صفحة 1
الكتاب: الشّيخ بيّوض والعمل السّياسي
المؤلف: محمد بن قاسم ناصر بوحجام
دار النشر: جمعيّة التّراث
البلد: الجزائر
سنة النشر: 1437هـ / 2016م
الطبعة: الثانيّة
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الخامس (1230 عنوان): ربيع الثاني 1438هـ / جانفي (يناير) 2017م (قرص مضغوط) الدّكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام
الشّيخ بيّوض والعمل السّياسي
طبعة ثانيّة مزيدة ومنقّحة
نشر جمعيّة التّراث
القرارة، ولاية غرداية، الجزائر (1/1)
صفحة 2
الشّيخ بيّوض والعمل السّياسي
الطّبعة الثّانيّة مزيدة ومنقّحة
1437هـ/ 2016م
الدّكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام
رقم الإيداع القانوني:
ردمك:
نشر جمعيّة التّراث، القرارة، ولاية غرداية، الجزائر
بسْمِ الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
قال تعالى: {وَالذينَ جاهَدُوا فينَا لَنَهدِيَّنَهُم سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ المُحْسِنينَ} (سورة العنكبوت/ 69) (1/2)
صفحة 3
سيّدي الشّيخ، ثلاثين عامَا، أي وربّي، ثلاثين عامَا، كاملة غير منقوصة، قضيتها في مكافحة الاستعمار الغاشم في عقر داره، وأنا بين مخالبه وأنيابه، أقاوم جبروت أفظع حكم عرفه تاريخ الإنسان، وأنا تحت سلطانه، وبين ماضغيه، ما رميتُه بسهم من بلد قصيٍّ، ولا قاتلتُه في قرية محصّنة أو من وراء جدر .. أقمت بين ظهرانَيْ أمّتي، أبعث فيها الحياة، وأشيع فيها النّور، وادفع بها دفعًا نحو المثل العليا وأذود عنها الأعداء، وأدفع عنها العوادي، وأضع الحجب، وأخوك الأستار، لأخفي حركتها عن الأنظار، حتّى إذا نَمَتْ أو وشى لسانٌ، لجأت إلى التّأويل، وانتحلت الأعذار، وأرخيت الشّعرة، وداورتُ العاصفة وداريتُها، ثمّ أمضي قُدمًا في سبيلي، لا أعرف توقّفًا ولا سكوتًا. كذا كنتُ طوال هذه المدّة، حتّى رأيتُ من الأثر ما رأيتُ، وما أقلّه! وشهدتُ له وباركته ... الشّيخ إبراهيم بن عمر بيّوض
يوم: 24 من سبتمبر 1948م
مجلّة الحياة، عدد: 18، رمضان 1435هـ/ 2014م، ص: 207، 208.
- ... قال الحاكم الفرنسي العام لمنطقة غرداية سنة 1950 عن الوضعيّة السّياسيّة بالمنطقة: (إنَّ الوضعيّة السّياسية قلقة مضطربة بتأثير الحركة الوطنيّة الإصلاحيّة التي يتزعمها الشّيخ بيّوض).
التّقرير الولائي لمجاهدي غرداية سنة 1986، ص: 57.
- إنَّ الشّيخ بيّوض إبراهيم قد وضع نفسه رهن إشارة جبهة التّحرير طوال الحرب التّحريريّة.
السّيّد ابن يوسف بن خدّة. ... الجزائر: يوم 09 مارس 1987.
- إنَّ الفضل يعود إلى الشّيخ بيّوض في إنقاذ وَحدةَ التُّراب الوطني، وبقاء الصّحراء بكلّ خيراتها جزائريّة، وبدونه كان يمكن أن تستمرّ الثّورة (1/3)
صفحة 4
التّحريريّة عقدا آخر. ومرّة أخرى أقول: إنَّ دور غرداية (المنطقة) هو الذي كان حاسما في الموضوع، وغرداية تعني الشّيخ بيّوض.
السّيّد عبد الله بن طوبال. ... الجزائر: يوم 01 مارس 1990.
الجواب: إنّنا لم نطلب قطُّ من الشّيخ بيّوض مغادرة الجزائر، وهو الذي قرّر البقاء، وكان ذلك لصالحنا، فوجوده معنا في تونس لن يمثِّل إلَّا صوتًا واحدًا، وفي ميزاب يمثِّل آلاف الأصوات، إنَّ الميزابيّين كانوا منظّمين دائمًا، وكانوا يطيعون شيوخهم الرّوحيّين، وكانوا دائمًا إلى جانب جبهة التّحرير الوطني، ولم تحاكم جبهة التّحرير قطُّ ميزابيًّا واحدًا على الخيانة والإجرام، إنّني أعرفهم منذ كنت على رأس الولاية الثّانية بقسنطينة، كانوا يقومون بواجبهم دائمًا نحو الثّورة، ينتقد البعض عليهم عدم تركهم تدخُّل غيرهم في هياكلهم التّنظيمية، وعدم خضوعهم للرّقابة، لقد كانت الثّقة والسّريّة هما المبدأ القاعدي للعمل عندهم، وقد امتحناهم في الأوقات العسيرة، وأنا شخصيًّا لم أر أي اعتراض ما داموا ليسوا إلى جانب فرنسا، وكانت ثقتنا فيهم كاملة. عندما نحتاج إلى مبلغٍ ماليٍّ ضخمٍ؛ ثلاثين أو خمسين مليون فرنك مثلا، يكفي أنْ نتّصل بمسؤولهم الذي نعرفه، فيحضر المبلغ في ا لوقت المحدود وبدون مناقشة. كثيرون مثلا يجهلون أنَّ نساءً ميزابيات ناضلن في صفوف الفدائيّين، وأحيانا بدون علم أوليائهم، فأنا شخصيًّا أعرف ثلاثا منهنّ كنّ يعملن في صفوفنا بقسنطينة، وإحداهنّ ماتت تحت التّعذيب دون أن تقرّ باسم أحد.
- أيُّ مجاهد أو فدائي في أي ناحيّة يتقدّم إلى دكّان ميزابي مستظهرا بكلمة سر خاصّة، يتلقّى على الفور كلّ المساعدات الممكنة المطلوبة.
المناضل رباح الأخضر
جريدة الشّعب، عدد 7327، يوم 18 ماي 1987.
- ليس إبراهيم بيّوض شخصيّة ميزابيّة كبيرة، وشخصيّة مهمّة في الحياة السّياسيّة والثّقافية للجزائر المعاصرة وحسب، بل هو أيضا وخاصّة الشّيخ الإباضي، وبالتّالي أحد موجّهي تحديث المجتمع الجزائري الذي من المُلِحِّ تعميقه والاضطلاع بمسؤوليّته.
د. عبد القادر جغلول ... الاستعمار والصّراعات الثّقافيّة في الجزائر، (1/4)
صفحة 5
ص: 52.
التقيت معه (أي الشّيخ بيّوض) مع بعض إخواننا في محراب الحقّ والوطنيّة. نعم لا أستغرب أبدا موقف الشّيخ بيّوض يوم رفع عقيرته في وجه الطّغيان الفرنسي قبل الثّورة وأثناء الثّورة، وذلك أنّه ما فتئ يصدر عن تعاليم الإسلام السّمحة التي لا تساوم على الحقّ، وعلى المبادئ أبدًا ..
محمد العربي دماغ العتروس
في رحاب القرآن (مهرجان ختم تفسير القرآن الكريم، وتأبين الشّيخ بيوض)، ص: 132
« Sur le plan politique, les Mozabites se trouvent divisés en deux groupes: Les Réformistes et les Conservateurs. ( ... ) Ils ont cependant déterminé leur position en publiant un communiqué émanant de la Djemaâ mozabite d’Alger et portant les signatures du Cheikh Bayoud et Hadjout Brahim, communiqué dans lequel ils ont affirmé faire partie intégrante du peuple algérien et s’élever contre les ennemis de la cause algérienne »
S.D.R.G. La communauté musulmane, Alger, Vol. X, janvier 1959, 28 p. Rapport annuel dactylographie.
مقدّمة
إنَّ الحرب الصّليبيّة التي شُنّت على الجزائر، والهجمة الشّرسة التي تعرّضت لها مقوّمات شخصيّتنا الإسلاميّة، وحرب الإبادة التي استهدفت الأمّة الجزائريّة لإنهاء وجودها. هذه الحرب التي استعملت فيها كلّ الوسائل التي تمكّن منها المستعمر الصّليبي الغاشم، لم تتعرّض لها دولة إسلاميّة في العصر الحديث.
لقد عاشت الجزائر وضعا متميِّزا في كيفيّة استعمارها، إذ كان (1/5)
صفحة 6
المحتلّ يحكمها حكما مباشرا وهو ما أتاح له الهيمنة والسّيطرة الكليّة عليها. يذكر الدّكتور أبو القاسم سعد الله أنّه كان لتونس كيان سياسي محلي تحت الاستعمار الفرنسي، وكان لمصر الكيان نفسه تحت الاحتلال الإنجليزي، فإنَّ "الحال لم تكن كذلك في الجزائر، ففرنسا كانت تحكم حكما مباشرا، وهي لا تحكم باسم الدّين الإسلامي، ولذلك جرَّدت الدّين من محتوى الدّولة، وصيَّرته تعبّديا فقط" (1) وكان نتيجة ذلك أن نالت الأيّمم والسّنون من مقوّمات الشّعب، وحقّقت هذه السّياسة بعض النّجاح في تغيير وجه الجزائر الإسلامي، هذه الوضعيّة حتّمتْ على العلماء الجزائريّين أن لا يكتفوا بالجانب التّعبدي في إصلاحها، بل " كان عليهم أن يصلحوا الجانب التّعبّدي والجانب السّياسي أيضا، وهذا ما جعلهم يصطدمون بالإدارة الفرنسيّة لأوّل وهلة، كما صيّرهم في نظر البعض لا يختلفون عن حزب سياسي يتدخّل في كلّ القضايا التي تهمّ الشّعب الجزائري (2)
فكان لابدّ من التّجنيد الكامل، والتّعبئة العامّة لصدّ الهجمات، وإفشال المخطّطات، وإيقاف المؤامرات التي تستهدف الأمّة الجزائريّة المسلمة، وكان منطق هذا التّحرّك بناء قاعدة متينة يبتدئ منها عمل المستقبل، وإعادة بناء الكيان المهتري، وكان القائمون على هذا العمل وهذا البناء العلماءَ المصلحين الذين يعون المعنى الحقيقي للإصلاح، وهو العمل الشَامل لكلَ الجوانب، بما في ذلك السّياسة التي هي في الإسلام الدّين والدّولة.
نحن حين نعرض أعمال المصلحين ونشاطهم نجده فعلا شاملا لكلّ الميادين والمجالات تقريبا، كما أنَّه كان منصبًّا أساسا على أمور جوهريّة، تساعد على تغطية الميادين المطلوبة، وهي:
1 ـ الحرص على بناء الإنسان المسلّح بالإيمان الصّحيح؛ بتركيز العقيدة الإسلاميّة في النّفوس، وتقديم الإسلام الحقيقي لها، والسّعي الحقيقي للقضاء على البدع والخرافات، ومحاربة الآفات الاجتماعيّة.
2 ــ العمل على بناء الشّخصية الإسلاميّة؛ بالاهتمام بالتّعليم العربي والتّكوين الشامل، ونشر اللّغة العربيّة، والعناية بالتّاريخ الإسلامي، والحرص على الارتباط بالماضي للمحافظة على الهويّة الإسلاميّة
__________
(1) - الدّكتور أبو القاسم سعد الله، الحركة الوطنيّة الجزائريّة (1930 - 1945)، ج3، ط3، المؤسّسة الوطنيّة للكتاب (الجزائر) سنة 1986، ص: 86.
(2) - المصدر نفسه، ص: 87. (1/6)
صفحة 7
والانتماء العربي.
3 ــ نشر الوعي السّياسي، وتنمية الحسّ الوطني؛ وذلك بالدّعوة إلى الوَحدة الوطنيّة، ونبذ التّفرقة، وإصلاح ذات البين، وتعبئة الجماهير للوقوف أمام المؤامرات الاستعماريّة، وتدريبها على فهم لغة المستعمر، ووعي حقيقة نواياه، وتمرينها على تحدّي الاستعمار، واستغلال المناسبات الدّينيّة والوطنيّة والاجتماعيّة للقيام بأيّ عمل، يسهم في تجسيد كلّ ذلك في أعمال تتمّ في الميدان، رغم ادّعاء العلماء عدم خوضهم في السّياسة تمويها وتضليلا للرّأي العام الاستعماري (1)
4 ـ المشاركة بالآراء في القضايا الحسّاسة التي شغلت، أو تشغل السّاحة السّياسيّة في الجزائر، والتي تحدّد مستقبل البلاد السّياسي والدّيني، كقضايا المرابطيّة، والتّجنيس، والاندماج، والتّمثيل النّيابي، والقوانين الاستثنائيّة، والاحتفال الفرنسي بالاحتلال المئوي، وغيرها ... (2)
5 ـ تطوير أساليب العمل والتّعليم، والدّعوة إلى الاستفادة من كلّ جديد ينزل إلى السّاحة –من دون أن يمسّ بثوابت الأمّة – لهدف امتلاك زمام الأمور تدريجيًّا للتّحرّر من السّيطرة الأجنبيّة.
هذه الأساسيّات التي ارتكز عليها عمل المصلحين، وهذه الاهتمامات التي شغلت أذهانهم هي رؤى إصلاحيّة ومواقف سياسيّة في آن واحد؛ لأنّها تعمل كلّها ضدّ ما يخطّط المستعمر، وتسعى إلى هدم كلّ ما يبنيه، لفرض سيطرته على الجزائر.
لتحقيق هذه الاهتمامات اتّبع المصلحون استراتيجيّة معيّنة ومنهجيّة خاصّة، تعين على هذا النّجاح السّياسي في نهاية المطاف، وهو كسب المعركة، وبعث الأمّة الجزائرية. إنّها استراتيجيّة تحضير الأجيال، وسياسة الاعتماد على الشّباب، وتكوين النّشء (3).
__________
(1) - جاء في النّظام الدّاخلي لنادي التّرقِّي: يمنع في النّادي الخمر والميسر وممارسة السّياسة.
(جاء في القانون الأساسي لجمعيّة العلماء المسلمين الجزائريّين، الفصل الثّالث: لا يسوغ لهذه الجمعيّة بأيّ حال من الأحوال أن تخوض أو تتدخّل في المسائل السّياسيّة). (ينظر أبو القاسم سعد الله، الحركة الوطنيّة الجزائريّة (1900 – 1930م)، ج2، ط2، معهد البحوث والدّراسات العربيّة، القاهرة، سنة 1977، ص: 481.
(2) - المرجع السّابق، ص: 499 وما بعدها.
(3) - ينظر الحركة الوطنيّة، ج3، ص: 96. عن إسهامات العلماء في الحركة الوطنيّة الجزائريّة، ينظر الجزء الثّاني من الكتاب نفسه، ص: 428 - 453. (1/7)
صفحة 8
من بين العلماء المصلحين الذين أسهموا في هذه الحركة بقسط وافر، وكوّنوا للجزائر أجيالا من الرّجال، اعتمد عليهم الوطن في نهضته واصلاحه؛ العلّامة الشّيخ إبراهيم بن عمر بيوض (1316 – 1401هـ/ 1899 – 1981م) – رحمه الله - رائد النّهضة الإصلاحيّة في الجنوب الجزائري، وأحد أعضاد ابن باديس في الجزائر، وواحد من المجاهدين السّياسيّين الذين عملوا في أكثر من ميدان، ورابطوا في أكثر من جبهة، ونشطوا في أكثر من واجهة ... وقد كان يعمل بدافع الإيمان العميق الثّابت، ويتحرّك بهدي من العمل الصّحيح الرّكين، ويجاهد بسلاح الكلمة الصّادقة المسؤولة على كلّ موقف يقفه ويتبنّاه، وعلى كلّ تحرّك يقوم به ... فكان بذلك من المسهمين في تحرير البلاد من ربقة الاستعمار، ومن الفاعلين في سبيل النّهوض بالجزائر، إلى حيث التّقدّم والازدهار ...
نحاول في الصفحات الآتية وضع معالم في هذه المسيرة النّضالية، وهذا العمل الوطني. ينطلق هذا العرض من توضيح طبيعة النّشاط الذي كان يمارسه الشّيخ إبراهيم بيّوض – رحمه الله - والأهداف التي رسمها لنفسه في تحرّكه (وهي نصرة الإسلام، وتحرير الوطن، والنّهوض بالأمّة من كبواتها المتتالية ... بخوض معترك السّياسة؛ بحكمة ودراية ووعي وتخطيط. ونظر عميق دقيق، ورؤى ثاقبة شاملة، وخطوات ثابتة راسخة، ووسائل متناسبة مع ضراوة المعركة التي يشنّها العدوّ بكلّ أشكالها وألوانها ... ) هذا العمل حدّدته قواعد أساسيّة، ارتكز عليها الشّيخ بيوض في إصلاحه الشّامل، وجهاده المتواصل ...
بعد هذه التّوطئة، عمدنا إلى مسايرة الشّيخ بيوض في جهاده، متتبّعين تطوّر عمله السّياسي، ابتداء من مهد تكوّنه وتتلمذه، مسجّلين اهتماماته وانشغالاته نظريًّا، وانتهاء بالميادين التي كان يشغلها عمليًّا، لنؤكّد على أنَّ عمله كان إسلاميًّا منهجًا وهدفًا، لا فصل فيه بين الدّين والدّنيا أبدا. وهذه هي السّياسة الحقيقيّة ..
لقد مزجنا بين تصريحاته وما قام به من أعمال، من دون اللّجوء إلى عمليّة الرّصد لكلّ ما قدّم، إنّما عمدنا إلى الانتقاء والتّمثيل ببعض أعماله البارزة، ومواقفه المتميّزة لتقديم فكرة - ولو مصغّرة - عن هذا الجهاد الذي لم يُعطَ حقُّه من العناية وهذا المجهود الذي لم يقدر حق قدره. من دون تجاهل جهود من عمل واجتهد مخلصًا في إبراز جهاد الشّيخ (1/8)
صفحة 9
بيّوض .. إلاّ أنّ العمل السّياسي في حاجة – حسب نظري – إلى مزيد من البحث والدّراسة والتّحليل والتّقويم .. حتّى ما قمنا به نحن في هذه الدّراسة المتواضعة، تبدو لي ناقصة قاصرة عن إيفاء الموضوع حقّه، فهو قليل في حقّ من صبر وصابر ورابط في الثّغور، وضحّى بحياته من أجل تعيش الجزائر سياسيًّا في أحسن الظّروف والأحوال، وتتمتّع باستقلالها وخيراتها ومقدرّاتها .. ؛ بعيدًا عن كلّ مؤامرة ومناورة ومساومة وابتزار ..
لمزيد من الاطّلاع على عمل الشّيخ إبراهيم بيّوض السّياسي بعامّة، والثّوري بخاصّة، ينظر على المثال لا الحصر الدّراسات الآتيّة: الشّيخ بيّوض، كتاب: أعمالي في الثّورة. حمو بن محمد عيسى النّوري، كتابه: دور الميزابيّين في تاريخ الجزائر قديمًا وحديثًا. محمد بن صالح ناصر وكتابيه: الشّيخ بيّوض مصلحًا وزعيمًا، ومشائخي كما عرفتهم. محمد بن سليمان ابو العلا، كتابيه: صفحات من الكفاح لمجاهدي القرارة في الثّورة التّحريريّة. محمد بن قاسم ناصر بوحجام، كتابه: الشّيخ بيّوض وقضيّة فصل الصّحراء عن الشّمال .. بكير بن سعيد أعوشت، كتابه: الإمام إبراهيم بيّوض وجهاده الإسلامي في الجزائر. وكتاب الملتقى الأوّل لفكر الإمام الشّيخ إبراهيم بيّوض .. وما كتبه محمد علي دبّوز في كتابه أعلام الإصلاح في الجزائر .. ودراسة الدّكتور صالح، ابن دريسو، الشّيخ إبراهيم بيّوض في قلب الثّورة Cheikh B. Bayoud Au coeur de la revolution و " الميزابيّون والكفاح الوطني، في كتاب إبراهيم بن باب بوعروة الشّيخ بابا ثامر" للشّيخ حمو بن عمر فخّار ... وغيرها من الدّراسات الكثيرة في موضوع: عمل الشّيخ بيّوض السّياسي ..
في سبيل الوصول إلى هذه الغاية سمحنا لأنفسنا بإيراد نصوص كثيرة، قد تتّسم بالطّول أحيانا، ما قد يشعر القارئ معها بالإرهاق. عمدنا إلى ذلك قصدا ليكون لنا الدّليلَ القويّ، والشّاهد الصّادق على ما نقول، لأنَّ أقوالنا ستنطلق – في هذا السّياق - من تصريحات الشّيخ إبراهيم بيوض نفسه، وتعتمد على شهادات مَنْ عاصروه، وتتقوَّى بأقوال من أرّخ للفترة التي عاش فيها الشّيخ وعاشها غيره من المصلحين، وهم أهل المعرفة والتّخصص في مجال التّاريخ، ولهم من رصيد النّشاط والتّجربة ما يعينهم على الوقوف على حقيقة الإخلاص والوطنيّة في تحرّكات الشّيخ بيوض.
من جهة أخرى جمعنا بين الإطالة في بعض النّقط والاختصار عند (1/9)
صفحة 10
أخرى، يدرك هذا ودوافعه القارئ المتأنّي، وعمدنا إلى الإكثار من الإحالات والتّعليقات في الهوامش، للإفادة القارئ بالمعلومات المهمّة المساعدة على فهم بعض الحقائق، ولإرشاده إلى مظانّ وجود تلم المعلومات ...
في هذه الطّبعة الثّانيّة إضافات وإفادات جديدة، وفيها تحليلات وتصويبات، تفيد في تحليل شخصيّة الشّيخ بيّوض السّياسيّة؛ بما تكشف عنه من وجوه العبقريّة في الممارسة السياسيّة التي كانت قواعد للعمل المخطّط الممنهج الواعي ..
اخترت لهذا الكتاب عنوان " العمل السّياسي " لإبراز جهود الإمام الشّيخ إبراهيم بيّوض من اجل وطنه الجزائر؛ لأنّ كلمة " عمل " – في نظري – تعكس الصّفة الشّموليّة لما قام به الشّيخ بيّوض، فإلى جانب كونها تحمل دلالة عميقة للنّشاط، فهي تتضمّن كلّ الوسائل والسّبل والأدوات التي استعملها الشّيخ في جهاده ونضاله وتشاطه المتعدّد الوجه، المتنوّع الأشكال، المتطوّر في فعاليّته .. ؛ قولاً وفعلاً، سرًّا وجهرًا، بارزًا وخفيًّا، مُدرَكًا وغير واضح .. وفي هذا التّنوّع الكبير تكمن الشّموليّة، وفي هذا التّشكّل المتعدّد تظهر العبقريّة، وفي هذا التّجديد في النّشاط، المتناسب مع تطوّر الأحداث وسيرورة الثّورة تتجلّى الكفاية والدّراية، وفي التّصرّف الذّكيّ في متابعة أطوار ما يجري في السّاحة، وحسن تسييرها تتراءى الحكمة والحنكة ...
عرض هذا النّشاط، والتّعريف بهذا الجهاد، تحت عنوان" العمل السّياسي " هو الأنسب لبلوغ الهدف من تقديم صورة معبّرة عن نضال الشّيخ بيّوض الوطني الكبير. هو سمّى مذكّرته التي قدّمت خلاصة مقتضبة عن نضاله " أعمالي في الثّورة ".نرجو أن يكون العموان الذي اخترناه لهذه الدّراسة المتواضعة مناسبًا، ومفيدًا للقارئ؛ كي يدرك بعضًا من نشاط الشّيخ بيّوض السذياسي (الدّيني والوطني) ...
الكلمات المفاتيح في هذه الدّراسة، هي: (العمل، البناء، السّياسة، النّهضة، الإصلاح، الوطن، الوطنيّة،
نرجو أن يقدّم هذا العمل المتواضع بعض ما كنّا نأمل منه، وهو مساعدة الباحثين عن الحقيقة على الاهتداء إلى معالم عمل الشّيخ السياسي، لينطلقوا منها إلى الكشف عنه، لتصحيح الكثير من المفهومات الخاطئة (1/10)
صفحة 11
والتأويلات الباطلة، ومنها يتمّ وتحصل القناعة على إنصاف الرّجل المجاهد المناضل المضحّي من أجل دينه ووطنه وأمتّه .. والله وليّ التّوفيق.
الجزائر يوم الأربعاء.: 25 ... من ذي القعدة 1436هـ
09 ... من سبتمبر ... 2015م
محمد بن قاسم ناصر بوحجام
مرتكزات الشّيخ بيّوض في عمله السّياسي
كان الشّيخ بيّوض - كغيره من المصلحين - يؤمن بأنَّ الإصلاح يجب أن يكون شاملا، والعمل ينبغي أن يكون عاما، والتّحرّك يجب أن يكون ماسًّا لكلّ الميادين؛ لأنَّ السّياسة هي الدّين والدّنيا معًا، يقول الشّيخ: "إخواني الفضلاء: لم يكن عملي خاصًّا بميدان العلم، ولكن يتناول جميع نواحي الأمّة، وظيفتي غسل العار عن الأمّة، وتطهيرها من أدناسها، بشباب صالح مثقّف بالثّقافة الصّحيحة، أكفاء لكلّ ما يسند إليهم ... إنّنا نجدُّ ونعمل حتّى نصل الغاية، وهي قريبة أمامنا، وإنّنا لابدّ واصلون بحول الله ... " (1)
بهذه النّظرة كان عليه أن يطرق كلّ باب، ويؤمّ كلّ مجلس، ويدخل كلّ ميدان، يساعده على تعميم الإصلاح، وخدمة أمّته، والمدافعة عن حقوقها،
__________
(1) - محمد علي دبوز، أعلام الإصلاح في الجزائر (1921 - 1957)، ج4، ط1، مطبعة البعث، قسنطينة (الجزائر)، سنة 1980، ص: 106. (1/11)
صفحة 12
وجلب المنفعة إليها بكلِّ الوسائل المشروعة: "ونحن واثقون بالنّجاح والنّصر النّهائي، نصلح كلّ مجلس، وندخل في كلّ محكمة، ونتبوّأَ كلّ منصب، ونقضي على كلّ فساد، فَيَعمُّ الإصلاح جميع الهيئات والمؤسّسات، عهود قطعناها على أنفسنا، وسنحقّقها في القريب بإذن الله، لا يصدُّنا عن غايتنا المتمسِّكون بمناصبهم، والمشرفون عليها ... " (1)
هذه السّياسة هي الكفيلة بالوقوف في وجه أعداء الإصلاح، وتفويت فرص إجهاض النّهضة عليهم: " ... ولولا السّعي في طرق عدّة، في الدّفاع وجلب المنافع، لوجد أعداء الإصلاح والأمّة فرصهم للقضاء علينا ... " (2)
من خلال هذه التّصريحات يكشف الشّيخ بيّوض عن طبيعة عمله الإصلاحي، ويعلن عن خطّته في النّهوض بالأمّة؛ التي هي الإصلاح الشّامل والاعتماد على الشّباب المثقّف، واستعمال كلّ الوسائل المتاحة، واستغلال كلّ الفرص السّانحة، وطرق كلّ الأبواب، والتّحلِّي بطول النّفس، لأنَّ العمل شاقٌّ والطّريق طويلة، والظّفر بتحقيق المؤمَّل والمنشود من الغايات عزيز المنال، ودون الوصول إلى الأهداف خرطُ القتاد، وتقطّع الأعناق ... إنّ الشّيخ بيّوض – من هذا المنظور وبهذه المعطيات- يقدّم النّموذج الأمثل للجهاد الإسلامي والعمل السّياسي والنّضال الوطني.
في سيل السّير في عمله الوطني قُدُمًا إلى الأمام، اعتمد على قواعد أساسيّة، كانت المرتكزات التي ارتكز عليها في تحرّكه السّياسي، وهي كالآتي:
أوّلا: الاهتمام بالشّباب إعدادا وتوجيها:
إنَّ الشّباب هم عمدة الأمّة في نشاطها وهم مستقبلها، فبدونهم لا تكون الأمّة، فوجب الاعتناء بهم؛ قاعدةً أولى في العمل الوطني، لهذا فتح لهم الشّيخ بيّوض قلبه، فاحتواهم بحبّه وإخلاصه، وهيَّأ لهم المدارس والنّوادي، فشملهم بعطفه ورعايته، وبنى لهم المساجد، وكوّن لهم الجمعيّات. فمنحهم توجيهاته ونصائحه.
أعطى لهم كلّ وقته وجهده، فأعدَّهم بذلك لتحمّل المسؤوليّة، ثمّ قال لهم: "أيّها الشّباب المتعلّمون! إنَّ الدّولة دولتكم، وإنَّ الدّور دوركم، وإنَّ
__________
(1) - المصدر نفسه.
(2) - المصدر السّابق، ص: 109. (1/12)
صفحة 13
اليوم لكم، فبيدكم مقاليد المستقبل، وأنتم الأقدر على تحويل اتّجاه الأمّة إلى حيث تريدون، إنّكم الأئمّة، والأمّة لكم تبع، بل إنّكم أنتم الأمّة، لو عرفتم أقدراكم." (1)
إنَّ الشباب الذي يتمكَّن من تحمُّل المسؤوليّة، ويَكُونَ الأمّةَ –كما يرغب الشّيخ - يجب أن يكون قويًّا في تكوُّنِه، عارفًا – أوَّلا - بما ينتظره من العمل، وما يريده منه مجتمعه، عالما بحقيقة ما يجري في محيطه، ليتحرّك على أساس من كلِّ ذلك، فيغيّر ما يحتاج إلى تغيير، ويدعم ما هو صالح للبقاء، ويوفّر ما هو مفقود. كما بنبغي أن يكون لهذا الشّاب حسٌّ مرهف، وضمير يقظ، وذكاء يساعده على النّفاذ إلى أسرار الحوادث؛ ليتمكَّن من انتشال أمّته من الضّياع والتّذبذب والحيرة، وتوجيهها الوجهة الصالحة. يقول الشّيخ بيّوض: " فهل أدركتم الآن ما بنا من حاجة شديدة إلى قادة أكفاء، ذوي عقول راجحة، وأفكار واقعيّة لا خياليّة، لهم بصر بالعواقب ونفاذ إلى أسرار الحوادث، ينقذون الأمّة في محنتها، ويهدونها السّبيل، ويوجّهونها الوجهة الصّالحة، فإنّها اليوم في مفترق الطّرق، مشتبهة الأعلام، لا صوى فيها ولا منارات ... " (2)
كما أنّ الشّباب الذي يتحدّث عنه الشّيخ وينشده، هو الذي يتمتّع بقوّة التّأثير في محيطه، وفي المركز الذي يكون فيه، وهو الذي ينير الزّاوية التي يوجد فيها. هذه الميزة هي الحلقة الثّانية من حلقات الإعداد والتّكوين، التي تبنَّاها الشّيخ بعد الخطوة الأولى.
إنَّ قوة التّأثير تعتمد على الثِّقة وحسن التّقدير، اللّذين يجب أن يحرص المُوجِّه على انتزاعهما من المُوجَّهِين إذا أراد الظَّفر بما يريد: " وأريد من كلِّ واحد منكم أن يكون ذا مكانة عند قومه، وذا مقام في المركز الذي يعمل فيه، ويتمتَّع بثقة تامَّة لدى معارفه ومعاشريه وجمهور النّاس؛ حتى يستطيع أنْ يؤثِّر فيهم، ويوجِّههم الوجهة التي يريد، وإنْ لم يفهموا حقيقة ما يريد ما يدعو إليه، فإنَّ الدَّاعي لا يعتمد أبدًا على الإقناع بالحجَّة والبرهان في كلّ وقت، إنّما يعتمد أكثر ما يعتمد على الثّقة. والثّقة والحجّة هما الدّعامتان القويَّتان لقيادة الأمَّة، فإذا حصلتم على هذا مع ما بينكم من
__________
(1) - محمد على دبّوز، نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، ج3، ط1، المطبعة العربيّة (الجزائر) 1969، ص: 205.
(2) - المصدر السّابق، ص: 205،204. (1/13)
صفحة 14
الرّوابط والصّلات أمكننا أنْ نقول: إنّنا قد أنشأنا أمّةً، لا جيلًا." (1)
لكنَّ هذا لا يعني الجريَ وراء المسؤوليّات والمناصب لأجل السِّيادة فقط. فالشّباب كثيرا ما يغترُّون بقوَّتهم، وكثيرا ما يسيئون فهم ما يقال لهم، ولا يفقهون معنى التّوجيهات التي تقدّم لهم، ولا يعِون مدلولاتها، لهذا يوجِّه لهم الشّيخ بيّوض تحذيرا بعدم الوقوع في هذا الخطإ الذي لا يغتفر. ومن جهة أخرى ينبّهُهُم إلى عدم السّقوط في فخٍّ آخر، وهو التّخلِّي عن المسؤوليّة ودفعها لسبب أو لآخر: " لا تكن غايتكم أنْ تسودوا ولا أنْ تتصدَّروا، وإنَّما عليكم أنْ تعملوا الخير لأنَّه خير وكفى، فإذا حملتم على صدارة أو رئاسة أو سيادة فلا تدفعوها فرارًا من المسؤوليّة، إن استشعرتم الكفاءة، بل أقدموا غير هيّابين ولا وكلين." (2)
بل حين تتولَّونَ المسؤولية – أو لم تتولَّوها – كونوا أقويّاء صناديد، تمثِّلون قوَّة الإسلام، وتجسِّدون روحه، حتَّى لا تُسيئوا إليه، فالإسلامُ قويٌّ والمؤمنون أقويّاء، فكونوا كذلك. فالشّيخ يريد من الشَّباب احتلال المواقع، حتَّى لا يتزاحم عليها من يسيء إلى الأمَّة.
كأنِّي به يرغب من أبنائه أنْ يُفهِموا الاستعمار وأعداء الإسلام ويقولوا له: نحن أقويّاء وأشدّاء؛ رغم كلّ ما تقومون به نحونا، فنحن ما نزال نقف على أقدمنا؛ رغم محاولاتكم طرحنا على الأرض بتصرّفاتكم، ونحن ما نزال ننبض حيويّةً ونتّقِد حماسة؛ رغم إصراركم على قهرنا، ونحن ما نزال أحياء؛ رغم محاولاتكم إماتتنا وإفناءنا: " كونوا شجعانا ذوي جسارة ومهابة ... رأى عمر بن الخطّاب - رضي الله عنه - طائفة من القرَّاء فاشلين فاترين، فقال لهم: لا تميتوا علينا ديننا، أماتكم الله! حتى عائشة الحميراء زوج الرّسول - صلى الله عليه وسلم - رأت أناسًا في الطَّريق يمشون الهوينا؛ مشية الفتور والكسل، فسألت عنهم، فقيل لها: هم القرَّاء، فقالت - تنكر عليهم الخمول والضّعف -: لقد كان عمر قارئا، وكان إذا مشى أسرع، وإذا قال أسمع، وإذا ضرب أوجع ... " (3)
إنَّ قوة المؤمن الوطني تتمثَّل - أيضا - في يقظته وتفتُّح حواسه على المحيط؛ لملاحظة ما يجري فيه، فيقوم بما يجب عمله، و معالجته
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 207، 208.
(2) - المصدر السّابق، ص: 207.
(3) - أعلام الإصلاح في الجزائر، ج4، ص: 102، 103. (1/14)
صفحة 15
بما يليق ويناسب؛ لأنَّ الأخطار محدقة من كلّ جانب، وفي كلِّ مكان ... " وإذا كنتم تسيرون انظروا إلى جميع الجهات، غضُّوا الأبصار عن العورات وافتحوها على كلِّ شيء، سيروا في الطَّريق بِتَنَبُّهٍ قويٍّ، كلُّكم أعينٌ ترى، وآذانٌ تسمع، هؤلاء رجال الدّين والدّنيا. " (1)
إنَّ الشِّيخ بيّوض حين يرسل هذا التَّوجيه سنة 1948، يكشف من خلال هذه التّعبئة العامّة وهذا الاستنفار العام عن العداء المستحكم الذي يعانيه الإصلاح، والاضطهاد الذي تقاسي منه الحركة الوطنيّة، والهجوم الذي يتعرَّض له العلماء المصلحون، الذين هم رجال السّياسة في نظر المستعمر، لهذا كانت الرّقابة عليهم مشدّدة، والمضايقات مكثّفة. قال الدّكتور أبو القاسم سعد الله: " ... وقد خضع العلماء أثناء الثّلاثينات والأربعينات إلى نفس المعاملة التي خضع لها السّياسيّون من جانب الإدارة الفرنسيّة، التي اعتبرتهم خطرًا على الوجود الفرنسي، كما اعتبرت أولئك، وزجَّت بهم في السُّجون، ووجَّهت إليهم مختلف الاتّهامات، وحكمت عليهم أحكاما قاسية." (2)
من تمام المسؤوليَّة التي يجب أن يتحمّلها الشّباب انتزاعُ قيادة الأمّة والوطن من أيدي الجاهلين، الذين يعرقلون النّهضة والإصلاح، ويقفون حجر عثرة في طريق التّحرًّر الوطني؛ لأنهم يعملون دوما – قصدوا أم لم يقصدوا – على مساعدة العدوِّ في التّمادي في جبروته وظلمه، وإحكام القبضة على البلاد. فأخذُ الشّباب المثقّفِ زمامَ الأمور في الوطن، وانتزاعُها من الجهلة، ينقذ البلاد من الفساد السّياسي ويَدْعَمُ مسيرة الإصلاح. هذا ما يجب أن يعيه الشّباب ويقوم على تنفيذه: " أيّها الشّباب المثقّفون: لقد آن لكم أنْ تنتزعوا قيادة الأمّة من أيدي الجهلة الأميّين والطّلبة الجامدين، فكفانا ما جرَّت عليهم قيادتهم من بلايا ومحن؛ خمودٌ في الفكر، وجمودٌ في العمل، وأَفَنٌ في الرّأي، وجهلٌ مطبق بأساليب الحياة، لقد دفعوا بعربة الأمّة إلى الهاوية، فتداركوها وروح القدس معكم. " (3)
يكشف هذا النّصّ عن المعاناة التي كان يتعرّضُ لها المصلحون في جهادهم الوطني ومسيرتهم الإصلاحيّة، ويُبينُ عن العراقيل التي كانت
__________
(1) - المصدر نفسه.
(2) - الحركة الوطنيّة الجزائريّة، ج3، ص: 85.
(3) - نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، ج3، ص: 204. (1/15)
صفحة 16
في طريقهم؛ بسبب تولِّي الجهلة المسؤوليّة. قال الشّاعر:
لا يَصْلُحُ القَوْمُ فَوْضَى لا سَراةَ لَهُمْ ... وَلا سَرَاةَ إِذَا جُهَّالُهُمْ سَادُوا
وَالبَيْتُ لا يُبْتَنَى إلَّا لَهُ ... عُمُدٌ ... وَلَا عِمادَ إِذَا لَمْ تُرْسَ أَوْتَادُ
من جهة أخرى يشير الشّيخ بيوض إلى هؤلاء الشّباب أنَّ تحمُّل المسؤوليّة ليس بالأمر الهيِّن، وأنَّ النّجاح في الإصلاح والنّهضة يتطلَّبان طول النَّفَس والصّبر والمصابرة، والأناة والرّوية، ويحذِّرهم من اليأس والقنوط؛ لأنَّ الأعداء يوصلون النّاس إلى هذه النّتيجة، حين يشعرونهم بعدم جدوى مواصلة الجهاد، ويقنعونهم بأنَّ الأوضاع ستبقى على حالها، مهما تكن محاولاتهم .. فهو يخشى على الشّباب أنْ يدبَّ إليه داء اليأس – وهو يبني كلَّ مخططاته عليه – فيخسر الإصلاحُ كلَّ ما بناه: " كان النّاس يظنُّون أنَّ دولة الظّلم تدوم، وزمان الغشم لا ينقضي، ولكنّ الذين لا ييأسون من روح الله يوقنون أنَّ ذلك سحابة صيف، عن قريب تنقشع ... " (1). ويضرب لهم مثلا على صحّة القاعدة - وهي أنَّ عدم اليأس والقنوط يساعد الإنسان على تحقيق النّصر - بمسيرة الدّعوة الإسلاميّة، وكيف كان انطلاقها الأوّل متعثرًا، وما جنته بعد ذلك من نتائج حسنة مع مرور الزّمن، بفضل الثّبات أمام الأعاصير. إذن يجب مواصلة النّشاط لأنَّ العمل المستمرّ لابدّ أن يؤتي ثماره، والأنصار يتكاثرون بتوالي الأيّام وكرّ الشّهور: " ... سنَّة الله في خلقه، كثير من الصّحابة الكرام كانوا يوم بدر مشركين، حاربوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لو استطاعوا لقتلوه، ولمَّا فتحت مكّةُ، كانوا في جنب الرَّسول، يفدونه بأنفسهم. وهكذا دعوة الإصلاح والمصلحين، يكون صاحب الفكرة الإصلاحيّة وحده أوّل الأمر، ويكون أقرب النّاس إليه عدوًّا له، يناصبه العداء والحرب، ثمّ يصبح هؤلاء الأعداء إذا فهموا وشرح الله صدورهم للإصلاح أشدَّ النّاس تحمًّسًا للإصلاح ونصرة له ... " (2)
من خلال هذه التّوجيهات وهذه الملاحظات نكتشف التّعبئة العامّة، التي كان يقوم بها الشّيخ بيّوض في صفوف الشّباب، ونقف على حقيقة
__________
(1) - أعلام الإصلاح في الجزائر، ج4، ص: 77.
(2) - المصدر السّابق، ص: 95. (1/16)
صفحة 17
العمل الوطني الذي كان يتبنّاه في جهاده المرير الطّويل ضدّ الطُّغيان، ونعرف طبيعة البناء الذي كان يشيّده؛ ليواجه به مخطّطات المستعمر الدّخيل.
هذه هي اللّبنة الأولى التي وضعها الشّيخ بيّوض في صرح عمله الوطني وجهاده السّياسي، وهي إعداد الشّباب لتحمُّل المسؤوليّة في إنقاذ البلاد من براثن الاستعمار، وكان من أهمّ وسائله في هذا الإعداد التّعليم في المدارس، والتّكوين في الهياكل المكمِّلة لدور المدارس، كالنّوادي الأدبيّة، والمؤسّسات الثّقافيّة والتّربويّة المتعدّدة، والمناسبات الدّينيّة والوطنيّة والاجتماعيّة (1).
لقد كان من بين أهمّ اهتمامات الشّيخ بيّوض الأساسيّة تطوير أساليب التّعليم والتّربية؛ للإسراع في تكوين الشّباب بِما يؤهّلهم للمسؤوليّة الوطنيّة، وهو ما تبنّاه كلّ المصلحين في الجزائر. وقد وقف المستعمرون على المغازي الوطنيّة والسّياسيّة لهذا التّعليم فيما بعد، وعرفوا حقيقة ما يهدف إليه هذا الأسلوب في التّكوين. قال أبو القاسم سعد الله: " لاحظ المعاصرون الفرنسيّون أنَّ العلماء قد أدخلوا بيداغوجيّة وطنيّة جديدة في حملتهم التّعليميّة، وبناء على رأي (ديبارمي) فإنَّ ابن باديس قد استعمل هذه الطّريقة الجديدة في محاضراته في الجامع الأخضر لكي يُعِدَّ طلابه لمسؤوليّاتهم الوطنيّة، فقد علَّمهم ابن باديس المحفوظات العربيّة، والأناشيد الوطنيّة، وكان الطُّلاب يحفظون ذلك وينشدونه في المناسبات الاجتماعيّة والدّينيّة، مثيرين بذلك روح الوطنيّة والتّضامن الإسلامي والحريّة. " (2)
ثانيا: المرونة في التّحرّك السّياسي:
من بين القواعد التي طبّقها الشّيخ بيّوض في نضاله الوطني المرونةُ في التّحرّك السّياسي، وأسلوبُ المراوغة مع المستعمر لقضاء بعض المآرب وبلوغ بعض الأهداف الوطنيّة ..
إنَّ الظّروف لم تكن - أبدا - في صالح الوطنيّين من جميع الجوانب، فقد كانت العواصف السّياسيّة تعصف بالمجتمع الجزائري من كلّ النواحي، والحواجز كانت كثيرة في طريق العلماء المصلحين، وكانت الرّياح –
__________
(1) - لمزيد من التّفاصيل والتّوضيحات يراجع كتاب نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، ج3. في كثير من صفحاته ..
(2) - الحركة الوطنيّة الجزائريّة، ج2، ص: 446. (1/17)
صفحة 18
أحيانا- تهبُّ عليهم من داخل حصونهم وبيوتهم ... أمام كلّ هذه المعطيات والأوضاع كان - لابدّ - من سلوك طريق وتبنِّي منهج يُقوِّي في العلماء والعاملين ما كان ضعيفا فيهم، من قلّة الوسائل المادية، ويمنحهم القدرة على مواجهة هذه الأهوال، ويعينهم على العمل من دون وَأْدِ طموحهم وإحباط مشروعاتهم، فكانت سياسة المرونة في التَّحرّك السّياسي إحدى هذه الوسائل، وضمنها يمكن إدراج وسيلة الاتّصالات بمختلف الفئات والأنماط من البشر. الهدف من هذا الأسلوب كان صيانة الحركة الإصلاحيّة ممّا يسيء إليها؛ ليجد المصلحون الفرصة للعمل. قال الشّيخ بيّوض عن الذين قصرت مداركهم عن تقبّل هذا الأسلوب: " يعيبون علينا الاتّصال بالحكّام، والقيام عندهم بالمطالبة بحقوق الأمّة، والدّفاع عن الإصلاح والمصلحين، هذه الأعمال التي تقصر عنها همم منتقدينا الجامدين، وغاب عنهم أنّنا بهذه الوسائل وصلنا إلى ما وصلنا إليه، وتقدَّمنا إلى غايتنا مسافات شاسعة في وقت الحرب الضّروس العالميّة، التي امتنع فيها كلّ شيء، وأعلنت فيه القوانين العرفيّة، في وقت حوربنا فيه، وحورب الإصلاح من كلّ النّواحي وبكلّ سلاح ومن كلّ عدوّ ... ولولا هذه الاتّصالات لسدَّت أمامنا أبواب العمل، ولقيِّدنا ومُنِعنا من كلِّ حركة، ولرقدنا منذ زمن طويل؛ لأنَّ هؤلاء الأعداء يحاربوننا بسلاح الحكومة، فكانت ضدَّنا منذ زمن قديم ... " (1)
هذا المسلك كانت تسلكه جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريّين، كانت تغيّر في سيرها حسب الظُّروف والعوامل – من دون التّخلِّي عن مبادئها- وتتكيَّف مع الأوضاع في سبيل الوصول إلى أهدافها، التي مِنْ أسماها تحرير الوطن. وهي سياسة حكيمة ورشيدة؛ رغم ما يتفوَّه به بعض قليلي الإدراك، وناقصي التّجربة، ومرضى القلوب، ولم تُؤتَ الأمَّة إلَّا من الجاهلين بأساليب التَّسيير وضوابط التَّوجيه، وكم عرقل العاملين عدمُ تفهُّم الجاهلين نوايا المصلحين، بل نالهم من حسدهم وكيدهم أذى كبير. قال سعد الله: " كانت الجمعيّة في سيرها تمشي على حبل رقيق، فهي تأمل وتحتجُّ، تسخط على إدارة فرنسا في الجزائر وتثق في ديمقراطيّة فرنسا في أوروبا، وتطالب بالحريّة والاستقلال للجزائر، ولكن عن طريق فرنسا، وتثور على رجال الدّين الذين تستعملهم فرنسا وتدعو إلى وَحدة رجال الدّين، ولو كانوا
__________
(1) - أعلام الإصلاح في الجزائر، ج4، ص: 150، 151. (1/18)
صفحة 19
من المحافظين الموالين لفرنسا، وتحذِّر النُّوَّاب والنُّخبة من مغبَّة الاندماج، والمطالبة بالمساواة في الحقوق، وتستنجد بهم ضدَّ منع الإدارة صحفَها وعلماءَها ومساجدَها من ممارسة نشاطها ... ولعلَّ هذا (التّكتيك) هو الذي جعل الجمعيّة أحيانا محلَّ نقد ممّن لم يفهموا حقيقة خطَّتها ... " (1)
يقول د. صالح، ابن دريسو: " كان الشّيخ بيّوض من الشّخصيّات التي وضعتها الإدارة الفرنسيّة تحت مجهر الرّقابة، وذلك -كما أشرنا- منذ أوائل الثّلاثينيّات. (2) فجميع تحرّكاته كانت مد وّنة لدى المخابرات. 27 لكن هذه المرّة، وبحكم تجربته المريرة، وبفضل خبرته، وتقدّ مه في السّنّ، أخذ حذره ليضمن جوانبه من عيون السّلطات. وكان لا يُظهر على أسراره و أموره إلّا من اصطفى من تلاميذه وأقرانه، ولم يكن مخطئا في ذلك، خاصّة إذا علمنا أنّ معظم الخلايا التي كُشف أمرها وقضي عليها، كان بفعل الوشايات أو الاعترافات أو تصفية حسابات، كما تبيّنه التّقارير. وكان لا يتردّد، كلما دعت المصلحة، في مداهنة الإدارة الفرنسيّة بدافع الحيطة والتّقيّة، ولأجل التّموية والتّضليل ودفع الشّبهات. وذلك امتثالا لقوله تعالى {لا يَتَّخِذ المُومِنُونَ الكَافرِينَ أوْليَّاءَ مِنْ دونِ المُومنِينَ ومَنْ يفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ في شَيْءٍ إلّا أَنْ َتتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ويُحَذِّرُكُمْ اللهُ نَفْسَهُ وَإٍلَى اللهِ المَصٍيرُ}.) سورة آل عمران 28.). لكن، ورغم كلّ ما تحصّن به من الحيطة والحذر، كانت التّقارير تترصّده في معظم تحرّكاته بحكم مكانته وبفعل "سوابقه".
وسياسة الشّيخ بيّوض الثّورية أثناء حرب التّحرير، يلخّصها تقرير مخابراتي في غاية الأهميّة، في سنة 1957، فيما يلي: "
__________
(1) - الحركة الوطنيّة الجزائريّة، ج3، ص: 88، 89.
(2) - نورد نموذجًا من هذه التّقارير، كما سجّلها الدّكتور محمد بن موسى بابا عمِّي: فالوثيقة الأولى وقّعها القائد بالملحق العسكري بغرداية (فيقورو Vigourous ) مؤرّخة في 01 أكتوبر 1934م، مرسلة إلى القائد العام، يخبره فيها أنّ الشّيخ بيّوض غادر القرارة لمدّة شهرين، وهو يتنقّل بين مدن التّلّ، يجمع الشّباب الميزابي، وبنشر بينهم مبادئ جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريّين، ويحرّضهم على الانخراط فيها. وهو – كما يقال – (حاليًّا في العاصمة يحاول أن ينظِّمَ زيارة لوفد من الجمعيّة إلى ميزاب). ثمّ يردِّدُ فيقورو محذِّرًا: (لا يخفى خطر ُ مثل هذا العمل، الذي يجب أن يُمنَع، وأوّل خطوة هي الوقوف أمام الوفد، حتّى لا يذهب إلى ميزاب، ومثل هذا يسيرٌ على السّلطات الفرنسيّة في العاصمة) " (الملتقى الأوّل لفكر الإمام الشّيخ إبراهيم بن عمر بيّوض، ص: 132). وكانت تنقّلاته مسجّلة بدقّة وتفصيل في التّقارير العسكريّة السّريّة ... (1/19)
صفحة 20
« La grève générale du 28 janvier au 4 février [1957] a exaspéré la population européenne qui ne s’attendait pas à une telle unanimité à Guerrara dans l’obéissance aux ordres du F.L.N. Aussi l’arrestation des membres d’une cellule F.L.N. a-t-elle provoqué par contre coup une joie non dissimulée. Peu à peu, par la suite, les divers éléments européens se sont aperçus que l’ordre de grève n’avait été généralement suivi que sous l’influence de la peur.( ... ) En milieu mozabite,( ... ) les bayoudistes sont soupçonnés de compromission avec la rebellion. Leur chef, le Cheikh Bayoud, en a été accusé sous le sceau du secret par le chef de la cellule F.L.N. arrêté. Il aurait recueilli 1.500.000 francs au cours d’une réunion de sa fraction [Achira]. D’autre part, il aurait officiellement déclaré à la mosquée qu’il ne fallait pas obéir à l’ordre de grève et aurait par ailleurs diffusé officieusement l’ordre de grève. Cette double attitude ne saurait surprendre de la part d’un homme don’t la politique fut toujours double, l’une officielle pour l’Autorité, l’autre officieuse mais véritable pour ses adeptes. Il faut noter que la Medersa (El- Hayat) a congédié ses élèves dès dimanche 27 au soir et n’a pas repris ses cours malgré l’appel par le Chef de S.A.S. en faveur de la fréquentation scolaire.( ... )
La ville de Guerrara est en contact avec les éléments rebelles depuis certainement assez longtemps et c’est seulement pendant la grève que certains des éléments douteux ayant manqué de mesure ont permis de dévoiler l’existence d’un réseau bien organisé ».
