صفحة 1
الكتاب: الشيخ عمروس ومنهجه
المؤلف:مهنا بن راشد بن حمد السعدي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] الشيخ عمروس ومنهجه الفقهي والعقائدي من خلال كتاب أصول الدينونة الصافية
تأليف
مهنا بن راشد بن حمد السعدي
بسم الله الرحمن الرحيم
" إن كان أبو حفص في شيء من هذه البلاد، فلا يصدر هذا السؤال إلا عنه، ولا يرد إلا منه؟ " إهـ (1)
العلامة أبو عبد الله محمد بن محبوب
" ... عمروس بن فتح رضي الله عنه، بحر العلوم الزاخر، المبرز أول السباق وهو الآخر، الضابط الحافظ المحتاط المحافظ، لم تشغله المجاهدة في الله عن دراسة العلوم، ولم يلهه التبحر في العلم عما تعين عليه من مصادمة تلك الهموم، فكابد وكابر، وصادر وصابر، لازم الدرس والاجتهاد، ثم رابط على الجهاد، يتلقى السيوف بالصدر والمنحر، يقيم هامته مقام المغفر، حتى انتظم في سلك من تحسبهم أمواتا وهم أحياء عند ربهم يرزقون {لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ} (2)، فلحق بالنعيم المقيم، بعد أن خلف شيعه وأتباعه منتهجين الصراط المستقيم ... " إهـ (3)
العلامة أبو العباس الدرجيني
" الإمام عمروس بن فتح المساكني النفوسي إمام من أئمة الدين، وكهف من كهوف العلم في القرن الثالث الهجري ... " إهـ (4)
الشيخ بكلي عبد الرحمن
" قمة شامخة من قمم العلم، يندر أن تجد له مثيلا، ومؤمن مخلص في إيمانه، فهم حقيقة الإسلام وأسرار تشريعه، وبطل من أبطال الكفاح، يتضاءل أمامه الأقران، ويسوق الجموع في الميدان كما تساق القطعان، يملك إرادة بلغت من القوة مرتبة تذلل الصعاب، وتسهل العقاب، وتيسر الأسباب " إهـ (5)
الشيخ علي يحيى معمر
الإهداء
__________
(1) - أنظر ص169.
(2) - سورة الأنبياء، آية:103
(3) - أنظر ص 233.
(4) - أنظر ص236.
(5) - أنظر ص236. (1/1)
صفحة 2
أهدي هذا البحث إلى أبي وأمي الغاليين، هذه ثمرة غرسكما، {رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً} (1) ....
وأهديه إلى أئمة وعلماء المذهب الإباضي من عهد الإمام جابر بن زيد - رحمه الله - وإلى يومنا هذا ....
وأهديه إلى كل مؤمن غيور على دينه، محب لله ولرسوله - صلى الله عليه وسلم - ....
وأهديه إلى مشايخي الذين نهلت من معين علمهم، واستظللت بوارف عطفهم، فجزاهم الله خيرا، وجعل كل حرف تعلمته منهم في ميزان حسناتهم ....
وأخيرا أهديه لروح الشهيد الشيخ العلامة عمروس بن فتح النفوسي رحمه الله ....
شكر وتقدير
أتقدم بالشكر إلى معهد العلوم الشرعية الذي نهلت من معينه العلم النافع خلال الأربع سنوات التي قضيتها في ربوعه الزاهرة، وحلقات علمه المباركة.
وأشكر سعادة الشيخ زياد بن طالب المعولي، مدير معهد العلوم الشرعية، على كل الجهود التي بذلها ويبذلها للرقي بمعهد العلوم الشرعية، ليكون منبرا وصرحا علميا عملاقا، يساهم في تخريج حملة علم يسهمون في الرقي بعمان الحبيبة.
كذلك أشكر مشايخي الكرام الذين نهلت من بحور علمهم حتى الثمالة، فلم يبخلوا علينا بالمعلومة النافعة، والنصيحة الهادفة، والإجابة الشافية الكافية، فجزاهم الله خيرا، وجعل ذلك في ميزان حسناتهم.
وأشكر كذلك الأيدي الخفية بمعهد العلوم الشرعية من موظفين وإداريين على كل المساعدات التي قدموها لنا؛ وأشكر العاملين بمكتبة المعهد العامرة على الجهود الجبارة التي قدموها لنا لتسهيل الحصول على الكتب، وتوفير الجو المناسب للقراءة والبحث وطلب العلم بالمكتبة.
__________
(1) - سورة الإسراء، من الآية:24. (1/2)
صفحة 3
ولا أنسى أن أشكر شيخي الفاضل أحمد مهني مصلح الذي احتضنني في فترة كتابتي لهذا البحث، فلم يبخل علي بالنصيحة والتوجيه والإرشاد، فكان خير معين لي، فجزاه الله خيرا على مجهوداته التي بذلها ليخرج هذا البحث بثوب قشيب يسر الناظرين، فأسأل المولى القدير أن يجعل ذلك في ميزان حسناته.
وأشكر شيخي الفاضل إبراهيم بن يوسف الأغبري - مناقش هذا البحث - على النصائح والتوجيهات التي قدمها لي، والتي أعتبرها درر ونفائس لا تقدر بثمن، فجزاه الله خير الجزاء.
وأشكر أخي وصديقي العزيز المصمم البارع سالم بن حمد البداعي على تسخير موهبته لإخراج البحث بهذه الحلة البهية، فجزاه الله خير الجزاء.
وأخيرا أشكر كل من قدم لي يد المساعدة لإنجاز هذا البحث، فأسأل الله تعالى أن يجعل ذلك في ميزان حسناتهم.
توطئة
بقلم فضيلة الشيخ أحمد مهني مصلح:
1 - بسم الله الرحمن الرحيم
يسعى معهد العلوم الشرعية من خلال إقراره لمادة (بحث التخرج) إلى تدريب طلابه والارتقاء بهم من كتابة التقارير في بعض المواد في السنوات الأولى للدراسة، إلى مرحلة إعداد البحوث النافعة بهدف صقل مواهب المبدعين ليشاركوا في التعريف بسيرة السلف الصالح وتحقيق آثارهم ونشر تراثهم.
وقد انبرى طلاب السنة النهائية إلى عرض أعمالهم الجادة وتسابقوا لخدمة التراث الأصيل في هذا البلد الطيب وتتبعوا سير العلماء العاملين في المشرق والمغرب فكشفوا مواضع الاقتداء بهم وأبرزوا مناهجهم ليتأسى بها الخلف.
وقد اختار الباحث الجاد مهنا بن راشد بن حمد السعدي أن يجلي سيرة علم مجاهد هو الشهيد الشيخ عمروس بن فتح المساكني وأن يبسط منهجه الفقهي والعقدي من خلال كتاب: (أصول الدينونة الصافية). (1/3)
صفحة 4
وإذ نثمن الجهد الكبير الذي بذله الباحث في جمع المادة العلمية الحافلة بتفاصيل أوضاع عصر الشيخ عمروس السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وبمعلومات ضافية عن حياته أماط بها اللثام عن شخصيته الفذة العلمية والدعوية فإن هذا البحث يعد سباقا للتعرض لمنهج الشيخ عمروس الفقهي والعقدي من خلال كتابه (أصول الدينونة الصافية) الذي حققه الحاج أحمد كروم دون التوسع في إبراز المنهج.
وقد سلط الباحث الأضواء على جوانب متعددة من حياة الشيخ عمروس، ورغم قلة المصادر فقد استطاع أن يصنف هذا البحث المطول (366 صفحة) ويسهب في ترجمة (حافظ العلم) الذي لولا نسْخِهِ لمدونة أبي غانم بشر بن غانم الخرساني لضاعت حيث احترقت النسخة التي أخذها المؤلف إلى تيهرت مع جملة ما ضاع من تراث إباضي ثمين في مكتبة (المعصومة).
ومثلما قيل (ما حك جلدَك مثل ظفرك) و (أهل مكة أدرى بشعابها) فإن التراث الإباضي الضخم لا يخدمه ويجيد عرضه ويصبر على متاعب تحقيقه والترجمة لعلمائه إلا أبناء المذهب من ذوي الأقلام الملتزمة والهمم العالية والعقول النيّرة التي تقدر ما خلفه السلف من كنوز وتؤمن عن قناعة بواجب بذل أقصى الجهد في التعريف بهذا الإرث ونشره ليستفيد منه كل مطلع ويقتفي أثره كل متابع.
إن مثل هذه البحوث التاريخية والحضارية تصل ما انقطع من علاقة بين هذا الجيل وتاريخ أجداده وسيرة علمائه المشرّفة وجهادهم بالسيف والقلم.
ولكتابة التاريخ أهمية خاصة إذ يمكن بها:
أولا: تصحيح بعض المفاهيم المغلوطة.
ثانيا: استخلاص العبر من أحداثه.
ثالثا: إعادة ربط المسلم المعاصر بجذوره الممتدة في عمق التاريخ.
وسأترك للقارئ أن يستمتع بقراءة هذا البحث الشيق واستجلاء شخصية الشيخ عمروس ومعرفة الأوضاع التي سادت عصره والقيمة التاريخية لكتابه أصول الدينونة الصافية وأهم المسائل الفقهية والعقدية التي عرضها فيه. (1/4)
صفحة 5
وأختم هذه التوطئة التي شرفني الباحث بطلب تدبيجها بالقول : إن هذا السفر المفيد جاء ثمرة تعب وجدّ وسهر وكدّ ومواصلة للجهد ليل نهار وعودة لمائة وستة وعشرين مصدرا ومقابلات ومقارنات مضنية ولكنها لذيذة أفاد منها الباحث أولا ، وسوف ينتفع بهذا البحث كل من استكمل الاطلاع عليه .
وقد سدّ الباحث بهذا العمل ثغرة في تاريخ العلماء المغاربة وعصر الدولة الرستمية ( وهي أول دولة إسلامية في المغرب الأوسط ( الجزائر ) ) ومهّد الطريق لمن يواصل المسيرة في الترجمة لعلماء السلف والتعريف بكنوزهم وآثارهم .
فبارك الله في الجهد الرائد واللاحق وما أحوج الأمة إلى دفع هذه الحركة العلمية وإماطة اللثام عن هذا التاريخ المشرق وإبراز دور العلماء في النهضة .
والآمال معقودة في شباب المعهد وغيرهم من الباحثين حتى تتضاعف الجهود وينفض الغبار عن هذا التراث الضخم فتحقق المخطوطات النافعة وتعرض سير العلماء العاملين ليتواصل البناء وينشأ جيل واع معتز بأصوله ومتحمل للأمانة ومستمر في العطاء ليصبح يوم الأمة خيرا من أمسها ويصير غدها أفضل من يومها { وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ } (1) بجهود المخلصين من أبناء هذا الوطن المعطاء .
فإلى الأمام يا شباب الإسلام والله من وراء القصد .
أحمد مهني مصلح
مسقط
سلطنة عمان
مقدمة
الحمد لله الذي جعل العلماء ورثة الأنبياء ، وسراجا يهتدى بهم في الظلماء ، وخصهم بقوله :
{ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ } (2) ، والصلاة والسلام على سيد المرسلين والأنبياء ، سيدنا محمد
، وعلى آله وأصحابه ، وأتباعه ، إلى يوم اللقاء ؛ وبعد ...
لقد مَنَّ اللهُ تعالى على هذه الأمة بأن يقيض لها بين الفينة والفينة من يحفظ دينها ، ويذب عن حياضها
__________
(1) - سورة إبراهيم ، الآية : 20 ؛ سورة فاطر ، الآية : 17 .
(2) - سورة فاطر ، من الآية : 28 . (1/5)
صفحة 6
من الأئمة والعلماء ، فمنهم من يذب عنها بالجهاد لإعلاء كلمة الحق في الأرجاء ؛ ومنهم من يذب عنها بالدعوة والنصح والإرشاد ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؛ ومنهم من يذب عنها بالعلم ونشره سواء بتكوين طلاب العلم ، أو تأليف المؤلفات القيمة التي تحافظ على نقاء هذا الدين الحنيف ؛ وهناك من يجمع بين هذه المناهج كلها ، وهم قلة .
وإن مما يؤسف له أن تجد الكثير من شباب المسلمين في هذا الوقت يجهلون الكثير من أئمتهم السابقين ، فلا يعلمون أن لهم تاريخا مشرفا ، سطر فيه أجدادهم أروع الأمثلة والإنجازات ، مما جعل بقية الأمم تقف حائرة أمام هذه الظاهرة الغريبة .
بل إن مما يؤسف له أن تجد بعض شباب المسلمين من يتخذ من أعداء الإسلام أمثلة يحتذى بها ، وهذا يعود إلى انقلاب المفاهيم والموازين ، وكذلك إلى تقصير العلماء والمربين في إبراز الصور المشرفة لأئمة المسلمين وعلمائهم ، حتى يتعرف عليها شباب المسلمين اليوم ، فيتخذون منها سراجا يهتدون به في ظلمات هذا العصر العصيب .
ومن علماء الأمة الإسلامية وأئمتها الذين لم ينالوا حقهم في الإبراز ، وتسليط الضوء على الروائع التي سطروها في سني حياتهم ، عالم وإمام جليل قدم لهذه الأمة ما عجز عنه الكثيرون ، ونقش على جبين الزمن أروع الإنجازات ، التي تستحق أن تنقش بماء التبر على لجين التاريخ .
وقد جمع هذا الإمام من المواصفات ما أهلته لأن يكون في قمة علماء زمانه ، حتى عده معاصروه من أعلم أهل زمانه .
وقد كان هذا الإمام الجليل من أولئك القلة الذين جمعوا بين الجهاد في سبيل الله بالسيف والقلم ، فكان فارسا مقداما لا يشق له غبار ، وكان كاتبا بارعا ترك من المصنفات ما هي جديرة بالدراسة والإخراج إلى النور ، ولم ينس الإصلاح في المجتمع ، فكان آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر ، وأيضا لم ينس طلاب العلم ، فنهلوا من معينه الصافي علما غزيرا . (1/6)
صفحة 7
فمن هو هذا الإمام ؟ وأين ولد ؟ وأين ترعرع وعاش ؟ وفي أي قرن ظهر ؟ وما هي الإنجازات التي قدمها ؟ وما هو منهجه ؟ أسئلة كثيرة تحتاج إلى الإجابة ، وإجابتها في ثنايا هذا البحث .
إن هذا الإمام هو الشيخ العلامة أبو حفص عمروس بن فتح النفوسي ، من علماء جبل نفوسة بليبيا ، وقد عاش في القرنين الثاني والثالث الهجريين ، وترك العديد من المؤلفات التي هي في أمس الحاجة إلى البحث والدراسة والتحقيق .
ومن مؤلفاته القيمة التي خرجت إلى النور مؤخرا - بفضل الله تعالى ، ومن ثم بجهود الأستاذ الباحث حاج أحمد حمو كروم - كتاب " أصول الدينونة الصافية " ، فقام بتحقيق هذا السفر الثمين ، فأزال عنه غبار الزمن ، ونسيان الأجيال ، فأخرجه لطلاب العلم بثوب قشيب ، وقد قامت وزارة الثراث والثقافة بسلطنة عمان - مشكورة - بطباعته طباعة جيدة وجميلة ، فلا ينسى لها هذا الجميل .
وسأحاول في هذا البحث دراسة حياة الشيخ عمروس وعصره ، مسلطا الضوء على الآثار التي خلفها من مؤلفات وفتاوى وأحكام ، وكذلك سأعرج محللا منهج الشيخ عمروس - الفقهي والعقائدي - وخصائصه ، وما تميز به ، من خلال كتابه " أصول الدينونة الصافية " ، خاصة أن هذا المؤلَّف هو من المؤَلَّفات المتقدمة ، وذلك خدمة لهذا الإمام الجليل ، ولسفره الثمين ، ومساهمة مني لتعريف شباب المسلمين بهذا الإمام الجليل الذي يجهله الكثير منهم للأسف الشديد .
وأصل هذا الكتاب هو بحث قدمته لاستكمال مواد الدراسة بمعهد العلوم الشرعية بسلطنة عمان ، والحقيقة أن ما دفعني إلى اختيار هذا الموضوع ، هو أني من المحبين للتاريخ وسير العلماء ، فأقرأ فيها كثيرا ، علِّي أجد بين ثناياها سراجا أهتدي به في دياجير هذا الزمان المظلم ، الذي قست فيه القلوب ، وتقطعت صلاة الرحمة والمودة والمحبة بين البشر ، فلا تجد بينهم مثالا للخير يحتذى به إلا القليل النادر ، وهم يعدون على الأصابع فالله المستعان . (1/7)
صفحة 8
فأين في زماننا هذا أمثال أبي بكر وعمر ، وأمثال طالب الحق والجلندى والمعافري ، وأين في زماننا أمثال جابر بن زيد وأبي عبيدة والربيع !
ليسوا رجالا لا نطيق فعلهم :: لكنهم جدوا وقصرنا الخطا (1)
وإني - بالرغم من ذلك - لا أنكر وجود علماء أجلاء ، وأئمة أنقياء في هذا الزمان ، إلا أنهم قلة ، وهكذا المؤمنون في كل زمان ومكان { وَقَلِيلٌ مَا هُمْ } (2) ، { وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ } (3) .
ولقد كنت في فترة من فترات حياتي أقرأ في كتاب الطبقات للشيخ الدرجيني - رحمه الله - ، فأعجبت بسير أئمة وعلماء المغرب أيما إعجاب ، فكنت أقف مع كل إمام وعالم منهم وقفات طويلة ، مستنطقا الحروف ، هل من المعقول أن يكون أئمتنا بهذه الصفات العظيمة ونحن نجهل تاريخهم ؟! ولا يعرف عنهم إلا قلة من المتخصصين ، ويجهلهم ، ويجهل إنجازاتهم الكثير من أتباع المذاهب الإسلامية الأخرى ، والذين للأسف الشديد محوا من قاموسهم أتباع هذا المذهب الإسلامي العريق ، المذهب الإباضي ، وإذا مر ذكره على حين غرة ، كالوا له الاتهامات الباطلة ، والافتراءات الشائنة ، تشويها له ولعقيدته وفكره وأئمته .
__________
(1) - هذا بيت من قصيدة " المجد لا يملك عن وراثة " للشيخ العلامة أبي مسلم البهلاني رحمه الله التي يقول في مطلعها :
تلك ربوع الحي في سفح النقا :: تلوح كالأطلال من جد البلى
أخنى عليها المرزمان حقبة :: وعاثت الشمأل فيها والصبا
موحشة إلا كناس اعفر :: ومجثم الرأل وأفحوصُ القطا
عرج عليها والها لعلها :: تريح شيئا من تباريح الجوى
، أنظر القصيدة كاملة في : ناصر بن سالم بن عديم الرواحي البهلاني ، ديوان أبي مسلم ، ت : عبد الرحمن الخزندار ، مطابع دار المختار ، 1406هـ / 1986م ، ص336- 352 ، والبيت في : ص349 .
(2) - سورة صّ ، من الآية : 24 .
(3) - سورة سبأ ، من الآية : 13 . (1/8)
صفحة 9
وكذلك يجهلهم شباب الإسلام ، فتراهم هائمين على وجوههم يبحثون عن قدوة يتأسون بها فلا يجدون ما يشبع نهمهم ، فيسدون ذلك الفراغ ببعض المغنين والمغنيات والممثلين والممثلات ، من يطلق عليهم النجوم في وسائل الإعلام !! وهم { ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ } (1) ، فيتخذون منهم قدوة لهم ، بل ويدافعون عنهم دفاعا مستميتا والله المستعان .
ولقد كنت لا أعرف عن الشيخ عمروس - رحمه الله - أي شيء البته ، حالي كحال الكثير من شباب الإسلام الهائم ، وأول مرة أتعرف عليه عند قراءتي للطبقات ، فلما وصلت إلى ترجمته وبدأت قراءتها ، وقفت مشدوها أمام هذا الطود الأشم ، وأعجبت بعلمه وشجاعته وهيبته وتقواه ، وطأطأت رأسي حزنا وأسفا وكمدا أن يوجد من أئمتنا من هم على شاكلة الشيخ عمروس - رحمه الله - ، ولا نعرف عنهم شيئا ، ونعرف عن " خوفو " ، " وحمورابي " ، و " نيوتن " ، وأمثالهم الكثير ، فأين المصلحون ؟ وأين المربون ؟ وأين الغيورون ؟ ، لينهضوا بهذه الأجيال الضائعة من أبناء الأمة الإسلامية ، ليرتسموا خطى الفاروق والقعقاع ، والصلت بن مالك وصلاح الدين .
ومنذ ذلك اليوم ارتسمت هذه الشخصية العظيمة في ذهني ، ولم تفارقني البتة ؛ وعندما كنت أحدث الشباب عن أئمتنا وعلمائنا ، وعن الشيخ عمروس أيضا ، أتفاجأ بعدم معرفتهم بهم ، فيؤلمني ذلك كثيرا كثيرا ، كيف لا نعرف عن أئمتنا شيئا ؟! ، وأين دور المربين والمصلحين في إماطة اللثام ، وإزالة الغبار عن أولئك العظماء ؟! ، فكفاهم دفنا في بطون الكتب والمخطوطات .
__________
(1) - سورة النور ، من الآية : 40 . (1/9)
صفحة 10
فقررت أن أقدم شيئا في ذلك، وهو الكتابة عن إمام من أئمتنا، وتسليط الضوء على منهجه، وبالطبع اخترت الشيخ عمروس لإعجابي الشديد به، عل ذلك يكون بداية الغيث، فيشجع غيري في إخراج سير أئمتنا وعلمائنا إلى النور.
وقد قسمت هذا البحث إلى أربعة فصول، يتخللها مباحث ومطالب، وهي كالتالي:
(1) - الفصل الأول: عصر الشيخ عمروس:
ويحوي ثلاثة مباحث، وهي:
أ- المبحث الأول: الوضع السياسي في عصر الشيخ عمروس:
ويحتوي على المطالب التالية:
1 - الوضع السياسي في عهد الإمام عبد الوهاب.
2 - الوضع السياسي في عهد الإمام أفلح.
3 - الوضع السياسي في عهد الإمام أبي بكر بن أفلح.
4 - الوضع السياسي في عصر الإمام أبي اليقظان.
5 - الوضع السياسي في عهد الإمام أبي حاتم.
ب- المبحث الثاني: الوضع الاقتصادي والاجتماعي في عصر الشيخ عمروس:
ويحتوي على المطالب التالية:
1 - الزراعة والرعي في الدولة الرستمية.
2 - الصناعة في الدولة الرستمية.
3 - التجارة في الدولة الرستمية، وأسواقها.
4 - العمارة في الدولة الرستمية ومستوى المعيشة.
ج- المبحث الثالث: الوضع الثقافي في عصر الشيخ عمروس:
ويحتوي على المطالب التالية:
1 - أئمة الدولة الرستمية واهتمامهم بالنهضة العلمية.
2 - جبل نفوسة والحركة العلمية فيه.
3 - المؤسسات التعليمية في عصر الشيخ عمروس.
4 - العلوم المتداولة في عصر الشيخ عمروس وأبرز العلماء في عصره.
5 - وضع المرأة العلمي والفكري في عصر الشيخ عمروس.
6 - العلاقات الثقافية بين المغرب والمشرق وبلاد السودان في عصر الشيخ عمروس.
(2) - الفصل الثاني: السيرة الشخصية للشيخ عمروس:
ويحوي المباحث التالية:
أ المبحث الأول: اسمه ونسبه.
ب- المبحث الثاني: مولده ونشأته.
ويحتوي على مطلبين:
1 - مولده.
2 - نشأته.
ج- المبحث الثالث: صفاته وأخلاقه.
د- المبحث الرابع: حالته المادية.
هـ- المبحث الخامس: أسرته ومن برز منها. (1/10)
صفحة 11
و- المبحث السادس: هل هناك عمروس غيره؟
(3) - الفصل الثالث: السيرة العلمية والعملية للشيخ عمروس:
ويحتوي على المباحث التالية:
أ المبحث الأول: الشيخ عمروس والعلم (شيوخه وتلاميذه):
ويحتوي على المطالب التالية:
1 - شيوخه وطلبه للعلم.
2 - تدريسه وتلاميذه.
ب المبحث الثاني: مكانته العلمية وجهوده الدعوية:
ويحتوي على مطلبين:
1 - مكانته العلمية.
2 - جهوده الدعوية.
ج المبحث الثالث: آثار الشيخ عمروس (مؤلفاته وفتاويه ومناظراته):
ويحتوي على ثلاث مطالب:
1 - مؤلفاته.
2 - فتاويه.
3 - مناظراته.
د المبحث الرابع: اشتغاله بالقضاء، ونماذج من أحكامه:
هـ- المبحث الخامس: موقعة " مانو " واستشهاده:
ويحتوي على مطلبين:
1 - أسبابها وأحداثها.
2 - استشهاد الشيخ عمروس.
(4) - الفصل الرابع: منهج الشيخ عمروس خلال الدينونة الصافية:
ويحتوي على المباحث التالية:
1 - المبحث الأول: التعريف بكتاب الدينونة:
ويحتوي على المطالب التالية:
أ- هل الكتاب مطبوع؟
ب- حجمه وصفحاته.
ج نسبته إلى صاحبه.
د- إثبات عنوان الكتاب.
هـ- الباعث على تأليفه.
و- محتويات الكتاب.
ز- أهمية الكتاب من الناحية العلمية.
ح- مصادر الكتاب.
2 - المبحث الثاني: تعريف المصطلحات (المنهج، الفقه، العقيدة (التوحيد وعلم الكلام وأصول الدين)).
3 - المبحث الثالث: منهج الشيخ عمروس في عرض وترتيب مسائل أصول الدين (العقيدة):
ويحتوي على المطالب التالية:
أ- منهجه في بناء الأبواب والفصول وترتيبها.
ب- مسائل أصول الدين التي تعرض لها في الدينونة.
ج منهجه الاستدلالي على مسائل الأصول.
د- ملاحظات أخرى على منهجه في العقيدة.
3 - المبحث الرابع: منهج الشيخ عمروس في عرض وترتيب المسائل الشرعية (الفقه):
ويحتوي على المطالب التالية:
أ- منهجه في بناء الأبواب والفصول وترتيبها.
ب- المسائل الفقهية التي تعرض لها في الدينونة. (1/11)
صفحة 12
ج- منهجه الاستدلالي على المسائل الفقهية .
د- استخدامه لبعض القواعد الأصولية .
هـ- ملاحظات أخرى على منهجه الفقهي .
هذه هي محتويات هذا البحث ، وأود أن أنبه على بعض النقاط المهمة ، وهي :
1- هذا البحث في أساسه يناقش منهج الشيخ عمروس - رحمه الله - الفقهي والعقائدي من خلال كتابه " أصول الدينونة الصافية " ، إلا أني توسعت حين تناولت الأوضاع في عصر الشيخ عمروس ، وذلك أن الشيخ عمروس عاش في كنف الدولة الرستمية التي لم تنل حقها من البحث والدراسة فنجد أن تاريخها ومنجزاتها وما قدمته للأمة الإسلامية مجهول لدى الكثير من الباحثين المتخصصين فضلا عن غير المتخصصين من القراء ، ولعل أحسن من كتب عن الدولة الرستمية هو الأستاذ الباحث إبراهيم بحاز في كتابه الدولة الرستمية ، وقد أفدت منه كثيرا في بحثي هذا وله مني جزيل الشكر وخالص الامتنان ، إلا أنه بالرغم من ذلك لم يتناول الجانب السياسي للدولة الرستمية بذلك التوسع والدراسة المطلوبة ، ولعله يعتذر له أن الكتاب في أصله يناقش الأوضاع الاقتصادية والفكرية للدولة الرستمية فلهذا لم يتوسع في الجانب السياسي بالرغم من أهميته ، ومن هذا المنطلق فإني توسعت كثيرا عند تناولي للأوضاع السياسية والاقتصادية والثقافية في عصر الشيخ عمروس ، علي بذلك أسد فراغا أغفله الكثير من الباحثين حول هذه الدولة الإسلامية العظيمة الدولة الرستمية . (1/12)
صفحة 13
وكذلك فإني توسعت حين تناولت حياة الشيخ عمروس العلمية والعملية، وذلك لأن هذا الإمام الجليل لم يأخذ حقه في إخراجه إلى النور، وتناول كافة جوانب حياته، وتحليلها التحليل الجيد المثمر، فظل حبيس بعض الكتب والمخطوطات، التي تناولت ترجمته بشكل مختصر، ومتفرق، وكذلك تنقل بعضها من بعض، فدفعني ذلك إلى دراسة حياته الخاصة، وحياته العلمية والعملية، ومنجزاته بشكل متعمق، بقدر استطاعتي، وحسب الإمكانات الموجودة، وأعترف أني واجهت صعوبة كبيرة في ذلك لأسباب عديدة، منها قدم شخصية هذا الإمام الجليل، فقد عاش في أواخر القرن الثاني، وأغلب القرن الثالث الهجري، فهو متقدم كثيرا، وبالكاد تجد عنه معلومات تشفي الغليل؛ وكذلك شح المصادر والمراجع، فالمصادر التي تناولت حياة الشيخ عمروس قليلة ومعدودة، وكذلك تنقل بعضها من بعض، وكذلك المعلومات التي تناولت حياته الخاصة قليلة جدا، مما اضطرني إلى المقارنة بين الأحداث علي أستنبط بصيص نور يرشدنا إلى معالم حياة الشيخ عمروس.
وأعترف أن الأستاذ الباحث أحمد كروم - محقق الدينونة - قد خصص في مقدمته قدرا لا بأس به، تناول فيه حياة الشيخ عمروس الشخصية والعلمية والعملية، وإنتاجاته، وهو أحسن ما كتب عن الشيخ عمروس، إلا أنه لا يفي بالغرض المطلوب، فقد تناول جوانب حياة الشيخ عمروس المهمة بشكل مختصر، فكان يتناول حياة الشيخ عمروس على هيئة نقاط يسردها سردا مع تحليل قليل، وهذا ظاهر على أغلب ترجمة الشيخ عمروس (1).
__________
(1) - أنظر: عمروس، الدينونة الصافية، ص11 - 37، مقدمة المحقق. (1/13)
صفحة 14
بالرغم من أنه أطال في ترجمة الشيخ عمروس ، وذلك رغبة منه في كشف الضباب عن هذه الشخصية النموذجية التي لا يعرفها كثير من الناس - على حد تعبيره - (1) ، ولكني أظن أنه لم يستقص كل جوانب حياة الشيخ عمروس ، ولم يحلل ما ذكر التحليل المتعمق المفيد ، ولعله يُعتذر له أن تلك مجرد ترجمة كمقدمة لتحقيقه لكتاب الدينونة ؛ ولكني لا أنكر أني استفدت من ترجمته استفادة كبيرة ، فجزاه الله خيرا على الجهد الثمين الذي قدمه خدمة لهذا الإمام الجليل .
2- قمت بالترجمة لكل الشخصيات ، والأماكن والمصطلحات الغامضة التي مرت في البحث بقدر المستطاع ، وإن أهملت بعضها فذلك عن غير قصد مني ، فأعتذر عن ذلك ؛ وأنبه أني اكتفيت بالترجمة للشخصيات التي تمس هذا البحث ، وأما الشخصيات الخارجة عن البحث كمؤلفي الكتب التي رجعت إليها لم أترجم لهم .
3- قد أكون أطلت في بعض التراجم ، لضرورة دفعتني إلى ذلك ، لدفع شبهة ، أو إظهار حقيقة .
4- أقوم بالتعليق في الهامش ، على بعض المواضيع المهمة التي تمر في ثنايا البحث عندما تقتضي الضرورة ذلك .
5- اعتمدت في بعض الأحيان على النقل من بعض المراجع الحديثة التي توفرت بين يدي ، والتي نقلت من مصادر أقدم منها ، وذلك عند عدم تمكني من الوصول إلى المصدر الأول ، وأشير إلى ذلك في الهامش .
6- اعتمدت على بعض المخطوطات وأرمز إليها في الهامش بـ ( مخ ) .
7- إحالات المصادر والمراجع ، وتخريج الآيات والأحاديث بالأرقام (1) ، (2) ... ؛ وأما ترجمة الشخصيات ، والأماكن ، والمصطلحات الغامضة ، وكذلك تعليقاتي على بعض النقاط في البحث تكون بالنجمة ( * ) .
__________
(1) - المصدر السابق ، ص8 ، مقدمة المحقق . (1/14)
صفحة 15
8 - قمت بوضع فهارس في آخر البحث، للآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، والأبيات الشعرية، والأعلام، والديانات، والأماكن؛ وأود التنبيه أني اكتفيت بفهرسة الأعلام والأماكن الواردة في أصل البحث، والتي ترجمت لها، وأما ما ورد في الهوامش لم أذكرها في الفهرسة.
وأخيرا يظل هذا العمل مجرد جهد بشري لا يخلو من النقص والقصور والأخطاء، فمن وجد شيئا من ذلك أرجو منه تنبيهي على مواضع الزلات والهنات، حتى أتداركها في المستقبل، وأرجو كذلك من كل من يقرأ هذا البحث أن ينبهني على ملاحظاته سواء الإيجابية أو السلبية، إن كانت له ملاحظات، وله الأجر الجزيل من المولى القدير، ويمكن إرسال الملاحظات على البريد الإلكتروني المدون أدناه.
وأخيرا وبعد تعب طويل، وانقطاع عن الأصحاب، وسهر لليل، وابتعاد عن الأحباب، خرج هذا البحث إلى النور على الصورة التي ترون، فإن أصبت فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان؛ فأسأل المولى القدير أن يبارك في هذا العمل المتواضع الذي قدمته، وأن يفيد به أمة الإسلام، وأن يجعله في ميزان حسناتي، {يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} (1)، وأسأله تعالى أن أنال به أجر كل من يقرأه، ويستفيد منه.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصل اللهم وسلم على سيد الأنبياء والمرسلين، وعلى أصحابه أجمعين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
مهنا بن راشد بن حمد السعدي
سلطنة عمان، ولاية السويق
الخميس 23 من صفر 1424هـ
24 من إبريل 2003م
abujaifar@hotmail.com
الفصل الأول
عصر الشيخ عمروس
ويحتوي على:
الوضع السياسي في عصر الشيخ عمروس
الوضع الاقتصادي والاجتماعي في عصر الشيخ عمروس
الوضع الثقافي في عصر الشيخ عمروس
1 - تمهيد:
__________
(1) - سورة الشعراء، آية: 88 - 89. (1/15)
صفحة 16
سأحاول في هذا الفصل مناقشة عصر الشيخ عمروس والأوضاع السائدة فيه ، سواء كان من الجانب السياسي أو الجانب الاقتصادي والاجتماعي أو الجانب الثقافي متناولا الحديث عن الأوضاع السائدة في جبل نفوسة (1)
__________
(1) *- جبل نَفُوسَة : هو جبل عال من جبال ليبيا بالمغرب ، طوله مسيرة ستة أيام من المشرق إلى المغرب ، وبينه وبين طرابلس مسيرة ثلاثة أيام ، وبينه وبين القيروان مسيرة ستة أيام ، وهو غني بالفواكه ، والنخيل ، والزيتون ، وارف الظلال ، خصب التربة ، من مدنه الكبيرة مدينة شروس ، ومدينة جادو ، كانتا تابعة للدولة الرستمية ، وهو معقل عظيم من معاقل الإباضية منذ العهد الأول إلى يومنا هذا ( أنظر : ياقوت بن عبد الله الحموي ( أبو عبد الله ) ، معجم البلدان ، ج8 ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت ، لبنان ، ط1 :1417هـ / 1997م . ، ص396) .. (1/16)
صفحة 17
والدولة الرستمية (1)
__________
(1) **- الدولة الرستمية : هي دولة إباضية نشأت في المغرب الأوسط في نهاية سنة 155هـ ، على يد الإمام عبد الرحمن بن رستم ، واتخذت من تيهرت عاصمة لها ، وفي سنة 160هـ أعلن الإباضية إمامة الظهور مبايعين الإمام عبد الرحمن ، وقد كانت الدولة الرستمية تضم المغرب الأوسط كله ، ما عدا تلمسان التابعة للأدارسة ، ومنطقة الزاب التي يسيطر عليها الأغالبة شرقا ، ويدخل ضمن حدود الدولة الرستمية جبل نفوسة ، وكل المناطق جنوب طرابلس ، وجزيرة جربة ، إضافة إلى الجنوب التونسي أي بلاد الجريد ، واستمرت الدولة الرستمية لمدة 136 سنة حتى سقطت في سنة 296هـ ، على يد أبي عبد الله الشيعي داعية الفاطميين ( أنظر : إبراهيم بحاز ، الدولة الرستمية ، جمعية التراث ، القرارة ، الجزائر ، ط2 1414هـ / 1993م ، ص99 ، 128- عوض محمد خليفات ، نشأة الحركة الإباضية ، مطابع دار الشعب ، عمان ، الأردن ، 1978م ، ص168- محمد صالح ناصر ، منهج الدعوة عند الإباضية ، مكتبة الاستقامة ، مسقط ، سلطنة عمان ، 1418هـ / 1997م ، ص153- 156 ) .. (1/17)
صفحة 18
لصلة الشيخ عمروس الوثيقة بجبل نفوسة والدول الرستمية ، كذلك سأعرج - بشيء من الاختصار- متحدثا عن أئمة المشرق الذين عاصرهم خاصة في عمان (1) ، مع التلميح إلى الدول التي قامت في عصره وهل كانت له علاقة بها أم لا ؟
__________
(1) ***- عُمَان : تقع على مدخل الخليج العربي ، شرق شبه الجزيرة العربية ، وهي محاطة من ثلاث جهات بشواطئ على امتداد أكثر من 1700 كلم ، من حدود رأس الخيمة ، قرب مسندم على الخليج العربي ، إلى خليج عمان عبر مضيق هرمز وبحر العرب وصولا إلى حدود اليمن ؛ وتبلغ مساحتها الحالية 320 ألف كيلو متر مربع ، وتتمتع بموقع تجاري وبحري محوري في منطقة المحيط الهندي والخليج ، وباقتصاد متين نسبيا يعتمد على تصدير النفط والغاز ، كما تتميز باقتصادها الزراعي الذي يقوم بصورة أساسية على تصدير التمور والحمضيات ، بالإضافة إلى صيد الأسماك وتربية المواشي ، قال ياقوت الحموي عن عمان : " عُمَان بضم أوله وتخفيف ثانيه وآخره نون ، اسم كورة عربية على ساحل بحر اليمن والهند ، وعمان في الإقليم الأول ... تشتمل على بلدان كثيرة ذات نخل وزرع إلا أن حرها يضرب به المثل ... وقال الزجاجي : سميت عمان بعمان بن إبراهيم الخليل ، وقال ابن الكلبي : سميت بعمان بن سبإ بن يفثان بن إبراهيم خليل الرحمن ، لأنه بنى مدينة عمان ... " إهـ ( أنظر : الحموي ، معجم البلدان ، 3/348- 349-Stevens (A) , Oman , citadelle entre et mer , Ed . Teera Incognita , ( Belgique ) , 1990 , p . 7 نقلا عن : حسين عبيد غانم غباش ، عُمان الديمقراطية الإسلامية تقاليد الإمامة والتاريخ السياسي الحديث ( 1500- 1970 ) ، ط1 : 1997م ، دار الجديد ، بيروت ، لبنان ، ص33 ) . (1/18)
صفحة 19
عاصر الشيخ عمروس خمسة أئمة من أئمة الدولة الرستمية وهم : الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن (1) ، والإمام أفلح بن عبد الوهاب (2) ، والإمام أبو بكر بن أفلح (3) ، والإمام أبو اليقظان محمد بن أفلح (4) والإمام أبو حاتم يوسف بن محمد بن أفلح (5) .
__________
(1) *- الإمام عبد الوهاب هو الإمام الثاني من أئمة الدولة الرستمية بالمغرب ، وقد تولى الإمامة في سنة 171هـ ، بعد وفاة والده الإمام عبد الرحمن بن رستم المؤسس للدولة الرستمية ، وقد كان يتصف بالعلم والورع والهيبة ، أنظر بقية ترجمته في ص39 عند الحديث عن " الوضع السياسي في عهد الإمام عبد الوهاب " .
(2) **- الإمام أفلح بن عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم ، هو الإمام الثالث من أئمة الدولة الرستمية ، تولى الإمامة في سنة 208هـ ، بعد وفاة والده الإمام عبد الوهاب ، وقد كان من كبار العلماء فدارت عليه سبع حلق في العلم قبل أن يبلغ سن الرشد ، أنظر بقية ترجمته في ص48 عند الحديث عن " الوضع السياسي في عهد الإمام أفلح " .
(3) ***- الإمام أبو بكر بن أفلح بن عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم ، لم تذكر المصادر اسمه ، وهو الإمام الرابع من أئمة الدولة الرستمية ، تولى الإمامة بعد وفاة والده الإمام أفلح في سنة 258هـ ، أنظر بقية ترجمته في ص56 عند الحديث عن " الوضع السياسي في عهد الإمام أبي بكر بن أفلح " .
(4) ****- الإمام أبو اليقظان محمد بن أفلح بن عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم ، هو الإمام الخامس من أئمة الدولة الرستمية ، تولى الإمامة في سنة 261هـ ، أنظر بقية ترجمته في ص60 عند الحديث عن " الوضع السياسي في عهد الإمام أبي اليقظان " .
(5) *****- هو الإمام أبو حاتم يوسف بن أبي اليقظان محمد بن أفلح بن عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم ، الإمام السادس من أئمة الدولة الرستمية ، تولى الإمامة في سنة 281هـ ، أنظر بقية ترجمته في ص64 عند الحديث عن " الوضع السياسي في عهد الإمام أبي حاتم " .. (1/19)
صفحة 20
والدليل على معاصرته للإمام عبد الوهاب هو نسخه لمدونة أبي غانم الخرساني (1) ،
__________
(1) ******- هو الإمام الحافظ الفقيه أبو غانم بشر بن غانم الخرساني ، من أهل خرسان ، قدم البصرة لتلقي العلم على يد علماء الإباضية فيها وخاصة الإمام أبي عبيدة ولم يدرك من حياته إلا قليلا ، عاش في الفترة الواقعة بين بداية النصف الثاني من القرن الثاني الهجري والعقود الأولى من القرن الهجري الثالث نحو ( 148هـ - 205هـ ) كما ذكر د/ النامي ، والظاهر من نسبه أنه ولد في خرسان ، قام برحلة علمية إلى مصر وبلاد المغرب ، والتقى في مصر بالشيخ عبد الله بن عباد المصري أحد علماء الإباضية في مصر ، ومر في رحلته إلى المغرب على جبل نفوسه والتقى بالشيخ عمروس بن فتح ، ثم زار تيهرت والتقى فيها بالإمام عبد الوهاب ، ثم رجع إلى المشرق حيث توفي ، وكان من صفاته الحرص على طلب العلم ، والتواضع والأمانة والدقة في النقل والإلحاح في السؤال ، أخذ العلم عن عدد من الأئمة والعلماء منهم : أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة ، والربيع بن حبيب ، وعبد الله بن عبد العزيز ، وأبو المؤرج عمر بن محمد ، وأبو سفيان محبوب بن الرحيل ، وضمام بن السائب ، وأبو نوح صالح الدهان ، وابن عباد المصري وغيرهم ، ومن أشهر تلامذته : الإمام أفلح بن عبد الوهاب ، والشيخ عمروس بن فتح ، وأما آثاره فقد ذكرت المصادر كتابين لأبي غانم وهما : 1- مدونة أبي غانم ، 2- اختلاف الفتوى : ذكره البرادي وقال عنه : " مفرد على حدته " ، ولم يذكر موضوعه ، تذكر المصادر أن وفاة أبي غانم كانت سنة 200هـ ، إلا أن الباحث صالح ألبوسعيدي يرى أن وفاته ليست قبل سنة 220هـ ، وقد قام الإمام القطب بترتيب مدونة أبي غانم ، وعمل حواشي عليها ، وهي عبارة عن تعاليق مقتضبة على بعض المسائل منها ، وقد قامت وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان بطبع المدونة مرتين في سنة 1404هـ / 1984م ، مرة بدون حاشية الإمام القطب ، ومرة مع حاشيته ، ولكي تفرق بين الاثنين فقد أطلقت على الطبعة الأولى بدون حاشية اسم " المدونة الصغرى " ، بينما أطلقت على المدونة مع الحاشية اسم " المدونة الكبرى " ( أنظر : أبو القاسم بن إبراهيم البرادي ، الجواهر ( مخ ) ، ص218 ـ أحمد بن سعيد الدرجيني ( أبو العباس ) ، كتاب طبقات المشائخ بالمغرب ، ج2 ، ت : إبراهيم طلاي ، ص323 ـ صالح بن أحمد ألبوسعيدي ، رواية الحديث عند الإباضية ، ط1: 1420هـ / 2000م ، [ اسم دار النشر غير مسجل ] ، ص89- 100- عمرو خليفة النامي ، دراسات عن الإباضية ، ت : د/ محمد صالح ناصر و د/ مصطفى باجو ، دار الغرب الإسلامي - بيروت- لبنان ، ط1: 2001م ، ص133 ) . (1/20)
صفحة 21
الذي كان متوجها إلى الإمام عبد الوهاب في تيهرت (1) (2) ،
__________
(1) *******- تيهرت : هي عاصمة الدولة الرستمية ، وقد تضاربت المصادر في تسميتها ، فقيل : تيهرت ، وقيل تاهرت ، وقد ناقشت ذلك في المبحث الثالث " الوضع الثقافي في عصر الشيخ عمروس " من هذا الفصل ، أنظر ص91- 93 .
(2) - الدرجيني ، الطبقات ، 2/323 ـ أحمد بن سعيد بن عبد الواحد الشماخي ، كتاب السير ، ت : أحمد بن سعود السيابي ، ج1، وزارة التراث القومي والثقافة ، مسقط ، سلطنة عمان ، 1407هـ / 1987م ، ص194 ـ إسماعيل بن موسى الجيطالي ( أبو طاهر ) ، كتاب قواعد الإسلام ، ج1 ، ت : بكلي عبد الرحمن بن عمر ، مكتبة الاستقامة ، مسقط ، سلطنة عمان ، ط2 : 1413هـ / 1992م ، ص13، هامش المحقق ـ عمروس بن فتح النفوسي ، أصول الدينونة الصافية ، ت : حاج أحمد بن حمو كروم ، وزارة التراث والثقافة ، مسقط ، سلطنة عمان ، مطبعة عمان ومكتبتها المحدودة ، ط1 : 1420هـ / 1999م ، ص19 .. (1/21)
صفحة 22
ومن الأدلة الأخرى على معاصرته للإمام عبد الوهاب معاصرته لشخصيات كانت معاصرة للإمام عبد الوهاب ، ومن هذه الشخصيات : أبو مرداس مهاصر السدراتي (1) ،
__________
(1) *- أبو مرداس مهاصر السدراتي التبرستي من علماء القرن الثالث الهجري ، كان من كبار مشائخ تبرست بجبل نفوسة بليبيا ، هو من قبيلة سدراته النفوسية التي ينسب إليها ، كان معاصرا للإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن ( حكم من : 171- 208هـ ) ، وقد لزم الإمام عبد الوهاب طيلة بقائه بجبل نفوسة ، يذكر عنه أنه كان رجلا حازما ممارسا للأمور ورعا نبيها وجيها عاقلا فطنا مجتهدا وغيرها من الصفات الحميدة ، وكان عالما في أحكام الدماء ، قال عنه الدرجيني : " بلغ في العلوم النهاية ، وجرى من أمر الصلاح الغاية ، وكان شديدا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، يتبع الأمراء فيأمرهم وينهاهم ، ويشدد عليهم " إهـ ، وكان مجاهدا متمرسا قضى عمره في الجهاد حتى كبر وانحنى ظهره فكان يجر سيفه أمام الجيوش ، وقد كان الإمام عبد الوهاب يعظمه ويجله لعلمه وتقواه ، حتى أنه إذا زار الإمام يقوم إليه الإمام بنفسه ، وقد سئل الإمام عبد الوهاب عن سبب إجلاله له فقال : " كيف لا أجل من تجله الملائكة " ، وقد أخذ أبو مرداس العلم عن الشيخ أبدين الفرسطائي ، وعن أبي يونس ، وله ثلاث مساجد تنسب إليه في جبل نفوسة . ( أنظر : الدرجيني ، الطبقات ، 2/291- 294 ـ الشماخي ، السير ، 1/150ـ 155 ـ إبراهيم بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، ج2 ، دار الغرب الإسلامي ، بيروت ، لبنان ، ط2 : 1421هـ / 2000م ، ص426 ، رقم الترجمة : 917 ) .. (1/22)
صفحة 23
وأبو الحسن الأبدلاني (1) ،
__________
(1) **- هو أبو الحسن الأبدلاني ، من أبديلان بجبل نفوسة ، عاش في القرن الثالث الهجري ، يعد من علماء وفقهاء جبل نفوسة ، تلقى العلم عن عاصم السدراتي أحد حملة العلم الخمسة إلى المغرب عن أبي عبيدة ، له دراية بعلم التفسير ، وعلم الكلام والمناظرة ، وكان مستجاب الدعاء ، ومجاهدا متمرسا لفنون القتال ، وكان من ضمن الوفد الذي أرسلته نفوسة لمناظرة الواصلية المعتزلة بطلب من الإمام عبد الوهاب ، فناظرهم وتغلب عليهم ( أنظر : الدرجيني ، الطبقات ، 1/57 ، 60ـ الشماخي ، السير ، 1/145- 150- علي يحيى معمر ، الإباضية في موكب التاريخ ، مكتبة الضامري ، سلطنة عمان ، السيب ، ط2 : 1993م ، المجلد الأول ، ح2 ، ق2 ، ص33- 35- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/121 رقم الترجمة : 259 ) .. (1/23)
صفحة 24
وأبو المنيب محمد بن يانس (1) ،
__________
(1) ***- هو أبو المنيب محمد- وورد مامد وهو نطق بربري لمحمد- بن يانس- وورد يانيس- الدركلي النفوسي ، يعد من الطبقة الخامسة ( 200 هـ - 250 هـ ) ، هو أحد أعلام جبل نفوسة بليبيا ، أخذ العلم عن عاصم السدراتي ، وإسماعيل بن درار الغدامسي ، من تلامذته : أبو خليل صال الدركلي ، وأخوه عمرو بن يانس ، كان ضمن الوفد الذي رشحته نفوسة لمواجهة الواصلية المعتزلة بتيهرت حين طلب الإمام عبد الوهاب المدد العلمي والعسكري من نفوسة ، فكان محمد بن يانس أحد أربعة الذي تكفلوا بمجادلة الواصلية ، وقد اشتهر بمعرفته العميقة بالقرآن الكريم ، إذ يقول عن نفسه : " أخذت تفسير القرآن كله من الثقات ، وتعلمته عنهم إلا حرفا واحدا أو اثنين " ، ويعتبر حلقة في سلسلة نسب الدين ، كان كثير الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وروي عنه رغم كبر سنه أنه كان يصلي في سبع مساجد ، ويتعبد في غار ( أنظر : الدرجيني ، الطبقات ، 1/57- 58 ، 2/296- 299 ـ الشماخي ، السير ، 1/145- 148 - علي يحيى معمر ، الإباضية في موكب التاريخ ، المجلد الأول ، ح2 ، ق2 ، ص17- 25- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/395- 396 رقم الترجمة : 855 ) .. (1/24)
صفحة 25
وأبو مهاصر الأفطماني (1) ، وأبو عبيدة عبد الحميد الجناوني (2) ،
__________
(1) ****- هو أبو مهاصر موسى بن جعفر الأفطماني وورد الفاطماني ، من إيفاطمان بجبل نفوسة ، عده الدرجيني من الطبقة الخامسة ( 200 هـ - 250 هـ ) ، كان من علماء جبل نفوسة ، وكان معروفا بكثرة العبادة والنسك والتبتل واستجابة الدعاء ، وكان زاهدا في الدنيا ، سخي اليد ، وكانت له رفقة وصحبة مع الشيخ عمروس بن فتح ، وكان من المكثرين للحج ، فيروى أنه حج سبع مرات ، وكان يحضر مجالس الذكر ، وكان آمرا للمعروف ناهيا عن المنكر ، وكانت له ثلاثة مساجد تعرف باسمه في جبل نفوسة ( أنظر: مقرين بن محمد البغطوري ، سير أهل نفوسة ( مخ ) ، ص86- 92- الدرجيني ، الطبقات ، 2/305- 308 ـ الشماخي ، السير ، 1/171- 174، 2/235- علي يحيى معمر ، الإباضية في موكب التاريخ ، المجلد الأول ، ح2 ، ق2 ، ص47- 50 ) .
(2) *- هو أبو عبيدة عبد الحميد بن فحمس – وورد محمس – الجناوني ، من علماء إجنَّاون ، قرب جادو بجبل نفوسة ، أخذ العلم بها ، وكان مستجاب الدعاء ، عينه الإمام عبد الوهاب عاملا على حيز طرابلس بعد موت عامله أيوب بن العباس ، استطاع القضاء على خلف بن السمح الذي ثار على الإمام عبد الوهاب ، ومن أقواله لأهل الجبل : " والله لقد تركتكم على الواضحة النيرة ، تقود الضال ، وما بيني وبين رسول الله إلا ثلاثة رجال " ، وقد توفي بعد سنة 211هـ ( أنظر : البغطوري ، سيرة أهل نفوسة ( مخ ) ، ص34 ، 55 ، 107 ، 108 - يحيى بن أبي بكر (أبو زكرياء ) ، كتاب سير الأئمة وأخبارهم ، ت : إسماعيل العربي ، دار الغرب الإسلامي ، بيروت ، لبنان ، ط2 : 1420هـ / 1982م ، ص123- 124- الدرجيني ، الطبقات ، 1/70- 71 ، 2/291 ، 305 - الشماخي ، السير ، 1/156- 163 - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/244 رقم الترجمة : 538 ) .. (1/25)
صفحة 26
وأبو زكريا التوكيتي (1) ، فهذه الشخصيات كانت تعيش في نفس العصر (2) .
__________
(1) **- هو أبو زكرياء يصليتن - وورد " يصلاتن " ، و" يصلتين " ، و" يصلات " ، ورجح أصحاب معجم أعلام الإباضية " يصليتن " - التويكيتي اللالوتي ، يعد من الطبقة الخامسة : ( 200- 250هـ ) ، ينسب إلى " توكيت " و " لالوت " وهما قريتان من قرى جبل نفوسة بليبيا ، ولعله نسب إليهما بسبب تنقله بينهما لطلب العلم أو نشره ، أخذ العلم كما يرجح أصحاب المعجم عن حملة العلم الخمسة إلى المغرب ، كان مرجع أهل الجبل في النوازل ، يفتي الناس ، وكان الساعد الأيمن لوالي نفوسة أبي عبيدة عبد الحميد الجناوني في عهد الإمام عبد الوهاب ، وقد شهد له الإمام عبد الوهاب بالعلم لما أرسل إلى واليه أبي عبيدة بأمر تعيينه واليا على جبل نفوسة : " ... وإن كنت ضعيفا في العلم فعليك بأبي زكرياء يصلاتن التوكيتي " ( أنظر : الدرجيني ، الطبقات ، 1/71 ، 2/291 ، 294 ، 297- الشماخي ، السير ، 1/155- سليمان بن عبد الله الباروني ( باشا ) ، كتاب الأزهار الرياضية في أئمة وملوك الإباضية ، ج2 ، دار بوسلامة ، تونس ، ص153- علي يحيى معمر ، الإباضية في موكب التاريخ ، المجلد الأول ، ح2 ، ق2 ، ص45- 46- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/470 رقم الترجمة : 1026) .
(2) - الشماخي ، السير ، 1/150. (1/26)
صفحة 27
والدليل على معاصرة هؤلاء للإمام عبد الوهاب ، التقاء بعضهم به ، ومنهم على سبيل المثال أبو مرداس مهاصر فقد التقى بالإمام عبد الوهاب ، وكانت له مع الإمام عدة مواقف (1) ، ومنهم أبو عبيدة عبد الحميد الجناوني ، فقد عينه الإمام عبد الوهاب واليا على جبل نفوسة (2) ؛ والشيخ عمروس التقى ببعض هذه الشخصيات مثل أبي مهاصر الأفطماني ، الذي كان معاصرا لتلك الشخصيات كما علمنا ، وقد كانت بين الشيخ عمروس وأبي مهاصر صحبة (3) ، إذا فيظهر من ذلك أن الشيخ عمروس كان معاصرا للإمام عبد الوهاب بناء على معاصرته لشخصيات كانت معاصرة للإمام عبد الوهاب .
وإن كان الشيخ عمروس أدرك أواخر أيام الإمام عبد الوهاب فيما يظهر - وسيأتي الحديث عن ذلك في الفصل الثاني عند مناقشة تاريخ مولد الشيخ عمروس - ، والذي يؤكد ذلك كون أبي عبيدة الجناوني - المعاصر للشيخ عمروس - تقلد منصب ولاية جبل نفوسة في آخر عهد الإمام عبد الوهاب ، فمات الإمام عبد الوهاب وأبو عبيدة كان واليا على جبل نفوسة (4) .
__________
(1) - الدرجيني ، الطبقات ، 2/292 ، 293 ـ الشماخي ، السير ، 1/151.
(2) - الدرجيني ، الطبقات ، 1/70 ـ الشماخي ، السير ، 1/158 ـ الباروني ، الأزهار ، 2/152 .
(3) - الشماخي ، السير ، 1/171 ، 194 .
(4) - الدرجيني ، الطبقات ، 1/72 ـ الشماخي ، السير ، 1/159 ـ الباروني ، الأزهار ، 2/166 . (1/27)
صفحة 28
كذلك من ضمن الأدلة على معاصرة الشيخ عمروس للإمام عبد الوهاب ، التقاؤه بمهدي الويغوي النفوسي (1) ، ومناظرتهما لنفاث (2)
__________
(1) *- هو مهدي النفوسي الويغوي ، من أبرز علماء جبل نفوسة بليبيا ، عاش في القرن الثاني الهجري ، أخذ العلم عن حملة العلم إلى المغرب ، برع في المناظرة فانتدب لمناظرة المعتزلة بتيهرت في عهد الإمام عبد الوهاب ، له كتاب باللسان البربري يرد فيه على أباطيل نفاث بن نصر ، ويعتبر هذا الكتاب أقدم كتاب إباضي بالبربرية ألف نثرا ، وسبب وضعه باللغة البربرية – كما يذكر الدرجيني – ليتناقله البربر ، استشهد في حصار الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن لمدينة طرابلس سنة 196هـ ، والظاهر أن هناك مهدي آخر عاش في القرن الثالث الهجري وهو المناظر لنفاث ، وقد ناقشت ذلك في النص أعلاه والله أعلم ( أنظر : الدرجيني ، الطبقات ، 1/60 ، 2/313- 314- الشماخي ، السير ، 1/148- 150- الباروني ، الأزهار ، 2/119- 122 ، 138- 139 ، 145- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/427 ، رقم الترجمة : 918 ) .
(2) **- نفاث : اسمه فرج بن نصر النفوسي ، ويشتهر بـ " نفاث " ، عاش في النصف الأول من القرن الثالث الهجري ، وكان من إحدى القرى القريبة من جبل نفوسة قال الشيخ علي يحيى معمر : " ولعلها القرية المعروفة بـ " نفاثة " وهي قرية في قمة جبل صعب المراقي في " سمت " بلدة " تنزغت " ...." إهـ ، وكان نفاث من علماء الدولة الرستمية بتاهرت ، أخذ العلم عن الإمام أفلح بن عبد الوهاب ، كان ذكيا فبلغ في العلم درجة عالية ، ولكنه حرم التوفيق ، وذلك أنه كان يمني نفسه ولاية جبل نفوسة ، إلا أن الإمام أفلح ولى أحد زملائه ممن هم أقل منه ذكاء وعلما وكفاءة ـ كما يرى نفاث ـ فسخط على الإمام أفلح وانشق عنه ، وتبنى آراء في الإمامة جعلها سندا في معارضته للإمام من هذه الآراء زعمه أن الإمام أفلح أضاع أمر المسلمين ، وأنه يزيد في الخلقة إذا مشى ، ويلبس الطرطور – والطرطور هي : القلنسوة الطويلة الدقيقة الرأس كما جاء في المعجم الوسيط - ويخرج إلى الصيد ، ويصلي بالأشبور ، ومن المسائل الأخرى التي ابتدعها وضل بها : قوله أن الله هو الدهر ، وزعمه أن خطبة الجمعة بدعة وضلالة ، وقوله أن ابن الأخ أولى بالميراث من الأخوة لأب وأنهم يحجبونهم ، وقوله أن الفقد لا يتحقق إلا فيمن تجاوز البحر ، وزعم أن من أعطى لعامل أفلح الزكاة فكمن أعطاها لنوبار ملك السودان ، وغيرها من المسائل الغريبة الضالة ، وقد ذهب إلى المشرق وبالتحديد بغداد هاربا من الإمام أفلح ، ونسخ هناك ديوان الإمام جابر بعد أن أجاب على سؤال الخليفة العباسي ، وعندما عاد إلى المغرب خاف أن يحصل الإمام أفلح على الديوان ، فدفنه حسدا وحقدا ، واختلفت أقوال المؤرخين في سلوكه بعد رجوعه من المشرق فقيل أنه بقي يحمل نفس الآراء ولكنه آثر الصمت لأن السكوت أصلح له ، وقيل أنه بعد رجوعه تاب ورجع عما خالف فيه ، وصلح حاله ، وذكر د/ عمرو خليفة النامي أن هذا القول الثاني لا دليل عليه ؛ وقد ناظر الشيخ عمروس نفاث مع الشيخ مهدي النفوسي ودحضا حججه وضلالاته ؛ وينبغي التنبيه على نقطة مهمة وهي أن بعض كتاب المقلات والمؤرخين بالغوا حين زعموا أن نفاثا إمام لفرقة وبالغوا أيضا حين زعموا أن هناك فرقة تسمى " النفاثية " ، وقد رد الشيخ علي يحيى معمر على هذا الزعم فقال : " ... والواقع ليس هناك فرقة لا تحت العنوان العام ( الإسلام ) ولا تحت العنوان الخاص ( الإباضية ) بحيث تعتبر كتلة مستقلة بمبادئها وشعاراتها ، وإنما كل ما في الأمر أن هناك رجلا له موقف فقهي اجتهد فيه في مسائل خالف فيها الجمهور ، ومثاله في الأمة الإسلامية كثير وعند الإباضية كثير ، وفي كل مذهب أيضا كثير ، ويستطيع الباحث أن يضع كشوفا طويلة في كل مذهب للعلماء الذين اجتهدوا وخالفوا في مسائل ، ولو جرينا على هذا الأسلوب لما وقف عدد الفرق عند حد ، ويستطيع المطلع الآن أن يسمي الصالحية والطفيشية والحموية والبيوضية وغيرها كثير ، لأن لكل واحد من هؤلاء اجتهادات في مسائل خالف فيها الآخرين ، وهذا منطق غير مقبول فهم مجتهدون في مسائل داخل المذهب أو اجتهادا مطلقا ، ويكفي هذا وقد يكون الواحد منهم مجتهدا في المسألة نفسها فقط " إهـ ( أنظر : أبو زكرياء ، كتاب سير الأئمة ، ص138- 146- الدرجيني ـ الطبقات ـ 1/77- 82 ، 2/314 ـ سليمان باشا الباروني ، الأزهار ، 2/195- 210 ـ سليمان الباروني ( أبو الربيع ) ، مختصر تاريخ الإباضية ، [ اسم دار النشر غير مكتوب ] ، ص32 ـ 44 ـ الشيخ علي يحيى معمر ، الإباضية بين الفرق الإسلامية ، 2/21 ـ 29 ـ بحاز وآخرون ، معجم أعلام لإباضية ، 2/338 ، رقم ترجمة : 731 - علي يحيى معمر ، الإباضية مذهب إسلامي معتدل ، تقديم وتعليق : أحمد بن سعود السيابي ، مكتبة الضامري ، السيب ، سلطنة عمان ، ط 4 : 1421هـ/ 2000م ، ص45 ـ النامي ، دراسات عن الإباضية ، ص210- 213 ـ إبراهيم مصطفى وآخرون ، المعجم الوسيط ، ج2 ، المكتبة الإسلامية ، استانبول ، تركيا ، ص555 ) . (1/28)
صفحة 29
معا (1) .
ومهدي هذا على حسب ما ذكرت بعض المصادر هو نفس مهدي الذي أرسلته نفوسة إلى تيهرت ضمن الوفد المشكل من أربعة نفر ، لنجدة الإمام عبد الوهاب ضد الواصلية ( المعتزلة ) (2) ،
__________
(1) - الشماخي ، السير ، 1/149 .
(2) ***- الواصلية ( المعتزلة ) : هم أتباع واصل بن عطاء ( 80- 171هـ ) ومشهورون بفكرهم المتحرر ، وهم فرقة من فرق المعتزلة التي تشملهم التسمية جميعا ، بل لقد قيل إن سبب تسمية المعتزلة بهذا الاسم إنما كان لكلمة أطلقها الحسن البصري على تلميذه واصل لما قال بالمنزلة بين المنزلتين ، إذ رد عليه الحسن " اعتزلنا واصل " ، وتتلخص معتقدات الواصلية فيما يلي : 1- المنزلة بين المنزلتين ، 2- نفي الصفات ، 3- القدرة ، 4- خلق القرآن وغيرها ، ويذكر البكري أن مجمع الواصلية كان قريبا من تيهرت ، وكان عددهم نحو ثلاثين ألفا في بيوت كبيرة كبيوت الأعراب ، ويذكر الشيخ اطفيش أن إباضية الجزائر اليوم في وادي ميزاب كانوا معتزلة يسافرون إلى تيهرت لقتال الإباضية ، وكانوا أقوياء ، ولما غلبتهم الإباضية في عهد الرستميين صار أمرهم في إدبار ، حتى جاءهم الشيخ محمد بن بكر مؤسس نظام الحلقة الإباضية في القرن الخامس الهجري وردهم إلى مذهب الإباضية الذي يعتنقونه اليوم . (.أنظر : محمد عبد الكريم الشهرستاني ، الملل والنحل ، ج1 ، دار الفكر ، بيروت ، لبنان ، ص67 ـ د/ عبد الستار عز الدين الراوي ، ثورة العقل ، دراسة فلسفية في فكر معتزلة بغداد ، دار الرشيد للنشر ، بغداد ، 1982م ، ص49- 59 ـ البكري ، المغرب في ذكر بلاد أفريقية والمغرب ، ص67 ـ ابن الصغير ، تاريخ الأئمة الرستميين ، ص44 ـ محمد اطفيش ، الرسالة الشافية نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص332 الهامش ، ص38 ـ وفيات الأعيان ، 6/7- 11 ـ أمالي المرتضي ، 1/113 ـ وفيات الوفيات ، 2/317 ـ تاريخ الإسلام ، الذهبي ، 5/113 ـ مرآة الجنان ، 1/274 ـ لسان الميزان ، 6/214 ـ مروج الذهب ، 2/298 ـ ضحى الإسلام ، 3/92ـ 93 نقلا عن : أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص101 الهامش ) . (1/29)
صفحة 30
وكان مهدي هو المناظر (1) ، إلا أن بعض المصادر تفرق بينهما ، وتعتبرهما شخصيتن مختلفتن ، فالشماخي يذهب إلى أن مهدي الويغوي صاحب الشيخ عمروس والمناظر لنفاث هو غير مهدي الويغوي صاحب الإمام عبد الوهاب ومنجد تيهرت ، فقال بعد أن ذكر قصة مناظرة عمروس ومهدي لنفاث : " ... والصواب أن هذا غير مهدي المعاصر للإمام - يقصد الإمام عبد الوهاب - لأنهما متأخران أعني مهدي وعمروسا ... " إهـ (2) ، ومستند الشماخي في التفريق بينهما أن مهدي صاحب الإمام عبد الوهاب مات سنة 196هـ ، ومهدي صاحب عمروس من أهل القرن الثالث (3) .
__________
(1) - الدرجيني ، الطبقات ، 1/58 ـ الباروني ، الأزهار ، 2/119 ـ بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/427 رقم الترجمة : 918 .
(2) - الشماخي ، السير ، 1/149 ، 2/19 .
(3) - المصدر السابق ، 2/19 . (1/30)
صفحة 31
إلا أن هناك من تعقب الشماخي فيما ذهب إليه ، وهو الباحث محمد حسن - محقق كتاب السير - فقد ذهب إلى أنهما نفس الشخصية ، وأن الشماخي أخطأ فيما ذهب إليه بسبب اعتماده على مراجع مختلفة ومتباينة ، وهذا نص كلامه : " ذكر الشماخي شخصين تحت هذا الاسم : مهدي المتكلم الويغوي الأول صاحب الإمام عبد الوهاب توفي سنة 196هـ ، والثاني عاش في القرن الثالث ، ولا شك أن هذا الخطأ مصدره اعتماد الشماخي على مراجع مختلفة ومتباينة ، فقد ذكر اعتمادا على كتاب سير مشايخ نفوسة للبغطوري (1)
__________
(1) *- هو مقرين بن محمد البغطوري النفوسي ، من علماء جبل نفوسة ، عاش في القرن السادس الهجري ، وكان لا يزال حيا في سنة 599 هـ ، أخذ العلم عن أبي محمد عبد الله بن محمد المجدلي ، وأبي يحيى توفيق بن يحيى الجناوني ؛ كان شيخا عالما فقيها ، ممن جازت عليه سلسلة نسب الدين ، وألف في الفقه ، وألف كتاب " سير أشياخ جبل نفوسة " الذي اعتمده الشماخي ، واقتبس منه نصوصا هامة ، وقد أكمل تأليف كتابه " سير أشياخ جبل نفوسة " في سنة 559 هـ ، وكان مفقودا حتى عثر عليه الشيخ سالم بن يعقوب في القرن العشرين ، وهو لا يزال مخطوطا في مكتبته ( أنظر : الشماخي ، السير ، 2/189 =
= - عبد الله بن يحيى الباروني ، رسالة سلم العامة والمبتدئين إلى معرفة أئمة الدين ، ت: سليمان باشا الباروني ، مطبعة فانزي ، تونس ، ص31 ، 37- فرحات الجعبيري ، علاقة عمان بشمال إفريقيا ، ط1 ، المطابع العالمية ، روي ، سلطنة عمان ، ص26 الهامش - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/423 رقم الترجمة : 905 ) . (1/31)
صفحة 32
أن مهديا المتكلم توفي سنة 196هـ ، بينما يورد الدرجيني ( طبقات ، ج2 ، ص313 ) نفس العلم ضمن رجال الطبقة الخامسة ( 200هـ / 250هـ ) . مما يفسر هذه التفرقة الخاطئة للشماخي بين شخصين يحملان نفس الاسم ، لاسيما أن الرواية التي ذكرها مباشرة بعد هذه الفقرة جاءت في الدرجيني ( طبقات ، ج2 ، ص314 ) خاصة بمهدي الويغوي ، صاحب الإمام عبد الوهاب " إهـ (1) .
__________
(1) - الشماخي ، السير ، ت: محمد حسن ، كلية الآداب العلوم الإنسانية والاجتماعية ، تونس ، شركة أوربيس للطباعة ، تونس ، 1995 ، ص285 ، هامش المحقق . (1/32)
صفحة 33
والحقيقة أن ما ذكره محمد حسن - محقق كتاب السير - من أن الشماخي وقع في خطأ فيما ذهب إليه مرده اعتماده على مراجع مختلفة ومتباينة ، الظاهر - والله اعلم - أنه يحتاج إلى إعادة نظر ، وذلك أننا إذا تأملنا كلام الشماخي بدقة نجد أنه بين سبب ترجيحه كون مهدي الأول صاحب الإمام مختلف عن مهدي الثاني صاحب عمروس ، فقد ذكر أن مهدي الثاني وعمروس متأخران عن الإمام عبد الوهاب (1) ، هذا دليله الأول ، ودليله الثاني كون مهدي الأول صاحب الإمام مات في سنة 196هـ ، وأن مهدي الثاني كان في القرن الثالث الهجري (2) ، إذا لابد من وجود مهدي آخر غير الأول صحب عمروس وكانت له مناظرات مع نفاث ، والظاهر أن ما ذهب إليه الشماخي هو الصحيح ، وذلك أن مهدي الأول صاحب الإمام عبد الوهاب استشهد في سنة 196هـ أثناء حصار الإمام عبد الوهاب لمدينة طرابلس (3) (4) .
__________
(1) - الشماخي ، السير ، طبعة وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان ، 1/149 .
(2) - المصدر السابق ، 2/19 .
(3) *- طرابلس : هي قطر إفريقي ، وهو القسم الشرقي من بلاد البربر ، يحدها من الشمال البحر المتوسط ، ومن الشرق لواء بنغازي ومصر ، ومن الجنوب الصحراء ، ومن الغرب الصحراء وتونس ؛ وهي أرض سهلة رملية ، وبها جبال صخرية قليلة الارتفاع ، وهواؤها شديد الحرارة صيفا ، وشديد البرودة شتاء ، وليس بها من الأنهار إلا بعض وديان تجري زمن الأمطار ويستقي أهلها من الآبار ، ومن محاصيلها البرتقال ، والليمون ، والخوخ ، والبلح ، والشعير ، والحنطة ؛ وطرابلس في هذا العصر هي عاصمة ليبيا ( أنظر : محمد فريد وجدي ، دائرة معارف القرن العشرين ، ج5 ، دار المعرفة ، بيروت ، لبنان ، ط3 : 1971م ، ص689- 700 ) .
(4) - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/427 رقم الترجمة : 918 ـ الباروني ،الأزهار ، 2/145 ـ الشماخي ، السير ، 1/150 ، 2/19 ـ البغطوري ، سير أهل نفوسة ( مخ ) ، ص76 . (1/33)
صفحة 34
ونفاث ظهر في عهد الإمام أفلح ، وليس في عهد الإمام عبد الوهاب ، فقد كان نفاث من طلاب الإمام أفلح (1) ، والإمام أفلح حكم في القرن الثالث من سنة 208هـ إلى سنة 258هـ (2) ، وقد عده الدرجيني في الطبقة الخامسة ( 200هـ - 250هـ ) ، وهي نفس الطبقة التي ذكر فيها الدرجيني مهدي وعمروس المناظران لنفاث ، إلا أنه لم يفرق بين مهدي الأول ومهدي الثاني (3) .
كذلك فإن الشيخ عمروس ولد في أواخر القرن الثاني فيما يقارب من سنة 190هـ - كما سيأتي في الفصل الثاني - وبالتالي سيكون عمره عند وفاة مهدي الأول ست سنوات تقريبا ، ومن هو في مثل هذه السن لا يستطيع الخوض في غمار المناظرات ، أما إذا أتينا إلى القرن الثالث فإن الشيخ عمروس سيكون قد بلغ من السن ما يؤهله للمناظرة ، والخوض في علم الكلام .
إذا فالذي يظهر - والله أعلم - أن مهدي الويغوي المناظر لنفاث مع الشيخ عمروس هو غير مهدي الويغوي صاحب الإمام عبد الوهاب ، فلعله مجرد تشابه في الأسماء أدى إلى هذا الخلط بينهما في المصادر ، والحقيقة أن جميع المراجع والمصادر التي وقعت بين يدي لم تفرق بينهما وعدتهما شخصية واحدة ، عدا الشماخي صاحب السير فقد تنبه لهذا الخلط وفرق بينهما ، والظاهر أن ما ذهب إليه هو الصحيح .
__________
(1) - الدرجيني ، الطبقات ، 1/78 ـ الشماخي ، السير ، 1/167 ، 184 ـ بحاوز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/61 ، رقم الترجمة : 116 ،2/338 رقم الترجمة : 731 .
(2) - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/60 رقم الترجمة 116 ـ بحاز ، الدولة الرستمية ، ص120 ، 122 .
(3) - الدرجيني ، الطبقات ، 2/291 ، 314 . (1/34)
صفحة 35
وأما بالنسبة لمعاصرة الشيخ عمروس للإمام أفلح فالدليل على ذلك مناظرته لنفاث الذي ظهر في عهد الإمام افلح ، وقضي على حركته في نفس عهد الإمام أفلح (1) ؛ والدليل على معاصرته للإمام أبي بكر والإمام أبي اليقظان والإمام أبي حاتم ، توليه منصب القضاء في عهد الإمام أبي اليقظان والإمام أبي حاتم (2) ؛ وبما أنه تولى منصب القضاء في عهد هذين الإمامين ، وهما متأخران عن الإمام أفلح والإمام أبي بكر فهذا دليل على معاصرة الشيخ عمرس للإمامين أفلح وأبي بكر ، حيث أن الشيخ عمروس كان معاصرا للإمام عبد الوهاب كما مر .
__________
(1) - الدرجيني ، الطبقات ، 1/78 ـ الشماخي ، السير ، 1/167 ، 184 ـ بحاوز وآخرون ، معجم اعلام الإباضية ، 2/61 رقم الترجمة : 116 ، 2/338 رقم الترجمة : 731 .
(2) - الباروني ، الأزهار ، 2/252 ـ بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/321 رقم الترجمة : 690 . (1/35)
صفحة 36
ودليل آخر على معاصرة الشيخ عمروس لكل من الإمام أفلح، والإمام أبي بكر، والإمام أبي اليقظان، والإمام أبي حاتم، هو استشهاده - أي الشيخ عمروس - في وقعة " مانو " (1) التي وقعت في سنة 283هـ، في عهد الإمام أبي حاتم (2)، والشيخ عمروس كان معاصرا للإمام عبد الوهاب، إذا فهو معاصر لهؤلاء الأئمة الخمسة؛ إذا وبما أن الشيخ عمروس عاصر هؤلاء الأئمة الرستميين، فسوف أتناول الأوضاع السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية في عصر كل إمام من هؤلاء الأئمة، ومن خلال التعرف على الأوضاع السابقة الذكر في عصر هؤلاء الأئمة الرستميين ستنجلي لنا الأوضاع السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية في عصر الشيخ عمروس رحمه الله.
1 - المبحث الأول: الوضع السياسي في عصر الشيخ عمروس:
أ ـ المطلب الأول: الوضع السياسي في عهد الإمام عبد الوهاب:
__________
(1) *- مانو: قصر قديم من قصور الأولين يقع على ساحل البحر بين قابس وطرابلس تقريبا، أنظر أحداث وقعت " مانو " في ص257 (أنظر: أبو زكرياء، سير الأئمة، ص156 - الشماخي، السير، 1/ 228 - عبد الله الباروني، سلم العامة والمبتدئين، ص17 الهامش - بحاز، الدولة الرستمية، ص129 الهامش).
(2) - الباروني، الأزهار، 2/ 280 - بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 2/ 322 رقم الترجمة:690، 2/ 490 رقم الترجمة: 1067. (1/36)
صفحة 37
تولى الإمام عبد الوهاب الإمامة في سنة 171هـ ، بعد وفاة والده الإمام عبد الرحمن بن رستم (1) المؤسس للدولة الرستمية (2) ،
__________
(1) *- هو الإمام عبد الرحمن بن رستم بن بهرام بن كسرى ، علم من أكبر أعلام الإباضية ، ولد بالعراق في العقد الأول من القرن الثاني الهجري ، ويرجع في نسبه إلى الأكاسرة ملوك الفرس ، وبعضهم ينسبه إلى اللذارقة ملوك الأندلس ، قبل الإسلام ، سافر أبوه وأمه من العراق إلى الحجاز لأداء فريضة الحج ، إلا أن أباه وافاه أجله ، وترك أرملة ويتيما هو الإمام عبد الرحمن ، ثم تزوجت أمه برجل مغربي أخذها وابنها إلى القيروان ، فنشأ الإمام عبد الرحمن في القيروان ، وتعلم مبادئ العلوم فيها ، ثم صادف نشر دعوة الإباضية في تلك الربوع فتعلق بها ، فانتقل إلى البصرة في سنة 135هـ ، للدراسة على يد الإمام أبي عبيدة ، عاد إلى المغرب بعد خمس سنوات ، ميزه أبو عبيدة عن بقية حملة العلم إلى المغرب بقوله : " إفت بما سمعت مني وما لم تسمع " ، عين واليا وقاضيا على القيروان في عهد الإمام أبي الخطاب المعافري ( 140- 145هـ ) ، استطاع الإمام عبد الرحمن - بعد سقوط دولة الإمام أبي الخطاب - تكوين دولة للإباضية عرفت بالدولة الرستمية في سنة 155هـ ، واتخذ تيهرت عاصمة لها ، بويع له بالإمامة في سنة 160هـ ، وتوفي في سنة 171هـ ، وترك بعض المؤلفات وهما : 1- في تفسير كتاب الله العزيز ، 2- كتاب جمعت فيه خطبه ( أنظر :الدرجيني ، الطبقات ، 2/290- الشماخي ، السير ، 1/124- 125 ، 139- 167- الباروني ( باشا ) ، الأزهار ، 2/83 ، 84 ، 94- 96 ، 98 ، 101- أبو الربيع الباروني ، مختصر تاريخ الإباضية ، ص37- 38- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/246- 248 رقم الترجمة : 544 ) .
(2) - الباروني ، الأزهار ، 2/100، 101 ـ بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/283 ، رقم الترجمة : 609 .. (1/37)
صفحة 38
وقد جعل الإمام عبد الرحمن الأمر شورى في ستة نفر ليختار منهم الإمام الجديد ، فاختار أهل الحل والعقد من الستة عبد الوهاب (1) ، وصفه الشماخي بقوله : " الإمام الباسل الشجاع التقي اللين الحليم أمير المؤمنين عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم ... " إهـ (2) .
__________
(1) - الدرجيني ، الطبقات ، 1/46 ـ الشماخي ، السير ، 1/130 ـ الباروني ، الأزهار ، 2/99 ـ بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/248 رقم الترجمة : 544 .
(2) - الشماخي ، السير ، 1/130 . (1/38)
صفحة 39
اتسم عهد الإمام عبد الوهاب بالعدل والرقي ونشر الأمن في ربوع الدولة الرستمية ، والقضاء على كل من أراد الإخلال بأمن البلاد ووحدتها ، وأرسل في أطراف دولته ودواخلها أوامره الشديدة بامتثال الأوامر واجتناب المناهي الشرعية ، ورتب الحكام والعمال والقضاة ورجال الشرطة في سائر أنحاء دولته ، فعمهم عدله وشملهم حكمه ، ولم ينقم عليه أحد شيئا في أحكامه وسيرته (1) ؛
__________
(1) - أنظر : الدرجيني ، الطبقات ، 1/47- 72 ـ الشماخي ، السير ، 1/130 ـ الباروني ، الأزهار ، 2/101 ـ بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/283 رقم الترجمة : 609 .. (1/39)
صفحة 40
إلا أن عهد هذا الإمام لم يخل من بعض الفتن الداخلية ، قام بها بعض من أراد الإخلال بأمن الدولة الرستمية ، وتشتيت وحدتها ، ومن ذلك خروج ابن فندين (1)
__________
(1) *- هو أبو قدامة يزيد بن فندين اليفراني النكاري ، زعيم حركة النكار في عهد الإمام عبد الوهاب ، عاش في تيهرت ، كان معاصرا للإمام عبد الرحمن بن رستم ، وقد رشحه الإمام عبد الرحمن لمنصب الإمامة بعده مع النفر الستة ، وعندما مال السلمون إلى عبد الوهاب ، ومسعود الأندلسي ، ولم يلتفتوا إليه - وكان يطمع في الحكم - بادر بترشيح عبد الوهاب لمنصب الإمامة ، طمعا أن ينال حظوة عنده ، ويجعله على شيء من المناصب المهمة في الدولة ، خاصة أن أم الإمام عبد الوهاب كانت يفرانية ، من نفس قبيلة ابن فندين ، فاشترط ابن فندين ومن معه عند مبايعة عبد الوهاب ألا يقضي دون جماعة معلومة ، وذلك حتى يتسنى لهم التدخل في شؤون الحكم ، إلا أن العلماء رفضوا شرط ابن فندين ومن معه ، وتمت مبايعة الإمام عبد الوهاب ، وعندما تولى عبد الوهاب الإمامة وعين العلماء وأهل الخير ، ولم يلتفت إلى ابن فندين ومن معه ، ثار الحسد في قلوبهم ، فأثاروا قضية الشرط الذي اشترطوه عند مبايعة الإمام عبد الوهاب ، وهو شرط باطل ، فأثاروا فتنة بين الناس ووقف معهم بعض الجهال ، وبعض أصحاب الأهواء ، فوقعت حرب بين الإمام عبد الوهاب وابن فندين ، كان النصر فيها من نصيب الإمام عبد الوهاب ، وقتل أفلحُ بن عبد الوهاب يزيدَ بن فندين ، فأراح الله المسلمين من شره ، ولمعرفة تفاصيل فتنة ابن فندين أنظر المراجع التالية : ( أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص87- 98 - الدرجيني ، الطبقات ، 1/46- 56 - الشماخي ، السير ، 1/131- 134- الباروني ، الأزهار ، 2/99- 112- وانظر : المبحث الثالث : الوضع الثقافي في عصر الشيخ عمروس ، هامش ص116- 117 ) .. (1/40)
صفحة 41
على الإمام عبد الوهاب ، إلا أن الإمام عبد الوهاب تمكن من القضاء على فتنة ابن فندين بقيادة ابنه أفلح (1) .
وكذلك ثارت المعتزلة على الإمام عبد الوهاب ، وكانت تحت حكمه ، فوقعت بين الطرفين حروب شديدة ، كان النصر فيها حليف الإمام عبد الوهاب ، فتمكن من القضاء على المعتزلة (2) ؛ وأيضا ثارت عليه بعض القبائل ، إلا أنه تمكن من إخماد ثورتها ، والقضاء عليها (3) .
وقد تميز الإمام عبد الوهاب بالدهاء والحنكة ، فمن ذلك قيامه بالزواج من ابنة رئيس قبيلة لواته (4) ، حتى يكسبه في صفه ، بعد أن أراد بنو مسالة (5) الزواج من ابنة ذلك الزعيم ، مما نتج عنه قيامهم بمقاتلة الإمام عبد الوهاب ، الذي تمكن من هزيمتهم والقضاء عليهم (6) .
وقد كانت تربط الإمام عبد الوهاب بجبل نفوسة علاقات وطيدة ، فجبل نفوسة هو جزء لا يتجزأ من الدولة الرستمية ، ولما قرر الإمام عبد الوهاب الذهاب لأداء مناسك الحج مر في طريقه على جبل نفوسة ، وقد ضم إلى دولته في طريقه من تيهرت إلى جبل نفوسة عدة أماكن كجبل دمر (7)
__________
(1) - الدرجيني ، الطبقات ، 1/54 ـ الشماخي ، السير ، 1/133- 134 ـ الباروني ، الأزهار ، 2/111 .
(2) - الدرجيني ، الطبقات ، 1/57- 63 ـ الشماخي ، السير ، 1/136- 139 ـ الباروني ، الأزهار،2/122- 125 .
(3) - الباروني ، الأزهار ، 2/129- 132 .
(4) **- لواته : قبيلة من قبائل البربر في المغرب ( أنظر : بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 1/89 ) .
(5) ***- بنو مسالة : هم رؤساء مقدمون في قبيلة " هواره " القاطنة بقرب تيهرت ، ويعرفون بالأوس ( أنظر : الباروني ، الأزهار ، 2/133 ) .
(6) - المصدر السابق ، 2/133- 134 .
(7) ****- جبل دمر : يقع في ولاية طرابلس ، جنوب تونس حاليا ويسمى بجبل الحواية ، وهو يشكل الطرف الغربي للسلسلة التي تمتد من جنوب هذه المدينة حتى قابس ، وذكر الإدريسي أن المسافة التي تفصل بين جبل نفوسة وجبل دمر تبلغ ثلاثة =
= مراحل في رمال متصلة ، وقال أنه تسكن في أطراف هذه الجبال قبائل من البربر يسمون رهانة ( أنظر : أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص114 الهامش ـ بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 1/302 ، 2/44 رقم الترجمة : 80 ) . (1/41)
صفحة 42
وغيرها (1) .
ولما وصل إلى جبل نفوسة منعه أهل نفوسة من مواصلة رحلته إلى الحج خوفا عليه من غدر بني العباس (2)
__________
(1) - الدرجيني ، الطبقات ، 1/65 ـ الباروني ، الأزهار ، 2/137 .
(2) *- العباسيون : نسبة إلى الدولة العباسية ، التي أسقطت الدولة الأموية في سنة 132هـ ، وحلت محلها ، وقد بدأت الدعوة العباسية في سنة 100هـ على يد محمد بن علي بن عبد الله بن العباس ، وقد استطاع العباسيون بقيادة أبي العباس السفاح إسقاط الدولة الأموية في سنة 132هـ ، وقتل آخر حكام بني أمية مروان بن محمد الملقب بمروان الحمار ( أنظر : محمد فريد ، دائرة معارف القرن العشرين ، 6/94- 97 ) .. (1/42)
صفحة 43
به ، فاستأجر الإمام من يؤدي عنه مناسك الحج آخذا بقول الإمام الربيع بن حبيب رحمه الله (1) ،
__________
(1) **- هو الإمام الحجة الحافظ المحدث أبو عمرو الربيع بن حبيب بن عمرو بن الربيع بن راشد بن عمرو الفراهيدي العماني مولدا البصري إقامة ، ولد في سنة 80 هـ أو قبلها بقليل في منطقة الباطنة من عمان ، قيل : في " ودام " ـ قرية من قرى منطقة الباطنة تقع على ساحل خليج عمان وبالتحديد في ولاية المصنعة في التقسيم الإداري لمناطق سلطنة عمان ، تبعد عن العاصمة مسقط بحدود 120 كلم ـ وقيل في " غضفان " ـ قرية من قرى منطقة الباطنة تقع على ساحل خليج عمان وبالتحديد في ولاية لوى في التقسيم الحديث لمناطق سلطنة عمان ، و تبعد عن العاصمة مسقط بحدود 300 كلم ـ ، أخذ مبادئ العلم على يد والده الشيخ حبيب بن عمرو ومشايخ عمان ، ثم رحل إلى البصرة حوالي سنة 90 هـ ، وسكن في البصرة في منطقة تسمى " الخريبة " ، وتتلمذ هناك على يد كبار التابعين ، وبقي فترة طويلة ، ثم رجع إلى عمان في أخريات حياته ، أخذ العلم عن عدد كبير من العلماء منهم : الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة ، والإمام أبو نوح صالح الدهان ، والإمام أبو عبد الله ضمام بن السائب ، وقد أخذ عنه العلم عدد كبير من التلامذة منهم : أبو سفيان محبوب بن الرحيل القرشي ، وموسى بن أبي جابر الأزكوي ، وبشير بن المنذر النزواني ، وأبو صفرة عبد الملك بن صفرة ، ومنير بن النير الجعلاني وغيرهم ، ترك عددا من الآثار منها ما دونه بنفسه ، ومنها ما كتبه عنه تلامذته ، وتلك الآثار هي : 1- مسند الإمام الربيع : وهو عمدة الإباضية في الحديث ، ويحوي حوالي ( 743 ) حديثا ، ويعتبر سنده من أصح الأسانيد وأعلاها ، حيث أنه يروي فيه عن شيخه أبي عبيدة عن الإمام جابر بن زيد عن الصحابة رضوان الله عليهم ، وقد يخرج عن هذا السند في القليل النادر ، 2- كتاب العقيدة : ويضم حوالي ( 140 ) أثرا ، 3- روايات الإمام محبوب بن الرحيل عن الإمام الربيع ، 4- آثار الربيع : كتاب ألفه تلميذه أبو صفرة عبد الملك بن صفرة جمع فيه روايات الإمام الربيع عن ضمام بن السائب ، 5- آراؤه وأجوبته الفقهية : وهي مبثوثة في كتب تلامذته ومن بعدهم كأبي غانم الخرساني صاحب المدونة ، وقد تصدر الإمام الربيع إمامة المذهب الإباضي بعد وفاة شيخه الإمام أبي عبيدة ، فلم يجد الإباضية خيرا من الإمام الربيع لهذا المنصب الجسيم بعد إمامهم أبي عبيدة ، وذلك لمكانة الإمام الربيع وعلمه وتقواه ، وقد قال فيه شيخه الإمام أبو عبيدة : " فقيهنا وإمامنا وتقينا " ، وقد ذكر الإمام الربيع عدد من المحدثين ، فقال عنه يحيى بن معين : ثقة ، وقال عنه ابن شاهين : ثقة ، وقال الدارقطني : " وأما الربيع بن حبيب البصري فلا يترك " ، كما ذكره ابن حبان في الثقات ، والبخاري في التاريخ الكبير ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا ، وقد توفي الإمام الربيع في بلده غضفان حوالي سنة 175هـ ( أنظر : الدرجيني ، الطبقات ، 2/273- 277 ـ الشماخي ، السير ، 1/95- 97 ـ عبد الله بن حميد السالمي ، شرح الجامع الصحيح ، ج1 ، المطابع الذهبية ، روي سلطنة عمان ، ص3- 5 ـ سيف بن حمود البطاشي ، إتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عمان ، ج1 ، المطبعة الوطنية ، روي ، سلطنة عمان ، ط2: 1419هـ/ 1998م ، ص86- 89 ـ سعيد بن مبروك القنوبي ، الإمام الربيع بن حبيب مكانته ومسنده ، مكتبة الضامري ، السيب ، سلطنة عمان ، ط1 : 1416هـ/ 1995م ، ص15- 20 ، ص23- 50 ، ص71- 73 ـ ألبوسعيدي ، رواية الحديث عند الإباضية ، ص49- 59 ) . (1/43)
صفحة 44
فظل في الجبل لمدة سبع سنين ، متوليا إدارة الجبل وسياسته وتعليم أهله (1) ، وقد كلف ابنه أفلح بإدارة تيهرت في أثناء وجوده في جبل نفوسة ، وهذا ما يؤكده الشيخ علي يحيى معمر (2) .
__________
(1) - الدرجيني ، الطبقات ، 1/66 ـ الشماخي ، السير ، 1/140 ـ الباروني ، الأزهار ، 2/142 ـ بحاز ، الدولة الرستمية ، ص118 ـ بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/427 ، رقم الترجمة : 918 .
(2) - علي يحيى معمر ، الإباضية في موكب التاريخ ، الحلقة الرابعة ، ص59 ـ بحاز ، الدولة الرستمية ، ص119 . (1/44)
صفحة 45
وفي أثناء وجوده في جبل نفوسة جهز جيشا لمحاصرة طرابلس في سنة 196هـ ، إلا أن المدينة استعصت عليه لحصانتها ، فلم يتمكن من افتتاحها ، ولكنه تمكن من إجبار الأغالبة (1) لعقد صلح معه ، على أن تكون المدينة والبحر للأغالبة ، وما كان خارج المدينة كله إلى أرض سرت (2) للإمام عبد الوهاب (3) ؛ وفي طريق عودته من طرابلس ضم إلى دولته مدينة قابس (4) ،
__________
(1) *- الأغالبة : هم أتباع إبراهيم بن أحمد بن محمد بن الأغلب ( 237هـ - 289هـ ) ، كان واليا على القيروان لأخيه أبي الغرانيق ، فلما توفي أخوه ولي مكانه في سنة 261هـ ، اختل عقله في آخر أيامه ، فقتل عددا من أفراد عائلته ، ومن وزرائه وجنده ، وقد دامت ولايته 28 سنة ونصف ( أنظر : أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص155 ، الهامش ) .
(2) **- سرت : منطقة تقع في ليبيا ( أنظر : بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 1/307 ، 2/188- 189 ، رقم الترجمة : 416 ) .
(3) - الدرجيني ، الطبقات ، 1/67 ـ الشماخي ، السير ، 1/141 ـ الباروني ، الأزهار ، 2/144- 146 ـ بحاز ،الدولة الرستمية ، ص118 .
(4) ***- قابس : مدينة تقع في تونس ( أنظر : بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 1/309 ، 2/56 ، رقم الترجمة : 108 ) .. (1/45)
صفحة 46
وما يليها من القرى والجبال ، إلى أن وصل إلى جبل دمر الذي كان تحت رايته من قبل ، وضم كذلك جزيرة جربة (1)
__________
(1) ****- جِرْبَة : هي جزيرة تقع في تونس ، وبالتحديد عند ملتقى منخفض شرقي يبتدأ من قناة السويس وينتهي بانتهاء سهل الجفارة بجنوب البلاد التونسية ، ومرتفع غربي يبتدئ من السواحل التونسية الشرقية وينتهي عند مضيق جبل طارق ، وتقع جربة عند ملتقى المنخفض الشرقي والمرتفع الغربي في الجزء الجنوبي من خليج قابس نحو 34 عرضا و11 طولا ، وتمتاز بموقع تجاري هام يربط بين الشرق والغرب والشمال والجنوب ، وهي مربعة الشكل ، ويوجد في جنوبها الغربي جزيرتان صغيرتان تعرفان باسم القطعاية البحرية والقبلية ، وقد كانت جربة متصلة بالمرتفع الأرضي اليابس الممتد من إيطاليا إلى الشمال الإفريقي ثم انفصلت عنه ؛ واسم جربة القديم " كربة " ثم أبدلت الكاف جيما لكثرة التداول وسرعة النطق كما يذكر الشيخ سالم بن يعقوب ، وقد ذهب ابن خلدون إلى أن سبب تسميتها بجربة نسبة إلى فرقة من قبائل لماية البربرية ، إلا أن الشيخ سالم بن يعقوب رد ذلك وقال : أن ابن خلدون لا دليل له على ذلك ، وهناك أقوال أخرى في سبب تسميتها بهذا الاسم أشار إليها صاحب كتاب صفحات من تاريخ جربة ؛ ويتصل بجربة عدد من أشباه الجزر ، وبها العديد من الآثار والأبراج ، والعديد من الأسواق ، ومناخها معتدل ، وتربتها رملية خصبة صالحة للزراعة ، وتعتمد على الأمطار والآبار في المياه ، وتمتاز بإنتاج العديد من المزروعات كالحبوب والنخيل والزيتون والتين والتفاح والرمان والكروم والخضروات بجميع أنواعها تقريبا ، وكذلك يشتغل أهلها بصيد الأسماك والإسفنج ، وتمتاز بالصناعات الفخارية والصوفية ، وكذلك يمارس أهلها التجارة ؛ ويتمذهب أهلها بالمذهب الإباضي ، وقد خرجت عددا كبيرا من علماء المذهب الإباضي ( أنظر : سالم بن يعقوب ، تاريخ جزيرة جربة ، دار الجويني للنشر ، تونس ، 1406 هـ / 1986م ، ص13 ، 20 ، 25- 31 ، 36- 41- قاسم بلحاج عيسى ، صفحات من تاريخ جربة ، الشركة التونسية لفنون الرسم ، ص13- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 1/304 ) . (1/46)
صفحة 47
إلى دولته ، ورتب الولاة والعمال في هذه المناطق (1) .
ولما قرر العودة إلى تيهرت بعد سبع سنوات قضاها في جبل نفوسة ، عين وزيره السمح بن أبي الخطاب المعافري (2) واليا على جبل نفوسة (3) ،
__________
(1) - الشماخي ، السير ، 1/141- 142 ـ الباروني ، الأزهار ، 2/146- 147 ـ بحاز ، الدولة الرستمية ، ص119 .
(2) *****- هو السمح بن أبي الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري ، أصله عربي من قبيلة معافر اليمنية ، وهو وزير ووال وعالم وابن الإمام أبي الخطاب عبد الأعلى المعافري ، أول من بويع بالإمامة في المغرب سنة 140هـ ، أخذ العلم عن والده ، وعن حملة العلم الآخرين ، كان يقوم بالتدريس ، وعقد حلق العلم بجبل نفوسة ، عينه الإمام عبد الوهاب وزيرا وقاضيا له ، ثم عينه واليا على حيز طرابلس ن بطلب من أهلها ، وقد توفي بعد سنة 204هـ ( أنظر : الدرجيني ، الطبقات ، 1/67- 69 ، 74- الشماخي ، السير ، 1/144- 145- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/218 رقم الترجمة : 476 ) .
(3) - الشماخي ، السير ، 1/142 ـ الباروني ، الأزهار ، 2/ 147 .. (1/47)
صفحة 48
وعين بعد وفاة السمح أيوب بن العباس (1)
__________
(1) ******- هو أبو العباس – ويكنى كذلك بأبي الحسن – أيوب بن العباس ، كان لايزال حيا بعد سنة 204هـ ، هو من مشايخ " تنين دوزيغ " بجبل نفوسة بليبيا ، تلقى العلم في جبل نفوسة على يد العلامة عاصم السدراتي أحد حملة العلم الخمسة عن أبي عبيدة إلى المغرب ، كان بالإضافة إلى مقامه السامق في العلم ، له قدم السبق في الشجاعة وفنون الحرب ، وكان ضمن الوفد المتكون من أربعة نفر الذي أرسله أهل نفوسة إلى الإمام عبد الوهاب عندما طلب مساعدتهم ضد الواصلية المعتزلة ، فكان أيوب هو المختص بشؤون القتال والمبارزة ، فقضى على فارس المعتزلة ابن رئيس المعتزلة ، الذي أعجز جيش الإمام عبد الوهاب ، ولما رآه رئيس المعتزلة وهو يركب فرسه قال : " الآن جاء من يقتل ولدي ، أفلا ترون أن فرسه لما ركبه أدلى واسترسل ، ولا يفعل الفرس ذلك إلا تحت الفارس الحاذق الممارس " ، وبالفعل استطاع أيوب أن يردي الفتى المعتزلي بكل سهولة ويسر ، وساهم بشكل كبير في القضاء على المعتزلة ، وله قصة أخرى مع المعتزلة تبين مدى قوة فروسيته ، حيث أرادوا الغدر به انتقاما لقتلاهم في حربهم ضد الإمام عبد الوهاب ، إلا أن أيوب استطاع القضاء على المعتزلة الذين أرادوا الغدر به ، وأرداهم قتلى ، وتفاصيل القصة موجودة في كتب السير كالطبقات وسير الشماخي وغيرها ، وقد ولاه الإمام عبد الوهاب على جبل نفوسة بعد وفاة عامله عليها السمح بن أبي الخطاب ، فساهم أيوب في القضاء على فتنة خلف بن السمح الذي حاول السيطرة على ولاية جبل نفوسة ، فقضى عليه أيوب بقوته وشجاعته وبسالته ، وقد قال أيوب : " لا أعلم من فاس إلى مصر فارسا يبارزني " وهذا دليل على قوته وشجاعته وفروسيته ، وقد توفي في عهد الإمام عبد الوهاب ، فلما وصل نبأ وفاته إلى الإمام عبد الوهاب حزن عليه حزنا شديدا كما يذكر الشيخ الباروني ، وولى بعده على الجبل عبد الحميد الجناوني ( أنظر : البغطوري ، سير أهل نفوسة ( مخ ) ، ص34 ، 36 ، 107- أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص102- 112 ، 123- الدرجيني ، الطبقات ، 1/60- 64 ، 70 ، 76 - الشماخي ، السير ، 1/145 ، 157- الباروني ، الأزهار ، 2/119 ، 152 - الجيطالي ، قواعد الإسلام ، 1/57- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/65- 66 رقم الترجمة : 126 ) . (1/48)
صفحة 49
منجد تيهرت ، وبعد وفاة أيوب عين أبا عبيدة عبد الحميد الجناوني ، وظل على ولاية الجبل إلى أن توفي الإمام عبد الوهاب (1) .
وفي أواخر أيام الإمام عبد الوهاب ظهرت فتنة خلف بن السمح (2) الطامع في ولاية الجبل بعد موت أبيه السمح الذي عينه الإمام على ولاية الجبل كما ذكرنا ، فتعامل الإمام مع خلف برفق ومهادنة (3)
__________
(1) - الشماخي ، السير ، 1/157 ، 158 ـ الباروني ، الأزهار ، 2/152 .
(2) *- هو خلف بن السمح بن الإمام أبي الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري ، كان حيا في سنة 221هـ ، هو مؤسس الفرقة الخلفية المنسوبة إليه ، قام بتمرد ضد الرستميين ، وأسس الفرقة الخلفية ، واستقل بجزء من حوزة طرابلس وقابس ، نشط في يفرن وما جاورها ، شرق جبل نفوسة ، ولما تفاقم أمره حذره الإمام عبد الوهاب ، فواجهه والي الإمام بجبل نفوسة أبو عبيدة عبد الحميد الجناوني باللين بأمر الإمام عبد الوهاب ، ثم لما لم يفد معه اللين ، ولم ينته عن غيه ، قاتله الوالي أبو عبيدة بجيش تحت قيادته في عشية الخميس 13 رجب 221هـ ، فانهزم خلف ، وانحاز إلى " تيمتي " ، وأخرج منها أصحاب أبي عبيدة ، فسكنت حركته إلى أن مات ، وخلفه في سيرته ابنه فيما بعد ، وكان لهم وجود وكيان في جزيرة جربة ، وبدأ نجمهم بالأفول في زمان أبي مسور أواسط القرن الرابع الهجري ، حتى انقرضوا ، ولم يبق لهم اتباع ( أنظر : أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص118- 122 - الدرجيني ، الطبقات ، 1/67- 77 - الشماخي ، السير ، 1/156- 162- الباروني ، الأزهار ، 2/148- 152- الجيطالي ، القواعد ، 1/56- 57 الهامش - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/134 رقم الترجمة : 292 ) .
(3) - الدرجيني ، الطبقات ، 1/68 ـ الباروني ، الأزهار ، 2/148 ـ بحاز ، الدولة الرستمية ، ص120 .. (1/49)
صفحة 50
إلى أن توفي في سنة 208هـ ، بعد أن استمر عهده لمدة سبع وثلاثين سنة (1) ؛ وقد بلغت الدولة الرستمية في عهد الإمام عبد الوهاب مبلغا عظيما ، فكانت لها علاقات الند بالند مع الأمويين (2)
__________
(1) - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/284 ، رقم الترجمة : 609 ـ بحاز ، الدولة الرستمية ، ص120 .
(2) **- الأمويون : ينتسبون إلى بني أمية ، الذين ينتمون إلى عبد مناف ، وهم من أشراف عرب قريش ورؤسائها ، استطاع معوية بن أبي سفيان الأموي أن يكون لهم دولة في سنة 41هـ ، عرفت بالدولة الأموية ، بعد أحداث دامية بين المسلمين ، حين شق معاوية عصى الطاعة عن الخليفة الشرعي علي بن أبي طالب ، وما أعقب ذلك من موقعة " صفين " ، وقضية التحكيم ، التي كانت في صالح معاوية ، ثم مقتل علي بن أبي طالب ، وتنازل الحسن بن علي لمعاوية عن الخلافة خوفا من مزيد سفك =
= لدماء المسلمين ، فتسلم معاوية الحكم غصبا وانتهاك ، ثم جعلها وراثية في بني أمية ، وقد سقطت الدولة الأموية في سنة 132هـ على يد العباسيين ( أنظر : محمد فريد ، دائرة معارف القرن العشرين ، 1/622- 629 ) . (1/50)
صفحة 51
بالأندلس (1) ، ومع الأغالبة بأفريقية ، ومع المداريين (2)
__________
(1) *- الأندلس : اسم أطلقه العرب على كل شبه جزيرة أسبانيا بطريق التغليب ، أما هو في الحقيقة فإقليم في جنوب أسبانيا ، ويتميز بالخصب والجمال ، وتقابل من أرض المغرب تونس ، وقد افتتح المسلمون أسبانيا ( الأندلس ) في سنة 92هـ ، بقيادة طارق بن زياد ( أنظر : الحموي ، معجم البلدان ، 1/210- محمد فريد ، دائرة معارف القرن العشرين ، 1/657 ) .
(2) **- المداريون : ينتسبون إلى مدرار بن اليسع ، الذي تولى حكم دولة " بني واسول " أو " بني مدرار " الصفرية في سنة 208هـ ؛ ودولة " بني واسول " أسسها عيسى بن يزيد ، الذي انتخب إماما عليها في سنة 140هـ ، واتخذ من سجلماسة عاصمة لدولته ؛ وكانت دولة " بني واسول " تجاور الدولة الرستمية في جنوبها الغربي ، حيث كانت تقع في جنوب المغرب الأقصى ؛ وقد تزوج مدرار هذا من أروى ابنة الإمام عبد الرحمن بن رستم مؤسس الدولة الرستمية ( أنظر : محمد علي دبوز ، تاريخ المغرب الكبير ، ج3 ، دار إحياء الكتب العربية ، ط1 1383هـ / 1963م ، ص445- 447- سعد زغلول عبد الحميد ، تاريخ المغرب العربي ، ج2 ، منشأة المعارف ، الاسكندرية ، مصر ، ص415 ) .. (1/51)
صفحة 52
في جنوب المغرب الأقصى ، وله علاقات وطيدة مع أفريقيا جنوب الصحراء ، ومع إباضية (1) المشرق (2) .
__________
(1) ***- الإباضية : هم أتباع المذهب الإباضي ، وهو مذهب من المذاهب الإسلامية ، سمي بذلك نسبة إلى أحد أئمة المذهب الإباضي وهو عبد الله بن إباض المرِّي التميمي ( حي بعد : 67هـ ) ، وقد سماهم بذلك مخالفوهم ، وذلك بسبب بروز الإمام عبد الله بن إباض ومنافحته عن المذهب ضد بني أمية المعادين لهذا المذهب ، وأما الإباضية فكانوا يطلقون على أنفسهم " جماعة المسلمين " ، " وأهل الدعوة " ، والإمام المؤسس للمذهب الإباضي هو الإمام أبو الشعثاء جابر بن زيد الأزدي ( 18هـ - 93هـ ) ، وقد استطاع الإباضية إقامة عدة دول إسلامية في اليمن ، وعمان ، والمغرب ، وشرق إفريقيا ، ولا يزال لهم وجود في عمان وبلاد المغرب وشرق إفريقيا ، وأهم معتقدات الإباضية : 1- تنزيه الله تعالى ، وعدم تشبيهه بخلقه ، ونفي رؤيته 2- خلود مرتكب الكبيرة في نار جهنم 3- لا شفاعة إلا للمؤمن الموفي ، فالعاصي لا شفاعة له 3- القرآن مخلوق 4- رفضهم لقضية التحكيم بين علي ومعاوية 5- عدم استباحتهم لدماء مخالفيهم ، ولا يجيزون غنم أموالهم وسبي ذراريهم ؛ وقد دأب كثير من الكتاب إلى نسبة الإباضية إلى الخوارج ، وعدم التفريق بينهما ، ولكن الحقيقة بخلاف ذلك فهناك فرق كبير بين الإباضية والخوارج ، وقد ناقشت ذلك عند تعرضي لمصطلح الخوارج في ص94- 95 الهامش ( أنظر : النامي ، دراسات عن الإباضية ، ص43 ، 73 ، 163 ، 179 ، 18- 184 ، 187- 192- محمد ناصر ، منهج الدعوة عند الإباضية ، ص24- 31 ، 96- 115- عوض خليفات ، نشأة الحركة الإباضية ، ص75- 102- مصطفى الشكعة ، إسلام بلا مذاهب ، الدار المصرية اللبنانية ، بيروت ، لبنان ، ط6 : 1407هـ / 1987 ، ص134- 149 )
(2) - ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ت : د/ محمد صالح ناصر و إبراهيم بحاز ، دار الغرب الإسلامي ، بيروت ، لبنان ، 1406هـ / 1986م ، ص45 ـ بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/283 ، رقم الترجمة : 609 . (1/52)
صفحة 53
وقد اتسعت الدولة الرستمية في عهده من حدود مصر (1) شرقا إلى مدينة تلمسان (2)
__________
(1) ****- مصر : من أشهر أقطار الدنيا ، وأقدمها ذكرا في التاريخ ، وأبعدها عهدا بالمدنية والعلم ، موضعها في الشمال الشرقي من إفريقيا ، وهي عبارة عن واد ضيق محصور بين سلسلتي جبال يختلف ارتفاعها بين ( 80 و 350 ) مترا ، وهما سلسلة جبال العرب جهة الشرق ، وسلسلة جبال ليبيا جهة الغرب ، ويحد مصرا شمالا البحر الأبيض المتوسط ، وشرقا بلاد الشام والعرب والبحر الأحمر ، وجنوبا بلاد النوبة ، وغربا طرابلس الغرب والصحراء ، وتبلغ مساحة مصر ( 600000 ) كيلو متر مربع ، أي ( 150 ) مليون فدان بما فيها الصحراء ؛ وقد سميت مصر بمصر نسبة إلى مصر بن مصرايم بن حام بن نوح - عليه السلام - ، وقد افتتحها عمرو بن العاص في عهد عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ( أنظر : الحموي ، معجم البلدان ، 8/272- 277- محمد فريد ، دائرة معارف القرن العشرين ، 9/15- 16 ) .
(2) *****- تِلِمْسَان : وبعضهم يقول : " تِنِمْسَان " بالنون بدل اللام ، وذهب ابن خرداذبة إلى أنها : " تِلْمِسين " وهذا ما ذهب إليه ابن الفقيه ، وهي عبارة عن مدينتين متجاورتين ، توجدان في المغرب ، إحداهما قديمة والأخرى حديثة ، اختطها الملثمون ملوك المغرب حسب ما ذكر الحموي ، وذكر كل من ابن خرداذبة وابن الفقيه أنها في يد ولد إدريس بن إدريس بن عبد الله =
= بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب ، وهي تبعد عن " تيهرت " عاصمة الرستميين بمسيرة خمسة وعشرين يوما كلها عمران ، ويطلق على المدينة الحديثة " تافرزت " ، يسكنها الجند وأصحاب السلطان وأصناف من الناس ، واسم القديمة " أقادير " ، يسكنها الرعية ( أنظر : أحمد بن محمد الهمداني ابن الفقيه ( أبو بكر ) ، مختصر كتاب البلدان ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت ، لبنان ، ط1 : 1408هـ / 1988م ، ص78- عبيد الله بن عبد الله ابن خرداذبة ( أبو القاسم ) ، المسالك والممالك ، ت : محمد مخزوم ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت ، لبنان ، ط1 : 1408هـ / 1988م ، ص82 - الحموي ، معجم البلدان ، 2/454 ) . (1/53)
صفحة 54
في أقصى المغرب الأوسط غربا ، بل إن هيمنته شملت في بعض الأحيان دولة بني مدرار في المغرب الأقصى (1) .
وقد عاصر الإمام عبد الوهاب بعض أئمة الإباضية في عمان ، وقد مر علينا أن الإمام عبد الوهاب بويع في سنة 171هـ ، وعمان في هذه الفترة وإلى سنة 177هـ ، كانت تعيش في فترات الظلام والقهر ، حيث استطاع العباسيون بقيادة خازم بن خزيمة (2)
__________
(1) - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/284 ، رقم الترجمة : 609 .
(2) *- هو خازم بن خزيمة الخرساني ، من أنصار السفاح العباسي ، أرسله السفاح بجيش للقضاء على الخوارج الصفرية وقائدهم شيبان الخارجي ، وكذلك للقضاء على الإباضية في عمان الذين أقاموا لهم دولة هناك ، وبايعوا الإمام الجلندى بن مسعود في سنة 132هـ ، وقد قضى الإمام الجلندى على شيبان الخارجي حين رفض الخروج من عمان ، فلما وصل خازم وجد الطريق ممهدا للقضاء على دولة الإباضية الوليدة التي خرجت للتو من معركة حامية مع الصفرية ، فاستطاع خازم القضاء على الإمام الجلندى بعد معركة حامية عنيفة في منطقة جلفار من عمان سنة 133هـ ، وقيل : 134هـ ، وقد كادت كفة الإباضية أن ترجح لولا أن لجأ خازم إلى المكر والخديعة بإحراق منازل العمانيين ، فاشتغلوا بإنقاذ ذراريهم ، ويروى أن خازما تولى قتل الإمام الجلندى بنفسه حين هابه جنده ، فلما حضرت خازم وفاته قيل له : أبشر فقد فتح الله على يديك ، فقال : " غررتمونا في الحياة ، وتغروننا في الممات ، هيهات هيهات ، فكيف لي بقتل الشيخ العماني " يعني الإمام الجلندى ( أنظر : عبد الله بن حميد السالمي ، تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان ، ج1 ، مكتبة الاستقامة ، روي ، سلطنة عمان ، 1417هـ/ 1997م ، ص92- 97- محمد ناصر ، منهج الدعوة عند الإباضية ، ص144- 146 ) .. (1/54)
صفحة 55
السيطرة على عمان بالقضاء على الإمام الجلندى بن مسعود (1) وأصحابه الشراة (2)
__________
(1) **- هو الإمام الجلندى بن مسعود بن جيفر بن جلندى - رضي الله عنه - ، أول من بويع بالإمامة في عمان في سنة 132هـ ، وكان عالما صالحا زاهدا ، واستمرت إمامته حتى سنة 133هـ وقيل : 134هـ ، وقد استشهد مع أصحابه الشراة على يد خازم بن خزيمة الذي أرسله السفاح العباسي للقضاء على الإمام الجلندى ودولته الوليدة ، فوقعت بين الطرفين معركة عنيفة في منطقة جلفار من عمان ، أنظر بقية الأحداث في ترجمة خازم بن خزيمة الخرساني التي مرت قبل قليل ( أنظر : السالمي ، تحفة الأعيان ، 1/85- 99- محمد ناصر ، منهج الدعوة عند الإباضية ، ص144- 146 ) .
(2) ***- الشراة : مأخوذة من الشراء ، وهو مسلك من مسالك الدين الأربعة في المذهب الإباضي وهي : الظهور ، والدفاع ، والشراء ، والكتمان ؛ والشراء لغة هو البيع والشراء ، ويستخدم مصطلح الشراء عند الإباضية تعبيرا عن التضحية بحياة المرء في سبيل الله لبلوغ الجنة ، والشراة بالجمع هم الذين باعوا أنفسهم في سبيل الله ، وعبارة الشراء مشتقة من الآيات القرآنية نحو قوله تعالى : { إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } ( التوبة : 111) ، وقوله تعالى : { وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ } ( البقرة : 207) .
وكان الإمام أبو بلال مرداس بن حدير رحمه الله هو أول من مارس الشراء ، حين رأى الضرر الذي يسببه عبيد الله بن زياد للمسلمين ، فكان يقول : " ... إننا لم نخرج لنفسد في الأرض ، ولا لنروع أحدا ، ولكن هربا من الظلم ، ولسنا نقاتل إلا من يقاتلنا ... " ( أنظر : النامي ، دراسات عن الإباضية ، ص275 ، 278 ، 279 ـ الدرجيني ، الطبقات ، 2/218 ) . (1/55)
صفحة 56
رحمهم الله تعالى ، وكان ذلك في سنة 134هـ (1) ، فسيطر على عمان آل الجلندى الجبابرة بإعانة خازم بن خزيمة لهم من سنة 134هـ وحتى سنة 177هـ (2) .
__________
(1) - السالمي ، تحفة الأعيان ، 1/85- 99 - سالم بن حمود السيابي ، عمان عبر التاريخ ، ج1، المطبعة الشرقية ، سلطنة عمان ، وزارة التراث والثقافة ـ سلطنة عمان ، رقم الإيداع : 241/95 ، ص254 ـ د/ محمد صالح ناصر ، منهج الدعوة عند الإباضية ، ص145 .
(2) - السيابي ، عمان عبر التاريخ ، 1/260 . (1/56)
صفحة 57
في سنة 177هـ بزغ على عمان نور فجر جديد ، فأقام العمانيون الإمامة في تلك السنة من جديد ، وبايعوا محمد بن أبي عفان (1) ، فكان هذا الإمام الجديد أول إمام يعاصره الإمام عبد الوهاب في عمان (2) ؛ ثم قام العمانيون بعزل محمد بن أبي عفان في سنة 179هـ ، ومبايعة الإمام الوارث بن كعب (3)
__________
(1) *- هو محمد بن عبد الله بن أبي عفان ، من قبيلة اليحمد العمانية ، إلا أنه نشأ في العراق وكان من أهل العراق ، فقدموا به إلى عمان ، وبويع في سنة 177هـ ، وقد اختلف في صفة إمامته ، فقيل : كان إمام دفاع حتى تضع الحرب أوزارها ، وقيل : كان أمير جيش فأساء السيرة وبدل وغير ، وكان يستقبلهم بالكلام الغليظ ، حتى قال وائل بن أيوب : " ليس ابن أبي عفان بإمام بل ذلك جبار " ، وقد عزله الإباضية حين لم يرضوا سيرته في سنة 179هـ ( أنظر : السالمي ، تحفة الأعيان ، 1/109 ) .
(2) - السالمي ، تحفة الأعيان ، 1/109 - السيابي ، عمان عبر التاريخ ، 2/12 .
(3) **- هو الإمام الوارث بن كعب الخروصي ، من اليحمد ، بويع بالإمامة في عمان في سنة 179هـ ، بعد عزل محمد بن أبي عفان في نفس السنة ، وقد تولى مبايعته الشيخ موسى بن أبي جابر ، فسار الإمام الوارث في عمان على أثر السلف الصالح من المسلمين ، فنهج منهج الحق ، وظهرت دعوة المسلمين ، وعز الإسلام وخمد الكفر والعصيان ، وقد استمرت إمامته اثنتي عشرة سنة وستة أشهر إلا أياما ، وقيل : ويومين ، وتوفي في سنة 192هـ ، وكان سبب موته أنه غرق في سيل وادي " كلبوه " بنزوى من داخلية عمان ، وذلك أنه كان يوجد في الوادي بعض المساجين محبوسين هناك ، فسال الوادي جارفا ، فأمر الإمام بإخراجهم ، فلم يتجرأ أحد على ذلك ، فقال الإمام : أنا أمضي إذ هم أمانتي ، وأنا المسؤول عنهم يوم القيامة ، فمضى لإنقاذهم ، وتبعه بعض أصحابه ، فمر الوادي وأخذهم مع المحبوسين ( أنظر : السالمي ، تحفة الأعيان ، 1/112- 119 ) .. (1/57)
صفحة 58
في نفس السنة ، فكان ثاني إمام يعاصره الإمام عبد الوهاب في عمان (1) ، واستمر الإمام الوارث بن كعب في إمامة عمان لمدة اثني عشرة سنة حتى توفي في سنة 192هـ ؛ فبايع العمانيون بعده في نفس السنة الإمام غسان بن عبد الله اليحمدي (2) ، فكان ثالث إمام يعاصره الإمام عبد الوهاب (3) ، فاستمر الإمام غسان في الإمامة لمدة خمس عشرة سنة وتوفي في سنة 207هـ ، أي قبل سنة من وفاة الإمام عبد الوهاب (4) ، بعد وفاة الإمام غسان بسنة بويع الإمام عبد الملك بن حميد العلوي (5) في سنة 207هـ ، وقيل : 208هـ ، وهي نفس السنة التي توفي فيها الإمام عبد الوهاب رحمه الله تعالى (6) .
__________
(1) - السالمي ، تحفة الأعيان ، 1/112 - السيابي ، عمان عبر التاريخ ، 2/12 .
(2) ***- هو الإمام غسان بن عبد الله اليحمدي ، بويع بالإمامة في عمان بعد موت الإمام الوارث بن كعب في سنة 192هـ ، وفي زمنه خصبت عمان خصبا كثيرا ، وتوفي في سنة 207هـ بسبب مرض ألم به ( أنظر : السالمي ، تحفة الأعيان ، 1/120- 124 ) .
(3) - السالمي ، تحفة الأعيان ، 1/120- السيابي ، عمان عبر التاريخ ، 2/36 ، 37 .
(4) - السالمي ، تحفة الأعيان ، 1/124- السيابي ، عمان عبر التاريخ ، 2/69 .
(5) ****- هو الإمام عبد الملك بن حميد العلوي ، من بني سودة بن علي بن عمرو بن عامر ماء السماء الأزدي ، بويع بالإمامة في عمان بعد وفاة الإمام غسان بن عبد الله ، وكانت بيعته في سنة 207هـ، وقيل : 208هـ ، واستمر في الإمامة لمدة ثماني عشرة سنة ، وتوفي في سنة 226هـ ( أنظر : أنظر : السالمي ، تحفة الأعيان ، 1/132- 133 ) .
(6) - السالمي ، تحفة الأعيان ، 1/132- السيابي ، عمان عبر التاريخ ، 2/71 . (1/58)
صفحة 59
إذا فالذي يظهر مما سبق أن الإمام عبد الوهاب عاصر ثلاثة أئمة من أئمة عمان ، وهم الإمام محمد بن أبي عفان ، والإمام الوارث بن كعب ، والإمام غسان بن عبد الله ، وبالنسبة للإمام عبد الملك بن حميد قد يكون الإمام عبد الوهاب عاصره إن كانت وفاة الإمام عبد الوهاب بعد مبايعة الإمام عبد الملك ، وإن كانت وفاته قبل مبايعته فبذلك يكون لم يعاصره .
والحقيقة أني لم أجد على حسب المصادر التي توفرت بين يدي سواء القديمة منها أو الحديثة أي علاقة أو مراسلات بين الإمام عبد الوهاب وأئمة عمان ، ولعل السبب في ذلك يعود إلى اشتغال الإمام عبد الوهاب بتثبيت حكمه في دولته والقضاء على الفتن التي كانت تداهمه من حين إلى آخر ، فلم يتفرغ لمراسلة أئمة عمان وتوطيد الصلة بين دولته وعمان ، ويقال نفس الشيء بالنسبة لأئمة عمان الذين عاصروا الإمام عبد الوهاب فلعلهم بسبب كثرة الفتن في عمان في وقتهم ، ومحاولتهم ترسيخ الإمامة في عمان بعد طول انقطاعها من عهد الإمام الجلندي ( 132هـ - 134هـ ) وإلى أن قامت ثاني إمامة في سنة 177هـ ، لعل ذلك أشغلهم عن التراسل مع الإمام عبد الوهاب ، وإقامة علاقة بين عمان والدولة الرستمية .
هذا بالنسبة للوضع السياسي في عصر الإمام عبد الوهاب ، وبعد أن توفي في سنة 208هـ ، بايع أهل الحل والعقد ابنه أفلح بالإمامة في نفس اليوم الذي توفي فيه (1) .
ب – المطلب الثاني : الوضع السياسي في عهد الإمام أفلح :
__________
(1) - الدرجيني ، الطبقات ، 1/72 ـ الشماخي ، السير ، 1/166 ـ بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/60 ، رقم الترجمة : 116 ـ بحاز ، الدولة الرستمية ، ص120 . (1/59)
صفحة 60
بعد أن توفي الإمام عبد الوهاب ، تاركا دولة قوية شامخة البنيان ، شاسعة الأطراف ، تولى الإمامة من بعده ابنه أفلح في نفس السنة التي توفي فيها الإمام عبد الوهاب وهي سنة 208هـ (1) ؛ وعهد الإمام أفلح يعتبر العهد الذهبي للدولة الرستمية ، فقد تميزت الدولة في عصره بالقوة والازدهار والشباب (2) ، ولا محالة أن ذلك يعود إلى عدة أسباب منها : أن الإمام أفلح وجد الدولة الرستمية موحدة الأرجاء مستتبة الأمن بفضل جهود والده الإمام عبد الوهاب ، فشرع الإمام أفلح في تعمير الدولة وبنائها وتقويتها ، بعد أن وجد الأرضية قد مهدت له ، كذلك فإن الإمام أفلح قد تميز بخصال وصفات أهلته أن يرتقي بالدولة الرستمية ويبلغ بها المبلغ الشامخ الذي وصلت إليه في عهده سواء من ناحية القوة أو المنعة أو الرقي الحضاري والازدهار ، فالإمام أفلح قد بلغ من العلم شأوا بعيدا ، فقد روي أنه جلست بين يديه أربع حلق من حلق العلم وهو لم يبلغ سن الحلم بعد (3) ؛ وكان كذلك فارسا مقداما أبلى البلاء الحسن في المعارك التي خاضها أبوه لتوطيد حكمه على الدولة الرستمية ، والقضاء على كل من يريد الإخلال بأمن ووحدة الدولة ، حتى أن أباه نظر إليه يوما من الأيام وهو يقاتل فقال : " إنه يصلح للأمر " (4) ، أي لأمر الإمامة ؛ وقد وصفه ابن الصغير بقوله : " أخذ بالعزم والحزم ... وطار له الصيت ... ولم يكن الشراة تطعن عليه في شيء من أحكامه ولا في صدقاته ، ولا في أعشاره ...
__________
(1) - الدرجيني ، الطبقات ، 1/72 ـ الشماخي ، السير ، 1/166 ـ بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/60 رقم الترجمة : 116 ـ بحاز ، الدولة الرستمية ، ص120 .
(2) - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/61 رقم الترجمة : 116 ـ بحاز ، الدولة الرستمية ، ص121 .
(3) - الشماخي ، السير ، 1/166 ـ بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/61 رقم الترجمة : 116 .
(4) - الشماخي ، السير ، 1/166 . (1/60)
صفحة 61
" إهـ (1) ؛ ووصفه الشماخي بقوله : " الإمام التقي العدل السمي العالم الأنجح أمير المؤمنين أفلح بن عبد الوهاب الذي تمسك بالحجة البيضاء والصراط الأفيح ... " إهـ (2) .
وقد تميز عهد الإمام افلح بقلة الحروب ، مما أتاح له الفرصة لتطوير البلاد والرقي بها حتى أصبحت مضرب الأمثال ومقصد الوراد ، قال ابن الصغير : " عمر في إمارته ما لم يعمره أحد ممن كان قبله ، فأقام خمسين عاما أميرا حتى نشأ له البنون وبنو البنين ، وشمخ في ملكه ، وابتنى القصور ... وعمرت معه الدنيا ، وكثرت الأموال والمستغلات ، وأتته الرفاق والوفود من كل الأمصار والآفاق بأنواع التجارات ، وتنافس الناس في البنيان حتى ابتنى الناس القصور والضياع خارج المدينة وأجروا الأنهار ... " إهـ (3) .
وقد تميز هذا الإمام بالدهاء السياسي ، فبث نفوذه بالحكمة والحيلة تارة ، وبالقوة والشدة تارة ، فكان من دهائه بث بذور الفرقة والخلاف بين القبائل التي لا تجتمع عليه فيأمن شرها (4) .
__________
(1) - ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص57 .
(2) - الشماخي ، السير ، 1/166 .
(3) - ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص61 .
(4) - ابن الصغير ، المصدر السابق ، ص63 ـ بحاز ، الدولة الرستمية ، ص121 ـ الباروني ، الأزهار ، 2/182- 183 . (1/61)
صفحة 62
ولقد عمر هذا الإمام في إمامته مدة نصف قرن ، وفي رواية مدة ستين عاما ، فعاصر بذلك ستة من حكام بني العباس وهم : الرشيد (1) ، والأمين (2) ، والمأمون (3) ،
__________
(1) *- هو هارون الرشيد بن محمد المهدي بن عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس ، وأمه الخيزران أم ولد يمانية جرشية ، ولد بالري في سنة 145هـ ، وقيل 149هـ ، استلم حكم الدولة العباسية يوم مات أخوه موسى الهادي في سنة 170هـ ، واستمر في الحكم إلى أن توفي في سنة 193هـ ، وقيل : 194هـ ، فكانت مدته 23 سنة ، وقد كان عهده واسطة عقد الدولة العباسية ، فوصلت فيه إلى أفخم درجاتها صولة وسلطانا ، وعلما وأدبا ( أنظر : علي بن محمد الشيباني ابن الأثير ، الكامل في التاريخ ، ج5 ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، لبنان ، ط1 : 1407هـ / 1987م ، ص277 ، ص352 - محمد الخضري ، الدولة العباسية ، دار الكتب العلمية ، بيروت لبنان ، ط1 : 1419هـ / 1998م ، ص97 ) .
(2) **- هو محمد الأمين بن هارون الرشيد بن محمد المهدي ، وأمه زبيدة بنت جعفر المنصور ، ولد في سنة 170هـ ، تولى الحكم في الدولة العباسية في سنة 194هـ بعد موت أبيه هارون الرشيد ، واستمر في الحكم إلى أن قتل في سنة 198هـ ، فكانت مدته أربع سنوات إلا أربعة أشهر تقريبا ، وقد كانت مدة حكمه مملوءة بالمشاكل والاضطرابات بينه وبين أخيه المأمون ( أنظر : الخضري ، الدولة العباسية ، ص148 ) .
(3) ***- المأمون : هو عبد الله المأمون بن هارون الرشيد بن محمد المهدي ، وأمه أم ولد اسمها مراجل ، ولد في سنة 170هـ ، تولى حكم الدولة العباسية في سنة 198هـ ، بعد مقتل أخيه الأمين ، واستمر في الحكم إلى أن توفي غازيا بطرسوس في سنة 218هـ ، فكانت مدته عشرين سنة وأشهر ( أنظر : الخضري ، الدولة العباسية ، ص163 ) .. (1/62)
صفحة 63
والمعتصم (1) ، والواثق (2) ، والمتوكل (3) (4) ؛ وقد اعتبر بعض الباحثين الإمام أفلح أعظم من تولى الإمامة في المغرب الإسلامي ، ومن هؤلاء الباحثين الشيخ علي يحيى معمر فنجده يقول : " ولعل الإمام أفلح يعتبر أعظم من تولى الإمامة في المغرب الإسلامي ، وأنا حين أطلق هذا الحكم أضع في الاعتبار مراعاة التطبيق لأحكام الإسلام ، وتنفيذها مع طول المدة ، وإقبال الدنيا ، وفيضان الثروة بين جميع الطبقات ...
__________
(1) ****- المعتصم : هو أبو إسحاق محمد المعتصم بالله بن هارون الرشيد بن محمد المهدي ، وأمه أم ولد اسمها ماردة ، ولد في سنة 179هـ ، استلم حكم الدولة العباسية في سنة 218هـ ، بعد وفاة أخيه المأمون ، واستمر في الحكم لمدة ثمان سنوات وأشهر ، إلى أن توفي في دينة سامرا في سنة 227هـ ( أنظر : الخضري ، الدولة العباسية ، ص 211 ) .
(2) *****- الواثق : هو أبو جعفر هارون الواثق بالله بن المعتصم بالله بن هارون الرشيد ، وأمه أم ولد رومية اسمها قراطيس ، ولد في سنة 186هـ بطريق مكة ، استلم حكم الدولة العباسية عقب وفاة والده في سنة 227هـ ، واستمر في الحكم لمدة خمس سنوات وأشهر ، إلى أن توفي في سنة 232هـ ( أنظر : الخضري ، الدولة العباسية ، ص228 ) .
(3) ******- المتوكل : هو جعفر المتوكل على الله بن المعتصم بن هارون الرشيد ، وأمه أم ولد خوارزمية ، يقال لها شجاع ، ولد في سنة 206هـ ، واستلم حكم الدولة العباسية في سنة 232هـ ، وهو اليوم الذي توفي فيه الواثق ، فاستمر في الحكم لمدة 14 سنة وأشهر إلى أن قتل في سنة 247هـ ( أنظر : الخضري ، الدولة العباسية ، ص233 ) .
(4) - ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص 61 ، 64 هامش المحقق ـ الدرجيني ، الطبقات ، 1/83 ـ الباروني ، الأزهار ، 2/221 ـ بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/61 رقم الترجمة : 116 . (1/63)
صفحة 64
كان إذا وعد وفى ، وإذا قال عمل ، وإذا أمر بالإحسان ائتمر ، يقيم الحدود ويقف عند نواهي الدين ، ولا تأخذه في الله لومة لائم " (1) .
إلا أن عهد الإمام أفلح لم يخل من بعض الفتن والثورات ، ومن ذلك استمرار خلف بن السمح في اعتدائه على جبل نفوسة وإثارة القلاقل ، فأرسل أبو عبيدة الجناوني - والي الجبل - إلى الإمام أفلح يخبره عن خلف ، فأمره الإمام أفلح أن يتبع معه أسلوب اللين واللطف ، إلا أن ذلك زاد خلفا عتوا وعنادا ، وطمع في السيطرة على الجبل ، فقاتله أبو عبيدة الجناوني ، وانهزم خلف ، ولم تظهر له ظاهرة إلى أن مات أبو عبيدة والي الجبل ، واستلم العباس بن أيوب (2) ولاية الجبل بعده ، فظهر خلف من جديد ، فوقع بين خلف والعباس قتال شديد انهزم فيه خلف وولى الدبر ، ولم تقم له قائمة بعد ذلك إلى أن مات (3) .
__________
(1) - علي يحيى معمر ، الإباضية في موكب التاريخ ، 4/68- 71 .
(2) *- هو العباس بن أيوب بن العباس ، عاش في القرن الثاني والثالث الهجري حيث كان لا يزال حيا بعد سنة 208هـ ، هو بطل من أبطال جبل نفوسة ، ومن قادتها المشاهير ، استطاع القضاء على فتنة خلف بن السمح ، وصفه المؤرخون بأنه على قدر كبير من المهابة ، والفروسية ، وغزارة العلم والحلم ، والكرم والورع ( أنظر : الدرجيني ، الطبقات ، 1/76- 77- الشماخي ، السير ، 1/169- 171- الباروني ، الأزهار ، 2/175 ، 177- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/241 رقم الترجمة : 531 ) .
(3) - الدرجيني ، الطبقات ، 1/72- 77 ـ الباروني ، الأزهار ، 2/166- 177 . (1/64)
صفحة 65
وقد كانت هناك علاقات ومراسلات بين إباضية المغرب وإباضية المشرق في عهد الإمام أفلح ، ومن ذلك لما قامت فتنة خلف في عهد الإمام أفلح ، أرسل العلامة أبو عيسى الخرساني (1) رسالة إلى أهل المغرب يرشدهم فيها إلى اتباع الحق ونبذ الباطل وجمع الكلمة ، وأثنى على الإمام عبد الوهاب والإمام أفلح وعلى السمح ، وأنكر فيها على خلف ومن معه (2) (3) .
__________
(1) **- هو أبو عيسى إبراهيم بن إسماعيل الخرساني ، من إباضية المشرق ، كان معاصرا للإمام أفلح ( ت : 258هـ ) ، الظاهر من نسبه أنه من أهل خرسان ، كان عالما من العلماء ، ومصلحا من المصلحين وذلك ظاهر من رسالته إلى الإمام أفلح لرأب الصدع ، وقطع دابر الشقاق ( أنظر : الباروني ، الأزهار ، 2/173- بحاز ، الدولة الرستمية ، ص397 الهامش ) .
(2) ***- أنظر نص الرسالة كاملة في : لوَّاب بن سلام ، الإسلام وتاريخه من وجهة نظر إباضية ، ت : سالم بن يعقوب ، وشفارتز ، دار إقرأ ، بيروت ، لبنان ، ط1 : 1405هـ / 1985م ، ص161- 166؛ [ العنوان الأصلي لكتاب لواب بن سلام هو : " بدء الإسلام وشرائع الدين " ، وأما هذا العنوان " الإسلام وتاريخه من وجهة نظر إباضية " فهو عنوان محرف لطبعة غير مرخصة ( أنظر : بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/350 رقم الترجمة : 760 ) ] .
(3) - ابن سلام ، الإسلام وتاريخه من وجهة نظر إباضية ، ص161- 166- الباروني ، الأزهار ، 2/173 . (1/65)
صفحة 66
وظهر كذلك في عهد الإمام أفلح فرج بن نصر النفوسي المعروف بـ " نفاث " ، وكان من طلاب الإمام أفلح ، وقد ثار الحسد في قلبه لما قام الإمام أفلح بتولية سعد بن أبي يونس (1) على " قنطرار " (2)
__________
(1) *- هو أبو محمد- وورد أبو عثمان- سعد- وورد سعيد- بن أبي يونس- وورد أبو يوسف - وسيم بن نصر الويغوي النفوسي الطمزيني ، شيخ عالم من أعلام جبل نفوسة ، نشأ بويغو مع أخيه الأصغر أبان بن وسيم ، تلقى مبادئ العلوم بويغو ، أو بقنطرارة ، حيث كان والده واليا عليها للإمام عبد الوهاب ، أرسله والده إلى تيهرت ليتتلمذ على يد الإمامين عبد الوهاب وابنه أفلح ، فبلغ مبلغا عظيما من العلم والفضل ، وكان زميله في الدراسة نفاث بن نصر ، لما رأى منه الإمام أفلح نبوغا في العلم وكفاءة لتحمل المسؤولية ، عينه واليا على قنطرارة بعد وفاة أبيه وسيم ، فأحسن السيرة ، وقام بحق الله فيها ، وكان يعمل على تجنب سفك دماء المسلمين في عدة مناسبات ، من أبرزها عدم مشاركته في موقعة مانو 283هـ ، جمع حوله حلقة علم ، تخرج فيها العديد من التلامذة منهم : سحنون بن أيوب ، وقد عمر أبو محمد طويلا فكان لا يزال حيا إلى ما بعد موقعة مانو 283هـ ( أنظر : أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص139 ، 141 ، 156- الدرجيني ، الطبقات ، 1/77- 80 ، 88 ، 2/334- الشماخي ، السير ، 1/184- 185- الباروني ( باشا ) ، الأزهار ، 2/195- أبو الربيع الباروني ، مختصر تاريخ الإباضية ، ص42- علي يحيى معمر ، الإباضية في موكب التاريخ ، المجلد الأول ، ح2 ، ق1 ، ص117 ، 130 ، ح2 ، ق2 ، ص65 ، 180 ، 190 ، 197 ، 331 - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/171 رقم الترجمة : 374 ) .
(2) **- قنطرار أو قنطرارة : منطقة تقع في جبل نفوسة ، من علمائها المشهورين حسن بن ورمجوج النفوسي ( حي قبل : 471هـ ) ( أنظر : أنظر : بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 1/310 ، 2/121 رقم الترجمة : 260 ) .. (1/66)
صفحة 67
ولم يوله هو ، وقد كانا يطلبان العلم عند الإمام أفلح (1) ؛ فأخذ نفاث يطعن في الأئمة الرستميين ومن ضمنهم الإمام أفلح ، وخالف الإباضية في مسائل استحق بها البراءة ، ثم هرب إلى العراق (2)
__________
(1) - الدرجيني ، الطبقات ، 1/77 .
(2) ***- العراق : يقع العراق في القسم الشمالي من شبه جزيرة العرب ، بين إيران شرقا وسوريا والأردن غربا ، وتركيا شمالا ، والسعودية والكويت والخليج العربي جنوبا ،وتبلغ مساحة العراق ( 434924 ) كلم مربع ، ويبلغ عدد سكان العراق ( 12250000 ) نسمة ، أكثرهم من العرب ، وفيهم أقلية من الأكراد والآشوريين والتركمان والفرس ، وسطح العراق سهول واسعة يرويها نهري دجلة والفرات ، وبه عدة بحيرات ، ومناخ العراق متنوع حار رطب في الجنوب ، جاف صحراوي في الغرب ، بارد في الشمال ، وعاصمة العراق هي بغداد ، والعراق بلد زراعي ينتج القمح والسمسم والذرة والقطن والنخيل ، وتكثر فيه تربية المواشي ، ومن الصناعات السائدة صناعة الأغذية ، والمنسوجات الصوفية والقطنية ، وبناء السفن ، والصناعات البترولية ( أنظر : أطلس العالم الصحيح ، مجموعة من أساتذة الجغرافيا والتاريخ ، دار مكتبة الحياة ، بيروت ، لبنان ، ص56- 57 ) .. (1/67)
صفحة 68
خوفا من الإمام أفلح ، وهناك نسخ ديوان الإمام جابر (1)
__________
(1) ****- هو الإمام الحافظ المتقن أبو الشعثاء جابر بن زيد الجوفي – نسبة إلى درب الجوف ، محله بالبصرة ، وذكر ياقوت الحموي أن في عمان موضعا يقال له " الجوف " ، فلعل الإمام جابر وبعض أصحابه كانوا منه ، ولما نزلوا البصرة ، سمي الموضع الذي نزلوه درب الجوف ، نسبة إلى الجوف في عمان – البصري العماني اليحمدي الأزدي ، من قبيلة اليحمد العمانية ، كان مولده في بلدة " فرق " التابعة لولاية نزوى في المنطقة الداخلية من عمان ، وقد اختلف في سنة ميلاده ، فقيل : سنة 18هـ ، وقيل : سنة 21هـ ، وقيل : سنة 22هـ ، في خلافة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ، وقد تلقى المرحلة الأولى من تعليمه في وطنه الأصلي عمان ، ثم ارتحل مع أسرته إلى البصرة ، في مرحلة مبكرة من عمره كما يرى الشيخ القنوبي ، واستقر بين أقاربه من الأزد ، كان أبوه عالما ، وقال أصحاب المعجم أنه لعله كان صحابيا ، وقد تتلمذ الإمام جابر على جماعة كبيرة من صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وكبار التابعين ، منهم : عبد الله بن العباس ، وأبو هريرة ، وعبد الله بن عمر ، وأنس بن مالك ، وجابر بن عبد الله ، وعائشة أم المؤمنين ، والحكم بن عمرو الغفاري وغيرهم ، وقد أخذ عنه جماعة من التابعين وأتباع التابعين ، منهم : أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة ، وضمام بن السائب ، وأبو نوح صالح الدهان ، وجعفر بن السماك ، وقتادة ، وعمرو بن دينار وآخرون ، وقد أثنى عليه جمع من العلماء والصحابة والتابعين وغيرهم ، قال عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عباس : " لو أن أهل البصرة نزلوا عند قول جابر بن زيد لأوسعهم علما من كتاب الله " ، وقال ابن عباس : " تسألوني وفيكم جابر بن زيد " ، وقال ابن عباس : " اسألوا جابر بن زيد ، فلو سأله أهل المشرق والمغرب لوسعهم علمه " ، وقال ابن عباس : " جابر بن زيد أعلم أهل الأرض " ، وعن إياس بن معاوية قال : " لقد رأيت البصرة وما بها مفت غير جابر بن زيد " ، وعن الحصين =
= بن حيان أنه قال : " لما مات جابر بن زيد بلغ موته أنس بن مالك فقال : مات أعلم من على ظهر الأرض ، أو قال : مات خير أهل الأرض " ، وفي تاريخ البخاري : عن جابر بن زيد قال : لقيني ابن عمر فقال : " جابر إنك من فقهاء أهل البصرة " ، وفي كتاب " الزهد " لأحمد : لما مات جابر بن زيد قال قتادة : " اليوم مات أعلم أهل العراق " ، وقال العجيلي : " تابعي ثقة " ، وقال ابن معين وأبو زرعة : " ثقة " ، وقال ابن حبان في الثقات : " كان فقيها ، ودفن هو وأنس ابن مالك في جمعة واحدة ، وكان من أعلم الناس بكتاب الله " ، وقال الدرجيني : " جابر بن زيد الأزدي رحمه الله ، بحر العلوم العجاج ، وسراج التقوى ، ناهيك به من سراج ، أصل المذهب وأسه الذي قام عليه نظامه ، ومنار الدين ومن انتصبت به أعلامه ، صاحب ابن عباس - رضي الله عنه - ، وكان امهر من صحبه ، وقرأ عليه ، والمقدم ممن يشار في الفتيى إليه ... وله آثار كثيرة مذكورة ، وكرامات ، ومقامات في العلم تعلو المقامات ... " إهـ ، وكان زاهدا ورعا قنوعا ، وقال عن نفسه : " أدركت سبعين بدريا فحويت ما عندهم إلا البحر الزاخر عبد الله بن العباس " ، وقد ترك آثارا علمية جليلة ، بعضها في التعليم والإفتاء ، والأخرى في التأليف والرواية ، وترك موسوعة علمية تعرف " بديوان جابر " في سبعة أحمال ، وهو أول من جمع الحديث في ديوان ، ومن أوائل المؤلفين في الإسلام ، إلا أن الديوان ضاع ، وبقية بعض فتاواه ، ومما بقي من تآليفه : 1- " كتاب الصلاة " ( مخ ) بجربة ، ولعله جزء من ديوانه ، 2- " كتاب النكاح " ( مخ ) بجربة ، ولعله جزء من ديوانه ، 3- " مراسلات ومكاتبات " وأجوبة لتلاميذه ، منها سبع عشرة رسالة موجهة إلى الإباضية في عدة مواطن ، 4- " فقه الإمام جابر بن زيد " جمع وتحقيق الأستاذ بكوش ، وقد طبع مرتين ، 5- " من جوابات الإمام جابر بن زيد " ترتيب الشيخ سعيد بن خلف الخروصي ، طبع بعمان ؛ والإمام جابر بن زيد هو إمام الإباضية ، وواضع قواعد الاجتهاد للمذهب الإباضي ، وكان عبد الله بن إباض يصدر عنه في مواقفه ، وقد توفي الإمام جابر - رحمه الله- في سنة 93هـ كما رجح الشيخ القنوبي ، وهو قول أبي عبيدة ، وأحمد بن حنبل ، والبخاري ، وقال ابن سعد سنة 103هـ ، وقال الهيثم بن عدي سنة 104هـ ، وفي آخر حياته نفاه الحجاج بن يوسف مع هبيرة – جد أبي سفيان محبوب بن الرحيل – إلى عمان ، ثم رجع إلى البصرة ، وتوفي بها ( أنظر : الدرجيني ، الطبقات ، 2/205- 214- البرادي ، الجواهر ( مخ ) ، ص155- الشماخي ، السير ، 1/67- 72- إسماعيل بن إبراهيم الجعفي البخاري (أبو عبد الله ) ، كتاب التاريخ الكبير ، ج1 القسم الثاني ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، لبنان ، ص204 - أحمد بن حجر العسقلاني ( أبو الفضل ) ، تهذيب التهذيب ، ج2 ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت ، لبنان ، ط1 : 1412هـ / 1991م ، ص347- 348- محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي ، سير أعلام النبلاء ، ج4 ، مؤسسة الرسالة ، بيروت ، لبنان ، ط7 : 1410هـ/ 1990م ، ص481- 483 رقم الترجمة : 184- البطاشي ، إتحاف الأعيان ، 1/74- 85- القنوبي ، الربيع بن حبيب ، ص23- 25- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/108 رقم الترجمة : 230 ) . (1/68)
صفحة 69
وعاد به إلى المغرب ، فوجد دولة الإمام أفلح أعظم مما سبق ، فآيس من الخلاف والخروج على الإمام أفلح ، وخاف أن يأخذ الإمام أفلح منه الديوان ، فدله سوء رأيه وخبث سريرته إلى دفن الديوان ، ومات بعد ذلك ، ولم يظهر لديوان الإمام جابر أي أثر إلى اليوم والله المستعان (1) ؛ وقد ذكرت سابقا أنه كانت للشيخ عمروس مناظرات مع نفاث هذا .
__________
(1) - الدرجيني ، الطبقات ، 1/77- 82 ـ الباروني ، الأزهار ، 2/195- 210 ـ بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/338 رقم الترجمة : 731 . (1/69)
صفحة 70
وقد كان للإمام أفلح علاقات مودة وتعاون وتبادل تجاري مع الدول المجاورة لدولته ، فكانت له علاقات مع مملكة " كوكو " (1) (2) ؛ وكذلك كانت بينه وبين ملوك الأندلس وغيرهم من الملوك علاقات جيدة ، واتصال وترابط ، فكانوا يهادنونه ويرسلون إليه الهدايا النفيسة ، وكذلك كان هو يرسل إليهم بالهدايا ، وكانت له عندهم شهرة ومهابة ومقام رفيع ، حتى أنه لم يتجرأ أحد منهم على الاعتداء على دولته ، إلا ما كان من الأغالبة لما سيطروا على غالب شطوط أفريقيا ، فداخلهم الطمع للتوغل في المغرب حتى حدود " تيهرت " ، فشرعوا في بناء مدينة هناك أطلقوا عليها اسم " العباسية " ، وكان ذلك في سنة 227هـ وقيل 231هـ وقيل 239هـ (3) .
فسكت الإمام أفلح ولم ينكر على الأغالبة ، مع علمه بأن هدف الأغالبة التضييق على دولته ، والسيطرة على طرق التجارة دون الدولة الرستمية ، فانتظر حتى تم بناء تلك المدينة ، فوثب عليها وقضى عليها قضاء مبرما ، وأجلاهم منها (4) .
__________
(1) *- مملكة كوكو أو جوجو أو صوصو : هو اسم أمة وبلاد السودان ، وأهلها يدينون بدين الإسلام ، ومَلِكُهَا له مدينة على النيل من جهته الشرقية اسمها " سرناه " بها أسواق ومتاجر ، وله مدينة أخرى في غرب النيل يسكنها هو ورجاله وثقاته ، وبها مسجد يصلي فيه ، ومصلى الجماعة بين المدينتين ، وزي ملكهم ورؤساء أصحابه القمصان والعمائم ، وهذه المملكة عامرة ، وأموالها من المواشي ( أنظر : الحموي ، معجم البلدان ، 7/163- 164- الباروني ، الأزهار ، 2/184- بحاز ، الدولة الرستمية ، ص210 ) .
(2) - الباروني ، الأزهار ، 2/184 .
(3) - الباروني ، الأزهار ، 2/ 186 ـ بحاز ، الدولة الرستمية ، ص122 .
(4) - الباروني ، الأزهار ، 2/ 186 ـ بحاز ، الدولة الرستمية ، ص122 . (1/70)
صفحة 71
فأخبر بذلك أمراء بني أمية في الأندلس ، فما كان منهم إلا أن أرسلوا إليه بهدية ثمينة تقدر بمائة ألف درهم تقديرا لعمله كما ذهب الباحث إبراهيم بحاز (1) ؛ إلا أن الشيخ الباروني له وجهة نظر أخرى ، فهو يرى أن سبب إرسالهم بتلك الهدية هو التقرب للإمام أفلح ، وقد رد بذلك على ما زعمه ابن خلدون من أن الإمام أفلح أرسل إليهم يخبرهم بتدميره للعباسية تقربا إليهم بذلك ، فأرسلوا إليه بتلك الهدية فقال : " وأنت ترى أيها القارئ ما في كلام ابن خلدون مما يدل على ما كان له من الحقد نحو بني رستم كما قلناه من قبل ولم نعلم له سببا ، وإلا كيف يتقرب أفلح إلى صاحب الأندلس وهو يهاديه بالمال كما قال ، وهذا على فرض صحة النسخة المنقول منها وإلا فربما كان الأصل هكذا ( فبعث إليه بمائة ألف درهم يتقرب إليه بذلك ) فتأمل ، والله أعلم " إهـ (2) .
__________
(1) - بحاز ، الدولة الرستمية ، ص122.
(2) - الباروني ، الأزهار ، 2/186 . (1/71)
صفحة 72
وقد كان للإمام أفلح عمال في مختلف ولايات دولته اتصفوا بالعلم والصلاح والتقوى والحزم ، كأبي عبيدة عبد الحميد الجناوني واليه على جبل نفوسة ، وميال بن يوسف (1) واليه على نفزاوة (2) وما يليها وغيرهم من الولاة ، وكان قاضي دولته هو العلامة محكم الهواري (3) (4) .
وقد عاصر هذا الإمام عددا من أئمة الإباضية بعمان في فترة إمامته من سنة 208هـ وحتى 258هـ ، وهؤلاء الأئمة هم :
1- الإمام عبد الملك بن حميد العلوي ، بويع بالإمامة في نفس السنة التي بويع فيها الإمام أفلح وهي سنة 208هـ ، واستمر في الإمامة حتى سنة 226هـ ، وقد مر الحديث عنه سابقا (5) .
__________
(1) *- هو ميَّال بن يوسف اللواتي ( حي بين : 208- 258هـ ) ، فقيه عالم عادل ، عاصر الإمامة الرستمية في أوجها ، وعينه الإمام أفلح بن عبد الوهاب واليا على " نفزاوة " ( أنظر : الشماخي ، السير ، 1/175- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/433 رقم الترجمة : 934 ) .
(2) **- نفزاوة : بلدة تقع في تونس ، من علمائها المشهورين أبو داود القبلي النفزاوي ( حي في : 140هـ ) ( أنظر : بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ،1/314 ، 2/139 رقم الترجمة : 303 ) .
(3) ***- هو الفقيه القاضي محكَّم الهواري ( حي بين : 208- 258هـ ) ، من جبل الأوراس شرق الجزائر ، عينه الإمام أفلح بن عبد الوهاب قاضيا في العاصمة الرستمية " تيهرت " ، رغم رفضه للمنصب ، فكان شديدا في الحق ، ولعل ابنه هود – صاحب تفسير كتاب الله العزيز – أخذ عنه ، واستفاد من علمه ( أنظر : بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/355 رقم الترجمة : 772 ) .
(4) - الباروني ، الأزهار ، 2/196- 210 .
(5) - أنظر ص46 . (1/72)
صفحة 73
2- الإمام المهنا بن جيفر اليحمدي (1) ، بويع في سنة 226هـ ، واستمر في الإمامة إلى أن توفي في سنة 237هـ (2) .
__________
(1) *- هو الإمام المهنا بن جيفر اليحمدي ، بويع له بالإمامة في عمان في سنة 226هـ ، بعد موت الإمام عبد الملك بن حميد العلوي ، وقد تولى بيعته الشيخ العلامة موسى بن علي ، وقد سار سيرت المسلمين ، وقام بالحق إلى أن مات ، وقد كان ذا هيبة عظيمة ، وكان له حزم في رأيه ، وكان لا يتكلم أحد في مجلسه ، ويروى – والله أعلم – أن له ناب يفتر عنه إذا غضب فتظهر منه هيبة عظيمة ! ، واجتمعت له من القوة البرية والبحرية ما شاء الله ، فقيل أنه اجتمع له في البحر ثلاثمائة مركب مهيأة للحرب ، وكان عنده بعاصمته " نزوى " سبعمائة ناقة ، وستمائة فرس تركب عند أول صرخة ، وتوفي في سنة 237هـ ( أنظر : السالمي ، التحفة ، 1/148- 150 ) .
(2) - السالمي ، التحفة ، 1/148- 150- السيابي ، عمان عبر التاريخ ، 2/81 ، 101 . (1/73)
صفحة 74
3- الإمام الصلت بن مالك الخروصي (1) ،
__________
(1) **- هو الإمام الصلت بن مالك الخروصي ، من قبيلة اليحمد العمانية ، عالم وإمام من أئمة الدين ، بويع بالإمامة في عمان يوم الجمعة قبل غروب الشمس لستة عشر خلت من ربيع الآخر سنة 237هـ ، وهو اليوم الذي مات فيه الإمام المهنا بن جيفر اليحمدي - المترجم له قبل قليل - ، فخلفه الإمام الصلت في إمامة عمان ، وقد قام له بالبيعة العلامة بشير بن المنذر والعلامة محمد بن محبوب بن الرحيل ، وكانا على رأس علماء عمان في ذلك العصر ، وقد سار الإمام الصلت بالحق في عمان ما شاء الله ، حتى فني جل العلماء الذين بايعوه ، وعمر في إمامته ما لم يعمره إمام من أئمة المسلمين كما ذكر الإمام السالمي ، فوصل إلى أن ضعفت رجلاه ، ولكن سمعه وبصره ولسانه وعقله ، لم تتأثر بسبب كبر السن وظلت سليمة ، وفي عهده هاجم النصارى جزيرة " سقطرى " ونقضوا عهدهم عند المسلمين فقتلوا والي الإمام وفتية معه في سقطرى ، وأخذوا البلاد وتملكوها قهرا ، فكتبت امرأة من أهل سقطرى يقال لها " الزهراء " للإمام الصلت بقصيدة رائعة ، تستغيث به وتستنصره على النصارى ، تقول فيها :
قل للإمام الذي ترجى فضائله :: ابن الكرام وابن السادة النجب
وابن الجحاجحة الشم الذين هم :: كانوا سناها وكانوا سادة العرب
أمست سقطرى من الإسلام مقفرة :: بعد الشرائع والفرقان والكتب
جار النصارى على واليك وانتهبوا :: من الحريم ولم يألوا من السلب
إلى أن قالت :
ما بال صلت ينام الليل مغتبطا :: وفي سقطرى حريم باد بالنهب
يالرجال أغيثوا كل مسلمة :: ولو حبوتم على الأذقان والركب
حتى يعود عماد الدين منتصبا :: ويهلك الله أهل الجور والريب ؛ ( أنظر القصيدة في تحفة الأعيان ، 1/165- 166 ) .
