صفحة 1
الكتاب: الشيخ أبو زيد الريامي فقيها لأحمد الخليلي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] الشيخ: أبو زيد الريامي فقيها
محاضرة ألقاها سماحة الشيخ: أحمد بن حمد الخليلي -حفظه الله -
بنادي بُهلا الرياضي
الأربعاء 26 من شهر رجب لسنة 1418 للهجرة
الموافق 26 من شهر نوفمبر لسنة 1997 للميلاد
الحمد لله الذي يختص من يشاء من عباده بما يشاء من إمداده، سبحانه له الحمد ومنه المِنَّة، وله الشكر لا أحصي ثناء عليه، هو كما أثنى على نفسه، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له، )يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً، وما يذكر إلا أُولوا الألباب)([1]، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله صلى الله وسلم تسليما عليه وعلى آله وصحبه أجمعين وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:
فالسلام عليكم أيها المشايخ الكرام، والأخوة الأعزة والأبناء الفضلاء، ورحمة الله وبركاته أُحَيِّيكم بهذه التحية الطيبة المباركة في هذه الليلة المباركة، ونحن نجتمع هنا في ظلال العلم لأجل الاستفادة من ذكريات حملته الذين أنار الله سبحانه وتعالى بصائرهم، وطهر سرائرهم فكانوا مثالاً للإنسانية في الاستمساك بحبله تعالى، والسير على نوره والاستبصار بهداه.
ولا ريب أن سيرة شيخنا العلامة الجليل، القانت الأواب الزاهد المتواضع أبي زيد - رحمه الله- سيرة تعد نادرة من نوعها، فإنه رحمه الله جمع بين العلم و العمل والإخلاص والمثابرة، فلذلك كان فضلاء عصره يعترفون بِقَدَره، ويدركون منزلته ويُبَوِّئونه[2] مكانته التي يستحقها، ولا أدل على ذلك من كلمات نقلت إليّ عن الإمام محمد بن عبدالله الخليلي[3] –رحمه الله- أنه قال في العلامة أبي زيد –رحمه الله- بأنه(من رجال عمر، ولكن الله أكرمنا به). (1/1)
صفحة 2
وإذا جئنا من الناحية العلمية فلا ريب أن العلامة أبا زيد -رحمه الله- كان من علماء عصره، كان من المثابرين إلى العلم فهو من الذين هاجروا في طلبه، فقد هاجر إلى عَلاَّمة عصره في مصره الإمام نور الدين السالمي[4] -رحمه الله- من أجل الارتواء من معينه الفيَّاض، وانقطع إليه سنين يتزود العلم وكان على قدَر عال من الاجتهاد، كما تدل على ذلك القصة التي حكيت لي عن أحد تلاميذ الإمام السالمي -رحمه الله- وهو العلامة أبو الوليد[5] فإنه قال:(كنت أعجب من اثنين من تلاميذ الإمام السالمي -رحمه الله- وهما الإمام سالم بن راشد الخروصي[6]، والعلامة أبو زيد -رحمهما الله تعالى- فإنني كنت كلما فتحت عيني في الليل المظلم الساجي، لم أجد الإمام إلا مصليا، ولم أجد أبا زيد إلا كاتبا فتعجبت متى ينامان).
أما الإمام سالم بن راشد -رحمه الله- فكان له هَمٌّ كبير في النُّسك والعبادة، ولذلك كان زميله يتحدث عنه بذلك أنه كلما فتح عينه في الليل الداجي لم يجده إلا مصليا والعلامة أبو زيد -رحمه الله- كانت عبادته بجانب نُسُكِه وبجانب قيامه للتهجد في الليل، تتمثل أيضا في خدمة العلم فكان يقضي ليله في الكتابة.
هذا يدل على مدى اجتهاد الشيخ -رحمه الله- في تحصيل العلم، ولا ريب أننا عندما نأتي إلى آثاره العلمية قد نجد بعض الصعوبة في استبانة مكانته العلمية، بسبب رُكُونِه دائما إلى الاختصار، عندما يجيب وذلك لأسباب تعلمونها، فهو من ناحية كان مشغولا بالأشغال الكثيرة كان يحمل على رأسه عبء الأمة، ومن ناحية أخرى كان أيضا يخاطب عوام الناس ولا يريد أن يُبَلبِلَ[7] أفكارهم، بذكر الأقوال الكثيرة وتأصيل الأحكام وذكر الشواهد والأدلة، إلى غير ذلك مما يتوسع فيه المتوسعون في البحوث العلمية، على أننا قبل كل شيء ندرك مدى منزلة الشيخ في العلم، من حيث عمله فإن العمل مقياس للعلم ذلك لأن العلم بلا عمل لا قيمة له. (1/2)
صفحة 3
والله سبحانه وتعالى ضرب مثلا في بني إسرائيل عندما حُمِّلوا التوراة فلم يحملوها، أي عندما كانوا معتنين فقط بحفظها، من غير أن يهتموا بتطبيقها فقال فيهم: ]مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا بئس مَثَلُ القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين[[8].
وقد حُكي عن بعض أصحاب رسول الله r أنه قال:(قبض تسعة أعشار العلم بموت عمر -رضي الله تعالى عنه-) مع أن عمر- رضي الله تعالى عنه- لم يكن من المكثرين فيما بين الصحابة رضوان الله عليهم في الإدلاء برأيه في القضايا العلمية، فهناك من الصحابة-رضي الله تعالى عنهم- من كان أكثر بكثير في الإدلاء بالآراء في المسائل الفقهية من عمر وكان هنالك من الصحابة أيضا من كان أكثر في الرواية عن عمر بكثير، ولكن مع ذلك كان التطبيق الدقيق للفقه الدقيق الذي يُبصِّر الإنسان بالمنهج السليم من قِبَل عمر t دليلا على علمه لأنه موصول بربه سبحانه وتعالى، وخير العلم ما وصل صاحبه بالله.
