صفحة 1
الكتاب: الشيخ نور الدين السالمي مجدِّد أُمَّة ومحيي إمامة.
نور الدين أبو محمَّد عبد الله بن حميد السالمي ( 1284 - 1332هـ / 1867 - 1914م).
المؤلف: مصطفى بن محمد شريفي.
دار النشر: جمعية التراث، القرارة، غرداية، الجزائر؛ ودار الخلدونية للنشر والتوزيع، القبة القديمة، الجزائر العاصمة.
طبع: المطبعة العربية، غرداية.
البلد: الجزائر.
الطبعة: الأولى.
سنة الطبع: 1432هـ / 2011م.
أصل الكتاب بحث مقدَّم لنيل شهادة الماجستير، بعنوان: «الشيخ نور الدين السالمي: حياته، وآثاره، ومواقفه الإصلاحيَّة والسياسيَّة». إشراف الدكتور عمَّار جيدل. قُدِّم بكليَّة أصول الدين - الخروبة - جامعة الجزائر. في السنة الجامعيَّة: 1421 - 1422هـ / 2000 - 2001م. ونوقش يوم 30 ربيع الأوَّل 1423هـ / 11 جوان 2002م. بتقدير: مُشرِّف جدًّا.
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
[الآيات برواية ورش عن نافع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الخامس (1230 عنوان): ربيع الثاني 1438هـ / جانفي (يناير) 2017م (قرص مضغوط) الشيخ نور الدين السالمي
مجدِّد أمَّة، ومحيي إمامة (1/1)
صفحة 2
صفحة 2 بيضاء (1/2)
صفحة 3
مصطفى بن محمد شريفي
الشيخ نور الدين السالمي
مجدِّد أُمَّة، ومحيي إمامة
نور الدين أبو محمَّد عبد الله بن حميد السالمي
(1284 - 1332هـ / 1867 - 1914م)
جمعية التراث
دار الخلدونية (1/3)
صفحة 4
نشر
جمعية التراث
ص.ب. 19. القرارة - غرداية (47110) - الجزائر
فاكس: 029 85 31 02
http://www.tourath.org
دار الخلدونية للنشر والتوزيع
05 شارع مسعودي محمد. القبة القديمة
الجزائر
ها : 021.68.86.49
ها/فا : 021.68.86.48
النقال : 0771.52.50.50
0550.54.83.07
khaldou99_ed@yahoo.fr
طبع
المطبعة العربية
11 نهج طالبي أحمد - غرداية - الجزائر
هاتف / فاكس: 029 88 36 53
المنطقة الصناعية: 029 87 34 34
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى
1432هـ / 2011م
أصل الكتاب رسالة ماجستير، بعنوان: «الشيخ نور الدين السالمي: حياته، وآثاره، ومواقفه الإصلاحيَّة والسياسيَّة». إشراف الدكتور عمَّار جيدل. قُدِّم بكليَّة أصول الدين - الخروبة - جامعة الجزائر. في السنة الجامعيَّة: 1421 - 1422هـ/2000 - 2001م. ونوقش يوم 30 ربيع الأوَّل 1423هـ/11 جوان 2002م. بتقدير: مشرف جدًّا. (1/4)
صفحة 5
بسم الله الرحمن الرحيم (1/5)
صفحة 6
صفحة 6 بيضاء (1/6)
صفحة 7
الإهداء
إلى والديَّ الكريمين برًّا وإحسانا واعترافا
{رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا}
إلى روح الشيخ نور الدين السالميِّ، الذي أجَّج في النفس عزَّة المؤمن القويِّ، والجرأة في الحقِّ، والصدع بالصدق
إلى الدعاة المخلصين الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه
إلى شهداء القدس الشريف
إلى مشايخي وأساتذتي وكلِّ من علَّمني حرفا
إلى كلِّ باحث نزيه ينشد الحقيقة
إلى كلِّ من قدَّم لي يد المساعدة
إلى زوجي وكلِّ أفراد أسرتي الذين طالما انتظروا ميلاد هذا البحث
أهدي هذا الجهد المتواضع
•مصطفى (1/7)
صفحة 8
شكر وعرفان
بعد نهاية هذا البحث، أحمد الله العليَّ القدير على مننه وفضله، وأجدني مدينا بتقديم أخلص عبارات الشكر والثناء إلى كُلِّ من قدَّم لي يد العون لإنجاز هذا العمل:
إلى راعي البحث الأستاذ المشرف: الدكتور عمَّار جيدل، الذي تتبَّع بدقَّة وصبر مسيرة البحث ويسَّرها، وأفادني بملاحظاته القيِّمة.
وإلى الأستاذ الدكتور أحمد موساوي الذي أشرف على الخطوات الأولى في هذا البحث.
وإلى كُلِّ من أفادني بوثيقة أو رأي أو إرشاد أو مساعدة ... وأخصُّ منهم الدكاترة: مصطفى بن الناصر وينتن، محمَّد بن موسى باباعمي، مصطفى بن صالح باجو، محمَّد بن صالح ناصر، محمَّد بن قاسم ناصر بوحجَّام؛ والأستاذ: إبراهيم بن علي بولرواح، والهيئات والمكتبات التي استفدت منها، وأخصُّ بالذكر: مكتبة معهد الحياة بالقرارة، ومكتبة جمعيَّة أبي إسحاق لخدمة التراث بغرداية، ومكتبة الاستقامة ببني يزقن.
جزاهم الله عنَّا خير الجزاء. (1/8)
صفحة 9
الرموز المستعملة
(مخ) = مخطوط.
/ = فاصل بين التاريخ الهجري والميلادي، أو بين الجزء والصفحة.
: = بين المؤلِّف وعنوان المصدر أو المرجع.
ت: = توفِّي.
ج = الجزء.
د. ت. = دون تاريخ النشر أو دون تاريخ النسخ.
د. نا. = دون ناشر أو دون ناسخ.
ص = صفحة.
ط. = طبعة. (1/9)
صفحة 10
بِسْم اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
مقدمة
الحمد لله القائل: {وَمَنَ اَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَآ إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} (فصلت: 33)، والصلاة والسلام عَلَى خير الدعاة، مبلِّغ الرسالة، ومؤدِّي الأمانة، وناصح الأُمَّة، والمجاهد في الله، مُحَمَّد بن عبد الله، وبعد:
إِنَّ الصراع بين الحقِّ والباطل صراع دائم، منذ خلق الله بني آدم، وجعلهم خلفاء في الأَرض، وقال لهم: {يَابَنِي ءَادَمَ إِمَّا يَاتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمُ ءَايَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} (الأعراف: 35)، وَلَكِن ما لبثت البَشَرِيَّة أن نسيت دورها في هَذِهِ الحياة، فكانت الأهواء تستولي عَلَيْهِا من حين إِلىَ حين، وتنغمس بها في حمأة الرذيلة، وشاء الله أن لا يتركها عَلَى ضلالها، بل بعث إِلَيْها في كُلِّ عصر مجدِّدين، {رُسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ} (النساء: 165)، يدعون الناس إِلىَ إصلاح الفساد، وإخراجهم من عبادة العباد، إِلىَ عبادة رَبِّ العباد. وتَتَابَعَ المصلحون لِكُلِّ قوم: {ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَآءَ اُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمُ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِّقَوْمٍ لاَّ يُومِنُونَ} (المؤمنون: 44)، إِلىَ أن توِّجت الرسالات بخاتم الأنبياء والمرسلين، إمام المصلحين والمجدِّدين: محَمَّد - صلى الله عليه وسلم - النبيِّ الأمين، فكان رحمة للعالمين: {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} (الأنبياء: 107).
ولم يمت رَسُول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إِلاَّ بعد أن اكتملت الديانة، وترك خلفاء يحملون مشعل الرسالة، وعلماء يبلِّغون أمانة الدعوة، ويحيون للناس أمر دينهم. وعندما كان الرعيل الأوَّل من المسلمين واعين بدورهم ورسالتهم التي كلَّفهم الله بها، باعتبارهم ورثة الأنبياء، حينها عرفوا حضارة راقية متميِّزة. وَلَكِن لَمَّا تقلَّص هَذَا الدور وانحصر في المسائل النَّظَرِيَّة، دون المساس بالحياة العَمَلِيَّة، ودون تفعيل للدين (1/10)
صفحة 11
ليكون منهج حياة، أخذ العالم الإِسلاَمِيُّ يتراجع عن مكانته الرياديَّة، إِلىَ أن بلغ في القرن الثالث عشر الهجري/التاسع عشر الميلادي أدنى دركات الانحطاط في جميع الأصعدة. فصار الدين طقوسا ودروشة صوفيَّة، وتشتُّتا وصراعات مذهبيَّة، وبدعا وخرافات شيطانيَّة. وأصبحت السياسة تقاتلا عَلَى الحميَّة الجَاهِلِيَّة، والسلطةُ ظلما واستبدادا عَلَى الرعيَّة، وصار منصب الحاكم} مقدَّسا} لا يجوز المساس به مهما طغى وتجبَّر. وأصبح العالِم هو الذي يحفظ المتون والأراجيز، ويتقن الأساليب الجدليَّة اللفظيَّة، ويقلِّد ـ ولو دون فهم ـ أقوال الفقهاء والمتكلِّمين، أو هو المتعالم الذي ينحني ويمدُّ يده متسوِّلا، لالتقاط الفتات من موائد الحكَّام والأغنياء؛ وإذا خرج عن هَذَا النطاق، ورفع رأسه ومَسَّ السياسة سُمِّيَ خارجيًّا متمرِّدًا، وإذا سعى للاجتهاد والتجديد اعتبر متهتِّكا وشاذاًّ. والشعوب المسكينة كانت تكتوي بنار صراع الساسة، وبلظى الجهالة والضلالة، وضاعت في المذهبية الضيِّقة، ورزحت تحت وطأة الاستدمار، واستولت عَلَيْهَا فكرة التسليم بالأقدار.
أمام هَذَا الوضع المتردِّي ظهر علماء كثيرون، كان لهم دور كبير في إصلاح الأوضاع، وفي نهضة العالم الإِسلاَمِيِّ، بعد أن طال سباته العميق، وكان لِكُلٍّ منهم زاويته التي ينظر منها إِلىَ موطن الداء، وَلِكُلٍّ طريقته في وصف الدواء. وكان من بين تلك الشخصيات عَلم من أعلام عُمان، هو الشيخ نور الدين أبو محَمَّد عبد الله بن حُمَيْد السالمي.
أَوَّل ما تعرَّفتُ عَلَى السالميِّ وتآليفه، لَمَّا كُنَّا تلاميذ ندرس العقيدة في السنة الأولى تكميلي (= الثامنة أساسي) بالمدرسة الجابريَّة ببني يزقن، وكان الأستاذ يختار مقاطع من منظومة} أنوار العقول}، ويشرحها من خلال} بهجة الأنوار}، وكلاهما للسالميِّ؛ وقد شدَّني منذ ذَلِكَ الحين سهولة استيعاب معانيهما. ثُمَّ توطَّدت علاقتي بالشيخ لَمَّا صرت إِلىَ المرحلة الجامعيَّة، وكان كِتَاب} مشارق الأنوار} للسالميِّ أَيضًا مرجعا عند حصول إشكال يَتَعلَّقُ بالعقيدة أو علم الكلام. وهكذا كان الاتِّصَالُ بمُؤَلَّفَات السالميِّ، والإعجابُ به وبتآليفه، والرغبة في تناول مواضيع لها مساس (1/11)
صفحة 12
بالواقع المعيش، كانت كُلُّهَا دوافع ذاتيَّة لاختيار الشيخ السالميِّ موضوعا للدراسة.
وتتمثَّل الدوافع الموضوعيَّة في عِدَّة نقاط نجملها في الآتي:
1 - أَنَّ التراث الإباضيَّ عُمُومًا تراث خصب للبحث والدراسة، وَهُوَ بحاجة إِلىَ مزيدٍ من جهود الباحثين والدارسين.
2 - أَنَّ شَخصِيَّة مثل السالميِّ، أنتجت كمًّا كبيرا من التآليف، ونالت شهرة واسعة عند الإِبَاضِيِّين، وغيَّرت نمط الحكم في عُمَان من سلطنة إِلىَ إمامة، لَجديرة بتسليط الضوء عَلَى جهودها.
3 - أَنَّ الشيخَ لم يلق اهتماما كبيرا من الباحثين، بإبراز شَخصِيَّته وآرائه ومواقفه.
4 - أَنَّهُ لم تسبقنا ـ حسب اطِّلاَعنا ـ دراسة عِلمِيَّة شاملة للجوانب الشَّخصِيَّة والفكريَّة والسِّيَاسِيَّة ... حول الشيخ نور الدين السالميِّ.
وكان مجال الدراسة عند الشروع في البحث هو: «الشيخ السالمي وآراؤه العقديَّة»، إِلاَّ أَنَّهُ بعد جمع الْمَادَّة العِلمِيَّة تبيَّن أَنَّ السالمي خضمٌّ واسع من الأحداث والأعمال، لا في العقيدة والفقه فحسب، بل في المجتمع والسياسة، فقد ترك آثارا عميقة، وتحوُّلات جذريَّة في تاريخ عمان، وَهَذِهِ الجوانب من شَخصِيَّة الشيخ لا تزال مجهولة لدى كثير من الباحثين. ونظرا لاتِّساع الموضوع، ولأهمِّيَّته، كان الاقتصار عَلَى الجانب التاريخيِّ أمرا ملحًّا، ويشمل: آثارَ السالميِّ في الفكر، من حيث التلاميذ مع بيان مكانتهم، وما تركه من تآليف، مع تحليل مضامينها، كما يتناول دورَه في إصلاح الحياة الاِجتِمَاعِيَّة، وَالسِّيَاسِيَّة، ومن أبرزها: إحياؤه لنظام الإمامة؛ فصار عنوان البحث: «الشيخ السالمي: حياته وآثاره، ومواقفه الإصلاحيَّة والسياسيَّة».
وتتلخَّص أَهَمِّيَّة الموضوع في جانبين: معرفيٍّ، ووظيفيٍّ:
أَمَّا الجانب المعرفيُّ فهو الكشف عن شَخصِيَّة لم يُكتب عنها الكثير، بالرغم من مكانتها المتميِّزة في التراث الإِسلاَمِيِّ، وحضورها المعرفيِّ والنفسيِّ عند الإِبَاضِيَّة. (1/12)
صفحة 13
وَأَمَّا الجانب الوظيفيُّ فهو أَنَّ كثيرا من الشباب المسلم اليوم يسعى نحو التغيير والإصلاح، وقد يتعثَّر في وسط الطريق، رُبَّمَا لأَنَّهُ لم يجد الوسيلة المثلى للعمل، أو لم يطَّلع عَلَى بَعض الأساليب الناجحة من خبرة أسلافه، يستنير بها للإصلاح الشامل (دينيًّا، وسياسيًّا، واجتماعيًّا، واقتصاديًّا، وثقافيًّا، وتربويًّا ... ). والحقُّ أَنَّ الرَّسُول - صلى الله عليه وسلم - هو القدوة المثلى في هَذَا الشأن، إِلاَّ أَنَّنَا بحاجة إِلىَ الاستفادة من تجارب حديثة لبعض المصلحين الأعلام، وَبِخَاصَّةٍ مِمَّن آتت أعمالهم أُكلَهَا، وأحدثت ثورة في المجتمع، وتكون الاستفادة بصفة أخصَّ مِمَّن كانت ظروفهم أشبه بالظروف التي يَمُرُّ بها العالم الإِسلاَميُّ في وقتنا الحاضر، فنثمِّن إيجابيَّاتهم ونطوِّرها، ونقوِّم سلبيَّاتهم ونتحاشاها.
ويهدف البحث في هَذَا الموضوع إِلىَ:
- إجلاء الغموض الذي يكتنف جوانب من شَخصِيَّة السالميِّ وأعماله وتاريخه ومواقفه، وتصحيح بعض الرؤى حولها.
- الاستفادة من دراسة التاريخ ومحاولة تفعيله، ليؤثِّر في أرض الواقع، إذ لا فائدة في علم لم يثمر عملا صالحا.
- استثارة همم الباحثين بإيراد بَعض الإشكالات التي لم نتَوَصَّلْ إِلىَ حسمها في هَذِهِ الدراسة، وَذَلِكَ لفتح آفاق جديدة في البحث، والتنبيه عَلَى بَعض مواطن الغموض التي تحتاج إِلىَ دراسة وإيضاح في بحوث مقبلة.
ونحاول في هَذَا البحث الإجابة عن الإشكال العامِّ الآتي:
في ظلِّ الظروف التي عاشها العالم الإِسلاَميُّ عُمُومًا، والقطر العُمانيُّ خُصُوصًا، ظهرت شَخصِيَّة فذَّة تعرف بنور الدين السالميِّ، كان لها أثر بارز في الفكر والسياسة والمجتمع، وحظي بمكانة عظيمة في نفوس العمانيِّين وَالإِبَاضِيَّة، فكيف استطاع أن يترك تلك الآثار؟
وتتفرَّع عن هَذَا الإشكال أسئلة نطرحها بإيجاز:
- (1/13)
صفحة 14
من هو الشيخ السالمي؟ في أيِّ الظروف عاش؟ وما هي مميِّزات حياته الشَّخصِيَّة وَالْعِلْمِيَّة؟
- من هم تلاميذ الشيخ؟ وما مكانتهم؟
- ما هو إنتاج السالميِّ الفكريُّ؟ وما قيمته العِلمِيَّة؟ وما موقعه في التراث الإِبَاضِيِّ بِخَاصَّةٍ، والإِسلاَمِيِّ بِعَامَّة؟ وما موقفه من تيَّارات التجديد والتقليد؟
- ما مفهومه للإصلاح؟ وما الأثر الذي تركه في المجتمع والسياسة؟ وما موقفه من نظام السلطنة؟ ومن الاحتلال الإنجليزيِّ؟
- ما علاقة السالميِّ بالحركات الإصلاحيَّة التي ظهرت في عصره في سائر الأقطار الإسلاَمِيَّة؟
- كيف نجح في استعادة حكم الإمامة بعمان، وتوحيد الشعب العمانيِّ، بعد أن فشلت المحاولات السابقة؟ وهل استفاد منها؟
- وأخيرا، ما منزلة الشيخ بين معارضيه ومؤيِّديه؟
ولحلِّ الإشكال لاَ بُدَّ من وضع فروض نختبرها بالفحص والدراسة، وقد أوجزناها في فرضيَّتين أساسيَّتين:
الفرضيَّة الأولى: إِنَّ الشيخ لم يكن يمتاز عن غيره من علماء عُمان بِأَيِّ مميِّزات خَاصَّة، ولم تكن المكانة التي نالها في نفوس العمانيِّين والإباضيِّين سوى اعتبارات شَخصِيَّة وغير موضوعيَّة.
الفرضيَّة الثانية: كان للشيخ السالميِّ دور كبير في الفكر والمجتمع والسياسة، وما تَمَّ إنجازه إِنَّمَا كان بفضل خصائص امتاز بها، في شخصيَّته، وفكره، وإصلاحه، وبفضل جهود كبيرة بذلها.
وتتفرَّع عن هاتين الفرضيَّتين فرضيَّات جزئيَّة كثيرة نلخِّصها في جانبين: (1/14)
صفحة 15
أَوَّلاً - في الفكر:
1 - كان السالمي مسايرا للمنحى السائد في عصره: في أسلوب التفكير، وطريقة التأليف، ولم يعمل عَلَى تجديد الوضع الفكري القائم.
2 - حاول السالمي تجاوز عقبات عصر الانحطاط، وسعى للتجديد في أسلوب التفكير، وتصحيح المفاهيم، وإصلاح الوضع الفكريِّ القائم.
ثانيا - في السياسة:
1 - كان السالميُّ رجلا مغامرا مشاغبا، حاول استقطاب الأنصار بمعارضته، باستغلال الدين لخدمة أغراض سِيَاسِيَّة وشخصيَّة، ولم يكن وصوله إِلىَ مبتغاه إِلاَّ بسبب ما فرضته الظروف، ولم يكن ناتجا عن عمل مخطَّط ومدروس.
2 - حاول السالميُّ تغيير الحكم القائم نظرا لفساده، والاستبدال به حكما عادلا، ينبني عَلَى أسس متينة من مبادئ الشريعة الإِسلاَمِيَّة، وكان أسلوبه في التغيير وفق خُطَّة محكمة ومدروسة.
ومن أجل اختبار هَذِهِ الفرضيَّات اعتمدت عَلَى جملة من المصادر والمراجع التي تناولت حياة الشيخ من قريب أو بعيد، إِلاَّ أَنَّ الذي يلاحظ فيها جملة من النقائص، حاول هَذَا البحث استكمالها، وهي:
1 - عدم عثورنا عَلَى دراسة مستوفية لِكُلِّ جوانب شَخصِيَّة الشيخ، الأسريَّة وَالاِجتِمَاعِيَّة والفكريَّة والإصلاحيَّة وَالسِّيَاسِيَّة.
2 - عدم تعرُّضها بالتحليل الوافي لآثار الشيخ الفِكرِيَّة، ومواقفه الإصلاحيَّة، لإبراز منزلته بين سائر العلماء والمصلحين.
3 - ترْكُ بعض الجوانب غامضة في شَخصِيَّة الشيخ.
4 - اعتمادها عَلَى المصادر السابقة دون نقد أو تمحيص، مِمَّا أوقعها أحيانا في الاضطراب أو التناقض.
5 - (1/15)
صفحة 16
التحرُّج من التفصيل في بعض القضايا السِّيَاسِيَّة، خَاصَّةً تلك التي تَتَعَلَّقُ بعلاقة الإمامة بالسلطنة.
ولَعَلَّ أقدم ترجمة ـ اطَّلَعَ عَلَيْهَا الباحث ـ عن السالميِّ هِيَ التي وضعها الشيخ أبو إسحاق إبراهيم اطفيَّش في مُقَدِّمَته لمنظومة جوهر النظام للسالميِّ، المنشورة سنة 1346هـ/1928م، أورد فيها معلومات مختصرة عن الشيخ ودوره الفِكرِيِّ والسِّيَاسِيِّ بعمان.
وكان أوفى مصدر تناول حياة الشيخ بالدقَّة والتفصيل ـ حسب اطِّلاَعنا ـ هو: ترجمتان وضعهما ابنه الشيخ أبو بشير محَمَّد شيبة، إحداهما مخطوطة، والأخرى مطبوعة ضمن كِتَابه: ”نهضة الأعيان بِحُرِّيَّة عمان“. والمخطوطة أقدم من المطبوعة، فالأولى نسخها الشيخ عمر بن يوسف عبد الرحمن اليسجني، ونقلها مباشرة من عند أبي بشير، لَمَّا كان هَذَا الأخير مندوبا للإمام محَمَّد بن عبد الله الخليلي في مَهَمَّة إداريَّة بِمَكَّةَ، وَذَلِكَ سنة 1372هـ/1952م، وقد وجدناها في مكتبة جمعيَّة أبي إسحاق لخدمة التراث، بغرداية. وتتميَّز بتفرُّدها بمعلومات لم نعثر عَلَيْهَا في أيِّ مصدر آخر، ويبدو أَنَّ هَذِهِ الترجمة المخطوطة كانت مسوَّدةً لِمَا ورد في ”نهضة الأعيان“، إذ حذف منها معلوماتٍ، وعدَّل وأضاف أخرى. ومع ذَلِكَ فَإِنَّ كلاًّ منهما تكمِّل الأخرى.
يعتبر كِتَاب نهضة الأعيان الذي نُشر بمصر بُعيد سنة 1958م (1)، أهمَّ مصدر اعتمد عَلَيْه البحث، وَذَلِكَ للميزات الآتية:
1 - أَنَّهُ المصدر التاريخي الوحيد ـ حسب علمنا ـ نُشر حول فترة السالميِّ من قِبَل العمانيِّين.
__________
(1) لم يُذكر تاريخ نشر الكِتَاب، وَإِنَّمَا نجد فيه إحالة عَلَى جريدة آخر ساعة عدد 1259، الصادرة بتاريخ 10 ديسمبر 1958، وهو من أواخر التواريخ المذكورة في الكِتَاب، ينظر: نهضة، ص105. (1/16)
صفحة 17
2 - أَنَّ مؤلِّفه نجلٌ للشيخ نور الدين السالميِّ، فهو أدرى بوالده، خَاصَّةً وقد كان يصحبه حيثما حلَّ أو ارتحل، وكان بمثابة شاهد عيان عَلَى الأحداث إذ يقول: «فَكُلُّ ما كتبته مِمَّا شاهدت بعيني واطَّلعتُ، وما فاتني إِلاَّ نزرٌ أخذته من الثقة، فضمانه عَلَيْهِ، إذ كنتُ العصا التي يتوكَّأ عَلَيْهَا سيادةُ والدي الكريم في جميع أسفاره، وغيبة سرِّه في ليله ونهاره» (1).
3 - التفصيل الدقيق للأحداث الواقعة في عصر السالميِّ، واحتواؤه عَلَى مَادَّة تَارِيخِيَّة غزيرة، وَعَلَى وثائق هَامَّة (تقارير ومراسلات وخطب)، وَعَلَى معلومات تعتبر سرِّيَّة وخطيرة، لأَنَّهَا تؤرِّخ للطرف المعارض للسلطان. حَتَّى إِنَّهُ يعتبر الآن من الكتب المحظورة في عمان، والحصول عَلَيْهِ ليس بالأمر الهيِّن (2).
4 - الهدف الذي أشار إِلَيْهِ الْمُؤَلِّف في مُقَدِّمَة الكِتَاب، وهُوَ التأريخ للإمامة، ويظهر أَنَّ النهضة والحرِّيَّة اللتين يعنيهما ـ من خلال عنوان الكِتَاب: ”نهضة الأعيان بِحُرِّية عمان“، ومن خلال العناوين الفرعيَّة في الكِتَاب مثل: «ترجمة رئيس ”النهضة“ العمانية»، و «”حركة“ رئيس ”النهضة“» (3) ... ـ هما ما قام بِهِ السالميُّ من جهود في إحياء الإمامة، وهي مصطلحات وعناوين ذات دلالات عميقة.
وأغلب المراجع التي جاءت من بعدُ كانت عالة عَلَى ما ورد في ”نهضة الأعيان“، منها ما وضعه المحقِّقُونَ والمعلِّقون في صدر مُؤَلَّفَات السالميِّ، وهي كَذَلِكَ لا تخلو من فوائد؛ لأَنَّ بَعضهم اعتمدوا على المصادر الشفهيَّة. ومنها خمس دراسات: ثلاث حول السالميِّ، واثنتان حول عصره، ونخصُّها بالذكر كما يأتي:
1 - قراءات في فكر السالميِّ، وهي حصاد الندوة التي أقامها المنتدى الأدبيُّ، تكريما للشيخ السالميِّ، في مسقط بعُمان، يومي 12 - 13 جمادى الأولى 1413هـ/
__________
(1) أبو بشير: نهضة، ص3 - 4.
(2) مقابلة مع الدكتور محَمَّد بن صالح ناصر. بمنزله في الجزائر العاصمة، يوم 16 ذو القعدة 1420هـ/21 فيفري 2000م.
(3) ينظر: أبو بشير: نهضة، ص3، 118، 150. (1/17)
صفحة 18
7 - 8 نوفمبر 1992م. وقد تضمَّنت محاضرات لعدَّة أساتذة ومشايخ في الجوانب الفِقهِيَّة والأدبيَّة والتاريخيَّة وَالتَّربَوِيَّة من شَخصِيَّة الشيخ. وقد تفاوتت أَهَمِّيَّة المحاضرات في جدِّيَّتها وجدَّتها، وكان منها ما هو في صميم الموضوع، ومنها ما كان مضمون المحاضرة غير موافق لعنوانها. ونودُّ ـ في هذا الشأن ـ التنبيه إِلىَ أمر منهجيٍّ، وهو أَنَّ هَذِهِ الندوة قد أقيمت فيِ إطار رسميٍّ تابع للنظام القائم (نظام السلطنة) لذا فَإِنَّ الحقائق السِّيَاسِيَّة، والجهود التي بذلها السالميُّ في هَذَا المجال ـ إحياء الحكم الإماميِّ ـ كان يُتطرق إِلَيْهَا باحتشام، لاعتبارات سِيَاسِيَّة.
2 - أطروحة دكتوراه بعنوان: الإمام نور الدين السالمي وآراؤه في الإلهيَّات مع مقارنة ذَلِكَ بآراء المعتزلة والأشاعرة والسلف، قدَّمها مبارك بن سيف الهاشمي، بجامعة الأزهر، سنة 1413هـ/1993م. وقد خصَّص الباب الأَوَّل من الرسالة لترجمة الشيخ. وبما أَنَّ صاحب الأطروحة عمانيٌّ، فقد استطاع الحصول عَلَى مصادر شفهيَّة ومخطوطة لم نتمكَّن من التوصُّل إليها رغم عِدَّة محاولات، وكانت استفادتنا من الأطروحة في هَذَا الجانب، أَمَّا الجانب العقديُّ فلنا عَلَيْهِ ملاحظات في الموضوع والمنهج، ليس المقام لذكرها.
3 - بحث شهادة الدراسات المعمَّقة، بعنوان: فكر السالميِّ السياسي حول نظام الإمامة بعُمان (1856 - 1914م) قدَّمه خالد بن محَمَّد العزري، بالمعهد الأعلى لأصول الدين، جامعة الزيتونة، وقد تضمَّنت تحاملا عنيفا عَلَى العلماء العمانيِّين، واشتطَّ به التحامل حَتَّى خرج أحيانا عن آداب الكِتَابة العِلمِيَّة إِلىَ تجريح الكتَّاب في نواياهم، منها اتهامهم «بغياب تامٍّ لمناهج الدرس الحديث، وبسوء نيَّة في الغالب، بقصد الارتزاق» (1). ورغم هَذَا فلا نُخفي استفادتنا بِمَا في هَذِهِ الدراسة من تحليلات سِيَاسِيَّة وتاريخيَّة عميقة. وَقُوَّةُ الباحث في هَذَا الجانب قد تجعل القارئ غير المطَّلع بعمق عَلَى الأحداث، تنطلي عَلَيْهِ ما تخفيه السطور أحيانا من استنتاجات مغالِطة، وتشويهات لحقائق تَارِيخِيَّة، مِمَّا دفعنا إِلىَ التنبيه عَلَيْهَا عند
__________
(1) العزري: فكر السالمي، ص 45. (1/18)
صفحة 19
الاقتضاء، خَاصَّةً وَأَنَّهَا كانت في إطار أكاديميٍّ، مِمَّا يجعلها مصدرًا للباحثين في المستقبل، باعتبار أَنَّ صاحبها عمانيٌّ أدرى بأهله ووطنه.
4 - عمان مسيرا ومصيرا: وهي دراسة قام بها المستشرق روبرت لاندن بأمريكا في سنة 1966 تناول فيها بالتحليل أوضاع عمان، ما بين سنة 1856 إِلىَ تاريخ التأليف. وَالكِتَاب يكتسي أَهَمِّيَّة كبيرة لاشتماله عَلَى مَادَّة خبريَّة غزيرة، واعتماده عَلَى وثائق هَامَّة ـ منها بشكل خاصٍّ: الرسائل والتقارير المتبادلة بين الاستدماريِّين في عُمان ـ إِلاَّ أَنَّهُ ينبغي أن تؤخذ منه المعلومات بتحفُّظ وتمحيص، نظرا للنظرة الاستعلائيَّة والعدائيَّة الواضحة تجاه الإمامة وأنصارها، إذ لاَ بُدَّ من المقارنة بما ألَّفه العلماء العمانيُّون أنفسُهم، نذكر من ذَلِكَ: إلصاق أوصاف ذاتِيَّة وغير موضوعيَّة بأنصار الإمامة، كوصفهم بالمتزمِّتين، والفئات المتطرِّفة، وَبِأَنَّهُم ذوي عَقلِيَّة بالية، وتسمية طرد الاحتلال بـ «التوسُّع الإمبريالي العماني»، واعتبار حكم الإمامة «من أخطر عوامل تدمير الاقتصاد» (1). وفي المقابل: يُسَمِّي الكاتب أنصار السلطان بالمعتدلين، ويحاول التركيز عَلَى فكرة أَنَّ الازدهار الاقتصاديَّ مرتبط بفترات حكم السلطنة (2)، وكلُّ هَذَا لا تؤيِّده الشواهد التَّارِيخِيَّة، نظرا لِمَا شهده نظام السلطنة من الاقتتال داخل الأسرة الحاكمة، ومحاربة العلماء ومضايقة الرعيَّة في كثير من فترات حكمها، وللازدهار الاقتصاديِّ والثقافيِّ الذي عرفه نظام الإمامة، كما في دولة اليعاربة، والتي اعترف الْمُؤَلِّف نفسه بتطوُّرها وازدهارها (3).
5 - دراسة قام بها الدكتور حسين عبيد غباش بفرنسا، تحت عنوان: عُمان، الديمقراطية الإِسلاَمِيَّة، تقاليد الإمامة والتاريخ السياسي الحديث (1500 - 1970م)، وتُرجمت إِلىَ العَرَبِيَّة ونُشرت سنة 1997م، وَهَذِهِ الدراسة وإن كانت لا تَتَعَلَّقُ بحياة السالميِّ بشكل مباشر، إِلاَّ أَنَّهَا تعتبر من أهمِّ ما استفدت منه فيما
__________
(1) ينظر: لاندن: عمان، ص65، 134، 453.
(2) المرجع نفسه، ص 62 - 63، 71، 323، 347.
(3) المرجع نفسه، ص 65 - 68. (1/19)
صفحة 20
يَخُصُّ عصر الشيخ السالميِّ، إذ وضَّح د. غباش معالم الوضع السياسيِّ بشكل عميق، وبتحليل علميٍّ دقيق، وبموضوعيَّة إِلىَ حدٍّ بعيد. وامتازت أطروحته باعتمادها عَلَى مراجع عَرَبِيَّة وأجنبيَّة وافرة، وَعَلَى وثائق كثيرة تَتَعَلَّقُ بعمان، من الأرشيف الرسميِّ التابع لوزارة الْخَارِجِيَّة الفرنسيَّة، ومن الأرشيف الإنجليزي.
وبالإضافة إِلىَ المصادر والمراجع المذكورة فقد حاولنا الاعتماد عَلَى الوثائق التي ترجع إلى الحقبة المدروسة، وَأَوَّلُها ما كان من تأليف الشيخ نفسه، كديوانه في الشعر، وكذا ديوان أبي مسلم الرواحي، واللذان نستطيع أن نستلهم منهما معلومات عن الوضع الاجتماعيِّ والفكريِّ والسياسيِّ، فالشعر لم يكن يقتصر لدى العمانيِّين عَلَى الأغراض الخياليَّة المعروفة فحسب، بل هو ـ في أحوال كثيرة ـ مرآة للمجتمع، ونتيجةٌ لمعاناةٍ، وعرضٌ لبعض الوقائع والأحداث، بتعبير صادق وواقعيٍّ، فلا غرو إنْ كثرت استشهاداتي بالشعر. وفي تحليلنا للمواقف الإصلاحيَّة والسِّيَاسِيَّة كان المصدر الأساسيُّ هو إنتاج السالميِّ برمَّته دون استثناء، إذ نجد أفكاره منبثَّة في العديد من تآليفه بمختلف فنونها.
وبهذا العرض الموجز للمصادر والمراجع، فَإِنَّهُ يمكننا تقسيمها إِلىَ نوعين:
- النوع الأَوَّل: أغلبها مراجع ومصادر تُمَثِّلُ وجهة نظر أنصار السالميِّ.
- النوع الثاني: ثلاثة مراجع تُمَثِّلُ وجهة نظر المعارض، وهي دراسة المستشرق لاندن، تُمَثِّلُ الطرف الاستدماريَّ المقابل لأنصار الإمامة، وأطروحة غباش لاعتماده عَلَى كثير من الوثائق الفرنسيَّة والإنجليزيَّة، والمرجع الثالث هو بحث العزريِّ الذي شنَّ عَلَى الْمُؤَرِّخِينَ العمانيِّين حملة شعواء؛ وبهذا يمكننا القول: إِنَّ بحثنا قد سعى قدر المستطاع إِلىَ التحلِّي بالموضوعيَّة حين جمع بين الرأي والرأي الآخر.
وقد اتَّبعت في البحث الخطَّة الآتية:
قسَّمته إِلىَ خمسة فصول وخاتمة، وتندرج تحت كُلِّ فصل مباحث يختلف عددها حسب طبيعة الموضوع. (1/20)
صفحة 21
خصَّصت الفصل الأَوَّل للحديث عن عصر السالميِّ، واستعراض الظروف السِّيَاسِيَّة وَالاِجتِمَاعِيَّة والاقتصاديَّة وَالدِّينِيَّة وَالثَّقَافِيَّة في عمان.
وتناولت في الفصل الثاني ترجمة السالميِّ، وتحصيله العلميَّ، مبرزا مراحل تعلُّمه وشيوخَه.
وحاولت في الفصل الثالث إبراز شَخصِيَّة الشيخ العِلمِيَّة من خلال ذكرِ تلاميذه ومكانتهم، وقمت بعرض تآليفه، ثُمَّ تحليلها شكلا ومنهجا ومضمونا.
وتعرَّضت في الفصل الرابع إِلىَ مواقفه الإصلاحيَّة والسِّيَاسِيَّة، وإبداء بَعض آرائه في المجتمع والسياسة، وموقفه من الاحتلال الإنجليزي ومن النظام السلطانيِّ، وتتويج أعماله بإحياء الحكم الإماميِّ، مع تحليل تلك المواقف قدر الإمكان.
وجاء الفصل الخامس لِيُبَيِّنَ منزلة السالميِّ بين القادح والمادح، ومكانته السِّيَاسِيَّة، ثُمَّ ظروف وفاته.
وكانت الخاتمة تلخيصا لأهمِّ النتائج التي توصَّل إليها البحث، ومحاولة للإجابة عن الإشكاليَّة المطروحة، مع اقتراح جملة من التوصيات.
وذيَّلت البحث بملحق لخريطة عُمان، وبقائمة المصادر والمراجع، وبالفهارس التقنيَّة ”التقليدية“، وخصَّصت أحدها للمصطلحات العِلمِيَّة.
وقد تطلَّب تحليلُ الموضوع استخدامَ المناهج الآتية:
- المنهج التاريخي الاستردادي: وهو محاولة استيعاب واستعادة مشاهد الأحداث التَّارِيخِيَّة، بالاعتماد عَلَى أصحِّ الوثائق وأقربها إِلىَ الفترة والشخصيَّة المدروستين، دون الالتزام في بَعض الأحيان بسرد الأحداث وفق ترتيبها الزمنيِّ، وَإِنَّمَا حاولت أن أشخِّص الوضع بِشَيْءٍ من التحليل والاستنتاج. كما تعمَّدتُ في كثير من الأحيان المحافظةَ عَلَى نصِّ الاستشهاد (شعرا ونثرا)، وإيراده بحرفيَّته، لأَنَّ «الوثائق بالنسبة للمؤرِّخ تعتبر كشهود في محكمة بالنسبة للمحامي» (1)، وهي تمكِّن
__________
(1) محمَّد زيان عمر: البحث العلمي، مناهجه وتقنياته، ص164. (1/21)
صفحة 22
القارئ من إصدار الحكم بنفسه، وَهَذِهِ الطريقة أكثر موضوعيَّة مِمَّا إذا اكتفى الباحث بالإحالة عَلَى المصادر، فَإِنَّ ذَلِكَ يكون مدعاة للشكِّ في فهم الباحث لتلك النصوص، وتوجيهها بما يخدم الهدف الذي يرمي إليه.
- المنهج الوصفي: استخدمته في عرض الأحداث التَّارِيخِيَّة، للوصول إِلىَ صورة متكاملة، بهدف الكشف عن مواطن الغموض، خُصُوصًا فيما يَتَعلَّقُ بعصر السالميِّ، وحياته الشَّخصِيَّة وَالْعِلْمِيَّة.
- المنهج الاستقرائي: وَذَلِكَ بتتبُّع كُلِّ ما توصَّلتُ إِلَيْهِ حول السالميِّ، وَبِخَاصَّةٍ ما يَتَعلَّقُ بتلاميذه وتآليفه، بمختلف نُسخها وطبعاتها، بغرض إعطاء الشيخ حقَّه، وإبراز إنتاجه وتحليله، والوصول إِلىَ صورة أقرب إِلىَ الكمال قدر المستطاع.
- المنهج التحليلي: لتحليل النصوص واستنطاقها، للخروج بالنتائج المتوصَّل إِلَيْهَا.
- المنهج المقارن: ونعني به مقارنة النصوص بعضها بِبَعْض، ومقارنة السالميِّ بمعاصريه من العلماء الإصلاحيِّين في العالم الإِسلاَمِيِّ، من حيث الشَّخصِيَّة والإنتاج والمواقف.
- المنهج النقدي: وهو محاولة عدم التسليم بِكُلِّ ما يطَّلع عَلَيْهِ الباحث من الوثائق، إذ لاَ بُدَّ من وضعها في ميزان النقد الخارجيِّ، والنقد الداخليِّ بصفة أخصَّ، معتمدا عَلَى القاعدة الشهيرة: «إن كنت ناقلا فالصحَّة، أو مدَّعيا فالدليل».
وَهَذِهِ ملاحظات مَنهَجِيَّة شكليَّة نودُّ التنبيه إليها، وهي:
- حرصا مِنَّا عَلَى الجدَّة، وَعَلَى الكشف عن جوانب غامضة في حياة السالميِّ، جعلنا نتتبَّع بَعض الجزئيَّات، والتي كانت أحيانا عَلَى حساب الاسترسال في الأفكار، والتوازن بين أجزاء البحث.
- اختصرنا عنوان أطروحة مبارك الهاشمي عند الإحالة عَلَيْهَا في ثنايا البحث من: «الإمام نور الدين السالمي وآراؤه في الإلهيات مع مقارنة ذَلِكَ بآراء المعتزلة والأشاعرة والسلف» إِلىَ: «أطروحة الهاشمي».
- (1/22)
صفحة 23
عند تكرار ذكر المصدر أو المرجع في نفس الصفحة أو الصفحة التي قبلها مباشرة أستعمل عبارة: المصدر/المرجع نفسه، أو المصدر/المرجع السابق، وَأَمَّا إذا كان أبعد من ذَلِكَ فَإِنِّي أعيد ذكر العنوان والمؤلِّف تسهيلا عَلَى الباحث، وتفاديا لتقليب الصفحات بحثا عنهما.
وكأيِّ عمل لطالب مبتدئ، فَإِنَّ البحث لا يخلو من صعوبات، ذَاتِيَّة وموضوعيَّة.
فمن النوع الأَوَّل: البُعد الجغرافيُّ بين موطن الباحث وموطن الشَّخصِيَّة المدروسة، فالاتِّصالات مهما توفَّرت فهي لا تغني عن القيام برحلة إِلىَ عُمان، يباشر فيها الباحث عمله بنفسه، وهو الأمر الذي لم أتمكَّن من التغلُّب عَلَيْه أثناء فترة إنجاز البحث.
ومن النوع الثاني ما يأتي:
- اتِّساع الموضوع ـ في بداية الأمر لاشتماله عَلَى الجانب التاريخيِّ والعقديِّ ـ كان سببا في ضياع جهد كبير، ووقت طويل لجمع الْمَادَّة العِلمِيَّة، وَذَلِكَ لتعمُّد الباحث تتبُّع واستقصاء ما وصلت إِلَيْهِ يده من تراث الشيخ، ولو كان الْمُؤَلَّف لا يَتَعلَّقُ بالعقيدة أو التاريخ، خوفا من إغفال معلومة مُهِمَّة ذكرت هنا أو هناك، وَهَذَا كان سببا للتعب والملل في بَعض الأحيان.
- صعوبة فَهْم بعض الأحداث، لأَنَّ استيعابها كان متوقِّفا عَلَى فهم المصطلحات العمانيَّة، فمنها ـ مثلا ـ لفظة الشيخ إذا أطلقت فهل يقصد بها شيخ العلم، أم شيخ قبيلة؟ ... وكذا اسم ”الوالي“ أو”الأمير“ أو ”الرئيس“ هل يعني أَنَّ مَن أُطلقت عَلَيْهِ موالٍ للسلطان، أم موالٍ للإمام، أم مستقلٌّ بقبيلته، أم بمنطقته؟ ... ومنها أَيضًا: ”المطاوعة“، و”البلوش“، و”البانيان“ ... وهي مصطلحات لم أعثر عَلَيْهَا في المعاجم اللغويَّة. كما أَنَّ طبيعة المجتمع العمانيِّ وظروفه وهيكلته تختلف عنها في موطن الباحث (الجزائر ووادي ميزاب)، مِمَّا يعسِّر عمليَّة الفهم. هَذَا إضافة إِلىَ تشابك الأحداث، وتشابه الأسماء بشكل عجيب!. الأمر الذي أوقعنا في أَوَّل الأمر في ارتباك،
- (1/23)
صفحة 24
وغموض في فهم بَعض النصوص التَّارِيخِيَّة، مِمَّا اضطرَّنا إِلىَ تكرار قراءتها مرارا، لاستيعابها واستغلالها بشكل أفضل.
- وَلَعَلَّ أكبر الصعوبات تتمثَّل في عدم القدرة عَلَى التدقيق في جميع القضايا المطروحة في هَذَا البحث، فهو وإن كان يندرج ضمن التأريخ للحركات الإِسلاَمِيَّة الحديثة، إِلاَّ أَنَّ تعدُّد الجوانب التي يدرسها (التاريخ والتراجم والسير، والبيبليوغرافيا، وأصول الدين، وأصول الفقه، والحديث، والفقه، والأدب، والتصوُّف، والتربية ... ) مِمَّا صعَّب مَهَمَّة الباحث في التحقيق في عدَّة قضايا في آن واحد.
وَهَذِهِ الصعوبات أثَّرت سلبا في قيمة العمل، فلا شَكَّ أَنَّهُ يحتوي عَلَى كثير من النقائص التي لم يتمكَّن الباحث من تفاديها، منها ما يرجع إِلىَ الاستعجال، ومنها ما يعود إِلىَ قِلَّة الخبرة، أَو قصور في التحليل أو نفاد الجهد في البحث، فتُركت بعض التساؤلات مطروحة دون جواب. هَذَا من جهة، ومن جهة أخرى فَإِنَّهُ مهما حاول الباحث التحلِّي بالموضوعيَّة فَإِنَّهُ لاَ بُدَّ أن ينحاز ـ دون قصد ـ إِلىَ جهة مُعَيَّنَة، وحسبه أن لا يتعمَّد ذَلِكَ، بل يبذل جهدَه لتفاديه، فإن كان لنا ميل إِلىَ هَذَا الرأي أَو ذاك، أو مساندة أَو انتقاد لموقف مَّا دون مبرر مقبول، فَإِنَّ ذَلِكَ من القصور لا من التقصير، فالكمال لله وحده، وهو غاية لا تدرك. لذا نلحُّ عَلَى ضرورة تقديم الملاحظات البنَّاءة، والتي تثري هَذَا الجهد القاصر، و «رحم الله من أهدى إِليَّ عيوبي».
وفي الأخير أرجو أن يستفيد الباحثون والدارسون من هذا العمل. وأسأل الله تعالى أن يتقبَّل من كُلِّ من قَدَّمَ لي يد المساعدة، وأخصُّ منهم الأستاذ المشرف الدكتور عَمَّار جيدل. وأدعو الله للجميع بالتوفيق والسداد في القول والعمل. إِنَّهُ سميع مجيب.
مصطفى بن محمَّد شريفي
القرارة: يوم 05 صفر 1422هـ/28 أفريل 2001م (1/24)
صفحة 25
الفصل الأوَّل
بيئة الشيخ السالمي وعصره
المبحث الأَوَّل: موطن السالمي (عُمان) جغرافيا وتاريخيا
أَوَّلاً- عُمان جغرافيًّا
ثانيا- عمان تاريخيًّا
المبحث الثاني: الوَضْعِيَّة السِّيَاسِيَّة
أَوَّلاً- الضغط السياسي الخارجي
ثانيا- الضغط السياسي الداخلي
المبحث الثالث: الوَضْعِيَّة الاقتصاديَّة والاِجتِمَاعِيَّة
أَوَّلاً- الوَضْعِيَّة الاقتصاديَّة
ثانيا - الوَضْعِيَّة الاِجتِمَاعِيَّة
المبحث الرابع: الوَضْعِيَّة الثَّقَافِيَّة وَالدِّينِيَّة
أَوَّلاً - الوَضْعِيَّة الثَّقَافِيَّة
ثانيا - الوَضْعِيَّة الدِّينِيَّة (1/25)
صفحة 26
صفحة 26 بيضاء (1/26)
صفحة 27
تمهيد:
نتناول بالدراسة في هَذَا الفصل الأوضاع التي سادت عمان في عهد الشيخ السالمي. وقبل ذلك نشير إِلىَ سرعة التحوُّلات السِّيَاسِيَّة والاقتصاديَّة وَالاِجتِمَاعِيَّة آنذاك، وتداخل القوى والمصالح ... مِمَّا يصعِّب عَلَى غير المتمرِّس متابعتها واستيعابها وفهمها بدقَّة. وقد أفاضت المصادر في تتبُّع التفاصيل، وَهَذِهِ التفاصيل وإن كانت مُهِمَّة، إِلاَّ أَنَّنَا سنحاول الاقتصار عَلَى عرض الضروريِّ منها، بما يخدم البحث، لتتجلَّى لنا آثارها عَلَى السالمي، ويمكن عَلَى ضوئها تفسير أفكاره ومواقفه.
المبحث الأوَّل
موطن السالمي (عُمان) جغرافيًّا وتاريخيًّا
لا يمكن الحديث عن الشيخ السالمي دون التعرُّض إِلىَ البيئة التي نشأ فيها، فللبيئة الزمانية والمكانية ـ كما لا يخفى ـ تأثيرهما عَلَى المرء، سلبا أو إيجابا، وقد يُؤَثِّرُ هو كَذَلِكَ فيهما.
فالسالمي عُمانيُّ الموطن: فيه ولد، وفيه ترعرع ونشأ، وفيه تعلَّم وعلَّم، وفيه تُوُفِّيَ. وللتعرُّف عَلَى هَذَا البلد نستعرض موجزا عن موقعه الجغرافي، وتاريخه.
أَوَّلاً- عُمان جغرافيًّا (1):
عُمان هي الجزء الجنوبي الشرقيُّ من شبه الجزيرة العَرَبِيَّة، تمتدُّ حاليا بين
__________
(1) للتفصيل أكثر حول جغرافية عُمَان ينظر: وزارة الإعلام: عُمان 99، مسقط، سلطنة عمان، 1420هـ/1999م، ص 47 - 53. ولكنسون جي. دي.: الأفلاج ووسائل الري في عمان، ترجمة: محَمَّد أمين عبد الله، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان، 1401هـ/1981م، ص13 - 15. د. خالد ناصر الوسمي: عُمان بين الاستقلال والاحتلال دراسة في التاريخ العماني الحديث وعلاقاته الإقليمية والدولية في الفترة ما بين 1789 - 1904م، مُؤَسَّسَة الشراع العربي، الكويت، الطبعة الأولى، 1993م، ص46 - 47. (1/27)
صفحة 28
خطَّيْ عرض 16,40 و26,20 درجة شمالا، وبين خطَّي طول 51,50 و59,40 درجة شرقا، وتطلُّ عَلَى ساحل يمتدُّ أكثر من 1700كلم (1)، من الشمال إِلىَ الجنوب الغربي عَبْرَ: مضيق هرمز، خليج عُمان، بحر العرب، المحيط الهندي (2).
وتشترك في حدودها مع الجمهورية اليمنيَّة من الجنوب الغربي، والمملكة العَرَبِيَّة السعودية من الغرب، والإمارات العَرَبِيَّة المتَّحدة من الشمال، وتبلغ مساحتها: 309500كلم².
تتميَّز جغرافية عُمان بامتداد سلسلة من الجبال تمتدُّ من «رأس مسندم» (المحاذي لمضيق هرمز) إِلىَ «رأس الحد» (أقصى امتداد للجزيرة العَرَبِيَّة من جنوبها الشرقي في المحيط الهندي) (3)، وَهَذِهِ السلسلة كَانَت إحدى عوامل التمايز بين سكان الساحل، وسكان الداخل، نظرا لوعورة مسالكها الجبلية (4). وتسمَّى المنطقة المحاذية لخليج عمان بالباطنة، والتي تقع إِلىَ الغرب من تلك الجبال تُسَمَّى بالظاهرة (5).
وَأَمَّا المناطق التي تهمُّنا في البحث فهي (6):
- الجوف: وتسمَّى الدَّاخِلِيَّة، من مدنها: نزوى وهي عاصمتها، وأدم، ومنح، وإزكي، وبهلا، وسمائل، ونخل، والعوابي، والرُّستاق.
__________
(1) ينظر: عُمان99، ص 47. عبيدلي أحمد: الإمام عزان بن قيس (1868 - 1871) جوانب من التاريخ العربي الإِسلاَمِي في ظل الهيمنة الأوروبية، دار الحداثة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية، 1984، ص13. السيار عائشة علي: دولة اليعاربة، عمان وشرق إفريقيا في الفترة 1624 - 1741م، وزارة الإعلام بدولة الإمارات العَرَبِيَّة المتحدة، دار القدس، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 1975م، ص14 - 15.
(2) ينظر: خريطة عُمان في الملحق.
(3) ينظر: عُمان99، ص48. عبيدلي: الإمام عزان، ص19.
(4) ينظر: الوسمي: عمان، ص128.
(5) نشير إِلىَ أَنَّ معرفة هَذَا التقسيم تفيدنا في تحديد مناطق الإمامة والسلطنة بعمان تاريخيًّا.
(6) ينظر: السالمي أبو بشير محَمَّد شيبة بن نور الدين عبد الله بن حُميد: نهضة الأعيان بحريَّة عُمان، مطابع دار الكِتَاب العربي، القاهرة، مصر، د. ت، ص51 - 65. روبرت جيران لاندن: عمان منذ 1856 مسيرا ومصيرا، تر: محَمَّد أمين عبد الله، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان، ط3، 1404هـ/1983، ص42 - 43. يقارن بخريطة عمان في الملحق. (1/28)
صفحة 29
- الشَّرْقِيَّة: وهي التي تقع شرقيَّ أرض الجوف، من مدنها: سناو، وإِبْرَا، والمضيبي، والقابل، وبْدِيَّة، وجعلان.
- الظاهرة: وهي التي تقع غربيَّ أرض الجوف، من مدنها: عبري، وينقل، وضنك، والبريمي (1).
ثانيا- عمان تاريخيًّا (2):
الموقع الجغرافيُّ المتميِّز لعمان جعل منها مسرحا لتاريخ طويل، ونقطةَ اتِّصَال بين الشرق والغرب، ومحطَّ الرحال للنازحين إِلَيْهَا في القديم من القبائل العَرَبِيَّة وغيرها، ومنطقة أطماع المستعمرين في العصر الحديث عَلَى الخصوص.
أُطلقت عَلَى عُمان عِدَّة أسماء، منها «مجان» و «مَزون»، وَلَمَّا اسْتَقَرَّ بها الأزد من العرب سموها «عُمان» (3).
__________
(1) لضبط كَيفِيَّة النطق بأسماء بَعض المدن العمانية: بهلا، الرستاق، إزكي، إبرا، الحمرا، آدم، عبري، ينقل، نزوى، صحار، ينظر: السالمي نور الدين أبو محَمَّد عبد الله بن حميد: جوهر النظام في علمي الأديان والأحكام، تعليق اطفيَّش أبي إسحاق إبراهيم، د. ن، مطابع العقيدة، مسقط، سلطنة عُمان، الطبعة العاشرة، 1405هـ/1984م، 4/ 606. الصوافي صالح: السالمي فقيها ومحقِّقا، قراءات في فكر السالمي، حصاد ندوة المنتدى الأدبي حول الشيخ نور الدين السالمي، إشراف: سالم بن محَمَّد الغيلاني، إعداد: محَمَّد علي الصليبي، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان، المطابع العَالَمِيَّة، روي، الطبعة الأولى، 1413هـ/1993م: ص94.
أَمَّا عن سمات بعضها فينظر: السالمي نور الدين أبو محَمَّد عبد الله بن حميد: تحفة الأعيان بسيرة أهل عُمان، مكتبة الاستقامة، مطابع النهضة، 1417هـ/1997م، 1/ 6 - 9. أبو بشير: نهضة، ص51 - 67.
(2) ينظر: السيابي: عمان عَبْرَ التاريخ، 1/ 52 - 114. خالد الوسمي: عمان بين الاستقلال والاحتلال، ص75 - 84.
تعرَّض تاريخ عمان لتشويه صورتها من قِبل بَعض الْمُؤَرِّخِينَ، خَاصَّةً لمن لا يعرفها، فقد ينساق وراء ما ذكره ابن بطوطة في رحلته، وقد زار عُمان سنة 725هـ/1325م في فترة حكم النباهنة الجائر، وأخذ صورة شاذَّة عنها. وقد رَدَّ عَلَيْهِ الشيخ السالمي والشيخ اطفيَّش أبو إسحاق إبراهيم. ينظر: السالمي: تحفة الأعيان، 1/ 364 - 374.
(3) حول تاريخ هَذِهِ التسميات وأسبابها ينظر: ياقوت بن عبد الله الحموي أبو عبد الله (626هـ): معجم البلدان، دار الفكر، بيروت، 5/ 122 (مركز التراث لأبحاث الحاسب الآلي: برنامج المكتبة الألفية للسنة النَّبَوِيَّة، عَمَّان، الأردن، الإصدار: 1.5، 1419هـ/1999م). السالمي: تحفة الأعيان، 1/ 6 - 9. السيار عائشة: دولة اليعاربة، ص18. السيابي: عمان عَبْرَ التاريخ، 1/ 27 - 29. الوسمي: عمان، ص147. مبارك بن سيف بن سعيد الهاشمي: الإمام نور الدين السالمي وآراؤه في الإلهيات مع مقارنة ذَلِكَ بآراء المعتزلة والأشاعرة والسلف، رسالة دكتوراه مقدَّمة بشعبة العقيدة والفلسفة، قسم أصول الدين، كلِّيَّة الدراسات الإِسلاَمِيَّة والعربيَّة، جامعة الأزهر، إشراف: د. جاد الله حجازي، 1413هـ/1993م (مرقون)، ص24. وزارة الإعلام: عمان 99، ص42. (1/29)
صفحة 30
عرفت عمانُ الإِسلاَم منذ عهد الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم، عَلَى يد الصحابيِّ الجليل مازن بن غضوبة الطائي (1). وقد نالها من الرَّسُول صلَّى الله عليه وسلَّم دعوات دُنْيَوِيَّة وأخرويَّة، آتت ثمارها عَلَى مَرِّ العصور، وأثنى - عليه السلام - عَلَى أهلها ثناء حسنا (2).
كان لعمان دور بارز في نشر الإِسلاَمِ منذ حروب الردَّة إِلىَ طرد الاحتلال البرتغالي عَلَى يد الإمام ناصر بن مرشد اليعربي (3)، وأخيرا إِلىَ الثورات التي كانت ضِدَّ الإنجليز في الخمسينيات من القرن العشرين (4). كما أسهمت التجارة التي مارسها
__________
(1) ينظر: ابن عبد البر يوسف بن عبد الله بن محمد (463هـ): الاستيعاب في معرفة الأصحاب، تحقيق: علي محمد البجاوي، الطبعة الأولى، دار الجيل، بيروت، 1412، 3/ 1344 (برنامج المكتبة الألفية). د. ناصر محَمَّد بن صالح: مازن بن غضوبة، كله. المعولي أبو سليمان بن محَمَّد بن عامر بن راشد: قصص وأخبار جرت في عمان، تحقيق: عامر عبد المنعم، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان، مطابع سجل العرب، القاهرة، 1979م، ص34. أطروحة الهاشمي، ص29 - 31. وزارة الإعلام: عُمان99، ص43.
(2) من ذَلِكَ قَوله - صلى الله عليه وسلم - لرجل بعثه إلى حيٍّ من أحياء العرب فسبُّوه وضربوه فجاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبره، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لو أنَّ أهل عمان أتيت ما سبُّوك ولا ضربوك». رواه مسلم في صحيحه، تحقيق: محَمَّد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، كِتَاب فضائل الصحابة، باب فضل أهل عمان، حديث رقم 2544، ج4/ص1971. (برنامج المكتبة الألفية. وشركة البرامج الإِسلاَمِيَّة الدولية: برنامج موسوعة الحديث الشريف، الإصدار الثاني، 1997م).
(3) الإمام ناصر بن مرشد اليعربي (1004هـ - 10 ربيع الثاني 1059هـ / 1595 - 22 أفريل 1649م). تولى الإمامة بترشيح أهل العلم سنة 1034هـ/1624م، واستمر فيها إلى يوم وفاته. ينظر: المعولي: قصص وأخبار، ص98. خير الدين الزِّرِكلي: الأعلام قاموس تراجم لأشهر الرجال والنساء من العرب والمستعربين والمستشرقين، دار العلم للملايين، بيروت، لبنان، الطبعة الحادية عشرة، 1995م، 7/ 350. وعن تفاصيل إمامته ينظر: السيار عائشة: دولة اليعاربة، الكِتَاب كله.
(4) ينظر نموذج من الثوار العمانيين في تلك الفترة: الطائي عبد الله بن محَمَّد: ملائكة الجبل الأخضر، قِصَّة الثورة في عمان، مطابع الوفاء، بيروت، د. ت. (1/30)
صفحة 31
العمانيُّون بقسط كبير في نشر الإِسلاَمِ في شرق إفريقيا ووسطها، وجنوب آسيا كالصين والهند وسائر الموانئ الآسيويَّة (1).
إِلىَ جانب نشر الدعوة الإِسلاَمِيَّة فقد أسهمت بصورة فعَّالة في إثراء الفكر الإِسلاَمي، وَذَلِكَ ببروز عِدَّة شخصيات أدبيَّة ودينيَّة وسِيَاسِيَّة، فمن الشخصيَّات الأدبيَّة: الخليل بن أحمد الفراهيدي واضع علم العروض (2) أبو بكر محَمَّد بن الحسن بن دريد (3). ومن الشخصيات السِّيَاسِيَّةِ الأَئمَّةُ والسلاطينُ الذين تداولوا عَلَى السلطة، فَأَوَّلُ الأَئمَّة: الإمام الجلندى بن مسعود (4) وآخرهم: الإمام غالب بن علي الهنائي (5). ومن الشخصيَّات الدِّينِيَّة: إمام المذهب الإِبَاضِيِّ جابر بن زيد
__________
(1) ينظر: عمان99، ص43 - 44.
(2) الخليل بن أحمد الفراهيدي، أبو عبد الرحمن (100 - 170هـ/718 - 786م): من أَئِمَّة اللغة والأدب، أستاذ لسيبويه، عاش فقيرا صابرًا، من مؤلفاته: «العين» في اللغة. ينظر: الزركلي: الأعلام، 2/ 314.
(3) ابن دريد (223 - 321هـ/838 - 933م): من أزد عمان، قيل فيه: «ابن دريد أشعر العلماء وأعلم الشعراء»، له «المقصورة الدريدية»، «الاشتقاق» في الأنساب، «الجمهرة» في اللغة ... ينظر: الزركلي: الأعلام، 6/ 80.
(4) الجلندَى بن مسعود بن جيفر بن جلندى (ت: 134هـ/ 751م) أخذ العلم عن الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة. عقدت له أوَّل إمامة للظهور بعُمان سنة 132هـ/749م، وحكم بالعدل مدَّة سنتين وشهرًا. أرسل إليه العَبَّاسيون جيشا بقيادة خازم بن خزيمة، فانهزم الجلندى ومات شهيدا في المعركة. ينظر: السالمي: تحفة الأعيان، 1/ 85 - 89. جمعِيَّة التُّرَاث (لجنة البحث العلمي): معجم أعلام الإِبَاضِيَّة من القرن الأَوَّل الهجري إِلىَ العصر الحاضر، قسم المغرب الإِسلاَمِي، دار الغرب الإِسلاَمي، الطبعة الثانية، 1421هـ/2000م، 2/ 113، ترجمة رقم 240.
(5) بويع بالإمامة بعد وفاة الإمام محَمَّد بن عبد الله الخليلي يوم 29 شعبان 1373هـ/3 ماي 1954م، فقاوم الإنجليز ببسالة، ثمَّ فرَّ إلى السعودية طالبا اللجوء السياسي. عاش في المنفى بالدمام إلى أن توفي يوم الأحد 12 ذو الحجَّة 1430هـ/ 29 نوفمبر 2009م. ينظر: سعيد بن حمد بن سليمان الحارثي: اللؤلؤ الرطب في إبراز مستودعات القلب، د. ن.، د. ت.، د. م.، ص296 - 354. د. غبَّاش حسين عبيد غانم: عُمان، الديمقراطية الإِسلاَمِيَّة، تقاليد الإمامة والتاريخ السياسي الحديث (1500 - 1970م)، نقل النص إِلىَ العَرَبِيَّة، د. حمصي أنطوان، دار الجديد، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 1997م، ص312 وما بعدها. مقابلة أجراها الباحث مع الشيخ الناصر بن محَمَّد المرموري، في القرارة بتاريخ: 05 صفر 1422هـ/28 أفريل 2001م. (1/31)
صفحة 32
الأزدي (1) والربيع بن حبيب الفراهيدي (2)، وَلَعَلَّ من أهمِّهم في العصر الحديث شَخصِيَّة هَذِهِ الدراسة: الشيخ نور الدين السالمي.
وإذا كان الشيخ نور الدين السالمي عاش في أواخر القرن الثالث عشر وأوائل القرن الرابع عشر الهجريَّين، فما هي الظروف المحيطة به، والتي لا شَكَّ أَنَّ لها دورا في بناء شَخصِيَّته؟.
- - - - - -
__________
(1) جابر بن زيد اليحمدي الأزدي الجَوْفي العماني، أبو الشعثاء (18 - 93هـ/ 639 - 711م) ولد بـ «فرق» من عمان؛ درس بالبصرة والحجاز، وأخذ عن كثير من الصحابة، منهم: عائشة أمُّ المؤمنين، وعبد الله بن عبَّاس ... من تلامذته: أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة، وضمَّام بن السائب، وقتادة شيخ البخاري ... كان إمامًا في التفسير والحديث والفقه؛ ترك مؤلَّفا سُمِّيَ بـ «ديوان جابر»، إلاَّ أَنَّهُ ضاع، وبقيت بعض فتاواه ورواياته منتشرة في مصادر السنة والفقه، وَمِمَّا بقي من تآليفه: «كتاب الصلاة»، (مخ). «كتاب النكاح» (مخ) ... يعتبر جابر إمام الإِبَاضِيَّة، وواضع قواعد الاجتهاد للمذهب، وعنه كان يصدر عبد الله بن إباض في مواقفه. ينظر: جمعِيَّة التُّرَاث: معجم أعلام الإِبَاضِيَّة، 2/ 108 - 111، ترجمة رقم 230.
(2) الربيع بن حبيب الفراهيدي (و: حوالي 75هـ - ت: حوالي 145هـ) أخذ العلم عن الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، وترك مسندًا في الحديث، رتَّبه أبو يعقوب يوسف الوارجلاني (ت: 570هـ/1175م) فَسَمَّاهُ: بـ «الجامع الصحيح». ينظر ترجمته في: الكباوي أبو القاسم عمر بن مسعود: الربيع بن حبيب محدِّثا، رسالة ماجستير، جامعة الفتح، كُلِّيَّة التربية، قسم اللغة العَرَبِيَّة، ليبيا، المطبعة العَرَبِيَّة، غرداية، 1994م، ص120، 245.
ولمعرفة أسماء بَعض علماء عمان في كُلِّ قرن منذ الفتح الإِسلاَمِي إِلىَ القرن الرابع عشر، ينظر: القائمة التي وضعها سالم بن حمد الحارثي في مُقَدِّمَة كِتَاب العقد الثمين نماذج من فتوى نور الدين أبي محَمَّد عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي، قام بتصميمه وتحقيقه والتعليق عليه وترتيبه: سالم بن حمد بن سليمان بن حميد بن عبد الله الحارثي المضيربي، وأشرف عَلَى إصداره وتصحيحه الشيخ محَمَّد محَمَّد الدهان، دار الشعب، القاهرة، مصر، د. ت. 1/ 18 - 24. (1/32)
صفحة 33
المبحث الثاني
الوَضْعِيَّة السِّيَاسِيَّة
إِنَّ للظروف السِّيَاسِيَّة تأثيرا عَلَى الأوضاع الاِجتِمَاعِيَّة والاقتصاديَّة وَالثَّقَافِيَّة، لذا كان من المنطقيِّ أن نبدأ بعرض صورة للوضع السياسي داخل عمان، وخارجها. وتجدر الإشارة إِلىَ حساسيَّة التناول بالتحليل والتفصيل لتلك الأوضاع بالنسبة للعمانيِّين، سواء أكانت سِيَاسِيَّة أم اجتِمَاعِيَّةً، فَإِنَّ لبعضها أبعادا لا تزال آثارها بادية إِلىَ يومنا هَذَا، فَإِنَّ صانعي أحداث تلك الفترة ـ سواء الموالين للسلطنة أو الموالين للإمامة ـ هم آباء وأجداد صانعي أحداث اليوم (1).
كما أَنَّهُ من الصعب الفصل بين بَعض الأوضاعٍ السِّيَاسِيَّة الداخليَّة وَالخَارِجِيَّة لِعُمان، نظرا للتداخل فيما بينهما، والعلاقة الوطيدة التي تربطهما، إذ إِنَّ كلاًّ منهما يمكن أن يُؤَثِّرَ في الآخر، ويكون أحدهما سببا أو نتيجة للثاني. ومع ذَلِكَ فلضبط الأفكار وتوضيح الأحداث آثرنا هَذَا التقسيم، رغم عدم دقَّته.
أَوَّلاً- الضغط السياسي الخارجي:
نظرا للموقع الجغرافي الاستراتيجي لعمان فَإِنَّهَا تعرَّضت لأطماع الأجانب من غير العمانيِّين. ويرجع الصراع بينهم وبين الأجنبيِّ إِلىَ عهد الدولة الأُمَوِيَّة، التي
__________
(1) ولنضرب مثالا للأحداث التي لا يزال أثرها إِلىَ اليوم: قَضِيَّة التغريق التي مَسَّت بَعض الناس الموالين للسلطان، فَإِنَّ السالميَّ حَكَم بتغريق الأموال التي اكتسبوها وإدخالها في بيت مال المسلمين، لأَنَّهَا حقٌّ للأمَّة. ومن ضمن من مَسَّتهم هَذِهِ الفتوى أسرة الخصيبيِّين الذين كانت لهم أموال بـ «نخل» و «سمائل». وقد تحدث عنها الشيخ محَمَّد بن راشد الخصيبي، واستعمل ألفاظا تَدُلُّ عَلَى نوع من العاطفة، مثل: «الوالد»، «أموال الوالد» ... فطَرْحُ مثل هَذِهِ القَضِيَّة اليوم قد يكون له أثر مادِّيٌّ فضلا عن الأثر المعنوي. ينظر: الخصيبي محَمَّد بن راشد بن عزيز: شقائق النعمان على سموط الجمان في أسماء شعراء عمان، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، 1984م، 3/ 169 - 170. (1/33)
صفحة 34
بسطت سيطرتها بِالقُوَّةِ عَلَى الإقليم (1). وَأَمَّا في عهد الدولة العَبَّاسيَّة فقد كانت عُمان مستقلَّة بأيمَّتها وسلاطينها، إِلاَّ أَنَّ حدودهما كانت بين مدٍّ وجزر (2).
أَمَّا العصور الحديثة فقد تميزت بالاحتلال الأوروبي، إذ ابتدأت بغزو البرتغال لساحل عمان سنة 913هـ/1507م عَلَى غرار السواحل الأخرى للخليج وإفريقيا والساحل الهندي، وقد جثم البرتغاليون لمدَّةِ قرن ونصف تقريبا، حَتَّى أجلاهم الإمام ناصر بن مرشد اليعربي عن أغلب مناطق عمان، وأتمَّ إجلاءهم خليفته الإمام سلطان بن سيف حوالي عام 1062هـ/1652م (3). ومنذ ذَلِكَ الحين عاشت عمان دولة مستقلَّة، إِلىَ أن ظهر تنافس الدول الاستدمارية الكبرى عَلَى دول الخليج، وبالأخص بين بريطانيا وفرنسا، خلال الفترة الممتدَّة من أواخر القرن الثالث عشر وأوائل القرن الرابع عشر الهجريين/ق19 - 20م، وهي الفترة التي تهمُّنا في البحث، لأَنَّ الشيخ السالمي عاشها وعايشها، وقد تميَّزت بالخصائص والأحداث الآتية:
1 - تنافس بريطانيا (4) وفرنسا عَلَى عمان:
تنافست كلٌّ من إنجلترا وفرنسا ـ في إطار سعي الأوروبيِّين إِلىَ تقسيم تركة الرجل المريض (الدولة العثمانية) ـ للاستيلاء عَلَى دول الخليج، ومنها عمان،
__________
(1) ينظر: المعولي: قصص، ص42 - 48. السيابي: عمان عَبْرَ التاريخ، 2/ 8 وما بعدها. أطروحة الهاشمي، ص32 - 33.
(2) ينظر: المعولي: قصص، ص49. لاندن: عمان، ص55 - 56. أطروحة الهاشمي، ص34. الوسمي: عمان، ص36 - 44.
(3) ينظر: المعولي: قصص، ص106 - 112. السالمي: تحفة، 1/ص180. أبو بشير: نهضة، ص10. د. أحمد درويش: جهود السالمي في خدمة الأدب في عمان، قراءات، ص118. أطروحة الهاشمي، ص35. وزارة الإعلام: عُمان99، ص44 - 45، إِلاَّ أَنَّ الوزارة حددت تاريخ ثورة ناصر بن مرشد بـ1624م بدل 1652م. ومعلوم أن سنة 1034هـ/1624م هو تاريخ تولي ناصر بن مرشد الإمامة، وقد وُفِّق في إجلاء البرتغال، منذ حوالي سنة 1042هـ/1633م، من كلِّ أراضي عُمان، ولم يبق غير مسقط، التي أجلاهم عنها خليفته في الحكم ابن عمه: الإمام سلطان بن سيف اليعربي.
(4) حول نفوذ بريطانيا وهيمنتها وتنافسها مع فرنسا في عمان، ينظر: لاندن: عمان، ص37 وما بعدها، ص286 وما بعدها. عبيدلي: الإمام عزان، ص46 - 50. الوسمي: عمان، ص51، 173 وما بعدها. (1/34)
صفحة 35
وَبِخَاصَّةٍ المنطقة الساحلية منها (1). «فلم تعد عمان القُوَّة الإقليمية والحليف المحترم من قِبل فرنسا، بل تحوَّلت إِلىَ قطعة ”حلوى“ تتقاسمها مع بريطانيا» (2).
ونظرا للتنافس الشديد بين الدولتين فَإِنَّهُ لم تستطع أيٌّ منهما أن تفرض حمايتها عَلَى مسقط، فوقَّعتا سنة 1279هـ/1862م اتِّفَاقًا يقضي باستقلال مسقط (3)؛ إلاَّ أنَّ بريطانيا أجبرت السلطانَ فيصل بن تركي عَلَى توقيع معاهدة سرِّيَّة تحت التهديد تقضي بمنع تدخُّل أيِّ دولة أجنبيَّة في شؤون عمان غير بريطانيا، وَذَلِكَ بتاريخ 10 شعبان 1308هـ/20 مارس 1891م، وتنصُّ عَلَى «أَنَّ السَّيِّد فيصل بن تركي بن سعيد سلطان مسقط وعمان يَعِدُ ويتعهَّد عَلَى نفسه وورثته وخلفائه بعدم التخلِّي عن ممتلكات مسقط وعُمان (4)، أو أيٍّ من ملحقاتهما، أو بيعها أو رهنها أو السماح باحتلالها لغير الحكومة البريطانية» (5)، وتعتبر هَذِهِ المعاهدة أخطر معاهدة «وقعتها عمان في تاريخها أجمع» (6).
وقد تجلَّى الصراع عنيفا بين الدولتين في قَضِيَّتين هما:
__________
(1) ينظر: أبو بشير: نهضة، ص239.
(2) غبَّاش: عُمان، ص244. وينظر: Donald Hawley: L’Oman et sa renaissance, Traduction: Suzanne Lombard et Nadine Vilols, Révision: André Mathys et Angela Milburn, Stacey international, Londres, 1978, p47.
(3) ينظر التفاصيل في: أبو بشير: نهضة، ص239. المعهد الدبلوماسي العماني: محاضرات الدورة التاسعة عام 1994، وزارة الخَارِجِيَّة، سلطنة عُمان، مطابع دار جريدة عمان للصحافة، والنشر، سلطنة عمان، ص54. غباش: عمان الديمقراطية، ص207 - 208. الوسمي: عمان، ص231، 239. L’Oman, p45 .
(4) لفظة «عُمان» في تلك الفترة إذا أطلقت فَإِنَّهَا تنصرف غالبا إِلىَ غير مسقط ومطرح (أي مناطق الداخل)، والتي ليس للسلطان عَلَيْهَا نفوذ قويٌّ، بل كانت تابعة لأمراء القبائل، وللإمامة في وقت لاحق.
(5) أبو بشير: نهضة، ص238. لاندن: عمان، ص261. الوسمي: عمان، ص229، 231. غباش: عمان الديمقراطية، ص241.
Robin Bidwel: A collection of texts dealing with the sultanate of Muscat and Oman and it’s international relation 1790 - 1970, in the journal of Oman studies, articles presented to the conference on Oman studies, held in Muscat november 1980, art. n° 61 - 62, p28.
(6) غباش: عمان، ص249. (1/35)
صفحة 36
1 - السماح لفرنسا بإقامة مستودع للفحم في منطقة الجصَّة (وهي موضع عَلَى شاطئ البحر شرقي مسقط) سنة 1315هـ/1898م (1)، الأمر الذي أثار بريطانيا، فأرغمت السلطان، وبطريقة مهينة مخزية، عَلَى إلغاء هَذِهِ المنحة فورا، فتمَّ لها ذَلِكَ بتاريخ 3 شوال 1316هـ/ 13 فيفري 1899م (2).
2 - السماح لسفن العمانيِّين من أهالي صور برفع الأعلام الفرنسية، لحمايتها من التفتيش، فقد كانت فرنسا تساعد العمانيِّين عَلَى تجارة الرقيق والأسلحة الأمر الذي ترفضه بريطانيا (3)، مِمَّا أَدَّى إِلىَ توتُّر العلاقات بين الدولتين، فلجأتا إِلىَ محكمة لاهاي في 4 شعبان 1322هـ/13 أكتوبر 1904م، فكانت الغلبة لبريطانيا (4).
انحسر نفوذ فرنسا شَيْئًا فشَيْئًا أمام الإنجليز خَاصَّةً بعد أن خسرت قَضِيَّةَ الأعلام، وأعلنت بريطانيا رسميًّا عن حصريَّة نفوذها في الخليج عَلَى لسان اللورد ” كورزون “ حين قال: « ... ولا بُدَّ لنا من المحافظة عَلَى السلام في هَذِهِ المياه، وسيظلُّ نفوذ الحكومة البريطانية هو السَّيِّد في هَذِهِ المنطقة» (5).
2 - اقتطاع الإنجليز لبعض المناطق التابعة لعمان:
اتَّفَقَت بريطانيا مع سلطان عمان سنة 1273هـ/1856م (6) عَلَى أن يتخلَّى عن زنجبار التي كانت تابعة للعمانيِّين مقابل حصوله عَلَى مبلغ ماليٍّ تدفعه بريطانيا
__________
(1) ينظر: لاندن: عمان، ص293. Robin: A collection, art. n° 68, p29.
(2) ينظر: أبو بشير: نهضة، ص239. لاندن: عمان، ص299، 447. الوسمي: عمان، ص229، 246، 248 - 249. غباش: عمان الديمقراطية، ص239، 251 - 256. L’Oman, p47.
(3) وبالطبع لم يكن ذَلِكَ بدافع إنساني، كما تحاول إظهاره، بل لتمرير سياستها ونفوذها. ينظر: أبو بشير: نهضة، ص240. لاندن: عمان، ص77، 302. الوسمي: عمان، ص202 - 203، 275.
(4) ينظر: لاندن: عمان، ص455. الوسمي: عمان، ص51، 252 - 267. غباش: عمان الديمقراطية، ص264. وقد فصَّل هَذَا الأخير القَضِيَّة وحلَّلها تحليلا مفيدا مستشهدا بالاِتِّفَاقيات والمعاهدات الموثقة المبرمة آنذاك. ينظر: الصفحات: 251 - 256.
(5) غباش: عمان، ص272.
(6) تم التقسيم إثر وفاة السلطان سعيد بن سلطان. ينظر: السالمي: تحفة، ط. 1347هـ، 2/ 219 - 220. لاندن: عمان، ص326. المعهد الدبلوماسي: محاضرات، ص45. L’Oman, p45, 247. (1/36)
صفحة 37
دوريًّا، والواقع أَنَّ هَذِهِ المبالغ لم تكن تدفع من ميزانية بريطانيا بل «من دخل زنجبار، وَهَذَا الأمر تُؤَكِّدُه الوثائق الدبلوماسيَّة الفرنسيَّة» (1). وكانت بريطانيا هي التي تقرِّر دَفْعَ هَذِهِ المبالغ إِلىَ السلطان أو عَدَمَه، حَتَّى إذا أرادت فرض سياستها ضيَّقت عَلَيْهِ الخناق، ومنعته من هَذِهِ المنحة (2)؛ وهذا ما وقع ـ على سبيل المثال ـ عند تولِّي عزَّان بن قيس الإمامةَ سنة 1285هـ/1868م، إذ أوقفت بريطانيا هَذَا التعويض واستأنفته بعد إسقاطها. وقد تمَّ فصل زنجبار سنة 1277هـ/1861م، وأعلنت بريطانيا حمايتها عَلَيْهَا رسميًّا سنة 1307هـ/1890م.
ولم يقتصر الأمر عَلَى الأراضي البعيدة جغرافيًّا عن عمان بل مَسَّ أَيضًا مناطق داخل الحدود العمانيَّة نفسها: كمسقط ومطرح وملحقاتهما، ففي شهر جمادى الثانية عام 1313هـ/ نوفمبر 1895م أخذ السلطان فيصل حماية من الإنجليز عَلَى المدينتين (3).
3 - تأييد الإنجليز للسلطان ضِدَّ القبائل (4):
وقَّع السلطان سلطان بن أحمد سنة 1213هـ/1798م أَوَّل معاهدة بين سلطان عمانيٍّ ودولة أوروبيَّة، مع الموظَّف البريطاني، الإيراني الأصل: مهدي علي خان، والتي تنصُّ عَلَى تأييد الإنجليز ضِدَّ الشعب العماني مقابل 2820 روبية (5).
وما كان لبريطانيا ـ بطبيعة الحال ـ لتؤيِّد السلطان إِلاَّ حفاظا عَلَى مصالحها، فهي تبقى عَلَى عرشها متفرِّجة عَلَى الصراعات الدَّاخِلِيَّة ـ ولو تَعَلَّقَ الأمر بحياة أو موت السلطان نفسه ـ إِلاَّ إذا مُسَّت في شَيْء من مصالحها، وكمثال عَلَى ذَلِكَ ما وقع أثناء ثورة الشيخ صالح الحارثي عَلَى السلطان وحصاره في قلعة الجلالي سنة
__________
(1) غباش: عمان، ص247. وينظر: الوسمي: عمان، ص237 - 238.
(2) ينظر: لاندن: عمان، ص367. الوسمي: عمان، ص255.
(3) ينظر: غباش: عمان، ص237.
(4) ينظر: لاندن: عمان، ص239.
(5) ينظر: أبو بشير: نهضة، ص167. عمان: الوسمي، ص122. (1/37)
صفحة 38
1291هـ/1874م (1)، إذ إِنَّ بريطانيا لم تتدخَّل، بل تركت الأزمة تتفاقم، لتستفيد منها في تقدُّم مصالحها، واكتفت بـ «توجيه إنذار إِلىَ كبار شيوخ عمان بِأَنَّهُ مهما بلغت الخلافات بينهم وبين السلطان فَإِنَّ الحكومة البريطانية ـ دفاعا عن مصالحها في عمان ـ لن تسمح بِأَيِّ هجوم عَلَى مسقط أو مطرح» (2).
وكلَّفت هَذِهِ ” الحماية المزعومة “ السلطانَ فيصل شَيْئًا أغلى من المبالغ التي دفعها أسلافه، إِنَّهَا السيادة والحرية التي لا تقدَّر بثمن، كما سنرى في النقطة الآتية.
4 - تحكُّم الإنجليز في سياسة السلطان (3):
أمام تصاعد التوتُّر بين السلطان والقبائل المناوئة له، والمطالِبة بإقامة شرع الله، والعدل بين الناس ـ خَاصَّةً بعد إسقاط إمامة عزَّان بن قيس، حَتَّى كادت إحدى الهجمات أن تودي بحياته (4) ـ لم يكن للسلطان فيصل بدٌّ من المطالبة بمساعدة من إنجلترا، إِلاَّ أَنَّهَا لم تستجب له في بادئ الأمر حَتَّى تشتدَّ به الحاجة إِلَيْهَا، ففي إضعافه مصلحة لها (5)، وَحَتَّى تملي عَلَيْهِ الشروط التي تريدها.
وبالفعل صار لا يتحرَّك إِلاَّ باستشارتها وإذنها، وتُفرض عَلَيْهِ الأوامر من إنجلترا، كما صَرَّحَ بِذَلِكَ رئيس الوزراء البريطاني اللورد سالسبوري: «إِنَّ مصائر دول الخليج تُقرَّر من عَلَى بعد آلاف الأميال من أصحابها الأصليِّين» (6). وكان عَلَى السلطان فيصل ـ في نظر بريطانيا ـ أن لا ينسى أَنَّهُ مدين لها بوصوله إِلىَ
__________
(1) ينظر: أطروحة الهاشمي، ص45. L’Oman, p47 .
(2) لوريمر (ج. ج)، 2/ 845. نقلا عن غباش: عمان، ص245.
(3) ينظر: لاندن: عمان، ص189 وما بعدها.
(4) وَذَلِكَ عندما هاجم جيش الشيخ صالح بن علي الحارثي مسقط بقيادة ابنه عبد الله، يوم 18 شعبان 1312هـ/13 فيفري 1895م. ينظر: السالمي: تحفة، 2/ 312 - 313. أبو بشير: نهضة، ص86. لاندن: عمان، ص439. أطروحة الهاشمي، ص45.
(5) ينظر: غباش: عمان، ص245 - 246.
(6) لاندن: عمان، ص312. غباش: عمان، ص273. (1/38)
صفحة 39
الحكم، فهي التي فضَّلته عَلَى أخيه الأكبر محَمَّد (1). وَيُعَبِّرُ ” كامبون“ السفير الفرنسيُّ في لندن عن مدى تحكُّم المستدمرين في سلاطين العرب، بأسلوب استعماريٍّ استعباديٍّ مُهين، حيث يقول عن سلطان مسقط: إِنَّهُ «عربيٌّ، وأنا لا أعرف عربيًّا من كبار الزعماء ليس للبيع» (2). وَلَكِنَّهَا لا تصرِّح بِذَلِكَ علنا، فقد عرفت غرور أمراء الشرق بطنطنة الألفاظ، وفخامة الألقاب، فحافظت عَلَى تلك الألفاظ مع تجريدها عن معانيها، فجُرِّد الحاكم من كُلِّ حقوقه، وبقي له لقبه، وأصبح ذا سلطة شكلية، فهو ـ كما يقول الأفغانيُّ ـ «في سكرة من لَذَّة ما بقي له، وفي ذهول عَمَّا سُلب منه» (3).
رغم كُلِّ التسلُّط الذي مارسته الحكومة البريطانية عَلَى العمانيِّين فَإِنَّهَا استطاعت أن تموِّه الوضع وتزوِّر الحقائق، وتوهم الناس أَنَّهُم مستقلُّون، يمتلكون زمام أنفسهم، إذ ألقى اللورد كورزون خطابا شهيرا في الشارقة في شعبان 1321هـ/نوفمبر 1903م، بحضور حكَّام الساحل: «إِنَّكُم لم تفقدوا استقلالكم، بل حافظنا لكم عَلَى هَذَا الاستقلال، وَلاَ بُدَّ لنا من المحافظة عَلَى السلام في هَذِهِ المياه» (4). كما تمكَّنت بريطانيا بقوتها الدبلوماسية من أن تكبل الشيوخ بمعاهدات واتفاقيات تحرمهم من حُرِّيَّة الحركة، وأن توهم الرأي العامَّ الدوليَّ أَنَّ وجودها في منطقة الخليج كان بدافع إنسانيٍّ وأخلاقيٍّ: محاربة الاسترقاق، ومكافحة القرصنة
__________
(1) ينظر: غباش: عمان، ص242.
(2) Aff. Etr. N.S. Mascate, Vol 27, p212.، نقلا عن غباش: عمان، ص263.
(3) محَمَّد عمارة: الأعمال الكاملة لجمال الدين الأفغاني، ص517. نقلا عن: طهاري محَمَّد: مفهوم الإصلاح بين جمال الدين الأفغاني ومحمَّد عبده، الْمُؤَسَّسَة الوطنيَّة لِلكِتَاب، الدار التونسية للنشر، الجزَائِر، 1984م، ص70.
(4) نوفل سَيِّد: الأوضاع السِّيَاسِيَّة في إمارات الخليج العربي وجنوب الجزيرة، القاهرة، معهد البحوث والدراسات العَرَبِيَّة، اليونيسف، الكِتَاب الثاني، 1972، ص79. Zorbib (Charles), Géopolitique et histoire du Golf, Paris, P.U.F, 1991, p36 .. نقلا عن غباش: عمان، ص272.
وإِنَّ المرء ليتعجَّب من تلك الأحداث التي تتكرَّر اليوم بنفس السيناريو وبنفس الخدائع في منطقة الخليج، ولم تتبدَّل غير الأسماء والمسمَّيات والشخصيَّات. (1/39)
صفحة 40
البحريَّة، لتبرير سيطرتها عَلَى المنطقة. هَذَا إضافة إِلىَ قوَّتها العسكريَّة، إذ أعدَّت قُوَّة صغيرة جاهزة للتحرُّك في حالة إخفاق الجهود الدبلوماسيَّة (1).
وَلَكِنَّ الكذب والخداع لا يخفى عَلَى كُلِّ ذي لبٍّ وفطنة، وكلِّ ذي قلب نابض بالعزَّة والحرِّيَّة، أمثال الشيخ السالمي، والأفغاني (2).
إِنَّ السياسة الاستدماريَّة بِعَامَّةٍ تجاه الدول الإِسلاَمِيَّة، والسياسة الإنجليزية بِخَاصَّةٍ، كانت تكيل بمكيالين: تتظاهر بمحاربة الرقِّ، بينما تعتبر كُلَّ حكام المسلمين ـ وشعوبهم بالتبع ـ أشياء للبيع، وهي في بلادها تدعو إِلىَ احترام الحرِّيَّات، ونشر العدل والمساواة بين أفراد شعبها، بينما ترفض تطبيق هَذِهِ المبادئ في مستعمراتها، وَحَتَّى وإن تظاهرت بالرضا عن تحسين بَعض الأوضاع السِّيَاسِيَّة أَو الثَّقَافِيَّة ... فَإِنَّهَا تعمل عَلَى إحباطها سرًّا (3)، وَهَذَا نموذج مِمَّا يسميه مالك بن نبي بالفوضى الاستعماريَّة (4).
ثانيا- الضغط السياسي الداخلي:
يمكن تمييز نمطين من الحكم في السياسة الدَّاخِلِيَّة بعُمان، وهما: السلطنة من جهة، والإمامة (5) أو المعارضة من جهة أخرى. فما هو أسلوب كلٍّ منهما في الحكم؟ ومَن هم
__________
(1) الوسمي: عمان، ص50 - 51.
(2) ينظر: السالمي: جوهر النظام، 2/ 503. طهاري: مفهوم الإصلاح، ص69 - 70. وسنتعرَّض بالتفصيل إِلىَ مواقف السالمي السِّيَاسِيَّة في الفصل الرابع بحول الله.
(3) ينظر: أحمد أمين: زعماء الإصلاح في العصر الحديث، موفم للنشر، الجزَائِر، 1990م، ص203، 211.
(4) ينظر: مالك بن نبي: في مهب المعركة، إرهاصات الثورة، سلسلة مشكلات الحضارة، دار الفكر - الجزَائِر، دار الفكر - دمشق، سورية، الطبعة الأولى، 1412هـ/1991م، ص47 - 49.
ومالك بن نبي مفكِّر جزائري، ولد عام 1905 بقسنطينة، ترك عِدَّة مُؤَلَّفَات بعنوان: مشكلات الحضارة، وهي تهتم بتحليل مشكلة التخلف، منها: الظاهرة القُرآنِيَّة، شروط النهضة، وجهة العالم الإِسلاَمِي، مشكلة الأفكار ... تُوُفِّيَ في 31 أكتوبر 1973م. ينظر: المرجع نفسه، صفحة الغلاف.
(5) أجرى أبو بشير مقارنة مفيدة بين حكم الإمامة وحكم السلطنة في عهد الإمام محَمَّد بن عبد الله الخليلي (ت: 29 شعبان 1373هـ/2 ماي 1954م)، ووجه المقارنة لا يختلف عنه كثيرا في عهد السالمي، أي إبان فترة الإمامين عزَّان بن قيس (ت: 1287هـ/1871م) وسالم بن راشد (ت:1338هـ/1920م). ينظر: أبو بشير: نهضة، ص73 - 75. (1/40)
صفحة 41
صانعو أحداثهما؟ وما هي مناطق نفوذهما؟ وما العلاقة التي تربطهما؟ وما هي نقاط الاِتِّفَاق والخلاف بينهما؟ وما موقف الرعيَّة والاحتلال منهما؟.
