إليه ودعاه قال لست من تطلب، وقد ضعف صوته، فرجع الولد فأخبر أباه بحالته وامتناعه، فقام إليه فجلبه إلى داره بنفسه، فلما غسل يده ناوله لقمة رفعها إلى فيه خرج منه نور شق سقف البيت حتى ظهر إلى الهواء، فجعل الرجل يُكرهه على الأكل حتى شبع قال له: هل لك عريف؟ قال لا، فحدثه بقصته من أولها إلى آخرها قال: أنا عريفك وتكفَّل له جميع ما يحتاج فأعطاه كساة من حينه وأكرمه الله ببركة أبي عبد الله حتى صار لا يقصد بوارجلان غيره ثم قتل مظلوما.
ومنهم أبو ميدول مصكداسن الزنزفي.
قال أبو العباس يعد في الوعاظ والنصاح والداعين المرشدين إلى سبيل الفلاح وتحكى عنه الحكم والأمثال والإصابة في الأقوال والأفعال قال ذكر يحيى بن جعفر أن أبا القاسم يونس بن أبي زكريا كتب إلى أبي مكيدول بسم الله الرحمن الرحيم صلى الله على سيدنا (1/408)
صفحة 409
محمد وآله وسلم أما بعد فإني سمعت بأن جماعة من النكار طلعوا إلى ما قبلكم فإياكم ثم إياكم أن يَرِدُوا أرضكم ولو للضيافة فإن القوم أخدع الأمة وأنت ممن لا يحتاج أن يوصى والسلام فوقف عند ما حد له.
وأضاف أبا محمد ماكسن ويخلف التميجاري وقدم لهما طعاما جميلا ضيافة كاملة فقال: كلا فقد مات من يسلم في نفسه ويسلم معه غيره. فشكرا صنيعه وشكر هو حين رآهما شكرا وحمد الله على اقتران الشكرين. وقيل اللعنة مع الضيف فإن حمد وشكر وقابله المضيف بمثلهما وقعت على إبليس وإلا وقعت على أحدهما.
وله كلام ومواعظ بالبربرية.
ومنهم أبو موسى يزيد المزاتي وابنه ضمام رحمهما الله.
قال أبو العباس ممن تمسك في الفروع بحبل وثيق وسلك في الصلاح أنهج طريق وكان من أفاضل تلاميذ أبي خزر ممن أخذ عنه الأثر والسير ذكر الشيخ أبو العباس عن أبي نوح صالح بن إبراهيم أن بلاد إفريقية أصابتها سنة وشدة وقحط فانتجعت مزاتة قابس يمتارون التمر بالدَّين والقرض، وقصدوا الشيخ ضماما وأعلموه بما هم فيه من شدة الذل وأرادوا أن ينقذهم مما هم فيه من الجوع بأن يستدين ويتحمل عنهم فشاور والده فقال فهل يعرفهم أحد قال لا قال وأنت هل تعرف قال نعم قال توجه الفرض عليك أن تستنقذهم بما هم فيه، فجاهد ففعل فقال أبو نوح: قيل يسأل المرء عن فضل جاهه كما يسأل عن فضل ماله وقيل من تبرم بجاهه فقد تعرض لزواله. وعنه عليه السلام لله وجوه من خلقه استخصهم بنعمته ما بذلوها لخلقه فإذا بخلوا بها بدلها إلى غيرهم فلما أيسروا قضوا وقضى ما بقي.
ومنهم أبو يعقوب بن يوسف (1/409)
صفحة 410
ابن سهلون كان غزير الحفظ متقن لما حفظ ذكر يعقوب بن أبي القاسم أنه قال وصلت ذات مرة إلى وارجلان فرجعت وسألني أبو عبد الله بن بكر هل رأيت أبا يعقوب قلت لا وكان مزين حاضرا قال انظر يا مزين إلى هذا الذي يسافر إلى وارجلان ولم يزر أبا يعقوب، فعظَّم عليَّ ذلك. ورجعت إلى وارجلان زائرا له فرجعت فأخبرته بحاله وأن أبا يعقوب أصيب في لسانه.
وذلك أن مسألة شنيعة نزلت في وارجلان فاجتمع لها المشايخ ومن ينسب إلى العلم والرأي وذلك عادتهم وهي امرأة ادعى تزويجها رجلان، فأتى كل واحد منهما ببينة على صحة دعواه فتراددوا المسألة قال أبو يعقوب حرمت عليهما معا وعلى رجال الدنيا والآخرة إلا أن تتوب فتحل لرجال الآخرة. وقال رجل من بني ياجرين هاج الفحل، وافترقت الفصلان فأصابه بالعين فاحتبس لسانه عن الكلام.
وكان كثير الرفق والسياسة مع كل أحد حتى إذا أراد أن يأمر ابنه أيوب بأمر أشار إليه إشارة لئلا يعق إن لم يمتثل لكلامه إذا أمره. وكان أيوب يبادر لما فهم بالامتثال فضرب بهما المثل الأب كأبي يعقوب والابن كأيوب.
واختلف هو وأبو عبد الله بن بكر فيما يقال لمن تتولاه وهو مسلم عندي عند الله أو مسلم عند الله عندي قال أبو عبد الله: لا بد من تقديم عندي وقال أبو يعقوب كلاهما سائغ لأن معنى عند الله يعلم الله أنه عندي مستحق لذلك وهذه مسألة تحتاج إلى بسط.
وقوله في المرأة تحرم على رجال الدنيا والآخرة قال أبو العباس إذا دخلا بها لأنها زانية وإلا فهي للأول إذا رضيت به وإلا فسخ النكاح إن جهل التاريخ أو لم ترض بهما وهي لمن رضيت به إن لم ترض بالآخر. (1/410)
صفحة 411
ومنهم تملي الوسياني.
وروى أبو الربيع وأبو نوح وأبو عمرو أنَّ "تملي" كان عالما مقلا في أول عمره وهو من أهل القصور وسافر التجار بالتمر إلى البادية وسافر معهم بمزود تمر على عاتقه أو علاوة أو وسادة - لاختلاف النقل - فاستطعم القافلةَ مسكينٌ فلم يعبؤوا به وأطعمه تملي حتى شبع فدعا له بالنماء والبركة، قال إن أمامك قوما أدركهم الجوع فلا تنزل حتى تصلهم فلم ينزل حتى وصلهم ونزلت القافلة دونهم فباع لهم كيف أراد وبارك الله في وسادته ونمت، وقيل باع صاعا بتمر بصاع من دراهم ويأخذ الصامت والكسور، فما أتته القافلة إلا وقد باع بوقر جمل مال، فبورك له في كل شيء حاوله، وجعل يسافر إلى تادمكت وجمع بها أموالا. وكان يبعث كل سنة ستة عشر كيسا كل كيس فيه خمسمائة دينار مكتوبا عليها «مال الله» «مال الله» إلى أبي عمران موسى بن سدرين والد هارون الحامي الوسياني يفرقها فأرسل إليه ألاَّ تبعثَ، أولياؤك أقلاَّءُ ومالك كثير، وقد استغنوا، وكاتَبَه تملي: كلُّ من لم تعلم له كبيرة من أهل الدعوة فأعطه كذا، وقال أبو خزر ولا تسل عنها أحدا.
ووصل إليه يخلف بن تمصكويت المدوني وقيل ابنه أبو نوح سعيد فقال له: إن كنت تأخذ مال الله أغنيك وعقبك، فقال لا، فأعطاه دينارا. وكان يحدث عما رأى من كثرة الكيوس من مومة مكتوب على كل واحد «مال الله».
ومنهم الشيخ عبود بن منار المزاتي خال سليمان بن يخلف وتقدم أنه مات شهيدا بمنزله زريق وتقدم مسيره إلى أبي محمد عبد الله بن مانوج وقال له أنت عظيم في نفسي ياعبود وما حالك؟ قال ركبني الدين فانتهره فخرج فبادر دينه ثم قتل أثر (1/411)
صفحة 412
ذلك شهيدا قال أبو الربيع سليمان بن يخلف مررت أنا وخالي عبود بن منار ذات مرة على أبي جعفر أحمد بن خيران فأعطانا صرة دراهم نشترى بها طعاما طيبا من السوق قلنا له تغدينا قال الحمد لله وليس هو الشيخ عبود الكزيني المزاتي أو غيره الظاهر عندي والله أعلم.
ومنهم أبو الربيع سليمان بن يخلف المزاتي رحمه الله أخذ العلم من منبعه الصفي ومعدنه الملي أبي عبد الله محمد بن بكر وكان غاية في العلوم وله من التآليف التحف في الأصول أفنى شبابه في القراءة وبقية عمره في الإقراء وأفاد خلقا كثيرا واشتهر علمه في الآفاق.
قال أبو العباس ذكر أبو عمرو أن جماعة عزابة اجتازوا بطرة فآذاهم مقدمها اسمه أبو علي، قالوا له: احذر عقوق الوهبية، قال لهم: ارغبوا إليهم أن يدعوا عليَّ، استهزاء، فلما وصلوا جربة وكان يوم جمعة صادفوا الشيوخ قد أقبلوا إليها مع التلامذة وفيهم أبو الربيع فسلموا عليهم وصافحوهم وأخبروهم بفعل أبي علي وقوله واستهزائه قال أبو الربيع: رب كلمة أسلبت نعمة فاجتمعوا وابتدأ أبو الربيع ودعا فتتبعوه وأداروا الدعاء وختم أبو الربيع فأصاب الملعون في تلك الساعة وجع وجعل يصيح من شدة الوجع ويقول قتلني الشيخ الأعور يعني أبا الربيع حتى مات ولم تمطله دعوة أبي الربيع.
ولما مات أبو عبد الله محمد بن بكر كان أبو العباس ابنه عند أبي الربيع فلما بلغه موت والده أمسك عن أكل ما بقي من النفقة لأنها مال الورثة قال له أبو الربيع أمسك ولا حرج عليك ولا تلزمه العدالة بينكما.
وعن غير واحد من تلاميذه رجعنا (1/412)
صفحة 413
من عنده عام أحد وسبعين وأربعمائة فشيعنا إلى المصلى الذي فوق عيون تونين فوقفنا للوداع قلنا أوصنا قال إذا وصلتم منازلكم فإياكم أن تستقبلوا الدنيا بوجوهكم لئلا تغرنكم، وعليكم بالألفة والنصيحة والتزاور وحفظ مجالس الذكر، وإياكم وأمور الناس وإياكم والتقصير فيمن يرد عليكم من أهل دعوتكم. وقالوا: أردنا الطلوع إلى جبل دمر برسم دراسة الكتب من تمولست فلم يوافق ذلك أبا الربيع ولا أبا يحيى زكريا بن أبي بكر فشيعنا أبو يحيى وقال إن رجعتم إلى أهاليكم وأنتم على هذه الحالة فكمن ترك الإسلام عمدا وهذا تحريض وترغيب في طلب العلم. وقال أحد طلبته للآخر زوَّجتك أختي قال قبلت فضاق ذرعا فبلغ الخبر أبا الربيع فقال لم ينعقد عليك نكاح ولا شيء عليك ولو أجازته قال أبو العباس إن كان الأخ وكيلا انعقد بلا خلاف وإلا فإن أجازته وقبلت لزم إذا كان بقرب العقد وقال لعل أبا الربيع علم منها عدم الرضا أو عقد مع وليٍّ قبل.
قال أبو العباس ذكر أبو عمرو عثمان بن خليفة أن أبا يعقوب محمد بن يدر سئل عن مسألة فأخطأ في الجواب وذلك أنه قال علينا العمل بالفرائض وليس علينا العلم بها وكان يزيد بن خلف الزواغي وأبو الربيع سليمان بن يخلف خلف المجلس فقال يزيد بن خلف الزواغي يا سليمان ما الذي أخذت عن عبد الله بن بكر فيها قال: إذا لزم فعل شيء لزم العلم به وأن له في فعله الثواب وأنه فرض وعدل.
وجوابه في المسألة جواب النكار وهو خطأ وجوابهما جوابنا وهو الصواب إن شاء (1/413)
صفحة 414
الله.
وتوفي رحمه الله عام أحد وسبعين وأربعمائة فبلغ وفاته الأشياخ ببلاد أريغ كمزين وماكسن ويوسف بن أبي عبد الله فاجتمع إليهم أعيان تلك النواحي يعزونهم وهيهات وقد لازموا العويل والاكتئاب الطويل قال أبو يعقوب كفوا عفاكم الله فإن هذا لا يغني عنكم شيئا، وعليكم التمسك بما أخذتم عنه وعن غيره من الأشياخ وكونوا لها كصاحب إبراهيم بن إبراهيم لأمانته حين أودعه دينارا فقال: احذر أن يسقط، قال: تقع هاتان ولا يقع، إشارة إلى عينيه.
ومنهم الشيخان أبو محمد ماكسن بن الخير وأبو عبد الله مزين بن عبد الله الوسياني رحمهما كانا عالمين عاملين فاضلين صالحين مقصودين في النوازل.
قال أبو العباس دخل على يانجاسن بن حمو قال جئت من عند مزين سألته عن تباعة تعلقت بذمتي كيف الخلاص منها وقد تعلقت بي من قرى وارجلان قال أتعرف القرية قلت نعم قال صاحبها قلت لا قال أتجد من يشهد لك بأنها لفلان ابن فلانة قلت لا قال: تصدق بها بموضعك.
واستخلف أبو ويدرن الفطناسي مزين على وصيته فعمد إلى خيار ماله فباعه وجعل ينفذ منه الوصية فشكت زوجة أبي ويدرن وبناته إلى أبي عبد الله فقال مالك يا مزين ولهؤلاء قال لم أشتغل بهن وإنما اشتغلت بفكاك رقبتي ورقبة أخي في الله.
وأما الشيخ ماكسن فقد أصيب ببصره وهو ابن سبعة أعوام وقيل سبعة أيام فجاءت أمه إلى أم المعز بن باديس فأعلمتها بما أصاب ابنها فقالت لها رديه في المكتب فإنه سيستفيد (1/414)
صفحة 415
لما رأته من حدة فكره وحضور ذهنه وفهمه وذكائه ففعلت وحفظ القرآن تلقينا في أسرع وقت فحضر حلقة أبي محمد ويسلان بجربة فكان أذكى وأنجب تلميذ حضرها إلا أنه حاد المزاج سريع الغضب فشكاه الطلبة إلى الشيخ وابتغوا منه أن يطرده فأبى لما تفرس فيه من الفهم والخير وتوخى هو والشيخ سليمان بن يخلف وكان يقرأ عليه الكتاب ويرده حين يحفظ، وتصادقا وقرأ يوما السقط إذا كان تام الخلقة قال ماكسن لا يجعل له من السنن إلا المواراة والكفن، فقرأ أبو الربيع يجعل له سنن الأموات. وتنازعا يوما على مسألة حتى تغاضبا فحضر وقت الصلاة وكان ماكسن يصلي بثوب أبي الربيع فظن أنه وقع في نفسه شيء فطلبه أن يصلي قال: صل لم يحدث في نفسي شيء.
وتصدقت أم يوسف زوجة المعز سلطان إفريقية بستين ألف كفن عام الوباء.
وعن ماكسن: سئل فقيه هل بيننا وبين الشيعة موارثة قال من قال بالتعطيل فلا، ومن قال بالتفضيل فنعم.
فلما تفقه وعلت درجته نزل وارجلان فحج منها وتزوج فأتاه يوما أبو العز بن داود الهواري من آجلو فقال: اقعد تأكل أولادك صدقات أهل الدعوة فإذا مت اقتسموا ريح الصبا، فارتحل ونزل أريغ فجاز عليه أبو العز فقال إذا مت باعوا أولادك كتبك تعريضا بعدم قراءتهم فاتخذ لهم مؤدبا. ومن تحرجه أن زاد أولاده شيئا من الطريق في حائط باب بنوه فأمر بهدمه مع وسع الطريق ورحبه فهدموه.
وغارت العرب على إماء وارجلان وتبعهم الشيخ ماكسن فسألهم بالله (1/415)
صفحة 416
أن يردوا ما أخذوا فقال ابن بلبار أجيبوا سؤال العزابي فردوها إلا واحدة زينها الشيطان لهم فقال الشيخ إنها حرة قالوا عريقة قال نعم قالوا أتحلف قال نعم قالوا بالطلاق قال لا يحلف بالطلاق مسلم فردوها قال له الطلبة ما تعني بالحرة قال: أمي قال وبعريقة قال فخذي.
قال لما قدمت أنا وسليمان بن موسى الزلغيني وعبد السلام بن عمران اليشكني ومحمد بن عيسى بن إبراهيم في اثني عشر من الحج دخلنا طرابلس فاكتسينا منها كسوة حسنة ثم دخلنا جربة بها فاستحسنوا فعلنا وشكروا ذلك حتى قال الشيخ زكريا بن أبي زكريا عاملتمونا في زورتكم بما لا نطيق أن نؤدي شكره لأنهم باهوا بهم المخالفين من النكار وتأثيرهم بالزيارة عند مقدمهم من الحج.
ووقعت مقاتلة بين بني ستيتن وبين وغلانة ويانجاسن مات من ستيتن نحو ثمانين لأنهم غدروا فأرادوا الرجوع إلى مذهب الحشوية لاستقلالهم أنفسهم بعد موت ذلك العدد فارتحل إليهم ماكسن فوجد فيها أعلام الخلاف ظاهرة فما زال حتى زالت وأقام بها ثلاثة أعوام ثم ارتحل، وذلك أنه سمع هاتفا يقول له: يا ماكسن اهرب اهرب إلى حيث طاب الزمان فالجبن خير من الجرأة إذا تمكنت الفتنة بعروقها، فلما انتقل عزم من هناك من أهل الخلاف أن يبنوا مسجدا وانتهزوا الفرصة وأذن لهم بعض الضعفاء ومنعهم أبو يوسف بن زيري.
ومنهم أبو موسى عيسى بن أبي الحجاج وكان ممن يقتدى بفعله ويصغى لقوله.
وذكر أن الشيخ ماكسن بن الخير لما قال له أبو العز بن داود اقعد هاهنا يأكل أولادك (1/416)
صفحة 417
تحف أهل الدعوة فإذا مت اقتسموا ريح الصبا فسمعت كلامه أذن واعية فعزم على الانتقال بادر إلى أخيه في الله الشيخ عيسى بن أبي الحاج ليأذن له ويجعله في حل فلما قال له ما أراد من الانتقال قال أسأل الحل فيما هو أعظم وهو ما أدخلت عليَّ من الروعة في قولك اجعلني في حل ولم يأذن له في الانتقال حتى يموت ويغسله ويكفنه ويدفنه فإذا أراد الانتقال بعد ذلك فافعل فوافق ولابد لامتثال ما التمس منه وقام حتى قضى الله بموت الشيخ فتولى منه ما أوصى به ثم انتقل وله أخبار.
ومنهم الشيخ أبو محمد عبد الله الدمري كان في عصر ماكسن وأبو سليمان داود وغيرهما.
قال أبو العباس قال أبو الربيع غارت غارة لبني تجين على رأس وادي أريغ فساقت غنمهم فخرج في أثرها ماكسن وأبو العباس الويليلي وعيسى بن يرزوكسن وعبد الله الدمري فلم يدركوهم إلا عند أهاليهم فاستردوا الغنم، فنفد زادهم وأدركهم الجوع، فعالجت عجوزة مرابطة لهم طعأما بعد أن شاورتهم. فأذنوا لها فلما صلوا المغرب أخذت في السؤال وأبو العباس يصلي فكلما سلم قال: اطردوا العجوز فلم يفعلوا حتى سألتهم زكاة أموال قومها اللاتي غصبوها فإنهم يعطونها، فقالوا: وأنت على هذه الحالة المذمومة! ابعدي عنا!. قال أبو العباس: لهذا أقول لكم أبعدوا العجوز عنكم.
قالت بنو تجين للأشياخ: إن رخصتم لنا في ثلاث رجعنا إلى مذهبكم، وهنَّ: أموالنا وأولادنا وأزواجنا كلها حرام، فإن أذنتم لنا أن نقيم عليها، قالوا: لا نجد ذلك في مذهبنا، قالوا: نجد من يرخص في ذلك أجمع.
ومنهم محمد (1/417)
صفحة 418
ابن أبي خالد وكان من العلماء الكبار وألف كتبا ويسكن إفريقية بالساحل فعرضت عليَّ اثني عشر كتابا من وضع محمد بن أبي خالد فلم أقبلها ظنا به أنه من مستاوة ثم سألت وثبت عندي أنه من أهل الدعوة وكان يرد على المخالفين وعلى من أنكر إمامة عبد الوهاب رحمة الله عليه.
ومنهم الشيخ أبو سليمان داود بن أبي يوسف الورجلاني أحد الفقهاء المذكورين والمشايخ المشهورين استفاد فأفاد وخدم حتى ساد.
قال أبو العباس ذكروا أن جماعة من شيوخ العزابة توجهوا إلى تنومة فلقوا بالطريق زنغيل بن نوح بن الشيخ أبي نوح فسألوه عن رجل قال تركته على آخر وقته فرجع أبو سليمان وشق عليه ما سمع لأن للرجل عليه دين فقال أبو عبد الله بن بكر لي عليه دين أكثر من الذي له عليك وقد وهبت لك مقدار ما له عليك فقاصصه بذلك فيما عليك ففعل وهذه من فضائل أبي عبد الله.
وكان أبو عبد الله بن بكر مع جلالة قدره إذا أقبل الشتاء وفرغ من حرث ضيعته طلع بتلاميذه إلى أبي سليمان يقرؤون عليه حتى يسمع صي البعوض فيأتي ضيعته.
وجاء رجل من وارجلان فسأله عن حال أبي سليمان قال لما به إما أن تدركه وإما أن لا تدركه فمضى فوجده على آخر وقته فأقام عنده حتى توفي.
كذا في كتاب الطبقات وهو سهو إما من الناسخ وإما من المؤلف بل ذلك أبو محمد ماكسن لأن أبا عبد الله مات عام أربعين وقد تقدم وأن أبا محمد ماكسن هو الذي ينتقل بحلقته إلى أبي سليمان وأبو سليمان مات عام اثنين وستين وأربعمائة. وبلغ (1/418)
صفحة 419
خبره المشايخ وهو إذ ذاك منحدرون من زنزفت إلى منزل الشيخ أبي الربيع سليمان بن يخلف بتمولست فشيعه المشايخ إلى قلعة بني علي منهم علي بن منصور وإبراهيم بن يوسف وغيرهما وكرهوا مفارقة الشيخ قبل أن يعزوه في أبي سليمان فعزاه إبراهيم بن يوسف وهو راكب فلما سمع نزل عن الفرس فلما قضوا حق التعزية وادعوه وأخذ يحدث سير من مضى وفضائلهم ومناقبهم وما صبروا وصابروا وكابروا وكابدوا ثم قال انقضت آثارنا من المغرب!. ورآه في المنام إبراهيم بن أبي إبراهيم قال له: لعلك ظفرت يا شيخ قال نعم وقال: قل للعزابة عليكم بالدعاء وقيام الليل والمعروف.
ومنهم أبو القاسم يونس بن أبي الحسن رحمه الله الشيخ أبو سليمان ذكر أن الوباء وقع في آجلو فأضر بأهلها مضرة عظيمة فاتفق رأيهم لما أعياهم الأمر أن يرغبوا إلى الله فصاموا الأربعاء والخميس والجمعة فلما صلى بهم أبو القاسم يونس العصر خرجوا إلى محراب المقبرة وهو مشهور بالبركة وإجابة الدعاء فتطوعوا بالمعروف ونزع الظلم فحضر المغرب فصلى بهم أبو القاسم ودعا الله أن يرفع عنهم الوباء ورغب الله فلم يصبح له أثر ولا وجود بقدرة الله العزيز الحكيم.
قال أبو العباس ذكر عنه أنه كتب إلى من بقصطالية من فتيان مزاتة وتلامذتها: أما بعد فاجعلوا حوائجكم بُكرَيَات، فإذا وجدتم ما ترعون فارعوه رعي النهماء من الغنم، ولا تمجوه مج الريان للماء، يعني أن ينشطوا للقراءة والاجتهاد في التطلب.
ومنهم الشيخ أبو الربيع (1/419)
صفحة 420
سليمان بن موسى الزلفيني ذو الدعوات المستجابات والكرامات المتتابعات ويحكى عنه أنه قال: إن نفسي لتسمح بالإحسان إلى من أساء إليّ أكثر مما تسمح إلى من أحسن إليّ.
ومن كثرة ورعه وشدة تحرجه أنه أبصر فرج ابنته ففارق أمها.
وذكر أن من عادة أهل وارجلان إذا مات أحد من فضلائهم بعثوا إلى سائر القرى يحضرون جنازته فمات صالح الصادق من تمضنون فأرسلوا إلى تينبامطوس فقدموا فوجدوا داره مشحونة بالناس فجلسوا على باب الدار فجيء بالنعش فأراد الله أن يريهم آياته فإذا الباب ضيق عليه قصير عنه فجهزوا الميت فأخرجوا النعش مع الباب ولم يعلموا كيف خرج مع خروجهم من غير كلفة ببركة الله تعالى.
وورد أبو محمد بن سليمان بن العرجاء من القلعة على أبي الربيع فقال: إني تركت عبد الله بن الحسن وولده في جيش القلعة فادع الله أن يهلكهما فدعا الله فقال كن في غيرهما وأما هما فقد هلكا فكان كما قال.
وسمع الشيخ ماكسن يدعو على بني سافر قال له ادع على غيرهم وأما هم فقد أهلكوا فكان الأمر كذلك.
وكان العزابة يقولون إذا أردت أن تعرفه فارقبه وقت التطوع بعمل المعروف يعني أنه يتطوع على كل رأس بمعروف.
وذكر أن الله جعل في جسده حركة يعرف بها أمورا خفية من إجابة الدعاء وغيره وكان المشهور للشيوخ إذا دعوا وأحس بإجابة الدعاء أي بما يدل عليها من العلامات يقول قد أجيب دعاؤكم وإلا سكت ومثل هذا - قال أبو العباس - لا ينكر.
قال أبو العباس عزم على (1/420)
صفحة 421
حفر عين أو كنسها وإعانة إخوانه بعبيدهم فلما شرعوا في الخدمة فعلوا ما يفعله أمثالهم من التغني فقال لهم: اطلعوا من عيني فإن كان لا تحفر إلا بمعصية الله فلا حفرت. قال أبو مرداس: هلاك في طاعة خير من نجاة في معصية فلما رأوا منه ذلك تركوا ما كره.
ومنهم الشيخ معاذ بن أبي علي وكان يسكن بقصر بني ويليل من بلاد قفلة أريغ وكان من حزمه وطلبه رضا ربه لا يبيت ليلة الجمعة إلا في آجلو يحيي مع التلامذة ليلته ثم يشهد مجلس يوم الجمعة فإذا صلى العصر انصرف إلى أهله، فصادف ليلة بعض ولد أبي ويدرن الفطناسي يطلب المعروف وهو أقرع وعليه ثياب رثة فانتهره وقال ليس هاهنا إلا الطلبة وأهل المنزل خرجوا إلى الربيع وهو لا يعرفه فسمعه أبو الربيع سليمان بن موسى الزلفيني فانتهره وقابله بالتحقيق وقال: ((وكان أبوهما صالحا)) ثم قال لأهل المنزل أعطوه ما أعطاه وقته فأعطوه ما أربى على ما أمل، وانقلب شاكرا.
ثم أن أبا الربيع قابل معاذا بأشد من الوجه الذي قابل به الفتى وأنبه كل التأنيب بكلام طويل. وكان لا تأخذهم في الله لومة لائم، وتلك سقطة من الشيخ ولم يعذره فيها، تنبيها على أن مثله لا ينبغي أن يقع منه مثل هذا.
وكان الشيخ أبو زكريا يحيى بن أبي بكر يقول خير شيوخ آجلو معاذ وخير فتيان آجلو ولده إبراهيم ولعله تحول إلى آجلو.
والشيخ معاذ من الأبدال السبعة المذكورة في أريغ.
عن أبي عبد الله محمد بن علي عن أبي عمار رحمهم الله قال: ثلاثة من أخلاق البدلاء: سخاوة النفوس، وسلامة الصدور، والبرء عن الدنيا. وخيار (1/421)
صفحة 422
نساء آجلو عائشة بنت معاذ.
وكان رجال من خارجه يسفهون في قصر بني ويليل فدعا عليهم فقتلهم بنو أوس والشيخ معاذ رجل صالح زاهد نقي القلب مخموله، ذو نية. وحضر يوما وبنو ورتيزلن يغرسون الفسيل لأبي عبد الله في تين يسلي فغرسوا له خمسمائة، فقال الشيخ معاذ داعيا: عسى الله أن يجعلهن كلهن يلدن ويبلغن ويبلغن ويبلغن العشر فترسله إلى آجلو فأجاب الله دعاه فأوفى له أبو عبد الله بأن أرسل له العشر إلى آجلو.
ومنهم إبراهيم ولده وعائشة ابنته أما إبراهيم فكفاك قولهم: أفضل فتى بآجلو وكفاك أنه مذكور من الأبدال السبعة الذين أخبرت بهم حَورَاوَانِ عَينٍ وسأل أبا العباس وقد دعاه إلى طعام مع القاسم كاتبه عريف إبراهيم عن بيع مدبَّر له احتاج إلى ثمنه قال لا يحل قال يونس: أتخاف له النار؟ قال لا بعده.
وأما عائشة التي هي أحسن نساء آجلو أخذت العلم عن الشيخ تبغورين بن عيسى وكانت إذا قعد المجلس جاءت بحصير وتدوِّره على نفسها تستتر به وتقعد في المجلس وقالت رأيت كثيرا من العلماء وأهل الخير ولولا الشيخ أحمد بن أبي عبد الله لمت بالجهل. وسألَتِ الشيخَ أبا عبد الله بن محمد اللنتي عمن أقر بالصلوات إلا واحدة قال منافق ولم يشرك قالت له تب فإني سمعت الشيخ تبغورين قال يشرك وسأل عنها الشيخ أبا زكريا يحيى بن أبي بكر والشيخ موسى بن على فأجابا بجوابه قال الحمد لله آجركما الله سألتني عائشة بنت الشيخ معاذ عنها فأجبت بجوابكما فقالت: تبْ، فتبتُ، قالا أتتوب من الصواب.
و [سألَتْ] أبا زكريا (1/422)
صفحة 423
يحيى بن أبي بكر عمن عرف رسولا ثم نسي وحفظ أنه نبي؟ قال هالك غير مشرك قالت: إنه مشرك، قال لها: ألست التي استتبت الشيخ أبا محمد يا كليفة! وسميت مسائل الكليفة، والثالثة من مسائلها: أن من لا يعرف النحو غير معذور والنحو الصواب.
ومنهم الشيخان الأخوان ابنا أبي عبد الله بن بكر رضي الله عنهم أبو العباس أحمد وأبو يعقوب يوسف.
قال أبو العباس: كانا في طلب الخير فرسي رهان مشتركين في فضله شركة عنان ذكر داود بن يخلف عن أبي العباس أنه قال: إن الناس إذا أتاهم خبر خوف انتقلوا عن الحال التي كانوا عليها قبل ورود الخبر ولو كانوا في حر أو برد وأخذوا أنفسهم بالحذر والتحرز ولعل ذلك الخبر يكون أو لا، وقد أنذرهم الله النار وحذرهم من الشيطان على لسان رسوله عليه السلام وصدقوا المرسل والمرسل فتركوا الاستعداد والحذر. وياعجبا يكرمون أضيافهم خوفا من اللوم والذم وأضياف الله الكرام الكاتبون معهم وقد تيقنوا أنهم يكتبون عليهم ما فعلوا ولا يكترثون بذلك.
وقد ألف أبو العباس كتبا كثيرة أصول الأرضين ستة أجزاء والسيرة في الدماء أكثر من جزء والجامع المسمى بأبي مسألة وكتاب القسمة وتبيين أفعال العباد ثلاثة أجزاء وكتاب الألواح.
قال أبو العباس عن أبي القاسم عبد الرحيم إنه صنف في آخر عمره تصنيفا في خمسة وعشرين جزءا وكتابا تركه في الألواح. قال أبو محمد وسبب تأليفه المسمى بأبي مسألة إن أبا عبد الله محمد بن سليمان النفوسي كتب إليه من أبديلان أن يضع تأليفا مختصرا في الفروع فرأى في منامه أن قائلا قال (1/423)
صفحة 424
له اذكر أبا مسألة فسموه أبا مسألة وأبو محمد يسميه الجامع وهو في جزأين.
ورأى في النوم رجلا أبيض فتبعه حتى دخل بعض قرى نفزاوة وقصد المسجد فأتى المحراب فقال له: احفر، فحفر فاستخرج قصعة كبيرة وفيها دينار وقال له خذ إرث والدك. فعُبِّرت له بأن القصعة العلم والدينار الدين الصافي دين والده.
قال أبو عمرو وأبو نوح: أقام بتمولست حتى بلغ فيها مبلغا عظيما في العلم وصنف فيها عشرين كتابا وكتابين معروضين عليه وقد عرض جميع ما صنف غير كتاب واحد تركه مبيضا في الألواح بآجلو فعرضها ولده على الأشياخ بإفران من وارجلان وهم إسماعيل وحمو بن المعز وأيوب بن إسماعيل وداود بن ويسلان وأبو سليمان الزواغي.
أبو عمرو عن أبي العباس قال: كنت اقرأ على الشيخ سعدون فجازت مسألة ذبيحة الأقلف قال: في أكلها قولان، فلم ينسبها فدخلت إلى الديوان وكان بجبل نفوسة ديوان اشتمل على تآليف كثيرة، فلازمت الدرس أربعة أشهر لا أنام إلا فيما بين أذان الصبح إلى صلاة الفجر فتأملت ما فيه من تأليف أهل المشرق فإذا هي تقرب من ثلاثة وثلاثين ألف جزء، كلها لأهل المذهب فتخيرت أكثرها فائدة فقرأته.
ووقعت فتنة بأريغ عام أحد وسبعين وأربعمائة وهي أول فتنة وقعت بين وهبية أريغ فهرب منها أبو يعقوب بن أبي عبد الله إلى وارجلان وهرب أبو صالح من واغلانت فقضى الله بوفاة أبي يعقوب هناك بتموانت فأوصى واستخلف على تنفيذ وصيته أخاه أبا العباس فأتى أبو العباس إلى محمد بن يوسف أخيه فلم يجد ما ينفذ منه (1/424)
صفحة 425
وصية والده ولم يزل يستخرجها برفق وهم في عسر حتى أنفذها.
ولما احتضر أبو العباس استخلف أبا موسى على وصيته فجاء أبو محمد مبادرا فوجده في السياق يجود بنفسه في دار يحيى بن جعفر ولم يدخلها عليه إلا وقد توفي رحمة الله عليه، وأوصى أن يصلي عليه أبو محمد وذلك بذي الحجة عام أربعة وخمسمائة.
وذكر أن عنان بن دليم الطرفي نزل بأريغ فحشد عليه أبو العباس مغراوة فردوه ثم نزل ثانية فحشدهم فردوه وهزموه، وقد قتل من بني يطوفت ستين رجلا وحمل رؤوسها، فلما هزمهم استنقذ الرؤوس ودفنها، وأكثر ممن معه بنو ورتيزلن، قيل: إنهم قرب ألف. وجمع أيضا جمعا عظيما وأراد غدر الشيخ وتبييته، وأخفى سيره، فلم يشعر بهم الشيخ حتى قربوا، فوقع إليه الخبر مع جساس، وأسرى ليلا وقصد أبا العباس فلم يجده، وهدم قصره وجمع عليه أبو العباس بني ورتيزلن وأهل رأس الوادي، فقال له فلفل بن فلنار: هذا رجل غدار، فإياك أن تخرج إليه إن طلب رؤيتك - وقال لقمان لابنه: إياك أن تخالف ناصحا ولا تجاور فاضحا ولا تعامل كاشحا - فطلب عنان رؤية أبي العباس فمنعه الناس أن يخرج إليه، قال الشيخ أبو عبد الله: إن أبى من الرجوع فاقتلوه؛ لأن قتل واحد خير من قتل الجميع. وافسد عنان النخيل وأفسد الغابة، وذلك عام اثنين وخمسمائة، ثم لحقه بعد أن ارتحل ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا من بني ورتيزلن ومعهم غيرهم، فهزموه ونهبوا ما قدروا وقتلوا ما قتلوا والحمد لله.
ومنهم أبو العباس أحمد الويليلي رضي الله عنه، كان عالما عابدا صابرا (1/425)
صفحة 426
قنوعا ذا كرامات وآيات.
ذكر أبو العباس وغيره بل اشتهر في النقل والكتب والدواوين وإن اختلف في بعض النقل واللفظ قال أبو العباس: طلع في أيام الربيع إلى أن وصل إلى جبل بني مصعب فوافق رمضان فلازم ربوة يتعبد فيها عاكفا على الصيام والقيام فلما كانت الليلة السابعة والعشرون وافقت ليلة الجمعة فبينما هو يصلي رأى كل شيء معه ساجدا فلما سلم رأى أبواب السماء مفتحة ونورا ساطعا وإذا بجاريتين نزلتا من السماء فقصدتا نحوه والتحفتا بلحاف واحد إحداهما أكبر من الأخرى ولم ير مثل صورتهما ولا مثل نورهما إضاءة فقعدت الكبرى أمامه والصغرى خلفه فخاطبتاه وجرى بينهما كلام حتى أعلمتاه أنهما زوجتاه في الجنة فأراد الدنو منهما فقالت الكبرى إليك إليك عليك نتن الدنيا، ولكن الميعاد بيننا وبينك في العام القابل ليلة الجمعة رملة الطبل من بني سليمان وهو منزل أبي العباس، قال: ثم صعدتا وتبعتهما ببصري حتى غابتا في السماء وغلقت الأبواب دونهما. وسار أبو العباس إلى وارجلان فأخبر بعض الشيوخ بما عاين فلما دنا الوقت جاء إلى أريغ فمر بالشيخ أبي العباس بن محمد بتين يسلي فرغب فيه هو والعزابة في المبيت فأبى فلحوا عليه فأخبر أبا العباس بأن الميعاد بينه وبين الحوراوين ليلة الجمعة وحدثه بقصته فقال أبو العباس دعوه فإن الدولة عنده الليلة المقبلة وتوجه إلى الرملة فإذا هما كاسفتا اللون، وكان إذا وصفهما قال كأن أعينهما الأفراح والأشفار كأجنحة النسور، ورقبتيهما كناحية قصر بني يخلف فقال: ما سبب التغير قالتا: بحت بسرِّنا، (1/426)
صفحة 427
وأولياء الله يُقتلون على الأمر والنهي عن المنكر، واستخف بأهل دين الله، وذلك حين قتل عبد الحميد ورُجم ماكسن لأمره بالمعروف. وذكرتا أن أبدال الوقت سبعة عبد الله بن يحيى الويليلي، وإبراهيم بن إسماعيل، وإبراهيم بن معاذ، ويحيى بن عيسى، والنعيم بن الوالي، وقيل عبد الله بن يعقوب، وهؤلاء كلهم صالحون، وقالتا له ليلة الاثنين تبيت عندنا، وصعدتا إلى السماء، فلما صلى الظهر يوم الاثنين وقد ودع أهله وقضى جميع ما لا بد منه قال: أحس صداعا، فما هو إلا أن صلى العصر مات رحمة الله عليه.
ومنهم أبو زكريا يحيى بن أبي بكر وأخوه زكريا رحمهما الله كانا فاضلين عالمين عاملين وفي الطبقات زار أبو زكريا وارجلان فرجع سريعا فسئل عن أحوال أهلها وكان ذا فطنة وبصيرة فقال: أما أنا ذهب بصري فلم أر أحدا، وأما وارجلان خلت فما بها أحد، وقد قال له أهل وارجلان: أقم عندنا فنأنس بك، قال لهم: قولوا أقم يمت قلبك، وذلك لما اطَّلع عليه من رداءة أحوالهم.
وتقدم أن تلاميذ أبي الربيع أرادوا الطلوع إلى جبل دمر من تمولست ولم يوافق ذلك الشيخين أبا الربيع وأبا زكريا فقال أبو زكريا سوء الرأي إنما يخرج منه من دخل فيه بالرجوع عنه وإنكم إن عمدتم إلى أهاليكم على هذه الحال فانتم كمن قصد إماتة الدين. وكثيرا ما يوصى الطلبة بعدم قبول الهدايا والصنائع، وفي المثل اترك الطمع يتركك الفقر واحمل نفسك على مالك يحملك وأرض بقليل من الرزق يرض الله منك بقليل من العمل.
وكتب إلى أبي محمد في الذي يقول للزوج تركتك ما لامرأتك (1/427)
صفحة 428
عليك فيقول قبلت وبلغ الخبر إلى المرأة فتقول أجزت ذلك هل ذلك خلع فأجاب بأنه ليس فيه شيء لأنه تقدم بغير أمر. وكتب إليه أيضا هل يجوز لكل واحد من الأب والابن والزوج والزوجة مال الآخر قال يجوز ذلك للأب والزوجة وأما الابن والزوج فخديمان وقيل غير ذلك. قال أبو العباس في الأول: لا ينعقد على أصل جابر لأن الخلع عنده فسخ نكاح وتحتمل على رأي أبي عبيدة. وأما الثانية فيجوز للأب إذا كان الابن في حجره وإلا فله النفقة والكسوة والعتق في الظهار وكل أحق بماله في غير ذلك وأما المرأة فلها من مال بعلها ما لمثلها على مثله فقط.
وشاوره رجل في التزويج قال عليك بقرينتك لا تشرف بعنقك إلى من فوقك ولا تطأطئ برأسك إلى من دونك.
وروى أبو عمرو عن أبي زكريا عن أبي يحيى أنه قال: قال الحواريون لعيسى من نجالس بعدك ياروح الله؟ قال من تذكركم الله رؤيته ويزيد في عملكم منطقه ويرغبكم في الآخرة عمله قال أبو زكريا مثل أبي يحيى وقال أبو عمرو مثل أبي زكريا.
قال أبو عمرو: وكثيرا ما يردد في مجلسه قول يحيى بن معاذ للتوبة ثلاث مقامات الندم عند التحول بمرارة المعاصي والاستغفار بصحة الإرادة والحقيقة بالأوبة إلى الله تعالى فآفة الندم الأمل وآفة الاستغفار الغفلة وآفة الحقيقة الشهوة.
وأما أخوه الشيخ زكريا فمن الفضلاء والأبرار الأتقياء.
ومنهم الشيخ مصالة بن يحيى كثير الثقة بالله عز وجل ومما يحفظ عنه قال: استدللنا على إجابة دعائنا لأمر آخرتنا بما يجيب الله من دعائنا لأمر دنيانا.
وقال ابن أبي يوسف إذا عمل أهل وارجلان ما لا تعلم (1/428)
صفحة 429
فحمل نفسك أنك لا تعلم وإن علمت ما هو سوء وأنت به عالم فحمل نفسك على الكتمان ودع عنك الاختلاف.
وإذا سئل: بم تصلي الفريضة أو النافلة أو السنة يقول: القرآن كله كقدح عسل فما والاك منه يكفي.
ومنهم فلفول بن يحيى وكان شيخا عالما سخيا ذكيا.
وذكر جماعة من طلبة الشيخ سليمان بن يخلف أنهم لما انفصلوا من أستاذهم جازوا على الشيخ فلفول بن يحيى بن محمد بن الخير قالوا: ونزلنا عنده بوغلانت فأكرمنا وأحسن إلينا ثم تمثل بقول الشاعر:
أرى نفسي تتوق إلى المعالي ويقصر دون مبلغهن مالي
فلا نفسي تساعدني ببخل ولا مال يبلغني المعالي
وبتنا عنده واقبل علينا تلك الليلة بالمؤانسة وإفادة السير والأخبار حتى كاد الفجر يطلع وحفظنا عنه بعض ما ألقى علينا وقال لنا: قلت للمشايخ لما مات أبو عبد الله بن بكر: اقتفوا بنا آثاره ما دامت جديدة، قالوا: مهلاً عليك، فساعدتهم حتى اندرس الأثر وعَفَت السِّيَر.
وقال له بعض التلاميذ لما شيعهم: ارجع، قال: لا تقل كذلك بل قل: انظر في الرجوع، ولم يزد بعدها خطوة قال إن المشيع مأجور ما لم يقل له: ارجع.
قال أبو العباس شديد في الأمر والنهي والذب عن الدين وأنشد حين احتضر قول عمران بن حطان:
حتى متى لا أرى عدلا أسر به ولا أرى لدعاة الخير أعوانا
وكان هذا من آخر كلامه.
ومنهم أبو موسى عيسى بن يرصوكسن رحمه الله الشريف نسبا الطيب مكسبا الهاشمي العربي وابن عم النبي من ذرية العباس بن عبد المطلب.
وذكر أنه حين أراد أن ينزل بتلا عيسى شاور أبا يعقوب يوسف الطرفي فدله على (1/429)
صفحة 430
ذلك المكان فشكره عليه ونسب إليه وأوصاه أن لا يمشي راجلا ولا يشرب ماء إلا ممزوجا ويستخدم ولا يخدم ويكون للناس كالسمار مع الماء فبلغ الشيخ في هذا الموضع مبلغا عظيما وكذا بنوه من بعده يحيى وداود وعبد الله فانتظم إليه الناس وغرس الشيخ بها أشجارا كثيرة.
وكان إذا نزع بعض النخل - لبعض الأمور إما لرداءته أو لكونه ذكارا أو لضيق على أخرى أو غير ذلك - سَلَخَهُ وحَمَلَ جُمَّاره [إلى] تماواطت مع لحم ما يصيد من الوحش فيهديه إلى العزابة والمشايخ يتبرك بذلك، وبارك الله له في جميع ما يحاوله. وما زال يلتمس صلاح الفساد بين بني ويليل حتى أصلحه الله. واشتهرت بركة الموضع وسكنه جماعة من الأشياخ منهم أبو عبد الله بن بكر ومحمد بن الخير وماكسن بن الخير ومعاذ بن أبي على ويونس بن أبي الحسن وأبو الحسن أفلح وعبد السلام بن أبي وزجون وآثارهم بها إلى اليوم معروفة.