أما من حيث البحث والنظر في المسائل التي كان يتناولها العلامة أبو زيد -رحمه الله- بالإجابة فإن ما يتبين لنا أنه كان دائما يميل إلى القول الراجح، ويترك الأقوال الأخرى، ويترك عَرضَ الأدلة ومناقشتها، وبيان انبناء القول على الدليل أو بناء الفرع على الأصل لأن ذلك أمرٌ كما قلنا، لا تحتمله مدارك عوام الناس الذين يخاطبهم.
وقد كانت الأسئلة توجه إليه كثيرا من قِبَلِهِم فكانت إجاباته مبسَّطة، ولكن الناظر في تلك الإجابات يدرك أن الرجل كان على قَدَرٍ عالٍ من الفهم، وذلك هو الفِقه فإن الفقه كما هو معلوم عندكم من حيث اللغة هو:(فهم ما فيه غموض)، ومن حيث الاصطلاح هو كما قال الكثير من أهل العلم:(علم النفس ما لها وما عليها فعلا وتركا). (1/3)
صفحة 4
من أمثلة ذلك أنه -رحمه الله- سُئل عن الذي يصلي صلاة الظهر مثلا، ولكن عندما يأتي لِيَعقِد النية بلسانه، كما هي عادة الكثير من الناس ذَكَرَ العصر بدلا من الظهر أو العكس، كما سُئل في موضع آخر عَن من يصلي صلاة الفرض، ولكن عندما جاء ليعقد النية بلسانه ذكر النفل بدلاً من الفرض، أو العكس فهل تكون صلاته في الحالين صحيحة أو لا؟
فكان جوابه أن العبرة بالنية، وبما أنه ناوٍ أن يصلي الظهر أو يصلي العصر أو يصلي الفرض أو يصلي النفل فخطأُ لسانه ليس محسوبا عليه وإنما العبرة بما في قرارة نفسه لهذا يتبين لنا أن الرجل كان على معرفة بالنية المطلوبة. ولا ريب أن النية المطلوبة هي ما يستقر في قرارة النفس، إذ النية هي إخلاص العمل لله وذلك هو المَعنِي لقوله تبارك تعالى : ]وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين[[9] وهو المقصود بقول رسول الله r وقد استدل هو بهذا الحديث )إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه)([10].
ومن المعلوم عند أصحاب العلم والمعرفة، أنَّ رسول الله r وصحابته -رضي الله تعالى عنهم - والتابعين درجوا على العمل بالنية القلبية وحدها من غير أن يكونوا يتحدثون بألسنتهم، أي من غير أن يترجموا هذه النية القلبية إلى قول لساني ... فما كان أحدهم عندما يقوم ليصلي صلاة الظهر مثلا يقول:(أصلي لله أربع ركعات فريضة الظهر مؤدياً للفرض الذي عليّ) أو نحو ذلك وإنما كانوا يستحضرون النية في قرارة نفوسهم ويعوِّلون على ذلك وهذا لأن النية هي الإخلاص، والإخلاص كما قلنا سِرٌ بين العبد فالإخلاص كما جاء في بعض الروايات هو سِر بين العبد وربه لا يَطَّلع عليه مَلَك فيكتبه ولا شيطان فيفسده. (1/4)
صفحة 5
ولو كان الإخلاص مجرد أن يقول الإنسان(نويت أن أفعل كذا) أو(قصدت بعملي هذا وجه الله) أو نحو هذه الكلمات، لكان الأمر هَيِّنا ولما كابد الناس ما يكابدون من أجل أن يتصفوا بالإخلاص، ذلك لأن الإخلاص هو ضد الرياء فمن أراد الإخلاص لابد له من أن يكابد رغبة نفسه، حتى لا يريد أن يَطِّلع غيره على عمله على أن قول النبي r: )وإنما لكل امرئ ما نوى( لو كان يعني أن الإنسان مجزيٌ بأقواله الخيرية فحسب ولو لم يعمل بمقتضاها، لكان الإنسان الذي يقول بلسانه ولو لم يقصد بقلبه(أريد أن أفعل كذا) أو(أنوي أن أفعل كذا) أو في قرارة نفسه(أن أفعل كذا) مجزيا بذلك العمل، ولكن أنَّى له ذلك حتى تكون الحقيقة الكامنة في نفسه، التي يطلع الله تبارك وتعالى عليها وحده متفقة مع هذا الذي يدَّعيه، ومما يدل على ذلك أن الرسول r يقول في ذلك الحديث: )فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه( فهذا الذي يهاجر إلى الله ورسوله ليس هو الشخص الذي يقول دائماً بلسانه إنني مهاجرٌ إلى الله ورسوله، فإنه لا عبرة بنطق اللسان مع كون الواقع النفسي مخالفا له، وكذلك الذي هجرته إلى )الدنيا ليصيبها( أو إلى )المرأة ليتزوجها( ليس هو الذي يقول(بأنني أهاجر من أجل أن أتزوج فلانة)، أو(من أجل أن أنال من الدنيا كذا).
