صفحة 1
الكتاب: سيرة الشيخ أبي زيد الريامي لسليمان الهميمي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الأوّل (437 عنوان): جمادى الأولى 1430هـ / أفريل (أبريل) 2009م (قرص مضغوط) بسم الله الرحمن الرحيم
أبو زيد الريامي
حياته وسيرته
إعداد الطالب
سليمان بن عبدالله بن سالم الهميمي
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
... الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
... أما بعد،،،
... فيقول تعالى: { من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً } .
... قضوا أعمارهم في سبيل الله، جاهدوا بأنفسهم وأموالهم فأعلى الله على أيديهم الإسلام وأعز المسلمين ... "شباب مكتهلون في شبابهم، غضيضة عن الشر أعينهم، بطيئة عن الباطل أرجلهم، أنضاء عبادة وأطلاح سهر، نظر الله إليهم في جوف الليل، منثنية أصلابهم على أجزاء القرآن، إذا مر أحدهم بآية فيها ذكر الجنة بكى شوقاً إليها، وإذا مرَّ بآية فيها ذكر النار شهق شهقة كأن زفير جهنم في أذنيه، موصول كلالهم بكلالهم، كلال الليل بكلال النهار ... مصفرة ألوانهم، ناحلة أجسامهم من طول الصيام وكثرة القيام ... ".
... إن حياة كحياة أبي زيد الريامي يعجز القلم عن وصفها، واللسان عن الثناء لها، قضى عمره في خدمة المسلمين مضحياً بماله ونفسه ...
... بحث قصير أقدمه متطفلاً على حياته –رحمه الله- أقف فيه بعض الوقفات البسيطة على حياته العريضة، وأضع فيه بعض الخطوط العريضة عن حياته وسيرته ... وكان سبب كتابتي هذا البحث مشاركة في الندوة التي أقامتها مكتبة الندوة العامة بولاية بُهلا في ذكرى سيرة أبي زيد الريامي (26،27 رجب 1418ه) على إنني لم أكن أهلاً لأن أكون من ضمن المشاركين فيها، فقزامتي أصغر من أن تناطح العمالقة، ولكن هي الطاعة للأستاذ ورغبة في التعلم.
... وعلى كل حال فقد قسمت البحث إلى ثلاثة فصول وهي كالنحو التالي:
... الفصل الأول: حياته ونشأته وفيه ثلاثة مباحث:
أ) مولده ونسبه.
ب) حياته العلمية.
ج) قضاؤه لأوقاته وسير يومه.
الفصل الثاني: البيئة وأثرها في صقل شخصيته وفيه ثلاثة مباحث: (1/1)
صفحة 2
أ) الحالة الاجتماعية وتأثيرها على شخصيته.
ب) الصفات النفسية التي يتحلى بها.
ج) حنكته في السياسة.
الفصل الثالث: مكانته وفاته وفيه أربعة مباحث:
أ) المتاعب التي واجهته وكيفية مواجهتها.
ب) كرامات أبي زيد.
ج) أبو زيد الريامي في نظر الناس.
د) وفاته.
هذا وأترك القارئ الآن متجولاً في حديقة شخصية أبي زيد الغناء ليشتمَّ من رياحينها، ويرتشف من ينابيعها.
معتذراً للقارئ الكريم عن ركاكة التعبير.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الفصل الأول
أبو زيد الريامي
حياته ونشأته
المبحث الأول: مولده ونسبه
المبحث الثاني: حياته العلمية
المبحث الثالث: قضاؤه لأوقاته وسير يومه
لمبحث الأول
المطلب الأول: مولده ونسبه
? نسبه
قبل أن ندخل في حياة هذا المجاهد العظيم، متأملين في جنبات شخصيته الفذة التي يعجز القلم عن وصفها، واللسان عن الشكر والثناء لها؛ يتطفل القلم لمعرفة أجداده، ونسبه الذين نشأ هذا العالم المجاهد بين حناياهم ورعايتهم.
إن شخصية مثل شخصية أبي زيد لابد وأنها تربَّت في أحضان عائلة عرفت بالبسالة والمروءة والصلابة.
فهو/ عبدالله بن محمد بن رزيق بن سليم الريامي، حيث يعود نسب آبائه إلى راشد بن سالم بن مصعب بن ريام أكبر فخوذ بني ريام وأكثرهم عدداً.
ونسب أمه يرجع إلى أولاد حمير من النباهنة، قوم شهد لهم بالبسالة ووطنها بلدة تنوف على سفح الجبل الأخضر) (1) (.
على أن بعض المؤرخين يقول: إن نسب أبي زيد يرجع إلى بني نبهان شيوخ هذه القبيلة، باعتبارهم جزءاً من هذه القبيلة.
وكما رأينا سابقاً أن نسب أمه يرجع إلى بني نبهان فيربطه بهم رحم وهو ما أقرَّ به الشيخ رحمه الله بلسانه) (2) (.
__________
(1) أحمد المسكري، التنظيم المالي والإداري عند أبي زيد، مذكرة، ص.
(2) أحمد بن ناصر البيماني، سيرة أبي زيد، 1411ه/1990م، ص. (1/2)
صفحة 3
ومن هنا نرى أن الشيخ أبا زيد اجتمعت فيه عراقة النسب وصلابته، فبنو ريام هي من إحدى القبائل العريقة في عمان، وبنو نبهان هي من أشد القبائل التي عُرفت بالبسالة والقوة.
وكذلك اجتمعت فيه صلابة المنبت فقد كان وطن آبائه وأجداده في بلدة تسمى العين في أعلى الجبل الأخضر، انتقل منها جده سليم إلى إزكي، ونشآ بالحارة المعروفة بالنزار فولد له سالم ومحمد فتزوج الأخير أم أبي زيد من تنوف) (1) ?(
إن المتأمل في حياة أبي زيد والذي يقلب تاريخ حياته الحافل بالبطولات يجد علاقة وطيدة بين نسبه وموطنه، وبين شجاعته وبطولته فقد أكسبه ذلك الأصل وتلك التربة البسالة والشجاعة، فهو البطل المغوار الذي يقود الجيوش، وهو المحنك السياسي الذي شهدت له الخطوب، وهو العالم الاقتصادي الذي تحيرت لدهائه العقول، بل هو المرشد والمصلح الاجتماعي الذي أعاد للقلوب الحياة وللبلاد سبيل النجاة.
... فسبحان الله أي وصف سنصفه، وبأي ثناء نستطيع أن نثني عليه ... ولست مبالغاً في ذلك ... فرحلتنا معه طويلة سواء هنا أو في باقي البحوث التي تلي هذا البحث علنا نكشف عن القليل من حياته.
المطلب الثاني:
? مولده
ولد رحمه الله في بلدة تنوف الواقعة على سفح الجبل الأخضر) (2) (، وقيل في مدينة إزكي، ليلة الجمعة في الليلة الخامسة عشر من شهر رمضان المبارك سنة 1301ه) (3) (، فكانت ولادته مباركة في شهر مبارك.
بينما يذهب بعض معاصريه إلى أنه ولد في الليلة الخامسة من شهر رمضان) (4) (.
__________
(1) محمد بن عبدالله السالمي، نهضة الأعيان بحرية أهل عمان، مطابع دار الكتاب العربي، ص.
(2) الشيخ علي بن ناصر المفرجي، أبو زيد الريامي هممٌ وإنجازات، إخراج زاهر بن محمد بن عبدالله الشقصي، مذكرة، ص.
(3) أحمد البيماني، سيرة أبي زيد، صمرجع سابق.
(4) انظر السالمي، نهضة الأعيان، ص، مرجع سابق.
المفرجي، أبو زيد هممٌ وإنجازات، ص، مرجع سابق. (1/3)
صفحة 4
وعلى كل حال فإن الاختلاف لا يهمنا كثيراً بقدر ما تهمنا حياته التي حفلت بكثير من المنجزات.
المبحث الثاني
المطلب الأول: نشأته الأولى وحياته العلمية
? نشأته الأولى
"إن صياغة الشخصية تعطي الإنسان بعداً حضارياً عظيماً، وتجعله قادراً على ابتداع نموذج حضاري للبشرية.. وتخلق من ذلك الإنسان المبعثر لتجعله ملكاً يمشي على الأرض.
إن صياغة هذا الشكل من الشخصية لا يمكن أن تتم إلا بتوافر قاعدة فكرية أصيلة ونظام إلهي أسمى من نتاج أية خلايا دماغية لإنسان ما ...
وهذه القاعدة الفكرية وهذا النظام لا يتوافران إلا بالرصيد العلمي") (1) ( والثقافي ومن هنا جاءت عناية الله بهذا الرجل ليصبح فيما بعد الرجل الجهبذ والأسد الهصور.
والناظر في حياة أبي زيد في نشأتها الأولى يجد أنَّ العناية الإلهية تحفها لكي تعدها الإعداد القوي بقواعد العلم والثقافة وتحميها من مزالق الشباب ورعونة المراهقة.
فقد نشأ –رحمه الله- بإزكي ثم انتقل أبوه وعمه إلى إبرا من الشرقية يعلمان القرآن الكريم، فمات أبوه بها، ونشأ في حجر عمه ثم عاد إلى إزكي واتخذها وطناً) (2) (.
ويرى الشرياني) (3) ( أنه عاش يتيماً حيث فقد أبويه بتنوف وهو صغير ثم نقله عمه إلى إزكي.
وعلى كل حال فاليتم وحده كفيل في تعثر حياة الطفل منذ صغره، فليس هيناً أن يفتقد الطفل الحنان والرعاية من أبويه، وإن توفر له من أصناف ملذات هذه الدنيا على أن الشيخ أبا زيد كانت حالته المادية يرثى لها وسنذكر ذلك في محله.
__________
(1) زهير الأعرجي، الشخصية الإسلامية، دار التعارف، ط1، 1977م/1397ه، ص.
(2) المسكري، النظام المالي والإداري عند أبي زيد، ص.
(3) خلف بن زاهر الشرياني، أجرى المقابلة أحمد المسكري، انظر النظام المالي والإداري عند أبي زيد، ص. (1/4)
صفحة 5
ومن هنا عاش الشيخ أبو زيد في بداية حياته حياة مليئة بالمتاعب والصعوبات، وانعدام الموَجِّه، وقد يكون لقلة ما في اليد والحرمان من العاطفة الأبوية جعلتاه يخرج من البيت هو وأخوه في الصباح ولا يرجع إلا في المساء، تظهر فيهما صفات المراهقة ... وتنبئ عن شخصيته التي تكشفت فيما بعد، وعرفت بالنشاط والحيوية، فما خروجه من الصباح إلى المساء مع ما فيها من أعمال كالعبث بأموال الآخرين وركوب حميرهم وغير ذلك مما يحكيه عن نفسه إلا دليل على الطاقة التي تكمن في هذا الرجل وعدم الموجِّه والمرشد.
فيا ترى هل بقيت هكذا حياته؟! وكيف تحول ذلك الطفل ليمتلأ حيوية ونشاطاً؟!
إن عناية الله سبحانه وتعالى تولت أبا زيد وأخذت بيديه إلى الطريق القويم، لكي يقعَّد القاعدة الفكرية والثقافية.. فوجه شطره إلى العلامة نور الدين السالمي ينهل من علومه.. لكي تتم صياغة هذه الشخصية فتعطي فيما بعد البعد الحضاري العظيم.