ومن كراماتهم بهذا الموضع ما تحدث به أبو العباس عما حدثه ابن القابلة بتوزر عام ثلاثة وثلاثين وستمائة وكان في خيل الميورقي يحيى بن إسحاق قال: انتقلنا ما بين وارجلان وأريغ فجزنا على الموضع أعني تلا عيسى وأراد الأجناد والأعراب أن يطلقوا خيولهم في الزرع فنهاهم بعض من يعرف عقوق أهله وحذرهم وقال هذا موضع منسوب إلى رجال صالحين عزابة ممن يُتقى عقوقهم فسمع بعض وتعمد بعض ولكن توقف حتى قال لهم الشقي عمر كاتب الميورقي وكان فيهم مطاعا بكلام هذا السخيف أمنعُ فرسي هذا الخصب؟! وفرسه مشهور قيمته أربعمائة دينار فأطلقوا خيلهم في الزرع فرفعوا سروج سبعة وعشرين (1/430)
صفحة 431
فرسا منها فرس لعدو الله وخيل من اقتدى به كلها ماتت ليعتبروا أولوا الألباب.
وأراد أن يمكر به بعض السفهاء من بني ويليل وأراد التوجه إلى أريغ فرصدوه فلما ركب بغلته وضربها لتستقيم فامتنعت من السير وحاولها فأبت ثم استخار الله ونزل عنها ورجع عن وجهه ذلك ظهر له مكر أعداء الله ثم قال وقفت عند جميع ما أوصاني به أبو يعقوب يعني لولا من ركوبه ما نجا من مكر أعداء الله.
ومنهم أبو طاهر إسماعيل ييدير رحمه الله كان عالما محدثا.
قال أبو العباس ذكر غير واحد من المشايخ أن العزابة اجتمعوا على تأليف كتاب في المذهب يسهل على المبتدئين حفظه فصنفوه في خمسة وعشرين جزءا فانفرد الشيخ إسماعيل بكتاب الصلاة فجاء أحسنهم تأليفا وتزيينا وأكثرها فائدة وجمع أبو العباس بن بكر كتاب الحيض وجمع يخلفتن بن أيوب كتاب النكاح وجمع محمد بن صالح كتاب الوصايا ولما مات داود بن أبي يوسف اجتمع تلاميذه على تأليف الكتابين المنسوبين إليه وليس هو مؤلفها وقال أبو عمرو تركهما في الألواح فعرضهما أبو العباس.
وأما الذين ألفوا كتاب ديوان العزابة فالشيخ يخلفتن بن أيوب النفوسي ومحمد بن صالح النفوسي المسناني ومن قنطرار الشيخ يوسف بن موسى ومن تيجديت يوسف بن عمران بن أبي عمران موسى بن زكريا المزاتي ومن أريغ الشيخ عبد السلام بن سلام والشيخ جابر بن حمو والشيخ إبراهيم بن أبي إبراهيم وعرضت على أبي العباس وأبي الربيع وماكسن. قال أبو الربيع: لا يطعن في هذا التأليف إلا شيطان. قال أبو العباس لا أدرى هل الأجزاء (1/431)
صفحة 432
المتقدمة داخلة في تكميل الخمسة وعشرين أم زائدة عليها والله أعلم.
ومنهم الشيخ تبغورين بن عيسى أخذ العلم من أبي الربيع، فرأى حين دخل الحلقة ولجم بلجام ذهب فلما تفقه وأراد أهله رأى أنه لجم بلجام من فضة رحمه الله وكان من أعظم الناس قدرا ومن أكثرهم علما ومن أشدهم عملا تعلم العلوم وعلمها واستفاد وأفاد وطلب العلا فساد، وله تأليف في العقائد تدل على نباهة شأنه ورفع درجته وأخذ عنه جماعة وهو في زمن أبي العباس بن بكر.
ومنهم سنغلال بن عيسى وكلاهما من ملشوطة ولعلهما أخوان ونقل عن تبغورين مسائل في الكلام وهو الغالب عليه وإن كان له قوة في غيره.
ومنهم أبو مسعود صابر بن عيسى وحقه أن يقدم بالذكر لتقدمه في العلم والزمان، وكان في زمن أبي نوح وأخذ العلم عنه جماعة وهو مع ذلك يرى نفسه بالحقارة ويسكن بقصطالية وهو من المشهورين المعروفين وتقدم قول أخيه يوم مستاوة: أنا خير من أخي صابر إذ منع أبا نوح وفر أخوه.
وسألته تلاميذه عن مسألة وهي: هل أراد الله نفسه؟ فقال: نعم، قالوا: أشرك الشيخ فافترقوا وأخذوا ألواحهم وانصرفوا نحو أبي عبد الله في قنطرار من الحامة فسمع أبو عبد الله صوت الألواح في آخر الليل فقال: ما هذا؟ فأخبروه قال: ارجعوا إلى شيخكم فإن ذلك وهم منه فرجعوا فقال لهم: لم لم تستتبعوني فإني لست بإبليس لا أتوب.
وبالجملة إن صابرا من الأئمة المنظور إليهم، وكان في زمان كثرت فيه الشيوخ والعلم واشتهر من بينهم ونقل عنه كثير.
ومنهم الشيخ صنادي بن محمد السدراتي وكان من المتكلمين من أهل (1/432)
صفحة 433
وارجلان ومما اختص به أن الله لم يجعلنا حفظة لا ننسى.
وذكر أبو الربيع أن صنادي سئل عمن شهد عنده أمين بصلاح زيد ثم نسي ثم شهد عنده آخر بصلاحه هل يلزمه من ذلك شيء فقال الشيخ صنادي: لم يجعلنا الله حفظة لا ننسى ولا شيء عليه. قال أبو الربيع فقدمنا إلى الشيخ أبي عبد الله فسألته فقال: الاثنان حجة، فنزع صنادي قوله فكأن الشيخ أبا عبد الله أشار أن لا يكون النسيان عذرا له في مثل هذا. وقال الشيخ ماكسن: لا يعذر في هذا النسيان والحجة عليه قائمة. ونسب صاحب الدليل هذه المقالة إلى مصالة وجعله من الأئمة العشرة.
قال صاحب السؤالات أبو عمرو عثمان بن خليفة السوفي: صنادي شيخ سدراتي من بني مركاس قال: إن شهد متولى على رجل من أهل الجملة أنه فعل كبيرة ثم نسى شهادته ثم شهد متولى ثان عليه بمثل ذلك فليس عليه شيء قال: ليس عليّ أن أكون حافظا لا أنسى. قال أبو الربيع: الاثنان حجة. ووصل الخبر أبا عبد الله فقال: الاثنان حجة فبلغ الخبر صنادي فنزع قوله. قال أبو الربيع ما بال صنادي نزع قوله؟ لأن من العلماء من يقول ذلك.
ومنهم أبو زيد عبد الرحمن بن المعلى [] مع الله رحمه الله كان شيخا عالما تقيا أخذ العلم عنه جماعة ..
قال أبو العباس أول من أسس الحلقة بمسجد تيغورت وأتم طريقها وأحكم عقودها وقصده طلاب الخير من جميع الآفاق.
حدثنا أبو الربيع عن شيوخ عدة أن الشيخ عبد الرحمن رحمه الله لما حانت وفاته وبشر بلقاء الله وتحقق قربه استدعى إخوانه (1/433)
صفحة 434
وتلاميذه فاجتمعوا عنده في جمع كبير فأراد أن يوصيهم بقلوب كليمة غير كليلة وكآبات كثيرة غير قليلة فقال: أوصيكم بتقوى الله وملازمة ما أنتم عليه ولا تبدلوا ولا تغيروا فإنكم والله على طريق الهدى وإن أهل هذا الطريق لمفلحون واسمعوا أحدثكم أني رأيت البارحة كأن القيامة قد قامت فانتشرت الناس من قبورهم وانتشرت من قبري فرأيت جمعا كبيرا بيض الوجوه بيض الثياب حسنهم باهر وجمالهم ظاهر وأحوالهم صالحة قد انتشروا من مقبرة تجديت قلت من هؤلاء قالوا العزابة الوهبية فوهب الله لي جناحين فطرت بهما حتى اتصلت بهم فكنت أحدهم وبشرت بالخير ثم نظرت إلى ناحية أخرى فرأيت ناسكا كالجذوع المحرقة فقلت من هؤلاء قالوا الأعراب وبنو تكسينت ولقد رأيت في الجمع الأول رجالا أعرفهم بأعيانهم من حيات بني سيتين فقلت: بم فارقتم أهل الشقوة قالوا: بملازمة أهل الدعوة فإذا كان أولئك فما ظنك بالمجتهدين وأهل الفضل والدين، وعلامة صدق ما قلت لكم إذا غسلتموني وكفنتموني يوافق طراز الكفن عاتقي الأيمن فتريدون تحويله فتحولونه ثلاث مرات وكل ذلك يأتي على عاتقي الأيمن فتتركوه ثم إذا حملتموني تبعتكم عشر حمامات بيض فإذا صففتم للصلاة صفت الحمامات خلفكم فإذا هممتم أن تقدموا إماما تقبل جماعة من قبلة أريغ زائرين فيتقدم واحد منهم وهو ولي من أولياء الله فكان الأمر كما ذكروا، الذي تقدم بهم أبو عبد الله محمد بن الخير وهو بذلك حريٌّ.
قال أبو العباس لعل الحيات من الذين لا يتقلدون التباعات.
ومنهم أبو سليمان أيوب بن إسماعيل رحمه الله ذكرته قبل أبيه (1/434)
صفحة 435
تبعا للطبقات وسيأتي ذكرهم إن شاء الله لأنهم علماء علم قادة أئمة.
قال أبو العباس بحر تقاذف في غواربه السفن، وصاحب كرامات وشيخ شيوخ أكثرهم ساد قال رووا عن جدي يخلف بن يخلف التميجارى النفوسي رحمه الله قال كان شيخنا أيوب كثير الإبرار لتلاميذه وكان له داران بوارجلان بينهما طريق فوقها ساباط اتخذ إحداهما لسكناه والأخرى لتلاميذه، وتغلق إذا لم يحتج إليها وتفتح من داخلها، فكلما أراد أن يكرم به التلاميذ أو الأضياف أوتي به من أعلى الساباط، قال أتينا يوما فضربنا على دار الإباحة ففتحت لنا فعند دخولنا صادفنا الشيخ نازلا من أعلى الساباط قال: من فتح لكم وقد أغلقت الباب قلنا: أولست أمرت من فتح؟ قال: لا ولكن أعلم أن في الدار من فتحها ممن لا ترونه. ولازم الشيخ يوما تلك الدار فصار من له حاجة يدخلون مثنى وفرادى، فدخل شخص غريب فصرع ورأيناه في أسوأ حالة، فأتى الشيخ وخاطب أنثى ذات ولد كان يخاطبها ما لك ولهذا الغريب المسكين الضعيف، فسمعنا صوتا ولم نر شخصا قال: ظلمني، كنت بعضادة الباب وابني في حجري فكل من دخل أستأذن وبسمل فأنحي ابني من الطريق فلا يؤذيني ولا أوذيه حتى دخل هذا الجافي فلم يستأذن ولم يبسمل حتى ركض ابني فوجعه فجازيته عن ذلك، قال لها: ومع هذا فإنه غريب مسكين فأزيلي عنه ما أصابه منك، قالت: سمعا وطاعة، فذهب في الحال ما كان به من سوء حال ومثل هذا كثير. انتهى.
قال أبو العباس عن والده وقد قرأ قصيدة أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم البائية التي أولها:
أيوب ما أيوب لا أيوب (1/435)
صفحة 436
أودى به قدر الردى المجلوب
ليسلي أباه لمرض اعتراه قال له أنشاها يرثي بها أبا سليمان أيوب وكنت أسمع وأنا صغير من والدي سليمان أنه كان بوارجلان يقرأ على أيوب حتى قضى حاجته فرجع إلى قصطيلية وأقام بكنومة فبلغه موت عمه بوارجلان وليس له وارث غيره فسافر ليأخذ إرثه فلما وصلت زرت شيخي أبا سليمان أيوب فأخبرت بأنه قد ابتلي ببعض ما ابتلي به أولياء الله بأن عم جسده الجذام ولازم التجنب أشد الإلزام فلما دخلت عليه بعد الاستئذان فعرفني فقال إليك عني ياسليمان وليس في حالي ما تقرب وقد استبان قلت: حاش لله أن أقذرك أبا سليمان، وسقطت عليه وأقبله وأبكي حتى شفيت بعض هيامي، قال أبو العباس: قال والدي سعيد: فما علمت أبي حكاها قط ولم يبك قال أحمد ولا رأيت أبي سعيدًا حكاها قط إلا بكى وأبكى، ولا علمت حكيتها قط إلا بكيت وأبكيت.
قال جدي سليمان وكنت في مدة إقأمتي لا أفتر عن الدخول إليه فلما أردت السفر وقضيت وطري ودعته وزودني الدعاء وعموم البركة وبشرني بأنه سيخلصني الله من شدة عظيمة ومشقة كبيرة وخرجت مع رفقة كبيرة فلما صرنا بين أريغ ووارجلان ومعي مال صالح ومع أصحابي مال جليل فغارت علينا خيل كثيرة قد نسي أحمد من أي العرب هي فدفنت كل ما معي مع عود حربة تركت سنها استدل به واستباح الأعراب جميع ما في الرفقة ولم يتعرض لي أحد بمكروه فصحبتهم كأني أخ لهم فبتنا وجددوا لي الأمان فاستأجرت من صحبني إلى الموضع فلما قربت منه فإذا السن يلمع من بعيد وأخفاها الله عن أعينهم مع ظهورها ببركة (1/436)
صفحة 437
الشيخ.
ومنهم أبو زكريا يحيى بن أبي زكريا رحمه الله كان عالما شديدا الشكيمة في دين الله قوى في أمر الله.
قال أبو العباس قرأ العلوم وأتقنها وأوضح المشكلات وبينها ورتب السيرة وأحكمها.
وذكر أبو عمرو عن الشيخ أبي زكريا أنه وجد الشيخين عبد الله بن عيسى ويوسف بن موسى متصارمين فسعى في صلح ذات بينهما فتممه الله وانتظم الوفاق وزال الشقاق والسبب أن رأى الشيخ عبد الله بن عيسى يوسف يقرأ في جزء من كتاب الإشراف على مسائل الخلاف فقدم تونين وقد اجتمع بها الأشياخ فأخبرهم فبعثوا لعبد الله بالهجران قال فأسرعت باللحاق فتبت وقبلوا مني فما زال بينهما حتى طابت نفوسهما وزالت وحشة كل واحد عن صاحبه.
وذكر عنه أبو عمرو أنه نظر إلى الخفاش غير المسجد بأبعاره وحيرهم فلما دنا إليه ببصره سقط موتا وله نبذ في الأدب كذا ذكره أبو العباس.
ومنهم أبو محمد عبد الله بن محمد اللواتي رحمه الله هو عبد الله بن محمد بن ناصر بن ميال بن يوسف وزير الإمام أفلح رحمهم الله وتربته القديمة برقة فيما قالوا.
قال أبو العباس هو نجيب النجباء وإمام الأدباء، اعتنى بحفظ الأخبار وتقييد سير الأخيار.
أبو العباس عن أبي الربيع قال قد قدم أبو محمد أريغ عام خمسين وأربعمائة وهو ابن ثمان عشرة سنة وكان في حلقة الشيخ يزيد بن يخلف الزواغي فلما وصلوا آجلو صافحهم الشيخ ماكسن ورجع إلى أهله فلحقته خارجا فقلت إن العزابة اتفقوا أن لا يفترقوا فهل يجوز لي أن أفارقهم إن رأيت في ذلك مصلحة قال إنما جعلنا الله أحرارا إلا لنملك أمورنا (1/437)
صفحة 438
ففارقهم ولزم الشيخ ماكسن.
وسبب سفره إلى قلعة حماد أن سليمان بن مدرار النفوسي قال له تركت تفسير القرآن لعبد الرحمن بن رستم ينادى به في القلعة للبيع وواصلها أيام الخريف وسأل عن الكتاب فأخبره نكاري أنه قد بيع قبل قدومه وأخذ يحضر مجلس محمد بن عصمة ويعد من طلبته واستحسنت منه أن قال لابنه: إن غنما لبني ينجاسن دخلت السوق ولا بأس بالإمساك عن الشراء ثلاثة أيام.
وتذاكروا يوما الفقهاء فأخذوا في مدح أبي حنيفة فقلت كيف وقد قال مالك: ((أبو حنيفة شيطان قذفه اليم أبو حنيفة أضل لهذه الأمة من الشيطان الرجيم وذلك لقوله بالإرجاء ولنقضه السنن بالرأي)) فلما قلت ذلك وقعت عليهم وجمة وكآبة وقمت غير بعيد فقام إليّ بعضهم وفي لسانه ثقل فقال: ما حملك على ما قلتَ؟ قلتُ: ما قلت شيئا إنما هو قول مالك. قال حسبك فالعلماء بينهم كالضرائر.
فاشتريت كتبا فوجهتها في رفقة فأصيبت في الطريق فبلغ أصحابي ذلك فقالوا لو كلمت السلطان أعانك في مصيبتك قلت إن احتجت ذلك كلفتم واستعنت بكم فاشتريت كتبا أخرى.
ولقيني النكاري فسلم عليَّ فرددته عليه قالوا ما لك تسلم على هذا قلت ما لكم تسلمون على اليهود ولا أسلم على أمة محمد عليه السلام؟ ورآني واحد منهم في موقف الشب وهو معروف بأهل وارجلان قال وارجلاني ورب الكعبة قلت أيحل لك أن تخاطب بهذا رجلا مسلما فقال له الناس: بئس ما قلت.
وفي تلك المدة قتلت أهل وارجلان جماعة من الأشاعرة (1/438)
صفحة 439
وسمعت رجلا منهم يوما يقول قل لهم يخرجوا فنقتلهم أظن على أصحابه فأنجزت أمري فأخرج السلطان عسكرا فخرجت معهم فلما أدركت الصلاة صليت فقال بعضهم ما تصلي وقد علمت لم خرجنا فقلت: اشتغل بأمرك! فلما وصلت أوغلانت سالما أرادوا أن يعينوني بشيء لما سمعوا مما أصيب لي خرجت خفية ولم يعلم من بها من الأشياخ إلا وأنا على ظهر فوصلت تناول سالما والحمد لله.
وذكر أبو العباس عن أبي الربيع أن أبا زغيل الخزري حاصر وغلانت واجتمع أبو محمد وجماعة من المشايخ ودعوا الله فسلط الله على جنده مطرا وابلا هطالا فأوهنهم وأركسهم قال أبو زغيل تكون لهذه الخوارج دولة بعد قال وزراءه إنما سلط الله المطر ليهدم حيطانهم فندخل بغير قتال فدام فجعله الله عليه عذابا ولأهل واغلانت خصبا وأذل الله أعداءه وحيل بينهم وبين ما يشتهون فارتحلوا صاغرين.
ومن عادته أن يتمثل لأكثر أحواله وما يعتريه بالشعر لأنه كان أديبا بارعا قال أبو الربيع قعدت معه على طريق فجازت امرأة فالتفت ثم قال لا يجوز القعود في الطريق إلا لمن أدى حقه وهو ما قاله عليه السلام: إغاثة الملهوف وهداية الأعمى وغض الطرف عن الحرمة.
وذكر أبو العباس عن أبي عمرو عن أبي محمد تلقى جماعة عزابة قدموا من قصطيلية فقال لهم إنما ينبغي أن نتلقاكم في سوف وإلا ففي أوغلانت ولكن الزمان غير مساعد وقال - صلى الله عليه وسلم -: لا تزال أمتي بخير ما إذا قالت صدقت وإذا حكمت عدلت وإذا استرحمت رحمت جعل الله مجيئكم مجيء أبي مودود إلى حضرموت فقام هذا الكلام عندهم أشرف (1/439)
صفحة 440
مقام ولأبي محمد في الأدب كلام كثير وفي المواعظ والأمثال والتحذير والوصية والأجوبة فمن أرادها فعليه بالطبقات وكتاب أبي الربيع وغيرهما ولأبي زكريا مكاتبات بمسائل يطلب جوابها فأجابه فيها وتقدم بعض ذلك ومات عام ثمانية وعشرين وخمسمائة وهو ابن ستة وتسعين سنة.
ومنهم أبو محمد عبد الله بن محمد اللنتي رحمه الله.
قال أبو العباس شيخ منه تقتنص الفوائد وفي منهله العذب تطيب الموارد إن أحب في الله انبسط وأقبل وإن أبغض في الله انقبض وأعرض وكان أبو محمد يقرئ بتين زلرين وعليه حلقة عظيمة وطلبة كثيرة.
قال أبو الربيع كان تلامذة أبي الربيع سليمان بن يخلف من أهل سوف وأريغ ووارجلان والزاب وقصطيلية حلقوا على أبي محمد بتين زارين فوقعت فتنة بين بني تكسنيت وهبيتهم ومالكيتهم فالوهبية بنو يروتن والباقي حشوية والتلاميذ والعزابة منها في أمان لا يخافون مكروها ولا يسمعونه فقضى ربنا أن حصر بنو يروتن فأشرف بعض الجهلة على الحاصرين فقال: اسمعوا، فعدَّ جماعة من أئمتهم فلعنهم، فلما سمعوا ذلك تركوا القتال وانصرفوا إلى بعض فقهائهم فأخبروه قال: أحرقوا واقتلوا وسبوا فبلغ الخبر العزابة فخرجوا ليلا وتفرقوا إلى اليوم.
ومنهم الإمام أبو عمرو عثمان بن خليفة السوفي رحمه الله كان إماما في العلوم لا سيما الكلام. [قال] أبو العباس عن أبي رحمة حنيني وقد سئل عن سبب انقراض المذهب من الحامَّة قال إنها لم تزل في الإدبار من عهد أبي القاسم وأبي خزر فجاز عليها أبو عمرو عابر سبيل وأراد أن يثبت من بها من بقية المذهب (1/440)
صفحة 441
فوعظ وحذر فعضت عليه الحشوية الأنامل من الغيظ فتشاوروا في مناظرته فاتفقوا أن لا قوة لهم بمناظرته ولكن يحتالون كيف يشنعون عليه ويتظلمون بما لا ظلم فيه، ووضعوا سؤالا فسألوه عنه وهو: هل يجوز في مذهبكم نكاح نسائنا؟ فأجاب بالحق أن المحصنات من أهل الكتاب يجوز نكاحها فكيف بالمسلمة؟ قالوا: أنزلتنا منزلة اليهود والنصارى! فقام العامة عليه قيام رجل واحد شتما وصفعا وطردا حتى نفوهم من البلاد وأكرهوا من بقي بالرجوع إلى مذهبهم، وغسلوا المسجد الكبير من مساجد الوهبية وزعموا أن ذلك تطهير له فدعا، عليهم وأجاب الله دعاءه، فسلط الله عليها الميورقي فقتل تسعمائة أو سبعمائة فسالت الدماء، قال من رأى ذلك: بلغ الدم حيث بلغ الماء.
قال أبو عمرو وخرجت من وارجلان أريد بلدنا فقال لي أيوب بن إسماعيل حين أراد أن يودعني: الوطوطة والعلم لا يجتمعان. وقال لي موسى: الحجر المتقلب لا يثبت عليه شيء من البناء.
وله أخبار كثيرة حسان، وله من التأليف كتاب السؤالات، وهو تأليف مفيد أظهر فيه منزلته من العلم وله غيرها من التآليف، وله مناظرات مع المخالفين وكل ذلك يفحمهم ويبكتهم.
ومنهم أبو عمار عبد الكافي بن أبي يعقوب التناوتي ممن أحيى الدين والمذهب إقراءً وتأليفا وكان في الفنون غاية وفي الكلام خصوصا آية ألف الموجز في الرد على كل من خالف الحق في جزأين وشرح الجهالات في سفر وكتاب الاستطاعة وله غيرها وأقام بتونس يتعلم الأدب من النحو وغيره زمانا يدرس ليلا ونهارا ويأتيه من بلده كل عام ألف دينار وكتاب (1/441)
صفحة 442
معها رسالة فلا يقرأ الرسالة فيعطى لشيخه من ذلك النصف ويصرف النصف على نفقته وكسوته وشراء كتب يحتاجها فلما عزم على الرجوع إلى أهله قرأ الكتاب والرسائل فوجد في أولها وفاة أحد الأبوين وفي الثاني وفاة الثاني.
قال أبو العباس حدثني بعض الطلبة النفطيين الذين قرؤوا بتونس عن أشياخهم يذكرون أنه قرأ معهم على شيخهم طالب وارجلاني عجيب الفهم كثير النقل سخي النفس بل الكف، شديد الورع واسع الخلق قالوا لم نر مثله من العجم ولا من العرب وكانوا يذكرون معه كتابا في فقه مذهبه احتوى على قصائد فقلت ذلك كتاب الدعائم.
وكان أبو عمار ذا كرامات منها أنه خرج ذات مرة أيام الربيع إلى بادية بني مصعب بغنمه فتوغلوا في البرية حتى قربوا من جبال بني راشد فقال لأهله يوما اصنعوا عشاء عمار يعني ابنه وقد خلفه بوارجلان فبات عليهم عمار. وقيل أخبرهم حين خرج من وارجلان إلى بني مصعب وسار مع رفيق له في يوم سير ثلاثة أيام.
قال أبو عمار حضرت: أنا وأبو يعقوب مجلس شيخنا أبي زكريا يوما فقصصت رؤيا رأيتها وهي أن إبراهيم عليه السلام نزل من السماء إلى وارجلان، فتعلقت نفس الشيخ بالرؤيا فجعل يقول: كيف رؤياك يا عبد الكافي فقال أبو يعقوب لا أعلم أحدا كملت فيه هذه الصفات غير النبوة في هذا الزمان إلا هذا الشيخ، وأحسب أنه سيموت في هذا العام فمات بعد أشهر. وهذه بمناقب أبي زكريا أولى.
وسأله بمكة أبو يعقوب عن أموال العرب يتنزهون عنها في بلاد المغرب ويشترونها بمكة وقد عايناهم يفعلون بالحجاز من غصب أموال الناس ما يفعلونه ببلاد المغرب بل أقبح وأذم.
قال أبو عمار (1/442)
صفحة 443
هذه جزيرتهم والأصل ما بأيديهم لهم والمغرب بلاد البربر وما دخلوها إلا على وجه الغصب والغارة.
وقال إذا وقعت فتنة بين المؤمنين فالأحب إليَّ الصلح وإلا فلا تغلب فئة فئة ومن أحب أن تغلب إحداهما الأخرى فقد دخل في الفتنة ولزمه ما لزم أهل تلك الفتنة وكان سيفه يقطر دما.
ومنهم أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم السدراتي هو بحر العلم الزاخر المسخر للنفع فترى الفلك فيه مواخر درس العلوم ففاق كان في علوم القرآن غاية وفي علوم اللسان من النحو واللغة والتصرف آية وفي علوم النظر والجدال والمنطق والكلام نهاية وفي علم الحديث ونقل الأخبار والسنن والآثار والفروع والأحكام وعلم الفرائض والمواريث ومعرفة رجال الأحاديث وعلم الحساب والتنجيم بل علوم الأقدمين في جميع ذلك علامة ذكر أنه لازم الدار سبعة أعوام فلا يجده الزائر إلا ناسخا أو للأقلام باريا أو للدراسة فاعلا أو للحبر طابخا أو للدواوين مقابلا أو للكتب مسفرا إلا أن قام لأداء فرض.
قال أبو العباس حدثني الثقة أنه وقف على سبع نسخ من كتاب العدل بخطه أو ثمان فأما أنا فرأيت ثلاثا وكان من عادته إذا أتى المسجد وأراد الوضوء انصرف كل من حول المتوضأ فيضع الكتاب والمفتاح والعمامة والكساء حتى لا يبقى إلا في ثوب واحد فيأخذ كل الطلبة حاجة وهي سؤالا مشكلا فإذا أتم وضوءه وخرج من المطهرة قال ردوا عليّ أعلاقي فيسأل كل واحد عن مسألته فيرد ما أخذ بعد أن يجيبه فهكذا فعله حتى لقي ربه.
ورأيت له من التآليف كتاب العدل في أصول الفقه ثلاثة أجزاء بل أربعة بالأجوبة ولا أحصي ما رأيته له من الأجوبة الآن كثرة وله قصائد منها (1/443)
صفحة 444
الحجازية في ثلاثمائة وستين بيتا تدل على غزارة علمه لما أودعها من فنون العلم ورأيت له بعض تفسير كتاب الله أودعه أنواع العلم من القراءة واللغة والنحو والتصريف والحج وغيرها ورأيت له كتاب الترتيب في علم الحديث رتب كتاب الربيع بن حبيب في الحديث وزاد فيه ما رواه غيره عن ضمام عن جابر وغيرهما وكراسة في تسمية رجال الكتاب وسمعت بعض الطلبة أنه رأى له تأليفا في الفقه.
قال أبو العباس حدثني أبي عن بعض أصحاب أبي سليمان أيوب بن نوح عما حصل من علوم النجامة قال: رحم الله شيخنا أبا يعقوب عمد إلى العلوم النافعة من علوم القرآن والفقه وعلم اللسان وحملها ابنه ووجد عندنا أفهاما لعلوم لا تنفع يعني النجامة وعلَّمها لنا، فقلت: ما غاية المنجم المحقق قال: يعلم أسعيد أم شقي. وكان أبو يعقوب أيوب يقول: يكون أجلى يوم كذا وكذا بسبب كذا فكان كما قال.
قال أبو العباس عن بعض أهل وارجلان: إن أول داع قدم وارجلان يدعو إلى طاعة المهدي (الفتروشي [العيتروسي]) فاجتمع أهل وارجلان إلى أبي يعقوب وقد هموا بقتله وأصحابه قال لهم أبو يعقوب تنالون معه عزًّا عظيما وإقبالا وإحسانا فأجابوا دعوته فكان الأمر كذلك قال لهم إنما يخرب بلادكم من يخرج من سجلماسة ويموت في البحر أو يخرج من البحر ويموت بسلجماسة يعني بلاد الرمل الذي بيننا وبين السودان.
قال أبو العباس سمعت هذا عام عشرين وستمائة وخرب يحيى بن إسحاق الميروقي وارجلان عام ستة وعشرين وهدم سورها وتركها قاعا صفصفا وغادرها كان لم تغن بالأمس وكان في شبابه ارتحل إلى الأندلس وسكن قرطبة وفيها حصل علوم اللسان والحديث (1/444)
صفحة 445
والتنجيم وغيرها وبالجملة هو أشهرته العلوم حتى صار علما عليه نور وتوفي عام سبعين وخمسمائة.
ومنهم إبراهيم ابنه.
قال أبو العباس الشيخ إبراهيم إمام علم الأدب وإن ذكر في الفروع فيا للعجب وقد تمسك من الحديث والأصول بسبب أقوى سبب وعنده من الورع والزهد والتواضع ما لا يدركه أحد من المتمسكين وذوي الاجتهاد.
وذكر أبو العباس أن أبا إسحاق رأى في منامه نخلتين في صنوان إحداهما باسقة والأخرى أقصر منها فرأى أباه يجني في الباسقة ولم يطق الصعود إليه وصعد القصيرة يجني فيها وعالج طلوع الكبيرة حيث أبوه فلم يطق فقصها على أبيه قال تحاول منزلتي في العلم وأنت دونها وتوفي عام ستمائة.
ومنهم أبو يعقوب يوسف بن خلفون المزاتي رحمه الله.
قال أبو العباس كان غاية في علم الفروع والأصول له تعليقات عجيبة وأجوبة مقنعة مصيبة قال أبو العباس كان مع محافظته وكثرة حفظه يعجب من ضعف بخته مع الإخوان لا ينصفونه في العشرة.
[قال] أبو العباس حدثني غير واحد من أصحابنا أنه كان كثير المطالعة في كتاب الإشراف وغيره من تصانيف أهل الخلاف فنقم الأشياخ منه ذلك ونهوه عنه فلما لم ينته قال له بعضهم: تركت المذهب أو رغبت عنه وأظهروا له الكيل بهذا الصاع وأوجبوا عليه كلمة الهجران ومما نقموا منه إعلانه بأن قال: والله ما علمت لكم كتابا إلا كتاب اختلاف الفتيا، وهو تأليف بشر بن غانم الخراساني نقله من طلبة أبي عبيدة والغانمي وهو له أيضا ونسبوه إلى تعجيز العزابة وذم تأليفهم والبحث عن معايبهم.
قال أبو العباس وحاشاه من ذلك واعتذر (1/445)
صفحة 446
عنه بما هو مبسوط في الطبقات وتفضيله الغانمي واختلاف الفتيا لأنه نسب فيه الأقوال وبين ما هو المعتمد المأخوذ به.
قال أبو العباس وحدثني أبو الربيع عن أبيه الحاج أبي عبد الله محمد بن سعيد رحمه الله أنه كان يحكي عن جدي يخلف حكاية تدل على براءته مما قذف به قال أبو عبد الله خرجنا حجاجا مع شيخنا يخلف بن يخلف حتى إذا كنا بعقاب قد علينا في وقت المساء رجل لا نعرفه فرأيناه يسأل عنا فقال له يخلف من هذا السائل قال ابن صباح المزاتي قدمت مع الشيخ يوسف بن خلفون ويبيت عندكم الليلة المقبلة فلما حل بنا أبو يعقوب والعلم عندنا حين خرجنا من بلادنا أنه في الهجران وقلنا ما لنا إلا التأمي بشيخنا يخلف فلما تراءى الشيخان أخذ يخلف بيد يوسف وتنحيا عنا وعد عليه ما نسبوه إليه فكلما عد عليه شيئا تاب واعتذر فلما ثبت عذره عند الشيخ وسمعناه يقول الحمد لله رب العالمين وقاما واعتنقا فقمنا فسلمنا عليه وتأنسنا به وتأنس بنا فسرنا معه إلى بيت الله الحرام وأدركنا هناك إخواننا أهل عمان ومعهم فقيههم الذي حج بهم ناجية بن ناجية فحججنا حجة لم يحجها أحد قبلنا ولا بعدنا من أهل المغرب فكل من نزلت به مسألة في منسكه أو غيره يجد واحدا من الفقهاء الثلاثة فيسأله فيجد عنده الشفاء، ورجعنا وأبو يعقوب راض مرضيٌّ عنه.
وعن بعض أنه قال لما رجعت من طرابلس بعد قراءتي على الشيخين عبد الله وأبي عمران موسى النفوسيين فقصدت جهة وارجلان للقاء أبي رحمة اليشكني فأعرض عليه ما أخذت وجزت على تين بامطوس وبها أبو يعقوب وأتيت أبا رحمة بإفران قال هل سلمت على يوسف؟ (1/446)
صفحة 447
قلت: لا. قال: لو سلمت عليه لم أسلم عليك.
قال أبو العباس: لعل هذا الخبر قبل رجوعه من الحج وكانت وحشة من الشيخين لا ذنب فيها على أحدهما وما قيد من تعليقاته الأجوبة على المسائل التي سألها عنها بعض نفوسة أظن وقد بين فيها منزلته من العلم بأن نسب فيها أقوال العلماء واستقصى الخلاف وبين الأدلة، وله رسالة إلى أهل جبل نفوسة.
ومنهم أبو عبد الله محمد بن علي السوفي رحمه الله كان عالما سخيا عابدا تقيا مستجاب الدعاء حازما لأموره لا تأخذه في الله لومة لائم.
أبو العباس قال: وقعت فتنة بدرجين السفلى الجديدة فأفضت إلى خروج الأوطان وذهاب الأنفس والإخوان، فعظم على أهل المذهب أن أشفى كلا الفريقين على التلاشي، واستصعبوا إصلاح ذات بينهم، فحرك الله أبا عبد الله إليهم، فلما بلغ درجين تمادى إلى ربض نقطة ولم يدخل درجين، فخرج إليه من بربض نفطة من الفقهاء والعزابة فيهم الشيخ يخلف بن يخلف، ومحمد بن سعيد، ورغبا إليه في النزول إلى الضيافة، وامتنع وقال: جئت لمهم ولا اشتغل بغيره وأريد معونتكما فيه، بأن تُحضِروا إليَّ كل مهاجر إليكم مفارق لوطنه، فأحضروا من طاوعهم من أضيافهم من أهل درجين فذهبوا إلى خارج درجين فنزلوا حول مسجد قنطرار العليا، خرج فنزلوا حول مسجد قنطرار العليا خرج إليه أهل درجين من كلا الفريقين فيهم الوارث والموروث، ورغب إلى أولياء الدماء فعفوا عنها، وندب جميعَهم إلى الصلح فأجابوا، وعقده بينهم، فلما تم استدعى بسبع حصيات من أيدي سبعة رجال حُجَّاج استلمت الحجر الأسود، وحفر في الرمل حتى غاب عاتقه فأخذ الحصيات من أيديهم ورمى بها (1/447)
صفحة 448
في الحفرة ودفنها، وقال: هذه فتنة أهل درجين قد دُفنت، فمن أثارها جعل الله بأسه برأسه، فأمَّنوا لدعائه، وقطعها الله إلى اليوم. فدعا على ثلاثة أشخاص أبوا ممن بالربض فلم يعقبهم خير، ودعا على العافين فنموا وكثروا، ودعوا الله على من يدعوا بالقبائل لأنها سبب الفتنة، فحمدوا الله على تمام الصلح.
ولما عزم على الحج أودع الشيخ يفلح المارغني مائتي دينار فلما رجع بعد عامين قال: ما فعلت الوديعة يا أفلح قال: أكلها الزمان يا محمد فلم يسأله عنها حتى لقي الله.
وكان أبو عبد الله عظيم القدر في أهل المذهب بحيث لا يجهل موضعه ولا يجحد حقه ولا ينكر فضله، فمما يشهد بذلك قصيدة الشيخ أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم الحجازية إذ قال:
خرجنا نؤم الشرق من خير وارجلان بفتية صدق من وجوه العشائر
ثم قال بعد: ومغراوة عليا زناتة كلها
ولم يكن معهم من مغراوة إلا أبو عبد الله. وأولها
غديري غديري من ذوات المعاجر ذوات العيون النجل بيض المحاجر
قال أبو العباس: قد حضرت الفقيه أبا العباس أحمد مرارا وفي يده ديوان الشيخ أبي يعقوب يقرأ فيه فإذا قرأ لنا القصيدة يقول ما في الركب غير أبي، وسلم له جميع من حضر من مغراوة وناهيك من واجد يقوم مقام قبيلة. وبالجملة ففضائله كثيرة مخلدة في الكتب.
ومنهم أبو يحيى زكريا بن صالح اليراسني رحمه الله قال أبو العباس: فضله الله بالورع والسخاء ولزوم السيرة وتساوى صلاح العلانية والسريرة واليد العليا في الكبيرة من الصلاة والصغيرة قال: سمعت من غير واحد من المشايخ حكاية في مناقبه منها ما سمعتهم (1/448)
صفحة 449
مرارا من أبي رحمه الله قال: وصل الشيخ زكريا ذات مرة من سجلماسة إلى وارجلان وخرج يريد جربة مع أصحابه ومعهم قرب مائتي ألف وخمسين ألفا ذهبا تبرا أعني مثقالا فلما قربوا من نفزاوة أو توسطوا الطريق أشرفوا من أعلى كثيب رمل فأبصروا نَعَمًا كثيرة في المراعي ومن ورائها أحياء، وأيسوا من السلامة وأيقنوا بالتلاف فتشاوروا فقائل ندفن ما معنا وقائل نرجع خلفنا وقائل نرسل إليهم من يجاعل علينا ثم قالوا ما معك ياشيخ البركة قال: مثلنا مثل أعمى سلم عينيه إلى القادح ليقدحهما رجاءً لجلاء العماء فإن أبصر نورا فبفضل من الله ولطفه به وإن لم يبصر فهو أعمى من قبل وهاهنا رأي، فإن نجح فبفضل الله وإلا فنحن بين لهوات الأسد، وهو أن نستدير مع بعض الأحقاف إلى أقرب قطيع يلينا من النَّعَم فنخرج إليه ففعلوا فبادرتهم الخيل للنهب فنادوا نحن دخلاء صاحب هذا القطيع فقال: وهو معهم أمان الله، وإذا بالخيل تركض فقال: لا تتبعوا خيلكم فقد حرموا قال: فأنزلهم وأكرمهم ثم أبلغهم مأمنهم بنفزاوة.
قال أبو العباس: وسمعت أيضا من جماعة من الشيوخ منهم أبي رحمه الله كان بمراكش فعظمت منزلته عند ملوكها لما اشتهر من أمانته وعدالته وورعه وما ظهر عندهم من كراماته وكان مختصا بيعقوب قبل أن يتولى الوزارة وكان قائما بحوائج الشيخ ولا يكاد يحوجه في كثير من المسائل إلى أبيه فقال له يوما عرفني بكل ما تأمله من أمير المؤمنين لأتكفل لك به وأسعى لك في كتاب كريم يكون لك ظهيرا قال الشيخ بل اكتب لي أنت ما أريد من الظهير لأنك الذي يتولى بعد الخلافة (1/449)
صفحة 450
قال: كتابي لا ينفعك شيئا ومن أين لك ما ذكرته قال ما ذكرت لك إلا قولا صحيحا ولا أعتقد النفع إلا في كتابك، وكتب له ما أحب وقضى الله أن تولى ونزل بعساكره إلى إفريقية فأتاه بكتابه واستسر به وأعلى كعبه وقضى حوائجه وشفعه في جميع ما شفع فيه وانتفع به أهل الجزيرة بل أكثر أهل المذهب.
ومنهم أبو يحيى فصيل اليراسني وأبوه أبو مسعود شيخا الانبساط والانقباض والعزوب عن الدنيا والإعراض وقد جدد من السير ما أشفى على الانقراض.
ومنهم أبو عبد الله محمد بن داود رحمه الله بحر العلم والسماح وعما أهل التقى والصلاح.
قال أبو العباس حدثني أبو الربيع عن أبيه محمد بن داود قال حججنا وقفلنا فتمسكت نفوسة الجبل بشيخنا يخلف بن يخلف ورغبوا أن يصحبهم إلى ديارهم فساعف ووادعناه فأوحشنا فراقه حتى قدمت على الشيخ سليمان بن داود بتونين رحمه الله فصادفت شيخا جليلا عظيم القدر وأزال عني ما بي من الوحشة فلما سلمت قلت ادع الله قال بل أنت فادع وفي الحديث استقبلوا الحاج واستدبروا الغازي ثم قدمني للصلاة فقلت: أنا مسافر قال: اعتقد الإقامة وصل. وحضر الطعام فلما أكلنا أحضر زجاجة فيها شراب قال: أشرب فأبيت قال هذا الجلاب اقتات به ولا أطيق الطعام لضعفي، وأخذ من الطعام بأصبعه تبركا وتوفي عام خمسة وخمسين وخمسمائة.
ومنهم أبو الربيع سليمان بن داود شيخ صالح تمسك بالسير والتقوى وترك ما لا يعنيه.
قال أبو العباس ذكر بعض أصحابنا أن أبا عبد الله محمد بن داود رحمه الله دخل جربة زائرا فاجتمعوا إليه فوعظهم (1/450)
صفحة 451
وذكرهم وخصهم بها واحدا بعد واحد، حتى أفضت النوبة إلى الشيخ أبي مسعود وإلى أبي يحيى فصيل قال بلغني انك تداين ضعفاء جربة ثم تأتيهم لتتقاضى دينك فيدخلهم الروع إذا عرفوك فيقولون هذا ابن أبي زكريا قد أقبل فعل الله به وصنع! أترضى لنفسك ولأبويك هذا؟ وتاب وتجنب المداينات.
ومنهم أبو محمد عبد الله بن يحيى بن عيسى العباسي كان عالما سخيا ممن يؤثر على أنفسهم ولو كانت بهم خصاصة عن الشيخ عبد الرحمن بن على قال خرجت من أريغ أريد وارجلان ومررنا بمنزل الشيخ عبد الله بن يحيى فخرج فسلم على العزابة وأنزلهم وقدم لهم تمرا كسبا معسلا ولبنا عجيبا فأكلنا ما اشتهينا ثم قدم لنا طعاما عليه زبد أخرجه من اللبن الذي شربنا ونحن عشرة أو أقل بواحد فقدر كل واحد أنه يأكله أو معه آخر وضعنا أيدينا فصدرنا عنه ونحن في غاية المشبع وبقي منه بقية صالحة فلما خرجت العزابة ورجعت إليه لأعلمه بذلك ألفيتُه يفرق تلك الفضلة على الجيران وبين يديه مرضخة وحشف أحرش يابس وكوز ماء كلما أخذ حشفة رضخها وأزال نواها فأكلها وساغها بجرعة من ماء الكوز أخذ غيرها وفض النوى لعلف الغنم قلت: هلا أكلت من التمر الذي أعطيتنا! قال: من أكل خيار ماله أكل دم وجهه وذلك مدخر لأمثالكم والذي بين يدي مع العافية لخير كثير يعني الحشف والماء، قال: يا عبد الرحمن هل لك في رأي أن تقيم وتحصل القرآن مع فوائد وعوائد تنتفع بها فقلت: نعم وكان قوي الحفظ بكتاب الله، فأقمت عنده بأرغد عيش وأتمه، فخرج بعض العيال أيام الربيع إلى أطراف المنازل طلبا للمراعي فأخرجني، وقام الشيخ فكنت أكتب لوحي وأحفظه ثم آتيه فأعرضه عليه بكلتا صفحتيه وأمر من تكلف بمعيشتي وأخرج تمرا طيبا برسمي (1/451)
صفحة 452
فحفظت ما شاء الله من السير والقرآن والفوائد واكتسبت مالا.
ومنهم عبد السلام بن عبد الكريم المزاتي الورع في دينه الكثير الاجتهاد في عبادته.