فلربما كان الشخص الذي يقصد هذا المقصد يطوي قصده في قرارة نفسه من غير أن يعرب عنه بلسانه بحال من الأحوال، وإنما يبدي للناس خلاف ما تنطوي عليه نفسه. (1/5)
صفحة 6
ومع هذا كُلِّه فإنه ربما وجد الناس بعدما دخلت الجموع الكثيرة في الإسلام، وجدوا هذه الجموع بحاجة إلى أن تُعبَّرَ لها النية التي تنويها حتى يكون هذا التعبير اللساني أو هذه التَّرجَمة اللسانية عونا لها ووسيلة إلى استحضار معاني هذه الكلمات، التي هي في حقيقتها النية الصحيحة عندما ترسخ في النفس، ولذلك أوجب بعض العلماء هذه الكلمات التي تترجم النية من أجل عون العوام الضعفاء على استحضار النية[11] ولكن مع مرور الزمن انقلبت المقاييس، فأصبحت الوسائلُ مقاصد وصار عوامّ الناس يجهلون هذه الحقيقة ويعتقدون أن النية هي مجرد هذه الكلمات، فلربما كان ذِهنُ الإنسان عازباً ويُتَمتم بلسانه ما يُتمتم ويعتقد أنه بمجرد تلك التمتمة، استحضر النية وينكر على ما لا يأتي بهذه الكلمات، على أن الناس بالغوا في مجتمعاتنا مبالغة عظيمة، وفي مجتمعات أخرى حتى وصل بهم الأمر إلى أن استعملوا بعض الطقوس التي ما أنزل الله بها من سلطان.
وقد نَبَّهْنا على ذلك أكثر من مرة، فمن ذلك أنهم يعتقدون أن المرأة المُعتَدة التي تعتد عدة الوفاة لزوجها لا تتم عدتها إلا عندما يدخل عليها رجل، ويُقرئها هذه الألفاظ فهي إن لم تستعمل هذه الألفاظ تعتبر عدّتها غير صحيحة وإن استعملتها بقراءتها بنفسها من غير أن يُقرئها إياها رجل فعدّتها أيضا غير صحيحة، وعندما تقرئها إياها امرأة فعدّتها غير صحيحة، وهذا من تشريع ما لم يأذن به الله، والله تبارك وتعالى يحذّر من ذلك إذ يقول: ]أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله[[12]. (1/6)
صفحة 7
فالواجب إذاً أن نعي مثل هذه الكلمات عندما تصدر من أمثال هؤلاء العلماء، عندما يقول العلامة أبو زيد-رحمه الله- (إنما العبرة بالنية)[13] فالنية التي يعنيها هي ما في قرارة النفس، فبها الاعتبار وعلينا أن ندرك أن مع تحول الوسائل إلى مقاصد أو إلى غايات، واختفاء الغايات من أجل طغيان الوسائل عليها؛ علينا أن نترك هذه الوسائل جانبا وأن نحرص على الغاية وحدها على أن في ذلك استمساكا لما كان عليه رسول الله r وبما كان عليه صحابته –رضي الله تعالى عنهم- فهم خير القرون.
ومن أمثلة ذلك أيضاً أن العلامة أبا زيد –رحمه الله- سُئل عن الذي يحرم امرأته فأجاب بأن: (عليه كفارة يمين)[14] وهي المنصوص عليها في كتاب الله في قوله سبحانه وتعالى: )فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام( ومن المعلوم أن هذه المسألة اختلف العلماء اختلافاً كبيراً، فاصطدمت فيه آراء بعضهم البعض، فمنهم من يقول: (بأن التحريم يؤدي إلى طلاق المرأة طلاقاً بائناً بينونة كبرى)، بحيث تكون مطلقة بالثلاث، ومنهم من يقول: (بأنه يؤدي إلى أن تكون المرأة بائنة بينونة صغرى بحيث لا تحل له رجعتها إلا بعقد جديد ولو لم تنكح زوجاً غيره)، بخلاف القول السابق، ومنهم من يقول: (بأنها تخرج بذلك بطلقة واحدة فيكون طلاقها رجعياً)، ومنهم من يقول: (بأن هذا ظهار)، ومنهم من يقول: (بأن هذا إيلاء) ومنهم ومنهم ... (1/7)
صفحة 8
الأقوال في ذلك كثيرة حتى أن الإمام القطب[15] –رحمه الله- ذكر في ذلك ستة[16]) أقوال في شرح النيل، والعلامة ابن رشد[17] في كتابه (بداية المجتهد ونهاية المقتصد) ذكر سبعة أقوال، والعلامة النووي في شرحه على صحيح مسلم ذكر أربعة عشر قولاً، والعلامة القرطبي في تفسيره في تفسير سورة التحريم ذكر ثمانية عشر[18] قولاً، والعلامة ابن القيم الجوزية في كتابيه زاد المعاد وكتاب أعلام الموقعين ذكر عشرين قولاً في هذه المسألة، وقد بسط الحديث فيها في أعلام الموقعين، فأفرد كل قول من هذه الأقوال العشرين بفصل مستقل، ذكر كل قول أدلته وما يرد عليه وما يجاب به، ولكن مع هذا كله فإنه كما قلنا بأن العامي الذي يتقدم بالسؤال ينبغي أن يجاب بالرأي الراجح، لأن الرأي الراجح هو الذي يمكن أن يحل مشكلته، فهو لا يدري الخلافات الكثيرة، وعندما تعرض عليه بأدلتها وتأصيلاتها، يتيه عقله في مواجهة خضم مناقشاتها، ولا يستطيع أن يخرج بحاصل، على أن القول الذي ذهب إليه العلامة أبو زيد –رحمه الله- إنما هو قول مروي عن ابن عباس –رضي الله تعالى عنهما- وهو حبر الأمة وترجمان القرآن، وبجانب ذلك أيضاً أنه يعتضد بدلالة القرآن، إذ القرآن الكريم يدل عليه، وذلك أن الله تبارك وتعالى حذر أولاً من التحريم أي تحريم ما أحل سبحانه، ثم اتبع ذلك الكفارة عندما قال: )لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة(([19]) إلى آخر الآية، على أن هذا الاقتران دليل بأن للمشكلة الأولى التي ذكرت فيما سبق هذا الحل، ومما يدل على ذلك أيضاً أن الله سبحانه وتعالى عندما عاتب نبيه r على تحريم بعض الأشياء التي هي محللة، لم ينزل فيها من الله تبارك وتعالى تحريم وقد حرمها الرسول r على نفسه جاء عقب ذلك قوله سبحانه وتعالى: )قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم(([20]) وهذا دليل على (1/8)