وهنا أترك الشيخ يحكي حياته بلسانه حيث يقول: "كنت أخرج من البيت أنا وأخي من الصباح ولا نرجع إلا في المساء، فإذا وجدنا حمارة أو شيئاً من الحيوان التي تركب طلقناها وقمنا نتجوَّل بها داخل البلد ثم نتركها تذهب إلى مكان صاحبها أو قد نتركها تعبث في أموال الناس، ولم يكن لنا آمر أو ناهٍ يستطيع ردعنا، وذات يوم أمسكني أحد الأعيان من إزكي قائلاً لي: عبدالله لك أحد الاثنين فاختر أحدهما، الأول: إما أن تذهب إلى بلدة القابل بالمنطقة الشرقية لتتلقى العلم من الشيخ العلامة نور الدين السالمي، وإما أن تذهب غداً إلى فلان الصايغ لتتعلم مهنة صياغة الحلي الفضية، وذلك لأجل كسب المعيشة، وهذه الأمور التي تعملها حالياً غير مساغة بل فيها من سوء الأخلاق") (1) (.
__________
(1) البيماني، سيرة أبي زيد، ص. (1/5)
صفحة 6
وهنا يتوقف الشيخ أبو زيد وقفة تأمل ورجوع فلم يكن هو ذلك الرجل الذي يُلقي بالإرشادات الموجهة إليه عرض الحائط، فتلك الكلمات لها تأثيرها، فإن الرجل وجه إليه النصيحة، ولم يخطئ عندما قال "لك أحد الاثنين" فلم يقل ذلك إلا لمعرفته لشخصية أبي زيد الحاملة للحيوية والنشاط والهمة والاجتهاد، فطلب العلم يحتاج إلى الكفاح والمصابرة والهمة، ومهنة الصياغة تحتاج إلى الدقة والصبر، وكل تلك الصفات بدأت تتبلور في شخص أبي زيد وأعماله تدل عليها.
ولهذا فتلك الكلمات وافقت شخصيته، ولامست شغاف قلبه، لتجعله يوجه وجهه شطر الصايغ طالباً تعليمه هذه المهنة، وكما قلنا سابقاً فإن السبب الذي جعل أبا زيد يخرج من الصباح إلى المساء لم يكن تعنتاً وانحرافاً ولكن كان للحيوية والنشاط اللذين كان يتمتع بهما أبو زيد مع عدم الموجه لهما.. وكل ذلك يظهر عندما ابتدأ بتعلم مهنة الصياغة فلم يواصل –رحمه الله- هذه المهنة بسبب مجيء النساء إلى الصايغ ليعمل لهن المقاسات في أعضاء من أجسامهن مما جعل أبا زيد ينفر من ذلك لأن فطرته لم تتلوث بشيء من المعاصي والأدران.
وكذلك لعناية الله تعالى بهذا الرجل، لأن طلب العلم أنفع لهذا الرجل الذي له شأنه في المستقبل.
وهنا نترك الشيخ لكي يواصل حديثه بقوله: "امتثلت للأمر وذهبت في اليوم الثاني إلى الصايغ، فطلبت منه أن ألازمه لأتعلم تلك المهنة، فرحب بي ومكثت ملازماً له مدة ثلاثة أيام، فرأيت هذه المهنة لا تصلح لي لأن بها إحراجات خصوصاً تأتي النساء إلى الصايغ ليعمل لهن أنواعاً للحلي ويقوم بأخذ المقاسات لبعض أعضاء الأجسام، وهذا ربما أحصل منه إثماً.
فكَّرت للامتثال الثاني وهو أن أذهب لطلب العلم عند نور الدين السالمي، ولم يكن لدي ما يعينني لذلك،ولكن توكلت على الخالق الرازق، ورأيت نفسي لا كنز أنفع من العلم، ولا مال أربح من الحلم، ولا حسب أرفع من الأدب") (1) (.
__________
(1) المرجع السابق. (1/6)
صفحة 7
ومن هنا تبدأ حياته العلمية الحافلة بالجد والاجتهاد مع قلة الزاد، على أن الشيخ كان يُلِمُّ ببعض الأشياء العلمية ولو بسيطة قبل ذهابه إلى الشيخ السالمي، فلم يكن ذلك الفراغ الذي كان فيه، ولا لعدم وجود الناهي والموجه ليصرفا الشيخ عن الانشغال بنفسه، وتنمية قدراتها العلمية، ويؤيد هذا ما يذكر أنه: "حفظ القرآن الكريم ببلدة إزكي ثم انتقل إلى الشرقية") (1) (.
المطلب الثاني
? حياته العلمية
? تحصيله وهمته
أدرك الشيخ –رحمه الله- بعقله الواسع أن مهنة الصياغة لا تليق به، فشخصيته ينتظرها أمر عظيم لابد من الإعداد العلمي والثقافي لها، فساقته عناية الله تعالى إلى كعبة عصره في مقتبل عمره وبداية شبابه حيث صفاء العقل، ونقاوة الفكر، وخلو البال، حيث كان عمره –رحمه الله- خمسة عشر سنة، وذلك في عام ستة عشر وثلاثمائة وألف (1316ه)) (2) (.
ذهب إلى الشيخ نور الدين السالمي ويداه خاليتان يحمل اليقين بالله تعالى، متوكلاً عليه، فطلب من الشيخ السالمي أن يلازمه فرحب به الشيخ ولعله أدرك بفراسته للمستقبل الذي ينتظر الشيخ أبا زيد.
والآن نقف نستمع من الشيخ يحكي لنا بنفسه ذهابه إلى نور الدين يقول: "بعدما شعرت أن طلب العلم الشريف هو أفضل مكسباً، وأجل فضلاً، ذهبت إلى بلدة قابل الحرث، والتقيت بالشيخ الجليل نور الدين السالمي –رحمه الله- فطلبت منه أن ألازمه في طلب العلم، فرحب بي الشيخ –رحمه الله-") (3) (.
أخي القارئ ألا يتبادر إلى ذهنك سؤال محير وهو كيف استطاع شيخنا الريامي الذهاب في سفر وهو ابن خمسة عشر عاماً؟! وكيف استطاع العيش بنفسه طوال تلك السنوات، ومن كان يُعد له الطعام وهو صغير ما يزال في بداية مرحلة شبابه؟! إنه لم يحمل شيئاً من النقود، فأين كان يعيش؟!
__________
(1) المفرجي، ص، مرجع سابق، المسكري، ص، مرجع سابق.
(2) المسكري، المرجع السابق، ص.
(3) أحمد البيماني، سيرة أبي زيد، ص، مرجع سابق. (1/7)
صفحة 8
كل هذه الأسئلة تجعل القارئ في شخصيته يتعجب كل العجب، ولكن عند التأمل فيها يجد أن يداً ترعاه وعيناً تمهد له الأمور، فحياته الأولى قبل مجيئه إلى الشرقية مع ما حفلت به من صفات المراهقين، أعطته قوةً للاعتماد على نفسه، وبلورت شخصيته الفذة ليُعَدَّ من الكبار مع صغر سنه، ومن المفكرين مع بداية شبابه.
فكان –رحمه الله تعالى- يأوي إلى المسجد يشرب منه ويرقط الخلال (1) يأكله مدة شهر كامل، فليس له طعام إلا الأسودين، فصبر وصابر، حتى تحسنت بعض أحواله عندما جاء رجل إلى الشيخ السالمي وقال له هذا الولد الذي جاءكم من إزكي نريد أن نعطيه طعاماً معنا، فقال الشيخ السالمي ولكن من أين كان يأكل سابقاً؟! فنادوا عليه فحكى لهم قصته!!) (2) (
كل ذلك والشيخ لا يعرف عنه شيئاً فسبحان الله تعالى! أي صبر أكبر من هذا وأي همة أعلى من تلك الهمة؟
وعندما آوى الشيخ في بيت وحده بعد إقامته في المسجد لم يشغله إعداد الطعام، والنظر في شؤون البيت عن طلب العلم؛ بل زاد ذلك من حماسه وهمته، فأصبح يأكل وجبة واحدة في يومه بعد أن أصبح يرقط الخلال، ترى هل يرضى بهذا الحال طلاب اليوم؟ وهل سيستمرون في دراستهم اليوم؟!!!
على أن الشيخ كان يجلس في حلقة التعليم عند شيخه من أول بداية التدريس حتى آخره ليستمع إلى جميع الدروس، فلم تكن موحَّدة، بل كل مجموعة في نوع من العلم، وكان يحفظ جميع الدروس) (3) (، فمتى كان يطبخ الطعام؟!
__________
(1) أي يجمع البلح الساقط وهو التمر قبل صلاحه.
(2) المسكري، النظام المالي والإدراي، ص.
(3) البيماني، سيرة أبي زيد، ص. (1/8)
صفحة 9
يقول الشيخ: "أقمت ببلدة القابل في منزل وحدي، فأذهب إلى السوق بالبلدة فأشتري ما أحتاج لقوت يومي، فأجيء إلى المنزل ولديَّ قدر من الفخار وموقد فأضع بالقدر الأرز والإدام وأقيس الماء لقدر الطبخ، فأوقد النار على الموقد وأذهب إلى حلقة التعليم، عند الرجوع إلى المنزل أجد قد تم نضج الأكل محتفظاً بحرارته فآكله".
وعلى كل حال فإن تلك الطريقة هي تدل على ما تدل عليه، والمهم أنه كان يحفظ جميع الدروس، فَعَلَت همته، ولم يكتف بنوع واحدٍ من العلوم بل جد واجتهد، فهانت المصاعب من أمامه، وانقشعت الكروب من طريقه.
فمن تكن العلياء همة نفسه ... فكل الذي يلقاه فيها محبب
? رحلاته العلمية وآثارها
ولم يقتصر الشيخ في طلبه العلم في بلدة القابل، بل كان لرحلاته وأسفاره التي سافرها الهدف الأسمى منها طلبه العلم، فعبَّ من شيخه نور الدين السالمي، ثم سافر زنجبار طلباً للرزق ونهلاً للعلوم من المشايخ الذين كانوا هنالك، ولما رأى الشيخ أن المقام هنالك لا يناسبه، والظروف لا تسمح له قفل راجعاً إلى وطنه وشيخه العلامة السالمي) (1) (.
وهكذا بقي ملازماً لشيخه، حتى آذن الشيخ تلاميذه في رحلة إلى الديار المقدسة لحجِّ بيت الله الحرام، فهبَّ –رحمه الله- لمرافقة شيخه طلباً للعلم في هذه الرحلة الطويلة بالمذاكرة من شيخه.
ولكن واجهت الشيخ عقبة أمام هذه الرحلة، وهي قلة المادة، فكيف يتصرف –رحمه الله- وهو الشغوف بنهل العلوم.. وكذلك أدرك –رحمه الله- أن هذه الفرصة قد لا تتحقق له لأنه قد يشتغل فيما بعد، وفعلاً اشتغل فيما بعد بالإمامة والولاية كما سيأتي.
__________
(1) البيماني، سيرة أبي زيد، ص. (1/9)
صفحة 10
ولهذا حرص الشيخ –رحمه الله- على أن لا تفوته هذه الفرصة، فاستأجر حجَّة، وذهب مع شيخه، وعندما أراد الشيخ الرجوع إلى عُمان استأذنه في المكوث إلى العام القادم، لكي يحج عن نفسه ويجاور البيت الحرام، وكان سفره –رحمه الله- في السنة الثالثة والعشرين بعد الثلاثمائة والألف (1323ه)) (1) (.
