صفحة 1
الكتاب: الشيخ محمد بن إبراهيم الكندي وجمعه بيْن الفقه والأدب
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] المرحوم الكندي وجمعه بين الفقه والأدب
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله السميع البصير العليم الخبير الذي وسع كل شيء علما، وأوسع كل شيء حادثا علما، سبحانه هو الحكيم فيما أمر به، وفيما ينهي عنه، لا تبديل لكلماته، ولا راد لحكمه ولا معقب لقضائه، هو الأول والآخر والظاهر والباطن.... وهو بكل شيء عليم، إليه وأومن به وأتوكل عليه، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله، أرسله الله هاديا إلى الخير، وداعيا إلى الله ومعلما من الجهالة ومنقذا من الضلالة فبلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وكشف الغمة.. صلوات الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين وعلى تابعيه بإحسان إلى يوم الدين.
صاحب المعالي الأخ العزيز: سالم بن عبدالله الغزالي وزير المواصلات وراعي هذا الحفل... أصحاب الفضيلة والسعادة... أيها الأخوة الحضور السلام عليكم جميعا ورحمة الله وبركاته.
أما بعد:
فإننا سعداء جميعا أن نلتقي في هذا المنتدى الأدبي والصرح الفكري الذي تشع من جنباته علينا أنوار المعرفة بين حين وآخر في ظلال ذكريات العلماء والنابغين وإننا لسعداء بأن يكون لقاؤنا هذا وعماننا العزيزة تتفيأ ظلال عام التراث الذي أراده بأني هذه النهضة حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم أن يكون مدرسة للجيل الجديد بحيث يتتلمذ فيه على ذلك السلف العظيم ليكون هذا الخلف صورة من ذلك السلف وليكون هذا الحاضر امتدادا لذلك الماضي وليضم الطارف من الأمجاد إلى تليدها (1/1)
صفحة 2
فشكرا لهذه النهضة على هذه الغاية البالغة بهذا التراث الإسلامي الوطني وشكرا لوزارة التراث القومي والثقافة وعلى رأسها صاحب السمو السيد فيصل بن علي آل سعيد وزير التراث القومي والثقافة على هذه العناية لإبراز هذا التراث بعدما ينفض عنه ما تراكم عليه من غبار الزمن عبر القرون المتتالية وشكرا لكل من ساهم في بناء هذه النهضة والسير قدما بهذا الركب في ظلال الحضارة الإسلامية وفي طريق الهداية الربانية وأسأل الله- تبارك وتعالى- أن يبارك في هذه الجهود جميعا وأن يكللها بالنجاح.
هذا ولئن كان الناس جميعا يعتزون بتراثهم الخالد ويحرصون على الارتباط بسلفهم العظيم فإن ذلك- بطبيعة الحال- يتوقف على دراسة هذا التراث والإطلاع على معالمه والخبرة بسير السلف الصالح الذين حملوا بأيديهم مشاعل الهداية؛ ليلوحوا بها في وسط الدياجير المظلمة ؛ لأجل استنارة هذه الإنسانية بالهدى حتى تعرف أين تضع أقدامها وتسير في درب السلامة إلى سلامة الدنيا وسعادة الآخرة. حيث تتفيأ في هذه الدنيا ظلال الكرامة وتتفيأ في الدار الآخرة رضوان الله عز وجل في جنة عالية عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين ولا ريب أن العلماء الأعلام الذين تركوا بصماتهم واضحة في تاريخ الحضارة الإسلامية هم أولى بأن تدرس سيرتهم وأن تدرس آثارهم، ومن بين هؤلاء العلماء الذين تحتفي بهم السلطنة هذا العالم الجليل الشيخ العلامة محمد بن إبراهيم الكندي السمدي النزوي- رحمه الله تعالى- الذي ترك كثيرا من الآثار التي يصدق عليها قول الشاعر:
تلك آثارنا تدل علينا
فانظروا بعدنا إلى الآثار (1/2)
صفحة 3
ولو لم يكن له إلا ذلك الكتاب الجامع الذي سمي " بيان الشرع الجامع من علوم الإسلام الأصل والفرع"- وهو أسم طابق مسماه- فكفاه مزية وفضلا أن جمع بين دفتيه شتات العلوم وأنواع المعرفة، فهو حقا موسوعة كبرى تجمع بين الفقه والعقيدة والأدب والأخلاق، فكيف وقد أسهم بمؤلفات أخرى تدل على علو كعبه ورسوخ قدمه وقوة بيانه وسطوع حجته فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خيرا
ولا ريب أن مما تعتز به هذه الأمة الإسلامية بأسرها أن الله- تبارك وتعالى- جعل لها في دينها الحنيف وفيها شرع لها من أحكام ما يغنيها عن الغير فإن الله- تبارك وتعالى- أرسل رسوله محمدا- صلى الله عليه وسلم- بكتابه الكريم، وأمره- صلوات الله وسلامه عليه- أن يبين للناس ما خفي عليهم من مجملات هذا القرآن الكريم وأن يوضح مبهماته فإنه- عليه أفضل الصلاة والسلام- أعلم الناس بما أنزل عليه كيف لا؟ والله- تبارك وتعالى- اختاره لهذه المهمة الكبرى وناط به هذه الأمانة العظمى ووكل إليه تفسير هذا الكتاب العزيز عندما قال له:? وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نُزل إليهم? (1/3)