قال أبو العباس أول ما قدم من الحلقة سأله يوسف بن أبي حسان على ثلاثة مسائل فلم يجبه عن واحدة منها فقال له: عجَّلت الرجوع، فأخجله بكلام ذكره له فرجع إلى الحلقة إلى عيسى بن أحمد فأقام ما شاء الله فرجع فأجاب مسائله وغيرها فرجع مفتيا لأهل مكانه، محتاجا إليه أهل زمانه.
وعنه قال أحسن سفر سافرته كنت مع ثلاثين عزابيا فإذا نادى منادي الرفقة بما يُشعِر بالأكل حط العريف الزاد فإذا أصحابي لم يغب منهم أحد. وأحسن كتاب قرأته كتاب كتب لي به الشيخ محمد بن داود وضمن فيه أخبار أهل الدعوة كلها. وأحسن مركوب ركبته حمار صحبت به خيل العرب ولم أتخلف عنهم بلا كلفة عليّ.
وقال يعصي من أصغى إلى من يستنجي أو يجامع أو يتغوط في جملة مسائل فأطلبها في المعلقات.
ومنهم أبو نوح بن يوسف رحمه الله وكان شيخا صالحا عالما عاملا وكان من ذرية الشيخ محمد بن بكر وأحيى سيرته علما وأمرا ونهيا شديد الغضب لله وكان ساعيا في محو آثار الفساد وكان مطاعا سخر له القوي والضعيف والقريب والبعيد من أهل مذهبه وغيرهم فمتى سمعت رواية عن أبي نوح فهو المعنيُّ بها وأخذ عنه جماعة.
ومنهم ابنه زكريا رحمه الله اقتدى بأبيه في جميع أحواله وزاد عليه بكثرة الحفظ وله تأليف في المذهب وله القصيدة الحجازية والقصيدة التي في الاعتقاد وغير ذلك.
[قال] أبو العباس حدثني بعض طلبته قال انتقل من تين يسلى إلى (1/452)
صفحة 453
أوغلانت فعظموه وأكرموه ووهبوا له أنواع المواهب من مركوب ومكسوب وجنات وعيون وكان فيها بحلقة وطلبة وكان من عادته إذا سمع في أريغ بفعلة شنيعة تحول إليها بحلقته وطلبته فيصلح ما فسد وإن استحقت جيشا سار به أو عسكرا قويا أو ضعيفا ومن استحق السجن سجنه أو القتل قتله أو الأدب والنكال أدَّبه.
واشتد البرد على التلامذة في بعض أوان الشتاء فأوتي لهم بقطيفة يتدثرونها وكان ببعض بلاد المخالفين فاتك من الفتاك مشهور بالفساد فبيت الطلبة بعض الليالي فأخذ القطيفة فقام معه بعضهم فجرحه فلما أصبح استعظم الأمر وأنه في بلد ليس فيه أحد من أهل المذهب، ثم خرج في جيش عظيم فنزل بهم فطلبوا أن يدفعوا لهم الفاعل ففعلوا فأتى به إلى بعض الطريق فقتله بعض العبيد.
ومنهم ميمون بن أحمد المزاتي رحمه الله أبو العباس كان ذا فطنة وذكاء وعقل ودهاء وكان مصدرا بدرجين قبل أن يقدم مولاهم ابن علي فكان حكمه عدلا وقوله فصلا لكنه طال عمره فكف بصره فتخلى عن التشديد وكان يتمنى أن يلقى من يسأله عن المسألة سؤال مستفيد أو يلقى عارفا أو معترفا. ويروى عنه: من عطس يوم الجمعة خمسا غفرت ذنوبه. ويبرأ ممن قال لمتولى يا ثقيل.
قال أبو العباس قال أبي دخلت حلقة درجين قبل أن أكمل القرآن فكان الشيخ ميمون يمرنني على قراءة الكتب وكان يكبرني إجلالا لوالدي ويخصني بالفوائد فإذا جاء المسجد دعاني وأعطاني كتابا أمرني أن أقرأ وإذا وقفت في حرف قال بينه قال وكان جدي يخلف إذا حضرته تحفة (1/453)
صفحة 454
ذكر عندها الشيخ ميمونا وكان يحض على إكرامه ويقول أكرموه فإنه اجتمع فيه عزيز ذل وغنيّ افتقر وعالم بين قوم جهال.
ومنهم يوسف بن أحمد الوسياني فكان حفاظا لكنه لا يحسن التصرف.
قال أبو العباس قدم رجل من أهل توزر نفطة ثم أتى درجين فطلب مناظرا ممن ينسب إلى التفقه فبرز إليه يوسف فناظره في مسألة يحفظها سردا فتلعثم ولم يتكلم بفائدة فبلغ ذلك الشيخ ميمونا فغاظه فقال: ما وجدتم من تقدمون لمناظرة المخالف إلا ذلك الجبان بئس ما فعلتم وبئس ما فعل. وكان الشيخ يوسف كثير الورع والاجتهاد ذا خمول واقتصاد ممن يتعلم منه ويستفاد.
ومنهم أبو الربيع سليمان بن عبد السلام بن حسان بن عبد الله الوسياني أحد شيوخ الحلق الكبار الحافظ للسير والآثار الذي رويت عنه التواريخ والأخبار لم تفته سيرة لأهل الدعوة في كل الأعصار.
قال أبو العباس متى سمعت في كتابي رواية قديمة عن أبي الربيع فهو راويها عن شيوخه الأخيار وله تأليف في السير حسن.
ومنهم الشيخ يخلف شيخ عالم علامة ذو خشوع وأنابه وله أجوبة ظاهرة الإصابة وأدعية سريعة الإجابة.
قال أبو العباس على جده يخلف بن يخلف: حدثني أبو عبد الله بن بهلول النفطي قال ورد على شيخنا أبي علي محمد بن عمران بعض الزوار فأخذ جلساؤه في مناقب الشيخ يخلف العزابي وبنيه وأهل بيته فأوسعوا في القول والزائر الغريب يستحسن ويستغرب حتى قال أحد جلساء الشيخ أترى أنهم يرجى لهم الخير عند الله لهذه الأوصاف وهم وهبية فلم (1/454)
صفحة 455
يجبه بشيء قال الزائر: ما مذهبهم؟ قال: الصلاح وانقطع الكلام.
قال وحدثني أبو الربيع عن أبيه قال أقبلتُ أنا والشيخ يخلف من جنته بغابة نفطة فلقيا محمد بن عمران فسلم وسأل عن الحال ثم قال: يا يخلف ما منزلتي عندكم جملة العزابة؟ قال منزلة مشمش فشفش يعني حلوا زينا وهو يخلف بن يخلف النفوسي التميجاري.
ومنها ما حدثني أبو الربيع عن أبيه قال: أقبلت لما قفلنا بعد أن قضينا الحج وبلغنا إسكندرية ونفد ما بأيدينا وكرهنا دخول البحر فاتفق رأينا أن نشترى سقط المتاع من الإبر والمخايط والمسلات وما خف فخرجنا نسير في أحياء العرب فإذا كنا في آخر النهار اشترينا بذلك السقط ما نأكل فما خرجنا من برقة حتى نفد وانقطع عنا أحياء العرب ولا رفيق ولا دليل إلا الله ولا طعام إلا ما نطعم عند الله وقال الشيخ يخلف توكلوا على الله وسيروا فسرنا في مهامه لا أنيس بها فربما وجدنا من المباح ما نقتات به مما تنبت الأرض ثم سلكنا حرار الأنبات فيها فسرنا يومين أو ثلاثة لم نذق حلوا ولا مرا ثم سرنا يوما ضحى فإذا بياض مخالف لون الحرة فلما وقفنا عليه إذا به جبن قال العزابة ما ترون به قال الشيخ ما هي بأرض عمارة ولا بطريق إلا أن الله أكرمكم به فتناوله وقسمه بخنجر فأكل كل واحد نصيبه فتمادينا نجد السير إلى غد وكدنا نهلك جوعا فاشتكينا إلى الشيخ فاخرج نصيبه فقسمه وأخذ نصيبه فأكله من هذه القسمة ولم يذق من الأولى شيئا ثم سرنا فلطف الله بنا ووصلنا ما ولينا من البلاد. ونقل عنه حكم كثيرة لو دونت صار منها ديوانا (1/455)
صفحة 456
كلها نافعة كذا قال أبو العباس.
وصلى الصبح بأصحابه بربض نفطة فلما ختموا من القرآن وذلك في فصل الشتاء قال من يفدينا اليوم ونوليه الإمارة على أنفسنا وأومأ إلى موسى بن إلياس المزاتي لأنه قريب عهد بالقدوم من البادية واستصحب شيئا من البادية من طرفها فغداهم فلما أكلوا قال الشيخ: أما الإمارة فأنت واحد منها بل منا ولكن ندعو لك الله أن يولد لك ولد من الحمل الذي عندكم فتسميه أفلح باسم أمير المؤمنين ونرجو أن تكون فيه البركة فكان الولد هو الشيخ أفلح بن معبد فكان آمرا ناهيا مطاعا متبعا في كل ما تقدم فيه من أفعال الخير قال أبو العباس وهذا أمر شاهدناه عيانا.
ومنهم ابنه علي بن يخلف فكان عالما تقيا مستجاب الدعاء محسنا لمن أساء، يدعو الخير من أقبل يسعى ومن أدبر وتولى.
قال أبو العباس على جده قال القاضي عمرو بن غزوة النفطي: ما رأيت مثل علي بن يخلف فمن عجيب أمره أن أبا القاسم القمودي من كبراء المتصوفين قدم نفطة فأكرمه الناس من الطلبة والمتصوفين وغيرهم فاحتفلت في إكرامه فقلت لا ينبغي أن يغيب أبو الحسن عن مثلها فلما حضروا قال ابن القمودي من هذا؟ قلت الفقيه أبو الحسن علي بن العزابي قال هو مِن بَغَضة علي بن أبي طالب! فحالت بيني وبينه ظلمة وندمت على إكرامه وما أغناني وصاحبي عن هذا الحضور فأجابه علي: من أنباك هذا؟ قال: كذا يذكرون عنكم قال هل رأيت أحدا يسمى ابنه باسم عدوه قال لا؟ قال فأبي قدوتهم وسماني عليا فما زال به حتى استمال قلبه وقال: أريد أن لا تفارقني (1/456)
صفحة 457
مادمت بنفطة فانجلت تلك الظلمة من عيني.
ومن أعظم كراماته ما اشتهر عند الموافق والمخالف وذكر ذلك البكري في المسالك والممالك إلا أنه لم يسمه وسماه غيره وهو أنه سافر إلى دواخل غانة تاجرا فقام بها وله مكان عند ملكها وكان عظيما تحته اثنا عشر معدنا يستخرج منها التبر ووقع القحط ببلادهم فاشتكت الرعية إلى السلطان وذلك بمدينة مالي فقربوا لأصنامهم الذبائح واستغاثوا بها فلم يغاثوا وكان الشيخ علي على ارتحال فقال له الملك: ادع ربك لعله يغيثنا قال لا يجوز وأنتم تعبدون غيره قال كيف صفة الإسلام؟ فما زال به حتى وحد وتكلم بكلمة الحق فخرج هو وإياه إلى كدية، فصار يصلي به علي ويتبعه على ما يفعله وإذا دعا قال آمين فلما أصبح عظم المطر وحالت السيول بينهما وبين المدينة وما دخلوا إلا في السفن مع النيل فدامت سبعا تسح ليلا ونهارا فلما رأى الملك ذلك دعا أهل بيته ثم وزرائه ثم أهل المدينة ثم من قرب فأجاب جميعهم وأبى من بعد وقالوا: نحن عبيدك ولا تبدل ديننا واشترط عليهم أن لا يدخل كافر المدينة وإن دخلها قتل، فالتزموا ذلك وأخذ يعلمهم الصلاة وفرائض الدين والقرآن فورد عليه كتاب أبيه يحضه على المجيء ولم يجعل له إذنا في المقام ولو قليلا فأخبر الملك بأنه على سفر قال لا يحل لك أن تتركنا نعود إلى العمى بعد الهدى قال: طاعة الوالد واجبة في الدين وحجر عني الإقامة ولم أجد بدا من ذلك. وهذا سبب دخول الإسلام بلاد السودان بغانة وما يليها تسامعت بهم المخالفون فقصدوها من كل (1/457)
صفحة 458
أوب فردوهم إلى مذهبهم.
ومنهم سليمان بن علي ابنه رحمه الله.
قال أبو العباس كان ذا سخاء ونزاهة نفس وورع وكان فرضيا متقنا لمسائل الفروع ناظما للفرائض لغويا ومن أهم أموره المحافظة على المذهب أما سخاوته فما حدثني به والدي قال: كان أبي كثير المال بكنومة من عقار وناض فلم يزل مبسوط اليد فيه حتى أنفده ولم يبق إلا دويرة وبساتين، وكان في أثناء ذلك لا يعدم ناصحا يقول أبق لأولادك بقية، وجوابه: المتقي منهم لا يضيعه الله والعاصي أنا أحق بمالي منه.
وعادته إذا قام من نومه يقول اللهم أرضني بما قضيت عليَّ حتى لا أحب تعجيل ما أخرت ولا تأخير ما عجلت. وأما نزاهة نفسه فلما قل ماله وأبى من أن ينقص من عادته وفعله، قال له بياضة بن عزون كثرت مؤنتك وقل مالك فهل لك في خمسين ويبة تمرا كل عام تستعين بها على أضيافك وأضياف المسجد - أو مائة الشك من أحمد - قال له: لا والله وفيما معي كفاية أؤدي منه حقوق من ذكرت ولو على عسر وكذا ضعفاء أهل الدعوة فإن كنت فاعلا فأقم بنفسك حقوقهم.
قال أبو العباس لما أخرجت نكارةُ كنومة وهبيَّتَها بمكيدة كادوهم بها خرج جدي منها ليلحق بإخوانه غير معلن فتنة ولا مبطن لها قال بعض النكار: أتتركون فقيه القوم ينجو؟ فطعنه فنجاه الله من الموت وانتهبوا دُور الوهبية فأخذوا مالا جليلا، ولم يكافئهم بمكروه بعد ذلك، كما لم يكن منه قبلُ لورعه.
ولم ينشدني أبي شيئا من شعره ولا من شعر نفسه ويقول: أنت أشعر مني وأنا أشعر من أبي.
قال وحدثني رجال أن رجلا اشتكى علة (1/458)
صفحة 459
مزمنة دامت به إلى جماعة كنومة بعد موت سليمان ولم يدر ما هي ولم يترك من العلاجات إلا ما لا يصله فقال له بعض الحاضرين أعطني ثلاثة بيض الدجاج فأتاه بها قال غدا فأتني قال له اطبخ كل يوم واحدة فأفطر بها ففعل وبرئ في أسرع وقت وسألوه ما زاد في البيضات فأكثروا عليه قال: ما زدت شيئا إلا أني رأيت علته أعيت الأطباء لا تبرأ إلا بمنة من الله فأخذت البيض فأتيت قبر سليمان العزابي فقلت اللهم ببركة وليك هذا أن تجعل فيهن شفاء هذا العليل فدفنتها في قبره فاستخرجتها غدا فكان فيها ما رأيتم.
قال ومما حدثني به أبي رحمهما الله إن أهل تقيوس يعمرون غابتهم وجناتهم على النصف ثم يدفعون الظلم من النصف فالنصف للسلطان وما يأخذ من النصف الآخر فكان الناس معه في ضيق عظيم فكان كل واحد يحتال كيف يختلس قبل امتداد يد العامل، وخرج الخراص مرة إليها يخرصون فخرج الشيخ إلى جناته فقال للخدام: أريد تخفيف ما تقدرون عليه فكانوا يخففون ما يمكن من كل نخلة إما نصفا وإما ثلثا أو ربعا ويجعلون ما جمعوا كدسا وقدروا أن الخُرَّاص يأتونهم بعد غد وأنهم يدخلون ما جمعوا ليلا وإذا بالخُرَّاص دخلوا عليهم من أطراف الجنات فلما رآهم وبين يديهم كدس عظيم يراه الأعمش من بُعد، خاف ما يخاف أمثاله ولم يبق إلا الفضيحة إلا أن يستره الله فخرصوا بعض الجنات وهو يرغب إلى الله أن لا يفضح شيبته ولم يخرصوا نخل الجهة التي فيها التمر فخرجوا يصلُّون الجمعة فلما خرجوا قال: الحمد لله الآن نرفع تمرنا علانية.
ومنهم يوسف بن سدميمان رحمه الله. (1/459)
صفحة 460
قال أبو العباس من المعدودين في القوأمين بالليل والصوأمين بالنهار والداعين المستجابين. قال أبو العباس حدثني أبي رحمه الله أن هذا الشيخ من خيار أهل الدعوة من أهل دقاش قرية من قرى تقيوس وفي آخر عمره أصيب بصره وقل ماله، فلم يزد بذلك إلا رضا بقضاء الله واجتهادًا في طاعته، ويزوره أهل الدعوة يتبركون به فزاره يوما عزابة كنومة وفيهم أخي محمد وكان حدثا فلما سلموا عليه قال لهم: من هذا معكم؟ قالوا أكبر أولاد الشيخ سليمان فبكى فقال: عليَّ بولد الشيخ الحبيب وقد توفي يومئذ سليمان ثم أورد علينا من المواعظ والأمثال والسير ما لم نسمعه من أحد قبله.
وحدثني أبو الربيع أن يوسف بن سدميمان سار من درجين يريد توزر وصحب ناسا من العرب ووجدوا في الطريق خصبا عظيما فلم تسمح نفوسهم أن يجاوزوه ولم ترعه إبلهم، فقاموا ثلاثة أيام بين توزر ونفطة فلم يصل توزر إلا وقد آذاه الجوع، فأول من لقي جماعة من أهل درجين وعرفوا على وجهه لباس الجوع فأنفقوا غداءهم وغداء الشيخ من صرة معهم ينفقون ويقضون حوائجهم منها، فدعا لهم بالبركة وانصرف إلى تقيوس قالوا أقمنا أياما ننفق من تلك الصرة ونقضي حوائجنا، وخرجنا من توزر والصرة بحالها لم ينتقص منها شيء.
ومنهم سعيد بن سليمان وأحمد ابنه وكلاهما قدوة وإمام لازما الطريقة وأحسنا السيرة، ولأبي العباس تأليفه المشهور بالطبقات وله قصائد كثيرة وشعره فائق وله أجوبة بالشعر وفي الألغاز ألغاز الفرائض جمع منها أبو طاهر إسماعيل بن موسى في كتاب (1/460)
صفحة 461
الفرائض والحساب جملة، وله ديوان فيه قصائد ذكر في بعضها أنها أنشدها قبل البلوغ وكتاب الطبقات يشهد له بالسعة في طول الباع في الأدب واللغة والفقه وغيرها ولولا الإطالة لأثبتُّ شيئا من قصائده.
ومنهم الشيخ أبو معبد أفلح بن موسى بن إلياس كان عالما مطاعا آمرا ناهيا بلغ في العلوم مبلغا كبيرا وقد تقدم أن بركة دعاء الشيخ يخلف أخذت فيه حين غداهم أبوه موسى بن إلياس بربض نفطة.
ومنهم الشيخ إدريس بن مفتي الوناني قال أبو الربيع: كان شيخا صالحا تفوح منه رائحة المسك دائما وكان الناس يقصدونه ليشموه فيقول لهم تحقيرا لنفسه ماذا يعجبكم في صنان العبد؟. وبات الشيخ عند زيس بني تجين فقال لامرأته اصنعي ضيافة ملك وارجلان فلما دخل ليأكل قالت سأنظر إلى ملك وارجلان فلما رأته قالت: إن ملكهم أسود! ولم تعلم أن أكرمكم عند الله أتقاكم.
وذكر أن (حلو) عالم من علماء المخالفين شكا إلى ابن عينة وهو من سكان وارجلان ابن أم جعفر رجل تاجر رجع إلى دين الوهبية فبحث ابن عينة عن ابن أم جعفر فمر بمسجد تماوط وفيه الشيخ إدريس فلما سمع قوله يسأل عنه قال لمن حوله ما فيكم من يكفينا مؤنة هذا؟ فقام إليه الطلبة والعزابة فضربوه ضربا وجيعا والشيخ محمد التناوتي في الصومعة يقول: يكفيكم، فشكاهم ابن عينة إلى ولاة وارجلان واحدا بعد واحد فكلٌّ يقول: ابعدني، فارتحل من وارجلان. والأصل في سبب ذلك أجمع أن أهل وارجلان خرجوا حجاجا وخرج حلو معهم وحمل معه ابن أم جعفر يخدمه فرأى ابن أم جعفر اجتهاد الشيوخ (1/461)
صفحة 462
في الطريق وتحفظهم وورعهم وتمام صلاتهم وكثرة أدعيتهم عند العشاء وبكرة فقال: أردت أن أرجع إلى مذهبكم قالوا: طرابلس أمامنا ونخشى عليك وعلينا فلما جاوزوها ترك حلو ورجع إلى العزابة فلما قضوا المناسك ورجعوا إلى المغرب فلما بلغوا ملك الخزريين دخل حلو إلى أميرهم فسأله عن طريقه فشكا ابن أم جعفر وكيف قطع به قال: وما تريد؟ قال تنهبه وإياهم، فأجابه إلى ذلك، وفي المجلس يهودي فخرج فأخبر ذا نواس بذلك وكان رئيس أهل الدعوة في تلك البلاد، فدخل من حينه إلى السلطان فعد له قبائل مزاتة وغيرهم من أهل الدعوة قال له: هؤلاء لك ثم هم عليك كانوا يضربون بين يديك ثم يضربون عقبك قال: لِمَ؟ قال للذي حدثتك نفسك به من نهب مال وارجلان قال لم يكن من ذلك شيء فلما أصبح حلو نهضه إلى الذي اتفقا عليه قال: أَسكِتْ عني ياكرش الثور، فانتهره فارتحلوا وبلغوا وارجلان سالمين فهناك شكاه إلى ابن عينة ومنَّ الله على ذي نواس فحسنت توبته.
ومنهم أبو جدروز الواشي وكان عالما متقيا قيل له تزوج زوجة خالك يونس بن سابال الواشي قال: خفت أن أحركه في قبره.
ومن كراماته أن بني معقل من قبائل العرب غاروا على بني واشية فغصبوا بنات الشيخ أبي جدروز فحملوهن إلى نفزاوة وأرادهن رئيسهم بشيء، فتخلف إليهن يريد بهن الفساد فجبَّ الله ذكره وخاف العقوبة فسار فلحق بأصحابه ثم إن الغلمة والشيطان وقوة الشهوة حركته ثانيا بعد أن رجعت إليه مذاكره تخلف يريدهن فجبَّ الله ذكره فتيقن أنهن منعن منه ثم لحق بأصحابه وقد رجع إليه ذكره وخاف على نفسه الاستعمال (1/462)
صفحة 463
فلما بلغن معهم نفزاوة سالمات الدين ضمهن من بها من أهل الدعوة وآووهن وأكرموهن.
عن يعقوب بن أبي القاسم أن أبا جدروز أخبر أن أهل درجين خرجوا إلى سوف فاسترجع وقال: حدثني يونس بن سابال عن أبي صالح اليهراسني أن خروج أهل درجين إلى سوف وأهل سوف إلى وارجلان علامة انتقال الناس إلى جغراف وقال لا بد من اجتماع بني ياجرين من الأرض إلى وارجلان.
وذكر أبو الربيع سليمان بن موسى أن أبا صالح الياجراني تَبَرْكِتْ بعث إلى أبي جدروز يرسل له ناقة للنسل يستنتج منها الحلال قال أبو جدروز: اشهدوا أن نصف إبلي لأبي صالح، وكان بعد ذلك إذا باع شيئا منها أرسل لأبي صالح نصف الثمن. ولأبي جدروز فضائل ومناقب فلتطلب.
ومنهم الشيوخ الثلاثة أبو الربيع سليمان بن أبي صالح الياجراني وسدرين بن سليمان وعمران بن زيري.
تقدم أن أبا صالح قال إذا نظرت إلى هؤلاء الثلاثة علمت أني احتاج إلى التوبة وقال: إنما اِسأَلْ عن ابني صالح وأما سليمان فقد رضي عنه المسلمون. وكانوا يقولون سيروا بنا إلى زيارة الأخيار وأما هذا الشيخ يعنون أبا صالح فلا يتغير ولا يتبدل ولو سكن بين المشركين وكانوا غاية في العبادة والزهادة وزيارة الإخوان والمعاونة على البر.
ومن ورع عمران أنه بعث مع رجل حمل تمر إلى البادية للبيع، وفيه تمر، قال: فأخبره به ليخبر به، فلما رجع سأله هل أخبر بذلك التمر؟ قال لا؟ فأخذ تليسه وترك الثمن.
وعنه أنه أعطى أبا عبد الله بن بكر عُراق لحم يأكله فنادى سائل أطعمونا لله فأخذه من يد أبي عبد الله فأعطاه السائل قال أبو عبد الله لا يفعل هذا غيره (1/463)
صفحة 464
مدحا له.
ورأى خرقة في الطريق وأخذها ليصرَّ بها دراهم معه ثم ألقاها تحرجا.
عن ابنه نوح أنه قام مرة وفي يده صرة فسقطت من يده فقال له نوح خذ صرتك، وأبى خشية أن تكون لغيره.
وقالت له امرأة: أنا من ذوي محارمك قال: اجعليني في حل ممّا ضيعتُ من حقك.
وزار في جماعة جربة فبلغوا المسجد الكبير صلاة الظهر فخرج أبو زكريا فتهيؤوا لمعانقته فقال عمران: لا يفعل ما لم يُصلِّ، فكان الأمر كما تفرس، فلما صلى عانقهم وسلم عليهم.
وقال مرة لأصحابه سيروا بنا إلى زيارة الأخيار فساروا إلى أريغ فقال سيروا بنا إلى زيارة الأخيار فلما بلغ جربة ولقي أبا زكريا وأبا صالح ونحوهما قال هل رأيتم الأخيار. وسمعته أمه وهي تمشي خلفه وهو يقول ما أحسن رجالا رأيت وأي رجال رأيت! قالت له: من هم؟ قال أهل جربة. وكان يقول لنوح: زر الأخيار، الذي لا يزور الأخيار كالجرو الذي لا يفتح عينيه.
ومنهم سعيد بن إبراهيم وابن أخيه يوسف بن ونمو ومن أحسن أخبار سعيد قال أبو الربيع: باع رجل غنما بستين دينارا فأودعها رجلا من أهل قنطرار حيث يسكن سعيد فغاب زمانا ثم رجع فقصد سعيدا فقال: أعطني أمانتي قال وكم هي قال ستون دينارا ثمن غنم فأعطاه ستين فلما اجتمعت الناس إلى الصلاة وصلى قال عند من أودع هذا أمانته؟ قال رجل: عندي فقال للرجل: عندي أودعت أو عند هذا؟ قال: عند هذا فأخذ أمانته وأعطى للشيخ ماله.
واصطاد الشيخ يوسف في صغره دجاجة فأتى بها زوجة خاله سعيد لتطبخها للشيخ فلما حضرت قدمت له فطوره وعليه الدجاجة قال لها (1/464)
صفحة 465
من أين؟ قالت ابن أختك اصطادها فصار يكرر ياخيرتي ويارزقي يصير صيادا حتى خجلت ولم يأكلها، قال الشيخ يوسف فما عدت اصطاد.
ومن حسن خلقه قال: (إذا أساء إليّ أحد فلا أجد صبرا دون أن أحسن إليه).
وجحده رجل في دينار فجاز عليه وأعوان السلطان قد أخذوه في دينار فأعطاه لهم فأطلقه من أيديهم فبعد أيام أتاه الرجل بدينارين واعتذر له أنه جحده لعدم ما يعطيه فقبل عذره.
وصادف يوما أعوان السلطان أخذوا امرأة فقال: في أي شيء أخذتموها؟ قالوا: في كذا وكذا، قال: خذوه وأطلِقوها! فأبوا، فصاحت: يا للمسلمين! فأخذ سلاحه فحال بينهم وبينها، فقال أصحابه: بئس ما فعلت بنا، ولم يكن إلا هنيهة فإذا بأصحاب السلطان مقبلون قالوا: أجب السلطان! فلما بلغه قال: ما حملك على ما فعلت؟ قال صاحت: يا للمسلمين! وقد طلبْتُهُم أن يأخذوا ما مُسِكَت فيه فأبوا، وقص عليه القصة، فكف الله عنه شره، فقال للعبيد: انصرفوا ما قامت السماوات إلا بمثل هذا. وتأسى في ذلك بفعل محمد بن يانس النفوسي وقد تقدم.
وأما يعقوب يوسف فقد ذكر أنه من الأبدال السبعة الذين ذكرهم أبو العباس الويليلي وكفاك به شهرة وتعريفا وصلاحا وقيل صالح بن محمد.
ومنهم أبو زكريا يحيى بن ييدير الوسياني وكان شيخا عالما قدوة قال أبو عمرو: قرأ أبو إسحاق بن أبي العباس كتاب المواعظ على أبي زكريا قال أبو زكريا: أعيانا الثالث قال: ما هو؟ قال أن يخالف العمل اللسان الذي يصف والقلب الذي يعلم.
وطلب قوم عزابيا إلى أبي محمد ويسلان قال: عليكم بأبي زكريا يصلح لنوازلكم ومصالحكم قال أبو (1/465)
صفحة 466
زكريا إن استندت على هذا يعني أبا محمد قال أبو محمد نعم فقعدوا وأحيى السير وأصلح الفساد وجمع أمورهم حتى لحق بالله.
وأرسل مرة عشرين شاة لحلقة أبي الربيع وقال: اشتروا برؤوسها وجلودها لحما للحلقة قال أبو الربيع قد شمر يحيى وجدّ.
ومنهم أبو يعقوب يوسف بن نفاث القنطراري النفوسي رحمه الله.
وذكر أبو عمرو رحمه الله أن يوسف بن نفاث جاز على بني ويليل من قنطرار متوجها إلى وارجلان في أيام هاجر فيها أبو عبد الله سدراتة وعملوا له ما عملوا فلما بلغ وقضى وطره من وارجلان وقد علم أن ملامة الشيخ لازمة له فأخذ البكرات في طريقه وتجنب حريم أبي عبد الله فضل عن الطريق وتعسف وتاه حتى كاد هو ومن معه يموتون عطشا فما شعروا إلا وهم بتين يسلي فما أخطؤوا مغارة الشيخ أبي عبد الله فأضافهم الشيخ وأحسن القِرى وقال أبو يعقوب أرانا الله قدرته ثم أرانا حلمه ثم توجه إلى بلده بعد الراحة فاتبعه الشيخ كتابا عاتبه فيه، وفيه
قد كنت أحسب أن فيك رجية تُرجى لصرف نوائب الحدثان
أو فيك للإخوان أمر يرتجى فأراك لا شيء من الإخوان
راحت فراستنا وخاب رجاؤنا شمت العداة بنا مع الأقران
فلما قراها أبو يعقوب قال: لا شيء من الإخوان، وصار يكررها.
وذكر أبو نوح أن أبا يعقوب مات شهيدا في جملة الأشياخ الذين ماتوا بدرجين كمحمد بن سدرين وعبد الله بن أم أبان وغيرهم من الشيوخ الأبرار وذلك أن المعز بن باديس أرسل إليهم جيشا مع قطار فحاصرهم فقالوا له فيهم رجلان إن أصيبا لم تفلح وهما نفوسيان (1/466)
صفحة 467
أبو يعقوب وابن أم أبان فأعطى لهما الأمان أن يخرجا فدلوا عبد الله فلم يصل الأرض إلا وقد سلب من ثيابه ولم يبقوا عليه إلا إزارا فقال: ارفعوني فردوه فقتل فيمن قتل يومئذ وهم ألف وخمسمائة.
وذكر عيسى بن سجميمان وغيره أن العزابة اجتمعوا فاجروا بينهم ثلاثمائة مسألة من الرخص، وهم يوسف بن نفاث ويوسف بن سهلون وأبو سليمان داود بن أبي يوسف وسعيد بن يخلف المدوني ومن شاكلهم ونسبوها كلها، والمذكور منها أربع مسائل: توبير النخل بالعرجون ولا زكاة فيه على صاحب النخل، والمرأة تعطى لها الزكاة إذا قطعت بل قعدت على أولادها وينفع حل الشريك لمن عليه تباعة ولو اقتسموا، ويجوز أن يقدم في الصلاة أهل الجملة إذا لم يظهر ما يتبرأ منه به.
ومنهم سعيد بن يخلف المادغسني رحمه الله.
وذكر أنه عابد سخي حاج زكي وهو من الأبدال، ومن عادته إذا صلى العتمة وما قدر الله له خرج إلى باب المسجد فينادي: هل هنا ضيف إياكم وأن يبيت أحدكم طاويا ونادى ليلة فلم يجبه أحد فدخل يبحث عن الأضياف فإذا بمصل قال أنت ضيف قال نعم قال سر معي فلما بلغا قال لزوجه: زيدي الطعام وأعطاها شعيرا لأن الشيخ كان مقلا وقد استقل الطعام فأخذ في أكل الحاضر حتى يحضر الغائب لما رأى عليه من سمة الصالحين فنما الطعام تحت أيديهما قال زوج الشيخ كنت أسارقه النظر فإذا رفع يده جرى مخه إلى المرفق وإذا هوى بها إلى الطعام جرى إلى الأنامل فأشبعهما الله من ذلك الطعام، وبقيت منه فضلة أعطى منها جيرانه وبقي منه إلى غد ولم يفرغ لهم زيت من البطة التي (1/467)
صفحة 468
جعل منها الزيت ولا الشعير من القلة التي أخرج منها الشعير عامة سنتهم على كثرة معروفه. وأعطاه ما يتدثر به من البرد فخرج الشيخ إلى المسجد للصلاة فسأل عن ضيفه فلم يقف له على أثر فرجع إلى بيته فإذا كساة على خيمته ولم يدر أتدثر بها أم لم يحملها وكان سأله من أين أقبل؟ قال صليت المغرب بمسجد فتيان صلى بنا رجل صالح وصادفني نداؤكم للعتمة عند مصلى المقبرة فوجدت سيرة جعراف وسئل عن الرجل الذي صلى بهم تلك الليلة المغرب فإذا هو يوسف بن موسى الدرجيني ثم رجع سعيد فأخبر الشيوخ بقصته فقالوا لو أخبرتنا سألناه عن كثير من المهم فبحثوا عن أثره فإذا هو عند مصلى المقبرة وآخر في سبخة عبد السلام بن وزجون فابتدروا غرسها فجاءت غاية ببركة الصالح.
واعلم أن جعراف أكثروا فيه القول أين هو ومتى سيكون في آخر الزمان، لأن جعراف يسكنه الصالحون وأهل الدعوة في آخر الزمان وأن ما به حلال صرف محض فمنهم من قال هو آجلو ومنهم من قال غير ذلك.
وذكر غير واحد من الحفاظ أن صبية صغيرة من بني ينجاسن أخذها الجنون فقالوا: اترك هذه المسكينة الضعيفة قالوا: لا تقولوا مسكينة ضعيفة فإنها زوجة ملك جعراف فقضى الله فتزوجها أبو عبد الله محمد بن بكر في آجلو.
ومنهم الشيخ يخلف بن زكريا المادغاسني والد سعيد المذكور.
ومنهم يحيى بن عيسى بن يرزوكسن العباسي ويكتبون يرزوكسن بالصاد في موضع الزاي وتقدم التعريف بأبيه وأنه من هاشم من ذرية العباس بن عبد المطلب وأبو زكريا معدود من الأبدال الذين ذكرهم أبو العباس الويليلي على ما أخبرتاه زوجتاه من حور العين حين نزلتا عليه. وذكر أنه اختلف مع أبي (1/468)
صفحة 469
محمد عبد الله العباسي أخيه وتقدم أن أولاد عيسى يحيى وعبد الله وداود [اختلفوا] في اليهودية والنصرانية هل ذمتا بعد أن غيرتا أو من الأصل فبلغ قولهما أبا يحيى زكريا بن أبي بكر بن يحيى بن سعيد اليراسني فوافق أبا محمد أنهما ذمتا بعد أن غيرتا.
وكفى في تعريف أبي محمد وأبي سليمان التعريف بأبيهما.
وذكروا عن أبيهما عيسى لقي يوما الشيخ أبا العباس بن أبي عبد الله مقتعطا غير متلح فزجره فقال: يضرني في غلصمتي والغلصمة رأس الحلقوم قال ليتها ذبحت، وأخبر أبو العباس بهذا في المجلس ونظر في العزابة فرأى جابر بن حمو لم يتلح فأشار إليه بالسبابة والوسطى أنه يستأهل ضرب العنق ولهم في الاقتعاط تشديد وهو ترك التلحي.
وذكر أبو سهل وأبو نوح عن أبي عمار أن رجلا من يهراسن أورد غنمه بتباكلت موضع على جربة فأدلى دلوه فتعلق به رجل وسيم جميل أبيض نقي الثياب فانصرف بعد أن طلع فتبعته الغنم فنادى اليهراسني: اردد عليَّ غنمي فأشار إليها فرجعت فسأله لما تفرس فيه الخير والصلاح: ما خير المذاهب؟ قال: الوهبية، ثم تعمم وتلحى فقال: هذا لباس المسلمين ثم تعمم ولم يتلح فقال: هذا لباس الشياطين، ثم تعمم وترك وسط رأسه ولم يلتح فقال: هذا لباس الزنادقة، ثم ذهب ولم ير له أثرا فظنوه الخضر.
وعنهم: من صلى مقتعطا عليه البدل وحكا فيها أبو خزر رخصة، ثم رجع عنها، والشيخ عيسى ممن أدرك أبا يعقوب الطرفي ولعل الزجر من بعض بنيه أو طال عمره حتى أدركه أبو العباس.
ومنهم الشيخ أبو القاسم يونس بن وزجين الويليلي كان معاصرا لأبي عبد الله بن بكر وصديقا مصافيا وتقدم خبره أن أبا عبد الله حين أراد الانتقال إلى أريغ (1/469)
صفحة 470
أرسل إلى أبي القاسم أن يحفر له غارا وذلك عام تسعة وأربعمائة وأن الشيخ عبد السلام تزوج ابنته ثم زار قومه وتعلقوا به وزوجوه فأراد مفارقة ابنة الشيخ فأراد أن يقضي لها ما تحمل لها، وأبى أبو القاسم وقال: إنما اجتمعنا وجمعنا دين الله فأبرأته من حقوقها. ولأبي القاسم فضائل كثيرة.
وذكر أبو محمد سدرات بن مسعود أن أبا القاسم حفظ من الكتاب أن من غرس سبع فسائل من حلال في حلال حتى أخذن أن كل واحدة تسد عنه بابا من أبواب جهنم.
ومنهم ابنه يعقوب شيخ تقي عالم حزيم، وكان أيضا صديقا لأبي عبد الله تقدم سفره إلى وارجلان ولم يقف على الشيخ يوسف بن سهلون وعابه أبو عبد الله ورجع بقصد الزيارة.
وذكروا أن أبا عبد الله أرسل إليه مرة رسولا فقال تجده في جنانه لأن نوبة الماء عنده فأتاه الرسول فقال أجب الشيخ، فلما وصل إليه قال أبو عبد الله: لعلك فزعت! قال ألا يفزع المذنب المسيء؟ قال: بعثت إليك لأبيح لك بأمر في نفسي وهو أن يسجا بن منصور رأى بيدي سكينا قال: لم مسكتها؟ أترى هذا الكلام يفهم منه أن أحتذر؟ لأن المرء إذا بث خبره وسره لحبيبة طرح عن نفسه شطر ما همه ثم قال قم إلى جنانك وسبب حذر أبي عبد الله أن الفتنة تحركت بين الوهبية والمالكية.
وروى أبو يوسف يعقوب عن أبي محمد بن تامر أنه يوصي من مر به بمسائل: أن لا يسبقكم كلاب الحي إلى الأضياف إذا قصدوكم، واذبحوا الشاة الكبيرة لأن الصغيرة إذا بقيت تعود كبيرة، وإذا قصدتم موضعا فطُلبتم إلى المبات دونه فبيتوا لأنكم لا تدرون ما أمامكم.
ومنهم أبو محمد كموس الزواغي دخل عليه يونس (1/470)
صفحة 471
ابن أبي زكريا قال له بادرني بأبيك فإن الشيطان يخاتلني آخر عمري، فأتى به مسرعا فلما دخل عليه قال: أغثني إن الشيطان يقول لي كيف ربك؟ أين هو؟ قال أبو زكريا: كلُّ ما تكيفه نفسك ويخطر ببالك فهو صفة الخلق والله منه بريء فلما تفهم ما قال له زال ما به وذهب ما يجده.
وأحضر له أبو محمد لحما لعنز بايتا، وكان أبو زكريا صائما ولا يأكل لحم البايت ولا لحم المعز فامتنع من أكله كل الامتناع لذلك قال أبو محمد سألتك بالله أن تأكله فأكله على أنه يضره لكن أراد موافقة قلب الشيخ فصرف الله عنه الأذى فتمادى على أكله آخر الدهر فلما نام في الليلة المقبلة رأى في منامه قائلا يقول له: موافقتك لقلب الشيخ خير من عبادتك سنة.
وروى عن بعض مشايخ الجبل قال: أدركت بالجبل اثني عشر شيخا مستجابين الدعاء فما رأيت مثل اجتهاد الزواغي يعني أبا محمد كموس. ورآه بعض العزابة متقلدا سيفا معلقا مصحفا قال: لم فعلت هذا؟ قال طمعا في السبيل المستقيم أي الهدى وهو شيخ كبير ومات شهيدا رحمة الله عليه وللشيخ أخبار وعبادات وأحوال تطلب في الكتب المبسوطة.
ومنهم أبو محمد عبد الله بن يعقوب بن هارون الواغلاني كان عالما متقيا حاكما عدلا أوتي الحكم صغيرا وتمادى حتى هرم كبيرا. وزار مشايخ طرابلس أهل المغرب فلما وصلوا وغلانت وجدوهم قدَّموا عبد الله بن يعقوب قاضيا وهو حدث السن، فنقموا على مشايخ وغلانت فعلهم لعدم تدرُّبه وتجريبه الأمور قال لهم مشايخ وغلانت: آجركم الله في نظركم للإسلام وأهله وتفقُّدكم لما يصلحه ونصحكم لإخوانكم، ولكن عذرنا أنَّا تفرسنا الخير في هذا الفتى ورأينا الأمور سترجع (1/471)
صفحة 472
إليه فقدَّمناه في حياتنا لنهذِّبه ونقوِّمه ونعلِّمه كيف يرتق وحيث يرفق، ونبصره تصاريف الأمور ومفاصلها، ونوطِّنه على احتمال الأذى والصبر والحلم، فصدق تفرسهم فيه، وكان حازما عالما، فلم يؤخذ عليه شيء، ولم ينقم عليه حكم، حتى ترك الأمور كبرا وهرما وضعفا، وانعقدت الألسن عليه بالثناء الجميل. وبتمام العدل في أيامه يجني الكمأة من كدية البنيان، وبينه وبينهم سوط فرس، أو نحو ذلك يغدون منها بالأحمال بعد الأحمال. وكفاك أنه ذكر أنه من الأبدال السبعة. وقيل: يوسف ونمو.
ومنهم أبو عمران موسى بن سدرين كان شيخا مشهورا حافظا محافظا ذكر الشيخ أبو نوح أن أبا عمران جعل عريفا على الختمة ويطلع في صومعة الشيخ أبي خزر فإذا أبصر بزوغ الشمس نادى الختمة فلا يصل إلى موضع الختمة إلا والمجلس قد تم فيختم ويدعو. وكان أبو عمران في عصر أبي نوح وجنون بن يمريان وتقدم بعض أخباره ضمنا.
ومنهم ابنه هارون كان عالما متقيا ألف كتابا طلبه عنده جنون بن يمريان وأعجله السفر وتركه في الألواح وهو حمامي من بني ويسيان.
وذكر أبو نوح أن الشيخ أبا موسى هارون بن أبي عمران مر على الشيخ أبي صالح جنون بوارجلان فطلب أهلَ وارجلان أن يقعدوا حلقة تلاميذ قالوا: إن أمر الحلقة شديد وحقوقها كثيرة ولا نطيق القيام بأمرها وأتوه بمائة دينار وأبى لهم من أخذها. ثم عزم على السفر إلى غانة، وكتب إليه أبو عبد الله بن بكر أن يترك السفر ويدعه فإن في بلاد أهل الدعوة خير الدنيا والآخرة، فأجابه بقول عروة بن الورد:
فسر في بلاد الله والتمس الغنا تعش ذا يسار أو تموت فتعذرا (1/472)
صفحة 473
إذا المرء لم يطلب معاشا لنفسه شكا الفقر ولام الصديق فأكثرا
وصار على الأدنين كلاًّ وأوشكت صِلاتُ ذوي القربى له أن تنكرا
فكتب إليه أبو عبد الله أن دع السفر إلى تلك الجهة فما أغنت عن فلحون بن إسحاق وحتى مات فيها فذهبت نفسه وعلمه، وكتب إليه قول القائل:
وليس بزائد في الرزق حرص ولا بمانع منه التواني
فتوجه إلى تلك البلاد وترك رأي أبي عبد الله فلما وصلها خرج إلى أغيارو فوجدهم عراة فلزم بيته حتى مات فيها رحمة الله عليه.
ومنهم أبو عبد الله محمد بن تامر - روى بعضهم بامر بالباء الموحدة من أسفل أو بالتاء المثناة من فوق - التناوتي يسكن نفزاوة وهو شيخ فاضل عالم تقي وممن أصلح الله له زوجه طوست وابنته زينب.
وذكر أن طوست أوصت ابنتها حين جهزتها أن تقتدي بها قالت ما نمت حتى أصلي خمسين ركعة ولم يرني والدك عابسة قط ولم تصدر مني كذبة قط إلا مرة واحدة وهي أن قلت لأبيك وقد سألني أعلفت البغلة؟ وقد تعب وهو صائم ولا يفطر حتى تعلف مطيته، وقدمت له فطوره قلت: نعم، وزدت للبغلة في علفها وأتيتها به فقلت: اجعليني في حل فيما كذبت عليك وقد زدتك في علفك، فأومأت برأسها شبه من يقول: أنت في حل.