لقد كسب الشيخ أبو زيد من هذه الرحلة الفوائد الكثيرة، فبعد ملازمته شيخه السالمي واكتسابه للأجر والثواب جاور بيت الله الحرام عاماً كاملاً، مستغلاً وقته في العبادة والقراءة، فجد واجتهد حتى رزقه الله سبحانه وتعالى العلم الرباني (علم الأسرار)) (2) ( نفع الله تعالى على يديه خلقاً كثيراً وأعانه هذا العلم في تسيير الولاية التي تولاها أبو زيد بعد ذلك.
فإذن ذهابه إلى حج بيت الله الحرام وعكوفه سنة كاملة كان له بمثابة الترويض للنفس وصقلها لكي تستطيع حمل الأمانة التي ألقيت على عاتقه، مما كان لها الأثر الكبير في الصفات التي تحلى بها شيخنا –رحمه الله تعالى- وما العلم الذي رزقه الله تعالى إياه إلا سلاح يتناسب مع عظمة المهنة التي تولاها يحميه من مكر المتربصين له، وينفع به المسلمين، سواء كانوا في بُهلا أم خارجها، وكذلك لكي لا تقتصر أحكامه على البشر، فالجن كذلك لهم الحق في من يحكم لهم منازعاتهم، وقد وجدنا القصص التي تذكر كعلامة على هذا العلم الذي وهبه الله تعالى إليه، ولا بأس بذكر بعض الحوادث التي يذكرها معاصروه منها:
1- إنه اتخذ خرَّافاً يخرف الخلاص) (3) (، وكان إذا صعد إلى الخلاصة تتلقاه الزنابير قبل أن يصل إلى الثمرة، فلما أعطاه رحمه الله حجاباً لم يصب بأذى من الزنابير) (4) (.
__________
(1) المرجع السابق، ص.
(2) المرجع السابق، ص.
(3) يجني الثمار من نخلة الخلاص وهي نوع من النخيل من الأنواع الجيدة.
(4) الشيخ المفرجي، أبو زيد الريامي هممٌ وإنجازات، ص. (1/10)
صفحة 11
2- ما يروى أن رجلاً أصيب بعارض من الجن، وقبل وصوله بُهلا صرخ العارض وقال: ارجعوا وسوف لا يلقى مريضكم أذىً مني، ولا تصلوا أبا زيد، وما أن وصل الرجل ومن معه إلى أبي زيد، ويرى أبو زيد الرجل إلا ويُرى نوعاً من الدخان تخرج من الرجل وشفي بعدها بقدرة الله) (1) (.
3- رجل من آل سعد بالباطنة أُصيب بمرض وعجز عن شفائه، فَوُصِفَ لهم أبو زيد، فلما وصله وأخبروه الخبر عن مرضه، قال لهم: ارجعوا لي غداً، ولما جاءوه بالغد أعطى الشيخ الرجل قرطاسة وقال: ضعها على رأسك، فلما وضعها المريض أحس بالمرض ينزل من رأسه، وهكذا يستمر حتى شعر أنه خرج من أصابع رجليه) (2) (.
4- كلف الشيخ رجلاً بالنزول إلى بئر لكي ينزع شيئاً سقط فيها، فطلب من الشيخ رسالة بسبب المعهود منها من الجن، فأعطاه قائلاً له: خذها واتركها في مكان حدده له، فلما نزل وتركها لم يجدها عندما أراد الخروج وهي بمثابة الرسالة إلى الجن) (3) (.
5- خرج أحد الأشخاص ليلاً لقضاء بعض الحاجات، وفي أثناء سيره سمع أصواتاً ومنازعات، وعرف من بينها صوت أبي زيد وكأنه يصلح بين فريقين، وفي اليوم التالي لقي الشيخ الرجل فسأله فقال نعم كانت هناك منازعات بين الجن وأصلحنا بينهم) (4) (.
هذه هي بعض الأحداث) (5) ( التي وقعت والتي تدلنا على امتنان الله تعالى عليه بهذا العلم، وهو بمثابة المكافأة العاجلة، بسبب عبادته وإخلاصه.
__________
(1) البيماني، سيرة أبي زيد، صوما بعدها.
(2) المرجع السابق.
(3) المرجع السابق.
(4) المرجع السابق.
(5) هناك أحداث أخرى رأيت عدم ذكرها خوف الإطالة، أنظرها في المرجع السابق. (1/11)
صفحة 12
على أن الشيخ لم يستأثر بعلمه هذا لأهل بُهلا فقط، فكما مر في القصص السابقة ما يدلنا على أنه كان يعالج به القاصي والداني، وكذلك ما يروى أن رجلاً من سداب يأتي برسائل من الباطنة كتب فيها أهل الباطنة عن علاتهم فيجيب عليها الشيخ بعد أن يمكث السدابي شهراً في بُهلا ثم يرجع الرسائل إلى أصحابها) (1) (.
إن طالباً كمثل هذا الطالب يتميز بالذكاء والحفظ والجد والاجتهاد لابد أن ينال من شيخه المكانة الرفيعة والدرجة العالية من بين زملائه، ولا عجباً أن يكلفه الشيخ السالمي بأن يكون متعلماً ومعلماً للدروس التي يلقيها لطلبة العلم وما ذلك إلا لأنه طالب مجتهد) (2) (.
بل تعدت مكانته إلى أن أصبح كاتباً لشيخه حيث يُعد أكبر كاتب عنده) (3) (، وأكثر مسودات نور الدين بخطه) (4) (.
... وعندما أراد الشيخ السالمي أن يقيم الإمامة تجلت مكانة الشيخ أبي زيد من شيخه، بحيث أعطاه شيخه أسرار المهمات التي ينوي أن يقوم بها مما يدلنا على المنزلة الرفيعة التي نالها الشيخ، فالموقف والمهمة العظيمة لا ينبغي أن يعلم بها إلا أخص الخاصة وهو المنهج الذي اتبعه الرسول عليه السلام في فتح مكة.
... ولهذا أمر الشيخ السالمي أبا زيد بجر السيف على الإمام سالم عند رفض قبول الإمامة بادئ الأمر، فلولا ثقة الشيخ السالمي به لما أمره بجر السيف في ذلك الموقف العصيب الذي أجاب أبو زيد فيه بما ينبئ عن شجاعته وبسالته.
... وبعد رجوعه إلى بلاده في السنة الثامنة والعشرين بعد الثلاثمائة والألف (1328ه)) (5) ( بعد المدة التي قضاها –رحمه الله- عند شيخه نور الدين السالمي تلقياً وحفظاً وهي ما تقارب اثني عشر سنة، أراد أن يفتق عن طاقاته الكامنة وكنوزه التي عبها ونهلها من شيخه السالمي.
__________
(1) المفرجي، أبو زيد هممٌ وإنجازات، ص.
(2) البيماني، ص.
(3) المسكري، النظام المالي، ص.
(4) السالمي، نهضة الأعيان، ص، المفرجي، ص.
(5) المسكري، المرجع السابق، ص. (1/12)
صفحة 13
... ومع إحساسه بالأمانة التي تتعلق على عاتقه نهض نهضة المعلم والمرشد في بلاده إزكي، فقد جاء دور التعليم والتبليغ وقل التفرغ للنهل والتعلم، فلهذا عقد مجلساً للعلم والتدريس في مسجد الحواري، فكان مدرسة أخذ عنه جم غفير من الطلاب أكبرهم علماً الشيخ محمد بن سالم الرقيشي) (1) (.
... على أن الشيخ –رحمه الله- لم يترك جانب التحصيل فقد كان يتوسع في العلم واشتغل مع التعليم بالتأليف، فأنتج لنا بعض التراث الذي ساهم به في زيادة الحصيلة الثقافية والفكرية، فمن مؤلفاته –رحمه الله تعالى-:
1) حل المشكلات.
2) مناسك الحج.
3) وبعض التآليف الأخرى كالنحو مثلاً) (2) (.
ومحاضرة الشيخ أحمد الخليلي التي تلي هذا البحث تشمل كل جوانبه الفقهية) (3) (.
وبعد ذلك عينه الشيخ حمير بن ناصر النبهاني في بلدة سيق بالجبل الأخضر معلماً، وآمراً بالمعروف، وناهياً عن المنكر.
فرأى –رحمه الله- أن الإقامة هناك غير مناسبة ولعل ذلك يرجع إلى شخصيته التي عشقت العلم، ذلك لأن جو الجبل لا يناسبه في مواصلة مسيرته، ولعل هناك أسباباً ألجأته إلى أن يبقى مدة ببلدة تنوف بجوار الشيخ حمير بن ناصر النبهاني، بطلب منه في مهمة تعليمية، بعدها ترك تنوف ليلحق بوطنه الأصلي إزكي ليواصل فيها مسيرته المباركة في التعليم) (4) (.
واستمر فيها بعد رجوعه من الشرقية بما فيها سفره إلى الجبل وتنوف ما لا يزيد عن ست سنوات، استعمله بعدها الإمام سالم بن راشد الخروصي على بُهلا) (5) (.
__________
(1) المرجع السابق.
(2) البيماني، ص.
(3) أي المحاضرة التي ألقاها بعد هذا البحث.
(4) المرجع السابق، ص.
(5) المسكري، ص. (1/13)
صفحة 14
ولم تتوقف حركته العلمية في التعليم عند توليه منصبي الولاية والقضاء في بُهلا وإنما استمر فيها على رغم المهمات الكبيرة التي كانت على عاتقه، والتي تحتاج إلى مزيد من الوقت، ولكن كل ذلك لم يشغله عن نشر العلم، فقد قام بالتدريس ببرنامج يومي) (1) (، سوف نذكره في محله إن شاء الله.
المبحث الثالث
? قضاؤه لأوقاته وسير يومه
إن الشيخ أبا زيد لم يختلف عن من قبله من السلف الصالح في تقسيم أوقاته، وتنظيمه، وهو ما ينبغي أن يتمسك به كل مسلم، فالمنظم هو الذي يملك الوقت، يصرفه كيفما أراد، أما الرجل المبعثر وغير المنظم لا يستطيع أن يجني ثمار أعماله في أكبر متسع من الوقت، فهو بسوء تصرفه يهدر أوقاته والوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك.
على أن الإسلام يعلن عن ضرورة ازدواج الفكر والعاطفة واجتماع العقيدة، وما تتطلبه من ألوان الانفعال والإحساس، حتى تدب الحياة في العقيدة وتصبح مصدر حركة وقوة ودفع وليست مجرد عقلية لا يستجيب لها الحس ولا تتدفق بالحياة) (2) (.
وكل ذلك لا يتأتى إلا بالاهتمام بالعبادة والارتباط بالله تعالى مع عدم نسيان الجانب الدنيوي، فيما يوصل إلى مرضاة الله تعالى، وما يتعلق بالأمانة التي أنيطت بالإنسان في حياته من رعاية مصالح المسلمين.
__________
(1) المرجع السابق.
(2) زهير الأعرجي، الشخصية الإسلامية، ص، مرجع سابق. (1/14)
صفحة 15
ومن هنا أدرك شيخنا –رحمه الله- أن الأمانة عظيمة وتبعاتها ثقيلة، والارتباط بالله تعالى يعين في قضاء ما عسر وأشكل من أمور تواجه كل من وصل إلى مرتبته، لهذا لابد من الموافقة بين قضاء مصالح المسلمين وبين متابعتهم وبين الاعتكاف بالضراعة لله تعالى، ولهذا كانت أوقاته منظمة سواء كان في بُهلا أم في الأيام التي يقضيها في حصن جبرين (وهي عشرة أيام من كل شهر وذلك عندما عهد إليه الإمام الخليلي بقبض حصن جبرين)) (1) ( فكان –رحمه الله- يصلي الفجر وبعد ذلك يفتتح يومه بتلاوة القرآن الكريم، حتى يصلي الضحى وبعدها يذهب إلى بيته وأهله في شؤونه الخاصة، ليخرج إلى مجلس العلم يعلم طلابه حتى منتصف النهار، وهي الفترة الذهبية في طلب العلم، ولهذا حافظ عليها شيخنا رحمه الله.