فهب الإمام الصلت رحمه الله ، لنجدة المسلمين في سقطرى ، فجمع الجيوش ، وجهز المراكب ، وكتب لهم كتابا - أنظره في تحفة الأعيان ، 1/166- 181- بين لهم ما يأتونه وما يذرونه ، فساروا إلى سقطرى ، وانتصروا بفضل الله على =
= النصارى وحرروا المسلمين من جورهم ، وأعادوا الحقوق إلى أصحابها ، وقد وقعت في عهده فتنة عظيمة على رأسها موسى بن موسى وراشد بن النظر ، فانتقل الإمام الصلت بسببها إلى بيت ابنه بمحض إرادته بلا اعتزال للإمامة أو تقصير فيها ، حسب ما يفهم من رسالته التي شرح فيها سبب اعتزاله إلى بيت ابنه حيث قال : " ... فرأيت أن تحولت إلى منزل ولدي ، بلا ترك للإمامة ولا بخلع لها ، ولا لما طوقني الله من هذه الأمانة ، فأمرت بحفظ مال المسلمين ، وحفظ السجنين ... " إهـ ، فاستغل ذلك موسى بن موسى الذي كانت تدفعه المطامع الدنيوية ، فبايع راشد بن النظر إماما على أهل عمان بالغلبة والجبرية ، ولم يرجع إلى الإمام الصلت بن مالك ، وفضح الله موسى وراشد بن النضر بعد ذلك ، حيث أن موسى انقلب على راشد وفسقه وحاربه ، وقد خرج الإمام الصلت من بيت الإمامة في يوم الخميس لثلاث خلون من ذي الحجة سنة 272هـ ، بعد أن حكم عمان لمدة خمس وثلاثين سنة وسبعة أشهر وثلاثة عشر يوما ، وتوفي رحمه الله في ليلة الجمعة الخامس عشر من ذي القعدة سنة 275هـ ، ودفن يوم الجمعة ، وصلى عليه عزان بن تميم الذي بويع بالإمامة في سنة 277هـ ، واستشهد في سنة 280هـ ، في حربه ضد محمد بن بور الذي هاجم عمان ( أنظر : السالمي ، تحفة الأعيان ، 1/160- 212 ، 241- 259 - السيابي ، عمان عبر التاريخ ، 2/102- 124 ، 172- 183 ) . (1/74)
صفحة 75
بويع في سنة 237هـ ، واستمر في الإمامة حتى سنة 272هـ ، فحدث في عهده ما حدث من فتنة راشد بن النظر (1) وموسى بن موسى (2) ، وخروجهما عليه وما عقب ذلك من أحداث جسام عادت بالشر على أهل عمان (3) .
__________
(1) ***- هو راشد بن النظر اليحمدي ، من قبيلة اليحمد العمانية ، بايعه موسى بن موسى في سنة 272هـ ، بعد فتنة أثاراها ضد الإمام الصلت بن مالك ، وكان هدفهما من ذلك الطمع في السلطة ، فإمامته غير متفق عليها من قبل العلماء ، وقد فضح الله موسى بن موسى وراشد بن النضر حيث انقلب موسى بن موسى على راشد بن النظر بعد ذلك وفسقه وحاربه ، وقد سار راشد بن النظر في عمان بالظلم والجور ، فارتكب الكثير من الجرائم وقتل الأبرياء ، حتى تم عزله في سنة 277هـ ، بعد أربع سنوات من سيطرته على الحكم ظلما وجبرا ، وبويع في نفس السنة للإمام عزان بن تميم الخروصي ( أنظر : السالمي ، تحفة الأعيان ، 1/213 ، 237 ، 241 ) .
(2) ****- هو موسى بن العلامة موسى بن علي الأزكوي ، عاش في القرن الثالث الهجري ، انقلب على الإمام الصلت بن مالك طمعا في السلطة والحكم ، فقام بمبايعة راشد بن النظر في سنة 272هـ ، بلا مشورة من المسلمين ، ثم انقلب عليه وفسقه وحاربه ، فكانت بيعته غير صحيحة ، وحدثت بعد ذلك فتنة عظيمة في عمان بسبب ذلك ، وقد قام الإمام عزان بن تميم الخروصي – الذي بويع بعد عزل راشد بن النظر – بقتل موسى بن موسى في سنة 278هـ ، حين رأى منه تخطيطه للانقلاب عليه ، وإثارة فتنة جديدة ، كما فعل مع الإمام الصلت وراشد بن النظر ، فعاجله وأراح المسلمين من شره ( أنظر : السالمي ، التحفة ، 1/213 ، 237 ، 241 - السيابي ، عمان عبر التاريخ ، 2/112 ) .
(3) - السيابي ، عمان عبر التاريخ ، 2/102 ، 113 . (1/75)
صفحة 76
وكان الإمام الصلت بن مالك رحمه الله هو آخر إمام عماني عاصره الإمام أفلح ، حيث أنه توفي في عهد الإمام الصلت ، فيكون بذلك عاصر ثلاثة أئمة من أئمة عمان في فترة إمامته ؛ ولم أجد في المصادر التي وقعت بين يدي مراسلات بين الإمام أفلح وأئمة عمان ، لعله لبعد المسافة ، واشتغال أئمة عمان بترسيخ الإمامة في عمان ، وكذلك اشتغال الإمام أفلح بشؤون دولته .
وفي عهد الإمام أفلح قام العباسيون في المشرق بالقبض على ابنه أبي اليقظان لما خرج لأداء الحج ، وحبسوه عندهم ، فاغتم الإمام أفلح لذلك غما شديدا ، ومات دون أن يرى ابنه (1) ؛ وقد تضاربت الأقوال في سنة وفاة الإمام أفلح فقيل : سنة 258هـ (2) ، وقيل : سنة 238هـ ، وقيل : سنة 240هـ ، وقيل : سنة 250هـ (3) ، وذكر الباحث إبراهيم بحاز أن وفاته كانت سنة 258هـ (4) ، والظاهر أنه الأصح .
ج- المطلب الثالث : الوضع السياسي في عهد الإمام أبي بكر بن أفلح :
__________
(1) - ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص64- 69 ـ الباروني ، الأزهار ، 2/221 ـ بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/359 رقم الترجمة : 784 .
(2) - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/61 رقم الترجمة : 116 .
(3) - الباروني ، الأزهار ، 2/221 .
(4) - بحاز ، الدولة الرستمية ، ص122 . (1/76)
صفحة 77
بعد أن توفي الإمام أفلح في سنة 258هـ ، اجتمع أهل الحل والعقد من علماء الدولة الرستمية وبايعوا أبا بكر بن أفلح ، حيث أنه هو المؤهل للإمامة بعد أخيه أبي اليقظان المسجون في المشرق عند العباسيين (1) ؛ غير أن بيعة هذا الإمام الجديد لم تنل رضى الجميع ، فأنكروا ذلك ورأوا أنه غير أهل لمنصب الإمامة ، وعابوا على أهل نفوسة استقلالهم بأمر البيعة ، ولكن هؤلاء المعارضين لم يثوروا على الإمام الجديد واكتفوا بالإنكار (2) .
إلا أن هذا الإمام الجديد لم يكن كسابقيه ، فلم يكن راسخا في دينه ، ولا محسنا لشؤون الإدارة والسياسة كآبائه ، وقد وصفه ابن الصغير بأنه لم يكن فيه من الشدة في دينه ما كان فيمن قبله من آبائه ، ولكنه كان سمحا جوادا لين العريكة يسامح أهل المروات ويشايعهم على مرواتهم ، ويحب الأدب والأشعار وأخبار الماضين (3) ؛ وقد ذهب بعض الباحثين إلى أن هذه الصفات التي اتصف بها هذا الإمام من الضعف في دينه وسوء السياسة أدت إلى ضعف الدولة الرستمية في عهده ، وعدم استمراره في منصب الإمامة طويلا ، حيث أن إمامته لم تدم سوى سنتين وبضعة أشهر ، إلى أن تنازل عن الإمامة لأخيه أبي اليقظان الذي خرج من سجن العباسيين (4) .
__________
(1) - الدرجيني ، الطبقات ، 1/83 ـ الباروني ، الأزهار ، 2/222 ـ بحاز ، الدولة الرستمية ، ص122 .
(2) - الباروني ، الأزهار ، 2/222 .
(3) - ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص71 .
(4) - الباروني ، الأزهار ، 2/236 ـ بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/87 رقم الترجمة : 182 ـ بحاز ، الدولة الرستمية ، ص122 . (1/77)
صفحة 78
استطاع أبو اليقظان الخروج من سجن العباسيين ، بعد مقتل الحاكم العباسي ، والذي يظهر أنه المهتدي (1) ،
__________
(1) *- هو المهتدي بالله محمد بن الواثق بن المعتصم ، ويكنى أبا عبد الله ، وأمه رومية تسمى " قُرْب " ، بويع يوم الأربعاء لليلة بقيت من رجب سنة 255هـ بعد خَلْع عمه المعتز بن المتوكل من قبل الأتراك ، الذين كانوا يتحكمون في الدولة العباسية في ذلك الوقت فينصبون ويخلعون من شاءوا ، واستمر في الحكم لمدة أحد عشر شهرا وخمس عشرة ليلة ، إلى أن ثار عليه الأتراك كذلك وقتلوه في سنة 256هـ ، وكان المهتدي يعد من أحسن حكام العباسيين مذهبا وأجملهم طريقة وأظهرهم ورعا وأكثرهم عبادة ، وكان قد منع الملاهي ، وحرم الغناء والشراب ، ومنع الظلم ، وكان سبب نهجه هذا النهج غيرته من عمر بن عبد العزيز – رضي الله عنه – فكان يقول : " ... ولكني فكرت في أنه كان من بني أمية عمر بن عبد العزيز فغرت لبني هاشم أن لا يكون في خلفائهم مثله ... " ، ويقول : " أما يستحي بنو العباس أن لا يكون فيهم مثل عمر بن عبد العزيز ؟ " ( انظر : علي بن محمد الشيباني ابن الأثير ، الكامل في التاريخ ، ج6 ، دار الكتاب العربي ، بيروت ، لبنان ، ط1 : 1417هـ / 1997م ، ص124 ، 256 ، 258 ، 282 ، 287 ، 288 ) .. (1/78)
صفحة 79
وتولى المعتمد (1)
__________
(1) **- هو المعتمد على الله أبو العباس أحمد بن التوكل ، المعروف بابن فِتيان ، كان محبوسا في فترة حكم المهتدي ، وعندما خلع الأتراك المهتدي وقتلوه ، قاموا بإخراج المعتمد من السجن ومبايعته ، ولقبوه بالمعتمد على الله ، وكان ذلك في سنة 256هـ ، واستمر في الحكم لمدة ثلاث وعشرين سنة وستة أيام ، وتوفي في سنة 279هـ ببغداد ، وذلك أنه شرب شرابا كثيرا وتعشى فأكثر فمات ليلا ، وكان عمره عند موته خمسين سنة وستة أشهر ، وكان في أيام حكمه محكوما عليه قد تحكم فيه عليه أخوه أبو أحمد الموفق وضيق عليه ، وقد حكم بعده ابن أخيه الموفق وهو أبو العباس المعتضد بالله أحمد بن الموفق أبي طلحة بن المتوكل في نفس السنة التي مات فيها المعتمد ( أنظر : ابن الأثير ، الكامل في التاريخ ، 6/288 ، 469- 470 ) .. (1/79)
صفحة 80
بعده ، وكان المعتمد سجينا مع أبي اليقظان فكانت بينهما صحبة دعته إلى إخراج أبي اليقظان من السجن (1) ؛
__________
(1) *- المصادر المتقدمة كابن الصغير ، وسير أبي زكرياء ، والطبقات ، لم تشر إلى اسم هذا الحاكم العباسي ولا اسم من جاء بعده وكذلك لم تشر إلى السنة التي وقعت فيها هذه الأحداث ، والذي يظهر أن أبا زكرياء وكذلك الدرجيني اعتمدا على ما جاء عند ابن الصغير ، وكذلك نجد الباروني في الأزهار يعتمد على ما جاء عند ابن الصغير ، بل وينقل كلام ابن الصغير بنصه ؛ وابن الصغير لم يشر إلى اسم الحاكم العباسي ولا اسم من جاء بعده – كما ذكرت – ولم يذكر كذلك السنة ، وإنما اكتفى بإشارة خفيفة وهي كون الحاكم العباسي وذلك السجين عند أبي اليقظان والذي حكم بعد ذلك أخوان ، وإشارة أخرى من أن العامل على بغداد في فترة سجن أبي اليقظان هو المتوكل ؛ والظاهر أن هذه الإشارة من ابن الصغير هي ما دفع كل من د/ محمد ناصر ود/ بحاز إلى احتمال كون المتوكل هو السجين مع أبي اليقظان في عهد أخيه الواثق ( 227- 232هـ ) ، وكذلك احتملا أن يكون السجين هو المعتمد ( 256- 279هـ ) في عهد ابن عمه المهتدي ( 255- 256هـ ) ، خاصة أنه – أي المعتمد – تولى الحكم في سنة 256هـ ، وهي قريبة جدا من سنة 258هـ التي عاد فيها أبو اليقظان إلى المغرب بعد أن حرره الحاكم العباسي الجديد من حبسه ؛ والذي يظهر أن هذا الحاكم العباسي هو المهتدي ، وقد ثار عليه الأتراك وخلعوه وقتلوه في سنة 256هـ ، وبايعوا المعتمد أحمد بن المتوكل ، وقد كان المعتمد مسجونا في فترة حكم المهتدي ، فالذي يظهر أن أبا اليقظان والمعتمد كانا مسجونين في نفس المكان ، وقد مال أصحاب المعجم إلى أنه المعتمد ؛ وأما احتمال كون الحاكم العباسي هو الواثق والسجين هو المتوكل بعيد نوعا ما ، وذلك أن الواثق تولى الحكم في سنة 227هـ ، وفي هذه الفترة لا يزال الإمام أفلح على قيد الحياة وعلى سدة الإمامة ، وقد ذكرنا سابقا عند الحديث عن الوضع السياسي في عهد الإمام أفلح أنه توفي – أي الإمام أفلح – في سنة 258هـ على الراجح ، وبالتالي فإن أبا اليقظان سيكون قد عاد في حياة أبيه ، إذا كان الذي أخرجه هو المتوكل الذي حكم بعد الواثق في سنة 232هـ ، ولكن الأمر أنه عاد وقد توفي الإمام أفلح ، فالظاهر أنه عاد في نفس السنة التي توفي فيها أباه وهي 258هـ كما قلنا ، ووجد أخاه أبا بكر على الإمامة ، ولو احتملنا أنه سجن في عهد الواثق ( 227- 232هـ ) ، وظل إلى عهد المعتمد ( 256هـ ) ، فإنه ليس من المعقول أن يترك الإمام أفلح ابنه سجينا لدى العباسيين لأكثر من 26سنة ، فلا بد أن يسعى إلى تحريره بكل الوسائل المتاحة ، حتى وإن اقتضى الأمر الحرب ، لأن العباسيين اعتدوا جورا وبهتانا على فرد من أفراد الدولة الرستمية بغض النظر عن كونه ابن الإمام ، ولكن المصادر تؤكد كون أبي اليقظان خرج من سجنه بعد موت أبيه ، فالظاهر أنه سجن قبل فترة وجيزة من وفاة أبيه ، فلم يتسن لأبيه السعي إلى تحريره حيث داهمه ريب المنون والله أعلم .
وأود أن أنوه إلى أن الباحث إبراهيم بحاز ذكر أن المعتمد هو ابن المهتدي ، ولكن الذي ذهب إليه يحتاج إلى إعادة نظر ، فالظاهر أنهما أبناء عم ، وذلك أن المهتدي هو محمد بن الواثق بن المعتصم ، والمعتمد هو أحمد بن المتوكل بن المعتصم والله أعلم ( أنظر : ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص64- 69 ، وهامش ص65- ابن الأثير ، الكامل في التاريخ ، 6/79 ، 105 ، 109 ، 124 ، 256 ، 258 ، 282 ، 287 ، 288 ، 469 ، 470 – أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص146- الدرجيني ، الطبقات ، 1/83 - الباروني ، الأزهار ، 2/258- 264- بحاز ، الدولة الرستمية ، ص123 ، الهامش - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/359 رقم الترجمة : 784 ) . (1/80)
صفحة 81
فعاد أبو اليقظان إلى المغرب ، ووجد أن أباه الإمام أفلح قد توفي ، وبويع لأخيه أبي بكر بالإمامة ، فكلفه أخوه بمهام في تيهرت فقام بها أحسن قيام ، ولم يَدَّعِ إمارة ، ولم يُنَازِعْ أخاه في الإمامة (1) .
وقد كان لأبي بكر صهر يدعى ابن عرفه (2) ، وكان رجلا ذا نفوذ واسع وثروة طائلة ، فأصبحت له مكانة كبيرة بين الناس حتى أنها فاقت مكانة الإمام نفسه (3) ؛ عند ذلك وشى الواشون عند الإمام أبي بكر بحال ابن عرفة ، والمكانة التي أصبحت له وأنه أصبح يهدد الإمام والدولة (4) .
__________
(1) - ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص72 ـ الباروني ، الأزهار ، 2/224 ـ بحاز ، الدولة الرستمية ، ص123 .
(2) **- هو محمد بن عرفة ، أصله من القيروان ، وفد على تيهرت ، ونال حظوة عند أئمتها الرستميين ، وكان ذا ثراء وجاه ، صاهر الإمام أبا بكر بن أفلح ، إذ تزوج كل منهما أخت الآخر ، وعينه الإمام أبو بكر سفيرا له إلى بلاد السودان ، أصبحت له مكانة كبيرة في الدولة الرستمية ، فحسده الحساد ، ودبروا مكيدة لقتله ، فقتل في سنة 261هـ ، وكان مقتله سببا لفتنة هزت سلطان الإمامة ( أنظر : ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص71- 81- الباروني ، الأزهار ، 2/227 ، 230- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/387 رقم الترجمة : 838 ) .
(3) - ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص71- 72 ـ الباروني ، الأزهار ، 2/227 ـ بحاز ، الدولة الرستمية ،
ص123 .
(4) - ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص74 ـ الباروني ، الأزهار ، 2/227 . (1/81)
صفحة 82
فتأكد الإمام من ذلك فوجد أن ابن عرفه أصبحت له مكانة عند الناس ونفوذا قويا في الدولة ، فأشار عليه أحد مستشاريه - ذكر بعض الباحثين أنه أبو اليقظان - بقتل ابن عرفة ، فوضع خطة لقتله ، وأوكل ذلك لأحد خدمه ، فقتله بحضور أبي بكر كما تذكر بعض المصادر (1) ، إلا أن بعض الباحثين كالشيخ علي يحيى معمر وإبراهيم بحاز ، ينفون عن أبي بكر قتل ابن عرفة ، وينفون كذلك عن أبي اليقظان تحريضه لأبي بكر بقتل ابن عرفه ، فنجد الباحث بحاز يقول : " يبدوا أن أبا بكر بالصفات التي وصفها به ابن الصغير نفسه ( كان سمحا جوادا لين العريكة ، يسامح أهل المروءات ) ، لا يقوى على تدبير مؤامرة القتل ، فضلا عن القيام بها بنفسه ، لهذا أرجح ما ذهب إليه علي يحيى معمر في أن القاتل الحقيقي لابن عرفه ليس هو أبا بكر ولا أخاه أبا اليقظان ، وإنما طائفة من الطوائف التيهرتية التي أرادت أن تبيت خبر الإباضية ، كما يذكر ذلك ابن الصغير في كثير من المناسبات ، وقد استطاع علي يحيى معمر في نظري أن يحلل أحداث هذه الفتنة تحليلا منطقيا مقبولا " إهـ (2) .
__________
(1) - ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص75- 77 ـ الباروني ، الأزهار ، 2/227 ـ بحاز ، الدولة الرستمية ،
ص124 .
(2) - ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص 105-ـ علي يحيى معمر ، الإباضية في موكب التاريخ 4/45 - بحاز ، الدولة الرستمية ، ص124 ، الهامش . (1/82)
صفحة 83
على العموم فإن قتل ابن عرفه - بغض النظر عن قاتله - أدى إلى حدوث فتنة عظيمة وثورة كبيرة من قبل أشياع ابن عرفة على أبي بكر حيث أنهم اتهموه بقتل ابن عرفة ، فوقع قتال عنيف بينهم وبين الإمام أبي بكر ، فهاجت البلاد وماجت ، وثار العجم الموجودون في الدولة الرستمية طمعا في السيطرة على البلاد وحكمها ، مستغلين انشغال الإمام أبي بكر بقتال أشياع ابن عرفة (1) ؛ وقد أشار بعض الباحثين إلى أن أبا بكر لما اتهم بقتل ابن عرفه اعتزل الإمامة مباشرة ، وأن القبائل راحت تتقاتل فيما بينها ، وأن أبا اليقظان اعتزل هذه الفتنة ولم يتدخل فيها (2) ؛ وبعض المصادر ذكرت أن أبا اليقظان اعتزل الحرب الدائرة بين أخيه وأشياع ابن عرفه ، حتى اعتدى الجند والعرب على أراضي نفوسة وأهلها ، عند ذلك تدخل أبو اليقظان مع أهل نفوسة والعجم ضد الجند والعرب ، واستمرت الحرب بين الطرفين (3) .
__________
(1) - ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص80 ـ الباروني ، الأزهار ، 2/230- 232 ـ بحاز ، الدولة الرستمية ، ص124 .
(2) - ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص81 ـ بحاز ، الدولة الرستمية ، ص124 .
(3) - ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص82 ـ الباروني ، الأزهار ، 2/232- 236 . (1/83)
صفحة 84
في تلك الأثناء استولى على تيهرت رجل يدعى محمد بن مسألة (1) ، فخرج أهل تيهرت إلى أبي اليقظان لمبايعته بالإمامة في سنة 261هـ ، فظل أبو اليقظان يحارب محمد بن مسألة لمدة سبع سنين ، حتى استطاع في سنة 268هـ دخول تيهرت بمساعدة النفوسيين الذين استنجد بهم ، وأعلن العفو العام عما سلف ، وعقد صلحا مع القبائل كلها ، فدخلت الدولة الرستمية عهدا جديدا من الرقي والازدهار في عهد الإمام أبي اليقظان بعد هذه الفتنة العظيمة والحرب العقيمة التي عادت عليها بالوهن والدمار (2) ؛ وأما الإمام أبو بكر فإنه عاش بقية أيامه في ظل الإمام أبي اليقظان (3) .
د- المطلب الرابع : الوضع السياسي في عهد الإمام أبي اليقظان :
__________
(1) *- هو محمد بن مسألة الهواري ( حي بعد : 268هـ ) ، رئيس إمارة هواره جنوب نهر الشلف ، لم يعترف ابن مسألة بسلطة الرستميين وتمرد عليهم لمدة سبع سنين ، من سنة 261هـ إلى سنة 268هـ ، مستغلا الأوضاع المتردية التي مرت بها الدولة الرستمية بسبب قتل ابن عرفة ، لكن الإمام أبا اليقظان استطاع القضاء عليه ، وإنهاء تمرده وإمارته ، فهرب إلى المغرب الأقصى ، حيث أنه كان على صلة حسنة بالأمراء الأدارسة ( أنظر : ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص84- 87 - الباروني ، الأزهار ، 2/236 ، 238- بحاز ، الدولة الرستمية ، ص124- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/394 رقم الترجمة : 851 ) .
(2) - ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص84- 87 ـ الباروني ، الأزهار ، 2/236 ، 238 ـ بحاز ، الدولة الرستمية ، ص124 ـ بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/359 رقم الترجمة : 784 .
(3) ـ الباروني ، الأزهار ، 2/236 ـ بحاز ، الدولة الرستمية ، ص125 . (1/84)
صفحة 85
استلم أبو اليقظان محمد بن أفلح الإمامة في سنة 261هـ كما مر ، واستطاع دخول تيهرت بعد سبع سنوات من الحرب مع محمد بن مسألة الذي كان يسيطر على تيهرت ، فنشر الأمان ووحد البلاد ، وبدأ عهد جديد للدولة الرستمية من سنة 268هـ - تحت ظل الإمام أبي اليقظان - تميز بالقوة والرقي والحضارة في مختلف الجوانب ؛ ففي عهده انتشر العلم والصلاح بين الناس ، وانتعش الاقتصاد ودب الأمان ، وتولى الإمام بنفسه إلقاء الدروس وتعليم طلاب العلم ، فشدت إليه الرحال من كل الأقطار للغرف من بحره الزاخر ، وجاءت إليه الوفود من كل حدب وصوب تقدم له البيعة (1) .
وقد عمر هذا الإمام حتى تجاوز المائة ، واختلف في مدة إمامته فذهب ابن الصغير إلى أنها أربعين سنة ، وهذا ما ذهبت إليه المصادر الإباضية كالطبقات وغيرها ، ورجحه الشيخ الباروني ، وقيل أن مدة إمامته عشرين سنة ، وهذا ما ذهب إليه غير واحد من الباحثين المعاصرين كإبراهيم بحاز وأصحاب المعجم (2) ، والظاهر أن ما ذهب إليه الباحث بحاز وأصحاب المعجم هو الأصح ، حيث أن أبا اليقظان تولى الإمامة في عام 261هـ ، واستمر في الإمامة إلى أن توفي في عام 281هـ (3) .
__________
(1) - الباروني ، الأزهار ، 2/236- 240 .
(2) - ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص92 ـ الدرجيني ، الطبقات ، 1/83 ـ الباروني ، الأزهار ، 2/256 ـ بحاز ، الدولة الرستمية ، ص126 - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/359 رقم الترجمة : 784 .
(3) - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/359 رقم الترجمة : 784 . (1/85)
صفحة 86
وقد أدرك ابن الصغير شيئا من عهده ورآه بنفسه وحضر مجلسه ، ووصفه بقوله : " وكان إذا جلس للناس وأمرهم بالجلوس لم ينطق أحد بين يديه إلا أن تكون ظلامة ترفع إليه ، وكان زاهدا ورعا ناسكا سكينا ... " إهـ (1) ؛ وقد شبه البعض أيام الإمام أبي اليقظان بأيام جده الإمام عبد الرحمن بن رستم مؤسس الدولة الرستمية ، وأنه وافقه في الحكم والعلم والعدل والورع واتفاق الكلمة بعد اختلافها (2) .
__________
(1) - ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص92 .
(2) - الدرجيني ، الطبقات ، 1/83 ـ الباروني ، الأزهار ، 2/240 ـ بحاز ، الدولة الرستمية ، ص125- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/359 ، رقم الترجمة : 784 . (1/86)
صفحة 87
وقد قام هذا الإمام بتعيين الولاة في أرجاء دولته ليحفظ النظام وينشر العدل والأمن ، ومن ولاته : أفلح بن العباس (1) واليه على جبل نفوسة ، ثم عين بعده على جبل نفوسة أبا منصور إلياس النفوسي (2)
__________
(1) *- هو أفلح بن العباس بن أيوب ، يعد من الطبقة السادسة ( 250- 300هـ ) ، شيخ من مشايخ جبل نفوسة ، تلقى علمه على علماء الجبل ، كان محبوبا عند الإمام أبي اليقظان محمد بن أفلح ، محظوظا عنده ، فإذا ذكر له اسمه " انبسط ما بين عينيه " كما يقول ابن الصغير ، دلالة على الثقة والحظوة والتقدير ، ولاه الإمام أبو اليقظان على جبل نفوسة ، بعد وفاة واليها أبي منصور إلياس ، بعد موقعة مانو 283هـ ، عزله المشائخ بجبل نفوسة عن ولاية نفوسة ، وعينوا مكانه ابن عمه لمدة ثلاثة أشهر ، فلم يحسن التدبير والسياسة ، فعزلوه وأعادوا أفلح مكانه ( أنظر : أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص156 ، 157- الدرجيني ، الطبقات ، 1/87- 88- الشماخي ، السير ، 1/223- 228- الباروني ، الأزهار ، 2/245- 246- أبو الربيع الباروني ، مختصر تاريخ الإباضية ، ص48- علي يحيى معمر ، الإباضية في موكب التاريخ ، المجلد الأول ، ح2 ، ق1 ، ص129- 132- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/59- 60 رقم الترجمة : 114 ) .
(2) **- هو أبو منصور إلياس بن منصور النفوسي ( حي في : 161- 281هـ ) ، من مشايخ جبل نفوسة بـ " تنين دمرت " ، من المشهورين بالعلم والعمل ، تلقى علمه على مشايخ بلده ، عينه الإمام أبو اليقظان واليا على جبل نفوسة ، وكان قائدا عظيما لم يهزم له جيش قط ، قضى على ولد خلف بن السمح المنشق عن الرستميين ، وقضى كذلك على ابن طولون العباس بن أحمد
(
أنظر : الدرجيني ، الطبقات ، 1/84- 87 ، 2/321- 322 ، 329- 331 ، الشماخي ، السير ، 1/192- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/63 رقم الترجمة : 119 ) . (1/87)
صفحة 88
(1) ؛ وأبو منصور هذا هو الذي قضى على ابن طولون (2)
__________
(1) - ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص100 ـ الباروني ، الأزهار ، 2/245- 251 .
(2) ***- هو العباس بن أحمد بن طولون ، ولد صاحب مصر ، خرج في سنة 267هـ من مصر عاقا لوالده ، يريد غزو القيروان ، والاستقلال بحكمها عن أبيه وعن الدولة العباسية ، فاستولى من خزانة أبيه على كثير من الأموال ، وخرج معه كثير من الجند ، إلا أن الأغالبة واجهوه قبل أن يصل إلى طرابلس ، ولما لم يتمكنوا منه ، اعتصموا بالمدينة ، وحاصرهم ابن طولون أكثر من أربعين يوما ؛ وكان بعض جنوده في تلك الأثناء يعتدون على أهل البوادي من أتباع الدولة الرستمية ، فاستعانوا بوالي نفوسة أبي منصور إلياس ، فتوجه أبو منصور إلى طرابلس ، وفك حصارها ، وهزم ابن طولون وجنوده ، وقتل الكثير منهم ( أنظر : الباروني ، الأزهار ، 2/255- 257 ـ بحاز ، الدولة الرستمية ، ص125) .. (1/88)
صفحة 89
الذي خرج من مصر سنة 267هـ متوجها إلى القيروان (1) ممنيا نفسه ملكها والسيطرة عليها ، حاملا معه كل ما في خزانة أبيه من مال ، فخرج بجيش جرار ، فعاث في طرابلس فسادا ، فتصدى له أبو منصور بمن معه من أهل نفوسة ، فَمُنِيَ بهزيمة فادحة ففر بجلده ، وترك تلك الأموال الطائلة ، فلم يلمسها أبو منصور ولا أهل نفوسة ، وانتهبها أهل طرابلس (2) .
__________
(1) ****- القيروان : هي مدينة عظيمة بإفريقية ، قال الأزهري : " القيروان معرب ، وهو بالفارسية " كاروان " " ، وقد مصرت القيروان في الإسلام في عهد معاوية بن أبي سفيان ، وقد بناها عقبة بن نافع سنة 55 هـ ، وقد سيطر عليها الأغالبة وجعلوها عاصمة لدولتهم ، وصفها المقدسي بقوله : " القيروان : مصر الإقليم ، بهي عظيم ، حسن الأخبار ، جيد اللحوم ، قد جمع أضداد الفواكه ، والسهل والجبل والبحر والنعم ، مع علم كثير ورخص عجيب " إهـ ، وذكر المقدسي من مدنها : صبرة ، وأسفاقس ، والمهدية ، وغيرها ، والقيروان تابعة لتونس في هذا الزمان ( أنظر : الحموي ، معجم البلدان ، 4/106- 107- محمد بن أحمد البنا المقدسي ، أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت ، لبنان ، 1408هـ / 1988م ، ص184 ، 186- 187- ابن خرداذبة ، المسالك والممالك ، ص81- أبو القاسم بن حوقل النصيبي ، كتاب صورة الأرض ، دار مكتبة الحياة ، بيروت ، لبنان ، 1992م ، ص94- ابن الفقيه ، مختصر كتاب البلدان ، ص77 ) .
(2) - الباروني ، الأزهار ، 2/255- 257 ـ بحاز ، الدولة الرستمية ، ص125 . (1/89)
صفحة 90
ومن قضاة الإمام أبي اليقظان العلامة أبو عبد الله محمد بن عبد الله (1) قاضيه على عاصمة الدولة الرستمية ، ثم عين بعده شعيب بن مدمان (2) ، وعين الشيخ عمروس بن فتح قاضيا له على جبل نفوسة (3) .
__________
(1) *- هو أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي الشيخ ، عاش في القرن الثالث الهجري ، من قضاة الدولة الرستمية ، نشأ بتيهرت ، وتتلمذ على أئمتها وعلمائها ، عاصر الإمام عبد الوهاب ، والإمام أفلح ، وتولى القضاء في عهد الإمام أبي اليقظان ، بعد أن نبغ في الفقه والأحكام ، وولاه كذلك الإمام أبو حاتم يوسف القضاء ( أنظر : ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص116- الشماخي ، السير ، 1/189- الباروني ، الأزهار ، 2/247- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/386 رقم الترجمة : 836 ) .
(2) **- هو شعيب بن مدمان ، عاش في القرن الثالث الهجري ، ذكر أصحاب المعجم أن هذه الشخصية لا يعرف عنها الكثير من المعلومات ، ولكنه لا يستبعد أن يكون قد تتلمذ في الدولة الرستمية على يد مشايخها ، وقد عاصر الإمام أبا اليقظان ، فكسب ثقته لتضلعه في الأحكام الشرعية ، فعينه قاضيا في تيهرت ( أنظر : ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص90- الباروني ، الأزهار ، 2/248- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/222 رقم الترجمة : 486 ) .
(3) - الباروني ، الأزهار ، 2/248 . (1/90)
صفحة 91
وقد عاصر هذا الإمام بعض الأئمة العمانيين وهم : الإمام الصلت بن مالك الذي بويع بالإمامة في عمان سنة 237هـ ، واعتزل الإمامة في سنة 272هـ بسبب فتنة موسى بن موسى وراشد بن النظر ، فبايع موسى بن موسى راشد بن النظر بالإمامة في سنة 272هـ (1) ؛
__________
(1) - السالمي ، تحفة الأعيان ، 1/160 ، 194 ، 213 - السيابي ، عمان عبر التاريخ ، 2/102 ، 113 .. (1/91)
صفحة 92
ثم بويع بعد راشد بن النظر الإمام عزان بن تميم (1)
__________
(1) ***- هو الإمام عزان بن تميم الخروصي ، بويع له بالإمامة في عمان في سنة 277هـ ، بعد عزل راشد بن النظر ، وتولى البيعة له موسى بن موسى ، وعمر بن محمد القاضي ، وعزان بن الهزبر وغيرهم ، وفي عهده هجم محمد بن بور على عمان ، وعاث فيها فسادا ، ووقعت بينه وبين الإمام عزان بن تميم معركة طاحنة في سنة 280هـ ، في منطقة " سمد الشان " بشرقية عمان ، استشهد فيها الإمام عزان بن تميم ، وبعث محمد بن بور برأس الإمام عزان إلى المعتضد ببغداد والله المستعان ، وعند الله تجتمع الخصوم ؛ وقد ذكر الشيخ سالم بن حمود السيابي أن الإمام الصلت بن القاسم الخروصي بويع بعد عزل راشد بن النظر ، ثم عزل ، وأعيد راشد بن النظر ، وبعد ذلك عزل راشد بن النظر مرة أخرى ، وبويع للإمام عزان بن تميم ، ولكن الصحيح هو أن الصلت بن القاسم بويع بعد موت الإمام عزان بن تميم حيث قام العمانيون بإخراج راشد بن النظر من السجن ومبايعته ، ثم عزل وبويع للصلت بن القاسم ، هذا ما رجحه الإمام السالمي ، وقد كانت تلك الفترة بعد موت الإمام عزان بن تميم فترة ضعف وظلام سيطر فيها الجورة على عمان محمد بن بور ومن بعده بنو سامة لمدة أربعين سنة إلى أن بزغ فجر جديد على عمان بمبايعة الإمام الرضي سعيد بن عبد الله بن محمد بن محبوب الرحيلي في سنة 320هـ ، فأقام الحق ونشر العدل وقضى على الظلم ( أنظر : السالمي ، تحفة الأعيان ، 1/239 ، 241 ، 256- 259 ، 268 ، 275- السيابي ، عمان عبر التاريخ ، 2/169 ، 171 ، 172 ، 212 ، 227 ) .. (1/92)
صفحة 93
سنة 277هـ ؛ ثم دخلت عمان في عصر الظلام بوصول محمد بن بور (1) في سنة 280هـ إلى عمان فقام بقتل الإمام عزان بن تميم وعاث في عمان فسادا (2) ؛ وبعد خروج محمد بن بور من عمان تولى أمر عمان بنو سامة (3) من العمانيين الموالين لمحمد بن بور وللدولة العباسية ، فعاثوا في عمان فسادا (4) .
إذا فقد عاصر الإمام أبو اليقظان إمامين من أئمة عمان ، وهما الإمام الصلت بن مالك ، والإمام عزان بن تميم ؛ وأما راشد بن النظر فإن أهل العلم لا يعترفون بإمامته كما مر في ترجمته سابقا ؛ ولم تذكر المصادر والمراجع التي بين يدي وجود مراسلات بين الطرفين ، ولعل السبب يعود إلى بعد المسافة بين عمان والمغرب ، وكذلك لاشتغال الإمام أبي اليقظان بأمور دولته وكذلك بالنسبة لأئمة عمان ؛ وقد توفي الإمام أبو اليقظان في سنة 281هـ ، بعد أن دام حكمه لمدة عشرين سنة ، فترك الدولة الرستمية وقد بلغت حدودها من تيهرت بالمغرب إلى أرض سرت بالمشرق (5) .
__________
(1) ****- هو محمد بن نور ، ويسميه العمانيون محمد بن بور ، هو عامل المعتضد العباسي على البحرين ، هجم على عمان في سنة 280هـ ، وقتل الإمام عزان بن تميم الخروصي ، وعاث في عمان فسادا ( أنظر : السالمي ، تحفة الأعيان ، 1/256- السيابي ، عمان عبر التاريخ ، 2/180 ) .
(2) - السالمي ، تحفة الأعيان ، 1/241 ، 256- السيابي ، المصدر السابق ، 2/169 ، 172 ، 182- 183 .
(3) *- بنو سامة : ينتسبون إلى سامة بن لؤي بن غالب ، وهم من أهل عمان كانوا يسكنون منطقة " إزكي " من داخلية عمان ( أنظر : السالمي ، تحفة الأعيان ، 1/263- السيابي ، عمان عبر التاريخ ، 2/188 ) .
(4) - السيابي ، عمان عبر التاريخ ، 2/193 .
(5) - ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص102 ـ الباروني ، الأزهار ، 2/ 250- 251 ،265 ـ بحاز ، الدولة الرستمية ، ص126 - معجم أعلام الإباضية ، 2/359 رقم الترجمة : 784 . (1/93)
صفحة 94
هـ- المطلب الخامس : الوضع السياسي في عهد الإمام أبي حاتم :
بعد أن توفي الإمام أبو اليقظان في سنة 281هـ كما مر ، بويع لابنه أبي حاتم بالإمامة ، واسمه يوسف بن محمد بن أفلح ، وكانت بيعته في نفس السنة التي توفي فيها أبوه (1) ؛ وقد تميز الإمام أبو حاتم بالكفاءة لمنصب الإمامة حتى قبل أن يبايع ، فكان أبوه يكلفه بمهام في أمور ولايته ، فجعله على رأس جيش من زناته (2) لحماية قوافل التجارة ، فعرف الناس قدرته وكفاءته ، فلذلك نادوا به إماما بعد وفاة أبيه من دون الرجوع إلى أهل الحل والعقد لاستشارتهم (3) ؛ وقد وصفه الشماخي بقوله : " الإمام الماهر والبحر الزاخر العالم الذاكر أبي حاتم يوسف بن أبي اليقظان محمد رضي الله عنه ... ولم ينقم عليه أحد من رعيته في حكم ولا فعل ... " إهـ (4) .
__________
(1) - الشماخي ، السير ، 1/223 ـ ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص104 ـ الباروني ، الأزهار ، 2/265 ـ بحاز ، الدولة الرستمية ، ص126 - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/490 رقم الترجمة : 1067 .
(2) *- زناته : هي قبيلة من قبائل البربر ( أنظر : ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص104- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 1/292- 2/33 رقم الترجمة : 51 ) .
(3) - ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص104 ـ الباروني ، الأزهار ، 2/265 ـ بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/490 رقم الترجمة : 1067.
(4) - الشماخي ، السير ، 1/223 . (1/94)
صفحة 95
وقد رضي الجميع بإمامته ، ولم ينكر عليه أحد أو يعارضه ، فكانت إمامته شرعية ، إلا ما خفي في نفوس بعض أصحاب الأهواء ولم يبيحوه ، ومن هؤلاء عمه يعقوب بن أفلح (1) الذي كان يطمع في الإمامة ، فلما لم يُبَايَعْ غادر تيهرت وسكن " زواغة " (2) ، ولم يعن ابن أخيه الإمام أبا حاتم بشيء لا بقول ولا بفعل ، وكذلك لم يصدر منه ما يكدر على الإمام أبي حاتم إلا ما ظهر منه بعد ذلك من فتنة كما سنذكر في محله (3) .
__________
(1) **- هو الإمام يعقوب بن أفلح آخر الأئمة الرستميين ، تولى الإمامة في سنة 282هـ ، اشتهر بذاكرته القوية ، وغزارة علمه ، قال عنه الباروني : " ... وكان عالما جليلا وأميرا خطيرا ، واسع الثروة ، كثير البر " إهـ ، والظاهر أنه تلقى العلم عن علماء تيهرت وعن أبيه الإمام أفلح ، وقد بلغ الغاية في العلم والعبادة ، والزهد والورع ، ويعد في عائلة الرستميين من أئمة العلم والدين ، وله إسهام في الحكم والسياسة ، توفي في سنة 310 ، وشهد سقوط الدولة الرستمية على يد الفاطميين ( أنظر : أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص190 ـ الدرجيني ، الطبقات ، 1/105 ـ الشماخي ، السير ، 2/47 ـ الباروني ( باشا ) ، الأزهار ، 2/294 - أبو الربيع الباروني ، مختصر تاريخ الإباضية ، ص48- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/473 رقم الترجمة : 1032) .
(2) ***- زواغة : هي قبيلة من قبائل البربر ، سكنت في المغرب الأقصى ( أنظر : بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 1/292 ، 2/111 رقم الترجمة : 232 ، 2/190 رقم الترجمة : 419 ) .
(3) - ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص109 ـ الباروني ، الأزهار ، 2/266 ـ بحاز ، الدولة الرستمية ، ص127 . (1/95)
صفحة 96
وأهم الفتن التي وقعت في عهده وقعة " مانو " بين أهل نفوسة وإبراهيم بن الأغلب سنة 283هـ التي كانت السبب المباشر لسقوط الدولة الرستمية على يد أبي عبدالله الشيعي (1) ،
__________
(1) *- هو أبو عبد الله – وكناه أبو زكرياء بأبي محمد – الحسين بن أحمد الشيعي الملقب بالمعلم ، ويلقب كذلك بالحجاني ، وذكر الباحث إسماعيل العربي أنه لم يجد لقب " الحجاني " إلا في كتاب " سير الأئمة " لأبي زكرياء ، ولم يجده في مصدر آخر ، فلعل الإباضية لقبوه بهذا اللقب ، ولا يعرف بهذا اللقب إلا في أوساط الإباضية ، أما عند الآخرين فيعرف بلقب " المعلم " ، وأبو عبد الله الشيعي هذا هو ناشر دعوة العبيديين في المغرب ، وأصله من صنعاء ، وكان عبدا عند عبيد الله الشيعي ، وقد كان ذا علم عظيم بحساب النجوم ، فأرسله إلى المغرب لجمع الأنصار لإقامة دولته هناك ، والتمهيد لها ، وقد أحاط دعوته بكثير من الأسرار والغموض ، وحمل " كتامة " على مبايعة سيده " المهدي " سنة 286هـ ، دون أن يسميه لهم ، ثم دخل في مرحلة النضال العسكري ، واتخذ من قلعة " ايقجان " حصنا له ، قبل أن يزحف على " ميلة " ثم على " القيروان " ليطرد منها زيادة الله الأغلبي ، وبذلك مهد العرش لعبيد الله ، وقد كان نفوذ أبي عبد الله الحجاني وأخيه أبي العباس كبيرا بين " كتامة " وغيرها من قبائل البربر ، فخشي عبيد الله على مستقبل ملكه ، فأمر بقتلهما ، وقتلا في " رقادة " في سنة 298هـ ( أنظر : أبو زكرياء ، سير الأئمة ، 164- 174 ، ص165 الهامش ، ص168 الهامش - الدرجيني ، الطبقات ، 1/91- 96 ) .. (1/96)
صفحة 97
وذلك أن جبل نفوسة كان هو الدرع الواقي للدولة الرستمية والمادة العسكرية الأساسية وراء كل انتصار حققته الدولة الرستمية ؛ وقد راح ضحيتها اثنا عشر ألفا من أهل نفوسة ومن قاتل معهم ضد الأغالبة ، وكان في القتلى أربعمائة عالم منهم الشيخ عمروس بن فتح رحمه الله ، ولم يستطع الإمام أبو حاتم مساعدتهم لاشتغاله بحربه مع عمه يعقوب بن أفلح ، ولن أطيل الحديث عن وقعة مانو فقد خصصت لها مبحثا سأذكره في محله (1) .
وكذلك من أهم الفتن في عهده حربه مع عمه يعقوب بن أفلح الذي نازعه على حكم تيهرت ، وذلك أنه لما بويع لأبي حاتم بالإمامة لم يرض بذلك حيث أنه كان طامعا فيها ، إلا أنه لم يظهر ذلك في البداية فخرج من تيهرت وسكن " زواغة " ؛ فلما حدثت بعض الفتن في تيهرت من قبل بعض المفسدين الذين رغبوا في تبييت خبر الإباضية ، مما اضطر الإمام أبا حاتم أن يخرج من تيهرت بعد سنة من حكمه ، فقام أولئك المفسدين بإحضار عمه يعقوب إلى تيهرت ، وتقديم الولاية والبيعة له بلا حق شرعي ، فلاقى ذلك هوى في نفسه فقبلها ، فدارت الحرب بينه وبين الإمام أبي حاتم ، إلى أن انتصر الإمام أبو حاتم واستطاع دخول تيهرت في سنة 286هـ ، وهرب يعقوب ومن معه إلى " زواغة " (2) .
__________
(1) - الدرجيني ، الطبقات ، 1/87 ـ الباروني ، الأزهار ، 2/280 ـ بحاز ، الدولة الرستمية ، ص129 - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/490 رقم الترجمة : 1067 .
(2) - ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص105- 115 ـ الباروني ، الأزهار ، 2/266- 275 ـ بحاز ، الدولة الرستمية ، ص127 - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/490 رقم الترجمة : 1067 . (1/97)
صفحة 98
عندما دخل الإمام أبو حاتم تيهرت وجد أن البلاد قد فسدت وفسد أهلها بعد تلك الحرب الطويلة التي استمرت لمدة ست سنوات ، فوجد الناس قد اتخذوا المسكر أسواقا ، والغلمان أخدانا ، فشمر عن ساعد الجد ، وعين الولاة والقضاة ورجال الشرطة ، وقضى على الفساد وأعاد للدولة الرستمية سابق عصرها من الرقي والقوة والحضارة (1) .
__________
(1) - ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص116- 117 ـ الباروني ، الأزهار ، 2/275- 277 ـ بحاز ، الدولة الرستمية ، ص127 . (1/98)
صفحة 99
ومن قضاته وولاته عبد الله بن محمد بن عبد الله قاضيه على تيهرت ، والشيخ عمروس بن فتح قاضيه على جبل نفوسة ، وعبد الرحمن بن صواب (1) عينه مسؤولا عن بيت المال ، وزكار (2) وإبراهيم بن مسكين (3) ولاهما مسؤولية الشرطة ، وأبو منصور إلياس واليه على جبل نفوسة وبعد وفاة أبي منصور عين أفلح بن العباس واليا على جبل نفوسة (4) .
__________
(1) *- هو عبد الرحمن بن صوَّاب النفوسي ( حي : 281هـ ) ، عينه الإمام أبو حاتم يوسف أمينا على بيت مال المسلمين ، وقد جمع إلى العلم الهيبة والنصيحة ( أنظر : الشماخي ، السير ، 1/224- ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص116- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/249 رقم الترجمة : 546 ) .
(2) **- هو زكار ، لم تذكر المصادر نسبه كاملا ، عاش في القرن الثالث الهجري ، وهو أحد الإداريين الأكفاء في الدولة الرستمية ، أسند إليه الإمام أبو حاتم يوسف ( حكم : 281- 284هـ ) مهمة الشرطة في تيهرت ، بالتعاون مع إبراهيم بن مسكين ، فقطع الفساد الذي انتشر في تيهرت بسبب الحروب والفتن ، وقضى عليه ( أنظر : الشماخي ، السير ، 1/224- ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص116- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/153 رقم الترجمة : 333 ) .
(3) ***- هو إبراهيم بن مسكين ، عاش في القرن الثالث الهجري ، من أعيان مدينة تيهرت الرستمية ، أسند إليه الإمام أبو حاتم يوسف ولاية الشرطة بالتعاون مع " زكار " ، فقام بالواجب أحسن قيام ، وقضى على الفساد الذي استشرى في تيهرت بسبب الحروب والفتن ( أنظر : الشماخي ، السير ، 1/224- ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص116- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/31- 32 رقم الترجمة : 48 ) .
(4) - الدرجيني ، الطبقات ، 1/84 ـ ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص116 ـ الباروني ، الأزهار ، 2/276 ، 277- 280 . (1/99)
صفحة 100
وفي عهده كذلك أثار ابن خلف المسمى الطيب بن الخبيث بن الطيب (1) بعض القلاقل والفتن في جبل نفوسه ، فأرسل الإمام إلى واليه على جبل نفوسه أبي منصور أن يقبض على ابن خلف ، فوقع قتال بين أبي منصور وابن خلف ، وتمكن أبو منصور من الإمساك بابن خلف وقام بسجنه ، فأظهر التوبة فأطلق سراحه ، فتحسنت أحواله بعد ذلك (2) .
__________
(1) ****- هو ابن خلف بن السمح بن عبد الأعلى بن السمح المعافري ، لم تذكر المصادر اسمه ، ويلقب بالطيب بن الخبيث بن الطيب ، عاش في أواخر القرن الثالث الهجري ، تلقى العلم على شيوخ جبل نفوسة ، وكان على رأي أبيه فتمرد على الإمامة الرستمية ، فوقعت بينه وبين أبي منصور الوالي الرستمي على نفوسة وقعة انتهت بهزيمة ابن خلف ، فسجن ، وذكر الدرجيني أنه تاب ورجع إلى مذهب أهل الحق وحسنت أحواله ( أنظر : الدرجيني ، الطبقات ، 1/84- 87 ـ الباروني ، الأزهار ، 2/277- 279- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/135 رقم الترجمة : 293 ) .
(2) - الدرجيني ، الطبقات ، 1/84- 87 ـ الباروني ، الأزهار ، 2/277- 279 . (1/100)
صفحة 101
على العموم بعد أن دخل الإمام أبو حاتم تيهرت واستقامة له الأمور وهدأت الأوضاع ، استمرت إمامته لمدة أربعة عشرة سنة ، قام خلالها بالكثير من الإصلاحات والإنجازات ، إلا أنه لم يستطع أن يجتث جذور الفساد الذي استشرى في الأسرة الرستمية ، التي راحت تتقاتل على الملك ، فكان ذلك سببا لزوال ملكها وغروب شمسها ، فادعى أبناء اليقظان أنهم أحق بالإمامة من عمهم الإمام أبي حاتم ، فقاموا بقتل الإمام أبي حاتم جورا وعدوانا ، وكان ذلك في سنة 294هـ ، فنصبوا أباهم اليقظان (1)
__________
(1) *- هو اليقظان بن الإمام أبي اليقظان محمد بن أفلح بن عبد الوهاب ، آخر حكام الدولة الرستمية ، عاش في فترة انحدار الدولة الرستمية وانحرافها عن المنهج القويم الذي كانت عليه في عهد أئمتها السابقين ، نشأ بتيهرت ، وتلقى العلم عن أبيه الإمام محمد ، لا تذكر المصادر عن سيرته إلا ما يتعلق بتوليه الحكم ، وقتله على يد أبي عبد الله الشيعي ، نُصِّب إماما على الدولة الرستمية من قبل ولديه الذين قاموا بقتل الإمام الشرعي أبي حاتم جورا وعدوانا ، فلم يقبل به الإضية وقاطعوه ، وظل مهدد الجوانب إلى أن قتل على يد أبي عبد الله الشيعي لما اجتاح تيهرت في سنة 296هـ ، وقد دام حكمه سنتين ( 249- 296هـ ) ، ولا يذكره مؤرخو الإباضية بخير ، بل يعدونه من الملوك الظلمة ، والسلاطين الجورة ، وبقتل اليقظان سقطت الدولة الرستمية ؛ وقد ذكر الشيخ الباروني أن هناك بعض العلماء ممن سعى إلى مبايعة اليقظان بالإمامة بعد قتل الإمام أبي حاتم وهو العلامة أبو الخطاب وسيل بن سنتين الزواغي ، قال الشيخ الباروني : " وعلى هذا فاليقظان في رضائه – يقصد أنه في ولاية الشيخ أبي الخطاب وسيل – ولعله غير داخل مع إخوته في مسألة قتل الإمام أو لم يصح عنده اتفاقه معهم ولذلك لما عاتبته نفوسة الجبل على بعض الأمور منها التزامه الأمر لليقظان ، قال : الحمد لله الذي جعل لي إخوانا يعاتبونني على ما بلغهم مني من التقصير قبل يوم القيامة ... ثم قال : إنما التزمت الأمر لليقظان احتسابا لله لا لليقظان " إهـ ( أنظر : أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص169- 170- الدرجيني ، الطبقات 1/94- 96 - عبد الله الباروني ، سلم العامة والمبتدئين ، ص20- الباروني ، الأزهار ، 2/291- 293- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/478 رقم الترجمة : 1040 ) . (1/101)
صفحة 102
إماما ، فقاطعه الإباضية ولم يعترفوا بإمامته للجريمة التي ارتكبها ، واعتبروا حكمه غصبا (1) ، فظل لمدة سنتين مهدد الجوانب خائفا لم يعرف طعم الراحة ، فظل قلقا من أبناء الإمام المقتول ، ومن بقائه وحيدا ، ومن الشيعة بقيادة أبي عبد الله الشيعي الذي كان في تلك الفترة يفتح البلدان بلدا بعد بلد إلى أن جاء دور تيهرت فدخلها في سنة 296هـ (2) ،
__________
(1) **- عد الدرجيني الإمام أبا حاتم آخر أئمة الدولة الرستمية العادلة ، لأن حكم اليقظان بعده لم يكن شرعيا ، بل كان تسلطا واغتصابا فقال : " ... فانقطعت الإمامة بموت الإمام يوسف رحمه الله ... " إهـ ( أنظر : الدرجيني ، الطبقات 1/94 ) .
(2) ***- السبب الذي دفع أبا عبد الله الشيعي إلى التوجه إلى تيهرت هو قيام ابنة الإمام أبي حاتم " دوس " وقيل " دوسرة " بالاشتكاء عند أبي عبد الله الشيعي من غدر اليقظان وبنيه بأبيها وقتله ، ووعدته أن يتزوجها إن هو أخذ لها ثأر أبيها ، فدخل تيهرت وقال لليقظان : من أنت ؟ قال : أنا اليقظان ، قال : بل أنت حيران ، ما الذي دفعكم إلى قتل أميركم فاسلبتم ملكه ، وأطفأتم نور الإسلام بغيرسبب ، وألقيتم بأيديكم إلينا بغير قتال ؟! ثم أمر بهم فقتلوا جميعا ؛ وأما ابنة الإمام أبي حاتم فقد هربت من أبي عبد الله الشيعي برفقة يعقوب بن أفلح إلى وارجلان ، فلم يتمكن منها أبو عبد الله الشيعي ؛ وليتها لم تلجأ إلى أبي عبد الله الشيعي فلعله كان لن يهاجم تيهرت ويقضي عليها ، ولكن قضاء الله غالب ، ولله الأمر من قبل ومن بعد ( أنظر : أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص169- 170- الدرجيني ، الطبقات 1/94- الباروني ، الأزهار ، 2/292- 293- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/147 رقم الترجمة : 322 ) .. (1/102)
صفحة 103
وقتل اليقظان وأبناءه الذين قتلوا الإمام أبا حاتم، وقضى على البيت الرستمي وعلى تيهرت وقتل ونهب، وعاث في الأرض فسادا، ولم يكتف بذلك بل قام بحرق مكتبة المعصومة التي كانت تحوي آلاف النفائس من المؤلفات والمخطوطات، بعد أن أخذ منها كتب الفلك والرياضيات والهندسة، فقضى بذلك الفعل الشنيع على تاريخ أمة وحضارة دولة إسلامية عريقة قدمت للأمة الإسلامية ما عجزت عن تقديمه غيرها من الدول الإسلامية التي قامت والله المستعان على ذلك؛ وهكذا وبهذه النهاية المؤلمة انتهى عهد الدولة الرستمية التي استمرت لمدة 136 سنة من 260هـ إلى 296هـ كانت خلالها مثالا للدولة الإسلامية العادلة وكانت خلالها مترسمة خطى الخلافة الراشدة، وقامت على انقاضها الدولة الفاطمية (1).
المبحث الثاني: الوضع الاقتصادي والاجتماعي في عصر الشيخ عمروس:
1 - تمهيد:
__________
(1) - أبو زكرياء، سير الأئمة، ص169 - 170 - الدرجيني، الطبقات 1/ 94 - 96 ـ عبد الله الباروني، سلم العامة والمبتدئين، ص20 - الباروني، الأزهار، 2/ 291 - 293 ـ بحاز، الدولة الرستمية، ص127 - 128 - بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية،2/ 478 رقم الترجمة: 1040، 2/ 490 رقم الترجمة: 1067. (1/103)
صفحة 104
إن جغرافية الدولة الرستمية التي ينتمي إليها الشيخ عمروس كان لها تأثير كبير على الرخاء الاقتصادي الذي تميزت به الدولة الرستمية، حيث أنها تميزت بالتنوع في طبيعتها والاختلاف في مناخها، فكانت تضم الأراضي الخصبة الصالحة للزراعة التي تتميز بكثرة الأمطار، وكانت تضم الأراضي الواسعة الصالحة للرعي وتربية المواشي، وكذلك كانت تحوي الصحاري الشاسعة التي كانت تمر خلالها القوافل التجارية إلى مختلف البلدان، كذلك كانت تتميز بوجود الأنهار التي كان لها دور في ازدهار الزراعة، وكان وقوع الدولة الرستمية على البحر المتوسط له دور في الاتصال ببلاد الأندلس وتبادل التجارة معها، مما نجم عنه ازدهار الأسواق والصناعات في الدولة الرستمية (1).
فسأحاول في هذا المبحث تسليط الضوء على الوضع الاقتصادي والاجتماعي في عصر الشيخ عمروس، فسأتناول الزراعة والرعي في عصره؛ ثم الصناعات في عصره، وأنواعها ومميزاتها؛ وكذلك سأتناول التجارة في عصر الشيخ عمروس وأنواعها، والدول التي كانت مقصد القوافل التجارية، والأسواق الرائجة في عصره؛ ثم أخيرا سأعرج على العمارة في عصر الشيخ عمروس، ومميزاتها، وأنماطها.
وبما أن الشيخ عمروس من رعايا الدولة الرستمية، وعاصر أغلب أئمتها، فإن هذه المطالب السابقة مرتبطة بها أيما ارتباط، ومن خلال الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للدولة الرستمية، سيتبين لنا الوضع الاقتصادي والاجتماعي في عصر الشيخ عمروس.
أ- المطلب الأول: الزراعة والرعي:
أ- الزراعة:
__________
(1) - بحاز، الدولة الرستمية، ص137 - 139. (1/104)
صفحة 105
ذكرت أن الدولة الرستمية تميزت بتنوع جغرافيتها ومناخها ، ونتج عن هذا تنوع إنتاجها الزراعي ومحاصيلها ، ففي تيهرت حيث الجو بارد وكثرة الضباب والأمطار (1)
__________
(1) *- تغنى شعراء تيهرت بشدة بردها وأمطارها في قصائدهم فمن ذلك ما ذكره الشاعر التيهرتي أبو عبد الرحمن بكر بن حماد في قصيدة له واصفا شدة البرد في تيهرت فيقول :
ما أخشن البرد وريعانه :: وأطراف الشمس بتاهرت
تبدو من الغيم إذا ما بدت :: كأنها تنتشر من تحت
فنحن في بحر بلا لجة :: تجري بنا الريح على السمت
نفرح بالشمس إذا ما بدت :: كفرحة الذمي بالسبت
(
أنظر : الحموي ، معجم البلدان ، 2/427 ـ الدرجيني ، الطبقات ، 1/43 ـ الباروني ، الأزهار ، 2/70 ، ذكر الشيخ الباروني البيت الأول فقط وهو : ما أخشن البرد وريعانه :: وأطراف الشمس بتاهرت ) . (1/105)
صفحة 106
كانت تكثر زراعة الأشجار والبساتين والحبوب والسفرجل ، وهذا ما أشار إليه ابن حوقل بقوله : " ... ولهم مياه كثيرة تدخل على أكثر دورهم ، وأشجار وبساتين وحمامات وخانات ، وهي أحد معادن الدواب والماشية والبغال والبراذين الفارهة (1) ، ويكثر عندهم العسل والسمن وضروب الغلات " إهـ (2) ، وأما المقدسي فيقول واصفا تيهرت : " بلخ المغرب ، قد أحدق بها الأنهار والتفت بها الأشجار وغابت في البساتين ونبعت حولها الأعين " إهـ (3) ، وقد أحسن البكري في وصف زراعة تيهرت فقال إن بها : " جميع الثمار وسفرجلها يفوق سفرجل الآفاق حسنا وطعما وشما ، وسفرجلها يسمى بالفارس " إهـ (4) .
__________
(1) **- البرذون : يطلق على غير العربي من الخيل والبغال ، من الفصيلة الخيلية ، عظيم الخلقة ، غليظ الأعضاء ، قوي الأرجل ، عظيم الحوافر ، ويجمع على " براذين " ، والبرذون الفاره هو النشيط السيور الحاد القوي ، يقال للفرس جواد ولا يقال له فاره ، ويقال للبرذون فاره ( أنظر : جمال الدين محمد بن مكرم ابن منظور الإفريقي المصري ( أبو الفضل ) ، لسان العرب ، ج3 ، دار صادر ، بيروت ، لبنان ، ط1 : 2000م ، ص190 ـ المعجم الوجيز ، مجمع اللغة العربية ، جمهورية مصر العربية ، مطابع الأهرام التجارية ، قليوب ، مصر ، 1422هـ / 2001م ، ص44 ـ الزمخشري ، أساس البلاغة ، دار صادر ، بيروت ، ط1 : 1412هـ / 1992م ، ص472 ) .
(2) - ابن حوقل ، صورة الأرض ، ص86 .
(3) - المقدسي ، أحسن التقاسيم ، ص189 .
(4) - أنظر : البكري ، المغرب ، ص67 ـ الاستبصار ، ص178 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص145 . (1/106)
صفحة 107
وقد كانت تكثر في تيهرت زراعة الحبوب ، حتى أنه كان بتيهرت باب يعرف باسم باب المطاحن (1) ، ومما يدل على كثرة زراعة الحبوب في تيهرت ما ذكر عن أبي مرداس مهاصر أحد مشائخ جبل نفوسة ، أنه كان قد تعود الذهاب إلى تيهرت في فصل الحصاد ، فإذا حصد الناس زروعهم ولقط اللقاطون السنابل ورعوا مواشيهم ، عقبهم فيلقط نفقة سنة لأن ذلك متروك (2) .
كذلك فإن النخيل كان يزرع في تيهرت ، والدليل على ذلك الرواية التي ذكرها ابن الصغير عن أحد أهل تيهرت أنه كان يملك مزرعة على بعد أميال من تيهرت بها الأشجار والأنهار والمزارع والنخل والقصور (3) .
هذا بالنسبة لتيهرت ، أما الجانب الغربي للدولة الرستمية فهي المناطق الأساسية لزراعة الحبوب ، وتكثر فيها زراعة العصفر والكتان والسمسم وغير ذلك من الحبوب (4) ، وكذلك تكثر فيها زراعة التين والكروم والسوان (5) والسفرجل وغيرها من الأشجار والثمار (6) .
__________
(1) - أنظر : البكري ، المغرب ، ص66 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص145 .
(2) - الوسياني ، السير ، مخ ، ورقة 13 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص145 ـ الدرجيني ، الطبقات ، 2/293 .
(3) - ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص106 .
(4) - المقدسي ، أحسن التقاسيم ، ص114 .
(5) *- السوان : هو نوع من أنواع المزروعات ، وبحثت عن نوعه وهيئته بالتحديد فلم أجد ما يفيدني بكنهه والله أعلم .
(6) - ابن حوقل ، صورة الأرض ، ص89 ـ اليعقوبي ، البلدان ، ص111 ـ الادريسي ، وصف ، ص58 ، نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص146 . (1/107)
صفحة 108
وأما الجانب الشرقي للدولة الرستمية وهو بلاد نفوسة وطرابلس ، فهي لا تقل عن الجوانب الأخرى للدولة الرستمية ، فنفوسة عبارة عن " ضياع وقرى ومزارع وعمارات كثيرة " (1) ، وكانت تكثر في جبل نفوسة المياه والآبار والأحواض المائية ، وتكثر فيه الجسور والسدود والمستنقعات المائية (2) ، فكان ذلك سببا لانتعاش الزراعة بشكل كبير في جبل نفوسة ، فكانت تكثر زراعة الكروم والأعناب والتين والشعير ، قال ابن حوقل : " ... شروس (3) في وسط الجبل ، فيها مياه جارية ، وكروم وأعناب طيبة وتين غزير ، وأكثر زروعهم الشعير ، وإياه يأكلون ، وإذا خبز كان أطيب طعما من خبز الحنطة ، ولشعيرهم لذة ليس لخبز من أخباز الأرض لأنه ينفرد بلذة ليست في خبز ... " إهـ (4) ، وكذلك كانت تكثر زراعة النخيل والزيتون والكثير من الفواكه (5) .
__________
(1) - أحمد بن أبي يعقوب بن واضح اليعقوبي ، كتاب البلدان ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت ، لبنان ، ط1 : 1408هـ / 1988م ، ص103 .
(2) - بحاز ، الدولة الرستمية ، ص147- 148 .
(3) **- شروس : مدينة تقع في قلب جبل نفوسة بليبيا ، وكانت تعد العاصمة العلمية لجبل نفوسة ، خرجت العديد من كبار العلماء منهم أبو معروف ماطوس بن هارون استشهد في وقعة مانو سنة 283هـ ( أنظر : الباروني ، الأزهار ، 2/209- دبوز ، تاريخ المغرب الكبير ، 3/502 - معجم أعلام الإباضية ، 1/307 ، 2/351 رقم الترجمة : 763 ) .
(4) - ابن حوقل ، صورة ، ص92 ـ الادريسي ، وصف ، ص76 ، نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص148 .
(5) - الشماخي ، السير ، 1/174 ، 181 ـ البكري ، المغرب ، ص9 ، نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص148 . (1/108)
صفحة 109
وقد كان أغلب سكان نفوسة من المزارعين والفلاحين وأصحاب الضيعات والأراضي (1) ، فكان الشيخ عمروس - رحمه الله - نفسه من ملاك الأراضي ، والدليل على ذلك ما روي عن أخ (2) الشيخ عمروس عندما غاب الشيخ عمروس عشرين سنة في طلب العلم ، فلما عاد قال له أخوه : " لو رأيت أجرافا (3)
__________
(1) - بحاز ، الدولة الرستمية ، ص149 .
(2) *- لم تذكر المصادر اسمه .
(3) **- أجراف أصلها الثلاثي جَرَفَ ، وهي تأتي على عدة معاني ، جاء في المعجم الوسيط : " جَرَفَ الإنسانُ جرفا : كثر أكله ، وجَرَفَ الشيءَ : ذهب به كله أو جله ، ويقال : جرف السيل الوادي : أكل من جوانبه ، وأجرف المكان : أصابه سيل جُرَافٌ ، والجَارُوفٌ : أداة الجرف تكون مع الكناسين ، والجُرْف : شِقُّ الوادي إذا حفر الماء في أسفله ، ويجمع على أجرَاف ، وجِرَفة " فالظاهر أن مراد أخ الشيخ عمروس من كلامه هو : لو رأيت أشخاص يحرثون في فدادينك أي يعتدون عليها وينتهبونها ، والذي يؤكد هذا المعنى هو رد الشيخ عمروس عليه ، والتلم هو أثر الحرث ؛ وكذلك يحتمل أن مراد أخ الشيخ عمروس هو : لو رأيت شقوقا وفسادا في فدادينك بسبب عدم الاعتناء بها وإهمالها ، وعلى هذا يكون معنى رد الشيخ عمروس لو رأيت شقوقا وفسادا في دينك والله أعلم . ( أنظر : الشماخي ، السير ، ت : محمد حسن ، ص153 هامش المحقق ـ إبراهيم مصطفى وآخرون ، المعجم الوسيط ، 1/118) .. (1/109)
صفحة 110
في فدادينك ؟ " ، فقال له الشيخ عمروس مجيبا : " لو رأيت أجرافا يتلموا (1) دينك ... " (2) ، فهنا قوله : " لو رأيت أجرافا في فدادينك " دليل على أن الشيخ عمروس كان يملك أرضا وفدادين زراعية .
__________
(1) ***- هكذا في بعض المصادر ، وذكر الباروني" يثلموا " كما جاء في الأزهار ، والتلم : هو كل أخدود من أخاديد الأرض ، وهو خط الحارث ، وهنا بمعنى أفسد ، وجاء في المعجم الوسيط : التِّلام : هو كل شق في الأرض كخط المحراث ، ويجمع على تُلُمٌ ، والتِّلْم : الحرّاث ، وأما " يثلموا " حسب رواية الشيخ الباروني ، فأصلها الثلاثي : ثَلَمَ ، جاء في المعجم الوسيط : ثلم الجدار وغيره ثلما : أحدث فيه شقا ، وثلم الإناء : كسر حرفه ، ويقال : ثَلِمَ الوادي : انكسر جانبه ، وثَلِمَ الطريق : تَحَفَّر " خلاصة ما سبق أن " ثلم " و " تلم " تؤديان نفس المعنى ، وهو حدوث انشقاق أو كسر وحفر والله أعلم ( أنظر : الباروني ، الأزهار ، 2/254 ـ الشماخي ، السير ، ت: محمد حسن ، ص153 هامش المحقق ـ إبراهيم مصطفى وآخرون ، المعجم الوسيط ، 1/87 ، 99 ) .
(2) - عمروس بن فتح ، الدينونة الصافية ، ص12 ، الشماخي ، السير ، 1/195 ، البغطوري ، سير أهل نفوسة ( مخ ) ، ص92 ـ الباروني ، الأزهار ، 2/254 . (1/110)
صفحة 111
وأما جزيرة جربة فقد كانت تكثر فيها الأشجار والبساتين والحقول التي تنتج الزيتون والنخل والكروم بكثرة ، حتى أنهم أحاطوا حقولهم بأعواد أثبتوها في الأرض ووصلوا ما بينها بالحبال لترد الوحش حتى لا يفسد زراعتهم وحقولهم (1) ، وأما طرابلس فكانت كثيرة الضياع ، وبها الفواكه الطيبة اللذيذة كالخوخ والكمثرى ، وتكثر فيها زراعة النخيل والفواكه والتين والزيتون (2) .
__________
(1) - الدرجيني ، الطبقات ، 1/85 ـ أنظر : ( البكري ، المغرب ، ص91 ـ الادريسي ، وصف ، ص95 ) نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص151 .
(2) - ابن حوقل ، صورة ، ص71 ـ أنظر : ( المقدسي ، أحسن التقاسيم ، ص186 ـ الادريسي ، وصف ، ص90 ) نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص151 . (1/111)
صفحة 112
هذا عن الجانب الشرقي للدولة الرستمية ، فإذا جئنا إلى الجانب الجنوبي منها نجده عبارة عن صحراء واسعة ، تكثر بها الواحات التي يوجد بها المياه وتتميز بزراعة النخيل ، ومن هذه الواحات وارجلان (1) ، وبلاد الجريد ( قسطيلية ) (2) وغيرها التي كانت تابعة للدولة الرستمية ، وقد ذكر الباحث إبراهيم بحاز أن ابن حوقل وصف بلاد الجريد بقوله : " وهي مغوثة أفريقية بتمورها " (3) .
__________
(1) *- وارجلان : واحة صحراوية تقع في جنوب المغرب الأوسط ، جنوب شرق الجزائر ، كانت تابعة للدولة الرستمية ، تقع في جنوبها ، أصبحت بعد سقوط الدولة الرستمية على يد العبيديين هي الوريث الشرعي للدولة الرستمية ، حيث هاجرت إليها عائلات رستمية كالإمام يعقوب بن أفلح وأسرته وغيرهم هربا من العبيدين ، فكونوا حضارة عظيمة في وارجلان في القرن الرابع الهجري على غرار تيهرت ، وبنوا مدينة " سدراته " في جنوب غرب وارجلان على بعد سبعة أميال منها ، لا زالت آثارها باقية إلى اليوم شاهدة على الرقي الحضاري الذي وصلت إليه ، واشتهرت وارجلان بتجارتها الواسعة مع بلاد السودان ( أنظر : أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص189 ـ دبوز ، تاريخ المغرب الكبير ، 3/347- 348 ، 546 - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 1/314 ) .
(2) **- قسطيلية أو قصطيلية أو قصطاليا : هي بلاد الجريد حليا ، تقع في تونس ، من أشهر علمائها أبو الربيع سليمان بن عبد السلام بن حسان الوسياني ( حي في : 557 هـ ) ( أنظر : بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/204 رقم الترجمة : 452 ) .
(3) - ابن حوقل ، صورة ، ص92 ـ بحاز ، الدولة الرستمية ، ص152 . (1/112)
صفحة 113
وقد كانت ملكية الأراضي في الدولة الرستمية خاصة وعائلية وليست جماعية ، وكان العبيد يعملون في خدمة هذه الأراضي (1) ؛ وقد كان الأئمة الرستميون يشجعون الزراعة ، وييسرون الأسباب لانتشارها ونجاحها ، حتى انهم أنفسهم كانوا يملكون المزارع والبساتين ، فالإمام أبو بكر كان يمتلك الجنان ، وكذلك يعقوب بن أفلح (2) .
كذلك فقد أقام الأئمة الرستميون في تيهرت خزانات للماء وأحواضا كبيرة اكتشفها الأثريون ، وكانت محكمة التصميم والهندسة بحيث تحافظ على الماء أيام الصيف عند شح الماء ، وكذلك قاموا بشق القنوات وأوصلوها بالدور والبساتين (3) ؛ وقد كانت الدولة الرستمية تصدر منتجاتها الزراعية إلى البلدان الأخرى كالأندلس وبلاد السودان (4) ومصر وغيرها (5) .
ب- الرعي :
__________
(1) - بحاز ، الدولة الرستمية ، ص155 .
(2) - ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص77 ، 112 .
(3) - الباروني ، الأزهار ، 2/19 الهامش ـ بحاز ، الدولة الرستمية ، ص156.
(4) ***- بلاد السودان تتمثل في عدة ممالك ، وكان أكبر مملكتين معاصرتين للدولة الرستمية مملكة غانا ، ومملكة كوكو أو جوجو ، وكانت الدولة الرستمية ترتبط بهما تجاريا أكثر من بقية الممالك السودانية الأخرى ( أنظر : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص 206- 210 ) .
(5) - ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص 36 ـ الباروني ، الأزهار ، 2/9 ـ بحاز ، الدولة الرستمية ، ص156 . (1/113)
صفحة 114
إن تربية الماشية في بلاد المغرب كانت تقوم جنبا إلى جنب مع الزراعة ، وتشير الدراسات إلى أن الجزائر (1) كانت في فترة من فترات تاريخها القديم مرتعا ومرعى لمختلف الحيوانات ، خاصة الغنم والحمير والبغال والخيل ، وفي عهد الدولة الرستمية يتفق جميع الجغرافيين على أن الدولة الرستمية كانت زراعية رعوية ، فنجد اليعقوبي يقول واصفا بعض المناطق في الدولة الرستمية : " هو بلد زرع وضرع " إهـ (2) .
__________
(1) *- الجزائر : هي قلب المغرب العربي ، يتألف سطحها من شاطئ صخري طوله أكثر من ألف كيلو متر ، ومن سهل ساحلي ضيق تليه جبال عالية تدعى جبال أطلس التل ، يليها سلسة هضاب تكثر فيها السبخات المالحة ، ثم يتبع ذلك جبال أطلس الصحراوية ، تبلغ مساحة الجزائر ( 2381274 ) كلم مربع ، تعتبر الجزائر بلدا زراعيا من الدرجة الأولى فهي تنتج الحبوب على أنواعها وتشتهر بالكرم والزيتون والنخيل والتين ، وتربى الماشية بأعداد كبيرة ، أما الثروة المعدنية ففي مقدمتها البترول والغاز الطبيعي والصلب والحديد والاسمنت والفوسفات ( أنظر : أطلس العالم الصحيح ، ص129- 130 ) .
(2) - اليعقوبي ، البلدان ، ص112 ـ بحاز ، الدولة الرستمية ، ص158- 159 . (1/114)
صفحة 115
وقد كانت تكثر في تيهرت مختلف أنواع الماشية من الغنم والبغال والبراذين ، وقد ذكرت سابقا كلام ابن حوقل في ذلك (1) ، وكانت الدولة الرستمية وسكانها يولون تربية المواشي اهتماما كبيرا ويمتلكون القطعان الكثيرة ، حتى أن البعض منهم كان له ثلاثون ألف ناقة وثلاثمائة ألف شاة واثنا عشر ألف حمار كيبيب بن زلغين (2) ، وقد كان رعاة غنمه كلهم من عبيده ، حتى أن الإمام عبد الوهاب قال فيه : " لولا أنا ، ومحمد بن جرني (3) ، ويبيب بن زلغين ، لخرب بيت مال المسلمين ، أنا بالذهب ، ومحمد بن جرني بالحرث ، وابن زلغين بالأنعام " (4) ، كذلك كان أبو منصور الوالي على جبل نفوسة صاحب ماشية كثيرة ، وقد كان الرعي وتربية الماشية الحرفة السائدة بين سكان جبل نفوسة مع الزراعة (5) .
__________
(1) - أنظر ص70 .
(2) **- يبيب بن زلغين ( حي بين : 171- 208هـ ) كان صاحب أموال كثيرة ، جمعها بالتجارة في الماشية ( أنظر : الشماخي ، السير ، 1/176- 177- الباروني ، مختصر تاريخ الإباضية ، ص41- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/450 رقم الترجمة : 979 ) .
(3) ***- محمد بن جرني : من الأعلام البارزين في تيهرت العاصمة الرستمية ، عاش في أوائل القرن الثالث الهجري ، كان من أكبر ممولي بيت مال المسلمين ، بمختلف المنتوجات الزراعية ، خاصة البر والشعير ، فقد كانت زكاته آلاف الأحمال من الحبوب ( أنظر : الشماخي ، السير ، 1/177- الباروني ، مختصر تاريخ الإباضية ، ص41- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/374 رقم الترجمة : 810 ) .
(4) - الشماخي ، السير ، 1/176- 177 .
(5) - الدرجيني ، الطبقات ، 2/330 ـ بحاز ، الدولة الرستمية ، ص161 . (1/115)
صفحة 116
وقد كان بعض أئمة الدولة الرستمية يمتلكون الماشية كالإمام أبي اليقظان والإمام أبي حاتم ، وكان رعاتهم من العبيد ، أما يعقوب بن أفلح وهو من الأسرة الرستمية ، فقد كان يمتلك بقرات يشرب منها الحليب (1) ، وقد كانت بلاد المغرب والأندلس تستورد الأغنام من الدولة الرستمية لرخصها وطيب لحمها (2) .
ب- المطلب الثاني : الصناعة في الدولة الرستمية :
__________
(1) - ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص104، 107، 112 ـ بحاز ، الدولة الرستمية ، ص162 .
(2) - أنظر : كتاب الاستبصار في عجائب الأمصار ، ص179 ، مؤلفه مجهول ( القرن 6هـ ) ، تعليق زغلول عبد الحميد ، مطبعة جامعة الإسكندرية ، 1958 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص163 . (1/116)
صفحة 117
لقد كانت الصناعة في الدولة الرستمية متطورة ، ولا تقل عن الصناعة في العواصم المغربية الأخرى كالقيروان أو غيرها ، فلم تكن تخلو من النجارين والحدادين والخياطين والطحانين والدباغين وغيرها من الحرف والصناعات المنتشرة في ذلك الوقت (1) ، وقد ذكر بعض الباحثين أن الصناعات المتعلقة بالجوانب الزراعية كانت رائجة ومتقدمة في الدولة الرستمية ، كصناعة المحاريث والمناجل والفؤوس وغيرها من الآلات الزراعية (2) ؛ كذلك كانت صناعة معاصر الزيتون منتشرة في الدولة الرستمية خاصة في جبل نفوسة ، وذلك لكثرة زراعة أشجار الزيتون فيها (3) ، وصناعة طحن القمح كذلك كانت رائجة في الدولة الرستمية ، فكانت تنشأ مطاحن القمح على الأنهار (4) ، حتى أنه كان لتيهرت باب يعرف باسم باب المطاحن (5) ؛ وكانت تكثر صناعة الجلود والدباغة في الدولة الرستمية ، حتى أن بلدة من بلدان الدولة الرستمية وهي " زويلة " (6) كانت تشتهر بصناعة الجلود ، فكان يطلق على الجلود المصنوعة بها " الجلود الزويلية " (7) ؛
__________
(1) - بحاز ، الدولة الرستمية ، ص164 .
(2) - المصدر السابق ، ص165 .
(3) - المصدر السابق ، ص165 .
(4) - ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص36 ، 38 ، 85 ـ الباروني ، الأزهار ، 2/55 ، 58 ، 63 ، ناقلا ذلك عن : الإدريسي ، والبكري ـ ابن حوقل ، صورة الأرض ، ص88 ـ أنظر : ( البكري ، المغرب ، ص66 ) نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص166 .
(5) - أنظر : البكري ، المغرب ، ص66 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص166 .
(6) *- زويلة : منطقة تقع في تونس ( أنظر : بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 1/306 ، 2/112 رقم الترجمة : 233 ) .
(7) - اليعقوبي ، البلدان ، ص102 ـ بحاز ، الدولة الرستمية ، ص167 .. (1/117)
صفحة 118
كذلك اهتمت الدولة الرستمية بصناعة النسيج المعتمدة على الصوف والكتان ، وربما الحرير أيضا ، وقد اشتهر جبل نفوسة بغزل الصوف الذي كانت تقوم به المرأة (1) ، وأيضا كانت صناعة الأصباغ للنسيج رائجة في الدولة الرستمية ، وكان يقوم بها اليهود فقد أشارت المصادر بأن اليهود في جبل نفوسة كانوا يتولون عملية صناعة الأصباغ (2) .
كذلك كانت صناعة الأخشاب رائجة في الدولة الرستمية وذلك لكثرة الغابات فيها ، وقد توقع الباحث الفرنسي دانجيل أن النجارين في الدولة الرستمية كانوا يصنعون مختلف الآلات والأدوات المستعملة آنذاك كالصناديق الخشبية والأسرة والأبواب ... إلخ (3) ؛ ومن الصناعات الخشبية الرائجة في الدولة الرستمية صناعة السفن والقوارب الصغيرة ، وذلك لوجود الموانئ والمرافئ على سواحل الدولة الرستمية كمرسى فروخ (4) الذي ذكره اليعقوبي ، وكمرسى مدينة وهران (5) وغيرهما من الموانئ (6) .
__________
(1) - أنظر : سالم عبد العزيز ، المغرب الكبير ،2/577 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص167 .
(2) - الدرجيني ، الطبقات ، 2/303 ـ بحاز ، الدولة الرستمية ، ص168 .
(3) - بحاز ، الدولة الرستمية ، ص169 .
(4) *- مرسى فروخ : تابع للدولة الرستمية ، ويقع على ساحل البحر الأبيض المتوسط ، وبه قرية عامرة ( أنظر : الباروني ، الأزهار ، 2/15- 16 ) .
(5) **- مديبة وهران : كانت تابعة للدولة الرستمية ، وتقع على البحر المتوسط ، وتقابل مدينة المرية في الأندلس ، وعليها سور تراب متقن ، وبها أسواق ، وتجارة ، وصنائع كثيرة ( أنظر : الباروني ، الأزهار ، 2/54 ) .
(6) - الباروني ، الأزهار ، 2/10 ، 16 ، 54 ، 67 ـ اليعقوبي ، البلدان ، ص109 ـ أنظر : ( البكري ، المغرب ، ص61-62 ، 70 ) نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص169 . (1/118)
صفحة 119
ومن الصناعات الأخرى في الدولة الرستمية صناعة التعدين ، فقد كانت الدولة الرستمية تستورد الذهب والفضة من بلاد السودان في تبادلها التجاري مع تلك البلاد ، حتى أن الإمام عبد الوهاب كان نفسه من تجار الذهب (1) ، وقد كانت الدولة الرستمية تقوم بضرب هذا الذهب إلى دراهم ودنانير خاصة بها ، حيث أن الآثار اكتشفت وجود عملات خاصة بالدولة الرستمية تحمل اسمها (2) (3) ، وكانت كذلك تقوم بضرب هذا الذهب والفضة وتحوله إلى حلي للزينة ، حتى أنه كان بتيهرت سوق خاص للصاغة كما سيأتي ذكره لاحقا (4) .
__________
(1) - الشماخي ، السير ، 1/177 ـ الدرجيني ، الطبقات ، 2/517 ـ الباروني ، مختصر تاريخ الإباضية ، ص42 ـ بحاز ، الدولة الرستمية ، ص170 ، 227 ـ محمد صالح ناصر ، دور الإباضية في نشر الإسلام بغرب أفريقيا ، مكتبة الضامري ، السيب ، سلطنة عمان ، ص12 .
(2) ***- أنظر صور العملات والنقود الرستمية في : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص184 .
(3) - الباروني ، مختصر تاريخ الإباضية ، ص42 ـ بحاز ، الدولة الرستمية ، ص140 ، 164- 174 ، 181 .
(4) - الباروني ، مختصر تاريخ الإباضية ، ص42 ـ بحاز ، الدولة الرستمية ، ص170 ، 179 ـ دبوز ، تاريخ المغرب الكبير ،3/283 . (1/119)
صفحة 120
كذلك كانت صناعة الحدادة رائجة في الدولة الرستمية ، فكان الحدادون يصنعون الأسلحة المتنوعة كالسهام والسيوف والخناجر والدروع وغيرها ، والآلات الحديدية كالأبواب وغيرها (1) ؛ ومن الصناعات الأخرى التي اشتهرت بها الدولة الرستمية صناعة المنسوجات الحريرية ، والقوارير الزجاجية ، والتحف المعدنية ، والعطور ، والأثاث من الخشب المنحوت والمخطوط والمموه والمرصع بالعاج أو الصدف (2) .
وكانت الصناعات الفخارية منتشرة في الدولة الرستمية ، فكانت تكثر الأفران ومعامل صناعة الفخار في تيهرت ، وفي جزيرة جربة ، حيث أن علماء الآثار اكتشفوا وجود بقايا لأفران صناعة الفخار ، وأواني فخارية وخزفية في آثار تيهرت (3) .
ج- المطلب الثالث : التجارة في الدولة الرستمية ، وأسواقها :
إن الرخاء الاقتصادي الذي عاشته الدولة الرستمية ، وكثرة منتجاتها الزراعية والحيوانية والصناعية ، كل ذلك ساهم في نشاط التجارة ورواجها ، سواء التجارة الداخلية في أسواق الدولة الرستمية ، أو التجارة الخارجية مع الدول المجاورة كالأندلس ومصر وبلاد السودان عن طريق التبادلات التجارية .
__________
(1) - ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص61 ، 79 ، 80 ـ بحاز ، الدولة الرستمية ، ص170 .
(2) - أنظر : ( سالم عبد العزيز ، المغرب الكبير ، 2/577 ـ الميلي ، تاريخ الجزائر ، 2/67 ) نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص171 .
(3) - الباروني ، الأزهار ، 2/19 الهامش ـ بحاز ، الدولة الرستمية ، ص171- 172 . (1/120)
صفحة 121
وهذا النشاط التجاري نتج عنه تعدد الأسواق وكثرتها في الدولة الرستمية ، فقد ذكر البكري عن الوراق أن تيهرت بها أسواق عامرة بمختلف البضائع (1) ، ولم يتوقف الأمر على تعدد الأسواق وكثرتها في الدولة الرستمية فقط ، بل تحولت بعض تلك الأسواق إلى مدن بارزة كمدينة سوق إبراهيم (2) ، أو مدينة سوق كرام (3) ، وسوق ابن حبلة (4) ، وسوق ابن مبلول (5) (6) ؛
__________
(1) - أنظر : البكري ، المغرب ، ص68 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص175 .
(2) *- مدينة سوق إبراهيم : كانت تابعة للدولة الرستمية ، وهي مدينة صغيرة فيها حمام وسوق ، وتقع على نهر شلف ، وتكثر فيها أشجار التين ( أنظر : الباروني ، الأزهار ، 2/58 ) .
(3) **- مدينة سوق كرام أو كرا أو كران : كانت تابعة للدولة الرستمية ، وتقع على نهر شلف ، بها مزارع وأسواق ، وبها سوق يوم الجمعة يقصده بشر كثير ، وقد وقع اختلاف في المصادر في اسم مدينة " كرام " ، فنجد البكري واليعقوبي ذكراها باسم " كرام " ، وأقرهما على ذلك الباحث المعاصر الأستاذ إبراهيم بحاز ، ونجد الباروني في الأزهار يذكر هذه المدينة باسم " كرا " ، وينقل عن الحازمي وابن حوقل أنهما سميا هذه المدينة باسم " سوق كران " كما نقل عن الشيخ مقديش أن اسمها " كرتاية " ( أنظر : الباروني ، الأزهار ، 2/61 - المقدسي ، أحسن التقاسيم ، ص184ـ أنظر : البكري ، المغرب ، ص60- 61 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص175 61 ـ ابن حوقل ، صورة الأرض ، ص89 ) .
(4) ***- مدينة سوق ابن حبلة : هي مدينة تابعة للدولة الرستمية ( أنظر : اليعقوبي ، البلدان ، ص104 ) .
(5) ****- مدينة سوق ابن مبلول : هي مدينة تابعة للدولة الرستمية ( أنظر : اليعقوبي ، البلدان ، ص104 ) .
(6) - اليعقوبي ، البلدان ، ص104 ـ الباروني ، الأزهار ، 2/58 ، 61 ـ أنظر : البكري ، المغرب ، ص60- 61 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص175 .. (1/121)
صفحة 122
وقد وصل الرخاء الاقتصادي والنشاط التجاري في الدولة الرستمية إلى حد أن أحد رعايا الدولة الرستمية امتلك سوقا بمفرده وهو ابن وردة (1) مقدم العجم ، فقد ابتنى سوقا يعرف باسمه ، وكان صاحب الشرطة لا يدخله ولا يتخلله هيبة منه (2) ؛ وكان ابن الصغير مؤرخ الدولة الرستمية نفسه يمتلك دكانا في الرهادنة (3) يبيع فيه ويشتري ، كما ذكر ذلك بنفسه (4) .
__________
(1) *****- ابن وردة : لم تذكر المصادر اسمه ، هو من أعيان العجم والمقدمين عليهم ، كان يعيش في تيهرت العاصمة الرستمية ، وكان معاصرا للإمام أفلح ( ت : 258هـ ) ، وكان له سوق خاص في تيهرت بناه بنفسه ، لا يدخله عامل شرطة الإمام أفلح هيبة لابن وردة ( أنظر : ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص63 ) .
(2) - ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص63 .
(3) ******- الرهادنة : لعله سوق يقع في تيهرت ( أنظر : ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص97 ، 117 ) .
(4) - ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص97 . (1/122)
صفحة 123
وأيضا نجد أن المعاقين كانوا يعملون في التجارة داخل الدولة الرستمية ، فقد كان أحد العميان من أهل نفوسة يشتغل بالتجارة بالرغم من عاهته ، وهو الشيخ أبو معروف ويدرن بن جواد (1) ، فقد كان صاحب دكان ، وكان من علماء جبل نفوسة (2) ، ولا شك أن هذا الاهتمام بالتجارة يعود إلى كونها تدر أرباحا وفيرة .
وقد تميزت أسواق تيهرت بالتخصص في البضائع ، فقد كان فيها سوق النحاس ، وسوق الأسلحة ، وسوق الصاغة ، وسوق الأقمشة ، وغيرها من الأسواق (3) ، وكانت هناك علاقات وتبادلات تجارية تتم بين مدن وأسواق الدولة الرستمية ، وأهم البضائع التي تعرض في أسواق الدولة الرستمية ويتم تبادلها فيما بينها : الغنم والصوف والجلود والشحم والسمن والألبان المجففة والتمور والحبوب والملح والسكر والزيت والعسل والفواكه والألبسة والأفرشة والأواني وغيرها من البضائع (4) .
__________
(1) *- هو أبو معروف ويدرن - وذكر الدرجيني أنه ويدران ، والشماخي أنه ويار - بن جواد ( حي بعد : 283هـ ) ، هو قاض وعالم من علماء جبل نفوسة بليبيا ، سكن قرية ويغو بجبل نفوسة ، أخذ العلم عن أبي ذر أبان بن وسيم الويغوي ، وعن أبي خليل صال الدركلي ، وأخذ عنه العلم أبو مسور يسجا بن يوجين ، وهو ممن جازت عليه سلسلة نسب الدين الأطرابلسية ( أنظر : الدرجيني ، الطبقات ، 2/328 ـ الشماخي ، السير ، 1/224- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/447- 448 رقم الترجمة : 973 ) .
(2) - الدرجيني ، الطبقات ، 2/328 ـ الشماخي ، السير ، 1/224 .
(3) - دبوز ، تاريخ المغرب الكبير ، 3/283 .
(4) - بحاز ، الدولة الرستمية ، ص177 ، 178 . (1/123)
صفحة 124
وقد اشتهر بعض التجار في الدولة الرستمية وأصبحوا من الوجهاء الذين لهم وزنهم في المجتمع ومن هؤلاء أبو محمد الصيرفي (1) ، وابن الواسطي (2) ، قال عنهما ابن الصغير : " ... أبو محمد الصيرفي وابن الواسطي وغيرهما من وجوه التجار وهم ذوو أموال ... " (3) ، ولعله لقب بالصيرفي لكونه من الذين يقومون بعملية صرف الأموال والعملات ، وخاصة أنه من كبار التجار ، أو لعلها قبيلة ينتمي إليها ، والذي ذهب إليه الباحث إبراهيم بحاز أنه لقب بالصيرفي لأنه كان يمتهن مهنة الصرف وذلك لوفرة السائل النقدي في عهد الدولة الرستمية (4) .
__________
(1) **- أبو محمد الصيرفي : لم تذكر المصادر اسمه ، كان من تجار تيهرت العاصمة الرستمية وأصحاب الأموال ، وكان معاصرا للإمام أبي اليقظان ( ت : 281هـ ) ( أنظر : ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص83 ) .
(2) ***- ابن الواسطي : لم تذكر المصادر اسمه ، كان من تجار تيهرت العاصمة الرستمية وأصحاب الأموال ، وكان معاصرا للإمام أبي اليقظان ( ت : 281هـ ) ( أنظر : ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص83 ) .
(3) - ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص83 .
(4) - بحاز ، الدولة الرستمية ، ص233 . (1/124)
صفحة 125
كذلك فقد كان للدولة الرستمية مكاييلها وأوزانها الخاصة التي تتعامل بها في أسواقها ، ففي تيهرت نجد أن المد الذي يكتالون به القمح وغيره من الحبوب يساوي خمسة أَقْفِزَةٍ (1) ونصف قرطبية ، وقِنْطَارُ (2) الزيت وغيره عندهم يساوي قِنْطَارَانِ غير ثلث بالوزن العادي ، وأما رَطْلُ (3)
__________
(1) *- أَقْفِزَة جمع قَفِيز ، والقَفِيزُ : مكيال كان يكال به قديما ، ويختلف مقداره في البلاد ، ويعادل بالتقدير المصري الحديث نحو ستة عشر كيلو جراما ( أنظر : إبراهيم مصطفى وآخرون ، المعجم الوسيط ، 2/751 ) .
(2) **- القِنْطَارْ : معيار مختلف المقدار عند الناس ، وهو بمصر مائة رطل ، وهو 44.928 من الكيلو جرامات ( أنظر : إبراهيم مصطفى وآخرون ، المعجم الوسيط ، 2/ 762 ) .
(3) ***- الرَّطْلُ : معيار يوزن به أو يكال ، يختلف باختلاف البلاد ، وهو في مصر اثنتا عشرة أُوقيَّةً ، والأوقيَّة اثنا عشر درهما
(
أنظر : إبراهيم مصطفى وآخرون ، المعجم الوسيط ، 1/352 ) . (1/125)
صفحة 126
اللحم فيساوي خمسة أَرْطَالٍ مقارنة بمكاييل قرطبة (1) ؛ وأما مدينة تنس البحرية (2) ، فيذكر أن كيلهم كان يعرف باسم " الصحفة " وتساوي ثمانية وأربعون قادوسا (3) ، والقادوس يساوي ثلاثة أَمْدَادٍ (4)
__________
(1) - أنظر : ( البكري ، المغرب ، ص69 ) نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص180 .
(2) ****- مدينة تَنَس ( بفتح التاء والنون ) : مدينة بحرية أسسها جماعة من الأندلسيين في سنة 262هـ في العهد الرستمي ، واتخذوها مرفأ لانطلاق سفنهم التجارية إلى بلادهم في العودة ، وهي آخر أفريقية مما يلي الغرب ، بينها وبين مدينة وهران ثمانية أيام ، وبينها وبين تيهرت خمس مراحل ، وكانت مدينة مسورة حصينة داخلها قلعة صغيرة صعبة المرتقى ، وبها مسجد جامع وأسواق كثيرة ، وهي من البحر على نحو ميلين ، تقع على واد كثير الماء وشربهم منه ، وبها فواكه حسنة وأراضيها خصبة ، بها فواكه كالسفرجل المعتق وغيره ( أنظر : الباروني ، الأزهار ، 2/45- 46 ـ ابن حوقل ، صورة الأرض ، ص78 ـ بحاز ، الدولة الرستمية ، ص180 .
(3) *****- القادوس : الظاهر أنه نوع من أنواع المكاييل أو المعايير يستعمل في ذلك الوقت ، وقد جاء في المعجم الوسيط أن القادوس وعاء خزفي كالجرة ، تنتظم منه ومن أمثاله سلسلة تديرها الناعورة فتغرف الماء من البئر إلى المزرعة ؛ وكذلك القادوس وعاء كبير قمعي الشكل يلقى فيه الحب فينزل منه حبات إلى الطاحون ، هذا ما وجدته حول القادوس والله أعلم ( أنظر : إبراهيم مصطفى وآخرون ، المعجم الوسيط ، 2/719 ) .
(4) ******- المُدُّ : مكيال قديم اختلف الفقهاء في تقديره بالكيل المصري ، فقدره الشافعية بنصف قدح ، وقدره المالكية بنحو ذلك ، وهو رطل وثلث عند أهل الحجاز ، وعند أهل العراق رطلان ، ويجمع على أَمْدَادٍ ومِدَادٍ ( أنظر : إبراهيم مصطفى وآخرون ، المعجم الوسيط ، 2/858 ) .. (1/126)
صفحة 127
بمد النبي - صلى الله عليه وسلم - (1) ؛ وأما جبل نفوسة فقد كان لهم مكيال خاص يطلقون عليه " الخروبة " ، ويظهر ذلك مما رواه الدرجيني عن الشيخ أبي معروف الضرير صاحب الدكان ، فقال واصفا له عندما يبيع ويشتري : " دأبه أيما وزن لأحد من الناس زاده من نفسه خروبة ، وإذا أراد أن يأخذ لنفسه من أحد نقص خروبة ..." إهـ (2) .
إن تجارة الدولة الرستمية لم تكن مقتصرة على المناطق والولايات التابعة لها بل تعدتها إلى الدول الأخرى سواء كانت المجاورة لها أو البعيدة عنها ، وكل هذا يعود إلى قوة اقتصاد الدولة الرستمية وكثرة منتجاتها المحلية التي لاقت رواجا في الأسواق الخارجية ، وكذلك يعود إلى العلاقات الطيبة التي كانت بين الدولة الرستمية والدول المجاورة .
__________
(1) - الباروني ، الأزهار ، 2/47 ـ أنظر : البكري ، المغرب ، ص62 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص180 .
(2) - الدرجيني ، الطبقات ، 2/328 ـ الشماخي ، السير ، 1/225 . (1/127)
صفحة 128
فمن الدول الخارجية التي كانت بينها وبين الدولة الرستمية علاقات تجارية ، دولة الأغالبة ، فقد كان بين تيهرت العاصمة الرستمية وبين القيروان عاصمة الأغالبة تبادلات تجارية ، خاصة وأن القيروان كانت تعد أهم مركز تجاري في المغرب العربي في ذلك الوقت ، فلم تغفل الدولة الرستمية هذا الأمر ، فكان هناك طريق أو مسلك تجاري يربط العاصمتين معا (1) ؛ وكانت هناك أيضا علاقات تجارية بين الدولة الرستمية ودولة الأدارسة وعاصمتها فاس (2) ، وكان بين فاس وتيهرت طريق تجاري يربطهما معا (3) ؛
__________
(1) - ابن خرداذبة ، المسالك والممالك ، ص81 ـ أنظر : الاصطخري ، المسالك ، ص37 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص188 .
(2) *- فاس : هي مدينة مشهورة كبيرة على بر المغرب من بلاد البربر ، وذكر الشيخ الباروني أن فاس هي قاعدة ملك الدولة المراكشية ، وهي من أشهر وأعظم مدن المغرب الأقصى ، وقد بناها إدريس بن إدريس بعد " تيهرت " بنحو خمسين سنة أي في عام 192هـ ؛ وهي تابعة لدولة المغرب في هذا العصر الحديث ( أنظر : الحموي ، معجم البلدان ، 6/410- الباروني ، الأزهار ، 2/23- 24 الهامش ) .
(3) - ابن خرداذبة ، المسالك والممالك ، ص81- 82 ـ المقدسي ، أحسن التقاسيم ، ص190 ـ اليعقوبي ، البلدان ، ص 112- 113 ـ أنظر : الاصطخري ، المسالك ، ص37 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص189- 190 .. (1/128)
صفحة 129
وأيضا كانت لها علاقات تجارية مع سلجماسة (1) العاصمة الصفرية وكان بينهما طريق تجاري (2) ؛
__________
(1) **- سِجِلْمَاسَةُ ، تسمى الآن تافيلالت : هي عاصمة دولة بني مدرار الصفرية ، التي أسسها أبو القاسم سمكو بن واسول المدراري ، بنيت سنة 140هـ ، وكانت تقع دولة بني مدرار في الجنوب الغربي من الدولة الرستمية ، وذكر الحموي أن سجلماسة " تقع في جنوب المغرب في طرف بلاد السودان ، وبينها وبين فاس عشرة أيام ، وهي في منقطع جبل " درن " ، وهي في وسط رمال " إهـ ، وأكثر أقوات أهل سجلماسة من التمر وغلتهم قليلة ، وتشتهر نساؤهم بغزل الصوف كما ذكر الحموي ، وذكر اليعقوبي أن سجلماسة تقع على نهر يقال له " زير " ، وأنه ليس بها عين ولا بئر ، وأن أهلها أخلاط ، والغالبون عليها البربر ، وأكثرهم صنهاجة ، وذكر أن زرعهم الدخن ، والذرة ، ويعتمدون في سقي زرعهم على الأمطار ، وذكر المقدسي أن وسط سجلماسة حصن يسمى " العسكر " وفيه الجامع ودار الإمارة ، وأنها شديدة الحر والبرد جميعا ، وصحيحة الهواء كثيرة التمور والأعناب والزبيب والفواكه والحبوب والرمان والخيرات ، تشتهر رساتيقها بمعادن الذهب والفضة ، وذكر أن أهلها من أهل السنة ، وأن بها علماء عقلاء ( أنظر : الحموي ، معجم البلدان ، 5/25- اليعقوبي ، كتاب البلدان ، ص114- المقدسي ـ أحسن التقاسيم ، ص190- 191- بحاز ، الدولة الرستمية ، ص11 الهامش ) .
(2) - اليعقوبي ، البلدان ، ص114 ـ المقدسي ، أحسن التقاسيم ، ص191 ـ أنظر : الاصطخري ، المسالك ، ص37 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص190 .. (1/129)
صفحة 130
كذلك كانت هناك علاقات تجارية كبيرة ونشيطة بين الدولة الرستمية والدولة الأموية في الأندلس ، وذلك عن طريق ركوب البحر ، وأهم ثلاث موانئ تربط الدولة الرستمية بالأندلس ميناء تنس ، وميناء فروخ ، ومرسى مدينة وهران (1) .
__________
(1) - اليعقوبي ، البلدان ، ص110 ـ ابن حوقل ، صورة الأرض ، ص76 ، 78 ـ المقدسي ، أحسن التقاسيم ، ص189- 190 ـ الباروني ، الأزهار ، 2/45- 54 ، 54- 56 ـ أنظر : البكري ، المغرب ، ص61 ، 70 ، 81 ـ الادريسي ، وصف ،
ص72 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص191- 193 . (1/130)
صفحة 131
كذلك كانت للدولة الرستمية علاقات تجارية مع المشرق العربي ، فمن مدن المشرق التي كانت ترتبط معها بعلاقات تجارية بغداد (1) والبصرة (2) ودمشق (3) والإسكندرية (4) وغيرها من مدن المشرق (5) ؛ فكانت هناك طرق تجارية تربط الدولة الرستمية بدول المشرق كما كانت هناك طرق تربطها ببلاد السودان ودول المغرب ، أعدتها الدولة الرستمية لقوافلها التجارية ، قال ابن الصغير : " ...
__________
(1) *- بغداد : مدينة تقع في العراق " تسمى مدينة السلام " ، وهي عاصمة العراق منذ عهد الأمويين والعباسيين ( أنظر : المقدسي ، أحسن التقاسيم ، ص107- 109- أطلس العالم الصحيح ، ص56 – إبراهيم مصطفى وآخرون ، المعجم الوسيط ، 1/64 ) .
(2) **- البصرة : مدينة كبيرة تقع في العراق ، ومعنى البصرة : الأرض الغليظة ، وتعني الحجارة الرخوة فيها بياض ، وتعنى الطين العَلِك الجيد فيه حصى ( أنظر : المقدسي ، أحسن التقاسيم ، ص105- 106- أطلس العالم الصحيح ، ص57 - إبراهيم مصطفى وآخرون ، المعجم الوسيط ، 1/59 ) .
(3) ***- دمشق : هي مدينة عريقة تقع في بلاد الشام ، وصفها الحموي بقوله : " قصبة الشام وهي جنة الأرض بلا خلاف لحسن عمارة ونضارة بقعة وكثرة فاكهة ونزاهة ورفعة وكثرة مياه " إهـ ، سميت باسم بانيها دمشق بن قاني بن مالك بن أرفخشد بن سام بن نوح ، وقيل غير ذلك ، وهي عاصمة سوريا في هذا العصر الحديث ( أنظر : الحموي ، معجم البلدان ، 4/307- الباروني ، الأزهار ، 2/36 الهامش ) .
(4) ****- الإسكندرية : هي مدينة عظيمة تقع في مصر ، قيل أن الذي بناها هو الإسكندر الأول ذو القرنين الرومي ، وقيل الإسكندر بن فيلفوس ، وقيل أن الذي أنشأها هو يعمر بن سداد بن عاد بن عوض بن إرم بن سام بن نوح - عليه السلام - ( أنظر : الحموي ، معجم البلدان ،1/150 ) .
(5) - ابن خرداذبة ، المسالك والممالك ، ص60- 71 ـ أنظر : محمود إسماعيل ، الخوارج ، 207 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص193 . (1/131)
صفحة 132
واستعملت السبل إلى بلاد السودان ، وإلى جميع البلدان من مشرق ومغرب بالتجارة وضروب الأمتعة ... والناس والتجارة من كل الأقطار تاجرون ... " إهـ (1) .
فكانت هناك قوافل تخرج من الدولة الرستمية محملة بالبضائع إلى بلدان المشرق ، ثم تعود من المشرق محملة كذلك بالبضائع المشرقية ، ومن هذه القوافل القافلة التي ذهب فيها أبو اليقظان بن أفلح إلى المشرق لأداء مناسك الحج ، ومن الأمثلة على هذه القوافل كذلك القوافل القادمة من المشرق ، والتي خرج أبو حاتم بن الإمام أبي اليقظان في جيش لحمايتها من اللصوص وقطاع الطرق حتى تصل سالمة إلى تيهرت (2) .
كذلك فإنه كان للدولة الرستمية علاقات تجارية واسعة مع بلاد السودان وخاصة مملكة غانا (3) ، ومملكة كوكو ( جوجو ) ، فكانت هناك طرق تجارية بين الدولة الرستمية وبين هذه الممالك السودانية ، تنطلق خلالها القوافل التجارية من وإلى الدولة الرستمية (4) .
__________
(1) - ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص36 .
(2) - المصدر السابق ، ص64 ، 104 .
(3) *****- مملكة غانة : تقع في بلاد السودان الغربي ، وقد كانت إمبراطورية كبيرة تتوسط دولة " ورام " في الغرب منها ، ودولة " نخلة " إلى الشرق ، ويطلق على غانة بلاد الذهب ( أنظر : علي بن الحسن بن علي المسعودي ( أبو الحسن ) ، مروج =
= الذهب ومعادن الجوهر ، ج2 ، دار الأندلس ، بيروت ، لبنان ، ط4 1401هـ / 1981م ، ص222- 223- بحاز ، الدولة الرستمية ، ص208 ) .
(4) - اليعقوبي ، البلدان ، ص115 ـ ابن حوقل ، صورة ، ص 95 ، 96 ، 98، 99 ـ د/ محمد صالح ، دور الإباضية في نشر الإسلام بغرب إفريقيا ، ص5 ، 6 ، 7 ، 8 ، 15، 25 ، 28 ـ أنظر : البكري ، المغرب ، ص149 ، 159 ، 168 ، 180 ـ الادريسي ، وصف ، ص89 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص206- 220 . (1/132)
صفحة 133
ولقوة العلاقة التجارية بين الدولة الرستمية وبلاد السودان ونشاطها ، أراد الإمام أفلح الخروج بنفسه للتجارة إلى مملكة كوكو ( جوجو ) ، إلا أن الإمام عبد الوهاب منعه خوفا من أن يقع في الربا والقصة كما يذكرها الدرجيني : " وأنه - يقصد الإمام أفلح - قد أراد السفر إلى جوجو ، فسأله أبوه - رضي الله عنه - عن مسائل الربا ، فتوقف في مسألة واحدة لم يجب عنها ولم يعرفها ، فأمره أبوه بالرجوع من السفر ، فقال له : أقم لئلا تدخل علينا الربا ، فرجع بعد أن تجهز وأبرز رحله ... " إهـ (1) .
__________
(1) - الدرجيني ، الطبقات ، 2/320 ـ الشماخي ، السير ، 1/190. (1/133)
صفحة 134
والحقيقة أن المصادر لم تزودنا بالبضائع التي كانت تحملها القوافل الرستمية إلى بلاد السودان ، فمن الممكن أن تكون أهم البضائع التي تحمل إلى بلاد السودان هي من إنتاج الدولة الرستمية كالتمر والقمح والفواكه المجففة والملابس الحريرية والصوفية والجلود والأواني الفخارية أو المعدنية والملح ، وبعض البضائع المشرقية كالأواني الزجاجية والعطور والتحف (1) ؛ أما البضائع التي كان التجار الرستميون يجلبونها من بلاد السودان فتتمثل في الأحجار الثمينة والشب والعنبر وريش النعام ، ولكن أهم مادتين كانتا تجلبان من بلاد السودان الذهب والرقيق ، وهما اللتان دفعتا التجار الرستميين إلى المغامرة في شق عباب تلك الصحاري الموحشة وتحمل الأخطار والأهوال للحصول عليهما (2) ، حتى أن الإمام عبد الوهاب كان بنفسه يمارس تجارة الذهب ، فكان له ثروة طائلة من ذلك ، ويظهر ذلك من قوله كما مر سابقا : " لولا أنا ومحمد بن جرني ويبيب بن زلغين ، لخرب بيت مال المسلمين ، أنا بالذهب ، ومحمد بن جرني بالحرث ، وابن زلغين بالأنعام " (3) .
د- المطلب الرابع : العمارة في الدولة الرستمية ومستوى المعيشة :
__________
(1) - بحاز ، الدولة الرستمية ، ص224- 225 .
(2) - بحاز ، الدولة الرستمية ، ص227- 231 ـ د/ محمد صالح ، دور الإباضية في نشر الإسلام بغرب إفريقيا ، ص12، 31 .
(3) - الشماخي ، السير ، 1/177 . (1/134)
صفحة 135
إن القوة الاقتصادية التي كانت للدولة الرستمية وشعبها ، أتاح لها أن ترتقي في السلم الحضاري والمعيشي ، وأن تكون في رفاهية ورغد من العيش ، فنجد أن الدولة الرستمية كانت ذات أسواق عديدة ، وبعضها ذات تخصصات معينة ، كما مر سابقا (1) ، وكانت هذه الأسواق رائجة وبها مختلف السلع والبضائع التي يحتاجها الفرد من أفراد الدولة الرستمية ، فتجعله في رفاهية من العيش ، وذلك أنه يجد في هذه الأسواق كل ما يريد حيث أن هذه الأسواق ليست محصورة على نطاق ضيق ، بل هي أسواق نستطيع أن نسميها عالمية ، حيث أنه تمر بها القوافل القادمة من مختلف الدول والمناطق سواء المشرق أم المغرب ، محملة بمختلف بضائع تلك الدول .
__________
(1) *- أنظر : ص79- 80 . (1/135)
صفحة 136
وقد اهتم أئمة الدولة الرستمية بتطوير الدولة والرقي بها في السلم الحضاري منذ الأيام الأولى لقيامها في عهد الإمام عبد الرحمن بن رستم ، فنجد أن الدولة الرستمية في بداية نشأتها لم تكن بتلك القوة وذلك المعمار الراقي ، ويظهر ذلك من خلال ما يروى عن الوفد المشرقي الذي أرسله إباضية المشرق بمال لإعانة الإمام عبد الرحمن ودولته الوليدة ، فلما وصل الوفد إلى تيهرت وسأل عن دار الإمام ، وجد الإمام على سطح داره يصلح شقوقا فيها وغلام له يعجن له الطين ، وعندما دخلوا داره لم يجدوا فيها إلا حصيرا ووسادة ينام عليها ، وسيفه ورمحه وفرسه مربوط بناحية من داره (1) ، هكذا كانت بداية الدولة الرستمية بداية بسيطة ، إلا أن الأئمة الرستميين لم يرضوا لدولتهم أن تظل على هذه البساطة والضعف التي تغري عليها كل طامع ومعتد ، فنجد أن الإمام عبد الرحمن قام بتطوير البلاد وتقويتها ورفع مستوى معيشة أفرادها بخطى سريعة ، حتى أن إباضية المشرق قاموا بإرسال وفد مرة ثانية إلى تيهرت لإعانة الإمام عبد الرحمن وشعبه بالمال ، فلما وصل هذا الوفد المشرقي إلى تيهرت وجد أن الأمور تبدلت عما وجده في الزيارة الأولى ، وأن تغييرا جذريا حدث ، فوجدوا القصور والبساتين والرفاهية في السكان ، قال ابن الصغير : " ... فوجدوا - يقصد الوفد المشرقي - الأمور قد تبدلت ، وأحوال المدينة والأشياء قد تحسنت ، وذلك أنهم نظروا إلى قصور قد بنيت وإلى بساتين قد غرست وإلى أرحاء (2) قد نصبت وإلى خيول قد ركبت ، وإلى حفدة قد اتخذت السور ، والعبيد والخدم قد كثرت ...
__________
(1) - ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص33 .
(2) *- الرَّحا ، والرَّحَى : هي الأداة التي يطحن بها ، وهي حجران مستديران يوضع أحدهما على الآخر ويُدار الأعلى على قطب ، وتجمع على أَرْحٍ ، وأَرْحاءٌ ، ورُحِيٌّ ، وأَرْحِيَةٌ ( أنظر : إبراهيم مصطفى وآخرون ، المعجم الوسيط ، 1/335 ) . (1/136)
صفحة 137
إلى أن قصدوا قصر صاحبهم - يقصد الإمام عبد الرحمن - ... " إهـ (1) .
فهنا نلاحظ أن الوضع تغير عن السابق ، فقد بنى الناس القصور وملكوا البساتين والخيول والعبيد والخدم ، حتى الإمام عبد الرحمن نفسه قد أصبح يملك قصرا بعد أن كان يملك دارا صغيرة ليس فيها شيء من المتاع ما يذكر ، وهذا يدل على الرقي الاقتصادي الذي وصلت إليه الدولة الرستمية وفي سنوات عمرها الأولى ، فما بالنا بالسنوات اللاحقة .
وقد استمر الإمام عبد الرحمن في تطوير البلاد ويظهر ذلك من قول ابن الصغير : " ... والبلد زائدة عمارتها في ذلك كله ، والسيرة واحدة وقضاته مختارة ، وبيوت أمواله ممتلئة ، وأصحاب شرطته والطائفون به قائمون بما يجب ، وأهل الصدقة على صدقاتهم ... " إهـ (2) ؛ ونجد ابن الصغير كذلك يصف الرقي الحضاري في عهد الإمام عبد الرحمن بقوله : " ... ثم شرعوا في العمارة والبناء ، وإحياء الأموات (3) ، وغرس البساتين وإجراء الأنهار ، واتخاذ الرحاء والمستغلات وغير ذلك ، واتسعوا في البلد وتفسحوا فيها ، وأتتهم الوفود والرفاق من كل الأمصار وأقاصي الأقطار ، فقال - يقصد من ينقل عنه - : ليس أحد ينزل بهم من الغرباء إلا استوطن معهم وابتنى بين أظهرهم ، لما يرى من رخاء البلد وحسن سيرة إمامه وعدله في رعيته ، وأمانه على نفسه وماله ... واستعملت السبل إلى بلد السودان وإلى جميع البلدان من مشرق ومغرب بالتجارة وضروب الأمتعة ... " إهـ (4) .
__________
(1) - ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص38 .
(2) - المصدر السابق ، ص40- 41 .
(3) **- يقصد إحياء الأراضي الميتة ، ولعل الأصح أن يقول : " إحياء المَوَات " ، لأن المَوَات : هي الأرض التي لم تزرع ولم تعمر ولا جرى عليها ملك أحد ( أنظر : إبراهيم مصطفى وآخرون ، المعجم الوسيط ، 2/891 ) .
(4) - ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص35- 37 . (1/137)
صفحة 138
هذا في عهد الإمام عبد الرحمن بن رستم ، وكذلك نلمس الرقي والحضارة والمعمار في عهود الأئمة الذي جاءوا من بعده ، بل قد وصلت الدولة الرستمية من الرقي والحضارة في عهود الأئمة الآخرين الذين جاءوا بعد الإمام عبد الرحمن أضعاف ما كانت عليه في عهده ، فنجد مثلا في عهد الإمام عبد الوهاب ثاني أئمة الدولة الرستمية أن الدولة قد توسعت حتى غدت حدودها من مصر شرقا إلى مدينة تلمسان في أقصى المغرب الأوسط غربا ، بل إن هيمنته شملت في بعض الأحيان دولة بني مدرار في المغرب الأقصى (1) .
وكذلك في عهد الإمام أفلح نجد الرقي والحضارة قد وصلت شأوا بعيدا ، قال ابن الصغير واصفا الازدهار الحضاري في عهد هذا الإمام : " ... وكان أفلح قد عمر في إمارته ما لم يعمره أحد ممن كان قبله ، فأقام خمسين عاما أميرا حتى نشأ له البنون وبنو البنين ، وشمخ في ملكه ، وابتنى القصور ... وعمرت معه الدنيا ، وكثرت الأموال والمستغلات ، وأتته الرفاق والوفود من كل الأمصار والآفاق بأنواع التجارات ، وتنافس الناس في البنيان حتى ابتنى الناس القصور والضياع خارج المدينة وأجروا الأنهار ... " إهـ (2) .
__________
(1) - ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص45 ـ بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/283 رقم الترجمة : 609 .
(2) - ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص61 . (1/138)
صفحة 139
حتى أن الناس كما نلاحظ من كلام ابن الصغير وصل بهم الثراء إلى بناء القصور الفارهة واتخاذ البساتين وإجراء الأنهار ، وممن بنى القصور من رعية الدولة الرستمية شخصان يدعيان أبان وحمويه (1) ، قال ابن الصغير واصفا قصريهما : " ... خرجا - يقصد إبان وحمويه - إلى قصورهما متنزهين ومعهما جماعة إخوانهما ، فذكر بعضهم أنه قال : لما أشرفنا على القصرين سبق بنا بعض عبيدهما فأعلموا سكان القصرين بقدومهما ، قال : فتشوف من كان بالقصرين إليهما ، فوالله ما رأيت شرافة من القصرين إلا عليها ثوب أحمر وأصفر على الجدار كالبدور ... " إهـ (2) .
حتى العجم والبدو قد نالهم ما نال بقية سكان الدولة الرستمية من الثراء والحضارة ، فابتنوا القصور والمدن ، قال ابن الصغير : " ... وكانت العجم قد ابتنت القصور ، ونفوسة قد ابتنت العدوة ، والجند القادمون من إفريقية قد بنت المدينة العامرة اليوم ، وأمنت الساحات وكثرت الأموال حتى أطغت أهل الحواضر والبوادي ... " إهـ (3) ، وقد مر علينا سابقا أن ابن وردة زعيم العجم بنى سوقا خاصا به في تيهرت (4) .
__________
(1) *- أبان وحموية : هما من أثرياء الدولة الرستمية ، كانا يعيشان في تيهرت ، في عهد الإمام أفلح بن عبد الوهاب ( ت : 258 ) ( أنظر : ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص61 ) .
(2) - المصدر السابق ، ص62 .
(3) - المصدر السابق ، ص62 .
(4) **- أنظر ص79 . (1/139)
صفحة 140
واستمرت الدولة الرستمية في التطور والازدهار في عهود الأئمة الآخرين ، فمثلا في عهد الإمام أبي حاتم ، نجد أن الإمام أبا حاتم كان له قصر خاص يوجد بالقرب من نهر يسمى نهر مينة (1) (2) ؛ واستمر الناس في بناء القصور الفارهة ، فمن القصور التي ذكرتها لنا كتب التاريخ " قصر المثلث " جمع الأشجار والأنهار والمزارع يمتلكه رجل يدعى محمد بن حماد (3) ، و" دار الكنيسة " يمتلكها رجلان يدعيان بابن دبوس (4) (5) .
وقد وصف المقدسي تيهرت وصفا بديعا فقال : " ... هي بلخ المغرب ، قد أحدقت بها الأنهار ، والتفت بها الأشجار ، وغابت في البساتين ، ونبعت حولها الأعين ، وجل بها الإقليم ، وانتعش فيه الغريب ، واستطابها اللبيب ، يفضلونها على دمشق وأخطأوا ، وعلى قرطبة (6) وما أظنهم أصابوا ، هو بلد كبير ، كثير الخير رحب ، رقيق طيب ، رشيق الأسواق ، غزير الماء ، جيد الأهل ، قديم الوضع ، محكم الرصف ، عجيب الوصف ... " إهـ (7) .
__________
(1) *- نهر مينة : يوجد بالقرب من تيهرت ( أنظر : ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص115 ) .
(2) - المصدر السابق ، ص115 .
(3) **- هو محمد بن حماد من أهل تيهرت ، كان معاصرا للإمام أبي حاتم يوسف ( حكم : 281، ت : 294هـ ) ( أنظر : ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص106 ) .
(4) ***- هما أحمد ، ومحمد ، ويعرفان بابن دبوس ، كانا من أعيان ووجهاء تيهرت ، قال ابن الصغير فيهما : " ... ولم يكن إذ ذاك أوسع منهما جاها ولا اكثر عشيرة ولا أسمع قلبا ... " إهـ ( أنظر : ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص114 ) .
(5) - المصدر السابق ، ص106 ، 114 .
(6) ****- قُرْطُبَة : هي مدينة عظيمة بالأندلس وسط بلادها ، وكانت سريرا لملكها ، وقصبتها ، وبها كانت ملوك بني أمية ، بينها وبين البحر خمسة أيام ( أنظر : الحموي ، معجم البلدان ، 7/31- الباروني ، الأزهار ، 2/39 الهامش ) .
(7) - المقدسي ، أحسن التقاسيم ، ص189 . (1/140)
صفحة 141
ولم يكن الرقي والازدهار الحضاري مقتصرا على تيهرت العاصمة الرستمية بل تعداه إلى جميع مدن وولايات الدولة الرستمية، فجبل نفوسة ناله ما نال تيهرت من الرقي والعمران، ويظهر ذلك من خلال ما روي عن زيارة الإمام عبد الوهاب لجبل نفوسة فأقام في دار أحد النفوسيين عندما أصابه مطر في الطريق فوجدوها دار ذي نعمة وبسطة وسعة رزق، فخلع صاحبها على الإمام والوفد المرافق له ثيابا جديدة، وفرش لهم فرشا وثيرة، وأحضر لهم أطعمة حفيلة، وأظهر لهم من صنوف البر ما استحسنه الإمام (1).
المبحث الثالث: الوضع الثقافي في عصر الشيخ عمروس:
1 - تمهيد:
__________
(1) - أبو زكريا، سير الأئمة، ص113 - الدرجيني، الطبقات، 1/ 64. (1/141)
صفحة 142
عاش الشيخ عمروس في الفترة ما بين سنة 190هـ و 283هـ، أي في أواخر القرن الثاني الهجري وأغلب القرن الثالث الهجري، والقرنان الثاني والثالث الهجريان يمثلان فترة ازدهار ونهوض في الحركة العلمية عند المسلمين في مختلف ميادين العلم سواء في المشرق أو المغرب، وقد برز في تلك الفترة الكثير من العلماء في شتى ميادين العلم سواء العلوم النقلية من تفسير وحديث وفقه ولغة ... إلخ، أو العلوم العقلية من طب وهندسة وفلسفة ورياضيات ... إلخ (1)؛ وقد انتشر التأليف في شتى ميادين العلم، وانتشرت المدارس العلمية والمكتبات وحلق العلم حول العلماء، وزادت حركة نسخ الكتب ونقلها من المشرق إلى المغرب ومن المغرب إلى المشرق، فاطلع علماء المغرب على آخر مؤلفات علماء المشرق، وأصبح يصلهم كل ما يطرح من مؤلفات جديدة بكل سهولة ويسر عن طريق القوافل التجارية ورحلات الحج والعمرة، وكذلك بالنسبة لعلماء المشرق فقد أصبح يصلهم كل جديد من مؤلفات علماء المغرب بكل سهولة ويسر؛ ومن ذلك أن الإمام عبد الوهاب - رحمه الله - أرسل ألف دينار إلى إخوانه بالبصرة ليشتروا له بها كتبا، فاقتضى نظرهم أن يشتروها ورقا، وتطوعوا بالمداد وأجرة النساخ والمفسرين، فنسخوا له كتبا كثيرة يقال أنها كانت وقر أربعين جملا، فبعثوا بها إليه، فقرأها كلها فقال: " الحمد لله إذ ليس فيه مسألة عزبت عني إلا مسألتان، ولو سُئلت عنهما لأجبت قياسا على نظائرهما ووافقت الصواب " إهـ (2)؛
__________
(1) ـ أحمد أمين، ضحى الإسلام، ج2، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، ط5: 1956م، ص8، 11 وما بعدها نقلا عن: بحاز، الدولة الرستمية، ص261.
(2) - أبو زكرياء، سير الأئمة، ص99 - 100 - الدرجيني، الطبقات، 2/ 56 - 57 ـ الشماخي، السير، 1/ 142 .. (1/142)
صفحة 143
وما قام به الشيخ عمروس من نسخ مدونة أبي غانم بمساعدة أخته (1)، وكذلك ما قام به نفاث من نسخ ديوان الإمام جابر عندما ذهب إلى المشرق، فكان الديوان سبعة أحمال من الإبل، فعاد به إلى المغرب، وعندما وجد أصحابه الذين ضلوا بضلالته قد قلوا وضعفوا، فخشي أن يصل الديوان إلى الإمام أفلح ومن معه من الإباضية، قام بدفنه في مكان لا يعرفه أحد، ففقد ولم يعثر عليه إلى اليوم (2).
__________
(1) - أبو زكرياء، سير الأئمة، ص157 - الدرجيني، الطبقات، 2/ 323 - الشماخي، السير، 1/ 194 - 196 ـ بحاز، الدولة الرستمية، ص380 - بحاز وآخرون، معجم أعلام لإباضية، 2/ 321 رقم الترجمة: 689.
(2) - أبو زكرياء، سير الأئمة، ص143 - 145 - الدرجيني، الطبقات، 2/ 82. (1/143)
صفحة 144
فضلا عن ذلك فإن الشيخ عمروس عاش في رحاب الدولة الرستمية التي أولت اهتماما بالغا بالعلم والعلماء ودعم حركة التأليف ونشر الكتب، فقامت بإنشاء الجوامع والمساجد التي كان العلماء يلقون دروسهم فيها في مختلف فنون العلم، وقامت بإنشاء الكتاتيب لتدريس الطلاب، وأنشأت مختلف المكتبات العلمية الضخمة الحاوية لشتى صنوف المؤلفات في مختلف العلوم سواء الكتب الدينية أو الدنيوية، كمكتبة المعصومة (1)؛ ولم يقتصر اهتمامها بنشر العلم والثقافة على العاصمة تيهرت، بل تعداه إلى مختلف ولايات الدولة الرستمية ومن ضمنها جبل نفوسة الذي ترعرع في ربوعه الشيخ عمروس، فظهر في جبل نفوسة عدد كبير من فطاحل العلماء، نهل الشيخ عمروس من معينهم العلم الوفير، قبل أن يهاجر إلى تيهرت للاستزادة من فنون العلم على يد أئمة الدولة الرستمية وعلماء تيهرت كما سنرى لاحقا؛ وقد ظهر في الفترة التي عاش فيها الشيخ عمروس الكثير من العلماء في المغرب، الذين ألفوا في مختلف فنون العلم كما سنرى.
__________
(1) - أبو زكرياء، سير الأئمة، ص170 - الدرجيني، الطبقات، 1/ 94 ـ الباروني (باشا)، الأزهار، 2/ 293 ـ دبوز، تاريخ المغرب الكبير، 3/ 397 ـ أبو الربيع الباروني، مختصر تاريخ الإباضية، ص49 ـ بحاز، الدولة الرستمية، ص289. (1/144)
صفحة 145
وكذلك فإن المرأة في تلك الفترة - كما سيأتي - شاركت في النهضة العلمية، وظهرت الكثير من العالمات اللائي بلغن مرتبة الإفتاء، وأخت الشيخ عمروس أقرب مثال، فقد كانت عالمة قديرة، سجلت لنا الآثار بعض فتاويها وأقوالها، وساعدت الشيخ عمروس في نسخ مدونة أبي غانم الخرساني كما ذكرنا، وكانت نساء البيت الرستمي لهن باع كبير في العلم، حتى قال أحد أفراد البيت الرستمي: " معاذ الله أن تكون عندنا أمة لا تعلم منزلة يبيت فيها القمر " (1).
كذلك فقد كانت للدولة الرستمية وجبل نفوسة علاقات ثقافية قوية مع بلدان المغرب العربي كالأندلس، وبلدان المشرق، وبلاد السودان كما سنرى في محله، وهذه العلاقات الثقافية ساهمت في نضوج الصحوة العلمية في تلك الفترة، وذلك بالتلاقح الثقافي بين المغرب والمشرق.
2 - المطلب الأول: أئمة الدولة الرستمية واهتمامهم بالنهضة العلمية:
__________
(1) - أبو زكرياء، سير الأئمة، ص99 - الدرجيني، الطبقات، 1/ 56 ـ الشماخي، السير، 1/ 142 ـ بحاز، الدولة الرستمية، ص377. (1/145)
صفحة 146
لقد أولت الدولة الرستمية وأئمتها اهتماما بالغا بالحركة العلمية والنهوض بها لتنافس الدول الأخرى الموجودة في ذلك العصر ، والتي كانت تعد عواصم العلم والثقافة كالعراق في المشرق ، والقيروان وبلاد الأندلس في المغرب ؛ فاستطاع أئمة الدولة الرستمية أن يرقوا ببلادهم في شتى الميادين الحضارية من ثقافة وعمران واقتصاد ، حتى أطلق على تيهرت " عراق المغرب ، وبلخ المغرب إلحاقا بهما - أي بالعراق وبلخ - في المعارف والعمران والحضارة " (1) ؛
__________
(1) - الميلي ، تاريخ الجزائر ، 2/76 ـ الجيلالي ، تاريخ الجزائر العام ، 1/231 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص262.. (1/146)
صفحة 147
وقال ألفرد بل واصفا تيهرت وما وصلت إليه من رقي حضاري في مختلف الميادين ومن بينها ميدان العلم والثقافة : " واستمرت المملكة الإباضية في المغرب الأوسط قرابة مائة وخمسين عاما ( من سنة 761م إلى سنة 909م ) ، وكانت عاصمتها تاهرت (1)
__________
(1) *- تضاربت المصادر في اسم " تيهرت " بعضها يذكرها بالألف " تاهرت " وبعضها بالياء " تيهرت " ، فممن ذكرها " تاهرت " بالألف : البرادي في الجواهر ، والبغطوري في سير أهل نفوسة ، والدرجيني في طبقاته ، وأبو زكرياء في سير الأئمة ، وابن الصغير في أخبار الأئمة الرستميين ، وياقوت الحموي في معجم البلدان ، والقزويني في آثار البلاد وأخبار العباد ، وابن حوقل في صورة الأرض ، واليعقوبي في كتاب البلدان ، وابن الفقيه الهمداني في مختصر كتاب البلدان ، والمقدسي في أحسن التقاسيم ، وأبو القاسم بن خرداذبة في المسالك والممالك ؛ ومن الباحثين المعاصرين من ذكرها " تاهرت " بالألف : الجعبيري في البعد الحضاري للعقيدة الإباضية ، وعمرو النامي في دراسات عن الإباضية ، و د/ محمد صالح ناصر في منهج الدعوة عند الإباضية - بالرغم من أنه وإبراهيم بحاز رجحا تيهرت عن تاهرت في تحقيقهما على أخبار الأئمة الرستميين لابن الصغير كما سنرى بعد قليل - ود/ عوض خليفات في نشأة الحركة الإباضية كذلك ذكرها " تاهرت " بالألف ولم يذكرها " تيهرت " بالياء ، وكذلك تاديوس ليفيتسكي صاحب كتاب المؤرخون الإباضيون في أفريقيا الشمالية ؛ ونجد عبد الله بن قتيبة في كتابه يذكرها بالألف " تاهرت " كما نقل عنه أبو زكرياء صاحب سير الأئمة في ص48 ، حيث قال ـ أي ابن قتيبة ـ : " والله أعلم بمن كان به التمام ونرجو أن هؤلاء الذين وصلوا أرض المغرب بتاهرت من أئمتنا ، وقد بلغوا فيها درجة عظيمة ، وولوها نيفا ومائة وخمسين سنة ، فيما ذكره بعض الرواة " إهـ . (.أنظر : البرادي ، الجواهر ( مخ ) ، ص173 ، 174 ـ البغطوري ، سير أهل نفوسة ( مخ ) ، ص64 ، 74 ـ أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص81 ، 83 - الدرجيني ، الطبقات ، 1/40 ،41 ، 42 ، 43 ـ ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص28 ـ ياقوت الحموي ، معجم البلدان ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت لبنان ، ط1 : 1417هـ/ 1997م ، 2/426 ـ 427 ـ القزويني ، آثار البلاد وأخبار العباد ، دار بيروت للطباعة والتشر ، بيروت لبنان ، 1404هـ / 1984م ، ص169 ـ ابن حوقل ، صورة الأرض ، ص93 ـ اليعقوبي ، كتاب البلدان ، ص109ـ 114 ـ ابن الفقيه ، مختصر كتاب البلدان ، ص77 ـ المقدسي ، أحسن التقاسيم ، ص83 ، 183، 184، 189، 194 ـ أبو القاسم ، المسالك والممالك ، ص81 ـ 83 ـ فرحات الجعبيري ، البعد الحضاري للعقيدة الإباضية ، مطبعة الألوان الحديثة ، سلطنة عمان ، 1408هـ / 1987م ، ص57 ، 105 ، 144 ـ د/ النامي ، دراسات عن الإباضية ، ص117 ، 122 ، 202 ـ محمد ناصر ، منهج الدعوة عند الإباضية ، ص153ـ 156 ـ د/ عوض خليفات ، نشأة الحركة الإباضية ، ص9 ، 14 ، 38 ـ تاديوس ليفيتسكي ، المؤرخون الإباضيون في أفريقيا الشمالية ، ترجمة : ماهر جرار و ريما جرار ، دار الغرب الإسلامي ، بيروت لبنان ، ط1 : 2000م ، ص37 ـ أنظر كلام عبد الله بن قتيبة في : أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص48 ) .
وفي المقابل نجد بعض المصادر تذكرها " تيهرت " بالياء بدلا من " تاهرت " بالألف فمن المصادر القديمة : الشماخي في سيره ، وابن عذارى في البيان المغرب ، وكذلك الرقيق القيرواني ، وابن سعيد المغربي قال أبو الفداء : " وفي خط ابن سعيد عوض الألف ياء مثناه من تحت وهو الأصح عندي لأن ابن سعيد مغربي فاضل " إهـ . =
= ومن الباحثين المعاصرين من ذكر تيهرت بدلا من تاهرت : الشيخ سليمان باشا الباروني في الأزهار الرياضية ، والشيخ أبو الربيع سليمان الباروني في مختصر تاريخ الإباضية ، والشيخ بكلي عبد الرحمن محقق قواعد الإسلام ، والباحث حاج أحمد كروم محقق الدينونة الصافية ، والباحث إبراهيم بحاز في كتابه الدولة الرستمية معللا أن الكلمة حرفت بمرور الزمن ، والباحث محمد دبوز في تاريخ المغرب الكبير ـ والغريب أنه نقل عن ياقوت الحموي بعض ما قاله عن تيهرت في كتابه معجم البلدان 2/354 مطبعة دار السعادة بالقاهرة وهو قوله : " تيهرت الحديثة ، وهي على خمسة أميال من تيهرت القديمة وهي حصن ابن ماجه " إهـ ، فنجد أنه ـ الباحث محمد دبوز ـ نسب إلى الحموي أنه ذكر " تيهرت " بالياء وليس " تاهرت " بالألف بالرغم من أننا إذا رجعنا إلى كتاب معجم البلدان نجد ياقوت الحموي يذكر " تيهرت " بالألف " تاهرت " وليس " تيهرت " بالياء كما ذكر الباحث دبوز ، ولا أدري هل السبب يعود إلى اختلاف طبعات كتاب معجم البلدان ، حيث أني رجعت إلى طبعة دار إحياء التراث العربي ببيروت ، الطبعة الأولى ، ولم أتمكن من الحصول على الطبعة التي اعتمد عليها الباحث محمد دبوز ، أم أن السبب يعود إلى عدم تركيز من الباحث محمد دبوز على هذه النقطة في الخلاف في اسم تيهرت مع أهميتها ، الله أعلم في ذلك ، ونجد نفس الشيء يتكرر معه فيما نسبه إلى أبي القاسم بن خرداذبة صاحب المسالك والممالك من ذكره لتيهرت بالياء وليس بالألف ، حيث قال ـ ابن خرداذبة ـ : " تيهرت مدينتان كبيرتان ... وفيها جامع " ناقلا ذلك من كتاب المسالك والممالك طبعة ليدن 1872م ، وإذا عدنا إلى ما قاله ابن حوقل في كتابه المسالك والممالك نجده يذكرها " تاهرت " بالألف وليس " تيهرت " بالياء ، ولا أدري هل السبب يعود إلى اختلاف الطبعات فوقع نسخ أو تحريف حيث أني عدت إلى كتاب المسالك والممالك ووجدته ذكر تيهرت بالألف " تاهرت " وليس بالياء " تيهرت " كما ذكر الباحث محمد دبوز ، والغريبة كذلك أنه نسب كتاب المسالك لابن حوقل ! ، ومن المعلوم أن كتاب المسالك والممالك لأبي القاسم بن خرداذبة ، فلا أدري هل يوجد كتاب آخر لابن حوقل يحمل نفس اسم كتاب المسالك والممالك لابن خرداذبة ، فالمشهور عن ابن حوقل هو كتاب صورة الأرض ، أم أن ذلك خطأ مطبعي أو سهو من الباحث محمد دبوز ؟ الله أعلم .
ونجد إسماعيل العربي محقق كتاب سير الأئمة وأخبارهم يذكرها " تيهرت " بالياء في مقدمة تحقيقه ولم يبين أيهما الأرجح ، والظاهر أنه يرجح " تيهرت " على " تاهرت " لأنه استعملها بالياء ، بالرغم أن أبا زكرياء صاحب كتاب سير الأئمة إستعمل " تاهرت " بالألف ، فلم يعلق المحقق إسماعيل العربي على ذلك ( أنظر : الشماخي ، السير ، 1/124 ـ ابن عذارى ، البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب ، دار الثقافة ، بيروت لبنان ، ط3 : 1983م ، 1/196ـ 200 ـ الرقيق القيرواني ، تاريخ إفريقية والمغرب ، تحقيق : المنجي الكعبي ، مطبعة الوسط ، تونس ، 1387هـ/ 1967م نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص86 الهامش ـ أبو الفداء ، تقويم البلدان ، تصحيح رينود وآخرين ، طبع دار الطباعة السلطانية ، باريس 1840م ، ص138 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص86 الهامش ـ الباروني ( باشا ) ، الأزهار ، 2/6 ، 45 ، 305 ـ أبو الريبع الباروني ، مختصر تاريخ الإباضية ، ص36 ـ الجيطالي ، قواعد الإسلام ، 1/13 الهامش ـ الشيخ عمروس ، الدينونة الصافية ، ص24 ، 28 ، 30 مقدمة المحقق ـ بحاز ، الدولة الرستمية ، ص86 الهامش ـ محمد دبوز ، تاريخ المغرب الكبير ، 3/21 ، 262 ، 442 ـ أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص20 مقدمة المحقق ) .
ورجح الباحثان محمد صالح ناصر وإبراهيم بحاز في تحقيقهما على كتاب أخبار الأئمة الرستميين لابن الصغير " تيهرت " بالياء عن " تاهرت " بالألف ، وقالا أن الأضبط " تيهرت " بالياء ، مع أن د/ محمد صالح ناصر في كتابه منهج الدعوة عند الإباضية استعمل" تاهرت " بالألف بدلا من " تيهرت " كما مر ، بالرغم أن تحقيقه مع بحاز لكتاب ابن الصغير كان متقدما على تأليفه لكتابه منهج الدعوة عند الإباضية ، حيث أنهما حققا كتاب ابن الصغير في سنة 1405هـ/ 1985م ، وكتابه منهج الدعوة عند الإباضية صدر في سنة 1418هـ/ 1997م ، فهل تراجع عن ترجيح " تيهرت " بالياء إلى القول أنها " تاهرت " بالألف ؟ أم أن ذلك سهو منه ؟ الله أعلم ( أنظر : ابن الصغير ، تاريخ الأئمة الرستميين ، ص28 الهامش ) .
ونجد الشيخ عبد الله الباروني يذكرها في قصيدة له " تيهرت " بالياء كما نقل عنه ابنه الشيخ سليمان باشا الباروني في الأزهار 2/300 حيث قال :
وأين الأئمة الكرام جميعهم :: بنو رستم كأس المنايا تجرعوا
لقد أسسوا تيهرت بالغرب وارتقوا :: مدارج عز الملك فيه وأبدعوا
وداموا بها خمسين عاما ومائة :: يحفهم من بالغضب يقطع
فبددهم ريب المنون وأصبحت :: منازلهم قفرا بها الريح زعزع
وقد ذهب الإمام القطب ـ رحمه الله ـ كما نقل عنه بحاز إلى ترجيح " تيهرت " بالياء بدلا من " تاهرت " بالألف حيث قال : " وتيهرت بكسر التاء وإسكان الياء بعدها إسكانا ميتا ، وبفتحها وإسكان الياء بعدها حيا والفتح أولى ، وبفتح الهاء وبعدها راء مهملة ساكنة والتاء مجرورة في السطر لا على صورة هاء لأنها تاء تأنيث في لغة البربر ... ويقال : تاهرت بالألف وهو ضعيف " إهـ ( محمد اطفيش ، الرد على العقبي ، ص70 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص86 الهامش ) . =
= والغريب أننا نجد هذا الخلاف في اسم تيهرت عند شعراء تيهرت أنفسهم ، فنجد الشاعر أبو عبد الرحمن بكر بن حماد وهو من شعراء تيهرت يذكرها بالألف في قصيدة له واصفا شدة البرد في تيهرت فيقول :
ما أخشن البرد وريعانه :: وأطراف الشمس بتاهرت
تبدو من الغيم إذا ما بدت :: كأنها تنتشر من تحت
فنحن في بحر بلا لجة :: تجري بنا الريح على السمت
نفرح بالشمس إذا ما بدت :: كفرحة الذمي بالسبت
( أنظر : الحموي ، معجم البلدان ، 2/427 ـ الدرجيني ، الطبقات ، 1/43 ـ الباروني ، الأزهار ، 2/70 ، ذكر الشيخ الباروني البيت الأول وهو : ما أخشن البرد وريعانه :: وأطراف الشمس بتاهرت ) .
ونجد شاعرا آخر من شعراء تيهرت يذكرها بالياء فيقول :
سقى الله تيهرت المنا وسويقة :: بساكنها غيثا يطيب به المحل
كأن لم يكن والدار جامعة لنا :: ولم يجتمع وصل لنا لا ولا أهل
ونجد الشاعر أحمد بن فتح المعروف بابن الخزاز التيهرتي يذكرها كذلك بالياء ، فيقول :
تيهرت أنت خلية وبرقة :: عوضت عنك ببصرة فاعتاض
وأيضا الشاعر سعد بن أشكل التيهرتي يذكرها بالياء ، فيقول :
وأصبحت عن تيهرت في دار غربة :: وأسلمني مر القضاء من القدر
( أنظر : الباروني ، الأزهار ، 2/77 ، 78 ، 301 )
فنلاحظ أن ثلاثة شعراء من تيهرت ذكروها بالياء " تيهرت " مقابل شاعر واحد ذكرها " تاهرت " بالألف ، فلعلنا نستنتج من ذلك أن " تيهرت " بالياء أصح من " تاهرت " بالألف .
وكذلك نجد الخلاف وقع في نسبة بعض علماء تيهرت ، فبعضهم ذكر بالياء " التيهرتي " وبعضهم ذكر بالألف " التاهرتي ، ومنهم :
العلامة زكرياء بن بكر بن أحمد الغسالي التاهرتي ، والعلامة عبد الله بن محمد بن عيسى بن حسين التميمي التاهرتي ، والعلامة الحسن بن علي بن طريف أبو علي النحوي المعروف بالتاهرتي ، وغيرهم ، وفي المقابل نجد بعضهم ذكر بالتيهرتي في نسبته منهم : ابن الخزاز أحمد بن فتح التيهرتي ، وسعد بن أشكل التيهرتي ( أنظر : الباروني ، الأزهار ، 2/75 ، 76 ، 77 ، 78 ) .
ولعل" تيهرت " بالياء أصح من " تاهرت " بالألف بناء على ترجيح الإمام القطب ود/ محمد صالح وإبراهيم بحاز وأبي الفداء ، ولأن أغلب الباحثين المغاربة المتقدمين يذكرونها بالياء " تيهرت " كالشماخي في سيره ، والرقيق القيرواني ، وابن عذارى ، وابن سعيد المغربي كما مر ، والله أعلم .
وينبغي التنبيه أن هناك تيهرت القديمة وتيهرت الحديثة ، فتيهرت الحديثة هي التي بناها الإمام عبد الرحمن بن رستم بين سنة 155هـ و 160هـ ، واتخذها عاصمة للدولة الرستمية ، وهي تبعد عن تيهرت القديمة بمقدار خمسة أميال أو مراحل ، وهناك من قال بمقدار مرحلة واحدة ، وأما تيهرت القديمة فكانت مدينة بربرية لملوك البربر ، ثم سيطر عليها الرومان وجعلوها أسقفية نصرانية ، وقد غزاها عقبة بن نافع - رضي الله عنه - واحتلها ، فأصبحت عاصمة لنواحيها فظهر فيها بعض الأمراء كعبد الخالق ، وابن بخاته ، ولما وصل إليها الإمام عبد الرحمن بن رستم كان يسيطر عليها قوم من البربر يدعون " برفجانة " ، فبنى الإمام عبد الرحمن بقربهم تيهرت الحديثة .
وتقع " تيهرت " العاصمة الرستمية على بعد 9 كيلومترات من تيهرت اليوم ، وتبعد عن مدينة الجزائر العاصمة في الشمال الشرقي بحوالي 430 كلم ، وتفصلها مسافة 240 كلم عن مدينة وهران في الشمال الغربي ، وتعرف تيهرت اليوم باسم " تيارت " وهو اسم فرنسي محرف عن تيهرت ؛ وتيهرت كلمة بربرية ، يرى مستشرقان فرنسيان مختصان في اللسان البربري أن " تيهرت " كلمة تعني عند أحدهما " محطة " وعند الآخر " إقامة " ، وقد ذكر الباحث بحاز معلقا على ما ذهب إليه هذان الباحثان : " ويبدو جليا أن لا فرق كبير بين المعنيين ، إذ المحطة للإقامة أو الإقامة بالمحطة فكلاهما جائز . ولا شك أن تيهرت لعبت هذين الدورين منذ العهد الروماني ، فالرستمي ، إلى يومنا هذا ، وهما يشيران بوضوح إلى دور تيهرت التجاري بين الشمال والجنوب ، والشرق والغرب " إهـ .
( أنظر : ياقوت الحموي ، معجم البلدان ، 2/427 ـ القزويني ، آثار البلاد وأخبار العباد ، ص179 ـ ابن عذارى المراكشي ، البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب ، 1/196 ـ الدرجيني ، الطبقات ، 1/41 ـ ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص28- 29 الهامش ـ الباروني ، الأزهار ، 2/6 ـ بحاز ، الدولة الرستمية ، ص84 ، ص87 الهامش ، ص90 ـ دبوز ، تاريخ المغرب الكبير ، 3/261 ـ 264 ) . (1/147)
صفحة 148
مركزا مهما للدراسات الإسلامية وفقا لمذهب الخوارج الإباضية (1)
__________
(1) **- لقد دأب كثير من كتاب المقالات إلى إلصاق مصطلح الخوارج بالإباضية ، إما لأهواء في أنفسهم خدمة لبعض السياسات كالسياسة الأموية ، أو لتعصبات مذهبية ؛ ومصطلح " الخوارج " مبهم عائم يحتاج إلى توضيح المقصود به ، فكل أحد يفسره وفق مبادئه أو مصالحه ، قال الشيخ ناصر السابعي : " ومن خلال ما تقدم يتراءى أن هذا المصطلح كان لكل فريق من مستخدميه وجهة هو موليها ، فعلى حين يبدو من الربط بين الخوارج والمارقة من قبل الأمويين قصد الذم واللمز ، يتضح من عبارات الأزارقة وأشعارهم إرادة الثناء والتمدح ، كما تصرح عبارة عبد الله بن إباض بالثناء على الخوارج في قوله : " ... فهذا خبر الخوارج نشهد الله والملائكة أنا لمن عاداهم أعداء ولمن والاهم أولياء بأيدينا وألسنتنا وقلوبنا ... " مع سحبه هذا اللقب عن الأزارقة في قوله : " ... غير أننا نبرأ إلى الله من ابن الأزرق وأتباعه من الناس ... " " إهـ .
فمصطلح الخوارج يأتي على عدة تفسيرات تتراوح بين المدح والذم ، فالخروج يأتي بمعنى الخروج في سبيل الله قال تعالى : { وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً } ( التوبة : 46 ) ، وقال تعالى : { وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللّهِ وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا } ( النساء : 100 ) ، إذا فهو مدح بهذا التفسير وهو الخروج في سبيل الله وليس ذما ؛ وكذلك يأتي بمعنى الخروج السياسي على الحاكم ، سواء خروجا على أئمة الحق كما فعل معاوية بخروجه على علي بن أبي طالب ، فمعاوية باغ بخروجه على الإمام علي الذي ارتضت الأمة إمامته ، وقد يكون الخروج على أئمة الجور المعطلين لحدود الله ، بهدف إقامة الحق وتطبيق شرع الله في أرضه ، وبهذا التفسير يفسر الإباضية خروجهم ، وخروج الرعيل الأول لهم وهم أهل النهروان الذين خرجوا على الإمام علي لما انحرف عن المنهج الصحيح ورضي بالتحكيم في شيء حكم الله تعالى فيه بنص كتابه ؛ فالإباضية في جميع ثوراتهم يفسرون خروجهم خروجا سياسيا على الظلم ، والأمثله على ذلك كثيره كخروجهم على حكام بني أمية وبني العباس الجوره المعطلين لحدود الله ، وإقامتهم الدول الإباضية في المغرب والمشرق المطبقة لشرع الله ، وخروجهم في عمان على بعض الحكام الجائرين بهدف إقامة الدول الإسلامية المطبقة لشرع الله .
والخروج على أئمة الجور ـ كبني أمية وبني العباس ـ لم يتفرد به الإباضية وحدهم بل وافقهم على ذلك جمهور الأمة ، قال ابن حزم : " وذهبت طوائف من أهل السنة وجميع المعتزلة وجميع الخوارج والزيدية إلى أن سل السيوف في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب ، إذا لم يكن دفع المنكر إلا بذلك ، قالوا : فإذا كان أهل الحق في عصابة يمكنهم الدفع ولا ييأسون من الظفر ففرض عليهم ذلك ، وإن كانوا في عدد لا يرجون لقلتهم وضعفهم بظفر كانوا في سعة من ترك التغيير باليد ، وهذا قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكل من معه من الصحابة ، وقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وطلحة والزبير وكل من كان معهم من الصحابة ... وهو قول عبد الله بن الزبير ومحمد والحسين بن علي وبقية الصحابة والمهاجرين والأنصار القائمين يوم الحرة رضي الله عن جميعهم أجمعين . وقول كل من قام على الفاسق الحجاج ومن والاه من الصحابة رضي الله عن جميعهم كأنس بن مالك وكل ممن ذكرنا من أفاضل التابعين كعبد الرحمن بن أبي ليلى وسعيد بن جبير وابن البحتري الطائي وعطاء السلمي الأزدي والحسن البصري ومالك بن دينار ... ـ وذكر أسماء كثير من التابعين وأتباعهم ـ ثم قال : وهو الذي تدل عليه أقوال الفقهاء كأبي حنيفة والحسن بن حي وشريك ومالك والشافعي وداود وأصحابهم ، فإن كل من ذكرنا من قديم وحديث إما ناطق بذلك في فتواه وإما فاعل لذلك بسل سيفه في إنكار ما رأوه منكرا " إهـ .
إذا فخروج الإباضية السياسي على الحكام الجائرين ، ليس ذما لهم بل هو مدح وشرف يستحقون الثناء عليه ، كذلك لم ينفردوا وحدهم بهذا القول فقد وافقهم عليه جمهور الأمة كما رأينا من كلام ابن حزم ، فلماذا نعت الإباضية بلقب الخوارج دون غيرهم ، أو ليس هذا دليلا على التعصب الأعمى من قبل من نعتهم بهذا النعت دون غيرهم ؟!
ويأتي كذاك مصطلح " الخوارج " بمعنى الخروج من الملة الإسلامية والمروق من الدين ، وقد حاولت بعض الفرق الإسلامية إلصاق هذه التهمة بالخارجين على الإمام علي من أهل النهروان ، وبالطبع ينسحب الحكم على الإباضية لأن أهل النهروان هم الرعيل الأول للإباضية ، وقد يحاول بعض الكتاب تلطيف الجو بالقول أن الإباضية أكثر فرق الخوارج اعتدالا وأقربهم إلى أهل السنة والجماعة ، وكأن أهل السنة والجماعة أصبحت هي المقياس الذي يقاس به المسلمون .
ولكن ما الجرم الذي ارتكبه أهل النهروان حتى يتم إخراجهم من الملة الإسلامية وينعتوا بالمروق والخروج ، ألأنهم خرجوا على الإمام علي ؟! وهل هم وحدهم الذين خرجوا على الإمام علي ؟! ، ألم يخرج عليه الزبير وطلحة وعائشة أم المؤمنين يوم الجمل ؟! ، وألم يخرج عليه معاوية وأهل الشام يوم صفين ؟! فلماذا لا ينعتون بما نعت به أهل النهروان ؟! لماذا خص أهل النهروان بالمروق والخروج دون غيرهم ؟!