( Bulletin mensuel de renseignements, Période du 16 janvier au 15 février 1957. Signé, Le Lieutenant Chef de la S.A.S. Guerrara, 18 février 1957. N° 63/S., pp. 2 - 4. (1)
علّق صالح، ابن دريسو على مرونة الشّيخ بيّوض السّياسيّة، التي هي من متطلّبات العمل السّياسي الدّقيق المثمر: " ترِد هذه الوثيقة السّريّة في فترة حرجة من فترات الثّورة، وتبيّن لنا كيف كان الشّيخ يتعامل مع الإدارة الفرنسيّة لقضاء مآرب الثّورة، ويصفه التّقرير بأنّ له مواقف مزدوجة، عندما ينبغي له أن يحسم الأمر لصالح الجبهة، وضدّ أوامر الإدارة. ثمّ تبيّن الوثيقة أن مواقفه الفعليّة هي التي يصرّح بها لأتباعه في السرّ، غير تلك
__________
(1) - ينظر الشّيخ إبراهيم بيّوض في قلب الثّورة، ص: 17، 18. (1/20)
صفحة 21
التي يعلنها رسميّا. ودعمه المادّي والقويّ للثّورة كان بتصريح قائد الخليّة المقبوض عليه في المنطقة، عندما ضُمن لهذا الأخير تمام السّرّية." (1)
ننهي هذا المبحث بفقرات كتبها الشّيخ بيّوض إلى صديقه في الجهاد الإسلامي، المقيم بالقاهرة، التي نُفِيَ إليها، الشّيخ إبراهيم أبي إسحاق طفيش (ت1965 م) ردًّا على رسالة انتقد فيها الشّيخ أبو إسحاق الشّبخ بيّوض، ولامه على انضمامه إلى المجلس الجزائري.
أفاض الشّيخ بيّوض في توضيح أسباب قبوله دخول هذا المجلس، وبيان ضرورة الوجود في هذا المكان الذي يساعد على خدمة القضايا الوطنيّة، واتّقاء شرور المستعمرين وصدّ مكايدهم .. قال له من جملة ما قال:" ... وهذا يقتضي الاختلاف إلى مكاتبهم والكتابة والرّدّ على كتبهم. وفي كلتا الحالتين، إمّا أن ينجيه حذقه وبصره بأساليبهم في الخطاب أوالجواب، ولطفه في المدخل والمخرج، ومروونته السّياسيّة، وإمّا أن يودي به جهله وتهوّره وخرقه .. ومن عالج هذا في ثلاثين عامًا أدرك فيها مبتغاه ونال مراده ومتمنّاه. أو لم يزل ماضيًا في سبيله صحيح الدّين، متين الخلق، قويّ الإرادة، صارم العزم، حاملاً راية الدّفاع عن أمّته ضدَّ الظّلمة، من ذوي السّلطان وأذنابهم من حُمُرِ الاستعمار." (2)
ثالثا: الدَّعوة إلى التَّحكُّم في المجال الاقتصادي وولوج أجهزة الحكومة:
دعا الشِّيخ بيّوض إلى إنشاء الشَّركات الإسلاميَّة لعمارة الوطن
__________
(1) - المرجع السّابق، ص: 18. لمزيد من معرفة ما كان يسلكه الشّيخ بيّوض في هذا المجال، وما كان يعمله؛ بناء، أو انطلاقًا من وسيلة المرونة السّياسية، والمراوغة السّياسيّة ... ينظر صفحات من الكفاح (خاصّ بالشّيخ بيّوض ... )، ص: 148 – 154. وص: 174 – 187. وما كتبه د. محمد بن عمر لعساكر تحت عنوان:" أسلوب تعامل الإمام الشّيخ مع الحكّام"، كتاب الملتقى الأوّل لفكر الإمام الشّيخ إبراهيم بن عمر بيّوض، ص: 62 – 64.
(2) - الملتقى الأوّل لفكر الإمام الشّيخ بيّوض إبراهيم بن عمر، ص، 63، 64. يُنظر مقاطع من هذه الرّسالة، وجزء من رسالة الشّيخ أبي إسحاق، مجلّة الحياة (معهد الحياة وجمعيّة التّراث)، القرارة، غرداية، الجزائر، عدد: 18، رمضان 1435هـ/ جويليّة 2014من ص: 201 - 213، تحت عنوان: " المقام الثّالث من كتاب زعيم الأمّة الميزابيّة إلى صقر الكنانة، رسالة الشّيخ أبي إسحاق إبراهيم اطفّبش بشأن جهاده الوطني، ودوافع مشاركته في المجلس الجزائري"، تحفيق الأستاذ محمد بن أحمد جهلان. الرّسالة مؤرّخة بتاريخ: 24 من سبتمبر 1948م. رسالة الشّيخ بيّوض تقع في خمسين صفحة، قسّمها إلى مقدّمة وخمسة مقامات. ورسالة الشّيخ ابي إسحاق تقع في خمس صفحات .. (1/21)
صفحة 22
والنُّهوض بالتِّجارة وتحسين أساليبها، ومزاحمة اليهود الفرنسيّين لكسر احتكارهم، والقضاء على أساليبهم في المكر بالمسلمين؛ لاستنزاف دمائهم وأموالهم ومضايقتهم، واحتكار التّجارة لصاحهم ..
هذه الدّعوة عميقة الدّلالة والأبعاد الوطنيّة. هي عملٌ يندرج ضمن النّشاط الوطني؛ للتّقليل من النُّفوذ الأجنبي في الجزائر. كما تعدُّ خطوة مهمّة في سبيل بناء قواعد الوطن بسواعد أبنائه ..
ضمن هذا المسار، ووَفق هذه الخطّة دعا الشّيخ بيّوض إلى تولِّي الوظائف الحكوميّة لنفع المسلمين ومنح الفرص لهم لأخذ حقوقهم التي يتلاعب بها المستعمرون، وكسر احتكار الأجانب للتّجارة، ومنعهم من التّحكّم في اقتصاد الجزائر ..
هذه الدّعوات كانت من بين اهتمامات الشّيخ بيوض منذ بداية مشواره ونشاطه الإصلاحي ممّا يُبين عن الطَّابع الوطني والسّياسي لعمله. يقول محمد علي دبوز: " ... وكان أوّل درس للوعظ ألقاه الشّيخ بيّوض في مسجد القرارة الحاشد، فدعا إلى إنشاء الشّركات الإسلاميّة لتعمير الوطن، وإلى التّعليم العصري العربي والفرنسي، وتولِّي الوظائف الحكوميّة لمنفعة المسلمين، وقد وقع عام 1924 بعد تولّيه مشيخة مسجد القرارة بشهور ... " (1)
هذه بعض القواعد التي نظَّمت عمل الشّيخ بيّوض الوطني ورسمت نشاطه السّياسي الذي هو الاهتمام بكلّ النّواحي في حياة الأمّة، ا لتي يريد أنْ يُكوِّن لها جيلا، يحدث انقلابا في الأوضاع حتّى تتحرّر، وتخرج من دائرة الهيمنة والسّيطرة عليها: قال الشّيخ " ... وإنَّ من غرضنا أنْ نُنشئ لهذه الأمّة في طورها الجديد جيلًا كامل العدَّة للنّضال والكفاح في شتَّى الميادين، فيحدث في الأمَّة انقلابًا كبيرًا ... " (2)
بناء على هذه القواعد وهذه المعطيات نحاول عرض بعض النّقط في جهاد الشّيخ بيّوض السّياسي والوطني، أو بعبارة أخرى أدقّ وضع بعض المعالم في هذه المسيرة النّضالية، إذ يتعذّر الحديث عنها بالتّفصيل،
__________
(1) - محمد علي دبوز، أعلام الإصلاح في الجزائر (1921 - 1975)، ج5، ط1، مطبعة البعث، قسنطينة (الجزائر)، 1982. ص: 61. يقصد الشّيخ الدّبوز بمشيخة المسجد أنّ الشّيخ بيّوض أصبح الواعظ الرّسمي لمسجد القرارة، وهو شابٌّ لم يتجاوز عمره الخامس والعشرين، خلفًا لأستاذه الشّيخ عبد الله بن إبراهيم أبو العلا (ت 1960م)، الذي أصبح نائبًا له.
(2) - نهضة الجزائر الحديثة ... ، ج3، ص: 197. (1/22)
صفحة 23
ولا يمكن فهم حقيقة كفاح الشّيخ، وتفهّم مواقفة وتفسير حركاته إلَّا إذا عرفنا هذه القواعد، التي انطلق منها، وفقهنا دورها، ولا يتسنَّى لنا تقدير عمله إلَّا إذا وعينا الظُّروف التي تململ فيها نشاطُه الوطني والسّياسي (1)، وحدّدنا المسؤوليّات التي كان يضطلع بها، والجبهات التي كان يسيِّر بها نشاطه، وأدركنا رُؤاه ونظراته لما يحدث، وما يحصل في الميدان .. ثمّ رصدنا النّتائج التي تحصَّل عليها الوطن بعد ذلك.
التّكوين السّياسي للشّيخ بيّوض وتطوّره
أعان الشّيخ بيّوض على تنمية حسّه السّياسي وإذكاء جذوة الوطنيّة في قلبه ما جُبِلَت عليه نفسه من تتَبُّع الأحداث الوطنيّة والعالميّة، وما كان يموج في العالم الإسلامي من إرهاصات سياسيّة خطيرة، وما كان يلوح فيه من انقلابات جذريّة، في كثير من الأصعدة. خاصّة وأنَّ عينيه تفتّحتا على ما كان يمارسه المستعمرون والصّليبيُّون والحاقدون على الإسلام من أعمال غير إنسانيّة في أرض وطنه الجزائر وغيرها من البلدان الإسلاميّة.
كما شاهد في محيطه الصِّراع الذي كان بين الإصلاح والفساد، وما كان يعانيه ويقاسيه المصلحون من التّنكيل والتّعذيب من المستعمرين وأذنابه. قال الشّيخ بيّوض: " ... وكان لهذا الصّراع الذي شاهدته، وشاركت فيه من أوّل شبابي أثر عظيم في إرهاف كلِّ مواهبي العقليّة والخلقيّة، وذلك بفضل الشّيخ الحاج عمر بن يحيى الذي استخدمني وأشركني فيه، وبفضل الحاج بكير العنق رحمهما الله. إنَّ فضلهما عظيم عليَّ في التّربية الاجتماعيّة التي أهَّلتني
__________
(1) - يراجع على سبيل المثال كتاب أعلام الإصلاح في الجزائر بأجزائه الخمسة؛ للوقوف على كلّ ذلك، ففيها تفاصيل، يتعذَّر علينا الاتيانُ به في هذه الصّفحات القليلة. (1/23)
صفحة 24
لرفع الرّاية (1)
ماساعده على التّكوُّن السّياسي - أيضًا - ما منحه الله - عز وجل - من ذكاء وقدرة على تحليل هذه الأحداث والنّفاذ إلى أعماقها، ثمّ الوقوف على حقيقة مسارها، ومعرفة الأهداف المسطّرة لتحقيقها من خلالها، بعد فقهِ مدلولاتها التي تخفى على الإنسان البسيط.
عُرِف عنه كلُّ هذا وهو لا يزال شابًّا مراهقًا غضَّ الإهاب، يتلقَّى العلم في المدرسة، ويتطلَّع إلى تثقيف نفسه وصقل مواهبه وإغناء تجربته.
هذا الاستعداد الفطري وهذه الموهبة حملاه على القراءة للزّعماء السّياسيّين، والمحنّكين في المجال الاجتماعي، يغرف من تجاربهم، ويُفيد من تحليلاتهم واستنباطاتهم، ويتعلّم من مواقفهم، ليسير على هدى مخطّطاتهم، ووَفقَ توجيهاتهم السّياسيّة.
قرأ للشّيخ عبد الرّحمن الكواكبي كتابيه (طبائع الاستبداد) و (أمّ القرى). قال الشّيخ بيّوض: " ... وكنت أحفظ الكثير ممّا كتبه الكواكبي في كتابه طبائع الاستبداد من كثرة قراءتي له وإمعان النّظر فيه، وكنّا نقاسي الحكم العسكري الفرنسي وجبروته وظلمه، فوجدنا هذا الكتاب يعبّر عماّ في نفوسنا، وينفِّس عن صدورنا المكظومة، ويصف ما نراه ونقاسيه، فكان إقبالنا عليه عظيمًا، وفهمنا له عميقًا، وكذلك كتابه أمّ القرى. " (2)
كما قرأ لمصطفى كامل، وبخاصّة تاريخه الذي جمعه أخوه فهمي كامل، وهو يقع في ثمانيّة أجزاء، وقد تأثّر الشّيخ بيّوض كثيرا بالجزأين السّابع والثّامن، اللّذين نُشِرا بقلم مصطفى كامل نفسه، وعنوانهما (المسألة الشّرقيّة). يقول الشّيخ: " قرأنا هذا الكتاب كلّه بأجزائه الثّمانيّة في ندوة القراءة (3) وأَعدتُ أنا قراءتها، فدرستها في إمعان وتدبُّر، فأفادني فائدة عظمى، وزاد لحماسي للإصلاح والنّهضة تأجُّجًا، وعرفت من الجزء
__________
(1) - محمد علي دبوز، أعلام الإصلاح في الجزائر (1921 - 1975)، ج2، ط1، مطبعة البعث، قسنطينة (الجزائر) سنة 1976، ص: 182. الحاج عمر بن يحيى (ت: 1921): أحد زعماء الإصلاح في القرارة، وأحد أساتذة الشّيخ بيوض. الحاج بكير العنق (ت: 1934): أحد المصلحين في القرارة وأحد الدّهاة السّياسيّين فيها، كان يلقبه الحاج عمر بن يحيى (أسد القرارة).
(2) - المصدر السّابق، ص: 160.
(3) - ندوة القراءة، أو ندوة المطالعة، أنشأها الشّيخ الحاج عمر بن يحيى، كان موعدها ليلة الجمعة من كلّ أسبوع. هي مخصصّة لقراءة بعض الكتب والجرائد والمجلّات التي تصل إلى الشّيخ الحاج عمر، مما يعدُّ من ثمرات المطابع الجديدة. (1/24)
صفحة 25
السّابع والثّامن من الكتاب أغراض المستعمرين الصّليبيّين في العالم الإسلامي ونواياهم الجهنميّة للإسلام والمسلمين، وأطماعهم في الدّولة العثمانيّة وعملهم للإجهاز عليها، وأفادني في باب السّياسة فائدة كبيرة، وأفاد ندوة القراءة كلها فائدة مهمّة. " (1).
قرأ الشّيخ بيّوض – أيضًا - لجوهري طنطاوي خاصّة كتابيه: (نهضة الأمّة وحياتها) و (نظام العالم والأمم) وغيرهما.
في السّياسة والاجتماع - دائمًا.- قرأ مقالات عديدة، كان لها دور كبير في تكوُّنه السّياسي، نذكر منها: ما كانت تنشره جريدة (الفاروق) 1913/ 1915، للمجاهد عمر بن قدّور الجزائري (ت 192). هذه الصّحيفة كانت تنشر مقالات وقصائد وطنيّة، تعرض فيها سياسة الجزائر الدّاخليّة، موجِّهة انتقادات لظلم الفرنسيّين واستبدادهم، وأخرى في السّياسة العالميّة. كما كانت تعتني كثيرًا بنشر أخبار الحرب العالميّة الأولى ... (2)
يضيف الشّيخ بيّوض: " ... وبعد الحرب العالميّة الأولى مباشرة صارت تأتينا جرائد تونسيّة عربيّة وطنيّة عديدة، فيها المقالات الاجتماعيّة والسّياسيّة المهمّة، وأنباء جهاد الشّيخ الثّعالبي وصحبه، لقد كانت تونس تغلي ثورة على الاستعمار، وكانت تصارعه في قوّة، وتُبْدي سوءاته، وتشرح ظلمه واستبداده، وتطالب بحقوقها، فتنفِّس عن صدورنا المكظومة، وتزيد المصلحين في القرارة والجزائر حماسًا وثباتًا في مجاهدة المستعمرين العتاه ... وعرفت الكثير ممّا لم أكن أعلمه من السّياسة والأخبار العالميّة، وكانت لنا في الجزائر النّوافذ التي نُطِلُّ منها على العالم" (3)
نلاحظ وندرك جيّدًا كيف صادفت هذه الكتابات هوى في نفس الشّيخ بيّوض؛ لأنّها كانت تعالج وضعيّة، كان يعيشها - أيضا - ويعيشها وطنه، وهي حالة الظّلم والجبروت والاضطهاد والسّطو على مقدّسات الأمّة الإسلاميّة، والعمل على القضاء على الوجود الإسلامي في بلاده، فكانت هذه الكتابات تعمل على توعية الأمّة الإسلاميّة بما يجب عمله تجاه هذه الاستفزازات، بعد شحذ العزائم وتفجير الطّاقة الشّعورية في النّفوس.
__________
(1) - أعلام الإصلاح في الجزائر، ج2، ص: 160.
(2) - لمزيد من التّفاصيل في الموضوع ينظر د. صالح خرفي، عمر بن قدّور الجزائري، المؤسّسة الوطنيّة للكتاب (الجزائر) سنة 1984.
(3) - أعلام الإصلاح في الجزائر، ج2، ص: 162. هذه الاهتمامات وهذه القراءات من الشّيخ بيّوض حصلت قبل بلوغه سنّ العشرين؛ لأنّه قرأ معظمها في ندوة الشّيخ الحاج عمر بن يحيى. (1/25)
صفحة 26
انتقل هذا الهوى إلى صدى يحكي أعمال هؤلاء الزّعماء السّياسيّين، ويترجم عن شدّة التَّحمُّس لأقوالهم إلى العمل في الميدان. ما ظهر قويًّا وفعّالا بعد ذلك في جهاده الوطني ونضاله السّياسي ..
إنَّ هذا التّكوُّن السّياسي المبكّر أفاد الشّيخ بيّوض فائدة كبيرة، فهو الذي مكّنه من أن يخوض الميادين التي وُجد فيها، أو تقدَّم إليها بثقة كبيرة، وهو مزوَّد بكفاية عالية، وعُدَّة معتبرة، ساعدتاه على حذق اللَّغة الدّبلوماسيّة، وإتقان اللُّعبة السّياسيّة، وإجادة الأساليب المناسبة في المواجهة.
نتيجة لذلك كان يعيي جيّدا قاعدة الصَّلابة في المبادئ والمرونة في التّطبيق، وكان يفقه معنى الموقف السّياسي وحقيقة التّحرّك الدّبلوماسي، وكان يمارس ما يسمَّى بالاستراتيجيّة في العمل، و يجيد ما يعرف بالمراوغة السّياسيّة ... إلى غير ذلك ممّا يتطلّبه الجهاد والصّراع والقراع والنّزال، ممّا يخفى على الإنسان ناقص التّجربة، وغير المُكَوَّن سياسيًّا، وصاحب الفهم الضّيّق، والإدراك المحدود، وصاحب الأهواء والنّزعات السّيِّئة، ومن قد يؤوِّل بعض المواقف، ويفسِّر بعض التَّصرُّفات تفسيرًا خاطئًا، لا يمتُّ إلى السّياسة بصلة، ولا يتَّصل بالوطنيّة بسبب .. ما يؤدِّي به إلى ارتكاب أخطاء فادحة في حقِّ من أسيء فهمُ حقيقة تحرُّكاته .. فالتّكوين السّياسي له دوره في ترشيد عمل أيّ شخص وتوجيه نضاله.
بفضل العوامل سالفة الذّكر، ونتيجة بُدُوِّ بُزوغ نجم الشّيخ بيّوض السّياسي، صار واحدا من الذين يعوَّل عليهم في ميدان الكفاح الشَّاق المرير الطّويل، بل أصبح ركنًا أصيلًا من أركان الإصلاح في القرارة وهو ابن العشرين عامًا، يؤازر كفاح شيخه الحاج عمر بن يحيى والحاج بكير العنق وغيرهما. (1)
أثمر هذا التّكوين السّياسي، وهذه التّربية الوطنيّة سريعًا، إذ دشّن الشّيخ بيّوض عمله الوطني بكتابة لائحة أو رسالة إلى الحكّام العسكريّين في مدينة غرداية سنة 1919م، يعارض فيها فكرة تجنيد الشّباب الإجباري (2)، ويفضح فيها ما كانت تقوم به فرنسا لإجهاض النّهضة والقضاء على الإصلاح، وحرمان المجتمع والأمّة من هؤلاء الشّباب، عمادِها في مسيرتها؛ بسبب تجنيدهم في صفوف الجيش الفرنسي، مع ما في ذلك من
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 185.
(2) - المصدر السّابق، ص: 183 - 185. (1/26)
صفحة 27
مخالفة للدين ومحاربة له. (1)
لقد كانت الفترة التي بدأ فيها الشّيخ بيّوض تحرّكاته عصيبة وحرجة: "فالأبناء مجنَّدون، وكثير من الآباء مقيّدون بالسّلاسل والحبال تحت سور القرارة، ثمّ سيقوا إلى غرداية على أرجلهم؛ لأنّهم احتجُّوا وتظاهروا أمام الحكَّام العسكريِّين ضدَّ التَّجنيد الإجباري ... أصبحت القرارة بعد هذا الحادث كلَّها في مأتم، وكان زعيم الكفاح الحاج بكير العنق ومعه السّيّد حمو بن إبراهيم أبو العلا، من زعماء الكفاح في السّجن ... " (2)
وسط هذا الجوِّ الرَّهيب المشحون بالتَّهديد والتّنكيل والقمع، وفي هذا المحيط الذي أُبعِد عنه مسؤولوه، وحيل بينهم وبين من يتعلَّقون بهم لإنقاذهم وتوجيههم، يتحمَّل ابن العشرين حِجَّة مسؤوليّتَة، التي لم يرجحها إليها أحد، ولم يعلِّقها في عنقه سوى ضميره، ولم ترفعها إليه غيرُ مؤهِّلاته وتكوينه. قام الشِّيخ بيّوض فرفع صوته الوطني إلى من يخنقون كلَّ صوت يرتفع وينادي مطالبا بحقوقه، ويستقبلون كلَّ رعشة شعوريّة وطنيّة بالوأد، ويقابلون بالقهر والاضطهاد كلَّ وطني يتّقد حماسة وغيرة على وطنه. (3)
تحرّك الفتى الشّاب، فكتب شكاية، يعارض فيها هذا الإجراء التّعسُّفي. قال الشّيخ بيّوض: " فشمّرتُ أنا للعمل، وأصبحت أكتب شكاية حارَّة قويَّة اللّهجة إلى الولاية العامّة والحكومة العسكريّة في الجنوب باسم البلدة، أصف فيها ما حلَّ بها وأَحتجّ ... وقد تأثّرت الولاية العامّة بهذه الشّكاية، ولعلّها أوّل شكاية عملت ما يريد المصلحون، واهتزّ لها الحكّام العسكريّون الطّغاة في غرداية والأغواط وأذنابهم." (4)
هذا موقف جريء يقفه الشّيخ بيّوض ضدّ المستعمر –وهو شابٌّ يافع-ليعلن حربًا لا هوادة فيها معه. لقد أصبح من ذلك الوقت حاضرًا في كلِّ موقع، يحتاج إلى مقارعة ومنازلة سياسيّة، وفي كلّ موطن يتطلَّب موقفًا وطنيًّا صريحًا من بعض القضايا، أو التّصرّفات التي تسيء إلى سمعة الوطن، أو تنال من وطنيّة الشّعب.
__________
(1) - بل كان الاستعمار يعمد إلى أخذ أبناء المصلحين انتقاما من الإصلاح، ويختار طلبة العلم؛ لعرقلة مسيرة التّعليم.
(2) - أعلام الإصلاح في الجزائر، ج2، ص: 184.
(3) - ينظر أعلام الإصلاح في الجزائر، ج4، ص: 41 وما بعدها.
(4) - أعلام الإصلاح في الجزائر، ج2، ص: 184، 185. (1/27)
صفحة 28
كما كان يستغلّ – أحيانا- بعض الهزائم التي تلحق بالمستعمر، ليكشف للنّاس اهتراء هياكله وهشاشتها، ويبيِّن عدم صدق دعاويه، التي كان يتقدَّم بها ليرهب المواطنين .. والشّيخ بيّوض - بهذا الفعل - يحاول إبعاد النّاس عن السّير في ركاب العدوّ.
نذكر له في هذا المجال مقالة له جريئة بعنوان: (عبرة وذكرى في الأزمة الوزاريّة الفرنسيّة الأخيرة)، ندَّد فيها بالمتفرنجين والكفرة، وهوَّاة المدنيّة الغربيّة، الذين ولعوا بما قدّمته لهم فرنسا لتصطادهم بها، وتسيِّرهم في ركابها، بعد أن تبعدهم عن أصالتهم، وتمسخ شخصيّتهم الإسلاميّة .. وفعلا أصبحوا يردّدون ما تتفوّه به سيِّدتهم في حقِّ المسلمين. قال الشّيخ: "ما انفكَّ المتفرنجون والملاحدة وهوّاة المدنيّة الغربيّة من المسلمين يسبِّحون بحمد أوروبا ويقدِّسونها تقديسًا، كاد يصل درجة العبادة، فيقدِّمون تعاليم رجالها على تعاليم الإسلام، ويفضِّلون شعائرها البشريّة الوضعيّة على أسمى شريعة وضعتها يد الحكمة الإلهيّة. " (1)
ثمّ ذكر بعد ذلك أنَّ النّاس أصبحوا ينسبون إلى أوروبا كلَّ ما هو جيِّد وشريف ومتقن، وكلَّ ما يدلّ على التّفوّق والقدرة .. فالأوربي هو صاحب الأدب الرّفيع والخلق المتين، وصاحب العقل الرّاجح ... ونقيض ذلك يلصق بالمسلمين. قال الشّيخ بيّوض: " ... وقد سرت عدوى هؤلاء إلى غيرهم من ذوي الإيمان الصّحيح، فتمكَّنت بعضُ هذه الأوهام في عقولهم من حيث لا يدرون، وأصبح ذلك قضيّة مسلَّمة عند الجميع، فعندما يرى أحدهم نقصًا ما في شيء من مصنوعات المسلمين، أو ضعفًا ما في مشروع من مشاريعهم ينطلق لسانه فجأة وبدون شعور بقوله (ترافاي آراب) يعني خدمة العرب، وأصل الكلمة من وضع الفرنجة، يستعملونها امتهانًا للعرب، وحطًّا من كرامتهم، ثمّ أخذها عنهم المتفرنجون، فسرت عدواها من هؤلاء إلى غيرهم. " (2)
بيَّن الشّيخ أنَّ هذا التّصرّف هو خطل في العقل وأفن في التّفكير، وأنَّ هذه الممارسات هي نتائج التّربيّة الاستعماريّة الخبيثة .. ثمّ قال: إنَّ التّفوّق والإبداع ليسا حكرًا على أمّة من الأمم، وانتشار الفساد والتّأخّر ليسا
__________
(1) - جريدة المغرب (أبو اليقظان)، عدد: 30، يوم: 23/ 12/1930م. المقال بإمضاء (أفلح) وهو الشّيخ بيّوض.
(2) - المصدر نفسه. (1/28)
صفحة 29
منحصرين في شعب من الشّعوب، ففرنسا نفسها تعيش ما نسبتها للمسلمين. وللتّدليل على ذلك، ولأخذ العبرة من هذه التّصرّفات أعطى مثلًا بالأزمة الفرنسيّة، التي تسبّب فيها التّخلِّي عن الأدب الرّفيع الذي تدّعيه فرنسا، والخروجُ عن أخلاقيّات السّيادة والتّسيير، والتّنصّلُ من شعار (المصلحة فوق العاطفة): " ... وهكذا دواليك، أحزاب تتناحر، ووزارات ترتفع وتسقط، وحكومات تهوي وتنقلب، والعامل الأكبر في ذلك كلِّه هو الغرض الشَّخصي، وتقديم العاطفة على المصلحة، قسمًا بالله!!! إنَّه لو وقع شيء
ذلك في وزارة من وزارات الحكومات الشّرقيّة أو الإسلاميّة أو العربيّة على الخصوص لسمعت عبارات السّخريّة والازدراء و (ترافاي آراب) و (بيكو) وغير ذلك من الكلمات الجارحة تترى على ألسنة المتفرنجين، فماذا يقول هؤلاء السّادة اليوم في هذه المهازل." (1)
ثمّ وجّه الشّيخ نداء إلى كلّ الغيورين على كرامتهم، والمشفقين على وطنهم أنْ يحذروا هذه المزالق، وأنْ يعملوا على مساعدة إخوانهم في النّهوض وإعانة وطنهم على التّحرّر، وأنْ يتجنَّبوا ما يفضي إلى تحطيم معنويّاتهم والفتِّ في عضدهم، وذلك بزرع الأمل في نفوسهم، وإبعاد أخلاق (رذائل) اليأس والقنوط والفشل والاستسلام عن طريقهم ..
" ... ولا تسبُّوا الشّرق والشّرقيّين، ولا الإسلام ولا المسلمين، ولا تنسبوا إليهم كلَّ نقيصة وعار، ولا إلى الغرب كلَّ شرف ومكرمة، فإنَّكم بذلك تميتون القلوب، وتخمدون الهمم، وتبعثون اليأس في النُّفوس، فإنَّ كلماتكم هذه إذا كثر دورانها على الألسنة رسخ مدلولها في القلوب فماتت، وأثَّر على الهمم فخمدت، وعلى النّفوس فأساءت الظّنَّ بكفاءتها ومقدرتها واستعدادها فأيست، واعتقدت أنَّها لم تخلق إلَّا لتستبعد وتُذلَّ، فأخلدت إلى السُّكون، ورضيت بالدّون. " (2)
إنَّ الشّيخ بيّوض كان حريصًا على بعث الثّقة في نفوس الوطنيّين، وإشعارهم بأنَّ لهم القدرة على صدِّ القاهر المعتدي. ومن خلال هذا الهمسِ يسعى إلى إزالة خرافة التّفوُّق الفرنسي؛ لهذا لم يقبل حتّى النّطق بالكلمات التي قد تؤثِّر في النّفوس، فتقف حجر عثرة في طريق بنائها، خاصّة وأنَّ سنة 1930 – التي نشر فيها المقال – كانت محطّة مهمّة للمستعمر الفرنسي، وقد
__________
(1) - المصدر نفسه.
(2) - المصدر نفسه. (1/29)
صفحة 30
حاول فيها التّأكيد على تفوّقه، وإصراره على البقاء في الجزائر، وذلك باحتفاله بالذّكرى المئويّة لاحتلالها.
كان الشّيخ يرمي من خلال ما كتبه في الموضوع إلى تنوير عقول الشّباب، وإيقافهم على حقيقة ما هم مقدمون عليه، وبيان عاقبة ما هم مستمسكون به، وبعدها الكشف عن مخطَّطات الاستعمار ونواياه الخبيثة في القضاء على الشّخصيّة الإسلاميّة. وهو ما اتّسمت به فترة الثّلاثينيّات من القرن العشرين، الذي تفصح عنه المقاومة الشّديدة والدّؤوبة التي أبداها المصلحون، والكتّاب والشّعراء ضدَّ مؤامرات العدوّ .. هذه المقاومة الكبيرة أدخلتهم في صراع عنيف معه (1)
إنَّ هذه الخواطر تندرج في صميم الموقف السّياسي الوطني ضدَّ الممارسات الاستعماريّة. إذ هي ردّ فعل جريء لسياسة فرنسا العدوانيّة الصّليبيّة، التي تهدف إلى الهيمنة والسّيطرة الكليّة والأبديّة على الجزائر. فهي تَحَدٍّ شجاعٌ لإدارة فرنسا في تصميمها على حملِ الجزائريّين على الاستسلام وقبول الأمر الواقع ..
دليلنا على ما ذهبنا إليه هو ما صرَّح به المؤرخ (ديبارميه)، بعد أن اطَّلع على مقال الشّيخ بيّوض سالف الذِّكر، فقد وقف عنده طويلا، يحلِّلُه ويقيس ما فيه من تطوّر وتقدّم في الوطنيّة لدى الوطنيّين، وما فيه من إصرار على مواجهة فرنسا وتحدّيها، خاصّة وأنَّ مقال الشّيخ بيّوض كان قد صدر بعد أشهر من احتفال الاستعمار بالذّكرى المئويّة لاحتلال الجزائر. وتعليق (ديبارميه) جاء بعد ردِّ فعل صارخ من أبناء الجزائر على هذا المشهد أو الموقف الاستفزازي؛ تمثَّل في تأسيس جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريّين. (2)
استوقفت هذا المؤرّخَ طويلا عبارةُ (يسبّحون بحمد أوروبا). قال الدّكتور محمد ناصر: " وعدَّ (ديبارميه) هذا المقال بمثابة دعوة صريحة من كاتبها للمسلمين الجزائريّين ليحوِّلوا وجوههم عن الأفق الغربي إلى الأفق المشرقي، وذهب إلى أنَّ هذا المقال إنّما هو أثر من آثار التّطوّر الفكري الذي صحب الحركة الإصلاحيّة الجزائريّة على عتبة الثّلاثينيّات ردًّا على
__________
(1) - ينظر على سبيل المثال أبو القاسم سعد الله، الحركة الوطنيّة الجزائريّة، ج3. في الكتاب تفاصيل عمّا حدث في فترة الثّلاثينيّات من القرن العشرين ..
(2) - ينظر مجلّة (إفريقيا الفرنسيّة) ماي 1933، ص: 267. (1/30)
صفحة 31
الغزو الفكري. " (1)
تمرُّ الأيّام وتتعاقب الأحداث، فتنكشف المواقف، وتتَّضح الرُّؤى بين الوطنيّين والاستعمار، وتترسَّخ لدى كلِّ طرف نوايا الطَّرف الثَّاني، في المُضيِّ في مخطَّطاته ونشاطه .. هذا ما نلمسه في مسيرة الشّيخ بيّوض من نضج سياسي وتطوّر في الحسِّ الوطني.
لمزيد من الوقوف على هذه الحقيقة نعرض فقرات من خطبة، كان قد ألقاها الشّيخ بيّوض سنة 1948. التي يمكن تسميّتُها بالخطاب السّياسي، والتّوجيه الوطني للأمّة الجزائريّة.
اجتمع أبناؤه وتلاميذه القدامى في مدينة (القرارة) لإقامة تجمُّع يلمُّ شتاتهم، ويهيكلهم في اتّحاد عامٍّ .. بعد أنْ تمَّ لهم تحقيق مبتغاهم، وهو تأسيس جمعيّة قدماء التّلاميذ (2)، قام الشّيخ فيهم خطيبًا موجِّهًا، فتطرَّق إلى موضوعات عدَّة؛ مبيِّنًا لهم واجباتهم في تلك الظّروف التي كانت تمرُّ بها الجزائربخاصّة، والعالم الإسلامي بعامّة؛ حتى يُعِدُّوا العُدَّة وينهضوا بمسؤوليّاتهم الوطنيّة والدّينيّة نحو أمّتهم الإسلاميّة.
قال في المجال السّياسي؛ شارحًا التّطوّرات التي شهدتها مختلف المناطق في العالم: " وأمّا الميدان السّياسي فإنَّ التّطوّر فيه واقع كذلك لا محالة؛ لأسباب ومؤثّرات، منها القريب المباشر ومنها البعيد غير المباشر، منها الأحداث العالميّة العامّة ومنها الأحداث الأوروبيّة، وأقرب من ذلك ما يتّصل بالعالم العربي والإسلامي وأحداثه وتطوّراته، ولاسيّما شمال إفريقيا والقطر الجزائري على الأخصّ، ثمّ ما يتّصل بفرنسا ونظم الحكم فيها واتّجاه سياستها.
أمّا العالم العربي أو الشّرق الأدنى فإنّه قبلة المسلمين في المشارق والمغارب، فلا بدّ أنْ يتأثّر كلُّ جزء من أجزاء العالم الإسلامي، حتّى أصغر جزء فيه كميزاب، بالوضع الجديد لدول العرب بعد انجلاء محنة
__________
(1) - المرحوم الشّيخ بيّوض إبراهيم ركن أصيل في الحركة الإصلاحيّة الجزائريّة، جريدة الشّعب (الجزائر)، عدد: 5359، يوم 22/ 01/ 1981. ينظر أيضا الدّكتور أبو القاسم سعد الله، الحركة الوطنيّة الجزائريّة، ج2، ص: 451.
(2) - ألقى الشّيخ الخطبة في اليوم الأخير من الملتقى وذلك يوم الثّلاثاء 5 من شوّال 1367هـ، الموافق 10 من أغسطس 1948م. ينظر الخطبة كاملة في كتاب نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، ج3، ص: 196 - 208. ألقاها الشّيخ بيّوض مرتجلة، سجّلها ونقلها كاملة – ببراعة فائقة – تلميذه الشّيخ سعيد بن عبد الله الشّيخ دحمان، المتوفّى سنة: (1/31)
صفحة 32
فلسطين".
انتقل الشّيخ - بعد ذلك - إلى الحديث عن المحنة التي ابتلي بها العرب؛ إنّها معضلة فلسطين التي قال عنها: " ولم يمرَّ على جامعة دولهم يوم أصعب من هذا اليوم، تحالف ضدَّهم المختلفون، وتصادق ضدَّهم المتعادون، وتألَّبت عليهم قوى الشّرِّ، من الشّرق والغرب."
أشار الشّيخ إلى هذه القضيّة وأوضح المخاطر التي تنجم عن سياسة الصّليبيّين الحقودين على الإسلام؛ ليمدَّ أبناءه بشحنة من الوطنيّة قويّة، وليوضّح لهم أنَّ سياسة فرنسا في الجزائر هي السّياسة نفسها التي ينتهجها أعداء الإسلام في فلسطين وغيرها، وهي محاربة الدّين.
في هذا المجال لم ينس أنْ يتعرّض إلى قضيّة مستعمرات إيطاليا، التي منها طرابلس الغرب. عرض موقف بعض الدّول التي كشفت عن عدائها السّافر للإسلام والمسلمين، ونيّتها المبيّتة في القضاء على الوجود الإسلامي، قال الشّيخ بيّوض: " والظّاهرة التي نسجِّلها هنا - بكلّ أسف - هي موقف الدّول التي كانت بالأمس القريب ألدَّ أعداء إيطاليا، حتّى فرنسا التي لم تتورَّع عن ضربها بخنجر من وراء ظهرها في ساعة محنتها القاسية، أصبحت تدعو إلى ردَّ ليبيا إلى إيطاليا."
لم يَفُت الشّيخَ –في هذا المقام - أنْ ينبِّه أبناءَه إلى أمر مهمٍّ، يوقظ به الحسَّ السّياسي فيهم؛ وهو عدم الاطمئنان والوثوق بما يفوه به المستعمر، فهو مراوغ مخادع .. يريد أنْ يقول لهم: حذار أنْ يُمَرِّرَ علينا المحتلُّ مؤامراته ببعض عناوين وكلمات يُموِّه بها علينا، فيحقِّق أهدافه بعد أنْ يغتال وطنيّتنا وإباءنا وإرادتنا.
أشار إلى خطورة هذا المسلك قائلا: " ولا ننخدع بالعناوين الخادعة؛ كالانتداب والوصاية، فإنّها ليست إلّا الاستعمار في أبشع وأفظع صوره، وما ذاك إلَّا مخافة أنْ تسري العدوى من هذا القطر - إذا تحرَّر- إلى جارته القريبة، فالجزائر فالمغرب الأقصى.
ومهما يكن فإنَّ شمال إفريقيا سيتأثَّر إلى حدٍّ بعيد بالوضع الجديد، الذي يفرض على القطر اللّيبي. هذا كلُّه بدء انقلاب، سينالنا منه حظٌّ كبير، إنْ خيرًا فخير، وإنْ شرًّا فشرٌّ."
هكذا يخاطب الشّيخ بيّوض أبناءَه ويعلِّم تلاميذه دروسًا في الوطنيّة، ويرهف حسَّهم السِّياسي، ويُنمِّي فيهم شعورهم الوطني، ويشحذ عزائمهم (1/32)
صفحة 33
للقيام بواجباتهم .. أوّل هذه الواجبات هو التّفطُّن لدسائس المستعمر الغاشم، وكشف مؤامراته وعدم الاطمئنان إلى مخطَّطاته؛ فإنَّ ملّة الكفر واحدة، فالمحتلُّ - أبدا - لا يريد الخير للمسلمين.
نتيجة لتكوين الشّيخ بيّوض السّياسي، والنّظرة البعيدة المعمَّقة التي يرى بها الأمور، ويحلِّل بها الأحداث، والنّيّة الحسنة التي يتوفّر عليها، وهي تحرير الجزائر من براثن الاستعمار، ونتيجة للمرونة التي يتحلَّى بها السّياسي المحنَّك، أبدى رأيه في المجلس الجزائري، الذي أنشأته فرنسا بموجب الدّستور الجزائري المزعوم، وهو بذلك يقدّم لأبنائه - الذين كان يوصيهم ويربّيهم تربية سياسيَّة - مثالا يحتذى به في التّحرّك السّياسي والعمل الوطني، واستغلال الفرص في خدمة الدّين والوطن.
قدَّم تصوُّره لما يمكن أنْ يقوم به هذا المجلس، وما عساه أنْ يقدِّمه المواطنون لوطنهم من خلال اشتراكهم في هذا المجلس. قال: " ولأنتقل بكم إلى ما هو أقرب من جميع ذلك. هذا الدّستور الذي وضعته فرنسا للجزائر، وأنشأت به هذا المجلس الجزائري، ووضعت به الجزائر في وضع جديد، له حسناته وسيّئاته، هو بدء انقلاب كبير، وهو خطوة أولى في طريق تطوُّر الجزائر إلى أوضاع مختلفة متتالية، ستجتازها البلاد حتما قبل أنْ تصل إلى غايتها. إنَّ لهذا المجلس –رغم عيوبه الكثيرة- خطرًا وأثرًا، ولا أدلَّ على خطره ممّا ارتكبته الإدارة لإقحام صنائعها فيه، لو وَجَدَ رجالاً أكفاء مخلصين لخدموا به البلاد خدمة جُلَّى."
إذن - رغم ضعف هذا المجلس واستفادة فرنسا منه أكثر من الوطن الجزائري - فإنَّ الشّيخ بيّوض يرى ضرورة التّرشُّح إليه؛ للدّفاع عن حقوق الجزائريّين، وعرض مطالبهم بطريقة رسميّة وقانونيّة، فالغياب عن مكان اتّخاذ القرار ومناقشة مستقبل البلاد خطأٌ سياسي فادح وخطل في الرَّأي فظيع.
هكذا يقدِّم لأبنائه درسًا آخر في السّياسة، يجعلهم دائمًا في واجهة الأحداث وفي ميدان المقارعة والمناوأة والمناورة والمقارعة ... يقلقون المستعمر؛ حين يكونون قريبين منه، وحين يكونون على دراية من تحرّكاته ومناوراته:
" ... إنَّ لنا خصومًا أقويّاء من ذوي السّلطان، وضعت الأقدار مقدّراتنا بين أيديهم، فعلينا أنْ نعلم أنَّنا لا ننال منهم شيئًا إلَّا بالحكمة والتّبصر (1/33)
صفحة 34
والأناة والدّبلوماسيّة والمرونة السياسيّة، وعلينا أنْ نعلم أنَّ سياسة (زُمَّ حقائبَك واخْرُجْ) سياسة خرقاء غير رشيدة، إنَّ أوانها لم يحن بعد، وأنَّ سياسة الانزواء والانكماش (وإننا نريد أن نبقى على ما نحن عليه في كلِّ شيء) سفه في العقل وأفن في الرَّأي."
هذه المرونة السّياسيّة والدّيبلوماسيّة وأسلوب المناورة والاستغفال لاسترجاع الحقِّ المغصوب، واتّباع سبيل الغاية تبرِّرُ الوسيلة في انتزاع ما سلب وما أخذ .. هذه الأساليب التي تبنَّاها الشّيخ إبراهيم بيّوض سنة 1948 – وفي كثير من المواقف الحرجة - والتي فرضتها ظروف خاصَّة، هي نفسها التي أملت على الشّيخ عبد الحميد، ابن باديس أنْ يقول سنة 1925: " ... وإنَّ الأمّة الجزائريّة أمّة ضعيفة ومتأخِّرة، فترى من ضرورتها الحيويَّة أنْ تكون في كنف أمّة قويَّة عادلة متمدّنة لترقيِّها في سلَّم المدنيَّة، وترى هذا في فرنسا التي ربطتها بها روابط المصلحة والوداد، ولا نرفع مطالبنا إلَّا إليها، ولا نستعين عليها إلَّا بالمنصفين من أبنائها. " (1)
بل إنَّ جريدة الشّهاب - التي كانت تمثِّل وجهة نظر الشّيخ ابن باديس الشّخصيّة - كانت تشتمل على الكثير من الولاء، من باب المجاملة والمداراة والمراوغة السّياسيّة. قد ينظر إليها غير المعاصرين له، ولما كان يجري في السّاحة السّياسيّة، ينظرون إليها نظرة مريبة، على أنّها مفرطة في المجاملة. من ذلك نشرها لصور الوالي العام وتهنئته وتعزيته، ووصف بعض رجال الإدارة بالعلم والخبرة ونحو ذلك ... " (2)
إنَّ الدّوافع إلى سلوك هذا المسلك تتمثَّلُ في صعوبة اتّباع العلماء المصلحين سياسة مكشوفة في جهادهم، وتبنِّي أساليب واضحة في تحرّكاتهم؛ للظّروف العصيبة التي تحيط بهم، وكثرة الأعداء الذين يتربّصون بهم الدّوائر. فهناك - بالإضافة إلى الإدارة الفرنسيّة - المرابطون والنّخبة والنّواب –أحيانا- والمبشِّرون؛ لأنَّ العلماء كانوا في جهادهم – في هذه الفترة- يحاربون الشّعوذة والبدع، ويدعون إلى نصرة اللَّغة العربيّة، ويقفون ضدَّ
__________
(1) - جريدة الشّهاب (قسنطينة)، الجزائر، العدد الأوّل، يوم 02/ 07/ 1925.
(2) - الحركة الوطنيّة الجزائريّة، ج3، ص: 90. من ذلك أيضا نشر صورة (بيير بورد) الوالي العام مع التّعزية الحارّة بمناسبة فيضانات حدثت في فرنسا، ودعوة الجزائر للتّبرّع لذلك الغرض، ينظر الشّهاب، أفريل 1930، ص: 176 - 178. وفي عدد نوفمبر من المجلّة نفسها صورة الوالي الجديد السّيّد كارد مع تهنئته والحديث عن مزاياه باعتباره رجلا جزائريًّا قسنطينيًّا ولد بها سنة 1874. (1/34)
صفحة 35
التّجنيس ... وبالجملة كانوا يدعون إلى الإصلاح الإسلامي الذي تحاربه فرنسا (1).
إلى جانب كلّ ذلك لم يكن العلماء في مستوى المواجهة العلنيّة. يقول أبو القاسم سعد الله: " ... ومن هنا يتّضح أنَّ موقف العلماء لم يكن سهلًا، فقد كانوا يمشون على البيض كما يقول المثل الأجنبي، فهم من جهة كانوا يريدون تحقيق مبادئهم وأهدافهم بأيّة وسيلة مشروعة، ومن جهة أخرى كانوا واقعين تحت طائلة إجراءات استثنائيّة مستعدَّة لعرقلة سيرهم، بل لوضعهم في قفص الاتّهام، لذلك كانوا يناورون ما وسعتهم المناورة ويجاملون، ولكنَّهم لا يتنازلون عن مبادئهم، ومن أجل ذلك اصطدموا مرّات بالإدارة. " (2)
لهذه الأسباب ولتلك العوامل قال الشّيخ بيّوض، مبيِّنًا السِّياسة الرّشيدة التي يجب اتّباعها من المتغطرس الذي لا يرحم، ولا يعترف بالحقِّ المغصوب والحريّة المسلوبة - إذ النّيَّة صادقة لتحقيق الأهداف -: " ... لو كنَّا حصفاء حكماء لسلكنا مع المتحكِّمين من ذوي السّلطات سياسة المراوغة واللَّفِّ والدَّوران، وأعملنا موازين القسط من العقول الرَّاجحة، فعرفنا خير الخيرَيْن وشرَّ الشَّرَّيْن، ودفعنا الأثقل بالأخف، وقنعنا بالبعض إنْ تيقنَّا أنَّ الكلُّ ذاهب، فلا المقاومة المطلقة العنيدة، ولا الاستسلام المطلق المخزي بمفيدنا في سياستنا مع المتسلِّط القويِّ، لكنَّ التَّبصُّر وحسن التَّصرف، والمرونة السّياسيّة، وحسن استغلال الظّروف والأشخاص والمناسبات، هي أحكم سياسة للضّعيف الأعزل مع القويّ المدجّج. " (3)
إذن بفضل هذه السّياسة الحكيمة تمكَّن الشّيخ بيّوض وزملاؤه من العلماء العاملين المخلصين تحقيق كثير من المآرب، وبلوغ الكثير من الأهداف، وبفضل هذا التَّكوين السِّياسي العالي، استطاع المجاهدون الحقيقيُّون التَّفريق بين المقاومة المطلقة العنيدة، التي لا تراعي الظّروف والملابسات والمعطيات، وبين الاستسلام الذي تدفع إليه الظّروف، عند
__________
(1) - ينظر الحركة الوطنيّة الجزائريّة، ج3، ص: 92 وما بعدها.
(2) - المصدر السّابق، ص: 91.
(3) - نهضة الجزائر الحديثة ... ، ج3، ص: 200،199. ينظر جريدة الشّريعة، العدد الأوّل، الصّادر يوم:. وجريدة البصائر (الأولى)، العدد الأوّل، الصّادر يوم: 27 من ديسمبر 1935م. فيهما تصريحات مشابهة. والجريدتان من إصدار جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريّين .. (1/35)
صفحة 36
مذبذبي الإيمان، وقليلي التَّجربة، وضعيفي المقاومة.
بهذه الرّؤية وعلى أساس هذه القاعدة، ولهدف الوصول إلى تحرير البلاد؛ باتّباع أي أسلوب يحقق ذلك – من دون التَّخلِّي عن المبادئ والأصول- رشَّح الشّيخ بيّوض نفسه للمجلس الجزائري؛ لخدمة القضايا الإسلاميّة والوطنيّة، أو على الأقلِّ ليكون حجر عثرة في طريق مناورات العدوّ.