وبعد صلاة الظهر يقوم بتنفيذ أعمال الدولة فلم يركن إلى النوم فيها أو الكسل، فهمته أسمى من ذلك والمهمة التي ألقيت إليه لا يصلح لها كسول أو خمول، وبعد صلاة العصر يجلس لتلقي الدعاوى وتنفيذ الأحكام (2) ويخرج للبلاد للنظر في الأحكام ولتفقدها.
وفي الليل له صولات وجولات فيخرج إلى البلاد لتفقد أحوال الناس متمثلاً بالسيرة العمرية، ويأخذ معه بعض العسكر لا يزيد على اثنين، ثم يرجع ليأخذ قسطاً من قيام الليل) (3) (، فرأينا أن أول يومه يبدأه بصلاة الفجر وآخر أعماله بقيام الليل، فلله دره من مجاهد ومصابر، فما أشبهه بالفاروق - رضي الله عنه - .
__________
(1) البيماني، ص.
(2) على أن الشيخ يتقبل الأحكام في أي وقت وفي أي مكان، ولا يلتزم بعد صلاة العصر بحيث لا يحكم إلا في ذلك الوقت، وإنما ذلك الوقت هو وقت تفرغه لذلك، مقابلة مع القاضي المفرجي، الثلاثاء25/11/1997م
(3) أحمد البيماني، سيرة أبي زيد، ص. (1/15)
صفحة 16
على أنه كان عندما يخرج لتفقد أحوال البلاد في الليل وطريقته في عدم الإكثار من العساكر يوحي لنا بأن الشيخ رحمه الله تعالى يعيش في أمن، فعدل رحمه الله تعالى بين رعيته حتى أمنهم، وكذلك قد يكون لاعتبارات أخرى، وذلك أنه من رحمته برعيته لا يريد أن يكلفهم المشاق والمتاعب، فعسكران يكفيان في الاستعانة بهما على أن يخرج في اليوم الثاني غيرهما، وهكذا وقد يكون أيضاً لا يريد أن يكثر من المارة في جنح الظلام، حتى لا يهابهم من خرج لبعض حاجاته.
ولهذا فمن المؤكد أنها لا تغيب عن ذهن الشيخ مثل هذه الأمور وهو الذي راعى أشياء كثيرة في خروجه منها، أنه كان يرفع صوته في حديثه لكي يستتر من كان على معصية وهو ما سنذكره في محله إن شاء الله.
الفصل الثاني
البيئة وأثرها
في
صقل شخصية أبي زيد
المبحث الأول: الحالة الاجتماعية وتأثيرها على شخصيته
المبحث الثاني: الصفات النفسية التي يتحلى بها
المبحث الثالث: حنكته في السياسة
المبحث الأول
? الحالة الاجتماعية في حياة أبي زيد وأثرها على شخصيته
لم يجد رحمه الله تعالى البيئة مفروشة بالورود والرياحين، ولم يجد الأمور على ما يرام، بل كان المجتمع مفككاً متناحراً تنخره الفتن، مليئاً بالأحقاد والضغائن يخوض في ظلام دامس من الفتن، وليل حالك من التباغض. (1/16)
صفحة 17
فقد كان يفتُّ في عضده الانقسام الشيطاني البغيض إلى هناوي وغافري) (1) (، تلك الفتنة التي أخذت تطحن جميع مناطق عمان، مما أدى إلى التفرق، فساد الجهل وانتشر الظلم، فلم يكن من أبي زيد إلا مساندة شيخه نور الدين السالمي من أجل إقامة الإمامة بعمان، ليخفف الوطأة عن العمانيين، بتوحيد صفوفهم تحت إمام واحدٍ يجمعهم، فلما كان اليوم الموعود، وافاهم –رحمه الله- قبل وصول الموكب الميمون تنوف وعنده من الشراة ستون رجلاً كلهم شارٍ بائع نفسه لله تعالى) (2) (، ذلك الذي يعبر لنا بصدق وجلاء عن إحساس أبي زيد بسوء الحالة التي تجرف المجتمع نحو الهاوية.
فكان قلبه يعتصر لذلك ويتحرق، والذي يدلنا على ذلك خطبته) (3) ( التي ألقاها بعد مبايعة الإمام سالم بن راشد الخروصي، فبعدما حمد الله وأثنى عليه بين رحمه الله تعالى أن التوبة هي تلك القاعدة الصحيحة لقبول الأعمال، والنصر على الأعداء، وحث بعدها على شكر نعمة الإسلام، وحث على الجهاد بالنفس والمال وبين فضل ذلك، وبعدها بين صفات العاقل وهو الذي يطلب محبة ربه ويتبع أوامره ويجتنب نواهيه، ليبين بعد ذلك صفات الشهيد ومنزلته.
__________
(1) المسكري، النظام المالي والإداري عند أبي زيد، ص، مرجع سابق.
(2) المرجع السابق، ص، السالمي، نهضة الأعيان، ص،360، مرجع سابق.
(3) لم أرَ ذكر جميع الخطبة، ولكن اقتصرت على موضع الشاهد، ولكن يمكن للقارئ الرجوع إليها في آخر البحث عند الملاحق رقم () من كتاب نهضة الأعيان صوما بعدها. (1/17)
صفحة 18
ثم وجه النداء إلى المسلمين بقتال الفئة الباغية من المسلمين وأحكام قتالهم، وبعدها صرح –رحمه الله- بما يكتوي قلبه ويعصر فؤاده فقال: "ولا يجوز التعازي بالقبائل، فلا تقولوا يا آل فلان، ويا بني فلان، فإنها دعوة جاهلية وعصبية وحمية لغير الحق، ويا أهل الإيمان، ويا أهل القرآن، ويا للمسلمين، لتكن حميتكم للإسلام، ومصيبتكم للحق لا للآباء، وبذلك تنالوا فضل المجاهدين، ودرجة الشهداء.." إلى أن قال: "وإن قسمة القبائل التي انقسم إليها أهل عمان إلى غافري وهناوي هي من عمل الشيطان، ومكائد العدو، وهي من أعظم مكائد إبليس.."
وكذلك مما زاد الأمر سوءاً؛ موجة الجفاف التي مرت بها عمان وعصفت بها مما كان لها الأثر الكبير في اضمحلال الموارد الزراعية، المصدر الوحيد في عمان ذلك الوقت، مما حدا بكثير من العمانيين من آبائنا للسفر إلى شرق أفريقيا بحثاً عن مناطق خصبة، وحياة أفضل من أجل الاستقرار، ذلك لأن الاستقرار) (1) ( في عمان يواجه صعوبة كبيرة.
وزد على كل هذا وذاك وقوع الحربين العالميتين في زمانه، الأولى في بداية حياته، والثانية في آخر حياته ... مما أدى إلى كساد التجارة العالمية، وبالتالي قلة الصادرات والواردات) (2) (، مما كان سبباً في انتشار الجهل والفقر وسرعة انتشار الفتن والبغضاء.
كل ذلك كان له الأثر البالغ في تردي الأحوال الاجتماعية وله الأثر البالغ في صقل شخصية حفها الله بالعناية والرعاية، لكي تخرج بهمةٍ متزودة بما تأثرت به من صفاتٍ تؤهلها للقيام بأعباء كبيرة.
لقد ظهرت شخصية أبي زيد بصفات كثيرة متأثرة بآلام الفقراء والمساكين والمحرومين، وصفاتٍ تسمو به ليصبح القيادي المحنك والاقتصادي الخبير.
__________
(1) المسكري، التنظيم المالي، ص.
(2) المرجع السابق. (1/18)
صفحة 19
ولا نستبق الأحداث، فالمبحثان التاليان يبنيان الصفات النفسية التي تحلى بها شيخنا، كذلك يبين المبحث الأخير منها حنكته في السياسة والإصلاح الاجتماعي، على أنني عندما أمخر عبابها أكتفي بذكر بعض الإرشادات للضرورة لكي يتضح المقال، أما التفصيل فهناك بحوث أخرى تتحدث عن الإصلاح الاجتماعي والاقتصادي، وعن حنكته في السياسة.
المبحث الثاني
? الصفات النفسية والخلقية التي يتحلى بها
"إن الشخصية في الإسلام هي مركز علاقات وعصب مواصلات، علاقة الإنسان بالله، وعلاقة الإنسان بالكون، وعلاقة الإنسان بالمجتمع.
فالعلاقة الأولى حبلها الإيمان والروحية، والعلاقة الثانية حبلها الفكر والعقل والتأمل، والعلاقة الثانية حبلها الأخلاق والثقافة وهي بمجموعها تشكل في النفسية الإسلامية عقدة التقوى") (1) ( فكل تلك العلاقات من تأمل وفكر وروحانيات وأخلاق وثقافة تمثل التقوى، فماذا نقول في صفات شيخنا –رحمه الله- فهو التقي أي الورع والأمين والرحيم والمتواضع، وإذا جمعنا تلك الصفات تمثل لنا التقوى، وعلى كل حال فشخصيته –رحمه الله تعالى- اتصفت بتلك الصفات التي يكون مصبها بحر التقوى، ولكي يتضح المقال يحسن لنا أن نفصل في صفاته التي جملناها في أربع صفات (الورع، الأمانة، الرحمة، التواضع) ونحاول إن شاء الله أن نذكر بعض الأمثلة لكل صفة.
? أولاً: الرحمة والتواضع وتقدير النعمة:
__________
(1) زهير الأعرجي، الشخصية الإسلامية، ص، مرجع سابق. (1/19)
صفحة 20
إن تلك الأحداث التي واجهت الشيخ أبا زيد في حياته، ورسمت في ذاكرته معنى الحرمان، وحياته التي عاصر بها الناس وهم يواجهون أقسى الظروف، كانت كفيلة لأن تجعله محساً بقيمة النعمة التي ينعمها الله تعالى على عباده فلا تفريط في رزق الله تعالى مهما كان قليلاً، ومهما كانت الحاجة غير ملحة، فقد كان الشيخ إذا مرَّ في طريقه ونظر في تمرة ساقطة يتناولها بيده الشريفة، ويمسح عنها التراب، ويرفعها في كور عمامته ويقول: لا ينبغي التهاون بالنعمة، ولا يدري الإنسان أين البركة فلعلها في التمرة الساقطة ولا يجوز وطؤها) (1) (.
وكذلك لا يغيب عن بالنا تلك الحروب التي أخذت تفتك بالعمانيين وتحصدهم، فقد كان لها تأثيرها البالغ على نفسيته، فقد جعلت منه رجلاً ذا نفسٍ شفافة رحيمة بالفقراء والمساكين فحاول جهده الابتعاد عن كل موطن يراق فيه الدماء، وتلافي الحوادث التي تؤدي إلى سفك الدماء بطرقٍ سلمية أخرى، فرأى أبو زيد مشيراً للإمام محمد بن عبدالله الخليلي عدم التعجل باقتحام المدينة التي حاصرها الإمام، وفضل –رحمه الله الإنفاق على الجيش كل يوم ألف قرش، بالإضافة إلى الغذاء للجيش والدواب، وكذلك إمداد الجيش بالعتاد، فضل كل ذلك من أجل المحافظة على الأنفس من التلاف ومن الدماء أن تراق) (2) (.