صفحة 9
رجحان هذا الرأي، على أنه من الممكن أن يقال بأن هذا القول إنما يترجح فيما إذا لم يقصد الإنسان غرضاً آخر عندما يقوله، أما عندما يقصد الطلاق أو يقصد الظهار فله قصده في هذه الحالة، ومهما يكن من أمر فإن علينا أن نقف عند هذه النقطة لأن أمر التحريم ليس بالأمر السهل، والناس في هذه الأيام اقتحموا لجج مخاطر هذا الأمر من غير مبالاة بعواقبها، فالتحريم ليس هو من حق إنسان، وإنما هو من حق الله تبارك وتعالى، بعد التحذير من كتاب الله من اجتراء الإنسان على تحريم ما أحل الله، أو تحليل ما حرم فإن أي اجتراء من هذا القبيل يعد كفراً بواقاً[21]، عندما يعني الإنسان أن الشيء الذي أحله الله حرمه هو، أو أن الشيء الذي حرمه الله أحله هو، فليس للإنسان أن يجترأ هذا الاجتراء، ومن اجترأ يعد مرتداً عن الإسلام، فالتحذيرات من ذلك بالغة إذ الله تبارك وتعالى يقول: )قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفهاً بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراء على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين( ويقول عز من قائل: )ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون( والله سبحانه وتعالى يبين كيف يكون اعتذار المشركين، وهم الذين كانوا يجترئون هذا الاجتراء يجترئون على التحريم، يقول الله تعالى: )سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء( وفي اقتران التحريم بالإشراك دليل على أنه له حكمه أيضاً، كما أننا نجد أن الله سبحانه وتعالى ينعى على المشركين في كتابه العزيز هذا الاجتراء الذي اجترأوه على الله يقول الله تعالى: )ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين قل ءآلذكرين حرم الله أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين نبئوني بعلم إن كنتم صادقين % ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين قل ءآلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين أم كنتم شهداء إذ (1/9)
صفحة 10
أوصاكم الله بهذا( نجد أن الله تعالى يتحدى أولئك ويأمر رسوله r بأن يتحداهم عندما يقول سبحانه: )قل هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا فإن شهدوا فلا تشهد معهم( هكذا يتحدى الله سبحانه وتعالى أولئك المشركين ويأمر رسوله r بتحديهم، فما للمسلم والوقوع في هذا الأمر بعدما جاء هذا التحذير البالغ في كتاب الله من الاجتراء على الله سبحانه وتعالى، والله U يقوك )قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراماً وحلالاً قل ءالله أذن لكم أم على الله تفترون( على أن الافتراء على الله سبحانه وتعالى شرك به ورد على كل حكم من أحكامه سبحانه وتعالى يُعد من ضروب الإشراك، فمن وقع في ذلك وقع في كفر الشرك الذي يفصل الإنسان عن جسم الأمة الإسلامية ويبيح دمه وماله، والعياذ بالله تعالى.
ومما يجب التحذير البالغ منه ما يصدر من عوام الناس وجهلتهم في وقتنا هذا، بحيث لا يكاد أحدهم يطلق امرأته إلا مقرونا طلاقها بتحريم ما أحل الله وتحليل ما حرم، وكل منهما كفر بواق كما قلنا يفصل صاحبه من ملة الإسلام، فعندما يطلق الإنسان امرأته يعتبر أنها لا تطلق حتى يقول لها (حرمتك عليّ وأحللتك لأي رجل آخر)، من هو حتى يحلل ويحرم؟ وبأي سلطان يحلل ويحرم؟ إنَّ التحليل والتحريم بيد الله سبحانه وتعالى، والمخلوق عليه أن يقف مع حدود الله وكيف يحرمها على نفسه مع أن الله سبحانه وتعالى يقول: ]وبعولتهن أحق بردهن في ذلك[[22] هذا إن كان الطلاق رجعيا، أما إن كان الطلاق بائنا فإنه ليس هو المُحَرِّم وإنما الله تبارك وتعالى حرمها، وماله والتحريم، وأما قوله أحللتك لغيري فكيف تحل لغيره، وهي لم تتربص التربص الشرعي بعد، والله تعالى يقول: ]والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر ... [[23]. (1/10)
صفحة 11
كذلك مما وجدنا أن العلامة أبا زيد -رحمه الله- اقتصر فيه على القول الراجح أنه سُئل فيما سُئل عنه فيما إذا ماتت المرأة بموته، أي التي اعتدَّت على زوجها عدة الوفاة هل تطيب أم لا تطيب؟
فأجاب بأنها(تطيب وأن حكم الممات يختلف عن حكم الحياة)[24] وفي المسألة قولان قيل تطيب كما ذهب هو، وقيل لا تطيب، هؤلاء الذين قالوا: لا تطيب، قاسوا المعتدة على المحُرِم، مع أن هذا القياس إنما هو قياس مع الفارق فهو قياس غير صحيح، ذلك لأن العلة في منع المحرم من الطيب عندما يموت، هي أنه يبعث مُلَبِّيا، كما جاء في الحديث: )يبعث بإحرامه ملبيا لله تبارك وتعالى)([25] وتكون تلبيته شاهدا على أنه كان على إحرام، والطِّيب مما يتنافى مع الإحرام، فيطلب أن يسترسل في إحرامه وهذه كانت معتدة والعِدَّة ذهبت وكانت في حِدَاد والحِدَاد انتهى، فهي لا تُبعث مُحِدة وإنما تبعث عروسا إن كانت تقية ووفية قائمة بأمر الله سبحانه وتعالى، فلا داعي إلى أن تمنع من الطيب بعد وفاتها، ومع وجود هذا الفارق ما بين هاتين المسألتين، لا يصح قياس إحداهما على الأخرى وبهذا يتبين أن القول الذي ذهب إليه العلامة أبو زيد -رحمه الله- وأفتى به هو القول الراجح.
