صفحة 1
الكتاب: الشيخ عبد الرحمن بن عمر بكلي من خلال ندواته الفقهية وفتاواه لأحمد أوبكة
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] الشيخ عبد الرحمن بن عمر بكلي من خلال ندواته الفقهية وفتاواه
إعداد
الأستاذ: أوبكة أحمد بن عمر
بسم الله الرحمن الرحيم
سبحان الله القائل: { نما يخشى الله من عباده العلماء } (1) .
والحمد لله القائل: { قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون } (2) . ولا إله إلا الله الآمر: { فسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون } (3) . إنه هوالعليم الحكيم أراد لشريعته الخلود فأرسل محمدا صلى الله عليه وسلم يعلم الكتاب والحكمة فجعلهما تراثا لا يدانى، وتركة نفيسة لا تضاهى، يرثها العلماء ويورثونها، ويتسلمها الحكماء ثم يسلمونها، وأخذ من عباده العهود بأن يعملوا بعد أن قضى بأن يعلّموا.
وما أخذ الله العهود على الورى بأن يعملوا حتى قضى أن يعلموا
فاللهم صل على أعظم مبلغ أمرته { يأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك } المائدة 69
وسلم اللهم على أحرص مؤتمن جاهد في أداء الأمانة وأمر بتبليغها فقال:
{ بلغوا عني ولوآية } (4) .
وارض اللهم عن صحابته الذين أخذوا عنه فعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه، فكانوا من بعده مصابيح الدجى وقوابيس الهدى.
وأثن اللهم الثناء الحسن على الذين جاءوا من بعدهم تسلموا الأمانة فنقلوها ثقات ناصحين، وسلموها لمن يليهم مؤتمنين مخلصين، ورابطوا ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين.
أما بعد، فيا حماة كتاب الله، ويا أمناء سنة رسول الله الذا دين عن دين الله،السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أيها الإخوة الكرام، الذين حضرتم تقدرون مجهودات المجتهدين، وتعترفون بالفضل لذويه لأنكم أهله، وحضرتم للمشاركة تطوون مسافة الطريق سواء عندكم حزنه وسهله. ذلكم لأنكم تشعرون بأن المحتفل به أهل لأن تجشم في حقه الصعاب وأنا أشارككم هذا الشعور،
__________
(1) – فاطر: 28.
(2) – الزمر: 10.
(3) – الأنبياء7 – والنحل 43.
(4) – رواه البخاري وأحمد و الدارمي ورواه الترميذي وقال: حديث صحيح. (1/1)
صفحة 2
وأحدثكم في هذه اللحظات السعيدة عن هذه الشخصية العظيمة التي احتلت حيزا واسعا من كياني، وغمرت جزءا كبيرا من نفسي وفؤادي ألا وهوأبي الروحي وولي نعمتي وأستاذي قدس الله روحه وطيب ثراه. الشيح عبد الرحمن بن عمر بكلي.
تلكم الشخصية الفذة والرّجل الشهم الذي كنت أراه من بعيد علما يروعني شموخه، ويأخذ بمجامع قلبي رسوه ورسوخه، وكنت أراه بحرا رحب الأفق تنعكس على صفحته سيما الجلال، وتنبسط هيبته ذات اليمين وذات الشمال، غير أن بعض الذي شاهدته (1) من آثاره العالية، في شتى مجالات العلم والعمل المترامية، وما حظيت به من لقاءات
جمعتني به طيبة راقية، وما لمست فيه من أخلاق دمثة سامية، وما وجدت فيه من رقة جانب وخصوبة جناب مما وهبه الله علم وافر بالسنة والكتاب، واطلاع واسع في شتى فنون الآداب، ودراية بالمنقول ورأي حصيف في المعقول قلما يخطئ الصواب، كل ذلك جعلني أفكر في أن أقصد الدار وأطرق الباب، لا سيما وإن خصاصتي جوعا وعطشا إلى ما عند هذا الرجل الكريم أثارت في نفسي الرغبة في طلب هذه النفائس، واتباع سببها، فلم يسعني إلاّ أن ألبي لهذه الرغبة داعيها، وأيم في شغف ناديها.
فتوكلت على الله وأسرعت والأمل يحدوني والرجاء في تحقيق المأمول يفتح لي السبيل، ويشحذ من عزائمي كل كليل. وانطلقت وخير القدر يجرني إلى ندوة الإربعاء التي قضى الله أن تبرز إلى الوجود، في يومها الموعود و { الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله } الأعراف 42.
وإليكم أيها السادة الكرام عرضا وجيزا عن هذه الندوة المباركة التي تدعى ندوة الإربعاء أوإذا أردنا أن نعطي لها مدلولها الحي اللائق بها ككائن حي ينبض بالحيوية والحياة فعلينا أن نسميها (ندوة الشيخ عبد الرحمان بكلي) وهذا هوالاسم الذي يطمئن إليه القلب، وتسكن إليه النفس يوحي بشيء له قدر ونفاسة، فإلى العرض مشكورين: (1/2)
صفحة 3
أولا: سبب إنشاء هذه الندوة ومتى نشأت ومن هم الأشخاص المشاركون في تكوينها
إن الذي كنت أشعر به من رغبة في الاستزادة من فقه الشريعة، وما كان في قلبي من أمل في السير في هذه السبيل وما كان يملأ نفسي من طموح لأن أكون شيئا ما في هذا الميدان لعلي أنفع وأخدم مجتمعي نوعا ما، وما كان يجول في خاطري من أن أتوجه إلى قبلة الشيخ عبد الرحمان، كان مثل ذلك يدور في خلد أخي وصديقي المرحوم الشيخ بكير بن محمد أرشوم، فكان الاتجاه بيني وبينه في هذا الشأن – والحمد لله – واحدا والشعور بالواجب المقدس متوافقا وكنت عزمت أن أعرض عليه الأمر فسبقني إلى ذلك وما لبث أن فاتحني في الموضوع حتى كانت استجابتي طبيعية وسريعة، ثم عرضت الأمر – بدوري – مستشيرا – على أستاذنا وقدوتنا الشيخ حموبن عمر فخار – حفظه الله – وهومدير لمدرسة الإصلاح الابتدائية التي كنت ضمن معلميها فرحب بالفكرة
محبذا، وكان هوبدوره أيضا – جازاه الله خيرا – قد وجد ضالته التي كان ينشدها منذ أمد بعيد، فأعفاني من التدريس – أعفاه الله وعافاه – فاتفقنا نحن الاثنان على أن نلتقي بالأستاذ أرشوم بكير فكان ذلك يوم 15 محرم 1400 هجري.
فذهبنا ثلاثتنا إلى الشيخ عبد الرحمان وطرحنا بين يديه طلبنا ففرح رحمه الله واستبشر، ورحب وشكر، وفتح لنا ذراعيه وقلبه وأجاب بلهجة صادقة تنم عن إخلاص ووفاء وقال: إني طوع رغبتكم الغالية.
وإني سوف لا آلوا جهدا في تحقيق ما تصبون إليه، وما توفيقنا إلاّ بالله. فكان هذا الترحيب حظنا الأوفر من السعادة.فجزاه الله عنا وعن العلم والإسلام خيرا
وإذا سخر الإله أناسا لسعيد فإنهم سعداء (1) .
فالحمد لله على فضله وكرمه ورحم الله شيخنا وفتح له أبواب الفردوس الثمانية.