1 - نظام السلطنة:
عاش الشيخ السالمي في فترة سلطانَيْن من الأسرة الحاكمة «آل بوسعيد» وهما: تركي بن سعيد، وابنه: فيصل بن تركي (1).
الفترة الأولى: تركي بن سعيد البوسعيدي (1287 - 1305هـ/1871 - 1888م) (2)
تَوَلىَّ السلطان تركي بن سعيد بن سلطان البوسعيدي مقاليد الحكم يوم 8 ذو القعدة 1287هـ/30 جانفي 1871م (3)، عند إطاحته بنظام إمامة عزَّان بن قيس، بمساعدات ماليَّة من الإنجليز، ومن أخيه ماجد (حاكم زنجبار)، بها تمكَّن من إغراء رؤساء القبائل للتخلِّي عن الإمام عزان، الذي كان يَمُرُّ بضائقة مالية شديدة (4). وقد تميَّزت فترة حكم السلطان تركي بما يأتي:
1. خضوعه للقنصل البريطاني الكلونيل ميلز، والسير إدوارد شارل روس واستشارتهما فيما يهمُّ عمان داخليًّا وخارجيًّا، مِمَّا أَدَّى إِلىَ تعزيز نفوذ بريطانيا، وتحكُّمها في سياسة البلاد، وأوكل السلطان إليها سياسته الخَارِجِيَّة،
2.
__________
(1) ينبغي التفريق بين تركي بن سعيد البوسعيدي وهو سلطان عماني، وبين تركي بن عبد الله، وهو سعودي (ت: 1249هـ/1833م) تَوَلىَّ الحكم من 1240 - 1249هـ/1824 - 1833م.
وكَذَلِكَ بين فيصل بن تركي العماني وفيصل بن تركي السعودي، فالثاني (ت: 1282هـ/1865م) توَلىَّ الحكم بالرياض سنة 1250هـ/1834م. ينظر: الزركلي خير الدين: شبه الجزيرة العَرَبِيَّة في عهد الملك عبد العزيز، بيروت، الطبعة الأولى، 1970، 1/ 44 - 45. الزركلي: الأعلام، 2/ 84؛ 5/ 164 - 165.
(2) ينظر التفاصيل عن حكمه في: لاندن: عمان، ص379 - 426.
(3) ينظر: أطروحة الهاشمي، ص42 - 43. الوسمي: عمان، ص224 - 225. وبريطانيا لم تعترف بالسيد تركي سلطانا إِلاَّ في نوفمبر من نفس السنة، أي بعد 10 شهور، ولا شَكَّ أَنَّهُ لن ينال اعترافها بلا مقابل!. ينظر: L’Oman, p46 ..
(4) ينظر: لاندن: عمان، ص373 - 374. (1/41)
صفحة 42
فهي التي قامت بتسوية مشكلاته مع العثمانيِّين، وباسمه أجرت اتِّصالات مع دول غَرْبِيَّة، ومنحته وساما، مِمَّا يُعَبِّرُ عن ولائه لها (1).
3. ملاحقة المساندين للإمام عزَّان بن قيس، وَعَلَى رأسهم الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي وابنه محَمَّد (2)، إذ أُخذا وأوثقا ودفنا حيَّين، لكونهما من أنصار الإمامة، وَذَلِكَ في ذي القعدة سنة 1287هـ/فيفري 1871م (3). كما أوثق «العلاَّمة الشيخ حمد بن سليمان اليحمدي بالحديد المثقل أربعة عشر شهرا، لا يستطيع النهوض، وما أفلته منهم إِلاَّ طول الأجل. ودسُّوا السمَّ للعلاَّمة الزاهد الشيخ محَمَّد بن سليّم الغاربي [سنة 1301هـ/1884م بالخبة (4)] في كِتَاب أرسله السلطان إِلَيْهِ، فَلَمَّا فتحه طار السمُّ عَلَى خيشومه، فانتفخت أوداجه، فمات من ذَلِكَ» (5).
4.
__________
(1) ينظر: المرجع نفسه، ص380. الوسمي: عمان، ص226، 228.
روس هو المقيم البريطاني في الخليج. ومايلز هو المعتمد السياسي في مسقط. ينظر: المرجعين نفسيهما.
(2) الخليلي: هو الشيخ سعيد بن خلفان بن أحمد (1236 - 1287هـ/1821 - 1871م)، يعتبر الزعيم الروحي وفقيه دولة الإمام عزان بن قيس، من أساتذته: جاعد بن خميس الخروصي. له «النواميس الرحمانية في تسهيل الطريق إِلىَ العلوم الربانية» في الزهد والتصوف، وله طرق متداولة عند العمانيين، وترك قصائد في السلوك، ومناظيم في فتوحات الإمام عزان، وأجوبة مسائل نظما، وألفية في الصرف سماها: «المقاليد»، وشرحها، وقصيدة «مظهر الخافي المضمن الكافي في علم العروض والخوافي»، وأرجوزة في الزكاة، ورسالة: «السيف المذكر في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»، وَكِتَاب «التمهيد» في مختلف المسائل في أربعة أجزاء، و «كرسي الأصول» في الولاية والبراءة. ينظر: السالمي: تحفة، ط. 1347هـ، 2/ 209، 230، 138 - 239، 257 - 262. أبو بشير: نهضة، ص381، 387 - 388. الحارثي: اللؤلؤ الرطب، ص7، 36 - 40. لاندن: عمان، ص350 - 351.
وَلاَ بُدَّ من الإشارة إِلىَ الافتراءات التي ساقها المستشرق في هَذَا المرجع الأخير، مثل قوله عن الخليلي: «أَمَّا أنصاره فكانوا يعتقدون بِأَنَّهُ يتمتَّع بِقُوَّة سحريَّة، حَتَّى إِنَّ بعضهم قال بِأَنَّهُ يستطيع أن يحيي الموتى، وَبِأَنَّ جبريل كان يزوره ويحاوره! ... »، وَهَذَا ما لم تذكره المصادر والمراجع التي بين يديَّ عَلَى الإطلاق! واعتقاد ذَلِكَ شرك لا محالة!!.
(3) ينظر: السالمي: تحفة، ط. 1347هـ، 2/ 271. أبو بشير: نهضة، ص82، 387 - 388. الحارثي: اللؤلؤ، ص186.
(4) ينظر: السالمي: تحفة، 2/ 307.
(5) أبو بشير: نهضة، ص82. (1/42)
صفحة 43
إذكاء نار الفتنة بين القبائل العمانية، حَتَّى كانت كُلُّ بلدة فرقتين، «فكان السلطان يعين كُلَّ طائفة عَلَى الأخرى، فبثُّوا بينهم الضغائن، وغرسوا بذور الأحقاد، وبذلوا الجهد في الانتقام» (1) لكي يُشغل الرعية في نفسها، فلا يناوئه أحد، ليحافظ بِذَلِكَ عَلَى منصبه.
5. ظلم وجور عَلَى الرعيَّة (2).
6. خلافات في وسط الأسرة الحاكمة نفسها (3).
7. حروب بين السلطان ومعارضيه. ويبدو أن لا أحد كان يناوئه أكثر من الشيخ صالح الحارثي، الذي كان إحدى ركائز دولة الإمام عزَّان المقضيِّ عَلَيْها، إذ إِنَّ الشيخ الحارثي قام مخلصا لله محتسبا لجهاد البغاة والجبابرة (4)، فهاجم مسقط مَرَّات عِدَّة، اثنتان منهما في عهد السلطان تركي، أولاهما كانت في ذي القعدة 1290هـ/جانفي 1874م، إثر مقتل الشيخ سعيد بن خلفان وابنه ظلما وعدوانا (5). وكان الحارثيُّ في جهاده يحاول إعادة الإمامة، إِلاَّ أَنَّ الله لم يقدِّر له ذَلِكَ.
عاش الشيخ السالمي (المولود عَلَى الأرجح سنة 1284هـ/1867م) العقدين الأَوَّلَينِ من عمره تحت سلطة هَذَا الحاكم، ورأى ما تعانيه الأُمَّة وعلماؤها من الظلم والجور، إِلاَّ أَنَّهُ كان يوم وفاة السلطان لا يتجاوز عمره إحدى وعشرين سنة، وَلَمَّا يكن له تأثير في صنع الأحداث. لذا فالفترة التي
__________
(1) المصدر نفسه، ص82. وينظر: عمان: الوسمي، ص228.
(2) ينظر: أبو بشير: نهضة، ص82.
(3) ينظر: السالمي: تحفة، ط. 1347هـ، 2/ 225. لاندن: عمان، ص265. الوسمي: عمان، ص217 - 222. المعهد الدبلوماسي: محاضرات، ص45، 50 - 51. L’Oman, p47.
(4) إذا أطلقت لفظة «الجبابرة» في كتب المشايخ العمانيِّين ـ ومنها تحفة الأعيان لنور الدين السالمي، ونهضة الأعيان لابنه أبي بشير ـ فَإِنَّمَا يُعنَى بها السلطان والموالون له. ينظر: تعليق أبي إسحاق إبراهيم اطفيَّش في هامش تحفة الأعيان.
(5) ينظر: أبو بشير: نهضة، ص85. (1/43)
صفحة 44
تهمُّنا أكثر في حياة السالمي هي فترة السلطان الموالي: فيصل بن تركي بن سعيد، وسنتناولها بِشَيْءٍ من التفصيل:
الفترة الثانية: فيصل بن تركي بن سعيد (1305 - 1331هـ/1888 - 1913م) (1)
تَوَلىَّ الحكم وهو لا يتجاوز الرابعة والعشرين من عمره، وكان «جليلا، مهيبا، باسلا، جوادا، حليما، متيقِّظا للمكائد» (2)، ويبدو أَنَّ كُلَّ هَذِهِ الأوصاف صادقة إذا تتبَّعنا مواقفه، بالرغم مِمَّا قَدَّمَه ـ مُكرهًا ـ من تعاهدات وتنازلات لصالح الاستدمار الإنجليزي.
كان محبًّا لاستقلال بلاده، ويرفض التدخُّل في شؤونه من أيِّ أجنبيٍّ، «وَلَكِنَّ النفوذ البريطاني كان قد بلغ ـ بعد سقوط إمامة عزَّان بن قيس عام [1287هـ] 1871م ـ درجة لم تدع هامشا لممارسة أيِّ شكل [من أشكال] الاستقلال والسيادة» (3)، وَلَعَلَّ ذَلِكَ يرجع أساسا إِلىَ القروض الربويَّة التي كبَّل بها نفسه مع بريطانيا (4). وكان السلطان لا يخفي امتعاضه من سياستها، ومن تدخُّلها في سيادة بلاده في أيِّ مناسبة، وكان يبدي نوعا من «التمرُّد» عَلَى ما تمليه عَلَيْهِ بريطانيا، وَهُوَ يعلم أَنَّ المنافس الأكبر لها هو فرنسا، لِذَلِكَ:
- مَنَحَ لفرنسا مقرًّا ثابتا لقنصليَّتها عام 1310هـ/1893م.
- منحها ميناء الجصَّة لشحن السفن بالفحم.
- سمح للسفن العمانيَّة بحمل أعلام فرنسيَّة قصد تهريب الأسلحة.
وَلَكِنَّ هَذِهِ الأمور لم تكن تروق لبريطانيا، بل أغضبتها غضبا شديدا، وَهَذِهِ السياسة المعادية قد جلبت له متاعب جمَّة، فاضطرَّ فجأة لتغييرها، فاتَّسمت
__________
(1) ينظر التفاصيل عن حكمه في: لاندن: عمان، ص427 - 452.
(2) أبو بشير: نهضة، ص237.
(3) غباش: عمان، ص242.
(4) ينظر: لاندن: عمان، ص443 - 444. (1/44)
صفحة 45
السنوات العشر الأخيرة من حياته بالسير عَلَى سياسة والده من الولاء للإنجليز، لتوطيد دعائم ملكه (1).
أَمَّا عن امتداد مملكة السلطان في الداخل فقد قال عنها الصحفيُّ البريطانيُّ «لوفات فريزر»: «وَحَتَّى داخل دولة مسقط لم تكن سلطة السلطان تكاد تمارس بأمان خارج بلدتين متجاورتين: مسقط ومطرح، وفي اليوم السابق لزيارتي مطرح كانت البلدة محصورة، ومهدَّدة من جانب عصابة من قطَّاع الطريق في الجبال ... »، وبعد أن تحدَّث عن بَعض صفات السلطان أضاف: «وَلَكِنَّ حكمه ممتدٌّ إِلىَ مرمى بصره، ولا شَيْء أبعد من ذَلِكَ» (2).
ويبدو أَنَّ في هَذَا الكلام نوعا من المبالغة لا يعدو أن يكون كلام صحفيِّين غربيِّين فَإِنَّهُم ـ كما لا يخفى غالبا ـ يبالغون في تقزيم حكَّام المسلمين ورعاياهم، بخلاف التقارير الرسميَّة التي يرسلها دوريًّا جواسيس وممثِّلو الحكومات الاستدماريَّة، فهي أكثر دقَّة لأَنَّهَا بناء عَلَيْهَا تُتَّخذ القرارات المصيريَّة. وَيَدُلُّ عَلَى مبالغة هَذَا الصحفيِّ أَنَّ أبا بشير السالميَّ ذكر عِدَّة مناطق كانت تحت حكم السلطان، مثل:
- نزوى، وكان السيِّد (3) سيف بن حمد بن سيف البوسعيدي عاملا عَلَيْهَا (4).
- إزكي، والعامل عَلَيْهَا هو السيِّد سعود بن حمد بن هلال (5).
__________
(1) ينظر: المرجع نفسه، ص447. الوسمي: عمان، ص229 - 230. غباش: عمان، ص250 - 256.
(2) عبد الرحمن عزام: كِتَاب التحكيم، نقلا عن كِتَاب نشره هَذَا الصحفي عام 1329هـ/1911م، نقلا عن: أبو بشير: نهضة، ص238 - 239.
(3) للإشارة فَإِنَّنَا مهما وجدنا في كِتَاب عمانيٍّ لفظة «السَّيِّد» فَإِنَّمَا يقصد بها أحد موظَّفي أو أقرباء السلطان، وليست كلمة عادية، ولا تعني اتِّصَال نسب من أطلقت عَلَيْهِ بنسب الرَّسُول - صلى الله عليه وسلم -، كما في بعض البلدان الإِسلاَمِيَّة. ينظر: لاندن: عمان، ص70.
(4) ينظر: أبو بشير: نهضة، ص199.
وَهَذَا الوالي لَمَّا عَلم بوصول جيش الإمام سالم بن راشد إِلىَ نزوى انتحر يوم 24 جمادى الثانية 1331هـ/30 ماي 1913م. ينظر: المصدر نفسه، ص209.
(5) كان سعود بن حمد بن هلال واليا للسلطان وَلَكِنَّ قلْبه ضِدَّه، فما إن قامت الإمامة حَتَّى ساندها. ينظر: المصدر نفسه، ص215 - 216. (1/45)
صفحة 46
- سمائل، في يد السيِّد نادر بن السلطان فيصل (1).
- حصن العوابي، والسيب، والخوض (2).
وقد تواصلت الفتن في عهد السلطان فيصل، «وكانت بينه وبين القبائل الدَّاخِلِيَّة حروب هائلة، فجرَّد خادمه سليمان بن سويلم قائدا للجيش السلطاني لقمع من خالف أمره، لعلمه أَنَّ هَذَا القائد جريء جسور عارف بالحروب عَلَى النسق العماني» (3)، فقام عَلَى أهالي صور وبني غافر أهل الدريز من الظاهرة، وَعَلَى إزكي، وسمد نزوى، وضيَّق عَلَى بني ريام (4).
كما تواصلت أعمال الظلم والجور من قبل الأمراء، حَتَّى إِنَّ السلطان نفسه تدخَّل لإيقاف أحدهم، وَهُوَ حمد بن سليمان بن سيف النبهاني، الذي بلغ طغيانه حدًّا لا يطاق، إذ كان يقسم أموال الناس كالفيء، ويبيع الأحرار كالعبيد، ولم تسلم من فساده حَتَّى الأنهار والأوقاف، وكان أميرا عَلَى سمد نزوى، فأرغمه السلطان عَلَى الاستسلام في ربيع الثاني سنة 1323هـ/جوان 1905م (5).
وقال فيه الشاعر محَمَّد بن شيخان السالمي:
«نشروا الظلم وبثُّوا جورهم في البرايا وتعدَّوا كُلَّ حدّ
تَجَروا بالحرِّ بيعا والربا ولَبيعُ الحرِّ من ذاك أشدّ
كثر الجور وقلَّ العدل من أمراء حربوا سُبل الرَّشَد
أفسدوا مذ فسدوا جهرا ولا يصلح الفرع إذا الأصل فسد» (6)
__________
(1) ينظر: السالمي: تحفة، ط. 1347هـ، 2/ 304. أبو بشير: نهضة، ص225.
(2) ينظر: السالمي: تحفة، 2/ 292 - 293. أبو بشير: نهضة، ص219. لم يُذكر من كان واليا عَلَيْهَا من قِبل السلطان.
(3) نهضة، ص240. وينظر: L’Oman, p 47.
(4) ينظر: نهضة، ص240 - 241.
(5) ينظر قصيدة دالية للشيخ عبد الله بن سعيد بن خلفان في نماذج من ظلم هَذَا الوالي: نهضة، ص241 - 242.
(6) نهضة، ص243. (1/46)
صفحة 47
ويصف أحمد أمين حكام المسلمين في ذَلِكَ العصر بقوله: «يحكمون البلاد بعقول ضَيِّقَة، وشهوات واسعة، ترف في المظهر، وسخف في المخبر، لا يقيِّدهم قانون، ولا يردعهم عدل، ولا يرون للشعوب حَقًّا إِلاَّ أن تؤمر فتطيع، وتنتهب فتصبر، بل لا يكفيهم الصبر عَلَى المصيبة وَإِنَّمَا يتطلبون المدح والثناء عَلَيْهِم في ظلمهم، وطريقة حكمهم، فمن امتعض فهو ثائر، ومن شكا فهو كافر» (1). بهذا يَتَبَيَّنُ لنا أَنَّ حال الحكَّام في عمان لم يكن يختلف عن حالهم في سائر الأقطار الإِسلاَمِيَّة.
وتواصلت في عهد السلطان فيصل أَيضًا حملات الشيخ صالح بن علي الحارثي محاولا رفع الظلم، واستعادة الإمامة، والحكم العادل.
ويبدو أَنَّ السلطان فيصلا كان متأثِّرا بنظام الإمامة، فتَسَمَّى بالإمام، وصكَّ هَذَا اللقب في بعض العملات التي أصدرها (2)، رُبَّمَا ليجلب إِلَيْهِ الأنصار من الرعيَّة، التي كانت في أغلبها تفضِّل الإمامة عَلَى السلطنة، ونجد هَذِهِ التسمية في قصيدةٍ لشاعر السلطان (3)، وَلَكِنَّ الرعية لا تقنع بالتسمية إذا لم يرفقها العمل المحسوس، والدليل الملموس.
__________
(1) أحمد أمين: زعماء الإصلاح، ص34.
(2) ينظر: لاندن: عمان، ص428. غباش: عمان، ص242.
(3) تنسب القصيدة إِلىَ «سعيد بن مسلم ولد مجيز أو غيره» [كذا في المخطوط]، رَدَّ فيها عَلَى الشيخ السالمي. وتسمية السلطان إماما جاءت في سياق أبيات، تصف هيجان البحر واضطرابه بسفينة السلطان، حَتَّى اضطرَّ إِلىَ تخفيف حملها بإلقاء متاعه في البحر خوفا من الغرق، فصوَّر الشاعر هَذَا المشهد وَكَأَنَّ السفينة تتمايس طربا بركوب السلطان عَلَيْهَا، والبحر بموجاته العالية يمدُّ أكفَّه سائلا السلطان أن يغذق عَلَيْهِ من بحر جوده، فساعفه لسؤاله فألقى إِلَيْهِ بمتاعه. وَمِمَّا قال فيها:
لَمَّا رأى كفَّ الإمام ... تمدُّ بحرا من ذهب
ألقى المتاع تكرُّما ... منه عَلَيْهِ إذْ طلب»
قصيدة بائية (مخ)، ضمن مجموع قصائد، د. نا، د. ت. ن، المقاس: 18×14 سم، المسطرة: 13 سطرا. الخط: مشرقي نسخي واضح، ص41. (نسخة مصورة بمكتبة الباحث). (1/47)
صفحة 48
وكان السلطان أَيضًا يُقَدِّرُ العلم والعلماء، ويجلُّهم بالرغم مِمَّا بينه وبينهم من خلافات، فنجده يراسل قطب الأَئمَّة الشيخ امحَمَّد بن يوسف اطفيَّش (1) في وادي ميزاب بالجزائر، وكتب إليه الشيخُ نصائح دِينِيَّة ودنيويَّة (2). وكان يلتقي بشيوخ القبائل وَبَعض العلماء، منهم الشيخ صالح الحارثي (3). وكان يجزل العطاء للشعراء الذين يمدحونه، وَعَلَى رأسهم محَمَّد بن شيخان السالمي (شيخ البيان)، ابن عمِّ الشيخ نور الدين (4). كما طلب هَذَا السلطان من الشيخ نور الدين ـ بالرغم مِمَّا بينهما من خلاف ـ تأليفَ كِتَابٍ في التاريخ، فألَّف كِتَابه: «تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان» (5). ومن أبرز الأَدِلَّة عَلَى اهتمام السلطان فيصل بالعلماء قول السالمي: «وفي سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة وألف خرجتُ من بيتي بالقابل قاصدا حجَّ بيت الله الحرام، ومررت
__________
(1) امحَمَّد بن يوسف اطفيَّش (1238 - 1332هـ/1821 - 1914م): من علماء بني يزقن بالجزائر، أخذ العلم عن أخيه إبراهيم وسعيد بن يوسف وينتن، كان عصاميا، اهتم باقتناء الكتب، فبلغ في العلم درجة عظيمة، حَتَّى عدَّ أكبر عالم إباضي بالمغرب في العصر الحديث. تتلمذ عَلَى يديه عِدَّة علماء، منهم: الشيخ أبو إسحاق إبراهيم اطفيَّش، وأبو اليقظان إبراهيم، وسليمان باشا الباروني ... ترك مُؤَلَّفَات كثيرة في مختلف الفنون الشَّرعِيَّة واللغوية. وقاوم الاستدمار الفرنسي بِكُلِّ ما أوتي من جهد. ينظر: جمعِيَّة التُّرَاث: معجم أعلام الإِبَاضِيَّة، 2/ 399، ترجمة رقم864.
(2) منها مراسلات يستفتي فيها السلطانُ الشيخ اطفيَّش في أمر الحماية التي أُجبر عَلَى توقيعها مع الإنجليز بدل توقيع الحماية مع الدولة العثمانية. ينظر: تنبيهات اطفيَّش أبي إسحاق إبراهيم في تحفة الأعيان بسيرة أهل عُمان، للسالمي نور الدين عبد الله بن حميد، طبع وتصحيح اطفيَّش أبي إسحاق إبراهيم، المطبعة السلفية، القاهرة، مصر، 1347هـ، ج2/ص «د». أبو بشير: نهضة، ص240. وينظر بَعض المراسلات في: امحَمَّد بن يوسف اطفيَّش قطب الأَئمَّة: كشف الكرب، ترتيب: أبي الوليد سعود بن حميد بن خُليفين المضيربي، تحقيق: محَمَّد علي الصليبي، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان، 1406هـ/1986م، 1/ 223 - 224؛ 2/ 246.
(3) ينظر: العزري خالد بن محَمَّد: فكر السالمي السياسي حول نظام الإمامة بعُمان (1856 - 1914م)، بحث مُقَدَّم لنيل شهادة الدراسات المعمقة، إشراف: توفيق بن عيسى، المعهد الأعلى لأصول الدين، جامعة الزيتونة، تونس، (مرقون)، هامش ص35.
(4) ينظر: أبو بشير: نهضة، ص461.
(5) ينظر: غباش: عمان، ص242. (1/48)
صفحة 49
عَلَى السلطان فيصل ذاهبا وراجعا، فقابلني هو وأولاده بالإجلال والاحترام، و”من لم يشكر الناس لم يشكر الله“» (1).
بناء عَلَى ما ذكرنا فقد تبدو لنا شَخصِيَّة السلطان فيصل من أَوَّل وهلة شَخصِيَّةً متناقضة، فهو يحِبُّ الاستقلال من جهة، ويبيع وطنه من جهة، يُرضي فرنسا ويُغضب بريطانيا حينا، يُغضب فرنسا ويُرضي بريطانيا في أغلب الأحيان، يتسمَّى بالإمام ويحكم بالسلطنة، يُقَدِّرُ العلماء ويحاربهم، يستنصحهم ويعصيهم ... وَلَكِن يمكن تفسير ذَلِكَ بمدى صعوبة الظرف الذي كان يَمُرُّ به، داخليًّا وخارجيًّا، وشدَّة الحرج الذي وقع فيه، وكان بين خيارين أحلاهما مرٌّ:
- إِمَّا أن يستجيب لمطالب المعارضة في الداخل، فينال تأييد شعبه؛ وَلَكِنَّهُ سيفقد تأييد بريطانيا ودعمها، وعلاقاتِه ومكانتَه ـ إن بقيت له مكانة ـ بين الدول الاستدماريَّة، ولا يُعترَف به كسلطان يمثِّل دولة (2)، لأَنَّ الاستجابة لمطالب الداخل يعني التخلِّي عن الاِتِّفَاقيات والمعاهدات التي أبرمها هو ووالده.
- وَإِمَّا أن يلتزم باتِّفاقياته الدوليَّة فينال تأييد بريطانيا القَوِيَّة مادِّيًّا وعسكريًّا ... فيحتفظ بمنصبه سلطانا معترَفا به رسميًّا بين الدول، وَلَكِن لاَ بُدَّ له أن يقمع المعارضة ـ بمساندة بريطانيا بطبيعة الحال ـ؛ فيفقد تأييد الرعيَّة.
هكذا وجد السلطان نفسه مضطرًّا أن يختار الحلَّ الثاني، شأنه شأن أغلب الملوك والسلاطين (3). وإِنَّ أحد الكتَّاب الغربيِّين رُبَّمَا لم يتفهَّم الوضع جَيِّدًا، فوصف السلطان فيصل بقوله: «لقد كانت سياسته بليدة جعلت أكثر القبائل ميلا له تنفر عنه، ومردُّ ذَلِكَ إِلىَ إهماله أكثر منه إِلىَ عدم كفاءته» (4). إِلاَّ أَنَّ هناك من
__________
(1) السالمي: تحفة، 2/ 329.
(2) وَهَذَا أمر محتمل جِدًّا، فَإِنَّ بريطانيا لم تعترف بفيصل سلطانا منذ اعتلائه العرش في 1305هـ/1888م حَتَّى أمضى أخطر معاهدة في تاريخ عُمان سنة 1308هـ/1891م. ينظر: نهضة، ص238.
(3) كانت حال السلطان فيصل أشبه ما تكون بحال الخديو توفيق في مصر مع إنجلترا أَيضًا، حذو النعل بالنعل. ينظر: أحمد أمين: زعماء الإصلاح، ص395.
(4) لوريمر: دليل الخليج، 1/ 531، نقلا عن نهضة: ص239. وينظر: لاندن: عمان، ص428. (1/49)
صفحة 50
معارضي السلطان أنفسهم من يقدِّر هَذَا الوضع الحرج، منهم الشيخ السالمي، كما سيتَّضح لنا فيما سيأتي بحول الله (1).
2 - نظام الإمامة:
عرفت عُمان الإمامة منذ دخول المذهب الإِبَاضِيِّ إِلَيْهَا (2) في القرن الثاني الهجري، وكان أَوَّل أَئِمَّتها الجلندى بن مَسعُود (ت: 134هـ/ 751م) (3)، وكان آخرهم الإمام غالب بن علي الهنائي (4) الذي لا يزال عَلَى قيد الحياة. وحُكْمُ الإمامة هو الغالب في تاريخ عمان، فلم يخل قرن من القرون إِلاَّ وفيه إمام، إِمَّا شاريا أو مدافعا أو إمام ظهور (5)، إِلاَّ في القرنين السابع والثامن الهجريين (6). والإمامة لا تختفي إِلاَّ عندما يستشري الضعف في كيان العمانيِّين، فتظهر السلطنة (7). وصراع السلطنة والإمامة عند العمانيِّين أشبه ما يكون بصراع الملكيَّة والجمهوريَّة في دول الغرب (8).
قامت في عصر الشيخ نور الدين السالمي إمامتان:
- الأولى: إمامة الشيخ عزَّان بن قيس (9) سنة 1285 - 1287هـ/1868 -
__________
(1) ينظر: ص 351 من البحث.
(2) ينظر: غباش: عمان الديمقراطية، ص346.
(3) تَقَدَّمَت ترجمته، ينظر: ص 31 من البحث.
(4) ينظر قائمة الأَئمَّة وترتيبهم حسب القرون في: أبو بشير: نهضة، ص76 - 80.
(5) تنظر هَذِهِ المصطلحات في: جهلان عدون بن الحاج الناصر: الفكر السياسي عند الإِبَاضِيَّة من خلال آراء الشيخ امحَمَّد بن يوسف اطفيَّش، جمعِيَّة التُّرَاث، القرارة، غرداية، 1990م، ص123 وما بعدها. وعلي بكير بن بالحاج: الإمامة عند الإِبَاضِيَّة بين النَّظَرِيَّة والتطبيق مقارنة مع أهل السنَّة والجماعة، رسالة ماجستير، بالمعهد الوطني العالي لأصول الدين، جامعة الجزائر، (مرقون)، ص156 - 182.
(6) ينظر: أبو بشير: نهضة، ص164.
(7) ينظر: تعليق أبي إسحاق إبراهيم اطفيَّش في هامش تحفة الأعيان: السالمي، ط. 1401هـ، 1/ 105.
(8) ينظر: تنبيهات اطفيَّش أبي إسحاق إبراهيم في تحفة الأعيان، ط. 1347هـ، ج2/ص «هـ».
(9) تَوَلىَّ الإمامة يوم الجمعة 22 جمادى الثانية 1285هـ/9 أكتوبر 1868م. وقتل ليلة 8 ذو القعدة 1287هـ/29 جانفي 1871م. ينظر: السالمي: تحفة الأعيان، ط. 1347هـ، 2/ 230 - 275. عبيدلي: الإمام عزان، من ص56 إِلىَ آخر الكِتَاب ص181. لاندن: عمان، ص347. الحارثي: اللؤلؤ، ص36 - 39. الوسمي: عمان، ص222 - 224. (1/50)
صفحة 51
1871م، قامت وأُسقطت، والسالمي لا يتجاوز عمره السنة الثالثة، وكانت بيعته بإجماع أهل العلم. «أظهر عزان كفاءة وَقُوَّة في الشَّخصِيَّة، الأمر الذي لم تشهده عمان منذ فترة طويلة» (1).
إِلاَّ أَنَّ قيام مثل هَذَا الحكم لم يكن في صالح إنجلترا وأذنابها (2)، فبذلت جهدها لإجهاض هَذِهِ الدولة الفتيَّة في أقرب وقت ممكن، فتمَّ لها ذَلِكَ سريعا، إذ لم يدم حكمها سوى سنتين وأربعة أشهر وخمسة عشر يوما. ورغم الاستقرار الذي عرفته عمان في إمامة عزان، إِلاَّ أَنَّ مصالح البريطانيين تضرَّرت؛ لِذَلِكَ عملوا عَلَى مساعدة السلطان تركي بن سعيد للعودة إِلىَ السلطة، والقضاء عَلَى الإمام، فالحاكم الصالح ـ في نظرهم ـ هو الذي يتعاون معهم وينقاد لأوامرهم، بينما يعتبر الحاكم الذي يرفض التعاون حاكما «منحرفا همجيًّا» (3). ثُمَّ إِنَّ السلطان الْمُعاد لم يكتف بالقضاء عَلَى الإمام عزَّان فحسب، بل لاحق العلماء الملتفِّين حوله، فأنزل بهم أَشَدَّ العذاب كما سبقت الإشارة. والسالميُّ وإن لم يدرك معنى قيام الإمامة أو إسقاطها لصغر سنِّه، إِلاَّ أَنَّ صداها وآثارها، وما تعرَّض له المشايخ فيما بعدُ أمرٌ لا يخفى عَلَيه، وقد تتلمذ على بعضهم ولازمهم، كما سيأتي.
- الثانية: إمامة الشيخ سالم بن راشد الخروصي، وتمَّت عَلَى يد الشيخ نور الدين السالمي نفسه في أخريات حياته، وسنتعرَّض لها بالتفصيل، بحول الله.
مواطن الخلاف بين الإمامة والسلطنة:
الخلاف بين الإمامة والسلطنة ـ في مجمله ـ واضح، فالإمامة تقوم عَلَى مبدإ
__________
(1) L’Oman, p 46. وينظر: الوسمي: عمان، ص223.
(2) ينظر: لاندن: عمان، ص236.
(3) المرجع نفسه، ص238 - 239. (1/51)
صفحة 52
الانتخاب الشوري، والالتزام بإقامة شرع الله وأحكامه بالعدل، أَمَّا السلطنة (الملكية) فهي وراثية لا تلتزم بالضرورة بأحكام الشريعة الإِسلاَمِيَّة (1).
وقد تمثلت اعتراضات أنصار الإمام عَلَى السلطان فيما يأتي (2):
- عدم تطبيق السلطان للشريعة الإِسلاَمِيَّة فيما يختَصُّ بالقضايا المَدَنِيَّة والجنائيَّة.
- سماح السلطان باستيراد التبغ والخمور، وهما من المحرَّمات شرعا (3).
- اعتماد السلطان عَلَى الجنود الإنجليز.
- منع تجارة الرقيق (4) أمر لا يجوز، لأَنَّ الشريعة الإِسلاَمِيَّة أقرَّتها.
- تجارة الأسلحة والذخيرة ينبغي أن لا يُتدخَّل فيها.
- فرض السلطان الحصار عَلَى منطقة الداخل، خَاصَّةً بعد إعلان الإمامتين.
- ادِّعاء الإنجليز سيطرتهم عَلَى البحر، والواجب أن يكون مشاعا للجميع.
ولم يكن السلطان في خلاف مع الإمامة فحسب، بل كانت بينه وبين بعض القبائل والأمراء مناوشات، وَهَذَا ما سنذكره فيما يأتي، وآثرنا تسميته بـ «المعارضة».
__________
(1) هَذِهِ هي حقيقة الإمامة في عمان، وهي بعيدة عن تفسير الغربيِّين لها، وقد فَسَّروها بِأَنَّهَا تمرُّد واعتداء عَلَى السلطان في ملكه، وَأَنَّهُ لا حقَّ للأئمَّة في ذَلِكَ. ينظر: المرجع نفسه، ص264.
(2) نقاط الخلاف هَذِهِ في الواقع تنبني عَلَى الاختلاف في طبيعة الحُكْمَين الأَسَاسِيَّة. وقد ذكرها الشيخ أبو بشير السالمي في فترة إمامة الشيخ سالم بن راشد الخروصي (1331 - 1338هـ/1913 - 1920م)، وهي لا تختلف عنها في فترة إمامة عزَّان بن قيس، لأَنَّهُما متقاربتان، وَلأَنَّ الأوضاع السِّيَاسِيَّة الدَّاخِلِيَّة وَالخَارِجِيَّة لم تختلف في الفترتين. ينظر: نهضة: أبو بشير، ص252. لاندن: عمان، ص457 - 458.
(3) من العجيب أن يَعتبِر بَعض الكتَّاب منع تجارة الكحول ومنع الموسيقى سببا لفقدان التأييد الشعبي، وبالتالي سقوط الإمامة! والواقع أَنَّ هَذَا المنع مِمَّا تؤيده الأغلبية من سكان الداخل. وبسبب هَذِهِ القرارات الموافقة للشرع الحنيف التي اتَّخَذَها الإمام سُمِّيَ أنصاره «متعصبين متمسِّكين بمواقعهم الاِجتِمَاعِيَّة ... وَلِذَلِكَ نظر إليهم بَعض الْمُؤَرِّخِينَ عَلَى أَنَّهُم من الغلاة، خلافا للمعتدلين من آل بوسعيد، الأسرة الحاكمة، «وبسبب تعصب هَؤُلاَءِ وقعوا في دائرة الفشل». (الوسمي: عمان، ص223). وهكذا يُحكم عَلَى التمسُّك بالشرع بِأَنَّهُ غلوٌّ وتعصُّب!.
(4) ينظر: لاندن: عمان، ص242 وما بعدها. (1/52)
صفحة 53
3 - المعارضة:
لم تكن الرعية ـ عموما ـ راضية بحكم السلطان تركي بن سعيد ولا ابنه فيصل، رغم محاولة الثاني تحسين علاقته بالرعية، وقد تميَّز عصرهما بِعِدَّةِ ثورات استهدفت السلطان، أو بعض أعوانه، في بعض بلدانه. إذ ما من شكٍّ في أَنَّ من له ضمير حيٌّ، ينبض قلبه بدم الإِسلاَمِ، لا يسكت عن الظلم والتقتيل والتشريد للعلماء الأعلام أمثال الإمام عزَّان، والشيخ سعيد بن خلفان ـ الذي يسمِّيه نور الدين السالميُّ بالإمام المحقِّق (1) ـ وابنه محَمَّد.
وبالفعل قام الشيخ صالح بن علي الحارثي ـ إثر استشهاد أخيه الشيخ الخليلي ـ ليسترجع حكم الإمامة، وأبرز ما قام به هَذَا الشيخ المحتسب (2) هجومه عَلَى مسقط في شعبان 1312هـ/فيفري 1895م بقيادة ابنه عبد الله، فحاصر العاصمة مسقط، واستولى عَلَى القسط الأكبر من المناطق المحيطة بها، وكاد السلطان أن يقتل خلال إحدى الهجمات (3).
ولم تنحصر معارضة السلطان في الشيخ صالح الحارثي، بل كانت كثير من القبائل غير راضية بالوضع، وبخَاصَّة ولاء السلطان للإنجليز، والسماح لهم بالتدخل في شؤون عمان الدَّاخِلِيَّة، وإملاء سياستها، فكانت بين السلطان و بَعض القبائل عِدَّة مناوشات (4)، منها قيامه عَلَى أهالي صور وبني غافر، وإزكي، وسمد نزوى، كما أشرنا سابقا (5).
__________
(1) ينظر: السالمي نور الدين أبو محَمَّد عبد الله بن حميد: مشارق أنوار العقول، علَّق عَلَيْهِ الشيخ أحمد بن حمد الخليلي، نشر: زاهر بن حمد الحارثي، مطابع العقيدة، سلطنة عُمان، الطبعة الثانية، 1398هـ/1978م، ص288، 408 - 409 ... وغيرها.
(2) ينظر تعريف السالمي للمحتسب في ص 362 من البحث.
(3) ينظر: لاندن: عمان، ص439. أطروحة الهاشمي، ص45. الخوري فؤاد إسحاق: إمامة الشهيد وإمامة البطل، التنظيم الديني لدى الطوائف والأقليات في العالم الإِسلاَمِي، مركز دار الجامعة للطباعة والنشر والتوزيع، جونية، لبنان، الطبعة الأولى، 1988م، ص148. غباش: عمان، ص244.
وتنظر القصائد «النارية» المتبادلة بين أنصار السلطان وأنصار الحارثي: قصائد بائية ضمن مجموع (مخ)، ص38، 60 - 61.
(4) ينظر: أبو بشير: نهضة، ص240 - 241.
(5) ينظر: ص 46 من البحث. (1/53)
صفحة 54
وأبرز واقعة بين السلطان والقبائل مجتمعة: معارضتها للقنصل البريطاني حين انتقل ليتفقد موضعا للفحم الحجري بالشَّرْقِيَّة. وكان الشيخ السالميُّ وتلميذه الشيخ عيسى بن صالح الحارثيُّ وراء التحام القبائل وقيامها رجلا واحدًا، إذ اجتمعت قبائل كثيرة، والتقت بالعدوِّ في «أم اللخم»، وكان الشرر يتطاير من عيون المعارضين، وكلُّهم في استعداد تامٍّ، والبنادق مصوَّبة نحو وفد القنصل، وَلَكِن الشيخ عيسى فضَّل العفو عنهم (1).
وتلخِّص المستشرقة البريطانية ـ التي كانت تعمل مع برسي كوكس في العراق ـ أسباب خلاف القبائل مع السلطان بقولها: «أصبح حكَّام مسقط معرَّضين للنفوذ الأجنبيِّ، الأمر الذي أفقدهم عطف القبائل في الداخل. ويعود سبب القلاقل الأخيرة إِلىَ هَذَا النفوذ الأجنبيِّ، وَإِلىَ اعتماد سلاطين مسقط عَلَى القُوَّة البحريَّة العسكريَّة الأجنبيَّة، وَكَذَلِكَ إِلىَ خضوعهم مرغمين للمطالب الأجنبيَّة ... وقد رأى السلطان الراحل فيصل بن تركي في قيام الحكومة البريطانيَّة بالقضاء عَلَى تجارة الأسلحة فائدة جليلة لنفسه، حيث أصبح رعاياه الثائرون عاجزين عن التزوُّد بالأسلحة لاستعمالها ضِدَّه، إِلاَّ أَنَّ عدم ارتياح القبائل لِذَلِكَ قد وصل إِلىَ ذروته قبل وفاته» (2) أي عند قيام دولة الإمام سالم الخروصي عَلَى يد الشيخ السالمي.
**************
__________
(1) ذكر السالميُّ تفاصيل الحادثة في كِتَابه «تحفة الأعيان»، وفي قصيدة بائية مطلعها:
«حدِّث أُخَيَّ عن العجب ... وعن العلا وعن الحسب
وعن الخيانة إِنَّهَا ... عار قبيح في العرب
طلب النصارى أرضنا ... بمكيدة لم تحتسب ... ».
ينظر: السالمي: تحفة، 2/ 326 - 327. السالمي: قصيدة بائية، ضمن مجموع قصائد (مخ)، ص31 - 34. أبو الوليد سعود: عين المصالح، ص68 - 71. أبو بشير: نهضة، ص169 - 176.
(2) أبو بشير: نهضة، ص168. أحال عَلَى مقال كتبته المستشرقة في «نشرة الشؤون العَرَبِيَّة» (السرِّيَّة) في نهاية عام 1334هـ/26 أكتوبر 1916م. (1/54)
صفحة 55
ومجمل القول عن الوضع السياسي في عهد السالمي أَنَّهُ تميَّز بما يأتي:
* خارجيًّا:
1. تنافُس الإنجليز وفرنسا عَلَى عمان، وخلوص الأمر في النهاية إِلىَ الإنجليز.
2. خضوع السلطان إِلىَ أوامر الإنجليز مقابل الاستعانة بهم في خلافاته مع الداخل.
* داخليًّا:
1. إسقاط إمامة عزان عَلَى يد السلطان بمساعدة الإنجليز، وتضييق الخناق عَلَى العلماء، خَاصَّةً في عصر السلطان تركي بن سعيد.
2. معارضة القبائل للسلطان وللإنجليز، وفي مُقَدِّمَة المعارضين الشيخ صالح الحارثي وابنه عيسى، وتلميذه الشيخ السالمي.
وإذا كانت هَذِهِ هي الوَضْعِيَّة السِّيَاسِيَّة، فهل تأثَّر الوضع الاقتصادي العماني بالسياسة الدَّاخِلِيَّة وَالخَارِجِيَّة المضطربتين؟
- - - - - (1/55)
صفحة 56
المبحث الثالث
الوضعيَّة الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة:
يرتبط الاقتصاد بالسياسة ارتباطا وثيقا، فغالبا ما تنتج السياسة الفاشلة اقتصادا مشلولا. كما أَنَّ للضعف الاقتصاديِّ آثاره الاِجتِمَاعِيَّة السَّيِّئَة عَلَى الرعية، فهل كانت عمان متوافقة مع هَذِهِ القاعدة الغالبة، أم كانت شاذَّة عنها؟.
أَوَّلاً- الوَضْعِيَّة الاقتصاديَّة:
لا تسعفنا المصادر التي بين أيدينا بالمعرفة التفصيلية للوضع الاقتصاديِّ الداخليِّ في عمان إبَّان الفترة المدروسة، بالأرقام والإحصائيَّات. غاية ما وجدناه: ذكرٌ للمنتجات الزراعيَّة والصناعيَّة المحليَّة العُمانيَّة في كِتَاب «نهضة الأعيان» في أواخر الخمسينيَّات من القرن العشرين، وفي نظر الباحث أَنَّ الوضع آنذاك لا يختلف كثيرا عَمَّا كان عَلَيْهِ في عصر الشيخ السالمي (1).
وتجدر الإشارة إِلىَ أَنَّ الاقتصاد العمانيَّ في عهد أحمد بن سعيد البوسعيد (2)، قبيل عصر الشيخ السالمي، عرف ازدهارا لا يستهان به، بالتجارة والعبور، واستغلال الموقع الجغرافي للفوائد الجمركيَّة، وقد أبدت الإنجليز مخاوفها من هَذِهِ القُوَّة، حَتَّى وصفتها بِأَنَّهَا «كالوباء أو كالطاعون لمنطقة الخليج والهند» (3).
__________
(1) ذَلِكَ لأَنَّ العمانيِّين في عصر الإمامة عاشوا في عزلة شبه تَامَّة عن العالم الخارجي، خوف دخول الأجنبي أو تدخله، كما صَرَّحَ بِذَلِكَ أبو بشير السالمي ـ وَهُوَ من أركان إمامة محَمَّد بن عبد الله الخليلي ـ في قوله: «من شأن العمانيين العزلة والانفراد، فهم لا يحِبُّون الاتِّصَال بالعالم الخارجي، خوفا عَلَى استقلال بلادهم، وتغيُّر طباعهم». نهضة، ص75.
(2) ينظر: لاندن: عمان، ص70.
(3) Miler: Countries and trillers of persian gulf, p219. نقلا عن: الوسمي: عمان، ص168. (1/56)
صفحة 57
إِلاَّ أَنَّ اقتصاد عمان أخذ في التراجع (1) بعد ذَلِكَ، ومن العوامل السِّيَاسِيَّة الدَّاخِلِيَّة التي أثَّرت فيه:
1. انفصال المملكات العمانيَّة في شرق إفريقيا عن السلطة بمسقط (2)، وقد كانت تشكل موردا ماليا هاما.
2. استرضاء السلطان لبعض القبائل بالإغراءات الْمَادِّيَّة حَتَّى لا تقوم بثورات ضِدَّ سلطته (3)، الأمر الذي استنزف خزينة الدولة.
وإذا كان من المعلوم أَنَّ الاقتصاد يعتمد عُمُومًا عَلَى الركائز الثلاث: الزراعة، والصناعة، والتجارة، فكيف كانت هَذِهِ الركائز الثلاث في عمان في عهد الشيخ نور الدين السالمي؟.
1 - الزراعة:
عُمان بلاد زراعيَّة بالدرجة الأولى، «تربتها طَيِّبَة قابلة للغرس والزراعة، وزراعتها نامية جِدًّا، لأَنَّهَا بلاد حارَّة، وأكثر الأشجار التي تطلب البلادَ الحارَّة تغرس فيها، فتنمو وتطيب» (4).
وأبرز المنتجات الزراعيَّة: التمر، وَهُوَ قوت أهل البلاد، ويعتبر الموردَ الماليَّ الأَوَّل عند تصديره إِلىَ الخارج، وَهُوَ ذو أنواع كثيرة.
ويأتي في الدرجة الثانية من حيث الإنتاج والتصدير: الليمون، ثُمَّ بَقِيَّة المنتجات الزراعيَّة من الرمَّان والقطن الأبيض، والأنبا (المانغا).
__________
(1) ينظر: لاندن: عمان، ص75 وما بعدها.
(2) ينظر: المرجع نفسه، ص133 وما بعدها. الوسمي: عمان، ص214.
(3) ينظر: محَمَّد أمين عبد الله: عمان تاريخا وعلماء، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان، سلسلة تراثنا، عدد10، الطبعة الثانية، أوت 1980م، ص20 - 21. الحارثي: اللؤلؤ، ص232. الوسمي: عمان، ص9.
(4) أبو بشير: نهضة، ص70. (1/57)
صفحة 58
هَذَا إِلىَ جانب الفواكه والخضر ذات الاستهلاك المحلِّيِّ، فمن الفواكه: العنب والتين والأترجُّ، والتفَّاح والموز والبرتقال والبطِّيخ. ومن الخضر: الزيتون والفاصوليا والبطاطا والقرع. ومن الرياحين: الزعفران والياسمين والفلُّ ... (1).
واشتهرت منطقة ظُفار بتربية الماشية: الإبل والبقر والغنم، «بحيث يملك الفرد من المائة إِلىَ الألف، وَرُبَّمَا ملك بَعضهم الآلاف» (2).
وَلَكِن مع وجود الموارد الطبيعيَّة، إذا لم يتِمَّ استغلالها بالوسائل الحديثة ـ الأمر الذي تفتقر إليه عمان آنذاك ـ فَإِنَّهُ لا يمكن تصديرها عَلَى نطاق واسع؛ ومع انتشار أعمال إفساد الحرث والنسل، بسبب الاضطراب القَبَليِّ والسياسيِّ، فَإِنَّ استفادة السكان بِهَذِهِ الموارد بقي محدودا، وبقي الفقر ضاربا أطنابه.
2 - الصناعة:
تعتمد الصناعة ـ في بساطتها ـ على ما تنتجه الأرض من زراعة ومواد أَوَّلِيَّة، وما تنتجه الماشية.
تُصنع مختلف المنسوجات من عباءات وعمائم وأُزُر من زراعة القطن (3). وتصنع الأواني الخشبيَّة والفخاريَّة، وتبنى السفن الشراعيَّة بالمدن الساحليَّة. وقد فرض الوضع السياسيُّ والاجتماعيُّ صناعة العتاد الحربيِّ البسيط، من سيوف وخناجر ونبال ورماح، وسروج وألجمة للخيل ... (4). وأغلب هَذِهِ الصناعات كما نلاحظ صناعات ذات استهلاك داخلي.
3 - التجارة:
لا تختلف التجارة المحَلِّيَّة في عمان ـ بالطبع ـ عن أيِّ بلاد عامرة، يحتاج الناس فيها إِلىَ تبادل المنافع بالتجارة بمختلف أنواعها.
__________
(1) ينظر: أبو بشير: نهضة، ص70 - 72.
(2) نهضة، ص63. وينظر: Hawley: L’Oman, p57
(3) ينظر: نهضة، ص69. أطروحة الهاشمي، ص51.
(4) ينظر: Hawley: L’Oman, p74. (1/58)
صفحة 59
أَمَّا التجارة الخَارِجِيَّة فقد عرفت سيطرة كبيرة للهنود (1). وقد اعتمدت التبادلات التجارية مع الخارج أساسا عَلَى تصدير المنتجات الزراعيَّة، وَعَلَى رأسها التمر، فيصدَّر إِلىَ بلاد الهند وأمريكا (2)، ثُمَّ الليمون يصدَّر إِلىَ البصرة وبلاد فارس، كما تصدَّر آنذاك بعض المنسوجات المذكورة والتي تعتبر اليوم من تقاليد العمانيِّين (3).
ومن المنتوجات البحريَّة يصدَّر اللؤلؤ والمحار والسمك بمختلف أنواعه.
ومن الصادرات أَيضًا العنبر والريش واللخم (وهو نوع من الصيد)، وترسل إِلىَ الهند واليابان (4).
كما انتشرت تجارة الرقيق، خَاصَّةً بمنطقة ظفار (5)، إِلاَّ أَنَّ هَذَا النوع من التجارة منعته بريطانيا (6).
وتشير المصادر كَذَلِكَ ـ كما سبق ذكره (7) ـ إِلىَ تصدير الفحم الحجريِّ، كما يَتَّضِحُ من منح السلطان لفرنسا ميناء الجصَّة لشحن السفن بالفحم، ومن منع القبائل للوكيل البريطاني عن زيارة منطقة الفحم في الشرقيَّة.
وبسبب الاضطرابات الدَّاخِلِيَّة احتاج العمانيُّون إِلىَ استيراد الأسلحة، الأمر الذي لا يرضي إنجلترا ولا السلطان (8). وقد ساعدتهم فرنسا عَلَى تجارة الأسلحة والرقيق، كما سبقت الإشارة في قَضِيَّة رفع الأعلام الفرنسيَّة عَلَى السفن العمانيَّة (9).
__________
(1) ينظر: لاندن: عمان، ص155 - 170.
(2) ينظر: المرجع نفسه، ص173. هيرمان إيلتس: عُمان والولايات المتحدة الأمريكية، مائة وخمسون سنة صداقة، ترجمة محَمَّد كامل، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان، 1405هـ/1985م، ص25 - 26.
(3) ينظر: أبو بشير: نهضة، ص70 - 71.
(4) ينظر: نهضة، ص71.
(5) ينظر: المصدر نفسه، ص64. لاندن: عمان، ص174 - 180.
(6) ينظر: Robin: A collection, art. n°49, 51, 52, 55, 58; p27.
(7) ينظر: ص 36، 44 من البحث.
(8) ينظر: أبو بشير: نهضة، ص168 - 169. لاندن: عمان، ص180 - 182. واتُّخذ قرار الحظر في مارس 1891، ينظر: Robin: A collection, art. n° 60, p27.
(9) ينظر: ص 36 من البحث. (1/59)
صفحة 60
4 - الملاحة البحريَّة (1):
كان الكثير من العمانيِّين يعتمدون في مورد رزقهم عَلَى الملاحة البحريَّة، بصناعة السفن، والنقل البحريِّ للبضائع والتجَّار، إِلىَ الهند وإفريقيا، وَإِلىَ سواحل الخليج جميعه: البصرة، شاطئ فارس، ظفار، حضرموت، زنجبار، دار السلام، مدغشقر، عدن، الصومال، إِلىَ غير ذَلِكَ من البلاد التي تربطها بعمان علاقات تجاريَّة بحريَّة (2).
إِلاَّ أَنَّ هَذَا المورد الماليَّ انفلت من أيديهم، وأصيب الأسطول العمانيُّ بتدهور سريع، وَذَلِكَ لأمور ثلاثة:
أولها: عدم مسايرة التَّطَوُّر التكنولوجي، فقد أصبحت السفن الأوروبيَّة ـ والبريطانية بِخَاصَّةٍ ـ تستعمل القُوَّة البخاريَّة، بينما ظلَّ العمانيُّون يستعملون السفن الشراعيَّة التي لا تسير إِلاَّ بِقُوَّة الرياح، وفي أوقات محدَّدة من السنة، «وبذلك نقصت فعاليَّة السفن العمانيَّة حَتَّى قاربت الصفر في بضع سنوات» (3)؛ إضافة إِلىَ دخول نظام الاتِّصَال بالتلغراف، فقد أتاحت هَذِهِ الوسيلة فرصة التحرك بسرعة وفعاليَّة، أفقد العمانيِّين السيطرة عَلَى الوضع (4).
ثانيها: فتح قناة السويس سنة 1286هـ/1869م، حيث نقلت حركة الملاحة من الخليج العربي إِلىَ حوض البحر الأحمر، وَهُوَ ما أثَّر سلبا عَلَى الملاَّحين العمانيِّين (5).
ثالثها: تحكُّم بريطانيا في الملاحة بواسطة «شركة الهند الشَّرْقِيَّة البريطانيَّة» (6) التي كان لها دور تجاريٌّ في بداية الأمر، ثُمَّ تحوَّل إِلىَ دور سياسيٍّ لصيانة مصالحها
__________
(1) حول تاريخ الملاحة البحرية في عمان ينظر: عبيدلي: الإمام عزان، ص29 - 31. وعن تدهور هَذَا النشاط ينظر: لاندن: عمان، ص136 وما بعدها.
(2) ينظر: أبو بشير: نهضة، ص17.
(3) L’Oman, p45. وينظر: إيلتس: عمان، ص24.
(4) ينظر: لاندن: عمان، ص93 وما بعدها. الوسمي: عمان، ص9.
(5) ينظر: محَمَّد أمين: عمان، ص20 - 21. إيلتس: عمان، ص24.
(6) تأسَّست بوثيقة ملكية في 25 جمادى الثانية 1009هـ/31 ديسمبر سنة 1600م. ينظر: السيار عائشة: دولة اليعاربة، ص29. الوسمي: عمان، ص205. (1/60)
صفحة 61
في المنطقة (1). إِلاَّ أَنَّ العمانيِّين ـ أتباع الإمامة بِخَاصَّةٍ ـ يرون أَنَّ البحر لا يجوز التحكُّم فيه، لأَنَّهُ مشاع لجميع الناس (2).
وينبغي التنبيه إِلىَ وجود تباين بين اقتصاد الداخل واقتصاد الساحل، فَالأَوَّلُ يتميَّز ببدائيَّته، بينما اقتصاد الساحل يعتبر أكثر تَطَوُّرًا، لانفتاحه عَلَى الملاحة البحريَّة والتجارة الخَارِجِيَّة (3).
بعد هَذَا العرض المختصر للوضع الاقتصاديِّ، لنا أن نتساءل: هل كان التحكُّم البريطانيُّ مقتصرًا عَلَى الملاحة البحريَّة فحسب، أم تعدَّاها إِلىَ مجالات أخرى؟ وَإِلىَ أيِّ مدى كانت بريطانيا تسيطر عَلَى الاقتصاد العمانيِّ في عهد السالميِّ؟.
5 - بريطانيا والحركة الاقتصادية في عمان (4):
كانت مسقط ومطرح من أهمِّ المراكز التجاريَّة، وتعتبران نقطتي عبور بين عمان والخارج، لأَنَّهُما تطلاَّن عَلَى البحر. وكانت المدينتان في يد السلطان، وإذا قلنا: في يد السلطان فمعناه أَنَّ التحكُّم الفعليَّ لبريطانيا، كما سبق ذكره، وبالتالي فهي التي ترفض ما تشاء، وتفرض ما تشاء من السلع. وَمِمَّا تَفرِضه عَلَى السلطان: استيراد الخمر والتبغ (5)، فقد فرضت بريطانيا عَلَى السلطان إمضاء معاهدة سنة 1308هـ/1891م تتضمَّن من بين بنودها: «لا تمنع أيُّ سلعة من الدخول إِلىَ أراضي صاحب العظمة سلطان مسقط، أو الخروج منها. ولن تفرض رسوم
__________
(1) ينظر: أبو بشير: نهضة، ص15. وينظر: أطروحة الهاشمي، ص48.
(2) ينظر: ص 52 من البحث.
(3) ينظر: لاندن: عمان، ص130 - 133. الوسمي: عمان، ص128 - 130.
(4) نكتفي في هَذِهِ النقطة بتناول ما له علاقة بالشيخ السالمي، وما له تأثير عَلَى مواقفه باعتباره مسلما بالدرجة الأولى، وباعتباره عمانيًّا لا يقبل الذلَّة والمهانة والتحكُّم في مصيره وسيادته بالدرجة الثانية. أَمَّا التفصيل في غير ذَلِكَ ـ وهو طويل ـ فلا نرى له كبير فائدة.
ولمزيد التفصيل في الوضع الاقتصادي، ينظر: لاندن: عمان، ص91 وما بعدها.
(5) علما بِأَنَّ الإِبَاضِيَّة حرَّموا التبغ من أَوَّل يوم، فالتجارة بالمحرَّم مُحَرَّمة. ينظر: اطفيَّش: رسالة الدخان، ضمن كِتَاب كشف الكرب، 1/ 178 - 213. السالمي: جوهر، 1/ 170 - 171. ففيهما التفصيل في أَدِلَّة التحريم. (1/61)
صفحة 62
جمركيَّة عَلَى البضائع التي تصدَّر من تلك الأراضي دون موافقة حكومة صاحبة الجلالة البريطانيَّة» (1).
وبنصِّ هَذِهِ المعاهدة فَإِنَّ حكومة «صاحبة الجلالة البريطانية» إذا رأت من العمانيِّين ما ينغِّص عَلَيْهَا سياستها ضيَّقت الخناق عَلَى الاقتصاد، وضغطت عَلَى السلطان ورعيَّته لإخضاعهم (2). وَيَدُلُّنا عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ عندما تَمَّ الإعلان عن إمامة الشيخ سالم بن راشد الخروصي سنة 1331هـ/1913م «شدَّد السلطان [بموافقة من بريطانيا بطبيعة الحال، بل بضغط منها] عَلَى عمان، وقطع المدد عنها، فغلت الأسعار الاقتصاديَّة، وأخذ العمانيُّون في استجلاب حوائجهم بالحيلة» (3). والتضييق يعني:
- فرض الرسوم الجمركية العالية عَلَى المنتجات الْمَحَلِّيَّة (4) كالتمر والرمان فتكسد التجارة.
- تفتيش السلع النازلة عَلَى صور (5)، خشية أن تتضمَّن أسلحة تهدِّد أمن بريطانيا والسلطان.
وفي التضييق الاقتصاديِّ عَلَى العمانيِّين فائدة كبرى لبريطانيا، إذ بِذَلِكَ تخور قواهم، وتنحطُّ عزائمهم، فإذا دُعوا إِلىَ الجهاد ضِدَّ الإنجليز وأذنابهم خافوا من سدِّ طرق التجارة أمامهم، كما يشتكي من ذَلِكَ السالمي في بَعض قصائده (6). وَبِهَذِهِ الوسيلة لا يكون للناس همٌّ سوى درهم يشترون به ما يحتاجون إِلَيْهِ، أو لقمة
__________
(1) أبو بشير: نهضة، ص238.
(2) من العجيب أَنَّ «التاريخ يعيد نفسه» اليوم في نفس المنطقة بعد مرور قرن من الزمان كَذَلِكَ!.
(3) أبو بشير: نهضة، ص214.
(4) ينظر: لاندن: عمان، ص266 - 267.
(5) ينظر: أبو بشير: نهضة، ص258.
(6) ينظر: السالمي نور الدين أبو محَمَّد عبد الله بن حميد: ديوان، (مخ)، د. نا، د. ت، المقاس: 19×28,5 سم، المسطرة: بين 26 و30 سطرا، الخط: مشرقي مقروء، مصور، بمكتبة الباحث من مكتبة السالمي ببدية، سلطنة عُمان، ص27. وينظر: أحمد أمين: زعماء الإصلاح، ص157 - 158. (1/62)
صفحة 63
عيش يسدُّون بها رمقهم، فيكونون عبيدا لمالك الدرهم والدينار، ولو كان من أعتى الكُفَّار. وَمِمَّا قاله السالميُّ في وصف حال بَعض المتخاذلين:
« ... لو أتاهم بقروش عابدٌ صنما لاتَّبعوه وأضل ... » (1)
وقد كانت عمان تتمتَّع بالاستقلاليَّة في منتجاتها الزراعيَّة والصناعيَّة، لباسها من نسجها، وغذاؤها من مزارعها، إِلاَّ أنَّ العمانيِّين لَمَّا نفضوا أيديهم مِمَّا ينتجونه، وتلهَّفوا إِلىَ استيراد ما ينتجه غيرهم، صاروا أسارى المجلوب من الخارج، وأصبح التضييق عَلَيْهِم أسهل من ذي قبل (2). وبطبيعة الحال هذه وضعية أغلب الدول الإسلاميَّة، منذ ذلك العهد إلى اليوم!.
ثانيا - الوَضْعِيَّة الاِجتِمَاعِيَّة:
عرفت عمان في نهاية القرن الثالث عشر الهجري/التاسع عشر الميلادي اضطرابات اِجتِمَاعِيَّة عنيفة، تتمثَّل فيما يأتي:
1. انتشار أعمال النهب والسرقة والتخريب وقطع الطرق، وقتل الأبرياء، والسبي وبيع الأحرار (3).
2. انتشار الأمراض والأوبئة، عَلَى غرار سائر الأقطار الآسيوية. وكانت طبيعة المجتمع العمانيِّ ترفض بناء المستوصفات الحديثة، حَتَّى هاجم وباء الكوليرا والطاعون وحصد اثني عشر (12) ألفا من السكَّان، مِمَّا دفع بالسلطان إِلىَ إنشاء مستشفى، واستئجار طبيب من بومبي لتطعيم السكان، وكان أغلب الزائرين للمستشفى من الهنود. وهو ما دفع أَيضًا بالبعثات التنصيريَّة إِلىَ بناء بعض المستوصفات مع مدارسها (4).
3.
__________
(1) السالمي: ديوان، (مخ)، ص22 - 23.
(2) ينظر: لاندن: عمان، ص171 وما بعدها. السيابي: العنوان في تاريخ عمان. ولكنسون: الأفلاج، ص7. الوسمي: عمان، ص45 - 46.
(3) ينظر: الحارثي: اللؤلؤ، ص53 - 58.
(4) ينظر: لاندن: عمان، ص183 - 184. شاتليه أ. ل.: الغارة عَلَى العالم الإِسلاَمِي، لخَّصها ونقلها إِلىَ العَرَبِيَّة: محب الدين الخطيب ومساعد اليافي، الطبعة الرابعة، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزَائِر، 1405هـ/1985م، ص39 - 41. (1/63)
صفحة 64
تعرُّض سكان الساحل لهزَّات شديدة في عاداتهم وتقاليدهم وأخلاقهم، خَاصَّةً في الأسرة الحاكمة، بحكم مواجهتهم المباشرة للحضارة الأوروبيَّة، إذ «أصبح مجتمع الساحل مجتمعا جديدا فيه كثير من صفات المجتمع المنحلِّ» (1).
4. الطبقيَّة الاِجتِمَاعِيَّة، حَتَّى إِنَّهُ وجد من الفقهاء من يكرِّسها، بتأييد زواج الكفاءة (2).
وَلَعَلَّ الظاهرة الملفتة للانتباه أكثر في المجتمع العماني في عصر السالمي هي: الصراع القبليُّ، وهو ما سنتناوله بِشَيْءٍ من التفصيل، مع ما أفرزه من آثار اجتِمَاعِيَّة:
1 - الصراع القبلي:
تقوم هيكلة المجتمع العماني عَلَى نظام القبائل، وَلِكُلِّ قبيلة شيخها أو أميرها، وتحته رؤساء دونه، يرأسهم ويتحدَّث باسمهم، ويعِينونه ويعزِّزون سلطته، وأغلبها يقطن في مناطق خَاصَّةٍ من القطر العماني، وَحَتَّى داخل المدن تكون لها
__________
(1) الوسمي: عمان، ص133.
(2) أي أن يكون الزوج مساويا للزوجة في المنزلة، وإذا حدث الزواج بين غير المتكافئين، من حيث الأصل العائلي أو الحرفة، جاز التفريق بينهما. ينظر مثلا: السالمي: جوهر، 1/ 180. الخوري: إمامة الشهيد، ص111 - 112، 116 - 117.
ولا يخفى أَنَّ اعتبار أسرة أو قبيلة، أو حرفة مَّا وضيعةً أو رفيعة أمر نسبي، فقد تدرُّ حرفة الصياغة مثلا لهذا أرباحا طائلة، بينما لا تدر لذاك شَيْئًا ذا بال، وكذا الحياكة والنجارة، وَإِنَّمَا المقياس الحقيقي للكفاءة هو التقوى: { ... وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُم} (الحجرات: 13). وقال - صلى الله عليه وسلم -: «إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِلاَّ تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ». سنن الترمذي، كِتَاب النكاح عن رَسُول اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، باب: ما جاء إذا جاءكم مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ فَزَوِّجُوهُ، حديث رقم 1084. 3/ 394. (1/64)
صفحة 65
أحياؤها الخَاصَّة، ذات قلاع وأسوار للدفاع عن نفسها (1). وعصبيةُ التنظيم الاجتماعيِّ، وشموليَّة النشاط الاقتصاديِّ للقبائل (الزراعة بمختلف محاصيلها، والحرف المحتاج إليها)، وتمركُزها في مناطق مُعَيَّنَة، جعلت من مَواطنها مع الزمن أرضا شبه مقدَّسة، ومن أفرادها وحدة مميَّزة عن غيرها (2).
كانت القبائل في عصر الشيخ السالمي في صراع مرير، وقد سعى بَعض السلاطين في إذكاء نار الفتنة بينها، خَاصَّةً بعد إسقاط الإمام عزَّان بن قيس ـ كما سبقت الإشارة إِلىَ ذَلِكَ ـ. وأبرز صراع طائفيٍّ بالباطل في تلك الفترة كان بين الغافريَّة والهناويَّة، والذي ابتدأ حوالي سنة 1135هـ/1723م، فَإِنَّ المتعصِّبين لمحمَّد بن ناصر الغافريِّ سمُّوا بالغافريَّة، والمتعصِّبين لخلف بن مبارك الهنائي سمُّوا بالهناويَّة (3).
والمطالع لتاريخ فترة الشيخ السالمي تصادفه المصطلحات التي تُبَيِّنُ طبيعة الصراع القبليِّ نذكر منها: الحقد، والتعصُّب، وانتهاك الحرمات، والعار، والانتقام، والثأر ... (4) مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أغلبها لم يكن صراعا مؤسَّسا عَلَى ضوابط الشرع بقدر ما كان مبعثه العصبيَّةُ القبليَّة، والحميَّة الجَاهِلِيَّة.
__________
(1) ينظر: لاندن: عمان، ص47. أطروحة الهاشمي، ص48. وينظر تعاريف لبعض قبائل عمان وانتشارها الجغرافي: السيار: دولة اليعاربة، ص135 - 144.
(2) ينظر: الخوري: إمامة، ص91 - 92.
(3) الغافري هو: محَمَّد بن ناصر بن عامر بن رمثة بن خميس، بويع بالإمامة تقيَّةً، ليلة السبت 7 محرم 1137هـ/23 سبتمبر 1724م، بعد الحروب التي أثارها.
وَأَمَّا الهناوي فهو: خلف بن المبارك العنبوري المعروف بالقصير، تُوُفِّيَ في أوائل شعبان 1140هـ/مارس 1728م.
ينظر: تفاصيل الحروب الواقعة بينهما: مجهول (ق12هـ/18م): تاريخ أهل عمان، تحقيق وشرح: د. سعيد عبد الفتاح عاشور، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان، 1406هـ/1986م، ص157 - 187. السالمي: تحفة الأعيان، ط. 1347هـ، 2/ 121 - 137. السيابي سالم بن حمود بن شامس: عمان عبر التاريخ، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، 1406هـ/1986م، 4/ 35 - 87. لاندن: عمان، ص46. الخوري: إمامة، ص60 - 61.
(4) ينظر مثلا: أبو بشير: نهضة، ص246 - 247، 266 - 267، 275 - 276 ... الحارثي: اللؤلؤ، ص6. (1/65)
صفحة 66
ويتحدَّث معاصرُ الشيخِ السالميِّ الشاعر العمانيُّ أبو مسلم الرواحي (1)، واصفا وضعَ بني الإسلام عُمُومًا، والوضع العمانيَّ خُصُوصًا، في شِدَّة سيوف بَعضهم عَلَى بَعض، وَأَنَّهَا أَشَدُّ فتكا بالأمَّة من سيف العدوِّ المشرك، فيقول:
« ... وسَوْرَةُ بَعضٍ فوق بَعض وحملةٌ لزيدٍ عَلَى عمرٍو، وما ثَمَّ رادع
وما ذبح الإِسلاَم إِلاَّ سيوفنا وقد جعلت في نفسها تتقارع
وما صدعة الإِسلاَمِ من سيف خصمه بأعظم مِمَّا بين أهليه واقع
فكم سيف باغ حزَّ أوداج دينه بأفظع مِمَّا سيف ذي الشرك باخع
هراشا عَلَى الدنيا وطيشا عَلَى الهوى وَذَلِكَ سمٌّ في الحقيقة ناقع ... » (2)
ومن مظاهر عدم الاستقرار وعدم الأمن أَنَّنَا نرى «الرجل العماني لا يخرج من بيته إِلاَّ متوشِّحا بسلاحه، ومتأهِّبا لأيِّ طارئ يفاجئه، فكانت العصا والسيف والخنجر والبندقيَّة والذخيرة من ضروريَّات اللباس العمانيِّ، وكان ذَلِكَ زينة يتحلَّى بها عند خروجه من منزله» (3). وَهَذَا الوضع القبليُّ المضطرب في عمان لا يختلف عنه في باقي شبه الجزيرة العَرَبِيَّة، حيث كانت حالتها أشبه بحالتها في الجَاهِلِيَّة: تقسيم المناطق بين القبائل، يرأسها أمراء يتصارعون فيما بينهم، وخصومات بين البدو والحضر، وطرق غير آمنة بسبب انتشار أعمال السلب والنهب (4).
__________
(1) أبو مسلم ناصر بن سالم بن عديم الرواحي (1276 أو 1273هـ - 2 صفر 1339هـ/ 1857 أو 1860 - 14 أكتوبر 1920م) عاش بزنجبار، له ديوان شعر، «النشأة المحَمَّدِيَّة»، «رسالة في التوحيد»، «السيرة السنية». ينظر: الخصيبي: شقائق، 2/ 324 - 325. الزركلي: الأعلام، 7/ 348.
(2) ديوان الرواحي أبي مسلم ناصر بن سالم بن عديم، حقَّقه ودقَّقه عبد الرحمن الخزندار، عُني بطبعه ونشره صالح بن عيسى الحارثي، مطابع دار المختار، 1406هـ/1986م، ص328 - 329.
(3) أطروحة الهاشمي، ص49. وينظر: Hawley: L’Oman, p71
(4) أحمد أمين: زعماء الإصلاح، ص20 - 21. (1/66)
صفحة 67
2 - نتائج الصراع القبلي:
يمكن تلخيص أهم النتائج التي أسفرت عن الصراع القبلي والسياسي في النقاط الآتية:
أ- سقوط العديد من القتلى، وترمُّل النساء، وتيتُّم الأطفال، وتضييع الأموال، وهضم الحقوق، وانتشار الفقر والحرمان للعديد من الأسر التي قد لا تجد ما تقتات به، أو ما تستظلُّ به من وهج الحرِّ، ولفح البرد (1).
ب- هجرة السكان إِلىَ أماكن أكثر أمنا وسلاما، سواء داخل عمان، كما كان من أسرة الشيخ السالمي (2)، أم إِلىَ خارج عمان مثل زنجبار (3)، وَبَعض دول الخليج (4). وقد دَلَّت إحصائيَّة للسكَّان أجريت آنذاك أَنَّ 74 % من سكَّان القرى كانوا في هجرة خارج عُمان (5).
جـ- ومن نتائج الوضع المضطرب ـ والتي تعتبر من المفارقات ـ أَنَّ العمانيَّ بقدر ما كان عزيز النفس لا يقبل العار، إذا صدر التعدِّي من القبيلة المعادية، وسرعان ما يحمل سيفه للأخذ بالثأر، فقد كان تجاه العدوِّ المشترك، وفي وقت الجهاد الحقيقيِّ متقاعسا متخاذلا، يتلقَّى الضربات تلو الأخرى من الإنجليز وأذنابهم، وتسلب أرضه وممتلكاته، ويُتحكَّم في مصيره وسياسته، فلا يثور ولا يدافع عن حماه إِلاَّ قليلا (6).
__________
(1) ينظر: الرواحي: ديوان، ص242، 307.
(2) ينظر: ص 92 من البحث.
(3) كما فعل أبو مسلم الرواحي. ينظر: د. محَمَّد بن صالح ناصر: أبو مسلم حسان عُمان، ص7.
(4) كما فعل الإمام غالب بن علي الهنائي لَمَّا اشتَدَّت عَلَيْهِ وطأة الملاحقة، إذ فرَّ إِلىَ المملكة العَرَبِيَّة السعودية عام 1378هـ/1959م. وبقي في المنفى إلى أن توفي يوم الأحد 12 ذو الحجَّة 1430هـ/ 29 نوفمبر 2009م. وإذا كان هَذَا وقع في الخمسينيَّات، فمن غير المستبعد أن يكون قد وقعت هجرات مماثلة في زمن السالمي، لتشابه الأحداث.
(5) ينظر: جغرافية إقليم عُمان، ص45. نقلا عن أطروحة الهاشمي، ص50.
(6) ينظر: الرواحي: ديوان، ص307. (1/67)
صفحة 68
د- ضعف في العزائم، وفلول في الهمم، حيث صار الموت هاجس الكثيرين (1)، وَهُوَ الوضع الذي دفع السالميَّ إِلىَ الصراخ في وجه الضعفاء والمتخاذلين، كما سيأتي عندما نتعرَّض إِلىَ استنهاضه لقومه.
هَذِهِ هي حال العَامَّة من الناس في عصر الشيخ السالمي، أَمَّا الخَاصَّة منهم فَإِنَّ همَّهم كما قال الرواحي:
« ... همُّهم في شهوات طبعهم هم السوام في ارتياد المرتعى
سريُّهم من جمع المال ولو أفلس من مروءة ومن حِجى
إذا دعا المجد تفادى ناقصا وإن دعاه بذخ قال: أنا!» (2)
بعد هَذَا العرض المختصر للوضع الاقتصاديِّ والاجتماعيِّ نتساءل عن مدى تأثير عدم الاستقرار في الحياة الثَّقَافِيَّة وَالدِّينِيَّة في عصر السالمي؟.
0 M2
__________
(1) ينظر: السالمي: ديوان، (مخ)، ص22، 25. أبو الوليد: عين المصالح، ص67 - 68.
(2) الرواحي: ديوان، ص351. وينظر: أحمد أمين: زعماء، ص34. (1/68)
صفحة 69
المبحث الرابع
الوضعيَّة الثقافيَّة والدينيَّة
إِنَّ المرء قد يظنَّ أَنَّ تردِّي الأوضاع سياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا يُؤَدِّي إِلىَ تدهور ثقافيٍّ ودينيٍّ، وَلَكِن هل هَذَا صحيح بالنسبة لعصر الشيخ السالمي؟.
أَوَّلاً - الوَضْعِيَّة الثَّقَافِيَّة:
عرفت عُمان أزهى عصورها عسكريًّا وسياسيًّا وثقافيًّا ودينيًّا عند قيام دولة اليعاربة عَلَى يد ناصر بن مرشد اليعربي (حَكَم: 1034هـ/1624م - 10 ربيع الثاني 1059هـ/22 أفريل 1649م)، الذي طرد البرتغاليِّين. وقد بقيت لتلك الدولة آثار محمودة في قابل الأَيَّام، حيث ظلَّ مشعل الثقافة مضيئا، يتسلَّمه جيل عن جيل، وخَلَف عن سَلَف، رغم ما تعرَّضت له عُمان من اضطرابات.
لم تكن عُمان في عصر السالمي بمعزل عن مظاهر النهضة في باقي الدول الإِسلاَمِيَّة، حين ظهرت في العالم الإِسلاَمِي عِدَّة شخصيَّات إصلاحيَّة، في الدين والسياسة والاجتماع، فَهَذَا الشيخ جمال الدين الأفغاني (1)، والشيخ محَمَّد عبده (2) في مصر، والشيخ امحَمَّد بن يوسف اطفيَّش (3)، والشيخ عبد الحميد بن باديس (4) في الجزائر ...
وقد أسهمت عُمان بدورها في النهضة، إذ إِنَّهَا لم تخلُ في ذَلِكَ العصر من حركيَّة عِلمِيَّة، سواء قُبيل الشيخ السالمي، أو في عهده، إِلاَّ أَنَّ الملاحظ من خلال
__________
(1) جمال الدين الأفغاني محَمَّد بن صفدر (1254 - 1315هـ/ 1838 - 1897م). ينظر: الزركلي: الأعلام، 6/ 168 - 169.
(2) محَمَّد عبده بن حسن خير الله (1266 - 1323هـ/ 1849 - 1905م). ينظر: المرجع نفسه، 6/ 252 - 253. أحمد أمين: زعماء الإصلاح، ص357 - 429.
(3) تَقَدَّمَت ترجمته، ينظر: ص 48 من البحث.
(4) عبد الحميد بن باديس (1305 - 1359هـ/1887 - 1940م). ينظر: الزركلي: الأعلام، 3/ 289. (1/69)
صفحة 70
تتبُّعنا للمادة التَّارِيخِيَّة في المصادر لم نعثر عَلَى وجود بعثات عِلمِيَّة إِلىَ خارج عُمان، سواء إِلىَ البلدان الإِسلاَمِيَّة، أم الغَربِيَّة، وسواء من الجهات الرسمية أم غير الرسمية، علما أَنَّ لمثل تلك البعثات دورًا كبيرًا في تكوين الفرد، وفي تفتُّحه عَلَى رأي الآخر (الإِسلاَمي وغير الإِسلاَمِيِّ)، والاطِّلاع عَلَى النظم الحديثة، والتقنيَّة المتطوِّرة، والأساليب الجديدة للإدارة والتنظيم.
كما أَنَّ وسائل الإعلام، والمتمثِّلة آنذاك في الجرائد والمجلاَّت، تعتبر من أهمِّ الوسائل التثقيفيَّة التي تؤثِّر في التوجُّهات الفِكرِيَّة والسِّيَاسِيَّة للرأي العامِّ، وتكشف خفايا السياسة الدَّاخِلِيَّة وَالخَارِجِيَّة، إِلاَّ أَنَّ هَذَا مِمَّا لم تكن تتمتَّع به عُمان في عهد السالميِّ، بل كانت الأخبار تُتناقل عَبْرَ الألسن والرسائل الإخوانيَّة، والمنظومات الشعريَّة، أَو التقارير الرسميَّة البعيدة عن أعين الشعب. وَلَعَلَّ مِمَّا يُؤَيِّد عدم وجود الصحافة في عمان أَنَّهُ من المتوقَّع أن نسمع بوجود صحيفة «سلطانية»، وصحيفة «إمامية»، بحكم انقسام العمانيِّين إِلىَ هذين الاتِّجاهين، إِلاَّ أَنَّ هَذَا ما لم نعثر عَلَيْهِ في ما بين أيدينا من المصادر، وَرُبَّمَا يرجع ذَلِكَ ـ في نظرنا ـ إِلىَ انشغال العمانيِّين بالصراعات الطائفيَّة، وَإِلىَ عدم تقبُّل ما يأتي من الكُفَّار بسهولة، باعتبار أَنَّ أوروبا كانت سابقة في مجال الصحافة، وكذا إِلىَ عدم وجود من يأخذ بزمام المبادرة، وينبذ ذهنيَّة الجمود والخمود. ورُبَّمَا يعود أَيضًا إِلىَ سياسة إنجلترا التي قد ترى في ظهور الجرائد والصحف تهديدا لمصالحها، وفضحا لمؤامراتها.
بناء عَلَى ما تَقَدَّمَ فَإِنَّ حديثنا عن الحياة الثَّقَافِيَّة في عمان في عهد السالمي سيقتصر عَلَى النشاط «المدرسيِّ»، والمتمثِّل في المدارس والمكتبات وحركة التأليف.
1 - المدارس:
كانت في عُمان مدرستان متميِّزتان، لهما شأن كبير، ودور فعَّال في تخريج العلماء، وهما: مدرسة نزوى، ومدرسة الرستاق، واكتسبتا بعراقتهما آراء فِقهِيَّة خَاصَّة (1).
__________
(1) ينظر: السالمي: مشارق، ص100. مُقَدِّمَة عبد الرحمن السالمي لروض البيان عَلَى فيض المنان في الردِّ عَلَى من ادَّعَى قِدَمَ القُرْآن، لنور الدين السالمي، تحقيق: عبد الرحمن بن سليمان السالمي، نشر: مكتبة السالمي، بديَّة، مطابع النهضة، سلطنة عُمان، الطبعة الأولى، 1415هـ/1995م، ص32. (1/70)
صفحة 71
واشتُهرت في سمائل أَيضًا مدرسة تخرَّج فيها عِدَّة شخصيات بارزة، مثل: الشيخ أحمد بن سعيد الخليلي، والشاعر: خميس بن سليم، و «حسَّان عُمان»: أبو مسلم ناصر بن عديَّم الرواحي (1).
وأسَّس الشيخ عزَّان بن قيس (ت: 1287هـ/1871م) مدرسة بالرستاق (2) وفد إِلَيْهَا طلاَّب العلم من مختلف جهات عُمان، وكانت تزخر بالعلماء الأجلاَّء أمثال الشيخ عبد الله بن محَمَّد الهاشمي، وراشد بن سيف اللمكي، ومحَمَّد بن سليّم الغاربي، وماجد بن خميس العبري (3). ويتحدَّث الشيخ ماجد بن خميس العبري ـ وهو من أساتذة نور الدين السالميِّ ـ عن مدرسة الرستاق فيقول: «وجدتُ من العلماء والمتعلِّمين عددا كبيرا، وَإِنَّ غرفة الاستقبال التي تُسَمَّى غرفة الصلاة في الحصن لا تجد فيها غالبا إِلاَّ ناسخا أو ممليا أو مصحِّحا أو مدرِّسا أو مكرِّرا، وَإِنَّ السَّيِّد قيسًا [بنَ عزَّان] كان يجلس إِلَيْهِم إذا ارتفع من النادي العمومي، فيجلب لهم من كُلِّ ما يجد من الطرف والفواكه في السوق، كُلُّ شَيْء في أوانه، ترغيبا لهم ومحبَّة لهم ولِمَا هم فيه من إحياء العلم» (4). ويشهد لكثرة التلاميذ عند الشيخ اللمكي أَنَّهُ كان يسرج لهم في مسجد قُصرَى بالرستاق بسبعة مصابيح (5).
ومن المدارس المشهورة في عمان أَيضًا آنذاك مدرسة الشيخ صالح بن علي الحارثي بالقابل في الشَّرْقِيَّة (6).
__________
(1) ينظر: محَمَّد ناصر: أبو مسلم، ص6. أطروحة الهاشمي، ص55.
(2) ينظر: أطروحة الهاشمي، ص55، 62. مُقَدِّمَة عبد الرحمن السالمي لروض البيان، ص31. السالمي نور الدين: جوابات الإمام السالمي، تنسيق ومراجعة د. أبو غدة عبد الستار، نشر: مكتبة السالمي، بديَّة، مطابع النهضة، سلطنة عُمان، الطبعة الأولى، 1417هـ/1996م، (مُقَدِّمَة أبي غدة) 1/ 5.
(3) ستأتي ترجمتهم بالتفصيل عند ذكر مشايخ السالمي. ينظر: ص 124 - 138 من البحث.
(4) تبصرة المعتبرين، (مخ)، ص85. نقلا عن أطروحة الهاشمي، ص55.
(5) ينظر: أبو بشير: نهضة، ص275. أطروحة الهاشمي، ص63.
(6) ينظر: مُقَدِّمَة عبد الرحمن السالمي لروض البيان، ص33. أطروحة الهاشمي، ص55. (1/71)
صفحة 72
وللأسف لم نجد فيما بين أيدينا شَيْئًا عن المناهج المتَّبعة في تلك المدارس، ولا المقرَّرات التي تدرَّس، غاية ما يستطيع الباحث تخمينه أَنَّهَا لم تكن تختلف عن المدارس المنتشرة في العالم الإِسلاَمي، ابتداء بالكتاتيب إِلىَ الجوامع (كالأزهر والزيتونة)، والتي كانت تهتمُّ بحفظ المتون اللغويَّة والعقديَّة والفقهيَّة، وتكوين روح الجدل لدى الطلاَّب، في بعض المسائل التي لا طائل من ورائها، بما يدرَّس فيها من شروح وحواشٍ، وإيراد الاعتراضات عَلَيْهَا، والإجابة عنها، «والناجح في الامتحان الذي يستَحقُّ أن يُسَمَّى عالما أقدرُهم عَلَى الجدل وحفظ المصطلحات الشكليَّة» (1).
وتجدر الإشارة إِلىَ أَنَّ البريطانيِّين سعوا في فتح مدارس لتعليم الذكور والإناث من المسلمات منذ صغرهنَّ، واتَّخذوا كُلَّ الوسائل والإغراءات الْمَادِّيَّة والْمَعْنَوِيَّة لجلبهنَّ، واستغلُّوا حالة الفقر التي تعاني منها بعض الأسر «فيسكنونهنَّ، ويعطونهنَّ الدراهم والدقيق، ونحو ذَلِكَ، فامتلأت مدارسهم من البنات، وهم يعلِّمونهنَّ فيها أحكام دين النصارى، فلا تخرج البنت إِلاَّ وهي نصرانيَّة، أو زنديقة لا دين لها» (2).
2 - المكتبات:
كانت المكتبات كثيرة في عمان، زاخرة بالمخطوطات، ومن أمثلة ذَلِكَ ما تحويه خزائن الشيخ القاضي خلف بن سنان الغافري في الدريز من بلدان الظاهرة، فَإِنَّهُ تُوُفِّيَ وترك «سبعين وثلاثمائة وتسعة آلاف كِتَاب» (3). وَلَعَلَّ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى كثرة
__________
(1) أحمد أمين: زعماء الإصلاح، ص192. وينظر وصف التعليم القديم في الأزهر: ص362 - 367.
(2) السالمي نور الدين أبو محَمَّد عبد الله بن حميد: بذل المجهود في مخالفة النصارى واليهود، نشر مكتبة الإمام نور الدين السالمي، مطابع الباطنة ومكتبتها، عُمان، الطبعة الأولى، 1415هـ/1995م، ص14. وَهَذِهِ المدارس لم يذكر السالمي هل كانت موجودة في عمان أم في بلدان أخرى، وسياق كلامه يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا كانت موجودة في زنجبار، والتي تعتبر آنذاك ـ عرفيًّا ـ جزءا من عُمان.
(3) أبو بشير: نهضة، ص52. (1/72)
صفحة 73
المكتبات ووفرة المصادر ـ في الفقه الإِبَاضِيِّ بصفة خَاصَّة ـ الكمُّ الكبير من المصادر التي اعتمد عَلَيْهَا السالمي في مُؤَلَّفَاته، كما سيتَّضح لنا فيما سيأتي بحول الله (1).
3 - حركة التأليف:
رغم كثرة العلماء والمدارس والمكتبات، فَإِنَّ جوَّ الاضطرابات السِّيَاسِيَّة والطائفيَّة لم يسمح للعلماء بالتفرُّغ للبحث والتفكير، والتجديد والاجتهاد، حالهم في ذَلِكَ حال كثير من علماء الإِسلاَم، الذين اكتفوا بحفظ الآثار وتجميعها، وبالتقليد بدل التجديد، «وأصبح جهدهم قاصرا عَلَى أن يفهموا كلام السابقين، والسير عَلَى نظامهم، والجمع من كتبهم، وما ظهر من مُؤَلَّفَات في ذَلِكَ العصر لم يكن في أكثرها أثر للابتكار والتجديد، بل كان قائما عَلَى النقل والجمع فقط» (2). وَلَعَلَّ أصدق مثالٍ عَلَى ذَلِكَ أنَّ أضخم جامع فقهيٍّ إباضيٍّ ـ على ما نعلم ـ وهو قاموس الشريعة (3) لجميل بن خميس السعدي، والذي يبلغ حجمه 92 مُجَلَّدًا، عبارة عن تجميع لآثار وأقوال العلماء، من مختلف العصور، ومن مختلف المصادر، مع نقول حرفيَّة لنصوص كثيرة.
وَاسْتَمَرَّ هَذَا الأسلوب في التأليف ـ التقليد ـ حَتَّى عصر الشيخ السالمي وبعده (4)، فَهَذَا الشيخ ماجد بن خميس العبري ـ وَهُوَ من شيوخ السالميِّ ـ يقول
__________
(1) ينظر: ص 165، 237 فما بعد من البحث.
(2) أطروحة الهاشمي، ص53.
وإذا تصفَّحنا بَعض ما ألِّف في ذَلِكَ العصر تَبَيَّنَ لنا صدق هَذَا الكلام، وَأَنَّ أغلبها حشر لكمٍّ كبير من الروايات وآثار العلماء السابقين.
(3) قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة، نشر وزارة التراث، سلطنة عمان، سنة 1403هـ/1983م. وَهَذَا الحجم الكبير من الْمُؤَلَّفَات دفع القطب اطفيَّش إِلىَ انتقاد العمانيين بِأَنَّهُم اشتغلوا بالتأليف وتركوا العمل. ينظر: اطفيَّش: كشف الكرب، 2/ 317.
جميل بن خميس السعدي (ق13هـ/19م): قلَّده السَّيِّد حمود بن عزان أمر صُحار بعمان سنة 1262هـ/1846م. ينظر: السالمي: تحفة، ط. 1347هـ، 2/ 209.
(4) ينظر مثلا: كتاب إيضاح التوحيد للغيثي، فالكتاب كلُّه عبارة عن نقول لنصوص من أكثر من مائتي مصدر إباضيٍّ وغير إباضيٍّ، وأبرز ما اعتمد عَلَيْهِ الغيثي: مشارق العقول، وبهجة الأنوار للسالمي. ينظر: سعيد بن ناصر الغيثي: إيضاح التوحيد بنور التوحيد، تحقيق: محمَّد بن موسى باباعمي ومصطفى بن محمَّد شريفي، نشر معهد القضاء الشرعي، سلطنة عمان، ط1، 1417هـ/1996م. (1/73)
صفحة 74
عندما سئل عن سبب عدم قيامه بالتأليف: «لم يترك لنا مَن قبلنا مجالا للتأليف، فنحن لا نستطيع أن نأتي بأحسن مِمَّا أثروه» (1).
كما اهتمَّ العلماء العمانيُّون في تلك الفترة بجمع ونظم وشرح ما أُلِّف من قبلُ (2)، وتميَّزوا بكثرة الشعر والنظم، وَهَذَا من أعجب ما برَّزوا فيه، وقد ساعدهم عَلَى ذَلِكَ كونهم عربا أقحاحا، ورثوا الفصاحة والأذن الموسيقيَّة أبا عن جدٍّ، فنجد أحدهم يعمد إِلىَ الكتب الفِقهِيَّة المطوَّلة نثرًا فينظمها، ليسهل حفظها على الطلبة (3)، ولم يقتصر الشعر عَلَى الأغراض المعروفة في الشعر، بل تعدَّاها إِلىَ فنون قلَّما يؤلَّف فيها نظما، كالتاريخ (4).