ما دام الشّيخ بيّوض في مقام التّوجيه والتّوعية والتّعبئة السّياسيّة (1) فإنّه لم ينسَ أنْ يُبصِّر أبناءه ويُنبِّهَهم إلى خطإ يرتكبه بعض النّاس بعامّة، والطّبقة المثقّفة بخاصَّة – التي هي أمله في المستقبل- يبرز في ظاهرة التّخلِّي عن المسؤوليّة، والرُّكون إلى الرّاحة، بمجرّد تقديم مسؤول عليهم في أيِّ تجمُّع، وتركه وحده يعمل ويجتهد، إنَّ هذا لا يفيد الأمّة في شيء، فإنَّ العمل المثمر هو ما يتمّ بصفة جماعيّة ومنسّقة: " أعيذكم بالله أنْ تظنُّوا كبعض الجهلة أنَّهم قد استراحوا وسقط عنهم كلُّ واجب لمَّا قدّموا عنهم نائبا، إنَّ عمل النّائب خاصٌّ في ميدان محدود، على أنّه لا يستطيع أنْ يصول في المجلس إلّا بصوت الأمّة الدّاوي من ورائه، فعلى الأمّة من وراء نائبها واجبات ثقال".
هكذا كان الحسُّ الوطني ينمو في نفس الشّيخ بيّوض بمرور الأيّام، وكرِّ الشّهور، وتتابع السّنين، ومع تعاقب الأحداث، وتطوّر الأوضاع ... وكان التّحرّك السّياسي تتّسع مجالاته في نظره باتّساع رقعة الصِّراع، واتّضاح نوايا الاستعمار في القضاء على الهويّة العربيّة للجزائر، والطّابع الإسلامي للثّقافة الجزائريّة، فكان الشيخ –كغيره من العلماء المصلحين في الجزائر- يبذلون كلَّ جهودهم لصدّ هذه الهجمات الشّرسة، يجاهدون بالقلم واللّسان واليد، ويستغلّون كلّ وسيلة متاحة، بل هم يبحثون عن الوسائل غير المُهيَّأة، والفرص غير السانحة، ليفسدوا على المستعمر مخطّطاته، خاصّة في فترة الثّلاثينيّات من القرن العشرين وما بعدها، التي شهدت مناورات وأنواعًا فظيعة من الهجوم على الشّخصيّة الجزائريّة الإسلاميّة، فقد عرضت مشروعات للاندماج والتّجنيس، وتعدّدت أساليب محاربة التّعليم العربي واللّغة العربيّة ومدرّسيها، وتحقّق إجماع في الضّغط على الصّحافة العربيّة الوطنيّة،
__________
(1) - قدّم هذه التّوجيهات السّياسيّة المهمّة، وهو مع هذا الحدث العام، تأسيس جمعية قدماء التّلاميذ. لهذا التّدبير والتّوجيه دلالات يفقهها من كان له قلب أو ألقى السّمع وهو شهيد ... !! (1/36)
صفحة 37
وتكرّرت مضايقة رجال الحركة الوطنيّة، ومصادرة الأفكار التّحرريّة، ووأد الرّعشات الشّعوريّة الصّادقة نحو الوطن. (1)
هذه الحركة الظّالمة قد تلبس لبوس الملاطفة والتّظاهر بحبِّ الخير، والاستعداد للعمل على حلِّ المشاكل وتحقيق مطالب الشّعب. لكن هيهات أنْ تنطلي الحيل، وتمرَّ الدّسائس على مَنْ له حسٌّ سياسيٌّ رهيف، ونبضٌ وطنيٌّ دائمُ الدَّقِّ والحركة، ومن عجم عود الاستعمار، كأمثال الوطني الإمام الشّيخ بيوض.
لهذا ضاعف هذا الوَطنِيُّ مجهوده ووسّع من دائرة عمله، وبحث لنفسه عن وسائل جديدة لنضاله وتحرّكاته، فكوَّن جمعيّات، وأنشأ مدارس، ووطَّد علاقاته مع مختلف الإخوان والرّفقاء في درب الجهاد في الشّمال والجنوب، وتصدَّر المجالس للوعظ والإرشاد، وقاد الصّفوف في النّضال .. وبدأ غرسه يثمر ما يقلق به العدوّ .. فشرع يمطر الاستعمار وابلًا من النّبال المريشة، وبدأت قنابله الموقوتة تنفجر تحت أرجل العدوّ، ممّا أثار مخاوفه، فلم يجد وسيلة لإيقاف هذا السّيل الهادر – الذي بدأ يجرفه- سوى فرض الإقامة الجبريّة عليه في مسقط رأسه القرارة لا يغادرها، ولا يتّصل بالجماهير الشّعبية. حصل هذا بداية من سنة 1940. (2)
__________
(1) - أصدرت الإدارة الفرنسيّة عدّة قرارات تعرقل بها النّشاط الوطني. في 24 ديسمبر 1904 - مثلا -أصدرت قانونا يحظر على المعلم المسلم فتح مكتب لتعليم اللّغة العربيّة من دون رخصة، وأكّدته بقانون 08 مارس 1938، جاء في هذا القرار أيضا: إنَّ اللّغة العربيّة تعتبر لغة أجنبيّة عن الجزائر. ورد في مرسوم 07 مارس 1944: إنّ المسلمين الجزائريّين أصبحوا فرنسيّين، وأعلن قانون 07 ماي 1946 أنّ جميع الجزائريّين هم مواطنون فرنسيّون ...
(2) - يقول الدّكتور صالح بن محمد، ابن دريسو: بحلول الثّلاثينات توسّعت هذه الحركة في أوساط الشّباب الميزابي، وغرست فيهم الحسّ الوطني. وحينها بدأت التّقارير الرّسميّة تهتمّ أكثر فأكثر بتحرّكات الشّيخ إبراهيم بيّوض ونشاطه السّياسي. فكلّفه تشبّعه بالأفكار الوطنيّة بدوره تسجيل اسمه في الدفتر " ... B " بقرار من الوالي العام، رقم: رقم 354. بتاريخ 23 – 1 - 1935.وبمجرّد حلول الحرب العالميّة الثّانيّة حتّى وُضع تحت الإقامة الجبريّة، وكان لا يتنقّل إلّا برخصة. ينظر دراسته: الشّيخ إبراهيم بيّوض في قلب الثّورة. ... Cheikh B. Bayoud Au coeur de la revolution ... © 01/ 2015 ...
نشر ( eBoxeditions) ، إي بوكس إديسيون، باريس Paris, 2015, p; 13 نقلا عن
( Grossman Claude, Le réformisme ibadite. Mémoire du CHEAM, 1969, 75 p. (Inédit).)
ينظر أيضًا د. محمد صالح ناصر، " بعض تقارير الشّرطة الفرنسيّة السّريّة"، كتابه الشّيخ إبراهيم بن عمر بيّوض مصلحًا وزعيمًا، مكتبة الرّيّام، .. الجزائر، (د. ت)، ص: 252 – 294. ود. محمد بن موسى بابا عمّي، "الإمام الشّيخ بيّوض من خلال الوثائق السّريّة الفرنسيّة"، كتاب الملتقى الأوّل لفكر الإمام الشّيخ بيّوض إبراهيم بن عمر، ص: 129 – 137 .. (1/37)
صفحة 38
جاء هذا الإجراء - إذن - بعد أن تضايقتْ فرنسا من نشاط الشّيخ بيّوض الوطني، وكثر قلقها من النّتائج الحسنة، التي بدأت تظهر، والتي استبشر بها الجزائريّون خيرًا.
كان غلاة الاستعمار قد شنّوا عليه حربًا نفسيّة من التّهديد، وتأليب الجماهير عليه، وتلفيق التّهم ضدّه. لكنَّ كُلَّ هذه المحاولات باءت بالفشل أمام عناية الله بالشّيخ ومباركته عملَه، وأمام إصراره هو على الاستمرار في الكفاح. قال بسّام العسلي: " لقد حلف الحاكمان العسكريّان الطّاغيان في غرداية. وحلف أذنابها الأيمان المغلظّة على القضاء على نهضة ميزاب ورجالها، وأنْ يشنقوا زعيمها الشّيخ بيّوض، أو يسجنوه، أو ينفوه. فاستخدم الاستعمار أذنابه في الجنوب لكتابة التّقارير السّوداء ضدَّ النّهضة وزعيمها الشّيخ بيّوض ... فاستند الحكّام العسكريّون إلى هذه التّقارير، فحكموا على النّهضة بأنّها حرب ضدّ الدّولة، وعلى زعيمها الشّيخ بيّوض بأنّه عدوّ فرنسا اللّدود، وأنَّ له يدًا مع الألمان ... " (1)
يقوله مساعده وعضده الأيمن في جهاده الإصلاحي والتّربوي والوطني .. الشّيخ عدون بن بالحاج شريفي – رحمه الله – (ت 1425هـ/ 2004م) مبيّنًا ما كان يعانيه ويلاقيه من الاستعمار الفرنسي الغاشم: " ... نعرفه في مواقفه المشهورةومعاركه الحاسمة ضدَّ الحكم العسكري الغاشم، الذي أعلن على الشّيخ حربًا شعواء، لو يهادنه فيها طول وجوده في الجنوب الجزائري، الذي لم يَأْلُ جهدًا في المكر به، بجميع أنواع المكر، من استدعائه لاستنطاقه لأتفه الأسباب، مع صعوبة المواصلات وانقطاعها تقريبًا، ومن عقد مجالس تأديبيّة، ومن تهديده مرّات بالسّجن والنّفي، وحمله
__________
(1) - بسّام العسلي، عبد الحميد بن باديس وبناء قاعدة الثّورة التّحريريّة الجزائريّة، ط2، دار النّفائس بيروت، سنة 1986، ص: 214،215. الحاكمان العسكريّان هما فيقوروس وقوتيي، وُلِّيَ الأوّل في غرداية في أوّل العشرينيّات، دام حاكما لميزاب إلى أوّل الأربعينيّات، فكانت مدّة حكمه عشرين عاما أو تزيد، خلفه الثّاني (قوتيي) بعد ذلك .. ينظر أعلام الإصلاح في الجزائر، ج4، ص:43، 44. يقول الأستاذ نوّار لمباركيّة، معلّقًا على زيارة الشّيخ بيّوض لمدينة باتنة والتقائه بأعيانها في الثّلاثينيّات: " ... وقد وردت أخبار هذه الزّيارة مقتضبة في تقرير أمنيٍّ، أعدّه وأرسله رئيس ـمن (باتنة) إلى رئيس دائرتها في يوم 25 ديسمبر 1934م،. ويشير فيه إلى إلى أنّ إعداد هذا التّقرير ينسجم مع التّوجيهات الأخيرة، التي تفرض مراقبة شديدة ومتابعة مكثّفة لتحرّكات الهالين كمّا سمّاهم ... (من مقال، عنوانه: الحضور الإباضي في مدينة باتنة وضواحيها، منذ الدّولة الرّستميّة حتّى استرجاع استقلال الوطني، مجلّة الحياة، القرارة، عدد: 19، رمضان 1436هـ/جويليّة 2015م، ص: 247. (1/38)
صفحة 39
على الإقامة الجبريّة سنوات، أو من تسليط أذنابه وعملائه على مشاغبته، وتنغيص حياته بأنواع المنغّصات، وبلغت القمّة في محاولة اغتياله مرّات عديدة، في حوادث تاريخيّة كبرى." (1)
نسيت فرنسا ونسي معها طغاتها أنَّ هذه الإجراءات لا تجدي، وأنَّ حكم الإقامة الجبريّة لا يفيدها، بل يفيد الشّيخ بيّوض في الدّرجة الأولى، لأنَّ نشاطه لا يُحدُّ بمكان معيّن، فهو يؤثِّر ويثمر حيثما يكون.
كما أنَّ ذلك يساعده على الاستقرار وإعادة ترتيب بيته من جديد، وبكلِّ تركيز؛ للاستعداد للمرحلة اللّاحقة. ولم تَدْرِ فرنسا أنَّ صوته وأثره ينتقلان إلى الأماكن المحرَّمة عليه بواسطة أبنائه الذين يربٍّهيم ويكوّنهم ويعدُّهم الإعداد الجيّد؛ ليقوموا بأدوارهم في محاربتها ومقاومة كلّ مخطّطاتها ... (2)
فعلًا وبمجرّد خروجه من الإقامة الجبريّة سنة 1944 واصل عمله السّياسي بكلّ قوّة، فرفع السّلاح ضدّ الاستعمار من جديد؛ سلاح التّحدي والمطالبة بتحقيق مطالب الجزائريّين المهضومة. فنادى بإلحاق الصّحراء بالجزائر، في نطاق مشروع الدّستور المزعوم الذي منحته السّلطات الفرنسيّة للجزائر سنة 1947، وطالب فرنسا برفع الحكم العسكري عن الجنوب الجزائري، وإلغاء التّجنيد الإجباري في الجزائر، وكفالة الحريّات
__________
(1) - في رحاب القرآن، الإمام الشّيخ إبراهيم بيّوض، نشر جمعيّة التّراث، العطف، غرداية، الجزائر، 1989م، ص: 100. عن القيود التي كان فرضها الاستعمار الفرنسي على الشّيخ بيّوض، منذ بدأ نشاطه الإصلاحي والوطني والسّياسي يطفح على السّاحة الوطنيّة .. ينظر ما ذكره الدّكتور محمد بن عمر لعساكر، في محاضرته:" جهاد الشّيخ بيّوض بين الإنصاف والإجحاف"، كتاب الملتقى الأوّل لفكر الإمام الشّيخ إبراهيم بن عمر بيّوض، المنعقد في القرارة يومي: 8،9 من محرّم 1421هـ/ 13، 14 من أفريل 2000م، نشر جمعيّة الحياة، القرارة، الجزائر، 2002م، ص: 60 – 62 .. ينظر أيضًا محاضرة الدّكتور محمد بن موسى بابا عمّي، "الإمام الشّيخ بيّوض من خلال الوثائق السّريّة الفرنسيّة." المرجع السّابق، ص: 129 – 139.هذه المضايقات والتّدابير تمثّلت في الإقامة الجبريّة، وتقييد حريّة تنقّله، وفرض غرامات، والاستنطاقات، وتفتيش معهده، وكتابة التّقارير السّريّة، ومضايقته ومراقبته في دروسه وخطبه. وتسجيله في دفتر ( B) . هذا الإجراء الأخيرلا يطبّق إلاّ على المشبوهين الخطرين، وبمقتضاه لا ينتقل هذا الشّخص المسجّل في هذا الدّفتر إلاّ بموافقة الوالي العام، ويخضع في جميع تنقّلاته لسلطات البلدة التي يحلّ بها. ثمّ يحرّر تقرير مفصّل عنه وعن نشاطه في المدينة، يرسل إلى سلطات الإقليم العسكري، وإلى مديريّة شؤون الأهالي بالولاية العامّة .. وتكون هذه التّقارير في متناول السّلطات العسكريّة لاستغلالها في التّضييق على المعنيّ .. هذا ما كان يتعرّض له الشّيخ بيّوض طول نشاطه الوطني في الفترة الاستعماريّة .. وغير ذلك من الإجراءات التّعسّفيّة والظّالمة، غير المحدودة.
(2) - ينظر عبد الحميد بن باديس وبناء قاعدة الثّورة الجزائريّة، ص: 215. (1/39)
صفحة 40
الشّخصيّة الدّينيّة والسّياسيّة، وحريّة الاجتماع والنّشر والتّعليم العربي، والاعتناء بالصّحة والعلاج والاقتصاد، وإلغاء دور البغاء والميسر، ومنع بيع الخمر ... (1)
يقول الشّيخ إبراهيم بوعروة: " ... البطل الذي قام بإزالة الحكم العسكري من كامل تراب الصّحراء، وعوّضه بالحكم المدني، والذي توصّل إلى ربط وادي ميزاب بالجزائر رأسًا، وذلك رغم الصّعاب والعراقيل التي واجهته في مهمّته من طرف الحكّام العسكريّين الأقويّاء، والمعاكسات المحليّة المدبّرة من طرف الاستعمار، هو الشّيخ بيّوض الحاج إبراهيم بن عمر. تغمّده الله برحمته الواسعة، وأسكنه فسيح جنانه." (2)
قدّم الشّيخ بيّوض مطلبه في شأن إلغاء الحكم العسكري عن كامل قرى الجنوب الجزائري يوم: 24 من أفريل سنة 1946م، وصدر قرار الموافقة على إزالته يوم: 20 من سبتمبر سنة 1946م .. أي بعد مضيّ ستّة عشر شهرًا .. (3)
__________
(1) - ينظر الشّيخ إبراهيم بن عمر بيّوض، نداء إلى الشّعب الميزابي النّبيل، الجزائر يوم 24/ 04/1946. وبكير سعيد أوعشت، الإمام بيّوض وجهاده الإسلامي في الجزائر، المطبعة العربيّة غرداية (الجزائر) سنة 1987، ص: 73. وإبراهيم بن بابا بوعروة ... ، مبحث " مسألة ضمّ ميزاب إلى عمالة الجزائر، ص: 133 – 135. وص: 147 وما بعدها ...
(2) - إبراهيم بن بابا بوعروة ... ، ص: 135.
(3) - المرجع السّابق، ص: 149. (1/40)
صفحة 41
/
الشّيخ بيّوض والمجلس الجزائري
واصل الشّيخ بيّوض كفاحه السّياسي، فرشّح نفسه سنة 1948 للمجلس الجزائري؛ ليسهم بواسطة هذا المجلس في الدّفاع عن القضايا الوطنيّة، وليُسمع المسؤولين صوت الجماهير. وإلى هؤلاء الحكّام والمهيمنين على حياة الجزائريّين، الذين تجاهلوا وجوده وحقّه في الحياة. (1/41)
صفحة 42
تردَّد كثيرًا قبل اتّخاذ هذا القرار، ولم يُقدم عليه إلّا حين ألحَّت عليه الجماهير، وحين وجد أنَّ الابتعاد عنه يفتح الباب لمن هو أقلّ كفاية، أو لمن ليس مؤهَّلًا أصلًا لشغل هذا المنصب فيضرّ الوطن. خاصّة وأنّ السّاحة السّياسيّة والوطنيّة شهدت تطوّرات خطيرة، فقد بدأت قضية فصل الصّحراء تلوح في الأفق، وانعكاسات مهمَّة بدأت تطرأ بعد حوادث الثّامن من ماي 1945 ... ممّا أنبأ بحدوث صراع كبير، يتطلّب يقظة كبيرة، ورجالًا أكفاء يواجهون هذه الوضعيّة، فالتّحرّك سيكون سياسيًّا، والعمل يكون دقيقًا، وكلّ قرار يتّخذ ستنتج عنه نتائج خطيرة، وكلّ خطإ يرتكب سيكلّف الوطن غاليًا.
قال المُقدَّم الأستاذ بسّام العسلي: " رأى رجال النّهضة وحزب الإصلاح أنَّ المعارك بينهم وبين الاستعمار في المستقبل ستكون معارك ديبلوماسيّة خطيرة، إنّها مسألة فصل الصّحراء عن الشّمال، وما يجب أنْ يفعلوه لتظلَّ الصّحراء جزءًا من الشّمال، فلا بدّ من نائب لهم في المجلس الجزائري، تتوافر له الكفاءة والقدرة من أجل إحباط المخطّطات الاستعماريّة. ووقع اختيار الجميع على الشّيخ بيّوض، غير أنَّ الشّيخ رفض العرض، وأظهر تمسُّكه بميدان العلم ... غير أنَّ أهل ميزاب ورجال نهضتها ما زالوا به حتّى أقنعوه بقبول المنصب؛ حتّى لا تترك ثغرة ينفذ منها الاستعمار وأذنابه." (1)
أمّا الشّيخ بيّوض فقال عن نفسه:" ... وفي تلك الظّروف قرّرت أنْ أُرشِّح نفسي لذلك المجلس بدافع وطني، وبتحريض من أغلبيّة سكّان وادي ميزاب، الذين أعلنوا أنّهم لا يريدون العزلة والانفصال، وأنّهم يرتبطون بالشّمال ... " (2)
أعمال الشّيخ بيّوض في المجلس الجزائري تظهر من خلال نظرته وتصريحاته حول مفهوم النّائب ودوره، وما ينتظر ممّن يتولَى منصب النّيابة أو
__________
(1) - عبد الحميد بن باديس ... ، ص: 218.
(2) - من تقرير وفد المجلس الإسلامي الأعلى الموفد إلى ميزاب من وزارة الأوقاف في سبتمبر 1967، (مخطوط)، ص: 4. ينظر الشّيخ إبراهيم بن عمر بيّوض، أعمالي في الثورة، نشر جمعيّة التّراث، القرارة، غرداية، الجزائر، 1990م، ص: 79، 80. الوفد كان متكوِّنا من السّادة المشايخ: محمد خير الدّين، مصطفى فخّار، المهدي بوعبدلي، أحمد قصيبة. تمّ انتخاب الشّيخ بيّوض في المجلس الجزائري نائبا لدائرة غرداية يوم 20 أفريل 1948، وأعيد انتخابه للمنصب نفسه سنة 1951. (1/42)
صفحة 43
عضويّتها ..
قال الشّيخ: " ليس لِلَقب النّائب عندي قيمة، إلّا بقدر ما أجلب لقومي من خير، وأدفع عنهم من ضرٍّ، لا يهمُّني أنْ أبرز في المجلس في غير ما يتّصل بقومي ووطني الجزائر، وأنّي لأنفع أمّتي بهذا اللّقب خارج المجلس كذلك، فإنَّ الحامل لِلَقب النّائب تُفتح في وجهه أبواب كانت موصدة، وتصغي إليه آذان كانت تتصامم.
إنّني أعدكم أنّني لا أنتفع بهذا اللّقب لشخصي، إلّا بقدر ما يعينني على أداء مَهمَّتي، فما تقبّلت النّيابة لغرض شخصي، ولا لنفع مادي، إنّني وقفت حياتي فيما مضى على أمّتي، وإنّني أقف عليها ما بقي من أيّامي، والله حسبي! " (1)
لقد استغلّ الشّيخ بيّوض هذا المنبر وهذا المنصب للدّفاع عن القضايا الإسلاميّة والعربيّة والوطنيّة، التي لا يمكن لها أنْ تعرض، ولا أنْ تناقش، ولا يسمح لها حتى أنْ تذكر – أحيانا- خارج هذا الإطار أو هذا التّجمّع.
قدّم الشيخ بيوض خدمات جُلَّى للوطن في هذا الفضاء. يشير إلى بعضها رفيقه في المجلس الجزائري السّيّد محمد العربي دماغ العتروس، ويوضّح دوره ومكانته في هذا المجلس وحقيقة نضاله بواسطته: " التقيت معه مع بعض إخواننا في محراب الحقّ والوطنيّة. نعم لا أستغرب أبدا موقف الشّيخ بيّوض يوم رفع عقيرته في وجه الطّغيان الفرنسي قبل الثّورة وأثناء الثّورة، وذلك أنّه ما فتئ يصدر عن تعاليم الإسلام السّمحة التي لا تساوم على الحقّ، وعلى المبادئ أبدًا، عرفته وهو يتّجه نحوي مبتسمًا أثناء جلسة صاخبة في المجلس الجزائري، ندافع فيها عن العربيّة، وعن الإسلام، ونريد أنْ نبطل حجج المبطلين والحاقدين الفرنسيّين المستعمرين، على أنْ تبقى بعض الأغراض، وبعض العادات السّيّئة مقنَّنة على أيدي مشرِّعين فرنسيِّين، مطبَّقة على أجزاء من وطننا، ومن شعبنا، نعم اتّجه نحوي، وكان الجدال محتدمًا، وكثيرًا ما أخرجنا بقوّّة السّلاح من المجلس، لأنّنا نرفع ونحرّك لساننا بكلمة الحقّ ... " (2)
__________
(1) - نهضة الجزائر الحديثة ... ، ج3، ص: 206،205.
(2) - في رحاب القرآن (مهرجان ختم تفسير القرآن الكريم، وتأبين الشّيخ بيوض)، جمعيّة التّراث، العطف، الجزائر، سنة 1989، ص: 132. (1/43)
صفحة 44
هكذا كان الشّيخ بيّوض يصدح بالحقِّ، وكان ينافح عن البلاد .. همّه الوحيد هو تحرير الوطن، وتخليصه من براثن الاستعمار. كان مشاركًا وحاضرًا في أحداث الوطن بفكره وقلمه ويده وتوجيهاته ووجدانه .. هو الذي كان ينظّم هذه المجالات وينسّق بينها، ويقترح الوسيلة المناسبة، حسب الظّروف والمناسبات، والأليق منها للوضع الرّاهن والموقف الحاسم.
بهذه الرّوح الوطنيّة والإسلاميّة العاليّة، وبهذه الرّؤية المعمّقة، وبهذه الواقعيّة في عرض القضايا ومعالجة المسائل، ومواجهة الأحداث المستجدّة ... بكلّ ذلك أكمل مشواره السّياسي، وعمله الوطني في تعاون وتكاتف وتنسيق تامٍّ مع زملائه في الجهاد.
الشّيخ بيّوض والثّورة التّحريريّة الجزائريّة (1)
لمّا اندلعت الثّورة التّحريريّة الكبرى واصل الشّيخ بيّوض عمله السّياسي ونضاله الوطني، وفي إطارها قدَّم ما عليه. وكانت اسهاماته فيها كثيرة، ودوره فيها كان بارزًا. نحاول فيما بأتي وضع معالم في مسيرة هذا الجهاد، وتقديم صورة مجملة عن هذا النّضال؛ بما يساعد القارئ الكريم على أخذ فكرة عامّة عن كفاح الشّيخ بيّوض في الثّورة التّحريريّة الجزائريّة، ورسم صورة حقيقيّة عن نشاطه السّياسي، من دون التّعرّض للتّفاصيل التي
__________
(1) - عن مواقف الشّيخ بيّوض وأدواره في الثّورة التّحريريّة، المستفادة من شهادات وتصريحات، ينظر محمد بن سليمان أبو العلا، صفحات من الكفاح، (خاصّ بالشّيخ بيّوض والاستعمار الفرنسي في الجزائر)، ط1، نشر جمعيّة التّراث، القرارة، غرداية، الجزائر، 2012م، ص: 123 وما بعدها. والدّكتور محمد صالح ناصر، كتابه: مشائخي كما عرفتهم، ط2، نشر دار ناصر للنّشر والتّوزيع، الجزائر، 1434هـ/ 2013م. مبحث:" كفاح الشّيخ بيّوض إبراهيم في الثّورة "، ص: 136 – 142. هذا المبحث هو في الأصل وثيقة كتبها الشّيخ سليمان بن داود، ابن يوسف (ت1992م) قدّمها وألقاها خطابًا في القرارة، في عرس ابن الشّيخ بيّوض علي، وحفيده حسن، يوم 09 من أفريل 1963م. فيها معلومات قيّمة عن مشاركة الشّيخ بيّوض في الثّورة التّحريريّة. تنشر لأوّل مرّة. (1/44)
صفحة 45
تكون لها فرصة أخرى إن شاء الله.
في أوائل جوان 1955 وقع أوّل لقاء بين الشّيخ بيّوض والسّيّد ربّاح الأخضر، بواسطة السّيّد إبراهيم الحاج أيّوب، في حسين داي بالجزائر العاصمة، كما حصل لقاء آخر بين الشّيخ بيّوض والشّهيد عبّان رمضان والسّيّد ابن يوسف بن خدّة. بعد هذين اللّقاءين أعطى الشّيخ بيّوض الإشارة الخضراء للعمل الثّوري في مدن الشّمال (1)
ممّا أسفر عنه هذان اللقاءان تكليف عبّان رمضان وابن يوسف بن خدّة الشّيخ بيوض والشّيخ سليمان بن يوسف " بتكوين بعض المراكز في دكاكين المزابيِّين في أحياء غلاة المستعمرين، تكون لاجتماعاتهم السّريّة، ومراقبة تطوّرات حرب التّحرير عن كثب" (2). و تمّ - فعلًا - إنشاء ثمانيّة عشر مركزًا (3).
من ذلك الحين أصبحت دكاكين المزابيِّين تعجّ بالثّوّار، خاصّة المسؤولين الذين كانوا يعقدون كثيرًا من اجتماعاتهم، وينفِّذون مأموريات عديدة فيها. إلى هذا يشير المجاهد ربّاح الأخضر: " فأيّ مجاهد أو فدائي في أيّ ناحية يتقدّم إلى دكّان ميزابي، مستظهرًا بكلمة سرٍّ خاصّة يتلقَّى على الفور كلّ المساعدات الممكنة. " (4)
أمّا في وادي ميزاب فقد قدم إلى مدينة القرارة السّيّد أحمد بن عيسى خبزي، موفدًا من القيادة العامّة لجيش التّحرير الوطني، ليطلب من الشّيخ بيّوض الانضمام إلى الجيش؛ تلبية لنداء الوطن، فكان جواب الشّيخ: " أنا في كفاح ضدّ الاستعمار من قبل سنة 1920، وقد منعت من الدّخول إلى مدينة (بسكرة) سنة 1933، وأمّا حاليا وخلال سنة 1955 فأنا في اتّصال مباشر مع السّيّد ابن خدّة بالجزائر العاصمة، في نظام جبهة التّحرير الوطني، ثم قال له: لقد قمنا في وادي ميزاب بنظام محكم للعمل في
__________
(1) - ينظر محمد لبجاوي، ثورة العاصمة أو ثورة الجزائريّين، ص: 29، وجريدة الشعب (الجزائر)، عدد: 7327، يوم 18/ 05/1987م، وما أدلى به المناضل ربّاح الأخضر بعنوان (لحظات ميلاد النّشيد الوطني).
(2) - حمّو بن محمد النّوري، دور الميزابيّين في تاريخ الجزائر قديما وحديثا، المجلّد الثّاني، دار الكروان، باريس، 1984م، ص: 63.
(3) - المصدر نفسه.
(4) - جريدة الشّعب، عدد: 7327. ينظر أيضا دور الميزابيّين في تاريخ الجزائر قديما وحديثا، مج2، ص: 120 وما بعدها. (1/45)
صفحة 46
صفوف الثّورة التّحريريّة، وقد جمعنا سلاحًا كثيرًا، خذه معك إلى القيادة، وقبل مغادرة السّيّد أحمد خبزي مدينة القرارة كلّف الشّيخ بيّوض بتكوين خلايا للعمل الثّوري.
يضيف الشّيخ بيّوض: " بدأ العمل الثّوري في جهتنا بميزاب في أواخر سنة 1955، بثورة بسيطة تتلخّص في قدوم بعض التّجار من الذين اعتادوا التّجارة في الحبوب والكسوة والحيوانات بهذه الجهة، يشترون الأسلحة سرًّا ينقلونها إلى بسكرة على طريق تقرت، أو طريق أولاد جلال، فلم يكن عملنا يومئذ إلّا تيسير عملهم؛ بتحريض من عرفنا عنده سلاحًا ليبيعه لهم إعانة للثّورة – ولم يكونوا يومئذ يطلبون السّلاح تبرّعًا- خرج بهذه الطّريقة أكثر ما كان في جهتنا من سلاح.
في أواسط السّنة (1) قدم إلينا (جغابة محمد) بواسطة أولاد الخبزي من بسكرة، فاتّصلت به كما اتّصل به إخوان آخرون، وتعاهدنا على العمل معه ... " (2)
يذكر الأستاذ محمد بن سليمان أبو العلا أنّ التّنظيم الثّوري بميزاب: " بدأ بمقدم السّيّد جغابة محمد إلى القرارة، ثمّ بعده بعثة السّيّد زيّان عاشور – قائد الصّحراء – للسّيّد سليمان لغزال إلى القرارة، والذي أشرف على تنظيم خليّتين. وكان الشّيخ بيّوض يملك منظارًا مكبِّرًا، من أحسن المنظارات في ذلك الوقت، من صنع ألماني، فأهداه إلى سي زيّان، قائد الثّورة بالصّحراء، بواسطة مبعوثه السّيّد سليمان لغزال، وكان جنود جيش التّحرير الوطني بفضّلون المنظار على قطعة سلاح في أغلب الأحيان. والسّيّد لغزال كان عازمًا على حمل شحنة من السّلاح في شاحنة التّمر اشتراها، لكن عندما شعر بأنّ رجال الدّرك تترصّده، ارتاب في الأمر تاركًا السّلاح والمنظار لدى صديق ثقة، وخرج بالتّمر فقط، وما سار قليلاً حتّى لحقه الدّرك، وأفرغوا الشّاحنة فلم يعثروا سوى على التّمر فخلّوا سبيله. ثمّ أخرج السّلاح بعد سكون الطّلب." (3)
هذاه الفقرة تبيّن بكلّ وضوح، وتسجّل بكلّ دقة جانبًا من عمل الشّيخ بيّوض، متعدّد الجوانب، كما تظهر استعداده المبكّر للعمل الثّوري. وما
__________
(1) - يقصد الشّيخ بيّوض سنة 1956م ..
(2) - الشّيخ بيوض، أعمالي في الثّورة (مخطوط)، ص: 3. ص: 21، 22 (المطبوع).
(3) - صفحات من الكفاح، (خاصّ بالشّيخ بيّوض والاستعمار الفرنسي في الجزائر)، ص: 141. (1/46)
صفحة 47
امتلاكه المنظار الذي أعجب به قائد الصّحراء إلاّ دليل على التّخطيط الذي كان الشّيخ بيّوض يقوم به لتوفير وسائل العمل الثّوري، فعلى الباحث عن الحقيقة في عمل الشّيخ بيّوض في الثّورة أن يتأمّل في هذا التّدبير، وينظر بعين فاحصة ومكبّرة، وبمنظار مكبّر صحيح إلى عمق ما كان يفكّر به الشّيخ بيّوض، وما كان يقوم به، حتّى يعرف هذه الحقيقة، ويقف في جانب المنصفين لمن يعمل بتخطيط وتدبيرمحكمين، ليجنّب الثّورة المزالق والمهالك والمطبّات التي يتسبّب فيها المتهوّرون؛ طبقًا لقول الشّاعر•ينقل البيت)
الرَّأْيُ قَبْلَ شَجَاعَةِ الشُّجْعَانِ ... هِيَ أَوَّلٌ، وَهوَ المَحَلُّ الثَّانِي
أثبت الأستاذ محمد أبو العلا – دليلاً على ما ذكره – شهادة أحد تلاميذ الشّيخ بيّوض في الموضوع، وهو الشّيخ سعيد بن عبد الله الشّيخ دحمان (ت) مقرّر المجلس البلدي الثّوري، رقم: 1167. في الفقرة التي نقلها الأستاذ محمد أبو العلا من تقرير كتبه الشّيخ سعيد الشّيخ دحمان (1) سجّل فيها نشاط أهل القرارة الثّوري، الذي كان قائمًا قبل قدوم السّيّد محمد جغابة، المتمثّل في جمع الأسلحة والتبرّعات، تحت إشراف الشّيخ إبراهيم بيّوض، رئيس خليّة الإباضيّة، والحاج سلامة بن أحمد سلامة، رئيس خليّة العرب المالكيّة في القرارة ..
ورد في الفقرة المذكورة – أيضًا - مرافقة الشّيخ حمّو بن عمر لقمان (ت1965م) للسّيّد محمد جغابة من القرارة إلى مدينة متليلي، التي اتّخذها مركزًا له .. وما قاما به في طريقهما ذهابًا وإيّابًا .. وفيها – أيضًا – سرد لبعض أسماء أعضاء الخليّتين, .. ثمّ قال الشّيخ سعيد الشّيخ دحمان:
" ... وإنّما اقتضى نظر القيادة أن تستقلّ كلُّ واحدة من الخليّتين بعملها؛ ليكون كتم السّرّ مضمونًا، وحتّى يكون السّرّ – عند افتضاح الأمر – محصورًا. وكان هذا الإجراء متّبعًا في غير القرارة أيضًا، عند التّجّار الميزابيّين لنفس الغرض.
وقد قام رئيس كلِّ خليّة وأعضاؤها والعاملون تحت إشرافها بما عاهدوا
__________
(1) - ينظر مخطوط، حرّره الشّيخ سعيد بن عبد الله الشّيخ دحمان بيده، حول العمل الثّوري في منطقة ميزاب بتاريخ 20 من جمادى الأولى 1405هـ/ 10 من جانفي 1985م. (1/47)
صفحة 48
الله عليه خير قيام طوال سنوات الثّورة إلى الاستقلال." (1)
لقد عمل الشّيخ بيّوض بكلّ حزم ونشاط وإخلاص لإنجاح الثّورة، بمعيّة أصدقائه وتلاميذه الذين بذلوا قصارى جهودهم في هذا المضمار. (2) كان نشاط الشّيخ متمثّلًا – أساسًا - في الاشراف على العمل الثّوري في منطقة وادي ميزاب، وفي جمع المُؤن والأسلحة، وإيواء الثّوّار الذين يزورون المنطقة، وتوفير الأمن لهم في أثناء تنقّلاتهم من مركز إلى مركز. (3)
أ - اتّصالاته المكثّفة بالمسؤولين في الثّورة: (4)
كان الشّيخ بيّوض محور النّشاط في منطقة وادي ميزاب، وكان نقطة الاتّصال والتّنسيق بين مختلف التّحرّكات والعمليّات الثّوريّة في مختلف مناطق العمل، وكانت شبكة الاتّصال بينه وبين العاملين واسعة وكبيرة.
من خلال ما نذكره من اتّصالات الشّيخ بيّوض بمختلف الشّخصيّات والمسؤولين، وفي مختلف الأماكن، وعلى اختلاف الأزمنة؛ تتبيّن لنا حقيقة العمل الذي قدّمه للثّورة، ومدى إسهامه فيها، ويبدو العبء الثّقيل الذي كان
__________
(1) - صفحات من الكفاح (خاصّ بالشّيخ بيّوض ... )، ص: 141، 142.
(2) - عند انطلاق ثورة التّحرير، لم يجد المزابيّون صعوبة في التّأقلم مع الأوضاع، لأنّ منهم - كما تقدّ م ذكره - من كان يناضل في صفوف الحركات الوطنيّة، أو يتعاطف معها على كلّ الاصعدة، جزائريّا أومغاربيّا، لنظرتهم الشّموليّة. فكان طبيعيّا أن نجد الميزابيّين من أوائل المنخرطين في جبهة التحرير. وفي طليعة هؤلاء، نذكر مثلا طلبة البعثة العلميّة المزابيّة في تونس. فعندما نظم مفدي زكريّاء النّشيد الوطن للجبهة، الذي تقرّر ضرورة كتابته في جوان 1955، التمس مفدي من صديقه محمد تريكي وضع لحن مناسب له، ليسجّل بعد ذلك، لأوّل مرّة في تونس، بواسطة طلبة شباب من "الزّيتونة "، وتمّ ذلك في ليلة من ليالي ديسمبر 1955، في دار "الخلدونيّة". ولقد كان للأديب صالح خرفي (1932 – 1998) خلال سنة 1956 مداخلات سياسيّة على أثير الإذاعة التّونسيّة، يحثُّ فيها على الالتحاق بالثّورة ولتّعبئة العامّة، ولقيت -صدى إيجابيًّا واسعًا في وادي ميزاب. Rapport n° 565/AS/S, août. ) 1956. ينظر الشّيخ بيّوض في قلب الثّورة، ص: 14.
(3) -عن بعض الوفود استقبلها الشّيوخ بيّوض في مختلف الأماكن في القرارة، وفي مختلف المناسبات يتظر صفحات من الكفاح (خاصّ بالشّيخ بيّوض ... )، ص: 154 – 162. كان والدي المغفور له - بإذن الله تعالى -: قاسم بن الحاج عمر ناصر بوحجام، ممّن كان ينقل الثّوّار من مكان إلى مكان في بعض فترات وجودهم في القرارة، وبخاصّة في المراكز التي كانت في غابات القرارة، المتراميّة الأطراف، وعادة ما كان يتمّ هذا ليلاً، كما حكى لنا بعضًا من هذه الرّحلات بين الغابات في مغامرات كبيرة؛ تضحيّة وأداء للواجب الثّوري الوطني ... وله طرائف ونوادر في هذا العمل الكبير .. كانت عمليّات التذنقّل تتمّ في ظروف صعبة وحرجة للغاية ..
(4) - عن تفاصيل هذه الاتّصالات ينظر صفحات من الكفاح (خاصّ بالشّيخ بيّوض ... )، ص: 166 وما بعدها. (1/48)
صفحة 49
يحمله على عاتقه، وتنكشف الأدوار الكبيرة التي كان يقوم بها في كامل أيّام الثّورة التّحريريّة.
1ــ اتّصاله بالأخوين عبّان رمضان، وابن يوسف بن خدّة، بحضور المناضل الحاج أيّوب إبراهيم [بن بالحاج]، بواسطة المجاهد ربّاح الأخضر.
2 ــ اتّصاله ببعض المسؤولين في الثّورة بباتنة في شهر جوان 1955 بمنزل السّيّد سليمان بوعصبانه عمر بن الحاج إبراهيم، وسليمان بوعصبانه محمد بن يحيى. هؤلاء المسؤولون هم سعادة إبراهيم، محمود الواعي، ودردوري محمد الهاشمي (1).
3 - اتّصاله ببعض المسؤولين في قسنطينة بواسطة السّيّد حمّو بن عبد الله،
وفي سطيف بواسطة داود فخّار، وذلك بعد الحملة التي قام بها المصّاليّون في شهر سبتمبر 1955 لمقاطعة التّجّار الميزابيّين (2).
4 ــ اتّصاله بالسّيّد أحمد خبزي، وهو ضابط في جيش التّحرير الوطني، الذي بعثه العقيد الحوّاس إلى منطقة غرداية لتبليغ الثّورة إليها، وتكليف الشّيخ بيّوض لتعيين جماعة، تقوم بتنظيم خلايا الميزابيّين الموجودين عبر الوطن (3)
5ـ اتّصاله بالسّيّد جغابة محمد، لمَّا كلّفه العقيد الحوّاس بمواصلة مشوار سلفه في غرداية.
6 ـ اتّصاله بالسّيّد محمود بن أحمد حكيمي في العلمة، وببعض أعيان المدينة. يذكر السّيّد إبراهيم بن النّاصر حميد أوجانة (ملاّلي) أنّ قيادة الثّورة اتّصلت بالإخوة الميزابيّين الموجودين في مدينة العلمة (سانتارنو)، بواسطة الأخ محمود بن أحمد حكيمي، الذي طلب من السّيّد بابه بن النّاصر
__________
(1) - ينظر الدّكتور نور الدّين بن عبد الله، ملاحظات على ملاحظات، ص: 5. (مخطوط). حول ما نشر في جريدة الشّعب، ع: 7603، بتاريخ: 04/ 04/1988م. ردّ في هذ المقال على إبراهيم بن صالح رمضان، الذي قدّم نقدا (بل انتقادًا) لكتاب بكير أوعشت (الإمام إبراهيم بيّوض وجهاده الإسلامي). صاحب (ملاحظات على ملاحظات) هو المرحوم المجاهد محمود الواعي، الذي قدّم هذه الملاحظات باسم مستعار (د. نور الدّين بن عبد الله).
(2) - المصدر نفسه.
(3) - شهادة السّيّد أحمد خبزي في حقّ الشّيخ إبراهيم بيّوض تحت نظام جبهة التّحرير الوطني. ينظر الملحق رقم: (6) من هذا الكتاب. (1/49)
صفحة 50
لمسن الاتّصال بالميزابيّين في المدينة للاتّفاق الجماعي على العمل مع الثّورة. وذلك في أواخر سنة 1955م.
بعد اسنشارة الشّيخ بيّوض، الذي قدم إلى العلمة، قادمًا إليها بعد زيارة مدينة قسنطسنة، وبعد لقائه بالسّيّد محمود حكيمي، والاستفسار والاستيضاح في أمر الثّورة، (وقد كانت الأمور غير واضحة في البداية) .. أمرنا الشّيخ بالعمل مع الثّورة جماعيًّا، فتكوّنت لهذا الغرض جماعة من ستّة أفرادٍ، لدراسة كيفيّة العمل مع الثّورة، ومن بين ذلك تنظيم الاشتراكات ... " (1)
بعد أن أعطى الشّيخ إبراهيم بيّوض الضّوء الأخضر للميزابيّين للعمل مع الثّورة؛ بعد اتّضاح الأمور، نشطوا في العمل الثّوري، وقاموا بأعمال كبيرة، وأسهموا إسهامات مهمّة في مقاومة الاستعمار، وتوسيع دائرة العمل مع سكّان المدينة وما جاورها.
يقول محمود حكيمي: " عند اللّقاء الذي وقع بيني وبين الأستاذ الشّيخ بيّوض إبراهيم، بدكّان الأخ قورية (المشار إليه سابقًا، بجوار دكّان حميد أوجانه إبراهيم، المدعو ملاّلي)، وبعد الاستفسار عن الوضع قرّر الشّيخ بأن يعطي التّعليمات إلى ميزابيِّي العلمة للعمل والاندماج في الثّورة، وتدعيم جبهة التّحرير الوطني، كذلك صرّح لي أنّه سوف يعطي نفس التّعليمات في مدينة باتنة، للمكلّف بشؤون الجماعة الميزابيّة، الأخ أزقاو عمر.
منذ ذلك الحين انطلقت أعمالنا مع جماعة العلمة بجدّية وتنظيم محكم للغاية. في الواقع الجميع قاموا بواجبهم منذ اللّحظة الأولى ... " (2)
بعد أن عرض محمود حكيمي بعض الأعمال الفدائيّة والتّضحيّات التي قام بها الميزابيّون في مدينة العلمة وما جاورها، ضدّ المستعمر المحتلّ ... سجّل الشّهادة الآتيّة: " أخيرًا أعترف بالجميل كذلك للأستاذ الشّيخ بيّوض. إذ بفضله نجا العميد سليمان من القتل؛ بسبب تصفيّة الحسابات، إذ قام بالاتّصال بقيادات الثّورة في الخارج، بواسطة البعثة
__________
(1) - ينظر الأستاذ لمسن النّاصر بن بابا، دور الميزابيّين في الثّورة التّحريريّة بمدينة العلمة، نشر جمعيّة التّراث، القرارة، غرداية، الجزائر، (د. ت)، ص: 12، 13.
(2) - المصدر السّابق، ص: 30، 31. قوريّة، هو أحمد بن ... حميد أوجانه. (1/50)
صفحة 51
الإباضيّة العلميّة بتونس، فجاءت الأوامر بسرعة لعدم تنفيذ تلك الأعمال." (1)
7 – في آخر شهر أكتوبر 1956م، احتمع مع السّادة: دحلب وابن مهيدي وعبّان رمضان، وابن خدّة، ونادوا ابن سالم لتأسيس ولاية الصّحراء، وكان زيّان في بوسعادة وحوّاس في بسكرة لوحدهم .. (2)
يقول الشّيخ إبراهيم بن بابا يوعروة: " وكان من جملة اتّصالاته، وبالتّحديد في شهر فيفري سنة 1956 وقعت له (أي الشّيخ بيّوض) مقابلة في مدينة الأغواط - بصفته ممثّل منطقة ميزاب – مع الأستاذ محمد بن سالم، الممثّل السّياسي للجبهة، وبوخلخال معمّر بن الرّميلي، الممثّل العسكري لها، وطلب منهما السّعي إلى توحيد قيادة الجبهة بوادي ميزاب، وجعل حدٍّ للمنافسة الموجودة بين قيادة الأخ قهيوة، المتمركزة في ناحيّة سطَّافة، قرب مدينة بريّان، وبين قيادة بلخير العيفاوي، بإشراف الأخ غزال الحاج سليمان بن عبد القادر، المتمركزة بمدينة العطف.
وبفضل مساعي الجميع، فإنّه تمّ توحيد القيادة في شبكة وادي ميزاب، حيث وقع ضمّها نهائيًّا إلى الولاية السّادسة، تحت قيادة العقيد الحوّاس، وتحت إشراف الأخ جغابة محمد، وذلك في أواخر أكتوبر من سنة 1956م. وكان الغرض من ذلك هو إقصاء منظّمة الحركة الوطنيّة الجزائر M.N.A عن المنطقة؛ لأنّها مدعومة بعيون من الاستعمار، وفي ذلك خطر للجبهة" (3)
بعد هذه الفقرة وردت شهادة المناضلين محمد بن سالم ومعمر بوخلخال حول هذا اللّقاء وما دار فيه، والشّخصيّات الميزابيّة التي حضرته، وتسجيل الدّعم المعنوي والمادي اللّذين لقياهما من الحاضرين، معبّرين عن كلّ الميزابيّن. إلى أن يقول التّقرير:" ... وبفضل الشّيخ بيّوض وأنصاره، أمثال: ابن يوسف سليمان والشّيخ بكلِّي عبد
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 32.
(2) - ينظر مشائخي كما عرفتهم، ص: 137.
(3) - الشّيخ حمو بن عمر فخّار، إبراهيم بن بابا بوعروة (الشّيخ بابا ثامر) حياته وآثاره، إعداد وتقديم وتخريج الدّكتور مصطفى صالح باجو، نشر جمعيّة التّراث، القرارة، غرداية، الجائر، 2003م، ص: 137، 138. (1/51)
صفحة 52
الرّحمن .. استقبلوا بحفاوة عمّال مواصلاتنا وآوَوْهم. ذلك الموقف الذي جعل الشّعب يميل نحو جبهة التّحرير الوطني، ويمتنع عن إعانة الحركة الوطنيّة M.N.A. ويقوم بتموين مجموعاتنا المقاتلة، وهي تعدُّ الطّليعة لجنود جبهة التّحرير الوطني في الصّحراء الجزائريّة، المستقرّة في شبكة ميزاب." (1)
8 ـ كانت له علاقة مهمَّة بأعضاء جيش التّحرير الوطني، وضباطه، ومسؤوليه؛ أمثال العقيد الحوّاس قائد الولاية السّادسة، والعقيد الزّيّان، والغزال الحاج سليمان ... (2)
9 ـ كانت له علاقة وطيدة ومستمرّة مع الحكومة المؤقّتة بتونس، بواسطة المراسلات السّريّة، قال الشّيخ حمّو بن عيسى النّوري: " ولا ننسّى في هذا المقام الدّور الذي لعبه الميزابيّون في الحكومة المؤقّتة بتونس، لقد كان الواهج يحيى بن حمّو -من بريّان - يقوم بالوساطة بين الحكومة المؤقّتة والولايات السّتّ بالجزائر، بنقل ملفّات الأسرار من الحكومة إلى الرّؤساء (رؤساء الولايات)، ويقوم بتبليغ الرّسائل المتبادلة بين الجنود واللّاجئين إلى تونس، وإلى أوليائهم في الجزائر.
كان الشّيخ بيّوض يراسل الحكومة المؤقّتة. فقد بعث تقريرين مهمّين إلى وزير الدّاخلية الأخضر بن طوبال في قضيّة فصل الصّحراء عن الشّمال، فأجابه عن التّقريرين برسالة شكر وتقدير، وقد شهد هذه الرّسالة أحمد طالبي الضّابط الثّاني، والملازم رشيد الصائم، ومعهما صفٌّ من الجنود، ذلك بمحضر الشّيخ سليمان بن الحاج داود وحمّو لقمان في دار هذا الأخير، مارس 1961م رمضان 1379هـ، فعجب طالبي أحمد من تلك
__________
(1) - المرجع السّابق، ص: 138. ينظر النّصّ الأصلي باللّغة الفرنسيّة، الشّيخ إبراهيم بيّوض في قلب الثّورة، ص: 16، 17.
Attestation signée à Laghouat, le 12 octobre 1964. M. Bensalem et
Boukhalkhal Maamar ... أورد هذه الوثيقة أيضًا الشّيخ حمو عيسى النّوري في كتابه: دور الميزابيّين في تاريخ الجزائر ... ... الجزء الثّاني، ص: 81. من بين المناشير الدّاعية لاحباط هذه المقاطعة، نجد وثيقة مهمّة لجبهة التّحرير الوطني، مؤرّخة بـ 22 جوان 1955 ..