فجعل لنا موعدا للشروع وهوصبيحة يوم الإربعاء 22 محرم 1400 هجري / نوفمبر 1979 ميلادي.
ثانيا: مقرها: (1/3)
صفحة 4
كان في أول الأمر في مكتب الشيخ رحمه الله حيث كان يزاول نشاطاته العلمية والفكرية في دار سكناه بحي – بربورة - وسط بلدة بريان. وهذا لما كان المشاركون في الندوة قلة، ولما توسعت وانضم إليها مشاركون جدد تحول مقرها إلى محل نجله الفاضل السيد صالح بن عبد الرحمان بحي – صر عاف - من ضواحي البلد.
ثالثا: من كان يحضرها:
كان يحضرها كل من الأساتذة الشيخ أحمد بن عمر أوراغ حفظه الله، والشيخ أولاد داود محمد البرياني، والشيخ بكير بن محمد أرشوم رحمهما الله، والأستاذ أولاد داود عيسى الذي كان كاتبا خاصا للشيخ عبد الرحمان، وفي منتصف الوقت ينضم إليها كل من الأستاذين الطالب باحمد عبد الله بن الحاج صالح، ولعساكر حموبن سليمان وذلك بعد انتهاء عملهم في التدريس في مدرسة الفتح. وهؤلاء الأساتذة الفضلاء كلهم من بريان، أما من بلدة غرداية فيحضرها محدثكم أوبكة أحمد بن عمر وبعد قرابة عام من انطلاقها صار يحضرها الأستاذ ملال عمر بن سليمان ثم في يوم ... ... ... ... ... ...
انضم إليها من القرارة الأساتذة الشيخ بالحاج بكير بن محمد (باشعادل)، حشحوش مصطفى بن ... ... حدبون صالح بن احمد والشيخ بالحاج عيسى بن محمد بن بابا، ومن مليكة الأستاذان فرصوص احمد بن محمد رحمه الله وعلواني إبراهيم بن الحاج محمد، ومن الفينة إلى الفينة كان يحضرها الأستاذ الفاضل الشيخ ناصر بن محمد مرموري وغيره من المشايخ الفضلاء وأخص بالذكر منهم فضيلة الشيخ بالحاج محمد بن بابا
رابعا: أعمال الندوة:
كنا في أول الأمر نطرح أسئلة على الشيخ فنتدارسها حتى ينتهي الأمر إلى تحرير
جواب عنها. ثم تطور نظام الندوة إذ اقترح الأستاذ نفسه أن نقسم الندوة إلى ثلاث حصص: (1/4)
صفحة 5
الحصة الأولى: للسرد من كتاب فقهي وكانت رغبة الشيخ في أن نقرأ من كتاب " قواعد الإسلام " للشيخ إسماعيل الجيطالي لما يشتمل عليه من الفقه المقارن وهوالذي - أي الشيخ عبد الرحمان – حققه وعلق عليه، ولا نكتفي بسرد نصوصه فقط بل نناقش ما يلزم نقاشه حتى يتضح ويكون محتواه ميسورا، وكذلك كنا نفعل. ولهذه الحصة ساعة كاملة.
الحصة الثانية: وتدوم ساعة في دراسة الأسئلة الواردة وتحرير الجواب عنها ولربما يستغرق السؤال الواحد كامل هذه الساعة.
الحصة الأخيرة: للتاريخ يسرد علينا الشيخ ما قيده من أحداث الحركة الإصلاحية في ميزاب وفي الشمال، ويعرض علينا رسائل كانت بين المشايخ: الشيخ بيوض والشيخ أبي إسحاق أطفيش والشيخ أبي اليقظان والشيخ عبد الرحمان رحمهم الله. وقد يعوض موضوع التاريخ أحيانا بأن يسرد علينا الشيخ كتابات أسماها " التقاييد الفقهية " وهي عبارة عن مسائل فقهية قيدها وضبطها أثناء أبحاثه وتأليفه. وقد كان حظنا نحن الطلاب الاستفسار عما أشكل علينا فيها لمزيد معرفة وبيان وقد يصل بنا الأمر إلى مناقشة بعضها فيستعجلنا الشيخ ويرجومنا عدم النقاش ويستحثنا للجد في سردها رغبة منه في أن يطلعنا عليها ونأتي عليها كلها وكان يقول لنا من حين لآخر متى ننتهي منها إذا بقينا مع هذا النقاش، وكذلك حصل فقد عاجله القدر المحتوم ليلتحق بالرفيق الأعلى ولما ننته من قراءتها، ولقد كانت لعمري مفيدة جدا وشيقة ولا بد وأن أبناءه الكرام الفضلاء قد وضعوها في موضعها اللائق بها والذي تستحقه من حفظ وصيانة ضمن وثائقه وكتاباته الغالية الثمينة.
خامسا: كيف كان الشيخ يناقشنا في المسائل المطروحة:
ما كان رحمه الله يلقي علينا الأجوبة جاهزة وما كان يترقب أن نتقبلها كقضايا مسلمة حتى المسائل التي درسها من قبل وحررها ثم نشرها سواء في فتاواه التي سماها
" فتاوى البكري " أوفي التعاليق التي رصع بها كتاب " قواعد الإسلام " وكتاب " النيل وشفاء العليل". (1/5)
صفحة 6
وكثيرا ما تكون هذه المسائل موضع نقاش ومحور دراسة في جل ندواتنا كما سيظهر لكم فيما يأتي وذلك ليدربنا على منهجيته، ويعودنا على اتباع طريقته.
وعلى الرغم من علوكعبه كان رحمه الله يتواضع وينزل إلى مستوانا ويجرنا متعمدا إلى حلبة النقاش مثل الند للند فنتباحث معه كأن لم يكن ملما بالمسألة قط. وكان يلتزم منهج المربي الخبير والمدرب الحاذق إذ يسايرنا ويجارينا أويداورنا أويعاكسنا ثم يمسك بأيدينا مثلما يمسك الكبير يد طفل صغير بدأ يدرج ليدربه على المشي، كل هذا في رحابة صدر وطيبة نفس، وبدون أن يقلق أويضجر ولوراجعناه في المسألة مرارا.