صفحة 4
فهو- صلوات الله وسلامه عليه- أعلم الناس بمسالك التأويل ومقاصد التنزيل وهو- صلوات الله وسلامه عليه- لا ينطق عن الهوى إنما ينطلق في حديثه عن وحي الله- تبارك وتعالى- في كل جزئية من الجزئيات، حديثه وحي يوحى، وإن كل هذا الوحي ليس وحيا ظاهرا كالقرآن. فإن سنته- صلى الله عليه وسلم- وحي باطن من الله- تعالى- ولذلك جعل الله- عز وجل- طاعته- صلى الله عليه وسلم- من طاعته سبحانه فقد قال:? من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا? فالرسول- صلى الله عليه وسلم- تجب طاعته كما تجب طاعة الله- تبارك وتعالى- سواء في حياته أو بعد مماته، وسنته- صلى الله عليه وسلم- هي المصدر الثاني من مصادر التشريع عند هذه الأمة، فإنه عليه أفضل الصلاة والسلام ما جاءت سنته إلا لتبيان مجملات القرآن الكريم، وإيضاح مبهماته وبيان ما لم يذكر في القرآن الكريم تفصيلا، من أحكام الله- سبحانه وتعالى- التي تتعلق بتصرفات العباد في هذه الحياة فإن جميع أعمال الناس في الإسلام مضبوطة بقواعد الشرع، ومقيدة بقيود الحكم الرباني الذي أنزله الله- تبارك وتعالى- على نبيه- صلى الله عليه وسلم- ليكون هدى وذكرى للعالمين.
وبعده عليه أفضل الصلاة والسلام حمل أصحابه- رضي الله عنهم- هذا المشعل مشعل الهداية، واضطلعوا بهذه الأمانة حتى سلموا هذا الدين صافيا كما جاء من عند الله إلى التابعين وهكذا تعاقبت الأجيال على حمل هذه الأمانة وصدق على واقع هذه الأمة ما قاله الرسول- صلى الله عليه وسلم- عندما قال:" يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وتحريف المبطلين وتأويل الجاهلين" (1/4)
صفحة 5
ففي كل خلف توجد طائفة من العلماء هي حجة فيما بين الله- تبارك وتعالى- وخلقه، هذه الطائفة تضطلع بأمانة البحث في أحكامه سبحانه والتفتيش في خفايا نصوص الكتاب ونصوص السنة النبوية عن هذه الأحكام حتى يبينوا للناس ما شرع لهم ليكون الناس على بينة من أمرهم فيما يأتون وما يذرون فلا يتصرفوا في حياتهم وفق ما يملي عليهم الهوى وقد آتى الله- عز وجل- هؤلاء الذين اختارهم لحمل هذه الأمانة وجعلهم أوعية لهذا النور، ما هيأهم لذلك فقد أكرمهم الله- سبحانه- بأن جعلهم ثاقبي الفهم، عميقي الإدراك يدركون مقاصد الشرع ويفهمون حكم الأحكام ويطلعون على أبعاد ما جاء به الرسول- صلى الله عليه وسلم- من عند الله وما شرع لهذه الأمة من ديننا من جامع لا يخفى على ذوي البصائر وآتاهم الله- تعالى- فهما بمقاصد الشريعة الغراء فلذلك كانوا دقيقي الإدراك عندما يستنبطون الأحكام لمقاصد الشريعة وبذلك جاءت تلك الاجتهادات منهم وفق مصالح العباد ولله الحمد.
وإن ميزة هذا الفقه الإسلامي أن جعل الله- تبارك وتعالى- فيه من الكنوز ما يكفي للمستجدات في هذه الدنيا فكل ما تفرزه التطورات في الحياة البشرية من مشكلات توجد له حلول في الفقه الإسلامي وإنما يقوى على استخراج هذه الكنوز من معادنها أولئك العلماء النابغون والفقهاء المحققون الذين آتاهم الله- عز وجل- بسطة في العلم. (1/5)
صفحة 6
ومع كون الأمة الإسلامية تشترك جميعا في حمل أمانة التكليف فإن كل فرد من أفرادها مكلف من قبل الله- تبارك وتعالى- أن يعبد الله على بصيرة وكل واحد من أفراد هذه الأمة مطالب بأن يلتزم بأوامر الشرع وألا يتجاوز حدود ما أنزل الله. إلا أن هناك بيئات متفاوتة قد تحدث فيها مشكلات متنوعة حسب تفاوتها. فقد توجد طائفة من المشكلات في بيئة ما ولا توجد تلك الطائفة في بيئة أخرى. وهذا كله من حكمة الله- سبحانه وتعالى- ليتفكر العباد في حكمة الله وليدركوا كيف أمكن لعلماء هذه الأمة أن يحتووا هذه المشكلات بأسرها التي أفرزتها بيئات متباينة. مع أن الشريعة السمحاء نزلت على النبي- صلى الله عليه وسلم- في بيئة خاصة وأنه- عليه أفضل الصلاة والسلام- لم يخرج من تلك البيئة إلى خارجها لدراسة أوضاع البشرية ولا كان النبي- عليه أفضل الصلاة والسلام ليتسع لهذا العالم بأسره ويتجاوز جميع الحدود الزمانية والمكانية وقد عني العلماء الذين وجدوا في كل بيئة من هذه البيئات بدراسة مشكلات تلك البيئة الخاصة فوجدوا لها حلولا في هذه الشريعة الغراء.