ثانيا - الوَضْعِيَّة الدِّينِيَّة:
المذهب الأكثر انتشارا في عمان هو المذهب الإِبَاضِيُّ، وقد دخلها منذ أواخر القرن الأَوَّل الهجري، فإمام الإِبَاضِيَّة ـ وهو جابر بن زيد الأزديُّ ـ عمانيُّ الأصل، وكذا الإمام الربيع بن حبيب صاحب المسند، ويوجد بعمان عدد من المنتمين إِلىَ المذاهب الأخرى، وَلَكِنَّهم تعايشوا مع الإِبَاضِيَّة دوما في سلام وتفاهم، ولم يكن
__________
(1) تبصرة المعتبرين، (مخ)، ص88. نقلا عن أطروحة الهاشمي، ص54.
(2) فمثلا: محَمَّد بن خميس السيفي ـ وهو من شيوخ السالمي ـ جمع أجوبة الشيخ أبي نبهان الخروصي، وَسَمَّاهُ «العقد الثمين»، وجمع أجوبة سعيد بن خلفان الخليلي، وَسَمَّاهُ: «التمهيد في أجوبة الشيخ سعيد»، وله شرح عَلَى قصيدة الشيخ أبي نبهان في سير الأَئِمَّة. ينظر: أبو بشير: نهضة، ص276. الخصيبي: شقائق، 3/ 239.
(3) ينظر مثلا: نظم كِتَاب شرح النيل، للشيخ محَمَّد بن شامس البطاشي، فهو يقع في 124 ألف بيت، في عشرة أجزاء، بعنوان: «سلاسل الذهب في الأصول والفروع والأدب»، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان، د. ت. (تاريخ التقديم: 1401هـ).
وإِنَّ حفظ الشعر والنظم عند العمانيِّين لَمِمَّا يُتعجب منه حَتَّى اليوم، إِذْ إِنَّ بعض طلبتهم قد يحفظون القصائد من أَوَّل سماع!.
(4) مثل: قصيدة سموط الجمان في أسماء شعراء عمان: الخصيبي محَمَّد بن راشد بن عزيز؛ وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، 1984م. (1/74)
صفحة 75
الصراع ـ إلاَّ نادرا ـ صراعا مذهبيًّا، بل كان قبليًّا أو سياسيًّا. وتقيم بمسقط بَعض الجاليات الأجنبيَّة غير مسلمة (1).
ونظرا للارتباط الوثيق بين الإيمان قُوَّة وضعفا وبين أثره سلوكا، فَإِنَّ الصراع الطائفيَّ، وانتشار الظلم والطغيان من قِبل الساسة، والانخذال أمام العدوِّ المشرك إن هي إِلاَّ مظاهر لضعف الإيمان في النفوس، فأصبحت «”لا إله إِلاَّ الله“ عند أكثر المسلمين كلمة جوفاء لا روح فيها، تبعث الضعف ولا تبعث القُوَّة، وتبيح أن يشرك مع الله الحاكم المستبد، والرئيس المستبد، بل المال والجاه، فَكُلُّ هَذِهِ وأمثالها أصبحت آلهة مع الله» (2). وإذا كان لمبدإ الولاية والبراءة (3) عند العمانيِّين بِخَاصَّةٍ اعتبارٌ كبير ـ بحكم انتمائهم إِلىَ المذهب الإِبَاضِيِّ ـ فَإِنَّ بَعض المواقف، خَاصَّةً من السلطان وأنصاره من أذناب الإنجليز، تَدُلُّ عَلَى عدم الالتزام بهذا المبدإ العظيم، وَهُوَ يعتبر من وجهة نظر الإِبَاضِيَّة إخلالاً بأحد شروط الإيمان التي لا يتِمُّ إِلاَّ بها.
وإذا كُنَّا قد ذكرنا سابقا وجود عِدَّة علماء فَإِنَّ هَذَا لا يعني زوال الأخلاق الرذيلة من نفوس العباد، أو انعدام الفساد في البلاد، لأَنَّ قساوة القلوب وعدم تأثرها بالوعظ والإرشاد، تحُولُ دون أن تؤتي جهود المرشدين أكلها، كما يشتكي من ذَلِكَ أبو مسلم الرواحي (4).
__________
(1) ينظر: إمارات الساحل وعمان، ص59، نقلا عن أطروحة الهاشمي، ص52. والعزري يرى غير ذَلِكَ، ينظر: العزري: فكر السالمي، ص12.
(2) أحمد أمين: زعماء، ص129.
(3) الولاية تعني حبَّ المؤمن الموفِّي بدينه اعتقادا وقولا وعملا ومناصرته. والبراءة ضِدُّ الولاية، وتعني بغض أهل المعاصي والكفر وعدم مناصرتهم. ينظر: الجيطالي أبو طاهر إسماعيل بن موسى (750هـ/1350م): قواعد الإِسلاَم، تحقيق وتعليق: بشير بن موسى الحاج موسى، المطبعة العَرَبِيَّة، غرداية، الجزَائِر، 1418هـ/1998م، /129 - 248.
(4) ينظر: أبو مسلم: ديوان، ص350. (1/75)
صفحة 76
وقد سبق ذكر بعض المواقف السِّيَاسِيَّة وَالاِجتِمَاعِيَّة، وَإِنَّمَا نذكر هنا ما يَتَعلَّقُ بِبَعْض التصرُّفات الرذيلة، وقد طال ما اشتكى منها السالميُّ ومن كان عَلَى شاكلته من العلماء المصلحين:
1 - انتشار المداهنة والخذلان والخيانة:
ظهر في المجتمع فئة من الناس يستعينون بالإنجليز وبالظلمة، وَهُوَ ما نلمسه في النصيحة التي وجَّهها القطب اطفيَّش لأحد العمانيِّين، ومنها قوله: «وأوصيك وأنصحك أن لا تستعين بمن يظلم ويقتل من لا يستحلُّ قتله، وينهب الأموال التي لا تَحلُّ ... وَإِلاَّ فكأنِّي أراك تستعين بالإنجليز وغيرهم من النصارى» (1). وأعظم من ذَلِكَ أن يوجد من يعدُّ «من أكابر المسلمين، وَهُوَ من المحافظين عَلَى الصلاة والصيام، وأنواع العبادات، ويعدُّ من صلحاء ”الجهَّال“ حضر في دعوة بعض أكابر النصارى، فحينما وضعوا الخمر عَلَى المائدة ... تناول كأسا وشربها خوفا من أن يقولوا متعصِّب» (2). هَذَا نموذج من ضعف شَخصِيَّة المسلم آنذاك.
وكثيرا ما تحسَّر الشيخ السالميُّ في عدَّة قصائد (3) لِمَا يراه من بعض الناس، إذ غدوا عبيدا للمشركين وخدما لهم، حَتَّى كان من بينهم من يطالب بالحماية البريطانية (4).
2 - سوء النظرة إِلىَ الدين:
ظهرت في المجتمع ـ الزنجباريِّ بِخَاصَّةٍ ـ تقاليد تنافي روح الإِسلاَم، وَهَذَا نتيجة للاستيلاب ببريق الغرب ومدنيَّته؛ وَهُوَ ما دعا السالميَّ إِلىَ تأليف رسالته: «بذل
__________
(1) القطب اطفيَّش: كشف الكرب، 2/ 379.
(2) بذل المجهود، ص23.
(3) ديوان السالمي، (مخ)، ص31. وينظر وصف الرواحي لهذا الصنف من الناس في المجتمع العماني: الرواحي: ديوان، ص17، 351.
(4) ينظر: لاندن: عمان، ص237. (1/76)
صفحة 77
المجهود في مخالفة النصارى واليهود» (1). ومن شِدَّة تأثُّر البَعض بالغرب تغيَّرت نظرتهم إِلىَ الدين، فكان رأيهم أَنَّهُ ليس هو الدين الحقَّ، وَإِنَّمَا هو سبب التخلُّف، وَأَنَّهُ ينافي الحضارة والرقيَّ، مستشهدين بحال المسلمين المتدهورة، حيث الديار بلاقع، والمسلمون يتصارعون ويتقاتلون فيما بينهم، بينما ديار الشرك في نضرة ونعيم (2). وبهذه النظرة سعوا إِلىَ مساندة الكُفَّار من الإنجليز ضِدَّ إخوانهم العمانيِّين الداعين إِلىَ التمسُّك بالدين، ونشر العدل بإحياء الإمامة.
وقد يكون هَذَا الوضع نتيجة لنشر الاستدمار للأفكار المغالِطة عن طريق بعض المستشرقين ومدارسهم ووسائل إعلامهم، فقد قال أحدهم: «إِنَّ من الواجب عَلَى الأمم النصرانيَّة أن تعاكس الإِسلاَم في كُلِّ طريق، وتحارب أهله بِكُلِّ سلاح، ثَمَّ إِنَّ مقاومة الإِسلاَمِ بِالقُوَّةِ لا تزيده إِلاَّ انتشارا، وَإِنَّ الواسطة الفعَّالة لهدم أركان الإِسلاَمِ وتقويض بنيانه: هي تربية بنيه في المدارس النصرانيَّة، وإلقاء بذور الشكِّ في قلوبهم منذ عهد النشأة، فتفسد عقائدهم الإِسلاَمِيَّة من حيث لا يشعرون، وإن لم ينتبه منهم أحد فَإِنَّهُم يصيرون لا مسلمين ولا نصارى، مذبذبين بين ذَلِكَ ... وأمثال هَؤُلاَءِ يكونون بلا ارتياب أضرَّ عَلَى الإِسلاَمِ وبلاده مِمَّا إذا اعتنقوا الديانة النصرانيَّة وتظاهروا بها» (3). وقد نجحوا في خطَّتهم تلك إِلىَ حدٍّ بعيد.
3 - انتشار المعاصي والبدع:
انتشرت في عصر السالميِّ جملة من البدع، نذكر منها: اعتقاد النفع والضرِّ في بَعض الأشياء وتقديسها، واللجوء عند الضرِّ إِلىَ الطلاسم والحروز، والإيصاء بقراءة القرآن عَلَى القبور، واستباحة صور من الربا ... (4)، وظهرت معاصٍ كثيرة، كتضييع الفرائض، والاشتغال باللهو والخمر والتدخين (5).
__________
(1) سيأتي التفصيل في ذَلِكَ بحول الله في الحديث عن تآليف الشيخ السالمي، ينظر: ص 216 - 218 من البحث.
(2) ينظر: أبو مسلم: ديوان، ص325، 327.
(3) بذل المجهود، ص12، بتصرف. أحال عَلَى مَجَلَّة أجنبية اسمها «مجلة العالمين».
(4) سيأتي التفصيل فيها عندما نتعرَّض للمواقف الإصلاحية للسالمي. ينظر: ص 317 من البحث.
(5) ينظر: الحارثي: اللؤلؤ، ص129. (1/77)
صفحة 78
يقول السالمي في هَذَا الشأن في إحدى استنهاضاته:
«أَرُقادٌ والهدى قد طَمَسَت أثَرَه من بيننا أيدي السفل
أم قعود والمعاصي ظهرت وأُهيل الدين كلٌّ في وجل
أم خمول والورى قد أحدثت بدعا خالفت الشرع الأجلّ
رجعت جلُّ فعال النَّاس في جهلهم فسقا كأفعال الأُوَل
واختيارا بدَّلوا دين الهدى بضلال ظاهرٍ، بئس البدل» (1)
ولا بُدَّ أن نشير إِلىَ أَنَّ هَذَا هو الوجه القاتم والمتشائم من الصورة، وَهُوَ الذي يحاول العلماء والشعراء إظهاره بغرض إصلاحه، والسعي نحو تغييره. وَأَمَّا الوجه الثاني ـ الأقلُّ نسبةً ـ فيتمثَّل في بَعض المظاهر الإيجابيَّة في المجتمع العمانيِّ، كانعدام المزارات والأضرحة قصد التبرُّك بها، مقارنة بالمجتمعات الأخرى (2)، وكوجود طائفة من الناس صلحاء مصلحين، أوفياء عادلين، أتقياء ورعين، ولكن لم يكن لهم كبير أثرٍ، بسبب قلَّتهم، وبسبب الضغط الممارس عليهم، وَإِنَّمَا تركيزنا عَلَى الجانب الأغلب، لبيان مدى صعوبة إنقاذ المجتمع من بحر الظلمات إِلىَ شاطئ النجاة.
وهكذا شأن المجتمعات الإِسلاَمِيَّة عَبْرَ تاريخها، فإِنَّكَ إذا قرأت للصوفيَّة والزهَّاد تخيَّلت أَنَّ الناس كلَّهم كَذَلِكَ، ولا وجود للمعاصي، وإذا قرأت للشعراء المستهترين حسبت أَنَّ الناس كُلَّهم فسَّاق فجرة، وإذا قرأت عن ظلم الحكَّام والجبابرة تصوَّرت أن لا وجود للعدل والإحسان، وإذا درست عدل بَعض القضاة وإنصافهم، ظننت أَن لا وجود للظلم والجور.
***********
__________
(1) ديوان السالمي، ص23، وص22. وقد ذكر بَعض الأبيات أبو بشير في نهضته، ص155. وفي البيت الأخير نلاحظ تجوُّز السالمي بإدخال الباء عَلَى «ضلال»، ومن المعلوم أَنَّ الباء تدخل عَلَى المتروك، اللَّهُمَّ إِلاَّ أن نقول إِنَّهَا زائدة، فتكون لفظة «دين» مفعولا أَوَّلاً، و «ضلال» مفعولا ثانيا، كما في قَوله تَعَالىَ: {الذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا} (سورة إبراهيم: 28).
(2) ينظر: الخوري: إمامة الشهبد، ص87. (1/78)
صفحة 79
وأخيرا وبعد استعراض مختلف الأوضاع التي ميَّزت عصر الشيخ السالمي، (سياسيًّا، واقتصاديًّا واجتماعيًّا، وثقافيًّا ودينيًّا) يحقُّ لنا أن نتساءل: من هو الشيخ السالمي؟ كيف نشأ وترعرع وشبَّ في وسط هذه البيئة، وفي خضمِّ توالي الأحداث؟ كيف كان تأثُّره بها سلبا وإيجابا؟ ...
هَذَا ما سنتناوله في المبحث الآتي حول حياة الشيخ السالمي الشَّخصِيَّة وَالْعِلْمِيَّة. (1/79)
صفحة 80
صفحة 80 بيضاء (1/80)
صفحة 81
الفصل الثاني
السالمي وتحصيلُه العلمي
المبحث الأَوَّل: ترجمة السالمي
أَوَّلاً - اسم السالمي ونسبه
ثانيا - مولد السالمي ونشأته
ثالثا - حياته الشَّخصِيَّة وصفاته الفطريَّة
المبحث الثاني: التحصيل العلمي
أَوَّلاً - مراحل التعلُّم والرحلات
ثانيا - التحصيل والشهادات والنبوغ
ثالثا - شيوخ السالمي (1/81)
صفحة 82
صفحة 82 بيضاء (1/82)
صفحة 83
المبحث الأوَّل
ترجمة السالمي
يولي العمانيُّون أَهَمِّيَّة كبيرة لمعرفة الأنساب، وعراقة الأسر والقبائل، إذ إِنَّ من الأسر من اشتهرت في أحد ميادين الحياة، فكرا وعلما، سياسة وإمارة، حسبا وجاها (1). فمن أيِّ الأسر كان الشيخ نور الدين السالمي؟ وكيف نشأ؟ وما هي الأحداث التي أثَّرت في حياته؟ قبل الإجابة عن هَذِهِ التساؤلات نلقي الضوء عَلَى اسم الشيخ نور الدين، ونتحقَّق من تاريخ ميلاده.
أَوَّلاً - اسم السالمي ونسبه:
أ - الاسم:
هو عبد الله بن حميد بن سلوم بن عبيد بن خلفان بن خميس السالمي. إِلىَ هَذَا القدر اتَّفقت كلمة المترجمين للسالمي، وقع الاختلاف في ضبط اسم والده ”حميد“ وجدِّه ”سلوم“.
فَأَمَّا اسم والده حميد فلم يضبطه غير اثنين مِمَّن تحدَّث عن السالمي، وقد وردت فيه صيغتان: ”حَمِيد“ كـ”صَدِيق“ و”حُمَيّد“ كـ”مُسَيّب“، وكلتا
__________
(1) وكمثال عن الأَهَمِّيَّة التي يولونها للنسب أَنَّ السلطنة ــ بل وَحَتَّى الإمامة ــ كانت في أسرتين عريقتين لم تتجاوزهما طوال تاريخ عمان إِلاَّ نادرا. ينظر: قائمة أَئِمَّة عُمان: ابن رزيق حميد بن محَمَّد: الشعاع الشائع باللمعان في ذكر أَئِمَّة عمان، تحقيق: عبد المنعم عامر، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان، 1404هـ/1984م، ص37. أبو بشير: نهضة، ص76 - 81.
وَهَذَا أبو مسلم الرواحي يمدح نسب الإمام سالم الخروصي، في نونيته، وأبو بشير يشيد بنسب الإمام محَمَّد بن عبد الله الخليلي، ينظر: الرواحي: الديوان، ص299 وما بعدها. نهضة، ص378، 380. فيصف بعضهم بقوله: «تسلَّل إِلَيْهِ الملك من آبائه» أو قوله: «ورث الإمارة من أجداده». ومن الأمثلة أَيضًا أَنَّ الشيخ السالمي كان يدرِّس تلميذه محَمَّد بن عبد الله الخليلي في حلقات خَاصَّة بخلاف سائر التلاميذ، نظرا لمكانته ومكانة أسرته. ينظر: ص145 من البحث. (1/83)
صفحة 84
الصيغتين جوَّزهما الشيخ أبو إسحاق إبراهيم اطفيَّش (1)، والعمانيون الآن ينطقونه بِضَمِّ الحاء وإسكان الياء: حُمَيْد (2). إِلاَّ أَنَّ أبا بشير نجل الشيخ نور الدين يضبطه بضمِّ الحاء وتشديد الياء (3)، فلا شَكَّ أَنَّهُ أدرى باسم جدِّه، لذا يمكن الاعتماد عَلَيْهِ في هَذَا الضبط.
وَأَمَّا اسم جدِّه ”سلوم“ فهل السين مضمومة أم مفتوحة؟ وهل اللام مشدَّدة أم مخفَّفة؟ يرى الشيخ الناصر المرموري (4) أَنَّ اسمه عَلَى وزن ”فَعُول“، بصيغة المبالغة من السلامة (5). بينما يَشكُل الشيخ أبو بشير السين بالضمَّة ”سُلوم“ (6). وَأَمَّا اللام فيضع التنوخي عَلَيْهَا شَدَّة (7)، والأرجح عدم تشديدها، كما ذكر الشيخ إبراهيم العبري (8)، ويبدو أَنَّهُ ينطق بالاسم كما ينطق بـ”سعود“، وكـ”حمود“ فالجزائريُّون يشدِّدون الميم بينما العمانيون يخفِّفونها.
ب - اللقب:
اشتهر بلقب ”نور الدين“، ويبدو أَنَّهُ لم يُطلق عَلَيْهِ إِلاَّ بعد وفاته، ففي الكتب المخطوطة أو المطبوعة في حياته لا نجد فيها ذكرًا لـ”نور الدين“؛ فمثلا في مخطوطة
__________
(1) ينظر: مُقَدِّمَة أبي إسحاق لجوهر النظام، 1/ ص} ج}.
(2) مقابلة مع الشيخ الناصر المرموري في القرارة، بتاريخ: 05 صفر 1422هـ/28 أفريل 2001م.
(3) ينظر: أبو بشير: نهضة، ص118.
(4) أستاذ الحديث والفقه والتاريخ، بمعهد الحياة، بالقرارة، منذ ما يزيد على 60 عاما. وواعظ ومرشد بالمسجد الكبير بالقرارة، ولاية غرداية.
(5) مقابلة مع الشيخ الناصر بن محَمَّد المرموري.
(6) أبو بشير: نهضة، صفحة الغلاف، وص118. وللإشارة فَإِنَّ الطبعة يمكن اعتمادها في مثل هَذَا التدقيق، لأَنَّهَا ممتازة من حيث ندرة الأخطاء المطبعيَّة، وشَكْلِ ما يُشكِل، رغم قِدمها .. أو بالأحرى لأَنَّهَا قديمة!. ويضبطه العزري أَيضًا بـ} حُميد بن سُلوم}. ينظر: العزري: فكر السالمي، ص2. وكلا المؤلِّفين عمانيان، فهما أدرى بالأسماء العمانية.
(7) ينظر: مُقَدِّمَة التنوخي لشرح الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع بن حبيب بن عمرو الفراهيدي: لنور الدين السالمي، تصحيح وتعليق: عزّ الدين التنوخي، نشر: سعود بن حمد بن نور الدين، المطابع الذهبية، روي، مسقط، سلطنة عُمان، 1993م، 1/} ط}.
(8) ينظر: مُقَدِّمَة العبري للعقد الثمين، 1/ 7. (1/84)
صفحة 85
"إيضاح البيان" المؤرَّخة في 15 شعبان 1327هـ/31 أوت 1909م نجد في الغلاف: «تأليف العلاَّمة نور الهدى، ومصباح الدجى، أبي محَمَّد عبد الله بن حميد السالمي، متَّعنا الله بحياته» (1)، وكذا في شرح (أو حاشية) الجامع الصحيح، ومشارق أنوار العقول (2).
أَمَّا متى أطلق عَلَيْهِ هَذَا اللقب؟ ومن أطلقه؟ فلا تسعفنا المصادر بِذَلِكَ، ويُذكر في الروايات الشفوية أَنَّ الشيخ امحَمَّد بن يوسف اطفيَّش هو الذي أطلقه، كما أطلق السالميُّ عَلَى الشيخ اطفيَّش لقب القطب (3). وَأَمَّا في المصادر المكتوبة فيبدو أَنَّ أبا إسحاق إبراهيم اطفيَّش مِن أَوَّل مَن أطلق هَذَا اللقب، إن لم يكن أَوَّلهم عَلَى الإطلاق (4). ومن بعدِه نجد أبا بشير ابن الشيخ نور الدين من أوئل مَن ذكره (5).
وَأَمَّا الألقاب الأخرى مثل شمس العصر، الإمام، وحيد الدهر، فريد العصر، العلاَّمة، المحقِّق، الحبر المدقِّق، فخر المتأخِّرين، سابق الْمُتَقَدِّمين ... فلا يمكن اعتبارها ألقابا عِلمِيَّة خَاصَّةً بالسالمي (6)، إن هي إِلاَّ مِمَّا يمدح به الشاعر ممدوحه، ونجد عِدَّة أمثلة لِذَلِكَ في الأسئلة المنظومة التي ترد عَلَى السالمي، وقد وصفه السائلون بِأَنَّهُ:
__________
(1) إيضاح اليبان في نكاح الصبيان، الناسخ: راشد بن سليمان، تاريخ النسخ: 15 شعبان 1327هـ، المقاس: 29×20,5 سم، المسطرة: بين 20 و21 سطرا، الخط: مشرقي نسخي واضح، 67ص. مصورة بمكتبة الباحث من مكتبة الاستقامة ببني يزقن.
(2) جاء في صفحة الغلاف من حاشية الجامع الصحيح المطبوعة سنة 1326هـ: «العلامة الجليل الأستاذ الكامل الشيخ عبد الله بن حميد السالمي أحياه الله سالما وأثابه». وفي طبعة سنة 1314هـ للمشارق لم يُذكر الْمُؤَلِّف أصلا، واكتُفي بذكر الناشر، وهو السَّيِّد حمود بن محمد بن سعيد، وتُرجم للناشر وأُثني عَلَيْهِ!.
(3) مقابلة مع الشيخ الناصر المرموري.
(4) ينظر كتب الشيخ السالمي التي حقَّقها وعلَّق عَلَيْهَا وطبعها أبو إسحاق، مثل: جوهر النظام، المطبعة السلفية، القاهرة، 1346هـ. صفحة الغلاف. تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان، الطبعة الأولى، المطبعة السلفية، القاهرة، 1347هـ، صفحة الغلاف.
(5) ينظر: السالمي أبو بشير محَمَّد شيبة بن نور الدين: ترجمة الإمام نور الدين السالمي، (مخ)، الناسخ: الشيخ عمر بن يوسف عبد الرحمن اليسجني، تاريخ النسخ: 15 مُحَرَّم 1372هـ/ 6 أكتوبر 1952م، المقاس بحجم ورق الكراس العادي: 17×22 سم، المسطرة: 23 سطرا، الخط: مغربي واضح، ص3. أبو بشير: نهضة، ص118.
(6) اعتبرها الهاشمي ألقابا للسالمي. ينظر: أطروحة الهاشمي، ص58 - 59. (1/85)
صفحة 86
«نور المهتدين»، و «قدوة أهل التقى ... »، «عين عصرنا»، «البحر»، «البدر»، «ربُّ البلاغة والنظر»، «الجهبذ الحبر»، «منار الأنام» (1) ... وَهَذِهِ الألقاب غالبا ما تطلق عَلَى الْمُؤَلِّفين في صدر تآليفهم، وهي وإن دلَّت عَلَى المكانة العِلمِيَّة لمن وُصف بها فَإِنَّهُ لا يخفى ما فيها من المبالغة.
جـ - الكنية:
يكنَّى ”أبا محَمَّد“، باسم أكبر أبنائه، وَهُوَ ما لم نجد فيه خلافا بين مَن ترجم للسالمي، وقد وردت له كنية أخرى وهي: ”أبو شيبة“، و”شيبة“ اسم ثانٍ لابنه أبي بشير محَمَّد (2)، وَهَذِهِ الكنية لم يُؤْلف استعمالها، ولم نجد مَن ذكرها غير أبي مسلم الرواحي، وكررها في ثلاث أبيات من قصيدة رثى بها السالمي، منها قوله:
«يا أبا شيبة عَزَّت حيلة عن دفاع الموت أو وصل الأجل» (3)
د - النَّسب:
السالمي: نسبة إِلىَ قبيلة السوالم، وهم قوم من بني ضبَّة، من نزار بن معد بن عدنان، فهم عدنانيُّون (4). ولم يُختلف في نسبة السوالم إِلىَ بني ضبَّة (5) غير محقِّق المعارج الذي نسب السوالم إِلىَ بني خلبة (6)، ولم نعثر عَلَى هَذِهِ النسبة فيما أيدينا من
__________
(1) ينظر: العقد الثمين، 1/ 233 - 234، 345 - 346؛ 2/ 46، 47، 197 - 198، 483. جوابات، 1/ 409؛ 2/ 197 - 198، 483؛ 6/ 109 - 111، 413 - 415.
(2) أبو بشير محَمَّد شيبة، هكذا ورد في صفحة الغلاف من كتابه: نهضة الأعيان.
(3) الرواحي: ديوان، ص409 - 410. وينظر: أطروحة الهاشمي، ص59.
(4) ينظر: السيابي: إسعاف الأعيان، ص69. نقلا عن أطروحة الهاشمي، ص58.
(5) ينظر: أبو بشير: نهضة، ص118. مُقَدِّمَة العبري للعقد الثمين، 1/ 7. مُقَدِّمَة التنوخي لشرح الجامع، 1/} ط}. مُقَدِّمَة البطاشي للمشارق، ص} ث}. حمدون السالمي: السالمي مُؤَرِّخًا، ص145. أطروحة الهاشمي، ص58. مُقَدِّمَة أبي غدة لجوابات السالمي، 1/ 5. مُقَدِّمَة عبد الرحمن السالمي لروض البيان، ص31.
وبنو ضبَّه «بطن من طابخة من العدنانية، وهم بنو ضبة بن أُدٍّ بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان». كحالة: معجم قبائل العرب، 2/ 661 - 662.
(6) ينظر: مُقَدِّمَة محَمَّد إسماعيل لمعارج الآمال عَلَى مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال، لنور الدين السالمي، تحقيق: محَمَّد محمود إسماعيل، مطابع سجل العرب، نشر: وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان، 1403هـ/1983م، 1/ 3. وتابعه عَلَى ذَلِكَ بولرواح، ينظر: السالمي نور الدين: الحجج المقنعة في أحكام صلاة الجُمُعَة، دراسة وتخريج: إبراهيم بن علي بن عمر بولرواح، إشراف: د. مصطفى بن صالح باجو، مذكِّرة التعمُّق في البحث، قسم التخصُّص في الشريعة، معهد الحياة القرارة، غرداية، الجزائر، 1418هـ/1997م، (مرقون)، ص12. (1/86)
صفحة 87
المصادر (1)، ونرجح أَنَّهُ خطأ مطبعيٌّ، لأَنَّ الطابع الناقل من المخطوط قد يشتبه عَلَيْهِ الأمر بين الكلمتين ”ضبة“ و”خلبة“.
والسوالم لم يختصُّوا في إقامتهم بمنطقة محدَّدة كما هو شأن كثير من القبائل، وَإِنَّمَا كانت منتشرة في مناطق مختلفة مثل: «الشَّرْقِيَّة والغَربِيَّة وَالدَّاخِلِيَّة، والباطنة من عُمان، وتعتبر الحوقين المنازل القديمة لهم» (2).
وَأَمَّا عن أعلامها فلم أجد فيما بين يديَّ من المصادر والمراجع أعلاما اشتهروا من السوالم قبل الشيخ نورالدين، وَأَمَّا مِن بعده فقد ظهر شيخ البيان محَمَّد بن شيخان السالمي، وأبو بشير محَمَّد شيبة بن نور الدين السالمي، والشاعر أبو حميد حمد بن نور الدين السالمي (3)، وحاليا (سنة1421هـ/2000م) وزير الأوقاف والشؤون الدِّينِيَّة: عبد الله بن محَمَّد شيبة بن نور الدين السالمي.
ثانيا - مولد السالمي ونشأته:
أ - المولد:
اتَّفَقَت (4) كلمة المترجمين عَلَى أَنَّ نور الدين السالمي ولد ببلدة الحوقين، من أعمال الرستاق بعُمان (5)، واختلفوا في تحديد تاريخ ميلاده إِلىَ ثلاثة آراء:
__________
(1) وجدنا في معجم كحالة قبيلة باسم خلابة، وتوجد بمنطقة عجلون بالشام، فلا علاقة لها إذن بعمان. ينظر: معجم قبائل: كحالة، 1/ 352 - 353.
(2) السيابي: إسعاف الأعيان، نقلا عن حمدون السالمي: السالمي مُؤَرِّخًا، ص145. وينظر: أطروحة الهاشمي، ص58.
وعن مواقع المناطق المذكورة ينظر: خريطة عُمان في الملحق.
(3) ينظر ترجمتهم على الترتيب في ص159 - 161، 147 من البحث حول تلاميذ السالمي.
(4) ينظر المصادر والمراجع المذكورة في الهامشين التاليين.
(5) ينظر موقع الرستاق في خريطة عُمان في الملحق. (1/87)
صفحة 88
- الرأي الأَوَّل: ذهبت إليه جُلُّ المراجع وَهُوَ أَنَّهُ ولد سنة 1286هـ/1869م (1).
- الرأي الثاني: ذهب إِلىَ أَنَّهُ ولد سنة 1288هـ/1872م (2)، وَلَكِن دون أن يذكروا مستندهم. ويمكن أن نستدلَّ لهذا الرأي بقرينة ذكرها بَعض (3) من ترجم للسالميِّ، وهي أَنَّهُ شرع في التأليف وعمره سبعة عشر عامًا، بأرجوزة ”بلوغ الأمل في الجمل“، وأتَمَّ تأليفها سنة 1305هـ/1888م.
- الرأي الثالث: هو أَنَّهُ ولد سنة 1284هـ/1867م (4).
وَهَذَا الرأي الأخير هو الأرجح في نظر الباحث، للمبررات الآتية:
- أَنَّ الشيخ السالميَّ نفسه ذكر أَنَّ عمره ثلاث وأربعون (43) سنة تقريبا عامَ 1326هـ/1908م أي ثنتان وأربعون (42) سنة ونيِّفٌ؛ إذ جاء في آخر الرسالة التي بعثها إِلىَ الشيخ سليمان باشا الباروني (5) ما يلي: «من
-
__________
(1) ينظر: مُقَدِّمَة أبي إسحاق لجوهر النظام، 1/} جـ، ح}. الخصيبي: شقائق، 3/ 9. مُقَدِّمَة العبري للعقد الثمين، 1/ 7. مُقَدِّمَة التنوخي لشرح الجامع الصحيح، 1/} ط}. مُقَدِّمَة البطاشي للمشارق، ص} ث}. مُقَدِّمَة عميرة لمشارق أنوار العقول لنور الدين السالمي، حقق نصوصه وخرَّج أحاديثه: د. عبد الرحمن عميرة، دار الجيل، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 1409هـ/1989م، 1/ 16. المرموري: السالمي المجتهد المجدِّد، قراءات، ص44؛ الصوافي: السالمي فقيها، قراءات، ص92؛ حمدون السالمي: السالمي مُؤَرِّخًا، قراءات، ص146. مُقَدِّمَة منظومتي أنوار العقول وكشف الحقيقة، د. ن.، د. ت. ن.، د. م، ص3. مُقَدِّمَة الناشر لتحفة الأعيان، ط. 1417هـ، 1/ 2. الحجج المقنعة (دراسة): بولرواح، ص12. العزري: فكر السالمي، ص88.
(2) ينظر: مُقَدِّمَة محَمَّد إسماعيل لمعارج الآمال، 1/ 3. مُقَدِّمَة أبي غدة لجوابات الإمام السالمي، 1/ 5؛ وقد ذكره المحقق عَلَى أَنَّهُ احتمال مرجوح.
(3) ينظر: أبو بشير: نهضة، ص119. مُقَدِّمَة البطاشي للمشارق، ص} ث}. الصوافي: السالمي فقيها، قراءات، ص94. مُقَدِّمَة أبي غدة للجوابات، 1/ 6.
(4) أورده محقِّق الجوابات عَلَى أَنَّهُ احتمال مرجوح. ينظر: مُقَدِّمَة أبي غدة للجوابات، 1/ 5. وذكره محقِّق روض البيان دون ذكر لتاريخ آخر. ينظر: مُقَدِّمَة عبد الرحمن السالمي لروض البيان، ص31.
(5) سليمان بن عبد الله بن يحيى الباروني (باشا): من زعماء النهضة العربية الإِسلاَمِيَّة الحديثة. أخذ العلم عن أبيه، ثُمَّ انتقل إلى جامع الزيتونة، ثُمَّ الأزهر، ثُمَّ معهد القطب اطفيش في بني يسجن بميزاب بالجزائر. كوَّن جيشا إسلاميًّا موحَّدا يواجه الاستدمار الإيطالي، فأذاقه شرَّ الهزائم. أنشأ مع بعض المجاهدين الجمهورية الطرابلسية ومجلسها الشوري. وساعد الحزب الدستوري التونسي مادِّيا ومعنويًّا. وراسل كثيرا من الساسة والملوك. وأصلح بين الإمام الخليلي والسلطان تيمور. عيِّن عضوا في مجلس المبعوثان بإسطمبول، وعضوا في مجلس الأعيان إلى الانقلاب التركي لأتاتورك، ورئيسا للجمهورية الليبية سنة 1337هـ/1918م، وعيَّنه إمام مسقط رئيسا لوزراء عُمان. أسَّس جريدة «الأسد الإسلامي» في مصر. ثُمَّ جريدة «الباروني» بإسطمبول. وأسس مطبعة الأزهار البارونية بالقاهرة، وفيها طَبع جزءا هاما من التراث الإباضي، أنشأ المدرسة البارونية بسمائل بعُمان. له كتاب «الأزهار الرياضية، في أيمة وملوك الإِبَاضِيَّة». وديوان شعر. تُوُفِّيَ في بُمْباي يوم 23 ربيع الأول 1359هـ/01 ماي 1940م. ينظر: جمعِيَّة التُّرَاث: معجم أعلام الإِبَاضِيَّة، 2/ 206 - 209، رقم457. (1/88)
صفحة 89
عبد الله بن حميد السالمي، البالغ من العمر ثلاثا وأربعين 43 سنة تقريبا، الساكن القابل، من شرقيِّ عُمان، سنة 1326هـ» (1). فالمعتمد إذن هو ما ذكره هو بنفسه لا ما ذكره غيره.
- وجود نصٍّ لأبي بشير مطابقٍ لِمَا ذكرته، إذ يقول في ترجمته المخطوطة عن والده: «مات رضوان الله عَلَيْهِ وسنُّه تسعة وأربعون سنة تقريبا، كما ذكر ذَلِكَ بنفسه في جواب سؤال صاحب جريدة الأسد الإِسلاَمِي، فَإِنَّهُ ذكر أَنَّ عمره إذ ذاك ثلاث وأربعون سنة تقريبا، وعاش بعد ذَلِكَ ستَّ سنين بحساب السنة التي مات فيها، إذ لم يذكر هناك تاريخ الشهر فجبرنا الكسر» (2)، ويؤكِّده بعبارة أخرى في نهضة الأعيان بعد ذكر تاريخ وفاته: «وكان عمره رَضِيَ اللهُ عَنهُ ثمانيا وأربعين سنة وأشهرا» (3). وَلَكِن يبقى التساؤل المطروح: إذا كان أبو بشير نفسه في النصَّين المنقولين أعلاه يرجِّح
-
__________
(1) أبو بشير: نهضة، ص124 - 125. وينظر: السالمي: العقد الثمين، 1/ 126 - 128. وفي الترجمة المخطوطة يخطئ الناسخ في هَذَا النص ويكتب «سنة 1329هـ» بدل «سنة 1326هـ»، وَلَكِنَّ كلام أبي بشير في المخطوط نفسه بعد عشر صفحات ينقض هَذَا التاريخ. ينظر: ترجمة السالمي (مخ)، ص9، 19.
وفي العقد الثمين ورد تاريخان متناقضان، وهما: «1326هـ» (ص126)، و «سنة 1328هـ» (ص128). إِلاَّ إذا اعتبرنا أَنَّ التاريخ الأَوَّل هو تاريخ السؤال، والثاني هو تاريخ الجواب، حسبما قد يتبادر من السياق، فلا تناقض. ولكن المرجَّح أَنَّهُ خطأ مطبعيٌّ.
(2) ترجمة السالمي (مخ)، ص19.
(3) أبو بشير: نهضة، ص134. (1/89)
صفحة 90
أَنَّ عمره يوم وفاته عام 1332هـ: 49 سنة تقريبا، فلماذا يقول في موضع آخر من ”نهضة الأعيان“ (1): كان عمره سنة 1305هـ سبع عشرة سنة حين ألف أرجوزة ”بلوغ الأمل“؟! (2) لا شَكَّ أَنَّهُ كان سهوا منه رَحِمَهُ اللهُ، بل كان عمر والده في تلك السنة واحدا وعشرين عاما.
وقد اخترنا لميلاده التاريخ الأخير (1284هـ/1867م)، مع أَنَّهُ من المحتمل أن يكون قد ولد سنة 1283هـ/1866م؛ اعتمادا عَلَى محقق روض البيان، وَلأَنَّ كلام النور السالميِّ يحتمله، وكذا كلام ابنه أبي بشير في الموضعين المذكورين آنفا.
ب - الأسرة:
ولد السالميُّ في أسرة كريمة فاضلة، غير مشهورة، وكانت مشيخة قومه بين أسرته وأسرة عمومته؛ وحين ولادة الشيخ نور الدين كانت المشيخة عند عمِّه شيخان، والد الشاعر محَمَّد بن شيخان (شيخ البيان) (3).
كان والد نور الدين قويَّ الشَّخصِيَّة، ذا فضل وورع وحبٍّ للخير (4)، طلق المحيَّا، واسع الصدر في الشدائد، خَاصَّةً إذا علمنا صعوبة الوضع الذي مَرَّت به أسرته، وما أصيبت به من نكبات. وفي حِجْر هَذَا الوالد تلقَّى الابن السالميُّ مبادئ التربية الأولى، وتأثَّر بخلاله السويَّة، وبشخصيَّته القَوِيَّة، وبسلوكه القويم.
إِلاَّ أَنَّ أحد الباحثين أراد أن يشكِّك في دور الوالد في تكوين اللبنات الأولى لشَخصِيَّة ابنه، فيقول: «وَلَكِنَّ الطريقة التي يأتي فيها [السالميُّ] عَلَى ذكر [كذا] والده
__________
(1) ينظر: المصدر نفسه، ص119.
(2) لنا أن نقول: نعم صحيح أَنَّهُ ألَّفها سنة 1305هـ وَلَكِنَّهُ لم يذكر كَم كان عمره آنذاك، وَإِنَّمَا ذكره غيره. ينظر تاريخ التأليف في: السالمي نور الدين: شرح بلوغ الأمل في المفردات والجمل، الطبعة الأولى، مطبعة عمان ومكتبتها، مطرح، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان، 1406هـ/1986م، ص15.
(3) ينظر: السيابي: عمان عبر التاريخ، 2/ 335. أطروحة الهاشمي، ص61. أحال عَلَى مقابلته مع عبد الله بن محَمَّد السالمي حفيد الشيخ نور الدين.
(4) ينظر: مُقَدِّمَة محَمَّد إسماعيل لمعارج الآمال، 1/ 3. (1/90)
صفحة 91
تدفع للتساؤل حول صِحَّة ما جاء في الروايات السابقة عن دور الوالد وعن صفاته التي وصفته الروايات بها» (1)، ويعتمد في شكِّه هَذَا عَلَى الصيغة التي أوردها السالميُّ في تحفته عند ذكره لوفاة والده، فهو لم يترحَّم عَلَيْهِ، ولم يذكر مناقبه وصفاته الحميدة، ومكانته العِلمِيَّة وَالاِجتِمَاعِيَّة، كعادته مع عِدَّة مشايخ وأعلام، وفي رأيه أَنَّهُ لو كان متعبِّدا زاهدا ورعا كما تصفه المراجع لَمَا تردَّد النور السالمي في ذكر ذَلِكَ.
في الواقع إِنَّ الباحث المشار إِلَيْهِ حين يقول هَذَا الكلام ينطلق من أفكار مسبقة عَمَّا كُتب حول الشيخ السالمي، إذ يعتبر أَنَّ ما كُتب عنه إِنَّمَا هي دروس وعظ لا تَسْتَحِقُّ أن نطلق عليها اسم ”دراسات“، ويسمِّيها خطابات تبجيليَّة، ويقول: إِنَّ فيها من المبالغات ما يرفع من شان السالمي إِلىَ ما فوق البَشَرِيَّة (2)، وهو بِهَذِهِ الأحكام ـ غير الموضوعيَّة ـ لا يكلِّف نفسه عناء البحث والاستقراء لتراث نور الدين السالمي حَتَّى يصدر حكمه بالتشكيك في مكانة والده. ويكفي في هَذَا المقام، للردِّ عَلَى هَذَا الكلام، أن نستشهد بما ذكره الشيخ نور الدين نفسُهُ عن أبيه إذ يقول (3):
« ... لهفي عَلَى شيخ نشأ تُ بحجره زين الصنائع
رحب الجميل مهذَّب حسن الشمائل والطبائع
طلق المحيَّا في الشدا ئد، صدره في الضيق واسع
قد طال ما أسدى عليَّ من الجمائل (4) والمنافع
__________
(1) العزري: فكر السالمي، ص95.
(2) ينظر: المرجع نفسه، ص86. وينظر كَذَلِكَ استعماله لِهَذِه التسميات واصفا ما كُتب عن السالمي: «الدروس الوعظية»، «الكتابات المبتذلة»، ص42. «الخطابات التبجيلية»: ص45، 56. «الكتابات السطحية والساذجة والمبتذلة»: ص58 ...
(3) نَحْنُ لا ننكر أَنَّ والد الشيخ نور الدين (ت: 1316هـ) لم يُحظَ برثاء ابنه كثيرا، إذ لم نجد في ديوانه غير أربعة عشر بيتا، بخلاف ما حظي به شيخه صالح بن علي الحارثي وَلَكِنَّ هَذَا لا ينفي دوره في تربية ابنه نور الدين عَلَى الفضائل.
(4) في عين المصالح: «من العوائد». (1/91)
صفحة 92
كم قد (1) أضرَّ بنفسه ليكون لي واقٍ ونافع
كم حرمت عيناه طعـ ـم الغمض والمغرور هاجع
قد كان بالأولاد بَرًّا شاكرًا لو كنتُ (2) قاطع» (3)
وَهَذِهِ الأبيات تصوِّر لنا بوضوح شَخصِيَّة الوالد ومناقبه، وموقف الابن منه ومنها. وغاية ما في الأمر أَنَّ البيت الأخير من المقطوعة ــ عند قوله: «لو كنت قاطع» ــ يبدي السالمي تأسُّفه عَلَى أَنَّهُ رُبَّمَا قصَّر في حقِّ والده الذي تحمَّل من أجل تربيته وتنشئته الشدائد العظيمة؛ ولا يعني أبدا أَنَّ هناك قطيعة بين الولد وأبيه، بل شأنه في ذَلِكَ شأن المسلم المتواضع، الذي يصبو إِلىَ الكمال، ويشعر بالتقصير في كُلِّ حال.
وفي الأبيات المذكورة يشير السالمي إِلىَ صبر والده أمام الشدائد، الأمر الذي يدفعنا إِلىَ التساؤل: ما نوع الشدائد التي أصيب بها؟
من الشدائد التي ابتلي بها والده أَنَّهُ كان غنيًّا غنى فاحشا، وكانت أغلب أموال وأملاك السوالم في يد الخضور يعملون فيها، وعند قيام الصراع بين الهناويَّة والغافريَّة (4) انحازت السوالم إِلىَ الغافريَّة، والخضور إِلىَ الهناويَّة، فَلَمَّا سيطر الهناويَّة عَلَى بلدة الحوقين، بإعانة الخضور ضِدَّ السوالم، فرَّ هَؤُلاَءِ إِلىَ الخبَّة ومنها إِلىَ الرستاق (5)، وَذَلِكَ في العقد الأَوَّل من القرن الرابع عشر
__________
(1) في عين المصالح: «وَلَكَمْ أضرَّ».
(2) في عين المصالح: «لو أنا».
(3) ديوان السالمي، (مخ)، ص14. أبو الوليد: عين المصالح، ص66.
(4) ينظر: ص 65 من البحث.
يرى العزري أَنَّ سكوت أبي بشير عن ذكر الفتنة ــ التي كانت السبب في رحيل الأسرة إِلىَ الرستاق ــ دَلِيل عَلَى أَنَّهَا لم تَصِحَّ عنده، وَلَكِنَّ السكوت لا يكون أبدا دَلِيلا عَلَى إثبات شَيْء، ما لم يُصَرِّح بعدم صِحَّة الرواية، وَهُوَ ما لم يفعله، بل نقول: إِنَّمَا أغفلها لأَنَّهُ لم يَرَ فائدة في ذكرها في سياق ترجمته لوالده، وَإِنَّمَا ذكرها في غير ذَلِكَ الموضع. ينظر: أبو بشير: نهضة، ص82. العزري: فكر السالمي، ص89 ــ 90.
(5) يناقش العزري الروايات الواردة حول انتقال الأسرة من الحوقين إِلىَ الرستاق، ويرى أَنَّ بينها تضاربا، وليس الأمر كَذَلِكَ، فغاية ما فيها أَنَّ بَعْضًا منها تذكر ما لا تذكره الأخرى، فَهَذِهِ تذكر انتقال الأسرة إِلىَ الرستاق مباشرة، ولا تشير إِلىَ نزولها بالخبة، لأَنَّهَا فترة قصيرة، وليس فيها من الأَهَمِّيَّة ما يستَحقُّ الذكر، بينما الروايات الأخرى تفصِّل ولا تغفل تلك الفترة. وَهَذَا لا يُسَمَّى تضاربا، بل تكاملا. ألا ترى إِلىَ القصص القرآني حين يقصُّ الله تَعَالىَ قصص الأنبياء فيذكر في بَعض السور ما لا يذكره في الأخرى، أنسمِّي هَذَا تضاربا؟! حاش لله، وتَعَالىَ كلامه عن ذَلِكَ علوًّا كبيرا.
ولَكِن نوافق العزري عَلَى أَنَّ التناقض في تلك الروايات إِنَّمَا هو في الدوافع وراء الانتقال من الحوقين، هل هي اجتِمَاعِيَّة، أم عِلمِيَّة محضة؟ هَذَا ما سنتعرض له لاحقا في ذكر رحلات السالمي. (1/92)
صفحة 93
الهجري (1)، تاركين كُلَّ أموالهم عرضة للنهب والسلب، فلم يعد لهم شَيْء في منازلهم الجديدة، وبلغ العسر بأسرة الشيخ نور الدين إِلىَ درجة أَنَّهُ لم يستطع والده أن يشتري له ــ أوَّلَ الأمر عند حلوله بالرستاق ــ كِتَاب ”متن الآجرُّومية“ ليدرس فيه (2)، رغم صغر حجمه.
ولد الطفل عبد الله (نور الدين) في تلك الظروف الصعبة، من الاضطرابات والقلاقل، ومن الصراعات بين القبائل، ونشأ مع أسرته، وقاسمها أفراحها وسرَّاءها حينا، وشاطرها أحزانها وضرَّاءها في كثير من الأحيان.
ولا شَكَّ أَنَّ لِمثل هَذِهِ الأحداث أثرا عَلَى نفس الإِنسَان: إِمَّا ضعفا واستسلاما وانهزامًا، وَإِمَّا صبرا عَلَى تحمُّل الشدائد، وقُوَّة في النفس وعزَّة وإقدامًا. والشيخ السالمي اختار الطريق الثاني، وكان له في والده أسوةٌ حسنة، كما سيتَّضح لنا من خلال استعراض صفاته (3).
ثالثا - حياته الشَّخصِيَّة وصفاته الفطريَّة:
أ - حياته الشَّخصِيَّة:
نشأ نور الدين ــ رغم قساوة الظروف ــ «نشأة الطهر والعفاف، والنقاء
__________
(1) ينظر: مُقَدِّمَة أبي بشير لديوان ابن شيخان السالمي، جمعه ووضع له مُقَدِّمَة: [أبو بشير] محَمَّد بن نور الدين عبد الله السالمي، راجعه ووضع فهارسه: د. عبد الستار أبو غدة، شركة المطابع النموذجية، عمَّان، الأردن، الطبعة الأولى، 1399هـ/1979م، ص14.
(2) ينظر: أطروحة الهاشمي، ص63. أحال عَلَى مقابلة له مع حفيد الشيخ نور الدين.
(3) ينظر: ص 397 فما بعد من البحث. (1/93)
صفحة 94
والزكاء» (1)، بالحوقين، وهاجر مع أسرته إِلىَ الخبَّة فالرستاق، ثُمَّ المضيبي، ليستقرَّ أخيرا بالقابل. كَبر الشيخ نور الدين وشبَّ واكتهل، وبنى عشَّه الزوجيَّ سنة 1308هـ/1891م مع قرينته ربيبة شيخه حمد بن سيف بن سعيد البوسعيدي (2)، وولد له ابنه الأكبر محَمَّد (شيبة) سنة 1314هـ/1896م بالقابل من الشَّرْقِيَّة (3)؛ ثمَّ توفِّي والده حُميّد بجدَّة سنة 1316هـ/1898م.
عاش الشيخ نور الدين طوال تلك الفترات والرحلات في ظروف مَادِّيَّة صعبة، حَتَّى إِنَّهُ لم يكن له ولأولاده بيت يأوون إِلَيْهِ إِلاَّ بعد سنة 1323هـ/1906م (4) حين عاد من الحجِّ. ويقرِّر هَذِهِ الحقيقة بقوله ــ وهو عَلَى فراش المرض بعد موسم الحج (5) ــ: «لم آسف عَلَى شَيْء من الدنيا إلاَّ عَلَى أولادي، أمام أيِّ بيت يقفون، وليس عندهم ما يظلُّهم من الشمس، ويكنُّهم من البرد، وَلَكِن أَكِلُهم إِلىَ من بيده مفاتيح الرزق»، ويضيف حفيد السالمي قائلا: «فبعد رجوعه من الحجِّ أسَّس بيته بـ[بديَّة من] الظاهر» (6). ولشظف العيش كان كثيرا ما يبيت ولا تمرة واحدة عنده بالبيت (7).
__________
(1) الصوافي: السالمي فقيها، قراءات، ص93.
(2) ينظر: أبو بشير: ترجمة السالمي (مخ)، ص5. وستأتي ترجمة الشيخ حمد في ص133 من البحث.
(3) ينظر: تقديم السالمي سليمان بن محَمَّد لكتاب الروض النضير في ملتقطات الشيخ أبي بشير، جمع وترتيب: الخصيبي محَمَّد بن راشد، د. ن.، الطبعة الأولى، سلطنة عُمان، 1413 - 1414هـ/1993م، ص} ب}.
(4) ينظر: السالمي: تحفة، 2/ 329.
(5) أصيب بالجدريِّ وَهُوَ بِجَدَّة بعد أداء مناسك الحجِّ، وَاشتَدَّ به المرض حَتَّى ظنَّ أَنَّهُ سيحين أجله كما تُوُفِّيَ والده قبل سبع سنين بنفس المرض وبنفس المكان. قال الشيخ نور الدين عن والده: عند غروب الشمس من يوم 4 مُحَرَّم سنة 1316هـ/24 ماي 1898م تُوُفِّيَ والدي حميد بن سلوم السالمي في بندر جدَّة من ألم الجدري. تحفة، 2/ 314 (بتصرُّف). وينظر: أبو بشير: نهضة، ص134. أبو الوليد: عين المصالح، ص66.
كما تُوُفِّيَ بِذَلِكَ المرض عِدَّة مشايخ، منهم سعيد بن حمد الراشدي سنة 1314هـ/1897م، والشيخ حمد بن سيف البوسعيدي سنة 1315هـ/1898م. ينظر: السالمي: تحفة الأعيان، 2/ 313 - 314.
(6) تقديم سليمان السالمي للروض النضير، ص} ب-جـ}.
(7) ينظر: المرجع نفسه، ص} جـ“. (1/94)
صفحة 95
قد يُتساءل: هل وسَّع الله تَعَالىَ عَلَيْهِ في الرزق بعد ذَلِكَ؟ ظاهر نصِّ حفيده سليمان يفيد ذَلِكَ، إذ يقول: إِنَّهُ تُوُفِّيَ وترك لابنه محَمَّد «ثروة هائلة كبيرة في أرجاء البلد» (1)، وَلَكِنَّ سياق هَذِهِ العبارة متناقض تمام التناقض، مِمَّا أوقعنا في إشكال، فهو بعد ذَلِكَ يقول: وَعَلَى أبي بشير ابن الشيخ نور الدين بعد وفاة والده «القيام بالعائلة إذ لم يترك لهم شَيْئًا يعيشون به، ولا بيتا يسكنون فيه إِلاَّ بيت بالظاهر من بدية». فهو يثبت أَنَّهُ ترك ثروة هائلة، ثُمَّ ينفي ذَلِكَ!. وإذا افترضنا أَنَّ في العبارة خطأ مطبعيًّا، فنضع مكان لفظةِ «ثروة» لفظةَ «ثورة» فَإِنَّ الإشكال ينحلُّ، والتناقض يزول. لِذَلِكَ فالمرجَّح أَنَّ الحالة المَادِّيَّة للشيخ نور الدين لم تتحسَّن. ويؤيد ذَلِكَ ما ذكره القطب اطفيَّش للسالميِّ في إحدى مراسلاته: «وقد عذرتك لقلَّة مالك ولاحتياج الواردين عليك» (2).
ب - بعض صفاته (3) الفطريَّة (4):
تتَّفق المصادر والمراجع التي اطَّلَعَت عَلَيْهَا عَلَى أَنَّهُ كفَّ بصره وَهُوَ ابن اثنتي عشرة سنة. إِلاَّ مرجعين لهما رأيان آخران لعمره حين ذهاب بصره:
__________
(1) المرجع نفسه.
(2) اطفيَّش: كشف الكرب، 1/ 6.
(3) ينظر مجمل هَذِهِ الصفات أو بَعضها في: السالمي: تحفة الأعيان، مُقَدِّمَة الناشر: 1/ 2؛ متن الكِتَاب: 1/ 162 - 164. أبو بشير: نهضة، ص118، 120، 134. مُقَدِّمَة أبي إسحاق لجوهر النظام، 1/”جـ-ث“. مُقَدِّمَة العبري للعقد الثمين، 1/ 7. مُقَدِّمَة البطاشي للمشارق، ص”ث-ح“. مُقَدِّمَة عميرة للمشارق، ط. بيروت، 1/ 16. مُقَدِّمَة محَمَّد إسماعيل لمعارج الآمال، 1/ 3 - 4. الخصيبي: شقائق النعمان، 3/ 9. مُقَدِّمَة منظومتي أنوار العقول وكشف الحقيقة، ص3. المرموري: السالمي المجتهد، قراءات، ص44؛ الصوافي: السالمي فقيها، قراءات، ص92 - 93؛ حمدون السالمي: السالمي مُؤَرِّخًا، قراءات، ص146. أطروحة الهاشمي، ص83، 85. مُقَدِّمَة أبي غدة لجوابات السالمي، 1/ 5.
(4) نكتفي هنا بذكر الصفات الفطرية والخَلقية: كف البصر، الفطنة، الذكاء، قُوَّة الحافظة ... وَأَمَّا الصفات المكتسبة من حبٍّ وشغف بالعلم، وَقُوَّة في العزيمة والإرادة، وتواضع، وَشِدَّة في الحقِّ ... فسندعها إِلىَ المباحث الآتية عند الحديث عن تحصيله العلمي ومواقفه الإصلاحية والسِّيَاسِيَّة، ومكانته. (1/95)
صفحة 96
- أحدهما: لمحقِّق جوابات السالمي الذي يورد احتمالا آخر لعمره حين كفَّ بصره وَهُوَ ابن عشر سنوات (1).
- وثانيهما: للشيخ إبراهيم بن سعيد العبري (2) وتابعه الشيخ الناصر المرموري في محاضرته بالمنتدى الأدبي، إذ يذكران أَنَّهُ «كفَّ بصره في السنة الثامنة عشرة من عمره» (3). ويمكن تأييد هَذَا الرأي بما ذُكر من أَنَّ السالمي لَمَّا بدأ تعلُّمه بالرستاق حوالي سنة 1300هـ/1883م، لَمَّا يذهب بصره كُلِّيَّة، وَإِنَّمَا كان في عينيه غمش، وكان عمره آنذاك سِتَّة عشر عاما.
وَلَكِن مع ذَلِكَ يبقى المعتمد هو ما ذكره ابنه أبو بشير في ترجمتَيْه لوالده (4)، وهو اثنتا عشرة سنة.
وإذ ابتلى الله السالميَّ بفقدان البصر، فَكَأَنَّهُ «أراد لهذا الطفل الطُّلَعة أن يرى ببصيرته أكثر مِمَّا يرى ببصره، وَحَتَّى لا تشغله زخارف الدنيا البراقة» (5)، فرزقه بديلا عن بصره حافظة قَوِيَّة، إذ لا يكاد يسمع شَيْئًا إِلاَّ حفظه. بل إِنَّ حفظه كان منذ صغره قبل أن يكفَّ بصره؛ قال الشيخ نور الدين متحدِّثا بنعمة الله ــ بعد أن ذكر حوادث وقعت لبعض العلماء وهم صبيان رضَّع تذكَّروها في كبرهم ــ: «قلتُ: وقد وقع لي نظير ما وقع لهم، فتحرَّيت ذَلِكَ اليوم فإذا أنا فيما عندي أقل من أربعة أشهر، وَالله أعلم» (6).
__________
(1) ينظر: مُقَدِّمَة أبي غدة لجوابات السالمي، 1/} جـ}.
(2) إبراهيم بن سعيد العبري الحمراوي (الأحد 7 رجب 1314 - 1395هـ/13 ديسمبر 1896 - 1975م): فقيه وأديب وشاعر جليل القدر، شغل في عِدَّة ولايات قاضيا، منها: عبري في دولة الإمام محَمَّد الخليلي، ثُمَّ صحار، ثُمَّ بالمحكمة الشَّرعِيَّة بمسقط، فكان المقدَّم فيها. ثُمَّ تقلَّد منصب مفتي السلطنة. ينظر: الخصيبي: شقائق، 3/ 283 - 300.
(3) ينظر: مُقَدِّمَة العبري للعقد الثمين، 1/ 7. المرموري: السالمي المجتهد، قراءات، ص44. وعند مقابلتي للشيخ المرموري رجَّح أَنَّ الأصوب: اثنا عشر عاما.
(4) ينظر: ترجمة السالمي (مخ)، ص3. أبو بشير: نهضة، ص118.
(5) مُقَدِّمَة عميرة للمشارق، ط. بيروت، 1/ 16.
(6) السالمي: تحفة، 1/ 364. وينظر: نهضة، ص118. الصوافي: السالمي فقيها، قراءات، ص93. حمدون السالمي: السالمي مُؤَرِّخًا، قراءات، ص146. ويقول الشيخ أبو إسحاق في مُقَدِّمته لجوهر النظام (1/} جـ}): إِنَّ الإمام نور الدين ذكر «في بَعض تآليفه أَنَّهُ وقع أمامه حادث وَهُوَ في المهد، وَلَمَّا كبر ذكر ما بقي بذهنه لوالديه، فحسبوا مضيَّ أيَّامه، فإذا هو ابن عشرين يوما (إن لم تخنِّي حافظتي)». والسالميُّ بالفعل ذكر مُدَّة عشرين يوما، لَكِن عن الشيخ ابن النضر لا عن نفسه. (1/96)
صفحة 97
صار الطفل عبد الله السالمي منذ طفولته ــ لِقُوَّة حافظته وذكائه وفطنته ــ محلَّ إعجاب أهل بلده وأقرانه، «يردِّد بَعضهم: ما أعظمها! بِأَنَّهُ طفل غير عادي، وَأَنَّهُ ينطوي عَلَى سرٍّ مخبَّأ لا يعلم كنهه إِلاَّ الله ... » (1).
هَذِهِ بَعض صفات السالمي وَهُوَ طفل، أَمَّا عن صفاته الخَلقيَّة وَهُوَ كبير فلم نجد مَن ذكرها غير ابنه أبي بشير محَمَّد شيبة إِذ يقول: «كان ربع القامة، تعلوه سمرة، ليس بالسمين المفرط، ولا بنحيف الجسم، مكفوف البصر، نيِّر البصيرة، مدوَّر اللحية، سبط الشعر (2)، به أثر جدريٍّ أصابه في بندر جدَّة عَلَى إثر عودته من حجِّ بيت الله الحرام، فعاقه عن زيارة قبر المصطفى عَلَيهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ، وقد أشرف في مرضه عَلَى الموت» (3).
كان ابنُه محَمَّد شيبة ــ وَهُوَ أكبر أبنائه ــ قائدَه الذي يصحبه في حلِّه وترحاله مع صغر سنِّه (4). وكانت معه عصًا سوداء من حطب الأبنوس (5) يمشي بها، وإذا غضب ضرب بها الأَرض فتهيِّب الحاضرين (6).
__________
(1) الصوافي: السالمي فقيها، قراءات، ص93.
(2) شعرٌ سَبْطٌ وسِبَطْرٌ: طويل. ينظر: ابن منظور محَمَّد بن مكرم (630 - 711هـ): لسان العرب، دار صادر، بيروت، الطبعة الأولى، د. ت، ج4/ ص343، مَادَّة «سبطر».
و «بندر» الآتي ذكرها ج: «بنادر»، تعني: «العاصمة التجارية». ينظر: د. إبراهيم الكندي: شرح بَعض المصطلحات العمانية، ملحق بجوابات السالمي، 7/ 632.
(3) أبو بشير: نهضة، ص134. وينظر: أطروحة الهاشمي، ص83، 85.
(4) نهضة، ص4. تقديم السالمي سليمان بن محَمَّد لكتاب الروض النضير، ص} ب}.
(5) لم نعثر عَلَى معنى} الأبنوس} في المعاجم اللغوية: لسان العرب، القاموس المحيط، مختار الصحاح، التعاريف، التعريفات، معجم ما استعجم ...
(6) الحارثي: اللؤلؤ، ص135. أطروحة الهاشمي، ص85.
يقول الشيخ أبو بشير السالمي عن والده نور الدين وتلك العصا ”المهيبة“: «لقد رأى ذات مَرَّة خصما يتعنَّت خصمه، وقد قهره بفضول منطقه، وكان الشيخ يحاول الصلح بينهما، فَلَمَّا رأى ذَلِكَ المتعنِّتَ زجَرَهُما، وقال: هلمَّا إِلىَ الحكم، وضرب بعصاه أمامه، وكانت سوداء من حطب الأبنوس، فما هو إِلاَّ أن سلَّم ذَلِكَ المتعنِّت الأمرَ، وصالح خصمه، فعوتب بعد ذَلِكَ فقال: إِنِّي خفت من تلك العصا السوداء!». أبو بشير: نهضة، ص120. (1/97)
صفحة 98
كان ذا شَخصِيَّة قَوِيَّة، وهيبة عظيمة، «لا ينطق أحد في مجلسه إِلاَّ أن يكون سائلا أو متعلِّما، أو ذا حاجة جدِّيَّة» (1).
****************
كانت تلك حياة الشيخ السالمي الشَّخصِيَّة والعائلية، والظروف التي ولد فيها ونشأ، وهي ظروف شديدة قاسية، سواء في مجتمعه العامِّ، أو في وسطه الأسري، أو في ذاته الشَّخصِيَّة، ومع ذَلِكَ فَإِنَّهَا من الممكن أن تتشابه مع عِدَّة شخصيات تَارِيخِيَّة أخرى، لذا فما يهمُّنا أكثر في حياة السالمي هو الجانب العلميُّ، وَهُوَ ما سنتناوله فيما يأتي.
- - - - -
__________
(1) المصدر نفسه، ص120. (1/98)
صفحة 99
المبحث الثاني
التحصيل العلمي
إِنَّ من أهمِّ ما يُبَيِّنُ المكانة العِلمِيَّة للمترجَم له من حيث التحصيل العلمي: معرفةَ المراحل التي تدرَّج فيها، ومعرفة شيوخه ومكانَتِهِم، فَإنَّ لطول باعهم وعلوِّ صيتهم في العلم أثرًا عَلَى التلاميذ لا محالة. هَذَا من جهة الأساتذة، أَمَّا من جهة التلميذ فَإِنَّ لقوَّةِ الإرادة أو ضعفها، والشغفِ بالعلم أو عدمه، ومضاءِ العزيمة أو خورها ... تأثيرًا عَلَى التحصيل العلمي. كما أَنَّ في شهادات الأساتذة تقويمًا لمستوى الطالب سلبا أو إيجابا.
من خلال هَذِهِ المقاييس نحاول أن ندرس التحصيل العلميَّ عند الشيخ السالمي، لمعرفة جانب من مكانته العِلمِيَّة.
أَوَّلاً - مراحل (1) التعلُّم والرحلات:
سبقت الإشارة إِلىَ تنقُّل السالميِّ في صغره مع والده من الحوقين إِلىَ الخبة فالرستاق، إثر فتنة الغافريَّة والهناويَّة، ونضيف هنا تنقُّله الأخير من الرستاق إِلىَ الشَّرْقِيَّة، وبهذا ترتسم لدينا صورة لثلاث مراحل في حياة السالمي التعلُّميَّة.
أ- مرحلة التعلُّم بالحوقين.
ب- مرحلة التعلُّم بالرستاق.
جـ- مرحلة التعلُّم بالشرقيَّة.
__________
(1) يقسِّم محقِّق روض البيان حياة السالمي برمَّتها إِلىَ ثلاثة مراحل، يمكن أن نضع لها العناوين الآتية:
- المرحلة الأولى: النشأة والتلمذة، من ولادته إِلىَ نهاية تعلُّمه بالرستاق (1284 - 1308هـ).
- المرحلة الثانية: التكوين الفكري والسياسي عند الشيخ الحارثي (1308 - 1314هـ).
- المرحلة الثالثة: العطاء الفكري والاجتماعي والسياسي (1314 - 1332هـ).
ينظر: مُقَدِّمَة عبد الرحمن السالمي لروض البيان، ص31 - 34. وَهُوَ تقسيم حسن، لولا أَنَّ فيه تداخلا بين المرحلتين الأولى والثانية، لأَنَّ في كلتيهما كان يتعلَّم، وكذا بين الثانية والثالثة، ففي كلتيهما كان يؤلِّف وينتج ويمارس نشاطه الاجتماعي والسياسي. (1/99)
صفحة 100
أ - مرحلة التعلُّم بالحوقين:
تبدأ مرحلة تعلُّمه الأولى في مسقط رأسه بالحوقين، حيث أخذ مبادئ العلوم، وحفظ القُرْآن هناك عَلَى يد والده حُميّد بن سلوم (1). ورغم تميُّز السالمي بحافظة قَوِيَّة، وذكاء وقَّاد، وفطنة خارقة، إِلاَّ أَنَّهُ لم تكن لديه رغبة في طلب العلم في هَذِهِ المرحلة، فقد أبى أن يتعلَّم عند علماء الحوقين، واكتفى بقراءة القُرْآن (2).
كم كان عمره حين حفظ القُرْآن الكريم؟ لا تذكر المصادر شَيْئًا عن ذَلِكَ، وَلَكِن هناك معطيات تقرِّب إلينا التواريخ، وهي:
- كان مولد السالمي سنة 1284هـ/1867م.
- كانت هجرته من الحوقين إِلىَ الرستاق حوالي سنة 1300هـ/1883م.
- كان إتمام حفظ القرآن قبل الرحيل إِلىَ الرستاق.
نستنتج أَنَّهُ حفظ القرآن قبل بلوغة السادسة عشرة من عمره، وَلَكِن متى بالضبط؟ لم نجد جوابا في مصادرنا (3).
__________
(1) لا تذكر المصادر والمراجع التي اطَّلَعت عَلَيْهَا بِأَنَّ لوالده مدرسة لتحفيظ القُرْآن، وَإِنَّمَا تكتفي بقولها: إنَّه حفظ القُرْآن عَلَى يد والده، إِلاَّ أَنَّ الشيخ الصوافي يقول: «قرأ القُرْآن في مدرسة والده حُميّد». الصوافي: السالمي فقيها، قراءات، ص92. وَأَمَّا المراجع الأخرى فهي: أبو بشير: نهضة، ص118. مُقَدِّمَة العبري للعقد الثمين، 1/ 7. مُقَدِّمَة محَمَّد إسماعيل للمعارج، 1/ 3. مُقَدِّمَة البطاشي للمشارق، ص} ث}. مُقَدِّمَة عميرة للمشارق، ط. بيروت، 1/ 16. المرموري: السالمي المجتهد، قراءات، ص44؛ حمدون السالمي: السالمي مُؤَرِّخًا، قراءات، ص146. أطروحة الهاشمي، ص61. مُقَدِّمَة أبي غدة للجوابات، 1/ 5.
(2) ينظر: أطروحة الهاشمي، ص62.
ويبدو أَنَّ الثراء الذي كانت عَلَيْهِ أسرته من بين أسباب عزوف الطفل نور الدين عن التعلُّم، كما نرى حال كثير من أبناء الموسرين، وَإِنَّمَا تكوَّنت لديه الرغبة لَمَّا عصفت بالأسرة الأزمة المَادِّيَّة بعد هجرتها إِلىَ الرستاق، والأزمة تلد الهمَّة، كما يقال، أو رُبَّ ضارَّة نافعة.
(3) من المستبعد جِدًّا أن يكون قد حفظ القرآن وعمره لا يتجاوز الخامسة، فكلام أَحَد الباحثين تخمينا يوحي بِذَلِكَ، إذ يرى أَنَّ جلوسه في مقاعد العلم في الرستاق كان حوالي الخامسة من عمره. (ينظر: العزري: فكر السالمي، ص114). علما بِأَنَّهُ حفظ القرآن قبل الانتقال إِلىَ الرستاق. فمن المستبعد جِدًّا أن يحفظ القرآن الكريم في هَذَا العمر المبكر بله قبله، ولو وقع لاشتهر. والباحث بوضعه لهذا التخمين وقع فيما انتقده عَلَى غيره، إذ يقول: «فالكتابات التي كتبت عنه، وحاولت الإعلاء من شأنه برفعه من كونه إنسانا ... باعتبار أَنَّ ثَمَّةَ عوامل فوق بَشَرِيَّة هي التي أنجزته ... إِنَّمَا تقلل من قيمة ما قام به» (ص86)، أليس اعتبار حفظ القُرْآن في سنِّ الخامسة أو دونه يدخل ضمن الكتابات التي انتقدها؟!. (1/100)
صفحة 101
ونتساءل: هل تعلَّم السالمي القراءة وَالكِتَابة؟ هَذَا ما لم تثبته المصادر ولم تنفه، ونميل إِلىَ أَنَّ السالمي تعلَّمهما، لأَنَّهُ عند إقامته بالحوقين لَمَّا يكفَّ بصره، إذ يفهم من بَعض النصوص أَنَّهُ كان يقتني الكتب ويقرأها (1)، مثل متن الآجرومية، ولامية الأفعال (2)، وأَنَّهُ لَمَّا حلَّ بالرستاق كان بعينه غمش، وَلَمَّا يذهبْ بصره بالكُلِّيَّة (3). وَلَكِن نصطدم في هَذَا الطرح بِأَنَّهُ كفَّ بصره وعمره اثنا عشر عاما، بينما كان عمره عند تعلُّمه بالرستاق حوالي سِتَّة عشر عاما. وَهَذَا التضارب في التواريخ مِمَّا لم نتمكَّن من إيجاد حلٍّ له!.
ب - مرحلة التعلُّم بالرستاق:
رحل السالميُّ إِلىَ الخبة (4) مع أسرته، ولا يفيدنا المترجمون للسالمي بِشَيْءٍ عن المدَّة التي قضاها بتلك البلدة، وَلَكِنَّهم يذكرون أَنَّ الإقامة كانت قصيرة، حَتَّى إِنَّ أغلبهم لا يذكرونها البتَّة، بل يكتفون بذكر الانتقال من الحوقين والاستقرار بقُصرَى في الرستاق. وكانت الرستاق مدينة زاخرة بالعلماء والطلبة والمكتبات، وَبِخَاصَّةٍ في مسجدها بالحصن، كما سبقت الإشارة إِلَيْهِ (5).
__________
(1) ينظر: مُقَدِّمَة محَمَّد إسماعيل للمعارج، 1/ 4. أطروحة الهاشمي، ص62، 65؛ وأحال عَلَى مقابلته مع حفيد الشيخ نور الدين.
(2) لامية الأفعال في الصرف لابن مالك محَمَّد بن عبد الله النحوي (ت: 672هـ). ينظر: (حاجي خليفة) مصطفى بن عبد الله القسطنطيني الرومي الحنفي (1017 - 1067هـ): كشف الظنون، عن أسامي الكتب والفنون، دار الكتب العِلمِيَّة، بيروت، 1413هـ/1992م، 2/ 1536. (برنامج المكتبة الألفية).
(3) ينظر: أطروحة الهاشمي، ص64 - 65. ولا تذكر المصادر سبب إصابته بالعمى، وهل سعى أحد لعلاجه أم لا؟.
(4) ينظر موقع الخبة في خريطة عُمان في الملحق.
(5) ينظر: الوَضْعِيَّة الثَّقَافِيَّة في عصر السالمي، ص 70 - 71 من البحث. (1/101)
صفحة 102
ونشير إِلىَ أَنَّ أغلب المراجع تعلِّل رحيله بطلب العلم (1)، وَلَكِن تَبَيَّنَ لنا أَنَّ الواقع غير ذَلِكَ، وَإِنَّمَا كان سبب الرحيل اجتماعيًّا محضا، والولد نور الدين لم تكن له رغبة في طلب العلم في بداية الأمر، رغم محاولة والده تعليمه عند علماء الحوقين (2). وَلَكِن لَمَّا حلَّ بالرستاق وجد الولد نفسه في بيئة تعجُّ بالعلم والعلماء، وفي حركة دؤوبة للمشايخ وطلاَّب العلم، فهنالك تكوَّنت الرغبة والحماس لدى الطفل (3).
1 - تكوينه العلمي:
يبدو أَنَّ أَوَّل شيخ للسالميِّ بالرستاق هو راشد بن سيف اللمكي (4)، إذ يُذكر أَنَّهُ احتاج إِلىَ اقتناء متن الآجرومية ليلتحق بمدرسة الشيخ المذكور (5)، ومن المعلوم أَنَّ متن الآجرومية ــ في الغالب ــ هو أَوَّل ما يحفظه التلاميذ في قواعد اللغة العَرَبِيَّة.
ويُذكر من أساتذة النور السالمي في الرستاق أَيضًا الشيوخ: عبد الله بن محَمَّد الهاشمي، وماجد بن خميس العبري، ومحَمَّد بن سيف الرحيلي، ومحَمَّد بن مسعود البوسعيدي. وَهَؤُلاَءِ هم الذين تنصُّ المراجع عَلَى أَنَّهُم مشايخه بالرستاق (6).
__________
(1) ينظر: أبو بشير: نهضة، ص118. مُقَدِّمَة محَمَّد إسماعيل للمعارج، 1/ 3. مُقَدِّمَة البطاشي للمشارق، ص} ث}. مُقَدِّمَة عميرة للمشارق، ط. بيروت، 1/ 16 - 17.
(2) من الطريف أن تكون بداية كثير من العظماء عَلَى هَذِهِ الشاكلة، مثل أبي زكرياء يحيى بن صالح الأفضلي (1126 - 1202هـ/ 1714 - 1788م) إذ يذكر أنه بدأ غير مجتهد في تحصيله، فشجَّعه على الاجتهاد والكدِّ نملة أبت إلاَّ أن ترفع نواة بإصرار. وكذا محَمَّد عبده (1266 - 1323هـ/ 1849 - 1905م) الذي كان في البداية راغبا في الفلاحة، لولا تصميم والده عَلَى تعليمه. ينظر: معجم أعلام الإِبَاضِيَّة: جمعِيَّة التُّرَاث، 2/ 460، ترجمة رقم 1004. أحمد أمين: زعماء الإصلاح، ص358.
(3) ينظر: أطروحة الهاشمي، ص62.
(4) ينظر: أبو بشير: نهضة، ص118. وستأتي ترجمة مشايخ السالمي بالتفصيل.
(5) ينظر: أطروحة الهاشمي، ص63.
(6) ينظر: مُقَدِّمَة العبري للعقد الثمين، 1/ 7. المرموري: السالمي المجتهد، ص44. وَلَكِن يبدو أَنَّ السالمي أخذ عن البوسعيدي بمنح كما سيأتي. (1/102)
صفحة 103
ونضيف إِلَيْهِم الشيخ محَمَّد بن سليّم الغاربي (1)، لأَنَّهُ من مشايخ الباطنة (2).
لقي الطالب السالميُّ اهتماما بالغا من قبل أساتذته، فكان كلٌّ منهم الأب الحنون، والمربِّي المخلص (3). وَلَعَلَّ العمى الذي أصيب به في فترة إقامته بالرستاق جعله محلَّ عطف ورحمة أكثر من قِبل من يتَّصل بهم، كما هي طبيعة المجتمع الإنسانيِّ ــ والإسلامي بصفة خَاصَّة ــ إذا أصيب أحد منه بمكروه.
والملاحظ أَنَّ النصوص المترجِمة للسالمي لا تفصِّل في علاقة السالمي بشيوخه، ولا تذكر تخصُّص كُلِّ شيخ، وبالتالي يصعب عَلَى الباحث معرفة إمكانيَّاتهم العلميَّة، ومدى استفادته منهم (4). ويبدو أَنَّ مسألة التخصُّص غير مطروحة في عمان آنذاك، لأَنَّ أغلب المشايخ موسوعيُّون، بحيث يأخذون من كُلِّ فنٍّ من فنون الشريعة واللغة بطرف، فالعلوم لم تتعقَّد ولم تتطوَّر بالشكل الذِي هي عَلَيْهِ الآن، عصر الانفجار المعلوماتي. أَمَّا العلوم التي أخذها السالميُّ في هَذِهِ المرحلة، فَإِنَّ البطاشي ذكر: القواعد الأَسَاسِيَّة للغة العَرَبِيَّة، وأصول الدين، والفقه (5)، دون تفصيل.
__________
(1) ذكره الشيخ أبو إسحاق إبراهيم اطفيَّش، دون أن يذكر متى ولا أين تعلَّم عَلَيْه. ويبدو أَنَّهُ اعتمد عَلَى السالمي حين ذكره بلفظ: «شيخنا»، في تعليق له عَلَى قصيدة من قصائد ديوانه. ينظر: السالمي: الديوان (مخ)، ص15.
ينظر: مُقَدِّمَة أبي إسحاق لجوهر النظام، 1/”د-هـ“. مُقَدِّمَة البطاشي للمشارق، ص”ح“.
(2) ينظر خريطة عمان في الملحق.
(3) ينظر: الصوافي: السالمي فقيها، قراءات، ص96.
(4) ينظر: العزري: فكر السالمي، ص98.
ويقول العزري: «وتجعل [النصوص التَّارِيخِيَّة] الشيوخَ في مرتبة عِلمِيَّة واحدة» وَلَكِن لا قائل بهذا، بل المصادر تنصُّ عَلَى نقيض ذَلِكَ، فنجد مثلا عبارة أبي بشير عن اللمكي: إِنَّهُ «عالم الرستاق ونواحيها في ذَلِكَ الزمان». وعن الشيخ الهاشمي: «وأدرك [السالميُّ] الشيخ عبد الله بن محَمَّد الهاشمي وأخذ عنه، فهو أحد شيوخه الفضلاء»، وهذان الوصفان لم يذكرهما لغيرهما من مشايخ الرستاق. والعزري نفسه ينقل عن الشيخ اللمكي قوله: «أخذت عن الشيخ ماجد بن خميس، فصرت أوسع منه علما». وَهَذَا كلُّه مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النصوص لا تضعهم في مرتبة عِلمِيَّة واحدة. ينظر: أبو بشير: نهضة، ص118. أطروحة الهاشمي، ص63. العزري: فكر السالمي، ص105.
(5) ينظر: مُقَدِّمَة البطاشي للمشارق، ص”ث“. (1/103)
صفحة 104
2 - التكوين التربوي:
إذا كانت المصادر تجمع عَلَى أَنَّ السالميَّ كان شديدا في قول الحقِّ، لا يخاف في الله لومة لائم، ومشهورا بالزهد والعزوف عن التوسُّع في الدنيا «قليل التعلُّق بتبعاتها وشواغلها العائقة عن طريق الآخرة» (1)، أفلا يحقُّ لنا أن نتساءل: كيف تحصَّل عَلَى هَذِهِ الروح، ومن أين له هَذِهِ القُوَّة الإيمانيَّة؟.
كُلُّ المصادر التي اطَّلَعت عليها لا تذكر محطَّة مُهِمَّة في حياة السالميِّ سوى مصدر واحد مخطوط فيه ترجمة للسالميِّ وضعها ابنه أبو بشير، يقول فيها: «ثُمَّ دعته نفسه إِلىَ الخروج إِلىَ الديار النزويَّة، فخرج من الرستاق عَلَى طريق الجبل الأخضر، ونزل نزوى، وبها الشيخ محَمَّد بن خميس السيفي، وكان من علماء الأسرار، فأعطاه طريقة مناسبة لمراده من طلب العلم، وأمره بالخلوة والرياضة (2)، حَتَّى نال مراده من وهبيَّات العلم اللَّدنِّي، وكان قبل هَذِهِ الخلوة قد اختلى خلوات بالباطنة، فسمع هاتفا يقول له: محَمَّد بن خميس بنزوى، فرحل إليها. وكانت له خلوات أخراهنَّ بفلج مسعود المسمَّى: ”الطائف“. حصلت له فيها فوائد جمَّة. أخبرني أَنَّ من جملة الأهوال التي أتته قبل حصول المطلوب لتدفعه عن مراده ولم يعبأ بها أَنَّ شيطانا أسود بلغ رأسه عنان السماء، وله خلق مهول، وكزه بأصبعه في الكمَّة التي عَلَى رأسه، وأصابعه كمسامير من نار، فاحترقت الكمَّة التي عَلَى رأسه، وكان بها الحجاب، ولم يبق إِلاَّ الحجاب، لم ينله سوء، فقال له: قد آذيتنا، ولم يجبه الوالد، وبعد ذَلِكَ حصلت الفائدة، ورجع الشيطان مدحورا لعنه الله، كُلُّ ذَلِكَ حسدا عَلَى نيل العلم» (3).
__________
(1) نهضة: أبو بشير، ص120.
(2) نقل حاجي خليفة عن كِتَاب:} مواقف الغايات في أسرار الرياضيات}، للشيخ أبي العباس أحمد البوني قوله: إِنَّ «أطوار الرياضيات على ثلاثة أقسام: الأول: رياضيات السالكين، الثاني: رياضيات المريدين، الثالث: رياضيات العارفين». ينظر: حاجي خليفة: كشف الظنون، 2/ 1891. (برنامج المكتبة الألفية).
(3) ترجمة السالمي (مخ)، ص4. آثرت إيراد النص كاملا لتتَّضح مناقشته، ولأَنَّهُ ـ حسب علمي ـ ينشر لأَوَّلِ مَرَّة. وقد ذكر الحارثيُّ تلك الخلوة، وذكر أَنَّ الشيطان قد أتاه عِدَّة مَرَّات!. ينظر: الحارثي: اللؤلؤ، ص62. (1/104)
صفحة 105
يُبَيِّنُ هَذَا النصُّ أَنَّ السالميَّ كانت له رياضات روحيَّة يمارسها في خلواته، وكانت له المدد المعنويَّ في طلبه للعلم، والصبر عَلَى تحمُّل مشاقِّه. إِلاَّ أَنَّ فيه ــ في النص ــ ما يتعارض مع الواقع، إذ كيف له أن يتعرَّف عَلَى هَذَا الذي فعل به ذَلِكَ ويحكم بِأَنَّهُ شيطان وَأَنَّهُ «أسود بلغ رأسه عنان السماء، وله خلق مهول»، علما بِأَنَّهُ ضرير؟! وإن كُنَّا لا نكذِّب الشيخين ــ النور السالميَّ وابنَه ــ خَاصَّةً وَأَنَّهُ صَرَّحَ بإخباره بِذَلِكَ، وَلَكِن من المحتمل أن يكون قد رأى ذَلِكَ في الحلم، واحترقت الكمة بسبب من الأسباب في الواقع، فاستيقظ من غفوته ظانا بِأَنَّ ذَلِكَ كان حقيقة، فكثيرا ما يمزج الإنسَان في أحلامه بين الواقع المحيط به وَهُوَ نائم، وبين ما يراه في منامه، فتتألف قِصَّة هي من الوضوح بحيث تبدو وكَأَنَّهَا حقيقة. والله أعلم!.
ثُمَّ إِنَّنَا نتساءل: لماذا حذف أبو بشير هَذِهِ الفقرة بكاملها لَمَّا نقَّح ترجمة والده ووضعها في كِتَابه نهضة الأعيان؟ أكان ذَلِكَ مراعاةً لطبيعة القرَّاء الذين قد لا يتقبَّلون الرواية بسهولة، أم لأَنَّ في الأمر شَيْئًا؟.
مهما يكن من أمر فَإِنَّ النقد الموجَّه إِلىَ الرواية لا يقدح في صِحَّة الخلوات والرياضة التي مارسها، لأَنَّ المواقف الصعبة التي مَرَّ بها السالمي واستطاع تحمُّلها بصبر ورباطة جأش دَلِيل عَلَى ما يتمتَّع به من قُوَّة نفسيَّة عظيمة، فهي ولا شَكَّ لم تأت من فراغ، بل كانت نتيجة تدرُّب و”رياضة“ روحيَّة، انعكست عَلَى سلوكه وتصرُّفاته: صبرا وتضحية. وَهَذَا التكوين الذي تلقَّاه السالمي عَلَى يد السيفي يذكِّرنا بما تلقاه أَيضًا الشيخ محَمَّد عبده عَلَى يد المتصوِّف الشيخ درويش (1).
__________
(1) ينظر: أحمد أمين: زعماء الإصلاح، ص358 - 360. طهاري: مفهوم الإصلاح، ص46. (1/105)
صفحة 106
جـ - مرحلة التعلُّم بالشرقيَّة (1):
كان السالميُّ عالي الهمَّة، سامي الطموح، لم يكتف بما أخذه عن علماء الرستاق، حين فاق بَعضَهم علمًا (2)، بل تاقت نفسه إِلىَ الانتقال من التعلُّم النظري إِلىَ تطبيق ما تعلَّمه ميدانيًّا، خَاصَّةً مع تردِّي الأوضاع السِّيَاسِيَّة وَالاِجتِمَاعِيَّة في البلاد، فبحث عن رجل آماله، مهاجرا من بلد إِلىَ آخر، متجشِّما الصعاب، متحمِّلا للمشاقِّ. لنستمع إِلَيْهِ وَهُوَ يقول في هَذَا الشأن (3):
«لشغلي بأهل الدهر إحدى العجائب وتركي طلاب العدل إحدى المصائب
فصوَّبتُ فكريَ: أيُّ حال يكون لي منارا أسمو به لأعلى المراتب
وأيُّ مقام أغدو فيه مُجانبا لأهل الهوى والغيِّ من كُلِّ لاعب
وأيُّ خصال إن تحلَّى بها الفتى تميَّز فيها عن ذوات الجلابب
وأيُّ طريق أقتفي في سلوكه سبيل رسول الله زين المناقب
وفيه رضا الرحمن رَبِّي. فلم أجد سوى طلب العليا لتلك المناصب
فجشَّمت نفسي الصعب علما بِأَنَّ في تجشُّمها للصعب درك المآرب
وأوردتها مُرَّ الموارد راجيا ليحلو لها في المجد وِردُ المشارب
وحمَّلتها الصبر الجميل محاولا بلوغ المنى بالفتح من خير واهب
وجرَّدتُ عن عزمي بجدِّيَ صارمًا أقدُّ به هام الخطوب النوائب
وجُبتُ به شرق البلاد وغربها وفتَّشتُ هَذَا في الناس من كُلِّ جانب
__________
(1) ينظر: أبو بشير: نهضة، ص119. مُقَدِّمَة محَمَّد إسماعيل للمعارج، 1/ 3 - 4. مُقَدِّمَة البطاشي للمشارق، ص”ث-جـ“. مُقَدِّمَة أبي إسحاق لجوهر النظام، 1/د-هـ. المرموري: السالمي المجتهد، قراءات، ص44 - 47؛ حمدون السالمي: السالمي مُؤَرِّخًا، قراءات، ص146. مُقَدِّمَة أبي غدة لجوابات السالمي، 1/ 6، 8. مُقَدِّمَة عبد الرحمن السالمي لروض البيان، ص32 - 33. أطروحة الهاشمي، ص66 - 68.
(2) يقول أبو بشير: « ... حَتَّى كان في مبدإ أمره أكبر منزلة في العلم من أشياخه الذين حمل العلم عنهم». ترجمة السالمي (مخ)، ص3. أبو بشير: نهضة، ص119.
(3) آثرت إيراد هَذِهِ الأبيات بطولها، لأَنَّهَا بمثابة وثيقة تُعَبِّرُ أصدق تعبير عَمَّا يختلج في صدره من علوِّ الهمَّة، وعن سبب تجشُّمه المتاعب ليتتلمذ عَلَى يد الشيخ صالح الحارثي، ولو أوردت معناها نثرا لَمَا أوفيت الشيخ حقَّه. (1/106)
صفحة 107
فأمحضتهم نصحي وصفو مودَّتي وأودعتهم سرِّي فأخطَوْا مطلبي
خلا سَيِّد (1) حاز العلى في مناقب نبا الدهرُ عن إحصاء تِلْكَ المناقب ... » (2)
ويواصل في هَذِهِ القصيدة ــ كما في قصائد كثيرة من ديوانه ــ تعدادَ مناقب الرجل المثاليِّ في نظره، والذي يلبِّي مطالبه العليَّة، من السعي في محاربة الظلم والجور، وإقامة العدل ... بعد أن اختبر من حوله من الرجال والعلماء، فلم يجد من يسايره في مبتغاه غير الشيخ صالح بن علي الحارثي، هَذَا الذي قام لله محتسبا، ساعيا إِلىَ استرجاع الإمامة، إذ كثيرا ما زعزع مراكز السلطان، ووقف ضِدَّ الظلم من أيِّ مصدر كان.
ومن أساتذة السالمي بالشرقيَّة: حمد بن سيف البوسعيدي، ويبدو أَنَّ منهم أَيضًا: الشيخ جمعة بن سعيد بن علي المغيري (3)، لأَنَّ منزل هَذَا الأخير كان بعلاية بدية (4)، إِلاَّ أَنَّهُ نظرا لمكانة الحارثي في العمل السياسي، ولأثره البارز عَلَى شَخصِيَّة السالميِّ، فَإِنَّ المشايخ الآخرين الذين درَّسوا السالميَّ في المرحلة الشَّرْقِيَّة لم يُسمح لهم بالظهور في ثنايا النصوص التَّارِيخِيَّة.
1 - دوافع الهجرة إلى الشيخ الحارثي وهدفها:
إِنَّ الأبيات السابقة تَدُلُّ بوضوح عَلَى مطمح السالمي، فلم يذكر فيها ولو مَرَّة مسألة طلب العلم، وَإِنَّمَا كان هدفه الرئيس ما توحي به الكلمات التي استعملها، وهي: طلب العدل، السمو لأعلى المراتب، مجانبة أهل الهوى والغيِّ، طلب الخصال التي تميِّز الرجل عن ذوات الجلابب، سلوك سبيل رَسُول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم ... وَهَذِهِ الأمور
__________
(1) هو الشيخ صالح بن علي الحارثي، كما يَتَّضِحُ من الأبيات الآتية من القصيدة.
(2) السالمي: ديوان (مخ)، ص2. أبو الوليد: عين المصالح، ص47 - 48.