وأما الروايات التي تنسب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم في الخوارج وأنها تنطبق على أهل النهروان فقد تكفل بدراستها الشيخ ناصر السابعي في كتابه الخوارج والحقيقة الغائبة وبين ما فيها من أوجه الضعف واللبس ، فمن أرادها يجدها في كتاب الخوارج والحقيقة الغائبة للشيخ السابعي حفظه الله .
والملاحظ أن الرعيل الأول للإباضية لم يستنكف من لقب الخوارج بل كان يعترف به ويفسره أئمتهم الأوائل بالخروج السياسي على أئمة الجور كما مر وليس بالخروج من الدين أو باستباحة دماء المسلمين وسبي ذراريهم وغنم أموالهم كما يرى بعض أصحاب =
= الأهواء ، ولكن لما تطور الأمر وزعم الأزارقة والنجدات استباحة دماء المسلمين وسبي ذراريهم وغنم أموالهم ، تبرأ الإباضية منهم وردوا عليهم ، وبينوا موقفهم من هذه الفتنة بكل صراحة ووضوح ، وهو أنهم لا يجيزون قتل المسلمين بغير حق ولا سبي ذراريهم ولا غنم أموالهم ، قال سالم بن ذكوان الهلالي - هو من أئمة الإباضية الأوائل - في سيرته : " ثم تتابعت على ذلك خوارج المسلمين ـ يقصد الخروج السياسي على أئمة الجور ـ يحكمون الله وحده ويرضون سبيل من مضى قبلهم من المسلمين ، لا يقتلون ذرية قومهم ، ولا يستحلون فروج نسائهم ، ولا يستعرضونهم ، ولا يخمسون أموالهم ، ولا يقطعون الميراث منهم ، ويؤدون الأمانة إليهم وإلى غيرهم ... ثم خرج من بعدهم ابن الأزرق وأصحابه ، فمكثوا ما شاء الله بسيرة من كان قبلهم من الخوارج ـ يقصد الخروج السياسي على أئمة الجور ـ ثم إنهم جرمهم شنئان قوم أن أنزلوهم بمنازل عبدة الأوثان ، فقطعوا الميراث منهم ، وحرموا مناكحتهم وقد ناكحهم من يتولون ووارثهم ، فإن يكن ذلك هدى عمل به من يتولون ، فقد خالفوهم فيه ودانوا اليوم بالبراءة ممن عمل به ، وإن يكن ذلك ضلالة ضلوا بتوليتهم من عمل به واستحلوا سبا قومهم واستنكاح نسائهم وخمس أموالهم وقتل ذراريهم واستعراضهم ... ثم كان من بعدهم أهل اليمامة نجدة وأصحابه ، فشهدوا على قومهم أنهم بمنزلة عبدة الأوثان ، ثم استحلوا من نكاح نسائهم وأكل ذبائحهم ما حرم الله من نساء المشركين وذبائحهم ... " إهـ ، وقد رد على شبههم في سيرته فانظرها في محلها .؛ وقال عبد الله بن إباض في كتابه إلى عبد الملك بن مروان موضحا موقف الإباضية من الأزارقه : " ... هذا خبر الخوارج ـ يقصد الخروج السياسي على أئمة الجور ـ شهد الله والملائكة أنا لمن عاداهم أعداؤنا ولمن والاهم أولياؤنا بألسنتنا وأيدينا وقلوبنا ، نعيش على ذلك ما عشنا ونموت عليه إذا متنا ونبعث عليه عند ربنا . إنا براء إلى الله من ابن الأزرق وصنيعه وأتباعه ، لقد كان حين خرج ، على الإسلام فيما ظهر لنا ، ولكنه أحدث وارتد وكفر بعد إسلامه ، فنبرأ إلى الله منهم ... " إهـ ؛ وقال أبو حمزة الشاري في خطبته المشهورة مبينا فكر الإباضية وعقيدتهم التي جهلها الكثير ممن افترى عليهم : " ... الناس منا ونحن منهم إلا مشركا عابد وثن ، أو كافرا من أهل الكتاب ، أو إماما جائرا ... " إهـ .
هذا بالنسبة لأئمة الإباضية الأوائل فكل من الإمام عبد الله بن إباض وسالم بن ذكوان وأبي حمزة الشاري عاشوا في القرن الأول الهجري أي في فترة الفتنة ، وكذلك نجد نفس الموقف عند أئمة الإباضية المتأخرين من عدم جواز استباحة دماء المسلمين وسبي ذراريهم وغنم أموالهم ، فنجد الإمام السالمي رحمه الله ـ ولد سنة 1286هـ ، وتوفي سنة 1332هـ ـ يقول : " واعلم أن اسم الخوارج كان في الزمان الأول مدحا ، لأنه جمع خارجة ، وهي الطائفة التي تخرج للغزو في سبيل الله تعالى ، قال عز وجل : { وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً } ( التوبة : 46 ) ، ثم صار ذما لكثرة تأويل المخالفين أحاديث الذم فيمن اتصف بذلك آخر الزمان ، ثم زاد استقباحه حين استبد به الأزارقة والصفرية ، فهو من الأسماء التي اختفى سببها وقبحت لغيرها ، فمن ثم ترى أصحابنا ـ يقصد الإباضية ـ لا يتسمون بذلك وإنما يتسمون بأهل الاستقامة لاستقامتهم في الديانة " إهـ .
وقال - أي الإمام السالمي رحمه الله - في جوهر النظام :
ومال أهل البغي لا يحل :: وإن يكن قوم له استحلوا
خوارج غلت وصارت مارقة :: من دينها صفرية أزارقة
فحكموا بحكم المشركينا :: جهلا على بغاة المسلمينا
فعرضوا للناس بالسيف كما :: قد استحلوا المال منهم مغنما
وأمة المختار فارقتهم :: وضللتهم وفسقتهم
ووردت فيهم عن المختار :: جملة أخبار مع الآثار
وفيهم المروق يعرفنا :: ومنهم لا شك نبرأنا
وقال الشيخ القنوبي حفظه الله : " ... والحق أن الإباضية لا علاقة لهم بالخوارج ، ومن تصفح كتبهم ـ أعني الإباضية ـ تبين له ذلك من أول نظرة ... " إهـ .
( أنظر : ابن حزم ، الفصل ، 4/171- 172 نقلا عن : سعيد بن مبروك القنوبي ، السيف الحاد ، مطابع النهضة ، مسقط ، سلطنة عمان ، ط3 : 1418هـ ، ص43 ـ القنوبي ، السيف الحاد ، ص42 ـ ناصر بن سليمان السابعي ، الخوارج والحقيقة الغائبة ، مطابع النهضة ، مسقط ، سلطنة عمان ، ط1 : 1420هـ/ 1999م ، ص148- 149 ـ سيرة سالم بن ذكوان أنظر : محمد ناصر ، منهج الدعوة ، ص365 ، 368 ـ كتاب عبد الله بن إباض إلى عبد الملك بن مروان أنظر : محمد ناصر ، منهج الدعوة ، ص334- 335 ـ خطبة أبي حمزة الشاري في أهل المدينة أنظر : محمد ناصر ، منهج الدعوة ، ص108ـ340 ـ السالمي ، شرح الجامع الصحيح ، 1/59 ـ عبد الله بن حميد السالمي ، جوهر النظام ، ج3 ، مطبعة الألوان الحديثة ، سلطنة عمان ، ص231 ـ ولمزيد معلومات عن مدى العلاقة بين الإباضية والخوارج أنظر : النامي ، دراسات عن الإباضية ، ص43- 72 ، 120 ـ بكير بن سعيد أعوشت ، دراسات إسلامية في الأصول الإباضية ، المطابع العالمية ، روي ، سلطنة عمان ، ط4 :1409هـ ، ص29- 42 ـ مهني التيواجني وآخرون ، هذه مبادئنا ، ص49- 66 ـ محمد ناصر ، منهج الدعوة ، ص42 ـ 58 ) . (1/148)
صفحة 149
" إهـ (1) .
فغدت الدولة الرستمية في ذلك الوقت كما يقول الأستاذ ابن تاويت الطانجي : " مشعلا عظيما للحضارة والعلم في الشمال الأفريقي فكانت تلي القيروان في ذلك " (2) ؛ ولقد كان شغف الأئمة الرستميين بالعلم كبيرا ، فاهتموا بتعلمه حتى برعوا في شتى فنون العلم ، ومن ثم بدأوا بالعطاء والتعليم ، وإنشاء المؤسسات العلمية على أحدث الأساليب المتبعة في ذلك الوقت ، فغدت تيهرت وبقية ولايات الدولة الرستمية وبالأخص جبل نفوسة مقصد طلاب العلم ومريديه ، حيث أن الدولة الرستمية أصبحت تزخر بالعدد الكبير من العلماء في شتى فنون العلم ، وليس هذا فحسب بل ومن مختلف المذاهب الإسلامية كما سنرى .
__________
(1) - ألفرد بل ، الفرق الإسلامية في الشمال الأفريقي من الفتح العربي حتى اليوم ، ترجمه عن الفرنسية : عبد الرحمن بدوي ، دار الغرب الإسلامي ، بيروت ، لبنان ، ط 3 : 1987م ، ص149 .
(2) - ابن تاويت الطانجي ، دولة الرستميين أصحاب تاهرت ، صحيفة معهد الدراسات ، مدريد ، م5 ، ع1- 2 ، ص126 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص261 . (1/149)
صفحة 150
ودليل شغف أئمة الدولة الرستمية بالعلم وحبهم له ولنشره ، إهتمامهم بتعلمه وإتقانه منذ السنوات الأولى من حياتهم ، فالإمام عبد الرحمن بن رستم - المؤسس للدولة الرستمية - هاجر في سنوات عمره الأولى وقبل أن ينشئ الدولة الرستمية إلى البصرة ميمما شطر البحر - في ذلك الوقت - الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة (1) ،
__________
(1) *- هو الإمام الكبير المحدث الحافظ الثقة الثبت الزاهد المجاهد أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي ـ بالولاء ـ كان مولى لعروة بن أدية التميمي - رحمه الله تعالى - ، وقيل إن اسم أبيه كورين ، وكني بابنته عبيدة ، وقد اختلف في أصله كما ذكر الشيخ القنوبي نقلا عن سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي - حفظه الله تعالى - ، فقيل : حبشي ، وقيل : فارسي ، وقيل : كردي ، ولد بالبصرة سنة 45هـ أو بعدها بقليل كما رجح الشيخ القنوبي ، نشأ في البصرة ، وأخذ في طلب العلم لا سيما الحديث والفقه ، قال الشيخ القنوبي : " ... ودأب في طلب العلم ، لا سيما الحديث والفقه فقد تفنن فيهما وبرع وفاق فيهما أهل عصره أو أغلبهم " إهـ ؛ وقد عاش في مبدأ أمره في كنف شيخه ومولاه عروة بن أدية ، فورث عنه شجاعته وزهده وتقواه ، ثم انتقل إلى الإمام جابر بن زيد رضي الله عنه ، فأخذ عنه الحديث والفقه والسياسة ، ثم خلفه بعد وفاته في رئاسة المذهب الإباضي ، فدرس الطلبة وأرسلهم إلى البلدان الشاسعة لتعليم أهلها ولإقامة العدل فيها متى أمكن ذلك ، وناظر المخالفين فأقام عليهم الحجة ، وأوضح لهم المحجة ، كما ذكر الشيخ القنوبي .
ذكر أنه مكث في طلب العلم أربعين سنة ، ثم مكث بعد ذلك في التعليم أستاذا أربعين سنة ، وقد تعرض للسجن من قبل الحجاج بن يوسف الثقفي ، بسبب نشاطه الدعوي ، فلم يخرج من السجن حتى هلك الحجاج سنة 95هـ ، وقد أنشأ مدرسة في سرداب قرب البصرة بعيدا عن عيون بني أمية ، وإمعانا في التمويه ادعى صنع القفاف وتعليمها حتى سمي بالقفاف ، واستطاع أن يقيم ثلاث دول للإباضية وهي دولة الإمام طالب الحق في اليمن والحجاز ، ودولة الإمام الجلندى بن مسعود في عمان ، ودولة الإمام أبي الخطاب المعافري في إفريقية ؛ وذكر الإمام السالمي - رحمه الله تعالى - أن أبا عبيدة أدرك من أدركه الإمام جابر بن زيد ، فروايته عن الإمام جابر رواية تابعي عن تابعي ، وقد روى عن جابر بن عبد الله وأنس بن مالك وأبي هريرة وابن عباس وأبي سعيد الخدري وعائشة أم المؤمنين - رضي الله عنهم - ، وروايته عنهم بعضها موجود في مسند الإمام الربيع بن حبيب .
أخذ العلم عن جماعة من صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وعن جماعة من التابعين كجابر بن زيد والحسن البصري وابن سيرين ومجاهد وضمام بن السائب وأبي نوح الدهان وجعفر بن السماك وعن صحار العبدي ؛ أخذ العلم عنه خلق كثير أمثال : الإمام الربيع بن حبيب ، وسلمه بن سعد ، والإمام طالب الحق عبد الله بن يحيى الكندي ، والإمام الجلندى بن مسعود ، والإمام =
= أبو الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري ، والإمام عبد الرحمن بن رستم ، وأبو أيوب وائل الحضرمي ، وأبو حمزة المختار بن عوف وغيرهم ؛ وقد أثنى عليه عدد كبير من العلماء سواء من المتأخرين أو من المتقدمين ، قال الشيخ القنوبي : " لقد كان أبو عبيدة ـ رحمه الله تعالى ورضي عنه وأرضاه ـ ثقة حافظا ضابطا ورعا زاهدا تقيا نقيا ... " إهـ ، وقال فيه الدرجيني : " كبير تلامذة جابر ، وممن حسنت أخباره والمخابر ، تعلم العلوم وعلمها ، ورتب الأحاديث وأحكمها ، وحافظ في خفية على الدين حتى ظهر على يد الخمسة الميامين ، حسب ما تقدم من ذكر دراستهم ، وحملهم العلوم ، وما شفي الله به وبهم من الكلوم ، وكان عالما مع الزهد في الدنيا ، والتواضع مع نيل الدرجات العليا ، والاعتراف بضيق الباع على ما عليه من الاتساع " إهـ ، وقال فيه الشماخي : " تعلم العلوم وعلمها ، ورتب روايات الحديث وأحكمها ، وهو الذي يشار إليه بالأصابع بين أقرانه ويزدحم لاستماع ما يقرع الأسماع من زواجر وعظه ، وقد اعترف له بحوز قصب السبق في العلوم ، واعترف مع ذلك بضيق الباع مع ما هو عليه من الاتساع ... " إهـ ، وقال فيه الإمام القطب : " كان رجلا ذا علم ووعظ نافذ وفقه وحديث " إهـ ، وقد سأل أحمد بن حنبل يحيى بن معين ـ إمام الجرح والتعديل ـ عن أبي عبيدة - رحمه الله تعالى - ، حيث قال له : " شيخ حدث عنه معتمر يقال له أبو عبيدة عن ضمام عن جابر بن زيد : كره أن يأكل متكئا ، من أبو عبيدة هذا ؟ قال : رجل روى عنه معتمر ليس به بأس ، قلت : من حدث عنه غير المعتمر ؟ قال : البصريون يحدثون عنه . وسأل أحمد بن حنبل عن عمارة بن حيان ، فقال يحيى بن معين : رجل روى عنه أبو عبيدة ، هذا من أصحاب جابر بن زيد وقد حدث أبو عبيدة عن صالح الدهان " إهـ . وقد ترك آثارا علمية منها : 1- مجموعة أحاديث كان يرويها عن الإمام جابر بن زيد وجعفر بن السماك ، وصحار العبدي ، 2- كتاب " مسائل أبي عبيدة " وهو مجموعة من الفتاوى وبعض المحاورات ، 3- كتاب الزكاة ، 4- رسائل تعرف بـ " رسائل أبي عبيدة " ، 5- فتاوى في الأصول والفروع وهي متناثرة في الكتب ، 6- ناظر المعتزلة وأفحم زعيمهم واصل بن عطاء ، 7- اعتبره الجاحظ من الخطباء البلغاء .
وقد توفي الإمام أبو عبيدة في عهد أبي جعفر المنصور ( 136هـ - 158هـ ) ، حتى أن أبا جعفر المنصور حين بلغه نبأ وفاته قال : " أوقد مات ؟! إنا لله وإنا إليه راجعون ، ذهبت الإباضية " ، وقد رجح الشيخ القنوبي أن وفاته كانت في سنة 150هـ أو بعدها بقليل .
( أنظر : الدرجيني ، الطبقات ، 2/238 ـ الشماخي ، السير ، 1/78 ـ القطب ، شرح عقيدة التوحيد ، ص78 نقلا عن : القنوبي ، الربيع بن حبيب ، ص30 ـ السالمي ، شرح الجامع الصحيح ، 1/6 ـ أحمد بن محمد بن حنبل ، كتاب العلل ومعرفة الرجال ، ج3 ، ت : وصي الله عباس ، المكتب الإسلامي ، بيروت ، لبنان ، ط1 : 1408هـ/ 1988م ، ص11- 12 ـ البخاري ، كتاب التاريخ الكبير ، ج4 القسم الأول ، ص271- القنوبي ، الربيع بن حبيب ، ص26- 36 ـ بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/418- 419 رقم الترجمة : 891 ) . (1/150)
صفحة 151
فظل خمس سنوات ينهل من علمه في سردابه الذي أعده خصيصا لذلك ،
حتى تخرج منه عالما نحريرا وقد أجاز له أبو عبيدة أن يفتي بما سمع منه وما لم يسمع بقوله : " أفت بما سمعت مني وما لم تسمع " ، وقال فيه أحد معاصريه : " لا أعلم من يخرج مسائل دماء أهل القبلة في زماننا هذا غير عبد الرحمن بن رستم بالمغرب " (1) ؛ وكذلك فإن الإمام عبد الرحمن لم يكتف بتأسيس الدولة الرستمية ، بل اهتم بالتأليف فترك كتابين ، أحدهما في تفسير كتاب الله العزيز ، ولكنه لم يصلنا ، والثاني يذكره أبو يعقوب يوسف الوارجلاني ، وقد اطلع عليه ، جمعت فيه خطبه (2) ، حسب ما ذكر أصحاب معجم الأعلام عن أبي يعقوب (3) .
__________
(1) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص54 - 57 - الدرجيني ، الطبقات ، 1/19- 22 ـ الشماخي ، السير ، 1/113 ، 124- 126 ـ بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/246- 247 رقم الترجمة : 544 .
(2) *- ذكر ابن الصغير أن الإمام عبد الرحمن لم يكن له كتاب معروف من تأليفه ، وكلام ابن الصغير هذا غير صحيح ، حيث أثبتت المصادر الإباضية وجود مؤلفين له ، أحدهما في التفسير والآخر يحوي خطبه ( أنظر : ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص45 - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/248 رقم الترجمة : 544 ) .
(3) - الشماخي ، السير ، 1/167 - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/248 رقم الترجمة : 544 . (1/151)
صفحة 152
وقد اهتم الإمام عبد الرحمن بعمارة الدولة الرستمية وتهيئتها حتى تكون قادرة على العطاء العلمي وتخريج العلماء ، وكما هو معلوم فإن المسجد في ذلك الوقت يعتبر هو الجامعة التي تخرج العلماء وحملة العلم ، فلم يغفل الإمام عبد الرحمن أهمية المسجد ودوره الفعال في النهضة العلمية ، فكان المسجد هو أول ما بناه في دولته الناشئة ليكون منارة للإشعاع العلمي والحضاري (1) ، وكان يقيم فيه حلقة للعلم يتولى التدريس فيها بنفسه (2) .
كذلك فإن الإمام عبد الرحمن طبق مبدأ الحرية الفكرية والدينية في الدولة الرستمية ، فلم يقمع المخالفين لمذهب الدولة ، بل سمح لهم بالعيش في كنفها ، فكانت لهم بيوتهم ومساجدهم الخاصة التي يعرفون بها ، وكانت تدور فيها مختلف المناظرات العلمية بين مختلف علماء المذاهب بكل حرية -كما سنرى - ، قال ابن الصغير : " ... وأتتهم الوفود والرفاق من كل الأمصار وأقاصي الأقطار ، فقال : ليس أحد ينزل بهم من الغرباء إلا استوطن معهم وابتنى بين أظهرهم لما يرى من رخاء البلد وحسن سيرة إمامه وعدله في رعيته وأمانه على نفسه وماله ، حتى لا ترى دارا إلا قيل هذه لفلان الكوفي ، وهذه لفلان البصري ، وهذه لفلان القروي ، وهذا مسجد القرويين ورحبتهم ، وهذا مسجد البصريين ، وهذا مسجد الكوفيين ... " إهـ (3) .
__________
(1) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص82- الدرجيني ، الطبقات ، 1/41 ـ الشماخي ، السير ، 1/125.
(2) - دبوز ، تاريخ المغرب الكبير ، 3/372 ـ بحاز ، الدولة الرستمية ، ص267 .
(3) - ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص36 . (1/152)
صفحة 153
والإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن - الإمام الثاني للدولة الرستمية - كذلك كان من كبار العلماء المتضلعين في زمانه ، وكان شغوفا بالعلم من صغره حيث أنه تلقى العلم بالقيروان ثم بتيهرت على يد أبيه الإمام عبد الرحمن وغيره من حملة العلم (1) ، وتكفينا فيه شهادة الإمام الربيع بن حبيب حيث قال : " عبد الوهاب إمامنا وتقينا وإمام المسلمين أجمعين " (2) ؛ وكان محبا للقراءة والإطلاع فكان من عادته أنه إذا فرغ من صلاة العشاء أخذ كتابا يقرأ فيه حينا من الليل (3) ، ومر علينا سابقا أنه أرسل إلى إخوانه بالبصرة لينسخوا له كتبا ، فقرأها في ليلة (4) ، قال الشماخي معلقا على ذلك : "وهذا من كثرة علمه ، وقوة فهمه ، ونقاء قريحته ، وتهيئ نفسه لاكتساب العلوم ... " (5) .
__________
(1) - دبوز ، تاريخ المغرب الكبير ، 3/373- 374 - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/283 رقم الترجمة : 609 .
(2) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص97 ـ الدرجيني ، الطبقات ، 1/55- الشماخي ، السير ، 1/134 .
(3) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص94- الدرجيني ، الطبقات ، 1/53 ـ الشماخي ، السير ، 1/133.
(4) *- أنظر ص89 .
(5) - الشماخي ، السير ، 1/142 . (1/153)
صفحة 154
وقيل أنه سمر ذات ليلة هو وأخوه يتعلمان مسائل الفرائض ، فلم يصبح عليهما الصبح إلا وهما يورثان أهل المشرق وأهل المغرب ، وكانا في سمرهما يقدان مصباحا يجعل له عبد الوهاب الفتائل من عمامته حتى أتى عليها (1)
__________
(1) *- لقد وقع الخلاف في هذه الرواية بين أبي زكرياء صاحب سير الأئمة وبين الشماخي صاحب كتاب السير ، فالشماخي ذكر أن الإمام عبد الوهاب سمر الليل كله مع أخت له ، وليس مع أخ له كما ذكر أبو زكرياء ؛ والحقيقة أن الباحث إبراهيم بحاز ذكر هذه القصة معتمدا على ما جاء عند أبي زكرياء ، ولم يشر إلى ما جاء عند الشماخي وأنه يوجد اختلاف في الروايتين ، ولعل رواية أبي زكرياء هي الأصح بناء على اعتماد الباحث بحاز عليها وتركه لرواية الشماخي ، فلعله وقع سهو من الشماخي أو نسخ وذلك أنه توجد قصة للإمام أفلح قريبة من قصة الإمام عبد الوهاب ، وهي أن الإمام أفلح وأخته قعدا ذات ليلة ، فقال لها هلمي نحسب ماذا يذبح في السوق غدا أولا إن شاء الله ، فحسب فقال لها أفلح : إن أول ما يذبح بقرة صفراء في بطنها عجل ذو غرة في جبهته ، فقالت له : صدقت هي البقرة الصفراء وفي بطنها عجل ، غير أن الذي رأيته هو طرف ذنبه أبيض تعممه على جبهته ، فخلته أبيض الجبهة ذا غرة ، وإنما ذلك طرف ذنبه ، فكان الأمر كما قالا ؛ وكذلك فإن كتاب سير الأئمة لأبي زكرياء يعتبر هو العمدة الذي اعتمد عليه كل من كتب في سيرة الإباضية بالمغرب ومنهم الدرجيني والشماخي ، فقد كان أبو زكرياء متقدما على الشماخي حيث أنه عاش في القرن الخامس الهجري ( 450- 500 هـ ) كما صنفه الدرجيني في طبقاته ، وبالتحديد سنة 471هـ أو بعد 474هـ كما ذهب أصحاب معجم أعلام الإباضية ، وأما الشماخي فكان من علماء القرن العاشر الهجري ( 928هـ ) كما ذكر الشيخ أحمد السيابي في ترجمته للشماخي في مقدمة كتاب السير، وكما ذهب أصحاب معجم أعلام الإباضية ؛ وفي المقابل لا يستبعد صحة رواية الشماخي ، وذلك لما اشتهرت به نساء البيت الرستمي من العلم والتضلع فيه ، فلعل خطأ وقع من قبل النساخ عند نسخهم لمخطوطة أبي زكرياء ، فكتبوا أخا بدلا من أخت والله أعلم ( أنظر : أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص23 ، 136- 137 ـ الدرجيني ، الطبقات ، 2/448 ـ الشماخي ، السير ، 1/142 ، 167 ـ بحاز ، الدولة الرستمية ، ص268 ـ بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ،2/44 رقم الترجمة : 80 ، 2/451 رقم الترجمة : 984 ) . (1/154)
صفحة 155
(1) ؛ كذلك فإن الإمام عبد الوهاب اشتغل بالتدريس والتأليف مع تحمله أعباء الدولة والحكم ، فكانت له حلق علم في تيهرت وفي جبل نفوسة ، ففي تيهرت تخرج على يديه الكثير من طلاب العلم ومن ضمنهم ابنه أفلح (2) ، وقد اشتهرت أخت لأفلح بالعلم فلا يستبعد أن تكون ممن تتلمذ على يد أبيها الإمام عبد الوهاب (3) ؛ وعندما زار جبل نفوسة قضى فيه سبعة أعوام يلقي دروسا في فقه الصلاة ، فتخرج على يديه الكثير من علماء جبل نفوسة في هذه المدة (4) ؛ وكان كذلك شغوفا بعلم الكلام والمناظرة ومتمكنا منه ، فمما يروى عنه أنه قال : " ذاكرت أبا مرداس في الوجوه التي تحل بها الدماء أو بأحدها فذكرت أحدها فتنكر وتكره فأمسكت عن باقيها " ، ثم ذكر الإمام أربعين وجها وقيل سبعين وجها يحل بها دم من فعل شيئا (5) ؛ ومن المناظرات المشهورة للإمام عبد الوهاب مناظرته مع الواصلية ( المعتزلة ) (6) .
__________
(1) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص99 .
(2) - بحاز ، الدولة الرستمية ، ص267- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ،2/283 رقم الترجمة : 609 .
(3) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص136- 137 ـ الشماخي ، السير ، 1/167 .
(4) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص116- الدرجيني ، الطبقات ، 1/66 ـ الشماخي ، السير ، 1/140 ـ بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ،2/283 رقم الترجمة : 609 .
(5) - الدرجيني ، الطبقات ، 2/292 ـ الشماخي ، السير ، 1/143 .
(6) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص106- الدرجيني ، الطبقات ، 1/57 ـ الشماخي ، السير ، 1/137 . (1/155)
صفحة 156
وقد ترك لنا الإمام عبد الوهاب كتابا وصفه البرادي بأنه ضخم ، وهو سفر تام ، ألفه جوابا لأهل نفوسة في مسائل ونوازل استفتوه فيها ، قال عنه ابن الصغير : " وكان لعبد الوهاب كتاب معروف بمسائل نفوسة الجبل (1) ، لأن نفوسة كتبت إليه في مسائل أشكلت عليها فأجابها عن كل مسألة مما ، سألت عنه ، وكان هذا الكتاب في أيدي الإباضية مشهورا عندهم معلوما يتداولونه قرنا عن قرن ، إلى أن لحق الفصل فأخذته عن بعض الرستميين فدرسته ووقفت عليه " إهـ (2) .
__________
(1) *- يذكر الباحث محمد دبوز هذا الكتاب باسم : " نوازل نفوسة " ، وذكر أن هذا الكتاب لا يزال موجودا في مدن وادي ميزاب بجنوب الجزائر ، وفي جبل نفوسة ، وفي جربة ، وذكر الباحثان بحاز و د/ محمد ناصر أنهما رأيا كتابا بهذا العنوان في مكتبة الشيخ بلحاج بالقرارة ، وقد قاما بتصفحه ووجدا أنه يحتاج إلى تحقيق نسبته إلى الإمام عبد الوهاب ، وذكرا أن قطب الأئمة الشيخ اطفيش امحمد قام بترتيبه ، ويذكر أصحاب معجم أعلام الإباضية أنه لعل الكتاب المعروف اليوم بـ " مسائل نفوسة " جزء من هذا السفر ، وهو مطبوع ، والظاهر أن كتاب " نوازل نفوسة " كان جامعا لفتاوى الإمام عبد الوهاب والإمام أفلح والإمام محمد بن أفلح ، ولم يكن مختصا فقط بفتاوى الإمام عبد الوهاب بناء على ما ذكره البرادي حيث قال : " ... وجوابات الأئمة عبد الوهاب وابنه أفلح وابنه محمد بن أفلح بن عبد الوهاب سفر تام ... " إهـ ، فلعل شخصا ما قام بدمج فتاوى الأئمة الثلاثة في كتاب واحد ، وهذا ما مال إليه الباحث إبراهيم بحاز بناء على ما ذكره البرادي ( أنظر : البرادي ، الجواهر( مخ ) ، ص219- ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص45- 46 الهامش - دبوز ، تاريخ المغرب الكبير ، 3/372- 373 ـ بحاز ، الدولة الرستمية ، ص267- 268) .
(2) - ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص45- 46 . (1/156)
صفحة 157
والإمام الثالث من أئمة الدولة الرستمية وهو الإمام أفلح بن عبد الوهاب كذلك كان مهتما بالعلم وطلبه ونشره والتأليف فيه ، فقد أخذ العلم عن أبيه الإمام عبد الوهاب وعن جده الإمام عبد الرحمن ، وعن غيرهما من علماء تيهرت ، وكذلك أخذ العلم عن الإمام أبي غانم الخرساني (1) ، حتى نبغ في العلم وأصبحت له قدم السبق في ذلك ، قال فيه الدرجيني : " وبلغنا أنه كان في العلوم متفقها وعلى أنواعه مطلعا " إهـ (2) ، وقال فيه الشماخي : "الإمام التقي العدل السمي العالم الأنجح أمير المؤمنين أفلح بن عبد الوهاب الذي تمسك بالحجة البيضاء والصراط الأفيح " إهـ (3) ؛ ووصل من تمكنه في العلم وتبحره فيه أن قعد بين يديه أربع حلق (4)
__________
(1) - الربيع بن حبيب الأزدي ، الجامع الصحيح ، مكتبة مسقط ، مسقط ، سلطنة عمان ، ط1 : 1415هـ/ 1994م ، ص3 مقدمة المصحح الإمام نور الدين السالمي ـ بحاز ، الدولة الرستمية ، ص269 ـ ألبوسعيدي ، رواية الحديث عند الإباضية ، ص40 ، 97 - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/60 رقم الترجمة : 116 .
(2) - الدرجيني ، الطبقات ، 1/77 .
(3) - الشماخي ، السير ، 1/166 .
(4) **- ذكر الباحث بحاز أن عدد الحلق التي كانت تدرس على يد الإمام أفلح ثلاث حلق ، والظاهر أنه اعتمد في ذلك على ما جاء عند الوسياني ، إلا أن أبا زكرياء صاحب سير الأئمة والدرجيني في الطبقات والشماخي في السير يذكرون أن عدد الحلق كان أربع حلق ، والله أعلم ( أنظر : أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص136 ـ الدرجيني ، الطبقات ، 1/77 ـ الشماخي ، السير ، 1/166 ـ بحاز ، الدولة الرستمية ، ص269 ) .. (1/157)
صفحة 158
في العلم قبل بلوغه ، يتعلمون منه فنون العلم ، ذكر الوسياني أنها كانت في علم الفقه والكلام واللغة (1) ، ومن العلماء الذين درسوا على يديه ابناه الإمام أبو بكر والإمام أبو اليقظان ، ونفاث بن نصر النفوسي ، وسعيد بن وسيم الويغوي النفوسي (2) .
__________
(1) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص136 ـ الدرجيني ، الطبقات ، 1/77 ـ الشماخي ، السير ، 1/166 ـ الوسياني ، سير ( مخ ) ، ورقة 39 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص269 .
(2) - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/61 ، رقم الترجمة : 116 . (1/158)
صفحة 159
وقد انفرد الإمام أفلح بأقوال في علم الكلام ، واعتبر من أجلها إماما (1) ، وقد ترك العديد من الرسائل (2) ، وله جوابات ونوازل (3) ؛
__________
(1) - علي يحيى معمر ، الإباضية بالجزائر ، ص70 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص269 .
(2) - ذكرها الباروني في كتابه الأزهار ، 2/187- 188 ، 200- 205 ، 214- 219 .
(3) - البرادي : ملحق بكتاب الموجز لأبي عمار ، 2/289 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص269 .. (1/159)
صفحة 160
وكذلك كان له اهتمام بعلم الحديث وروايته ، إذ ضم الوارجلاني (1)
__________
(1) *- هو أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم بن مناد السدراتي الوارجلاني ، علم من أشهر علماء الإباضية ، ولد بسدراته من قرى وارجلان ، ولد سنة 500 هـ ، أخذ مبادئ العلوم على علماء وارجلان ، ومن شيوخه بها : أبو سليمان أيوب بن إسماعيل ، وأبو زكرياء يحيى بن أبي زكرياء ، هاجر إلى الأندلس لطلب العلم ، وأقام بقرطبة سنين عديدة حتى بلغ الذروة في العلم ، فلقبه الأندلسيون " الجاحظ " لسعة علمه واطلاعه ، ثم هاجر إلى السودان ودخل مجاهل إفريقيا حتى وصل إلى قريب من خط الاستواء ، كما يحكي ذلك بنفسه ، فكان من السباقين إلى اكتشاف هذه المناطق المجهولة ، ثم رحل إلى الحجاز لأداء فريضة الحج ، ولشدة حرصه على العلم ، مكث بداره سبع سنين عاكفا على الكتابة والتأليف والنسخ ، ترك آثارا علمية في مختلف العلوم ، منها : 1- تفسير القرآن الكريم في سبعين جزءا وهو مفقود ، 2- الدليل والبرهان لأهل العقول : في الأصول وعلم الكلام وغيرها من العلوم ، 3- العدل والإنصاف في أصول الفقه ، 4- مرج البحرين : في المنطق ، 5- ترتيب مسند الإمام الربيع بن حبيب ، 6- ديوان شعر وهو مفقود ، وله قصيدة إسمها الحجازية من 360 بيتا تدل على تمكنه من الشعر والأدب ، وغيرها من المؤلفات ، من أشهر تلامذته : ابنه أبو إسحاق إبراهيم بن يوسف ، وأبو سليمان أيوب بن نوح ، كانت وفاته في سنة 570 هـ ، ودفن بمسقط رأسه سدراته ( أنظر : الدرجيني ، الطبقات ، 1/ي ، 2/460 ـ 461 ، 489 ـ 495 ، 501 ـ الشماخي ، السير ، 105- 106 ـ السالمي ، شرح الجامع الصحيح ، 1/3 ـ معجم أعلام الإباضية ،2/481- 483 رقم الترجمة : 1049 ـ ليفيتسكي ، المؤرخون الإباضيون في إفريقيا الشمالية ، ص129- 131) .. (1/160)
صفحة 161
إلى مسند الإمام الربيع بن حبيب روايات الإمام أفلح بن عبد الوهاب (1) (2) ؛ وقد بلغ الإمام أفلح في حساب الغبار وعلم الفلك والنجوم مبلغا عظيما ، وقد مرت قصته هو وأخته عندما حسبا أول ما يذبح في السوق (3) .
__________
(1) **- ذكر د/ النامي أن القسم الرابع من الجامع الصحيح فيه روايات أبي سفيان محبوب بن الرحيل عن الربيع ، وروايات عبد الوهاب بن عبد الرحمن عن أبي غانم الخرساني ، والصحيح أن الراوي عن أبي غانم هو الإمام أفلح وليس الإمام عبد الوهاب كما ذكر د/ النامي ، فلعله وقع خطأ مطبعي أو سهو منه ، والله أعلم ( أنظر : النامي ، دراسات عن الإباضية ، ص129 ) .
(2) - الربيع بن حبيب ، الجامع الصحيح ، ص3 مقدمة المصحح ، 4/250 ـ ألبوسعيدي ، رواية الحديث عند الإباضية ، ص40 ، 97 ـ الوارجلاني ، العدل والإنصاف ( مخ ) ج2 بدون ترقيم للصفحات نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص269 الهامش ـ دجال صالح بكير ، معتمد الإباضية في الحديث مسند الربيع بن حبيب ، محاضرة الملتقى السادس عشر للفكر الإسلامي بتلمسان الجزائر 1402هـ/ 1982م ، ص12- 13 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص270 الهامش – بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ،2/61 رقم الترجمة : 116 .
(3) ***- أنظر ص99 الهامش . (1/161)
صفحة 162
بالإضافة إلى سعة علم الإمام أفلح وتبحره في شتى فنون العلم ، فقد كان أديبا شاعرا ، له قصيدة رائية ، يحث فيها على طلب العلم واكتسابه ، وقد قام الشاعر العماني الشيخ علي بن أحمد (1) بتشطيرها ، يقول في مطلعها (2) :
__________
(1) *- هو الرحالة الشهير الأديب العلامة الشيخ علي بن أحمد العماني ، من علماء إباضية المشرق ، كان معروفا بالترحال ومن رحلاته رحلته بالقارة الإفريقية في أواسط القرن الثالث عشر الهجري ، وزار في تلك الرحلة جبل نفوسة ، ثم توجه إلى السودان وفي طريقه ذلك سُرق منه ديوانه الجامع لأشعاره وقصائده ، وما حرره في رحلته ، فاغتم لذلك غما كبيرا ، وهنالك توفي ( أنظر : الباروني ، الأزهار ، 2/189 ) .
(2) - أنظر القصيدة مشطرة بتشطير الشيخ علي بن أحمد العماني في : الباروني ، الأزهار ، 2/190- 194 ـ وانظرها بدون تشطير في : ابن النظر ، كتاب الدعائم ، ص133- 136 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص270 الهامش ، ويذكر الكعاك أن القصيدة هي من ديوان لأفلح مفقود لم تسلم منه إلا تلك الأبيات : الكعاك ، موجز التاريخ العام ، ص215 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص270 الهامش .
ولقد اعترض الباحث محمد دبوز على قيام الشيخ علي العماني بتشطير قصيدة الإمام أفلح ، وقال كلاما في الحقيقة لا ينبغي أن يأتي من أمثال الأستاذ محمد دبوز ، ولكن لعل له وجهة نظره الخاصة في ذلك ، حيث أنه شَدَّ كثيرا على الشيخ علي العماني بسبب تشطيره قصيدة الإمام أفلح ، فقال : " لقد شطر هذه القصيدة الشيخ علي بن أحمد العماني فأطالها ، وصعب على الناس حفظها ، وأورث السأم بها ، ثم إن أغلب أشطره تكرار لما في الصدر أو العجز ، إن تشطير قصائد الشعراء سيما هذه الآثار التاريخية لا يجوز ، إنه كوصل الشعر بالشعر المستعار لا يحل في الدين ، وإذا كان الشعر الواصل شعر المعزاء لا شعر الحسناء فقد تضاعف سبب النهي ، إن هذا الشيخ الذي زاد في قصيدة الإمام أفلح كمن يعمد إلى وجه الحسناء فيزيد فيه أنفا ثانيا فهل يحسنه يا ناس ؟! " إهـ .
والحقيقة أن هذا كلام غريب من الباحث دبوز ، فالشيخ علي العماني قدم خدمة جليلة للأجيال حيث أنه ساهم في حفظ قصيدة الإمام أفلح عندما شطرها ، حيث أن أبيات الإمام أفلح معروفه والذي زاده الشيخ علي العماني معروف ، فالتشطير لا يؤثر على أصل القصيدة ، بل على العكس من ذلك يحفظها ويزيدها روعة وبهاء ، وهذا ظاهر من خلال تشطير الشيخ علي العماني ، وقوته في الشعر وتمكنه منه ظاهره من خلال ما زاده على الأصل ، مع الحفاظ على الأصل ، وقد أثنى الشيخ الباروني على الشيخ علي العماني وتشطيره لقصيدة الإمام أفلح فقال : " ... وقد عني بتشطيرها ذلك الرحالة الشهير الأديب الكامل العلامة المفلق الشيخ علي العماني ... وإليك نص المنظومة الرائقة مع تشطيرها البديع رضي الله عن صاحب الأصل ورحم من حاذاه بالمثل ... " إهـ ، ثم ذكر القصيدة مع تشطيرها ، وهذه شهادة من الشيخ المجاهد الأديب الباروني للشيخ علي العماني ، والشيخ الباروني أشهر من أن يعرف تبحره في الشعر والأدب وله من غرائر القصائد ما يخلب الألباب ، فانتقاد الباحث دبوز لا وجه له ، بعد شهادة الشيخ الباروني ، ولكن هي وجهة نظر خاصة به علينا احترامها ( أنظر : الباروني ، الأزهار ، 2/189 - دبوز ، تاريخ المغرب الكبير ، 3/378 ) . (1/162)
صفحة 163
العلم أبقى لأهل العلم آثارا :: وليلهم بشموس العلم قد نارا
يحيى به ذكرهم طول الزمان وقد :: يريك أشخاصهم روحا وأبكارا
حي وإن مات ذو علم وذو ورع :: إن كان في منهج الأبرار مامارا
وقد كان الإمام أفلح يشجع ويحث على دراسة الكتب فيقول : " عليكم بدراسة كتب المسلمين لا سيما كتاب أبي سفيان محبوب بن الرحيل (1)
__________
(1) **- هو أبو سفيان محبوب بن الرحيل بن هبيرة المخزومي القرشي ، من علماء الإباضية ، ذكر الشيخ بكلي أنه تابعي ، ويرى د/ مبارك الراشدي أنه ليس تابعيا بل هو من تابعي التابعين ، وهو محدث فقيه ، وله أخ فقيه اسمه محمد من تلاميذ الإمام أبي عبيدة الأصاغر ، وقد تتلمذ الشيخ محبوب على يد الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة ، والإمام الربيع بن حبيب ، وكان ربيبا له ، تزوج الإمام الربيع امه ، له روايات عن الإمام الربيع ، ضمها الشيخ أبو يعقوب إلى مسند الإمام الربيع ، وذكر د/ النامي أن للشيخ محبوب كتابا ، لم يذكر اسمه ، ولكن اكتفى بذكر " كتاب أبي سفيان محبوب بن الرحيل " وأشار أنه يحتوي على = = آراء الإباضية في الخوارج ، وذكر النامي نقلا عن الوسياني أن ديوان الإمام جابر- هو مجموعة من كتب الإمام جابر- كان بعهدة الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة ، ثم انتقل إلى عهدة الإمام الربيع بن حبيب ، ثم إلى الشيخ أبي سفيان محبوب بن الرحيل ، ثم إلى ابنه محمد بن محبوب ، وعنه نسخ في مكة ، وذكر د/ مبارك الراشدي أن محبوب بن الرحيل قدم إلى عمان في آخر عمره وسكن صحار ، وبقي بعد الإمام الربيع مدة طويلة ، والظاهر أنه جاء إلى عمان في نفس فترة عهد الإمام المهنا - كما بينت عند ترجمتي للشيخ محمد بن محبوب في ص64- 65 من هذا المبحث - وقد توفي الشيخ محبوب في آخر عهد الإمام المهنا بن جيفر ( حكم عمان : 226- 237هـ ) ، بعد أن عمر طويلا ، ولكن تاريخ وفاته بالتحديد غير معروف كما يذكر د/ الراشدي ، وقد عاصر الشيخ محبوب ستة أئمة من أئمة عمان وهم على الترتيب : الإمام الجلندى بن مسعود أول إمام بويع بعمان ( حكم : 132- 134 ) ( أنظر : الجيطالي ، قواعد الإسلام ، ص55- 56 الهامش - النامي ، دراسات عن الإباضية ، ص50 ، 79 ، 126- 127 – القنوبي ، الربيع بن حبيب ، ص29- ألبوسعيدي ، رواية الحديث عند الإباضية ، ص37 الهامش ، ص55 - مبارك بن عبد الله بن حامد الراشدي ، الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي وفقه ، مطابع الوفاء ، المنصورة ، مصر ، ط1: 1413هـ / 1993م ، ص242- 244- السالمي ، تحفة الأعيان ، 1/95 ، 148 ، 160- السيابي ، عمان عبر التاريخ ، 1/229 ، 254 ، 2/81 ، 101- محمد ناصر ، منهج الدعوة عند الإباضية ، ص144- 145) . (1/163)
صفحة 164
" (1) ، وهو في تاريخ وآثار الحركة الإباضية ورجالها بالمشرق ؛ وكذلك كان للإمام أفلح أخ يكنى بأبي العباس ، كان أيضا من المشهود لهم بالعلم ، قال الشماخي : " ... وكان أخوه أبو العباس غير ناقص في العلم والتقى ... " إهـ (2) .
ولم يكن الإمام أفلح وحده من أئمة الدولة الرستمية من كان له اهتمام بالشعر ، فقد كان الأمام أبو بكر بن أفلح - الإمام الرابع للدولة الرستمية - محبا للشعر والأدب والتاريخ ، قال ابن الصغير : " ... ويحب - أي الإمام أبو بكر - الآداب والأشعار وأخبار الماضين ... " إهـ (3) ؛ وحبه للأدب والشعر يتبادر منه إلى الذهن أن بلاطه كان مقصد الشعراء والأدباء ، ولاشك أنه كان يشجعهم ويدعم إنتاجهم ، فلا شك أن الشعر والأدب لاقى ازدهارا ورواجا في عصره كما يرى الباحث إبراهيم بحاز (4) .
__________
(1) - الوسياني ، سير ( مخ ) ، ورقة 108 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص270 الهامش - الدرجيني ، الطبقات ، 2/478 .
(2) - الشماخي ، السير ، 1/167 .
(3) - ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص71 .
(4) - بحاز ، الدولة الرستمية ، ص271 . (1/164)
صفحة 165
والحقيقة أن المصادر لا تذكر لنا أسماء الشعراء والأدباء الذين كانوا يتسامرون مع الإمام أبي بكر أو الذين ظهروا في عصره ، ولكن بزغ في سماء تيهرت عدد من الشعراء حفظت لنا المصادر بعض نتاجهم الشعري ، الذي يدل على تمكنهم من الشعر وطول باعهم فيه ، فلا يستبعد أن يكون بعضهم ظهر في عهد الإمام أبي بكر ، ومن هؤلاء الشعراء الشاعر أبو عبد الرحمن بكر بن حماد (1)
__________
(1) *- هو أبو عبد الرحمن بكر بن حماد بن سهل بن أبي إسماعيل الزناتي ، ذكر الباروني أنه إما أن يكون إباضيا أو صفريا على الغالب ، ولد ونشأ في تيهرت الظاهر في عهد الإمام أفلح ، وقد أدرك الإمام أبا حاتم ويظهر ذلك من القصيدة التي قالها يستعطف فيها الإمام أبا حاتم ليرضى عنه ، وكان عالما بالحديث وتمييز الرجال ، وشاعرا مفلقا ، رحل إلى المشرق في سنة 217هـ ، فسمع بالمشرق من العلماء والفقهاء ، ومدح المعتصم الخليفة العباسي بقصيدة ، فوصله المعتصم بصلات جزيلة ، واجتمع بكبار شعراء العراق كحبيب وصريع ودعبل وعلي بن الجهم وغيرهم ، مدح أبا يعيش عيسى بن إدريس العلوي حاكم مدينة جراوة المجاورة لتيهرت ، وله مراثي في إبنه عبد الرحمن الذي قتله اللصوص ، وله قصائد في الزهد والمواعظ =
= وذكر الموت وأهواله ، وقد عاد إلى تيهرت في عهد الإمام أبي حاتم وتوفي فيها في سنة 296هـ عن عمر يناهز ست وتسعين سنة ، من أبياته في الموت :
قف بالقبور فناد الهامدين بها :: من أعظم بليت منها وأجساد
قوم تقطعت الأسباب بينهم :: من الوصال وصاروا تحت أطواد
راحوا جميعا على الأقدام وابتكروا :: فلن يروحوا ولن يعدو لهم عاد
والله والله لو ردوا ولو نطقوا :: إذا لقالوا التقى من أفضل الزاد
وقد ذكر الشيخ الباروني العديد من قصائده في الأزهار الرياضية ، فمن أرادها يجدها هناك ( أنظر : الباروني ، الأزهار ، 2/70- 75 ) . (1/165)
صفحة 166
(1) ، والشاعر أحمد بن فتح المعروف بابن الخزاز التيهرتي (2) ، والشاعر سعيد بن أشكل التيهرتي (3) وغيرهم (4) .
وقد تلقى الإمام أبو بكر العلم بتيهرت على يد علمائها ، وعلى يد والده الإمام أفلح وجده الإمام عبد الوهاب ، وقد كان مع حبه للأدب والشعر والتاريخ ، محبا لمظاهر الزخرفة والحضارة (5) .
__________
(1) - الحموي ، معجم البلدان ، 2/427 ـ الدرجيني ، الطبقات ، 1/43 ـ الباروني ، الأزهار ، 2/70 .
(2) **- هو الشاعر أحمد بن فتح المعروف بابن الخزاز التيهرتي ، شاعر من شعراء الدولة الرستمية ، عاش في تيهرت ، وذكرالشيخ الباروني أنه من غير الإباضية ، ولم يذكر مذهبه ، وذكر له بعض الأبيات ( أنظر : الباروني ، الأزهار ، 2/77 ) .
(3) ***- هو الشاعر سعيد بن أشكل التيهرتي ، شاعر من شعراء الدولة الرستمية ، عاش بتيهرت ، وذكرالشيخ الباروني أنه من غير الإباضية ، ولم يذكر مذهبه ، مات في مدينة تنس ، وله قصيدة في ذلك ذكرها الشيخ الباروني ( أنظر : الباروني ، الأزهار ، 2/47- 78 ) .
(4) - الباروني ، الأزهار ، 2/77 ، 78 ، 301 .
(5) - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/182 ، رقم الترجمة : 87 . (1/166)
صفحة 167
وأما خامس الأئمة الرستميين وهو الإمام أبو اليقظان محمد بن أفلح ، فهو الآخر لا يقل عمن سبقه من أئمة الدولة الرستمية شغفا وحبا واهتمام بالعلم وطلبه ونشره ، بل إن أهل نفوسه شبهوا أيامه بأيام جده الإمام عبد الرحمن بن رستم (1) ؛ وقد تلقى العلم عن أبيه الإمام أفلح وعن جده الإمام عبد الوهاب ، وكانت له حلقات علم بتيهرت ، فتخرج على يديه الكثير من المشائخ الأعلام (2) ، ومن حبه للعلم ودعمه له جعل مجلسه كالمسجد ، طائفة يصلون ، وطائفة يقرءون القرآن ، وطائفة يتذاكرون في فنون العلم (3) ؛ وقد كان من المكثرين في التأليف ، له " رسالة في خلق القرآن " وكتب في الرد على المخالفين ، وألف في الاستطاعة وحدها أربعين كتابا (4) ، وله رسائل عديدة ، وجوابات مختلفة ، منها ما وصلنا وأغلبها عبثت به يد الأيام (5) .
__________
(1) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص147 ـ الدرجيني ، الطبقات ، 1/83 ـ الشماخي ، السير ، 1/189.
(2) - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ،2/359 ، رقم الترجمة : 784.
(3) - ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص98- أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص147 ـ الدرجيني ، الطبقات ، 1/83 ـ الشماخي ، السير ، 1/189.
(4) *- ربما يقصد به المؤرخون جزءا أو رسالة .
(5) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص 148 - الشماخي ، السير ، 1/189 ـ الدرجيني ، الطبقات ، 1/84 ـ بحاز ، الدولة الرستمية ، ص272 - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/359 رقم الترجمة : 784 . (1/167)
صفحة 168
وقد كان الإمام أبو اليقظان من المحبين للعلماء فكان يقربهم منه ، قال ابن الصغير : " ... وكان - أي الإمام أبو اليقظان - إذا جلس في المسجد الجامع جلس على وسادة من أدم مستقبلا الباب البحري ، وله سارية تعرف به يجلس إليها ، ولم يكن غيره يجلس إليها ، وكان يقابله نصب عينيه رجل من نفوسة يعرف بعيسى بن فرناس (1) ، وكان عندهم من الورع بمكان ، ويلي عيسى رجل من هوارة (2)
__________
(1) *- هو عيسى بن فرناس النفوسي ، عاش في القرن الثالث الهجري ، من علماء تيهرت الرستمية ، كان معاصرا للإمام أبي اليقظان محمد بن أفلح ( حكم : 261هـ ـ 281هـ ) ، وقد كان فقيها خطيبا في مسجد تيهرت الجامع ، وله شأن في الفقه ، وكان من خاصة الإمام أبي اليقظان ( أنظر : ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص92- 93 ـ الشماخي ، السير ، 1/190 ـ بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/332 رقم الترجمة : 717 ) .
(2) **- هوارة : هي قبيلة من قبائل البرانس البربر ، وقد سكنت بطونها عدة مواطن في إفريقية والمغرب ، فقد جاورت هوارة قبيلة نفوسة بالجبل الذي ينسب إليها ، جنوب طرابلس الغرب ، وسكنت بطون منها بلاد الجريد جنوب الحدود الجزائرية التونسية الآن ، وكانت قاعدتها توزر ، وسكنت بطون منها جبل أوراس ونواحيه ( أنظر : عبد الرحمن بن خلدون ، تاريخ ابن خلدون المسى كتاب العبر وديوان المبتدا والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر ، ج6 ، دار الكتب العلمية ـ بيروت ـ لبنان ، ط1 1413هـ / 1992م ، ص282- 291 ، أخبار البرانس البربر ـ البكري ، المغرب ، ص50 ، 72 ، 144 ـ هود بن محكم الهواري ، تفسير كتاب الله العزيز ، ت : بالحاج بن سعيد شريفي ، ج1 ، دار الغرب الإسلامي ، بيروت لبنان ، ط1 : 1990م ، ص8 مقدمة المحقق ) .. (1/168)
صفحة 169
يقال له ابن الصغير (1) ، شأنه في الفقه ، ولم يكن في ورع عيسى ، وكان عن يمينه وعن يساره وبين يديه وجوه الناس ، وكان أخص الناس به رجل من العرب يعرف بمحمود بن بكر (2) ... وكان مدارهم الذي يذب عن بيضتهم ويدافع عن دينهم ويرد على الفرق في مقالاتهم ويؤلف الكتب في الرد على مخالفيهم ...
__________
(1) ***- هو ابن الصغير الهواري الإباضي ، لم تذكر المصادر اسمه ، من فقهاء تيهرت الرستمية ، أخذ علمه عن علمائها ، كان من خاصة الإمام أبي اليقظان محمد بن أفلح ( حكم : 261هـ - 281هـ ) ، كان خطيبا وله شأن في الفقه ، وليس ابن الصغير هذا هو ابن الصغير مؤرخ الدولة الرستمية المعروف صاحب كتاب أخبار الأئمة الرستميين ( أنظر : ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص93 ـ بحاز ، الدولة الرستمية ، ص313 ـ بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/236- 237 رقم الترجمة : 522 ) .
(2) ****- هو محمود بن بكر ، عاش في القرن الثالث الهجري ، من علماء تيهرت الرستمية ، عاصر الإمام أبا اليقظان محمد بن أفلح ( حكم : 261هـ - 281هـ ) ، تلقى العلم عن أئمة تيهرت ومشايخها ، وكان من أخص الناس بالإمام أبي اليقظان ، يذكر ابن الصغير أنه عربي الأصل ، وكان مدار الإباضية الذي يذب عن بيضتهم ، ويدافع عن دينهم ، ويرد على الفرق في مقالاتهم ، وألف الكتب في الرد على المخالفين ، إلا أن ابن الصغير لا يورد أي عنوان من هذه الكتب التي ألفها محمود بن بكر ، ولعلها ذهبت ضحية حرق مكتبة الرستميين " المعصومة " من قبل أبي عبد الله الشيعي داعية العبيديين لما دخل تيهرت غازيا سنة 296هـ ، كما ذهب محققا أخبار الأئمة الرستميين د/ محمد ناصر والباحث بحاز ( أنظر : الشماخي ، السير ، 1/190 ـ ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص93 ، هامش ص93 ـ بحاز ، الدولة الرستمية ، ص334 ـ بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/409 رقم الترجمة : 869 ) . (1/169)
صفحة 170
" إهـ (1) ؛ وقد كان الإمام أبو اليقظان يشجع على طلب العلم ويحث عليه ، فمن ذلك ما ذكره في إحدى رسائله حيث قال : " اعلموا رحمكم الله أن أهل العلم بالله القائمين بهذه الدعوة قد انقرضوا وقلت الخلوف (2) منهم ، فرحم الله امرءا مسلما احتسب نفسه وأرصد لله في طلب العلم " إهـ (3) .
هذه بعض الأمثلة على شغف أئمة الدولة الرستمية بالعلم واهتمامهم بطلبه ودعمه حفظتها لنا كتب التاريخ ، حتى غدوا من كبار العلماء وفحولهم ، وأصبحوا مقصد الوراد من طلاب العلم ومريديه ، وأصبحوا مضرب المثل في العلم وطول الباع فيه ؛ وأما بقية أئمة الدولة الرستمية فلا تذكر المصادر عنهم في ما يتعلق بطلبهم للعلم ودعمهم له الكثير ، ولكن لا يستبعد أنهم كانوا كسابقيهم في حب العلم وطلبه ونشره ، وكما قال الباحث بحاز : " ... ولكننا لا نشك في أن حلقات الدرس ، كانت متواصلة لم تنقطع ، وأن اهتمامهم بالتعليم استمر إلى نهاية الدولة ، لأن البيت الرستمي كان بيت علم في مختلف الفنون (( من الأصول والفقه والتفاسير وفنون الدين والرد على المخالفين وعلم اللغة والنجوم والإعراب والفصاحة )) (4) ... " إهـ (5) .
__________
(1) - ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص92- 93 .
(2) *- الخلوف : جمع خَلَفَ ، ويأتي على عدة معاني ، والمراد هنا من جاء بعدهم ، جاء في المعجم الوسيط : الخَلْفُ : القرن يأتي بعد القرن ، والخَلْفُ : الولد الصالح ، جاء في التنزيل : { فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً } ( مريم : 59 ) ، والخَلَفُ : العوض والبدل ، والخَلَفُ : الولد الصالح ( أنظر : إبراهيم مصطفى وآخرون ، المعجم الوسيط ، 1/250- 251 ) .
(3) - البرادي ، الجواهر ( مخ ) ، ص182 .
(4) - الشماخي ، السير ، 1/142 .
(5) - بحاز ، الدولة الرستمية ، ص273 . (1/170)
صفحة 171
وقد حفظت لنا المصادر بعض الشذرات عن شغف البيت الرستمي بالعلم ودعمه له ونشره ، فالإمام أبو حاتم يوسف بن محمد سادس الأئمة الرستميين ، لم يكن أقل ممن سبقه من الأئمة في العلم ودعمه ، والظاهر أنه تلقى العلم على يد أئمة الدولة الرستمية كأبيه الإمام أبي اليقظان ، وعلى يد علمائها ، حتى نبغ في العلم ، وصفه الشماخي بقوله : " ومنهم الإمام الماهر والبحر الزاخر العالم الذاكر أبي حاتم يوسف بن أبي اليقظان محمد رضي الله عنهما ... " (1) ، وقد وصل من الأهلية أن أصبح موضع ثقة أبيه الإمام أبي اليقظان فأصبح يكلفه ببعض المهام (2) .
__________
(1) - الشماخي ، السير ، 1/223 .
(2) - ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص104 ـ الباروني ، الأزهار ، 2/256 . (1/171)
صفحة 172
وكان عهد الإمام أبي حاتم عهد انفتاح وحرية ، على الرغم من الحروب التي وقعت في عهده ، فنجد أن علماء المذاهب الإسلامية بمختلفها يتناظرون في المساجد بكل حرية واحترام للرأي المخالف ، فلم يمنعهم الإمام أبو حاتم من ذلك ، فليس قمع الرأي الآخر من ديدن أئمة وأتباع المذهب الإباضي ، فنجد ابن الصغير وهو معاصر للإمام أبي حاتم يحدثنا عن ذلك فيقول : " ... وكانت مساجدهم عامرة ، وجامعهم يجتمعون فيه وخطيبهم لا ينكرون عليه شيئا ، إلا أن الفقهاء تناجت المسائل فيما بينهم وتناظرت ، واشتهت كل فرقة أن تعلم ما خلفتها فيه عاقبتها (1) ، ومن أتى إلى حلق الإباضية من غيرهم قربوه وناظروه ألطف مناظرة ، وكذلك من أتى من الإباضية إلى حلق غيرهم كان سبيله كذلك ... " إهـ (2) ، ثم ذكر إحدى مناظراته مع بعض علماء الإباضية في تيهرت (3) .
__________
(1) *- هكذا في الأصل وهو غير واضح ، إلا أن الشيخ الباروني ذكر هذا النص لابن الصغير في الأزهار بقوله : " ... واشتهت كل فرقة أن تعلم ما خالفتها فيه صاحبتها ... " ، ولعل ذلك هو المقصود من كلام ابن الصغير ، إلا أنه وقع نسخ عند ابن الصغير ، والله أعلم ( أنظر : ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص117- الباروني ، الأزهار ، 2/287 ) .
(2) - ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص117 .
(3) - أنظر : المصدر السابق ، ص117- 120 . (1/172)
صفحة 173
كذلك كان عهد الإمام أبي حاتم عهد خطابة كبقية عهود الأئمة الرستميين ، وقد ذكر ابن الصغير بعض الخطباء الذين ظهروا في عصر هذا الإمام ، وذكر أنه حضر بعض خطبهم ، وختم كتابه ببعض الخطب الرستمية التي كان الخطباء يلقونها في صلاة الجمعة في عهد الإمام أبي حاتم (1) ؛ والإمام أبو حاتم نفسه كان خطيبا مسقعا كبقية الأئمة الرستميين ، حيث ذكر عنهم أنهم كانوا يخطبون بأنفسهم و بعضهم كان لا يعيد خطبة قط ، كالإمام أفلح (2) .
__________
(1) - المصدر السابق ، ص120 ـ 127 .
(2) - الشماخي ، السير ، 1/190- الباروني ، الأزهار ، 2/286 . (1/173)
صفحة 174
ومن أفراد البيت الرستمي الذين اشتهروا بالعلم والاهتمام به يعقوب بن أفلح آخر من بقي من البيت الرستمي ، فقد اشتهر بذاكرته القوية ، وغزارة علمه ، قال عنه الباروني : " ... وكان عالما جليلا وأميرا خطيرا ، واسع الثروة ، كثير البر " إهـ (1) ؛ وقد سئل مرة : أتحفظ القرآن ؟ فقال : " أستعيذ بالله أن ينزل على موسى وعيسى - عليهما السلام - ما لم أحفظ وأعرف معناه ، فكيف بالكتاب المنزل على سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - " (2) ؛ والظاهر أنه تلقى العلم عن علماء تيهرت في ذلك الوقت ، وقد بلغ الغاية في العلم والعبادة ، والزهد والورع ، ويعد في عائلة الرستميين من أئمة العلم والدين ، وله إسهام في الحكم والسياسة (3) ، وصفه الدرجيني بقوله : " وكان يعقوب يحمل أنواعا من العلم ... " إهـ (4) ، ووصفه الشماخي بقوله : " كان عالما مجتهدا " إهـ (5) .
__________
(1) - أبو الربيع الباروني ، مختصر تاريخ الإباضية ، ص48 .
(2) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص190 ـ الدرجيني ، الطبقات ، 1/105 ـ الشماخي ، السير ، 2/47 ـ الباروني ، الأزهار ، 2/294 ـ بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ،2/473 رقم الترجمة : 1032 .
(3) - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ،2/473 رقم الترجمة : 1032 .
(4) - الدرجيني ، الطبقات ، 1/105 .
(5) - الشماخي ، السير ، 2/47 . (1/174)
صفحة 175
وكان مع ماسبق متمكنا من علم النجوم كبقية أئمة الدولة الرستمية ، فيروى عنه أنه حينما خرج بمن بقي من البيت الرستمي هاربين من أبي عبد الله الشيعي حين دخل تيهرت ، نظر نظرة في النجوم فقال لأصحابه : " إنكم لا يجتمع منكم ثلاثة (1) نفر إلا كان عليهم الطلب ، افترقوا فقد انقطعت أيامكم وزال ملككم " (2) ؛ وقد كان من النساك العباد ، فكان مجتهدا بالليل كما وصفه أبو زكرياء ، حيث أنه كان يقوم كثيرا من الليل (3) ؛
__________
(1) *- الرواية التي أوردها أبو زكرياء ذكرت " إثنان " وليس " ثلاثة " كما ذكر الدرجيني والشماخي ، ونص الرواية في سير أبي زكرياء هي : " وبلغنا أنه نظر إلى الطالع في طريقه ذلك ، فالتفت إلى أصحابه وقال لهم : »إنه لا يجتمع منكم اثنان إلا كان عليهم الطلب ، افترقوا ، فقد انقضت أيامكم وزال ملككم ولا يعود إليكم إلى يوم القيامة « " إهـ ، والنص الذي اعتمدته هو للدرجيني صاحب الطبقات ، والظاهر أنه وقع خطأ مطبعي أو نسخ في سير الأئمة لأبي زكرياء ، حيث أن الشيخ الباروني ذكر القصة في الأزهار معتمدا على سير الأئمة لأبي زكرياء وصرح بذلك ، فذكر ثلاثة كالدرجيني والشماخي ، ولم يذكر اثنين ، وكذلك فإن أغلب ما في كتاب الطبقات و سير الشماخي هو مستقى من سير الأئمة لأبي زكرياء ، إذا الظاهر أن الخطأ أو النسخ وقع في سير الأئمة لأبي زكرياء والله أعلم ( أنظر : أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص189 ـ الدرجيني ، الطبقات ، 1/105 ـ الشماخي ، السير ، 2/47 ـ الباروني ، الأزهار ، 2/293- 294 ) .
(2) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص189 ـ الدرجيني ، الطبقات ، 1/105 ـ الشماخي ، السير ، 2/47 ـ الباروني ، الأزهار ، 2/294 .
(3) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص190 ـ الدرجيني ، الطبقات ، 1/106ـ الشماخي ، السير ، 2/47 ـ الباروني ، الأزهار ، 2/294.. (1/175)
صفحة 176
وحين خرج من تيهرت ، هاربا من أبي عبد الله الشيعي ، مكث في وارجلان بقية حياته ينشر العلم والدين ، فترك بها آثارا حميدة (1) .
هذه بعض الملامح عن أئمة الدولة الرستمية واهتمامهم بالعلم وطلبه ونشره ودعمه ، وقد تميز جميع أفراد البيت الرستمي بحب العلم والنبوغ فيه حتى الإماء والخدم الذين يعملون معهم ، قال بعض الرستميين : " معاذ الله أن تكون عندنا أمة لا تعلم أين بات القمر " (2) ؛ إذا فليس بغريب أن يظهر في عهود هؤلاء الأئمة فطاحل العلماء أمثال الشيخ عمروس الذي عاصر بعض هؤلاء الأئمة ، وأخذ العلم عن بعضهم أو عمن أخذ العلم عنهم ، فطلاب العلم وجدوا الجو مهيأ والسبل ميسرة لطلب العلم والتفرغ له بفضل الله تعالى ، ومن ثم بدعم هؤلاء الأئمة العدول للعلم ، وتشجيعهم لطلابه بتوفير كل ما يحتاجون إليه من وسائل تعينهم على طلب العلم كما سنرى .
3- المطلب الثاني : جبل نفوسة والحركة العلمية فيه :
__________
(1) - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ،2/473 ، رقم الترجمة : 1032 .
(2) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص99- الدرجيني ، الطبقات ، 1/56 ـ الشماخي ، السير ، 1/142 . (1/176)
صفحة 177
جبل نفوسة ذلك الجبل الشامخ في طرابلس الغرب بليبيا (1) شهد في عصر الشيخ عمروس حركة علمية راقية ، فخرج من على سفوحه العدد الكبير من علماء هذه الأمة ، الذين ساهموا في خدمة أمتهم ودينهم الحنيف خدمة جلى ، لازالت تذكر لهم إلى اليوم حتى أن الشماخي وصف جبل نفوسه بقوله : " إن جبل نفوسة احتوى على الكرامات وعلى كثرة الصالحين والعلماء ، وكان فيه من العلماء ما لا يوجد بغيره ... " إلى أن قال إنه في بعض الأزمنة " ... لا تحتاج فيه قرية إلى قرية للفتيا ، إلا " إجناون " (2)
__________
(1) *- ليبيا : تقع في القسم الشمالي من إفريقيا يحدها من الشمال البحر المتوسط ، ومن الشرق مصر ، ومن الجنوب الصحراء الكبرى ، ومن الغرب تونس والجزائر ، وتبلغ مساحتها ( 1759540 ) كلم مربع ، وعاصمتها مدينة طرابلس ، ويتألف سطحها من الصحاري الصخرية والرملية والهضاب القليلة الارتفاع ، ومن المناطق الجبلية ، ومناخها صحراوي قليل الأمطار معتدل في الساحل والجبل الاخضر ، من أهم محاصيلها الزيتون والزيت والقمح والشعير والنخيل والفستق ، وتربى المواشي ، وتعتمد على البترول والغاز وبعض الصناعات كالاسمنت ( أنظر : أطلس العالم الصحيح ، ص126 ) .
(2) **- إجناون أو إجنًّاون بتشديد النون : بلدة تقع بالقرب من جادو في جبل نفوسة بليبيا ، كانت تشتهر بزراعة أشجار الزيتون ، حتى قيل إنه كان بها عين ماء تدور على إثنى عشر ألف زيتونة ، خرجت عددا من العلماء ، منهم أبو عبيدة عبد الحميد الجناوني ( ت بعد : 211هـ ) والي الإمام عبد الوهاب على جبل نفوسة ( أنظر : الشماخي ، السير ، 1/163- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 1/299 ، 2/244 رقم الترجمة : 538 ) .. (1/177)
صفحة 178
و " ويغو " (1) و " تندميرة " (2) لا تحتاج دار فيها إلى دار للفتيا " إهـ (3) .
وقد تركوا لنا العدد الكبير من المؤلفات العلمية والشرعية التي لا زلنا ننهل من معينها إلى يومنا هذا ، ولا زال جبل نفوسة يخرج لنا من أهل العلم من يذكروننا بأولئك الفطاحل من العلماء ، الذي تخرجوا من مدارسه كالشيخ عمروس بن فتح ، وقد وصف الباحث محمد دبوز كثرة العلماء الذين تخرجوا من جبل نفوسة بقوله : " وإذا جئت غرب طرابلس ، وصعدت إلى جبال نفوسة الشماء ، وجدت معادن العلم والعبقرية ، ومشرق العرفان والثقافة الإسلامية ، ووجدت المدن قد تجللت بعمائم العلماء الذين لا يحصون كما تتجلل الياسمينة الزاهرة بزهورها في صباح الربيع " إهـ (4) .
فما هي المميزات التي تميز بهاجبل نفوسة حتى أصبح قادرا على صناعة العلماء ، فغدا مضرب المثل بتخريج فطاحل العلماء ؟
__________
(1) ***- ويغو : مدينة تقع بجبل نفوسة بليبيا ، وبالتحديد جبل شروس ، خرجت عددا من العلماء منهم أبو ذر أبان بن وسيم الويغوي النفوسي ، والي الإمام عبد الوهاب على جبل نفوسة بعد وفاة الوالي الذي سبقه أفلح بن العباس ( أنظر : بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 1/315، 2/7 رقم الترجمة : 3 ) .
(2) ****- تندميرة : قرية من قرى جبل نفوسة بليبيا ، من علمائها أبو عثمان عمر وقيل : عمرو بن عيسى التندميرتي النفوسي ( ت : 8 جمادي الأولى 1321هـ / 1903م ) ( أنظر : بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 1/302، 2/309 رقم الترجمة : 666 ) .
(3) - الشماخي ، السير ، 545 نقلا عن : دبوز ، تاريخ المغرب الكبير ، 3/380 ، بحثت عن هذا النص الذي جاء به الباحث محمد دبوز من كتاب السير طويلا في نسخة كتاب السير للشماخي التي توجد لدي ، وهي طبعة وزارة التراث ، وتختلف عن النسخة التي اعتمد عليها الباحث محمد دبوز ، ولكني لم أوفق في العثور عليه .
(4) - دبوز ، تاريخ المغرب الكبير ، 3/385 . (1/178)
صفحة 179
تميز جبل نفوسة وأهله بعدة مواصفات أهلته ليصبح جامعة علمية تخرج منها العدد الكبير من العلماء ، فمن هذه المواصفات جو الجبل الصحي ، واستقراره وهدوءه من أسباب الإقبال على العلم ، وهمة أهله وطموحهم ، وغناهم كَوَّنّ فيهم نبوغا عقليا وذكاء علميا (1) ؛ وكان قرب الجبل من المشرق ، واستقراره وهدوءه من أسباب إقبال أهله على العلم ، وذلك أن الأمويين والعباسيين كان اعتداؤهم على أهل المغرب يقع أول ما يقع على أهل جبل نفوسة لقربه منهم ، فعلم أهل الجبل أن العلم هو القوة القوية ، والسلاح الماضي ، والرادع لاعتداءات الأمويين والعباسيين (2) ؛ كذلك فإن قربه من المشرق مكنه من الاتصال بعلماء وأئمة المشرق ، فهاجر من جبل نفوسة عدد من طلاب العلم للتتلمذ على يد علماء المشرق كابن مغطير النفوسي الجناوني (3) ،
__________
(1) - دبوز ، تاريخ المغرب الكبير ، 3/385 .
(2) - المصدر السابق ، 3/386 .
(3) *- هو محمد بن عبد الحميد بن مغطير وقيل أنه عبد الحميد النفوسي الجناوني ، شيخ فاضل ، وعالم فقيه ، من قرية إجناون بجبل نفوسة ، يعد من أول من رحل إلى المشرق لطلب العلم ، فدرس على يد الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة بالبصرة ، وذلك على رأس القرن الأول الهجري ، ثم عاد إلى موطنه جبل نفوسة ، وصار علما ومرجعا للفتوى ، إلى أن عاد حملة العلم الخمسة من مدرسة أبي عبيدة ، فكف عن الإفتاء لوجود من يقوم بالمهمة ، ويكفيه تبعاتها ، وهناك من عده من تابعي التابعين ، عمر ابن مغطير طويلا ، فأدرك نشأة دولة الإمام أبي الخطاب المعافري سنة ( 140هـ ) ، ودولة أبي حاتم الملزوزي سنة
(
154هـ ) ، والدولة الرستمية سنة ( 160هـ ) ، واتخذه الإمام عبد الرحمن بن رستم مرجعا للفتوى في جبل نفوسة ، وكان يحضر مجالس علمه ، سنة وفاته غير معروفة ( أنظر : البغطوري ، سير أهل نفوسة ( مخ ) ، ص104 ـ الشماخي ، السير ، 1/ 128ـ بحاز ، الدولة الرستمية ، ص315- 316 - معجم أعلام الإباضية ، 2/385- 386 رقم الترجمة : 835 ) . (1/179)
صفحة 180
الذي كان أول من هاجر إلى البصرة للدراسة على يد الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة (1) ؛ ومن أسباب الحركة العلمية في جبل نفوسة أيضا ، قربه من القيروان ، فدفع ذلك أبناءه إلى الاهتمام بالعلم ونشره لينافس جبل نفوسه القيروان في حركتها العلمية (2) ؛ وتأثرهم بحملة العلم الخمسة الذين تتلمذوا على يد الإمام أبي عبيدة كان من ضمن أسباب الحركة العلمية في الجبل كذلك ، حتى أن أحد طلبة العلم الخمسة إلى المغرب وهو عاصم السدراتي (3)
__________
(1) - البغطوري ، سير أهل نفوسة ( مخ ) ، ص104 - دبوز ، تاريخ المغرب الكبير ، 3/386 ـ بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/385 رقم الترجمة : 835 .
(2) - دبوز ، تاريخ المغرب الكبير ، 3/386- 387 .
(3) **- عاصم السدراتي ، من أئمة المغرب ومشاهير علمائها ، أختلف في أصله قيل : من قبيلة سدراته في جبال الأوراس بشمال الجزائر ، وقيل : بل من قرب وارجلان جنوب الجزائر ، وهو أحد حملة العلم الخمسة الذين سافروا من المغرب للتعلم على يد الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة بالبصرة ، ومكثوا عنده خمس سنين من 135هـ إلى 140هـ ، بعد عودته من البصرة حمل لواء الدعوة والتعليم وتبصير الناس بأمور دينهم ، اتخذ عدة مصليات كان يعقد فيها حلق علمه ، تتلمذ على يديه عدد من طلاب العلم الذين أصبحوا من كبار العلماء بعد ذلك ، منهم الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن ، وأيوب بن العباس ، ومحمد بن يانس وغيرهم ، كان زاهدا ورعا مستجاب الدعاء ، واشتهر بالشجاعة والفروسية ، ساهم في إقامة دولة الإمام أبي الخطاب =
= عبد الأعلى بن السمح المعافري سنة 140هـ ، وشارك معه في حصار قبيلة ورفجومة التي عاثت فسادا في القيروان ، وأصابه مرض أثناء الحصار ، وكان يشتهي القثاء ، فدس له أعداؤه قثاء مسموما ، فمات بسببها سنة 141هـ رحمه الله تعالى رحمة واسعة ( أنظر : أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص62- الدرجيني ، الطبقات ، 1/19 ، 28 ، 29- الشماخي ، السير ، 1/126- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/239 رقم الترجمة : 528 ) . (1/180)
صفحة 181
استوطن جبل نفوسة ، وأقام مصلى له في قبلة مدينة نالوت (1) بالجبل (2) ؛ كذلك من أسباب النهضة العلمية بجبل نفوسة كثرة العلماء فيه ، الذين أوقفوا حياتهم لنشر العلم والصلاح ، حيث أنهم كانوا يقيمون دروسهم في المساجد والكتاتيب ، يعلمون طلاب العلم مختلف العلوم (3) ، وقد كان الإمام عبد الوهاب يلقي دروسا في أحكام الصلاة لمدة سبع سنوات في أحد المساجد لما زار جبل نفوسة (4) ، والعلامة عاصم السدراتي كان من الذين أوقفوا حياتهم لمهمة نشر العلم ، فكان يعقد حلقه بين مدن وقرى جبل نفوسة ، ولم يكتف بهذا فحسب بل وسع دائرة نشاطه إلى المناطق المجاورة لجبل نفوسة كغدامس (5)
__________
(1) *- نالوت : هي مدينة تقع في جبل نفوسة الغربي بليبيا ، خرجت عددا من العلماء منهم الشيخ علي يحيى معمر ( 1337هـ/1919م- 1400هـ/1980م ) ، والشيخ عمرو خليفة النامي ، ولد في سنة 1358هـ/1939م ، وزج به في السجن في سنة 1981م وظل فيه حتى سنة 1986م ، فانقطعت أخباره بعد ذلك ، ولا يعرف مصيره إلى اليوم ؟ ( أنظر : بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 1/314 ، 2/136 رقم الترجمة : 298 ، 2/296 رقم الترجمة : 640 ، 2/319 رقم الترجمة : 688 ) .
(2) - الشماخي ، السير ، 1/126- دبوز ، تاريخ المغرب الكبير ، 3/387 ـ بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/239 رقم الترجمة :528 .
(3) - بحاز ، الدولة الرستمية ، ص278 ،280 .
(4) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص115- 116 ـ الدرجيني ، الطبقات ، 1/66-67 ـ الشماخي ، السير ، 1/140 .
(5) **- غدامس : مدينة تقع في تونس ، تفصلها عن جبل نفوسة مسافة سبعة أيام في الصحراء ، كانت تابعة للدولة الرستمية ، وهي مدينة لطيفة كثيرة النخل والمياه ، كانت تعتبر محطة للقوافل التجارية بين جبل نفوسة وبلاد السودان ( أنظر : البكري ، ص182- ابن خلدون ، العبر ، 7/122- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ،1/309 ، 2/112 ، رقم الترجمة : 233 ) .. (1/181)
صفحة 182
وجبال الأوراس (1) والأحياء الصحراوية (2) .
وقد كان أهل نفوسة يجتمعون في أماكن مختلفة لطلب العلم كالمساجد أو المنازل أو غير ذلك ، وكانت مجالس العلم منتشرة بكثرة في عصر الشيخ عمروس ، فمن ذلك ما ذكره البغطوري عن جماعة من أهل نفوسة يجتمعون بموضع يسمى " تنين أندرشل " (3)
__________
(1) ***- جبال الأوراس : هي سلسلة من جبال الأطلس الصحراوي بالجزائر ، وهذه السلسلة تمثل شكلا رباعيا طوله من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب 65ميلا ، وفي نهاية هذه السلسلة إلى الجنوب تمتد التلال القليلة الارتفاع التي تتصل بالصحراء الكبرى ، وسكان أوراس يتكونون من عناصر مختلفة أهمها البربر ، وانضمت إليهم بعض القبائل العربية ، وقد خرجت جبال الأوراس عددا كبيرا من العلماء منهم : محكم الهواري قاضي الإمام أفلح على تيهرت ، وابنه هود بن محكم الهواري ، صاحب التفسير المشهور بـ " تفسير كتاب الله العزيز " ( أنظر : أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص178 الهامش - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/355 رقم الترجمة : 772 ، 2/443 رقم الترجمة : 961 ) .
(2) - بحاز ، الدولة الرستمية ، ص283 ـ بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/239 ، رقم الترجمة :528 .
(3) ****- تنين أزدرشل : هو موضع يقع في جبل نفوسة ، كان يجتمع فيه أهل نفوسة للمدارسة والتعليم ، ولا أدري هل هو قرية أم موضع في قرية ؟ حيث أن المصادر التي بين يدي لا تذكر شيئا عنه بهذا الخصوص ، إنما تكتفي بذكر أنه موضع يجتمع فيه جماعة من أهل نفوسة لطلب العلم ، ولكن الأظهر أنه قرية ، حيث ذكر الشماخي وجود مسجد في هذا المكان يعرف باسم =
= مسجد تنين أزدرشل ، ولعلهم كانوا يجتمعون في هذا المسجد لمدارسة العلم ، وعلى فرض أنه موضع في قرية معينة اتخذ كمجلس للعلم ، فلعله يقع في قرية تمصمص ، حيث أن المفتي في ذلك المجلس كان أبو نصر التمصمصي ، وهو من أهل تمصمص ، والحقيقة أن المصادر تضاربت في اسمه ، فالبغطوري ذكره " تنين أندرشل " والشماخي ذكره تارة " تنين أندركل " وتارة " تنين أزدرشل " ، والذي اختاره الباحث أحمد كروم هو " تنين أزدرشل " معتمدا على ما ذكره الوسياني ، ولعله هو الأصح والله أعلم ( أنظر : الوسياني ، سير المشايخ ( مخ ) ، 1/23 نقلا عن : عمروس ، الدينونة الصافية ، ص14- 15 مقدمة المحقق- البغطوري ، سير أهل نفوسة ( مخ ) ، ص76 ـ 77 ـ الشماخي ، السير ، 1/149 ، 2/19 ـ 20، 235 ) . (1/182)
صفحة 183
لطلب العلم ، وفيهم أبو نصر (1) من أهل تمصمص (2) وكان هو المفتي لهم ... إلخ ، وقد كان الشيخ عمروس يتردد عليهم للإستفاده والإفادة (3) ؛
__________
(1) *****- هو أبو نصر التمصمصي ، لم تذكر المصادر اسمه ، عاش في القرن الثاني الهجري ، ينسب إلى بلدة " تمصمص " بجبل نفوسة ، بينما الوسياني يقول إنه من " تين ضج " ، يعتبر من الطبقة الأولى لعلماء جبل نفوسة ، تلقى العلم عن عاصم السدراتي ، أحد حملة العلم عن الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة ، يصنف الشيخ أبا نصر من طبقة الإمام أفلح بن عبد الوهاب ، كان مضرب المثل في العلم والزهد ، وكان مستجاب الدعاء ، كان يحذر الناس من فتنة نفاث الذي انشق عن الإمام أفلح ، وكان يفند آراء نفاث ويبين خطأ أفكاره الشاذة ، وقيل إنه كان – من قبل – يحذر من فتنة خلف بن السمح الذي انشق عن الإمام عبد الوهاب ( أنظر : البغطوري ، سير أهل نفوسة ( مخ ) ، ص76 ـ 77 ـ الشماخي ، السير ، 1/149 ، 2/19 ـ 20- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/439 رقم الترجمة : 949 ) .
(2) *- تمصمص : بلدة تقع في جبل نفوسة ، خرجت عددا من كبار العلماء منهم أبو نصر التمصمصي ( ق 2هـ ) ، وأبو محمد خصيب بن إبراهيم التمصمصي ( النصف الثاني ق 4هـ ) وغيرهما ( أنظر : بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/133 رقم الترجمة : 290، 2/439 رقم الترجمة : 949 ) .
(3) - البغطوري ، سير أهل نفوسة ( مخ ) ، ص76 ـ 77 ـ الشماخي ، السير ، 1/149 ، 2/19 ـ 20 .. (1/183)
صفحة 184
ومن ذلك أيضا مجلس العلم الذي كان يقيمه أبو محمد عبد الله بن الخير (1) في مكان يسمى تين ورزيرف (2) ،
__________
(1) **- هو أبو محمد عبد الله بن الخير الونزريفي ، من تنين ورزيرف بجبل نفوسة ، أخذ العلم عن أبي ذر أبان بن وسيم الويغوي النفوسي ، وبرع حتى كان من شيوخ وقراء نفوسة ، كان حاكما وقاضيا ، وله حلقة علم ومجلس ذكر في قريته ، وسبق محمد بن بكر في تأسيس الجانب الاجتماعي والديني لنظام العزابة ، وهو مضرب المثل في العلم ، فيقال : " من ضيع كتابا كمن ضيع خمسة عشر عالما مثل عبد الله بن الخير " ، عمر ما يقارب من 120 سنة ، ولم يبق بعد وقعة مانو 283هـ على قيد الحياة سوى أبي القاسم البغطوري وعبد الله بن الخير ، تاريخ وفاته غير معروف ( أنظر : البغطوري ، سير أهل نفوسة ( مخ ) ، ص72 ، 95- الدرجيني ، الطبقات ، 1/89 ، 2/316- 317- الشماخي ، السير ، 1/187، 201- 203- علي يحيى معمر ، الإباضية في موكب التاريخ ، المجلد الأول ، ح2 ، ق1 ، ص147- 150- سالم بن يعقوب ، تاريخ جربة ، ص94- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/265- 266 رقم الترجمة :580 ) .
(2) ***- تين ورزيرف : قرية تقع في جبل نفوسة ، تضاربت المصادر في اسمها ، فورد تونزيرف ، وتنورزيرف ، وتنورزيرن ، ورجح أصحاب معجم أعلام الإباضية : ونزيرف ، أو تيونزيرف ، وهي بالبربرية ، خرجت عددا من العلماء منهم أبو محمد عبد الله بن الخير ، ومنهم أبو زكرياء يحيى بن يونس السدراتي ( يصنف في ط5 : 200- 250هـ ) ( أنظر : بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 1/303 ، 2/265- 266 ، رقم الترجمة :580 ، 2/465 رقم الترجمة : 1016) .. (1/184)
صفحة 185
والمجلس الذي يقيمه أبو مسور (1) في أدوناط (2) ، وغيرها من مجالس العلم كثير (3) .
__________
(1) ****- هو أبو مسور يصلتين الأدوناطي النفوسي ، من أهل نفوسة ، عاش في القرن التالث الهجري ، عاصر الإمام عبد الوهاب ، وعمر طويلا حتى أدرك ضعف الدولة الرستمية وانهيارها ، قال عن نفسه : " عشت حتى لم أجد في الإمام ما أريد ، ولا في نفسي ، ولا في الأولاد ، ولا في الإخوان ، ولا في القبيل " ، له مجلس علم في قريته أدوناط ، وله أقوال مأثورة ، خلف ابنة وصفت بأنها رفيعة الشأن ، لم تذكر المصادر اسمها ( أنظر : الدرجيني ، الطبقات ، 2/315- 316- الشماخي ، السير ، 1/196- 198- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/470 رقم الترجمة : 1025 ) .
(2) *****- أدوناط : قرية من قرى جبل نفوسة ، من علمائها أبي مسور يصلتين الأدوناطي النفوسي ( ق 3هـ ) ( أنظر : الشماخي ، السير ، 1/198- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/470 رقم الترجمة : 1025 ) .
(3) - الشماخي ، السير ، 1/187، 198 . (1/185)
صفحة 186
وكان بعض العلماء يفتحون منازلهم لطلاب العلم لتكون مدارس للعلم ، ومن هؤلاء العلماء أبو هارون موسى الجلالمي (1) ، الذي أسس في منزله مدرسة تخرج منها الكثير من العلماء ، وقد كان ينفق عليها ثلث ماله (2) ؛
__________
(1) *- هو أبو هارون موسى بن يونس الجلالمي النفوسي ، شيخ عالم من جميلة بجبل نفوسة ، داوم على طلب العلم لمدة ثلاثين عاما عن أبي القاسم البغطوري ، كان من قادة الدين ، وأسس في منزله مدرسة تخرج منها كبار العلماء ، أمثال : أبي يحيى زكرياء بن أبي القاسم ويونس الفرسطائي وغيرهما ، كان ينفق على المدرسة ثلث ماله ، وبلغت مبلغا عظيما حتى قال عنها أحد علماء عصره : " لو علم الناس ما ينفعهم ، لازدحموا عند باب داره كما يزدحمون عند باب دار أبي عبيدة بالبصرة " ، وقد عاش إلى ما بعد سنة 283هـ ( أنظر : الشماخي ، السير ، 1/235- 236- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/432- 433 رقم الترجمة : 932 ) .
(2) - الشماخي ، السير ، 1/235- 236 ـ بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/432- 433 رقم الترجمة : 932 .. (1/186)
صفحة 187
والصالحات من نساء نفوسة كن يفتحن منازلهن لتقام فيها مجالس العلم ، ومن ذلك ما يروى عن أبي ذر أبان بن وسيم الويغوي (1) أنه كان له مجلس علم عند امرأة صالحة فقيهة (2) ؛
__________
(1) **- هو أبو ذر أبان بن وسيم أبي يونس بن نصر الويغوي النفوسي ، من قرية ويغو بجبل نفوسة ، يصنف من علماء الطبقة الخامسة ( 200- 250هـ ) ، من علماء الإمامة الرستمية ، تلقى العلم في كبره على علامة زمانه الشيخ أبي خليل صال الدركلي ، ولاه الإمام أفلح بن عبد الوهاب على جبل نفوسة ، بعد وفاة واليه أفلح بن العباس ؛ أجازه شيخه بالفتوى قائلا له : " لكل زمان نذير وأنت نذير زمانك يا أبان ، أفت للناس بالرخص كي يكون ذلك لهم عذرا عند مولاهم " ، وكان فقيها مفتيا ثقة ، فتح منزله للنساء مدرسة يقصدنها للتفقه في الدين ، من تلاميذه : أبو القاسم سدرات بن الحسن البغطوري ، وأبو محمد عبد الله بن الخير وغيرهما ، ومن تلميذاته : العالمة زورغ الأرجانية التي قيل عنها : " معها ثلث علم أهل الجبل " ، والعالمة النفوسية تكسيلت أم يحيى ، وفي مدينة ويغو مسجد يعرف باسمه ، ويعتبر من مشاهد جبل نفوسة ( أنظر : البغطوري ، سير أهل نفوسة ( مخ ) ، ص28- الدرجيني ، الطبقات ، 2/301- 305- الشماخي ، السير ، 1/185- 187- علي يحيى معمر ، الإباضية في موكب التاريخ ، المجلد الأول ، ح2 ، ق1 ، ص113- 116- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/7 رقم الترجمة : 3 ) .
(2) - الشماخي ، السير ، 1/186 .. (1/187)
صفحة 188
وقد كان بعض العلماء يأخذون طلابهم معهم في تحركاتهم الدعوية بين المناطق المختلفة في جبل نفوسة ، فكان لأبي ميمون الجيطالي (1) أحد مشايخ الجبل حلقة من الطلاب تتحرك معه أينما ذهب ، يأخذون عنه العلم (2) ؛
__________
(1) ***- هو أبو ميمون بن أحمد الجيطالي ، لم تذكر المصادر اسمه ، من أهل إيجطال ( جيطال ) من نفوسة ، تفرست فيه أمه سيما العلم منذ صغره ، فقد كان إذا شهد مجالس الذكر والعلم سكن واطمأن قلبه لذلك ، وإذا انصرفت عن مجلس العلم أكثر البكاء والقلق وهو لا يزال في المهد صبيا ، فصدقت فيه فراسة أمه ، فكانت له حلقة علم لا تعرف الانقطاع والفتور ، في الحل والترحال ، وكان إذا سئل أجاد ، وإذا نطق أفاد ، وله فتاوى ، وقد استشهد في وقعة مانو سنة 283هـ ( أنظر : البغطوري ، سير أهل نفوسة ( مخ ) ، ص29- الدرجيني ، الطبقات ، 2/295 ـ بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/434 رقم الترجمة : 936 ) .
(2) - الدرجيني ، الطبقات ، 2/295 ـ بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/434 رقم الترجمة : 936 .. (1/188)
صفحة 189
وكانوا يشجعون أبناءهم على طلب العلم ويحثونهم عليه ، فمن ذلك ما روي أن أبا خليل الدركلي (1)
__________
(1) ****- هو أبو خليل صال الدركلي وورد اليدركلي نسبة إلى دركل ، وورد الدرشلي نسبة إلى درشل ، عاش في القرن الثالث الهجري ، علم من أعلام " إيدركل " بجبل نفوسة ، يعد حلقة في سلسلة نسب الدين الطرابلسية ، أخذ العلم عن حملة العلم الخمسة من البصرة إلى المغرب ، وقيل هو أول من تتلمذ عليهم ، من أبرز تلامذته : أبو ذر أبان بن وسيم الويغوي ، وأبو معروف ويدران بن جواد ، وابن مؤنسة ، وغيرهم ، له كرامات وفتاوى وآراء فقهية ، عمر طويلا إذ توفي عن سن يناهز المائة والعشرين عاما ، وقيل : عاش مائة عام ، وضمن مشاهد جبل نفوسة مصلى وغار ينسبان إليه ( أنظر : البغطوري ، سير أهل نفوسة ( مخ ) ، ص65- 67- الدرجيني ، الطبقات ، 2/299- 301- الشماخي ، السير ، 1/181- 183- علي يحيى =
= معمر ، الإباضية في موكب التاريخ ، المجلد الأول ، ح2 ، ق2 ، ص73- 75- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/224 رقم الترجمة :491 ) . (1/189)
صفحة 190
كان يقول للتلاميذ سيروا إلى الحلقة واقصدوها حيثما كانت يا كسالى ، فإن رجلا قد سار من الجبل إلى فزان (1)
__________
(1) *- فَزَّانُ : ولاية واسعة تقع في المغرب الأدنى ، بين الفيوم وطرابلس الغرب ، تحديدا في جنوب ليبيا ، وهو عبارة عن شريط صحراوي يمتد جنوب ليبيا من حدود مصر إلى حدود الجزائر ، وقد كان هذا الشريط ممرا هاما للجيوش الإسلامية الفاتحة ، ثم أصبح تابعا للدولة الرستمية ، وهو معقل من معاقل الإباضية ، وكان به عدد من علماء الإباضية ، منهم إدريس الفزاني ( ق 3هـ ) ، وعبد الحميد الفزاني ( ق 3هـ ) ، وعبد الخالق الفزاني ( أوائل ق 3هـ ) ، ذكر ياقوت الحموي أنه سمي بفزان نسبة إلى فَزَّان بن نوح - عليه السلام - ، وذكر الحموي كذلك أن به نخلا كثيرا وتمرا ومدينته " زويلة " السودان والغالب على أهلها السواد ، وقد ذكره جرير في شعر له فقال : قفرا تشابه آجال النعام به :: عيدا تلاقت به فَزَّان والنوبُ
(
أنظر : جناو بن فتى وعبد القاهر بن خلف ، أجوبة علماء فزان ، ت : د/ عمرو خليفة النامي ، و أبراهيم محمد طلاي ، مطابع دار البعث ، قسطنطينة ، ص23- 25 ، 27 مقدمة المحقق - الشماخي ، السير ، 1/163- 165- الحموي ، معجم البلدان ، 6/433- علي يحيى معمر ، الإباضية في موكب التاريخ ، المجلد الأول ، ح2 ، ق2 ، ص51- النامي ، دراسات عن الإباضية ، ص114، بحاز ، الدولة الرستمية ، ص318- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ،1/309 ، 2/54 رقم الترجمة : 100 ، 2/244 رقم الترجمة : 537 ، 2/245 رقم الترجمة : 539 ) . (1/190)
صفحة 191
وإلى غدامس وإلى الساحل (1) رغبة في الحلقة وفيما يستفيده ... إلخ (2) ، ويقال أنه كان بذلك يقصد نفسه (3) .
وقد كان علماء نفوسه مع تعليمهم لطلاب العلم ، وتخصيص منازلهم كمدارس لهم ، ينفقون على طلاب العلم ويعتبرون ذلك من القربات العظيمة ، وقد مر أن أبا هارون موسى الجلالمي كان ينفق ثلث ماله على طلاب العلم (4) ، وكانوا كذلك يهيئون مساكن خاصة لطلاب العلم سواء بقرب المساجد أو بقرب منازلهم (5) .
كذلك مما ساهم في نشاط الحركة العلمية بجبل نفوسة انتشار المكتبات فيه ، سواء كانت عامة أو خاصة (6) ، والتي كانت تمتلئ بآلاف الكتب والمؤلفات في شتى فنون العلم ، وقد ضاع معظمها بسبب الفتن ، قال الباحث دبوز واصفا انتشار المكتبات بجبل نفوسه وما تعرضت له : " وكانت مدن الجبل وقراه تشتمل على مئات الخزائن المملوءة بالكتب النفيسة ، وقد حرق معظمها في الفتن المتصلة التي ابتلي بها الجبل بعد القرن العاشر الهجري ، وانتهب الكثير الذي أبقت عليه الفتن الإيطاليون الغزاة ... " (7) ؛ فمن مكتبات جبل نفوسة خزانة نفوسة بمدينة شروس ، التي كانت جامعة لآلاف الكتب (8) .
__________
(1) **- الساحل : هو منطقة مطلة على البحر تمتد بين " صَفَاقُس إلى " سُوسَة " أو " نَابِل " في وسط تونس ( لقاء مع الشيخ أحمد مصلح – مدرس بمعهد العلوم الشرعية بسلطنة عمان – الأحد 22من ذي الحجة 1423هـ / 23 من فبراير 2003م ، وأنظر : معجم أعلام الإباضية ، 1/307 ، 2/6 رقم الترجمة : 2 ، 2/122 ، رقم الترجمة : 262 ، 2/151 رقم الترجمة : 327 ) .
(2) - الدرجيني ، الطبقات ، 2/301 ـ الشماخي ، السير ، 1/181- 183.
(3) - النامي ، دراسات عن الإباضية ، ص104 .
(4) ***- أنظر ص113 .
(5) - بحاز ، الدولة الرستمية ، ص287 .
(6) - المصدر السابق ، ص290 .
(7) - دبوز ، تاريخ المغرب الكبير ، 3/388 .
(8) - الباروني ، الأزهار ، 2/209 ـ بحاز ، الدولة الرستمية ، ص289 . (1/191)
صفحة 192
إن وجود هذا الجو العلمي النشيط ، وكثرة العلماء ، وانتشار المكتبات ، ساهم بشكل كبير في حركة التأليف من قبل علماء جبل نفوسة ، فتركوا لنا عددا كبيرا من المؤلفات يصعب حصرها ، بعضها موجود ، وقد تمكن الباحثون من الوصول إليه ونشره وتحقيقه ، وبعضها لا يزال في ظلام الرفوف وتحت الغبار ، يحتاج إلى من يزيل عنه التراب ، وينفض عنه غبار الزمن ، وإهمال السنين ، والكثير منها ضاع حرقا وسرقة في الفتن التي تعرض لها الجبل ؛ وقد تميزت مؤلفات علماء نفوسة بالتنوع والشمول ، فلم تقتصر على جانب واحد ، بل طرقت أغلب أبواب العلم ، سواء كان الشرعي بمختلف فروعه ، أو اللغة ، أوالتاريخ ، أو غيره من فنون العلم ، وليس هذا فحسب بل كان علماء جبل نفوسة أول من ألف الموسوعات العلمية في الإسلام كما يذكر الباحث محمد دبوز (1) ؛ فمن الموسوعات التي تركها لنا علماء جبل نفوسة " ديوان العزابة " في خمسة وعشرين جزءا ، ألفه ثمانية علماء ، ويوجد هذا الكتاب مخطوطا في خزائن وادي ميزاب (2)
__________
(1) - دبوز ، تاريخ المغرب الكبير ، 3/388 .
(2) *- وادي ميزاب أو مزاب : يقع في جنوب شرق الجزائر ، ويشغل الجزء الأكبر من بلاد الشبكة ، وبلاد الشبكة تطلق على هضبة كلسية تقع شمالي صحراء الجزائر ، وتمتاز بطبيعتها القاسية ، فهي صحراء ضمن صحراء ، ومساحة بلاد الشبكة حوالي 38 ألف كيلومتر مربع ، ومركز بلاد الشبكة الحالي مدينة " غرداية " أكبر مدن وادي ميزاب ، التي تبعد عن العاصمة الجزائر بـ 490 كيلو مترا جنوبا ؛ هواء هذه المنطقة جاف جدا ، وتبلغ الدرجة القصوى للحرارة ببلاد الشبكة خمسين درجة ، بينما أدنى درجة لا تنزل تحت درجة واحدة تحت الصفر ، ومعدل الأمطار بها ستة وستون ميليمترا ؛ وأهل ميزاب يسمون بلادهم بلغتهم البربرية " أَغْلاَنْ " ويطلقون على وادي ميزاب " إِغْزَرْ أَوَّ غْلاَنْ " ؛ و" إِغْزَرْ " هي كلمة ميزابية معناها
" وادي " ؛ وعدد سكان وادي ميزاب بقراه السبع بلغ ( 116638 ) نسمة حسب إحصائات عام 1960م ، تكثر في وادي ميزاب الواحات وأشجار النخيل ؛ ويمارس أهل ميزاب بعض الصناعات كصناعة مواد البناء من جير وجبس ، وصناعة النسيج وغيرها ، ويشتهرون بممارسة التجارة ؛ ووادي ميزاب يعد معقلا للمذهب الإباضي في هذا الوقت ، ويتكون من سبع مدن تتفاوت من حيث الكبر ، وهي : 1- مدينة العطف : أسسها مؤسس نظام العزابة الشيخ أبو عبد الله البكري ، في النصف الأول من القرن الخامس الهجري ، وهي تعتبر أولى مدن وادي ميزاب تأسيسا ، 2- غرداية : وهي أكبرها الآن ، 3- بني يسجن : التي ولد فيها الإمام القطب ، 4- مليكة ، 5- بونورة ، 6- بريان ، 7- القرارة ، وقد خرج وادي ميزاب الكثير من العلماء على مر القرون ، ولا زال يخرج ، وتراجمهم ومؤلفاتهم وأقوالهم منتشرة ومبثوثة في الكتب ( أنظر : فرحات الجعبيري ، نظام العزابة عند الإباضية الوهبية في جربة ، المعهد القومي للفنون والآثار ، المكتبة التاريخية ، المطبعة العصرية ، تونس ، 1975 ، ص13- يوسف بن بكير الحاج سعيد ، تاريخ بني مزاب ونضالهم من أجل الحق في التباين ، المطبعة العربية ، غرداية ، وادي ميزاب ، الجزائر ، ص9 ، 37- 48 ، 207- 210 ) . (1/192)
صفحة 193
بجنوب الجزائر ؛ وقد تميز علماء الإباضية بمثل هذه الموسوعات ، فإباضية جربة تركوا لنا كذلك موسوعة ضخمة في اثني عشر جزءا ، وهي " ديوان الأشياخ " ، ألفه سبعة علماء من علماء من جربة ، وتوجد نسخ منه مخطوطة في وادي ميزاب (1)
__________
(1) *- اختلفت المصادر في عدد أجزاء " ديوان الأشياخ " ، وفي عدد أجزاء " ديوان العزابة " ، فالدرجيني والشماخي ذكرا أن " ديوان العزابة " في خمسة وعشرين جزءا ، واختاره أصحاب معجم أعلام الإباضية ، وذكر الدرجيني والشماخي أن عدد مؤلفي " ديوان العزابة " ثمانية شيوخ عزابة ، ونجد الباحث محمد دبوز يذكر أن عدد أجزاء " ديوان العزابة " عشرة أجزاء ، وأما " ديوان الأشياخ " فقد ذكر الدرجيني والشماخي أن عدد أجزاءه اثني عشر جزءا ، وهذا ما ذهب إليه أصحاب معجم أعلام الإباضية ، إلا أنهم أطلقوا على ديوان الأشياخ اسم " ديوان العزابة " ، والظاهر أنهم يقصدون " ديوان الأشياخ " والدليل على ذلك أنهم ذكروا من مؤلفيه أبي عمران موسى بن زكرياء ، وهو أحد مؤلفي " ديوان الأشياخ " الذين ذكرهم كل من الدرجيني والشماخي ، كذلك ذكر أصحاب معجم أعلام الإباضية أن " ديوان العزابة " تم تأليفه في غار أمجماج بجربة ، وهو نفس الغار الذي ذكر الدرجيني والشماخي أن ديوان الأشياخ تم تأليفه فيه ، مع بعض الفرق في حروف اسم الغار ، فالدرجيني ذكر أنه غار أمجاج ، والشماخي ذكر أنه غار الجماج ، ولعله تصحيف أو خطأ مطبعي لا غير ، إذا فمن ذلك يظهر أن " ديوان العزابة " الذي ذكره أصحاب معجم أعلام الإباضية هو نفس " ديوان الأشياخ " الذي ذكره كل من الدرجيني والشماخي ، وهو في اثني عشر جزءا ، وهو غير " ديوان العزابة " الذي يقع في خمسة وعشرين جزءا والله أعلم .
أما الباحث محمد دبوز فقد ذكر أن " ديوان الأشياخ " في خمسة وعشرين جزءا ، و" ديوان العزابة " في عشرة أجزاء وعدد مؤلفيه عشرة علماء ، ولعله خلط بين " ديوان العزابة " الذي يقع في خمسة وعشرين جزءا ، وبين " ديوان الأشياخ " الذي يقع في اثنى عشر جزءا ، وقد نقص من ديوان الأشياخ جزئين والله أعلم ( أنظر : الدرجيني ، الطبقات ، 2/409 ، 455- 456 ـ الشماخي ، السير ، 2/74 ، 96 ـ دبوز ، تاريخ المغرب الكبير ، 3/388- 389 ـ بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/58 رقم الترجمة : 111 ، 2/429 رقم الترجمة : 923 ) . (1/193)
صفحة 194
(1) .
هذا بالنسبة للتأليف الجماعي والموسوعات الضخمة ، وأما فيما يخص التأليف الفردي فإن المؤلفات التي خرجت من على سفوح جبل نفوسة لا تعد ولا تحصى ، فمنها ما وصل إلينا في هذه العصور المتأخرة ، والكثير منها ضاع بسبب الفتن والصراعات ؛ فمن مؤلفات علماء نفوسة الفردية في العقيدة كتاب الدينونة الصافية (2) ،
__________
(1) - الدرجيني ، الطبقات ، 2/409 ، 455- 456 ـ الشماخي ، السير ، 2/74 ، 96 ـ دبوز ، تاريخ المغرب الكبير ، 3/388- 389 ـ بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/58 رقم الترجمة : 111 ، 2/429 رقم الترجمة 923.
(2) **- قسّم الشيخ عمروس الدينونة إلى قسمين الأول في العقيدة ، والثاني في الفقه ، كما سنرى في الفصل الرابع .. (1/194)
صفحة 195
وكتاب الرد على النكاث (1)
__________
(1) ***- النكَّاث أو النكَّاثة أو الناكثة ، من كلمة " نكث " أي " أنكر " هم جماعة خرجت على الإمام عبد الوهاب ، وأنكروا إمامته ونكثوا اليمين التي قطعوها له ، فلذلك سموا بالنكاث وبالنكار ، ويعرفون كذلك بالنجوية من كلمة نجوى أي الخديعة السرية التي عرفت عنهم عند مناقشة مسألة إمامة الإمام عبد الوهاب التي أنكروها ، ويعرفون كذلك بالملحدة لأنهم ألحدوا بالنسبة لأسماء الله تعالى ، وباليزيدية نسبة إلى فقيههم عبد الله بن يزيد الفزاري ، أو نسبة إلى زعيمهم السياسي يزيد بن فندين الذي خرج على الإمام عبد الوهاب وأنكر إمامته ، ويعرفون بالشغبية بسبب الشغب الذي أحدثوه ، وبالمَسْتاوه نسبة إلى اسم قبيلة من قبائل البربر الرئيسة المؤيدة لهم ، والنكار أو النكاث كانوا في البداية على المذهب الإباضي إلا انهم انشقوا عنه ، وابتدعوا أقوالا خاصة بهم في الفقه والعقيدة لا تمت إلى المذهب الإباضي بصلة فتبرأ منهم أئمة المذهب الإباضي ، وتعود جذور النكار إلى عهد الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة ، حيث أظهر بعض تلامذته أقوالا في العقيدة والفقه لا تمت بصلة إلى المذهب ، فتبرأ منهم الإمام أبو عبيدة وطردهم من مجلسه ، وعلى رأس هؤلاء عبد الله بن عبد العزيز ، وأبو المعروف شعيب ، وعبد الله بن يزيد الفزاري ، وهؤلاء يعدهم النكار من أئمتهم ، وقد وقعت معارك بين النكار بقيادة أبي قدامة يزيد بن فندين ، وبين الإباضية بقيادة الإمام عبد الوهاب كان النصر فيها من نصيب الإمام عبد الوهاب ، وقتل يزيد بن فندين ، إلا أن حركة النكار استمرت في شمالي إفريقيا ، وكونوا هيئات ومجالس للعزابة خاصة بهم ، ومع بداية القرن الرابع الهجري حاول النكار إقامة إمامة بقيادة أبي يزيد مخلد بن كيداد المشهور بصاحب الحمار ، واستطاع بين ( 316 - 336هـ ) أن يسيطر على القسم الأكبر من وسط شمالي إفريقيا ، وكان ذلك العصر الذهبي للحركة النكارية ، واستطاعوا أن يصلوا إلى بعض مناطق الأندلس ، إلا أن مخلد بن كيداد هزم وصرع على يد الحاكم الفاطمي المنصور بن القاسم سنة 336هـ ، وكانت تلك نهاية الحركة النكارية ، فلم تظهر لهم ظاهرة بعد ذلك =
= ، وقد كان لهم وجود حتى القرن الثاني عشر الهجري ، حيث أنهم كانوا في القرن 10هـ ، و 11هـ ، و12هـ ، يعمرون الجانب الشرقي لجزيرة جربة ، كما يذكر الشيخ الجعبيري ، إلا أن حركتهم انتهت فلا وجود لهم اليوم كما يذكر الشيخ علي يحيى معمر ؛ والإباضية يعدون النكار كفار نعمة ، والعلاقة بين الفريقين كانت ذات طابع عدائي ، وأهم معتقدات النكار التي خالفوا بها الإباضية : 1- أسماء الله مخلوقة ، 2- حجة الله ليست ملزمة ، 3- ولاية الله للمسلمين متقبلة ، 4- لايلزم العلم بالفرائض عدا التوحيد ، ولكن يلزم العمل بتلك الفرائض ، 5- المسلمون الذين يؤمنون بالتشبيه في حق الله هم مشركون ، 6- صلاة الجمعة في عهد الحاكم الجائر غير جائزة ، 7- الحرام المجهول مباح ، 8- الإمامة ليست واجبة ، 9- لا تجوز إمامة رجل إذا كان في المسلمين من هو أعلم منه ، هذه بعض أقوالهم وهناك أقوال أخرى لهم ذكرتها المصادر والمراجع التي تحدثت عن هذه الحركة ، والإباضية يتبرأون من النكار ومن حركتهم ومعتقداتهم ( أنظر : علي يحيى معمر ، الإباضية بين الفرق الإسلامية ، 2/14- 20- علي يحيى معمر ، الإباضية مذهب اسلامي معتدل ، ص44- النامي ، دراسات عن الإباضية ، ص201- 208- الجعبيري ، البعد الحضاري للعقيدة الإباضية ، ص213 الهامش ) . (1/195)
صفحة 196
وأحمد بن الحسين (1) (
__________
(1) ****- هو أحمد بن الحسين بن أبي زياد الاطرابلسي ، مؤسس الحركة الحسينية أو العميرية أو العمدية ، قيل أنه من طرابلس الشام ، إلا أن د/ عمرو النامي يرى أنه من طرابلس ليبيا لأن أتباعه كانوا هناك ، ولأن سوريا لم يكن فيها أي مجموعات إباضية في أي وقت ، عاش في القرن الثالث الهجري ، يأخذ بقول عيسى بن عمير في الكلام ، وبقول ابن علية في الفقه ، ذكرت له مؤلفات منها " كتاب المقالات " في الكلام ، و" كتاب المختصر" في الفقه ، وهما مفقودان كما ذكر د/ النامي ، وحركة الحسينية هي استمرارية لحركة العميرية أو العمدية أتباع عيسى بن عمير ، الذي ظهر في عهد الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة وخالفه في مسائل عديدة ، والعميرية حركة مستقلة منذ بدايتها ولا علاقة لها بالمذهب الإباضي ، وهم يسندون مذهبهم إلى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ، والحسينية والعميرية يمكن اعتبارها حركة واحدة ، فأحمد بن الحسين تبنى آراء العميرية ، وزاد من عنده بعض الآراء ، ومن آراء هذه الحركة : 1- من أنكر ما سوى الله فليس بمشرك ، 2- يسع جهل معرفة الرسول محمد - صلى الله عليه وسلم - ، 3- المتأولون المخطئون مشركون ، 4- إن سكان الجنة يعيشون في خوف أبدي ، ورجاء أبدي ، 5- خوف الرسول - صلى الله عليه وسلم - من الله هو خوف إجلال لا خوف عقاب ، وغيرها من الآراء الغريبة ، وذكر د/ علي يحيى معمر أن بعض هذه الآراء تخرجهم من الإسلام ، وقد كانت مجموعة الحسينية موجودة في القسم الشرقي من جبل نفوسة ، ثم استمالهم أبو يحيى زكرياء بن إبراهيم الباروني إلى المذهب الإباضي ، والبعض ينسب الحسينية إلى الإباضية ويعتبرها فرقة من فرق الإباضية ، وهذا كلام غير صحيح ، فلا علاقة بين الإباضية وبين الحسينية أو العميرية ، بل إن الإباضية يتبرأون من أتباع هذه الحركة ويردون عليهم بالمناظرات وبالمؤلفات ، وقد كان الشيخ عمروس ممن ناظرهم ورد على ضلالاتهم ، وألف كتابا في ذلك وهو " الرد على النكاث وأحمد بن الحسين " يرد فيه على حركة النكاث وعلى حركة الحسينية ، حتى قال أحد أقدم علماء الإباضية : " لولا عمروس بن فتح وأفلح بن عبد الوهاب اللذان رفضا آراء نفاث بن نصر وأحمد بن الحسين ، لتبعتهم المذاهب " ، وقال الشيخ أبو زكرياء الوارجلاني رادا على من زعم أن الحسينية أو العميرية أو العمدية هم من أتباع المذهب الإباضي : " إن طائفة تنتحل اسم الإباضية يقال لهم العمدية ، لم تجمعنا وإياهم جامعة من قبل ، وهم يزعمون أنهم إباضية يسندون مذهبهم إلى عبد الله بن مسعود رحمه الله ، وهم أتباع عيسى بن عمير " إهـ ( أنظر : علي يحيى معمر ، الإباضية بين الفرق الإسلامية ، 2/31- 33- علي يحيى معمر ، الإباضية مذهب اسلامي معتدل ، ص44- النامي ، دراسات عن الإباضية ، ص213- 217 ) . (1/196)
صفحة 197
مخ ) ، وكلاهما للشيخ عمروس بن فتح (1) ؛ ومن علماء نفوسة الذي أكثروا في التأليف الشيخ أبو العباس أحمد بن محمد الفرسطائي النفوسي (2) ،
__________
(1) - دليل المؤلفين العرب الليبيين ، ص300 نقلا عن : عمروس ، الدينونة الصافية ، ص21 مقدمة المحقق- النامي ، دراسات عن الإباضية ، ص221 ـ بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/322 ، رقم الترجمة : 690.
(2) *- هو أبو العباس أحمد بن محمد بن بكر بن أبي بكربن يوسف الفرسطائي النفوسي ، عالم من علماء وارجلان ، أصله من فرسطاء بنفوسة ، وهو ابن الشيخ أبي عبد الله محمد بن بكر النفوسي مؤسس نظام حلقة العزابة ، كان يقيم في قرية تملوسيت ، أخذ العلم عن أبيه ، وعن أبي الربيع سليمان بن يخلف المزاتي ( ت : 471هـ ) ، و أبي محمد ويسلان بن أبي صالح وغيرهم ، وجد في مكتبات جبل نفوسة ثلاثة وثلاثين ألف جزء من كتب المشارقة ، فاختار أحسنها وعكف على قرائتها ، من تلامذته : أبو عمرو عثمان بن خليفة السوفي ، وصالح بن أفلح ، وأبو عبد الله محمد النفوسي وغيرهم ، وهوحلقة في سلسلة نسب الدين ، وقد عده المستشرق بيار كوبرلي إمام دفاع ، لأنه كان يتصدى لغارات بعض المعتدين ، صنف في آخر عمره خمسة وعشرين كتابا ، وكتابا آخر تركه في الألواح ، وتعد تآليفه من الأمهات في الشريعة الإسلامية عند المذهب الإباضي ، من مؤلفاته : 1- كتاب القسمة وأصول الأرضين في ثمانية أجزاء ، طبع في سلطنة عمان ، وكذلك طبع في بالجزائر بجمعية التراث ، بتحقيق د/ محمد ناصر والشيخ بلحاج بكير باشعادل ، 2- السيرة في الدماء والجراحات ( مخ ) ، 3- كتاب الديات ( مخ ) ، 4- تبيين أفعال =
= العباد في ثلاثة أجزاء ( مخ ) ، وغيرها من المؤلفات ، وقد اشترك في تأليف كتاب " ديوان العزابة " وأسند إليه كتاب الحيض وغيره ( مخ ) ، توفي بتصوانت بأريغ ، وذلك يوم الخميس في ضحوة عرفة من شهر ذي الحجة من عام 504 هـ ( أنظر : البرادي ، الجواهر ( مخ ) ، ص220 - الدرجيني ، الطبقات ، 2/442- 446 ـ الشماخي ، السير ، 2/89- 91 - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/48- 50 رقم الترجمة : 89 ) . (1/197)
صفحة 198
فمن مؤلفاته كتاب " القسمة وأصول الأرضين " (1) في ثمانية أجزاء ، وكتاب في التوحيد عنوانه " مما لا يسع الناس جهله " (2) ، وكتاب " السيرة في الدماء والجراحات " (3) ، وغيرها من المؤلفات ذكرها أصحاب معجم أعلام الإباضية (4) ؛ ومن علماء نفوسة أصحاب المؤلفات الشيخ أبو زكرياء يحيى الجناوني (5) ،
__________
(1) **- طبع بسلطنة عمان بتحقيق د/ محمد ناصر والشيخ بلحاج بكير باشعادل ، ثم أعيد طبعه في الجزائر ، نشر جمعية التراث ( أنظر : بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/49 رقم الترجمة :89 ) .
(2) *- مخطوط ، يوجد منه نسختان بجربة ( أنظر : المصدر السابق ، 2/49 رقم الترجمة :89 ) .
(3) **- لا يزال مخطوطا ( أنظر : المصدر السابق ، 2/49 رقم الترجمة :89 ) . .
(4) - المصدر السابق ، 2/49 رقم الترجمة :89 .
(5) ***- هو أبو زكرياء يحيى بن الخير الجناوني ، من قرية إجنَّاون بجبل نفوسة بليبيا ، عاش في القرن الخامس الهجري ، يعد من العلماء الأعلام ، هو حلقة في سلسلة نسب الدين ، أخذ العلم عن أبي الربيع سليمان بن أبي هارون ، وغيره من العلماء ، مكث في طلب العلم اثنتين وثلاثين سنة ، أخذ عنه بشر كثير منهم : أبو الربيع سليمان بن يخلف المزاتي ، وأبو زكرياء يحيى بن أبي بكر صاحب كتاب سير الأئمة وأخبارهم ، وأبو سليمان داود بن هارون ، ترك عدة مؤلفات ، ذكرتها في النص أعلاه ( أنظر : الدرجيني ، الطبقات ، 2/470 ، 489- 490 ـ الشماخي ، السير ، 2/100 ، 178- 179- يحيى بن الخير بن أبي الخير الجناوني ( أبو زكريا ) ، كتاب النكاح ، تعليق : علي يحيى معمر ، المطابع العالمية ، روي ، سلطنة عمان ، ص7- 8 ترجمة المؤلف - علي يحيى معمر ، الإباضية في موكب التاريخ ، المجلد الأول ، ح2 ، ق2 ، ص 93- 95- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/456 رقم الترجمة : 993 ) .. (1/198)
صفحة 199
فمن مؤلفاته " عقيدة نفوسة " ( مط ) ، وكتاب الصوم ( مط ) ، وكتاب الأحكام (1) ، وكتاب النكاح (2) ، وكتاب الوضع (3) (4) .
هذه بعض النماذج على مؤلفات علماء نفوسة ، وقد يكون بعضهم متأخرا قليلا بقرنين أو ثلاثة عن الشيخ عمروس ، ولكن ذكرتهم للتمثيل على مدى اهتمام علماء نفوسة بالتأليف ، وكذلك لأنهم قريبين من عصر الشيخ عمروس ، فهم عبارة عن امتداد للحركة العلمية التي عايشها الشيخ عمروس ، وكذلك لأن المصادر لا تذكر الكثير عن عصر الشيخ عمروس ، والمؤلفات التي ظهرت في تلك الفترة ، ولا يعود السبب في ذلك إلى قلة التأليف ولكن بسبب ضياع المؤلفات في الفتن والصراعات التي اجتاحت فترة ظهور الشيخ عمروس ، وكان الشيخ عمروس نفسه أحد ضحاياها ، حيث إنه استشهد في وقعة مانو ( 283 هـ ) كما سيأتي ؛ إذا فهكذا كانت الحركة العلمية في جبل نفوسة في عصر الشيخ عمروس ، مفعمة بالحركة والنشاط ، فواكب ذلك ظهور عدد كبير من العلماء الذي تركوا الكثير من المؤلفات القيمة .
4- المطلب الثالث : المؤسسات التعليمية في عصر الشيخ عمروس :
__________
(1) ****- مخطوط بمكتبة الشيخ سالم بن يعقوب ، وللشيخ أبي يعقوب يوسف المصعبي حاشية عليه ، حققه الباحثان عمر بارزين وأحمد كروم ، وهو تحت الطبع ( أنظر : بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/456 رقم الترجمة : 993 ) .
(2) *****- طبع بمصر ، قدم له وعلق عليه الشيخ علي يحيى معمر ( أنظر : المصدر السابق ، 2/456 ، رقم الترجمة : 993 ) .
(3) *****- مختصر في الأصول والفقه ، حققه الشيخ أبو إسحاق إبراهيم اطفيش ، وطبع عدة مرات ، وللمحشي أبي ستة محمد بن عمر حاشية عليه ( مخ ) ، وله عنوان آخر " اللمع " ( أنظر : المصدر السابق ، 2/456 رقم الترجمة : 993 ) .
(4) - المصدر السابق ، 2/456 رقم الترجمة : 993 . (1/199)
صفحة 200
لقد شهد عصر الشيخ عمروس حركة علمية وثقافية كبيرة ، كما مر علينا سابقا ، ومثل هذه الصحوة العلمية لابد لها من مؤسسات تخدم ذلك النشاط العلمي في تلك الفترة ، وكانت أهم المؤسسات العلمية التي ساهمت في دعم الحركة العلمية في عصر الشيخ عمروس تتمثل في ثلاثة مؤسسات ، وهي : المساجد ، والكتاتيب أو الكتاب ، وأخيرا المكتبات ، مع وجود بعض الدعم من مؤسسات أخرى كمنازل العلماء ، الذين حولوها مدارس لتعليم الطلاب ، وإن كانت حلق العلم أكثر ما تعقد في المساجد ، وأما الكتاتيب فكانت تخصص لصغار السن من التلاميذ الذين لم يبلغوا سن الرشد بعد كما سيأتي .
فكيف ساهمت هذه المؤسسات الثلاث في الحركة العلمية في عصر الشيخ عمروس ؟ وماهو الدور الذي لعبته في هذا المقام ؟ هذا ما سأحاول مناقشته من خلال هذا المطلب .
أولا : المساجد : (1/200)
صفحة 201
إن المساجد لعبت دورا كبيرا في النهضة العلمية عند المسلمين - مع دورها الأساسي المتمثل بأداء العبادات بها - خاصة في العصور المتقدمة ، فقد كانت تعد كالجامعات في زماننا هذا ، حيث أنه تقام بها حلق العلم التي تتناول مختلف العلوم ، سواء الشرعية من تفسير وحديث وفقه ...إلخ ، أو الدنيوية من طب وهندسة ورياضيات ... إلخ ؛ وقد اهتمت الدولة الرستمية ببناء المساجد في مختلف ولاياتها سواء العاصمة تيهرت أو بقية الولايات ، وذلك لعلمها بأهمية المساجد ودورها الفاعل في دعم الحركة العلمية في الدولة ، قال الباحث محمد دبوز واصفا دور المساجد العلمي في الدولة الرستمية : " ... وكانت المساجد في كل أنحاء الدولة الرستمية عامرة بدروس الوعظ والإرشاد ، وبكل ما يثقف العقول ، ويهذب النفوس ، ويثبت الدين ، وكانت المدينة أو القرية التي تسرع إلى صلاة الجماعة في المسجد تحرص على حضور دروس الوعظ والعلم بين أوقات الصلوات فيه ، وكانت هذه الدروس في مواضيع كثيرة : في التفسير ، والحديث ، والفقه ، وتاريخ الرسول - صلى الله عليه وسلم - والخلفاء الراشدين ، وفي الأخلاق ، وفي كل المواضيع المهمة التي تشغل بال الرعية ، وتنفعها في أعمالها ، ويستقيم بها اتجاهها في كل نواحي الحياة " إهـ (1) .
إذا ومن هذا المنطلق فإن الإمام عبد الرحمن بن رستم عندما قام ببناء تيهرت ، كان المسجد من أول المنشآت الحضارية لدولته ، لعلمه بأهميته كمكان للعبادة ، وكذلك بأهميته كجامعة لتخريج فطاحل العلماء ، ولم يكتف ببنائه فقط ، بل شرع في إقامة حلق العلم فيه ، فكان يتولى التدريس فيه بنفسه (2) .
__________
(1) - دبوز ، تاريخ المغرب الكبير ، 3/405 .
(2) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص82- الدرجيني ، الطبقات ، 1/41 ـ الشماخي ، السير ، 1/125- دبوز ، تاريخ المغرب الكبير ، 3/372 ـ بحاز ، الدولة الرستمية ، ص267 . (1/201)
صفحة 202
وقد انتشرت المساجد في العاصمة الرستمية تيهرت انتشارا كبيرا ، حتى أصبح كل مذهب له مساجده الخاصة التي يعرف بها ، وقد مر علينا سابقا ما قاله ابن الصغير في وصف الحرية الدينية والفكرية في العاصمة تيهرت في عهد الإمام عبد الرحمن بن رستم (1) ؛ ويتولى اتباع كل مذهب إقامة الدروس العلمية في مساجدهم ، وكذلك كانت تحدث في المساجد بعض المناظرات بين مختلف المذاهب الإسلامية بكل حرية ورحابة صدر ، وقد أشرنا إلى ذلك سابقا (2) ؛ وقد كان أئمة الدولة الرستمية يجتمعون بالعلماء في المساجد للتشاور ولإقامة حلق العلم ، فيروى أن الإمام أبا اليقظان كان يجل العلماء ويلتقي بهم في المسجد الجامع كما مر (3) ؛ هذه بعض الملامح عن المساجد في العاصمة الرستمية تيهرت ، ودورها الرائد في دعم الحركة العلمية في ذلك الوقت .
__________
(1) *- أنظر ص98 .
(2) **- أنظر ص107 .
(3) ***- أنظر ص105 . (1/202)
صفحة 203
ولم يكن دور المساجد كمؤسسات فاعلة في الحركة العلمية مقتصرا على تيهرت ، بل الملاحظ أن المساجد في بقية ولايات الدولة الرستمية كانت تساهم بشكل كبير في دعم الحركة العلمية وتنشيطها ، لا تقل عن الدور الذي تقدمه مساجد العاصمة تيهرت ؛ فمن ولايات الدولة الرستمية المهمة جبل نفوسة - الذي ترعرع بين جنباته الشيخ عمروس - الذي كانت مساجده تقوم بدور كبير في دعم وتنشيط الحركة العلمية ، التي شهدها جبل نفوسة في ذلك الوقت ، وقد حاز جبل نفوسة قدم السبق في الاهتمام ببناء المساجد ، وإقامة مختلف حلق العلم بها في القرون الإسلامية الأولى ، فنجد أن الكثير من العلماء والصالحين - سواء كانوا من أهل جبل نفوسة أو من غير أهله - قاموا ببناء عدة مساجد ومصليات في مختلف مدن وقرى جبل نفوسة ، فالإمام عبد الوهاب عندما زار جبل نفوسة مر في طريقه على جبل دمر ، وبنى مسجدا في موضع يسمى " تلاليت " (1) في جبل دمر (2) ، وعندما وصل إلى جبل نفوسة ظل فيه سبع سنوات يدرس أحكام الصلاة ، وأقام في قرية " ميري " (3)
__________
(1) *- تلالت : قرية تقع بجبل دمر الذي يقع في طرابلس ، في جنوب تونس حاليا ويسمى بجبل الحواية ( أنظر : أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص114- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 1/302 ، 2/44 رقم الترجمة : 80 ) .
(2) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص114 ـ الباروني ، الأزهار ، 2/137- 138 .
(3) **- ميري أو تيري : قرية من قرى جبل نفوسة ، تقع في وسطه ، من علمائها المشهورين أبو القاسم سدرات بن الحسن البغطوري ، يعتبر ثاني اثنين مع عبد الله بن الخير بقيا من العلماء بعد موقعة مانو ضد الأغالبة سنة ( 283هـ ) ( أنظر : الباروني ، الأزهار ، 2/141- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 1/313 ، 2/169 رقم الترجمة : 369 ) .. (1/203)
صفحة 204
وبنى فيها مسجده المشهور الآن بمسجد سيدي عبد الوهاب (1) ، وكان يلقي فيه دروسه ومواعظه (2) ؛ وقد مر علينا أن عاصم السدراتي أوقف حياته لنشر العلم ، متنقلا بين مدن وقرى جبل نفوسة وغدامس وجبال الأوراس والأحياء الصحراوية ، فاتخذ لذلك مصليات صغيرة يلقي فيها دروسه على الناس وطلاب العلم (3) .
__________
(1) ***- ذكر الباحث علي يحيى معمر أن مسجد الإمام عبد الوهاب لا يزال شامخا إلى يومنا هذا رغم اندثار مدينة ميرى التي لم يبق منها إلا بعض الأطلال ( أنظر : علي يحيى معمر ، الإباضية في موكب التاريخ ، الحلقة الثانية ، القسم الثاني ، ص211- 212 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص281 الهامش ) .
(2) - الباروني ، الأزهار ، 2/141 .
(3) ****- أنظر ص111 . (1/204)
صفحة 205
والملاحظ أن الكثير من العلماء والصالحين من أهل نفوسة ، أنشأوا مساجد ومصليات عرفت بهم ؛ فالشيخ عمروس بنى مسجدا في قرية " قطرس " ، وهو معروف باسم مسجد الشيخ عمروس (1) ؛ وكان بعضهم له عدة مساجد ومصليات ، فالشيخ أبو المنيب محمد بن يانس كانت له سبعة مساجد بعضها في الجبل وبعضها في السهل ، وكانت لا تفوته الصلاة في كل مسجد منها كل ليلة وهو شيخ كبير كما ذكر الدرجيني (2) ؛ وكان الشيخ أبو مهاصر موسى بن جعفر له مصلى يصلي فيه في طريق ذهابه إلى الحج ، وعند عودته من الحج (3) ، وكذلك كانت له ثلاثة مساجد (4) ؛ وأبو الحسن الأبدلاني كان له مصلى كذلك (5) ، وأبو عبيدة عبد الحميد الجناوني كانت له سبعة مساجد يتعبد فيها (6) .
هذه بعض الأمثلة على المساجد والمصليات التي قام بإنشائها علماء نفوسة بهدف التعبد فيها وكذلك بهدف نشر العلم عن طريقها ، وهناك الكثير من المساجد والمصليات لم أذكرها خوف الإطالة ، وقد جمعها الشماخي في نهاية كتابه السير (7) .
__________
(1) - عبد الله الباروني ، رسالة سلم العامة والمبتدئين ، ص54 ، هامش المحقق .
(2) - الدرجيني ، الطبقات ، 2/298 ـ الشماخي ، السير ، 1/148ـ بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/396 رقم الترجمة : 855 .
(3) - الدرجيني ، الطبقات ، 2/307 ـ الشماخي ، السير ، 1/172 .
(4) - الشماخي ، السير ، 2/235 .
(5) - المصدر السابق ، 2/235 .
(6) - المصدر السابق ، 1/156 ، 2/235 .
(7) - أنظر : الشماخي ، السير ، 2/235- 236 . (1/205)
صفحة 206
هذه المساجد والمصليات التي كانت منتشرة بكثرة في مختلف أرجاء قرى ومدن جبل نفوسة كانت تلعب دورا كبيرا في النهضة العلمية في عصر الشيخ عمروس ، حيث أن العلماء يستغلونها لإقامة حلق العلم وإلقاء الدروس والمواعظ ، فقد مر علينا أن الإمام عبد الوهاب أقام سبع سنوات في جبل نفوسة يلقي دروسا في أحكام الصلاة بمسجده في قرية " ميري " ، وعاصم السدراتي كذلك استغل المصليات التي أقامها لنشر العلم ، وإقامة حلق العلم المختلفة كما ذكرنا ؛ وكان الشيخ عمروس يذهب إلى مكان يسمى " تنين أندرشل " لطلب العلم ، حيث يجتمع في ذلك المكان مجموعة من العلماء (1) ، ولعلهم كانوا يجتمعون لطلب العلم في مسجد تنين أندرشل ، حيث ذكر الشماخي أنه كان يوجد مسجد في " تنين أندرشل " يعرف باسمه ، أي باسم " تنين أندرشل " (2) .
__________
(1) - البغطوري ، سير أهل نفوسة ( مخ ) ، ص76 ـ 77 ـ الشماخي ، السير ، 1/149 ، 2/19 ـ 20 .
(2) - الشماخي ، السير ، 2/235 . (1/206)
صفحة 207
وكذلك بالنسبة لبقية ولايات الدولة الرستمية ، فقد لعبت فيها المساجد دورا كبيرا في دعم النهضة العلمية ، وأولى علماء تلك الولايات اهتماما كبيرا بالمساجد وتعميرها حسيا بالبناء ، ومعنويا بحلق العلم المختلفة ؛ فعلى سبيل المثال جزيرة جربة شهدت في تلك الفترة نهضة علمية مثلها مثل بقية ولايات الدولة الرستمية ، وقد اهتم علماؤها بعمران المساجد ، فمن علمائها الذين شيدوا المساجد بها ونشروا العلم عن طريقها ، الشيخ أبو الخطاب وسيم الزواغي (1) الذي قام ببناء مسجد يعرف باسم " مسجد وسيم " في موضع يسمى " تاصروت " (2)
__________
(1) *- هو أبو الخطاب وسيم وقيل وسيل بن سينتين الزواغي ، يعد من الطبقة السابعة ( 300 هـ - 350 هـ ) ، من أعلام قبيلة زواغة بجبل نفوسة ، نشأ بها ثم انتقل إلى زويلة بليبيا ، أخذ العلم عن أبي نوح سعيد بن زنغيل ، وعبد الله بن زوزتين ، وأبي الربيع سليمان بن زرقون ، تولى القضاء بمدينة " ويضو " أو " بريمو " ، بعد وفاته قالت امرأة معافرية من ذرية أبي الخطاب عبد الأعلى المعافري ( ت : 144 هـ ) : " لما مات أبو الخطاب ، مات الحق ، فبقيتم يا زواغة هائمة ، ببطون كالأخرجة ، وعمائم كالأبرجة ، ونعال مبلجة ، وأحكام متعرجة " ( أنظر : الدرجيني ، الطبقات ، 1/8 ، 109 ، 112- 115 ـ الشماخي ، السير ، 1/238- 240- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/445- 446 رقم الترجمة : 966 ) .
(2) **- تاصروت : هو موضع بقرية بجزيرة جربة في تونس ، وقد اختلفت المصادر في اسمه ، فورد تاصروت ، وناصروت ، وتيمزرت ، ويمزروت ، وتبازريوت ( أنظر : أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص199ـ الدرجيني ، الطبقات ، 1/114ـ الشماخي ، السير ، 1/239- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/445- 446 رقم الترجمة : 966 ) .. (1/207)
صفحة 208
بقرية من قرى جزيرة جربة (1) ؛ والشيخ أبو مسور اليراسني (2) من علماء جربة ، كذلك قام ببناء مسجد كبير (3)
__________
(1) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص199 ـ الدرجيني ، الطبقات ، 1/114 ـ الشماخي ، السير ، 1/239- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/445 رقم الترجمة : 966 .
(2) ***- هو أبو مسور يسجا - وورد يشجا - بن يوجين اليراسني - وورد اليهراسني- ، و" يسجا " اسم بربري يعني استقام ، عاش في أواخر القرن الثالث الهجري ، من عظماء جزيرة جربة بتونس ، ينتمي إلى قبيلة يراسن ، وهي قبيلة بربرية استوطنت الأراضي الممتدة من " تطاوين " إلى جبل نفوسة ، نشأ في رعاية والده يوجين ، وحفظ القرآن وأخذ مبادئ العلوم بكتاتيب قريته ، ألحقه والده بعد ذلك بحلقة الشيخ أبي زكرياء يحيى بن يونس السدراتي بشروس بجبل نفوسة ، ومن مشائخه كذلك أبي معروف ويدرن بن جواد ، وأبي صالح بكر بن قاسم ، وغيرهم ، عاد إلى جربة فأقام فيها حاكما ومعلما ومرجعا للفتوى طيلة خمسين سنة ، تخرج على يديه عدد كبير من العلماء منهم : أبو محمد ويسلان بن أبي صالح ، وأبو محمد عبد الله بن مانوج اللمائي ، وأبو موسى عيسى الزواغي وغيرهم ، أعاد من كان بجزيرة جربة من الخلفية إلى المذهب الوهبي الإباضي ، وهو حلقة ذهبية في سلسلة الدين ، وقد توفي في حومة قلالة بجربة ، وبها دفن ، ولا يزال قبره معروفا ( أنظر : الدرجيني ، الطبقات ، 1/8 ، 116 ، 117 ، 157- 159- الشماخي ، السير ، 2/32- 33 ، 256 ، 345 ، 346- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/468- 469 رقم الترجمة : 1024 ) .
(3) *- يعد من أكبر مساجد جزيرة جربة ، ويقع في حومة الحشان على بعد 4 كلم غربي حومة السوق ( أنظر : سالم بن يعقوب ، تاريخ جزيرة جربة ، ص110 ) .. (1/208)
صفحة 209
فيها يعرف بمسجد بني يراسن (1) ، وذكر الشيخ سالم بن يعقوب أنه يعرف بالجامع الكبير أو جامع أبي مسور نسبة إلى مؤسسه (2) ، وكان سبب بنائه لذلك المسجد كثرة عدد طلابه ، حيث لم يتسع لهم المكان الذي كان يدرسهم فيه ، فأراد بناء مسجد كبير يتسع لهم ، إلا أن منيته عاجلته قبل إتمامه ، فأكمل بنائه ابنه فصيل (3) ،
__________
(1) **- بنو يراسن نسبة إلى قبيلة يراسن البربية ، استوطنت الأراضي الممتدة من " تطاوين " إلى جبل نفوسة ( أنظر : بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/468 رقم الترجمة : 1024 ) .
(2) - سالم بن يعقوب ، تاريخ جزيرة جربة ، ص110 .
(3) ***- هو أبو زكرياء فصيل بن أبي مسور يسجا بن يوجين اليهراسني ، من أفذاذ العلماء بجزيرة جربة في تونس ، ولد بجبل نفوسة ، تلقى العلم عن أبيه أبي مسور بجربة ، وعن الشيخ أبي خزر يغلى بن زلتاف بإفريقية ، فصار علما فقيها ، تولى التدريس بمسجد أبيه بجزيرة جربة ، بعد أن أكمل بنائه ، من تلامذته : أبو الخطاب عبد السلام بن وزجون ، وأبو الربيع سليمان بن يخلف المزاتي ، والعلامة أبو عبد الله محمد بن بكر مؤسس نظام العزابة وغيرهم ، وقد كان فصيل هو صاحب الفكرة الأساسية لنظام العزابة ، ولذلك سمي نظام العزابة بـ : " السيرة المسورية البكرية " نسبة إلى فصيل بن أبي مسور ، ومحمد بن بكر ، كان صاحب أخلاق حميدة ، وكريم اليد ينفق على الطلبة بسخاء وبسرية ، توفي بين سنتي 420 هـ و 440 هـ ( أنظر : الدرجيني ، الطبقات ، 1/8 ، 139 ، 157- 159 ، 189 ، 192 ، 2/218 ، 242 ، 254 ، 361- 364 ، 393- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/339 رقم الترجمة : 734 ) .. (1/209)
صفحة 210
فصار المسجد جامعا يخرج العلماء ، وكانت به مدرسة عظيمة دام نشاطها قرابة 11 قرنا ، تخرج منها العديد من علماء الإباضية من جربة ونفوسة وميزاب (1) ؛ وكذلك قام أئمة الدولة الرستمية ببناء مسجد في جزيرة جربة يعرف بـ " جامع تاجديت " ، ليكون منارة للإشعاع العلمي ، يقول عنه أبو راس الجربي : " هي لفظة أصلها الجامع الجديد ، بني في أول المائة الثالثة ، أمر ببنائه أمير مدينة تيهرت على يد عامله بجربة " إهـ (2) ؛
__________
(1) - الدرجيني ، الطبقات ، 1/159- سالم بن يعقوب ، تاريخ جزيرة جربة ، ص110- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/469 رقم الترجمة : 1024 .
(2) - أبو راس محمد الجربي ، مؤنس الأحبة في أخبار جربة ، ص97 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص278 .. (1/210)
صفحة 211
وتوجد بجربة الكثير من المساجد التي أسسها أهل العلم أعرضنا عن ذكرها خوف الإطالة ، وقد أشار إلى أربعة عشر مسجدا من مساجدها الشيخ سعيد بن أيوب الباروني (1) في قصيدة مخمسة مشيرا إلى مدارسها ومدرسيها فاليرجع إليها (2) .
__________
(1) *- هو الشيخ سعيد بن أيوب الباروني النفوسي ، ويكنى بأبي عثمان ، عاش في القرن الحادي عشر الهجري ، هو من علماء جربة ، تتلمذ على عدد من مشايخها في أربعة عشر مسجدا من مساجد جربة ، من مشايخه أبو حفص عمرو بن أبي ستة القصبي والد المحشي ، اشتغل بالتدريس وترك تلامذة منهم شاعر نظم قصيدة في مدحه ؛ وينبغي التنبيه أنه يوجد شخص آخر يحمل نفس اسم الشيخ سعيد ، وهو الشيخ سعيد بن أيوب الباروني ، وقد عاش في القرن الثالث عشر الهجري ، وهو من علماء الدين والسياسة بجبل نفوسة بليبيا ، أخذ العلم عن والده وعن مشايخ الجامع الكبير بجربة ، كان خطيبا مفوها ، ترك بعض المؤلفات ، وكانت بينه وبين الإمام القطب مراسلات ، أنشأ مدرسة علمية ببلدة كبَاوْ ، وأوقف لها أموالا تكفيها وتكفي طلبتها وأساتذتها ، وقد تعطلت بعد وفاته ، وأسست الحكومة العثمانية على أنقاضها مستوصفا ، وكانت الحكومة العثمانية تهابه وأسندت إليه بعض الوظائف المهمة ، ترك مكتبة هامة إلا أن النار قضت عليها ( أنظر : سالم بن يعقوب ، تاريخ جزيرة جربة ، ص102- 106- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/175 ، رقم الترجمة : 386 ، 2/175 ، رقم الترجمة : 387 ) .
(2) **- أنظر القصيدة كاملة في : سالم بن يعقوب ، تاريخ جزيرة جربة ، ص102- 106 . (1/211)
صفحة 212
ووارجلان كذلك لم تقل عن مثيلاتها من ولايات الدولة الرستمية ، فقد اهتم علماؤها ببناء المساجد ونشر العلم عن طريقها ، ومنهم الشيخ أبو صالح جنون الوارجلاني (1) قام ببناء محراب ومسجد بوارجلان ، أمام مدينة " إنجان " (2) ، وقد أحرقه العبيديون في غاراتهم على المنطقة (3) ؛ وكان أهل وارجلان يجتمعون عنده طلبا للعلم ، قال الدرجيني : " وكانت جماعة أهل وارجلان تجتمع عند مسجد الشيخ جنون ، فمنهم المستفيد منه علما ، ومنهم المتبرك بمشاهدته ، والمشارك فيما يعرض من أمور دنياه ودينه ، والمقتني خلقا يتحلى به ، والمستزيد من معرفة سبب السير ، فكلهم منقلب بخير وفضل " إهـ (4) .
__________
(1) ***- هو الشيخ أبو صالح جنون - وورد أكنون - بن يمريان اليهرساني - وورد اليراسني - الوارجلاني ، عاش في أوائل القرن الرابع الهجري ، من سدراته إيزورام ، كان شيخ الإباضية بوارجلان ، وكان عالما ذكيا غزير المادة ، وكان ينفق بسخاء على العلم وأهله ، تتلمذ على أبي يوسف يعقوب الطرفي الذي أخذ العلم عن بعض الأئمة الرستميين بتيهرت ، له تآليف مشهورة قضت عليها الفتن ، بقي منها قصيدة مشهورة له في الوعظ ، وكذلك نقلت عنه وصايا وروايات في العقيدة والفقه ، وله فتاوى ، قبره بسدراته في المقبرة المنسوبة إليه ، ومعبده غار أسفل جبل كريمة ، لا يزال إلى الآن على حاله ( أنظر : الدرجيني ، الطبقات ، 1/143- 144 ، 2/341- 345 - الشماخي ، السير ، 2/45- 47 ، 143 - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/115- 116 رقم الترجمة : 245 ) .
(2) ****- إنجان : مدينة توجد في وارجلان بالجزائر ( أنظر : بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 1/300 ، 2/115 رقم الترجمة : 245 ) .
(3) - الدرجيني ، الطبقات ، 1/144- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/115 رقم الترجمة : 245 .
(4) - الدرجيني ، الطبقات ، 1/144 . (1/212)
صفحة 213
إذا فقد لعبت المساجد دورا كبيرا في النهضة العلمية التي عايشها الشيخ عمروس ، كمؤسسات علمية نشطة توازي الدور الذي تؤديه الجامعات في عصرنا هذا ، وقد كانت الحلق التي تقام في المساجد والمصليات تخصص غالبا لطلاب العلم الذين تجاوزوا مرحلة سن البلوغ ، أما مراحل التعليم الأولى في سن الطفولة فتكون خارج المسجد في مكان يعرف بالكتاتيب ، وذلك لأن الطفل لا يراعي جانب الطهارة في المسجد والاحتراز من النجاسات (1) .
ثانيا : الكتاتيب :
إن الكتاتيب كانت تمثل اللبنة الأولى للتعليم في بلاد المغرب في العصور المتقدمة كما ذكرت د/ نجاح القابسي (2) ، وقد كانت تعد من أشهر أنواع التعليم الابتدائي ، ففيها كان الصبيان يلقنون مبادئ اللغة العربية ، وحفظ القرآن الكريم ، والأحاديث النبوية ، بطريقة التكرار والترداد وراء الشيخ (3) ؛ وقد اعتبر الباحث إبراهيم بحاز الكتاتيب من أهم المؤسسات التي بثت المعرفة في أوساط البربر (4) .
__________
(1) - بحاز ، الدولة الرستمية ، ص276- 277 ، 282 .
(2) - د/ نجاح القابسي ، المعاهد والمؤسسات التعليمية في العالم الإسلامي ، مجلة المؤرخ العربي ، العدد 19 ، السنة 1981م ، بغداد ، ص177 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص276 .
(3) - عويس عبد الحليم ، دولة بني حماد ، ط1 : 1400هـ / 1980م ، دار الشروق ، بيروت ، لبنان ، ص253 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص276 .
(4) - بحاز ، الدولة الرستمية ، ص276 . (1/213)
صفحة 214
ولما للكتاتيب من أهمية ودور فاعل في النهضة العلمية فقد أولتها الدولة الرستمية اهتماما بالغا ، فقامت ببناء ملحقات مع المساجد لتكون كتاتيب لتعليم الأطفال في جميع ولاياتها ؛ والحقيقة أن المصادر لا تتحدث كثيرا عن هذا الجانب المهم من تاريخ الدولة الرستمية ، ولكن بعض الباحثين لم يستبعد وجود مثل هذه الكتاتيب في ولايات الدولة الرستمية المختلفة بما فيها العاصمة الرستمية تيهرت (1) ؛ وذكر الشيخ سليمان داود أن الرستميين لم تقتصر عنايتهم بالتعليم في ناحية دون أخرى ، بل كانت لهم مدارس في جميع مملكتهم ، وبالأخص في المدن الشهيرة مثل وارجلان ، وبلد أريغ (2) ، وسوف (3) ، والحامة (4) ، وقنطرار ، وقسطيلية ، وجبل دمر ، وغدامس ، وزويلة ، وجربة ، فضلا عن جبل نفوسة ، وتيهرت (5) .
__________
(1) - المصدر السابق ، ص278 .
(2) *- أريغ : منطقة أو وادي ، تقع جنوب الجزائر ، من علمائها إبراهيم بن مطكوداسن المزاتي الغرماني ، كان شيخا فاضلا من رواة السير ( أنظر : بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 1/299 ، 2/32 رقم الترجمة : 49 ) .
(3) **- سوف : منطقة أو وادي ، تقع جنوب شرق الجزائر ، من علمائها المشهورين أبو عمرو عثمان بن خليفة السوفي المارغني من علماء القرن السادس الهجري ( أنظر : بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 1/314 ، 2/287 رقم الترجمة : 620 ) .
(4) ***- الحامة : منطقة تقع ببلاد الجريد في تونس ، من علمائها أبو القاسم يزيد بن مخلد الوسياني الحامي ( ت : 358هـ ) ( أنظر : بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 1/305 ، 2/467 رقم الترجمة : 1022 ) .
(5) - سليمان داود بن يوسف ، مجهودات الدولة الرستمية في نشر الحضارة الإسلامية وتركيزها ، مجلة الأصالة عدد 49 ، ص95 ، السنة السادسة رمضان شوال 1397هـ/ سبتمبر أكتوبر 1977م نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص278 . (1/214)
صفحة 215
وقد كان نظام الكتاتيب التعليمي له وجود في جبل نفوسة ، وقد كان أهل نفوسة يدخلون أولادهم الكتاتيب لتلقي العلم وحفظ القرآن في مراحل عمرهم الأولى ، والذي يدل على ذلك وجود إشارة لأبي زكرياء إلى نظام الكتاتيب عندما تحدث عن أحد الإباضية المنشقين عن المذهب ويعرف باسم السكاك واسمه عبد الله (1) ،
__________
(1) *- هو أبد الله أو عبد الله السكاك - وورد الشكاس ، ولعل السكاك أصح - اللواتي ، ينتمي إلى قبيلة لواته البربرية ، من سكان قنطرار بجبل نفوسة ، عاش في القرن الخامس الهجري ، كان يعمل صائغا ، فلعله سمي بالسكاك لعمله في الصياغة ، وهو مؤسس حركة السكاكية ، كان أبوه رجلا صالحا على المذهب الإباضي ، إلا أن السكاك عندما شب أظهر مخالفة المذهب في بعض المسائل التي بسببها تبرأ الإباضية منه ومن حركته وأتباعه ، وذهب بعض علماء الإباضية إلى تشريكهم ، وذهب بعضهم إلى الحكم بنفاقهم ، فكان الإباضية إذا مات بينهم أحد أتباع الحركة السكاكية يجرونه من رجليه جرا ، ويلقونه في حفرة ما ، بسبب تشريكهم لأتباع هذه الحركة الضالة ، ومن معتقدات الحركة السكاكية : 1- إبطال السنة ورأي المسلمين ، 2- الصلاة في جماعة بدعة ، 3- الأذان بدعة ، فإذا سمع السكاكية الأذان قالوا : نهيق الحمار ! ، 4- لاتجوز الصلاة بشيء من القرآن إلا ما عرف تفسيره ومعناه ، 5- لا تجوز الصلاة بثوب فيه قمل ، 6- الحبوب إذا بالت فيها الدواب التي تدرس نجسه ، والقمح لا يطهر إلا بالغسل ، والخضار من بساتين يستعمل لها الروث نجسة ، والحركة السكاكية لم تتجاوز قنطرار ، وذكر أبو زكرياء والدرجيني أن هذه الحركة لم تتجاوز قنطرار ، وقد انقرض أتباعها ، ولم يبق منهم أحد ( أنظر : أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص203- 204 - الدرجيني ، الطبقات ، 1/118- 119 - علي يحيى معمر ، الإباضية بين الفرق الإسلامية ، 2/34- 35 - علي يحيى معمر ، الإباضية مذهب اسلامي معتدل ، ص44- 45- النامي ، دراسات عن الإباضية ، ص217 ) . (1/215)
صفحة 216
وقال أن أباه أدخله في الكتاتيب فقرأ وحفظ (1) ، وذكر الدرجيني نفس هذه القصة عن السكاك ، إلا انه بدلا من أن يستخدم مصطلح " الكتاتيب " استعمل مصطلح " المؤدب " ، فقال : " ... ولما احتمل العلم دفعه أبوه إلى المؤدب ، فقرأ وحفظ القرآن ... " إهـ (2) .
والظاهر أن الكتاتيب كانت تقام بالقرب من المساجد ومنفصلة عنها لسببين ، أولهما أن الكتاتيب كان لتعليم الصبيان الذين ما زالوا لم يبلغوا سن الرشد بحيث يحترزوا من النجاسة إذا دخلوا المسجد الذي يشترط فيه الطهارة ، وأما السبب الثاني لإقامة الكتاتيب بالقرب من المساجد هو لارتباطها بالمساجد ، حيث أن العلوم التي تعلم في الكتاتيب كانت في غالبها دينية بحتة أو مرتبطة به ارتباطا وثيقا كاللغة العربية (3) .
ويبدوا أن التلاميذ في الكتاتيب كانوا يستعملون الألواح الخشبية في التعليم (4) ، ربما لندرة الورق في ذلك الوقت (5) ، فيروى أن أول من تعلم القرآن في جبل نفوسة هو عمر بن يمكتن (6) ،
__________
(1) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص203 .
(2) - الدرجيني ، الطبقات ، 1/118 .
(3) - بحاز ، الدولة الرستمية ، ص276- 277 .
(4) **- لا تزال هذه الوسيلة مستعملة إلى يومنا هذا في بعض مدارس وادي ميزاب بالجزائر ، واقتصرت فقط على كتابة القرآن الكريم وربما بعض الكلمات والحروف ( أنظر : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص277 الهامش ) .
(5) - المصدر السابق ، ص277 .
(6) ***- هو عمر بن يمكتن ، من أعلام جبل نفوسة بليبيا ، تعلم القرآن وحفظه في طريق مغمداس كما ذكرنا أعلاه ، اجتهد وجالس العلماء حتى بلغ منزلة كبيرة في العلم ، كان أول من علم القرآن بجبل نفوسة في إفاطمان ، كما ذكرنا أعلاه ، عينه الإمام أبو الخطاب عبد الأعلى واليا على " سرت " ، وشارك مع الإمام أبي الخطاب في معاركه ، منها : معركة مغمداس 142هـ =
= ، ومعركة تاورغا سنة 144هـ ، التي استشهد فيها مع الإمام أبي الخطاب رحمهما الله تعالى ( أنظر : الشماخي ، السير ، 1/127- علي يحيى معمر ، الإباضية في موكب التاريخ ، المجلد الأول ، ح2 ، ق1 ، ص39- 44- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/314 رقم الترجمة : 677 ). (1/216)
صفحة 217
وقد استخدم الألواح لحفظ القرآن ، فكان يقف في طريق مغمداس (1) يتلقى فيها القادمين من المشرق فيكتب عنهم لوحة من القرآن وينصرف ، فإذا حفظه رجع إلى نفس المكان مكررا نفس الفعل حتى حفظ القرآن كاملا (2) ؛ ثم بعد أن تعلم القرآن وأتقنه ، بدأ بتعليمه فكان أول من علم القرآن بجبل نفوسة في مكان يسمى " إفاطمان " (3) (4) ؛
__________
(1) *- مغمداس : موضع يقع على مسيرة ثمانية أيام من مدينة طرابلس في أرض سرت على شاطئ البحر ، وقد وقعت فيه معركة مغمداس المشهورة سنة 142هـ ، بين الإمام أبي الخطاب عبد الأعلى المعافري وبين جيش العباسيين بقيادة أبي الأحوص العباسي ، وقد انتصر في المعركة الإمام أبو الخطاب على جيش العباسيين ، وقد ذكر أبو زكرياء وتابعه على ذلك الدرجيني أن معركة مغمداس وقعت بين الإمام أبي حاتم يعقوب بن لبيد الملزوزي والعباسيين ، إلا أن الشماخي علق على ما ذهب إليه أبو زكرياء فقال : " ...وقد تقدم أن أبا الخطاب قاتل الجند بمغمداس وهزمهم وقتل منهم بشر كثير ، إما أن يكون قتال أبي حاتم لهم به ثانية ، وإما سهو من أبي زكرياء لأن قتال أبي الخطاب لهم به مشهور ذكره ابن سلام والرقيق " إهـ ، وقد رجحه أصحاب معجم أعلام الإباضية ما ذهب إليه الشماخي ( أنظر : أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص77- الدرجيني ، الطبقات ، 1/38 ـ الشماخي ، السير ، 1/118 ، 123 ـ بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/242 رقم الترجمة : 534 ) .