سادسا: حرية رأيه واحترامه آراء الآخرين:
كان رحمه الله حرا في آرائه وفتاواه فهويصدر عن قناعة لما يراه الحق والصواب بعد إمعان نظر وتنقيب عميق وفحص دقيق، مع احترام آراء الأئمة الإعلام وأقوالهم، وما حرروه وقرروه من غير أن يتنقص من قدر أحد منهم، أويجرحه، وقد كان يلتمس المبررات لمن خالفه في رأيه الخاص أوفي المذهب بصفة عامة، وهولا يقطع عذر أحد وحتى في الاختلاف الموجود طبيعة بين المذاهب الإسلامية كان طبعه فيه الإعذار لا التخطئة فلنأخذ نموذجين هما برهانان صادقان لما نعت ووصفت:
الأول: يقول الشيخ إسماعيل الجيطالي في كتابه قواعد الإسلام بالطبعة التي حققها الشيخ عبد الرحمن بنفسه , يقول أي الشيخ إسماعيل: واختلفوا –أي علماء المذهب – فيمن تقلد باسم من أسماء أهل الخلاف فحكى عن ابن خزر (يغلا بن زلتاف) إنه قال: من تبرأ منه فلم يظلمه. إ هـ (1) . (1). (1/6)
صفحة 7
فيعلق الشيخ عبد الرحمان على هذا الحكم قائلا: (يظهر أن الإمام أبا خزر كان شديد الحنق على مخالفيه حتى اعتبر من حكم بالبراءة على من تقلد باسم من أسمائهم غير ظالم له ... ... .. ثم يقول: ونحن إذا بحثنا عن سر هذا الحنق وجدناه والله أعلم يرجع إلى تأثير البيئة. ذلك أنه عاش في عصر العبيدين الذي بلغ فيه التعصب المذهبي أشده. وعومل فيه الاباضية معاملة المارقين من الدين تزلفا من مخالفيهم للجورة. ومماثلة لهم على سياسة الإبادة التي انتهجتها الدولة العبيدية في حقهم، الأمر الذي حمل الإمام أن يقسومع مخالفيه ويقابل بالتخطئة من بدأ بها والبادئ أظلم، وإلا فليس من شأن الإباضية ولا من مبدئهم التهجم على من خالفهم في الرأي إلا أن يكون هوالبادئ بالتخطئة ... . إلى أن يقول نقلا عن الإمام السالمي من كتابه تحفة الأعيان في ملوك وأيمة عمان)
في معرض الكلام على عقيدة الإباضية: ليس من رأينا – والحمد لله – الغلوفي ديننا، ولا الغشم في أمرنا، ولا التعدي على من خالفنا: الله ربنا ومحمد نبيئنا والقرآن إمامنا والسنة طريقتنا وبيت الله الحرام قبلتنا والإسلام ديننا ... .إلخ ... ... ..إلى أن يقول الشيخ عبد الرحمن رحمه الله: وبعد فما أحوج الأمة الإسلامية سيما في عصرنا وقد تداعت عليها الأعداء من كل حدب وصوب، أن تتغاضى عن تجريح بعضها وتتعالى عن المناقشات والمهاترات التي لا تزيد أوصالها إلا تفكيكا وكلمتها إلا انقساما، ولتكثف مع بعضها بمبدأ التوحيد الذي يجمع بينها، وتعمل يدا بيد لتوحيد صفوفها وصد هجمات عدوها المشترك عساها أن تسترجع بذلك ما ضاع لها من عزة ومجد، أوتحافظ على ما بقي لديها من تراث على الأقل، هدى الله المسلمين لما فيه خيرهم وعزتهم.اهـ مصححه.
سابعا: إنصافه واعتداله واعتذاره للأيمة السابقين وانتقاده عليهم. (1/7)
صفحة 8
وهذا الفصل تتمة لما قبله كان دأبه رحمه الله رأب الصدع للأمة الإسلامية، وجمع شملها والقضاء على ما من شأنه يثير الفتنة والشنآن. وموقفه إزاء الأقوال التي دونت في كتب الفقه قديما تحت ضغط مؤثرات سيئة عبر تاريخ قاتم مما يؤرث العداوة بين المسلمين، موقفه من ذلك موقف العاذر والمنتقد معا في آن واحد، ينتقد ما ذهب إليه أولئك العلماء والأئمة من قساوة في الحكم. ويعتذر لهم اعترافا لمكانتهم وصونا لكرامتهم، ويبين على ضوء ما درسه في التاريخ الذي كان له منه حظ وافر، أنهم ألجئوا إلى ذلك إلجاء واضطروا إليه اضطرارا ثم هويبرئ أثناء ذلك المذهب الإباضي مما ليس من شأنه ولا من طبيعته.
فإلى النموذج الثاني:
يقول الشيخ إسماعيل صاحب القواعد وفي جوا بات أبي المؤثر قال: الفقير الفاسق من أهل دعوة المسلمين أحق بها – أي الزكاة – من أهل الفضل والفقه من قومنا. ا هـ
فيعلق الشيخ المصحح قائلا: هذا القول قد قيل فيما يبدوتحت تأثير البيئة التي كان يعيش فيها يومئذ، وما كان يلاقيه هووأمثاله من سوء المعاملة، فقد عاش في حقبة مني فيها عمان بفتنة القرامطة الملحدين المارقين من الدين. استفحلت نزعتهم واشتدت وطأتهم فعاثوا فيه فسادا وذاق أهله منهم الأمرين فلا جرم أن يكونوا هم المعنيين بهذه القولة ثم لا جرم أن يقدم على أحد هؤلاء المارقين، وفيهم ذووالفضل والفقه بالنسبة إليهم فاسقا من أهل الدعوة بيد أن كلمته تعم ولا تخص هؤلاء المبتلى بهم، فليس كل مخالف كذلك، وإن فيهم لمخافظين ورعين لا يقصدون فيما ذهبوا إليه محادة غيرهم ولا تخطئته.أنفضل عليهم في استحقاق الزكاة فاسقا فاجرا يحارب الله ورسوله وإن انتسب إلينا زورا ؟ كلا ! (1) . (1).
فرحمك الله من مطفئ الفتن، مزيل للإحن ناشر للسلام بين أبناء الإسلام.
ورحمك الله من رجل لا يرى غير الصلاح ميزانا، ولا غير التقوى عنوانا. (1/8)
صفحة 9
اضمحلت أمام عينيه الفروق المجحفة، وأنارت بصيرته شمس الحق المنصفة.
ثامنا: تمسكه بالمذهب وعدم تخطئته للمذاهب الأخرى.
كان رحمه الله متمسكا بالمذهب الإباضي وكان يترسمه ولا يحيد عنه، ويعتز به وبقواعده، وكان رحمه الله ذا نظرة واسعة إلى الأمة الإسلامية، ينظر إليها نظرة شمولية – على الرغم من تعدد مذاهبها – ويراها تستظل كلها تحت مظلة الدين الواحد تجمعها كلمة التوحيد وعبادة إله واحد، واتباع رسول واحد، والأخذ بكتاب واحد، والاتجاه إلى قبلة واحدة، لذلك نجد موقفه من المسائل الخلافية بين المذاهب الإسلامية موقف غير متعصب، فهوينأى عن التعصب والغلوبل يأنف من ذلك، ويعده نقيصة ما كان ينبغي لعالم مسلم أن يتصف بها. والنموذج لذلك هو:
إنه سئل رحمة الله عليه عن حكم رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام وعن القبض في الصلاة – وهولا يرفع ولا يقبض – فأجاب بما يلي:
''' المسألة خلافية بين المذاهب، ولا يحق للمسلمين أن يتنازعوا في مسألة كهذه، ولا أن يعيب بعضهم على بعض، فالصحابة رضوان الله عليهم تفرقوا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأمصار، وكل روى ما سمع وما شهد، ولربما سمع أحد وشاهد ما لم يسمعه ولم يشاهده الآخر، وكلهم عدول وما صح عند أحد عمل به.''' اهـ. (1) . (1)
تاسعا: تواضعه في بحثه عن الحقيقة. (1/9)
صفحة 10
ما كان رحمه الله يستغني برأيه أوبعلمه ليجيب عما يرد عليه من أسئلة شرعية، وقد تكون معقدة – لا سيما مسائل المعاملات المالية – وعلى الرغم من سعة اطلاعه وغزارة علمه، وعمق نظره، كان يجمع عدة قضايا فيذهب بها إلى الإمام الشيخ بيوض رحمه الله ليدرسها معه وليتبادلا وجهات النظر فيها، وقد يتوصلان في دراستهما إلى نتيجة واحدة، ولربما تختلف وجهات نظريهما فيصدران حكمين مختلفين – أي يستقل كل منهما بحكمه – وهذا لا يقع إلا نادرا. ومع كل هذا كان يقدر للشيخ بيوض مقامه وقدره ويعترف له بالإمامة في العلم وكثيرا ما كان يقول: إن للشيخ بيوض نظرا عميقا وتفكيرا سديدا ورأيا حصيفا كل ذلك بالإضافة إلى غزارة علمه وسعة اطلاعه. نموذج لذلك:
منحة الوفاة LE CAPITAL DE DECE التي يعطيها صندوق التأمين إثر وفاة المؤمن. من هوأحق بها ؟ هل زوجة المتوفى إن كانت له زوجة ؟ أم والداه ؟ أم سائر ورثته ؟
أما الشيخ بيوض فيرى أنها تعطى لمن أرسلت إليه باسمه، فهي أمانة تؤدى لأهلها.