وكانت أم خليفة تخدمها وهي حشوية تنسج لها وقاية رأسها فدعت لها أن لا يميتها الله حشوية فأجاب الله دعاءها فأبصرت الإسلام فرجعت إلى أهل الدعوة وكانت من خيار المسلمين ولها رفيق قاده الله إليها يحفظها وينبهها إذا غفلت وقيل لما أبصرت (1/473)
صفحة 474
الإسلام أخذت في العبادات والورع والتقوى حتى كانت لها كرامات، ومن جملتها أن ابنها اشترى شاة فلما دخل بها الدار صاحت قالت لولدها: أخبرتني الشاة أنها حرام فردها ولدها إلى بائعها فاقر أنها خليطة على راعي غنمه وخشي أن تظهر عنده فيمسك في غيرها.
وذكر أن رفيقها قال لها: لا تموتين إلا في جعراف فوصفه لها فحملها ولدها فكل موضع نزلته لم تجد ما وصف لها حتى أتت آجلو فوجدت الوصف وفيه ماتت.
وذكر أن عبد الله بن المنصور أخا سيد الناس زار الشيوخ ذات مرة في نفزاوة فشكا إليه الشيخ أبو عبد الله محمد بن تامر عبدا لبني خزر، وهم يومئذ أمراء نفزاوة، قد آذاهم وثقل عليهم، يتسنم الحيطان، ويتسور الجدران، ويكسر الأبواب ويدخل بغير إذن، فقال عبد الله: كفيتموه فدعاه وقد حفر له مطمورة وعليها حصير وظن أنه دُعي إلى طعام فلما استقر به المجلس سقط في المطمورة فقتله فمن الله على الفاعل بالتوبة وقيل الفاعل أخوه حمزة.
وذكر أن المعز بن باديس استعمل قائدا على قابس فوقع له محبة في غصب البساتين فكل ما وليه منها غصبه فأدرك بستانا لبعض الأشياخ من أهل الدعوة فرآه فقال له: لو كان لغيرك لعملت عادتي، ولكنك لست كغيرك فبعه لي بأقصى ثمن تشتهيه فامتنع، ولاطفه الشيخ وأبى إلا أخذ البستان ويعطيه ألف دينار فأبى الشيخ وألح عليه فقال لا يجوز لي أخذ مالك فغضب فقال: البستان أخذته بغير شيء، واذهب إلى المسجد الفلاني لبعض مساجد الوهبية بقابس وادع الله عليَّ فيه في هذه الليلة، وكانت ليلة الجمعة فقال الشيخ: نعم، ففعل العزابي (1/474)
صفحة 475
ما قيل له فلما أصبح ذهب وركب زورقا متنزها في البحر فسمع هاتفا يقول:
أتزهد في الدعاء وتزدريه تأمل فيك ما صنع الدعاء
سهام الليل قاتلة ولكن لها أمد وللأمد انقضاء
فقال لأصحابه ارجعوا بنا فرجعوا إلى سيف البحر وساحله فإذا رسل ابن المعز بن باديس فأمرهم بقتله فقتلوه وحملوا رأسه ورموا بجسده في البحر ورجع الشيخ إلى جنانه وكفى المؤمنين شره.
ومنهم أبو عبد الله محمد بن سدرين هو من المشايخ المسلمين والأئمة المذكورين من بني ويسيان قال رحمه الله بينما أمشى في الساحل إذ رأيت الناس بين داخل وخارج في دار فدخلت فرأيت رجلا يعطي كل من دخل دينارا فأعطاني دينارًا فخرجت فعاتبت نفسي فرجعت فقلت: لست على مذهبك فتبسم وزادني دينارا.
ومنهم الشيخ أبو عبد الله محمد بن الخير وابنه يحيى بن محمد وتقدم التعريف بابن ابنه فلفول بن يحيى وهو من بني ينجاسن وأبوه الخير بن محمد وعماه أخو الخير بالجملة أنهم أهل بيت اشتهروا في العلم والصلاح والأمر والنهي.
وذكر الشيخ - أظن أبا الربيع - أن عدو الله حماد بن بلغين لما نزل على كدية مغراوة بجنوده وكانت كثيرة، وقف رجل صباحا ليراها وهي تمر عليه متصلة إلى صلاة الظهر من كثرة عددهم فحاصر أهلها.
وذكر له أن الخير وأخويه رجال صالحون حُجَّاج، فناداهم مناديه أن اخرجوا بالأمان، ونادى الضعفاء ومن لا استطاعة له فلم يخرج أحد فقاتلهم محاصرا نحو شهر فما أتاهم مدد فأخذهم قهرا إلا برجًا فيه عبد الله ومسعود ابنا المنصور الورزماري (1/475)
صفحة 476
فقاتلا أياما العسكر بأجمعه فقتل مسعود وأضرمت النيران إلى البرج فرمى عبد الله بنفسه من البرج خارجا فمضى وامتنع ونجاه الله منهم وأخذ حماد ابنه وحمله طمعا أن يكون كأبيه شجاعا ونجدة وجرأة.
قال أبو عبد الله محمد بن الخير وكنت يومئذ صغيرا، وكانت محضرة الصبيان خارج القصر نخرج إليها ونتعلم ونرجع ولا يتعرض لنا أحد بسوء، وليس معنا من التمر إلا زنبيل فخاطه أبي ولم يترك فيه إلا مدخل يدي وكنت آخذ منه وحدي.
وجاء أبو محمد زائرا لشيوخ تينوال ومكث ثلاثا لم يسلم عليه أبو محمد عبد الله لاشتغاله بضيعته ثم أتاه وسلم عليه قال: الحمد لله الذي أشغلك عنا خدمة الحلال ثلاثا.
ومنهم الشيوخ الأتقياء السادات الفضلاء البررة الأنقياء نزوراس بن يوسف وابنه أبو عبد الله وولده أبو يحيى زكريا رحمهم الله قال أبو محمد عبد الله بن محمد بن ناصر عرض محمد بن الشيخ نزوراس على أبي محمد ماكسن لوحه وأنا بينهم انظر في كتاب فأصغيت إليهما فقرآ: {فتذكر إحداهما الأخرى} فتبسما فقلت لم تبسمتما قالا فائدة وهي أن الرجل إذا أخذ شهادة مع آخر فنسي وذكره صاحبه فتذكر بعضها أنه يمضى على قول صاحبه ويشهد بها.
وروي عن الحسن بن أبي الحسن البصري نسي شهادة أخذها مع أخيه سعيد فذكره أخوه قال أخذناها في موضع كذا فاقتدى بأخيه فشهد فتذكر ذلك الحسن بعد ذلك.
ومنهم الشيخ التقي الورع ذو الكرامات المحققة والفضائل الساطعة "سال" خاف مقام ربه ورفع درجته.
وذكر أنه رأى ليلة القدر من مسجد آجلو فضاءت الأرض فرأى دبيب اليرابيع في الرمل، وضربوا الوتد في ذلك الموضع في المسجد علامة (1/476)
صفحة 477
وكانت العزابة يقرؤون فحس بسكوتهم فقام فإذا هم رقود والنور ساطع من فم إسحاق بن إبراهيم إلى سقف المسجد فأخبره ودعوا الله ورغبوه وحمدوه.
عن الشيخ عيسى بن حمدان قال: قال الشيخ سال رأيت لعدل بن أبي يحيى في الجنة بستانا أطول ما بيننا وبين وارجلان.
ومما روي عنه قال: سمعت النخل يدعو على واغران ابن سبع أيام نهب بني ويليل فأخذه الله.
ومما روى عنه أنه قال شعير الحسن مقبول لأنه علفه عن طيبة نفس وأما ذرته فلا وذلك أنه علفها قبل إدراكها وهي صغيرة فلم تطب له نفس بها.
وسمعت وأنا صغير في محضرة شيخنا أبي نوح صالح بن نوح سماعا فاشيا أظن أنه منه أو من غيره أن بناته رجعن ذكورا وكثر ذلك في أسماعنا. وأنه يرى ويعلم العلم اللدني وعنده علم المكاشفات. والذي ذكر الشيخ الحافظ أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم السدراتي في جواب الشيخ أبي عبد الله محمد ابن الشيخ ابن سليمان داود النفوسي في فصل السنن التي أحدثها عمر بن الخطاب ونقمتها عليه الشيعة والروافض بأن قال لو مسخ الله رجلا أنثى أو رد أنثى رجلا لكان لأهل العصر في محدثاتهم أحكام وقد نزلت هذه المحدثات في زماننا منها اليهراسني الذي جعلت صباياه ذكورا وقصته مشهورة والمعروف بعيسى أر مُسخ سَبُعًا من أهل الزاب، وله قصة عجيبة والرجل الممسوخ أنثى في بني مصعب ولم يبين قصة اليهراسني فإن كان سال يهراسنيًّا فلعله هو وإن كان غير يهراسني فلعله قصة أخرى ويهراسن من خيار أهل الدعوة.
ومنهم أبو الحسن علي بن مجبر وسبب توبته أن طار عليه ودك من لحم جمل (1/477)
صفحة 478
يشوونه فأحرقه فقال لأصحابه انظروا ما فعل بي هذا ولم أطق صبرا فكيف بنا الآخرة أشهدكم أني تائب إلى الله فرد تباعته ومظالم العباد وكان قتل رجلين فقاد نفسه إلى الأول وقال قيدني واغلل يدي بالعمامة وأنجز الذبح ففعل الرجل ولم يقطع السكين شيئا قال: أعييتني ثم جر السكين فلم يصنع شيئا فصاح: اذبح ذبحا جيدا ثم جر ثالثا فلم يقطع فقال قم ما أراد الله قتلك فأعتقه. كذا ذكر أبو طاهر إسماعيل بن ييدير. ثم ذكر أنه مر إلى ولي المقتول الآخر فأعتقه فأنفق ألف دينار واثنتا عشرة ألف ويبة تمرا. وكسر دجاجة رجل فسأل عنه فقيل مات بالموضع الفلاني وترك ولدا في أودغست فسافر حتى بلغه فدفع جملا في تباعة الدجاجة فرد إليه جمله وأعطاه مائة دينار وثورا لضيافته وخادما تخدمه. وذكر أبو طاهر أنه جاور بمكة زادها الله شرفا فاحتاج وتقوى به ضرر الجوع فطلب الميتة وابتدأ بالطواف فخرج في طلبها فجعل له رجل دينارا في يده فرده له ثم رده الرجل فرده أبو علي فخرج واضطجع فأتاه الرجل فقال له لم رددت الدينار؟ قال أنت أحق بمالك فأعطاه له صدقة فصرفه فأخذ طعاما فأكل حتى شبع فتصدق بالباقي، فبلغ إليه الجوع مرة أخرى فاضطر إلى الميتة فخرج يبتغيها فإذا الزقاق دنانير ودراهم فأخذ درهما واحدا وترك البقية.
وذكر أبو طاهر أنه سافر من قصطالية مع رفقة قاصدا وارجلان فحمل رجل عنه كتبه إلى بعض الطريق ورماها له، فأخذ سفرا منها يقرأ فيه، فمر به رجل بجمل أعرج تخلف عن الرفقة فحمل كتب الشيخ فزال ما به من العرج والعياء بقدرة الله، فبلغوا الرفقة (1/478)
صفحة 479
فنزلت الرفقة فمات جمل الرجل الأول قتله جمل آخر فأخذ الرجل صاحب الشيخ من لحمه بدينار بأمر الشيخ وهو النصف فأخذ منه ما ينوبه وترك الباقي فقسموه، فطلب ديناره هناك فقال: يعطيني الله فأعطيك فأبى إلا تلك الساعة فضرب الشيخ بيده في الرمل فأخذ دينارا فأعطاه له فقال: لابد أن أزنه قال الناس أترى الله يعطيه ناقصا؟ فوزنه فزاد ورجح فقال صاحب الشيخ: نأخذ رجحانه، فأبى.
[قال] الشيخ أبو طاهر قعد في مسجد جنون بن يمريان فسأل سائل فقالوا له يفتح الله عليك فأعطاه كساه وبقي في جبة ثم أتى آخر فلم يعطه أحد شيئا فصار يجمع التراب على نفسه ليعطيه جبته قال أبو عيسى أخوه أدركوا المجنون قبل أن يبقى عريانا بينكم فمنعوه من نزع جبته فضرب بيده في التراب فملأها مالا فقال: انزعوا لي هذا أيضا.
وذكر عنه أيضا أنه ينفق كلما وجد فقال: أتترك أولادك فقراء؟ فقال: المتقي منهم لا يضيعه الله والعاصي لا أبالى ما وجد. وهذا الجواب قال به جماعة من أصحابنا وهو قديم أظن لعمر بن عبد العزيز.
ومنهم أبو موسى عيسى بن مجبر أخو أبي الحسن كان ممن ساد في العلوم واشتهر في الصلاح وهو ويسياني.
وذكر أنه يفتي أن من لم يفرز مذهبه كما يفرز بيته من البيوت في ليلة ذات ظلمة وريح لم يعرف دينه فرد قوله جنون بن يمريان أن عندنا من لم يعرف ذلك ولو قال للماء اجمد لجمد، ويعني بذلك الشيخَ المستجاب، وذلك أنَّ أبا عيسى لما أفتى بذلك قال له أبو صالح: لم تقول ذلك وهنا في وارجلان من لا يقوم بذلك ولو دعا الله على ماء وارجلان أن يجمد لجمد، وإذا قرأ قال: «كل هو الله أحد» وهذا الشيخ من أهل تاغيارت (1/479)
صفحة 480
وذلك أن هذا الشيخ وقف لنوبته من الماء فلما أكملها لم يحضر من يصرف ماء غيره فقال للماء حجرت عليك أرضي فرجع الماء وتراكم حتى أصلح مجاريه لصاحبه، وقيل: جمد، وهو الذي يعني أبو صالح جنون.
ومنهم أبو محمد وسلي الأعرج الويسياني كان نكاريا فأبصر الإسلام ورجع إلى مذهب أهل الدعوة وكان فاضلا تقيا من خيار المسلمين ثم دخله الشك فيرى أن النجس وصله ولم يصله ويغتسل، ويرى أنه لم يتطهر. وكان أبو صالح بن القاسم أراد أن ينزع منه ذلك فيقول له: إذا حضر الطعام فكل فيقول شككت في يدي فيقول سمّ وكلْ فيقول: لم أغسل يدي فيقول: امسحها وكلْ فيقول: نجست بالبول فيقول له: قلت لك امسحها وكلْ!.
ومنهم أبو سعيد يخلفتن النفوسي واسم أبيه أيوب وهو نفاثي المذهب أي من التابعين نفاث بن نصر وأمه وهبية وإذا سألته أمه أي العزابة أفضل وهو صغير فيقول عزابك لأنهم إذا ضافوها حفلوا بالولد وضاحكوه وأعطوه قطعة لحم، وإذا ضافوا النفاثية أباه لم يلتفتوا إليه. فلما كبر أقام عند أبي الربيع بتنين بضم التاء وكسر النون ثلاثة أعوام ثم انتقل إلى تماوطت فأقام بها حتى صار آية في العلوم وكان أحد الذين ألفوا الديوان قال أبو عمرو هو كبير فقيه رواية لمن تقدم ولما بلغ العزابة موته تذاكروا ما حفظوا عنه فإذا هي سبعون رواية عن أبي عمرو عن أبي زكريا بن زكريا بن فصيل الزواغي قال كنا نأكل في الساحل في شطيانة إسفنجا، فرفع الشيخ يخلفتن يده ونظر إلينا أن نرفع أيدينا فتماديت أنا وإسحاق بن أبي العباس فمد يده إلى المنديل فرفعه من بين أيدينا وقال كم يشتهيه.
ومرض مرة إسحاق (1/480)
صفحة 481
وقعد خلفنا ونحن نأكل فأعطاه بعضنا لقمة كبيرة فقال الشيخ: جعلوك جملا لأنه لا يمد لمن خلف إلا ما يضع في فمه مرة.
وروي أن شيخه أبا محمد يزور الطلبة ليحرضهم على الدرس والعزم.
وذكر أبو عمران عن أبي سعيد يخلفتن قال: طلعت ذات سنة حلقة زوار لأهل الدعوة ومفتقدون أحوالهم من أهل إفريقية وتلك النواحي وكانوا في نحو المائتي تلميذ، وكان عام قحط وجدب وسمع بهم من في البادية فقال فتى مزاتي لحيِّه وهو فيهم مطاع أردت أن تقضوا حاجتي والكلفة عليّ أن تمنوا عليّ بأن تضيفوهم ففعلوا وأنزلوهم منزلة حسنة وأجرى عليهم الفتى في كل ليلة عشرين قصعة وفي كل يوم كذلك على كل قصعة شاة موفرة فلبثوا عندهم ما شاء الله وهو ملتزم بهم فلما علموا أنه أجرى عليهم ذلك وحده قالوا: نريد أن ندع اللحم فأبى وقال دعوني إنما أسعى لكي أجده غدا فتآمروا على الصوم قال لا تفعلوا ولا تأووا إليّ فإني غني مليّ لا تتحيروا ما تأكلون من عوز ولا ذبحت مذ نزلتم إلا توأم غنمي فلبثوا شهرين عنده على خير ونعمة.
وذكر أبو عمران عن أبي سعيد قال طلعت حلقة لأهل البادية بإفريقية وكان فيهم رجل من أشرافهم وكبرائهم قلّ ماله وكثرت بناته حتى صار مثله يضرب به المثل فمن أراد أن يدعو على عبده أو غيره قال ابتلاك الله بما ابتلى به فلانا قلة بثاث وكثرة بنات، فقال له شيخ: اطلب في الحي ما تضيف به العزابة لعل يدعون ربهم فيزيل بدعائهم شعثك ويثبت قدمك ويلم شعثك فإن دعاءهم يرد اليابس رطبا والرطب يابسا بإذن الحي القيوم فقبل ما أشار به وامتثل ما قال له (1/481)
صفحة 482
فدعوا له بالبركة فلما أصبح من ليلته قال له رجل خذ هذه الغنم فما ربحت على قيمة كذا فهو لك، فمضى بها فربح سبعين دينارا فقال له الذي أشار عليه أولا: خذها رحالا، فأخذها أربعا بدينار فمن الله عليه أن ولد أولادا ذكورا عشرة، فطلبوا إليه بناته، واشترط على كل من تزوج منهن أن ينزل معه، فصار يضرب به المثل في الشرف والثروة، وإذا دعا أحد أولاده لتحفة أو طرفة تسارعوا إليه من كل موضع ووجهة حتى نساه كلاب بيته.
ومنهم فلحون بن إسحاق النفوسي من بني وسين جاء سائل قال: كيف الرد على من وصف الله بالتجسيم؟ قال: الجسم إما خفيف سيار وإما كثيف ستار، فكلاهما محال على الله.
وفي شرح الجهالات وقد زعم قوم من أهل الكلام أن يتكلم لا يجوز على الله قال أبو عمار فجوازه أحب إليّ ثم قال أجاز في التوحيد الكبير مكلِّم وأبى من متكلم، ومعناه: فاعل للكلام، ومعنى مكلم ليس بأخرس. ثم قال: ويجوز على الله في الأزل متكلم ومكلم على المعنيين ولا يجوز كلَّم ولا يتكلم وفي نفسي من التفرقة بين يتكلم ومتكلم شيء والله أعلم.
وبلغنا أن أبا نوح سعيد بن زنغيل سئل عن المتكلم قال على معنى أن سيتكلم ومتكلم فأنكر عليه فلحون بأشد الإنكار ومعنى قول الشيخ إن متكلم على أن سيتكلم ومتكلم على نفي الخرس أيضا عنه فكلا المعنيين جائز وليس في ذكر أحدهما ما يبطل الآخر وربما عجل فلحون فيما فعل والله أعلم انتهى ملخصا.
وفلحون شيخ مشهور من نظراء أبي نوح ومن شاكله.
ومنهم أبو زكريا يحيى بن بشير وكان في السيادة بمرتبة بل هو من نظراء أبي العباس وسليمان بن يخلف وداود بن أبي يوسف.
ومنهم جنون بن علي قال (1/482)
صفحة 483
في المعلقات عن الشيخ جنون بن علي قال في الرجل يدخل على الإمام قد فاته ببعض الصلاة ويسلم ويقوم الرجل بالتكبير ليستدرك ما فات ألا إعادة عليه وحكم على الشيخ إبراهيم بن الشيخ يحيى بن أبي بكر بصداق امرأته (حنثته) وقد حلف بطلاقها.
ومنهم عبد الرحيم بن عمرو النفوسي كان شيخا عالما أخذ عن أبي الربيع سليمان بن موسى كذا أظن والله أعلم وكان معه يوما فيما ذكر في المعلقات فأتاه هجين فقال عبيدك جاعت فعبأ له ظهره تمرا وشعيرا فقال له شكرت: فعلك يا شيخ قال أخشى ألا ينفع الجمل المغشوش ما يأكل.
ومما روى عنه: المؤمن يزرع ويخشى الفساد والفاسق يقلع ويرجو الحصاد.
ومنهم أبو طاهر إسماعيل بن أحمد يروى عنه: من انتفع بثمن ميتة فهو هالك ومبيت اللحم عيب وتحرم الزوجة إذا جاءها بشهوة غيرها.
ومنهم أبو عبد الله محمد النفوسي بن باباش أخذ عن أبي العباس روى عنه أن المعاملات ترجع تعديات، والتعديات ترجع معاملات، مثل من غصب شيئا وتاب واعتقد أن يرد ولم يجد حتى نسي، ومن اشترى شيئا معتقدا أن يخون في الثمن ثم نسي.
وقال: تفكرت في قوله عليه السلام إذ سألوه عن الساعة متى تقوم فأشار بأصبعه الخمس وللناس في الحديث تأويلات وفهمت منه أن الساعة من الخمس التي استأثر الله بعلمها {إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ... } الآية. وكان شيخا مذكورا في الخير والعلم.
ومنهم أبو طاهر إسماعيل بن علي النفزاوي كان عالما ورعا محتاطا. روى الشيخ إلياس أنه بات معه عند الشيخ أبي العباس بن محمد بن علي في تماطت فلما قدَّم لنا العشاء وغسلنا فإذا على الطعام لحم الجمل (1/483)
صفحة 484
فرفع الشيخ إسماعيل يده قال أبو العباس: كلْ، قال: لا قال خذ مسألة أفتاها أبو العباس بن أبي عبد الله وهي أن ما بأيدي العرب ريبة، وتصدقت عليك يا إلياس بهذا الطعام قال: قبلت، قال: كل قال: لا قال: فإبل العرب مالٌ قدِمُوا به والأصل الحلال فكلْ، فقالت زوجته: بل هي إبلنا أخذوها منا غصبا فأمر أن ينحَّى الطعام فأوتي بصحفة أخرى عليها لحم ضأن فأكل منها. وهذا الشيخ من تينبامر تناوتي [كان] صالحا متقيا حزيما سافر إلى غانة ولم يصل بغير وضوء، وجاور بمكة حتى حج بالأيام السبعة، وكتب منها ديوانا كبيرا.
وعنه: البركة في صفة الله العظمة، وفي صفة الخلق: الكثرة. وله أخبار ومقصدنا مطلق التعريف.
ومنهم أبو صالح يعلو بن صالح الصدويني كان عالما كبيرا وشيخا جليلا أخذ العلم وأخذ عنه، ومسكنه آجلو وهو مأوى الأخيار ومقصد الأبرار والمشكى من ظلم الأشرار. وذكر أن العزابة غضبت لله وارتفعوا إليه فسلم عليهم وحمد فعلهم وقال: الغضب لله طريق اندرس وعفا وقلَّ سالكه وشكر لهم صنيعهم.
وسئل عن المولى هل يرث أو يورث قال: قال أبو نوح صالح الدهان إذا كان يعقل عني وأعقل عنه أرثه ويرثني. قلت: وحكا جابر بن زيد مثله عن ابن عباس وهو القياس ومشهور المذهب والذي جرت به الفتيا ماله لمن سبق إليه من جنسه.
وخادع رجل امرأة بين يديه بأن قال: حلفت بطلاقها مرارا وأردت المخرج فقال تبارك فافعل ثم جدد النكاح، فلما بارته [كذا] هرب وتركها فقال: لا وفقه الله فلم يوفق.
قال أبو نوح إن الشيوخ عام الزيارة عام ثمانية وأربعمائة الصواب وخمسمائة ولعل أربعمائة تصحيف من الناسخ (1/484)
صفحة 485
أو غلط مروا على الشيخ يعلو وهو شيخ كبير فعاتبوه عن أشياء ذكرت عنه فجعل يتوب ويقول: لا أعود ولم أفعل ما بلغكم وإنما بي ضعف ومرض ولا شيء مما تكرهون فقبلوا منه. وقال أبو يعقوب: هو رسول الشيوخ إلى أهل الدعوة قد رأيت الشيخ يعلو أعمى في غاره لا يقدر على شيء من الضعف وتوفي رحمه الله عام ثلاثة عشر وخمسمائة على خمس وتسعين سنة.
وفيها نقموا على تبغورين بن عيسى فبلغهم بتينوال فتاب فقبلوا منه وأوقفوا إسماعيل بن أبي العباس فتاب وقبلوا ولم يبق شيخ بأريغ إلا عاتبوه وأخرجوا شيوخ تينوال إلى الخطة.
ومنهم سجميمان بن سعيد الصاريني شيخ تقيٌّ عالم ذو حلقة أخذ العلم وعلمه ولم يكتمه.
وذكر من حسن تدبيره أنه لم يفرغ له إدام في حلقته قط من كثرة رِفْقِهِ وحسن سياسته أخذ العلم من أبي صالح يعلو وكان غير ملتفت إلى الدنيا قال بعث لي أهلي وأنا عند شيخي يعلو بآجلو خمسة دنانير وكنت مجتهدا قبل وصولها حتى حيرتني فشغلتني عن عزمي فبادرت دفنها ثم رجعت فحفرتها فلم أجدها فتفرغت للقراءة فحمدت الله.
ومنهم سجيميمان بن عبد الله اليارونتى كان شيخا تقيا عالما عاملا وكفاك في رفع درجته وعلو رتبته أن ذكر من الأبدال. وقيل: النعيم بن الوالي وقال من شك أن الله لا يأجر المسلم على النوافل أو يأخذه على الصغائر أو شك أن الله يأجر المنافق على ما فعل من الطاعة أو لا يؤاخذه على الصغائر فهو مشرك وهذا تشديد وقال أبو موسى عيسى بن يوسف كفر في الجميع وشدد عيسى بن أحمد ويحيى بن أبي بكر في الصغائر التي مع المسلم والطاعة التي مع المنافق ووقفا (1/485)
صفحة 486
في غيرهما [قال] أبو عمرو الأوضح قول عيسى بن يوسف وسبب الخلاف هل رد النص أم لا قال تعالى: {وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ} وفي الكفار {لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا}.
ومنهم نصر بن سجميمان كان إماما عالما وتقيًّا مذكورا.
وفي ديوان الأئمة العاملين هو في النسب نفوسي من أصلابونن التقى بأئمة عمان بمكة فسألهم عن السخط والرضا هو وصاحب له نفوسي فقالوا فعلان فسألاهما عن القرآن قالوا غير مخلوق وعمنا يوسف لا يقطع العذر إلا من قطع العذر والمسألة في أجوبته في خلق القرآن وهذا يدل أن الوهبية مغربا ومشرقا مجمعون أن السخط والرضا فعلان إلا من خالف إجماعهم كما أجمعوا على خلق القرآن إلا من خالف إجماعهم فبعض أهل عمان خالف في خلق القرآن دون أهل العراق ومصر ودون أهل مكة والمغرب وسائر الإباضية وبعض أهل المغرب خالف في السخط والرضا.
وفي كتاب السؤالات: وإن أخذ أن فاعل هذا مشرك فنسي وأمسك أنه كافر فلا يعذر، وفيها رخصة وهي مسألة الشيخ نصر بن سجميمان النفوسي رحمه الله.
ومنهم عبد الله بن سجميمان النصيري أحد علماء المتكلمين أخذ العلم عن أبي عمرو عثمان بن خليفة وهو أحد الشيوخ الذين عرض عليهم كتاب السؤالات. وفي كتاب السؤالات: إذا شهد شاهدان فتغيرا وتغير أحدهما فإني أحكم بشهادتهما وأما إذا رجعا أو رجع أحدهما فلا أحكم بشيء إلا فيما لا يقول الحاكم: حكمت بكذا كالطلاق والعتاق والنكاح والخلافة والوكالة والموت والنسب. قال أبو محمد عبد الله بن سجميمان النصيري: قال بعض العلماء إذا تغير بكبيرة النفاق فلا أحكم بشيء وقال: من بات في منزل فيه (1/486)
صفحة 487
فتنة هلك ومن صوب مقالة مخالف أو قال خير منا كفر.
ومنهم أخوه عبيد الله بن سجميمان كان شيخا مذكورا.
ومنهم أبو موسى عيسى بن سجميمان النفوسي النسب الوارجلاني المسكن سئل عن كفارة من وطئ في الحيض قال يتصدق بخمسة دنانير وقيل: أربعة وقيل: بثلاثة وقيل: بدينارين وقيل: بدينار وقيل: بنصف وقيل: بربع وقيل: بشيء ما. قال القاضي أبو الحسن العماني: لا بأس عليه في الأولى والثانية وحرمت عليه أبدا في الرابعة وفي تخصيص حكم الرابعة نظر إن كان من قياس.
وممن أخذ عنه أبو عمرو وروى عنه أنه روى عن ابن زرقون: من صلى الوتر قبل مغيب الشفق كمن لم يصله وسأله أبو عمرو ما حكمه؟ قال: فرض ولا يكفر تاركه كرد السلام.
ولابد عنده من حفرتين لحاجة الإنسان.
ومنهم أبو يعقوب يوسف بن زرار النفوسي من مشاهير أهل زمانه وممن يقتدى بأفعاله زار وارجلان فتعجب من ظهور صلاحهم وتعميرهم مساجدهم وشدة تحفظهم على العبادات وكثرة القراءة فقال: كيف نجت من الشيطان، فأقام بها وخالط أهلها وعلم أمورهم وقال: هنا استوطن الشيطان وأطلق في الأرض عمَّاله.
ومنهم الشيخ أبو عمران موسى بن محمد زوار إلى الأخيار مشهور عندهم في الأبرار ذكروا أنه زار أبا عمار عبد الكافي هو والشيخ عبد الله بن سجميمان فوقع سؤال عن معنى قوله عليه السلام لا يزال الدنيا والدين قائمين ما لم ما لم ما لم فأجاب أبو عمار ما لم يعظِّم أبرارُهم فجَّارَهم، وما لم يرخِّص خيارهم لأشرارهم، وما لم يَمِلْ قرَّاؤهم إلى أمرائهم، فإذا فعلوا ذلك فعليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. وأوصاهما بوصايا وأفادهما حكما وعلما اطلبها (1/487)
صفحة 488
في المطولات.
ومنهم أبو الربيع سليمان بن شاكر الفطناسي وعندي الشك في اسم أبيه كان شيخا آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر مسكنه تجديت قال أبو سهل وأبو نوح إن موضعا مشاعا بتجديت فغاب الشيخ سليمان فاتفقوا وعمروه بالغرس وغيره فلما قدم عاب فعلهم وأنكره ووقف بباب المسجد وقال: ما هذا الحدث؟ فأجابه الشيخ أيوب بن أبي عمران بأن ذلك جائز وكان الشيخ أبو يعقوب يوسف بن الشيخ يعقوب حاضرا فقال له: ما حفظت من شيخك وارسفلاس بن مهدي النفوسي قال: قال: إن اتفق أهل المشاع على غرسه جاز وتجري عليه أحكام الملك كلها وإن عاد خرابا رجع إلى المشاع.
و تجديت موضع معلوم بقبلة أريغ وليست ببعيدة منه واجتمع فيه من أهل الدعوة والعلماء والطلبة وأهل الصلاح ما لم يوجد في غيرها وعد فيها مائة عالم لا يرد أحدهم مسألة إلى الآخر إلا من جهة الأدب والكِبَر. وفيها قبر أبي نوح ومائتين يحفظون مائتي كتاب وثمانين طالبا توأما وسائر الطلبة كثيرة، ويحضر الصلاة ثلاثمائة فارس وإذا كبر تكبيرة الإحرام نفرت المواشي وهي قريبة من آجلو في الذي اعتقد [كذا] وهذا في زمان واحد.
ودخل عامل لصنهاجة ورأى كثرة العزابة وكثرة الحلق وضيق الموضع فاعتقد أنهم يدنسون وجه الأرض بالخلاء والسماد فدار فيها وحواليها فلم يظفر بشيء مما تكرهه عينه وتعابه نفسه فقال وقد مد يده بسيفه: ما يخاف الناسُ إلاَّ من هذا أو من الله، فهذا يعني السيف ليس هذا موضعه، وما منعهم من ذلك إلاَّ خوف الله. وكانوا يحفرون ويدفنون حاجاتهم ومن أدبهم التبعُّد والحفر والدفن.
وروى عن الشيخ عيسى بن (1/488)
صفحة 489
سجميمان أنه يحفر موضعين ولا يخلطهما فإن ذلك يمنع إجابة الدعاء.
وروى أبو عمر عن أبي العباس لا يدخل جنات الناس التي عليها الجدرات أو الحظائر إلا أن تخطا ولم تصل الجدرات مقعدته.
أبو عمر عن زكريا بن زكريا الزواغي أن يحفر حفرتين عميقتين ويدفن ما فعل فيهما ولا يشمه من قعد إليه ورائحته تضر البواسير لمن أطال القعود.
وعنه عليه السلام: ارتدوا لبولكم واستجمروا واستتروا واستبرئوا فكل ذلك محفوظ عنه عليه السلام.
ومنهم الشيخ أبو يعقوب يوسف بن يعقوب بن تيمال التتجري أخذ العلم عن ورسفلاس بن مهدي ففاق أهل زمانه، وعد في خيارهم. وذكروا عنه أنَّ البغاة إذا قُدِرَ عليهم أن تؤخذ عُدَّتهم فيُحفر لها وتدفن. وأفتى في وديعة الميت إذا غاب بعض الورثة ولم يعلم موضعه أن يبرأ من هي عنده إذا أعطاها لمن حضره وتقدَّمت مسألة المشاع وما نقل فيها عن شيخه ابن مهدي النفوسي وكانت إقامته عنده اثني عشر عاما. ولأبي يعقوب أخبار وأفعال وأقوال حسنة.
ومنهم ابنه أبو العباس كان شيخا مفتيا عالما شهيرا مذكورا، سأله أهل تفركاتين إن لصاحب الأرض نقصان أرضه إذا حرثت بالتعدية والزرع لصاحب البذر ولصاحب الذكَّار قيمته والفحل الحرام لا يحرِّم النسل فعارضه أبو العباس بن محمد وأنكر ذلك.
روى أبو سهل عن الشيخ أبي رحمة عن الشيخ أحمد بن يوسف أنه يفتي لأهل البدو أن البذر الحرام لا يجر الحرام والفحل الحرام يجوز إنزاؤه، والبقر الحرام يجوز الحرث بها.
وروى عنه أبو نوح أن المسكَّك من الدنانير والدراهم لا ريبة فيها ولو كانت من الجائرين. وأفتى في قاتل الكلب المعلَّم أن عليه أربعين (1/489)
صفحة 490
درهما، وما رُبِّي للضرع أو الزرع فعليه كبش ولا شيء في قاتل غيرهما من الكلاب وأفتى فيمن أفسد شيئا من حيطان المسجد أو حبسها لا يجزيه إصلاحه بل عليه القيمة ونزع التباعة بعد الفعل
روى الشيخ عبد السلام عن الشيخ أحمد بن يوسف عن صالح بن عبود عن عبد الله بن لنت أن ليس علينا من الرامي بالشرك أو بالزنا شيء إذا لم يكن المؤمن متولى.
وروى الشيخ عبد السلام عن أحمد بن يوسف عن عبود عن صالح بن عبد الله بن لنت عن الشيخ عبد الرحيم بن أبي منصور قال: رأيت أبي خرج من قبره قائلة فاتبعته نظري حتى بلغ قبر أبي يعقوب يوسف بن خليل فغاب عني وقال أحمد بن يوسف من قال بعد صلاة الصبح أربع مرات: اللهم إني أشهدك وأشهد ملائكتك وحملة عرشك وأنبياءك ورسلك وجميع خلقك أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك وأن محمدا عبدك ورسولك وما جاء به حق من عندك عتق من النار.
ومنهم أبو عمران موسى بن زكريا تقدم التعريف بأبي عمران موسى بن زكريا المعاصر لأبي نوح وهو المشهور ويحتمل أن يكونه وهو الأظهر وأن يكون غيره وهل هو ابن أخي أبي يعقوب المذكور أو لا.
وذكر أنه أول من أحدث بيع الرجوع وفي المعلقات: اشترى جنانا بأربعين فلما حضره الموت قال لأولاده: إن أعطاكم في الجنان ستين فردوه وإلا فلا.
وسأله أبو سليمان بن زمرين عن تمر بال عليه الجديان قال: تنقيه الشمس والريح. قال: رزقك الله الجنة يا شيخ.
وذكر أبو نوح أن أبا عمران إذا قام من المجلس ورجع من حاجة الإنسان فيتوب إليه الشيخ سليمان بن عبد الله بن بكر إذ أخرجه الأشياخ لأنه أفتى مسألة الثنيا بتجديت فيقول أبو عمران أي شيء أفعل؟ وما قبلوا (1/490)
صفحة 491
إلا بعد اثني عشر عاما وانتشر ما فعلوه به لفتياه ثم قبلوا منه.
ومنهم ابنه أبو يعقوب يوسف كان شيخا عالما مفتيا.
وروي عنه أنه قال: إذا قال من أبصر الهلال أول ليلة: أستغفر الله من الذنوب إن شاء الله من الإيمان لوجه الله عملي إلى آخر الشهر نفعه ذلك. وسئل عمن رمى صيدا فتوارى عنه فوجده ميتا فقال يؤكل، والمشهور خلافه. وعنه: إذا لم أزدد علما في يوم فلا أود نفسي أن آكل من ذلك اليوم. وكان مؤثرا صغيرا أو كبيرا متقيا شهيرا في الخير شهد فيه أبو العباس قال: ما رأيت من يضع الأدب موضعه غير يوسف. وشهد أيضا يحيى بن بشير قال: لو كان الناس صفا وجررت يدك عليهم ما أخذت غيره. وشهد فيه أيضا سليمان بن يخلف قال: ما رأيت من يشبه الأولين إلا يوسف. وشهد داود بن أبي يوسف قال وقد رأى فرجة في المجلس فأراد أن يسدها: ادنُ يا حبة زاكية، هذا إذا كان فتى.
ومنهم أخوه أيوب بن أبي عمران سأله رجل غرف زيتا من خابية ثم بعد ذلك وجد فأرا ميتا ما اغترف منها ينتفع به لأنه يحتمل أنه سقط بعد ما غرف. وعنه أنه يجوز إذا زاد على المكيل البيعتان بكيل واحد والمشهور عدم جواز البيعتين بكيل واحد سواء زاد في المكيل أو لم يزد ومن تورعه أن زناتة أخذوا غنمه فأتاهم فردوا له وقد ولدت عندهم فرد أولادها كراهة الفحل واسترابته، وفرق الغنم على الضعفاء حتى انقضى اللبن وانقطع لأن اللبن للفحل.
ومنهم خليفة بن أيوب بن أبي عمران ابنه كان عالما ورعا عاملا وعنه: من كشف ما بين السرة والركبة هالك. وعنه: من عصر عنبا ونواه خمرا فشربه فهو هالك ولو شربه من حينه. وقال أيضا: يحدُّ، وهو (1/491)
صفحة 492
خلاف المشهور لأن الحد على السكر.
ومنهم عبد الرحيم أخو أبي عمران المذكور شيخ مذكور وفي نسبهم مشهور.
ومنهم يصلن بن عبد الرحيم هؤلاء من بني زمان وهم من ذرية ييران عامل الإمام عبد الوهاب دار علم وتقى وشهرة في الخير والإسلام لم ينقطع ذلك منهم وتقدم التعريف بييران ويكتب بياءين الأولى مكسورة وبعضهم يكتبه بهمزة مكسورة وهو القياس والصواب إن شاء الله وهل منهم أبو يعقوب يوسف وابنه أحمد أو لا فيه شك ومعنى إيران جمع آر هو الأسد بالبربرية.
ومنهم الشيخ أبو طاهر إسماعيل بن أبي زكريا شيخ فاضل شهير مذكور في الصالحين أفنى عمره في طاعة ربه.
وذكر أن الشيوخ سمعوا أنه أكل طعام النكار فأرسلوا إليه بالهجران فلما أتاه الخبر وكان شيخا كبيرا قال لابنه أيوب ارحل لي على الناقة ومسكنه بوارجلان ولكنه خرج إلى الربيع فركب وقاد به ابنه أيوب حتى أناخ على مسجد تاماست ولم يكلم ابنه إلا أن قال الطريق يمنة أو يسرة خشية كسر هجرانهم ووقف على باب المسجد يتوب ويتضرع ويسألهم القبول عنه ولا يزيد على التوبة وهم يعاتبونه ويلومونه ويقول تبت ولا أعود آجركم الله فقبلوا عنه ورضوا عنه ثم قال لهم بعد أن قبلوا يا مشيختي لم أفعل شيئا مما بلغكم ودعا على من نسب إليه ذلك أن لا يميته الله إلا بالحاجة فنفذت فيه وفي ذريته دعوة الشيخ. أسأل الله العصمة. وكفاك فضلا وتقى في شيخ لم يجدوا له عيبا يعاب به إلا أن نسبوا إليه أنه أكل طعام مخالف وهو أعظم مباح وله فضائل اطلبها في الكتب المبسوطات.
وأوصاه الشيخ (1/492)
صفحة 493
محمد بن بكر إذا فارقه أن اتبع الأخيار وإن عدمت فشارك إن وجدت أعوانا وإلا فتقدم إن وجدت من يتبعك وإن عدمت الجميع فاستقم وحدك والزم الطريقة.
ومنهم أبوه أبو زكريا وهو من المشايخ المذكورين ومن الأئمة المعدودين.
ومنهم ابنه إبراهيم بن إسماعيل وهو أيضا من الأشياخ المشهورين.
وروى الشيخ إبراهيم عن الشيخ جنون بن يمريان أنه قال في رجل تحرك وقت الدعاء في المجلس عنده من منعنا حلب ناقتنا بعد أن درت.
ومنهم أبو عبد الله محمد بن إسماعيل ابنه وهو أيضا من المذكورين.
ومنهم أبو عمران موسى بن إسماعيل وهو أيضا من المذكورين.
ومنهم أبو يعقوب يوسف بن إسماعيل وهو أيضا من المذكورين في التعريفات بالأشياخ.
ومنهم أيوب وتقدم التعريف به بأشبع كلام وإنما ذكرناه هنا لأنبه على أنه من بني إسماعيل بن زكريا.
ومنهم أبو حمزة إسحاق بن إبراهيم بن إسماعيل كان شيخا فاضلا وعالما عاملا روى أبو زكريا عن خاله أبي حمزة إسحاق بن إبراهيم أن الشيوخ ينهون عن معاملة ثلاث قبائل من البربر بني غمرة وبني ورسفان وبني ينجاسن لأنهم كالأعراب في الغصب والغارة، قال: وإذا غسلت لتأكل فتبين لك أنه طعام بعضهم فارفع يدك ولا تأكل.
وعن أبي زكريا عن خاله أبي حمزة قال: تكلم الشيخ يكنون آمرا للجماعة وقد استقبلوا الشتاء أن يَكْرُوا جمالا للعرب يحملون حطبا للمسجد فسكت الأشياخ ولم يعب عليه أحد فتكلم الشيخ أبو حمزة قال: معاذ الله أن نحمل الحطب على جمال للعرب ونقده في المسجد ونسخن الماء للوضوء ويصعد معنا دخانه ونقد المصابيح وننظروا إليه [كذا] الكتب يريد أن هذه الأفعال (1/493)
صفحة 494
طاعة ولا يتوسل إليها بالريبة لأن ما بأيدي العرب ريبة. ولما بلغ قوله أبا صالح يعلو صوَّب إنكاره وقال ما بأيدي العرب ريبة عند جميع أهل الدعوة.
وروى أبو حمزة عن رجل من بني واشية قد سأله عن جعراف أنتم في وسطه تصل المياه من واديكم إليه ومن قصده من هنا يضل عنه وجعراف موضع بالرمل وقيل إن المسلمين أعني أهل الدعوة في آخر الزمان يجتمعون فيه وتقدم التنبيه عليه.
ومنهم عمار الزواغي كان شيخا فاضلا روى ماكسن بن الخير عن عمار الزواغي قال أقبلت مع قافلة من طرابلس فسبقت إلى الماء فرأيت بالبئر طيورا موتى فأدليت الإناء فحركته فذهبت في غيابات البئر فملأته فشربت فلما دخلت جربة قصدت الشيخ أبا موسى عيسى بن السمح فسألته فقال: ما فعلت هو المعمول به وقال عمار لحافظ القرآن أردت أن أعرض عليك قراءتي فتسمع له فقال ما رأيت قراءتي؟ قال قراءتك لقوتي يعني أنه لم يحسن قال آمين فابتلاه الله باللقوة ورجع فمه إلى أذنه فبلغ الأمر حتى ربط دينارين لمن يقتله نعوذ بالله. والرواية فيه كل قراءة قرأتها ياعمار تنقمني وله أخبار وفضائل.
ومنهم ابنه الشيخ سعيد بن عمار وزمانهما مع أبي القاسم بن أبي زكريا والشيخ أبي عبد الله محمد بن بكر.