(2) - دور الميزابيّين في تاريخ الجزائر .... ، مج2، ص: 71 وما بعدها. (1/52)
صفحة 53
الرّسالة، وقال لجنوده:" إنَّ الرّسالة التي بيد الشّيخ لا نملك مثلها." (1).
يقول الدّكتور صالح، ابن دريسو: " لقد كان للشّيخ بيّوض اتّصالات مع قادة الجبهة منذ سنواتها الأولى، وهو الذي قد سبق الكثير من صنّاع الثّورة في الحركات الوطنيّة. ولم يتردّد بدوره في تقديم الدّعم لها، منذ دخولها إلى المنطقة، فأنشأ، في جانفي 1956، "مستشفى ريفيا "، تمّ فيه مداواة الجرحى، بإشراف الدّكتور باباعمر عبد الرّحمن، وبمساعدة ممرّضة سويسريّة متعاطفة مع الجبهة، والتي غادرت الجزائر في15 مارس 1956 مخافة أن يكتشف أمرها. ولقد قام بإعانة الشّيخ في هذه المهمّة السّيّد. إبراهيم القرادي) 1923 - 1989م) من العطف.) تقرير رقم 6201، تاريخ 4 جانفي."1956 (2)
من خلال ما أوردناه من عدد من الاتّصالات التي قام بها الشّيخ بيّوض بمختلف الشّخصيات، وتنسيق العمل معها، يظهر لنا النّشاط الكبير الذي كان يقوم به، ويبرز الدّور الخطير الذي كان يضطلع به في تحريك عجلة الثّورة، ويبدو لنا هذا الارتباط المتين الذي كان يربطه بمجريات أحداث الثّورة، من بداية قيامها إلى أنْ تحقّق النّصر في نهاية المطاف. لم تلن له قناة، ولم يضعف له عزم، ولم ينل من وطنيّته مسٌّ؛ رغم ما تعرّض له من مكايد، ونصبت له من مصايد؛ ترهيبًا وإغراء، تهديدًا واستعطافًا ...
كما نحسّ بهذا التّنسيق الذي كان يطبع أعماله – صغيرها وكبيرها- مع مختلف الجهات والمسؤولين، ما كان يومًا متفرِّدًا بالسّلطة، ولا منفردًا في اتّخاذ القرار.
نقف - أيضا - على حقيقةٍ، لا غبار عليها؛ وهي أنَّ تحرّكه كان بوحي من قوانين الثّورة ومبادئها، وبمنطق العمل الوطني الثّوري؛ رغم ما يبدو للنّاس البسطاء والسّذج أحيانًا، والمغرضين الحاقدين أنّه خلاف ذلك.
ب - مواقف تاريخيّة مسؤولة للشّيخ بيّوض:
سجّل الشّيخ بيّوض مواقفَ بطوليّةً عديدة في أثناء الثّورة التّحريريّة، تكشف عن شهامته وجرأته اللّتين لا تصدران إلّا عن شخص عرف واجبه حقَّ المعرفة، وصدقت فيه الوطنيّة، وثبت فيه الصّدق
__________
(1) - حمو عيسى النّوري، محاضرة بعنوان: تاريخ حركة الإصلاح بوادي ميزاب وأدوارها في الحياة العلميّة والسّياسيّة والاجتماعيّة، ص: 4. ينظر أعمالي في الثّورة، ص: 29.
(2) - الشّيخ إبراهيم بيّوض في قلب الثّورة، ص: 15. (1/53)
صفحة 54
والإخلاص ... لهذه الصّفات عرف السّبيل التي يسلكها، والوسيلة التي يتّبعها للوصول إلى الهدف المنشود. للّتمثيل على شرف هذه المواقف وقوّتها الوطنيّة، ثمّ قيمتها، نذكر بعضها فيما يأتي:
أوّلا: كان من بين الواحد والسّتِّين عضوًا في المجلس الجزائري الذين رفضوا الإصلاحات التي تقدّمت بها فرنسا، كما ذكرت ذلك جريدة (لادبيش قسنطينة ... la Dépéche de Constantinee، الصّادرة يوم:
26/ 09/1955، وقد تضمَّنت لائحة الرّفض - بالإضافة إلى ذلك - عدم قبول فكرة المساواة والاندماج، كما اشتملت على مطالب مهمّة؛ كالاعتراف بالشّخصيّة الجزائريّة من السّلطات الفرنسيّة، وتوقيف العمليّات الحربيّة، وفتح مفاوضات مع المحاربين (المجاهدين) ... (1)
ثانيا: قال الشّيخ بيّوض أَلَحَّ عليَّ جماعة من إخواني سنة 1957، بالهروب إلى تونس، وهيَّؤوا كلَّ الوسائل لذلك، غير أنِّي رفضت وقلت: إنَّ في الخارج من يعمل للجزائر، ويجب أنْ يبقَى في الدّاخل من يعمل كذلك، وأنا أرى أنّني قائم بأعمال مفيدة جدًّا للجزائر في حقل الثّورة وحقل العلم، ولا مسوِّغ لي للهرب مطلقًا، ثمّ إنّي أعتقد أنّني إذا خرجت من الجزائر فلن تبقي – والله- فرنسا على مدرسة من مدارسنا في ميزاب وفي التّلِّ، ولا على المعهد، فقدِّروا هذه الخسارة الكبرى. ثمّ أضاف: إنّكم تعلمون بمناوراتي للفرنسيّين، وبتوفيق الله أحمي هذه المؤسّسات، التي تخرّج في كلِّ سنة صفوفًا من الرِّجال لغد الجزائر، وهكذا أقنعتهم أنّني أبقى داخل الجزائر في حماية الله.
أضاف الشّيخ بيّوض أيضا: ولمّا تأسّست الحكومة الأولى للجمهوريّة الجزائريّة بتونس، وشرعت فرنسا في اعتقال النّخبة المثقّفة والقضاء على البعض منهم، قلق عليَّ الإخوان، جاؤوني فأعادوا عليَّ الطَّلب الأوّل، وجاء من جاء من تونس يحمل توصيّات من بعض رجال الحكومة الجزائريّة، ومن بعض الأصدقاء ومن أبنائنا الطّلبة، وبالأخصّ من يعمل منهم في دوائر الحكومة، ألحُّوا كلّهم على وجوب مغادرة الشّيخ
__________
(1) - ينظر أيضًا ملاحظات على ملاحظات، ص:5. وقد نشرت جريدة (لا دبيش قسنطينة) يوم 28/ 09/1955 لائحة مضادّة للّائحة الأولى، بامضاء الجماعة المضادّة لـ (61). ينظر المرجع نفسه. (1/54)
صفحة 55
بيّوض للقطر الجزائري، وفي أقرب وقت ممكن، فإنَّ الخوف عليه شديد، واسمه يلاك في الألسن كثيرًا.
لكنّ الشّيخ بيّوض وبروح الإسلام، وبدافع الجهاد في سبيل الله الذي يأبى الفرار من الزّحف، وباسم الوطنيّة، التي ترفض تكليف البلاد أكثر ممّا تطيق، وهدر طاقاتها فيما لا يفيد، وربّما يضعفها، وبالأخلاق العالية التي تنبذ الإخلاد إلى الرّاحة والعيش في النّعيم، بينما بعض النّاس يتجرّعون الآلام ويتلظَّون في الجحيم .. بهذه المعاني أجاب الجميع: إنْ كانت حكومتنا تحتاجني لعمل ما، ولسدِّ فراغ لا يسدُّه غيري، فهذا واجب عليَّ، وسأُلَبِّي النّداء، وأزُّم حقائبي من الآن، وأمّا إنْ كان لمجرّد الخوف عليَّ، فأخرج فارًّا لأمكث في تونس أو المغرب، مع عشرات اللّاجئين الذين هم كلٌّ على الحكومة، فإنّني لا أرتضي لنفسي هذه المنزلة، فمكثي هنا، ومشاركتي إخواني الجزائريّين سرّاءهم وضرّاءهم، خير لي في الدّنيا والأخرى، وأنا غير راض عن كثير ممّن فرُّوا، وهم الآن يتسكّعون الطّرقات في شوارع تونس والرّباط، أو يتاجرون، في رأيي لو بقوا هنا معنا لكان خيرًا لنا ولهم.
ثمّ بروح مسؤولة وضمير يقظ حرّ، وشفافيّة واضحة للمستقبل، ورؤية حضاريّة عميقة، ونظرة صادقة مع نفسه وعمله، وتفهُّم حقيقي لدوره ورسالته يضيف الشّيخ بيّوض قائلا: " ثمّ إنَّ تركي لهذه المؤسّسات، التي هي ممّا تعتزّ بها الجزائر، وتفخر به يعرّضها لخطر محقّقٍ، إنَّ لي بالله ثقة أنْ يحميني ويحفظني".
بعد ذلك جاء الجواب: "إنَّ الذي حرصوا على ذهابك إلى تونس، إنّما كان قصدهم حمايتك وإنقاذك من الخطر المحدق بك".
شَكَرَ لهؤلاء مقصدهم النّبيل، وبقي في الجزائر يقوم بواجبه المكمِّل لعمل إخوانه في الخارج، والمنسّق مع الآخرين الذين ينشطون في الدّاخل. قال الشّيخ بيّوض: " وربحت في مكثي في الجزائر ربحًا وفيرًا لا هو درهم ولا دينار، وإنّما هو العدد العديد من الشّباب المثقّف بالعربيّة، المتربِّي بالإسلام، وكفى بهذا ربحًا. " (1)
__________
(1) - لمزيد من التّفاصيل عن هذه المسألة، ينظر أعمالي في الثّورة، ص: 41 – 43. و ص: 121 – 123.وعن الرّبح الذي يعتزّ به الشّيخ بيّوض، وتكوينه الأجيالَ التي كانت دعاة للعمل الإسلامي، نتيجة بقائه في الجزائر مرابطا، في ثغر معهد الحياة، ينظر عبد الحميد بن باديس وبناء قاعدة الثّورة الجزائرية، ص: 219. (1/55)
صفحة 56
يضيف الدّكتور محمد بن لعساكر منوّهًا بموقف الشّيخ بيّوض في هذا المجال أو في هذه المحطّة المهمّة الحاسمة: " ومهما يكن من امر فإنّه يبدو أنّ معرفة الشّيخ بيّوض لنوايا الفرنسيّين كانت وراء قراره الشّجاع بعدم مغادرة الجزائر خلال الثّورة؛ لمواصلة كفاحه في إفشال خطّة الفرنسيّين. وهو ما صرّح به لأقرب مساعديه سنة 1956م، ووافقوه عليه." (1)
ثالثا: موقفه من قضيّة فصل الصّحراء:
من المواقف المشرّفة في مسيرة الشّيخ بيّوض النّضاليّة والثّوريّة ذلكم الموقف الحاسم، الذي وقفه لإنقاذ كرامة الجزائر، وحماية وحدتها، إنّه الموقف الجرئ، الذي أجهض به محاولات الحكومة الفرنسيّة فصل الصّحراء عن شّمال الجزائر، وتأسيس جمهوريّة صحراويّة، تكون تابعة لفرنسا. قال السّيّد ابن خدة: " كان الشّيخ بيّوض يعمل دومًا بجدٍّ وصرامة لوحدة التّراب الوطني، رافضًا بذلك كلّ محاولات فصل الصّحراء عن بقيّة الوطن." (2)
يذكر د. صالح، ابن درييسو موقف الشّيخ بيّوض المبدئي في القضيّة، الذي لا يقبل أيّة مساومة، ولا يرضى بأيّ حلّ أو اقتراح، أو بديل .. وهو التّمسّك بصحراء جزائريّة " قضيّة الصّحراء كانت مسألة محسومًا فيها بالنّسبة للشّيخ بيّوض منذ المحاولات الأولى من إثارتها، فمجرّد أن شرعت الادارة الفرنسيّة في التّخطيط لمشروع الصّحراء الكبرى، قام ا الشّيخ بيّوض بمعيّة السّيّد ابراهيم حجّوط () 1897 – 1962) رئيس الجماعة الميزابيّة بالعاصمة، بإمضاء وثيقة تؤكّد الارتباط الوثيق بين الشّمال والجنوب. يقول تقرير سنوي لعام: 1958
« Sur le plan politique, les Mozabites se trouvent divisés en deux groupes : Les Réformistes et les Conservateurs. ( ... ) Ils ont cependant déterminé leur position en publiant un communiqué émanant de la Djemaâ mozabite d’Alger et portant les signatures du Cheikh Bayoud et Hadjout Brahim, communiqué dans lequel ils ont affirmé faire
__________
(1) - الملتقى الأوّل لفكر الإمام الشّيخ بيّوض إبراهيم بن عمر، ص: 70.
(2) - شهادة في حقّ الشّيخ بيّوض إبراهيم بن عمر، ص: 2. (1/56)
صفحة 57
partie intégrante du peuple algérien et s’élever contre les ennemis de la cause algérienne » (1)
لما عزمت فرنسا على عزل الجنوب عن الشّمال، أوفد الجنرال (ديغول) مسؤولًا كبيرًا فجمع الأعيان الميزابيّين، وقال لهم: إنَّ فرنسا ترغب منكم أنْ توافقوا على تأسيس جمهوريّة صحراويّة مستقلّة، على غرار جمهوريّة موريتانيا، وإنّها تعدكم بالتّأييد والحماية، وأخبرهم أنّه مكلّف أيضا بإبلاغ هذه الرّغبة إلى بعض الشّخصيّات الصّحراويّة. أجابه الأعيان بأنّهم سيدرسون الأمر، ويجيبونه بعد حين.
كان الوفد يضمّ على الخصوص مستشار الجنرال ديغول الخاصّ (أوليفيي قيشار، Olivier Guichard)، والملحق العسكري الكولونيل (كلان أكلاش، Klen Klech) لمفاوضة الشّيخ بيّوض في قضيّة فصل الصّحراء عن الشّمال، قال له: " أعلن الموافقة، فهذه أربع مليارات لتجهيز هيكل الدّولة، وها هي السّماعة بيدي أخبر ديغول في نفس الوقت"، فأجابه الشّيخ بيوض بدافع المسؤوليّة الدّينيّة والتّاريخيّة: " بما أنَّ الصّحراء تضمّ خليطًا من السّكان؛ بني ميزاب، والمخاليف، والشّعانبة، وغيرهم، فالجواب على طلبكم لا يكون إلّا عن طريق استفتاء حرّ، فالقضيّة قضيّة الجميع، لا تخصّنا نحن الميزابيّين" (2)
تحرّك الشّيخ بيّوض بعد ذلك، ليقوم بواجبه الدّيني والوطني- وقد انطلق فيه منذ بدأ الحديث عن الصّحراء في الأربعينيّات - ويكشف ويفضح مؤامرات العدوّ الحقود على الدّين والوطن، فينقذهما ممّا لا تحمد عقباه، ويفوّت بذلك الفرصة على المستعمر. قال الشّيخ: " في الحين قمت بجولة في الصّحراء، واتّصلت ببعض الشّخصيّات الصّحراوية وقلت لهم: إنَّ ديننا وكرامتنا ووطنيّتنا لا تسمح لنا مطلقًا بأنْ ننفصل عن إخواننا الجزائريّين في الشّمال، وإنّه من الخير لنا ولأبنائنا أنْ نربط مصيرنا
__________
(1) - الشّيخ إبراهيم بيّوض في قلب الثّورة، ص: 24، 25. ينظر أيضًا:
S.D.R.G. La communauté musulmane, Alger, Vol. X, janvier 1959, 28 p. Rapport annuel dactylographie.
(2) - حمّو عيسى النّوري، نبذة من حياة الميزابيّين الدّينيّة والسّياسيّة والعلميّة من سنة 1905م إلى 1962م، الجزء الأوّل، دار الكروان باريس، سنة 1964، ص: 16 بتصرّف. (1/57)
صفحة 58
بمصير الجزائر كلّها، حتّى استطعتُ أنْ أقنعهم، فقطعنا العهد على أنفسنا أنْ لا نقبل العرض الذي اقترحته فرنسا، وأنْ نجيب كلّنا بكلمة واحدة: إنّنا نريد أنْ نكون دائمًا جزائريّين، ومصير الصّحراء هو مصير الشّمال الجزائري، ولا نقبل الانفصال عنها في أيّ حال من الأحوال. " (1)
هذا الموقف كان محلّ تقدير أعضاء من قيادة الولاية السّادسة، الذين أوفدتهم القيادة إلى منطقة وادي ميزاب سنة 1961، وهم أحمد طالبي، وسعيد عبادو، وعثمان حمدي، ورشيد الصّائم، فقد اعترفوا بنضال الشّيخ بيّوض، وبمواقفه المشرّفة في القضيّة، وقد اتّصل بعضٌ منهم بالشّيخ اتّصالًا مباشرًا، وتحاوروا معه في موضوع فصل الصّحراء عن الشّمال، واقتنعوا بوجهة نظره، وتبيّن لهم أنَّ موقفه سليم، فهو لم يوافق على ما طلبته منه فرنسا، كما لمسوا فيه الصّراحة والعفّة، ثم تركوه ليواصل عمله لإقناع الجماعة الأخرى، أحمد التّيجاني، وحمزة بوباكر وغيرهما ... بعدم الموافقة على مطالب فرنسا.
لمَّا أثيرت القضيّة في المجلس الجزائري بورقلة في خريف سنة 1961، كان الشّيخ بيّوض من بين المتدخّلين، قال من جملة ما قال: "سيّدي الرّئيس: إنَّ مجلسنا مجلس اقتصادي بحت، ينظر في ميزانيّة العمالة، فاختصاصنا لا يخرج عن دائرة المكاتب والمصحّات والطّرقات والمواصلات وما أشبهها من الميادين، ولا يحقُّ لنا مطلقًا في التّكلم باسم الأمّة في أمر سياسي هامٍّ خطير، الحقُّ فيه للأمّة بأسرها، ثمّ من جهة أخرى سيّدي الرئيس! إنَّ فرنسا لم تكن تستشيرنا في سياستها في هذه البلاد، فلم تستشرنا يوم قطعت الصّحراء، وجعلت لها نظام التّراب الجنوبي الخاصّ، ولم تستشرنا يوم فصلت أجزاء من الشّمال سمّتها أحوازًا ممتزجة، فهي تصل وتفصل، وتتحكّم كما تريد، بل أكثر من ذلك كنّا نطلب أشياء من حقّنا، ونرفع أصواتنا بها فلا تسمعها، حتّى في تطبيق قوانين سَنَّتْهّا هي، ولا يخفاكم موقفنا في المجلس الجزائري في المطالبة بتطبيق دستورها، فإذا
__________
(1) - تقرير وفد المجلس الإسلامي الأعلى إلى وادي ميزاب. ينظر أعمالي في الثّورة، ص: 80. تعدّدت خطابات الشّيخ بيّوض وتصريحاته بمبدأ عدم انفصال جنوب الجزائر عن شماله .. في عدّة مناسبات، ومنذ بدأت الأحاديث تتناول العلاقة بين الطّرفينن أي منذ الأربعينيّات من القرن القرن العشرين .. مثلا ينظر الخطاب الذي ألقاه الشّيخ بيّوض أمام لجنة النّوّاب الفرنسيّين في ساحة سوق مدينة القرارة، سنة 1951م، عن طلب الميزابيّين ربط وادي ميزاب بالشّمال، ورفض الانفصال .. كتاب: الشّيخ إبراهيم بن عمر مصلحًا وزعيمًا، ص: 188 - 1990. (1/58)
صفحة 59
أرادت فرنسا اليوم أنْ تستشيرَ فَلْتَسْتَشِرْ صاحب الحقّ؛ وهو الشّعب الجزائري كلّه. " (1)
إذن لم يكن الإغراء بالمال والجاه ليزحزح الشّيخ بيّوض عن موقفه، ولا ليحوّله عن مبادئه، أو يصيبه في وطنيّته، أو يفتنه في دينه. إنَّ الشّيخ قد استلهم هذه الرّوح من سيرة الرّسول - صلى الله عليه وسلم - وموقفه حين رفض - وبشدّة- ما عرضته عليه قريش من مال وجاه وسيادة، وتمتّع بملذّات الحياة الدّنيا، مقابل التّخلِّي عن رسالته، إذ كان الجواب: لا للمساومة في المبادئ، لا لخيانة الأمانة، لا للغدر بالأمّة ..
من منطلق الدّين كان جواب الشّيخ بيّوض، بالرفض للعرض المغري والمغرّر، وبمنطق الثّورة كان الرّد بلا لِخيانة الوطن، وتمزيق الصّفّ، وافتراق الكلمة .. وفي حدود الصّلاحيات التي خوَّلت له، وبدهاء سياسي ... فوَّت الفرصة على المستعمرين، ليوفِّرَها للشّعب الجزائري؛ فيتمكّنَ من جمع كلمته وقوّته للتّصدّي لهذه المؤامرات والمناورات ..
لمّا سقط في أيدي المستعمرين كان ردُّ فعلهم على هذا الموقف الجريء عنيفًا، فقد ثارت ثائرتهم، وجُنَّ جنونهم، فراحوا ينتقمون لأنفسهم لهذا الانهزام النّفسي المرير، وهذا الاندحار السّياسي الكبير، حتّى قال بعض المسؤولين لبعضهم: إنَّ سياسة الشّيخ بيّوض معنا كلّها خداع، وأنَّ بلاء ميزاب كلّه من القرارة (2) خاصّة وأنّهم لاحظوا تردُّد الجنود عليها بكثرة.
شعر الفرنسيّون بذلك، لكنّهم لم يحصلوا على دليل ملموس يدين السّكّان، فزادهم ذلك حنقًا على القرارة، وعلى الشّيخ بيّوض - بخاصّة، - مكروا بالمدينة مكرًا، لم تشهده قرية في الصّحراء على الإطلاق. ففي يوم 28 أكتوبر 1961 طوَّقوا البلدة بالجنود والدّبابات والمصفّحات، ثمّ أخرجوا الرّجال كلّهم خارج المدينة، وطوَّقوهم بالأسلاك ثلاثة أيّام، وأباحوا المدينة لجنودهم اللّيلة الأولى، وللحركيّين اللّيلة الثّانية، فسلبوا ونهبوا وفعلوا ما لم يعلمه إلّا اللهُ من فضائح ومنكرات، وقد كان عدد الجنود المحاصِرين –
__________
(1) - أعمالي في الثّورة، ص: 11.
(2) - المصدر السّابق، ص: 14. ص: 39، 40. (المطبوع) (1/59)
صفحة 60
المسرَّح بهم - حوالي 1500 جندي، أغلبهم من الحركيّة (1)
كان أيضا من بين ردود الفعل التي قام بها العدوّ الغاشم؛ انتقامًا من الوطنيّين الأحرار، ومن الشّيخ بيّوض وتلاميذه، وضغطًا وحملًا للميزابيّين على قبول مشروع فصل ا لصّحراء عن الشّمال. كان من بين ذلك تلك الفتنة العمياء التي أشعلها المستعمرون وأذنابهم، الحركيّة في مدينة (وارجلان) بين الإباضيّة والمالكيّة،. حدث هذا في سبتمبر 1961.
في هذه الفتنة، وهذا العمل الإجرامي الدّنيء، سطا بعض الأوباش - ممّن تخرّجوا في مدرسة الاستعمار - على دكاكين الميزابيّين، وأحرقوا ممتلكاتهم، وأفسدوا الغلل، وقتلوا وجرحوا .. وكان الفرنسيّون يقولون للميزابيّين: انظروا ماذا سيفعله بكم العرب بعد الاستقلال، إذا تخلَّينا عنكم. إنّهم سيبدؤون بنا، ويثنُّون باليهود، ويثلِّثون بكم، وأنتم لا تفهمون، ولا تفيقون من سباتكم، وتصرّون على البقاء معهم.
قالت جريدة المجاهد - لسان حال جبهة التّحرير الوطني – " وفي 5 سبتمبر: عمدت السّلطات الفرنسيّة إلى أسلوب من أساليبها المفضوحة، وجَّهت جمعًا من جنود الحركيّة إلى مسجد ورقلة، فداسوا حرمته، ومزّقوا المصاحف القرآنيّة والكتب الموجودة في مكتبته، وأشاعوا بأنَّ العمليّة ارتكبها جمع من أبناء وادي ميزاب، لكنّ الجزائريين تفطّنوا للمناورة وعرفوا الحقيقة. " (2)
__________
(1) - حدث مثل ذلك في القرارة نفسها في شهر جانفي 1957، بعد أسبوع الإضراب. قال الشّيخ بيوض: ... فاشتدّ كلب الفرنسيّين فكسروا الدّكاكين المغلقة، وسبّوا وشتموا وهدّدوا وتوعّدوا ... (أعمالي في الثّورة)، ص:26 – 28. ذكر الشّيخ بيوض الظّروف الحرجة التي مرّت بها القرارة. (في هذا الحدث) هو بالذّات وأعضاء الخليّة التي كان يترأّسها .. بسبب وجود أسلحة وبارود وجنود في دار عشيرةٍ في البلدة .. بشيء من الذّكاء والدّهاء وحسن التّدبير، وبتوفيق من الله .. تمكّن وزملاؤه وأبناؤه ... من نقل كلّ شيءإلى مكان آمن، فسلمت المدينة من شرّ مستطر، ومصير قاتم .. والحمد لله ... عن بعض التّفاصيل عمّا حدث في حصار القرارة، وما تعرّض له السّكان من ألوان الظّلم والتّعسّف والاعتداءات ... ينظر كتابَا الأستاذ محمد بن سليمان أبو العلا: 1 – صفحات من كفاح مجاهدي القرارة في الثّورة التّحريريّة، الجزائر، نشر جمعيّة التّراث، القرارة، غرداية، الجزائر، 2006م، ص: 54. 2 – صفحات من الكفاح (خاص بالشّيخ بيّوض ... )، ص: 148، 149 ..
(2) - مناورة في الصّحراء، جريدة المجاهد، ع: 113، يوم 22/ 01/1962. وكتاب أعمالي في الثّورة، ص: 53. وينظر العدد 89، الصّادر باللّغة الفرنسيّة يوم 16/ 01/1962. ينظر تفصيلات مهمّة عن ردود أفعال غلاة الاستعمار على موقف الشّيخ بيّوض – الذي يمثّل موقف الميزابيّين – وما فعلوه في القرارة وبريّان. وغرداية والمنيعة والجزائر العاصمة، وكثير من مناطق الجزائر ... ينظر تفصيلات ذلك كتاب: إبراهيم بن بابا بوعروة ... ، ص: 154 وما بعدها .. (1/60)
صفحة 61
سياسة ماكرة، وأسلوب دنيء، لجأ إليه الحاقدون والحانقون، بعد فشلهم الذّريع في تمرير مخطِّطهم. انهيار عصبيٌّ وتوتُّر نفسيٌّ، وانهزام سياسيٌّ كبير، مُنِيَ به المغرضون والطّمّاعون، فصبّوا جامَّ غضبهم على من يقف في طريق مؤامراتهم، قال الشّيخ بيّوض: " ... هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالًا شديدًا، وظنَّ الفرنسيّون أنَّ هذه أنجح وسيلة لحمل الميزابيّين على قبول فكرة فصل الصّحراء، وكنت وحدي - بفضل الله – أفسدتُ عليهم خطّتهم ... " (1)
لكن هيهات لمن عجم عود الاستعمار، ولمن ينبض وطنيّة وغيرة أنْ تنطلي عليه هذه الحيل الماكرة .. إنّه لن يبقَى مكتوف اليدين وهو يعرف ما سيؤول إليه الوطن من ذلّة ومهانة وصغار، وما بنتظره من خسارة وضياع ودمار .. إذا لم يكن صدّ لهذه المؤامرات .. فلابدّ أن يتحرّك الرّجال لإطفاء هذه الفتنة الهوجاء، التي تأتي على الأخضر واليابس، وتهلك الحرث والنّسل ..
فعلًا تحرّك الشّيخ بيّوض وعمل كلّ ما في وسعه لإخماد هذه النّار، وقد كان له دورٌ كبيرٌ في هذا المضمار؛ بتحرّكاته واتّصالاته المتعدّدة بمختلف الجهات والشّخصيّات، وبدروسه التي ألقاها في مدينة القرارة بخاصّة، إذ كانت أوّل ضحيّة في هذه الفتنة مواطنًا قراريًّا قتل فيها، بينما كان قاصدًا المستشفى لمعالجة زوجِهِ (2).
قال الشّيخ بيّوض مقدِّمًا ملخَّصًا عن هذه الدّروس: " ... إنّي نزلت فيها بصواعق محرقة على هؤلاء المجرمين، الذين هم - كما صرَّحت - أعداء للجزائر، وأعداء لاستقلال الجزائر، إنّهم بعملهم هذا يعطون حجّة للذين يقولون: إنَّ الجزائر منحطّة متأخِّرة، وأهلها همج، ولم يصلوا إلى درجة استحقاق الاستقلال، وإنّهم إذا استقلّوا أكل يعضهم بعضا، وما في معنى هذا، ثمّ أثنيت في أخوّة المؤمنين، وفسّرت جميع ما جاء في ذلك من سورة الحجرات، مستشهدًا بالأحاديث النّبويّة، وأقوال السّلف الصّالح في ذلك، وقد ماتت الفتنة في مهدها، وخمدت نارها بفضل هذه الدّروس التي انتشرت في أيّام قليلة في جميع جهات القطر ... " (3)
كان من بين ردود الفعل التي أفرزتها هذه الوقفة البطوليّة، والإصرار على المحافظة على وَحدة التّراب الوطني، تعرُّضُ التّجار الميزابيّين في الشّمال إلى مضايقات واستفزازات من البنك الجزائري والبنك الشّعبي بخاصّة، لخنق تجارتهم، والزّجّ بها في متاهات: " ... وتتمثّل العمليّة في تهديد التّجار بالإفلاس، ثمّ إعلان إفلاسهم، وصدرت الأوامر إلى المحاكم أنْ تحكم بإفلاس التّجار الصّحراويّين المستقرّين في الشّمال، وعلى الأخصّ أبناء وادي ميزاب، وفي نفس الوقت كانت البنوك ترفض تغطيةَ مصاريفهم، وإعطاءَهم التّسهيلات العاديّة، وتطالبهم بتسديد الدّيون في الحال. والوجه الثّاني للعمليّة أو مرحلتها الثّانيّة يتمثّل في تحطيم متاجر المذكورين بقنابل البلاستيك .. وفعلا فقد حطّم البلاستيك أكثر من تسعين متجرًا من متاجر الصّحراويّين في العاصمة." (4)
لكن هيهات أنْ يُفَتَّ في عضد أصحاب المبادئ، ومستودع الوطنيّة، الذين كوَّنهم الشّيخ بيّوض وأمثاله من الوطنيّين والعباقرة. فقد أصرَّ الشّيخ بيّوض على موقفه – ومعهم أبناؤه وأنصاره - وثبت في الميدان، إلى أنْ يئست فرنسا من أيّة محاولة في موضوع الانفصال أو الفصل، ونالت الجزائر استقلالها، وبقيت لها صحراؤها والحمد لله، واندحر الأعداء، وسقط في أيدي الخونة.
قال الأستاذ بسّام العسّلي: " ... ونزل الشّيخ بيّوض إلى ميدان الجهاد الجديد، وقاد معارك كبرى ضدّ فصل الصّحراء عن الشّمال استمرّت ستَّ عشرة سنة كاملة (من سنة 1947 (5) إلى سنة 1962)، وكان رجال
__________
(1) - أعمالي في الثّورة، ص: 18. ص: 45. (المطبوع).
(2) - هذه الدّروس موجودة في مكتبة الحياة بالقرارة، والضّحيّة هي سليمان بوعصبانة بكير بن أحمد. عمّ والدتي رحمهما الله.
(3) - أعمالي في الثّورة، ص: 18، 19. ص: 46 (المطبوع).
(4) - مناورة في الصّحراء، جريدة المجاهد، ع: 113. ينظر أيضًا الشّيخ إبراهيم بيّوض في قلب الثّورة، ص:23، 24. وفي 25 جانفي 1962، وعلى أثير "الجزائر حرّة ومقاوِمة "، أذاع قادة الثّو رة بلسان جبهة التّحرير خطابا شديد اللّهجة، بعنوان "المؤامرات الفرنسيّه حول الصحراء"، تبيّن فيه أسباب هذه الأحداث وأبعادها التي ارتكبت في حق الميزابيّين:
Rapport, 26 janvier 1962, au B.R.M. du C.I.S. Editorial intitulé : "Les conspirations françaises à propos du Sahara", diffusé par la Radio de « l’Algérie Libre et Combattantes », le 25 janvier 1962 à 12h50.
(5) - ينظر بعض التّوضيحات المهمّة في الموضوع ما كتبه الدّكتور محمد بن عمر لعساكر، في مبحث:"مهاجمته (أي الشّيخ بيّوض) للحكم العسكري والمطالبة والعمل على إلغائه"، ضمن محاضرة له عن جهاد الشّيخ بيّوض الوطني .. كتاب الملتقى الأوّل لفكرالإمام الشّيخ بيّوض إبراهيم بن عمر، ص: 65 – 70. (1/61)
صفحة 62
النّهضة في ميزاب كلُّهم جندَه وأنصاره في معاركه السّياسيّة الكبرى، فالتفُّوا حوله، ورفعوا صوته معه، ينادون بإبقاء الصّحراء، وهم يستنكرون فصل الصّحراء عن الوطن الجزائري. " (1)
هذه بعض ملامح الجهاد الإسلامي في مسيرة الشّيخ بيّوض السّياسيّة التي لم تكن سهلة ولا هيّنة، بل كلفّه هذا النّضال جهدًا جهيدًا، وتضحيّةً غاليةً، وتعرُّضًا لأنواع الإهانات والمضايقات، التي تفلُّ الحديد، لكنّها لا تفتُّ في عضد الوطني المخلص العتيد، المتفاني في سبيل رفع كلمة الله، وحمل راية الوطن خفّاقة بين الأمم. قال الشّيخ بيوض: " لقد صُدمتُ بصدماتٍ شديدةٍ قاسيةٍ، هُدّدتُ بالإبعاد والنّفي، أُصبتُ بكلِّ أذى في جهادي لإحياء ديني وأمّتي، فما ارْتَعْتُ ولا خِفْتُ، وما جَبُنْتُ، تَلَقَّيْتُ كلَّ ذلك وأنا مسرور القلب، مرتاح الضَّمير مطمئنًّا ... " (2)
من بين المضايقات التي يمكن إضافتها إلى ما سبق؛ ما كان يتعرَّض له تلاميذه ومعقل جهاده (معهد الحياة)، فكم مرَّة داهم الاستعمار أقسام معهده للتّفتيش والبحث عمَّا يُدين الأساتذة والطَّلبة، لما علم أنَّ المعهد ثُكْنَةٌ ومَعْقِلٌ من معاقل الجهاد والنّضال، لكنّه كان يرجع في كلّ مرّة خائبًا، لا يملك الدّليل على الإدانة، لأنَّ المُسَيِّرَ كان حكيمًا، يعرف كيف يدير دواليب العمل الثّوري، من دون أنْ يُتَفَطَّنَ له.
يسجِّل الشّيخ عدّون بن بالحاج (3) بعض المضايقات التي تعرّض لها الشّيخ بيّوض، وأنواع الأذى الذي لحقه، بسبب منافحته عن أمّته، ونصرة دينه ودفاعه عن وطنه: " ... نعرفه في مواقفه المشهورة، ومعاركه الحاسمة ضدَّ الحكم العسكري الغاشم، الذي أعلن على الشّيخ حربًا شعواء، لم يهادنه فيها طول وجوده في الجنوب الجزائري، الذي لم يأل جهدًا في المكر به بجميع أنواع المكر؛ من استعدائه واستنطاقه لأتفه
__________
(1) - عبد الحميد بن باديس وبناء قاعدة الثّورة الجزائريّة، ص: 218، 219.
(2) - أعلام الإصلاح في الجزائر، ج4، ص: 114.
(3) - هو الشّيخ سعيد بن بالحاج شريفي، المعروف بالشّيخ عدّون، ولد في القرارة سنة 1902، مدير معهد الحياة ورئيس مجلس عمي سعيد (الهيئة العليا لمساجد وادي ميزاب)، بعد وفاة الشّيخ محمد بن يوسف بابانو. والعضد الأيمن للشّيخ بيّوض في جهاده العلمي والإصلاحي، ومن المسهمين الأساسيّين في تأسيس معهد الحياة سنة 1925، آخر ما طبع له كتاب معهد الحياة نشأته وتطوّره. توفِّي يوم: 19 من رمضان 1425هـ/ 02 من نوفمبر 2004م. رحمه الله. (1/62)
صفحة 63
الأسباب، مع صعوبة المواصلات وانقطاعها تقريبا، ومن عقد مجالس تأديبيّة له، ومن تهديده مرّات بالسِّجن، والنّفي، وحمله على الإقامة الجبريّة سنوات، ومن تسليط أذنابه وعملائه على مشاغبته وتنغيص حياته بأنواع المنغّصات، وبلغت القّمة في محاولة اغتياله مرّات عديدة، في حوادث تاريخيّة كبرى " (1)
يقول صالح، ابن دريسو: هذا هو الوجه الحقيقي للشّيخ بيّوض، لمن كان يجهل مواقف الرّجل. ولقد بلغ به الحرص، كما أشار إلى ذلك، السّيّد محمد جغابة، أنّه كان يطلب منه عدم كتابة أسماء المتبرّعين المزابيّين، خشية سقوط القوائم بأيدي الإدارة الفرنسيّة". (2)
تتويجًا لهذه المسيرة النّضالية، واعترافًا بكفاح الشّيخ بيّوض المشرّف، وتسجيلًا لهذا الجهاد في سجلِّ الخالدين الذي لن ينمحي، مهما تكن الظّروف ومحاولات إنكاره أو طمسه .. عُيِّن في اللّجنة التّنفيذيّة المؤقّتة للفترة الانتقاليّة، ما بين مارس وسبتمبر 1962؛ لتسيير شؤون البلاد. يقول المجاهد السّيّد ابن يوسف بن خدّة: " طبقًا لاتّفاقيّات (إيفيان) تكوّنت هيئة تنفيذيّة مؤقّتة لتسيير الإدارة الجزائريّة إلى يوم الاستقلال، فعيّنت الحكومة المؤقّتة للجمهوريّة الجزائريّة الشّيخ بيّوض إبراهيم عضوًا ضمن مجموعة جبهة التّحرير الوطني في الهيئة، اعتبارًا لوطنيّته، ولمواقفه أثناء الحرب التّحريريّة، إذ كان على اتّصال دائم مع الحكومة المؤقّتة للجمهوريّة الجزائريّة في تونس، فكان مسؤولًا على قسم التّربيّة والشّؤون الثّقافيّة في الهيئة التّنفيذيّة المؤقّتة ... " (3)
لهذا كان له شرف الإشراف على أوّل دخول مدرسي للتّلاميذ الجزائريّين في ظلّ استقلال وطنهم عن السّيطرة والهيمنة الاستعماريّة الفرنسيّة .. ؛ بصفته مكلّفًا بشؤون التّربية والثّقافة. فكان هو عليه المسؤول على المدراس ومراكز
__________
(1) - في رحاب القرآن (مهرجان التّفسير والتّأبين ... )، ص: 100، لمزيد من التّفاصيل في موضوع المضايقات ومحاولات الاغتيال، ينظر أعلام الإصلاح في الجزائر، ج4 ..
(2) - الشّيخ إبراهيم بيّوض في قلب الثّورة، ص: 19. نقلا عن جغابة محمد، حوار مع الذّات ومع الغير، ج2، دار هومة، 2007، ص: 132.
(3) - شهادة في حقّ الشّيخ بيّوض إبراهيم بن عمر .. وابن خدّة له مقامه في الحركة الوطنيّة الجزائريّة، فهو أمين عام لحزب الشّعب، وعضو القيادة السّياسيّة لتحضير مؤتمر الصّومام، وعضو لجنة التّنسيق المنبثقة عن المؤتمر المذكور، والرّئيس الثّاني للحكومة المؤقّتة للجمهوريّة الجزائريّة. (1/64)
صفحة 64
التّعليم في الجزائر كلّها ... في هذا الإكرام اعتراف بجهاده الكبير، وبخاصّة في مجال التّكوين والتّربيّة والتّعليم (مجاله المفضّل والأثير عنده). وكان من خلال هذا التّعليم والتّربيّة .. يكوّن أبناءه وتلاميذه التّكوين الشّامل: الدّيني والثّقافي والوطني والسّياسي ... رحمه الله رحمة واسعة.
نختم هذه الخواطر المقتضبة عن عمل الشّبخ بيّوض السّياسي الكبير بما كتبه أحد تلاميذه الأوفيّاء المناضلين في سبيل تحرير الجزائر .. الدّكتور محمد بن عمر لعساكر، رئيس البعثة العلميّة الميزابيّة في تونس: " فالشّبخ بيّوض – رحمه الله- لم يركب قطار وحدة الجزائر - قوميًّا وسياسيًّا – من المحطّة الأخيرة، كما فعل كثيرون، بل كان من رُبّان هذا القطار منذ انطلاقته الأولى، فضلا عن جهاده وعمله لوَحدة الجزائر الشّاملة؛ دينيًّا ولغة وقوميًّا، منذ انطلاق مسيرته الإصلاحيّة." (1)
__________
(1) - الملتقى الأوّل لفكر الإمام الشّيخ بيّوض إبراهيم بن عمر، ص: 70. (1/65)
صفحة 65
/
الشّيخ إبراهيم بن عمر بيّوض – رحمه الله – يستعرض فصيلة من الجيش، وهو في منصب مكلّف بالثّقافة والتّربيّة، في اللّجنة التّنفيذيّة المؤّقتة لتسيير شؤون الجزائر ما بين وقف القتال في مارس إلى تشكيل أوّل حكومة جزائريّة بعد الاستقلال، في سبتمبر 1962م.
الخاتمة
ــ إنَّ الشّيخ بيّوض حين تفتَّحت عيناه عل ما يجري في وطنه من أحداث خطيرة، وحين انفتح فكرُه على العالم، يستقرئ المستجدَّات فيه، عاهد نفسه على التّزوُّد من المعارف، والتَّكوُّن في المجال السّياسي، منذ كان طالبًا في معهد شيخه الحاج عمر بن يحيى، الذي كان يرى فيه هذا الأخير أملَه وأملَ الأمة في الانعتاق والتّحرّر ممّا هو مكبَّلة فيه، من أغلال الجهل والعبوديّة والإذلال، وهو راهن على تحمُّل مسؤوليّة استئناف مسيرة (1/66)
صفحة 66
معلّمه ومربّيه الحاج عمرين يحيى منذ اللّحظة الأولى من وفاة شيخه سنة 1921؛ رغم حداثة سنّه، وعاهد نفسه ووعد بإنقاذ القرارة ممّا أصابها بعد ذلك من الذّهول والحيرة واليأس من استمرار النّهضة؛ بسبب فقد الرّجل العظيم، وعدم التأكّد من وجود الخلف، الذي يقود المسيرة، وبوجِّه الأجيال ويكوِّنهم، حسب رأي بعض النّاس (1)
ــ كما أنّه حين وضع قدمه في هذا الطّريق الشّاقة الطّويلة، وحين أقحم نفسه في معترك هذه الحياة النّضاليّة الكبيرة المكلِّفة غاليًّا وثمنًا باهضًا ... كان قد وضع نُصبَ عينيه هدفًا أساسيًّا واحدًا، هو تحرير البلاد من كلّ ما يمسُّها في أصالتها ومقوّماتها، وما ينالها في جوهرها، فكانت كلّ الأساليب المقترحة، والخطط المتبنّاة، والهياكل المهيّأة، والوسائل المستحدثة، والمناسبات المستغَلَّة ... كانت كلُّها مسخَّرة لعمل وطني عامٍّ شامل، دؤوب ومتواصل؛ لتحقيق الغاية المنشودة السّامية، وكانت كلُّها موجهَّة لتحرُّك سياسي، يقول للدّخيل والمستعمر: لا مكان لك في هذه الأرض المسلمة، ولا نجاح لك في تحرّكاتك ومخطَّطاتك؛ فقد قطعنا على أنفسنا عهودًا لحماية تراثنا وترابنا منك ومن أمثالك.
ــ لقد أدرك أنَّ مقاومة الدّخيل لا تكمن إلّا بإعداد النّشء إعدادًا شاملًا وقويًّا؛ لذا اهتمّ بهذا الجانب اهتمامًا كبيرًا، يندرج ضمن العمل الوطني والمقاومة السّياسية، بإعداد ما يستطاع من قوّة لإرهاب العدوّ.
ــ علم علم اليقين أنَّ المكاشفة العلنيّة مع العدوّ في المقارعة والمناوأة، لا يكتب لها النّجاح دائمًا، فاستعمل معه أساليب المراوغة والمداراة في الوسائل، مع الصّلابة في المبادئ، وعدم الانحراف عن الأهداف.
ــ تيقّن أنَّ ساعة النّصر آتية لا ريب فيها، مهما يَطُل الوقت، ومهما تكن الظّروف، فضاعف من نشاطه الوطني، وكثَّف من مجهوده، في مقابل تعسّف المستعمر في معاملته للأهالي وعلاقتهم به؛ مدركًا أنًّ النّصر مع الصّبر.
ــ كان بعد كلّ ذلك الوطني الذي أسهم في بناء وطنه بكلِّ ما يملك من قوّة، والسّياسي الذي يعرف كيف يصل إلى هدفه بالوسيلة والطّريقة
__________
(1) - ينظر خطبة الشّيخ بيوض في المناسبة، والجوّ الذي ساد يوم جنازة الشّيخ الحاج عمر بن يحيى، نهضة الجزائر الحديثة ... ، ج3، ص: 5 وما بعدها. (1/67)
صفحة 67
المناسبة، وكان الأبيّ الذي تتحطَّم على صخرة إرادته كلُّ أساليب التّضليل والتّمويه والتّشويه والضّغط والتّهديد، وتذوب في أَتُونِ مشاعره كلُّ محاولات التّليين والتّرغيب والاستمالة، وتحترق في موقد وطنيّته كلّ خيوط المؤامرة والمناورة والتّزييف لسمعته وكرامته.
ــ كان في النّهاية مع التّاريخ في لحظات التّجلِّي، وساعات الإنصاف الذي لا يعدمها العامل المخلص، والوطني المحسن في عمله، مهما يمكر المغرضون، ومهما يتطاول المُتطاولون، فالحقُّ لا يعدم الأنصار، والله لا يضيع أجر من أحسن عملًا. وهو القائل سنة 1963م: " نحن لم نعمل من أجل منصب نناله أو وظيف ولا درهم، والذين عملوا من اليوم الأوّل هم الذين سقوا نخلة الثّورة حتّى ترعرعت، وثبتت عروقها، وأورقت وأثمرت، ولا يوجد ولو واحد ممّن عملوا بإخلاص منذ أوائل الثّورة إلى اليوم في منصب يذكر، أو يتهافت عليه أو يطلبه." (1)
الملاحق
أضفنا إلى الكتاب بعض الملاحق لتسليط مزيد من الأضواء الكاشفة لما خفي من إسهامات الشّيخ بيّوض في مجال العمل السّياسي. هذه الملاحق تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
1 ــ قسم هو عبارة عن وثائق تبيّن جهاد الشّيخ بيوض بالكلمة والقلم، اللّذين لا يقلَّان خطرًا عن السّلاح المادي، الذي يحمله الفرد ليقاوم العدوّ، بل تكون الكلمة – أحيانًا - والموعظة الحسنة والخطاب
__________
(1) - مشائخي كما عرفتهم، ص: 145. ألقى الشّيخ بيّوض درسًا قيّمًا بعد الاستقلال مباشرة عنوانه: " من هو المناضل الحقيقي" .. فيه تحليل لمن هو المناضل الذي يجتهد ويجاهد لتحرير الجزائر، وينسى ما قدّمه في اثناء الثّورة، ويفكّر في كيفيّة النّضال لبناء وطنه الجزائر. ينظر تسجيلات الحياة، القرارة، الجزائر .. (1/68)
صفحة 68
السّياسي أبلغ تأثيرًا وأشدَّ خطرًا من السّلاح المادّي؛ لأنَّ هذه الوسائل هي التي تُعِدُّ –إعدادا حسنًا وقويًّا- هذا الشّخص الذي يحمل السّلاح المادي، فيحسن استعماله؛ لأنّه يكون متشبِّعًا بالرّوح التي من أجلها تقدّم للجهاد. وفيما حبّره الشّيخ بيّوض بقلمه عمل سياسي؛ لأنّه يهدف إلى المحافظة على المقوّمات الأصيلة في الشّعب الجزائري – بخاصّة – يعدُّ هذا من مظاهر العمل السّياسي؛ لأنّ فيه مقاومة لكلّ من تسوّل نفسه المساس بهذه المقوّمات. من هؤلاء المستعمرون المتسلّطون والمهاجمون والمعتدون على الشّعب الجزائري ... والشّيخ كتب كثيرًا من أعماله في فترة الاستعمار، وكان يوجّهها ضدَّهذا الظّالم المستبدّ .. من هذا المنطلق أدرجنا بعض هذه الأعمال في الملاحق، لتتكامل النّظرة إلى حقيقة عمله السّياسي ..
2 ــ قسم هو شهادة تقدير واعتراف في حقّ جهاد الشّيخ بيّوض، قدِّمها صانعو التّاريخ السّياسي للجزائر، وهم أدرى من غيرهم بحقيقة الجهاد. ما يدعو إلى الوثوق بمشاركة الشّيخ بيّوض في معركة استرجاع الشّخصيّة الإسلاميّة والهويّة الوطنيّة.
3 ــ قسم هو عبارة عن انطباعات لما يُحاك ضدَّ التّاريخ، وما بُتآمر به ضدَّ الأجيال. هو – أيضًا - تسجيل للجوّ الذي ساد عمليّة إعادة كتابة تاريخ الثّورة التّحريريّة، والكشف عن الطّريقة والأسس التي توضع لرواية هذا التّاريخ، وتؤصِّل قواعد كتابته، حتّى تتّضح الرّؤية للرّأي العام، فيعرف كيف يتعامل مع ما ينقل إليه، وما يروى له ..
لقد أضفنا بعض التّعليقات والملاحظات والشّواهد في الهوامش، ممّا اطّلعنا عليه مؤخّرًا. كلّ هذه الإضافات تبيّن حقيقة عمل الشّيخ بيّوض السّياسي، الذي خفي على من لا يعترف له بالفضل، أو يريد أن بتعامى عن معرفة الحقيقة، أو يتمادى في الاستنقاص من جهاده، أو يريد النّيل من نضاله، والمساس بشخصيّته وروحه الوطنيّة ..
وفقنا الله لمزيد تسليط الأضواء على تاريخ الجزائر العام، وتاريخ الثّورة التّحريريّة الخاصّ، وتاريخ صانعي هذا التّاريخ على الأخصّ ... (1/69)
صفحة 69
الملحق رقم: (1)
بين الرّغبة في الانصاف وعقدة التّزييف والإجحاف (1)
تناول الأخ إبراهيم رمضان بالنّقد كتاب (الإمام إبراهيم بيوض وجهاده الإسلامي في الجزائر)، للأستاذ بكير سعيد أوعشت، و نشر هذا الحديث في جريدة الشعب عدد: 7603، الصّادر يوم الإثنين 04 أفريل 1988، (ركن منبر التّاريخ).
توقّف رمضان مع الأستاذ بكير أوعُشْت في بعض الملاحظات، ليصحّح له بعض الأخطاء التّاريخية التي وقع فيها، كما وجّه له بعض التّهم؛ كتهجُّمه على مجاهدي غرداية، وانتقدَ نزعته الطّائفيّة في الكتابة، وغيرهما من التّهم التي يحتفظ بالرّدِّ عليها أو إقرارها والاعتراف بها صاحب الكتاب نفسه.