كذلك سُئل عن من جاء إلى المسجد فوجد الجماعة قائمة تصلي وهو مسافر والإمام مقيم، فهو يقصر الصلاة والإمام يتمها، وقد جاوز الإمام الركعتين الأوليين هل يدخل مع الإمام أو لا يدخل؟ (1/11)
صفحة 12
فأجاب بأنه يدخل مع الإمام[26]، وهذا أيضا هو القول الراجح، بل رجحه من علماء المذهب الإمامان قطب الأئمة ونور الدين السالمي –رحمهما الله تعالى- وكفى بهما مُرجِّحا وهو الذي يدل عليه حديث رسول الله r عندما يقول عليه أفضل الصلاة والسلام: )إذا جئت والناس يصلون فصل معهم )([27] ويقول: )ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا)([28] وفي رواية: )وما فاتكم فاقضوا( فإن قوله عليه أفضل الصلاة والسلام: )إذا جئت( عام لم يُخَصَّص فإن )إذا( من أدوات العموم، وقوله عليه أفضل الصلاة والسلام أيضا:(ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا( أو )ما فاتكم فأتموا( كما في الرواية الأخرى هو أيضا عام لأن )ما( من أدوات العُموم ولم يأت ما يخصص هذا العموم، على أنَّ المصلي عندما يدخل مع الإمام في صلاته تكون صلاته مرتبطة بصلاة الإمام، وبسبب هذا الارتباط وجب عليه أن يتابع الإمام في هذه الصلاة وبوجوب متابعة الإمام فإنه يصلي أربعا إن كان الإمام مقيما وكان هو مسافرا لم تكن هذه التبعية إلا بسبب هذا الارتباط فإذن هو دخل على إمام مقيم، والإمام المقيم لا يزال بعد في صلاته فهو لم يتجاوز الصلاة التي فرضها الله تبارك وتعالى عليه، لذلك كان عليه أن يدخل معه ويُتِّم الصلاة، ولو كان الإمام جاوز الركعتين الأوليين.
من الأسئلة التي وُجِّهَت إليه فأجاب فيها بالقول الراجح وترك بقية الأقوال معرضا عنها، أنه سئل عن: بيع المتاع الذي يشتريه الإنسان قبل أن يقبضه؟ (1/12)
صفحة 13
فأجاب بالمنع من ذلك، واستدل بالحديث حديث النهي عن بيع ما لم يقبض وربح ما لم يُضمَن[29]، وحديث النهي عن بيع ما ليس عندك[30] والمسألة فيها أقوال كثيرة[31]، فقد بلغت الأقوال فيها ثلاثة عشر قولاً، منهم من أباح ذلك مطلقا في غير الطعام، ومنهم من أباحه إلا في العُروض، ومنهم من أباحه إلا في المَكِيل، ومنهم من أباحه إلا في الموزون، ومنهم من أباحه إلا في المكيل والموزون، إلى غير ذلك من الآراء و لكنَّ هذا الرأي الذي ذهب إليه هو الذي يتفق أولاً مع الرواية وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل ]وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا[[32] وأيضا هو الذي يتفق مع روح الشريعة الغَرَّاء ولا ريب أن علم مقاصد الشريعة، علم جليل فإن الإنسان كثيرا ما يتمكن من ترجيح رأي على رأي عندما يجد أحد الرأيين أو أحد الآراء متفقا مع مقاصد الشريعة أو أكثر انسجاما مع هذه المقاصد دون بقية الآراء، وهذا الرأي الذي يتفق مع مقاصد الشريعة كيف؟ والشريعة الإسلامية جاءت لسد ذرائع الفساد على اختلاف أنواعها، وليس هنالك فساد في المعاملات أشد من فساد المعاملات الرِّبَوية فلذلك شَدَّد الإسلام في الربا تشديدا بالغا لا مثيل له، والربا يكون ببيع النقد بالنقد مع النسيئة هذا هو المعبر عنه بربا النسيئة وهو المُجمع على تحريمه بغير خلاف، فهذا الذي اشترى متاعا بثمن معين ثم بعد ذلك يبيع هذا المتاع من قبل أن يقبضه هو لم يزد على أن دفع نقدا واستوفى نقدا لم يَحُز المتاع إليه وبسبب كونه باع نقدا واستوفى نقدا، كان مُشبِها للمرابي فإنه أراد أن يأخذ نقدا أكثر في مقابل نقد أقل مع تفاوت في الزمن بين أخذه وعطائه، وقد أشار إلى هذه الحكمة البالغة حَبر الأمة وتَرجُمان القرآن ابن عباس -رضي الله عنهما- وقال: بأن الحرمة إنما هي من أجل ذلك فإذن في هذا كله مراعاة لهذا الجانب. (1/13)
صفحة 14
وهناك الكثير الكثير من المسائل التي أجاب فيها بالرأي الذي توجه إليه عقله واختارته نفسه، يتبين من خلالها أنه كان يميل إلى الرأي الأرجح ويأخذ بالقول الأقوى، ويأخذ بما يتفق مع الدليل وبما يتفق مع مقاصد الشريعة الغراء، ثم إنه لا ريب كان من الناحية التطبيقية آية في الفقه، كما قلنا من قبل، فهو كان يحرص دائما على الخير يحرص على البر، كان يواسي الفقراء والمساكين ويقف بجانب الضعفاء المحتاجين ويحمل الكَّل، ويُعين على نوائب الدهر، آخذاً في ذلك بإرشادات الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام وإرشادات القرآن كتاب الله تبارك وتعالى قبل كل شيء.