(2) - الشماخي ، السير ، 1/127- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/314 رقم الترجمة : 677 .
(3) **- إفاطمان : قرية توجد بجبل نفوسة بليبيا ( أنظر : بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/314 رقم الترجمة : 677 ) .
(4) - الشماخي ، السير ، 1/127- بحاز وآخرون ، معجم اعلام الإباضية ، 2/314 رقم الترجمة : 677 .. (1/217)
صفحة 218
وقد ذهب الباحث بحاز إلى أنه لا يستبعد أن يكون الشيخ عمر بن يمكتن اتبع مع طلابه نفس طريقته في التعلم ، وهي استخدام الألواح ومحوها كلما حفظ الصبي (1) .
إذا فقد كان للكتاتيب دور كبير في النهضة العلمية التي شهدها عصر الشيخ عمروس ، حيث أنها تمثل اللبنة الأولى للعلماء الذين سيحملون شعلة العلم في المستقبل ، ولا يستبعد أن يكون الشيخ عمروس قد تلقى أولى مراحل تعليمه في هذه الكتاتيب ، وذلك أنها كانت منتشرة في المغرب في تلك الفترة .
ثالثا : المكتبات :
إن أي نهضة علمية لا بد وأن تقترن بالكتاب ، وقد انتشرت الكتب في عصر الشيخ عمروس بشكل كبير ، مما نتج عنه تكوين مكتبات ضخمة عامة وخاصة في مختلف ولايات وقرى الدولة الرستمية التي عاصرها الشيخ عمروس ، ففي العاصمة الرستمية تيهرت اهتم أئمة الدولة الرستمية بتأليف الكتب واقتنائها كما مر علينا في المطلب الأول من هذا المبحث ، مما أدى إلى تكوين مكتبات عديدة وضخمة في تيهرت ، ومن أشهر مكتبات تيهرت مكتبة " المعصومة " التي تذكر المصادر أنها صومعة مملوءة بالكتب ، في مختلف الفنون والمعارف (2) ، وقد قام العبيديون بقيادة أبي عبد الله الشيعي بإحراقها بما حوته من كتب ، بعد أن أخذوا ما فيها من كتب الصناعة والرياضيات والفنون الدنيوية (3) .
__________
(1) - بحاز ، الدولة الرستمية ، ص277 .
(2) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص170- الدرجيني ، الطبقات ، 1/94- الباروني ، الأزهار ، 2/293- دبوز ، تاريخ المغرب الكبير ، 3/397- بحاز ، الدولة الرستمية ، ص289 .
(3) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص170- الدرجيني ، الطبقات ، 1/94- الباروني ، الأزهار ، 2/293- دبوز ، تاريخ المغرب الكبير ، 3/397 . (1/218)
صفحة 219
وقد كانت مكتبة المعصومة تحوي آلافا من المجلدات ، يذكر الباحث محمد دبوز بأنها ثلاثمائة ألف مجلد (1) ، وكان من بين هذه المجلدات ديوان يعرف بديوان تيهرت ، ذكره الدرجيني (2) ، وقال عنه الباحث إبراهيم بحاز : " لا نعرف عنه شيئا " (3) ، وذلك أنه كان من ضمن الكتب التي أحرقها العبيديون ، فضاع مع ما ضاع من كتب ومؤلفات مهمة ، تحكي تاريخ أمة .
وكذلك يلاحظ أن بقية ولايات الدولة الرستمية اهتمت بإنشاء المكتبات ، وتعميرها بمختلف الكتب والمؤلفات ، فجبل نفوسة - وهو من الولايات المهمة بالدولة الرستمية - اهتم بإنشاء المكتبات ، كنتيجة طبيعية للنهضة العلمية التي شهدها الجبل في عصر الشيخ عمروس ، فانتشرت مئات المكتبات العلمية العامة والخاصة في مدن وقرى جبل نفوسة ، حاوية الآلاف من الكتب والمؤلفات سواء كانت لأهل المغرب أو المشرق (4) ؛ ومن مكتبات جبل نفوسة المشهورة خزانة نفوسة ، وهي مكتبة عامة كانت تحوي الآلاف من الكتب ، وتوجد بمدينة شروس (5) ؛ وكذلك كان بحوزة العلماء العديد من المكتبات الخاصة ، إلا أن المصادر لا تذكر شيئا كثيرا عن هذه المكتبات الخاصة (6) ، ولكن يمكن استنتاج ذلك من خلال كثرة عدد العلماء في جبل نفوسة ، ونشاط الحركة العلمية ، وكثرة النسخ ، هذا كله يستلزم وجود مكتبات تدعم هذه الحركة العلمية النشطة .
__________
(1) - دبوز ، تاريخ المغرب الكبير ، 3/396 .
(2) - الدرجيني ، الطبقات ، 1/94- 95 .
(3) - بحاز ، الدولة الرستمية ، ص289 .
(4) - دبوز ، تاريخ المغرب الكبير ، 3/388 .
(5) - الباروني ، الأزهار ، 2/209 ـ بحاز ، الدولة الرستمية ، ص289 .
(6) - بحاز ، الدولة الرستمية ، ص290 . (1/219)
صفحة 220
ولكن توجد بعض الإشارات إلى كثرة المكتبات في جبل نفوسة فمن ذلك ما ذكره الدرجيني عن أبي العباس أحمد بن محمد الفرسطائي النفوسي عندما كان يطلب العلم بجبل نفوسة ، وجد بمكتبات أمسنان (1) فقط ثلاثة وثلاثين ألف جزء من كتب المشارقة ، فعكف عليها واختار أحسنها فائدة وقرأها (2) .
إن انتشار المكتبات في مختلف مدن وقرى جبل نفوسة ساهم كثيرا في دعم الحركة العلمية التي شهدها الجبل في عصر الشيخ عمروس ، ولا يستبعد أن يكون الشيخ عمروس قد استفاد من وجود هذه المكتبات ، واستغل ما فيها من كتب ؛ ومما يندى له الجبين ويحزن القلب أن هذه الثروة العظيمة من المكتبات ذهبت ضحية للفتن والنزاعات ، فأحرقت وانتهبت بما حوته من مؤلفات ونفائس (3) .
__________
(1) *- أمسنان : قرية توجد بجبل نفوسة ، من علمائها أبو سعيد يخلفتن بن أيوب الزنزفي المسناني ( عاش في الفترة 450هـ - 500هـ ) ( أنظر : بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 1/300 ، 2/49 رقم الترجمة : 89 ، 2/466 رقم الترجمة 1021 ) .
(2) - الدرجيني ، الطبقات ، 2/445- الشماخي ، السير ، 2/90- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/49 رقم الترجمة : 89 .
(3) - دبوز ، تاريخ المغرب الكبير ، 3/388- بحاز ، الدولة الرستمية ، ص293 . (1/220)
صفحة 221
ومن المكتبات التي حفظت لنا المصادر شيئا عنها ، مكتبة توجد في قرية تمولست (1) بجبل دمر في جنوب قابس ، حيث ذكرت المصادر أن مجموعة من الطلبة من جربة قالوا : " أردنا الطلوع إلى جبل دمر لدراسة الكتب بتمولست ... فشيعنا أبو زكرياء يحيى (2) ونحن خارجون من جربة إلى جبل دمر ، فحثنا على العلم ، وقوى عزائمنا على الذهاب إلى تمولست ، وأشعرنا بواجبنا ، فقال : " إن رجعتم إلى أهليكم على هذه الحال ، فأنتم كمن ترك الإسلام عمدا " (3) ، قال الدرجيني : " وهذا منه تحريض وترغيب في طلب العلم " إهـ (4) ؛ وقد استنتج الباحث دبوز إمكانية أن تكون تمولست مكتبة تحوي على عدد من الكتب رغب الطلاب في قراءتها (5) .
__________
(1) **- تمولست : مدينة في جبل دمر بجنوبي تونس ( أنظر : دبوز ، تاريخ المغرب الكبير ، 3/403- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 1/302 ) .
(2) ***- أبو زكرياء يحيى بن أبي بكر بن سعيد اليهرساني الوارجلاني ، ولد في وارجلان بالجزائر ، هو صاحب كتاب " السيرة وأخبار الأئمة " ، الذي اعتمد عليه كل أصحاب السير والطبقات الإباضية ، كالوسياني ، والبغطوري ، والشماخي ، ومن جاء بعدهم إلى يومنا هذا ، تلقى العلم بوادي أريغ عند الشيخ أبي الربيع سليمان بن يخلف المزاتي ، له أجوبة وفتاوى في علم الكلام ، ورسائل في الفقه ، يبدو أنها فقدت ، ألا أن بعض العلماء يستشهدون بأقواله وآرائه الكلامية ، توفي في سنة 471هـ ، أو بعد سنة 474هـ ( أنظر : أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص23- 25 المقدمة - الدرجيني ، الطبقات ، 1/ي ، م ، 2/352 ، 427 ، 448- 451- الشماخي ، السير ، 2/92- 93 - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/451- 452 رقم الترجمة : 984 ) .
(3) - الدرجيني ، الطبقات ، 2/427- الشماخي ، السير ، 2/82 .
(4) - الدرجيني ، الطبقات ، 2/427 .
(5) - دبوز ، تاريخ المغرب الكبير ، 3/403 . (1/221)
صفحة 222
هذه نبذة عن بعض المكتبات التي كانت موجودة في عصر الشيخ عمروس ، والتي كانت مرجعا لطلاب العلم ينهلون من معينها الصافي ، فساهمت المكتبات المنتشرة في المغرب في عصر الشيخ عمروس في الصحوة والنهضة العلمية التي شهدها ذلك العصر ، هذا بالإضافة إلى المؤسسات العلمية الثلاث التي تناولها هذا المبحث وهي المساجد والكتاتيب والمكتبات ، فإن منازل العلماء كذلك كانت تقوم بدور كبير في النهضة العلمية التي شهدها عصر الشيخ عمروس . (1/222)
صفحة 223
فكان العلماء يفتحون منازلهم كمدارس يقصدها طلاب العلم ، ومن ذلك منزل أبي ذر أبان بن وسيم الذي كانت تقصده النساء للتعليم (1) ، ومنهم كذلك أبو هارون موسى بن يونس الجلالمي النفوسي ، الذي قال عنه أحد أقرانه في العلم : " لو علم الناس ما ينفعهم لازدحموا عند باب داره كما يزدحمون عند باب دار أبي عبيدة بالبصرة " (2) ، وقد كان ابن الصغير كذلك يتردد على أبي عبيدة الأعرج (3)
__________
(1) - الشماخي ، السير ، 1/186 .
(2) - الشماخي ، السير ، 1/236- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/432 رقم الترجمة : 932 .
(3) *- هو أبو عبيدة الأعرج ، لم تذكر المصادر اسمه ، عاش في القرن الثالث الهجري ، في زمن الدولة الرستمية ، وبالتحديد في عهد الإمام أبي اليقظان محمد بن أفلح ( حكم : 261هـ - 281هـ ) ، وكان من سكان العاصمة الرستمية تيهرت ، كان شيخا عالما بالفقه والكلام واللغة والنحو والوثائق ، وكان ورعا زاهدا ، درَّس في منزله الحديث ، ومن تلامذته ابن الصغير ، مؤرخ الدولة الرستمية ، صاحب كتاب " أخبار الأئمة الرستميين " ، كان يعد مرجعا في العلم ، فإذا اختلفوا في أمر الفقه صدروا عن رأيه ، حتى إن إباضية سجلماسة يبعثون إليه زكاتهم ليصرفها حيث يشاء ، يقول عنه ابن الصغير : " رأيت أنا هذا الرجل ، وجلست إليه ، فما رأيت في سود الرؤوس رجلا أخشع منه ، وكان قليل الدخول على أبي اليقظان " إهـ ، وكان الإمام أبو اليقظان يقف له ، ويجلسه بجانبه في المجالس ، تقديرا وإكراما له ( أنظر : ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص95- 97 - الشماخي ، السير ، 1/190- 191 - الباروني ، الأزهار ، 2/243- 245 - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/285- 286 رقم الترجمة : 612 ) .. (1/223)
صفحة 224
أحد علماء تيهرت ، ليدرس عنده كتابا في الحديث (1) (2) ، وقد ذهب الباحث إبراهيم بحاز إلى أنه لا يستبعد أن يكون المكان الذي يلتقيان فيه هو منزل أبي عبيدة الأعرج (3) .
5- المطلب الرابع : العلوم المتداولة في عصر الشيخ عمروس وأبرز العلماء في عصره :
لقد انتشرت في عصر الشيخ عمروس العديد من العلوم ، سواء كانت علوما دينية أو علوما دنيوية ، ولكن كان الغالب في ذلك الوقت التركيز على العلوم الدينية من حفظ لكتاب الله وتفسير وحديث وفقه وغيره ، وكما يقول الباحث إبراهيم بحاز : " حتى ليخيل إلينا أن أغلب الناس كانوا فقهاء أو لهم حظ لا بأس به من الفقه " إهـ (4) ؛ ولعله كان من أسباب اهتمام الدولة الرستمية بالعلوم الدينية أكثر من بقية العلوم راجع إلى كونها دولة ملتزمة بالدين ، قامت تجسيدا لمبادئ هذا الدين الحنيف ، وكذلك لوجود تعددية مذهبية في داخل الدولة الرستمية ، وكذلك خارجها ، مما دفعها إلى التركيز على علم الكلام والذي يقوم على العلوم الدينية واللغة العربية ، وكانت هذه العلوم الدينية مع اللغة العربية والتاريخ - وبالأخص سير الأئمة - هي الأكثر بروزا وتداولا في ذلك العصر ، وهذه النتيجة نفسها توصل إليها الباحث إبراهيم بحاز (5) .
__________
(1) **- هو كتاب " إصلاح غلط أبي عبيدة في غريب الحديث " لابن قتيبة أبي محمد عبد الله بن مسلم الكوفي ، توفي سنة 270هـ ( أنظر : ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص96 الهامش ) .
(2) - ابن الصغير ، المصدر السابق ، ص96 .
(3) - بحاز ، الدولة الرستمية ، ص286 .
(4) - بحاز ، الدولة الرستمية ، ص293 .
(5) - المصدر السابق ، ص294- 296 . (1/224)
صفحة 225
والحقيقة أن التركيز على العلوم الدينية لم يكن مقتصرا على الدولة الرستمية ، بل كان ذلك سائدا على جميع أجزاء المغرب ، ولعل السبب في ذلك يعود إلى القرب من عصر النبوة ، وبسبب المنافسة المذهبية (1) ؛ فمن العلوم الدينية التي لاقت اهتماما في عصر الشيخ عمروس علم التفسير ، وقد نبغ الكثير من العلماء المغاربة في التفسير في ذلك الوقت ، فمنهم الإمام عبد الرحمن بن رستم ، وقد ألف كتاب في تفسير القرآن الكريم (2) ؛ والإمام يعقوب بن أفلح ، الذي يظهر أنه كان عالما بتفسير القرآن الكريم ، ويستشف ذلك من كلامه عندما سئل : أتحفظ القرآن ؟ فقال : " أستعيذ بالله أن ينزل على موسى وعيسى عليهما السلام ما لم أحفظ وأعرف معناه ، فكيف بالكتاب المنزل على سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - " (3) ؛ والشيخ محمد بن يانس كان كذلك من العلماء النابغين في علم التفسير ، فكان ضمن الوفد الذي طلبه الإمام عبد الوهاب لمناظرة المعتزلة ، فطلب مائة مفسر ، فأرسلت إليه محمد بن يانس الذي كان يغني عن المائة مفسر ، وكان يقول : " أخذت تفسير القرآن كله من الثقات ، وعلمته عنهم إلا حرفا واحدا ، أو حرفين ، فان اضطررت أجد مخرجا " (4) ؛ ويظهر من كلام ابن يانس أن جبل نفوسة كان يعج بالعلماء المتضلعين في التفسير ، وذلك ظاهر من قوله : " أخذت تفسير القرآن كله من الثقات ... " .
__________
(1) - المصدر السابق ، ص295- 296 .
(2) - الشماخي ، السير ، 1/167- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ،2/248 رقم الترجمة : 544 .
(3) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص190 ـ الدرجيني ، الطبقات ، 1/105 ـ الشماخي ، السير ، 2/47 ـ الباروني ، الأزهار ، 2/294 ـ بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ،2/473 رقم الترجمة : 1032 .
(4) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص103 ـ الدرجيني ، الطبقات ، 1/58 ـ الشماخي ، السير ، 1/145 . (1/225)
صفحة 226
ومن المفسرين الذي ظهروا في ذلك الوقت الشيخ لواب بن سلام (1) ، الذي فسر جزءا من سورة الشورى ، وغيرها من الآيات من سور متفرقة في كتابه " شرائع الدين " (2) ، وقد كان كثيرا يشير في تفسيره إلى الحسن البصري (3) ،
__________
(1) *- هو لواب بن سلام التوزري المزاتي ، من علماء قبيلة مزاته العريقة ، أصله من " أغريمان " بجبل نفوسة ، أوتي الحكمة منذ صغر سنه ، نشأ في عائلة علم وحكم ، أخذ العلم عن أبي كبه من أهل تنكنيص ، وتلقى بعض الأخبار عن أبي صالح النفوسي ، كان شيخا وإماما عالما بالأصول والفروع ، رحل إلى الحج والتقى مع جمع من الحجاج وعلماء عمان ، ترك مؤلفات منها : " كتاب فيه بدء الإسلام وشرائع الدين " ، وقد حققه كل من الشيخ سالم بن يعقوب ، والمستشرق الألماني شفارتز ، وطبع طبعة غير مرخصة بعنوان محرف وهو : " الإسلام وتاريخه من وجهة نظر إباضية " ، واعتبر المستشرق البولوني تاديوس لفتسكي هذا الكتاب أقدم كتب السير في شمال إفريقيا ، وقد توفي بعد سنة 273هـ ( أنظر : لواب بن سلام ، شرائع الدين ، ص39- 43 - الشماخي ، السير ، 1/49 ، 2/160- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/350 رقم الترجمة : 760 ) .
(2) - لواب بن سلام ، شرائع الدين ، ص68- 77 - بحاز ، الدولة الرستمية ، ص299 .
(3) **- هو أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن يسار – ويسار من سبي ميسان أعتقته الربيع بنت النضر ، وهو مولى زيد بن ثابت ، وقيل مولى جميل بن قطبة ، وقيل : مولى اليسر كعب بن عمرو السلمي – البصري ، مولى الأنصار ، وأمه خيرة مولاة أم سلمة ، قال ابن سعد : " ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر ، ونشأ بوادي القرى ، وكان فصيحا ، رأى علي وطلحة وعائشة ...." إهـ ، روى عن : أبي بن كعب ، وسعد بن عبادة ، وعمر بن الخطاب ولم يدركهم ، وعن ثوبان ، وعمار بن ياسر ، وأبي هريرة ، وعثمان بن أبي العاص ، ومعقل بن سنان ولم يسمع منهم ، وعن عثمان ، وعلي ، وأبي موسى ، وأبي بكرة ، وابن عباس ، وابن عمرو بن العاص ، ومعاوية وجابر وغيرهم من الصحابة والتابعين ، وروى عنه : حميد الطويل ، ويزيد بن أبي مريم ، وأيوب ، وقتادة وغيرهم ، قال عنه أنس بن مالك : " سلوا الحسن فإنه حفظ ونسينا " إهـ ، وقال سليمان التيمي : " الحسن شيخ أهل البصرة " إهـ ، وقال أبو عوانة عن قتادة : " ما جالست فقيها قط إلا رأيت فضل الحسن عليه " إهـ ، وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم عن صالح بن أحمد بن حنبل عن أبيه : " سمع الحسن من ابن عمر وأنس وعبد الله بن مغفل ، وعمرو بن تغلب ، قال عبد الرحمن فذكرته لأبي ، فقال : قد سمع من هؤلاء الأربعة ويصح له السماع من أبي برزة ومن غيرهم ، ولا يصح له السماع من جندب ، ولا من معقل بن يسار ، ولا من عمران بن حصين ، ولا من أبي هريرة " إهـ ، وقال ابن المديني : " مرسلات الحسن إذا رواها عنه الثقات صحاح ما أقل ما يسقط منها " إهـ ، وقال ابن حبان في الثقات : " احتلم سنة 37 ، وأدرك بعض صفين ، ورأى مائة وعشرين صحابيا ، وكان يدلس ، وكان من أفصح أهل البصرة وأجملهم ، وأعبدهم وأفقههم " إهـ ، وقد حج الحسن مرتين ، وكان شجاعا في الحروب ، فكان المهلب يقدمه في الحروب ،وقد توفي عشية يوم الخميس من شهر رجب من سنة 110هـ ، وكان عمره حين مات 88 سنة ( أنظر : ابن حجر ، تهذيب التهذيب ، 1/481- 448- محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي ، سير أعلام النبلاء ، ج4 ، مؤسسة الرسالة ، بيروت ، لبنان ، ط7 : 1410هـ/ 1990م ، ص563- 588 ) . (1/226)
صفحة 227
وابن عباس (1) ، مما يدل على شيوع تفسير هذين العالمين في المغرب العربي ، كما يذكر الباحث إبراهيم بحاز (2) .
__________
(1) ***- هو الصحابي الجليل حبر الأمة ترجمان القرآن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي - رضي الله عنه - ، ابن عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، كان يقال له الحبر ، والبحر لكثرة علمه ، روى عن : النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وعن أبيه ، وأمه أم الفضل ، وأخيه الفضل ، وخالته ميمونة ، وأبي بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي ، وعائشة ، وغيرهم من الصحابة ، روى عنه : ، من الصحابة عبد الله بن عمر بن الخطاب ، وثعلبة بن الحكم ، والليثي، وغيرهم ، وسعيد بن المسيب ، وعبد الله بن الحارث بن نوفل ، ومحمد بن سيرين ، وعامر الشعبي وغيرهم كثير ، وروى سعيد بن جبير عنه قال : " قبض النبي - صلى الله عليه وسلم - وأنا ابن ثلاث عشرة سنة " ، وعنه قال : " وأنا ختين " ، وعنه قال : " ابن عشر سنين " ، وعنه قال : " وأنا ابن خمس عشرة " وصوبه ابن حنبل ، دعا له النبي - صلى الله عليه وسلم - بالحكمة مرتين ، أثنى عليه الكثير من الصحابة والعلماء ، قال ابن مسعود : " نعم ترجمان القرآن ابن عباس " إهـ ، وقال =
= فيه ابن عمر : " ابن عباس أعلم أمة محمد بما أنزل على محمد " إهـ ، وقال ابن أبي الزناد عن هشام بن عروة عن أبيه : " ما رأيت مثل ابن عباس قط " إهـ ، وقالت عائشة : " هو أعلم الناس بالحج " إهـ ، وقع خلاف في سنة وفاته فقيل : مات سنة 68هـ ، وصلى عليه محمد بن الحنفية ، وقال : " اليوم مات رباني هذه الأمة " إهـ ، وقيل : مات سنة 69هـ ، وقيل : سنة 70هـ ( أنظر : ابن حجر ، تهذيب التهذيب ، 3/180- 182- علي بن محمد الجزري ابن الأثير ، أسد الغابة في معرفة الصحابة ، ج3 ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت ، لبنان ، ط1 : 1417هـ/ 1996م ، ص295- 299 ) .
(2) - بحاز ، الدولة الرستمية ، ص300 . (1/227)
صفحة 228
وكذلك كانت تحدث مناظرات في التفسير بين العلماء في ذلك الوقت ، ومن ذلك ما حدث بين ابن الصغير و أبي الربيع سليمان الإباضي (1) عندما تناظرا في تفسير قوله تعالى : { وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ } (2) ، ثم تدخل عالم إباضي آخر وناظر ابن الصغير في تفسير قوله تعالى : { لَمْ يَحِضْنَ } (3) .
__________
(1) *- هو أبو الربيع سليمان الهواري ، من قبيلة هوارة ، وصفه ابن الصغير أنه من وجوه الإباضية ، وقد ذكر د/ محمد ناصر والباحث إبراهيم بحاز أن " المصادر الإباضية تذكر العديد من الأشخاص بهذا الاسم والكنية ، ولكنهم نفوسيون على أكبر تقدير ، وأقربهم إلى فترة ابن الصغير سليمان بن زرقون ، وسليمان بن ماطوس أبو الربيع ، وكلاهما من الطبقة السابعة ( 300- 350 هـ ) " ، وإن لم يكن أحد هاذين العالمين ، فلعله من أهل تيهرت ، وتعلم فيها على يد الأئمة ربما ، فأصبح من العلماء القادرين على المناظرة ، والدليل على علمه مناظرته ومحاججته لابن الصغير والله أعلم ( أنظر : ابن الصغير ، ص117- 118 الهامش - ترجمة الشيخ سليمان بن زرقون أنظر : الدرجيني ، الطبقات ، 1/109 ، 119 ، 2/349- 350 - الشماخي ، السير ، 1/237- 238 - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/202 رقم الترجمة : 447 - ترجمة الشيخ سليمان بن ماطوس أنظر : الدرجيني ، الطبقات ، 2/327 ، 349 ، 350 ، 351 ، 358 - الشماخي ، السير ، 1/235 - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/211 رقم الترجمة : 462 ) .
(2) - سورة الطلاق ، آية : 4 .
(3) - ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص117- 120 . (1/228)
صفحة 229
ومن المفسرين الذين ظهروا في ذلك العصر كذلك ، الشيخ هود بن محكم الهواري (1) ، وله كتاب في تفسير القرآن عنوانه " تفسير كتاب الله العزيز " (2) (3) .
__________
(1) **- هو هود بن محكم الهواري ، عاش في القرن الثالث الهجري ، عالم متقن ، أخذ العلم عن أبيه محكم الهواري - قاضي الإمام أفلح - وعن غيره من العلماء ، أختلف في مكان تعلمه ، فقيل : في الأندلس ، وقيل : في تيهرت ، وقيل : في القيروان وهو ما رجحه الشيخ بلحاج شريفي ، اشتهر بمؤلفه " تفسير كتاب الله العزيز " ، خلط البعض بينه وبين أبيه ، فظن أن هود كان قاضيا ، والصحيح أن أباه كان قاضيا للإمام أفلح ، وليس هودا ( أنظر : البرادي ، الجواهر ( مخ ) ، ص219 - الهواري ، تفسير كتاب الله العزيز ، ج1 مقدمة المحقق - الدرجيني ، الطبقات ، 2/345 ، 398- 399 - الشماخي ، السير ، 2/59 - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/443 رقم الترجمة : 961 ) .
(2) ***- لقد تم طباعة هذا التفسير الثمين في أربعة أجزاء من قبل دار الغرب الإسلامي كأول طبعة له في سنة 1990م ، وقد تولى تحقيقه الباحث بالحاج بن سعيد شريفي .
(3) - الهواري ، تفسير كتاب الله العزيز ، ج1 مقدمة المحقق - الدرجيني ، الطبقات ، 2/345 ، 398- 399 - الشماخي ، السير ، 2/59 - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/443 رقم الترجمة : 961 . (1/229)
صفحة 230
وأما فيما يتعلق بعلم الحديث فللأسف الشديد لم يلاق ذلك الاعتناء المطلوب من قبل إباضية المغرب في ذلك الوقت ، فلم تذكر لنا المصادر وجود مؤلف مغربي إباضي في علم الحديث (1) ، ولكن من أهم ما يمكن ذكره في هذا الباب حادثة نسخ نفاث لديوان الإمام جابر ، عندما ذهب إلى المشرق ، ولكنه عندما عاد إلى المغرب قام بدفنه ، فضاع ولم يستفد منه أحد من أهل المغرب للأسف الشديد (2) ؛ والإمام جابر كما هو معلوم من كبار التابعين الذين رووا الحديث عن الصحابة ، وكان يعد من الثقات (3) ؛ وكذلك ما قام به الشيخ عمروس من نسخ مدونة أبي غانم ، والتي تعد من كتب الحديث المهمة عند الإباضية (4) .
والظاهر أن الشيخ عمروس كان من المهتمين بعلم الحديث ، وله باع في ذلك ، فقد هم أن يضع تأليفا لم يسبق في طريقته ، يفرق العلم على ثلاثة أوجه ، التنزيل والسنة والرأي ، وما يتعلق بكل واحد منها من المسائل ، فيرتب كل باب من أبوابه ويبنيه على القواعد الثلاث ، إلا أن المنية عاجلته قبل أن يحقق مراده (5) .
__________
(1) - بحاز ، الدولة الرستمية ، ص304 .
(2) - أبو زكرياء ، كتاب سير الأئمة ، ص143- 145 - الدرجيني ، الطبقات ، 2/82 .
(3) - الدرجيني ، الطبقات ، 2/205- 214 - الشماخي ، السير ، 1/67- 72 - السالمي ، شرح الجامع الصحيح ، 1/7- 8 - البطاشي ، إتحاف الأعيان ، 1/74- 85 - القنوبي ، الربيع بن حبيب ، ص23- 25 - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/108- 110 رقم الترجمة : 230 .
(4) - الدرجيني ، الطبقات ، 2/323 ـ الشماخي ، السير ، 1/194- 195 .
(5) - الدرجيني ، الطبقات ، 2/321- الشماخي ، السير ، 1/192- 193 . (1/230)
صفحة 231
وكان الإمام أفلح ممن اهتم بطلب علم الحديث ، حيث أنه تتلمذ على يد الإمام أبي غانم الخرساني صاحب المدونة عندما زار تيهرت (1) ؛ وقد اهتم بعض علماء الإباضية في ذلك الوقت بتدريس علم الحديث ، ولكنهم للأسف الشديد اعتمدوا على مؤلفات غير الإباضية ، بسبب قلة المؤلفات الإباضية في علم الحديث في ذلك الوقت وبالأخص عند إباضية المغرب ؛ ومن ذلك ما يذكره ابن الصغير من أنه كان يأتي أبا عبيدة الأعرج التيهرتي ليسمع منه كتاب " إصلاح الغلط في غريب الحديث " لابن قتيبة أبي محمد عبد الله بن مسلم الكوفي (2) .
__________
(1) - بحاز وآخرون ،معجم أعلام الإباضية ، 2/60 رقم الترجمة : 116 ـ بحاز ، الدولة الرستمية ، ص269 ـ الإمام الربيع ، الجامع الصحيح ، ص3 مقدمة المصحح ـ ألبوسعيدي ، رواية الحديث عند الإباضية ، ص40 ، 97 .
(2) - ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص96 . (1/231)
صفحة 232
ونجد في المقابل أنه كان يوجد لدى غير الإباضية اهتمام بعلم الحديث في المغرب في ذلك الوقت ، وظهر عدد من العلماء الذين ذكرتهم المصادر ، ومنهم من كان يعيش في كنف الدولة الرستمية ، حتى أن الأستاذ أحمد أمين قال : " قد أخرجت تيهرت كثيرا من حفاظ الحديث وثقات المحدثين " (1) ؛ فمن علماء الحديث غير الإباضيين الذين أنجبتهم تيهرت أبو عبد الرحمن بكر بن حماد الزناتي التيهرتي ، وكان عالما بالحديث وتمييز الرجال ، ثقة ، مأمونا ، ثبتا ، صدوقا ، إماما حافظا (2) ؛ ومنهم كذلك ابنه أبو زيد عبد الرحمن بن بكر بن حماد (3)
__________
(1) - أحمد أمين ، ظهر الإسلام ، 1/296 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص308 .
(2) - ابن عذارى ، البيان ، 1/153- الدباغ ، معالم ، 2/282 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص308 - الباروني ، الأزهار ، 2/70- 75 .
(3) *- هو أبو زيد عبد الرحمن بن بكر بن حماد ، محدث من أهل تيهرت ، كان يروي عن أبيه ، وعن أبي زكرياء يحيى بن مالك الأندلسي ، إذ رحل إلى الأندلس وحدث بقرطبة ، وكتب عنه غير واحد من حديث أبيه ، هوغير إباضي ، ولعله كان مالكيا أو صفريا ، حيث ذكر الشيخ الباروني أن والده بكر بن حماد من المشكوك في مذهبهم إما أن يكون إباضيا أو صفريا على الغالب ، وقد توفي عبد الرحمن بن بكر بقرطبة ، وقيل قتل من قبل قطاع الطرق في الطريق بين القيروان وتيهرت سنة 295هـ ، حيث كان في رفقة والده ، وقد رثاه والده في قصائد عديدة ، ذكر الشيخ الباروني منها أبياتا ( أنظر : الدباغ ، معالم الإيمان ، 2/282- السمعاني ، الأنساب ، 2/9- ابن الفرضي ، تاريخ علماء الأندلس ، 1/268- عادل ، معجم أعلام الجزائر ، ص84 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص309- 310 - الباروني ، الأزهار ، 2/71- 72 ) .. (1/232)
صفحة 233
(1) ، و قاسم بن عبد الرحمن التميمي التيهرتي (2) (3) ،
__________
(1) - الدباغ ، معالم الإيمان ، 2/282- السمعاني ، الأنساب ، 2/9- ابن الفرضي ، تاريخ علماء الأندلس ، 1/268- عادل ، معجم أعلام الجزائر ، ص84 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص309- 310 .
(2) **- هو قاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن محمد التميمي التيهرتي ، وهوغير إباضي ، كان من جلساء بكر بن حماد ، وممن أخذ عنه ، وهو محدث تيهرتي ، رحل إلى الأندلس سنة 317 هـ ، وأقام بقرطبة وبها توفي ( أنظر : ابن بشكوال أبو القاسم خلف بن عبد الملك ، كتاب الصلة ، ج1 ، مراجعة عزت العطار الحسيني ، مكتبة المثنى ، بغداد 1374هـ/1955م ، ص86 - الحميدي أبو عبد الله محمد بن فتوح ، جذوة المقتبس في ذكر ولاة الأندلس ، ط1 ، تحقيق محمد بن تاويت الطنجي ، مطبعة السعادة ، القاهرة ، 1372هـ/1952م ، ص313- الضبي أحمد بن يحيى ، بغية الملتمس في تاريخ رجال الأندلس ، طبع روخس مجريط ، 1884 ، ص188 ، 436 ـ نويهض ، أعلام الجزائر ، ص131 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص310 - الباروني ، الأزهار ، 2/76- 77 ) .
(3) - ابن بشكوال أبو القاسم خلف بن عبد الملك ، كتاب الصلة ، ج1 ، مراجعة عزت العطار الحسيني ، مكتبة المثنى ، بغداد 1374هـ/1955م ، ص86 - الحميدي أبو عبد الله محمد بن فتوح ، جذوة المقتبس في ذكر ولاة الأندلس ، ط1 ، تحقيق محمد بن تاويت الطنجي ، مطبعة السعادة ، القاهرة ، 1372هـ/1952م ، ص313- الضبي أحمد بن يحيى ، بغية الملتمس في تاريخ رجال الأندلس ، طبع روخس مجريط ، 1884 ، ص188 ، 436 ـ نويهض ، أعلام الجزائر ، ص131 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص310 - الباروني ، الأزهار ، 2/76- 77 .. (1/233)
صفحة 234
وأبو سعيد بحيج بن خداش توزري (1) (2) ؛ وهناك غيرهم ممن اهتم بعلم الحديث ، وعُدَّ من علمائه ورواته ، ظهر في عصر الشيخ عمروس ، وأكتفي بمن ذكرتهم على سبيل التمثيل لا الحصر .
ومن العلوم التي انتشرت انتشارا كبيرا في عصر الشيخ عمروس ، ولقيت أكبر عناية واهتمام من قبل العلماء - بالأخص علماء الإباضية - من حيث الدراسة والتأليف نثرا ونظما ، حتى فاقت بقية العلوم ، علم الفقه ؛ ولعل سبب هذا الاهتمام الكبير بعلم الفقه - كما يرى الباحث إبراهيم بحاز - هو كون الفقه الوسيلة لمعرفة الحلال والحرام ، وكون تلك الفترة الممتدة طيلة القرن الثالث الهجري ، فترة تنافس حقيقية بين المذاهب الموجودة وقتئذ بالمغرب العربي (3) .
__________
(1) ***- هو أبو سعيد بحيج بن خداش ، توزري ، من أهل توزر ،انتقل إلى نفزاوة من أعمال القيروان ، وبها توفي سنة 296هـ ، محدث ، روى عن محمد بن سحنون ، وروى عنه أبو العرب محمد بن أحمد بن محمد بن تميم ( أنظر : الحميدي ، جذرة ، ص170- 171 - الضبي ، بغية الملتمس ، ص595 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص310 ) .
(2) - الحميدي ، جذرة ، ص170- 171 - الضبي ، بغية الملتمس ، ص595 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص310 .
(3) - بحاز ، الدولة الرستمية ، ص310- 311 . (1/234)
صفحة 235
وقد ظهر عدد كبير من الفقهاء المتضلعين في علم الفقه ، من الصعب حصرهم ، والحديث عنهم في هذه العجالة ، وقد تكفلت كتب التاريخ والسير بذكرهم والترجمة لهم (1) ؛ ولكن سأذكر بعض العلماء الذين نبغوا في علم الفقه على سبيل التمثيل ، فمنهم أئمة الدولة الرستمية ، فقد كانت لهم قدم السبق في هذا المضمار وفي غيره من العلوم الأخرى ، وقد تركوا لنا عددا من المؤلفات في هذا الباب ، وقد مر الحديث عنهم في المطلب الأول من هذا المبحث ، فلا داعي لتكرار الكلام (2) ؛ ومن أبرز الفقهاء الذين ظهروا في عصر الشيخ عمروس على سبيل المثال من فقهاء تيهرت أبو عبيدة الأعرج ، قال عنه ابن الصغير : " كان أبو عبيدة هذا عالما بالفقه والكلام والوثائق والنحو واللغة ، وكان مع ديانته حسن الأدب والمرؤة (3) " إهـ (4) ؛ ومنهم عبد العزيز بن الأوز (5) ،
__________
(1) - أنظر على سبيل المثال : البغطوري ، سير أهل نفوسة ( مخ ) - البرادي ، الجواهر (مخ ) - الوسياني ، سير ( مخ ) - القطب ، الرسالة الشافية ـ جناو بن فتى و عبد القاهر بن خلف ، أجوبة علماء فزان - أبو زكرياء ، سير الأئمة ـ الدرجيني ، الطبقات - الشماخي ، السير - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، وغيرها من المؤلفات .
(2) - أنظر ص91- 108.
(3) *- هكذا جاءت في الأصل ، ولعله خطأ لغوي ، والأصح " المروءة " ( أنظر : إبراهيم مصطفى وآخرون ، المعجم الوسيط ، 2/860 ) .
(4) - ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص96 - الشماخي ، السير ، 1/190- 191.
(5) **- هو عبد العزيز بن الأوز ، عاش في القرن الثالث الهجري ، من فقهاء تيهرت العاصمة الرستمية ، تلقى بها علومه الأولى ، وله رحلة نحو المشرق ، يقول عنه ابن الصغير : " وكان له فقه بارع ....ولكنه سفيه اللسان ، خفيف العقل ، ينزهون [ الإباضية ] مجالسهم عن حضوره ، ويستغنون عنه في معضلات مسائلهم " إهـ ، له طرائف مع بعض الأئمة الرستميين كأبي اليقظان محمد ، وقد زعم المستشرق ليفيتسكي أن له كتاب " رحلة نحو المشرق " معتمدا على أخبار ابن الصغير ، مع أنه لم ينص على ذلك ( أنظر : ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص99 - ليفيتسكي ، المؤرخون الإباضيون ، ص36- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/256 رقم الترجمة : 556 ) . (1/235)
صفحة 236
قال عنه ابن الصغير : " كان له فقه بارع ، وله رحلة نحو المشرق " إهـ (1) ؛ وذكر ابن الصغير كذلك جملة من الفقهاء والخطباء من تيهرت ، مثل عيسى بن فرناس النفوسي ، وابن الصغير الهواري ، وأبي الربيع سليمان ، وعثمان بن أحمد بن يحياج (2) ، وابن أبي إدريس (3) ، وأحمد التيه (4) ،
__________
(1) - ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص99 .
(2) ***- هو عثمان بن أحمد بن يحياج ، عاش في القرن الثالث الهجري ، يعد من مشايخ تيهرت ومقدميها ، وفقهائها في عهد الإمام أبي حاتم ( حكم : 281- 294هـ ) ، وكذلك هو خطيب بالمسجد الجامع بتيهرت ، " فكانوا لا يخالفونه فيما استحسن لهم من خطب " كما ذكر ابن الصغير ( أنظر : ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص122 - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/287 رقم الترجمة : 618 ) .
(3) ****- هو ابن أبي إدريس ، وورد ابن أبي دريس ، لم تذكر المصادر اسمه ، من علماء وخطباء تيهرت ، عاش في القرن الثالث الهجري ، عاصر الإمام أبا حاتم ، وتلقى علمه على مشايخ العاصمة تيهرت ( أنظر : ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص120 - الشماخي ، السير ، 1/224- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/53- 54 رقم الترجمة : 99 ) .
(4) *****- هو أحمد التيه ، عاش في القرن الثالث ، من علماء تيهرت ، عاصر الإمام أبا حاتم ، تلقى علمه على مشايخ تيهرت ، وكان فقيها ، وخطيبا في جامع تيهرت ( أنظر : ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص120- 122 - الشماخي ، السير ، 1/224- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/39 رقم الترجمة : 62 ) .. (1/236)
صفحة 237
وأبي العباس بن فتحون (1) ، وعثمان بن الصفار (2) ، وأحمد بن منصور (3) (4) .
__________
(1) ******- هو أبو العباس بن فتحون ، لم تذكر المصادر اسمه ، عاش في أواخر القرن الثالث ، من علماء تيهرت ، عاصر الإمام أبا حاتم ، تلقى علمه على مشايخ تيهرت ، وكان فقيها ، وخطيبا في جامع تيهرت ( أنظر : ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص120 - الشماخي ، السير ، 1/224- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/241رقم الترجمة : 532 ) .
(2) *******- هو عثمان بن الصفار ، عاش في القرن الثالث ، من علماء تيهرت ، عاصر الإمام أبا حاتم ، تلقى علمه على مشايخ تيهرت ، وكان فقيها ، وخطيبا في جامع تيهرت ( أنظر : ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص121 - الشماخي ، السير ، 1/224- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/287 رقم الترجمة : 619 ) .
(3) ********- هو أحمد بن منصور ، عاش في أواخر القرن الثالث الهجري ، من علماء تيهرت ، عاصر الإمام أبا حاتم ، تلقى علمه على مشايخ تيهرت ، وكان فقيها ، وخطيبا في مسجد من مساجد تيهرت ( أنظر : ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص121 - الشماخي ، السير ، 1/224- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/51 رقم الترجمة : 92 ) .
(4) - ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص93 ، 117 ، 120- 122 . (1/237)
صفحة 238
وأما جبل نفوسة فقد ظهر فيه من الفقهاء من يصعب حصرهم ، حتى قال أبو الربيع سليمان بن يخلف المزاتي (1) واصفا كثرة الفقهاء الذين بلغوا درجة الفتيا بجبل نفوسة قبل زمانه في القرن الخامس الهجري ، فيقول : " مر زمان على جبل نفوسة فشا فيهم العلم وكثرة العلماء حتى لم يكن منزل يرد مسألة إلى الآخر إلا من طريق الأدب ... وأهل زماننا على غير ذلك " (2) .
__________
(1) *- هو أبو الربيع سليمان بن يخلف الوسلاتي المزاتي النفطي القابسي ، أصولي بارع ، وفقيه نبيه ، تعددت نسبته بسبب كثرة أسفاره بين مواطن الإباضية في ربوع المغرب ، وكثرة ترحاله طلبا للعلم ، ونشرا له ، أخذ العلم عن الشيخ أبي عبد الله محمد بن بكر النفوسي ، والشيخ أبي محمد ويسلان اليراسني ، وعن غيرهما ، هو من أكابر العزابة ، وممن جازت عليه سلسلة نسب الدين ، أخذ عنه خلق كثير بسبب تنقله بين مواطن الإباضية ، فمن طلابه : فصيل وأبي بكر بن يحيى ، والشيخ أبو العباس أحمد بن محمد بن بكر النفوسي ، وغيرهم كثير ، له عدة تآليف منها : 1- " كتاب التحف المخزونة في إجماع الأصول الشرعية " ( مخ )، 2- " كتاب في طلب العلم وآداب التعلم " طبع بعنوان " كتاب السير " ، 3- " كتاب في علم الكلام وفي أصول الفقه " في مجلدين ، 4- " فصل في اختصار مسائل من ترتيب المعلقات " ( مخ ) ، وقد توفي في سنة 471هـ ، واختلف في موضع وفاته ، كما اختلف في موضع ميلاده ، بسبب كثرة تنقلاته العلمية ( أنظر : الدرجيني ، الطبقات ، 1/ي ، 184، 191- 195، 2/425- 449 - البرادي ، الجواهر ( مخ ) ، 219- 220 - الشماخي ، السير ، 2/82- 83 - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/215- 217 رقم الترجمة : 472 ) .
(2) - أبو الربيع سليمان بن يخلف المزاتي ، سير ، ص56 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص315 . (1/238)
صفحة 239
فمن فقهاء نفوسة على سبيل المثال ابن مغطير النفوسي الجناوني ، وصفه الشماخي بقوله : " كان شيخا فاضلا فقيها مفتيا " إهـ (1) ، وأبو زكرياء التوكيتي ، وصفه الدرجيني بقوله : " كان علما لكل الفضائل ومعلما لكل ناهل " إهـ (2) ، وزار رجل من إباضية المشرق جبل نفوسة ، ثم زار تيهرت ، فسأله أهل تيهرت عن علماء جبل نفوسة ، فقال : " الجبل هو أبو زكرياء وأبو زكرياء هو الجبل ... " إهـ (3) .
ومن فقهاء جيل نفوسة كذلك أبو مرداس مهاصر السدراتي ، وصفه الدرجيني بأنه بلغ في العلوم النهاية ، وجرى في أمر الصلاح إلى أقصى غاية (4) ؛ ومنهم أبو ميمون الجيطالي ، وصفه الدرجيني بقوله : " كان ذا جد في العلم ، والاجتهاد ، وسعي في العبادة ، ومنافع العباد ، وكان ممن يعد في الشيوخ ، وممن قدمه في العلم ذا رسوخ ... " إهـ (5) .
__________
(1) - الشماخي ، السير ، 1/128 .
(2) - الدرجيني ، الطبقات ، 2/291 - الشماخي ، السير ، 1/155.
(3) - الدرجيني ، الطبقات ، 2/293- 294 - الشماخي ، السير ، 1/155.
(4) - الدرجيني ، الطبقات ، 2/291 - الشماخي ، السير ، 1/150 .
(5) - الدرجيني ، الطبقات ، 2/294 . (1/239)
صفحة 240
هذه بعض الأمثلة على فقهاء نفوسة ممن بزغ نجمه في عصر الشيخ عمروس ، والشيخ عمروس نفسه كان من فقهاء وعلماء جبل نفوسة ، حتى بلغ من العلم أن أصبح أعلم أهل زمانه ، مع كون جبل نفوسة وغيره من بقاع المغرب يعج بالعلماء ، وقد وصفه الدرجيني بقوله : " بحر العلوم الزاخر ، المبرز أول السباق وهو الآخر ، الضابط الحافظ المحتاط المحافظ ، لم تشغله المجاهدة في الله عن دراسة العلوم ، ولم يلهه التبحر في العلم عما تعين عليه من مصادمة تلك الهموم ... " إهـ (1) ؛ وقد ترك لنا الشيخ عمروس عدة مصنفات - كما سيأتي في محله - تدل على طول باعه في العلم ، وتضلعه فيه ، قال الدرجيني : " وله مصنفات في الفروع والعقائد ، تولت فوائدها الصدور والقلائد ، ولم تزل الأمثال مضروبة به بعلومه وآدابه ، وحبال ذوي الآمال متعلقة بأهدابه ، إذ كان علم الدين يقتدى به ... " إهـ (2) .
__________
(1) - المصدر السابق ، 2/320- 321 .
(2) - المصدر السابق ، 2/321 . (1/240)
صفحة 241
وأما وارجلان فقد ظهر فيها عدة فقهاء ، منهم على سبيل المثال الشيخ يعقوب بن سيلوس الطرفي السدراتي (1) ، وصفه الدرجيني بقوله : " العالم الفقيه الفطن النبيه ، اليقظان الذكي ، الورع الزكي ، ذو الجهادين الأكبر والأصغر ، والاجتهادين المصلى والدفتر " إهـ (2) ؛ وقد ظهر كذلك في فزان عدة فقهاء (3) ،
__________
(1) *- هو أبو يوسف يعقوب بن سيلوس - وورد خطأ سهلون - الطرفي السدراتي من علماء القرن الثالث الهجري بوارجلان ، عاصر الإمام عبد الرحمن بن رستم ( حكم : 160- 171هـ ) ، وأخذ العلم عن أئمة الدولة الرستمية ، ثم ارتحل إلى وارجلان ، وأقام بها معلما ، من أبرز طلابه : أبو صالح جنون بن يمريان ، تولى الشيخ يعقوب القضاء بوارجلان ، له نصائح وحكم ، تذكر المصادر أن له مؤلفات أتلفتها الفتن ( أنظر : الدرجيني ، الطبقات ، 2/331- 332 ، 344 ، 353 ، 455 - الشماخي ، السير ، 1/102- 104- الباروني ، الأزهار ، 2/67- 68- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/470 رقم الترجمة : 1026) .
(2) - الدرجيني ، الطبقات ، 2/331- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/474 رقم الترجمة : 1033 ) .
(3) *- ذكر الشماخي عددا من علماء الإباضية الذين ظهروا في فزان ، وكذلك ذكرهم د/ النامي في مقدمته على تحقيق كتاب " أجوبة علماء فزان " ( أنظر : الشماخي ، السير ، 1/163- 165- جناو بن فتى وعبد القاهر بن خلف ، أجوبة علماء فزان ، ص23- 25 مقدمة المحقق ) .. (1/241)
صفحة 242
منهم على سبيل المثال عبد القاهر بن خلف الفزاني (1) ،
__________
(1) **- هو عبد القاهر بن خلف الفزاني ، عالم من علماء فزان بجنوب ليبيا ، وذهب د/ النامي أنه من أهل مدينة " سبها " بفزان ، واستنتج كذلك أنه قد يكون عربي الأصل ، عاش في أواخر القرن الثاني الهجري وأوائل القرن الثالث الهجري ، له كتاب " أجوبة علماء فزان " ، بالاشتراك مع جناو بن فتى ، ويظهر من خلال أجوبته كما استنتج د/ النامي أنه كان متنزها متحرجا عن الدخول في أمور الناس عند فساد الزمان ، والظاهر أنه عمر طويلا ، يظهر ذلك من تبريره عدم التدخل في شؤون الناس بسبب ضعفه وتقدمه في العمر ، ومن الأبيات التي ستأتي بعد قليل ، وكان متواضعا منيبا مسلما لله ، مهتما باتباع أحكامه والتزام أوامره ، والاقتداء بسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - ، وكان شديد الزهد ، معرضا عن الدنيا ، غير مقبل عليها ، منصرفا إلى آخرته ، ويظهر ذلك من بعض أبياته حيث يقول :
أصبحت لا أحمل السلاح ولا :: أملك رأس البعير إن نفرا
والذئب أخشاه إن مررت به :: وحدي وأخشى الرياح والمطرا
ويظهر كذلك من أجوبته أنه كان فقيها مجتهدا مصلحا ، يهمه قيام الحق وحصول التقوى مع الوقوف عند حدود الحكم الصحيح الثابت ، ويبدو أنه تتلمذ على يد جناو بن فتى ، حيث كان الأخير يعقد على عبد القاهر آمالا كبيرة في أن يحيي الله به آثار السلف المهتدين ، ويكون لهم منارا ( أنظر : جناو بن فتى وعبد القاهر بن خلف ، أجوبة علماء فزان ، ص12- 13 ، 15، 32- 34 مقدمة المحقق - الشماخي ، السير ، 1/164- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/257- 258 رقم الترجمة :561 ) . (1/242)
صفحة 243
وصفه الشماخي بقوله : " كان عالما ورعا مفتيا " إهـ (1) ، ومنهم عبد الخالق الفزاني (2) ، كان يعد من أعلم أهل زمانه في أصعب أحكام الفقه وهي الدماء وأحكامها (3) ، قال عنه الشماخي : " كان في المنزلة العليا علما وعملا ، وورعا ، وتقى " إهـ (4) .
__________
(1) - الشماخي ، السير ، 1/164 .
(2) ***- هو عبد الخالق الفزاني ، عالم من علماء فزان بجنوب ليبيا ، ومن أوائل علمائها ، عاش في أوائل القرن الثالث الهجري ، أخذ العلم عن عاصم السدراتي ، كان أعلم أهل زمانه في أصعب أحكام الفقه وهي الدماء وأحكامها ، له كتاب كتبه إلى أبي مرداس مهاصر ، نقلته كتب السير ، وهو يحمل معنى التوكل والاعتماد على النفس والتسليم لله وحده ، وتشير المصادر إلى عالم فزاني معاصر للشيخ عمروس ، وضع كتابين معروفين بـ " أصول الكلام " ، ورجح أصحاب معجم الأعلام أن هذا العالم هو عبد الخالق الفزاني ، وذكر د/ النامي أنه لم يعثر لهما على أثر حتى الآن ( أنظر : جناو بن فتى وعبد القاهر بن خلف ، أجوبة علماء فزان ، ص23 مقدمة المحقق - البغطوري ، سير أهل نفوسة ( مخ ) ، ص117- الدرجيني ، الطبقات ، 2/293- الشماخي ، السير ، 1/163- 164- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/245 رقم الترجمة : 539 ) .
(3) - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/245 رقم الترجمة : 539 .
(4) - الشماخي ، السير ، 1/163 . (1/243)
صفحة 244
هذه بعض الأمثلة على فقهاء الإباضية الذين ظهروا في عصر الشيخ عمروس ، وهؤلاء الذين مر ذكرهم يعتبرون نماذج على عدد كبير من علماء وفقهاء المذهب الإباضي ، الذين ظهروا في تلك الفترة ، والذين من الصعوبة بمكان تعدادهم أو الحديث عنهم ، في هذه العجالة ؛ وقد ترك هؤلاء الفقهاء العديد من المؤلفات والفتاوى والأحكام ، فمنهم من دونها في مصنفات ، ومنهم من تركها شفوية تروى عنه في كتب السير والتراجم ، وهوالأغلب - كما ذكر الباحث إبراهيم بحاز - ، وقد جمع العديد منها الشيخ أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني ، في كتابه الدليل لأهل العقول (1) (2) .
__________
(1) *- لم أستطع الحصول على هذا الكتاب ، وقد ذكر الباحث إبراهيم بحاز أنه يقع في ثلاثة أجزاء في مجلد واحد ، وقد طبع بالمطبعة البارونية ، مصر 1306هـ ( أنظر : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص321 الهامش ) .
(2) - بحاز ، الدولة الرستمية ، ص321 . (1/244)
صفحة 245
وكذلك فقد ظهر في المغرب في عصر الشيخ عمروس عدد من فقهاء المذاهب الأخرى ، نقتصر على بعض من ظهر في الدولة الرستمية التي عاش في كنفها الشيخ عمروس ؛ ففي تيهرت ظهر عدد من الفقهاء ممن هم على غير المذهب الإباضي ، أمثال أبي مسعود (1) وأبي دنون (2) ، وكانا على مذاهب الكوفيين (3)
__________
(1) **- هو أبو مسعود ، لم يذكر ابن الصغير اسمه ، كوفي المذهب كما ذكر ابن الصغير ، ولعله يقصد بالمذهب الكوفي المذهب الحنفي أو المذهب الشيعي ، عاش في العاصمة الرستمية تيهرت ، في عهد الإمام أبي حاتم يوسف ، كان فقيها ومن الوجهاء ، أثار مع بعض المغرضين فتنة في عهد الإمام أبي حاتم كما ذكر ابن الصغير، أدت إلى نشوب حرب بين الإمام أبي حاتم وعمه يعقوب دامت أربع سنوات ، بعد أن أغروا يعقوب بالحكم ، وهم كانوا يطمعون في القضاء على الإباضية ودولتهم الرستمية من وراء ذلك ، كما قال ابن الصغير " قد طمعوا أن يبيتوا خبر الإباضية ويطفوهم " ، إلا أن الإمام أبا حاتم استطاع أن يقضي على هذه الفتن ، ويسيطر على الوضع في الدولة الرستمية ( أنظر : ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص105- 117- الباروني ، الأزهار ، 2/267- 277 ) .
(2) ***- هو أبو دنون ، لم يذكر ابن الصغير اسمه ، وذكر أنه كوفي المذهب ، فلعله حنفي أو شيعي ، كان من الفقهاء والوجهاء ، عاش في العاصمة الرستمية تيهرت ، في عهد الإمام أبي حاتم يوسف ، وكان أيضا من الذين أثاروا الفتنة بين الإمام أبي حاتم وعمه يعقوب ( أنظر : ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص105- 117- الباروني ، الأزهار ، 2/267- 277 ) .
(3) ****- ربما يقصد بمذاهب الكوفيين الشيعة ، إذ في هذه الفترة كانت الكوفة أهم معقل لهم ولا زالت ، أو ربما أتباع أبي حنيفة النعمان أي الحنفية ، وكلاهما وارد ( أنظر : ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص105 الهامش - بحاز ، الدولة الرستمية ، ص322 الهامش ) .. (1/245)
صفحة 246
(1) ، ومنهم موسى بن الفارسي أو البادسي الفقيه (2) ، وهو على المذهب المالكي كما يرى الباحث إبراهيم بحاز (3) .
__________
(1) - ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص105 .
(2) *****- هو موسى بن الفارسي أو البادسي الفقيه ، عاش في تيهرت ، كان على المذهب المالكي كما يرى الباحث إبراهيم بحاز ، لا تذكر المصادر عنه الكثير ، صلى على العالم المحدث بكر بن حماد سنة 296هـ ، يرى الباحث إبراهيم بحاز أن تقديمه للصلاة على بكر بن حماد دليل على رسوخ قدمه في العلم ( أنظر : ابن عذارى ، البيان ، 1/155- 156 - الدباغ ، معالم الإيمان ، 2/282 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص323 ) .
(3) - ابن عذارى ، البيان ، 1/155- 156 - الدباغ ، معالم الإيمان ، 2/282 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص323 . (1/246)
صفحة 247
والظاهر أن تيهرت كانت تحوي عددا كبيرا من الفقهاء ممن هم على غير المذهب الإباضي ، ذكر عددا منهم الشيخ الباروني في الأزهار الرياضية (1) ، والذي يدل على ذلك ما ذكره ابن الصغير في قوله : " ومن بالبلد من فقهاء الإباضية وغيرهم لم يطالب بعضهم ولا سعى بعضهم ببعض ... إلا أن الفقهاء تناجت المسائل فيما بينهم وتناظرت ، واشتهت كل فرقة أن تعلم ما خلفتها فيه عاقبتها " إهـ (2) ؛ وابن الصغير - المالكي أو الشيعي - نفسه كان يعد من الفقهاء البارزين بتيهرت ، إضافة إلى كونه مؤرخا ، وذلك أنه كانت له مناظرات مع فقهاء من الإباضية في بعض المسائل الفقهية (3) ، مما يدل على تضلعه في علم الفقه (4) .
__________
(1) - الباروني ، الأزهار ، 2/70- 78 .
(2) - ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص117 .
(3) *- يرى بعض الباحثين احتمال وجود مؤلف لابن الصغير في الفقه ، عرض فيه آراء الإباضية في المسائل الفقهية التي ناظرهم فيها ، ويستشف ذلك من كلام ابن الصغير حين قال : " وقد اجتمت ما دار من جميع ذلك بيني وبينهم مما اعتلوا به ، ومما يدخل لهم أو يذكروه " ، وقد فسر بعض الباحثين كلمت " اجتمت " بمعنى " جمعت " ( أنظر : ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص118- وداد القاضي ، ابن الصغير مؤرخ الدولة الرستمية ، الأصالة ، عدد 45 ، ص40 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص323 ) .
(4) - ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص117- 120 . (1/247)
صفحة 248
وكذلك كان جبل نفوسة يضم بين جنباته عددا من الفقهاء من غير الإباضية - وإن كان جل أهله من الإباضية - فمن الفقهاء من غير الإباضية الذين ظهروا في جبل نفوسة في ذلك العصر على سبيل المثال أهاب بن مازون النفوسي البربري الفقيه المالكي (1) (2) .
__________
(1) **- هو أهاب بن مازون النفوسي البربري ، فقيه مالكي ، عاش في جبل نفوسة بليبيا ، سمع الحديث بمصر ، وكان كثير القراءة ، وقد توفي بالمغرب قبل سنة 320هـ ( أنظر : ابن الأثير ، اللباب في تهذيب الأنساب ، ج2 ، مكتبة المقدسي ، القاهرة ، 1357م ، ص234 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص324 ) .
(2) - ابن الأثير ، اللباب ، 2/234 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص324 . (1/248)
صفحة 249
كذلك من العلوم التي لاقت اهتماما في عصر الشيخ عمروس التاريخ والسير ، وقد ظهر عدة علماء اهتموا بهذا الجانب ، وألفوا فيه المؤلفات التي وصل إلينا بعضها ، وضاع الكثير منها في الفتن والصراعات ؛ وقد كان أئمة الدولة الرستمية على رأس المهتمين بالسير والتاريخ ، فقد عد المستشرق تاديوس ليفيتسكي كلا من الإمام عبد الرحمن بن رستم ، والإمام عبد الوهاب ، والإمام أفلح ، والإمام أبي اليقظان من المؤرخين ورواة التاريخ (1) ؛ فقد كان الإمام أبو بكر محبا للتاريخ والسير - كما مر علينا في هذا المبحث - ، حيث ذكر ابن الصغير أنه كان : " ... يحب الآداب والأشعار وأخبار الماضين ... " إهـ (2) ؛ وقد كان أئمة الدولة الرستمية يحثون طلاب العلم على دراسة التاريخ وسير الأئمة ، فقد مر علينا في هذا المبحث أن الإمام أفلح كان يشجع ويحث على دراسة الكتب فيقول : " عليكم بدراسة كتب المسلمين لا سيما كتاب أبي سفيان محبوب بن الرحيل " (3) ، وهو في تاريخ وآثار الحركة الإباضية ورجالها بالمشرق .
__________
(1) - ليفيتسكي ، المؤرخون الإباضيون في إفريقيا الشمالية ، ص37 ، 40 ، 133 ، 142 .
(2) - ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص71 .
(3) - الوسياني ، سير ( مخ ) ، ورقة 108 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص270 الهامش - الدرجيني ، الطبقات ، 2/478 . (1/249)
صفحة 250
وقد ظهرت عدة مؤلفات للإباضية في التاريخ والسير ، من أقدمها " كتاب فيه بدء الإسلام وشرائع الدين " (1) لمؤلفه لواب بن سلام التوزري المزاتي ، الذي توفي في سنة 273هـ ، وقد عده المستشرق البولوني تاديوس لفتسكي من أقدم كتب السير في شمال إفريقيا (2) ؛ كذلك من الكتب التاريخية المهمة التي ألفت في تلك الفترة كتاب " أخبار الأئمة الرستميين " (3) لابن الصغير الذي كان معاصرا للإمام أبي اليقظان بن أفلح ( 261هـ - 281هـ ) (4) .
__________
(1) *- حققه كل من الشيخ سالم بن يعقوب والمستشرق الألماني شفارتز ، طبع طبعة غير مرخصة بعنوان محرف وهو : الإسلام وتاريخه من وجهة نظر إباضية ( أنظر : بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/350 رقم الترجمة : 760 ) .
(2) - بحاز ، الدولة الرستمية ، ص368 - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/350 رقم الترجمة : 760 .
(3) **- عنوان كتاب ابن الصغير غير معروف بدقة ، فقد استعملت الكتابات الحديثة عدة عناوين له مثل : " أخبار الأئمة الرستميين" ، و" تاريخ ابن الصغير " ، و" سيرة ابن الصغير " ، إلا أن أول نشر له من قبل موتيلانسكي يحمل هذه العبارة " ذكر بعض الأخبار في الأئمة الرستميين منقول من ابن الصغير " ، وقد اختار محققا كتاب ابن الصغير د/ محمد ناصر والباحث إبراهيم بحاز عنوان " أخبار الأئمة الرستميين " ( أنظر : ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص 14- 15 ترجمة ابن الصغير - بحاز ، الدولة الرستمية ، ص370 ) .
(4) - ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص12 ترجمة ابن الصغير . (1/250)
صفحة 251
أما بالنسبة للغة العربية وعلومها ، فإنها كذلك لاقت اهتماما من قبل العلماء في عصر الشيخ عمروس ، حيث أنها الوسيلة لفهم الأحكام الشرعية ، وعلى رأس المهتمين باللغة العربية أئمة الدولة الرستمية ، فالإمام عبد الرحمن هاجر إلى البصرة ودرس على يد الإمام أبي عبيدة ، حتى نبغ في العلم ، فأجاز له الإمام أبو عبيدة أن يفتي بما سمع عنه وبما لم يسمع (1) ، وبالطبع سيكون تلقيه للعلم باللغة العربية ، وخاصة أنه في البصرة ، والبصرة كما هو معلوم مدرسة من مدارس اللغة العربية ؛ والإمام عبد الوهاب اعتكف على قراءة حمل أربعين جملا من الكتب جاءته من المشرق ، فلم يجد فيها جديدا إلا مسألتين ، فقال : " الحمد لله إذ وجدت جميع ما فيها محفوظا عندي ولم أستفد منها إلا مسألتين ، ولو سئلت عنهما لأجبت قياسا كما رسما في الكتب " (2) ، والكتب التي جاءته من المشرق بالطبع ستكون باللغة العربية ؛ والإمام أفلح دارت عليه أربع حلق في العلم قبل بلوغه سن الرشد ، إحداها في اللغة العربية (3) ؛
__________
(1) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص54- 57 - الدرجيني ، الطبقات ، 1/19- 22 ـ الشماخي ، السير ، 1/113 ، 124- 126 ـ بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/246 رقم الترجمة : 544 .
(2) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص99- 100 - الدرجيني ، الطبقات ، 1/56- 57 ـ الشماخي ، السير ، 1/142.
(3) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص136 ـ الدرجيني ، الطبقات ، 1/77 ـ الشماخي ، السير ، 1/166 ـ الوسياني ، سير ( مخ ) ، ورقة 39 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص269 .. (1/251)
صفحة 252
بل إن بعض أفراد البيت الرستمي كيعقوب بن أفلح كانوا يحفظون القرآن مع الكتب السماوية السابقة وهذا ينم عن تمكن في اللغة العربية وعلومها ليتسنى لهم حفظ هذه الكتب ، فنجد يعقوب بن أفلح يقول : " أستعيذ بالله أن ينزل على موسى وعيسى عليهما السلام ما لم أحفظ وأعرف معناه ، فكيف بالكتاب المنزل على سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - " (1) .
والحقيقة أن المصادر لا تسعف كثيرا في هذا الجانب ، فلا تذكر الكثير عن اهتمام العلماء باللغة العربية وعلومها في تلك الفترة إلا بعض الشذرات التي يمكن اقتطافها من بين السطور التي توحي بوجود اهتمام من قبل العلماء باللغة العربية وعلومها ؛ فمن العلماء الذين ذكرت المصادر عنهم الاهتمام باللغة العربية وتمكنهم منها ، أبو عبيدة الأعرج ، قال عنه ابن الصغير مبديا إعجابه ببراعته في اللغة : " كان أبو عبيدة هذا عالما بالفقه والكلام والوثائق والنحو واللغة ... وقد أتيته يوما أسمع منه كتاب إصلاح الغلط ... فلما افتتحت قراءته وقلت : " لعل ناظرا في كتابنا هذا ينفر من عنوانه ويستنفر من ترجمته ، ويربا بأبي عبيدة عن الزلة " فلم أهمز ولم أمده ، فقال لي : يربأ بأبي عبيدة بهمزة الألف وضمه ، وإنما ذكرت هذا الحرف لأدل على براعته في اللغة " إهـ (2) .
__________
(1) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص190 ـ الدرجيني ، الطبقات ، 1/105 ـ الشماخي ، السير ، 2/47 ـ الباروني ، الأزهار ، 2/294 ـ بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ،2/473 رقم الترجمة : 1032 .
(2) - ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص96 . (1/252)
صفحة 253
كذلك من العلوم التي راجت في عصر الشيخ عمروس علم الكلام والمناظرات ، وذلك بسبب التنافس المذهبي الشديد في ذلك الوقت ، وقد مر علينا في هذا المبحث عدة أمثلة على مناظرات حدثت بين الإباضية وغيرهم ، كمناظرة الشيخ عمروس مع نفاث ، أو مناظرة الإمام عبد الوهاب ووفد نفوسة مع المعتزلة ، أو مناظرات ابن الصغير مع علماء الإباضية ، حتى أن ابن الصغير وصف جو المناظرات في تيهرت بقوله : " ... إلا أن الفقهاء تناجت المسائل فيما بينهم وتناظرت ، واشتهت كل فرقة أن تعلم ما خلفتها فيه عاقبتها ، ومن أتى إلى حلق الإباضية من غيرهم قربوه وناظروه ألطف مناظرة ، وكذلك من أتى من الإباضية إلى حلق غيرهم كان سبيله كذلك ... " إهـ (1) ؛ وقد كان أئمة الدولة الرستمية على رأس العلماء المتمكنين من هذا الفن ، وبعضهم ترك مؤلفات في هذا الجانب كالإمام أبي اليقظان فقد ترك كتبا في الرد على المخالفين ، و" رسالة في خلق القرآن " (2) ؛ ومن المؤلفات التي ظهرت في هذا الفن في تلك الفترة كذلك " كتاب في الرد على النكاث وأحمد بن الحسين " للشيخ عمروس ، وكتاب الدينونة الصافية له كذلك (3) ؛ وظهر كتابان آخران في علم الكلام يعرفان بـ " أصول الكلام " (4) لعبد الخالق الفزاني الذي كان معاصرا للشيخ عمروس (5) .
__________
(1) - المصدر السابق ، ص117 .
(2) *- أنظر ص104 .
(3) - البغطوري ، سير أهل نفوسة ( مخ ) ، ص95 - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص21 ،57- 84 - النامي ، دراسات عن الإباضية ، ص221 - دليل المؤلفين العرب الليبيين ، ص30 نقلا عن : عمروس ، الدينونة الصافية 21 المقدمة .
(4) *- يذكر د/ عمرو خليفة النامي أن هذين الكتابين لا يزالان مفقودين ( أنظر : النامي ، دراسات عن الإباضية ، ص221 ) .
(5) - البغطوري ، سير أهل نفوسة ( مخ ) ، ص95 - الشماخي ، السير ، 1/196- النامي ، دراسات عن الإباضية ، ص221 - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/245 رقم الترجمة : 539 . (1/253)
صفحة 254
كذلك مع ما سبق ذكره من العلوم الشرعية ، فإن هناك بعض العلوم الدنيوية لاقت اهتماما في عصر الشيخ عمروس ، كعلم الطب والكيمياء الذي يتعلق بتركيب الأدوية ، وكان اليهود من أكثر المهتمين بهذه العلوم ، حيث أنهم كان لهم وجود في الدولة الرستمية في ذلك الوقت (1) ؛ وعلم الفلك والتنجيم والحساب كان أيضا من العلوم الرائجة في ذلك العصر ، وقد كان أئمة الدولة الرستمية على رأس علماء هذه العلوم كما مر علينا عند الحديث عن اهتمام أئمة الدولة الرستمية بالعلم في هذا المبحث ، وبلغ من اهتمام الأسرة الرستمية بهذا العلم أن قال أحد أفرادها : " معاذ الله أن تكون عندنا أمة لا تعلم منزلة يبيت فيها القمر " (2) ؛ والظاهر أن أئمة الدولة الرستمية وعلمائها تركوا مؤلفات قيمة في هذا العلم ، والدليل على ذلك ما قام به أبو عبد الله الشيعي من انتقاء كتب الفلك والحساب والصناعة من مكتبة المعصومة وإحراق الباقي (3) .
هذه بعض العلوم التي كانت متداولة في عصر الشيخ عمروس ، فظهر عدد من العلماء الذين تمكنوا منها ، وتركوا الكثير من المؤلفات ، منها ما وصل إلينا ، ومنها ما ضاع مع الأيام والحوادث ، ولله الأمر من قبل ومن بعد .
6- المطلب الخامس : وضع المرأة العلمي والفكري في عصر الشيخ عمروس :
__________
(1) - ابن أبي أصيبعة ، عيون الأنباء في طبقات الأطباء ، 3/56- 134 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ن ص373 - دبوز ، تاريخ المغرب الكبير ، 2/372 -
(2) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص99- الدرجيني ، الطبقات ، 1/56 ـ الشماخي ، السير ، 1/142 ـ بحاز ، الدولة الرستمية ، ص377 .
(3) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص170- الدرجيني ، الطبقات ، 1/94- الباروني ، الأزهار ، 2/293- دبوز ، تاريخ المغرب الكبير ، 3/397 - بحاز ، الدولة الرستمية ، ص375 . (1/254)
صفحة 255
إن المرأة هي شقيقة الرجل ، ونصف المجتمع ، وقد كان للمرأة في عصر الشيخ عمروس دور كبير في النهضة العلمية التي شهدها ذلك العصر ، بل كانت تنافس الرجل في طلب العلم ومجالسة العلماء ، فظهر عدد كبير من العالمات والصالحات في ذلك العصر ، منهن من بلغت درجة الاجتهاد والإفتاء ، فحفظت لنا المصادر أمثلة لفتاوى وأحكام لعالمات ظهرن في تلك الفترة ؛ وقد وصف الباحث إبراهيم بحاز نساء ذلك العصر - وبالتحديد المجتمع الرستمي - فقال : " كان للمرأة في المجتمع الرستمي ، دور بارز في الحياة الفكرية ، إذ وجدناها عالمة ، وشاعرة ، ومستفسرة عن مسائل دينها لا تريد أن تجهلها ، وكانت المرأة الإباضية بالخصوص ، باعتبار أن تلك الفترة كانت فترة سلطان المذهب الإباضي ، كثيرة الاعتناء بالشعائر الدينية وشرائعه ، ويبدوا لنا أن المرأة كانت الوعاء الحقيقي للإباضية ، حملت هذا المذهب بأمانة ، تدافع عنه ، وتنشئ الأجيال عليه " (1) .
وكانت نساء البيت الرستمي على رأس قائمة العالمات اللائي نبغن في العلم ، فيقول أحد أفراد البيت الرستمي : " معاذ الله أن تكون عندنا أمة لا تعلم منزلة يبيت فيها القمر " كما مر (2) ؛ ومن الأمثلة على اهتمام وشغف النساء الرستميات بالعلم في ذلك العصر ما ذكره الشماخي من أن الإمام عبد الوهاب وأختا (3) له باتا يتعلمان مسائل الفرائض ، فلم يطلع عليهما الفجر إلا وهما يورثان (4) .
__________
(1) - بحاز ، الدولة الرستمية ، ص377 .
(2) - أنظر ص90 .
(3) *- لم يذكر الشماخي اسمها ، وقد مر ذكر الخلاف الواقع بين أبي زكرياء صاحب سير الأئمة والشماخي صاحب كتاب السير ، أنظر : ص99 .
(4) - الشماخي ، السير ، 1/142. (1/255)
صفحة 256
وقد كانت نساء البيت الرستمي ينافسن رجال البيت الرستمي حتى كدن يتفوقن عليهم في العلم ، فمما يروى في تفوقهن في علم الفلك أن الإمام أفلح قعد ذات ليلة هو وأخته (1) ، فقال لها هلمي نحسب ماذا يذبح في السوق غدا أولا إن شاء الله ، فحسب فقال لها أفلح : إن أول ما يذبح بقرة صفراء في بطنها عجل ذو غرة في جبهته ، فقالت له : صدقت هي البقرة الصفراء وفي بطنها عجل ، غير أن الذي رأيته هو طرف ذنبه أبيض تعممه على جبهته ، فخلته أبيض الجبهة ذا غرة ، وإنما ذلك طرف ذنبه ، فكان الأمر كما قالا (2) .
وقد بلغ نساء البيت الرستمي من الحنكة والدهاء أن أصبحن يعن الأئمة في بعض الأمور المتعلقة بالحشم والقصر ، فمن ذلك ما ذكره ابن الصغير عن " غزالة " زوجة الإمام أبي اليقظان محمد بن أفلح وبعض المهام التي كانت تؤديها ، فقال : " ... وكان أبو حاتم هذا فتى شابا ، فكان يجمع الفتيان
إلى نفسه فيطعم ويكسي ، وكانت له أم تسمى غزالة ، وكانت مالكة لأمور أبي اليقظان وحشمه ... " إهـ (3) .
__________
(1) **- لم تذكر المصادر اسمها .
(2) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص136 ـ الشماخي ، السير ، 1/167 - دبوز ، تاريخ المغرب الكبير ، 3/379.
(3) - ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص103 . (1/256)
صفحة 257
وأما نساء نفوسة فلم يكن أقل من نساء تيهرت ، بل كن يماثلنهن في حب العلم وطلبه حذو النعل بالنعل ، ويظهر مدى اهتمام النساء النفوسيات بالعلم من انتشاره حتى بين الإماء والخدم ، فقد ذكر الوسياني أن " العلم فشا في الجبل حتى خدمهم وإمائهم إذا خرجن إلى الاستقاء لا يرجعن حتى يذكرن بينهن مسائل كتاب ماطوس (1) ، وفيه ثلاثمائة مسألة ، ومواعظ كتاب الإخوان (2) " (3) .
__________
(1) *- هو أبو معروف ماطوس - وورد موطس - بن هارون ، عالم عامل مجتهد ، من مدينة شروس بجبل نفوسة بليبيا ، يعد ضمن شيوخ وقراء جبل نفوسة ، عاصر الوالي على الجبل أبا منصور إلياس ، والشيخ عمروس بن فتح وكان من جلسائهم في العلم ، له كتاب يسمى " كتاب ماطوس " ، شارك في معركة مانو سنة 283هـ ، واستشهد فيها ( أنظر : الدرجيني ، الطبقات ، 2/322- الشماخي ، السير ، 1/226 ، 227- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/351- 352 رقم الترجمة : 763 ) .
(2) **- ذكر الباحث إبراهيم بحاز أنه لا يعرف عن كتاب الإخوان شيئا ( بحاز ، الدولة الرستمية ، ص378 الهامش ) .
(3) - الوسياني ، سير ( مخ ) ورقة 18 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص378 - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/351- 352 رقم الترجمة : 763 . (1/257)
صفحة 258
ولقد كان حب العلم والشغف به عند النساء في ذلك الوقت سبب لعتق أمة سودانية تدعى " غزالة " (1) ، حيث أنها كانت تخدم مولاها بالنهار ، فإذا نام ونام عياله ، انصرفت فتحضر مجلس الذكر عند أبي محمد عبد الله بن الخير ، فإذا انقضى المجلس رجعت ، فتأتي مصلى لها في كهف فتصلي ، فإذا كان آخر الليل أتت أهلها فأيقظتهم للصلاة ، ففطن لها سيدها فأعتقها ، واستمرت على ما كانت عليه (2) .
__________
(1) ***- هي أمة سودانية اسمها غزالة ، جلبت من السودان ، أسلمت بسبب سماعها لقراءة القرآن ، واشتراها رجل من أهل ويغو بجبل نفوسة ، يروى من كراماتها أنها عندما كانت تصلي في الكهف كانت ترى مصباحين يقدان لها ، فلما أعتقت كانت لا تجد إلا مصباحا واحدا ( أنظر : الشماخي ، السير ، 1/187) .
(2) - البغطوري ، سير أهل نفوسة ، ص72 - الشماخي ، السير ، 1/187 . (1/258)
صفحة 259
وقد كانت النساء النفوسيات يحضرن مجالس العلم في بيوت العلماء ، فقد ذكر الشماخي أن أبا ذر أبان بن وسيم كان له مجلس علم في بيته تقصده النساء للتعليم والإفادة (1) ، وكانت له زوجة وابنة صالحتان فقيهتان (2) ، ومن تلميذاته اللاتي تخرجن من بيته العالمة زورغ الأرجانية (3) ،
__________
(1) - الشماخي ، السير ، 1/186 .
(2) - الدرجيني ، الطبقات ، 2/304 - الشماخي ، السير ، 1/186 .
(3) *- هي زروغ الأرجانية ، من أهل " آرجان " بجبل نفوسة ، تصنف ضمن الطبقة الخامسة ( 200- 250هـ ) ، عالمة عابدة صالحة ، بلغت مبلغا عظيما في العلم والصلاح ، أخذت العلم عن أبان بن وسيم الويغوي ، قيل عنها " معها ثلث علم الجبل " ، وكانت نساء أهل " إيجطال " و " أبديلان " يزرنها ، لمكانتها وورعها وعلمها ، وفي جبل نفوسة يوجد مصلى نسب إليها ، كان قائما في القرن العاشر الهجري ( أنظر : البغطوري ، سيرة أهل نفوسة ( مخ ) ، ص98- 99- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/163 رقم الترجمة : 354 ) .. (1/259)
صفحة 260
التي قيل عنها : " معها ثلث علم أهل الجبل " ، والعالمة النفوسية تكسليت أم يحيى (1) (2) ؛ وكانت أم الشيخ أبي ميمون الجيطالي تحضر مجالس العلم ، فكان ولدها أبو ميمون في مجلس العلم يسكن ويترك البكاء ، فتفرست فيه أن يصبح عالما من العلماء ، وصدقت فراستها ، فأصبح من كبار العلماء ، وهذا دليل على ذكائها وفطنتها (3) .
__________
(1) **- هي تكسليت أم يحيى ، امرأة صالحة عالمة من أهل " جليمة " بجبل نفوسة ، تتلمذت على يد أبي غليون ، وجنذول ، وأبان بن وسيم الويغوي ، كان يجتمع عندها العزابة من أهل " أمسين " ، طلبة ومشايخ ، في كل ليلة جمعة يتذاكرون ، ويحيون ليلتهم في العبادة ، وصفها البغطوري بأنها أفضل نساء زمانها ، من تلميذاتها : شكرت الزعوارية ، وقد اشتهرت تكسليت بقوة الحفظ ، سمعت ثمانين بيتا من الشعر فحفظتها مرة واحدة ، وحفظت كتاب الخليل الصالح ، بعد أن سمعته من قراءة واحدة ، فقالت : " من أراد أن ينسخ فليكتب " فأملته من حافظتها ، حين رفض من اشترى الكتاب أن يسمح بنسخه ، وقد كانت لا تزال على قيد الحياة إلى سنة 283هـ ، والظاهر أنها هي نفسها أم يحيى زوجة الشيخ أبي ميمون الجيطالي ، أنظر ترجمتها ص150( أنظر : البغطوري ، سيرة أهل نفوسة ( مخ ) ، ص27- 30 ، 55 - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/105 رقم الترجمة : 223 ) .
(2) - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/7 رقم الترجمة : 3 .
(3) - الدرجيني ، الطبقات ، 2/295 . (1/260)
صفحة 261
ووصل من حب النساء للعلم في ذلك الوقت أن فتحن منازلهن للعلماء يقيمون فيها دروس العلم ، ومن ذلك ما ذكره الشماخي عن إحدى النساء النفوسيات الصالحات الفقيهات إسمها " بهلولة " (1) ، كانت تفتح بيتها للشيخ أبان بن وسيم ، ليلقي فيه دروسه للنساء ، ثم تزوجها بعد ذلك (2) ؛ ومن ذلك أيضا ما ذكره الشماخي عن امرأة تدعى " أم الخطاب " (3) كانت كذلك تفتح بيتها للعلماء ليقيموا فيه مجالس العلم (4) ؛ قال الباحث إبراهيم بحاز معلقا على هذه الظاهرة : " إن مجرد فتح البيت للشيخ يلقي فيه دروسه ، يعبر عن المستوى الرفيع الذي بلغه الاهتمام بالعلم في الدولة الرستمية ، ليس من طرف الحاكم أو الرجل حسب ، وإنما إلى جانبهما المرأة التي اهتمت دوما بمعرفة فقه مذهبها ، ومعرفة دينها بصفة عامة " إهـ (5) .
__________
(1) ***- بهلولة : إمرأة صالحة وفقيهة من جبل نفوسة ، عاشت في القرن الثالث الهجري ، أخذت العلم في حلقة أبي ذر أبان بن وسيم الويغوي ، التي كان يقيمها في بيتها ، بعد أن جعلت من بيتها مدرسة للنساء ، ثم تزوجها بعد ذلك ( أنظر : الشماخي ، السير ، 1/186- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/100 رقم الترجمة : 212 ) .
(2) - الشماخي ، السير ، 1/186 .
(3) ****- هي أم الخطاب ، لم تذكر المصادر اسمها ، عالمة صالحة من بلدة " أغرْميمَان " من ناحية " تِغرمِين " بجبل نفوسة ، عاشت في القرن الثالث الهجري ، كانت نصرانية ، فتزوجها أبو يحيى الأرذالي ، فاعتنقت الإسلام ، وحفظت القرآن الكريم =
= ، وجدت في علوم الشريعة ، حتى أصبحت مرجعا للنساء في الاستشارة والفتوى ( أنظر : الشماخي ، السير ،1/218- 219 ، 155 ، 171- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/134 رقم الترجمة : 291 ) .
(4) - الشماخي ، السير ، 1/155 ، 171 .
(5) - بحاز ، الدولة الرستمية ، 378- 379 . (1/261)
صفحة 262
وكن من حبهن للعلم تتمنى الواحدة منهن أن تجد قوما جهالا فتعلمهم أمور دينهم ، ليرحمها الله تعالى بذلك ، فمن ذلك ما يروى أن ثلاث نسوة صالحات مجتهدات اجتمعن يوما بجبل نفوسة ، وتحدثن فأمضى بهن التحدث إلى الأماني ، حتى قالت إحداهن : أتمنى لو أن الله ساقني إلى قوم جهال فأعلمهم ما يحتاجون إليه من أمور دينهم ، فيرحمني الله بما أعلمهم من فضل العلم والتعليم (1) ، وهذا يدل على تمكنهن من العلم ، بحيث تصبح الواحدة منهن قادرة على التعليم والتصدي لهذه المهمة الجسيمة .
__________
(1) - الدرجيني ، الطبقات ، 2/309- 310 - الشماخي ، السير ، 1/179 . (1/262)
صفحة 263
وقد كن من اهتمامهن بالعلم وطلبه ، يسألن حتى عن الأمور الدقيقة والخاصة ، فمن ذلك ما يروى عن ابنة الشيخ أبي مسور يصنيتن النفوسي ، أنها سألته عن مسألة من مسائل الحيض ، ووصفت له إمارات من ذلك ، ثم قالت له : أتراني أن أصلي بهذا أم لا ؟ فقال لها : ألا تستحي مني يا ابنتي ؟ فقالت : أخشى إن استحيت في أمور ديني أن يمقتني الله تعالى يوم القيامة ، فقال لها أبوها : لا يمقتك الله يوم القيامة يا ابنتي ، وذلك لمَّا رأى خوفها من الله تعالى ، وحرصها على دينها (1) ؛ وقد ذكر الدرجيني أن هذه الفتاة التقية وصفت بأنها : " عظيمة القدر في أهل زمانها ، وممن يروى عنها الفوائد الكثيرة " (2) ، ثم ذكر بعض المواقف التي تدل على علم وصلاح هذه الفتاة النفوسية ، فمن ذلك أنها جلست مع أبيها ذات يوم ، فقال أبوها : " المسلمون أفضل من أقوالهم " ، فقالت : " أقوالهم أفضل ، لأن المسلمين يموتون وتبقى أقوالهم ، ينتفع بها بعدهم ، إلا إن كنت تريد فضل الأجسام على الأعراض ، وإلا أفعالهم والدين أفضل المخلوقات " (3) ؛ وموقف آخر لهذه الفتاة يدل على علمها وتقواها ، ما روي من أنها جلست يوما مع أبيها يتحدثان ، وقد غسلا ثيابهما ونشراهما للشمس ، فنظر الشيخ إلى صفاء الثياب ، فقال : " تمنيت أن الله عزوجل طهر قلبي كطهارة هذه الثياب " ، فقالت : " تمنيت أن يكون بيدي تطهير قلبي ، فأطهره كهذه الثياب ، وأرسله إلى مولاه " ، فقال لها : " إنك لأبلغ مني حتى في الأماني " (4) ؛ وأيضا يروى عنها أن أباها قال لها : " أزوجك لمن له عليك سبعون حقا " ، فقالت : " أردها إلى ثلاث ، إن دعا أجبت ، وإن أمر امتثلت ، وإن نهى تركت " (5) .
__________
(1) - الدرجيني ، الطبقات ، 2/316 .
(2) - المصدر السابق ، 2/316 .
(3) - الدرجيني ، الطبقات ، 2/316 - الشماخي ، السير ، 1/197.
(4) - الدرجيني ، الطبقات ، 2/316 - الشماخي ، السير ، 1/197.
(5) - الشماخي ، السير ، 1/197 . (1/263)
صفحة 264
وقد بلغ من علم النساء في ذلك العصر أن أصبحن موضع ثقة للشورى في الأمور العظام ، فمن ذلك ما يروى أن أبا عبيدة عبد الحميد الجناوني لما وصله كتاب الإمام عبد الوهاب بتعيينه واليا على جبل نفوسة ، قال : " أمهلوني حتى أستشير " ، فأتى عجوزا (1) معروفة بالعلم والورع والدين ، فقال لها : " إن أمير المؤمنين بعث إلي بالولاية ، فأشيري علي " ، فقالت : " إن علمت في نفوسة أفضل منك فتقدمت فستكون خشبة في جهنم ، وإن علمت ليس فيهم أفضل منك فتأخرت فستكون خشبة في جهنم " ، فقال : " أما في أمور الرجال فلا أعلم فيهم مثلي " ، فقالت : " فادخل إذا فيما قلدك الإمام ، وإلا فإني أخشى أن تهشم عظامك في نار جهنم ، فقد قامت عليك الحجة " ، فرجع إلى المشائخ فقبل الولاية (2) .
ومن النساء النفوسيات اللاتي اشتهرن بالعلم والصلاح " أم يحيى " (3) ،
__________
(1) *- لم تذكر المصادر اسمها .
(2) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص124- 125 - الدرجيني ، الطبقات ، 1/71 - الشماخي ، السير ، 1/158 .
(3) **- هي أم يحيى زوجة الشيخ أبي ميمون الجيطالي ، إمرأة صالحة عالمة ، من " تيمصليت " بجبل نفوسة ، كانت على قيد الحياة حتى سنة 283هـ ، لم تذكر المصادر التي وقعت بين يدي اسمها ، وإنما اكتفت بذكر كنيتها ، أخذت العلم عن الشيخ أبي غليون ، والشيخ أبان بن وسيم الويغوي ، أنشأت مدرسة خاصة للنساء ، لها مصلى في جلميت بجبل نفوسة يعرف بمصلى أم يحيى ، والظاهر أن أم يحيى هذه هي نفسها تكسليت أم يحيى ، وقد اعتبرهما أصحاب المعجم شخصيتين مستقلتين ، فترجم لكل واحدة على حدة ، بالرغم من إحالتهم إلى نفس المراجع والمصادر ونفس الصفحات ، وعند المقارنة بين الشخصيتين نجد تشابها في حياة كل منهما ، مما يظهر أنهما نفس المرأة والله أعلم ، وقد ترجمت لأم يحيى تكسليت سابقا في هذا المبحث ص148
(
أنظر : بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/465- 466 رقم الترجمة : 1018) . (1/264)
صفحة 265
فكانت تتذاكر العلم مع زوجها ، قال عنها الشماخي : " كانت حزيمة لأمور الأخرى وأمور الدنيا " إهـ (1) ؛ وكانت شديدة الغيرة على دين الله ، فيروى أنه تقدم رجل يصلي بالناس ، وهو لا يستحق التقديم ، فقالت له : " اخرج من المحراب يا رجل سوء ، لئلا يأتيك من السماء أكثر مما يأتيك من الأرض " ، فكان ذلك الرجل يقول لها فيما بعد : " ... لولاك لهلكنا ، رزقك الله الجنة " (2) ؛ ويروى من قوة حفظها أنها سمعت رجلا في طريق الحج ينشد قصيدة في ثمانين بيتا ، فحفظتها كلها (3) ؛ وكانت تقيم حلقة علم في ليلة كل جمعة ، يجتمع عندها المشائخ والصالحون ، يتذاكرون العلم ويحيون ليلتهم في العبادة (4) ؛ ويروى أنها فقدت شخصا ممن كان يحضر مجلس الذكر اسمه زكرياء بن منيب (5) ، فلما وجدته بعد ذلك قالت له : " أكفر بعد إيمان يا زكرياء " ، فاعتذر أنه اشتغل بغسل ثيابه (6) ؛
__________
(1) - الشماخي ، السير ، 1/199 .
(2) - المصدر السابق ، 1/199 .
(3) - الشماخي ، السير ، 1/199 .
(4) - المصدر السابق ، 1/199 .
(5) *- هو أبو يوسف زكرياء بن منيب ، شيخ فقيه صالح من جبل نفوسة ، عاش في القرن الثالث الهجري ، كان له أخ يكنى بأبي يعقوب ، وكانا يترافقان إلى تيهرت العاصمة الرستمية ، لعلمها لطلب العلم على يد أئمتها وعلمائها ، والظاهر أنه كان من عزابة " أمسين " ، حيث أن عزابة " أمسين " كانوا يحضرون مجلس ذكر وعلم عند أم يحيى ، فافتقدت أم يحيى في ليلة من الليالي أبا يوسف ، وعندما وجدته بعد ذلك قالت له : " أكفر بعد إيمان يا زكرياء " ؟ فاعتذر بغسل ثيابه من النجاسة ( أنظر : الشماخي ، السير ، 1/175 ، 199 ).
(6) - المصدر السابق ، 1/199 .. (1/265)
صفحة 266
وكانت تقيم حلق العلم للنساء ، وتتولى تدريسهن بنفسها ، وتعد أول امرأة نفوسية فكرت في تخصيص مدرسة للبنات ، مجهزة بالأقسام الداخلية في قرية أمسين بجبل نفوسة (1) ؛ ومما يروى كذلك من قوة حفظها أن كتابا وقع بجبل نفوسة لأول مرة عند أحد الأشخاص ، فرفض إخراجه لنسخه ، وعرضه مرة واحدة على أم يحيى ، فتمكنت من حفظه ، فقالت : " من أراد أن ينسخ فليأت " (2) .
ومن العالمات النفوسيات المشهورات أخت الشيخ عمروس (3) ، ويظهر تمكنها في العلم من عدة مواقف ، من ذلك ما يروى أنها أعانت أخاها الشيخ عمروس في نسخ مدونة أبي غانم الخرساني ، فكان الشيخ عمروس يكتب وهي تملي (4) ؛ ومن ذلك اشتراكها مع النسوة في موقعة " مانو " ، فلما خشيت على نفسها وعليهن التعرض للفتنة من الظلمة ، أمرت كل واحدة منهن أن تستخلف الأخرى في تزويجها بمن يريدها بسوء (5) ، واشتراكها في موقعة مانو يدل على أنها كانت محبة للجهاد في سبيل الله ، والذود عن حياض الشريعة متأسية بالصحابيات الجليلات .
__________
(1) - الشماخي ، السير ، 1/199- 200 - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/465 رقم الترجمة : 1018.
(2) - الشماخي ، السير ، 1/199- 200 .
(3) **- لم تذكر المصادر اسمها .
(4) - الدرجيني ، الطبقات ، 2/323 ـ الشماخي ، السير ، 1/194- عمروس ، الدينونة الصافية ، ص11.
(5) - الشماخي ، السير ، 1/195 - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص12 المقدمة . (1/266)
صفحة 267
ويروى أن الشيخ سدرات بن إبراهيم المساكني (1) سئل عن امرأة ولدت ولدا فبقي آخر في بطنها هل تأكل في رمضان نهارا ؟ قال : نعم ، فقال بعض الأشياخ : نعس الشيخ ، فقالت أخت عمروس : " إن نعس لم ينعس علمه وكلامه ، وجدناها تأكل إذا انشقت المبولة (2) ، فكيف بهذا ... " (3) .
إذا فهكذا كانت المرأة في عصر الشيخ عمروس ، محبة للعلم ولمجالسة العلماء ، مهتمة بأمر دينها ، آمرة بالمعروف ناهية عن المنكر ، ناشرة للعلم بين بنات جنسها ، مجاهدة في سبيل ربها .
7- المطلب السادس : العلاقات الثقافية بين الدولة الرستمية وبلاد المغرب والمشرق وبلاد السودان في عصر الشيخ عمروس :
__________
(1) *- هو أبو حمزة سدرات بن إبراهيم المساكني النفوسي ، من " مساكن " بجبل نفوسة بليبيا ، عاش في القرن الثالث ، كان معاصرا للشيخ عمروس بن فتح ، وكان عالما ومفتيا ، وصفه الشماخي بقوله : " كان شيخا عالما متقيا " إهـ ، وكان له مجلس يتصدر الإفتاء فيه ، وكانت أخت الشيخ عمروس ممن يحضر ذلك المجلس ( أنظر : البغطوري ، سير أهل نفوسة ( مخ ) ، ص93- الشماخي ، السير ، 1/196- عمروس ، الدينونة الصافية ، ص12 المقدمة ) .
(2) **- المَبْوَلَة ُ بفتح الميم : ما يدر البول ، ويقال : " كثرة الشراب مَبْوَلَة ٌ" ، والمِبْوَلَة ُ بكسر الميم : ما يبال فيه ، ويجمع على مَبَاوِلُ ، والمراد بالمبولة في كلام أخت الشيخ عمروس : الماء الذي يسبق خروج الولد ( أنظر : إبراهيم مصطفى وآخرون ، المعجم الوسيط ، 1/77 ـ المعجم الوجيز ، ص68ـ الشيخ محمد اطفيش ، شرح كتاب النيل وشفاء العليل ، ج1 ، مكتبة الارشاد ، جدة ، المملكة العربية السعودية ، ط3 : 1405هـ / 1985م ، ص313 ـ الشيخ عمروس ، الدينونة الصافية ، مقدمة المحقق ص12 الهامش ) .
(3) - البغطوري ، سير أهل نفوسة ( مخ ) ، ص93- الشماخي ، السير ، 1/196 - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص12 المقدمة . (1/267)
صفحة 268
ارتبط الدولة الرستمية مع الدول المختلفة بعلاقات ثقافية وطيدة ، ساهمت في رفع ودفع الحركة الثقافية في ذلك العصر ، وتتمثل تلك العلاقة الثقافية في هجرة العلماء وطلاب العلم من الدولة الرستمية إلى تلك الدول لطلب العلم وللتعليم ، والعكس بالعكس ، كذلك كانت مؤلفات الدولة الرستمية تخرج إلى تلك الدول فيستفيد منها علماء وطلاب تلك الدول ، ومؤلفات تلك الدول تأتي إلى الدولة الرستمية فيستفيد منها علماؤها وطلابها ؛ وكانت الدولة الرستمية ترتبط أكثر ما ترتبط بعلاقات ثقافية مع بلاد المغرب والأندلس ، ومع المشرق ، ومع بلاد السودان .
فكيف كانت هذه العلاقة ؟ وما مدى قوتها ؟ وما أهم مظاهرها ؟ وكيف استفادت الدولة الرستمية من هذه العلاقة الثقافية في عصر الشيخ عمروس ؟ هذه ما سأحاول أن أميط اللثام عنه من خلال هذا المبحث .
أولا : العلاقة الثقافية مع بلاد المغرب والأندلس :
كان للدولة الرستمية علاقات تجارية كبيرة مع بلدان المغرب المجاورة لها ، ومع الأندلس ، والمشرق ، وبلاد السودان ، وقد ساهمت هذه الحركة التجارية في التلاقح العلمي والفكري بين هذه البلدان ، وذلك أن الكثير من العلماء يمارسون التجارة ، فكانوا يتنقلون ببضائعهم بين مختلف العواصم ، وفي نفس الوقت ينقلون علمهم إلى تلك الأماكن التي يصلون إليها ، ويستفيدون كذلك من علماء تلك البلدان (1) ؛ وكانت تيهرت تمثل قلب بلاد المغرب النابض ، حيث أنها تقع في وسط بلاد المغرب ، فساهم موقعها الحساس هذا في الربط بين عواصم بلاد المغرب المختلفة ، فكانت معبرا للقوافل التجارية ، مما نجم عنه دعم الحركة الثقافية فيها ، حيث أن العلماء ينتقلون مع هذه القوافل ، فكانوا يلتقون بعلماء تيهرت ، فيستفيد كل طرف من الآخر (2) .
__________
(1) - بحاز ، الدولة الرستمية ، ص382 .
(2) - المصدر السابق ، ص382 . (1/268)
صفحة 269
وكان لمنهج التسامح والحرية الفكرية الذي اتبعه أئمة الدولة الرستمية مع الرعية دور كبير في دعم العلاقات الثقافية مع الآخرين ، فهاجر إلى تيهرت الكثير من العلماء من مختلف المذاهب الإسلامية ، واستوطنوها ، وعاشوا في كنفها لما وجدوا من حرية فكرية ومذهبية ، وقد مر علينا سابقا ما ذكره ابن الصغير حول الحرية الفكرية والمذهبية التي كانت موجودة في تيهرت والدولة الرستمية بصفة عامة عندما قال : " ... وأتتهم الوفود والرفاق من كل الأمصار وأقاصي الأقطار ... إلخ " إهـ (1) ، فساهم هذا في التبادل العلمي والفكري بين علماء تيهرت والعلماء الذين وفدوا إليها من الخارج واتخذوها بلدا لهم ؛ وقد كانت تحدث مناظرات ومطارحات علمية بين مختلف علماء المذاهب الإسلامية الذين سكنوا تيهرت (2) ، وقد مر علينا بعض الأمثلة حول بعض المناظرات التي وقعت بين العلماء في تيهرت (3) .
__________
(1) - ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص36 .
(2) - بحاز ، الدولة الرستمية ، ص382- 383 .
(3) *- ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص117 . (1/269)
صفحة 270
وكان للإباضية وجود في بعض العواصم المغربية ، فكانت أعداد كبيرة منهم تسكن العاصمة الأغلبية خاصة من أهل نفوسة ، وذلك لاقتراب جبل نفوسة من القيروان ، فيروي لواب بن سلام وجود أكثر من خمسمائة رجل نفوسي من بينهم العلماء والفقهاء ، كأبي عمرو حفصون النفوسي (1) ، ومنهم أبو عبد الله فضل (2) ، وكانت لهم مساجدهم ومنازلهم التي يقيمون فيها دروسهم ، ويفتون الناس فيها (3) ، وذكر الشماخي عددا من علماء الإباضية الذين سكنوا القيروان (4) .
__________
(1) **- هو أبو عمرو حفصون ، عاش في القرن الثالث ، من علماء جبل نفوسة ، سكن بباطن المرج ، وهي منطقة قريبة من القيروان قبالة الساحل ، تلقى العلم على مشايخ زمانه بالقيروان كما يرجح أصحاب المعجم ، وصفه ابن سلام بأنه عالم فقيه فارض ناقد ( أنظر : لواب بن سلام ، الإسلام وتاريخه ، ص159- الشماخي ، السير ، 1/222- 223- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/122 رقم الترجمة : 262) .
(2) ***- هو أبو عبد الله فضل كما ذكر ابن سلام ووافقه الشماخي ، وذكر الباحث إبراهيم بحاز أنه فضل بن عبد الله ، والظاهر أنه وقع خطأ مطبعي عند الباحث بحاز وذلك أنه نقل عن ابن سلام والشماخي ، اللذان أشارا إلى أنه أبو عبد الله فضل وليس عبد الله بن فضل ؛ وقد سكن فضل بن عبد الله غربي مدينة القيروان ، وسط سوق الأحد حارة أبي محرز ، وهو عالم من علماء الإباضية ، وكان يخرج إلى بعض إخوانه - لعل الشماخي يقصد بإخوانه الإباضية - من هوارة وزناته فيتعلمون منه العلم ، وصفه ابن سلام بأنه عالم مفت بالقيروان ( أنظر : لواب بن سلام ، الإسلام وتاريخه ، ص157- الشماخي ، السير ، 1/221- بحاز ، الدولة الرستمية ، ص383 ) .
(3) - لواب بن سلام ، الإسلام وتاريخه ، ص157- 159- الشماخي ، السير ، 1/221- 223 - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/122 رقم الترجمة : 262 .
(4) - أنظر : الشماخي ، السير ، 1/221- 223. (1/270)
صفحة 271
ويرى بعض الباحثين أن من أسباب كثرة وجود الإباضية في القيروان هو لغرض تعلم اللغة العربية وآدابها في ربوع العرب ، إذ كانت هذه المدينة كما يقول لوفيسكي ، مثابة للإباضيين الواردين من مختلف بقاع المغرب لتعلم العربية وآدابها (1) .
وقد كانت كذلك للدولة الرستمية علاقة ثقافية مع الدولة الإدريسية ، إلا أن المصادر لا تذكر الكثير عن هذه العلاقة ، إلا مايذكر عن الشاعر التيهرتي بكر بن حماد الذي مدح بعض حكام الأدارسة ، وقد يكون انتقل إلى هناك لهذا الغرض ، كما يذكر الباحث إبراهيم بحاز (2) .
__________
(1) - محمد أبو راس الجربي ، مؤنس الأحبة ، مقدمة المحقق ، ص56- 57 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص384 .
(2) - البكري ، المغرب ، ص143 - ابن عذارى ، البيان المغرب ، 1/236 - شاوس محمد رمضان ، الدر الوقاد ، ص51 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص384 - الباروني ، الأزهار ، 2/70 . (1/271)
صفحة 272
وأيضا كانت هناك علاقات ثقافية بين الدولة الرستمية والدولة المدرارية الصفرية ، حيث كان للإباضية وجود في العاصمة المدرارية سجلماسة (1) ، وكان من أبرز العلماء الإباضيين الذين استوطنوا سجلماسة عالم جاء من المشرق يعرف بابن الجمع (2) ،
__________
(1) - ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص97- بحاز ، الدولة الرستمية ، ص384 .
(2) *- هو ابن الجمع ، وورد ابن الجمعي ، عاش في القرن الرابع الهجري ، عالم من علماء الإباضية ، غزير العلم ، مطلع على علوم الحيل والنظر ، تلقى علمه بالمشرق مسقط رأسه ، ثم رحل إلى مصر ، ثم سكن " توزر " ، فسجلماسة ، حيث اشتغل بالتدريس ، من تلامذته : أبو الربيع سليمان بن زرقون النفوسي ، وأبو يزيد مخلد بن كيداد صاحب الحمار ، ينسب إليه ديوان وكتب من تآليفه ( أنظر : أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص193- 194- الدرجيني ، الطبقات ، 1/109- 110- الشماخي ، السير ، 1/237- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/114- 115 رقم الترجمة : 243 ) .. (1/272)
صفحة 273
وكان من أشهر من تتلمذ على يديه أبو الربيع سليمان بن زرقون النفوسي (1) ،
__________
(1) **- هو أبو الربيع سليمان بن زرقون النفوسي ، يعد من الطبقة السابعة ( 300- 350هـ ) ، من نفوسة تابديوت ( تاديوت ) بليبيا ، يعد من العلماء العارفين البارزين ، تتلمذ على يد ابن الجمع ولازمه ، بعد وفاة شيخه ابن الجمع بسجلماسة عاد إلى قصطاليا بتوزر ، فعين مفتيا بها ، ولكن علاقته بسجلماسه لم تنقطع بل ظل أهلها يستشيرونه ويستفتونه ، فمن ذلك استفتاؤهم إياه في مسألة اختلفوا فيها حتى كادوا أن يقتتلوا بسببها ، فلما أفتى لهم رجعوا إلى صوابهم واصطلحوا ؛ وقد استطاع رد مزاته بإفريقية إلى مذهب الإباضية بعد أن اعتنقت مذهب النكار ، من طلابه : أبو القاسم يزيد بن مخلد ، وأبو خزر يغلى بن زلتاف ، وابن سلام صاحب كتاب " بدء الاسلام " ، وقد ترك أبو الربيع سليمان بن زرقون ديوانا يسمى " ديوان أبي الربيع " ، ولا يعرف أهو باق كله أو شيء منه ، أم ضاع مع ما ضاع ( أنظر : أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص193- 198- الدرجيني ، الطبقات ، 1/109- 113- الشماخي ، السير ، 1/237- 238- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/202 رقم الترجمة : 447 ) .. (1/273)
صفحة 274
وأبو يزيد مخلد بن كيداد (1) الذي أصبح نكاريا بعد ذلك (2) .
__________
(1) ***- هو أبو يزيد مخلد بن كيداد النكاري ، صاحب الحمار – لقب بذلك لأنه كان يملك حمارا جلبه من مصر يسبق الخيول - ، عاش في القرن الرابع ، أصله من البربر من بني يفرن يسكن قلعة سداده ، وأمه سودانية ، اسمها مسيكة ، وقد نشأ أبو يزيد فقيرا وعاش على إحسان الناس زمانا ، وأظهر التدين ، وقد كان إباضيا ، درس على يد ابن الجمع ، وكان رفيقه في الدراسة أبو الربيع سليمان بن زرقون الذي حافظ على مذهبه الإباضي ، وأما أبو يزيد فقد خالط النكار فتأثر بهم وأصبح إماما من أئمتهم ، كان في مبدئه معلما للصبيان ، عقب وفاة المهدي العبيدي في سنة 322هـ ، أعلن أبو يزيد ثورته في جبل أوراس على الدولة العبيدية ، وتلقب بشيخ المؤمنين ، وكثر أتباعه ، فاحتل أغلب الجنوب التونسي ، ثم استولى على القيروان ، وحاصر القائم العبيدي في المهدية ، وارتكب الكثير من الجرائم الوحشية ، ولم يلبث انتصاره أن تحول إلى هزيمة ، فقبض عليه المنصور إسماعيل بن محمد بن عبيد الله المهدي - ثالث خلفاء الفاطميين - ، وسلخ جلده حتى الموت في سنة 336هـ ، ثم ملئ تبنا =
= وعلق حتى تخرق وذرته الرياح ( أنظر : أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص175- 185 ، وانظر هامش ص175 – علي يحيى معمر ، الإباضية بين الفرق الإسلامية ، 2/16 ) .
(2) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص193- الدرجيني ، الطبقات ، 1/109- الشماخي ، السير ، 1/237- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/114- 115 رقم الترجمة : 243، 2/202 رقم الترجمة : 447 . (1/274)
صفحة 275
أما الأندلس فقد كانت الدولة الرستمية ترتبط بها بعلاقات ثقافية قوية ، وقد كان هناك وجود للعديد من العلماء الأندلسيين في تيهرت ، وقد استفادت الدولة الرستمية من خبرتهم كما يذكر الباحث إبراهيم بحاز (1) ؛ ونجد في المقابل أن عددا من علماء تيهرت هاجروا إلى الأندلس ، وبلغوا فيها أعلى المراتب ، فمن هؤلاء عبد الرحمن بن بكر بن حماد التاهرتي الذي حدث بقرطبة عن أبيه (2) ؛ ومنهم كذلك قاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن محمد التميمي التيهرتي وابنه أبو الفضل أحمد المعروف بالبزاز (3) ، دخلا الأندلس سنة 317 هـ (4) ؛
__________
(1) - بحاز ، الدولة الرستمية ، ص385 .
(2) - ابن الفرضي ، تاريخ علماء ، ص268- الدباغ ، معالم الإيمان ، 2/282- نويهض عادل ، معجم أعلام الجزائر ، ص84 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص386- الباروني ، الأزهار ، 2/71 .
(3) *- هو أبو الفضل أحمد بن قاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن محمد التميمي التاهرتي المعروف بالبزاز ، ولد بتيهرت سنة 309هـ ، وكان محدثا ، بدأ طلب العلم سنة 334هـ ، وكان عمره خمسة وعشرين سنة ، هاجر إلى الأندلس سنة 317هـ ، عندما كان عمره في الثامنة ، توفي سنة 395هـ ، وقيل سنة 396هـ ، روى عنه أبو عمران الفاسي موسى بن عيسى بن أبي حاج فقيه القيروان ( أنظر : الباروني ، الأزهار ، 2/77 ) .
(4) - الحميدي ، جذوة ، ص132- 133- الضبي ، بغية ، ص166 ، 436- ابن بشكوال ، الصلة ، 1/86 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص386 - الباروني ، الأزهار ، 2/76- 77 .. (1/275)
صفحة 276
وكذلك من علماء تيهرت الذين هاجروا إلى الأندلس العلامة زكرياء بن بكر الغسالي التيهرتي (1) ، وأبو الطيب محمد بن أبي بردة الشافعي (2) (3) .
__________
(1) **- هو أبو يحيى زكرياء بن بكر بن أحمد الغسالي التيهرتي ، يعرف بابن الأشج ، وهو غير إباضي ، من العلماء التيهرتيين الذين هاجروا إلى الأندلس ، ولد بتيهرت في سنة 310هـ ، ، وهاجر إلى الأندلس مع أخيه ووالده في سنة 326هـ ، وتوفي بها في سنة 393هـ ( أنظر : الباروني ، الأزهار ، 2/75 ) .
(2) ***- هو أبو الطيب محمد بن أحمد بن إبراهيم بن أبي بردة الشافعي البغدادي ، من تيهرت ، وهو على المذهب الشافعي ، هاجر إلى الأندلس في سنة 361هـ ، فأكرمه المستنصر بالله ، وأمر بإجراء النزل له ، ثم أمر بإخراجه من البلد عندما نُسِبَ إلى الاعتزال ، فعاد إلى تيهرت في سنة 373هـ عند بنت له ( أنظر : الباروني ، الأزهار ، 2/76 ) .
(3) - الباروني ، الأزهار ، 2/75- 76 . (1/276)
صفحة 277
هؤلاء العلماء الذين مر ذكرهم كانوا على غير المذهب الإباضي ؛ وأما بخصوص الإباضية وانتشارهم في الأندلس سواء في عهد الدولة الرستمية أو بعدها فإن المصادر تبخل بتسليط الضوء عليه ، بالرغم من انتشار الإباضية بالأندلس ، ليس هذا فحسب بل وإقامة دول لهم بها كدولة بني برزال (1) ، وإمارة بني دمر (2)
__________
(1) ****- بنو برزال : ينتمون إلى قبيلة بني يفرن الذين هم بطن من بطون زناته وكانوا يقطنون بالمغرب الأوسط بأرض الزاب الأسفل والمسيلة ؛ وقد أنشأ هذه الدولة الإباضية بالأندلس رجل يدعى أبو عبد الله البرزالي في سنة 400هـ وقيل 404هـ في ولاية جيان بالجنوب الشرقي من الأندلس ، وبالتحديد في " قرمونة " الواقعة في منحنى الوادي الكبير بين إمارة قرطبة ومملكة إشبيلية ، وسار في حكمه سيرة حسنة ، وعامل الرعية بالرفق والعدل ، وقد استمرت هذه الدولة الإباضية لمدة 54 عاما إلى أن سقطت في سنة 459هـ بسبب مهاجمة المعتضد بن عباد صاحب اشبيلية لها وسيطرته عليها ( أنظر : يحيى محمد بكوش ، الوجود الإباضي بالأندلس ، مكتبة الضامري ، سلطنة عمان ، السيب ، ط2 1411هـ / 1990م ، ص24- 27 ) .
(2) *- أقيمت هذه الإمارة في مدينة " مورور " أو " مورون " بالقسم الجنوبي من الأندلس في القرن الرابع الهجري ، وكانت تشغل رقعة صغيرة تمتد حول هذه المدينة جنوبا حتى وادي " لكه " ؛ وأقام هذه الإمارة رجل يدعى نوح بن أبي تزيري الدميري زعيم بني دمر ، وكان بنو دمر من بربر تونس ومن بطون زناته ، وهم من الإباضية وفد جدهم أبو تزيري إلى الأندلس أيام المنصور وخدم في الجيش كسائر زملائه من زعماء البربر ، وانحاز منذ أيام الفتنة إلى تلك المنطقة واستقر بها وبسط عليها سلطانه ، وقد استمرت هذه الإمارة لأكثر من 60 عاما حتى سقطت في يد المعتضد بن عباد في سنة 458هـ ، وكان آخر من حكمها مناد بن محمد بن نوح اللملقب بعماد الدولة ( أنظر : بكوش ، الوجود الإباضي بالأندلس ، ص28- 30 ) .. (1/277)
صفحة 278
(1) ؛ والغريب أن الباحث إبراهيم بحاز عند تناوله للعلاقة بين الدولة الرستمية والأندلس والوجود الإباضي بالأندلس لم يشر إلى هاتين الدولتين الإباضيتين نهائيا ، فنجده يقول بعد أن ذكر عددا من التيهرتيين من غير الإباضية ممن هاجر إلى الأندلس : " وإذا كان هؤلاء كلهم مالكية ، فلا نعرف من الإباضية اسم رجل عالم رحل إلى الأندلس ... وإن كنا لا نستبعد وجود الإباضية بالأندلس في عهد الرستميين ، خاصة وأن ابن حزم يخبرنا في النصف الأول من القرن الخامس الهجري عن وجود جماعة منهم بقرطبة ، يبدو أنهم من عامة الناس سألهم ابن حزم عن إمامهم فلم يجيبوا " إهـ (2) ، فلعل الباحث بحاز لم يقف عليهما والله أعلم .
__________
(1) - المصدر السابق ، ص24- 30 .
(2) - بحاز ، الدولة الرستمية ، ص386 . (1/278)
صفحة 279
ومع ما سبق ذكره من الأمثلة على الدول الإباضية بالأندلس فقد انتشرت بعض القبائل الإباضية بالأندلس كقبيلة بني واسين (1) ، ولكنها لم تصل إلى درجة من التطور السياسي أو الاجتماعي بحيث يمكن أن يكون لها أي شكل من أشكال الحكم أو الإدارة في الأندلس ؛ وقد ذهب الأستاذ بكوش إلى عدم استبعاد كون معظم هذه القبيلة هاجرت إلى الأندلس عندما اشتدت وطأة أعداء الإباضية عليهم وخاصة على أثر حملات الإبادة التي شنها عليهم كل من الأغالبة والفاطمين والصنهاجيين ، سواء قبل سقوط الدولة الرستمية أو بعدها (2) ؛ ومن الأمثلة على بعض علماء الإباضية بالأندلس العالم الناسك أبو محمد بويكني البرزالي (3) الذي يعد من علماء الأنساب الإباضية ، فلعله هاجر من الدولة الرستمية إلى الأندلس ، أو لعله من أبناء الإباضية الذين هاجروا إلى الأندلس (4) .
__________
(1) **- بنو واسين : قبيلة كبيرة لها فروع في الجريد بالجنوب التونسي ، وتسمى أيضا بنو وسيان وهي كلها إباضية وهبية ترجع إلى قبيلة زناته ( أنظر : بكوش ، الوجود الإباضي بالأندلس ، ص22 ) .
(2) - المصدر السابق ، ص23 .
(3) ***- هو العالم الناسك أبو محمد بويكني البرزالي ، عالم من علماء الإباضية عاش في الأندلس في القرن الخامس الهجري ، كان معاصرا لابن حزم ، وقد ذكر ابن حزم أنه التقى به وروى عنه مشافهة ، وهو يعد من علماء الأنساب الإباضية ( أنظر : بكوش ، الوجود الإباضي بالأندلس ، ص22 ) .
(4) - المصدر السابق ، ص22 . (1/279)
صفحة 280
هذا وفي المقابل نجد عددا من العلماء ممن بزغ نجمهم في الدولة الرستمية تعود أصولهم إلى الأندلس ، منهم مسعود الأندلسي (1) ، الذي وصل من المكانة العلمية والسياسية أن رشحه الإمام عبد الرحمن بن رستم لمنصب الإمامة بعده مع السبعة نفر الآخرين ، وقد وصفه أبو زكرياء بقوله : " كان رجلا فاضلا ، فقيها ورعا ، من شيوخ المسلمين " إهـ (2) ؛
__________
(1) *- هو مسعود الأندلسي ، عاش في أواخر القرن الثاني الهجري ، كان يقطن العاصمة الرستمية تيهرت في عصر الإمام عبد الرحمن بن رستم ، قال عنه أبو زكرياء : " كان رجلا فاضلا فقيها ورعا من شيوخ المسلمين " إهـ ، وقد رشحه الإمام عبد الرحمن لمنصب الإمامة مع النفر السبعة ، ورجحت كفته في انتخابات الإمامة على كفة عبد الوهاب بن عبدالرحمن ، إلا أن مسعود الأندلسي هرب وتخفى خوفا من تحمل أمانة الإمامة الجسيمة ، فبويع عبد الوهاب بالإمامة ، فخرج مسعود وبادر بمبايعة الإمام عبد الوهاب ليكون أول من بايع ( أنظر : أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص85 ، 86 - الدرجيني ، الطبقات ، 1/46 - الشماخي ، السير ، 1/130- الباروني ، الأزهار ، 2/99 - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/414 رقم الترجمة : 881 ) .
(2) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص85 ، 86 - الدرجيني ، الطبقات ، 1/46 - الشماخي ، السير ، 1/130- الباروني ، الأزهار ، 2/99 - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/414 رقم الترجمة : 881 .. (1/280)
صفحة 281
ومنهم كذلك عمران بن مروان الأندلسي (1) ، وكان أيضا من ضمن السبعة الذين رشحهم الإمام عبد الرحمن لمنصب الإمامة (2) ؛ ولو لم يصل هاذان العالمان الأندلسيا الأصل إلى درجة كبيرة من العلم والصلاح والورع والمواصفات القيادية التي أهلتهم لمنصب جسيم كمنصب الإمامة ، لما رشحهما الإمام عبد الرحمن من ضمن النفر السبعة لهذا المنصب الخطير .
ثانيا : العلاقة الثقافية مع بلاد السودان :
لقد كانت الدولة الرستمية ترتبط مع بلاد السودان بعلاقات ثقافية قوية وعميقة ، ويعود السبب في ذلك إلى العلاقات التجارية المتبادلة بين الطرفين ، وهذا ما مال إليه بعض الباحثين كالباحث إبراهيم بحاز فنجده يقول : " لم تكن العلاقات التجارية الواسعة التي ربطت السودان الغربي بمراكز اقتصادية في الدولة الرستمية ، لتمر دون أن تخلف آثارا ثقافية يمكن التعليق عليها بأنها كانت عميقة ومهمة ، عمق وأهمية تلك التجارة التي كانت الوسيلة في وصول الإباضية إلى تلك البلاد النائية " إهـ (3) .
__________
(1) **- هو عمران بن مروان الأندلسي ، عاش بالعاصمة الرستمية تيهرت في القرن الثاني الهجري في عصر الإمام عبد الرحمن بن رستم ، وكان أحد علماء الإباضية بتيهرت ، كان على درجة عالية من الصلاح والورع والعلم ، كان من ضمن النفر السبعة الذين رشحهم الإمام عبد الرحمن لمنصب الإمامة بعده ( أنظر : أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص85 - الدرجيني ، الطبقات ، 1/46 - الشماخي ، السير ، 1/130- الباروني ، الأزهار ، 2/99 - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/316 رقم الترجمة : 682 ) .
(2) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص85 - الدرجيني ، الطبقات ، 1/46 - الشماخي ، السير ، 1/130- الباروني ، الأزهار ، 2/99 .
(3) - بحاز ، الدولة الرستمية ، ص387 . (1/281)
صفحة 282
وبسبب هذه الروابط التجارية والثقافية المتبادلة قطن عدد كبير من علماء المغرب الإباضية بلاد السودان ، ونشروا فيها الإسلام والعلم والثقافة ، فمن هؤلاء العلماء الشيخ عبد الحميد الفزاني (1) ، وصفه الدرجيني بأنه " عالم كبير من أهل الدعوة " (2) ؛ ومنهم أبو يحيى بن أبي القاسم الفرسطائي (3) ، الذي كان السبب في إسلام أحد ملوك بلاد السودان ، حيث أنه قام بدعوته إلى الإسلام وذكره بنعم الله عليه ، فأسلم الملك وحسن إسلامه ، وأسلمت الرعية بعده (4) .
__________
(1) *- هو الشيخ عبد الحميد الفزاني ، عاش في القرن الثالث الهجري ، من علماء فزان بجنوب ليبيا ، يبدو أنه تلقى العلم بها قبل أن يهاجر إلى بلاد السودان كما يرى أصحاب المعجم ، قال عنه الوسياني : " وهو عالم كبير من علماء أهل الدعوة ، وكان في بلاد السودان ، مسيرة شهر من جبل نفوسة ، ذكرت له كتب السير مراسلة مع أبي معروف ويدرن بن جواد ( أنظر : الوسياني ، سير ( مخ ) ، 1/8 نقلا عن : بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/244 رقم الترجمة : 537 - الدرجيني ، الطبقات ، 2/327 - الشماخي ، السير ، 1/225- جناو بن فتى وعبد القاهر بن خلف ، أجوبة علماء فزان ، ص21 ، 24 المقدمة ) .
(2) - الدرجيني ، الطبقات ، 2/327 .
(3) **- هو أبو يحيى بن أبي القاسم الفرسطائي ، عاش في أواخر القرن الثالث ، من يتامى معركة مانو 283هـ ، إذ توفي أبوه فيها ، رحل إلى بلاد السودان واستطاع أن يدخل أحد ملوكها مع أتباعه في الإسلام ، ولأبي يحيى مسائل وروايات ، أوردها الإمام القطب في ترتيب مسائل نفوسة ، وله مسجد في " فرسطاء " ( أنظر : الشماخي ، السير ، 2/6- 8 - القطب ، ترتيب مسائل نفوسة ( مخ ) ، 5 نقلا عن : بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/451 رقم الترجمة : 983 - الجعبيري ، البعد الحضاري ، ص45 الهامش ) .
(4) - الشماخي ، السير ، 2/8 - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/451 رقم الترجمة : 983 . (1/282)
صفحة 283
وقد كان أئمة الدولة الرستمية يرسلون الوفود إلى ملوك السودان لتعزيز العلاقات التجارية والثقافية بين الطرفين ، فمن ذلك ما قام به الإمام أفلح بن عبد الوهاب من إرسال محمد بن عرفة إلى ملك السودان بهدية ، فأعجب ملك السودان بهيبة وجمال وفروسية محمد بن عرفة ، فقال له بلغته ما ترجمته : " أنت حسن الوجه حسن الهيبة والأفعال " (1) ؛ وأيضا من مظاهر العلاقة الثقافية بين المغرب - تحديدا جبل نفوسة - وبلاد السودان ، قيام الشيخ عمروس بن فتح بإرسال عالم كبير (2) إلى بلاد السودان ليفقه أهلها في أمور دينهم (3) .
__________
(1) - ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص71 .
(2) *- لم تذكر المصادر التي وقعت بين يدي اسمه .
(3) - محمود إسماعيل ، الخوارج ، ص223 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص388 . (1/283)
صفحة 284
ولم تنقطع العلاقات الثقافية بين إباضية المغرب وبلاد السودان حتى بعد سقوط الدولة الرستمية ، وانقضاء ذلك العهد الزاهر ، ففي سنة 575 هـ تمكن علي بن يخلف الدرجيني (1) - أحد مشائخ نفوسة الذين سافروا إلى مالي (2)
__________
(1) **- هو أبو الحسن علي بن يخلف الدرجيني - وذكر د/ محمد ناصر في نسبه أنه : علي بن يخلف المزاتي التميجاري النفوسي - ، كان حيا في سنة 575 هـ ، من أعلام درجين ببلاد الجريد ، جنوب تونس ، وهو عالم وابن عالم ، حيث أن أباه الشيخ يخلف كان من كبار العلماء ، وهو - أي علي بن يخلف- جد أبي العباس أحمد الدرجيني صاحب كتاب " طبقات المشايخ بالمغرب " ، كان من كبار التجار إلى بلاد السودان الغربي ، وصل إلى مالي وغانة ، وكان السبب في إسلام ملك مالي ، واسمه " المسلماني " في سنة 575 هـ ، حين طلب منه ملك مالي أن يستقي لهم ، عندما انتشر القحط والجفاف بدولته ، فاشترط عليه الشيخ علي أن يدخل في الإسلام حتى يتسنى له الاستسقاء له ، فدخل الملك ، فصلى الشيخ صلاة الاستسقاء ، فأرسل الله غيثا كثيرا على البلد ( أنظر : الدرجيني ، الطبقات ، 2/513 ، 516 ، 517 - الشماخي ، السير ، 1/114- 115- محمد ناصر ، منهج الدعوة عند الإباضية ، ص230- محمد ناصر ، دور الإباضية في نشر الإسلام بغرب إفريقيا ، ص19- 22 ) .
(2) ***- مالي أو ملل : هي من الممالك الشهيرة قديما في غرب إفريقيا ، وقد كانت تشرف على مصادر الذهب ، لهذا كانت مقصدا للتجار المسلمين في تلك العصور ، وكان يحكمها عند زيارة الشيخ علي بن يخلف لها ملك يسمى " المسلماني " ، وكان أول من دخل الإسلام من أهل مالي على يد الشيخ علي بن يخلف ، فتبعه شعبه في دخول الإسلام ( أنظر : د/ محمد ناصر ، دور الإباضية في نشر الإسلام بغرب إفريقيا ، ص18- 22 ) .. (1/284)
صفحة 285
- أن يستدرج ملك مالي (1) في الدخول إلى الإسلام هو ورعيته ، وذلك لما أجدبت مملكته ، واشتكت الرعية من القحط ، فطلب ملك مالي من علي بن يخلف أن يدعو الله الذي يعبده لينزل لهم الأمطار ، فقال له علي بن يخلف : لا يسعني ذلك وأنتم على الكفر ، ولكن إن دخلت الإسلام فعلت ذلك ، فدخل الملك ورعيته في الإسلام ، فاستسقى لهم علي بن يخلف ، فأنزل الله الأمطار والسيول الغزيرة (2) .
__________
(1) ****- اسمه المسلماني ، حكم مملكة مالي ببلاد السودان ، في القرن السادس الهجري ( أنظر : د/ محمد ناصر ، دور الإباضية في نشر الإسلام بغرب إفريقيا ، ص21 ) .
(2) - الدرجيني ، الطبقات ، 2/517- الشماخي ، السير ، 2/115 . (1/285)
صفحة 286
وقد وصل التأثير الثقافي للإباضية في بلاد السودان أن تأثرت الكثير من القرى السودانية بالمذهب الإباضي ، فتشير بعض الكتب إلى وجود قرى عديدة تعتنق المذهب الإباضي في السودان في القرن الماضي (1) ؛ وذكر الباحث إبراهيم بحاز عدم استبعاد الوجود الإباضي في بلاد السودان معتمدا على ما ذكره ابن بطوطة من مشاهدته في نهاية القرن السابع الهجري لجماعة من الإباضية يسكنون في قرية " زَاغَرِى " (2)
__________
(1) - أطفيش ، إزهاق الباطل ، ص67- 68 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص389 .
(2) *- زَاغَرِي : قال عنها ابن بطوطة أنها قرية كبيرة ، يسكنها تجار السودان ، ويسمون " ونجراته " ، وذكر أن جماعة من الإباضية يسكنون معهم ويسمون " صَغَنْغُو " ، وكذلك السنيون والمالكيون لهم وجود في هذه القرية ، ويسمون " توري " أي الأجانب ، وهي تسمى الآن " ديورة " وقيل : " توري سنغا " ، وقال الباحث دولافوس : أن " زغاري " تدعى " دياجرا " من طرف المانديق ، و" دياجري " من طرف البال ، ومركز هذه الناحية " دياقا " أو " ديا " ، وتوجد إلى اليوم بقرب " ديافراب " ولعل " زاغري " هي " ديايالي " في شرق " سوكولو " حيث توجد الأطلال القديمة ( أنظر : محمد بن عبد الله اللواتي الطنجي ( ابن بطوطة ) ، رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار ) ، ت : طلال حرب ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، لبنان ، ص689 ، وانظر هامش نفس الصفحة - محمد ناصر ، دور الإباضية في نشر الإسلام بغرب إفريقيا ، ص23 ، ص41 هامش رقم : 42 ) .. (1/286)
صفحة 287
في بلاد السودان ، ويسمون " صَغَنْغُو " (1) (2) .
__________
(1) **- صَغَنْغُو : اسم سوداني ، يقول لفتسكي أن " صاغاناغو " أو " صاغانونو " أو " صانو " اسم ما زال يعلمه بعض الأفارقة السود مسلمين وغير مسلمين ، وهم يطلقونه على الأرجح على الإباضية التجار القادمين من وارجلان ، لأن إباضية نفوسة كانت صلاتهم أكثر مع السودان الأوسط ، وكان هؤلاء الإباضية في " زاغري " يقيمون بها لقربها من مدينة " مالي " أو " كوجة " أو " نيابي " ، وهي أسماء لمسمى واحد لقرب هذه من بلاد التبر ، أي قريبا من مناجم " بوري " ، ويذكر كذلك لفتسكي أن اسم " صغنغو " يذكرنا باسم " سقنقو " وهو اسم جبل " الونشريس " عند الوطواط ، وهي سلسلة هائلة من الجبال تحتوي على سهل الشلف ، ووادي مينا في الغرب ، وسهول السرسو ، ومناطق تيارت ( تيهرت ) في الجنوب ، ووادي دردرن في الشرق ، وهذه الناحية كانت آهلة بالقبائل البربرية في العصر الوسيط ، فلعلهم - كما يرى لفتسكي- أناس فروا من هذه المناطق ولجأوا حوالي القرن العاشر إلى وارجلان مثل غيرهم من القبائل البربرية الأولى ( أنظر : د/ محمد ناصر ، دور الإباضية في نشر الإسلام بغرب إفريقيا ، ص23- 24 ) .
(2) - ابن بطوطة ، رحلة ابن بطوطة ، ص689- بحاز ، الدولة الرستمية ، ص389 . (1/287)
صفحة 288
وقد أثبت الباحث شاخت استمرار الوجود الإباضي في بلاد السودان ، بناء على ما لاحظه في مساجد بعض مناطق بلاد السودان من وجود هندسات مشابهة تماما لما عند الإباضية في وادي ميزاب أو وارجلان ، كالمحراب المستطيل الشكل ، والمئذنة ذات الشكل المستطيل المخروطي ، وعدم وجود المنبر في بعض المساجد (1) ؛ إذا فإن تأثر مساجد بعض مناطق بلاد السودان بهندسة بناء مساجد الإباضية في بعض مناطق المغرب يدل دلالة قوية على مدى التأثير الثقافي القوي للإباضية في تلك المناطق النائية من بلاد السودان .
ومن مظاهر العلاقة الثقافية بين بلاد السودان والمغرب كذلك ، تعريب جزء من بلاد السودان ولو بشكل محدود ، وتكونت نتيجة للاحتكاك الدائم والمستمر لغات مزيجة كلغة " الآزر " وهي لغة وكالات تجارة الذهب والرقيق في نطاق الساحل السوداني ، وقد استعارت قوامها من العربية ومن البربرية ومن اللغات الإفريقية (2) .
هذه بعض مظاهر العلاقة الثقافية بين المغرب وبلاد السودان في عصر الشيخ عمروس ، والتي استمرت بعد ذلك لسنوات طويلة ، لا تزال آثارها باقية إلى يومنا هذا ، ويكفي من أعظم ثمرة هذه العلاقة الثقافية نشر الإسلام في تلك المناطق النائية من إفريقيا عن طريق العلماء من تجار الدولة الرستمية بشتى ولاياتها ، وبالأخص تيهرت وجبل نفوسة .
ثالثا : العلاقة الثقافية مع المشرق العربي :
__________
(1) - Schacht J : Sur La Diffusion , opcit , p.11-19 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص389- 390- وانظر : د/ محمد ناصر ، دور الإباضية في نشر الإسلام بغرب إفريقيا ، ص35- 39 .
(2) - موريس لومبارد ، الجغرافيا التاريخية ، ص134 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص390 . (1/288)
صفحة 289
إن الدولة الرستمية ارتبطت بالمشرق برابط ثقافي وروحي عميق من الوهلة الأولى لنشأتها ، فمؤسس الدولة الرستمية وهو الإمام عبد الرحمن بن رستم تتلمذ وأخذ العلم بالمشرق ، وبالتحديد في البصرة على يد الإمام أبي عبيدة كما مر ، والدولة الرستمية هي تجسيد للفكر السياسي لمذهب إسلامي عريق يعد من أوائل المذاهب الإسلامية ظهورا ، بل ويستقي مبادئه من كتاب الله والسنة النبوية الصحيحة على صاحبها أفضل الصلاة والتسليم ، ألا وهو المذهب الإباضي ، وكما هو معلوم أن المذهب الإباضي ظهر أول ما ظهر في المشرق بالبصرة تحديدا ، ووضع قواعده إمامه الأول الإمام التابعي الجليل أبو الشعثاء جابر بن زيد ، الذي تلقى علمه على يد كبار الصحابة ، وعلى رأسهم عائشة أم المؤمنين والبحر عبد الله بن العباس وغيرهما من الصحابة رضي الله عنهم جميعا .
إذا فقد ارتبطت الدولة الرستمية بكافة ولاياتها - ومن ضمنها جبل نفوسة الذي عاش فيه الشيخ عمروس - بالمشرق ارتباطا - ثقافيا وعقائديا وروحيا - وطيدا منذ النشأة الأولى لها ، واستمر هذا الرابط حتى بعد سقوط الدولة الرستمية ، ولا زال مستمرا إلى يومنا هذا بفضل الله تعالى .
ولعل من أبرز مظاهر هذا الترابط الثقافي والروحي ما قام به أهل المشرق عندما سمعوا عن قيام الدولة الرستمية من إرسال وفد مشرقي محمل بالأموال الكثيرة (1) لمؤازرة الدولة الوليدة ، وقد تكرر إرسالهم لذلك الوفد بالمال مرة أخرى بعد فترة من إرسال الوفد الأول (2) .
__________
(1) *- ذكر ابن الصغير أن كمية المال المرسلة من أهل المشرق للإمام عبد الرحمن في المرة الأول ثلاثة أحمال ، وفي المرة الثانية عشرة أحمال ( أنظر : ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص32 ، 38 ) .
(2) - ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص32 ،37 - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص83- 84 . (1/289)
صفحة 290
وقد كان أئمة الدولة الرستمية على اتصال مستمر مع أئمة المشرق ، يستفتونهم في مختلف المسائل والقضايا ، ومن ذلك إرسال الإمام عبد الوهاب ومن معه من علماء دولته إلى أئمة المشرق وعلى رأسهم الإمام الربيع بن حبيب في ذلك الوقت يستفتونهم في ما زعمه ابن فندين حول إمامة الإمام عبد الوهاب (1) ؛ ومن ذلك أيضا الرسالة التي أرسلها أصحاب خلف بن السمح إلى الشيخ أبي سفيان محبوب بن الرحيل يستفتونه في قضية خلف بن السمح ، وقد أصبح الشيخ محبوب بن الرحيل إمام الإباضية ومرجعهم بعد وفاة الإمام الربيع بن حبيب رحمه الله ، وكان أصحاب خلف يرغبون من خلال الإرسال إلى الشيخ محبوب أن يكون جوابه موافقا لهواهم في جواز الخروج على الإمام عبد الوهاب وتنصيب خلف إماما ، وأن يُخَطِّئَ الإمامَ عبد الوهاب ، إلا أن الشيخ محبوب وافق الإمام عبد الوهاب في جوابه وخطأ خلف وأصحابه ، ولم يجز لهم الخروج على الإمام عبد الوهاب (2) .
__________
(1) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص89 - الدرجيني ، الطبقات ، 1/49 - الشماخي ، السير ، 1/131 - الباروني ، الأزهار ، 2/106 .
(2) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص121 - الدرجيني ، الطبقات ، 1/70 - الباروني ، الأزهار ، 2/151 . (1/290)
صفحة 291
وكذلك إرسال الإمام عبد الوهاب إلى الإمام الربيع والشيخ ابن عباد المصري (1) يستفتيهما في ذهابه إلى الحج مع وجود الخطر عليه وعلى حياته من قبل العباسيين ، فأجابه الإمام الربيع بقوله : " أن من كان مثلك في العناء لأمور المسلمين وتحمل أمانتهم ، وخاف على نفسه من المسودة (2) أن يبعث لحجه وهو حي " إهـ ، وأجابه ابن عباد بقوله : " من كان مثلك على الصفة المذكورة من العناء لأمور المسلمين ، فليس عليه حج ، لأن أمان الطريق من الشروط التي يجب بها الحج على من استطاعه " إهـ ، فلما عادت الرسل بالجوابين ، أخذ الإمام عبد الوهاب بقول الإمام الربيع فأرسل رجلا يحج عنه (3) .
__________
(1) *- هو عبد الله بن عباد المصري ، عالم من علماء الإباضية بمصر ، عاش في أواخر القرن الثاني الهجري ، تتلمذ على يد الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة ، هو فقيه ومفت ، قال عنه الشماخي : " شيخ مرضي فقيه كان بمصر " إهـ ، عاصر الإمام الربيع بن حبيب ، له فتاوى كثيرة ، من تلاميذه أبو غانم الخرساني صاحب المدونة ، وليس هو محمد بن عباد المدني المتكلم صاحب كتاب ابن عباد ( أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص115- الدرجيني ، الطبقات ، 1/66- الشماخي ، السير ، 1/112، 140- صالح ألبوسعيدي ، رواية الحديث عند الإباضية ، ص97- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/269 رقم الترجمة : 588 ) .
(2) **- المسودة : هم بنو العباس الذي اتخذوا من اللون الأسود شعارا لهم ( أنظر : أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص39 مقدمة المحقق - الباروني ، الأزهار ، 2/26- 27- عوض خليفات ، نشأة الحركة الإباضية ، ص143 ) .
(3) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص115- الدرجيني ، الطبقات ، 1/66- الشماخي ، السير ، 1/140- الباروني ، الأزهار ، 2/141 . (1/291)
صفحة 292
ومن مظاهر العلاقات الثقافية بين إباضية المغرب وإباضية المشرق ، تبادل الرسائل بين الطرفين ، فيشير د/ محمد بوحجام أن أهم وسائل التواصل الثقافي ، التي كانت سائدة منذ البدايات الأولى لنشأة المذهب الإباضي وانتشاره - وما تزال - كانت وسيلة المراسلة ، وكان يلجأ إليها حين يتعذر التنقل والرحيل (1) .
والسبب الرئيس لهذا التراسل بين المشرق - البصرة ، وعمان - والمغرب ، هو العلاقة المذهبية الحميمة بين الطرفين ، والتي تتطلب تواصلا مهما لتدعيم ركائز المذهب الإباضي ، ومعرفة آخر التطورات عند كل جانب ، وقد أشار الباحث يحيى صالح بوتردين إلى هذه الحقيقة ، فقال : " إن العارف بدقائق تاريخ الصلات الاجتماعية والدينية بين أقطار العالم الإسلامي ، يدرك أن عامل التوزيع المذهبي - الخارطة المذهبية - يعد سببا هاما من أسباب الاتصال بين الشعوب ، وأن الروابط المذهبية كغيرها من الروابط السياسية والاجتماعية والاقتصادية ، تدخل في هذا الإطار . ومن هذا المنطلق يمكن أن نفهم وجود علاقات بين قطرين متباعدين مثل الجزائر وعمان ... " إهـ (2) .
__________
(1) - محمد ناصر بوحجام ، العلاقات الثقافية بين عمان والجزائر ( تبادل الرسائل نموذجا ) بحث مقدم في ندوة " الملتقى العلمي حول تراث سلطنة عمان الشقيقة قديما وحديثا " ، تحرير : د/ إبراهيم بحاز و د/ حسن الملخ ، منشورات جامعة آل البيت ، الأردن ، 1423هـ/ 2002م ، جمعية عمال المطابع ، الأردن ، عمَّان ، ص234 .
(2) - يحيى صالح بوتردين ، نموذج للعلاقات العلمية بين الجزائر وعمان ( من خلال بعض مراسلات القطب اطفيش ) بحث مقدم في ندوة " الملتقى العلمي حول تراث سلطنة عمان الشقيقة قديما وحديثا " ، تحرير : د/ إبراهيم بحاز و د/ حسن الملخ ، ص252- 253 . (1/292)
صفحة 293
وقد كانت هذه الرسائل ذات موضوعات متنوعة ، وأغلبها كان ذا طابع علمي ، فيه استفتاء وإستشارة ، وطلب كتب أو تأليف أخرى ، واستغاثة ، وتقديم نصائح ، وتعليم مسائل ، وتفقيه في الدين ، ومناقشة آراء وتعليق على قضايا ومسائل ، وفض نزاعات ، وإزالة سوء تفاهم ، وحث على الوحدة والاتلاف ... (1) ، والتبشير بإقامة الإمامة سواء في عمان أو في المغرب .
ومن الأمثلة على هذه الرسائل رسائل الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة ، ورسائل الإمام الربيع بن حبيب ، ورسائل أبي سفيان محبوب بن الرحيل ، ورسائل أبي عبد الله محمد بن محبوب (2) ، وقد مر الحديث على أمثلة من رسائل الأئمة المذكورين إلى إباضية المغرب في مواضع متفرقة من هذا المبحث .
__________
(1) - بوحجام ، العلاقات الثقافية بين عمان والجزائر ( تبادل الرسائل نموذجا ) ، ص234- 235 .
(2) - المصدر السابق ، ص235 . (1/293)
صفحة 294
وكذلك فإن إباضية المغرب كانوا يراسلون إخوانهم من إباضية المشرق ، فمن ذلك على سبيل المثال رسالة بعض فقهاء المسلمين إلى الإمام الصلت بن مالك الخروصي (1) ، ويرجح الشيخ الجعبيري أن هذه الرسالة موجهة من أهل المغرب إلى الإمام الصلت (2) ، والظاهر أن د/ محمد بوحجام يوافق الشيخ الجعبيري ، حيث أنه جاء بهذه الرسالة كمثال لمراسلة أهل المغرب إخوانهم من إباضية عمان ، وذكر ترجيح الشيخ الجعبيري ، ولم يعلق عليه ، فكأنه وافقه في ذلك (3) ، ولكن نجد في المقابل أن الشيخ الباروني يرى أن هذه الرسالة كانت من بعض الإباضية بالشرق كتبوها إلى الإمام الصلت بعمان ، فلعلهم من إباضية البصرة ، والحقيقة أن كاتبي الرسالة لم يصرحوا بمكانهم في الرسالة ، وإنما اكتفوا بقول : " ... إلى إمام المسلمين الصلت بن مالك المبتلى بأمور أهل عمان ، ومن وصله كتابنا هذا من المسلمين أهل عمان ، من أهل النصيحة لهم والشفقة عليهم إخوانهم وأهل دعوتهم من أهل الستر في أمكنتهم سلام عليكم ... إلخ " (4) ، فلم يصرحوا بالمكان الذي كتبوا منه رسالتهم ، وعللوا ذلك في رسالتهم بأنهم أخفوا أسماءهم حتى تبقى النصيحة خالصة لله ، ويتم تقبلها ، وعدم ردها ، فقالوا : " ... ولم يمنعنا أن نعرفكم أمكنتنا ونسمي لكم بأسمائنا إلا خوفا أن يقع في قلوب منكم ما تحمله معرفة ذلك على الإنكار له ، والرد لصوابه ... " إهـ (5) ،
__________
(1) - السير والجوابات لعلماء وأئمة عمان ، ج2 ، ت : د/ سيدة كاشف ، نشر وزارة التراث والثقافة ، سلطنة عمان ، 1406هـ / 1986م ، ص233- 268 ، الباروني ، الأزهار ، 2/157- 159 .
(2) - الجعبيري ، علاقة عمان بشمال إفريقيا ، ص35 .
(3) - بوحجام ، العلاقات الثقافية بين عمان والجزائر ( تبادل الرسائل نموذجا ) ، ص236 .
(4) - الباروني ، الأزهار ، 2/157 .
(5) - السير والجوابات ، 1/231- الجعبيري ، علاقة عمان بشمال إفريقيا ، ص35 .. (1/294)
صفحة 295
ولعل ما مال إليه الشيخ الباروني من كونهم من إباضية المشرق هو الأصح ، بل لا يستبعدُ أن يكونوا من إباضية عمان المعاصرين للفتنة التي اجتاحت فترة حكم الإمام الصلت بن مالك ، فأرسلوا هذه الرسالة مبدين فيه النصح والإرشاد دون أن يذكروا أسمائهم حتى لا يولد ذلك رفضا من قبل طرف من أطراف النزاع إن علم أن مصدر الرسالة من عمان بل ومن بعض علمائها ، وإلا ما الداعي أن يعللوا عدم ذكر أسمائهم وأمكنتهم بعدم تقبل النصيحة والله أعلم !
ومحتوى هذه الرسالة كان عبارة عن نصائح وتوجيهات وإرشادات للإمام الصلت والإباضية بعمان للمحافظة على الإمامة ، وتجنب الخلاف والشقاق والفتن ، والدعوة إلى الائتلاف والاتحاد ، ثم تطرقت إلى موضوع الإمامة وشروطها وأحكامها ، وأحكام الولاية والبراءة والوقوف ... (1) .
هذه بعض النماذج من المراسلات التي تمت بين إباضية المغرب وإباضية المشرق في القرون الهجرية الأولى ، وهي الفترة التي عاش فيها الشيخ عمروس بن فتح ، وقد تكون تلك الفترة شهدت مراسلات كثيرة بين الطرفين ، خاصة أنها كانت فترة صراع بين المذاهب ، وتكوين دول ، فالكل كان راغبا في إقامة دولته الإسلامية على النهج الذي يراه صحيحا من وجهة نظره ، وكان الإباضية من ضمن من رغب في إقامة الدول الإسلامية على منهاج النبوة على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التسليم ، وعلى منهاج الخلافة الراشدة .
__________
(1) - السير والجوابات ، 1/231- الجعبيري ، علاقة عمان بشمال إفريقيا ، ص35- الباروني ، الأزهار ، 2/157- بوحجام ، العلاقات الثقافية بين عمان والجزائر ( تبادل الرسائل نموذجا ) ، ص237 . (1/295)
صفحة 296
إذا فهذا الوضع الملبد بغيوم التنافس يتطلب من الإباضية في أي مكان كانوا - سواء في المشرق أم المغرب- أن يراسلوا كبار أئمتهم في ذلك العصر ، والذين كانوا يتمركزون في البصرة ، وعلى رأسهم الإمام أبي عبيدة ، وبعده الإمام الربيع بن حبيب ، ثم تولى أمر الإباضية بعده محبوب بن الرحيل ، وبعده ابنه محمد بن محبوب وهكذا على مر القرون ؛ وقد استمر تبادل الرسائل بين إباضية المغرب وإباضية المشرق - بالخصوص عمان لانحصار الإباضية فيها - ، ولازال مستمرا إلى يومنا هذا ، والأمثلة على ذلك كثيرة ، ليس هذا مقام بسطها ، ومن أرادها يجدها في مضانها (1) .
__________
(1) - أنظر أمثلة على بعض هذه المراسلات التي تمت بين إباضية المشرق والمغرب في : السير والجوابات لعلماء وأئمة عمان ، ج1 ، ج2 ، ت : د/ سيدة كاشف - السالمي ، تحفة الأعيان ، 2/261- 263 – القطب ، كشف الكرب- الجعبيري ، علاقة عمان بشمال إفريقيا- محمد بوحجام ، العلاقات الثقافية بين عمان والجزائر ( تبادل الرسائل نموذجا ) ، ص233- 246- محمد بوحجام ، التواصل الثقافي بين عمان والجزائر ، مكتبة الضامري ، السيب ، سلطنة عمان ، ط1 : 1423هـ / 2003م ، ص64- 80 ) . (1/296)
صفحة 297
وقد لعبت هذه الرسائل دورا كبيرا في التواصل الثقافي بين المغرب والمشرق ، وتوطيد وتثبت العلاقة بين إباضية المغرب وإباضية المشرق ، وقد أشار د/ محمد بوحجام إلى هذه النقطة المهمة بقوله : " نشير في ختام الحديث عن موضوع تبادل الرسائل بين المشرق والمغرب إلى بعض ما لفت نظرنا في هذا العمل الكبير الذي يجب أن يقدر حق قدره ، وهو هذا التآزر والتعاون في حل المسائل ، ونشر العلم ، والتثقف والتثقيف ... ثم الرغبة في التواصل وربط صلة المحبة بين المشرق والمغرب ، رغم الحوائل والعقبات والمعيقات ، إلى جانب الإلحاح الكبير على اقتناء الكتب ، والتزود من العلم ، وتوحيد الرؤية في المسائل المستجدة وتأصيلها ... ومحاولة تجنب الاختلاف ، واحتواء النشء بالرعاية والتعليم والتلقين والتعريف بالمذهب الإباضي ، حتى يضمن السير في طريق السلف ، وهذا جانب تربوي هام يجب التنبه له " إهـ (1) .
__________
(1) - بوحجام ، العلاقات الثقافية بين عمان والجزائر ( تبادل الرسائل نموذجا ) ، ص245- 246 . (1/297)
صفحة 298
وكان موسم الحج يعتبر من أحسن المواسم للتبادل الثقافي بين المغرب والمشرق ، وكان أهل المغرب لايفوتون فرصة الحج بل يتسابقون إلى أداء هذا النسك العظيم ، وقد ذكرت المصادر عن أهل نفوسة أنهم كانوا اكثر الناس حجا ، فكانوا يحجون بنسائهم وذراريهم ، حتى قيل إنه ولد لهم في ركب واحد ثلاثمائة مولود ذكر ، فضلا عن المواليد من الإناث أو النساء اللائي لم يلدن ، أو الرجال المرافقين لهن (1) ؛ فكان أهل المغرب يستغلون مناسبة الحج للالتقاء بأصحابهم من أهل المشرق ، فيستفيد كل طرف من علم ومؤلفات الطرف الآخر ، فمن ذلك ما روي عن الشيخ عمروس ومجموعة من أصحابه من أهل المغرب توجهوا إلى المشرق لأداء الحج ، فلما نزلوا مكة وجدوا بها الشيخ أبا عبد الله محمد بن محبوب (2) ،
__________
(1) - الدرجيني ، الطبقات ، 2/325 ـ الشماخي ، السير ، 1/195 .