(3) ذكره أبو إسحاق اطفيش من أساتذة السالمي، ويبدو أَنَّهُ اعتمد عَلَى السالمي حين ذكر هَذَا الشيخ بلفظ: «شيخنا»، في تحفة الأعيان، 2/ 325 - 326.
ينظر: مُقَدِّمَة أبي إسحاق لجوهر النظام، 1/"د-هـ". مُقَدِّمَة البطاشي للمشارق، ص"ح".
(4) ينظر: ترجمة هَذَا الشيخ ضمن أساتذة السالمي في ص134 - 135 من البحث. (1/107)
صفحة 108
في نظره لا تتحقَّق في ظلِّ السلطنة وتحكُّم الإنجليز، وَإِنَّمَا في ظلِّ الحكم الإماميِّ؛ وبهذا يَتَبَيَّنُ لنا أَنَّ الدافع والهدف سياسيٌّ بالدرجة الأولى.
ويبدو أَنَّ شيوخه الثلاثة بالرستاق: الهاشميَّ والعبريَّ واللمكيَّ كانوا وراء توجيه السالمي إِلىَ شيخه الجديد: الحارثي، فالشيخ عبد الله بن محَمَّد الهاشميُّ كان واليا وقاضيا عَلَى الرستاق من قِبل الإمام عزَّان بن قيس (1)، والشيخ ماجد بن خميس العبري كان ملازما للإمام، وعاملا له عَلَى بهلا (2)؛ والشيخ راشد بن سيف اللمكي كان معاصرا لأسرة الإمام عزان بن قيس (3).
وَلاَ بُدَّ أَنَّ الإطاحة بدولة الإمامة وملاحقة مؤسِّسيها والتنكيل بهم تُبقي لدى هَؤُلاَءِ العلماء أثرا عميقا في قلوبهم، يسري مع الدم في عروقهم، ينتظرون متى يقيِّض الله لهذا الدين من يحييه، وتعود عَلَى يده أَيَّام العدل المشرقة، فكان السالميُّ هو ذَلِكَ الشخص المنتظر!.
ويظهر بتحليل النصوص التَّارِيخِيَّة أَنَّ الرحلة كانت مخطَّطة ومدبَّرة من قبل اللمكيِّ والعبريِّ، بالتنسيق مع الشيخ صالح الحارثي، ولم تكن بالصدفة كما توحي إِلَيْهِ بَعض النصوص (4)، وَأَنَّ الهجرة لم تكن لِمُجَرَّدِ أَنَّهُ فاق شيوخه بالرستاق، وَإِنَّمَا لانسداد الأفق أمامه، لأَنَّ المدينة ليست بعيدة عن أعين السلطة في مسقط، والشيوخ لا يتحرَّكون لأَنَّ التجارب السابقة قد أنهكتهم (5).
ويتأكَّد هَذَا الطرح بملاحظة لها وزنها وهي: إذا كان السالمي قد فاق شيوخه وكان يريد الاستزادة من العلم، أليس في مكتبات الرستاق ــ كما ذكر الْمُؤَرِّخُونَ أَنَّهَا كانت تزخر بها ــ ما يغنيه عن مشايخه، فيعتمد عَلَى نفسه وَعَلَى عصاميَّته كما
__________
(1) ينظر: السالمي: تحفة، ط. 1347هـ، 2/ 264 - 265.
(2) ينظر: أبو بشير: نهضة، ص451. وعن بهلا ينظر: خريطة عمان في الملحق.
(3) ينظر: أبو بشير: نهضة، ص275.
(4) ينظر مثلا: الحارثي: اللؤلؤ الرطب، ص59. نقلا عن أطروحة الهاشمي، ص67.
(5) ينظر: العزري: فكر السالمي، ص119 - 120. (1/108)
صفحة 109
عُهد منه ذَلِكَ؟ وَرُبَّمَا يكون قد أخفى طموحاته السِّيَاسِيَّة وراء تستُّره بالاستزادة من العلم، وَلَعَلَّ هَذَا ما يقصده بقوله في الأبيات السابقة: «وأودعتهم سرِّي»، وكان الغرض العلميُّ بمثابة القشرة التي تستر اللبَّ، وَإِنَّمَا هدفه أن يبتعد عن سلطة مسقط، وعن ملاحقة أعينها.
2 - في طريق الرحلة إِلىَ الحارثي:
شدَّ السالميُّ الرحال سنة 1308هـ/1891م إِلىَ الرجل الذي طالما سمع عن علمه وجهاده، وقبل أن يصل إِلىَ الشيخ الجديد (الحارثي) بالقابل في المنطقة الشَّرْقِيَّة كانت للسالميِّ في طريقه ثلاث محطَّات:
- المحطَّة الأولى: كانت عند شيخه ماجد بن خميس العبري، في بلدة الحمراء بالجبل الأخضر، أقام عنده بضعة أَيَّام، فأراه السالميُّ مؤلَّفه الجديد: ”الشرف التام في شرح دعائم الإِسلاَم“ وَهُوَ شرح لبعض قصائد ابن النضر (1)، وكان قد بدأ تأليفه وَهُوَ بالرستاق (2).
__________
(1) ينظر مُؤَلَّفَات السالمي، ص200 - 202 من البحث.
أَمَّا ابن النضر فهو: هو أحمد بن سليمان ... ابن النضر الناعبي العماني (ق6هـ/12م): ولد بسمائل، ونشأ في أسرة علم، أخذ عن الشيخ مبارك بن سليمان بن ذهل، وأبي عمر النخلي. عُرف بشدَّة الذكاء وَقُوَّة الحافظة، ونبغ منذ صغره، فقد بدأ التأليف منذ سنِّ الرابعة عشرة، ثُمَّ سُمِّيَ: «أشعر العلماء وأعلم الشعراء». من مؤلَّفاته: ”الجُمان في سيرة أهل عُمان“، و”الوحيد في ذمِّ التقليد“، و”مرآة البصر في جمع المختلف من الأثر“ و”الدعائم“. قتله أحد حكَّام النباهنة بإلقائه مكبَّلا من شرفة قصره!، وأمر بحرق كتبه، ولم ينجُ من ذَلِكَ غير كِتَاب ”الدعائم“. وكان عَلَيْهِ عِدَّة شروح وحواشٍ لعلماء مشارقة ومغاربة. ينظر ترجمته في: السالمي: تحفة، 1/ 355. السالمي نور الدين: اللمعة المرضية من أَشِعَّة الإِبَاضِيَّة، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان، سلسلة تراثنا، عدد 18، الطبعة الثانية، 1983م، ص25 - 26. الخصيبي: شقائق، 2/ 324 - 325. الزركلي: الأعلام، 1/ 132. مُقَدِّمَة عبد الرحمن السالمي لروض البيان، ص27 - 28. وأحال عَلَى تقديم سالم الرواحي لديوان الدعائم، ص3.
(2) ينظر: أطروحة الهاشمي، ص66. (1/109)
صفحة 110
- المحطَّة الثانية: كانت بمنح، أين تعرَّف عَلَى الشيخ محَمَّد بن مسعود البوسعيدي، فأحبَّه وأقام عنده أيَّاما، واستفاد من علمه، وكان ذَلِكَ بداية الاتِّصَالات والصحبة بين السالمي وَهَذَا الشيخ (1).
- المحطَّة الثالثة: كانت عند الشيخ حمد بن سيف البوسعيدي في المضيبي بمنطقة الباطنة (2)، وأعجبته المضيبي، وَتَزَوَّجَ بها (3).
وَهَذَا الكلام لا يَتَّفِقُ مع ما تناقلته المراجع الحديثة من جهتين:
الأولى: يَتَّفِقُ أغلب من ترجم للسالمي عَلَى أَنَّ الشيخ الذي نزل عنده بالمضيبي هو سلطان بن محَمَّد الحبسي (4)، وَهَؤُلاَءِ انساقوا وراء ما ذكره الشيخ إبراهيم العبري في مُقَدِّمته للعقد الثمين (5)، لأَنَّهُ ــ فيما يظهر ــ أَوَّل من ذكر هَذِهِ المعلومة. وَلَكِن رأينا أَنَّ ترجمة أبي بشير ــ غير المنشورة ــ تُصَرِّحُ بِأَنَّ الشيخ الذي نزل عنده هو حمد بن سيف البوسعيدي، وَأَنَّ السالمي تَزَوَّجَ ربيبة شيخه، والتي ستلد له ابنه أبا بشير، وكفى بأبي بشير حجَّة في هَذَا المقام، لأنَّه أدرى الناس بوالده ووالدته.
الثانية: تفيد المراجع أَنَّ المقام بالمضيبي لم يدم طويلا، وأنَّ المدينة لم تكن سوى محطَّة عارضة في طريق السالمي إِلىَ الحارثي؛ وَلَكِنَّ أبا بشير السالمي يُصَرِّحُ بِأَنَّ والده الشيخ نور الدين أعجبته المضيبي، وبها تَزَوَّجَ، فالمدَّة إذن كانت طويلة، إذ وجد ما تسكن به نفسه: من إكمال نصف دينه، وإحاطته بالأفاضل والأعيان. وَلَكِن كَم دامت هَذِهِ المحطَّة؟ لا تذكر المصادر ذَلِكَ. والمهمُّ في الأمر أَنَّهُ ــ كما يقول الشيخ البطاشي ــ «أقام ببلدة المضيبي، وتنصَّب للتدريس والإرشاد» (6).
__________
(1) ترجمة السالمي (مخ)، ص4.
(2) ينظر: خريطة عُمان في الملحق.
(3) ينظر: ترجمة السالمي (مخ)، ص 5.
(4) ينظر: الحارثي: اللؤلؤ، ص59. المرموري: السالمي المجتهد، قراءات، ص44. أطروحة الهاشمي، ص66. بولرواح: الحجج المقنعة (دراسة)، ص13. العزري: فكر السالمي، ص118.
(5) مُقَدِّمَة العبري للعقد الثمين، 1/ 8.
(6) مُقَدِّمَة البطاشي للمشارق، ص} ث“. (1/110)
صفحة 111
3 - اللقاء بين الأستاذ وتلميذه (1):
توجد عِدَّة روايات تبدو متناقضة حول كَيفِيَّة اتِّصَال السالمي بشيخه الحارثي، فأراد أحد الباحثين استغلالها ــ حسب اعتقاده ــ «لكشف التلاعبات التَّارِيخِيَّة التي حملتها الترجمات» (2). وَهَذِهِ الروايات هي كما يأتي:
- الرواية الأولى: لأبي بشير في نهضة الأعيان (3)، والتي تحمل ثلاث معطيات:
- أَنَّ عمر السالمي سنة 1308هـ/1891م كان إِلىَ الثلاثين أقرب (4)، وَأَنَّهُ تجاوز مرحلة طلب العلم إلى مرحلة التأليف.
- أَنَّ ملاقاة الحارثي كانت هدفا من أهداف السالمي، وَأَنَّ فكرة الهجرة إِلىَ القابل كانت نابعة من ذات السالمي، دون تدخل من غيره.
- أَنَّ شهرة الحارثي سياسيا كانت الدافع وراء الهجرة إليه (5).
- الرواية الثانية: لعبد الله بن سالم بن حمد الحارثي، جاء فيها أَنَّ الشيخ صالح بن علي الحارثي لَمَّا زار صديقه الشيخ اللمكي بالرستاق، أعجب بهذا الفتى السالمي، فطلب من شيخه أن يسمح له بزيارته في القابل، فوافق اللمكي عَلَى ذَلِكَ (6). وَهَذِهِ الرواية تحمل أمورا عِدَّة وهي:
- أَنَّ خروج السالمي من الرستاق كان بناء عَلَى طلب الحارثي، ولم يكن مبادرة من السالمي نفسه.
-
__________
(1) قد يبدو التفصيل في هَذِهِ القَضِيَّة أمرا ثانويا، ولكن لولا أَنَّ الباحث العزري أثار حولها جدلا ونقاشا طال لسبع صفحات (114 - 120) أراد به أن يجعله تُكَأَةً للتشكيك فيما كُتب عن الشيخ السالمي، ولولا محاولتي إبراز الحقيقة التَّارِيخِيَّة بِكُلِّ موضوعيَّة، لَمَا أطلتُ الحديث فيها.
(2) العزري: فكر السالمي، ص114.
(3) أبو بشير: نهضة، ص119.
(4) ينظر مناقشتنا السابقة لهذا الرأي، ص88 - 90 من البحث.
(5) ينظر: العزري: فكر السالمي، ص114 - 115.
(6) أضواء عَلَى بَعض أعلام عمان قديما وحديثا، المطابع العَالَمِيَّة، سلطنة عُمان، 1994، ص78. نقلا عن العزري: فكر السالمي، ص116. (1/111)
صفحة 112
أَنَّ السالمي لَمَّا طُلب منه الخروج ما يزال في مجالس العلم، وهو يختلف عَمَّا توصل إليه الباحث المذكور من أَنَّ السالمي عند انتقاله من الرستاق لم يعد بعدُ تلميذا، بل كان أستاذا ومؤلِّفا (1).
- أَنَّ هَذِهِ الرواية جاءت متأخرة جِدًّا (سنة 1994م).
- أنَّ الحارثيَّ لم يطلب سوى زيارة السالمي، بينما كان انتقال السالمي بهدف الاستقرار (2).
- الرواية الثالثة: لمبارك الهاشمي، وأهم ما جاء في هَذِهِ الرواية الطويلة أَنَّ شغف السالميِّ بطلب العلم جعله يصوِّب وجهته نحو الحارثي بالقابل، وفي طريقه نزل عند الشيخ الحبسي بالمضيبي، وحَدَث أن رافق السالميُّ الحبسيَّ في زيارة للحارثيِّ، وكان ذَلِكَ أَوَّل لقاء بين السالميِّ وشيخه الجديد، فتذاكر الشيخان ــ الحارثيُّ والحبسيُّ ــ مسألةً مستعصية كان للسالميِّ فيها رأي، فَلَمَّا أبداه أعجب الحارثيُّ بهذا ”الولد السالمي“ فعزم عَلَيْهِ أن يستوطن القابل بجواره، فصادف هَذَا الطلب رغبة السالميِّ، فوافق عَلَى الفور، فانتقل إِلَيْهِ بالقابل، وَاسْتَقَرَّ هناك (3).
وهناك عِدَّة ملاحظات عَلَى هَذِهِ الرواية:
- أَنَّهَا متناقضة، فهي في بدايتها توحي بِأَنَّ السالمي كان قاصدا إِلىَ طلب العلم عند الحارثي، ومن جهة أخرى توحي بِأَنَّ اللقاء وقع بينهما بمحض الصدفة، إذ لو لم يخرج الحبسيُّ لظلَّ السالمي بالمضيبي.
- أَنَّ احتمال الصدفة غير وارد، فقد كانت الرحلة مخطَّطة ومدروسة منذ إقامة السالمي بالرستاق.
- أَنَّ ظهور مكانة السالمي وبراعته عندما طُرح الإشكال، أمرٌ محتمل (4).
-
__________
(1) كون المرء أستاذا ومؤلفا لا ينفي كونه تلميذا، فطلب العلم من المهد إِلىَ اللحد، وكم من طالب جامعي ــ مثلا ــ هو أستاذ في مدرسة من المدارس. وإذا كان السالمي ضريرا أفلا يكون أحوج إِلىَ أستاذ يريه طرق العلم، ويرشده إِلىَ المصادر ويطالعها له، أو يطالعها له إخوانه الطلبة؟.
(2) ينظر: العزري: فكر السالمي، ص116.
(3) ينظر: الحارثي: اللؤلؤ، ص 60. أطروحة الهاشمي، ص67.
(4) ينظر: العزري: فكر السالمي، ص118. (1/112)
صفحة 113
أَنَّ ارتحال السالمي إِلىَ المضيبي ليمارس بها نفس المهنة أمر لا يتوافق مع منطق الأحداث، «فالمضيبي لم تكن سوى إحدى المحطَّات التي توقَّف فيها، وَهُوَ في طريقه إِلىَ مقصده الأسمى حيث ”تدار“ الخطط السِّيَاسِيَّة، وتنطلق القوافل العسكرية لضرب السلطة في مسقط» (1).
وَإِنَّنَا نقرُّ بِأَنَّ التناقضات التي لَخَّصناها، لها ما يبرِّرها، إذا ما اعتمدنا عَلَى الروايات السالفة الذكر وحدها، وَلَكِن هناك رواية أخرى، نوردها بنصِّها لتبدِّد الشكَّ، وترفع الالتباس.
يقول أبو بشير متحدِّثا عن والده النور السالمي:
«وكان رَحِمَهُ اللهُ يسمع بأخبار الشَّرْقِيَّة وعلوِّ صيتها بوجود الشيخ صالح بن علي، وفي نفسه ميل إِلىَ الاتِّصَال بها، فالتقى بنزوى بمن يصحبه ويرافقه من أهل الشَّرْقِيَّة. فخرج منها إِلىَ منح ... وتوجَّه من منح إِلىَ المضيبي، ونزل بها، وأحبَّه أهلها، والتقى فيها بجماعة من أعيانها الفضلاء، وكان بها يومئذ الشيخ العلاَّمة الناسك حمد بن سيف بن سعيد البوسعيدي، أورع أهل زمانه، وأفضلهم علما وعملا ... فلازمه الشيخ سَيِّدي الوالد، ووجد عنده البغية، وأعجبته المضيبي، لأَنَّهَا كانت إذ ذاك عامرة برجال العلم والفضل والأدب، وهي أشرف بلدان الشَّرْقِيَّة ... فاطمأنَّ العلاَّمة بالمضيبي وسكنت نفسه بها لِمَا صادفه فيها من وجوه الإخوان، والفضلاء الأعيان، ولازم الشيخَ حمد بن سيف، فكان منه بمنزلة الولد البارِّ بالوالد المحسن، وَتَزَوَّجَ ربيبة الشيخ المذكور.
وبعد حين خرج من المضيبي لزيارة الشيخ الولي: صالح بن علي، فأحبَّه الشيخ ووقع منه موقعا عظيما لِمَا رأى فيه من التأهُّل للعلم واجتهاده في الطلب والمباحثة ... فمكث العلاَّمة عنده أَيَّاما للزيارة. ولا تسل عَمَّا كان في خلال تلك المجالس الغرر من المباحثات وإلقاء المشكلات في سائر فنون العلم ...
__________
(1) المرجع نفسه، ص 119. (1/113)
صفحة 114
ثُمَّ رجع العلامة السالمي إِلىَ المضيبي، وكان بعد ذَلِكَ يتردَّد لزيارة الشيخ صالح ويرجع إِلىَ المضيبي. حَتَّى قال له الشيخ صالح ذات مَرَّة عَلَى إثر مراجعة، يسأله القيام معه، وَهُوَ مُلِحٌّ في طلب الإذن للرجوع: ”نعلم أَنَّ الجثَّة عندنا والقلب بالمضيبي“، وَذَلِكَ لِمَا رآه من شِدَّة ميله إِلَيْهَا وحبِّه للرجوع فيها. ثُمَّ إِنَّ الشيخ صالح عزم عَلَيْهِ في الانتقال معه بالقابل، وأن يَتَّخِذها وطنا (1)، فما هو إِلاَّ أن امتثل أمره لاتِّفاق الروحين واتِّحاد الشخصين ... » (2).
والملاحظ أَنَّ هَذِهِ الرواية تَتَّفِقُ مع رواية مبارك الهاشمي عَلَى أَنَّ تأكيد الحارثي عَلَى بقاء السالمي إِلىَ جواره كان «عَلَى إثر مراجعة»، أي إثر تبادل للرأي في مسألة ما، إِلاَّ أَنَّهمَا تختلفان في اسم الشَّخصِيَّة المضيبيَّة التي رتَّبت اللقاء (الحبسي أو البوسعيدي).
كما أَنَّ هَذِهِ الرواية تجيبنا عَلَى بَعض التساؤلات التي طُرحت آنفا، نوجزها في الجدول الآتي:
التساؤل ... جوابه
* لماذا طالت مُدَّة إقامة السالمي بالمضيبي وَهُوَ لا يقصدها بل يقصد القابل، ولماذا كان يمارس نفس المهنة التي مارسها في الرستاق؟ ... 1 - لأَنَّهُ تَزَوَّجَ بالمضيبي، ويُرجَّح أَنَّهُ اتَّخَذَها وطنا.
2 - لأَنَّ المضيبي «كانت إذ ذاك عامرة برجال العلم والفضل والأدب، وهي أشرف بلدان الشَّرْقِيَّة».
__________
(1) من المعلوم في الفقه أَنَّ الرجل إذا تَزَوَّجَ من بلد فَإِنَّهُ يَتَّخِذه وطنا، ولا شَكَّ أَنَّ السالمي لَمَّا اسْتَقَرَّ وَتَزَوَّجَ بالمضيبي اتَّخَذَه وطنًا له، أخذًا بهذا الحكم الفقهيِّ، فاطمأنَّت نفسه إِلىَ هَذَا الوطن الثاني، وَلَكِنَّ الحارثي عزم عَلَيْهِ أن يَتَّخِذ القابل وطنا ثالثا.
حول رأي السالمي في هَذَا الحكم الفقهي ينظر فتاواه الواردة في: العقد الثمين، 2/ 228، 230، 233، 240 - 241.
(2) ترجمة السالمي (مخ)، ص4 - 6. (1/114)
صفحة 115
3 - لأَنَّ أهلها من الأعيان ورجال العلم والأدب استقبلوه أحسن استقبال، ورعوه أحسن رعاية، وَخَاصَّةً صهره. ... لأَنَّهُ ــ مع إقامته بالمضيبي ــ لم يكن منقطع الصلة عن الحارثي، بل كان عَلَى تردُّد واتِّصَال دائم به، فالمضيبي ليست بعيدة عن القابل (1).
* لماذا رفض السالمي استيطان القابل إِلاَّ بإصرار الشيخ الحارثي، مع أَنَّ وجهته في البداية القابل حيث يسكن الحارثي لا المضيبي؟ ... * أَنَّهُ رُبَّمَا فضَّل الاكتفاء بتكرار الزيارات والتردُّد، وأن يبقى عند أصهاره، حيث يشعر بِأَنَّهُ بين أهله وذويه، فكان مع البوسعيدي «بمنزلة الولد البار بالوالد المحسن»، بخلاف كونه في القابل بعيدا عن الزوجة، حيث قد يشعر بالغربة: «نعلم أَنَّ الجثَّة عندنا والقلب بالمضيبي».
* كيف يكون اللقاء بين السالمي والحارثي غير مخطط له، وَهُوَ يقصده؟ ... * ليس في الرواية ما يوحي بِأَنَّ اللقاء بينهما كان بمحض الصدفة، وغير مخطط.
بعد هَذِهِ المناقشة أميل إِلىَ أَنَّ ما ينبغي الاعتماد عَلَيْهِ هو هَذِهِ الرواية الأخيرة التي نقلتُ أهمَّ ما فيها، وأرى بِأَنَّهَا الأصحُّ، لأَنَّهَا تتميَّز بِعِدَّةِ أمور:
· كونها رواية لأقرب الناس إِلىَ الشيخ السالمي، وهو ابنه أبو بشير، والقضية تَتَعَلَّقُ بحياته الأسرية، فهو أدرى الناس بها.
· أَنَّهَا وردت في أقدم ترجمةٍ تعرَّضت لتفاصيل رحلة السالمي من الرستاق إِلىَ
·
__________
(1) ينظر: خريطة عمان في الملحق. (1/115)
صفحة 116
القابل، ونزوله بالمضيبي، ولكَيفِيَّة اللقاء بين السالمي والحارثي، إذ قد أُلِّفت الترجمة قبل سنة 1372هـ/1952م.
· أَنَّهَا خالية من التناقض، وتجيبنا عن عِدَّة أسئلة كانت مطروحة.
· أَنَّهَا أقرب إِلىَ منطق الواقع، فهي تَتَّفِقُ مع الأحاسيس الوجدانية التي يمكن أن يشعر بها السالمي، وكانت وراء سلوكٍ بدا غريبا يطرح تساؤلات، هَذِهِ الأحاسيس التي من الممكن أن تحدث لأيِّ إنسان متزوِّج، بله حديث عهد بالزواج. وَهُوَ مع كُلِّ تلك العواطف الوجدانية لم ينسَ ما هاجر من أجله، وَهُوَ مساندة الحارثي في عمله من أجل إحياء الإمامة.
ومهما يكن من أمر، وسواء أطالت المدَّة أم قصرت، فَإِنَّ السالميَّ لم يبلغ هدفه إِلاَّ عند لقائه بالحارثي.
4 - التكوين العلمي والسياسي:
أخيرا بلغ الشيخ السالميُّ مناه بعد طول تجوالٍ في طلب العلم، إذ وجد الرجل المناسب الذي يلبِّي طموحاته العالية، وآماله السِّيَاسِيَّة السامية، فخاطبه في بَعض قصائده محرِّضا عَلَى القيام إِلىَ الجهاد، ومبيِّنا أَنَّ الله سيحاسب عباده عَلَى التقاعس (1).
لازم السالميُّ شيخَه الحارثيَّ من سنة 1308هـ/1891م إِلىَ يوم وفاته سنة 1314هـ/1896م، وتعدُّ هَذِهِ المرحلة الأخيرة أهمَّ المراحل من حيث تكوين شَخصِيَّة السالمي سِيَاسِيًّا، واجتماعيًّا، والانتقال من النظر إِلىَ التطبيق، ومن التجريد إِلىَ التجريب (2)، ونتعرَّض إِلىَ هَذَا بِشَيْءٍ من التفصيل في النقطتين الآتيتين:
__________
(1) ينظر: السالمي: ديوان (مخ)، ص5. أبو الوليد: عين المصالح، ص50.
(2) إِنَّ ملازمة السالمي للحارثي هي أشبه ما تكون بملازمة الشيخ محَمَّد عبده لجمال الدين الأفغاني، وبالحبِّ والإعجاب الذي كان بين الأستاذ والتلميذ. ينظر: أحمد أمين: زعماء الإصلاح، ص369 - 371. (1/116)
صفحة 117
- التكوين العلمي:
لا تسعفنا المصادر المتوفِّرة لدينا بِشَيْءٍ عن العلوم التي أخذها السالمي عن الشيخ الحارثي، اللَّهُمَّ إِلاَّ ما ذكرته المراجع الحديثة من أَنَّ السالمي «أخذ عنه التفسير، والحديث، وأصول الدين، وأصول الفقه، والنحو، والصرف، والمعاني، والبيان، والبديع، والمنطق» (1)، وَأَنَّ السالمي وجد عند شيخه إجابات عن إشكالات أصوليَّة لم يجدها عند غيره (2). وَهَذَا يُؤَيِّد ما سبق ذكره من أَنَّ مسألة التخصُّص في علم من العلوم لم تكن مطروحة في محيط السالمي آنذاك.
ولكثرة ما أخذ السالميُّ عن الحارثيِّ «يمكننا القول إِنَّ نسب الدين (3) في عُمان جاز عَلَى الشيخ السالمي عَلَى طريق شيخه صالح بن علي» (4).
ويذكر محقِّق روض البيان أَنَّ الحارثيَّ كان يرسل تلميذه السالميَّ لمناظرة بَعض الأشخاص، للدفاع عن العقيدة الإِسلاَمِيَّة، وقد عثر عَلَى رسالة لنور الدين السالمي بعث بها إِلىَ شيخه صالح الحارثي يخبره فيها بما جرى في مناظرته مع حمد بن راشد بن سالم (5). ولا يخفى ما في المناظرات من وضع علم المرء عَلَى المحك، بها يُعرف مدى تمكُّن المناظِر والمناظَر في موضوع النقاش، وبها تقوَّم آراء كُلٍّ منهما، ويتمُّ التناقح والتلاقح بين أفكارهما.
في هَذِهِ المرحلة بدأ المجتمع يقطف ثمار علم هَذَا الشابِّ الطموح، العالي الهمَّة، القويَّ الذاكرة، المتَّقد الفكر؛ حيث وفَّر له شيخه الحارثيُّ الجوَّ المناسب ليتفرَّغ للتدريس والتأليف، كما سيتَّضح من خلال تواريخ تآليفه (6).
__________
(1) المرموري: السالمي المجتهد، قراءات، ص44 - 45.
(2) ينظر: أطروحة الهاشمي، ص91. أحال عَلَى مقابلة له مع عبد الله السالمي حفيد الشيخ نور الدين.
(3) نسب الدين عند الإِبَاضِيَّة يعني اتِّصَال سند الشريعة عَبْرَ العصور، حَتَّى وصولها إِلىَ النَّبِيء - صلى الله عليه وسلم -، ويكون نقْلُها بيد فحول العلماء، ويشترط فيها طول الملازمة وتلقِّي العلم بين الشيوخ وتلاميذهم. مقابلة مع الشيخ الناصر المرموري.
(4) المرموري: السالمي المجتهد، قراءات، ص44.
(5) مُقَدِّمَة عبد الرحمن السالمي لروض البيان، ص33. أحال عَلَى رسائل نور الدين (مخ) بمكتبة السالمي.
(6) ينظر: الترتيب الزمني لتآليف السالمي، ص222 - 225 من هَذَا البحث. (1/117)
صفحة 118
- التكوين السياسي والاجتماعي:
بما أَنَّ السالمي كان ملازما للحارثي، فمن المرجَّح أَنَّهُ كان يصاحبه في تحرُّكاته العسكريَّة ضِدَّ معاقل السلطان، وَبَعض البغاة من القبائل، ويؤيِّد ذَلِكَ ما نجده من وصف دقيق لبعض الأحداث التي ذكرها في كِتَابه ”تحفة الأعيان“ (1).
وَهَذِهِ بَعض الأحداث التي وقعت في فترة ملازمة السالمي للحارثي (1308هـ-1314هـ/1891م-1896م):
· مسير الشيخ صالح إِلىَ بني هشيم بوادي دما (2) سنة 1312هـ/1895م، وقد أظهروا البغي (3).
· إرسال الشيخ صالح ابنَه عبد الله إِلىَ معقل السلطان بمسقط سنة 1312هـ/ 1895م، ووقوع حرب بينهما انتهت بِاتِّفَاقٍ بين السلطان والشيخ عبد الله (4).
· موقعة أخرى بين جيش السلطان وجيش صالح الحارثي، وابنه عيسى يوم 6 ربيع الثاني 1314هـ/13 سبتمبر 1896م، وَذَلِكَ بالجيلة موطن بني جابر (5)، وكانوا من الموالين للسلطان، وأشدَّ الناس نكاية بالحارثي. انتهت بانهزام جيش السلطان، ووفاة الشيخ صالح (6).
__________
(1) ينظر: تحفة، 2/ 309 - 328.
(2) بنو هشيم من بطون الحجاز. ينظر: كحالة: معجم قبائل، 3/ 1219.
ووادي «دما من الباطنة بعمان، وقد اختفى اسمها القديم، فاشتهرت باسم الخُريس، تصغير ”خرس“، بالسيب». أبو الوليد: عين المصالح، ص33 (هامش).
(3) ينظر: السالمي: تحفة، 2/ 309. أبو بشير: نهضة، ص85.
(4) ينظر: تحفة، 2/ 310. نهضة، ص85.
(5) قال الحموي: «جَيلة بالفتح، من حصون أبين باليمن». ياقوت بن عبد الله الحموي أبو عبد الله (626هـ): معجم البلدان، دار الفكر، بيروت، 2/ 202. ولعلها في عهده كانت تعتبر من اليمن، ثُمَّ ضُمَّت إِلىَ عمان.
وبنو جابر من قبائل حضرموت، تنسب إِلىَ آل كثير، تقيم في وادي بني راشد، بين قطر وعمان وحضرموت. ينظر: كحالة: معجم قبائل، 1/ 155.
(6) ينظر: السالمي: تحفة، 2/ 312 - 313. السالمي: ديوان، (مخ)، ص15. أبو بشير: نهضة، ص86. (1/118)
صفحة 119
وكانت هَذِهِ الوقائع بالنسبة للسالميِّ كالنار للذهب، تفتنه فيزداد لمعانا وبريقا، ويزداد بها السالميُّ خبرة وتجربة، ويكتسب دربة عَلَى مواجهة تحدِّيات المجتمع القاسية، وتمكِّنه من معرفة خفايا النفوس وما تضمره من أسرار، وتُطْلعه عَلَى ما يحدق بالأمَّة من أخطار، وما ينتظره من مَهَامَّ صعبة المسار.
*********************
وإذا أجرينا مقارنة بين المرحلتين الرستاقيَّة والشرقيَّة، فَإِنَّ المرحلة الرستاقيَّة ــ في نظر الباحث ــ تعدُّ أهمَّ مرحلة في بناء شَخصِيَّة السالمي العِلمِيَّة، وتكوينه القاعدي في رصيده اللغوي، والأصولي والفقهي، لأمور عِدَّة:
· العامل الزمني: فالمرحلة الرستاقية هي أطول مرحلة، إذ دامت حوالي ثمانية أعوام (1)، من حوالي سنة 1300هـ/1883م (حسب ما سبق ذكره) إِلىَ 1308هـ/1891م (بِاتِّفَاقِ المصادر).
· العامل المكاني: فالرستاق ــ التي كانت في وقت سابق عاصمة الحكم ــ هي أشهر من الشَّرْقِيَّة من حيث الحركة العِلمِيَّة، وكثرة العلماء والمكتبات.
·
__________
(1) يذكر الشيخ المرموري أَنَّ السالمي لازم مشايخ الرستاق لِمُدَّةِ اثنين وعشرين عاما، وتابعه عَلَى هَذَا الرأي العزري وبولرواح. وَهَذَا وهمٌ منهم، لأَنَّهُم حَسِبوا مُدَّة ملازمة السالمي لمشايخه من أَوَّل يوم ولادته (باعتبارهم أَنَّهُ ولد سنة 1286هـ)، وَهُوَ ما لا يُتصوَّر، فضلا عن أَنَّ هَذِهِ الملازمة لم تكن إِلاَّ بعد هجرته إِلىَ الرستاق، بعد مرحلة من عمره قضاها في الحوقين. ثُمَّ إِنَّ كلام العبري ــ الذي اعتمدوا عَلَيْهِ ــ لا يَنُصُّ عَلَى أَنَّهُ قضى اثنين وعشرين عاما كُلَّها في الرستاق، وَإِنَّمَا يقول: «وبعد اثنين وعشرين عاما هاجر من الرستاق إِلىَ الشَّرْقِيَّة»، وبعَمَلِيَّة حسابية بسيطة (1308هـ - 22 عاما = 1286هـ) يَتَبَيَّنُ لنا أَنَّهُ يقصد: «وبعد بلوغه اثنين وعشرين عاما هاجر ... » إلخ.
وَلَكِنَّ العزري يفهم من كلام الشيخ العبري (وسماه العزريُّ ”سالم الحارثي“، وَهُوَ خطأ، لأَنَّ الحارثي هو المحقِّق وليس واضع الترجمة) مثل ما فهم الشيخ المرموري وبولرواح، ويأخذه عَلَى أَنَّهُ مسلَّم به ولا يناقشه، بالرغم مِمَّا آل عَلَى نفسه من مناقشة الروايات التَّارِيخِيَّة وإظهار تناقضاتها، ولو كان الأمر لا يحتاج إِلىَ نقاش!.
ينظر: مقدمة العبري للعقد الثمين، 1/ 7. المرموري: السالمي المجتهد، قراءات، ص44. بولرواح: الحجج المقنعة (دراسة)، ص13. العزري: فكر السالمي، ص114. (1/119)
صفحة 120
المشايخ الذين تتلمذ عَلَيْهِم في الرستاق أكثر شهرة في العلم من مشايخه في الشَّرْقِيَّة.
· شروعه في التأليف منذ أن كان بالرستاق، ابتداء باللغة بنظم قصيدة الجُمَل، سنة 1305هـ/1888م، وانتهاء بأصول الدين والفقه، إذ كان آخرَ مُؤَلَّفَاته بالرستاق: ” كِتَابُ الشرف التام في شرح دعائم الإِسلاَم “. وذكر أبو بشير السالمي في ترجمته المخطوطة عن والده أَنَّهُ ألَّف أرجوزة أنوار العقول وشرْحَها المختصر ”بهجة الأنوار“ منذ أن كان بالرستاق (1)، وَلَكِنَّ هَذَا لم يشتهر، وأبو بشير نفسه لم يورده في ترجمته المنقَّحة التي أودعها كِتَابه: ”نهضة الأعيان“ (2).
وَمِمَّا لا شَكَّ فيه أَنَّ السالمي قد استفاد كثيرا من الحارثي، وتلقَّى عنه التكوين السياسيَّ، في فترة السنوات الستِّ التي لازمه فيها (1308هـ-1314هـ/ 1891م-1896م). وَلَكِن هل يعني هَذَا أَنَّهُ لم يتلقَّ أيَّ تكوين سياسيٍّ مع شيوخه الآخرين لَمَّا كان بالرستاق؟ بالطبع ليس الأمر كَذَلِكَ، لعدَّة أمور:
· شيوخ السالمي الثلاثة: اللمكي والهاشمي والعبري كانوا من معارضي السلطان، ومن مؤيِّدي الإمام السابق عزَّان بن قيس، فهل يعقل أن يكتفي السالمي بأخذ العلوم الدِّينِيَّة ويغضَّ الطرف عن مجريات الأحداث، ولا يتساءل عنها، وعن مواقف أساتذته منها، مع ما عُرف بِهِ من فهم عميق وبداهة نادرة؟.
· وجود السالميِّ في بيئة مشحونة بالسياسة التي تعيشها البلاد، ويتناقل الناس أخبارها في مجالسهم الخَاصَّة والعامَّة، واستماعه إِلىَ تحليلات مشايخه عنها (3).
·
__________
(1) ينظر: ترجمة السالمي (مخ)، ص4.
(2) ينظر: الترتيب الزمني لتآليف السالمي، ص222 - 225 من البحث.
(3) ينظر: العزري: فكر السالمي، ص104. (1/120)
صفحة 121
قرار السالمي الانتقال من الرستاق إِلىَ المحتسب الشيخ صالح الحارثي دليل عَلَى أَنَّهُ قد وصل إِلىَ مستوى من الوعي السياسي، والقناعة بضرورة التغيير، فأراد أن يتجشَّم الصعاب، لينتقل من النَّظَرِيَّة إِلىَ التطبيق.
وفي ختام حديثنا عن مراحل تعلُّم السالمي تجدر الإشارة إِلىَ رحلة لم تدم طويلا، وَلَكِنَّهَا أثَّرت في تكوينه العلميِّ، وهي رحلته إِلىَ الحجِّ سنة 1323هـ/1906م (1)، فقد سمحت له بالاتِّصال بِعِدَّةِ علماء من مختلف الأقطار الإِسلاَمِيَّة، وأخذ عنهم، وكانت بينه وبين بَعضهم مناظرات (2)، وقد اتَّسعت فيها مداركه وآفاقه، وَهُوَ ما يمكن لمسه بالمقارنة بين ما ألَّفه قبل سنة 1323هـ/1906م وما ألَّفه بعدها (3).
ثانيا - التحصيل والشهادات والنبوغ:
أجمعت المصادر التي ترجمت للشيخ السالمي عَلَى أَنَّهُ كان آيَة في الحفظ وَقُوَّة الذاكرة، وأنه كان متفرِّدا في الذكاء والفطنة، فكان لا يسمع شَيْئًا إِلاَّ وعاه (4).
وَهَذِهِ الصفات الفطريَّة لا تغني شَيْئًا ما لم يستغلَّها صاحبها، ويوجِّهها لِمَا ينفعه، وينفع مجتمعه، فكم من ذكيٍّ جنى عَلَى نفسه وَعَلَى مجتمعه، وكان وبالاً عَلَى الإِنسَانِيَّة!. وَلَكِنَّ السالميَّ استغلَّ هَذِهِ الموهبة الربَّانيَّة في طلب العلم وفقهه، وحفظه وفهمه. وأضاف إِلىَ هَذِهِ الموهبة ما لاَ بُدَّ منه لطالب العلم وَهُوَ: الجدِّيَّة، وَقُوَّة العزيمة والإرادة ...
__________
(1) ينظر: السالمي: تحفة، 2/ 329.
(2) ينظر: المصدر نفسه. الحارثي: اللؤلؤ، ص209 - 210. مُقَدِّمَة أبي غدة لجوابات السالمي، 1/ 5.
(3) ينظر: الخليلي: منهج السالمي في مُؤَلَّفَاته الفِقهِيَّة، قراءات، ص23. بولرواح: الحجج المقنعة (دراسة)، ص14.
(4) ينظر: أبو بشير: نهضة، ص118. مقدِّمة أبي إسحاق لجوهر النظام، 1/} جـ}. المرموري: السالمي المجتهد، قراءات، ص44. الصوافي: السالمي فقيها، قراءات، ص92 - 93. حمدون السالمي: السالمي مُؤَرِّخًا، قراءات، ص146. أطروحة الهاشمي، ص63 ... (1/121)
صفحة 122
أ - سعيه في تحصيل العلم:
كان يعتمد عَلَى نفسه ولا يكتفي بما يتلقَّاه من مشايخه؛ يقتني الكتب النفيسة، القديمة والحديثة، وفي مختلف الفنون الشَّرعِيَّة واللغويَّة، وَعَلَى مختلف المذاهب الإِسلاَمِيَّة، فيُقبل عَلَى قراءتها واستيعابها في لهفة وظمأ، ويعكف عَلَى مدارستها في فهم عميق، ووعي دقيق، وإذا لم يحضره قارئ يطالع له تراه محرنجما يتأوَّه من ضياع الوقت من غير استفادة (1).
وكان يسافر للتحقيق في معلومة أو رواية، فتراه يجوب الفيافي والقفار، ويتنقَّل «شرقا وغربا طلبا لكتاب أو لصحيفة، أو حَتَّى لورقة واحدة ليصل إِلىَ ما كانت تتوق نفسه إِلَيْهِ من إبراز سيرة السلف الصالح، وإظهار لتاريخ عُمان» (2). وقد جمع مكتبة واسعة تحوي كثيرا من الكتب النادرة في زمانه. وَهَذَا ما يلمسه القارئ لمؤلَّفاته من حيث سعة الاطِّلاَع عَلَى المصادر، رغم أَنَّهُ كفيف البصر.
سبَّل السالميُّ نفسه للعلم، «لا يلذُّ له غيره، ولا يشغله شاغل سواه» (3)، وكان لا يسمع أحدا يتحدَّث عن العلم إِلاَّ جلس وأصغى إِلَيْهِ في وقار، «وبين المساءلة يطعِّم الحديث بكلمة منه أو كلمات يرسلها في طريق المشاركة في البحث والرأي» (4).
ب - الشهادات:
كان السالمي طموحا في طلب العلم، عالي الهمَّة، قويَّ العزيمة؛ لِذَلِكَ فَإِنَّ شيوخه تفرَّسوا فيه أن سيكون له شأن عظيم في المستقبل، فقد حَدَث أَنَّ أحد المشايخ وقف بباب المسجد يتفقَّد أحوال طلبة اللمكي، ويتفرَّس أيَّهم يكون له شأن، فقال له الشيخ اللمكي: «من وجدتَ في ذَلِكَ؟ فقال: ذَلِكَ الغمش، ويعني بِذَلِكَ الإمام نور الدين السالمي، لأَنَّهُ كان في عينه ضعف، فيقال له ذَلِكَ، فقال له الشيخ: وكيف
__________
(1) ينظر: السيابي: عمان عَبْرَ التاريخ، 2/ 335.
(2) حمدون السالمي: السالمي مُؤَرِّخًا، قراءات، ص144.
(3) مقدِّمة محَمَّد إسماعيل للمعارج، 1/ 3.
(4) الصوافي: السالمي فقيها، قراءات، ص96. (1/122)
صفحة 123
عرفت ذَلِكَ؟ قال: رأيت الطلاَّب كُلَّمَا تغافلت عنهم ينصرفون إِلىَ شؤونهم، وَهَذَا لا يفارق كِتَابه، فقال له الشيخ: وقع اختيارك عَلَى ما توقَّعته أنا» (1).
وقال عنه الحارثيُّ لَمَّا رآه أَوَّل مَرَّة: «شاهدت اليوم ولدا سالميًّا من الحوقين يكاد يلتهم العلم التهاما، ولئن بارك الله فيه ليكوننَّ مجدِّدا لهذا الدين، قدوة للمسلمين» (2). وقال أَيضًا بعد مناقشة لمسألة لم يجد لها حلاًّ إِلاَّ عند السالمي: «فاستنطقناه، فإذا علمه وعقله أكبر من جسمه!» (3). وقال له شيخه الحارثيُّ ذات مَرَّة بعد مناقشة دارت بينهما: «اِفتِ فقد آن لك أن تفتي» (4). ثُمَّ يُمضي شهادة اعتراف بفضل السالمي بِكُلِّ تواضع حين قال: «من أراد العلم فعند السالمي، أَمَّا نحن فعندنا علم بدو“، وَإِنَّمَا قال ذَلِكَ هضما لنفسه، وتنويها لشأن العلم، ورفعا لمقام نزيله، وَإِلاَّ فهو بمنزلة لا تُجهل - رضي الله عنه -» (5).
جـ - النبوغ:
يقول أحمد أمين: «إن كان يستَحقُّ الإعجاب مَن نَبَغ والظروف له مواتية، من أسرة عريقة في المجد، أَو الغنى، أو الجاه، ونحو ذَلِكَ مِمَّا ييسِّر للأبناء أن يتعلَّموا، ثُمَّ يشقُّوا لهم طريق الحياة وطريق المجد، فأولى بالإعجاب من ينبغ والظروف له معاكسة، لا حسب ولا نسب، ولا غنى ولا جاه، بل ولا القوت الضروريُّ ... » (6). هَذَا الكلام ينطبق عَلَى السالميِّ، فقد مَرَّ بنا في هَذَا البحث ذكْرُ الظروف الصعبة التي عاشها، والمعاناة التي كابدها مع أسرته، ومع ذَلِكَ فقد امتاز بالنبوغ الذي يتمثل فيما يأتي:
·
__________
(1) أطروحة الهاشمي، ص64 - 65. أحال عَلَى مقابلة له مع الشيخ عبد الله ابن الإمام سالم الخروصي.
(2) الحارثي: اللؤلؤ، ص59. وينظر: أطروحة الهاشمي، ص64.
(3) اللؤلؤ، ص60. وينظر: أطروحة الهاشمي، ص67.
(4) الحارثي: اللؤلؤ، ص61. وكان السالميُّ قد خالف في تلك المسألة رأيَ الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي، فغضب الحارثيُّ لِذَلِكَ، وبعد أن عرض السالمي أدلَّته اعترف الحارثيُّ بعلمه، وقال له ما ذكرنا.
(5) ترجمة السالمي (مخ)، ص6.
(6) أحمد أمين: زعماء الإصلاح، ص261. (1/123)
صفحة 124
أَنَّهُ في بداية تعلُّمه عند الشيخ اللمكي بالرستاق، رآه يقرأ في كِتَاب ” لامية الأفعال “، فظنَّ أَنَّهُ يتطاول عَلَى ما لا يقدر عَلَيْهِ، «وقال له: كيف تقرأ ما لا تفهمه؟ فقال: يا شيخي، إِنَّنِي أفهمه، وأستطيع أن أشرح ما قرأت، فكان شرحُهُ محلَّ إعجاب شيخه» (1).
· أَنَّهُ حاز قصبات السبق في المعقول والمنقول، وتفوَّق عَلَى أقرانه، بل وَعَلَى بَعض مشايخه منذ أن كان بالرستاق (2)، أي قبل بلوغه سنَّ الرابعة والعشرين، وَهُوَ تاريخ رحيله منها إِلىَ القابل سنة 1308هـ/1891م. يقول الشيخ اللمكي: «أخذت عن الشيخ ماجد بن خميس، فصرت أوسع منه علما، وأخذ عَنِّي العلمَ الشيخُ عبد الله بن حميد فصار أوسع مِنِّي علما» (3).
· شروعه في التأليف والتدريس في وقت مبكِّر.
ثالثا - شيوخ السالمي:
نحاول في هَذَا العنصر أن نترجم لِكُلِّ من عثرنا عَلَيْهِ من أساتذة السالمي حسب الترتيب الزمني لتلقِّي السالميِّ عنهم (4)، ابتداء من مسقط رأسه بالحوقين، إِلىَ آخر شيوخه بالقابل، ونحاول بيان علاقة السالمي بهم، والعلوم التي تلقَّاها عنهم، وكيف كان تأثُّره بهم، قدر الإمكان، وحسب توفُّر الْمَادَّة العِلمِيَّة في المصادر والمراجع.
__________
(1) أطروحة الهاشمي، ص63. أحال عَلَى مقابلة له مع حفيد السالمي.
(2) ينظر: أبو بشير: ترجمة السالمي (مخ)، ص3. أبو بشير: نهضة، ص118. مقدِّمة محَمَّد إسماعيل للمعارج، 1/ 3 - 4. أطروحة الهاشمي، ص90.
(3) سالم بن محَمَّد الرواحي: الدعوة الإِسلاَمِيَّة في عمان في القرن الرابع عشر الهجري، رسالة دكتوراه بكلِّيَّة أصول الدين، جامعة الأزهر، ص174. نقلا عن أطروحة الهاشمي، ص63.
(4) وَهَذَا قدر المستطاع، لأَنَّ المصادر لا تفيدنا كثيرا عن هَذَا الترتيب. وقد آثرت هَذِهِ الطريقة حَتَّى يَتَبَيَّنَ لنا التدرُّج الذي مَرَّ عَلَيْهِ السالمي وتطوُّره. ولم أُراعِ في الترتيب تواريخ وفياتهم، فقد يكون أحدهم من أَوَّل مشايخه، وَلَكِنَّه من أواخرهم وفاةً. (1/124)
صفحة 125
1 - حُميّد بن سلوم السالمي:
هو والد نور الدين السالمي، والمصادر شحيحة حول حياة هَذِهِ الشَّخصِيَّة، وقد مَرَّت بنا (1) بَعض صفاته التي ذكرها ابنه في قصيدة واحدة من قصائده، ضمن مَن رثاهم فيها (2).
ويفهم من بَعض المراجع أَنَّهُ كانت له مدرسة لتحفيظ القُرْآن بالحوقين. رحل منها إثر فتنة الهناويَّة والغافريَّة إِلىَ الخبة فالرستاق (3). ثُمَّ هل انتقل بعد ذَلِكَ مع ابنه إِلىَ المضيبي ثُمَّ القابل؟ الراجح أَنَّ الوالد لم ينتقل مع ابنه نور الدين، لأَنَّ هَذَا الأخير «التقى بنزوى بمن يصحبه ويرافقه من أهل الشَّرْقِيَّة» (4)، إذ لو كان معه والده لَمَا احتاج إِلىَ هَذَا الرفيق.
وهل واصل الوالد تحفيظه للقرآن، وهل فتح مدارس قرآنيَّة في البلدان التي رحل إِلَيْهَا؟ الله أعلم بِذَلِكَ.
تُوُفِّيَ هَذَا الشَّيخ بجدَّة بعد أدائه لمناسك الحجِّ، عند غروب الشمس من اليوم الرابع مُحَرَّم عام 1316هـ/24 ماي 1898م، بسبب إصابته بمرض الجدري. ورثاه ابنه نور الدين بقصيدة عينية مع بَعض أشياخه (5).
أَمَّا عن أثر هَذَا الْمُعَلِّم الأَوَّل في شَخصِيَّة السالمي فقد مَرَّ بنا أَنَّهُ حفظ القرآن الكريم عَلَى يديه بالحوقين، وكما سبقت الإشارة إِلىَ أثره الكبير في تقويم سلوك السالميِّ: قُوَّة في الشَّخصِيَّة، وصبرا عَلَى الشدائد ...
__________
(1) ينظر: ص 91 - 92 من البحث.
(2) السالمي: ديوان، (مخ)، ص14. أبو الوليد: عين المصالح، ص66.
(3) ينظر ما سبق عند ترجمة الشيخ السالمي وتحصيله العلمي.
(4) أبو بشير: ترجمة السالمي (مخ)، ص4.
(5) ينظر: السالمي: ديوان (مخ)، ص14 - 15. أبو الوليد: عين المصالح، ص66 - 67. (1/125)
صفحة 126
2 - راشد بن سيف بن سعيد اللمكي (1):
ولد الشيخ اللمكي عام 1262هـ/1846م في محلَّة قُصْرَى (2) بالرستاق، بها نشأ وتعلَّم، ولازم السَّيِّد الزاهد فيصل بن حمود بن عزَّان، والشيخ العلاَّمة ماجد بن خميس العبري. حَتَّى صار «عالم الرستاق ونواحيها في ذَلِكَ الزمان» (3). و «مدار الفتيا بالديار الرستاقيَّة ورئيس قضاتها» (4)، ويعتبر من أعظم النصحاء لدولة الإمام سالم بن راشد الخروصي (1331 - 1338هـ/1913 - 1920م) التي أسَّسها تلميذه السالمي.
درَّس مختلف علوم الشريعة واللغة بمسجد الرستاق، واجتمع إِليه عدد كبير من الطلبة (5). تخرَّج عَلَى يديه جملة من العلماء، منهم الشيخ سالم بن سيف العبري، والشيخ العلاَّمة الزاهد: محَمَّد بن شامس الرواحي، والشيخ نور الدين السالمي الذي وجد في شيخه العناية والرعاية والعطف والحنان.
كان الشيخ اللمكي يسعى في حثِّ الناس عَلَى المسابقة إِلىَ الخيرات، وببركته تبرَّع كثير من المحسنين عَلَى أبواب البرِّ، وَعَلَى المتعلِّمين.
ترك عِدَّة مُؤَلَّفَات، منها: ”مجموع مسائل في الدعاوى والأحكام والديانات“، ”منظومة في السلوك“، ”منظومة في التحريض عَلَى نشر الحق“، ”رسالة المسالك في علم المناسك“، وله خطب وأوراد (6).
__________
(1) ينظر ترجمته في: السالمي: تحفة، ط. 1347هـ، 2/ 294. أبو بشير: نهضة، ص274 - 275. الخصيبي: شقائق، 3/ 135 - 146. الصوافي: السالمي فقيها، قراءات، ص94 - 95. أطروحة الهاشمي، ص94.
(2) تكرَّر ذكرها باسم} قمري} في محاضرة الصوافي، ويبدو أَنَّهُ خطأ مطبعي. ينظر: السالمي فقيها، قراءات، ص95.
(3) أبو بشير: نهضة، ص118.
(4) المصدر نفسه، ص274. ويبدو من سياق كلام أبي بشير أَنَّهُ كان رئيس القضاة في دولة الإمام سالم بن راشد (1331 - 1338هـ/1913 - 1920م)، ذَلِكَ لأَنَّ قاضي الإمام عزَّان في الرستاق كان الشيخ عبد الله بن محَمَّد الهاشمي.
(5) ينظر: أبو بشير: نهضة، ص275.
(6) ينظر: المصدر نفسه. (1/126)
صفحة 127
تُوُفِّيَ الشيخ اللمكي سنة 1333هـ/1915م، وله من العمر إحدى وسبعون سنة.
يعدُّ اللمكي أكثر المشايخ الذين استفاد منهم السالمي بالرستاق، وتنصُّ بَعض المراجع (1) عَلَى أَنَّ السالميَّ أخذ عنه قواعد اللغة العَرَبِيَّة، إِلاَّ أَنَّ ذَلِكَ كان في بداية تعلُّمه، أَمَّا فيما بعد فلا شَكَّ أَنَّهُ أخذ عنه بَقِيَّة العلوم اللغويَّة والشَّرعِيَّة؛ لأَنَّ المصادر تنصُّ عَلَى تدريسه لمختلف العلوم، وَعَلَى أَنَّ السالميَّ أخذ عنه أكثر من غيره؛ لذا فقد تكون استفادة السالميِّ منه أكثر في المجال الذي ألَّف فيه اللمكيُّ وعمل فيه، وَهُوَ القضاء والأحكام. إذ إِنَّ النصوص تذكر أَنَّ السالمي شرع في التأليف منذ أن كان بالرستاق، وعند رحيله عنها كان قد بلغ مرحلة التأليف، وكتب كتابه: ”الشرف التام في شرح دعائم الإِسلاَم“، وَكِتَابُ الدعائم لابن النضر عبارةٌ عن قصائد في العقيدة والفقه، فلكي يتحصَّل عَلَى إجازة من شيوخه لشرح مثل هَذَا الكِتَاب، فَلاَ بُدَّ أن يكون له باع طويل في علم الكلام والعقيدة. ثُمَّ إِنَّ السالميَّ لم يرحل عن الرستاق إِلاَّ بعد أن تفوَّق عَلَى بَعض شيوخه فيها، إذ يُصَرِّحُ اللمكي بِأَنَّ السالميَّ أخذ عنه فصار أوسع منه علما (2)، ولا يكون أوسع منه علما إِلاَّ إذا تضلَّع في العلوم التي تضلَّع فيها شيخه، من علوم العَرَبِيَّة (النحو، اللغة، البيان، المعاني، البلاغة، العروض ... ) والعلوم الشَّرعِيَّة (التفسير الحديث، أصول الفقه، أصول الدين، الفقه: عبادات ومعاملات، ومنها القضاء بِخَاصَّةٍ).
3 - عبد الله بن محَمَّد الهاشمي:
يعتبر الهاشميُّ من الشيوخ الأفاضل الذين أدركهم السالمي وأخذ عنهم (3). والمصادر تشحُّ علينا بالمعلومات عن هَذَا الشيخ مع اعترافها بفضله وعلمه. ولا
__________
(1) ينظر: أطروحة الهاشمي، ص62 - 63.
(2) ينظر: المرجع نفسه، ص 63.
(3) أبو بشير: نهضة، ص118. وينظر المصادر المحال عَلَيْهَا في المرحلة الثانية من مراحل التحصيل العلمي عند السالمي، ص100 - 102 من البحث. (1/127)
صفحة 128
تَذكُر عنه غير أَنَّهُ كان واليا وقاضيا للإمام عزان بن قيس عَلَى الرستاق (1)، ولم يشغله المنصبان عن الاهتمام بالعلم والتعليم. اشتهر «بين الخاصِّ والعامِّ بفضله وزهده وورعه» (2).
ولا تذكر المصادر والمراجع التي اطَّلَعت عَلَيْهَا تاريخ ميلاده ولا وفاته، اللَّهُمَّ إِلاَّ عبارة صاحب نهضة الأعيان عن السالمي أَنَّهُ «أدرك الشيخ عبد الله بن محَمَّد الهاشمي وأخذ عنه» (3)، ولفظة ”أدرك“ توحي بِأَنَّ السالميَّ أخذ العلم عن الهاشميِّ في أخريات حياته، فتكون وفاته إذن بين 1300هـ/1883م و1308هـ/1891م، وهي الفترة التي قضاها السالميُّ بالرستاق. كما أَنَّ المصادر التي بين أيدينا لم تذكر هل كانت للشيخ الهاشمي مُؤَلَّفَات أم لا.
لقد اهتمَّ هَذَا الشيخ بالطالب السالميِّ اهتماما بالغا، تربيةً وتعليمًا (4)، وإعدادًا لتحمُّل المسؤوليَّات كما تحمَّلها هو مِن قبله، وِلاية وقضاءً.
وتصمت المصادر والمراجع عن العلوم التي استفادها السالميُّ من هَذَا الشيخ. ويبدو أَنَّ تأثير الهاشميِّ عَلَى شَخصِيَّة السالمي كان محدودا (5).
4 - ماجد بن خميس بن راشد بن سعيد العبري الحمراوي (6):
ولد الشيخ ماجد في رجب عام 1252هـ/نوفمبر 1836م، وقيل: عام
__________
(1) ينظر: السالمي: تحفة، ط. 1347هـ، 2/ 264 - 265. أطروحة الهاشمي، ص62. العزري: فكر السالمي، ص100.
(2) الصوافي: السالمي فقيها، قراءات، ص96.
(3) أبو بشير: نهضة، ص118.
(4) الصوافي: السالمي فقيها، قراءات، ص96.
(5) ينظر: العزري: فكر السالمي، ص100 - 101.
(6) ينظر ترجمته في: السالمي: تحفة الأعيان، ط. 1347هـ، 2/ 270، 272. أبو بشير: نهضة، ص450 - 458. الخصيبي: شقائق، 107 - 134. الحارثي: اللؤلؤ، ص29 - 30. الصوافي: السالمي فقيها، قراءات، ص97 - 98. أطروحة الهاشمي، ص92 - 93. مقدِّمة عبد الرحمن السالمي لروض البيان، ص35 - 36. العزري: فكر السالمي، ص101 - 104. (1/128)
صفحة 129
1254هـ، ببلدة الحمراء من كدم (1) بعمان، ربَّاه والده الشيخ خميس بن راشد عَلَى البرِّ وحبِّ الخير، والسموِّ إِلىَ المعالي، والبعد عن الهزل واللعب. تعلَّم القُرْآن وَالكِتَابة عَلَى يد الشيخ ناصر بن سالم العدوي، ومبادئ النحو والتوحيد عَلَى يد والده الشيخ خميس.
رحل بعد وفاة والده إِلىَ الرستاق لِمَا اشتهر من السَّيِّد أبي عزَّان قيس بن عزَّان من محبَّته للعلم وتقريبه للعلماء، وللنشاط العلمي المتميِّز للطلبة في غرفة الاستقبال بحصن الرستاق، المسمَّاة غرفة الصلاة.
بعد وفاة السَّيِّد قيس لازم ابنه عزَّان بن قيس الذي قلَّده العلماء الإمامة العظمى، وعيَّنه الإمام واليا عَلَى بهلا، وأبلى فيها بلاء حسنا.
عُرف بحرصه الشديد عَلَى التمسُّك بآثار العلماء المتقدِّمين، الأمر الذي جعله يختلف في الرأي مع بَعض علماء عصره إذا رأى منهم ما لم يألفه من شيوخه المتقدِّمين، فينبري للردِّ عَلَيْهِم ولا يبالي، فمن ذَلِكَ رَدُّه عَلَى الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي في مسألة بيع زكاة كُلِّ بلد قبل الجباية لِمَا في ذَلِكَ من الجهالة، ومنه رَدُّه عَلَى الشيخ نور الدين السالمي الذي أفتى بردِّ الأموال الموقوفة لقراءة القُرْآن عَلَى القبور إِلىَ بيت المال، لأَنَّ الإيصاء بها بدعة (2).
عُرف بالزهد والورع والكرم، والجدِّيَّة وترك اللغو والمزاح. كان لا يعظِّم أحدا لدنياه، ولا يداري في الحقِّ، اشتغل في غالب حياته بالدرس والتدريس، والقضاء والفتوى.
__________
(1) يقول ياقوت الحموي: «كدم: من نواحي صنعاء اليمن». وَلَكِن يبدو أَنَّهَا مدينة أخرى بنفس الاسم. ينظر: معجم البلدان، 4/ 442. وذكر الحموي أَيضًا عِدَّة مدن باسم الحمراء، في مصر والمقدس ... ولم يذكر الحمراء العمانية، فينظر: الخريطة في الملحق.
(2) ينظر تفاصيل المناقشة بين الشيخين، وَأَدِلَّة كُلٍّ منهما في: نهضة، ص454 - 457. الصوافي: السالمي فقيها، قراءات، ص108 - 111. (1/129)
صفحة 130
قبل رجوعه من الرستاق إِلىَ بلده الحمراء بالجبل الأخضر، تخرَّج عَلَى يديه علماء كثيرون منهم الشيخ نور الدين «والشيخ العلاَّمة إبراهيم بن سعيد العبري، والشيخ سعيد بن صالح العبري، والشيخ هلال بن زاهر الهنائي، والشيخ القاضي ثابت بن سرور الغلابي ... » (1).
ورغم مكانته العِلمِيَّة وكثرة تلاميذه إِلاَّ أَنَّهُ لم يترك تآليف اكتفاء بما ألَّفه الأوائل. كان يحِبُّ الشعر ويُنشده، وله قصائد في الوعظ والحكمة، ثُمَّ ندم عَلَى ذَلِكَ فمزَّق ما وجده، إِلاَّ ما فاته في أيدي الناس. وله أجوبة وردود في مسائل وردت إِلَيْهِ نثرا ونظما، والنثر لو جُمع فلا يقلُّ من أربع مجلَّدات.
عمِّر طويلا، وعاصر ثلاثة أَئِمَّة: عزان، والخروصي والخليلي، وضعف بصره في كبره حَتَّى كفَّ سنة 1332هـ/1914م. ثُمَّ تُوُفِّيَ في فجر الرابع والعشرين من مُحَرَّم سنة 1346هـ/23 جويلية 1927م ببلدة الحمراء، ورثاه عِدَّة مشايخ، منهم الشيخ سالم بن سليمان الرواحي.
أَمَّا عن أثره في تلميذه السالمي فـ «ـيمكن القول: إِنَّ مدرسة العبري مثَّلت النواة الأولى في تكوين السالمي السياسي» (2)، إذ إِنَّ شَخصِيَّة مثل العبري ــ الذي تقلَّد منصب الوِلاية عَلَى بُهلاَ في دولة الإمام عزان التي سرعان ما قُضي عليها ــ لا بُدَّ أن تترك أثرا في التكوين السياسي للسالمي، وتوجُّهاته المستقبليَّة، خَاصَّةً إذا علمنا أَنَّ العبريَّ دافع بإخلاص عن دولة الإمامة إِلىَ أقصى جهده، حَتَّى بعد وفاة الإمام نفسه (3)، ولا يمكن أن تمرَّ تِلْكَ الأحداث عابرة في حياة العبريِّ فينساها أو يتناساها دون أن يغرس في تلاميذه روح الجهاد وحبِّ الاستشهاد، في سبيل إقامة حكم الإمامة واستمرارها؛ فما من شَكٍّ أن يكون قد غرس فيهم تلك الروح، وَعَلَى رأسهم من يتفرَّس فيه مخايل التفوُّق: التلميذ النجيب عبد الله (نور الدين) السالمي.
__________
(1) أبو بشير: نهضة، ص458.
(2) العزري: فكر السالمي، ص104.
(3) ينظر: السالمي: تحفة، ط. 1347هـ، 2/ 272. العزري: فكر السالمي، ص103. (1/130)
صفحة 131
5 - محَمَّد بن خميس بن محَمَّد السيفي (1):
ولد السيفي سنة 1241هـ/1826م. وذكر أبو بشير أَنَّ السيفي كان أحد علماء الأسرار (2)، كانت له اليد الطولى في ذَلِكَ، «يقصده الوفود من كُلِّ جهة للاستفادة منه، فيعطي كلاًّ طريقة عَلَى قدر حاله. وكان عَلَيْهِ مدار القضاء بنزوى، في زمن الشيخ هلال بن زاهر (3)، والسيد سيف بن حمد البوسعيد» (4). جمع السيفي أجوبة الشيخ أبي نبهان جاعد بن خميس الخروصي في سبعة أجزاء، وَسَمَّاهُ ”العقد الثمين“ (5)، وجمع أجوبة المحقِّق سعيد بن خلفان الخليلي في أربعة أجزاء، وَسَمَّاهُ: ”التمهيد في أجوبة الشيخ سعيد“، وشرح قصيدة الشيخ أبي نبهان والعشري في سِيَر الأَئِمَّة.
تُوُفِّيَ بنزوى سنة 1333هـ/1915م، بعد أن كفَّ بصره.
وقد سبق أن ذكرنا قَصد السالميِّ للشيخ السيفي بنزوى، ليأخذ عنه طرقا في الرياضة الروحيَّة، فعلَّمه طريقة مناسبة له، وأمره بالخلوة والرياضة (6). وبهذا يعتبر السيفيُّ من أهمِّ مشايخ السالمي، وقد أغفلته المراجع التي ترجمت للسالمي، غير أبي بشير الذي ذكر هَذِهِ المعلومة في ترجمته المخطوطة، وَلَكِنَّهُ أغفلها هو أَيضًا في نهضته المطبوعة، سواء عند ترجمته للسالمي، أو عند ترجمته للسيفي.
__________
(1) ينظر: أبو بشير: نهضة، ص276. الخصيبي: شقائق، 3/ 239.
(2) لم نعثر في تعريفات الجرجاني، ولا تعاريف المناوي شرحا لمصطلح علم الأسرار.
(3) هلال بن زاهر بن سعيد بن محَمَّد الهنائي، كان ذا منزلة كبيرة لدى العمانيين، أخذ نزوى من يد السَّيِّد حمد بن سيف البوسعيدي، فبقي حاكما عَلَيْهَا مُدَّة أربع عشرة سنة، وكانت له حروب مريرة. وعمل في إمارته عَلَى عمارة البلاد. قُتل عَلَى يد سيف بن حمد البوسعيدي بنزوى سنة 1312هـ/1895م. ينظر: أبو بشير: نهضة، ص113 - 118.
(4) أبو بشير: نهضة، ص276.
وسيف بن حمد بن سيف البوسعيد كان واليا للسلطان فيصل بن تركي عَلَى نزوى. ينظر: أبو بشير: نهضة، ص199.
(5) وهو غير كِتَاب} العقد الثمين نماذج من فتاوى نور الدين}، الذي قام بترتيبه الشيخ سالم بن حمد الحارثي.
(6) ينظر: ص 104من البحث. (1/131)
صفحة 132
6 - محَمَّد بن سيف الرحيلي:
لم يظفر الباحث بترجمة للرحيلي في المصادر التي اطَّلَعَ عَلَيها، غاية ما أسفر عنه البحث أَنَّ الشيخ السالميَّ أطلق عليه صفة ”شيخنا“ (1)، وهي وإن كانت لا تَدُلُّ عَلَى تعلُّمه المباشر منه وملازمته، إِلاَّ أَنَّ الشيخ الناصر المرموري تفرَّد في محاضرته بالمنتدى الأدبي (2) بذكر هَذِهِ الشَّخصِيَّة، وَأنَّهَا من أساتذة السالميِّ بالمرحلة الرستاقيَّة.
7 - محمَّد بن مسعود البوسعيدي:
لا نجد فيما بين أيدينا من المصادر ترجمةً لهذا الشيخ غير ما ذكره أبو بشير عن مكانته العِلمِيَّة في قوله: « ... العلاَّمة الرضي: محَمَّد بن مسعود البوسعيدي، وكان عالما جليل القدر من أكابر أهل زمانه علما وعملا، فَلَمَّا تعرف سَيِّدنَا الوالد به، وكان يسمع به، أحبَّه، وأقام معه للزيارة، ولبث عنده أَيَّاما، وذاكره، وأخذ عن الشيخ فوائد جليلة، وكان بينهما بعد ذَلِكَ اتِّصَال وصحبة، فهو أحد شيوخه» (3).
وكُلُّ ما وجدناه عن علاقة السالمي بهذا الشيخ البوسعيدي أَنَّ السالمي نزل عنده في منح وَهُوَ في طريقه من الرستاق إِلىَ القابل، ولم نستطع تحديد ”الفوائد الجليلة“، ولا نوع ”الصحبة“ التي ذكرها أبو بشير. ويبدو أَنَّ هذا الشيخ قد ترك فتاوى مدوَّنة، إذ إِنَّنَا نجد السالميَّ يعتمدها (4).
__________
(1) ينظر: العقد الثمين، 1/ 91 - 92.
(2) المرموري: السالمي المجتهد، قراءات، ص44.
(3) ترجمة السالمي (مخ)، ص4. وَيُصَرِّحُ السالمي بالسماع عنه، ينظر: اللمعة المرضية، ص19.
ورد باسم محَمَّد بن سعود، ومحَمَّد بن مسعود السعيدي. ينظر: الحارثي: اللؤلؤ، ص49. المرموري: السالمي المجتهد، قراءات، ص44.
(4) ينظر: جوابات السالمي، 1/ 265؛ 3/ 552؛ 4/ 488. وَمِمَّا يُؤَكِّدُ أَنَّ لهذا الشيخ فتاوى مدوَّنة أَنَّ السالميَّ أورد جوابا فقهيا للبوسعيدي يَتَعلَّقُ بالوقف، جاء في آخره: «كتبته وأنا العبد الفقير محَمَّد بن مسعود البوسعيدي بيده». ينظر: المصدر نفسه، 3/ 501. (1/132)
صفحة 133
8 - حمد بن سيف بن سعيد بن راشد البوسعيدي، أبو عبد الله:
عالم ناسك يعتبر من أورع أهل زمانه وأفضلهم علما وعملا، قال فيه الشيخ صالح بن علي الحارثي: «ما أعلم تحت أديم السماء أفضل من حمد بن سيف»، وهي شهادة من متقن ماهر (1). وقال عنه نور الدين السالمي أَيضًا: «وقد كان عالما فاضلا، نبيها فطنا نزيها، اتَّفَقَ كُلُّ من يعرف حاله عَلَى تفضيله عَلَى سائر فضلاء مصره في دهره، وكان يوم تُوُفِّيَ نيِّفا وأربعين سنة، بل كان إِلىَ الخمسين أقرب» (2)، وكانت وفاته حين خرج حاجًّا عن غيره وكان قد حجَّ عن نفسه، فمرَّ أَوَّلاً عَلَى ساحل الهند، فأصابه مرض الجذري بـ”بمبي“، وكان سببا لموته يوم 19 شعبان 1315هـ/12 جانفي 1898م (3). ولم تذكر المصادر ما تركته هَذِهِ الشَّخصِيَّة من آثار، غير أَنَّنَا نجد السالمي يستشهد بفتاوى هَذَا الشيخ (4).
لهذا الشيخ علاقتان بالسالمي: عِلمِيَّة وأسريَّة، فَأَمَّا العلاقة الأسريَّة فتمثَّلت في المصاهرة التي كانت بينهما، إذ تَزَوَّجَ السالمي ربيبة هَذَا الشيخ، كما سبقت الإشارة (5). وَأَمَّا العلاقة العِلمِيَّة فتمثَّلت في نزول السالمي بالمضيبي وملازمته، وأخذه العلم عن المترجم له. وَلَكِنَّ المصادر لا تذكر العلوم التي استفادها السالميُّ من البوسعيدي. وقد طلب هَذَا الشيخ من السالمي تأليف كِتَابه: ”الحجج المقنعة في أحكام صلاة الجمعة“ (6)، فأسعفه لمراده، وكان ذا منزلة كبيرة في نفس السالمي.
9 - محَمَّد بن سليّم الغاربي:
لا تفيدنا المصادر (7) إِلاَّ شَيْئًا يسيرا عن هَذَا الشيخ، وتكتفي في بيان علوِّ
__________
(1) ينظر: ترجمة السالمي (مخ)، ص4 - 5.
(2) السالمي: تحفة الأعيان، 2/ 314.
(3) المصدر نفسه.
(4) ينظر: جوابات السالمي، 1/ 405، 439، 488.
(5) ينظر: الصفحات: 94، 110، 113 من البحث.
(6) ينظر: الحجج المقنعة، (مرقون)، ص45.
(7) ينظر: ديوان السالمي (مخ)، ص 15 - 16. السالمي: تحفة، ط. 1347هـ، 2/ 236 - 239، 247، 261، 264. أبو بشير: نهضة، ص82. مقدِّمة أبي إسحاق لجوهر النظام، 1/د-هـ. مقدِّمة البطاشي للمشارق، ص} ح}. الحارثي: اللؤلؤ، ص39 - 40. (1/133)
صفحة 134
مكانته بأَنَّهُ كان أعلم أهل الباطنة، وَسُمِّيَ بـ”نيِّر فلك العلم والعبادة والورع والزهادة“. ويعتبر أحد الثلاثة الذين دارت عَلَيْهِم إمامة عزَّان بن قيس، أَمَّا قريناه الآخران فهما: سعيد بن خلفان بن أحمد بن صالح الخليلي، والشيخ صالح بن علي الحارثي، وشارك في عِدَّة معارك مع الإمام عزان. وذُكر أَنَّهُ تُوُفِّيَ مقتولا من قِبل السلطان سنة 1301هـ/1884م.
هل ترك الغاربي آثارا عِلمِيَّة (تلاميذ أو مُؤَلَّفَات ... )؟ وأين درَّس السالميَّ ومتى؟ وما هي العلوم التي درَّسها؟ ... لم يعثر الباحث عَلَى جواب لِكُلِّ هذا. وَأَمَّا عن أثره في شَخصِيَّة السالمي فمن المرجَّح أَنَّهُ قد استفاد من المترجم له في القضايا السِّيَاسِيَّة، بحكم مكانته في دولة الإمام عزان.
10 - جمعة بن سعيد بن علي المغيري:
ذكرت المراجع (1) الشيخ المغيري من بين أساتذة السالمي، ولم نجد فيما بين أيدينا من المصادر من ترجم له، إِلاَّ ما ذكره عنه تلميذه السالمي حين قال: «في أَوَّل سنة تسع عشرة [وثلاثمائة وألف] جرى فلج (2) الظاهر بالشرقيَّة بعلاية بْديَّة، عَلَى يد شيخنا الفاضل: جمعة بن سعيد بن علي المغيري رَحِمَهُ اللهُ، فجاء نهرا مباركا. وَتُوُفِّيَ هَذَا الشيخ ليلة رابع من ذي القعدة من سنة ثلاث وعشرين ... وكان قد مات في صلاة العشاء الأخرى بمسجد الظاهر وَهُوَ يُصَلِّي بالناس، وما كان به من بأس، فحين قام إِلىَ الركعة الثالثة خرَّ مَيِّتًا رحمة الله عَلَيْهِ» (3). وذكر الشيخ سعيد
__________
(1) ينظر: مُقَدِّمَة البطاشي للمشارق، ص} ح}. الحارثي: اللؤلؤ، ص126 - 127. مُقَدِّمَة منظومتي أنوار العقول وكشف الحقيقة، ص3. وَرُبَّمَا اعتمد من اعتبر المغيري من شيوخ السالمي عَلَى لفظة: «شيخنا» التي يقولها السالمي عن المغيري. ينظر: السالمي: تحفة، 2/ 311 - 312. السالمي: ديوان، (مخ)، ص15 - 16.
(2) نظام للريِّ في عُمان. ينظر: ولكنسون: الأفلاج، ص59 وما بعدها.
(3) السالمي: تحفة، 2/ 325 - 326. (1/134)
صفحة 135
الحارثي ما يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كان يأبى الظلم، ويحِبُّ الإنصاف ولو عَلَى قبيلته، وَأَنَّهُ أجرى فلجين آخرين: أحدهما بجعلان، والثاني بوادي سمائل.
ولا تسعفنا المصادر بمعلومات أخرى عن هَذَا الشيخ وآثاره، وأثره عَلَى السالمي، غاية ما نستنتجه من النصِّ السابق أَنَّ الشيخ السالمي أخذ عنه في المرحلة الثالثة، أي بعد رحيله إِلىَ الشَّرْقِيَّة، لأَنَّهَا موطن هَذَا الشيخ، وقد استَقَرَّ بها السالميُّ في نهاية رحلاته.
11 - صالح بن علي بن ناصر الحارثي (الأمير) (1)
هو الشيخ الأمير صالح بن علي بن ناصر بن صالح بن عيسى بن راشد الحارثي، أَوَّل من أسَّس إمارة الحارثيِّين جدُّه الخامس: عيسى بن راشد بإبرا، ثُمَّ انتقل إِلىَ القابل (2).
ولد الحارثيُّ في القابل حوالي سنة 1254هـ/1838م (3). تُوُفِّيَ والده في معركة ”سيوى“ التي دارت بين السلطان سعيد بن سلطان (4) والمزاريع.
أخد العلم عن عِدَّة مشايخ، لَكِن لا يُذكر منهم غير اثنين: أحدهما من الصومال، ولم يُذكر اسمه تعلَّم عنده النحو والصرف والمعاني والبيان (5). والثاني
__________
(1) ينظر ترجمته في: المصدر نفسه، ط. 1347هـ، 2/ 227 - 233، 247، 251 - 252، 267 - 270، 283 - 285. السالمي: ديوان، (مخ)، ص7، 15. أبو بشير: نهضة، ص83 - 85. مقدِّمة أبي إسحاق لجوهر النظام، 1/د-هـ. الحارثي: اللؤلؤ، ص62 ... الصوافي: السالمي فقيها، قراءات، ص99 - 100. مقدِّمة عبد الرحمن السالمي لروض البيان، ص35. مقدِّمة البطاشي للمشارق، ص”ث-ج“. أطروحة الهاشمي، ص91 - 92.
(2) كلتا البلدتين من الشَّرْقِيَّة. ينظر: خريطة عُمان في الملحق.
(3) يذكر أبو بشير السالمي أَنَّ الحارثيَّ ولد سنة 1250هـ، فيكون عمره يوم وفاته سنة 1314هـ: 64 عاما، بينما الشيخ نور الدين يذكر عند ترجمته لهذا الشيخ أَنَّهُ تُوُفِّيَ وعمره يناهز الستين سنة، والمعتمد هو تأريخ الشيخ نور الدين، لأَنَّهُ أسبق، وَلأَنَّهُ صاحَب شيخه الحارثي ولازمه لمدَّةِ ستِّ سنين فهو أدرى به. ينظر: تحفة، 2/ 311. السالمي: ديوان، (مخ)، ص7. أبو بشير: نهضة، ص83.
(4) حكم (1219 - 1273هـ/1804 - 1857م). ينظر: السالمي: تحفة، ط. 1347هـ، 2/ 219. وزارة الإعلام: عُمان99، ص46.
(5) أبو بشير: نهضة، ص84. (1/135)
صفحة 136
هو الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي، وقد اختبره ليعلم صلاحه وصدق نيَّته في طلب العلم، فَلَمَّا توسَّم فيه ذَلِكَ قرَّبه.
وصفه السالمي بقوله: «وقد كان - رضي الله عنه - أعلم أهل زمانه في الحلال والحرام، وأشدَّهم حرصا عَلَى قوام الإِسلاَم، وأكثرهم خصالا في صفات الكرام» (1). حاول منذ أن كان في الصومال إحياء الإمامة هناك عَلَى يد ابن عمِّ حاكم تلك البلاد، فلم يتِمَّ له ذَلِكَ. ثُمَّ عاد إِلىَ عمان، فكان أحد الأركان الثلاثة لدولة الإمام عزان بن قيس (1285 - 1287هـ/1868 - 1871م). بقي الحارثي بعد وفاة الإمام ووزيره سعيد بن خلفان الخليلي محتسبا لله، آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر، محاربا للظلم والظالمين، ساعيا في إعادة حكم الإمامة إِلىَ القطر العماني، وكثيرا ما زعزع مركز السلطان بجيوشه، وكانت له ــ ضِدَّ أنصار السلطان، وضِدَّ بعض القبائل المتعدِّية عَلَى غيرها ــ عِدَّة وقائع، وقد سبق ذكر بَعض منها (2). وكانت آخرها حملته عَلَى بني جابر بالجيلة، يوم 6 ربيع الثاني 1314هـ/13 سبتمبر 1896م (3)، وفيها تُوُفِّيَ بعد إصابته برصاصة في فخذه صباحا، ولم يمت إِلاَّ في المساء بعد أن أقرَّ الله عينه بانهزام جيش أعدائه، ودفن بعلاية سمائل.
لم يتمكَّن الحارثيُّ من استرجاع حكم الإمامة في كُلِّ تلك الوقائع نظرا لخذلان بَعض القبائل له، وقبولها الرشا؛ لذا نجد السالميَّ في كثير من قصائده يلوم المتخاذلين، والبائعين الدين بالدنيا (4).
__________
(1) السالمي: تحفة، 2/ 311. السالمي: ديوان (مخ)، ص7، 15. مقدِّمة أبي إسحاق لجوهر النظام، 1/} هـ“.
(2) ينظر: ص 118 من البحث.
(3) وقع العزري في خطإ تاريخي فادح، حيث يعتبر السنة التي تُوُفِّيَ فيها الشيخ صالح الحارثي هي السنة التي تَوَلىَّ فيها الإمام سالم بن راشد الخروصي الإمامة، والصواب أَنَّ إمامة الخروصي لم تكن إِلاَّ في 12 ربيع الثاني 1331هـ/20 مارس 1913م، أي بعد سبعة عشر عاما وَسِتَّة أَيَّام من وفاة الحارثي. يقول العزري: « ... بينما كانت وفاة صالح بن علي عام (1314هـ=1896م) أي ذات العام الذي سيتمكَّن فيه السالمي من حشد العمانيِّين بالداخل وتولية تلميذه سالم بن راشد الخروصي الإمامة، وهي مفارقة نحاول دراستها لاحقا». وَلَكِنَّهُ لم يدرسها كما وعد. ينظر: العزري: فكر السالمي، ص120.
(4) ينظر: السالمي: ديوان (مخ)، الصفحات: 3، 19، 26، 27، 29 - 30، 31. (1/136)
صفحة 137
ونظرا لحركيَّته الدؤوبة سَمَّاهُ البعض بالرجل المغامر (1)، وفي هَذِهِ التسمية ما فيها من التنقيص من شخصه، واحتقار الهدف السياسيِّ النبيل الذي سبَّل نفسه لأجله، وَهُوَ إعلاء كلمة الله، بالاحتساب (2) لله أمرا بالمعروف، ونهيا عن المنكر، ونشرا للعدل، ورفعا للظلم، وزعزعة أركان الجور، وكان السلطان في نظره عَلَى رأس كُلِّ الأزمات.
ترك عِدَّة مُؤَلَّفَات، منها: ”عَلَم الرشاد في أحكام الجهاد“، ورسائل وأجوبة كثيرة جمعها ورتَّبها القاضي أبو الوليد سعود بن حميد بن خُلَيْفين (3) في كِتَاب سَمَّاهُ: ”عين المصالح في أجوبة الشيخ الصالح“.
من تلاميذه: ابنه الأمير الشيخ عيسى بن صالح الحارثي، والعلامة الكبير: أبو مالك عامر بن خميس، والشيخ نور الدين السالمي.
يعتبر الحارثيُّ أبرز الشخصيَّات العمانيَّة التي كوَّنت السالميَّ سياسيًّا وعلميًّا؛ فملازمة السالمي لهذا الشيخ أكسبته خبرة وتجربة، ومعرفة بأحوال القبائل ومواقفها الإيجابيَّة والسلبيَّة، الأمر الذي استفاد منه في تعامله معها بعد وفاة الحارثي، وفي ثورته لإقامة دولة الإمام سالم بن راشد الخروصي سنة 1331هـ/1913م. كما أكسبته شهرة كبيرة عند العمانيِّين، ويظهر ذَلِكَ من خلال النص الذي يقول فيه أبو بشير: «ثُمَّ عزم عَلَيْهِ أن يستوطن القابل، فامتثل أمره، ولبث عنده معاضدا له ... فضربت إِلَيْهِ أكباد الإبل، ووفد إِلَيْهِ الأخيار من جميع النواحي» (4). وَلَعَلَّ وفاة الشيخ الحارثيِّ كانت سببا أكبر في بروز شَخصِيَّة السالمي، إذ يعتبر ــ من الناحية
__________
(1) العزري: فكر السالمي، ص109، 122.
(2) ينظر سيرة هَذَا الشيخ، وَمَعْنَى احتسابه: السالمي نور الدين: الحقُّ الجلي من سيرة شيخنا صالح بن علي، ضمن كِتَاب: عين المصالح في جوابات الشيخ الصالح [لأبي الوليد سعود]، صحَّحه وأشرف عَلَى طبعه عزّ الدين التنوخي، المطبعة العمومية، دمشق، د. ت، ص5 - 7.
(3) تُوُفِّيَ ليلة 24 ربيع الأَوَّل سنة 1373هـ/1 ديسمبر 1953م. ينظر ترجمته في: أبو بشير: نهضة، ص503 - 504.
(4) المصدر نفسه، ص 119. (1/137)
صفحة 138
العِلمِيَّة وَالدِّينِيَّة ــ الخليفة الوحيد للحارثيِّ في تلك المنطقة، أَمَّا الخليفة من الناحية السِّيَاسِيَّة في أَوَّل الأمر فَهُوَ ابنه: الأمير عيسى بن صالح الحارثي.
ويعتبر الحارثيُّ حلقة وصل بين السالمي والمحقِّق سعيد بن خلفان الخليلي، لذا نجد تشابها كبيرا بين الشخصيتين (الخليلي والسالمي)، فكلاهما ذو باع طويل في العلم، وكلاهما أحيَى الإمامة، وكلاهما كان الزعيم الروحيَّ للدولة، إِلَيْهِما تُحال المشاكل والمعضلات، وبرأيهما تُتَّخذ المواقف والقرارات.
كما يعتبر السالميُّ أَيضًا حلقة وصل بين مشايخه وبين للأجيال المقبلة، بتبليغه أمانة العلم كما تلقَّاها، بما تركه من تلاميذ وتآليف، وَهُوَ ما سنفصِّله فيما سيأتي، حول الآثار العِلمِيَّة للشيخ السالمي.
- - - - - - (1/138)
صفحة 139
الفصل الثالث
الآثار العلميَّة للشيخ السالمي
توطئة
المبحث الأَوَّل: تلاميذ الشيخ السالمي
أَوَّلاً - اشتغاله بالتدريس
ثانيا - تلاميذه
المبحث الثاني: تآليف الشيخ السالمي
أَوَّلاً - توطئة
ثانيا - قائمة تآليف السالمي
ثالثا - الترتيب الزمني لتآليف السالمي
المبحث الثالث: نظرة تحليلية للتأليف عند الشيخ السالمي
أَوَّلاً - خصائص التأليف قبل الشيخ السالمي وفي عصره
ثانيا - التأليف عند السالمي
ثالثا - المنهج العلمي في تآليف السالمي
رابعا - التعامل مع مختلف العلوم
خامسا - الأسلوب
سادسا - الأفكار والمادة العلمية
سابعا - بعض آرائه العِلمِيَّة وتَطَوُّرها (1/139)
صفحة 140
صفحة 140 بيضاء (1/140)
صفحة 141
توطئة:
تبرز مكانة العالم فيما تركه من آثار في الفكر والمجتمع، وتتمثَّل هَذِهِ الآثار أساسا في التلاميذ والتآليف، وسنتعرَّض في هَذَا الفصل لتلاميذ السالمي، وتراجمهم، وبيان مكانتهم، وَبَعض آثارهم، ثُمَّ نسلِّط الضوء عَلَى تآليف الشيخ، وإبراز محتواها، وتحليلها، للخروج بصورة أوضح عن دور السالميِّ في الفكر الإِسلاَميِّ، وخصائص التأليف عنده.
المبحث الأوَّل
تلاميذ الشيخ السالمي
أَوَّلاً - اشتغاله بالتدريس:
شرع الإمام نور الدين السالمي في التدريس في وقت مبكِّر من حياته، فقد ابتدأه منذ أن كان متعلِّما في الرستاق (1)، أي قبل رحيله عنها سنة 1308هـ/1891م، وبلوغه الرابعة والعشرين. وواصل تدريسه وَهُوَ في طريق الرحلة إِلىَ القابل عند إقامته ببلدة المضيبي (2) عند الشيخ حمد بن سيف بن سعيد البوسعيدي (3)، ولا تذكر المصادر كم دام مقامه بها، بل إِنَّ هَذِهِ الإقامة لا يتعرض إليها أغلب المترجمين للسالمي، رغم أهمِّيَّتها في حياته.
وعند استقراره بالقابل مع الشيخ صالح الحارثي طالبا للعلم تفرَّغ للتدريس أَيضًا، وكان شيخه قد هيَّأ له الجوَّ المناسب لِذَلِكَ، فنالت مدرسته
__________
(1) مقدِّمة البطاشي للمشارق، ص} ث}.
(2) المرجع نفسه.
(3) سبقت الإشارة إِلىَ أَنَّ المراجع تَتَّفِقُ عَلَى أَنَّ الشيخ الذي نزل عنده السالمي هو سلطان بن محَمَّد الحبسي، وَلَكِنَّ الذي اعتمدناه أَنَّهُ الشيخ حمد بن سيف البوسعيدي حسبما كتبه ابنه أبو بشير في رسالته التي ترجم فيها لوالده. ينظر: ترجمة السالمي (مخ)، ص4 - 5. (1/141)
صفحة 142
شهرة واسعة في أطراف عُمان، فضُربت إِلَيْهِ أكباد الإبل، ووفد إِلَيْهِ الطلبة من مختلف أنحاء القطر (1).
والفنون التي درَّسها كانت مختلفة، من علوم شَرعِيَّة ولغويَّة: كالتفسير والحديث وأصول الدين وأصول الفقه، والنحو والمعاني والبيان والمنطق (2). ويذكر الشيخ سعيد الحارثي أَنَّهُ كان يُفَسِّرُ القرآن بين العصر والمغرب (3).
كان لتلاميذه بمثابة الأب الحنون، يتفقَّد أحوالهم، ويتعرَّف عَلَى حاجاتهم، ويواسيهم في مصابهم، «يسأل عَمَّا ينفد من بيوتهم، فإذا أُخبر بِشَيْءٍ ليس عندهم أَمَرَ مَن يحمل إِلَيْهِم ذَلِكَ من بيته» (4). ويضيف أبو بشير ــ بعد أن ذكر نماذج غريبة لكرم والده الشيخ نور الدين ــ قائلا: «وأغرب من ذَلِكَ قيام التلاميذ بمنزله، وأكلهم وكسوتهم وحوائجهم كُلُّهَا من عنده الشهور والسنين، جزاه الله عن الأُمَّة خيرا» (5).
ثانيا - تلاميذه (6):
تخرَّج عَلَى يديه مجموعة كبيرة من التلاميذ نالوا من الشهرة والمكانة الشَّيْء الكثير، إذ أصبح منهم علماء وقضاة وولاة وشعراء. يقول الشيخ أبو إسحاق إبراهيم اطفيَّش (ت: 1385هـ/1965م): «تلاميذه كثيرون، لا نبالغ إذا قلنا: إِنَّ
__________
(1) المصدر نفسه، ص6. أبو بشير: نهضة، ص119 - 120. مقدِّمة محَمَّد إسماعيل للمعارج، 1/ 4. مقدِّمة البطاشي للمشارق، ص} ث-جـ}.
(2) أبو بشير: ترجمة السالمي (مخ)، ص6. أبو بشير: نهضة، ص119. مقدِّمة محَمَّد إسماعيل للمعارج، 1/ 4.