__________
(1) الشيخ علي المفرجي، أبو زيد الريامي هممٌ وإنجازات، ص.
(2) أحمد المسكري، التنظيم المالي والإداري عند أبو زيد، ص. (1/20)
صفحة 21
إن الشيخ أبا زيد على ما هو عليه من السلطة فهو الوالي وهو القاضي الذي بيده تصريف كل شيء في ولايته، إلا أن المنصب لم يزعزعه عما هو عليه من الرحمة والتواضع، فقد كان أكله –رحمه الله- في قصعة من خشب) (1) (، وكان جلوسه في مجلس الحكم، المجلس الذي تقضى فيه الخصومات، كان يجلس على التراب، وأحياناً يأتي حاملاً معه (جونية)) (2) ( يجلس عليها) (3) (، وإذا أراد أحد أن يحمل عنه تلك التي يجلس عليها لم يتركه الشيخ يحملها عنه ويقول كل إنسان مسؤول عن أشيائه.. ما أشبهك يا شيخي بالفاروق، بل أي تأسٍ أكبر من تأسيك بالرسول الكريم الذي ينام على الحصير ويؤثر في جنبه الشريف ... !!!
وكذلك كان رحمه الله تعالى يشارك الناس في شؤونهم ويساعدهم بنفسه، ويساعد العسكر في جمع الحطب، وإذا رأى طحلباً في سواقي بيت مال المسلمين لم ينتظر لكي يأتي الذي يخدم الفلج، بل يسرع ويخرجه بنفسه رحمه الله وأعز مثواه) (4) (.
وتظهر -رحمه الله- عاطفته الجياشة، وحبه للأطفال ورحمته بهم وعطفه عليهم عند خروج الطلاب من المدرسة، بحيث يصافحهم وأيديهم سود من أثر المداد وبسرور كبير وفرحة غامرة، يدعو الله لهم بالبركة والتوفيق) (5) (.
ويرى رحمه الله تعالى عند تجواله ليلاً رجلاً نائماً في المقبرة فيمر عليه ولا يوقظه حتى لا يصاب الرجل بأزمات نفسية، حتى إذا رأى أهله جاءوا لإيقاظه قال لهم أولاً أوقدوا النار حتى لا يظن أنكم ذهبتم عنه، وبعد ذلك أيقظوه) (6) (.
فما أعظمها من عقلية كبيرة إذا تأمل الواقف عليها فيها فإنها تنبئه أن صاحبها يحمل الدكتوراه في علم النفس، وما أعظمه من تصرف حكيم من رجل حكيم.
__________
(1) الشيخ علي المفرجي، ص4
(2) هي الكيس الذي يستخدم في تعبئة القمح أو التمر وقد يكون مصنوعاً من الحبال أو من البلاستيك.
(3) أحمد المسكري، ص.
(4) محمد السالمي، نهضة الأعيان بحرية أهل عمان، ص.
(5) الشيخ المفرجي، ص.
(6) البيماني، ص. (1/21)
صفحة 22
ومع ما عرف به أبو زيد من الشدة في العقوبات ولا تأخذه في الله لومة لائم، إلا أنه كان يعامل السجناء معاملة إنسانية متأسياً بهدي النبي - صلى الله عليه وسلم - ، الذي أمر بالرفق بالأسارى وعدم الإجهاز على جريحهم، بالإضافة على تلك المعاملة الحسنة التي كان يعاملهم بها أبو زيد فقد كان يفرض لأسرة السجين دخلاً يعيشون به لكي لا يتأثرون بالجوع والحرمان في وقت يسعى في أبو زيد جهده في إزالة هذه العائقة، ورحمة لهم ورأفة، فقد كان يشرف عليهم بنفسه ويتفقد أحوالهم ويعالج مرضاهم) (1) (، فقلبه يتسع لكل من ألمت به مصيبة، أو ضائقة، فسبحان الذي أعطاه ذلك القلب الرحيم، وكذلك فإن ديدنه أنه لا يقبل التهاون في حدود الله بل حتى في الكلمات البذيئة غير المستساغة، وهنا يتجلى موقف آخر من مواقف هذا الشخص الذي امتلأ تواضعاً ورحمة، وهو أنه لا ينقتم لنفسه، حتى من الكلمات التي تقال له، وهي غير مستساغة عنده، كل ذلك ظناً منه أنه ليس من العدل أن يتقاضى لنفسه، فمما يُذكر مثالاً لذلك "هو أنه ترك رجلاً عند معصرة السكر، وجاءه ليلاً في وقت متأخر ليبحث معه في موضوع العمل، فناداه فأجابه الرجل بكلمة بذيئة، فلما اقترب منه هدأ من روعه وقال: لا عليك") (2) (.
وكذلك ما يُروى أنه كمن له في أحد الليالي شخصان لاغتياله فلم يستطيعا حيث إنه لما وصل الشيخ إليهما ارتفع صوت نفسيهما من شدة الخوف، ولم يشعر بهما إلا العسكر واتهموهما ولم يتأكدوا من قصديهما إلا بعد مدة، حيث تحدث الخصم بأنفسهم") (3) ( ولما علم أبو زيد لم يعاقبهم.
هذه هي بعض تلك الأحداث، وهناك أيضاً أحداث تبين لنا أنه لا ينتقم لنفسه مكتفياً بالأجر من الله تعالى.
? ثانياً: ورعه وأمانته
__________
(1) الشيخ المفرجي، ص5
(2) المرجع السابق
(3) المرجع السابق (1/22)
صفحة 23
إن الشيخ أبا زيد كان يُعد من أعبد أهل زمانه، فقد أدى ثلاثين عمرة وهو في مكة في رمضان.. وقد كان –رحمه الله- ملازماً الاعتكاف طوال عمره (في رمضان) مع ما عرفنا عنه من قيام الليل وتلاوة القرآن الكريم) (1) (.
كل تلك العبادات أورثت في نفسه الورع والأمانة، مع ما هو عليه من الإحساس بالمسؤولية والمواقف التي تذكر شاهدة على أمانته وورعه، فقد كان رحمه الله يبتعد عن كل ما فيه شبهة، فما بالك بالحرام، ولذلك لم يقبل –رحمه الله- هدية من أهل ولايته، حتى أنه امتنع عن شرب الماء من بيوتهم تورعاً.
وقد جدَّ –رحمه الله في زراعة السكر لبيت المال، فما رضي أن يأكل منه تعففاً) (2) (.
وكذلك يبلغ به الورع مبلغه عندما يأمر ابنه أحمد عند إقامته في جبرين بتجميع الحطب الصغير، عندما يخرج يتجول خارج جبرين، قائلاً له: "لا يحل لك الأكل من الدولة إلا بمقابل عمل لها") (3) ( فسبحان الله ما قدر الذي يأكله ابن صغير أم أنه الورع العظيم.
أخي القارئ وما قولك في المطية التي أهديت لابنه محمد الذي كان يدخلها ضمن دواب بيت المال، وتأكل من بيت المال، وما ظنك فعل الشيخ بها عندما يخبر عن ذلك؟! إن الشيخ يُجيب إجابة العالم بها، المسلم بحكمه عليها عندما يُجيب بقوله: "إن هذه المطية لبيت المال ولم تُعط لمحمد إلا لكونه ابن عبدالله ابن محمد، وهي لبيت المال، وطعامها من بيت المال، فحكمها منذ أن أهديت له لبيت المال") (4) (.
وهكذا عاش –رحمه الله- في بُهلا طيلة فترة الإمامين، ولم يكن له إلا جاعد واحد ينام عليه، أما مسكنه فيسكن في الحصن وليس مستقلاً فيها مع أن خزانة البلاد بين يديه، ولكن آثر هذه الحياة الحافلة بالورع لكي ينعم في الدار الآخرة الغاصة بالنعم.
__________
(1) السالمي، نهضة الأعيان، ص.
(2) المسكري، ص، السالمي، ص.
(3) البيماني، ص.
(4) المسكري، ص. (1/23)
صفحة 24
تلك كانت أمثلة بسيطة عن ورعه، أما أمانته فيعجز القلم عن وصفها، فقد بلغت به الأمانة مبلغها عندما أصابته جراحة في ساقه، وما زالت تعظم كل ذلك لا يرده عن الحضور للحكم في مجلسه، فكان يفصل في الأحكام، ويقضي بين الناس شاعراً بالأمانة الملقاة على عاتقه، حتى إذا عجز عن المشي استأجر من يحمله إلى مجلس الحكم) (1) (.
وكذلك من أمانته في الحفاظ على أموال بيت المال وأموال المساجد، فإنه كان إذا احتاج مسجد إلى عمارة فإنه يذهب بنفسه إلى المكان ثم يأمر بالعمل، ولا يخرج الأموال هكذا بدون مراقبة، وكذلك يتولى الأعمال الكبيرة التي تحتاجها الأفلاج، وينفق على الوكلاء بنفسه، ويحاسبهم، وتعدى الأمر إلى أنه كان ينقل جميع طناء بيت المال من دفتر الذي جعله مسئولاً عنها في دفتر خاص لبيت المال، ويحاسب جميع الفقراء، والتجار، والفلاحين بنفسه ويحمل عليهم أقساطاً شهرية) (2) (.
أما عن الأعمال التي أسندها إلى عماله فإنه لا يتركهم هكذا سدى، وإنما يراقبهم بنفسه، فقد كان يراقب الزجر من بستان (حشر)) (3) ( ليلاً ويمر حول السواقي، ويزيل عنها ما يراه فيها، وكانت عادته في الليل أن يخرج من بيته يتحسس الحرس، وينادي بأعلى صوته فيسمعه أهل البلد ينادي كل برج باسمه، ويجيبه من عليهم الحراسة، فإذا لم يجبه برج من البروج يسأل عنهم البواب، فيخبره بأسمائهم، فيأمر عليهم بالحبس يوم وليلة لتخلفهم) (4) (.
ولم يفعل شيخنا ذلك عبثاً، وإنما هو لحكمة عظيمة، لا أريد تحليل مواقفه لأنه ليس من مجال بحثي، ولكي لا أتعدى على الآخرين، وإنما أريد فقط أن أبين مدى أمانته التي حافظ عليها كل المحافظة.
__________
(1) المرجع السابق، ص، السالمي، ص.
(2) الشيخ المفرجي، ص.
(3) هو أحد البساتين الكبيرة التابعة لبيت المال في بُهلا.
(4) المرجع السابق، ص،5. (1/24)
صفحة 25
وكذلك من أهم الأحداث التي تُروى في أمانته هو أنه ذهب رجل إلى دبي شمال عمان في ذلك الوقت، واستمر عدة سنوات فلما عاد أرسل إليه الشيخ يطالبه في بيسة واحدة بقيت عليه من الحساب لبيت المال) (1) (.
وكذلك فإني أختم هذا المبحث بهذه القصة الطريفة التي يحكيها أحد معاصريه من وقعت له، والتي تبين محافظة الشيخ على أموال بيت المال، يقول خميس بن سعيد الرواحي: "إن الإمام أرسلني في مهمة إلى الظاهرة، فمررت على الشيخ فسأله زاداً، فأعطاه تمراً، وفي المساء عاد خميس بأنه وجد حاجته دون الظاهرة، فسأله عشاءاً فقال: ردَّ التمر لأنك لم تستعمله، وبيت المال لا يحتمل لك نوعين، فاختر واحداً منهما، قال خميس: فرددت التمر لأني مضطر للعشاء") (2) (.