أما الشيخ عبد الرحمان فيرى أن هذه المنحة من حق كل الورثة وتعتبر من متروك الهالك إذ كان هوالمتسبب فيها وهوالذي جرها إليهم فهي كالدية سواء بسواء.
عاشرا: دقة ملاحظاته وإصدار فتاواه على ضوء الواقع ومراعاة صلاح المجتمع.
إليكم نموذجين يتجلى فيهما ذلك:
هناك تراتيب اجتماعية وضعها الأوائل في وادي ميزاب منها ما هوللمحافظة على حقوق المرأة التي هي شطر المجتمع بل ركيزته حتى لا تضيع ولا تكون مغلوبة على أمرها إذا أراد الرجل أن يفرض عليها ما لا يلائمها استغلالا لضعفها واعتمادا على قوته.
النموذج الأول:
أ – لتحافظ المرأة على وضعها في المجتمع الميزابي فإن لكل امرأة تقدم على الزواج أن (1/10)
صفحة 11
تشترط شروطا على زوجها عند عقد النكاح، وهي شروط مضبوطة ومتفق عليها، ومقررة من قبل السلطة الدينية العليا لوادي ميزاب التي تتمثل في هيأة (مجلس عمي سعيد).وهي أيضا محفوظة لدى الجميع حتى أنها تسمى " شروط بنات عمها "
من هذه الشروط: أن لا يتزوج عليها ولا يتسرى ولا يغيب عنها أكثر من عامين (أومن ثلاث سنين)، وأن لا يخرجها من بلدها الذي ولدت فيه وأن لا يرتكب محرما شرعا. فإن فعل – أي الزوج – شيئا من ذلك فقد ملكت طلاقها بيدها متى شاءت طلقت نفسها ولا يضرها الانتظار.
فهنا نرى الشيخ رحمه الله يعترض على هذا الشرط الأخير وهو: أن لا يرتكب محرما شرعا – وكثيرا ما ولأد نى مناسبة في جلسات الندوة ويعترض ويشتد في الاعتراض، ويستنكر هذا الشرط أيما استنكار، ويتكلم بكل حدة قائلا: إن المرأة التي تشترط هذا الشرط إنما تتزوج بإنسي وليس بملك معصوم، وإن الولي الذي يزوج وليته إنما يزوجها من إنسان مجبول على الخطأ. ونحن نعلم أن هناك من الأفعال والأقوال ما هومحرم بإجماع، وهناك ما هومختلف في تحريمه. وما ضابط هذا المحرم شرعا، أولا يكون مرتكبا لمحرم شرعا إذا كذب ؟ أواغتاب أحدا ؟ فهل تصبح مالكة لطلاقها إذا ارتكب إثما مثل هذا ؟ لا سيما إذا كرهت زوجها، ولا تريد أن تختلع منه فهي تتربص به وتنتظر منه سقطة ما لتتخلص منه ؟ بدعوى أنه أخل بأحد الشروط التي اشترطت عليه وقد يعمل الزوج عملا غير محرم شرعا لكن المرأة أوأولياؤها يعتبرونه محرما لأنه يخالف بعض العادات أوالتقاليد الموروثة أويمس عواطفهم المنحرفة فيحصل منهم بسبب ذلك نفس الموقف – وقد حدث مثل هذا – فعلا. وعلى ضوء هذا يبدي رحمه الله رأيه ويقول: نعم إن من حق المرأة أن تشترط شروطا لتحافظ على حقوقها، ولكي لا يلحقها الضرر، فلها أن تشترط على زوجها أن لا يرتكب محرما مما يضرها أويضيعها
ويبين هذه الموبقات التي تتضرر بها إن ارتكبها زوجها ويحصرها في خمسة أمور: (1/11)
صفحة 12
القتل - الزنا - شرب الخمر - السرقة - القمار .
ولكل من هذه الموبقات تأثير بالضرر على الزوجة فتضيع هي وأولادها إن كان لهما أولاد.
أ – القتل: إما أن يعدم أويودع السجن فتضيع هي.
ب -الزنا: وما في معناه يجلب إليها بسببه الأمراض الناجمة عن هذه الفاحشة.
ج - شرب الخمر: يأتيها زوجها سكران فيقوم بتصرفات شائنة وقبيحة ومرعبة، فتتضرر بتلك التصرفات نفسيا أودينيا أوعقليا، ولربما يصل به الحد إلى ضر بها وناهيك عن إضاعة المال وتضييع العيال، وفي معنى الخمر التدخين الذي يضر بصحته وصحتها وصحة أولادها، والمخدرات أدهى , وأمر وفي كليهما الشر والدمار الشيء الذي يعرضه أيضا لإتلاف المال وإلى القعود عن العمل فيتركها للفقر والاحتياج
د-السرقة: يطعمها الحرام ويخل بشرفه وشرفها.أويودع السجن فتضيع هي وأولادها
هـ – القمار: لما فيه من إتلاف الثروات والتعريض للفقر المذقع، ولربما يصل به الأمر إلى مصادرة مسكنه فتبقى للعراء تلتحف الفضاء وتتوسد الثرى.
خلاصة القول: هي إنه يرى رحمه الله أن للمرأة أن تشترط عدم تعريضها للضياع في دينها وجسمها وشرفها. وليس كل المحرمات يمس ارتكابها شيئا من ذلك بل بعض من التي سبق ذكرها فقط.
وذلك لأنه يحرص كل الحرص على المحافظة على بناء الأسرة والتفادي من تفككها وحل رباطها.
ويجرنا الكلام على هذا الحرص والابتعاد عن تفكيك رباط الأسرة ميله إلى اعتبار خلع المرأة من زوجها فسخا لا طلاقا مستندا إلى قول ابن عباس وجابر بن زيد، ويدل لهذا تعليقه الذي جاء به في كتاب النيل للشيخ عبد العزيز الثميني في باب الخلع (1) . حيث استعرض القول بأن الخلع فسخ لا طلاق، ولم يسق ما يناقضه. وفي مفهومي كأنما ينتصر لهذا القول ويميل إليه فتأمل ! ! ! بل وكثيرا ما يظهر استحسانه لهذا القول وذلك لتقليل فرص الفرقة وتوفير أسباب المحافظة على كيان الأسرة.