وذكر عنه أنه أجاز لمن كان في الماء أن يتوضأ فيه إلا غسل وجهه ففي غسله في الماء قولان. وعنه: من قال لمتولى يا إنسان سوء يبرأ منه. ورخص لمن يرد قطعة لحم في المنديل من غير إذن صاحبه.
ومنهم ميمون بن تجار كان شيخا عالما مفتيا عاملا.
وروى عنه أن من حضر عرسا فإنه يغتسل ومن أعطى ثيابه لرجل حضر العرس أو لامرأة (1/494)
صفحة 495
فلا يصلي بها حتى يغسل.
وروي عنه: من تعرى لنار موقدة هلك، وإن كان تعرى لجمر عصى، ومن تعرى للمسجد عصى، ومن تعرى للكعبة هلك، ومن جاز على الموضع الذي تغتسل فيه النساء أعاد الوضوء.
ومنهم أبو سفيان محبوب بن أبي عبد الله السدراتي لم أحفظ له كنية وأنا كنيته بأبي سفيان كان شيخا مذكورا أَخَذ العلم وأُخذ عنه ورُوي عنه.
وذكر أنه سأل الشيخ أبا عمران موسى بن أبي زكريا حين قدموا في شأن بنيان المسجد إذا بنوه واجتمع الناس إليه فهل لمن داره خلف المسجد الأول يتعداه إلى الجماعة؟ قال له: عليك بالمسلمين عليك بالمسلمين فإنهم أفضل.
وذكروا عن الشيخ محبوب أنه قال: المداهن آمر وشريك ومسهل للخطيئة. وعنه: البدعة شر من الزنا والسرقة وشرب الخمر؛ لأن مثل هذه يتوب ويستغفر الله منها والبدعة قلَّما يتوب صاحبها منها.
ومنهم عبد الله المدوني شيخ منقاد إليه وأسوة لمن سلك السبيل أن يسلك عليه.
وذكر أنه سئل عمن وجبت عليه رقبة فاشتراها فإذا هي من أرحامه قال تجزيه قال أبو محمد ويسلان هذه فتيا الرعاء. قال أبو محمد عبد الله المدوني ما وجدها أولاد الشيوخ فكيف بالرعاء تعريضا بأبي محمد ويسلان وهذا الشيخ في عصر أبي زكريا بن أبي مسور.
ومنهم أبو حفص عمروس الزواغي وهو ابن عبد الله كان شيخا مذكورا في أهل الخير والصلاح. وفي المعلقات: دخل جربة زائرا أبا محمد كموس فقال له آجرك الله آجرك الله ياعمروس لقد أزلت عني ما أجد من الوحشة، قال له: وهل يزيل أهل هذه الزمان الوحشة؟ قال: لا تقل ذلك، من صلى الصلوات الخمس في أوقاتها وكف عن الذنوب فقد ملأ ما بين السماء والأرض عبادة. قال أبو الربيع (1/495)
صفحة 496
زار عمروس أبا عبد الله بن مانوج فقال له: ما حالك ياعمروس؟ قال بخير قال اتق الله فإنها لك جُنَّة، وأحسن العشرة للناس. قال: ومن الناس قال فهمتها ياعمروس المسلمون هم الناس. وهذا الشيخ في عصر أبي زكريا أيضا.
ومنهم أبو العز بن حدولة عالم كبير وشيخ جليل بحر ملتطم الأمواج لكنه عَذْبٌ فراتٌ في عصر أبي نوح إلا أنه أسن وسأله أبو نوح مرة هل يقال الله بالبربرية: يزر يدر قال: يقال سميع بصير حيٌّ فجبذه أبو نوح فقال: ذلك جائز، فغضب أبو العز فافترقا فأدرك أبو يعقوب بن نفاث أبا العز فقال: اصبر فإنَّ أبا نوح كالإمام، فسلاَّه، فأخرج الشيوخ أبا نوح إلى الخطة لتعجيله بالجبذ فتاب فردوه، وفي المسألة خلاف.
ومنهم أبو محمد يتر شيخ وارغلاني كان صالحا متقيا ورعا حزيما مجتهدا من حزمه حفر سبعة آبار في المواضع القليلة المياه وحيث لا يوجد، وأعتق سبع رقاب وبنى سبعة مساجد وأنفذ وصيته سبع مرار، وحج سبع حجات.
وذكر أنه في أيام شبابه زار الشيخ جنون بن يمريان فقال له: إنكم في يطوفة فارهون في تنقية النخل وصرمها فاصرم لي منها بعضا، فطلع ونزع السل وأراد قطع العتاكيل قال: هل تحسن غير هذا؟ قال: لا. قال: انزل، فنزل فطلع جنون فنقاها من الليف والكرانيف والجريد اليابس وكنسها من جميع ما سقط فيها من اللولو ثم قطع العتاكيل.
ومنهم أبو إسحاق إبراهيم بن يوسف الويسيليني شيخ تقيٌّ وإمام زكيٌّ مؤثر للفقراء وذوي الحاجة على نفسه وعياله طمعا لمرضاة ربه مع ما بهم من الخصاصة.
وذكروا أن شدة وقعت في زمانه وكان معاصرا لأبي الربيع سليمان بن يخلف وكان يؤثر العزابة وابن السبيل والعواد فضاع وضاع عياله (1/496)
صفحة 497
فأجهدوا، وأما أبو الربيع فآثر عياله فهزل وأجهد ونحل وسمن عياله.
ومنهم ابنه أبو إبراهيم إسحاق بن إبراهيم وكان شيخا مذكورا وعالما مشهورا.
ومنهم إبراهيم بن إسحاق ابنه وكان من أهل العلم والصلاح والتابعين لسبيل الخير والفلاح.
ومنهم المعز بن حبيب أبو الربيع كان زاهدا عابدا صالحا دَيِّنا جدًّا، وكان محتاجا فقيرا قال: وطلبه غريم له بدينار فقصد صديقا له عزابيا وهو يونس بن أبي موسى بن أبي عمران وكان فقيها عزابيا وتقدم التعريف بأبيه وجده وكان ذا مال عظيم فلما كلمه عبس وتغير بعد أن أظهر بشاشة وتبسما وقال: ما عندي شيء، فصرفه بلا شيء فغير الله عليه نعمته بعد ذلك بعد أن كان مرة جمع خلق أثمان ما باع من تمر فجعل منها بردعة أعني الصرر التي ألقوها إذا أخذوا ما فيها.
ومنهم أبو عبد الله محمد بن بكار الزواغي من أعداد العلماء المذكورين وممن يكابد أحوال الدنيا. أبو الربيع قال: وحدث أبو عبد الرحمن أو غيره طالبه بعض غرمائه بدينار فلم يجد عنده ما يقضيه فبادر صديقا له غنيا كان يمنيه قبل فصرف ذلك إلى المعاذير فرجع من عنده صفر الكف متحيرا لا يدري ما يصنع فالتقاه أبو عبد الرحمن في تلك الحال وقد ظهر بعض ذلك على وجهه فسأله عن تغيره وأخبره بمطالبة الغريم وعدم وجود الوفاء وقلة إنجاز ما يعد صديقه وكان عند أبي عبد الرحمن دينار واحد فبادر إلى موضعه فدفعه للشيخ وفتح الله على أبي عبد الرحمن من هناك قال ولم أعدم في ذلك الموضع دينار إلى يومي هذا.
ومنهم أبو عمران (1/497)
صفحة 498
وسلي وكان من المذكورين في الفضائل والمعدودين في الأفاضل روى الشيخ موسى عن الشيخ أبي نوح سعيد بن زنغيل قال: الوتر فريضة وهو قول ابن محبوب فمن تركه متعمدا ولم يصله من حيث فرغ من صلاة العشاء حتى يطلع عليه الفجر فهو هالك وذلك أحب القولين إلينا لثبوته من سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد تقدم أن الشيخ عيسى ابن الشيخ سجميمان النفوسي روى عن ابن زرقون أن من صلى الوتر قبل غياب الشفق ولم يعد له حتى طلع الفجر فهو والتارك له سواء. وسأله أبو عمرو عن الوتر ما حكمه عندك؟ قال فرض من سنة النبي عليه السلام فقلت له: فمن طلع عليه الفجر ولم يصله قال أذنب وليس بهالك عندي أي لا أصرح بهلاكه كترك رد السلام وغيره من ترك الفروض التي لا يصرح بهلاك تاركها.
ومنهم أبوه الشيخ وسلي قال أبوه لا أدري من أين نقلت هذا الشيخ وبحثت حين التصحيح عنه فلم أظفر به.
ومنهم أبو يعقوب يوسف بن محمد صاحب علم وروايات وهو صاحب التقييد الذي ذكرت فيه أشعار الأشياخ بالبربرية. يروى عن أيوب بن إسماعيل وغيره وعن أبي يعقوب: سأل رجل نكاري إسماعيل بن زكريا أأنت في دينك أم هو فيك أو تلبسه أو تخلعه أو وراءك أو قيدك ولم يسمع قبل فيهن شيئا فتفكر فأجابه أنا في ديني أي أعلمه وهو في وقيدني أي لا أتجاوزه إلى غيره ولا أنبذه ورائي ولا أخلعه ومن أراد بسط كل رواية ومن رويت عنه فعليه بسير المغاربة.
ومنهم أبو يعقوب يوسف بن محمد التناوتي وليس هو يوسف المذكور قبله لأن ذلك وسياني متأخر هو الذي أملى كتاب السؤالات وله كثرة الروايات عن (1/498)
صفحة 499
الأشياخ إما بواسطة أو مشافهه وشهرته كافية. وأيضا روى عن أبي عمار عبد الكافي ويوسف بن محمد جدِّ أبي عمار.
وهو أبو عمار بن أبي يعقوب يوسف بن إسماعيل بن أبي يعقوب يوسف بن محمد وكلهم علماء أما أبو عمار فتقدم التعريف به لكونه أشهرهم لكثرة الآخذين عنه وكثرة تآليفه وكثرة أجوبته المفيدة وأما أبوه يوسف بن إسماعيل فقد ذكر في جملة الأشياخ المتقين ومن المخلصين المستجابين. ومن كراماته أن نظر إلى خاله يوسف بن إبراهيم قاضي وارجلان ومفتيها في شدة البرد وعليه حولية وهو شيخ وعنده كساء في مزود عجيب فأخذها وأعطاها لخاله وترك المزود منفوخا خوفا من أمه زمانا فأراد نزع المزود فإذا كساء عجيب فبادر إلى خاله فإذا الكساء عليه وبينهما بون بعيد وذلك بفضل الله.
وتقدم أن بعض شيوخ نفوسة أعطى جبة فرجع له أحسن منها وأظن أنه مات وأبو عمار غائب بتونس وكان غنيا كثير المال قيل يبعث لأبي عمار كل عام ألف دينار وأما جده إسماعيل بن يوسف فهو أيضا من علماء المسلمين ومن ذوي الكرامات التي لا تنسب إلا للعارفين.
وذكر أبو زكريا عن ابنه يوسف بن إسماعيل عن خاله يوسف بن إبراهيم بن الطاق قال: حضرت دفن الشيخ إسماعيل وكنت ممن وضعه في قبره فلما سددنا اللحد عليه أدخلت يدي لأميط عنه ما يلحقه من المضرة فلم تصله يدي فمددتها جهدي فلم أدركه، وتقدم في دفن الشيخ النفوسي الذي من تمصمص إذ أنزله الشيخان تملوشايت فلم يبصر أطراف القبر (1/499)
صفحة 500
وتضوع القبر عطرا.
ومنهم الشيخ حمو بن أفلح كان شيخا من بني مطكود ذكر أبو زكريا أنه سأل الشيخ عن وصية الميت بالحج هل للخليفة أن يبعثها في هذا الزمان قال من أرسلها حيث انقطعت الطرق وتعذرت السبل فهو لها ضامن، قال لكن يتصدق بها على الفقراء.
ومنهم الشيخ أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم بن الطاق السدراتي قاضي وارجلان تقدم أنه من الذين أنزلوا الشيخ إسماعيل بن يوسف في قبره وأخبر أن القبر اتسع بحيث مد يده ولم يصله.
ومنهم الشيخ إلياس بن عبد الله اللواتي كان شيخا صالحا مذكورا في الأخيار والأبرار.
وذكر أبو يعقوب أن عزابيا رأى في المنام من علَّمَهُ دعاء وأمره أن يدعو به ينفعه لدنياه وأخراه: وهو اللهم اغفر ذنبي، استر عيبي، أسعد روحي، وسع رزقي، وفر عملي، أصلح شأني، فرج همي، أكشف كربي، سهل موتي، أمِّن خوفي، حقق طمعي، اشكر سعيي، سلم ديني، اقض ديني، علم جهلي، قو ضعفي، اكشف كربي، قدس روحي، زكِّ عملي، اقبل عذري، انظر لي، قوِّ ظهري، خلص جسمي، نج بدني، رو عطشي، أشبع بطني، أنِّس وحشتي، اقض وطري، أرشد أمري، جدد عزمي، هب لي عظمي، اشرح صدري، يسر أمري، ثقل وزني، خفف حملي، لين غلظي، سخ شحي، وفر حظي، أسعد بختي، سكن وجعي، عظم أجري، أذهب حزني، اجمع شملي، قر عيني، الطف بي، اقبل مني، غنمني ربي، زدني علما، اصرف عني، اهد قلبي، بيض وجهي، والمسلمين والمسلمات يا أرحم الراحمين، فقام من نومه وقد حفظها.
وذكر أنه الشيخ إلياس بن عبد الله اللواتي رحمه الله وتقدم أن أبا العباس أضافه هو والشيخ إسماعيل بن علي النفزاوي فقدم لهم لحم جمل (1/500)
صفحة 501
فأبى أن يأكله تورعا من كونه عن العرب وما بأيديهم ريبة والشيخ إلياس متقٍ زاهد كان وممن يسارع لاتباع المؤمنين وموافقتهم.
ومنهم أبو يعقوب يوسف بن فتوح ممن يسكن وارجلان ويروى عن أبي سليمان داود بن أبي يوسف وكان يؤذن عنده فسأله هل يؤذن؟ وقد رأى سحابة في السماء قال له إياك والبدعة قال: وتركت الأذان. وهذا الشيخ واغلاني وهو من المذكورين في أهل الفضل والعلم من المسلمين.
ومنهم الشيخان الأكرمان القدوتان أبو سليمان داود بن مصالة وابنه أبو عروس وتقدم التعريف بأبيهما مصالة وأنه من الأئمة العشرة وكان الشيخ داود صديقا موافقا لأبي محمد اللواتي وتقدم التعريف بأبي محمد وأنه شيخ زمانه ووحيد عصره وإن مبسوط أخباره يحتاج إلى إفراد تأليف وكان من قضاء الله وقدره أن ماتت أزواجهما في شهر واحد وبقيا بعدهما أربعة أعوام فماتا في عام واحد وشهر ويوم وساعة واحدة.
ومنهم الشيخ الشهير العالم العلامة الكبير أبو رحمة حنيني شيخ وارجلان فائق وإمام من أهل التحقيق صادق تعلم العلم والكلام وعلمهما وهو في عصر أبي عمار وأبي يعقوب يوسف بن خلفون.
ومما يروى عنه: ((أن من ضرب امرأة وأسقطت النطفة عليه عشرة دنانير والممتزج أربعة عشر والعلقة أربعة وعشرون والمضغة أربعون وإن امتد فستون والمصور ثمانون والمنبت مائة وإذا نفخ فيه الروح فدية كاملة)) وقال فيمن أفسد غرست أكلت عاما أن عليه دينارا وكلما زادت عاما زادت دينارا إلى خمسة دنانير لخمسة أعوام ثم بعد ذلك قيمتها أربعة دراهم وإن أفسد المواشي (1/501)
صفحة 502
بالمشي زرع قوم بين جمال وغنم وذي حافر ففي كل جمل أربعة دراهم وفي الرمكة درهم ونصف وقيل ثلاثة وفي الغنم كل عشرة بدرهم.
وقال: الطعام الذي يصنع للعزابة يأكل المتقدمون نصفه ويترك مواضع الأكل كما هي قال عبد الله بن محمد يسوي موضعهم كما سويت قبل لئلا يتغابن التابعون قال أبو عمرو للأولين ثلث طعامها.
وقيل: ثلاثة لا غربة معها: اجتناب الريب، وكف الأذى، وحسن الأدب. وقال الشيخ يوسف بن محمد عن الشيخ عمران بن علي عن أبي رحمة فيمن جعل الوهبي نكاريا أو العكس أنه كافر ويقول غيره في العكس كذب وأخباره ورواياته ومناقبه كثيرة فاطلبها في البسائط.
ومنهم إبراهيم أبو إسحاق بن رجا كان شيخا متقيا ذا كرامات قيل أذاه ذئب في جنانه فدعا عليه فأصبح ميتا وهو مذكور في المستجابين الدعاء.
ومنهم ابنه إسحاق بن إبراهيم.
وذكر عن الشيخ أنه ارتفع إليه رجل وامرأته وقد خوفها قبل على ترك صداقها فأشارت إلى الشيخ إسحاق خفية أنها مكرهه فتركت له ثم بعد ذلك خاصمته وارتفعا إليه ثم قال للشيخ تركت بين يديك قال أخبرتني أنها مكرهة فقضى عليه به.
ومنهم ابنه أبو إسحاق إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم بن رجا وقال أبو الربيع أظن تجولت سنة أربع وسبعين إلى وارجلان خوفا مما ألقى من عسكر أبي الذئب فجلست قدام مسجد تماواطت عند أبي إسحاق إبراهيم بن إسحاق فقال كثيرا ما يحرضنا والدنا ويوصينا أن لا يبرح من دارنا جمل وثمن آخر وإن عدمتم فبيعوا خيار ما معكم لأن أمر جعراف يذكره المسلمون فإذا (1/502)
صفحة 503
انقطع ذكره جاء فجأة وعلامته إذا تحركت الأرض بالعساكر وزلزلت وموج أمر الناس.
ومنهم الشيخان الأفضلان مصكوي الزنداجي وينكول بن عيسى كانا مذكورين في الأخيار وكانا متصادقين متوافقين كل واحد يقوم اعوجاج صاحبه إذا أخطأ.
وذكر أبو زكريا عن أبي الربيع عن قاسم بن منكود أنه قال أضافنا مصكوي الزنداجي في الزاب ونحن في جماعة من العزابة ومعنا الشيخ سعيد بن يخلف والشيخ ينكول بن عيسى فلما قدم لنا الطعام ونزعنا الطبق قال أبو نوح سعيد بن يخلف وكان على الطعام لحم صلا ذبحت لهم على الإسلام فإن كانوا من أهله استحقوه وإلا حصل لك ما تطلب وكان يميز بين لحم المريض والصحيح وكان الشيخ مصكوي واقفا على رؤوسهم بالإدام فطأطأ برأسه حياء مما قال له الشيخ ينكول ارفع رأسك كيما يرونك وهذا لأن اللحم الذي قدم إليهم كان عن مرض ونظيره ما وقع لأبي صالح أضاف العزابة وعنده لحم وقع عنده من مرض فقال اذبحوا لهم شاة لفضل إهراق الدم للمسلمين فيما روى أبو زكريا عن أبي الربيع عن أبي محمد ويسلان ابنه.
ومنهم أبو عبد السلام سمداسن بن يخلف المغراوي كان شيخا فاضلا عالما متقيا آمرا ناهيا فله الكلام إذا اجتمع الأشياخ على مهم.
وذكر أنه قال أشير على من يعلم كيف يتكلم أن يسكت، ومن لا يعلم لا يحضر البتة.
وذكر أن مغراوة اجتمعت بأسرها إذ أخرجهم المشايخ إلى الخطة لشروط شرطوها عليهم، وفيمن أخرجهم أبو العباس بن أبي عبد الله وعبد السلام بن وزجون ويحيى بن ويجمن ويونس بن أبي الحسن وأمثالهم -زيادة من سير المغاربة (1/503)
صفحة 504
زادها الناسخ أثر خط عمنا محمد- فقالوا للشيخ سمداسن: تكلم يا أبا عبد السلام قال: اتفقتم على أن رددتم إليَّ الكلام؟ قالوا: نعم، فأمرهم بإيفاء الكيل وتقديم أولي العلم والفضل وترك جميع المناكر، ففعلوا وتابوا وقبلوا عنهم. وذكر عنه الكتب المبسوطة.
ومنهم حمودي بن أفلح المطكودي المزاتي كان شيخا ذكيا عالما تقيا.
وذكر أبو زكريا أنه سال الشيخ حمو عن وصية الميت بالحج هل للخليفة أن يبعثها في هذا الزمان قال من أرسلها مع انقطاع الطرق وتعذر السبل فهو ضامن قال لكن يتصدق بها على الفقراء وكان حاذقا حسن الخط.
وذكر أن زيري بن [كلمين] مقدم بني دمر أتاه ليكتب له عشرة كتب إلى الملوك وقد وجده مشتغلا فقال ما تكتب فيها وإلى من؟ فأخبره بمقصوده فانصرف فلما فرغ من كتابتها قرأها عليه فإذا جميعها على وفق مقتضاه ومراده ولم ينقص منها شيئا ولم يترك مما أراد.
وذكر عنه أنه وجد كتبا مقطعة فأكملها من نفسه ثم وجدت غير مقطعة فإذا هي كما كتب أي إما أجوبة فصنع لها أسئلة وإما أسئلة وضع لها أجوبة وإما بعض سؤال وبعض جواب فكمل ما بقي منهما. وسألوه أهل وارجلان في سؤال أبي العباس قالوا يقلع كريمة ويجعلها لقمة ويقلها الشيخ وكريمة اسم جبل بوارجلان.
ومنهم أبو محمد عبد الله بن وانودين.
قال يحيى بن زكريا بن فصيل لم أر عبد الله غضب قط إلا مرة في بني دمر قسم رجل من إفاطمان اللحم بين العزابة فرفع كل واحد من العزابة سهمه إلا عبد الله تركه ليؤثر به من لا وجه له ويستحقه وظن به القاسم غير ذلك فقسمه بين الحاضرين فغضب.
وفي السؤالات وقد سال الشيخ عبد الله بن وانودين نكاري عن موضع (1/504)
صفحة 505
ينفيه ناف فيشرك وآخر ينافق وآخر لا شيء عليه فأجاب الشيخ إنه التوحيد من قال ليس بإفراد أو ليس بمخلوق أو ليس بحركة ولا سكون. وسأله الشيخ فوجم وحار ولم يصنع شيئا.
والشيخ عبد الله هو الفتى المبارك وهو من بني زمور وفي بعض المواضع أنه سينتي ولعل القبيلتين إحداهما أعم من الأخرى وكثيرا ما يتمثل بقول الإمام أفلح:
انشط لعلمك إذ لا بد من ملل ولا تكن من جميع الناس فرارا
وارصد خواطر ساعات النشاط له إذا أردت لبعض القول إنكارا.
ومنهم حمو بن المعز شيخ مفت عالم علامة.
ومما يذكر عنه أن من صلى الوتر قبل مغيب الشفق هلك إن لم يعده وتقدم أنه لا يقال هلك بل هو كمن ترك رد السلام.
وتقدم أن أبا عمرو روى فيها عن عيسى بن سجميمان ليس كل من ترك فرضا يقال فيه هلك. وإن ابن محبوب يرى الكفارة على من تركه.
وروي عنه أن من دخل بلدا ولم يصل أقاربه فيه هلك ومن أخر غسل الجنابة مقدار ما يغتسل هلك ولعل ذلك نهار رمضان.
ومنهم أبو عمران موسى بن علي شيخ مذكور في زمرة العارفين.
روي عنه من قال معرفة محمد - صلى الله عليه وسلم - ليست بتوحيد أو ليس بفرض كفر كفر نفاق.
ومنهم أبو الحسن علي بن أبي علي.
روي عنه أنه قال يبرأ ممن قال بولاية الشريطة وبراءة الشريطة أي لا يتولى بشريطة.
وذكر عنه أنَّ القول الشاذ لا يعد خلافا وأن الرواية الشاذة لا تمنع القياس. ومن قال لمتولى: يا إنسان سوء يبرأ منه. وإن للمرأة الصداق والإرث إذا مات زوجها ولم يفرض لها. ومثله لابن مسعود وروي عن النبي عليه السلام أنه قضى لبروع بنت واشق الأسلمي (1/505)
صفحة 506
بصداق المثل والإرث.
ومنهم أبو إبراهيم مصكوداسن الدجمي وتقدم أن أبا محمد جمالا قال له إذ ترافقا في طريق الحج: أعني على أن أحمل على الجمال قال ليس ذلك من شأني قال وما شأنك إذًا؟ قال الدواة والقلم وحسبك أني كتبت أحد عشر كتابا في عشرة أيام فاستحسن ما أجابه ولم يكلفه شططا.
وروي أن العزابة مرت قدام حيه، فركب فقطع الطريق فعرضهم مِن أمامِهِم فمنعهم من الانصراف حتى أنزلهم فأحسن إنزالهم وأكرمهم.
ومنهم ابنه إبراهيم كان شيخا فاضلا وتقدم أنه رأى رؤيا لأبي سليمان داود بن أبي يوسف بعد موته.
وروي أنه مرض الحصر فثار عليه في طريق العامة فقعد حتى قضى حاجته وذلك في تين بامطوس فيما ذكر الشيخ أبو الربيع وكلما جاز عليه أحد من الناس قال هذا الشيخ إبراهيم كأنهم استقبحوا ما أتى به فانصرف حتى أتى الحلقة فقال يعتذر إذا رأيتم الحليم في موضع يستقبح من مثله فلا تعجلوا عليه فربما نزل به ما لا يطاق من الدواهي. وذكر أن الشيخ إبراهيم قال صعب عليَّ فراق ما بين المائح والماتح فبعد لأي حفظتهما يعني الغارف والجابذ من البئر وصعبت عليَّ أشهر الحرم فقال أبو محمد ويسلان هي التي فيها الأيام التي تصام للفضل وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب هذا في ابتداء أمره وهذا مني غلبة ظن أن إبراهيم بن أبي إبراهيم هو أبو إبراهيم مطكوداسن لاتفاقهما في الزمان ويجوز أن يكون أبو إبراهيم شيخا آخر.
ومنهم الشيخ إدريس بن الطويل السوفي اللواتي كان شيخا فاضلا متحويا ورعا وذكر أن جديانا له أكلت أشجار الناس فذبحها وتصدق على أهل الأشجار بلحومها.
وذكر أن بهما لسارة اللواتية الصالحة صلت فخرجت تبتغيها (1/506)
صفحة 507
وتطلبها فلما طفل النهار وحانت الشمس للغروب تحيرت أين تبيت فقال لها هاتف تبيتين عند من لا قيمة للدنيا عنده وهو مطيع لله مطيع لوالديه مطيع لأهله ووصول لجيرانه فكان ذلك الشيخ إدريس بن الطويل رحمه الله وضلت للشيخ إدريس نعم فخرج في طلبها فبدت له جنية قالت ندع الله فقال لها ادعي أنت قالت الفضل لكم علينا فدعا الله فلما أتم قالت له: الحق جمالك فإذا هي ترعى وتأكل الشجر وأنشدت له شعرا بالبربرية.
ومر على الشيخ إدريس بن زكرار يعني ابن الطويل الشيخ سليمان بن موسى وتقدم التعريف به فقدم له تمرا فيختار الطيب فيقول كلها يا حبيبي لأني إذا أكلتها ضاعت وصارت هزلا.
وروي عن الشيخ محمد بن أبي بكر أن من قبل النصيحة من ناصحه كمن أخذ منه فأسا فخرج يحتطب من الشعراء ومن لم يقبلها كمن أخذه وصار يقطع في جسده.
ومنهم أبو فارس الشيخ عبد العزيز.
وذكر عنه أن طعاما أتاهم في حلقة تجديت فكل من أخذ قطعة أكل منها وترك لمن بعده منها واستوعب بعض النهماء نصيبه ورد العظم فقال الشيخ عبد العزيز لم رددت هذا في القصعة فأمر من هناك أن يقسم اللحم بين المتقدمين والمتأخرين فمن هناك بدوا في قسمة اللحم وسببه ما ذكرت وقيل يأكل المتقدم الثلثين ويترك للمتأخر الثلث والقفار يأكل جانبا ويدع جانبا.
ومنهم أبو سهل يحيى بن إبراهيم بن سليمان بن إبراهيم بن ويجمن فلكونه أشهر لكثرة من أخذ عنه ولتأليف قدمته على آبائه إلى ويجمن أما يحيى بن إبراهيم فمن أئمة وارجلان.
وروي عن الشيخ أبي زكريا يحيى بن أبي بكر الواحد في صفة الله على أربعة أقسام أحدهما (1/507)
صفحة 508
وثانيهما نفي للكمية المتصلة أي ليس بذي أجزاء ونفى للكمية المنفصلة أي ليس بذي عدد والثالث واحد في الصفة والرابع واحد في أفعاله وقيل ثلاثة واحد بالذات وواحد في كمال الصفات وواحد في مخترعاته وقيل أربعة لا يجوز عليه التجزؤ ولا التشبيه ولا يستحق العبادة إلا هو ولا يستحق صفاته إلا هو وله روايات فاطلبها.
وأما جده ويجمن فمن المذكورين والمشهورين وأما جده إبراهيم بن ويجمن فمن كراماته أن رصده يحيى بن محمد ليفتك به لكونه حكم عليه فلما رفع يده ليضربه شلت بقدرة الله حتى انصرف الشيخ والسبب في ذلك إن أبا ذو ناس تقاتل هو ويحيى بن ويجمن ثم إن يحيى لحق بأبي ذي ناس فتجارحا فسجنهما الشيوخ فأجمعوا على ضربهما وتأديبهما قال الشيخ إبراهيم بن الشيخ ويجمن لا يضرب أبو ذو ناس لأنه دافع عن نفسه فضربوا يحيى أربعمائة سوط فلما انتعش راصد الشيخ إبراهيم ليفتك به فشلت يده لما رفعها والحمد لله.
ومنهم داود بن أبي سهل وكان شيخا آمارا بالمعروف ناهيا عن المنكر فيمكن أن يكون أبو سهل هو المذكور ويجوز أن يكون غيره وهو مزاتي.
وذكروا أن الأشياخ عام الزيارة جازوا على بلاد أريغ فعتبت على شيوخها وفي كتاب سير شيوخ المغاربة وكانت الزيارة التي فيها الشيخ داود بن أبي سهل قد عتبت على شيوخ أريغ إلا الشيخ عبد الله بن محمد فتابوا فقبلوا منهم ولفظ الشيخ في الشيخ داود زيادة مني وفي سير أهل المغرب أن الأشياخ عام الزيارة لما وصلوا ذكار بني منطور حرك أبو العباس الفرس فتبعه الفتيان يرمونه بالجرائد فأخرجهم داود بن أبي سهل إلى الخطة فتابوا فردهم.
ومنهم الشيخ أبو موسى عيسى بن ياوين (1/508)
صفحة 509
وكان شيخا رئيسا.
وذكر أنه قدم أريغ بعد الأشياخ وأصلح ما بقي بها وذلك أن أهل وغلانت لم يقبلوا منهم ورجعوا من وارجلان ولم يقضوا ما ذهبوا إليه فلما قدم الشيخ عيسى أصلح ما بقي وكان حاكما على العزابة ورجوع الأمر إليه دونهم لحسن سياسته وتدبيره.
وذكر عنه أنه قال فيمن قال لمتولى هذا منك تهاتر أنه يبرأ منه بذلك.
ومنهم أبو محمد عبد الله بن محمد السدراتي هو خال لأبي محمد عبد الله بن محمد اللواتي كان شيخا فاضلا ورئيسا عالما حزيما للدنيا والآخرة ومن رياسته أنه سافر إلى بلاد السودان فجعل تجارته كلها صامتا وحملها على جمل فإذا نزل ضرب خباه ودخل فيه واشتغل بالعبادة وما يصلح له ومعه حضري جعل تجارته عبيدا فشقوا عليه في الطريق فإذا نظر إلى الشيخ وهو في هناء وراحة قال سبحان الله من خلص عبد الله من هذا البلاء وأراحه.
وقيل له ما تتمنى؟ قال: أكون وسط قومي أواسي فقيرهم وأعلم جاهلهم.
وكان أكثر ديوان أبي محمد أي اللواتي عبد الله ابن أخته ديوان خاله أبي محمد رضي الله عنهما وكان عالما وقال له الشيخ حسان بن عبد الله وهو صديق له يكفيك من الكلام فتعلم الفقه قال ذلك علم العجائز.
ومنهم أبو عبد الله محمد السدراتي كان شيخا ذا كرامات ومن كراماته أنه يصلي يوما في مصلاه فسأل الله ربه إن رضي عمله أن يريه آية فأظهر الله له نورا عظيما غلب ضياء الشمس ورد الظل إلى الشمس. ومنها أن قدمه أهل وارجلان حاكما فظهر نجم عظيم شديد النور ينظم النساء إليه الخرز بالليل فقام بحق الله وحكم بالقسط وقسم بالسوية وأدب بالعدل وثقل على من غلبه هواه ذلك فنزع فزال النجم وكان (1/509)
صفحة 510
يسمونه نجم أبي عبد الله
(فصل أذكر فيه بعض أهل الكرامات)
وتقدم الأكثر وأكثرها في نفوسة فأطلبها في أخبارهم.
منها كرامات أبي صالح اليجراني فاطلبها في التعريف به.
ومنها كرامات علي بن مجبر وتقدم بعضها.
ومنها كرامات أبي صالح جنون وقد تقدم التنبيه على بعضها.
ومنها كرامات أبي إسحاق بن رجا وتقدم بعضها. قال ابنه دخلت على أبي وقت الضحى فكلمته مرارا فلم يجبني ثم كلمته بعد ذلك قال لي نظرت إلى امرأتين جميلتين نزلتا إليَّ من السماء ملتحفتين في ثوب واحد أبيض نقي البياض في غاية الصفاقة والرقة فبشرتاني وعجلتا إلى الانتقال عن الدنيا فطلعتا فمات عن قريب.
ومن ذوي الكرامات وإجابة الدعاء أبو عبد الله بن بكر وتقدم ذلك.
ومنهم أبو جعفر أحمد بن خيران وتقدم.
ومنهم اليانجاسني وكان يتصدق بثلث غنمه كل عام. ومات في بعض الأعوام خرفانه فأخلف الله ما ضاع وولدت له شاة واحدة اثني عشر كلما ألقى واحدا منها إلى شاة قبلته من اللاتي مات أولادهن وولد له غيرها أقل وهو على كل شيء قدير.
ومنهم أبو الربيع سليمان بن أجاج وكان أخوه الشيخ أبو القاسم يونس بن أجاج من أكابر العلماء تزوج وأراد أن يتمتع دون أولاد فاشتكى إلى أخيه أبي الربيع وكان مستجاب الدعاء فدعا الله أن لا يرزق ولدا أربعة أعوام فكان ذلك.
ومنهم الشيخ ذو النون التاغيارتي كان يعلف جملا لطريق الحج فسمن وصار عظيم السنام فنظرت إليه امرأة حامل فاشتهت شحم سنامه فأخبرت بشهوتها زوجة الشيخ فلما دخل أخبرته بذلك فنحره وأرسل إليها ما اشتهت (1/510)
صفحة 511
وتخلف عن الحج لعدم الظهر قال أبو طاهر إسماعيل بن ييدير فلما كان وقت الإحرام بالحج أسري به فأصبح بمكة فلما قضى جميع مناسكه مع الحج أسري به إلى بلده فأخبر الناس بخبره وبغيته وبأصحابهم الذين في الحج فكذبوه ولم يصدقوه وإن اشتهر عندهم قبل ذلك بالصدق فلما قدم الحاج أخبروا أنه قضى معهم جميع المناسك.
ومنهم الشيخ الياجراني من كراماته أنه مات له صبيان وصبية فصبر ولم تصبر الأم وجزعت وصبرها فبينما هو مرة سائر إلى وارجلان ببعض الطريق إذا بأولاده راكبون الخيل والبنت جالسة على جذع نخلة لابسون أحسن الملابس قال: فنزعت منهم شوقي فذهبوا كأنهم لم يكونوا.
وتخلف مرة عن أصحابه في بعض الصحاري فأدركه عطش شديد فمال إلى شجرة فنام تحتها وحس ببرودة تحته فإذا هي ثرى فحفرها فإذا نبع الماء فشرب فروى ولما أراد الانصراف تبع ذلك الماء بالحفر لينظر من أين أصله فإذا الأصل له وذهب الثرى. وتقدم مثله لأبي صالح الياجراني غير مرة ولعل هذه له.
ومنهم ضيفا الساكن بالرمال وخبرهما على ما ذكر ابن ييدير إسماعيل أن رجلا يسكن بالرمال قرب سوف وليس له سوى عنز وولدها وبكرة عرجاء فضافه عزابيان وامرأته غائبة بسوف مسافرة تبتغى لهما طعاما فقاما إليهما ورحب بهما وأحيى السلام واشتغلا بصلاتهما وقام إلى العنز فذبحها وطبخ لحمها وقدم إليهما القدر وأكل هو من فؤادها فبلغ فيهما فعله فأكلا ما قدر لهما فنام فلما استيقظ وجد عنزة ترضع ولدها ولا علم بصاحبيه فلما أصبح ركب بكرته وقصد ما يسمى أعزاب فإذا برفقة على الماء أقبلت من تادمكت وفيهم (1/511)
صفحة 512
شيخ فحضهم على الصدقة فجمعوا له ثلاثمائة دينار وأوقروا بكرته من متاع بلاد السودان فرجع من الأغنياء فوسع الله عليه وضافه بعد ذلك جماعة من العزابة وهو في أرغد عيش فأبصرتهم امرأته من بعد وهي تبني خصها فاستبشرت بهم وأتتهم بلبن وتمر ثم جاء زوجها يسوق إبلا فلما رآهم مر بهم واستبشر وقال قدمتم إلينا وقت اشتياقنا إليكم وأطعمهم وأحسن إقراءهم وأعطاهم وحدثهم بقصته.
وتقدم خبر يبيب بن زنغيل وخبر الشيخ تملي.
ومنهم الذي حجر على الماء أن يحل بأرضه وقصته أن نوبته من الماء أكملها ولم يجد من يرد الماء وكانت نوبة يتيم فحجر على الماء أن يدخل أرضه فرجع إلى الساقية وتراكم حتى سكر عليه وأصلح ساقية اليتيم ومجاري الماء وقال من قال جمد حتى أصلح وهو أقرب لما ذكر أبو صالح جنون بن يمريان لأبي عيسى مجبر الوسياني إذ قال من لا يعرف مذهبه ولم يفرزه من المذاهب كما يعرف بيته من بين البيوت في ليلة ذات ظلام وسحاب وريح ورشراش فقال جنون لم تقول هذا وعندنا رجل لو دعا على ماء وارجلان أن يجمد لجمد ولا يقوم بما ذكرت وهو من أهل تاغيارات من وارجلان.
ومنهم الذي سلمت عليه السخلة بكلام فصيح فقالت السلام عليك يا ولي الله سائرة وراجعة وذلك الموضع مشهور يزار في أغلان. وسمعت منذ زمان في جربة أن يونس بن أبي زكريا سلم عليه من تحت شجرة الزيتون والمسلِّم بعض الحيوان ورأيتهم يدعون الله عنده.
ومنهم الذي نهشته حية وهو على وضوء فقال نقضت عليَّ الغسل قتلك الله بالسبحة فما زالت تسبح حتى انقدَّت نصفين وعلى الموضع (1/512)
صفحة 513
مصلى يزار وهو بإزاء تماواط بوارجلان.
ومنهم أبو حبيب وله عريش يتعبد فيه ما يسع صحنه غيره فإذا زاره الأشياخ والعزابة وسعهم بإذن الله قلوا أو كثروا فبنوا عليه مسجدا وموضع العريش المحراب وهو معروف يزار.
ومنهم أبو حبيب الذي وجد عفرنة في نخيله وهي أول ما دخلت نخيل وارجلان نادى بأعلى صوته نزلت نازلة ياقوم وياللمسلمين حدث كذا وكذا فخرج الناس فالتمسوا فلم يجدوا شيئا ثم خرجوا إلى المقابر فوجدوا قبرا منبوشا وميتا مسلوبا فكفنوه ودفنوه.
ومنهم الذي دعا الله أن يرسل المطر فقال لقائده هل رأيت سحابة قال رأيت سحيبة قال أسرع بنا فلم يصلوا تين تميصوين إلا أنزل الله كثرة الماء وعليه مصلى يزار.
ومنهم الشيخ عدل بن اللؤلؤ.
وذكر عن الشيخ سليمان بن موسى بن زنغيل أن المشايخ زاروا أهل الدعوة فلما بلغوا جربة سألهم من بها من الأخيار عن أفضل من قدموا به فقالوا عدل بن اللؤلؤ وموسى بن زنغيل الزلفى ثم سألوا موسى بن زنغيل عن أفضلهم فقال عدل بن اللؤلؤ التناوتي ثم سألوا عدلا فقال موسى بن زنغيل.
وذكر سليمان بن موسى أن عدلا أخذ يوما في صلاة الضحى فناداه من أراد أن يتبرك يسوق جمله أن يحمل عليه الشب فألفاه يصلي ولم يرد أن ينصرف قبل أن يقض ورده فاستبطأه فسافر مع قافلته فتخلف جمل الشيخ فأصيبوا فسلم جملة ببركة تعظيمه الصلاة وكان عدل مشهورا بالعبادة والورع والسخاء قال أبو زكريا وكان مؤذنا إذا أذن لصلاة المغرب وصلى أُعطي ما يفطر به من كوة نافذة إلى المسجد ثم يشتغل بالعبادة والصلاة فيصلي ركعتين في الأولى بالبقرة وفي الثانية بقل هو الله أحد فيسلم فيؤذن للعتمة فذلك (1/513)
صفحة 514
دأبه قال أبو زكرياء وكان صيتا فإذا صلى بالناس يصلي بصلاته من قرب وبعد.
ومن سخائه أن قصد تين بامطوس الشيخ صالح الصادق ورفيقه قتلاقهما الشيخ موسى بن زنغيل قال قصدنا من هو أسخى منك عدل بن اللؤلؤ فجعل لهما على الطعام ثلاثة أرباع شاة ومات رحمه الله شهيدا في طريق أوزعانت وهو أول قتيل قتله العرب من أهل وارجلان وكفاك فضله إن ذكر في فضل المستجابين.
ومنهم حمو بن اللؤلؤ أخوه وكان شيخا فاضلا متقيا ذا كرامات قال أبو زكريا قال الشيخ محمد بن نوح قالت والدته أم المؤمن بنت حمو بن اللؤلؤ حضرت دفن والدي حمو وأنا صغيرة فلما انصرف الناس رأيت شبه فارسين أخضرين نزلا من السماء فدخلا القبر فمكثا قليلا فخرجا وطلعا إلى السماء. وعنها أيضا أن أباها حمو أرسل عياله ذات مرة إلى الربيع وانتشر الخبر في الناس أنه تزوج فأتى مجمع الناس فقال: إني تزوجت مريم بنت ماسوي بوليها واحفظوا عني أن من تزوج امرأة بغير إذن وليها فذلك الزنا نفسه وعينه وأم المؤمن هذه كانت مأوى للأخيار ومزارا للأبرار ولها كرامات قال أبو زكريا ذكر ابنها الشيخ محمد بن نوح أن المشايخ زاروها ذات مرة وقد طعنت في السن قالوا: حدثينا بشيء قالت فبماذا أحدثكم كل ما دفنوه الأولون أظهرتموه.
وعنه قال: اصطحبت مع أمي تريد زيارة أخويها وهما إذ ذاك في أندرار فدخلنا الصحراء وشققنا البيداء فقالت يوما اشتهيت لحما فائت ندع الله أن ييسره لنا فقلت وأنا إذ ذاك راهقت البلوغ أحرم كل لحم أجده هنا استبعادا لوجوده فسرنا مليا فإذا بخيمة فخرج منها شبه امرأة متقنعة بقناع أسود فأشارت إلينا أن اقعدا (1/514)
صفحة 515
فقعدنا فإذا معها ظهر شاة فجعلت تملخ من مطايبها وتعطي لأمي فتأكل فأشارت إليها أن تعطيني فأبت فلما قضت أمي شهوتها افترقتا.
ومنهم الشيخ أبو عمران موسى بن زنغيل الزلفي كان شيخا صالحا متقيا من وارجلان من تين بامطوس وكان من المشهورين في الورع والتقوى وتقدم في التعريف بعدل بعض أخباره.
ومنهم أبو محمد عبد الله بن توسينت ومن كراماته أن وقعت إليه يمامة فرآها منتتفة الريش فقال أحسبك تربين الأفراخ يامسكينة فأومت برأسها فقال لها اصبري فدخل فأتاها بقمح في كفه فلقطته حتى أتت عليه ولمس حوصلتها فقال الحقي أفراخك فطارت.
وقال عبد الله أظلنا رجب وليس عندي ما أشرب من الإقط فقمت في المسجد فصليت فإذا بدينار أمامي فرفعته فأتيت داري فقعدت في مصلاي فإذا دينار يطير حتى وقع في ثوبي فقلت: كفاني يا رب. وقعد يوما في بيته فإذا بمومسة حامل دخلت عليه فسألته أن يعطيها ما تقضي به شهوتها من اللحم جازت عليه بين يدي جزار فأعطاها ما تشتري به من ذلك اللحم وكان حملها من الزنا وأغلق الباب وخرج ثم رجع فإذا بالموضع ملآن دراهم فجمعها ثم زادت فيضا فلقطها إلى ثلاث مرار فدعا الأطفال بل الفتيان ليروه فيرتفع فيجده وقت الحاجة فلقطوا وهم يقولون متى وقع لك هذا كله ياشيخ؟ فارتفع.
ومنهم الشيخ جنون بن سرغين ومن كراماته أن رأى ليلة القدر ومنها أن ذمته عمرت بثلاثة دنانير من رجل فحملها إليه فتلقاه رجل من أهل سوف فقال هل توصي إلى عمتك؟ وعادته يرسل إليها في كل وقت بشيء فتحير كيف يفعل فغلب على نفسه فأعطاه دينارا فلما وصل صاحب الدين (1/515)
صفحة 516
أعطاه ما حمل فإذا هي ثلاثة وما تنفق من شيء فهو يخلفه وله الحمد.