المبحث الثالث
? حنكته في السياسة
بعد أن رأينا في المبحث الماضي تأثير الحالة الاجتماعية على شخصية أبي زيد وصفاته النفسية ننتقل بعد ذلك إلى تأثير هذه العوامل على إرادته، التي جاهد بها وصابر من أجل عمل صالح عله يخفف الوطأة عن ما يعانيه المسلمون.
وإنه "لابد للذي يريد أن ينتج العمل الصالح أن تتوفر فيه القدرة التسخيرية والإرادة.
__________
(1) البيماني، ص.
(2) الشيخ سعيد بن حمد الحارثي، كتاب اللؤلؤ الرطب في إبراز مستودعات القلب (1/25)
صفحة 26
فالقدرة التسخيرية هي ثمرة تزاوج القدرات العقلية، مع الخبرات الدينية والاجتماعية والكونية، أي أن القدرة التسخيرية تولد من خلال النظر العقلي السليم في تاريخ الأفكار والأشخاص والأحداث والأشياء والإحاطة بها نشأة ثم تطوراً، وهو ما دفع الشيخ أبا زيد للجد والعمل حيث عاصر من الأحداث ما عاصر ثم امتزج كل ذلك بالإرادة التي هي توجه رغبات الفرد نحو هدف معين، بحيث تكون سليمة تتوجه رغبات الفرد نحو حاجاته الأساسية والعليا بالقدر والأسلوب اللذين يجلبان له النفع، ويدفعان عنه الضرر في حياته ومصيره") (1) (. وهكذا امتزجت القدرة التسخيرية عند الشيخ أبي زيد بالإرادة حتى أنتجت العمل الصالح منتفعاً به خلق كثير وأحيا به بلدة بُهلا ومدَّ دولة عمان بالخيرات الوفيرة.
على أن شخصية أبي زيد هي تلك الشخصية التي تمتلك مقومات القيادة التي نبعت من الإحساس الجسيم بالمسؤولية الملقاة على عاتقه، على أن القيادة تعني: "امتلاك الإنسان زمام نفسه والقدرة على توجيه الآخرين والقدرة على التصرف في اللحظات التي تستدعي حزماً وقوة وسعة تفكير وبعد نظر") (2) (.
ولهذا فمع ما وهب الله شيخنا من الصفات القيادية ويسر له من القدرة التسخيرية والإرادة ما يسر، وقبل كل ذلك جعل فيه قدرات عقلية كامنة يستطيع من خلالها التعرف على البيئة القائمة من حوله بمكوناتها وأحداثها، ثم خزن تلك المعارف واسترجعها ووضعها في الوقت المناسب عند توليه الولاية والقضاء، طبقاً للمواقف والمشكلات التي مرَّ بها خلال مسيرة حياته.
وكما قالوا: "إن القدرات العقلية تعبر عن نفسها في السلوك الظاهري من خلال القدرة على التدبير، أي تدبير أمور المعاش في حياة الأفراد والجماعات، وتتخذ قوة التدبير هذه حالات ثلاث:
__________
(1) د. ماجد عرسان الكيلاني، مقومات الشخصية أو الإنسان الصالح، دار الاستقامة، ط1، 1416ه/1996م، ص-23.
(2) زهير الأعرجي، الشخصية الإسلامية، ص، مرجع سابق. (1/26)
صفحة 27
الحالة الأولى: تدبير لجلب ما هو نافع صائب، وتدفع ما هو ضار خاطئ ويسمى صاحب هذه القدرة عاقلاً حكيماً. الحالة الثانية: ضعف في قوة التدبير عن جلب ما هو نافع صائب، وعن دفع ما هو ضار خاطئ، ويسمى صاحب هذه الحالة أبلهاً سفيهاً. والحالة الثالثة: طغيان في قوة التدبير لتعمل على جلب الضار الخاطئ وإعاقة ما هو نافع صائب، ويسمى صاحب هذه الحالة مخادعاً وماكراً سيئاً") (1) (.
ولا أريد أن أسأل القارئ عن موقع شخصية أبي زيد من بين تلك القدرات، لأنه سيجيب إجابة الواثق من أنه عاقلٌ وحكيم، وبهذا أردت أن أبين برهان هذا الوصف الذي نصفه شيخنا رحمه الله تعالى فهو العاقل الحكيم السياسي المحنك، وإنما عندما أذكر أمثلة من حنكته لا أريد أن أخوض في التفصيل، وإنما أذكر مجرد إشارات فقط ليتضح المعنى فقط، وذلك كما ذكرت سابقاً له مجال آخر، ولذلك لكي لا أهضم حق الآخرين أقلص هذا المبحث باختصار شديد.
? أولاً: الإصلاح الديني واستقطاب الأعيان.
إن من حنكته –رحمه الله تعالى- أنه لم يبدأ بأي عمل في بُهلا إلا بعد استقطاب أعيان البلاد واستقطابهم في صفه، لكي يجد القوة التي يستند إليها في تسيير أموره إدراكاً منه "بأن الحركة الاجتماعية عبارة عن حركة ترددية بين قيم المجتمع ومصالحه، وهذه الحركة تتطلب نوعاً من الرعاية والتوجيه، والطرح والاستجابة بصورة دائمة ممن يجاهدون لبقاء المجتمع ضمن الإطار الشرعي والتوجيه الرباني") (2) (.
__________
(1) د. ماجد الكيلاني، مقومات الشخصية، ص، مرجع سابق.
(2) د. عبدالكريم لكبار، مقدمات للنهوض بالعمل الدعوي، ط1، 1417ه/1996م، ص. (1/27)
صفحة 28
مازجاً رحمه الله كل تلك الاستمالة بدعوتهم إلى إصلاح دينهم، ومذكراً لهم نعمة الإسلام حيث قال: "يا أهل بُهلا اشكروا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم") (1) ( وبهذه السياسة الحكيمة استطاع بفضل الله تعالى إصلاح بُهلا بعد أن ابتدأ بالعقيدة والجوانب الدينية لكي تكون له سنداً ومعيناً، فلا صلاح يقوم ما لم يتمسكوا بكتاب الله، فإذا ابتعدوا عنه وحاربوه فلا تستقيم لهم حياتهم، وإن جاهد المصلحون لإصلاحها وهكذا بدأت تتيسر الأمور لأبي زيد.
? ثانياً: توطيد الأمور الداخلية:
ولكي يستطيع –رحمه الله تعالى- من الإمساك بزمام الأمور، وتصريفها الوجهة الصحيحة، اختار من كل محلة رجلاً صالحاً يكون موجهاً ورشيداً لأهل محلته، بحيث إذا عناهم أمر مهم يرجعوا إليه فإن قدر على إصلاحهم وإلا فالشرع الشريف هو المرجع) (2) (، فوضع كما يُعرف بالمخطط الإداري ثم قسم الولاية إلى مناطق كل منطقة أو محلة رشيد ومسئول، ولم يترك الرشداء يعبثون ويتصرفون وشأنهم، إنما قال لكل رشيد: "احفظ عني ما أقول لك واستعن بالله فأنت كواحد من أهل محلتك وإياك ثم إياك أن ترى نفسك فضلاً لأحد على أحد إلا بالتقوى، واستعمل الصدق فيما ترفعه إلينا من أهل محلتك، فإذا تبين منك غير الصدق فلست على نفسك بأمين") (3) (.
__________
(1) الشيخ المفرجي، ص.
(2) المرجع السابق، ص.
(3) المرجع السابق، ص. (1/28)
صفحة 29
وبعد ذلك اهتم بأحوال الفقراء والمساكين، لكي يزيل ما هم فيه من البؤس والحرمان، وذلك بكثرة الصدقات والتبرعات والقروض لهم وتوفير ما يستطيع توفيره لهم لأنهم جزء لا يتجزأ من المجتمع) (1) (، ومن جانب آخر من يستطيع أن يشتغل منهم فإن الشيخ أبا زيد يوفر له العمل المناسب، فما يحتاج إلى صنعة جعل له صانعاً وذلك لمنفعة الناس عن البطالة) (2) (، وكما قال الكيلاني: "إذا كانت التربية الإسلامية قد جعلت العمل الصالح سمة الفرد الذي تهدف إخراجه فإنها في تفسيرها لمفهوم العمل الصالح قد انتهت إلى أن العمل الصالح يتجسد في الفرد المصلح بالمفهوم الواسع") (3) ( فلا يصح عنده أن يبقى الفرد هكذا مستهلكاً وإنما لابد من العمل حتى أنه لم يعذر ابنه أحمد من تجميع الحطب حتى يعطيه من بيت المال ما يقيته وهو الابن الصغير) (4) (.
وكذلك الذين كان يعاقبهم بالسجن كان يبيح لهم العمل، بل كان يأمرهم بذلك، فالصائغ يصوغ في السجن، والنساج ينسج في السجن الأثواب هناك، وصانع الحبال يصنعها هناك.. وكان إنتاجهم يباع لمصلحة من يعولون) (5) (.
وهكذا استمرت الحياة في بُهلا عمل وكفاح، لا يوجد عاطل عن العمل إلا شغله إلا من يعجز عن ذلك.
__________
(1) المسكري، ص.
(2) الشيخ سعيد بن حمد الحارثي، المرجع السابق، ص.
(3) د. الكيلاني، مقومات الشخصية، ص.
(4) البيماني، ص.
(5) المسكري، ص. (1/29)
صفحة 30
وبعد ما اختار الرشداء ودعا إلى العمل، ودبَّ النشاط في البلاد كان لابد أن يعين بعض الموظفين لكي يوزع لهم المهمات، فقسم الوظائف والمهمات، فترى أن هناك صانعاً خاصاً يصنع النوافذ والأبواب) (1) (، وجعل كاتباً أميناً للمساجد كلها، ولبيت المال، واتخذ خرافاً وشماراً وصفاراً وصناعاً للفخار، وهكذا أصبحت الحلقة متواصلة، والجهد مستمراً، ولم يقتصر توزيع المهام في الجوانب الاقتصادية بل كذلك في الجوانب الإدارية والحراسة ولا مجال للتفصيل.
? ثالثاً: الإصلاح الاجتماعي:
وبعدما أمن –رحمه الله تعالى- البلاد واستقرت الأمور ودبَّ النشاط فيها، أراد أن يعالج البلاد بعدما اجتاحتها موجة الجفاف وأخذت ما أخذت، ومع استمرار موجة الجفاف إلا أنه صبر وبرزت حنكته في ذلك، فبدأ بالأهم قبل المهم، فبدأ بتحصين سور بُهلا) (2) ( مع ما فيها من الجدب، كما قلت، ولكنه رأى –رحمه الله تعالى- أن تأمين البلاد من الأخطار الخارجية هو أولى وأجدى من بقية الأعمال، فما فائدة أن يصلح الأموال الزراعية ويصلح البلاد وهي لا تستطيع الدفاع عن نفسها، فإذا دخلها عدو عاث فيها فساداً.
وبعد ذلك اهتم بالأراضي الزراعية وابتدأ بإصلاح السفالة حيث إنها أكثر ضرراً وأعظم خطراً، ثم انتقل إلى العلاية بعد ذلك) (3) (.
__________
(1) المرجع السابق، ص، الشيخ المفرجي، ص،15.
(2) الشيخ المفرجي، ص.