أمّا نحن فنودُّ أنْ نقف مع إبراهيم رمضان قليلًا لنحاوره في بعض المسائل التي أثارها في مقاله عن الكتاب المذكور آنفًا، علَّنا نظفر برؤية واضحة، ونخرج بتصوّر أكثر واقعيّة، يكشفان لنا حقيقة النّوايا من الكتابة، وفي إثارة القضايا والموضوعات، حتّى نفرّق بين ما هو زبد يذهب جفاء، وما ينفع النّاس فيمكث في الأرض، فالبقاء في هذه الدّنيا للأصلح – صاحب القيم والأثر المحمود - والثّباتُ للحقّ، والنّجاح لصاحب النّيّة الصّادقة، والاندحار لصاحب الأهواء.
أوقَعَنَا مقال رمضان في حيرة من أمرنا، فلم نعرف هل كان إبراهيم مع الشّيخ بيّوض إبراهيم في مواقفه، مناصرًا له، معترفًا له بالجهاد والنّضال والمشاركة الفعّالة في النّهضة الجزائريّة الحديثة ـ ومن ضمنها حرب التّحرير الكبرى - أم هو ضدَّه؟ حين يحاول جاهدًا ولاهثًا للحصولَ والعثور على نقيصة تنال من شخصيّة الإمام، وتصيِّد له خطأ يُدينه ويجعله في قفص الاتّهام، يجب أنْ يُحاكَم ويمتثل أمام محكمة، يضع قوانينها إبراهيم رمضان، ومن يسير في ركابه، ممّن لم تؤثِّر فيهم الثّورة، ولم تُربِّهم تربيّة، تجعلهم يصدحون بالحقّ، ويعترفون بالفضل لذويه، وينصفون الأجيال؛ بتقديم التّاريخ خاليًا من كلّ شائبة من شوائب الحقد والضّغينة، وبناء الشّخصيّة
__________
(1) - أرسل التعقيب إلى جريدة الشّعب، لكنه لم ينشر. ينظر أيضًا ما كتبه د. نور الدّين، ابن عبد الله (محمود الواعي): " ملاحطات على ملاحظات "؛ ردّا على ما كتبه إبراهيم رمضان تعليقًا على كتاب الإمام إبراهيم بيّوض وجهاده الإسلامي .. (1/70)
صفحة 70
على حساب أشلاء المجاهدين الحقيقيّين، ورفات (؟) المناضلين، ورفع الأصوات من وراء الجدران، والمناداة من وراء الحجرات، والقتال من وراء الجدر، وأكثر من يسلك هذا المسلك لا يعقلون ..
هو حينًا يقول: (نعترف له –أي الشّيخ بيّوض- بجهاده في سبيل نشر العلم، ومواقفه الإصلاحيّة في محاربة التّخلّف الفكري، وتنشئة جيل مسلم حرّ التّفكير)، وحينا يقول: (وهل أعطى الإمام أمثلة تطبيقيّة في رفض الاستعمار، ووقف مواقف صريحة ضدَّه، وطبَّق ما كان يدعو إليه تلاميذه في الماضي من جهاد إسلامي).
نتساءل كيف يلتقي الجهاد الإصلاحي ونشر العلم؛ قصدَ محاربة التّخلّف والانحراف الدّيني وتنشئة جيل مسلم حرّ التّفكير، وتربيّة الأبناء على الجهاد الإسلامي، ولفظ الاستعمار ونبذ أذنابه، وتقوية شوكتهم لمحاربة العدوّ .. كيف يلتقي كلّ هذا وفكرة تقبّل الاحتلال، والسّير في ركابه؟!
لا يمكن أنْ يحدث هذا. إلّا أنْ يكون الإمام قد أخطأ الطّريقة، وتنكَّب جادّة الصّواب، حين وجَّه البنادق إلى صدره، وأثار العواصف داخل حصونه، وأدخل رأسه في فم الأسد، حين درَّب أبناءَه وعلَّمهم كيف يقضون عليه، وكيف يسيرون في خطٍّ معاكس لاتِّجاهه وميوله وهواه.
أيستقيم هذا الكلام عقلًا؟ أم هو من نوع هذيان من يتخبَّطه الشَّيطانُ من المسِّ؟ أم هو كلام لم يُتقَن تركيبُه؟ وتهمة لم يُحسن حبكُ أجزائها، فجاءت تحمل بين طّياتها بذورَ القضاء عليها؟!
كما أَوْقَعَنا هذا التّعليق في ريبة من أمرنا، هل نأخذ برأيه (أي إبراهيم رمضان) في تقدير مواقف الإمام؟ أم نركن إلى رأي المسؤولين الذين اعترفوا له بالفضل والجهاد؟ والمشاركة الفعّالة في الثّورة التّحريريّة. يقول ابن يوسف، ابن خدّة – مثلاً -: (المرحوم الشّيخ بيّوض قد وضع نفسه رهن إشارة جبهة التّحرير الوطني طوال الحرب التّحريريّة).
وحين يعترف بجهاده الأخ محمد جغابة وزير المجاهدين (في فترة كتابة هذه الأسطر)، وخبزي أحمدن وربّاح لخضر، وغيرهم. وحين يقدّر مواقفه ويعترف بفضله، ويشيد بذكره المسؤولون من رئيس الجمهوريّة، والأمين العام لحزب جبهة التّحرير الوطني الجزائري (نعني (1/71)
صفحة 71
الشّاذلي بن جديد)، والوزراء والعلماء والمجاهدين ...
وحين تسند إليه مهمّات سامية في الفترة الانتقاليّة، ما بين مارس وسبتمبر 1962، وحين تكون له علاقات وطيدة بأعضاء جيش التّحرير الوطني وضباطه ومسؤوليه؛ أمثال العقيد الحوّاس، بواسطة أولاد خبزي، وعثمان حمدي ورابح الأبيض، والسّيّد لغزال الحاج سليمان، الذي أرسله القائد الزّيّان، وكلّف الشّيخ بيّوض إبراهيم بتنظيم خلايا جبهة التّحرير الوطني في القرارة ...
وحين يشرف على عمليّات جمع المؤن والأسلحة، وإيواء الثّوّار لمّا كانوا في القرارة. وحين تكون علاقاته وطيدة ومستمرّة مع الحكومة المؤقّتة بتونس، بواسطة المراسلات السّريّة، وتطلب منه البقاء داخل التّراب الجزائري لتحريك دولاب الثّورة. وحين يقوم بعمل بطولي وسياسي وطني كبير؛ لإحباط مؤامرة فصل الصّحراء عن الشّمال – رغم عدم اعتراف رمضان بذلك- لكنّ الزّمان كفيل بإظهار الحقائق، والحقّ لابدّ أن يظهر، مهما يحاول المكابرون إخفاءه وطمسه.
حين يحدث هذا كلّه، ويتوثّق بالوثائق والشّهادات المكتوبة والشّفويّة ... يأتي إبراهيمُ رمضان تلميذُ الإمام إبراهيم بيّوض لينكر على شيخه جهاده ونضاله وتضحيّته من أجل وطنه .. ما هذه المفارقات، هل الإنسان – فعلا – خلق كنودًا وجحودًا وعنيدًا؟! هل تصل الأهواء به إلى تخطّي حدود العقل والمنطق، وتجاوز صفة الحسّ الوطني والشّعور بالمسؤوليّة الأخلاقيّة في قول الحقيقة .. إذا حصل هذا فكبّر على الإنسانيّة أربعًا ..
هذه الآن بعض الشّهادات والاعترافات والمواقف التي تشهد للشّيخ بيّوض بالفضل والجهاد.
1 ــ البرقيّة التي بعث بها الأمين العام للحزب، رئيس الجمهوريّة السّيّد الشّاذلي بن جديد إلى أسرة المرحوم يعزّيها فيها على انتقاله إلى رحمة الله. وهي دليل قاطع على حسن سلوك الإمام وأعماله تجاه وطنه، ورئاسة الجمهوريّة تملك جميع المعلومات حول الشّخصيّات البارزة على الخصوص.
2 ــ شهادة ابن خدة التي صرَّح فيها بنضال الشّيخ بيّوض وعلاقته الوطيدة برجال الثّورة، وابن خدّة، له مقامه في الحركة الوطنيّة (1/72)
صفحة 72
الجزائريّة، فهو أمين عام حزب الشّعب، وعضو القيادة السّياسيّة في تحضير مؤتمر الصّومام، وعضو لجنة التّنسيق والتّنفيذ، ورئيس الحكومة المؤقّتة.
3 ــ اتّصال الشّيخ بيّوض بالأخوين عبّان رمضان وابن يوسف، بن خدّة بحضور المناضلين الحاج أيّوب إبراهيم وحجّاج، بواسطة ربّاح الأخضر، وهم على قيد الحياة. (1)
4 ــ اتّصال الأخ أحمد خبزي بالشّيخ بيّوض، وهو ضابط في جيش التّحرير الوطني، والذي بعثه القائد العقيد الحوّاس، وكلّفه بتبليغ الثّورة إلى غرداية، وتكليف الشّيخ بيّوض إبراهيم بتعيين جماعة ليقوموا بتنظيم الخلايا للميزابيّين المنتشرين عبر أنحاء الوطن.
5 ــ اتّصال السّيّد جغابة محمد بالشّيخ بيّوض، لَّما كلّفه العقيد الحوّاس بتبليغ الثّورة إلى غرداية وضواحيها، وتمنراست.
6 ــ اتّصال الشّيخ بيّوض ببعض المسؤولين في الثّورة بباتنة، في شهر جوان 1955، بمنزل سليمان بوعصبانة عمر بن الحاج إبراهيم، وسليمان بوعصبانه محمد بن يحيى.
7 ــ اتّصال الشّيخ بيّوض ببعض المسؤولين في الثّورة بواسطة حمّو بن عبد الله في قسنطينة، وفي سطيف بفخّار داود، حول الحملة التي أقدم عليها المصّاليّون في شهر سبتمبر 1955، الموجّهة لمقاطعة التّجّار الميزابيّين.
8 ــ شهادة الإخوة من قيادة الولاية السّادسة، الذين أوفدتهم القيادة إلى منطقة ميزاب، وهم: أحمد طالبي، عبادو السّعيد، عثمان حمدي، رشيد الصّائم، وقد اتّصل بعضٌ منهم بالشّيخ بيوض اتّصالًا مباشرًا، وتحاوروا معه حول موضوع فصل الصّحراء عن الشّمال، وقد اقتنعوا بكلامه وبمواقفه، وتبيَّن لهم أنَّ موقفه سليم، فهو لم يوافق على ما طلبته فرنسا منه، كما لمسوا منه الصّراحة والعفّة، وتركوه ليواصل عمله لإقناع الجماعة الأخرى، مثل: أحمد التّيجاني، وحمزة بوباكر، على عدم الموافقة على مطالب فرنسا.
بعد كلِّ هذه الشّهادات والاعترافات يأتي رمضان ويقول: إنَّ الشّيخ بيّوض كان سلبيًّا في مواقفه، وأنه لم يُقدِّم للثّورة شيئًا يذكر، بل
__________
(1) - ربّاح الأخضر توفي سنة 1989. كما توفيّ الآخرون أيضًا .. (1/73)
صفحة 73
انحرف عن مسار ها، فكان بذلك خائنًا.
إذن! أخطأ الضّبّاط في التّقدير، حين وثقوا بخائن، ولم يكشفوا خيانته، وواصلوا معه العمل طول أيّام الثّورة، وأخطأ المسؤولون، ومعهم القيادة السيّاسية، حين اعترفوا بفضل الرّجل في العمل الثّوري؛ لأنّه لا فضل بين النّضال الثّوري والسّياسي والإصلاحي لمن أدرك هذه المراحل كلَّها.
أخطأ أعضاء الحكومة المؤقّتة في أثناء الثّورة، حين اتّصلوا به، وتمادوا في خطئهم، حين منحوه وسام الاعتراف والتّقدير بعد الاستقلال ..
أخطأ الكلُّ في التّقدير، وأصاب رمضان؛ حين نصّب نفسه حكمًا عدلًا، ومناضلًا محنَّكًا في تقدير المواقف، وتقويم الرّجال، ومنح شهادات الاعتراف لمن يشاء، وحرمان من يريد منها، وإعطاء صكوك الغفران لمن أحب، وصبِّ اللّعنات على من عرف حقيقة جهاده، ومقدرته على مسايرة الثّورة في شموخها وعظمتها، وكفايته في فهم مواقفها، وإدراك أسرار تحرّكها، التي تخفيها الكلمات والرّموز، والإشارات وعبارات التّمويه والتّضليل، التي لا يمكن أنْ يدركها أقزام الثّورة، ومن كشفت أحداثها آنذاك أنّه لم يكن في مستوى إعطاء الثّقة فيه، للكشف عن كلّ الأسرار له، ممّا جعله يفهم الأمور حسب عقله البسيط، ويؤوّلها حسب رؤيته المحدودة ..
بهذا كان بعيدًا عن أنْ يفرّق بين الموقف السّياسي والتّحرّك الدّبلوماسي، وبين قاعدة الصّلابة في المبادئ والمرونة في التّطبيق، والغاية تبرّر الوسيلة، فعلم شيئًا وغابت عنه أشياء، اللّهم إلّا أنْ تكون هذه الدّعاوى من باب ما قاله الشّاعر:
وَإِذَا ... أَتَتْكَ مَذَمَّتِي ... مِنْ ... نَاقِصٍ ... فَهِيَ ... الشَّهادَةُ ... لي ... بِأَنِّيَ كَامِلُ
نتساءل عن المقاييس التي اعتمدها إبراهيم رمضان في تقدير الجهاد، والإخلاص للوطن، التي توخَّاها في إثبات الخيانة، والتّأكيد على السّلبيّة في النّضال والمواقف .. إذ يشير إلى العلماء الأعلام الذين حملوا راية الجهاد، والذين كانوا وعَّاظًا ومرشدين في المساجد، وكان كلُّ واحد منهم ركنًا أصيلًا في الحركة الإصلاحيّة الجزائريّة، أمثال: (العربي التّبسي، وأبي اليقظان، ومفدي زكريّاء ... )، ويذكر منابر دعوتهم ووسائل جهادهم، وبنفذ (1/74)
صفحة 74
إلى أعماق نفوسهم ليكشف أنّهم كانوا يدعون من هذه الأعماق، وبنوايا حسنة خالصة بالنّصر للثّورة .. بينما تكون أعمال الإمام بيّوض بارزة ظاهرة أمامه، ومواقفه ماثلة أمام عينيه، فيعمى أنْ يراها، أو أنْ يفقهها، أم أنَّ عين الرِّضا عن كلّ عيب كليلة، وعينَ السّخط تبدي المساويَ. { ... فَإِنَّها لَا تَعْمَى الاَبْصَارُ وَلِكْن تَعْمَى القٌلٌوبُ التِي في الصُّدورِ} (الحجّ/ 46). أم أنَّ تهمة الإدانة ثابتة –بمنطق رمضان وهواه- يبقى البحث - فقط - عن أدّلة تثبت ذلك وتؤكّده وتوثّقه، ولو على حساب الحقائق والقيم والأخلاق والتّاريخ، ولو على حساب المنطق والعقل والواقع ...
سبق لرمضان أن اعترف للإمام بالجهاد الإصلاحي، لكنّه نسي – أو غفل - أنَّ هذا الاعتراف يفسد عليه خطّتَه في الإدانة، ويعرض بنيانه - الذي بناه للنّيل من شخصيّة المرحوم - للانهيار، فعدل عن هذا الاعتراف، واستدرك؛ شأن الأفَّاك الذي لا يحسن الكذب، فبقيت نفسه موزَّعة ومشتَّتة بين رغبتين متضادتين: رغبة في الاعتراف بالفضل للشّيخ بيوض، وهو ما تحمله نفسه ويُقِرُّ به حاله، ورغبة في تشويه سمعته وتحطيم شخصيّته، وهو ما تكشف عنه ألفاظه وعباراته، وما تبرزه مواقفه ..
تعصبٌُّ مَقيتٌ، واتّهامٌ خبيثٌ، وحقدٌ دفينٌ، وغمطٌ للحقوق، وإجحافٌ وظلمٌ للثّورة ... هذا ما تحمله أقواله وتصريحاته المتناقضة المتضاربة ..
قال رمضان: ( ... وجعله –أي الشّيخ بيّوض- يستظلُّ بظلِّ أولئك العلماء الأبطال الذين صمدوا في الميدان أوفيّاء، لم يبدِّلوا ولم يغيِّروا مواقفهم أمام ما لقوه من عذاب أليم، سلَّطه عليهم الاستعمار، والانتقام منهم، وذلك بتخريب المعاهد التي كانت ثُكْنات أرهبت العدوّ، والتي تخرَّج منها أولئك الصّناديد الأباة الذين خاضوا معارك الجهاد ودفعوا أرواحهم ثمنًا لاسترجاع حريّة البلاد وكرامة العباد).
لم نفهم كيف كان الإمام يستظلُّ بظلِّ أولئك العلماء الأبطال؟ لماذا ومِمَّ يستظلّ؟ هل فقد مواقف وأعمالا قدّمها بين يدي ربّه ووطنه، تظلُّه يومَ لا ظلَّ إلَّا ظلُّه؟ وهل عدم تضحيّات قدَّمها لأمّته وشعبه، تظلُّه وتحميه من مثل مواقف رمضان وتصرّفاته مع صانعي تاريخ هذه الأمَّة؟ (1/75)
صفحة 75
لنفرض أنَّه لم يقم بما يحميه من ألسنة النّاس، وما ينجيه؛ عقابًا على تقاعسه، فكيف ينجو من قبضة الثّورة وحماة السّيادة الوطنيّة؟ أم إنَّ الثورة كانت عاجزة عن الضّرب على أيدي الخونة؟ هذه تهمة خطيرة موجّهة إلى الثّورة ننفسها؛ حين تغفل عن عملائها، وتتركهم يجولون ويصولون وينعمون بالفضل الكبير، على حساب أشلاء المجاهدين وتضحيّات العلماء الأعلام!!
لماذا هذا الإجحاف وهذه المغالطات؟ لماذا هذا التّحامل على شخصيّة الإمام؟! ألم يكن مرابطًا في المسجد ومعهد الحياة، يحارب الفساد والاستعمار والتّخلّف الفكري؟ ألم يكن ركنًا أصيلًا في الحركة الإصلاحيّة؟ ألم يكن واعظًا مرشدًا باعتراف رمضان نفسه – وإنْ لم يكن هو في حاجة إلى اعتراف مَنْ كان حاقدًا جاحدًا للفضل، ومتناقضًا مع أفكاره، ومتذبذبًا في مواقفه وفي انتمائه، لا ينتسب إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء - ألم تفرض عليه الإقامة الجبريّة في مسقط رأسه؛ بسبب إرهابه للعدوّ، وبسبب مواقفه الجريئة معه؟ كيف يدعو تلاميذه إلى جهاد إسلامي ويتخلَّى هو عن ذلك؟ فضلًا عن أنْ يظهر خيانة، أو يقلب للثّورة ظهر المجن؟!!
هل كانت نيّة الإمام أنْ لا تنتصر الثّورة؟ أيكون هذا شعور من يسمّيه (رمضان) مسلمًا مصلحًا؟ يا لضبابيّة الرّؤية عند رمضان! واختلاط المصطلحات لديه وغياب المنطق!! ويا للسّذاجة في التّفكير والتّدبير!!
كم مرّة داهم الاستعمار أقسام معهد الحياة للتّفتيش والبحث عمّا يدين الأساتذة والطّلبة؛ لمّا علم أنَّ المعهد ثُكنة ومعقل من معاقل الجهاد والنّضال، لكنّه كان يرجع كلّ مرّة خائبًا، لا يملك الدّليل على الإدانة، لأنَّ المُسيِّر كان حكيمًا، يعرف كيف يدير دواليب العمل الثّوري، من دون أنْ يُتفطَّن له، وليس كقعل من يكون عمله على لسانه، يقوده إلى السّجن، ثم يسير بعد ذلك إلى منازل العاملين والمصلحين، يخرجهم منها ليَزُجَّ بهم في السّجون والمعتقلات، فيبقى العامل حرًّا لحكمته وحنكته في العمل - وهو ما تتطلَّبه الثّورة وتدعو إليه – ويُقتَاد الغرُّ الضّعيف إلى السِّجن بسبب تهوُّرِه، وبذلك تنقلب الموازين وتختلط الأمور، وينطبق على صاحب المقال المثل العربي القائل: (رمتني بدائها وانسلَّت).
ألا يُعدُّ هذا التّفتيش وهذا التّرويع تخريبًا؟ أم أنَّ التّخريب يعني في نظر صاحب المقال هدم الجدران وإيقاع السّقوف وإغلاق المؤسّسات؟
كم اجتماع عقده الشّيخ بيّوض مع الثّوّار في مسقط رأسه؛ للتّداول (1/76)
صفحة 76
في شؤون الثّورة؟ كم مرّة أشرف على عمليّات جمع الأسلحة والمؤن؟ كم ليال باتها مُسَهَّدًا مترقِّبًا، خائفًا من انكشاف مخابئ الثّوّار والأسلحة، حين يداهم القرارة جنود الاحتلال؛ باحثين عن الثّوّار وعن مصادر الإمدادات، كما حصل في حصار القرارة الأوّل سنة 1957. (1) وقد أشرف على كثير من العمليّات بسرعة تامَّة، جعلت المستعمر يفشل في الكشف عنها، كما خفيت حقيقة النّضال والجهاد عمّن حسُّه الثّوري وجهاده الثّوري ونضجه الفكري ودهاؤه السّياسي كان ضعيفًا، ممّا جعله يردِّد كلمات، ويحبِّر مقالات، ويكيل الشّتائم وَيلفِّقُ الاتّهامات جزافًا.
هل يحكم على كلِّ من لم يهاجر التُّراب الجزائري أنّه لم يقدِّم عملًا للثّورة –كما يدَّعي صاحب المقال- بِهذا يكون معظم الشّعب الجزائري مقصِّرًا، لم يقم بواجبه، لأنّه بقي داخل الوطن، أو على الأقلّ تتّهم الشّخصيّات العلميّة والسّياسيّة، التي لم تغادر أرض الوطن، لسبب أو لآخر بهذا التّقصير. – طبعًا المقصود بهذا الطّعن الشّيخ ببيّوض - مع أنَّ جبهة التّحرير الوطني طلبت منه البقاء في الجزائر؛ لدوره الكبير في الثّورة. يقول السّيّد أحمد خبزي: (كنّا في صيف 1956، واستعدادا لإضراب الأيّام الثّمانيّة، أشار لي الشّيخ بيّوض في القرارة بأنَّ السّيّد فرحات عبّاس قد انتقل إلى القاهرة، وأنّه بدوره يتهيَّأ ليلحق به تاركًا مكانه الشّيخ أبا اليقظان ليستمرَّ في الاتّصال المباشر مع جيش التّحرير الوطني، فكان ردّي: لا ترحل ولا تغادر المنطقة حتّى تأخذ رأي القيادة للجيش، ثمّ تسلّمت منه ما جمعه من أسلحة وعدت بها إلى بسكرة، عند وصولي إلى الحاجب أطلعت القائد نور الدّين مناني بما عزم عليه الشّيخ بيّو ض، فكتب رسالة إلى رئيس الولاية، حملها إليه عمّار بن أحمد السّنّي بمقر الولاية، وبعد ثلاثة أيّام كان الرّدُّ من طرف رئيس الولاية، واستدعاني القائد مناني بواسطة محمد بوفروة، وطلب حضوري عنده فورًا، عندها طلب منِّي الرُّجوع إلى الشّيخ بيّوض بالرّدِّ التّالي على طلبه: " إنَّ القيادة العليا لجبهة التّحرير الوطني وجيش التّحرير الوطني تأمرك أنْ لا ترحل إلى القاهرة، ولا تغادر وادي ميزاب؛ لأنَّ القيام بواجبك الثّوري داخل الوطن أنفع لنا بكثير من وجودك في الخارج، وتأذن لك وتفوِّض لك التَّفويض المطلق في جميع ما يعود بالمصلحة والفائدة للثّورة).
__________
(1) - ينظر تفصيلاتٌ عن هذا العمل، ونموذجٌ من هذا الإجراء الجريء، كتاب أعمالي في الثّورة، ص: 26 – 28. (1/77)
صفحة 77
(1)
تقول لرمضان إبراهيم بعد ذلك: ما هذه الموازين المقلوبة؟ أبعد كلِّ هذه الأعمال تطلب أمثلة تطبيقيّة من الإمام، تُثبِت ولاءه للثّورة وعدم خيانته لها.
أنا تيقَّنت - بما لا جدال فيه ولا مراء - أنَّ صاحب المقال يعاني أزمة فهم المصطلحات وتقدير المواقف، وأنَّ مفهوم الخيانة لم ي. إنّ الخيانة يا أخي! تظهر في تصريح، أو اتّخاذ قرار معاد للثّورة، أو مظاهرات مؤيّدة للعدوّ، أو تجنيد النّاس لضرب الثّورة ...
هل دعا الشّيخ بيّوض إلى تكوين قوّة مسلَّحة من الحركيّة والقُوميَّة أو الدِّفاع المحلِّي ... لترفع السِّلاح في وجه الثّورة، وتشارك في العمليّات الحربيّة، بجانب القوّة الفرنسيّة؟ هل أصدر فتاوى، أو فتوى واحدة ضدّ المجاهدين، تنسب إليهم الإجرام والطّيش وقطع الطّرق؟ كما فعل ذلك قاضي (تُنْبُكْتُو محمد محمود، بتاريخ 24/ 10/1955م، عندما كان مارًّا بقسنطينة، وهو عائد من الحجّ؟. وموقف مدير معهد الكتّاني بقسنطينة وغيرهما؟ هل كتب مقالات ضدّ الثّورة، أو كان مؤيِّدًا لفرنسا في سياستها إزاء الجزائر؟ هل قام خطيبًا في مهرجان، أو اجتماع في المجلس الجزائري أو المجلس الاقتصادي بورقلة مؤيدًا لفرنسا ضدّ الثّورة؟ بل كان من بين الواحد والسّتين عضوًا في المجلس الجزائري، الذين رفضوا الإصلاحات التي تقدّمت بها فرنسا يوم 26 سبتمبر 1955 كما ذكرت ذلك جريدة (دبيش قسنطينة La dépêche de Constantine). (2)
هل نجد للإمام شيئًا من كلّ ذلك حتّى يكون خائنًا؟ لو كان خائنًا - كما يدَّعِي صاحب المقال - فلماذا لم تقض عليه الثّورة؟ خاصّة وأنّه ظلَّ يجول حرًّا طليقًا، لا حرس له ولا حماية ولا حصانة، أم أنَّ القيادة كانت غائبة، غير قادرة على القيام بواجبها؟ لو كان خائنًا فلماذا يعترف له بالفضل أصحاب النّفوس الكبيرة والعقول الرّاجحة؟
في قضيةّ فصل الصّحراء عن الشّمال، وما أدلى به رمضان إبراهيم من أقوال حول موقف الشّيخ بيّوض منها، والتّحرّكات التي تمَّت ضمنها، ألَا يمكن أنْ يطرح هو نفسه السّؤال الآتي: لماذا يُقصد الشّيخ بيّوض بالذّات في
__________
(1) - ينظر الملحق، رقم: (6) في الكتاب.
(2) - ينظر: ملاحظات على ملاحظات، ص: 3، 4. (1/78)
صفحة 78
قضيّة، يرجو فيها (ديغول) كسب منطقة كبيرة وغنيّة، مقابل منح الحريّة للجزائريّين في الشّمال؟ أيخطئ دهاء رجلِ السّياسة فيقصد رجلًا مواليًا له، ينقم عليه الشّعب الجزائري، وتسخط عليه الثّورة وتتوعّده؟! أيدخل (ديغول) في رهان خاسر بهذه الخطّة؟!
ألا يُفهَم من صنع ديغول أنَّ الشّيخ بيّوض يملك مقامًا عظيمًا في صفوف الجزائريّين، وقوّة معنويّة كبيرة بينهم؟ وأنّه الواقف حجر عثرة في طريق تنفيذ خطّته؟ في استمالته إليه؟ وأنَّ النَّجاحَ في إقناعه نجاحٌ في تمرير المؤامرة.
هل إغراؤه بالمال والجاه كان كافيًا في استمالته؟ ودليلًا على ولائه لفرنسا؟ ألا يشبه هذا الموقف موقف الرّسول - صلى الله عليه وسلم -؛ جين عرضت عليه قريش المال والجاه والتّمتُّع بالدُّنيا ... فرفض الرَّسول - صلى الله عليه وسلم - كلّ ذلك؟ هل مجرَّد العرض على الرّسول - صلى الله عليه وسلم - يجعله ضعيفًا ومتَّهمًا في رسالته، وفي قوة شخصيّته ومواقفه ومبادئه؟ لا أعتقد أنَّ أحدًا يقول بهذا، إلّا مَنْ كان في قلبه مرض وعلل، أو في عقله مسّ أو خلل ..
ما يقرب من هذا الموقف عَرَضَ للشَّيخ بيَوض، لكنّه بأخلاق الرّسول - صلى الله عليه وسلم - وبدهاءٍ سياسيٍّ كبيرٍ رفض هذا الطّلب. قال الشّيخ بيّوض لرئيس المجلس العمالي بورقلة: (سيّدي الرّئيس! إنَّ مجلسنا مجلس اقتصادي بحت، ينظر في ميزانيّة العمالة، فاختصاصنا لا يخرج من دائرة المكاتب والمصحّات والطّرقات والمواصلات، وما أشبهها من الماديّات، ولا حقَّ لنا مطلقًا في التّكلّم باسم الأمّة في أمر سياسي هامٍّ خطير، الحقُّ فيه للأمّة بأسرها، ثمّ من جهة أخرى –سَيّدي الرّئيس- إنَّ فرنسا لم تكن تستشيرنا في سياستها في هذه البلاد، فلم تستشرنا يوم قطعت الصّحراء، وجعلت لها نظام التّراب الجنوبي الخاصّ، ولم تستشرنا يوم فصلت أجزاء من الشّمال، سمّتها أحوازًا ممتزجة، فهي تصل وتفصل وتتحكّم كما تريد، بل أكثر من ذلك كنّا نطلب أشياء من حقّنا، ونرفع أصواتنا بها، فلا تسمعها، حتّى تطبيق قوانين سنّتها هي).
هكذا كان رفض الشّيخ بيّوض لطلب ديغول، وكان رفضه بمنطق الثّورة التّحريريّة، التي يقول عنها رمضان: (لا تسمح لأيٍّ كان، مهما كانت رتبته في الجيش أو مسؤوليّته في جبهة التّحرير الوطني الاتّصال بأيِّ مسؤول في الجهاز العسكري أو السّياسي للعدوّ، مهما كانت نوعيّة هذا الاتّصال، إلّا (1/79)
صفحة 79
بأمر من القيادة الثّوريّة).و هل فعل الشّيخ بيّوض غير ما يمليه نظام الثّورة؟ وغير ما دعا إليه رمضان؟!
هل الشّيخ بيّوض هو الذي اتّصل بجهاز الاستعمار؟ أم هذا الأخير هو الذي اتّصل به؟ وعلى فرض أنّه خرج على هذا النّظام، لماذا لم يذهب الشّيخ بيّوض ضحيّة هذا الاتّصال؟ كما راح أبطال آخرون (كما أشار إلى ذلك رمضان إبراهيم) وهو الذي يصول ويجول حرًّا طليقًا، وقد قضت الثّورة على بعض الخونة في قلب باريس، ووسط حراسة مشدّدة، ومراقبة يقظة، وحصانة كبيرة، كما قُتلَ خائنٌ، وهو جالس بجانب رئيس الجمهوريّة الفرنسيّة في احتفالٍ كبيرٍ؟! أم أنَّ الثّورة كانت عاجزة عن القضاء على خائنٍ حرٍّ في بلادها، وتفلح في قتل خائنٍ في عرين الأسد، (مع التّجاوز في الوصف)؟؟!!
ما هذا التّناقض؟ وهذا التّحامل؟ لست أدري لماذا يبقى صاحب المقال أسير أفكار تُملَى عليه، ورهنَ إشارة من يريد أنْ يزُجَّ به في متاهات، لا مخرج له منها، ومن يبرأ من عمله ويتنكَّر له لما حصل معه من إغراء وإغواء، حين تجتمع الخصوم للملاعنة والملاسنة، فيقول له ما أنا بمُصرخِك ولا أنت بمُصرِخِيَّ ...
أخذ رمضان إبراهيم على الشّيخ بيّوض عدمَ استقالته من المجلس الاقتصادي بورقلة .. في الواقع إنَّ الثَّورة طلبت من جميع النُوَّاب، في جميع المستويات تقديم استقالاتهم، أو يكون حكمهم الإعدام، وقد طبَّقت هذه التّعليمات، وعمّمتها على كامل القطر الجزائري، وكان على الشّيخ بيّوض تقديم استقالته، وقد جاء في تقرير ولاية غرداية (ص: 20) (إنّ هناك من لبَّى النّداء، وقدّم استقالته، ورغم الظّروف، فقد بقي ضمن هذه المجالس بعض النّواب، وقدّموا خدمات جليلة للثّورة، وهم أقليّة، كما حدث ذلك في بقيّة التّراب الوطني، ولم يستقيلوا من مناصبهم، ووجدت فيهم الثّورة العون الحسن في تقديم مساعدات كبيرة للثّورة، وكان من هؤلاء الشّيخ بيّوض إبراهيم في ولاية غرداية، ولا أدلَّ على ذلك من قضيّة فصل الصّحراء عن الشّمال.)
ما دام رمضان قد أشار إلى تقرير ولاية غرداية، فإنّنا نقول: إنَّ التّهمة التي وجَّهها إلى (أوعشت بكير) في النّيل من مجاهدي غرداية تبقى ماثلة وقائمة في هذا التّقرير، ما دامت النّزعة الطّائفيّة بارزة فيه، والتّحيّز (1/80)
صفحة 80
واضحًا إلى جهة دون جهة. الجداول والأرقام والإحصائيّات توضِّح ذلك، رفعت منطقة على حساب منطقة، وما دام التّأويل واستنطاق الأحداث كانا لأهواء في النّفوس، ولحاجات في القلوب، وما دام الكثير من صانعي هذا التّاريخ والمشاركين في الثّورة لم يُدعَوا إلى الاجتماعات، بل منهم من مُنِع من حضور الاجتماعات، كما منع الأستاذ محمد العايب (1) من دخول قاعة الاجتماعات ببوسعادة؛ لأنه أبدى معارضة على تقرير غرداية المجحف في حقّ المجاهدين، وسَبَبُ غياب هؤلاء المجاهدين عن الاجتماعات هو أنّهم لم يُقبَلوا في صفوف منظّمة المجاهدين؛ لانعدام النّزاهة في دراسة الملفّات.
إنَّ النّظام المقرّر في تكوين اللّجان من المنظّمة الوطنيّة للمجاهدين، ووزارة المجاهدين لدراسة الملفّات المقدّمة إليها حسب المستويات: القسمة، الدّائرة، الولاية، اللّجنة الوطنيّة، والتّعليمات الواردة من الأمانة الوطنيّة والوزارة واضحة كلّ الوضوح، في تحديد الطّريقة والأسلوب، الذي يجب اتّباعه في دراسة الملفّات، والسّماع للمعني بالأمر وشهوده، الذين عاشوا معه في الزّمان والمكان، وبالأخصّ التّعليمية (3389/ 82، بتاريخ 26/ 12/ 1982 (2) لم تُحْتَرَمْ. وعدم تطبيقها يُعدُّ خروجا عن القانون. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنَّ المجاهدين لم يحترموا شهادات بعضهم بعضًا، فكلّ واحد يناقض شهادة الآخر، حتّى شهادات الضّباط الذين كانوا يُسيِّرون الوحدات القتاليّة، والمسؤولين السّياسيّين ..
هذه الطريقة تُعدُّ قدحًا صريحًا من مجاهدين ضدّ إخوانهم المجاهدين. كما رفضت الشّهادات التي قدّمها مجاهدون حول نضال الشّيخ بيّوض، وبعض من هؤلاء إطارات ساميّة في الثّورة المسلّحة.
أمّا اعتبار صاحب المقال الجنود الذين التحقوا بجيش التّحرير الوطني (أي الحركية والقُوميّة) في أثناء المفاوضات مجاهدين؛ قياسًا على المجاهدين الصّحابة، الذين كانوا كفّارًا، فهو استدلال باطلٌ غير صحيح.
نريد بعد كلّ ما ذكرنا أنْ نعرض على رمضان إبراهيم بعض الأسئلة: لماذا يضلِّلُ هؤلاء الذين يكتبون رسائل مجهولة فئات الشّعب؟ وكيف يحفظون شخصيّاتهم؟ وليعلم صاحب هذه الدّعاوى الباطلة أنَّ
__________
(1) - هو تلميذ الإمام بيّوض: دراسة ونضالا ومشاركة في الثّورة التّحريريّة. أستاذنا في معهد الحياة. وكان متخصّصًا في تدريس الرّيّاضيات .. حفظه الله وشفاه ..
(2) - ينظر: ملاحظات على ملاحظات، ص: 7. (1/81)
صفحة 81
المتسبِّب في كتابة هذه الرّسائل هو مواقف من منع بعض المجاهدين من المشاركة في ملتقى غرداية وملتقى بوسعادة. وما دام صاحب المقال يعرف مواقف هذه الفئة السّلبيّة، فلماذا لم يكشف عنها؟ ما هو الخلاف الذي وقع مع الإمام بيّوض قبل عام 1958 إلى الاستقلال؟ ومن هو الطّرف الثّاني في الخلاف؟ أين الوثيقة التي سجّلت الاجتماع الذي تمّ في غابة غرداية؟ على فرض وجودها في مقرّ منظمة المجاهدين في غرداية، فما مقدار صحّتها؟ ولماذا لم تظهر إلّا في هذا الوقت، بعدما يقرب من ثلاثين عامًا من الاستقلال، وبعد مرور سبع سنوات من وفاة الإمام بيّوض؟ وعلى فرض وجودها في مقرّ المنظّمة، فهل يمكن الاطّلاع عليها؟ وهل المنظّمة تفتح أبوابها لكلّ النّاس للاطّلاع على كلّ شيء؟ وعلى فرض وجودها لماذا لم يكشف عنها؟؟
في هذا التّصرّف خيانة للوطن، تصدر ممّن يكتب (تقريرًا عامًّا وشاملًا بكلّ الإيجابيّات والسّلبيّات، التي صدرت من الذين كانوا معها أو ضدَّها، من دون تمييز)، كما ورد في مقال إبراهيم رمضان، أم ينتظر حتّى تتهيّأ ظروف الإدانة والتّمويه والتّزييف؟ ويغيب عنّا العارفون للحقائق، فيخلو الجوُّ للتّقوّل والادّعاء؟
نرجو أنْ يكون رمضان أكثر صراحة ووضوحًا، فيبيِّن من هم أعوان الإمام الذين كانوا يمثّلون العلم الفرنسي في البرلمان بباريس؟ وكيف كان هو نفسه يمثّل الجانب الفرنسي في الهيئة التّنفيذية المؤقّتة؟
من أدرى صاحب المقال أنَّ الأستاذ أعوشت بكير كانت وراءه جماعة بأفكارها، هذه تهمة ما كان ينبغي (لمجاهد) تَمرَّس على النّضال أنْ يصدر منه هذا الكلام!!! إلّا أنْ يكون قد طبّق ما يقوم به على أعوشت، وأسقط ما كان يشعر به، وما يتّصف به على زميله. دليلنا على أنّه يردّد أفكار غيره هو تذبذبه في الأقوال والتّصريحات.
قال رمضان: (مع الأخذ بعين الاعتبار أنَّ ذكر النقائص والعلماء والكبراء لا يعتبر انتقاصًا لأقدراهم، بل يجب إكنان الاحترام للرّجال، وليس هذا تفضُّلًا عليهم، نتطوّع به، بل هو أدب جارٍ على قول الرّسول - صلى الله عليه وسلم -: (ليس منّا من لم يوقِّر كبيرنا، ويرحم صغيرَنا، ويعرف لعالمنا حقَّه).
ما ها التّناقض؟ لا تزال الثّورة لم تنجح في مَدِّ صاحب المقال بقيم الرّجال، من الصّراحة والوضوح والثّبات والصّمود ونبذ العواطف (1/82)
صفحة 82
الفاسدة .. كيف يقدّر رجلا لم يسهم في بناء صرح بلاده، بل خان ثورته؟ أم لا يزال رمضان متردّدًا بين الاعتراف بفضل الإمام في العمل الثّوري والنّضال السّياسي، والرّغبة في تحطيم عظمةٍ، وقفت حاجزًا أمامه، تمنعه من الظّهور؛ لأسباب هو أدرى بها؟ (فليس كلّ ما يعلم يقال)، أين الاحترام ومعرفة الحقّ وتوقير الكبير في تصرّفات تلميذ يسبُّ أستاذه، ويتّهمه بتهم، ما أنزل الله بها من سلطان؟
أُعَلِّمُهُ ... الرِّمايَةَ كُلَّ يَوْمٍ ... فَلَمَّا اسْتدَّ سَاعِدُهُ رَمانِي
نقول في النّهاية: إنَّ تقويم شخص بسيط، مواقفه في الثّورة غير واضحة، وموازينه في تقدير الجهاد والنّضال والتّضحية غير دقيقة ونزيهة. هل يقف دليلًا على سلب العمل الثّوري من رجلٍ عملاقٍ، قدَّم خدمات جلَّى لوطنه الحبيب ولأمّته الكريمة؟
ما خرجت به من القراءة المتأنّية والمتكررِّة - مع حيرة ملازمة وفكر مشتَّت - أنَّ مناقشة رمضان إبراهيم للأستاذ أعوشت بكير وثيقة أثبتت - بدلالتها الخفيّة، وتصريحاتها المتضاربة - نضالً الشّيخ بيّوض، وجهاده الكبير في الثّورة التّحريريّة.
نشكر رمضان إبراهيم على نصائحه للكتّاب والمؤلّفين ونضيف له قائلين: (هلّا لنفسك كان ذا التّعليم)، و (رحم الله امْرَأً عرف حدَّه، فوقف عنده). والله وليُّ التّوفيق.
باتنة يوم: 12/ 06/1988.
محمد ناصر بوحجام
الملحق رقم: (2) (1/83)
صفحة 83
قراءة في كتاب " أعمالي في الثّورة " (1)
كانت الذّكرى التّاسعة لوفاة الشّيخ إبراهيم بن عمر بيّوض (2) فرصةً سانحة للتّحدّث عن مآثره، وعن أعماله في الثّورة التّحريريّة الجزائريّة، ومناسبة لإنصاف الرّجل الذي طالما تطاول على سمعته، ونال من كرامته، واستنقص من مكانته ... بعضُ الذين لم يُهذّبهم النّطق بالشّهادتين، ولم تنفع فيهم تربيّة الثّورة التّحريريّة، ولم يُفيدُوا من الشّعارات التي كانوا يردّدونهاولم يحملوا في قلوبهم المعاني التي كانت تدعو إليها: من إحقاق الحقّ، وتقدير المواقف، وإنصاف الرّجال ... ؛ حبًّا للوطن، وإيثارًا لمصلحة الجماعة على مصلحة الفرد ..
لهذا لمّا أصبح إبقاء العمل في السّرّ، وعدم الكشف عن التّضحيّات؛ ابتغاء مرضاة الله عزّ وجلّ، وطمعًا فيما عنده من جزاء أوفى وذخر أبقى، لمّا كان هذا المسلك قد جرّأ مرضى النّفوس وأصحاب الأهواء، وسمح لهم بالتّقوّل والتّفوّه بغير الحقيقة، وكيل الشّتائم، وتلفيق التّهم للعاملين المخلصين لله ولوطنهم، بات لزامًا تسجيل هذه الأعمال وتدوينها؛ لتكون شاهدة على النّضال والوفاء للأمجاد. في حين تكون للأجيال خلاصة تجربة، ومرجعًا لمعرفة التّاريخ؛ بنقله من صانعيه ..
لم يعمد الشّيخ بيّوض إلى هذا العمل (وضع مذكّرة عن أعماله في الثّورة التّحريريّة الجزائريّة) إلاّ بعد أن فقد كلَّ وثائقه، التي أجرقها في شهر أكتوبر سنة 1961م، حين حوصرت القرارة (مسقط رأسه) بالجنود الفرنسيّين؛ لأنّها كانت معقلاً من معاقل الثّوّار. أحرق كلَّ مستنداته؛ حفاظًا على أسرار الثّورة.
لقد كانت تلك الوثائق تتضمّن معلومات مهمّة عن الثّورة، وشهادات حيّة صادقة عن نضاله ونضال المنطقة. الإبقاء عليها – في تلك الظّروف أو ذلك الوضع - يعرّض الثّورة لمزيد من المشاكل والمضايقات ..
لم يلجأ الشّيخ بيّوض إلى هذا التّسجيل إلاّ بعد المضايقات والاتّهامات،
__________
(1) - أرسل المقال إلى جريدة " الواحة "، غرداية، الجزائر. ولم ينشر!!! أثار الكتاب ردود أفعال كثيرة، بعد صدوره. ينظر كتاب: الشّيخ بيّوض إبراهيم بن عمر بيّوض مصلحًا وزعيمًا، ص: 217 – 250.
(2) - توفّي الشّيخ إبراهيم بيّوض – رحمه الله – يوم الأربعاء: 08 من ربيع الأوّل 1401هـ/ 14 من جانفي 1981م. (1/84)
صفحة 84
التي تعرّضَ لها، هو وثلّةٌ من العلماء المخلصين – في شمال الجزائر وجنوبها – في عهد الرّئيس الأوّل للبلاد، أحمد بن بلّة، وبعد استقلال الجزائر، والتّخلّص من الاستعمار والإذلال والقهر والتّعدِّي على الحريّات ..
أعاد التّاريخ نفسه (إن كان التّاريخ يفعل هذا)، وتكرّرت المأساة ثانيّة، بعد وفاة الشّيخ بيّوض، على أيدي من هم على شاكلة الرّئيس الأوّل، فأرادوا أن يجرّبوا حظّهم، عساهم يفوزون بما خاب فيه زعيمهم الذي علّمهم كيف يكيدون ويمكرون، وكذا أذنابه الذين يسيرون في هذ المسعى الفاشل، وهم يحسبون أنّهم يحسنون صنعًا .. لكن هيهات هيهات أن ينجحوا .. فالحقُّ لا يعدم نصيرًا، بل أنصارًا، والإخلاص لابدَّ أن يكشف زيف الباطل. فقد أصبح هؤلاء هم الأخسرين أعمالاً؛ إذ أقرَّ المنصفون بفضل الشّيخ بيّوض في الثّورة التّحريريّة، فسقط في أيدي العابثين بتاريخ الأمّة وأمجادها ..
إذن حلّت ذكرى وفاة الشّيخ بيّوض التّاسعة، فتفضّلت جمعيّة التّراث (1) بالقرارة، فقدّمت مكرمة مهمّة للشّعب الجزائري، ولأبناء ما بعد الاستقلال بخاصّة، هي طبع مذكّرة الشّيخ بيّوض (أعمالي في الثّورة)؛ لتسدي بذلك للأجيال هديّة ثمينة، تعرّفهم بجزء من نضال مرير وشاقٍّ وشريف، قام به الشّيخ بيّوض ومساعدوه، في سبيل الله، وفي سبيل الوطن ..
جاءت مقدّمة أستاذنا الدّكتور محمد ناصرلهذه المذكّرة، ولِما ورد في الكتاب كلِّه لتكشف عن إسهامات الشّيخ بيّوض في سبيل الرّفع من شأن وطنه، بعد تحريره من نير العبوديّة والاستعباد. هذه الإسهامات اتّخذت شعارًا لها: (الإسلام دينًا، الجزائر وطنًا، العربيّة لغةً).
إنّ هذا الجهاد الذي قدّمه الشّيخ، كان يرمي من خلاله أن ينشئ للجزائر من أبنائها من بحمي شخصيّتها وأصالتها من الذّوبان والانحلال. وفعلاً تمَّ له ذلك، فقد زرع أبناءَه في طول الجزائر وعرضها؛ ليسهموا بدورهم في نهضة الجزائر الحديثة. كما سجّلت هذه المقدّمة أنّ هذه الأعمال لم تَرُقْ بعضَ الحاسدين، الذين ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون،
__________
(1) - جمعيّة التّراث: جمعيّة ثقافيّة، تأسّست في سنة 1983م، لبعث التّراث الضّخم الذي تزخر به منطقة وادي ميزاب بخاصّة، والمذهب الإباضي بعامّة .. كان مقرّها في مدينة العطف، ثمّ انتقل إلى مدينة القرارة، بعد وفاة أحد روّادها الشّيخ إبراهيم بن يحي الحاج أيّوب (القرادي) سنة 1989م. مؤسّسها الأوّل الدّكتور محمد بن صالح ناصر، أوّل رئيس لها كان الشّيخ سعيد بن بالحاج شريفي (الشّيخ عدّون) توفّي سنة 1425هـ/ 2004م. ثمّ خلفه الرّئيس الحالي: د. محمد بن قاسم ناصر بوحجام .. حصلت على الاعتماد الرّسمي سنة 1989م. (1/85)
صفحة 85
والذين قلوبهم غلف، والذين لا تقوى نفوسهم على رؤية غيرهم يتفوّق عليهم، فراحوا يعيثون في الأرض فسادًا، بما يهلك الحرث والنّسل؛ بممارساتهم غير المسؤولة.
غير أنّ هذه التّصرّفات هي ما يعاني منها المصلحون المجاهدون في كلِّ زمان، على مرِّ التّاريخ (والشّيء من معدنه لا يستغرب). هنا يشير الدّكتور محمد ناصر إلى ما حدث في منطقة وادي ميزاب من مناكر ومآسٍ، ما بين جويليّة 1962 وأكتوبر 1988م. هذه التّرهات لم تكن أبدًا في صالح الوطن، بل بالعكس كانت تهدم كلَّ ما بناه المصلحون، وما كانت تقوم به الأمّة الخيّرة.
ذكر الدّكتور على سبيل المثال، - لا الحصر – حوادث1964م، 1975م، 1989م، في مدينة القرارة، وحوادث 1985م في مدينة غرداية، التي (لن ينساها التّاريخ، وستبقى في ذاكرة الشّعب أخاديدَ حمراء عن أبشع صور الإهانة والتّعذيب والتّفرقة العنصريّة)
لكن ما طمأن الدّكتور وأراح باله كونُ هذه التّصرّفات كانت محصورة في أفراد قليلين، كانوا محسوبين على المجموع، الذين كانوا مخدوعين، ومغرَّرًا بهم، فزجَّ بهم في متاهات، ما كانت لتسلمهم إلاّ إلى الضّلال والعمى والخسران المبين. وقد تفطَّن هؤلاء السّذّج المخدوعون إلى خطورة الاستمرار في هذا النّهج؛ لأنّه يُعدُّ مغامرة بكرامتهم وبمستقبلهم، و لأنّهم عرفوا أنّ الإصلاحات الرّشيدة التي تشهدها البلاد ستقضي - لا محالة - على مصالحهم وامتيازاتهم. لذا وجدنا بعضهم قد عدّل من مواقفه، وصحّح بعض أخطائه، فأعلنها توبة عمّا اقترفه من خطايا في حقِّ المخلصين العاملين، ونحن متأكّدون أنَّ البقيّة، أو الأغلبيّة ستسلك المسلك نفسه، لأنّنا عهدنا من هؤلاء أنّهم يتبنَّون المواقف بالجملة – ولو بدون اقتناع – وبالتّقليد وتطبيق الأوامر الصّادرة من فوق، إذن ما دام باب الاعتراف قد فتح فالقائمة ستظلُّ مفتوحة أيضًا.