ومنهم الشيخ أبو عبد الله محمد بن رستم ومن كراماته أن ولده في غانة فقال لأهله أخروا عشائي آكله مع عمران فرجاه حتى مضى هدو من الليل فخرج وصعد على صخرة السبع فنادى ابنه غائبا عنه فلم يجبه أحد فتعجب الناس من ندائه فرجع فإذا بعمران أقبل وأكل عشاءه معه.
ومنهم عبد الملك بن خلوف ومن كراماته أن بعض سدراته منع الحق فأرادوا أدبه وسجنه فعتى وتجبر وامتنع فقال له: جعل الله دارك سجنك فحبسه الله فيها كلما أراد أن يخرج تمثل له شيء مما شاء الله على الباب يفزعه ويصيح فيرجع حتى مات غما.
ومنهم أبو سليمان داود المشهور بالصادق النفوسي وكان صاحب براهين وكرامات ومن كراماته أن دعا على قائد عسكر نزل على أهل تاغيارت فطلبه أن يتحول عنهم فامتنع أن فرق الله أعضاءه فأدلع الله لسانه حتى وقع على صدره وانقطع فدفن ثم كذلك حتى مات.
ومنهم الشيخ صالح اشتهر بالصادق وكان أيضا ذا كرامات فمنها ما ذكر أبو زكريا عما ذكر أبو الربيع سليمان بن موسى أن أهل وارجلان لا يعجلون بدفن من ينظر إليه حتى تجتمع الأخيار فمات صالح الصادق فاجتمعوا فلما بلغ أهل تين باماطوس لم يجدوا في الدار سعة لكثرة الناس فجلسوا على الباب فأوتي بالنعش فإذا الباب قصير ضيق فأدخلوه على جانب فلما أرادوا الخروج خرج واختلف من كان داخل الدار ومن كان خارجه في كيفية الخروج هل اتسع الباب وارتفع أو خرج من فوق الباب وتقدم هذا.
ومنهم أبو حفص عمرو بن عدل ومما يروى عنه أنه قال مجالس المسلم أربعة: مجلس الذكر ومجلس العلم والثاني مسجد يصلي فيه والثالث جنانه يخدم فيه والرابع داره متجنبا للمأثم متنزها (1/516)
صفحة 517
عن النقائص.
ومنهم أبو يعقوب محمد بن يدر الدرفي وكان عالما رفيقا حسن السياسة منها أن فات بحلقه ببعض الأحياء ووافقوا مبيت أعوان السلطان والأجناد فلما أكلوا العشاء خرج العزابة ناحية يذكرون الله ويقرؤون وخرج الأعوان ناحية معهم العزفة والمغنون بالمزاهر والمزامير فتلطف فأتاهم فقعد بينهم فقال: اسكتوا فلما سكتوا قال: هل لكم فيما هو خير مما أنتم فيه؟ قال: تريحون أبدانكم وتنتفعون بما أكلتم، قالوا: صدق وتركوا ما هم فيه من الطرب واللعب.
ومنها ما ذكر أبو الربيع عن أبي محمد أن غارة لصنهاجة غارت على زناتة فرجعوا فألفوا أبا يعقوب وأبا عبد الله محمد بن بكر وعزابتهم على الماء فوقفوا على بعد على خيلهم فنادوا بأعلى أصواتهم واعطشاه واعطشاه ياعزاب فلم يشتغلوا بهم إلى ثلاث فقال واحد منهم أرى أنهم يقتلون كالفئران فسمعوا وتنحوا لهم عن الماء فوجد أحدهم أبا يعقوب يحفر التربة بيده ليغسل بها فرق له فقال خذ المزراق واحفر به قال أبو يعقوب رمحك يصلح لغير هذا والشيخ لا يريد استعمال الريبة فترفق في حسن التخلص فندم أبو عبد الله فقال: أنت خير مني وكان أبو عبد الله إذا ذكرها ندم إذ لم يترك لهم الماء أولا قبل كلام المتكلم. وكان هذا الشيخ في نفوسة أمسنان عادته يجلب العزابة من أهاليهم فيبتدئون عنده ويعلمهم السير والأدب ثم ينتقلون إلى الشيخ محمد بن سدرين الوسياني فيقرئهم الإعراب والنحو ثم ينتقلون إلى أبي عبد الله محمد بن بكر فيعلمهم العلم والكلام والأصول فمثلوهم بمن يقطع الأعواد من الغابة ويصلحها ويدفعها للنجار ثم يدفعها النجار إلى من يركبها.
ومنهم الشيخ صالح بن محمد وكان من المتقين (1/517)
صفحة 518
وكفاك في فضله أن ذكر أنه من الأبدال وقيل يوسف بن ونمو وكان في زمن أبي العباس بن محمد.
ومنهم عبد الله بن حمو بن اللؤلؤ وحقه أن يذكر مع أبيه وكان من الأشياخ المذكورين.
ومنهم الشيخ نوح بن محمد بن ميمون السدراتي وهو من المذكورين في جملة الأشياخ.
ومنهم يعقوب يوسف بن الوالي.
قال أبو الربيع قدم على الشيخ أبي عبد الله محمد بن بكر في سنة فرورة سنة شدة وقحط وعند أبي عبد الله الشيخ فلفل فصافحاه وفرحا بقدومه وكانت عليه ثياب رثة فبادره فلفل فأبدلها له فشكا إلى أبي عبد الله ما هم فيه من الحاجة فأعطاه عشرين دينارا فشاوره إن كان يصل وارجلان إلى الشيخين داود وصنادي فقال أدرك أهلك قبل أن يموتوا جوعا وإذا وصلت وارجلان أبطأت عنهم فشكا ضعف قوته فدعا له أن يسهل الله عليه العسير فأوصى عليه رجلا أخرجه معه إلى بني يانجاسن فوافق خروج قافلة إلى سوف ثم وجد عيرا إلى نفزاوة وخرج مع جماعة من اللصوص إلى بلاده وكانوا يترفقون به ويقولون إذا عييت فاسترح فعطفهم الله عليه وتلقاه أبو الربيع نازلا من إفريقية عليه ثياب وسخة وكان يعرفه في الثياب النظيفة الحسنة والحالة الجميلة قال له ما هذا قال مجيبا نحن في زمان من فقد دنياه فقد أخراه والأولون من فقد الدنيا لم يفقد الآخرة.
ومنهم أبو الحسن أفلح المادغاسني كان شيخا عالما وإماما حاكما أخذ العلم من الشيخ حمو بن اللؤلؤ وكان صديقا لأبي عبد الله محمد بن بكر فقدمه أبو عبد الله محمد على بني ورتيزلن فأقام فيهم يحكم بالعدل سنين وقد تقدم (1/518)
صفحة 519
ذلك في أخبار أبي عبد الله رحمه الله وما ظهر له فيه.
ومنهم عبد الله بن الحسن وكان شيخا فاضلا مذكورا في وقته وفي سير أهل المغرب أن عبد الله بن الحسن سمع هاتفا يهتف بليل تيوراست بشعر بالبربرية يوصي فيه بمراعاة المتقين وصلتهم كذا ذكر في روايات أبي يعقوب يوسف بن محمد عن الأشياخ.
ومنهم الشيخ مسعود الأطرابلسي ذكره أبو يعقوب يوسف بن محمد في روايته عن الأشياخ وروى عنه شعرا بالبربرية.
ومنهم الشيخ أبو موسى عيسى يركوص ذكره أيضا أبو يعقوب، وروى عنه في غير موضع.
ومنهم الشيخ أفلح بن أبي زكريا كان شيخا صالحا صافي القلب خالص العمل نقي العرض.
وذكر في أخبار (سارت) أن أفلح بن أبي زكريا أقبل ذات مرة من الجشر وهو بقل الأرض إذ يرتحلون إليه لتأكله حيوانهم فسمعت (سارت) هاتفا يقول لها شعرا بالبربرية ترجمته إن الشيخ أفلح بن أبي زكريا قد أقبل من الجشر والسفر فبشرها بإتيانه لتنزع منه العطش والجوع وتسبق وتأخذ بركته فوصفه بكونه ولي الله وأنه طاهر القلب وأنه تولاه في الله وخاطبها بيا هذه التي معها السير وأنه خالص الإيمان ثم قال: الله الذي يعلم المسلم في الحقيقة وذلك بشعر بالبربرية. وهتف بها مرة أخرى يسليها لأن قرابتها لم يصلوها أو لم يصلوا إليها يقول شعرا بالبربرية إن إخوتها أفلح بن أبي زكريا ويدر بن جلداسن وأبو القاسم يونس عطية الله.
وسارة امرأة لواتية مسكنها سوف صالحة عابدة جعل الله لها منبها ينبهها فيأمرها بالمعروف والخير. ومن أخبارها أنها أرادت أن تأكل تمرا من قلة لها في عام قحط فقال لا تكثري الأكل فإن الناس (1/519)
صفحة 520
في جوع وقال لها مرة: افعلي هذه الخصال حيث أصبت: ركوع الضحى وصوم يوم الجمعة والصدقة مما أعطاك الله واصبري. وأرادت مرة زيارة المشايخ من الرمال إلى سوف فتحيرت من الحر والبعد فنبهها بأن قال إذا استقبلت موضعا وقصدت الله أعانك ورفعك كما رفع السماء فارتفعت فإذا هي بسوف بقدرة الله وقال لها مرة من حمل على نفسه مشقة العبادة ومن لم يحملها يتغابنون يوم القيامة ويتفاضلون وأعلمي سعيد بن أبي ولمي وجلداسن وإسماعيل وبني أخيه أن يعزموا على لقاء الله. واجتمعت نسوة إليها وسألنها عما ينجيهن من النار فقال لها: قولي لهن: الطهور ثم الصلاة ثم الصوم ثم الصدقة وترك الغيبة وأخبريهن أن الله يغفر ما هو أعظم من الجبال والجهل يرمي بصاحبه في النار وقال لها: ثلاثة غرباء الحلال والمسلم والمساجد. ورقد رجل على رملة وسمع هاتفا من تحته يقول أصبت راحة النوم بالصدقة وبالعطاء أصبت رحمة ربي وبالنية أصبت الزاد والنور، فقدم سوف فأخبرهم فوصف الكدية قالوا: ذلك قبر سارة. وتقدم مبيتها عند إدريس بن الطويل إذ ضلت بهما وتقدمت أخبارها مع أفلح بن زكريا وخرجت مرة في طلب بهم لها ضلت فنفد ماؤها فتحيرت فأنشدها شعرا وأخذ بيدها ورمى بها في سوف وكانت تنفق على عيال غائب وكلها فأعجبتها مرة حبة تمر فغفلت فرمت بها في فيها فنبهها فألقتها من فيها. وأخبارها أكثر واختصرنا. وجميع ما نبهها به من الشعر بلغة البربر ولذا لم أثبته.
ومنهم الشيخان الأفضلان التقيان جلداسن وابنه (1/520)
صفحة 521
يدر كلاهما موصوف بالخير والصلاح وتقدم التنبيه عليهما مع سارة.
ومنهم الشيخ يونس عطية الله وتقدم أيضا.
ومنهم الشيخ يدراسن وفي المعلقات قال الشيخ يدراسن نرضى لأهل هذا الزمان أن يصلحوا علانيتهم كما أصلح الأولون سرائرهم، وأن يصلوا من وصلهم كما وصل الأولون من قطعهم، وأن يزهدوا في الحرام كما زهد الأولون في الحلال، وأن يقيموا فرائضهم كما أقام الأولون نوافلهم، وأن يتقوا على دينهم كما يتقي الأولون على نعالهم، وأن يشفقوا من الذنوب كما خاف الأولون من عدم قبول أعمالهم.
ومنهم الحاج سبع وفي المعلقات قال الحاج سبع: من فُسح له في المجلس فرأى أنه يستحق ذلك فهو هالك.
ومنهم عطية بن مفرح وفي المعلقات: قال كل ما يلد البيض لا ينجس طرحه إلا الدجاج وشبهه مثل الوز والوزغ وغيره وقال: لا يقال لغير المتولى مرحبا ومن جعل له طعام فله أجر كل من أكل منه، قال يحيى بن زكريا إذا رفع يده منه وهو يريد أن يأكل منه غيره.
ومنهم أبو عبد الله محمد بن علي شيخ من قرب الحمة يروون عنه تجويز ألفاظ على الله بالبربرية. وعنه من صبر في الصلاة على ألم برغوث أو قملة وهو في الصلاة غفرت ذنوبه. ومن استقبل القبلة بحاجة الإنسان وهو غافل فتذكر وانحرف عنها غفرت ذنوبه. ومن انحنى ليحمل حجرا للاستجمار لا يستوي إلا وقد غفرت ذنوبه.
ومنهم عبد الرحيم بن أبي منصور شيخ من شيوخ العلم فائق وقدوة من أئمة أهل الدعوة صادق ذو كرامات وفضائل.
روى صالح بن عبود عن أحمد بن يوسف: من عبد الله بن لنت عن عبد الرحيم بن أبي منصور أنه رأى أباه أبا منصور (1/521)
صفحة 522
خرج من قبره واتبعه بصره حتى وصل قبر يوسف بن خليل فغاب عنه.
وعن من قال إذا أصبح: اللهم إني أشهدك وأشهد ملائكتك وحملة عرشك وأنبياءك ورسلك وجميع خلقك أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك وأن محمدًا عبدك ورسولك وما جاء به حق من عندك أربع مرات كان عتيقا من النار.
ومنهم ابنه الشيخ أيوب بن عبد الرحيم.
وفي سير المغرب وذكر أن امرأتين لما تغيرت لواتة الساكنون بطرة ورجعوا حشوية خرجت امرأتان أختان مهاجرتان بدينهما إلى تجديت فتزوجت إحداهما واسمها مقريت الشيخ عبد الرحيم بن أبي منصور فولدت له الشيخ أيوب وتزوجت الأخرى واسمها أم العز الشيخ عيسى بن إبراهيم فولدت له الشيخ محمد.
ومنهم أبو منصور أبوه وهو مزاتي.
ومنهم أبو محمد عبد الله بن لنت شيخ أخذ العلم من الأشياخ ويروي عن عبد الرحيم بن أبي منصور ويروي عنه أحمد بن يوسف روى صالح بن عبود عن أحمد بن يوسف أن عبد الله بن لنت قال ليس علينا ممن رمى غير المتولى شيء.
ومنهم أبو العباس أحمد بن يوسف شيخ يروى عن الشيخ عبد الله بن لنت وتقدم التعريف به مع أبيه يوسف بن يعقوب بن تيمال.
ومنهم أبو يوسف يعقوب بن خليل كان شيخا فاضلا متقيا مستجاب الدعاء ومما يروى عنه أنه يدع باللهم اجعلني قمحة على سطل. ونام تحت طاقة في المسجد فأخذ بعض كساه منها فأسقط عليه حجرا فقال لأقتلك إلا سبع فكان كذلك.
ومنهم ميمون بن أحمد شيخ مذكور ومما يروى عنه أنه قال من عطس خمس مرات يوم الجمعة غفرت ذنوبه ومن قال لمتولى ياثقيل يبرأ منه ومن مسح بعد الصلاة (1/522)
صفحة 523
تراب جبهته بثوبه ولم ينفضه سبح له ما دام ملتصقا بثوبه وتقدم ذكره.
ومنهم أبو الربيع سليمان بن زمرين سأل أبا عمران عن تمر بال عليه الجديان اينقيه الزمان والريح والشمس قال نعم قال رزقك الله الجنة يا شيخ قال وأنت رزقك الله الجنة ياشيخ وعنه المسلم من بني آدم أفضل من الملائكة قيل لأنهم يحفظونهم في الدنيا ويدخلون عليهم في الآخرة من كل باب.
ومنهم أبو يعقوب يوسف بن يرصوكسن ممن أخذ عن أبي الربيع سليمان بن يخلف وسأله عمن قال: ليس هنا إلا الله يطلع وينزل وعمن قال ملأت فمي في الله وعمن قال الله في فمي كالخبز فأجابه بأن ذلك في تأويل الإيمان وكثرة الحلف بالله.
ومنهم أبو عبد الله محمد بن مسلم وفي المعلقات قال من أخذ أن الله أمر بهذا عرف أنه طاعة وبالعكس ومن أخذ أن الله نهى عنه عرف أنه معصية وبالعكس.
وروي أن عبدا له مات فغسله وحده عند ماء.
وروي عنه أن الأمر والنهي ليس علينا منه شيء اليوم.
وروي عنه أنه دعا العزابة إلى طعام صنعه لهم فسبقهم فوطئ برجله في قصعة الزيت فقال كلوا لم أزل على الوضوء أراد أن لا يستقذروا الزيت.
ومنهم أبو موسى عيسى بن إبراهيم الهواري شيخ مشهور من أهل تجديت تزوج أم العز أخت مقريت زوجة الشيخ عبد الرحيم بن أبي منصور فولدت له الشيخ محمد بن عيسى وهي إحدى المرأتين الأختين الصالحتين اللتين هاجرتا من طرة لتحصين دينهما وهذا الشيخ في عصر أبي عبد الله.
وفي السير أن عيسى بن إبراهيم مر بأبي عبد الله فقال أين تريد؟ قال إلى قاتل أبي فأقتله قال هل رأيته قال لا قال هل شهد لك شهود قال لا قال فارجع وإلا (1/523)
صفحة 524
كنت قاتل نفس بغير نفس فرجع.
ومنهم الشيخ أبو عبد الله محمد بن عيسى ابنه وكان شيخا تقيا سيدا فاضلا أمه المرأة الصالحة المهاجرة بدينها أم العز وأصلح الله له زوجه وهي نسل الشيخ محمد بن بكر أم عبد السلام بن عبد الكريم تزوجها بعد عبد الكريم والله أعلم وكان هو وأبوه وأمه وزوجه وربيبه بيت علمٍ وتقى وزهدٍ اشتهروا في الخير.
ومنهم أبو إسحاق إبراهيم بن جنون شيخ من شيوخ العلم روى عنه الشيخ أبو محمد عبد الله بن محمد ومما روى عنه قال سألته عن البينة واليمين متى يرجعان على المدعى عليه قال كل شيء لا يشهدون فيه الشهود إذا غاب عنهم فالبينة فيه واليمين على المدعى عليه.
وروى عنه أن الميت إذا انفتح فاه وانفتحت عيناه لا يغسل.
ومنهم أبو نوح صالح بن أفلح أخذ العلم من أبي العباس وروى عنه أن الدعاء إذا راجعه القوم بينهم سبع مرار اختطفه الشيطان وأما أبو نوح صالح الذي لقي أبا عمار بظعينتهما بأندرار فهو في غالب ظني الشيخ صالح بن الشيخ إبراهيم المعروض عليه السؤالات وسيأتي وذلك أنه لما لاقاه سأله عند النزول وعند الارتحال قال أبو نوح منك الجواب قال تقول: {رَبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلاً مُّبَارَكًا} الآية وتصلي ركعتين عند الارتحال وتقول رحلنا وربنا محمود وبلاؤه عندنا حسن وتذكر الله، ألم تعلم أن الجبل سال الجبل هل مر بك اليوم من يذكر الله.
ومنهم أبو موسى عيسى بن عيسى النفوسي وكفاك به علما وشهرة أنه الذي ألف كتاب السؤالات التي رويت عن أبي عمر وإملاء الشيخ أبي يعقوب يوسف بن محمد وتقدم التعريف به.
ومنهم أبو نوح صالح بن إبراهيم وكفاك به شهرة أنه الذي عرض عليه كتاب السؤالات (1/524)
صفحة 525
وكان شيخا وأبوه إسحاق إبراهيم من كبراء الأشياخ أيضا.
ومنهم عمران بن علي شيخ فاضل من كبراء العلماء.
وفي السؤالات وقال عمران بن علي يحكي عن أبي القاسم يونس بن أبي زكريا من قال إبليس من الملائكة أشرك وفيها: وقال ليس علينا من ولاية من وحد من اليهود حتى نرى له الوفاء رخصة منه رحمه الله وأظن أن الضمير في قال لأبي القاسم وله أخبار وروايات.
ومنهم الشيخان أبو القاسم التوجميتي وأبو نوح وكلاهما معاصر لأبي القاسم يونس بن أبي زكريا.
وفي السؤالات وسمع رجلا يدعو آخر إلى الحق عند محرز بن سفيان فلم يجب فقال له أبو القاسم التوجميني فدعاه فقال أبو القاسم أجب فأجاب إلى الشيخ أبي نوح وأظن أن السامع أبو القاسم بن أبي زكريا وضمير له للمطلوب وفاعل قال الداعي وأبو القاسم مبتدأ أي بيني وبينك أبو القاسم.
وفيها أن أبا القاسم له على رجل حق فدعاه إلى الحق وليس معه إلا أبو نوح فأبى عليه من الحق أي من الإجابة إلى الحق ولم يكترث بهما أبو نوح وغفل رحمه الله فلما رآه أبو القاسم غفل قال لأبي نوح أعطيتك الذي عليه فقبل فقال ادعه إلى الحق فدعاه الشيخ فخاف الرجل من أبي القاسم فجاء إلى الحق صاغرا وهذه بمناقب أبي القاسم أولى ولكن أردنا التعريف بالشيخين.
ومنهم الشيخ يونس بن سابال الواشتي.
وفي السؤالات وإن شهد أمينان على أن هذا اسم من أسماء الله وصفة فعلى السامع كذلك أن يصفه ويعلم معناه وإن لم يعلم معناه فلا يعذر في ذلك وفيها رخصة أن يعلم معناه وهي مسألة يونس بن سابال الواشتي رحمه الله.
ومنهم أبو الفتوح شيخ أخذ العلم من أبي عمار متأخر.
وفي السؤالات وروى أبو الفتوح عن أبي عمار رحمه الله أنه قال يجوز أعوذ برضاك من سخطك وهذا مما يدل أن الرضا والسخط (1/525)
صفحة 526
صفتا فعل وكثيرا ما يروى في السؤالات عن أبي عمار وإن كان متأخرا عن أبي عمرو لأنه تقدم أن المؤلف لها غير أبي عمرو بل هي أو أكثرها مروية عنه وربما روى عن غيره.
ومنهم الشيخ أبو موسى عيسى بن يوسف المديوني شيخ فاضل عالم تقي.
وفي السؤالات روى الشيخ أبو عمرو رحمه الله عن أبي موسى الشيخ عيسى بن الشيخ يوسف لما حس في عقله شيئا إذا سئل شيء قال كان شيء وفرغ وكذا أبوه من الأشياخ أيضا.
ومنهم الشيخ خليفه بن تازوراغت وتقدم أنه معاصر لجابر بن سدرمام.
وذكر أبو عمرو وغيره أن جابرا صنع طعاما للشيوخ فدعا الشيخ خليفة فقال يعلم الله لا أمضى إلى ضيافتك قال جابر قد وقع عليك الحنث فإن شئت فامض وإن شئت فدع.
وبيان المسألة من قال يعلم الله إني لم افعل هذا وقد علم الله أنه فعله أو قال يعلم الله أني فعلت وعلم أنه لم يفعل لزمته الكفارة مطلقا وعصى والعصيان كبير وقيل صغير وقيل غير ذلك كذا عن أبي عمرو. وروى عن الشيخ يحيى بن أبي بكر أنه الشرك أي تفسير غير ذلك لأنه أجرى علم الله على خلاف ما علم. قال أبو رحمة حكاها أبو زكريا يحيى بن زكريا عن أبي العباس بن محمد مشافهة وإن نفى علم الله عن الشيء الموجود أشرك. وإن قال: يعلم الله أن هذا يكون أو لا يكون وأراد الحتم كفر وإن لم يرده فهو بمنزلة اليمين.
ومنهم الشيخ أبو زكريا يحيى بن أيوب اشتهر بابن بختيت أخذ من الشيخ أبي عبد الله بن بكر.
وفي السؤالات وإن رأى من فعل فعلا ولم يأخذ قبل ذلك أنه كبيرة فلا يكون له حجة إلا أمينان. وروى يحيى بن أيوب المعروف بابن بختيت عن أبي عبد الله أن يبرأ (1/526)
صفحة 527
منه على مشاهدة الفعل واشتهر أيضا بمطحنة المسائل وهو نفوسي.
وفي السؤالات وحكي عن الشيخ يحيى بن أيوب الملقب بمطحنة المسائل المعروف بابن بختيت أنه قال: علينا أن نعلم أن الدنيا ستفنى والدنيا في نفسها الليل والنهار وما فيها وسميت بذلك لأنها دنت إلى الفراق وجمعها دُنًى.
ومنهم الشيخ ساناج بن محمد بن أبي محمد جمال وتقدم التعريف بأبي محمد وهم جميع أهل بيت علم ودين أصيلة في الوهبية.
وفي السؤالات: حكى الشيخ عن أبي زكريا يحيى الزواغي عن أبي مجبر الشيخ توزين أنه قال: قال لي ساناج بن محمد بن أبي محمد جمال المزاتي رحمه الله إن فعلت كبيرة ثم تبت كما قال الله فجاء من يبرأ مني عليها فإني لا أبرأ منه فجعل نفسه مثل المتولى. وحكى الشيخ عن عيسى بن يوسف المديوني أنه قال: قال سانوج إن فعلت كبيرة ثم تبت منها كما قال الله فجاء من يبرأ مني عليها فإني ابرأ منه سواء قصدها أو لم يقصدها فجعل نفسه أكبر من المتولى.
ومنهم أبو عثمان سعيد بن تينا بن أبي محمد ويسلان بن يعقوب الدجمي تقدم التعريف بالشيخ أبي محمد وأما الشيخ سعيد فكان في عصر أبي عبد الله.
وفي السؤالات ومن فعل فعل الجوارح فجاء من يبرأ منه عليه فلا يبرأ منه. وأما كبيرة القلب فإنه يبرأ منه لأنه لا يصل إلى معرفتها وهي مسألة سعيد بن تينا بن أبي محمد ويسلان بن يعقوب الدجمي المزاتي وهو الذي قال في حلقة أبي عبد الله أخذت مسألتي ولا أبالي بعبد الجبار والحارث. وتقدم التنبيه على الحارث وعبد الجبار. وأما الشيخ تينا بن أبي محمد فشيخ مذكور في المشايخ وهم أهل بيت علم وتقى وذو أصالة في المذهب وقادات فيه وضبطه ثلاث سينات عليها ثلاث (1/527)
صفحة 528
نقط وبعضهم أهملها.
ومنهم الشيخ أبو إسحاق إبراهيم بن الشيخ عبد الله ويروى عن أبي عمرو.
وفي السؤالات: ومنهم من يقول بالولاية بالعبد والنساء حكاها الشيخ إبراهيم بن الشيخ عبد الله يروي عن الشيخ أبي عمرو وأبوه أيضا شيخ مذكور.
ومنهم الشيخ أبو عبد الله محمد بن الشيخ أحمد وكان أبو نوح ممن يروي عنه وتقدم التعريف بأبي نوح وأنه كثير الروايات عن الأشياخ.
وفي السؤالات: وأما إن قال: برئت من أهل ولايتي أو قال وقفت في أهل ولايتي فإنه يبرأ منه وقيل ليس علينا منه شيء إلا أن قال بريء منكم أهل ولايتي يبرأ منه عن الشيخ عبد الرحمن بن يعلا.
وروى الشيخ أبو نوح عن الشيخ محمد بن أحمد أنه ليس علينا منه شيء، وتقدم التعريف بالشيخ عبد الرحمن بن المعلا والله أعلم.
ومنهم أبو يحيى إسماعيل بن يحيى ممن أخذ من أبي عمار.
وفي السؤالات: إبليس أبو الجن الذي هو الجان ولما شمله الأمر جاز أن يستثني من المأمورين كما أمرنا مع الجن وليسوا منا، ثم قال: فالمطيعون له من ذريته والمطيعون له من ذرية آدم كانت لهم النار ومن أطاع آدم واتبعه على الدين من ذريته ومن ذرية الجان فهم المسلمون، روى ذلك أبو يحيى إسماعيل بن يحيى عن أبي عمار عن أبي زكريا يحيى بن أبي بكر اليراسني رحمهم الله وهو قول الحسن وجماعة من التابعين وغيرهم ورواه أبو صالح عن بن عباس عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
وذكر عن أبي يعقوب محمد بن يدر النفوسي وكان شيخا معاصرا لأبي القاسم يونس بن أبي زكريا ولأبي عبد الله محمد بن بكر وفي السؤالات في تمام المسألة المتقدمة عن أبي يحيى وجدوا في كتاب أن الجان (1/528)
صفحة 529
أبو الجن رجل صالح فأخذوها بل أبوهم إبليس قال تعالى: {وَالْجَآنَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُوم ِ} واتصل الخبر إلى آخر قصته فسماه بإبليس ثم قال: ومن جعله من الملائكة أشرك، وهي المسألة التي رد الشيخ أبو القاسم يونس بن أبي زكريا اليراسني على أبي يعقوب محمد بن يدر النفوسي في حديث عند أهل المسلمين من أصحابنا رحمة الله عليهم وتقدم التعريف به وبسط المسألة في السؤالات.
ومنهم الشيخان الأفضلان العالمان القدوتان أبو الربيع سليمان بن الشيخ أيوب بن الشيخ محمد بن أبي عمرو بل الشيوخ الأفضلون وأظن أنه تقدم التعريف ببعضهم.
وذكر في السؤالات أن الشيخ أبا يعقوب يوسف بن محمد ذكر عن الشيخ سليمان بن الشيخ أيوب بن الشيخ محمد بن أبي عمرو التناوتي رحمه الله قال لما كثر القيل في أخيه يحيى نهاه عن الدخول في أمور الناس وأمره بالاعتزال فلم يطعه ولم يصغ إليه فلزم سليمان بيته فتحير الناس من ذلك فدخلوا عليه فكلموه في الخروج إليهم والحضور لمجالسهم تبركا به لما يعينهم به ويستفيدون منه فتمثل لهم بقول الحكيم
إذا ما كنت في زمن عبوس وفي ناس من البشر الخسيس
لزمت البيت مصطبرا كأني أخو قبر دفنت بلا أنيس
وهؤلاء الأشياخ مذكورون في أشياخ تناوت وهذا كاف في التعريف بهم وإن أردت أخبارهم فتتبعها في الكتب.
ومنهم الشيخ المعز بن جناو بن الفتوح وهو من الأشياخ الذين عرضت عليهم السؤالات وهو من أئمة الكلام واللغة والفقه وأخذ العلم أظن من أبي عمرو.
ومنهم أبو الربيع سليمان بن محمد بن إسحاق وكان شيخا متكلما معاصرا لأبي عمار ولأبي يعقوب يوسف بن (1/529)
صفحة 530
إبراهيم.
ومنهم أبو الربيع سليمان بن يومر أخذ من أبي عمار وغيره.
وفي السؤالات: الواحد في صفة الله على أربعة وجوه: واحد في الصفة وواحد في الذات وواحد في الفعل وواحد في العبادة أي لا يستحق العبادة غيره قال تعالى {إنما هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ} و {لَا إِلَهَ إِلّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} وأمر الشيخ أبو عمار أن يزاد الرابع يعني في كتبه والراوي عن أبي عمار سليمان بن يومر وعن سليمان بن محمد بن إسحاق.
ومنهم الشيخ أبو عمران موسى بن هارون النفوسي وهو غير أبي هارون موسى بن هارون الساكن بإبناين بل هو متأخر أخذ من أبي محمد عبد الله بن محمد العاصمي.
وفي السؤالات التقى الشيخ موسى بسقاي من سفاقس فطلبه الشيخ أن يسقيه فقال له السقاي لا أسقيك حتى تجيب لي هذه المسائل وهن: من قال لامرأته أنت طالق لا طالق بل طالق يامطلقة قال هي مطلقة تطليقتين ومن قال لآخر: أنت خلاف لخلاف الذي هو خلاف لخلاف الجميل، قال هذا مدح ومن قال: أنت خلاف لخلاف الذي هو خلاف القبيح قال هذا ذم. ومتولًّى دعا: اللهم إني أسال كنارا تقطع لي منه ثيابا ولا أسال كالجنة فأوصل الكافين باللامين يوهم أنهما للخطاب قال ذلك جائز والكنار شقق الحرير. وقال: له ما تقول في عائشة وابن العباس وهما متوليان عندكم قال ابن عباس إن محمدا رأى ربه بعين رأسه وقالت عائشة من زعم أن محمد رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية قال: أراد ابن عباس علمه بتمييز واستدلال من عقل ولا يعني به التفكير بل بتعليم والأطباء تزعم أن العقل في الرأس فسقاه.
ومنهم أبو الفتح وهو ممن أخذ عن أبي عمار.
وفي السؤالات وروى أبو الفتح عن أبي عمار الوجه في تبليغ (1/530)
صفحة 531
الرسول - صلى الله عليه وسلم - إيانا من جهة التواتر من قبل الكتاب والسنة وأهملهما ولعله أبو الفتوح والله أعلم.
ومنهم الشيخان أبو علي بن أبي علي وابنه أبو عمران موسى بن علي وكان من المذكورين في الأشياخ.
وفي السؤالات: وندين باستتابة المرتد على معنى نصوب. وقيل عن الشيخ موسى بن الشيخ علي بن علي ندين باستتابة المرتد أي أنها فريضة أراد أنها من الدين أي نتخذه دينا لأن للدين معنيين نصوب ونتدين.
ومنهم أبو مسعود معاصر لأبي عمار وقد كان يكاتبه.
وفي السؤالات باختصار وعلينا أن نعلم أن الدنيا ستفنى وما فيها وفناؤها على التلاشي إلا الثقلين والملائكة وأطفال المسلمين والله أعلم في أطفال غيرهم وعلينا أن نعلم أن كل عاقل يذوق الموت وليس علينا في غيرهم شيء إلا إن أخذت كل نفس ذائقة الموت على العموم وعلينا أن نعلم أنهم يبعثون ويحاسبون أعني العقلاء وعلينا معرفة سبعة أسماء بالعربية: الله وجبريل وآدم ومحمد والقرآن والجنة والنار وعلينا أن نعلم أن لله ثوابا لا يشبهه ثواب، وعقابا لا يشبهه عقاب. وعلينا أن نعلم أنهم حدثوا ومحدثهم واحد لا يشبههم ولا هو منهم قال: وهذه الوجوه التي كتب الشيخ أبو عمار للشيخ أبي مسعود فعرضها على أبي يحيى واستحسنها غاية الاستحسان وسوغها واشتد به العجب.
ومنهم الشيخ مرصوكسن الصاويني وكان ممن يروي عن الشيخ عيسى بن يوسف.
وفي السؤالات: التوحيد شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وأن ما جاء به حق يأتي بهذا هكذا بالعربية وإن ترك منها شيئا فلا يجزيه روى هذا الشيخ مرصوكسن الصاويني (1/531)
صفحة 532
عن الشيخ عيسى بن الشيخ يوسف عن الشيخ عبد الله بن محمد اللنتي رضي الله عنهم.
ومنهم الشيخ أفلح بن عبد العزيز وكان شيخا فاضلا.
وفي السؤالات في الذي تولى رجلا وهو كافر في الكتب المتقدمة أو تبرأ منه وهو مسلم فيها فعن الشيخ يحيى بن زكريا الزواغي يسعنا هذا ولم يلزمنا إلا ما في هذا الكتاب. وحكى أفلح بن عبد العزيز عن الشيخ عيسى بن الشيخ يوسف أنه لا يسعنا خلاف الكتب.
ومنهم الشيخ أبو موسى عيسى بن حمدان مذكور في الرواة ومشهور في الأشياخ.
ومنهم الشيخ عبد الرحمن الكزيني المصعبي.
وذكر الشيخ عيسى بن أحمد أن الشيخ عبد الرحمن الكزيني [لعله: الكرثي] المصعبي كتب إلى شيوخ وارجلان سائلا عن اليقين والقدر والفرق بينهما وعن أعلام الساعة وغير ذلك فأجابه أبو عمار وافقه الشيوخ بأن اليقين فعل للعباد والقدر فعل الله واثنان من أشراط الساعة منصوصان {حَتَّى إذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ} الآية {وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ} الآية يعني عيسى واثنان مستخرجان من النص: طلوع الشمس من مغربها {يوم يأتي بعض آيات ربك} وخروج الدابة {وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم} ونار تخرج من عدن تسوق الناس إلى محشرهم لما روى عن النبي عليه السلام في ذلك، وحبشي يعلو الكعبة بفأس يهدمها وخسف بجزيرة العرب.
ومنهم الشيخان الأفضلان أبو إسحاق إبراهيم ووالده أبو إبراهيم بن يخلف بن مالك المزاتي الدجمي التغرماني فإن كان أبو إبراهيم هو مصكداسن فقد تقدم التعريف بهما، وإن كان غيره وجمعهم الاسم والقبيلة والزمان والدين والعلم فالله أعلم.
ومما يزاد من الأخبار (1/532)
صفحة 533
أن إبراهيم كسر ألف دينار على الكتب وجمع منها كثيرا ولما حضره الموت أوصى بها للشيخ أبي العباس بن محمد والتقى معه الشيخ أيوب ورآه بغير جريدة يدفع بها المكروه فيما يظن فقلت: معي مدية فقال: حسن إذًا فارجع فقلت له تبت فقال رددتك.
ومنهم أبو الحسن علي بن خزر الوسياني النفوسي وكان شيخا فاضلا.
وفي السير سير أهل المغرب: أن الشيخ سعد بن يفاو ورد على الشيخ علي بن خزر ثمان خصال ظن أنه عملها وهو منها بريء فلما أخذ يعدها عليه بادر إلى التوبة والاستغفار وعدم العود إليها فقبل منه فقيل له لِمَ لم تدفع عن نفسك وأنت لم تعمل فقال أعوذ بالله أن أرد ناصحا ولو رددته لضرني فيما أعمل فيقول أراد نصحي نصحه فلان فلم يقبل ولست خيرا منه. وهذا الشيخ معاصر لأبي عبد الله بن بكر.
ومنهم عبد الله محمد بن علي ابنه وكان مذكورا في الأشياخ وتقدم التعريف به.
ومنهم أبو سليمان الشيخ داود بن ويسلان من جملة الأشياخ الذين عرضت عليهم كتب أبي العباس التي ترك في الألواح.
ومنهم الشيخ بعزيز النفوسي المسناني.
وذكر أبو نوح وأبو عمرو أن شيخا من أمسنان سئل: هل تعطى الزكاة لمن جاز عليك من أهل الدعوة ولم تعرف له كبيرة قال: نعم لوحا ولوحين، فأنكر عليه سعد بن يفاو وعلي بن خزر وعلي بن سهل وقال لهم مرادكم أن لا يأخذها إلا مثلكم وأنتم بين من يطعمهما لأمة خمارة وقويٍّ يقدر على الاحتراف ومستخلف على ربع.
ومنهم أبو الحسن علي بن سهل النفوسي وهو من الأشياخ المشهورين والعلماء المذكورين وله سير وأخبار.
ومنهم الشيخ أبو عبد الله بن أبي صالح النفوسي من أمسنان وهو من الأشياخ (1/533)
صفحة 534
المذكورين.
وذكر أبو عمرو وأبو نوح أن جماعة من العزابة من أريغ جازوا على الشيخ ابن أبي صالح النفوسي قال أنتم مغراوة أعظم منا بختا ومن قوة سعودكم أن انتقل إليكم أبو عبد الله محمد بن بكر فيه خمس خصال امتاز بها العلم والورع والعبادة والشجاعة والسخاء ومن ذروة نفوسة.
ومنهم الشيخ أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الواغلاني كان ركنا من أركان أهل الدين ومأوى وحصنا للأخيار توفي عام ثمانية وخمسمائة في أنوار وفي تلك السنة مات أبو يحيى بن أبي بكر في جربة وفيها قال أبو عبد الله: إنا لله وإنا إليه راجعون ثلمة من هاهنا وثلمة من هاهنا!.
وذكر أنه كتب إلى صاحب له أما العقل فقد طارت به عقاب الجو. وفيه قال أبو زكريا يحيى بن أبي بكر: يستند إليه في اللغة كما يستند إلى السارية.
ومنهم والده محمد بن إبراهيم وكان متقيا عابدا ورعا مات شهيدا وذلك أن بني مسافر غدروا بأهل واغلانت فقتلوا منهم بشرا عظيما وكان الشيخ يصلي الضحى فلم يشعر بهم حتى وقفوا عليه فقتلوه وقد قال لهم غدرتم بهم ردكم الله تحتهم.
ومنهم الشيخان القدوتان يزيد بن يخلف الزواغي وابنه خلف.
وذكر أبو عمرو أن أبا يعقوب محمد بن يدر أجاب مسألة فأخطأ وذلك أنه قال علينا العمل بالفرائض وليس علينا العلم بها وهو جواب مستاوة وكان أبو الربيع سليمان بن يخلف ويزيد بن خلف الزواغي خلف المجلس فأجابا بأنه علينا العمل والعلم بكيفيته وبأن عليه الثواب وبأنه فرض وعدل وكانا باتا عند حلقته فلم يقل لهما نزعت قولي ولا قالا له تب.
وذكر أن الشيخ يزيد كان في جبل نفوسة فسألهم (1/534)
صفحة 535
بعض مستاوة هل تعلمون لربكم سميا؟ وكان من عادة مشيخة نفوسة لا يعجلون بالجواب مع كثرة علمائها حتى يدور السؤال جميع الجبل من لالت إلى تغرمين ثم يرجع إلى الشيخ الذي سئل عنه أولا فيجيبه وأجروا هذا السؤال في عدم المسارعة إلى الجواب كذلك فضاقت العامة والعجائز ذرعا فبادر يزيد بأن قال ما نعلم له سميا ياعدو الله وارتفع عندهم وعلت منزلته.
ومنهم الشيخ أبو محمد وافي بن عمار الزواغي وكان شيخا عالما تقيا ورعا مفتيا مشهورا مذكورا في الأشياخ ونقل عنه جماعة وهذا الشيخ في عصر أبي الربيع سليمان بن أبي هارون موسى وهو الذي استفتى أبو زكريا بن الشيخ أبي هارون موسى حين شدت عليه المشايخ إذ جاز على نفسه بكثرة الوضوء بالماء البارد حتى شلت إحدى يديه فقال له وافي بن عمار العضو الذي أهلك في طاعة الله الجنة أولى به. وكان يقول: ماذا وجدت في عمي وافي!. وتقدم هذا بالتعريف بالشيخ أبي هارون وبالجملة أنه شيخ حزيم ورع، وبطون الكتب مشحونة بما روي عنه.
ومن نباهته أن مشايخ نفوسة سافروا إلى درج فتعرضهم رجل من أهلها ليضيفهم فأبى عليهم وافي بن عمار لكونهم قبل ذلك حكموا عليه بغير المشهور من الأقوال خوفا عليه من غريمه ونظروا صلاحه في ذلك فعصوا أبا محمد وتركهم في البيت ولم يكرمهم.
ومنهم أبو زكريا يحيى بن الخير بن أبي الخير الجناوني تقدم التعريف بجده وأنه أخذت فيه بركة الشيخ أبي الخير الزواغي إذ دعا له وسمى باسمه وكنى بكنيته وبقي أثرها في ذريته. وأبو زكريا في زماننا أشهر من جده لكثرة تآليفه.
ومن غزارة علمه (1/535)
صفحة 536
وعمق بحره أنه يفتي للناس حين رجع عن أستاذه أبي الربيع سليمان بن أبي هارون ستة أشهر ولم يتوقف ولو في مسألة واحدة مع كثرة السائلين في أي فن من الفنون سألوا. ومن شدة عدله أن ضافه رجل من أهل تنطين فلما أصبح تخاصم هو وغريم له عند أبي زكريا وكان أكرمه إكراما تاما ولم يجر الأحكام لإكرامه الشيخ فأدبه الشيخ بنفسه ضربا وإهانة. -بل هذا سهو مني وإنما اتفق هذا لأبي يحيى توفيق الجناوني.
وذكر في آخر كتاب النكاح وكان سفرا مستقلا وإنما كتبناه رغبة فيما يتحفظه من آثار من أدركنا. ثم قال: وقصدنا فيه إلى الحاجة مما يحتاج الناس إلى استعماله مما أفتاه الشيخ أبو الربيع سليمان بن أبي هارون رضي الله عنه وقدس روحه وأكرم مثواه إلا القليل منه فربما أسندناه إلى غيره وربما لم نسنده من رواية مستظرفة وقول مستظرف وأما الجل منه فهو عنه، وكفاك حفظا وقوة ثبوت أن صنف كتابا مما حفظ وسمع من شيخه إلا قليلا مما سمع من غيره وجازت عليه نسبة الدين وأخذ عنه بشر كثير وكان اعتماد أهل نفوسة على كتبه حفظا وفتيا لكونه أودع فيه المأخوذ به من الأقوال وربما ذكر الخلاف، وهي كتب مفيدة في الأحكام.
ومما ذكر عنه أقام عند أبي الربيع مدة طويلة في مسجد إبناين ومن عادة نفوسة أن يجعلوا سترة على الصف الآخر من المسجد وذلك في جميع مساجدهم يدخله النساء لسماع العلم وللصلاة ليكون بينهن وبين الرجال حجابا فلما أراد الانصراف من عند شيخه والموادعة قال أمهلوني حتى ادخل خلف السترة (1/536)
صفحة 537
لأنظرها ولعلي أن أسأل عنها، فناهيك من رجل أقام بمسجد أعواما لم يختبر أركانه ولم يعلمها تورعا، وهذا الموضع في غير أوقات الاجتماع مباح للرجال للقعود وللصلاة.