(3) المرجع السابق، ص. (1/30)
صفحة 31
ولخوفه رحمه الله على بيوت المال من الضياع، ولإدراكه لأهميتها فقد قام بالمحافظة عليها، وأولاها كل الاهتمام وواضب في تفقدها ومراقبة سير العمل فيها، فيخرج الطحلب من سواقيها بيده) (1) (، ومن القصص التي تذكر في اهتمامه بها ما يذكر من أنه كتب إلى عامله بقطف شجرة ليمون لبيت المال فلما تفقدها وجد حبات من الليمون لم تقطف، فكتب إلى عامله يخبره بها، وكذلك مر بفسلة صغيرة مريضة فكتب إلى عامله يخبره بشأنها ليحرقها حتى تدب فيها الحياة) (2) (.
? رابعاً: السرية في كثير من الأمور:
"في أي تخطيط أو تنظيم لابد أن يكون الجانب العلني أو السري مدروساً فيه، وحتى في الأمور التجارية قد يجد الواحد نفسه أمام ضرورة الإعلان أو السرية، وعندما يصل إلى موضوع العمل السياسي على مستوى الأفراد يجد أن هذا الأمر يزداد أهمية، فإذا نقلت المسألة إلى مستويات أعلى كان الأمر أكثر ضرورة ...
إن السرية والجهرية وسيلتان، والقيادة الراشدة هي التي تعرف أن تستعمل هاتين الوسيلتين حق الاستعمال، كل منها في محله") (3) ( ولا أريد أن أطيل في موضوع السرية لوضوح أهميته فقد كان الشيخ يراعيه كل المراعاة، فحقاً كان نعم القائد الذي استطاع توجيه هذين المبدأين، ولا عجب في ذلك فهو القائد المحنك، ولا بأس بذكر حادثة تبين عن تحفظه –رحمه الله- ببيت مال المسلمين والمحافظة عليه.
فعندما كان في جبرين وهطلت من الأمطار ما منعت الشيخ من الرجوع إلى بُهلا، وأدت إلى سقوط سقف الحجرة التي بها مخزن القروش التي ادخرها للمسلمين، فأرسل إلى أمينه يخبره بشأنها في كتاب سري، ويأمره فيها بإصلاحها، بأن يأخذ عمالاً صماً بكماً عمياً، كناية عن السرية التامة والتحفظ الشديد، فكأنهم لم يروا شيئاً ولم يسمعوا شيئاً وكذلك لا يتكلموا بما رأوه فيها.
__________
(1) السالمي، ص.
(2) المسكري، ص.
(3) سعيد حوى، دروس في العمل الإسلامي، مكتبة الرسالة، 1401ه/1981م، ص. (1/31)
صفحة 32
وعندما أذن لهم ولده أحمد بالدخول ودلهم على الحجرة قال لهم: "إن هذا الباب لا يقدر أحد من أهل البيت أن يقف عليه، أو ينظر وقت دخول الشيخ والدي، وقد كنت يوماً من الأيام أنظر في الباب واقفاً فدخل والدي وصفعني صفعة قوية") (1) (.
? خامساً: الإعداد للمستقبل:
"ماذا يستفيد من يجلس في غرفة لا يعرف في أي حي هي ولا في أية مدينة، ولا في أية قارة؟! إن الشعور الذي سيسيطر عليه حينئذ هو شعور بالضياع، والخوف والكلالة والانحسار ...
وكيف يرى جمال البساط من وضع أنفه عليه؟ وكيف يرى مسار النهر من ينظر إليه عند مستواه، إن الذي يركب طائرة يتسع مجال رؤيته لأجزاء ومنحنيات عديدة من النهر، لكن رائد الفضاء يرى النهر من منبعه إلى مصبه في البحر.
إن الذين ينظرون هنا إلى حالتنا الحاضرة دون الرجوع إلى الوراء، ودون البحث في الجذور، ودون التخيل بأن هذه الحالة وليدة حالات سابقة، وستلد حالات لاحقة، كل هؤلاء لا يصلحون لتشخيص أي معضلة فضلاً من المساهمة في حلها") (2) ( ولما كان الشيخ عاصر الماضي وتوقع بأن دائرة الزمن والأحداث قد تلد حالات لاحقة ووضع الخيال أمام ناظريه، كان حرياً أن يعد للمستقبل المجهول.. وهذا هو شأن كل محنك سياسي يمتلأ عقله بالخيال المتوقع.
فقام رحمه الله تعالى بشراء الآلة الحربية من السلاح والرصاص للمسلمين، تأميناً للبلاد من العداء المتوقع في أي وقت بحيث وجد في خزانة بيت المال بعد موته فوق القدر المصون من السلاح والعتاد) (3) (.
__________
(1) الشيخ المفرجي، ص. وصفعني: أي ضربني.
(2) د. عبدالكريم لكبار، مقدمات للنهوض بالعمل الدعوي، ص، بتصرف، مرجع سابق.
(3) السالمي، ص. (1/32)
صفحة 33
وكذلك وضع من الاحتياط الغذائي ما يكفي المستقبل فقد بني مخازن للتمر والسكر والعيش والعوال وللسمن، ومكاناً للحطب العادي ولحطب الأشخر في مكان آخر (الذي يُصنع حنه البارود) ومخزناً لليمون اليابس، ومخزناً للأثواب، ومخزناً للسكر الأحمر العماني، وكان يقول: "إن هذه الأشياء سيحتاج لها المسلمون في المستقبل") (1) (.
ولم يغفل رحمه الله تعالى عن السياسات الاقتصادية في تنويع مصادر الدخل، فقد كان متبعاً لها ومطبقاً أيما تطبيق، فقد زرع البرسيم والذرة والحبوب بمختلف أنواعها والسكر والموز والليمون) (2) (.
وكان من حنكته رحمه الله الاقتصاد في كل الأمور فلا إسراف ولا تبذير، فالإنفاق يكون بقدر الحاجة فقط.
فقد حدد ثلاث كربات وقود لصنع القهوة فإذا رأى أحداً يحمل أربع كربات قال له دع الرابعة للقهوة الثانية) (3) (.
وعندما سمع بالفلاحين في السفالة يحرقون بقايا الذرة والغفة والتبن نهاهم عن ذلك، وأمر أن تجمع في مكان واحد.. وقال: "هذه الفضلات سيحتاج لها المسلمون في وقت الشدة") (4) (.
فما أعظمها من عقلية يعجز اللسان عن شكرها، والقلم عن وصفها، وإن كنت قد اختصرت في كل جوانب حنكته إلا أن القارئ سيجد بغيته في البحوث البقية.
الفصل الثالث
مكانته ووفاته
المبحث الأول: المتاعب التي واجهته وكيفية مواجهتها
المبحث الثاني: كرامات أبي زيد
المبحث الثالث: أبو زيد في نظر الناس
المبحث الرابع: وفاته
المبحث الأول:
? المتاعب التي واجهت أبا زيد
لم تكن الطريق أمام أبي زيد مفروشة بالورود والرياحين، ولم يجد أبو زيد الحالة الاجتماعية على أحسن حال، بل كابد رحمه الله تعالى ما كابده في حياته، فلم يلق الراحة (بمفهومها عند العامة) طيلة حياته.
__________
(1) الشيخ المفرجي، ص.
(2) المسكري، ص.
(3) المرجع السابق، 78.
(4) الشيخ المفرجي، ص. (1/33)
صفحة 34
فاليتم والفقر كفيلان بأن يزرعا له العقبة الكبيرة في مسيرة حياته، فكما رأينا سابقاً في نشأته الأولى أنه نشأ طفولته يتيماً من الأبوين، فلاقى رحمه الله ما لاقاه من شظف العيش وقلة ما في اليد، ولم يكن لديه ما يعينه على ذلك، ولكن توكل على الخالق الرازق) (1) (.
ولم يكن لديه ما يعينه على المسكن، أو الأكل في الشرقية، ولكن بقى يأكل من رزق الله وينام في مسجد الله، وعندما جاء ذلك الرجل إلى الشيخ السالمي ليساعد أبا زيد في إعطائه طعاماً، أجاب الشيخ نور الدين السالمي إجابة تفصح عن تعجبه من هذا الفتى الصغير، فهو تلميذه ولا يعرف عنه شيئاً، قال: ومن أين كان يأكل سابقاً؟ فنادوا عليه فقال له الشيخ: من أين كنت تأكل؟ قال: من رزق الله، فأجاب الشيخ السالمي معلقاً: كلنا نأكل من رزق الله، ولكن أين كنت تأوي؟ قال: كنت أوى إلى المسجد) (2) (.
فرحمك الله يا أبا زيد، هل أدى بك التعفف إلى كل هذا الذي أنت عليه وشيخك لا يعلم عنك شيئاً؟ وكيف استطعت يا شيخي أن تصبر شهراً كاملاً وليس لديك طعام إلا الماء والخلال؟!
وبعد ذلك تحسنت حاله قليلاً ولكن ما مقدار هذا التحسن، نعم لقد تحسنت إلى أن أصبح يأكل وجبة واحدة في يومه، فرحمك الله رحمة واسعة قدر ما صابرت واجتهدت وكافحت.
وعندما أراد رحمه الله تعالى أن يسافر إلى الحج لم يجد ما يذهب به فاستأجر حجة واستمر بعدها إلى العام الذي بعده في مكة (كما مر سابقاً) وعندما أراد الرجوع برفقة أحد من عُمان عن طريق البحر، ولما وصلا مسقط لم يجدا ما يوصلهما إلى بلديهما، فذهب الشيخ رحمه الله إلى التماس مساعدة من أحد المحسنين، فقابل الشيخ العالم سعيد بن ناصر الكندي -رحمه الله- وكان هذا الشيخ مقيماً بمسقط، فأخبره أبو زيد بما هو كائن عليه وطلب منه أن يلتمس له ولصاحبه مساعدة مالية ليكتريا راحلة إلى بلدهما.. فتم لهم ذلك) (3) (.
__________
(1) المسكري، ص.
(2) المرجع السابق.
(3) البيماني، ص. (1/34)
صفحة 35
وفي بلدة بُهلا عندما كان يحكم فيها متولياً أمر المسلمين فيها بمهنتي الولاية والقضاء لم يكن يملك فيها غير جاعد أبيض) (1) (.
وكان يأكل حينها في قصعة من خشب، فرحمك الله يا أبا زيد فأنت الوالي وأنت القاضي، ولك المكانة العظيمة ولكن:
"القلب في شبع والبطن خمصان") (2) (
__________
(1) المرجع السابق، ص.