ما دام الحديث عن بعض المفارقات في مواقف هؤلاء، فإنّه ممّا يدلُّ على أنّهم حين كانوا يخطّطون، ويتآمرون على الرّموز الوطنيّة والإسلاميّة كان يتخبّطهم مسٌّ من الشّيطان، وكانوا يهرفون بما لا يفقهون، وكانوا يكتبون تقارير للنّيل من الشّيخ بيّوض، وممّن هو تحت رعايته، أو يتّصل به بسبب ... فيقدّمون له شهادة اعتراف وتقدير؛ لأنّ الحقد أعمى أبصارهم (1/86)
صفحة 86
وبصائرهم، فجعلهم ينطقون يما يتناقض مع أهدافهم ومقاصدهم، بل يكتبون ما يُدينهم؛ لأنّ الحقَّ يخرس الباطل ويزهقه، حين يحين وقت بروزه {وَقُلْ جاءَ الحقُّ وَزَهَقَ البَاطِلُ إنَّ البَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} (الإسراء/81).
دليل هذا أنّه وردت في التّقرير الولائي، من مجاهدي ولاية غرداية وثيقة مهمّة، تثبت مناهضة الشّيخ بيّوض الاستعمارَ الفرنسي. وهو في الأصل تقرير عن الوضع السّياسي لمنطقة غرداية سنة 1950م. وقد صدر عن الحاكم الفرنسي للمنطقة آنذاك،. جاء في التّقرير ما يأتي: " إنّ نشاط الحكومة والإدارة الفرنسيّة وجد نفسه مرّة أخرى معرقلاً، وهذا بسبب المعارضة السّياسيّة لحزب الانتصار للحريّات الدّيموقراطيّة، ولكن بصفة أخصّ بسبب النّشاط المكثَّف الذي يقوم به الحزب الوطني الإصلاحي، بزعامة الشّيخ بيّوض."
تساءل الدّكتور محمد ناصر. كيف غابت هذه الشّهادة الوطنيّة في حقِّ الشّيخ بيّوض عن أولئك، وهم يعرفون أنَّ الوطنيّة الحقّة هي تلك التي كانت تجابه الاستعمار بقوّة في كلّ الميادين، حين كان شبح مجزرة ماي 1945م ماثلا بين أعين الجزائريّين.
ما الذي يدفع الشّيخ بيّوض إلى التّخلّي عن دوره الوطني القيادي، الذي قام به سنة 1950م، وهو يرى أفكاره تتحقّق. تلك التي طالما صدع بها: خطابة وكتابة في ظلِّ الثّورة التّحريريّة المسلّحة سنة 1954م؟!
الذي حيّر الدّكتور محمد ناصر هو أن يتجرّأَ هؤلاء على تكذيب المجاهدين، وإلغاء شهاداتهم التي أقرُّوا فيها بجهاد الشّيخ بيّوض، واعترفوا بوفائه للثّورة، وإخلاصه لمبادئها .. كنكرانهم شهادة " ابن يوسف بن خدّة" (1)، وعدم اعترافهم بما نشرته جريدة المجاهد، اللّسان المركزي لجبهة التّحرير الوطني الجزائري، والدّور المشرّف الذي قام به الشّيخ بيّوض في فضح مؤامرة فصل صحراء الجزائر عن شمالها ..
يضيف الدّكتور:" والعجيب في الأمر حقًا أنّ بعض المتزعّمين لهذه
__________
(1) - ابن يوسف، ابن خدّة، من كبار المجاهدين في الحركة الوطنيّة الجزائريّة، هو أمين عام لحزب الشّعب، وعضو القيادة السّياسيّة لتحضير مؤتمر الصّومام، وعضو لجنة التّنسيق المنبثقة عن المؤتمر، ورئيس الحكومة المؤقّتة الثّالثة، المعلنة في طرابلس الغرب، يوم: 27 أوت 1961م. (1/87)
صفحة 87
الحملة اليوم، كانوا بالأمس – والشّعب الجزائري وأهالي منطقة وادي ميزاب يتعرّضون لحملات التّفتيش والقهر والسّجن والتّعذيب - كانوا هم في ذلك الوقت بالذّات يختبئون في ضايات (المحيقن) و (حاسي لفحل)، أو كانوا متوارين عن الأنظار، يحميهم الشّعب الأعزل في غابات غرداية والعطف والقرارة وبريّان وغيرها.
هؤلاء الأدعيّاء اليوم، لم يملكوا الشّجاعة لنشر أكاذيبهم عندما كان الشّيخ بيّوض حيًّا يرزق بينهم، اللّهم إلاَّ إن كانت تقارير سريّة في جنح الظّلام، بل إنَّ من بين هؤلاء من كان يتبرّك بزيارة الشّيخ الإمام، ويتشرّف بدعوته إلى حفلات الزّواج تشريفًا وتعظيمًا. ومنهم من كان يشيد به أمام الملأ في المناسبات والاحتفالات، ولكنَّ النّفاق لا وجه له، والحسد لا منطق له، فمن ساءت نواياه كثرت خطاياه، ولا دواء له إلاّ أن نكل أمره إلى الله، فهو الذي يحاسبه ويتولاّه."
للقارئ أن يتأمّل في هذه التّصرّفات، ويكتشف بنفسه حقيقة ما يراد بتلك الممارسات؛ ليقف على ما يختلج في نفوس هؤلاء النّاس، ثمّ يصنّفهم بعد ذلك، ويضع كلَّ واحد في مكانه اللاّئق به، بعد أن يقارن بين الممارسات والتّصرّفات، ويربط ذلك بطبيعة من قيلت فيهم تلك الأقوال؛ ليعرف على من يعتمد في أخذ الحقائق، أمن صاحب الوجه السّافر والتّحرّك الواضح؟ أم من صاحب الوجوه المتعدّدة والأقنعة الملوّنة، وصاحب التّقارير السّريّة، ومن لا يتحرّك إلاّ في الظّلام؟! ... فالأمر موكول إلى الإنصاف والصّدق في تقدير المواقف والأعمال وحقيقة النّوايا ..
بعد المقدّمة تطالعنا الصّفحات المواليّة لها بنبذة مختصرة من حياة الشّيخ بيّوض، وهي عبارة عن معالم في حياته الحافلة بعظائم الأعمال ..
بالمناسبة، نصحّح خطأ - يبدو أنّه مطبعيّ – ورد في الكتاب، وهو أنّه في غرّة محرّم 1390هـ/ 1970م أحيا الشّيخ بيّوض فريضة صلاة الجمعة في ظلِّ الحكومة والدّولة الجزائريّة. الصّحيح: إنّ أوّل صلاة جمعة أقيمت في القرارة كانت في أوّل شهر محرّم 1391هـ/ 1971م.
كما تضمّن الكتاب الوثيقة الأساسيّة، وهي مذكّرة الشّيخ بيّوض إبراهيم: "أعمالي في الثّورة باختصار في الجزائر والتّلّ، وأمالي في الثّورة بالصّحراء و ميزاب على الخصوص". وقد وردت فيها النّقط الآتيّة:
ــ بدأ العمل الثّوري في ميزاب في أواخر سنة 1955م. (1/88)
صفحة 88
ــ في أواسط سنة 1956م كان الاتّصال بالشّمال بواسطة أولاد خبزي ومحمد جغابة (1)
ــ كان عمل الشّيخ بيّوض ومن معه، يتمثّل في جمع المؤن والأسلحة، وإيواء الثّوّار، وتنظيم الخلايا ..
ــ كان الشّيخ بيّوض يجنّد تلاميذه لخدمة الثّوّار، الذين كانوا متمركزين في القرارة، وكان هو المشرف على كلّ الأعمال في المنطقة ..
ــ كانت له جلسات ولقاءات مع بعض القادة في الثّورة ..
ــ كانت له مراسلات واتّصالات مع الحكمة المؤقّتة بتونس، خاصّة السّيّد الأخضر بن طوبال، وزير الدّاخليّة في الحكومة ..
ــ كانت له مناورات مع المستعمر ..
ــ وقف موقفًا بطوليًّا في قضيّة فصل الصّحراء عن الشّمال، وقام بدور كبير في إحباط مؤامرة فرنسا في ذلك، وصمد أمام تهديدات المستعمر، ولم يرضخ لإغراءاتها ..
قال الشّيخ بيّوض: " كثر تردّد جنود الثّورة على القرارة سنة 1961م، خاصّة أحمد طالبي وبعض ضبّاطه، وتوالى اتّصالنا بهم، ونشطت الحركة بصورة خاصّة، فشمّ الفرنسيّون رائحتهم، لكن لم يقبضوا على شيء، رغم المحاولات المتكرّرة فحنقوا، ثمَّ زادهم حنقًا يأسهم من جهتي، في قضيّة الصّحراء، وقال بعضهم لبعض: إنّ سياسة فلان (يعني الشّيخ بيّوض) معنا كلّها خداع، وإنّ بلاء ميزاب كلّه من القرارة، فمكروا بالقرارة مكرًا، لم تشهده قرية في الصّحراء على الإطلاق. ففي يوم 28 أكتوبر 1961م طوّقوا البلدة بالجنود والدّبابات والمصفّحات، ثمّ أخرجوا الرّجال كلّهم نحو ميلين من البلدة، وطوّقوهم بالأسلاك ثلاثة أيّام وليلتين، وأباحوا البلدة لجنودهم اللّيلة الأولى، والحركيّين اللّيلة الثّانيّة، فسلبوا ونهبوا وانتهكوا الحرمات ... وكان حظّي من هذه الكارثة كبيرًا، إذ هجم على داري أفواج من الجند، يخرج فوج ويدخل آخر، وفتّشوا قسمًا من المنزل في اللّيل، ثمّ بات منهم في الدّار نيّفٌ وعشرون، وكانت جميع وثائقي عند زوجتي، أرجو أن
__________
(1) - أحمد بن عيسى بن عمارة خبزي من مواليد 16 من فبراير 1932م ببسكرة، أصله من القرارة. (توفّي) ضابط في جيش التّحرير الوطني منذ سنة 1955م، هو أوّل من نقل الثّورة إلى القرارة،. وأخوه محمد (توفي) مجاهد، شغل منصب وزير التّجارة في أوّل حكومة جزائريّة، بعد الاستقلال. محمد جغابة. وزير المجاهدين، في فترة كتابة هذا المقال، الذي كان سنة 1990م .. (1/89)
صفحة 89
لا يقربوها، وفي الفجر قمنا لصلاة الفجر، ولا زال الجند يغطّون في نومهم، فَتَنَبَّهَ بعضهم فقال: ما هذا؟ فقلت: نسخّن الماء لصلاة الصّبح، ونهيّء لكم القهوة، فأشعلت الزّوجة في الوثائق النّار مع الحطب، فأكلت كلَّ شيء، ثمّ قاموا ففتّشوا ما بقي من المنزل، وسرقوا متاعًا ومصوغًا، وما كادوا يخرجون حتّى هجم فوج آخر، فأخبروهم أن قد كفوهم المؤونة، وكان عدد الجند المسرّح على البلدة ألفًا وخمسمائة، بتصريح رئيسهم."
لقد كان هذا الإجراء من المستعمر ردًّا على موقف الشّيخ بيّوض وبني وادي ميزاب من قضيّة فصل الصّحراء عن الشّمال. كما كان من ردود الفعل الفتنة العمياء التي أحدثها الاستعمار بين الإباضيّة والمالكيّة في وارجلان (1)، ومضايقة التّجار الصّحراويّين الميزابيّين على الخصوص في الجزائر العاصمة؛ بسبب هذا الموقف، كما أشارت إلى ذلك جريدة المجاهد، النّاطقة باللّغة الفرنسيّة، عدد: (89)، والنّاطقة باللّغة العربيّة، عدد: (113)، الصّادر في شهر جانفي 1962م.
ــ ألحّت على الشّيخ بيّوض جماعة من المخلصين مغادرة الجزائر، لأنّ الأخطار محدقة به من كلّ جانب؛ بسبب ما يقوم به من نشاط ثوري، فأصرّ على البقاء داخل وطنه، لأنّ وجوده في الدّاخل أفيد للثّورة من وجوده خارج الجزائر. هذا من تمام وطنيّته، ومن تمام إخلاصه وإيمانه بوجوب العمل الثّوري.
تدلُّ هذه الشّذرات، وهذه الإشارات السّريعة على مواكبة الشّيخ بيّوض لأحداث الثّورة، من أوّلها إلى آخرها، وتسجِّل مشاركته الفعّالة في صنع ملحمتها، وتدلّ على الحسّ الوطني العالي، الذي يتوفّر عليه الشّيخ، وعلى المرونة السّياسيّة والتّحرّك الدّبلوماسي، اللّذين يتمتّع بهما أيضًا، وهما أساسيّان، بل لابدّ منهما لكلّ زعيم وقائد وموجّه، ومن هو محطَّ الأنظار والمراقبة؛ لخوض غمار المعارك الضّارية، التي كانت مفروضة على الشّعب الجزائري ..
أتت هذه السّياسة بنتائجها في النّهاية .. لكنّ هذا المنطق وهذه الممارسات غابت عن أفهام قاصري النّظر والإدراك .. وعلى من لا يريد أن
__________
(1) - وارجلان مدينة تقع في الجنوب الشّرقي للقرارة (حوالي 200 كلم)، كانت العاصمة العلميّة في الجنوب، لكثرة علمائها وحضارتها الكبيرة. هذه الفتنة كان فيها النّهب والسّلب والتّخريب لممتلكات الميزابيّين، والجرح والقتل، لكن بلطف من الله انتهت سريعًا .. (1/90)
صفحة 90
يمنح عقله فرصة للفهم؛ بسبب ما ران على قلوبهم، فقالوا مثل ما قال غيرهم أو أمثالهم: {وَقَالُوا قُلُوبُنَا في أَكِنَّةٍ ممَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وفي آذانِنَا وَقْرٌ ... } (فصّلت/ 5).
المعلومات التي جاءت في مذكّرة الشّيخ بيّوض (أعمالي في الثّورة) دَعَمَتْها شهاداتُ بعض الوطنيّين المخلصين، من أصدقائه في درب النّضال ومحراب الوطنيّة ..
شهادات بعض الوطنيّين المخلصين
1 – مذكّرة المجاهد الوطني (بابه بن إبراهيم بوعروة). (1) من بين ما ورد فيها دور الشّيخ بيّوض في إزالة الحكم العسكري عن أراضي الجنوب، وضمِّها إلى الشّمال الجزائري. ودوره في إجهاض مؤامرة فصل الصّحراء عن الشّمال. كما ورد في المذكِّرة ذكر بعض اللّقاءات التي تمّت بين الشّيخ بيّوض والشّخصيّات الجزائريّة والفرنسيّة في هذا المجال، ونجاحه في كسب المعركة. كما سجّلت المذكّرة فتنة وارجلان، والمضايقات التي تعرّض لها التّجّار الميزابيّون في الشّمال، وذكرت أيضًا ما ورد في تقرير الغرفة التّجاريّة والصّناعيّة بغرداية عن الخسائر المهولة لهؤلاء التّجّار، التي تسبّبت فيها المواقف البطوليّة ضدَ مؤامرات المستعمر ..
2 – تقرير وفد المجلس الإسلامي الأعلى الموفد من السّيّد وزير الأوقاف إلى وادي ميزاب، في سبتمبر 1967م، وذلك بعد أن اشتدّت الأزمة، وساد القلق في وادي ميزاب؛ نتيجة الاستفزازات المتكرّرة، التي قام بها بعض المسؤولين في الحزب الواحد هناك. وقد تكرّر تدخُّلُ هؤلاء في المساجد وفي مجال التّعليم الدّيني والأوقاف، فرأى وزير الأوقاف والشّؤون الدّينيّة. بالاتّفاق والتّنسيق مع وزير الدّاخليّة أن يوفد وفدًا لتهدئة الخواطر، ومعالجة المشاكل، بالتّعاون مع السّلطات المحليّة ..
__________
(1) - بابه بن إبراهيم بوعروة، وطنيّ مخلص من أعزِّ أصدقاء الشّيخ بيّوض، شهد عن قرب الكثير من تطوّرات الحركة الإصلاحيّة والأحداث السّياسيّة في ميزاب، وشارك في بعضها، له مذكّرات مهمّة في قضيّة فصل الصّحراء عن الشّمال. توفّي يوم: من ربيع الثّاني 140هـ/ 27 من ديسمبر 1988م. رحمه الله. ينظر تفصيلات عن حياته الشّيخ حمّو بن عمر فخّار، كتابه: إبراهيم بن بابا بوعروة (الشّيخ بابا ثامر) نشر جمعيّة التّراث، القرارة، غرداية، الجزائر، 2003م. (1/91)
صفحة 91
قام الوفد بمهمّته في التّحقيق في التّهم المنسوبة إلى الشّيخ بيّوض، وإلى الطّائفة الميزابيّة. فخرج الوفد بنتائج، منها:
أ – إنّ أغلب ما أثير هناك من المشاكل والمنازعات، إنّما كان منشؤها أمورًا شخصيّة، وحزازات نفسيّة، هي من مخلّفات الماضي، وهي أيضًا نتيجة لتصرّفات بعض المنتسبين للحزب، الذين يريدون باسمه أن يستولوا على كلّ نفوذ وادي ميزاب، بما في ذلك النّفوذ الدّيني ..
ب – إنّ إخواننا الميزابيّين جماعة صالحة في دينها ودنياها، محافظة على عاداتها الصّالحة، التي لا تتنافى والرّقيّ الحضاري في حدود التّعاليم الإسلاميّة، وتأكّدنا – ممّا سمعناه من تصريحاتهم على لسان رؤسائهم الدّينيّين – أنّهم لا يفكّرون مطلقًا، ولا يقبلون مطلقًا بحال الانفصال عن الجزائر، أو الامتياز في شؤونهم السّياسيّة عن بقيّة إخوانهم الجزائريين. لا يوجد فيهم – فردًا وهيئة – تفكير في المساس بالسّيادة الجزائريّة، كما يدَّعِي خصومهم، ولم نَرَ في تتبّعنا لمختلف ميادين نشاطهم وآرائهم ومعتقداتهم، أيَّ فوارق تفصلهم عن الشّعب الجزائري، اللّهم إلاّ بعض العادات الموروثة المتعلّقة بالتّربية العائليّة، أو النّظام المتّبع عندهم في ممارسة عاداتهم، ودراسة مذهبهم الإباضي، المشهور بتاريخه المجيد، والذي هو مذهب من المذاهب الإسلاميّة المعروفة ..
4 – ردّ نخبة من مجاهدي القرارة على ما جاء من افتراء في التّقرير الولائي للمجاهدين. وقد نال الشّيخ بيّوض من الإهانة والتّنقيص من مكانته، والمساس بكرامته، ومن التّهم الملفّقة ضدّه الشّيء الكثير. وقد وصم التّقرير أعيان المنطقة - أو معظمهم – بالسّلبيّة في الثّورة، بل اتّهمهم بالتّعامل مع العدوّ ضدّ الثّورة، خاصّة زعيمهم ورمزهم الإمام الشّيخ بيّوض. حتّى إذا ما لصقت به هذه الوصمة، نالت من كلّ أتباعه من رجال الإصلاح، الذين يعرف القاصي والدّاني أعمالهم الجليلة.
بما قام به المغرضون من تشويش وتشويه وتزييف وتلفيق التّهم لأبناء منطقة غرداية .. فإنّهم يستحقّون أن يقصوا عن العمل في كلِّ مجالات الأنشطة الحيويّة في الدّولة، وهو ما يتجلَّى في حرمان كثير من المجاهدين من عضويّة منظّمة المجاهدين، وبطاقات الجهاد والتّسبيل، وحرمان كثير من المجاهدين من عضويّة حزب جبهة التّحرير الوطني، وحرمانهم من بعض الحقوق والمستحقّات، فضلا عن الامتيازات والتّكريمات .. (1/92)
صفحة 92
في التّعقيب تحليل للأسباب التي أدّت إلى كتابة تقرير، لا يعبّر عن حقيقة ما جرى في المنطقة من أحداث الثّورة. فحريّ إذن بمن اطّلع على ذلك التّقرير مراجعة هذا التّعقيب وقراءته بتأنّ وتركيز؛ لفهم كثبر من المعلومات التي وردت فيه، حتّى تنكشف الحقيقة، ويكتب التّاريخ كتابة صحيحة، ويقدّم للأجيال نقيًّا صافيًا من كلِّ شائبة، تحرّفه عن حقيقته ..
في التّعقيب - أيضًا – تسجيل لبعض الأعمال الجليلة، التي قام بها الشّيخ بيّوض في إبّان الثّورة وقبلها، في إطار الحركات الإصلاحيّة والوطنيّة والثّوريّة .. وفي معركة البناء والتّشييد بعد الاستقلال، التي تدلّ على أنّه كان مخلصًا لوطنه، مشاركًا في كلِّ أدوار النّضال والجهاد فيه .. حاضرًا في المواقف والقضايا التي أفرزها الصّراع مع الاستعمار، وأنّه كان موجودًا في مواقع اتّخاذ القرارات السّياسيّة، التي تتحكّم في مستقبل الجزائر .. كما وردت في التّعقيب إشارات إلى الأذى الكثير الذي نال الشّيخ بيّوض من الاستعمار؛ بسبب مواقفه الجريئة ونضاله الكبير ..
ختم التّعقيب بما يأتي: " فإنّنا نقرُّ عن أنفسنا، ونسجّل للتّاريخ أنَّ معظم ما قمنا به، إن لم يكن كلُّ ما قمنا به من نشاط ثوري مع رجال جيش التّحرير العسكريّين، أو مع رجال جبهة التّحرير السّياسيّين، إنّما قمنا بذلك بإرشادات وتوجيهات الشّيخ بيّوض، وقد اقتنعنا بذلك من بداية الثّورة. وهتفنا وتغنّينا بها قبل ذلك، إذ كان متّصلاً اتّصالاً وثيقًا ومباشرًا بهذه الحركات الإصلاحيّة، ورجال الثّورة في الدّاخل وفي الخارج، وعلى مستوى قرى وادي مبزاب وخارجها، والله على ما نقول شهيد. "
5 – تقرير أعضاء لجنة اليقظة حول أحداث القرارة، التي وقعت في أواخر سبتمبر 1989م، الموجّه إلى والي ولاية غرداية، الذي بيّن الأسباب التي أدّت إلى أحداث مؤلمة في القرارة، لا ترجع لمجرّد تعليق لافتة، تحمل اسم رجل وطنيٍّ مخلص" الشّيخ محمد علي دبّوز" (ت 1402هـ/ 1981م) على مؤسّسة تربويّة، إنّما جذورها أعمق من ذلك، إذ ترجع إلى ما يزيد على خمس وعشرين سنة من الأحداث المستفزّة، من بعض عناصر الشّغب، والمواقف السّلبيّة لبعض السّلطات السّابقة، التي تولّت المسؤوليّة في البلدة، أو المتواطئة على عرقلة تطبيق القانون ..
أعطى التّقرير أمثلة على التّجاوزات وأنماط التّعسّف؛ ابتداء من سنة (1/93)
صفحة 93
1964م، وانتهاء بسنة 1989م. قدّم أمثلة لما نال الشّيخ بيّوض من هذا الظّلم والتّعسّف ..
6 – نصّ المقال الذي صدر باللّغة الفرنسيّة، في جريدة المجاهد، عدد: 89، الصّادر يوم: 16/ 01/1962م. تحت عنوان، " مناورات في الصّحراء".
7 – وثائق تاريخيّة:
أ – صفحة بخطّ الشّيخ بيّوض، من مذكّرة: " أعمالي في الثّورة".
ب – صورة - بخطّ الشّيخ بيّوض – من الخطاب الذي ألقاه أمام لجنة الإصلاحات البرلمانيّة، في مارس 1951م.
جـ - رسالة الشّيخ ابن باديس – بخطّ يده – إلى الشّيخ بيّوض، لحضور اجتماع المجلس الإداري لجمعيّة العلماء المسلمين الجزائريّين، يوم: 04/ 07/1931م.
د – صورة تمثّل جانبًا من المظاهرة التي أعلن فيها سكّان وادي ميزاب رفضهم للمشروع الاستعماري، الهادف إلى فصل وادي ميزاب عن الجزائر. أخذت الصّورة في مدينة بريّان، في مارس 1952م.
هـ - شهادة السّيّد ابن يوسف، ابن خدّة في حقّ الشّيخ بيّوض، ومشاركته في الثّورة التّحريريّة. من بين ما جاء فيها: " ... إنّ الشّيخ بيّوض إبراهيم قد وضع نفسه رهن إشارة جبهة التّحرير الوطني. طوال الحرب التّحريرية، كان الشّيخ بيّوض يعمل دومًا بجدٍّ وإصرار لوَحدة التّراب الوطني، رافضًا بذلك كلَّ محاولات فصل الصّحراء عن بقيّة الوطن.".
و – قرار وزارة التّربية والتّكوين بتسمية ثانويّة القرارة باسم الشّيخ بيّوض إبراهيم بن عمر، الذي ينتظر التّطبيق، نرجو أن لا يطول ذلك اليوم الذي ترفع فيه اللاّفتة، كما كان هو قد رفع من شأن وطنه، بأعماله ومواقفه المشرّفة له .. (1)
ما يمكن أن يخرج به القارئ المتأمّل الرّصين بعد قراءته المتأنّية لكتاب " أعمالي في الثّورة " نتائج كثيرة، منها ما يأتي:
1 – إنّ الكتاب كشف عن المضايقات التي كان يتعرّض لها الشّيخ
__________
(1) - تحمل الآن الثّانويّة اسم العلاّمة الكبير المجاهد الشّيخ بيّوض إبراهيم بن عمر بيّوض .. وقد تمّت التّسميّة ورفع اللاّفتة فوق بوّابة المؤسّسة في عهدة الدّكتور الحاج سليمان شريف، كاتب الدّولة للتّربية والتّعليم في بداية التّسعينيّات من القرن العشرين .. (1/94)
صفحة 94
بيّوض طول حياته الجهاديّة، من الذين لا يريدون خيرًا للجزائر، ولا للإسلام؛ وهو ما يفسّر لنا كثرة التّقارير السّريّة، التي كانت تكتب ضدّه؛ افتراء وبهتانًا. وأبان عن تطاول بعض الأقزام والجبناء عليه وعلى سمعته بعد وفاته. هذه الممارسات هي في الحقيقة مسلك معهود، ومستمرٌّ مع كلّ من جهر بالحقّ وصدع به. وسيلازم كلَّ مخلص لدينه ولأمّته، وكلِّ مصلح يريد الخير لبني جلدته، وللمتآمرين عليه أنفسهم ..
2 – هذه الأعمال والتّصرّفات غير المسؤولة، تدلُّ على أنّ الأشخاص الذين لم يملأ الإيمان قلوبهم، والذين لم يتحلّوا بالأخلاق الإسلاميّة، والذين لم تؤثّر فيهم الثّورة التّحريريّة بمبادئها وأحداثها .. تدلّ أنّهم دون مستوى ما وكل إليهم من مسؤوليّات؛ حتّى يعوِّلَ عليهم الوطنُ في إعلاء شأنه، وإنقاذه من التّخلّف والتّردِّي في المهالك، وحمايته من هدر طاقات أبنائه فيما لا طائل لهم وراءه، ولا فائدة يجنونها .. ؛ لهذا يجب إعادة النّظر فيما يتفوّه به هذا الصّنف من النّاس، وما ينقلونه، وما يقومون يه من ممارسات، تؤدَّى بالبلاد إلى ما لا تحمد عقباه. فعلى الباحثين والمؤرّخين التّأنِّي والتّحرِّي في استقاء المعلومات ممّا يقوله هؤلاء وما يصرّحون به وما يكتبونه ... وليعلموا أنَّ هناك خلفيّات ينطلق منها بعضهم .. ؛ لتوجيه الأحداث .. فعلى الرّأي العام أن يعلم أنّ هناك أعداء، لا يحبّون الخير للجزائر: وطنهم، ولا حتّى لأنفسهم؛ لأنّ الشّرّ متأصّل فيهم .. وعلى دولتنا الرّشيدة أن تفكِّر جيّدًا فيمن تسلِّمه المسؤوليّات لمساعدتها في تسيير صحيح وسليم لشؤون البلاد ..
3 – الكتاب تتكامل محتوياته؛ لتقدّم شهادة تقدير واعتراف لنشاط الشّيخ بيّوض الثّوري. فمن تسجيل الشّيخ (المقتضب المختصر) بقلمه لما قام به في الثّورة، وشهادات بعض الرّفاق في درب العمل والوطنيّة، وتقرير المحقّقين في بعض التّهم المنسوبة إلى الشّيخ، والاقتناع بعدم صحّتها، إلى تسجيل جريدة المجاهد – اللّسان المركزي لجبهة التّحرير الوطني – موقف الشّيخ بيّوض البطولي في قضيّة فصل الصّحراء عن الشّمال ... كلّ هذه الشّهادات لا تبقِي مجالاً للشّكِّ في وطنيّة الشّيخ بيّوض وجهاده الوطني والثّوري ..
4 – كشف الكتاب عن أشياء كانت مخفيّة عن المسؤولين، وعن الرّأي العام الجزائري. وفي هذا الكشف قصد إلى مساعدة الرّأيِ العامِّ، وكلٍّ (1/95)
صفحة 95
في موقع مسؤوليّته على تفهّم الأوضاع، ومعرفة حقيقة ما يجري في منطقة وادي ميزاب؛ ليعمل على تدارك الأمر، ومعالجة الوضعيّة .. بذلك يسهم الجميع في بناء جزائر الغد، التي نرجو أن يسودها الانسجام والأمن والرّخاء، وحسن العشرة بين أبنائها، بعد المعاهدة على السّلوك السّويّ، والتّضامن والاتّحاد، ونبذ الإحن والضّغائن، وتحكيم كتاب الله - عز وجل - وسنّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في كلِّ ما يجدّ ويحدث؛ لتَجَنُّبِ العواقب الوخيمة .. والله - عز وجل - يقول: { ... فَإِنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللهِ والرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُومِنُونَ باللهِ واليَوْمِ الاَخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاويلاً} (النّساء/ 59). ... والله ليّ التّوفيق ..
باتنة يوم الثّلاثاء: 04 من جمادى الأولى 1411هـ
20 من نوفمبر ... 1990م
محمد بن قاسم ناصر بوحجام
الملحق رقم: (3) (1/96)
صفحة 96
انطباعات حول ملتقى تاريخ الثّورة في القرارة (1)
(أقدِّم في هذا التّقرير ملاحظاتي حول ملتقى تاريخ الثّورة المنعقد في القرارة.)
عقد في القرارة يوم الأحد 27 من ذي الحجّة 1404هـ/ 23 من سبتمبر 1984م، ملتقى حول مشاركة القرارة في الثّورة التّحريريّة.
كانت الفترة المحدّدة هي سنوات 1956 و1957 و1958. كان الهدف من عقد الملتقى هو تسجيل مشاركة القرارة في الثّورة التّحّريريّة، وذلك عن طريق الاستماع إلى المجاهدين الذين سجّلوا هذا التّاريخ بمهجهم وبأرواحهم، وبكلِّ ما يملكون من وسائل عدّة وعتاد لإرهاب العدوّ.
إنَّ هذا الملتقى يندرج ضمن السّياسة العامّة التي تبّنتها دولتنا الرّشيدة، والاهتمامات التي توليها لإعادة كتابة الثّورة.
من شأن أمثال هذه الملتقيات أنْ تُقدّم مساعدة كبيرة للباحثين المهتمّين بالتّاريخ ليقدّموه بدورهم إلى الأجيال المتعاقبة، فيطّلعوا على ما قدّمه آباؤهم من تضحيّات، وما بذلوه من نفس ونفيس في سبيل الحريّة والكرامة، وفي الوقت نفسه تأتي هذه الملتقيات لتنصف المجاهدين، وتكشف الحقائق، وتُقدِّم الأدلّة القاطعة على المشاركة الفعليّة والفعّالة في النّضال الوطني، حتّى تسجّل كلّ التّضحيّات في السّجلّ الذّهبي للشّعب الجزائري، وتأتي أيضا لتؤكّد على شموليّة الثّورة لكلّ التّراب الوطني ولجميع الفئات، إذ أنَّ الثّورة دخلت كلَّ قلب، وامتزجت بالدّماء، وطرقت كلّ باب، وسكنت كلّ دار.
إنَّ هذه الملتقيات، وهذه السّياسة تؤكّد الحقيقة التي تقول: إنَّ بناء الحاضر والمستقبل مرهونان بمعرفة الماضي، وإنَّ القوّة الحقيقيّة والدّفع الكبير لتشييد الغد المشرق متوقّفان على مدى ما تتمتّع به كلُّ أمّة من ماض مجيد، تضاف إليها الإرادة القويّة، والعزيمة الصّادقة للزّيادة والإثراء. والدّفاع عن الهويّة، لا يمكن إلا إذا كانت هذه الأخيرة معروفة، فالشّاعر الثّائر رمضان حمُّود (ت 1929م) يقول: (إذا جهلت أمّة تاريخها فقد جهلت مستقبلها، وإذا جهلت مستقبلها فقد أسرت نفسها، وألقت بها في يد غيرها).
__________
(1) - أرسل التّقرير إلى قسمة المجاهدين في القرارة، وأمين قسمة حزب جبهة التّحرير الوطني في القرارة، ومنظّمة المجاهدين في غرداية، و أمين محافظة غرداية، ورئيس بلديّة القرارة. (1/97)
صفحة 97
إنَّ هذه الملتقيات جاءت لتؤكّد أنَّ التّاريخ أمانة في عنق الآباء والأجداد، يجب تبليغه إلى الأجيال المتلاحقة نقيًّا من شوائب النّزَعات، وبعيدًا على نزق الأغراض الخاصَة.
إنَّ هذا الملحظ يفرض ألّا يحضر جلسات هذه الملتقيات أو لقاءاتها إلّا مَنْ كان أمينًا في النّقل، نزيهًا في الرّواية، قادرًا عقليًّا ونفسيًّا على استعادة الذّكريّات، لأنَّ التّاريخ محيي الأمم، وقد يكون قاتلَها إذا شربت من كأس غير سليمة، فيها غير قليل من الوسخ؛ فيؤثر عليها فيسقمها ..
تبرز هذه الملتقيات لتشير إلى أنَّ التّاريخ ليس حكرًا على أفرادٍ أو طائفة معيّنة، وأنّه من صنع الجميع، فهو ملك لهم كلِّهم، وأنًّ الثّورة هي ثورة الشّعب بأكمله، فمن وجد نفسه غير قادرٍ على نقل هذا التّاريخ بكلِّ أمانة وإخلاص، وغير قادر على الارتفاع إلى عظمة الثّورة وشموليّتها لروايته، فلا يقحم نفسه فيما لا يقوى عليه، حتّى يتجنّب العثرات والزّلات والأخطاء ... فما أفدح الأخطاء التّاريخية وما أقساها.
إذا كانت للتّاريخ هذه الأهميّة الكبيرة، وهذا الدّور الخطير، وهذه المسؤوليّة العظيمة، وإذا كانت الملتقيات التّاريخية تعقد لتحقيق الأغراض التي ذكرناها، وإذا كانت فكرة إعادة كتابة تاريخ الثّورة ضرورة ملحّة لمحاربة كلِّ أشكال العبث بالثّورة التّحريريّة – كتشويه الحقائق، أو الغمط من حقوق المجاهدين- نتساءل هل كان ملتقانا هذا المنعقد في القرارة في مستوى هذا الخطر (الأهميّة) وهذه العظمة؟ هل تَمَكَّنَ أنْ يروي كلّ الحقائق؟ وأنْ يتكلَّم باسم الجميع؟؟؟ وهل استطاع أنْ يضمَّ كلَّ الأطراف التي شاركت بالفعل في الثّورة في القرارة؟ أسئلة وأسئلة .. تفرض نفسها. على المسؤولين أنْ يجدوا لها الإجابات الصّحيحة، وذلك بعد الاطّلاع على التّقرير الذي يصلهم عن أعمال الملتقى.
أما أنا شخصيّا (بصفتي مشاركا في أعمال الملتقى مقرِّرًا، وشابًّا من مواليد سنة 1951، إذ لم يكن لي شرف المشاركة في الثّورة التّحريريّة، لصغر سنِّي، وبصفتي مناضلاً وعضوَ لجنة القسمة بالقرارة، ومواطنًا مهتمًّا بالتّاريخ، وفردًا حريصًا على معرفة جهود الآباء في تحرير البلاد، وكوني مثقَّفًا يعرف بعض الحقائق عن الثّورة التّحريريّة، ممّا كنّا نقرؤه في الكتب والمجلّات، وما كنّا نسمعه من آبائنا وأمّهاتنا وأساتذتنا عن مشاركة القرارة في الثّورة ... ) فإنّي غير مقتنع بما دار في الملتقى من (1/98)
صفحة 98
أحاديث، وما ذكر من معلومات، ممّا أدلى به المجاهدون من شهادات .. غير أنَّ الأمانة تقتضي منِّي أنْ أسجّل كلَّ ما دار في الملتقى، وكما أملاه عليَّ المشاركون في الملتقى؛ إذ أنا مقرّرٌ، ليس له الحقُّ أنْ يتصرّف فيما يقال، وما يُتَّفق عليه، بل حتّى المشاركة تكون محدودة .. كنت غير مقتنع بما دار في الملتقى، وما قيل فيه لاعتبارات هي:
1ــ الأحاديث التي أدلى بها الحاضرون في الملتقى كانت كلّها تركّز على مشاركة فئة دون فئة من الفئات الموجودة في البلدة.
2 ــ ذكر الحاضرون أنّه تكوّنت في القرارة في شهر فيفري سنة 1956 لجنتان للعمل الثّوري، الأولى خارجيّة تخصُّ البادية، والثّانية داخليّة تخصُّ السّكّان الذين يوجدون حول البلدة، أمّا سكّان وسط المدينة فقالوا عنهم: إنّنا لم نسمع – إلى يومنا هذا- أنّهم كوّنوا لجنة. مع أنَّ لجنة تابعة لسكّان وسط البلدة كانت تزاول أعمالها الثّورية منذ سنة 1956، كما أنَّ التّعاون كان قائمًا على قدم وساق بين جميع سكّان القرارة؛ وسط البلدة وخارجها وداخلها. (1)
لسان حال هؤلاء المجاهدين يقول: إنَّ أولئك النّاس (سكّان وسط البلدة) كانوا يتفرّجون على الثّورة، ولم يشاركوا فيها؛ ما داموا لم يسمعوا بمشاركة لهم فيها .. ، فكلّما ألقي عليهم سؤال حول المشاركة أجاب الحاضرون بالإجماع: (إنّنا لم نسمع).
أريد من حضرات المسؤولين الوقوفَ عند عبارة: (لم نسمع) طويلًا، وتحليلها، لأنّها تخفي الكثير من الحقائق، وتفسح مجالًا للتّساؤلات. أرجو من المسؤولين والمعنيّين بالأمر أنْ يتولَّوا هذه المَهمَّة، ويفتحوا تحقيقًا في الموضوع، ويتبنَّوا منهج النّقد التّاريخي للوثائق والحقائق المرويَّة، وذلك بالطّريقة التي يرونها صالحة ومناسبة، للوقوف على الحقائق بكلِّ إنصاف ونزاهة.
أمّا أنا فأقول: إنَّ عبارة (لم نسمع) فيها كثير من الغمط للحقّ، وإخفاء للحقائق، فقد صعب على هؤلاء الحاضرين القول: إنَّ سكّان وسط المدينة شاركوا في الثّورة التّحريريّة؛ إذ في ذلك التّصريح مخادعة لنفوسهم، كما صعب عليهم أنْ يقولوا: (لا) لم يشاركوا؛ لأنَّ ذلك يقرّ في
__________
(1) - (1/99)
صفحة 99
أعماق نفوسهم تزييفًا للواقع.
إنَّ هذا التّردُّد الذي وقع فيه الحاضرون – لست أدري الأسباب الحقيقيّة التي تقف وراءه - كان السّبيلُ الوحيدُ للخروج منه، من دون تبعيّة، وعدمُ الوقوع فيما لا تحمد عقباه، وما ينجرُّ عنه من تحمُّل مسؤوليّة كبيرة ... هو اللُّجوءّ إلى عبارة (لم نسمع) ومع ذلك فهم مسؤولون عن هذا التّصريح.
لقد فقد هؤلاء الحاضرون الشّجاعة التي كانوا يتمتّعون بها في أثناء الثّورة التّحريرية – كما يدّعون يتظاهرون به ويتفاخرون- ليقولوا الحقّ الذي يعتقدونه، ويكشفوا عن الحقيقة التي يخفونها في صدورهم وذاكراتهم.
إنَّ عبارة (لم نسمع) لإجابة جماعيّة عن السّؤال المعروض هو فرار من الواقع، إمًّا جبنًا أو مغالطةً!. وأنا أقول: هل يعقل أنْ تصل ثورة كالثّورة التّحريريّة – أَعْظِمْ بها من ثورة - إلى بلدة، كالقرارة، ويبقى الجمهور العريض من السّكان في موقف المتفرّج عليها؟ إنّه لو وقع أو حصل ذلك لطُوِّقت الثّورة، ولما نجحت النّجاح الكبير، الذي كان لها في القرارة، ولما كان لها شأن عظيم، لو لم يكن التّعاون والتّآزر والتّكامل والتّنسيق في كلّ شيء بين السّكان.
3 ــ أُبعِدت من الملتقى كثير من الشّخصيات التي كانت لها أدوار رئيسة، ومشاركة فعّالة في العمل الثّوري.- نحن لا نعرف الأسباب- هذا ما سبّب تعطيلًا في أعمال الملتقى، وعدمَ الخروج منه بنتائج حسنة، تبيّن كلّ الحقائق التي يمكن معرفتها، عن مشاركة المنطقة في الثّورة، لأنَّ كثيرًا من المعلومات والوثائق بقيت مع هؤلاء الذين كانوا غائبين عن أعمال الملتقى، هذا الخطأ الذي وقع فيه المشرفون على هذا الملتقى في التّنظيم هو سبب كلّ هذه المشاكل. بهذه العقليّة وهذه التّصرّفات لا يمكن لنا تحقيق وَحدة التّصوّر والارتباط بأهداف موحَّدَة إطلاقًا.
سادتي المسؤولين:
أرجو إعادة النّظر فيما دار في أعمال الملتقى، ومناقشة ما جاء في هذا التّقرير المقدَّم. أنا لا أطعن فيما ذكر من مشاركة المجاهدين، هذا لا يعقل، كما أنّه ليس من حقّي ذلك، إذ يتجاوزني إلى من يعرف الحقيقة، أو إلى من شارك فعلًا في العمل الثّوري، إنما أطلب، بل أطالب بإضافة (1/100)
صفحة 100
ملحق للتّقرير، يستدرك فيه ما فات لم يذكر من مشاركة سكّان وسط بلدة القرارة.
في ختام هذه الخواطر التي أملتها عليَّ المناسبة العزيزة، وهي الاحتفال بالذّكرى الثّلاثين لاندلاع الثّورة التّحريريّة، وما يتوجَّب علينا فيها جميعًا، من تهيئة الأسباب الكفيلة بإنجاحها، وفي مقدّمة هذه الأسباب منح هديّة غالية وثمينة للأجيال المتعاقبة، المتمثّلة في تقديم تاريخ آبائهم وتضحيّاتهم ناصعًا نقيًّا من كلِّ شائبة.
كما لا أنسى تقديم تقديري وحبّي لكلّ المجاهدين المخلصين، الذين شاركوا في الحرب التّحريريّة، ولمن شارك في الملتقى المذكور، بنيّة خالصة؛ اعترافًا بجميلهم في الإسهام في تحرير البلاد، وأتقدَّم بشكري العميق لكلّ من أسهم في عقد هذا الملتقى، والمجد لشهدائنا الأبرار.
القرارة يوم: 20 محرّم 1405هـ
الموافق لـ: 15 أكتوبر 1984م
المناضل عضو لجنة القسمة
محمد ناصر بوحجام
الملحق رقم (4)
عبرة وذكرى في الأزمة الوزاريّة الفرنسيّة الأخيرة (1)
الشّيخ إبراهيم بيّوض
ما انفكّ المتفرنجون والملاحدة وهوّاة المدنيّة الغربيّة من المسلمين يسبّحون بحمد أوروبا، ويقدّسونها تقديسًا، كاد يصل درجة العبادة، فيقدّمون
__________
(1) - نشر المقال في جريدة المغرب (أبو اليقظان)، الجزائر، عدد: 30، السّنة الأولى، يوم 23 من ديسمبر 1930م. (1/101)
صفحة 101
تعاليم رجالها على تعاليم الإسلام، ويفضّلون شرائعها البشريّة الوضعيّة على أسمى شريعة، وضعتها يد الحكمة الإلهيّة، يكفي لصحّة المبدإ عندهم أنْ يكون واضعه أوروبيًّا، ولشرف الغاية أنْ يكون صاحبها أوروبيًّا، ولسداد الرّأي وصحّة الحكم وعدل القانون وصواب النّظرة وجودة الفكرة وحسن الخلق وشرف العادة وثبوت الحقيقة أنْ ينسب ذلك إلى الأوروبي، ويكفي لجودة الثّوب أو الإناء مثلا ولمتانته وجماله ووجوب اقتنائه وأفضليّته عن غيره أنْ يكون صانعه أوروبيًّا، وهكذا صارت أوروبا عند هؤلاء شارة الدّين والأدب والعقل والتّمدُّن وكلّ شيء.
وعلى العكس من ذلك بلاد الإسلام، فيكفي للحكم بفساد المبدإ، وخسّة الغاية، وخطل الرّأي، وضعف الحكم، وجور القانون إلخ، أن ينسب إلى الإسلام أو مسلم أو عربي. وقد سرت عدوى هؤلاء إلى غيرهم من ذوي الإيمان الصّحيح، فتمكّنت بعض هذه الأوهام في عقولهم من حيث لا يدرون، وأصبح ذلك قضيّة مسلّمة عند الجميع، كأنّها من الضّروريّات، فعندما يرى أحدهم نقصًا ما في شيء من مصنوعات المسلمين، أو ضعفًا ما في مشروع من مشاريعهم ينطلق لسانه فجأة وبدون شعور بقوله: (ترافاي آراب) يعني خدمة عرب، وأصل هاته الكلمة من وضع الفرنجة، يستعملونها امتهانًا للعرب وحطًّا من كرامتهم، ثمّ أخذها عنهم المتفرنجون، فسرت عدواها من هؤلاء إلى غيرهم، فحرام على كلِّ مسلم وكلِّ عربي أنْ ينطق بها مطلقًا، وإلّا كان دائسًا لشرف قومه، واضعًا من قدرهم، ممتهنًا لكرامتهم، رافعًا لقدر عدوِّه، مُنوِّهًا بشأنه، فليست الفضيلة ولا الأدب ولا العلم ولا المدنيّة ولا الإبداع ولا الاختراع ولا الإجادة والاتقان، ولا الإحكام والنّظام بوقف على أمم الغرب دون سواهم، فتلك مآثر عامّة ومكارم مطلقة، ينال منها القويُّ والضّعيف، والحاكم والمحكوم، والسّيّد والمسود، ويأخذ حظَّه منها كلّ شعب وكلُّ فرد، على قدر استعداده، لا فرق بين شرقيٍّ وغربيٍّ، ولا بين أبيض وأسود. ففي السّود أبطال عظماء وعبقريّون نبغاء، كما أنَّ في البيض سفلة أدنياء وأراذل أغبيّاء، وفي الشّرق علماء نبلاء حكمًا وفضلًا، ورجالاً بلغوا من شرف النّفس وكرم الطّبع وصفاء السّرّ وطهارة الضّمير والإنسانيّة الكاملة درجة، لا يدانيهم فيها إلّا الملائكة والمكرّمون، كما أنَّ في الغرب فسقة مجرمين، وقتلة جناة، ولصوصا فاتكين، بلغوا من دناءة النّفوس ولؤم الطّباع وخبث (1/102)
صفحة 102
الضّمائر دركة، لا يوازيهم فيها إلّا القردة والخنازير. إنْ هم إلّا كالأنعام، بل هم أضلّ سبيلًا. أفإن أدال الله للغرب من الشّرق، وبسط عليه سلطانه بما كسبت أيدي أبنائه، نسبنا إليه كلَّ فضيلة ومكرمة، وللشّرق كلّ نقيصة وعار، ألم يكن الشّرق بالأمس سيّد الغرب والمتحكّم فيه؟ ألم يبسط عليه سلطانه العادل قرونًا متطاولة؟ بل أليست قواعد المدنيّة الصّحيحة وأسسها المتبقيّة من أديان الشّرق وعلومه وفلسفة حكمائه؟ وليس للغرب إلّا شرف الاتّباع وإعلاء البناء من جهة، وعار التّشويه والهدم من جهة أخرى. ففي مدنيّة الغرب اليوم إثم كبير ومنافع للنّاس، وإثمهما أكبر من نفعهما، هذا هو الحقُّ الثّابت الذي لا ريب فيه، والحقيقة الصّحيحة التي لا مرية فيها؛ باعتراف حكماء الغرب المنصفين أنفسهم، وما فتئت صحف الغرب تنشر كلَّ يوم من القضايا الجنائية، ما تقشعرُّ لهوله الأبدان، ومن أساليب المكر والاحتيال واللّصوصيّة والانتشال ما تدهش له العقول؛ تعجُّبًا واستغرابًا، ممّا يقيم لنا آلاف الأدلّة على أنَّ بني الغرب كغيرهم لهم فضائل ورذائل، وحسنات وسيّئات، وفيهم الشّريف والوضيع، والعظيم والحقير، والعالم والجاهل، والذّكيّ والغبيّ، وغير ذلك من جميع أقسام البشر، لا كما يصوّرهم لنا الوهم، إذ بهرتنا قوّتهم وكبر في نظرنا سلطانهم، إنّهم كلّهم علماء حكماء وبررة أوفيّاء، مبرَّؤون من كلِّ عيب، يقفون عند حدود الواجب لا يتعدَّونها، ولا يقصرون دونها، وربّما قيل: إنْ وُجِدَت نقائص وعيوب في الطّبقات الدّنيا والمتوسّطة، فإنَّ الطّبقات العليا من السّادة والمفكّرين مبرَّأة السّاحة من جميع ذلك. فلنضرب لهذا القائل مثلا في أكبر هيئة من هيئات أوروبا الرّاقية علما وأدبا وثقافة: الوزارة الفرنسيّة.
لا خلاف أنَّ الذين تناط بعهدهم إدارة الوزارات، والذين تسند إليهم رئاسات الأحزاب السّياسيّة الكبرى، هم من أرقى مواطنيهم علمًا وأدبًا وثقافةً، ومن أحكم النّاس رأيًا وأسدِّهم نظرًا، ولا خلاف في أنّهم درسوا فيما درسوه من قواعد الأدب والرّئاسة، تلك القاعدة البسيطة (المصلحة فوق العاطفة)،وأنَّ الأغراض الشّخصيّة يجب أنْ تفنى أمام المصلحة الوطنيّة، ولا ريب في أنَّ (مسيو تارديو) رئيس وزراء فرنسا المستعفي من أقدر ساسة فرنسا كفاءة لتسيير دفَّة السّياسة في الأوقات الحرجة، فقد قال عنه المخبرون: إنه الوجه الذي يرجى عند اشتداد الأزمة بعد (م. بونكاري)، وقال بعض ساسة أوروبا في شأنه قبل الحرب الكبرى (توجد ستُّ دول (1/103)
صفحة 103
عظام وسابعها مسيو تارديو). هذا الذي سقطت وزارته أخيرًا، وأخفق في مهمَّة تشكيلها (بارتووم لافال)، وبقيت الأزمة كذلك أيّامًا متعدِّدة، ولا سبب في الحقيقة لذلك إلّا محكم الأغراض الشّخصيّة بين الأحزاب.