ومنهم الشيخ أبو سليمان داود بن هارون كان الغاية في العلم والورع والحلم أخذ العلم عن أبي زكريا بن الخير وأخذ عنه كثير وله أجوبة مفيدة وهو الذي ألف المسائل التي نقلها أبو محمد وارسفلاس عن أبيه مهدي عن أبي يحيى. وفي المعلقات: قال عيسى بن حمدان حضرت مجلسه فسألته هل يجوز على الله متكلم؟ قال الله أعلم على نفي الخرس عنه قلت ومكلم؟ قال على أنه فاعل للكلام قلت: تكلم وكلم قال يجوز بعد خلق الخلق، قلت يتكلم؟ قال: لا يجوز في الأزل وفيه اليوم قولان. وسأله عن غير ذلك فأجابه قال: فعلمت أن الرجل ماهر. وقال البغطوري: قال بعض المغاربة سرت البلاد شرقا وغربا فلم أر مثل داود بن هارون وهذا الشيخ، يعني أبا محمد بن محمد. وبالجملة أنه في أيامه تضرب إليه أكباد الإبل في إيضاح كل مشكل وتفسير كل غريب وجواب كل سؤال وشهرته في التقى والورع في بلاد نفوسة بل في جميع المغرب أشهر من أن يخفى.
ومنهم الشيخ أبو يعقوب نالوف بن أحمد كان في زمان أبي زكريا يحيى بن خير وكان ممن يكاتب في مشكلاته أبا الربيع سليمان بن أبي هارون وله إليه أجوبة مودوعة بطون الكتب لمن أرادها.
ومنهم أبو محمد عبد الله المجدولي المعروف بتميجار هذا الشيخ من طلبة أبي الربيع وهو خاص به وكثيرا ما يكاتبه بعد أن رجع إلى بلده ولأبي الربيع إليه أجوبة وكان يؤثره على سائر التلاميذ وإذا سافر وانتقل كان رديفه على البغلة.
وفي السير سير نفوسة (1/537)
صفحة 538
أن رجلا أطعم أبا الربيع وطلبته في بعض المنازل فلم يأكل بعض التلاميذ لعله استراب طعام الرجل فغضب عليه أبو الربيع فقال لأبي محمد عبد الله التميجاري وقد كان رديفه على البغلة: قل له يلحق بيته فقال أبو محمد مجيبا إن لم تأثم أنت لم يأثم هو ياشيخ عرف الحق فجعل يطأطئ رأسه حتى بلغ رأسه قرب قربوس السرج. وأجوبته له كثيرة منها أن من جرح أو قتل غيره بأمره فقد كفر ويعطي الدية للورثة في القتل ويعطيها له في الجرح ويعطيها الأمر للورثة وقد كفر أيضا. ومن قال لامرأته أنت طالق كلما دخلت الدار وإن دخلت الدار أبدا فكلما دخلت لزمها الطلاق في المسألة الأولى ويرتفع ذلك إذا نكحت زوجا غيره بلزوم ثلاث لا بتمام العدة وفي الثانية قولان وبالجملة كل امرأة بانت من زوجها بثلاث ثم نكحت غيره ارتفع كل يمين قبل ذلك. ومن تبرأ من رجل ببراءة وليين ثم رجع أحدهما أن البراءة ثابتة وإنما اخترت هذه من سائر الأجوبة طلبا للاختصار ولحسنها.
ومنهم الشيخ هارون بن أبي الربيع سليمان بن أبي هارون موسى بن هارون الباروني النفوسي تقدم التعريف بابنه لشهرته وهو أيضا من الأشياخ المذكورين والعلماء المفتيين.
وذكر ابنه أبو سليمان داود في بعض أجوبته لأبي عبد الله محمد بن أبي زكريا عن أهل تملوشايت وجماعتهم من أهل تيجي حين أبوا أن يدوا معهم قال: أعلم ياشيخى أنهم قد سألوا أبي في حياته فقال لأهل تيجي: أدُّوا على أموالكم في تملوشايت مع أهل تملوشايت فيما يدارون به على أنفسهم وأموالهم فقال أبو يوسف بن عم نزار: ما نشتغل بأبي داود ولا بأبي عبد الله ثم قال ياشيخ أن أجابوا لك بما يوجب عليهم الحق (1/538)
صفحة 539
أن يفعلوه فقد أخبرتك بما قال لهم أبي وعندي أنا مثل ذلك وتكلموا يومئذ أن من عثر في العرب باطلا فعليه جنايته في ماله وإن أغاروا عليه فعثر فليس عليه شيء في ماله وكذا إن خرجوا يداعون جميعا فعثر واحد يعني والله أعلم على الجميع.
ومنهم أبو زكريا يحيى بن إبراهيم الباروني النفوسي كان شيخا مذكورا وحاكما منصورا أظن أنه معاصر لأبي زكريا يحيى بن الخير وكان يستفتي أبا الربيع سليمان بن هارون في النوازل الواقعة في أيامه ما يستشكله من الحكم ولأبي الربيع إليه أجوبة.
ومنهم أبو عبد الله محمد بن أبي زكريا يحيى كان شيخا فاضلا وحاكما عادلا وكثيرا ما يكاتبه أبو سليمان داود بن هارون ويخاطبه بياشيخي إما تعظيما وإما حقيقة. والمشهور عن داود أنه أخذ العلم من أبي زكريا يحيى بن الخير الجناوني وكان أبو عبد الله يستفتى فيما يستشكل من النوازل عليه في الأحكام داود بن هارون ورأيت له إليه أجوبة كثيرة وكان حاكما على نفوسة بعد أبيه أبي زكريا.
ومنهم أبو منصور بن أبي زكريا كان إماما سالكا على الصراط وحاكما قاضيا بالإقساط وهو أيضا ممن اشتهر في أيامه وقُدِّم حاكما في جبل نفوسة وهو أيضا يستفتي في نوازله ومشكلاته داود بن هارون وجوابه إليه بالتعظيم. ومن أجوبته للشيخ أبي منصور بن أبي زكريا تولاك الله بالحسنى وزينك بالتقوى ويسرك لليسرى وجنبك سبل الردى أوصيك ونفسي بتقوى الله التي لا وصية أبلغ منها ولا هداية أنفع منها ومثل هذا كثير ويخاطبه أيضا كما يخاطب أبا عبد الله بياشيخي وكانت حكومته بعد أبيه ولا أدري قبل أبي عبد الله أم بعده والأظهر قبله. ومن أجوبة داود (1/539)
صفحة 540
إليه: اختلف العلماء منهم من يقول يؤخذ الورثة على الدَّين ولو لم يقتسموا ما بينهم من التركة ومنهم من يقول لا يؤاخذون وبهذا القول رأيناهم يفعلون أي لا يؤاخذون حتى يقتسموا.
ومنهم أبو يحيى زكريا بن إبراهيم وكان أيضا معاصرا لأبي سليمان داود بن إبراهيم وهو جد أبي يحيى زكريا بن إبراهيم بن أبي يحيى بن إبراهيم بن زكريا بن موسى بن هارون وتقدم الكلام على زكريا وورعه في التعريف بأبيه أبي هارون وكان شيخا مذكورا وكان أيضا ممن يكاتب داود بن هارون.
ومنهم أبو الربيع سليمان بن هارون وتقدم أن أبا زكريا يستفتيه في نوازله وكان عالما مفتيا وشيخا تقيا وأخذ العلم من أبي زكريا بن الخير أظن ومن أجوبته لأبي زكريا يحيى بن إبراهيم أن شهادة أهل الجملة على موت غائب في شهر كذا أو مات فلان قبل فلان جائزة ولو لم يكونوا أمناء إذا لم يُتهموا قال وسمعت الشيخ أبا زكريا يذكر في المسألة ما هو أكثر من ذلك وهو أن الظلمة إذا أغاروا على قوم فقتلوهم وقالوا قتلنا فلانا قبل فلان وهم ممن يتوارثون أن قولهم جائز يعني أن المقتول آخرا في قولهم يرث المقتول أوَّلاً. ومن أجوبته له أن من استخلف خليفة أو وكل على إعطاء ما عليه من الحقوق وأخذ ماله ثم عزله عند الشهود وسافر أن الشهود الذين سمعوا منه إذا علموا بخداعه وحيله فشهدوا بذلك أن الشهود يوبَّخون ويغلَّظ عليهم ويعنَّف بهم ولا ينصت لشهادتهم لأنهم معونة له على تعطيل الضعفاء وللحاكم إذا أراد أن يتخذ خليفة أن يشترط عليه أن ينفذ جميع ما استخلفه عليه وإن غاب أو عزله فإن اشترط ذلك عليه لزم الخليفة ذلك ولو نزعه ويلزمه ما فعل الخليفة.
ومنهم الشيخان (1/540)
صفحة 541
الأتقيان أبو عبد الله محمد التكنيصي الطرمسي ومحمد بن بركين كانا شيخين صالحين عالمين عاملين ورعين قال الشيخ الفاضل داود بن هارون في جواب أبي منصور بن أبي زكريا وقد اجتمعنا في المسألة في جادو كما علمت مع أبي عبد الله التنكيصي وأبي عبد الله محمد بن بركين فلم يكن بيننا في المسألة إلا أن البيع ماض واختصرت كلامه لأن المقصود التعريف.
وأبو عبد الله الطرمسي بلغ به الورع إلى أنه لا يأكل اللحم خشية أن يقع في الريبة أو الحرام كيف لا يعلم إلا أن يكون طيرا. وأرسل إليه بعض إخوانه أن يأخذ بظاهر الشرع ولا يبحث وإلا فإدراك الحلال البين متعذر وما لزمك في اللحم والمأكول يلزمك في الصوف والملبوس أتتخذ ملبوسا من الريش أم تبقى عريانا؟.
(حكاية) وقعت لبعض المجتهدين يوما وقد ذَكَرَ الشيخُ أبو الربيع سليمان بن موسى بن الشيخ أبي ساكن عامر بن علي مشايخَ نفوسة وما أدركوا في الورع والعلم وإقامة الحق وما لهم من الكرامات فقال بعض المجتهدين الحاضرين: يا شيخ بلغت مشايخ نفوسة في دين الله ما لم تبلغه الأنبياء! فانتهره الشيخ ووبخه وقال له: تب إلى الله وانزع؛ لأن درجة الأنبياء لا تدركها الأولياء، وأبى الجهَّل والبلَّه أن يتركاه فزاد وقال: نعم والله لأرض أبو عبد الله الطرمسي ما رضيت أولاد سيدنا يعقوب فزاد الشيخ في توبيخه وتهديده عصمنا الله من الجهل المركب.
ومنهم أبو زكريا يحيى بن يصلتن كان معاصرا لأبي زكريا بن الخير وفي أجوبة أبي سليمان داود بن هارون لبعض إخوانه روى يحيى بن يصلتن عن يحيى بن أبي هارون أن جمله أكل من شجرة يتيم في كاباو فجعل عليه المشايخ اثني عشر غصنا بدرهم وأما الزيتونة فعلى سبعين غصنا درهم وقيل ستين وإذا (1/541)
صفحة 542
كانت على غصن واحد فربع دينار وتقدم التعريف بأبي زكريا يحيى بن أبي هارون وورعه في التعريف بأبيه وأخيه أبي الربيع.
ومنهم عبد الله بن مصكود شيخ فاضل وعالم عامل أخذ العلم من منبعه الشيخ أبي الربيع وتقدم التعريف به وأخذ عنه أبو سليمان داود بن هارون وكان خاصا به يحبه ويؤثره على غيره وهو جد أبي محمد وسيأتي.
وروى البغطوري عن أبي محمد أنه قال قعدت معه ذات مرة في شرق مسجد تارديت تحت زيتونة يحدثني فأتانا الشيخ بن وريازن فقعد فقال كنت أبغضك فقال له لماذا؟ قال بن وريازن ياشيخ رأيت الشيخ أبا سليمان بن هارون يؤثرك ويحبك فنمت فرأيتك في النوم قاعدا مع عمر بن الخطاب في خيمة فأتيتكما فأردت الدخول فقام إلى عمر يريد ضربي بدرة في يده فقال بماذا تبغض ابن مصكود فزال ذلك من قلبي من هناك بإذن الله.
ومنهم وجدليش أبو يوسف الأمللي شيخ فاز بالتقى والدين وغاص في بحر العلوم فكشف الجهل والدين، أخذ العلم من معدنه داود بن هارون وأخذه عنه جماعة وجازت عليه نسبة الدين وكفاك به سؤددا أنه أستاذ الشيخ أبي يحيى زكريا بن إبراهيم.
وذكر البغطوري في ذكر نسبة الدين أن بعض الأشياخ ذكر له أنه رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المنام في مجلس عظيم ودرجته على الجالسين مرتفعة ومرتبته عنهم عالية وهو مشرف عليهم وفي صدر المجلس ومقدمته ثلاثة شيوخ: أبو يوسف الأمللي وأبو يوسف الأرجاني وأبو محمد عبد الله بن محمد المجدلي وسيأتي تمام المنام عند التعريف بأبي يوسف الأرجاني.
ومنهم أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد الله بن مصكود شيخ استفاد العلم وأفاده. أخذ العلم (1/542)
صفحة 543
من داود بن هارون كما أخذه من جده لكن أبا محمد بن محمد أشهر من جده لكثرة من أخذ عنه، قال البغطوري إن الشيخ أبا محمد بن محمد رحمه الله أفضل من أدركت وكان عالما بسيرة الأولين وأخبارهم كأنه حضر معهم فأكثر مجالسه في آخر عمره في ذلك ومثله وما أدركنا أحدا في زماننا أكثر نية منه قال لهم إنسان مغربي سرت البلاد غربها وشرقها فلم أر مثل داود بن هارون وهذا الشيخ يعني أبا محمد وكلما وجدت رواية وسيرة في أخبار مشايخ نفوسة فالأكثر من ذلك هو راويها وكان إماما تعلم منه بشر كثير وله فضائل ومواعظ.
ومنهم أبو يحيى توفيق بن يحيى الجناوني أخذ من أبي محمد وساد معه ولعله أخذ من غيره ثم عنه وكثيرا ما يروي عنه عن أبي سليمان داود بن هارون في كتبه.
وذكر البغطوري أنه أخذ عنهما دينه وله تآليف مختصرة وتقييدات وأخذت فيه دعوة الشيخ أبي موسى الجناوني وتقدم التعريف به.
قال البغطوري: وكان أبو يحيى يقول قدر الله أنه دخل إلى المصلى الذي عند قصبة إجناون فمر أبي إليه وحملني في ذراعه فلما دخل عليه قال له ادع الله لهذا الغلام فقال: عسى الله أن يجعله نور هذا البلد فخرج والحمد لله فقيه إجناون وغيره قال وأعطاني رمانة واحدة ولذلك عقلته وفي مختصرة في الطهارات: وكل دم من بني آدم نجس إلا ما استخصوه من دم الشهداء. وقد كنا حاضرين لدعوة عند موضع الشهداء في أمسين مع الشيخ أبي محمد رحمه الله فمسحت الدم بثوبي من الصفا فإذا نتانة الدم ظاهرة على الثوب فجرينا خلف شيخنا أبي محمد فسمعته يتحدث عن تلك الشهداء قال اثنان على دين عيسى قبل مبعث النبي بستين عاما قتلا على الإسلام والتوحيد (1/543)
صفحة 544
ظلما. والثالث من جبل دمر كان يتعبد في ذلك الموضع ويصلي فقتل ظلما وكانت دماؤهم الثلاثة طاهرة وبقيت دماؤهم الثلاثة على الصفا مجرى الماء ماء المطر فسئل الشيخ أبو محمد عن دمائهم فقال: إن دماء الشهداء ليست بنجسة انتهى كلامه ملخصا.
وهذه الدماء أحد الكرامات التي اختص الله بها جبل نفوسة أعني بقاء دماء على صفا مجرى ماء مطر على طول الدهر وإذا مسحته بثوب تعلق به وتشم منه رائحة الدم القريب العهد. وأول ما رأيتها وأنا مع شيخي أبي عفيف صالح بن نوح رحمه الله وحككته بثوبي فقال والله أعلم بطهارته.
ومن كرامات جبل نفوسة أثر الغنم الذي بِتَالاَ على الصفا هابطة من جبل وماشية مع الطريق كأنها ماشية في الطين ربما وقع أثر بعضها على أثر بعض وربما انفرد فيتبين أتم بيان يميز الصغير والكبير والمتوسط كل ذلك على صفا وصخور وجبل وبقي بقاء الدهر إلا ما دفن من الصخور بالتراب أو تحول عن الطريق بطول الأمد؛ ولذا تجد موضع التراب خاليا وفي الصفا ثابتا. ومنها أثر أبي عثمان الساكن بدجي أعني أثره في مصلاه على صفا. ومنها أثر أبي مرداس في صفا عند مصلاه ثلاثة أقدام. ومنها الأثر الذي في أكفي أثر ناقة ودابة وكلب عند مصلى الشيخ عمي طاهر، ونسبه على ألسنة الطلبة لدابته وكلبه وناقته مشهور وبينهما وبين حرف الجبل من أربعة أصابع إلى أذرع لتفرق الأثر لأنه غير واحد والله أعلم. ومنها الأثر الذي على الصخرة تحت جادو نسبه التلاميذ والطلبة إلى أبي الليث حين صعد من إجناون إلى جادو وإذا انتقص لبن بقرته ووجد أبا منصور يضرب رجلا وتقدمت الحكاية في التعريف به. (1/544)
صفحة 545
ومنها الدماء التي في الرمل في ككلة وتسمى دماء الشهداء ولعلها لأصحاب أبي حاتم. ومنها ما يحكى عن الصخرة التي سقطت عن بعض الأشياخ يصلي وهي قصعة عظيمة من جبل وأبى أن يزول ولا يلتفت فانحنت عليه حتى كادت أن تناله فأمسكها الله والله أعلم. ومنها خشب الشيخ ورأيت منه خشبتين إحداهما بلالت والأخرى بتالات وقستهما بيدي من تسعة أشبار إلى أحد عشر شبرا الشك مني لطول المدة. وبالجملة إن جبل نفوسة احتوى على الكرامات وعلى كثرة الصالحين والعلماء ما لا يوجد بغيره.
وذكر أن بعض الأزمنة لا تحتاج فيه قرية إلى قرية للفتيا إلا إجناون وويغو وتندميرة لا تحتاج دار إلى دار وقالوا: اجتمع في إجناون سبعون عالما في أيام أبي عبيدة عبد الحميد من أهل ولايته.
وذكر أن إماء نفوسة في تلك الأعصار إذا وردن أو خرجن إلى الحطب لا يرجعن حتى يتذاكرن جميع مسائل كتاب ماطوس، وتقدم فيما مضى التعريف ببعض شيوخهم.
ووقعت محاورة ومناظرة بيني وبين بعض ملوك إفريقية عام أحد أو اثنين وتسعين فآل بنا الأمر إلى أن قال ليس فيكم أولياء ولا صالحون فقلت: يا سبحان الله إذا لم تكن الأولياء فينا ففي أي الفرق تكون؟ من رأيتم يبول على عقبيه ويترك الصلاة قلتم هذا مجذوب وولي! ولكن أرسِلِ الشهود إلى جبلنا لينظروا ما فيه من الكرامات ما لا يحتمل التأويل، فسألني عنها وكنت أعدها عليه وعندهم الخبر في بعضها كأثر الغنم لشهرته وخشب الشيخ، بل حملوا خشبة منها إليهم وأبصروها فأفحم وسكت.
ومنهم أبو عيسى الجناوني أخبر عنه البغطوري وقال في بعض الأخبار: حدث بذلك شيوخ إيجناون وعده فيمن حدثه.
ومنهم أبو يوسف الأرجاني كان شيخا فاضلا تعلم العلم علمه وتعلم (1/545)
صفحة 546
العلم وعمل بموجبه وكان ممن ساد أهل زمانه.
وذكر البغطوري أن بعض الأشياخ حدثه أنه رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المنام في مرتبة عالية مشرفا على مجلس من الناس عظيم وتحته ثلاث درجات وفي مقدمة المجلس ثلاثة أشياخ أبو محمد عبد الله بن محمد وأبو يوسف الأمللي وأبو يوسف الأرجاني فجزت وسط المجلس وهمتي الوصول إلى الرسول عليه السلام فمسكني أهل المجلس ولم أشتغل بهم فلما بلغت الدرجات ورقيت واحدة أو اثنتين فحبسوني فسالت حينئذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن هذا المذهب فقال: أنتم خير الأديان ومراده خير المذاهب أعني صاحب الرؤيا.
ومنهم أبو يحيى زكريا بن إبراهيم بن زكريا بن أبي هارون الباروني هو الغاية القصوى في العلم والعمل والأمر والنهي جدد المذهب بعد أن أخلق، أخذ العلم من أبي يوسف وجدليش الأمللي عن أبي سليمان داود بن هارون وعن أبي محمد بن محمد عن أبي سليمان داود. وفي أيامه رجعت بنو يفرن وككلة وبابل وتاكبال إلى مذهب الوهبية وكانت قبل ذلك مستاوة وحسنية وخلفية أتباع خلف بن السمح أي بعضهم حسنية أتباع أحمد بن الحسين الإباضي وبعضهم مستاوة أتباع عبد الله بن يزيد الإباضي وأخذوا في الفقه بقول ابن عبد العزيز وأبي المؤرج وحاتم بن منصور وشعيب بن المعرف. وتقدم بعض أخبارهم في صدر الكتاب. ودانت له الدنيا. يحكى عنه أنه تصدق على جميع جبل نفوسة وبني يفرن وككلة وبابل وتاكبال بشيء من الدراهم عن خمسة دراهم إلى أربعة لكل بيت وثمن زيت أو أكثر وغير ذلك، وزاره في هرمه بنو يفرن فلما أرادوا الوداع أعطى لكل إنسان منهم عشرة دراهم فأراد أن يعطي ما بقي لعون بن حريز مقدمهم فقال لا أريد إلا (1/546)
صفحة 547
البركة وما أتيت من بلادي أطمع دنيا. وقيل قبض لكل واحد قبضة فأراد أن يعطي الباقي لعون بن حريز فقال: اُدع لي الله، فنشر له ثوبه فدعا له وضم أطراف ثوبه فلما بلغ داره نفض ثوبه فبقيت تلك البركة في ذريته إلى يومنا هذا. وكانوا سادات بني يفرن ومقدميهم. ومن فواضله أن نفوسة إذا كانوا بالجزيرة متحصنين بها من يحيى بن إسحاق الميروقي كان فيهم رجل شجاع تكفل باحتراس المدخل، فكان يعطيه كل يوم أربعة دراهم.
ومنها أن طلبته أرادوا أن يفترقوا لجدب وبلاء وشدة وقالوا: أضررنا بشيخنا وكانوا على ما قيل قرب ثمانين طالبا، وكان ينفق عليهم، فلما بلغه ما اجتمعوا عليه جمعهم على طعام بغير إدام، فقال لبعضهم: آتيهم بالإدام من موضع في البيت سماه له فأتى الموضع فوجده مالا، ثم أتاهم بإدام من غير ذلك الموضع، فقال: أخبرهم بما رأيت، فقال لهم: لم أجمعه إلا لأنفقه عليكم في المسغبة، ولا آذن لأحد أن ينصرف إلا لحاجة، فأقاموا فأخذ ينفق عليهم حتى زال القحط. وقيل: إن بعضهم سأله من أين جمعه؟ فقال: من البيع في الشدائد. وقيل: معه الاسم الأعظم، وقيل: علم الكيمياء.
ومن حزمه أنه إذا أرسل من يأتيه بالطعام من دكي وبين البلدين مسافة قليلة أرسل معهم خبيرا من نفاث، وسيأتي حديث ذلك عند التعريف بالشيخ يخلف الفرسطائي تلميذه ومدْ حياته أقام منار الحق ولما مات حزنت عليه طلبته وأهل مذهبه ورُثِيَ بقصائد كثيرة من طلبته رأيت منها جملة، وصلى عليه يوجين بن نوح أخو سعيد بن نوح من بلد مسين ووعظ الناس واليه يشير الشيخ أبو نصر فتح بن نوح في مرثيته إذ قال قام الخطيب يبكي الناس. وساد من طلبته جماعة، وسيأتي التعريف ببعضهم وبالجملة إن الشيخ حزيم (1/547)
صفحة 548
لأخراه ولدنياه ووصل معروفة القريب والبعيد والمطيع والعاصي رحمة الله علينا وعليه.
ومنهم الشيخ مقرين بن محمد البغطوري أحد الأشياخ الذين تمسكوا بالعلم وأتموا بالعمل واتبعوا الطريق، وهو ممن حفظ على المذهب وحافظ على السير، وهو أحد المؤلفين سير من قبله من أشياخ جبل نفوسة وألف في الفقه ما تيسر أخذ العلم من أبي يحيى توفيق الجناوني وأظنه أيضا أنه أخذ من أبي محمد عبد الله بن محمد لأنه كثيرا ما يروى عنه السير والأخبار.
وذكر أنه أكمل الكتاب في أواخر شهر ربيع الآخر عام تسعة وتسعين وخمسمائة من الهجرة في إجناون في محضرة الشيخ أبي يحيى توفيق رحمهما الله.
ومنهم أبو محمد عبد الله بن يجين كان شيخا عالما أخذ العلم من أبي محمد بن محمد وعمل به وأفاده غيره.
وذكر البغطوري أن ثقة روى له عن الشيخ عبد الله بن يجين في المطلقة إذا احتبس عنها الحيض بعد ما رأت حيضتين أنها تتربص تسعة أشهر للحمل وثلاثة للعدة ثم تتزوج إن شاءت ولو لم تقارب وقت الإياس وقد نزلت وأفتى بها رخصة منه رحمه الله.
قال البغطوري ممن تعلم العلم عند أبي محمد عبد الله بن محمد أبو عبد الله بن يجين قال أول ما أخذت عن الشيخ أبي محمد ثلاثة مسائل:
- الأولى: من حلف على شيء فأكل ما خرج منه فلا بأس عليه.
- الثانية: من علم أن هذه كبيرة فعليه أن يكفر فاعلها ويعرف أن عليه عذابا إن لم يتب.
- الثالثة من ضيع الغسل في رمضان أعاد يومه رخصة وهو غير مأخوذ به.
ومنهم أبو نصر فتح بن نوح الملوشائي عالم فائق وواعظ صادق أخذ العلم من خاله أبي يحيى زكريا بن إبراهيم وله عليه مرثية وكان لغويا وقرظ ما ألَّف شعرا، له النونية في أصول الدين (1/548)
صفحة 549
وشرحها الشيخ إسماعيل بن موسى في ثلاثة أسفار وله الرائية في الصلاة ولم يوضع لها شرح وله النونية في الرد على من قال بخلق القرآن وبقية القصائد في الوعظ.
وذكر عنه: إذا أراد أن يحكم بين الخصمين جعل بينه وبينهما سترا من باب وغيره خشية ميل النفس، وفي أيامه أو قبله بقليل ورد حَلُّ ابن وصاف لكتاب الدعائم فصلح ما صحف فيه النساخ وأنشد عليه أبياتا.
ومنهم أبو زكريا يحيى بن وجدليش أخذ العلم من أبي يحيى زكريا بن إبراهيم وأقرأه لغيره وجازت عليه نسبة الدين وكانت عليه حلقة أخذوا عنه العلم والسير وهو أحد الحائزين قصب السبق من طلبته في حلبة الرهان وفاز مبرزا بين الأقران في الميدان، علم وعمل واستفاد وأفاد رحمه الله عليه، وهو الذي يعني الشيخ سليمان أبو الربيع بن موسى بن عامر بن علي بقوله: يحيى السران في قصيدته التي نسب فيها دينه.
ومنهم الشيخ يخلف الفرسطائي أخذ أيضا العلم عن عمنا الشيخ أبي يحيى زكريا بن إبراهيم.
وذكر الشيخ أبو عبد الله عمنا محمد ابن الشيخ في كتابه أن ثقة ذكر له وهو الحاج حجاج المرساوني أن الشيخ عيسى بن عيسى الطرمسي أرسله من بلد مزغورة وبعضهم يكتبها بزغورة بالباء قال: أرسلني إلى الشيخ يخلف الفرسطائي أسأله من المعروف والزكاة التي يجمع لينفقها على الطلبة والتلاميذ والمحاويج هل يعطي منه ويداري منها العرب وغيرهم؟ وأسأله: ما سيرة الشيخ أبي يحيى زكريا بن إبراهيم فيه؟ وعمنا يخلف من طلبته، فلما بلغته وجدت عليه أثر الضعف وحالة الفقر فرحمته وكان معي عشرة دراهم فتصدقت بها عليه وسألته عن المسألة فقال: إن عمنا أبا يحيى كان يداري منه وإذا بعث الجمال من بلده إلى دجي والمسافة قريبة (1/549)
صفحة 550
والأشجار متصلة لتحمل له الطعام لنفقة الطلبة أرسل معها سلامة بن تارنت من أولاد جميع النفاثي خشية أن يتعرضها أحد ويكون منقصة على الإسلام فإذا رجعت أعطاه غرارة منها، وقال: ما تكلتك قط على حرمتي دون الحزم، قال الشيخ يخلف للحاج حجاج: إذا رجعت فقف عليَّ. وجاز لزيارة الأشياخ والفقهاء ببلد إبناين قال: فلما رجعت وأردت وداعه وقال: قل للشيخ لا بأس عليك، ومشى معي فأعطاني شيئا وقال أعطه لعمنا عيسى قلت: ما هو؟ قال سبعمائة دينار فأتيت بها عمنا عيسى، واتفق الفقهاء والأشياخ أن يدخروها إلى وقت الحاجة وأجمعوا أن تكون عند الشيخ أبي عثمان سعيد بن نوح في بلد مسن، قال أبو عبد الله: وقصتها طويلة ثم قال وسبب كثرة المال بيده أن زوجته عقيلة كانت بوطن يفرن مشهورة بمخالطة السفهاء وأصلها من جربة، فحضرت مجالس عمنا أبي يحيى إذ يذكِّر، فاتعظت وتابت وأتت الشيخ فقالت أشرْ عليَّ، والشيخ إذ ذاك عمنا يحيى أبي يحيى والله أعلم أو أبو يحيى بنفسه: تطاولت الأعناق نحوي وامتدت إليَّ النفوس طلبا للتزويج، خطبني فلان وفلان من شيوخ يفرن، وخطبني عمنا يخلف الفرسطائي، فقال لها الشيخ أبو زكريا: إن أردت الدنيا فتزوجي فلانا أظنه عون بن حريزا، وسمعت ذلك قديما وإن أردت الآخرة فعمنا يخلف فقالت: شبعت من أهل الدنيا، فتزوجته فكانت تصنع كل عام اثني عشر كساء وكل ما عنده من الدنيا أصله من عمل يديها.
ومنهم الشيخان الصنوان سعيد بن نوح وأخوه يجين وتقدم أن يجين هو الذي صلى على الشيخ زكريا بن إبراهيم وذكر عنده. وأما سعيد فمشهور بالبركة في وطنه وبقيت ذريته تهاب إلى يومنا هذا، وقبره مزار وبه يستغيثون (1/550)
صفحة 551
عند نزول ما لا طاقة لهم بدفعه وعند المضايق.
ومنهم أبو زكريا يحيى الجادوي وأظنه مؤلف كتاب الوضع وهو كتاب مفيد به يقع ابتداء من أراد الفقه والله أعلم.
وروى الشيخ أبو عبد الله عن عمه الشيخ أبي عزيز بن إبراهيم عن الشيخ أبي عثمان سعيد الفساطوي أنه قال اختلفت شهرا إلى الشيخ أبي زكريا يحيى الجادوي أسأله هل أعطى القليل من الزكاة لمن حضرني من الضعفاء الحاضرين عند الكيل إذا لم يكونوا من أهل الولاية وهم من أهل الدعوة، وأكرر عليه السؤال فيقول: التسعة احمل وأعط العاشرة لأهلها يعني أهل الولاية. وأظن أن له مرثية على أبي يحيى وزعم أنها معروضة على البلغاء وأهل المعاني فاستحسنوها ولم يحضرني وقت الكتابة ذلك والله أعلم ولعل هذا الظن خطأ.
ومنهم أبو موسى عيسى بن سليمان وأخوه أبو العز، أما عيسى بن سليمان بن يوسف بن سليمان بن يوسف وهو أبو يعقوب الشيخ المشهور المذكور في جملة الأشياخ المتقدمين وسكناهم بتاغرمين من جبل نفوسة وعيسى ممن قيد السير بل ممن أكمل عليها وأظنه ممن أخذ العلم عن أبي يحيى توفيق بن يحيى ولم أرو ذلك عن ثقة إلا أن البغطوري لما ذكر أنه تم الكتاب كتاب السير على يديه في ربيع الآخر عام تسعة وتسعين وخمسمائة في منزل إيجناون من بلاد نفوسة في محضرة الشيخ أبي يحيى توفيق بن يحيى رحمه الله إلا قليلا منه. وذكره غيره وهو عيسى بن سليمان الشمَّاخي.
وقيل: لما أشرفت تغرمين على الخراب وقل أهلها وكثر الظلم فيها فمد شيخها إلى ذرية أبي يعقوب يده وكانوا قبل لا يلتمس منهم إلا الدعاء الصالح اجتمعوا ليلة جمعة عند قبره وأحيوا ليلهم فما أدركت الجمعة المستقبلة إلا وسبب الله له بأن أكله كلب وكان به هلاكه والحمد لله.
وأبو يعقوب لا أدري أذكرت فضائله (1/551)
صفحة 552
في الأشياخ المتقدمين والتعريف به أو أخذتني غفلة وهو لا ينبغي أن يكون ممن يغفل عن مثله.
ومنهم الشيخ عبد السلام الأزاجي شيخ متق ورع.
وذكر أبو عبد الله أن عمه روى له عن أبي عثمان الفساطوي لما منعه أبو زكريا الجادوي أن يعطي زكاته لغير المتولى صار يعطيها للشيخ عبد السلام الأزاجي فلما توفي أعطاها لأبي زكريا إلى أن مات انتقل إلى يفرن فكان يعطيها للشيخ عبد السلام بن صالح اليفرني.
ومنهم أبو عثمان سعيد الفساطوى وكان بنفوسة وتحول إلى يفرن.
ومنهم الشيخ عبد السلام بن صالح اليفرني كان تقيا صالحا كذا قال أبو عبد الله عن عمه.
ومنهم الشيخ عمنا عمروس اليفرني.
وذكر أبو عبد الله أنه سال عمه عن الذبيحة إذا جرى دمها ولم تتحرك قال لا تؤكل عند أهل الشرع والفقهاء، والنفس عند أهل اللغة الدم. ثم قال وقيل: إن أهل أمرساون ذبحوا بقرة ولم تتحرك فسألوا الشيخ عمروس اليفرني وكان بتميجار فقال اجعلوا قطعة من لحمها في الماء فإن نزل فكلوها وأن طفا ولم تنزل فلا تأكلوها.
ومنهم أبو يحيى زكريا بن عبد الرحمن اليفرني وكان شيخا عالما قال أبو عبد الله وسألت عمنا أبا عزيز عن شجرة المسجد إذا كانت في فدان أحد وضرت به أيجوز له أن يعطى عوضها ويبدلها بشجرة له خارج الفدان ويمسك تلك قال لا يجوز ذلك له.
وذكروا عن الشيخ عمنا زكريا بن عبد الرحمن اليفرني بدل شجرة المسجد بغيرها وكان عالما.
ومنهم أبو موسى عيسى بن عيسى الطرمسي أخذ العلم عن الشيخ يحيى بن وجدليش وعلمه لغيره واشتهر بالورع والعلم والتعليم ولم يتزوج قط لاشتغاله بالعلم وتحول إلى مزغورة عام تمام سبعمائة وحج عام أربعة وسبعمائة وكان لونه مائلا إلى البياض قليل الشعر (1/552)
صفحة 553
في جسده. مستجاب الدعاء ساد جماعة ممن أخذ عنه، وتوفي عام اثنين وعشرين بعد سبعمائة وحبس ما خلف من الكتب على طلبة نفوسة وفقائها وكان بعض الأعراب يقول: زوجوه، طمعا أن يترك ما يشبهه.
ومنهم أبو زكريا بن أبي العز وإخوته تعلم العلم وعلمه وكان نساخا للكتب ولم يشغله العلم عن النسخ ولا النسخ عن العلم، شَرَح الدعائم في سفرين وتبع طريقة [ابن] الوصاف وحذف أكثر الشواهد قال أبو عبد الله: إن عمه ذكر له أنه كان بتغرمين يتعلم عند الشيخ يحيى بن أبي العز الشمَّاخي عام حج شيخه أبو موسى عيسى بن عيسى الطرمسي، قال: أعطيت خمسة دراهم للمؤذن يشترى لي شعيرا وقلت له: لا سبيل يعلم بذلك أحد فاشتراها شعيرا فلما سلم الإمام والمسجد غصت بالناس كثرة بل فيه ما شاء الله من الناس قام المؤذن فقال ادع الله ياعمنا أبا عزيز للمؤذن الأندمومني زاد لك ربع صاع على ثمن دراهمك.
وقال أبو عبد الله عن عمه أبي عزيز بن إبراهيم الباروني إن رجلا سأله بتغرمين إذ يقرأ عند عمنا يحيى عمن أكل وحس بفيه الدم واستحى أن يقوم لكثرة الناس وبصق بيده فإذا الدم فتماديت على الأكل فقلت عليك كفارة التغليظ فلما جلست إلى الشيخ سأله عن المسألة قال ليس عليه شيء قال سألت عمنا أبا عزيز فقال عليك مغلظة قال عمنا يحيى لا تسمع ممن عاش في بلاد الغلاء، يعني من المشددين وكان أبو زكريا أعطي فضل البنان، ورأيت له كتبا كثيرة بخطه من التفاسير وشراح الدعائم والضياء وغير ذلك لا تخلو خزانة من خزائن كتب نفوسة من خطه.
ومنهم أبو زكريا يحيى بن أبي يحيى وكانت عليه حلقة وأظن أنه كان حاكما بجبل نفوسة وتقدم أنه كان بيفرن بحلقة يطوف في البلاد يذكر الناس وينبه (1/553)
صفحة 554
ويوعظ وهناك استشارته عقيلة زوجة عمنا يخلف الفرسطائي.
ومنهم أبو يعقوب الأزاجي النفوسي قال أبو عبد الله عن عمه قال صنع عمنا شعيب الشمَّاخي وهو ابن أخي ابن أبي العز طعاما فدعاني ودعا الشيخ يوسف الأزاجي فلما أردنا الأكل قال: تلك زكاة قمحي فكلوا، فلما خرجنا سألت عمنا يوسف عن المسألة قال لا يجزيه وقد صنع لنا طعاما فأكلناه.
ومنهم الأخوان الشقيقان أبو غالي أبو عزيز والشيخ ابنا إبراهيم بن أبي يحيى أخذ العلم عن عمنا عيسى بن عيسى وعلماه غيرهما فهو الذي رجع في مرتبة شيخه بعد موته وتولى مجلسه وكان عالما ورعا وقال أبو عبد الله محمد بن الشيخ عن عمه أبي عزيز قال ما تعرضت للمعروف ولا طلبته إلا مرة واحدة سرت من عند شيخي عيسى بن عيسى الطرمسي من مزغورة إلى سوق أمسين فقال لي حجاج أمرساون: تأتينا نعينك من المعروف على وقتك وإخوتك وكانت إخوته يتامى فأتيت أمرساون قبل صلاة الظهر متعرضا للدنيا، فلما صلى الناس العشاء الآخر انصرفوا وبت طاويا فلما أصبحت رجعت إلى شيخي صفر اليد خائب الرجاء، وتوفي عام ستة وأربعين.
وأما الشيخ فكان حاكما عدلا وقامعا للجورة بسلا قال ابنه أبو عبد الله بن الشيخ ذكر لي رجل كان جالسا عند عمنا الشيخ رحمه الله بتمزاد فإذا برجل من أهل تميجار على ظهره مزود كبير فسلم على عمنا الشيخ فأعطاه المزود فقال: تانك ويبتان قمحا فَأْكُلْهما، فأخذ المزود وأدخله ثم خرج فقال التميجاري: واعَدْتُ فلانا الجيطالي لتحكم بيننا صلاة الظهر، فقام ودخل وأخرج له مزوده ورماه له وأغلق الدار فقال التميجاري: تبت إلى الله، وتركت حقي لفلان، وأمسك المزود ولم يجبه بشيء، ورفع مزوده وانصرف.
وذكر أيضا أن ثقة وهو (1/554)
صفحة 555
عمنا صالح المزغوري قال له: كنت آكل مع عمنا الشيخ عند عبد العزيز بن فرحون في إجناون فلما قضينا وطرنا من الأكل قال واعدت أولاد أبي الخير لنتحاكم عندك صلاة الظهر في مسجد إيجناون قال لي عمنا الشيخ: كم ثمن الطعام واللحم؟ قلت درهمان فجعل على الطبق أربعة دراهم ولم يدع وخرج، ومن عادتهم رحمهم الله الدعاء بعد الطعام، وتقدم مثلها لأبي الشعثاء الزنتوتي، وتوفي هو وشيخه في عام واحد وقيل في يوم في عام اثنين وعشرين أو نيف على العشرين، الشك مني، والوقت معروف ولم يحضرني حين الجمع، وكان بإجناون عالم فاجر ولولا أن عمنا الشيخ قمعه لأفسد كثيرا من أحكام الناس، ولما مات عمنا الشيخ امتد وإياهما يعني الشيخ أبو طاهر بقوله: «تموت الصالحون وأنت حي». وأخبار عمنا أبي عزيز وعمنا الشيخ كثيرة.
ومنهم عمنا يدراسن الأزاجي أخذ العلم عن عمنا عيسى وصاحب عمنا أبا عزيز وحج عام اثنين وثلاثين وسبعمائة، وفيها توفي على ما أظن أني سمعت ولست في ذلك على ثقة، وكان عالما ورعا تقيا وقال أبو عبد الله: سألت عمنا أبا عزيز هل يحفر من أراد حاجة الإنسان في صبوب الناس؟ قال: نعم، وإذا قام سوى ما حفر ولا يرمي حجر الاستجمار في كل موضع. وذكر عن عمنا يدراسن أنه رمى به ذات مرة على ما قبل وتصدق بصاعين شعيرا، ولا يرمي به إلا حيث لا يضر أحدا.
ومنهم أبو النجاة يونس التملوشايتي وكان عالما ورعا عليه حلقة وكان يطوف بطلبته في جبل نفوسة غاديا ورايحا يذكر ويوعظ ويأمر وينهى وقيل رجع مرة إلى بلده على سبعة أعوام وقيل أقام بيفرن عاما ومن ورعه أن بني يفرن امتحنوه بحكومة بين ضعيف لا يعرفه وبين عظيم من كبرائهم كثير الإحسان إلى الشيخ فقدم إليه صاحب (1/555)
صفحة 556
المعروف والإحسان لا تفضحني على رؤوس الأشهاد فإن كان رأيت الحق لغيري فاسترني فلما تحاكما أعطى الحق لصاحبه فقال ذو الإحسان يافرطاس إنما أحسن إليك لتفضحني على رؤوس الأشهاد فأجابه الشيخ إن أعطيتك حق هذا الضعيف أكون ذا قرون. ولم أحفظ أنه تزوج قط.
ومنهم أبو طاهر إسماعيل بن موسى الجطالي كان شيخا حافظا وعالما عاملا محافظا شديدا في الأمر والنهي أخذ العلم عن عمنا عيسى بن عيسى الطرمسي وصاحب عمنا أبا عزيز زمانا.
وذكر أبو عبد الله بن الشيخ أنه اجتمع ثلاثة شيوخ في مسجد مزغورة عمنا أبو عزيز وعمنا إسماعيل وعمنا يدراسن ومن كثرة حفظه أنه يقرأ ويحفظ كتاب العدل ويدرسه ويدرس جمل الزجاج في النحو ومقامات الحريري وكتاب الدعائم والأشعار الستة وغير ذلك مما يكثر والعدل في ثلاثة أجزاء وله تآليف جليلة أحيى بها المذهب منها القواعد ومنها القناطر في أجزاء كثيرة ومنها شرح النونية في ثلاثة أجزاء في أصول الدين الشيخ أبي نصر فتح بن نوح ومنها كتاب في الحسنات وقسم الفرائض ومنها ما جمع من أجوبة الأئمة في ثلاثة أجزاء ومنها كتاب الحج والمناسك ومنها ما جمع من الرسائل وله قصائد وإذا نظرت كتبه ظهر لك قوة حفظه وكان مستجاب الدعاء.
وذكر أن وطن غريان لما رجع أهله إلى مذهب الحشوية وكانوا قبل إباضية نزل ومعه عبيد أراد بيعهم بمدينة طرابلس فآل أمره إلى أن قال: هل عندكم من علم فتخرجوه لنا؟ فما زال قاضيها وأميرها يلتمسون عليه الأسباب حتى سجناه وأخذا ما معه والله أعلم، وبقي في السجن مدة وأنشد قصيدة مدح بها ابن مكي صاحب قابس وكانت جزيرة جربة تحت يده، فتشفع فيه عند صاحب طرابلس فأطلقه (1/556)
صفحة 557
فلما خرج دعا عليها وقال: سلط الله عليك عدوا لا يخاف ربا ولا يتقي ذنبا فما مضت إلا أيام قليلة فأخذتها النصارى ثم بعدما خرج رأيت له رسالة ولا أقوم بها الآن أنه يعتذر إلى ابن مكي ويخبره أنه لا يستحق ذلك المدح كله، وذلك من تحفظه وورعه أن لا يكون كذب في شعره، وأن لا يكون من الذين يهيمون في كل واد.
وذكر أنه سافر نحو جربة وكانوا يومئذ لا يدخلون إليها إلا بالسفن قبل بناء القنطرة لأن القنطرة إنما بنيت في أيام عبد العزيز أبو فارس سلطان إفريقية وتوفي عام سبعة وثلاثين وسبعمائة، فأقام عمنا إسماعيل ومن معه ينتظرون سفينة فنفد زادهم بلغتهم شدة المسغبة والجوع ثم أتتهم سفينة فدخلوا من جهة مستاوة فطلب بعض من معه واستطعم أهل تين وسرغين فاستهزأ به بعض أغنيائهم قيل عنده أربعون مملوكا فانسلَّ بعض الضعفاء فصنع لهم طعاما قال: فما استوفوا الأكل حتى عرفت البركة في الطعام فدعا له الله عز وجل فما مات الأول حتى افترقوا وما مات المطعم حتى اجتمع عنده أربعون مملوكا وبقي فيهم أثر الغنى والبركة إلى يومنا هذا.