__________
(1) – – عبد العزيز الثميني كتاب النيل وشفاء العليل 2 / 423 – 424. (1/12)
صفحة 13
ب – إذا أصدر فتوى فلا ينظر فيها إلى الجانب الشرعي فقط بل ينظر أيضا إلى الجانب الإجتماعي والأخلاقي والصحي كذلك. ينظر إلى المسألة نظرة شاملة بحيث لا يترك في فتواه فراغا اجتماعيا أوأخلاقيا وحتى صحيا، وهذه الناحية لها ارتباط وثيق بالذي سبقتها. وإليك نموذجا من ذلك:
رأيه في حبوب منع الحمل مثل رأي سائر العلماء المحققين، يقول رحمه الله: إن كان تعاطيها لتحديد النسل فلا تجوز قطعا، ويستشهد بقوله تعالى: { ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطئا كبيرا } (1) .
وإن كان استعمالها لتنظيم النسل لضرورة قاهرة ملحة. إما لضعف جثماني في الأم أولفقر مذقع، فلا بأس لكن بشرط رضى الزوجين وبراءة الرحم، مع العلم أن هذه الأقراص تحدث أثرا سيئا في صحة المرأة وفي حالتها النفسية وفي المجتمع، لأنها تعين على انتشار البغاء والخيانة في العرض والشرف فلتتجنب قدر الإمكان، وعلى الدعاة المرشدين تشديد النكير على استعمالها والتنفير منها حتى تضيق دائرة المفاسد. فنرى أنه يحكم بالإباحة في هذه المسألة لكن إباحة مقيدة بقيود معقولة يتفهمها كل منصف لبيب(انظر فتواه في الموضوع الجزء 1 من فتاوي البكري الصفحات من 287 – 290) يتبين لك من خلالها نظرته.
الشاملة والعميقة في مثل هذه القضايا التي قد يراها بعض الناس أوالمفتين – سامحهم الله - أمورا بسيطة فيفتون فيها بحلال أوحرام، بيجوز أوبلا يجوز من غير تروولا إمعان فكر ولا نظر إلى النتائج والعواقب.
حادي عشر: مسلكه في الإجابات على الأسئلة التي ترد عليه
__________
(1) – (2) الإسراء: 31 (1/13)
صفحة 14
إن ردوده وأجوبته مرنة لينة بعيدة كل البعد عن الغلو، لا يعنف فيها السائل ولا يقنطه مهما بلغت فداحة جريمته وعظم خطيئته، ولا يهول عليه الأمر فهورحمه الله يفتح له أبواب الإنابة واستدامة التوبة، ويلتمس له المخارج وأسباب النجاة، ثم هولا يألوا جهدا في وعظه وإرشاده وتذكيره في ثنايا إجابته وقد يقترح حلولا – في جوابه – إذا كان السؤال يتعلق بقضية فيها مشكلة بين الأطراف.
وإليكم النموذج تحت عنوان: القمار والتنصل منه
السؤال – 1 – إنسان تاب إلى الله وقد كان مولعا بالقمار، وربح منه أموالا طائلة أنفقها في قوت عياله وبناء مسكنه وشراء بعض متطلبات الحياة العصرية ووسع بالباقي تجارته فهويسأل كيف يتحلل من تبعاته ؟
السؤال –2 – تقامر اثنان على حوزة نخيل فتقمر (1) . (1) أحدهما الآخر واعترف له صاحبها بها أمام القاضي على أنه اشتراها منه ودفع له ثمنها ثم إن المقامر عاوده رشده فأراد أن يتنصل لكن قانون الثورة الزراعية حال بينه وبين إرجاعها فكيف يكون خلاصه؟
الجواب – 1 – ما أحسن الرجوع إلى الله واستعتاب المخطئ مما فرط منه أيام انحرافه بعد أن توغل وبالغ في الانتفاع مما استولى عليه من مال غيره بالباطل ورغم ذلك لا يمكن أن يوصد في وجهه باب التوبة. وعليه فلا بد لتتم توبته وتقبل إن شاء الله أن يتحلل من حقوق العباد بأن يستسمح أصحابها ويستبرئهم مما استولى عليه من أموالهم على سبيل القمار أيام فجراتهم. فإن أبرأوه فذاك وإلا أرجع إليهم ما ربحه منهم في القمار فإن كان عددا معلوما وأصحابه معروفين أرجعه إليهم أوترضاهم ببعضه، واستصفحهم في الباقي. أما إذا كان مجهولا عدده مجهولا أصحابه فتوبته أن يكثر من الصدقات على الفقراء بنية التنصل من أموال الناس، ويكثر البذل في المشاريع الخيرية العامة (1/14)
صفحة 15
عملا بقوله: ( واتبع السيئة الحسنة تمحها) (1) . (2) فليستغفر الله مما أكل من السحت وأطعم به عياله، فقد جنى عليهم إذ غذاهم بالحرام ويسرهم بذلك للعسرى لقوله: (كل لحم نبت من سحت فالنار أولى به) (2) . (1). فعسى الله إن فعل أن يتجاوز والله عفوغفور.
هذا وإن هناك من العلماء من يرى أن يتصدق بذلك على الفقراء رأسا سواء كان أصحابه معلومين أومجهولين كما أفتى بذلك بعض المحققين في مهر البغي وهو وجيه لما فيه من قمع الفساد ونفع صالحي العباد والله أعلم (3) . (2)
الجواب – 2 - (3)
وهذا نموذج آخر بين المكري والمكتري يقترح فيه حلولا لمشكلتهما.
نص السؤال: إنسان اكترى دكانا كراء مطلقا يعني أنه لا يخرج منه ما دام يؤدي معلوم كرائه وبعد مدة باع صاحب الملك ملكه على شرط أن يسلم فارغا فقبض شطر الثمن وأجل الشطر الآخر ليوم تسليم المحل فلما حاول البائع من مكريه إخلاء الدكان ليسلم الملك فارغا امتنع عن الخروج مستمسكا بحقه في الكراء بل قال له أنا مستعد أن أقبل منك الملك بمثل ما بيع به غير أن البائع أصر على التزام كلمته وأصر المكتري على عدم الخروج ... ... . واصبح المكتري يشغل الدكان ولا يدري لمن يدفع كراءه، أيدفعه لمالكه القديم وقد باعه أم للمشتري الجديد وقد اشترط خروجه ؟ وعليه فهل له حق الاستمساك شرعا وما هوحل المشكل ؟ (4) . (4) (1/15)
صفحة 16
أنقل جوابه هنا بتصرف وإيجاز، قال رحمه الله: يبدولي والله أعلم أنه لا حق للمكتري أن يستمسك بحق الكراء والمسلمون على شروطهم ... ... ..أما أولا فلأن صاحب الملك لا يمنع من بيعه متى شاء ... ... .. وأما ثانيا فلأن اكتراءه الدكان كراء مطلقا لا يخول له حق الاستمساك، لأن هذا الاطلاق مقيد بدلالة الاقتضاء يعني ما دام الملك في حوزته، أما وقد باعه فلن يمكن أن يواصل إكراء مالا يملك وعليه فلا بد من تسوية النزاع عن طريق المفاهمة وتنازل أحد الجانبين عن بعض حقه إما أن يستقيل البائع المشتري فيقيله ويرد إليه ما قبض منه من ثمن المبيع ... ... وإما أن يتنازل المشتري عن شرط تسليم الملك إليه فارغا فيصبح الأمر بين المالك الجديد وبين المكتري مباشرة إن شاء أبقاه وإن شاء أخرجه، وهذا الحل الأخير أقرب الحلول عندي أما إذا أصر كلا الجانبين على نظريته فإن القضية تتعقد وينتهي أمرها إلى التحاكم أمام المحاكم الشرعية.