(2) *- هو أبو عبد الله محمد بن محبوب بن الرحيل بن هبيرة المخزومي القرشي ، كهف من كهوف العلم ، وأحد المجتهدين ، انتهت إليه إمامة الإباضية العلمية في أيامه بالمشرق بعد أبيه ، أقام بمكة ، ثم انتقل إلى عمان ، فتصدى لنشر العلم ، ولعب دورا مهما في إقرار الإمامة بعمان ، فكان إمام أهل الحل والعقد الذين نصبوا الصلت بن مالك الخروصي إماما ( 237- 272هـ ) ، ترك ثروة علمية ضخمة ، فمن مؤلفاته " كتاب الجامع " في سبعين جزءا ، وكان الشيخ أبو صالح بكر بن قاسم اليراسني من علماء المغرب يقول في " كتاب الجامع " : " هذا كلام محقق ، فقيه ، أصولي " إهـ ، والحقيقة حسب المصادر التي وقعت بين يدي ، فقد اختلفت تسميتها لكتاب الجامع ، فالشيخ بكلي أطلق عليه اسم " كتاب الجامع " ، ود/ مصطفى باجو أطلق عليه " سيرة ابن محبوب إلى أهل المغرب " ، وهذا ما ذكره كذلك د/ النامي عند تعرضه للحديث عن " سيرة محمد بن محبوب إلى أهل المغرب " فقال : " ....ويقال إن هناك نسخة كاملة من هذه السيرة مؤلفة من سبعين جزءا كانت موجودة في جبل نفوسة حوالي نهاية القرن الرابع الهجري ، وإن الجزء السادس فقط من هذا الكتاب كان موجودا في جزيرة جربة أثناء هذه الفترة ... " إهـ ، وقد اعتمد د/ النامي فيما ذكره على ما جاء عند الوسياني في السير ، والدرجيني سماه " مختصر ابن محبوب " ، وقد أشار إلى سيرة محمد بن محبوب إلى أهل المغرب د/ مبارك الراشدي في كتابه " الإمام أبو عبيدة " ، وذكر أنه يوجد لابن محبوب سيرتان إلى أهل المغرب ، إحداهما تقع في سبعين جزءا ، وذكر أنه لم يعثر عليها ، وأما الأخرى فذكر أنه يوجد لديه قطعة منها ، والظاهر أن الصحيح ما ذكره الشيخ بكلي ، فقد ذكر الشيخ الجعبيري أنه نسب إلي ابن محبوب من الكتب " سيرته إلى أهل المغرب " ( مخ ) وهي مختصرة ، وكتاب في الفقه في سبعين جزءا ، يقصد " كتاب الجامع " الذي ذكره الشيخ بكلي ، ولم يذكر هذه التسمية ، ولعل الشيخ الدرجيني خلط بين كتابي " الجامع " و " سيرة ابن محبوب " ، أو لعله كان يطلق على كلا الكتابين " سيرة محمد بن محبوب إلى أهل المغرب " كما أشار د/ مبارك الراشدي ، إحداهما تقع في سبعين جزءا والأخرى مختصرة ، فكان الشيخ الدرجيني يقصد السيرة التي تتكون من سبعين جزءا ، ولكن لا أدري هل " كتاب الجامع " هو الاسم الذي أطلقه الشيخ محمد بن محبوب على كتابه بنفسه ، أم أن الشيخ بكلي هو الذي اختار هذ الاسم بمحض إرادته لهذه الموسوعة الفقهية الضخمة للشيخ ابن محبوب ، بحكم ضخامتها وشموليتها ؟ والذي يظهر أن الشيخ بكلي بنفسه أطلق على كتاب ابن محبوب اسم " كتاب الجامع " ، والحقيقة أن المصادر التي استطعت الحصول عليها ، لم تسعفني بالإجابة على هذا التساؤل ، وقد ذكر الشيخ الجعبيري أن علماء جربة كانوا يتدارسون كتاب الجامع في القرن الرابع الهجري ، وينبغي التنبيه أن للشيخ بشير بن محمد بن محبوب بن الرحيل كتاب يقع في سبعين جزءا كذلك عنوانه " الخزانة " ، والظاهر أن لمحمد محبوب كتاب آخر في السنة ومصطلح الحديث تحت عنوان " أبواب مختصرة من السنة " ( مخ ) ، وقد أشار إليه د/ مصطفى باجو في بحثه " تطور علم الأصول في المصادر العمانية " ، ولأقوال ابن محبوب ذكر واعتماد في مؤلفات الإباضية ، فإذا قيل في الأثر المشرقي " قال أبو عبد الله " فالمقصود محمد بن محبوب رحمه الله ، وذكر د/ النامي نقلا عن الوسياني أن ديوان الإمام جابر- هو مجموعة من كتب الإمام جابر- كان بعهدة الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة ، ثم انتقل إلى عهدة الإمام الربيع بن حبيب ، ثم إلى الشيخ أبي سفيان محبوب بن الرحيل ، ثم إلى ابنه محمد بن محبوب ، وعنه نسخ في مكة ، وعمل الشيخ محمد بن محبوب قاضيا على صحار بعمان في عهد الإمام غسان بن عبد الله اليحمدي ( حكم عمان : 192- 207هـ ) كما ذكر د/ مبارك الراشدي ولم يشر إلى المصدر الذي اعتمد عليه ، وقد بحثت طويلا في التحفة ، وفي عمان عبر التاريخ ، لأجد ولو إشاره إلى ذلك فلم أجد ، وقد عمل في القضاء في عهد الإمام الصلت بن مالك كذلك ، كما ذكر الإمام السالمي في التحفة ، والشيخ السيابي في عمان عبر التاريخ ، وقد توفي الشيخ محمد بن محبوب في صحار بعمان يوم الجمعة 3 من محرم سنة 260هـ ، وهو لايزال على القضاء بصحار من عمان ، فيتبين - على فرض صحة ما ذكره د/ الراشدي من أن ابن محبوب تولى القضاء على صحار في عهد الإمام غسان - أنه عاصر خمسة أئمة من أئمة عمان وهم على الترتيب : الإمام الوارث بن كعب الخروصي ( حكم : 179- 207هـ ) ، والإمام غسان بن عبد الله اليحمدي ، والإمام عبد الملك بن حميد الأزدي ( حكم : 207وقيل 208هـ - 226هـ ) ، والإمام المهنا بن جيفر اليحمدي ( حكم عمان : 226- 237هـ ) ، والإمام الصلت بن مالك الخروصي ، ومات في عهد هذا الأخير ، وبما أنه عمل في القضاء في عهد الإمام غسان بن عبد الله ، وفي عهد الإمام الصلت بن مالك ، إذا لعله =
= كذلك استمر في القضاء في عهد الإمامين عبد الملك بن حميد و المهنا بن جيفر ، اللذان حكما في الفترة بين الإمامين غسان و الصلت ، فعلى فرض عمر ابن محبوب 20 سنة حين تولى القضاء في عهد الإمام غسان الذي حكم في سنة 192هـ ، إذا يكون مولده في حدود سنة 172هـ ، وعلى ذلك يكون عمره عند وفاته في سنة 260هـ 88 عاما تقريبا ، وعلى فرض صحة هذا فإنه يكون أدرك عهد الإمام الوارث بن كعب ، بل إنه ولد قبل مبايعة الإمام الوارث بسبع سنوات ، فيكون عمره عند مبايعة الإمام الوارث سبع سنوات ، فيكون أدرك قليلا من عهد محمد بن أبي عفان ( حكم عمان : 177- 179 ) ، وعمره كان خمس سنوات عند مبايعة محمد بن عفان ، إذا فقد ولد ابن محبوب في عهد الجبابرة - راشد بن النظر ومحمد بن زائدة - اللذان حكما عمان قبل مبايعة محمد بن عبد الملك سنة 177هـ ، والظاهر أنه ولد في البصرة أو مكة ، وليس في عمان ، وعاش في مكة فترة من الزمن ، ثم قدم عمان الظاهر قبل مجيء أبيه الشيخ محبوب بن الرحيل ، الذي لحق به بعد ذلك - كما سأبين بعد قليل - ولعل الشيخ محمد بن محبوب جاء إلى عمان في عهد الإمام الوارث أو في عهد الإمام غسان ، هذا على فرض صحة ما ذكر د/ الراشدي من أن ابن محبوب تولى القضاء في عهد الإمام غسان ، ولكن الظاهر أن ما ذكره د/ الراشدي يحتاج إلى مزيد نظر ، وذلك أن ابن محبوب توجه إلى صحار في سنة 249هـ كما ذكر الشيخ السيابي ، فولاه الإمام الصلت القضاء عليها ، وقد كان يقيم خارج صحار ، والظاهر أنه كان يقيم في نزوى ، حيث أنه في مرض الإمام عبد الملك ، صلى عمر بن الأخنس بالمسلمين صلاة الجمعة من غير أن يأمره الإمام ، وكان ذلك في نزوى ، فأجاز الشيخ موسى بن علي صلاتهم ، وكان حاضرا ، ولم يجزها الشيخ محمد بن محبوب وقال بنقض صلاة الكل ، وأظن أن الشيخ محمد بن محبوب لن يفتي بذلك إلا إذا كان حاضرا ومطلعا على الوضع ، بحيث يخالف قول الشيخ موسى بن علي الذي يعد إمام العلم في ذلك العصر ، وكذلك عندما مات الإمام المهنا كان من ضمن من بايع الإمام الصلت في نفس يوم وفاة الإمام المهنا ، وكذلك في عهد الإمام المهنا أثيرت قضية خلق القرآن ، التي أثيرت أول ما أثيرت في البصرة ، ووصلت عمان في عهد الإمام المهنا ، فتناقش العلماء في عمان حولها في مكان يسمى " دما " - لعل المقصود به " السيب " تقع على شاطئ خليج عمان في مسقط ، حيث أنها كانت تسمى " دما " سابقا - ، وكان الشيخ محمد بن محبوب من ضمنهم ، وأدلى بقوله في المسألة وهو أن القرآن مخلوق ، والظاهر أن الشيخ محمد بن محبوب جاء إلى عمان في عهد الإمام عبد الملك ، حيث أنه لا ذكر له في الأحداث التي وقعت قبل عهد الإمام عبد الملك كما يظهر، وإنما ظهر ذكره في عهد الإمام عبد الملك ، ولعله جاء إلى عمان قبل مجيء والده الشيخ محبوب إليها ، وذلك أنه كان الشيخ محبوب لا يزال موجودا في البصرة في عهد الإمام المهنا ، والدليل ما ذكر الإمام السالمي من أنه وقع خلاف في البصرة بين محبوب بن الرحيل وهارون بن اليمان في عهد الإمام المهنا ، في مسائل خالف فيها هارون قول المسلمين ، فتوجه هارون إلى اليمن، فكتب الشيخ محبوب رسالة إلى اليمن يحذر الإباضية هناك من هارون ، وأرسل هارون برسالة ضد الشيخ محبوب إلى الإمام المهنا ، فأرسلها الإمام المهنا إلى محبوب في البصرة ، فرد عليه الشيخ محبوب برسالة يوضح له أمر هارون بن اليمان وما خالف فيه المسلمين ، وكان الحق عند محبوب ، فأخذت به عمان وحضرموت كما ذكر الإمام السالمي ، وقد ذكر د/ الراشدي أن الرسائل يبن هارون والإمام المهنا والشيخ محبوب موجودة ، إذا فلعل الشيخ محبوب بن الرحيل قدم إلى عمان بعد ذلك في عهد الإمام المهنا ، ومات في عمان في نفس عهد الإمام المهنا ، بعد أن عمر طويلا ، وهناك من يرى أن الحادثة بين الشيخ محبوب وهارون بن اليمان وقعت في عهد الإمام غسان وليس في عهد الإمام المهنا ، وعلى هذا الشيخ سيف البطاشي صاحب " اتحاف الأعيان " ، حيث ذهب إلى أن الحادثة وقعت في عهد الإمام غسان ، وقال أن ما ذكره الإمام السالمي من أن الحادثة وقعت في عهد الإمام المهنا فيه نظر ، وذلك أن الإمام المهنا بويع سنة 226هـ ، ومات سنة 237هـ ، ومحبوب أحد تلاميذ الربيع وربيبه ، ومن الخمسة الذين حملوا العلم عن الإمام الربيع إلى عمان ، ومن بينهم الشيخ موسى بن أبي جابر ، المتوفى سنة 181هـ ، بعدما شاخ وكبر وجاوز التسعين سنة ، ومحبوب من زملائه ، فبلوغه إلى أيام الإمام المهنا فيه نوع من البعد ، هذا ما ذكره الشيخ البطاشي ، وعلى فرض صحته ، وأنه أي الشيخ محبوب جاء إلى عمان في عهد الإمام غسان ، فلعل الشيخ محمد بن محبوب جاء معه ، ولعله كان في سن تؤهله لمنصب القضاء – فقد ذكرت بعض المصادر أنه أكبر أبناء الشيخ محبوب - فقلده الإمام غسان قضاء صحار ، فتوجه إليها مع أبيه ، ومات أبوه الشيخ محبوب بها كما تذكر بعض المصادر ، ولعل الشيخ محمد بن محبوب ترك القضاء بعد ذلك وعاد إلى نزوى حيث كان له ظهور في الأحداث التي ذكرتها ، ثم ولاه الإمام الصلت قضاء صحار من جديد في سنة 249هـ ، فتوجه إليها ومات فيها في عهد الإمام الصلت ، وفي المقابل لعله لم يعمل في القضاء في عهد الإمام غسان ، وإنما عمل في القضاء في عهد الإمام الصلت فقط ، فلعل أباه الشيخ محبوب توجه إلى صحار بمفرده – قد يكون لهم أقارب هناك – وانطلق الشيخ محمد بن محبوب إلى نزوى ليجالس الأئمة والعلماء ويستزيد من علمهم ، حتى عهد الإمام الصلت الذي ولاه قضاء صحار والله أعلم ( أنظر : الدرجيني ، الطبقات ، 2/357- الجيطالي ، القواعد ، 1/54 الهامش ، 1/55 - 56 الهامش - النامي ، دراسات عن الإباضية ، ص50 ، 79 ، 126- 127- الجعبيري ، البعد الحضاري ، ص107 الهامش - الجعبيري ، علاقة عمان بشمال إفريقيا ، ص30- الراشدي ، الإمام أبو عبيدة ، ص27 الهامش ، ص50 الهامش ، ص242- 243- السيابي ، عمان عبر التاريخ ، 2/37 ،69 ، 78 ، 102 ، 104 ، 113- السالمي ، تحفة الأعيان ، 1/107 ، 109 ، 112 ، 119 120، 124 ، 132 ، 133 ، 154 ، 155 ،160 ، 193، - البطاشي =
= ، إتحاف الأعيان ، 1/217 - 219- د/ إبراهيم بحاز و د/ حسن الملخ ، الملتقى العلمي حول تراث سلطنة عمان الشقيقة قديما وحديثا ، 1- بحث " تطور علم الأصول في المصادر العمانية ، د/ مصطفى باجو ، ص122 الهامش ، 2- بحث " العلاقات الثقافية بين عمان والجزائر ، محمد بوحجام ، ص235 الهامش " ) . (1/298)
صفحة 299
فدخلوا عليه في مجلسه ، فوجدوه مع أصحابه فسلموا عليه ، فهش بهم وقربهم إجلالا لهم دون أن يعرفهم ، فلما تبوءوا مقاعد المذاكرة ، سأل الشيخ عمروس الشيخ محمد بن محبوب عن مسألة ، فقال الشيخ محمد بن محبوب : " إن كان أبو حفص - يقصد الشيخ عمروس - في شيء من هذه البلاد فلا يصدر هذا السؤال إلا عنه ، ولا يرد إلا منه " ، فقالوا له : إنه هو السائل ، فرفع الشيخ محمد بن محبوب من مجلس الشيخ عمروس لما عرفه ، وزاد دنوه من مجلسه ، ثم جعل الشيخ عمروس يسأل في مسائل الدماء عن مسألة بعد مسألة ، حتى قال له ابن محبوب : " هذا من مكنون العلم لا يعلن به في قوم جهال " ، فعند ذلك قال الشيخ عمروس لأصحابه : " احفظوا السؤال وأحفظ لكم الجواب ، حتى نقدم على إخواننا فنخبرهم بما حفظنا " ، ففعلوا ، فلما عادوا إلى جبل نفوسة ، قال لهم الشيخ عمروس : " هلموا ما تكفلتم به " ، فقالوا : " لم نحفظ شيئا سوى قولك : احفظوا المسائل لنرد بها على إخواننا " ، فأعاد الشيخ عمروس المسائل مسألة مسألة مع جوابها (1) (2) .
__________
(1) *- ذكر البغطوري قصة التقاء الشيخ عمروس بالشيخ ابن محبوب مع بعض الاختلاف عن بقية المصادر كالطبقات للدرجيني ، والسير للشماخي ، فذكر أنه حين تعرف الشيخ محمد بن محبوب على الشيخ عمروس قال له : " أنت أولى بهذا الموضع " ، فنزل له عن المنبر ، فرجع هو عليه ، وقعد ابن محبوب قدامه ، فجعل عمروس يفتي " ، والظاهر أن الصحيح ما ذكره الدرجيني وكذلك الشماخي ، ونص الرواية أتيت بها في النص أعلاه ( أنظر : البغطوري ، سير أهل نفوسة ( مخ ) ، ص93- الدرجيني ، الطبقات ، 2/324- الشماخي ، السير ، 1/193- 194 ) .
(2) - البغطوري ، سير أهل نفوسة ( مخ ) ، ص93- الدرجيني ، الطبقات ، 2/324- الشماخي ، السير ، 1/193- 194- الباروني ، الأزهار ، 2/253- علي يحيى معمر ، الإباضية في موكب التاريخ ، المجلد الأول ، ح2 ، ق1 ، ص140 . (1/299)
صفحة 300
وكان للشيخ محبوب بن الرحيل خيام بمنى تعرف بمضارب محبوب ، فيها مورد حجاج عمان وجماعتهم ، وكان المغاربة يقصدونهم للتعرف عليهم واستزادة العلم منهم (1) ؛ وقد كان إباضية المغرب يخرجون للحج عدة مرات حبا في التفقه في الدين ، فقد ذكر لواب بن سلام أن لأبي حماد النفوسي (2) صاحب- لم يذكر اسمه - حج ثلاث مرات ، كانت الثالثة من مصر ، إذ لم يعد إلى أهله ، وبقي في مصر سنته تلك (3) ، ويذكر عن الشيخ أبي مهاصر أنه كان من المكثرين للحج ، فيروى أنه حج سبع مرات (4) .
__________
(1) - لواب بن سلام ، الإسلام وتاريخه ، ص130 .
(2) **- أبو حماد النفوسي لم أجد ترجمته ، والظاهر أنه من أهل نفوسة بناء على نسبته إلى نفوسة ، والظاهر أنه عاش في عهد الدولة الرستمية ، كان لا زيال حيا حتى سنة 273 هـ ( أنظر : لواب بن سلام ، الإسلام وتاريخه ، ص130 ) .
(3) - المصدر السابق ، ص130 .
(4) - الدرجيني ، الطبقات ، 2/307- الشماخي ، السير ، 1/172 . (1/300)
صفحة 301
كذلك فإن إباضية المغرب كانوا يزورون أصحابهم من أهل المشرق ، فمن هؤلاء سلام بن عمرو (1) - والد لواب صاحب " شرائع الدين " - فيقول ابن سلام واصفا زيارة أبيه لأحد علماء الإباضية بمصر : " وأبو إبراهيم موفق (2) فقيه مفت بمصر ، وداره بحضرموت (3) بمحرس ، عالم القرآن ... وكان مشهورا ولقيه والدي سلام بن عمرو وفي كتابه إلى والدي من مصر في حياتهما عرفت بنعته موضع داره " إهـ (4) ؛ وكذلك فإن لوابا نفسه زار أحد علماء الإباضية بمصر وهو محمد بن عبد الملك الحجازي (5)
__________
(1) *- هو سلاَّم بن عمرو اللواتي ، عاش في القرن الثالث الهجري ، أصله من " تمطنين " ، يعد من أعلام الإباضية البارزين بالمغرب الأدنى ، تلقى علمه على شيوخ عصره منهم الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن ، وقد عينه الإمام عبد الوهاب واليا على منطقة " سرت " ونواحيها بليبيا ، وهو والد الشيخ العلامة لواب صاحب كتاب " بدء الإسلام وشرائع الدين " وقد مرت ترجمته في ص38 من هذا المبحث ( أنظر : الشماخي ، السير ، 1/175- الباروني ، الأزهار ، 2/164- 165- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/188- 189 رقم الترجمة : 416 ) .
(2) **- هو أبو إبراهيم موفق - لم أجد اسمه كاملا - عالم من علماء الإباضية بمصر ، عاش في القرن الثالث الهجري ، عالم في القرآن وفقيه مفت ، كان يقطن " حضرموت " حي من أحياء الفسطاط بمصر ( أنظر : لواب بن سلام ، الإسلام وتاريخه ، ص136 ) .
(3) ***- حضرموت : حي من أحياء الفسطاس بمصر ( أنظر : المصدر السابق ، ص136 الهامش ) .
(4) - المصدر السابق ، ص136 .
(5) ****- هو محمد بن عبد الملك الحجازي ، من علماء الإباضية بمصر ، كان لايزال حيا إلى ما قبل سنة 250هـ ( أنظر : لواب بن سلام ، الإسلام وتاريخه ، ص136- بحاز ، الدولة الرستمية ، ص393- الجعبيري ، علاقة عمان بشمال إفريقيا ، ص35 ) .. (1/301)
صفحة 302
قبل سنة 250هـ ، وسجل عنوانه في كتابه لمن يريد زيارته من المغاربة بمصر (1) .
والذي يظهر كما يرى الباحث إبراهيم بحاز أن رحلات حملة العلم إلى البصرة قَلَّتْ بعد حملة العلم الخمسة ، ولكن يذكر عن المحدث والشاعر التيهرتي بكر بن حماد أنه رحل إلى المشرق سنة 217هـ ، وزار البصرة وبغداد ، وكانت له فيها اتصالات بعلماء وقته ، بل لقد مدح المعتصم الخليفة العباسي ، ووصله المعتصم بصلات جزيلة (2) ؛ وذكر ابن الصغير أن عبد العزيز بن الأوز كانت له رحلة إلى المشرق (3) ، ولم يوضح إلى أين كانت هذه الرحلة ؟ ولا سببها ؟ ، إلا أن الباحث إبراهيم بحاز يرى أنها كانت إلى البصرة وبغداد لطلب العلم ، معتمدا على سياق كلام ابن الصغير (4) .
ومن أهل المغرب الذين زاروا بغداد نفاث بن نصر النفوسي كما مر سابقا ، وكانت له مناقشات مع علماء بغداد ، واستطاع حل لغز الخليفة ، الذي عجز عنه كبار العلماء ، ونسخ ديوان الإمام جابر ، فعاد به إلى المغرب ، إلا أنه وبسبب حقده ضد الإمام أفلح قام بدفنه ، فأضاع بذلك ثروة عظيمة خلفها الإمام جابر ، فحرمنا من الاستفادة منها والله المستعان (5) .
__________
(1) - لواب بن سلام ، الإسلام وتاريخه ، ص136.
(2) - الدباغ ، معالم الإيمان ، 2/281- 282 - ابن عذارى ، البيان ، 1/153- 154 - وانظر : شاوس ، الدر الوقاد ، ص45- 48 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص393 - الباروني ، الأزهار ، 2/71 .
(3) - ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص99-
(4) - بحاز ، الدولة الرستمية ، ص394 .
(5) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص143- 145- الدرجيني ، الطبقات ، 2/82 . (1/302)
صفحة 303
وفي المقابل نجد أن أهل المشرق كانت لهم زيارات للمغرب ، ومن ذلك الوفدان اللذان أرسلهما أهل المشرق بالمال لمؤازرة دولة الإمام عبد الرحمن بن رستم كما مر ، ومن ذلك أيضا زيارة رجل من أهل المشرق للمغرب في عهد الإمام عبد الوهاب ، فقصد جبل نفوسة ، ثم ذهب إلى تيهرت ، فسأله أهل تيهرت عن حال جبل نفوسة وأهله ؟ فقال : " الجبل هو أبو زكرياء ، وأبو زكرياء هو الجبل ، وأما أبو مرداس فكالغزال ، نفسي نفسي ، وأما أبو العباس ففتى مقرعي - يصفونه بالشدة والنجدة - " فلما عاد إلى جبل نفوسة ، سأله أهل نفوسة عن تيهرت وأهلها ؟ فقال : " ليس بها أحد غير الإمام ووزيره مزور بن عمران (1)
__________
(1) * - هو مزور بن عمران الهواري ، كان لايزال حيا في الفترة بين 171- 208هـ ، يعد من وجوه الرستميين وأعيانهم اشتهر بالخير والعدل ، وعرف بحسن السياسة والتدبير ، ولاه الإمام عبد الوهاب على إحدى ولايات الدولة الرستمية ، ثم اتخذه وزيرا إلى جانبه ( أنظر : أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص125- الشماخي ، السير ، 1/145- الباروني ، الأزهار ، 2/165- علي يحيى معمر ، الإباضية في موكب التاريخ ، ج2/ ق2/46- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/413- 414 رقم الترجمة : 878 ) .. (1/303)
صفحة 304
" (1) (2) .
ومن العلماء المشارقة الذين زاروا المغرب الإمام أبو غانم الخرساني ، فمر على الشيخ عمروس بجبل نفوسة ، وترك لديه نسخة من المدونة ، ثم ذهب إلى تيهرت للقاء الإمام عبد الوهاب وأهداه نسخة أخرى من المدونة ، وهنالك أخذ عنه الإمام أفلح العلم وخاصة في الحديث ، فقام الشيخ عمروس بنسخ المدونة بمساعدة أخته كما مر (3) .
ومن مظاهر العلاقات الثقافية بين المغرب والمشرق في ذلك العصر تبادل الكتب والمؤلفات بين الطرفين ، وقد مر سابقا ما قام به الإمام عبد الوهاب من الإرسال إلى إخوانه بالبصرة ليشتروا له بها كتبا ، فنسخوا له وقر أربعين جملا من الكتب ، فلما بلغته تشمر وجد لقراءتها ليلا وبعض أوقات النهار ، فختمها (4) .
__________
(1) **- وقع الخلاف بين المصادر حول عدد الوفد المشرقي الذي زار المغرب ، فأغلب المصادر التي وقعت بين يدي ذكرت أن الزائر كان رجلا مشرقيا ، وهذا ما ذكره أبو زكرياء والدرجيني ، إلا أن بعض المصادر ذكرت أن الزائر كان وفدا مشرقيا ، وقد ذكر الشماخي الروايتين معا ، وقد اعتمد الباحث إبراهيم بحاز على الرواية التي تذكر أن الزائر كان وفدا مشرقيا ، والظاهر أنه اعتمد على ما ذكره الشماخي ، إلا أن الظاهر أن الرواية التي تذكر أن الزائر كان رجلا مشرقيا أصح من الرواية التي تذكر أن الزائر كان وفدا مشرقيا ، وذلك أن أغلب المصادر ذكرت أن الزائر كان رجلا مشرقيا والله أعلم ( أنظر : أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص125- الدرجيني ، الطبقات ، 2/293- 294- الشماخي ، السير ، 1/152 ، 155- بحاز ، الدولة الرستمية ، ص395 ) .
(2) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص125- الدرجيني ، الطبقات ، 2/293- 294- الشماخي ، السير ، 1/152 ، 155 .
(3) - الدرجيني ، الطبقات ، 2/323 ـ الشماخي ، السير ، 1/194- 195 .
(4) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص99- 100 - الدرجيني ، الطبقات ، 1/56- 57 ـ الشماخي ، السير ، 1/142 . (1/304)
صفحة 305
ومن الكتب المشرقية المشهورة التي وصلت إلى المغرب كتب محبوب بن الرحيل وابنه، في الفقه والكلام والعقائد والأخبار، وكان كتاب ابن محبوب يعرف عند أهل نفوسة بـ " سيرة ابن محبوب إلى أهل المغرب "، قيل إنه يقع سبعين جزءا (1)، لم يصل المغرب منه إلا الجزء السادس فقط (2).
وقد كان الإمام أفلح يحث على قراءة كتب الإباضية من أهل المشرق وخاصة أبي سفيان محبوب بن الرحيل، فيقول: " عليكم بدراسة كتب المسلمين لا سيما كتاب أبي سفيان محبوب بن الرحيل " (3).
هذه بعض الملامح حول العلاقة الثقافية والفكرية المتبادلة بين المغرب والمشرق، سواء في تبادل الزيارات بين العلماء وطلاب العلم، أو تبادل المراسلات والفتاوى في مختلف النوازل والقضايا، أو التبادل بين المؤلفات والكتب.
الفصل الثاني
السيرة الشخصية للشيخ عمروس
ويحتوي على:
اسمه ونسبه
مولده ونشأته
صفاته وأخلاقه
حالته المادية
أسرته ومن برز منها
هل هناك عمروس غيره؟
تمهيد:
يبحث هذا الفصل في الجانب الشخصي للشيخ عمروس، وسيرته الذاتية، مع محاولة سبر أغوار هذه الشخصية العملاقة، والأسباب التي أثرت فيها، وساهمت في تكوينها، حتى بلغ الشيخ ما بلغ من المنزلة السامقة.
__________
(1) *- للشيخ أبي عبدالله محمد بن محبوب سيرتان إلى أهل المغرب، وقد ناقشت ذلك سابقا عند تعرضي لترجمة الشيخ محمد بن محبوب، ص167 - 169.
(2) - الوسياني، سير (مخ) ورقة 25 نقلا عن: بحاز، الدولة الرستمية، ص398 - البرادي، الجواهر (مخ)، ص218.
(3) - الوسياني، سير (مخ)، ورقة 108 نقلا عن: بحاز، الدولة الرستمية، ص270 الهامش - الدرجيني، الطبقات، 2/ 478. (1/305)
صفحة 306
إن أي شخصية برزت على مر التاريخ لابد وأن تؤثر فيها عوامل ، إما إيجابية وإما سلبية ، وبناء على هذه العوامل يكون بروز الشخصية ، وإنتاجها في المجتمع ، فإن كانت العوامل المؤثرة فيها إيجابية ، كان نتاجها وإسهاماتها في المجتمع إيجابيا ، وإن كانت العوامل المؤثرة سلبية ، فسيكون الإنتاج والإسهام لتلكم الشخصية سلبيا .
فالسلوك الإنساني في نموه يتصف بجملة من الخصائص ، أهمها :
1- الترابط بين مظاهر النمو المختلفة ، فكل جانب من جوانب النمو يتأثر بالجوانب الأخرى ، كتأثر النمو اللغوي بالنمو الاجتماعي وبالنمو العقلي .
2- وجود مراحل متسلسلة للنمو ذات خصائص مشتركة ، تمتد من الرضاع إلى الشيخوخة (1) .
إذا فهناك عوامل إيجابية أثرت في شخصية الشيخ عمروس في مختلف أطوار حياته ، فما هي هذه العوامل التي ساهمت في توجيهه ، وبناء شخصيته ، حتى بلغ ما بلغ من المنزلة ؟
إن من أهم العوامل التي تؤثر في شخصية الإنسان وبنائها ، الأسرة التي نشأ وترعرع فيها ، وكذلك البيئة والوسط الاجتماعي المحيط به ، ومن خلال هذا الفصل سنحاول التعرف على الشيخ عمروس عن قرب ، والتعرف على أسرته ومدى تأثيرها عليه ، والتعرف على الوسط الذي عاش فيه الشيخ ؛ كذلك سيعرج هذا الفصل على صفات الشيخ عمروس وأخلاقه ، والتي هي لا محالة انعكاس للوسط الذي نشأ فيه ؛ وحالة الشيخ عمروس المادية كذلك مما تضمنه هذا الفصل ، وكما هو معلوم فإن للمادة دور في توجيه الإنسان الوجهة الإيجابية ، وبنائه البناء السليم في الغالب .
ونختم هذا الفصل بالحديث عن بعض الشخصيات التي تسمت باسم عمروس ، وعاشت في تلك الفترة التي عاش فيها الشيخ عمروس أو قريبا منها ، وذلك للتفريق بينها وبين الشيخ عمروس حتى لا يقع اللبس أو الخلط .
__________
(1) - عبد الله بن حمدان الدهماني ، محددات السلوك الإنساني والتنظيمي ، مطابع النهضة ، مسقط ، سلطنة عمان ، ط1 1420هـ / 1999م ، ص13 . (1/306)
صفحة 307
المبحث الأول : اسمه ونسبه :
هو الشيخ عمروس بن فتح المساكني النفوسي ، ويكنى بأبي حفص (1) ، ولقب بالمساكني لأنه من أهل " مساكن " (2) (3) ، ولقب بالنفوسي لأن نسبه ينتمي إلى قبيلة " نفوسة " البربرية ، التي نسب الجبل الغربي لطرابلس إليها في ليبيا (4) ، وقبيلة " نفوسة " قسم من أصحاب البلاد الأصليين في شمال أفريقيا ، ويقال لهم البربر .
وقد اختلف في نسب البربر إلى أقوال عديدة ، فقيل : أنهم من ولد إبراهيم - عليه السلام - ، وقيل : أنهم من ولد جالوت أو العمالقة نقلوا من الشام إلى المغرب ، وقيل : أنهم من حمير من ولد النعمان أو من مضر من ولد قيس بن عيلان ( بربر بن قيس بن عيلان ) ، والذي رجحه ابن خلدون أنهم من ولد كنعان بن حام بن نوح ، وأن اسم أبيه مازيغ (5) .
__________
(1) - البغطوري ، سير أهل نفوسة ( مخ ) ، ص92 ـ البرادي ، الجواهر ( مخ ) ، ص219 ـ عمروس ، الدينونة الصافية ، ص11- جناو بن فتى وعبد القاهر بن خلف ، أجوبة علماء فزان ، ص20 - الدرجيني ، الطبقات ، 2/320 - الشماخي ، السير ، 1/192- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/321 ، رقم الترجمة : 690 .
(2) *- مساكن : قرية من قرى جبل نفوسة ( أنظر : البغطوري ، سير أهل نفوسة ( مخ ) ، ص92 ) .
(3) - البغطوري ، سير أهل نفوسة ( مخ ) ، ص92 .
(4) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص12 ـ ابن خلدون ، تاريخ ابن خلدون ، 6/134 .
(5) - ابن خلدون ، تاريخ ابن خلدون ، 6/112 ـ 113 . (1/307)
صفحة 308
وهناك من يقول أن البربر وفدوا من أوروبا ، وقيل أنهم وفدوا من آسيا في عصر ما قبل التاريخ ، ويعتقد بعض علماء الأنثروبولوجيا ( علم دراسة الإنسان ) وجود قرابة جنسية بين البربر والساميين ، معتمدين في ذلك على تقارب لغة البربر الدارجة مع اللغات السامية ، وعلى وجود بعض التشابه في الصفات الجسمية ، ويعتقد هؤلاء أن تغلغل السامية في بلاد المغرب لم يتم إلا في العصر النيوليتي (1) ، لأن البربر ظهروا في التاريخ منذ ثلاثة آلاف سنة تحت اسم " ليبو " ، وكان هؤلاء الليبو يتميزون بشقرة لون الشعر وزرقة العينين وبياض الوجه ، وهي صفات ما تزال تنطبق على بعض سكان المغرب في الريف وجبال جرجرة بالمغرب الأوسط ، على أنه لم يلبث أن تداخلت مع هؤلاء السكان عناصر جديدة قدمت في موجات متتابعة منذ أقدم العصور ، بعضها يهودية ، وبعضها سامية ، وبعضها هندوأوربية كالاتين والوندال والإغريق ، وبعضها زنجية (2) .
__________
(1) **- العصر النيوليتي أو العصر الحجري الجديد يحدده علماء الأنثروبولوجيا بالألف السادسة قبل الميلاد ، أنظر :
1- ... مقال " نبذة عن محافظة حماة بسوريا " على هذا الرابط :
http://www.hama-chamber.com/private/chamber_city_arabic.htm
2- ... مقال " الطب الصيني " على هذا الرابط :
http://babele.po-net.prato.it/ar/htm/medicinac.htm
(2) - السيد عبد العزيز سالم ، المغرب الكبير ، ج2 ، دار النهضة العربية ـ بيروت ـ لبنان ، 1981م ، ص133 ـ 134 . (1/308)
صفحة 309
والبربر ينسبون بعض قبائلهم إلى القبائل العربية ، مثل كندة ، وبعضها إلى العمالقة ، وبعضها إلى التبابعة ، وبعضها إلى حمير (1) ؛ إلا أن ابن حزم اعترض على هذا في كتابه الجمهرة فقال : " ادعت طوائف من البربر أنهم من اليمن ومن حمير ، وبعضهم ينسب إلى بربر بن قيس ، وهذا كله باطل لا شك فيه ، وما علم النسابون لقيس بن عيلان ابنا اسمه بر أصلا ، وما كان لحمير طريق إلى بلاد البربر إلا في تكاذيب مؤرخي اليمن " إهـ (2) .
ونفس هذا الاعتراض نجده عند ابن خلدون فيقول : " والحق الذي شهد به المواطن والعجمة أنهم - يقصد البربر - بمعزل عن العرب ، إلا ما تزعمه نسابة العرب في " صنهاجة " و " كتامة " ، وعندي أنهم من إخوانهم والله أعلم " إهـ (3) ؛ فالظاهر من كلام ابن حزم وابن خلدون أن البربر ليسوا من العرب ، حتى قبيلتي صنهاجة و كتامة اللتان وقع خلاف بين نسابة العرب في أصلهما ، والمشهور أنهما من اليمن ، وأن أفريقش (4) لما غزا إفريقية أنزلهم بها (5) .
__________
(1) - ابن خلدون ، تاريخ ابن خلدون ، 6/114 .
(2) - ابن حزم ، الجمهرة ، نقلا عن : ابن خلدون ، تاريخ ابن خلدون ، 6/112 ـ 113 .
(3) - ابن خلدون ، تاريخ ابن خلدون ، 6/114 .
(4) *- هو أفريقش بن قيس من ملوك التبابعة ، غزا المغرب وأفريقية ، وقيل أن إفريقية سميت بذلك نسبة إليه ( أنظر ابن خلدون ، تاريخ ابن خلدون ، 6/104 ) .
(5) - المصدر السابق ، 6/113 . (1/309)
صفحة 310
إلا أن الشيخ أبا إسحاق إبراهيم اطفيش - رحمه الله - له كلام آخر في أصل البربر ونسبهم ، فنجده ينسب البربر إلى أصول عربية مهاجرة من اليمن (1) ، ويعتبرهم من الحميريين ، فنجده يقول : " وهم - أي البربر - في الحقيقة من الحميريين رغم اختلاف المؤرخين في أصلهم ، والذي يبدو للباحث المدقق أنهم من الموجات المهاجرة من اليمن بعد سيل العرم ... والبربر هم أدرى بتاريخهم ، وكل أمة أدرى بتاريخها من سواها ، وكل قوم أعلم بأصولهم من غيرهم ، وقد كانوا يقولون عن أنفسهم أنهم من الحميريين كما ذكره من المؤرخين ابن خلدون ، وهذا الذي يجب أن يعتبر " إهـ (2) .
ولعل كلام الشيخ أبي إسحاق يتقوى بما روي من قدوم وفد من البربر إلى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أرسله عمرو بن العاص لما فتح المغرب ، فسألهم عمر بن الخطاب : من أنتم ؟ فقالوا : نحن بنومازيغ ، فقال عمر لجلسائه : هل سمعتم قط بهؤلاء ؟ فقال شيخ من قريش : يا أمير المؤمنين هؤلاء البربر من ذرية بر بن قيس بن عيلان ، خرج مغاضبا لأبيه واخوته (3) .
ففي الرواية - والله أعلم بصحتها - نجد أن ذلك الشيخ القرشي نسبهم إلى بر بن قيس بن عيلان ، فيظهر من هذه الراية أن أصولهم عربية كما ذكر الشيخ أبو إسحاق .
__________
(1) **- اليمن : سميت اليمن لتيامنهم إليها ، قال الأصمعي : " اليمن وما اشتمل عليه حدودها بين عمان إلى نجران ثم يلتوي على بحر العرب إلى عدن إلى الشحر ... " إهـ ، وتكثر في اليمن الأشجار والثمار والزروع ( أنظر : الحموي ، معجم البلدان ، 8/509 ) .
(2) - أبو زكريا يحيى الجناوني ، كتاب الوضع ، ت : إبراهيم اطفيش ، مكتبة الاستقامة ، مسقط ، سلطنة عمان ، ص4 ، مقدمة المحقق .
(3) - المصدر السابق ، ص6، مقدمة المحقق . (1/310)
صفحة 311
وهذا الشيخ القرشي متقدم على ابن حزم وعلى ابن خلدون ، فهو معاصر للصحابة وكان شيخا - أي متقدم في السن - في عهد عمر ، فالظاهر أنه أدرك الجاهلية ، والعرب أدرى بالأنساب في ذلك العهد من عهد ابن حزم أو ابن خلدون ، والأنساب في تلك الفترة المتقدمة من عصر الصحابة لا تزال سليمة محفوظة لم تختلط بغيرها من الأنساب ، كما هو الحال عليه في الفترات اللاحقة لعهد الصحابة من اختلاط العرب بالعجم ، وضياع الأنساب .
إذا فلعل ما رجحه الشيخ أبو إسحاق من كون أصول البربر عربية حميرية هو الصحيح ، وخاصة أنهم - أي البربر - ينسبون أنفسهم إلى الحميريين ، وكما قال الشيخ أبو إسحاق : " هم أدرى بتاريخهم " .
وأما عن سبب تسميتهم بالبربر ، فقد وقع الخلاف في ذلك ، فقيل بسبب ما يوجد في لغتهم من الرطنة والعجمة ، فيروى أن أفريقش بن قيس من ملوك التبابعة ، لما غزا المغرب وأفريقية ، ورأى البربر وسمع رطانتهم تعجب من ذلك وقال : ما أكثر بربرتكم ، فسموا بالبربر (1) ؛ والبربرة بلسان العرب هي اختلاط الأصوات غير المفهومة ، ومنه يقال : بربر الأسد ، إذا زأر بأصوات غير مفهومة (2) .
وقيل سموا بالبربر لأن قائدهم عندما خرجوا من اليمن بحثا عن مكان يسكنون فيه ، كان يقول لهم : بر بر ، أي خذوا طريق البر (3) .
__________
(1) - ابن خلدون ، تاريخ ابن خلدون ، 6/104 .
(2) - المصدر السابق ، 6/104 .
(3) - الجناوني ، كتاب الوضع ، ص4 . (1/311)
صفحة 312
وذكر د/ محمد صالح ناصر أن هناك من قال إن أصلها ليس عربي ، وإنما أصلها أمازيغي ، فلعلها جاءت من الوبر ، وقال : بعض الأسماء لها اشتقاق وبعضها ليس له اشتقاق كما ذكر ابن دريد (1) ، فلعل تسمية " البربر " من الأسماء التي ليس لها اشتقاق (2) .
__________
(1) *- هو محمد بن الحسن بن دريد الأزدي اللغوي ، يصل نسبه إلى مالك بن فهم ، ولد بالبصرة في سنة 223هـ ، وقرأ على علمائها ، ثم هاجر إلى عمان ومات فيها ، روى من أخبار العرب وأشعارها ما لم يروه كثير من أهل العلم ، وكان يقال : ابن دريد أشعر العلماء وأعلم الشعراء ، قال فيه الخطيب البغدادي : " كان واسع الحفظ جدا ، تُقرأ عليه دواوين العرب كلها أو أكثرها ، فيسابق إلى إتمامها ويحفظها " إهـ ، وسُئل عنه الدار القطني ، فقال : " تكلموا فيه " إهـ ، ومات في 321هـ ، وله من التصانيف : الجمهرة في اللغة ، والأمالي ، والمجتبى ، واشتقاق أسماء القبائل ، وغيرها ( أنظر : عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي ، بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة ، ج1 ، ت : محمد أبو الفضل إبراهيم ، دار الفكر ، بيروت ، لبنان ، ط2 : 1399هـ / 1979م ، ص76- 81 - يحيى بن محمد البهلاني ، كيف أكتب شعرا ، مكتبة أبي مسلم ، سلطنة عمان ، ط1 : 1423هـ / 2002م ، ص5 ) .
(2) - لقاء مع د/ محمد صالح ناصر ، السبت 14 من رجب 1423هـ / 21 من سبتمبر 2002م . (1/312)
صفحة 313
ولعل هذه التسمية أطلقت عليهم نسبة إلى جدهم بر بن قيس بن عيلان (1) ، حسب الرواية التي ذكرت من قدوم وفد منهم إلى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ، كما أسلفنا ، وقد أشار د/ محمد صالح إلى هذا الاحتمال كذلك (2) .
وأما قبيلة " نفوسة " فإنها تنسب إلى " نفوس " من أولاد " زحيك بن مادغيس الأبتر " جد البرابرة البتر ، قال ابن خلدون : " كان " مادغيس الأبتر " جد البرابرة البتر ، وكان ابنه " زاحيك " ، ومنه تشعبت بطونهم ، فكان له من الولد فيما يذكر نسابة البربر أربعة : نفوس ، وأداس ، وضرا ، ولوا ، ... ، وأما نفوس فهم بطن واحد تنسب إليه نفوسة كلها ، وكانوا من أوسع قبائل البربر فيهم شعوب كثيرة ، مثل بني زمور وبني مكسور وبني ماطوس " إهـ (3) .
وهناك من قال أن سبب تسميتهم بـ " نفوسه " أنهم أسلموا بأنفسهم ، ولم يكن منهم الإسلام كرها (4) (5) ، إلا أن د/ محمد صالح ناصر يرى أن هذا التعليل يشم منه رائحة الصنعة كما يقول أهل الحديث (6) .
__________
(1) **- بعض المصادر نسبتهم إلى : بر بن قيس بن إلياس بن مضر . ( أنظر : ابن عذارى المراكشي ، البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب ، ج1، ت : كولان و بروفنسال ، دار الثقافة ـ بيروت ـ لبنان ، ط3 1983م ، ص200 ) .
(2) - لقاء مع د/ محمد صالح ناصر ، السبت 14 من رجب 1423هـ / 21 من سبتمبر 2002م.
(3) - ابن خلدون ، تاريخ ابن خلدون ، 6/134 .
(4) *- ذكر ابن خلدون أن البربر كانوا يدينون بدين المجوسية قبل الفتح الإسلامي ، وفي بعض الأحيان يدينون بدين من يغلبهم من الأمم ، كالنصرانية ، واليهودية ( انظر : ابن خلدون ، تاريخ ابن خلدون ، 6/125 ) .
(5) - الجناوني ، كتاب الوضع ، ص6 .
(6) - لقاء مع د/ محمد صالح ناصر ، السبت 14 من رجب 1423هـ / 21 من سبتمبر 2002م . (1/313)
صفحة 314
ومن علل تسميتهم بـ" نفوسة " أنه بسبب إسلامهم بأنفسهم دون كره ، استند إلى ما ذكره الرواة عن فتح المغرب بقيادة عمرو بن العاص في عهد الخليفة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ، فذكروا أنه لما بلغ الفتح الإسلامي طرابلس ، قدم عليه ست نفر من البربر ، محلقي الرؤوس واللحى ، فقال عمرو : من أنتم ، وما الذي جاء بكم ؟ فقالوا : رغبنا في الإسلام فجئنا له ، لأن جدودنا قد أوصونا بذلك ، فقال عمرو : مالكم محلقي الرؤوس واللحى ؟ فقالوا له : ذلك شعر نبت في الكفر ، فأردنا أن ينبت في الإسلام ، فقام عمرو بن العاص بتوجيههم إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، فلما قدموا عليه ، سألهم من أنتم ؟ فقالوا : نحن بنو مازيغ ، فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لجلسائه : هل سمعتم قط بهؤلاء ؟ فقال شيخ من قريش : يا أمير المؤمنين هؤلاء البربر من ذرية بر بن قيس بن عيلان ، خرج مغاضبا لأبيه واخوته ، فقال لهم عمر رضي الله عنه : ما علامتكم في بلادكم ؟ قالوا : نكرم الخيل ، ونهين النساء ! ، فقال لهم : ألكم مدائن تسكنون فيها ؟ قالوا : لا ، قال : ألكم أعلام تهتدون بها ؟ قالوا : لا ، قال عمر رضي الله عنه : والله لقد كنت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بعض مغازيه ، فنظرت إلى قلة الجيش وبكيت ، فقال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " يا عمر لا تحزن ، فإن الله سيعز هذا الدين بقوم من المغرب ليس لهم مدائن ، ولا حصون ، ولا أسواق ، ولا علامات يهتدون بها في الطريق " ، ثم قال عمر رضي الله عنه : فالحمد لله الذي من علي برؤيتهم ، ثم أكرمهم ووصاهم ، وقدمهم على من سواهم من الجيوش القادمة عليه ، وكتب إلى عمرو بن العاص أن يجعلهم على مقدمة المسلمين (1) .
__________
(1) - الجناوني ، كتاب الوضع ، ص6- 7 ، مقدمة المحقق . (1/314)
صفحة 315
والواقع أن الله تعالى قد أعز دينه بالبربر ومن خرج من أصلابهم ، وذلك أنهم ساهموا في الفتوحات الإسلامية ، وأبلوا فيها البلاء الحسن (1) ، كذلك كان لهم دور كبير في نشر الإسلام في إفريقيا وبلاد السودان في عهد الدولة الرستمية وبعدها ، وذلك عن طريق ممارسة التجارة مع تلك الأقطار من أصقاع القارة الإفريقية (2) ، وواصلوا كذلك نشرهم للإسلام حتى بعد سقوط الدولة الرستمية ، وذلك عن طريق جبل نفوسة ، أو عن طريق إمارة سدراته (3) ، التي أنشأها الإباضية بعد سقوط دولتهم في تيهرت (4) .
__________
(1) - المصدر السابق ، ص7 .
(2) - دبوز ، تاريخ المغرب الكبير ، 3/345 ـ بحاز ، الدولة الرستمية ، ص388 ، 389 ـ محمد ناصر ، منهج الدعوة عند الإباضية ، ص 262ـ 271 ـ محمد ناصر ، دور الإباضية في نشر الإسلام بغرب أفريقيا ، ص5 ، 6.
(3) *- سدراته : هي مدينة تقع في الجنوب الغربي من وارجلان ، أسسها الإباضية في القرن الرابع الهجري ، وذلك بعد أن نزحوا من تيهرت بسبب هجوم الفاطميين عليها ، واستمرت سدراته في الرقي والازدهار إلى أن خربت في القرن السابع الهجري بسبب الفتن التي مرت بها ( أنظر : دبوز ، تاريخ المغرب الكبير ، 3/546 ) .
(4) - دبوز ، تاريخ المغرب الكبير ، 3/348 ، 352 . (1/315)
صفحة 316
ولا يزال للبربر في بلاد المغرب دور كبير إلى الآن في خدمة الدين الإسلامي الحنيف ونشره ، سواء بتعليم الأجيال الناشئة ليكونوا حملة هداية للبشرية ، أو بإصلاح المجتمع ، أو بتأليف الكتب في مختلف الفنون خدمة لهذا الدين الشريف ، ولا أدل على هذا من ذلك النظام البديع الذي أسسه العلامة أبو عبد الله محمد بن بكر النفوسي (1) في عام 409هـ ، واشتهر بنظام العزابة (2) ، وهذا النظام يعد خلفا للإمامة الشرعية التي كانت قائمة في الدولة الرستمية بعد أن سقطت في سنة 296هـ أو 297هـ (3) .
__________
(1) **- هو أبو عبد الله محمد بن بكر بن أبي بكر بن يوسف الفرسطائي النفوسي ، ولد في سنة 345هـ ، في قرية فرسطاء بجبل نفوسة ، أخذ العلم عن أبي زكرياء فصيل بن أبي مسور وغيره ، وهو الذي قام بتأسيس نظام العزابة ، وهو آية بين النظم الاجتماعية القديمة والحديثة ، تتلمذ على يده المئات من التلاميذ منهم زكرياء ويونس ابنا أبي زكرياء وأبو الربيع سليمان بن يخلف المزاتي وغيرهم ، توفي في سنة 440هـ ، وقبره في مقبرة قدام غاره بآجلو ( أنظر : الدرجيني ، الطبقات ، 1/3- 5 ، 167 ، 168 ، 183- 185 ، 192 ، 2/377- 392 ، 397 ، 399 ، 403- 408 ، 417 - الشماخي ، السير ، 2/61- 67- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/368- 371 ، رقم الترجمة : 803 ) .
(2) - الدرجيني ، الطبقات ، 1/167 ـ محمد ناصر ، منهج الدعوة عند الإباضية ، ص272- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/368 ، رقم الترجمة : 803 .
(3) - د/ عوض محمد خليفات ، نشأة الحركة الإباضية ، مطابع دار الشعب ـ عمان ـ الأردن ، 1978م ، ص168 ـ محمد ناصر ، منهج الدعوة عند الإباضية ، ص156 ، 279 – 280 (1/316)
صفحة 317
وذلك أن هذا النظام يعنى بالجانب العلمي بتعليم الطلبة ، وإعدادهم ليكونوا دعاة وحملة رسالة للبشرية ، ومع اعتنائه بالجانب العلمي ، فإنه كذلك يعنى بالجانب العملي ، من إصلاح للمجتمع ، وحل لمشاكله ، والقضاء على الخصومات ، ومعاقبة المجرمين فيه ، وإعادة الحقوق إلى أصحابها ... الخ (1) .
ولا يزال هذا النظام البديع قائما إلى اليوم في قرى وادي ميزاب ووارجلان بالجزائر ، يدير شؤون المجتمع : الدينية ، والأخلاقية ، والثقافية ، والاقتصادية ، والسياسية ... الخ (2) .
إذا فمما سبق يتبين لنا أن الشيخ عمروس ينتمي إلى قبيلة " نفوسة " البربرية ، تلكم القبيلة القوية الشديدة البأس المهابة الجانب بين القبائل ، والتي يحسب لها ألف حساب ، وقد وصفها الشماخي بقوله : " بلغت في العلم والتقى ، والعدل والورع ، مبلغا عظيما ، يكاد أن يكون حاكيه كاذبا ، وهابهم من بالمشرق والمغرب ، ولذا قال الإمام عبد الوهاب رضي الله عنه : إنما قام هذا الدين بسيوف نفوسه ، وأموال مزاته " إهـ (3) ، وقال الدرجيني عنها : " كانوا أطوع رعايا بالدولة الرستمية ، وأكثرها عونا على الخير ، وأشدها بأسا في النصر على الأعداء ... " إهـ (4) .
__________
(1) - محمد ناصر ، منهج الدعوة عند الإباضية ، ص280- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/369 ، رقم الترجمة : 803 .
(2) - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/369 ، رقم الترجمة : 803 .
(3) - الشماخي ، السير ، 1/227 .
(4) - الدرجيني ، الطبقات ، 1/87 . (1/317)
صفحة 318
ونفوسة تنتمي إلى البربر ، تلكم القبيلة العريقة الضاربة بجذورها في التاريخ ، والتي تعود إلى أصول عربية حميرية كما قال بعض من يعنى بشؤون الأنساب ، والبربر سجل لهم التاريخ الكثير من المآثر والأفعال الحميدة التي بها تفوقوا على غيرهم ، فوصفهم ابن خلدون بأنهم جيل عزيز على الأيام ، وأنهم قوم مرهوب جانبهم ، شديد بأسهم ، كثير جمعهم ، مظاهرون لأمم العالم وأجياله من العرب والفرس واليونان والروم ، ووصفهم بأنهم يتخلقون بالفضائل الإنسانية ، ويتنافسون في الخلال الحميدة ، وأنهم جبلوا على الخلق الكريم ... إلخ ، ووصفهم كذلك بأنهم يقيمون مراسم الشريعة ، ويأخذون بأحكام الملة ، وينصرون دين الله ، ويتدارسون القرآن ، ويحكمون حملة الفقه في نوازلهم وقضاياهم ، ويرابطون على الجهاد ، ويبيعون النفوس في سبيل الله وجهاد العدو ، مما يدل على رسوخ إيمانهم ، وصحة معتقداتهم التي كانت ملاكا لعزهم ومقادا إلى سلطان ملكهم (1) .
إذا فليس بغريب على الشيخ عمروس - رحمه الله - أن يصل إلى ما وصل إليه من المكانة بين علماء زمانه في العلم والإصلاح والجهاد في سبيل الله ، فهو ينتمي إلى قبيلة لها قصب السبق في ميدان الجهاد والعلم والصلاح والأخلاق الحميدة بلا منازع .
2- المبحث الثاني : مولده ونشأته :
أ ـ المطلب الأول : مولده
__________
(1) - ابن خلدون ، تاريخ ابن خلدون ، 6/122 ـ 123 . (1/318)
صفحة 319
ذكر بعض الباحثين أن الشيخ عمروس ولد في قافلة كانت متوجهة إلى الديار المقدسة لأداء مناسك الحج ، مما اضطر أمه إلى العودة به وعدم مواصلة الطريق (1) ، واعتمدوا في ذلك على الرواية التي تصف أهل نفوسة بأنهم كانوا أكثر الناس حجا ، فكانوا يحجون بنسائهم وذراريهم ، حتى أنهم ولد لهم في ركب واحد ثلاثمائة مولود ذكر ، فما ظنك بعدد من لم يولد له ذكر ، ومن لم يولد له أصلا ، ومن ليس معهم (2) ؛ ولكنا إذا تأملنا الرواية لا نجد أنها نصت على كون عمروس من ضمن المواليد ، فالرواية مبهمة لم تحدد أحدا بعينه !
والظاهر أن أول من ذهب إلى أن الشيخ عمروس كان من المواليد في الطريق إلى الحج هو الإمام السالمي - رحمه الله - حيث قال : " ... وكان أهل المغرب يحجون بالذراري والنساء حتى أنه ولد لهم في طريق الحج سنة واحدة ثلاث مائة مولود منهم عمروس بن فتح ... " إهـ (3) ، والمصادر المتقدمة لا تشير إلى ذلك ، وهذا ما أشار إليه الباحث حاج أحمد كروم ، مصححا ما ذهب إليه الإمام السالمي ، فقال : " غير أن الشماخي في كتاب السير لم يذكر عمروس بن فتح منهم ص228 ، وكذا ج1 من مخطوط سير المشايخ لأبي الربيع الوسياني ص6 ... وبالتالي يبدو أن السالمي استنتجه استنتاجا من السياق ، وهوالصحيح " (4) .
__________
(1) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص11 ـ الجيطالي ، قواعد الإسلام ، 1/13 - عبد الله بن حميد السالمي ، اللمعة المرضية من أشعة الإباضية ، وزارة التراث القومي والثقافة ، مسقط ، سلطنة عمان ، ط2 1983م ، ص12 ـ بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/321 رقم الترجمة : 690 .
(2) - الدرجيني ، الطبقات ، 2/325 ـ الشماخي ، السير ، 1/195 .
(3) - السالمي ، اللمعة المرضية ، ص12.
(4) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص11. (1/319)
صفحة 320
ولكن ما الدليل الذي جعل الإمام السالمي - رحمه الله - يستنبط ذلك من السياق ؟ وكذلك ما المستند الذي استند إليه الباحث أحمد كروم فيما ذهب إليه من تصحيح ما ذهب إليه الإمام السالمي - رحمه الله - ؟
ولكن لعل أهل نفوسة كانوا يحجون في كل سنة ، ويخرجون في قوافل كثيرة ، حيث أنهم كانوا أكثر الناس حجا كما وصفوا ، فيتعمَّدون أخذ نسائهم الحوامل معهم ، حتى يلدن في الديار المقدسة طلبا للبركة ، وهذا ظاهر من كلام الشيخ بكلي معلقا على الرواية السابقة فقال : " ولعل الذين لهم أزواج حوامل استصحبوهن عمدا ليلدن في طريق الحج ، أو في الأماكن المقدسة تبركا ، ولم يتفق ذلك صدفة " إهـ (1) .
فلعل الإمام السالمي استنتج ذلك لهذا السبب ، وكذلك لعله استنتجه مما ذكره الدرجيني من أنهم كانوا أكثر الناس حجا في ذلك الزمان ، مشيرا إلى زمان الشيخ عمروس والله أعلم (2) .
__________
(1) - الجيطالي ، قواعد الإسلام ، 1/13 ، هامش المحقق .
(2) - الدرجيني ، الطبقات ، 2/325 . (1/320)
صفحة 321
وأما فيما يتعلق بتاريخ ولادته ، فقد اختلف الباحثون في ذلك ، فقدر الباحث صالح ألبوسعيدي ولادته في سنة 200هـ ، معتمدا في ذلك على وقعة " مانو " 283هـ التي استشهد فيها الشيخ عمروس ، وعلى التقائه بالشيخ أبي غانم الخرساني ، فرجح لقاء أبي غانم بالشيخ عمروس في حوالي سنة 220هـ ، وقدر عمر الشيخ عمروس عند لقائه بأبي غانم أنه عشرون سنة على أقل تقدير (1) ، وقد استند الباحث صالح ألبوسعيدي فيما ذهب إليه من استبعاد التقاء الشيخ عمروس بالشيخ أبي غانم قبل سنة 220هـ ، أن الشيخ عمروس كان قويا صلبا عند مشاركته في وقعة مانو ، فلو فرضنا أن أبا غانم التقى بالشيخ عمروس في سنة220هـ ، فبذلك يكون عمر الشيخ عمروس عند مشاركته في معركة مانو مائة وثلاث سنوات ، ورجل في مثل هذه السن تستبعد مشاركته في معركة وبتلك الصلابة (2) ، إذا فبناء على ذلك يكون مولد الشيخ عمروس في سنة 200هـ .
ولكن يعترض عليه بكون الشيخ أبي غانم لما مر على الشيخ عمروس في جبل نفوسة كان متوجها إلى تيهرت للقاء الإمام عبد الوهاب ، على حسب ما ذكرت بعض المصادر (3) ، وكانت وفاة الإمام عبد الوهاب سنة 208هـ على القول الصحيح (4)
__________
(1) - ألبوسعيدي ، رواية الحديث عند الإباضية ، ص98 .
(2) - المصدر السابق ، ص98 .
(3) - الدرجيني ، الطبقات ، 2/323- الشماخي ، السير ، 1/194 - الجيطالي ، قواعد الإسلام ـ 1/13 ، هامش المحقق - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص20 ـ النامي ، دراسات عن الإباضية ، ص133.
(4) *- وقع الخلاف في تاريخ وفاة الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن ، فذهب ابن عذارى إلى أن وفاته كانت في 188هـ ، وذهب الباروني إلى أنها كانت في 190هـ ، وذهب بالحاج قشار إلى أنها سنة 195هـ ، وذهب جورج مارسيه و زامباور إلى أنها سنة 208هـ ، وذهب محمد دبوز إلى أنها سنة 211هـ ، وقد رجح د/ محمد صالح ناصر وإبراهيم بحاز ما ذهب إليه مارسيه =
= و زامباور وهي سنة 208هـ ، واستدلا بعدة أدلة وهي : أن الإمام عبد الوهاب أوفد أبناءه إلى الأندلس سنة 207هـ ، كما يرويه بروفنصال نقلا عن ابن حيان ، وعندما عادوا وجدوا أباهم قد هلك ، ومما يدعم هذا التاريخ حدوث الحرب بين خلف وأتباع الإمام أفلح في جبل نفوسة سنة 211هـ ، علما بأن فتنة خلف بدأت في أواخر أيام الإمام عبد الوهاب ، وقضى عليها أفلح بعد ترو وصبر دام سنوات كما يفهم من أحداث الروايات ، لذلك فلا يستبعد أن يكون أفلح قد انتظر خلفا وأشياعه ثلاث سنوات ، يعظهم ويحثهم على الطاعة ، فلما تبين له غيهم وتماديهم في التمرد ، حاربهم بقيادة عامله أبي عبيدة سنة 211هـ ، وبذلك يكون الإمام عبد الوهاب قد عمر في الإمامة 37 سنة تقريبا ، وهذا ليس بمستبعد إذا علمنا أن الشيخ اطفيش يجعل إمامة عبد الوهاب 60 سنة ( أنظر : ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص40 الهامش ـ أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص118- 136 - ابن عذارى ، البيان ، 2/197 ـ الباروني ( باشا ) ، الأزهار ، 2/163 ـ أبو الربيع الباروني ، مختصر تاريخ الإباضية ، ص41 - بالحاج ، اللمعة المضيئة ، ص33 ـ بحاز ، الدولة الرستمية ، ص120 ، الهامش - " اطفيش ، رسالة موسعة ، ص106 ـ جورج مارسيه ، دائرة المعارف الإسلامية ، مادة بنو رستم ، 10/93 ـ زامباور ، معجم الأنساب والأسرات الحاكمة ، ص100ـ 101 " نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص121 ، الهامش ) . (1/321)
صفحة 322
(1) .
إذا فليس من المعقول أن يكون توجه الشيخ أبي غانم للقاء الإمام عبد الوهاب بعد 208هـ ، أي في سنة 220هـ كما ذكر الباحث هذا أولا ، ثانيا : ليس من المعقول أن تكون ولادة الشيخ عمروس بناء على ذلك في سنة 200هـ ، لأن عمره سيكون عند لقائه بالشيخ أبي غانم ثمان سنوات ، إذا فرضنا مرور الإمام أبي غانم على جبل نفوسة في سنة 208هـ ، وليس من المعقول أن يتمكن الشيخ عمروس وهو في مثل هذه السن الصغيرة من نسخ مدونة أبي غانم مع أخته ، وهي كما يذكر في اثني عشر جزءا (2) !
وأما المستند الذي استند عليه الباحث صالح ألبوسعيدي فيما ذهب إليه ، وهو أن الشيخ عمروس إذا قدرنا التقائه بالإمام أبي غانم قبل 220هـ ، سيكون كبيرا عند مشاركته في موقعة مانو مما يستبعد اشتراكه فيها بتلك الصلابة ، قد يجاب عليه بأن الشيخ عمروس عند مشاركته في معركة مانو ، لم يكن في مقدمة الجيش ، بل كان في مؤخرته يحمي الصفوف من الخلف (3) ، وهذا دليل على كبر سن الشيخ ، ولهذا جعل في مؤخرة الجيش ، حتى لا يتعرض لمواجهة الأغالبة وجها لوجه في مقدمة الجيش ، حيث توجد شدة المعركة وقسوتها ، ولكن لما وقعت الهزيمة بالإباضية ، اختلط الحابل بالنابل ، واضطر الشيخ عمروس أن يدافع عن نفسه بكل ما أوتي من قوة ، وكان على فرس قوي سابق لم يتمكن الأغالبة من اللحاق به كما تذكر المصادر (4) .
__________
(1) - ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص56 الهامش - بحاز ، الدولة الرستمية ، ص120 الهامش ـ بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/283 رقم الترجمة : 609 .
(2) - الشماخي ، السير ، 1/194 هامش المحقق ـ الجيطالي ، قواعد الإسلام ، 1/13 هامش المحقق .
(3) - الدرجيني ، الطبقات ، 1/89 ـ الباروني ، الأزهار ، ص282 .
(4) - الدرجيني ، الطبقات ، 1/89 . (1/322)
صفحة 323
وكذلك فإن الشيخ عمروس مشهور عنه الفروسية والجهاد والقوة ، وقد حنكته كثرة المعارك التي خاضها في سنوات عمره الطويلة ، فقد وصفه الدرجيني بقوله : " لم تشغله المجاهدة في الله عن دراسة العلوم ... ثم رابط على الجهاد يتلقى السيوف بالصدر والمنحر ... الخ " إهـ (1) .
إذا فلن يكون الشيخ عمروس عاجزا عن الدفاع عن نفسه وصد الأعداء حتى مع كبر سنه ، لما عرف من قوته وتمرسه على الجهاد ، مما اضطر الأغالبة أن يلجأوا إلى الحيلة بجعل حبال أمام فرسه ليسقط ، ثم يأسرونه ، ويقتلونه صبرا (2) ؛ أضف إلى ذلك أن الدرجيني لمح إلى كبر سن الشيخ عمروس وطول عمره ، والذي يستشف منه كون الشيخ عمر طويلا ، وذلك في قوله كما نقل عنه الشماخي : " ... وحاز قصب السبق ، وإن كان في السن متأخرا ... " (3) ، إذا فالذي يظهر مما سبق أن مولد الشيخ عمروس كان قبل سنة 200هـ .
وذهب الباحث أحمد كروم إلى أن مولد الشيخ عمروس كان في أواخر العقد السادس من القرن الثاني الهجري ، مستندا في ذلك إلى التقائه بأبي غانم الذي كان متوجها للقاء الإمام عبد الوهاب ، آخذا بقول من قال أن وفاة الإمام عبد الوهاب كانت في سنة 190هـ ، وقدر عمر الشيخ عمروس في تلك الفترة بثمانية عشر عاما حتى يكون قادرا على نسخ المدونة ، وذلك أن الدرجيني وصفه بأنه كان حدثا عند التقائه بأبي غانم (4) ، وبالتالي يكون مولده في أواخر العقد السادس من القرن الثاني الهجري ، أي في حدود سنة 172هـ ، وبالتالي يكون سن الشيخ عمروس عند استشهاده في وقعة مانو ( 283هـ ) مائة وإحدى عشرة سنة (5) .
__________
(1) - الدرجيني ، الطبقات ، 2/320 .
(2) - الدرجيني ، الطبقات ، 1/89 ـ الشماخي ، السير ، 1/195 .
(3) - الشماخي ، السير ، 1/192 .
(4) - الدرجيني ، الطبقات ، 2/323 .
(5) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص20 . (1/323)
صفحة 324
إلا أنه يعترض على هذا القول بأن التاريخ الصحيح لوفاة الإمام عبد الوهاب هو 208هـ كما أسلفت ، وبالتالي يكون تاريخ مولده في حدود سنة 190هـ ، إذا فرضنا سنه كانت ثمانية عشر عاما عند التقائه بأبي غانم ، وبالتالي يكون عمره عند استشهاده ثلاث وتسعون سنة ، وإذا افترضنا سنه كانت عشرين سنة سيكون مولده في حدود سنة 188هـ ، ويكون سنه عند استشهاده خمس وتسعون سنة والله أعلم ، هذا على فرض أن الشيخ أبا غانم كان متوجها إلى تيهرت للقاء الإمام عبد الوهاب بناء على ما جاء في بعض المصادر وخاصة القديمة منها كما وضحت سابقا .
إلا أننا نجد في المقابل أن بعض المصادر الحديثة لم توضح هل زار أبو غانم تيهرت في عهد الإمام عبد الوهاب وأهداه نسخة من المدونة ؟ أم أن زيارته كانت بعد وفاة الإمام عبد الوهاب أي في عهد الإمام أفلح حيث أنه ثبت تلقي الإمام أفلح العلم عن أبي غانم وتلقيه المدونة عنه (1) ، فنجدها عندما تذكر توجه أبي غانم إلى تيهرت ، تذكر أن أبا غانم أهدى نسخة للأئمة في تيهرت دون أن تحدد من هو هذا الإمام ؟ (2)
__________
(1) - ألبوسعيدي ، رواية الحديث عند الإباضية ، ص97 .
(2) - بحاز ، الدولة الرستمية ، ص396 ـ بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/322 رقم الترجمة : 690 . (1/324)
صفحة 325
إلا أنه يمكن أن يستشف من كلام الباحث إبراهيم بحاز كأنه يميل إلى كون أبي غانم زار تيهرت في فترة متأخرة عن عهد الإمام عبد الوهاب ، وكان ذلك في عهد الإمام أفلح ، مدللا بذلك على استمرار العلاقة والاتصال بين المشرق والمغرب بعد وفاة الإمام عبد الوهاب ، فضرب مثالين يدلان على استمرار العلاقة وهما : الرسالة التي وجهها أبو عيسى إبراهيم بن إسماعيل مقرا بإمامة أفلح ، ويقول فيها : " ثم كان بعد عبد الوهاب ابنه أفلح حفظه الله " ، والمثال الثاني زيارة أبي غانم بشر بن غانم إلى نفوسة وتيهرت في القرن الثالث في أيام عمروس بن فتح ، وهو من علماء الطبقة السادسة ( 250 ـ 300 هـ ) على حسب ما ذكر الباحث إبراهيم بحاز (1) .
فإذا فرضنا أن لقاء أبي غانم بالشيخ عمروس كان بعد عهد الإمام عبد الوهاب ، فإن من ذهب إلى أن لقاء أبي غانم بالشيخ عمروس كان في ما يقارب من سنة 220هـ هو الصحيح ، وبالتالي تكون ولادة الشيخ عمروس في سنة 200هـ ، على تقدير عمره عشرين سنة عند لقائه بأبي غانم ، وعلى تقدير عمره ثمانية عشر عاما يكون مولده في سنة 202هـ والله أعلم .
__________
(1) - بحاز ، الدولة الرستمية ، ص 397 الهامش . (1/325)
صفحة 326
إلا أن هناك بعض الباحثين المعاصرين من صرح بكون الشيخ أبي غانم كان متوجها إلى تيهرت للقاء الإمام عبد الوهاب ، ومن هؤلاء الباحثين د/ عمرو خليفة النامي (1) ، وكذلك بالنسبة للشيخ فرحات الجعبيري يمكن أن نستشف من كلامه أن أبا غانم كان متوجها إلى تيهرت للقاء الإمام عبد الوهاب ، حيث أنه رجح كون أبي غانم رحل إلى تيهرت في أواخر القرن الثاني ، ومر على جبل نفوسة (2) ، وأواخر القرن الثاني هي الفترة بين 190هـ و 200هـ ، وكما هو معلوم أن وفاة الإمام عبد الوهاب كانت سنة 208هـ على القول الصحيح ، إذا فأبو غانم زار جبل نفوسة و تيهرت في أواخر حياة الإمام عبد الوهاب .
وبناء على ما ذهب إليه الشيخ فرحات يكون مولد الشيخ عمروس في الفترة بين 172هـ و 182هـ ، إذا قدرنا عمره ثمانية عشر عاما عند لقائه بأبي غانم ، وإذا قدرنا عمره عشرين سنة يكون مولده في الفترة بين 170هـ و 180هـ .
وأما الشيخ الدرجيني فقد صنف الشيخ عمروس في الطبقة السادسة ( 250 - 300هـ ) ، وتبعه في ذلك بعض الباحثين المعاصرين (3) ، وهذه الطبقة ( 250 - 300هـ ) التي صنف فيها الدرجيني الشيخ عمروس ، فيها إشكال كبير إن كان يقصد بهذا التصنيف كون الشيخ عمروس ولد في هذه الفترة ( 250 - 300هـ ) ، وذلك لأن الشيخ عمروس كان معاصرا للإمام عبد الوهاب كما مر ، وقد توفي الإمام عبد الوهاب على القول الصحيح في سنة 208هـ ، وكذلك كان معاصرا للإمام أفلح الذي توفي في سنة 258هـ (4) ، إذا فليس من المعقول أن يكون مولد الشيخ عمروس بعد سنة 250هـ ، ولكن مولده كان قبل ذلك كما بينت ذلك سابقا .
__________
(1) - النامي ، دراسات عن الإباضية ، ص133 .
(2) - الجعبيري ، البعد الحضاري للعقيدة الإباضية ، ص105 .
(3) - الدرجيني ، الطبقات ، 2/320 ـ بحاز ، الدولة الرستمية ، ص306 ، 397 الهامش .
(4) - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/60 رقم الترجمة : 116 . (1/326)
صفحة 327
ولكن لعل الدرجيني لا يقصد بذلك أن مولد الشيخ عمروس كان في الفترة بين ( 250 - 300هـ ) ، وإنما يقصد أنه برز في تلك الفترة ، وأصبح له شأن ومكانة بين العلماء ، وأصبح يعد في مصافهم ، بل ذكر أنه أصبح أعلم أهل زمانه (1) ، ولعله - أي الشيخ عمروس - قبل سنة 250هـ كان مشغولا بطلب العلم وتحصيله ، فلم يكن له ذلك البروز الملفت ، ولعل هذا التعليل فيه شيء من الصحة ، وذلك أن الشيخ عمروس أصبحت له مكانة ودور في الدولة الرستمية في عهد الإمام أبي اليقظان الذي حكم من عام 261هـ إلى عام 281هـ (2) ، وقد عينه الإمام أبو اليقظان قاضيا على جبل نفوسة (3) ، واستمر في منصب القضاء في عهد الإمام أبي حاتم الذي بويع في سنة 281هـ ، بعد وفاة الإمام أبي اليقظان (4) .
إذا فيمكن أن نلخص الأقوال السابقة في ولادة الشيخ عمروس أنها منحصرة بين سنة 172هـ و 202هـ إذا قُدر أن عمره كان ثمانية عشر عاما عند التقائه بأبي غانم ، وإذا قُدر عمره عشرين عاما عند التقائه بأبي غانم ، فإن تاريخ ولادته ينحصر بين سنة 170هـ و 200هـ .
__________
(1) - الدرجيني ، الطبقات ، 2/321 ـ الشماخي ، السير ، 1/192 ـ عمروس ، الدينونة الصافية ، ص27 ـ بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/321 رقم الترجمة : 690 .
(2) - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/359 رقم الترجمة : 784 .
(3) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص16 ـ الباروني ، الأزهار الرياضية ، ص252 .
(4) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص16 ـ بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/321 رقم الترجمة : 690 ، 2/490 رقم الترجمة : 1067 . (1/327)
صفحة 328
ولعل سنة (( 190هـ )) تقريبا ، هي السنة التي ولد فيها الشيخ عمروس ، إذا قُدر عمره ثمانية عشر عاما عند التقائه بأبي غانم ، الذي زار تيهرت في عهد الإمام عبد الوهاب المتوفى سنة 208هـ على الصحيح ، وذلك أن هذه السنة (( 190هـ )) هي الأقرب إلى الصحة بعد البحث والتمحيص ، والمقارنة بين الأدلة والقرائن ، والله أعلم .
ب ـ المطلب الثاني : نشأته (1/328)
صفحة 329
نشأ الشيخ عمروس في قرية " قطرس " (1) من جبل نفوسة (2) ، وهناك من نسبه إلى قرية " مساكن " (3) ، وهناك من نسبه إلى قرية " تملوشايت " (4) (5) ، وهناك من نسبه إلى قرية " ويغو " (6) .
__________
(1) *- قطرس : قرية جاثمة على ضفة وادي تال العميق من أرض الرحيبات بجبل نفوسة بليبيا ( أنظر : عمروس ، الدينونة الصافية ، ص13 ـ علي يحيى معمر ، الإباضية في موكب التاريخ ، 2/137 ، القسم الأول ـ الجيطالي ، قواعد الإسلام ، 1/13 ، هامش المحقق ـ الجناوني ، كتاب النكاح ، ص29 الهامش ـ بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/321 رقم الترجمة : 690 ) .
(2) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص13 ـ علي يحيى معمر ، الإباضية في موكب التاريخ ، 2/137 ، القسم الأول ـ الجيطالي ، قواعد الإسلام ، 2/13 هامش المحقق ـ الجناوني ، كتاب النكاح ، ص29 الهامش ـ بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/321 رقم الترجمة : 690 .
(3) - البغطوري ، سير أهل نفوسة ( مخ ) ، ص92 ـ الشماخي ، السير ، 1/192 - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص28 .
(4) **- تملوشايت : قرية من قرى جبل نفوسة بليبيا ، خرجت عددا من العلماء ، من أشهر علمائها أبو نصر فتح بن نوح الملوشائي له عدة مؤلفات منها القصيدة النونية في أصول الدين عاش في النصف الأول من القرن السابع الهجري ( أنظر : الجعبيري ، البعد الحضاري للعقيدة الإباضية ، ص122 الهامش ـ دبوز ، تاريخ المغرب الكبير ، 3/386 ـ بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/337 رقم الترجمة : 730 ) .
(5) - الجعبيري ، البعد الحضاري للعقيدة الإباضية ، ص61 .
(6) - الدرجيني ، الطبقات ، 2/314 - دبوز ، تاريخ المغرب الكبير ، 3/386 . (1/329)
صفحة 330
والحقيقة أن من نسبه إلى " مساكن " وهو البغطوري لم يذكر أن الشيخ عمروس نشأ في مساكن ، وإنما اكتفى بقوله : " وروي عن عمروس بن فتح من أهل مساكن ... " (1) ، فذكر أنه من أهل مساكن دون أن يبين هل نشأ فيها من صغره أم لا ؟
وكذلك بالنسبة لمن نسبه إلى " تملوشايت " وهو الشيخ فرحات الجعبيري ، لم يبين هل نشأ الشيخ عمروس في قرية " تملوشايت " من صغره أم لا ؟ ، كذلك لم يذكر المصدر الذي اعتمد عليه في نسبه للشيخ عمروس إلى " تملوشايت " ، والحقيقة أني لم أجد في المصادر التي وقعت بين يدي سواء القديمة أم الحديثة من نسب الشيخ عمروس إلى " تملوشايت " عدا الشيخ الجعبيري في كتابه البعد الحضاري للعقيدة الإباضية (2) .
ونفس الكلام يقال بالنسبة لمن نسبه إلى قرية " ويغو " وهو الباحث محمد دبوز والدرجيني نقلا عن أبي مهاصر الذي ذكر قصة مناظرتهما لنفاث ، فإنه لم يبين هل نشأ الشيخ عمروس في " ويغو " أم أنه هاجر إليها بعد ذلك (3) ؟
وللأسف أن الباحث محمد دبوز لم يذكر المصدر الذي اعتمد عليه فيما ذهب إليه من نسبة الشيخ عمروس إلى قرية " ويغو " ، إلا أنه في الظاهر اعتمد على ما جاء عن الدرجيني في الطبقات ، وذلك أنه قرن بين الشيخ عمروس و مهدي النفوسي ، وذكر أنهما من علماء قرية " ويغو " ، وقد قرنهما الدرجيني معا نقلا عن أبي مهاصر الذي نسبهما إلى " ويغو " .
وأود التنبيه إلى أن قصة عمروس ومهدي مع نفاث فيها بعض الاختلاف بين المصادر ، ففي الطبقات ذكر الدرجيني أن المناظر لنفاث قبل وصول عمروس ومهدي هو أبو مهاصر بن جعفر ، وفي المقابل نجد أن البغطوري في سير أهل نفوسة والشماخي في كتاب السير يذكران أن المناظر لنفاث هو أبو نصر بدلا
__________
(1) - البغطوري ، سير أهل نفوسة ( مخ ) ، ص92 .
(2) - الجعبيري ، البعد الحضاري للعقيدة الإباضية ، ص61 .
(3) - الدرجيني ، الطبقات ، 2/314- دبوز ، تاريخ المغرب الكبير ، 3/386 . (1/330)
صفحة 331
من أبي مهاصر (1) .
والحقيقة أن الشماخي تعقب ما ذكره الدرجيني من أن المناظر هو أبو مهاصر ، فقال : " ... ونسب أبو العباس - يقصد الدرجيني - المقالة إلى أبي مهاصر رحمه الله ، والصواب ما قدمنا " إهـ (2) ، ويقصد بقوله : " ... والصواب ما قدمنا " ، أي أن المناظر لنفاث قبل وصول مهدي النفوسي ، وعمروس هو أبو نصر التمصمصي ، ولكنه لم يذكر المستند الذي اعتمد عليه في ترجيحه هذا ، ولا ذكر من نقل عنه ! ، ولكن لعله اعتمد في ذلك على ما اشتهر عن أبي نصر التمصمصي أنه كان يحذر من فتنة نفاث ، حتى أنه زار الجبل أربعين مرة يحذر الناس من فتنة نفاث ، فكان يفند آراء نفاث ، وكذلك كان يحذر من فتنة خلف بن السمح (3) .
إذا فلعل الدرجيني ذهل عند ذكره لهذه القصة ، فخلط بين أبي نصر وبين أبي مهاصر ، أو لعله وقع تصحيف من قبل النساخ .
__________
(1) - البغطوري ، سير أهل نفوسة ( مخ ) ، ص76 ـ 77 ـ الشماخي ، السير ، 1/149 ، 2/19 ـ 20 .
(2) - الشماخي ، السير ، 1/149.
(3) - الشماخي ، السير ، 1/174 ـ بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/439 رقم الترجمة : 949 . (1/331)
صفحة 332
وكذلك نلاحظ أن أبا نصر لم ينسب مهدي وعمروس إلى " ويغو " فلم يتعرض إلى ذلك على حسب الرواية التي جاءت في سير أهل نفوسة ، وفي كتاب السير ، إلا أنا في المقابل نجد على حسب الرواية التي جاءت في الطبقات أن أبا مهاصر نسبهما إلى " ويغو " ، وأكد على ذلك الدرجيني ؛ ومهدي بالفعل من أهل " ويغو " ، هذا باتفاق بين المصادر القديمة والحديثة ، فجميعها تنسب الشيخ مهدي النفوسي إلى " ويغو " (1) ، وأما بالنسبة للشيخ عمروس فلم أجد من الباحثين المحدثين من نسبه إلى " ويغو " غير الباحث دبوز ، ومن المتقدمين الدرجيني كما مر ، ولعل سبب نسبتهما له إلى " ويغو " مرافقته لمهدي النفوسي الويغوي ، أو بالاعتماد على ما ذكره أبو مهاصر أنهما من " ويغو " كما جاء في الطبقات .
إلا أنه لا يمكن الاعتماد على الرواية المذكورة في الطبقات ، لمخالفتها لما جاء في بقية المصادر ، حيث أن بقية المصادر اتفقت على أن المناظر لنفاث هو أبو نصر التمصمصي ، ونجد الرواية في الطبقات تذكر أنه أبا مهاصر ، فلعله وقع فيها خطأ أو تصحيف ، فمن الصعوبة الاعتماد عليها .
هذا وعلى فرض الاعتماد على مرافقته لمهدي الويغوي ، إلا أن ذلك لا يكفي كدليل على كون الشيخ عمروس من " ويغو " ، فلعل الشيخ عمروس من قرية أخرى ، ويذهب إلى " ويغو " لطلب العلم ، حيث أنهم يجتمعون في مكان يسمى " تنين ازدرشل " لطلب العلم ، وهناك وقعت المناظرة بينه وبين نفاث (2) ، هذا على فرض أن المكان الذي يجتمعون فيه لطلب العلم وهو " تنين ازدرشل " في " ويغو " فلعله في مكان آخر غير " ويغو " .
__________
(1) - الدرجيني ، الطبقات ، 2/314 ـ الشماخي ، السير ، 2/19 ـ الباروني ، الأزهار ، 2/138 ـ النامي ، دراسات عن الإباضية ، ص213 ـ دبوز ، تاريخ المغرب الكبير ، 3/386 - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/427 رقم الترجمة : 918 .
(2) - الشماخي ، السير ، 2/19 . (1/332)
صفحة 333
إذا فخلاصة ما سبق أنه يمكن الجمع بين الأقوال السابقة ، فيما يخص المكان الذي نشأ فيه الشيخ عمروس ، أنه نشأ في قرية (( قطرس )) وتربى فيها ، وهذا ما صرحت به بعض المصادر كما مر ، ولعله انتقل بعد أن كبر إلى المناطق الأخرى المذكورة وهي " مساكن " ، و" تملوشايت " ، و" ويغو " ، إما لطلب العلم ، أو لطلب الرزق ، أو ما شابه ذلك من الأسباب ؛ والذي جعلني أميل إلى هذا ، كون المصادر التي نسبت الشيخ عمروس إلى " مساكن " و " تملوشايت " و " ويغو " لم تبين هل نشأ الشيخ عمروس في تلك القرى ، أم أنه انتقل إليها بعد ذلك ؟ ، وإنما اكتفت بالقول أنه من أهل تلك القرى ، على العكس من المصادر التي نسبته إلى " قطرس " فقد صرحت بكونه نشأ وتربى فيها كما مر علينا .
ونضيف إلى ما سبق ذكره دليلا يؤكد على وجود علاقة عميقة بين الشيخ عمروس و قرية " قطرس " وهو وجود مسجد باسمه فيها ، وهو مسجد الشيخ عمروس (1) ، وقد مال الشيخ سليمان باشا الباروني إلى أن المقصود بعمروس هنا هو الشيخ عمروس بن فتح المساكني النفوسي (2) .
والحقيقة أن المصادر لم توضح هل قام الشيخ عمروس ببناء هذا المسجد بنفسه في حال حياته ، أم أن أهل قطرس بنوه وسموه باسمه تكريما له ؟ (3) .
ولكن بغض النظر عمن تولى بناء المسجد ، فإن هناك رابطة روحية ونفسية تربط الشيخ عمروس بقطرس ، والدليل قيامه ببناء هذا المسجد فيها ، إن كان هو الذي قام ببنائه ، أو إن كان أهالي قطرس بنوه بأنفسهم ، فهناك رابطة روحية ونفسية تربطهم بالشيخ عمروس حتى أنهم أطلقوا على مسجدهم الذي بنوه اسمه تكريما له وتعبيرا عن حبهم الذي يكنونه له ، فما سر هذا الحب ؟
__________
(1) - عبد الله الباروني ، سلم العامة والمبتدئين ، ص54 هامش المحقق .
(2) - المصدر السابق ، ص54 هامش المحقق .
(3) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص14 . (1/333)
صفحة 334
لعله كون الشيخ عمروس نشأ وتربى في قطرس ، وبين أهلها ، ثم أصبح له مكانته في المجتمع لعلمه وصلاحه وجهاده ، فقام ببناء ذلك المسجد في قطرس تعبيرا عن الحب والوفاء ورد الجميل للقرية التي احتضنته في سنوات عمره الأولى ووجهته الوجهة الصحيحة لطلب العلم .
إلا أنه يستبعد أن يطلق الشيخ عمروس اسمه على المسجد الذي قام ببنائه ، فهو أتقى وأنزه من ذلك ، وليس هذا من ديدن الإباضية ، فلعل أهل قطرس أطلقوا عليه اسم عمروس نسبة له .
وإن كان أهل قطرس بنوه بأنفسهم ، وأطلقوا عليه اسم عمروس ، فلعل السبب في ذلك تخليدا لذكرى الشيخ عمروس ، ذلك الفتى الذى تربى بين ظهرانيهم ، فأصبح بعد ذلك أعلم أهل زمانه .
والظاهر أن الشيخ عمروس نشأ يتيما ، وذلك أن أمه لما حضرتها الوفاة ، كتبت وصيتها وأشهدت عليها ، ولما سئلت عمن وكلته لإنفاذها ، أشارت إلى الشيخ عمروس وهو في المهد لإنفاذها ، فلو كان أبوه حيا لأوكلت تنفيذ الوصية إليه بدلا من طفل لا يزال في المهد (1) .
إذا فالذي يظهر من ذلك أن أبا الشيخ عمروس كانت وفاته في الفترة من حمل أم الشيخ عمروس به إلى نهاية مدة الرضاع ، وهي عامان على الصحيح في مدة الرضاع ، قال الإمام السالمي - رحمه الله - :
وإنما يكون في الحولين : : فلا رضاع بعد بين اثنين (2) .
هذا إن لم تكن وفاة أبي الشيخ عمروس قبل نهاية الحول الأول من ولادته ، إذ أن الرواية ذكرت أن الشيخ عمروس لا يزال في المهد عندما أشارت أمه إليه لإنفاذ الوصية ، وكما هو معلوم أن الطفل يوضع في المهد في شهور عمره الأولى ثم يترك عنه المهد بعد أن يكبر قليلا !
__________
(1) - الدرجيني ، الطبقات ، 2/324 ـ الشماخي ، السير ، 1/195- عمروس ، الدينونة الصافية ، ص11 .
(2) - السالمي ، جوهر النظام ، 2/288. (1/334)
صفحة 335
والظاهر أن وفاته كانت بعد وضعها لعمروس ، إذ أنه لو توفي في أثناء الحمل لما خرجت أم عمروس إلى الحج ، إذ أنها ستكون معتدة ، وكما هو معلوم أن عدة الحامل المتوفى عنها زوجها إلى أن تضع حملها (1) ،
__________
(1) *- المرأة الحامل المتوفى عنها زوجها أو المطلقة أو المفادية أو نحو ذلك تمام عدتها بوضع حملها ، والدليل قوله تعالى : { وَأُوْلَأتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } ( سورة الطلاق ، آية 4 ) ، قال قطب الأئمة في تفسير هذه الآية : " { وَأُوْلَأتُ الْأَحْمَالِ ... حَمْلَهُنَّ } تمام عدتهن وضع حملهن ولو علقة أو مضغة ، مطلقات أو متوفى عنهن أو مفاديات أو نحو ذلك أو حرمن أو طلقن أنفسهن إن كان الطلاق بأيديهن معلقا لمعلوم أو غير معلق " إهـ ، والخلاف في الحامل إن وضعت قبل انقضاء العدة ( أربعة أشهر وعشر ) هل تخرج من العدة بمجرد الوضع ؟ أم تواصل العدة حتى تنهي أربعة أشهر وعشر أيام ؟ ذهب جمهورالإباضية إلى الاعتداد بأبعد الأجلين ، وعلى هذا القول من أئمة الإباضية الإمام أبو عبيدة والإمام القطب والإمام السالمي والشيخ عمروس ، والذي عليه جمهور علماء الأمة وقليل من الإباضية أنها تخرج من العدة بمجرد الوضع ، جاء في كتاب النيل : " تعتد مطلقة حائض ... والمتوفى عنها أربعة أشهر وعشرا لمغيب شمس الأخير ، وأبعد الأجلين إن كانت حاملا ... " قال قطب الأئمة في شرح النيل تعليقا على كلام صاحب النيل : " وأبعد الأجلين أجل الوضع وأجل أربعة أشهر وعشر إن كانت هذه المتوفى عنها حاملا احتياطا عندنا ، وعند علي وابن عباس ، وبه قال مالك عن ابن عباس ، وفيه جمع بين عموم آية الحوامل وآية الموت ..وقال فقهاء الأمصار مالك وغيره وأبو هريرة وأبو سلمة ابن عبد الرحمن وجمهور علماء الأمة : إن عدتها أن تضع حملها لعموم { وَأُوْلَأتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } ، وإن كانت الآية في الطلاق ، ولقول أم سلمة رضي الله عنها : إن سبيعة الأسلمية ولدت بعد وفاة زوجها بنصف شهر فجاءت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : " قد حللت فانكحي من شئت " ... قال أبو عبيدة : العمل على ما قال ابن عباس ، وهو المأخوذ به عندنا ، وهو قول الله سبحانه في كتابه : { وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ } إلخ ( سورة البقرة ، آية 234) ، وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - لسبيعة فرخصة ... " إهـ ، وقال الإمام السالمي :
فعدة الحامل حتى تضعا :: من هذه وغيرها فاستمعا
إلا مميتة قبيل الأجل :: قد وضعت تؤمر بالتمهل
عدتها الأبعد من حاليها :: من وقتها ووضع ما عليها
أربعة الأشهر عند عشر :: من الليالي وقتها لتدري
وقد رجح سماحة الشيخ الخليلي حفظه الله قول جمهور الأمة وهو أن عدة المتوفى عنها زوجها تنتهي بمجرد وضعها لحملها ، على قول من قال بالاعتداد بأبعد الأجلين، مستدلا بالآية : { وَأُوْلَأتُ الْأَحْمَالِ ... حَمْلَهُنَّ } ، وبحديث سبيعة الأسلمية ( أنظر : محمد بن يوسف أطفيش ( القطب ) ، تيسير التفسير ، ج13 ، وزارة التراث والثقافة ، سلطنة عمان ، 1408هـ/ 1988م ، ص419-420 ـ محمد بن يوسف اطفيش ( القطب ) ، شرح كتاب النيل وشفاء العليل ، ج7 ، مكتبة الارشاد ، جدة ، المملكة العربية السعودية ، ط3 : 1405هـ/ 1985م ، ص418 ، 421- 422 ـ الإمام السالمي ، جوهر النظام ، 2/346 ـ أحمد بن حمد الخليلي ، فتاوى النكاح ، الكتاب الثاني ، مطابع النهضة ، مسقط ، سلطنة عمان ، ط1 : 1423هـ/ 2002م ، ص383، 385 ، 394 ، 395- 396 ، 404 - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص152- 153 ) . (1/335)
صفحة 336
والرواية ذكرت أن الشيخ عمروس وُلد في الطريق إلى الحج (1) ، فليس من المعقول أن تخرج أمه إلى الحج وهي في فترة العدة ، إذا يتبين من ذلك أن أباه كان حيا في فترة الحمل بعمروس ، وأنه مات بعد ولادة الشيخ عمروس .
مما سبق يمكن الخروج بخلاصة أنه يحتمل أن تكون وفاة أبي الشيخ عمروس في الأشهر الأولى من ولادة الشيخ عمروس ، فلعل أبا الشيخ عمروس لم يعد مع زوجته من طريق الحج عندما عادت إلى جبل نفوسه بسبب وضعها للشيخ عمروس ، فواصل طريق الحج ، فمات في طريق الذهاب أو في الحج أو في طريق العودة بسبب حادث أو مرض أو ما شابه ذلك ، ولعله عاد مع زوجته ولم يواصل طريق الحج ، فمات بعد ولادة الشيخ عمرس بفترة وجيزة ، أو لعله لم يخرج للحج أصلا ، وخرجت أم الشيخ عمروس برفقة محرم من محارمها ، واضطرت للعودة بسبب الولادة ، فمات أبو الشيخ عمروس ثم لحقت به أم الشيخ عمروس في الأشهر الأولى من ولادة الشيخ عمروس ، لكونه كان في المهد عندما أشارت إليه كما تذكر الرواية .
ما ذكرته من عدم استبعاد كون الشيخ عمروس نشأ يتيما ، وأن والده لا يستبعد أن تكون وفاته في الفترة من حمل أم الشيخ عمروس به إلى نهاية مدة الرضاع ، يظل مجرد احتمال قد يكون صحيحا وقد يكون خاطئا ، وذلك أنه يصح أن يستخلف الطفل لإنفاذ الوصية مع وجود أبيه أو خليفته ، جاء في شرح النيل : " ولا ينفذها - أي الوصية - أبو الطفل أو خليفته إن استخلف ... " (2) .
__________
(1) **- أنظر ص185.
(2) - اطفيش ، شرح النيل ، 12/707 . (1/336)
صفحة 337
إذا فلعل أم عمروس استخلفت عمروس على وصيتها وهو في المهد مع كون أبيه لا يزال حيا والله أعلم ؛ ولكن الظاهر أن أبا الشيخ عمروس توفي قبل أن يصل الشيخ عمروس إلى سن الإدراك ، وذلك أن الشيخ عمروس لما بلغ مبلغ الرجال - ولنقل ثمانية عشر سنة - أراد أن ينفذ وصية أمه ، ويؤدي عنها الحج ، فلم يجد أحدا يعلم بصلاحها ويشهد بذلك ، إلا امرأة واحدة شهدت بصلاحها ، فأدى الحج عنها بشهادة تلك المرأة (1) .
فلو لم يكن أبو الشيخ عمروس قد توفي والشيخ عمروس لا يزال طفلا لم يدرك ، لسأل أباه عن أمه وصفاتها وصلاحها من عدمه ، ولأخبره أبوه عنها .
ولكن الحقيقة لي مع هذه القصة وقفة ، فلا تخلو من شيء من المبالغة إذا تأملناها بعين العقل ، وذلك أنه ليس من المعقول أن لا يجد الشيخ عمروس من يعرف أمه وصلاحها من عدمه غير امرأة واحدة ، فأسرة الشيخ عمروس لم تكن تعيش منعزلة عن الناس في الصحراء ، أو في جزيرة نائية معزولة ! ، بل كانت تعيش في قرى جبل نفوسة التي كانت تعج بمئات الألوف من البشر ، فهل من المعقول ألا يبقى ممن يعرف أم الشيخ عمروس أحد إلا امرأة واحدة ؟! هذا أولا .
ثانيا : ذكرت المصادر وجود أخ وأخت للشيخ عمروس (2) ، فإن كانا أخوين له من أمه وأبيه ، فهما أكبر منه سنا ، لأن أم الشيخ عمروس توفيت وهو لا يزال طفلا في المهد ، فهل من المعقول ألا يعرفا حال أمهما هل ماتت على الصلاح أم لا ؟! ، ولكن قد يكونا أخوين له من أبيه ، إذ قد يكون أبوه تزوج بعد وفاة أمه وأنجب ولدا وبنتا ، ففي هذه الحالة يحتمل أن لا يعرفا حال أم الشيخ عمروس والله أعلم .
4- المبحث الثالث : صفاته وأخلاقه :
__________
(1) - الدرجيني ، الطبقات ، 2/325 ـ الشماخي ، السير ، 1/195 .
(2) - البغطوري ، سير أهل نفوسة ( مخ ) ، ص92 ـ 93 - الشماخي ، السير ، 1/ 194 ، 195 . (1/337)
صفحة 338
كان الشيخ عمرس رحمه الله تعالى ، علما من أعلام الإسلام ، وإماما من أئمة الدين ، تبحر في العلوم حتى أصبح يعد أعلم أهل زمانه ، وجاهد في سبيل الله حتى مات شهيدا في سبيله (1) .
وكان ضابطا حافظا ولا أدل على ذلك من قصته مع الشيخ محمد بن محبوب رحمه الله تعالى ، لما توجه إلى المشرق لأداء مناسك الحج كما مر علينا سابقا (2) ؛ فقدرة الشيخ عمروس على حفظ المسائل مع أجوبتها التي عجز عن حفظها أصحابه دليل على قوة حفظه وضبطه .
وكذلك تلك المسائل العميقة التي سألها ابن محبوب حتى أن ابن محبوب تعجب منها ووصفها بأنها من مكنون العلم ، لا تسأل أمام الجهال ، لعدم قدرتهم على فهما وحتى لا تذهلهم ، تدل على تبحر الشيخ عمروس في العلم وعلى تمكنه منه ، وتدل على أنه من أساطينه العمالقة .
وكان - رحمه الله - قويا في الحق لا تأخذه في الصدع به لومة لائم ، ولا أدل على ذلك من أقضياته كما سيأتي لاحقا ، وأكتفي هنا بمثال واحد على شدته في الحق ، وهو قوله لأبي منصور والي جبل نفوسة لما عينه قاضيا على الجبل ، قال له الشيخ عمروس : " إن لم تأذن لي بقتل ثلاثة فخذ خاتمك ، قتل مانع الحق ، والطاعن في دين الله ، والدال على عورات المسلمين " (3) .
وكان فارسا صمصاما ، ولا أدل على ذلك من عجز الأغالبة في معركة " مانو " عن الوصول إليه ، حيث أنه كان على فرس سابق ، حتى لجأوا إلى الحيلة بأن وضعوا الحبال أمام فرسه ليتعثر بها ويسقط عند ذلك تمكنوا من أسر الشيخ ، وفعلوا فيه ما فعلوا ، وعند الله تجتمع الخصوم (4) .
__________
(1) - الدرجيني ، الطبقات ، 2/321 .
(2) *- أنظر ص167- 169 .
(3) - الدرجيني ، الطبقات ، 2/321.
(4) - الدرجيني ، الطبقات ، 1/89 ، الشماخي ، السير ، 1/195 . (1/338)
صفحة 339
وكذلك كان شغوفا بطلب العلم والبحث فيه ، فانقطع لمدة عشرين عاما في تيهرت يطلب العلم عند أئمة وعلماء الدولة الرستمية (1) ، ودليل آخر على شغفه بالعلم قيامه بنسخه مدونة أبي غانم الخرساني بمساعدة أخته ، على الرغم من أن المدونة تقع في اثني عشر جزءا (2) .
وكان حكيما في الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فلا يتهور أو يتخبط بل يتبع الأسلوب اللين الحكيم ، ويعطي لكل إنسان العلاج المناسب له ، ويظهر هذا من خلال قصته مع شيخين من شيوخ العلم وهما داود بن ياجرين (3) ، وماطوس بن هارون ، جلسا معه يوما ، فتحدثوا حتى جرى بينهم ذكر أهل الصدق وأهل الكذب ، وذكروا أهل " شروس " ، فقال الشيخان : إن أهل شروس لا يكذبون ؛ فلما سمع الشيخ عمروس منهما ذلك - وكان في القضاء - أظهر إجازة شهادة كل شروسي ، فعاتباه على ذلك ، فقال : إنما حكمت بشهادتكما إذ زكيتما جميع أهل شروس ؛ فقالا : ما أردنا ذلك ، فوقف الشيخ عمروس عن الحكم بشهادة غير المعدلين (4) .
__________
(1) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص13 .
(2) - الدرجينني ، الطبقات ، 2/323 ـ الشماخي ، السير ، 1/194 .
(3) *- هو داود بن ياجرين من علماء جبل نفوسة بليبيا ، عاش في القرن الثالث الهجري ( أنظر : الدرجيني ، الطبقات ، 2/322 ـ الشماخي ، السير ، 1/193 ) .
(4) - الدرجيني ، الطبقات ، 2/322 ـ الشماخي ، السير ، 1/193 . (1/339)
صفحة 340
والشيخ عمروس كان يقصد من وراء هذا تنبيه الشيخين على الخطأ الذي وقعا فيه ، وهو تزكية جميع أهل شروس من الكذب ، وهذا مما لا يقبل عقلا ، فاتبع معهم هذا الأسلوب الحكيم الغير مباشر حتى لا يعرضهما للإحراج ، وتقديرا واحتراما لمكانتهما العلمية ، قال الدرجيني معلقا على هذه القصة : " وعمروس أجل من أن يتجاوز إلى هذا القدر أو ينسب إليه هذا التهاون ، ولعل الشيخين لما قالا في أهل شروس ما قالاه ، ظهر له أن في ذلك القول مجازفة ، إذ برءا من الكذب جميع أهل شروس جملة من غير تعديل ، وتأدب أن يواجههما بالمناقضة فسلك بهما طريقا يرجعان به إلى الصواب من غير تخطئة ولا توبيخ ، وهذه إحدى فضائله " إهـ (1) .
وكان الشيخ عمروس رحمه الله تعالى مجاهدا في سبيل الله ، لم يشغله العلم وطلبه أو القضاء وتعبه ، عن الجهاد في سبيل الله حتى سقط شهيدا في وقعة " مانو " ضد الأغالبة ، وهو يجاهد لإعلاء راية الحق والذود عن حياض الشريعة ، فأسروه وقتلوه صبرا بكل وحشية ودناءة (2) ، قال تعالى : { وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ } (3) .
__________
(1) - الدرجيني ، الطبقات ، 2/322 .
(2) - الدرجيني ، الطبقات ، 1/89 ، 2/324 ـ الشماخي ، السير ، 1/195 .
(3) - سورة آل عمران ، آية 169 . (1/340)
صفحة 341
قال الدرجيني واصفا الشيخ عمروس في عبارات بليغة حقيق أن تقال في مثل الشيخ عمروس : " عمروس بن فتح رضي الله عنه ، بحر العلوم الزاخر ، المبرز أول السباق وهو الآخر ، الضابط الحافظ المحتاط المحافظ ، لم تشغله المجاهدة في الله عن دراسة العلوم ، ولم يلهه التبحر في العلم عما تعين عليه من مصادفة تلك الهموم ، فكابد وكابر وصادر وصابر ، لازم الدرس والاجتهاد ، ثم رابط على الجهاد ، يتلقى السيوف بالصدر والمنحر ، يقيم هامته مقام المغفر ، حتى انتظم في سلك من تحسبهم أموات وهم أحياء عند ربهم يرزقون ، { لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ } (1) ، فلحق بالنعيم المقيم بعد أن خلف شيعه واتباعه منتهجين الصراط المستقيم ... " إهـ (2) .
هذه بعض صفات الشيخ عمروس - رحمه الله - وبعض أخلاقه ، سجلتها لنا كتب التاريخ ، وحفظتها لنا يد القدر ، وما خفي أعظم .
5- المبحث الرابع : حالته المادية :
يبدو أن الشيخ عمروس كانت حالته المادية ميسورة ، فكان دون الأغنياء الكبار ، وأفضل من الفقراء الضعاف (3) ، وهناك عدة أدلة يمكن أن نستشف منها ذلك ، وهذه الأدلة هي :
1- امتلاكه لأدوات الكتابة والتأليف ، حيث أنه استطاع نسخ مدونة أبي غانم ، وكذلك تأليفه لمجموعة من الكتب كالدينونة الصافية وغيرها (4) .
2- سفره إلى الحج الذي يتطلب الزاد ووسيلة النقل (5) .
3- قيامه بتنفيذ وصية أمه ، وأداء الحج عنها (6) .
__________
(1) - سورة الأنبياء ، آية 103 .
(2) - الدرجيني ، الطبقات ، 2/320 .
(3) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص20 .
(4) - الدرجيني ، الطبقات ، 2/323 ـ الجيطالي ، قواعد الإسلام ، 2/13 ، هامش المحقق - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص20.
(5) - الدرجيني ، الطبقات ، 2/324 - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص20 .
(6) - الدرجيني ، الطبقات ، 2/325- الشماخي ، السير ، 1/195 . (1/341)
صفحة 342
4- الخروج إلى البادية ابتغاء فضل من الله ونعمه مع أبي مهاصر (1) .
5- له عبد نصراني ، وبغلة يستقي عليها (2) .
6- امتلاكه لوسائل الجهاد ( فرس سابق ، وسيف قاطع ) (3) .
7- امتلاكه لأرض زراعية (4) .
8- توليه منصب القضاء في عهد الإمام أبي اليقظان والإمام أبي حاتم (5) ، فلا بد أن يكون له مصدر دخل من بيت المال .
9- قيامه ببناء مسجد في قريته قطرس ، واشتهر باسم مسجد الشيخ عمروس (6) .
10- لبسه للملابس الجيدة المصنوعة من الكتان ، وأكله للطعام الجيد المصنوع من القمح ، ويظهر ذلك من كلام خادمه ، حيث سأله الشيخ عمروس : " فما الذي بلغ فيكم ؟ " ، فقال له : " يا مولاي فما يبلغ فينا أن تأكلوا القمح ونأكل الشعير ، وتلبسوا الكتان ونلبس الصوف ... " (7) .
11- سفر الشيخ عمروس إلى تيهرت لطلب العلم ، ومكوثه هناك لمدة عشرين سنة ، هذا يدل على وجود إمكانيات مادية سمحت له بالسفر إلى تيهرت والبقاء فيها هذه المدة الطويلة (8) .
__________
(1) - الشماخي ، السير ، 1/171 - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص20.
(2) - البغطوري ، سير أهل نفوسة ( مخ ) ، ص 93 ـ 94- الشماخي ، السير ، 1/196 ـ عمروس ، الدينونة الصافية ، ص20
(3) - الشماخي ، السير ، 1/195 - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص20.
(4) - الشماخي ، السير ، 1/195 .
(5) - الباروني ، الأزهار ، ص252 ـ عمروس ، الدينونة الصافية ، ص16 - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/321 رقم الترجمة : 690 ، 2/490 رقم الترجمة : 1067 .
(6) 10)- عبد الله الباروني ، سلم العامة والمبتدئين ، ص54 ، هامش المحقق - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص14 .
(7) - البغطوري ، سير أهل نفوسة ( مخ ) ، ص94 .
(8) - البغطوري ، سير أهل نفوسة ( مخ ) ، ص92 ـ الشماخي ، السير ، 1/195 ـ الجيطالي ، قواعد الإسلام ، 2/13 ، هامش المحقق . (1/342)
صفحة 343
12- لا يستبعد أن يكون الشيخ عمروس له ممارسات تجارية مع بلاد السودان ، وخاصة أن العلاقات التجارية بين جبل نفوسة وبلاد السودان وغيرها من البلدان كمصر والأندلس كانت على أوجها في تلك الفترة التي عاش فيها الشيخ عمروس ، فكانت القوافل التجارية تخرج من وإلى جبل نفوسة إلى مختلف أصقاع الأرض الواسعة .
والذي يزيد من تأكيد هذا الأمر إرسال الشيخ عمروس لعالم كبير (1) إلى السودان ، لتعليم أهلها أمور دينهم ، وكما هو معلوم أن تجار الإباضية كانوا يجمعون بين نشر الإسلام وممارسة التجارة في تلك البلدان الأفريقية (2) .
13- طلبه من أولاده تنفيذ وصيته بعد موته ، يستشف منه أنه ترك مالا ، وأنه له وعليه حقوق للناس ترك لهم من المال ما يفي بقضاء تلك الحقوق (3) .
14- زواج الشيخ عمروس وإنجابه للأولاد ، وتكوينه لأسرة ، يستشف منه أنه كانت له مصادر مالية مكنته من الزواج والقيام على إعالة أسرته (4) .
6 - المبحث الخامس : أسرته ومن برز منها :
لم تذكر المصادر المتوفرة بين يدي الشيء الكثير عن عائلة الشيخ عمروس للأسف الشديد ، وإنما الذي سَجَلَتْهُ مجرد مقتطفات تنتزع انتزاعا من بين السطور ، وبالاعتماد على ما جادت به المصادر سنحاول التعرف على أسرة الشيخ عمروس وأهم من برز منها .
1- المطلب الأول : أبوه :
لم تذكر لنا المصادر عن أبيه شيئا يذكر سوى اسمه ، وهو فتح المساكني النفوسي ، فهل كان عالما ؟ أم هل كان صالحا مصلحا في المجتمع ؟ (5)
فإن كان عالما هل ترك آثارا معينة كمؤلفات أو ما شابه ذلك ؟ هذه أسئلة تحتاج إلى إجابة .
__________
(1) *- لم تذكر المصادر اسمه .
(2) - محمود إسماعيل ، الخوارج ، ص223 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص388 .
(3) - الدرجيني ، الطبقات ، 2/323 .
(4) - المصدر السابق ، 2/323 .
(5) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص11 . (1/343)
صفحة 344
وقد ذكرت سابقا في المبحث الثاني من هذا الفصل أنه يحتمل أن يكون أبو الشيخ عمروس توفي في الفترة من حمل أم الشيخ عمروس به إلى نهاية مدة الرضاع ، وقد يكون توفي بعد ولادة الشيخ عمروس وقبل أن ينهي عامه الأول ، وقد بينت الأسباب والقرائن التي دفعتني لهذا الاحتمال عند مناقشة نشأة الشيخ عمروس (1) .
هذا ولا يستبعد أن يكون أبو الشيخ عمروس عالما ، فإن لم يكن كذلك فصالحا من الصالحين ، وذلك لأن تلك الفترة كانت فترة ازدهار علمي يعيشها جبل نفوسة ، فكان يعج بالعلماء والصالحين ، فلا بد وأن يكون لهم تأثير على أبي الشيخ عمروس .
وعلى فرض أنه كان حيا في سنوات عمر الشيخ عمروس الأولى ، فلا بد وأن يكون له دور في دفع الشيخ عمروس إلى حلقات العلم والعلماء ، وزرع بذور الصلاح والعلم في قلب الشيخ عمروس في سني عمره الأولى .
2- المطلب الثاني : أمه :
علمنا أن أم الشيخ عمروس كانت خارجة لأداء مناسك الحج وفي الطريق وضعت الشيخ عمروس مما اضطرها أن تعود به إلى جبل نفوسة (2) .
والحقيقة أن المصادر لم تترك لنا أي شيء يذكر عن اسمها أو عن نسبها ، إلا انه لا يستبعد أن تكون من بيت علم وصلاح ، فالشجرة الطيبة لا تخرج إلا طيبا .
وكانت أم الشيخ عمروس امرأة صالحة ، والدليل على ذلك قصة الشيخ عمروس لما أراد أداء الحج عن أمه فلم يجد أحدا يعرف حال أمه إلا امرأة واحدة شهدت بصلاحها ، فأدى الحج عنها بناء على ذلك ، وذكرت سابقا في أن لي تحفظ على هذه القصة (3) (4) .
ويظهر صلاح أم الشيخ عمروس من تجشمها الصعاب في الخروج لأداء فريضة الحج مع كونها كانت حاملا بالشيخ عمروس ، فخرجت بالرغم من ذلك رغبة في الأجر والبركة بوضع الشيخ عمروس في تلك الديار الطاهرة ، ففاجأها المخاض في الطريق ، فعادت بالشيخ عمروس إلى جبل نفوسة .
__________
(1) *- أنظر ص195 .
(2) *- أنظر ص185 .
(3) **- أنظر ص197- 198 .
(4) - الدرجيني ، الطبقات ، 2/325 ـ الشماخي ، السير ، 1/195 . (1/344)
صفحة 345
ويظهر لنا فقهها ، من كتابتها لوصيتها والإشهاد عليها ، واستخلاف الشيخ عمروس وهو لا يزال في المهد لينفذ الوصية ، فلو لم تكن فقيهة تعلم بجواز استخلاف الطفل لما أشارت إليه ! (1) .
3- المطلب الثالث : أخته :
ذكرت لنا المصادر وجود أخت للشيخ عمروس ، إلا أن المصادر لم تذكر لنا أي شيء يذكر عن اسمها ، ولكن ذكرت أنها كانت عالمة فقيهة ، والظاهر أنها تلقت العلم على يد الشيخ عمروس ومشايخ الجبل الآخرين (2) .
ويظهر لنا علمها وفقهها من عدة مواقف ، وهي :
أ اشتراكها مع أخيها الشيخ عمروس في نسخ مدونة أبي غانم الخرساني ، فكان الشيخ عمروس يكتب وهي تملي (3) .
ب اشتراكها مع النسوة في وقعة " مانو " ، فلما خشيت على نفسها وعليهن التعرض للفتنة من الظلمة ، أمرت كل واحدة منهن أن تستخلف الأخرى في تزويجها بمن يريدها بسوء (4) ، واشتراكها في موقعة مانو يدلنا على أنها كانت محبة للجهاد في سبيل الله والذود عن حياض الشريعة متأسية بالصحابيات الجليلات .
جـ- سئل الشيخ سدرات بن إبراهيم المساكني النفوسي عن امرأة ولدت ولدا فبقي آخر في بطنها هل تأكل في رمضان نهارا ؟ قال : نعم ، فقال بعض الأشياخ : نعس الشيخ ، فقالت أخت عمروس : " إن نعس لم ينعس علمه وكلامه ، وجدناها تأكل إذا انشقت المبولة (5) ، فكيف بهذا ... " (6) .
__________
(1) - الدرجيني ، الطبقات ، 2/324 ـ الشماخي السير ، 1/195 .
(2) - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/321 رقم الترجمة : 689 .
(3) - الدرجيني ، الطبقات ، 2/323 ـ الشماخي ، السير ، 1/194 - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص11.
(4) - الشماخي ، السير ، 1/195 - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص12.
(5) *- أنظر تفسيرها في ص152.
(6) - البغطوري ، سير أهل نفوسة ( مخ ) ، ص93 - الشماخي ، السير ، 1/196- عمروس ، الدينونة الصافية ، ص12. (1/345)
صفحة 346
وقد وقعت في أسر الأغالبة في موقعة مانو مع مجموعة من النساء النفوسيات ، إلا أن المصادر تسكت عن مصيرها وبقية الأسيرات بعد الأسر ، فلا توضح هل تم قتلهن ؟ أم أخذن كسبايا يخدمن الأغالبة ؟ أو تم فداؤهن أو خلي سبيلهن ؟ أسئلة تحتاج إلى إجابة ، والمصادر صامته !
ولما وقعن في أسر الأغالبة اضطرت أخت الشيخ عمروس أن تفتيهن بأن تستخلف كل واحدة منهن على نفسها من يزوجها لمن أرادهن بسوء (1) ، والله المستعان على ذلك (2) .
4- المطلب الرابع : أخوه :
ذكرت بعض المصادر وجود أخ للشيخ عمروس ، والظاهر أنه لم يفقد حظه من العلم ، حيث أنه اختبر أخاه عمروسا بسؤال عندما أنهى فترة التعليم لائما ، فقال له : " لو رأيت أجرافا في فدادينك ؟ " ، فقال له الشيخ عمروس مجيبا : " لو رأيت أجرافا يتلموا دينك ... " (3) .
5- المطلب الخامس : زوجته وأولاده :
__________
(1) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص157 ـ الشماخي ، السير ، 1/195 ـ 196 ـ
(2) **- أي دين يدين به هؤلاء الأغالبة الذين لا يستحقون إلا أن يوصفوا بالمجرمين المفسدين في الأرض ، فكيف تسمح لهم ضمائرهم أن يعتدوا على مسلمات يؤمن بالله ربا وبمحمد - صلى الله عليه وسلم - نبيا ورسولا ، فالمسلم لا ترضى نفسه العزيزة أن يعتدي على امرأة حتى وإن كانت غير مسلمة ، فما بالنا إذا كانت مسلمة صالحة طاهرة عفيفة ، فالله المستعان وعند الله تجتمع الخصوم ، وقد عجل الله بعذاب إبراهيم بن الأغلب لجرائمه التي ارتكبها في المسلمين الأبرياء فأصيب بخلل في عقله فقتل عددا كبيرا من أفراد عائلته وبناته واثنين من أبنائه وجواريه وجنده وخدمه وغير ذلك من الجرائم ، فأباد الله ملكه وأهلكه ، ومات طريدا ( أنظر : أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص155 الهامش ـ الباروني ، الأزهار ، 2/286 ) .
(3) - البغطوري ، سير أهل نفوسة ( مخ ) ، ص92 - الشماخي ، السير ، 1/195 ـ الباروني ، الأزهار ، 2/254- عمروس ، الدينونة الصافية ، ص12 . (1/346)
صفحة 347
الحقيقة أن المصادر - التي بين يدي - لا تسعف بأي شيء يخص زوجته وأولاده، فلا تذكر اسم زوجته، ولا من أين تزوج، ولكن من هو في مثل مكانة الشيخ عمروس العلمية، سوف تتنافس البيوتات الشريفة في تزويجه، وكذلك سيختار الشيخ عمروس امرأة صالحة من بيت علم وصلاح لتكون شريكة حياته وأم أولاده.
وكذلك بالنسبة لأولاده، فلم تذكر عنهم شيئا، فلم تشر إلى عددهم، ولا أسماؤهم، ولا نعلم إن كان برز أحد منهم وورث علم أبيه، لكن لا يستبعد أن يكونوا تأثروا بأبيهم المجاهد العالم الزاهد، ولا بد وأن يكون الشيخ عمروس اهتم بتربيتهم على الصلاح والتقوى وطلب العلم النافع.
وقد تركت لنا المصادر لمحة بسيطة عن أولاد الشيخ عمروس حين تحدثت عن كتابته لوصيته قبيل خروجه إلى وقعت مانو التي استشهد فيها، فذكرت أنه كتب وصيته في كتاب ودفعها إلى أولاده وورثته، فقال لهم: " هذا كتاب وصيتي، فاعملوا بمضمونه، وأنا خصمكم بين يدي الله " (1).
ويستشف من هذه الحادثة أن الشيخ عمروس ما كان ليدفع وصيته إلى أولاده لينفذوها لو لم يثق بهم ويعهد فيهم الصلاح والتقوى، بل إنه ذكَّرَهم بالله تعالى، ولعل ذلك لعلمه بتقواهم وخوفهم من الله تعالى.
7 - المبحث السادس: هل هناك عمروس غيره؟
إن المصادر وكتب التاريخ الإباضي ذكرت وجود ثلاث شخصيات تسمت باسم عمروس، اثنتان من المغرب والثالثة من الأندلس، ولكي يُميز بينها وبين الشيخ عمروس أرى من الأفضل التعريف بتلك الشخصيات، حتى لا يقع الخلط بينها وبين الشيخ عمروس.
وهذه الشخصيات هي:
1 - أبو حفص عمروس بن عبد الله الزواغي:
__________
(1) - الدرجيني، الطبقات، 2/ 323 ـ الشماخي، السير، 1/ 195 - عمروس، الدينونة الصافية، ص20. (1/347)
صفحة 348
عالم من علماء الإباضية ، عده الشيخ الدرجيني من الطبقة التاسعة ( 400 - 450 هـ ) (1) ، قال عنه الشماخي : " كان شيخا مذكورا في أهل الخير والصلاح " إهـ (2) .
له حكم وفتاوى مبثوثة في كتب اللقط والمعلقات (3) ، والظاهر أنه من أهل " جربة " حيث أنه كانت له زيارات ولقاءات مع علمائها المشهورين أمثال : أبو محمد عبد الله بن مانوج اللمائي الهواري (4) ، وأبو محمد كاموس الزواغي (5) (6) .
__________
(1) - الدرجيني ، الطبقات ، 2/403 .
(2) - الشماخي ، السير ، 2/145 .
(3) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص36 .
(4) *- هو أبو محمد عبد الله بن مانوج اللمائي الهواري ، من الطبقة الرابعة ( 400- 450هـ ) ، أحد الفقهاء الذين أثروا التراث الفكري الإباضي ، مع ثلة من العلماء عُرفوا بأصحاب الغار ، إذ اجتمعوا على تأليف موسوعة فقهية ، في غار أمجماج بجزيرة جربة ، وقد دخل أبو محمد العلم متأخرا حيث كان أول حياته يرعى الغنم ، فمر عليه أحد المشايخ فقال : " إعلم أن غنما ترعاها اللحية هي خير الغنم ، وأن لحية ترعى الغنم هي شر اللحى " فأثر ذلك في نفسه ، فتفرغ للعلم وطلبه ، أخذ العلم عن أبي مسور يسجا بن يوجين وغيره ، ترك فتاوى متناثرة في كتب الفقه والسير الإباضية ( أنظر : الدرجيني ، الطبقات ، 2/400 ـ الشماخي ، السير ، 2/70 ، بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/271 رقم الترجمة : 593 ) .
(5) **- هو أبو محمد كاموس الزواغي ، من علماء جربة بتونس ، أخذ العلم عن الشيخ أبي مسور يسجا بن يوجين بجربة ، استشهد ضمن مجموعة من المشايخ أثناء هجوم المعز بن باديس الصنهاجي على جربة سنة 431هـ ( أنظر : الشماخي ، السير ، 2/125 ، بحاز وآخرون ، معجم اعلام الإباضية ، 2/349 رقم الترجمة : 757 ) .
(6) - الدرجيني ، الطبقات ، 2/403 - الشماخي ، السير ، 2/145. (1/348)
صفحة 349
وكما نلاحظ أن عمروس بن عبد الله وأبا محمد كاموس لهما نفس القبيلة ، وهي الزواغي ، وأبو محمد كاموس من أهل جربة ، مما يؤكد كون عمروس بن عبد الله من أهل جربة .
2- أبو حفص عمروس اليفرني :
عالم من علماء الإباضية ، من أهل يفرن (1) بجبل نفوسة ، ويبدوا أنه من علماء الخمسين الثانية من القرن السابع الهجري ، وأوائل القرن الثامن الهجري (2) .
له فتاوى منها أن أهل أمرساون (3) ذبحوا بقرة ولم تتحرك ، فسألوا الشيخ عمروس اليفرني ، فقال : اجعلوا قطعة من لحمها في الماء ، فإن نزل فكلوها ، وإن طفا ولم ينزل فلا تأكلوها (4) .
3- عمروس الأندلسي :
__________
(1) *- يفرن : قرية من قرى جبل نفوسة بليبيا في الجهة الشرقية منه ( أنظر : النامي ، دراسات عن الإباضية ، ص210 ـ دبوز ، تاريخ المغرب الكبير ، 3/77 ) .
(2) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص36 .
(3) **- أمرساون : لم أجد ترجمة لها ، ولكن الظاهر أنها قرية من قرى جبل نفوسة ، حيث أن أهلها سألوا الشيخ عمروس اليفرني ، ولن يسألوه إلا إذا كان قريبا منهم ، والشيخ عمروس من قرية يفرن بجبل نفوسة ، إذا فأمرساون من قرى جبل نفوسة والله أعلم .
(4) - الشماخي ، السير ، 2/192 . (1/349)
صفحة 350
كان واليا على طليطلة (1) أيام الحكم بن هشام الأول (2) على قرطبة (180 - 206هـ)، وعمروس هذا من أصل إسباني، وهو مدبر فتنة طليطلة - يوم الحفرة - إذ أقام مذبحة ضد الثورة التي ثارت على حكم البيت الأموي في الأندلس، فخمدت الأوضاع مؤقتا لكن سرعان ما تحولت إلى عصيان مدني عصف بالاستقلال الداخلي أكثر من ربع قرن (3).
هذه أسماء ثلاث شخصيات تسمت بهذا الاسم، ولا أدري إن كان يوجد غيرها ممن عاش في ذلك العصر، فهذا الذي وجدته على حسب المصادر التي استطعت الحصول عليها.
الفصل الثالث
السيرة العلمية والعملية للشيخ عمروس
ويحتوي على:
الشيخ عمروس والعلم (شيوخه وتلاميذه)
مكانته العلمية وجهوده الدعوية
آثار الشيخ عمروس (مؤلفاته وفتاويه ومناظراته)
اشتغاله بالقضاء، ونماذج من أحكامه
موقعة " مانو " واستشهاده
1 - تمهيد:
__________
(1) ***- طُلَيْطُلَةُ: مدينة كبيرة بالأندلس، تقع غربي ثغر الروم، وبين الجَوْف والشرق من قرطبة، وكانت قاعدة ملوك القرطبيين وموضع قرارهم (أنظر: الحموي، معجم البلدان، 6/ 265).
(2) ****- هو الحكم بن هشام بن عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان، صاحب الأندلس، ولقبه المنتصر، ويكنى بأبي العاص، حكم بعد وفاة أبيه هشام في سنة 180هـ، وكان صارما حازما، وهو أول من استكثر من المماليك بالأندلس، وربط الخيل ببابه، وتشبه بالجبابرة، وكان شاعرا، وكان يقرب الفقهاء والصالحين، ويرد المظالم وينصف المظلوم، استمر في الحكم لمدة 27 سنة، ومات في سنة 206هـ، وعمره عند وفاته 52 سنة، فحكم بعده ابنه عبد الرحمن (أنظر: ابن الأثير، الكامل في التاريخ، 5/ 308، 466 - ابن خلدون، تاريخ ابن خلدون، 4/ 151 - 153).
(3) - عمروس، الدينونة الصافية، ص36 ـ حسين مؤنس، معالم تاريخ المغرب والأندلس، مؤسسة المعارف للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، ط1 1397هـ / 1977م، ص278. (1/350)
صفحة 351
هذا الفصل يتناول جوانب حياة الشيخ عمروس العلمية والعملية، وسأحاول فيه أن أتعرض لذكر المراحل التي مر بها الشيخ عمروس في طلبه للعلم، وعلى يد من تتلمذ، كذلك سأناقش الدور الذي لعبه الشيخ عمروس في التعليم، وأسماء تلاميذه الذين أخذوا عنه العلم، إن وجدوا.
وسأتعرض لجهود الشيخ عمروس الدعوية، ودوره في قمع أصحاب العقائد المنحرفة بمناظراته لهم، وتأليفه في الرد عليهم؛ أيضا سأذكر مؤلفات الشيخ عمروس والآثار التي تركها، من فتاوى وأجوبة، وكذلك سأعرج على ذكر اشتغال الشيخ عمروس بالقضاء، وأهم أحكامه وأقضياته.
وسيتناول هذا البحث كذلك مناقشة موقعة " مانو "، التي وقعت في سنة 283هـ بين الأغالبة، والإباضية من أهل نفوسة، وأسبابها، ودور الشيخ عمروس فيها، مع ذكر استشهاده رحمه الله.
2 - المبحث الأول: الشيخ عمروس والعلم (شيوخه وتلاميذه):
المطلب الأول: شيوخه وطلبه للعلم:
الحقيقة إن المصادر لا تسعف كثيرا فيما يتعلق بحياة الشيخ عمروس الخاصة، ومن ذلك طلبه للعلم، والمراحل التي مر بها في مشواره التعليمي، وأيضا شيوخه الذين تتلمذ عليهم، وأهم العلوم التي تلقاها عنهم، ولكن بالرغم من ذلك فإن هناك بعض الإشارات إلى طلب الشيخ عمروس للعلم، وبعض العلماء الذين أخذ عنهم، وكذلك بعض العلوم التي درسها، من خلال تلك النصوص سأحاول وضع تصور عن حياة الشيخ عمروس العلمية وطلبه للعلم، وأهم العلوم التي درسها.
مر علينا عند الحديث عن الوضع العلمي في عصر الشيخ عمروس، الحديث عن ثلاث مؤسسات بارزة ساهمت بشكل كبير في النهضة العلمية التي عايشها الشيخ عمروس، وتلك المؤسسات هي: الكتاتيب، والمساجد، والمكتبات. (1/351)
صفحة 352
كان المنهج التعليمي - المتبع في المغرب - في تلك الفترة ، هو أن يبدأ الطفل أولى مراحله التعليمية بالدراسة في الكتاتيب الموجودة في قريته ، فيتعلم فيها الآداب والأخلاق الإسلامية الحميدة ، ويتلقى مبادئ العلوم الأولى ، وأهم أحكام العبادات ، خاصة المتعلقة بالطهارات ، والصلاة ، والصوم ، وكذلك يأخذ جرعات مبسطة من النحو ، مع التعرض قليلا إلى سيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وصحابته الكرام ، وسير الأئمة والصالحين ، حتى ينشأ ذلكم الطفل محبا للرسول - صلى الله عليه وسلم - ، ولصحابته الكرام ، ولأئمة الدين ، فيتأسى بهم بعد ذلك في حياته المستقبلية .
وأهم ما يركز عليه في هذه المرحلة التعليمية الأولى هو حفظ القرآن الكريم كاملا ، فلا يصل الطفل إلى سن البلوغ إلا وقد أنهى حفظ كتاب الله العزيز ، وبعضهم ينهيه حتى قبل الوصول إلى العاشرة ، ثم بعد ذلك يلتحق بمراحل التعليم العليا ، والتي تتم في المساجد أو منازل العلماء ، ويشرف عليها علماء متمكنون متضلعون في علوم الشريعة ، فينقطع ذلكم الطالب إليهم لسنوات عديدة حتى يصل إلى درجة عالية من العلم تؤهله للتصدي للتدريس والفتيى ، عند ذلك يسمح له شيخه أن يغادر مدرسته ، ليؤسس هو الآخر مدرسة للعلم تخرج العلماء ، أو يواصل التدريس في مدرسة شيخه ، فيكون خلفا له ، وقد يتطلب الأمر السفر إلى أماكن العلماء وأخذ العلم عنهم ، هكذا كان الوضع في المغرب العربي ، والعالم الإسلامي بصفة عامة ، في تلك القرون الأولى ، وقد مرت الأمثلة على ذلك عند الحديث عن الوضع العلمي والثقافي في عصر الشيخ عمروس . (1/352)
صفحة 353
إذا فمن هذه المقدمة نخلص إلى أن الشيخ عمروس قد يكون مر بنفس هذه المراحل ، التي يمر بها أغلب الأطفال عند تلقيهم للعلم ، فلعل الشيخ عمروس بدأ بتلقي العلم في قريته " قطرس " التي نشأ وترعرع فيها ، فلعله التحق بشيء من الكتاتيب الموجودة في قريته ، والتي يكون عليها - غالبا - في هذه المرحلة الأولى من التعليم ، مدرسون ليسوا بتلك القوة من العلم ، وإنما دورهم يتمثل في تحفيظ الأطفال القرآن الكريم ، وتعليمهم الآداب ، وبعض قواعد النحو والأحكام الفقهية المبدئية فقط ؛ وقد أشار الشيخ علي يحيى معمر- ولو من بعيد - إلى ذلك حين قال : " نشأ في قطرس - يقصد الشيخ عمروس - ... وفيها درس ، وبلغ هذه المرتبة السامقة من العلم " إهـ (1) .
فقول الشيخ علي يحيى معمر : " ... ودرس فيها ... " ، يستنبط منه أن الشيخ عمروس تلقى تعليمه - سواء المراحل الأولى أو المراحل العليا - في قريته قطرس ، مع الأخذ بعين الاعتبار أن هذا مجرد استنتاج من الشيخ علي يحيى معمر ، وذلك لأن هذا هو المنهج المتبع في التعليم في تلك القرون الأولى كما أسلفت ، فالشيخ علي يحيى معمر لم يحل إلى مصدر أخذ منه كون الشيخ عمروس درس في قرية قطرس ، وإنما هو استنتاج توصل إليه من الوضع السائد في عصر الشيخ عمروس .
وقد أشار الشيخ علي يحيى معمر كذلك إلى أن الشيخ عمروس انقطع للدراسة منذ صغره (2) ، ويمكن استشفاف ذلك مما ذكره الدرجيني من أن الشيخ عمروس " لازم الدرس والاجتهاد " (3) .
__________
(1) - علي يحيى معمر ، الإباضية في موكب التاريخ ، المجلد الأول ، ح2 ، ق1 ، ص137 .
(2) - المصدر السابق ، المجلد الأول ، ح2 ، ق1 ، ص141 .
(3) - الدرجيني ، الطبقات ، 2/320- الشماخي ، السير ، 1/192 . (1/353)
صفحة 354
إذا فالظاهر أن الشيخ عمروس تلقى أولى مراحل تعليمه في قريته " قطرس " ، وحفظ القرآن بها ، وهذه النتيجة نفسها توصل إليها الباحث أحمد كروم - محقق الدينونة - (1) ، وذلك أن الغالب على علماء تلك القرون أن يكونوا من حفظة كتاب الله ، فلا يصلون إلى سن البلوغ إلا وهم قد أتموا حفظ كتاب الله ، بل وحفظ الكثير من السنة النبوية ، ومن أمهات المتون ، فكيف بالشيخ عمروس الذي وصف بأنه " عالم غاية زمانه " (2) ، فأنى له أن يصل إلى هذه المرتبة السامقة من العلم ، وهو لا يحفظ كتاب الله ، أو سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ، أو أهم أمهات المتون ؟! ، وهو الذي وصفه الدرجيني بقوله : " بحر العلوم الزاخر ، المبرز أول السبق وهو الآخر ، الضابط المحتاط المحافظ ... " (3) .
وللأسف الشديد فإن المصادر تبخل في ذكر أسماء شيوخه ، الذين تلقى عنهم العلم في هذه المرحلة الأولى من تعليمه ، فلم أجد حسب المصادر التي توفرت بين يدي إشارة إلى ذلك ، وهذه المشكلة نفسها عانى منها الباحث أحمد كروم ، فقال : " هذا ما كتبته المصادر عن تعلمه بصفة إجمالية دون التعرض لأي تفصيل يشير إلى مشائخه ورفقائه في الدراسة أو العلوم التي درسها أكثر من الأخرى ... " إهـ (4) .
__________
(1) - عمروس ، الدينونة ، ص13 مقدمة المحقق .
(2) - الشماخي ، السير ، 1/192 .
(3) - الدرجيني ، الطبقات ، 2/320- الشماخي ، السير ، 1/192 .
(4) - عمروس ، الدينونة ، ص14مقدمة المحقق . (1/354)
صفحة 355
وأما مراحل تعليمه التي تلت المرحلة الأولى أو الابتدائية ، فقد ذكرت بعض المصادر أن الشيخ عمروس هاجر إلى المغرب لطلب العلم ، وانقطع لمدة عشرين سنة في المغرب طلبا للعلم (1) ؛ ولكن أين تقع " المغرب " هذه التي قصدها الشيخ عمروس ، وانقطع فيها هذه المدة الطويلة طلبا للعلم ؟
الحقيقة أن المصادر القديمة لم تشر إلى توضيح مكان " المغرب " الذي قصده الشيخ عمروس ، وهذا ما أشار إليه الباحث أحمد كروم كذلك ، فيقول : " هذه الكلمة : " المغرب " لم تتعرض لها المصادر المعتمدة بشيء من التوضيح ، فأصبحت محتملة ... " إهـ (2) .
فأقدم مصدرين وقعا بين يدي أشارا إلى المغرب هما : سيرة أهل نفوسة للبغطوري ، وكتاب السير للشماخي (3) ، وكلاهما لم يفسرا المقصود بالمغرب ؟ ولعل الشماخي اعتمد على ما ذكره البغطوري ، وقد أشار إشارة إلى " السير " حين قال : " ... وفي السير مكث بالمغرب يتعلم عشرين سنة ... " (4) ، فلعل المقصود بالسير هي " سير أشياخ جبل نفوسة " للبغطوري والله أعلم .
وقد ذكر الباحث أحمد كروم أن المقصود بالمغرب هو " تيهرت " العاصمة الرستمية ، معللا استنتاجه هذا بأن الاستعمال السائد آنذاك عند الإباضية لهذه الكلمة هو " تيهرت " عاصمة الدولة الرستمية ، إذ كانت كعبة الطلاب والعلماء والمتكلمين حينا من الدهر ، حتى غدت تعرف " ببغداد المغرب " ، كما أنها جاءت في غرب جبل نفوسة (5) .
__________
(1) - البغطوري ، سير أهل نفوسة ( مخ ) ، ص92 - الشماخي ، السير ، 1/195- الباروني ، الأزهار ، 2/254- الجعبيري ، البعد الحضاري ، ص109 الهامش - عمروس ، الدينونة ، ص13 مقدمة المحقق .
(2) - عمروس ، الدينونة ، ص13 الهامش ، مقدمة المحقق .
(3) - البغطوري ، سيرة أهل نفوسة ( مخ ) ، ص92 - الشماخي ، السير ، 1/195.
(4) - الشماخي ، السير ، 1/195.
(5) - عمروس ، الدينونة ، ص13 الهامش ، مقدمة المحقق . (1/355)
صفحة 356
ولكن في المقابل فإن الشيخ فرحات الجعبيري ذهب إلى أن المقصود بالمغرب هو " بلاد الجريد " حاليا (1) ، والأمر يظل قابلا للاحتمال كما ذكر الباحث أحمد كروم ، والغريب أن الشيخ الباروني عندما ذكر توجه الشيخ عمروس إلى المغرب لطلب العلم ، لم يفسر المقصود بالمغرب ؟! (2)
ولا يستبعد أن يكون المقصود بالمغرب هو " تيهرت " ، حيث أن تيهرت - كما ذكر الباحث أحمد كروم - كانت مقصد طلاب العلم ومريديه ، وذلك لوجود الأئمة وكبار العلماء فيها ، وقد ذكرت في مبحث الوضع الثقافي في عصر الشيخ عمروس جانبا من الحركة العلمية الضخمة في " تيهرت " في عصر الشيخ عمروس ، وليس الشيخ عمروس هو من يفوت فرصة النهل من معين أئمة الدولة الرستمية ، وعلماء تيهرت الكبار ، وهو اللبيب الذكي ، الذي عرف عنه شغفه بالعلم وطلبه .
وعلى فرض أنه - بعد أن أنهى دراسته الأولى في قريته " قطرس " بجبل نفوسة ، ووصل إلى سن تؤهله لتحمل مشاق السفر والغربة عن الوطن والأهل والأصحاب - توجه إلى " تيهرت " ، فمن المحتمل أن يكون سنه عند السفر إلى " تيهرت " خمسة عشر سنة أو ما يقرب من ذلك ، حيث أن هذه السن مناسبة لتحمل مشاق السفر والغربة .
وقد ذكرت في مبحث " مولد الشيخ عمروس ونشأته " أنه قد يكون ولد في حدود سنة 190هـ ، فإذا كان سافر في سن الخامسة عشر ، فإن سنة سفره ستكون في حدود سنة 205هـ ، وبما أن السنة الصحيحة لوفاة الإمام عبد الوهاب هي 208هـ كما مر ، فالظاهر أن الشيخ عمروس تتلمذ على يد الإمام عبد الوهاب في تيهرت لمدة ثلاث سنوات من سنة 205هـ حتى سنة 208هـ ، وهي السنة التي توفي فيها الإمام عبد الوهاب ، ومن المستبعد أن يفرط الشيخ عمروس في أخذ العلم عن الإمام عبد الوهاب ، وهو موجود بقربه في " تيهرت ، فالشيخ عمروس أذكى وأحرص على ذلك والله أعلم .
__________
(1) - الجعبيري ، البعد الحضاري ، ص109 الهامش .
(2) - الباروني ، الأزهار ، 2/254. (1/356)
صفحة 357
وبما أنه قضى عشرين سنة في " تيهرت " ، من سنة 205هـ إلى سنة 225هـ ، معتكفا على طلب العلم ، فإنه سيكون قد قضى سبعة عشر سنة في تيهرت منذ أن حكم الإمام أفلح ( حكم : 208- 258هـ ) ، إلى أن عاد إلى جبل نفوسة في سنة 225هـ ، ولا يستبعد كذلك أن يكون قد تتلمذ على يديه وأخذ عنه العلم ، بل إنه قد يكون بدأ الدراسة على الإمام أفلح ، في فترة حكم الإمام عبد الوهاب ، فالإمام أفلح كان يدرس أربع حلق من العلم ، قبل وصوله سن البلوغ كما مر .
وقد يكون الإمام أبو اليقظان محمد بن أفلح والإمام أبو بكر بن أفلح من أقرانه في طلب العلم ، في حلق جدهم الإمام عبد الوهاب ، وأبيهم الإمام أفلح ، فهذا أمر غير مستبعد ، فهما قد تلقيا العلم على يد الإمام عبد الوهاب والإمام أفلح (1) .
__________
(1) - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/87 رقم الترجمة : 182 ، 2/359 رقم الترجمة : 784 . (1/357)
صفحة 358
وقد يكون كذلك أخذ الشيخ عمروس العلم عن علماء ومشايخ " تيهرت " في أثناء وجوده هناك ، فمن العلماء الذين يحتمل أخذه العلم عنهم : مزور بن عمران الهواري وزير الإمام عبد الوهاب (1) ، ومحكم الهواري قاضي الإمام أفلح (2) ، وأبو الربيع سليمان الهواري الذي يعد من كبار علماء " تيهرت " (3) ، وأبو عبيدة الأعرج التيهرتي الذي كان عالما بالفقه والكلام والوثائق والنحو واللغة ... (4) ، وعبد العزيز بن الأوز الذي كان له فقه بارع ورحلة إلى المشرق في طلب العلم (5) ، وعثمان بن أحمد بن يحياج الذي يعد من مشايخ تيهرت ومقدميها وفقهائها (6) ، وغيرهم من العلماء والفقهاء .
__________
(1) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص125- الشماخي ، السير ، 1/145- الباروني ، الأزهار ، 1/145- علي يحيى معمر ، الإباضية في موكب التاريخ ، ح2 ، ق2 ، ص46 - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/413رقم الترجمة : 878 .
(2) - ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص45- 52- الشماخي ، السير ، 1/167- 168- هود بن محكم ، تفسير كتاب الله العزيز ، ص5- 44 مقدمة المحقق- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/355 رقم الترجمة : 722 .
(3) - الدرجيني ، الطبقات ، 2/327 ، 349 ، 350 ، 351 ، 358 - الشماخي ، السير ، 1/235 - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/211 رقم الترجمة : 462 .
(4) - ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص95- 97 - الشماخي ، السير ، 1/190- 191- الباروني ، الأزهار ، 2/243- 245 - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/285- 286 رقم الترجمة : 612 .
(5) - ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص99 - ليفيتسكي ، المؤرخون الإباضيون ، ص36- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/256 رقم الترجمة : 556 .
(6) - ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص122 - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/287 رقم الترجمة : 618 . (1/358)
صفحة 359
أما أهم العلوم التي من الممكن أن يكون درسها في أثناء وجوده في " تيهرت " ، علم التفسير ، فقد يكون تلقاه على يد الإمام عبد الوهاب والإمام أفلح ، والعلامة محكم الهواري ؛ والحديث ، لعله أخذه عن الإمام أفلح - الذي كان مهتما بعلم الحديث - ، وأبي عبيدة الأعرج الذي أخذ عنه ابن الصغير كتاب " إصلاح الغلط في غريب الحديث " لابن قتيبة (1) ؛ واللغة والفقه والعقيدة وعلم الكلام عن الإمام عبد الوهاب ، والإمام أفلح ، وقد يكون أخذها كذلك عن العلماء الذين ذكرتهم قبل قليل ، أو عن غيرهم والله أعلم (2) .
__________
(1) - ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص96 .
(2) *- دراسة الشيخ عمروس على الإمام عبد الوهاب، والإمام أفلح ، والعلماء الذين ذكرت ، يظل مجرد احتمال قابل للصواب والخطأ ، فالمصادر لا تساعد في ذلك كما ذكرت ، فأرجو التنبه لهذا . (1/359)
صفحة 360
وأما إذا كان درس العشرين سنة في " وارجلان " فإنه من المحتمل أن يكون أخذ العلم فيها عن بعض علماء وارجلان ، ولقد تتبعت تراجم علماء وارجلان جميعا في معجم أعلام الإباضية ، فوجدت أقرب الشخصيات إلى عصر الشيخ عمروس شخصيتان ، اشتهرت بالعلم في وارجلان في القرن الثالث الهجري ، وهو القرن الذي عاش فيه الشيخ عمروس رحمه الله ، وهاتان الشخصيتان هما : أبو سهل الفارسي النفوسي (1) ، وأبو يوسف يعقوب بن سليوس الطرفي السدراتي .
فأبو سهل وإن كان أصله ليس من وارجلان ، إلا أنه تولى القضاء بوارجلان (2) ، فلعله كان يدرس طلاب العلم في أثناء وجوده بوارجلان ، فقصده الشيخ عمروس لأخذ العلم عنه .
__________
(1) **- هو أبو سهل الفارسي النفوسي ، عاش في القرن الثالث الهجري ، غلبت عليه هذه التسمية وليس بفارسي ، وإنما هو نفوسي ، ولعل أمه رستمية ، من بيت الإمامة فغلبت نسبتها عليه ، وقيل : بل هو رستمي أبا وأما ، وإن أباه ولد لميمون بن عبد الوهاب بن عبد الرحمن ؛ كان شاعرا بليغا وأديبا فصيحا ، يتقن اللسان العربي والبربري ، اتخذه الإمام أفلح ترجمانا ، ثم الإمام أبو حاتم ، قيل إنه تولى القضاء بوارجلان فكان زاهدا متعففا عادلا ، له تآليف كثيرة باللسان البربري ، ذهبت كلها ضحيت الفتن والنزاعات ( أنظر : الدرجيني ، الطبقات ، 2/351- 352 ـ الشماخي ، السير ، 1/244- 245 ـ بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/219 رقم الترجمة : 480 ) .
(2) - الدرجيني ، الطبقات ، 2/351- 352 ـ الشماخي ، السير ، 1/244- 245 ـ بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/219 رقم الترجمة : 480 . (1/360)
صفحة 361
وأما الشيخ أبو يوسف يعقوب السدراتي فهو من أهالي وارجلان ، ومن كبار علمائها ، وذكرت المصادر أنه أقام معلما بوارجلان (1) ، فلعل الشيخ عمروس كان ممن درس على يديه بوارجلان والله أعلم .
إذا وبعد عشرين سنة - من الغربة والترحال طلبا للعلم - أنهى الشيخ عمروس دراسته في " تيهرت " أو " وارجلان " ، فعاد إلى جبل نفوسة عالما متضلعا في مختلف فنون العلم ، ليصبح أعلم أهل زمانه .
ولم يكتف بما تلقاه من العلم في المغرب ، بل استمر في طلب العلم في جبل نفوسة ، ولا يستبعد أن يكون من أوائل طلاب العلم الذين التحقوا بحلق العلم التي كان يقيمها الإمام عبد الوهاب في جبل نفوسة حين زاره (2) .
وروي عنه كذلك أنه كان يتردد برفقة مهدي الويغوي ، على موضع يسمى " تنين أزدرشل " يجتمع فيه جماعة لطلب العلم ، والمفتي فيهم أبو نصر (3) ... إلى آخر قصة مناظرتهما لنفاث (4) .
__________
(1) - الدرجيني ، الطبقات ، 2/331- 332 ـ الشماخي ، السير ، 1/102- 104 ـ بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/474 رقم الترجمة : 1033
(2) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص116- الدرجيني ، الطبقات ، 1/66 ـ الشماخي ، السير ، 1/140 ـ بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/283 رقم الترجمة : 609 .
(3) *- نبهت سابقا أن الدرجيني ذكر أن المفتي هو أبو مهاصر ، والصحيح كما يظهر ما ذكره الشماخي من أن المفتي هو أبو نصر والله أعلم .
(4) - الدرجيني ، الطبقات ، 2/314- الشماخي ، السير ، 1/149 ، 2/19- 20 . (1/361)
صفحة 362
فلعل الشيخ عمروس كان يتردد على أبي نصر يأخذ عنه فنا معينا من فنون العلم ، قد برع فيه ، ولم يكن الشيخ أبو نصر بتلك القوة في المناظرة وعلم الكلام ليقمع فتنة نفاث وأباطيله ، فتكفل به الشيخ عمروس - الذي تتلمذ على يد أئمة علم الكلام الإمام عبد الوهاب والإمام أفلح - ، وأعانه في ذلك مهدي الويغوي ، أو لعل المجلس كان مجلس إفتاء يجتمع فيه العلماء وطلاب العلم ، يتناقشون في المسائل وفنون العلم ، فكان الشيخ عمروس يقصده مفيدا ومستفيدا ، ففي كلا الحالتين هو طلب للعلم بحد ذاته ، إذا فلعل أبا نصر أحد مشائخ الشيخ عمروس الذين أخذ عنهم العلم بجبل نفوسة والله أعلم .
ويروى أن الشيخ عمروس خرج ذات سنة إلى البادية في فصل الربيع ، برفقة أبي مهاصر ، فلبثا أياما في البادية ... ألخ (1) ، فلعلهما كانا يخرجان إلى البادية ترفيها عن نفسيهما من عناء الحياة وهمومها ، وتقوية لنفسيهما على مواصلة طريق طلب العلم ، وكذلك مناقشة لبعض مسائل العلم التي تعلماها ، خاصة أنهما تناقشا حول قضية التيمم للصلاة ، فكانت حجة الشيخ عمروس أقوى .
ومن مشائخ الشيخ عمروس الذين ثبت عنه تلقيه العلم عنهم ، والتقائه بهم عالمان جليلان من علماء أهل الحق والاستقامة ، وهما العلامة أبو غانم بشر بن غانم الخرساني ، صاحب المدونة المشهورة ، والعلامة أبو عبد الله محمد بن محبوب بن الرحيل القرشي .
__________
(1) - الدرجيني ، الطبقات ، 2/306- الشماخي ، السير ، 1/171 . (1/362)
صفحة 363
فالعلامة أبو غانم الخرساني خرج من المشرق متوجها إلى المغرب لزيارة الإمام عبد الوهاب في " تيهرت " ، وكان يحمل معه مدونته المشهورة ، التي رواها عن تلاميذ الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة ، فمر في طريقه على " جبل نفوسة " ، والتقى هناك بالشيخ عمروس - وكان الشيخ عمروس صغير السن في ذلك الوقت - فترك عنده نسخة من المدونة ، وأخذ الأخرى إلى " تيهرت " لإهدائها للإمام عبد الوهاب ، استغل الشيخ عمروس فرصة وجود المدونة عنده التي لا تعوض بثمن ، فقام بنسخها بمساعدة أخته ، فكانت تملي عليه ، فكان إذا جلس للنسخ في موضع لازمه حتى تدركه الشمس ، فينتقل إلى الظل ، والأصل في يد أخته ، وعينه في الكتاب لا يتحول ، وذلك حرصا منه على إحياء العلم ، وحبا وشغفا في العلم وطلبه ، في تلك الأثناء التقى أبو غانم بالإمام عبد الوهاب ، وأهداه نسخة من المدونة ، فأضافها الإمام عبد الوهاب إلى مكتبة " المعصومة " ، ذات الثروة العلمية الضخمة ، وتلقى عنه - أي عن أبي غانم - الإمام أفلح علم الحديث كما مر .
فلما قفل الشيخ أبو غانم راجعا من تيهرت إلى جبل نفوسة ، أخذ نسخة المدونة التي تركها عند الشيخ عمروس ، فرأى في أحد أجزاء المدونة نقطة حبر ، فقال للشيخ عمروس - مداعبا - سرقتها ؟ فرد الشيخ عمروس : نعم ، سماني سارق العلم (1) !
__________
(1) - الدرجيني ، الطبقات ، 2/323- الشماخي ، السير ، 1/194- 195- الباروني ، الأزهار ، 2/253- علي يحيى معمر ، الإباضية في موكب التاريخ ، المجلد الأول ، ح2 ، ق1 ، ص138- 139 . (1/363)
صفحة 364
وبفضل قيام الشيخ عمروس وأخته - بتوفيق من الله - بنسخ مدونة أبي غانم، حفظت هذه المدونة الثمينة التي تقع في اثني عشر جزءا من الضياع، إذ أن النسخة التي أهداها أبو غانم للإمام أفلح احترقت مع ما احترق من كتب الإباضية، حين أحرق أبو عبدالله الشيعي مكتبة المعصومة لما عاث فسادا في تيهرت والله المستعان (1).
والشيخ عمروس يعد من تلاميذ العلامة أبي غانم الخرساني (2)، فمن المستبعد على من هو في مثل ذكاء الشيخ عمروس وحبه وشغفه بالعلم، ألا يستغل وجود إمام من أئمة العلم عند الإباضية في جبل نفوسة، فلا ينهل من علمه، ولا يسأله حول ما أشكل عليه من المسائل خاصة فيما يتعلق بعلم الحديث، كذلك من المستبعد ألا يأخذ عنه الروايات التي أخذها عن طلاب الإمام أبي عبيدة.
وكذلك فإن الشيخ عمروس يعد من طلاب الشيخ أبي عبد الله محمد بن محبوب، حيث أنه التقى به في موسم الحج وناقشه في الكثير من مسائل العلم وخاصة مسائل الدماء كما مر علينا سابقا (3).
إذا فمما سبق يتبن أن مشايخ الشيخ عمروس الذين أخذ عنهم العلم بشكل مؤكد هم عالمان: العلامة أبو غانم بشر بن غانم الخرساني، والعلامة أبو عبد الله محمد بن محبوب بن الرحيل القرشي؛ ولا يستبعد أن يكون تتلمذ على يد الإمام عبد الوهاب وابنه الإمام أفلح، وعلماء العاصمة الرستمية تيهرت إن كان قصد تيهرت، وإن كان قصد وارجلان فلا يستبعد أن يكون أخذ عن علمائها، وذكرت اثنين منهم يحتمل أن يكون أخذ عنهما وهما: أبو سهل الفارسي النفوسي، وأبو يوسف يعقوب بن سليوس الطرفي السدراتي كما مر؛ و الظاهر كذلك أنه أخذ العلم على يد علماء عصره بجبل نفوسة من أمثال الشيخ أبي نصر التمصمصي والله أعلم.
المطلب الثاني: تدريسه وتلاميذه:
__________
(1) - أنظر المصادر السابقة، بنفس الأجزاء والصفحات.
(2) - ألبوسعيدي، رواية الحديث عند الإباضية، ص97.
(3) *- أنظر ص167 - 169. (1/364)
صفحة 365
قبل الخوض في الحديث عن طلاب الشيخ عمروس ، ينبغي التوقف قليلا لمناقشة كون الشيخ عمروس اشتغل بالتدريس أم لا ؟
لعل الباحث أحمد كروم سبقني في هذا المضمار ، وتعرض لنقاش هذه الإشكالية الغامضة ، وأتيت أنا هنا لأقتات على ما ذكر مع بعض النقاش لما توصل إليه .
أن المتأمل للمصادر القديمة ، يلاحظ عدم وجود إشارة واضحة عن كون الشيخ عمروس اشتغل بالتدريس أو كون حلقة علم ، إلا بعض النصوص التي يمكن أن ننتزع منها ذلك انتزاعا .
وقد ذكر الباحث أحمد كروم بعض تلك النصوص ، وسأذكرها مع إضافة نصوص أخرى يمكن أن يستشف منها اشتغال الشيخ عمروس بالتدريس ، ولو بصفة متقطعة أو غير منتظمة ، إن لم يكن باستمرار وبشكل دوري ، وهذه النصوص هي :
1- ما ذكره الشيخ الباروني في تعليقه على رسالة والده الشيخ عبد الله الباروني " سلم العامة والمبتدئين إلى معرفة أئمة الدين " : " ... وهي قطرس ، وفيها مسجد الشيخ عمروس وأظنه ابن فتح المساكني النفوسي ... " (1) .
فهل كان الشيخ عمروس يقيم دروسا في هذا المسجد ، وله حلقة علم فيه ؟ لعله كذلك ، على فرض أنه هو الذي تولى بناء هذا المسجد ، لا أهل قريته ، وذلك أن الغالب على علماء ذلك العصر أنهم يقومون ببناء المساجد والمصليات لإقامة الدروس وحلق العلم بها ، وقد ذكرت الكثير من الأمثلة على ذلك عند حديثي عن المساجد ودورها في النهضة العلمية في عصر الشيخ عمروس في مبحث " الوضع الثقافي في عصر الشيخ عمروس " فانظرها هناك .
__________
(1) - عبد الله الباروني ، سلم العامة والمبتدئين ، ص54 الهامش- عمروس ، الدينونة الصافية ، ص14 مقدمة المحقق . (1/365)
صفحة 366
2- الرواية التي ذكرت أن الشيخ عمروس ومهدي الويغوي ناظرا نفاثا في موضع يسمى " تنين أزدرشل " ، ونص الرواية هو كما ذكره الشماخي : " وفي كتاب السير أن جماعة اجتمعت في " تنين أزدرشل " في طلب العلم ، وفيهم أبو نصر من تمصمص ، وهو المفتي والمجيب ، وفيهم نفاث بن نصر ، وكان يلقي عليهم مشكلات المسائل ، وربما عسر جوابها عن أبي نصر ومن معه ، ثم أتى عمروس ومهدي فسكت نفاث ، فقال أبو نصر : الآن جاء السلوقان (1) اللذان يحرزان الحي من الذئب ، وأما جروة أبي نصر فتنبح على الغنم وتنهزم " إهـ (2) .