ونحن نذكر على سبيل المثال بيئتنا العمانية التي لها طبيعة خاصة ومناخ خاص ولذلك نجد في الفقه الذي اضطلع بحمله الفقهاء العمانيون ودونوه في أسفارهم ونقلوه إلى الأجيال من بعدهم دراسة دقيقة لما يكتنف هذه البيئة من مشكلات (1/6)
صفحة 7
فعلى سبيل المثال نحن نقول بأن الفقه يشمل كل باب من أبواب التعامل البشري ولا يحتاج الناس إلى غيره فإن به الخير وفيه الهدى وقد أشرق عليه نور من الله وعلى سبيل المثال نذكر المشكلات الزراعية في بلادنا عمان. فهناك بعض الأشياء التي لا توجد في البلاد الأخرى كالري من الأفلاج حيث يسقى بها الغرس بطريقة خاصة لعلها من النادر أن يوجد مثلها في البلاد الإسلامية الأخرى. وقد جاء الفقهاء في مؤلفاتهم وفي فتاواهم وفي بحوثهم بدراسة دقيقة عميقة لما يكتنف وضع هذه الأفلاج من مشكلات بحيث حددوا مقاسات أحرامها سواء من حيث إنشاء أفلاج أخرى أو إنشاء آبار بجوارها أو إنشاء مباني أو غرس أو غير ذلك، كل ذلك مما بحثوه بحثا دقيقا وكذلك تحدثوا عن تقسيم مياهها وتحدثوا بجانب ذلك أيضا عما يترتب على الاشتراك فيها من حقوق كحقوق الاشتقاق للمبيع وكل هذا لا يكاد يوجد له ذكر بهذه الدقة في غير المؤلفات العمانية للبيئات الأخرى أيضا ظروفا خاصة وهذه الظروف أفرزت مشكلات خاصة والفقهاء الذين نشأوا في تلك البيئات تحدثوا عن تلك المشكلات وعما يجب أن يوضع لها من حلول وفق ما تقتضيه الشريعة الإسلامية مراعين قواعد الشرع ومقاصده في ذلك.
والفقهاء الذين ألفوا في المجالات الفقهية متفاوتون في الإنتاج فمنهم من درس مشكلات خاصة في ظروف خاصة، ومنهم من كان أوسع بحثا بحيث تناول جوانب متعددة من هذه المشكلات ومنهم من تناول جوانب أوسع حتى تناول الأبواب الفقهية بابا بابا،وعلماؤنا العمانيون الذين تناولوا هذه الجوانب هم كثر، ولكن المؤلفات التي بقيت في أيدينا والتي يصدق عليها أنها موسوعات فقهية تتناول أبواب الفقه بأسرها بابا بابا. هذه المؤلفات التي بقيت في أيدينا إلى اليوم، مؤلفات قليلة، إذا ما نظرنا إلى الجهد الكبير الذي بذله العلماء المحققون الباحثون في هذه المجالات الواسعة. (1/7)
صفحة 8
وفي تراجم العلماء السابقين يوجد ذكر مؤلفات كثيرة واسعة يصدق عليها أنها موسوعات فقهية. ومن بين هذه المؤلفات جامع الإمام محمد بن محبوب- رحمه الله تعالى- فإنه ذكر بأنه كان في سبعين جزءا ومحمد بن محبوب من العلماء العريقين في العلم والمعرفة فإنه تسلسل من أسرة علمية أخذت العلم كابرا عن كابر، على أنه من العلماء الذين ينتسبون إلى صحابة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إذ كان جده أحد الصحابة وهو سيف بن هبيرة القرشي الذي تسلسل في ذريته علماء أعلام جمعوا بين العمق في الفقه والورع في الدين، فأسرته كلها أسرة علم. وقد ولد الإمام محمد بن محبوب في أواخر القرن الثاني الهجري ومات في القرن الثالث الهجري ولكن لا نكاد نجد شيئا من هذا السفر الكبير، وإنما نجد للإمام ابن محبوب بعض الرسائل التي تبحث مواضيع معينة. وهذا السفر الكبير الذي يذكر أنه في سبعين جزءا ما بقي إلا ذكره في التراجم وقد رأيت العلامة البدر الشماخي- رحمه الله تعالى- في كتابه " السير" وهو من علماء جبل نفوسة في القطر الليبي ذكر عندما تحدث عن أحد العلماء وترجم له بأنه أحضر إليه جزء واحد من هذا المؤلف الجليل جامع ابن محبوب. وكان هذا الجزء خاصا بأحكام الحيض فكان القارئ يقرأ على ذلك العالم المغربي ما يقرأ من هذا الكتاب كلما أتى على مسألة، قال ذلك العالم:" هذا هو الفقيه المحقق" وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على ما كان يزخر به ذلك الكتاب من ثروة علمية واسعة ولكن هذه الثروة تلاشت مع الأسف الشديد بمرور الزمن. (1/8)