(3) ينظر: الحارثي: اللؤلؤ، ص134.
(4) أبو بشير: ترجمة السالمي (مخ)، ص10 - 11. أبو بشير: نهضة، ص120.
(5) ترجمة السالمي (مخ)، ص11.
(6) ينظر قائمة تلاميذه دون تفصيل في تراجمهم: المصدر نفسه، ص 13 - 14. أبو بشير: نهضة، ص125 - 126. مقدِّمة البطاشي للمشارق، ص”ح“. مقدِّمة محَمَّد إسماعيل للمعارج، 1/ 8 - 9. المرموري: السالمي المجتهد، قراءات، ص45؛ الصوافي: السالمي فقيها، قراءات، ص100 - 101، 105؛ حمدون السالمي: السالمي مُؤَرِّخًا، قراءات، ص147. مقدِّمة أبي غدَّة للجوابات، 1/ 8. مقدِّمة عبد الرحمن السالمي لروض البيان، ص36 - 37. (1/142)
صفحة 143
رجال العلم اليوم بعمان جُلُّهم من تلاميذه، وقد نبغ كثير منهم ... وحسبك أَنَّ صفوة الأُمَّة هناك، والذين قامت عَلَيْهِم الإمامة والملك هم تلاميذه. وَهَذِهِ الروح التي نفخها فيهم حَتَّى كانوا حمًى للدين من أكبر الشواهد عَلَى إخلاصه وعلوِّ شأنه ومكانته» (1).
هَذِهِ شهادة سفير الإمامة العمانيَّة، فلننظر في قائمة (2) تلاميذه، لنرى درجة صدق هَذَا الكلام.
1 - الإمام سالم بن راشد الخروصي (3):
ولد الإمام العادل، والعالم الزاهد: سالم بن راشد بن سليمان الخروصي سنة 1301هـ/1883م، ببلدة ”مشايق“ (4) من قرى الباطنة؛ ونشأ في حجر والده الزاهد، وقرأ عَلَيْهِ القُرْآن ومبادئ العلوم ببلده، ثُمَّ انتقل إِلىَ العوابي (5) ــ وهي دار قومه بني خروص ــ طالبا للعلم. ثُمَّ هاجر إِلىَ الشَّرْقِيَّة، ولازم الشيخ السالمي، إِلىَ أن عُقدت عَلَيْهِ الإمامة.
اشتُهر بالعدل والصلاح، والزهد والورع، والتُّقى والعفاف، والرزق الكفاف، والغيرة عَلَى محارم الله. فمن زهده أَنَّهُ كان يقعد عَلَى البساط وَعَلَى الأَرض المفروشة بالحصباء. ومن ورعه أَنَّهُ كان لا يأخذ من بيت المال تعفُّفا قدر المستطاع، إِلاَّ قوته وقوت من يعوله بالمعروف، وتُذكَر عنه روايات طريفة في هَذَا الشأن (6).
__________
(1) مقدِّمة أبي إسحاق لجوهر النظام، 1/هـ.
(2) حاولت في هَذِهِ القائمة استقصاء ما وجدته في المصادر والمراجع المتوفرة لديَّ. والقائمة مرتَّبة ألفبائيًّا بالاسم، لأَنِّي أجهل المتقدِّمين من التلاميذ والمتأخِّرين، إِلاَّ ترتيب الإمامين الخروصي والخليلي فَإِنَّ تقديمهم عَلَى غيرهم كان مراعاة لعلوِّ مكانة الإمامة العظمى.
(3) ينظر ترجمته في: أبو بشير: نهضة، ص125، 177 - 199، 310. الحارثي: اللؤلؤ، ص179 - 181، 18، 226 - 227، 267 - 268 ...
(4) ينظر: خريطة عمان في الملحق.
(5) ينظر: خريطة عمان في الملحق.
(6) ينظر: أبو بشير: نهضة، ص198. الحارثي: اللؤلؤ، ص34 - 35، 40 - 45. (1/143)
صفحة 144
وكان من تواضعه لا يحتجب عن الناس، يباسط إخوانه، ويُحضرهم ما يَحضره من الطعام.
قام بأمر الإمامة أحسن قيام، وسيَّر الأمور عَلَى أتقن نظام، وأظهر الحقَّ والعدل بين الأنام، فاستبشر الناس ببزوغ فجره، وكثر الخير بطلوع شمسه، وقد أثنى عَلَيْهِ السالميُّ قبل وفاته ثناء حسنا (1).
عُقدت له الإمامة بإجماع أهل العلم يوم الاثنين الثاني عشر من جمادى الثانية عام 1331هـ/1913م. فراسل السلطان والرؤساء والقبائل، إقامةً للحجَّة، وجمعا لشتات المسلمين، ودعوة إِلىَ إقامة العدل، والدخول تحت حكم الإمامة.
ذُكر أَنَّهُ تُوُفِّيَ مقتولا من قِبل أعرابيٍّ كان مطلوبا للانتصاف، فأغراه بَعض سفهاء قومه عَلَى فعلته (2)، عَلَى الساعة الخامسة من ليلة الخامس من ذي القعدة سنة 1338هـ/21 جويلية 1920م في وادي عندام بالخضراء.
2 - الإمام محَمَّد بن عبد الله الخليلي (3):
هو الإمام العادل، والعالم الفاضل: محَمَّد بن عبد الله بن العلاَّمة المحقِّق سعيد بن خلفان الخليلي الخروصي، سليل أسرة علم وإمارة وإمامة (4). ولد بقرية سمائل سنة 1299هـ/1882م، ونشأ في حجر والده العالم عبد الله بن سعيد، ثُمَّ
__________
(1) ينظر: أبو الوليد: عين المصالح، ص59. الحارثي: اللؤلؤ، ص22.
(2) هَذَا ما ذكره أبو بشير في نهضته، ص310. إِلاَّ أَنَّ العزري يشكِّك في ظروف مقتل الإمام الخروصي. ينظر: العزري: فكر السالمي، ص206 - 210.
(3) أغلب ما في ترجمة هَذَا الإمام من نهضة الأعيان لأبي بشير، فقد خصَّص له حيِّزا كبيرا من الكِتَاب، (من ص377 إِلىَ آخر الكِتَاب ص548). وفصَّل كثيرا في ذكر خصاله ومناقبه وأحكامه، وذكر كثيرا من الأحداث الواقعة في فترة إمامته، وهي تَتَّصِلُ من قريب أو بعيد بحكمه، كما ذكر كثيرا من عهوده ومراسلاته، وتعتبر وثائق تَارِيخِيَّة هَامَّة، تحتاج إِلىَ دراسة. وينظر: الحارثي: اللؤلؤ، ص31 - 32، 43، 160 - 180، 235 - 299.
(4) ففي نَسبه نجد: الشيخ المحقِّق سعيد بن خلفان الخليلي، والإمام الخليل بن عبد الله، والإمام الخليل بن شاذان، والإمام الصلت بن مالك، وكلُّهم من أَيمَّة عمان العدول. ينظر: أبو بشير: نهضة، ص80 - 81، 377. (1/144)
صفحة 145
هاجر إِلىَ الشَّرْقِيَّة ليتتلمذ عَلَى الشيخ نور الدين السالمي في التفسير والحديث والأصول. فعقد له السالميُّ مجالس خَاصَّة لكونه من بيت شرف وعلم (1).
قال عنه أبو بشير السالمي ــ وقد لازمه، وعمل واليا له عَلَى بَعض البلدان (2) ــ: «فصار عَلَمًا من الأعلام، وحجَّة في المعقول والمنقول، والمنثور والمنظوم، فهو اليوم أكبر عالم بعمان، إِلَيْهِ منتهى رئاستها، وفي الحلم والعلم وحلِّ المشكلات وكشف العويص ... » (3).
تميَّز بأخلاقه العالية، وخصاله الحميدة، إذ كان واسع الصدر لا تراه غضبان إِلاَّ إذا انتُهكت محارم الله، كان صمته أدبا، وكلامه حكمة وعلما، ذا فراسة صادقة. كان غاية في الكرم، لا يَرُدُّ سائلا ولا مسترفدا، متواضعا، يباسط الناس خَاصَّةً وعَامَّةً، يخدم المرأة والخادم، الصغير والكبير، القويَّ والضعيف، «حَتَّى إِنَّهُ في بَعض الأوقات يَتَوَلىَّ بيده علاج بَعض المرضى من الضعفاء» (4). وقد نال لكرم خصاله وعدله إعجاب رعيَّته، حَتَّى إِنَّ السلطان سعيد بن تيمور أثنى عَلَيْهِ (5).
عاش زاهدا ورعا رغم سعة رزقه قبل اعتلائه عرش الإمامة، وبعدها كان يطوي الليالي والأَيَّام، ويداوم عَلَى كثرة الصيام، ولا يأكل سوى القليل من الطعام، حَتَّى كفَّ بصره من جرَّاء ذَلِكَ لِمُدَّةِ خمسة أشهر، ثُمَّ عالجه طبيب أمريكيٌّ، فأبصر من إحدى عينيه.
ترك أجوبة فِقهِيَّة جمعها الشيخ سالم بن حمد الحارثي (6) في مُجَلَّدين بعنوان:
__________
(1) ينظر: الحارثي: اللؤلؤ الرطب، ص134. أطروحة الهاشمي، ص98.
(2) عمل الشيخ أبو بشير محَمَّد شيبة السالمي للإمام الخليلي عَلَى المضيبي، ثُمَّ عَلَى ديار المعاول ونخل. ينظر: أبو بشير: نهضة، ص417، 504، 508.
(3) المصدر نفسه، ص378.
(4) المصدر نفسه، ص379.
(5) الحارثي: اللؤلؤ، ص175. أطروحة الهاشمي، ص98.
(6) سالم بن حمد بن سليمان بن حميد الحارثي المضيربي، أبو عبد الله، (1351هـ/1932م-1427هـ/2006م) عالم فقيه، مؤرخ، محقِّق، شاعر. ولد بالمضيرب من شرقية عمان. تتلمذ على الشيخ ناصر بن حميد الراشدي، والشيخ ناصر بن سعيد النعماني، و الشيخ خلفان بن جميل السيابي، أدرك الإمام محمد بن عبد الله الخليلي و الشيخ عيسى بن صالح الحارثي. قام بطبع فتاوى الإمام الخليلي، وفتاوى الأمير عيسى بن صالح الحارثي، و فتاوى صالح بن علي الحارثي، و فتاوى الشيخ نور الدين السالمي، وقام بتحقيق كتاب منهج الطالبين و بلاغ الراغبين في واحد وعشرين جزءًا، وغيره من كتب التراث. من تآليفه: العقود الفضية في أصول الإباضية، والمسالك النقية إلى الشريعة الإسلامية، والنخلة. جمع مكتبة ثريَّة بالمخطوطات الموسوعيَّة الهامَّة والنادرة، وتعتبر بحقٍّ مفخرة الخزائن بعُمان. التقيناه في صائفة 1424هـ/2003م فرأينا فيه سيما أولياء الله: شيخ وقور، أخلاق سامية، تواضع جمٌّ، علم غزير ... توفي يوم الأحد 2 ربيع الثاني 1427هـ/ 30 أفريل 2006م. ينظر: سالم بن حمود السيابي: العُرى الوثيقة شرح كشف الحقيقة لمن جهل الطريقة، ص122 (هامش). نسخة رقميَّة. مقال: وفاة العلامة القاضي الشيخ سالم بن حمد الحارثي، موقع الشبكة العمانية، سبلة الدين: ( http://www.omania.net). (1/145)
صفحة 146
”خلاصة الوسائل في تحرير المسائل“ (1).
تُوُفِّيَ عَلَى الساعة الأولى من يوم الاثنين 29 شعبان 1373هـ/3 ماي 1954م ولم يخلِّف ولدا.
3 - أحمد بن سليم العريمي الجنيبي (2):
كان عَلَى المذهب الشافعي، ثُمَّ تحوَّل إِلىَ المذهب الإِبَاضِي، وَهُوَ من بلدة ”واد“ من بلدان وادي منقال. وكان يتردَّد عَلَى الشيخ عيسى الحارثي والشيخ نور الدين السالمي لطلب العلم. عمل للإمام سالم بن راشد الخروصي عَلَى بلدان بني بطَّاش، ثُمَّ عَلَى سمد بطلب من أهلها، وكانت سمد من أجلِّ مراكز الشَّرْقِيَّة، وعمل له أَيضًا عَلَى المضيبي وتوابعهنَّ. يقول عنه أبو بشير: «وكان أحمد من أعظم قواد دولة الإمام سالم، وأمضى سيوفها، بطلا غيورا شهما، لا تلين قناته» (3).
__________
(1) ينظر: الصوافي: السالمي فقيها، قراءات، ص101.
(2) ينظر ترجمته في: أبو بشير: نهضة، ص299 - 300.
(3) المصدر نفسه، ص 299. (1/146)
صفحة 147
خرج مع ثُلَّة من قومه إِلىَ صور لبعض لوازمه الخَاصَّة، فقُتل في مواجهة بينهم وبين جند الوالي عَلَى ”صور“ حمود بن حمد الموالي للسلطان، في اليوم الحادي والعشرين من جمادى الآخرة سنة 1336هـ/ 2 أفريل 1918م.
4 - حمد بن عبد الله السالمي، أبو حميد (1):
هو نجل الشيخ نور الدين السالمي، ولد بالقابل من الشَّرْقِيَّة، ولم يُذكر تاريخ ميلاده، ولا شَكَّ أَنَّهُ بعد 1314هـ/1896م (تاريخ ميلاد أبي بشير أكبر أبناء نور الدين). قال عنه الخصيبي: «كان فقيها رضيًّا، وقاضيا زكيًّا، وجوادا سخيًّا، تَوَلىَّ القضاء في عِدَّة ولايات من دَاخِلِيَّة عمان، منها: نخل، ووادي المعاول، وَذَلِكَ في عهد الإمام الخليلي، ثُمَّ أحبَّ العزلة والتخلِّي من الأعمال، وانقطع في عبادة ذي الجلال، وكان ديِّنا ناسكا، شديد الغيرة في ذات الله تَعَالىَ تابعا خطوات أبيه في ذَلِكَ، وكان يحِبُّ المذاكرة والبحث في كُلِّ فنٍّ من فنون العلم والأدب، ولم تزل حاله حميدة حَتَّى أتاه اليقين يوم 23 شعبان عام1385هـ[/16 ديسمبر1965م]، وله أشعار حسنة» (2)، وذكر نماذج من شعره.
5 - حمد بن عبيد بن مسلم السليمي، أبو عبيد (3):
من أجلِّ علماء عُمان. ولد عام 1280هـ/1864م. تعلم عَلَى يد الشيخ السالمي. وتَوَلىَّ القضاء في دولة الإمامين سالم الخروصي، ومحمَّد بن عبد الله الخليلي، بسمايل وبدبد وفنجا (4) وتوابعهنَّ، وَتَوَلىَّ التدريس في مسقط بمسجد الخور، في عهد السلطان سعيد بن تيمور. كان ذا هيبة ومقام بين العلماء، وكان الإمام الخليلي ــ على جلالة قدره في العلم والسياسة ــ يقدِّمه عَلَى سائر القضاة، وَيَرُدُّ إِلَيْهِ القضايا الصعبة. أصيب بالعمى في آخر عمره.
__________
(1) ينظر ترجمته في: الخصيبي: شقائق، 3/ 249 - 254. وينظر: المرموري: السالمي المجتهد، قراءات، ص45.
(2) الخصيبي: شقائق، 3/ 249.
(3) ينظر ترجمته في: أبو بشير: نهضة، ص126. الخصيبي: شقائق، 3/ 275. الصوافي: السالمي فقيها، قراءات، ص101. أطروحة الهاشمي، ص103. مقدِّمة أبي غدَّة للجوابات، 1/ 8.
(4) ينظر خريطة عمان في الملحق. (1/147)
صفحة 148
من مُؤَلَّفَاته: ”الشمس الشارقة في توحيد المشارقة“، في أصول الدين. ”خزانة الجواهر“ في الفقه. ”هداية الحكَّام إِلىَ منهج الأحكام“، و”العقد الثمين في أحكام الدعوى واليمين“، في الأحكام والقضاء. ”قلائد المرجان“، ويحتوي عَلَى الأسئلة والأجوبة النظميَّة التي يتبادلها مع العلماء والطلبة.
تُوُفِّيَ يوم 28 ذو الحجَّة سنة 1390هـ/24 فيفري 1971م.
6 - سالم بن حمد البراشدي (1):
لا نعلم الكثير عن هَذِهِ الشَّخصِيَّة، ولم تذكر المصادر تاريخ ميلاده أو وفاته؛ وتكتفي بالإشارة إِلىَ أَنَّهُ من تلاميذ السالمي، وَأَنَّهُ شيخ ضرير زاهد تقيٌّ، قمع الفساد، وأصلح بين العباد، عمل للإمام محَمَّد بن عبد الله الخليلي واليا وقاضيا عَلَى بلدة اسْنَاوْ (2) وما حولها بعد الشيخ سلطان بن محَمَّد الحبسي.
7 - سعود بن حميد بن خُليفين المضيربي، أبو الوليد (3):
تعلَّم عَلَى يد الشيخ نور الدين السالمي، «وقد ربَّاه في بيته صغيرا، فنشأ وَهُوَ بمنزلة أحد أبنائه لا يفرَّق في شَيْء، فكان يقرأ عَلَيْهِ، ويقرأ له في أكثر الأوقات، وكتب عنه تساويد جمَّة من مُؤَلَّفَاته» (4).
تقلَّد وظيفتي الوِلاية والقضاء عَلَى بلدة المضيبي وأعمالها، وسمد وتوابعها (5)، وقام بهما أحسن قيام، وَذَلِكَ في مُدَّة نحو خمس وثلاثين عاما، في دولة الإمامين سالم بن راشد الخروصي، ومحمَّد بن عبد الله الخليلي. وكان الإمام الخليلي يحِبُّه كثيرا،
__________
(1) ينظر: أبو بشير: ترجمة السالمي (مخ)، ص14. أبو بشير: نهضة، ص127. الحارثي: اللؤلؤ، ص71، 266. الصوافي: السالمي فقيها، قراءات، ص101.
(2) ينظر: خريطة عمان في الملحق.
(3) ينظر ترجمته في: أبو بشير: نهضة، ص127، 503 - 504، 508. الخصيبي: شقائق، 3/ 220 - 237. أطروحة الهاشمي، ص104.
(4) أبو بشير: نهضة، ص504.
(5) ينظر: خريطة عمان في الملحق. (1/148)
صفحة 149
ويشكر آراءه، وسَمَّاهُ شيخَ القرَّاء، وداهيةَ العلماء؛ لحسن نغمته، وجودة صوته، وسعة علمه، ودرايته ونباهته. لم تستمله إغراءات السلطنة كبعض القضاة.
له رسائل جمَّة، وأجوبة مسائل نظما ونثرا، وكان يقول الشعر وله قصائد طنَّانة في فنون مختلفة. من أعماله: جمع وترتيب مسائل للقطب، سَمَّاهُ: «كشف الكرب». جمع وترتيب مسائل الشيخ صالح الحارثي، سَمَّاهُ: «عين المصالح في أجوبة الشيخ الصالح»، طبعه عزّ الدين التنوخي مع ”الحق الجلي في سيرة الشيخ صالح بن علي“ للسالمي، مع مختارات من ديوانه، ضمن كِتَاب واحد.
أصيب قبل عام من وفاته بمرض في مخِّه، فكان سببَ وفاته ليلة 24 ربيع الأَوَّل سنة 1373هـ/1 ديسمبر1953م.
8 - سعيد بن حمد بن عامر بن خلفان الراشدي (1):
من أهل سناو، ولد سنة 1292هـ/1875م. انتقل منها إِلىَ الفتح (2) من بلدان الشَّرْقِيَّة. تعلَّم عَلَى يد الشيخ صالح الحارثي، والشيخ حمد بن سعيد البوسعيدي، وكان من أكبر الملازمين للشيخ نور الدين السالمي، والمواظبين عَلَى صحبته.
قال عنه شيخه السالمي: «وكان مسارعا إِلىَ الخيرات، معروفا بالسكينة والوقار، تاركا لحظوظ النفس، ومتَّصفا بالكمالات الإِنسَانِيَّة، مجدًّا في تحصيل العلم النافع، وفي الاستفادة والإفادة فيه، ومهر في العلم مع صغر سنِّه» (3).
__________
(1) ورد في نهضة باسم: سعيد بن أحمد، والراجح أَنَّهُ خطأ مطبعي، إذ المصادر الأخرى كُلُّهَا تَتَّفِقُ عَلَى أَنَّ اسم والده} حمد}.
ينظر ترجمته في: السالمي: تحفة، 2/ 313 - 314. السالمي: ديوان، 14، 16. أبو بشير: ترجمة السالمي (مخ)، ص14. أبو بشير: نهضة، ص126. أبو الوليد: عين المصالح، ص65 (هامش). الخصيبي: شقائق، 3/ 154 - 161. الحارثي: اللؤلؤ، ص41 - 42. الصوافي: السالمي فقيها، قراءات، ص101. أطروحة الهاشمي، ص101. مقدِّمة أبي غدَّة للجوابات، 1/ 8. مقدِّمة عبد الرحمن السالمي لروض البيان، ص25 - 26.
(2) ينظر: خريطة عمان في الملحق.
(3) السالمي: تحفة، 2/ 313. (1/149)
صفحة 150
شرع في التأليف منذ صغر سنِّه، فنظم قصيدة ”فيض المنَّان في الردِّ عَلَى من ادَّعَى قِدَمَ القُرْآن“، وأُلِّفت عليها ثلاثة شروح: الأَوَّل للشيخ نور الدين السالمي، سَمَّاهُ: ”روض البيان عَلَى فيض المنان ... “ وحقَّقه عبد الرحمن بن سليمان السالمي، والثاني: لمحمَّد بن سالم الرقيشي (1)، والثالث: لسليمان بن محَمَّد الكندي (2). وله أَيضًا قصيدة ”أعلام الرشاد في علم الجهاد“، وشُرحت ثلاث مَرَّات أَيضًا: الأولى: عَلَى يد الرقيشي في كِتَابه: ”النور الوقَّاد ... “، والثانية: عَلَى يد سعود بن سليمان الكندي. والثالثة: عَلَى يد الشيخ السالمي كَذَلِكَ، وسمَّاه: ”طريق السداد إِلىَ عَلَم [كذا] الرشاد في الدفاع والجهاد“ (3).
تُوُفِّيَ بمطرح في موضع يقال له العريانة، وَهُوَ في طريقه إِلىَ الحجِّ عن غيره، عند المغرب من ليلة 24 شوال 1314هـ/27 مارس 1897م. وكانت له مكانة جليلة عند شيخه السالمي، إذ يناديه بـ”شيخنا الراشدي“، ورثاه في عِدَّة قصائد، منها قوله:
«وهل كالراشديِّ سعيد جِدٍّ حليف الخير في كُلِّ المناقب
إذا ما مشكل ألقاه حبر تيمَّم حلَّه بين العصائب» (4)
وقوله أَيضًا:
«لهفي عَلَى من كان قد مًا صاحبا لي في المجامع
الراشديِّ المرشد الـ ـــبرِّ التقيِّ بلا منازع» (5)
9 - سلطان بن محَمَّد الحبسي:
لم نجد ترجمة وافية عن هَذِهِ الشَّخصِيَّة، وتشير أغلب المراجع إِلىَ أَنَّهُ كان شيخ بلدة المضيبي، وأَنَّ السالمي نزل عنده في طريق رحلته من الرستاق إِلىَ الشَّرْقِيَّة، ومنها انتقل
__________
(1) ستأتي ترجمته، ينظر أدناه ترجمة رقم 22.
(2) سليمان بن مُحَمَّد بن أحمد بن عبد الله الكندي من فقها وشعراء عمان، ولد سنة 1298هـ/1881م، وَتُوُفِّيَ يوم 14 صفر 1337هـ/18 نوفمبر 1918م. ينظر: الخصيبي: شقائق، 3/ 161 - 168.
(3) ينظر هَذَا الْمُؤَلَّف في قائمة مُؤَلَّفَات السالمي، ص203 من البحث.
(4) السالمي: ديوان، ص12. الخصيبي: شقائق، 3/ 155.
(5) السالمي: ديوان، ص14. أبو الوليد: عين المصالح، ص65. (1/150)
صفحة 151
إِلىَ القابل (1)، أَمَّا أبو بشير فقد ذكره من بين تلاميذ السالمي، وقال: إِنَّهُ كان عاملا للإمام محمَّد بن عبد الله الخليلي عَلَى سْنَاوْ قبل الشيخ سالم بن حمد البراشدي (2).
10 - سليمان بن حامد البراشدي:
بعد أن تتلمذ عَلَى السالمي صار من قضاة الإمامين سالم الخروصي ومحمد الخليلي، عمل لهما عَلَى إبرا، ووادي بني معولة بن شمس (3)، بعد الشيخ سليمان بن سنان العلوي (4). ولم تذكر المصادر والمراجع التي بين أيدينا معلومات أخرى عن المترجم له.
11 - سليمان بن سنان العلوي:
لم يذكره غير أبي بشير في رسالته التي ترجم فيها للشيخ السالمي ضمن تلاميذه، ولم يورد تفاصيل عن حياته ومكانته واكتفى بقوله: «عامل الإمام [محمد بن عبد الله الخليلي] عَلَى إِبْرَا، تكفَّل بوظيفتي القضاء والوِلاية» (5) قبل الشيخ سليمان بن حامد البراشدي.
12 - سليمان بن سيف الحميري:
لا نعلم شَيْئًا ذا بال عن هَذِهِ الشَّخصِيَّة غير ما ذكره أبو بشير السالمي إذ قال: «كان أعلم أهل مصره بعلم الآلة، طلبه أهل زنجبار من شيخه أن يكون مدرِّسا لهم، فأسعفهم شيخه وأرسله إِلَيْهِم» (6)، وقال عنه أَيضًا: «وإليه يشار بالحفظ والفهم والبسالة» (7).
__________
(1) ينظر: الصفحات 94، 110، 112 - 116 من البحث.
(2) ينظر: ترجمة السالمي (مخ): أبو بشير، ص14.
(3) ينظر: نهضة: أبو بشير، ص127.
(4) ينظر: أبو بشير: ترجمة السالمي (مخ)، ص14.
(5) المصدر نفسه.
(6) أبو بشير: نهضة، ص126.
(7) أبو بشير: ترجمة السالمي (مخ)، ص14. (1/151)
صفحة 152
13 - سيف بن حمد بن شيخان الأغبري (1):
من تلاميذ الشيخ نور الدين، جمع علما كثيرا، وعمل للإمامين الخروصي والخليلي في وظيفتي الولاية والقضاء عَلَى منح وإزكي ودما والطائيِّين ونواحيها. وتدرَّج في منصب القضاء حَتَّى عُيِّن رئيسا بالمحكمة الشَّرعِيَّة بمسقط، وظلَّ فيها إِلىَ يوم وفاته صباح الاثنين 22 من ذي القعدة سنة 1380هـ/8 ماي 1961م.
14 - عامر بن خميس بن مسعود المالكي، أبو مالك (2):
«المالكي» نسبة إِلىَ «بني مالك». ولد بوادي بني خالد (3) بالشرقيَّة من عمان، سنة 1280هـ/1863م أو 1282هـ/1865م. نشأ يتردَّد بين عزّ والقابل طالبا للعلم، ثُمَّ اسْتَقَرَّ ببديَّة. أخذ العلم عن الشيخ صالح الحارثي، والشيخ سعيد بن علي الصقري. وكان أكثر التلاميذ حظوة عند السالمي، فهو الذي يقرأ له ويكتب عنه؛ وقد خرج ذات مَرَّة لزيارة أولاده، فطالت غيبته، فكتب إليه نور الدين:
«أعامر أنت عندي خير صاحب وأنت فتى عددتك للنوائب
أترحل عن أخيك عَلَى اختيار وتتركني بلا قار وكاتب
لقد ضاق الفضاء عَلَى خليل غدا بعد الأحبَّة بلا صاحب
لئن لم تأتني في كُلِّ يوم لأعتمد الرحيل عَلَى النجائب ... » (4)
لبَّى دعوة الإمام إِلىَ استقراره بنزوى، وكان أحد أركان دولة الإمامين سالم بن راشد ومحمَّد بن عبد الله الخليلي. كان جسورا في قول الحقِّ في أوقات الشدَّة.
__________
(1) ينظر: المصدر نفسه. أبو بشير: نهضة، ص126. الخصيبي: شقائق، 3/ 34 - 43. الصوافي: السالمي فقيها، قراءات، ص101. أطروحة الهاشمي، ص103.
(2) ذكر الخصيبي جدَّه باسم سعيد بدل مسعود.
ينظر ترجمته في: أبو بشير: نهضة، ص125، 465 - 469. الخصيبي: شقائق، 3/ 19 - 20، 25 - 34. الحارثي: اللؤلؤ، ص34 - 35، 181، 213 - 216، 227. الصوافي: السالمي فقيها، قراءات، ص101. أطروحة الهاشمي، ص99. مقدِّمة أبي غدَّة للجوابات، 1/ 8.
(3) ينظر: خريطة عمان في الملحق.
(4) السالمي: ديوان، ص11 - 12. أبو الوليد: عين المصالح، ص59 - 60. الخصيبي: شقائق، 3/ 19 - 20. (1/152)
صفحة 153
خلَف الشيخَ نور الدين في إدارة أمور الإمامة بعد وفاته. وكان يخلف الإمامين الخروصي والخليلي لإدارة شؤون الدولة وإقامة الجُمع عند خروجهما من عاصمة الإمامة ”نزوى“، وكان ذا كفاءة عالية علما وحرصا وسياسة.
كان رئيس القضاة بنزوى في عصره، اهتم بعمارة بيت المال، فغرس الكثير من النخيل، وأحيى الكثير من الأنهار. اعتزل القضاء لفترة، ثُمَّ أرغمه الإمام أن يَتَوَلىَّ إدارة القضاء بالشرقيَّة، وأن لا يصدر بعض الولاة إِلاَّ عن رأيه.
لم تشغله مهامُّ الدولة عن إحياء التراث بجلب النسَّاخ لإنقاذ ما كان عرضة للضياع؛ ولم تمنعه من تخصيص وقت للتدريس، فتخرَّج عَلَى يديه علماء كثيرون، منهم: ابنه القاضي سعود بن عامر المالكي، محَمَّد بن سالم الرقيشي، وسعيد بن أحمد الكندي، وسعيد بن ناصر الغيثي، وسعيد بن سليمان الكندي ... وكلُّهم معدودون في العلماء والقضاة الأعلام.
ترك عِدَّة تآليف، منها: ”موارد الألطاف في نظم مختصر العدل والإنصاف“، أرجوزة في الأصول، و”غاية المطلوب في الأثر المنسوب“ في الأديان والأحكام، ”غاية المرام في الأديان والأحكام“ أرجوزة تنوف عَلَى ثمانية وعشرين ألف بيت. ”غاية التحقيق في أحكام الانتصار والتغريق“، وهي رَدٌّ عَلَى الشيخ عيسى بن صالح الحارثي. وله منظومة في الدماء والأروش، وأجوبة ورسائل كثيرة نثرا ونظما.
تُوُفِّيَ ليلة الخامس من رَمَضَان سنة 1346هـ/26 فيفري 1928م.
قال عنه السالمي وَهُوَ في مرض موته: «لا أخاف عليكم وهنا، وإمامكم سالم بن راشد، وعالمكم عامر بن خميس» (1).
15 - عامر بن عُلَيّ الشيذاني، أبو شيذان:
يُذكر الشيذاني في تلاميذ السالمي ولا نجد التفصيل عن حياته، ويكتفي أبو بشير
__________
(1) أبو الوليد: عين المصالح، ص59. وينظر: الحارثي: اللؤلؤ، ص22. (1/153)
صفحة 154
بقوله عنه: إِنَّهُ من أهل المضيبي، وَإِنَّ شيخه السالمي يحِبُّه كثيرا (1)، ويضيف: «مشمِّر في العلم، فقيه، ورع، حصور، لم يقبل أن يتقلَّد شَيْئًا من الأعمال لزهده» (2).
16 - عبد الله بن خلفان الجهضمي:
لم نجد من ترجم لهذا الشيخ غير الهاشميِّ في أطروحته، وَلَكِن للأسف لم يُحِلنا عَلَى أيِّ مصدر. وقال عنه: إِنَّهُ ولد سنة 1299هـ/1882م، وأخذ أكثر علومه من الإمام نور الدين السالمي، وتضلَّع في النحو والصرف والبلاغة، واستخلفه السالمي عندما خرج إِلىَ الحجِّ، لتدريس علوم العَرَبِيَّة إِلىَ حين عودته من الحجِّ. ثُمَّ سافر الجهضمي إِلىَ زنجبار، وَتَوَلىَّ التدريس هناك وعاد إِلىَ وطنه عام 1359هـ/1940م. ثُمَّ تَوَلىَّ القضاء بولاية الكامل. وتُوُفِّيَ يوم 16 صفر 1363هـ/10 فيفري 1944م (3).
17 - عبد الله بن عامر العزري (4):
هو عبد الله بن عامر بن مهيّل (بالتصغير) العزري الأخشبي النزوي. ولد ببلدة الأخشبية من أعمال المضيبي. أصيب في أحدى عينيه في المهد، ثُمَّ أصيبت الأخرى بشوكة، فنشأ مكفوفا منذ سنِّ الرابعة من عمره. حفظ القرآن الكريم في بلده وَهُوَ صغير، وانتقل إِلىَ المضيبي ليتتلمذ عَلَى الشيخ السالمي عند نزوله بها، وتعلَّم عنده مبادئ العقيدة والنحو، وَلَمَّا انتقل السالمي إِلىَ القابل خلفه في التدريس ابنُ عمِّه محَمَّد بن شيخان السالمي فلازمه العزري، وفي تلك الفترة قال الشعر، وقدَّمه فيه شيخه عَلَى غيره، ثُمَّ انتقل إِلىَ بلدته الأخشبيَّة لإصلاح قومه، وعاد إِلىَ المضيبي ليزداد علما، ثُمَّ رحل إِلىَ زنجبار ينشر العلم ويدرُس، ويجتمع بالعلماء، ومكث بها سبع سنين، ورحل إِلىَ الجزيرة الخضراء وأقام بها سبعا أخرى.
__________
(1) ينظر: أبو بشير: ترجمة السالمي (مخ)، ص14.
(2) أبو بشير: نهضة، ص127.
(3) ينظر: أطروحة الهاشمي، ص100.
(4) ينظر: أبو بشير: نهضة، ص459، 481 - 482. الخصيبي: شقائق، 3/ 216 - 220. أطروحة الهاشمي، ص104. (1/154)
صفحة 155
عاد إِلىَ وطنه بعد قيام الإمامة، فعيَّنه الإمام سالم قاضيا عَلَى إبرا، وأقام بها سنوات عِدَّة، وانتقل إِلىَ نزوى بدعوة من الإمام، وَتَوَلىَّ بها القضاء، وخلف فيها الشيخ أبا مالك عامر بن خميس المالكي في إدارة شؤون البلدة عند غياب الإمام. وكان ذا مكانة عالية لدى الإمام الخليلي يستشيره، وكثيرا ما يأخذ بآرائه. من تلامذته: القاضي سفيان بن محَمَّد الراشدي، والإمام الأخير لعمان: غالب بن علي الهنائي.
تُوُفِّيَ يوم الاثنين 16 شوال 1358هـ/27 نوفمبر 1939م، وعمره بين الستِّين والسبعين عامًا.
18 - عبد الله بن غابش الحبشي النوفلي، أبو الخير (1):
مولىً للنوافل، موطنه ”ودام“ من الباطنة، رحل منها إِلىَ القابل طلبا للعلم، فلازم الشيخ السالمي، ومهر في كثير من العلوم. كان ناسكا محبًّا للخلوة، مكبًّا عَلَى التعليم والعبادة. وكان من كتَّاب تساويد الشيخ السالمي وتآليفه ومراسلاته، واشتغل كـ”موثِّق“، إذ انتهت إِلَيْهِ كِتَابة الصكوك والأوراق والوصايا الشَّرعِيَّة.
كان مهيبا، شديدا في الحقِّ، إذ أرسله الشيخ نور الدين إِلىَ جعلان لمساعدة أميرها وقاضيها، وقد أظهر قومهما تمرُّدا عليهما، فاستفاد منه العباد والبلاد، وكان مرجعا في الفتوى والنوازل هناك. ولي القضاء للإمامين سالم الخروصي ومحمَّد الخليلي عَلَى بدية، ثُمَّ جُمعت له الوِلاية والقضاء. وبعد إلحاحه عَلَى الاستعفاء عذره الإمام الخليلي فأعفاه من منصبه، ورجع إِلىَ بلده مع التزامه بإعانة الإمامة في ما ينوء بها.
__________
(1) ينظر: أبو بشير: نهضة، ص126، 411 - 413. الخصيبي: شقائق، 3/ 195 - 196. الحارثي: اللؤلؤ، ص226، 228. (1/155)
صفحة 156
ترك رسالة سَمَّاها ”كلمة الصدق في تأييد الحقِّ“، وأرجوزة في الميراث، وأخرى في الأصول، وقصائد طنانة، ومراسلات حسان. تُوُفِّيَ يوم 15 صفر سنة 1339هـ/27 أكتوبر 1920م (1).
19 - عبد الله بن محَمَّد بن رزيق الريامي، أبو زيد (2):
هو الزعيم الباسل، وعالم الاقتصاد الفاضل: أبو زيد عبد الله بن محَمَّد بن رزيق بن سليم الريامي الأزكوي. ولد يوم الجمعة 5 رَمَضَان 1301هـ/28 جوان 1884م، نشأ بإزكي، وانتقل أبوه وعمه إِلىَ إبرا من الشَّرْقِيَّة يعلِّمان القُرْآن، مات أبوه وتركه في حجر عمِّه. ثُمَّ عاد أبو زيد إِلىَ إزكي واستوطنها. ورحل إِلىَ السالمي بالشرقيَّة، وأخذ عنه العلم، وصار من أكبر تلامذته، وأكثر تساويد نور الدين بخطِّه لملازمته ولقدره عنده. رجع إِلىَ وطنه إزكي عام 1328هـ/1910م (3) واشتغل بالتدريس، فتخرج عَلَى يديه جمٌّ غفير، منهم العالم محَمَّد بن سالم الرقيشي.
كان آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر في زمن الكتمان، وكان أمين سرِّ الدولة في ذَلِكَ الظرف. ثُمَّ تَوَلىَّ القضاء للإمام الخروصي عَلَى إزكي، ثُمَّ الوِلاية عَلَى بهلا، وَاسْتَمَرَّ عَلَيْهَا إِلىَ إمامة الخليلي، أمِن الخائف في ولايته من الاضطهاد، وأُنصف المظلوم في قضائه من الظالم. واشتُهر بالشجاعة والبسالة، وبالزهد والتقشُّف، وبالتواضع وهضم النفس، وكثرة العبادة. عمل عَلَى عمارة بيت المال، وخدمة الأوقاف، وتطوير الاقتصاد، والقضاء عَلَى البطالة، واهتمَّ بالزراعة والريِّ وإحياء
__________
(1) هَذَا التاريخ ذكره أبو بشير في نهضة الأعيان، ص411، وفي رسالته التي ترجم فيها للسالمي ذكر أَنَّهُ تُوُفِّيَ سنة 1340هـ. وما ذكره في نهضته كان أكثر دقة وتفصيلا، فهو أولى بالاعتماد، وَأَمَّا ما في الرسالة فيبدو أَنَّهُ مسوَّدة لِمَا في النهضة. ينظر: ترجمة السالمي (مخ)، ص13.
(2) ورد في ترجمة السالمي المخطوطة باسم: عبد الله بن أحمد، وَهُوَ ما لا يتوافق مع بَقِيَّة المصادر.
ينظر: ترجمته في: المصدر نفسه، ص13. أبو بشير: نهضة، ص126، 493 - 497. الحارثي: اللؤلؤ، ص284 - 294. الصوافي: السالمي فقيها، قراءات، ص101، 105. أطروحة الهاشمي، ص98.
(3) هَذَا التاريخ ذكره أبو بشير في نهضة الأعيان، ص493. بينما يذكر أبو غدَّة أَنَّ عودته كانت سنة 1321هـ/1903م. ينظر: جوابات، 1/ 14. (1/156)
صفحة 157
الموات، وإصلاح الطرق والحصون، وتنظيم إدارة الدولة عمَّالا وقضاة وجيشا. «ولم يكن للإمامين عامل يستَحقُّ الثناء ما يستَحقُّه أبو زيد» (1).
من تآليفه: كِتَاب في النحو، وآخر في مناسك الحجِّ، وسؤالات المشكلات فيما أشكل عَلَيْهِ من الآثار عند قراءته عَلَى الشيخ نور الدين، وَسمِّيَت إجابات شيخه عنها بـ”حلّ المشكلات“ (2) وهي مطبوعة ضمن جوابات السالمي (3).
تُوُفِّيَ ببهلا بعد العصر من يوم 3 رجب 1364هـ/13 جوان 1945م.
20 - عيسى بن صالح بن علي الحارثي (الأمير) (4):
من أبناء أستاذ السالمي الشيخ صالح الحارثي، ولد في 23 ذو القعدة 1290هـ/12 جانفي 1874م «ونشأ في حجر والده الصالح، وأخذ مبادئ علم النحو والمعاني والبيان عن الشيخ خميس بن حويسن الهنائي، وأكبَّ عَلَى التعليم، ودرس عَلَى أبيه الصالح ثُمَّ نور الدين» (5).
تَوَلىَّ الإمارة بعد استشهاد أبيه في معركة ضدَّ أنصار السلطان فيصل، وخيَّب الشيخُ عيسى أملَ السلطان الذي حاول استغلال فرصة وفاة والده صالح، وبعد انهزام جيش السلطان تلطَّف هَذَا الأخير بالحارثي وأكرمه وسالمه، وأجرى له راتبا شهريًّا، فسكنت المناوشات التي كانت بينهما.
__________
(1) أبو بشير: نهضة، ص494.
(2) ينظر: أبو بشير: ترجمة السالمي (مخ)، ص16. أبو بشير: نهضة، ص129. مُقَدِّمَة عميرة للمشارق، ط. بيروت، 1/ 36.
(3) قال أبو غدَّة: «وقد سَمَّى الريامي أسئلته وأجوبتها} حل المشكلات} وليس له فيه إِلاَّ الأسئلة وتوهَّم بَعضهم أَنَّهَا تأليفه». ينظر: مقدِّمة أبي غدَّة للجوابات، 1/ 14.
(4) ينظر ترجمته في: أبو بشير: نهضة، ص87 - 95، 125. الزركلي: الأعلام، 5/ 104. الحارثي: اللؤلؤ، ص228 - 241. الصوافي: السالمي فقيها، قراءات، ص101. أطروحة الهاشمي، ص99 - 100. مُقَدِّمَة أبي غدَّة لجوابات السالمي، 1/ 8. مقدِّمة عبد الرحمن السالمي لروض البيان، ص37.
(5) أبو بشير: نهضة، ص88. (1/157)
صفحة 158
كان الأمير عيسى جوادا كريما مضيافا، يقول الحقَّ ولا يبالي، وَيَرُدُّ الباطل في وجه قائله. جمع شتات المسلمين لمبايعة الإمام الخليلي، فَإِنَّهُ عرف قدر الإمامة بعد أن كان يحاذر الدخول فيها (1)، ثُمَّ كان من أكبر المؤيِّدين لها والمدافعين عنها، والسند القويَّ في النهضة الحديثة، وقد مثَّل الإمامَ في كثير من المباحثات مع السلطان.
من مُؤَلَّفَاته: ”الردُّ العزيز عَلَى أحكام الدريز“، رسالة في الردِّ عَلَى الإمام الخليلي، فيما حكم فيه بين الحجريِّين وبني راسب. وله أجوبة مسائل في مختلف الفنون، جمعها ورتَّبها الشيخ سالم بن حمد الحارثي في مُجَلَّدين بعنوان: ”خلاصة الوسائل في ترتيب المسائل“. وله اعتراضات واختلافات في الرأي مع بَعض علماء عصره.
تُوُفِّيَ في ضحى يوم 7 ربيع الثاني سنة 1365هـ/10 مارس 1946م ببلده القابل.
21 - قَسْوَر بن حمود بن هاشل الراشدي (2):
من أهل القريتين (3)، ولد سنة 1304هـ/1887م، وأخذ العلم في أَوَّل عمره عن الشيخ أحمد بن سعيد الخليلي، ثُمَّ رحل إِلىَ الشيخ السالمي ولازمه. عمل للإمام الخروصي عَلَى ”حبل الغاف“، ثُمَّ عَلَى منح واليا وقاضيا. وفي عهد الإمام الخليلي رحل إِلىَ زنجبار، وَتَوَلىَّ فيها منصب الإفتاء. وعند عودته إِلىَ عمان تُوُفِّيَ في الطريق سنة 1360هـ/1941م.
__________
(1) كنتُ أتعجَّب من عدم مساندة هَذَا الشيخ للإمامة منذ أَوَّل يوم، عَلَى جلالة قدره، ونشأته في حجر والده الذي كان من أكبر الدعاة إِلىَ إقامة حكم الإمامة، ثُمَّ تَبَيَّنَ لي أَنَّ الراتب الشهريَّ الذي كان يتلقَّاه من السلطان رُبَّمَا كان من أسباب تأخُّره عن مساندة} المعارضة}، ولم تكن بيعته إِلاَّ بعد شهر من قيام الإمامة، وبعد أن وجَّه إِلَيْهِ الشيخ السالميُّ عتابا.
وكثيرا ما حذَّر الحكماء والعلماء عُمُومًا ــ والإِبَاضِيَّة منهم خُصُوصًا ــ من التقرُّب والتزلُّف إِلىَ السلاطين؛ لأَنَّ هداياهم وأموالهم تبعث عَلَى الركون والاستكانة!.
(2) ينظر: أبو بشير: ترجمة السالمي (مخ)، ص14. أبو بشير: نهضة، ص127. أطروحة الهاشمي، ص100.
(3) ينظر: خريطة عمان في الملحق. (1/158)
صفحة 159
22 - محَمَّد بن سالم بن زاهر الرقيشي:
هو محَمَّد بن سالم بن زاهر بن بدوي بن جمعة الرقيشي، أخذ العلم عن الشيخ السالمي (1) وعامر بن خميس المالكي وأبي زيد عبد الله بن محَمَّد الريامي (2). وتَعتبِرُ المصادر الرقيشيَّ من الشعراء، و”من جهابذة العلماء، ومن ذوي الشهامة والشجاعة، ومن أهل الرأي والسياسة“، ومن أعضاد دولة الإمامين سالم الخروصي ومحمد بن عبد الله الخليلي، عمل واليا وقاضيا بكفاءة في عِدَّة ولايات، منها: إزكي، ونخل، ووادي المعاول، وأدم، وعبري، وعمل للسلطان سعيد بن تيمور، وكان ذا مكانة عنده، إذ قدَّمه عَلَى غيره من العلماء، وأحسن إِلَيْهِ. ونوظر في بعض أقضيته فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ كان صائبا، ومطَّلعا عَلَى آثار العلماء.
له شرح قصيدة ”فيض المنَّان في الردِّ عَلَى من ادَّعَى قِدَمَ القُرْآن“ (3)، وشَرَحَ قصيدة ”أعلام الرشاد في علم الجهاد“ في كِتَابه ”النور الوقاد“، وكلتا القصيدتين لسعيد بن حمد الراشدي.
تُوُفِّيَ سنة 1387هـ/1967م (4).
23 - محَمَّد بن شيخان السالمي، أبو نذير (شيخ البيان) (5):
تذكر المصادر بِأَنَّهُ ابن عمِّ الشيخ نور الدين، وَلَكِنَّهُ يلتقي معه في جده الثالث: خلفان بن خميس، فهو: «محَمَّد بن شيخان بن خلفان بن مانع بن خلفان بن خميس السالمي» (6).
__________
(1) ينظر: المرموري: السالمي المجتهد، قراءات، ص45.
(2) ينظر مصادر ترجمة هذين العلمين ضمن تلاميذ السالمي.
(3) ينظر: مقدِّمة عبد الرحمن السالمي لروض البيان، ص25.
(4) ينظر: الخصيبي: شقائق، 3/ 255 - 263. الحارثي: اللؤلؤ، ص8 - 10.
(5) ينظر ترجمته في: أبو بشير: نهضة، ص127، 459 - 461. أبو بشير: ترجمة السالمي (مخ)، ص14. مُقَدِّمَة أبي بشير لديوان ابن شيخان، ص13 - 16. السالمي: مشارق، ص36. الخصيبي: شقائق، 1/ 189. أطروحة الهاشمي، ص101.
(6) أبو بشير: نهضة، ص459. (1/159)
صفحة 160
تتشابه ظروف حياته مع ظروف الشيخ نور الدين لأنهما عاشا في نفس الفترة وفي نفس البلدان. فقد ولد محَمَّد بن شيخان سنة 1284هـ/1868م بالحوقين من أعمال الرستاق، وكان أبوه رئيس قومه السوالم، وَلَمَّا وقعت فتنة الهناويَّة والغافريَّة انتقلت الأسرة ومعها الطفل محَمَّد بن شيخان إِلىَ الرستاق، وكانت تزخر بالعلماء والمتعلِّمين، فقرأ عَلَى الشيخ راشد بن سيف اللمكي بمسجد قصرى، ثُمَّ درس علم اللسان وعلم الكلام والفقه قراءةً عَلَى ابن عمِّه نور الدين، وبعد رحيل هَذَا الأخير سنة 1308هـ/1891م إِلىَ المضيبي التحق به محَمَّد بن شيخان، فمكث بها طويلا، حَتَّى انقلبت به الحال آخر عمره فرجع إِلىَ الرستاق، وَتَوَلىَّ بها التدريس في مختلف فنون العلم، وكان له بجامع البياضة ــ في عصر الإمام سالم الخروصي وصدر إمامة الخليلي ــ حِلَقٌ عديدة تخرَّج فيها تلاميذ كثيرون، منهم القاضي الفقيه: عبد الله بن عامر العزري (1)، والشيخ محَمَّد بن حمد الزاملي الذي تَوَلىَّ قضاء الرستاق في عصر الإمام الخليلي.
كان ذا حافظة قَوِيَّة، وذا بداهة نادرة. تبوَّأ المكانة العليا في الأدب والشعر: حفظا لأشعار العرب، وفصاحة وبيانا، لِذَلِكَ سَمَّاهُ القطب اطفيَّش: ”شيخ البيان“ فكان لقبا مشهورا به. قال عنه السالمي: «لولا وجود شاعر العرب أبي مسلم الرواحي بزنجبار لقلت: إِنَّهُ أشعر أهل عصره» (2).
كان كريما جوادا رغم ضيق حاله، وَهُوَ ما أَدَّى به إِلىَ التكسُّب بشعره، فكانت بينه وبين السلطان فيصل صِلات، وكثيرا ما امتدحه وأولادَه بشعره، وكان ذَلِكَ سبب الجفوة التي كانت بينه وبين نور الدين الذي لامه بقوله: «إِنَّ التكسُّب بمدح الجبابرة حرام وما أشبهه بمهر البغيِّ، وما زال شيخ البيان يعتذر عن ذَلِكَ بقوله: نحن بحاجة إِلىَ ما بأيديهم من بيت المال، لا نصل إِلَيْهِ إِلاَّ بسبب» (3). وَلَمَّا قامت
__________
(1) تَقَدَّمَت ترجمته ضمن تلاميذ السالمي، ينظر أعلاه، الترجمة رقم 17.
(2) أبو بشير: نهضة، ص461. كما نوَّه به السالميُّ أَيضًا في المشارق، ص36.
(3) أبو بشير: نهضة، ص461. وينظر: الحارثي: اللؤلؤ، ص139 - 140. (1/160)
صفحة 161
الإمامة جفاه السلطان لقرابته من زعيم الإمامة الشيخ نور الدين، فخرج للتكسُّب بمدح حكَّام الإمارات، ثُمَّ أقلع عن ذَلِكَ ورجع إِلىَ الرستاق وعمل بها مدرِّسا.
تُوُفِّيَ ببيت القرن من الرستاق ليلة الجمعة 18 ربيع الأَوَّل 1346هـ/14 سبتمبر 1927م.
24 - محَمَّد شيبة بن عبد الله (نور الدين) السالمي، أبو بشير (1):
ولد الشيخ أبو بشير بالقابل سنة 1314هـ/1896م، وتربَّى في حِجر والده، وكان ملازما له، إذ كان عصاه التي يمشي بها. أخذ العلم عن والده، وساعده في بَعض كِتَاباته. وكان من فحول العلماء، وبرز في العقيدة والأصول والفقه والأدب والتاريخ والسياسة. عيَّنه الإمام سالم بن راشد الخروصي واليا عَلَى بلدان الحبوس، وسمد ونواحيها، والخضر وديار الشروج (2). كما عمل للإمام محمَّد بن عبد الله الخليلي عَلَى المضيبي وسمد وتوابعها، مع أبي الوليد سعود بن حميد، ثُمَّ استعفى سنة 1339هـ/1920م ثُمَّ تقلَّد الولاية في شوال عام 1352هـ/جانفي 1934م عَلَى ديار المعاول ونخل.
جمع أبو بشير مكتبة واسعة قلَّ نظيرها في عمان. وترك مؤلَّفا تاريخيًّا في غاية الأَهَمِّيَّة، وَهُوَ كِتَاب «نهضة الأعيان بِحُرِّيَّة عُمان»، إذ يعتبر المصدر العمانيَّ الأَوَّل الذي يؤرِّخ لفترة الشيخ السالمي وما بعدها. وقد اشتمل كِتَابه عَلَى مَادَّة عِلمِيَّة غزيرة، ويعتبر كُلُّ من أتى من بعده عالة عَلَيْهِ في تأريخه لتلك الفترة. وقد أرَّخ للكثير من أحداث عمان التي حدثت قبله بقليل أو التي عاشها وشارك فيها.
تُوُفِّيَ في 30 ذو القعدة 1395هـ/ 3 ديسمبر 1975م.
__________
(1) ينظر: أبو بشير: نهضة، ص236، 261، 317، 417، 504، 508، 515 وما بعدها. الخصيبي: شقائق، 2/ 23 - 34. مُقَدِّمَة الروض النضير، ص”ب“.
(2) لم أعثر عَلَى تعريفها في ما بين يدي من المصادر. (1/161)
صفحة 162
25 - مسعود بن راشد الحبسي، أبو جبل:
لم يذكره ضمن تلاميذ الشيخ نور الدين السالمي غير مبارك الهاشمي في أطروحته، وذكر أَنَّهُ ولد سنة 1295هـ/1878م. هاجر من وطنه لملازمة الشيخ السالمي، وله مع الشيخين السالمي وعامر بن خميس المالكي مطارحات أدبيَّة ومسائل فِقهِيَّة، جمع بَعضها في كِتَاب ”الدر النظيم للشيخ المالكي“. تُوُفِّيَ سنة 1370هـ/1950م (1).
26 - ناصر بن راشد الخروصي (2):
هو أخو الإمام سالم بن راشد الخروصي، ومن أعظم مؤازريه عند قيام دولة الإمامة. كان موطن آبائه بلدة مشايق من الباطنة، هاجر منها واستوطن العوابي طالبا للعلم، ورحل إِلىَ الشيخ السالمي بالشرقيَّة ليقرأ عَلَيْهِ التفسير والحديث والفقه، وكان ذا حافظة قَوِيَّة لا يكاد يفوته شَيْء مِمَّا سمعه.
قال عنه أبو بشير: «كان هَذَا الشيخ معروفا بالتصلُّب والشجاعة من غير مبالاة لِمَا أمامه من القُوَّة. وكان من العلماء الأجلاَّء بعمان، وقور النفس، رقيق القلب، كثير الخشية، كثير الصلاة، شديدا عَلَى المنافقين، فظًّا عليهم» (3)، وكان سريع الغضب سريع الرجوع إِلىَ الحقِّ، واشتهر بالجود والكرم رغم قِلَّة ذات يده.
تَوَلىَّ لأخيه الإمام منصب الوِلاية والقضاء عَلَى الرستاق وما حولها، والعوابي وما اشتمل عليها، وبقي كَذَلِكَ في إمامة الخليلي، وعمل له أَيضًا عَلَى إزكي ووادي المعاول، ووادي الأبيض، ووادي بني خروص.
تخرَّج عَلَى يديه تلاميذ كثيرون، منهم الفقهاء: الشيخ خلفان بن عثمان الخروصي، والشيخ القاضي عبد الله بن محَمَّد الخروصي، والقاضي سيف بن حماد
__________
(1) ينظر: أطروحة الهاشمي، ص101.
(2) ينظر: أبو بشير: ترجمة السالمي (مخ)، ص13. أبو بشير: نهضة، ص126، 486 - 487. الخصيبي: شقائق، 3/ 344 - 345. أطروحة الهاشمي، ص100.
(3) أبو بشير: نهضة، ص486. (1/162)
صفحة 163
الخروصي، والقاضي خلفان بن محَمَّد الخروصي، والقاضي سليمان بن ناصر الذهلي، وابن أخيه الشيخ العالم عبد الله بن الإمام سالم الخروصي.
تُوُفِّيَ بعد مرض أصابه في وطنه مشايق بالباطنة بعد رجوعه إليها للفصل بين أهلها، وَذَلِكَ في يوم 28 رجب 1362هـ/30 جويلية 1943م، ودفن بها بجوار أبويه كما كان يرجو.
*********************
هَذَا ما تَمَّ جمعه من معلومات حول تلاميذ الشيخ نور الدين السالمي. وإذا نظرنا في تراجمهم وجدنا أغلبهم تَوَلىَّ مناصب عليا في عمان، أعلاها منصب الإمامة، والبقيَّة تولوا مناصب الولاية لبعض البلدان والنواحي، وآخرون جمعوا بين منصبي الولاية والقضاء، وكان منهم المفتون والمدرِّسون الذين خرَّجوا تلاميذ كثيرين.
كما نلاحظ أَنَّ أغلبهم تجمعهم هَذِهِ الأوصاف:
· التضحية وخدمة الوطن: فَكُلُّ هَؤُلاَءِ التلاميذ استجابوا لنداء الإمامة، وكانوا من جنودها، وعُرفوا بالشجاعة والبسالة، والسعي الحثيث وراء إقامة كيان الدولة الفتيَّة، رغم صعوبة الظرف السياسيِّ الذي تمرُّ به البلاد، من تحدِّيات دَاخِلِيَّة، متمثِّلة في السلطان ونفوذه، وتحدِّيات خَارِجِيَّة ــ عَلَى الخصوص ــ تمثَّلت في مساندة الإنجليز للسلطان، وتدخُّلها الواضح والفاضح في شؤون عمان، ومعارضتها بشدَّة لقيام حكم الإمامة.
· الإنتاج والتأليف: أغلب من ذُكر آنفا تَرَكَ تآليف في العقيدة والفقه (عبادات ومعاملات وأحكاما) والأدب، وكذا التاريخ، وَهُوَ المجال الذي لم يُعطَ له الاهتمام اللازم قبيل الشيخ السالمي.
· السلوك القويم والخلال الفاضلة: عُرف هَؤُلاَءِ التلاميذ بالفضل والجود والكرم، وحسن المعاملة، والتواضع ومساعدة المحتاجين، والمسارعة إِلىَ الخيرات.
· (1/163)
صفحة 164
روح الزهد وعدم الانبهار بالدنيا وملذَّاتها: اشتهر أغلبهم بالزهد والورع، والعزوف عن الدنيا وملذاتها، رغم امتلاكهم مقاليد الدولة، وإمساكهم بزمام الأمور، فلم تغرُرْهم مناصبهم في الولايات بأخذ المال من غير حلِّه، أو التوسُّع في الرزق ــ كما حدث ذَلِكَ كثيرا عبر التاريخ الإِسلاَمِي ــ بل إِنَّ بَعضهم كان غنيًّا قبل تقلُّده لأحد المناصب في الدولة ثُمَّ عزف عَمَّا في أيديه زهدا فيه، كما كان من الإمام الخليلي.
· كثرة التنسُّك والعبادة: نفخ السالميُّ في تلاميذه هَذِهِ الرياضات الروحيَّة ــ من كثرة الصلاة والصوم وذكر الله ــ فكانت المدد المعنويَّ، وَالقُوَّة الدافعة نحو التحلِّي بالفضائل، والتخلِّي عن الرذائل؛ فهي الوقاية التي تمنع أركان الدولة من أن تزعزعها الأهواء، وتفرِّقها النوازع المَادِّيَّة العاجلة، وهي نوع من الرقابة الدَّاخِلِيَّة، تمنع المرء من الإقدام عَلَى ما لا يرضاه الرقيب الذي لا تأخذه سنة ولا نوم. وقد طبَّق تلاميذ السالمي هَذَا المبدأ، حَتَّى إِنَّ بَعضهم بالغ في ذَلِكَ عَلَى حساب جسده.
وَهَذِهِ الأوصاف هي التي تحلَّى بها السالميُّ، واستطاع أن يركِّزها في تلاميذه، قولا وفعلا، قولا: من خلال الدروس التي كان يلقيها عليهم، والمؤلَّفات التي ألَّفها. وفعلا: من خلال السلوك العمليِّ الصارم الذي طبَّقه عَلَى نفسه، فكان لهم أسوة حسنة، ومثالا يُحتذى. وَلَعَلَّ الإصابة التي ابتلي بها السالمي ــ وهي العمى ــ كانت من أهمِّ الأسباب التي تدعو تلامذته إِلىَ الاحتذاء به، إذ لم يكن فقدان البصر عائقا أمام تحقيق أهدافه التي رسمها وخطَّط لها بإحكام.
وإذا كُنَّا قد تعرَّضنا لجانب من الجهد الفكريِّ للشيخ السالمي، فلنتناول بالتحليل جانبا آخر من آثاره الفِكرِيَّة أَيضًا، وَهُوَ التأليف؛ فما هي الْمُؤَلَّفَات التي تركها السالميُّ؟ وما الروح التي تتضمَّنها تِلْكَ الْمُؤَلَّفَات حَتَّى استطاع بها بثَّ الوعي والنهضة الفِكرِيَّة والسِّيَاسِيَّة في نفوس العمانيِّين؟ ...
هَذَا ما سنحاول الإجابة عنه في المبحث الآتي. (1/164)
صفحة 165
المبحث الثاني
تآليف الشيخ السالمي
أَوَّلاً - توطئة:
شرع الشيخ السالمي في التأليف في وقت مبكِّر من حياته، فكان أوَّل ما ألَّفه ـ وهو طالب للعلم بالرستاق ـ أرجوزة الجُمَل وشرحها، وَذَلِكَ سنة 1305هـ/ 1888م (1)، أي حين كان عمره ــ على الأرجح ــ واحدا وعشرين عاما. ثُمَّ واصل رحلته في التأليف مع رحلاته في طلب العلم، وقبل خروجه من الرستاق إِلىَ القابل كان قد شرع في تأليف كِتَاب ”الشرف التام في شرح دعائم الإِسلاَم“، والذي عرضه عَلَى شيخه ماجد بن خميس العبري ببلدة الحمراء، وَهُوَ في طريقه إِلىَ القابل (2).
تجدر الإشارة هنا إِلىَ أَنَّ الذين ترجموا للشيخ السالمي قد أوردوا قوائم غير وافية لمؤلَّفاته، فمنهم من لم يستقرئها كُلَّهَا، ومنهم من أخطأ في أسماء بَعضها؛ لِذَلِكَ فقد حاولت أن أستوفي ذكر ما توصَّلت إليه، وأصحِّح ما وقع من اشتباه حولها، وأزيل الغموض عن بعضها، مع عرض مختصر لمضامينها، لأَنَّ كثيرا منها لا يزال مجهولا لدى أغلب الباحثين، وَحَتَّى تكون القائمة مرجعا لِكُلِّ باحث عن التفصيل.
ونظرا للأخطاء المطبعيَّة الكثيرة التي أساءت إِلىَ تراث السالمي، فَإِنَّ أغلب تآليف السالمي ــ في نظر الباحث ــ تحتاج إلىَ إعادة تحقيق وتدقيق ومقارنة بين النسخ المخطوطة، لِذَلِكَ حرصنا عَلَى ذكر مختلف الطبعات، ومكان وجود النسخ المخطوطة، رغم كون أكثر تراثه مطبوعا. وَهَذَا يُؤَكِّدُ ما قاله الدكتور محَمَّد ناصر في شأن التراث العمانيِّ بصفة عَامَّة: «إِنَّ الكثير مِمَّا طُبع أَو صوِّر من هَذَا التراث في
__________
(1) ينظر: السالمي: بلوغ الأمل في المفردات والجمل، ص15. أبو بشير: نهضة، ص119.
(2) ينظر: أطروحة الهاشمي، ص66. (1/165)
صفحة 166
حاجة ماسَّة إِلىَ إعادة نظر، لأَنَّ بَعض ما صوِّر تصويرا دون تصحيح، أو طبع طبعا دون تحقيق، يحتوي عَلَى الأخطاء الشكليَّة، وَبَعضه عَلَى أخطاء عِلمِيَّة، وهي في جملتها قد تجني عَلَى قيمة الكِتَاب، وتنتقص منه، وَبَعض الأخطاء كما لا يخفى تشوِّه النصَّ تشويها تَامًّا، وقد تحرِّفه عن أصل فكرته إِلىَ فكرة مناقضة تماما ... » (1).
وقد راعيتُ في القائمة الترتيب الموضوعيَّ، ثُمَّ أردفتها بقائمة أخرى مرتَّبة زمنيًّا قدر المستطاع، مستعينا عند الاقتضاء بالقرائن الممكنة، حين لا يذكر تاريخ التأليف، أو حين يهمله النسَّاخ، وَهَذَا لبيان الْمُتَقَدِّم والْمُتَأَخِّر من مُؤَلَّفَات السالمي، ولمساعدة الباحثين عَلَى معرفة ”الناسخ والمنسوخ“ من آرائه. وغرضي من كُلِّ هَذَا أن يكون العمل بيبليوغرافيًّا متكاملا.
ثانيا - قائمة تآليف السالمي:
أ - القوائم السابقة (2):
ذكَرَ أغلب المترجمين للشيخ السالمي قوائم لكثيرٍ من تآليفه، فمنهم من اقتصر عَلَى ذكر بَعض العناوين، ومنهم من أضاف إِلَيْهَا ذكر موضوعاتها (في الأصول، في الفقه ... )، ومنهم من أورد تعريفا مختصرا لمضمونها (3).
__________
(1) الدكتور محَمَّد صالح ناصر: تراثنا الإِسلاَمي والعصر، مكتبة الضامري للنشر والتوزيع، السيب، سلطنة عمان، الطبعة الأولى، 1415هـ/1995م، ص78.
(2) ينظر قوائم مُؤَلَّفَات السالمي في: أبو بشير: ترجمة السالمي (مخ)، ص14 - 18. أبو بشير: نهضة، ص128 - 129. مُقَدِّمَة أبي إسحاق لجوهر النظام، 1/”و-ز“. مُقَدِّمَة العبري للعقد الثمين، 1/ 8 - 9. مُقَدِّمَة محَمَّد إسماعيل لمعارج الآمال، 1/ 6 - 7. مُقَدِّمَة التنوخي لشرح الجامع الصحيح، 1/”ط-ك“. مُقَدِّمَة البطاشي للمشارق، ص”خ“. مُقَدِّمَة عميرة للمشارق، ط. بيروت، 1/ 29 - 38. مُقَدِّمَة العاني للمشارق، ط. دمشق، ص8. المرموري: السالمي المجتهد، قراءات، ص45 - 46. أطروحة الهاشمي، ص113 - 116. مُقَدِّمَة أبي غدَّة لجوابات السالمي، 1/ 10 - 13. مُقَدِّمَة عبد الرحمن السالمي لروض البيان، ص38 - 40. العزري: فكر السالمي، ص126 - 154.
(3) ينظر مثلا: مُقَدِّمَة البطاشي للمشارق، ص} خ}. مُقَدِّمَة عميرة للمشارق، ط. بيروت، 1/ 29 - 38. والواقع أَنَّ أغلب ما أورده هَذَا الأخير كان نقلا لفقرات من استهلال تلك الْمُؤَلَّفَات، ومن خواتمها، وليس تعريفا دقيقا لمضامينها، وتبيينا لمنهج الْمُؤَلِّف فيها. (1/166)
صفحة 167
وَلَكِن لم أجد فيما اطَّلَعت عَلَيْهِ تعاريف لمؤلَّفاته تستجيب للشروط الآتية:
· استيفاء ذكر مُؤَلَّفَات الشيخ.
· الترتيب الموضوعي أو التاريخي أو الألفبائي لها.
· التعريف بمحتوى تلك الْمُؤَلَّفَات.
· التعريف بمنهجه فيها، وذكر أهم الملاحظات عليها.
· نصيبها من الطبع والتحقيق.
· الأعمال التابعة لها من شروح أو حواشٍ إن وجدت.
ومن المفيد أن نختصر هنا الملاحظات التي وجَّهها أحد الناقدين (1) للقوائم المنشورة عن مُؤَلَّفَات السالمي، وتتمثَّل الملاحظات فيما يأتي:
1. أَنَّهَا وردت بدون ترتيب، وَأَوَّلُ من رتَّبها موضوعيًّا هو أبو غدَّة في مُقَدِّمَته لجوابات السالمي، إِلاَّ أَنَّ هَذَا الترتيب لا يسعفنا بمعرفة تطوُّر فكر السالمي، بخلاف ما إذا كان الترتيب تاريخيًّا، فَإِنَّهُ يساعدنا عَلَى معرفة تأثير شيخه الحارثي في فكر تلميذه.
2. أَنَّ ترتيب أبي غدَّة لم يكن دقيقا، حيث وضع كِتَاب ”اللمعة المرضية“ ضمن موضوع أصول الدين، بينما هو أقرب إِلىَ التاريخ.
3. أَنَّ أبا غدَّة لا يشير إِلىَ أَنَّ كِتَاب ”الشرف التامِّ في شرح دعائم الإِسلاَمِ“ لا يزال مخطوطا.
4. أَنَّ المراجع مختلفة في تحديد عدد مُؤَلَّفَات الشيخ، فمنهم من أورد قائمة بأربعة عشر عنوانا مثل أبي بشير في نهضة الأعيان (2)، ومنهم من أورد قائمة بسبعة عشر عنوانا، كما فعل أبو إسحاق اطفيَّش في مُقَدِّمَة جوهر النظام (3)،
5.
__________
(1) ينظر: العزري: فكر السالمي، ص129 - 132.
(2) هَذَا خطأ، فأبو بشير ذكر قائمة بستَّة وعشرين عنوانا، ما بين كِتَاب ورسالة، ثُمَّ إِنَّهُ لم يذكر أَنَّهُ استوفاها كلَّها، بل اكتفى بذكر ما حضره أوان تأليفه للكتاب، فقد قال في آخر القائمة: «انتهى ما استحضرنا ذكره من الكتب والرسائل». ينظر: نهضة، ص131.
(3) هَذَا خطأ أَيضًا، فالشيخ اطفيَّش أورد قائمة بأربعة عشر عنوانا، والعزري بهذا يريد أن يثبت وجود تناقض بين الروايات، والواقع أن لا تناقض بينها، إذ لم يدَّع أيٌّ مِمَّن ترجم للسالمي أَنَّهُ استقصى ذكرها. كما تَقَدَّمَ عن أبي بشير، وَهَذَا أبو إسحاق يقول في هَذَا الشأن أَيضًا: «لم نقف عَلَى كُلِّ تصانيفه حَتَّى نلمَّ لك أَيُّهَا القارئ بها، وَلَكِنَّنَا نسوق أسماء التي وقفت عليها». ينظر: مُقَدِّمَة أبي إسحاق لجوهر النظام، 1/} و-ز}. (1/167)
صفحة 168
ومنهم من أوصل عددها إِلىَ ثلاثة وثلاثين عنوانا، كما فعل أبو غدَّة (1)، ومنهم من أورد ثلاثين عنوانا، كما فعل صاحب مُقَدِّمَة ”إيضاح البيان“ مع أَنَّهُ قال: «ها أنا أورد في هَذِهِ الترجمة جميع مُؤَلَّفَاته رَضِيَ اللهُ عَنهُ» (2). وَهَذَا الاختلاف يعود ــ في نظر الناقد ــ إِلىَ «انعدام الدقَّة من جانب القائمين عَلَى نشر مُؤَلَّفَات السالمي ... وإلى اعتماد اللاحق عَلَى ما أورده السابق من قائمة من دون العودة إِلىَ الأصل، أي مُؤَلَّفَات السالمي ذاتها» (3).
وَهَذَا الناقد إذ يقدِّم هَذِهِ الملاحظات لا يعطينا البديل، بِأَن يورد قائمة أوفى وأدقَّ وأحسن ترتيبا، يتلافى فيها ما انتقده عَلَى غيره، وَإِنَّمَا اكتفى بنقل قائمة أبي غدَّة مختصرا إِيَّاهَا ومقتصرا عَلَى سرد العناوين، كما اكتفى بإيراد «نماذج من مُؤَلَّفَات السالمي (للتمثيل)» (4) حسب تعبيره، ذكر فيها خمسة عناوين: ”جوهر النظام“ و”تلقين الصبيان“ و”بذل المجهود“ و”منظومة كشف الحقيقة“ و”الديوان“، وأردفها بملاحظاته.
وتفاديا للنقائص المسجَّلة عَلَى القوائم السابقة فَإِنِّي حاولت أن أعرض قائمة أشمل وأدقَّ قدر المستطاع، معتمدا عَلَى ما اطَّلَعت عَلَيْهِ من مُؤَلَّفَات السالمي ذاتها، وَأَمَّا ما لم أتمكَّن من الحصول عَلَيْهِ فقد اعتمدت عَلَى السابقين، مرتِّبا إِيَّاهَا ترتيبا موضوعيًّا، وَأَمَّا ضمن الموضوع الواحد فالترتيب ألفبائي.
__________
(1) مُقَدِّمَة أبي غدة لجوابات السالمي، 1/ 11 - 13.
(2) مُقَدِّمَة سعود بن حمد السالمي لكتاب إيضاح البيان في نكاح الصبيان: السالمي نور الدين عبد الله بن حميد، تقديم سعود بن حمد السالمي، نشر مكتبة الإمام نور الدين السالمي، مطابع الباطنة ومكتبتها للطباعة التكنلوجية الحديثة، سلطنة عُمان، د. ت. (تاريخ التقديم: 1416هـ/1996م)، ص18.
(3) العزري: فكر السالمي، ص132.
(4) المرجع نفسه، ص 136 وما بعدها. (1/168)
صفحة 169
ب - تآليف السالمي:
1 - أصول الدين:
- أنوار العقول (1):
أرجوزة في العقيدة وعلم الكلام، تقع في ثلاثمائة بيت، مطلعها:
الحمد لله الذي قد أشرقا شمس الأصول في نُهى ذوي التقى
فأبصَروا بنورها المسالكا وجانَبوا بسرِّها المهالكا (2)
يقول السالمي واصفا هَذِهِ المنظومة: «وبعد، فَهَذِهِ منظومة منَّ عليَّ بها الرحمن المنَّان، في قواعد التوحيد والأديان، سالكة أعلى منهج في هَذَا الشان، واردة أعلى منهل يحلو للأذهان؛ تنطق بالصدق في كُلِّ نادي، وتصدع بِالحَقِّ بين الحاضر والبادي؛ قريبة المأخذ للمتناول، بعيدة الغور عن اعتراض المجادل؛ سمَّيتها: ”أنوار العقول“» (3). ويضيف في ختام الأرجوزة قائلا:
«تَمَّت بحمد الله أنوار العقول حاوية أهمَّ شَيْء في الأصول
عارية من وصمة الإخلال سالكة طريقة الكمال» (4)
__________
(1) طُبعت الأرجوزة مستقلَّة أَوَّل مَرَّة ضمن كِتَاب مشارق أنوار العقول، قبل الشرح (ينظر الطبعة التي نشرها السَّيِّد حمود بن محَمَّد بن سعيد، سلطان زنجبار، مطبعة جريدة ” المحروسة “، مصر، 1314هـ، من ص7 إِلىَ ص23). ثُمَّ نُشرت مع منظومة كشف الحقيقة بعنوان: «منظومتي [كذا] أنوار العقول وكشف الحقيقة». ونشرتها أَيضًا مكتبة الضامري بمسقط مستقلَّة، سنة 1991م، ثُمَّ قام بإعدادها مجموعة من الأساتذة خرِّيجي قسم التخصُّص في الشريعة الإِسلاَمِيَّة، بمعهد عمِّي سعيد بغرداية، وطُبعت هناك سنة 1418هـ/1998م. وتوجد للمنظومة نسختان مخطوطتان بمكتبة السالمي نُسخت إحداهما سنة 1313هـ (رقم 30. وأخرى د. ت، برقم 37). ينظر: الحجِّي خلفان بن زهران بن محَمَّد: المخطوطات العَرَبِيَّة في المكتبات العمانيَّة، دراسة لتكوينها وسبل الإفادة منها، رسالة ماجستير، جامعة القاهرة، كُلِّيَّة الآداب، قسم المكتبات والوثائق والمعلومات، شعبة المكتبات، 1418هـ/1997م، ص259.
(2) السالمي نور الدين: بهجة الأنوار شرح أنوار العقول في التوحيد، طبع بهامش الجزء الأَوَّل من كِتَاب شرح طلعة الشمس عَلَى الألفية المسمَّاة شمس الأصول، مطبعة الموسوعات، مصر، د. ت، ص4 - 5.
(3) بهجة، ص2.
(4) بهجة، ص274. (1/169)
صفحة 170
والمطَّلع عَلَى القصيدة يلمس صدق أوصاف السالمي عَلَى قصيدته، إذ إِنَّهَا تتميَّز بسهولة ألفاظها، ووضوح معانيها، وتيسير حفظها عَلَى الطالب المبتدئ، وكانت أوسع وأيسر من قصيدة أخرى للسالمي نفسه وفي نفس الموضوع، وهي ”غاية المراد في الاعتقاد“ المؤلَّفة قبل ”أنوار العقول“، وَرُبَّمَا هَذَا هُوَ الأمر الذي جعله يكتفي بشرح ”الأنوار“ شرحين، أحدهما مختصر، سَمَّاهُ ”بهجة أنوار العقول“، والثاني مطوَّل، سَمَّاهُ: ”مشارق أنوار العقول“، في حين لم تُحظ قصيدته ”غاية المراد“ بِأَيِّ شرح من قِبل مُؤَلِّفها.
نورد هنا محتوى منظومة أنوار العقول بشيء من التفصيل، ليغني هَذَا عن تكرار المضمون في شرحَيْ الْمُؤَلِّف عَلَى المنظومة، ومحتواها يتمثَّل فيما يأتي:
يقسِّم السالميُّ مواضيع الأرجوزة إِلىَ أربعة أركان، وكلَّ ركن إِلىَ أبواب وفصول.
· الركن الأَوَّل: في العلم، وتناول فيه: العلم، والسؤال، والاجتهاد والفتوى، والجهل وما يَتَعلَّقُ بها من أحكام.
· الركن الثاني: في الجملة وتفسيرها وما يشتمل عَلَيْهَا، تعرَّض فيه إِلىَ الجملة ولزومها وَكَيفِيَّة قيام الحُجَّة بها. وتوحيد الله وصفاته. ثُمَّ تحدَّث عن الأنبياء والرسل، والملائكة والكتب، والمحكم والمتشابه. والوعد والوعيد وما يَتَعلَّقُ بهما من أحكام اليوم الآخر. والقضاء والقدر، والإيمان والإسلام.
· الركن الثالث في الولاية والبراءة ويشتمل عَلَى وجوب الولاية والبراءة وأقسامهما. والوقوف وأقسامه وأحكامه. وذكر أَيضًا الذنوب وأقسامها.
· الركن الرابع: في التوبة: أركانها وشروطها وأحوال التائب، وفي توبة الْمُحَرِّم والمستحلِّ، وفي الأمور التي لا تلزم منها توبة.
بهذا العرض الموجز نلاحظ أَنَّهُ قد ألمَّ بأهمِّ مواضيع العقيدة وعلم الكلام، واهتمَّ فيها بنظريَّة المعرفة، وأولى أَهمِّيَّة كبرى لقضايا الولاية والبراءة وتفريعاتها، شأنه في ذَلِكَ شأن أغلب مؤلِّفي الإِبَاضِيَّة في العقيدة، والمشارقة بصفة أخص (1).
__________
(1) ينظر مثلا من المغاربة: الجيطالي أبو طاهر إسماعيل بن موسى (750هـ/1350م): قواعد الإِسلاَم، تحقيق وتعليق: بشير بن موسى الحاج موسى، المطبعة العَرَبِيَّة، غرداية، الجزَائِر، 1418هـ/1998م، 1/ 129 - 248. وَأَمَّا المشارقة فينظر: الكدمي أبو سعيد محَمَّد بن سعيد (ق 4هـ): الاستقامة، نشر وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان، 1405هـ/1985م. في ثلاثة أجزاء، في الولاية والبراءة والإمامة والعلم. الغيثي: إيضاح التوحيد، 2/ 648 - 706. (1/170)
صفحة 171
إِلاَّ أَنَّ الملاحظة التي استرعت انتباهي هي إقحامه ضمن مباحث العقيدة مبحث الاجتهاد والفتوى، رغم أَنَّ علاقتهما بأصول الفقه أوثق، ولم يكن كلاما عابرا، وَإِنَّمَا أطال في بحثهما (1)، وَلَعَلَّ ذَلِكَ لعلاقة موضوعهما ببيان مصادر المعرفة النَّقْلِيَّة، اليقينيَّة منها والظنِّية.
أَمَّا عن الأعمال التابعة لهذه الأرجوزة، فبالإضافة إِلىَ شرحَيْ السالمي، يوجد لها شرح آخر مختصر: وَهُوَ لتلامذة الشيخين أبي عبيد السليمي، وخلفان بن جميل السيابي، تلقَّوه شفاهيًّا عنهما، إِلاَّ أَنَّهُ لم يُذكر أسماء هَؤُلاَءِ التلامذة (2).
- بهجة الأنوار (3):
هي شرح مختصر لمنظومة ”أنوار العقول“. ولم يكن الشرح بالحجم الحالي، بل كان أصغر، إذ اقتصر السالميُّ في البداية عَلَى بيان معاني الأبيات، ثُمَّ أضاف إِلىَ
__________
(1) في بهجة الأنوار شغلت قَضِيَّة الاجتهاد والفتوى من ص 30 إلى ص46. وفي المشارق من ص 70 إلى ص 92.
(2) ينظر صفحة الغلاف من الشرح. وجاء فيه: «شرح مختصر عَلَى بهجة الأنوار، تلقَّاه شفاهيا تلامذة الشيخين العلاَّمتين أبي عبيد السليمي وخلفان بن جميل السيابي». وَلَكِن إذا تصفَّحنا الكِتَاب وجدناه شرحا لأرجوزة} أنوار العقول} وليس لـ} بهجة الأنوار}. وقد نشرته وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عُمان، ضمن سلسلة تراثنا، عدد 30، في أفريل 1982. ويقع في 95 ص من الحجم الصغير.
(3) حسب اطِّلاَع الباحث فَإِنَّ ”بهجة الأنوار“ لم تُنشر مستقلَّة، وَإِنَّمَا كانت بهامش الجزء الأَوَّل من ”طلعة الشمس“، وكذا في الطبعات اللاحقة المصوَّرة عن الطبعة الأولى. وفي الآونة الأخيرة قام بتحقيقها أحد الطلبة وَهُوَ: ناصر بن محَمَّد السيابي في إطار مذكِّرة التخرُّج في معهد القضاء الشرعي، في سلطنة عمان، سنة 1418هـ/97 - 1998م، وخرَّج الطالب عبد المنعم بن راشد السعيدي أربعين حديثا منه في مذكِّرة التخرُّج بنفس المعهد، سنة1418هـ/1997م. وتوجد لِلكِتَابِ نسخة مخطوطة بمكتبة السالمي، رقم 42. نُسخت في سنة 1314هـ، أي في حياة الْمُؤَلِّف. ينظر: الحجِّي: المخطوطات، ص260. وتاريخ المخطوطة هو نفس تاريخ النسخة التي طُبع منها الكِتَاب بمطبعة الموسوعات بمصر، ينظر: بهجة الأنوار، بهامش طلعة الشمس، 1/ 290 - 291. (1/171)
صفحة 172
المنظومة أبياتا، وَإِلىَ الشرح زيادات، ثُمَّ نقَّح الشرح، وشَرَح الأبيات المضافة، حَتَّى صار ــ كما يقول ــ «نظما محرَّرا، وشرحا مهذَّبا مختصرا» (1). واعتمد في الشرح أسلوبًا سهلا، ولم يوغل في المناقشات الكلاميَّة كما فعل في شرحه الثاني المطوَّل: ”المشارق“؛ لهذا يمكن القول: إِنَّ الشرح المختصر ”بهجة الأنوار“ يُنصح به الطلبة المبتدئون في التخصُّص الشرعي في المستوى الثانوي، بينما ”المشارق“ يوجَّه إِلىَ الطلبة الأكثر تخصُّصا في المستوى الجامعي.
- رسائل في الردِّ عَلَى نونية ابن النضر:
نُسبت إِلىَ ابن النضر (2) قصيدة نونيَّة فيها الردُّ والتشنيع عَلَى من يقول بخلق القُرْآن ــ وَهُوَ قول الإِبَاضِيَّة عُمُومًا ــ إِلاَّ أَنَّ السالميَّ أنكر أن تكون تلك النونيَّة من تأليف الإمام ابن النضر، فكتب في ذَلِكَ رسائل لم نطَّلع عليها، وَإِنَّمَا ذكرها السالميُّ في رسالته روض البيان إذ يقول: «وقد صدرت مِنَّا في إنكار نسبتها [أي النونيَّة] إليه رسائل، جعلها الله إِلىَ رضوانه من أعظم الوسائل» (3). وَلَعَلَّ من بينها ما نشره محقِّق روض البيان في ملاحق بِالكِتَابِ المذكور:
· الملحق الأَوَّل: رسالة في الردِّ عَلَى نونية ابن النضر من مجموعة ”رسائل نور الدين السالمي“ مخطوطة بمكتبة السالمي (4).
· الملحق الثاني: رسالة أخرى في الردِّ عَلَى نونية ابن النضر، نقلا من مجموع المناظيم للسالمي، مخطوط بمكتبة السالمي (5).
· الملحق الثالث: فتوى منقولة من جوابات الإمام السالمي (6).
·
__________
(1) بهجة الأنوار، ص2 - 3.
(2) تقدمت ترجمته، ينظر: ص 109من البحث (هامش)
(3) السالمي: روض البيان، ص46.
(4) المرجع نفسه، ص153 - 157.
(5) المرجع نفسه، ص 158 - 165.
(6) المرجع نفسه، ص 166 - 167. وينظر: السالمي: جوابات، 6/ 247 - 249. (1/172)
صفحة 173
الملحق الرابع: قصيدة في خلق القُرْآن من مجموع المناظيم، مخطوط بمكتبة السالمي (1).
ويقول محقِّق روض البيان في مُقَدِّمَته لِلكِتَابِ: يبدو أَنَّ السالمي «كان قد اطَّلَعَ عَلَى هَذِهِ المنظومة وكتب عَلَيْها ”مُقَدِّمَات“ قبل شرحها، أوضح من خلالها الأَدِلَّة التي احتجَّ بها الناظم عَلَى نونيَّة الدعائم، وبيَّن ما فيها من تعارض مع قصائد ابن النضر الأخرى» (2)، وَهَذَا يوهم بِأَنَّ ”الْمقَدِّمَات“ هي كِتَاب آخر غير ”الرسائل“ التي صَرَّحَ بها السالمي، وَلَكِن يبدو أَنَّهَا هي نفسها، لأَنَّ مضمونهما واحدٌ.
- رسالة في الردِّ عَلَى الوهَّابيَّة:
ذكرها أبو بشير في ترجمته المخطوطة عن والده الشيخ نور الدين، وقال: «وله رسالة في الردِّ عَلَى الوهَّابيَّة (3) الجعلانيَّة، وبيان ما هم فيه وَعَلَيْهِ من التخليط والخطإ» (4). وأشار إِلَيْهَا محقِّق ”روض البيان“ عبد الرحمن السالمي (5). ولم نطَّلع عَلَى الرسالة، لذا نكتفي بإيراد ما ذكره عنها وعن مضمونها مبارك الهاشمي إذ يقول: «وهي رسالة منه رَحِمَهُ اللهُ لشيخه صالح بن علي الحارثي عندما أرسله لمناظرة حمد بن راشد بن سالم الوهَّابي من أهل (الوافي) (6)، وكان ذَلِكَ يوم 4 مُحَرَّم 1311هـ[الاثنين 17 جويلية 1893م]، وقد حضرها أكثر من أربعمائة رجل من مختلف الطوائف، وكان موضوع المناظرة في مسائل علم الكلام التي هي مدار الاختلاف بين الإِبَاضِيَّة وَهَذِهِ الفرقة، والتي من أهمِّها: صفات الله تَعَالىَ وحجِّيَّة
__________
(1) روض البيان، ص 168 - 169.
(2) المرجع نفسه، ص15.
(3) تنسب الوَهَّابيَّة إِلىَ الشيخ محَمَّد بن عبد الوَهَّاب (1115 - 1206هـ/1703 - 1791م)، ومن المناطق العمانيَّة التي توجد فيها هَذِهِ الطائفة: منطقة البريمي، ومنطقة جعلان. ينظر: السالمي: تحفة، ط. 1347هـ، 2/ 225 - 227، 230، 254. وعن شيخ الوَهَّابيَّة ينظر: أحمد أمين: زعماء، ص11.
(4) ترجمة السالمي (مخ)، ص17.
(5) ينظر: مُقَدِّمَة عبد الرحمن السالمي لروض البيان، ص33.
(6) ينظر: خريطة عمان في الملحق. (1/173)
صفحة 174
العقل الصحيح، وَمَعْنَى الاستواء، وخلق القُرْآن، والرؤية، وغير ذَلِكَ من مسائل الباب، والمناظرة ما زالت مخطوطة بمكتبة الإمام السالمي» (1).
- روض البيان عَلَى فيض المنان في الردِّ عَلَى من ادَّعَى قِدَمَ القُرْآن (2):
نَظَم الشيخ سعيد بن حمد الراشدي (3) أرجوزة في الردِّ عَلَى من يقول بقدم القُرْآن، عارض بها النونيَّة المنسوبة إِلىَ ابن النضر، وتحتوي أرجوزة الراشدي عَلَى 106 بيت، سَمَّاهَا: ”فيض المنان في الردِّ عَلَى من ادَّعَى قِدَمَ القُرْآن“، ثَمَّ وضع لها الشيخ السالميُّ شرحا سَمَّاهُ: ”روض البيان عَلَى فيض المنان في الردِّ عَلَى من ادَّعَى قِدَمَ القُرْآن“.
ويتضمَّن الكِتَاب ما يأتي:
· نفي نسبة النونيَّة إِلىَ ابن النضر من حيث مناقضة أفكارها مع سائر الأفكار الواردة في مُؤَلَّفَات أخرى لابن النضر، ومن حيث تشنيعها وتفسيقها لمن يقول بخلق القُرْآن، وَهَذَا ليس من شيم ابن النضر مع القدريَّة والمشبِّهة فكيف بالإِبَاضِيَّة.
· أَدِلَّة القائلين بقدم القُرْآن وَأَدِلَّة القائلين بخلقه، بصورة مختصرة.
· عرض موجز عن تاريخ قَضِيَّة خلق القُرْآن.
· بيان أَدِلَّة الإِبَاضِيَّة عَلَى كون القُرْآن مخلوقا، ومناقشتها بإيراد الاعتراضات وأجوبتها، أي عَلَى صيغة مناظرة، موضِّحا رأي الإِبَاضِيَّة
·
__________
(1) أطروحة الهاشمي، ص117.
(2) قام بتحقيق الكِتَاب عبد الرحمن بن سليمان السالمي، ونشره بسلطنة عُمان سنة 1415هـ/1995م، في 208ص من الحجم المتوسِّط. وذكر المحقِّق أربع نسخ مخطوطة لِلكِتَابِ كلُّها في مكتبة السالمي، بينما لا يذكر الحجِّي في فهرس مخطوطات نفس المكتبة غير نسخة واحدة، وَهَذَا مِمَّا يدفعنا إِلىَ التساؤل عن مدى دقَّة وشموليَّة عمل الحجِّي! رغم أَنَّ عمل هَذَا الأخير أحدث. ينظر: مُقَدِّمَة عبد الرحمن السالمي لروض البيان، ص21 - 22. الحجِّي: المخطوطات، ص258.
(3) تقدَّمت ترجمته ضمن تلاميذ الشيخ السالمي، ينظر: ص 149 - 150 من البحث. (1/174)
صفحة 175
في الصفات الإِلَهِيَّة، وانقسام الكلام إِلىَ ذاتيٍّ (نفي الخرس) وَإِلىَ فعليٍّ (وهو إيجاد الأصوات).
- صواب العقيدة:
لم أطَّلع عَلَى متن هَذَا الْمُؤَلَّف، وقد ذكره البطَّاشيُّ في مُقَدِّمَته للمشارق (1)، ويسمَّى أَيضًا ”رسالة في التوحيد“ (2) ولم يُذكر هل هو منثور أم منظوم، وتسميَّته بـ”رسالة“ يوحي بِأَنَّه منثور، إِلاَّ أَنَّ الشيخ الناصر المرموري ينصُّ في محاضرته بالمنتدى الأدبي عَلَى أَنَّه قصيدة في التوحيد تقع في 77 بيتا، وقال: «جمع فيها قواعد التوحيد وما لا يسع المكلَّف جهله، سَمَّاهَا: ”صواب العقيدة“» (3)، ثُمَّ ذَكَر لي الشيخ أَنَّهُ من المحتمل ــ بناء عَلَى هَذَا الوصف الذي تناقلته المراجع ــ أَنَّ تكون هي نفسها القصيدة العقديَّة ”غاية المراد“، التي تقع في 77 بيتا كَذَلِكَ، كما سيأتي. وَلَكِن يعكِّر عَلَى هَذَا الاحتمال ما ذكره الهاشميُّ من أَنَّ رسالة ”صواب العقيدة“ لا تزال مخطوطة (4)، بينما ”غاية المراد“ مطبوعة عِدَّة مَرَّات.