ويعني بالسلوقين الشيخ عمروس ومهدي ، وبالذئب نفاث ، وبجروة أبي نصر نفسه (3) ، والسؤال هو : هل كان دائما يحضر هذا المجلس أم جاءه عرضا ؟ وهل كان يدرس فيه أم أنه يتلقى شيئا من العلم عن أبي نصر ؟
__________
(1) *- السلاليق جمع السَّلُوقِي : الكلب الكبير المدرب على الحراسة ، وجاء في المعجم الوسيط أن " السَّلُوقِي " منسوب إلى " سَلُوق " قرية تنسب إليها الكلاب الجياد ، والدروع الجيدة ، وجاء في لسان العرب أن " سَلُوق " أرض باليمن ، وفي التهذيب : قرية باليمن ، ينسب إليها الكلاب السلوقية ، وكذلك الدروع ، وقيل – كما جاء في لسان العرب – أن " سلوق " مدينة " الَّانِ " تنسب إليها الكلاب السلوقية ، والسَّلُوقِيّ من الكلاب والدروع : أجودها ( أنظر : محمد بن مكرم ابن منظور ( أبو الفضل ) ، لسان العرب ، ج7 ، دار صادر ، بيروت ، لبنان ، ط1 : 2000م ، ص237- إبراهيم مصطفى وآخرون ، المعجم الوسيط ، 1/444- عمروس ، الدينونة الصافية ، ص 15الهامش ، مقدمة المحقق ) .
(2) - الشماخي ، السير ، 1/149 ، 2/19- 20- عمروس ، الدينونة الصافية ، ص14 مقدمة المحقق .
(3) - الدرجيني ، الطبقات ، 2/314 . (1/366)
صفحة 367
اكتفى الباحث أحمد كروم بالتعليق على ذلك بقوله : " هل كان دائما يحضر هذا المجلس أم جاءه عرضا ؟ لا ندري ... " إهـ (1) ، ولكن الذي يظهر من النص كما ذكره الشماخي أن المفتي والمجيب عن الأسئلة في مجلس العلم هو أبو نصر ، فلعل الشيخ عمروس ومهدي يدرسان علما معينا مع أبي نصر ، أو لعلهما قد بلغا درجة عالية من العلم في تلك الفترة - وهذا ظاهر من دحضهما لنفاث - فكانا يحضران المجلس طلبا للأجر ، وللإفادة والاستفادة .
3- يقول الحسن بن محمد الوزان الفاسي من علماء القرن 10هـ : " عمروس : مدشر (2) يقع على بعد نحو ستة أميال من طرابلس داخل الأراضي ، ويوجد فيه عدد كبير من النخيل وبساتين مليئة بمختلف الأشجار المثمرة " إهـ (3) .
هل كان الشيخ عمروس مدرسا في هذه المدينة ؟ لماذا نسبت إليه ؟ أم أنه مجرد تشابه في الأسماء ليس إلا ، المصادر لا تساعد للإجابة على هذه الأسئلة (4) .
__________
(1) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص15 مقدمة المحقق .
(2) **- مدشر : لم أتمكن من معرفة المقصود بها ، ولم أستطع الحصول على كتاب " وصف إفريقيا " الذي أخذ منه الباحث أحمد كروم هذه المعلومة لأرجع إليها بنفسي وأفهم المقصود بها ، وقد عدت إلى عدد من كتب البلدان والأقاليم والرحلات علِّي أجد ذكرا لها فلم أجد ، وحسب ما أفهمه مما نقله الباحث أحمد كروم عن كتاب " وصف إفريقيا " أنها مدينة أو قرية تسمى " عمروس " والله أعلم .
(3) - وصف إفريقيا ، ج2 ، ص110 ، ترجمة محمد حاجي ومحمد الأخضر نقلا عن : عمروس ، الدينونة الصافية ، ص15 مقدمة المحقق .
(4) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص15 مقدمة المحقق . (1/367)
صفحة 368
4- ذكر الباحث أحمد كروم أنه تصفح الكتب التي أوردت نسب المذهب الإباضي فلم يجد الشيخ عمروسا مذكورا في أي سلسلة من سلاسلها الذهبية ، نظرا لأن هذه السلاسل عادة ما تحوي المتصدرين لحلقات العلم الذين يتلقى عنهم التلاميذ أمانة الدين فيبلغونه لمن بعدهم من التلاميذ والدعاة (1) .
وبالفعل ما ذكره الباحث أحمد كروم صحيح ، فقد عدت إلى الكتب التي أوردت سلاسل نسبة الدين عند إباضية المغرب ، فلم أجد الشيخ عمروس مذكورا فيها (2) ، ولكن ذلك لا يكفي كدليل على عدم اشتغال الشيخ عمروس بالتدريس وتكوين طلاب علم أخذوا عنه العلم ، خاصة أن الشيخ عمروس كان أعلم أهل زمانه ، فكيف يفرط به طلاب العلم ويزهدون بما عنده ، فلعل عدم ذكره في سلاسل نسبة الدين يعود إلى موت الطلاب الذين أخذوا عنه - وخاصة أن الفتن في ذلك الوقت كانت كثيرة ، وتعرض الإباضية لكثير من المحن التي أُزهقت فيها الكثير من الأرواح - فلم يتسنّ لهم نشر علم الشيخ عمروس الذي أخذوه عنه ، فلم يكونوا طلابا ينقلون عنهم ما أخذوه عن الشيخ عمروس بتوالي الأجيال .
هذه هي النصوص التي ذكرها الباحث أحمد كروم ، وأزيد عليها :
__________
(1) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص15 مقدمة المحقق .
(2) - أنظر سلاسل نسبة الدين عند إباضية المغرب في : الشماخي ، السير ، 2/213- 217- عبد الله الباروني ، سلم العامة والمبتدئين ، ص31- 45 . (1/368)
صفحة 369
5- الملاحظ أن أبا مهاصر الأفطماني يكثر من مرافقة الشيخ عمروس ، فلعله كان تلميذا له ، وصديقا في نفس الوقت ، فمن ذلك قصة خروجهما إلى البادية في الربيع (1) ، ومن ذلك قصة الرجل الذي سأله عن حكم الأخذ من مال ابن طولون ، وكان أبو مهاصر حاضرا في المجلس (2) ، ومن ذلك أيضا قصة العبد الذي اشتكى إلى الشيخ عمروس مولاه ، وكان أبو مهاصر حاضرا كذلك (3) .
ألا يمكن أن يستشف من خلال كثرة مرافقة أبي مهاصر للشيخ عمروس أنه تلميذ من تلاميذه ؟ وقد يكون قرينا له في طلب العلم ، حيث أن الملاحظ أنه يكثر من معارضة الشيخ عمروس ، ولكن بحكم كثرة مرافقته له ألا يمكن أن يكون أخذ عنه شيئا من المسائل ؟ خاصة أن الشيخ عمروس كان يعد عالم أهل زمانه ، أفلا يعتبر بذلك تلميذا من تلاميذه ؟
6- وردت بعض النصوص ثبت من خلالها جلوس الشيخ عمروس للإفتاء ومدارسة العلم كما يظهر ، من ذلك :
أ- قال الشماخي : " وفي السير سأله - يقصد سأل الشيخ عمروس - رجل بمحضر أبي مهاصر عمن أخذ من مال ابن طولون خرجا فتاب ، ولم يعلم له صاحب ؟ قال - أي الشيخ عمروس - : " تسأل عن مولاه ، فإن أعياك أمره فتصدق به " ، فغضب أبو مهاصر فقال : " لا أقعد في مجلس يفتى فيه بمثل هذا " ، قال عمروس : " إن أردت أن تقعد فاقعد فإن من شأن المسلمين أن لا يؤيسوا أحدا من رحمة الله " " إهـ (4) .
__________
(1) - الدرجيني ، الطبقات ، 2/306- الشماخي ، السير ، 1/171- 172 .
(2) - الشماخي ، السير ، 1/194 .
(3) - المصدر السابق ، 1/196 .
(4) - الشماخي ، السير ، 1/194 . (1/369)
صفحة 370
الملاحظ من خلال هذا النص أن هناك مجلس يُجتمع فيه لطلب العلم والاستفتاء ، وكان الشيخ عمروس يحضره ، ليس هذا فحسب ، بل كان هو المفتي فيه - كما يظهر من استفتاء الرجل له - ، وكان كذلك هو المدير للمجلس ، ويظهر ذلك من رده على أبي مهاصر حين أزمع الخروج ، فرد عليه الشيخ عمروس : " إن أردت أن تقعد فاقعد ... " ، فكأنه هو المسؤول عن الحاضرين في المجلس ، فيظهر أنه كان أعلى سلطة في تلك المجلس ، ولا يلي تلك المنزلة إلا شيخ الحلقة أو المجلس ، فلعل هذه كانت حلقة للشيخ عمروس يجتمع فيها حوله طلاب العلم والمستفتون من مختلف أصناف الناس ، ولعله هو الذي كون ذلك المجلس والله أعلم .
ب- قال الدرجيني : " وجلس معه ذات مرة داود بن ياجرين ، وماطوس بن هارون رحمهم الله ، فتحدثوا حتى جرى بينهم ذكر أهل الصدق ، وأهل الكذب ، وذكروا أهل شروس ، فقال الشيخان : " أن أهل شروس لا يكذبون " ، فأظهر إجازة شهادة كل شروسي ، فعاتباه على ذلك ، فقال لهما : " إنما حكمت بشهادتكما ، إذ زكيتما جميع أهل شروس " ، فقالا : " ما أردنا ذلك " ، فوقف عن الحكم بشهادة غير المعدلين ... " إهـ (1) .
__________
(1) - الدرجيني ، الطبقات ، 2/322- الشماخي ، السير ، 1/193. (1/370)
صفحة 371
إن المتأمل في هذا النص يمكن أن يستخلص إمكانية كون داود بن ياجرين ، وماطوس بن هارون من طلاب الشيخ عمروس ، ولكن الدرجيني وصفهما بـ " الشيخان " ، فلعلهما كانا على درجة عالية من العلم ، وكانا يحضران في مجلس الشيخ عمروس للاستفادة من علمه ، واستفادتهما من علمه جلية وظاهرة من خلال هذه القصة ، وكذلك لعل الدرجيني عندما وصفهما بالشيخين ، إنما من باب الاحترام للعلماء ، حيث أنهما متقدمان على عصر الشيخ الدرجيني ، فلعلهما كانا يطلبان العلم عند الشيخ عمروس في ذلك الوقت ، ثم بعد ذلك أصبحا من العلماء ، وإن كانا عالمين ، فلا يمنع من استزادتهما من علم الشيخ عمروس ، ودرجته في العلم معروفة ، ولا يشق له غبار .
ولعل الشيخ عمروس عندما سلك بهما المنهج الغير مباشر في تصحيح خطئهما بسبب منزلتيهما ، لأنهما كانا من العلماء ، فلا يريد إحراجهما أمام الآخرين ، أو أراد تعليمهما وتعليم الحضور آداب تصحيح الخطأ بلا جرح لمشاعر المخطئ ، وهذا من سمو أخلاق الشيخ عمروس ، وهذا الذي أشار إليه الدرجيني بقوله : " ... وتأدب أن يواجههما بالمناقضة فسلك بهما طريقا يرجعان به إلى الصواب من غير تخطئة ولا توبيخ ، وهذه إحدى فضائله ... " إهـ (1) .
7- يمكن أن يستشف كذلك من عبارة قالها لأصحابه عندما التقى بالشيخ محمد بن محبوب ، وهي قوله : " احفظوا السؤال وأحفظ لكم الجواب ، حتى نقدم على إخواننا فنخبرهم بما حفظنا " إهـ (2) .
فإن قوله : " ... حتى نقدم على إخواننا فنخبرهم بما حفظنا " يوحي أنه كان يقوم بالتدريس والإجابة على الأسئلة ، فسأل الشيخ محمد بن محبوب عن الكثير من المسائل ، وطلب من أصحابه إعانته على حفظها ، ليفيد بها إخوانه من أهل المغرب ، وكيف سيفيدهم إن لم يقم بتدريسهم ما تلقاه عن الشيخ محمد بن محبوب ؟!
__________
(1) - الدرجيني ، الطبقات ، 2/322- 323 .
(2) - المصدر السابق ، 2/324 . (1/371)
صفحة 372
8- ذكرت المصادر وجود بعض من أفراد أسرة الشيخ عمروس كأخته ، وأخيه ، وأبنائه (1) ، الذين ليس من المعقول ألا يحفظوا عنه شيئا من العلم والمسائل ، وهو يعيشون معه ! ، فلعلهم تلقوا العلم على يديه ، خاصة أخته العالمة التي أعانته على نسخ المدونة .
9- ذكرت المصادر أن الشيخ عمروس أرسل عالما كبيرا إلى بلاد السودان ، ولم تحدد اسمه ، فلعل ذلك العالم من طلاب الشيخ عمروس ، فأمره الشيخ عمروس بالتوجه إلى بلاد السودان لنشر الدين الإسلامي وتعليم الناس هناك ، عندما رآه مؤهلا للقيام بهذه المهمة ، فامتثل ذلكم العالم أمر شيخه والله أعلم (2) .
10- ذكر الدرجيني أثناء تعرضه لترجمة الشيخ عمروس عبارات توحي باشتغال الشيخ عمروس بالتدريس ، من ذلك على سبيل المثال قوله : " ... فلحق بالنعيم المقيم ، بعد أن خلف شيعه وأتباعه منتهجين الصراط المستقيم ... " إهـ (3) .
ماذا يقصد الدرجيني بقوله " شيعه وأتباعه " ؟ يحتمل أن يكون المقصود طلابه الذين أخذوا عنه الدين ونقلوه إلى من جاء بعدهم والله أعلم .
__________
(1) - البغطوري ، سير أهل نفوسة ( مخ ) ، ص92 ، الدرجيني ، الطبقات ، 2/323- الشماخي ، السير ، 1/194 ، 195- الباروني ، الأزهار ، 2/253 ، 254 .
(2) - محمود اسماعيل ، الخوارج ، ص223 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص388 ؛ وذكر الباحث إبراهيم بحاز أن محمود اسماعيل يشير إلى أنه أخذ معلومته هذه من الوسياني أبي الربيع بسيرته المخطوطة الموجودة بدار الكتب المصرية ، والظاهر أن الباحث إبراهيم بحاز لم يجد هذه المعلومة في النسخة الموجودة في ميزاب والتي اعتمد عليها ، والحقيقة أني =
= لم أتمكن من الحصول على نسخة من سير الوسياني لأتأكد بنفسي ، فأرجو مراجعتها والله أعلم . ( أنظر : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص388 الهامش ) .
(3) - الدرجيني ، الطبقات ، 2/320 . (1/372)
صفحة 373
ونص آخر للدرجيني كذلك قوله : " ... ولم تزل الأمثال مضروبة به ، بعلومه وآدابه ، وحبال ذوي الآمال متعلقة بأهدابه ، إذ كان علم الدين يقتدى به ... " إهـ (1) .
قول الدرجيني في النص السابق : " ... وحبال ذوي الآمال متعلقة بأهدابه ... " يوحي بوجود طلبة علم يشدون رحالهم للنهل من معين الشيخ عمروس ، ويتأملون الفوز بهذه الفرصة الثمينة فهو - كما قال الدرجيني بعد ذلك - : " ... علم الدين يقتدى به ... " والله أعلم .
هذا فيما يتعلق بالمصادر القديمة ، فالملاحظ أنها لم تصرح باشتغال الشيخ عمروس بالتدريس وتكوين طلبة العلم ، ولكن يمكن استشفاف اهتمام الشيخ عمروس بالتدريس من خلال النصوص التي أوردتها تلك المصادر القديمة ، وإن كان الأمر يظل مجرد احتمال .
وأما المصادر الحديثة فقد صرح بعضها باشتغال الشيخ عمروس بالتدريس ، فممن صرح بذلك الشيخ عبد الرحمن بكلي حين قال : " وقف حياته على العلم تحصيلا وتأليفا وتدريسا ... " إهـ (2) .
وقد ذكر الباحث أحمد كروم أن هذه المصادر التي صرحت بكون الشيخ عمروس اشتغل بالتدريس ، ذكرت ذلك بلا إسناد (3) ، فلعل هذه المصادر التي صرحت بذلك اعتمدت على بعض النصوص التي ذكرتها المصادر القديمة - وقد أشرت إلى بعضها سابقا - فاستشفت منها اشتغال الشيخ عمروس بالتدريس والله أعلم .
__________
(1) - المصدر السابق ، 2/321 .
(2) - الجيطالي ، قواعد الإسلام ، 1/13 الهامش .
(3) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص15 مقدمة المحقق . (1/373)
صفحة 374
والذي رجحه الباحث أحمد كروم عدم اشتغال الشيخ عمروس بالتدريس في حلقة علم ، ومال إلى كونه من المتمكنين في العلم المشتغلين بالمناظرة في مجالس المخالفين ودحض شبههم ، واستدل على ذلك بعدم إسناد سلسلة المذهب الإباضي إليه ، وهيبة نفاث منه إذا حضر مجلسا للمناظرة ... ، وذهب إلى أنه إمام من أئمة الإسلام الذين ذاع صيتهم بأقوال انفردوا بها ، وساهموا في حفظ المذهب من التلاشي بتآليفهم القيمة ، وغيرتهم النيرة ... على حد تعبيره (1) .
ويحتاج أن نقف وقفة بسيطة عند كلام الباحث أحمد كروم ، أولا كلامه يحتمل الصحة ، خاصة أن المصادر القديمة لم تصرح باشتغال الشيخ عمروس بالتدريس ، أو وجود طلبة علم أخذوا عنه الدين ، فقد يكون الشيخ عمروس لم يشتغل بالتدريس إنما اشتغل بالقضاء والمناظرة والجهاد والتأليف ... ، وأما المصادر الحديثة والتي صرح بعضها باشتغال الشيخ عمروس بالتدريس كما مر ، فهي لا تستند إلى دليل واضح وصريح بحيث تجزم بصحة ما ذهبت إليه .
ولكن في المقابل الأمر يحتمل كذلك اشتغال الشيخ عمروس بالتدريس ، وقد أشرت إلى عدة نصوص جاءت في المصادر القديمة ، حملت في طياتها شيئا من الإشارات الخفية إلى ذلك ، فمن الصعوبة الجزم بعدم اشتغال الشيخ عمروس بالتدريس مع عدم توفر الأدلة القاطعة في ذلك ، خاصة وكما هو معلوم أن عصر الشيخ عمروس كان عصر صحوة علمية ، فمن النادر ألا تجد عالما لا يشتغل بالتدريس ولو بشكل متقطع أو فترة بسيطة من حياته ، فما بالنا بالشيخ عمروس الذي يعد أعلم علماء عصره !
وقد استدل الباحث أحمد كروم لما ذهب إليه بدليلين ، وهما : أولا : عدم إسناد سلسلة المذهب الإباضي إلي الشيخ عمروس ، وثانيا : هيبة نفاث منه إذا حضر مجلسا للمناظرة .
__________
(1) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص16 مقدمة المحقق . (1/374)
صفحة 375
وفيما يظهر أن هذين الدليلين لا يكفيان حجة على عدم اشتغال الشيخ عمروس بالتدريس ، فعدم إسناد سلسلة المذهب الإباضي إلى الشيخ عمروس ، من الصعوبة أن يجزم به دليلا على عدم اشتغال الشيخ عمروس بالتدريس ، فكم من العلماء والأئمة الذين اشتغلوا بالتعليم والتدريس ، ولا توجد لهم سلسلة ، أو لم يذكروا في سلسلة نسبة المذهب الإباضي لعدة أسباب : منها احتمال موت الطلبة الذين أخذوا عنه ، فانقطعت السلسلة ، وقد أشرت إلى ذلك كما مر ، ومنها احتمال وجود عالم آخر شاركه تدريس الطلبة الذين يدرسهم ذلك العالم ، فنسبوا إلى العالم الأول ولم ينسبوا إلى الثاني ، ومنها التكتم على العلماء ومن أخذوا عنهم العلم خوف الفتن ، والأعداء ، وما أكثرها في عصر الشيخ عمروس ، وأسباب أخرى كثيرة ، فقد يكون عدم ذكر الشيخ عمروس في سلسلة نسب المذهب الإباضي لسبب من تلك الأسباب والله أعلم .
وأما هيبة نفاث منه عند حضوره مجالس المناظرة ، فلا يكفي كدليل على نفي اشتغال الشيخ عمروس بالتدريس ، وذلك أن الشيخ عمروس التقى بنفاث في مجلس علم ، وليس في مجلس مناظرة ، وكان المفتي والمجيب أبو نصر التمصمصي ، هذا أولا ؛ ثانيا : هيبة نفاث من الشيخ عمروس ، لا تتعارض مع اشتغال الشيخ عمروس بالتدريس ، فما المانع من الجمع بين المناظرة ومكافحة أصحاب البدع والمعتقدات الزائغة ، وبين التدريس ، والأمثلة على ذلك كثيرة ، فكم من العلماء الذين جمعوا بين التدريس والمناظرة ، فقد يكون الشيخ عمروس أحدهم والله أعلم . (1/375)
صفحة 376
والحقيقة أن الترجيح في هذه القضية الغامضة صعب جدا ، لعدم صراحة الأدلة في ذلك ، ولكن بالرغم من ذلك لا يستبعد - والأمر مجرد احتمال وليس ترجيحا - اشتغال الشيخ عمروس بالتدريس ، ولو قليلا من حياته ، وذلك لوجود النصوص السابقة في المصادر القديمة والتي يمكن انتزاع ذلك منها ، وكذلك وجود أخته العالمة ، والتي لا يستبعد تلقيها العلم عنه ، ووجود أبناء الشيخ عمروس وورثته الذين ليس من المعقول أن لا يأخذوا عنه شيئا من المسائل ! ، وأيضا كان أغلب علماء ذلك العصر يهتمون بالتدريس وتكوين حلق العلم ، فكيف بمن كان أعلم أهل زمانه !
ولعل عدم التصريح من قبل المصادر القديمة باشتغال الشيخ عمروس بالتدريس يعود إلى كونها ركزت على الجوانب الأخرى من حياته ، وأهملت جوانب ثانية منها ، فالملاحظ تركيزها على تعلمه ، وعلى قضائه ، ومؤلفاته ، وجهاده ، ولم تذكر الكثير عن حياته الشخصية وأسرته ، ودوره في التعليم ... والله أعلم .
هذا ما ظهر لي من خلال قراءتي لحياة الشيخ عمروس في المصادر والمراجع التي توفرت بين يدي ، ولا أجزم بذلك ، والأمر مجرد احتمال ، ولعل الأيام تكشف للباحثين الجوانب المفقودة من حياة هذا الإمام الجليل ، الذي ضحى بحياته في سبيل إعلاء راية الدين .
3- المبحث الثاني : مكانته العلمية وجهوده الدعوية :
أ- المطلب الأول : مكانته العلمية :
لقد تبوأ الشيخ عمروس مكانة علمية سامقة ، حتى عد أعلم أهل زمانه ، وأصبح مقصد الوراد ، ومن يحتج بفتاويه وأحكامه ؛ ولم ينل الشيخ عمروس هذه المنزلة العالية من فراغ ، ولكنه تحصل عليها بجده واجتهاده وسهره على طلب العلم ومجالسة العلماء ، وقراءة الكتب ونسخ المؤلفات في مختلف الفنون . (1/376)
صفحة 377
وقد أثنى على الشيخ عمروس الكثير من فطاحلة العلماء من المتقدمين ومن المعاصرين ، فأبو زكرياء قال فيه : " وكان عمروس عالما كبيرا ، له كتابان في الأصول والفقه ... وكان حافظا فاطنا حاضر الحجة " إهـ (1) ، وأثنى عليه الدرجيني في عدة مواضع من كتابه الطبقات ، فمما قاله فيه : " ... عمروس بن فتح رضي الله عنه ، بحر العلوم الزاخر ، المبرز أول السباق وهو الآخر ، الضابط الحافظ المحتاط المحافظ ، لم تشغله المجاهدة في الله عن دراسة العلوم ، ولم يلهه التبحر في العلم عما تعين عليه من مصادمة تلك الهموم ، فكابد وكابر ، وصادر وصابر ، لازم الدرس والاجتهاد ، ثم رابط على الجهاد ، يتلقى السيوف بالصدر والمنحر ، يقيم هامته مقام المغفر ، حتى انتظم في سلك من تحسبهم أمواتا وهم أحياء عند ربهم يرزقون (2) { لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ } (3) ، فلحق بالنعيم المقيم ، بعد أن خلف شيعه وأتباعه منتهجين الصراط المستقيم ... " إهـ (4) ، وقال كذلك : " ... وهو الذي لولاه لدثر معلم المذهب وانطمس ، وعفر أثره واندرس ... " إهـ (5) ، وقال فيه أيضا : " ... له مصنفات في الفروع والعقائد ، تولت فوائدها الصدور والقلائد ، ولم تزل الأمثال مضروبة به ، بعلومه وآدابه ، وحبال ذوي الآمال متعلقة بأهدابه ، إذ كان علم الدين يقتدى به ... " إهـ (6) ، وقال : " ... وكان عالما كبيرا ، وله تواليف في الأصول والفروع ...
__________
(1) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص150 .
(2) *- يقصد قوله تعالى : { وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ } ( آل عمران ، آية :169) .
(3) - سورة الانبياء ، آية :103
(4) - الدرجيني ، الطبقات ، 2/320 .
(5) - المصدر السابق ، 2/320 .
(6) - المصدر السابق ، 2/320- 321 . (1/377)
صفحة 378
" إهـ (1) .
وقد أثنى عليه الدرجيني خيرا عند نسخه لمدونة أبي غانم ، وكذلك عند لقائه بالعلامة أبي عبد الله محمد بن محبوب بمكة (2) ، وأيضا عند مناظرته لنفاث هو ومهدي الويغوي ، فقال بعد أن سرد الحادثة : " ... فصادفت الفحلين - يقصد الشيخ عمروس ومهدي - ، فجعل الله بهما كيده في تضليل ، وأرسل الله من بيانهما طيرا ترميه بحجارة من سجيل " إهـ (3) .
وقال عنه البغطوري : " وذكروا عن عمروس أنه كان عالما كبيرا ... " إهـ (4) ، وقد أثنى عليه الشماخي ونقل ما ذكره الدرجيني فيه (5) .
وأثنى عليه الشيخ محمد بن محبوب كما مر ، فقال حين سأله الشيخ عمروس : " إن كان أبو حفص في شيء من هذه البلاد فلا يصدر هذا السؤال إلا عنه ، ولا يرد إلا منه ... " إهـ ، وهذا دليل على عظم المكانة العلمية التي وصل إليها الشيخ عمروس حتى وصلت شهرته إلى أئمة وعلماء المشرق ، وحين أخبر الشيخ ابن محبوب أن السائل هو عمروس ، رفع من مجلسه وقربه منه ، إجلالا واحتراما لمكانة الشيخ عمروس ، فتعمق الشيخ عمروس في الأسئلة ، عند ذلك قال الشيخ ابن محبوب مبديا إعجابه الشديد بالشيخ عمروس وعلمه : " هذا من مكنون العلم لا يعلن به في قوم جهال " (6) .
__________
(1) - المصدر السابق ، 1/84 .
(2) - أنظر : الدرجيني ، الطبقات ، 2/314 ،320 ، 324 .
(3) - المصدر السابق ،2/314 .
(4) - البغطوري ، سير أهل نفوسة ( مخ ) ، ص93 .
(5) - الشماخي ، السير ، 1/192 .
(6) - الدرجيني ، الطبقات ، 2/324- الشماخي ، السير ، 1/193- 194- الباروني ، الأزهار ، 2/253- علي يحيى معمر ، الإباضية في موكب التاريخ ، المجلد الأول ، ح2 ، ق1 ، ص140. (1/378)
صفحة 379
وذكر أبو الربيع سليمان بن عبد السلام (1) عن أبي محمد عبد الله (2) عن أبي محمد ماكسن بن الخير (3)
__________
(1) *- هو أبو الربيع سليمان بن عبد السلام بن حسان بن عبد الله الوسياني ( حي في : 557هـ ) ، من أبرز أعلام الإباضية ، ولد بقصطيلية من بلاد الجريد بتونس ، نشأ بأجلو من وادي أريغ ، أخذ العلم عن أبي محمد عبد الله بن محمد العاصمي ، ألف كتابا دون فيه سير أعلام المذهب الإباضي ، واعتمد عليه كتاب السير من بعده ( أنظر : الدرجيني ، الطبقات ، 2/292 ، 295 ، 513- 514- الشماخي ، السير ، 2/113- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/204 رقم الترجمة : 452 ) .
(2) **- هو أبو محمد عبد الله اللواتي العاصمي ، ولد في سنة 432هـ ، عالم جليل من المشايخ الأخيار ببلاد أريغ ، حافظ للأخبار ، وعليه العمدة في رواية تاريخ الإباضية ، برع في مختلف الفنون ، فكان عالما فقيها ضليعا في التفسير ، وكان شاعرا أديبا واسع الاطلاع ، من طلابه : أبو الربيع سليمان بن عبد السلام الوسياني صاحب السير ، وغيره ، توفي في سنة 528هـ ، وترك ديوانا في الشعر ( أنظر : الدرجيني ، الطبقات ، 2/295 ، 470- 480- الشماخي ، السير ، 2/100- 102 ، 156- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/272- 273 رقم الترجمة : 596 ) .
(3) ***- هو أبو محمد ماكسن بن الخير بن محمد الجرامي الوسياني اليفرني ، ولد بالقيروان في العقد الأول من القرن الخامس الهجري ، عالم تنسب إليه أنواع الفضائل ، وترفع إليه مهمات المسائل ، فقد بصره وهو ابن سبع سنين ، أخذ العلم عن أبي عبد الله محمد بن بكر وغيره ، أسس حلقة للعلم ، فتخرج منها مجموعة من العلماء منهم أبو محمد عبد الله بن محمد العاصمي =
= الذي روى عنه السير ، توفي في سنة 491هـ ( أنظر : الدرجيني ، الطبقات ، 2/402 ، 412 ، 416 ، 421 ، 428 ، 434- الشماخي ، السير ، 2/83 ، 84- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/352 رقم الترجمة : 764 ) . (1/379)
صفحة 380
أن عمروسا كان أعلم أهل زمانه (1) ، وأثنى عليه الشيخ أبو نصر التمصمصي ، حينما ناظر نفاث ودحض حجته ، فوصفه بالسلوقي الذي أنقذ أغنام الحي من الذئب (2) ، وقد مرت القصة في المبحث الأول من هذا الفصل .
__________
(1) - الدرجيني ، الطبقات ، 2/321- الشماخي ، السير ، 1/192 .
(2) - الدرجيني ، الطبقات ، 2/314- الشماخي ، السير ، 1/149 ، 2/19- 20 . (1/380)
صفحة 381
واعترف بمنزلته العلمية أحد علماء فزان (1) ،
__________
(1) *- ذكر د/ النامي أنه يحتمل أن يكون هذا العالم هو عبد الخالق الفزاني أو غيره ، وذكر د/ علي يحيى معمر أنه عبد الخالق الفزاني ، وكذلك الباحث أحمد كروم ، وقد ذكر قصة الفزاني مع الشيخ عمروس كل من البغطوري والشماخي ، ومن المحدثين الباروني ، وبحاز في الدولة الرستمية ، وأصحاب معجم أعلام الإباضية ، ولم يذكر أي منهم أن الفزاني هو عبد الخالق الفزاني ، وذكر أصحاب معجم الأعلام أن كتاب " العمروسي " هو نفسه كتاب " الدينونة الصافية " ، إلا أن الباحث أحمد كروم – الذي تولى تحقيق " الدينونة الصافية " – عندما تعرض لذكر مؤلفات الشيخ عمروس ، فرق بينهما ، وعدهما كتابين مختلفين ، وكذلك فرق بينهما الشيخ بكلي وقد انفرد بذكر هذا الكتاب " العمروسي " الشيخ الشماخي ، مما دفع د/ النامي إلى نفي وجود هذا الكتاب تماما من مؤلفات الشيخ عمروس وذهب إلى أنه هو نفسه كتاب " الرد على الناكثة وأحمد بن الحسين " وهو لعمروس أيضا ( أنظر : جناو بن فتى وعبد القاهر بن خلف ، أجوبة علماء فزان ، ص20، مقدمة المحقق - الشماخي ، السير ، 1/196- البغطوري ، سير أهل نفوسة ( مخ ) ، ص59 - الباروني ، الأزهار ، 2/254- الجيطالي ، القواعد ، 1/13 الهامش - علي يحيى معمر ، الإباضية في موكب التاريخ ، المجلد الأول ، ح2 ، ق1 ، ص139- عمروس ، الدينونة الصافية ، ص21 المقدمة - عمرو خليفة النامي ، وصف مخطوطات إباضية مكتشفة حديثا في شمال إفريقيا ( مخ ) ، مقال منشور في المجلد 15 العدد (1) من مجلة " الدراسات الساميَّة " باللغة الإنجليزية ، 1970م ، ترجمه إلى العربية : سلطان بن مبارك الشيباني ص21- بحاز ، الدولة الرستمية ، ص327- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/322 رقم الترجمة : 690- دليل المؤلفين اللبيين ، ص300 نقلا عن : عمروس ، الدينونة الصافية ، ص21 المقدمة ) .. (1/381)
صفحة 382
المتمكنين من علم الكلام ، حيث أرسل إلي الشيخ عمروس طالبا منه أن يؤلف له كتابا في الأصول ، فكتب له الكتاب المعروف بـ " العمروسي " ، فلما اطلع عليه العالم عبد الخالق الفزاني أقر بفضله عليه ، فقال : " النفوسي أقوى مني " ، وذلك أن عبد الخالق الفزاني وضع كتابين في الأصول يعرفان بـ " أصول الكلام " قبل أن يرسل إلى الشيخ عمروس ، فبزه الشيخ عمروس (1) .
وقد أثنى عليه عدد العلماء والباحثين المعاصرين ، فقال فيه الشيخ سليمان باشا الباروني : " وكان القاضي الكبير على الجبل ... العلامة العادل عمروس بن فتح رحمه الله ... " إهـ (2) ، وقال حين تحدث عن شهداء وقعة " مانو " : " ... وقد مات منهم اثنا عشر ألفا أربعة آلاف منها من نفوسة ، والباقي من غيرها ، وأربعمائة عالم فيهم من المشاهير العظام و[ النجباء ] (3) الكرام أبو ميمون وعمروس ... " إهـ (4) .
وقال فيه الشيخ بكلي عبد الرحمن : " الإمام عمروس بن فتح المساكني النفوسي إمام من أئمة الدين ، وكهف من كهوف العلم في القرن الثالث الهجري ... " إهـ (5) ، وقال : " ... ووقف حياته على العلم تحصيلا وتأليفا وتدريسا وقضاء فترك لنا كتبا قيمة ... " إهـ (6) ، وقال أيضا : " ... فكان مثالا للقاضي العادل الجريء في أحكامه ، الخبير في حل مشاكل القضاء ، وقضاياه العويصة ... " إهـ (7) .
__________
(1) - المصادر السابقة ، نفس الأجزاء والصفحات .
(2) - الباروني ، الأزهار ، 2/252 .
(3) **- بياض في الأصل ، وأضفت " النجباء " من عندي لإتمام المعنى .
(4) - الباروني ، الأزهار ، 2/282 .
(5) - الجيطالي ، قواعد الإسلام ، 1/13 الهامش .
(6) - المصدر السابق ، 1/13 الهامش .
(7) - المصدر السابق ، 1/13 الهامش . (1/382)
صفحة 383
وأثنى عليه كذلك د/ علي يحيى معمر ، فقال : " قمة شامخة من قمم العلم ، يندر أن تجد له مثيلا ، ومؤمن مخلص في إيمانه ، فهم حقيقة الإسلام وأسرار تشريعه ، وبطل من أبطال الكفاح ، يتضاءل أمامه الأقران ، ويسوق الجموع في الميدان كما تساق القطعان ، يملك إرادة بلغت من القوة مرتبة تذلل الصعاب ، وتسهل العقاب ، وتيسر الأسباب " إهـ (1) ، وقال : " ... كان حجة من حجج الإسلام " إهـ (2) ، وقال أيضا : " كان عمروس من أكبر أئمة العلم والدين ، وله أقوال انفرد بها ، وحسب من أجلها إماما ، ألف في علم الكلام وفي الفقه ، ولا يخلوا موضوع في علوم الشريعة من آرائه وأقواله ... " إهـ (3) ، وقال : " كان إلى علمه وذكائه وسرعة بديهته لا يخشى أحدا في الحق ... " إهـ (4) ، وقال كذلك : " أما عمروس فقد كان أعمق فهما لأسرار الشريعة وروح الإسلام ، والعمل بمقتضاه ... " إهـ (5) ، وقال : " ... وتولى عمروس القضاء ، وسار فيه سيرة المؤمنين الأمناء ، الذين يحافظون على حقوق الناس ، ويخشون الله في عباده ويتقونه ، وكان شديدا على الظالم ، قويا عليه حتى يأخذ الحق منه " إهـ (6) .
__________
(1) - علي يحيى معمر ، الإباضية في موكب التاريخ ، المجلد الأول ، ح2 ، ق1 ، ص137 .
(2) - المصدر السابق ، ص137
(3) - المصدر السابق ، ص139 .
(4) - المصدر السابق ، ص140 .
(5) - المصدر السابق ، ص140 .
(6) - المصدر السابق ، ص141 . (1/383)
صفحة 384
وأثنى عليه الشيخ أحمد بن سعود السيابي فوصفه بأنه : " ... واحد من عباقرة العلم وعلماء الإسلام ... " (1) ، وقال أيضا : " إن علَّامية عمروس ودقة فهمه ، وقوة استنباطه لمسائل العلم وقضاياه ، جعلت الإمام الكبير محمد بن محبوب أن يظهر إعجابه بهذا النابغة المغربي ، الذي سبقت شهرته العلمية إلى المشرق العربي ... " (2) ، وقال : " إن هذه الحادثة اللقائية المكية - يقصد لقاء الشيخ عمروس بالشيخ ابن محبوب - ترشدنا إلى ما لعمروس من منزلة عظمى في العلم ، ودرجة عليا في الفهم " إهـ (3) .
وقال فيه الباحث إبراهيم بحاز : " ويشغل عمروس بن فتح النفوسي مكانا بارزا في طبقات الإباضية ، إذ كان عالم غاية زمانه ... " إهـ (4) ، وقال أيضا : " ولعمروس عدة مواقف قضائية وفقهية تدل على غزارة علمه وعدله ... " إهـ (5) .
وقال عنه أصحاب معجم أعلام الإباضية : " ... إذ لم يشغله الجهاد في سبيل الله عن طلب العلوم والتفقه في الدين ، حتى صار أعلم أهل زمانه ، وعرف بالحفظ والاجتهاد ، والمعرفة والدراية " إهـ (6) ، وقالوا : " ... كان مثالا للقاضي العادل ، جريئا في الحق ، شجاعا بطلا في ميدان النزال ... " إهـ (7) .
هذا فيما يتعلق بمكانة الشيخ عمروس العلمية ، وستظهر لنا مكانته العلمية أكثر في المباحث القادمة عند التعرض للحديث عن مؤلفاته ومناظراته ، واشتغاله بالقضاء وأحكامه .
ب- المطلب الثاني : جهوده الدعوية :
__________
(1) 10)- عمروس ، الدينونة الصافية ، ص3 المقدمة .
(2) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص3 المقدمة .
(3) - المصدر السابق ، ص3 المقدمة .
(4) - بحاز ، الدولة الرستمية ، ص326 .
(5) - المصدر السابق ، ص327 .
(6) - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/321 رقم الترجمة : 690 .
(7) - المصدر السابق ، 2/322 رقم الترجمة : 690 . (1/384)
صفحة 385
لقد حاولت بالاعتماد على المصادر التي توفرت بين يدي أن أجد أدلة على بعض الجهود الدعوية التي كان يمارسها الشيخ عمروس ، ونوعها إن وجدت ، ولكن المصادر - للأسف الشديد - لا تسعف بمعلومات تساعد في الكشف عن نوع من الجهود الدعوية التي كان يمارسها الشيخ عمروس ، ولكن وردت بعض النصوص يمكن أن يستشف منها بصيص من الجهود الدعوية التي كان يمارسها الشيخ عمروس رحمه الله ، فمن جهوده الدعوية ، إن صح أن أطلق عليها ذلك تجوزا :
1- مناظراته لأصحاب المعتقدات الفاسدة ، والأهواء المنحرفة ، فقد ثبت عنه مناظرته لنفاث ، برفقة مهدي الويغوي - كما مر سابقا - حتى وصفهما أبو نصر التمصمصي بالسلاليق التي أنقذت أغنام الحي من الذئب ، وللأسف فإن المصادر لم تتعرض إلى الحوار الذي دار بين الشيخ عمروس ونفاث ومحتوى المناظرة .
2- قام الشيخ عمروس ببناء مسجد في قريته قطرس - كما مر - فلعله كان يهدف إلى استغلال ذلك المسجد لبعض الجهود الدعوية ، كإقامة حلق العلم لطلابه ، وإلقاء دروس الوعظ والإرشاد لعامة الناس ، فهذا نوع من أنواع الجهود الدعوية .
3- اهتم الشيخ عمروس بتجميع نفائس الكتب ، ونسخها ، وأكبر دليل على ذلك قيامه بنسخ مدونة أبي غانم التي تتكون من اثني عشر جزءا ، فنسخها الشيخ عمروس بمساعدة أخته في مدة زمنية يسيره ، بمقدار ذهاب الإمام أبي غانم إلى تيهرت ، وعودته منها ، وقيامه بنسخ وتجميع الكتب المهمة يعد نوعا من أنواع الجهود الدعوية ، وقد أشار الشيخ علي يحيى معمر إلى قيام الشيخ عمروس بتجميع الكتب القيمة والنادرة ، فقال : " ... ولقد كان - على هذا البعد عن مركز الاتصال والحركة - يستورد نفائس الكتب وغرائبها من كل مكان ، وتصل إليه فيدرسها دراسة المتعمق الفاهم في أقل الأوقات ... " إهـ (1) .
__________
(1) - علي يحيى معمر ، الإباضية في موكب التاريخ ، المجلد الأول ، ح2 ، ق1 ، ص137 . (1/385)
صفحة 386
4- ثبت عن الشيخ عمروس أنه قام بإرسال عالم كبير إلى بلاد السودان - كما مر - وقد كان هؤلاء العلماء الذين يقصدون بلاد السودان يقصدونها لعدة أهداف ، منها ممارسة التجارة ، ونشر الإسلام ، فالظاهر أن هذا العالم الذي أرسله الشيخ عمروس إلى بلاد السودان ، أرسله بهدف الدعوة ونشر الإسلام في تلك البلاد ، وتعليم أهلها أمور دينهم ، وقد أشار الباحث إبراهيم بحاز إلى ذلك فقال : " ... وما وجود هذين العالمين - يقصد الشيخ عبد الحميد الفزاني ، والعالم الكبير الذي أرسله الشيخ عمروس - ببلاد السودان ، إلا دليل على دخول بعض ممالك السودان في الإسلام ، وبالتالي احتاجت إلى من يفقهها في دينها ، ويسلك بها المراحل الأولى في هذا السبيل " إهـ (1) .
5- ذكرت المصادر أن الشيخ عمروس خرج إلى البادية برفقة أبي مهاصر (2) ، فلعله كان يخرج لنشر الدعوة وتعليم القاطنين في تلك البوادي والأقفار .
6- تحدثت في المبحث السابق عن اشتغال الشيخ عمروس بالتدريس ، وذكرت بعض الروايات التي أشارت إلى جلوس الشيخ عمروس في مجالس العلم ، وقيامه بالإفتاء للناس ، وهذا نوع من أنواع الجهود الدعوية التي كان يمارسها الشيخ عمروس فيما يظهر والله أعلم .
هذه بعض الشذرات البسيطة عن جهود الشيخ عمروس الدعوية ، والحقيقة أن المصادر لا تسعف كثيرا في ذلك كما ذكرت ، ولكن يمكن من خلال هذه الأمثلة البسيطة تصور مدى الجهد الدعوي الذي كان يمارسه الشيخ عمروس ، خاصة أن ذلك العصر الذي عاش فيه الشيخ كان عصر صحوة ونهضة علمية ودعوية ضخمة ، فكان العلماء يقومون بجهود كبيرة في نشر الدين الإسلامي ، والعقيدة الصحيحة .
4- المبحث الثالث : آثار الشيخ عمروس ( مؤلفاته وفتاويه ومناظراته ) :
أ- المطلب الأول : مؤلفاته :
__________
(1) - بحاز ، الدولة الرستمية ، ص388- 389 .
(2) - الدرجيني ، الطبقات ، 2/306- الشماخي ، السير ، 1/171- 172 . (1/386)
صفحة 387
ذكرت المصادر وجود بعض المؤلفات التي تنسب إلى الشيخ عمروس ، فمن مؤلفاته :
1- كتاب " العمروسي " (1) :
وقد مر الحديث سابقا عن سبب تأليفه (2) ، وقد نبهت سابقا على أن أصحاب معجم أعلام الإباضية ذكروا أن كتاب " العمروسي " هو نفسه كتاب " الدينونة الصافية " ، إلا أن الباحث أحمد كروم - الذي تولى تحقيق " الدينونة الصافية - عندما تعرض لذكر مؤلفات الشيخ عمروس ، فرق بينهما ، وعدهما كتابين مختلفين ، وكذلك فرق بينهما الشيخ بكلي (3) .
والغريب أن الباحث أحمد كروم ، عند تعرضه لإثبات نسبة كتاب " أصول الدينونة الصافية " للشيخ عمروس ، احتج بما ذكره الشماخي في قوله : " ... وبعث إليه بعض الأشياخ المتكلمين من أهل فزان أن يؤلف له كتابا في الأصول ، فكتب إليه الكتاب المعروف بالعمروسي ... " إهـ (4) ، فعد هذا النص دليلا على نسبة كتاب " أصول الدينونة الصافية " للشيخ عمروس ! (5) ، أي أن كتاب " العمروسي " هو نفسه كتاب " أصول الدينونة الصافية " ! وهذا تناقض واضح ، فعند ذكره لمؤلفات الشيخ عمروس يعد " العمروسي " و " أصول الدينونة الصافية " كتابين مستقلين (6) ، وعند تعرضه للحديث عن إثبات نسبة كتاب " أصول الدينونة الصافية " يعتبرهما مؤلفا واحدا !!
__________
(1) *- يلاحظ أن الباحث أحمد كروم أطلق على كتاب " العمروسي " " العمروس " ، فخذف حرف " الياء " من آخره ، فلا أدري هل له وجهة نظر في ذلك حيث أنه لم يوضح السبب الذي دفعه إلى ذلك ؟! أم أنه مجرد خطأ مطبعي ؛ والصحيح هو " العمروسي " حسب ما وجدته في المصادر التي وقفت عليها والله أعلم .
(2) **- أنظر ص235 الهامش .
(3) ***- أنظر كذلك ص235 الهامش .
(4) - الشماخي ، السير ، 1/196
(5) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص44 .
(6) - المصدر السابق ، ص21 . (1/387)
صفحة 388
وقد انفرد بذكر هذا الكتاب " العمروسي " الشيخ الشماخي كما ذكرت سابقا ، مما دفع د/ النامي إلى نفي وجود هذا الكتاب تماما من مؤلفات الشيخ عمروس ، وذهب إلى أن كتاب " العمروسي " هو نفسه كتاب " الرد على الناكثة وأحمد بن الحسين " (1) ، والظاهر أن ما ذهب إليه النامي غير صحيح ، فلو لم يكن كتاب العمروسي موجودا لما ذكره الشماخي والله أعلم .
2- كتاب " أصول الدينونة الصافية " (2) :
كتاب فقهي عقائدي ، وقد قسمه الشيخ عمروس إلى قسمين ، القسم الأول خصصه للعقيدة ، والقسم الثاني خصصه للفقه ، وقد تم تحقيق هذا الكتاب من قبل الباحث حاج أحمد كروم ، وقامت وزارة التراث والثقافة بسلطنة عمان بطباعته عن طريق مطبعة عمان ، مع تحقيق الباحث المذكور ؛ وسأتناول الحديث عن هذا الكتاب بالتفصيل في الفصل القادم ، موضحا المنهج الفقهي والعقائدي للشيخ عمروس من خلاله (3) .
3- كتاب " الحكم والمعارف " :
ذكره الشيخ بكلي ولم يذكر محتواه (4) .
4- كتاب " أعلام الملة " :
ذكره الشيخ بكلي ولم يذكر محتواه ، والذي يظهر من عنوانه أنه يتناول الحديث عن أئمة الدين والعلماء والترجمة لهم والله أعلم (5) .
5- كتاب " عمروس بن فتح " :
ذكره البرادي ، ولم يوضح محتواه (6) ، فهل هو كتاب " العمروسي " ؟ يحتمل خاصة للتقارب في عنوانيهما والله أعلم .
6- كتابان في الأصول والفقه :
__________
(1) *- أنظر ص235 الهامش .
(2) - الجيطالي ، قواعد الإسلام ، 1/13 الهامش - النامي ، دراسات عن الإباضية ، ص46 ، 221- النامي ، وصف مخطوطات إباضية مكتشفة حديثا في شمال إفريقيا ( مخ ) ، ص20- الجعبيري ، البعد الحضاري للعقيدة الإباضية ، ص109- دليل المؤلفين اللبيين ، ص300 نقلا عن : عمروس ، الدينونة الصافية ، ص21 المقدمة .
(3) **- أنظر الفصل الرابع ص267 .
(4) - الجيطالي ، قواعد الإسلام ، 1/13 الهامش .
(5) - المصدر السابق ، 1/13 الهامش .
(6) - البرادي ، الجواهر ( مخ ) ، ص219 . (1/388)
صفحة 389
ذكرهما أبو زكرياء بلا توضيح لمحتواهما (1) .
7- كتاب في " الرد على الناكثة وأحمد بن الحسين " (2) :
لم أطلع على هذا الكتاب ، والظاهر أنه لا يزال مخطوطا ؛ وقد وقف عليه الباحث عمرو النامي ، ومن خلال وصف النامي له فإنه يتكون من 36 صفحة ، 26 سطرا في الصفحة ، 20.5 ( 14.5 سم ؛ ونوع الخط مغربي قديم ، وبدون تاريخ ، والناسخ عبد الله بن عيسى بن زكرياء النفوسي (3) ؛ وعنوان المخطوط : " كتابٌ فيه الرد على الناكثة ، وأحمد بن الحسين ، وهو مما رد عليهم عمروس بن فتح في الأسماء ، وفي ولاية الله وعداوته ، وفي وجوه كثيرة ... ؛ ثم بعد ذلك ذكر النامي نصا من بداية المخطوط ، ونصا من آخره ؛ وذكر - أي النامي - أن هذا العمل يقدم وجهة نظر الإباضية في الأسس والقواعد المهمة في الفقه الإسلامي والعقيدة ، وأشار إلى أن أهمية الكتاب تكمن في أنه أقدم إنتاج في هذا الموضوع لا يزال موجودا عند الإباضية في شمال إفريقية (4) ؛ وللأسف فإن النامي لم يشر في أي مكتبة توجد مخطوطة هذا الكتاب .
8- مشروع كتاب لم يتم :
__________
(1) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص150 .
(2) - النامي ، وصف مخطوطات إباضية مكتشفة حديثا في شمال إفريقيا ( مخ ) ، ص21- النامي ، دراسات عن الإباضية ، ص221- دليل المؤلفين اللبيين ، ص300 نقلا عن : عمروس ، الدينونة الصافية ، ص21 المقدمة .
(3) *- لم أجد له ترجمه ، ولكن الظاهر من نسبه أنه من جبل نفوسة ، ولعله كان يشتغل بالنسخ والله أعلم .
(4) - أنظر : النامي ، وصف مخطوطات إباضية مكتشفة حديثا في شمال إفريقيا ( مخ ) ، ص21 . (1/389)
صفحة 390
أراد الشيخ عمروس - رحمه الله - أن يؤلف كتابا يقسمه على ثلاثة أوجه : التنزيل والسنة والرأي ، مضمنا كل قسم ما يتعلق به من مسائل ، إلا أن المنية داهمته قبل إتمام مشروعه (1) ، فعسى أن ينال أجر النية ، قال الدرجيني : " بلغنا أنه هم أن يعلق تأليفا في الفقه ، لم يسبق في طريقته ، عزم أن يفرق العلم على ثلاثة أوجه : التنزيل ، والسنة ، والرأي ، وما يتعلق بكل واحدة منها من المسائل ، فيرتب كل باب من أبوابه ، ويبنيه على القواعد الثلاثة ، وصرف إلى ذلك وجه العناية والاكتراث ، حتى يكون تأليفه طرازا لما صنف في علوم شرائع الإسلام ، فلم يقدر الله بذلك ، بل قضى بإعجال الحمام ، ونرجو به أن يكون له ثواب ما نواه ، فجزاه على الكمال والإتمام " إهـ (2) .
__________
(1) - البغطوري ، سير أهل نفوسة ( مخ ) ، ص93- الدرجيني ، الطبقات ، 1/84 ، 2/320- الشماخي ، السير ، 1/192- الباروني ، الأزهار ، 2/252- علي يحيى معمر ، الإباضية في موكب التاريخ ، المجلد الأول ، ح2 ، ق1 ، ص139.
(2) - الدرجيني ، الطبقات ، 1/84 ، 2/320 . (1/390)
صفحة 391
هذه هي المؤلفات التي تركها الشيخ عمروس ، حسب ما ذكرته المصادر ، وقد ذهب د/ النامي إلى الجزم بأنه لم يبق من تراث الشيخ عمروس غير رسالتين ، هما " الدينونة الصافية " و " الرد على الناكثة وأحمد بن الحسين " (1) ، وذهب الشيخ فرحات الجعبيري إلى الجزم بوجود الدينونة الصافية فقط ، وأنه وجد مخطوطته في دار التلاميذ بمدينة العطف بوادي ميزاب ، وذكر أن كتاب " الدينونة الصافية " هو القسم الأول من كتاب في الفقه حسب المخطوطة التي وجدها في دار التلاميذ (2) ، وهذا ما أشار إليه د/ النامي فذكر أن " أصول الدينونة الصافية " قسم من مخطوطة متعددة المحتويات (3) ؛ والحقيقة أن الباحث أحمد كروم لم يشر إلى ما ذكره الجعبيري والنامي عند تحقيقه للدينونة (4) ، ولكن أصحاب معجم أعلام الإباضية ذكروا وجود كتاب " الرد على الناكثة وأحمد بن الحسين " ، وأنه لا يزال مخطوطا (5) .
ب- المطلب الثاني : فتاويه :
__________
(1) - النامي ، الرد على جميع المخالفين ، ص ( ي ) محققة مرقونة ، المقدمة نقلا عن : عمروس ، الدينونة الصافية ، ص22 المقدمة .
(2) - الجعبيري ، البعد الحضاري للعقيدة الإباضية ، ص109- الجعبيري ، علاقة عمان بشمال إفريقيا ، ص34 .
(3) - النامي ، وصف مخطوطات إباضية مكتشفة حديثا في شمال إفريقيا ( مخ ) ، ص20 .
(4) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص7- 8 ، ص43- 56 .
(5) - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/322 رقم الترجمة : 690 . (1/391)
صفحة 392
لقد ذكرت المصادر عدة نصوص ، تضمنت بعض فتاوى الشيخ عمروس في بعض المسائل وترجيحه فيها ، والذي يظهر من ترجيحات الشيخ عمروس ، سواء من خلال تلك المسائل المبثوثة في بطون كتب المذهب الإباضي ، أو من خلال المسائل المختلفة التي أوردها في كتابه " الدينونة الصافية " أنه غير مقلد بل مجتهد ، يعتمد على نفسه في ترجيح الأقوال ، وهذا ما ذهب إليه الباحث أحمد كروم فقال : " ... ولعل انفراده ببعض هذه الفتاوي عن معظم علمائنا ، يجعلني أتجرأ على العلماء فأصفه بأنه بلغ " درجة الاجتهاد في الدين " ... " إهـ (1) .
ونأخذ بعض المسائل التي أفتى فيها الشيخ عمروس كنماذج على فتاويه ، والتي ظهرت قوته العلمية خلالها ، فمن هذه المسائل :
__________
(1) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص22 المقدمة . (1/392)
صفحة 393
1- حدث جماعة من المشائخ أن أبا مهاصر خرج سنة من السنين إلى البادية في أوان الربيع ، هو وعمروس بن فتح رحمهما الله ، فلبثا أياما على غير ماء في برية من الأرض ، لا يجدون ما يتوضأون به ، إنما كانوا إذا حضرت الصلاة تيمموا وصلوا ، وتكدر خاطر أبي مهاصر لذلك ، حتى قال ذاما لهذه الحالة : " قلوب تربو عليها الشحوم مما سمنت ، ووجوه تعلوها الغبرة ، قلَّت سلامة الدين مع أهل الوبر ، إنما الدين في المدر ، والله لا يجمل بنا أن نترك الدين لاتباع الشهوات ، وإني لأخاف أن أكون ممن عاب الله عزوجل ، فقال فيهم : { أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً } (1) " ، فرد عليه الشيخ عمروس بقوله : " ليس في ذلك ما تخافه ، فقد أباح الله التيمم عند الضرورة ، فأبان ذلك في كتابه وعلى لسان نبيه - صلى الله عليه وسلم - ، وذلك في ابتغاء الفضل ، وقطع الفيافي والمجاهل من الأرض ، وقال : { وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ } (2) ، وقال : { عَابِرِي سَبِيلٍ } (3) ، وقال : { فَلَمْ تَجِدُوا مَاء فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً ً } (4) " ، فلم يقنع ذلك جميعه أبا مهاصر ، بل ارتحل راجعا إلى منزله ... (5) .
وقوة الشيخ عمروس العلمية ظاهرة من خلال استدلاله بالقرآن والسنة ، ورجوعه إليهما مباشرة مستنبطا منهما الدليل على ما رجحه ، فلم يأت بقول أحد العلماء مكتفيا بما رجحه ذلك العالم ، بل عاد إلى أول مصدرين للتشريع وهما القرآن والسنة .
__________
(1) - سورة مريم ، من الآية : 59 .
(2) - سورة الجمعة ، من الآية : 10 .
(3) - سورة النساء ، من الآية : 43 .
(4) - سورة النساء ، من الآية : 43 .
(5) - الدرجيني ، الطبقات ، 2/306- الشماخي ، السير ، 1/171- 172. (1/393)
صفحة 394
2- سأله رجل بمحضر أبي مهاصر عمن أخذ من مال ابن طولون خرجا فتاب ، ولم يعلم له صاحبا ، قال الشيخ عمروس : " تسأل عن مولاه ، فإن أعياك أمره فتصدق به " ، فغضب أبو مهاصر ، فقال : " لا أقعد في مجلس يفتى فيه بمثل هذا " ، قال الشيخ عمروس : " إن أردت أن تقعد فاقعد ، فإن من شأن المسلمين أن لا يؤيسوا أحدا من رحمة الله " (1) .
وقد علق الشيخ علي يحيى معمر على هذه الحادثة التي أظهرت مدى سعة علم الشيخ عمروس وتعمقه في فهم أسرار الشريعة ، فقال : " لقد كان أبو مهاصر شديدا ، وهو يرى أنه يلزم صاحب الخرج أن يبحث عن صاحبه أو ورثته مهما كلفه الأمر ، ولن يبرئه من التباعة غير ذلك ، أما عمروس فقد كان أعمق فهما لأسرار الشريعة وروح الإسلام ، والعمل بمقتضاه ، وقد أصبح قول عمروس هو المعمول به في الأحوال المشابهة " إهـ (2) .
3- موقفه مع داود بن ياجرين ، وماطوس بن هارون ، عندما زكيا كل أهل شروس ، فأظهر الشيخ عمروس إجازة شهادة كل شروسي ، وقد مر الحديث عن هذه الحادثة سابقا ، عند الحديث عن اشتغال الشيخ عمروس بالتدريس (3) .
من خلال هذا الحادثة يلاحظ أن الشيخ عمروس ذهب إلى الأخذ بشهادة كل شروسي ، معتمدا في ذلك على شهادة كل من داود بن ياجرين ، وماطوس بن هارون فيهما ، وهما عدلان ثقتان ، فأخذ الشيخ عمروس بقوليهما في أهل شروس ، والشيخ عمروس يعلم أن ما قاله كل من داود بن ياجرين ، وماطوس بن هارون في أهل شروس ، فيه الكثير من المبالغة ، فأراد أن يعلمهما درسا من خلال ذلك حتى لا يلقيا الكلام على عواهنه بلا حذر أو تثبت ، وقد أثنى الدرجيني على الشيخ عمروس وسمو خلقه من خلال هذه الحادثة كما مر علينا سابقا .
__________
(1) - الشماخي ، السير ، 1/194-
(2) - علي يحيى معمر ، الإباضية في موكب التاريخ ، المجلد الأول ، ح2 ، ق1 ، ص140 .
(3) *- أنظر ص227 . (1/394)
صفحة 395
4- حين حضرت أم عمروس الوفاة - وكان عمروس في المهد رضيعا - أوصت بوصايا ، وأشهدت بها شهود الوصية ، فقالوا لها إلى من تفوضين تنفيذ هذه الوصية ؟ قالت إلى ذلك الذي في مهدي ، فأشارت إلى عمروس ... فلما كبر ، وبلغ مبلغ الرجال ، شرع في تنفيذ وصية أمه ، حتى لم يبق منها إلا الحج ، فتوقف ، وأشكل عليه الأمر ، وجعل يسأل في جهات نفوسة عن أحوال والدته ، فلم يجد من يعرف حالها ويتولاها ، غير امرأة واحدة ، فتولاها لذلك ، وحج عنها (1) (2) .
والذي يمكن استخلاصه من خلال هذا النص الآتي :
أ- ترجيح الشيخ عمروس من ذهب إلى أن الحجة في ولاية الدين يمكن أن تقوم بشهادة النساء والعبيد ، إذا كانوا ممن قبل قوله وتقوم به الحجة (3) .
ب- لم يجز الشيخ عمروس لنفسه أن يحج عن أمه قبل أن يعرف هل هي في الولاية أم في البراءة ؟ آخذا بقول من يقول بأن من يحج عن غير متولى فإنه غير مرضي الفعل ، ولا مشكور الحال (4) .
جـ- جواز استخلاف الوارث على تنفيذ الوصية ، ولو كان في المهد صبيا (5) .
__________
(1) *- ذكرت سابقا ، عند تناولي لنشأة الشيخ عمروس أن هذه القصة فيها شيء من المبالغة ، فمن غير المعقول ألا يجد الشيخ عمروس من يعرف حال أمه غير امرأة واحدة ! ، وجبل نفوسة مليء بالناس شبابا وشيبا ، فالأمر فيه شيء من الغموض ونوع من المبالغة والله أعلم ( أنظر ص197- 198 ) .
(2) - الدرجيني ، الطبقات ، 1/324- 325- الشماخي ، السير ، 1/195 .
(3) - الدرجيني ، الطبقات ، 1/325- عمروس ، الدينونة الصافية ، ص25 المقدمة .
(4) - نفس المصدرين السابقين ، نفس الجزء والصفحة .
(5) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص25 المقدمة . (1/395)
صفحة 396
5- قام الشيخ عمروس بنسخ مدونة الشيخ أبي غانم الخرساني - وقد مر الحديث على ذلك - ، فأجاز الشيخ عمروس لنفسه نسخها ، مع أنه لم يستأذن صاحبها أبا غانم ، وإنما فعل ذلك لما في ذلك من مصلحة للمسلمين (1) ، وبالفعل فبفضل قيام الشيخ عمروس بنسخ المدونة ، وصلت إلينا في هذا الزمان ، ولولاه لضاعت ، حيث أن النسخة الأخرى التي أهداها أبو غانم للإمام عبد الوهاب احترقت مع ما احترق من كتب للأصحاب بيد أبي عبد الله الشيعي كما مر .
__________
(1) - المصدر السابق ، ص24 المقدمة . (1/396)
صفحة 397
6- كان لأبي محمد ملي الإيدرفي (1)
__________
(1) *- هو أبو محمد ملي الإيدرفي ، وقيل : زيد بن فصيت ، والذي يظهر من كلام الشماخي أنه يميل إلى الاسم الثاني ، ولكن الدرجيني ذكر الأول ، وهو " ملى " ولم يشر إلى الاسم الثاني ، واختار أصحاب معجم الأعلام ما ذكره الدرجيني ، فلعله هو الأصح والله أعلم ، وقد ذكر البغطوري هذه القصة ونسبها إلى شخص يكنى بأبي الليث ، فلعلها كنية أخرى له والله أعلم ؛ وأبو محمد ملي يعد من الطبقة السادسة ( 250- 300هـ ) ، ويعتبر من مشايخ جبل نفوسة بليبيا ، مشهور بالتقوى والورع والزهد والكرامات ، وكان من خيار أهل الدعوة ، ومستجاب الدعاء ، وقد عاصر الشيخ عمروس بن فتح ، وأبا نوح سعيد بن زنغيل النفوسي ، مارس الفلاحة واهتم بالتعليم ، من تلاميذه : أبو يوسف مجدول التنزغتي ( أنظر : البغطوري ، سير أهل نفوسة ( مخ ) ، ص48- الدرجيني ، الطبقات ، 2/332- 334- الشماخي ، السير ، 1/241- 242- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/424 رقم الترجمة : 907 ) .. (1/397)
صفحة 398
بقرة يحلبها ، وعادتها إذا أصبح قامت امرأته فتناولت القدح فتحلبها ساكنة لا تتحرك ، ولا تنفر ، فلما كان ذات يوم قامت إليها لتحلبها على حسب العادة ، فركضتها برجلها ، فانكب القدح ، وتبدد اللبن ، فقامت المرأة فذكرت ذلك لبعلها ، فقال : " ما هذا إلا لنازلة سوء شنيعة نزلت بالجبل " ، فأخذ عكازه وخرج مبادرا ، فأتى جمع أهل الجبل ، فوجدهم مختلفين على رجل ينكل ويجلد ، فسألهم عن شأنه ، فقالوا له : " جاء فيه كتاب من الوالي " ، فقال : " أبسواد في بياض تهرق الدماء يا نفوسة ؟ - أو قال - يا معشر المسلمين " ، فقالوا للشيخ عمروس : " جاوبه " ، فقال : " إذا قيل الحق بطل الجواب " ، ثم سألوا فوجدوا الرجل المكتوب فيه غير هذا المظلوم ، فلما علموا أنهم قد تعدوا ، وأنه بريء ، قوموا جنايتهم عليه ، وغرموها (1) .
وهنا نرى الشيخ عمروس بالرغم من مكانته العلمية العالية إلا أنه بشر معرض للخطأ ، وقد أخطأ في هذه القضية ، وعندما تبين له الحق تراجع مباشرة وأقر بالحق فقال : " إذا قيل الحق بطل الجواب " ، وهذا دليل على سعة علمه وتواضعه فلا ينتصر لنفسه أو تأخذه العزة بالإثم .
وكذلك نلاحظ أن من كان حاضرا لتطبيق العقاب على ذلك الرجل المظلوم قدم الشيخ عمروس ليجيب الشيخ أبا محمد الإيدرفي ، ولن يقدموا الشيخ عمروس إلا لأنه أعلم الحضور ومرجع الفتوى في مُدلهم الأمور ؛ إذا فلا يبعد أن يكون هو الذي أفتى بالغرم لذلك الرجل المظلوم وتقويم جنايتهم عليه .
__________
(1) - الوسياني ، سير ( مخ ) ، ص14 نقلا عن : عمروس ، الدينونة الصافية ، ص26 المقدمة - الدرجيني ، الطبقات ، 1/333- 334. (1/398)
صفحة 399
7- حين سمع الشيخ عمروس بموت أبي مهاصر - رفيقه ومن كان يعارضه على فتاويه - أسرع ليبلغ جنازته ، فوصلهم وهم يجعلون التراب على قبره ، فوضع يده عليه وقال : " الآن يا أخي أمنت لك " يعني من همزات ومكائد عدو الله إبلس لعنه الله وأخزاه (1) .
وقد ظن الجهال من أهل قرية أبي مهاصر ، أن الشيخ عمروس استراح منه حين مات ، عندما سمعوا ذلك القول من الشيخ عمروس ، قال الشماخي : " ... فقال الجهال : استراح منه ، وتأولوه للأمور الدنيوية ، أعني جهال أفاطمان بلد أبي مهاصر " إهـ (2) .
8- قام الشيخ عمروس - قبل خروجه للقاء الأغالبة في موقعة مانو التي نال فيها الشهادة - بكتابة وصيته وقال لورثته : " اعملوا بما فيها ، وأنا خصيمكم غدا بين يدي الله " (3) .
__________
(1) - البغطوري ، سير أهل نفوسة ( مخ ) ، ص94- الشماخي ، السير ، 1/194- عمروس ، الدينونة الصافية ، ص26 المقدمة .
(2) - الشماخي ، السير ، 1/194.
(3) - الدرجيني ، الطبقات ، 2/323- الشماخي ، السير ، 1/195 . (1/399)
صفحة 400
9- في موقعة " مانو " تعرض الإباضية للهزيمة من قبل الأغالبة ، وقتل الكثير من العلماء ، وكان من بينهم الشيخ عمروس - وسيأتي الحديث عن ذلك - ، وعندما وقع في الأسر وأحضر لإبراهيم بن الأغلب - الرجل المسعور كما وصفه الشيخ علي يحيى معمر - قال للشيخ عمروس : " سلني العفو فأعف عنك " ، فأجاب الشيخ عمروس : " إن الأعمار بيد الله ، وتلك كلمة لن تسمعها مني أبدا " ، فقال ابن الأغلب : " إذن فارجع عما أنت عليه - يقصد عن المذهب الإباضي - لنتركك " ، فقال : " تلك كلمة لا أقولها حتى ألحق بالله " ، فقاموا بقرض يديه بمقاريض الحديد ، حتى وصلوا إلى المرفقين ، ففاضت روحهه الطاهرة إلى باريها ، لتسكن أعالي فراديس الجنان ، { مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً } (1) (2) .
__________
(1) - سورة النساء ، من الآية : 69 .
(2) - البغطوري ، سير أهل نفوسة ( مخ ) ، ص95- الشماخي ، السير ، 1/195، 229- علي يحيى معمر ، الإباضية في موكب التاريخ ، المجلد الأول ، ح2 ، ق1 ، ص142- 143 . (1/400)
صفحة 401
إن الشيخ عمروس كما يظهر من خلال النص السابق لم يأخذ بالتقية في الدين لينجي نفسه ، بل إنه جهر بالحق في وجه الطاغية ابن الأغلب ، ولم تذكر المصادر السبب الذي دفع الشيخ عمروس إلى عدم الأخذ بالتقية ، ولكن لعله رغب بالفوز بالشهادة ، وهي أعظم أمنية يتمناها المؤمن بالله حق الإيمان ، ولعله كذلك - وبسبب اعتزازه بمذهبه وعقيدته - لم يرد أن يظهر الضعف أمام ابن الأغلب ، حتى لا يهابه أتباع هذا المذهب ، ويعلموه أنهم لا يتخلون عن مذهبهم وعقيدتهم ، وإن كان الثمن إزهاق أرواحهم ، والشيخ عمروس يضرب لنا هنا مثلا بالتضحية بكل غال ونفيس للمحافظة على هذا الدين ، الذي جاء به نبيا - صلى الله عليه وسلم - ، وإن كان الثمن حياتنا ، فهي رخيصة أمام المحافظة على دين الله تعالى ، وعلى العقيدة الحقة .
وكذلك لعل الشيخ عمروس - وبنظرته الثاقبة التي تستشرف المستقبل - نظر إلى النشء والأجيال القادمة ، فأراد أن يعلمهه درسا بتضحيته الغالية تلك ، حتى يتمسكوا بهذا المذهب ، الذي ضحى أئمتهم وعلماؤهم بأموالهم وأنفسهم في سبيل المحافطة عليه ، وإبلاغه إلى من بعدهم ، فخاف الشيخ عمروس إذا أخذ بالتقية ، أن يتبعه من جاء بعده ، فيبدأ الأمر بالتقية حتى يصل إلى الجبن والضعف والخور ، فيذوب هذا المذهب بين المذاهب والتيارات المختلفة ، فيصبح أثرا بعد عين والله أعلم .
جـ- المطلب الثالث : مناظراته :
من خلال بعض النصوص - حسب ما وجدت في المصادر المتيسرة - يتبين تصدي الشيخ عمروس لمناظرة بعض أصحاب العقائد المنحرفة ، الذين دأبوا على نشرها بين العوام ، ففتنوهم في دينهم ، فانبرى لهم الشيخ عمروس ، وتكفل بقمع فتنهم ، وأراح المسلمين من شرورهم ، وهذه النصوص كالآتي :
النص الأول : (1/401)
صفحة 402
ورد في بعض المصادر أن جماعة اجتمعت في " تنين إزدرشل " لطلب العلم ، وفيهم أبو نصر التمصمصي ، وكان هو المفتي ، وفيهم نفاث بن نصر وهو يلقي عليهم من المسائل العويصة ما لا يفهمون ، فأقبل مهدي ، وعمروس ، فسكت نفاث ، فقال أبو نصر : " الآن جاء السلوقان اللذان يحرزان الحي من الذئب ، وأما جروة أبي نصر فتنبح على الغنم وتنهزم " (1) .
من خلال هذا النص يتبين أن الشيخ عمروس كان من فحول المناظرين المتمكنين من علم الكلام ، فاستطاع أن يقمع نفاث ، ويبطل حججه الواهية .
النص الثاني :
يروى عن أحد أقدم علماء الإباضيين (2) أنه قال : " لولا عمروس بن فتح ، وأفلح بن عبد الوهاب اللذان رفضا آراء نفاث بن نصر وأحمد بن الحسين ، لتبعتهم المذاهب " إهـ (3) .
من خلال هذا النص يتبن أن للشيخ عمروس فضل كبير في قمع بعض الفرق الزائغة التي حاولت أن تبث سمومها في أوساط أتباع المذهب الإباضي ، فاستطاع أن يردعها ، وينقذ المذهب وأتباعه من الانزلاق خلفها .
النص الثالث :
ذكر أصحاب معجم أعلام الإباضية أن الإمام أبا حاتم يوسف بن محمد بن أفلح قام باستدعاء الشيخ عمروس ليقضي على بدعة نفاث صاحب الفرقة النفاثية ، التي أخذت تفسد من ويغو إلى نفوسة ، فقضى عليها وعلى نفاثها (4) .
إذا فقد وصل من تمكن الشيخ عمروس في المناظرة وعلم الكلام أن بلغت شهرته الإمام أبي حاتم الذي كلفه بمجابهة نفاث وفرقته ، والقضاء عليها ، وفعلا استطاع الشيخ عمروس القضاء على نفاث وفرقته .
__________
(1) - الدرجيني ، الطبقات ، 2/314- الشماخي ، السير ، 1/149 ، 2/19- 20 .
(2) *- لم تذكر المصادر اسمه .
(3) - الشماخي ، السير ، ص262 نقلا عن : النامي ، دراسات عن الإباضية ، ص214- 215 ، ( لم أستطع الوقوف على هذا النص في نسخة السير للشماخي التي لدي ، والتي طبعتها تختلف عن طبعة النسخة التي اعتمدها النامي ) .
(4) - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/322 رقم الترجمة : 690 . (1/402)
صفحة 403
النص الرابع :
ذكرت بعض المصادر قيام الشيخ عمروس بتأليف كتاب في " الرد على الناكثة وأحمد بن الحسين " (1) ، وهذا دليل على تبحر الشيخ عمروس في علم الكلام وفن المناظرة ، فلم يكتف بقمع هذه الفرق الضالة عن طريق مجالس المناظرة معهم ، بل قام بتأليف المؤلفات التي يرد فيها على معتقداتهم الزائغة ، حتى يستعين بها المسلمون في كشف عوار هذه الفرق ، وكتاب " الدينونة الصافية " هو مثال آخر على مؤلفات الشيخ عمروس الكلامية ، حيث أنه خصص القسم الأول منه في تناول بعض القضايا الكلامية والمسائل العقائدية ، فرد على بعض الفرق المنحرفة (2) .
إذا فمن خلال النصوص السابقة يتبين أن الشيخ عمروس كان إماما من أئمة علم الكلام ، وفحلا من فحول المناظرة ، فقمع الله على يديه بعض الفرق الضالة التي ظهرت في عصره ، وحاولت نشر فكرها العقيم ، وعقائدها الفاسدة في أوساط الإباضية ، فتكفل بالقضاء عليها الشيخ عمروس ، فأراح الله المسلمين من شرها .
ولم يكتف بذلك وحسب ، بل ألف المؤلفات المتعمقة في محتواها ، رادا فيها على هذه الفرق الضالة كاشفا للمسلمين عوارها ، حتى يحذروا منها ويتجنبوها ، وأهم ما ألفه في ذلك كتاب " الرد على الناكثة وأحمد بن الحسين " ، وكتاب " الدينونة الصافية " كما مر ، قال د/ النامي : " ... وبما أن هذه الفرق المنشقة قد تكونت في مناطق حول جبل نفوسة ، فإن الفقهاء النفوسيين أخذوا على عاتقهم عبء مناقشة ما قالته هذه الفرق ، وإثبات بطلانه ، ومن الأعمال الباقية التي وضعت في هذه الفترة ، رسالتان قصيرتان لعمروس بن فتح ، هما : 1- الدينونة الصافية ، 2- والرد على الناكثة وأحمد بن الحسين ... " إهـ (3) .
__________
(1) *- أنظر ص 243 .
(2) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص58- 84 .
(3) - النامي ، دراسات عن الإباضية ، ص220- 221 . (1/403)
صفحة 404
هذا فيما يتعلق بآثار الشيخ عمروس من مؤلفات وفتاوى ومناظرات ، حاولت أن أجمع أكبر قدر ممكن منها حسب ما توفر بين يدي من مصادر ومراجع ، وعل الأيام القادمة تكشف لنا ما خفي من آثار هذا العلم الجليل ، وتعيد لنا المفقود منها .
5- المبحث الرابع : اشتغاله بالقضاء ، ونماذج من أحكامه :
تولى الشيخ عمروس القضاء على جبل نفوسة في عهد إمامين من أئمة الدولة الرستمية ، وهما الإمام أبو اليقظان محمد بن أفلح ، والإمام أبو حاتم يوسف بن محمد بن أفلح ، حيث كلفه أبو منصور الوالي على جبل نفوسة بتولي منصب القضاء (1) .
وقد كان مثالا للقاضي العادل العالم ، المتمكن من هذا المنصب الخطير ، قال عنه الشيخ بكلي : " ... كان مثالا للقاضي العادل الجريء في أحكامه ، الخبير في حل مشاكل القضاء وقضاياه العويصة ... " إهـ (2) ، وقال عنه أصحاب معجم الأعلام : " ... كان مثالا للقاضي العادل ، جريئا في الحق ... " إهـ (3) .
__________
(1) - البغطوري ، سير أهل ، نفوسة ( مخ ) ، ص94- الدرجيني ، الطبقات ، 1/84- الشماخي ، السير ، 1/192- الباروني ، الأزهار ، 2/252- الجيطالي ، قواعد الإسلام ، 1/13 الهامش- علي يحيى معمر ، الإباضية في موكب التاريخ ، المجلد الأول ، ح2 ، ق1 ، ص140- الجعبيري ، البعد الحضاري ، ص109- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/321 رقم الترجمة 690- عمروس ، الدينونة ، ص16 المقدمة .
(2) - الجيطالي ، قواعد الإسلام ، 1/13 الهامش .
(3) - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/322 رقم الترجمة 690. (1/404)
صفحة 405
إذا لم يستحق الشيخ عمروس منصب القضاء من فراغ ، وإنما استحقه لما تميز به من غزارة في العلم ، وقوة في الصدع بالحق ، وصلاح وورع ، إلا أنه لم يستمر في منصب القضاء طويلا ، حيث تعرض لبعض المضايقات والتدخل من بعض العلماء بجبل نفوسة ، الذين لم يستطيعوا تقبل اجتهادات الشيخ عمروس ، حيث أنه كان يحكم بما يظهر له ، مستندا في ذلك إلى الدليل من الكتاب والسنة ، فكان لا يقلد سابقيه من العلماء ، بل يعرض أقوالهم على الدليل ، ويرجح بينها .
هذا المنهج الذي اتبعه الشيخ عمروس لم يرح بعض من كان حوله من العلماء ، فعارضوه بشدة ، وكان على رأسهم أبو مهاصر ، الذي كان متشددا في أحكامه ، بعكس الشيخ عمروس الذي كان يتبع منهج التيسير على الناس ، فتضايق الشيخ عمروس من هذه المعارضة المستمرة له ، فقرر اعتزال القضاء ، وبعد أن اعتزل ، تبين لألئك العلماء صواب الشيخ عمروس ، وغزارة علمه ، فطالبوه بالرجوع للقضاء فرفض ، حيث أنه كان عزيز النفس ، لا يرضى بالإهانة (1) .
__________
(1) - البغطوري ، سير أهل ، نفوسة ( مخ ) ، ص94- الدرجيني ، الطبقات ، 2/321 ، - الشماخي ، السير ، 1/192- الباروني ، الأزهار ، 2/254- علي يحيى معمر ، الإباضية في موكب التاريخ ، المجلد الأول ، ح2 ، ق1 ، ص140 ، 141- عمروس ، الدينونة ، ص16 المقدمة . (1/405)
صفحة 406
وكان السبب الرئيس لاستقالته من منصب القضاء ، هو أن عبدا اشتكى مولاه ، فقال له الشيخ عمروس : " اصطلح مع مولاك " ، فقال أبو مهاصر - وكان حاضرا ، وكان شديدا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - : " أعط له حقه من مولاه وإلا نزعك الله من ذلك المكان ، ورد فيه غيرك " ، فترك الشيخ عمروس القضاء ، بسبب هذه الحادثة ، وطلبوا منه الرجوع إلى القضاء بعد ذلك فأبى ، وقال : " قد خليت لكم أموركم حين نزعتموني من غير حدث " (1) .
وقد ذكرت المصادر بعض النماذج لأحكامه ، وأقضياته ، التي يظهر من خلالها غزارة علم الشيخ عمروس ، وتمكنه من منصب القضاء ، فمن ذلك المثال الذي ذكرته قبل قليل ، وهو العبد الذي اشتكى مولاه ... ؛ ومن ذلك ما ذكر عنه من أنه كان جالسا ذات يوم في مجلس الحكم ، إذ حضر مجلسه خصمان فطلب أحدهما الآخر في حق تعلق به عليه ، فلما أدلى بحجته ، سكت المطلوب ، فقال الشيخ عمروس للمطلوب : " أجبه " ، فلم يجب ، فكرر عليه ثلاثا ، فلما رآه لا يجيب ، وتبين له لدده ، قام إليه فركضه برجله ، فقال له جلساؤه : " عجلت ياعمروس " ، فجمع أصابع يده ثم أطلقها ، وقال لهم : " كم هذه " ؟ فقالوا : " خمسة " ، قال : " هذه منكم عجلة ، إذ أجبتم قبل أن تعدوها " ، ثم قال لأبي منصور إلياس - والي الجبل - : " إن لم تأذن لي بقتل ثلاثة فخذ خاتمك ، قتل مانع الحق ، والطاعن في دين الله ، والدال على عورات المسلمين " (2) .
__________
(1) - البغطوري ، سير أهل ، نفوسة ( مخ ) ، ص94- الشماخي ، السير ، 1/192- الباروني ، الأزهار ، 2/254- عمروس ، الدينونة ، ص16 المقدمة .
(2) - البغطوري ، سير أهل ، نفوسة ( مخ ) ، ص84- الدرجيني ، الطبقات ، 2/321- الشماخي ، السير ، 1/193- علي يحيى معمر ، الإباضية في موكب التاريخ ، المجلد الأول ، ح2 ، ق1 ، ص141 . (1/406)
صفحة 407
ومن أقضياته أيضا ، ما روي من أن قطاع طرق أغاروا على قافلة فاستباحوها جميعا ، ثم صحبوهم إلى جبل نفوسة ، فتشاجر أصحاب القافلة وقطاع الطرق ، وترافعوا إلى أبي منصور - والي الجبل - ، فكلهم يدعي القافلة وينسبها إلى نفسه ، فحار أبو منصور في أمرهم ، فرفعهم إلى الشيخ عمروس ، وطلب منه أن يحكم بينهم ، فقام الشيخ عمروس بعزل أهل القافلة في ناحية ، وجعل يسألهم واحدا واحدا عن رحله ، وجملته ، وعدده ، وصفته ، وعلامة متاعه ، وقيد مقالة كل واحد منهم بشهادة ، ثم أحضر قطاع الطرق ، فسألهم كما سأل أصحاب القافلة ، وقيد مقالة كل واحد منهم بشهادة أيضا ، ثم أمر بحل الحمولة ، واستخراج ما فيها ، فوجدها وفق ما قال أصحاب القافلة ، ووجد قول القطاع مختلفا مخالفا ، متناقضا ، فقال الشيخ عمروس للوالي أبي منصور : " هؤلاء أصحاب القافلة ، وأولئك أضيافك ، فأضفهم " يعني يحبسهم ويؤدبهم (1) .
هذه بعض النماذج لأحكام وأقضيات الشيخ عمروس ، والتي يظهر من خلالها غزارة علمه ، وعدله ، وذكائه وفطنته ، وكيف لا ؟ وهو أعلم أهل زمانه .
6- المبحث الخامس : موقعة " مانو " واستشهاده :
أ- المطلب الأول : أسبابها وأحداثها :
__________
(1) - الدرجيني ، الطبقات ، 2/321- 322- الشماخي ، السير ، 1/193- الباروني ، الأزهار ، 2/252- علي يحيى معمر ، الإباضية في موكب التاريخ ، المجلد الأول ، ح2 ، ق1 ، ص141- 142 . (1/407)
صفحة 408
موقعة " مانو " هذه الموقعة المؤلمة ، التي وقعت بين أهل جبل نفوسة ، وإبراهيم بن الأغلب في النصف من ربيع الأول من سنة 283هـ (1) ، هذه الموقعة التي انهزم فيها أهل نفوسة فـ " فل فيها حد سيوف نفوسة ، وفنيت أبطالهم ، وأبقت فيهم ثلمة عظيمة ، وهي المصيبة الكبرى التي تضعضع بها ركن الإمامة بتيهرت ، إذ كانوا حصنها المنيع ، وسيفها البتار ، ودرعها المتين ... " (2) .
__________
(1) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص154 الهامش - الدرجيني ، الطبقات ، 1/87- الشماخي ، السير ، 1/228- الجيطالي ، قواعد الإسلام ، 1/13 الهامش- الباروني ، الأزهار ، 2/280- علي يحيى معمر ، الإباضية في موكب التاريخ ، المجلد الأول ، ح2 ، ق1 ، ص133- بحاز ، الدولة الرستمية ، ص129- عمروس ، الدينونة ، ص19 المقدمة .
(2) - الباروني ، الأزهار ، 2/280 . (1/408)
صفحة 409
وكان سبب موقعة " مانو " هو رغبة العباسيين في القضاء على الدولة الرستمية ، حيث أنها في عهد الإمام أبي حاتم بلغت مبلغا عظيما قض مضجع العباسيين في بغداد ، بسبب مراسلة أذنابهم في القيروان وطرابلس ، يخبرونهم عن الدولة الرستمية وما بلغته من العز والهيبة والجاه ، قال أبو زكرياء : " واتصلت أخبار نفوسة إلى من كان بالمشرق من أئمة المسودة ، يدس إليهم بالكتب من كان بالقيروان ومدينة طرابلس ، ويخبرهم أن قيام دولة الفرس بتاهرت تضر بهم ، وكان ذلك على عهد المتوكل ببغداد من بني العباس " إهـ (1)
__________
(1) *- ذكر الشماخي نقلا عن ابن الرقيق أن سبب خروج إبراهيم بن الأغلب ليس للقضاء على الدولة الرستمية ، وإنما كان متوجها لقتال ابن طولون ، فلعله أفسد في طريقه فاعترضه أهل نفوسة وقاتلوه ، وذكر كذلك أنه كان واليا لبني العباس على إفريقية ، أي أنه لم يأت بجيشه من المشرق كما ذكر أبو زكرياء والدرجيني ، وذكر أيضا أن المعركة وقعت في عهد المعتضد ( 279- 289هـ ) ، وليس في عهد المتوكل ( 232- 247هـ ) كما ذكر كل من الشماخي والدرجيني ، وقد رجح الباحث إبراهيم بحاز ما ذكره الشماخي نقلا عن ابن الرقيق ، والذي يظهر من كلام الشيخ علي يحيى معمر أنه يوافق ما ذكره الشماخي نقلا عن ابن الرقيق ، إلا أن الشيخ الباروني اعترض على ما ذكره ابن الرقيق فقال : " ... ولا سبب فيه ولا داعي إلى حمل نفوسة على المعارضة والوقوع في هذه المصيبة ، مع أنهم أعانوا بني الأغلب قبل ذلك على ابن طولون كما تقدم ، والذي أراه مناسبا وإن كان قابلا للنقض هو ما قاله العلامة أبو زكرياء رحمه الله ...." إهـ ، إذا فالشيخ الباروني يرجح ما ذكره أبو زكرياء والدرجيني ، من أن سبب خروج ابن الأغلب هو إرساله من الشرق من طرف العباسيين للقضاء على الدولة الرستمية ، ولعل هذا سبب قوي يدفع الإباضية بنفوسة لاعتراض طريق ابن الأغلب والاشتباك معه في معركة طاحنة استشهد فيها الآلاف من أهل نفوسة ولم يبق لهم من العلماء إلا اثنان ، فالقضية قضية مصير ، فهذا جائر ظالم غاشم جاء قاصدا للقضاء على دولة قائمة ومسحها من الوجود ، فاندفع الإباضية للذود عن حياضهم ، حين اعتدي عليهم وعلى حرماتهم ، وإلا ليس من عقيدة الإباضية المبادرة بالقتال والاعتراض ، إلا إذا هوجموا واعتدي عليهم ، عند ذلك يجب الدفاع والقتال ، وأما من ناحية الاختلاف في المصادر بين المعتضد والمتوكل فلعله خلط لاغير ، وإنما كان الهدف من خروج ابن الأغلب هو القضاء على الدولة الرستمية ، سواء كان الذي أرسله المعتضد أو المتوكل والله أعلم ( أنظر : أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص155- الدرجيني ، الطبقات ، 1/87 =
=- الشماخي ، السير ، 1/228- الباروني ، الأزهار ، 2/280- 281- علي يحيى معمر ، الإباضية في موكب التاريخ ، المجلد الأول ، ح2 ، ق1 ، ص129- بحاز ، الدولة الرستمية ، ص130 الهامش ) . (1/409)
صفحة 410
(1) .
فقام العباسيون بإرسال جيش إلى المغرب بقيادة إبراهيم بن الأغلب ، فلما قرب من طرابلس ، سمع به أهل نفوسة ، فاجتمعوا ، وتشاوروا في الأمر ، فاتفقوا على ألا يتركوه وما يريد من الجواز إلى تيهرت ، دون أن يقاتلوه ، ويمنعوه من تحقيق رغبته الظالمة في القضاء على دولتهم (2) .
عندما اقترب ابن الأغلب من طرابلس ، وسمع بخبر نفوسة ، وعزمهم على منعه دون الوصول إلى تيهرت ، حسب لمقاتلتهم ألف حساب ، لما علم من قوتهم وشجاعتهم وعدم هيبتهم من الموت ، فهم الذين أثنى عليهم الإمام عبد الوهاب بقوله : " إنما قام هذا الدين بسيوف نفوسة ، وأموال مزاته " إهـ (3) .
حين علم ابن الأغلب بعزم نفوسة منعه من تحقيق مراده ، أرسل إليهم أن اتركوا لي ساحل البحر مقدار نشر عمامة لأجوز فيه بجيشي ، فرفضوا ذلك ، فلما رأى ابن الأغلب أن ليس له إلا الرجوع إلى المشرق أو مناصبتهم ، تهيأ للقائهم ، وعزم على محاربتهم ، فقال لأصحابه : " خذوا عدتكم ، وشمروا أنفسكم ، وجوزوا على الساحل ، ولا تتعرضوا لهؤلاء القوم ، فإن هم تركونا وطريقنا ، وإلا ناصبناهم " (4) .
__________
(1) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص155- الدرجيني ، الطبقات ، 1/87- الباروني ، الأزهار ، 2/281 .
(2) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص155- الدرجيني ، الطبقات ، 1/87- الشماخي ، السير ، 1/228- علي يحيى معمر ، الإباضية في موكب التاريخ ، المجلد الأول ، ح2 ، ق1 ، ص134- 135 .
(3) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص155- الدرجيني ، الطبقات ، 1/87 - الشماخي ، السير ، 1/228.
(4) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص155- 156- الدرجيني ، الطبقات ، 1/88 . (1/410)
صفحة 411
فلما وصل خبر قراره أهل نفوسة ، وقع بينهم الخلاف ، فقال بعضهم لبعض : دعوا هذا الرجل ، ولا تتعرضوا له بشيء ، فأبى جمهور المسلمين ذلك ، وكان أبو محمد سعيد بن وسيم ، فيمن قال لهم : لا تتعرضوا له ، فقال له بعضهم : " اشتقت إلى المحافظة على قنطرارة ، ولم ترد الموت " ، فقال لهم : " ياقوم ليس بي ما تذكرون وما تقولون ، ولكنني خفت أن تذبح البقرة فيتبعها عجلها " ، يعني بالبقرة جبل نفوسة ، وبالعجل قنطرارة (1) .
وكان من ضمن المعارضين لحرب ابن الأغلب أفلح بن العباس أمير جبل نفوسة ، ومعبد الجناوني (2) (3) ، إلا أن إصرار الأغلبية على القتال أرغم المعارضين للرضوخ لرغبتهم ، فحمل من ذلك أفلح في نفسه ، وسيكون له دور في تلك المذبحة الرهيبة التي وقعت للإباضية من أهل نفوسة على يد ابن الأغلب كما سيأتي والله المستعان .
__________
(1) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص156- الدرجيني ، الطبقات ، 1/88 - الشماخي ، السير ، 1/228.
(2) *- هو معبد- وورد أبو معبد ، وورد ابن معبد- واختار الشيخ الباروني معبد الجناوني ، عالم من علماء نفوسة ، عاش في القرن الثالث الهجري ، الظاهر من نسبه أنه من " إجناون " قرية من قرى جبل نفوسة ، جمع بين العلم والعمل والورع ، تعلم العلم عند سعد بن أبي يونس بقنطرارة ، يروى عنه أنه بعد أن تعلم عند سعد بن أبي يونس ، قدم إلى " تندباس " فوجد أمَة تستقي ، فطلبها أن تجعل الماء في وعائه ، فقالت له : " أتخدم أموال الناس يا جاهل " ، فرجع إلى طلب العلم ، فظل عشرين سنة ملازما لطلب العلم ، وكان معروفا بالورع والتقوى وكثرة العلم ، استشهد في موقعة مانو سنة 283هـ ( الشماخي ، السير ، 1/206 ، 228 ، 2/28- الباروني ، الأزهار ، 2/281) .
(3) - الباروني ، الأزهار ، 2/281 . (1/411)
صفحة 412
فأعدوا العدة لملاقاة عدوهم ، وخرجوا متوجهين شطره ، فالتقوا في موضع يسمى " مانو " وهو قصر من قصور الأولين على ساحل البحر (1) ، فوقع القتال ، وتقارع الفرسان ، وسمع هدير الكتائب ، وصليل السيوف ، وصهيل الخيول ، وارتفع نقع الغبار ، ففاحت رائحة الدماء ، وتطايرت الجماجم ، وانتشرت الأشلاء ، على ساحة المعركة ؛ ذكر أبو زكرياء أنهم اقتتلوا قتالا شديدا ، لم يُذكر أنه رُؤي مثله في ذلك العصر بأرض المغرب (2) .
ويروى أن رجلا من جيش العباسيين خرج طالبا للمبارزة ، فلم يخرج إليه أحد من فرسان نفوسة إلا قتله ، فقرر الخروج إليه أميرهم أفلح بن العباس ، فأبى عليه أهل نفوسة ، فأصر على الخروج إليه ، فخرج إليه وبارزه ، فصرعه وخلص المسلمين من شره (3) .
واشتد القتال بين الجيشين ، وأسرع القتل في الفريقين ، فكثر القتلى والجرحى في صفوف نفوسة ، حتى هموا بالانهزام ، فتهدم الرجال في الصفين كالحيطان على حد تعبير أبي زكرياء (4) ، وقال الشماخي نقلا عن ابن الرقيق : " فكان بينهم قتال عظيم ، فقتل من جنده - أي جند ابن الأغلب - جماعة من الرؤساء وغيرهم ، ثم انهزم أهل نفوسة ... فتبعهم وقتلهم قتلا ذريعا ، وتطارح منهم في البحر بشر كثير ، وقتلهم فيه حتى غلبت حمرة الدم على الماء " إهـ (5) .
__________
(1) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص156- الشماخي ، السير ، 1/228 .
(2) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص156 .
(3) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص156- الدرجيني ، الطبقات ، 1/88 - الشماخي ، السير ، 1/228.
(4) - المصدران السابقان ، نفس الصفحة ونفس الحزء .
(5) - الشماخي ، السير ، 1/228. (1/412)
صفحة 413
فلما رأى أفلح بن العباس - والي نفوسة - ما همت به نفوسة من الهزيمة ، أمر شيبة الدجى (1) ، صاحب البند ، أن يحفر له في الأرض ، ويوقفه كي لا ينهزم عن البند أحد ، فأبى شيبة الدجى ذلك ، ثم اقتتلوا مليا ، فرجع إليه أفلح ، وقال له : " احفر للبند " ، فأبى عليه ، فأصر أفلح على مراده ، فقال شيبة الدجى : " مسكته عند جدك ، فلم يقل ذلك ، ومسكته عند أبيك ، ولم يقل لي ذلك ، وها أنا حفرت له حفر الله لك " ، فلما ركزه في الحفرة ، ولى أفلح منهزما ، وتركهم يلوذون بالبند ، ولم يستجيزوا أن ينهزموا والبند واقف ، حتى قتل منهم بشر كثير (2) (3) .
__________
(1) *- هو شيبة الدجى النفوسي ، من جبل نفوسة ، عاش في القرن الثالث الهجري ، وكان عالما جليلا ، وبطلا مقداما ، هو صاحب لواء نفوسة في حروبها ضد أعدائها ، منذ أن ولي على الجبل أبو الحسن أيوب بن العباس إلى أن آل الحكم إلى أفلح بن العباس ، فلم تنتكس له راية يوما ، كان من بين الشهداء الذين سقطوا في موقعة مانو 283هـ ( أنظر : البغطوري ، سير أهل نفوسة ( مخ ) ، ص85- الدرجيني ، الطبقات ، 1/88- 89- الشماخي ، السير ، 1/227- علي يحيى معمر ، الإباضية في موكب التاريخ ، المجلد الأول ، ح2 ، ق2 ، ص185- 186- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/223 رقم الترجمة : 489 ) .
(2) **- إن عدم استجازتهم للفرار والبند واقف لهو دليل على شجاعة وصلاح وورع أولئك الأبطال ، الذين ضحوا بأنفسهم وأرواحهم في سبيل إعلاء راية الحق والمحافظة على العقيدة ، ودولة أهل الحق والاستقامة ، فأسأل المولى القدير أن يتقبلهم في صفوف الشهداء في سبيله ، وأن يسكنهم في أعالي فراديس جنانه ، إنه بالإجابة جدير نعم المولى ونعم النصير .
(3) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص156- 157- الدرجيني ، الطبقات ، 1/88- 89 - الشماخي ، السير ، 1/228- الباروني ، الأزهار ، 2/282. (1/413)
صفحة 414
والسبب الذي دفع أفلح أن يفعل بأهل نفوسه هذا هو ما كان من عدم موافقتهم لرأيه في عدم الخروج لملاقاة ابن الأغلب ، وإصرارهم على مقاتلته ، ففعل بهم ما فعل ، قال أبو زكرياء : " وقد كان أفلح فيما بلغنا ، كره خروجهم إلى الفاسق - يقصد ابن الأغلب - وقتالهم إياه ، فلذلك فعل بهم ما فعل " إهـ (1) ، وهذا ما ذكره الشماخي حيث قال : " ... وكان أفلح قد أضمر للأشياخ إيجاس سوء ، لأنهم أكرهوه إلى الخروج ... " إهـ (2) ؛
__________
(1) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص157 .
(2) - الشماخي ، السير ، 1/228.. (1/414)
صفحة 415
وقد حمله المشايخ بنفوسة أسباب الهزيمة وكثرة القتلى من الإباضية ، مما دفعهم إلى عزله عن ولاية الجبل (1) (2) .
__________
(1) ***- الغريب أن الشيخ علي يحيى معمر- مع احترامي الشديد لمكانته العلمية - حاول الدفاع عن أفلح بن العباس وتبرير فعلته الشنعاء في حق الإباضية ، فذكر أن سبب طلبه من شيبة الدجى - حامل البند- أن يركزه في الأرض هو خوفه من أن يضعف الجيش ، فينهزموا ، فاكتفى الشيخ علي يحيى معمر بذكر ذلك ، ولم يذكر أن أفلح بن العباس فر من أرض المعركة ، بعد ركز البند ، وترك جيشه يتعرض لتلك المجزرة الرهيبة حول ذلك البند المشؤوم ، فكان حريا بالشيخ علي يحيى معمر - بمنزلته العلمية - أن يكون واقعيا ، وألا ينجرف خلف العاطفة ، فيذكر مآثر الشخصيات الإباضية ، ولا يذكر أخطاءهم ، أو يحاول أن يجد لها التبرير ، فالإباضية بشر فيهم الصالح وفيهم الطالح ، وقد يقع من الصالح منهم أخطاء إما عن قصد أو عن غير قصد ، فصحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم ينجوا من بعض الهفوات ، فما بالنا بمن جاء بعدهم ؟! ، فلماذا لا نتقبل نقد الذات ؟ وكذلك حاول أن يبرر فعلته أصحاب معجم الأعلام ، واعتبروا ذلك الاتهام باطل ، ويقال لهم نفس ما قيل للشيخ علي يحيى معمر ( أنظر : علي يحيى معمر ، الإباضية في موكب التاريخ ، المجلد الأول ، ح2 ، ق1 ، ص130- 131- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/59- 60 رقم الترجمة : 114 ) .
(2) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص158- الدرجيني ، الطبقات ، 1/89 - الباروني ، الأزهار ، 2/283- علي يحيى معمر ، الإباضية في موكب التاريخ ، المجلد الأول ، ح2 ، ق1 ، ص130- 131 . (1/415)
صفحة 416
ثم إن الله تعالى تداركهم بأن رجلا من أهل البصائر في الدين ، نظر إلى البند واقفا والناس يصرعون حوله ، فقال : " إني لأرى أنك لم يبق لك حظ في النصر ، وإنك منهزم " ، فضربه بسيفه فسقط (1) .
فلما رأى من بقي من جيش نفوسة أن البند قد سقط ، انهزموا وولوا مدبرين ، فنجا من نجا منهم ، واستشهد من استشهد منهم (2) .
__________
(1) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص157- الدرجيني ، الطبقات ، 1/89 - الشماخي ، السير ، 1/228.
(2) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص157- الدرجيني ، الطبقات ، 1/89 . (1/416)
صفحة 417
وروي أن عدد القتلى من الإباضية كان اثني عشر ألفا ، أربعة آلاف من نفوسة ، وثمانية آلاف ممن كان معهم من البربر وغيرهم ، وعدد الأسرى ثمانين عالما ، وكان عدد الشهداء من العلماء أربعمائة عالم فقيه ، حتى إنه لم يبق بعدهم عالم يفتي في النوازل بجبل نفوسة غير عالمين ، هما أبو القاسم البغطوري (1) ، وعبد الله بن الخير (2) ،
__________
(1) *- هو أبو القاسم سدرات بن الحسن البغطوري ، من أهل " ميري " أو " تيري " بجبل نفوسة ، يعتبر ثاني اثنين مع عبد الله بن الخير ، بقيا من العلماء بعد موقعة مانو ضد الأغالبة سنة 283هـ ، أخذ العلم عن أبان بن وسيم الويغوي ، كان عمره قد تجاوز المائة يوم موقعة مانو ، فلم يشترك بها ، فنجاه الله ليكون مجدد المذهب الإباضي ، ومحيي الدين بجبل نفوسة ، فكان مرجع الفتوى ، فبارك الله في عمره ، فعاش ما لا يقل عن مائة وثلاثين سنة قضاها في نشر العلم ، وبث المعرفة ، وتهذيب النشء ، ويذكر الشيخ سالم بن يعقوب في تاريخ جربة أن أبا القاسم مع الشيخ أبي الخير الونزريفي سبقا أبا عبد الله محمد بن بكر الفرسطائي في وضع وتأسيس الجانب الاجتماعي والديني لنظام العزابة ، ويعد الشيخ أبو القاسم حلقة في سلسلة نسب الدين ، وله جواب أجاب به نفاث بن نصر ، وتوجد منه نسخة مخطوطة بمكتبة آل خالد ، توفي في سنة 313هـ ، من تلاميذه أبو هارون موسى بن يونس الجلالمي ( أنظر : أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص158 ، 196- الدرجيني ، الطبقات ، 1/89 ، 112- الشماخي ، السير ، 1/200- 201- سالم بن يعقوب ، تاريخ جربة ، ص94 - علي يحيى معمر ، الإباضية في موكب التاريخ ، المجلد الأول ، ح2 ، ق1 ، ص150 ، 160 ، ح2 ، ق2 ، ص66 ، 77- 79 ، 185- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/169- 170 رقم الترجمة : 369 ) .
(2) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص157- الدرجيني ، الطبقات ، 1/89 - الشماخي ، السير ، 1/228- 229.. (1/417)
صفحة 418
قال الشماخي : " فكانت في الإسلام فلة لم تترقع إلى يومنا هذا " إهـ (1) ، فالله المستعان ، وإنا لله وإنا إليه راجعون .
ذكرت بعض المصادر حادثة وقعت بعد انتهاء المعركة ، والحقيقة لا يعرف مدى صحتها من عدمه ، حيث أن فيها شيئا من الأمور الخارقة للعادة ، ولكن لا يستبعد حدوث ذلك ، فقدرة الله واسعة { بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُون ُ } (2) ، والله تعالى يكرم عباده بما يشاء ؛ والحادثة هي كما ذكرتها المصادر أن الصفين لما افترقا ، بعد انتهاء المعركة ، وجنهم الليل ، جاء رجل من عسكر إبراهيم بن الأغلب ، إلى أخ له مات في المعركة ليحمله ويدفنه ، فلما وصل إلى أخيه ورفعه على دابته ، رأى شيئا ما يطوف في أرض المعركة ، فمر على قتلى الإباضية ، فسمعه يقول : " كبروا يا أهل الجنة " فكبر قتلى الإباضية بأجمعهم !! ، ثم مر على قتلى جيش ابن الأغلب فسمعه يقول : " انبحوا يا كلاب النار " ، فنبحوا بأسرهم !! ، حتى أخوه نبح على سرج الدابة ، فألقى به على الأرض ، وهرب !! (3) ، والله أعلم بصحة أمثال هذه القصص التي تروى ، فلا يستطيع المرء نفي صحتها ، وكذلك لا يستطيع إثباتها ، ولكن تظل النفس مرتابة منها مترددة في تقبلها (4) .
__________
(1) - الشماخي ، السير ، 1/229 .
(2) - سورة البقرة ، آية :117 .
(3) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص159- الدرجيني ، الطبقات ، 1/90 .
(4) *- بمناسبة ذكر هذه الحادثة الغريبة ، فقد وقفت في كتاب سير الأئمة لأبي زكرياء على حادثة أخرى فيها ما فيها من الأساطير والخرافة المنافية للعقل السليم ، فيذكر أن الشيخ أبا عبد الله محمد بن بكر مؤسس نظام العزابة مر على الشيخ عمروس بـ " تباحالت " بجربة ، فذبح له الشيخ عمروس خروفين كبيرين ، فأراد رجل سرقة خروف منهما ، فتطاول الخروف فوقف على إحدى رجليه ، فكانت قامته كقامة الرجل !!
وكنت لا أود ذكر مثل هذه الخرافات في هذا البحث ، فوقت القارئ الكريم أثمن من أن أضيعه بمثل هذه الأساطير ، ولكن هدفي من ذلك أولا التحذير من الانجراف وراء مثل هذه القصص المنافية للفهم والعقل السليمين ، وثانيا للتفريق بين عمروس المذكور في هذه الحادثة والشيخ عمروس بن فتح ، فعمروس بطل هذه القصة كان معاصرا للشيخ أبي عبد الله محمد بن بكر ، أي أنه عاش في القرن الخامس الهجري ، والشيخ عمروس بن فتح عاش في القرن الثالث الهجري ؛ فالظاهر أن عمروس هذا هو عمروس بن عبد الله الزواغي من أهل جربة ، وقد مر الحديث عنه سابقا أنظر ص209 ( أنظر : أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص269 ) . (1/418)
صفحة 419
ب- المطلب الثاني : استشهاد الشيخ عمروس :
في المطلب الأول عشنا معا أحداث موقعة " مانو " الأليمة ، ورأينا كيف انتهت بهزيمة أهل نفوسة ، وفل حدهم ، وقتل أغلب علمائهم ، وأسر الباقي وقتلوا بعد ذلك ، فلم يبق لهم ممن يفتي في النوازل غير عالمين اثنين .
ولكن أين كان الشيخ عمروس من كل هذه الأحداث ؟ وهل شارك في هذه الموقعة الأليمة ، أم لم يشارك ؟ وإن كان شارك ، فماذا كان دوره في المعركة ؟ وهل نجا من المعركة ؟ أم كان ممن استشهد في هذه المعركة المروعة ؟
إن الشيخ عمروس كان من أولئك الأئمة الفحول الذين كانوا يهبون لإقامة الحق ، والدفاع عن حرمات الإسلام ، وقمع الظلم والجور عن العباد ، فهو من الذين رابطوا على الجهاد ، يتلقون السيوف بالصدر والمنحر ، ويقيمون هاماتهم مقام المغفر (1) .
حين علم الشيخ عمروس بمقدم الظالم إبراهيم بن الأغلب ، وعزمه في القضاء على الدولة الرستمية ، انبرى لصده عن حرمات المسلمين ، وقمع شره عن تنجيس حياض الدين ، فكان في مقدمة من شارك في هذه المعركة ، وكان من الذين أبلوا فيها بلاء حسنا حتى أعيى الأعداء أمره ، مما اضطرهم إلى الحيلة لكبح جماح هذا الفارس الصمصام كما سيأتي .
وفي أثناء تلاحم الكتائب ، وتصارع الأبطال ، كان هناك فارس أعيى أمره الأعداء ، يمتطي صهوة جواد عربي أصيل خبر المعارك ، وأمثال تلك الأجواء ، لطول ما عوده صاحبه من اقتحام ميادين القتال ، والغوص في صفوف جحافل الرجال .
__________
(1) - الدرجيني ، الطبقات ، 2/320 . (1/419)
صفحة 420
كان ذلكم الفارس المغوار - الذي علاه الشيب إلا أن الشباب يعجزون عن مجاراته - يصول ويجول ، مكرا مفرا ، في آخر المعركة ، يحمي أبناء عقيدته ، وأتباع مذهبه الذي تشربه منذ نعومة أظفاره ، فوجده مثالا صارخا للحق المفقود ، فكان يذود عنهم ، مدافعا محاميا لهم ممن أرادهم بشر من الظلمة والجورة ، الذين طفحت قلوبهم بالحسد والحقد ، على دولة مسالمة ، مطبقة لشرع الله ، قامت في تلكم الأرض البعيدة ، بعد أن فر أئمتها من جور من ظلمهم ، وقمع حرياتهم ، في المشرق ، فأرادوا أن يحيوا دين الله بعد أن أميت ، ويطبقوا حدود الله بعد أن عطلت ، ولكن أنَّى لهم ذلك ، وأصحاب القلوب المريضة الذين استمرؤوا الشهوات ، يتربصون بهم الدوائر ، حين انفضحوا بقيام مثل هذه الدولة العادلة المطبقة للشرع الحنيف ، فاشتهرت ووصل صيتها مشارق الأرض ومغاربها ، فشدت إليها الرحال ، ويممها الباحثون عن العدل وطعم الحرية .
فكان يقطنها من مختلف أتباع المذاهب الإسلامية ، فلم تقتصر على المذهب الإباضي فقط ، بل كان فيها الشافعي ، والحنفي ، والمالكي ، والحنبلي ، والشيعي ، بل وأتباع الديانات الأخرى ، وقد مرت أمثلة على ذلك في ثنايا هذا البحث .
لعل ذلكم الفارس المجاهد في أثناء صولانه على أرض المعركة ، كانت تدور في عقله هذه الأفكار ، فكان يزيد حماسه ، وتتأجج قوته وطاقاته ، فيقتحم الكتائب بلا هيبة أو فزع من الموت ، فمن هذا الفارس الذي أعيى أبطال فرسان جيش بني الأغلب ، فلم يقدر عليه أحد ؟
إنه أبو حفص عمروس بن فتح - رحمه الله - ، لقد شارك الشيخ عمروس في هذه المعركة وقد بلغ من الكبر عتيا ، حيث أن عمره كان في حدود الثالثة والتسعين ، على فرض أنه ولد في سنة 190هـ ، وكانت هذه الموقعة في سنة 283هـ . (1/420)
صفحة 421
كان الشيخ عمروس في آخر المعركة يحمي الإباضية ، ويذود عنهم ، وكان على فرس سابق ، فلم يقدر عليه الأغالبة ، وأعياهم أمره (1) .
عندما عجز عنه فرسان الأغالبة ، لجئوا إلى الحيلة ، فنصبوا حبالا في طريقه ، فعثر بها فرسه ، فأخذوه أسيرا ، ومضوا به إلى الظالم إبراهيم بن الأغلب ، مسرورين جذلين بما حققوه من أسر الشيخ عمروس ، ولكن أين سيفرون من عذاب الله وشديد انتقامه (2) .
__________
(1) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص157- الدرجيني ، الطبقات ، 1/89 - الشماخي ، السير ، 1/229- الباروني ، الأزهار ، 2/282- علي يحيى معمر ، الإباضية في موكب التاريخ ، المجلد الأول ، ح2 ، ق1 ، ص142.
(2) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص157- الدرجيني ، الطبقات ، 1/89 - الشماخي ، السير ، 1/229- الباروني ، الأزهار ، 2/282- 283- علي يحيى معمر ، الإباضية في موكب التاريخ ، المجلد الأول ، ح2 ، ق1 ، ص142. (1/421)
صفحة 422
وعندما وصلوا به إلى ابن الأغلب ، أراد عدو الله أن يشمت بالمجاهد المؤمن ، فقال له : " سلني العفو فأعف عنك " ، فأجاب الشيخ عمروس - رحمه الله - إجابة المؤمن بالله حق الإيمان ، الواثق به وبوعده حق الثقة : " إن الأعمار بيد الله ، وتلك كلمة لن تسمعها مني أبدا ، ولكن أسألك في سراويلي هذه ، لا تكشفوني منه " (1) ، فصعق ابن الأغلب بذلك الجواب ، ونزل عليه كالسيف القاطع ، حيث أنه كان يظن أن الشيخ عمروس ، سيركع بين قدميه يقبلهما ، مستنجدا طالبا العفو منه ، ونسي أن ذلك الفارس المقيد في الحديد ، لا يركع إلا لملك الملوك ، ولا يستنجد إلا بعظيم السماوات والأرض ، نسي أن الماثل بين يديه قد امتلأ قلبه ببشاشة الإيمان ، وأحس بحلاوته ، فلم تعد تهمه زهرة الحياة الدنيا أمام وعد الله ، فآثر ما عند الله على زخرف الدنيا الفاني ، قال تعالى : { فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ } (2) ، ونسي أن من يحاول إجباره على الركوع بين رجليه هو من الذين قال فيه المولى القدير : { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ } (3) .
__________
(1) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص157- الدرجيني ، الطبقات ، 1/89 - الشماخي ، السير ، 1/229- الباروني ، الأزهار ، 2/283- علي يحيى معمر ، الإباضية في موكب التاريخ ، المجلد الأول ، ح2 ، ق1 ، ص142.
(2) - سورة التوبة ، من الآية : 38.
(3) - سورة البقرة ، آية : 207. (1/422)
صفحة 423
حين رأى ابن الأغلب ثبات الشيخ عمروس حاول أن يضعط عليه بشتى الوسائل والطرق ، وأن يغريه بمختلف المغريات ، عله يتنازل عن ثباته ولو قليلا ، فحاول أن يفتنه في دينه وعقيدته ، فقال له : " إذن فارجع عما أنت عليه لنتركك " ، عند ذلك انتفض الشيخ عمروس انتفاضة الأسد الهصور في أسره ، فقال - بملء فيه - : " تلك كلمة لا أقولها حتى ألحق بالله " (1) ، فأخرجها صرخة مدوية ، أن قف فقد تجاوزت حدودك ، فليس أمثالك من الأقزام من يساومني في ديني ، ولست أنا ممن يبيع دينه وعقيدته ، لأجل رغد العيش وطيب الحياة ، فلله درك ياعمروس ، ولله در بسالتك وشجاعتك وقوة إيمانك .
__________
(1) - علي يحيى معمر ، الإباضية في موكب التاريخ ، المجلد الأول ، ح2 ، ق1 ، ص143 . (1/423)
صفحة 424
عند ذلك عندما رأى ابن الأغلب هذه القوة من الشيخ عمروس ، بدأ يسلك معه مسلك العنف والقمع - الذي يجيده أمثاله من الظلمة والجائرين - ، فأمر بقرضه بمقاريض من حديد ، فبدأوا يقرضون يديه ، لعله يطلب العفو منهم أو يتراجع عن موقفه ، ولكن هيهات هيهات لهم ذلك ، فصبر - رحمه الله - على آلام العذاب ، وهو يرى يديه تقطعان ، جزءا فجزءا ، فاستقل ذلك في جنب وعد الله ، فراحوا يتلذذون في تعذيبهم ، وهو صابر صبر المؤمن ، غلبت حلاوة الإيمان على أليم العذاب ، فلم يعد يحس بها ، فلما بلغوا عضديه ، بعد أن ظلوا طويلا يقطعون يديه ، ودماءه تسيل ، فاضت روحه الطاهرة إلى بارئها (1) ، نعم فاضت روح البطل ، فاضت روح المجاهد ، لتفوز بوعد مولاها { وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ - فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ } (2) .
فرحمك الله ياعمروس ، وأسكن روحك فراديس جنانه { مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً } (3) ، فأنت مثال للمجاهد المؤمن الذي ضحى بنفسه في سبيل إعلاء راية الحق والذود عن حياض الإسلام ، فهنيئا لك فراديس الجنان .
__________
(1) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص157- الدرجيني ، الطبقات ، 1/89 - الشماخي ، السير ، 1/229- الباروني ، الأزهار ، 2/283- علي يحيى معمر ، الإباضية في موكب التاريخ ، المجلد الأول ، ح2 ، ق1 ، ص142.
(2) - سورة آل عمران ، آية : 169 ، 170 .
(3) - سورة النساء ، من الآية :69. (1/424)
صفحة 425
وهكذا طويت صفحة هذا الإمام الجليل ، بعد أن سطرها بعظائم الإنجازات ، فقضى سنوات عمره الطويلة ، بين طلب العلم وحلقه ، وبين الأوراق قراءة وتأليفا وتصحيحا ونسخا ، وفي مجالس المناظرة ، رادا على الفرق الضالة ، وعلى أرض المعارك رافعا راية الإسلام ذابا عن حياض العقيدة ، حتى كلل جهده بالظفر بما يطمع به كل مؤمن ، وهو الفوز بالشهادة ، فكانت حسن خاتمة له رحمه الله تعالى ، وأسكنه أعالي فراديس الجنان .
وكانت أخته المجاهده من ضمن من شارك في هذه المعركة ، مع مجموعة من المجاهدات الإباضيات ، إلا أن أعداء الله أخذوهن أسيرات ، - وكانوا لا يتورعون عن الاعتداء على النساء ، لعنهم الله ، وأذاقهم شديد عذابه - (1) ، فخافت أخت الشيخ عمروس عليهن أن يتعرضن للاعتداء من قبلهم ، فأفتت لهن أن تستخلف كل واحدة منهن عن نفسها من يزوجها لمن أرادها بسوء ، محافظة على عرضهن وشرفهن من الانتهاك (2) ،
__________
(1) *- أين أولئك الذين ينعتون الإباضية بالخوارج ، ويتهمونهم باستباحة دماء المسلمين ، وغنم أموالهم وسبي ذراريهم ، من جرائم الأغالبة ، فهل كان الأغالبة من الإباضية ؟ ، ومن هو الذي يستحق أن ينسب إليه تكفير المسلمين ، واستباحة دمائهم ، وغنم أموالهم ، وسبي ذراريهم ، أليس الأغالبة من أهل السنة ، فلماذا هذا التعامي عن الحقيقة ؟ ولماذا هذا الكيل بمكيالين ؟ ، ولماذا يتهم الإباضية بما هم بريئون منه ، وتاريخهم شاهد على ذلك ، ويتعامي عن المتهم الحقيقي ؟! مع أن جرائم ابن الأغلب مذكورة في كتب أهل السنة ، ولا يستطيعون إنكارها ، فأين الإنصاف ؟!
(2) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص157- الشماخي ، السير ، 1/195- الباروني ، الأزهار ، 2/283- علي يحيى معمر ، الإباضية في موكب التاريخ ، المجلد الأول ، ح2 ، ق1 ، ص142. (1/425)
صفحة 426
فلله دركن ما أورعكن وأطهركن، وحري ببنات الإسلام في هذا الزمان وكل زمان أن يتأسين بكن، في صلاحكن، وتقواكن، وورعكن، وجهادكن في سبيل الله.
والحقيقة أن المصادر لم تذكر مصيرهن بعد ذلك، هل كتبت لهن النجاة، أم تعرضن للتعذيب والقتل من قبل أعداء الله، فالله العالم في ذلك.
الفصل الرابع
منهج الشيخ عمروس خلال الدينونة الصافية
ويحتوي على:
التعريف بكتاب الدينونة.
تعريف المصطلحات: المنهج، الفقه، العقيدة (التوحيد وعلم الكلام).
منهج الشيخ عمروس في عرض وترتيب مسائل أصول الدين (العقيدة).
منهج الشيخ عمروس في عرض وترتيب المسائل الشرعية (الفقه).
1 - تمهيد:
إن لكل عالم من العلماء منهج خاص يتميز به عن غيره في مؤلفاته، وفتاويه، ودروسه، وفي تناوله لمختلف المسائل الشرعية من فقهية وعقائدية، والشيخ عمروس - رحمه الله - له منهجه الخاص في تناول مسائل الفقه والعقيدة، تميز به عن غيره من العلماء، وله طريقه الخاص الذي سار عليه في مؤلفاته وفتاويه، وكذلك في أقضياته.
فما هي معالم منهج الشيخ عمروس (الفقهي والعقائدي)؟، وبماذا تميز منهجه عن مناهج غيره من العلماء؟، وكيف كان تناوله لمختلف المسائل والقضايا؟ وما هي أهم المسائل التي طرقها في كتابه " أصول الدينونة الصافية "؟
الأجوبة على هذه الأسئلة يتناولها هذا الفصل، وسأحاول فيه تسليط الضوء على منهج الشيخ عمروس (الفقهي والعقائدي) من خلال كتابه " أصول الدينونة الصافية "، وأهم ما تميز به، وأسلوبه في طرح المسائل (الفقهية والعقائدية)، وطريقة تحليله لها.
وقبل أن أدخل في تحليل منهج الشيخ عمروس، سأعرف بكتاب " أصول الدينونة الصافية "، وهل هو مطبوع؟، وحجمه وصفحاته، وإثبات نسبته إلى صاحبه، وإثبات عنوان الكتاب، و الباعث على تأليفه، وأهمية الكتاب من الناحية العلمية، والمصادر التي اعتمد عليها الشيخ في تأليفه للدينونة. (1/426)
صفحة 427
بعد ذلك سأعرف بعض المصطلحات التي ستأتي في ثنايا هذا الفصل ، وهذه المصطلحات هي : المنهج ، الفقه ، العقيدة ( التوحيد وعلم الكلام ، وأصول الدين ) .
ثم سأتناول منهج الشيخ عمروس العقائدي من خلال " الدينونة الصافية " ، وأهم المسائل العقائدية التي طرق بابها ، وكيفية عرضه لها ، واستدلاله عليها ، وكيفية تعامله مع المسائل الخلافية ، وموقفه من مخالفيه ، وأهم ما تميز به منهجه العقائدي .
وأختم هذا الفصل بتناول منهجه الفقهي من خلال " الدينونة الصافية " ، وأهم المسائل الفقهية التي تعرض لها ، وكيفية عرضه لها ، واستدلاله عليها ، وكيفية تعامله مع المسائل الخلافية ، وموقفه من مخالفيه ، وأهم ما تميز به منهجه الفقهي .
1- المبحث الأول : التعريف بكتاب الدينونة :
(1)- المطلب الأول : هل الكتاب مطبوع : (1/427)
صفحة 428
لقد تم طباعة كتاب " أصول الدينونة الصافية " بتحقيق الباحث أحمد كروم (1)
__________
(1) *- اعتمد الباحث أحمد كروم في تحقيقه للدينونة على خمس مخطوطات ، المخطوطة الأولى تتكون من أربع صفحات تامة لكنها ممزقة من فوق ، مقاسها 17.7 سم x 24 سم ، وعدد الأسطر 26 سطرا في كل صفحة ؛ وأما المخطوطة الثانية فعدد أوراقها 24 ورقة أي 47 صفحة ، مقاسها 21..5 سم x 16 سم ، وعدد الأسطر 24 أو 25 سطرا في كل صفحة ؛ والمخطوطة الثالثة عدد أوراقها 28 صفحة ، مقاسها 18 سم x 27 سم ، وعدد الأسطر 28 سطرا في كل صفحة ؛ وأما المخطوطة الرابعة فعدد أوراقها 19 ورقة ، مقاسها 22 سم x 16 سم ، والأسطر 25 سطرا ؛ وأخيرا المخطوطة الخامسة عدد أوراقها 28 ورقة ، مقاس 21 سم x 16 سم ، وعدد الأسطر بين 23 و 24 سطرا ؛ هذه هي المخطوطات التي اعتمد عليها في تحقيقه للدينونة ، وهناك مخطوطة سادسة لم يعتمد عليها في تحقيقه ، وحتى أنه لم يشر إليها ، فلا أدري هل السبب في عدم إشارته إليها واعتماده عليها أنه لم يقف عليها ؟ أم أنه وقف عليها إلا أنه وجد أنها غير صالحة لكي يعتمدها في تحقيقه أو شيء من هذا القبيل ؟ بالرغم من أنه أعتمد من ضمن مراجعه مقال د/ النامي في وصف المخطوطات الإباضية التي اكتشفها في شمال إفريقيا ؛ حيث أن د/ النامي وقف عليها ووضع وصفا لها ، فذكر أنها تتكون من 11 صفحة ، مقاس 15 سم x 21 سم ، وكل صفحة تحوي 27 سطرا ، ونوع الخط مغربي قديم ، وهي غير مؤرخة ، وهي عبارة عن قسم من مخطوطة متعددة المحتويات ، ثم ذكر نصا من بداية المخطوطة ، ونصا آخر في نهايتها ؛ وأشار كذلك إلى أنه وقف على نسخة أخرى للدينونة في حيازة الشيخ محمد بابانو ، من بني يزقن بميزاب ، فالظاهر أنه يقصد أنها نسخة أخرى من نفس المخطوطة التي وصفها ، وليست مخطوطة أخرى لناسخ آخر والله أعلم ( أنظر : عمروس ، الدينونة الصافية ، ص44 الهامش ، ص45- 52 ، ص163- النامي ، وصف مخطوطات إباضية مكتشفة حديثا ( مخ ) ، ص20 ) . (1/428)
صفحة 429
من قبل وزارة التراث والثقافة بسلطنة عمان ، في سنة 1420هـ / 1999م ، والمطبعة التي قامت بطباعة الكتاب هي مطبعة عمان ومكتبتها المحدودة بسلطنة عمان ، وهذه الطبعة هي أول طبعة للكتاب ، والظاهر أن الكتاب لم يطبع طبعة ثانية بعد .
والباحث أحمد كروم هو أول من قام بتحقيق هذا الكتاب ، ولم يحققه أحد قبله ، ولا بعده ، وقد بذل مجهودا كبيرا في تحقيق الدينونة ، يشكر عليه ، ويستحق الثناء ، وكذلك قام بالترجمة للشيخ عمروس ، وقد استفدت منها كثيرا ، إلا أنه لم يتوسع كثيرا في الترجمة للشيخ عمروس ، وكذلك لم يتناول منهج الشيخ عمروس من خلال كتاب " أصول الدينونة الصافية " ، وهذا ما دفعني إلى محاولة سد هذا الفراغ والقيام بتحليل المنهج الفقهي والعقائدي للشيخ من خلال كتابه المذكور ، علّي أكون بذلك أسهمت في خدمة هذا العلم الجليل وكتابه الرائع الذي يجهله الكثير حتى من الباحثين ، وعلّي أكون بذلك قدمت ولو خدمة بسيطة لتراث أئمتنا وعلمائنا .
(2)- المطلب الثاني : حجمه وصفحاته :
الكتاب حسب - طبعة وزارة التراث الوحيدة - من الحجم المتوسط ، وعدد صفحاته - مع مقدمة المحقق ، والترجمة ، والهوامش - هي : أربع ومائتان ( 204 ) صفحة ، وعدد صفحات الكتاب نفسه ، بقسميه العقائدي والفقهي هي : اثنان ومائة ( 102 ) صفحة .
(3)- المطلب الثالث : نسبته إلى صاحبه :
لقد أثبت الباحثون من المؤرخين والمحققين نسبت كتاب " أصول الدينونة الصافية " إلى الشيخ عمروس ، فممن أثبت نسبته إليه : (1/429)
صفحة 430
1- أبو زكرياء يحيى بن أبي بكر الورجلاني ( ت : 471 هـ ) في كتابه سير الأئمة ، حيث قال : " وكان عمروس عالما كبيرا له كتابان في الأصول والفقه ... " إهـ (1) ، وقد اعتمد بعض الباحثين - كالباحث أحمد كروم (2) - على هذا النص لإثبات أن أبا زكرياء أشار إلى كتاب " أصول الدينونة الصافية " ، ونسبه إلى الشيخ عمروس ، ولكن في الحقيقة أن هذا النص غير واضح لإثبات نسبة كتاب " أصول الدينونة " إلى الشيخ عمروس ، فلا يوجد ذكر فيه لهذا المسمى ، وإنما ذكر أن للشيخ عمروس كتابان في الأصول والفقه ، إلا أنه لم يحدد هاذين الكتابين بالاسم ، بل ترك الكلام مبهما والله أعلم .
2- أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني ( ت : 570 هـ ) في الجزء الثاني من كتاب الدليل والبرهان ، قال : " وأما قول عمروس فيما يسع الناس جهله فيما ضيقه المشايخ على الناس وسعه هو ، قال عمروس : " والذي يسع جهله من الإيمان حتى يحل تفسيره ، فما كان من تفسير جملة التوحيد ، مثل إنفاذ الحدود على الله عز وجل ... " إهـ ... " إهـ (3) .
وبالفعل فإن هذا النص الذي ذكره الشيخ أبو يعقوب ونسبه للشيخ عمروس ، هو للشيخ عمروس ، وموجود في الدينونة (4) ، إذا فهذا دليل على كون كتاب الدينونة هو من تأليف الشيخ عمروس ، وقد أشار إلى ذلك الباحث أحمد كروم (5) .
__________
(1) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص150 .
(2) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص43 .
(3) - يوسف بن إبراهيم الوارجلاني ( أبو يعقوب ) ، كتاب الدليل والبرهان ، ج2 ، وزارة التراث القومي والثقافة ، سلطنة عمان ، 1403هـ / 1983م ، ص18 .
(4) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص81 .
(5) - المصدر السابق ، ص43 . (1/430)
صفحة 431
وذكر الشيخ أبو يعقوب كذلك نصا آخر للشيخ عمروس ، وهو قوله : " إنما يقيم الحجة في دين الله العالم الغاية الذي لا يوجد على قوله مزيد ... " إهـ (1) ، وهذا النص موجود في الدينونة - مع بعض الاختلاف القليل - ، والنص هو : " ... وقد قال بعض سلفنا رحمهم الله : إنما تكون التي يقطع بها العالم الغاية بنهاية العلم الذي لا يجهل شي (2) الحجة " إهـ (3) ، وقد أشار الباحث أحمد كروم إلى ذكر الشيخ أبي يعقوب لهذا النص ، وأنه موجود في الدينونة (4) .
3- أبو القاسم بن إبراهيم البرادي ( ق : 9هـ ) ألف رسالة في تقييد كتب الإباضية ( المشارقة وأهل جبل نفوسة والمغاربة ) ، حيث بدأ بالشيخ عمروس عند تناوله لمؤلفات علماء جبل نفوسة ، فقال : " ... ومن تأليف أصحابنا أهل جبل نفوسة كتاب عمروس بن فتح ... " إهـ (5) .
ويقال هنا نفس ما قيل عما ذكره الشيخ أبو زكرياء ، فالنص لم يحدد اسم هذا الكتاب ، فلعله الدينونة ، ولعله كتاب آخر من تأليف الشيخ عمروس ، ويلاحظ أن الباحث أحمد كروم استدل بهذا النص للبرادي لإثبات نسبة كتاب الدينونة للشيخ عمروس ! بالرغم من أن النص لم يحدد اسم الكتاب (6) .
4- أبو العباس أحمد بن عبد الواحد الشماخي ( ت : 928هـ ) قال في كتاب السير : " ... وبعث إليه بعض الأشياخ المتكلمين من أهل فزان أن يؤلف له كتابا في الأصول ، فكتب إليه الكتاب المعروف بالعمروسي ... " إهـ (7) ، وكذلك ذكر نفس هذا النص البغطوري (8) .
__________
(1) - الوارجلاني ، كتاب الدليل والبرهان ، 2/77 .
(2) *- هكذا في النص ، ولعله خطأ مطبعي ، فلعل الأصح " شيء " والله أعلم .
(3) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص83 .
(4) - المصدر السابق ، ص43 .
(5) - البرادي ، الجواهر ( مخ ) ، ص219 .
(6) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص43- 44 .
(7) - الشماخي ، السير ، 1/196
(8) - البغطوري ، سير أهل نفوسة ( مخ ) ، ص95 . (1/431)
صفحة 432
ذكرت سابقا أن أصحاب معجم أعلام الإباضية عدوا كتاب " العمروسي " هو نفسه كتاب " أصول الدينونة الصافية " (1) ، فبناء على ذلك فإن ما ذكره الشماخي والبغطوري من أن الشيخ عمروس قام بتأليف كتاب " العمروسي " أو " أصول الدينونة الصافية " هو دليل على ثبوت نسبة هذا الكتاب للشيخ عمروس والله أعلم .
وقد أشرت سابقا كذلك إلى أن الباحث أحمد كروم تناقض في التفريق بين الكتابين ، فتارة يعدهما نفس الكتاب ، وتارة يفرق بينهما ! (2) ، وأشرت كذلك إلى أن د/ النامي نفى وجود كتاب " العمروسي " من مؤلفات الشيخ عمروس ، بناء على انفراد الشماخي بذكره ، وذهب إلى أن كتاب " العمروسي " هو نفسه كتاب " الرد على الناكثة وأحمد بن الحسين " ، إلا أنه في المقابل أثبت وجود كتاب " أصول الدينونة الصافية " وعده من مؤلفات الشيخ عمروس كما مر (3) .
5- القطب محمد بن يوسف اطفيش ( ت : 1332هـ ) استشهد ببعض النصوص من كتاب أصول الدينونة في كتابه شرح النيل وشفاء العليل ، وكذلك صاحب المتن ، الشيخ عبد العزيز الثميني (4) ، وقد أشار إلى هذا الباحث أحمد كروم (5) .
6- الشيخ عبد الرحمن بن عمر بكلي ، قال في تحقيقه على كتاب " قواعد الإسلام " للشيخ الجيطالي : " ... فترك لنا كتبا قيمة ... وكتاب الدينونة ... " إهـ (6) .
7- د/ عمر خليفة النامي ذكره برقم 12 ، ضمن قائمة المخطوطات التي ضبطها عام 1970م ، حيث رآها في زيارته إلى مناطق الإباضية في شمال إفريقيا عام 1968هـ (7) ، وكذلك نسبه إليه في كتابه دراسات عن الإباضية (8) .
__________
(1) **- أنظر ص241 .
(2) *- أنظر ص241.
(3) **- أنظر كذلك ص241.
(4) - أنظر مثلا : ج4 ، ص9 من شرح النيل ؛ ج14 ، ص612 من شرح النيل .
(5) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص44 .
(6) - الجيطالي ، قواعد الإسلام ، 1/13 الهامش .
(7) - النامي ، وصف مخطوطات إباضية مكتشفة حديثا ( مخ ) ، ص20.
(8) - النامي ، دراسات عن الإباضية ، ص46 ، 221 . (1/432)
صفحة 433
9- د/ إبراهيم بحاز ، اعتمد على ما ذكره الشيخ بكلي من نسب كتاب الدينونة إليه ، فقال : " وينسب إليه الشيخ عبد الرحمن بكلي عدة كتب ... وكتاب الدينونة ... " إهـ (1) .
10- د/ فرحات الجعبيري كذلك نسب إليه كتاب الدينونة الصافية ، وذلك حينما تحدث عن مصطلح " الإباضية " وأنه ظهر أول ما ظهر في كتاب الدينونة فقال : " كما قبلوا على ما يبدوا التسمية التي أسندت إليهم وعرفوا بها عند كتاب المقالات من القرن الرابع الهجري وهي " الإباضية " ويبدو أنها لم تظهر لأول مرة إلا في عقيدة من عقائدهم معروفة بالدينونة الصافية لعمروس بن فتح ... " إهـ (2) .
11- وكذلك فإن أصحاب معجم أعلام الإباضية نسبوا إلى الشيخ عمروس كتاب الدينونة ، فقالوا : " ولعمروس عدة تصانيف في الفقه والعقيدة ، فقد ألف كتابه المسمى بالعمروسي والمعنون بـ " الدينونة الصافية " ... " إهـ (3) .
12- الباحث أحمد كروم كذلك من الذين أثبتوا نسبة كتاب الدينونة إلى الشيخ عمروس ، فقال : " هذا المخطوط النفيس - يقصد كتاب أصول الدينونة الصافية - أثبت نسبته إليه القدماء والمحدثون من المؤرخين والمحققين الإباضية وغيرهم ... " إهـ ، فذكر مجموعة منهم ، ذكرتهم أعلاه (4) .
(4)- المطلب الرابع : إثبات عنوان الكتاب :
الحقيقة أني لم أتمكن من الحصول على النسخ المخطوطة لكتاب " أصول الدينونة الصافية " حتى أقوم بنفسي بالمقارنة بين العناوين الواردة في النسخ المخطوطة ، للخروج بالعنوان الصحيح ، ولهذا سأعتمد في هذا المطلب على ما ذكره الباحث أحمد كروم - محقق الدينونة - حول هذه النقطة ، مكتفيا بما توصل إليه حيث كفاني مؤونة البحث .
__________
(1) - بحاز ، الدولة الرستمية ، ص327 .
(2) - الجعبيري ، البعد الحضاري للعقيدة الإباضية ، ص56 .
(3) - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/322 رقم الترجمة : 690 .
(4) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص43- 44 . (1/433)
صفحة 434
قال : " لقد ورد عنوان الكتاب في النسخ المعتمدة على لفظين : في ( ب ) و ( د ) و ( ج ) كتب : " أصول الدينونية الصافية " بالياء بعد النون الثانية ... وفي نسخة ( هـ ) ضبط بلفظ " أصول الدينونة الصافية " بدون ياء بعد النون الثانية ، وهو الأصوب لما يلي :
1- أن هذه النسخ كلها تتفق في العبارة التي ختم بها باب العقيدة قائلا : " وقد وصفت في هذا أصول السيرة والدينونة الصافية " (1) .
2- من الجانب اللغوي في المعاجم لا نجد المصدر في كلمة " دان " إلا بلفظ " ديانة ودينونة " لا " دينونية " على صيغة النسبة ، ولا مجال للنسبة في هذا المكان ويرد في تعابير الفقهاء قولهم : " فعل هذا دينونة " أو " قال دينونة " أي اعتقادا صحيحا .
3- لقد ورد هذا العنوان بلفظ " الدينونة " عند بعض المحققين المتأخرين مثل الشيخ عبد الرحمن بكلي (2) والشيخ فرحات الجعبيري (3) والدكتور عمرو النامي (4) ... بينما المتأخرون منهم لم يورده أحد بهذا الاسم إلا النساخ ، فأميل إلى أن النساخ هم الذين وضعوا هذا العنوان له وقد اقتبسوه من وسط الكتاب ... والله أعلم بالصواب " إهـ (5) .
إذا فمما سبق يتبين - بناء على ما رجحه الباحث أحمد كروم - أن العنوان الصحيح لكتاب الدينونة هو " أصول الدينونة الصافية " ، وأنه من وضع النساخ الذين نقلوه من عبارة الشيخ عمروس السابقة .
(5)- المطلب الخامس : الباعث على تأليفه :
__________
(1) - المصدر السابق ، ص84 .
(2) *- أنظر : الجيطالي ، قواعد الإسلام ، 1/13 الهامش .
(3) **- أنظر : الجعبيري ، البعد الحضاري للعقيدة الإباضية ، ص109 .
(4) ***- أنظر : النامي ، وصف مخطوطات إباضية مكتشفة حديثا ( مخ ) ، ص20.
(5) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص52- 53 . (1/434)
صفحة 435
أشار الشيخ عمروس بنفسه إلى سبب تأليفه للكتاب ، فقال : " وذكرت قول أهل الحق ، وأردت أن أقصد بكتابي إلى بعض أمور تكون فيها الحاجة مما كلف الله به العباد ... " إهـ (1) .
إذا قصد الشيخ عمروس من تأليف كتاب الدينونة ذكر قول أهل الحق - يقصد الإباضية - ، وكذلك أراد تناول الأمور التي كلف الله بها عباده ، والتي يحتاج إليها المسلم لعبادة الله تعالى بشكل صحيح .
(6) - المطلب السادس : محتويات الكتاب :
قسم الشيخ عمروس كتابه " الدينونة الصافية " إلى قسمين ، القسم الأول في العقيدة ، والثاني في الفقه ؛ فتناول في قسم العقيدة عددا من المسائل العقدية فمما تناوله من مسائل الاعتقاد المعاملة بين الموحدين ، ومعاملة أهل الكتاب والمشركين ، ومعاملة المنافقين ، كذلك تناول قضية الشفاعة ، ثم رد على بعض الفرق الإسلامية المنحرفة كالخوارج والصفرية والمعتزلة والمرجئة والشيعة ؛ وختم قسم العقيدة بقواعد مما لا يسع جهله من الدين (2) .
وأما قسم الفقه فقد تناول فيه العديد من مسائل العبادات ، فتناول المسائل المتعلقة بالصلاة كأوقات الصلاة وصلاة الجماعة وعدد الركعات في الفرائض والسنن ... إلخ ؛ ثم تناول مسائل الطهارات من وضوء وتيمم واغتسال ، ثم فصل الحديث في فريضة الزكاة ؛ واتبعها بفريضة الصوم ؛ ثم فريضة الحج والعمرة ؛ ثم بدأ بعرض مسائل في فقه المعاملات ، ففسر المظالم والمحاربة ، وأحكام القطع في الإسلام ، ومسائل متعلقة بالقصاص ، والمغانم ؛ ثم تناول أحكام الميراث ؛ بعد ذلك عرج على بعض الأحكام المتعلقة بالنساء من طلاق وعدد ؛ ثم تناول نفقة المرضع وحد الرضاع ؛ وختم ببعض المسائل الفقهية المتعلقة بالختان والأذان والأمر بإتمام الأعمال (3) .
__________
(1) - المصدر السابق ، ص79 .
(2) - أنظر : المصدر السابق ، ص58- 84 .
(3) - أنظر : عمروس ، الدينونة الصافية ، ص87- 159 . (1/435)
صفحة 436
هذه هي محتويات كتاب الدينونة باختصار وسيأتي الحديث عنها بالتفصيل في المباحث القادمة عند الحديث عن منهج الشيخ عمروس الفقهي والعقائدي ؛ وقد أشار د/ النامي إلى محتويات الدينونة فقال : " هذه الرسالة منسوبة إلى عمروس بن فتح ، وتشرح موقف الإسلام تجاه المشركين ، وأهل الكتاب ( النصارى واليهود ) والمجوس ، والمنافقين ، من وجهة نظر إباضية ؛ المؤلف أيضا يدحض بعض الآراء الخاطئة المتبعة من قبل بعض الفرق المنتسبة للإسلام ، مثل : الخوارج ، والصفرية ، والمعتزلة ، والمرجئة ، والشيعة ؛ وقد ختم رسالته ببيان قواعد أساسية لا يسع جهلها من التوحيد " إهـ (1) .
(7)- المطلب السابع : أهمية الكتاب من الناحية العلمية :
ذكر الباحث أحمد كروم أربع نقاط تتعلق بأهمية كتاب " أصول الدينونة الصافية " ، وهي :
1- تساهم في كشف جوانب هامة عن التأليف عند الإباضية في عهد الدولة الرستمية ، هذه الدولة التي أبيدت معالمها من الجذور بعد أن أحرق الفاطميون مكتبتها " المعصومة " العظيمة ، لولا وجود كتب محفوظة هنا وهناك ، يتوارثها الأبناء عن الآباء في جو من السرية والحيطة المتناهيتن ، إلى أن وصلتنا ، مثل هذا الكتاب .
2- أنها توضح لنا جوانب عن شخصية أحد الأعلام المغمورين في التاريخ الإسلامي للقرن الثالث الهجري ؛ هذه الشخصية التي ظلت مضرب المثل عبر القرون - للجد والنشاط واغتنام الفرص - (2)
__________
(1) - النامي ، وصف مخطوطات إباضية مكتشفة حديثا ( مخ ) ، ص20.
(2) *- يوجد في كلام الباحث أحمد كروم هنا بعض التناقض ، فقد ذكر أولا أن الشيخ عمروس من الشخصيات الإسلامية المغمورة ، ثم قال أن الشيخ عمروس كان مضرب المثل عبر القرون للجد والنشاط واغتنام الفرص ! ؛ فكيف يكون مغمورا وهو من الذين يضرب بهم المثل عبر القرون ؟!
والحقيقة أن مما يندى له الجبين أن الكثير من أئمة وعلماء المذهب الإباضي بقوا في طي النسيان لسنوات طويلة ، وأهملت التضحيات العظيمة التي قدموها فداء لهذه الأمة الإسلامية ، وأهملت الكثير والكثير من مؤلفاتهم حتى قضت عليها الأرضة ويد المعتدي ، والشيخ عمروس هو واحد من هؤلاء العظماء ، فعلى أبناء هذا المذهب الإسلامي العريق أن يجتهدوا في إماطة اللثام ، وإزالة غبار الزمن عن إنجازات أئمتهم في مختلف الميادين ، فقد بذل أولئك الأئمة الأفذاذ الغالي والنفيس للمحافظة على هذا المذهب ، ليصل سالما من الشوائب إلى أجيالهم القادمة ، فواجب علينا رد الجميل إليهم بأن نسعى بخطى حثيثة لإخراج مؤلفاتهم وآثارهم إلى النور بثوب قشيب وتحقيق أريب ، ليعم نفعها الأمة الإسلامية جمعاء ، فهل من مجيب للنداء ؟ (1/436)
صفحة 437
فبارك الله في عمر الشيخ عمروس لإخلاص نيته في خدمة الإسلام ونفع عباد الله .
3- لها فضلها في الحفاظ على نصوص من مدونة أبي غانم الخرساني ، بل تلخيص بعضها تلخيصا يتناسب مع طريقة التأليف في المغرب الإسلامي ، إذ أنها تعرض الإسلام على قوم عجم ليس لهم باع عريض في اللغة العربية ، فيبسط لهم الكلام ويمدده .
4- إذا استعرضنا نصوص الكتاب إلى المنهجية العلمية في التأليف وجدناها لا تفقد حظها من ذلك ، إذ أنها تعتمد على الدليل الشرعي والعقلي في إحكامها (1) ، وتستعمل السند - ولو كان عاما - في إثبات الترجيحات والاجتهادات الخاصة لكل مدرسة ، واختيار العبارات الواضحة ، حتى يتمكن العامي من فهمها (2) .
وأضيف إلى ما ذكره الباحث أحمد كروم :
5- مساهمة الدينونة في المحافظة على العقيدة الإباضية من الذوبان في عقائد المذاهب الأخرى ، وذلك بقيام الشيخ عمروس بالرد على المخالفين ، ودحض شبههم ، وبيان العقيدة الصحيحة مدعومة بالدليل الذي لا يقبل الشك .
6- مساهمتها في المحافظة على الفقه الإباضي ، وأقوال أئمة المذهب الإباضي .
__________
(1) *- هكذا في النص ، فلعله يقصد " أحكامها " ، فالظاهر أنه خطأ مطبعي .
(2) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص55- 56 . (1/437)
صفحة 438
7- بيان الأوضاع التي كان يعيش فيها الإباضية في تلك العصور الأولى - خاصة في المغرب - ، حيث كانوا يعيشون في صراعات مذهبية قوية ، وهذا ظاهر من ردود الشيخ عمروس على مخالفيه في الدينونة ، حيث استخدم عبارات قوية وشديدة في الرد عليهم ، كقوله : " وأباح الفساق الحرام ... " إهـ ، وقوله : " ...كالسائمة من البهائم لا يعرفون البراءة ولا الولاية ... " إهـ ، وقوله : " ... ويزعمون أنهم من أهل السنة وهم ممن أمات السنة " إهـ (1) ، وقوله : " وليس لهم دين موصوف ولا لدين الله عندهم معرفة ... " إهـ (2) ، وقوله : " ... فلا نعلم أحدا من محدثي أهل القبلة أحدث حدثا هو أشد وأقبح منهم ... " إهـ (3) ، وأكتفي بهذه الأمثلة التي ذكرتها على شدة الشيخ عمروس على مخالفيه ، وقوته في الرد عليهم (4) .
__________
(1) - المصدر السابق ، ص66 .
(2) - المصدر السابق ، ص76 .
(3) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص78 .
(4) *- الظاهر أن ما دفع الشيخ عمروس إلى اتباع منهج الشدة والقوة في الرد على مخالفيه ، هو ظهوره في عصر احتدم فيه الصراع بين المذاهب الإسلامية المختلفة ، فتعرض أتباع المذهب الإباضي لحرب شعواء من قبل مخالفيهم ، مما دفع أئمة المذهب في ذلك الوقت إلى الدفاع عن مذهبهم سواء بمناظرات شفهية – وقد برع الشيخ عمروس في ذلك – أو بمؤلفات كما = = هو الحال في كتاب الدينونة ، ولو لم يفعل أئمة المذهب الإباضي ذلك لكان مصيرهم الزوال والاندثار كما زالت واندثرت الكثير من المذاهب الإسلامية كالمعتزلة والظاهرية والصفرية ، وأرى أنه من الضروري أن أنبه إلى أنه ليس هذا هو السبب الوحيد في المحافظة على المذهب الإباضي ، بل هناك أسباب أخرى عديدة ساهمت في المحافظة على المذهب الإباضي ، وليس هذا مقام ذكرها ، ولكن من أهمها مسالك الدين عند الإباضية ( الكتمان ، والظهور ، والدفاع ، والشراء ) والله أعلم . (1/438)
صفحة 439
8- إن أئمة وعلماء المذهب الإباضي عرف عنهم التعمق في العلم ، والتمكن منه ، والشيخ عمروس واحد منهم ، وكتابه الدينونة شاهد على قوته العلمية ، وتضلعه العلمي ، وهو أيضا شاهد على القوة العلمية لعلماء المذهب الإباضي في تلك العصور المتقدمة .
9- إن المذهب الإباضي عقيدة وفقها وفكرا ، ضارب بجذوره إلى القرون الهجرية الأولى ، وقد اتضحت معالم المذهب الإباضي منذ القرون الهجرية الأولى ، فترك أئمة المذهب في تلك القرون العديد من المؤلفات الشارحة لأسس هذا المذهب سواء العقائدية أم الفقهية أم الفكرية ، ومن هذه المؤلفات مسند الإمام الربيع ، ومدونة أبي غانم الخرساني ، وتأتي الدينونة الصافية في مقدمة الركب في هذا المجال ، حيث أنها ألفت في القرن الثالث الهجري ، وقبل هذه كلها ديوان الإمام جابر بن زيد إمام المذهب الإباضي الذي لا يزال مفقودا إلى الآن .
(8)- المطلب الثامن: مصادر الكتاب :
لقد قام الشيخ عمروس بتأليف كتابه " الدينونة الصافية " في القرن الثالث الهجري ، وانتشار الكتب في تلك القرون الأولى ، وانتقالها بين مختلف المناطق من الصعوبة بمكان ، فما البال بجبل نفوسة الشاهق ، فالملاحظ أن الشيخ عمروس لا يذكر المصادر التي اعتمد عليها في تأليفه للدينونة ، إلا مصدر واحد وهو مدونة أبي غانم الخرساني ، وقد أشار إلى ذكرها في الدينونة الباحث أحمد كروم (1) .
فالظاهر أن الشيخ عمروس اعتمد في تأليفه لكتابه الدينونة على ما تلقاه من علم على يد مشايخه الذين تتلمذ عليهم ، والذي يوحي بذلك بعض العبارات ذكرها في ثنايا الدينونة ، فمن ذلك مثلا قوله : " ... وقد قال بعض سلفنا رحمهم الله ... " (2) ، وقوله : " من نأخذ عنه ممن أدركنا " (3) ، وما شابه هذه العبارات المبثوثه في ثنايا " الدينونة " .
__________
(1) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص55 .
(2) - المصدر السابق ، ص83 .
(3) - المصدر السابق ، ص101 ، 102 . (1/439)
صفحة 440
1- المبحث الثاني : تعريف المصطلحات : المنهج ، الفقه ، العقيدة ( التوحيد وعلم الكلام ، وأصول الدين )
أ- المطلب الأول : تعريف المنهج :
المنهج أو المنهاج هو الطريق الواضح البين (1) ، جاء في لسان العرب : " نهج : طريق نَهْجٌ بين واضح ... ومنهج الطريق : وضَحُه ، والمنهاجُ كالمنهج . وفي التنزيل : { لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً } (2) ... والمِنهاجُ : الطريقُ الواضحُ ... وفي حديث العباس : » لم يمت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى ترككم على طريق ناهجة « (3) أي واضحة بينة ... " إهـ (4) .
وقال الزمخشري : " نهج أخذ النَّهْج والمَنْهَج والمِنْهاج ، وطريق نَهْج ، وطرق نَهْجة ، ونَهَجتُ الطريق : بينته ، وانتهجتُه : استبنتُه ، ونَهَج الطريقُ وأنهج : وضح . قال يزيد بن حذَّاق الشنِّي (5) :
__________
(1) - محمد صالح ناصر ، منهج البحث وتحقيق النصوص ، معهد القضاء الشرعي والوعظ والإرشاد ، سلطنة عمان ، شركة مطبعة عمان ومكتبتها المحدودة ، سلطنة عمان ، ط1 : 1415هـ / 1995م ، ص9 .
(2) - سورة المائدة ، من الآية : 48 .
(3) - رواه الدارمي من طريق عكرمة بلفظ : " ... فقام العباس فقال : ... إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والله ما مات حتى ترك السبيل نهجا واضحا ، فأحل الحلال ، وحرم الحرام ... " ، أنظر : عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي ، سنن الدارمي ، ج1 ، ت : د/ مصطفى ديب البغا ، دار القلم ، دمشق ، ط2 : 1417هـ / 1996م ، المقدمة ، باب في وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - ( 14) ، حديث رقم ( 83) ، 1/52- 53 ؛ وقد بحثت عن تخريجه في بقية كتب الصحاح والسنن فلم أجده .
(4) - ابن منظور ، لسان العرب ، 14/365- 366 .
(5) *- هو يزيد بن خَذَّاق الشني العبدي ، من بني عبد القيس ، شاعر جاهلي ، كان معاصرا لعمرو بن هند ؛ من شعره :
هل للفتى من بنات الدهر من واق :: أم هل من حمام الموت من راق ؟ ( أنظر : كامل سليمان الجبوري ، معجم الشعراء ، ج6 ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، لبنان ، ط1 : 1424هـ / 2003م ، ص148- 149 ) . (1/440)
صفحة 441
ولقد أضاء لك الطريقُ وأَنهجتْ :: منه المسالكُ والهدى يُعْدى " إهـ (1) .
ب- المطلب الثاني : تعريف الفقه :
الفِقْهُ لغة قيل : " هو العلم بالشيء والفهم له ، وغلب على علم الدين لسيادته وشرفه وفضله على سائر أنواع العلم ، كما غلب النجم على الثريا ، والعود على المندل " (2) ، والفقه في الأصل الفهم ، يقال : أوتي فلان فقها في الدين أي فهما فيه ، قال تعالى : { لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ } (3) أي ليكونوا علماء به (4) .
وقيل : " هو العلم " ، وقيل : " معرفة قصد المتكلم " ، وقيل : " فهم ما يدق " ، وقيل : " استخراج الغوامض والاطلاع عليها " ، وعند أكثر العلماء هو : الفهم أي إدراك معنى الكلام (5) .
وذكر صاحب الإبهاج ثلاثة أقوال في تعريف الفقه لغة لا تخرج عن الأقوال السابقة فقال : " في معنى الفقه بحسب اللغة ثلاثة أقوال : أحدها : مطلق الفهم ، والثاني : فهم الأشياء الدقيقة ، والثالث : فهم غرض المتكلم من كلامه " إهـ (6) ، وعرفه الجرجاني بأنه : " فهم غرض المتكلم من كلامه " (7) .
__________
(1) - محمود بن عمر الزمخشري ، أساس البلاغة ، ت : عبد الرحيم محمد ، دار المعرفة ، بيروت ، لبنان ، ص474 .
(2) - ابن منظور ، لسان العرب ، 11/210 .
(3) - سورة التوبة ، من الآية : 122 .
(4) - ابن منظور ، لسان العرب ، 11/210 .
(5) - محمد بن أحمد بن عبد العزيز ابن النجار ، شرح الكوكب المنير ، ت : د/ محمد الزحيلي و د/ نزيه حماد ، ج 1 ، 1413هـ / 1993م ، مكتبة العبيكان ، الرياض ، المملكة العربية السعودية ، ص40- 41 .
(6) - علي بن عبد الكافي السبكي وولده عبد الوهاب بن علي السبكي ، الإبهاج في شرح المنهاج ، ج 1 ، ط1 : 1404هـ / 1984م ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، لبنان ، ص28 .