(2) أبو مسلم الرواحي، ديوان أبي مسلم (1/35)
صفحة 36
وكذلك من ضمن المتاعب التي واجهته –رحمه الله تعالى- هي الوشايات ولعلَّ ذلك راجع إلى حسد الحساد، وكذلك قد يكون من تدابير ناصر بن حميد الغافري، الذي كان والياً لبُهلا، وسكن جبرين، فكانت الأحقاد تنخر في قلبه، فدبر ما دبره للشيخ أبي زيد، فكانت هناك وشايتان في عهد الإمام سالم الخروصي، أولهما: أنهم ذهبوا إلى الشيخ ماجد بن خميس العبري ينكرون عليه الشدة في أحكامه) (1) (، فأرسل له الإمام رسالة يعاتبه فيها ألحقناها في الملاحق، والثانية كانت تتضمن المطالبة بإعفاء الشيخ من الولاية والاكتفاء بمهنة القضاء ولكن الشيخ أدرك بفطنته خطورة هذه الوشاية، فعندها طلب الإمام سالم مقابلة أبي زيد ببلدة تنوف للمفاهمة حول هذا الموضوع، وحضر هذه الجلسة عدد كبير من كبار الرجال ومن بينهم الشيخ حمير بن ناصر النبهاني، وعندما دار الكلام في الموضوع، قال أبو زيد للإمام: أيها الإمام؛ أنا لا أملك في بُهلا سوى جاعد أبيض أنام عليه، فإن كنت تريدني في بُهلا فأكون والياً وقاضياً، حسب ما عهدت عليَّ، وإن كان غير ذلك فسوف أرسل لأي أحد هناك حتى يرسل لي جاعدي، ومن ثم يتدخل الشيخ حمير في الموضوع، ويطلب من الإمام بقاء أبي زيد في بُهلا والياً وقاضياً قائلاً له: يترك أبو زيد في بُهلا فإن رأيتم منه شيئاً ما ينكره الشرع فقدرتكم عليه باقية، وينتهي موضوع الاجتماع ويرجع أبو زيد في بُهلا ممتثلاً أوامره متقبلاً نواهيه) (2) (.
وإذا تأملنا في موقف أبي زيد يتبين لنا بصدق وجلاء عقليته التي يتمتع بها، فقد أدرك أبو زيد أنه إذا اكتفى بمهنة القضاء فإن سلطته في بُهلا تكون منعدمة؛ لوجود من يسيطر على بُهلا من الناحية الإدارية، وكذلك ليقطع تأملات وأطماع الطامعين.
__________
(1) فوجه الشيخ ماجد إلى الإمام بخبره فكانت رسالة الإمام إلى أبي زيد، انظر الملحق رقم (2).
(2) البيماني، ص. (1/36)
صفحة 37
وهل يا ترى ثقة الإمام بأبي زيد منعدمة، وهل كان يشك في شيء من أحكامه، أم أنه كان يرى أن الأمر فيه فتنه فأراد أن يداري الأعيان، ويظهر وكأنه مستجيب لتلك الوشايات مع ثقته أنه لن يتغير أبو زيد من وظيفته؟ ما نراه إلا ذلك.
ولم يكتفِ الطامعون والحاقدون بهذه الحادثة، ولكن كرروا هذه الحادثة في عهد الإمام محمد بن عبدالله الخليلي ليقف الشيخ أبو زيد نفس موقفه الصلب.
وهكذا فهذه هي المصاعب التي وجدتها، ولكن الشيخ واجهها بمواقفه الصلبة والحازمة ليلقي بها جانباً، شاقاً طريقه نحو الهدف الذي رسمه.
المبحث الثاني:
? كرامات الشيخ أبي زيد
إن التضحيات التي قدمها أبو زيد والأعمال التي قام بها لم تكن بالشئ القليل، وإنما ضحى وكابد وتحمل المشاق والمتاعب، ولهذا أراد الله أن يكرمه بتلك الكرامات التي يمنحها أولياءه وأصفياءه، ومما يذكر من الكرامات التي منحه إياها ما يلي) (1) (:
1) إذا عمل طعاماً فإنه يُشبِعُ كل من أكل منه ولو كان قليلاً.
2) رجل أطال شعره، فرآه رجل فقال له: لماذا تطيل شعرك مثل شعر أبي زيد، فقال ذلك الرجل باستهتار: من هو أبو زيد شعري أحسن منه، وفي نومه شعر برجل واقف على رأسه ومعه شهاب من نار قائلاً له: أشعرك أحسن من شعر أبي زيد؟ وهكذا كلما أراد النوم رأى ذلك فلما أصبح ذهب إلى الرجل، وتاب من زلته، وذهب منه ما ألم به.
__________
(1) البيماني، ص. (1/37)
صفحة 38
3) يقول البيماني: روى لي أحد الثقات وممن صاحب أبا زيد مراراً في أسفاره وعندما كان الإمام يقوم بثورة ضد العصاة، فإن أبا زيد يتولى الإنفاق بنفسه للجيش، فيأتون ليأخذوا نفقتهم كل يوم حسب عددهم فيعطيهم ويخرج القروش من خرجه وهكذا يستمر، وذات يوم بينما هو غير حاضر فكر بعض الموجودين أن يلتمسوا الخرج، فلم يجدوا فيه شيئاً من القروش، وبعد ذلك حضر الشيخ واستمر بأخذ القروش للإنفاق من الخرج، فأخبره أحدهم بأنا التمسنا الخرج فلم نجد شيئاً فيه، وأنت تأخذ منه هذه القروش، فقال الشيخ: هذا ليس من شأنكم، وإن هناك من يحرس الأمانة عند غيابي.
فسبحان الله أين ذهبت النقود ومن كان يحرسها.. كل ذلك من كراماته رحمه الله تعالى وأكرم مثواه.. وهذه هي بعض الكرامات وهي ما وجدتها عنه، وقد تكون هناك قصص كثيرة لا تشير إليها المراجع، وعلى كل حال فإن الكرامات السابقة كافية لبيان منزلة شيخنا رحمه الله تعالى.
المبحث الثالث:
? أبو زيد في نظر الناس
لقد تألق اسم أبي زيد في سماء عُمان، وعانقته القلوب حبّاً وعرفاناً، فقد أعاد للسيرة العمرية نموذجاً حافلاً بالعدل والرحمة والعطف على الفقراء والمساكين، فتناقلته الألسن وأثنت عليه.
ولهذا كان رحمه الله تعالى في زمانه محبوباً مطاعاً مهاباً، أحبه الناس بأخلاقه وصفاته، وأطاعوه بسبب حنكته وفضله عليهم، وهابوه بسبب شدته في أ حكامه، فما يروى في ذلك أن لصاً قطع عذق موز وذهب به إلى السوق، ولما انكشف أمره أسرع للهروب، ومن ثم سافر إلى زنجبار، ولم يرجع منها إلا بعد وفاة الشيخ، لعلمه أنه سيسجنه سنة كاملة) (1) (.
__________
(1) الشيخ المفرجي، ص. (1/38)
صفحة 39
ولهذا كله أصبح أبو زيد فاكهة كل مجلس، يذكرون فضله وخلقه سواء في عصره أو بعد عصره، وهانحن اليوم نسمع في مجالسنا القصص الكثيرة عن أبي زيد، بل وصل الحال أنه إذا أراد العوام أن يتمسكوا بشيء قالوا: كان أبو زيد يفعله، وإن لم يكن يفعله –والأمثلة على ذلك كثيرة أظن أن كل واحد يعرفها- وفي هذا دليل على عظمته في قلوبهم، ومكانته من أنفسهم، وحق لهم ذلك فقد حاول تطبيق السنة بحذافيرها، فقد جعل نصب عينيه سيرة الرسول، وتأسى بالفاروق في عدله وورعه وأمانته، فرحمك الله وأجزل المثوبة عليك.
وعلى كل حال وبما يقول الشاعر) (1) (:
ولست بناج من مقالة طاعن ... ولو كنت في غار على جبل وعر
فإن الشيخ لم يسلم من المطاعن، فقد وجدت فئة في عهده رحمه الله تعالى تكيد له المكائد، وتنصب له الفخاخ، ولعلَّ كل ذلك راجع إلى وجود ناصر بن حميد الغافري في جبرين بعد خروجه عند فتح الإمام لبُهلا ليحرض هذا الغافري الناس وينشر الحقد للشيخ.
ومن الوشايات التي وجهت ضده إلى الإمامين؛ إلى محاولة اغتياله رحمه الله تعالى) (2) (، ولكن الله تعالى سلمه من ذلك.
لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى ... حتى يراق على جوانبه الدم
وما قصة الرجل الذي استهان بأبي زيد عندما أطال شعر رأسه، إلا بسبب الحقد الدفين الذي يحمله بعض أولئك الشواذ ممن سئموا العدل وتطلعوا إلى الفساد، ولكن الشيخ رحمه الله تعالى يضرب عنهم صفحاً فما منزلته منهم إلا كما قال الشاعر:
ومنزلة السفيه من الفقيه ... كمنزلة الفقيه من السفيه
فهذا زاهد في قرب هذا ... وهذا فيه أزهد منه فيه
إذا غلب الشقاء على سفيه ... تنطع في مخالفة الفقيه
__________
(1) جميع هذه الأشعار في هذا المبحث منقولة من (سهام الحين) للشيخ سعيد القنوبي ولم أوثقها لعدم اتساع الوقت.
(2) الشيخ المفرجي، ص. (1/39)
صفحة 40
فرحمك الله يا أبا زيد.. من يستطيع أن يتصور كل تلك الأحقاد ضدك وأنت الذي صبرت وصابرت من أجل راحتهم، وسهرت الليالي وأضعت أوقاتك كل تلك الأعمال التي قدمتها لم تشبع قلوبهم ولم تشف غليلهم.
وأنتم أيها الحاقدون ألم تقدروا الشيخ حق قدره؟ هل خفيت عليكم فضائله أم أن العمى أضلكم عن سواء الطريق.
قد تنكر العين ضوء الشمس من رمدٍ ... وينكر الفم طعم الماء من سقم
المبحث الرابع
? وفاته
وبعد تلك الحياة الحافلة بالعمل والإخلاص شاء الله تعالى أن يختار هذا المولى إليه، وأن يرد النفس إلى بارئها فدوام الحال من المحال، ولم يكتب الخلود لأحد.
فقد أفلت تلك الشمس الساطعة ثلاث وستون عاماً لعيش المسلمون وروحهم مع روحه، وألسنتهم تلهج بالثناء عليه والترحم له، أفلت الشمس وامتد ضياؤها إلى زماننا ويبقى ممتداً إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
وقد فجع المسلمون بوفاته ليلة الجمعة الرابع من رجب عام أربعة وستون بعد الثلاثمائة والألف في بُهلا ودفن بها في مكان اسمه (الغنيمة) من منطقة البدوع في سفالة بُهلا.
وسبب وفاته جراحة أصابته في ساقه، وما زالت تعظم، ولا يطلب لها الدواء لقلة ما في يده، حتى عظمت ولم يستطع أن يخرج إلى مجلس الحكم إلا بحمله كما أشرنا سابقاً، إلى أن تغمده الله تعالى إلى رحمته.
فرحمك الله يا شيخي وأجزل لك المثوبة ومتعنا الله بلقائك مع النبيين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً.
آمين.
?
الخاتمة
.. وبعدما تجولنا في تلك الحديقة التي تفوح بشذا العزيمة والصلابة، وتتدلى فيها ثمار الحنكة والعقلية، بل وتحفها ورود الرحمة والمحبة.. إن تلك الحديقة جدغنية وثمارها يانعة.. ما علينا إلا أن نجني ثمارها لننتفع بها في دروب الحياة التي عم فيها الجهل وتلوث الفكر وطم الانحراف. (1/40)
صفحة 41
ما أشبه شخصية أبي زيد بالفاروق وما أشدها تمسكاً بسيرة الرسول عليه السلام، لتحير المستبصر وترد المرتاب.. فما أحراها أن تكون قدوة للدعاة والمرشدين، يضعونها نصب أعينهم.
إن تلك الكلمات التي كتبتها في هذا البحث عن حياته ما هي إلا ومضات ووقفات على هامش سيرته الحافلة بالبطولات.. وما هي إلا تطفل على حياته، وأخيراً يقول تعالى: { محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله ورضواناً سيماهم في وجوههم من أثر السجود } .
صدق الله العظيم
هذا والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. (1/41)