نحن نعلم أنَّ هناك أسبابًا أخرى لكنّ السّبب الرّئيسي هو الغرض الشّخصي من غير شكّ، وبدون ريب، وهو الذي يجعل الأحزاب تتحيّن الفرص، وتثير هذه الغلطات، وتنتحل الأسباب، وتستثمر الحوادث لفائدتها والقضاء على أضدادها. وقد صرّح حزب (الرّاديكال سوسياليست) لـ (م. لافال) ... عند محاولته تشكيل وزارة مشتركة، أنّهم لا يدخلون أبدا ضمن وزارة، يكون أحد أعضائها (م. تارديو)، فأنت ترى أنّهم لا ينفرون من رئاسة مسيو (تارديو) للوزارة فقط، بل يبلغ بهم الغلوّ في ميادينهم الحزبيّة وتمكّن الأغراض من نفوسهم، حتّى لا يقبلوا إسناد وزارة ما إليه، ناسين كلّ مصلحة، معرضين عن كلّ واجب، وليست ذلك فلتة من الفلتات، ولا من النّادر الذي لا حكم له، ولا تبنى عليه قاعدة، بل هو دأبهم وديدنهم. ففي أوائل هذه السّنة فعلوا بوزارة مسيو تارديو نفسه، كفعلهم بها اليوم، وفي الغد سيفعلون بوزارة (م. أستيق)، وهكذا دواليك. أحزاب تتناحر، ووزارات ترتفع وتسقط، وحكومات تهوى وتنقلب، والعامل الأكبر في ذلك كلِّه هو الغرض الشّخصي، وتقديم العاطفة على المصلحة.
قسمًا بالله! أنّه لو وقع شيء من ذلك في وزارة من وزارات الحكومات الشّرقيّة والإسلاميّة أو العربيّة على الخصوص، لسمعت عبارات السّخريّة والازدراء (ترافاي آراب)، و (بيكو)، وغير ذلك من الكلمات الجارحة، تترى من ألسنة المتفرنجين، ومَنْ لا خلاق لهم من غيرهم، فماذا يقول هؤلاء السّادة اليوم في هذه المهازل؟
أربعوا على ضلعكم أيّها السّادة، ولا تسبّوا الشّرق والشّرقيّين، ولا الإسلام والمسلمين، ولا تنسبوا إليهم كلّ نقيصة وعار، ولا إلى الغرب كلّ شرف ومكرمة، فإنّكم بذلك تميتون القلوب، وتخمدون الهمم، وتبعثون اليأس في النّفوس، فإنَّ كلماتكم هذه، إذا كثر دورانها على ألسنة، رسخ مدلولها في القلوب فماتت، وأثّر على الهمم فخمدت، وعلى النّفوس فساءت الظّنّ بكفاءتها ومقدرتها واستعدادها، فأيست واعتقدت أنّها لم تخلق إلّا لتستعبد وتذلّ، فأخلدت إلى السّكون ورضيت بالدّون.
كلّ منكم يعلم أنَّ أوّل أسباب النّجاح إحسان الظّنِّ بالنّفس والثّقة بها، (1/104)
صفحة 104
والاعتماد عليها، إنَّ أوّل أسباب الفشل والخيبة هو سوء الظّنِّ بالنّفس واحتقارها وتوهُّم عجزها وضعفها، فقولوا لإخوانكم الشّرقيّين عمومًا، والمسلمين خصوصًا: إنّكم من نسل أبناء كرام، وإنَّ فيكم الاستعداد الفطري، ما ليس عند غيركم، وإنَّ أبواب المكارم مفتَّحة أمامكم، فما عليكم إلّا أنْ تلجوها، وميادين الشّرف والعزّ والبطولة مترامية الأطراف، فما عليكم إلا أنْ تقتحموها، ففي استطاعتكم ومقدوركم أنْ تنالوا فوق منال الغرب، لا مثله فقط، فإنّكم تفوقونه بما ورثتم عن آبائكم من كرم النّفوس وشرف الطّباع، فأحسنوا الظّنّ بأنفسكم، ولا تظنّوا أنَّ الغرب فاقكم بشيء، غير جدّه وكدّه وصبره وثباته، فإذا حملتم أنفسكم على ذلك لم يكن بينكم وبين ما تصبون إليه إلّا مقدار غلوة، فما هي إلّا جولة أو جملتان فإذا أنتم على أرائك العزّة والسّيادة، وذلك ما يجب أنْ نتواصى به أيّها السّادة، وذلك ما يجب أنْ نلقيه في روع أبنائنا؛ حتّى تسمو غاياتهم، وتعلو مطامحهم، فبقدر ما تسمو الغاية ويعلو الطّموح يكون الجدُّ والكدُّ، والصّبر والثّبات. ولنحذر كلّ ما من شأنه الحطُّ من كرامة العرب، والنّيل من قداسة الإسلام، ولو بكلمة واحدة تتحرّك بها ألسنتنا، فإنَّ أثر ذلك في قتل الأمّة عظيم، وعاقبته وخيمة.
أفلح (الشّيخ بيّوض)
الملحق (5)
كتاب جليل (1) للشّيخ بيّوض إبراهيم
الشّباب (2): كنّا نوّهنا في عدد سابق بعزم بعض الغيورين من أبناء الجزائر على تأسيس جمعيّة لعلماء الجزائر، ودعوتهم الأستاذ الجليل للمشاركة في لجنة التّأسيس، وإجابته لهم، وقد وعدنا إذ ذاك بنشر نصّ جوابه لهم، وها نحن ننشره إيفاء بالوعد، ولما فيه من العبر والآراء الصّائبة التي نرى من الواجب علينا أنْ لا نحرم منها قرّاء الشّباب الكرام. وإليكموه بنصِّه:
بسم الله الرّحمن الرّحيم، وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله وأصحابه الطّيّبين الطّاهرين، وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الدّين.
__________
(1) - نشرت الرّسالة في جريدة الشّباب (معهد الحياة، القرارة)، عدد: 115، يوم 03/ 04/1931م.
(2) - أي جريدة الشّباب .. (1/105)
صفحة 105
حضرة الوطني الغيور والوجيه المحترم، سيّدي عمر إسماعيل، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، من أخيكم بيّوض إبراهيم بن عمر، سيّدي وردًّا على كتابكم الكريم، باسم أصدق الرّوابط وأحقّها بالاعتبار، رابطة الإسلام الحنيف، والوطن الجامع، والإيمان الخالص، والمسؤولية المشتركة، لمشاركتكم في تأسيس جمعيّة لعلماء الجزائر، تعمل للتّعاون معكم على البّرّ والتّقوى، والعمل على ما يرضي الله في الجهر والنّجوى، لمحاربة هذا الجهل الفاشي في الأمّة، وتصلح ما أفسده من عوائد وأخلاق.
فنعم ما ارتأيتم، وما أحسن ما دعوتم إليه، {ومَنَ اَحْسَنُ قَوْلًا مِمّن دَعَا إلى الله وَعِمَل صَالِحًا وَقالَ إِنَّنِي مِنَ المُسْلِمينَ} (فصّلت/ 33)، {وّمّنْ لا يُجِبْ دّاِعَي اللهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ في الاَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أوْلياء، أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبينٍ} (الأحقاف/ 32)، وقد بشّرتمونا بأنَّ العزم أكيد على تنفيذ هذا الاقتراح، فشكرًا للمقترحين والعاملين والمؤازرين.
سيّدي إنَّ منظر الشّعب الجزائري والأمراض الاجتماعيّة ... منه تهدُّ قواه، وتهدم بنيانه، وسبيل الإلحاد والتّفرنج تتّخذ في جسمه شكلًا مريعًا، والجهل المطبق الفاشي يفتك بأبنائه فتكًا ذريعًا، ونفايات الإسبان والطّليان يبتزّون أمواله ويمتصّون دماءه، ويتّخذون من أبنائه الأحرار عبيدًا، يجثون أمامهم على الرّكب ركَّعًا، ويخرُّون للأذقان سُجَّدًا على الأتربة والقاذورات، فتتَسخ ثيابهم وأيديهم وأرجلهم وجباههم ووجوههم، لتَتَنَظَّفَ نعال ساداتهم، يتعبون ليستريحوا، ويشقون لينعموا، ويسهرون ليناموا، وأخيرًا يموتون ليحيوا، إنّه لمنظر يفتّت الأكباد ويذيب القلوب حسرة وأسى.
وإنَّ تفكّك روابط الجزائريّين والمصاب عظيم، وانفصام عراهم والخطب ملمٌّ، وتنازعهم والبلاء بهم محيط، واختلافهم البيزنطي والخطر محدق، وغطيطهم في سباتهم، والويلات تتوالى عليهم من فوقهم ومن تحت أرجلهم، وعن أيمانهم وعن شمائلهم، وتأخُّرهم دنيا وخلقا وعلما وصناعة وبناء، وإخلادهم إلى الدّعة والسّكون، ورضاءَهم بالدّون، وقد سبقتهم إلى قصبات السَّبْقِ في ميدان الحضارة والرّقيّ شعوب، لم يكن لها مثل تاريخهم، ولا مثل حضارتهم وفنونهم ومثل أبطالهم ونوابغهم، شعوب كانت متوحّشة إلى عهد قريب، وجمودهم وقد نطق الجماد، وسار وطار وغاص في لجج (1/106)
صفحة 106
البحار، وتصاممهم، وقد انزعجت أصوات النّذر الطّيور في أوكارها، والأنعام في مراتعها، والهوام في أحجارها، تزهق به الأرواح، وتموت الضّمائر الحيّة، وتنسدُّ أبواب الرّجاء ليتمكّن اليأس من قرارات النّفوس، ويحمل الضّنين بحياته على التّمثّل بقول ذلك الفيلسوف [أبي العلاء المعرّي]:
فَيَا مَوْتُ زُرْ إِنَّ الحياةَ ذَميمَةُ ... وَيَا نَفْسُ جِدِّي إِنَّ ... دَهْرَكِ هَازِلُ
غير أنَّ من دواعي الغبطة وبواعث الأمل تَنَبُّهَ أمثالكم لهذا الخطر العظيم، والخطب المدلهمّ، وقيامكم بصادق العزم، بتلافي خطرها، بلمّ الشّعب، ورأب صدعه، وجمع شمله، في أشخاص علمائه، وتوحيد جهود العاملين، ورصّ صفوفهم.
فما أسدَّ هذه الفكرة، وما أحكم هذا الرّأي، فما سبيل لعلاج الحالة سوى ذلك، فادأبوا على عملكم، وسيروا نحو غاياتكم، وادّرعوا بعزيمة الصّبر، فما من أحد بلغته دعوتكم بمعرض عنها، ولئن حالت الضّرورات دون حضور البعض بشخصه، فهو معكم من غير شكّ بفكره وروحه.
إنَّ لي الشّرف أيّها السّادة! أنْ تدعوني للانتظام في لجنة التّأسيس، وحبّذا لو تمَّ لي ذلك، ولكن بُعد الدّار واشتغالي يقطع أشغالي، وأخذ الأهبة لحجّ بيت الله الحرام في موسم هذا العام يحولان دون ذلك.
فمعذرة أيّها الكرام! فأنتم أدرى النّاس بما يتطلّبه هذا السّفر الشّبيه بسفر الآخرة، غير أنَّ ذلك لا يمنعني من إبداء ملاحظة متواضعة لحضراتكم، علّها تصادف قبولا: هي أنْ تسترشدوا على الأخصّ في وضع قانون الجمعيّة بقانون جمعيّة الشّبان المسلمين بمصر، فهي في نظري أصلح وأصدق، وأوفق جمعيّة للمسلمين في هذا العصر، كما لا يخفى على من تتبّع سيرها وأعمالها، وطالع مجلّتها، ولا يصدّنكم عن ذلك إن نُسبَتْ للشّبان، وجمعيّتنا للعلماء، فشبابهم في الأعمّ الأغلب أعلى مقاما من أكثر علمائنا.
ثمّ إنّي قبل الختام أهمس في أذنكم همسةً خفيفةً، هي أنِّي فهمت من عنوان الجواب أنَّ اجتماع لجنة التّأسيس بنادي التّرقي، وقد كنّا نسمع أنَّ الخمر تتعاطى فيه، ولا نعلم نصيب ذلك من الصّحّة، فإنْ صحّ ما قيل، فأوّل واجب عليكم تطهير المحلّ من درن تلك الموبقة، وإلّا فإنّه يستحيل (1/107)
صفحة 107
على المتمسّك بدينه طروق بابه، خصوصا وهو مناقض للمقصود من المؤسّستين: النّادي والجمعيّة.
الملحق رقم (6)
شهادة في حقّ جهاد الشّيخ إبراهيم بيّوض
أحمد بن عيسى خبزي
الحمد لله والصّلاة والسّلام على أشرف المرسلين.
هذه شهادة من أحمد خبزي بن عيسى بن عمارة الضّابط في صفوف جيش التّحرير الوطني، إبّان الحرب التّحريريّة في حقّ جهاد الشّيخ إبراهيم بيّوض بن عمر، تحت نظام جبهة التّحرير الوطني بمنطقة وادي ميزاب.
أنا أحمد خبزي، المولود في 16 فبراير 1932 ببسكرة، ابن عيسى بن عمارة، وعائشة باسة بنت إسماعيل، مهنتي الحاليّة متقاعد، وكنت ضابطا في جيش التّحرير الوطني من سنة 1955 إلى غاية 1962، وبطاقتي تحمل رقم: 32120، أشهد وأصرّح بما يلي:
المرحلة الأولى:
استدعيت من طرف القائد الصّادق، والقائد الحسين، والقائد الحوّاس، وذلك في أواخر سنة 1955، بداية 1956، وكانوا متواجدين [موجودين] بناحية جبل العروسين، وكان حديث القائد الصّادق: حسب المعلومات التي جاءتنا من الجزائر العاصمة أنَّ الاستعمار قد قام بدعاية مغرضة فاشلة ضدّ المواطنين الميزابيّين، بهدف تفريق الشّعب، وإبعاد البعض عن البعض.
إثر هذا كلّفت بمَهمَّة الذّهاب إلى القرارة بوادي ميزاب، والاتّصال (1/108)
صفحة 108
بالشّيخ بيّوض، فاتّصلت به في داره، وأطلعنه على المهمّة التي كلّفتني بها القيادة؛ وهي طلب انضمامه إلى جيش التّحرير الوطني وتلبية نداء الوطن.
وكان جوابه: أنا في كفاح ضدّ الاستعمار من قبل سنة 1920، ولقد مُنِعتُ من الدّخول إلى بسكرة سنة 1933، وأمّا حاليًا خلال سنة 1955 فأنا باتّصال مباشر مع السّيّد يوسف بن خدّة بالجزائر العاصمة في نظام جبهة التّحرير الوطني، والآن بواسطتكم أتمُّ الاتّصال بقيادة جبهة التّحرير الوطني في المنطقة، ثمّ أكّد لي: لقد قمنا هنا في وادي ميزاب بنظام محكم للعمل في صفوف الثّورة التّحريريّة، وجمعنا سلاحًا كثيرًا من بنادق نوع ستاتي، ومسدّسات وذخيرة حربيّة.
فأخذت كميّة كبيرة من الأسلحة، وعدت بها إلى بسكرة، وقصدت بها الحاجب، المكان المسمَّى (القهوة) الواقع بجنان (بريلبوا)، وكان الحارس السّيّد عبد الجواد، ولا يزال حيًّا، وهو من قدماء المسجونين.
المرحلة الثّانية:
رجعتُ إلى القرارة لآتي بما تَبَقَّى من السّلاح، وهذا بأمر من القائد الحوّاس، والقائد نور الدّين، وطلبوا منِّي أنْ أُبلغ الشّيخ بيّوض جزيل الشّكر لحسن تجاوبه، وما قدّم من سلاح وذخيرة إليهم، ومعربين كذلك له أنَّ المجتمع الإباضي تحت قيادته، أظهر وبرهن بإخلاصه للثّورة التّحريريّة، ومؤكّدين كذلك أنّه تمّ إشعار بما حصل القائد الزّيّان، والقائد عمر إدريس؛ بصفتهما مشرفين على ناحيّة بوكحيل وغيرها.
وأكّد لي القائد الحوّاس أنْ أبلّغ الشّيخ إبراهيم بيّوض طلبه تعيين جماعة، ليقوموا بتنظيم الخلايا للميزابيّين عبر أنحاء الوطن، وقد أشعر كاتبه الطّيّب خلّوط ليشرف على هذا التّنظيم.
قام الشّيخ إبراهيم بيّوض بتعيين نخبة، منهم الشّيخ محمد علي الدّبوز، والشّيخ أبو اليقظان الحاج إبراهيم، وأرسلهم إلى بسكرة ليتّصلوا بقيادة الجيش، وعند وصولهم ذهبتُ بهم إلى الحاجب، المكان المسمّى مراح الكبوية، وقدّمتهم إلى حارس المركز عبد الجواد، ثمّ حضر نور الدّين منّاني، والطّيّب خلّوط مع اثني عشر من الجيش، منهم سالم هالي، وعيسى التّواتي، وعبد المجيد أرماضنة، وعمّار بن أحمد السّنّي، وعامر الأخضري، والجيلالي صولي، والمسمَّى أباية، والسّيّد محمد جغابة الوزير الحالي للمجاهدين، ثمّ أذن لهم بتنظيم الخلايا بأرقامها لمدينة القرارة (1/109)
صفحة 109
ووادي ميزاب، ولجميع التّجمّعات الإباضيّة عبر التّراب الوطني، ما عدا بسكرة فقد عيّن فيها السّيّد محمد خبزي، ومعه حمّو ناصر بن عمر وحمّو لعساكر بن عفّاري ويحيى خطَارة بن قاسم.
المرحلة الثّالثة:
كنّا في صيف 1956، واستعدادًا لإضراب الأيّام الثّمانية، أشار لي الشّيخ بيّوض إبراهيم في القرارة بأنَّ السّيّد فرحات عبّاس قد انتقل إلى القاهرة، وأنّه بدوره يتهيّأ ليلتحق به، تاركًا مكانه الشّيخ أبا اليقظان ليستمرّ في الاتّصال المباشر مع جيش التّحرير الوطني.
فكان ردِّي: لا ترحل، ولا تغادر المنطقة حتّى تأخذ رأي قيادة المنطقة لجيش التّحرير، ثمّ تسلّمتُ منه ما جمعه من أسلحة وعدت إلى بسكرة.
عند وصولي إلى الحاجب، أطلعتُ القائد نور الدّين بما عزم عليه الشّيخ بيّوض، فكتب رسالة إلى رئيس الولاية، حملها إليه عمّار بن أحمد السّنّي بمقرّ الولاية، وبعد ثلاثة أيّام كان الرّدّ من طرف رئيس الولاية، واستدعاني القائد منّاني بواسطة محمد بوفروة، يطلب حضوري فوراً، عندها طلب منّي الرّجوع إلى الشّيخ إبراهيم بيّوض بالرّدّ عن طلبه: إنَّ القيادة العليا لجبهة التّحرير الوطني تأمرك أنْ لا ترحل إلى القاهرة ولا تغادر منطقة وادي ميزاب، لأنَّ القيام بواجبك الثّوري داخل الوطن أنفع لنا بكثير من وجودك في الخارج، وتأذن لك وتفوّض لك التّفويض المطلق في جميع ما يعود بالمصلحة والفائدة للثّورة.
المرحلة الأخيرة:
بعد ما قمت بتنظيم العمل الثّوري في الصّحراء، وربط الاتّصال المباشر بين منطقة وادي ميزاب وبسكرة، جالبًا كلّ ما يجمع من أسلحة وذخيرة، انتقلت في أواخر 1957 من الولاية السّادسة إلى الولاية الخامسة، وعيّنت القيادة السّيّد محمد جغابة خلفًا لي، وساعده أخي محمد خبزي، لتكوين مركز بمدينة غرداية في الحمّام الصّغير لأولاد بهون، ثم اجتمعنا بمنطقة وادي النّساء بين برياّن والقرارة، وهنّأتُ السّيّد محمد جغابة على تحمّل المسؤوليّة بالمنطقة المذكورة.
بعد الاستقلال في أواخر سنة 1962، كوّنت للشّيخ المجاهد إبراهيم بيّوض بن عمر استمارة وملفًّا بمنظّمة قدماء المجاهدين، وكان يشرف (1/110)
صفحة 110
عليها السّيّد محمد الشّريف بلال.
هذا والله على ما نقول وكيل
أحمد بن عيسى بن عمارة خبزي
الملحق رقم (7)
لحظات ميلاد النّشيد الوطني (1)
استطاع الأمن الفرنسي أنْ يتعرّف على شخصيّة المجاهد لخضر ربّاح القائم بنشاط ملحوظ في ميدان التّسليح، وأحيانًا من مخازن الجيش الفرنسي نفسه. علمت قيادة الجبهة بالعاصمة بذلك عن طريق مصالح أمنها، فطلبت من سي لخضر، إنْ كان يرغب في مغادرة البلاد للعمل انطلاقًا من تونس أو المغرب، لكنّه أبى، مفضِّلًا حياة السّريّة والتّنكُّر.
وذات يوم من صائفة 1955، التقى ببيت سي لخضر - الذي أًصبح يدعى سي فريد لضرورات الكفاح- كلٌّ مِنْ عبّان رمضان، وابن خدّة، وأوعمران، والطّالب عمارة رشيد، وبينما هم جالسون قال عبّان: لابدّ من
__________
(1) - نشر الحديث في جريدة الشّعب، الجزائر، عدد: يوم 18 ماي 1987، ضمن ركن حديث الإثنين الذي سجّله الأستاذ محمد عباس مع المناضل ربّاح الأخضر. (1/111)
صفحة 111
نشيد وطني للجبهة، وأخذ يحدّد الشّروط التي يجب أنْ تتوفّر في هذا النّشيد، ومنها أنْ يذكر فيها الشّعب، والجبهة، وجيش التّحرير، مع تجنّب ذكر الأشخاص، كما حدث في نشيد الحركة الوطنيّة (فداء الجزائر)، حيث ورد ذكر مصالي، وقد بدر منه ما بدر في حقّ ثورة فاتح نوفمبر، وفي الأخير تمّ الاتّفاق على الاتّصال بمجموعة من الشّعراء، لاقتراح ما تجود به قرائحهم في الموضوع، دون التّفكير مسبقًا في شاعر بذاته.
وبعد ظهر الغد كان سي لخضر، وبن خدّة يجوبان شارع بن مهيدي [حاليًا] في اتّجاه (القصبة)، فصادفا الشّاعر الشّيخ مفدي زكرياء في الاتّجاه المعاكس، فعرضا عليه فنجان قهوة ... وفي المقهى طرح عليه سي لخضر الفكرة فامتعض لأوّل وهلة، وسبب ذلك أنَّ العناصر المصاليّة كانت قد قامت يومئذ – بتوجيه من الأمن الاستعماري- بأعمال عدوانيّة غير مسؤولة ضدّ الإخوة الميزابيّين، فبادرت الدّعاية الاستعماريّة إلى إلصاقها بالجبهة، وهذا هو سبب امتعاض الشّاعر، فما كان من سي لخضر وابن خدّة إلّا أنْ شرحا له حقيقة الموقف، مبعدين هذه التّهمة الخطيرة عن الجبهة.
وكانت الجبهة يومئذ بصدد إعداد منشور حول تلك الأعمال الاستفزازيّة الخسيسة. عندئذ رحّب الشّاعر [مفدي زكريّاء] بالفكرة، وضرب لسي لخضر موعدًا في صباح اليوم التّالي على العنوان: محل له بـ 2 شارع بلاندان ساحة شارتر. [عمّار القامة حاليًا]. (1)
__________
(1) - قال د. صالح، ابن دريسو: " ولقد كان للشّيخ بيّوض دور بارز في هذه العمليّات المناوراتيّة ضدّ أنصار حركة مصالي، كما شهد له بذلك المناضلان محمد بن سالم (1904 - 1985) ومعمر بوخلخال (1911 - 1982)، وهذا منذ أوائل سنة 1956، بمعيّة الشّيخين سليمان بن يوسف (1992 - 1906) وعبد الرّحمن بكلِّي (1901 – 1986) نقتبس من تلك الشّهادة ما يلي:
[ ... ] J’ai trouvé auprès de Cheikh Bayoud Brahim l’appui le plus total et l’aide le plus efficace. A cette époque, début 1956, le M’zab était fortement travaillé par les émissaires Si Ziane, mais grâce à Cheikh Bayoud et les siens. dont Cheikh Benyoucef Slimane et Cheikh Bakli Abderrahmane qui accueillaient nos agents de liaisons et les hébergeaient, la population balança du côté du F.L.N. et refuse d’aider le M.N.A. C’est ainsi que nos groupes de combat, les premiers djenouds F.L.N. du Sahara Algérois qui s’étaient installés à Chebket M’zab étaient ravitaillés par les partisans de Cheikh Bayoud. Il est utile de rappeler qu’en 1956 le M.N.A. était implanté politiquement et militairement dans la région et que son activité destructive s’exerçait au vu et au su de l’appareil répressif français. L’adhésion de Cheikh Bayoud au F.L.N. son hostilité au M.N.A. l’aide qu’il apporta à nos djenouds et nos responsables, sont connus par de nombreux militants et responsables de F.L.N. M.N.A. de Le responsable des anciens djounouds Boukhalkhal Maamar agent de liaison et collecteur à l’époque, l’avait lui même contacté et avait trouvé auprès de lui aide et appui. (Attestation signée à Laghouat, le 12 octobre 1964. M. Bensalem et Boukhalkhal Maamar)
من بين هذه المناشير الدّاعية لاحباط هذه المقاطعة، نجد وثيقة هامّة لجبهة التّحرير الوطني مؤرّخة بـ 22 جوان 1955. ينظرأيضًا شهادة بالفرنسيّة ممضاة بتاريخ 12 أكتوبر 1964، الاغواط. أوردها الشّيخ حمو عيسى النّوري في كتابه "دور الميزابيّين في تاريخ الجزائر"، الجزء الثّاني، ص: 81. (الشّيخ إبراهيم بيّوض في قلب الثّورة، ص: 16، 17). (1/112)
صفحة 112
وفي الغد كان سي لخضر في الموعد، ليستلم ظرفًا يتضمّن نشيد (قسما)، ولمّا عرض النّشيد على عبّان ومن معه استحسنوه، وقالوا: هذا هو النّشيد الوطني، فلا داعي للاتّصال بالشّعراء الآخرين.
هذه المصادفة السّارة وطّدت العلاقة بين لخضر والشّاعر، فأصبح المجاهد يختبئ في مسكن هذا الأخير بحيّ القبة، وكانت تقيم بهذا المسكن السّيّدة فاطمة عابد، زوجة المسرحي الشّهير محمد التّوري الأولى.
وذات يوم طلب سي فريد من مضيّفه أنْ يتّصل بمحمد التّوري، وكان يشتغل بالإذاعة، لتلحين وأداء النّشيد، فتطوّع الشّاعر، وكان يتأهّب للسّفر إلى تونس لتلحينه هناك، وتمَّ ذلك فعلا، غير أنَّ الأداء كان بصوت أطفال، الأمر الذي لم بحظ بموافقة عبّان رمضان ومن معه، لِما في ذلك من تنقيص من القيمة الحماسيّة للنّشيد.
وهنا أعاد سي لخضر الكرّة مع محمّد التّوري، فجيء بمحموعة صوتيّة من الرّجال والنّساء إلى فِيلَّا الشّيخ زكريّاء بالقبّة، قامت بأداء تسجيل النّشيد، هذا التّسجيل نسخه محمد التّوري في مجموعة من الأسطوانات الشّمسيّة، وقام سي لخضر بإرسالها إلى عدد من الأقطار الشّقيقة، وكيف ذلك؟
عرف سي لخضر عن طريق الصّحافة أنَّ هناك ملتقى دينيًّا وشيكًا، يشارك فيه علماء من مختلف الأقطار العربيّة والإسلاميّة، فاتّصل بالمرحوم عبّاس التّركي، من جمعيّة العلماء، وطلب منه أنْ يوزّع الأسطوانات على الشّيوخ الضّيوف ليخرجوها معهم عند عودتهم إلى أقطارهم، على أنْ يبحثوا عن رجال الجبهة بها، ويسلّموهم إيّاها، وهذا ما حدث، وقد تولّت جماعة القاهرة فيما بعد مهمّة وضع تلحين وأداء نشيد (قسما) في صيغته الحاليّة، التي هي للفنّان المرحوم محمد فوزي.
مكيدة تردّ بأحسن منها
وانطلاقًا من المصادفة التي أدّت إلى وضع النّشيد الوطني للثّورة (1/113)
صفحة 113
التّحريريّة – وللجزائر المستقلّة- كلّف سي فريد بحملة شرح مواقف الجبهة للطّائفة الميزابيّة، ما لبث أنْ تحوّلت إلى تنظيم هذه الطّائفة لتساهم في الكفاح الوطني ضدَّ الاستعمار الفرنسي، بتوظيف الشّبكة التّجاريّة التي بحوزتها، والمبثوثة عبر مختلف أنحاء الوطن.
بدأ سي فريد حملته بلقاء مع الزّعيم الرّوحي للطّائفة الميزابيّة الشّيخ بيّوض، الذي تمكّن من الاتّصال به بواسطة المناضل الحاج أيّوب، كان الشّيخ بيّوض يومئذ ما زال تحت صدمة العمليّات الاستفزازيّة الدّنيئة - التي نفّذتها عناصر مصاليّة، بتحريك من المخابرات الاستعماريّة - متأثرًا بالدّعاية التي تنفخها أبواق العدوّ، لذلك راح يحتجّ لدى سي فريد على الجبهة، وما تقوم به من مناكر في حقّ الإخوة الميزابيّين، فَأَفْهَمَه سي فريد بأنَّ الجبهة براء من كلّ ذلك، وأنَّ المناورة التي استهدفت هؤلاء الإخوان مصدرها قوّات الاحتلال، بهدف تحييد هذه الطّائفة أوّلا، وطمعا في كسبها ثانيًا.
كان هذا اللّقاء مع الشّيخ بيّوض حاسمًا في ردّ كيد الاستعمار والخونة عليهم، إذ تلقَّى سي فريد الإشارة الخضراء، التي تسهّل له العمل في أواسط الميزابيّين. وقد بدأ بالتّنكُّر في الزّيّ الميزابي التّقليدي، وأخذ يعمل على تنظيم شبكة سريّة موازية على المستوى الوطني، قدّمت خدمات جليلة للمجاهدين، فأيّ مجاهد أو فدائي في أيّ ناحية يتقدّم إلى دكّان ميزابي مستظهرًا بكلمة سرٍّ خاصّة يتلقَّى على الفور كلّ المساعدات الممكنة المطلوبة.
من مواقف مفدي زكريّاء
في أوائل أفريل 1956، بدأ المجاهد سي فريد يحسّ بعناء التّنكُّر والسّريّة، وتحرّكت فيه العاطفة العائليّة، فطلب من رفاقه أنْ يقضي ليلة مع والدته، فرتّبوا له لقاء معها في بلكور، بمنزل مناضل يدعى يوسفي، وقد تمّ ذلك مساء 9 أو 10 أفريل، وفي صباح الغد كان سي فريد ...... إلى بلكور ونقله إلى مكان الموعد.
وكانت الشّرطة الفرنسيّة قد اكتشفت أمر الفِيلَّا، فبّيتت كمينا لإلقاء القبض على صاحبها الشّيخ مفدي، لكنّ الصّدفة جاءت بسي فريد فقبض عليه، رفقة الشّهيد عبد القادر الرّونيو، ومناضل من القُبَّة، كانا يقومان بدور الاستطلاع، ولكنّ الشّرطة الاستعماريّة ما لبثت أنْ وضعت يدها على (1/114)
صفحة 114
المجاهد الشّاعر، فالتقى الرّجلان بعد يومين في المحافطة المركزيّة (شارع عميروش) [حاليًا].
ويروي سي فريد مواقف للشّاعر تبيّن مدى رباطة جأشه واستخفافه بالخطر:
1 - في المحافظة المركزيّة أراد الشّاعر أنْ ينبِّهني إلى التّخلُّص من بعض القرائن المكتوبة، التي يمكن أنْ تدينني، أو تسيء إلى المجاهدين الآخرين، وكان قد لاحظ من قبل أنّني أخفي بعض الأوامر وكلمات السّرّ في خُفِّي، بعد أن أسجّلها على ورق شفّاف، لذلك سأله الشّرطي ماذا تعمل يا شيخ؟ تظاهر بجهل الفرنسيّة، وأخذه يردُّ عليه بالدّارجة (أنا أصنع الرّيحة)، ويحاول إفهامه؛ مجتهدًا في العثور على الكلمة المرادفة بالفرنسيّة (كولون! كولون) مسترسلا: أنا أصنع أنواعا من العطور، مستخلصة من الورد والياسمين والقرنفل، مضيفًا – والكلام موجَّه إلى سي فريد هذه المرّة -وأحسن الأنواع جميعًا: (نَحْ ما في سَبَّاطَكْ). وكان سي فريد قد سبق تنبيه الشّاعر بابتلاعه الوريقات التي كانت بخُفَّيْهِ.
2 - والتقى سي فريد ثانيّة بالشّاعر مفدي زكريّاء عند قاضي التّحقيق، فسأله عن حاله مع التّعذيب. فقال الشّاعر: لقد اعترفت لهم بكلّ ما يريدون سماعه، لكن بدل أن أوقِّع المحضر كتبت بالعربيّة: (تحت التّعذيب) أي أنّ كلّ ما قاله باطل لأنّه انتزع منه بالقوّة.
بقي سي لخضر تحت التّعذيب الشّديد من 11 إلى 27 أفريل؛ نظرًا لخطورته في تقدير الشّرطة الاستعماريّة، فقد كانت طوال هذه الفترة تتجوّل به مساء عبر مراكزها المختلفة بالعاصمة لقضاء كلّ ليلة بواحد منها، وذلك مخافة أنْ يتمكّن المجاهدون من تحديد مكانه فَيُهاجِمُوهُ من أجل تحريره.
وبعد التّعذيب الشّديد بدأت رحلة السّجون الطّويلة، التي لم تنته إلّا بعد وقف إطلاق النّار في 19 مارس 1962، لقد عرف سي لخضر سركاجي، والحرّاش، ولا مبيس، والكدية ... وكانت سجون الجزائر ضاقت بما رحبت، فنقل إلى شمال فرنسا (بلوسلي ليل) [ربّما Loos] وأخيرًا (ماتز).
وقد ظلّت المسؤوليّات تلاحق سي لخضر، حتّى داخل السّجون، وما (1/115)
صفحة 115
أدراك ما المسؤوليّة داخل السّجون! إنّها تعني أنْ يكون الرّجل في طليعة (المشوّشين)، أي المرشّح الأوّل للعقوبات المختلفة أشكالًا وأنواعًا. ولم يسترح سي لخضر حتّى بعد وقف إطلاق النّار! فبمجرّد عودته إلى العاصمة واتّصل به الرّائد عزّ الدّين لتنظيم المقاومة لمنظمة الجيش السّرّي الإرهابيّة، هذه المنظمّة التي لم تستثنِ دكّان سي لخضر ولا مسكنه.
وهكذا وجد سي لخضر نفسه مرّة أخرى في دوّامة النّضال والكفاح، ضمن صفوف منطقة الجزائر المستقلّة، التي كانت تقاوم منظّمة الجيش السّرّي، وتمهِّد في نفس الوقت لاستقبال الحكومة المؤقّتة للجمهوريّة الجزائريّة (1).
نثبت في هذا السّياق، وتكملة للموضوع، وبخاصّة موضوع المقاطعة، وما انجرّ عنها من انعكاسات، ما أورده الدّكتور صالح، ابن دريسو في دراسته عن الشّيخ بيّوض والثّورة التّحريريّة:
كانت حملة المقاطعة التّجارية الشّرسة التي شنّها حزب الأمانا على المزابيّين، بداية من 11جوان 1955، والتي دامت قرابة سنة، من أهمّ أسباب عداء هؤلاء للمصاليّين. وهو ما جعل جماعة بن مزاب يفصلون في موقفهم دون تردّد لصالح الجبهة. فلقد حاربت الجبهة بقوّة هذه المقاطعة، فضاعفت، بمساعدة مناضليها المزابيّين، المناشير والدّعوات إلى إحباط هذه المساعي لبثّ الفرقة. ومن بين تلك التّقارير التي تصرّح بذلك، نجد وثيقة شخصيّة حول مفدي زكريّاء تنصّ على ما يلي:
Après le déclenchement de la rebellion, il (Moufdi) se désolodarise des
messalistes, pour sympathiser avec le FLN. Il reproche au MNA son attitude inamicale contre les commerçants mozabites, dont ce parti avait préconisé le boycottage. (Fiche de renseignements, 1961 (2)
الملحق رقم (8)
__________
(1) - ربّاح الأخضر، من مواليد الجزائر العاصمة، كان عضوا في حزب الشّعب، ثمّ في حركة الانتصار للحريّات الدّيمقراطيّة، ألقي القبض عليه عدّة مرّات لوطنّيته ولنشاطه السّياسي، كان من المفجّرين للثّورة في العاصمة مع رابط بيطاط، وبوعجاج، وكان من الإطارات الكفأة النّاشطة في تنظيم الخلايا بالعاصمة، وجمع الأسلحة والمؤن، وفي الاتّصالات بين المسؤولين ... توفّي سنة 1989م.
(2) - الشّيخ إبراهيم بيّوض في قلب الثّورة، ص: 16. (1/116)
صفحة 116
شهادة من السّيّد عبد الله بن طوبال
وزير الدّاخليّة للحكومة المؤقّتة للجمهوريّة الجزائريّة، عن دور الشّيخ بيّوض إبراهيم في الثّورة التّحريرية.
بمناسبة الإعداد لإحياء الذّكرى العاشرة لوفاة المرحوم الإمام الشّيخ بيّوض فإنَّ جمعيّة قدماء تلاميذ معهد الحياة بالقرارة، نظّمت يوم 25 فيفري 1990، مقابلة مع السّيّد عبد الله بن طوبال وزير الدّاخليّة، وأدلى بشهادته عن دور الإمام في الثّورة التّحريريّة الجزائريّة وهذا مضمونها:
سؤال: إنَّ الشّيخ بيّوض ذكركم بالاسم في مذكّراته، إلى جانب شخصيّات ثوريّة أخرى، وقال إنّه كان دائم الاتّصال بكم، هل تستطيعون تحديد نوعيّة هذه العلاقات والدّور الذي قام به الشّيخ بيّوض في الحركة التّحريريّة الجزائريّة؟
الجواب: بالتّأكيد لقد كانت لي عدّة اتّصالات مع المرحوم الشّيخ بيّوض؛ باعتباره شخصيّة صحراويّة، وكانت الاتّصالات الكتابيّة والشّفويّة تتمّ بيننا بواسطة السّيّد الواهج يحيى (كان تاجرًا بتونس وهو حاليًّا طريح الفراش بمدينة بريّان نسأل الله له الشّفاء) [توفّي]، لقد كان الشّيخ بيّوض عالمًا كبيرًا وزعيمًا، ولكنّ دوره في البداية لم يكن بالنّسبة إلينا ذا أهميّة، ولم يُسِئ إلى الثّورة، وكان يؤدّي دوره كأيّ مناضل آخر، ولكن بعد ذلك أصبح طرفًا هامًّا ومصيريًّا في الكفاح ضدّ الاستعمار، إذ أصبح عرصة في قضيّة المحاولة الفرنسيّة لفصل الصّحراء عن بقيّة التّراب الوطني، فإنَّ الصّحراء بالنّسبة (لديغول) ذات أهميّة سياسيّة، هي المستودع البترولي الذي يضمن لفرنسا استقلالها الاقتصادي عن الولايات المتّحدة الأمريكيّة، وهي أيضا ميدان للتّجارب النّوويّة الفرنسيّة، ومركز للاتّصالات المستقبليّة، لأنَّ غرداية تعتبر بوابّة للدّخول إلى إفريقيا بالنّسبة لفرنسا وبالنّسبة للقوى الأوروبيّة الأخرى. كلّ هذا جعل من قضيّة الصّحراء ورقة أساسيّة في المفاوضات مع فرنسا.
إنَّ وَحدة التَراب الوطني بالنَسبة إلينا مبدأ أساسي لا يناقش، كلَ التَنازلات مهما يكن نوعها: سياسيَة أو اقتصادية يمكن استدراكها فيما بعد، لكنَّ وَحدة الشَعب ووَحدة التَراب، إذا ما فقدت فإنّه لا يمكن الحصول عليها إلّا بحرب تحريريّة ثانيّة.
في ديسمبر سنة 1960، بعد المظاهرات التي اجتاحت كلّ التّراب (1/117)
صفحة 117
الوطني، كتبت إلى الشّيخ بيوض أَطْلُبُ منه أنْ تقوم في ميزاب والصّحراء قاطبة مظاهرات مماثلة، في البداية كان الشّيخ بيّوض متحفّظًا، فقد أجابني بأنَّ الظّروف الطّبيعيّة للصّحراء تختلف عن الظّروف الطّبيعيّة للشّمال، وبالتّالي ينبغي أنْ تكون وسائل المقاومة والكفاح مختلفة أيضا. ومن جهة نظره أَكَّدَ بأنَّ التزام الشّعب الجزائري في الصّحراء بالثّورة مضمون، والصّحراء جزء لا يتجزّأ من التّراب الوطني، وأنَّ الميزابيّين - وهو بالذّات - قد عبّروا علانيّة أمام الجماهير عن تمسكّهم بوَحدة التّراب ووَحدة الشّعب (وأنا مترجم هذه السّطور محمد ناصر أشهد مرّة ثانيّة بأنّي أنا الذي حرّر هذه الرّسالة بإملاء الشّيخ رحمه الله).
كان الشّيخ من أندر الشّخصيات التي تجرؤ على التّعبير عن آراء، قد تكون مخالفة لآرائنا، وقد أجبته بأنّنا نحن الاثنين نعلم هذا جيّدا، ولكن ينبغي أنْ يعلم ذلك الفرنسيّون والعالم أجمع، وهيئة الأمم المتّحدة بواسطة التّعبير الشّعبي، وأنَّ التّعبير عن ذلك ينبغي أنْ يتمّ بواسطة المظاهرات والهتاف بحياة جبهة التّحرير الوطني، ولو أدّى ذلك إلى سقوط ضحايا، إنَّ الصّحراء يجب أنْ تضحِّي بنفس القدر الذي ضحّت به الجزائر كلُّها.
من هنا دخل الشّيخ بكلّ قواه في معركة الكفاح ضدّ إلحاق الصّحراء لفرنسا، ووقعت بعض المظاهرات في بعض المدن الصّحراويّة، وهكذا استطاع الشّيخ بيّوض الإمام والزّعيم الرّوحي أنْ يجرّ الصّحراء الجزائريّة في القضيّة التّحريريّة (في القضيّة المشار إليها)، وبعد ستّة أشهر من ذلك دعانا (ديغول) إلى طاولة المفوضات، فكانت في البداية (إيفيان)، ثم (مولان)، ثم (إيفيان) مرّة ثانيّة، التي توصّلنا بها إلى استقلال الجزائر والصّحراء.
إذن فإنَّ الفضل يعود إلى الشّيخ بيّوض في إنقاذ وحدة التّراب الوطني، وبقاء الصّحراء بكلّ خيراتها جزائريّة، وبدونه كان يمكن أنْ تستمرّ الثّورة عقدًا آخر، ومرّة أخرى أقول: إنَّ دور غرداية (المنطقة) هو الذي كان حاسمًا في الموضوع، وغرداية تعني الشّيخ بيّوض.
لقد اعتمدت فرنسا في قضيّة فصل الصّحراء عن الشّمال على مساعدة (ابن الشّيخ) وهو معروف باسم حمزة بوبكر، وقد اعتمد الفرنسيّون على نفوذه الرّوحي المؤثّر في بعض مناطق الجنوب لمضادَّة موقف الشّيخ بيّوض. والواقع لقد كان له تأثيره وأتباعه من بعض القبائل الصّحراويّة وهو يعتبر (1/118)
صفحة 118
بالنّسبة إلينا خائنًا، ولكنّنا داريناه حتّى لا نفقد أتباعه، ولم تمنعه جنسيّته الفرنسيّة من التّنقّل بجواز سفر جزائري بعد الاستقلال، وله علاقات ببعض الشّخصيّات السّياسيّة الجزائريّة، وكتُبُه تباع للجمهور في الجزائر.
سؤال: السّيّد بن طوبال! إنَّ الشّيخ بيّوض أحرق كلّ مراسلاته ليلة تعرّضت القرارة لحصار الجيش الفرنسي (والقُوميّة) في أكتوبر من سنة 1961، إنَّ هذه المراسلات تحتوي – كما ذكر ذلك في مذكّراته- على قدر كبير من الأهميّة، لها علاقة بشخصيّات ثوريّة أخرى، هل نجد عندكم بعضا من هذه الرّسائل؟
الجواب: لا؛ باستثناء واحدة أو اثنتين، أما الأخريات فقد ذهبت مع أرشيف الحكومة المؤقّتة من تونس، ولكنّ مشكلة هذا الأرشيف يعرفها الجميع، بعد الاستقلال كلّ شيء أرسل من تونس، وبمجرّد وصول الأرشيف إلى الجزائر وقع في بعض الأيدي، فلم نعثر له حتّى اليوم على أثر، ولكنّي أتذكّر جيّدًا رسائل الشّيخ بيّوض، كانت مكتوبة كلُّها بخطٍّ عربي، في ورق من نوع (مِنِيسْتَرْ) في ورقتين، وفي أربع صفحات، ولقد كانت بحقٍّ جرائد، وكان يردّد دائما في كلّ رسالة تقريبا بأنَّ الصّحراء جزائريّة، وأنّه سيكافح بكلّ ما يستطيع لتبقى كذلك، وأنّه لن يقبل أبدا أن تصبح أيّة قطعة من الجزائر فرنسيّة، وكان يقول أيضا: إنَّ استقلال الجزائر هو هدفنا جميعًا، ولكنّ الطّرق تتنوِّع.
سؤال: ممّا انتقد على الشّيخ بيّوض أنّه لم يلتحق بقيادة جبهة التّحرير، وهو ما طلبه منه تلاميذه، الذين كانوا يدرسون في تونس. هل حادثتموه في هذا الموضوع؟ ماذا كان موقفه، وموقفكم؟
الجواب: إنّنا لم نطلب قطُّ من الشّيخ بيّوض مغادرة الجزائر، وهو الذي قرّر البقاء، وكان ذلك لصالحنا، فوجوده معنا في تونس لن يمثِّل إلَّا صوتًا واحدًا، وفي ميزاب يمثِّل آلاف الأصوات، إنَّ الميزابيّين كانوا منظّمين دائمًا، وكانوا يطيعون شيوخهم الرّوحيّين، وكانوا دائمًا إلى جانب جبهة التّحرير الوطني، ولم تحاكم جبهة التّحرير قطُّ ميزابيًّا واحدًا على الخيانة والإجرام، إنّني أعرفهم منذ كنت على رأس الولاية الثّانية بقسنطينة، كانوا يقومون بواجبهم دائمًا نحو الثّورة، ينتقد البعض عليهم عدم تركهم تدخُّل غيرهم في هياكلهم التّنظيمية، وعدم خضوعهم للرّقابة، لقد كانت الثّقة والسّريّة هما المبدأ القاعدي للعمل عندهم، وقد امتحنَّاهم في الأوقات العسيرة، (1/119)
صفحة 119
وأنا شخصيًّا لم أر أي اعتراض ما داموا ليسوا إلى جانب فرنسا، وكانت ثقتنا فيهم كاملة. عندما نحتاج إلى مبلغٍ ماليٍّ ضخمٍ؛ ثلاثين أو خمسين مليون فرنك مثلا، يكفي أنْ نتّصل بمسؤولهم الذي نعرفه، فيحضر المبلغ في ا لوقت المحدود وبدون مناقشة. كثيرون مثلا يجهلون أنَّ نساءً ميزابيّات ناضلن في صفوف الفدائيّين، وأحيانا بدون علم أوليائهنَّ، فأنا شخصيًّا أعرف ثلاثا منهنّ كنّ يعملن في صفوفنا بقسنطينة، وإحداهنّ ماتت تحت التّعذيب دون أن تقرّ باسم أحد.
سؤال: إنَّ بعض مسؤولي منظّمة المجاهدين في ولاية غرداية يحاولون التّشكيك في وطنيّة الشّيخ بيّوض، وبلغوا حدَّ وصفه بالخيانة في دعواهم كتابة تاريخ الثورة. هل صدر اتّهام من هذا النّوع ضدَّه أثناء الثّورة؟
الجواب: أبدا؛ لا الشّيخ بيّوض ولا الميزابيّون كانوا يومًا خونة، لقد قلت هذا في إبّانه للطّلة الميزابيين في تونس، باستطاعتكم الحديث عن الشّيخ بيّوض برؤوس مرفوعة، وبدون عقدة، إنّه كان وطنيًّا منذ بداية حياته، لقد كان يكافح دومًا من أجل وَحدة التّراب الوطني، ومن أجل استقلاله من الثّلاثينيّات، لقد كان وطنيًّا مسالمًا، يعتقد الوصول إلى الغاية عن طريق الوسائل الدّبلوماسيّة. وما أنْ اندلعت الثّورة التّحريرية في نوفمبر 1954، حتّى التحق بصفوفنا، وبقي إلى صفوف جبهة التّحرير حتّى اليوم الأخير.
سؤال: في بعض الظّروف الصّعبة وضع الشّيخ بيّوض في أوضاع محرجة، وهذا ما أعطى الفرصة لأعدائه لاتّهامه (بالخيانة)، وقع هذا عندما زير (جاك سوستيل) ميزاب، في محاولات فصل الصّحراء عن الشّمال، وهذا ما حدث أيضا حينما أخذه الجيش الفرنسي قسرًا وحملوه بالطّائرة العموديّة من القرارة إلى الجزائر لوضعه إلى جانب الجنرال (سالان) رئيس لجنة السّلامة العامّة، كيف كان موقف جبهة التّحرير منه، في هذه الظّروف باعتباره مناضلًا في صفوف جبهة التّحرير، ولماذا هذه المواقف لم تبرز بعد الاستقلال؟
الجواب: إنَّ عمليّة توريط الشّخصيّات الجزائريّة، ووضعها في مواقف صعبة كانت من الوسائل التّكتيكيّة التي يستخدمها الفرنسيّون، ولكنّنا لم نكن مغفّلين. وموقف الشّيخ بيّوض ليس فريدًا من نوعه، وهناك رجال (1/120)
صفحة 120
كثيرون من هذا النّوع يتمتّعون بإيمان قويّ، كانوا موظّفين في الإدارة الفرنسيّة، وقدّموا لنا مساعدات هامّة. كثير من القياد والباشغوات والنّواب العاملين، مثل: الشّيخ بيّوض ظلّوا على صلة قويّة بالثّورة، وكانوا يقدّمون لنا المخابئ والمعلومات السّريّة، والتّموين من كلّ نوع، وبعضهم بلغوا إلى حدّ إمدادنا بالسّلاح والذّخيرة من ألمانيا الاتّحاديّة. ولكن للأسف الشّديد فإنَّ الفوضى التي عمّت بعد الاستقلال منعتنا من تطبيع وضعيّتهم، وإعطائهم ما يستحقّون، وقد كان العديد من هؤلاء ضحيّة هذه الفوضى.
ومهما يكن من أمر فإنَّ الذين يتّهمون الشّيخ بيوض بالخيانة، إمّا أنْ يكونوا هم الخونة الحقيقيّين، وإمّا أنْ يكونوا من المذبذبين أصحاب الضّمائر الرّخيصة، الذين يبدّلون ألوانهم مع كلّ نظام، وإمّا أنْ يكونوا من الانتهازيّين الذين التحقوا بصفوفنا بعد 19 مارس 1962، للاستفادة من الثّورة التّحريريّة، بعد وقف إطلاق النّار، وهؤلاء يجهلون أسرار هذه الثّورة العظيمة، التي هي الثّورة الجزائريّة. وفي كلّ حال فإنّه ليس من حقّ هؤلاء النّاس أنْ يحاكموا الشّيخ بيّوض، أو أيّ جنديّ مجهول آخر من جنود الثّورة.
فإنّه كأيّ ثورة أخرى، فإنَّ ثورتنا عرفت بعض من خانها، وفي الجنوب كان هناك خونة من بعض القبائل والأعراش التي أمدّت فرنسا (بالقُوميّة والحركيّة) وأنتم تعرفونهم جيّدا.