- غاية المراد في الاعتقاد:
قصيدة لامية في التوحيد، تقع في 77 بيتا، مطلعها:
الحمد لله منشي الكائنات عَلَى ما شاءها وبلا مِثْلٍ هُناكَ خلا (5)
وتتضمَّن القصيدة المواضيع الآتية:
· الإيمان بِاللهِ وبصفاته الكماليَّة، وتنزيهه عن صفات النقص ومشابهته لمخلوقاته.
·
__________
(1) ينظر: مُقَدِّمَة البطاشي للمشارق، ص} خ}.
(2) ينظر: أطروحة الهاشمي، ص116. مُقَدِّمَة عبد الرحمن السالمي لروض البيان، ص40. مُقَدِّمَة أبي غدة لجوابات السالمي، ص10.
(3) المرموري: السالمي المجتهد، قراءات، ص45.
(4) ينظر: أطروحة الهاشمي، ص116.
(5) قصيدة غاية المراد، ملحقة بشرحها للشيخ أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي، د. ت. (مرقون)، ص49. (1/175)
صفحة 176
الإيمان برسالة سَيِّدنَا محَمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم، وذكر بَعض صفاته.
· الإيمان باليوم الآخر، وما يَتَعلَّقُ به من الموت والبعث والحساب والميزان والصراط وَالجَنَّة والنار والشفاعة والورود.
· الإيمان بالملائكة. وبالأنبياء وكتبهم جملة، وتخصيص القُرْآن من بينها، وَأَنَّهُ مخلوق.
· الإيمان بالقضاء والقدر، وَأَنَّ الله خالق للأفعال وَالإِنسَان مكتسب لها، بلا جبر.
· معنى الإيمان وَأَنَّهُ التصديق والقول والعمل.
· سرد قواعد الدين وأركانه ومسالكه، وفَرْزِه، وحرْزِه.
· بيان الولاية والبراءة بين العباد، ومعنى ولاية الله وعدائه لعباده.
· الكفر وأقسامه، وقواعده وأركانه.
· الملل الستُّ وأحكامها: المسلمون (الموفون وغير الموفين) واليهود والنصارى والمجوس والصابئون، والوثنيُّون.
· خاتمة في مواضيع مختلفة: الإمامة وحكم تعدُّدها. حكم الهجرة. الموقف من فتنة الصحابة. تصويب ما عَلَيْهِ أَئِمَّة الإِبَاضِيَّة.
وبهذا نلاحظ أَنَّ مواضيع هَذِهِ القصيدة تتشابه مع مواضيع عقيدة العَزَّابَة لأبي حفص عمرو بن جُميع (1)، مِمَّا يرجِّح أَنَّهُ قصد إِلىَ نظمها وتنظيمها، فكانت أفكار القصيدة أحسن ترتيبا، وقد فصَّل في بَعض مواضيع الأصل واختصر بَعضها، كما أضاف إِلَيْهَا الخاتمة في الإمامة وهي غير موجودة في عقيدة العَزَّابَة (2).
__________
(1) أبو حفص عمرو بن جميع (ق: 7هـ/ 13م) من علماء جربة، أخذ العلم عن أبي العبَّاس أحمد الدرجيني. كان إمامًا متكلِّمًا، إِلَيْهِ تنسب «عقيدة التوحيد» التي ترجمها من البربريَّة إلى العربيَّة، وهي أولى المتون التي كان يحفظها التلاميذ في جميع قصور وادي ميزاب، وقد شرحها الكثير من العلماء. ينظر: معجم أعلام الإِبَاضِيَّة: جمعِيَّة التُّرَاث، 2/ 317 - 318، ترجمة رقم 686.
(2) قارن بعقيدة العَزَّابَة، ترجمها إِلىَ العَرَبِيَّة أبو حفص عمرو بن جُميع، (حي ما بين ق7 - 8هـ/13 - 14م)، تحقيق وتعليق عمر بن أحمد بازين، الطبعة الأولى، المطبعة العَرَبِيَّة، غرداية، 1317هـ/1996م. (1/176)
صفحة 177
وقد نالت هَذِهِ القصيدة شرحين:
- أحدهما للشيخ سليمان بن محَمَّد بن أحمد الكندي (1298 - 1337هـ/1881 - 1919م)، سَمَّاهُ: ”بداية الإمداد عَلَى غاية المراد في الاعتقاد“، نشرته وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عُمان (1).
- ثانيهما للشيخ أحمد بن حمد الخليلي (2)، وَهُوَ شرح مختصر، مرقون، د. ت، يقع في 48ص.
- قصيدة في نفي رؤية الله:
لم أعثر عَلَى نص هَذِهِ القصيدة، ولم يذكرها ــ حسب اطِّلاَعي ــ غير الخصيبي، إذ بعد أن أورد قصيدة للشاعر أبي مسلم الرواحي حول نفي رؤية الله قال: «وللشيخ العلاَّمة نور الدين مثلها عَلَى هَذَا المنوال» (3). ولم يفدنا بِشَيْءٍ حول عدد أبياتها ولا تفاصيل عن مضمونها.
__________
(1) ثُمَّ قام الطالب حميد بن حمد بن سلطان الجحافي بتحقيقه في إطار بحث التخرُّج، بمعهد القضاء الشرعي والوعظ والإرشاد بسلطنة عمان، د. ت، مخطوط يقع في 283ص. وذيَّله بملحق نقل فيه قصيدة للكندي ينتصر فيها للشيخ السالمي، ويجيب عَلَى من طعن فِيهِ وفي أصحابه.
(2) الشيخ أحمد بن حمد بن سليمان بن ناصر الخليلي: ولد يوم 12 رجب 1361هـ/ 27 يوليو 1942م بزنجبار، وأصله من بُهلاَ بعُمان. سليل أسرة عريقة في العلم والإمامة. وهبه الله ذاكرة قويَّة، فحفظ القرآن في التاسعة من عمره، نشأ عصاميًّا. لازم الشيخ عيسى بن سعيد الإسماعيلي (ت: 1426هـ/2005م)، وأخذ عن عدَّة مشايخ آخرين، منهم: أبو إسحاق إبراهيم اطفيَّش (ت: 1385هـ/1965م) أثناء إقامته بزنجبار. فرَّ من زنجبار مع عائلته بعد الانقلاب الشيوعي المشؤؤم ليلة 26 شعبان 1383هـ/12 يناير 1964م، ووصل مسقط يوم 19 جمادى الثانية 1384هـ، فصاحَبَ المفتي السابق للسلطنة الشيخ إبراهيم بن سعيد العبري (ت: 1395هـ/1975م) لأكثر من عشر سنوات، فلمَّا توفِّي خلفه في منصب الإفتاء، ولا يزال إلى اليوم (1430هـ/2009م). من تآليفه: الحق الدامغ، جواهر التفسير، شرح منظومة غاية المراد، الإيلاء، زكاة الأنعام، الفتاوى، الدين والحياة، وله عدة أبحاث في الندوات الفقهية، وعدة محاضرات في شتى المناسبات. ينظر: الشيباني سلطان بن مبارك: قبسات من أنوار البدر الزاهر، الطبعة الأولى، نشر: الأجيال، سلطنة عُمان، طبع: مطابع الدار الهندسية، القاهرة، 1429هـ/2008م، 13 - 62.
(3) الخصيبي: شقائق، 2/ 355. (1/177)
صفحة 178
- كشف الحقيقة لمن جهل الطريقة (1):
تقع المنظومة في أكثر من ثلاثمائة بيت. يبدو أَنَّها كانت ردًّا عَلَى قادح في مذهب الإِبَاضِيَّة، فقد جاء في مطلعها:
«أَيُّهَا القادح فينا أقصر أتدري ماذا قلت أم لم تشعر
قدحت في مذهب أهل الحقِّ ويحك أغضبتَ إله الخلق» (2)
كان تأليفها بعد عودته من الحجِّ سنة 1323هـ/1906م، حيث التقى بِعِدَّةِ مشايخ من مختلف الأقطار الإِسلاَمِيَّة، ومنهم عالم هنديٌّ يُسَمَّى: الزبير بن علي الأصغر عظيم آبادي (3)، دارت بينهما مناقشات كلاميَّة، وكان يسأله عن أصول المذهب الإِبَاضِيِّ وقواعده، ثُمَّ طلب منه أن يكتب له شَيْئًا في الموضوع، فلم يتمكَّن السالمي من الكِتَابة هناك بسبب مرض الجذري، وَلَمَّا عاد إِلىَ عمان نَظَمَ هَذِهِ الأرجوزة، وأرسلها إِلَيْهِ، وَلَكِنَّهَا لم تصل فعادت من الهند (4).
وَأَمَّا عن موضوع المنظومة فيقول العزري: «يقدِّم السالميُّ في هَذِهِ المنظومة ما يمكن تسميته بالتاريخ المقارن للفرق الإِسلاَمِيَّة» (5)، لِذَلِكَ انتقد عَلَى صاحب الجوابات تصنيفَه للمنظومة ضمن أصول الدين. والواقع أَنَّ القصيدة هي أقرب إِلىَ
__________
(1) طبعت عِدَّة مَرَّات، أولاها في عصر الشيخ السالمي، في آخر كِتَاب ”إن لم تعرف الإِبَاضِيَّة ياعقبي“ للقطب اطفيَّش، وأخرى مع منظومة ”أنوار العقول“، بتقديم «طالبين من طلاَّب العلم الشريف» دون أن يذكرا اسميهما، تحت عنوان: «منظومتَيْ [كذا] أنوار العقول وكشف الحقيقة»، بجرِّ أو نصب مثنَّى ” منظومة “ دون وجود أيِّ أداة جرٍّ أو مبرِّر للنصب!. وتوجد لمنظومة كشف الحقيقة عِدَّة نسخ مخطوطة، إحداها بمكتبة السالمي، نسخت بين 1323 و1329هـ[كذا]. برقم 58. وثلاث أخرى بدائرة المخطوطات برقم 838، نسخت سنة1339هـ. ينظر: الحجِّي: المخطوطات، ص182، 261.
(2) كشف الحقيقة، ص1.
(3) ينظر تفاصيل رحلته إِلىَ الحج ولقائه بالعلماء وما كان بينهم في: تحفة الأعيان، 2/ 329 - 330. الحارثي: اللؤلؤ، ص211.
(4) ينظر: الحارثي: اللؤلؤ، ص211. أطروحة الهاشمي، ص115. أحال عَلَى رسالة مخطوطة وجَّهها السالمي إِلىَ ذَلِكَ العالم الهندي، ضمن متون للإمام السالمي، محفوظة بمكتبته بالشرقيَّة.
(5) ينظر: العزري: فكر السالمي، ص144. (1/178)
صفحة 179
أصول الدين منها إِلىَ التاريخ، إِذْ يمكن إدراجها في صفِّ ”مقالات الإِسلاَمِيِّين“ و”الملل والنحل“ ”الفرق بين الفرق“ ... وَهَذِهِ الْمُؤَلَّفَات غالبا ما تصنَّف في باب أصول الدين. فالمنظومة تتعرَّض لتأريخ نشأة الإِبَاضِيَّة وَبَعض الفرق الإِسلاَمِيَّة، كما توضِّح بَعض آراء الإِبَاضِيَّة في العقيدة، كخلق القُرْآن، ورؤية الله وصفاته وَمَعْنَى الاستواء (1) في حقِّه تَعَالىَ، والخلود في النار ... مناقشا في ذَلِكَ الرأيَ المخالف.
- مشارق أنوار العقول (2):
كِتَاب المشارق هو الشرح المطوَّل لقصيدة أنوار العقول. يعتبر أهمَّ وأشهر
__________
(1) وَمِمَّا جاء في المنظومة تأويل الاستواء في حقِّ الله تَعَالىَ بِأَنَّهُ القهر، كما يقال في حقِّ السلطان ــ أيِّ سلطانٍ كان ــ: استوى عَلَى العرش، بمعنى قَهَرَ ومَلَكَ، ويقول السالمي في ذَلِكَ:
«نقول في لساننا الزكيِّ ... سلطاننا استوى عَلَى الكرسيِّ
نريد قهره وملك البلد ... وذاك معلوم بلا تردُّد»
منظومة كشف الحقيقة، ص29.
وَهُوَ يشير بِذَلِكَ إِلىَ البيت المشهور الذي كثيرا ما يستشهد به علماء الكلام في تأويلهم للاستواء:
قد استوى بشر عَلَى العراق ... من غير سيف ودم مهراق»
مشارق، ط. دمشق، ص281.
فَإِنَّ علماء الكلام كثيرا ما استعملوا هَذَا التمثيل وإن لم يكن لهم سلطان ولا إمام. إِلاَّ أَنَّ العزري أشار إِلىَ إِنَّهُ يقصد بالسلطانِ سلطانَ عمان المعاصر للشيخ السالمي، فيعلِّق عَلَى البيتين من المنظومة ويقول: «ولنلاحظ كيف يربط في تمثيله بين الغيبيِّ والموجود، وبين التاريخ والحاضر» (ص146)، ولكِنَّ السالمي لا يعترف بالسلطان} الحاضر} رسميًّا ولا سياسيًّا، فضلا عن أن يَتَّخِذَ منه أداة للتمثيل!. أَمَّا قوله: «لساننا» فَإِنَّمَا يقصد به اللسان العربيَّ الفصيح، لا اللهجة العمانيَّة الحاضرة التي يتحدَّث بها. كما في قوله في شرح منظومة أخرى: «(إيماننا التصديق ... ) إلخ، أي إيماننا معشر العرب هو التصديق ... ». بهجة الأنوار، ص148.
(2) صدرت للكتاب عِدَّة طبعات، أولاها كانت في عهد الشيخ السالمي نُشرت بمصر سنة 1314هـ. والثانية صدرت بتعليق الشيخ أحمد بن حمد الخليلي، نُشرت بسلطنة عُمان، سنة 1398هـ/1978م. والثالثة بتحقيق: د. عبد الرحمن عميرة، صدرت في جزءين ببيروت، سنة 1409هـ/1989م. والرابعة بتحقيق [كذا]: عبد المنعم العاني، أصدرتها دار الحكمة، بدمشق، سنة 1416هـ/1995م، وأعاد تحقيق الكِتَاب الطلبة: إبراهيم بن ناصر الصوافي، وأسعد بن حمود المقيمي، وأحمد بن درويش السيابي، وصالح بن سعيد المعمري، في إطار بحث التخرج بمعهد القضاء الشرعي بعُمان، 1419هـ/1998م. (1/179)
صفحة 180
كِتَاب مختصٍّ في العقيدة للشيخ السالمي، لِمَا يتميَّز به من تفصيل في القضايا العقديَّة والكلاميَّة وتأصيلها، والتدليل عليها بالعقل والنقل، كما يتميَّز بحسن ترتيب الأفكار وتبويب المواضيع.
والملاحظ في الطبعة الرابعة الصادرة بدار الحكمة أَنَّهُ جاء فيها ”تحقيق عبد المنعم العاني، وَأَنَّهَا الطبعة الأولى“. وقال عنها: «وتمتاز هَذِهِ الطبعة بتعليقات مفيدة لسماحة مفتي عام السلطنة فضيلة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي» (1)، مع أَنَّ تعليقات الشيخ الخليلي ليست مِمَّا تمتاز به هَذِهِ الطبعة، أي يُفهم من ذَلِكَ أَنَّهَا تُنشر لأَوَّلِ مَرَّة، وَهَذَا إيهام للقارئ بِأَنَّ تلك التعاليق لم تكن موجودة في الطبعتين السابقتين، والواقع خلاف ذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ إذا تصفَّحنا هَذِهِ الطبعة الأخيرة وجدناها لا تختلف عن طبعة الدكتور عميرة، الذي يعتبر المحقِّق الفعليَّ لِلكِتَابِ ــ حسب اطِّلاَعي ــ إذ لم يقم العاني بجهد يُذكر، رغم ما ادَّعاه من الجهد عندما قال: «هذا وقد بذلنا جهدا متواضعا في تيسير هَذَا السفر النفيس» (2)، ولم يعدُ أن يكون عمله نُقُولاً حرفيَّة (3)، أو اختصارات لتخريجات وتعليقات عميرة (4)، وهو لم يشر إطلاقا إِلىَ الطبعة الأصليَّة، ولا إِلىَ الجهد الذي بذله عميرة، ولا كَيفِيَّة استفادته منها. ثُمَّ إِنَّهُ لم يكتف بِذَلِكَ بل حذف الفهارس الفَنِّيَّة، وقائمة المصادر والمراجع المعتمدة في التحقيق. كما اختصر بَعض العناوين في فهرس محتويات الكِتَاب، فكان فهرس الدكتور عميرة أكثر دقَّة (5).
__________
(1) مُقَدِّمَة العاني للمشارق، ط. العاني، ص6.
(2) المرجع نفسه.
(3) ينظر مثلا: مُقَدِّمَة عميرة للمشارق، 1/ 12. مُقَدِّمَة العاني للمشارق، ص6.
(4) قارن مثلا: ص54 هـ1 (ط. عميرة) = ص15 هـ1 (ط. العاني) / ص60 هـ1 (ط. عميرة) = ص19 هـ2 (ط. العاني) / ص61 هـ2 (ط. عميرة) = ص20 هـ2 (ط. العاني) ...
(5) قارن مثلا تفاصيل قَضِيَّة الصفات الإِلهِيَّة بين طبعة عميرة، 1/ 455، وطبعة العاني، ص589. (1/180)
صفحة 181
ويبدو أَنَّ الشيخ السالمي بعد أن ألَّف الكِتَاب ونُسخت منه نُسخ خطِّيَّة، قام بتنقيحه قبل طبعه، وحذف ما تراجع عنه، ومن ذَلِك مسألة تتعلَّق باللوح المحفوظ وزيادة الأجل لمن يعمل بَعض الصالحات، ويبدو أَنَّ المسألة قد أثارت عَلَيْهِ بَعض النقد، فمحاها من المشارق، إذ نجد في جوابات السالمي سؤالا عن علم الله وَكِتَابته أَنَّ أجل فلان كذا ثُمَّ إذا فعل ما فيه إطالة الأجل كصلة الرحم، فهل يمحو الله ما كتب؟ وهل يتغيَّر علم الله؟ فأجاب السالمي: بقوله: «هذه المسألة في غاية من الإشكال، وهي التي أوقعت محبَّك في مسألة اللوح الممحوَّة من المشارق، لا أبقى الله لها ذكرا! ... » (1). ولو قدِّر لنا أن نتحصَّل عَلَى النُّسخ الخطَّيَّة القديمة للكتاب إذن لأفادتنا في معرفة تَطَوُّر فكر السالمي العقديِّ. وقد قارنَّا بين طبعة المشارق التي كانت في حياته (سنة 1314هـ) والطبعة التي جاءت بعد وفاته (سنة 1398هـ) فلم نجد فرقا في نصِّ المسألة (2)، ويبدو أنَّ محو المسألة من الكِتَاب كان قبل طبعه، لأَنَّ النصَّ الموجود بين أيدينا يُصَرِّحُ بأَنَّ الله لا يُغَيِّرُ ما في اللوح المحفوظ.
مهما يكن من أمر فقد نوَّه بالمشارق كثيرٌ مِمَّن كتب عن الشيخ السالميِّ، إِذْ يقول عنه أبو إسحاق: «يعدُّ من أحسن كتب الأصول تحقيقا وتحريرا وتنسيقا» (3)، وأضاف أبو بشير قائلا: «لَمَّا وقف عَلَيْهِ القطب قال: ”لقد أمعن صاحب المشارق“» (4). وقال عنه د. عبد الرحمن عميرة: «إِنَّ هَذَا الكِتَاب جدير بالدراسة، وحقيق أن يوضع في صفٍّ واحد مع أُمَّهَات الكتب في العقيدة وأصول الدين» (5).
__________
(1) جوابات الإمام السالمي، 6/ 181.
(2) ينظر: السالمي: مشارق، ط. مصر، ص266 - 269. وط. عُمان، ص266 - 269.
(3) مُقَدِّمَة أبي إسحاق لجوهر النظام، 1/} و}.
(4) ترجمة السالمي (مخ)، ص15. نهضة، ص 128. وينظر: مُقَدِّمَة التنوخي لشرح الجامع الصحيح، 1/} ك}. أطروحة الهاشمي، ص107 - 108.
(5) مُقَدِّمَة عميرة للمشارق، ط. بيروت، 1/ 12. ونجد نفس العبارات تقريبا حول الكِتَاب في أطروحة الهاشمي، ص108. وَلَكِن دون أن يحيل عَلَى مصدره. (1/181)
صفحة 182
2 - الحديث:
شرح الجامع الصحيح (1):
للإمام الربيع بن حبيب الفراهيدي كِتَاب في الحديث سَمَّاهُ ”المسند“، ثُمَّ قام الشيخ أبو يعقوب الوارجلاني (2) بترتيبه حسب أبواب الكتب الصحاح الأخرى، وَسَمَّاهُ ”الجامع الصحيح“ (3)، ثُمَّ قام الشيخ السالميُّ بعملين في الكِتَاب: أحدهما التصحيح، نظرا لِمَا وقع فيه من التحريف لطول الزمن، فجمع عِدَّة نسخ، واختار منها أصحَّها، فأخرج منها نسخة يراها الأحسن، والعمل الثاني: هو الشرح (4). وقدَّم بين يدي الشرح تراجم لأهمِّ رجال المسند، وهم: المرتِّب أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني، ومؤلِّف المسند الربيع بن حبيب الفراهيدي، ثُمَّ شيخه التابعي
__________
(1) نَشَر الطبعة الأولى السلطانُ فيصل بن تركي، وطُبع من الشرحِ الجزءُ الأَوَّل والثاني فقط بمطبعة الأزهار البارونيَّة بمصر، بعنوان: «حاشية الجامع الصحيح»، سنة 1326هـ/1908م، أي في حياة السالمي. وَأَمَّا الجزء الثالث فقد انتظر حَتَّى سنة 1383هـ/1963م ليتمَّ طبعه بالمطبعة العموميَّة بدمشق بعنوان: «شرح الجامع الصحيح» بتصحيح وتعليق عزّ الدين التنوخي. ومن هاتين الطبعتين صوِّرت الطبعات اللاحقة.
وتوجد لِلكِتَابِ نسخة مخطوطة بمكتبة السالمي، رقم 8، نسخت في 1325هـ، وأخرى (ج3) بدائرة المخطوطات، في وزارة التراث، بسلطنة عُمان، برقم 110، في الحديث وعلومه. ينظر: الحجِّي: المخطوطات، ص134، 258.
(2) أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم بن مناد السدراتي الوارجلاني (500 - 570هـ/ 1105 - 1175م) أخذ العلم عن أبي سليمان أيُّوب بن إسماعيل وأبي زكرياء يحيى بن أبي زكرياء وغيرهما؛ ثُمَّ رحل إلى قرطبة في طلب العلم. اكتشف خطَّ الاستواء، وترك عِدَّة تآليف منها:} تفسير القرآن الكريم}،} الدليل والبرهان}، في أصول الدين وعلم الكلام،} العدل والإنصاف في أصول الفقه والاختلاف}. ومن تلامذته ابنه أبو إسحاق إبراهيم بن يوسف، وأبو سليمان بن أيُّوب بن نوح. ينظر: معجم أعلام الإِبَاضِيَّة: جمعِيَّة التُّرَاث، 2/ 481 - 483، ترجمة رقم 1048.
(3) لا تناقض في عنوان الكِتَاب - كما يزعم البعض - والذي جاء فيه: «الجامع الصحيح: مسند الإمام الربيع بين حبيب»، فهو مسند باعتبار أصله، وجامع صحيح باعتبار مآله بعد الترتيب وفق باقي الصحاح. ينظر: القرآن الكريم تفسيره ومفسِّروه، السنَّة روايتها ورواتها عند الإِبَاضِيَّة: محَمَّد بن بابه الشيخ بالحاج، سلسلة} وقل رَبِّ زدني علما} رقم1، المطبعة العَرَبِيَّة، غرداية، 1984م، ص117 - 118.
(4) ينظر: السالمي: شرح الجامع، 1/ 2. (1/182)
صفحة 183
الصغير: أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة، ثُمَّ التابعي الكبير: الإمام جابر بن زيد الأزدي (1). كما قام بعمل آخر وَهُوَ وضع تراجم (عناوين فرعية) مفيدة تختصر مضمون الأحاديث، وهي التي تبدأ بعبارة: ”ما جاء“، أَمَّا بَقِيَّة العناوين (تراجم الكتب والأبواب) فهي من وضع المرتِّب أبي يعقوب الوارجلاني (2).
والجدير بالذكر أَنَّ السالمي لم يشرح كُلَّ الكِتَاب، وَإِنَّمَا شرح الجزءين الأَوَّلَين فقط مِمَّا رتَّبه الوارجلاني، وكان عازما عَلَى إتمام بَقِيَّة المسند، كما يقول في آخر الجزء الثالث من الشرح: «ويتلوه إن شاء الله تَعَالىَ الجزء الرابع في شرح توابع المسند» (3). وَلَكِنَّ الكِتَاب ينتهي ولا نجد الجزء الرابع الموعود، لأَنَّ المنيَّة عاجلته فلم يتممه، فالمسند يعتبر من أواخر مُؤَلَّفَاته (4)، ويبرِّر أبو بشير عدم إتمامه بقوله: «و [شرح الجزء] الثالث [من المسند] لم يتفرَّغ لتأليفه رَحِمَهُ اللهُ لاشتغاله بأعباء الإمامة والتحمُّل بأمر الأُمَّة العمانيَّة» (5).
والملاحظ أَنَّ الشرح في الجزء الثالث كان أكثر طولا، ومطعَّمًا بعزو الأحاديث المشروحة إِلىَ مصادر الحديث الأخرى من كتب السنَّة غير الربيع، ويعود ذَلِكَ إِلىَ استفادة الشيخ من رحلته إِلىَ الحجِّ سنة 1323هـ/1906م، حيث التقى بالعلماء وأفادوه بمصادر الحديث، وَهُوَ ما أثَّر بشكل إيجابيٍّ في شرحه.
وَهَذَا التَّطَوُّر في طريقة الشرح أشار إليها المُؤَلِّف حين قال: «وبعد أن تَمَّ تصحيح الكِتَاب شرعت في تعليق تقريرات عَلَيْهِ تُبَيِّنُ معناه اللطيف، وتحلُّ مبناه المنيف، ينتفع بها العالم والضعيف، عَلَى وتيرة مختصرة، وطريقة معتبرة، اقتصرت فيها عَلَى أقلِّ ما يمكن الاقتصار عَلَيْهِ، من بيان المتن المشار إِلَيْهِ، ثُمَّ عنَّ في أثناء
__________
(1) ينظر: المصدر نفسه، 1/ 3 - 8.
(2) ينظر: المصدر نفسه، 1/ 10.
(3) المصدر نفسه، 3/ 622.
(4) ينظر الترتيب الزمني لمؤلَّفاته، ص 225 من البحث.
(5) أبو بشير: ترجمة السالمي (مخ)، ص15. (1/183)
صفحة 184
التأليف أن أجعل الشرح متوسِّطا لا طويلا مملاًّ، ولا قصيرا مخلاًّ، فمن ثَمَّ تجد الاختصار في أَوَّل الكِتَاب أَشَدَّ منه فيما بعد ذَلِكَ» (1).
والسالميُّ حين ألف هَذَا الشرح فَإِنَّهُ «ينهج ولأوَّل مَرَّة تقريبا إِلىَ التخصُّص، حيث طرق باب التأليف في موضوعات لم يسبق إليها من قبل أهل عمان ... فعلم الحديث كجانب متخصِّص لم يُعن به العمانيُّون، بل ضمَّنوه مُؤَلَّفَاتهم الموسوعيَّة الشاملة، وقد برع الشيخ السالمي في هَذَا الكِتَاب وأجاد» (2). والواقع أَنَّ الحديث كتخصُّص من علوم الشريعة لم يُحظ بالاهتمام الكبير لدى علماء الإِبَاضِيَّة عُمُومًا، سواء من حيث المصطلح أو شروح الحديث (3)، ومن هنا تبرز أَهَمِّيَّة الكِتَاب، إذ يعتبر في هذا الفنِّ سدًّا لثغرة في التراث الفكري للإِبَاضِيَّة.
3 - أصول الفقه:
- الحجَّة الواضحة في الردِّ عَلَى التلفيقات الفاضحة (4):
لم نطَّلع عَلَى نص الرسالة، ونكتفي بنقل ما قاله الشيخ أبو بشير، حول مضمونها ومنهجه فيها: «رَدَّ فيها عَلَى من ادَّعَى العلم وتعاطى منزلة الاجتهاد من أهل زمانه بعد
__________
(1) شرح الجامع، 1/ 2 - 3.
(2) أحمد الكندي: الجوانب التَّربَوِيَّة والتعليميَّة في مُؤَلَّفَات السالمي، قراءات، ص128.
(3) والدليل عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ منذ أن ألَّف الإمامان الربيع بن حبيب وأبو صفرة مسنديهما لم يتناولهما العلماء بالشرح، حَتَّى جاء الوارجلاني في القرن السادس فرتَّب مسند الربيع، ثُمَّ أبو سِتَّة محَمَّد بن عمر في القرن التاسع وضع عَلَيْهِ حاشية، وكلاهما من المغاربة، ثُمَّ أخيرا شرحه السالمي (من المشارقة). وأمَّا مسند أبي صفرة فقد بقي إِلىَ اليوم حبيس خزائن المخطوطات دون أن يرى نور الطباعة، وَهُوَ أقلُّ ما يُنجز في حقِّه بله أن يُشرح أو تُنجز عَلَيْهِ دراسات! ... وَأَمَّا مصطلح الحديث فلم تخصَّص له الكتب المستقلَّة، وَإِنَّمَا يُتعرض إِلَيْهِ ضمن فنِّ أصول الفقه كما فعل السالميُّ. ولم يُهتمَّ بِهِ إِلاَّ مؤخَّرا عَلَى يد القطب اطفيَّش (ت: 1332هـ/1914م) في وفاء الضمانة وجامع الشمل، والشيخ محَمَّد امطهري (ت: 1419هـ/1998م) في} فتح المغيث}. وكلاهما من المغاربة أَيضًا.
(4) هَذِهِ الرسالة لا تزال مخطوطة، وتوجد منه نسخة بمكتبة السالمي د. ت. بعنوان: ” الحجج الواضحة “، رقم 62. وأخرى بدائرة المخطوطات بوزارة التراث، في عُمان، رقم 231، د. ت. ينظر: الحجِّي: المخطوطات، ص148، 262. (1/184)
صفحة 185
أن نصحهم عن ادِّعاء ما ليس لهم، فكتبوا إِلَيْهِ ورقات لفَّقوها، وشبهات نمَّقوها، مقتضاها أَنَّهُم من أهل العلم، وَأَنَّ من نسبهم إِلىَ غيره فقد ظلمهم، فسمَّى ورقاتهم تلك ”التلفيقات الفاضحة“ وَسَمَّى الردَّ عَلَيْهَا: ”الحجَّة الواضحة“. وناهيك أَنَّهُ يكفي في زجرهم وإغلاظ الردِّ عَلَيْهِم هَذَا الاسم، دَعْ ما أودعه في تلك الرسالة من حسن الجدال، وكشف القناع، الذي جعل أعداءه في الأقماع» (1).
- شمس الأصول (2):
”شمس الأصول“: منظومة أَلفِيَّة في أصول الفقه، قال عنها أبو إسحاق اطفيَّش: «من أجلِّ متون هَذَا الفنِّ وأكثرها نفعا» (3). وسمَّاها أبو بشير ”شمس الأنوار“ (4)، وتابعه عَلَى ذَلِكَ بَعض مَن كَتب عن مُؤَلَّفَات السالمي (5)، كما سمَّوها أَيضًا بـ”طلعة الشمس“ (6)، والصواب أَنَّ اسمها ”شمس الأصول“، ولا وجود لمؤلَّف بعنوان: ”شمس الأنوار“، وَأَمَّا ”طلعة الشمس“ فهو شرح لمنظومة ”شمس الأصول“. وقد جاء اسم المنظومة الصحيح واضحا في كلام السالمي حيث يقول: «أَمَّا بعد فَهَذِهِ منظومة جليلة القدر، عظيمة الخطر في علم أصول الفقه، منَّ بها عليَّ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ، سمَّيتها ”شمس الأصول“» (7). ويضيف: «و”شمس
__________
(1) ترجمة السالمي (مخ)، ص17. وينظر ذِكْرها دون تفصيل في: أبو بشير: نهضة، ص130. مُقَدِّمَة البطاشي للمشارق، ص} خ}. أطروحة الهاشمي، ص115. مُقَدِّمَة أبي غدَّة للجوابات، 1/ 12.
(2) لا أعلم هل طبعت المنظومة مستقلَّة أم لا. وَإِنَّمَا طبعت مع شرحها بمطبعة الموسوعات بمصر في حياة المُؤَلِّف. وتوجد نسخة منها مخطوطة بمكتبة السالمي، د. ت. برقم 79. ينظر: الحجِّي: المخطوطات، ص263.
(3) مُقَدِّمَة أبي إسحاق لجوهر النظام، ص} ز}.
(4) نهضة، ص128.
(5) ينظر: مُقَدِّمَة البطاشي للمشارق، ص} خ}. المرموري: السالمي المجتهد، قراءات، ص45. أطروحة الهاشمي، ص113. مُقَدِّمَة عبد الرحمن السالمي لروض البيان، ص38.
(6) ينظر: أبو بشير: ترجمة السالمي (مخ)، ص15. مُقَدِّمَة أبي إسحاق لجوهر النظام، ص} ز}. مُقَدِّمَة التنوخي لشرح الجامع الصحيح، 1/} ي}.
(7) نور الدين السالمي: شرح طلعة الشمس عَلَى الألفية المسمَّاة بشمس الأصول، نشر: سالم بن سلطان الريامي، مطبعة الموسوعات، مصر، د. ت، 1/ 2. (1/185)
صفحة 186
الأصول“ عَلَم عَلَى هَذِهِ المنظومة» (1). ومطلعها:
«الحمد لله الذي قد انزلا كِتَابَه مفصَّلا ومجمَلا» (2)
وَيُبَيِّنُ السالمي منهجه فيها، وقيمتها العِلمِيَّة قائلا في تتمَّتها:
«قد أشرقت شمس الأصول في سما تحقيقها وأظهَرَت ما أبهما
وأبرزت مخدَّرات الفنِّ في قالب النظم البديع الحسن
وبيَّنت عجاب هَذَا العلم وليَّنت صعابه للفهم
وذلِّلت قطوفُه تذليلا وصيَّرت مخوفه سبيلا ... » (3)
وَأَمَّا عن مضمونها فسنفصِّلها في المؤلَّف الآتي وَهُوَ شرح هَذِهِ المنظومة المسمَّى: ”طلعة الشمس“.
- طلعة الشمس (4):
”طلعة الشمس“: شرحٌ لمنظومة ”شمس الأصول“ يقع في جزءين طُبعا بمصر، وَهُوَ وإن لم يذكر تاريخ نشره إِلاَّ أَنَّهُ كان في حياة مُؤَلِّفها، أي قبل 1332هـ/1914م، فقد جاء في صفحة العنوان: «كِتَاب شرح طلعة الشمس عَلَى الألفيَّة المسمَّاة بشمس الأصول، لناظمها فخر الْمُتَأَخِّرين ومرجع المناظرين العالم العلاَّمة أبي محَمَّد عبد الله بن حميد السالمي أطال الله بقاءه».
__________
(1) المصدر نفسه، 2/ 303.
(2) المصدر نفسه، 1/ 2.
(3) المصدر نفسه، 2/ 303 - 305.
(4) الكِتَاب مطبوع، بمطبعة الموسوعات بمصر، في حياة الْمُؤَلِّف، ومن هَذِهِ الطبعة صوِّرت الطبعات اللاحقة. ثُمَّ قام بتحقيق أجزاء من الكِتَاب طلبةٌ من معهد القضاء الشرعي في مذكرات التخرج، وهم: المختار بن غالب النعماني، سنة 1418هـ/1997م. وطالب بن علي الراشدي (من التخصيص إِلىَ النسخ)، سنة1418هـ/1997م. ومحمد بن سليمان الشعيلي (القسم الثاني من الجزء الثاني)، سنة 1417هـ/96 - 1997م. وعبد الله بن سالم الهنائي (القسم الأَوَّل من الكِتَاب)، من 1418هـ/1997م. (1/186)
صفحة 187
وفي مكتبة السالمي مُجَلَّد مخطوط د. ت. بعنوان: «تصحيح الأَوَّل والثاني من طلعة الشمس» (1)، والتساؤل الذي يبقى مطروحا: هل هَذَا التصحيح لِلكِتَابِ كان قبل الطبع أم بعده؟.
يُبَيِّنُ السالميُّ منهجه في الشرح فيقول: «وقد أخذت في شرحها عَلَى وجه يروق للناظر، ويبهج الخاطر، موضِّحا لمعاني أبياتها، ومبيِّنا لغالب نكاتها، آخذا من طرق الشروح أوسطها، ومن العبارات أحسنها وأضبطها، ولئن منَّ الله عليَّ بإتمامه لأسمِّينَّه إِن شاء الله بـ”طلعة الشمس“» (2). وقد منَّ الله تَعَالىَ عَلَيْهِ بإتمام الكتاب، ليقول في آخره موضِّحا وجه التسمية: «ووجه المناسبة في ذَلِكَ ظاهر، وَهُوَ أَنَّ الأبصار لا تدرك هَذَا الكوكب [أي النجم] إِلاَّ بعد طلوعه، فشبَّهنا هَذَا الشرح بِذَلِكَ الطلوع، لأَنَّ معاني هَذَا النظم لا تدركه غالب البصائر إِلاَّ بالشرح» (3).
وَأَمَّا عن مضمون هَذَا الكِتَاب القيِّم، فهو يحتوي عَلَى مُقَدِّمَة في تعريف أصول الفقه وبيان موضوعه وثمرته. ثُمَّ قسَّم مؤلَّفه إِلىَ قسمين، وكلَّ قسم منهما إِلىَ أركان، وكلَّ ركن إِلىَ مباحث:
· القسم الأَوَّل: في الأَدِلَّة الشَّرعِيَّة، وفيه خمسة أركان: الركن الأَوَّل في مباحث الكِتَاب، والثاني في مباحث السنَّة، والثالث في مباحث الإجماع، والرابع في مباحث القياس، والخامس في مباحث الاستدلال، ثُمَّ خاتمة في الترجيحات.
· القسم الثاني: في الأحكام، وفيه أربعة أركان: الأَوَّل في الحكم، والثاني في الحاكم، والثالث في المحكوم به، والرابع في المحكوم عَلَيْهِ، وذيَّله بخاتمة في الاجتهاد.
__________
(1) رقم 45. ينظر: الحجِّي: المخطوطات، ص258.
(2) طلعة الشمس، 1/ 2.
(3) المصدر نفسه، 2/ 303 - 304. (1/187)
صفحة 188
والمطَّلع عَلَى الكِتَاب يلاحظ إلمام مُؤَلِّفه بجوانب أصول الفقه، وحسن ترتيبه لأبواب هذا العلم. وكان أسلوبه واضحا في أغلب الأحيان، يستفيد منه المبتدئ ولا يستغني عنه المتخصِّص. ثُمَّ إِنَّهُ يعطينا صورة عن نظرة الإِبَاضِيَّة إِلىَ فنِّ أصول الفقه، علما أَنَّ الْمُؤَلَّفَات الإِبَاضِيَّة المتخصِّصة فيه قليلة مقارنة بمؤلَّفات أصول الدين والفقه.
أَمَّا عن أَهَمِّيَّة هَذَا الكِتَاب فيقول أبو بشير ــ وغيره ــ: «وهو كِتَاب جدير أن يقال: إِنَّهُ أنفس ما أُلِّف في أصول الفقه، وقد درَّس فيه القطب تلاميذه بمصعب» (1). وَلَكِنَّ إصدار الحكم عَلَى إطلاقه بِأَنَّ الكِتَاب «أنفس ما أُلِّف في أصول الفقه» يعتبر من المبالغات التي تحتكم إِلىَ العاطفة، وتحتاج مِنَّا إِلىَ تحقيق (2)، وإِلىَ دَلِيل علميٍّ مبنيٍّ عَلَى استقراء كامل. ثُمَّ إِنَّ المفاضلة لا تكون عَلَى الإطلاق فقد يكون هَذَا المؤلَّف في هَذَا الجانب أفضل من غيرِه، وغيرُه أفضل منه في جانب آخر، والأحكام والعبارات تختلف باختلاف الاعتبارات.
4 - الفقه:
- إيضاح البيان في نكاح الصبيان (3):
بَيَّنَ في هَذِهِ الرسالة بعض ما يَتَعلَّقُ بأحكام تزويج الصبيان و «انتصر فيها للقول بجواز نكاحهم، وإجراء ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ من الصداق والميراث والعِدَّة، وظفَّره بالأدلَّة،
__________
(1) ترجمة السالمي (مخ)، ص15. وينظر نحو ذَلِكَ الكلام في نهضة، ص128. مُقَدِّمَة أبي إسحاق لجوهر النظام، ص} ز}. والمقصود بالقطب: الشيخ امحَمَّد بن يوسف اطفيَّش، وبمصعب: وادي ميزاب.
(2) ينظر: ناصر محَمَّد: تراثنا الإسلامي، ص78.
(3) نشرته مكتبة السالمي بسلطنة عُمان، عام 1996، بتقديم سعود بن حمد السالمي. وتوجد منه عِدَّة نسخ مخطوطة: في مكتبة الاستقامة ببني يزقن، بخط راشد بن سليمان، بتاريخ 15 شعبان 1327هـ، أي في حياة الْمُؤَلِّف، وهي النسخة التي اعتمدتها في هذا البحث قبل أن أطَّلع عَلَى النسخة المطبوعة. وتوجد منه نسخة أخرى في مكتبة السالمي، برقم 57. د. ت. وخمس نسخ في دائرة المخطوطات بوزارة التراث بسلطنة عُمان، برقم166، نسخت بين 1320هـ و1379هـ. ينظر: الحجِّي: المخطوطات، ص145، 261. (1/188)
صفحة 189
وحقَّق فيها ما كان متداخلا من فتاوى الأثر في هَذِهِ المسألة، وردَّ كُلَّ شَيْء إِلىَ محلِّه، وكلَّ فرع إِلىَ أصله، فكانت رسالة في غاية الإفادة والإجادة» (1).
يقول الْمُؤَلِّف متحدِّثا باختصار عن سبب تأليفها بِأَنَّ بَعض العلماء الْمُتَأَخِّرين خلطوا بين قولين من أقوال الفقهاء في التعامل مع الصبيَّة المتزوِّجة، فمن جهة يقولون بِصِحَّةِ تزويجها (وما يلحق ذَلِكَ من صِحَّة الدخول وثبوت النفقة ... ) ولا يوقفون التزويج إِلىَ البلوغ، ومن جهة أخرى «يعاملونها في باقي الأحكام بفروع القول بالوقوف، وَهَذَا تخليط بين الأقوال، وانحراف عن طريق الاعتدال، وجمع بين الضدَّين في بَعض الأحوال، وَهُوَ لا يَصِحُّ، لأَنَّهُ يلزم أهل كُلِّ قول أن يفرِّعوا عَلَيْهِ ما تقتضيه أصوله ... » (2).
وقد تميَّز الكِتَاب بالترتيب المنطقي المحكم، وردِّ المسائل إِلىَ أصولها، وإِلىَ أدلَّتها من السُّنَّة، ومناقشتها مناقشة عِلمِيَّة أصوليَّة رصينة، وأبدى براعة فائقة في مناقشاته، لأَنَّهُ انطلق من قواعد صحيحة يرجع إِلَيْهَا عند الاختلاف، وفيه يبرز تمكُّنه في علم أصول الفقه.
- جوابات (3) الإمام السالمي:
الكِتَاب عبارة عن الفتاوى التي أجاب بها السالميُّ سائليه من مختلف أنحاء القطر العمانيِّ، ومن غيره كزنجبار. قام بتنسيقها ومراجعتها د. عبد الستار أبو غدَّة، بإشراف عبد الله السالمي، ونشر مكتبة السالمي، بسلطنة عُمان، سنة 1417هـ/1996م، في سبعة أجزاء، خُصِّص آخرها للفهارس، أعدَّها عزّ الدين خوجة وعبد الرحمن السالمي.
وتجدر الإشارة إِلىَ أمرين:
__________
(1) أبو بشير: ترجمة السالمي (مخ)، ص18.
(2) إيضاح البيان (مخ)، ص1.
(3) في إحدى النسخ المخطوطة (رقم 28 في مكتبة السالمي) وردت باسم ” أجوبة “، ينظر: الحجِّي: المخطوطات، ص261. (1/189)
صفحة 190
- الأولى: أَنَّ أغلب هَذِهِ الفتاوى قد تَمَّ نشرها في كِتَاب ”العقد الثمين“ في ثلاثة أجزاء.
- الثانية: أَنَّ ترتيب الجوابات قد تَمَّ عِدَّة مَرَّات:
· الأولى: كانت عَلَى يد السالميِّ نفسه، فقد وضع كِتَابا خَاصًّا يجمع فيه فتاواه، فكان إذا جاءه سؤال مهمٌّ وأجاب عنه، أَمَر بتدوين السؤال والجواب في مجموعته «وَلَمَّا خرج من الدنيا وُجدت مجموعة أجوبته المنيرة في ثمانية أجزاء متوسِّطة الحجم، وَلَكِنَّهَا غير مرتَّبة» (1)، أي ترتيبا موضوعيًّا، فتكون ـ إذن ـ بهذه الطريقة مرتَّبة ترتيبا زمنيًّا ولا شَكَّ.
· الثانية: وكانت بعد أكثر من عشر سنين من وفاة السالمي، إذ قام الشيخ محَمَّد بن سالم بن زاهر الرقيشي الأزكوي بترتيبها، ويقول العبري: «غير أَنِّي لم أقف عَلَى مرتَّباته لأَنَّهَا لم تُنسخ» (2).
· الثالثة: هي التي قام بها الشيخ سالم بن حمد الحارثي (3) سنة 1393هـ/1973م، فقسَّمها إِلىَ عِدَّة أبواب، والأبواب ــ إذا اقتضى الأمر ــ إِلىَ فصول، ابتداء بباب أصول الدين وأصول الفقه، ثُمَّ بَقِيَّة الأبواب للفروع الفِقهِيَّة، وَسَمَّى عمله: ”العقد الثمين ... “.
· الرابعة: قام بها أبو غدَّة في سنة 1417هـ/1996م، وأصدرها في كِتَاب بعنوان: ”جوابات الإمام السالمي“ في سبعة أجزاء.
هَذَا وننوِّه بالجهد الذي قام به حين وضع عناوين للمسائل الفرعيَّة، الأمر الذي يسهِّل عَلَى القارئ معرفة مضمون السؤال وجوابه دون أن يضطرَّ إِلىَ قراءتهما كاملا. كما بذل عزّ الدين خوجة وعبد الرحمن السالمي جهدا مشكورا في
__________
(1) مُقَدِّمَة العبري للعقد الثمين، 1/ 5.
(2) المصدر نفسه، 1/ 6.
(3) تقدَّمت ترجمته، ينظر: ص145 - 146 من البحث (هامش). (1/190)
صفحة 191
تخصيص الجزء السابع من الجوابات للفهارس الفَنِّيَّة، وَهَذَا النوع من الفهارس قلَّما وجدناه في المطبوعات العمانيَّة عمومًا، فضلا عن تآليف السالمي. إِلاَّ أَنَّهَا ذات إيجابيَّات وسلبيَّات، فَأَمَّا الإيجابيَّات فتتمثَّل في اشتمالها عَلَى الفهارس الآتية:
· فهرس إجمالي للمواضيع مرتَّب ألفبائيًّا (آنية، آداب ... أصول الدين، أصول الفقه ... )
· فهرس موضوعي تفصيلي مرتَّب حسب الأجزاء والصفحات.
· فهرس تحليلي مرتَّب ألفبائيًّا حسب المصطلحات والمسائل الفرعيَّة.
· الفهارس الفَنِّيَّة المألوفة: الأعلام، الأماكن، المراجع، الفرق والقبائل، وأخيرا فهرس المصطلحات العمانيَّة مع شرحها باختصار، وَهَذَا الأخير مفيد لغير العمانيِّين.
أَمَّا الملاحظات السلبيَّة عَلَى الكِتَاب وفهارسه فهي:
· ترتيب الجوابات بقدر ما كان مفيدا للقارئ العادي الذي يتتبَّع الترتيب الموضوعي لِلكِتَابِ حسب أبواب الفقه، فَإِنَّهُ يمنع الباحثين من معرفة تَطَوُّر فكر السالمي، بمعرفة الْمُتَقَدِّم من آرائه والمتأخِّر منها، وبالتالي يمكِّننا من التعرُّف عَلَى مستقرِّ رأيه في أواخر أَيَّامه؛ ولو تُركت الفتاوى كما وُجدت مبعثرة موضوعيًّا، ولكنَّها مرتَّبة زمنيًّا، وعُوِّض ذَلِكَ بحسن الفهرسة وضبطها، إذن لاستفدنا خدمة كبرى لمعرفة تَطَوُّر فكره وتفاعله مع الأحداث والمحيط السياسيِّ والثقافيِّ، وكذا انشغالات المجتمع واهتماماته، والتيَّارات التي تتقاذفه بين فترة وأخرى.
· إِنَّ ترتيبه حسب كتب الفقه لم يتبع الطريقة المتعارف عَلَيْهَا، فَإِنَّ الغالب عَلَى العلماء أن يجعلوا أبواب التفسير ثُمَّ الحديث ثُمَّ أصول الدين ثُمَّ أصول الفقه قبل الفروع الفِقهِيَّة من العبادات (الطهارات، الأركان الخمسة ... )، والمعاملات (النكاح، البيوع ... ). أَمَّا أبو غدَّة فقد جعل ”أصول الدين ثُمَّ أصول الفقه ثُمَّ التفسير ثُمَّ الحديث“ بعد الفروع الفِقهِيَّة في آخر الجوابات، أي في الجزء السادس.
· (1/191)
صفحة 192
عدم استقصاء كُلِّ الفتاوى الموجودة، أو عَلَى الأقل ما نُشر منها في العقد الثمين. وَهَذَا ما يبعثنا على إعادة النظر في مخطوطات الفتاوى ومقارنتها بما طبع (1).
· التكرار الفاحش للأسئلة وأجوبتها بنصِّها بشكل عجيب!. ولو تكرَّرت في موضوع آخر وفي جزء آخر، لقلنا: إِنَّ ذَلِكَ اقتضته ضرورة تنوُّع المواضيع في الفتوى الواحدة، وَلَكِنَّنا نجد المسألة متكرِّرة في نفس الموضوع، وتحت نفس العنوان (2).
· غياب بَعض الفهارس الْمُهِمَّة، مثل الآيات والأحاديث وأبيات الشعر والنظم.
· عدم دقَّة وشموليَّة الفهارس الموجودة: وقد عثرت عَلَى بعضها بمحض الصدفة (3)، مِمَّا يدعو إِلىَ تصحيح تلك الفهارس، لذا فعَلَى الباحث أن لا يكتفي بالاعتماد عَلَيْهَا إذا توخَّى الدقَّة والاستقراء في بحثه، بل عَلَيْهِ أن يتتبَّع الأجزاء الستَّة للكِتَاب من أَوَّلها إِلىَ آخرها!!.
· الفهارس الآتية غير مرتبة ألفبائيًّا مِمَّا يعسِّر الاستفادة منها، وهي: فهرس المراجع، فهرس الفرق والقبائل، فهرس المصطلحات العمانيَّة. بل حَتَّى الفهارس التي من المفترض أَنَّهَا مرتَّبة نجد فيها خللا (4).
__________
(1) سنذكر بعض الأمثلة في العقد الثمين، ينظر: ص 204 - 205 من البحث.
(2) وقد تجمَّع لديَّ أكثر من خمسين مسألة مع أجوبتها، وتختلف في طولها بين بضعة أسطر، إِلىَ عِدَّة صفحات. نذكر مثلا: الأسئلة والأجوبة الواردة في 1/ 149 - 153 تكرَّرت في 1/ 159 - 163. ومسألة في 2/ 26 - 27 تكرَّرت في 2/ 60 - 61. وأخرى في 2/ 248 - 249 تكرَّرت في 2/ 251 - 252. ومسائل وردت في 6/ 72 - 86 تكرَّرت كُلُّهَا في 6/ 241 - 252!! ...
(3) إذا بحثنا مثلا في فهرس الأعلام عن علي بن محَمَّد الجرجاني فلا نجد اسمه في الفهرس مع أَنَّهُ مذكور في (6/ 122)، ولا نجد اسم معاوية بن أبي سفيان، مع أَنَّهُ مذكور في (ج6/ص20، 21، 22)، وفي اسم الحجَّاج بن يوسف لا نجد ذكر الصفحات الآتية عَلَى سبيل المثال: (ج6/ص233، 235، 257، 259) وفي فهرس القبائل والفرق لا نجد اسم} بني إسماعيل} و} اليحمديِّين} مع أَنَّهُمَا موجودان في (ج4/ص47).
(4) ينظر مثلا: حرف العين من فهرس الأعلام 7/ 599 - 601. (1/192)
صفحة 193
هَذَا من الناحية الشكليَّة، أَمَّا عن مضمون الكِتَاب، فالملاحظ أَنَّ كثيرا من الأسئلة طرحها بَعض القرَّاء ــ ومنهم أبو زيد عبد الله بن محَمَّد بن رزيق الريامي عَلَى الخصوص (1) ــ عبارةٌ عن إشكالات حول نصوص واردة في مُؤَلَّفَات السالمي ومُؤَلَّفَات غيره، مثل: مشارق أنوار العقول، بهجة الأنوار، جوهر النظام، مدارج الكمال، طلعة الشمس (2) ... وَأَمَّا مُؤَلَّفَات غير السالمي للإِبَاضِيَّة وغير الإِبَاضِيَّة فهي كثيرة (3). وَهَذَا أمر مهمٌّ، بحيث يُبَيِّنُ لنا رأي السالميِّ بوضوح، ويرفع كُلَّ التباس قد يشغل ذهن القارئ حول ما ورد في تلك الْمُؤَلَّفَات (4).
وتجدر الإشارة إِلىَ أَنَّ السالمي يحيل أحيانا في بَعض تآليفه إِلىَ كِتَاب ”حل المشكلات“ حيث يقول في جواب عن سؤال حول الجِوار: «وقد بسطت القول في ذَلِكَ في ”حل المشكلات“» (5)، ويقول أَيضًا في جواب حول الذكاة: «وفي المسألة بسط ذكرته في ”حل المشكلات“» (6)؛ وَهَذَا مِمَّا أوهمني في بادئ الأمر، كما أوهم الهاشميَّ من قبلي، أَنَّهُ كِتَاب مستقلٌّ، فذَكَرَه في أطروحته باعتباره كتابا مستقلاًّ، وقال: إِنَّ وزارة التراث العُمانيَّة طبعته (7)، وَلَكِن دون أن يشير إِلىَ معلومات تفصيليَّة عنه، ولا نجد لِلكِتَابِ ذكرا ضمن مصادر أطروحته ومراجعها.
__________
(1) القارئ لا يستطيع التمييز بين أسئلة أبي زيد وأسئلة غيره بعد أن أخذَتْ موقعها في الترتيب الجديد، فقد حُذف منها اسم السائل ــ إِلاَّ نادرا ــ وَهَذَا أمر يؤسف له، إذ لا نتمكَّن من معرفة مكانة السائلين، خَاصَّةً وَأَنَّ الكثير منها يَدُلُّ عَلَى سعة علم بعضهم.
(2) ينظر العناوين المذكورة، وقد وردت في الصفحات الآتية من الجزء الأَوَّل من العقد الثمين عَلَى سبيل المثال، جوهر النظام: (70، 71، 465) مشارق: (81، 82، 89، 102، 110، 120، 133، 135، 142، 143، 206، 223، 224، 238، 240 ... ) بهجة الأنوار: (171، 173، 174) مدارج الكمال: (155، 159، 463، 470) طلعة الشمس: (280، 287).
(3) ينظر فهرس المراجع المذكورة في الجوابات، 7/ 613 - 621. مع التذكير أَنَّهُ لا يُعوَّل كثيرا عَلَى فهارس الكِتَاب لأَنَّهَا تنقصها الدقَّة والشموليَّة.
(4) ينظر كمثال عَلَى ذَلِكَ ما سنذكره لاحقا في رأي السالمي في التصوُّف، ص 287 - 297 من البحث.
(5) العقد الثمين، 1/ 471.
(6) جوابات، 2/ 329.
(7) أطروحة الهاشمي، ص114. (1/193)
صفحة 194
والواقع أَنَّ كِتَاب ”حل المشكلات“ هو الجزء الرابع من فتاوى السالمي (1)، وقد رتَّبه بنفسه، قبل أن يتِمَّ إدراجه ونثر مسائله وفق الترتيب الجديد في ”العقد الثمين“، أو في ”جوابات الإمام السالمي“. كما توهَّم البَعض أَنَّ كِتَاب ”حل المشكلات“ من تأليف أبي زيد، وَلَكِنَّ الصواب أَنَّ أبا زيد الريامي عندما همَّ بالرجوع إِلىَ بلده ”إزكي“ سنة 1321هـ، بعد تعلُّمه عَلَى يد الشيخ نور الدين بالقابل، طرح عِدَّة أسئلة عَلَى شيخه، فأجابه عنها، «وقد سَمَّى الريامي أسئلته وأجوبتها ”حل المشكلات“، وليس له فيه إِلاَّ الأسئلة، وتوهَّم بَعضهم أَنَّهَا تأليفه» (2).
ويذكره الحجِّي في دراسته بعنوان: ”أسئلة أبي زيد الريامي لنور الدين السالمي والإجابات عنها“. كما ذكر أَيضًا أسئلة من سالم بن سعيد المنظري إِلىَ نور الدين وأجوبتها (3)، ولعلَّها جزء من الجوابات.
وتبرز أَهَمِّيَّة الجوابات من حيث غزارة المعلومات، ومن حيث إجابتها عَلَى كثير من التساؤلات التي تقع في حياة الناس، سواء في عباداتهم أم معاملاتهم، وهي بِذَلِكَ تبقى عَلَى مرِّ العصور غضَّة طريَّة، يستفيد منها الناس في مختلف الأزمنة والأمكنة، وبهذا يحتفظ الكِتَاب بقيمته ما دام الناس يعبدون الله عَلَى وجه الأَرض، فالعبادات لا تتغيَّر وإن تغيَّرت بَعض المعاملات.
كما أَنَّ أَهَمِّيَّة هَذِهِ الفتاوى من جهة أخرى تكمن في كونها مرآة للحالة الاِجتِمَاعِيَّة والسِّيَاسِيَّة لمحيط السالمي، فقد تكون مصدرا خصبا لدراستها من الزاوية الاِجتِمَاعِيَّة، فمن ذَلِكَ مثلا: الأسئلة الْمُتَعَلِّقَة بِبَعْض البدع المنتشرة، كالإيصاء بقراءة القُرْآن عَلَى القبور، وكالتحايل عَلَى الشرع بتحليل الربا وتسميته ببيع الخيار، وكذا ما يَتَعلَّقُ بالرقيق، خَاصَّةً بعد تدخُّل السلطات الإنجليزيَّة في حظر هَذَا النوع
__________
(1) ينظر: ترجمة السالمي (مخ)، ص16. نهضة، ص129. مُقَدِّمَة عميرة للمشارق، ط. بيروت، 1/ 36. مُقَدِّمَة أبي غدة للجوابات، 1/ 15.
(2) جوابات، 1/ 14. وينظر نحو هَذَا الكلام في المصادر المذكورة في الهامش السابق.
(3) مخطوطان بدائرة المخطوطات بوزارة التراث، عُمان، رقم 143، و231. ينظر: الحجي: المخطوطات، ص144، 148. (1/194)
صفحة 195
من التجارة (1)، مِمَّا أنتج إشكالات فِقهِيَّة جديدة لم تكن معروفة في السابق، مثل: ما حكم مَن حرَّرتهم السلطات الإنجليزيَّة غصبا؟ هل يعتبرون آبقين، وتجرى عَلَيْهِم أحكامهم؟ هل يجوز استخدامهم؟ ... (2).
- جوهر النظام (3):
ألَّف الصائغيُّ (4) منظومة في الأصول والفروع نالت شهرة واسعة لدى العمانيِّين (5)، إِلاَّ أَنَّهَا لا تخلو من نقائص، فأراد الإمام نور الدين السالمي استدراكها بتأليف أرجوزة «تزيد عَلَى أربعة عشر ألف بيت» (6)، يهذِّب فيها منظومة الصائغيِّ، ويتفادى ما انتقده عَلَيْهِ، فسمَّى عمله: ”جوهر النظام“، وكان قد ابتدأ تأليفه وَهُوَ في البقاع المقدَّسة إذ يقول:
«شرعت فيه ببلاد الله فكان هَذَا من عظيم الجاه» (7)
وتمتاز المنظومة بسهولة ألفاظها العذبة، وانسياب معانيها الواضحة، مِمَّا جعلها محلَّ اهتمام كبير. ويعجبني تعليق الشيخ أبي إسحاق مبرزا أَهَمِّيَّة الكِتَاب ــ وهو
__________
(1) ينظر: عصر الشيخ السالمي، ص33 وما بعدها من البحث.
(2) ينظر مثلا: العقد الثمين، 2/ 479 - 480.
(3) صدرت منه عِدَّة طبعات، ووصل في عام 1989م إِلىَ الطبعة الحادية عشرة (ينظر: أطروحة الهاشمي، ص112). وللكِتَابِ نسختان مخطوطتان بمكتبة السالمي نسختا سنة 1329هـ، أي في حياة المُؤَلِّف، رقم 60. وإحدى عشرة نسخة بدائرة المخطوطات بوزارة التراث بعُمان، نسخت بين 1329 و1343هـ. ينظر: الحجِّي: المخطوطات، ص148، 261.
(4) هو الشيخ سالم بن سعيد بن علي الصائغي المنحي العماني، من علماء القرن الثالث عشر. له الأرجوزة الفِقهِيَّة المذكورة التي تبلغ نحو عشرة آلاف بيت وَتُسَمَّى:} المضنون به عَلَى غير أهله} في أصول الدين والفقه والآداب الشَّرعِيَّة، في ثلاثة أجزاء، وقد وضعها صاحب قاموس الشريعة في كِتَابه. ينظر: تعليق أبي إسحاق عَلَى جوهر النظام، 1/ 2 (هامش). الخصيبي: شقائق، 3/ 8.
(5) وَهُوَ ما يُفَسِّرُ وجود 31 نسخة من الكِتَاب في مكتبة دائرة المخطوطات بوزارة التراث، برقم 245. ينظر: الحجي: المخطوطات، ص149.
(6) أبو بشير: نهضة، ص129.
(7) جوهر النظام، 1/ 3. وينظر: الحارثي: اللؤلؤ، ص211. (1/195)
صفحة 196
مصحِّحه والمعلِّق عَلَيْهِ ــ إذ يقول: «وجوهر النظام كِتَاب لا يملك المرء أن يُعَبِّر عن كنوزه، وما احتوى عَلَيْهِ من غوالي المسائل وذخائر العلم، إِنَّكَ لترى جاذبيَّة عند مطالعته، وروعة تمتلك النفس بتحقيقه، وسهولة نظمه وحسن تأليفه ... » (1). وبعد بيان أَهَمِّيَّة الكِتَاب يواصل أبو إسحاق ــ وهو الفقيه الواسع الاطِّلاَع عَلَى مصادر الفكر الإِسلاَمِي، الإِبَاضِيَّة وغير الإِبَاضِيَّة ــ في ذكر مميِّزات هَذَا النظم نذكر منها:
· حسن التبويب والترتيب.
· إضافة عِدَّة أشياء من اجتهاده.
· خلوُّها من التعقيد والفتاوى الواهية.
· شمولها لكثير من المصطلحات الفِقهِيَّة، إذ خصَّص لبعضها باب الضوابط (2)، ضبط فيها ألفاظا قد لا نقف عَلَى ضبطها في المطوَّلات.
· استعمال مفردات خَاصَّة بالقبائل العمانيَّة ذات الأرومة العَرَبِيَّة العريقة، وقد أهملها أصحاب المعاجم، مِمَّا يعدُّ إثراء للقاموس اللغويِّ العربيِّ.
· وقوفه عَلَى بَعض دسائس السياسة الاستدماريَّة التي لعبت أدوارا كبيرة في عمان في تلك الفترة، ولم تزل كَذَلِكَ (3).
وَأَمَّا عن محتوى الكِتَاب فهو ــ بِاختصار ــ يلخِّص علوم الشريعة الإِسلاَمِيَّة أصولا وفروعا، إذ قسَّم الأرجوزة إِلىَ كتب، والكتب إِلىَ أبواب، ابتدأها بكتاب العلم وأصول الدين وأصول الفقه بإيجاز، ثُمَّ تناول مختلف أبواب الفقه من عبادات (الطهارات، والصلاة، والصوم، والزكاة، والحج ... ) ومعاملات (نكاح وبيوع، وشفعة وشركات وضمانات، ومواريث، وقضاء ... ) وختمها بذكر السنن والآداب والحِكم.
__________
(1) تعليق أبي إسحاق عَلَى جوهر النظام، 4/ 644.
(2) ينظر: المصدر نفسه، 4/ 604 - 606.
(3) هَذِهِ بَعض المزايا التي ذكرها أبو إسحاق ولا يسع المقام لذكر كُلِّ ما قاله. ينظر: المصدر نفسه، 4/ 645 - 646. (1/196)
صفحة 197
ومن خلال عرض أَهَمِّيَّة الكتاب وشيء عن منهجه ومضمونه يبدو هدف الْمُؤَلِّف واضحا، فقد وجَّه كِتَابه إِلىَ العَامَّة من أهل عصره ومصره (عُمان) بِخَاصَّةٍ، إذ كانوا ــ ولا يزالون ــ من السهل عَلَيْهِم حفظ الأشعار والأراجيز الطويلة، لِمَا تتميَّز به من الإيقاع، وسهولة الألفاظ. وَبِذَلِكَ نال شهرة واسعة لدى العمانيِّين واهتماما بالغا، قراءة وحفظا، واستشهادا به ونشرًا. وقد نَثَر المنظومة أبو مسلم الرواحي في نثار الجوهر (1).
- الحجج المقنعة في أحكام صلاة الجمعة (2):
تحتوي الرسالة على مُقَدِّمَة ومقصدين وخاتمة، خصَّص الْمُقَدِّمَة لصفة صلاة الجُمُعَة، وحكم الدخول فيها مع الإمام، وحكم من فسدت عليه، وَالأَدِلَّة عَلَى وجوبها من القُرْآن والسُّنة، وبيان المكان الذِي تؤتى منه، وكونها فرضا عَلَى الأعيان.
والمقصد الأَوَّل في شروط وجوب صلاة الجُمُعَة العامَّة والخَاصَّة، وحكم إمامة العبد والمسافر والصبيِّ والمدبَّر والمكاتب وإذن السَّيِّد لعبده فيها، وحكم السفر يوم الجُمُعَة، والموانع الرافعة لوجوبها.
__________
(1) ينظر: الرواحي أبو مسلم ناصر بن سالم بن عديّم (ت: 1339هـ): نثار الجوهر في علم الشرع الأزهر، سلطنة عُمان، طبعة مصوَّرة من خط الْمُؤَلِّف.
(2) طُبع الكتاب بهامش الجزء الثاني من طلعة الشمس، في مصر بمطبعة الموسوعات، د. ت. وَلَكِنَّهَا في حياة الْمُؤَلِّف، إذ وردت في الغلاف عبارة: «أطال الله بقاء ه». وصوِّرت تلك الطبعة كما هي دون أيِّ تحقيق بعُمان سنة 1981م. ثُمَّ طبعت الرسالة منفردة بعُمان سنة 1996م مع بعض التعاليق القليلة لسعود بن حمد بن نور الدين السالمي والشيخ سالم بن حمد بن سليمان الحارثي. وقام الطالب إبراهيم بن علي بولرواح بدراسة حول الكِتَاب وبتخريج نصوصه، في إطار مذكِّرة} التعمُّق في البحث}، بقسم التخصُّص في الشريعة، بمعهد الحياة، القرارة، سنة 1418هـ/ 1997م. (ينظر: دراسة حول الحجج المقنعة: بولرواح، ص19).
توجد لِكِتَابِ الحجج عَلَى الأقلِّ أربع نسخ مخطوطة بمكتبة السالمي: أولاها برقم 5 نُسخت سنة 1313هـ. والأخرى برقم 57، د. ت. والثالثة برقم 61، د. ت. والرابعة برقم 62، نسخت في 1319هـ. ينظر: الحجِّي: المخطوطات، ص258، 261، 262. (1/197)
صفحة 198
والمقصد الثاني في شروط صِحَّة الجُمُعَة: تناول فيه المصر والإمام، وحكم تعدُّد الجُمُعَة في المصر الواحد، وحكم التخلُّف عنها لمن كان دون الفرسخين، وحكم إقامتها في غَيرِ الجامع، وناقش مسألة عدالة الإمام، وسفره وإذنه، والجماعة التي تَصِحُّ بها، وانفضاض الجماعة عن الإمام، والوقت، والنداء، وحكم البيع بعد النداء للجُمُعَة، والخطبة ومضمونها، وتكلَّم عن الأحكام الخَاصَّة بالخطيب وبمن حضر الخطبة، وعن الإقامة.
وفي الخاتمة ذكر سنن الجُمُعَة وآدابها وفضلها.
وهناك إشكال حول تاريخ تأليف ونَسْخ الكِتَاب، فالطبعة المصريَّة كانت من نسخة بيد سعيد بن خميس بن حمد البهلوي تاريخ نسخها يوم الجُمُعَة 12 رمضان1301هـ (1)، وتاريخ النسخ هَذَا غير معقول فضلا عن أن يكون تاريخُ تأليفها قبلَ ذَلِكَ، لسببين:
· أحدهما: أَنَّ المصادر تَتَّفِقُ عَلَى أَنَّ أَوَّل مؤلَّف للسالمي كان نظم أرجوزة الجُمل وشرحها، وَذَلِكَ سنة 1305هـ/1888م (2).
· ثانيهما: أَنَّ عُمُر السالمي آنذاك كان لا يتجاوز سبعة عشر عاما، علما بِأَنَّهُ أحال فيها على طلعة الشمس وشرحها (3) التي ألَّفها سنة 1317هـ/1899م.
ويفترض بولرواح ــ الذي تنبَّه لهذا الإشكال ــ جوابا لِذَلِكَ أَنَّهُ رُبَّمَا كان يقوم بمراجعة رسالته بعد تأليفها في التاريخ المذكور (1301هـ) (4).
__________
(1) ينظر: الحجج، طبعة مصر، بهامش طلعة الشمس، 2/ 254 - 255. وينقل عبد الرحمن عميرة هَذَا التاريخ دون تعليق. ينظر: مُقَدِّمَة عميرة للمشارق، ط بيروت، 1/ 35.
(2) ينظر: ص 88 من البحث.
(3) يقول السالمي تعليقا عَلَى رأي بَعض الأصوليِّين أَنَّ الأمرَ بالشيء نهيٌ عن ضدِّه: «وقد صحَّحت في} طلعة الشمس} خلافه». ينظر: الحجج (مرقون)، ص111.
(4) المرجع نفسه. (1/198)
صفحة 199
ونضيف هنا أَنَّهُ وردت في آخر الطبعة العمانيَّة المستقلَّة عبارة: «وقد وافق تمام تسويدها وكمال تبييضها يوم الجُمُعَة الزهراء لخمس عشرة ليلة خلون من شهر صفر من سنة 1315هـ» (1)، وإذا كان السالمي قد انتهى من تأليف ”الحجج المقنعة“ في صفر 1315هـ، وإذا كان قد ذكر الشيخ حمد بن سيف بن سعيد وقال عنه: «أسعده الله في دَارَيْه» (2)، أي دار الدُّنْيَا ودار الآخِرَة، فلا شَكَّ أَنَّ هَذَا الشيخ كان عَلَى قيد الحياة حين ألَّف الرسالة، وَإِلاَّ فلا معنى للدعاء له بإسعاده في الدنيا إن كان قد تُوُفِّيَ؛ فهَذَا إذن يتوافق مع تاريخ وفاة البوسعيدي يوم 19 شعبان 1315هـ (3)، والتاريخ المذكور لانتهاء التأليف مقبول، أي قبل أربعة أشهر من وفاة البوسعيدي. إِلاَّ أَنَّ أقدم نسخة موجودة بمكتبة السالمي يرجع تاريخها إِلىَ سنة 1313هـ (4)؛ لذا فنرجِّح أن يكون هناك خطأ في هذا التاريخ الأخير للنَّسْخ.
وَلَكِن مع ذَلِكَ فلا يزال هناك إشكال آخر قائما، فَإِنَّ كُلَّ تلك التواريخ كانت قبل تاريخ انتهاء السالمي من تأليف طلعة الشمس (سنة 1317هـ) (5) التي أحال عَلَيْهَا في الحجج المقنعة. اللَّهُمَّ إِلاَّ أن يكون الحلُّ في افتراض بولرواح، أو في أَنَّ السالمي كان يؤلِّف عِدَّة كتبٍ في نفس الوقت، فيحيل في أحدها عَلَى الآخر، ولو لم ينته من تأليفها.
كلُّ هَذَا يبعثنا عَلَى الشكِّ في تواريخ نسخ وتأليف ”الحجج المقنعة“ و”طلعة الشمس“، فقد تكون هناك أخطاء مطبعية ــ كما هو معهود في أغلب مُؤَلَّفَات
__________
(1) المرجع نفسه، ص144.
(2) المرجع نفسه، ص45.
(3) ينظر: السالمي: تحفة الأعيان، 2/ 314.
(4) برقم 5. ينظر: الحجِّي: المخطوطات، ص258.
والطبعة العُمانيَّة من نسخة بيد الشيخ عبد الله بن ماجد بن خميس العبري، انتهى من نسخها يوم 30 محرم 1316هـ. وَهُوَ لا يتناقض مع تاريخ التأليف. ينظر: بولرواح: دراسة حول الحجج المقنعة (مرقون)، ص19.
(5) فقد جاء في آخر طلعة الشمس: «قال المصنِّف: وتمام تسويد هَذَا الكِتَاب في يوم الاثنين لتسع مضين من شهر صفر سنة 1317هـ». طلعة، 2/ 309. (1/199)
صفحة 200
السالمي ــ أوقعتنا في حيرة من هَذِهِ المتناقضات!. والحلُّ هو: العودة إِلىَ كُلِّ النسخ القديمة لِلكِتَابين ــ بل إِلىَ النسخ الأمِّ إن وجدت ــ للخروج بتواريخ مضبوطة.
- رسالة في الدم المسفوح:
لم نطَّلع عَلَى متن الرسالة، ولم يَذكر من أشار إِلَيْهَا هل هي مخطوطة أم نُشرت؟ وما حجمها؟ ... واكتفوا بقولهم: إِنَّهَا جواب سؤال صدر إِلَيْهِ يطلب الدَّلِيل عَلَى تنجيس الدم المسفوح، بَيَّنَ فيها أَدِلَّة نجاسته من الكتاب وَالسُّنَّة والإجماع والقياس (1)، ومن المحتمل أن تكون جزءا من جواباته (2).
- الشرف التام في شرح دعائم الإِسلاَم:
َهُوَ شرح لديوان ابن النضر العماني في أصول الدين والفقه، والمعروف بـ”الدعائم“. وقد أحال عَلَيْهِ السالمي في كِتَابه ”مشارق أنوار العقول“. بعد أن ذكر السالمي الطُّرُقَ الحِسِّيَّة لاكتساب العلم، وعند استعراضه للمعاني المدرَكة باللمس وهي الخشونة والليونة ... قال: «وقد ذكرنا حدود كُلٍّ منها في ” الشرف التام “، فراجِعْه» (3). ونتساءل: هل شَرَحَ السالميُّ كُلَّ الديوان أم بَعض قصائده فقط؟ كِلاَ الاحتمالين مذكور في المراجع (4).
__________
(1) ينظر: أبو بشير: ترجمة السالمي (مخ)، ص18. أطروحة الهاشمي، ص117. مُقَدِّمَة عبد الرحمن السالمي لروض البيان، ص40.
(2) ينظر: جوابات، 1/ 33 - 35. وَلَكِن إذا كان هَذَا صحيحا فَإِنَّ الجواب صغير الحجم، إذ لا يتجاوز صفحتين، ولا يعدو أن يكون فتوى عادية كغيرها من الفتاوى، ولا يَصِحُّ أن تُسَمَّى رسالة مستقلة.
(3) مشارق، ص40.
(4) من المترجِمين للسالمي مَن يورد العنوان كما أوردناه أعلاه، كالبطاشي في مُقَدِّمَة المشارق، ص} خ}، والهاشمي في أطروحته، ص117. ومنهم من يقيِّده بإضافة لفظة} بَعض}، أي: الشرف التام:} شرح بَعض قصائد ابن النضر} كما ذكر ذَلِكَ الشيخ المرموري في محاضرته السالمي المجتهد، قراءات، ص46. وأبو غدَّة في مُقَدِّمَته للجوابات، 1/ 10. (1/200)
صفحة 201
وحين يُذكُر هَذَا الكِتَاب يقال: إِنَّهُ مفقود (1). «ويعلِّل بَعض العلماء أَنَّ السالمي أخفى هَذَا الكِتَاب بعدما تبحَّر في العلم وبلغ درجة الاجتهاد ولم يحِبَّ ظهوره» (2). وَلَكِنْ في هَذَا الرأي نظرٌ، فالإمام السالمي يعتزُّ بما ألَّفه في صغره، بل يحافظ عَلَيْهِ ليكون دَلِيلا عَلَى تَطَوُّر علمه، كما فعل مع منظومة ”بلوغ الأمل“ وشرحِها، وَهُمَا أَوَّل مُؤَلَّفَاته سنة 1305هـ، إذ يقول حين عاد إِلَيْهِما لتنقيحهما والزيادة فيهما سنة 1315هـ: « ... ثُمَّ أبقيت الأبيات الأولى عَلَى ما فيها من خلل، ليكون ذَلِكَ عَلَى عجزي دَلِيلا، وليعلم المبتدئ أَنَّ العلم إِنَّمَا ينمو قليلا قليلا، وليستبين الفرق بين درجة المبتدي والمنتهي» (3)، فالتساؤل المطروح: ألا يمكن أن ينتهج نفس المنهج مع ”الشرف التام“؟.
وقد يجاب عن هَذَا التساؤل بِأَنَّهُ يحتمل أَنَّ السالمي «لم يتفرَّغ له فيما بعد ليقدِّمه بالمستوى الذي يحِبُّه له، لاشتغاله بأمور حالت دون ذَلِكَ، أو لأَنَّ المنيَّة عاجلته قبل بلوغ مراده، وَالله أعلم» (4). ومع ذَلِكَ فَهَذَا السبب غير مقنع، ويبقى التساؤل مطروحا: أين هو؟ ولماذا اختفى؟ لأَنَّ ديدن السالمي الاحتفاظ بمؤلَّفاته القديمة، كما سبقت الإشارة، فلِم لَمْ يحافظ عَلَيْهِ حَتَّى تسعفه الأَيَّام بتقديمه في المستوى الذي يرتضيه؟ لذا فقد يكون هناك سبب آخر لاختفائه.
ويمكن وضع احتمال آخر، وَهُوَ أَنَّ ابن النضر كان يحمل آراء خالف بها جمهور الإِبَاضِيَّة في العقيدة، منها مخالفتهم في قولهم بخلق القُرْآن، «من هنا فَإِنَّ الإشارة إِلىَ انعدام وجود هَذَا المؤلَّف اليوم يبدو من الأَهَمِّيَّة بمكان، إذ إِنَّ آراء السالمي في هَذَا الموضوع ”العقيدة“ ستكون مختلفة جذريًّا في الْمُؤَلَّفَات الأخرى التي ستأتي لاحقا بعد استقراره إِلىَ جانب صالح بن علي ... » (5).
__________
(1) ينظر: تعليق الشيخ أحمد بن حمد الخليلي في هامش المشارق، ص40. أطروحة الهاشمي، ص66، 117 - 118.
(2) أطروحة الهاشمي، ص66. وأحال عَلَى ترجمة السالمي في شريط مسجَّل للشيخ إبراهيم العبري.
(3) شرح بلوغ الأمل، ص15.
(4) أطروحة الهاشمي، ص118.
(5) العزري: فكر السالمي، ص130. (1/201)
صفحة 202
وَلَكِن في هَذَا الطرح أَيضًا نظر، إذ من المؤكَّد أَنَّ السالمي حين ألَّف كِتَابه المشارق سنة 1313هـ كان لا يزال معتدًّا بآرائه الواردة في الكِتَاب المُحال عَلَيْهِ (الشرف التام)، وقد صَرَّحَ في المشارق بِأَنَّ القُرْآن مخلوق، بل استَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ ودافع عن رأيه (1)، وَهَذَا الرأي يناقض ما نُسب إِلىَ ابن النضر من مخالفته لآراء الإِبَاضِيَّة في هَذِهِ القَضِيَّة، إذ كيف يحيلنا عَلَى مُؤَلَّف تراجع عَمَّا ورد فيه، أو أخفاه هو بنفسه، فيأمرنا بمراجعته بقوله: «فراجِعْه» (2)؟!.
ولا شَكَّ أَنَّ الاطِّلاَع عَلَى الكِتَاب مهمٌّ جِدًّا للباحث، بحيث يمكِّنه من معرفة تَطَوُّر الفكر عند السالمي بِخَاصَّةٍ، وفي ذَلِكَ العصر بِعَامَّةٍ، «وَرُبَّمَا ما كان يحمله [ذَلِكَ العصر] من آراء متباينة تَمَّ تهميشها لاحقا إِلىَ رأي واحد» (3)، وَهَذَا الاختفاء ــ أو الإخفاء ــ يضعنا أمام احتمال «وجود مُؤَلَّفَات أخرى للسالمي، وَرُبَّمَا لابن النضر، غُيِّبت لسبب من الأسباب» (4).
ثَمَّ إِنَّنَا نتساءل أَيضًا: متى وقع اختفاء الكِتَاب، هل في حياة الْمؤَلِّف أم بعد وفاته؟ الله أعلم بِذَلِكَ، وَلَكِن من المؤكَّد أَنَّ الكِتَاب كان موجودًا قبيل 7 مُحَرَّم 1313هـ (5) تاريخ الانتهاء من تأليف كِتَاب ”المشارق“، وَأَنَّ فُقدانه كان بعد ذَلِكَ.
__________
(1) وفيها أنكر نسبة النونيَّة إِلىَ ابن النضر، ونوَّه بمعارضة الراشدي لتلك النونيَّة، وقال: «ولئن منَّ الله عليَّ لأكتبنَّ عليها شرحا يفتح مغلقها، ويشهد بصوابها»، وكلُّ ذَلِكَ كان قبيل سنة 1313هـ تاريخ الانتهاء من تأليف المشارق. ينظر: المشارق، ص458. بهجة، ص103 - 104.
(2) مشارق، ص40.
(3) العزري: فكر السالمي، ص130.
(4) المرجع نفسه، ص 131. وَهَذَا أمر وارد، كما فُعل بكتاب} إيضاح التوحيد} الذي حقَّقناه (بالاشتراك مع الأستاذ محَمَّد بن موسى باباعمي)، حينما صودر من السوق بعد أن نشره معهد القضاء الشرعي بالسلطنة، سنة 1417هـ/1996م. كما مُنع من قبلُ كِتَاب أبي بشير الموسوم بـ «نهضة الأعيان» من تداوله في عمان، ومُنع نشر «بذل المجهود» فلم يُنشر إِلاَّ مؤخَّرا. وَلَكِن من المفروض أن ينشر ويُنبَّه إِلىَ ما لا يُرتضى، فالعلم أخذ وردٌّ، ورأي ونقد، وتلاقح وتناقح! ...
(5) ينظر: مشارق، ص458. (1/202)
صفحة 203
- طريق السداد إِلىَ عَلَم الرشاد في الدفاع والجهاد:
هو شرح منظومة ”عَلَم الرشاد“ لسعيد بن حمد الراشدي (1)، ولم يكمله. ولم نطَّلع عَلَيْهِ، ويبدو أَنَّهُ لا يزال مخطوطا، صنَّفه أبو غدَّة ضمن الْمُؤَلَّفَات الفِقهِيَّة، ولا تسعفنا المصادر والمراجع بمعلومات أخرى عن الكِتَاب (2).
- العقد الثمين نماذج من فتاوى نور الدين (3):
هو عبارة عن مجموعة فتاوى للإمام نور الدين السالمي، تقع في ثلاثة أجزاء. وقد أطلق الدهان والتنوخي عَلَى كِتَاب ”العقد الثمين“ اسم ” الفتاوى العمانيَّة “ (4). وذكره الهاشمي باسم ” الفتاوى عن نوازل عُمان وغيرها “ (5)، معتمدا فيما يبدو عَلَى تسمية أبي بشير (6).
يُبَيِّنُ الدهان أَهَمِّيَّة الكِتَاب بقوله: «وبدأت أطالع هَذَا الكِتَاب المبارك فوجدت نفسي أمام موسوعة نادرة في شَتَّى مجالات العلم وألوان المعرفة، وتجلَّت فيها شَخصِيَّة الْمُؤَلِّف الفذَّة، وإدراكه الشامل، وعلمه الغزير، وأفقه الواسع، ومنهاجه السليم، وخلقه الفاضل، وبصيرته النيِّرة، وعقله الكامل [!] ... » (7).
__________
(1) ينظر ترجمته ضمن تلاميذ السالمي، ص 149 - 150 من البحث.
(2) ينظر: مُقَدِّمَة أبي غدَّة لجوابات السالمي، 1/ 12. مُقَدِّمَة عبد الرحمن السالمي لروض البيان، ص40. العزري: فكر السالمي، ص128.
(3) قام بتصميمه وتحقيقه والتعليق عليه وترتيبه: سالم بن حمد بن سليمان بن حميد بن عبد الله الحارثي المضيربي، وأشرف عَلَى إصداره وتصحيحه: محَمَّد محَمَّد الدهان، نشر بدار الشعب بمصر، دون تاريخ، وتاريخ المقَدِّمَة: 27 رجب 1373هـ.
(4) ينظر: مُقَدِّمَة التنوخي لشرح الجامع، 1/} ك}. تعليق محَمَّد الدهان عَلَى العقد الثمين، 1/ 487.
(5) أورد الهاشمي ثلاثة عناوين مستقلَّة، ومدارها عَلَى كِتَاب واحد، وهي:} حلُّ المشكلات}،} الفتاوى عن نوازل عُمان وغيرها}،} العقد الثمين}. والتفريق بينها موجود في المصادر التي اعتمدها، كنهضة الأعيان، والعقد الثمين. ينظر: أطروحة الهاشمي، ص114، 115، 116.
(6) ينظر: نهضة، ص129. ترجمة السالمي (مخ)، ص16.
(7) تعليق محَمَّد الدهان عَلَى العقد الثمين، 1/ 487. ... ولمزيد من التفصيل حول منهج السالمي في التأليف ينظر: تحليل تآليف في ص 228 - 274 من البحث. (1/203)
صفحة 204
وقد سبقت الإشارة إِلىَ أَنَّ كثيرا من فتاواه نُشرت مؤخَّرا باسم جوابات السالمي، وَلَكِن مع ذَلِكَ لا يُمكن الاستغناء عن العقد الثمين، لأَنَّنَا أحيانا نجد فيه ما لا نجد في الجوابات، وَهَذَا الأمر يحتاج مِنَّا إِلىَ وقفة:
يقول أبو غدَّة (محقِّق الجوابات): «وقد طُبع بَعضها باسم: ”العقد الثمين نماذج من فتاوى نور الدين“» (1)، وقوله هَذَا يوحي بِأَنَّ ما طبعه في الجوابات أكمل وأكثر جمعا لفتاوى السالمي مِمَّا في العقد الثمين، والعهدة عَلَيْهِ في هَذَا، لأَنَّ التأكُّد من صِحَّة ذَلِكَ يحتاج إِلىَ مقارنة متأنِّية مسألةً مسألةً، وَإِلىَ جهد ووقت لا تسمح به هَذِهِ العجالة. أَمَّا الأمر الملفت للانتباه ــ وَهُوَ ما تأكَّدت منه بالمصادفة ــ فهو حذف بَعض الفتاوى، نجدها في العقد الثمين ولا نجدها في الجوابات، رُبَّمَا لأَنَّ لها مساسا بِبَعْض الجهات، أو تثير حساسيات طائفيَّة أو سِيَاسِيَّة أو مذهبيَّة (2)، وقد يُبتر الجواب بترا كما فعل في سؤال يَتَعلَّقُ بفتنة الصحابة (3). وَهَذِهِ الطريقة ــ في نظر الباحث ــ غير سليمة، إذ مهما طال الزمن فَإِنَّهُ سيأتي اليوم الذي تنكشف فيه الحقيقة، خَاصَّةً وَأَنَّ كِتَاب ”العقد الثمين“ منشور ومتداول. أليس من الأحسن أن نتحلَّى بالأمانة العِلمِيَّة، وبِالقُوَّةِ والشجاعة في مثل هَذِهِ المواقف الحرجة فعلا؟ أليس علينا أن نقبل تراثنا بما فيه من هنات، ونضعه في إطاره التاريخيِّ، ولا نحاكم العلماء وفق معطياتنا ومداركنا المعاصرة؟ فإذا كان الناشر أو المحقِّق (لست أدري؟) الباتر للفتوى يعتقد أَنَّ رأي السالمي هو الصواب فلماذا يحذفه؟ وإذا كان يعتقد
__________
(1) مُقَدِّمَة أبي غدَّة للجوابات، 1/ 11.
(2) ينظر مثلا العقد الثمين، قَضِيَّة تَتَعَلَّقُ بالحجريِّين وبني هشيم (2/ 474، 477). والحلُّ في نظر الباحث أن نترك تلك الفتاوى ولا نحذفها، وَلَكِن ــ في حال الضرورة القصوى ــ نستبدل أسماء وهميَّة (كبني زيد وبني عمرو ... الخ) بالأسماء الحَقِيقِيَّة الواردة فيها، وَهَذَا حفاظا عَلَى كرامة الأحياء من تلك الطوائف والقبائل والشخصيَّات، ومن باب «اذكروا محاسن موتاكم»، مع التنبيه في الهامش إلى هذا التمويه في الأسماء.
(3) ينظر: العقد الثمين، 1/ 182 - 186. الجوابات، 6/ 234 - 236. وتكرَّر نفس السؤال والجواب المبتور في: 6/ 257 - 260 من الجوابات. (1/204)
صفحة 205
بطلانه فلماذا لا يعلِّق عَلَيْهِ مبيِّنا خطأه، وذَلِكَ لا يقدح أبدا في شخص السالمي ولا في شخص المعلِّق، فلكلِّ جواد كبوة، وَلِكُلِّ عالم هفوة، وَهَذِهِ سنَّة الله في خلقه، كما قال الإمام مالك: «مِنْ أَحَدٍ إلاَّ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ وَمَرْدُودٌ عَلَيْهِ إلاَّ صَاحِبَ هَذَا الْقَبْرِ» (1). مع أَنَّ هَذَا هو المنهج الذي اختاره السالمي نفسه، أليس هو القائل:
«والباطل المردود عندنا ولو أتى به الخلُّ الذي له اصطفوا» (2)
هَذَا هو المنهج العلميُّ والموضوعيُّ، أَمَّا أن نبدي ما نشاء ونخفي ما نشاء فلن تفيدنا هَذِهِ الطريقة شَيْئًا في تصحيح أخطائنا، ولن تساعدنا في تطوير أفكارنا، ولا في السير قدما نحو الأمام، ولأنْ نصحِّح أخطاء تراثنا نحن خير من أن نتركه لمن في قلبه مرض.
- مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال (3):
مختصر الخصال هو كِتَاب مختصر في العقيدة والفقه لأبي إسحاق إبراهيم بن قيس الحضرمي (4)، ونظرا لِمَا يكتسيه الكِتَاب من أَهَمِّيَّة تتمثَّل في اختصار
__________
(1) الهيتمي أحمد بن محَمَّد بن علي بن حجر: الزواجر عن اقتراف الكبائر، دار الفكر، 1/ 57. (برنامج جامع الفقه الإِسلاَمي).
(2) كشف الحقيقة، ص19.
(3) نُشرت المنظومة مستقلَّة عن شرحها بمصر، د. ت. في 211ص، ويقول ناشرها: «عرضناه عَلَى أصله وليت أنَّا وجدنا نسخة أصحَّ منها» (مدارج، ص202). وللكتاب عِدَّة نسخ مخطوطة: إحداها بمكتبة السالمي، رقم 61، وردت بعنوان ”متن المعارج“، ويبدو أَنَّ واضع الفهرس يقصد ”مدارج الكمال“، لأَنَّهُ يقع في مُجَلَّد واحد مع عنوانين آخرين، علما بأَنَّ المعارج يقع في عِدَّة مجلدات. وتوجد سِتَّة نسخ بدائرة المخطوطات، بوزارة التراث، برقم 439، نسخت بين 1341 و1376هـ. ينظر: الحجِّي: المخطوطات، ص159، 262.
(4) لم يفصِّل الحضرميُّ في الكِتَاب أبواب العقيدة، بل خصَّ منها بضع مسائل، مثل: ما يسع جهله وما لا يسع، صفة الإيمان والكفر والشرك والنفاق وأحكامها، الولاية والبراءة، والتوبة. ينظر: أبو إسحاق الحضرمي: مختصر الخصال، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان، 1404هـ/1984م.