وكما سمعتم من البحث القَيِّم الذي أفاض فيه الباحث في بيان أوصاف الشيخ -رحمه الله تعالى- أنه كان يهتم اهتماما بالغا بمكافحة البطالة، والاشتغال بما يعود بالمصلحة على الكُّل، فكان حتى المساجين يدفع بهم إلى العمل، كان صاحب كل مهنة عندما يسجن يُمكِّنه من ممارسة مهنته وهو في السجن، كما أنه أيضا كان عندما يجد أحدا محتاجا يعينه على دفع خَصَاصَتِه بأن يسهل له القرض الحسن ليشتري دابة يشتغل بها أو ليشتري آلة يعمل بها حتى يعمل كل أحد في مجاله ويكون هنالك تسابق وتنافس بين الناس في هذا المضمار، في مضمار العمل، واعتنى هو نفسه عناية بالغة بالعمل لا لشخصه، ولكن لمصلحة الأمة فكان يُجهد نفسه في العمل، يحرص على بيت مال المسلمين حرصا لا مثيل له، كان عندما يبصر نخلة صغيرة بدأ فيها الطلع يهتم بتأبيرها من أول الأمر، وعندما ينساها العمال يكتب إليهم أو إلى من يقوم بهذا العمل من الناس رسالة خاصة يبعث العُمَّال إلى تأبيرها، وكذلك عندما يمر بشجرة ليمون وقد بقيت فيها آحاد من الثمر ينبه على ذلك القائمين بهذا الأمر ويكتب إليهم وله في ذلك رسائل إلى عماله، ربما لا تزال محفوظة إلى الآن. (1/14)
صفحة 15
وكل ما يعود بالمصلحة على المسلمين كان يهتم به كما اهتم بالغِراس اهتماما بالغا فقد عُني بذلك عناية فائقة وهو في ذلك يعمل بحديث رسول الله r عندما يقول عليه أفضل الصلاة والسلام: )ما من أحد يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه طير أو آدمي أو دابة إلا كانت له به صدقة)([33] وهذا مما يعمله أهل هذا البلد كيف عني في غرس مال المسلمين عناية بالغة فائقة لا مثيل لها واهتم بالأوقاف اهتماما بالغا لا مثيل له وبما أننا ذكرنا الأوقاف فإن هذه الأوقاف وهذا بيت المال كل منهما يعد من الصدقة الجارية، التي يكتب الله سبحانه وتعالى لصاحبها الخير إلى يوم يلقاه فهذا مما ينتفع به العبد بعد موته، كما يدل حديث رسول الله r:)إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: علم ينتفع به، أو صدقة جارية، أو ولد صالح يدعو له)([34] والشيخ -رحمه الله- له صدقات جارية، فقد عُنِيَ ببيت مال المسلمين وعني بالأوقاف الخيرية وان لم يكن هو واقفها إلا أنه عني بإحيائها عناية بالغة ولذلك فإن الاحتفال بذكراه وتدارس مآثره -رحمه الله تعالى- مما يَحفِزُ الهمة إلى سلوك هذا المسلك والعناية بهذا الجانب، ونحن نرى أن السابقين كانوا ذوي عناية بالغة بالأوقاف الخيرية، ففي هذا البلد مثلا لكل وجه من وجوه الأوقاف الخيرية نصيب لأهلها السابقين، حتى أنني اطلعت على صك وقفية في القرن السابع الهجري، وقفية لمال وُقف في هذا البلد لتحمل ثمرته من هنا إلى مكة المكرمة من أجل تفطير الصائمين بالمسجد الحرام، وهذا ما يدل على عناية السلف بالأوقاف، أوقاف الخير، فضلا عن الأوقاف التي للمساجد، والأوقاف التي للمدارس، والأوقاف التي للفقراء، والأوقاف التي للصائمين، والأوقاف التي هي لأنواع سُبُلِ الخير ونحن نرى حركة الوقف توقفت مع الأسف الشديد في هذه الآونة مع أن الخصاصة التي كان يكابدها السلف اندفع كثير منها عن الخلف فقد حل محلها الثراء فالخَلف أولى بأن يحرصوا على الأوقاف (1/15)
صفحة 16
الخيرية من أسلافهم على أن هنالك الكثير الكثير من السُّبل التي تستدعي الوقفية لها من أجل أن يستمر خيرها، من بينها أنواع التعليم تعليم القرآن الكريم وتحفيظه -تعليم القرآن التحفيظ- و تعليم الفقه وتعليم علوم الآداب، وشتى أنواع العلوم التي تعود بالخير على الأمة أين أصحاب الهمم؟ وأين أصحاب الخير؟ وأين الساعون إلى البِّر والإحسان من أجل المثابرة إلى هذه الأعمال؟ التي يتنافس فيها المتنافسون ليتسابقوا إلى رضوان الله تبارك وتعالى، وبما أننا نَتَفَيَّأُ ظِلاَلَ ذكريات الصالحين علينا أن نقتدي بهم، وأن نحرص على اتباع سيرتهم وعلى التأثر بمآثرهم حتى نحشر معهم بفضل الله تبارك وتعالى وتوفيقه.