ثاني عشر: درايته بالكتاب والسنة وتعامله معها بصفته فقيها
مما أثر عن أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة رحمه الله قوله: (كل صاحب حديث ليس معه إمام في الفقه فهوضال لولا أن من الله علينا بجابرين زيد لضللنا) (1) . (1). (1/16)
صفحة 17
فالمقصود من هذا القول أنه يجب أن تكون للسنة مفاتيح لفتح مغاليقها. وإن هذه المفاتيح بين أيدي أيمة الفقه الملمين بالأحوال والظروف والمتمكنين من معرفة مقاصد الشريعة الغراء، والمدركين لروحها السمحة الذين لا يجمدون على ظاهر النص، ولا يحصرون أنظارهم في حرفيته فمع دراية شيخنا بالكتاب والسنة دراية جيدة فهوإلى جانب ذلك فقيه يجتهد فيما فيه مجال للاجتهاد فهوإذا تناول بحث مسألة يتخذ الكتاب والسنة قاعدة صلبة لبحثه ثم ينظر في ملابسة المسألة وظروفها، ويعلل ويقيس النظائر بالأشباه إن دعته الحاجة إلى ذلك، وينظر في مقصد الآية أوالحديث اللذين ورد فيهما الحكم، ثم لا يهمل ما حرره الفقهاء في نفس المسألة أوالنازلة أوفيما يماثلها, فيستأنس بأقوالهم وآرائهم وفي أغلب الأحيان يعتمدها ويفتي بها ويتحاشى في أبحاثه الخوض في الخلافات العقيمة والافتراضات التي لا طائل تحتها لذا نجد فتاواه رحمه الله مركزة ومضبوطة واضحة وموافقة للشريعة السمحة تتسم بالتيسير فيما فيه مندوحة وسعة للتيسير , وبعدم التهاون فيما أحكمت للشريعة إغلاقه ولا يعنيه أن يشق هذا على السائل المستفتي أويسره ذلك ويعجبه
ثالث عشر: احترامه البالغ للعلماء وتقدير لمجهوداتهم
يحترم –رحمه الله- الأيمة الأعلام ويعترف لهم بالفضل , ويعتمد أقوالهم كما أسلفت أن ذكرت حتى أنه ليتخذ أقوالهم حجة فيما لم يتبين له فيه دليل من الكتاب أوالسنة أوالإجماع. سألته رحمه الله مرة عن الدليل في مدة النفاس من السقط كما هومقرر في كتب الفقه عندنا فأطرق هنيهة ثم رفع رأسه ونطق بهذا البيت من الشعر وهويبتسم
وإذا لم تر الهلال فسلم لأناس رأوه بالأبصار (1) .
ويعني بذلك لعلهم أطلعوا على دليل لم نصل إليه ولم نطلع عليه أووفقوا إلى استنباط هذا الحكم أوالتوصل إليه بطرق استقرائية يقرها العقل وقواعد الأصول وهكذا يلتزم هذه القاعدة.
رابع عشر: لا يتمسك بقول مرجوح ويهمل القول الراجح (1/17)
صفحة 18
إذا كان قول راجح خارج المذهب يؤيده الكتاب أوالسنة لا يجد غضاضة في اعتماده أوالميل إليه. ودائما من غير أن يخطئ صاحب القول المرجوح والنموذج لذلك تعليقه على نصاب البقر إذ أن الشيخ الجيطالي يقول: وأما نصاب البقر فهوعند أصحابنا كالإبل حذوالنعل بالنعل ... .. ثم يقول: وأما مخالفونا فوجدت في أكثرهم أن نصاب البقر في كل ثلاثين بقرة تبيع أوتبيعة وفي كل أربعين مسنة وأسندوا ذلك إلى النبي.
وهنا يعلق الشيح عبد الرحمن على هذا القول ويتبين للقارئ ميله إلى ما نقله الشيخ الجيطالي عن المخالفين ونستنشف ذلك من العبارات الآتية:
أ العبارة الأولى حيث يؤكد هذا القول لماثبت في صحيح السنة ويصدر كلامه ب(نعم): نعم عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أن النبي
بعثه إلى اليمن فأمره أن يأخذ من كل بقرة تبيعا أوتبيعة ومن كل
أربعين مسنة ... الخ
ب العبارة الثانية نجد يتأيد بما جاء في في سبل السلام عن الصنعاني إذ يقول: قال بن عبد البر لا خلاف بين العلماء أن السنة في زكاة البقر على ما في حديث معاذ وأنه النصاب المجمع عليه ... .. وفيه خلاف للزهري فقال يجب في كل خمس شاة قياسا على الإبل , وأجاب الجمهور أن النصاب لا يثبت بالقياس
ج - العبارة الثالثة: وبأنه روي ليس فيما دون ثلاثين بقرة شيء وهو
وإن كان مجهول الإسناد فمفهوم حديث معاذ يؤيده (1) .. (1)
وبيانه هذا وبهذه الجدية دليل على وجاهة هذا القول عنده في كل
ثلاثين تبيعا أوتبيعة ... وميله إليه وإن لم يصرح به.
خامس عشر: مطابقة آرائه الفقهية للعلم الحديث والطب واعتماده عليهما في تحرير مسائله.
نموذج ذلك مسألة ما يسمى ب(الراقد) كيف أنه حررها وضبطها ونفى أن يكون في بطن الأم جنين راقدا سنين. وكيف بين أن البناء على وجوده يسبب مشاكل شرعية وأخرى اجتماعية. فهويرفض هذه المسألة رفضا قاطعا بعد أن درسها دراسة وافية ضافية مع الأطباء المختصين. (1/18)
صفحة 19
ولطول التعليق الذي بين فيه هذه المسألة شيخنا رحمه الله أحيل القارئ الكريم إلى حيث يجده في الصفحتين 215 – 216 من الجزء الأول من كتاب قواعد الإسلام للشيخ إسماعيل الجيطالي.
2 – وقرينة هذه المسألة.مسألة إثبات أول رمضان وأول شوال بالحساب الفلكي المسألة التي إلتبس فيها وجه الصواب على كثير من الناس والتي ارتبكت فيها الأمة الإسلامية حكاما وشعوبا – وهي سبب اضطرابات اجتماعية – ولا تزال – نراه كيف بسط القول فيها وحررها بدقة ونظرات صادقة. وبما أن التعليق الذي حرره في هذه المسألة العويصة طويل. فإني أحيل – أيضا – القارئ الكريم إلى موضعه في الصفحات من الرقم 67 – إلى – الرقم 71 من الجزء الثاني من قواعد الإسلام للشيخ إسماعيل الجيطالي ويتضح من هذا التعليق المهم أن شيخنا رحمه الله حريص على وحدة الأمة الإسلامية وجمع كلمتها، وتوحيد شعائرها ومشاعرها.