صفحة 9
كذلك ابنه بشير بن محمد بن محبوب ألف كتابا وهو كتاب " الخزانة" ولعل اسمه دليل على مسماه فإن هذه الخزانة لا تحتوي إلا على كنوز العلم، وهذا الكتاب أيضا يذكر بأنه كان في سبعين سفرا ككتاب أبيه، ولكن لم تبق له بقية وإنما بقيت بعض المؤلفات الأخرى لبشير بن محمد بن محبوب. وكذلك كتاب أبي سفيان محبوب بن الرحيل والد الإمام محمد بن محبوب لم يبق إلا ذكره، ومؤلفات أخرى هي مؤلفات موسوعية ضاعت بمرور الزمن ككتاب الإمام أبي علي موسى بن علي الذي كان أحد شيوخ الإسلام في هذا القطر في أوائل القرن الثالث الهجري.
ومما بقي من هذه الموسوعات الفقهية الكبرى الواسعة كتاب" بيان الشرع الجامع من علوم الإسلام الأصل والفرع" للمحتفى به الإمام العلامة أبي عبدالله محمد بن إبراهيم الكندي- رحمه الله- وكذلك كتاب " المصنف" الذي يعد اختصارا لكتاب بيان الشرع، وهو لابن عمه الشيخ أبي بكر أحمد بن موسى الكندي ولأحد أبناء عمومته أيضا كتاب آخر يسمى" الكفاية" وهو في (51) جزءا ولكنه أيضا من الكتب التي أتى عليها الزمن، ومما بقي من هذا الصنف كتاب" منهج الطالبين" ويذكر أيضا كتاب " التاج " للعلامة عثمان بن عبدالله الأصم، ولكننا لم نطلع إلا على نقول منه في قاموس الشريعة والله أعلم إن كانت توجد أجزاء متناثرة منه في أيدي بعض الناس إلى وقتنا هذا، وهو يقع أيضا في (51) جزءا. (1/9)
صفحة 10
هذه المؤلفات تناولت- كما قلت- القضايا الفقهية المتنوعة بل لم تقتصر على القضايا الفقهية، فإذا نظرنا إلى " بيان الشرع" الذي يقع في(72) جزءا أو في ( 73) جزءا وجدنا أنه ليس موسوعة فقهية فقط، بل هو موسوعة علمية شاملة، لأنه كتاب يتناول قضايا متعددة منها ما يتعلق بحياة الإنسان. أولها: قضية العقيدة، وقد تناول هذا الكتاب جانب العقيدة وأشبعه بالبحث والعرض والتحليل، وكذلك تناول قضايا العبادات وهي من أبواب الفقه، فتناول الأبواب الخاصة بها وبملابساتها بابا بابا، ثم بعد ذلك دخل في الأخلاق، ودخل في المعاملات وعندما يستشهد بالآيات القرآنية يتعرض أيضا لتفسير هذه الآيات، ومع جانب كونه اشتمل على الأبواب الفقهية، وتناول المشكلات المتعددة المتنوعة فإنه أيضا كتاب أدبي، فهو كتاب يحتوي على جانب لا يستهان به من الأدب وفيه كثير من الشواهد الشعرية كما فيه التحليل للكلمات العربية. ولا ريب أن كل ذلك شاهد على طول باع المؤلف وعلى سعة صدره وقدرته على الاستقصاء والمقارنة حتى استوعب هذه العلوم الكثيرة فنجده ينقل عن الأصمعي وأبي عمرو بن العلاء والكسائي والفراء وآخرين من أئمة العربية ونجده في مجال التفسير ينقل- أيضا- عن كثير من المفسرين ومن المراجع التي اعتمد عليها في التفسير ونقل عنها كتاب تهذيب البيان في تفسير القرآن للإمام أبي عبدالله محمد بن أحمد اللخمي النحوي، وهو اختصار للتفسير الكبير للإمام المفسرين ابن جرير الطبري. (1/10)
صفحة 11
هذا، وفي المسائل الفقهية وغيرها ينقل عن علماء هذه الأمة من لدن الصحابة والتابعين فمن بعدهم إلى عصره وهو ينقل عن الكثير الكثير من العلماء ويتعرض كثيرا لأقوال علماء الأمصار ومن بينهم علماء المدائن والآثار ويعتمد في ذلك كثيرا على كتاب " الأشراف" للعلامة ابن منذر النيسابوري، وهو كتاب جليل حوى كثيرا من أقوال علماء هذه الأمة وقد تناوله بالتعليق الإمام العلامة أبو سعيد محمد بن سعيد الكدمي المشهور عندنا في عمان بإمام المذهب.