هذا، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه المكتبة التي عُنِيَت بهذه العناية الفائقة والعناية بالمكتبات، لا ريب إنها عناية بمادة العلم عناية بسبب العلم، عناية بتهيئة الأجواء العلمية التي يجد فيها كل طالب علم بُغيَتَه، فالعناية بالمكتبة عناية يُؤجر عليها صاحبها بمشيئة الله فما من أحد يدرس علما ينتفع به في هذه المكتبة إلا ويعود أجر ذلك بمشيئة الله سبحانه وتعالى على من أَسَّسَ المكتبة أو شارك في تأسيسها أو ساهم فيها بأي شيء كان. (1/16)
صفحة 17
فإنشاء المكتبات من الأمور التي يجب أن ينفق فيها المال ليكون قربة إلى الله تبارك وتعالى، أشكر أصحاب هذه المكتبة أولا على تأسيسها والتأسيس أمر صعب في بدايته ولكن بعد ذلك يهون بمشيئة الله وعزائم الرجال تذلل الصعاب، وعظائم الأعمال إنما يقوم بها عظماء الرجال وأشكر رئيس مجلس هذه المكتبة على العناية البالغة بتنظيم نشاطها وقيامها بأمثال هذه الأعمال التي تعود بالنفع على المجتمع، شِيبِه وشبابه وتَصقِل مواهب الشباب بتذكيرهم بمآثر أسلافهم الصالحين كما أنني أشكر كل من ساهم في هذه المكتبة وإنشائها وترتيبها وترتيب أنشطتها، وأسأل الله تبارك وتعالى أن يبارك في جهودهم وأسأله U أن يتغمد شيخنا أبا زيد -رحمه الله- بواسع رحمته وأن يسكنه فسيح جنته وأن يبوأه مبوأ صدق في دار كرامته، وأن يجمعنا به مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا وأسأل الله سبحانه وتعالى لي ولكم التوفيق لكل خير وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وأشكركم على استماعكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
--------------------------------------------------------------------------------
[1] سورة البقرة الآية (269).
[2] ينزلونه.
[3] هو الإمام محمد بن عبدالله بن سعيد الخليلي بويع له بالإمامة بعد موت سلفه الإمام سالم بن راشد الخروصي سنة 1338ه، كان أعلم أهل زمانه، وقد جمع الشروط الشرعية التي تتوافر في القائد بالأمر فقام بالواجب خير قيام ... وعاش مرجعاً لأهل عُمان، أنفق أمواله كلها في عز الدولة، مات في صبح اليوم التاسع والعشرين من شهر شعبان سنة 1373ه، رحمه الله.
[4] هو العلامة المحقق المجتهد نور الدين عبدالله بن حميد بن سلوم بن عبيد بن خلفان بن خميس السالمي.
ولد "بالحوقين" بلدة من أعمال الرُّستاق سنة 1286ه، كف بصره في السنة الثانية عشر من عمره. (1/17)
صفحة 18
يُعد نور الدين السالمي مربياً وداعياً ومصلحاً هذا بجانب تآليفه القيمة في مختلف فنون العلم، كما درس على يديه فطاحل العلماء.
لم يكتب لهذا العلامة أن يعمر طويلاً وذلك عندما ارتطم بغصن شجرة وهو في طريقه إلى بلدة الحمراء ليتفاهم مع الشيخ ماجد بن خميس العبري في أحد المسائل.
[5] لم يتيسر لي البحث عن شخصية العلامة أبو الوليد، فأكتفي بما ذكر عنه الشيخ أحمد بن حمد الخليلي في محاضرته بما يتصف به من صفة العبادة تدعو إلى التأسي به رحمه الله.
[6] هو الإمام سالم بن راشد بن سليمان بن عامر الخروصي، بويع له بالإمامة في اليوم الثاني عشر من جمادى الآخرة سنة 1331ه، كان صارماً في الأحكام، لا تأخذه في الله لومة لائم، قام بالحق وأمر بالمعروف، ونهى عن المنكر، وأدب السفهاء، وازدهرت عُمان في زمانه، بقي في الإمامة إلى إن مات شهيداً في ليلة الخامس من ذي القعدة سنة 1328ه، كانت إمامته سبع سنوات وأربعة أشهر واثنين وعشرين يوماً رحمه الله.
[7] يبلبل: يخلط.
[8] -سورة الجمعة الآية(5)
[9] -البينة الآية(5)
[10] أخرجه الإمام الربيع بن حبيب في المسند من رواية ابن عباس، وقد رواه أئمة الحديث من قومنا من طريق عمر بن الخطاب t وذكر نور الدين السالمي أن هذا الحديث مجمع على صحته مستفيض من الأمة.
[11] وهذا ما دوِّن في تلقين الصبيان من رسالة النيات للشيخ هلال بن زاهر اليحمدي، وذلك لمن لا يحسن استحضار النية في قلبه يعلم بها لفظاً إلى أن يتقنها حتى يسهل عليه استحضارها في قلبه، وليس ذلك بمحصور في صيغة معينة إذ لم يرد عن رسول الله r من ذلك شيئاً.