ليس هذا كل ما تناولناه بالدراسة مع شيخنا – إنما هي نماذج ذكرتها – للتعرف من خلالها على طبيعة هذه الندوة المباركة. وإلا فهناك مواضيع كثيرة درسناها طيلة حياة هذه الندوة الغالية منها ما كان يشاركنا الشيخ في البحث فيها ومنها ما يتركنا نحن المشاركين نتناقش ونتدارس، وهومشرف يوجه ويصحح ويرجح ويرشد إلى المصادر المعتمدة في الموضوع – وهكذا –
وقد يتعهد بعض منا بتحضير بحث في قضية من القضايا أويكلف أحدنا بذلك، كما كلفني – رحمه الله – بتحرير رسالة في أحكام الوصية نظرا لما تحدثه الوصايا التي كتبت ولا يزال يكتبها كتاب يجهلون أحكامها، أويكتبونها حسبما يملي عليهم أصحابها عن غير علم فتسبب هذه الوصايا مشاكل ونزاعات بين الورثة أنفسهم أوبينهم وبين وكلاء الوصية الأمر الذي أقلق العقلاء، وسبب لهم صعوبات ومشاق في حل تلك المعضلات. (1/19)
صفحة 20
وهنا أقول: إني لبيت رغبته – بل أمره – وحققت ظنه فكتبت رسالة في الموضوع وقد طبعتها ونشرتها بعد أن عرضتها عليه فصححها وباركها وصادق عليها وهذه الرسالة بعنوان (الوصية وأحكامها).
وكان صدورها ونشرها بتاريخ 22 جمادى الثانية 1406 هـ/ فاتح فيفري 1986 م
سادس عشر: إخلاصه وكرمه
الإخلاص في العمل شرط في نجاحه واستمراره ووسيلة تقبل العباد له وإقبالهم عليه وسبب في قبول الله تعالى ومحبة الناس لصاحبه وإكباره، واحترامه واعتباره، لا سيما إذا كان صاحب العمل عالما ينشر علمه فإنه لا بد وأن يكون علمه أثرأ من آثار رحمة الله على عباده يحيي القلوب من بعد موتها، وتنبت من بذور ذلك العلم دوحات صلاح وخير يتفيأ ظلالها كل مجهود، ويجني ث مارها كل مكدود، يحرك النفوس إلى حيث الفلاح
ويهديها سبيل النجاح – وإن شيخنا رحمه الله – في صف العلماء المخلصين – عالم ينشر علمه للإفادة، وينفق مما عنده لينتفع به من كان أهلا للانتفاع والاستفادة، ولا يريد منه جزاء ولا شكورا، وما في نيته حسبما لمسنا منه وتحققناه ودل عليه واقعه وشأنه – والله أعلم بالنوايا – أن يعرف نفسه للناس تعريف شهرة بل يقصد – وعلى الله قصده – أن يعرف علمه ويبلغه موفيا بذلك بعهد الله الذي عهده إلى العلماء وشاكرا لله جليل النعماء. (1/20)
صفحة 21
وقد حكى أبوحامد الغزالي في كتابه الإحياء أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما مر برجل يتكلم على الناس فقال: هذا يقول: اعرفوني. فشيخنا نعمه الله ليس من هذا الصنف الخائب، ولا من هذا المنوال العائب وإذ لا نزكي على الله أحدا، فإنه يتجلى هذا واضحا في أسلوب كلامه مع طلبته، وتتجسد هذه الروح روح الإخلاص في منهجيته وطريقة تعليمه وتأديبه، وفي حرصه على إبراز مواهب طلابه، لا إبراز عضلاته وخضابه، يدفعهم إلى استغلال مواهبهم دفعا رفيقا، ويحثهم على توظيفها توظيفا حقيقا، ثم يحمد بذلك لهم الصنيع، ويحفظ لهم الجميل كأنهم هم أولوالمنة عليه، أوكأنهم هم الذين لهم الدالة واليد العليا بنعمة يسدونها إليه. رتبة من الإخلاص تتدنى دونها الرتب، ودرجة من الوفاء تتعالى فتزاحم الكواكب والشهب.
أما عن كرمه فخبره عند الصنوف من الذواق الذي كان يتحف به ندوتنا وهي مبرة مادية تضاف إلى مبراته الأدبية يدخرها له البر الرحيم.
فما إن تنطلق أعمال الندوة حتى ينادي رحمه الله حفيده ًعمرً بصوت يقطر منه حنان الأبوة الندي يا عمر ! إشارة إلى إحضار ما لذ وطاب مما قد هيأته أيد محسنة طيبة سلمها الله فيؤتى به إكراما للطلاب الأحباب، فلا يلبث عمر حفيده البر الوفي أن يطلع علينا بوجه بشوش صبيح، وبين يديه صينية مسفرة نضدت عليها كؤوس الصبوح يتوسطها البراد اللامع السني الذي يخبئ في جوفه الشاي المنعنع الشهي، وبجانبه يتربع صحن الحلوى البهي، تحف ما أطرفها ورموز محبة ما أظرفها ودلالات رضى ما أبركها وألطفها.
سابع عشر: شخصيته المرحة
وروحه الخفيفة، وحبه للنكتة اللطيفة الظريفة.
الإسلام دين سماحة، دين انبساط وانفتاح، يأبى الانقباض والتزمت فعن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول يومئذ (لتعلم يهود أن في ديننا فسحة) (1) . (1). (1/21)
صفحة 22
لقد كان شيخنا المنعم رحمة لجلسائه، ومصدر سرور لخلطائه، يحب النكتة الظريفة ويقتنصها ويطرب لها، وينتشي إذا كانت من عنده أيما انتشاء ولا يضن بها تزمتا وتكلفا للوقار، ثم هويطلق العنان لضحكة وقورة، يفهم من جرس نبراتها المعاني السامية كل فطن لبيب.
ورب نكتة يتخذها وسيلة للتنبيه إلى خطأ أوإرشاد إلى صواب. فمثلا يخطئ متكلم فيسأل ما هوحد مهر البكر يقصد الصداق. فيضم الميم من مهر عوض فتحها، فيقول له مصححا: نعم هي أحوج إلى المُهر (1) . (1) منها إلى المَهر (2) . (2). وقد تفوته النكتة يضحك لها الحاضرون – لثقل سمعه – في آخر عمره، فيقول: اشركوني في سبب ضحككم هذا ولا تحرموني، فيقال له: يا شيخ لا تكلف نفسك عناء السؤال عن السبب، اضحك معنا كلما رأيتنا نضحك، فيجيبنا بجواب فيه من الحكمة والتأديب ما لا يخفى على الذكي الأديب ويقول: " أنا لا أضحك تقليدا " يالها من عبارة تحمل أكثر من معنى !
فالمعنى الأول: إن العاقل لا يضحك من غير سبب.
والمعنى الثاني: الضحكة التقليدية لا تصدر من الأعماق ولا تفيد صاحبها نفسا ولا جسما، حسا ولا معنى.
والمعنى الثالث: من آداب المجلس أن لا يتناجى اثنان من دون غيرهما. فكيف بجماعة دون واحد خاصة إذا كان هذا الواحد أهلا للاحترام والتقدير، فهو– رحمه الله – لا يرى الاحترام والتقدير في السكوت والوجوم في المجلس لكن يراه في أن يقدر الجليس جليسه ويحترم مشاعره وأحاسيسه، فلا يستأثر بشيء دونه ولوكان تافها.