وطلبته مستاوة إلى الإقامة عندهم فامتنع لكونهم خالفوا، وانتقل إلى الوهبية أولاد أبي زكريا بن أبي مسور هم الذين تسببوا في إطلاقه من السجن وتحملوا عنه مالاً مع ما تقدم من مدحه لابن مكي وعندهم توفي بالمسجد الكبير وأولاد أبي زكريا بيت علم قديما وحديثا ورؤوس الفقهاء بجربة وإليهم الإشارة ومرجع الأمر.
وذكر أن الشيخ إسماعيل قدم مرة إلى جربة في أيام العنب فلم يدخلوه لأمر وقع من بعض فقهائها على ما قيل، وأتاه بعض بعنب خارج البحر فنظر فأعجبه (1/557)
صفحة 558
حسنه فقال احرموني منها احرمهم الله منها فاحترق عنبها بإذن الله وبقي ذلك فيها، وكانت فيما ذكر لا تحترق قبل ذلك، فإذا قرب وقت طيابه وإنضاجه تجد أهله مشفقين فربما سلم جميعا وربما احترق كله أو بعضه.
وذكر أنه يصلي ذات ليلة بالمسجد الكبير بجربة فسقط طرف ثوبه فرده على كتفه فصادف قنديل المسجد وسقط وثبت على الأرض قائما لم ينكسر ولم ينهرق زيته ولم ينطفئ نوره وكان بعض مشايخ جربة وهم على ما قيل أبو عمران الوارجلاني حاضرا فجعل يردد ويقول كنت أظن صلواتك تخيب يا إسماعيل على وجه التعجب.
وكان يكثر على الناس التذكير والأمر والنهي حتى يأتي الأسواق ويوعظ، وطعن الحاسدون فيه وقالوا: علَّم السوقة مسائل الغش، يعنون أنه ينهاهم عنها فتعلموها.
وسكن فرسطاء من بلاد نفوسة تسعة أعوام وحملهم على السبيل المستقيم فأتاه آت ذكر له أن خمرا عند بعضهم فخرج إليه في الفقهاء وأهل الصلاح فأرسل إليه أهل المتهوم بعض الأعراب فرده، فأراد الارتحال فتعلق به الناس فقال لا أقيم ببلد لا أقيم فيه الحقَّ ولا آمر ولا أنهى، وقال للعرب الذي رده: سلطك الله عليهم وسلطهم عليك، فدخل بإذن الله إلى القصر على غفلة من أهله ليمكنه ممن يستجيبه فخرج رجل من بعض بيوت القصر غير عارف بموضعه فقتل الأعرابي، ثم إن العرب قتلوا منهم ثم بقوا كذلك في حرب وفتنة زمانا من الدهر.
وذكر عنه أنه كان بمزغورة بعد موت الشيخ أبي عزيز فأرسلت إليه أعرابيا أهل تلك البلاد أن ينتقل لعداوة بينهم وبين قبيلته فلما أخبره الأعرابي قال لهم: قل لهم فرقكم الله بسحابة مطر، وكانوا مجتمعين ينتظرون الجواب وهابوه أن يباشروه بأنفسهم بهذا القول فأرسل الله إليهم مطرا (1/558)
صفحة 559
ففرقهم فجعل الأعرابي يقول: فكيف بكم لو قال سحابة حجر.
وذكر أنه دعا على أرض لقوم تكلموا في طلبته أنهم يلعبون وأفسدوا بعض الجسور، بعدم البركة فغرسوها مرارا فلم تثمر.
وذكر أنه دخل عند العشاء الآخر إلى مسجد بلده جطال وكان عمنا عامر ينظر في كتاب، فقعد إليه يسأله عن المشكلات والمبهمات إلى أن انفجر الصبح ولم يقف في واحدة إذا سئل عنه بعد ذلك يقول: عامر وحيد عصره ومات عام خمسين بجربة وأخباره وفضائله كثيرة.
[أبو ساكن عامر بن علي بن عامر بن يسفاو الشماخى]
ومنهم أبو ساكن عامر بن علي بن عامر بن يسفاو الشمَّاخي واسطة العقد ومنتهى القصد، أخذ العلم من أبي موسى عيسى بن عيسى وصاحب الشيخ أبا عزيز وكان يؤثره على غيره من الأشياخ وأعانه حين سافر إلى الحج.
وذكر أنه قال له هذا المذهب أبلغته إليك فإن أحسنت سياسته بقي وإلا افترق، فساسه بل جدده بعد أن أخلق.
وذكر أنه رأى في المنام كأنه يقاتل النصارى فإذا حملوا عليه صبر وهو ينشد.
أنا أبو معمعة لا أفرّ حتى أرى جماجما تخرّ
وتأولوها على المذهب والمخالفين وكان الأمر كذلك جدد منه ما أخلق وأحيى ما مات وكل وهبي بالمغرب إنما يرجع ما معهم من العلم إليه، أعني علم المذهب فهو واسطة بين من بعده ومن قبله، وكان مع أبي طاهر كفرسي رهان يتسابقان في ميدان، ومات عام اثنين وتسعين وهو شيخ كبير قيل مع هرمه لم ينتقص عقله. ولما فارق الشيخ أبا عزيز أقام بمتيون يقرئ العلوم ثلاثة عشر عاما ثم تحول إلى يفرن عام ستة وخمسين وسبعمائة وأقام بالمسجد الكبير إلى أن مات وأخذ عنه بشر كثير وقيل لما أيس أبو عزيز من نفسه أرسل إليه ولم يأته الرسول (1/559)
صفحة 560
وخرج زائرا له فصادفه وقد قرب أجله فأوصاه بما أوصاه ورجعت إليه طلبة عمنا أبي عزيز وساد ممن أخذ عنه ابنه أبو عمران موسى وابن ابنه سليمان وأبو يعقوب يوسف بن مصباح والشيخ بن محمد بن الشيخ وأبو عمران موسى بن أبي يوسف وأبو زكريا يحيى بن زكريا وعمنا أيوب الجطالي وأبو الفضل أبو القاسم بن إبراهيم البرادي وعمنا نوح بن حازم المرساوني وأبو عبد الله محمد التفجاني وأبو الضياء يسفاو الطرمسي وغيرهم ممن يكثر عددهم.
وكان أول عمره يقرأ العلم وآخره يقرئ وألف ديوانه في عشرة الثلاثين بعد موت عمنا عيسى وقبل موت عمنا أبي عزيز ولم يكمله لأمر عرض له فالكتاب الأول في الصلاة سفر مستقل والثاني في الزكاة والصوم والحج والنذور والأيمان والحقوق وهو سفر ضخم والثالث في البيوع والقسمة والرهن سفر مستقل والرابع في الوصايا والهبات ثم امتنع من تكميل الفقه، وهذا التأليف ما أظن ألف في المذهب مثله جمعا وتعليلا واختصارا غير مخل وتطويلا غير ممل ولا مكرر وهو اعتماد أهل المغرب في وقتنا، خصوصا نفوسة، وبعده ديوان أبي زكريا بن الخير، وبعدهما الديوان ديوان الأشياخ، وعقيدة ألفها لعمنا نوح بن حازم وقصيدة في الأزمنة. وإذا أطلق الشيخ في عرف زماننا فهو المعني. وما يذكر عن اجتهاده في الإقراء والعبادة والحزم والتزام الطريقة وإحياء السير أمر كبير.
وذكر أنه يصلي بالناس في هرمه وآخر عمره في مصلى المسجد الكبير فلما أخذ في الدعاء وذلك وقت صلاة العصر فظهر بوله من تحته لم يمسكه من الهرم ووقره الناس أن يخبروه فنظر فأبصره فبكى فقال: أطمع من الله أن يغسله وأظن أن الوقت صيف فأرسل الله سحابة (1/560)
صفحة 561
فغسلته.
وقيل: إن حربا وقع بين قريتين من قرى يفرن فأصلح بينهما، ثم إن أهل إحدى القريتين غدروا بالآخرين واشتكى إليه إخوانهم وقد قتلوا منهم جماعة فدعا على الغادرين فمازالوا في قلة إلى يومنا هذا، وأحرق الآخرون أعني المغدور بهم أندر الغادرين فاشتكوا إليه ما فعل بزرعهم فدعا على الفاعلين بقلة البركة وعلى الآخرين بالبركة فهم كذلك والله أعلم وأستغفر الله من الخطأ والزلل.
ويوصف بالحلم والوقار وعدم الحدة، وكان أبوه أرسله يرعى بقرة فجاز عليه بعض الأعراب ووجده ماسكا رسن بقرته فقال لم مسكتها دون الأطفال؟ قال خشية أن تغشى زرع الناس، فأتى أباه فقال: إن ابنك يصلح للعلم والقراءة لا لرعي البقر، وكان أبوه مشهورا بالصلاح مستجاب الدعاء يهابه كل مخالف وموافق، وكان يعدِّي القوافل من اللصوص والمحاربين وإذا أبصروه مع عير رجعوا هيبة.
وذكر أنه بات بيفرن وله فدان زرع فأراد بعض أن يحصده بليل فوجده يصلي على جسر الفدان فرجع فلما أصبح فإذا به قد رجع من يفرن.
ومنهم أبو البقاء يعيش الجربي كان شيخا موصوفا بالخير سكن جبل دمر زمانا ثم رجع إلى جربة وابنه أبو عمران موسى كان أيضا شيخا أخذ العلم عنه جماعة.
ومنهم أبو يحيى زكريا بن عيسى الأبدلاني كان شيخا فاضلا وهو الذي ألف كتاب المناسك وجعله على ثمانية أبواب على عدد أبواب الجنة وأكمله بباب وداع البيت وزيارة قبر النبي عليه السلام وبباب الوصية بالحج فصار عشرة أبواب وهو اعتماد أهل المغرب في الحج والمناسك بالجملة كان إماما قدوة.
ومنهم أبو حفص عمرو بن جميع كان إماما مشهورا وكان من بين العلماء منظورا. واليه تنسب العقيدة التي كانت (1/561)
صفحة 562
بالبربرية فأبدلها بلسان العربية وهي اعتماد أهل جربة وغيرهم غير نفوسة في ابتداء الطلبة وأودعتُها شرحا على قدرها.
ومنهم أبو عمران موسى بن عامر الشمَّاخي أخذ العلم من أبيه وغلب عليه علم الفقه والفروع.
وذكر أن أول عمره اجتهد ولم يتعلق به علم كبير، فطاف بمشاهد نفوسة ومساجدها فدعا الله فاستجاب له. وقيل: أَمَرَه أبوه بذلك، وعندهم أن من طاف بها ودعا الله على أمر أجاب الله دعاءه، وهذا أمر مشهور بين فقهائها، ودونوا تلك المشاهد وسطروها في الكتب وحفظوها، وأظن أنه توفي عام سبعة بعد ثمانمائة أو عام ثمانية.
ومنهم ابنه سليمان أبو الربيع بن موسى بن عامر أخذ العلم من جده وتوفي قبل أبيه بقليل، قيل قرأ عليه ثمانين كتابا، وأظن أني سمعت ذلك من شيخنا أبي عفيف صالح بن نوح وكان في العلم والورع بمكان وهو الذي تولى مجلس جده ومرتبته.
وذكر عنه أنه في شبابه أنه دخل جنان رمان بباب داره، وكان جميل الصورة طلبا للقيلولة، فهجمت عليه امرأة وقد تزينت وراودته وكان عازبا فامتنع كل الامتناع فقالت: لئن لم تفعل لآتين جدك وأخبره أنك تعرضتني وكانت هيبته في القلوب عظيمة أعني هيبة عمنا عامر، فقال لها: انصرفي وقولي ما شئت، ففضيحة الدنيا أهون من فضيحة يوم القيامة.
ومات بطرابلس، وقد عاين بعض أهلها النور ينزل عليه وهم مخالفون، وشهادة المخالف لك بمثل هذا مع حرصهم على تنقيصنا أجدر والذي أبصره من كبرائهم، وقبره بها مشهور. وقيل: أطعموه السم بها وبه مات.
ومنهم الشيخ أيوب الجطالي أخذ في ابتداء القراءة عن عمنا إسماعيل فلما سافر إلى جربة تحول عند الشيخ أبي ساكن الشمَّاخي فأراد قراءة كتاب العدل (1/562)
صفحة 563
في أصول الفقه تأليف أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني فقال الشيخ: اِقرأ غيره حتى تصل إليه، فقال: إن أبا طاهر سافر إلى جربة ولم يبق من يُقرَأُ عليه سواك، فإن متَّ انقطع من يُقرأ عليه، فأخذ يقرأ فيه وساد بعد ذلك. وله مجلس عظيم. وكان متقيا شديدا في الأمر والنهي وكان حزيما لدنياه وأخراه، يحترف على طلبته من الوصايا وغيرها.
وذكر أن طلبة غرباء قدموا عليه، فنادى في المسجد من يخدمهم؟ فقال بعض الأغنياء: أنا أخدم واحدا فقال الشيخ يعطيك الله واحدا. وقبل كان لا ولد له فنادى ثانيا فقال أزيد واحدا فقال الشيخ يزيدك الله، ونادى ثالثا فقال أزيد فقال: يزيدك الله حتى انتهى إلى سبعة فأعطاه الله سبعة أولاد ببركة الشيخ ودعائه، وكان يربي اليتامى ويقريهم، ومن جملتهم عمنا زكريا الفرسطائي أبو عمنا سليمان.
ومنهم ابناه أبو محمد عبد الله وأبو عبد الله محمد، أما عبد الله فشيخ أخذ العلم من أبيه وعلمه لجماعة وأخذ عنه كثيرا، وكان متمسكا بسيرة من قبله وتولى موضع أبيه مجلسا وعلما لاَ بَدَلاً، إلا أن أباه كان بشروس وهو بلده إجطال وبها توفي عام تسعة وعشرين وثمانمائة. وأما عمنا محمد فكان شيخا نظم الفقه شعرا ولم أر من اشتغل به لاشتغال الناس بالدعائم وقصائد الشيخ أبي نصر.
ومنهم أبو عمران موسى بن أبي يوسف أخذ العلم من الشيخ أبي ساكن عامر بن علي وأوقفه بأمسين وبها توفي وتحول بعده ابنه إلى بلده يفرن وبها مات وخلف بها ابنا يسمى أبا يوسف يعقوب بن أحمد بن موسى أخذ العلم من عمنا عبد الله الشمَّاخي وغيره وكان محققا وحيد العصر وفريد الدهر إماما في العلوم وكنت سمعت بتونس حضرة إفريقية من البيدموري وكان محققا (1/563)
صفحة 564
في العلوم كلها على ما يدعى.
وكنت أقرأ عليه وقد سألني عن الشيخ أبي يوسف وعن حاله فقلت له: بخير وكان يومئذ حيا فقال ما في تونس أنحى منه، أي أعلم بالنحو. وكان بها قرأ العلوم من النحو والبيان والمنطق والأصول وسمعت من فقهاء تونس أخبارا في علو درجته في العلم وكانت طلبته بها ومن أخذ منه يفتخر على غيره.
وذكر أنه اختلف مع بعض الأشياخ بها في مسألة في النحو فأحضر في إثباتها ما يقرب على عشرين شاهدا من أشعار العرب.
ثم انتقل إلى أمسين قرية من نفوسة وأقام بها إلى أن توفي في شوال عام أربعة وتسعين وثمانمائة وقد جالسته مرارا وباحثته فما رأيت في جميع من لاقيت أكثر استحضارا منه لو جالسته يومك ما ظفرت بكلمة لحن فيها في إعراب ولا تصريف ولا يسكت ولو هنيهة فكل كلامه علم مع سرعة لسان. إن سألته عن مسألة لا ينفصل منها إلا أن تعارضه بسؤال آخر. أما النحو فعشُّه الذي يعرف كيف يدخل فيه ويخرج. وأما اللغة والتصريف فيا للعجب!. وأما التفسير فلو ادعى أحد أن ما شذ عليه شيء من التفسير لم يكذب. وعلم الحديث أظن أنه يحفظ ما رواه المخالفون والموافقون بضبطه وشكله ومعناه، وعلم التواريخ وتسمية الرواة والعلماء فكأنه حضر معهم وصحبهم. وعلم الرقائق من الوعظ والتذكير فآية وهو مفزع علمه. والفقه حضرت عنده مرارا يحكم بين الناس فتعجبت من تفصيله فقلت: لا ينبغي أن يحكم بين الناس إلا مثل هذا. وأتيته يوما زائرا وهو شيخ كبير فألفيته يدرس تحت شجرة التين فتسمعت فإذا هو يقرأ مقدمة الخونجي في المنطق. وأما القرآن فأظنه يقرأ كتاب الله بالسبع والبيان والأصلان فهما نصب عينيه. وحضرت مجلسه يوما وكنت قبل مستشكلا مسألة (1/564)
صفحة 565
فلم أجد من أزال إشكالها فوقعَتْ في المجلس عارضةً من غير أن أسأل عنها فباحثته فرأيت منه ما أبهرني وأودعت بعض البحث في إعرابي لمشكل كتاب الدعائم في أول قصيد الجنائز وغيرها.
وذكر لي بعض طلبته أنه بقي في آخر عمره خمسة أعوام ما وضع جنبه على الأرض نائما طوى الفراش، وكان صائم الدهر، وكانت صدقاته سرا، وكان كثير الصلاة، وعادته يوعظ الجالس إليه، أو يقرأ القرآن أو يدرس ما حفظ من العلوم، أو ينظر في الكتب، وإذا أخذه النعاس تناوم قليلا، كذلك قال لي حفظت ابن حريق في اللغة في خمسين يوما، وكان يدرسه ويدرس المقامات، وكان كثير الحفظ، قلت له يوما كدت أن تكون ترجمان القرآن، ما رأيت أحفظ منك، قال عمنا عبد الله بن عبد الواحد لا أَصِلُه في الحفظ. وزرته مريضا ومعي الحاج محمد بن عبد الله العماني السمايلي وعمنا يونس بن محمد فتكلما معه في علم الطب فأفحمهما وقال عمنا يونس: إذا شاب ابن آدم تشب خصلتان: الحرص وطول الأمل، فضم شين تشب - أظن - فأنكر عليه وأخذ في تصريفها بلغاتها ومصادرها فكأنه ينظر في إصلاح المنطق لابن السِّكِّيت أو فصيح ثعلب. وبالجملة من لم يره لم ير ما يتحدث به في أخبار العلماء. ومات ولم يترك تأليفا مع أنه ذو قدرة على التأليف في أي علم أراد، خصوصا التفسير والحديث.
ومنهم أبو زكريا يحيى بن زكريا أخذ العلم من الشيخ أبي ساكن عامر بن علي الشمَّاخي وكان ابن أخيه أبو عفيف صالح بن نوح بن زكريا أخذ العلم من أبي محمد عبد الله بن عبد الواحد الشمَّاخي فساد وكان أدبه بعد أن تعلم يقرئ العلم، واجتمع عليه طلاب كثيرة ومنه أخذت بعض العلوم ثم توفي عام أربعة وسبعين وكان ورعا حافظا على الدين والسير مجتهدا. أما في الصيف (1/565)
صفحة 566
فيقوم آخر الليل للصلاة والعبادة فإذا صلى الصبح قعد يقرأ القرآن إلى طلوع الشمس أو قرب طلوعها فتقرأ عليه الدُّوَل إلى أن يرتفع النهار فيصلي الضحى وينصرف إلى الدار فيكتب الطلبة ألواحهم ثم يرجع فيصححون ما كتبوا ثم يأخذون في ضرب الفرائض وقسمة المواريث وتعليم الحساب إلى أن تميل الشمس قليلا فيقوم فيصلي الظهر فيأخذون في قراءة الدُّوَل من الفقه والأصول خاصة، فيؤخر بصلاة العصر فإذا صلاها انصرف إلى داره ثم إذا صلى المغرب أخذ في قراءة القرآن ثم إذا صلى العشاء وصلى ورده انصرف وأكل. وإن كان ضيفا حمله ثم يرجع فيأخذ في تعليم الفرائض إلى هون من الليل فيقوم وينام ثم يقوم آخر الليل، وأما الشتاء فيقوم آخر الليل فيصلي ما شاء الله ثم يأخذ في نظر التفاسير والدول والتلاميذ بعضهم ينظرون وبعضهم يقرؤون ألواحهم فإذا صلى الصبح أخذ في قراءة القرآن مع الطلبة إلى أحوال الطلوع ثم يبتدئ بالتفسير حتى يرتفع النهار ارتفاعا تاما ثم ينصرف إلى أهله يعد أن يصلي الضحى ثم يخرج إلى موضع معروف فيصححون ما كتبوا ثم يكملون ما بقي من الدول، ثم بعد ذلك يقوم إلى الاشتغال بصلاة الظهر، ثم يقرؤون دول الفقه بعد الصلاة إلى العصر فإذا صلى المغرب أخذ هو والطلبة في قراءة القرآن، فإذا صلى العشاء وأكمل ورده انصرف ينظر التفاسير والشراح وربما عمل مجلسا في داره لأقاربه ويجتمع عليه طلبة العلم من نفوسة وجربة ودمر ويفرن والمغرب. ومات والعلماء نفوسة وغيرهم عنه راضون وخلف أولادا نجباء أحيوا السيرة والعلم منهم من مات ومنهم من بقي تفننوا في العلوم وحققوها.
ومنهم الشيخ عمنا نوح بن حازم المرساوني أخذ العلم من الشيخ أبي ساكن عامر بن علي الشمَّاخي وكان شيخا أخذ العلم عنه كثير وساد في أيامه وكان مستجاب الدعاء أعطاه الله قوة على (1/566)
صفحة 567
خدمة العلم والعبادة والزهد في الدنيا.
وذكر أنه لم يعقد عقدة بيع ولا شراء عمره وكانت له زوجة صالحة ولها فضائل.
ولم يرزق ولدا. وذكر أن أباه دعا عليه بذلك وسبب الدعاء أن أباه أمره أن يجني التين وله أشجار جملة فأخذ يجنيها حتى نفد التين فأراد أن يكسر الورق فخرج أبوه معه فوجد حبة تين فآثر بها ابنه على نفسه فقال خذها يانوح فأخذها فأكلها فقال هي أول حبة أكلت في عامي فقال ولم قال أنت لم تجعل لي إذنا أن آكل وأنا استحييت أن أطلبك إلى ذلك قال أبوه روعت قلبي لا أعطاك الله ولدا يروع قلبك.
وكان أبوه حاجا صالحا، وكذا جده وهو الحاج حجاج وتقدم أنه الرسول من عمنا عيسى الطرمسي إلى عمنا يخلف الفرسطائي يسأله عن المداراة بالزكاة أي ما يجمعه الناس إليه من الزكاة هل يجوز أن يداري منه الأعراب إذ هو بمنزلة الإمام أو لا وأجابه بجواز ذلك.
وكان يسكن بفساطو من قرى نفوسة ثم تحول إلى مزغورة والسبب أن طلب إليه بعض من يحسن إليه أن يفتي له بغير المشهور ويحكم له على غريمه فسكت فأرسل إلى أهل مزغورة فأتوه ليلا وقد هيأ نفسه للرحيل ففطن به بعض أهل فساطو فأذاع الخبر فأرادوا إمساكه فقال: من أراد سكنى بلدكم لا يغفل ولا يسهى يعني أنهم يكثرون المعروف فيسرقون دينه إذا غفل أو سها. وتحول وأراد كبراء نفوسة قسمة ما خلف وهو يريده لطلبة العلم فرآه بعضهم في النوم كأنه أخذ طرف ثوبه فإذا به مصبوغ قال لم فعلت بي هكذا قال أنا نوح أصبغ حيا وميتا فأخبرهم بالمنام فأبوا من قبول قوله وحذرهم فلم يسمعوا فلم يأخذ شيئا وبورك له ومن أخذ غيره منه شيئا دمره الله إما استئصالا وإما فقرا، ومعلوم بإجابة الدعاء وكان شيخه أبو ساكن (1/567)
صفحة 568
يدعو الله أن يميته قبل أن يملك الظلمة نفوسة، وتبعه طلبته على ذلك منهم عمنا نوح فمات رحمه الله ثاني عشر من رمضان سنة ست بعد ثمانمائة وأخذ أبو فارس بعض نفوسة سنة سبع والله أعلم.
ومنهم أبو عبد الله محمد بن الشيخ بن إبراهيم بن أبي يحيى وتقدم التعريف بأبيه الشيخ وأنه مات هو وشيخه عمنا عيسى الطرمسي في يوم واحد عام اثنين وعشرين وسبعمائة أخذ العلم من عمه هو أبو عزيز. وكان شيخا فاضلا ألف الكتاب الذي نقل مسائله عن عمه وهو مشهور وذيَّله بمواعظ وتذكيرات ووصايا وحكم. وكان سخي النفس وبقي ذلك في ذريته توفي بيفرن عام نيف وتسعين وثمانمائة وتزوج بككلة وكان يحيي ليلة الجمعة في مسجد وشيشال خارجة عن البلاد معلومة بالبركة ومظنة بإجابة الدعاء.
ومنهم ابنه الشيخ كان مشهورا في الخير وباسط اليد، وله في ذلك أخبار مشهورة مذكورة وله مسجد بناها [كذا] في داخل داره يجلس فيها ويغشاه الزائرون، واتخذ جفنة فملأها بالبسيس فإذا نفد ملأها ثانيا كذلك دأبه فكل من دخل عليه أمره أن يأكل، فمكثر ومقل وصائم، واشتهر عنه ذلك فكان الأعراب يغشونه جماعات لكثرة طمعهم وقوة شرههم وتمادى بنوه على ذلك فهي إلى يومنا هذا كذلك أخذ العلم من الشيخ أبي ساكن عامر بن علي الشمَّاخي وأما ابناه أبو الربيع سليمان وأبو محمد عبد الله فأخذا العلم من عمنا نوح بن حازم ومات أبو محمد عبد الله بن الشيخ عام تسعة وعشرين في مدينة طرابلس وهو مسافر إلى الحج وخلف ابنا اسمه أبو حفص عمرو مشهورا بالورع والصلاح وهو اليوم القائم بأمور الدار والإطعام وغير ذلك ومات عمنا الشيخ عام ثلاثة وثلاثين (1/568)
صفحة 569
ومات عمنا سليمان بن الشيخ عام أحد وستين تاسع رمضان دخل عليه شيخنا وهو شيخ كبير وأخذ يسأله عمن أدرك من الأشياخ وكيف سيرتهم فأتاه من يدعوه إلى الطعام فآثر الفائدة ولم يرد أن يقطع السؤال فقال له أبو الربيع قم مع الداعي يا أبا عفيف أدركت تباع الأشياخ لو أدركوني وإياك لم يصلوا خلفنا لشدتهم في دينهم وقوة ورعهم.
ومنهم أبو محمد عبد الله بن عبد الواحد الشمَّاخي أخذ العلم من خاله أبي الربيع سليمان بن موسى وأخذه عن جده أبي ساكن عامر بن علي الشمَّاخي وأخذ عنه جماعة منهم شيخنا أبو عفيف صالح بن نوح وتقدم التعريف به مع عمه يحيى وأخذ عنه أيضا أخوه سعيد بن عبد الواحد ولما مات خاله سليمان بن موسى انتقل إلى الشيخ أبي محمد عبد الله بن أيوب الجطالي فأقام عنده سنة ثم رجع إلى يفرن وكان حافظا صائم الدهر من صغره كثير العبادة كثير الصلاة. وسمعت أنه ليلة الجمعة وليالي رمضان يصلي إلى الصبح سمعت ذلك من ثقة.
وكان مجاب الدعاء، أقبل بعض فقهاء المخالفين من تونس مع عامل طرابلس وقصدا نفوسة مع جند العامل ليرد الناس إلى مذهب الحشوية فأتوا المسجد الكبير بيفرن وهو يومئذ إمامها وكان ذلك باتفاق نفوسة مع العامل أي الاجتماع بيفرن فتخلفوا فطلب الفقيه المناظرة فناظره عمنا عبد الله فأفحمه ولم يحضر للمناظرة في بيته إلا العامل وشيخ يفرن شقرون بن عايد بن عون بن حريز فلما أفحمه عمنا عبد الله أراد العامل أن يقهره بالسيف فقال له شيخ يفرن سامح خشية عليه بالبربرية والعامل لا يفهمها فقال له عمنا عبد الله اشتغل بنفسك فلما أبهره خرجوا وتلقاه الناس يسألونه ما فعل مع الشمَّاخي فقال لهم لم ينحصر الحق في مذهب مالك فرد الله (1/569)
صفحة 570
الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا.
وحدثني بعض الكتاب وكان ممن يدعي الأدب أنه كان مع ابن عمرو منفذ صاحب طرابلس فأتوا نفوسة ونزلوا إجناون وكان عمنا عبد الله تحول إليها من يفرن وبقي أخوه بيفرن قال ومعنا عالم من أهل تونس يدعي أنه محقق وأنه ذو فنون قال وأراد التونسي مناظرة الشمَّاخي فنهاه ابن عمرو فقال: أتخشى عليَّ من أهل الجبل وأنا من علماء حضرة تونس أو كلام قريب من هذا، قال: وسرت معه فوجدناه في المسجد فقعدنا إليه فأخذ يسائله ويناظره فرجع صاحبنا بين يديه كالتلميذ فأفحمه ورجعنا إلى ابن عمرو فوبخه فقال: نهيتك فلم تنته. وكان ممن لا يخاف في الله لومة لائم ولا يلتفت إلى جبار وكان لا يصافح الجبابرة البتة، فاشتكوا إلى أخيه فقال إن الله يسأل اليد لم تصافح اليد.
وأخذ عنه بعض الأعراب ظلما على زيتون اشتراه فدعا عليه فأماته الله عن قريب.
ووقع خصام بين أهل نفوسة على بستان ووقف بعض الجبابرة مع غير صاحب الحق فوقف إليه فقال له: بفضلك انزع يدك عن هذه القضية، فقال عمنا عبد الله كيف أنزع يدي وأترك الحق؟ فقال له: البستان يتولاه فلان أردت أو كرهت أو كلام مثل هذا، والجبار ذو مكانة من سلطان إفريقية، وحاف إلى بعض الأعراب دون بعض وهو عامل لهم، فدعا عليه فانصرف غير بعيد فقتل في ساعته ومزق، فنعوذ بالله من عقوق أوليائه.
وحدثني بعض بني يفرن أن أخاه سعيدا اشترى بيفرن أعواد زيتون فأحرقها بعض الحاسدين، فأرسل إليه أخوه فقدم يفرن، فاجتمع إليه بنو يفرن وقالوا: إن علمتم من فعل هذا ومن علمه ومن اتفق فيه يخرب الله ديارهم، فافترق الناس قال لي هذا الإنسان (1/570)
صفحة 571
فلم يكن إلا أيام قليلة حتى خلت خمس قرى في يوم واحد، والذي حدثني واحد من أهل تلك القرى.
وحدثني هذا قال: كان عامل يفرن يخرص عليهم الزيتون فأقبل عمنا عبد الله يريد بعض القرى فلما أبصر به الناس أقبلوا وتركوا العامل حتى بلغ تلك القرية وقد دعي إليها إلى طعام فمسكوهم ليأكلوا وكان الطعام كثيرا، فغضب العامل لافتراقهم وبطئهم عنه فشتمهم وشتم عمنا عبد الله فأخبر بما وقع فقال: قصم الله ظهره، قال وأتيت مدينة طرابلس فإذا به على باب داره لا يقف ولا يمشي وقد يبس ظهره.
وحدثني بعض طلبته أنه كان يحجز بين أهل يفرن لحرب وقع بينهم وكان مع إحدى الطائفتين رجل مخالف فرماه بنبلة فلما قربت أن تقع ببطنه التوت وسقطت بحفظ الله وأظن أنه قال كنت حاضرا معه.
وحدثني بعض أهل يفرن أنه كان يحرث ومعه ناقة ترعى فلما أراد الرواح لم يجدها، قال لي فمشيت في أثرها ألتمسها فإذا بأسد تلقاني وليس معي إلا فأس فطلبت بركة عمنا عبد الله فصرفه الله عن وجهي، فأتيت بعد العشاء الآخر البلد فألفيته منصرفا من المسجد فقال لي: ذلك فلان قلت نعم قال غدا تجد ناقتك فوجدتها كما قال.
وحدثني أيضا أن عامل يفرن غضب عليه فأتى عمنا عبد الله قال له: لا تخف وكتب له حرزا قال فأتيته وما ضربني بشيء.
وكذا شيخ نفوسة الحاج يونس خاف من صاحب إفريقية أن يقتله لما طعن فيه فأتاه فدعا له وسار إلى السلطان فما ضره بشيء.
قال شيخنا كان يتعبد بمسجد فساطو إذ كانوا بها فإذا سكن الليل وهدأ الناس خرج ولا أدري أين يذهب فتبعته ليلة وكانت ذات مطر فأتى غار أبي عبد الله فدخله وكان (1/571)
صفحة 572
في خراب خارجا من العمارة فرجعت وأنا خائف من وحشة الظلام والخراب والمطر، وكان يعتكف، واعتكف مرة بمسجد تكيت ويقال إنها للحواريين وفي الجبل أحد عشر مسجدا تنسب إلى الحواريين قال لي من حدثني: وفي آخر ليلة من رمضان رأى نورا دخل عليه المسجد حتى نظر الخط في اللوح كان معه، وأظن أنها ليلة القدر.
وحدثتني أخته قالت: وقعت شدة عظيمة وأنا طفلة فإذا سجى الليل وسكن الماشي حملني شيئا من الطعام فيسبق أمامي إلى بعض الأرامل أو بعض القرَّاء فيضرب على الباب وينصرف ويوصيني أن لا أخبر من أكون. وأخباره كثيرة رحمة الله تركتها اختصارا. وبالجملة أنه مجاب الدعاء أفلح من غيره من موافق ولا مخالف واشتهر عند الناس أنهم لم يروا من كلف نفسه بالعبادة من صوم وصلاة مثله، ويحفظ فقه الإباضية حتى يكاد أن لا تشذ عليه مسألة.
قال أبو يوسف يعقوب بن أحمد وتقدم التعريف به مع جده أبي عمران موسى بن أبي يوسف وكان شيخا له وانتقل عنه إلى غيره لأمر ما قال: اختلفت أنا وشيخي وأنا أقرأ علم اللغة في يافع ونافع فأتيته فوجدته منصرفا من المسجد فسألته عن اللفظة يافع أم نافع قال: ما كتب عليها في الشرح؟ قلت مهراق قال يافع بالياء قال الشاعر * من لم يمت يافعا يمت هرما * قال: ولا يكاد من حفظه أن يسأل عن لفظة في اللغة إلا أنشد عليها بيتا من شعر وقل ما ينظر الشراح على الدول، بل رجعت خزانة الكتب إلى أخيه سعيد إلا ما قل.
وحدثني بعض الطلبة إن سبع ما يدرس من محفوظاته القرآن، وأستغفر الله من الكذب والخطأ والزلل.
وأما أخوه سعيد فقد أخذ العلم منه وارتحل إلى تونس وقرأ فيها علم المنطق والبيان والأصول وله مناظرات مع المخالفين وله معرفة بعلم النجوم وحدثني بعض أصحابه أن عالما من (1/572)
صفحة 573
المخالفين أرسل إليه وقد أتى إلى قرب بلده فصحبته فوقعت بينهما مناظرة فلما رجعنا قلت له: متى هيأت جواب ما سألك ومن أخبرك أنه يسألك عنها حتى كنت على بصيرة؟ وكنا مشرفين على واد كثير النخل قال: المسائل في قلبي كنخل هذا الوادي كل واحدة وموضعها وكونها كبيرة أو صغيرة.
وأقام عنده بعض القضاة فأراد الارتحال فقال أردت زادا فأتى ابن له صغير فقال قل للقاضي لا يرتحل لأن مطرا غزيرا مقبل فكان الأمر كذلك ولعله أوصى زوجته بذلك وأخذ عنه شيخنا أبو عفيف وأبو زكريا يحيى بن عامر بن إبراهيم بن أبي عزيز بن محمد بن الشيخ وتقدم التعريف بالشيخ أبي عبد الله وبأبيه.
وكان أبو زكريا [الفرسطائي فيما يبدو] كثير الحفظ قوي الفهم وقد صنع قصيدة في الزكاة وكان نساخا للكتب مقرا للطلبة مات عام أربعة وتسعين. وحدث بعض أنا انصرفنا من المسجد بعد صلاة العصر فسمعنا رعدا فقلنا على ما يدل؟ قال: على قاضي تونس يموت مقتولا في الجامع فخرج الأمر كذلك. وله أخبار كثيرة في علم النجوم ومات عام خمس وستين ليلة الأربعاء في شهر ربيع الأول لثلاث مضين منه بل لليلتين مضتا.
وله في علم الطب اليد العليا ونقل عنه فيه ما يقضي العجب وأكثر أدويته لا تتجاوز مرة واحدة وحدثني غير واحد أنه في علم التفسير لا يجاريه أحد وكذا في علم الفقه وحج هو وأخوه عبد الله عام تسعة وعشرين وحدثني أبو الربيع سليمان بن زكريا وكان من خيار من أدركت وكان مأوى للمساكين وذوي الحاجات.
وذكر أنه كان يصلي في جوف الليل بستة أحزاب كل ليلة وكان ثقيل القراءة لا يأتيه أحد ويصرف دون حاجة وكان متواضعا يغشاه الزائرون وذوو الحاجات والطلبة فلا تراه أبدا إلا منبسطا معهم وقد اشتهر بذلك وتقدم التعريف بأبيه أنه أخذ من عمنا أيوب الجطالي وهو الذي رباه (1/573)
صفحة 574
وعلمه قال لي عمنا سليمان كنت أقرأ على عمنا عبد الله بفساطو وعاشرت بها عمنا يسفاو بن منديل وكان من خيار من أدركت فأتانا عمنا عبد الله بطرفة يتحفنا بها بعد أن أخذت الناس مضاجعهم فسبق عند بعض الطلبة فوجدهم يخوضون ويتحدثون وما تركوا أحدا، فانصرف إلينا فوجدنا ننظر الشراح على دولنا فنبه فخرجنا إليه فأعطانا نصيبا ونصيبهم وقال لا آذن لكم أن تعطوهم شيئا.
ومنهم أبو محمد عبد الله بن أبي عزيز من أولاد سعيد بن نوح وتقدم التعريف بسعيد وبأخيه يجين وكان عمنا عبد الله أخذ العلم من عمنا عبد الله بن أيوب وما دخل المخالفون بلاد بابل وتاكبال وتكلة إلا بعد موته ومسكنه بلده مسن.
ومنهم أبو يوسف يعقوب بن عمر كان عالما تقيا لم يتزوج قط وله أخبار وعلم.
ومنهم الشيخ أبو الفضل أبو القاسم بن إبراهيم البرادي الدمري. وتقدم أنه أخذ العلم من أبي ساكن عامر بن علي الشمَّاخي وأخذ أيضا من عمنا يعيش الجربي وأخذ عنه جماعة سادوا وله تأليف جملة الجواهر أتمم ما ترك من أخبار أهل الدعوة الشيخ أبو العباس أحمد بن سعيد في كتاب طبقات العلماء، والرسالة التي أجاب بها الشيخَ أبا عبد الله محمد بن أحمد الصدغياني الجربي ذكر فيها حقائق وحدود أكثر مسائل العلم وشيئا من الاعتقاد والتوحيد وكتاب شرح الدعائم لم يكمله، السفر الأول إلى الطهارات وهو المتداول، وجمع من الألواح من بعده إلى الزكاة أظن، وهو تأليف مفيد وكتاب شرح العدل في أصول الفقه تأليف الشيخ أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم ولم يكمله وذكر له غير هذه لم أرها.
سكن بلده زمانا ثم تحول إلى جربة فأقام بها بمسجد وادي الزبيب وكانت عليه حلقة ومجلس عظيم ومات بها وخلف أولادا نجباء سادوا بجربة وبالجبل (1/574)
صفحة 575
جبل دمر.
رأسهم عبد الله أبو محمد وكان شيخا عالما متفننا وحدثني بعض طلبته قال كنت بتونس أقرأ بحضرة مجلس الحسين فوقعت مسألة فتكلمت فيها بما حضرني وكان الشيخ توقف فيها، فقال: من أين أخذتها قلت من الشيخ أبي محمد البرادي، قال لأهل المجلس: ما رأيت أعلم من البرادي، فغضب بعض الحاضرين من قوله، فقال للبجيري عبد الله - وكان عالما بالعربية - إنه يشاركك في العربية ويزيد عليك بعلوم ويشارك هذا في علمه ويزيد عليه بعلوم أُخر.
وحدثني أبو الربيع سليمان بن أبي زكريا الفرسطائي أنه كان يقرأ على أخيه بجبل دمر وكان الشيخ أبو محمد يسكن جربة فقدم الجبل فرجع السؤال إليه فسألته وأنا مستحْيٍ عن مسألة في الإيمان قال بعض العلماء النظر في الإيمان إلى ما يدل عليه اللفظ ويقتضيه وقال بعضهم: النظر فيها إلى النيات وهو أولى.
وكان أبو فارس سلطان إفريقية أرسل إلى أهل جربة ليردهم إلى مذهب الحشوية وطلب العلماء للمناظرة فتعين الشيخ أبو محمد لذلك وحدثني بعض طلبته أنه كان معه فخرج فحضره العلماء قال وكنت معه في المجلس فوقعت مسألة إما في الإعراب أو في غيره فقال لي: تكلم، فتكلمت واستحسنوا جوابي، فأقام عندهم ما أقام، ومن هناك عرفه الحسين. والذي حدثني أبو يوسف يعقوب وكان مشاركا.
وله ابن اسمه أبو زكريا يحيى لم أره وهو في الطبقة العليا في العلوم وكان شيخا محققا ورأيت جوابه لبعض السائلين له مستشكلا أبياتا في الدعائم يدل على علو درجته في العلم، وله مجالس بجربة، وما أظن علما إلا وهو فيه محقق، والغالب عليه علم المعاني والبيان والمنطق والأصول والحكمة، وبالجملة يفتخرون به أهل جربة، كما أن أهل نفوسة يفتخرون بأبي يوسف يعقوب بن أحمد، وأن كان أبو زكريا فاضلا (1/575)
صفحة 576
محققا فقد أخذ من أبي يوسف وقرأ عليه، وأبو يوسف ما أظن أن أحدا يقارن به في النقل والحفظ وبالجملة فكلاهما علامة. وممن أخذ من عمنا عبد الله بن أبي القاسم البرادي أبو زكريا يحيى بن أفلح الجربي، وكان شيخا حليما فاضلا مطاعا في الناس وله قدرة على الشعر، نَظَمَ جمل الإعراب شعرا، أعني التي لها محلٌّ والتي لا محلَّ لها، وشرحها عمنا موسى بن عامر بن يحيى بن زكريا وتقدم التعريف بجده، أخذ العلم من عمنا أبي عفيف صالح.
ومنهم أبو عبد الله محمد التفجاني الجربي وتقدم أنه ممن أخذ العلم من أبي ساكن عامر بن علي الشمَّاخي وسكن - بعد أن فارق شيخه - تساكت.
وذكر أنه ناظر بعض المخالفين ولم يكن ذلك مشهورا، والله أعلم، وأستغفر الله ربي من كل خطأ وزلل.
ومنهم أبو محمد عبد الله بن أبي عثمان سعيد الصدغياني الجربي كان شيخا فاضلا وهو المقصود في زمانه بجربة، وله رسالة أرسلها إلى أهل وارجلان فيها الردُّ على المخالفين، والسبب أن بعضهم فضل مذهبهم على مذهب الإباضية وذكر وجوه التفضيل وشكك من بوارجلان، فأرسلوا إلى أبي محمد فأجابهم ورد الشبهة التي أوردوها وأجاب عمَّا نقص به الإباضية.
ومنهم أبو عبد الله محمد بن أحمد الجربي الصدغياني وكان شيخا أخذ العلم منه جماعة، وهو الذي سأل الشيخ أبا الفضل أبا القاسم عن حدود بعض العلم وحقائقها وأجابه فيها وأنشد عليه قصيدة؛ لأن أبا القاسم أظهر فيها علمه وبين درجته فيه.
ومنهم أبو عثمان سعيد السدويكشي.
والعلماء كثيرة، وذكرنا منهم ما فيه الكفاية. وليكن هذا آخر التعريف بهم، والحمد لله رب العالمين، ولم أجد مكانا حين الوضع، لتشتت البال، وتعذر الأحوال، لأسباب كثيرة غير قليلة، من تفاقم الفتن في البلاد، وشدة القحط، وتزلزل العباد، وعتوِّ أهل الفساد، وكثرة الشكوى (1/576)
صفحة 577
وقلَّة السواد، عصمنا الله من قول يخالف الصدق، وغفر لنا ما خالفنا فيه الحق، إنه التواب الرحيم. صلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.
انتهى ما ذكره الشيخ الإمام وقدوة الإسلام وعمدة الأنام أبو العباس سلالة الكرام أحمد بن أبي عثمان سعيد بن عبد الواحد الشمَّاخي نسبا، اليفرني بلدا، رضي الله عنه وغفر له وأثابه، وجعل الجنة منزله ومأواه. وله فضائل ومناقب، قال عمنا محمد بن زكريا الباروني رحمه الله: وإن مد الله في العمر وأعان على المقدور أذكر منها وأذكر لغيره ممن لم يذكره ما تيسر، وهو وليُّ التيسير. ونسأله التوفيق في القول والعمل، ثم قال: وتوفي المصنِّف رحمه الله في شهر الله جمادى سنة ثمانية وعشرين بعد تسعمائة. وقد نقلت هذه النسخة من نسخة منقولة من نسخة بخطِّ المؤلف رحمه الله تعالى. (1/577)