[12] -الشورى الآية(21)
[ (1/18)
صفحة 19
13] هذه الكلمات لها مدلول عند أبي زيد –رحمه الله- والمقصود إنما العبرة بالعمل الصالح المقرون بالنية الصالحة لأن الإيمان قول وعمل ونية، فجمع العبادات والمعاملات والأخلاق التي يدان بها الله ويتعبد بها لابد لها من نية وكذلك الانتهاء عن المنهيات لابد إن يكون تجنبه مقروناً بالنية وذلك خوفاً من الله طلباً لرضاه، هذا مفهوم الشيخ لقوله "إنما العبرة بالنية" والذي أود أن أشير إليه أن هذه الكلمات أخذت مدلولاً عقيماً عند العوام وعند المتذبذبين، وذلك أن النية لديهم صفاء القلب بدون أن ينظر إلى العمل، وبدون أن تتبع النية الصالحة بالعمل الصالح، فيرتكب الكثير منهم المحرمات ويدَّعي صفاء القلب ونقاوته، محتجاً بمدلول "إنما العبرة النية" والرد على ذلك:
إذا كانت النية حسنة والمضغة التي عبر عنها الحديث في القلب صالحة أمرتك بالعمل الصالح لأن باعث العمل القلب، وإن كانت النية خبيثة صدرت من مضغة فاسدة العمل سوف يكون فاسداً وهذا من مدلول قوله عليه السلام: "ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب".
وأيضاً فإن المخلوق ينظر إلى المخلوق جانب الظاهر ما لم ينعكس ما في الباطن على الظاهر من مخالفة شرع الله، فإقامة الحدود في شرع الله إنما على أمر ظاهر، وحكم الولاية والبراءة على الظاهر.
أما لو صدر من الإنسان العمل الخبيث وادَّعى الصفاء للقلب حكمنا عليه بالبراءة إذ ادعاءه لا يفيده اللهم إلا إذا وجدت قرينة تبيح بقاءه على ولايته فليع ذلك القارئ.
[ (1/19)
صفحة 20
14] القول الراجح الذي ذكره الشيخ وهو الذي تدل عليه النصوص كما ذكر الشيخ أحمد بن حمد الخليلي في سياق محاضرته، وهذا القول الذي يرجحه الشيخ نور الدين السالمي في العقد الثمين الجزء الثاني ص، مكتبة الضامري، والقول مذكور في كتاب النكاح للجناوني والقطب في تفسيره لسورة التحريم، وكذلك شرح النيل الجزء السابع، وزارة التراث القومي والثقافة، والملاحظ من سياق كلامهم يميلوا إلى القول بكفارة اليمين.
[15] هو الإمام القطب الشيخ العلامة محمد بن يوسف بن عيسى بن صالح وينتهي نسبه لعمر بن حفص جد الأسرة الحفصية في "تونس" ولد في بني "يسقن" بالجزائر سنة 1236ه، الموافق 1820م لأب وأم ماجدين، وكان أجداده لأبيه وأمه من العلماء الفضلاء ذوي المنزلة والمكانة الرفيعة، فهو من أكبر المؤلفين في الميادين المختلفة، توفي يوم السبت الثالث والعشرين من ربيع الثاني سنة 1332هالموافق 1914م.
[16] القطب، شرح النيل، ج، ص، 190، ط1، التراث.
[17] انظر ترجمة ابن رشد في الجزء الأول من كتاب بداية المجتهد ونهاية المقتصد.
أما ذكر الأقوال في المسألة ففي الجزء الثاني من نفس المرجع صدار إحياء التراث العربي بيروت.
[18] القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، المجلد التاسع (17-18) ص-186.
[19]المائده الآية 89
[20] التحريم الآية 2
[21] بواقاً: شديداً ويراد به أيضاً الباطل والزور.
[22] - البقرة الآية(228)
[23] - البقرة الآية(228)
[24] ذكره الشيخ العلامة محمد بن الحواري على أنه أكثر القول / انظر جامع أبي الحواري ج، ط1، وزارة التراث، ص.
[ (1/20)
صفحة 21
25] ونص الحديث كما ذكره نور الدين السالمي في شرح المسند والحديث رواه الجماعة ولفظه عندهم عن ابن عباس قال: "بينما رجل واقف مع رسول الله r بعرفة إذ وقع عن راحلته فوقصته فذكر ذلك للنبي r فقال: اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه ولا تحنطوه ولا تخمروا رأسه فإن الله تعالى يبعثه ملبياً يوم القيامة" شرح المسند، ج، ص.
[26] انظر شرح النيل، ج، وزارة التراث ص .
([27] رواه الربيع بن حبيب في مسنده مرسلا بابا رقم 36 رقم الحديث219 بنصا: "بلغني أن رسول الله r جلس ذات يوم وفي مجلسه رجل يسمى محجناً فأقيمت الصلاة، قال: فقام رسول الله r فصلى فلما فرغ من صلاته نظر إلى محجن وهو في مجلسه، فقال له رسول الله r ما منعك أن تصلى مع الناس؟ ألست برجل مسلم؟ قال: بلى يا رسول الله ولكن قد صليت في أهلي، فقال رسول الله r "إذا جئت والناس يصلون فصل معهم وإن كنت قد صليت في أهلك".
[28] رواه الربيع بن حبيب في مسنده من طريق أنس بن مالك باب(36) حديث رقم217 بلفظ: "إذا ثوب للصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون وأتوها وعليكم السكينة والوقار، وما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا، فإن أحدكم في صلاة ما كان يعمد إلى الصلاة" والحديث أخرجه أحمد الشيخان من طريق أبي قتادة بلفظ "وما فاتكم فأتموا".
[29] رواه أحمد ومسلم وأبو داود.
[30] رواه الربيع بن حبيب في مسنده مرسلا الباب (32) الحديث رقم563 بلفظ بلغني أن رسول الله r أنه "نهى عن الاحتكار وعن سلف جر منفعة وعن بيع ما ليس عندك".
[31] وقد أثار القطب إلى المسألة في شرح النيل، ج، رقم (1) في باب التولية والإقالة، وأيضاً في صمن نفس الباب وكذلك في باب السلم.
[32] - الأحزاب الآية(36)
[33] متفق عليه ، أنظر الفتح الكبير للسيوطي ص119
[34] أخرجه مسلم عن أبي هريرة. (1/21)