ثامن عشر: حبه للأدب العربي
__________
(2) – المهر ( بفتحها) (1/22)
صفحة 23
للشيخ ذوق رفيع في الأدب العربي، فهوإلى جانب كونه فقيها فهوأديب يتذوق نثر الأدب وشعره وكان من حين لآخر يستحضر نصوصا نثرية ومقطوعات شعرية ويحللها ويتخذ منها محطات استراحة وترويح من عناء الفقه ويتمطق رشفاتها رحيق إحماض من دسومته هذا ولا ننس أنه كاتب يجيد الكتابة بأسلوب رفيع، مقالاته في صحف الشيخ أبي اليقظان خير شاهد، وإنه شاعر يحسن الشعر يشهد له بجزالته وحلاوته السامع والمشاهد. له فيه القدح المعلى ينشده بوحي من الذوق السليم الأصيل. هذا وقد تغري بعضا من الحاضرين الأفاضل هذه النعوت فيطالبني بعرض نموذج من ذلك، لكني استسمحه آسفا أن لم أكن أحضرت عينة منه فاشتغالي بالفقه صرفني عن ذلك وأنصف من نفسي معترفا بأني مقصر في هذا الجانب، والرجاء من التاريخ أن يعذرني إذا كان لي في هذا المقام شيء من العذر.
الخاتمة:
وإلى هنا ترسوبي سفينة هذا العرض الذي لا أعده إلا شيئا يسيرا لا يكاد يداني لقلته عود أراك أويقارب غرفة من بحر بعد عناء وعراك، بجانب ما في عنقي من حق لشيخي وأستاذي الذي جدد لي – وفي وقت قصير – نمط حياتي، وبجانب ما يستحقه لما قدم من أياد بيضاء لأمة الإسلام، ولما أذبل زهرة شبابه لمجتمعه وكرس حياته لخدمة العلم، وأبلى البلاء الحسن لخدمة وطنه. وإن ما نأتي به في حقه تحبيرا وتعبيرا لا يفي بمد من حقه ولا نصيفه.
وهكذا مرت سنوات قلائل وشهور وأسابيع وأيام حتى كان يوم الأربعاء 27 ربيع الثاني 1406 هـ/ 08 يناير 1986 م اكتمل الجمع كالعادة وانطلقت سفينة الندوة تزجها الريح الرخاء يدير الشيخ دفتها كعادته، وبعد الانتهاء من القراءة من كتاب القواعد، وفي معرض كلام بعد ذلك استشهد الشيخ بالبيت المشهور:
اخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته ومد من القرع للأبواب أن يلجا (1) . (1/23)
صفحة 24
ومن غريب المقادير – إن جاز هذا الاستغراب – أن يروي لنا الشيخ – في أثناء الكلام أيضا – قولا لعبد الله بن عباس رضي الله عنهما – بصفة عفوية – وهو: حرمة العالم في أمته كحرمة النبئ في قومه، ومن أعماقنا كانت تجيب الحقيقة التي لا مرية فيها: إنه لكذلك أيها العالم الجليل الذي لن تعدم في أمتك إن شاء الله، حرمة ولا تقديرا. ثم استمرت الندوة إلى نهايتها والقدر يخاطبنا ويكلمنا من وراء حجاب الغيب ونحن لا نسمعه ويقول: ودعوا شيخكم، فهذه هي الندوة الأخيرة معه، وإن موعده يوم الأربعاء المقبل مع رفقائه الطيبين الطاهرين الذين كانوا ينتظرونه منذ زمان، وهولا يفتأ يجد حثيثا ليلتحق بهم.
وفي صباح يوم الأربعاء 04 جمادى الأولى 1406 هـ/ 25 يناير 1986 م كان لقاؤنا به لكن مسجى في المقبرة لم نحضر للجلوس إليه لنتلقى منه العلم لكن لنودعه وليلقي علينا درسه الأخير وليعظنا موعظة بليغة تسمعها القلوب لا الآذان، وتعيها العقول والأذهان، وهي: أن اعملوا لمثل هذا اليوم وأعدوا له ما تعدون، وإني كنت أترقبه فترقبوه، وإني وجدت ما وعدني ربي حقا إني أرى اليوم بشائره، وأحس في متعة بوادره.
لازموا الطريق اللاحب المستقيم ، إني انتظركم حيث النعيم المقيم. واحرصوا كل الحرص أن لا يغيب عنه أحد.
لا حول ولا قوة إلا بالله علم من الأعلام أودع الثرى، ونور نجم كان علامة اهتداء خبا، فيا ليت شعري كيف يكون بعده السرى.
ما أطيبك يا الشيخ عبد الرحمان حيا وميتا، لقد كان انبساط أسارير محياك من صفاء سريرتك وصلاح علانيتك من طهارة قلبك، وسعة أخلاقك من رحابة صدرك وحلاوة معشرك من أصالة محتدك، وكرم أرومتك. (1/24)
صفحة 25
رحمك الله بقدر ما كنت رحيما، وأكرم وفادتك بقدر ما كنت كريما، وفتح لك أبواب النعيم بقدر ما فتحت الأبواب للتأئبين المنيبين، وسهل لك المرور على الصراط بقدر ما هديت بإرشادك الضالين وأرجعت بوعظك وتذكيرك المنحرفين. وسقاك من الكوثر العذب بقدر ما تجرعت في سبيل أمتك ووطنك الأمرين، واقر عينك بما أخفى الله الرب الكريم لك وللمؤمنين أولى التضحية والجهاد مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
أيها الاخوة الأعزاء الغيورون
إذا مات منا سيد قام سيد قؤول لما قال الكرام فعول (1) .
ذهب الشيخ عبد الرحمان وأفضى إلى ربه، قرير العين منعما، وحزنا لفراقه، وأسفنا لحرماننا من لقائه لكن يأبى الله إلا أن يتدخل قدره بالخير فيتصدى شيخنا الجليل أبونا الروحي فضيلة الشيخ عدون بن بالحاج أشريفي حفظه الله ورعاه وبارك في عمره، هذا الرجل العظيم الذي ما فتئ يهتم بقضايا الإسلام والمسلمين وبقضايا العلم والمتعلمين، يتصدى ويدفعه اهتمامه بالندوة بأن يضع بيده الكريمة مشعلها في يد رجل بر وفيّ (2) . (1) الذي يتقبل المشعل بنية صادقة، ويسير بندوة الشيخ عبد الرحمان مواصلا قيادتها، ومداوما ريادتها. ألا وهوشيخنا وأسوتنا وأستاذنا الشيخ ناصر بن محمد المرموري حفظه الله وأمد في أنفاسه، وهاهومنذ تسلمه لهذه المهمة الجليلة، يسير بندوة الشيخ عبد الرحمان سيرا حسنا، سالكا مسلكه، منتهجا نهجه وطريقته، مقدرا للأمانة قدرها، وموفيا للأخوة حقها، لقد أصبح – حفظه الله – لنا نعم الخلف جزاه الله أحسن الجزاء، وأوفى مثوبته أكمل الإيفاء –والحمد لله أولا وأخرا – (1/25)
صفحة 26
فاللهم أرحم من علماء الإسلام من قضى نحبه واحفظ منهم من ينتظر. وأبق لأمة الإسلام من يحفظ لها أمر دينها، ويحسن لها أمر دنياها، اللهم ألهم المسلمين رشدهم، وقوعضدهم، وألهم علماءها الطرق السليمة في تبيان شريعتك غير مفرطين ولا مفرطين وغير متشددين ولا مداهنين، وألهم الصواب في حل مشاكل العصر ووفقهم إلى أحكام فيما استجد عليها يصدرونها وفق كتابك وسنة نبيك، وانصر المسلمين على من يريد بهم سوءا وعلى من يسعى لإفساد عليهم أمر دينهم، أولتضليلهم عن صراطك المستقيم. إنك نعم المولى ونعم النصير.
والحمد لله رب العالمين. (1/26)