ونجد موسوعة الشيخ الكندي هذه حافلة بالنقل عن الذين سبقوه من علماء المذهب من أمثال: جابر بن زيد وأبي عبيدة وأبي نوح صالح الدهان، وأبي الحر علي بن الحصين، وأبي مودود حاجب بن مودود، وضمام بن السائب ، وسالم الهلالي، والربيع بن حبيب، وأبي أيوب وائل بن أيوب الحضرمي، ومحبوب بن الرحيل وأبي علي موسى بن علي، وجده( جد أبي علي) العلامة موسى بن أبي جابر السامي النزواني وغيره من حملة العلم في عمان وهم: بشير بن المنذر النزواني، ومحمد بن المعلى الفحشي، ومنير بن النير الجعلاني إلى من بعدهم من الفقهاء، حتى فقهاء زمانه، وهو ينقل عن هؤلاء الفقهاء جميعا من غير تمييز. وكما سمعنا بالأمس من الباحث الأول( ) عن الشقاق الذي حصل بين علماء عمان بسبب الفتنة الناجمة عن خلع الإمام الصلت بن مالك، فهذه الفتنة فرقت العلماء إلى قسمين، تشدد فيها بعضهم وتسامح آخرون، فالعلماء الذين عاشوا في تلك الفترة- فترة وقوع هذه الفتنة- نظروا إليها من وجوه متباينة فمنهم من نظر إلى أن القائمين بعزل الإمام الصلت بن مالك ما أرادوا أن يقضوا على إمامته، إنما أرادوا المحافظة على كيان الإمامة، وما دفعهم إلى ذلك القيام إلا ما وجدوه فيه من الضعف بسبب شيخوخته وثقل سمعه، وضعف بصره وعجزه عن الاضطلاع بهذه الأمانة والإمام بنفسه عندما أحس بذلك اعتزل بعد ما جاءوا إليه وانتقل إلى دار ولده شاذان. (1/11)
صفحة 12
أما الفريق الآخر فكان فريقا ينظر إلى هؤلاء على أنهم بغاة خارجون عن الإمام العادل وأنهم جديرون بالمقاومة، وأنهم ما كانوا ينشدون الحق في خروجهم هذا ، وإنما دفعتهم الأطماع في المناصب والرغبة في الاستيلاء على السلطة، فلذلك قاموا بما قاموا به وقد أدى هذا كله إلى تأليف رسائل متعددة في هذا الموضوع ومعظم هذه الرسائل تضمن خلاصتها كتاب" بيان الشرع" فمعظم الجزء الرابع منه بحث هذه الرسائل، فتناولها نقلا ونقدا، وهي متباينة الاتجاه فبعضها يبرر حركة هؤلاء القائمين كالرسائل التي ألفها الإمام أبو جابر محمد بن جعفر الازكوي، وطائفة أخرى من العلماء وهناك رسائل أخرى كانت تمثل الاتجاه الآخر المعروف بالتشدد تجاه هؤلاء كالرسائل المأثورة عن الإمام أبي المؤثر الصلت بن خميس وأبي قحطان الهجاري وغيرهما.
مع هذا كان هناك شيء من الوفاق العام بجانب هذا الاختلاف الجزئي، حتى ظهر بعض الذين غلوا في التشدد وقالوا بأن على الناس جميعا أن يدرسوا هذه الفتنة لينزلوا كل واحد منزلته في الولاية أو البراءة ولا يعذر جاهل ذلك وكان رائد هؤلاء المتشددين العلامة أبو مالك غسان بن الخضر الصلاني، نسبة إلى صلان وهي قرية بولاية صحار نزلها بعد انتقاله من موطنه الأصل مدينة بهلا بداخلية عمان.
وتبنى هذا المذهب من بعده تلميذه الكبير العلامة ابن بركة كما تبناه تلاميذ ابن بركة وفي مقدمتهم العلامة أبو الحسن علي بن محمد البسياني.
أما الفريق المقابل لهذا فكان على رأسه العلامة محمد بن روح النزوي، وتبنى مذهبه من بعده تلميذه العلامة الكبير أبو سعيد محمد بن سعيد الكدمي- رحمه الله- الذي انتصر لهذا المذهب أيما انتصار وألف في ذلك كتاب الاستقامة بأسره وقد طبع في جزئين، حرص فيه على رد شبهات الغلاة المتشددين من أجل أن يحمل الناس على التسامح حتى لا يركبوا الشطط في دينهم. (1/12)
صفحة 13
وهو من العلماء الذين يميلون إلى التسامح كثيرا وله في ذلك جملة مأثورة وهو أوردها صاحب بيان الشرع وسمعت أحد مشائخنا من أهل المغرب يقول فيها بأنها دليل على عمق فهم قائلها وغزارة علمه ونفاذ بصيرته:-
" ليس العالم من حمل الناس على ورعه ولكن العالم من أفتى الناس بما يسعهم في دينهم".