(7) - علي بن محمد الجرجاني ، التعريفات ، ت : د/ عبد الرحمن عميرة ، ط1 : 1416هـ / 1996م ، عالم الكتب ، بيروت ، لبنان ، ص216. (1/441)
صفحة 442
أما تعريف الفقه اصطلاحا فقد عُرّف بعدة تعاريف ، فذكر ابن النجار عدة تعريفات منها : " معرفة الأحكام الشرعية دون العقلية ( الفرعية ) لا الأصولية . ومعرفتها إما بالفعل أي بالاستدلال ، أو بالقوة القريبة من الفعل ، أي بالتهيؤ لمعرفتها بالاستدلال " ، وقيل : " هو العلم بأفعال المكلفين الشرعية - دون العقلية - من تحليل وتحريم ، وحظر وإباحة " ، وقيل : " هو العلم بالأحكام الشرعية " ، وقيل : " هو معرفة الأحكام الشرعية " ، وقيل : " معرفة كثير من الأحكام عرفا " وذكر غيرها (1) .
وعرفه صاحب الإبهاج بأنه : " العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية " إهـ (2) ، وبنفس هذا التعريف عرفه الجرجاني ، وزاد تعريفا آخر وهو : " الإصابة والوقوف على المعنى الخفي الذي يتعلق به الحكم ، وهو علم مستنبط بالرأي والاجتهاد ، ويحتاج فيه إلى التأمل والنظر ، ولهذا لا يجوز أن يسمى الله تعالى فقيها ، لأنه لا يخفى عليه شيء " إهـ (3) .
جـ- المطلب الثالث : تعريف العقيدة و التوحيد وأصول الدين وعلم الكلام :
إن العقيدة ، أو أصول الدين ، أو علم التوحيد ، أو علم الكلام ، هي مصطلحات متقاربة جدا إن لم تكن مترادفة ، تؤدي معنى واحدا ، وهو العقيدة الإسلامية التي تعم هذه المصطلحات .
وأهم الأسباب التي أدت إلى هذا التعدد في التسميات هي :
سميت العقيدة بعلم التوحيد إشارة إلى أبرز موضوعاتها ، وهو توحيد الله تعالى في ذاته ، وصفاته ، وأفعاله ، وعبادته (4) .
__________
(1) - ابن النجار ، شرح الكوكب المنير ، 1/41 .
(2) - السبكي وولده ، الإبهاج في شرح المنهاج ، 1/28 .
(3) - الجرجاني ، التعريفات ، ص216 .
(4) - الجعبيري ، البعد الحضاري للعقيدة الإباضية ، ص92 ، بتصرف . (1/442)
صفحة 443
وعرفت بعلم الكلام إما لأنه كلام في كلام الله تعالى وقدمه وحدوثه ، وقد هزت هذه القضية أركان العالم الإسلامي ردحا من الزمن ، وامتحن فيها من امتحن ، وقتل من قتل ؛ وإما لأنه في بيان طرق الاستدلال على أصول الدين أشبه بالمنطق في تنبيه مسالك الحجة في علوم أهل النظر ، وأبدل الكلام بالمنطق للتفرقة بينهما (1) .
وسميت العقيدة بأصول الدين لكونها هي الأساس التي ينبني عليها الدين أو للتمييز بينها وبين علم الفروع الذي عرف بالفقه (2) .
إذن فمن الأسباب السابقة ، يلاحظ أن العقيدة أعم من هذه المصطلحات ، فالعقيدة مع تناولها لقضية توحيد الله تعالى وتنزيهه ... ، أيضا تتناول جوانب أخرى كثيرة من قضايا العقيدة الإسلامية ، كالإيمان بالرسل ، والكتب ، واليوم الآخر ، والحساب ... إلخ .
والملاحظ أن الشيخ عمروس في قسم العقيدة تناول عددا من مسائل العقيدة - من ضمنها توحيد الله تعالى وغيرها من المسائل - وكان في خلال ذلك يتعرض لأقوال المخالفين ويرد عليهم ، ويفند حججهم ، مع ذكره للقول الصحيح الذي يرجحه أو يعتقده ، وسأتناول ذلك بالتفصيل عند تعرضي لمنهج الشيخ عمروس العقائدي .
إذن فالشيخ عمروس يتناول جانب العقيدة ( التوحيد ) ، ثم ينهج في خلال ذلك منهج المتكلمين في الرد على مخالفيه ، ومن هنا أرى من الضروري التعرض لتعريف هذه المصطلحات كلا على حدة حتى يكون القارئ منها على بينة ، مع ما فيها من تقارب .
أولا : تعريف العقيدة لغة واصطلاحا :
العقيدة لغة أصلها من عَقَدَ ، والعَقْدُ : نقيض الحل ؛ عَقَدَهُ يَعْقِدُه عَقْداً وتَعَاقُداً وعَقَّدَهُ ، ويقال : عقدت الحبل فهو معقود ، وكذلك العهد ؛ ومنه عقدة النكاح (3) .
__________
(1) - المصدر السابق ، ص94 ، بتصرف .
(2) - المصدر السابق ، ص94 ، بتصرف .
(3) - ابن منظور ، لسان العرب ، 10/220- 221 . (1/443)
صفحة 444
والعقيدة : الحكم الذي لا يقبل الشك فيه لدى معتقده ، يقال : اعتقد فلان الأمر : صدقه وعقد عليه قلبه وضميره (1) .
وقد ورد أصل العقيدة اللغوي في القرآن الكريم ، كقوله تعالى : { لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ } (2) قال ابن كثير : " أي بما صممتم عليه منها وقصدتموها " إهـ (3) ، وقوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ } (4) قال ابن كثير : " قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد : يعني بالعقود العهود ، وحكى ابن جرير الإجماع على ذلك ، قال : والعهود ما كانوا يتعاقدون عليه من الحلف وغيره " إهـ (5) .
__________
(1) - إبراهيم مصطفى وآخرون ، المعجم الوسيط ، 2/614 .
(2) - سورة المائدة ، من الآية : 89 .
(3) - إسماعيل بن كثير القرشي الدمشقي ، تفسير القرآن العظيم ، ج2 ، دار المعرفة ، بيروت ، لبنان ، ط1 : 1407هـ / 1987م ، ص92.
(4) - سورة المائدة ، من الآية : 1 .
(5) - ابن كثير ، تفسير القرآن العظيم ، 2/4 . (1/444)
صفحة 445
والعقيدة اصطلاحا عرفت بعدة تعاريف ، فقيل : " هي مجموعة قضايا الحق البدهية المسلمة بالعقل ، والسمع ، والفطرة ، يعقد عليها الإنسان قلبه ، ويثني عليها صدره جازما بصحتها ، قاطعا بوجودها وثبوتها ، لا يرى خلافها أنه يصح أو يكون أبدا ، وذلك كاعتقاد الإنسان بوجود خالقه ، وعلمه به ، وقدرته عليه ... " إهـ (1) ، وقيل : " ما يقصد به الاعتقاد دون العمل ، كعقيدة وجود الله ، وبعثه الرسل " ، ويجمع على عقائد (2) ، وهناك من عرفها بأنها : " الفكرة الكلية للإسلام عن الكون والإنسان والحياة وما قبل الحياة الدنيا وما بعدها ، وعلاقتها بما قبلها وبعدها " (3) .
ثانيا : تعريف التوحيد لغة واصطلاحا :
__________
(1) - أبو بكر جابر الجزائري ، عقيدة المؤمن ، مكتبة العلوم والحكمة ، المدينة المنورة ، ط4 : 1419هـ / 1998م ، ص23- إبراهيم عبد الشافي ، العقيدة الإسلامية وصلتها بالعالم والحياة والإنسان ، مطبعة الحسين الإسلامية ، ط1 : 1415هـ / 1994م ، ص8 نقلا عن : يوسف بن إبراهيم السرحني ، العقيدة الإسلامية وأثرها على المسلمين ، مكتبة الاستقامة ، مسقط ، سلطنة عمان ، ط1 : 1424هـ / 2003م ، ص7 .
(2) - إبراهيم مصطفى وآخرون ، المعجم الوسيط ، 2/614 .
(3) - إبراهيم الشافي ، العقيدة الإسلامية ، ص8 نقلا عن : السرحني ، العقيدة الإسلامية وأثرها على المسلمين ، ص6 . (1/445)
صفحة 446
التوحيد لغة أصله الثلاثي من وَحَدَ يَحِدُ حِدَةً ، ووَحْداً ووُحُوداً ، ووَحْدةً : انفرد بنفسه ، ووَحَّدَ الله سبحانه : أقَرَّ وآمن بأنَّه واحد . ووَحَّدَ الشيءَ : جعله واحدا ، وتوَحَّدَ الله بربوبيته وجلاله وعظمته : تفرَّد بها ، والوَاحِدُ : من صفات الله تعالى ، معناه أنه لا ثاني له ، ذو الوحدانية والتوحُّد ، والوَحْدَانِيَّةُ : صفة من صفات الله تعالى معناها أن يمتنع أن يشاركه شيء في ماهيته وصفات كماله ، وأنه منفرد بالإيحاد والتدبير العام بلا واسطة ولا معالجة ، ولا مُؤثِّرَ سواه في أثر ما عموما (1) .
وقد عرف الشيخ أبو مسلم التوحيد لغة بقوله : " هو تَفْعِيلٌ ، من وَحَّدتُ الشَّيءَ أُوَحِّدُه ؛ إذا جعلتُهُ وَاحِداً ، أي : فَرْداً ، فالتَّوحِيدُ هو التَّفْريدُ ، وإن شئتَ قلتَ الإِفْرَادُ " إهـ (2) .
والتوحيد في اصطلاح أهل الحقيقة : " تجريد الذات الإلهية عن كل ما يتصور في الأفهام ، ويُتَخَيَّل في الأوهام والأذهان " (3) ، ومذهب التوحيد في الفلسفة : " القول بإله واحد " (4) .
__________
(1) - إبراهيم مصطفى وآخرون ، المعجم الوسيط ، 2/1016- 1017 .
(2) - ناصر بن سالم بن عديم البهلاني ، العقيدة الوهبية ، راجعه : سلطان بن مبارك الشيباني ، ط1 : 1424هـ / 2003م ، مكتبة مسقط ، مسقط ، سلطنة عمان ، ص34 .
(3) - الجرجاني ، التعريفات ، ص99 - إبراهيم مصطفى وآخرون ، المعجم الوسيط ، 2/1016.
(4) - إبراهيم مصطفى وآخرون ، المعجم الوسيط ، 2/1016. (1/446)
صفحة 447
والتوحيد في الاصطلاح هو : " الإيمان بالله تعالى وحده لا شريك له " (1) ، وعرفه الشيخ أبو مسلم بقوله : " هو إفراد الله تعالى في ذاته ، وصفاته ، وأقواله ، وأفعاله ، وعبادته ، وسائر كمالاته ، أي : اعتقاد كونه مُفْرَداً في ذلك كله ، لا يشاركه فيه شيء ما بأي وجه كان ، مع الإقرار بذلك ، واعتقاد أن محمدا عبد الله الأمين ، ورسوله المبين ، إلى الإنس والجن أجمعين ، وأنه خاتم النبيين ، وأن ما جاء به حق من عند رب العالمين ... " إهـ (2) .
ثالثا : أصول الدين لغة واصطلاحا :
( أصول الدين ) مصطلح يتكون من شقين ، أصول ، والدين ، ولتعريفه يُحتاج تعريف كل شق منه على حدة ، وسأبدأ بتعريف الأصول :
الأصول أصلها الثلاثي من أَصَلَ ، والأَصْلُ : أسفل كل شيء ، وجمعه أُصول ، ويقال : اسْتَأْصَلَتْ هذه الشجرة أي ثبت أصلها (3) ، وأَصَلَ الشيءَ أَصْلاً : استقصى بحثه ، حتى عرف أصله ، وأَصْلُ الشيء : أساسه الذي يقوم عليه ، ومنشؤه الذي ينبت منه ، والأَصْلُ : كرم النسب ، والأُصُول : أُصُول العلم : قواعدها التي تبنى عليها الأحكام . والنسبة إليها أُصولي (4) .
وعرفه الجرجاني لغة بأنه : " عبارة عما يفتقر إليه ، ولا يفتقر هو إلى غيره " إهـ ، وعرفه شرعا بأنه : " عبارة عما يُبنى عليه غيره ، ولا يُبنى هو على غيره " إهـ (5) .
__________
(1) - المصدر السابق ، 2/1016.
(2) - البهلاني ، العقيدة الوهبية ، ص34- 44 .
(3) - ابن منظور ، لسان العرب ، 1/114- 115 .
(4) - إبراهيم مصطفى وآخرون ، المعجم الوسيط ، 1/20 .
(5) - الجرجاني ، التعريفات ، ص49 . (1/447)
صفحة 448
وأما الدين لغة فأصله الثلاثي من دَيَنَ ، يقال : دان دِيناً ، ودِيانَةً : خضع وذل ، ودان : أطاع ، ويقال : دان له منه : اقتصَّ ، ودان بكذا : اتخذه ديناً وتعبد به ، فهو دَيِّنٌ ، ودَانَ فلانٌ دَيْناً : اقترض ، فهو دائنٌ بمعنى مَدِين ، ودان كذلك تأتي بمعنى : حمل ، وحاسب ، وساس ، وجازى ، والدِّيانَةُ : ما يَتَدَيَّنُ به الإنسان ، والدَّيْنُ : القرض ، والدِّينُ : الدِّيانَةُ ، والملة ، والإسلام ، والاعتقاد ، وكذلك يأتي بمعنى : العادة ، والسيرة ، والحال ، والشأن ، والورع ، والحساب ، والمُلْكُ ، والسلطان ، والحكم ، والقضاء ، والتدبير ؛ والدَّيَّانُ : اسم من أسماء الله تعالى ، والدَّيَّانُ : القاضي ، والحاكم ، والمجازي (1) ؛ والذي يعنينا هنا مما سبق الدين بمعنى الإسلام ، والاعتقاد .
وأما مصطلح ( أصول الدين ) فتعريفه هو نفس تعريف علم الكلام - الذي سيأتي بعد قليل - لكل من ابن خلدون ، والبرادي (2) ، حسب ما ذكر الشيخ الجعبيري حيث قال : " علم الكلام ، أو " أصول الدين " أو " علم التوحيد " حسب قول ابن خلدون : .... ، وهو حسب البرادي : ... " إهـ (3) .
رابعا : علم الكلام لغة واصطلاحا :
( علم الكلام ) يتكون من شقين : علم ، وكلام ، فسأعرف كلا على حدة ، ثم سآتي بتعريف مصطلح علم الكلام .
__________
(1) - إبراهيم مصطفى وآخرون ، المعجم الوسيط ، 1/307 .
(2) *- أنظر ص288 .
(3) - الجعبيري ، البعد الحضاري للعقيدة الإباضية ، ص92 . (1/448)
صفحة 449
العلم في اللغة أصله الثلاثي من عَلِمَ ، يقال : عَلِمَ الشيءَ علْماً : عرفه ، وفي التنزيل : { لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ } (1) ، وعَلِمَ الشيءَ : شعر به ودرى ، وفي التنزيل : { قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ - بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ } (2) ، وعَلِمَ الشيءَ حاصلا : أيقن به وصدقه ، تقول : علمت العلم نافعا (3) .
والعِلْمُ في الاصطلاح قيل هو : إدراك الشيء بحقيقته ، ويُطلق العِلْمُ على مجموعة مسائل وأصول كلية تجمعها جهة واحدة ، كعلم الكلام ، وعلم النحو ، وعلم الآثار .... (4) .
وعرفه الجرجاني بأنه : " الاعتقاد الجازم المطابق للواقع " إهـ (5) ، وهناك تعريفات أخرى للعلم فقيل : " إدراك الشيء على ما هو به " ، وقيل : " زوال الخفاء من المعلوم ، والجهل نقيضه " ، وقيل : " صفة راسخة تدرك بها الكليات والجزئيات " ، وقيل غير ذلك (6) .
__________
(1) - سورة لأنفال ، من الآية : 60 .
(2) - سورة يّس ، آية :26- 27 .
(3) - إبراهيم مصطفى وآخرون ، المعجم الوسيط ، 2/624 .
(4) - المصدر السابق ، 2/624 .
(5) - الجرجاني ، التعريفات ، ص200 .
(6) - المصدر السابق ، ص200 . (1/449)
صفحة 450
وأما الكلام لغة فأصله الثلاثي من كَلَمَ ، يقال : كَالَمَهُ أي خَاطَبَهُ ، وكَلَّمَهُ تَكْليماً أي وجه الحديث إليه ، وتَكَلَّمَ : نطق بكلام ، والكَلامُ في أصل اللغة : الأصوات المفيدة ، وعند المتكلمين : " المعنى القائم بالنفس الذي " يُعَبَّرُ عنه بألفاظ ، وفي اصطلاح النحاة : " الجملة المركبة المفيدة " ، نحو : جاء الشتاء ، أو نحوها مما يكتفى به (1) ، وقال ابن عقيل : " الكلام المصطلح عليه عند النحاة عبارة عن اللفظ المفيد فائدة يحسن السكوت عليها ... وهو في اللغة : اسم لكل ما يتكلم به ، مفيدا كان أو غير مفيد " إهـ (2) .
__________
(1) - إبراهيم مصطفى وآخرون ، المعجم الوسيط ، 2/796 .
(2) - عبد الله بن عقيل العقيلي الهمداني ، شرح ابن عقيل ، ج1 ، ت : محمد محي الدين عبد الحميد ، المكتبة العصرية ، بيروت ، لبنان ، 1418هـ / 1997م ، ص19 . (1/450)
صفحة 451
وأما مصطلح ( علم الكلام ) فقد تعددت تعاريف العلماء له ، فعرفه ابن خلدون بأنه : " علم يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية ، والرد على المبتدعة المنحرفين في الاعتقادات الإيمانية " إهـ (1) ؛ وعرفه البرادي بقوله : " النظر في العقائد القطعيات وما لا يحل الاختلاف فيه من الاستدلال بالأدلة العقلية والسمعية في أصول الاعتقاد وتثبيتها " إهـ (2) ؛ وقال الجرجاني هو : " علم باحث عن الأغراض الذاتية للموجود من حيث هو على قاعدة الإسلام " إهـ (3) ؛ وعرفه الشيخ الجعبيري بأنه : " علم تحصيلي يرمي إلى تثبيت العقيدة بدفع جميع ما يحوم حولها من شبه دخيلة على الثقافة الإسلامية أو نابعة من كيانها " إهـ (4) .
هذا فيما يتعلق بتعريف المصطلحات : المنهج ، الفقه ، العقيدة ( التوحيد وعلم الكلام ، وأصول الدين ) ، التي ستأتي في المباحث القادمة .
2- المبحث الثالث : منهج الشيخ عمروس في عرض وترتيب مسائل أصول الدين
( العقيدة ) :
أ- المطلب الأول : منهجه في بناء الأبواب والفصول وترتيبها :
__________
(1) - ابن خلدون ، المقدمة ، ص821 .
(2) - عمر أبو سته ، المجموع المعول ، 22 ، نقلا عن شرح البرادي لكتاب العدل والإنصاف لأبي يعقوب الوارجلاني ، نقلا عن : الجعبيري ، البعد الحضاري للعقيدة الإباضية ، ص92 .
(3) - الجرجاني ، التعريفات ، ص201 .
(4) - الجعبيري ، البعد الحضاري للعقيدة الإباضية ، ص93 . (1/451)
صفحة 452
الحقيقة أني لم أتمكن من الحصول على مخطوطة " أصول الدينونة الصافية " لأنظر بنفسي في المنهج الذي اتبعه الشيخ عمروس في ترتيب المسائل العقائدية التي تعرض لها في كتابه ، ولكن بالاعتماد على النسخة المطبوعة من قبل وزارة التراث والثقافة بسلطنة عمان ، بتحقيق الباحث أحمد كروم ، فإن الملاحظ أن الشيخ عمروس افتتح كتابه بمسائل أصول الدين ( العقيدة ) ، وبعد أن أنهى مسائل أصول الدين أتبعها بالمسائل المتعلقة بالعبادات (1) .
والملاحظ أن الشيخ عمروس لم يقسم كتابه إلى أبواب وفصول (2) ، كما هو متبع في المؤلفات المعاصرة ، وإنما يبدأ مباشرة بطرح المسائل العقدية التي يرغب في مناقشتها وتحليلها - وهذا الأسلوب كان المتبع في كتابات تلك القرون المتقدمة - ، مع تنبيهه على ما يريد تناوله من مسائل قبل أن يبدأ في طرحها ومناقشتها ، فيلاحظ أن تلك التنبيهات متداخلة مع متن الموضوع ، وقد أتجاوز وأطلق عليها " عناوين للمسائل " .
__________
(1) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص58، 87 .
(2) *- لقد قام الباحث أحمد كروم – محقق الدينونة الصافية – بتقسيم الكتاب إلى أبواب وفصول ، ووضع ذلك بين معقوفتين ، فليس ذلك التقسيم من فعل الشيخ عمروس أو النساخ ، فأرجو التنبه لذلك ( أنظر : عمروس ، الدينونة الصافية ، ص8 مقدمة المحقق ) . (1/452)
صفحة 453
فعلى سبيل المثال بعد أن انتهى من مقدمته في باب العقيدة ، قال مباشرة : " فأول ما نحن ذاكروه : الإقرار لله بالوحدانية ... " إهـ (1) ، ومثال آخر عندما تناول مسألة الشفاعة قال مباشرة : " وأباح الفساق الحرام ... " ثم بدأ الحديث عن الشفاعة (2) ، وكذلك عندما تحدث عن ما لا يسع الناس جهله قال : " وذكرت قول أهل الحق ... وهذا مما لا يسع جهله طرفة عين " (3) ، وهكذا في بقية المسائل التي تناولها في جانب العقيدة ، وسار على نفس النهج في جانب الفقه ، وسيأتي الحديث عنه لاحقا .
إذن فيستخلص من ذلك أن المنهج الذي اتبعه الشيخ عمروس في كتابه " أصول الدينونة الصافية " لم يكن قائما على تقسيم المواضيع إلى أبواب وفصول ، بل كان يأتي بالمسائل مباشرة بعضها وراء بعض ، بلا فصل ، مع تنبيهه ببعض العبارات قبل ذلك ، كما مثلت سابقا .
إلا أنه لم يكن يخلط المسائل ذات المواضيع المختلفة معا ، بل يلاحظ أنه يسير وفق نظام في تناول المسائل التي تمس موضوعا واحدا ، فإذا انتقل إلى موضوع آخر نبه ببعض العبارات ، ثم يدخل في الموضوع مباشرة ، إلا أنه لا يفرد المواضيع المختلفة في فصول أو أبواب كما نبهت .
فيمكن تقسيم المواضيع التي تناولها في قسم العقيدة إلى ثلاثة أقسام ، وهي كالتالي :
القسم الأول : المعاملة بين المسلمين ، ومعاملة الكفار والمنافقين .
__________
(1) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص59 .
(2) - المصدر السابق ، ص66 .
(3) - المصدر السابق ، ص79 . (1/453)
صفحة 454
القسم الثاني : الرد على المخالفين ( الصفرية (1) ، والمعتزلة (2) ،
__________
(1) *- الصفرية : فرقة من فرق الخوارج ، هم أتباع عبد الله بن الصفار ، وليس زياد بن الأصفر ، كما ذكرت بعض المصادر ، قيل : سموا بالصفرية لأنهم في عرف مخالفيهم صفرا من الدين ، وقيل : هم قوم أنهكتهم العبادة فاصفرت وجوههم ، شاع أمرهم في عهد يزيد بن معاوية ، وهم في آرائهم أقل تطرفا من الأزارقة ، وأهم معتقداتهم : لم يكفروا القعدة ، الذين لم يخرجوا لمقاتلة حكام بني أمية الجورة ، ولم يسقطوا الرجم ، ولم يحكموا بقتل أطفال المشركين وتكفيرهم وتخليدهم في النار ، التقية عندهم جائزة في القول دون العمل ... إلخ ، وقد انتشر المذهب الصفري بين قبائل المغرب الأوسط والأقصى ، ولعب عكرمة – مولى ابن عباس – دورا بارزا في نشره ، حيث إنه هو الذي نقله إلى المغرب ، واتخذ من مدينة القيروان قاعدة له ، وانتهت الحركة الصفرية في المغرب على يد الشيعة الفاطميين ، بقيادة أبي عبد الله الشيعي ، الذي غزا دولتهم في سنة 297هـ ، وأضرم النار في تراث الصفرية ، فقضى عليه ( أنظر : الشهرستاني ، الملل والنحل ، ص137- عبد القاهر بن طاهر البغدادي الاسفرائيني ، الفرق بين الفِرق ، ت : محمد محيي الدين عبد الحميد ، المكتبة العصرية ، بيروت ، لبنان ، 1411هـ / 1990م ، ص90- 93- العميد عبد الرزاق محمد أسود ، المدخل إلى دراسة الأديان والمذاهب ، ج2 ، الدار العربية للموسوعات ، بيروت ، لبنان ، ط1 : 1402هـ / 1981م ، ص223- 224- الشكعة ، إسلام بلا مذاهب ، ص134 ) .
(2) **- المعتزلة : مر تعريفهم ، أنظر ص34.. (1/454)
صفحة 455
والسبئية (1) .
القسم الثالث : ما يسع جهله وما لا يسع جهله .
__________
(1) ***- السبئية : هم أصحاب عبد الله بن سبأ ، من صنعاء باليمن ، أظهر الإسلام في عهد عثمان بن عفان ، واندس بين المسلمين ، وتنقل بين حواضرهم ؛ فبدأ بالحجاز ، ثم البصرة ، و الكوفة ، ومصر ، والشام ، مبشرا بأن للنبي - صلى الله عليه وسلم - رجعة كما لعيسى بن مريم رجعة ، وأن عليا هو الوصي كما كان لكل نبي وصي ، وأن عليا خاتم الأوصياء كما أن محمدا - صلى الله عليه وسلم - خاتم الأنبياء . وابن سبأ هذا يسمى عند البعض ابن السوداء ، لأن أمه أمة سوداء ، وهو في الأصل من يهود الحيرة ، وعندما كان في اليهودية ، كان يقول أن يوشع بن نون وصي موسى عليه السلام ، كما كان يقول بفكرة الرجعة ؛ لذلك فهو الذي أدخل هاتين الفكرتين إلى الإسلام ، ثم صارت أشبه بالدستور تأخذ به الفرق التي سارت في هذا الطريق ، والشيعة المعاصرون ، وأكثر المعتدلين ينكرون أن يكون ابن سبأ منهم ، لأنه ليس مسلما في نظرهم فضلا عن أن يكون شيعيا ؛ وهناك من ينفي قيامه - أي ابن سبأ - بمثل هذه الأمور ، وينفي وجوده أصلا كشخص ، ومن هؤلاء مرتضى العسكري في كتابه ( عبد الله بن سبأ ) ؛ وتقول الروايات أن ابن سبأ قال للإمام علي : " أنت أنت " أي أنت الإله ، فنفاه الإمام علي إلى المدائن ، ويروى أن قوما من أصحاب ابن سبأ أتوا عليا فقالوا له : " أنت هو " ، فقال لهم : " ومن هو ؟ " ، قالوا : " أنت الإله " ، فأمر بإحراقهم في حفرتين ، فقال الذين أحرقهم : " الآن علمنا أنك إله ، لأن النار لا يعذب بها إلا الله " ! ( أنظر : الشهرستاني ، الملل والنحل ، ص174- البغدادي ، الفَرق بين الفِرق ، ص233- 236- العميد عبد الرزاق ، المدخل إلى دراسة الأديان والمذاهب ، 2/189- 192- الشكعة ، إسلام بلا مذاهب ، ص156- 157 ) . (1/455)
صفحة 456
إذا فيمكن اعتبار هذه الأقسام الثلاثة هي الركائز الأساسية لقسم العقيدة في " الدينونة الصافية " ، ويتخلل هذه الركائز مسائل مختلفة ، إلا أنها تتعلق بهذه الركائز الثلاث ، وسأذكر هذه المسائل المتفرعة عن هذه الركائز الأساسية في المطلب التالي .
ب- المطلب الثاني : مسائل أصول الدين التي تعرض لها في الدينونة :
افتتح الشيخ عمروس - رحمه الله - القسم الأول - قسم العقيدة - من كتابه " أصول الدينونة الصافية " بمقدمة مختصرة في العقيدة فقال : " الحمد لله الذي أنار الحق ببرهانه وأوضح منهاجه بالحجج المنيرة التي قطع الله بها عذر المبطلين ، وشهد بها على أعدائه بما أراد عز وجل ، لئلا يكون للعاصي في معصيته عذر ، ولا يهلك من هلك إلا بعد إعذار وإنذار ، بعث رسله تترى ، وأنزل كتبه تتلى ... إلخ " إهـ (1) ، فنلاحظ هنا أنه تناول في هذه المقدمة المختصرة بعض الإشارات إلى بعض ما يريد مناقشته من مسائل العقيدة ، وضمن ذلك بعض الآيات القرآنية .
ثم بعد ذلك دخل في ما يريد مناقشته من مسائل العقيدة مباشرة بعد المقدمة ، فبدأ بالمعاملة بين الموحدين ، وبهذا افتتح القسم الأول من الأقسام الثلاثة التي ذكرتها سابقا ، وهو ( المعاملة بين المسلمين ، ومعاملة الكفار والمنافقين ) ، فافتتح ذلك بالحديث عن وجوب الإقرار بالله تعالى ، وبوحدانيته ، ووجوب تنزيهه ، وأنه لا يشبه شيء من خلقه ، وانه ليس له شريك (2) .
ثم تناول مباشرة وجوب الإقرار بنبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - ، والإقرار بما جاء به من عند الله تعالى ، وأنه حق منه تعالى ، وأن من أقر بالله تعالى وبوحدانيته ، وأقر بنبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - وما جاء به ، فقد خرج من الشرك (3) .
__________
(1) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص58- 59 .
(2) - المصدر السابق ، ص59 .
(3) - المصدر السابق ، ص59 . (1/456)
صفحة 457
بعد ذلك ذكر أن الله تعالى ابتلى من آمن به بالفرائض ليمحصهم بذلك ، وليميز بين المؤمنين والمنافقين ، وذكر بعض الآيات في ذلك (1) .
ثم بدأ بتوضيح الأحكام المتعلقة بالمنافقين ، من جواز المناكحة والموارثة ، وأكل الذبائح ، والمدافنة مع المسلمين ، وقبول الشهادة ، والقيام على جنائزهم ، والحج معهم ، والقصاص ، وتسويتهم في القود ، والدية ، وتحريم ولايتهم ، وتسميتهم بالإيمان وقد نفاه الله عنهم ، وتسميتهم بالكفر والنفاق ، وتحريم تسميتهم بالشرك ، ما لم ينكروا ما أقروا به من التوحيد (2) .
ثم بعد ذلك بين أن الناس على ثلاثة منازل : الإيمان ، والنفاق ، والشرك ؛ وأن الكفر جامع للنفاق والشرك ؛ وذكر بعض الآيات في ذلك (3) ؛ وقام بتعريف هذه الأقسام الثلاثة ، فقال : " المشرك : المنكر للقول والعمل ، والمنافق : المقر بالقول المضيع للعمل ، والمؤمن : الموفي بما أقر به من القول والعمل " إهـ (4) .
ثم وضح المنهج الصحيح في معاملة الموحد فقال : " وندعوهم إلى ترك ما به ضلوا وكفروا (5) ، فمن أبى قبول ما دعونا إليه ، ورد دعوتنا ، وسفه مقالتنا ، وباين مناصبتنا (6)
__________
(1) - المصدر السابق ، ص60 .
(2) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص60 .
(3) - المصدر السابق ، ص60- 61 .
(4) - المصدر السابق ، ص61 .
(5) *- يقصد كفر النعمة ، لا كفر الجحود .
(6) **- المناصبة : العداوة والحرب ، يقال : نصب له العداء والشر : أظهرهما له وقصده بهما ، ونصب له حربا : شنها عليه
(
أنظر : إبراهيم مصطفى وآخرون ، المعجم الوسيط ، 2/924 ) . (1/457)
صفحة 458
استحللنا قتاله ، ولا نجاوز سفك دمائهم إلى غنيمة أموالهم ، وسبي ذراريهم ، محرم ذلك علينا ، لإقرارهم بتوحيد ربهم ... " (1) إهـ (2) .
بعد ذلك بدأ الشيخ عمروس الحديث عن أحكام أهل الكتاب ، وكيفية معاملتهم ، فقال : " وننزل أهل الكتاب حيث أنزلهم الله : أن يقاتلوا حتى يقروا بالجزية عن ذل وصغار ، ونستحل منهم إذا أقروا بالجزية نكاح الحرائر منهم ، وهم أهل الملل الثلاث : اليهود والصابوون (3) والنصارى ... " إهـ (4) .
__________
(1) ***- هنا في هذا النص يبين الشيخ عمروس حقيقة جُهلت عن أتباع المذهب الإباضي ، واتهموا بخلافها من قبل الكثير من مخالفيهم ، فقد اتهم الإباضية بأنهم يستحلون قتل مخالفيهم ، ويستحلون غنم أموالهم ، وسبي ذراريهم ، وهذا حكم ظالم على أتباع المذهب الإباضي ، وهو مردود بما ثبت في أقوال ومؤلفات أئمة وعلماء المذهب الإباضي ، والنص السابق مثال صارخ على هذه الحقيقة التي جهلها الكثير ممن اتهم الإباضية بهذه التهمة الظالمة ، فلم يكلفوا أنفسهم الرجوع إلى مؤلفات أتباع المذهب الإباضي حتى يكتشفوا الحقيقة الغائبة ، واكتفوا بالنقل عن مؤلفات بعض المغرضين والحاقدين على هذا المذهب ، أو عن بعض خدام بعض السياسات كالسياسة الأموية أو العباسية ، الذين لم يتحروا الحقيقة والعدل فيما كتبوا ، فجاء بعض من كتب عن الإباضية بعدهم ، فنقل عن تلك الكتب معتبرا ما فيها من المسلمات التي لا يمكن القدح فيها والله المستعان !! .
(2) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص62 .
(3) ****- هكذا وردت في النص ، ولعل الأصح " الصَّابِئونَ " من صَبَأَ ، يقال : صَبَأَ الرجلُ : ترك دينه ودان بآخر ، والصَّابِئونَ : هم قوم يعبدون الكواكب ، ويزعمون أنهم على ملة نوح - عليه السلام - ، وقبلتهم مهب الشمال عند منتصف النهار ( أنظر : إبراهيم مصطفى وآخرون ، المعجم الوسيط ، 1/505 ) .
(4) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص62 . (1/458)
صفحة 459
وبعد ذلك بين كيفية معاملتهم إذا حاربوا وأبوا دفع الجزية ، فقال : " وإذا حاربوا وأبوا الجزية ، تركنا تحليل ذلك منهم ، لأنهم يسبون في ذلك الحلال ، فلا يحل لمسلم أن يتزوج امرأة يحل سبيها لغيره ، ولا نستحل نكاح إماء أهل الكتاب ، لأن الله لم يذكر في التحليل إلا الحرائر " إهـ (1) .
ثم وضح جواز التسري للرجل ، وأنه ليس محدودا بعدد ، فقال : " وليس على الرجل وقت عدد في التسري ... " إهـ (2) ، وبين حكم الزواج بالأمة فقال : " ... ولا يتزوج الحر الأمة إلا مضطرا ، ولا يتزوج إلا واحدة ، وإن وجد المضطر الصبر عن تزويج الأمة فهو خير ... " (3) .
بعد ذلك تناول أحكام التعامل مع المجوس (4) فقال : " وحكمنا في المجوس ما حكم الله فيهم ، وسار به نبي الله عليه السلام : أن يقاتلوا ، حتى يقروا بالجزية ، فإذا أقروا أخذت منهم { وَهُمْ صَاغِرُونَ } (5) ، ثم تركوا على ما هم دائنون به ... ، ولا تؤكل ذبائحهم ، ولا تنكح حرائرهم - سلما كان أو حربا - ... " إهـ (6) .
بعد ذلك بدأ في بيان كيفية معاملة المشركين ، فقال : " وحكمنا في عبدة الأوثان ما حكم الله فيهم ، وسار نبي الله عليه السلام : القتل حتى يدخلوا في الإسلام ، لا يقبل منهم إلا الدخول في الإسلام ، لا تقبل منهم جزية ، لأنهم ليس لهم دين يقرون عليه ... " إهـ (7) .
__________
(1) - عمروس ، الدينونة الصافية ،ص63 .
(2) - المصدر السابق ، ص63 .
(3) - المصدر السابق ، ص63 .
(4) *- المجوس : هو قوم كانوا يعبدون الشمس والقمر والنار ، وأطلق عليهم هذا اللقب منذ القرن الثالث الميلادي ، وقد قام " زرادشت " بتجديد دين المجوسية ، وزاد فيه ، والظاهر أن الأشوريين والفرس كانوا يعتنقون دين المجوسية ( أنظر : إبراهيم مصطفى وآخرون ، المعجم الوسيط ، 2/855 ) .
(5) - سورة التوبة ، من الآية : 29 .
(6) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص64 .
(7) - المصدر السابق ، ص64 . (1/459)
صفحة 460
ثم بين كيفية التعامل مع المنافقين ، فقال : " وأما المنافقون فهم في ملة الإيمان ، ويجري عليهم ملتهم التي ادعوا وأقروا بها ، وليسوا بملة كملة اليهود والنصارى ، ولكنه إدغال (1) في الدين ، إما شهوة في محرم ، أو تحريف في التأويل ، وإنما أصابوا النفاق بمعاص دون الشرك في هوى مضل ، أو تأويل شبهة في غير حق ، وأهله مقرون بالتنزيل ، ولا يجحدونه ولا ينكرونه ، ويجري عليهم حكم ما أقروا ، ولا تستحل منهم إلا الدماء ، والبراءة منهم ... " إهـ (2) ، واستدل على ما ذهب إليه ببعض ما جاء في كتاب الله تعالى ، فقال : ... لأن الله تعالى لم يحل منهم - أي من المنافقين - غير ذلك فقال : { مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً } (3) ، وبين أنه إنما يحل منهم ذلك إذا باينوا (4) لقول الله تعالى : { لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ } (5) فأما إذا انتهوا عن إظهار نفاقهم تركوا ، قال تعالى : { فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّه } (6) ،
__________
(1) **- إدغال من دَغَلَ يَدْغلُ دَغْلا ، يقال : دَغَلَ القانصُ دَغْلا : دخل في مكان خفي ليَخْتِلَ الصيد ، ودَغَلَ فيه : دخل دخول المريب ، والدَّاغِلُ : الذي يبغي أصحابه الشر ، يضمره لهم ، ويحسبونه يريد لهم الخير ، إذا فالظاهر أن المراد هو دخول المنافقين في الدين الإسلامي بريبة ، وشك ، وعدم اقتناع ( أنظر : إبراهيم مصطفى وآخرون ، المعجم الوسيط ، 1/288 ) .
(2) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص65 .
(3) - سورة الأحزاب ، آية : 61 .
(4) *- بايَنَ : فارق وهجر ، وغاير وخالف ، وبيَّنَ : ظهر واتضح ، والمراد هنا : أظهروا ما يبطنونه من النفاق ( أنظر : إبراهيم مصطفى وآخرون ، المعجم الوسيط ، 1/ 80 ) .
(5) - سورة الأحزاب ، من الآية : 60 .
(6) - سورة الحجرات ، من الآية : 9 .. (1/460)
صفحة 461
فلا نجاوز تحليل دمائهم إلى غنيمة أموالهم وسبي ذراريهم ، ونسميهم بالكفر كفر النفاق ... " إهـ (1) .
ثم قام بالرد على زعم المرجئة (2) أن كل موحد يعد مسلما مؤمنا ، وإن ارتكب المعاصي وانتهك الحرمات ، وقد كان قويا في الرد عليهم ، فمن عباراته قوله : " ... وليس يساعدهم على مقالتهم إلا سفيه أو فاجر ، يرتعي (3) في رياض الهوى ويتجرأ (4)
__________
(1) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص65 .
(2) **- المرجئة : نشأت عقيدة الإرجاء في الشام - حاضنة بني أمية - بتأثير بعض العوامل المسيحية خلال النصف الثاني من القرن الأول الهجري ، وقد ظهرت هذه العقيدة بعد ظهور الخوارج والشيعة ، وكانت تقوم فلسفتها السياسية على أسلوب يبرر أفعال خلفاء بني أمية المخالفة للشريعة ، كالقهر السياسي ، وشرب الخمر والمجون واللهو ، وقتل النفس بغير حق ... ، فقالوا عنهم أنهم مؤمنون ، ونحن نطيعهم بل تجب علينا طاعتهم ، وهم الذين افتعلوا الأحاديث القائلة بطاعة الأمير برا كان أو فاجرا ، فاستطاع بنو أمية بنشر هذه العقيدة فصل الدين عن الدولة ، وعقيدة الإرجاء تدور على أنه لا يضر مع الإيمان معصية ، كما لا تنفع مع الكفر طاعة ، فالإيمان معهم هو الاعتقاد بالقلب فقط ، ومنهم من اشترط التلفظ باللسان مع الاعتقاد بالقلب ، ولكنهم مجمعون على أن العمل ليس بشرط في الإيمان ، ويذكر المؤرخون أن كثيرا من عقائد المرجئة هي عينها عقيدة المذاهب الأربعة المعروفة اليوم ، مثل قولهم بعدم تخليد عصاة المؤمنين في النار ، وذلك لقولهم بخلف الوعيد ، وقولهم بالشفاعة ... ( أنظر : الراشدي ، الإمام أبو عبيدة ، ص132- 135 ) .
(3) ***- هكذا في النص ، ولعله خطأ مطبعي ، فلعل الأصح " يرتع " والله أعلم .
(4) ****- ذكر الباحث أحمد كروم – محقق الدينونة – أن الأصل في النسخ " يتجر " ، ولكنه أثبت " يتجرأ " ، معللا بأن ذلك هو الأنسب ( أنظر : عمروس ، الدينونة الصافية ، ص66 الهامش ) .. (1/461)
صفحة 462
في الشهوات ، جرأة العصاة على معصية الله ، وإسخاط ربهم " إهـ (1) .
بعد ذلك بدأ بالحديث عن الشفاعة ، ولمن تمنح ، وبين أنها تكون للمؤمن المتقي الموفي ، ورد على من زعم أن العاصي ، المنتهك لحرمات الله ، تناله شفاعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ؛ وكان رده عليهم قويا ، لم تأخذه في الصدع بكلمة الحق لومة لائم ، فقال : " وأباح الفساق الحرام ، وقالوا : دونكم التوحيد تنالوا به الدرجة العلى في الجنة بشفاعة محمد - عليه السلام - ، لو لم يتركوا لله معصية جهلا كالسائمة من البهائم لا يعرفون البراءة ولا الولاية ، يزعمون أنهم على دين ، وليسوا على شيء حتى يقيموه ، ولا يعرفون من الدين إلا اسمه ... " إهـ (2) .
ثم تناول مسألة الخلود في النار ، ورد على من زعم الخروج منها ، فقال : " ... وقالوا : إن قوما يخرجون من النار ، بعد توكيد الله في غير موضع : أن من دخلها خالدا ، وما هم منها بخارجين ، وإنهم ماكثون ، { وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ } (3) ... " إهـ (4) .
وقام بالرد على من يتهجم على أتباع الإباضية ، ويستحل شتمهم ، وبين تناقض مذهبهم ، حيث أنهم يعتقدون أن جميع هذه الأمة مسلمون حرام البراءة منهم ، والإباضية من جملة هذه الأمة ، فكيف بعد ذلك يستحلون سبهم ، والبراءة منهم ، وهم من أتباع الأمة الإسلامية ؟! فقال : " وأنهم يستحلون شتم الإباضية ، وحتى أنهم يقولون : شتمهم قربة إلى الله ، سفها بغير علم ، فبهذا نقض أول كلامهم ، أن جميع أمة محمد عليه السلام ، مسلمون حرام البراءة منهم ، فدينهم متضادد ، ينقض بعضه بعضا ، وآخر كلامهم ينقض أوله ... " إهـ (5) .
__________
(1) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص65- 66 .
(2) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص66 .
(3) - سورة المائدة ، من الآية : 37 .
(4) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص67 .
(5) - المصدر السابق ، ص68 . (1/462)
صفحة 463
ثم بعد ذلك بين من هم أولى الناس بالله ، وبالحق ، وبين أوجه أخذ المال بالحلال ، فقال : " إن أولى الناس بالحق من أقامه ، ولم يستنكر مذاهبه ، ولم يختلف قوله ، إن أولى الناس بالله من اتبع أمره واستدل بحكمه ، واستدل بأمره ، وسمى الناس بما سماهم الله به في كتابه ، وحكم فيهم بما حكم الله ، ولم يتبع حكمه هوى ، ولا يميل به غضب ، ولا يأخذ المال إلا من حيث أذن الله له : ميراث من كتاب الله ، أو شراء ، أو بيع عن تراض ، أو هبة عن طيبة نفس أهل الهبات ، أو غنيمة من أموال المشركين غير المعاهدين ... " إهـ (1) .
وبهذا ينهي القسم الأول من الأقسام الثلاثة التي ذكرتها ، فدخل بعده مباشرة في القسم الثاني ، وهو : الرد على المخالفين ( الصفرية ، والمعتزلة ، والسبئية ) .
فبدأ هذا القسم بالرد على شبه الصفرية ، فرد على ما زعموا من تشريك أهل الكبائر من أهل التوحيد ، واستحلال دمهم ، وغنم أموالهم ، وسبي ذراريهم ، وبين تناقضهم حيث أنهم يجيزون مناكحة أهل القبلة ، وأكل ذبائحهم ، وقبول شهادتهم ... ، فقال : " وقالت الصفرية : بتشريك أهل الكبائر من أهل التوحيد ، واستحلوا سبي ذراريهم ، وغنيمة أموالهم جرأة على الله ... وتأولوا على ذلك تأويل شبهة خالفت الحق وخرجت من العدل ، فدخل عليهم الضلال ما لا نهاية له . وتناقض قولهم فأجازوا مناكحة أهل القبلة ، وأكل ذبائحهم ، وأجازوا شهادتهم ، والقيام بين أظهرهم ... فهذا مما لا يحصى من فريتهم وخدعتهم ، فأخذوا ما أحبوا وتركوا ما كرهوا ... " إهـ (2) ، وجاء بالكثير من الأدلة العقلية رادا بها على ضلالات الصفرية .
__________
(1) - المصدر السابق ، ص68 .
(2) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص69 . (1/463)
صفحة 464
ثم قام بالرد على فرقة أخرى لم يذكر اسمها ، وقد ذهبت هذه الفرقة إلى التوقف في الموحدين من أهل القبلة ، فلم تصنفهم في الإسلام ، وكذلك لم تصنفهم في الشرك ، فقال : " وقالت فرقة أخرى : لا ندري أي منزلة نضيف إليها المحدثين من أهل القبلة ، وذلك أسلم لنا وأحرز من الإثم ... لأن الناس اختلفوا فيهم ... " إهـ (1) .
ثم رد على المرجئة وشبههم ، ومن ذلك تشبيههم لله تعالى ، وتحديدهم له ، ووصفه بالزوال والانتقال ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ، ورد أيضا على قضية إخلاف الوعيد ، التي يتمسك به المرجئة ، فقال : " وأشنع من هذا مما وصفته المرجئة ، وما دخلوا فيه من تشبيههم ربهم وتحديدهم له ، وما وصفوه من الزوال والانتقال ، وما ردوا من تنفيذ وعيد الله ، وهم أشبه بقول اليهود { وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً } (2) " إهـ (3) .
ثم كَرَّ مرة أخرى على الصفرية ، فقال : " وقالت طائفة أخرى وهم الصفرية : إن المحدثين من أهل القبلة كأهل حرب نبي الله ، فمن شك في شركهم فهو مشرك ، يحل منهم - زعموا - ما يحل من المشركين من الاسم والحكم والسبي " إهـ (4) .
وبعد أن انتهى من نقض شبه الصفرية والمرجئة ، وضلالاتهم ، ذكر العقيدة الصحيحة ، والقول الفصل في أهل القبلة ، المرتكبين للكبائر والمعاصي ، فقال : " وقالت طائفة : ضالون منافقون ليسوا بمشركين ، فهذه مقالة أهل العدل " إهـ (5) ، ويقصد بأهل العدل الإباضية .
__________
(1) - المصدر السابق ، ص70 .
(2) - سورة البقرة ، من الآية : 80 .
(3) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص71 .
(4) - المصدر السابق ، ص71 .
(5) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص71 . (1/464)
صفحة 465
ثم أخذ في نقض شبه المعتزلة ، فقال : " وقالت المعتزلة : ما أشركوا ولا كفروا ولا نافقوا ، ولكنهم ضلوا ضلالا لا يبرئهم من الإيمان ، وليسوا بمؤمنين ، ولكنهم ضلوا وفسقوا ، حرام ولايتهم وتحل البراءة منهم ... فهم أحمق ! كل فرقة إنما تعتقد أصلا وتبني عليه ، وهم يعتقدون ثلاثة أديان ، يستحلون في دين ما يحرمون في غيره ، لأنهم يحرمون ولاية المحدثين ... " إهـ (1) ، وقد أطال في مناقشة ، ونقض شبه المعتزلة .
ثم بين حجة الإباضية في إطلاقهم كفر النعمة على مرتكب الكبيرة ، واتبع أسلوب المناظرة في ذلك ، فكان قويا في طرحه ونقاشه ، جزلا في عباراته ، وأطال في ذلك ، فمما قاله : " وقالوا لنا : من أين علمتم كفر ضلال الإيمان (2) ؟ قلنا : من قبل كتاب الله . قالوا : فأوجدونا ذلك . قلنا : من قبل أن الله أضاف الكافرين إلى النار . قالوا : فأوجدونا ذلك .. أين ذكر الله الزاني كافرا ؟ قلنا : من حيث وقع عليه الوعيد ، فحيثما وجدنا الوعيد علمنا أصحابه كفار . كما أنا حيثما وجدنا الله وصف قوما بالكفر علمنا أنهم مضافون إلى النار ؛ لقول الله : { النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا } (3) ، وقال : { وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ } (4) ... " (5) إهـ (6) .
__________
(1) - المصدر السابق ، ص71- 73 .
(2) *- يقصد كفر النعمة .
(3) - سورة الحج ، من الآية : 72 .
(4) - سورة آل عمران ، آية : 131 .
(5) **- أنظر بقية المناظرة في : عمروس ، الدينونة الصافية ، ص73- 75 .
(6) - عمروس ، المصدر السابق ، ص73 . (1/465)
صفحة 466
ثم بين الفرق بين الإيمان ، والكفر ، والشرك ، والنفاق ؛ فقال : " والكفر اسم عام لجميع الضلالة وليس بخاص . والشرك اسم خاص لبعض الضلال وليس بعام ، وكذلك اسم النفاق اسم خاص وليس بعام ، والضلال والفسق أسماء عامة . والخروج من الإيمان الدخول في الكفر ، والدخول في الإيمان الخروج من الكفر ، وليس بينهما منزلة ، لأن الكفر ضد الإيمان ، والإيمان تفسير " إهـ (1) .
وقام بعد ذلك بتصحيح مفهوم الإيمان ، ولماذا يعد الإيمان إيمانا ؟ ، ومفهوم الكفر ، ولماذا يعد الكفر كفرا ؟ ؛ فقال : " وإنما كان الإيمان إيمانا لوجوب الثواب ، وإنما كان الكفر كفرا لوجوب العقاب ، ليس كما يقول من يقول : إنما كان الكفر كفرا لأنه معصية ، وكان الإيمان إيمانا لأنه طاعة ، أو قول من يقول : إنما كان الإيمان إيمانا للأمر به والكفر كفرا للنهي عنه ، وليس كذلك ... " إهـ (2) .
وأعقب ذلك بالكَرِّ مرة أخرى على الشكاك (3) ، فبين ضلال معتقدهم ، فقال : " وأما الشكاك فالذين قالوا : لا ندري أي الأسماء أصابوا ، ولا أيهم بلغوا ، يؤول بهم ذلك إلى أن يجهلوا منزلتهم ولا يعرفون أنهم على هدى ولا على ضلال ، لأنهم لو عرفوا أنهم على هدى لعرفوا أن من خالفهم على ضلال ، لأنهم يقرون أنه ليس بين الهدى والضلال منزلة ينزل بها أحد ... " إهـ (4) .
__________
(1) - المصدر السابق ، ص75 .
(2) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص76 .
(3) *- الشكاك : هي فرقة من الفلاسفة يترددون بين إثبات حقائق الأشياء وإنكارها ، ويسمون في الفلسفة الإسلامية بـ : " اللاأدرية " ، وهم فريق من السُّوفِسْطائيين ، والسوفسطائية : فرقة ينكرون الحسيات والبديهيات وغيرها . الواحد : سوفسطائي ، والسفسطة : قياس مركب من الوهميات ، والغرض منه إفحام الخصم وإسكاته ، وهي مأخوذة من اليونانية ( أنظر : إبراهيم مصطفى وآخرون ، المعجم الوسيط ، 1/433 ، 491 ) .
(4) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص76 . (1/466)
صفحة 467
ثم ذكر وجود الخلاف في بعض جوانب العقيدة بين المرجئة والصفرية والمعتزلة ، وذكر كذلك وجود الوفاق بين المرجئة والصفرية في بعض الجوانب (1) .
بعد ذلك انتقل إلى الرد على السبئية ، ونقض شبههم ، وأطلق عليهم اسم " السبابة " ، فقال : " وأما السبابة فإن كل رجل قلد أمره رجلا من بني هاشم ، فما أحل أحلوه ، وما حرم حرموه ، وإن غير الكتاب والسنة ، والصلاة حول القبلة ، مع أنهم ثلاثة أو أربعة يسندون أمرهم إلى رجل واحد ، فمنهم من يزعم أنه إله ، ومنهم من يزعم أنه نبي ، ومنهم من يزعم أنه إمام مطاع لا يأمر بشيء إلا كفر من عصاه " إهـ (2) .
وبهذا أنهى القسم الثاني ، ودخل في القسم الثالث وهو ( ما يسع جهله وما لا يسع جهله ) ، فافتتحه بما لا يسع الناس جهله طرفة عين ، فقال : " ... أول ما يلزمهم الإقرار بالله ربا وبمحمد نبيا ، وبما جاء به حق ، وهذا ما لا يسع جهله طرفة عين " إهـ (3) .
ثم ذكر ما يسعهم جهله إلى قيام الحجة ، فقال : " وأما الذي يسعهم جهله حتى يأتيهم وقت فعله وما يرضى الله عليهم من الصلاة قبل وقتها ، والزكاة قبل وجوبها ، وصيام شهر رمضان قبل مجيئه ومحضره في أهله ، والحج والعمرة ، والبر بالوالدين ، وصلة الرحم ، وحق الجوار ... " إهـ (4) ، فذكر العديد من الأمور التي يسع الناس جهلها حتى تقوم بها الحجة ، وأكتفي بما نقلت عنه خوف الإطالة .
ثم رد على من زعم أن الواجب العمل لا العلم ، فقال : " وقال من خالف الحق : إنما عليهم العمل وليس عليهم العلم ، وهذا أوهن الأقاويل وأضعفها ، لأنه لو وسعه الجهل مع العمل لوسعه أن يرى أن تارك ذلك مسلم على تركه ، ويسعه أن يرى أن تارك جميع ما أمر الله به مسلم ... " إهـ (5) .
__________
(1) - المصدر السابق ، ص77 .
(2) - المصدر السابق ، ص77 .
(3) - المصدر السابق ، ص79 .
(4) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص80 .
(5) - المصدر السابق ، ص80 . (1/467)
صفحة 468
وذكر بعد ذلك ما يسع جهله من الإيمان حتى يحل تفسيره ، فذكر من ذلك إنفاذ الحدود عن الله والأقطار ، وإثبات القدرة له ، والعلم وجميع الصنع الحدث أن يضاف إليه أنه صانعه ومحدثه ، وتصديق كل ما جاء عنه من خبر عما هو كائن أو يكون ، وذكر غير ذلك (1) .
ثم تناول ما لا يسع جهله من التوحيد ، فذكر من ذلك ما أخبر الله به من ذكر الجنة والنار ، والبعث والحساب ، والملائكة ، والكتب ، والرسل (2) .
وذكر أن من أنكر شيئا من صفات الله يعد منكرا لله ، ومن أنكر الله فهو مشرك (3) ، ورد على من أجاز إنكار ما سوى الله ، فقال : " وقال بعض أهل الخطأ والجهل : لا نشرك من أنكر شيئا سوى الله ما أقر أن الله واحد ، وهذا هو الخطأ .. وكتاب الله يكذب قائل هذا في غير موضع ... " إهـ (4) .
وذهب إلى تشريك من أنكر شيئا مما تفرد الله بصنعته ، والحكم بنفاق من أنكر شيئا مما أضافه الله إلى بعض خلقه ، فقال : " فمن أنكر شيئا مما تفرد الله به بصنعته أشرك بالله ؛ ومن أنكر شيئا مما أضافه الله إلى بعض خلقه فأنفى الله من صنعه نافق ، لأنه متأول مخطئ " إهـ (5) .
ثم بعد ذلك تناول ما يسع الناس جهله أبدا ما لم يكذبوا ، فذكر من ذلك تحريم الميتة ، والدم ، ولحم الخنزير ، والزنى ، والربا ، وقتل النفس التي حرم الله ، وأكل الأموال الحرام ، والسرقة ، والفساد في الأرض ، وغيرها من المحرمات ، لكن بشرط ألا يتقولوا على الله في حال جهلهم فيها الكذب ، فيحلوا حراما أو يحرموا حلالا ، أو يواقعوا فعل ما يضلهم ... (6) .
__________
(1) - المصدر السابق ، ص81 .
(2) - المصدر السابق ، ص81 .
(3) - المصدر السابق ، ص81 .
(4) - المصدر السابق ، ص82 .
(5) - المصدر السابق ، ص82 .
(6) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص83 . (1/468)
صفحة 469
ثم ذكر مفهوم الكبيرة فقال : " ... وأن كل ما حرم الله حراما ، ما نهى عنه فهو الحرام الذي حرمه الكتاب والسنة ، فأضاف فاعله إلى النار فهو كبيرة يكفر أهله بمقارفته حين قارفوه حتى يتوبوا ... وما سمى الله أهله بشيء من أسماء الضلال فهو كبيرة ، وما أمر الله عليه بالنكال في الدنيا فهو كبيرة ... " إهـ (1) .
وبهذا ختم قسم أصول الدين ( العقيدة ) من كتابه " أصول الدينونة الصافية " ، وهذه هي المسائل ، أو أهمها التي ناقشها في قسم العقيدة ، ذكرتها باختصار ، ثم دخل في قسم الفقه ، بعد أن ختم قسم العقيدة بقوله : " وقد وصفت في هذا أصول السيرة والدينونة الصافية ، نسأل الله التوفيق لمراشد الأمور " إهـ (2) .
جـ- المطلب الثالث : منهجه الاستدلالي على مسائل الأصول :
(1)- يستدل بالقرآن الكريم :
الملاحظ أن الشيخ عمروس يكثر من الاستدلال بالقرآن الكريم على المسائل الأصولية ، ومن تتبع قسم العقيدة يجد أمثلة على ذلك كثيرة ، وسأذكر بعض الأمثلة لبيان ذلك :
1- مسألة معاملة أهل الكتاب :
قال : " وننزل أهل الكتاب حيث أنزلهم الله : أن يقاتلوا حتى يقروا بالجزية عن ذل وهم صاغرون ، ونستحل منهم إذا أقروا بالجزية نكاح الحرائر منهم - وهم أهل الملل الثلاث : اليهود والصابوون (3) والنصارى - ، وقد قال الله في كتابه : { قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ } إلى قوله : { عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ } (4) يعني : عن ذل وهم صاغرون .
__________
(1) - المصدر السابق ، ص84 .
(2) - المصدر السابق ، ص84 .
(3) *- هكذا في الأصل ، والأصح الصابئون .
(4) - سورة التوبة ،من الأية : 29. (1/469)
صفحة 470
وقال : { أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ } : يعني الحلال كله ، { وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ } : يعني ذبائحهم ، ثم قال : { وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ } : يعني الحرائر منهم ، { إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ } : أن تتزوجوهن بمهورهن ، فتبين بقوله : { مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ } ناكحين غير زانين معلنين { وَلا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ } (1) يعني أن يتخذ أحدكم خليلة يزني بها في السر ، فحرم الله ذلك - سره وعلانيته - كما قال في سورة الأنعام : { قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ } إلى قوله : { وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ } (2) . وفي الأعراف : { قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ } (3) " إهـ (4) .
2- مسألة كفر النعمة :
استدل على إثبات كفر النعمة بعدة آيات ، وهي قوله تعالى : { النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا } (5) ، وقوله تعالى : { وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ } (6) ، وقوله تعالى : { إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً } (7) ، وقوله تعالى : { هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } (8) ، وقوله تعالى : { لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ } (9) (10) .
__________
(1) - سورة المائدة ، من الآية : 5 .
(2) - سورة الأنعام ، من الآية : 151.
(3) - سورة الأعراف ، من الآية : 33.
(4) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص62 .
(5) - سورة الحج ، من الآية : 72.
(6) - سورة آل عمران ، آية : 131 .
(7) - سورة الإنسان ، آية : 3 .
(8) - سورة التغابن ، آية : 2 .
(9) - سورة النمل ، من الآية :40.
(10) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص73 . (1/470)
صفحة 471
3- مسألة تشريك من أنكر شيئا من صفات الله :
ذهب الشيخ عمروس إلى أن من أنكر شيئا من صفات الله فقد أنكر الله ، ومن أنكر الله فهو مشرك ، ورد على من زعم خلاف ذلك مستدلا بالقرآن الكريم فقال : " ... وقال بعض أهل الخطأ والجهل : لا نشرِّك من أنكر شيئا سوى الله ما أقر أن الله واحد ، وهذا خطأ .. وكتاب الله يكذب قائل هذا في غير موضع ، منها ما ذكر الله من محاورة الأخوين في سورة الكهف حيث قال أحدهما : { وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي ... } (1) ، فأقر أنه ربه ، وإنما شك في البعث ؛ وقال له المؤمن : { أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ؟ ... } (2) فجعل شكه في البعث كفرا بالذي خلقه ، ولم يجحد أنه ربه ؛ ثم قال المؤمن له : { لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي ... } أصله : " لكن أنا هو الله ربي " وأدغم النون الثانية ، وزاح الألف فوقع التشديد في النون لأنه التقى النونان ، ثم قال : { وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً } (3) فدل بهذا أنه إنما هرب من الشرك ، لأن صاحبه واقعه واستحقه . ثم قصتهما محاورة بينهما إلى قوله : { فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ } ندامة { عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا } (4) حيث صارت { صَعِيداً زَلَقاً } (5) وهو تراب يابس يزلق { وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً } (6) . وأقر أن شكه في البعث شرك بربه " إهـ (7) .
وأكتفي بهذه الأمثلة على استدلاله بالقرآن ، فمن شاء المزيد عليه الرجوع إلى " الدينونة " ، فهي مليئة بالاستدلالات القرآنية .
(
__________
(1) - سورة الكهف ، من الآية : 36 .
(2) - سورة الكهف ، من الآية : 37.
(3) - سورة الكهف ، آية : 38 .
(4) - سورة الكهف ، من الآية : 42 .
(5) - سورة الكهف ، من الآية : 40 .
(6) 10)- سورة الكهف ، من الآية : 42 .
(7) 11)- عمروس ، الدينونة الصافية ، ص82 . (1/471)
صفحة 472
2)- استدلاله بالسنة :
الملاحظ أن الشيخ عمروس يستدل بالسنة على المسائل الأصولية ، ولكنه لا يكثر من ذلك ، فمن المواضع التي استدل فيها ببعض الأحاديث :
1- الرد على شبهات الصفرية :
قال : " وعن النبي عليه السلام أنه قال : » كل ما يورث حرام غنيمته ، وكل ما لا يغنم حرام ميراثه « (1) ... " إهـ (2) .
2- الدليل على كفر النعمة :
__________
(1) - قال القطب : " رواه تبغورين ، ولم ينسبه ، وهو حجة " إهـ ( أنظر : أطفيش ، شرح النيل ، 15/340 ) .
(2) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص70 . (1/472)
صفحة 473
استدل على ذلك بثلاثة أحاديث ، فقال : " وجاء عن النبي عليه السلام أنه قال في خطبة يوم حجة الإسلام - ويقال حجة الوداع - : »لا ألفينكم رجعتم بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض « (1) ،
__________
(1) - رواه الإمام الربيع عن الإمام جابر مرسلا بلفظ : " وقال - صلى الله عليه وسلم - يوما لأصحابه : لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض " ، أنظر : الجامع الصحيح ، باب الحجة على من قال أن أهل الكبائر ليسوا بكافرين ( 1) ، حديث رقم ( 756 ) ، 3/194 ؛ ورواه الإمام البخاري من عدة طرق ، فرواه من طريق ابن عباس بنفس اللفظ ، أنظر : أحمد بن علي بن حجر العسقلاني ، فتح الباري شرح صحيح البخاري ، ج3 ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، لبنان ، ط3 : 1421هـ / 2000م ، كتاب الحج ، باب الخطبة أيام منى ( 132 ) ، حديث رقم : ( 1739 ) ، ص731 ، ورواه من طريق أبي بكرة بنفس اللفظ ، أنظر : ابن حجر ، المصدر السابق ، ج3 كتاب الحج ، باب الخطبة أيام منى ( 132) ، حديث رقم ( 1741) ، ص731 ، وكذلك من طريق أبي بكرة بلفظ قريب ، أنظر : ابن حجر ، المصدر السابق ، ج8 ، كتاب المغازي ، باب حجة الوداع ( 78 ) ، حديث رقم ( 4406 ) ، ص135- 136 ، وانظر : ج10 ، كتاب الأضاحي ، باب الأضاحي يوم النحر ( 5) ، حديث رقم ( 5550 ) ، ص9 ، ورواه من طريق جرير بنفس اللفظ ، أنظر : ابن حجر ، المصدر السابق ، ج8 ، كتاب المغازي ، باب حجة الوداع ( 78 ) ، حديث رقم ( 4405 ) ، ص135 ، ورواه كذلك من طريق جرير بنفس اللفظ ، أنظر : ابن حجر ، المصدر السابق ، ج12 ، كتاب الديات ، باب قول الله تعالى : ( ومن أحياها ....) (2) ، حديث رقم ( 6869 ) ، ص235 ، ورواه من طريق عبد الله بن عمر بلفظ قريب ، أنظر : ابن حجر ، المصدر السابق ، ج12 ، كتاب الحدود ، باب ظهر المؤمن حمى إلا في حد أو حق ( 9 ) ، حديث رقم ( 6785 ) ، ص100- 101 ، ورواه كذلك من طريق ابن عمر بنفس اللفظ ، أنظر ، ابن حجر ، المصدر السابق ، ج12 ، كتاب الديات ، باب قول الله تعالى : ( ومن أحياها ... ) (2) ، حديث رقم ( 6868 ) ، ص235 ، وانظر : ج10 ، كتاب الأدب ، باب ما جاء في قول الرجل : " ويلك " ( 95 ) ، حديث رقم ( 61666 ) ، ص676- 677 ؛ ورواه الإمام مسلم من طريق جرير بنفس اللفظ ، أنظر : مسلم بن الحجاج النيسابوري ، صحيح مسلم ، ج1 ، دار الفكر ، بيروت ، لبنان ، ط2 : 1398هـ / 1987م ، كتاب الإيمان ، ( 1) ، باب بيان معنى قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : " لا ترجعوا بعدي كفارا ... " ( 29) ، حديث رقم ( 118) ، ص81- 82 ، ورواه بنفس اللفظ من طريق ابن عمر ، أنظر : الإمام مسلم ، المصدر السابق ، ج1 ، كتاب الإيمان ( 1) ، باب ( 29) ، حديث رقم ( 119) ، وحديث رقم ( 120 ) ، ص82 ؛ ورواه الدارمي من طريق جرير بن عبد الله بنفس اللفظ ، أنظر : الدارمي ، سنن الدارمي ، كتاب المناسك ( 5 ) ، باب في حرمة المسلم ( 76 ) ، حديث رقم ( 1856 ) ، 1/498 ؛ ورواه النسائي من طريق عبد الله بن عمر بنفس اللفظ ، أنظر : أحمد بن شعيب النسائي ، سنن النسائي ، ج7 ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت ، لبنان ، تحريم القتل ، ص126 ، ومن طريق أبي بكرة بلفظ قريب ، أنظر : النسائي ، المصدر السابق ، تحريم القتل ، 7/127 ، ومن طريق جرير بن عبد الله بنفس اللفظ ، أنظر : النسائي ، المصدر السابق ، تحريم القتل ، 7/127- 128 ؛ ورواه الترمذي من طريق عبد الله بن العباس بنفس اللفظ ، وقال أبو عيسى : وهذا حديث =
= حسن صحيح ، أنظر : محمد بن عيسى بن سورة الترمذي ، سنن الترمذي ، ج4 ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، لبنان ، ط1 : 1408هـ / 1978م ، كتاب الفتن ( 34 ) ، باب ما جاء لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض ( 28 ) ، حديث رقم ( 2193 ) ، ص421 ؛ ورواه ابن ماجه من طريق جرير بن عبد الله بنفس اللفظ ، أنظر : محمد بن يزيد القزويني ، سنن ابن ماجه ، ج2 ، مطبعة دار إحياء الكتب العربية ، كتاب الفتن ( 36 ) ، باب لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض ( 5 ) ، حديث رقم ( 3942 ) ، ص1300 ، ورواه من طريق عبد الله بن عمر بنفس اللفظ ، أنظر : القزويني ، المصدر السابق ، كتاب الفتن ( 36 ) ، باب لا ترجعوا بعدي ... ( 5 ) ، حديث رقم ( 3943 ) ، 2/1300 . (1/473)
صفحة 474
وقوله حين سأله رجل عن قوله تعالى : { وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً } (1) ، فقال رجل : أفي كل عام يا رسول الله ؟ فقال رسول الله عليه السلام : » لو قلت نعم لوجبت ، ولو وجبت لما قدرتم عليها ، إذن لكفرتم « (2) ،
__________
(1) - سورة آل عمران ، من الآية : 97 .
(2) - رواه الإمام الربيع من طريق أنس بن مالك بلفظ : " ... لو قلت نعم لوجبت ، ولو وجبت لم تفعلوا ، ولو لم تفعلوا لكفرتم ... " ، أنظر : الإمام الربيع ، الجامع الصحيح ، كتاب الحج ، باب في فرض الحج ( 1 ) ، حديث رقم ( 394 ) ، 2/100- 101 ؛ ورواه ابن ماجه من طريق علي بن أبي طالب بلفظ قريب ، أنظر : ابن ماجه ، سنن ابن ماجه ، كتاب المناسك ( 25) ، باب فرض الحج ( 2) ، حديث رقم ( 2884 ) ، 2/963 ، ورواه من طريق أنس بن مالك بلفظ قريب ، وفي الزوائد : هذا إسناده صحيح ، أنظر : ابن ماجه ، المصدر السابق ، كتاب ( 25) ، باب ( 2) ، حديث رقم ( 2885 ) ، 2/963 ، ومن طريق ابن عباس بلفظ قريب ، أنظر : ابن ماجه ، المصدر السابق ، كتاب ( 25) ، باب ( 2) ، حديث رقم ( 2886 ) ، 2/963 .. (1/474)
صفحة 475
وقوله عليه السلام : » ليس بين العبد والكفر إلا تركه الصلاة « (1) ... " إهـ (2) .
(3)- استدلاله بالاجماع :
__________
(1) - رواه الإمام الربيع من طريق ابن عباس بلفظ : " ليس بين العبد والكفر إلا تركه الصلاة " ، أنظر : الإمام الربيع ، الجامع الصحيح ، كتاب الصلاة ووجوبها ، باب جامع الصلاة ( 48 ) ، حديث رقم ( 303 ) ، ص78 ؛ ورواه النسائي من طريق بُرَيْدَةَ بلفظ قريب ، أنظر : النسائي ، سنن النسائي ، كتاب الصلاة ، باب الحكم في تارك الصلاة ، 1/231- 232 ؛ ورواه الترمذي من طريق جابر بلفظ قريب ، أنظر : الترمذي ، سنن الترمذي ، كتاب الإيمان ، باب ما جاء في ترك الصلاة ( 9 ) ، حديث رقم ( 2618 ) ، و( 2619 ) ، و( 2620 ) ، 5/14- 15، قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح ، وراه من طريق بردة بلفظ قريب ، قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح غريب ، أنظر : الترمذي ، المصدر السابق ، كتاب الإيمان ، باب ( 9 ) ، حديث رقم ( 2621 ) ، 5/15 ؛ ورواه ابن ماجه من طريق جابر بن عبد الله بلفظ قريب ، أنظر : ابن ماجه ، سنن ابن ماجه ، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها ( 5 ) ، باب ما جاء فيمن ترك الصلاة ( 77 ) ، حديث رقم ( 1078 ) ، 1/342 ، ورواه من طريق بريدة بلفظ قريب ، أنظر : ابن ماجه ، المصدر السابق ، كتاب ( 5 ) ، باب ( 77 ) ، حديث رقم ( 1079 ) ، 1/342 ، ورواه من طريق أنس بن مالك بلفظ قريب ، أنظر : ابن ماجه ، المصدر السابق ، كتاب ( 5 ) ، باب ( 77 ) ، حديث رقم ( 1080 ) ، 1/342 .
(2) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص74 . (1/475)
صفحة 476
الملاحظ كذلك أن الشيخ عمروس يستدل بالاجماع ، فمن ذلك مثلا بعد أن انتهى من سرد بعض الأحاديث (1) مستدلا بها على كفر النعمة قال : " وقد اجتمعت الأمة على هذه عن رسول الله عليه السلام ، يؤثر عنه عامة العلماء من الموافقين والمخالفين " إهـ (2) .
(4)- استدلاله بأقوال العلماء :
أيضا فإن الشيخ عمروس لم يهمل أقوال العلماء ، فاستدل بها في بعض المواضع ، فمن ذلك قوله - عند حديثه عن كفر النعمة - : " ... يقول أهل النظر : لأنه لو كان الكفر كفرا لأنه معصية للزم أن يكون كل معصية كفرا . ولو كان إنما كان الإيمان إيمانا للطاعة أو للأمر للزم أن يكون كل ما ليس فيه أمر لا يكون إيمانا ، فتخرج كل نافلة يتقرب بها إلى الله من حد الإيمان . ولو أن الكفر إنما كان كفرا للنهي عنه للزم الكفر بكل أمر كان فيه نهي ، وهذا لا يقوله عالم " إهـ (3) .
ومن ذلك أيضا قوله - عند حديثه عن ما يسع جهله أبدا ما لم يكذب - : " ... وقد قال بعض سلفنا رحمهم الله (4) : إنما تكون التي يقطع بها العالم الغاية بنهاية العلم الذي لا يجهل شيئا الحجة " إهـ (5) .
والملاحظ هنا أنه لا يذكر أسماء هؤلاء العلماء الذين يستشهد بأقوالهم ، وإنما يكتفي بعبارات ، مثل " أهل النظر " ، و" سلفنا " .
(5)- استدلاله بالعقل :
__________
(1) *- مر ذكرها عند الحديث عن استدلاله بالسنة ، أنظر الصفحة السابقة .
(2) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص75 .
(3) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص76 .
(4) *- الظاهر أنه يقصد أئمة المذهب الإباضي والله أعلم .
(5) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص83 . (1/476)
صفحة 477
إن المتتبع لمنهج الشيخ عمروس العقائدي يجد أنه ممن يعمل العقل والنص ، فلا يطغى جانب عنده على جانب ، ويظهر إعماله للعقل كثيرا في رده على مخالفيه ، وسأكتفي بذكر مثال واحد للتدليل على ذلك ، وهو قوله - عند نقاشه لمسألة لا منزلة بين المنزلتين - : " وأما الشكاك فالذين قالوا : لا ندري أي الأسماء أصابوا ، ولا أيهم بلغوا ، يؤول بهم ذلك إلى أن يجهلوا منزلتهم ولا يعرفون أنهم على هدى ولا على ضلال ، لأنهم لو عرفوا أنهم على هدى لعرفوا أن من خالفهم على ضلال ، لأنهم يقرون أنه ليس بين الهدى والضلال منزلة ينزل بها أحد ، ثم إنهم جمعوا الجبابرة والمحدثين من المتأولين وكل صاحب شهوة يسمونهم بالإيمان أحيانا ثم يلعنونهم أحيانا بلا علم بموقع اللعنة ، ويستغفرون لهم ويتولونهم بلا علم بموقع الاستغفار ، ويستحلون من أوليائهم ومن مخالفيهم أحيانا ما يحرمونه أحيانا : يستحلون دماءهم وأموالهم ؛ ثم قالوا : لا نقتل من قال : " لا إله إلا الله " ، ثم يقاتلونهم أحيانا ، ويأخذون أموالهم ، وليس لهم دين موصوف ولا لدين الله عندهم معرفة ... " إهـ (1) .
إذا فاستدلاله بالعقل ظاهر من خلال هذا النص بشكل واضح ، فيلاحظ أنه حاصر الشكاك بما يبنون عليه معتقدهم ، وألزمهم به ، كقوله : " ... لأنهم يقرون أنه ليس بين الهدى والضلال منزلة ينزل بها أحد ... " ، وكذلك ألزمهم بالتناقض الكبير الواقعين فيه ، وهذا ظاهر من خلال النص .
وهناك أمثلة كثيرة - لا تكاد تخلوا منها صفحة في قسم العقيدة - لاستعانته بالعقل في الرد على شبه مخالفيه ، وتفنيد مزاعمهم ، وقد ذكرت عدة أمثلة على ذلك عند حديثي عن رد الشيخ عمروس على مخالفيه ، ومناقشة أقوالهم ، كما سيأتي (2) .
(6)- بعض المصطلحات التي استخدمها في قسم العقيدة :
__________
(1) - المصدر السابق ، ص76 .
(2) *- أنظر ص312 . (1/477)
صفحة 478
لقد استخدم الشيخ عمروس في قسم العقيدة من الدينونة بعض المصطلحات ، وسأكتفي بذكر بعض تلك المصطلحات دون ذكر نص الكلام الذي وردت فيه ، حتى لا أطيل .
فمن هذه المصطلحات :
(- " إن الناس لم يختلفوا في ... " إهـ (1) ، يقصد المسلمين بمختلف مذاهبهم .
(- " فأول ما نحن ذاكروه : ... " إهـ (2) .
(- " فكان الناس على ثلاثة منازل ... " إهـ (3) ، ويقصد بالمنازل الثلاث : منزلة الشرك ، ومنزلة النفاق ، ومنزلة الإيمان (4) .
(- " ... اتبعها المؤمنون حين ابتلوا ، فكنا أتباعا غير مبتدعين .. " إهـ (5) ، يقصد بالمؤمنين هنا الإباضية .
(- " وننزل أهل الكتاب حيث أنزلهم الله ... ونستحل منهم ... " إهـ (6) .
(- " وحكمنا في المجوس ما حكم الله فيهم ... " إهـ (7) .
(- " ... وقد يقال : ... " إهـ (8) .
(- " ... فهذه ملل الشرك فقد ذكرناها ، وبينا السيرة في كل ملة ... " إهـ (9) .
(- " فلا نجاوز تحليل دمائهم إلى غنيمة أموالهم وسبي ذراريهم ، ونسميهم بالكفر كفر النفاق ... " إهـ (10) .
(- " ... وليس يساعدهم على مقالتهم إلا سفيه أو فاجر ، يرتعي في رياض الهوى ويتجرأ في الشهوات ، جرأة العصاة على معصية الله ، وإسخاط ربهم " إهـ (11) .
(- " وأباح الفساق الحرام ، وقالوا : ... " إهـ (12) .
(- " كالسائمة من البهائم ... يزعمون أنهم على دين ... " إهـ (13) .
(
__________
(1) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص58 .
(2) - المصدر السابق ، ص59 .
(3) - المصدر السابق ، ص60 .
(4) - المصدر السابق ، ص61 .
(5) - المصدر السابق ، ص62 .
(6) - المصدر السابق ، ص62 .
(7) - المصدر السابق ، ص64 .
(8) 10)- المصدر السابق ، ص64 .
(9) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص64 .
(10) - المصدر السابق ، ص65 .
(11) - المصدر السابق ، ص66 .
(12) - المصدر السابق ، ص66 .
(13) - المصدر السابق ، ص66 . (1/478)
صفحة 479
- " ... فلو أن الذي قالوا حقا كنا ممن سعد به ، ولا يضرنا خلافهم - ولكنا نعلم - والحمد لله - أنهم كذبة " إهـ (1) ، ويقصد هنا مخالفيه ، الذين يزعمون خروج مرتكب الكبيرة من النار .
(- " وأنهم يستحلون شتم الإباضية ... وحتى أنهم يقولون : شتمهم قربة إلى الله ... " إهـ (2) ، يقصد بعض المتعصبين ضد المذهب الإباضي من المخالفين .
(- " وقالت الصفرية : ... " إهـ (3) .
(- " وتناقض قولهم ... " إهـ (4) ، يقصد الصفرية .
(- " يشبهون قومهم ... " إهـ (5) ، يقصد مخالفي الصفرية .
(- " وضلالتهم أكثر من أن أصف جميعها ... " إهـ (6) ، يقصد الصفرية .
(- " وقالت فرقة أخرى : ... " إهـ (7) ، الحقيقة أنه لم يحدد اسم هذه الفرقة ، وإنما أتى بها مبهمة ، وذكر بعض معتقداتهم الزائغة ، ولكن هي على العموم من المخالفين للمذهب الإباضي الذي ينتمي إليه الشيخ عمروس .
(- " وأشنع من هذا مما وصفته المرجئة ... " إهـ (8) .
(- " وقالت طائفة أخرى وهم الصفرية : ... " إهـ (9) .
(- " وقالت المعتزلة : ... " إهـ (10) .
(- " ... فهم أحمق كل فرقة ... " إهـ (11) ، يقصد الشكاك .
(- " وقالوا : ... " إهـ (12) ، يقصد المرجئة .
(- " ... وقد وجدناكم ... " إهـ (13) ، أي المرجئة وجدوا الإباضية ... .
(- " وقالوا : ... " إهـ (14) ، أي المرجئة .
(- " قلنا ... " إهـ (15) ، أي الإباضية .
(
__________
(1) - المصدر السابق ، ص67 .
(2) - المصدر السابق ، ص68 .
(3) - المصدر السابق ، ص69 .
(4) - المصدر السابق ، ص69 .
(5) 10)- المصدر السابق ، ص70 .
(6) 11)- المصدر السابق ، ص70 .
(7) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص70 .
(8) - المصدر السابق ، ص71 .
(9) - المصدر السابق ، ص71 .
(10) - المصدر السابق ، ص71 .
(11) - المصدر السابق ، ص71 .
(12) - المصدر السابق ، ص72 .
(13) - المصدر السابق ، ص72 .
(14) - المصدر السابق ، ص72 .
(15) - المصدر السابق ، ص72 . (1/479)
صفحة 480
- " وأما الذين يقولون : ... " إهـ (1) ، يقصد بعض الفرق من مخالفيه .
(- " وقالوا لنا : ... " إهـ (2) ، أي المخالفين .
(- " ... مع اجتماع الناس ... " إهـ (3) ، يقصد بالناس العلماء .
(- " ولو أنك سألتهم : ... " إهـ (4) ، أي سألت المخالفين .
(- " قالوا لك : ... " إهـ (5) ، أي المخالفين .
(- " قلنا لهم : ... " إهـ (6) ، أي لمخالفين .
(- " فإنا إنما قلنا ... " إهـ (7) ، أي الإباضية .
(- " وأما قولهم ... " إهـ (8) ، أي المخالفين .
(- " ... ليس كما يقول من يقول : ... ، أو قول من يقول : ... " إهـ (9) ، يقصد المخالفين .
(- " ... وهذا لا يقوله عالم " إهـ (10) .
(- " وأما الشكاك فالذين قالوا : ... " إهـ (11) .
(- " وقد اختلفت المرجئة فيما بينهم ، والصفرية أيضا فيما بينهم ، والمعتزلة ... " إهـ (12) .
(- " وقد اتفقت المرجئة والصفرية ... فقالت الصفرية : ... . وقال المرجئة : ... لدخلوا في قول المسلمين " إهـ (13) ، يقصد بالمسلمين هنا الإباضية .
(- " فمنهم من يزعم ... " إهـ (14) ، أي السبئية .
(- " فالذين يقولون : ... " إهـ (15) .
(- " ... وقد دخل عليهم ... " إهـ (16) ، أي السبئية .
(- " ... وجامعوا المسلمين ... " إهـ (17) ، يقصد بجامعوا وافقوا ، والمسلمين يقصد بهم الإباضية .
(
__________
(1) 10)- المصدر السابق ، ص73 .
(2) 11)- المصدر السابق ، ص73 .
(3) 12)- المصدر السابق ، ص73 .
(4) 13)- المصدر السابق ، ص74 .
(5) 14)- المصدر السابق ، ص74 .
(6) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص74 .
(7) - المصدر السابق ، ص74 .
(8) - المصدر السابق ، ص74 .
(9) - المصدر السابق ، ص75 .
(10) - المصدر السابق ، ص76 .
(11) - المصدر السابق ، ص76 .
(12) - المصدر السابق ، ص77 .
(13) - المصدر السابق ، ص77 .
(14) - المصدر السابق ، ص77 .
(15) 10)- المصدر السابق ، ص77 .
(16) 11)- المصدر السابق ، ص78 .
(17) 12)- المصدر السابق ، ص78 . (1/480)
صفحة 481
- " فلا نعلم ... " إهـ (1) .
(- " ... وذلك أنهم زعموا ... " إهـ (2) ، يقصد الزيدية (3) ،
__________
(1) 13)- المصدر السابق ، ص78 .
(2) 14)- المصدر السابق ، ص78 .
(3) *- الزيدية : فرقة من فرق المذهب الشيعي ، وهم أتباع زيد بن علي- زين العابدين- بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، ويعتبر الزيدية من أعدل فرق الشيعة ، وقد خرج زيد أيام هشام بن عبد الملك ، في الكوفة ، وحارب عامل هشام على العراق يوسف بن عمرو الثقفي ، فظفر به يوسف وقتله ، وقتل معه أصحابه عن آخرهم ، ثم صلبه ، وكان ذلك في عام 121هـ ، وقيل عام =
= 122هـ ، وأرسل رأسه إلى هشام بن عبد الملك ؛ وفرقة الزيدية لم ترفع الأئمة إلى مرتبة النبوة ، ولم تكفر أحدا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وقد قالوا : بإمامة زيد بعد إمامة الحسين ، ولم يجوزوا ثبوت الإمامة في غير أولاد فاطمة ، ويرون أن الإمام علي أفضل الناس بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقرابته وسابقته في الإسلام ، ولكن جائز للناس أن يولوا غيره ، إي يجوز إمامة المفضول ، ومن أقوالهم : عدم القول باختفاء الأئمة ، واستمرار الإمامة ؛ ولهم مؤلفات في الأصول والحديث والفقه خاصة بهم ؛ ومن أئمتهم المتأخرين المشهورين الإمام الشوكاني صاحب التآليف الكثيرة في الأصول والفقه ( أنظر : الشهرستاني ، الملل والنحل ، ص154- 157- العميد عبد الرزاق ، المدخل إلى دراسة الأديان والمذاهب ، 2/355- 357- الشكعة ، إسلام بلا مذاهب ، ص205- 213 ) . (1/481)
صفحة 482
والحسينية (1) من فرق الشيعة (2) .
(- " وقد بقي من أقاويل المخالفين كثير لم نذكره ... " إهـ (3) .
(- " وذكرت قول أهل الحق ... " إهـ (4) ، يعني بأهل الحق الإباضية .
(
__________
(1) **- الحسينية : فرقة من فرق الشيعة نشأت في البصرة بعد مقتل الحسين بن علي في واقعة " كربلاء " المشهورة سنة 61هـ ، وعلى رأسهم الصحابي سليمان بن صرد الخزاعي ، وكان شعارهم أخذ الثأر على مقتل الحسين ، إذ أنهم يحسون بمسؤليتهم في مقتله ولذا اشتهروا بالتوابين ( أنظر : الشكعة ، إسلام بلا مذاهب ، ص158 ) .
(2) ***- الشيعة : لغة هم الأتباع ، ومعناها : الفرقة والجماعة ، والأتباع والأنصار ، ويقال أن معناها : الأمة ، وكان يقال لأنصار علي بن أبي طالب الشيعة ، وفي الاصطلاح الإسلامي هم شيعة أهل البيت ، وفي عرف الفقهاء والمتكلمين هم أتباع علي بن أبي طالب ، وقد قالوا بإمامة علي بن أبي طالب وخلافته نصا ووصية ، إما جليا ، وإما خفيا ، واعتقدوا أن الإمامة لا تخرج من أولاده ، وقالوا : ليست الإمامة قضية مصلحة تناط باختيار العامة وينتصب الإمام بنصبهم ، بل هي قضية أصولية ، وهي ركن الدين ، وقاعدة الإسلام ، ولا يجوز لنبي إغفاله ولا تفويضه إلى الأمة بل يجب عليه تعيين الإمام لهم ، ويكون معصوما من الكبائر والصغائر ، وأن عليا هو الذي عينه النبي - صلى الله عليه وسلم - بنصوص ينقلونها ويؤولونها على مقتضى مذهبهم ، وقد نشأت الشيعة في مصر في أواخر عهد عثمان بن عفان ، ثم عمت الحركة فشملت العراق الذي اتخذه الشيعة مستقرا لهم ومقاما ، ونمت الحركة وترعرعت في خلافة علي بن أبي طالب ( أنظر : الشهرستاني ، الملل والنحل ، ص146- 147- العميد عبد الرزاق ، المدخل إلى دراسة الأديان والمذاهب ، 2/297- 298- الشكعة ، إسلام بلا مذاهب ، ص151- إبراهيم مصطفى وآخرون ، المعجم الوسيط ، 1/503 ) .
(3) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص79 .
(4) - المصدر السابق ، ص79 . (1/482)
صفحة 483
- " وقال من خالف الحق : ... " إهـ (1) ، يقصد المخالفين للإباضية .
(- " ... وهذا أوهن الأقاويل وأضعفها ... " إهـ (2) .
(- " وقال بعض أهل الخطأ والجهل : ... " إهـ (3) ، يقصد بعض المخالفين للإباضية .
(- " ... وهذا هو الخطأ ... " إهـ (4) .
(- " ... وقد قال بعض سلفنا رحمهم الله : ... " (5) ، أي سلف الإباضية .
(- " ... وإن كان بعض الناس ... " إهـ (6) ، أي بعض العلماء .
(- " وقد وصفت في هذا ... " إهـ (7) .
هذه بعض الأمثلة على بعض المصطلحات التي كان يستخدمها الشيخ عمروس عند تناوله لمختلف المسائل في قسم العقيدة من كتابه ، وقد حاولت أن أجمع أكبر قدر ممكن منها ، وقد أكون أهملت بعضها لوجود مشابه لها فيما ذكرت ، أو قد أكون سهوت عنها فأعتذر عن ذلك .
د- المطلب الرابع : ملاحظات أخرى على منهجه في العقيدة :
1- تشبيه بعض المخالفين بالسائمة من الأنعام ، فقال - عند حديثه عمن تمنح له الشفاعة - : " ... وقالوا : دونكم التوحيد تنالوا به الدرجة العلى في الجنة بشفاعة محمد عليه السلام ، لو لم يتركوا لله معصية جهلا كالسائمة من البهائم لا يعرفون البراءة ولا الولاية ... " إهـ (8) .
2- تقسيم الناس إلى ثلاثة منازل ( المشرك ، والمنافق ، والمؤمن ) ، فقال : " فهذه ثلاث منازل في الخلق معروفة بأسمائها ، مختلفة في أحكامها ومنازلها ... المشرك : ... ، والمنافق : ... ، والمؤمن : ... " إهـ (9) .
__________
(1) - المصدر السابق ، ص80 .
(2) - المصدر السابق ، ص80 .
(3) - المصدر السابق ، ص82 .
(4) - المصدر السابق ، ص82 .
(5) - المصدر السابق ، ص83 .
(6) - المصدر السابق ، ص84 .
(7) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص84 .
(8) - المصدر السابق ، ص66 .
(9) - المصدر السابق ، ص61 . (1/483)
صفحة 484
3- بعد أن قسم الناس إلى الفئات الثلاث السابقة ( المشرك ، والمنافق ، والمؤمن ) ، بين حكم كل قسم ، فبدأ ببيان حكم المشركين بأقسامهم المختلفة ( أهل الكتاب ، والمجوس ، وعبدة الأوثان ) ، فبين أن أهل الكتاب يقاتلون حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ، ويستحل منهم إذا أقروا بالجزية نكاح الحرائر ، وأكل طعامهم ... إلخ (1) ، وبين أن حكم المجوس مقاتلتهم حتى يقروا بالجزية ، إلا أنهم لا تؤكل ذبائحم ولا تنكح حرائرهم (2) ، ثم بين حكم عبدة الأوثان وهو مقاتلتهم حتى يدخلوا في الإسلام ، فلا يقبل منهم إلا الدخول في الإسلام ، ولا تقبل منهم جزية ... إلخ (3) ، ثم وضح حكم المنافقين من ناحية إقامة الحدود ، وجواز المناكحة ، والموارثة ، وأكل الذبائح ... إلخ (4) .
4- الرد على المخالفين ومناقشة الأقوال :
الملاحظ أن الشيخ عمروس يرد على المخالفين في مختلف مسائل العقيدة ، ويناقش أقوالهم ، ويتبع معهم أسلوب المناظرة ، وهذا ظاهر على أغلب المسائل التي تعرض لها في قسم العقيدة ، ولا يخلو أسلوبه من الشدة على مخالفيه ، ولعل سبب شدة الشيخ عمروس - رحمه الله - على مخالفيه أنه كان يعيش في عصر تعددت فيه المذاهب ، وكثرت المناظرات بين أتباع تلك المذاهب ، وكل فريق يحاول أن يستدرج غيره إلى مذهبه ومعتقده ، ولعل هذا ما دفع الشيخ عمروس إلى اتباع أسلوب المناظرة في كتابه ، واستخدام الشدة مع مخالفيه ، حتى لا يؤثروا بأفكارهم ومعتقداتهم على أتباع المذهب الإباضي ، والذي يؤكد هذا تركيزه كثيرا في قسم العقيدة من كتابه على الرد على المذاهب الإسلامية ، وذكرها بأسمائها ، وتفنيد شبههم ، مع تركه لجوانب عديدة في العقيدة لم يتعرض لها .
__________
(1) - المصدر السابق ، ص62- 63 .
(2) - المصدر السابق ، ص64 .
(3) - المصدر السابق ، ص64 .
(4) - المصدر السابق ، ص60 ، 65 . (1/484)
صفحة 485
وسأذكر بعض الأمثلة على مناظرته لمخالفيه ، ورده على بعض المسائل التي يخالفهم فيها ، فمن ذلك مثلا :
أ- قوله : " وقالت الصفرية : بتشريك أهل الكبائر من أهل التوحيد ، واستحلوا سبي ذراريهم ، وغنيمة أموالهم جرأة على الله ، دينا لم يشرعه الله ولم يسن بسيرته نبي الله عليه السلام ؛ وتأولوا على ذلك تأويل شبهة خالفت الحق وخرجت من العدل ، فدخل عليهم من الضلال ما لا نهاية له .
وتناقض قولهم فأجازوا مناكحة أهل القبلة ، وأكل ذبائحهم ، وأجازوا شهادتهم ، والقيام بين أظهرهم ، واستحلوا نكاح ذوات البعول من غير موت أزواجهن ولا طلاق ، وانتحلوا الهجرة ، وزعموا أنها كهجرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، فهذا مما لا يحصى من فريتهم وخدعتهم ، فأخذوا ما أحبوا وتركوا ما كرهوا .
فإن كان أهل القبلة بمنزلة مشركي العرب ، فقد ضلت الصفرية بأكل ذبائحهم وموارثتهم ومناكحتهم . وإن كانوا بمنزلة المجوس ، فذلك في المناكحة والذبائح وقبول الشهادة وترك ضرب الجزية عليهم . وإن كانوا بمنزلة أهل الكتاب فليضربوا عليهم الجزية إذا أسلموا ، وليحرموا نساءهم على رجال قومهم ، وليحرموا منهم الموارثة ، وإن كانوا من أهل التوحيد فقد ضلوا باستحلال سبي ذراريهم وغنيمة أموالهم .. يشبهون قومهم في بعض سيرتهم بالمسلمين ، وفي بعض يشبهونهم باليهود والنصارى ، وفي بعضها يشبهونهم بأهل اللات والعزى (1) ، يستحلون غنيمة أموالهم ، ثم يقاسمونهم الميراث بكتاب الله !!
__________
(1) *- اللات والعزى : هما صنمان كانا يوجدان بمكة ، ويقوم كفار قريش بعبادتهما . (1/485)
صفحة 486
وعن النبي عليه السلام أنه قال : » كل ما يورث حرام غنيمته ، وكل ما لا يغنم حرام ميراثه « (1) لأنه لا يجتمع في مال سيرتان : سبي وغنيمة بكتاب الله . واستحلوا نكاح نساء قومهم بكتاب الله ، ثم استحلوا سبيهم مع ذلك ، ولا يجتمع حكمان في امرأة : نكاح بحلال ، وسبي بحلال . وضلالتهم أكثر من أن أصف جميعها ، وقد ذكرت بعضها " إهـ (2) .
ب- وقال رادا على المعتزلة عندما عذروا المرجئة ، والشكاك ، فقال : " وقالوا - أي المعتزلة - : أنصفوا لنا من أنفسكم ، واعدلوا الحكم بيننا وبينكم ، وقد وجدناكم تتولون من نزل من ضعفائكم بتلك المنزلة . ولو أن علماءكم يبرءون من رجل بما استبان لهم لم يلزم الغيب من لم يعرف من براءته ما عرف العلماء .
ولو أن رجلا من الضعفاء تولى رجلا بولاية العلماء ثم أحدث أمرا خلعته به العلماء ، ولا يفرز ذلك الضعيف علم العلماء ، فثبت على ولايته فتوليتموه !
وكذلك عذرنا نحن المرجئة والشكاك لضعفهم ، وإنما تولوه على ما كان من إيمانه ، وقالوا : إنما توليناه على الإسلام ، فكذلك عذرناهما بجهلهما كما عذرتم ضعيفكم بجهله .
قلنا - هنا الشيخ عمروس يرد على شبههم - : إنكم قستم أمرين غير مشتبهين ولا متناظرين ، وذلك إنما تولينا ضعفاءنا لردهم إلى علمائهم فيما لم تقم به عليهم الحجة ؛ لأن ضعيفنا يقول : أقف حتى ألقى العالم أو العلماء فأسألهم ، فما حملوني عليه احتملت ، وقولي قولهم ، وديني في الذي جهلت دينهم ؛ فمتى ما قال هذه المقالة ونزل هذه المنزلة كان قد وافق علم العلماء " إهـ (3) .
جـ- وكذلك مناظرته لمخالفيه في قضية ( كفر النعمة ) ، وقد رد على شبههم ردا قويا مدعما ذلك بنصوص الكتاب الكريم ، وبالعقل ، وقد ذكرت جزءا من المناظرة سابقا (4) .
__________
(1) - مر تخريجه ، أنظر ص303 .
(2) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص69- 70 .
(3) - المصدر السابق ، ص72- 73 .
(4) **- أنظر ص297 . (1/486)
صفحة 487
ويلاحظ - خاصة من المثال الثاني والثالث - استخدامه لأسلوب المناظرة ، فيرد على شبه المخالفين ، وكأنه يخاطبهم ، فيستخدم عبارات مثل " وقالوا " ، و" قالوا لنا " ، و" قلنا " ... إلخ .
5- التركيز على العقيدة الإباضية :
الملاحظ أن الشيخ عمروس يركز على عقيدته التي يعتقدها ، وهي العقيدة الإباضية ، فبعد أن يفند شبه مخالفيه ، يبين العقيدة الصحيحة التي يعتقدها خاتما بذلك رده على مخالفيه ، فمن الأمثلة على ذلك :
أ- الإباضية لا يجيزون قتل الموحد من المسلمين ، إلا إن اعتدى عليهم ، وناصبهم القتال ، ولا يجيزون غنم ماله ، ولا سبي ذريته ، وهذا مقرر في كتبهم ، وأقوال علمائهم (1) ، وقد أشار الشيخ عمروس إلى هذه الحقيقة في عدة مواضع من كتابه ، وقد ذكرت سابقا نصوصا من كلامه في ذلك (2) .
ب- كذلك عند تعرضه للحديث عن الشفاعة ، ولمن تكون ، فبعد أن رد على المخالفين ، الذين زعموا أنها تكون للعاصي مرتكب الكبيرة ، كما تكون للمؤمن الموفي ، بين الحق في ذلك ، وأن الشفاعة لا ينالها العاصي ، وإنما يخص بها المؤمن الموفي (3) ، وهذه هي عقيدة الإباضية ، وقد أشرت إلى جزء من نص مناظرته لهم سابقا (4) .
جـ - بين عقيدة الإباضية تجاه مرتكب الكبيرة من الموحدين ، بعد أن فند شبه المخالفين ، كالصفرية وغيرها ، فقال : " وقالت طائفة : ضالون منافقون ليسوا بمشركين ؛ فهذه مقالة أهل العدل " إهـ (5) ، ويقصد بأهل العدل الإباضية ، كما أشرت سابقا (6) .
6- ذكر أسماء بعض المذاهب والفرق :
__________
(1) *- تعرضت لهذه المسألة سابقا عند مناقشتي للفرق بين الإباضية والخوارج ، أنظر ص94- 95 الهامش .
(2) **- أنظر ص292 ، 293 .
(3) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص66- 67 .
(4) ***- أنظر ص294- 295.
(5) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص71 .
(6) ****- أنظر ص297 . (1/487)
صفحة 488
الملاحظ أن الشيخ عمروس عند تعرضه لتفنيد مزاعم وشبه المخالفين - في قسم العقيدة - ، ذكر أسماء بعض مذاهبهم ، وهذا على خلاف منهجه في قسم الفقه من كتابه " أصول الدينونة " ، كما سنرى عند التعرض لمنهجه الفقهي فيه .
فمن المذاهب والفرق التي ذكرها ، أهل السنة ، فقال : " ... ويزعمون أنهم من أهل السنة ، وهم ممن أمات السنة ... " إهـ (1) ، وذكر الصفرية ، فقال : " وقالت الصفرية : ... " إهـ (2) ، وذكر المرجئة ، فقال : " وأشنع من هذا مما وصفته المرجئة ... " إهـ (3) ، وكذلك ذكر المعتزلة ، فقال : " وقالت المعتزلة : ... " إهـ (4) ، وذكر أيضا الشكاك ، فقال : " وأما الشكاك فالذين قالوا : ... " إهـ (5) ، وذكر السبئية ، وسماهم السبابة ، فقال : " وأما السبابة ... " إهـ (6) ، وذكر الخوارج كذلك ، فقال : " ... وقد دخل عليهم ما يدخل على الخوارج ... " (7) ، وذكر الزيدية ، والحسينية ، وعدهم يتفرعون من فرقة السبئية ، فقال : " ... إلا صنف منهم الزيدية وصنف منهم الحسينية ... " إهـ (8) .
وذكر أيضا اسم المذهب الإباضي ، فقال : " وأنهم يستحلون شتم الإباضية ... " إهـ (9) ، وقد أشار د/ النامي إلى أن أول مُؤَلَّفْ إباضي ورد فيه ذكر أهل الحق والاستقامة باسم الإباضية ، هو كتاب " أصول الدينونة الصافية " للشيخ عمروس (10) .
7- عدم إهمال جانب اللغة :
__________
(1) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص66 .
(2) - المصدر السابق ، ص69 ، 71 ، 77 .
(3) - المصدر السابق ، ص71 ، 72 ، 77 ، 78 .
(4) - المصدر السابق ، ص71 ، 78 .
(5) - المصدر السابق ، ص72 ، 76 .
(6) - المصدر السابق ، ص77 .
(7) - المصدر السابق ، ص78 .
(8) - المصدر السابق ، ص78 .
(9) - المصدر السابق ، ص68 .
(10) - النامي ، دراسات عن الإباضية ، ص46 . (1/488)
صفحة 489
الملاحظ أن الشيخ عمروس يهتم بالجانب اللغوي ، فإذا دعت الضرورة إلى الإشارة إلى نكته لغوية ، فإنه لا يتأخر عن بيانها ، وتوضيحها للقارئ ، وقد أشار إلى شيء من ذلك في موضع واحد من قسم العقيدة ، وإلى عدة مواضع في قسم الفقه ، كما سيأتي في محله .
ففي قسم العقيدة أشار إلى نكته لغوية عند حديثه عن المحاورة التي جرت بين الأخوين في سورة الكهف ، وقد أشرت إليها سابقا (1) ، وأكتفي بنقل النكته اللغوية التي أشار إليها الشيخ عمروس : " ... ثم قال المؤمن له : { لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي ... } أصله : " لكن أنا هو الله ربي " وأدغم النون الثانية ، وزاح الألف فوقع التشديد في النون لأنه التقى النونان ... " إهـ (2) .
8- الملاحظ على منهج الشيخ عمروس في كتابه " أصول الدينونة الصافية " بقسميها العقائدي والفقهي ، الاختصار ، فلا يطنب في تفصيل المسائل ، بل يكتفي بذكرها باختصار ، وهذا ظاهر من خلال أغلب المسائل التي تعرض لها في كتابه ، بل ويصرح بذلك ، فمن ذلك مثلا قوله عند تعرضه للرد لشبه الصفرية : " ... فهذا مما لا يحصى من فريتهم وخدعتهم ... " إهـ (3) ، وقوله أيضا : " وضلالتهم أكثر من أن أصف جميعها ، وقد ذكرت بعضها " إهـ (4) ، وقوله - عند رده على شبه الشكاك - : " وضلالتهم أعجب وأكثر من أن يستطاع صفتها " (5) ، ومن ذلك أيضا قوله : " وقد بقي من أقاويل المخالفين كثير لم نذكره ، وبقي مما ذكرت حججا عظيمة لم نذكرها ، لما يطول من ذكرها ، وقد ذكرت بعض ذلك وهي أكثر من أن نأتي عليها بكتاب " إهـ (6) .
__________
(1) *- أنظر ص302 .
(2) - أنظر كذلك ص302.
(3) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص69 .
(4) - المصدر السابق ، ص70 .
(5) - المصدر السابق ، ص76 .
(6) - المصدر السابق ، ص79 . (1/489)
صفحة 490
والظاهر أن الشيخ عمروس تعمد اتباع منهج الاختصار في كتابه الدينونة ، وقد أشار إلى ذلك من خلال قوله : " وقد وصفت في هذا أصول السيرة والدينونة الصافية ... " إهـ (1) ، والمقصود بالدينونة الدين ، وأما الأصول فهو جمع أَصْل ، وأصل الشيء : هو أساسه الذي يقوم عليه ، والأصول : أصول العلم : وهي قواعده التي تبنى عليها الأحكام (2) ، فمراد الشيخ عمروس إذن هو " أصول الدين " ، والأصول في العادة تكون قليلة ومختصرة .
وكذلك لعل الشيخ راعى الوسط الذي كان يعيش فيه وهو وسط كانت تغلب عليه العجمة حيث أنهم كانوا من البربر ، والذين يتقنون اللغة العربية هم العلماء وطلاب العلم ، فجعل كتابه مبسطا مختصرا حتى يضمن وصول المعلومة إلى القارئ بكل سهولة ويسر ؛ فالظاهر أنه لم يكن يهدف من خلال وضعه لكتاب الدينونة أهل العلم فقط ، بل كان يهدف طلاب العلم الصغار وعوام الناس والله أعلم .
أيضا لا ننسى من جانب آخر الظروف السياسية الصعبة التي كان يعيشها الشيخ عمروس ، فلا تكاد تفتر حرب وتخبو حتى تشتعل غيرها ؛ وكذلك اشتغال الشيخ عمروس بالقضاء وما يتطلبه من تفرغ لحل مشاكل الناس ، لعل ذلك كله لم يعطه الفرصة للتوسع في التأليف ، وأخيرا ذهب بعض الباحثين إلى أن الشيخ ألف الدينونة تلبية لطلب أحد الأشخاص منه ذلك – وإن كنت لا أميل إلى هذا كما سيأتي بعد قليل – فألفه مختصرا على عجل تلبية لطلب هذا الشخص والله أعلم .
9- ذكر سبب تأليفه للكتاب في نص الكلام ، وقد ذكرت نص كلامه سابقا (3) ، وقد ذكر ذلك بعد أن قطع شوطا في قسم العقيدة ، والأصل أن يذكر المؤلف سبب تأليفه للكتاب في مقدمة كتابه ، والشيخ عمروس لم يعمل بهذا .
__________
(1) - المصدر السابق ، ص84 .
(2) - إبراهيم مصطفى وآخرون ، المعجم الوسيط ، 1/20 .
(3) *- أنظر ص276 . (1/490)
صفحة 491
10- الظاهر أن الشيخ عمروس يخاطب شخصا ما من خلال هذا الكتاب ، ويظهر ذلك من قوله : " ... وكل من وصفت لك من المحدثين يدينون بما يقولون ويدعون الناس إليه ... " إهـ (1) .
إذن فلعل الشيخ عمروس ألف هذا الكتاب خصيصا لشخص ما طلب منه ذلك ، فلهذا السبب هو يخاطبه في الكتاب ، فمن هو هذا الشخص ؟
ذكرت سابقا أن أصحاب معجم أعلام الإباضية عدوا كتاب " العمروسي " ، وكتاب " أصول الدينونة الصافية " كتابا واحدا ، ألفه الشيخ عمروس تلبية لطلب عبد القاهر الفزاني ، الذي طلب منه أن يؤلف له كتابا في الأصول (2) ؛ فعلى فرض صحة ما ذهب إليه أصحاب معجم أعلام الإباضية ، لعل الشخص الذي يخاطبه الشيخ عمروس هم عبد القاهر الفزاني والله أعلم .
ولكن في المقابل يمكن أن يعترض على هذا الاستنتاج بأن هناك من الباحثين من فرق بين كتاب " العمروسي " ، وكتاب " أصول الدينونة الصافية " ، وعدهما كتابين مختلفين ، وأن كتاب " العمروسي " هو الموجه إلى عبد القاهر الفزاني ، لا كتاب " أصول الدينونة الصافية " ، وقد أشرت إلى ذلك سابقا (3) .
كذلك فإن النص المذكور وهو قوله : " ... وكل من وصفت لك ... " ، الذي يمكن أن يستشف منه أن الشيخ عمروس يخاطب شخصا ما ، لا يكفي كدليل على كون المخاطب شخص محدد بعينه كعبد القاهر الفزاني ! فلعل الشيخ عمروس يخاطب بذلك القارئ لكتابه ، أيا كان ! وهذا احتمال كبير ، إذا فالأمر يظل محتملا لكلا الاستنتاجين .
كذلك فإن الشيخ عمروس وضح بنفسه سبب تأليفه لكتاب " أصول الدينونة الصافية " - وقد مر الحديث عن ذلك كما ذكرت قبل قليل - ، فلم يذكر أنه يوجهه إلى عبد القاهر الفزاني ، أو إلى شخص محدد ، وإنما أراد أن يقصد بكتابه إلى بعض أمور تكون فيها الحاجة مما كلف الله به العباد ، على حد تعبيره .
__________
(1) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص76- 77 .
(2) **- أنظر ص235 ، 241 .
(3) ***- أنظر ص241. (1/491)
صفحة 492
ولهذا فإني أميل أكثر إلى استبعاد أن يكون كتاب " أصول الدينونة الصافية " موجها إلى عبد القاهر الفزاني ، فالظاهر أن الشيخ عمروس ألفه لكل أحد ، فلم يخصه بشخص معين ، فلعل كتاب " العمروسي " هو الموجه إلى الفزاني ، والأمر مجرد احتمال ، ولست أنا ممن يقوى على الترجيح ، فلا أجزم بذلك والله أعلم .
?
3- المبحث الرابع : منهج الشيخ عمروس في عرض وترتيب المسائل الشرعية ( الفقه ) :
أ- المطلب الأول : منهجه في بناء الأبواب والفصول وترتيبها :
الملاحظ أن الشيخ عمروس تناول جانبين من جوانب الفقه ، وهما فقه الطهارات ، وفقه المعاملات ، فبدأ - بعد أن انتهى من مسائل العقيدة - بطرح مسائل العبادات ، ثم أتبعها بمسائل المعاملات (1) .
والملاحظ أن الشيخ عمروس لم يقسم كتابه إلى أبواب وفصول (2) ، كما هو متبع في المؤلفات المعاصرة ، وإنما يبدأ مباشرة بطرح المسائل الفقهية التي يرغب في مناقشتها وتحليلها - وهذا الأسلوب كان المتبع في كتابات تلك القرون المتقدمة - ، مع تنبيهه على ما يريد تناوله من مسائل قبل أن يبدأ في طرحها ومناقشتها ، فيلاحظ أن تلك التنبيهات متداخلة مع متن الموضوع ، وقد أتجاوز وأطلق عليها " عناوين للمسائل الفقهية " .
__________
(1) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص87- 121 ، ص125- 156 .
(2) *- لقد قام الباحث أحمد كروم – محقق الدينونة الصافية – بتقسيم الكتاب إلى أبواب وفصول ، ووضع ذلك بين معقوفتين ، فليس ذلك التقسيم من فعل الشيخ عمروس أو النساخ ، فأرجو التنبه لذلك ، وقد أشرت إلى ذلك في المبحث السابق ( أنظر : عمروس ، الدينونة الصافية ، ص8 مقدمة المحقق ) . (1/492)
صفحة 493
فعلى سبيل المثال ، عندما بدأ الشيخ عمروس بتناول مسائل العبادات ، وتحديدا " مسائل الصلاة " - كما عنونها محقق الدينونة - قال : " وقد أردت تفسير بعض الفرائض . ومما فرض الله الصلاة والزكاة في كتابه ... " إهـ (1) ، ثم دخل رحمه الله مباشرة في تحليل المسائل المتعلقة بالصلاة ، وافتتحها بمواقيت الصلاة ، فقال : " ... وإن مواقيت الصلاة مسميات في كتاب الله ... إلخ " إهـ (2) .
وكان هذا منهجه في الكتاب ككل ، فمثال آخر - لمزيد من التوضيح - حين انتهى من مسائل الصلاة وما يتعلق بها من مسائل الطهارات ، بدأ مباشرة في باب جديد من أبواب فقه العبادات ، وهو باب الزكاة ، من غير فصل بينه وبين باب الصلاة ، فقال مباشرة بعد انتهائه من مسائل الصلاة : " ... فريضة الزكاة من التنزيل ، مقرونة بالصلاة ... " إهـ (3) .
إلا أنه في المقابل يلاحظ أنه كان يضع عناوين لبعض الأبواب ، ولكنها كانت أبوابا معدودة ، مقارنة مع بقية أبواب الكتاب ، فمن ذلك مثلا حين تطرق إلى مسائل الحج ، جعل لها عنوانا وهو " فرض الحج " ، ثم بدأ بطرح المسائل المتعلقة بهذه الفريضة (4) .
__________
(1) - المصدر السابق ، ص87 .
(2) - المصدر السابق ، ص87 .
(3) - المصدر السابق ، ص95 .
(4) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص106 . (1/493)
صفحة 494
وكذلك أيضا حين انتقل إلى مسائل القصاص ، جعل لها عنوانا مستقلا وهو " باب في القصاص " (1) ، وأيضا بالنسبة لمسائل المواريث ، فقد عنونها بـ " قسم المواريث " (2) ، وكذلك مسائل العدة ، فعنونها بـ " عدد النساء " (3) ، ومسائل الرضاع ، عنونها بـ " نفقة المرضع وحد الرضاع " ، ومسائل الأذان عنونه بـ " الأذان " (4) ، فلعل الشيخ عمروس وضع عناوين للأبواب الفقهية المختلفة كـ " باب الصلاة " ، و" باب الصوم " ، و" باب الزكاة " ... إلخ ، إلا أن النساخ أهملوا ذكر ذلك ، فذكروا بعض عناوين الأبواب وأهملوا الباقي ، أو لعل الشيخ عمروس لم يضع عناوين لتلك الأبواب ، وإنما قام النساخ بوضع بعض العناوين بأنفسهم ، وكذلك الأمر يحتمل أن يكون الشيخ عمروس بنفسه من قام بوضع عناوين لبعض الأبواب ، ولم يضع للباقي ، لعله بسبب اعتباره وجود ارتباط بين الأبواب التي لم يعنون لها ، فمثلا يقول - حين انتقل من باب الصلاة إلى باب الزكاة - : " ... فريضة الزكاة من التنزيل ، مقرونة بالصلاة ... " إهـ (5) .
فيلاحظ أن الشيخ اعتبر فريضة الزكاة مقترنة بالصلاة ، لا تنفك عنها لأن القرآن قرنهما معا في كثير من الآيات ، وهذا ظاهر من قوله السابق ، فلعله لهذا السبب لم يجعل لها عنوانا مستقلا ، ولعل هذا السبب ينسحب على بقية الأبواب التي لم يعنونها الشيخ في كتابه والله أعلم .
__________
(1) - المصدر السابق ، ص129 .
(2) - المصدر السابق ، ص141 .
(3) - المصدر السابق ، ص149 .
(4) - المصدر السابق ، ص156 .
(5) - المصدر السابق ، ص95 . (1/494)
صفحة 495
ويلاحظ أن الشيخ عمروس أتى ببعض مسائل العبادات في نهاية كتابه ، بعد أن انتهى من مسائل المعاملات ، مع أن الأولى أن تكون هذه المسائل في باب العبادات ، الذي وضعه الشيخ عمروس قبل باب المعاملات ، وقد نبه الباحث أحمد كروم - محقق الدينونة - على هذه النقطة ، وعلل ذلك بأنه ميزة أغلب الكتابات الإباضية في ذلك العصر ، سواء في التاريخ أو الشريعة (1) .
وقد يضاف إلى هذا التعليل ، أن الشيخ عمروس استدرك هذه المسائل في نهاية كتابه ، فأضافها ، فلعلها عزبت عن ذهنه عند تناوله لمسائل العبادات ، فتذكرها عند انتهائه من كتابه ، فأضافها ، فلهذا السبب هي موجودة في آخر الكتاب ، ويقوي هذا الاحتمال أنها مسائل قليلة ، فليست هذه هي السمة الغالبة على الكتاب ، فالكتاب متسلسل في عرضه للمسائل بلا خلط بينها ، أو تقديم وتأخير .
وهذه المسائل التي جاء بها الشيخ عمروس في نهاية كتابه هي مسائل " الختان " ، ومسائل " الأذان " ، وبعض المسائل الفقهية عنونها محقق الدينونة بـ " فصل في الأمر بإتمام الأعمال " (2) .
ب- المطلب الثاني : المسائل الفقهية التي تعرض لها في الدينونة :
ذكرت في المطلب السابق أن الشيخ عمروس تناول بابين من أبواب الفقه ، وهما فقه العبادات ، وفقه المعاملات ، وسأعرض هنا أهم المائل التي تعرض لها في هاذين البابين .
أولا : باب فقه العبادات :
في باب العبادات تناول المسائل المتعلقة بالعبادات ، والمسائل التي جاء بها هي كالتالي :
1- مسائل الصلاة :
__________
(1) - المصدر السابق ، ص55 مقدمة المحقق .
(2) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص154 ، 156 ، 157. (1/495)
صفحة 496
افتتح الباب بمسائل الصلاة ، مبتدأ بأوقات الصلاة ، مدللا على ورود مواقيتها ، وتسمياتها في القرآن الكريم ، فأطال في سرد الآيات القرآنية الدالة على ذلك ، وقام بتحليلها (1) ؛ ثم تناول صلاة الجماعة ، فبين فضل صلاة الجماعة على صلاة الفرد (2) ، وأتبعها بحكم تأخير الصلاة ، وحكم من تركها بغير عذر ولا نسيان ، فحكم عليه بالكفر (3) والضلال (4) ، ثم عرج على عدد الركعات في الفرائض والسنن ، وبين الفرق بين صلاة السفر وصلاة الحضر في عدد الركعات ، ثم بين عدد ركعات صلاة الوتر ، وذكر الخلاف في ذلك ، ورجح قول من قال أنه ركعة واحدة فقال : " ... والمعمول به عندنا ركعة " إهـ (5) .
وبعد ذلك ناقش مسألة القراءة في الصلاة ، وبين ما يقرأ في الفرائض الخمس من القرآن ، وعدد الآيات التي يستحب قراءتها مع الفاتحة في فريضة المغرب والعشاء والفجر ، فقال : " ... ويقرأ في الركعتين الأولتين (6) من المغرب سورة من القصار مع فاتحة الكتاب ، وفي الأولتين (7) من العشاء بسورة مع فاتحة الكتاب ، ويستحب من ذلك ما يبلغ عشر آيات ، وكذلك في الصبح " إهـ (8) .
__________
(1) - المصدر السابق ، ص87- 90 .
(2) - المصدر السابق ، ص90 .
(3) *- المقصود بالكفر هنا كفر النعمة ، وليس كفر الملة ، وكفر النعمة مصطلح يستخدمه الإباضية ، ويقصدون به مرتكب الكبيرة من المسلمين ، فلا يوصلونه إلى الشرك أو الخروج من الملة ، وقد نبهت سابقا على ذلك في عدة مواضع من هذا البحث .
(4) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص90 .
(5) - المصدر السابق ، ص91 .
(6) *- كذا في الأصل .
(7) **- كذا في الأصل .
(8) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص91- 92 . (1/496)
صفحة 497
وختم مسائل الصلاة بمسألة استقبال القبلة ، وبين أنه فرض بما دل عليه القرآن الكريم ، واستدل على فرضية استقبال القبلة بقوله تعالى : { فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ } (1) (2) .
2- مسائل الطهارات :
بعد أن انتهى من مسائل الصلاة ، انتقل إلى مسائل الطهارات ، فبدأها بفريضة الوضوء ، فجاء بالدليل من القرآن الكريم على فرضيته وهو قوله تعالى : { إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ } ، ثم بين فرائض الوضوء من غير تفصيل لها ، مكتفيا بقوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ } (3) ، واكتفى بتعليقه : " فهذه الفريضة " إهـ (4) ، يقصد أن الآية السابقة جمعت فرائض الوضوء ، وهي غسل الوجه ، وغسل اليدين إلى المرافق ، ومسح الرأس ، وغسل الرجلين إلى الكعبين .
بعد ذلك بين سنن الوضوء ، وأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - سنها ، وذكر أن المضمضة والاستنشاق واجبتان ، لا يسع تركهما ، ولا تجوز الصلاة إلا بهما (5) ؛ ثم تناول مسح الأذنين مع الرأس ، وبين أنه سنة من سنن الوضوء ، وذكر بعض الخلاف الموجود في مسح الأذنين ، فقال : " وسن مسح الأذنين مع الرأس مقدمهما ومؤخرهما ، وقال بعضهم مقدم الأذنين من الوجه ، ومؤخرهما من الرأس ، والمعمول به عندنا أنهما من الرأس " إهـ (6) ، إذا فالشيخ عمروس يرجح أن كل الأذنين من الرأس ، ويمسحان مع الرأس ، وترجيحات الشيخ عمروس هذه دليل على بلوغه درجة الاجتهاد والله أعلم .?
__________
(1) - سورة البقرة ، من الآية : 144 .
(2) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص92 .
(3) - سورة المائدة ، الآية : 6 .
(4) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص92 .
(5) - المصدر السابق ، ص92 .
(6) - المصدر السابق ، ص92 . (1/497)
صفحة 498
بعد ذلك تناول سنة الاستنجاء ، فبين أن الاستنجاء سنة ثابتة عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، وأنه لا يجوز الوضوء إلا بعد الاستنجاء ، وذكر أن الله تعالى فرض في كتابه الطهارة من الجنابة (1) .
وأعقب ذلك بالتيمم ، فعرف التيمم والصعيد في اللغة ، وهنا رد الشيخ عمروس على من ذهب إلى أن التيمم هو المسح بنفسه ، واستدل على ذلك بالقرآن الكريم ، فقال : " وبعض الناس يرى التيمم هو المسح بنفسه ، وليس هو المسح ، ولكنه التعمد إلى التراب ، ألا ترى أنه قال : { فَامْسَحُوا } ، والمسح غير التيمم ، يقول فتعمدوا ترابا نظيفا ، { فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ } (2) ، وما يدل أن التيمم هو التعمد لا المسح قوله تعالى : { وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ } (3) ، يقول ولا تتعمدوا الخبيث من أموالكم منه تنفقون " إهـ (4) .
ومناقشة الشيخ عمروس لمن ذهب إلى أن التيمم هو المسح نفسه ، واستدلاله عليهم بالقرآن الكريم دليل على طول باع الشيخ في العلم ، وفي استخراج الأدلة على ما يرجحه من كتاب الله مباشرة ، وهذا دليل آخر على بلوغ الشيخ عمروس درجة الاجتهاد .
وبعد أن انتهى الشيخ من مناقشة هذه المسألة السابقة ، بدأ بتوضيح طريقة التيمم ، وهنا يظهر للعيان ترجيح آخر للشيخ عمروس ، وهو في مسألة الجنب الفاقد للماء ، إن تيمم وصلى ، ثم وجد الماء ، هل يعيد صلاته السابقة التي صلاها بالتيمم أم لا ؟ فرجح الشيخ - رحمه الله - عدم الإعادة ، فقال : ... فإذا وجدت الماء اغتسل من جنابتك ، ولا تعد ما مضى من الصلاة " إهـ (5) .
__________
(1) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص94 .
(2) - سورة المائدة ، من الآية : 6 .
(3) - سورة البقرة ، من الآية : 267 .
(4) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص93 .
(5) - المصدر السابق ، ص93- 94 . (1/498)
صفحة 499
ثم جاء بمسائل تتعلق بالصلاة في باب الطهارات ، وهي مسألة " حكم نسيان الصلاة " ، فذكر أن من نسي صلاة حتى خرج وقتها فليصلها حين يذكرها ، إلا عند طلوع الشمس وغروبها ، وذكر أيضا الإعادة على من صلى بغير وضوء ، أو بثوب لا يصلى به (1) (2) ، ولعلها عزبت عنه عند تناول مسائل الصلاة سابقا ، فجاء بها في مسائل الطهارات ، أو لعله لم يكن يراعي كثيرا تمايز المسائل الفقهية والله أعلم .
على العموم بعد أن انتهى من مسائل " حكم نسيان الصلاة " ، رجع إلى المسائل المتعلقة بالطهارت ، فتناول كيفية الاغتسال ، وبدأ بشرح طريقة الاغتسال من الجنابة ، والملاحظ هنا أنه استدل ببعض الأحاديث ، من ذلك استدلاله في الحث على مبالغة غسل الجسد وتنقيته بالحديث الذي نصه : " أن كل موضع لم ينعم (3) غسله من الجنابة فإنه يبعث عليه يوم القيامة حيات تلدغه في تلك الأماكن " (4) ، والظاهر أنه أخذ هذا الحديث من مدونة أبي غانم الخرساني ، التي قام بنسخها كما مر ، حيث أن هذا الحديث موجود في المدونة (5) .
__________
(1) *- لعله يقصد ثوبا غير طاهر .
(2) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص94 .
(3) *- ذكره في المدونة بلفظ : " ... ولم يعم ... " ( أنظر : بشر بن غانم الخرساني ، المدونة الكبرى ، ج1 ، ترتيب : القطب اطفيش ، نشر وزارة التراث والثقافة ، سلطنة عمان ، ط2 : 1984م ، ص15 ) .
(4) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص94 .
(5) - أنظر : الخرساني ، المدونة الكبرى ، 1/15. (1/499)
صفحة 500
وكذلك استدل على المبالغة في غسل الشعر وترويته بالماء بالحديث : " تحت كل شعرة جنابه " (1) ، وبحديث : " كل شعرة لم ينعم غسلها تشعل يوم القيامة نارا " (2)
__________
(1) - رواه الإمام الربيع من طريق ابن عباس بلفظ : " تحت كل شعرة جنابة ، فبلوا الشعر وانقوا البشرة " ، أنظر : الإمام الربيع ، الجامع الصحيح ، كتاب الطهارة ، باب في كيفية الغسل من الجنابة ( 22 ) ، حديث رقم ( 139 ) ، 1/39 ؛ ورواه أبو داود من طريق أبي هريرة بنفس اللفظ ، وفي سنده الحارث بن وجيه ، قال أبو داود : الحارث بن وجيه حديثه منكر وهو ضعيف ، أنظر : سليمان بن الأشعث السجستاني الأزدي ( أبو داود ) ، كتاب السنن ، ط1 : 1421 هـ / 2000م ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت ، لبنان ، كتاب الطهارة ( 1 ) ، باب الغسل من الجنابة ( 97 ) ، حديث رقم ( 247) ، ص58 ، ورواه من طريق علي بلفظ قريب ، أنظر : أبو داود ، مصدر سابق ، كتاب الطهارة ( 1 ) ، باب ( 97 ) ، حديث رقم ( 248 ) ، ص58 ؛ ورواه الترمذي من طريق أبي هريرة بنفس اللفظ ، أنظر : الترمذي ، سنن الترمذي ، أبواب الطهارة ، باب ما جاء أن تحت كل شعرة جنابة ( 78 ) ، حديث رقم ( 106 ) ، 1/178 ؛ ورواه ابن ماجه من طريق أبي هريرة بنفس اللفظ ، وقد ضعفه الترمذي وأبو داود ، أنظر : ابن ماجه ، سنن ابن ماجه ، كتاب الطهاراة وسننها ( 1 ) ، باب تحت كل شعرة جنابة ( 106 ) ، حديث رقم ( 597 ) ، 1/196 ، ورواه من طريق أبي أيوب بلفظ قريب ، وفي إسناده طلحة بن نافع ، وفي الزوائد : إسناده ضعيف لأن طلحة بن نافع لم يسمع من أبي أيوب ، أنظر : ابن ماجه ، المصدر السابق ، كتاب ( 1 ) ، باب ( 106 ) ، حديث رقم ( 598 ) ، 1/196 ، ورواه من طريق علي بن أبي طالب بلفظ قريب ، أنظر : ابن ماجه ، المصدر السابق ، كتاب ( 1 ) ، باب ( 106 ) ، حديث رقم ( 599 ) ، 1/196 .
(2) - رواه أبو غانم في مدونته ، أنظر : الخرساني ، المدونة الكبرى ، 1/15 .. (1/500)
صفحة 501
(1) .
وبمسائل الاغتسال ختم مسائل الطهارات ، بعد ذلك دخل في باب الزكاة ، فبدأه بذكر المسائل المتعلقة بفريضة الزكاة .
3- مسائل الزكاة :
بدأ الشيخ عمروس مسائل الزكاة ببيان فرضيتها في الكتاب الكريم ، إلا أنه لم يستشهد لذلك بشيء من الآيات القرآنية ، ثم ذكر أن السنة فسرت كيفية تقسيم الزكاة ، ولم يأت بشيء من الأحاديث في ذلك (2) .
ثم بعد ذلك وضح في ماذا تجب الزكاة ، ثم بدأ يفصل الحديث في الوجوه التي تجب فيها الزكاة ، فبدأها بزكاة الذهب والفضة (3) ، وعرج - خلال حديثه عن كيفية إخراج زكاة الذهب والفضة - إلى الحديث عن زكاة من عليه دين ، وكذلك زكاة الشريكين في الذهب والفضة (4) .
وتناول كذلك مسألة اللؤلؤ والجوهر هل فيها زكاة أم لا ؟ فذهب إلى أنها لا زكاة فيها ، إلا من تطوع بخير ، ما لم يكن للتجارة ، فإن كان للتجارة ففيه زكاة ، زكاة رأس ماله حتى يباع (5) .
ثم بعد ذلك دخل في تناول زكاة الحبوب ، فبين أنواع الحبوب الواجب إخراج الزكاة منها ، وذكر الخلاف الواقع بين الفقهاء في البر والشعير هل يضمان معا أم لا ؟ فقال : " ... غير أن البر والشعير اختلف فيه الفقهاء ، وقولنا الذي نأخذ به ونعتمد عليه أنه يضم البر إلى الشعير والشعير إلى البر ، وهو آخر كلام أبي عبيدة - رضي الله عنه - ... " إهـ (6) ، فرجح - رحمه الله - في هذه المسألة ما رجحه الإمام أبو عبيدة - رضي الله عنه - .
ثم تناول زكاة الأنعام ، وبدأها بزكاة الإبل ، وفصل الحديث في كيفية زكاة الإبل ، ثم تناول زكاة البقر ، وفصل الحديث فيها ، وأعقبها بزكاة الغنم ، وكذلك فصل فيها (7) .
__________
(1) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص95 .
(2) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص95- 96 .
(3) - المصدر السابق ، ص96 .
(4) - المصدر السابق ، ص96 .
(5) - المصدر السابق ، ص97 .
(6) - المصدر السابق ، ص98 .
(7) - المصدر السابق ، ص98- 101 . (2/1)
صفحة 502
ثم بعد ذلك بين عقوبة تارك الزكاة ، والحكم فيمن ترك الزكاة ، فقال : " ومن أخر زكاة ماله شهرا في شهر لا يكفر ، ولا يضل في الحكم ، ما لم يدخل حول في حول ، وقال من نأخذ عنه : وإن دخل حول في حول لا يحكم عليه بالكفر ما لم يمت ولم يؤدها ، ولم يوص ، إلا أن يكون مانعا فإنه يضل في حين ذلك ، وقد روي عن النبي عليه السلام أنه قال في خطبته : " ألا أنه لا صلاة لمانع الزكاة ، لا صلاة لمانع الزكاة ، والمتعدي فيها كمانعها " (1) " (2) إهـ .
الملاحظ هنا أن الشيخ عمروس ذكر بعض ما يحفظه عن مشائخه الذين أخذ عنهم العلم ، إلا أنه لم يذكر أي اسم لأحدهم ، ويظهر ذلك من قوله : " ... ولكن من نأخذ عنه ممن أدركنا لا يرى ... " إهـ (3) ، وقوله : " ... وقال من نأخذ عنه : ... " إهـ (4) .
__________
(1) - رواه الإمام الربيع من طريق ابن عباس بلفظ : " لا صلاة لمانع الزكاة – قالها ثلاثا – والمعتدي فيها كمانعها " قال الربيع : المعتدي فيها هو الذي يدفعها لغير أهلها ، أنظر : الإمام الربيع ، الجامع الصحيح ، كتاب الزكاة والصدقة ، باب الوعيد في منع الزكاة ( 58 ) ، حديث رقم ( 342 ) ، 1/87 ، ولم أجد تخريجه في بقية كتب الصحاح والسنن .
(2) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص102 .
(3) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص101 .
(4) - المصدر السابق ، ص102 . (2/2)
صفحة 503
وكذلك يلاحظ أنه أطال كثيرا في تفصيل أحكام الزكاة والمسائل المتعلقة بها ، خاصة زكاة الأنعام ، ولعل السبب يعود في ذلك إلى حاجة الناس في عصر الشيخ عمروس إلى معرفة تفاصيل أحكام الزكاة ، لممارستهم التجارة مع بلاد السودان والمشرق ، ولكثرة اعتمادهم على الرعي في ذلك الوقت ، فكانت تكثر لديهم الأنعام والمراعي ، وقد مر الحديث عن الرعي في عصر الشيخ عمروس عندما تناولت الوضع الاقتصادي في عصر الشيخ عمروس (1) ، وقد أشار إلى هذا الاحتمال الباحث أحمد كروم فقال : " ... نجد مسألة الزكاة وبالضبط قسم الأنعام منها ، وقع فيها الإطناب والتوضيح بصورة ملفتة للانتباه ، والسبب واضح في أن المنطقة كانت منطقة رعي ورعاة وزهاد " إهـ (2) .
بعد ذلك بدأ - رحمه الله - في بيان المسائل المتعلقة بزكاة الفطر وحكمها ، وذهب إلى أنها سنة ، الأخذ بها فضيلة ، وتركها ليس بخطيئة (3) .
وقد قسم الشيخ عمروس السنة - كما يرى - إلى قسمين : سنة في غير فريضة ، وسنة في فريضة ، فقال : " ... والسنة سنتان : سنة في غير فريضة ، الأخذ بها فضيلة ، وتركها ليس بخطيئة ؛ وسنة في فريضة ، الأخذ بها هدى ، وتركها ضلالة " إهـ (4) .
ثم بين - رحمه الله - ما تخرج منه زكاة الفطر ، ولمن تعطى ، ومقدارها ، والوقت الذي تخرج فيه (5) ، وبهذا ختم فريضة الزكاة ، ثم دخل في فريضة الصوم .
4- مسائل الصوم :
بدأ مسائل الصوم ببيان فرضيته - كعادته - من كتاب الله تعالى ، واستدل على فرضية الصوم بقوله تعالى : { وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } (6) (7) .
__________
(1) *- أنظر ص74 .
(2) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص53- 54 .
(3) - المصدر السابق ، ص102 .
(4) - المصدر السابق ، ص102 .
(5) - المصدر السابق ، ص102- 103 .
(6) - سورة البقرة ، من الآية : 185 .
(7) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص104 . (2/3)
صفحة 504
وجاء الشيخ عند استدلاله بهذه الآية بمسألة لغوية - وهذا يدل على طول باعه في اللغة العربية - فذكر أن بالآية السابقة إضمار ، فقال : " ... وفيها إضمار ، وإضمارها : فمن كان مريضا أو على سفر فأكل في مرضه أو سفره فعدة من أيام أخر ، ليس على كل من مرض أو سافر يكون عليه الإعادة إذا لم يأكل " إهـ (1) .
واستدل بحديث ورد عن ابن عباس في الوقت الذي يحرم على الصائم فيه الطعام ، والحديث هو : " سئل ابن عباس - رضي الله عنه - : متى يحرم على الصائم الطعام ؟ قال رجل : ما لم تشك حتى تشك . قال ابن عباس : كل ما شككت حتى تشك " (2) (3) .
ثم ناقش مسألة هل الاغتسال من الجنابة شرط في صحة الصيام ؟ ورجح انتقاض صوم من فرط في الغسل حتى خرج عليه الصبح ، وذهب إلى أنه عليه إعادة ما سبق من صومه ، ورد بالقرآن والعقل على من قال بعدم انتقاض صوم من فرط في الغسل حتى طلع عليه الصبح ، وأسلوبه في النقاش يدل على قوته وتمكنه من علم الكلام والمناظرة ، وهذا ليس بغريب على من استطاع قمع نفاث وفرقته ، كما مر (4) ، وبهذه المناقشة ختم مسائل الصوم ، ودخل في فريضة الحج .
5- مسائل الحج :
فبين وجوب فرضية الحج من القرآن الكريم بقوله تعالى : { وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً } (5) (6) .
__________
(1) - المصدر السابق ، ص104 .
(2) - لم أجد تخريجه .
(3) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص104 .
(4) - المصدر السابق ، ص105 .
(5) - سورة آل عمران ، من الآية : 97 .
(6) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص106 . (2/4)
صفحة 505
ثم بين المقصود باستطاعة السبيل لأداء الحج ، وذهب الشيخ عمروس إلى أن الحج والعمرة فريضتان ، فقال : " ... وقولنا - والله المستعان - : أما الحج والعمرة ففريضتان ، وبهذا نأخذ ، وعليه نعتمد ... " إهـ ، ورد على من ذهب إلى أن العمرة نافلة ، وناقش استدلالهم كما هو مبسوط في الدينونة (1) .
ثم وضح المواقيت التي وقتها الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، ووضح سنن ونواهي الإحرام ، وماذا يترتب على من انتهك شيئا من المنهيات حال الإحرام (2) .
__________
(1) - المصدر السابق ، ص107 .
(2) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص107- 108 . (2/5)
صفحة 506
ثم ناقش حكم صيد الحرم وجزاؤه ، وأطال في ذلك ، واستدل بحديث في ذلك وهو ما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : " مكة حرام لحرام الله ، لا يحل صيدها ، ولا يختلى خلاؤها ، ولا يعضد شجرها ، ولا تحل لقطتها " (1)
__________
(1) - رواه الإمام الربيع من طريق أنس بن مالك بلفظ : " مكة حرام حرمها الله ، لا تحل لقطتها ، ولا يعضد شجرها ، ولا ينفر صيدها ، ولا يختلى خلاها " فقال عمه العباس : " إلا الإذخر يا رسول الله " فقال : " إلا الإذخر " قال الربيع : لا يعضد : أي لا يقطع ، والخلا : الكلأ ، والإذخر : نبت يصنع منه الحصر ، وتسقف منه البيوت ، أنظر : الإمام الربيع ، الجامع الصحيح ، كتاب الحج ، باب المواقيت والحرم ( 2 ) ، حديث رقم ( 398 ) ، 2/101- 102 ؛ وراه الإمام البخاري من طريق ابن عباس بلفظ قريب ، أنظر : ابن حجر ، فتح الباري ، كتاب الجنائز ( 23 ) ، باب الإذخر والحشيش في القبر ( 76 ) ، حديث رقم ( 1349 ) ، 3/274 ، وكتاب جزاء الصيد ( 28 ) ، باب لا ينفر صيد الحرم ( 9 ) ، حديث رقم ( 1833 ) ، ورقم ( 1834 ) ، 4/56- 57 ، ورواه من طريق أبي هريرة بلفظ قريب ، أنظر : ابن حجر ، المصدر السابق ، كتاب العلم ( 3 ) ، باب كتاب العلم ( 39 ) ، حديث رقم ( 112 ) ، 1/273- 274 ، وانظر كذلك : كتاب البيوع ، باب ( 28 ) ، حديث رقم ( 2090 ) ، 4/398 ، وكتاب الديات ، باب ( 8 ) ، حديث رقم ( 6880 ) ، 12/252 ؛ ورواه الإمام مسلم من طريق ابن عباس بلفظ قريب ، أنظر : الإمام مسلم ، صحيح مسلم ، كتاب الحج ( 15 ) ، باب تحريم مكة وصيدها وخلاها ... (.82 ) ، حديث رقم ( 445 ) ، 2/986- 987 ، ورواه من طريق أبي شريح العدوي بلفظ قريب ، أنظر : الإمام مسلم ، المصدر السابق ، كتاب ( 15 ) ، باب ( 82 ) ، حديث رقم ( 446 ) ، 2/987- 988 ، ورواه من طريق أبي هريرة بلفظ قريب ، أنظر : الإمام مسلم ، المصدر السابق ، كتاب ( 15 ) ، باب ( 82 ) ، حديث رقم ( 447 ) ، 2/988 ، ورقم ( 448 ) ؛ ورواه أبو داود من طريق أبي هريرة بلفظ قريب ، أنظر : أبو داود ، سنن أبي داود ، كتاب المناسك ( 11 ) ، باب تحريم حرم مكة ( 89 ) ، حديث رقم ( 2015 ) ، ص344 ، ورواه من طريق ابن عباس بلفظ قريب ، أنظر ، أبو داود ، المصدر السابق ، كتاب ( 11 ) ، باب ( 89 ) ، حديث رقم ( 2016 ) ، ص344 ؛ ورواه الدارمي من طريق أبي هريرة بلفظ قريب ، أنظر : الدارمي ، سنن الدارمي ، كتاب البيوع ( 18 ) ، باب في النهي عن لقطة الحاج ( 60 ) ، حديث رقم ( 2600 ) ، 2/344؛ ورواه النسائي من طريق ابن عباس بلفظ قريب ، أنظر : النسائي ، سنن النسائي ، كتاب مناسك الحج ، النهي عن أن ينفر الصيد ، 5/211 . (2/6)
صفحة 507
(1) .
ثم تناول إحرام المرأة ، وبين ما تشترك فيه مع الرجل ، وما تختص به (2) ، ثم وضح كيف يتعامل المحرم مع بعض الحشرات والهوام (3) (4) .
بعد ذلك بين فدية المحرم المريض ، والحكم فيمن نتف شيئا من شعره (5) ، ثم تناول مستحبات الإحرام والتلبية ، وأعقبها بذكر مناسك العمرة ، ثم جاء بمناسك الحج (6) ، ثم ذكر أنواع الغسل في الحج ، وذكر أشهر الحج ، ثم بين منهيات الإحرام ، وجاء بعده بأحكام الإحرام ، ثم بمبطلات الحج ، ثم ختم مسائل الحج بمخالفات الحاج وكفارتها (7) .
__________
(1) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص108 .
(2) - المصدر السابق ، ص11- 112 .
(3) *- الملاحظ أن المؤلفات الفقهية المتقدمة ، كانت تكثر من مناقشة الأحكام الفقهية المتعلقة بأمثال هذه الحشرات ، فمن ذلك مثلا حكم الماء إذا سقطت فيه القملة ؟ ، وكيف يتعامل المحرم مع هذه الحشرات كالقمل والبرغوث والقراد ؟ وهل الدم الموجود في البعوض نجس ؟ ... ، ولعل السبب في ذلك يعود إلى كون تلك العصور المتقدمة كانت تكثر فيها أمثال هذه الحشرات ، لعدم وجود المنظفات الصناعية ، والمبيدات الحشرية الموجودة في هذا الزمان ، مما دفع بالعلماء إلى إبراز الحكم الشرعي في مثل هذه الحشرات والله أعلم .
(4) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص112 .
(5) - المصدر السابق ، ص112- 113 .
(6) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص114- 116 .
(7) - المصدر السابق ، ص116- 122 . (2/7)
صفحة 508
ويلاحظ أن الشيخ - رحمه الله - أطال كثيرا في مسائل الحج ، ولعل السبب يعود إلى حاجة الناس الماسَّة في ذلك الوقت لمعرفة أحكام الحج ، وذلك لتعلق أهل نفوسة بالحج ، فقد كانوا يحجون بنسائهم وذراريهم ، حتى روي أنهم ولد لهم في ركب واحد ثلاثمائة مولود ذكر ، وكان الشيخ عمروس نفسه من الذين ولدوا في الطريق إلى الحج - كما مر - ، وقد أشار الباحث أحمد كروم إلى هذا الاحتمال ، فقال : " ... لعل السبب يرجع أيضا إلى واقع نفوسة التي وصف أهلها " بأنهم أكثر الناس حجا وأزكاهم نهجا ، حتى إنهم كانوا يحجون بالنساء والذرية " " إهـ (1) .
هذه هي المسائل المتعلقة بفقه العبادات ، التي تناولها الشيخ عمروس في كتابه ، فيلاحظ أنه جاء بالفرائض وهي : فريضة الصلاة ، وفريضة الزكاة ، وفريضة الصوم ، وفريضة الحج ، وناقش الأحكام المتعلقة بهذه الفرائض .
ثانيا : باب فقه المعاملات :
بعد أن انتهى الشيخ من فقه العبادات ، والحديث عن المسائل المتعلقة به ، أعقبه بفقه المعاملات ، فافتتحه بتفسير المظالم والمحاربة ، وحكم المرتد (2) ، ثم تناول حد السارق ، وحكم القطع في الإسلام (3) ، وجاء بمناظرة مع مخالفيه حول مقدار الدراهم الواجب فيها القطع ، فأظهر قوة وتمكنا في الاحتجاج ، والمناظرة ، ورجح أن القطع يكون في أربعة دراهم ، فقال : " ... وقولنا الذي نأخذ به ، ونعتمد عليه : القطع في أربعة دراهم ... " إهـ (4) .
__________
(1) - المصدر السابق ، ص54 .
(2) - المصدر السابق ، ص125- 126 .
(3) - المصدر السابق ، ص127- 128 .
(4) - المصدر السابق ، ص127 . (2/8)
صفحة 509
ثم تناول أنواع السرقة وأحكامها (1) ، وبعده دخل في باب القصاص ، وجاء بالآيات الدالة على ذلك (2) ، أعقب ذلك بالحديث عن أنواع الديات وأحكامها (3) ، ثم أخذ في تفسير المقصود بالغيلة ، والمقصود بالفتك ، والمقصود بالغدر ، والمقصود بشبه العمد (4) ، ثم بين معنى الخطأ المحض ، والخطأ العمد ، والحكم فيهما (5) ، ثم ختم هذا الباب بالحديث عن العفو وفضله ، وحث عليه ، وسرد الآيات الحاضة عليه والمبينة لفضله (6) .
بعد ذلك تحدث عن المقاسم في المغانم ، والفيء ، والصدقات (7) ، ثم تلاه بالحديث عن الزكاة ومن تعطى له (8) ، والملاحظ أنه لم يأت بها عند حديثه عن فريضة الزكاة ، في باب فقه العبادات .
__________
(1) - المصدر السابق ، ص128- 129 .
(2) - المصدر السابق ، ص129- 130 .
(3) - المصدر السابق ، ص130- 131 .
(4) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص131- 132.
(5) - المصدر السابق ، ص132- 133 .
(6) - المصدر السابق ، ص133- 135 .
(7) - المصدر السابق ، ص135- 138 .
(8) - المصدر السابق ، ص138- 140 . (2/9)
صفحة 510
ثم دخل في المواريث ، وتحدث عن قسمة المواريث ، وأصحاب الفروض ، وميراث الأجداد ، والجدات ، وتناول ما يتعلق بأصول التركة ، ثم أخذ في بيان الميراث بسبب النكاح ، فتناول ميراث الزوج والزوجة ، أعقبه بميراث الأخوة ، ثم تناول آية النصف ، وهي قوله تعالى : { يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالاً وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } (1) ، وبين أحكام الميراث فيها ، ثم تناول آية العصبة ، وهي قوله تعالى : { وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ } (2) ، فبين ميراث أولي الأرحام ، ثم ختم الحديث في المواريث بتبيين حكم توريث المملوك من الحر ، والمشرك من المسلم ، والقاتل من قتيله عمدا أو خطأ (3) .
باب في عدد النساء :
بالرغم من أن ( مسائل عدد النساء ، والرضاع ) هو من فقه الأسرة ، إلا أن الشيخ عمروس جاء به في نهاية فقه المعملات ، ولعله بسبب كونه من فقه الأسرة تركه الشيخ في نهاية قسم الفقه من الدينونة .
وقد ذكر فيه عدد النساء ، وأنواعها ، ثم تناول الطلاق ، وبين طلاق السنة ، وطلاق الإيلاء ، وتحدث عن الظهار ، وختم هذا الباب بعدة الوفاة ، والحديث عن حكم نفقة وسكنى المطلقات ، ونفقة وسكنى المتوفى عنها ، والحكم في ذلك (4) .
نفقة المرضع وحد الرضاع :
__________
(1) - سورة النساء ، آية : 176 .
(2) - سورة لأنفال ، من الآية : 75 .
(3) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص141- 148 .
(4) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص149- 153 . (2/10)
صفحة 511
تناول فيه أحكام الرضاع ، فقام بتفسير آية الرضاع ، وهي قوله تعالى : { وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا } (1) (2) .
مسائل مختلفة :
ثم جاء بعد ذلك بمسائل فقهية متفرقة ، ليست محصورة في فقه المعاملات ، فبدأها بسنة الختان ، وذكر حكمها ، والأحكام المتعلقة بهذه السنة (3) .
ثم تناول بعض الفروق بين الرجال والنساء والعبيد في بعض الأحكام ، كتكليف الجهاد وصلاة الجمعة على الرجال ، وعدم تكليف النساء والعبيد بذلك ، وأحل للرجل ملك اليمين ولم يحل للنساء ، وأحل له أربع نسوة وحرم ذلك على النساء ، وجواز لبس الذهب والحرير للنساء ، وحرمته للرجال ، وغيرها من أمثال هذه الفروق (4) .
أعقب ذلك بالحديث عن الأذان ، وحكمه ، وكيفيته ، وتناول كذلك الإقامة (5) ، والملاحظ أنه جاء بمسائل الأذان والإقامة في نهاية الكتاب ، وكان محلها عند الحديث عن فريضة الصلاة في فقه العبادات ، فلعلها عزبت عنه هناك ، فاستدركها في هذا المحل والله أعلم .
__________
(1) - سورة البقرة ، من الآية :233 .
(2) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص153- 154 .
(3) - المصدر السابق ، ص154 .
(4) - المصدر السابق ، ص155 .
(5) - المصدر السابق ، ص156- 157 . (2/11)
صفحة 512
ثم ختم كتابه بالحديث عن الأمر بإتمام الأعمال ، فسرد مجموعة من المسائل فيمن ألزم نفسه بشيء ، لم يلزمه الله به ، كالرجل يوجب على نفسه صيام نافلة ، أو الإحرام بحج نافلة أو عمرة نافلة ، وما شابه ذلك من المسائل ، وقد ذكر مجموعة منها (1) .
هذه هي أغلب المسائل الفقهية - سواء فقه العبادات ، أو فقه المعاملات - التي جاء بها الشيخ عمروس في كتابه الدينونة الصافية ، وقد ذكرت أغلبها ، خاصة رؤوس المسائل ، ولم أذكر المسائل الدقيقة التي جاء بها في أثناء حديثه عن المسائل الأساسية ، وذلك خوف الإطالة ، فمن أرادها يجدها في " الدينونة الصافية " ، ولكني تدرجت في ذكر المسائل أو العناوين حسب التسلسل الذي سار عليه الشيخ عمروس في " الدينونة الصافية " .
جـ- المطلب الثالث : منهجه الاستدلالي على المسائل الفقهية :
(1) - استدلاله بالقرآن الكريم ، ومنهجه اتجاهه :
1- الإكثار من الاستدلال بالقرآن الكريم :
الملاحظ أن الشيخ عمروس يكثر من الاستدلال بالقرآن الكريم ، والاعتماد عليه في الاحتجاج للمسائل الفقهية المختلفة ، فقد بلغ عدد الآيات التي استدل بها على المسائل الفقهية ( 67 ) آية ، ( 29 ) آية في فقه العبادات ، و ( 38 ) آية في فقه المعاملات .
فعلى سبيل المثال استدل على ذكر مواقيت الفرائض الخمس في القرآن الكريم بعدة آيات ، منها قوله تعالى : { فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ } ، استدل بها على صلاتي المغرب والعشاء ، وقوله تعالى : { حِينَ تُصْبِحُونَ } (2) ، استدل بها على صلاة الغداة ، وقوله : { وَعَشِيّاً } على صلاة العصر ، وقوله : { وَحِينَ تُظْهِرُونَ } (3) على صلاة الظهر (4) .
__________
(1) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص157- 159 .
(2) - سورة الروم ، آية : 17 .
(3) - سورة الروم ، آية : 18 .
(4) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص87 . (2/12)
صفحة 513
واستدل على فرضية الوضوء بقوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ } (1) (2) ، واستمر في الاستدلال بالآيات القرآنية في أغلب المسائل الفقهية الأخرى التي أوردها في فقه العبادات .
وكذلك سار على نفس المنهج في فقه المعاملات ، فكان يكثر من الاعتماد على الأدلة القرآنية في أغلب المسائل التي جاء بها ، ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر ، استدلاله على وجوب قطع يد السارق بقوله تعالى : { وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } (3) (4) .
__________
(1) - سورة المائدة ، من الآية : 6 .
(2) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص92 .
(3) - سورة المائدة ، آية : 38 .
(4) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص127 . (2/13)
صفحة 514
واستدل على أن عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرا بقوله تعالى : { وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً } (1) (2) ، واستدل كذلك على الرضاع بقوله تعالى : { وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا } (3) (4) .
2- تفسير الآيات القرآنية :
ويلاحظ كذلك على منهجه في التعامل مع القرآن الكريم ، أنه يفسر الآيات القرآنية التي يستدل بها ، حتى أن القارئ يحس وكأنه يقرأ كتابا في التفسير وليس في الفقه (5) ! ، والأمثلة على ذلك كثيرة ، فقد تعامل مع أغلب الآيات التي استدل بها بمنهج المفسرين ، فمن ذلك على سبيل المثال لا الحصر :
__________
(1) - سورة البقرة ، من الآية : 234 .
(2) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص152 .
(3) - سورة البقرة ، من الآية : 233 .
(4) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص153- 154 .
(5) *- لن أبالغ إن قلت ينبغي تسمية قسم الفقه من كتاب " الدينونة " بـ : " تفسير بعض آيات القرآن الكريم " . (2/14)
صفحة 515
أ - في باب القصاص ، افتتح الباب بقوله تعالى : { وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ } (1) ، ثم قال : " ... تفسير ذلك أن نفس المؤمن تقتل بنفس المؤمن الحر ، إذا كان القتل عمدا " إهـ (2) ، فيلاحظ أنه فسر الآية ، بل وقال : " ... تفسير ... " كما يظهر من نص كلامه .
__________
(1) - سورة المائدة ، آية : 45 .
(2) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص129 . (2/15)
صفحة 516
ب - حين تناول باب المقاسم والمغانم والفيء والصدقات ، جاء بقوله تعالى : { كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ } (1) فقال : " يعني لما ذكر من الصنوف ما ذكر ، فقال : { مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ } (2) ، فقال : لهؤلاء فيه حق يقطعون من الفيء لئلا يذهب به الأغنياء كله ، ولا يكون لهؤلاء فيه شيء ، ثم قال : { لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ } يعني الفقراء المهاجرين فيه حق ، { الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ } أخرجهم المشركون من مكة وغيرها ، { يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ } (3) ، ثم قال : { وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ } : يعني الأنصار ، { وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ } : يعني قبل دخول المهاجرين ، وقد كان إيمان المهاجرين قبل إيمان الأنصار ، { يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ } من المهاجرين ، وواسوهم في الدور ، والأموال ، { وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ } : يعني ضيقا وحاجة ، { وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } (4) ، ثم قال : { وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ } (5) : يعني من دخل الإسلام بعد فتح مكة ، إلا من هاجر قبل الفتح ، وبعد الفتح سموا تابعين بإحسان إلى يوم القيامة ... " إهـ (6) ،
__________
(1) - سورة الحشر ، من الآية : 7 .
(2) - نفس السورة السابقة ، نفس الآية .
(3) - سورة الحشر ، آية : 8 .
(4) - نفس السورة السابقة ، آية : 9 .
(5) - نفس السورة السابقة ، من الآية : 10 .
(6) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص136- 138 .. (2/16)
صفحة 517
فيلاحظ هنا أن الشيخ عمروس قام بتفسير أربع آيات متتالية من سورة الحشر .
جـ - وكذلك قام بتفسير قوله تعالى : { إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } (1) (2) .
د - وقام بتفسير قوله تعالى : { يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ } (3) (4) .
هذه بعض الأمثلة على بعض الآيات القرآنية التي قام الشيخ عمروس بتفسيرها ، وقد قام بتفسير معظم الآيات التي استدل بها ، ولم أذكرها خوف الإطالة ، فمن أرادها يجدها مبثوثة في كتابه " الدينونة الصافية " .
__________
(1) - سورة التوبة ، آية : 60 .
(2) - أنظر تفسيره لها في : الدينونة الصافية ، ص138- 140 .
(3) - سورة النساء ، من الآية : 11 .