سؤال: في عهد اللّجنة التّنفيذيّة، هل تمّ تعيين الشّيخ بيّوض من طرف الجبهة، أو من طرف فرنسا، أم كان مستقلًّا؟
الجواب: إنَّ الشّيخ بيّوض كان في صفوفنا، دون أنْ تعلم فرنسا، وكان بالنّسبة إلينا عضوًا إضافيًّا، وذلك ما جعلنا نقبله بدون تحفّظ، عندما اقترح علينا اسمه في القائمة، إنّه لم يكن مستقلًّا بالمفهوم الفرنسي إذ مفهوم المستقلّ كان يعني في تلك الظّروف مؤيّدا لفرنسا، ولكنّ الشيخ كان مستقلًّا بأتمّ معنى الكلمة، وكان يوضّح لنا وجهة نظره، حتّى عندما يكون مخالفا لرأينا.
الجزائر: في أوّل مارس 1990 ... الإمضاء: عبد الله بن طوبال
تعريب: د. محمد ناصر ... جامعة الجزائر في: 24/ 12/1990م (1/121)
صفحة 121
الملحق رقم: (9)
ملاحظات على ملاحظات
الدّكتور نور الدّين، ابن عبد الله (1)
يقول صاحب المقال: هذه ملاحظات حول الملاحظات التي جاءت في كتاب الأستاذ بكير بن سعيد أوعشت (2) المنشورة في جريدة الشّعب [الجزائر]، عدد: 7603، بتاريخ: 04/ 04/1988م. لصاحبها إبراهيم رمضان.
نظرًا لما تضمّنته هذه الملاحظات من أقاويل وانطباعات، أدّت إلى إثارة الشّكوك والبلبلة في النّفوس، وإثارة الضّغائن. قد نتج عنها زرع بذور التّفرقة والفتنة والتّناحر والتّهم المفتعلة. وددت أن أعقّب عليها على أعمدة جريدتنا الغرّاء (3)؛ إسهامًا في تجلية الحقيقة وإبعاد شبح الظّنّ والافتراء، الذي يخيّم على صاحب المقال، ممّا دفعه إلى نبش قبور المرحومين ..
كما أنّه استهلّ المقال بالتّعرّض لذكر الرّسائل المجهولة، وهذا أمر يصدق عليه المثال العربي الشّهير (بداية القصيد كفر). فالمتسبّب الرّئيسي في هذه الرّسائل المجهولة - كما هو معلوم – موافقتكم وتصرّفاتكم حول منع مشاركة أكثر ما يمكن من المجاهدين والمساجين والمسبّلين في ملتقى غرداية وبوسعادة.
فتسجيلكم للوقائع الثّوريّة، حسب أهوائكم وما أملته قريحة الذين حضروا هذا الملتقى، من ولاية غرداية، وأغلبهم ممّن رضيتم عنهم لدليل قاطع على تحيّزكم، بحيث أنّ الذين لا يجارون رغبتكم، ولا يشاطرون موافقتكم، من حيث الأسلوب العملي المنتهج بولاية غرداية، في إطار المنظّمة أو كتابة التّاريخ أو حضور الاجتماعات من طرفكم، لم توجّه إليهم
__________
(1) - د. نور الدين، ابن عبد الله. هو اسم مستعار للشّيخ محمود الواعي، محاهد ومناضل كبير في الثّورة التّحريريّة. وأحد أعيان مدينة باتنة، له حضور قويّ وريادي في الحياة الاجتماعيّة في مدينة باتنة وما جاورها، شغل بعض المناصب الإداريّة والسّياسيّة في الجزائر بعد الاستقلال. توفّي سنة:
(2) - يعني به كتابه: الإمام بيّوض وجهاده الإسلامي في الجزائر، المطبعة العربيّة، غرداية (الجزائر) سنة 1987م.
(3) - في حدود علمي، لم تنشر هذه الملاحظات في الجريدة المذكورة، لست أدري ما هو السّبب ... (1/122)
صفحة 122
الدّعوات للحضور والمشاركة لإثراء التّقرير وإبراز مشاركتهم في الثّورة بمعلومات هامّة.
وقد كان من الأجدر أن تصدِّروا مقالكم بواقع المنطقة تاريخيًّا، وتسجّلوا رسائل التّقدير والعرفان وشكر المجاهدين على محتوى تقرير غرداية الذي جمع فأوعى نضال شعب ولاية غرداية لرفع معنويّاتهم وتسجيل مأثرهم. أمّا بعض الفئات التي رفعت السّلاح في وجه الثّورة واختارت الانضمام إلى صفوف العدوّ فمعروفة لدى عامّة الشّعب، ولا تحتاج إلى دليل ..
ومن خلال ذلك يتّضح بأنّ الطّريقة المتّبعة من طرفكم أثناء اجتماعاتكم وما تبثّونه من بلبلة، كما هو ملحوظ في معاملتكم للمجاهدين من استدعاء البعض وترك الآخرين وما ورد في تقاريركم الرّسميّة والسّريّة، وما نشرتموه في جريدة الشّعب، فإنّما تقصدون به تضليل الشّعب، وكسب بعض فئاته لإقناعها بأنّ الجانب الآخر، أي الإباضيّة لم يشاركوا في الثّورة المسلّحة ..
إن تَمعُّنَنا في محتوى تقرير غرداية يجعلنا نتأسّف لتحريره بتلك الطّريقة، وذلك الأسلوب، الذي قدّم لنا صورة حيّة عن الجهويّة والمحاباة وطمس الحقائق. ويتجلّى ذلك في تسحيل الوقائع والإحصائيّات، وتسميّات الأشخاص، فإنّنا لم نقتنع بما ورد في التّقرير والجدول الإحصائي بالنّسبة لعدد الميزابيّين الذين شاركوا في الثّورة داخل غرداية من قصورها، وبالأخصّ خارجها، في مستوى مدن الجزائر، وكذلك سكّان (المنيعة) و (عين صالح)، سواء خارجها أو في داخلها.
وقد استدللتم بالاجتماع الذي عقد بغابة غرداية في أثناء الثّورة في تقرير غرداية، وفي المقال المنشور بجريدة الشّعبـ،، وبقي هذا الاجتماع مبهمًا، ولذا يجب توضيح ما يلي:
1 – تحديد المكان، الذي عقد فيه الاجتماع بغابة غرداية؛ لأنّها واسعة.
2 – تاريخ انعقاده.
3 – سبب انعقاده، ومن دعا إليه.
4 – ذكر أسماء الحاضرين الأحياء والأموات.
5 – من تولّى رئاسته.
6 – جدول الأعمال. (1/123)
صفحة 123
7 – ذكر ما تمخّض عليه هذا الاجتماع من قرارات ومواقف وتوزيع المهامّ.
8 – الخلاصة.
كما يجب توضيح دورك ودور الشّيخ بيّوض في هذا الاجتماع؛ لأنّ كلامك وحدك ليس بحجّة. فلابدّ من إضافة أسماء أشخاص وتصريحاتهم لتقوية وتزكية حجّتك، وخصوصًا وأنّك ذكرت أنّ هناك اجتماعًا، يدلُّ مفهومه على وجود جماعة.
ثمّ ما هي الصّفحة التي كشف فيها تقرير غرداية القليل من وثائق (الشّيخ بيّوض). أمّا الوثائق والصّور المستخرجة من أرشيف الجرائد الفرنسيّة وإدماجها في تقرير غرداية، فلا تعتبر مصدرًا موثوقًا به دائمًا. فهي في متناول الجميع، ووجودها لا ينكره أحد، إلاّ أنّ الصّورة وحدها لا تدلّ على الخيانة.
مثلا: هل نبني على ما ورد في خطاب الوالي العام سوستيل، الذي ألقاه بـ (واد سوف) يوم: 18/ 08/1955م، حين تأبين (21) حرْكيًّا، قتلوا في معركة مع المجاهدين بـ (سيدي عون) في 11 أوت 1955م، حيث أشار إلى أصل أولئك الحرْكة. (جريدة دبيش قسنطينة)؟
يتلبّس الشّخص بالخيانة في المواقف الآتيّة:
1 – هل دعا الشّيخ بيّوض إلى تكوين قوى محليّة ومسلّحة من الحرْكيّة أو القوميّة أو الدّفاع المدني لتحمل السّلاح في وجه الثّورة، في العمليّات الحربيّة، إلى جانب القوّات الاستعماريّة؟ هل طلب من فرنسا حراسة مسلّحة لتحميه وتحرسه؟
2 – هل أصدر فتوى أو فتاوى ضدّ المجاهدين، ينسب إليهم الإجرام والطّيش وقطع الطّرق؟ كما فعل ذلك قاضي (تنبوكتو) محمد محمود، بتاريخ: 24/ 10/1955م، عند مروره بقسنطينة، عائدًا من الحجّ؟
3 – هل أصدر بلاغًا ضدّ الثّورة والمجاهدين؟ ووزَّع من خلال الإذاعة والصّحافة، كما فعل ذلك الشّيخ بن طكّوك؛ مؤيّدًا فرنسا بتاريخ 1955م؟
4 – هل بعث برقيّة إلى الوالي العام؟ والسّلطة الفرنسيّة، يؤيّدها في مواقفها السّياسيّة والعسكريّة أثناء الثّورة المسلّحة، باسمه أو باسم سكّان غرداية؟ (1/124)
صفحة 124
5 – هل أصدر مقالاً أو مقالات في الصّحافة المكتوبة ضدّ الثّورة، ومؤيّدًا لفرنسا؟
6 – هل قام خطيبًا في اجتماع ما، أو مهرجان؛ مؤيّدًا لفرنسا ومنوّهًا بأساليبها ومواقفها ضدّ الثّورة؟
7 – هل سجّلتم عليه بعض الأعمال والنّشاطات، كتابيّة أو لفظيّة أثناء اجتماعات المجلس الجزائري، أو المجلس الاقتصادي بورقلة ضدّ الثّورة؟
8 – هل أدلى بتصريحات ضدّ الثّورة أثناء زيارة وزراء فرنسا إلى الصّحراء عند استقبالهم، كما ذكرتم في تقرير غرداية، ص: 18.
9 - هل صرّح لبعض وكالات الأنباء والصّحف المكتوبة بتمجيد فرنسا، وشتم المجاهدين والثّورة؟
10 - هل وجّه نداء للمواطنين، يدعوهم إلى الابتعاد عن المجاهدين والثّورة، والانتماء إلى فرنسا ومساندة القوى الفرنسيّة، دولة حقوق الإنسان، كما عبّر عنها بعض النوّاب في المجلس الجزائري.
إنّ الشّهادات التي صرّح بها الكثير من الإخوة المسؤولين في جميع المستويات، عن مواقف الشّيخ بيّوض لدليل قاطع على مواقفه النّزيهة تجاه الثّورة المسلّحة:
1 – برقيّة التّعزية التي بعث بها الأمين العام للحزب رئيس الجمهوريّة [الشّاذلي بن جديد] إلى عائلة الفقيد، دليل قاطع على حسن سلوكه وأعماله تجاه وطنه. فرئاسة الجمهوريّة تملك جميع المعلومات حول سلوك جميع الجزائريّين، ولا يمكن أن يبعث رئيس الجمهوريّة برقيّة التّعزية إلى خائن.
2 – أوفدت وزارة الشّؤون الدّينيّة وفدًا رسميًّا في تأبين جنازته.
3 - شهادة بن خدّة، عضو القيادة السّياسيّة في تحضير مؤتمر الصّومام، وعضو لجنة التّنسيق والتّنفيذ، ورئيس الحكومة الجزائريّة المؤقّتة.
4 – اتّصال الشّيخ بيّوض بالأخوين عبّان رمضان ويوسف بن خدّة، في ربيع 1956م، بحضور المناضلين: الشّيخ سليمان، ابن يوسف. وإسماعبل سماوي والحاج أيّوب إبراهيم وحجّاج موسى، بواسطة ربّاح الأخضر .. وهم كلّهم على قيد الحياة (1)
__________
(1) - كلّهم انتقلوا إلى رحمة الله ... (1/125)
صفحة 125
5 - اتّصال الأخ أحمد خبزي - الضّابط في جيش التّحرير - بالشّيخ بيّوض، بأمر من القائد الحوّاس وسي الحسين عبد السّلام، المعروف ببولحية، ونور الدّين منّاني، في آخر سنة 1955م. والمَهمّة التي قام بها أحمد خبزي. والحوار الذي دار بينه وبين الشّيخ بيّوض، والمَهمّة التي كلّفه بها مسجّلة في وثيقة مذّكرات أحمد خبزي. وحسبما ورد في مذكّراته أيضًا أنّ السّلاح الذي نقله من غرداية والقرارة في أوّل سنة 1956م إلى ناحية بسكرة. شارك في جمعه الشّيخ بيّوض، من عند المواطنين.
6 – الاتّصال الذي قام به الأخ خبزي محمد (ت 2012م) في آخر سنة 1956م بالشّيخ بيّوض، لمّا عيّن على هذه اامنطقة الأخ السّيّد جغابة محمد، المكلّف بهذه المنطقة ثوريًّا. إنّ عائلة خبزي من الرّجال الأوائل المبكّرين للثّورة، والذين ضحّوا بأنفسهم وأموالهم في سبيل الجهاد.
7 – اتّصال الأخ سي محمد اجغابة شخصيًّا بالشّيخ بيّوض ومعه جماعة من المناضلين أثناء تولية مسؤوليّة المنطقة.
8 – انضمام الشّيخ بيّوض لمجموعة (61) من النّوّاب (أعضاء في المجلس الجزائري)، الذين رفضوا الإصلاحات التي تنوي فرنسا إجراءها بالجزائر أثناء الثّورة، ورفض المساواة والاندماج، في لائحةٍ نشرت في 26/ 09/1955م. وتشتمل اللاّئحة - أيضًا - على ثلاث مطالب هامّة:
أ – الاعتراف بالشّخصيّة الجزائريّة من طرف السّلطة الفرنسيّة.
ب - توقيف العمليّات الحربيّةز
جـ - فتح باب المفاوضات مع المحاربين.
واللاّئحة المضادّة لها، نشرت في 28/ 09/1955م، بإمضاء الجماعة المضادّة لـ (61).
9 – اتّصال الشّيخ بيّوض ببعض المسؤولين في الثّورة بباتنة، في شهر جوان 1955م بمنزل سليمان بوعصابه محمد بن يحي وسي عمر بن الحاج إبراهيم [سليمان بوعصبانه] وهم اسعادة إبراهيم والواعي محمود ودردوري محمد الهاشمي.
10 - وقد تصدّى الشّيخ بيّوض – رحمه الله - بكلّ شجاعة وإيمان للخطّة الإجراميّة التي قام بها المصّاليّون عبر الوطن ضدّ التّجّار الميزابيّين، بتاريخ سبتمبر 1955م، ووزّعت مناشير تدعو إلى مقاطعتهم تجاريًّا، وأمروا بعض أعوانهم بالاعتداء على من يجدونه في دكّانه؛ برميه (1/126)
صفحة 126
بحبّات البطاطا المحشوّة بأمواس الحلاقة، ونظّموا – أيضًا – عمليّات إشعال النّار في دكاكينهم، كما حدث في العاصمة مثلا:
أ ... - متجر عبد العزيز عبد الله بن الحاج بـ (رْوِيسُو).
ب – متجر داودي محمد بن الحاج إبراهيم بـ (القُبّة).
جـ - متجر لأحد الإخوة زيطاني بـ (بِلكور).
وقد انتقل [أي الشّيخ بيّوض] إلى الجزائر، واتّصل برجال الثّورة، وبـ (البليدة) بالأخ الحاج محمد قَلُّو، صاحب قهوة (موقادور)، الذي قتله المظليّون. وبـ (قسنطينة) بالأخ عبد الله حمّو، وبـ (باتنة) و (سطيف) و (بسكرة)، مستفسرًا وموضّحًا موقف الميزابيّين من الثّورة .. وتبيّن للجميع أنّ هذه الدّعاية صدرت من المصّاليّين لإحداث التّفرقة داخل الشّعب الجزائري.
11 – شهادة الإخوة من قيادة الولاية السّادسة، الذين أوفدتهم القيادة العسكريّة إلى هذه المنطقة سنة 1961م. وهم أحمد طالبي- رحمه الله – والسّعيد عبادو وعثمان حامدي ورشيد الصّائم، واتّصال البعض منهم بالشّيخ بيّوض مباشرة، وتحاوروا حول فصل الصّحراء عن الشّمال، وتبيّن أنّهم اقتنعوا بكلامه وبمواقفه، وهم أدرى بما جرى بينهم وبينه.
وبناء على هذا الاتّصال الخاصّ المباشر من طرف ضبّاط جيش التّحرير مع الإمام يتجلّى أنّ موقفه سليم، فلم يرضخ للسّلطة الاستعماريّة، ولم يوافق على ما تطلبه منه، وأنّهم اقتنعوا – أيضًا – بالصّراحة التي أدلى بها أمامهم، وتركوه ليواصل عمله، بغية إقناع الجماعة الأخرى، مثل حمزة بوباكر والتّيجاني أحمد وغيرهما على عدم الموافقة على مطالب فرنسا.
12 – إنّ الإمام ليس من رجال القوّة الثّالثة التي أعلن عنها الجنرال دوقول، والدّليل على ذلك:
أ ... - لم يذكر ولم يكتب اسمه في قوائم القوى الثّالثة.
ب - لم يوظّف في سلك من الأسلاك الوظيفيّة المخصّصة لإطارات القوّة الثّالثة.
جـ - رفضه لمشروع فصل الصّحراء عن الشّمال.
د ... - لمّا حاصر العدوّ مدينة القرارة في 28 أكتوبر 1961م فتّش منزله بكلّ دقّة، وحشره مع المواطنين الذين أخرجوا من منازلهم ذكورًا وإناثًا (1). وهذا دليل على إهانته من طرف العدوّ.
__________
(1) - أخرج الرّجال - فقط – إلى خارج المدينة، ووضعوا في محتشد، مدّة ثلاثة أيّام. (1/127)
صفحة 127
هـ - لو اتّضح لدى قادة الثّورة - من خلال كلامه – الميول لفرنسا، أو الموافقة على مطلبها، لما تركوه على قيد الحياة، ولا مانع لديهم من إلقاء القبض عليه في الحال؛ لأنّ قرية (القرارة) خاليّة من عسكر العدوّ، أو اغتياله بإرسال فدائيّ، ينفذّ فيه حكم الإعدام.
وبناء على ما كتبتم وما نسبتم إليه من أعمال ضدّ الثّورة تكونون قد حكمتم عليه بالخيانة، التي تتطلّب تنفيذ حكم الإعدام، الأمر الذي يؤدّي إلى إلصاق التّهمة بهؤلاء الضّبّاط الذين اتّصلوا بالإمام مباشرة؛ بسبب عدم تطبيق أوامر الثّورة الخاصّة بالخونة. وفوق ذلك فإنّ كلامك وشهادتك المنفردة المبهمة حول خيانة الإمام، يعوزها الدّليل الثّابت والحجّة، كما أنّ السّند الذي اعتمدت عليه هو ظهوره في الصّورة مع الوزراء الفرنسيّين، والصّورة وحدها لا تدلّ على التّلبّس بالخيانة واجتماع غابة غرداية المبهم من حيث المحتوى والأشخاص الحاضرين لا يعتمد عليه.
أمّا إذا قارنّا شهادتكم الوحيدة بالشّهادات الأخرى المحقّقة كتابيًّا وشفهيًّا وأصحابها على قيد الحياة، وتحمّلوا مسؤوليّات كبرى أثناء الثّورة المسلّحة، فإنّها لا تصحّ ولا تقبل، وأنّ الأدلّة الأخرى تثبت براءة الإمام.
وبخصوص عدم استقالة الإمام من المجلس الاقتصادي بورقلة، فحقًّا إنّ الثّورة طلبت من جمبع النّوّاب والمنتخبين في جميع المستويات تقديم استقالاتهم أو يحكم عليهم بالإعدام، وقد طبّقت هذه التّعليمات عبر القطر الجزائري. وفي الواقع كان المطلوب من الشّيخ بيّوض تقديم استقالته، غير أنّكم ذكرتم في تقرير غرداية في صفحة (20) ما يلي: (إنّ هناك من لبَّى النّداء، ولم يرضَ بالتّرشيح، ومنهم من تمّ ترشيحهم غيابيًّا، ممّا أدّى بهم إلى الاستقالة التي كانت سببًا في إعدامهم من طرف العدوّ، أو الزّجّ بهم في السّجون. ومنهم من لبّى النّداء، ولظروف قاهرة بقي ضمن هذه المجالس، وقدّم خدمات للثّورة وهم أقليّة).
وحفيفة إنّه وجد آنذاك البعض منهم، لم يستقيلوا من عضويّة هذه المجالس، ووجدت الثّورة فيهم العون الحسن في تقديم خدمات جليلة للثّورة والشّعب، وربّما يكون الشّيخ بيّوض أحد هؤلاء في ولاية غرداية.
دراسة الملفّات النّضاليّة من طرف المجاهدين في إطار اللّجان.
إنّ النّظام المقرّر في تكوين اللّجان من طرف المنظّمة الوطنيّة للمجاهدين ووزارة المجاهدين لدراسة الملفّات المقدّمة إليها، حسب (1/128)
صفحة 128
المستويات، منها القسمة والدّائرة والولاية واللّجنة الوطنيّة، والتّعليمات المعتمدة في هذا العمل واضحة في أسلوب العمل وتحديد المنهج، الذي يجب اتّباعه في دراسة الملفّات المكوّنة من طرف أصحابها، والسّماع للمعنيّ بالأمر، وشهوده الذين عاشوا معه في الزّمان والمكان، وبالأخصّ التّعليمة رقم: 3389/ 82، بتاريخ 26/ 12/1982م. لم تحترم من طرفكم، ولم تطبّق كما هو مطلوب من اللّجان، وهذا يعدُّ خروجًا عن القانون. وكذلك لم يحترم المجاهدون شهادة بعضهم البعض، حتّى شهادة الضّبّاط الذين كانوا يسيّرون المناطق والنّواحي والوحدات القتاليّة. وهذه المواقف تعتبر قدحًا صريحًا من مجاهدين ضدّ إخوانهم، كانوا بالأمس في صفوف الجهاد معهم. وأمام الشّعب والرّأي العام، فهو قدح في شهادة المجاهدين، وانتقاص من قيمتهم النّضاليّة، وسبٌّ للذي ترفض شهادته من طرف مجاهد آخرأقلّ منه رتبة عسكريّة، أو تجنَّدَ بعده.
كما رفضتم أنتم الشّهادات المقدّمة إليكم من طرف مجاهدين، والبعض منهم إطارات سامية في الثّورة المسلّحة، في شأن الشّهادات التي قدّموها حول نضال الشّيخ إبراهيم بيّوض.
أمّا بشأن الذين يؤمنون بأفكاره، بأنّ الجهاد المقدّس [كذا]، فإنّكم اعترفتم بمواقفهم النّضاليّة مع الإمام أثناء الحركة الإصلاحيّة في ميدان العلم وخدمة اللّغة العربيّة، وتحريك السّواكن، ومحاربة الجمود الفكري والدّيني والتّقاليد البالية، وتوجيه البعثات العلميّة. ولم تتعرّضوا للذين كانوا يحاربونه عمليًّا، من ناحيّة الحركة الإصلاحيّة، وما قاساه منهم، بينما تنسبون إليه الخيانة والجمود، بالنّسبة للثّورة المسلّحة ..
ثمّ إنّه كيف يمكن لأتباعه الذين يؤمنون بأفكاره وبمبادئ الحركة الإصلاحيّة، والذين تتلمذوا عليه وتشبّعوا بأفكاره النّيّرة، ألا ينهجوا الطّريق السّويّ، الذي انتهجه الشّعب الجزائري في سبيل الثّورة .. ولذا لا نجد ميزابيًّا، في مدينة ما عبر الوطن إلاّ وهو مستعدٌّ للنّظام، ومجنّدٌ مناضل بنفسه، ويقدّم ما لديه من مال وعتاد، ويضع محلّه تحت تصرّف الثّورة المسلّحة.
إنّك لم تبيّن الأخطاء أو المخالفات التي ارتكبها الإمام، وصدرت منه، ولم تذكر أثناء الثّورة أسماء أصحابه أو تلاميذه الذين أوعز إليهم كلامًا، أو (1/129)
صفحة 129
شيئًا يخالف مبادئ الثّورة، بحيث بقي كلامك موغلاً في العموميّات والصّور المنشورة في الجرائد الفرنسيّة ..
إنّ الذين تغذّوا بمبادئ الحركة الإصلاحيّة، وانساقوا معها، وكانوا يقرؤون افتتاحيّات جرائد الشّيخ أبي اليقظان و (البصائر) و (الشّهاب)، قد صقلت أفكارهم، ووحّدت صفوفهم، وأنارت عقولهم، وسلكوا الطّريق السويّ، طريق الجهاد، فاندفعوا أفرادًا وجماعات إلى صلب الثّورة بأنفسهم، وقدّموا أموالهم، وما كان عزيزًا لديهم؛ قاصدين بذلك دعم الثّورة وتحرير البلاد من الدّخيل. والجزاء من عند الله ..
ومواقف الإمام أثناء الثّورة ليست سلبيّة، كما تدّعون، فهي معروفة وواضحة لدى المناضلين الذين يثق فيهم، ويشاركهم في الأعمال، ويقدّم إليهم إرشادات هامّة، مثل الشّيخ العايب محمد بن بالحاج، والشّيخ عدّون، وبوراس بكير، والشّيخ دحمان سعيد بن عبد الله، وبسيس قاسم، ولقمان حمّو (1) هؤلاء تتكوّن منهم لحنة القرارة، واعترفوا لهم [كذا] بالنّضال. أمّا ما ذكرتم من أنّه بقي طليقًا، يجول ويصول حرًّا آمنًا. فالجواب: إنّ الإمام كان مقتنعًا بمواقفه وإخلاصه تجاه الثّورة. وما الذي يمتع الفدائيّين من تطبيق العقوبات عليه، لو كان خائنًا. علمًا بأنّه لا حراسة له ليلاً ونهارًا. أمّا قولك (يجول) فيعني من داره إلى المسجد، و (يصول) في المسجد وبالمعهد في إلقاء الدّروس العلميّة والدّينيّة.
لم تتعرّضوا في مقالكم إلى مواقف (حمزة بوباكر) و (أحمد التّيجاني) في شأن فصل الصّحراء عن الشّمال، وركّزتم على الإمام تركيزًا قويًّا، كأنّه العمدة في هذه القضيّة، بالنّسبة إليكم وفرنسا.
ولذا فإنّ العدوّ يعرف أين يضع قدميه، ولكنّه وجد الأرضيّة صلبة، فشخصيّة الشّيخ بيّوض إبراهيم لا تزعزعها الأهواء والمغريات، ولا تثنيها التّهديدات والضّغوط، ولا تؤثّر فيها الأموال، كما ذكرتم: (أَعْلِنْ عن المواقة، فهذه أربع مليارات لتجهيز هيكل الدّولة)، فرفض ذلك ورجع الوزير إلى فرنسا مذمومًا مدحورًا، يجرُّ أذيال الخيبة والخزي. وهذا يعدّ إجهاضًا لقرار الاستعمار.
__________
(1) - هؤلاء كلّهم تلاميذ الشّيخ إبراهيم بيّوض، درسوا عنده في معهد الشّباب (معهد الحياة) وعملوا معه في الثّورة التّحريريّة الجزائريّة، وتحت إشرافه .. (1/130)
صفحة 130
أمّا قولك: إنّ الشّيخ قال: إنّ الصّحراء تضمّ خليطًا من السّكّان، وذكر الأعراش القاطنة بغرداية وضواحيها. أمّا الأعراش الأخرى في (السّاورة) و (ورقلة) و (تمنراست) و (أدرار)، لم يتعرّض لها، فهذا كلام يحتاج إلى دليل، إذ لا يكفي الادّعاء وحده. فماذا يبقى من هذه الأعمال للتّاريخ في هذا الجانب أنّ الإمام:
1 – لم يحضر الاجتماع الذي عقده الجنرال (سالان) للمنتخبين في (سارق العرفج) بورقلة، سنة 1959م، حول الدّولة الصّحراويّة.
2 - لم يحضر – أيضًا – الاجتماع الذي عقده (سوستيل) في غرداية يوم: 30/ 01/ 1959م لنفس الغرض.
3 – الإمام رفض ما اقترح عليه من طرف الوزير الفرنسي، ورفض أيضًا المبلغ المالي المقدّم إليه، لتجهيز الدّولة الصّحراويّة: أربع مليارات، وبذلك أسقط مشروع الاستعمار بمواقفه التي يعرفها العامّ والخاصّ والعدوَ.
وأنّ حمزة بوباكر السّاكن بفرنسا، يدخل الجزائر؛ قادمًا إليها بكلّ احترام وتبجيل وضيافة رسميّة، وكذلك أحمد التّيجاني محترم في إقامته وترحاله، ما عدا ما نسمعه، وما تكتبونه وتنشرونه في غرداية عن الشّيخ بيّوض ..
لقد أشرتم إلى (الحرْكة والقوميّة) الذين التحقوا بجيش التّحرير الوطني (فيما بعد)، وضربتم لنا مثلا ببعض صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، الذين كانوا كفّارًا، يقاتلون المسلمين، ثمّ دخلوا الإسلام، فحاربوا في صفوف جيش المسلمين. إنّ استدلالكم في غير موضعه:
1 – لأنّ هؤلاء الحرْكة والقوميّة مسلمون، ليسوا بكفّار، وحملوا السّلاح تلقائيًّا في وجه الثّورة، التي أعلنت الجهاد لتحرير البلاد من الاستعمار.
2 – غاية هؤلاء الخونة ماديّة، ولا يؤمنون بالواجب الوطني.
3 – استمرارهم في صفوف العدوّ مسلّحين، يشاركون معه في العمليّات الحربيّة ضدّ المجاهدين مدّة، أي عدّة سنوات، ويقومون بعمليّات النّهب والتّعدّي على الحرمات أثناء الحصارات والتّفتيشات للقرى ومساكن المواطنين والأشخاص.
4 – التحقوا بصفوف المجاهدين، حين بدأت المفاوضات بين قيادة الثّورة والوفد الفرنسي. حين انتصرت الثّورة وتحطّم العدوّ وأنصاره ومعاونوه. فهؤلاء من القوّة المحليّة. (1/131)
صفحة 131
5 - وحسب استدلالكم وما يفهم من سياق كلامكم، فإنّ هؤلاء القوميّة والحرْكة كفّار، خرجوا عن ملّة الإسلام؛ لأنّهم حملوا السّلاح في وجه الثّورة مع قوّة العدوّ، ولمحاربة المجاهدين، وفي آخر الأمر، لمّا انتصرت الثّورة وتحطّمت قوّة العدوّ، وقالوا: أين المفرّ؟
6 – الانضمام إلى صفوف المنتصر، أي المجاهدين.
وقد ذكرتم:) إنّنا إن [لم] نعترف لهم بذلك، فكأنّنا ننكر جهاد بعض أصحاب الرّسول - صلى الله عليه وسلم -). فهذا خطأ فادح منكم؛ لأنّ الرّسول - صلى الله عليه وسلم -[كان] يطلب من هؤلاء الدّخول في الإسلام، وهؤلاء الحرْكة والقوميّة مسلمون منذ ولادتهم، في بلاد إسلاميّة منذ قرون. وعلى هذا فالاستدلال والتّشبيه غير صحيح، إلاّ إذا حكمتم على هؤلاء بالكفر؛ لانضمامهم إلى صفوف العدوّ أثناء الجهاد المقدّس.
فهؤلاء تصدق عليهم الآية الكريمة: {يا أَيُّها الذينَ آمَنُوا ما لَكُمُ إِذا قيلَ لَكُمُ انْفِرُوا في سَبيلِ اللهِ اِثَّاقَلْتُمُ إِلَى الاَرْضِ أَرَضِيتُمْ بالحَياةِ الدُّنيَا مِنَ الاَخِرَةِ ... } (التّوبة/ 38) وفي الحقيقة لا يحجم عن المشاركة في الثّورة والجهاد إلاّ من كان في فكره وهم أو مصلحة ماديّة، وحبّ للاستعمار، مثل الذين انضمّوا لقوّة العدوّ الغاصب لبلادنا، وحاربونا تحت رايته ..
بعد هذه الملاحظات والرّدود على دعاوى إبراهيم رمضان واتّهاماته الخطيرة لشيخه الإمام إبراهيم بيّوض، التي قدّمها الشّيخ محمود الواعي، كتب عدّة أسطر حول: (فتوى في حقّ المحاربين في صفوف العدوّ)؛ مستندًا إلى ما ذكره أحد علماء الإسلام، إجابة على سؤال وجّهه الأمير عبد القادر الجزائري: (عن حكم المتخلّف عن الاستنفار، وما عليه من العقاب، كما ورد في كتاب: تحفة الزّائر في تاريخ الأمير عبد القادر، ص: 323). وكان المعنيّون بالأمر هم الحرْكة والقوميّة، الذين تكلّم عنهم إبراهيم رمضان في مقاله، الذي ردّ عليه محمود الواعي، وقد شبّههم رمضان بالصّحابة الذين التحقوا بصفوف المسلمين، وحاربوا معهم، بعد إسلامهم، وكانوا قبل ذلك كفّارًا يحاربون المسلمين. وبعد أن تحدّث زمضان عن سيف الإسلام خالد بن الوليد، الذي ضرب به المثل، قال محمود الواعي موجّهًا كلامه إلى رمضان: (1/132)
صفحة 132
أمّا المقال المنشورفي جريدة الشّعب بتاريخ: 04/ 04/1988م، المذكور أعلاه، كان من الأفضل التّروِّي والتّريّث، وعدم السّرعة في نشره. وما نسبته إلى الإمام ونقدك لمحتوى كتاب الأستاذ (عوشت) في غير موضعه. قال تعالى: {إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولونَ بِأَفْوَاهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسِبُونَهُ هَيِِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللهِ عَظيمٌ} (النّور/ 15)
إنّ ما كتبته يفهم من سياقه النّطق والتّقرّبُ إلى أشخاص معيّنين؛ لنيل رضاهم، وبصدق عليك قول الشّاعر:
إِنْ يَسْمَعُوا الخَيْرَ أَخْفَوْهُ، وإِنْ سَمِعُوا ... شَرًّا أَذَاعُوا، وإِنْ لَمْ يَسْمَعُوا كَذَبُوا
كما أنّك لا تفرِّقُ بين النّضال الصّحيح والمزيّف والمشوّه بغرداية، ومع ذلك كنت مراقبًا في الحزب، تقوم بمَهمَّتك عبر الولايات لتطبيق التّعليمات؛ لتصفية صفوف الحزب من الخونة المندسّين فيه. أمّا في غرداية فالحالة كما يُرام ..
وفي الأخير عليك بمراجعة ضميرك، والرّجوع إلى جادّة الصّواب، وعليك أن تعلن التّوبة على ما اقترفته من تمويه ومغالطة، وافتراء على أفضل النّاس، الشّيخ الإمام بيّوض - رحمه الله – ومقارنة الخونة بالصّحابة - رضوان الله عليهم – ويكون ذلك في اجتماع أمام المجاهدين، أو في مسجد أمام المصلّين، أو في صحيفة الشّعب، وفي الحديث الشّريف: (بحسب المرء من الكذب أن يُحدِّثَ بكلِّ ما يسمع).
وإنّما قدّمتُ هذا النّقدَ وهذه الملاحظات لهدف واحد: هو الدّفاع عن الرّجال، الذين كرّسوا حياتهم في سبيل نشر العلم والإصلاح، وكذا عن رجال لهم في إقامة قواعد الإسلام قدمٌ راسخةٌ، لا ينكرها إلاّ جحودٌ مارقٌ، ولا يستصغرهم إلا حقيرٌ ذليلٌ، ومن هؤلاء الصّحابة العظماء: سيف الإسلام خالد بن الوليد، رضي الله عنه .. (ت 21هـ). (1)
__________
(1) - سرد محمود الواعي في نهاية هذه الملاحظات بعض الأعمال الجليلة لخالد بن الوليد في عهد الرّسول - صلى الله عليه وسلم -، وفي عهد ابي بكر الصّدّيق رضي الله عنه. في هذا السّرد مغازٍ كثيرة ورسائل مشفّرة ... لها علاقة بما ذكره إبراهيم رمضان في هجومه على الشّيخ بيّوض، كما لها دلالات عميقة فيما تناوله محمود الواعي في ردّه على مقارنة الخونة والحرْكة والقومية بالصّحابة، في مقابل تخوين أستاذه الشّيخ بيّوض؛ ظلمًا وعدوانًا وبهتانًا ... (1/133)
صفحة 133
الدّكتور نور الدّبن، ابن عبد الله
باتنة/: 1988م
الملحق رقم (10)
شهادة في حقّ أهل ميزاب والشّيخ بيّوض (1)
" أهل ميزاب ساهموا بكثير بأموالهم، وكلّ وثائق الولاية السّادسة تشهدُ بذلك. ومع الأسف هذه الوثائق لاتوجد بزارة المجاهدين؛ لأنّها بحوزة رجال وطنيّين لا يُريدون إعطاءها للوزارة، علمًا منهم بأنّ هناك ثوَّارًا حقيقيّين لم تعترف بهم وزارة المجاهدين، في حين أنّها اعترفت بآخرين، ليست لهم علاقة بالثّورة لا من قريب ولا من بعيد. الميزابيّون هم جزء كبير من هؤلاء الضّحايا المهضوم حقُّهم. والتّأكيد المؤكّد هُو أنّهُ لم يشهد التّاريخ لأحد من الميزابيّين بأنّهُ حمل يوما السّلاح ضدّ إخوانه الجزائريّين، كما هُو الحال بالنّسبة إلى الحركة و جيش بلّونيس. وكان المجاهدون يستعملون سيّارات الميزابيّين في عمليّاتهم وتنقّلاتهم و بعد ذلك يُعلنون عن سرقتها ...
ثمّ يواصل [صبحي حسن] قائلا: رحم الله الشّيخ بيُّوض الّذي رفض جمُلةً وتفصيلًاً عرض الجنرال ديقول، والقاضي بتقسيم الجنوب إلى دُويلات، عندما زارهُ بغرداية. وهذا بشهادة بعض الأعيان من الأغواط، بسكرة،
__________
(1) - ينظر د. صالح، ابن دريسو، الشّيخ إبراهيم في قلب الثّورة، ص: 30، 31. (1/134)
صفحة 134
البيّض، و سائر الجنوب الجزائري حيث قال لهُ بالحرف الواحد: " أُفضّلُ أن تكُون الجزائر واحدة مُوحّدة، ولا نقبلُ تقسيمها، و حتّى إذا كانت مُستعمرة تبقى مُوحّدة وأنا فيها. وإذا تحرّرت بحول الله تبقى مُوحّدة وأنا فيها حرٌّ ". رحمة الله على الشيخ بيّوض، الذي كان رجلا نبيلا، وطنيٌّا و يُحبُّ كل الشّعب الجزائري و إن أردتُم دليلاً فاقرؤوا مُؤلّفاته. لطالما حدّثني عنهُ والدي الصّحبي الحُسين - شفاهُ الله- وعن مواقفه الّتي تشهدُ لهُ بذلك عندما كان يُدرّس بالقرارة رُفقة الشيخ رحمهُ الله."
أدلى السّيّد صبحي حسن ( Sohbi Hassan ) بهذه الشّهادة تعليقا على رسالة حول أزمة غرداية، 15 جويلية 2014. ينظر صفحته الخاصّة من صفحات التّواصل.
التزاما بالموضوعية رأيت أن يكون البحث من وجهة نظر فرنسية بحتة، واعتمادنا عند الرجوع إلى بعض المؤلفات الجزائرية سيكون عرضا. وطبيعة المادة العلمية المعتمدة هي في معظمها وثائق تم جمعها من خلال مراكز أرشيف عبر كافة المناطق ومن المكتبات الخاصة. بعضها سمح لنا بتصويرها ونشرها، أو استنساخ مضمونها، وأخرى بالاطلاع عليها دون نشرها. وبعض من هذه الوثائق تحصلنا عليها برخصة، بعد الاصرار والمتابعة. وأحمد الله أن وفق من احتضن هذه المادّة طيلة هذه السنوات فوهب لها أياد تدرك قيمتها العلميّة. (1/135)
صفحة 135
( eBoxeditions) ، إي بوكس إديسيون
التزاما بالموضوعية رأيت أن يكون البحث من وجهة نظر فرنسية بحتة، واعتمادنا عند الرجوع إلى بعض المؤلفات الجزائرية سيكون عرضا. وطبيعة المادة العلمية المعتمدة هي في معظمها وثائق تم جمعها من خلال مراكز أرشيف عبر كافة المناطق و من المكتبات الخاصة. بعضها سمح لنا بتصويرها ونشرها، أو استنساخ مضمونها، وأخرى بالاطلاع عليها دون نشرها. وبعض من هذه الوثائق تحصلنا عليها برخصة، بعد الاصرار والمتابعة. وأحمد الله أن وفق من احتضن هذه المادّة طيلة هذه السنوات فوهب لها أياد تدرك قيمتها العلميّة. ابن ادريسو صالح، مفدي زكرياء من خلال تقارير الادارة الاستعمارية الفرنسية، تصدير جلبيير مينيه، ترجمة مصطفى
184 ص. صدرت النسخة الفرنسية سنة 2006،2012، ( eBoxeditions) حمودة، إي بوكس إديسي
وما يجب التنويه به أنه لم تسجل التّقارير الفرنسيّة عن أي مزابي انضمّ إلى فرق العسكر الفرنسي تحت أي شكل من الأشكال. وأثناء الثورة لم تسجل هذه التقارير أيضا عن أي المعارض لحزب جبهة التحرير. بل) MNA( مناضل مزابي انخرط في حزب الأمانا المصالي العكس، فعند استنطاقنا للوثائق يتبين لنا دور المزابيين الكبير في الجنوب في إقناع المجموعات المتناحرة للانضمام تحت لواء الجبهة، وذلك بشهادة تقارير مخابراتيّة فرنسيّة. ومن تلك التّقاريرالهامّة نقتبس ما يلي:
« Les activités du FLN se manifestent à Ghardaïa et son annexe, [ ... ], au (1/136)
صفحة 136
moment de l’implantation dans la région d’une bande rebelle, commandée par un nommé Si Meziane, ayant grade de commandant dans la rébellion et dissident du MNA [ ... ] Si Meziane vient de Tadjrouna, avec une bande d’environ quatre vingt dix hommes, [ ... ] Bien que la population soit de tendance MNA la présence du dissident Meziane apporte une autorité certain aux quelques adeptes du FLN pour la plupart Mozabites et ce sont eux qui exploitant adroitement les éléments actifs du MNA [ ... ] en font de veritable agents FLN. L’organisation prend dès lors une importance qu’elle n’avait jamais eue dans ces territoires du Sud. [ ... ]
La puissance de l’organisation réside dans les moyens financiers considérables dont disposent les dirigeants, surtout mozabites, dans l’appui d’une bande armée évoluant à proximité des rares localités de l’annexe et dans le nettoyage du MNA qui lui procure les terroristes [ ... ]
Cependant, à la lumière des déclarations faites par les individus déjà arrêtés, il apparaît qu’une confusion existe dans les esprits de la population. On peut en effet remarquer que beaucoup de militants MNA, arabes, se sont trouvés à leur insu imbriqués dans une organisation FLN. Cette manoeuvre est le fait des
éléments mozabites liés au FLN. Ce sont ces derniers qui ont utilisés des
militants « de choc » du MNA pour servir les intérêts du FLN .. [ ... ]». (Rapport, n° 30753 - 2, Ghardaïa, 14 octobre 1957). (1)
المصادر والمراجع
أبو العلا، محمد بن سليمان
أ – صفحات من الكفاح لمجاهدي القرارة في الثّورة التّحريريّة، ط1، نشر جمعيّة التّراث، القرارة، غرداية، الجزائر، 1427هـ/ 2006م.
ب - صفحات من الكفاح، (خاصّ بالشّيخ بيّوض والاستعمار الفرنسي في الجزائر)، ط1، نشر جمعيّة التّراث، القرارة، غرداية، الجزائر، 2012م.
ابن دريسو، صالح بن (دكتور)
__________
(1) - الشّيخ إبراهيم بيّوض في قلب الثّورة، ص: 15، 16. (1/137)
صفحة 137
الشّيخ إبراهيم بيّوض في قلب الثّورة ( Cheikh B. Bayoud Au coeur de la revolution ... © 01/ 2015 ... ، نشر ( eBoxeditions) ، إي بوكس إديسيون، باريس Paris, 2015, p; 13.
ابن عبد الله، نور الدّين (دكتور)
ملاحظات على ملاحظات (تفرير مخطوط)
ابن يوسف، ابن خدّة
شهادة في حقّ الشّيخ بيّوض (مخطوطة)
أوعشت، بكير بن سعيد
الإمام بيّوض وجهاده الإسلامي في الجزائر، المطبعة العربيّة غرداية (الجزائر) سنة 1987م.
بيّوض، إبراهيم بن عمر (شيخ)
أ - أعمالي في الثّورة (مخطوط).
ب - أعمالي في الثّورة، نشر جمعيّة التّراث، القرارة، غرداية، الجزائر، 1990.
خبزي، أحمد بن عيسى
شهادة في حقّ جهاد الشّيخ إبراهيم بيّوض
دبّوز، محمد علي (شيخ)
أ - نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، ج3، ط1، المطبعة العربيّة (الجزائر) 1969.
ب - أعلام الإصلاح في الجزائر (1921 - 1975)، ج2، ط1، مطبعة البعث، قسنطينة (الجزائر) سنة 1976م.
جـ - أعلام الإصلاح في الجزائر (1921 - 1957)، ج4، ط1، مطبعة البعث، قسنطينة (الجزائر)، سنة 1980
د - أعلام الإصلاح في الجزائر (1921 - 1975)، ج5، ط1، مطبعة البعث، قسنطينة (الجزائر)، 1982م.
سعد الله، أبو القاسم (دكتور)
أ - الحركة الوطنيّة الجزائريّة (1900 – 1930م)، ج2، ط2، نشر نعهد البحوث والدّراسات العربيّة، القاهرة، 1977م.
الحركة الوطنيّة الجزائريّة، (1900 – 1930م)، ج3، ط3، المؤسّسة الوطنيّة للكتاب، الجزائر، 1986م. (1/138)
صفحة 138
العسلي، بسّام
عبد الحميد بن باديس وبناء قاعدة الثّورة التّحريريّة الجزائريّة، ط2، دار النّفائس بيروت، سنة 1986م.
عيسى، حمّو بن محمدالنّوري (شبخ)
أ - دور الميزابيّين في تاريخ الجزائر قديما وحديثا، المجلّد الثّاني، دار الكروان، باريس، 1984م.
ب – تاريخ حركة الإصلاح بوادي ميزاب، أدوارها في الحياة العلميّة والسّياسيّة والاحتماعيّة (محاضرة) ..
فخّار، حمّو بن عمر (شيخ)
إبراهيم بن بابا بوعروة (الشّيخ بابا ثامر) حياته وآثاره، إعداد وتقديم وتخريج الدّكتور مصطفى صالح باجو، نشر جمعيّة التّراث، القرارة، غرداية، الجزائر، 2003م.
لمسن، النّاصر بن بابا (أستاذ)
دور الميزابيّين في الثّورة التّحريريّة بمدينة العلمة، نشر جمعيّة التّراث، القرارة، غرداية، الجزائر، (د. ت).
ناصر، محمد بن صالح (دكتور)
أ - الشّيخ إبراهيم بن عمر بيّوض مصلحًا وزعيمًا، مكتبة الرّيّام، الجزائر، (د. ت).
ب - مشائخي كما عرفتهم، ط2، دار ناصر للنّشر والتّوزيع، الجزائر، 1434هـ/ 2013م.
تقرير وفد المجلس الإسلامي الأعلى، الموفد من وزارة الأوقاف إلى وادي ميزاب، في سبتمبر 1967م.
في رحاب القرآن الإما الشّيخ إبراهيم بن عمر بيّوض، (مهرجان ختم تفسير القرآن الكريم، وتأبين الشّيخ بيوض)، جمعيّة التّراث، العطف، الجزائر، سنة 1989م.
الملتقى الأوّل لفكر الإمام الشّيخ إبراهيم بن عمر بيّوض، القرارة: 8، 9 من محرّم، 1421هـ/ 13، 14من أفريل 2000م. نشر جمعيّة الحياة، القرارة، غرداية، الجزائر، 2002م.
الجرائد والمجلاّت (1/139)
صفحة 139
جريدة الشّباب، (معهد الحياة)، القرارة، الجزائر، عدد: 115، يوم: 03/ 04/1931م
جريدة الشّعب (الجزائر)، عدد: 5359، يوم 22/ 01/ 1981م.
جريدة الشّعب (الجزائر)، عدد: 7327، يوم 18/ 05/1987م.
جريدة الشّهاب (قسنطينة)، الجزائر، العدد الأوّل، يوم 02/ 07/ 1925.
جريدة المجاهد، الجزائر، عدد: 113، يوم: 22/ 01/1962م.
جريدة المغرب، (أبو اليقظان)، عدد: 30، يوم: 23/ 12/1930م.
مجلّة الحياة (معهد الحياة وجمعيّة التّراث)، القرارة، غرداية، الجزائر، عدد: 18، رمضان 1435هـ/ جويليّة 2014م.
مجلّة الحياة، (معهد الحياة وجمعيّة التّراث)، القرارة، غرداية، الجزائر، عدد: 19، رمضان 1436هـ/ جويليّة 2015م.
الفهرس
مقدّمة ... 8
مرتكزات الشّيخ بيّوض في عمله السّياسي ... (1/140)
صفحة 140
17
أوّلا: الاهتمام بالشّباب إعدادا وتوجيها ... 18
ثانيا: المرونة في التّحرّك السّياسي ... 26
ثالثا: الدَّعوة إلى التَّحكُّم في المجال الاقتصادي وولوج أجهزة الحكومة 32
التّكوين السّياسي للشّيخ بيّوض وتطوّره ... 35
الشّيخ بيّوض والمجلس الجزائري ... 63
الشّيخ بيّوض والثّورة التّحريريّة الجزائريّة ... 67
أ - اتّصالاته المكثّفة بالمسؤولين في الثّورة ... 73
ب - مواقف تاريخيّة مسؤولة للشّيخ بيّوض ... 81
موقفه من قضيّة فصل الصّحراء ... 84
الخاتمة ... 100
الملاحق ... 103
الملحق: (1) بين الرّغبة في الانصاف وعقدة التّزييف والإجحاف ... 105
محمد بن قاسم ناصر بوحجام
الملحق: (2) قراءة في كتاب " أعمالي في الثّورة " ... 126
محمد بن قاسم ناصر بوحجام (1/141)
صفحة 141
الملحق: (3) انطباعات حول ملتقى تاريخ الثّورة في القرارة ... 146
محمد بن قاسم ناصر بوحجام
الملحق: (4) عبرة وذكرى في الأزمة الوزاريّة الفرنسيّة الأخيرة ... 153
أفلح (الشّيخ إبراهيم بن عمر بيّوض)
الملحق: (5) كتاب جليل ... 159
الشّيخ بيّوض بن عمر إبراهيم
الملحق: (6) شهادة في حقّ جهاد الشّيخ إبراهيم بيّوض ... 163
أحمد بن عيسى خبزي
الملحق: (7) لحظات ميلاد النّشيد الوطني ... 168
محمد عبّاس
الملحق: (8) شهادة عن دور الشّيخ بيّوض إبراهيم في الثّورة التّحريرية 176
عبد الله بن طوبال
الملحق: (9) ملاحظات على ملاحظات ... 184
الدّكتور نور الدّين، ابن عبد الله
الملحق: (10) شهادة في حقّ أهل ميزاب والشّيخ بيّوض ... 202
صبحي حسن
المصادر والمراجع
الفهرس (1/142)