وقد بنى عليها أرائه الفقهية.
وكتاب بيان الشرع حافل بآراء الإمام أبي سعيد وبنصوص كلامه، والإمام المحتفى به محمد بن إبراهيم النزوي كان من هذه الطائفة التي تميل إلى التسامح والتي سميت من بعد بالطائفة النزوانية. وقد استمر الخلاف بين هاتين الطائفتين إلى عهد الإمام ناصر بن مرشد- رحمه الله تعالى- فانتهى الخلاف إلى الوفاق الذي عم جميع أهل عمان.
وقد أشار إلى ذلك إمامنا السالمي- رحمه الله- عندما قال بعدما ذكر هذه الفتنة التي اصطلى أهل عمان سعيرها:
من أجلها أهل عمان افترقوا
حزب أبي سعيد الموفق
وحزبهم لم يبق منه أحد
إذ ليس تخلو الأرض من محق
ذهابهم بسبب الإمام
سليل مرشد فكان ناصرا
حزبين فاز بعضهم ووفقوا
على الهدى ومن بري منه شقى
ذهابهم بالحق فينا يشهد
يكون فيها قائما بالحق
ناصرنا المرشد للأنام
ومرشدا في الدين رشدا ظاهرا
وعندما تناول العلامة محمد بن إبراهيم هذه الرسائل التي بحثت هذه القضايا المتعلقة بالفتنة الناجمة في عمان في الجزء الرابع من هذا الكتاب لم يكن ناقلا فحسب بل كان ناقدا... فقد تناولها بالتعليق والتعقيب بما يدل على سلامة قصده وعمق ارداكه. (1/13)
صفحة 14
كما أن له أيضا بحوثا أوردها في نفس الكتاب، وهي تدل على موقفه من هذه القضية ومع كونه العلامة محمد بن إبراهيم ينتمي إلى المدرسة النزوانية إحدى هاتين المدرستين اللتين كان بينهما الخلاف والشقاق في تلك الفترة، إلا أنه لم يتعصب لها، فلم يقتصر على النقل عن علمائها بل كان للمدرسة الرستاقية نصيب وافر في كتابه إذ من طالع الكتاب وجد أراء العلامة أبي محمد بن بركة وهو عميد الطائفة الرستاقية- كما قلت- وخصوصا عندما تحدث عن القواعد الأصولية- أي المباحث التي تتعلق بأصول الفقه- فإن كتابه احتوى على ما قاله ابن بركة في ذلك وكذلك عندما تحدث عن القضايا الفرعية لم يهمل رأي ابن بركة، بل تناول كتابه آراءه، كما أنه تناول آراء بقية أهل المدرسة الرستاقية كالعلامة أبي الحسن علي بن محمد البسيوني وكان كتابه حافلا بآراء كلتا الطائفتين.
ومن خلال الذي ذكرته هنا، يتبين لكم أن الكتاب بين القواعد الأصولية والمسائل الفرعية. ولا ريب أن العلامة محمد بن إبراهيم كان دقيق الفهم لهذه المباحث الأصولية بدليل بعض التعقيبات التي سوف نتعرض لها- إن شاء الله- على ما ورد في بعض الآثار. وقد أورد في كتابه المباحث التي تتعلق بالخاص والعام والمطلق والمقيد والمجمل والمبين والمحكم والمتشابه والناسخ والمنسوخ، وما يتعلق بالأخبار المروية عن نبينا- صلى الله عليه وسلم- وكان شيخه في ذلك العلامة ابن بركة الذي كان له القدح المعلى في هذا المجال. (1/14)
صفحة 15
وقد يتراوى للإنسان بادئ ذي بدء عندما يطلع على كتاب بيان الشرع أنه كتاب يعتمد مؤلفه على النقل فهو ينقل نصوص العلماء الذين سبقوه، ولكنه عندما يتفحص في النظر ويمعن فكره فيه، يجد أن المؤلف لم يكن ناقلا فحسب، بل كان ناقلا وناقدا في بعض القضايا فقد تناول في كتابه هذا مجملات الآثار بالتفصيل وهناك مجملات مما نقل عن العلماء الذي قبله سواء الذين أدركهم أو الذين لم يدركهم ولم يكتف بنقل هذه المجملات وتركها لفهم القارئ فحسب، بل تناولها بالنقد والتفسير والإيضاح، وتقييد إطلاقها وتخصيص عمومها، فأصبحت واضحة المعاني قريبة للأفهام ومن ذلك الأثر المنقول عن بشير بن محمد بن محبوب حيث قال:-