(4) - أنظر تفسيره لها في : الدينونة الصافية ، ص141- 142 . (2/17)
صفحة 518
إن قيام الشيخ عمروس بتفسير هذه الآيات ، يدل على تمكنه من علم التفسير ، وأن له باعا في ذلك ، وهذا ظاهر من خلال الأمثلة التي ذكرتها ، فبالرغم من أن الكتاب هو كتاب فقهي - أعني قسم الفقه منه - إلا أن نزعة التفسير غلبت عليه ، ولعل ذلك يعود إلى تشرب الشيخ عمروس بهذا العلم ، حتى طغى على كتابه ، وقد مر علينا سابقا أن الشيخ عمروس كان يرغب في تأليف مؤلف لم يسبق إليه ، يقسم المسائل فيه على التنزيل والحديث والرأي ، فهذا دليل على تمكنه من تلك العلوم ، ومنها علم التفسير ، فظهر ذلك على كتابه الدينونة والله أعلم .
ويلاحظ كذلك عند تفسيره للآيات لا يذكر عمن أخذ هذا التفسير ، وإنما يأتي بالتفسير مباشرة ، فلعله يفسره بنفسه ، معتمدا على علمه ، واجتهاده ، فالظاهر أنه لا يقلد غيره ، وإنما يقارن بين الأقوال وأدلتها ، ويرجح الأقوى .
3- الأمر والنهي في القرآن يفيد الوجوب :
الظاهر أن الشيخ عمروس يرى أن الأمر والنهي في القرآن الكريم يفيد الوجوب ، ويظهر ذلك في عدة مواضع من كتابه ، فقد استدل على فرضية الوضوء بقوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ } (1) فقال : " فهذه الفريضة " إهـ (2) .
__________
(1) - سورة المائدة ، من الآية : 6 .
(2) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص92 . (2/18)
صفحة 519
واستدل على فرضية شهر رمضان ، ووجوب صيامه بقوله تعالى : { شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } (1) ، والحقيقة لم يذكر نص الآية ، ولكنه قال : " وصيام شهر رمضان فريضة من كتاب الله عزوجل على كل بالغ صحيح العقل إذا شهد الشهر في أهله " إهـ (2) ، ويقصد بقوله " ... فريضة من كتاب الله عزوجل ... " الآية السابقة .
وكذلك استدل على فرضية الحج والعمرة ، ووجوبهما بقوله تعالى : { وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ } (3) فقال : " وقولنا - والله المستعان - : أما الحج والعمرة ففريضتان ، وبهذا نأخذ وعليه نعتمد ... " إهـ (4) .
وكذلك بالنسبة للنهي في القرآن الكريم ، فالظاهر أنه يرى أنه يفيد الوجوب ، فمن ذلك مثلا استدلاله على عدم جواز التصدق من المال الخبيث بقوله تعالى : { وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ } (5) (6) .
ومثال آخر استدلاله على عدم جواز قتل صيد البر في الحرم ، ووجوب الجزاء على من فعل ذلك بقوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ } (7) (8) .
4- عدم ذكر الآيات في بعض المواضع ، وعدم تخريجه للآيات :
__________
(1) - سورة البقرة ، من الآية : 185 .
(2) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص104 .
(3) - سورة البقرة ، من الآية : 196 .
(4) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص107 .
(5) - سورة البقرة ، من الآية : 267 .
(6) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص93 .
(7) - سورة المائدة ، من الآية : 95 .
(8) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص109 . (2/19)
صفحة 520
يلاحظ أنه في بعض المواضع يستدل بالقرآن ، ولا يذكر نص الآية التي استدل بها ، فمن ذلك على سبيل المثال قوله : " وفرض الله في كتابه الطهارة من الجنابة " إهـ (1) ، فلم يذكر الدليل وهو قوله تعالى : { وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا } (2) .
ومن ذلك أيضا قوله : " فريضة الزكاة من التنزيل مقرونة بالصلاة ... " إهـ (3) ، فلم يذكر مثالا من القرآن على ذلك ، بالرغم من ورود العديد من الآيات التي قرن الله تعالى فيها الزكاة بالصلاة ، نحو قوله تعالى : { وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ } (4) ، وقوله : { َأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ... } (5) .
ومثال آخر قوله : " وصيام شهر رمضان فريضة من كتاب الله عز وجل على كل بالغ صحيح العقل إذا شهد الشهر في أهله " إهـ (6) ، فلم يذكر الآية التي ذكر الله تعالى فيها الأمر بصيام شهر رمضان ، وهي قوله تعالى : { شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْه ... } (7) .
ومن ذلك أيضا قوله : " ذكر الله الأذان ذكرا ، ولم يأمر به " إهـ (8) ، يقصد قوله تعالى : { وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُواً وَلَعِباً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ } (9) ، فلم يذكر نص الآية .
__________
(1) - المصدر السابق ، ص93 .
(2) - سورة المائدة ، من الآية : 6 .
(3) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص95 .
(4) - سورة البقرة ، آية : 43 .
(5) - سورة البقرة ، من الآية : 110 .
(6) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص104 .
(7) - سورة البقرة ، من الآية : 185 .
(8) 10)- عمروس ، الدينونة الصافية ، ص156 .
(9) 11)- سورة المائدة ، آية : 58 . (2/20)
صفحة 521
هذه بعض الأمثلة على استدلاله بالقرآن الكريم ، وعدم ذكره لنص الدليل القرآني الذي استدل به ، وهناك المزيد من الأمثلة لم أذكرها خوف الإطالة ، وهي مبثوثة في كتابه .
كذلك فإنه لا يخرج الآيات التي يستدل بها ، فلا يذكر اسم السورة ورقم الآية ، وهذا ظاهر في جميع الآيات التي استدل بها في كتابه .
5- يرى أن السنة مبينة لمجمل القرآن :
أيضا فإن الشيخ عمروس يرى أن السنة مبينة للقرآن ، وذلك ظاهر من عدة مواضع في الدينونة ، فمن ذلك قوله : " فريضة الزكاة من التنزيل ، مقرونة بالصلاة ، ثم فسرت السنة كيف كان قسمها ، ومن كم تجب ؟ ومن أي نوع تجب ؟ وعلى كم ؟ والحول ... كل ذلك من السنة ... " إهـ (1) ، فمن قوله : " ... فسرت السنة ... " يرى أن السنة مبينة لمجمل القرآن الكريم ؛ وفي موضع آخر قال : " فرض الله الحج في كتابه ، وتفسير بعض ذلك من السنة " إهـ (2) .
(2)- منهجه تجاه السنة :
1- استدلاله بالسنة :
إن الشيخ عمروس يعتبر السنة المصدر الثاني من مصادر التشريع بعد القرآن الكريم ، ويظهر ذلك من استدلاله بها في عدة مواضع من كتابه ، والحقيقة أنه لم يستدل بالكثير من الأحاديث ، وإنما هي أحاديث محدودة التي جاء بها في الدينونة ، وسيأتي الحديث عن هذه النقطة لاحقا .
والأحاديث التي استدل بها في الدينونة - قسم الفقه - هي :
(- قال عند تعرضه للحديث عن صلاة الجماعة : " ويقال : إن صلاة أحدكم في الجماعة يزيد على صلاة وحده أربعة وعشرين ضعفا ... " إهـ (3) .
__________
(1) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص96 .
(2) - المصدر السابق ، ص106 .
(3) - المصدر السابق ، ص90 . (2/21)
صفحة 522
فيلاحظ هنا أنه روى الحديث بالمعنى ، وكذلك نلاحظ أنه لم ينسبه إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، وإنما قال : " ويقال : ... " ، فلعله كان يظن أن هذا أثر وليس حديثا ، بالرغم من أن نص هذا الحديث موجود في كتب الحديث (1) .
__________
(1) - رواه الإمام الربيع من طريق أنس بن مالك بلفظ : »الصلاة في الجماعة خير من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة « ، أنظر : الإمام الربيع ، الجامع الصحيح ، كتاب الصلاة ووجوبها ، باب في صلاة الجماعة والقضاء في الصلاة ( 36 ) ، =
= حديث رقم ( 215 ) ، 1/58 ، ورواه من طريق أبي هريرة بلفظ : » صلاة الجماعة تفضل صلاة أحدكم وحده بخمس وعشرين درجة « ، أنظر : الإمام الربيع ، الجامع الصحيح ، كتاب صلاة الجماعة والقضاء في الصلاة ( 36 ) ، حديث رقم ( 216 ) ، 1/58 ؛ ورواه الإمام البخاري من طريق أبي هريرة بلفظ قريب ، أنظر : ابن حجر ، فتح الباري ، كتاب الصلاة ( 8 ) ، باب الصلاة في مسجد السوق ( 87 ) ، حديث رقم ( 477 ) ، 1/742 ، وكتاب الأذان ( 10 ) ، باب فضل صلاة الجماعة ( 30 ) ، حديث رقم ( 647 ) ، 2/166- 167 ، ورواه من طريق عبد الله بن عمر بلفظ قريب ، أنظر : ابن حجر ، المصدر السابق ، كتاب ( 10 ) ، باب ( 30 ) ، حديث رقم ( 645 ) ، 2/166 ، ورواه من طريق أبي سعيد الخدري بلفظ قريب ، أنظر : ابن حجر ، المصدر السابق ، كتاب ( 10 ) ، باب ( 30 ) ، حديث رقم ( 646 ) ، 2/166 ؛ ورواه الإمام مالك من طريق عبد الله بن عمر بلفظ قريب ، أنظر : مالك بن أنس ، الموطأ ، ج1 ، ت : د/ بشار عوار معروف ومحمود محمد خليل ، ط2 : 1413هـ / 1993م ، مؤسسة الرسالة ، بيروت ، لبنان ، كتاب الصلاة ، باب ما جاء في فضل صلاة الجماعة ، ( 23 ) ، حديث رقم ( 322 ) ، 1/126 ، ورواه من طريق أبي هريرة بلفظ قريب ، أنظر : الإمام مالك ، المصدر السابق ، كتاب الصلاة ، باب ( 23 ) ، حديث رقم ( 322 ) ، 1/126 ؛ ورواه النسائي من طريق عبد الله بن عمر بلفظ قريب ، ومن طريق أبي هريرة بلفظ قريب ، ومن طريق عائشة بلفظ قريب ، أنظر : النسائي ، سنن النسائي ، كتاب الإمامة ، فضل الجماعة ، 2/103 ؛ ورواه ابن ماجه من طريق أبي هريرة بلفظ قريب ، أنظر : ابن ماجه ، سنن ابن ماجه ،حديث رقم ( 786 ) ، ورقم ( 787 ) ، 1/258 ، ورواه من طريق أبي سعيد الخدري بلفظ قريب ، أنظر : ابن ماجه ، المصدر السابق ، حديث رقم ( 788 ) ، 1/259 ، ورواه من طريق عبد الله بن عمر بلفظ قريب ، أنظر : ابن ماجه ، المصدر السابق ، حديث رقم ( 789 ) ، 1/259 ، ورواه من طريق أبي بن كعب بلفظ قريب ، أنظر : ابن ماجه ، المصدر السابق ، حديث رقم ( 790 ) ، 1/259 . (2/22)
صفحة 523
(- عند تبيينه لكيفية الغسل ، ذكر أنه ينبغي المبالغة في تنقية الجسم ، واستدل بحديث على ذلك ، فقال : " ... وليبالغ في تنقية جسده ولا يقصر في شيء ، جاء في الحديث : »أن كل موضع لم ينعم غسله من الجنابة فإنه يبعث عليه يوم القيامة حيات تلدغه في تلك الأماكن « (1) (2) .
(- واستدل على تروية الشعر عند الغسل والمبالغة في غسله بالحديث : » تحت كل شعرة جنابة « (3) ، وبالحديث : »كل شعرة لم ينعم غسلها تشتعل يوم القيامة نارا « (4) (5) .
(- واستدل على ضلال مانع الزكاة بقوله : " ... وقد روي عن النبي عليه السلام أنه قال في خطبته : » ألا إنه لا صلاة لمانع الزكاة ، لا صلاة لمانع الزكاة ، والمعتدي فيها كمانعها « (6) " إهـ (7) .
(- حين تحدث عن حكم صيد الحرم وجزاؤه قال : " ونهي عن قتل الصيد صيد البر في الحرم ، وجاءت الرخصة في السنة أن تقتل من قاتلك من السباع . والجراد من الصيد . وجاء عن النبي عليه السلام : » مكة حرام لحرم الله ، لا يحل صيدها ، ولا يختلى خلاؤها ، ولا يعضد شجرها ، ولا تحل لقطتها « (8) " إهـ (9) .
(- وحين تحدث عن أحكام الإحرام ، قال : " ... ذكروا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : » مكة حرام لحرم الله ، لم تحل لأحد قبلي ، ولا تحل لأحد بعدي ، وإنما حلت لي ساعة من النهار « (10) " إهـ (11) .
(
__________
(1) - مر تخريجه ، أنظر : ص324 .
(2) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص94 .
(3) - مر تخريجه ، أنظر : ص324 .
(4) - مر تخريجه ، أنظر : ص324 .
(5) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص94- 95 .
(6) - مر تخريجه ، أنظر ص325 .
(7) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص102 .
(8) - مر تخريجه ، أنظر : ص328 .
(9) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص108 .
(10) - مر تخريجه ، أنظر :ص328.
(11) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص120 . (2/23)
صفحة 524
- وعندما فسر المقصود بالفتك ، استدل بحديث كذلك فقال : " ... فهو الذي يقال فيه : »قيد الإسلام الفتك ، لا يفتك مؤمن « (1) ... " إهـ (2) .
(
__________
(1) - رواه الإمام الربيع عن الإمام جابر بن زيد مرسلا بلفظ : " الإيمان قيدُ الفتكِ لا يفتكُ مؤمن " ، أنظر : الإمام الربيع ، الجامع الصحيح ، حديث رقم ( 997 ) ، 4/269؛ ورواه أبو داود من طريق أبي هريرة بنفس اللفظ ، أنظر : أبو داود ، سنن أبي داود ، كتاب الجهاد ( 15 ) ، باب في العدو يؤتى على غرة ويتشبه به ( 157 ) ، حديث رقم ( 2766 ) ، ص472 .
(2) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص132 . (2/24)
صفحة 525
- حين تناول الميراث بسبب النكاح ، استدل بالحديث : » ولا وصية لوارث « (1) (2) .
(- واستدل على إخراج الدين قبل الوصية بالحديث : » الدين من جميع المال ، والوصية من الثلث « (3) (4) .
__________
(1) - رواه الإمام الربيع من طريق ابن عباس بلفظ : " لا وصية لوارث " ، أنظر : الإمام الربيع ، الجامع الصحيح ، كتاب الإيمان والنذور ( 44 ) ، باب في المواريث ( 46 ) ، حديث رقم ( 667 ) ، 2/172 ، وباب في الوصية ( 48 ) ، حديث رقم ( 676 ) ، 2/174؛ ورواه الدارقطني من طريق ابن عباس بلفظ قريب ، كتاب الفرائض ، حديث رقم ( 4104 ) ، ورقم ( 4107 ) ، ورقم ( 4109 ) ، 4/48 ، وكتاب الوصايا ، حديث رقم ( 4251 ) ، ورقم ( 4253 ) ، 4/72 ، ومن طريق جابر بن عبد الله بنفس اللفظ ، كتاب الفرائض ، حديث رقم ( 4105 ) ، 4/48 ، ومن طريق علي بن أبي طالب بلفظ قريب ، كتاب الفرائض ، حديث رقم ( 4106 ) ، 4/48 ، ومن طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده بنفس اللفظ ، كتاب الفرائض ، حديث رقم ( 4108 ) ، 4/48 ، ومن طريق عمرو بن خارجة بنفس اللفظ ، كتاب الوصايا ، حديث رقم ( 4252 ) ، وكذلك من طريق عمرو بن خارجة بلفظ قريب ، حديث رقم ( 4255 ) ، 4/72 ، ومن طريق جعفر بن محمد عن أبيه بنفس اللفظ ، كتاب الوصايا ، حديث رقم ( 4254 ) ، 4/72 ( أنظر : علي بن عمر الدارقطني ، سنن الدارقطني ، المجلد الثاني ، ج4 ، دار الفكر ، بيروت ، لبنان ، 1414هـ / 1994م ) .
(2) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص145 .
(3) - رواه الدارقطني من طريق علي بن أبي طالب ، كتاب الفرائض ، حديث رقم ( 4106 ) ، 4/48 ، ( أنظر : علي بن عمر الدارقطني ، سنن الدارقطني ، المجلد الثاني ، ج4 ، دار الفكر ، بيروت ، لبنان ، 1414هـ / 1994م ) .
(4) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص146 . (2/25)
صفحة 526
2- الملاحظ كذلك أنه لا يذكر سند الحديث ، ولا عمن أخذه ، وإنما يسوق الأحاديث بلا سند ، ويكتفي بقوله " وفي الحديث : ... " ، أو قوله : " جاء عن النبي عليه السلام : ... " ، أو قوله : " وقد روي عن النبي عليه السلام : ... " ومثل هذه العبارات ، وذلك ظاهر من الأحاديث التي ذكرتها عند الحديث عن استدلاله بالسنة .
3- أيضا يلاحظ أنه لا يقوم بتخريج الأحاديث ، فلا يحيلها إلى كتب السنن والصحاح .
4- بعض الأحاديث يرويها وكأنها أثر عن أحد العلماء ، وليس حديثا نبويا ، فمن ذلك قوله : " ويقال : إن صلاة أحدكم في الجماعة يزيد على صلاة وحده أربعة وعشرين ضعفا ... " إهـ (1) ، وقد ذكرته سابقا ؛ ومن ذلك أيضا قوله : " ... فهو الذي يقال فيه : »قيد الإسلام الفتك ، لا يفتك مؤمن « ... " إهـ ، وقد مر ذكر هذا الحديث قبل قليل (2) .
5- يستدل بالسنة ولا يذكر الحديث الوارد في ذلك :
الأمثلة على ذلك كثيرة ، مبثوثة في كتابه ، فمن ذلك قوله : " وسن الصلاة الأولى في الحضر أربع وهي في السفر ركعتان ... " إهـ (3) ، فلم يذكر الحديث الدال على ذلك ، وإنما اكتفى بقوله : " وسن ... " ؛ ومن ذلك أيضا قوله : " وسن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المضمضة والاستنشاق ... " إهـ (4) ، وقوله : " وسن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الاستنجاء من كل نجاسة ... " إهـ (5) ، وقال : " ... وجاءت الرخصة في السنة أن تقتل من قاتلك من السباع ... " إهـ (6) .
6- يستدل بالسنة ولا يشير إلى ذلك :
__________
(1) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص90 .
(2) *- أنظر ص340 .
(3) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص90 .
(4) - المصدر السابق ، ص92 .
(5) - المصدر السابق ، ص93 .
(6) - المصدر السابق ، ص108 . (2/26)
صفحة 527
والأمثلة على ذلك كثيرة ، متفرقة في عدة مواضع من كتابه ، فمن ذلك قوله عند الحديث عن القراءة في الصلاة : " أول ما نفتتح بالتكبير ... " إهـ (1) ، فهذا حديث نبوي نصه كما جاء عند الإمام الربيع - رحمه الله - عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد قال : بلغني عن علي بن أبي طالب قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : »تحريم الصلاة التكبير وتحليلها التسليم « (2) ، ورواه أبو داود وغيره من طريق عائشة - رضي الله عنها - قالت : » كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفتتح الصلاة بالتكبير ، والقراءة بالحمد لله رب العالمين ... « ،
__________
(1) - المصدر السابق ، ص91 .
(2) - رواه الإمام الربيع ، الجامع الصحيح ، كتاب الصلاة ووجوبها ، باب في ابتداء الصلاة ، ( 38 ) ، حديث رقم ( 220 ) ، 1/59 ؛ ورواه الترمذي من طريق أبي سعيد بلفظ : " مفتاح الصلاة الطهور ، وتحريمها التكبير ، وتحليلها التسليم ، ولا صلاة لمن لم يقرأ بالحمد وسورة في فريضة أو غيرها " ، قال أبو عيسى : هذا حديث حسن ، أنظر : الترمذي ، الجامع الصحيح ، أبواب الصلاة ، باب ما جاء في تحريم الصلاة وتحليلها ، حديث رقم ( 238 ) ، 2/3 ؛ ورواه الهيثمي من طريق ابن عباس بلفظ : " مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم " وقال : " رواه الطبراني في الكبير والأوسط ، وفيه نافع مولى يوسف السلمي وهو أبو هرمزة ضعيف ذاهب الحديث ، ورواه من طريق عبد الله بن زيد بنفس اللفظ ، قال : " رواه الطبراني في الأوسط ، وفيه الواقدي وهو ضعيف " ، ورواه من طريق عبد الله بن مسعود بلفظ قريب ، قال : " رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح ، أنظر : علي بن أبي بكر الهيثمي ، مجمع الزوائد ومنبع الفوائد ، ج2 ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، لبنان ، 1408هـ / 1988م ، كتاب الصلاة ، باب تحريم الصلاة وتحليلها ، ص104. (2/27)
صفحة 528
واللفظ لأبي داود (1) .
__________
(1) - رواه أبو داود من طريق عائشة - رضي الله عنها - ، أنظر : أبو داود ، سنن أبي داود ، كتاب الصلاة ، باب من رأى الاستفتاح بسبحانك اللهم وبحمدك ، حديث رقم ( 783 ) ، 1/208 ؛ ورواه ابن حبان من طريق عائشة بنفس اللفظ ، أنظر : علي بن بلبان الفارسي ، صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان ، ج5 ، ت : شعيب الأرنؤوط ، مؤسسة الرسالة ، بيروت ، لبنان ، ط2 : 1414هـ / 1993م ، كتاب الصلاة ( 9 ) ، باب صفة الصلاة ( 10 ) ، حديث رقم ( 1768 ) ، ص64- 65 ؛ ورواه ابن خزيمة من طريق أبي هريرة بلفظ قريب ، أنظر : ابن خزيمة ، صحيح ابن خزيمة ، كتاب الصلاة ، باب ذكر الدليل على أن هذه اللفظة التي ذكرتها لفظ عام مراده خاص ... ( 141 ) ، حديث رقم ( 578 ) ، 1/290 ؛ ورواه الهيثمي من طريق عبد الله بن أبي أوفى بلفظ قريب ، وقال : " رواه البزار وفيه الحجاج بن فروخ وهو ضعيف " ، ورواه من طريق أبي هريرة بلفظ قريب ، وقال : " رواه البزار وفيه الحسن بن السكن ضعفه أحمد وذكره ابن حبان في الثقات ، ورواه من طريق أبي الدرداء بلفظ قريب ، أنظر :الهيثمي ، مجمع الزوائد ومنبع الفوائد ، كتاب الصلاة ، باب التكبير ، 2/103 . (2/28)
صفحة 529
وكذلك قال : " ومن نسي صلاة حتى يذهب وقتها فليصلها حين يذكرها ... " إهـ (1) ، ونص هذا الحديث كما رواه البخاري من طريق أنس بن مالك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : » من نسي صلاة فليصل إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك : { وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي } (2) ،
__________
(1) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص94 .
(2) - سورة طه ، من الآية : 14 .. (2/29)
صفحة 530
قال موسى بن همام : سمعته يقول بعد : { وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي } « (1) .
__________
(1) - رواه البخاري من طريق أنس بن مالك ، أنظر : ابن حجر ، فتح الباري ، كتاب مواقيت الصلاة ( 9 ) ، باب من نسي صلاة فليصل إذا ذكرها ولا يعيد إلا تلك الصلاة ( 37 ) ، حديث رقم ( 597 ) ، 2/89 ؛ ورواه مسلم من طريق أنس بن مالك بلفظ قريب ، أنظر : مسلم ، صحيح مسلم ، كتاب المساجد ومواضع الصلاة ( 5 ) ، باب قضاء الصلاة الفائتة واستحباب تعجيل قضائها ( 55 ) ، حديث رقم ( 314 ) ، ( 315 ) ، ( 316 ) ، 1/447 ؛ ورواه أبو داود من طريق أبي هريرة بلفظ قريب ، أنظر : أبو داود ، سنن أبي داود ، كتاب الصلاة ، باب في من نام عن الصلاة أو نسيها ، حديث رقم (435 ) ، 1/118 ؛ ورواه ابن حبان من طريق أنس بن مالك بلفظ قريب ، أنظر : ابن حبان ، صحيح ابن حبان ، كتاب الصلاة ( 9 ) ، ذكر البيان بأن الزجر عن الصلاة في هذه الأوقات التي ذكرناها لم يرد به الفرض ، حديث رقم ( 1556 ) ، 4/423 ؛ ورواه الترمذي من طريق أنس بن مالك بلفظ قريب ، قال أبو عيسى : " حديث أنس حسن صحيح " ، أنظر : الترمذي ، الجامع الصحيح ، أبواب الصلاة ( 2 ) ، باب ما جاء في الرجل ينسى الصلاة ( 131 ) ، حديث رقم ( 178 ) ، 1/335- 336 ؛ ورواه البيهقي من طريق أبي هريرة بلفظ قريب ، أنظر : أحمد بن الحسين البيهقي ، السنن الكبرى ، ت : محمد عبد القادر عطا ، ج1 ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، لبنان ، ط1 : 1414هـ / 1994م ، كتاب الصلاة ، باب الأذان والإقامة للفائته ( 53 ) ، حديث رقم ( 1894 ) ، ص593 ؛ ورواه الدارمي من طريق أنس بن مال بلفظ قريب ، أنظر : الدارمي ، سنن الدارمي ، كتاب الصلاة ( 2 ) ، باب من نام عن صلاة أو نسيها ( 26 ) ، حديث رقم ( 1209 ) ، 1/297 ؛ ورواه ابن خزيمة من طريق أنس بن مالك بلفظ قريب ، أنظر : محمد بن إسحاق بن خزيمة النيسابوري ، صحيح ابن خزيمة ، ج2 ، ت : د/ محمد مصطفى الأعظمي ، المكتب الإسلامي ، بيروت ، لبنان ، ط1 : 1391هـ / 1971م ، جماع أبواب الفريضة عند العلة ، باب ذكر الدليل على أن أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بإعادة تلك الصلاة التي قد نام عنها أو نسيها ... ( 394 ) ، حديث رقم ( 992 ) ، ( 993 ) ، ص97 . (2/30)
صفحة 531
وقوله : " لا يأخذ مما دون الأربعين شيئا حتى تتم أربعين " إهـ (1) ، وهذا حديث رواه ابن ماجه من طريق عن ابن عمر و عائشة : » أن النبي كان يأخذ من كل عشرين دينارا ، فصاعدا ، نصف دينار ، ومن الأربعين دينارا ، دينارا « (2) ، إلى غير ذلك من الأمثلة الأخرى .
7- يقسم السنة إلى سنة في غير فريضة ، وسنة في فريضة :
ويظهر هذا من قوله : " ... والسنة سنتان : سنة في غير فريضة ، الأخذ بها فضيلة وتركها ليس بخطيئة . وسنة في فريضة ، الأخذ بها هدى ، وتركها ضلالة " إهـ (3) .
8- السنة عنده مبينة لمجمل القرآن :
وقد مر الحديث عن هذه النقطة عند الحديث عن استدلاله بالقرآن الكريم ، ومنهجه تجاهه ، وذكرت هناك عدة أمثلة على ذلك (4) .
9- قلة الأحاديث التي يستدل بها :
ذكرت سابقا أن الشيخ عمروس استدل بالسنة في مواضع متعددة من الدينونة ، إلا أنها بالرغم من ذلك مواضع محددة ولا تشكل ذلك العدد الكبير الذي يتلاءم مع المسائل الفقهية المتعددة التي طرحها الشيخ عمروس في كتابه ، وكذلك مع المنزلة العلمية السامقة التي تبوأها الشيخ رحمه الله !
__________
(1) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص101 .
(2) - رواه ابن ماجه ، أنظر : ابن ماجه ، سنن ابن ماجه ، كتاب الزكاة ( 8 ) ، باب زكاة الورق والذهب ( 4 ) ، حديث رقم ( 1791 ) ، 1/571 ؛ ورواه ابن خزيمة ، أنظر : ابن خزيمة ، صحيح ابن خزيمة ، كتاب الزكاة ، باب الدليل على أن الصدقة لا تجب فيما دون خمس من الإبل ولا فيما دون الأربعين ، حديث رقم ( 1262 ) ، 4/17 ؛ ورواه عبد الرزاق من طريق عطاء وعمرو بن دينار ، حديث رقم ( 7082 ) ، ومن طريق عطاء وعبد الكريم ، حديث رقم ( 7083 ) ، ومن طريق طاووس ، حديث رقم ( 7083 ) ، أنظر : عبد الرزاق بن همام الصنعاني ، المصنف ، ج4 ، ت : حبيب الرحمن الأعظمي ، منشورات المجلس العلمي ، ص90- 92 ) .
(3) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص102 .
(4) *- أنظر ص338 . (2/31)
صفحة 532
ولعل السبب في ذلك يعود إلى عدم وصول كتب الصحاح والسنن إلى جبل نفوسة في ذلك الوقت المتقدم ، فمسند الإمام لم يكن معروفا لدى المغاربة في ذلك الوقت ، وقد أشرت إلى ضعف الاهتمام بالحديث عند إباضية المغرب في ذلك الوقت عند تناولي للحديث عن العلوم المتداولة في عصر الشيخ عمروس وأبرز العلماء في عصره (1) .
وهذا ظاهر من خلال كتاب الدينونة ، حيث أن الشيخ عمروس لم يأت بأحاديث كثيرة ، كذلك استدلاله بالقرآن بشكل أساسي في كثير من المواضع ، وإن لم يجد دليلا في القرآن ، جاء بأثر عن أحد الصحابة أو الأئمة ، أو ما تلقاه عن مشائخه ، وفي بعض الأحيان يستدل بالعقل ، ويجتهد رأيه رغم ورود الكثير من الأحاديث في ذلك ، إلا انه لم يذكرها ، والظاهر لعدم وقوفه عليها والله أعلم .
ويظهر ذلك أيضا من ذكره لبعض الأحاديث نقلها من مدونة أبي غانم التي قام بنسخها ، فاستفاد منها بعض الأحاديث اعتمد عليها في كتابه ،وقد مرت بعض الأمثلة على ذلك .
أيضا فإنه لا يذكر السند عند روايته للحديث ، وذلك ظاهر في كل الأحاديث التي ذكرها في الدينونة ، ولعل السبب يعود إلى أخذ تلك الأحاديث عن مشائخه الذين تتلمذ عليهم ، فكانوا يستدلون بها ولا يذكرون السند ، والذي يؤكد ذلك أنه يروي بعض الأحاديث بالمعنى ، وأحيانا يستدل بورود ذلك الحكم في السنة ، ولا يذكر الحديث ، كما رأينا قبل ذلك .
ولعل هذه الأحاديث وصلت إلى المغرب عن طريق حملة العلم الخمسة الذين تتلمذوا على يد الإمام أبي عبيدة ، فأخذوا عنه مروياته عن الإمام جابر ، فنقلوها إلى المغرب ، حتى وصلت إلى الشيخ عمروس الذي أخذها عن مشائخه الذين تتلمذوا على حملة العلم ، أو على من أخذ عنهم ، والذي يؤكد ذلك ورود بعض تلك الأحاديث - التي استدل بها الشيخ عمروس في الدينونة - في مسند الإمام الربيع والله أعلم .
(3)- موقفه من الإجماع :
__________
(1) **- أنظر ص134 . (2/32)
صفحة 533
الشيخ عمروس يحتج بالإجماع ، وهذا ظاهر في عدة مواضع من كتابه ، فمن ذلك على سبيل المثال لا الحصر :
1- قال عند الحديث عن أوقات الصلاة : " ... { حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ } : يعني في الجماعة { وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى } (1) : يعني صلاة الصبح في قول أصحابنا ... " إهـ (2) ، ويقصد بأصحابنا الإباضية ، فهو يحتج بإجماع علماء الإباضية .
2- استخدامه لمصطلح " المسلمين " ، ويقصد به الإباضية ، محتجا بإجماعهم ، فمن ذلك قوله : " ومن ترك الغسل من الجنابة من غير عذر وهو يجد الماء حتى يذهب وقت الصلاة ضل في قول المسلمين " إهـ (3) ؛ وقوله عند الحديث عن مستحبات الإحرام والتلبية : " ... والمسلمون يستحبون أن يبدأ بالعمرة قبل الحج ... " إهـ (4) ؛ وقوله : " ... والمسلمون يستحبون الإحرام بالحج من البطحاء من المسجد الذي يقال له مسجد الجن ... " إهـ (5) .
3- وقال : " والعامة من العلماء على أن الحج والعمرة فريضتان " إهـ (6) .
4- وقال : " ولا يحل ما يقول من يزعم أن النفي هو الحبس ، ولكنه كما فسره العلماء : النفي أن يطلبوا بما حكمه الله فيهم فيهربون ، فلا يؤمنون في شيء من بلدان المسلمين " إهـ (7) ، فيلاحظ انه احتج بما فسره العلماء .
5- وقال : " ... فإن الله تعالى يقول : { وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا ... } (8) ، فجاءت الآية مجيء عموم فلم يخرج ، ولا يخرج من جملتها وحكمها ، إلا ما أجمع العلماء عليه أنه خرج منها ... " إهـ (9) .
__________
(1) - سورة البقرة ، آية : 238 .
(2) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص89 .
(3) - المصدر السابق ، ص95 .
(4) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص114 .
(5) - المصدر السابق ، ص116 .
(6) - المصدر السابق ، ص107 .
(7) - المصدر السابق ، ص126 .
(8) - سورة المائدة ، من الآية : 38 .
(9) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص127- 128 . (2/33)
صفحة 534
6- وقال : " سنن الختان مجمع عليها أنها واجبة " إهـ (1) .
7- وقال : " ذكر الله الأذان ذكرا ... أجمع الناس أنه من سنة رسول الله عليه السلام ... " إهـ (2) .
8- وقال : " ... وقد أجمعوا أنه لا أذان بعد فوات الوقت ... " إهـ (3) .
د- المطلب الرابع : استخدامه لبعض القواعد الأصولية :
استخدم الشيخ عمروس بعض المصطلحات والقواعد الأصولية ، ولكن كما يظهر أنه لم يكثر من الاعتماد عليها كثيرا ، ولعل السبب يعود في ذلك إلى عدم تقعيد القواعد الأصولية في ذلك الوقت كما هي عليه اليوم .
فمن القواعد الأصولية التي استخدمها :
1- القياس (4) :
__________
(1) - المصدر السابق ، ص154 .
(2) - المصدر السابق ، ص156 .
(3) - المصدر السابق ، ص156 .
(4) *- القياس لغة هو التقدير ، يقال : قاس الثوب هل يكمل قميصا قياسا ، إذا قدره تقديرا ، والقياس لغة كذلك يأتي على معنى المساواة ، يقال : هذا الشيء لهذا الشيء قياس أي مساو له ، والقياس اصطلاحا عرفه الأصوليون بعدة تعاريف ، فعرفه الإمام السالمي بقوله : " حمل مجهول الحكم على معلوم الحكم بجامع بينهما " إهـ ، وعرفه البيضاوي بقوله : " هو إثبات مثل حكم معلوم في معلوم آخر لاشتراكهما في علة الحكم عند المثبت " إهـ ، ومثال ذلك قياس النبيذ الذي هو مجهول الحكم ومحل النزاع ، على الخمر الذي هو معلوم الحكم ومحل الاتفاق ، فالخمر هو الأصل ، والنبيذ هو الفرع ، والجامع الإسكار ، والحكم المطلوب إثباته في الفرع التحريم ( أنظر : عبد الله بن حميد السالمي ، شرح طلعة الشمس ، ج2 ، وزارة التراث والثقافة ، سلطنة عمان ، 1401هـ / 1981م ، المطبعة الشرقية ومكتبتها ، مسقط ، سلطنة عمان ، ص91 - محمد الخضري ، أصول الفقه ، المكتبة التجارية الكبرى ، مصر ، ص289- محمد بن أحمد المالكي التلمساني ، مفتاح الوصول إلى بناء الفروع على الأصول ، المكتبة العصرية ، بيروت ، لبنان ، ط1 : 1420هـ / 2000م ، ص121 ) . (2/34)
صفحة 535
الظاهر أن الشيخ عمروس يقول بالقياس ، ويظهر ذلك من ذهابه إلى القول بضم البر إلى الشعير والشعير إلى البر في الزكاة ، قياسا على الذهب والفضة ، فقال : " ... لا يضم نوع من ذلك إلى نوع إلا ما بلغ نوعه ، غير أن البر و الشعير اختلف فيه الفقهاء ، وقولنا الذي نأخذ به ونعتمد عليه أن يضم البر إلى الشعير والشعير إلى البر ، وهو آخر كلام أبي عبيدة - رضي الله عنه - ، وكان أول قوله : لا زكاة في البر ولا في الشعير إلا ما بلغ ثلاث مائة صاع ، ولا يضم بعضه إلى بعض ، ثم رجع عن ذلك وقاسه بالذهب والفضة ، فقال : يضم الذهب إلى الفضة ، ويضم البر إلى الشعير " إهـ (1) .
__________
(1) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص97- 98 . (2/35)
صفحة 536
2- العموم والخصوص (1) :
قال : " ... فإن الله تعالى يقول : { وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا ... } (2) ، فجاءت الآية مجيء عموم فلم يخرج ، ولا يخرج من جملتها وحكمها ، إلا ما أجمع العلماء عليه أنه خرج منها ... " إهـ (3) .
__________
(1) *- العام لغة هو : الشامل ، والعام خلاف الخاص ، والعام في اصطلاح الأصوليين عرفه الإمام السالمي بأنه : " لفظ دل دفعة على ما لم يكن منحصرا " إهـ ، وعرفه التلمساني بقوله : " هو كون اللفظ مستغرقا لكل ما يصلح له " إهـ ، ومثال العموم قوله تعالى : { قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ } ( المؤمنون : 1) ، فالمؤمنون لفظ يشمل جميع المؤمنين ، وقوله تعالى : { وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا } ( المائدة : من الآية 38 ) تشمل كل سارق وسارقة ؛ وأما الخاص لغة فهو من خَصَّ ، وهو نقيض العام ، تقول : خَصَّ فلانا : أعطاه شيئا كثيرا ، وخَصَّهُ بكذا : آثره به على غيره ، والخاص في اصطلاح الأصوليين عرفه الإمام السالمي بقوله : " هو إخراج بعض ما يتناوله لفظ العموم بدليل مخرج له عن دخوله تحت تناوله ، وذلك الدليل المخرج إما لفظ وارد عن الشارع في الكتاب أو في الحديث ، وإما غير لفظ والمراد به العقل والإجماع والقياس والتقرير " إهـ ، وعرفه التلمساني بقوله : " هو كون اللفظ مقصورا على بعض ما يتناوله " إهـ ، فمثال التخصيص بالكتاب قوله تعالى : { وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ ... إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا ... } ( الشعراء : 224- 227) ، فإخراج الذين آمنوا تخصيص لعموم لفظ الشعراء . ( أنظر : السالمي ، طلعة الشمس ، 1/81 ، 82 ، 144- التلمساني ، مفتاح الوصول ، ص66 – إبراهيم ، مصطفى وآخرون ، المعجم الوسيط ،1/237 ، 2/629 ) .
(2) - سورة المائدة ، من الآية : 38 .
(3) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص127- 128 . (2/36)
صفحة 537
3- المجمل والمبين (1) :
الشيخ عمروس يرى أن السنة مبينة لمجمل القرآن ، ويظهر ذلك من عدة مواضع في كتابه ، وقد ناقشت هذه النقطة عند حديثي عن استدلال الشيخ عمروس بالقرآن ، فلا داعي لتكرير الكلام (2) .
__________
(1) **- ذكر الإمام السالمي أن " المبين " نوع من أنواع " المحكم " ، و" المجمل " نوع من أنواع " المتشابه " ، فاكتفى بتعريف " المحكم والمتشابه " حيث قال : " ... لما كان المبين من بعض أنواع المحكم ، والمجمل من بعض أنواع المتشابه اقتصر في الترجمة على المحكم والمتشابه ... " إهـ ، فعرف المحكم بقوله : " هو الذي اتضح المعنى منه سواء كان الاتضاح قويا بحيث لا يحتمل اللفظ غير ذلك المعنى ، ويسمى نصا ، أو يحتمل غيره احتمالا مرجوحا ، ويسمى ظاهرا " إهـ ، فمثال المحكم قوله تعالى : { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } ( الشورى : من الآية 11) ، وأما المتشابه فقد عرفه الإمام السالمي بأنه : " ما اختفى معناه أي المراد به " إهـ ، ومثاله قوله تعالى : { بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَان } ( المائدة : من الآية 64 ) ، فإن اليد حقيقة في الجارحة المخصوصة ، وهي في الآية متعذرة لاستحالة تشبيه الله تعالى بخلقه فيجب تأويل الآية هنا ، فتحمل الآية على النعمة . ( أنظر : السالمي ، طلعة الشمس ، 1/168، 172 ، 175 ) .
(2) ***- أنظر ص338 . (2/37)
صفحة 538
4- الأمر والنهي يفيدان الوجوب (1) :
الظاهر أن الشيخ عمروس يرى أن الأمر والنهي في القرآن الكريم يفيدان الوجوب ، وقد ناقشت هذه النقطة عند تناولي لاستدلال الشيخ عمروس بالقرآن ، وذكرت بعض الأمثلة على ذلك (2) .
__________
(1) *- الأمر لغة هو : القول المخصوص المعبر عنه بافعل نحو : { وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوه } ( الأنعام : من الآية 72 ) ، وله في اللغة معان أخرى منها : الفعل ، والشأن ، والصفة ، والشيء ، والغرض ؛ والأمر في اصطلاح الأصوليين عرفه الإمام السالمي بقوله : " طلب فعل غير كف لا على وجه الدعاء " إهـ ، وحكم الأمر عند الأصوليين أنه يفيد الوجوب وضعا وشرعا ما لم تصرفه عن معنى الوجوب قرينة ، نحو الآية السابقة : { وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوه } ، فالأمر هنا للوجوب ؛ وأما النهي لغة فهو : المنع ، وفي اصطلاح الأصوليين عرفه الإمام السالمي بأنه : " طلب كف عن الفعل ، وذلك الطلب متوجه إلى غير خالقنا عز وجل " إهـ ، وحكم النهي تحريم المنهي عنه ، والدوام على الكف عنه ، ووجوب تعجيل الامتثال ، إلا إذا دل دليل على إرادة غير ذلك ، فإنه يصرف إلى ما اقتضاه الدليل ، نحو قوله تعالى : { وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى } ( الإسراء : من الآية 32 ) ، فالنهي هنا يفيد الوجوب ( أنظر : السالمي ، طلعة الشمس ، 1/35 ، 38، 66 ) .
(2) **- أنظر ص336- 337 . (2/38)
صفحة 539
5- الاستحسان (1) :
__________
(1) ***- اختلف الأصوليون في الاستدلال بالاستحسان ، فبعضهم أثبته كالمعتزلة ، والحنفية ، والحنابلة على قول ، وبعضهم لم يثبته كالشافعية ، والحنابلة على قول آخر ، وقد اختلف مثبتو الاستحسان في حقيقته ، فقيل : " هو دليل ينقدح في ذهن العالم المجتهد تقصر عن إظهاره عبارته " إهـ ، وقيل : " هو عدول عن الدليل إلى العادة للمصلحة " إهـ ، وقيل : " هو العدول عن قياس أوهى إلى قياس أقوى منه " إهـ ، ومن الأمثلة على الاستحسان من حلف بأن ما يملكه صدقة ، وبأن أمواله صدقة ، قالوا : القياس أنهما سواء في أنه يقع على جميع ما يملكه ، إلا أنا استحسنا في قوله : " أموالي صدقة " ، أنه يكون محمولا على أموال الزكاة لقوله تعالى : { خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا } ( التوبة : من الآية 103) ، وعلماء المذهب الإباضي يأخذون بالاستحسان ، وتوجد مسائل مبثوثة في كتبهم أخذوا فيها بالاستحسان ، قال الإمام السالمي - بعد أن ذكر مسائل أخذ فيها الحنفية بالاستحسان - : " وبعض هذه المسائل موجود في المذهب على هذا الحال الذي ذكروه ، والبعض الآخر يقبله المذهب لوجود نظائره فيه " إهـ . ( أنظر : السالمي ، طلعة الشمس ، 2/185، 187- الخضري ، أصول الفقه ، ص334- 336 ) . (2/39)
صفحة 540
الظاهر أن الشيخ عمروس يأخذ بقاعدة الاستحسان ، ويظهر ذلك من خلال عدة مواضع من كتابه ، فمن ذلك على سبيل المثال قوله : " ... ويستحب أن يوتر بسبع ركعات ... " إهـ (1) ، وقوله : " ... وفي الأولتين من العشاء بسورة مع فاتحة الكتاب ، ويستحب من ذلك ما يبلغ عشر آيات ، وكذلك في الصبح " إهـ (2) ، وقوله : " وليس في اللؤلؤ والجوهر زكاة ، إلا من تطوع بخير ... " إهـ (3) ، وقال : وزكاة الفطر يؤديها من كان له ما يقوته سنة ، وهي سنة ، الأخذ بها فضيلة ، وتركها ليس بخطيئة ... " إهـ (4) ، وقوله : " والمسافر إن شاء أكل وإن شاء صام ، فليس عليه الإفطار بواجب ، ولكن إن صام فمأجور ، وإن أكل فمعذور " إهـ (5) ، وقوله : " ... وقد كان يستحب إذا لعطك (6) الصبح ، وقرب الفجر أن تشرب ولا تأكل ، لسعة انقطاع تباعة الشراب ، والوطء أثقل تباعة " إهـ (7) ، وقال : " ... والمسلمون يستحبون الإحرام بالحج من البطحاء من مسجد الذي يقال له مسجد الجن ... " إهـ (8) ، وقوله : " ... وأما الغسل الذي يدخل به الحرم ... والوضوء في كل ذلك يجزي ، والغسل أفضل ... " إهـ (9) .
__________
(1) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص91 .
(2) - المصدر السابق ، ص92 .
(3) - المصدر السابق ، ص97 .
(4) - المصدر السابق ، ص102 .
(5) - المصدر السابق ، ص104 .
(6) *- لَعَطَ : من لعط يلعط ، يقال : لعطه بالنار لعطا أي كواه في عرض عنقه ، والمراد هنا ظهر بياض الصبح فجأة . ( أنظر : إبراهيم مصطفى وآخرون ، المعجم الوسيط ، 2/827- عمروس ، الدينونة الصافية ، ص106 الهامش ) .
(7) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص106 .
(8) - المصدر السابق ، ص116 .
(9) - المصدر السابق ، ص117 . (2/40)
صفحة 541
6- لحن الخطاب (1) :
الملاحظ أن الشيخ عمروس يطبق قاعدة لحن الخطاب ، وذلك ظاهر من قوله : " { وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً } : في أهله ، { أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } (2) وفيها إضمار ، وإضمارها : فمن كان مريضا أو على سفر فأكل في مرضه أو سفره فعدة من أيام أخر ، ليس على كل من مرض أو سافر يكون عليه الإعادة إذا لم يأكل " إهـ (3) .
ويظهر ذلك أيضا في قوله : " ونهى الله المحرم عن الحلق حتى يبلغ الهدي محله ، فإن كان به أذى من رأسه فحلق ، ففدية من صيام أو صدقة أو نسك ، وفيها إضمار : { فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ } فحلق { فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ } (4) ، وليس كل من مرض أو به أذى من رأسه تلزمه الفدية ، وإنما تلزم الفدية إذا حلق ، وهذا اختصار من كلام العرب وهو معروف ، وقد ذكرته شعراء العرب ، وله نظير في كتاب الله مثل قوله لموسى : { أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ } (5) ولم يقل : فضرب ، ولكن لما قال : { أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ } على أنه قد ضربه فاكتفى وقصر ، واختصر ، وهذا من أغرب الكلام وأخصره ... " إهـ (6) .
__________
(1) **- لحن الخطاب : عرفه بعض الأصوليين بأنه : " ما حذف من الكلام ولا يستقل المعنى إلا به " إهـ ، كقوله تعالى : { فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ } ( سورة الشعراء، من الآية : 63 ) ، وتقديره : فضرب فانفلق ( أنظر : محمد بن أحمد بن جزي ، تقريب الوصول إلى علم الأصول ، ت : د/ عبد الله الجبوري ، دار النفائس ، عمَّان ، الأردن ، ط1 : 1422هـ / 2002م ، ص69 ).
(2) - سورة البقرة ، من الآية : 185 .
(3) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص104 .
(4) - سورة البقرة ، من الآية : 196 .
(5) - سورة الشعراء ، من الآية : 63 .
(6) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص112- 113 . (2/41)
صفحة 542
هـ- المطلب الخامس : ملاحظات أخرى على منهجه الفقهي :
(1)- عدم إهماله لجانب اللغة :
بالرغم من أن الشيخ عمروس بربري ، نشأ في أوساط البربر ، إلا أنه متمكن من اللغة العربية ، له باع فيها ، وهذا ظاهر من كتابه الدينونة ، فهو يتميز بقوة اللغة ، وجزالة التعبير ، وبلاغة المصطلحات ، واختصار العبارات .
فمن الأمثلة التي تدل على مراعاته لجانب اللغة العربية في كتابه الدينونة :
1- قيامه بتفسير بعض المصطلحات الغامضة :
فمن ذلك تفسيره للتيمم : بالتعمد ، وللصعيد : بالتراب ، وللطيب : النظيف ، فقال : " ... والتيمم : التعمد ؛ والصعيد : التراب ؛ والطيب : النظيف " إهـ (1) ؛ وفسر الرفث بأنه غشيان النساء ، والفسوق بالمعاصي ، والجدال بالمراء ، فقال : " ... ونهى الله في التنزيل عن الرفث للمحرم ، وهو غشيان النساء ...ونهى عن الفسوق ، وهي المعاصي ، ونهى عن الجدال ، وهو المراء ... " إهـ (2) ؛ وفسر الكلالة فقال : " ... والكلالة الذي ليس له أب ، ولا جد ، ولا ولد الولد ... " إهـ (3) .
__________
(1) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص93 .
(2) - المصدر السابق ، ص107- 108 .
(3) - المصدر السابق ، ص145 . (2/42)
صفحة 543
2- رجح الشيخ عمروس أن العمرة فرض كالحج ، بناء على عطفها عليه ، فهي منصوبة في قوله تعالى : { وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ } (1) ، فقال : " ثم قال عزوجل : { وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ } وقولنا - والله المستعان - : أما الحج والعمرة ففريضتان ، وبهذا نأخذ وعليه نعتمد ، وأما بعض الناس فيرون قول ابن مسعود : الحج فريضة والعمرة نافلة ؛ وكان يقرأ فيما روي عنه : { وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةُ لِلَّهِ } بنصب { الْحَجَّ } ، ورفع { الْعُمْرَةُ } ، يقول : " وأتموا الحج لله " وقع عليه الفعل فانتصب ، و " العمرة " مبتدأ مستأنف فارتفع ، يقول : والعمرة لله تطوع ... " إهـ (2) .
3- ذكرت عند حديثي عن بعض القواعد الأصولية التي استخدمها الشيخ عمروس في الدينونة ، فذكرت من بينها " لحن الخطاب " (3) ، ولحن الخطاب يعتمد على الحذف ، ويحتاج إلى ملكة لغوية ، ودقة فهم لمعرفة موضع الحذف ، وقد ضربت مثالين للحن الخطاب ، أشار إليهما الشيخ عمروس ، بل وقام بشرح مفهوم لحن الخطاب وضرب الأمثلة على ذلك كما مر ، وهذا دليل على تمكنه وبراعته في اللغة والله أعلم .
(2)- يأخذ بالأحوط :
بالرغم من أن الشيخ عمروس يأخذ بالتيسير في فتاواه ، وكان هذا سبب عزله من القضاء - كما مر - إلا أن ذلك لا يتنافى مع كونه يأخذ بالأحوط في بعض المواضع ، وقد صرح بنفسه بذلك في كتابه الدينونة فقال - بعد أن ناقش هل الاغتسال من الجنابة شرط في صحة الصيام - : " ... أليس الوثاقة أن يحتاط لنفسه ، ويأخذ بالذي اجتمعا عليه أنه مجز ! " إهـ (4) .
(3)- بعض المصطلحات التي استخدمها في قسم الفقه :
__________
(1) - سورة البقرة ، من الآية : 196 .
(2) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص107 .
(3) *- أنظر ص349 .
(4) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص105 . (2/43)
صفحة 544
لقد استخدم الشيخ عمروس في قسم العبادات من الدينونة بعض المصطلحات ، وسأكتفي بذكر بعض تلك المصطلحات دون ذكر نص الكلام الذي وردت فيه ، حتى لا أطيل ؛ فمن المصطلحات التي استخدمها :
(- " وقال بعضهم ... " إهـ (1) ، ولعله يقصد ببعضهم من هم على غير المذهب الإباضي والله أعلم .
(- " أصحابنا ... " إهـ (2) ، ويقصد بذلك أتباع المذهب الإباضي .
(- " متفقهوا قومنا ... " إهـ (3) ، ويقصد بذلك من هم على غير المذهب الإباضي .
(- " ويقال ... " إهـ (4) .
(- " والمعمول به عندنا ... " إهـ (5) ، يحتمل أن يقصد بذلك المعمول في المذهب الإباضي ، أو الراجح عنده والله أعلم .
(- " وبعض الناس ... " إهـ (6) ، لعله يقصد من غير الإباضية والله أعلم .
(
__________
(1) - المصدر السابق ، ص87 ، 92 ، 101 ، 113 , 127 ، 157.
(2) - المصدر السابق ، ص89 ، 106 ، 118 ، 152 .
(3) - المصدر السابق ، ص89 .
(4) - المصدر السابق ، ص90 .
(5) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص92 .
(6) - المصدر السابق ، ص93 . (2/44)
صفحة 545
- " ضل في قول المسلمين " إهـ (1) ، يقصد بمصطلح المسلمين من هم على المذهب الإباضي ، وهذا المصطلح معمول به عند أتباع المذهب الإباضي في القرون الهجرية الأولى ، قبل أن يعرفوا بالإباضية ، فكانوا يطلقون على أنفسهم " جماعة المسلمين " و" أهل الدعوة " ، و" الشراة " (2) ، قال د/ عمرو النامي : " ولم يكن الإباضيون في البداية يستخدمون اسم الإباضية ، بل استخدموا عبارات " المسلمين " و" أمة المسلمين " ، و" جماعة المسلمين " ، و" أهل الدعوة " . ولم يرد ذكر اسم " الإباضية " في الأعمال الإباضية الأولى مثل " مدونة " أبي غانم أو أي عمل آخر مبكر ، إلا أنهم ، عادوا في وقت لاحق ، فاعترفوا بهذا الاسم وقبلوه . وقد ظهر لأول مرة في الأعمال الإباضية المغربية في رسالة عمروس بن فتح (3) ... " إهـ (4) (5) .
__________
(1) - المصدر السابق ، ص95
(2) - محمد ناصر ، منهج الدعموة عند الإباضية ، ص41 .
(3) *- يقصد كتاب أصول الدينونة الصافية ، حيث ذكر الشيخ عمروس مصطلح الإباضية في قوله : " ... وأنهم يستحلون شتم الإباضية ... " إهـ ( أنظر : عمروس ، الدينونة الصافية ، ص68 ) .
(4) - النامي ، دراسات عن الإباضية ، ص46 .
(5) **- الظاهر أن أول من أطلق مصطلح " الإباضية " على أتباع المذهب الإباضي هم بنو أمية ، قال د/ محمد صالح ناصر : " ... لا نجد في المصادر الإباضية استخداما لهذه التسمية - يقصد " الإباضية " - ، ولعل الذين عمموها في المصادر غير الإباضية هم بنو أمية لعلاقتهم الظاهرة بابن إباض ... " إهـ ، وقد أشار الإمام السالمي إلى ذلك فقال :
فما الإباضيون إلا علما :: لخلفاء الحق منا فاعلما
ونحن الأولون لم يشرع لنا :: نجل إباض مذهبا يحملنا
ونحن في الأصل وفي الفروع :: على طريق السلف الرفيع
ونأخذ الحق متى نراه :: لو كان مبغض لنا أتاه
والباطل المردود عندنا ولو :: أتى به الخل الذي له اصطفوا
ونسبوا من كان في طريقته :: إليه لاشتهار حسن سيرته
من ذاك لا تلقى له في المذهب :: مسألة نرسمها في الكتب
إن المخالفين قد سمونا :: بذاك غير أننا رضينا
وأصله أن فتى إباض :: كان محاميا لنا وماضي
مدافعا أعدائنا بالحجة :: وحاميا إخواننا بالشوكة
( أنظر : سالم بن حمد بن سليمان الحارثي ، العقود الفضية في أصول الإباضية ، ص122- محمد ناصر ، منهج الدعوة عند الإباضية ، ص41 ) . (2/45)
صفحة 546
(- " والمسلمون يستحبون ... " إهـ (1) ، يقصد به الإباضية كما مر .
(- " واصطلح المسلمون ... " إهـ (2) ، يقصد الإباضية .
(- " ما قاله المسلمون ... " إهـ (3) ، يقصد الإباضية .
(- " وقولنا الذي نأخذ به ، ونعتمد عليه ... " إهـ (4) ، لعله يقصد الراجح عنده والله أعلم .
(- " من نأخذ عنه ممن أدركنا " إهـ (5) ، يقصد مشايخه الذين درس عليهم والله أعلم .
(- " وعلماؤنا وأئمتنا ... " إهـ (6) ، يقصد أئمة وعلماء المذهب الإباضي والله أعلم .
(- " اختلف الناس ... فقال بعض : ... قلنا لهم : " إهـ (7) .
(- " ... والأول أحب إلينا " إهـ (8) .
(- " ... قالوا لنا : ... " إهـ (9) .
(- " وقال بعض أهل العلم : ... " إهـ (10) .
(- " وقال من خالفنا : ... ، فليس لهذا القول صحة مذهب ... " إهـ (11) .
(- " وبعض الفقهاء يقولون : ... " إهـ (12) .
(- " وبعض العلماء ... " إهـ (13) .
(- " ونحن ... " إهـ (14) .
(- " وقال غيره : ... " إهـ (15) .
(- " ... أعدل عندنا ... " إهـ (16) .
(- " ... وهو العدل إن شاء الله " إهـ (17) .
(- " وقال بعض : ... " إهـ (18) .
(
__________
(1) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص114، 116 .
(2) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص130 .
(3) - المصدر السابق ، ص157 .
(4) - المصدر السابق ، ص97 ، 119 ، 139 ، 142 ، 143 ، 151 ، 153 ، 154 ، 156 .
(5) - المصدر السابق ، ص101 ، 102 .
(6) - المصدر السابق ، ص119 .
(7) - المصدر السابق ، ص105 .
(8) - المصدر السابق ، ص113 .
(9) - المصدر السابق ، ص127 .
(10) - المصدر السابق ، ص135 .
(11) 10)- المصدر السابق ، ص140 .
(12) 11)- المصدر السابق ، ص142 .
(13) 12)- المصدر السابق ، ص143 .
(14) 13)- المصدر السابق ، ص144 .
(15) 14)- المصدر السابق ، ص151 .
(16) 15)- المصدر السابق ، ص152 .
(17) 16)- عمروس ، الدينونة الصافية ، ص153 .
(18) - المصدر السابق ، ص154 . (2/46)
صفحة 547
- " وإنما يقال : ... " إهـ (1) .
(- " أجمع الناس ... " إهـ (2) .
(- " واختلفوا في ذلك ... " إهـ (3) .
(- " ... اجمعوا أنه ... " إهـ (4) .
(- " ... واختلفوا ... " إهـ (5) .
(- " وقولنا الذي نأخذ به : ... " إهـ (6) .
(- " والذي أخذنا به " إهـ (7) .
(- " على أن الحجة - إن شاء الله - ... " إهـ (8) .
(- " ... فالله نسأله التوفيق للصواب ، ونعوذ به من تهوين ما قال المسلمون من الحق ، فالحق أردنا ، وإياه قصدنا " إهـ (9) .
(- " وأما الذين يقولون : ... " إهـ (10) .
(- " ... فيدخل عليهم في قولهم ... " إهـ (11) .
(- " ... ففي هذا دليل وحجة ... " إهـ (12) .
هذه بعض المصطلحات التي استخدمها الشيخ عمروس في قسم الفقه من كتابه ، وقد حاولت أن أجمع أكبر قدر منها ، للتمثيل على المصطلحات التي كان يستخدمها ، وقد أكون أغفلت البعض منها إما عن عمد لوجود فروق طفيفة بينها وبين المصطلحات التي ذكرت ، وإما عن سهو ، فأرجو سد الخلل ، وفي ما ذكرت الكفاية للتمثيل للباقي .
(4)- طريقة عرضه للأدلة :
1- يستدل بالقرآن الكريم :
وقد ناقشت هذه النقطة عند حديثي عن استدلاله بالقرآن الكريم ، ومنهجه اتجاهه ، ومثلت لذلك (13) .
2- يستدل بالسنة :
وقد تعرضت لمناقشة ذلك عند حديثي عن منهجه اتجاه السنة ، وضربت أمثلة على ذلك (14) .
3- يستدل بالاجماع :
__________
(1) - المصدر السابق ، ص155 .
(2) - المصدر السابق ، ص156 .
(3) - المصدر السابق ، ص156 .
(4) - المصدر السابق ، ص156 .
(5) - المصدر السابق ، ص156- 157 .
(6) - المصدر السابق ، ص156 .
(7) - المصدر السابق ، ص156 .
(8) - المصدر السابق ، ص157 .
(9) 10)- المصدر السابق ، ص157 .
(10) 11)- المصدر السابق ، ص158 .
(11) 12)- المصدر السابق ، ص158 .
(12) 13)- المصدر السابق ، ص159 .
(13) *- أنظر ص333 .
(14) **- أنظر ص338 . (2/47)
صفحة 548
وقد تناولت ذلك عند تطرقي إلى مناقشة موقفه من الاجماع ، ومثلت لذلك (1) .
4- يستدل بأقوال الصحابة :
والأمثلة على ذلك كثيرة مبثوثة خلال الكتاب ، فسأكتفي بذكر ثلاثة أمثلة فمن ذلك قوله : " سئل ابن عباس - رضي الله عنه - : متى يحرم على الصائم الطعام ؟ قال رجل : ما لم تشك حتى تشك . قال : فقال ابن عباس : كل ما شككت حتى تشك " إهـ (2) (3) .
وقوله : " ... وذكروا أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قتل ثلاثة في امرأة ، وقال : " لو اشترك في قتلها أهل صنعاء لقتلتهم " ... " إهـ (4) .
وأيضا عند حديثه عن سهم المؤلفة قلوبهم في الصدقات ، استدل بإعطاء الرسول - صلى الله عليه وسلم - لهم ، وأبي بكر - رضي الله عنه - ، فقال : " ... وقد أعطاهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وأعطاهم أبو بكر رحمه الله ، ومنعهم عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ... " إهـ (5) .
5- يستدل بأقوال أئمة المذهب الإباضي :
وسأكتفي بذكر مثال واحد ، وهو ترجيحه لضم البر إلى الشعير في الزكاة قياسا على الذهب والفضة ، وقد اعتمد في ذلك على قول الإمام أبي عبيدة ، وقد تحدثت عن ذلك سابقا ، عند حديثي عن أخذه بالقياس (6) .
5- يستدل بالعقل :
__________
(1) ***- أنظر ص344 .
(2) ****- ذكرت سابقا أني لم أجد تخريجه ، أنظر ص327 .
(3) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص104 .
(4) - المصدر السابق ، ص130 .
(5) - المصدر السابق ، ص139 .
(6) *- أنظر ص346 . (2/48)
صفحة 549
يظهر استدلاله بالعقل من مناقشته لمخالفيه في مسألة هل الاغتسال من الجنابة شرط في صحة الصيام ؟ قال - بعد أن استدل بالنصوص القرآنية - : " ... قلنا لهم : أرأيتم فقيهين اختلفا لرجلين ، فقال أحدهما : إذا اغتسلت ليلا أجزاك ، وإذا أخرت إلى الصبح لا يضرك ، وقال الآخر : إن اغتسلت ليلا أجزاك ، وإذا توانيت إلى الصبح أبطلت صومك ، وليس لك صوم ، أليس الوثاقة أن يحتاط لنفسه ، ويأخذ بالذي اجتمعا عليه أنه مجز ! " إهـ (1) .
6- يستدل بالآثار ، وبعض الأمثال :
فمن الآثار التي استدل بها قوله : " ... يقال : إن مناديا ينادي يوم القيامة : " ألا من كان له أجر على الله فليقم إلى أجره فليأخذه " فيقال : " من هذا الذي له على الله أجر ؟ " ، فيقال : " من عفا وأصلح " ... " (2) إهـ (3) ؛ ومن الأمثال قوله : " واحدة بواحدة ، والبادئ أظلم " (4) .
(5)- نماذج من مخالفته لغيره :
لقد بلغ الشيخ عمروس من العلم درجة سامقة ، فقد كان عالما مجتهدا ، فليس بغريب أن يخالف غيره من العلماء في بعض المسائل ؛ والمتتبع لكتابه الدينونة يلاحظ ذلك بوضوح ، وسأذكر بعض الأمثلة على ترجيحاته ومخالفته لغيره :
1- الشيخ عمروس يرى أن التيمم هو التعمد إلى التراب ، وليس المسح كما يرى بعض العلماء ، فقال : " وبعض الناس يرى التيمم هو المسح بنفسه ، وليس هو من المسح ولكنه التعمد إلى التراب ... " إهـ ، وقد ذكرت مناقشته لهذه المسألة سابقا (5) .
__________
(1) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص105 .
(2) **- لا أدري هل هذا الأثر حديث نبوي ، أم أنه أثر عن أحد الصالحين ، أو عن الأنبياء السابقين ، لم أجد تخريجه ، فالله أعلم به .
(3) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص134- 135 .
(4) - المصدر السابق ، ص135 .
(5) *- أنظر ص323 . (2/49)
صفحة 550
2- يرى الشيخ عمروس أن الوتر ركعة واحدة ، خلافا لمن يقول أنه ثلاث ركعات ، فقال : " ... ومن الناس من يقول : الوتر ثلاث ركعات لا يفصل بينهم بتسليم ، والمعمول بع عندنا ركعة " إهـ (1) .
3- يرى أن الأذنين من الرأس ، فيمسحان معه في الوضوء ، فقال : " وسن مسح الأذنين مع الرأس مقدمهما ومؤخرهما . وقال بعضهم مقدم الأذنين من الوجه ومؤخرهما من الرأس . والمعمول به عندنا أنهما من الرأس " إهـ (2) .
4- يذهب الشيخ عمروس إلى أنه من كان جنبا ولم يجد ماء ، فتيمم وصلى ، ثم وجد الماء ، فإنه لا يعيد صلاته التي صلاها بالتيمم ، ويظهر ذلك من قوله : " ... فإذا وجدت الماء اغتسل من جنابتك ، ولا تعد ما مضى من صلاتك " إهـ (3) .
5- ذكرت سابقا أن الشيخ عمروس يرى ضم البر إلى الشعير والعكس في الزكاة ، قياسا على الذهب والفضة (4) .
6- يرجح أن الحج والعمرة فريضتان ، خلافا لمن ذهب إلى أن العمرة نافلة ، وقد أشرت إلى هذه المسألة سابقا (5) .
هذه بعض الأمثلة على ترجيحات الشيخ عمروس ، ومخالفته لغيره من العلماء ، ولم أستوعب كل ترجيحاته ، ولكن ذكرت بعضها من باب التمثيل ، فمن أراد المزيد فهي مبثوثة في كتابه " الدينونة الصافية " .
__________
(1) - عمروس ، الدينونة الصافية ، ص91 .
(2) - المصدر السابق ، ص92 .
(3) - المصدر السابق ، ص94 .
(4) **- أنظر ص346 .
(5) ***- أنظر ص350 . (2/50)
صفحة 551
وبهذا ينتهي هذا الفصل ، وبه ينتهي هذا البحث المتواضع ، والحمد لله ، وقد حاولت فيه - أي في هذا الفصل الأخير - إماطة اللثام عن منهج الشيخ عمروس الفقهي والعقائدي من خلال كتابه " أصول الدينونة الصافية " ، وأعترف بالتقصير وعجزي عن الإحاطة بمنهج هذا الإمام الجليل ، ولكن هي تظل محاولة لسبر أغوار منهج إمام من أئمة المذهب الإباضي ، الذين لم ينالوا حظهم من الدراسة والبحث ، لإخراج مآثرهم إلى النور ؛ وإن كنت أعترف أني لم أستطع تجاوز شطآن هذا البحر الخضم ، المتلاطم الأمواج ، بل وقفت حائرا مشدوها أمام عظمته ، وتبحره في العلم ، فعسى أن يقيض الله تعالى للشيخ عمروس من الباحثين الذين يكملون ما بدأت ، وبداية الغيث قطرة ... .
الخاتمة
إذن وبعد تجوال في ثنايا هذا البحث ، فإن أهم ما تناوله هذا البحث :
الشيخ عمروس هو عمروس بن فتح المساكني النفوسي ، ويكنى بأبي حفص ، ولقب بالمساكني لأنه من أهل " مساكن " ، ولقب بالنفوسي لأن نسبه ينتمي إلى قبيلة " نفوسة " البربرية ، التي نسب الجبل الغربي لطرابلس إليها في ليبيا ؛ وقد ولد في سنة 190هـ ، في قافلة كانت متوجهة إلى الديار المقدسة لأداء مناسك الحج ، مما اضطر أمه إلى العودة به وعدم مواصلة الطريق ؛ ونشأ في قرية " قطرس " من جبل نفوسة ، وهناك من نسبه إلى قرية " مساكن " ، وهناك من نسبه إلى قرية " تملوشايت " ، وهناك من نسبه إلى قرية " ويغو " . (2/51)
صفحة 552
الظاهر أن الشيخ عمروس نشأ يتيما ، وذلك أن أمه لما حضرتها الوفاة ، كتبت وصيتها وأشهدت عليها ، ولما سئلت عمن وكلته لإنفاذها ، أشارت إلى الشيخ عمروس وهو في المهد لإنفاذها ، فلو كان أبوه حيا لأوكلت تنفيذ الوصية إليه بدلا من طفل لا يزال في المهد ، والظاهر أن أبا الشيخ عمروس كانت وفاته في الفترة من حمل أم الشيخ عمروس به إلى نهاية مدة الرضاع ، وهي عامان على الصحيح في مدة الرضاع ، والاحتمال الأكبر أن تكون وفاته في الأشهر الأولى من ولادة الشيخ عمروس .
عاصر الشيخ عمروس خمسة أئمة من أئمة الدولة الرستمية وهم : الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن ، والإمام أفلح بن عبد الوهاب ، والإمام أبو بكر بن أفلح، والإمام أبو اليقظان محمد بن أفلح ، والإمام أبو حاتم يوسف بن محمد بن أفلح .
اتسم عهد الإمام عبد الوهاب بالعدل والرقي ونشر الأمن في ربوع الدولة الرستمية ، والقضاء على كل من أراد الإخلال بأمن البلاد ووحدتها ، وأرسل في أطراف دولته ودواخلها أوامره الشديدة بامتثال الأوامر واجتناب المناهي الشرعية ، ورتب الحكام والعمال والقضاة ورجال الشرطة في سائر أنحاء دولته ، فعمهم عدله وشملهم حكمه ، ولم ينقم عليه أحد شيئا في أحكامه وسيرته .
وأما عهد الإمام أفلح يعتبر العهد الذهبي للدولة الرستمية ، فقد تميزت الدولة في عصره بالقوة والازدهار والشباب .
وقد اتسم عهد الإمام أبي بكر بالضعف ، فلم يكن كعهد الأئمة السابقين ، فكثرت فيه الفتن والحروب .
بدأ عهد جديد للدولة الرستمية من سنة 268هـ - تحت ظل الإمام أبي اليقظان - تميز بالقوة والرقي والحضارة في مختلف الجوانب .
تميز عهد الإمام أبي حاتم بكثرة الحروب والفتن ، وفي عهده وقعت معركة مانو 283هـ ، ولكن هذا الإمام بعد حروب طويلة استطاع توحيد البلاد والقضاء على الفتن ، والرقي بالدولة الرستمية . (2/52)
صفحة 553
إن جغرافية الدولة الرستمية التي ينتمي إليها الشيخ عمروس كان لها تأثير كبير على الرخاء الاقتصادي الذي تميزت به الدولة الرستمية ، حيث أنها تميزت بالتنوع في طبيعتها والاختلاف في مناخها ، فكانت تضم الأراضي الخصبة الصالحة للزراعة التي تتميز بكثرة المطار ، وكانت تضم الأراضي الواسعة الصالحة للرعي وتربية المواشي ، وكذلك كانت تحوي الصحاري الشاسعة التي كانت تمر خلالها القوافل التجارية إلى مختلف البلدان ، كذلك كانت تتميز بوجود الأنهار التي كان لها دور في ازدهار الزراعة ، وكان وقوع الدولة الرستمية على البحر المتوسط له دور في الاتصال ببلاد الأندلس وتبادل التجارة معها .
لقد عاش الشيخ عمروس في الفترة ما بين سنة 190هـ و 283هـ ، أي في أواخر القرن الثاني الهجري وأغلب القرن الثالث الهجري ، والقرنان الثاني والثالث الهجريان يمثلان فترة ازدهار ونهوض في الحركة العلمية عند المسلمين في مختلف ميادين العلم سواء في المشرق أو المغرب ، وقد برز في تلك الفترة الكثير من العلماء في شتى ميادين العلم سواء العلوم النقلية من تفسير وحديث وفقه ولغة ... إلخ ، أو العلوم العقلية من طب وهندسة وفلسفة ورياضيات ... إلخ .
كان الشيخ عمرس رحمه الله تعالى ، علما من أعلام الإسلام ، وإماما من أئمة الدين ، تبحر في العلوم حتى أصبح يعد أعلم أهل زمانه ، وجاهد في سبيل الله حتى مات شهيدا في سبيله ، وكان ضابطا حافظا ، وكان قويا في الحق لا تأخذه في الصدع به لومة لائم ، وكان فارسا صمصاما لا يشق له غبار ، تعجز عن مقارعته الأبطال ، وكذلك كان شغوفا بطلب العلم والبحث فيه ، فانقطع لمدة عشرين عاما في تيهرت يطلب العلم عند أئمة وعلماء الدولة الرستمية ، وكان حكيما في الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
يبدو أن الشيخ عمروس كانت حالته المادية ميسورة ، فكان دون الأغنياء الكبار ، وأفضل من الفقراء الضعاف . (2/53)
صفحة 554
المصادر لا تذكر الكثير عن أسرة الشيخ عمروس ، ولكنه كان متزوج ، وترك بعض الأولاد ، وكان له أخ لم تذكر المصادر اسمه ، وكان له أخت عالمة ، لها بعض المآثر ، وأسرت في معركة مانو ضد الأغالبة ، ومصيرها بعد ذلك مجهول .
ذكرت المصادر وكتب التاريخ الإباضي وجود ثلاث شخصيات - غير الشيخ عمروس - تسمت باسم عمروس ، اثنتان من المغرب والثالثة من الأندلس .
لعل الشيخ عمروس بدأ بتلقي العلم في قريته " قطرس " التي نشأ وترعرع فيها ، وللأسف الشديد فإن المصادر تبخل في ذكر أسماء شيوخه ، الذين تلقى عنهم العلم في هذه المرحلة الأولى من تعليمه ، فلم أجد حسب المصادر التي توفرت بين يدي إشارة إلى ذلك .
وبخصوص مراحل تعليمه التي تلت المرحلة الأولى أو الابتدائية ، فقد ذكرت بعض المصادر أن الشيخ عمروس هاجر إلى المغرب لطلب العلم ، وانقطع لمدة عشرين سنة في المغرب طلبا للعلم ، وذكر بعض الباحثين أن المقصود بالمغرب هو " تيهرت " العاصمة الرستمية ، إلا أن بعض الباحثين ذهب إلى أن المقصود بالمغرب هو " بلاد الجريد " حاليا ؛ ولا يستبعد أن يكون المقصود بالمغرب هو " تيهرت " ، حيث أن تيهرت - كما ذكر الباحث أحمد كروم - كانت مقصد طلاب العلم ومريديه ، وذلك لوجود الأئمة وكبار العلماء فيها .
الظاهر أن الشيخ عمروس تتلمذ في تيهرت على يد الإمام عبد الوهاب والإمام أفلح ، وعلماء تيهرت في ذلك العصر ، وإن كان المقصود بالمغرب وارجلان ، فلعله درس على يد العالمين أبي سهل الفارسي النفوسي ، وأبي يوسف يعقوب بن سليوس الطرفي السدراتي ، حيث أنهما كانا من علماء القرن الثالث الهجري في وارجلان ، وهو القرن الذي عاش فيه الشيخ عمروس ، ولم يكتف بما تلقاه من العلم في المغرب ، بل استمر في طلب العلم في جبل نفوسة . (2/54)
صفحة 555
من مشائخ الشيخ عمروس الذين ثبت تلقيه العلم عنهم ، والتقائه بهم ، عالمان جليلان من علماء أهل الحق والاستقامة ، وهما العلامة أبو غانم بشر بن غانم الخرساني ، صاحب المدونة المشهورة ، التقى به في جبل نفوسة ، والعلامة أبو عبد الله محمد بن محبوب بن الرحيل القرشي ، التقى به في مكة .
قام الشيخ عمروس وأخته بنسخ مدونة أبي غانم الخرساني ، وبفضل قيام الشيخ عمروس وأخته - بتوفيق من الله - بنسخ مدونة أبي غانم ، حفظت هذه المدونة الثمينة التي تقع في اثنى عشر جزءا من الضياع ، إذ أن النسخة التي أهداها الإمام أبو غانم للإمام أفلح احترقت مع ما احترق من كتب الإباضية ، حين أحرق أبو عبدالله الشيعي مكتبة المعصومة لما عاث فسادا في تيهرت والله المستعان .
الملاحظ أن المصادر القديمة لم تصرح باشتغال الشيخ عمروس بالتدريس وتكوين طلبة العلم ، ولكن يمكن استشفاف اهتمام الشيخ عمروس بالتدريس من خلال النصوص التي أوردتها تلك المصادر القديمة ، وإن كان الأمر يظل مجرد احتمال ، وأما المصادر الحديثة فقد صرح بعضها باشتغال الشيخ عمروس بالتدريس ، فممن صرح بذلك الشيخ عبد الرحمن بكلي حين قال : " وقف حياته على العلم تحصيلا وتأليفا وتدريسا ... " إهـ .
لقد تبوأ الشيخ عمروس مكانة علمية سامقة ، حتى عد أعلم أهل زمانه ، وأصبح مقصد الوراد ، ومن يحتج بفتاويه وأحكامه ، وقد أثنى على الشيخ عمروس الكثير من فطاحلة العلماء من المتقدمين ومن المعاصرين .
كان للشيخ عمروس جهودا دعوية بارزة ، فمن جهوده الدعوية مناظراته لأصحاب المعتقدات الفاسدة ، والأهواء المنحرفة ؛ ومنها قيامه ببناء مسجد في قريته قطرس ؛ واهتمامه بتجميع نفائس الكتب ، ونسخها ؛ وقيامه بإرسال عالم كبير إلى بلاد السودان ، لعله لتعليم أهلها أمور دينهم ونشر الإسلام ؛ قيامه بالخروج إلى البادية ، فلعله كان يخرج لنشر الدعوة وتعليم القاطنين في تلك البوادي ، والأقفار . (2/55)
صفحة 556
ذكرت المصادر وجود بعض المؤلفات التي تنسب إلى الشيخ عمروس ، فمن مؤلفاته كتاب " العمروسي " ، وكتاب " أصول الدينونة الصافية ، وكتاب " الحكم والمعارف " ، وكتاب " أعلام الملة " ، وكتاب " عمروس بن فتح " ، وكتابان في الأصول والفقه ، وكتاب في " الرد على الناكثة وأحمد بن الحسين " ، وقد أراد الشيخ عمروس - رحمه الله - أن يؤلف كتابا يقسمه على ثلاثة أوجه : التنزيل والسنة والرأي ، مضمنا كل قسم ما يتعلق به من مسائل ، إلا أن المنية داهمته قبل إتمام مشروعه .
لقد ذكرت المصادر عدة نصوص ، تضمنت بعض فتاوى الشيخ عمروس في بعض المسائل وترجيحه فيها ، والذي يظهر من ترجيحات الشيخ عمروس ، سواء من خلال تلك المسائل المبثوثة في بطون كتب المذهب الإباضي ، أو من خلال المسائل المختلفة التي أوردها في كتابه " الدينونة الصافية " أنه غير مقلد بل مجتهد ، يعتمد على نفسه في ترجيح الأقوال .
من خلال بعض النصوص يتبين تصدي الشيخ عمروس لمناظرة بعض أصحاب العقائد المنحرفة ، الذين دأبوا على نشرها بين العوام ، ففتنوهم في دينهم ، فانبرى لهم الشيخ عمروس ، وتكفل بقمع فتنهم ، وأراح المسلمين من شرورهم .
تولى الشيخ عمروس منصب القضاء على جبل نفوسة في عهد إمامين من أئمة الدولة الرستمية ، وهما الإمام أبو اليقظان محمد بن أفلح ، والإمام أبو حاتم يوسف بن محمد بن أفلح ، حيث كلفه أبو منصور الوالي على جبل نفوسة بتولي منصب القضاء ، وقد كان مثالا للقاضي العادل العالم ، المتمكن من هذا المنصب الخطير . (2/56)
صفحة 557
كان سبب موقعة " مانو " هو رغبة العباسيين في القضاء على الدولة الرستمية ، حيث أنها في عهد الإمام أبي حاتم بلغت مبلغا عظيما قض مضجع العباسيين في بغداد ، فقام العباسيون بإرسال جيش إلى المغرب بقيادة إبراهيم بن الأغلب ، فلما قرب من طرابلس ، سمع به أهل نفوسة ، فاجتمعوا ، وتشاوروا في الأمر ، فاتفقوا على ألا يتركوه وما يريد من الجواز إلى تيهرت ، دون أن يقاتلوه ، ويمنعوه من تحقيق رغبته الظالمة في القضاء على دولتهم .
وقعت معركة قوية طاحنة بين أهل نفوسة والأغالبة ، في مانو في سنة 283هـ ، أسفرت عن هزيمة أهل نفوسة وقتل الكثير منهم ، وكانت هذه الهزيمة السبب المباشر لسقوط الدولة الرستمية بعد ذلك على بد أبي عبد الله الشيعي ؛ وذلك أن أهل نفوسة كانوا هم العمود الفقري للدولة الرستمية .
كان الشيخ عمروس - رحمه الله - من ضمن من استشهد في هذه المعركة ، بعد أن أبلى فيها بلاء حسنا ، حيث وقع في الأسر ، فقام الأغالبة بقتله بطريقة بشعة لا يقوم بها مؤمن بالله حق الإيمان ، فالله المستعان ، وعند الله تجتمع الخصوم . (2/57)
صفحة 558
لقد تم طباعة كتاب " أصول الدينونة الصافية " بتحقيق الباحث أحمد كروم من قبل وزارة التراث والثقافة بسلطنة عمان ، في سنة 1420هـ / 1999م ، والكتاب حسب - طبعة وزارة التراث الوحيدة - من الحجم المتوسط ؛ وقد أثبت الباحثون من المؤرخين والمحققين نسبت كتاب " أصول الدينونة الصافية " إلى الشيخ عمروس ، والعنوان الصحيح لكتاب الدينونة هو " أصول الدينونة الصافية " ، وأنه من وضع النساخ الذين نقلوه من عبارة الشيخ عمروس في كتابه ، وقد أشار الشيخ عمروس بنفسه إلى سبب تأليفه للكتاب ، فقال : " وذكرت قول أهل الحق ، وأردت أن أقصد بكتابي إلى بعض أمور تكون فيها الحاجة مما كلف الله به العباد ... " إهـ ؛ والظاهر أن الشيخ عمروس اعتمد في تأليفه لكتابه الدينونة على ما تلقاه من علم على يد مشايخه الذين تتلمذ عليهم ، والذي يوحي بذلك بعض العبارات ذكرها في ثنايا الدينونة ، وكتاب الدينونة له أهمية وقيمة علمية عالية .
الملاحظ أن الشيخ عمروس افتتح كتابه بمسائل أصول الدين ( العقيدة ) ، وبعد أن أنهى مسائل أصول الدين أتبعها بالمسائل المتعلقة بالعبادات ، والملاحظ أنه لم يقسم كتابه إلى أبواب وفصول ، كما هو متبع في المؤلفات المعاصرة ، وإنما يبدأ مباشرة بطرح المسائل العقدية التي يرغب في مناقشتها وتحليلها ، مع التنبيه على ما يريد طرحه من مسائل .
يمكن تقسيم المواضيع التي تناولها في قسم العقيدة إلى ثلاثة أقسام ، وهي كالتالي : القسم الأول : المعاملة بين المسلمين ، ومعاملة الكفار والمنافقين القسم الثاني : الرد على المخالفين ( الصفرية ، والمعتزلة ، والسبئية ) القسم الثالث : ما يسع جهله وما لا يسع جهله .
تناول الشيخ عمروس في كتابه الدينونة العديد من مسائل أصول الدين ، والملاحظ أن الشيخ عمروس تناول جانبين من جوانب الفقه ، وهما فقه الطهارات ، وفقه المعاملات في كتابه الدينونة . (2/58)
صفحة 559
الشيخ عمروس في كتابه الدينونة يستدل بالقرآن الكريم وبالسنة وبالإجماع وبأقوال العلماء وبالعقل ، ويلاحظ أنه يقوم بتفسير الآيات القرآنية التي يتعرض لها في كتابه ، وقد تميز الشيخ عمروس باستخدام بعض المصطلحات الخاصة في كتابه الدينونة ، واتسم منهج الشيخ عمروس في الينونة بالرد على مخالفيه ، ومناقشة الأقوال ، وكان شديدا عليهم ، والملاحظ أنه لم يهمل جانب اللغة في كتابه الدينونة .
الظاهر أن الشيخ عمروس يرى أن الأمر والنهي في القرآن يفيد الوجوب ، ويرى أن السنة مبينة لمجمل القرآن ، ويستدل بالسنة ، والملاحظ أنه لا يذكر السند ، ويأتي ببعض الأحاديث بالمعنى .
الملاحظ أنه يستخدم بعض القواعد الأصولية في كتابه الدينونة كالقياس ، والعموم والخصوص ، وغيرها .
الشيخ عمروس مجتهد ، غير مقلد ، وهذا ظاهر من ترجيحاته في الكثير من المسائل التي جاء بها في الدينونة .
هذه أهم النقاط التي تناولها هذا البحث ، الذي أرجو أن يكون مفيدا لكل من يقرأه ، وقد حاولت في هذا البحث أن أقدم كل ما أستطيع ، فلم أبخل عليه بشيء من جهدي العقلي والجسدي والمادي ، وذلك رغبة مني في خدمة أمتي الإسلامية بتقديم عمل يتناول حياة ومنهج إمام جليل من أئمتها ، وهو الشيخ عمروس رحمه الله تعالى ، وأود التنبيه على بعض التوصيات سائلا المولى القدير أن يقيض من يتولى تنفيذها على أرض الواقع ، وأهم هذه التوصيات : (2/59)
صفحة 560
1- لقد ترك لنا الشيخ عمروس - رحمه الله - تراثا ضخما ومؤلفات عديدة ، بعضها مفقود ، عسى الله تعالى أن يقيض له من يكتشف مكانه ، وبعضها وجد ، ومما وجد من مؤلفاته كتاب " أصول الدينونة الصافية " ، وكتاب " الرد على الناكثة وأحمد بن الحسين " ، فأما كتاب الدينونة فقد حقق وطبع ، إلا أنه بالرغم من ذلك يحتاج إلى مزيد من الخدمة ، فإن ما احتواه جدير بأن يتناوله العلماء والباحثون بالشرح والدراسة ؛ وأما كتاب " الرد على الناكثة وأحمد بن الحسين " فإنه لا يزال مخطوطا ويحتاج إلى من يتولى تحقيقه وطبعه ، لتستفيد منه الأجيال .
2- إن تراث علمائنا وسيرهم هي في أمس الحاجة إلى من يسلط عليها الضوء ويميط عنها اللثام ، فكم من أئمتنا وعلمائنا من هم على شاكلة الشيخ عمروس ، وينتظرون من يزيل عنهم غبار الزمن وتجاهل الأيام .
3- أرجو من الجهات المختصة في بلادنا الحبيبة سلطنة عمان أن تنشأ دارا خاصة لتحقيق ودراسة تراثنا الإسلامي عامة والإباضي خاصة ، وتدعمه بكل الإمكانيات اللازمة ، وتعين المتخصصين في دراسة التراث الإباضي العالمين به من أبناء هذا البلد العريق ، فأهل مكة أدرى بشعابها ، ولا يمنع من القيام بإرسالهم إلى الخارج للدراسة ونيل الخبرة في كيفية التعامل مع المخطوطات والآثار .
4- أرجو من الجهات المختصة ، ومن أصحاب الأيدي الخيرة القيام بطباعة كتب ومؤلفات علماء المذهب الإباضي ، طباعة جيدة محققة سليمة ، وذلك محافظة على تراث علمائنا من الضياع والاندثار ، فكفانا ما ضاع منه ، كذلك القيام بطباعتها على أقراص مدمجة تسهيلا للقارئ حملها أينما ذهب ، وإعانة لنشرها على مواقع شبكة المعلومات العالمية ( الإنترنت ) المختلفة .
5- أوصي بإنشاء موقع خاص على شبكة المعلومات العالمية ( الإنترنت ) يهتم بتسليط الضوء على سير أئمة وعلماء الإباضية ، ومؤلفاتهم وتراثهم . (2/60)
صفحة 561
6- أحث الشباب على طلب العلم والاجتهاد فيه ، والاهتمام بسير ومؤلفات علمائنا ، والعناية كل العناية بدراستها وتحقيقها ، وطباعتها الطباعة الجيدة السليمة ، فنكون بذلك خير خلف لخير سلف .
هذه هي أهم التوصيات التي تختلج في صدري وتدور في خلدي ، سائلا المولى القدير أن يجعل هذا العمل المتواضع في ميزان حسناتي ، وأن ينفع به الأمة الإسلامية وطلاب العلم ، وأسأله تعالى أن يغفر ذنوبي وتقصيري ، فإن أصبت بهذا العمل فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ، وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان ، فأستغفر الله وأتوب إليه من كل الذنوب ، ما علمت منها وما لم أعلم ، أستغفره من ذنوب الليل ذنوب النهار ، ذنوب السر ذنوب العلن ، { رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي } (1) ، { رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ } (2) ، { رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ } (3) ، { رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ } (4) .
وآخر دعوانا أن { الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } (5) ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، والصلاة والسلام على النبي الأمين ، وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين .
مهنا بن راشد بن حمد السعدي
مسقط
ليلة الأربعاء 7 من ربيع الأول 1424هـ
__________
(1) - سورة القصص ، من الآية : 16 .
(2) - سورة الأعراف ، من الآية : 23 .
(3) - سورة البقرة ، من الآية : 286 .
(4) - سورة البقرة ، من الآية : 201 .
(5) - سورة الفاتحة ، الآية : 2 . (2/61)
صفحة 562
7 من مايو 2003م
abujaifar@hotmail.com
فهرس المصادر والمراجع
المسلسل ... المصدر
1 ... إبراهيم بحاز، الدولة الرستمية، جمعية التراث، القرارة، الجزائر، ط2 1414هـ / 1993م.
2 ... إبراهيم بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، ج1، ج2، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، ط2: 1421هـ / 2000م.
3 ... إبراهيم مصطفى وآخرون، المعجم الوسيط، ج1، 2، المكتبة الإسلامية، استانبول، تركيا.
4 ... أبو القاسم بن إبراهيم البرادي، الجواهر (مخ).
5 ... أبو القاسم بن حوقل النصيبي، كتاب صورة الأرض، دار مكتبة الحياة، بيروت، لبنان، 1992م.
6 ... أبو بكر جابر الجزائري، عقيدة المؤمن، مكتبة العلوم والحكمة، المدينة المنورة، ط4: 1419هـ / 1998م.
7 ... أحمد بن أبي يعقوب بن واضح اليعقوبي، كتاب البلدان، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، ط1: 1408هـ / 1988م.
8 ... أحمد بن الحسين البيهقي، السنن الكبرى، ت: محمد عبد القادر عطا، ج1، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط1: 1414هـ / 1994م.
9 ... أحمد بن حمد الخليلي، فتاوى النكاح، الكتاب الثاني، مطابع النهضة، مسقط، سلطنة عمان، ط1: 1423هـ/ 2002م.
10 ... أحمد بن سعيد الدرجيني (أبو العباس)، كتاب طبقات المشائخ بالمغرب، ت: إبراهيم طلاي، ج1، ج2.
11 ... أحمد بن سعيد بن عبد الواحد الشماخي، السير، ت: محمد حسن، كلية الآداب العلوم الإنسانية والاجتماعية - تونس، شركة أوربيس للطباعة - تونس، 1995.
12 ... أحمد بن سعيد بن عبد الواحد الشماخي، كتاب السير، ت: أحمد بن سعود السيابي، ج1، ج2، وزارة التراث والثقافة، مسقط، سلطنة عمان، 1407هـ / 1987م.
13 ... أحمد بن شعيب النسائي، سنن النسائي، ج1، 5، 7، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان. (2/62)
صفحة 563
14 ... أحمد بن علي بن حجر العسقلاني ( أبو الفضل ) ، فتح الباري شرح صحيح البخاري ، ج1 ، 2 ، 3 ، 4 ، 8 ، 10 ، 12 ، ط3 : 1421هـ / 2000م ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، لبنان .
15 ... أحمد بن علي حجر العسقلاني ( أبو الفضل ) ، تهذيب التهذيب ، ج1 ، 2 ، 3 ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت ، لبنان ، ط1 : 1412هـ / 1991م .
16 ... أحمد بن محمد الهمداني ابن الفقيه ( أبو بكر ) ، مختصر كتاب البلدان ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت ، لبنان ، ط1 : 1408هـ / 1988م .
17 ... أحمد بن محمد بن حنبل ، كتاب العلل ومعرفة الرجال ، ج3 ، ت : وصي الله عباس ، المكتب الإسلامي ، بيروت ، لبنان ، ط1 : 1408هـ/ 1988م .
18 ... إسماعيل بن إبراهيم الجعفي البخاري (أبو عبد الله ) ، كتاب التاريخ الكبير ، ج1 القسم الثاني ، ج4 القسم الأول ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، لبنان .
19 ... إسماعيل بن كثير القرشي الدمشقي ، تفسير القرآن العظيم ، ج2 ، دار المعرفة ، بيروت ، لبنان ، ط1 : 1407هـ / 1987م .
20 ... إسماعيل بن موسى الجيطالي ( أبو طاهر ) ، كتاب قواعد الإسلام ، ج1 ، ت : بكلي عبد الرحمن بن عمر ، مكتبة الاستقامة ، مسقط ، سلطنة عمان ، ط2 : 1413هـ / 1992م .
21 ... أطلس العالم الصحيح ، مجموعة من أساتذة الجغرافيا والتاريخ ، دار مكتبة الحياة ، بيروت ، لبنان .
22 ... ألفرد بل ، الفرق الإسلامية في الشمال الأفريقي من الفتح العربي حتى اليوم ، ترجمه عن الفرنسية : عبد الرحمن بدوي ، دار الغرب الإسلامي ، بيروت ، لبنان ، ط 3 : 1987م .
23 ... ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ت : د/ محمد صالح ناصر و إبراهيم بحاز ، دار الغرب الإسلامي ، بيروت ، لبنان ، 1406هـ / 1986م .
24 ... ابن عذارى المراكشي ، البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب ، ج1، ت : كولان و بروفنسال ، دار الثقافة - بيروت - لبنان ، ط3 1983م . (2/63)
صفحة 564
25 ... بشر بن غانم الخرساني ، المدونة الكبرى ، ج1 ، ترتيب : القطب اطفيش ، نشر وزارة التراث القومي والثقافة ، سلطنة عمان ، ط2 : 1984م .
26 ... بكير بن سعيد أعوشت ، دراسات إسلامية في الأصول الإباضية ، المطابع العالمية ، روي ، سلطنة عمان ، ط4 :1409هـ .
27 ... تاديوس ليفيتسكي ، المؤرخون الإباضيون في إفريقيا الشمالية ، ترجمة : ماهر جرار ، وريما جرار ، دار الغرب الإسلامي ، بيروت ، لبنان ، ط1 : 2000م .
28 ... جمال الدين محمد بن مكرم ابن منظور الإفريقي المصري ( أبو الفضل ) ، لسان العرب ، ج1 ، 3 ، 7 ، 11 14 ، دار صادر ، بيروت ، لبنان ، ط1 : 2000م .
29 ... جناو بن فتى وعبد القاهر بن خلف ، أجوبة علماء فزان ، تحقيق : د/ عمرو خليفة النامي ، و أبراهيم محمد طلاي ، مطابع دار البعث ، قسطنطينة .
30 ... حسين عبيد غانم غباش ، عُمان الديمقراطية الإسلامية تقاليد الإمامة والتاريخ السياسي الحديث ( 1500- 1970 ) ، ط1 : 1997م ، دار الجديد ، بيروت ، لبنان .
31 ... حسين مؤنس ، معالم تاريخ المغرب والأندلس ، مؤسسة المعارف للطباعة والنشر ، بيروت ، لبنان ، ط1 1397هـ / 1977م .
32 ... الربيع بن حبيب الأزدي ، الجامع الصحيح ، مكتبة مسقط ، مسقط ، سلطنة عمان ، ط1 : 1415هـ/ 1994م .
33 ... سالم بن حمد بن سليمان الحارثي ، العقود الفضية في أصول الإباضية ، لا توجد سنة طبع ، ولا اسم المطبعة .
34 ... سالم بن حمود السيابي ، عمان عبر التاريخ ، ج1، 2 ، المطبعة الشرقية ، سلطنة عمان ، وزارة التراث القومي والثقافة ، سلطنة عمان ، رقم الإيداع : 241/95 .
35 ... سالم بن يعقوب ، تاريخ جزيرة جربة ، دار الجويني للنشر ، تونس ، 1406 هـ / 1986م .
36 ... سعد زغلول عبد الحميد ، تاريخ المغرب العربي ، ج2 ، منشأة المعارف ، الاسكندرية ، مصر .
37 ... سعيد بن مبروك القنوبي ، الإمام الربيع بن حبيب مكانته ومسنده ، مكتبة الضامري ، السيب ، سلطنة عمان ، ط1 : 1416هـ/ 1995م . (2/64)
صفحة 565
38 ... سعيد بن مبروك القنوبي ، السيف الحاد ، مطابع النهضة ، مسقط ، سلطنة عمان ، ط3 : 1418هـ .
39 ... سليمان الباروني ( أبو الربيع ) ، مختصر تاريخ الإباضية ، [ اسم دار النشر غير مكتوب ] .
40 ... سليمان بن الأشعث السجستاني الأزدي ( أبو داود ) ، كتاب السنن ، ج1 ، ط1 : 1421 هـ / 2000م ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت ، لبنان .
41 ... سليمان بن عبد الله الباروني ( باشا ) ، كتاب الأزهار الرياضية في أئمة وملوك الإباضية ، ج2 ، دار بوسلامة ، تونس .
42 ... السيد عبد العزيز سالم ، المغرب الكبير ، ج2 ، دار النهضة العربية ، بيروت ، لبنان ، 1981م .
43 ... السير والجوابات لعلماء وأئمة عمان ، ج1 ، ج2 ، طبعة وزارة التراث القومي والثقافة ، سلطنة عمان ، ت : د/ سيدة كاشف .
44 ... سيف بن حمود البطاشي ، إتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عمان ، ج1 ، المطبعة الوطنية ، روي سلطنة عمان ، ط2: 1419هـ/ 1998م .
45 ... صالح بن أحمد ألبوسعيدي ، رواية الحديث عند الإباضية ، ط1: 1420هـ / 2000م ، [ اسم دار النشر غير مكتوب ] .
46 ... عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي ، بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة ، ج1 ، ت : محمد أبو الفضل إبراهيم ، دار الفكر ، بيروت ، لبنان ، ط2 : 1399هـ / 1979م .
47 ... عبد الرحمن بن خلدون ، تاريخ ابن خلدون المسى كتاب العبر وديوان المبتدا والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر ، ج6 ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، لبنان ، ط1 1413هـ / 1992م .
48 ... عبد الرزاق بن همام الصنعاني ، المصنف ، ج4 ، ت : حبيب الرحمن الأعظمي ، منشورات المجلس العلمي .
49 ... عبد الستار عز الدين الراوي ، ثورة العقل ، دراسة فلسفية في فكر معتزلة بغداد ، دار الرشيد للنشر ، بغداد ، 1982م .
50 ... عبد القاهر بن طاهر البغدادي الاسفرائيني ، الفرق بين الفِرق ، ت : محمد محيي الدين عبد الحميد ، المكتبة العصرية ، بيروت ، لبنان ، 1411هـ / 1990م . (2/65)
صفحة 566
51 ... عبد الله بن حمدان الدهماني ، محددات السلوك الإنساني والتنظيمي ( رسالة ماجستير ) ، مطابع النهضة ، مسقط ، سلطنة عمان ، ط1 : 1420هـ / 1999م .
52 ... عبد الله بن حميد السالمي ، اللمعة المرضية من أشعة الإباضية ، وزارة التراث والثقافة ، مسقط ، سلطنة عمان ، ط2 : 1983م .
53 ... عبد الله بن حميد السالمي ، تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان ، ج1 ، مكتبة الاستقامة ، روي ، سلطنة عمان ، 1417هـ/ 1997م .
54 ... عبد الله بن حميد السالمي ، جوهر النظام في علمي الأحكام والأديان ، ج2 ، 3 ، مطبعة الألوان الحديثة ، سلطنة عمان ، ط11 : 1410هـ / 1989م .
55 ... عبد الله بن حميد السالمي ، شرح الجامع الصحيح ، ج1 ، المطابع الذهبية ، روي ، سلطنة عمان .
56 ... عبد الله بن حميد السالمي ، شرح طلعة الشمس ، ج1 ، 2 ، وزارة التراث القومي والثقافة ، سلطنة عمان ، 1401هـ / 1981م ، المطبعة الشرقية ومكتبتها ، مسقط ، سلطنة عمان .
57 ... عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي ، سنن الدارمي ، ت : د/ مصطفى ديب البغا ، ج1 ، 2 ، دار القلم ، دمشق ، ط2 : 1417هـ / 1996م .
58 ... عبد الله بن عقيل العقيلي الهمداني ، شرح ابن عقيل ، ج1 ، ت : محمد محي الدين عبد الحميد ، المكتبة العصرية ، بيروت ، لبنان ، 1418هـ / 1997م .
59 ... عبد الله بن يحيى الباروني ، رسالة سلم العامة والمبتدئين إلى معرفة أئمة الدين ، ت : سليمان باشا الباروني ، مطبعة فانزي ، تونس .
60 ... عبيد الله بن عبد الله ابن خرداذبة ( أبو القاسم ) ، المسالك والممالك ، ت : محمد مخزوم ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت ، لبنان ، ط1 : 1408هـ / 1988م .
61 ... علي بن أبي بكر الهيثمي ، مجمع الزوائد ومنبع الفوائد ، ج2 ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، لبنان ، 1408هـ / 1988م .
62 ... علي بن الحسن بن علي المسعودي ( أبو الحسن ) ، مروج الذهب ومعادن الجوهر ، ج2 ، دار الأندلس ، بيروت ، لبنان ، ط4 : 1401هـ / 1981م . (2/66)
صفحة 567
63 ... علي بن بلبان الفارسي ، صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان ، ج4 ، 5 ، ت : شعيب الأرنؤوط ، مؤسسة الرسالة ، بيروت ، لبنان ، ط2 : 1414هـ / 1993م .
64 ... علي بن عبد الكافي السبكي وولده عبد الوهاب بن علي السبكي ، الإبهاج في شرح المنهاج ، ج 1 ، ط1 : 1404هـ / 1984م ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، لبنان
65 ... علي بن عمر الدارقطني ، سنن الدارقطني ، المجلد الثاني ، ج4 ، دار الفكر ، بيروت ، لبنان ، 1414هـ / 1994م .
66 ... علي بن محمد الجرجاني ، ت : د/ عبد الرحمن عميرة ، عالم الكتب ، بيروت ، لبنان ، ط1 : 1416هـ / 1996م .
67 ... علي بن محمد الجزري ابن الأثير ، أسد الغابة في معرفة الصحابة ، ج3 ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت ، لبنان ، ط1 : 1417هـ/ 1996م .
68 ... علي بن محمد الشيباني ابن الأثير ، الكامل في التاريخ ، ج5 ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، لبنان ، ط1 : 1407هـ / 1987م ؛ ج6 ، دار الكتاب العربي ، بيروت ، لبنان ، ط1 : 1417هـ / 1997م .
69 ... علي يحيى معمر ، الإباضية في موكب التاريخ ، المجلد الأول ، مكتبة الضامري ، سلطنة عمان ، السيب ، ط2 : 1993م .
70 ... علي يحيى معمر ، الإباضية مذهب إسلامي معتدل ، تقديم وتعليق : أحمد بن سعود السيابي ، ط4 : 1412هـ/ 2000م ، مكتبة الضامري ، السيب ، سلطنة عمان .
71 ... عمرو خليفة النامي ، دراسات عن الإباضية ، ت : د/ محمد صالح ناصر و د/ مصطفى باجو ، دار الغرب الإسلامي ، بيروت ، لبنان ، ط1: 2001م .
72 ... عمرو خليفة النامي ، وصف مخطوطات إباضية مكتشفة حديثا في شمال إفريقيا ( مخ ) ، مقال منشور في المجلد 15 العدد (1) من مجلة " الدراسات الساميَّة " باللغة الإنجليزية ، 1970م ، ترجمة : سلطان بن مبارك الشيباني .
73 ... عمروس بن فتح النفوسي ، أصول الدينونة الصافية ، ت : حاج أحمد بن حمو كروم ، وزارة التراث والثقافة ، مطبعة عمان ومكتبتها المحدودة ، مسقط ، سلطنة عمان ، ط1 : 1420هـ / 1999م . (2/67)
صفحة 568
74 ... العميد عبد الرزاق محمد أسود ، المدخل إلى دراسة الأديان والمذاهب ، ج2 ، الدار العربية للموسوعات ، بيروت ، لبنان ، ط1 : 1402هـ / 1981م .
75 ... عوض محمد خليفات ، نشأة الحركة الإباضية ، مطابع دار الشعب ، عَمّان ، الأردن ، 1978م .
76 ... فرحات الجعبيري ، البعد الحضاري للعقيدة الإباضية ، مطبعة الألوان الحديثة ، سلطنة عمان ، 1408هـ / 1987م .
77 ... فرحات الجعبيري ، علاقة عمان بشمال إفريقيا ، ط1 ، المطابع العالمية ، روي ، سلطنة عمان .
78 ... فرحات الجعبيري ، نظام العزابة عند الإباضية الوهبية في جربة ، المعهد القومي للفنون والآثار ، المكتبة التاريخية ، المطبعة العصرية ، تونس .
79 ... قاسم بلحاج عيسى ، صفحات من تاريخ جربة ، الشركة التونسية لفنون الرسم .
80 ... كامل سليمان الجبوري ، معجم الشعراء ، ج6 ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، لبنان ، ط1 : 1424هـ / 2003م .
81 ... لوَّاب بن سلام ، الإسلام وتاريخه من وجهة نظر إباضية ( بدء الإسلام وشرائع الدين ) ، ت : سالم بن يعقوب ، وشفارتز ، دار اقرأ ، بيروت ، لبنان ، ط1 : 1405هـ / 1985م .
82 ... مالك بن أنس ، الموطأ ، ج1 ، ت : د/ بشار عوار معروف ومحمود محمد خليل ، ط2 : 1413هـ / 1993م ، مؤسسة الرسالة ، بيروت ، لبنان .
83 ... مبارك بن عبد الله بن حامد الراشدي ، الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي وفقه ، مطابع الوفاء ، المنصورة ، مصر ، ط1 : 1413هـ / 1993م .
84 ... محمد الخضري ، أصول الفقه ، المكتبة التجارية الكبرى ، مصر .
85 ... محمد الخضري ، الدولة العباسية ، دار الكتب العلمية ، بيروت لبنان ، ط1 : 1419هـ / 1998م .
86 ... محمد بن أحمد البنا المقدسي ، أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت ، لبنان ، 1408هـ / 1988م .
87 ... محمد بن أحمد المالكي التلمساني ، مفتاح الوصول إلى بناء الفروع على الأصول ، المكتبة العصرية ، بيروت ، لبنان ، ط1 : 1420هـ / 2000م . (2/68)
صفحة 569
88 ... محمد بن أحمد بن جزي ، تقريب الوصول إلى علم الأصول ، ت : د/ عبد الله الجبوري ، دار النفائس ، عمَّان ، الأردن ، ط1 : 1422هـ / 2002م .
89 ... محمد بن أحمد بن عبد العزيز ابن النجار ، شرح الكوكب المنير ، ت : د/ محمد الزحيلي و د/ نزيه حماد ، ج 1 ، 1413هـ / 1993م ، مكتبة العبيكان ، الرياض ، المملكة العربية السعودية .
90 ... محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي ، سير أعلام النبلاء ، ج4 ، مؤسسة الرسالة ، بيروت ، لبنان ، ط7 : 1410هـ/ 1990م .
91 ... محمد بن إسحاق بن خزيمة النيسابوري ، صحيح ابن خزيمة ، ج2 ، ت : د/ محمد مصطفى الأعظمي ، المكتب الإسلامي ، بيروت ، لبنان ، ط1 : 1391هـ / 1971م .
92 ... محمد بن عبد الله اللواتي الطنجي ( ابن بطوطة ) ، رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار ) ، ت : طلال حرب ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، لبنان .
93 ... محمد بن عيسى بن سورة الترمذي ، سنن الترمذي ، ج1 ، 2 ، 4 ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، لبنان ، ط1 : 1408هـ / 1978م .
94 ... محمد بن مكرم ابن منظور ( أبو الفضل ) ، لسان العرب ، ج1 ، 7 ، 10 ، 11 ، 14 ، دار صادر ، بيروت ، لبنان ، ط1 : 2000م .
95 ... محمد بن يزيد القزويني ، سنن ابن ماجه ، ج1 ، 2 ، مطيبعة دار إحياء الكتب العربية .
96 ... محمد بن يوسف أطفيش ، تيسير التفسير ، ج13 ، وزارة التراث والثقافة ، سلطنة عمان ، 1408هـ/ 1988م .
97 ... محمد بن يوسف اطفيش ، شرح كتاب النيل وشفاء العليل ، ج1 ، 12 ، 15 ، مكتبة الارشاد ، جدة ، المملكة العربية السعودية ، ط3 : 1405هـ/ 1985م .
98 ... محمد صالح ناصر ، دور الإباضية في نشر الإسلام بغرب أفريقيا ، مكتبة الضامري ، السيب ، سلطنة عمان .
99 ... محمد صالح ناصر ، منهج البحث وتحقيق النصوص ، معهد القضاء الشرعي والوعظ والإرشاد ، سلطنة عمان ، شركة مطبعة عمان ومكتبتها المحدودة ، ط1 : 1415هـ / 1995م . (2/69)
صفحة 570
100 ... محمد صالح ناصر ، منهج الدعوة عند الإباضية ، مكتبة الاستقامة ، مسقط ، سلطنة عمان ، 1418هـ / 1997م .
101 ... محمد عبد الكريم الشهرستاني ، الملل والنحل ، ج1 ، دار الفكر ، بيروت ، لبنان .
102 ... محمد علي دبوز ، تاريخ المغرب الكبير ، ج3 ، دار إحياء الكتب العربية ، ط1 : 1383هـ / 1963م .
103 ... محمد فريد وجدي ، دائرة معارف القرن العشرين ، ج1 ، 5 ، 6 ، 9 ، دار المعرفة ، بيروت ، لبنان ، ط3 : 1971م .
104 ... محمد ناصر بوحجام ، التواصل الثقافي بين عمان والجزائر ، مكتبة الضامري ، السيب ، سلطنة عمان ، ط1 : 1423هـ / 2003م .
105 ... محمد ناصر بوحجام ، العلاقات الثقافية بين عمان والجزائر ( تبادل الرسائل نموذجا ) بحث مقدم في ندوة " الملتقى العلمي حول تراث سلطنة عمان الشقيقة قديما وحديثا " ، تحرير : د/ إبراهيم بحاز و د/ حسن الملخ ، منشورات جامعة آل البيت ، الأردن ، 1423هـ/ 2002م ، جمعية عمال المطابع ، الأردن ، عمَّان .
106 ... محمود بن عمر الزمخشري ، أساس البلاغة ، ت : عبد الرحيم محمد ، دار المعرفة ، بيروت ، لبنان .
107 ... محمود بن عمر الزمخشري ، أساس البلاغة ، دار صادر ، بيروت ، ط1 : 1412هـ / 1992م .
108 ... مسلم بن الحجاج النيسابوري ، صحيح مسلم ، ج1 ، 2 ، دار الفكر ، بيروت ، لبنان ، ط2 : 1398هـ / 1987م .
109 ... مصطفى الشكعة ، إسلام بلا مذاهب ، الدار المصرية اللبنانية ، بيروت ، لبنان ، ط6 : 1407هـ / 1987.
110 ... مصطفى باجو ، " تطور علم الأصول في المصادر العمانية " ، بحث مقدم في ندوة " الملتقى العلمي حول تراث سلطنة عمان الشقيقة قديما وحديثا " ، تحرير : د/ إبراهيم بحاز و د/ حسن الملخ ، منشورات جامعة آل البيت ، الأردن ، 1423هـ/ 2002م ، جمعية عمال المطابع ، الأردن ، عمَّان .
111 ... المعجم الوجيز ، مجمع اللغة العربية ، جمهورية مصر العربية ، مطابع الأهرام التجارية ، قليوب ، مصر ، 1422هـ / 2001م . (2/70)
صفحة 571
112 ... مقرين بن محمد البغطوري ، سير أهل نفوسة ( مخ ) .
113 ... مهني التيواجني وآخرون ، هذه مبادئنا ، مكتبة الاستقامة ، مسقط ، سلطنة عمان ، ط2 : 1417هـ / 1997م
114 ... ناصر بن سالم بن عديم البهلاني ، العقيدة الوهبية ، راجعه : سلطان بن مبارك الشيباني ، مكتبة مسقط ، مسقط ، سلطنة عمان ، ط1 : 1424هـ / 2003م .
115 ... ناصر بن سالم بن عديم الرواحي البهلاني ، ديوان أبي مسلم ، ت : عبد الرحمن الخزندار ، مطابع دار المختار ، 1406هـ / 1986م .
116 ... ناصر بن سليمان السابعي ، الخوارج والحقيقة الغائبة ، مطابع النهضة ، مسقط ، سلطنة عمان ، ط1 : 1420هـ/ 1999م .
117 ... هود بن محكم الهواري ، تفسير كتاب الله العزيز ، تحقيق : بالحاج بن سعيد شريفي ، ج1 ، دار الغرب الإسلامي ، بيروت لبنان ، ط1 : 1990م .
118 ... ياقوت بن عبد الله الحموي ( أبو عبد الله ) ، معجم البلدان ، ج8 ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت ، لبنان ، ط1 : 1417هـ / 1997م .
119 ... يحيى بن أبي بكر (أبو زكرياء ) ، كتاب سير الأئمة وأخبارهم ، ت : إسماعيل العربي ، دار الغرب الإسلامي ، بيروت ، لبنان ، ط2 : 1420هـ / 1982م .
120 ... يحيى بن الخير بن أبي الخير الجناوني (أبو زكريا ) ، كتاب النكاح ، تعليق : علي يحيى معمر ، المطابع العالمية ، روي ، سلطنة عمان .
121 ... يحيى بن الخير بن أبي الخير الجناوني (أبو زكريا ) ، كتاب الوضع ، ت : إبراهيم اطفيش ، مكتبة الاستقامة ، مسقط ، سلطنة عمان .
122 ... يحيى بن محمد البهلاني ، كيف أكتب شعرا ، مكتبة أبي مسلم ، سلطنة عمان ، ط1 : 1423هـ / 2002م . (2/71)
صفحة 572
123 ... يحيى صالح بوتردين، نموذج للعلاقات العلمية بين الجزائر وعمان (من خلال بعض مراسلات القطب اطفيش) بحث مقدم في ندوة " الملتقى العلمي حول تراث سلطنة عمان الشقيقة قديما وحديثا "، تحرير: د/ إبراهيم بحاز و د/ حسن الملخ، منشورات جامعة آل البيت، الأردن، 1423هـ/ 2002م، جمعية عمال المطابع، الأردن، عمَّان.
124 ... يحيى محمد بكوش، الوجود الإباضي بالأندلس، مكتبة الضامري، سلطنة عمان، السيب، ط2: 1411هـ / 1990م.
125 ... يوسف بن إبراهيم السرحني، العقيدة الإسلامية وأثرها على المسلمين، مكتبة الاستقامة، مسقط، سلطنة عمان، ط1: 1424هـ / 2003م.
126 ... يوسف بن إبراهيم الوارجلاني (أبو يعقوب)، كتاب الدليل والبرهان، ج2، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، 1403هـ / 1983م.
127 ... يوسف بن بكير الحاج سعيد، تاريخ بني مزاب ونضالهم من أجل الحق في التباين، المطبعة العربية، غرداية، وادي ميزاب، الجزائر.
فهرس الآيات
المسلسل ... الآية ... رقم الآية ... السورة ... الصفحة
1 ... {الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} ... 2 ... الفاتحة ... 366
2 ... {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} ... 43 ... البقرة ... 337
3 ... {?وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً} ... 80 ... البقرة ... 296
4 ... {َأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ... } ... 110 ... البقرة ... 337
5 ... {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُون ُ} ... 117 ... البقرة ... 261
6 ... {?فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} ... 144 ... البقرة ... 322
7 ... {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} ... 185 ... البقرة ... 337 (2/72)
صفحة 573
8 ... { ?وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } ... 185 ... البقرة ... 326
9 ... { وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ } ... 196 ... البقرة ... 336
10 ... { فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ } ... 196 ... البقرة ... 349
11 ... { رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ } ... 201 ... البقرة ... 366
12 ... { وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ } ... البقرة ... 45
13 ... { ?وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ... فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا } ... 233 ... البقرة ... 331
14 ... { وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً } ... 234 ... البقرة ... 196
15 ... { حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى } ... 238 ... البقرة ... 344
16 ... { ?وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ } ... 267 ... البقرة ... 323
17 ... { رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ... أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ } ... 286 ... البقرة ... 366
18 ... { ?وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً } ... آل عمران ... 303
19 ... { ?وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ } ... 131 ... آل عمران ... 297
20 ... { وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ } ... 169 ... آل عمران ... 200 (2/73)
صفحة 574
21 ... { يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ } ... 11 ... النساء ... 335
22 ... { عَابِرِي سَبِيلٍ } ... 43 ... النساء ... 245
23 ... { فَلَمْ تَجِدُوا مَاء فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً ً } ... 43 ... النساء ... 245
24 ... { مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً } ... 69 ... النساء ... 248
25 ... { وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللّهِ وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا } ... 100 ... النساء ... 94
26 ... { ?يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالاً وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } ... 176 ... النساء ... 330
27 ... { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ } ... 1 ... المائدة ... 284
28 ... { ?أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ... وَلا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ } ... 5 ... المائدة ... 301 (2/74)
صفحة 575
29 ... { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ } ... 6 ... المائدة ... 322
30 ... { وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا } ... 6 ... المائدة ... 337
31 ... { ?وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ } ... 37 ... المائدة ... 295
32 ... { وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } ... 38 ... المائدة ... 333
33 ... { وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ } ... 45 ... المائدة ... 334
34 ... { لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً } ... 48 ... المائدة ... 281
35 ... { وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُواً وَلَعِباً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ } ... 58 ... المائدة ... 337
36 ... { بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَان } ... 64 ... المائدة ... 347
37 ... { لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ } ... 89 ... المائدة ... 284
38 ... { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ } ... 95 ... المائدة ... 337
39 ... { وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوه } ... 72 ... الأنعام ... 348
40 ... { ?قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ... وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ } ... 151 ... الأنعام ... 301 (2/75)
صفحة 576
41 ... { رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ } ... 23 ... الأعراف ... 366
42 ... { ?قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ } ... 33 ... الأعراف ... 301
43 ... { لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ } ... 60 ... الأنفال ... 287
44 ... { ?وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ } ... 75 ... الأنفال ... 330
45 ... { ?قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ ... عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ } ... 29 ... التوبة ... 301
46 ... { فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ } ... 38 ... التوبة ... 265
47 ... { ?وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً } ... 46 ... التوبة ... 94
48 ... { إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } ... 60 ... التوبة ... 335
49 ... { خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَ } ... 103 ... التوبة ... 348
50 ... { إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } ... 111 ... التوبة ... 45
51 ... { لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ } ... 122 ... التوبة ... 282
52 ... { وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ } ... 20 ... إبراهيم ... 15
53 ... { رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً } ... 24 ... الإسراء ... 9
54 ... { وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى } ... 23 ... الإسراء ... 348 (2/76)
صفحة 577
55 ... { ?وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي ... } ... 36 ... الكهف ... 302
56 ... { ?أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ؟ ... } ... 37 ... الكهف ... 302
57 ... { ?لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً } ... 38 ... الكهف ... 302
58 ... { ?صَعِيداً زَلَقاً } ... 40 ... الكهف ... 302
59 ... { ?فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا } ... 42 ... الكهف ... 302
60 ... { ?وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً } ... 42 ... الكهف ... 302
61 ... { فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً } ... 59 ... مريم ... 106
62 ... { وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي } ... 14 ... طه ... 342
63 ... { لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ } ... 103 ... الأنبياء ... 7
64 ... { ?النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا } ... 72 ... الحج ... 297
65 ... { قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ } ... 1 ... المؤمنون ... 347
66 ... { ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ } ... 40 ... النور ... 19
67 ... { فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ } ... 63 ... الشعراء ... 349
68 ... { يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } ... 88- 89 ... الشعراء ... 26
69 ... { وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ ........ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا ... } ... 224- 227 ... الشعراء ... 347
70 ... { ?لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ } ... 40 ... النمل ... 302
71 ... { رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي } ... 16 ... القصص ... 366
72 ... { ?فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ } ... 17 ... الروم ... 333
73 ... { ?وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ } ... 18 ... الروم ... 333 (2/77)
صفحة 578
74 ... { ?لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ } ... 60 ... الأحزاب ... 294
75 ... { ?مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً } ... 61 ... الأحزاب ... 294
76 ... { وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ } ... 13 ... سبأ ... 19
77 ... { وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ } ... 17 ... فاطر ... 15
78 ... { إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ } ... 28 ... فاطر ... 17
79 ... { وَقَلِيلٌ مَا هُمْ } ... 24 ... صّ ... 19
80 ... { قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ - بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ } ... 26- 27 ... يّس ... 287
81 ... { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } ... 11 ... الشورى ... 347
82 ... { ?فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّه } ... 9 ... الحجرات ... 294
83 ... { مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ } ... 7 ... الحشر ... 334
84 ... { كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ } ... 7 ... الحشر ... 334
85 ... { لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ } ... 8 ... الحشر ... 334
86 ... { وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } ... 9 ... الحشر ... 335
87 ... { وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ } ... 10 ... الحشر ... 335
88 ... { وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ } ... 10 ... الجمعة ... 245 (2/78)
صفحة 579
89 ... { ?هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } ... 2 ... التغابن ... 302
90 ... { وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ } ... 4 ... الطلاق ... 134
91 ... { وَأُوْلَأتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } ... 4 ... الطلاق ... 196
92 ... { ?إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً } ... 3 ... الإنسان ... 302
فهرس الأحاديث والآثار
المسلسل ... الحديث أو الأثر ... الصفحة
1 ... » ... فقام العباس فقال : ... إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والله ما مات حتى ترك السبيل نهجا واضحا ، فأحل الحلال ، وحرم الحرام ... « ... 281
2 ... » أن النبي كان يأخذ من كل عشرين دينارا ، فصاعدا ، نصف دينار ، ومن الأربعين دينارا ، دينارا « ... 342
3 ... »?أن كل موضع لم ينعم غسله من الجنابة فإنه يبعث عليه يوم القيامة حيات تلدغه في تلك الأماكن « ... 324
4 ... » الإيمان قيدُ الفتكِ لا يفتكُ مؤمن « ... 340
5 ... » الدين من جميع المال ، والوصية من الثلث « ... 340
6 ... » الصلاة في الجماعة خير من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة « ، » صلاة الجماعة تفضل صلاة أحدكم وحده بخمس وعشرين درجة « ، » صلاة الجميع تزيد على صلاته في بيته وصلاته في سوقه خمسا وعشرين درجة ، فإن أحدكم إذا توضأ فأحسن ، وأتى المسجد لا يريد إلا الصلاة لم يخط خطوة إلا رفعه الله بها درجة، وحط عنه خطيئة، حتى يدخل المسجد . وإذا دخل المسجد كان في صلاة ما كانت تحبسه ، وتصلي - يعني عليه - الملائكة ما دام في مجلسه الذي يصلي فيه : اللهم اغفر له ، اللهم ارحمه ، ما لم يؤذ يحدث فيه « ... 338
7 ... » تحت كل شعرة جنابة ، فبلوا الشعر وانقوا البشرة « ... 324
8 ... » تحريم الصلاة التكبير وتحليلها التسليم « ... 341 (2/79)
صفحة 580
9 ... » كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفتتح الصلاة بالتكبير ، والقراءة بالحمد لله رب العالمين ... « ... 342
10 ... » كل شعرة لم ينعم غسلها تشتعل يوم القيامة نارا « ... 324
11 ... »?كل ما يورث حرام غنيمته ، وكل ما لا يغنم حرام ميراثه « ... 303
12 ... » لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض « ... 303
13 ... » لا صلاة لمانع الزكاة – قالها ثلاثا – والمعتدي فيها كمانعها « ... 325
14 ... » لا وصية لوارث « ... 340
15 ... » لو قلت نعم لوجبت ، ولو وجبت لما قدرتم عليها ، إذن لكفرتم « ? ... 304
16 ... » ليس?بين العبد والكفر إلا تركه الصلاة « ? ... 304
17 ... » مفتاح الصلاة الطهور ، وتحريمها التكبير ، وتحليلها التسليم ، ولا صلاة لمن لم يقرأ بالحمد وسورة في فريضة أو غيرها « ... 341
18 ... » مكة حرام حرمها الله ، لا تحل لقطتها ، ولا يعضد شجرها ، ولا ينفر صيدها ، ولا يختلى خلاها " فقالعمه العباس : " إلا الإذخر يا رسول الله " فقال : " إلا الإذخر " « ... 328
19 ... » من نسي صلاة فليصل إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك : { وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي } ، قال موسى بن همام : سمعته يقول بعد : { وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي } « ... 342
20 ... » إن مناديا ينادي يوم القيامة : " ألا من كان له أجر على الله فليقم إلى أجره فليأخذه " فيقال : " من هذا الذي له على الله أجر ؟ " ، فيقال : " من عفا وأصلح " « ( أثر ) ... 356
21 ... » سئل ابن عباس - رضي الله عنه - ???متى يحرم على الصائم الطعام ؟ قال رجل : ما لم تشك حتى تشك . قال ابن عباس : كل ما شككت حتى تشك « ( أثر ) ... 327
22 ... » لو اشترك في قتلها أهل صنعاء لقتلتهم « ( أثر ) ... 355
23 ... » واحدة بواحدة ، والبادئ أظلم « ( مثل ) ... 356
فهرس الشعر والنظم
المسلسل ... قافية الباء ... الصفحة
1 ... أخنى عليها المرزمان حقبة :: وعاثت الشمأل فيها والصبا ... 19
2 ... أمست سقطرى من الإسلام مقفرة :: بعد الشرائع والفرقان والكتب ... 54 (2/80)
صفحة 581
3 ... جار النصارى على واليك وانتهبوا :: من الحريم ولم يألوا من السلب ... 54
4 ... حتى يعود عماد الدين منتصبا :: ويهلك الله أهل الجور والريب ... 54
5 ... قفرا تشابه آجال النعام به :: عيدا تلاقت به فَزَّان والنوبُ ... 114
6 ... قل للإمام الذي ترجى فضائله :: ابن الكرام وابن السادة النجب ... 54
7 ... ما بال صلت ينام الليل مغتبطا :: وفي سقطرى حريم باد بالنهب ... 54
8 ... من ذاك لا تلقى له في المذهب :: مسألة نرسمها في الكتب ... 352
9 ... وابن الجحاجحة الشم الذين هم :: كانوا سناها وكانوا سادة العرب ... 54
10 ... يالرجال أغيثوا كل مسلمة :: ولو حبوتم على الأذقان والركب ... 54
قافية التاء
11 ... تبدو من الغيم إذا ما بدت :: كأنها تنتشر من تحت ... 70
12 ... خوارج غلت وصارت مارقة :: من دينها صفرية أزارقة ... 95
13 ... فنحن في بحر بلا لجة :: تجري بنا الريح على السمت ... 70
14 ... ما أخشن البرد وريعانه :: وأطراف الشمس بتاهرت ... 70
15 ... مدافعا أعدائنا بالحجة :: وحاميا إخواننا بالشوكة ... 352
16 ... نفرح بالشمس إذا ما بدت :: كفرحة الذمي بالسبت ... 70
قافية الدال
17 ... راحوا جميعا على الأقدام وابتكروا :: فلن يروحوا ولن يعدو لهم عاد ... 104
18 ... قف بالقبور فناد الهامدين بها :: من أعظم بليت منها وأجساد ... 104
19 ... قوم تقطعت الأسباب بينهم :: من الوصال وصاروا تحت أطواد ... 104
20 ... والله والله لو ردوا ولو نطقوا :: إذا لقالوا التقى من أفضل الزاد ... 104
21 ... ولقد أضاء لك الطريقُ وأَنهجتْ :: منه المسالكُ والهدى يُعْدى ... 281
قافية الراء
22 ... أربعة الأشهر عند عشر :: من الليالي وقتها لتدري ... 196
23 ... العلم أبقى لأهل العلم آثارا :: وليلهم بشموس العلم قد نارا ... 102
24 ... حي وإن مات ذو علم وذو ورع :: إن كان في منهج الأبرار مامارا ... 102
25 ... وأصبحت عن تيهرت في دار غربة :: وأسلمني مر القضاء من القدر ... 93
26 ... ووردت فيهم عن المختار :: جملة أخبار مع الآثار ... 95
27 ... يحيى به ذكرهم طول الزمان وقد :: يريك أشخاصهم روحا وأبكارا ... 102
قافية الضاد (2/81)
صفحة 582
28 ... تيهرت أنت خلية وبرقة :: عوضت عنك ببصرة فاعتاض ... 93
29 ... وأصله أن فتى إباض :: كان محاميا لنا وماضي ... 352
قافية الطاء
30 ... ليسوا رجالا لا نطيق فعلهم :: لكنهم جدوا وقصرنا الخطا ... 19
31 ... موحشة إلا كناس اعفر :: ومجثم الرأل وأفحوصُ القطا ... 19
قافية العين
32 ... فبددهم ريب المنون وأصبحت :: منازلهم قفرا بها الريح زعزع ... 92
33 ... فعدة الحامل حتى تضعا :: من هذه وغيرها فاستمعا ... 196
34 ... لقد أسسوا تيهرت بالغرب وارتقوا :: مدارج عز الملك فيه وأبدعوا ... 92
35 ... وأين الأئمة الكرام جميعهم :: بنو رستم كأس المنايا تجرعوا ... 92
36 ... وداموا بها خمسين عاما ومائة :: يحفهم من بالغضب يقطع ... 92
37 ... ونحن في الأصل وفي الفروع :: على طريق السلف الرفيع ... 352
قافية القاف
38 ... هل للفتى من بنات الدهر من واق :: أم هل من حمام الموت من راق ... 281
قافية اللام
39 ... إلا مميتة قبيل الأجل :: قد وضعت تؤمر بالتمهل ... 196
40 ... تلك ربوع الحي في سفح النقا :: تلوح كالأطلال من جد البلى ... 19
41 ... سقى الله تيهرت المنا وسويقة :: بساكنها غيثا يطيب به المحل ... 93
42 ... كأن لم يكن والدار جامعة لنا :: ولم يجتمع وصل لنا لا ولا أهل ... 93
ومال أهل البغي لا يحل :: وإن يكن قوم له استحلوا ... 95
قافية الميم
فعرضوا للناس بالسيف كما :: قد استحلوا المال منهم مغنما ... 95
45 ... فما الإباضيون إلا علما :: لخلفاء الحق منا فاعلما ... 352
46 ... وأمة المختار فارقتهم :: وضللتهم وفسقتهم ... 95
قافية النون
47 ... إن المخالفين قد سمونا :: بذاك غير أننا رضينا ... 352
فحكموا بحكم المشركينا :: جهلا على بغاة المسلمينا ... 95
وإنما يكون في الحولين :: فلا رضاع بعد بين اثنين ... 195
وفيهم المروق يعرفنا :: ومنهم لا شك نبرأنا ... 95
ونحن الأولون لم يشرع لنا :: نجل إباض مذهبا يحملنا ... 352
قافية الهاء
خوارج غلت وصارت مارقه :: من دينها صفرية أزارقه ... 95
عدتها الأبعد من حاليها :: من وقتها ووضع ما عليها ... 196
ونأخذ الحق متى نراه :: لو كان مبغض لنا أتاه ... 352 (2/82)
صفحة 583
55 ... ونسبوا من كان في طريقته :: إليه لاشتهار حسن سيرته ... 352
قافية الواو
56 ... عرج عليها والها لعلها :: تريح شيئا من تباريح الجوى ... 19
والباطل المردود عندنا ولو :: أتى به الخل الذي له اصطفوا ... 352
فهرس الأعلام
المسلسل ... العلم ... الصفحة
1 ... أبان بن وسيم الويغوي (أبو ذر ) ... 113
2 ... أبان ... 87
3 ... إبراهيم بن إسماعيل الخرساني (أبو عيسى ) ... 50
4 ... أبد الله السكاك اللواتي ... 127
5 ... إبراهيم بن مسكين ... 66
6 ... أبو الحسن الأبدلاني ... 31
7 ... أبو العباس بن فتحون ... 138
8 ... أبو بكر بن أفلح ... 30
9 ... أبو حماد النفوسي ... 169
10 ... أبو دنون ... 141
11 ... أبو سهل الفارسي النفوسي ... 220
12 ... أبو عبيدة الأعرج ... 131
13 ... أبو محمد الصيرفي ... 80
14 ... أبو مسعود ... 141
15 ... أبو مهاصر الأفطماني ... 31
16 ... أبو ميمون بن أحمد الجيطالي ... 113
17 ... أبو نصر التمصمصي ... 112
18 ... أبو يحيى بن أبي القاسم الفرسطائي ... 159
19 ... أحمد التيه ... 138
20 ... أحمد بن الحسين بن أبي زياد الاطرابلسي ... 117
21 ... أحمد بن المتوكل المعتمد على الله ( أبو العباس ) ... 57
22 ... أحمد بن دبوس ... 88
23 ... أحمد بن فتح المعروف بابن الخزاز التيهرتي ... 104
24 ... أحمد بن قاسم بن عبد الرحمن التميمي التاهرتي ( أبو الفضل ) ... 156
25 ... أحمد بن محمد بن بكر الفرسطائي النفوسي ( أبو العباس ) ... 117- 118
26 ... أحمد بن منصور ... 138
27 ... أفريقش بن قيس ... 178
28 ... أفلح بن العباس بن أيوب ... 61
29 ... أفلح بن عبد الوهاب ... 30
30 ... إلياس بن منصور النفوسي ( أبو منصور ) ... 61
31 ... أم الخطاب ... 148- 149
32 ... أم يحيى ... 150
33 ... أهاب بن مازون النفوسي البربري ... 142
34 ... أيوب بن العباس ( أبو العباس ) ... 43
35 ... ابن أبي إدريس ... 137
36 ... ابن الجمع ... 155
37 ... ابن الصغير الهواري الإباضي ... 105
38 ... ابن الواسطي ... 80
39 ... ابن خلف بن السمح بن عبد الأعلى بن السمح المعافري ... 66
40 ... ابن وردة ... 79
41 ... بحيج بن خداش ( أبو سعيد ) ... 136
42 ... بشر بن غانم الخرساني ( أبو غانم ) ... 30
43 ... بكر بن حماد بن سهل الزناتي ( أبو عبد الرحمن ) ... 103- 104
44 ... بهلولة ... 148
45 ... بويكني البرزالي ( أبو محمد ) ... 157 (2/83)
صفحة 584
46 ... تكسليت ( أم يحيى ) ... 148
47 ... جابر بن زيد الأزدي ( أبو الشعثاء ) ... 51- 52
48 ... جعفر المتوكل على الله بن المعتصم ... 49
49 ... الجلندى بن مسعود ... 45
50 ... جنون بن يمريان اليهرساني الوارجلاني ( أبو صالح ) ... 125
51 ... الحسن بن يسار البصري ( أبو سعيد ) ... 133
52 ... الحسين بن أحمد الشيعي ( أبو عبد الله ) ... 65
53 ... حفصون أبو عمرو ... 154
54 ... الحكم بن هشام بن عبد الرحمن ... 210
55 ... حموية ... 87
56 ... خازم بن خزيمة الخرساني ... 45
57 ... خلف بن السمح بن عبد الأعلى بن السمح المعافري ... 43
58 ... داود بن ياجرين ... 200
59 ... راشد بن النظر اليحمدي ... 55
60 ... الربيع بن حبيب الفراهيدي ... 41
61 ... زروغ الأرجانية ... 148
62 ... زكار ... 66
63 ... زكرياء بن بكر الغسالي التيهرتي ( أبو يحيى ) ... 156
64 ... زكرياء بن منيب ( أبو يوسف ) ... 151
65 ... سدرات بن إبراهيم المساكني النفوسي ( أبو حمزة ) ... 152
66 ... سدرات بن الحسن البغطوري ( أبو القاسم ) ... 261
67 ... سعد بن وسيم بن نصر الويغوي النفوسي ... 51
68 ... سعيد بن أشكل التيهرتي ... 104
69 ... سعيد بن أيوب الباروني النفوسي ... 125
70 ... سلاَّم بن عمرو اللواتي ... 170
71 ... سليمان الهواري ( أبو الربيع ) ... 134
72 ... سليمان بن زرقون النفوسي ... 155
73 ... سليمان بن عبد السلام بن حسان الوسياني ... 234
74 ... سليمان بن يخلف الوسلاتي المزاتي النفطي القابسي ... 138
75 ... السمح بن عبد الأعلى بن السمح المعافري ... 42
76 ... شعيب بن مدمان ... 62
77 ... شيبة الدجى النفوسي ... 260
78 ... صال الدركلي ( أبو خليل ) ... 113- 114
79 ... الصلت بن مالك الخروصي ... 54- 55
80 ... عاصم السدراتي ... 110- 111
81 ... العباس بن أحمد بن طولون ... 61
82 ... العباس بن أيوب بن العباس ... 50
83 ... عبد الحميد الجناوني ( أبو عبيدة ) ... 32
84 ... عبد الحميد الفزاني ... 159
85 ... عبد الخالق الفزاني ... 140
86 ... عبد الرحمن بن بكر بن حماد ( أبو زيد ) ... 136
87 ... عبد الرحمن بن رستم بن بهرام بن كسرى ... 39
88 ... عبد الرحمن بن صوَّاب النفوسي ... 66
89 ... عبد العزيز بن الأوز ... 137
90 ... عبد القاهر بن خلف الفزاني ... 140
91 ... عبد الله اللواتي العاصمي ( أبو محمد ) ... 234 (2/84)
صفحة 585
92 ... عبد الله المأمون بن هارون الرشيد ... 49
93 ... عبد الله بن الخير الونزريفي ( أبو محمد ) ... 112
94 ... عبد الله بن عباد المصري ... 163
95 ... عبد الله بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي ... 133- 134
عبد الله بن عيسى بن زكرياء النفوسي ... 243
97 ... عبد الله بن مانوج اللمائي الهواري ... 209
98 ... عبد الملك بن حميد العلوي ... 46
99 ... عبد الوهاب بن عبد الرحمن ... 30
100 ... عثمان بن أحمد بن يحياج ... 137
101 ... عثمان بن الصفار ... 138
102 ... عزان بن تميم الخروصي ... 62
103 ... علي بن أحمد العماني ... 102
104 ... علي بن يخلف الدرجيني ( أبو الحسن ) ... 160
105 ... عمر بن يمكتن ... 127- 128
106 ... عمران بن مروان الأندلسي ... 158
عمروس الأندلسي ... 210
عمروس اليفرني ... 210
109 ... عمروس بن عبد الله الزواغي ... 209
110 ... عيسى بن فرناس النفوسي ... 105
111 ... غزالة ... 147
112 ... غسان بن عبد الله اليحمدي ... 46
113 ... فرج بن نصر النفوسي ( نفاث ) ... 33
114 ... فصيل بن يسجا اليهراسني ( أبو زكرياء ) ... 124
115 ... فضل ( أبو عبد الله ) ... 154
116 ... قاسم بن عبد الرحمن التميمي التيهرتي ... 136
117 ... كاموس الزواغي ... 209
118 ... لواب بن سلام التوزري المزاتي ... 133
119 ... ماطوس بن هارون ( أبو معروف ) ... 147
120 ... ماكسن بن الخير الوسياني اليفرني ( أبو محمد ) ... 234- 235
121 ... محبوب بن الرحيل ( أبو سفيان ) ... 102- 103
122 ... محكَّم الهواري ... 53
123 ... محمد الأمين بن هارون الرشيد ... 49
124 ... محمد المعتصم بالله بن هارون الرشيد أبو إسحاق ... 49
125 ... محمد بن أحمد الشافعي البغدادي ( أبو الطيب ) ... 156
126 ... محمد بن أفلح ( أبو اليقظان ) ... 30
127 ... محمد بن الحسن بن دريد الأزدي ... 180
128 ... محمد بن الواثق بن المعتصم ... 56
129 ... محمد بن بكر الفرسطائي النفوسي ( أبو عبد الله ) ... 182
130 ... محمد بن جرني ... 74
131 ... محمد بن حماد ... 88
132 ... محمد بن دبوس ... 88
133 ... محمد بن عبد الحميد بن مغطير ... 110
134 ... محمد بن عبد الله بن أبي الشيخ ( أبو عبد الله ) ... 62
135 ... محمد بن عبد الله بن أبي عفان ... 46
136 ... محمد بن عبد الملك الحجازي ... 170
137 ... محمد بن عرفة ... 58 (2/85)
صفحة 586
138 ... محمد بن محبوب بن الرحيل ( أبو عبد الله ) ... 167- 169
139 ... محمد بن مسألة الهواري ... 59
140 ... محمد بن نور ... 62
141 ... محمد بن يانس ( أبو المنيب ) ... 31
142 ... محمود بن بكر ... 105
143 ... مخلد بن كيداد النكاري ( أبو يزيد ) ... 155- 156
144 ... مزور بن عمران الهواري ... 171
145 ... مسعود الأندلسي ... 158
146 ... مسلم بن أبي كريمة التميمي ( أبو عبيدة ) ... 96- 97
147 ... المسلماني ... 160
148 ... معبد ... 259
149 ... مقرين بن محمد البغطوري النفوسي ... 34- 35
150 ... ملي الإيدرفي ( أبو محمد ) ... 247
151 ... مهاصر السدراتي ( أبو مرداس ) ... 31
152 ... مهدي الويغوي النفوسي ... 33
153 ... المهنا بن جيفر اليحمدي ... 54
154 ... موسى بن الفارسي ... 141
155 ... موسى بن موسى بن علي الأزكوي ... 55
156 ... موسى بن يونس الجلالمي النفوسي ( أبو هارون ) ... 113
157 ... موفق ( أبو إبراهيم ) ... 170
158 ... ميَّال بن يوسف اللواتي ... 53
159 ... هارون الرشيد بن محمد المهدي ... 49
160 ... هارون الواثق بالله بن المعتصم بالله ... 49
161 ... هود بن محكم الهواري ... 134
162 ... الوارث بن كعب الخروصي ... 46
163 ... وسيم بن سينتين الزواغي ( أبو الخطاب ) ... 123
164 ... ويدرن بن جواد أبو معروف ... 80
165 ... يبيب بن زلغين ... 74
166 ... يحيى بن أبي بكر بن سعيد اليهرساني ( أبو زكرياء ) ... 130
167 ... يحيى بن الخير الجناوني ( أبو زكرياء ) ... 118
168 ... يزيد بن خَذَّاق الشني العبدي ... 281
169 ... يزيد بن فندين اليفراني النكاري ( أبو قدامة ) ... 40
170 ... يسجا بن يوجين اليراسني ( أبو مسور ) ... 124
171 ... يصلتين الأدوناطي النفوسي ( أبو مسور ) ... 112
172 ... يصليتن التوكيتي ( أبو زكريا ) ... 32
173 ... يعقوب بن أفلح بن عبد الوهاب ... 64
174 ... يعقوب بن سليوس الطرفي السدراتي ( أبو يوسف ) ... 139
175 ... اليقظان بن محمد بن أفلح بن عبد الوهاب ... 67
176 ... يوسف بن إبراهيم الوارجلاني ( أبو يعقوب ) ... 101
فهرس البلدان
المسلسل ... البلد ... الصفحة
1 ... إجناون أو إجنًّاون ... 109
2 ... أدوناط ... 112
3 ... أريغ ... 126
4 ... آسيا ... 177
5 ... الإسكندرية ... 83
إفاطمان ... 128
7 ... إفريقيا ... 44
إمارة بني دمر ... 157
9 ... أمرساون ... 210
أمسنان ... 130 (2/86)
صفحة 587
11 ... إنجان ... 125
12 ... الأندلس ... 44
13 ... أوروبا ... 177
14 ... البحر المتوسط ... 69
15 ... البصرة ... 83
16 ... بغداد ... 83
17 ... بلاد السودان ... 73
18 ... تاصروت ... 123
19 ... تلاليت ... 122
20 ... تلمسان ... 44- 45
21 ... تمصمص ... 112
22 ... تملوشايت ... 192
23 ... تمولست ... 130
24 ... تندميرة ... 109
25 ... تنس ... 81
26 ... تنين أندرشل ... 111- 112
27 ... تين ورزيرف ... 112
28 ... تيهرت ... 30 ، 91- 93
29 ... جبال الأوراس ... 111
30 ... جبل دمر ... 40- 41
31 ... جبل نفوسة ... 29
32 ... جربة ... 42
33 ... الجزائر ... 74
34 ... الحامة ... 126
35 ... حضرموت ... 170
36 ... دار الكنيسة ... 88
37 ... دمشق ... 83
دولة بني مدرار أو دولة بني واسول ... 44
( المداريون )
39 ... الدولة الرستمية ... 29
40 ... الرهادنة ... 79
41 ... زَاغَرِى ... 161
42 ... زويلة ... 76
43 ... الساحل ... 114
44 ... سجلماسة ... 82
45 ... سدراته ... 182
46 ... سرت ... 42
47 ... سوف ... 126
48 ... سوق إبراهيم ... 79
49 ... سوق ابن حبلة ... 79
50 ... سوق ابن مبلول ... 79
سوق كرام أو كران أو كرا أو كرتاية ... 79
52 ... شروس ... 71
53 ... طرابلس ... 35
54 ... طليطلة ... 210
55 ... العباسية ... 53
56 ... العراق ... 51
57 ... عُمان ... 29
غانا ... 83- 84
59 ... غدامس ... 111
60 ... فاس ... 82
61 ... فزان ... 114
62 ... قابس ... 42
63 ... قرطبة ... 88
قسطيلية أو قصطيلية أو قصطاليا ... 73
( بلاد الجريد )
65 ... قصر المثلث ... 88
66 ... قطرس ... 192
67 ... قنطرار أو قنطرارة ... 51
68 ... القيروان ... 61
69 ... كوكو أو جوجو أو صوصو ... 52
لواته ... 40
71 ... ليبيا ... 109
72 ... مالي أو ملل ... 160
مدشر ... 225
74 ... مرسى فروخ ... 77
75 ... مساكن ... 177
76 ... المشرق ... 44
77 ... مصر ... 44
78 ... المغرب ... 44
79 ... مغمداس ... 128
80 ... مانو ... 36
81 ... ميري أو تيري ... 122
82 ... نالوت ... 111
83 ... نفزاوة ... 53
84 ... نهر مينة ... 88
85 ... وادي ميزاب ... 115
86 ... وارجلان ... 73
وهران ... 77
88 ... ويغو ... 109
89 ... يفرن ... 210
90 ... اليمن ... 178
فهرس الأديان والمذاهب
المسلسل ... الديانة - المذهب - القبيلة ... الصفحة
1 ... الإباضية ... 44
2 ... الأشوريون ... 293
3 ... الأغالبة ... 42
الأمويون ... 43- 44
بنو برزال ... 156
بنو سامة ... 63
بنو مسالة ... 40
بنو واسين ... 157
بنو يراسن ... 124
الحسينية ... 310
الخوارج ... 94- 95
زناته ... 64
زواغة ... 64
الزيدية ... 309- 310
السبئية ... 290
الشراة ... 45
الشكاك ... 298
18 ... الشيعة ... 310
19 ... الصَّابِئونَ ... 292
صَغَنْغُو ... 161 (2/87)
صفحة 588
21 ... الصفرية ... 290
العباسيون ... 41
3 ... الفرس ... 293
24 ... الكوفيون ... 141
25 ... المالكية ... 141
26 ... المجوس ... 293
27 ... المداريون ... 44
28 ... المرجئة ... 294
29 ... المسودة ... 163
30 ... النصارى ... 292
31 ... النكاث ... 116 - 117
32 ... هوارة ... 105
33 ... الواصلية (المعتزلة) ... 34
34 ... اليهود ... 292
35 ... اليونانيون ... 298
فهرس المحتويات
المسلسل ... الموضوع ... الصفحة
1 ... الإهداء ... 9
2 ... الشكر ... 11
3 ... توطئة بقلم الشيخ أحمد مهني مصلح ... 13
4 ... مقدمة ... 17
5 ... الفصل الأول: عصر الشيخ عمروس ... 27
6 ... تمهيد ... 29
7 ... المبحث الأول: الوضع السياسي في عصر الشيخ عمروس ... 39
8 ... المطلب الأول: الوضع السياسي في عهد الإمام عبد الوهاب ... 39
9 ... المطلب الثاني: الوضع السياسي في عهد الإمام أفلح ... 48
10 ... المطلب الثالث: الوضع السياسي في عهد الإمام أبي بكر بن أفلح ... 56
11 ... المطلب الرابع: الوضع السياسي في عهد الإمام أبي اليقظان ... 60
12 ... المطلب الخامس: الوضع السياسي في عهد الإمام أبي حاتم ... 64
13 ... المبحث الثاني: الوضع الاقتصادي والاجتماعي في عصر الشيخ عمروس ... 69
14 ... تمهيد ... 69
15 ... المطلب الأول: الزراعة والرعي ... 70
16 ... الزراعة ... 70
17 ... الرعي ... 74
18 ... المطلب الثاني: الصناعة في الدولة الرستمية ... 76
19 ... المطلب الثالث: التجارة في الدولة الرستمية، وأسواقها ... 79
20 ... المطلب الرابع: العمارة في الدولة الرستمية ومستوى المعيشة ... 85
21 ... المبحث الثالث: الوضع الثقافي في عصر الشيخ عمروس ... 89
22 ... تمهيد ... 89
23 ... المطلب الأول: أئمة الدولة الرستمية واهتمامهم بالنهضة العلمية ... 91
24 ... المطلب الثاني: جبل نفوسة والحركة العلمية فيه ... 109
25 ... المطلب الثالث: المؤسسات التعليمية في عصر الشيخ عمروس ... 120
26 ... أولا: المساجد ... 120
27 ... ثانيا: الكتاتيب ... 126
28 ... ثالثا: المكتبات ... 128
29 ... المطلب الرابع: العلوم المتداولة في عصر الشيخ عمروس وأبرز العلماء في عصره ... 132
30 ... المطلب الخامس: وضع المرأة العلمي والفكري في عصر الشيخ عمروس ... 146 (2/88)
صفحة 589
31 ... المطلب السادس: العلاقات الثقافية بين المغرب والمشرق وبلاد السودان في عصر الشيخ عمروس ... 153
32 ... أولا: العلاقة الثقافية مع بلاد المغرب والأندلس ... 153
33 ... ثانيا: العلاقات الثقافية مع بلاد السودان ... 159
34 ... ثالثا: العلاقة الثقافية مع المشرق العربي ... 162
35 ... الفصل الثاني: السيرة الشخصية للشيخ عمروس ... 173
36 ... تمهيد ... 175
37 ... المبحث الأول: اسمه ونسبه ... 177
38 ... المبحث الثاني: مولده ونشأته ... 185
39 ... المطلب الأول: مولده ... 185
40 ... المطلب الثاني: نشأته ... 192
41 ... المبحث الثالث: صفاته وأخلاقه ... 199
42 ... المبحث الرابع: حالته المادية ... 203
43 ... المبحث الخامس: أسرته ومن برز منها ... 205
44 ... المطلب الأول: أبوه ... 205
45 ... المطلب الثاني: أمه ... 206
46 ... المطلب الثالث: أخته ... 206
47 ... المطلب الرابع: أخوه ... 207
48 ... المطلب الخامس: زوجته وأولاده ... 208
59 ... المبحث السادس: هل هناك عمروس غيره؟ ... 209
50 ... الفصل الثالث: السيرة العلمية والعملية للشيخ عمروس ... 211
51 ... تمهيد ... 213
52 ... المبحث الأول: الشيخ عمروس والعلم (شيوخه وتلاميذه) ... 215
53 ... المطلب الأول: شيوخه وطلبه للعلم ... 215
54 ... المطلب الثاني: تدريسه وتلاميذه ... 224
55 ... المبحث الثاني: مكانته العلمية وجهوده الدعوية ... 233
56 ... المطلب الأول: مكانته العلمية ... 233
57 ... المطلب الثاني: جهوده الدعوية ... 238
58 ... المبحث الثالث: آثار الشيخ عمروس (مؤلفاته وفتاويه ومناظراته) ... 241
59 ... المطلب الأول: مؤلفاته ... 241
60 ... المطلب الثاني: فتاويه ... 244
61 ... المطلب الثالث: مناظراته ... 249
62 ... المبحث الرابع: اشتغاله بالقضاء، ونماذج من أحكامه ... 253
63 ... المبحث الخامس: موقعة " مانو " واستشهاده ... 257
64 ... المطلب الأول: أسباب موقعة " مانو " وأحداثها ... 257
65 ... المطلب الثاني: استشهاد الشيخ عمروس ... 263
66 ... الفصل الرابع:?منهج?الشيخ?عمروس?خلال?الدينونة?الصافية ... 267
67 ... تمهيد ... 269
68 ... المبحث الأول: التعريف بكتاب الدينونة ... 271
69 ... المطلب الأول: هل الكتاب مطبوع ... 271 (2/89)
صفحة 590
70 ... المطلب الثاني: حجمه وصفحاته ... 272
71 ... المطلب الثالث: نسبته إلى صاحبه ... 272
72 ... المطلب الرابع: إثبات عنوان الكتاب ... 275
73 ... المطلب الخامس: الباعث?على?تأليفه ... 276
74 ... المطلب السادس: محتويات الكتاب ... 276
75 ... المطلب السابع: أهمية الكتاب من الناحية العلمية ... 277
76 ... المطلب الثامن: مصادر الكتاب ... 279
77 ... المبحث الثاني: تعريف المصطلحات ... 281
78 ... المطلب الأول: تعريف المنهج ... 281
79 ... المطلب الثاني: تعريف الفقه ... 281
80 ... المطلب الثالث: تعريف العقيدة و التوحيد وأصول الدين، وعلم الكلام ... 283
81 ... تعريف العقيدة لغة واصطلاحا ... 284
82 ... تعريف التوحيد لغة واصطلاحا ... 285
83 ... تعريف أصول الدين لغة واصطلاحا ... 286
84 ... تعريف علم الكلام لغة واصطلاحا ... 287
85 ... المبحث?الثالث???منهج?الشيخ?عمروس?في?عرض?وترتيب?مسائل?أصول?الدين???العقيدة?? ... 289
86 ... المطلب?الأول???منهجه?في?بناء?الأبواب?والفصول?وترتيبها ... 289
87 ... المطلب?الثاني???مسائل أصول الدين التي تعرض لها في الدينونة ... 291
88 ... المطلب الثالث: منهجه?الاستدلالي?على?مسائل?الأصول ... 301
89 ... يستدل بالقرآن الكريم ... 301
90 ... استدلاله بالسنة ... 303
91 ... استدلاله بالاجماع ... 304
92 ... استدلاله بأقوال العلماء ... 305
93 ... استدلاله بالعقل ... 305
94 ... بعض المصطلحات التي استخدمها في قسم العقيدة ... 306
95 ... المطلب الرابع: ملاحظات أخرى على منهجه في العقيدة ... 311
96 ... المبحث?الرابع???منهج?الشيخ?عمروس?في?عرض?وترتيب?المسائل?الشرعية? ... 319
??الفقه??
97 ... المطلب?الأول???منهجه?في?بناء?الأبواب?والفصول?وترتيبها ... 319
98 ... المطلب?الثاني???المسائل?الفقهية?التي?تعرض?لها?في?الدينونة ... 321
99 ... المطلب?الثالث???منهجه?الاستدلالي?على?المسائل?الفقهية ... 333
100 ... استدلاله بالقرآن الكريم، ومنهجه اتجاهه ... 333
101 ... منهجه تجاه السنة ... 338
102 ... موقفه من الإجماع ... 344
103 ... المطلب الرابع: استخدامه لبعض القواعد الأصولية ... 346
104 ... المطلب الخامس: ملاحظات أخرى على منهجه الفقهي ... 350 (2/90)
صفحة 591
105 ... الخاتمة ... 359
106 ... فهرس المصادر والمراجع ... 367
107 ... فهرس الآيات ... 379
108 ... فهرس الأحاديث والآثار ... 387
109 ... فهرس الشعر والنظم ... 389
110 ... فهرس الأعلام ... 393
111 ... فهرس البلدان والأماكن ... 401
112 ... فهرس الأديان والمذاهب والقبائل ... 405
113 ... المحتويات ... 407
تم بحمد الله (2/91)