والحضرميُّ هو أبو إسحاق إبراهيم بن قيس بن سليمان الهمذاني نسبا الحضرمي مسكنا، من علماء الإِبَاضِيَّة في القرن الخامس، أطلق عَلَيْهِ السالمي لقب} الشاري}، فقد عاش عمره مجاهدا، باذلا نفسه في سبيل الله، طالبا للشهادة، وكان من أعظم الدعاة إِلىَ إحياء الإمامة في عهد الإمامين الخليل بن شاذان وراشد بن سعيد. له ديوان شعر قال عنه السالمي: «وله خاصِّيته: ما قُرئ في مجلس إِلاَّ وتشوَّقت النفوس إِلىَ الجهاد، وتشجَّع الجبان، واحترق قلب الشجاع، وصار القاعد به قائما، والمهمل حازما». ينظر: معارج، 1/ 78 - 81. (1/205)
صفحة 206
”خصال“ الشريعة الإِسلاَمِيَّة، في العبادات والمعاملات والأخلاق، قام الشيخ السالمي بنظمه في أكثر من ألفيْ بيت (1)، وَسَمَّى نظمه: ”مدارج الكمال“. وقد ميَّز السالمي|ُ نظمه عن ”مختصر الخصال“ بمخالفته في ترتيب بَعض الأبواب، وفي ترجيح بَعض الأحكام، وعدم ذكر بَعض الأَدِلَّة، وحذف ما تكرَّر في الأصل، وحذف ما يَتَعلَّقُ بأصول الدين، لأَنَّهُ قد خصَّص لهذا الفنِّ منظومات أخرى، وَهَذَا كلُّه من أجل الاختصار (2). وقد نال النظم اهتماما كبيرا، وأُعجب به أبو مسلم الرواحي، فقال فيه تقريظا، منه قوله:
« ... ودونك السِّفر الذي ترقى به ”مدارج الكمال“مرقى موصلا
كان نثارا كالنجوم فانبرى لصوغه عقدا جَمَال النُّبَلا ... » (3)
ويتحدَّث السالمي بنعمة الله ويذكر ما ناله نظمه من شهرة، فقال متواضعا: إِنَّمَا الفضل يرجع إِلىَ شهرة أصله لِمَا تميَّز به من: تمهيدٍ للقواعد، وضبط للشوارد، وتفصيل للمجمل، وحلٍّ للمشكل:
« ................................. والفضلُ للإمام إبراهيما
فَإِنَّهُ قد مهد القواعدا وحرَّر الفصول والفوائدا
وقيَّد الشارد بالضوابط وأتقن الترصيع بالروابط
كم مجمل فصَّله وقرَّرا ومشكل وضَّحه وحرَّرا» (4).
__________
(1) ينظر: نور الدين السالمي: مدارج الكمال، نشر دار الكِتَاب العربي، مصر، د. ت. 211ص.
(2) السالمي: معارج، 1/ 92 - 93، 100. ينظر شرح الأبيات ففيه تفصيل أكثر حول منهجه في النظم.
(3) أبو مسلم الرواحي: الديوان، ص457 - 458.
(4) مدارج الكمال، ص201. (1/206)
صفحة 207
- معارج الآمال عَلَى مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال:
هو شرح لمنظومة مدارج الكمال السابق ذكرها، وَهُوَ أشهر الْمُؤَلَّفَات الفِقهِيَّة للسالمي، يبلغ ثمانية مُجَلَّدات ضخام، وكان يحزر أن يبلغ عشرين مُجَلَّدًا (1)، ولم يكمله وَإِنَّمَا وصل إِلىَ باب الاعتكاف، طبعته وزارة التراث بسلطنة عُمان في سبعة عشر جزءًا. ويبرِّر الهاشميُّ عدم إكماله بِأَنَّ المنيَّة عاجلته قبل إتمامه (2)، وَهَذَا الكلام يوحي بِأَنَّ المعارج آخر مُؤَلَّفَاته، والواقع أَنَّهُ لم يكن كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا حالت دون إكماله شواغل (3)، إذ توجد مُؤَلَّفَات أخرى ألَّفها بعد المعارج، مثل شرح الجامع الصحيح، وتحفة الأعيان ...
يقول السالمي في منهجه في الشرح ــ وَهُوَ يتحدَّث عن النظم (المدارج) ــ: «ثُمَّ رأيت تمامه منوطا بشرح يُوَضِّحُ مرامه، ويزيح إبهامه، وينشر أعلامه، أقرن فيها المسألة بدليلها، وإن تكن مقيسة سعيت في تأصيلها وتعليلها، وإن تكن مشكلة أو مجملة اجتهدت في تحريرها، وأخذت في تفصيلها عَلَى حسب الإمكان، لقصد البيان، فإن وجدتُ لغيري في ذَلِكَ ما يشفي اكتفيت به، إذ السعيد من بغيره اكتفى» (4). وقد تميَّز بتأصيل المسائل وذكر تفريعاتها، ومحاولةِ استقصاء الآراء المختلفة، ومستند كُلٍّ منها من القُرْآن وَالسُّنَّة والإجماع ومن آراء السلف من الصحابة والتابعين ومن العلماء، «ثُمَّ ينبِّه عَلَى ما اقتضاه المقام من الفوائد، وَيَرُدُّ إِلَيْهَا ما كان من تلك القواعد بعبارات رائعة، حَتَّى إِنَّ المسألة تصلح أن تكون رسالة مستقلَّة لو أُفردت» (5).
__________
(1) حسب رأي أبي بشير في ترجمته، ص15. وفي نهضته، ص129. بينما ذكر ناشر المدارج أَنَّ السالميَّ كان يقصد أن يجعله في سِتَّة عشر جزءًا. وأرى أَنَّ هَذَا أمر يصعب تحديده منذ بداية التأليف، فَإِنَّ الْمَادَّة العِلمِيَّة هي التي تحدِّد حجم الكِتَاب، وقد يُغَيِّرُ طريقة الشرح قصرا وطولا، كما فعل في شرح الجامع.
(2) أطروحة الهاشمي، ص107.
(3) ينظر: أبو بشير: ترجمة السالمي (مخ)، ص15. نهضة، ص129. تعليق الناشر عَلَى كِتَاب المدارج، ص200. راجع: الترتيب الزمني لمؤلَّفاته فيما يلي ص224 من البحث.
(4) السالمي: معارج، 1/ 11.
(5) أبو بشير: ترجمة السالمي (مخ)، ص15. نهضة، ص128 - 129. (1/207)
صفحة 208
إِلاَّ أَنَّ الكِتَاب مع الأسف مليء بالأخطاء المطبعيَّة، مِمَّا يدفع إِلىَ إعادة تحقيقه، بالاعتماد عَلَى النسخ المخطوطة (1). وقد اختصره الشيخ سعيد بن حمد بن سليمان الحارثي، في جزءين، وَسَمَّاهُ: ”نتائج الأقوال من معارج الآمال“ (2)، مبرِّرا ذَلِكَ بكثرة الأقوال الواردة في الكِتَاب، بحيث يضيع المبتدئ بينها.
5 - التاريخ:
- تحفة الأعيان بسيرة أهل عُمان (3):
يُعرف أَيضًا باسم: ”السيرة العمانيَّة“، وهي التسمية التي ذكرها الْمُؤَلِّف في مُقَدِّمَته لِلكِتَابِ إذ قال: « ... فعجَّلت للناس السيرة العمانيَّة» (4). شرع السالميُّ في تأليف الكِتَاب في 5 مُحَرَّم عام 1330هـ (5)، أي قبيل وفاته بعامين.
يعتبر كِتَاب ”تحفة الأعيان“ من أهمِّ ما أُلِّف في التاريخ العمانيِّ عَبْرَ مختلف عصوره. بدأ بالتعريف بعُمان، وذكر فضائل أهل عُمان، ثُمَّ أخذ في
__________
(1) توجد منه نسختان بمكتبة السالمي، تقعان في 17 مُجَلَّدًا، من الجزء الأَوَّل إِلىَ الثامن، نسختا بين 1320هـ و1381هـ[كذا]. برقم 107. ويوجد جزء منه مخطوط بدائرة المخطوطات بوزارة التراث، عُمان، نسخ بتاريخ 1324هـ، أي في حياة المُؤَلِّف، برقم 459. ينظر: الحجِّي: المخطوطات، ص159، 264. وقد قام بعض طلبة معهد القضاء الشرعي بتحقيق أحاديث منه في مذكِّرات التخرُّج، وهم: سعود بن عبد الله الوهيبي، ومحمد بن عبد الله الراشدي، وسعود بن ساعد الحبسي، وراشد بن ناصر المشيفري، سنة 1992 - 1993م.
(2) ينظر: الحارثي: نتائج الأقوال، نشر مكتبة الضامري، سلطنة عُمان، د. ت. (تاريخ تقديم الخروصي لِلكِتَابِ هو: 29 رَمَضَان 1408هـ)، 1/ 3.
(3) لِلكِتَابِ ثلاث نسخ مخطوطة بدائرة المخطوطات برقم 931، نسخت سنة 1342هـ. ينظر: الحجي: المخطوطات، ص187. وقد قام بَعض طلبة معهد القضاء الشرعي بتحقيق مقاطع منه في مذكِّرات التخرُّج: علي بن محَمَّد العدوي: (قسم دولة البوسعيد)، 1418 - 1419هـ/97 - 1998م. ناصر بن راشد المشيفري: (القسم الأَوَّل: دولة اليعاربة)، 1419هـ/1998م. سالم بن ناصر العياضي ومحمد بن أحمد السيفي، 1418هـ/97 - 1998م.
(4) تحفة، ط. 1347هـ، 1/ 5.
(5) غلاف الجزء الأَوَّل، مطبعة الإمام، القاهرة، د. ت. نقلا عن العزري: فكر السالمي، ص146 - 147. (1/208)
صفحة 209
السرد التاريخيِّ ابتداءً بدخول العرب إِلَيْها وأخذها من يد الفرس وذكر بَعض ملوكها، وتعرَّض لكيفيَّة دخول الإسلام إِلَيْهَا، ثُمَّ علاقتها بالدول الإِسلاَمِيَّة المتعاقبة من عهد الخلفاء الراشدين إِلىَ الأمويِّين والعبَّاسيِّين، وتعاقب الدول بين سلطنة وإمامة منذ الفتح الإسلاميِّ، إِلىَ أواخر أَيَّامه. وقد جاء كِتَابه سردا للأحداث حسب ترتيبها الزمنيِّ، مِمَّا يسهِّل عَلَى القارئ استيعاب مَادَّته، وييسِّر عَلَيْهِ تحديد التواريخ.
ولقد نوَّه به جُلُّ من اعتمده في تدوين تاريخ عُمان (1). ومن مزاياه: كونه يكشف عن تاريخ منطقة لا يزال غامضا لدى الكثير، وإلمامه (2) بمراحل التاريخ العمانيِّ، وترتيبه الزمنيِّ لأطوار الحكم في عُمان من إمامة وسلطنة، و «لم يدَّخر وسعا في جمع عهود الأَئِمَّة إِلىَ ولاتهم وقوادهم وأمرائهم، وَكَأَنَّهُ رحمه الله أراد أن يحفل بشأن الأَئِمَّة حيث كان يذكر ما احتوى عَلَيْهِ كلُّ إمام من كرائم الفعال، ومحاسن الخصال ... » (3). وَمِمَّا امتاز به أَيضًا الدقَّة في التزامه بالنصوص الأَصلِيَّة للمراجع التَّارِيخِيَّة لعمان، فقد كان يتنقَّل بين مختلف الأقطار العمانيَّة بحثا عن وثيقة تَارِيخِيَّة ليسجِّلها في مُؤَلَّفه، سواء أكانت شفهيَّة، أم أثريَّة كالنقوش، أم في حواشي الْمُؤَلَّفَات الفِقهِيَّة، وَهَذَا يعدُّ شهادة عَلَى تحقيقه وتدقيقه (4).
__________
(1) ينظر عَلَى سبيل المثال: تعليق أبي إسحاق عَلَى الطبعة الثانية، 2/ 334 - 335. السيابي: عمان عَبْرَ التاريخ، 2/ 334. محَمَّد أمين عبد الله: عمان تاريخا وعلماء، ص36 - 38. خالد الوسمي: عُمان بين الاستقلال والاحتلال، ص16. إسماعيل بن علي الأكوع: المنهج العلمي في مُؤَلَّفَات السالمي التَّارِيخِيَّة، قراءات، ص33. حمدون السالمي: السالمي مُؤَرِّخًا، قراءات، ص148 وما بعدها.
(2) المقصود بالإلمام: الرؤية الشاملة والتتبُّع العامُّ لتاريخ عمان عَبْرَ أطواره المختلفة، بغضِّ النظر عن بَعض التفاصيل التي أغفلها، وَهُوَ مِمَّا انتُقد عَلَيْهِ، كما سيأتي، فلا تناقض بين الأمرين.
(3) تعليق أبي إسحاق عَلَى الطبعة الثانية، تحفة، 2/ 318.
(4) ينظر: السيابي: عمان عَبْرَ التاريخ، 2/ 335. محَمَّد أمين عبد الله: عمان تاريخا وعلماء، ص37. حمدون السالمي: السالمي مُؤَرِّخًا، قراءات، ص144. (1/209)
صفحة 210
- الحقُّ الجلي في سيرة الشيخ صالح بن علي (1):
الكِتَاب رسالة صغيرة بَيَّنَ فيها السالميُّ فضل أستاذه الشيخ صالح بن علي الحارثي، ورَدَّ عَلَى من قدح فيه مدافعا عن آرائه ومواقفه، وبيَّن تصويب سيرة الأستاذ وَأَنَّهُ لم يخرج عن خطِّ القُرْآن ومنهاج السنَّة والسلف الصالح.
قسَّم السالمي الرسالة إِلىَ ثلاثة فصول:
· الفصل الأَوَّل: منزلة الشيخ الحارثي، وبيان أَنَّهُ في الوَلاية لكونه من العاقدين عَلَى إمامة عزان، وكونه مرجعا للفتوى، ومحتسبا لإظهار الحقِّ.
· الفصل الثاني: في صفة المحتسب، وأقوال الفقهاء الإِبَاضِيَّة في ذَلِكَ، وَأَنَّهُ يجوز له ما يجوز لإمام المسلمين القيام به.
· الفصل الثالث: الأمور التي نُقمت عَلَيْهِ، منها: استعانته بالخونة في محاربة البغاة، ومنها قيام بَعض جنوده بأعمال مُحَرَّمة كالظلم والنهب، ومنها انتقامه من الباغي وغيره، ومنها أمره لجنوده بالأكل من أموال البغاة ... ومنها استبداده بالرأي. فحاول السالميُّ أن يزيل كُلَّ التباس حول هَذِهِ الأمور، إِمَّا تبريرا، أو تجويزا، أو تفنيدا للإشاعة؛ معتمدا عَلَى آراء العلماء السابقين، ومناقشا الدَّلِيل بالدليل.
فالكتاب يكتسي أَهَمِّيَّته من حيث:
· رفعه للالتباس الذي قد ينقدح في الذهن حول مواقف الشيخ الحارثي.
· بيان بَعض الأحكام السِّيَاسِيَّة والعسكريَّة في نظر الشرع.
· رأي السالمي في بَعض الأحداث التَّارِيخِيَّة انطلاقا من كونه فقيها عالما بالشريعة الإِسلاَمِيَّة من جهة، ورجل سياسة من جهة أخرى.
__________
(1) للرسالة ثلاث نسخ مخطوطة بمكتبة السالمي، إحداها نُسخت في سنة 1313هـ، برقم 5، أي قبل وفاة الشيخ صالح الحارثي نفسه، إن لم يكن في التاريخ خطأ. ونسخة أخرى د. ت. برقم 57. والثالثة نسخت في 1319هـ، برقم62. ونسخة واحدة بدائرة المخطوطات، برقم 937، نسخت سنة 1367هـ. ينظر: الحجِّي: المخطوطات، ص188، 258، 261، 262. (1/210)
صفحة 211
- اللمعة المرضية من أَشِعَّة الإِبَاضِيَّة (1):
هي رسالة صغيرة في الردِّ عَلَى من قدح في الإِبَاضِيَّة، معتبرا إِيَّاهُم مذهبا متأخِّرا، وَأَنَّ التأليف كان مقتصرا عَلَى المتأخِّرين من الإِبَاضِيَّة دون المتقدِّمين. وتتضمَّن الرسالة ما يأتي:
· حديث افتراق أُمَّة محَمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم، وَأَنَّ الفرقة المحقَّة هي الإِبَاضِيَّة.
· ذكر بعض من تحوَّل عن مذهبه واتَّبَعَ الإِبَاضِيَّة.
· شهادة غير الإِبَاضِيَّة ــ من المسلمين وغير المسلمين ــ في استقامة سلوكهم ومذهبهم.
· انتشار الإِبَاضِيَّة في القرون الأولى في عِدَّة مناطق من العالم الإِسلاَمِي قبل المذاهب الأخرى.
· قائمة لعلماء كثيرين إِبَاضِيِّين، من مختلف المناطق والعصور، مع بيان شَيْء من مكانتهم.
· انحسار مواقع الإِبَاضِيَّة وتقلُّص عددهم، وبيَّن السالمي أَنَّ القِلَّة خير من الكثرة.
· أسبقيَّة الإِبَاضِيَّة في التأليف، وكثرة تآليفهم، وذكر قائمة مطولة لعناوين من كتبهم في مختلف العلوم الشَّرعِيَّة، وأشار إِلىَ اكتفائه بذكر بَعض ما حضره من مُؤَلَّفَات السابقين ولم يذكر المتأخِّرين خوف الإطالة، حيث يقول: «وَإِنِّي فيما تركتُ من الكتب المتأخِّرة لَشيئا يذهل العقول ويحيِّر
·
__________
(1) طُبع الكِتَاب ضمن مجموع سِتَّة كتب، بمصر. ثُمَّ طبعته مستقلاًّ وزارة التراث بسلطنة عُمان، سنة 1983م، ضمن سلسلة تراثنا، عدد 18، وفيه أخطاء مطبعيَّة كثيرة، يحتاج المرء معها إِلىَ المقارنة مع النسخ المخطوطة، وتوجد إحداها بمكتبة السالمي، تاريخ نسخها بين 1323 و1329هـ[كذا]، برقم 58. واثنتان بدائرة المخطوطات بوزارة التراث العمانيَّة، برقم 411، نُسِختا سنة 1323هـ. ينظر: الحجِّي: المخطوطات، ص158، 261. (1/211)
صفحة 212
الأفكار من كتب التفسير والحديث والأصول والكلام والفقه والأدب وغير ذَلِكَ من الفنون الكثيرة» (1).
6 - علوم اللغة (النحو، والشعر، والعروض)
- بلوغ الأمل في المفردات والجُمل:
ورد الكِتَاب في فهرس الحجِّي لمخطوطات مكتبة السالمي باسم: ”بلوغ الأمل في تفصيل الجمل“ (2). وهو أرجوزة تربو عَلَى ثلاثمائة بيت، نَظَم فيها ”الإعراب عن قواعد الإعراب“ لابن هشام الأنصاري، وذَلِكَ عام 1305هـ/1888م، وكانت أَوَّل إنتاجه لَمَّا كان طالبا للعلم بالرستاق؛ لذا فَإِنَّ السالمي في خاتمة هَذِهِ الأرجوزة يقول معتذرا عَمَّا قد يجده القارئ من هفوات:
«ولم أصنِّف قبله مؤلَّفا قطُّ، فيعفو الله عن عبدٍ عَفَا
إذ ليس يخلو أبدا من زلَّة مؤلَّف وإن علا في الرتبة
فكيف يخلو من عثار مبتدي وإن يكن بالسابقين مقتدي» (3)
ويبدو أَنَّ الدافع لنظمه كِتَاب ”الإعراب“ هو كونه جليلا في هَذَا الباب، خاليا من الحشو والإطناب، ومن التطويل والإسهاب، كما وصفه السالمي (4).
__________
(1) اللمعة المرضية، ص30.
(2) وتوجد في المكتبة منه نسختان، إحداهما نُسخت في سنة 1341هـ، رقم 135. وأخرى نسخت في 1377هـ، برقم 136. ينظر: الحجِّي: المخطوطات، ص 266.
«وفي تسميته هَذِهِ الأرجوزة} بلوغ الأمل} ما لا يخفى من الفأل الحسن، الدالِّ عَلَى براعة المُؤَلِّف، وتصدُّره في أمر التأليف، فقد بلغ الآمال، ونال في ذَلِكَ أكبر منال». الشيخ إبراهيم العبري: شريط مسجَّل حول حياة الشيخ السالمي، ص65، نقلا عن أطروحة الهاشمي. وسيأتي بحول الله الكلام عن مميزات عناوين مُؤَلَّفَات السالمي. ينظر: ص 259 - 260 من البحث.
(3) شرح بلوغ الأمل، ص123.
(4) ينظر: المصدر نفسه، ص15. (1/212)
صفحة 213
وللمنظومة شرحان: أحدهما للسالمي نفسه، وسيأتي ذكره. وثانيهما: لأبي يوسف حمدان بن خميس بن سالم اليوسفي، وَسَمَّاهُ: «خلاصة العمل في شرح بلوغ الأمل» (1).
- ديوان شعر:
يتضمَّن قصائد عِدَّة قالها السالمي في مناسبات شَتَّى، وأغلبها في استنهاض الهمم، والتحريض عَلَى نبذ ثوب الذلِّ والهوان ... ولم يُذكر هل جمعه السالميُّ بنفسه، أم جمعه غيره، والراجح الاحتمال الثاني، فقد جاء في ديباجة النسخة التي بين يدي الباحث: «قال شيخنا العلامة، وحيد دهره، وفريد عصره عبد الله بن حميد السالمي ... » (2). ويبدأ الديوان بقصيدة مطلعها:
«لشغلي بأهل الدهر إحدى العجائب وتركي طلاب العدل إحدى المصائب» (3)
وقد نُشرت قصائد منه في كِتَاب ”عين المصالح“، وفيها اختلافات بسيطة مع النسخة المخطوطة التي اعتمدناها في هذا البحث (4)، مِمَّا يوحي بِأَنَّ السالمي قام بمراجعتها وتعديلها. وللإشارة فَإِنَّ النسخة المعتمدة هنا تنقصها بَعض القصائد، فديوانه لا يشمل إذن كُلَّ قصائده، ومن القصائد الغائبة عن الديوان، بائيَّة قالها السالمي عند وفود القنصل البريطانيِّ، وأراد الدخول إِلىَ منطقة الداخل، وتصدِّي الأهالي له، ذكر فيها وصفا دقيقا للحادثة (5)، مطلعها:
«حدِّث أُخَيَّ عن العجب وعن العلا وعن الحسب» (6)
__________
(1) نشر وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان، الطبعة الأولى، 1406هـ/1986م.
(2) السالمي (مخ): ديوان، ص2.
(3) المصدر نفسه، ص2.
(4) وهي من مكتبة السالمي. وتوجد منه نسخة أخرى بدائرة المخطوطات بوزارة التراث، د. ت. برقم 814. ينظر: الحجي: المخطوطات، ص181.
(5) تَقَدَّمَ هَذَا عند ذكر الوَضْعِيَّة السِّيَاسِيَّة في عصر السالمي، ينظر: ص 34 فما بعد من البحث.
(6) السالمي: قصيدة بائية (مخ)، ص31. أبو الوليد سعود: عين المصالح، ص68. (1/213)
صفحة 214
كما لا نجد في الديوان قصيدةً أخرى في نفس الموضوع، وكانت ردًّا عَلَى أحد شعراء البلاط السلطاني (1). لذا ينبغي للباحث أن يفتِّش عن قصائد أخرى للسالمي ضمن مخطوطات مكتبته وفي غيرها.
وتكمن أَهَمِّيَّة الديوان في كونه تعبيرا صادقا عن أحاسيسه ومشاعره وآرائه، وتمتاز قصائده بالصدق والواقعيَّة. وأغلبها في استنهاض الهمم، وبعث الروح الإِسلاَمِيَّة والوطنيَّة في نفوس الشباب، وترك التقاعس والكسل، وخلع أثواب الذلِّ والهوان. كما تضمَّن عِدَّة قصائد رثى بها شيوخه الكِرام، وقد نال القسط الوافر من رثائه شيخُه صالح بن علي الحارثي.
أَمَّا من ناحية قيمة الديوان الأدبيَّة فيقول عنه أبو بشير ــ ومن نقل عنه ــ: إِنَّهُ «في غاية البلاغة والفصاحة» (2)، بينما يرى الهاشمي أَنَّ شعره «في جملته يدخل في نطاق شعر العلماء الذين لا ينقطعون إِلىَ الشعر أو لا يعطونه أَهَمِّيَّة كبرى» (3)، وَهَذَا مِمَّا يدفع بالباحثين إِلىَ دراسته دراسة أدبيَّة. وقد قام عيسى بن محَمَّد السليماني بتحقيقه ودراسته في جامعة أم درمان بالسودان، سنة 1996م (4).
- شرح بلوغ الأمل (5):
يعتبر كلٌّ من الشرح والنظم أَوَّل ما ألَّفه السالمي سنة 1305هـ/1888م، ثُمَّ عاد إليه سنة 1315هـ، ونقَّحه وزاد فيه، وترك بَعض النقائص فيه متعمِّدا، لتكون
__________
(1) ينظر: قصيدة بائية أخرى للسالمي، ص44 - 55.
(2) ترجمة السالمي (مخ)، ص18. نهضة، ص131. وينظر: مُقَدِّمَة عبد الرحمن السالمي لروض البيان، ص39. مُقَدِّمَة أبي غدة للجوابات، 1/ 13.
(3) أطروحة الهاشمي، ص116.
(4) ينظر: قائمة المصادر والمراجع في رسالة العزري، ص226.
(5) نشرته وزارة التراث بعُمان، سنة 1406هـ/1986م. وتوجد منه نسخة مخطوطة بمكتبة السالمي، بتاريخ 1368هـ، رقم 138. وعدَّة نسخ بدائرة المخطوطات بالوزارة المذكورة، برقم 2855، 2977، 2515، 2103، 1958، 5138. نسخت بين 1311 و1372هـ. ينظر: فهرس المخطوطات: وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان، ط1، 1416هـ/1995م، مج1/ص141. الحجِّي: المخطوطات، ص171، 266.
ونلاحظ هنا وجود اختلاف بين الأرقام التي وضعها الحجِّي وأرقام الفهرس الذي نشرته الوزارة، فأيُّ الفهرسين أصح؟. (1/214)
صفحة 215
دليلا عَلَى تَطَوُّر التأليف بين صغره وكبره (1). يقول الكندي مبيِّنا أَهَمِّيَّة الأرجوزة وشرحها: «وَالكِتَاب وإن كان صغير الحجم فهو عميم النفع، فمتنه ميسَّر للحفظ، وشرحه يكسوه حللا سندسيَّة، تروق للناظر، وتبهج الخاطر» (2).
ويتضمَّن الكِتَاب أربعة أبواب، في بيان أقسام الجملة وشبه الجملة، وبيَّن تفسير وإعراب بعض الكلمات التي قد تُشكل عَلَى الْمُعرِب، مثل: قَطُّ، وعِوَض، وأَجَلْ ...
- فاتح العروض والقوافي:
هي منظومة للسالمي في علم العروض، كما هو واضح من عنوانها، تنيف عَلَى ثلاثمائة بيت، مطلعها:
«حمدا لمانح العطا الجزيل وفاتح العروض للخليل» (3)
ذكر فيها البحور الشعريَّة، وما يَتَعلَّقُ بعلم العروض من الأسباب والأوتاد والزحاف، وذكر ألقاب الأبيات ...
- المنهل الصافي عَلَى فاتح العروض والقوافي (4):
هو شرح مختصر لأرجوزته السابقة الذكر ”فاتح العروض والقوافي“. رأى أَنَّ فائدتها لا تَتِمُّ إِلاَّ بشرحها وتوضيح معانيها بحيث يفهمه المتعلِّم من غير مُعَلِّم (5). وللرواحي تقريظ للمنهل الصافي في قصيدة ذات 64 بيتا (6).
__________
(1) ينظر: شرح بلوغ الأمل، ص15.
(2) إبراهيم الكندي: السالمي أديبا ولغويا، قراءات، ص83 - 84.
(3) السالمي نور الدين: المنهل الصافي عَلَى فاتح العروض والقوافي، مطابع سجل العرب، نشر: وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان، 1402هـ/1982م، ص9.
(4) نشرته وزارة التراث العُمانيَّة، سنة 1402هـ/1982م في 207ص. وتوجد منه نسخة مخطوطة بمكتبة السالمي، نسخت سنة 1373هـ، رقم 145. وأخرى بدائرة المخطوطات بوزارة التراث، نسخت سنة 1321هـ، برقم2423. ينظر: وزارة التراث: فهرس المخطوطات، مج1/ص143. الحجِّي: المخطوطات، ص175، 266.
(5) ينظر: السالمي: المنهل، ص7.
(6) ينظر: الرواحي: الديوان، ص445 - 447. (1/215)
صفحة 216
- المواهب السنيَّة عَلَى الدرَّة البهيَّة (1):
ويُسَمَّى أَيضًا ”شرح العمريطيَّة “ (2)، وتنسب إِلىَ مؤلِّفها الشيخ شرف الدين العمريطي، وَتُسَمَّى ” الدرَّة البهيَّة “ وهي نظمٌ للآجرُّومية. يقول السالمي في أوَّلها عن سبب تأليفها: « ... قد سألنيه بَعض الإخوان، ليكون ذريعة للمبتدئ في هَذَا الشان، واشترط عليَّ أن أكون فيه مختصرا، وَعَلَى بيان البيت فقط مقتصرا، فأجبته لِذَلِكَ، وإن لم أكن من أهل ذَلِك، وسمَّيته بالمواهب السنيَّة عَلَى الدرَّة البهيَّة» (3). وكان هَذَا الشرح ــ بالفعل ــ مختصرا، وأسلوبه واضحا وشاملا، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى حسن تصرُّفه وسعة علمه (4)، وضمَّنه أهم مباحث النحو، من الإعراب وعلاماته، والفعل وما يَتَعلَّقُ به، والمرفوعات والمنصوبات من الأسماء.
7 - الإصلاح والتربية:
- بذل المجهود في مخالفة النصارى واليهود (5):
يُبَيِّنُ السالمي في أَوَّل الرسالة بِأَنَّهَا كانت جوابًا لكِتَابٍ وصله من زنجبار بعد أن تسلَّط عَلَيْهِم الإنجليز، فوقع الناس في إشكال حول حكم التعامل
__________
(1) طبعته وزارة التراث بسلطنة عُمان، في جزأين من الحجم الصغير، ضمن سلسلة ”تراثنا“، عدد: 66 - 67. ثُمَّ قام بتحقيقها خليفة بن يحيى الجابري في مذكرة التخرُّج بمعهد القضاء الشرعي، 1417هـ/96 - 1997م.
(2) ينظر: أبو بشير: ترجمة السالمي (مخ)، ص16. أبو بشير: نهضة، ص130. مُقَدِّمَة البطاشي للمشارق، ص} خ}.
وأخطأ عبد الرحمن السالمي في إيراد عنوان المؤلَّف، إِذ سَمَّاهُ:} الدرر البهيَّة}. ينظر مُقَدِّمَة روض البيان، ص39.
(3) السالمي نور الدين: المواهب السنيَّة عَلَى الدرَّة البهيَّة، ضمن سلسلة} تراثنا}، عدد: 66 - 67، مطابع سجل العرب، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان، 1406هـ/1986م، 1/ 3 - 4.
(4) ينظر: إبراهيم الكندي: السالمي أديبا ولغويا، قراءات، ص84.
(5) نَشَرت الرسالةَ مكتبةُ الإمام نور الدين السالمي في طبعتها الأولى، عام 1995م. وتوجد منها نسخة مخطوطة بمكتبة عشيرة آل يدَّر ببني يزقن، وأخرى بمكتبة السالمي، وردت بعنوان: بذل المجهود في محاربة النصارى واليهود، نُسخت في سنة 1341هـ، رقم 40. ينظر: جمعِيَّة التُّرَاث: دَلِيل مخطوطات وادي ميزاب، فهرس مخطوطات عشيرة آل يدر، (مرقون). الحجِّي: المخطوطات، ص260. (1/216)
صفحة 217
معهم، والتزيِّي بزيِّهم، والنطق بلسانهم، والتحاكم إليهم، فصدرت من السالمي إليهم «إشارة بالنصيحة عن هَذَا الاعوجاج» ــ كما يقول ــ «ومطالبة الرجوع إِلىَ أقوم المنهاج، فصدر منهم هَذَا الهذيان الذي يزعمون أَنَّهُ من الاحتجاج، فلم أر بدًّا من جوابهم ... » (1).
ويتضمَّن الكِتَاب مُقَدِّمَة وَسِتَّة فصول وخاتمة.
· في المقَدِّمَة ذكر سبب تأليف الكتاب.
· وفي الفصل الأَوَّل تناول التحذير من مدارس النصارى وبيَّن أَنَّ الهدف منها سلخ المسلمين عن دينهم وقيمهم ...
· أَمَّا الفصل الثاني فكان في حكم التزيِّي بلباس النصارى مستشهدا بأدلَّة من الكِتَاب وَالسُّنَّة.
· وفي الفصل الثالث تناول حكم تعليم اللغات الأجنبيَّة، ورأى وجوب منعها إِلاَّ للضرورة.
· والفصل الرابع خصَّصه لحكم حلق اللحى، وَأَنَّهُ التحريم القاطع بأدلَّة واضحة من السنَّة.
· الفصل الخامس في سبب احتلال النصارى لبلاد الإِسلاَم، وَأَنَّهُ ليس تخلِّي الفضلاء عن توليِّ المناصب العليا كما يَظُنُّ المعترض، وَإِنَّمَا يرجع إِلىَ انتشار الفساد في الرعاة والرعيَّة.
· الفصل السادس: في الحثِّ عَلَى التناصر والتآزر والأخذ بأسباب القُوَّة لدفع العدوِّ، والتحذير من دسائسه.
· الخاتمة وجاء فيها تنبيهان: أحدهما في التحذير من مطبوعات النصارى، وذكر أمثلة لِذَلِكَ. وثانيهما: في الطريق إِلىَ تهذيب الأطفال، وأسلوب التربية الإِسلاَمِيَّة المثاليَّة.
__________
(1) السالمي نور الدين: بذل المجهود في مخالفة النصارى واليهود، نشر مكتبة الإمام نور الدين السالمي، مطابع الباطنة ومكتبتها، عُمان، الطبعة الأولى، 1415هـ/1995م، ص6. (1/217)
صفحة 218
فالكتاب وإن كان صغير الحجم إِلاَّ أَنَّهُ مهمٌّ ومفيد، إِذْ برزت فيه أفكار الْمُؤَلِّف بوضوح، وَاتَّخَذَ فيه موقفه الصارم من اليهود والنصارى، وبيَّن فيه رفضه القاطع لِكُلِّ ما يصدر منهم، ولو كان في ظاهره مفيدا، وكشف عن دسائسهم بأسلوب قويٍّ متين، ونعى عَلَى المقلِّدين لِلْكُفَّارِ في أزيائهم، وَعَلَى المرسِلين أبناءهم إِلىَ مدارس الاستدمار، ودعا إِلىَ مقاطعتهم، وعدم التعامل معهم (1).
- تلقين الصبيان ما يلزم الإِنسَان:
الغاية من الكِتَاب واضح من خلال العنوان، فهو موجَّه إِلىَ الناشئة. وَأَمَّا عن مضمونه فقد قسَّمه الشيخ نور الدين إِلىَ مُقَدِّمَة ومقصدين وخاتمة. ونورد ما ذكره الشيخ نفسه عن المضمون إذ يقول: «وَأَمَّا المقَدِّمَة فهي في بيان ما يؤمر بِهِ وليُّ الصبيِّ، كان أبا أو غير أب من المراعاة للصبيِّ والسياسة (2) له إِلىَ حال بلوغه» (3). ويضيف: «فَأَمَّا المقصد الأَوَّل: فهو بيان أَوَّل ما يجب عَلَى الإِنسَان من الاعتقاد بالجَنان. وَأَمَّا المقصد الثاني فهو بيان أَوَّل ما يجب عَلَى الإِنسَان من العمل بالأركان. وَأَمَّا الخاتمة فهي في بيان أَوَّل ما يجب عَلَى الإِنسَان اجتنابه وتركه من فعل بدنيٍّ أو خُلق نفسانيٍّ» (4). والملاحظ أَنَّ المقصد الثاني خصَّصه للأركان الخمسة، وأضاف إِلَيْهَا فرضا مهمًّا للمسلم، وَهُوَ الجهاد، سواء ضِدَّ المشركين أم
__________
(1) نظرا لقوَّة الردِّ وأسلوبه اللاذع في الرسالة عَلَى النصارى والموالين لهم، فَإِنَّهَا مُنعت عن النشر ــ حسبما يذكر العزري ــ طوال عِدَّة عقود، إذ صَرَّحَ أحد المسؤولين «أَنَّهُ حين كان مسؤولا بدرجة مدير عام حاول نشره، فكان أن تسبَّب في إقالته من منصبه». العزري: فكر السالمي، ص142 (هامش).
(2) «المراد بالسياسة هنا: ترويض النفس وتهذيبها، وغرس الكمالات الإِنسَانِيَّة فيها، مِن ساسَه يسوسه: أدَّبه ... ». تعليق أبي إسحاق إبراهيم اطفيَّش.
(3) السالمي نور الدين: تلقين الصبيان ما يلزم الإِنسَان، نشر: حمود بن سالم بن محَمَّد الرواحي وإخوته، ضمن مجموع كتب، مطبعة الفجالة الجديدة، مصر، الطبعة الأولى للمجموعة، 1373هـ/1953م، ص4.
(4) المصدر نفسه، ص3 - 4. (1/218)
صفحة 219
ضِدَّ البغاة من أهل التوحيد؛ وإذا تصوَّرنا الظروف العصيبة التي يَمُرُّ بها العالم الإِسلاَمِيُّ بِعَامَّةٍ ـ وعُمان بِخَاصَّةٍ ـ من احتلال أجنبيٍّ، ومن استبداد للحكَّام المسلمين، علمنا ”المقصد“ الذي يرمي إِلَيْهِ من خلال ”تلقين الصبيان“ مبادئَ الجهاد منذ نعومة أظفارهم.
وسبب تأليف الكِتَابِ أَنَّهُ كان بطلب من بَعض إخوانه، إذ يقول: « ... واقترح عليَّ أن يكون ذَلِكَ بعبارة ظاهرة يفهمها الذكيُّ والضعيف، فأجبته إِلىَ ذَلِكَ إسعافا لمراده ... » (1). وبالفعل كان أسلوبه سهلا في متناول للصغار.
وَالكِتَاب نال شهرة واسعة وَأَهَمِّيَّة كبرى في نفوس العمانيِّين، فأصبح أَوَّل ما يدرَّس في الكتاتيب من كتب الدين للأطفال، ولا يكاد يخلو بيتٌ عمانيٌّ من نسخة لِلكِتَابِ، ووصلت طبعته الأخيرة سنة 1989 إِلىَ الطبعة العشرين (2).
- سواطع البرهان:
يقول مَن ذكر هَذَا العنوان: إِنَّهُ رسالة تَتَعَلَّقُ بِبَعْض تَطَوُّرات العصر في اللباس وغيره، وَأَنَّهَا جواب لسؤال صدر إليه من زنجبار (3). ونحن وإن لم نطَّلع عَلَى الرسالة، إِلاَّ أَنَّنَا نلاحظ أَنَّ مواصفاتها تنطبق عَلَى رسالة ”بذل المجهود في مخالفة النصارى واليهود“، علما أَنَّ هناك مَن ذَكَر العنوانين معا في قائمة مُؤَلَّفَات السالمي (4)، مِمَّا يوحي بِأَنَّهُمَا كِتَابان مستقلاَّن، إِلاَّ أَنَّ العزريَّ حَكَم بِأَنَّ ”بذل المجهود“، و”سواطع البرهان“ «هما عبارة عن مُؤَلَّف واحد» (5).
__________
(1) المصدر نفسه، ص3.
(2) ينظر: أطروحة الهاشمي، ص114. العزري: فكر السالمي، ص142.
(3) ينظر: مُقَدِّمَة أبي إسحاق لجوهر النظام، 1/} و}. مُقَدِّمَة التنوخي لشرح الجامع، 1/} ي}. مُقَدِّمَة أبي غدَّة للجوابات، 1/ 12.
(4) ينظر: مُقَدِّمَة أبي غدَّة للجوابات، 1/ 12.
(5) العزري: فكر السالمي، ص131. (1/219)
صفحة 220
8 - مواضيع مختلفة:
- حواشٍ عَلَى كِتَاب الرد عَلَى العُقبي:
كِتَاب الردِّ عَلَى العقبي للقطب امحَمَّد بن يوسف اطفيَّش، ألَّفه ردًّا عَلَى الشُّبَه المثارة عن علماء المذهب، ولَمَّا قرأه السالميُّ وضع عَلَيْهِ تعليقات، وهي مطبوعة بهامش الكِتَاب، وتُعنى بإيضاح عبارة، أو تأييدٍ أو نقد لبعض آراء القطب، وأغلب التعاليق كانت تَارِيخِيَّة بإبراز مناقب المذهب الإِبَاضِي.
- رسائل نور الدين السالمي (1):
يمكن أن تعتبر هَذِهِ الرسائل من مُؤَلَّفَات السالمي، إِذْ غالبا ما تكون لرسائل العلماء فيما بينهم قيمة عِلمِيَّة ووثائقيَّة هَامَّة. وقد صنَّفها أبو غدَّة ضمن مُؤَلَّفَات التاريخ (2)، ويقول الهاشميُّ: إنَّها «تحتوي عَلَى كثير من الفوائد والمسائل العِلمِيَّة النافعة، والنصائح الدِّينِيَّة الجامعة» (3)، مِمَّا يوحي بِأَنَّهَا إِلىَ موضوع الإصلاح أقرب، وَلَكِن من المعروف أَنَّ مواضيع الرسائل عُمُومًا تكون مختلفة، بحيث يتعذَّر تصنيفها في موضوع محدَّد.
- مجموع المناظيم:
هو كِتَاب جمع فيه «أراجيز في فنون العلم انتخبها، وقصائد طنَّانة اختارها، وضمَّ الجميع في كِتَاب سَمَّاهُ: ”مجموع المناظيم“، عَلَى قاعدة: ”مجموع المتون“» (4). وتجدر الإشارة إِلىَ أَنَّ أبا بشير ذكر في ترجمة السالمي المخطوطة أنَّ
__________
(1) أحال عَلَيْهَا عبد الرحمن السالمي في مُقَدِّمَة روض البيان، ص33. وهي لا تزال مخطوطة، وتوجد منها نسخة بمكتبة السالمي، د. ت. برقم 99. ينظر: الحجِّي: المخطوطات، ص264.
(2) مُقَدِّمَة أبي غدَّة لجوابات السالمي، 1/ 12.
(3) أطروحة الهاشمي، ص118.
(4) ترجمة السالمي (مخ)، ص18. (1/220)
صفحة 221
مجموع المناظيم ضَمَّ كَذَلِكَ ديوانَه في الشعر، وَسَمَّى الكلَّ ”مجموع المناظيم“، بينما ذكر في نهضة الأعيان (1) كُلَّ عنوان مستقلاًّ عن الآخر، وتابعه في الفصل بينهما أبو غدَّة (2).
********************
كان هَذَا عرضًا لِمَا توصَّلت إِلَيْهِ من مُؤَلَّفَات السالمي، وقد حاولت جمعه مِمَّا بين يديَّ من المصادر والمراجع، كاشفا قدر المستطاع بَعض الأخطاء التي وقع فيها بَعض من ترجم للسالميِّ، ورافعا للالتباسات التي قد تعترض الباحثين، مع طرح بَعض التساؤلات التي بقيت عالقة لم أتَوَصَّل إِلىَ الإجابة عنها في هَذِهِ العجالة، وَلَعَلَّ البحوث المستقبلة ستجيب عنها، وتكشف لنا عن الجديد في هَذَا المجال.
ثالثا - الترتيب الزمني لتآليف السالمي:
إذا كان الباحث يريد معرفة مستقرِّ رأي السالمي، خَاصَّةً في الأمور الأصوليَّة والفقهيَّة، فَلاَ بُدَّ من معرفة الْمُتَقَدِّم من المتأخِّر، ولا يتأتَّى ذَلِكَ إِلاَّ بترتيبها زمنيًّا، وَهَذَا ما سنحاول القيام به قدر الإمكان، مستعينين في ذَلِكَ أَوَّلاً بالتواريخ المذكورة لتأليفها، وَإِلاَّ فبالقرائن المتاحة بين أيدينا كإحالاته في كِتَاب عَلَى آخر. وتجدر الإشارة إِلىَ ضرورة العودة في بَعض الأحيان إِلىَ النسخ المخطوطة، لأَنَّ أغلب الكتب المطبوعة مليئة بالأخطاء المطبعيَّة، مِمَّا أوقعنا في بَعض المتناقضات، كما سبقت الإشارة في شأن الحجج المقنعة (3).
وقد آثرت إيراد الترتيب في جدول، مختصرا للعناوين (4)، تسهيلا عَلَى الباحث:
__________
(1) ينظر: نهضة، ص131.
(2) ينظر: مُقَدِّمَة أبي غدة لجوابات السالمي، 1/ 12 - 13.
(3) ينظر: ص198 - 200 من البحث.
(4) وقد حذفت منها العناوين المكررة: (سواطع البرهان = بذل المجهود)، (العقد الثمين (جوابات)، إِلاَّ} حل المشكلات} ــ وَهُوَ جزء من الجوابات ــ فكان تأليفه مستقلاًّ، وفي تاريخ محدَّد. (1/221)
صفحة 222
اسم الكتاب ... تاريخ التأليف ... القرائن: (الكتب المحال عليها، تواريخ النسخ ... ) ... المصدر أو المرجع
بلوغ الأمل ... 1305هـ ... - ... شرح بلوغ الأمل، ص15
شرح بلوغ الأمل ... 1305هـ ... - ... شرح بلوغ الأمل، ص15
المواهب السنيَّة ... 1306هـ ... - ... المواهب السنيَّة، 2/ 102
الشرف التام ... غير مذكور ... 1) بدأه قبل 1308هـ لأَنَّهُ حمله معه في رحلته إِلىَ الشَّرْقِيَّة ... 1) ص109 من البحث ... 2) أحال عَلَيْهِ في المشارق (1313هـ) ... 2) مشارق، ص40.
غاية المراد في الاعتقاد ... غير مذكور ... قبل 1313هـ، لأَنَّهُ أحال عَلَيْها في المشارق ... مشارق، ص122.
أنوار العقول ... غير مذكور ... قبل 1313هـ، لأَنَّهُ شرحها في المشارق ... المشارق، كله.
بهجة الأنوار ... غير مذكور ... 1) قبل 1313هـ لأَنَّهُ ذكرها في المشارق ... 1) مشارق، ص2. ... 2) تاريخ النسخ 1314هـ (1) ... 2) بهجة، 2/ 290 - 292
مشارق أنوار العقول ... مُحَرَّم 1313هـ ... - ... مشارق، ط. 1314هـ، ص466.
رسائل في الردِّ عَلَى نونية ابن النضر ... ؟ ... قبل 1314هـ، لأَنَّهُ أحال عَلَيْهَا في روض البيان ... روض، ص46.
__________
(1) جاء في آخر البهجة (هامش طلعة، 2/ 290 - 292): «قد تَمَّ هَذَا الشرح المختصر عَلَى المنظومة المسمَّاة بأنوار العقول، وَهُوَ الشرح الصغير من شرحَيْ ناظمها عَلَيْهَا، وَذَلِكَ في سنة أربعة عشر وثلاثمائة سنة وألف سنة من الهجرة النَّبَوِيَّة الإِسلاَمِيَّة عَلَى مهاجرها أفضل الصلاة والسلام. تَمَّت عَلَى يد الفقير الحقير الذليل المعتصم إِلىَ مولاه سعيد بن خميس بن أحمد بن سالم المدسري البهلوي خادم بني علي عفي عنه». ومن المرجَّح أن يكون هَذَا تاريخا للنسخ لا تاريخا للتأليف. (1/222)
صفحة 223
روض البيان ... غير مذكور ... بعد مُحَرَّم 1313هـ، وقبل شوال 1314هـ لأَنَّهَا في حياة الراشدي (1) ... البحث، ص174
الحقُّ الجلي ... غير مذكور ... بعد شعبان 1312هـ (حادثة مسقط بقيادة عبد الله ابن الحارثي) ... الحق الجلي، ص29. ... قبل سنة 1313هـ (تاريخ النسخ) ... الحجِّي: المخطوطات، ص258، 262.
طريق السداد ... ؟ ... لَعَلَّهُ بعد وفاة الراشدي 1314هـ ... طريق السداد.
الحجج المقنعة ... صفر 1315هـ ... - ... الحجج (مرقون)، ص144
شمس الأصول ... غير مذكور ... قبل 1317هـ تاريخ تأليف الطلعة، لأنَّها شرح للمنظومة ... طلعة الشمس، كله
طلعة الشمس ... صفر 1317هـ ... - ... طلعة، 2/ 309
تلقين الصبيان ... هـ ... - ... تلقين الصبيان، ص128
إيضاح البيان في نكاح الصبيان ... هـ ... - ... إيضاح البيان، ص67
فاتح العروض والقوافي ... غير مذكور ... قبل 1321هـ تاريخ شرح المنظومة ... المنهل، ص204
المنهل الصافي عَلَى فاتح العروض ... ذوالحجَّة1321هـ ... - ... المنهل، ص204
حلُّ المشكلات ... هـ ... - ... جوابات، 1/ 14
__________
(1) أَمَّا بعد مُحَرَّم 1313هـ (تاريخ الانتهاء من المشارق) فلأنَّ السالمي نوَّه بمعارضة الراشدي لنونية ابن النضر، وقال في المشارق: «ولئن منَّ الله عليَّ لأكتبنَّ عليها شرحا يفتح مغلقها، ويشهد بصوابها». ينظر: المشارق، ط. دمشق، ص325.
أَمَّا قبل شوال 1314هـ (تاريخ وفاة الراشدي) فلأنَّ السالمي قال في روض البيان (ص46): «ثُمَّ إِنَّ شيخنا وأخانا سعيد بن حمد الراشدي أسعده الله ... عارضها بنونيَّة أخرى جعل الله له بسببها حسنة في الدنيا وحسنة في الأخرى». وإذا كان قد تُوُفِّيَ الراشدي فلا معنى لأَن يدعو له بحسنة الدنيا. (1/223)
صفحة 224
تحقيق وتعليق عَلَى كِتَاب الرد عَلَى العقبي ... غير مذكور ... بعد 1323هـ وَهُوَ تاريخ مذكور فيه وقبل تاريخ النسخ، سنة 1328هـ ... الرد على العقبي، ط2، ص16، 177.
اللمعة المرضية ... محرم 1323هـ ... - ... اللمعة، ص35
جوهر النظام ... غير مذكور ... 1) ذكر أَنَّهُ بدأ تأليفه وَهُوَ في الحج، أي ذو الحجَّة سنة 1323هـ (1) ... 1) جوهر النظام، ج1/ص3 ... 2) أحال فيه عَلَى شرح الجامع الصحيح (2). ... 2) ج3/ص452
كشف الحقيقة ... غير مذكور ... أوائل سنة 1324هـ، لأَنَّهُ ألفها بعد رجوعه من الحج سنة1323هـ ... الحارثي: اللؤلؤ، ص211. أطروحة الهاشمي، ص115
مدارج الكمال ... غير مذكور ... قبل المعارج لأَنَّهَا شرحٌ للمدارج ... المعارج، كله.
معارج الآمال ... غير مذكور ... 1) بعد 1317هـ، لأَنَّهُ أحال عَلَى الطلعة. ... معارج، 1/ 44.
2) قبل 1325هـ لأَنَّهُ أحال عَلَيْهِ في شرح الجامع ... 2) محاضرة الخليلي بالمنتدى، ص23.
__________
(1) نجده في بداية المنظومة (1/ 3) يقول:
«شرعت فيه ببلاد الله ... فكان هَذَا من عظيم الجاه».
بينما يقول في وسطها (1/ 137) وَهُوَ يَتَحَدَّثُ عن عرفة:
«فاسأل الرحمن مِن خيرٍ نزل ... فيها وأن يجعلني مِمَّن وصل»
وطلبه الدعاء بالوصول إلى عرفة يوحي بِأَنَّهُ لم يصل إليها بعدُ، ويحلُّ الإشكال أَنَّهُ رُبَّمَا كان يرجو العودة إليها مَرَّة أخرى.
(2) هَذَا إشكال آخر حول جوهر النظام، إذ يقول في جوهر النظام (3/ 452) وَهُوَ بصدد الحديث عن الفرق في الأحكام بين الوَصِيَّة والبيع والعطيَّة لنخلة لم تدرك غلَّتها أو أدركت:
«ذكرت ذاك في شروح المسند ... فراجع الثالث منه تهتدِ»
علما بِأَنَّ الجزء الثالث من شرح المسند كان بعد ذي الحجَّة 1325هـ. وقد يفسَّر بِأَنَّ التأليفين كانا يسيران في وقت واحد. (1/224)
صفحة 225
شرح الجامع الصحيح ... ج1: ربيع الأَوَّل 1325هـ ... - ... شرح الجامع الصحيح، ج1/ 453. ... ج2: ذو الحجَّة 1325هـ ... ج2/ 394. ... ج3: التاريخ غير مذكور
بذل المجهود ... مُحَرَّم 1328هـ ... - ... بذل المجهود، ص79
تحفة الأعيان ... - ... 1) 1330هـ: ابتداء التأليف ... مُقَدِّمَة عميرة للمشارق، 33. ... 2) تحفة، ط. 1347هـ، 1/ 411. ... 2) تاريخ انتهاء النسخ وعرضه عَلَى الْمُؤَلِّف: 26 مُحَرَّم 1331هـ
جوابات الإمام السالمي ... مختلف ... مختلفة ... الجوابات، كلها
ديوان شعر ... مختلف ... مختلفة ... الديوان، كله
رسائل نور الدين السالمي ... مختلف ... مختلفة ... الرسائل، كلها
مجموع المناظيم ... مختلف ... مختلفة ... مصادر مختلفة
الحجَّة الواضحة ... ؟ ... ؟ ... ؟
رسالة في الدم المسفوح ... ؟ ... ؟ ... ؟
صواب العقيدة ... ؟ ... ؟ ... ؟
قصيدة في نفي رؤية الله ... ؟ ... ؟ ... ؟
نلاحظ في هَذَا الجدول تَطَوُّر اهتمامات السالمي، وتدرُّجه في العلوم، فإذا تأمَّلنا فيه وجدناه متدرِّجا تدرُّجا سننيًّا. ولكي تَتَّضِح لنا صورة النسق الفكري (الإرادي) لدى السالميِّ، نحذف من القائمة ما ألَّفه لأسباب خَاصَّة فرضتها الظروف، فبالمناظرة بين تواريخ تلك التآليف وبين حياة السالمي، نجد أَنَّ ”طريق السداد“ في أحكام الجهاد، كان متزامنا مع ظروف قيام شيخه صالح الحارثي قبيل سنة 1314هـ بالجهاد ضِدَّ السلطان، وفي نفس الظروف ألَّف رسالة ”الحق الجلي في سيرة الشيخ صالح بن علي“. ثُمَّ يأتي تأليف ”الحجج (1/225)
صفحة 226
المقنعة“ سنة 1315هـ، بناء عَلَى طلب شيخه حمد بن سيف البوسعيدي. ويُطلب منه أَيضًا تأليف ”تلقين الصبيان“ سنة 1318هـ. وتفرض الظروف الاِجتِمَاعِيَّة عَلَى السالمي تأليف ”إيضاح البيان في نكاح الصبيان“ سنة 1319هـ. ويعرض التلميذ أبو زيد عَلَى شيخه السالمي قبيل رحيله إشكالاتٍ يطلب منه فكَّ غموضها، فيؤلِّف له سنة 1321هـ ”حل المشكلات“، ومباشرة بعد عودته من الحجِّ حوالي سنة 1324هـ ينظُم ”كشف الحقيقة لمن جهل الطريقة“ توضيحا لمعالم المذهب الإِبَاضِيِّ للعالم الهنديِّ الذي التقى به في مَكَّة. وأخيرا يؤلِّف رسالة ”بذل المجهود“ سنة 1328هـ ردًّا عَلَى معترض لرأي السالميِّ في موقفه من النصارى.
وبحذف هَذِهِ الْمُؤَلَّفَات التي تخرج عن النسق المذكور، نخلص إِلىَ ما يأتي:
1 - ابتدأ التأليف سنة 1305هـ بالنحو (بلوغ الأمل وشرحه، والمواهب السنيَّة)، وَهَذَا أمر طبيعيٌّ؛ لأَنَّهُ وسيلة لتهذيب اللسان، وآلة لفهم المعاني.
2 - ثُمَّ انتقل من سنة 1308هـ إِلىَ سنة 1314هـ إِلىَ مواضيع العقيدة التي نالت قسطا كبيرا من مُؤَلَّفَاته (الشرف التام، غاية المراد، وأنوار العقول وشرحيها ... )، وَهَذَا أمر معقول؛ لأَنَّ العقيدة هي الأساس لبناء فكر راسخ متوازن، تكون منطلقا له في حياته تأليفا وسلوكا.
3 - ولم ينتقل مباشرة إِلىَ الفقه، وَإِنَّمَا احتاج أَوَّلاً إِلىَ القواعد التي تحصِّنه من الوقوع في أخطاء فِقهِيَّة، فألَّف في أصول الفقه شمس الأصول وطلعة الشمس، وتعتبر هَذِهِ المرحلة تأسيسا للمرحلة الآتية.
4 - ثُمَّ اهتمَّ بالفقه فبدأ برسالة موجَّهة إِلىَ الصبيان، ثُمَّ انتقل إِلىَ درجة أعلى فألَّف لِلعَامَّةِ ــ كبارا وصغارا ــ جوهر النظام، ثُمَّ إِلىَ مستوى أعلى، وهو درجة المتخصِّصين في الفقه، فألَّف لهم معارج الآمال.
5 - وبعد سفره إِلىَ الحجِّ سنة 1323هـ، لاحظ النقص الذي تعاني منه المكتبة الإِبَاضِيَّة في الحديث، مقابل اهتمام غير الإِبَاضِيَّة بكتب السنَّة
6 - (1/226)
صفحة 227
شرحا ونقدا وتمحيصا ... فتحرَّكت نفسه لتدارك هَذَا النقص ليؤلِّف شرح الجامع سنة 1325هـ.
7 - وأخيرا ينتهي بتأليف ”تحفة الأعيان“ سنة 1330هـ، في التاريخ، وَهُوَ من آخر اهتمامات علماء الإِبَاضِيَّة عُمُومًا، «إذ لم يكن التاريخ من شغل الأصحاب، بل كان اشتغالهم بإقامة العدل وتأثير العلوم الدِّينِيَّة، وبيان ما لاَ بُدَّ من بيانه للناس، أخذا بالأهمِّ فالأهمِّ» (1).
هَذَا كُلُّ ما أمكنني توضيحه في هَذِهِ العجالة، وَلَعَلَّ الله تَعَالىَ يمنُّ ــ عليَّ أو عَلَى غيري من الباحثين ــ بإتمام المجاهيل في الجدول، وتحديد أكثر دقَّة لتواريخ بَعض التآليف، والخروج بتحليل ونتائج أكثر عمقا، وَهُوَ وليُّ التوفيق.
__________
(1) تحفة الأعيان، 1/ 4. (1/227)
صفحة 228
المبحث الثالث
نظرة تحليلية للتأليف عند الشيخ السالمي
لكي يَتَّضِحَ لنا الجهد الذي قام به الشيخ نور الدين السالمي في التأليف، ينبغي أن نضعه في إطاره التاريخي، ونعطي صورة موجزة عن التأليف عند العمانيِّين في عهده وقبله، حَتَّى نعرف هل كان مسايرا لنفس المنهج السائد في عصره ومصره، أم حاول التجديد والإبداع، سواء من حيث الشكل أم المضمون؟.
أَوَّلاً - خصائص التأليف قبل الشيخ السالمي وفي عصره:
لقد تميَّز التأليف قبل الشيخ السالمي بِعِدَّةِ مميِّزات نذكر منها:
1 - قِلَّة الإبداع في التأليف، أي أَنَّ أغلب علماء عُمان لم تكن لهم مُؤَلَّفَات مستقلَّة «إِلاَّ ما دوَّنه من أُخذ عنهم من العلماء، كجامع أبي الحواري (1)، وجامع أبي الحسن (2)، وَاسْتَمَرَّت هَذِهِ الحالة فيما بعدهم من العصور، وكثير من العلماء الْمُتَأَخِّرينَ لا توجد لهم مُؤَلَّفَات مستقلَّة» (3).
2 - غالبا ما لا يُفرد العلماء العمانيُّون مُؤَلَّفَات متخصِّصة في علم من العلوم، مثل: أصول الدين وأصول الفقه، والفقه، والتاريخ ... بل نجد هَذِهِ العلوم مختلطة في كِتَاب واحد، فقد يُصدِّر الْمُؤَلِّف كِتَابه الفقهي بنبذة في أصول الفقه، وأخرى في أصول الدين، وَرُبَّمَا أضاف إِلىَ ذَلِكَ شيئًا من المعلومات
__________
(1) أبو الحواري محَمَّد بن الحواري: جامع أبي الحواري، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان، 1985م.
(2) البسيوي أبو الحسن علي بن محَمَّد بن علي (ق 4هـ): جامع أبي الحسن البسيوي، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان، 1404هـ/1984م. يقع في ثلاثة أجزاء.
(3) مُقَدِّمَة العبري للعقد الثمين، 1/ 4 - 5. وتنظر القائمة التي أوردها الشيخ العبري كنماذج للمؤلفات التي جُمعت ورُتبت بعد وفاة مؤلِّفيها، المصدر نفسه. (1/228)
صفحة 229
التَّارِيخِيَّة (1). ولنضرب أمثلة من مختلف العصور، فمن القدماء نجد: جامع ابن جعفر (2)، جامع البسيوي، الدعائم لابن النضر (3). ومن عصر السالمي نجد قاموس الشريعة لجميل بن خميس السعدي (4). ولا تزال هَذِهِ الطريقة مستمرَّة عند بَعض العمانيِّين إِلىَ وقتنا المعاصر، مثل: غاية المأمول للبطاشي (5).
3 - يعتمد الْمُؤَلِّفون العمانيُّون قبل الشيخ السالمي أساسا عَلَى آثار العلماء السابقين، مستعملين غالبا عبارة: «وفي الأثر عن فلان ... »، ثُمَّ يوردون أقوالهم وآراءهم الفِقهِيَّة، وقد لا يركِّزون عَلَى تأصيل مسائلهم بالقُرْآن وَالسُّنَّة، بقدر ما يهتمُّون بحشر كمٍّ كبير من أقوال أولئك السابقين، في مسائل كثيرة فرعيَّة، ولا يكاد يختلف هَذَا المنهج بين المتأخِّرين والمتقدِّمين (6).
__________
(1) ينظر: أحمد الكندي: الجوانب التَّربَوِيَّة والتعليميَّة في مُؤَلَّفَات السالمي، قراءات، ص128.
(2) الأزكوي أبو جابر محَمَّد بن جعفر (ت: أوائل ق 4هـ): الجامع، تحقيق: عبد المنعم عامر، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان، 1981م.
(3) ينظر: ابن جعفر الأزكوي: الجامع، الجزء الأَوَّل من البداية إِلىَ ص 253 في العقيدة. البسيوي: الجامع، في ثلاثة أجزاء، الأَوَّل منها في العقيدة. أبو بكر أحمد، ابن النضر (ق5هـ/11م): ديوان الدعائم، المطبعة العموميَّة، دمشق، 1966م، قسم العقيدة من ص 1 إِلىَ ص 29.
(4) ينظر: جميل بن خميس السعدي (ق13هـ/19م): قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة، نشر وزارة التراث، سلطنة عمان، 1403هـ/1983م. الأجزاء من الأَوَّل إِلىَ العاشر كلُّها في العقيدة.
(5) ينظر: البطاشي محَمَّد بن شامس: غاية المأمول في عالم الفروع والأصول، وزارة التراث، عُمان. في 7 أجزاء، الجزء الأَوَّل من ص 1 إِلىَ ص 159 في العقيدة. ومضمونه شبيه بما في شرحيْ قصيدة أنوار العقول للسالمي.
والبطاشي هو: محمَّد بن شامس بن خنجر البطاشي (1320هـ/1902م - 1 شوال 1420هـ/8 جوان 2000م). عالم، قاض، شاعر. ولد في المسفاة بلد بني بطاش بعُمان. تعلَّم ببلده ثمَّ رحل إلى نزوى، وحلَّ بجوار الإمام محمَّد الخليلي. أخذ عن حامد بن ناصر، وعبد الله بن عامر العزري. كان آية في الذكاء والحفظ. تولَّى القضاء منذ عهد الإمام الخليلي، في عدَّة نواح، إلى أن صار قاضيا بمحكمة الاستئناف بمسقط. نظم الشعر في سنٍّ مبكِّرة، وله أشعار كثيرة في شتَّى الفنون الأدبيَّة والفقهيَّة. من تآليفه: «سلاسل الذهب» في عشرة أجزاء، «غاية المأمول في الفروع والأصول»، «إرشاد الحائر في أحكام الحاج والزائر»، وكلُّها مطبوعة. وله منظومة في عدد أجزاء كتاب «المصنف»، وله مثلها في كتاب «منهج الطالبين»، وفي كتاب «لباب الآثار». ينظر: الخصيبي: شقائق، 3/ 98 - 105. معجم أعلام الإباضيَّة، قسم المشرق، ترجمة رقم: 1235.
(6) ينظر مثلا: خميس بن سعيد بن علي بن مسعود الرستاقي الشقصي (ق11هـ/17م): منهج الطالبين وبلاغ الراغبين، تحقيق: سالم بن حمد بن سليمان الحارثي، مطبعة عيسى البابي الحلبي، مصر، نشر وزارة التراث، سلطنة عمان، 1979هـ. (1/229)
صفحة 230
4 - كثيرا ما يضيف بَعض المتأخِّرين تعليقات في متن مُؤَلَّفَات غيرهم، لتأييد آرائهم أو معارضتها، أو لمجرَّد زيادة فائدة، ويضعون تلك الإضافات بين كلمتيْ: «من غيره» و «رجع» (1)، وهذا مِمَّا يربك القارئ، ويوهم غير المتنبه أَنَّهَا من الْمُؤَلِّف نفسه، وإذا أغفل الناسخ كِتَابة الكلمتين فَإِنَّهُ يقع الخلط بين الْمُتَقَدِّم والمتأخِّر، وَرُبَّمَا التناقض في الكِتَاب الواحد، الأمر الذي يوجب التحفُّظ والتحقُّق في مثل تلك الْمُؤَلَّفَات.
ثانيا - التأليف عند السالمي:
أ - رأي السالمي في التأليف:
أبرز السالمي رأيه في التأليف بوضوح حين انتقد من يرى أَنَّ الأوائل لم يتركوا للأواخر ما يؤلِّفون، مخالفا بِذَلِكَ رأي أستاذه العبري (2)، وبيَّن أَنَّ نتاج الفكر لا يقف عند حدٍّ، فهو بحر واسع، والعلوم منحة ربانيَّة، ادَّخر منها الله للمتأخِّر ما لم يدَّخره للمتقدِّم، ولا عبرة بقول القائل: «ما ترك الأَوَّل للآخر»، لأَنَّ هَذَا يقطع الآمال، ويبعث عَلَى التقاعس، «فيقتصر الآخِر عَلَى ما قَدَّمَ الأَوَّل من الظاهر، وَهُوَ خطر عظيم، وقول سقيم، فالأوائل وإن فازوا باستخراج الأصول وتمهيدها فالأواخر فازوا بتفريع الأصول وتشييدها» (3)، ويجب عَلَى كُلِّ مُصَنِّف أن يراعي حال أهل زمانه، فيخاطبهم عَلَى قدر عقولهم، وباللغة التي يفهمونها (4).
__________
(1) ينظر مثلا: القطب اطفيَّش: كشف الكرب، 2/ 164 - 171، 237 - 239، 347 - 351. وَهَذِهِ الطريقة مِمَّا انتقده القطب بشدَّة عَلَى العمانيِّين، حَتَّى إِنَّهُ دعا بالشرِّ عَلَى من يَمَسُّ كِتَابه شرح النيل بهذه الكَيفِيَّة. ينظر: المصدر نفسه، 2/ 317.
(2) ينظر: تبصرة المعتبرين، (مخ)، ص88. نقلا عن أطروحة الهاشمي، ص54.
(3) معارج، 1/ 91 - 92.
(4) المصدر نفسه، 1/ 93. (1/230)
صفحة 231
ويرى أَنَّ للعلم وتدوينه فترات ازدهار وفترات ركود، شأنه شأن الدول؛ ويربط العلم بالسياسة إذ يلقي بالمسؤوليَّة عَلَى الحكَّام، فَإِنَّ لهم دورا كبيرا في رواج العلم أو كساده، حسب اهتمامهم به أو عدمه (1).
ويعتقد أَنَّ الكمال في التأليف أمر بعيد المنال، لِذَلِكَ نجده يعترف دوما بالتقصير، فلا يدَّعي الكمال وعدم الخطإ، ويبيح لمن يأتي بعده أن يصلِح الأخطاء التي يمكن أن يجدها في مُؤَلَّفَاته، لَكِن ـ كما يقول ـ بشرط «أن يكون المصلِح متقنا ضابطا، فلست أبيح ذَلِكَ لسيِّئ الفهم ولا لغير المتثبِّت، فَإِنَّ إصلاحه عين الفساد:
وكم من عائب قولا صحيحا وآفته من الفهم السقيم» (2)
أَمَّا عن الزيادة في مُؤَلَّفَات السابقين، كما وقع في بَعض كتب العمانيِّين، فكان رأي السالميِّ فيها صارما، إذ أجاز ذَلِكَ بأربعة شروط مضبوطة، وهي:
1. أن تكون الزيادة من فنِّه.
2. أن يكون الكِتَاب من الجوامع، لأَنَّ غرض مُؤَلِّفيها هو جمع المسائل، بخلاف كتب التحقيق والتدقيق، أو المتون والشروح، فلا تجوز الزيادة فيها.
3. أن يُبَيِّن أَوَّل الزيادة وآخرها.
4. أن يكون الزائد متقنا بصيرا (3).
وَلَكِن مع توفُّر هَذِهِ الشروط يقول: «فلا أستحسن أن يزاد في الكِتَاب ما ليس منه، لأَنَّ ذَلِكَ يفضي إِلىَ اختلاط المزيد بالأصل حَتَّى لا يمتاز بعضهما من بعض، كما وقع ذَلِكَ في نُسخ الجامع، فمن شاء زيادة كتبها في الهامش وبيَّن أَنَّهَا زيادة» (4).
__________
(1) ينظر: المصدر نفسه، 1/ 88.
(2) المنهل الصافي، ص201.
(3) العقد الثمين، 1/ 44. جوابات، 4/ 426 - 427.
(4) المصدر نفسه. (1/231)
صفحة 232
وتجدر الإشارة إِلىَ أَنَّ السالمي حاول تفادي النقائص التي تنجرُّ من وراء عدم تدوين الكاتب لمؤلَّفه بنفسه، فكان السالميُّ يقوم هو بإملاء مُؤَلَّفَاته وبمراجعتها بنفسه، فهي لم تُجمع بعده كما كان من كثير من القدماء (1)، الأمر الذي يعطينا وثوقا أكثر بتراثه، بحيث يرتفع احتمال سوء الفهم.
ب - تنوُّع مؤلَّفات السالمي وتخصُّصها:
في العرض السابق لِمُؤَلَّفَات السالميِّ تَبَيَّنَ لنا تنوُّعها شكلا ومضمونا. أَمَّا شكلا فهي تتنوَّع إِلىَ: نظم ونثر، وإلى مطوَّلات ورسائل مختصرة، وإلى مُؤَلَّفَات ذَاتِيَّة وغير ذَاتِيَّة، وإلى شرح لمنظوم ونظم لمنثور، وإلى مُؤَلَّفَات موجَّهة للصغار وأخرى للكبار، للمبتدئين وللمتخصِّصين. وَهَذَا التنوُّع يُفَسَّرُ بمدى قدرة السالمي عَلَى تكييف إنتاجه حسب متطلَّبات المحيط، فالنظم يساعد إيقاعُه عَلَى حفظ النصِّ، وشرح النظم يسهِّل استيعاب أفكاره، ويفسَّر كَذَلِكَ برغبةِ السالمي في نشر أفكاره لأغلب شرائح المجتمع: علماء وعوامَّ، كبارا وصغارا، يصلح أوضاع الكبار، ويزرع المبادئ الدِّينِيَّة والسِّيَاسِيَّة في أذهان الصغار؛ ليكونوا خلائف يحملون الراية من بعده، حَتَّى لا تزول إصلاحاته بموته.
أَمَّا من حيث المضمون فالملاحظ أَنَّ السالمي أولى للتخصُّص أَهَمِّيَّة كبيرة، إذ وضع لِكُلِّ فنٍّ كِتَابا مستقلاًّ، فلعلوم العَرَبِيَّة مُؤَلَّفَاتها، وكذا لعلم أصول الدين، وأصول الفقه، والفقه، والتاريخ. وَهَذَا المنهج يبدو جديدا في مسيرة التأليف عند العمانيِّين، «إذ كان المؤلِّفون السابقون يعمدون ـ في الغالب ـ إِلىَ ما يعرف بالمؤلَّفات الشموليَّة، تلك التي تجمع من كُلِّ مَادَّة بطرف» (2). وَهَذَا التميُّز والتجديد في التأليف مِمَّا أثار إعجاب بَعض شيوخه، منهم الشيخ ماجد بن خميس العبري، الذي قام بتدريس بَعض كتب تلميذه السالميِّ في حلقاته العِلمِيَّة (3).
__________
(1) ينظر: مقدِّمة العبري للعقد الثمين، 1/ 4 - 5.
(2) العزري: فكر السالمي، ص2.
(3) ينظر: أحمد الكندي: الجوانب التَّربَوِيَّة، قراءات، ص128. (1/232)
صفحة 233
جـ - دوافع التأليف وأهدافه:
تتنوَّع دوافع التأليف عند السالمي، فمنها ما كان ذاتيًّا محضا، ومنها ما تدعو إليه الحاجة العِلمِيَّة، ومنها ما يفرضه الواقع الاجتماعيُّ أو الثقافيُّ، ومنها ما كان يهدف إِلىَ مقصد تربويٍّ وسياسيٍّ، وقد يكون التأليف بطلب من أحد مشايخه أو إخوانه.
يتمثَّل الدافع الذاتيُّ في حبِّه لمزاحمة العلماء، والتطفُّل عَلَى موائدهم، والنيل من فضل الله وبركته، عَلَى حدِّ تعبيره، إذ يقول عن أبي إسحاق الحضرميِّ: « ... أحببت أن أكون متطفِّلا عَلَى مائدته، مدَّعيا الدخول في زمرته، متَّسما بالقيام في خدمته، ولا وَالله ما أنا هنالك، ولا مِمَّن يُعرف بِذَلِكَ، وَلَكِنِّي رجوت بِذَلِكَ أن تشملني بفضل الله بركتُهُ، وأن تنالني برحمة الله دعوته» (1). ويبدو أَنَّ لاختيار مؤلَّفٍ للحضرميِّ أكثر من دلالة، فالحضرميُّ هو الإمام الشاري، المتَّقد غيرة عَلَى الإِسلاَمِ، الساعي لإحياء الإمامة في عصره، فأراد أن يتشبَّه به في سلوكه وغيرته وسعيه، وقد أورد جانبا من كفاح الحضرميِّ، واختار من ديوانه أبياتا فيها استنهاض للنفس لطلب العلا، والجهاد والاستشهاد في سبيل الله، وامتدحه السالميُّ لأجل هذه الروح الجيَّاشة (2). ونفس الدافع يمكن أن يقال عن كتابه: ”الشرف التام“، واختيار ”دعائم“ ابن النضر ليشرحها، وقد سبقت الإشارة إِلىَ ما تعرَّض له ابن النضر عَلَى يد أحد الحكَّام (3).
وَأَمَّا الدافع العلميُّ المحض فيتمثَّل في رغبة السالميِّ في إتمام النقائص التي لاحظها في تآليف السابقين مثل أرجوزة الصائغي (4)، أو رغبته في تبيين الغموض الذي قد يعترض قرَّاء إحدى منظوماته، مثل: طلعة الشمس، التي يقول في ختامها «وَلَمَّا كانت معانيها [شمس الأصول] قد لا يفهمها الضعيف،
__________
(1) معارج الآمال، 1/ 83.
(2) ينظر: المصدر نفسه، 1/ 78 - 81.
(3) ينظر: مُؤَلَّفَات السالمي، ص 109من البحث (هامش).
(4) ينظر: جوهر النظام، 1/ 2 - 3. (1/233)
صفحة 234
وإن كانت واضحة لأهل البصائر، احتجنا إِلىَ تبيينها إعانة للسائلين، فوضعت عَلَيْهَا هَذَا الشرح» (1).
وقد يكون الدافع اجتماعيًّا، فرضه شعوره بالمسؤولية، باعتباره عالما يجب عَلَيْهِ أن لا يكتم العلم، وأن يُغَيِّرَ المنكر بلسانه وقلمه. ومن أمثلة ذَلِكَ: هضمُ حقِّ الزوجة، فاضطرَّ إِلىَ تأليف "إيضاح البيان" (2). وانتقادُ بَعض الناس لسيرة شيخه صالح بن علي الحارثي دفعه إِلىَ وضع رسالة "الحق الجلي" لتوضيح الحكم الشرعي في بَعض ما قام به الحارثي، ولتفنيد بَعض ما نُسب إليه (3). وألجأه اعتراضُ بَعض الزنجباريِّين عَلَى موقفه من النصارى وأزيائهم ومدارسهم إِلىَ تأليف "بذل المجهود في مخالفة النصارى واليهود"، إذ جاء في أَوَّله أَنَّهُ كان مضطرًّا للجواب: «فلم أر بدًّا من جوابهم خوف الوعيد المذكور في قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: "إذا ظهرت البدع في أُمَّتِي فعلى العالم أن يظهر علمه، فإن لم يفعل فَعَلَيْهِ لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل"» (4).
وأحيانا يفرض الواقع الثقافيُّ التأليف في مجال مُعَيَّن، فَإِنَّهُ يليق بِكُلِّ عصر أسلوب خاصٌّ في التأليف، فقد يضعف الْخَلَف عن استيعاب مُؤَلَّفَات السَّلَف لطولها فيحتاج إِلىَ اختصارها، ووضعها في قالب يفهمونه (5).
__________
(1) طلعة الشمس، 2/ 303 - 304.
(2) ينظر: إيضاح البيان (مخ)، ص1.
(3) ينظر: الحق الجلي، ضمن كِتَاب عين المصالح، ص1 - 2.
(4) بذل المجهود، ص6.
والحديث من مراسيل جابر بن زيد في مسند الإمام الربيع بن حبيب، رقم 943. وأورده الخلال وقال: «إسناده ضعيف». الربيع بن حبيب بن عمرو الأزدي البصري (170هـ): الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع بن حبيب، تحقيق: محمد إدريس، عاشور بن يوسف، الطبعة الأولى، دار الحكمة، بيروت، مكتبة الاستقامة، سلطنة عمان، 1415هـ، ص365. أحمد بن محمد بن هارون بن يزيد الخلال أبو بكر (234 - 311هـ): السنَّة، تحقيق: د. عطيَّة الزهراني، الطبعة الأولى، دار الراية، الرياض، 1410هـ، ج3/ص495. (برنامج المكتبة الألفية).
(5) ينظر: مُقَدِّمَة محَمَّد إسماعيل للمعارج، 1/ 5. (1/234)
صفحة 235
ويكون تأليفه أحيانا أخرى ذا أبعاد تَربَوِيَّة وسِيَاسِيَّة، محاولا الإصلاح بصورة لطيفة، دون أن يثير عَلَى نفسه زوبعة الانتقاد، فَهَذَا كِتَابه ”تحفة الأعيان“، يبرز فيه الجوانب المشرقة من تاريخ عمان، حيث ساد العدل في ظلِّ حكم الأَئِمَّة، وغرضه أن يقارن أهلُ عصره حالهم بحال أسلافهم، ويكون ذَلِكَ دافعا لهم نحو التغيير، وَهُوَ ما أشار إليه في أَوَّل الكِتَاب: «وحيث كان العدل وسيرة الفضل في عُمان أكثر وجودا بعد الصحابة من سائر الأمصار، تشوَّقت نفسي إِلىَ كِتَابة ما أمكنني الوقوف عَلَيْهِ من أَئِمَّة الهدى ... » وَذَلِكَ لكي «يعرف سيرتهم الجاهل بهم، وليقتدي الطالب لأثرهم ... فإذا سمع العاقل أخبار الصالحين اشتاقت نفسه إِلىَ اقتفاء آثارهم، وإذا سمع أخبار الطالحين أشفقت نفسه أن يكون من جملتهم» (1). والسالميُّ بِهَذِهِ الطريقة يحاول أن يجمع بين التربية والعلم، فلا ينفع العلم وحده ما لم يتوَّج رَبُّهُ بخلاق. ونجد مثل هَذِهِ الدعوة إِلىَ الجمع بين الأمرين عند أحمد خان في الهند ـ بغضِّ النظر عن مواقفه ـ حين يقول: «إِنَّ الطفل في مدارس إنجلترا يتربَّى ويتثقَّف، وَأَمَّا في مدارس الهند فيتعلَّم، وشتَّان بين التربية والتعليم» (2).
ومن بين أسباب التأليف عند السالمي الاستجابة لطلب أحد أساتذته أو إخوانه، فعلى سبيل المثال يقول في ”الحجج المقنعة“: «أَمَّا بعد: فقد سألني من هو أعزُّ الأصحاب لديَّ وأكرمهم عليَّ شيخنا المجيد: حمد بن سيف بن سعيد ... أن أضع له رسالة في صلاة الجُمُعَة وحجج الأصحاب فيها، فأجبته ملبِّيا لخطابه، وسارعت في ترتيب جوابه، أداء لحقِّ الأخوَّة، وانقيادا لحكم المروءة، وتشييدا لقواعد الدين، وتثبيتا لقلوب المؤمنين» (3). وَمِمَّا ألفه أَيضًا بطلب من غيره منظومة ”كشف الحقيقة“ (4)، و”تلقين الصبيان“، الذي يقول في أَوَّله: «أَمَّا بعد: فقد
__________
(1) السالمي: تحفة، 1/ 4.
(2) أحمد أمين: زعماء، ص165. وينظر ترجمة أحمد خان (1817 - 1898م): المصدر نفسه، ص155 - 177.
(3) الحجج، (مرقون)، ص45.
(4) ينظر: الحارثي: اللؤلؤ، ص211. أطروحة الهاشمي، ص115. (1/235)
صفحة 236
سألني بَعض الإخوان ـ أصلح الله لي وله الشان ـ أن أضع له رسالة يسيرة في تبيان أَوَّل ما يجب عَلَى الإِنسَان في أَوَّل حال التكليف ... » (1).
وقد تجتمع عِدَّة دوافع في مُؤَلَّف واحد، وأبرز نموذج لِذَلِكَ هو ديوانه، إذ كان مرآة لنفسيَّة السالمي ومواقفه، َيُعَبِّرُ فيه عن طموحه وآماله، وعن معاناته وآلامه، ويمدح فيه بَعض مشايخه ويرثيهم، ويبرز الوضع السياسي والاجتماعي لمحيطه ناقدا ومستنهضا.
د - تَطَوُّر التأليف عند السالمي:
الملاحظة العَامَّة التي يمكن أن نخرج بها انطلاقا من قائمة الترتيب الزمنيِّ لمؤلَّفات السالميِّ تتمثَّل في التَّطَوُّر الملحوظ بين مُؤَلَّفَاته شكلا ومضمونا. أَمَّا شكلا فقد ابتدأ مسيرته في التأليف بمؤلفات غير ذَاتِيَّة، وَإِنَّمَا كانت تابعة لِمَا ألفه غيره، فـ”بلوغ الأمل“ هو نظم ”الإعراب“ لابن هشام (2)، و”الدرر السنية“ هو شرح للعمريطية، و”الشرف التام“ هو شرح لدعائم ابن النضر، مسايرا في ذَلِكَ التيار السائد في ذَلِكَ العصر، من النظم والشرح للمؤلَّفات السابقة؛ بينما أخذ هَذَا النوع من التأليف يقلُّ مع تقدُّم السالميِّ في السنِّ، فصار أكثر استقلالا بتآليفه، فينظم ”أنوار العقول“ ويشرحها مَرَّتينِ، ويؤلِّف ”شمس الأصول“ ويشرحها، وهي كلُّها مُؤَلَّفَات ذَاتِيَّة.
أَمَّا من حيث المضمون فقد انتقل من التآليف ذات الاندفاع القويِّ، إِلىَ التآليف الرصينة، الأكثر هدوءا، ويبرز النوع الأَوَّل في القصائد التي قالها في شيخه الحارثي (3)، وفي تأليفه لكتاب ”الحق الجلي“، وفي القصائد التي وجَّهها إِلىَ السلطان
__________
(1) تلقين، ص3.
(2) ابن هشام: عبد الله بن يوسف (708 - 761هـ/1309 - 1360م)، له المغني اللبيب، وقطر الندى ... ينظر: الزركلي: الأعلام، 4/ 147.
(3) ينظر: الديوان (مخ)، ص5، 6، 8، 9، 10 ... (1/236)
صفحة 237
وأنصاره (1). والنوع الثاني يبرز في مُؤَلَّفَات ما بعد سنة 1320هـ/1902م: ”جوهر النظام“، ”معارج الآمال“، ”شرح الجامع“، ”تحفة الأعيان“، والتي يبثُّ فيها من حين إِلىَ حين أفكارا سِيَاسِيَّة وإصلاحيَّة، يفهم القارئ مغزاها وأبعادها.
وبعد سنة 1323هـ/1906م اتَّسع أفق الشيخ السالمي في الحديث، وَذَلِكَ إثر رحلته إِلىَ الحجِّ، فكان للرحلة أثرها في مُؤَلَّفَاته بعد ذَلِكَ، حيث بدت بصمات كتب الحديث فيها أظهر، كشرح الجامع الصحيح (2).
ثالثا - المنهج العلمي في تآليف السالمي:
أ - التعامل مع المصادر:
يعتمد التأليف في العقيدة والفقه عَلَى القُرْآن وَالسُّنَّة، فهما المنطلق الرئيس لعلوم الشريعة، وسنتعرض لاحقا لبيان كَيفِيَّة استفادة السالميِّ منهما عند ذكر منهجه في الاستدلال، ونركِّز اهتمامنا الآن بالمصادر التراثيَّة، ونتاج الفكر الإِسلاَمِي، ونتساءل: كيف تعامل معه السالمي؟.
اعتاد الشيخ أن ينسب الرأي إِلىَ صاحبه، سواء أكان إباضيا أم غير إباضيٍّ، بالرغم من أَنَّ القطب اطفيَّش أشار عَلَيْهِ بِأَن لا يذكر أسماء غير الإِبَاضِيِّين، لأَنَّ بَعض النفوس لَمَّا تتهيَّأ لقبول الرأي المخالف (3). ويعتمد في إيراد آراء كُلِّ فرقة عَلَى مصادرها غالبا، ففي أصول الدين كان يرجع إِلىَ مصادر الأشاعرة عند ذكر آرائهم، فيحيل ـ مثلاً ـ عَلَى كِتَاب المواقف للإيجي (4) وشرحه للجرجاني (5)، وَعَلَى
__________
(1) ينظر: السالمي: قصيدتان بائيتان (مخ)، ص31 - 36، 44 - 55.
(2) ينظر: الخليلي: منهج السالمي في مؤلفاته الفِقهِيَّة، قراءات، ص23.
(3) يرى القطب أَنَّ ذكرهم يفضي إِلىَ ترك آرائهم لأَنَّهَا مسترابة عند بَعض المتعصِّبين، وردَّ عَلَيْهِم بشدَّة: «ومن العجيب أن تكون المسألة حَقًّا فتُترك لأَنَّهَا جاءت من مخالف، هذا غلوٌّ!». ينظر: كشف الكرب، 1/ 89 - 96.
(4) الإيجي عبد الرحمن بن أحمد، عضد الدين (756هـ/1355م). ينظر: الزركلي: الأعلام، 3/ 295.
(5) الجرجاني محَمَّد بن علي (740 - 816هـ/1340 - 1413م)، صاحب التعريفات. ينظر: المرجع نفسه، 5/ 07. (1/237)
صفحة 238
حواشي الجوهرة للبيجوري (1). وَأَمَّا مصادر الإِبَاضِيَّة فيعتمد كثيرا عَلَى كِتَابيْ المعتبر والاستقامة لأبي سعيد الكدمي (2)، وَهُوَ من المشارقة، وعَلَى قواعد الإِسلاَمِ للجيطالي (3)، ومعالم الدين وشرح النونية للثميني (4) وغيرهما وهما من المغاربة، وكثيرا ما أحال عَلَى القطب اطفيَّش (5)، وقد يذكر أسماء كتبه وقد لا يذكرها، لأَنَّهُ كانت بينهما رسائل، كان السالمي فيها هو السائل (6).
وتجدر الإشارة إِلىَ الروح العِلمِيَّة التي تدفع السالمي إِلىَ بذل مجهود كبير في التحقُّق من مصادره ليطمئنَّ إِلىَ الحقيقة التي يريد نشرها ـ عَلَى الرغم من قصور بَعض أدواته لأَنَّهُ كان كفيف البصر ـ فيجوب عمان شرقا وغربا باحثا عن مصدر
__________
(1) عن اعتماد السالمي عَلَى كِتَاب المواقف، ينظر: المشارق، ص160، 197، 241 ... وعن شرح المواقف ينظر: نفسه، ص176، 263، 306 ... وعن حواشي الجوهرة ينظر: نفسه، ص172، 193، 278 ...
والبيجوري أو الباجوري إبراهيم بن محمَّد (1198 - 1277هـ/1784 - 1860هـ): شيخ الأزهر، له عدة حواش، منها:} تحفة المريد على جوهرة التوحيد}. ينظر: الزركلي: الأعلام، 1/ 70.
(2) الكُدَمي أبو سعيد محمَّد بن سعيد الناعبي (ق 4هـ)، ينسب إلى كدم إحدى قرى بُهْلاَ بعُمان، أخذ عن محمد بن روح الكندي، حاول جمع الشمل بعد فتنة الصلت بن مالك، ولذلك ولرسوخ علمه أطلق عليه} إمام المذهب}. من آثاره: كتاب} المعتبر}، و} الاستقامة}، و} الجامع المفيد}. ينظر: معجم أعلام الإباضيَّة، (قسم المشرق). نسخة رقمية.
(3) الجيطالي أبو طاهر إسماعيل بن موسى (750هـ/ 1349م) من علماء جبل نفوسة بليبيا، له} قواعد الإِسلاَم}، و} قناطر الخيرات}. ينظر: جمعِيَّة التُّرَاث: معجم أعلام الإِبَاضِيَّة، 2/ 57، ترجمة رقم 110.
(4) عبد العزيز بن إبراهيم بن عبد الله بن عبد العزيز الثميني، ضياء الدين (1130 - 11 رجب 1223هـ/ 1718 - 1808م): من علماء بني يزقن بميزاب، الجزائر. له} النيل وشفاء العليل}، و} الورد البسام في رياض الأحكام} ... ينظر: جمعِيَّة التُّرَاث: معجم أعلام الإِبَاضِيَّة، 2/ 255، ترجمة رقم 555.
(5) عن اعتماد السالمي عَلَى كِتَاب المعتبر ينظر: بهجة، ص49، مشارق، ص18، 31، 332 ... وعن الاستقامة ينظر: بهجة، ص18، 52، 167، مشارق، ص18، 49، 52 ... وعن القواعد ينظر: بهجة، 117، مشارق، ص276، 277، 402 ... وعن المعالم ينظر: بهجة، ص114، مشارق، ص20، 31، 272 ... وعن شرح النونية ينظر: مشارق، ص174، 267 ... وعن القطب اطفيَّش ينظر: بهجة الأنوار، ص4، مشارق، ص227، 237، 241 ...
(6) ينظر: كشف الكرب، 1/ 5، 7، 45، 53 - 55 ... (1/238)
صفحة 239
أو وثيقة (1). وقد لا يتمكَّن السالمي من الرجوع إِلىَ المصدر مباشرة، فيحيل عَلَيْهِ من خلال مصدر آخر، إِلاَّ أَنَّهُ ينبِّه إِلىَ ذَلِكَ (2).
كان السالمي يرجع في كُلِّ فنٍّ إِلىَ أُمَّهَات الكتب المختصَّة، فنجده في آخر طلعة الشمس يذكر مصادره الأصوليَّة التي اعتمد عَلَيْهَا، منها: ”منهاج الوصول“ لابن الحاجب (3)، شرح الشَّمَّاخِي لمختصر ”العدل والإنصاف“، شرح المحلي (4) عَلَى ”جمع الجوامع“ (5). وفي التاريخ اعتمد عَلَى تاريخ ابن خلدون (6)، و”الفتح المبين“ لابن رزيق (7)، وشفاء القلوب لخميس العبري (8).