" ترك النكير حجة وإظهار النكير حجة" والقارئ العادي عندما يطلع على هذا الكلام لا يكاد يفهم أبعاده ومغزاه ولكن العلامة محمد بن إبراهيم وضح ذلك كله عندما حلل هذه العبارة وبين أن هذا الكلام ليس على إطلاقه وإنما هو مقيد بقيود لابد من اعتبارها من هذه القيود أن يكون ذلك فيما يحتمل الحق والباطل دون ما كان حقا لا يحتمل الباطل أو باطلا لا يحتمل الحق، إذ لو كان على إطلاقه لزم من أن يكون السكوت عن المنكرات حجة على إقرارها وشرعيتها. وأوضح أن هذا حكم عام بالنسبة إلى الناس، لا يختلف بين إنسان وآخر، إنما يعم الناس جميعا على اختلاف أحوالهم وعلى اختلاف دياناتهم وعلى اختلاف أفهامهم فالحاكم والمحكوم والمسلم والكافر والبر والفاجر والعالم والجاهل والمرأة والرجل كلهم سواء في هذا الحكم ولكن بجانب ذلك لابد من مراعاة الأحوال. (1/15)
صفحة 16
أما كونه يشمل من ذكرنا فيتضح فيما لو أن أحدا وجد يأكل مال أحد من الناس، وصاحب المال حاضر لا ينكر مع قدرته على الإنكار، فإن سكوته وترك نكيره حجة إذ هو دليل على كون ذلك الأكل إنما يأكله بحق أما لو أنكر عليه وخاصمه فإن إظهار هذا النكير حجة أيضا حتى ولو كان ذلك الآكل يأكله بحق، إلا أنه في الحكم الظاهر معتد فإن ادعى أكله بحق طولب بالحجة ووجه كون ذلك محتملا للحق والباطل جواز أن يكون قد اشتراه منه أو وهبه إياه أو استحقه بأي وجه من الوجوه الشرعية.
وكذلك لو وجد رجل يطأ امرأة وهي لا تنكر، فيحتمل أن تكون زوجته وأن تكون سريته، فلا يتعين أنهما زانيان، أما إن كانت تستصرخ وتدعي بأنه اعتدى عليها فإنه يؤاخذ بهذا العدوان، فإظهار نكيرها حجة لها كما أن سكوتها عن النكير عليه في ذلك حجة له ولكن بشرط ألا يكون قد تشخص حق ذلك أو باطله فلو كانت المرأة معلومة أنها امرأته ما كان نكيرها حجة عليه ولو كانت معلومة أنها أجنبية منه ما كان ترك نكيرها حجة له فلا مجال لإطلاق هذا الخبر كما يقتضيه الظاهر دون مراعاة هذا القيد.
وتدخل هذه القاعدة في باب الفقه السياسي فلو أن إماما شرعيا أجمع الناس على صحة إمامته، وبويع بيعة شرعية، ثم قامت طائفة من الناس، وعقدت للإمامة لإمام آخر والإمام حاضر( أي الإمام الأول) والقائمون بالإمامة حاضرون ولم ينكروا من ذلك شيئا فإن ترك نكيرهم حجة،فمن الممكن أن يكون الإمام الأول عجز عن القيام بأعباء الإمامة، فلذلك قام أولئك الذين عقدوا الإمامة للإمام آخر بما قاموا به، تلافيا لأمر المسلمين لئلا يتفرق جمعهم، وتستباح بيضتهم أما لو أنكر الإمام أو أنكر العلماء الذين معه فإن ذلك الإنكار حجة لهم، فإظهار النكير في مثل هذا الموقف حجة وتركه حجة. (1/16)
صفحة 17
وذكر رأيا آخر ولم يعزه إلى أحد وإنما قال:" وقال بعضهم : بأن ترك الإنكار حجة للأئمة دون غيرهم" وتعقبه بأن ترك الإنكار والإنكار حجة بالنسبة إلى جميع الناس كما سبق، من غير تفرقة بين حاكم ومحكوم وبين عالم وجاهل وبين مسلم وكافر سواء كان الكافر يهوديا أو نصرانيا أو مجوسيا أو مشركا وثنيا، فترك الإنكار حجة والإنكار حجة بالنسبة إلى هؤلاء جميعا، ولا يتقيد ذلك بكونه حجة للأئمة دون الرعية.
وقال أيضا: إذا لم يحتمل الأمر الحق والباطل وكان باطله متعينا فلا فرق في ذلك بين الأئمة والرعية، فلو أن أحدا من الأئمة اجترأ على أحد من الناس فسلب ماله أو غمطه حقه من غير أن يحتمل فعله وجه حق، فإن السكوت في مثل هذا الموقف عن النكير ليس حجة للظالم وأضاف أيضا لو قال من الناس سواء كان واليا أو عدوا حاكما أو محكوما مسلما أو كافرا- بأن نكاح ذوات المحارم، أو نكاح بعض ذوات المحارم محلل، كأن يبيح نكاح الأخت من النسب أو من الرضاع أو نكاح العمة أو الخالة أو نكاح أي ذات محرم سواء كانت حرمتها بنسب أو برضاع أو بصهر،وسكت الناس ولو كانوا علماء وكانوا مائة ألف أو يزيدون فإن سكوتهم لا يعتبر حجة.
كذلك لو أنكر الناس حقا صريحا فإن إنكارهم له لا يكون حجة عليه فلو قال أحد من الناس بأن الأم تستحق من الميراث الثلث مع عدم الأولاد والأخوة وتستحق السدس مع الولد أو مع الإخوة وأنكر قوله ذلك المنكرون، فإن إنكارهم ليس بحجة، إذ نص القرآن دل على صحة ذلك.
وكذلك لو كانت هذه المخالفة في أي باب من أبواب العبادات أو في أي باب من أبواب المعاملات، أو العقيدة فلا يعتد بالإنكار وعدمه، فإن الحق حق والباطل باطل. ولا عبرة بإنكار المنكرين ولا بسكوت الساكتين. (1/17)
صفحة 18
ومن كلامه الدال على غزارة علمه وحسن ورعه ودقة نظره قوله:" الناس محكوم لهم في أحكام الظاهر بأحسن الأحوال حتى تقوم عليهم الحجة الواضحة بأسوأ الأحوال فهم أهل توبة واستغفار حتى يصح منهم الإصرار ، وأهل تحريم لما حرم الله حتى يصح منهم الاستحلال".
كذلك من المجملات الأثرية التي فصلها تفصيلا، ما جاء عن بعض أهل العلم حيث قال:" إن ركوب الكبائر شاهد على راكبها بالكفر" أي كفر النعمة والضلال. وقد تعقبه العلامة الكندي أن ذلك فيما لم يحتمل الجواز بوجه من الوجوه فلو أبصر أحد أحد الصالحين يأكل في نهار الصوم لم يكن له أن يحكم عليه بالفسق لاحتمال أنه مريض أو ناس أو أنه في سفر.
ومن الآثار التي فصل مجملاتها قول بعضهم:" إن الجمع بين الأضداد في دين الله حرام وباطل" فقد تعقبه بأنه ليس على إطلاقه وإنما هو فيما لم يحتمل الحق والباطل أي في حق محض أو باطل محض فيتعذر الجمع بينهما فمثال الحق المحض أن الله أحل البيع وحرم الربا، والباطل المحض خلافه فلا يمكن جمعهما.
وكذلك لو ثبت على أحد أنه قتل غيره اعتداء أو سلبه ماله أو انتهك عرضه لما جاز للمسلمين أن يتولوه على ذلك ولا يجوز أن يجتمع في الولاية من تولاه وتبرأ منه.
أما لو كان التضاد في المسائل الفرعية الاجتهادية وذلك بأن يرى بعض العلماء حلية شيء ويرى غيره حرمته فهو مما لا يدخل في هذا الباب ويحمل الكل على حسن الظن، لأن اختلافهم ناشئ عن نظر واجتهاد، وضرب لذلك أمثلة لا يتسع المقام لذكرها لا سيما وأن المدة المحددة لي قد انتهت. (1/18)
صفحة 19
وكما قلت: صاحب بيان الشرع كان موسوعة علمية، فقد كان واسع الإطلاع حريصا على دراسة ما يصل إليه من أقوال العلماء على اختلاف مذاهبهم ومن آخر ما اطلعت عليه في بيان الشرع رسالة لأحد من الناس يسمى أبا الفضل عيسى بن نور الخارجي وهذه أول رسالة اطلع عليه من آثار الخوارج، فإنه لم يبق شيء مما دونوه وكتبوه وقد تناول هذه الرسالة بالتمحيص والتعليق عليها كل من الإمامين محمد بن محبوب وأبي سعيد الكدمي أوردها صاحب بيان الشرع مع تعليقات الإمامين، وتدل نقوله عن الأوائل في فقهاء الأمصار إنه كان مطلعا على ما دونوه ومن ذلك نقله عن كتاب للإمام المزني.
وكل ذلك إنما يدل على سعة إطلاعه وعلى طول باعه فنسأل الله- سبحانه وتعالى- أن يرحمه برحمته الواسعة وأن يوفقنا للاستفادة من هذا الكنز الثمين وأن يهيئ الله- سبحانه وتعالى- من يجردون عزائمهم لخدمة هذا التراث وتنسيقه وتهذيبه فإن من ينظر إلى كتاب " بيان الشرع" يجد أنه بحاجة إلى كثير من الخدمة ولذلك أقترح على من أتاه الله- سبحانه وتعالى- مقدرة أن يصوغ مسائله صياغة علمية عصرية تتلاءم مع الفكر المعاصر والذوق المعاصر فإن ذلك مما يخدم الفقه الإسلامي.
نسأل الله- سبحانه وتعالى- أن يهيئ لهذا العلم من يخدمه، إنه- تعالى- ولي التوفيق وأشكركم جميعا على حضوركم وإنصاتكم كما لا يفوتني أن أشكر وزارة التراث القومي والثقافة وجميع رجالاتها وعلى رأسهم سمو الوزير الموقر، وأشكر راعي هذا الحفل معالي الأخ الكريم الأستاذ سالم بن عبدالله الغزالي وجميع الحاضرين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
) إشارة من سماحته إلى الورقة الأولى المقدمة من قبل الباحث الخطاب بن أحمد الكندي. (1/19)