وإذا وجد القارئ لكُتبِ السالمي لفظة: «انتهى» علم أَنَّ النصَّ منقول، وَإِلاَّ فهو لَهُ غالبا، ويقول في المشارق: «ومهما وجدتَ من تحقيق أو تدقيق أو تحرير لمشكل أو تقرير لبرهان ولم يُعْزَ لأحد فهو غالبا مِمَّا منَّ الله به عليَّ، وَرُبَّمَا يوارد فكري فكر مَن قبلي في شَيْء من ذَلِكَ فأجده بعد أن أكتبه فلا أذكره عنه، ولا أذكر موافقتي له» (9). وبعد أن يذكر مصادره في طلعة الشمس يُوَضِّحُ منهجه في الاستفادة منها:
__________
(1) ينظر: محَمَّد أمين عبد الله: عمان تاريخا وعلماء، ص37. أحمد درويش: جهود السالمي في خدمة الأدب في عمان، قراءات، ص121. حمدون السالمي: السالمي مُؤَرِّخًا، المرجع نفسه، ص144.
(2) ينظر: مشارق، ص67، 69 ...
(3) ابن الحاجب عثمان بن عمر بن أبي بكر بن يونس (570 - 646هـ/1174 - 1249م). ينظر: الزركلي: الأعلام، 4/ 211.
(4) جلال الدين المحلِّي محَمَّد بن أحمد بن إبراهيم (791 - 864هـ/1389 - 1459م): أصوليٌّ مفسِّر. ينظر: المرجع نفسه، 5/ 333.
(5) ينظر: طلعة الشمس، 2/ 308.
(6) ابن خلدون عبد الرحمن بن محَمَّد بن محَمَّد بن خلدون (732 - 808هـ/1332 - 1406م). ينظر: الزركلي: الأعلام، 3/ 330.
(7) ابن رزيق حميد بن محَمَّد (ق13هـ): الفتح المبين في سيرة السادة البوسعيديِّين، نشر بادجر بالإنجليزية سنة 1871م. وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان، 1977م.
(8) ينظر: الخصيبي: شقائق، 3/ 108. الوسمي: عمان، ص16.
(9) مشارق، ص1. وينظر كمثال عَلَى ذَلِكَ ص28. (1/239)
صفحة 240
«فتارة آخذ الْمَعْنَى من هَذِهِ الكتب وتارة آخذ الْمَعْنَى بلفظه، وَمَرَّة أعزوه إِلىَ مأخذه، وَمَرَّة لا أعزوه، كُلُّ ذَلِكَ بحسب موافقة الحال، لا لأجل أن يقال، وَالله المطلع عَلَى السرائر؛ فلا يحسبنَّ من وقف عَلَى هَذَا الشرح أَنَّ جميع ذَلِكَ من عندي، وتالله إِنِّي لمعترف بالتقصير، ولا أحبُّ أن أُحمد بما لم أفعل» (1). من هنا تَتَبَيَّنُ لنا الأمانة العِلمِيَّة التي تحلَّى بها السالميُّ في تعامله مع المصادر، وكذا تواضعه.
كما كان يعتمد أحيانا عَلَى حافظته القَوِيَّة، ولا يرجع إِلىَ المصادر في إفتائه أو تأليفه، لِذَلِكَ فقد يذكر بِأَنَّهُ تفرَّد برأيٍ ما، بينما هو موجود في بطون الكتب، «ولربما رجع من بعدُ فذكر بنفسه أَنَّهُ اطَّلَعَ عَلَيْهِ بعد أن كان غير مطَّلع عَلَيْهِ» (2)، وَهَذَا يبدو أمرا طبيعيًّا بالنسبة للسالميِّ لأَنَّهُ كان ضريرا، إذ من السهل عَلَى البصير أن يتذكر الفكرة مع موقعها في صفحات الكِتَاب، بينما لا يتسنى لشيخنا ذَلِكَ، فتبقى الفكرة عالقة بذهنه دون أن يتذكر مصدرها، وقد لا يجد من يبحث له عنها في الكتب، ويقلِّب له آلاف الصفحات؛ ويقول السالميُّ في أحد أجوبته في موضوع الاستئذان: «وفي نفسي أَنِّي أحفظ فيه شَيْئًا ولا أنصُّه، وأظنُّه من بَعض كتب الحديث أو من الكتب القديمة، غاية الأمر أَنِّي أحفظ الجواز ولا أعرف موضعه من الكتب» (3).
ب - التعامل مع رأي الآخر:
يُكِنُّ السالميُّ لعلماء الإِبَاضِيَّة كلَّ تقدير، ويحرص عَلَى إجلالهم، وَعَلَى أن يتَّهم المرءُ نفسه قبل أن يتَّهمهم، ويقول لأحد سائليه: «فلله ما أطول نظرهم! وأقوى فهمهم! وإيَّاك أن تتَّهمهم في شَيْء من أمر الدين، فَإِنَّهُم أعلم الناس وأحزمهم وأشدُّهم ورعا، وأكثرهم لله تُقًى، بل اتَّهم نفسك فيما لا تعلم الأصل فيه، واسأل المسلمين سؤال تفقُّه وتعلُّم لا اعتراضٍ وردٍّ» (4).
__________
(1) طلعة الشمس، 2/ 308.
(2) أحمد الخليلي: منهج السالمي في مؤلفاته الفِقهِيَّة، قراءات، ص20 - 21.
(3) جوابات، 1/ 362.
(4) المصدر نفسه، 1/ 325 - 326. (1/240)
صفحة 241
وهَذِهِ الروح الجيَّاشة تجاه علماء الإِبَاضِيَّة لم تمنعه من إيراد مختلف الآراء من مختلف المذاهب الإِسلاَمِيَّة بِكُلِّ تسامح ودون تعصُّب (1)، فنجده ـ مثلا ـ في موضوع إطلاق التصلية والتسليم عَلَى غير الرَّسُول صلَّى الله عليه وسلَّم استقلالا يقول: «فقيل: جائزة وَهُوَ مذهب الشيخ ابن النضر رَحِمَهُ اللهُ تَعَالىَ، وَقِيلَ: ممنوعة لأَنَّهَا شعار الأنبياء، صَرَّحَ بِذَلِكَ البدر أبو سِتَّة (2) رَحِمَهُ اللهُ في حواشي الوضع، وَقِيلَ: خلاف الأولى، صَرَّحَ به الباجوري (3) في حواشي الجوهرة، قال: وألحق أبو محَمَّد الجويني (4) السلام بالصلاة ... » (5)، ونلاحظ في هَذَا النصِّ كيف أورد أقوال هَؤُلاَءِ العلماء الإِبَاضِيَّة وغير الإِبَاضِيَّة جنبا إِلىَ جنب، حَتَّى إِنَّ غير المتمرِّس قد يَظُنُّها آراء لعلماء من مذهب واحد.
وَهُوَ إذ يناقش مخالفيه في قضايا العقيدة يلتزم غالبا بآداب البحث والحوار، فيبدأ أَوَّلاً بالبحث عن دَلِيل الرأي الآخر من الكِتَاب أو السنَّة، حَتَّى إذا وجده قابل الدَّلِيل بالدليل، والحجَّة بالحجَّة، ولا يسمح لقلمه أن يطلق ألفاظ الشتم أو التهجُّم؛ فمثلا في مناقشته لأدلَّة المثبتين لرؤية الله عَزَّ وَجَلَّ في الآخرة، والمثبتين للصفات الخبريَّة، استعمل أسلوب الحوار الهادئ: «قالوا ... قلنا» (6).
هَذِهِ هي السمة الغالبة في نقاشه، وَلَكِنَّهُ في أحيان نادرة يكون كلامه شديدا وحكمه قاسيا، فعندما سئل مَرَّة عن تفسير قَوله تَعَالىَ: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ اِلَى
__________
(1) ينظر: مُقَدِّمَة التنوخي لشرح الجامع الصحيح، 1/} م}.
(2) أبو عبد الله محمَّد بن عمر ... ابن أبي ستَّة القصبي السدويكشي (1022 - 1088هـ/ 1614 - 1677م)، من علماء جربة بتونس، لَهُ عِدَّة حواش عَلَى عِدَّة كتب فِقهِيَّة حَتَّى اشتهر بـ «المحشِّي». ينظر: جمعِيَّة التُّرَاث: معجم أعلام الإِبَاضِيَّة، 2/ 389 - 390، ترجمة رقم 841.
(3) تقدَّمت ترجمته.
(4) الجويني أبو محمَّد عبد الله بن يوسف (438هـ/1047م): من جوين (نواحي نيسابور)، والد إمام الحرمين. له:} التفسير} و} التبصرة والتذكرة}. ينظر: الزركلي: الأعلام، 4/ 145.
(5) مشارق، ص41.
(6) ينظر: بهجة، ص89 - 96. مشارق، ص246 - 283. (1/241)
صفحة 242
رَبِّهَا نَاظِرَةٌ" (القيامة: 22 ـ 23)، أجاب بِأَنَّ رأي القائلين بإثبات الرؤية «إِنَّمَا نشأ من مخالطة اليهود، دسُّوا لهم دسيسا ليضلُّوهم عن دينهم، ويزلُّوهم عن استقامتهم، فقبلوه منهم! ... » (1)، وَهَذَا الأسلوب الحادُّ إذا وضعناه في إطاره الزمنيِّ قد يكون مسايرا للتعصُّب المذهبيِّ السائد، وَلَكِن مع ذَلِكَ فَإِنَّ العاطفة الحادَّة «واعتماد أسلوب السبِّ والشتم، والتعريض بالآخرين، وتسفيه الرأي المعارض بطرق استفزازيَّة، لا تأتي إِلاَّ بعكس النتيجة، بل إِنَّهَا تحكم عَلَى الكِتَاب وصاحبه أحكاما لو توقَّعها أو تخيَّلها صاحب الكِتَاب لغيَّر من طريقة عرضه لا محالة» (2). وكما سبقت الإشارة فَإِنَّ الأسئلة والأجوبة الواردة في فتاواه غير مؤرَّخة، بحيث يصعب القول إِنَّ هَذَا الكلام أو ذاك مُتَقَدِّم أو مُتَأَخِّر، ونرجِّح أن يكون السالميُّ قد غيَّر نظرته وأسلوبه، خَاصَّةً بعد رحلته إِلىَ الحجِّ سنة 1323هـ/1906م، ولقائه علماءَ المذاهب الأخرى، وحواره معهم، إذ لولا حسن تعامله معهم لَمَا ربط معهم علاقات ودِّية، وَلَمَا أفادوه بمصادر مُهِمَّة، ظهرت آثارها في منحى السالمي في التأليف فيما بعد.
ونجد السالميَّ في المناقشة يَرُدُّ عَلَى مخالفيه من خلال كتبهم وعلمائهم، ففي مسألة زيادة الصفات عَلَى الذات رَدَّ عَلَى الأشاعرة وأبطل قياس الغائب عَلَى الشاهد من خلال ”المواقف“ للإيجي، وشرحه للجرجاني (3). وأحيانا يجعل من دليل الرأي المخالف حجَّة له لا عَلَيْهِ (4).
وتمتاز مناقشاته بتحرير محلِّ النزاع، مع ما في بَعض المسائل الكلاميَّة من التعقيد والغموض، فيقوم السالميُّ بتحليلها وتفكيكها إِلىَ مختلف عناصرها، لتكون الصورة واضحة في الذهن، ثُمَّ يركِّز عَلَى موضع الخلاف فيناقشه، حَتَّى تبدو القَضِيَّة
__________
(1) العقد الثمين، 1/ 228. جوابات، 6/ 207.
(2) ناصر محَمَّد: تراثنا الإِسلاَمي والعصر، ص 84.
(3) ينظر: مشارق، ص176 - 177.
(4) ينظر: إيضاح البيان (مخ)، ص5. (1/242)
صفحة 243
وكَأَنَّهَا محسومة، وقد يصل في النهاية إِلىَ أَنَّ الخلاف لفظيٌّ ليس إِلاَّ، كالخلاف بين الإِبَاضِيَّة والأشاعرة في مسألة زيادة الإيمان ونقصانه (1)، وخلق القُرْآن (2). وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى تمكُّن السالميِّ من المسائل التي يتناولها، ووضوحها في ذهنه، وقدرته عَلَى التحليل المنطقيِّ السليم.
وكثيرا ما يحدث أن يتعارض رأي السالمي مع آراء غيره من علماء الإِبَاضِيَّة، وقد يخالف فحولهم، فنجده يقول مثلا في إحدى القضايا من هَذَا القبيل: « ... وإن قال بها من قال من فحول الرجال، فهم بِالْحَقِّ رجال، وغيرهم بِالْحَقِّ رجال» (3). وتتميَّز مناقشاته ـ في هَذِهِ الحال ـ باللطافة، وإبداء تواضعه واستصغار نفسه أمامهم، كما يسعى لتبرير ما ذهبوا إليه، حَتَّى ولو كان إنكارًا لِمَا ثبت عند جمهور الإِبَاضِيَّة، فعند مناقشته مسألة عذاب القبر ـ وهو مِمَّا ثبت عند جمهور الإِبَاضِيَّة حَتَّى إِنَّ الثميني قال: إِنَّ أحاديثه متواترة معنًى ـ نجد ابن أبي نبهان ينكر ثبوته، فسعى السالمي إِلىَ تبرير هذا الإنكار بتعذُّر وجود المتواتر من الأحاديث في زماننا!، فصَحَّت لابن أبي نبهان المخالفة (4)، ولا يجوز لأحد تخطئته؛ لأَنَّ من مبادئه كما قال: «لا نخطِّئ في دينه من عمل برأي من رأي المسلمين، أو اجتهد حيث يَصِحُّ له الاجتهاد» (5). كما يدعو إِلىَ حسن الظنِّ بعلماء الإِبَاضِيَّة، وَأَنَّهُم لا يقولون بِشَيْءٍ إِلاَّ حرصا عَلَى الدين واجتهادا في إصابة الحقِّ (6).
__________
(1) ينظر: بهجة، ص151.
(2) ينظر: مشارق، ص244 - 245.
(3) جوابات، 4/ 391. وينظر كَذَلِكَ معارضته للقطب رغم أَنَّهُ يكنُّ له كُلَّ التقدير: « ... رخَّص فيه القطب ولا أرخص فيه عندي فهو حرام ... ». المصدر نفسه، 4/ 385.
(4) مشارق، ص272 - 273. وينظر مثل ذَلِكَ في مناقشته لسعيد بن خلفان الخليلي في قَضِيَّة أخرى، بهجة، ص42 - 46.
(5) إيضاح البيان (مخ)، ص45.
(6) ينظر: السالمي: رسالة في الردِّ عَلَى نونيَّة ابن النضر، ملحق بروض البيان، ص165. وينظر: مناقشته لمسألة تحديد محل الجَنَّة والنار، ويقول بِأَنَّ توقُّفه لا يعني الطعن في من مال إِلىَ تحديد محلِّهما، لأَنَّهُ من المحتمل أن يكون لهم دَلِيل لم يطَّلع عَلَيْهِ، «فهم محمولون عَلَى حسن الظنِّ». مشارق، ص279 - 280. (1/243)
صفحة 244
والملاحظ أَنَّ مناقشته لعلماء غير الإِبَاضِيَّة تكون في بَعض الأحيان أكثر حدَّة (1)، فهو وإن كان يَتَّفِقُ مع الزمخشريِّ (2) في استحالة رؤية الله إِلاَّ أَنَّهُ يقول: «ونحن نعرف معانيه [القرآن] ولله الحمد من غير تبيين الزمخشريِّ، ونعرف الحجَّة من غير احتجاجه، فما يَضُرُّنا إن وَهَى استدلاله؟ ما هو إِلاَّ رجل يصيب ويخطئ كغيره من الناس!» (3)، ويقول عن الجرجاني: «دعني من كلام صاحب التعريفات فَإِنَّهُ أشعريُّ المذهب! ... » (4)، وَلَكِن يبدو أَنَّهُ قال هَذين الكلامين وَهُوَ في حالة انفعال؛ إذ لا تخفى استفادةُ السالمي من ذينك العالمين، واستفادةُ المسلمين عُمُومًا بعضهم من تراث بَعض. وَكُنَّا نودُّ لو أَنَّ السالمي تعامل مع العلماء بنظرة واحدة بغضِّ النظر عن مذهبه، وَإِنَّمَا ينظر إِلىَ القول وَدَلِيله، لا إِلىَ القائل وانتمائه، كما عوَّدنا في مناقشاته لكثير من القضايا، وكما ألزم نفسه بالمنهج الموضوعي حين قال:
«لأَنَّنِي أقفو الدَّلِيل فاعلما لم أقتصر عَلَى مقال العلما
فالعلماء استخرجوا ما استخرجوا من الدَّلِيل وَعَلَيْهِ عرجوا
فهم رجال وسواهم رجل والحقُّ مِمَّن كان حتما يقبل
فمورد الكلِّ هو الدَّلِيل يقصده من لهم التحصيل» (5)
ذكرنا ما يَتَعلَّقُ بالجانب العقديِّ، والذي غالبا ما يحتدُّ فيه النقاش بين المسلمين، وبقي مجال الفقه وأصوله، والحديث وشروحه، حيث كان السالمي متفتحا جِدًّا، ولا يكاد يميِّز في مناقشاته بين عالم إِبَاضِيٍّ وغيره من الأحناف والمَالِكِيَّة والشَّافِعِيَّة والحنابلة والظاهريَّة، ولا تكاد تخلو إحدى الصفحات في كتبه الفِقهِيَّة من
__________
(1) خَاصَّةً إذا بدا التنطُّع من أحدهم ــ كما في سؤال وجهه إليه بعض الوهَّابية ــ فَإِنَّ جواب السالمي يكون شديدا. ينظر: العقد الثمين، 1/ 81 - 82. جوابات، 6/ 204 - 205.
(2) الزمخشري جار الله محمود بن عمر بن محَمَّد (467 - 538هـ/1075 - 1144م)، معتزلي، اشتُهر بتفسيره:} الكشَّاف}. ينظر: الزركلي: الأعلام، 7/ 178.
(3) العقد الثمين، 1/ 227. جوابات، 6/ 207.
(4) جوابات، 6/ 155.
(5) جوهر النظام، 4/ 642. (1/244)
صفحة 245
استعراض آراء العلماء ذوي المذاهب المختلفة (1)، ويحاول دوما أن يلتمس الدَّلِيل للرأي المخالف من أحد الأصول أو من أحد طرق الاستدلال، وإذا لم يجده صَرَّحَ بِذَلِكَ (2)، وانبرى لإبداء رأيه دون أن ينظر إِلىَ مقام العالم مهما جلَّ قدره، وَإِنَّمَا يعتبر أقواله دعاوى تعوزها البَيِّنَات إن لم يكن لها دَلِيل (3). ولا يمانع السالميُّ من الأخذ بأقوال غير الإِبَاضِيَّة إن لم يوجد للإباضيَّة رأيٌ في المسألة، حيث يقول:
«وخذْ بما قال أولو الخلاف إن لم تجد في كتب الأسلاف» (4)
وأَمَّا في مجال السياسة فقد كان أكثر رزانة وأقلَّ حدَّة من غيره من معارضي نظام السلطنة، ولو في أصعب الظروف؛ فإذا قارنَّا بين القصيدة التي قالها السالمي ردًّا عَلَى شاعر السلطان في شأن حادثة زيارة القنصل البريطانيِّ لمنطقة الداخل، وبين قصيدة أخرى في نفس الموضوع للحبشي بن غابش (5)، فالأولى كانت عبارة عن نصائح مُهِمَّة للسلطان فيصل، وفي مستوى رفيع من التأدُّب وحسن اختيار الألفاظ، بينما الأخرى كانت نارية، ذات ألفاظ فظَّة عنيفة (6).
جـ - نقد الْمُؤَلَّفَات السابقة:
بحكم تأخُّر عهد السالمي عن كثير من العلماء من مختلف المذاهب، وبحكم كون بَعض مُؤَلَّفَاته تابعة لمؤلَّفات السابقين، فَإِنَّهُ قَدَّمَ لنا نقدا لبعض تلك المصادر الفِقهِيَّة والعقديَّة، مبيِّنا فضائلها وإيجابيَّاتها، وموضِّحا نقائصها وسلبيَّاتها. وقد نالت
__________
(1) ينظر: معارج الآمال. طلعة الشمس. شرح الجامع الصحيح.
(2) ينظر مثلا: جوهر النظام، 2/ 346، 347، 348 ...
(3) ينظر: تعليق الشيخ أبي إسحاق اطفيَّش بهامش جوهر النظام، 4/ 642. الخليلي: منهج السالمي، قراءات، ص20.
(4) جوهر النظام، 1/ 24.
(5) كذا ورد اسمه في المخطوط، ويبدو أَنَّهُ هو نفسه: أبو الخير عبد الله بن غابش الحبشي النوفلي، أحد تلاميذ السالمي. ينظر ترجمته في ص155 - 156من البحث.
(6) ينظر: قصيدة بائية للسالمي، ضمن مجموع قصائد، ص44 - 55. قصيدة بائية للحبشي، المصدر نفسه، ص55 - 66. (1/245)
صفحة 246
منظومة الصائغيِّ القسطَ الأوفرَ من نقد السالميِّ؛ دون أن ينكر فضلها في شمولها للأحكام الشَّرعِيَّة، وفي سهولة ألفاظها وحفظها:
«وبعد إِنَّ خير نظام بالغ في الفهم مبلغا نظامُ الصائغي
فَإِنَّهُ حوى بيان الشرع من واجب وجائز ومنع
وانصبَّ في سهولة الألفاظ وطاب حفظه لدى الحفَّاظ» (1)
وَيُبَيِّنُ النقائص الشكليَّة التي عابها عَلَى الصائغيِّ، من تطويل من غير طائل، وحشو لإقامة الوزن، ووجود التكرار، وجعل البيت مُتَعَلِّقًا بالبيت اللاحق من غير ضرورة، ويقول في ذَلِكَ:
«لَكِنَّهُ لم يخل من أشياءِ معيبة عند أولي الذكاء
كمثل تطويل بغير طائل كذكره في النظم قول السائل
وذاك شَيْء دونه يُستغنى ومثل حشو ليقيم الوزنا
ومثل تكرار لغير معنى ومثل مشكل يحير الذهنا
وجعله الشطر بشطر متَّصِل وكان حقُّ مثله أن ينفصل
وعلَّق البيت بما يليه من غير ما ضرورة تُلجيه
إِلاَّ لذكر ما يجوز حذفه وذاك منه ليتمَّ كشفه» (2)
ثُمَّ يواصل في بيان ما قام به تجاه منظومة الصائغيِّ، من إصلاحٍ للنقائص، وحذفٍ، وزيادةٍ، وتركٍ لِمَا كان قويَّ البناء، مبديا تواضعه وغرضه من النظم. وبعد أن نقد المنظومة بصفة عَامَّة من حيث الشكل في أَوَّل ”جوهر النظام“ أبدى مَرَّاتٍ عديدةً ملاحظاتِه من حيث المضمون، كمثل خلل في ترتيب أبواب المنظومة، وأبدى مخالفته وإنكاره لبَعض الآراء الفِقهِيَّة الواردة فيها، وتعجُّبَه من بَعضها أحيانا، كما صَرَّحَ بِبَعْض تناقضاتها أحيانا أخرى (3).
__________
(1) جوهر النظام، 1/ 2.
(2) المصدر نفسه، 1/ 2 - 3.
(3) ينظر: المصدر نفسه، 1/ 78، 87، 145 - 146، 149 - 150؛ 2/ 180، 245، 266، 274، 275 - 276، 277، 299، 304، 317؛ 3/ 477. (1/246)
صفحة 247
ويرى بعض الدارسين أَنَّهُ «في حقيقة الأمر لم يكن نقدا للصائغي فقط، بل في المقام الأَوَّل كان تسويغا للمؤلَّف الجديد، وكان لاَ بُدَّ من للسالمي من هَذَا النقد ليتمكَّن اللاحق من الحلول محلَّ السابق، خَاصَّةً وَأَنَّ السابق قد حقَّق شهرة واسعة» (1). وَلَكِنَّ الحكمَ عَلَى النوايا الذَّاتِيَّة ـ إذا لم يستند إِلىَ دَلِيل واضح ـ مجازفةٌ ينبغي أن لا تصدر من باحث يفترض فيه توخِّي الدقَّة والموضوعيَّة في إصدار الأحكام. خاصَّة وقد عهدنا من السالميِّ تقديره وإجلاله للعلماء السابقين، ومنهم الصائغي.
ومن المصادر التي نقدها السالميُّ أَيضًا: إحياء علوم الدين، إذ بَيَّنَ مثالبه ومحاسنه:
«ولم يكن إحياء علوم الدين بجامع لنا علوم الدين
بل فيه ما لا يأمن الإنسَان من أن يصيبه به خسران
وقد نقل الموضوع من أخبار وذكر الضعيف في الأسفار»
وبعد ذكر ملاحظاته عَلَى الكِتَاب بَيَّنَ فضله فقال:
« ... نَعَم حوى كشف عيوب النفس كشفا بليغا قد خلا من لبس
فبيَّن المهلك من خصالها وذكر العلاج من أحوالها
وبيَّن المنجي بما لم يسبق إِلَيْهِ في تفصيله المنمَّق» (2)
كما نقد كِتَاب الاستقامة لأبي سعيد الكدمي، إذ بَيَّنَ أَنَّ مُؤَلِّفه لم يجمع مبادئ أصول الدين، وَإِنَّمَا «ألَّفه في الردِّ عَلَى من خالف سيرة السلف في الحكم عَلَى بَعض الخارجين في زمان الإمام الصلت بن مالك (3)، وأوسع فيه القول حَتَّى خرج عن المقصود» (4).
__________
(1) العزري: فكر السالمي، ص137.
(2) جوهر النظام، 4/ 554 - 555.
(3) الصلت بن مالك الخروصي اليحمدي من أَئِمَّة عمان (275هـ/889م). ينظر: الزركلي: الأعلام، 3/ 209.
(4) السالمي: اللمعة المرضية، ص22 - 23. وينظر: جوهر النظام، 4/ 555. (1/247)
صفحة 248
ونستنتج من خلال ما قَدَّمَه السالمي من نقد لمؤلَّفات السابقين يفيد الطلبة من جهتين:
الأولى: اختصار الطريق للطالب بالتنبيه عَلَى مواطن الخلل، حَتَّى يحاول تفادي تلك الملاحظات، ويستفيد من خبرة السابقين وأخطائهم.
والثانية: تدريب الطالب عَلَى النقد وعدم التسليم بِكُلِّ ما يقرأ. وإذا وضعنا مثل تلك الانتقادات في إطارها التاريخيِّ (بيئة عُمان في أوائل القرن الرابع عشر الهجري) حيث كان التقليد هو السمة الغالبة، واحترام العلماء السابقين إِلىَ درجة ”التقديس“ ـ إذا صَحَّ التعبير ـ فَإِنَّ نقد السالمي يبدو شَيْئًا جديدا، وَرُبَّمَا شاذًّا، وَهَذَا يُؤَكِّدُ الموضوعيَّة التي كان يتحلَّى بها الشيخ.
د - منهج الاستدلال:
ينبغي الإشارة إِلىَ أَنَّ الكشف بعمق عن تفاصيل ذَلِكَ يحتاج إِلىَ جهد كبير، ووقت طويل، لاسيما وَأَنَّ الشيخ قد أولى للمنهج عناية خَاصَّةً، إذ خصَّص في كِتَابيه ”بهجة الأنوار“ و”مشارق أنوار العقول“ مباحث للعلم وما يَتَعلَّقُ به، مِمَّا يمكن تسميته بنظرية المعرفة، كما أَنَّ كِتَابه ”طلعة الشمس“ في أصول الفقه يحمل كثيرا من آرائه في منهج التعامل مع النصوص القُرْآنيَّة والنبويَّة، علما بِأَنَّ كثيرا من المباحث الأصوليَّة تتداخل مع المباحث الكلاميَّة في عِدَّة مسائل، منها: تحديد المصادر اليقينيَّة والظَّنِّيَّة من القُرْآن وَالسُّنَّة والإجماع والقياس، وأحكام العامِّ والخاصِّ، والمطلق والمقيَّد، والمفاهيم المختلفة. ولا شَكَّ أَنَّ معرفة المنهج تجيبنا عن كثير من التساؤلات التي يمكن أن تعترض سبيل الباحث، كما تكشف عن مدى التزام الشيخ بالمنهج. ونكتفي هنا بإيراد بَعض الملاحظات التي بدت لنا أثناء البحث، ونبدأ بالمصادر التي اعتمدها السالمي في تقرير قضايا العقيدة والفقه:
1) القرآن الكريم: وَهُوَ المصدر الأَوَّل الذي لا شَكَّ في قطعيَّة ثبوته، وَأَمَّا دلالته فقد تكون قَطْعِيَّة وقد تكون ظَنِّيَّة، ومن رَدَّ ما كان قطعيَّ الثبوت والدلالة (1/248)
صفحة 249
كان مشركا، وَأَمَّا القراءات الشاذَّة فليس لها حكم المتواتر، وليست بأضعف استدلالا من خبر الآحاد (1).
2) السنة النبويَّة: وهي المصدر الثاني من مصادر العقيدة والشريعة، وأعلى مراتب الحديث الصحيحِ من حيث الثبوت ما كان متواترا، والمتواتر قطعيٌّ إذا كانت دلالته قطعيَّة. والتواتر ليس محدودا بعدد مُعَيَّن، بل الاعتبار فيه حصول العلم بالخبر، والمشهور في الحجِّيَّة دون المتواتر، ثُمَّ أخيرا الأحاديث الآحاديَّة التي تفيد وجوب العمل ولا تفيد العلم (2)، ولا يجب الإيمان بِشَيْءٍ منها، مع احتمال أن تكون موافقة لِلحَقِّ (3)، وَهَذَا بطبيعة الحال ما لم يقم دَلِيل أقوى عَلَى إبطالها.
وَأَوَّلُ مصدر في السنَّة هو مسند الإمام الربيع بن حبيب، لأَنَّهُ يعتبر «من أصحِّ كتب الحديث سندا، وأعلاها مستندا، فما أحقَّ متنه أن يوصف بالعزيز، وما أجدر سنده أن يدعى بسلاسل الإبريز، لشهرة رجاله بالفقه الواسع» (4)، وَبعد مسند الربيع يعتمد السالمي عَلَى بَقِيَّة مصادر الحديث المعروفة، من الصحاح والسنن والمسانيد (5)، ولا يكاد يخلو مُؤَلَّف من مُؤَلَّفَاته من ذكر أحاديث منها.
3) الإجماع: هو ثالث مصادر التشريع، يرى السالميُّ أَنَّ الإجماع ثابت بالقرآن وَالسُّنَّة، وَأَنَّ منه ما هو قطعيٌّ، وَهُوَ «ما كان في شَيْء لم يَتَقَدَّم فيه خلاف، ولم ينازع فيه أحد من المجمعين لا قبل انعقاده ولا بعده حَتَّى انقرض عصرهم عَلَى ذَلِكَ، ولم يكن مخالفا لنصٍّ من الكِتَاب أو السنَّة» (6)، فَهَذَا لا تجوز مخالفته، وَأَمَّا الظنِّيُّ من الإجماع فهو ما لم يستوف تلك الشروط.
__________
(1) ينظر: السالمي: بهجة الأنوار، ص31 - 32.
(2) ينظر: طلعة الشمس، 2/ 7 - 20.
(3) ينظر: مشارق، ص280 - 281.
(4) شرح الجامع الصحيح، 1/ 3.
(5) ينظر: مُقَدِّمَة التنوخي لشرح الجامع الصحيح، 1/} ك}.
(6) السالمي: بهجة، ص33. (1/249)
صفحة 250
4) الأثر: وَهُوَ في الأصل: الخبر المرويُّ عن رَسُول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم، ثُمَّ نقل في اصطلاح فقهاء الإِبَاضِيَّة إِلىَ كلام العلماء في الأحكام الشَّرعِيَّة (1). كان السالمي يحرص كُلَّ الحرص عَلَى أن لا ينفرد برأيه أو لا يتابع فيه أحد العلماء السابقين، فإذا سئل عن حكم شرعيٍّ قلَّب صفحات الكتب الجامعة للآثار، حَتَّى إذا لم يجد قال: «لا أحفظ في هَذِهِ المسألة أثرا» (2)، وهي عبارة تردَّدت كثيرا في فتاواه، وقد ينفرد برأي فيقول: « ... لا أعرف قائلا بِذَلِكَ، وددت أَنِّي قد عرفت له قائلا حَتَّى أتابعه عَلَى ذَلِكَ» (3)، وفي هَذِهِ الحالة يجتهد رأيه ولا يألو.
5) الاجتهاد: اعتبر السالميُّ الاجتهاد من ضروريَّات الفقه، فسعى إِلىَ نبذ الجمود، ورأى أَنَّ عَلَى المجتهد أن يعمل برأيه ولا يجوز له التقليد، عَلَى أن لا يتصدَّى للاجتهاد إِلاَّ من توفَّرت فيه شروطه، وتمكَّن بِحَقٍّ في علم أصول الفقه. وانتقد أهل زمانه في رغبتهم عنه لجهلهم به، وبصعوبته، فاكتفوا بحفظ أقوال الفقهاء، واعتمدوا عَلَى مُجَرَّد رواية الأقوال دون معرفة صحيحها من سقيمها، «وقد حبسوا في التقليد المضيق عن فضاء التحقيق، وليتهم لَمَّا وقعوا هنالك عرفوا منزلتهم بِذَلِكَ، ولم يدَّع أحدهم منزلة ابن عبَّاس، ويقول: هلمُّوا أَيُّهَا الناس، فَإِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ راجعون، ذهب العلم وأهلوه وبقي الجهل وبنوه!» (4). ونظرا لأهمِّيَّة الاجتهاد في نظر السالميِّ، فلم يكن غريبا أن يفصِّل الحديث فيه ـ وفي ضرورته وشروطه وضوابطه ـ ضمن كِتَابيه في أصول الدين: "بهجة الأنوار" و"مشارق أنوار العقول" (5)، حَتَّى وإن بدا ذاك التفصيل بعيدا عن السياق. كما خصَّص له خاتمة كِتَابه "طلعة الشمس" في بيان حقيقة الاجتهاد وتجزُّئه، والتقليد متى يجوز ومتى لا
__________
(1) ينظر: المصدر نفسه، ص12.
(2) ينظر مثلا: العقد الثمين، 3/ 282، 335، 357.
(3) المصدر نفسه، 3/ 303.
(4) السالمي: طلعة الشمس، 1/ 14.
(5) ينظر: بهجة الأنوار، ص30 - 46. مشارق، ص 70 - 92. (1/250)
صفحة 251
يجوز (1) ... ولم يكن السالمي يجتهد في مجال الفقه فحسب، بل تجاوزه إِلىَ بَعض مسائل أصول الدين، وقد يرى رأيا لم يُسبق إِلَيْهِ، كما في مسألة: هل يثاب فاعل البرِّ في حال إصراره عَلَى المعصية؟ إذ يقول: «ولي في المسألة تفصيل آخر ... »، وبعد أن يذكر رأيه يضيف: « ... وَهَذَا التفصيل حسن جِدًّا، ولا يقال إِنَّهُ لم يَتَقَدَّمني عليه أحد، فإنَّ الحقَّ مقبول مِمَّن جاء به» (2). وهَذِهِ النظرة من السالميِّ إِلىَ الاجتهاد تشبه نظرة الأفغانيِّ الذي يرى أَنَّ فحول العلماء القدامى وإن اجتهدوا وأحسنوا لا يَصِحُّ أن نعتقد أَنَّهُم أحاطوا بِكُلِّ أسرار القرآن، ولا معنى للقول بانسداد باب الاجتهاد، بِأَيِّ دَلِيل سُدَّ؟ ومَن قال من الأَئِمَّة بِأَنَّهُ لا يَصِحُّ الاجتهاد بعدي؟! (3).
وإذا لم يعثر السالميُّ عَلَى الدَّلِيل ـ في القضايا العقديَّة بصفة خَاصَّة ـ فَإِنَّهُ يلجأ إِلىَ التوقُّف، ومن ذَلِكَ مسألة ترتيب الأنبياء ـ غير رَسُول اللهِ محَمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم ـ في تفاضلهم، «فالتوقُّف أولى فيما لم يَرِد فيه نصٌّ» (4)، وكذا تعيين محلِّ الجَنَّة والنار فهو يميل إِلىَ الوقوف عن تحديدهما (5).
وَهَذِهِ بَعض مميِّزات منهج السالمي في تآليفه الفِقهِيَّة:
1) الاعتماد عَلَى الأَدِلَّة النَّقْلِيَّة والعَقلِيَّة، مع اعتبار أَنَّ الحاكم هو الشرع لا العقل (6).
2) اعتبار نقل اللغة متواترا قطعيًّا، خلافا للرازي (7).
__________
(1) ينظر: طلعة الشمس، 2/ 274 - 303.
(2) بهجة، ص215 - 218.
(3) ينظر: أحمد أمين: زعماء، ص143. طهاري: مفهوم الإصلاح، ص9.
(4) ينظر: بهجة، ص100.
(5) ينظر: مشارق، ص279 - 280.
(6) ينظر: معارج، 1/ 160 وما بعدها.
(7) ينظر مناقشته للرازي حول قَطْعِيَّة نقل اللغة: مشارق، ص252.
والرازي هو فخر الدين محَمَّد بن عمر بن أحمد (544 - 606هـ/1150 - 1210م)، أصوليٌّ ومفسِّر له} مفاتح الغيب}. ينظر: الزركلي: الأعلام، 6/ 313. (1/251)
صفحة 252
3) ردُّ الفروع إِلىَ الأصول، فنجده يحاول تأصيل المسائل وربطها بأدلَّتها من الكِتَاب وَالسُّنَّة والإجماع والقياس والاستدلال والاستحسان والمصالح المرسلة (1)، ومن أبرز مُؤَلَّفَاته الفِقهِيَّة التي تظهر فيها هَذِهِ البراعة هي: "الحجج المقنعة"، و"معارج الآمال"، وفتاواه، و"إيضاح البيان"، والذي قال فيه: «قرَّرت فيه الدلائل، وحرَّرت فيه المسائل، ورددت الشارد إِلىَ القواعد» (2).
4) الاعتماد عَلَى القواعد الفِقهِيَّة: وَخَاصَّةً ما كان فيها تيسير واحتياط في أمور الدين، مثل: {لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا اِلاَّ وُسْعَهَا} (البقرة: 286)، {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فيِ الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} (الحج: 78)، و «المشقَّة تجلب التيسير»، و «الحاكم إِلىَ نظره أحوج منه إِلىَ أثَره» ... (3).
5) حرصُ السالمي عَلَى اتِّبَاع مذهبه ـ كما قال: «لا مذهب لي إِلاَّ مذهب الحقِّ، ولا سبيل إِلاَّ سبيل المؤمنين» (4) ـ لم يمنعه من مخالفة المشهور في مذهبه، إذا وجد دَلِيلا أقوى في غيره، بل يحقق ويرجِّح الأَدِلَّة، معتمدا عَلَى علم الأصول، ومعتبرا المقاصد والقواعد الكُلِّيَّة (5)، كما يقول:
«وَرُبَّمَا أخالف المشهورا وأذكرن ما لم يكن مذكورا» (6)
6) لا يأنف من إبداء قصوره في الترجيح، ويطلب من سائله إفادته بعلم ما لم يعلم. وقد يناقش كبار العلماء حَتَّى إذا وصل إِلىَ طريق مسدود ترك مواصلة
__________
(1) المرموري: السالمي المجتهد، قراءات، ص 52 - 62. وفي محاضرته عرض نماذج مِمَّا تحرَّى فيه الدَّلِيل من اجتهاداته. وينظر أمثلة لتأصيل المسائل في: جوابات، 2/ 237، 245، 253 - 261، 263، 267 - 269، 294، 298 - 301.
(2) إيضاح البيان (مخ)، ص1.
(3) ينظر مثلا: العقد الثمين، 2/ 6، 9، 137، 255، 486؛ 3/ 144، 146.
(4) المصدر نفسه، 3/ 305.
(5) ينظر: مُقَدِّمَة أبي غدة لجوابات السالمي، 1/ 14. وينظر أمثلة لِذَلِكَ في: العقد الثمين، 2/ 38. جوابات، 1/ 95 - 96، 98 - 99.
(6) جوهر النظام، 4/ 642. (1/252)
صفحة 253
النقاش لمن هو أعلم منه، ففي مسألة قطعيَّة الإجماع ذكر أَدِلَّة المؤيِّدين والمعارضين، وبعد أن أورد نَصًّا للفخر الرازي قال: «وقد أوردتُ كلامه في هَذَا المقام عَلَى هَذَا الحال لينظر فيه من كانت له ملكة يقتدر بها عَلَى بيان الحقِّ، أَمَّا أنا فلم أجد مخلصا مِمَّا أوردَه» (1). وفي مسألة تَتَعَلَّقُ بميراث ذوي الأرحام قال: « ... لَكِنِّي رجل أعيتني مسائل الأرحام ففرقت عن القول فيها لجهلي بها، وَذَلِكَ فرض الجاهل، فمن فُتح له فيها شَيْء كان الواجب عَلَيْهِ الأخذ بما عَلِم» (2)، وقال أَيضًا لأحد سائليه: «وقد ضعفت عن الترجيح، والنظر إليك» (3). ويبدي السالمي رغبته في الاستزادة من العلم حين تبدو له الآثار متناقضة في المسألة ولم يصل إِلىَ حلِّ إشكالها، من ذَلِكَ قوله: « ... وهي عَلَى هَذَا الحال متناقضة الأطراف، فهل من بيان يزيح عن المسكين هَذَا الإشكال؟» (4).
هـ - المنهج «الأكاديمي»:
نلاحظ أَنَّ السالمي يهتمُّ في أغلب مُقَدِّمَات تآليفه ـ وأحيانا في آخرها ـ بذكر الأمور المطلوبة في البحوث الأكاديميَّة: من تعريف بالموضوع وطرح للإشكال، وذكر دوافع التأليف، وتعريف مختصر بالمضمون، مع نقد الدراسات السابقة، وذكر مزاياه عن سابقيه، والمنهج المتَّبع في الكِتَاب، وعنوان الكِتَاب ووجه التسمية، ومصادره التي اعتمدها (5). وإذا أخذنا مُقَدِّمَة معارج الآمال كمثال فَإِنَّنَا نجده يذكر فيها التعريف بموضوع الكِتَاب وَهُوَ الفقه، والأصل الأَوَّل للكِتَاب وَهُوَ ”مختصر الخصال“، والأصل الثاني، وَهُوَ ”مدارج الكمال نظم مختصر الخصال“، والمنهج
__________
(1) طلعة: 2/ 72.
(2) جوابات، 4/ 201.
(3) العقد الثمين، 3/ 384.
(4) المصدر نفسه، 3/ 283.
(5) ينظر مثلا: جوهر النظام، 1/ 2 - 3. طلعة الشمس، 1/ 2، 15 - 16. 2/ 308. المنهل الصافي، ص7. بهجة، ص2، 274 - 283 ... (1/253)
صفحة 254
الذي اتَّبَعَه، وعنوان الكِتَاب، ثُمَّ ترجمة لصاحب الأصل، مع بيان الدافع إِلىَ نظمه في ”المدارج“، ثُمَّ بيان ما امتاز به عن الأصل (1).
وفي مجال التحقيق نلاحظ المنهج العلميَّ الدقيق الذي اتَّبَعَه في تصحيح الجامع الصحيح للربيع بن حبيب، إذ يذكر في مُقَدِّمَته ما بذله من جهد كبير لإخراج ما يعتبره أصحَّ نسخة؛ يقول الشيخ بعد أن نوَّه بمكانة الجامع: «لكن لطول العهد وسوء الجدِّ، وقع فيه التحريف من النُّسَّاخ من غير قصد، فأجمعتُ عَلَى تصحيحه عزمي، عَلَى قدر مبلغ علمي وفهمي، فجمعت من نُسَخِه ما أمكن، واخترتُ من مجموعها ما هو أليق وأحسن، فخرَّجت من الجميع نسخة أرى أَنَّهَا أصحُّ من غيرها، ولا أدَّعي سلامتها عَلَى الإطلاق، غير أَنِّي لم أجد فوقها من مطاق، وبعد أن تَمَّ تصحيح الكِتَاب شرعت في تعليق تقريرات عَلَيْهِ» (2). وَهَذَا هُوَ نفس المنهج الذي يتَّبعه علماء المناهج في التحقيق (3)، في جمع النسخ والمقارنة بينها، وَأَنَّهُ لا يمكن إجراء عمل عَلَى أي كِتَاب (دراسة أو شرحا ... ) إِلاَّ بعد تحقيقه.
رابعا - التعامل مع مختلف العلوم:
يرى السالميُّ أَنَّ العلوم لا تُمدح ولا تُذمُّ لِذاتها، وَإِنَّمَا إذا استعملها صاحبها فيما يفيد كانت ممدوحة، وإذا استعملها فيما يَضُرُّ نفسه أو غيره كانت مذمومة، شأنه شأن العبادات إذا لم يُقصد بها وجه الله تَعَالىَ (4). إذا كانت هَذِهِ هي نظرة السالمي إِلىَ العلوم بصفة عَامَّة، فكيف تعامل معها من خلال مُؤَلَّفَاته؟.
__________
(1) ينظر: معارج، 1/ 10 - 11، 78 - 83، 92 - 96.
(2) السالمي: شرح الجامع، 1/ 2. وينظر: درويش: جهود السالمي في خدمة الأدب، قراءات، ص121.
(3) ينظر: محَمَّد زيان عمر: البحث العلمي، مناهجه وتقنياته، الطبعة الرابعة، 1403هـ/ 1983م، ديوان المطبوعات الجامعيَّة، الجزائر، 1987، ص177.
(4) المنهل الصافي، ص8. (1/254)
صفحة 255
أصول الدين: يرى السالميُّ أَنَّ هَذَا العلم هو «أعلى العلوم قدرا، وأسناها فخرا، وأشدَّها احتياجا، وجب صرف عنان الهمَّة إِلَيْهَا ... والاشتغال بها عن غيرها» (1)، وَذَلِكَ «لأَنَّ الدين كلَّه مبنيٌّ عَلَيْهِ صحَّة وفسادا، فلا دين لمن لا اعتقاد له» (2)، لِذَلِكَ فقد أكثر السالمي من التأليف فيه، فنظم قصائد وشرحها ووضع فيه رسائل وردودا، منها: "مشارق أنوار العقول" و"بهجة الأنوار"، و"روض البيان" إضافة إِلىَ المباحث العقديَّة المتناثرة في ثنايا كتبه غير المتخصِّصة في أصول الدين، مثل "جوهر النظام"، و"معارج الآمال"، وفتاواه ... والسالميُّ إذ يولي اهتماما كبيرا بالعقيدة يريد أن يَرُدَّ للتوحيد فاعليَّته وروحه، حتَّى يحقِّق المؤمن عبوديَّته الخالصة لله عزَّ وجلَّ، فلا تذلُّل أمام أحد غير الله، لا للحاكم الجائر، ولا المال، ولا الجاه.
وَمِمَّا ينبغي التنويه به هو موقفه من بَعض القضايا التي لا طائل من ورائها التي أثيرت في التراث الإِسلاَمِيِّ، ولا تزال، فقد سئل مَرَّة عَمَّن مَزَجَ لَبَنًا له بلبن غيره، ثُمَّ قال لصاحبه: الله يعلم لبني من لبنك أو لا يعلمه؟ فكان من جواب السالمي: « ... وبالجملة فالمقال بشع، والكلام شنيع، والواجب الإمساك عن الحكم في ذَلِكَ، وعن الخوض فيه، والرجوع إِلىَ قَوله تَعَالىَ: {وَهُوَ بِكلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (البقرة: 29)، وقد ضَلَّ كثير بالبحث عَمَّا لا يعني، كمسألة صاحب الجزيرة، وكالخوض في حكم الأشياء قبل ورود الشرع، وكالقول في ثبوت الصفات الزائدة عَلَى الذات، وأشباه ذَلِكَ كثير، وكان الناس في غنى عن التَّكَلُّم فيه، ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» (3). ونلاحظ بُعد هَذِهِ النظرة الحضاريَّة، التي تدعو المسلمين إلىَ الانشغال بما هو أهمُّ وأفيد، ونبذ ما يدعو إِلىَ الفُرقة والتشتُّت، وهل فرَّق المسلمين غير القضايا المذكورة وأمثالها؟. والسالميُّ وإن كان قد ناقش تلك القضايا في بَعض تآليفه إِلاَّ أَنَّهُ قد تكون تلك التآليف متقدِّمة عن هَذَا الرأي الثاقب، ومثل ذَلِكَ الطرح
__________
(1) مشارق، ص2.
(2) السالمي: بهجة، ص12.
(3) العقد الثمين، 1/ 129. جوابات، 6/ 168 - 169. (1/255)
صفحة 256
ـ الذي يمكن تسميته بفقه الأولويَّات، والذي تنادي به بَعض الحركات الإِسلاَمِيَّة اليوم ـ يعدُّ سبقا متميِّزا؛ خَاصَّةً إذا وضعناه في إطاره التاريخيِّ، مكانا وزمانا، حيث كانت عُمان بِخَاصَّةٍ والعالم الإِسلاَمِيُّ بِعَامَّةٍ يرزحان تحت وطأة التعصُّب المذهبيِّ، والمناقشات الكلاميَّة الجوفاء.
علم الحديث: ذكرنا فيما سبق اعتماد السالميِّ عَلَى كتب الحديث بمختلف أصنافها ومذاهبها، بقي أن نشير إِلىَ أَنَّهُ لم يخصِّص لمصطلح الحديث مُؤَلَّفا مستقلاًّ، وَإِنَّمَا وضع في "طلعة الشمس" ركنا خَاصًّا في مباحث السنَّة والحديث وأقسامه، والراوي وجرحه وتعديله، وفعله صلَّى الله عليه وسلَّم وتقريره (1)، وكلُّ ذَلِكَ كان باختصار، مكتفيا بما يخدم علم أصول الفقه، دون التفصيل في المسائل التي فصَّل فيها المحدِّثون.
أصول الفقه: يرى السالميُّ أَنَّ معرفة الفقه متوقِّفة عَلَى معرفة أصوله، و «من لم يتحكَّم عَلَى الأصول قلَّما تتحصَّل له الفصول» (2)، وقد اعتنى بهذا الفنِّ فألَّف فيه "شمس الأصول" وشرحها في "طلعة الشمس"، كما وضع مُقَدِّمَة في الأصول في كِتَابيه "معارج الآمال" و"جوهر النظام" (3). وكان لتمكُّنه في هَذَا العلم أثر واضح في ذينك الكِتَابين وفي مُؤَلَّفَاته الفِقهِيَّة الأخرى، مثل: "إيضاح البيان"، والفتاوى.
الفقه: حرص السالميُّ في مجال الفقه أن يَرُدَّ إليه نضارته، وينفي عنه الزيادات التي ألصقت به في عصور الانحطاط والتقليد، فسعى إِلىَ تجديده وبعث الاجتهاد (4)، واهتمَّ بتصحيح الوضع القائم عَلَى التقليد والجمود، وحفظ أقوال السابقين. وقد كان السالميُّ يبدي آراءه الخَاصَّة، وتحقيقاته للمسائل وأدلَّتها، حَتَّى في الكتب التي أصلها لغيره، مثل "جوهر النظام"، الذي كانت أغلب التحقيقات فيه من عنده، وليس لصاحب الأصل فيها غير عُشُرها تقريبا، كما يقول:
__________
(1) ينظر: طلعة، 2/ 2 - 60.
(2) المصدر نفسه، 1/ 13.
(3) ينظر: معارج، 1/ 14 - 25. جوهر النظام، 1/ 20 - 25.
(4) ينظر: المرموري: السالمي المجتهد، ص 52 - 62. (1/256)
صفحة 257
«وما رأيتَه من التحرير فهو من الله لذا الضرير
كَذَلِكَ التحقيق للدلائل كَذَلِكَ التحرير للمسائل
ولم يذكر الأصل سوى اليسير لا يبلغ المعشار في التقدير» (1)
كما سعى السالميُّ إِلىَ نبذ الاشتغال بفقه الاحتمالات التي لا طائل من ورائها، وبالقضايا التي لم تعد موجودة (2)، فقد سئل مثلا عن افتراض أَنَّ الصلاة وجبت خمسين مَرَّة؟ فكان من جوابه: « ... ولا ينبغي البحث عن مثل هَذَا فَإِنَّهُ لم يقع، وفي البحث في الواقعات أَعْظَمُ (أَفْضَلُ) شغل، فكيف لنا بغير الواقع؟!» (3).
ومن الملاحظات التي نسجِّلها في هَذَا الموضوع: تعليق السالمي فتاواه عَلَى النظر في مأخذ الرأي، إذ كثيرا ما يردِّد في نهاية أجوبته عبارة «فليُنظر فيه ولا يؤخذ إِلاَّ بعدله» (4). وأحيانا يختلف رأيه في المسألة الواحدة لَمَّا يعيد النظر فيها، وقد يرجع إِلىَ ما عدل عنه سابقا، ولا يأنف من التصريح بِذَلِكَ (5). وقد يخالف في آرائه الفِقهِيَّة القاعدة الأصوليَّة التي كان من المفترض أن يعتمدها، وَلَكِن بإمعان النظر في القَضِيَّة نجده اعتمد عَلَى قاعدة أخرى مثل اعتبار المقاصد العَامَّة للشريعة، ومثل سدِّ الذرائع (6).
علوم اللغة والأدب: إِنَّ مُجَرَّد الاطِّلاَع عَلَى قائمة مُؤَلَّفَات السالميِّ يعطينا فكرة عن خدمته لعلوم اللسان العربيِّ واهتمامه به، فقد ألَّف في النحو والعروض، وَنَظَمَ الأراجيز الطويلة في مختلف الفنون، وترك ديوانا في الشعر. وَهَذِهِ بَعض الملاحظات حول خدمة السالمي للغة والأدب (7):
__________
(1) جوهر النظام، 4/ 641.
(2) مثل بَعض البيوع التي كانت في الجَاهِلِيَّة ولم تعد موجودة، فقال السالميُّ في شأنها: «لا نشغل النظم بذكرها». ينظر: المصدر نفسه، 2/ 277.
(3) العقد الثمين، 2/ 117. جوابات، 1/ 317 - 318. وما بين قوسين من الجوابات.
(4) ينظر مثلا: العقد الثمين، 3/ 311، 315، 332، 339، 350، 352، 356، 359، 360، 413.
(5) ينظر: الخليلي: منهج السالمي في مؤلفاته الفِقهِيَّة، ص22. مُقَدِّمَة أبي غدة لجوابات السالمي، 1/ 14.
(6) ينظر: الخليلي: منهج السالمي، ص24 - 25.
(7) للتفاصيل ينظر: إبراهيم بن أحمد الكندي: السالمي أديبا ولغويًّا، ضمن قراءات، ص65 - 88. أحمد درويش: جهود السالمي في خدمة الأدب في عُمان، المرجع نفسه، ص 115 - 124. سالم بن علي الكلباني: إطلالة عَلَى شعر نور الدين السالمي، المرجع نفسه، ص 133 - 142. السالمي: ديوان نور الدين السالمي، دراسة وتحقيق: عيسى بن محَمَّد السليماني، مرقون، جامعة أم درمان الإِسلاَمِيَّة، السودان، 1996م. نقلا عن العزري: فكر السالمي، ص226. (1/257)
صفحة 258
(اعتبار الأدب وسيلةً لا غاية، ففي مجال الخطابة «كان خطيبا منطيقا يرتجل الخطب الطوال في المجامع والمحافل حسب ما يقتضيه المقام من السعي في إصلاح الأُمَّة وجمع الشمل، يرغِّب ويرهِّب بأبلغ بيان وأفصح لسان» (1). وَأَمَّا الشعر في نظر السالميِّ فهو نوعان: منه المحجور ومنه المباح، فَالأَوَّلُ كمدح الجبابرة وذمِّ المسلمين، والثاني ما فيه الانتصار للمسلمين، كما كان من بَعض الصحابة في عهد النَّبِيء صلَّى الله عليه وسلَّم (2). ومن هَذَا المنطلق فَإِنَّ السالميَّ لم يصرف عنايته للشعر، وَإِنَّمَا اتَّخَذَه وسيلة لتبليغ أفكاره، ولم يصدر منه إِلاَّ بصدق وإخلاص وعفويَّة، وكان متنفَّسا له في معاناته وآلامه وآماله. والأغراض التي طرقها تتناسب وما يَنشُدُه من النهوض بمجتمعه، وجمع كلمته تحت لواء الإمامة. وبإطلالة سريعة عَلَى ديوانه نجد القصائد كلَّها ترمي إِلىَ هدف واحد، وَهُوَ إصلاح الأوضاع الدينيَّة والسِّيَاسِيَّة وَالاِجتِمَاعِيَّة، فهو لا يمدح شخصا إِلاَّ إذا توفَّرت فيه خصال العلم والشهامة والعزَّة (3). وإذا استنهض فَإِنَّهُ ينفخ روح الجهاد، ويدعو إِلىَ نبذ الدنيا وزخارفها، ويشكو من تخاذل أهل زمانه وجبنهم (4). وإذا رثى فلا يكتفي بالبكاء عَلَى المرثيِّ بل يبدي حزنه وألمه الشديد عَلَى فقد الخصال الجليلة، وقد نال القسطَ الأكبر من رثائه شيخُه صالح الحارثي (5)، وإذا افتخر فلا يفخر إِلاَّ بخصال الصبر والتجلُّد أمام المصائب (6)،
__________
(1) أبو بشير: نهضة، ص120.
(2) ينظر: العقد الثمين، 1/ 428.
(3) ينظر: ديوان السالمي (مخ)، ص2. عين المصالح، ص47 - 48.
(4) ينظر: الديوان (مخ)، ص 3، 5 - 11، 17 - 26، 28 - 31.
(5) ينظر: المصدر نفسه، ص11 - 15. عين المصالح، ص59 - 63. الخصيبي: شقائق، 3/ 20.
(6) يقول في الفخر ــ عَلَى سبيل المثال ــ
« ... تجرَّعتُ المصائب مترعات ... وقلتُ بِأَنَّهَا الكأس الهنيَّه
فحار بأمري الجهَّال حَتَّى ... رأوا أَنَّ المصائب ليس فيَّه
وظنُّوا أَنَّ قلبي من جماد ... أصيغ فلم تغيِّره الرزيَّة ... »
الديوان (مخ)، ص17. (1/258)
صفحة 259
خَاصَّةً في السنوات 1312هـ-1316هـ، حين ترادفت عَلَيْهِ النكبات الواحدة تلو الأخرى بموت عِدَّة مشايخ، تركوا في نفسه آثارا عميقة (1) ... وبهذا نرى أَنَّ السالمي عمل عَلَى تحويل الأدب من عبوديَّته للأرستوقراطيَّة، ومن مدح الحكام والأمراء مهما بلغ ظلمهم ... إِلىَ تسخيره أداة تخدم مصلحة الدين والشعب، يبصرهم بمواطن ضعفهم، ويحرضهم عَلَى الوقوف بِقُوَّة أمام الجور، وهَذِهِ النظرة من السالميِّ إِلىَ الأدب أشبه ما تكون بنظرة جمال الدين الأفغاني، الذي يقول أحمد أمين في شأنه: «يجعل من الأديب مشرفا عَلَى الأمراء، لا سائلا يمدُّ يده للأغنياء، وَهَذِهِ نغمة جديدة لم يعرفها المسلمون منذ عهد الاستبداد» (2).
(العناية باختيار العناوين: ففي مُقَدِّمَات كتبه يُوَضِّحُ سبب التسمية، مبديا بِذَلِكَ براعته في حسن الاختيار؛ فإذا سألنا السالميَّ ـ مثلا ـ عن وجه تسمية ”أنوار العقول“ فَإِنَّهُ يجيبنا: «وَإِنَّمَا سمَّيتها بِذَلِكَ لأَنَّ موضوعها علم الاعتقادات، ومحلُّ ذَلِكَ العلمِ هو العقلُ، فالمتمسِّك بما في هَذِهِ المنظومة إِنَّمَا هو متمسِّك بنور العقل، والعادل عَمَّا لا يَصِحُّ له العدول فيه منها خارج من النور إِلىَ الظلمات» (3). وعن ”شمس الأصول“ يقول: «سمَّيتها بِذَلِكَ لتوضيحها قواعد الأصول، فكما أَنَّ الشمس الذي هو الكوكب (4) المضيء نهارا، ينكشف به كُلُّ ظلمة، ويظهر به كُلُّ خفيٍّ عن الأبصار، كَذَلِكَ هَذِهِ المنظومة ينكشف بها للعقول كُلُّ ما كان مختفيا عنها» (5). ويقول عن منظومة ”مدارج الكمال“: «وَإِنَّمَا سمَّيتها بِذَلِكَ تفاؤلا،
__________
(1) ينظر: المصدر نفسه، ص12. عين المصالح، ص61. الخصيبي: شقائق، 3/ 20.
(2) زعماء الإصلاح، ص86.
(3) بهجة، ص275. وينظر نحو هَذَا الكلام في مشارق، ص460.
(4) الشمس نجم لا كوكب، كما هو مقرَّر في علم الفلك، إِلاَّ أَنَّ هَذِهِ التفرقة رُبَّمَا لم تَتَّضِح بعدُ في بيئة السالمي.
(5) السالمي: طلعة الشمس، 2/ 303. (1/259)
صفحة 260
ورجاء أن تكون طريقا إِلىَ نيل الخير وتحصيل العلم الشريف» (1). وبهذه الإشارة إِلىَ أسامي كتبه نلاحظ العلاقة بينها وبين حياة السالمي، ففي العناوين التي وردت فيها الشمسُ وطلوعُها، والأنوار وإشراقها، علاقة بحياة الرجل الذي فقد نعمة البصر. وكذا العلاقة بين آمال السالمي والعناوين التي فيه ذكر الأمل، لَمَّا كان طالبا للعلم في أَوَّل العقد الثالث من عمره، وكان هدفه الوصول إِلىَ الشروع في التأليف والنظم (2)، وتتطوَّر تلك الآمال في العقد الرابع من عمره حين صار يتطلَّع إِلىَ إصلاح أوضاع أمَّته سياسيًّا واجتماعيًّا، وعلاقة ذَلِكَ بعناوين مؤلفاته آنذاك والتي فيها الفأل بالتدرُّج إِلىَ الكمال والعروج نحو الآمال؟. وَهَذَا ما يدفعنا إِلىَ القول: إِنَّ فلسفة العناوين عند السالمي تحتاج إِلىَ تأمُّل أكثر من حيث بلاغتها وعلاقتها بنفسيَّته وبمختلف مراحل عمره، وبمختلف الظروف: شابًّا فكهلا؛ حين كان طالبا للعلم بالرستاق وبعد رحيله منها؛ قبل لقائه بالحارثيِّ وبعدها؛ قبل سفره إِلىَ الحجِّ ولقائه بمختلف العلماء وبعده ...
(العناية بالاستهلال والاختتام: يمتاز السالمي ببراعة الاستهلال والاختتام (3)، سواء في نثره أم نظمه، وكمثال للنثر نجده في مُقَدِّمَة كتابه ”المواهب السنية“ في النحو يذكر ما يوحي إِلىَ القارئ بموضوع الكِتَاب فيقول: «نحمدك يا مَن رَفَع مَن نَحَا نحوَه بِضَمِّ المواهب إِلَيْهِم، ونصب دلائل معرفته
__________
(1) معارج الآمال، 1/ 83.
(2) يقول عن بلوغ الأمل:
سمَّيتُ نظمه} بلوغ الأمل} ... إذ بالنظام قد بلغت أملي
شرح بلوغ الأمل، ص123.
(3) وبراعة الاستهلال تعني «أن يجعل المتكلِّم في أَوَّل كلامه إشارة إِلىَ مقصوده، وأحسنها ما يكون عَلَى وجه التورية» (بهجة، ص5)، وفي الاختتام أن يستعمل عبارات توحي بنهاية الكلام. ينظر أمثلة للاختتام في نهاية كُلِّ موضوع من مواضيع جوهر النظام، 1/ 20، 25، 90 ... 4/ 643. بهجة، ص287 - 288. وعن الاستهلال ينظر: مشارق، ص2. روض البيان، ص43. طلعة الشمس، 1/ 2. تلقين الصبيان، ص3. تحفة الأعيان، 1/ 3. وقد أشار إِلىَ هَذِهِ البراعة د. إبراهيم الكندي في محاضرته: السالمي أديبا ولغويًّا، قراءات، ص67 - 68. (1/260)
صفحة 261
بالفتح المبين لديهم، فانخفضوا لسلطانه بالتذلُّل والانكسار، وانجزموا في خدمته بالسكينة والوقار ... » (1)، ويواصل خطبة الكِتَاب في ذكر مصطلحات فنِّ النحو. وفي خطبة المعارج نجده يشير ـ بأسلوب التورية ـ إِلىَ بَعض مُؤَلَّفَات إِبَاضِيَّة اعتمدها في كِتَابه، فيقول: «نحمدك يا من نصب لأوليائه مدارج الكمال لإيضاح القواعد، وأوصلهم إِلىَ معارج الآمال من طريق العمل بخصال الأماجد، فجازوا قناطر القواطع ... ونصلِّي ونسلِّم عَلَى من شيَّد دعائم الإِسلاَمِ بعد هدم أركانه، ونصب معالم الحلال والحرام بمحكم قرآنه ... » (2). ونجده في شروحه لمنظوماته يشيد بما يقصده من براعة الاستهلال والاختتام، كما في ”بهجة الأنوار“ و”مشارق أنوار العقول“.
(الاهتمام بإبراز الأوجه البلاغية في منظوماته المشروحة: كثيرا ما يُبَيِّنُ السالمي أوجه البلاغة في منظوماته من المجاز والاستعارة والكناية (3) ... ويطرح إشكالات لغويَّة ويحلُّها، وقد لا يتنبَّه القارئ إِلَيْهَا لولا إثارة السالمي إِيَّاهَا (4)، مِمَّا يوحي بالهدف التربويِّ والتعليميِّ من وراء هَذَا الأسلوب. والملاحظ أَنَّهُ كثيرا ما لا يعترف بِأَنَّ ضرورة الوزن ألجأته إِلىَ استعمال بَعض الألفاظ بدل أخرى، مثال ذَلِكَ لَمَّا تحدَّث عن أقسام العلم باعتبار الحكم التكليفيِّ قال:
«وباعتباره لدى التكلُّف لواسع الجهل وضيِّق يفي»
__________
(1) السالمي: المواهب السنيَّة عَلَى الدرَّة البهيَّة، سلسلة «تراثنا»، عدد: 66 - 67، مطابع سجل العرب، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان، 1406هـ/1986م، 1/ 3.
(2) السالمي: معارج الآمال عَلَى مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال، 1/ 10.
وفي هَذِهِ الخطبة إشارة إِلىَ بَعض الْمُؤَلَّفَات التي اعتمدها وهي:} مدارج الكمال} و} معارج الآمال} للسالمي نفسه، و} مختصر الخصال} لأبي إسحاق الحضرمي (475هـ)، وَهُوَ الكِتَاب المنظوم، و} الإيضاح} للشيخ عامر الشَّمَّاخِي (792هـ)، و} قواعد الإِسلاَمِ} و} قناطر الخيرات} لإسماعيل الجيطالي (750هـ)، و} دعائم الإِسلاَم} لابن النضر (690هـ)، و} معالم الدين} لعبد العزيز الثميني (1223هـ) ...
(3) ينظر: مشارق، ص11، 17، 31 - 32، 34 - 35، 50، 55، 56، 61 ... وينظر: إبراهيم الكندي: السالمي أديبا، قراءات، ص86.
(4) ينظر أمثلة لِذَلِكَ في: بهجة، ص6، 10 ... مشارق، ص91، 96 ... (1/261)
صفحة 262
ويبرِّر السالمي تجوُّزه في استعمال كلمة «التكلُّف» بدل «التكليف» بقوله: «والمراد بالتكلُّف هنا: التكليف، عَبَّرَ عنه بِذَلِكَ عَلَى سبيل المجاز الإرساليِّ لعلاقة السببيَّة، حيث أطلق اسم المسبَّب الذي هو التكلُّف عَلَى السبب الذي هو التكليف ... » (1)، فنلاحظ كيف قلب القَضِيَّة بِأَن أخرج هَذَا التجوُّز من باب البلاغة، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى تمكُّنه من ناصية اللغة وتراكيبها الحقيقيَّة والمجازيَّة، والبلاغة ومحسِّناتها البديعيَّة، وذكائه في حسن استغلالها.
التاريخ: كان السالمي عازما عَلَى جمع سيرة المذهب الإِبَاضِي، وذكر أهله أينما كانوا، من عهد الصحابة إِلىَ عصرنا، ويجعل سيرة الصحابة فيِ مجلَّد، وسيرة أهل العراق واليمن وخراسان فيِ مجلَّد آخر، وسيرة أهل المغرب فيِ مجلَّد ثالث، والرابع في سيرة أهل عمان، فيجمع ”موسوعة“ التاريخ الإِبَاضِي فيِ أربعة مجلَّدات، وخوف معاجلة المنيَّة بدأ بسيرة أهل عمان في كِتَابه ”تحفة الأعيان“ (2)، وَلَكِن حال الأجل دون تحقيق بَقِيَّة المشروع.
ومع ما لِلكِتَابِ المذكور من مزايا ـ سبق ذكرها (3) ـ فَإِنَّهُ لم يسلم من النقد، وقد أورد أبو إسحاق إبراهيم اطفيَّش في تعقيبه عَلَى الكِتَاب عِدَّة ملاحظات (4): منها: عدم ذكر دسائس الإنجليز للتدخُّل في شؤون عمان، وأرجع أبو إسحاق السبب إِلىَ أَنَّ الْمُؤَلِّف من علماء الشريعة ولا يطَّلع عَلَى ذَلِكَ غير المتلبِّسين بالسياسة. ومنها إغفاله ذكر ما بلغ إِلَيْهِ ملك اليعربيِّين من القُوَّة البحريَّة، وبسط نفوذهم. واقتصار الْمُصَنِّف عَلَى الإشارة إِلىَ فتوحات الأَئِمَّة الْخَارِجِيَّة في الهند وفارس وإفريقيا، دون تفصيل. وكذا عدم تفريقه بين الاحتلال البرتغالي والإنجليزي، ويطلق عَلَى الكلِّ
__________
(1) مشارق، ص96. ومثل ذَلِكَ الكلام في بهجة، ص48.
(2) ينظر: تحفة، 1/ 4 - 5.
(3) ينظر قائمة تآليف السالمي، ص208 - 209 من البحث.
(4) أبو إسحاق هُوَ مصحِّح الكِتَاب والمعلِّق عَلَيْهِ، وقد أوردها تحت عنوان: «تنبيهات». ينظر: تحفة، تنبيهات أبي إسحاق في الطبعة الأولى، 1347هـ، 2/} د-هـ}. وتنبيهات أخرى في الطبعة الثانية، 2/ 334 - 335. (1/262)
صفحة 263
اسم النصارى، فما كان في عهد اليعاربة فالمقصود بهم البرتغال، وما كان بعدهم فالمراد بهم الإنجليز. ومنها عدم توسُّعه في أحوال العهد الملكيِّ في عمان، قديما وحديثا، لأَنَّهُ رُبَّمَا يقصد إِلىَ بيان عظمة الأَئمَّة. وأَيضًا عدم الاهتمام بذكر أطوار الحكم المستبدِّ، وما فيه من ظلم واقتراف للمنكرات، وبرَّر أبو إسحاق ذَلِكَ بِأَنَّ الْمُؤَلِّف خاف أن يساهم بذكر ذَلِكَ في نشر الباطل، أو أَنَّهُ لم يقف عَلَى تلك الأحداث وقوفا يجعله واثقا مِمَّا يكتب. كما «فات الْمُصَنِّف أن يضمَّ إِلىَ كِتَابه كثيرا من رسائل أَئِمَّة العلم إِلىَ أَئِمَّة الحكم، إذ لها علاقة بتاريخهم ... » (1).
وَمِمَّا وجَّهه أحد الباحثين من نقد للكِتَابِ: أَنَّ عنوانه شامل لـ"سيرة أهل عمان"، وَلَكِنَّ عناية الْمُؤَلِّف اتَّجهت إِلىَ التأريخ للسلط التي حكمت الناس، وليس إِلىَ حياة الناس الاِجتِمَاعِيَّة والاقتصاديَّة وَالثَّقَافِيَّة وَالدِّينِيَّة. وَأَنَّهُ ذكر في كِتَابه أَنَّ الرَّسُول صلَّى الله عليه وسلَّم قد دعا لأهل عمان أن لا يسلِّط عَلَيْهِم عدوًّا من غيرهم، بينما تاريخ عمان حافل بتسلُّط أعدائهم عَلَيْهِم، ابتداء بالعباسيِّين والقرامطة، إِلىَ البرتغال والإنجليز!. وَأَنَّ السالمي حاول أن يُبَيِّنَ أَنَّ الإمامة إذا نُصبت طَردت الأجنبيَّ، وَأَنَّ الأجنبيَّ لا يتدخَّل إِلاَّ لإجهاض الإمامة، وَأَنَّ دخول الاستدمار لا يكون إِلاَّ بسبب عصيان أهل عمان لأوامر الله، وخروجه لا يكون إِلاَّ لتنفيذهم أوامر الله، «وفي ظلِّ هَذِهِ التبريرات تضيع الأسباب الحَقِيقِيَّة للأحداث، وتتقلَّص الإرادة الجماعيَّة للشعب، لتحلَّ محلَّها إرادة الله وحدها» (2). كما نجده يذكر الخوارق والكرامات الْمُتَعَلِّقة بالأئمَّة ولا يذكر شَيْئًا من ذَلِكَ عن الملوك
__________
(1) تحفة، 2/ 318.
(2) العزري: فكر السالمي، ص148 - 149. في الواقع أَنَّ هَذَا الكلام الأخير إلزام للسالمي بما لم يقل، فهو لم يقل أبدا: إِنَّ تنصيب الإمام يعني ـ آليًّا ـ خروج الأجنبيِّ بإرادة الله وحدها، وبدون سعي و} إرادة جماعية من الشعب}، فمبدأ السالمي في حياته وحركته الدعويَّة مناقض لهذا الطرح تماما، فهو يدعو ويلحُّ عَلَى ضرورة السعي والكدِّ والجدِّ ونبذ التواكل وكلِّ أسباب الذلِّ والهوان والتخلُّف، والأخذ بأسباب النصر والتمكين لدين الله، انطلاقا من مبدإ {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ ما بقوم حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ}. وديوانه في الشعر أكبر شاهد في الاستنهاض. (1/263)
صفحة 264
والسلاطين [!]؛ وعند حديثه عن الإمام العظيم ناصر بن مرشد اليعربي (1024 - 1050هـ/1615 - 1640م) يخصِّص له أكثر من ثلاثين صفحة، بينما لا يزيد كلامه عن صفحة واحدة ونصف عندما تحدَّث عن السلطان سعيد بن سلطان (1) الذي جعل من عمان إمبراطوريَّة.
وأغلب هَذِهِ الملاحظات وإن بدت ـ من حيث المنهج التاريخيِّ الأكاديميِّ ـ مقبولة، إِلاَّ أَنَّهُ لا ينبغي أن تُوجَّه إِلىَ السالميِّ، لأَنَّهُ قد بَيَّنَ في مُقَدِّمَة كتابه هدفه بوضوح، وكان رَحِمَهُ اللهُ ملتزما بالنهج الذي ألزم به نفسه، وبالدافع الذي كان وراء تأليف الكِتَاب، وبالهدف التربويِّ الذي يقصده في المقام الأَوَّل، وَهُوَ: بعث الروح الإِسلاَمِيَّة في النفوس، والعمل عَلَى إحياء الإمامة، من خلال سرد سيرة أَئِمَّة العدل للاقتداء بهم، ولم يكن التاريخ في نظره إِلاَّ وسيلة لبلوغ الهدف المنشود (2).
ونضيف هنا ملاحظتين:
- أولاهما: بناء عَلَى الهدف التربويِّ والإصلاحيِّ الذي رسمه السالميُّ لنفسه ـ وهو الاقتداء بالصالحين كما يقول ـ لماذا اهتمَّ بتاريخ أَئِمَّة السياسة ولم يهتمَّ بأئمَّة العلم، اللَّهُمَّ إِلاَّ ما ذكره عَرضا، حين يكون للعلماء دور فيِ مجريات الأحداث السِّيَاسِيَّة، فيورد بَعضا من مواقفهم أو رسائلهم، دون تفصيل لسيرهم وآثارهم وتواريخ وفياتهم؟. ويبدو لي في جواب هَذَا التساؤل: أَنَّ الْمَادَّة العِلمِيَّة تعوزه في المصادر التي اعتمدها، أو ـ وهو الأرجح ـ بسبب شغل ذهنه أوان تأليف الكِتَاب بالتخطيط السياسيِّ لإحياء الإمامة، علما بِأَنَّهُ انتهى من تأليفه قبل إعلان الإمامة بأقل من خمسة أشهر (3).
__________
(1) تَقَدَّمَت ترجمته، ينظر: ص135 من البحث
(2) ينظر: تحفة، 1/ 4.
(3) تاريخ انتهاء النسخ وعرضه عَلَى الْمُؤَلِّف هو 26 مُحَرَّم 1331هـ/ 4 جانفي 1913م. (ينظر: تحفة، ط. 1347هـ، 1/ 411) وتاريخ إعلان الإمامة هو 12 جمادى الثانية 1331هـ/ 19 ماي 1913م. (ينظر: نهضة، ص177). (1/264)
صفحة 265
- والملاحظة الثانية: هي الانتقال الفجائي من ذكر أحداث سنة 1324هـ/1906م إِلىَ أحداث سنة 1328هـ/1910م، فهناك فجوة لأربع سنين، علما أَنَّهُ اتَّبَعَ في أواخر كِتَابه طريقة التأريخ الحولي، وَرُبَّمَا يفسَّر ذَلِكَ باستقرار الأمور، وانعدام الأحداث التي تَسْتَحِقُّ التدوين، أو أَنَّ هنالك أحداثا سِرِّيَّة ـ مثل مساعيه لإحياء الإمامة ـ لم يُرِد السالمي إفشاءها، خَاصَّةً إذا صَحَّ أَنَّ تأليف "تحفة الأعيان" كان بطلب من السلطان.
ومهما قيل في نقد المنهج التاريخيِّ لدى السالميِّ، إِلاَّ أَنَّ كِتَابه يحتفظ بقيمته العِلمِيَّة، إِذ يحوي مَادَّة غزيرة، وتزداد أَهَمِّيَّتها بإيراد عدَّة نصوص تعتبر وثائق تَارِيخِيَّة هَامَّة، وكنوزا أدبيَّة رائعة، كالرسائل المتبادلة بين الأَئِمَّة وولاتهم وبين العلماء، تنمُّ عن مدى تقديرهم للمسؤوليَّة، وحبِّهم للعدل، ورعاية حقوق الضعفاء والعوام، والقيام بمصالح الأنام، والسعي في رفع لواء الإسلام.
اللغات الأجنبيَّة (1): لا يمنع السالمي مَن تعلَّمها للضرورة كمترجم الملك ونحوه. وَلَكِن في رَدِّ الشيخ عَلَى بَعض الزنجباريِّين مَنَعَهم من ذَلِكَ بشدَّة، ولم يعتبر ما اعتذروا به من ضياع حقوقهم ضرورةً، وَذَلِكَ لَمَّا تَبَيَّنَ له أَنَّ هدف الإنجليز من فتح مدارسهم في تلك البلاد لم يكن سوى نشر أفكار الشرك، ومحو الشَّخصِيَّة الإِسلاَمِيَّة من نفوس الناشئة، فكان رأيه أَنَّ عدم تعلُّمها سلامةٌ للدين، وحفظٌ للُّغة العَرَبِيَّة، منطلِقا في ذَلِكَ من حسِّه الدينيِّ، ومعتمدا عَلَى حديث لِرَسُولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم: «من أحسن منكم أن يَتَكَلَّمَ بِالعَرَبِيَّةِ فلا يَتَكَلَّم بالفارسيَّة فَإِنَّهُ يورث النفاق» (2)، فالكلام بغير العَرَبِيَّة يفضي إِلىَ محبَّة غير المسلمين، وَهُوَ عين
__________
(1) ينظر: بذل المجهود، ص46 - 52.
(2) قال السالمي: حديث صحيح (ص48)، وعزاه إِلىَ مستدرك الحاكم. والحاكم رواه بلفظ: «فلا يتكلَّمن»، ولم يعلِّق عَلَيْهِ بِشَيْءٍ. ولكنَّ آثار الضعف في متنه بادية عليه، فضلا عن سنده الذي قاله عنه ابن حجر: «سنده واهٍ». ينظر: أبو عبد الله محَمَّد بن عبد الله الحاكم النيسابوري (321 - 405هـ): المستدرك عَلَى الصحيحين، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العِلمِيَّة، بيروت، الطبعة الأولى، 1411هـ/1991م، 4/ 98. أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني الشافعي (773 - 852هـ): فتح الباري شرح صحيح البخاري، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي ومحب الدين الخطيب، دار المعرفة، بيروت، 1379هـ، 6/ 184، حديث رقم: 2905. (1/265)
صفحة 266
النفاق. وبرَّر منع أهل زنجبار من تعلُّم اللغة الأجنبيَّة بـ «مخافة أن يجرَّهم ذَلِكَ إِلىَ إهمال العَرَبِيَّة رأسا، وَإِلىَ انطماس رسومها بين ظهرانيهم، فيصير العربيُّ أعجميًّا، كما هو المشاهَد من أحوال المخالطين للأعاجم، وبترك العَرَبِيَّة يتعذَّر فهم الكِتَاب وَالسُّنَّة ... » (1). ولا يمكن أن نحاكم السالمي في هَذَا الرأي وفق معطياتنا المعاصرة، فَإِنَّ لِكُلِّ زمان ظروفه، وَلَكِن نلاحظ أَنَّ ما خشيه عَلَى الزنجباريِّين قبل قرابة قرن صاروا اليوم يتجرَّعونه بمرارة، حيث صارت اللغة العَرَبِيَّة غريبة لا يعرفها إِلاَّ فئة قليلة من الناس (2). والمؤمن بنور الله يبصر!.
العلوم والوسائل التِّقنِيَّة الحديثة: علم الفلك قديم قِدم التاريخ البشريِّ، إِلاَّ أَنَّهُ شهد تطوُّرا كبيرا، حَتَّى صار أحد نماذج التقدُّم العلميِّ والتقنيِّ حديثًا، وسنحاول من خلاله معرفة موقف السالميِّ منه، ليعطينا لمحة عن نظرته إِلىَ العلوم الحديثة.
في جوابه عن سؤال حول زيادة القمر ونقصانه يَرُدُّ عَلَى من يقول: إنَّهُ يستمدُّ نوره من الشمس، وإنَّ نقصانه وزيادته بحسب الجزء المقابل منه للأرض، ويرى أَنَّ هَذَا الرأي مبنيٌّ عَلَى الوهم والخيال والتخمين، وَأَنَّ الحقَّ في ذَلِكَ أَنَّ التَّصَرُّف فيه لله، وقد يكون زيادة القمر ونقصه بسبب أو بدونه، ومعرفة السبب متعذِّر إِلاَّ بالوحي وقد انقطع.
فالشيخ في جوابه هَذَا ينطلق من مبدإ قدرة الله المطلقة، ويستند إِلىَ القُرْآن وَالسُّنَّة، فلا شكَّ أنَّ تصريف القمر وسائر الكواكب والنجوم بل وكلِّ الكون بيد
__________
(1) بذل المجهود، ص46.
(2) ونخشى أن يمسَّ أهلَ عُمان ـ بل أغلب دول الخليج ـ بعضُ ما مسَّ الزنجباريِّين، بسبب تسليم زمام تربية النشء إلى يد مربِّيات أجنبيَّات، بل غير مسلمات أصلاً! هذا إذا لم تكن هنالك نهضة تتدارك الوضع قبل تفاقمه، والله المستعان!. (1/266)
صفحة 267
الله عزَّ وجلَّ، وهذا مما لا جدال فيه، غير أنَّ الذي يُنتقد فيه السالميُّ هو اعتماده في فهم نصوص الوحي عَلَى المصادر التراثيَّة (1)، دون اللجوء إلى العلم الحديث. وسبب موقفه هَذَا أَنَّهُ بعيد جغرافيًّا عن مراكز الحضارة، ولكونه لم يبلغه ما وصل إِلَيْهِ علم الفلك الحديث في زمانه من التَّطَوُّر، واختراع المناظير الدقيقة، وَهَذَا نتيجة لموقف مجتمعه ـ لاسيما في منطقة الداخل من عُمان ـ من الجديد الذي يأتي من الإنجليز ومن الكُفَّار عُمُومًا، وَهُوَ الرفض والمقاطعة. ويبرِّر الشيخ سالم السيابي قِلَّة تضلُّعه في العلوم الحديثة بقصر عمره (2).
وَرُبَّمَا مِمَّا يبرِّر موقفه أكثر كونه ضريرا، إذ ليس الخبر كالعيان. ولا شَكَّ أَنَّ السالميَّ لو تيقَّن أَنَّ علم الفلك لم يعُد مبنيًّا عَلَى التخمين والظنِّ كما كان، بل صار علما دقيقا ويقينيًّا في كثير من كشوفه، لَعَدَل عن رأيه دون تردُّد، نظرا لِمَا عُرف به من الاجتهاد ونبذ التقليد، وقبول الحكمة مِمَّن جاءت، وإباحته استغلال مخترعات المشركين (3).
خامسا - الأسلوب:
أغلب من كتب عن أسلوب السالمي ينوِّه بوضوحه، وسهولة فهمه، وانسياب معانيه (4) ... ومن المعلوم أَنَّ المسائل العقديَّة والأصوليَّة، من الفنون التي لا يوفَّق بَعض الكتَّاب إِلىَ مناقشتها وتبسيط معانيها بأسلوب واضح، وَلَكِن لأسلوب
__________
(1) يرى السالميُّ أَنَّ نقصان القمر وزيادته إِنَّمَا هما في ذاته، مستدلاًّ بقَوله تَعَالىَ: {وَالْقَمَرُ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ} (يس: 39)، ولا يكون كالعرجون إِلاَّ إذا كان مشابها له في ذاته من الدقَّة والانحناء. كما استشهد بحديث سبب نزول قَوله تَعَالىَ: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الاَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} (البقرة: 189)، واعتمد في فهم الظاهرة الفلكيَّة عَلَى السيوطي في رَدِّه عَلَى السعد التفتازاني.
(2) ينظر: السيابي: عمان عَبْرَ التاريخ، 2/ 335.
(3) ينظر: العقد الثمين، 1/ 414. جوابات، 5/ 548.
(4) ينظر مثلا: مُقَدِّمَة التنوخي لشرح الجامع الصحيح، 1/} ك}. تعليق محَمَّد الدهان عَلَى العقد الثمين، 1/ 487. إبراهيم الكندي: السالمي أديبا، قراءات، ص84. العزري: فكر السالمي، ص135، 141 ... (1/267)
صفحة 268
السالمي «روعة تمتلك النفس بتحقيقه وسهولة نظمه، وحسن تأليفه، يقذف إليك بدون مشقَّة درر مسائله، ويوصلك إِلىَ عويص منها بلا عناء، ويقرِّب ما صعب من مرامي الفقه البعيد المدى» (1).
وإذا كان القارئ المعاصر أحوج إِلىَ الوصول إِلىَ المعلومات من أخصر طريق، وبأبسط أسلوب، وحين يعود إِلىَ المصادر القديمة يقف أمامه الأسلوب المعقَّد حائلا دون مراميه، ويضيع بين تضارب الأقوال الكثيرة، بين راجح ومرجوح، فيحتار في الوصول إِلىَ خلاصة واضحة مركَّزة (2)، فَإِنَّ السالمي قد حاول تلافي هَذِهِ النقائص، ونوَّع من أساليبه، وراعى قدر الإمكان مستوى الشريحة الاِجتِمَاعِيَّة التي يقصدها بتأليفه؛ ففي ”تلقين الصبيان“ استعمل الأسلوب التربويَّ التعليميَّ البسيط الذي يفهمه المبتدئون. وَلَمَّا وجَّه كِتَابه إِلىَ مستوى أعلى مثل: ”بهجة الأنوار“ فكثيرا ما استعمل أسلوب الحوار والنقاش، لتدريب الطالب عَلَى مناقشة الأَدِلَّة والردِّ عَلَى المخالفين، بشكل مختصر، ودون الإكثار من الاستدلالات الغامضة والمشتِّتة لذهن القارئ. وإذا وجَّه كِتَابه إِلىَ المتخصِّصين تعمَّق وناقش أكثر، كما هو الأمر في ”المشارق“، وفي ”طلعة الشمس“ (3)، ومع ما في هَذَا الأخير من تعمُّق في بَعض القضايا الأصوليَّة فهو يشير مَرَّات عديدة إِلىَ أَنَّهُ لا يريد الإطالة «لأَنَّ ذَلِكَ يبعده عن فهم المسترشد» (4). وإذا وجَّه كلامه إِلىَ العَامَّة من الناس فقد يلجأ إِلىَ استعمال الألفاظ الخَاصَّة بأهل عُمان، معوِّلا عَلَى ظهور الْمَعْنَى في سياق العبارة (5). وقد
__________
(1) جوهر النظام، كلمة المصحِّح أبي إسحاق اطفيَّش، 4/ 644.
(2) ينظر: ناصر محَمَّد: تراثنا الإِسلاَمِي، ص80.
(3) ينظر: أحمد بن سليمان الكندي: الجوانب التَّربَوِيَّة والتعليميَّة في مُؤَلَّفَات السالمي، قراءات، ص128.
(4) ينظر مثلا: طلعة الشمس، 2/ 145.
(5) ينظر: تحفة، تنبيهات أبي إسحاق في الطبعة الأولى، 1347هـ، 2/} ب}. ويبدو أَنَّ السالمي وجَّه كِتَابيه} جوهر النظام} و} تحفة الأعيان} إِلىَ العمانيِّين بصفة خَاصَّة، فاهتمَّ بوصول الْمَعْنَى إليهم بأقرب طريق، فاستعمل أحيانا مصطلحاتهم، مِمَّا يصعِّب عَلَى غيرهم أحيانا فهم المراد. (1/268)
صفحة 269
يختلف أسلوبه في الكِتَاب الواحد، مثل ”جوهر النظام“، ففي الأبواب الموجَّهة إِلىَ المتخصِّصين يستعمل المصطلحات الأصوليَّة ويستعرض الأقوال ويمحِّص الآراء، وفي الأبواب الفِقهِيَّة التي تمسُّ الطبقة العريضة من الناس يخفِّف الأسلوب (1). لهذا «فَإِنَّ مُؤَلَّفَاته في مجملها تُمَثِّلُ منهجا تربويًّا متكاملا، يتدرَّج فيه الدارس من أدنى مستوياته ليصل إِلىَ مرحلة التخصُّص العليا، وفي ذَلِكَ تتجلَّى مقدرة السالميِّ العِلمِيَّة، وبراعته التأليفيَّة، حيث يجسِّد في مُؤَلَّفَاته تلك الأساليب التَّربَوِيَّة التي ينادي بها علماء التربية، إذ إِنَّ أسلوبه العلميَّ في التأليف يَدُلُّ عَلَى وعي بالغ بالمنهج التربويِّ، فهو يُؤَلِّف لِكُلِّ مرحلة ما يناسبها من الكتب، ويخاطب كُلَّ طبقة باللغة التي تفهمها، ويعطي لِكُلِّ طالب ما يناسبه من المعارف، ويتدرج به شَيْئًا فَشَيْئًا حَتَّى يرتقي به إِلىَ المراتب العليا» (2).
وإذا كان هناك من يرى أَنَّ رقيَّ الشعب لا يكون إِلاَّ باتِّحاد لغة العلم (لغة الخَاصَّة) ولغة الكلام (لغة العَامَّة)، فَإِمَّا أن ترقى لغة الكلام، وَإِمَّا أن تنحطَّ لغة العلم (3)، فَإِنَّ السالميَّ اهتمَّ بالخاصَّة والعامَّة سواء بسواء، إذ بسَّط الأسلوب، وشرح الغوامض، ليرتقي بالعامِّيِّ إِلىَ مستوى فهم لغة العلم، وقد نجح في ذَلِكَ إِلىَ حدٍّ بعيد، ولم يرض لنفسه أن يتدنَّى باللغة إِلىَ مستوى العامِّيَّة.
وكما أنَّ أسلوب السالميِّ يتنوَّع تبسيطا وتعميقا حسب مستوى القارئ، فَإِنَّهُ يتنوَّع هدوءا وشدَّة حسب ظرف التأليف، فتكون اللهجة في ردوده شديدة عُمُومًا، كما في ”بذل المجهود“ وبَعض أجوبته، وتكون الحجَّة خطابيَّة أحيانا، بينما في مُؤَلَّفَاته العِلمِيَّة يكون أسلوبه في أغلبه رصينا هادئا، وتكون الحجج برهانيَّة وجدليَّة، كما في المشارق، وشرح الجامع الصحيح، وَبَعض أجوبته.
__________
(1) ينظر: أحمد الكندي: الجوانب التَّربَوِيَّة، ص127.
(2) المرجع نفسه.
(3) ينظر: أحمد أمين: زعماء الإصلاح، ص165. (1/269)
صفحة 270
سادسا - الأفكار والمادة العلميَّة:
تمتاز مُؤَلَّفَات السالميِّ بالترتيب المنطقيِّ للأفكار وتسلسلها، ويظهر هَذَا الترتيب في تبريره لتقديم بَعض الفصول والمباحث عَلَى بَعضها، فمن ذَلِكَ تقديمه لركن العلم عَلَى ركن الجملة (كلمة الشهادة وما يَتَعلَّقُ بها)، ويقول: «قَدَّمَ ركن العلم عَلَى ركن الجملة، ـ مع أَنَّهَا هي العروة الوثقى لمن تمسَّك بها، وهي السلامة لمن لم ينقضها ـ لكون العلم أصلا لها، وبه تقوم الْحُجَّة بها عَلَى المكلَّف ... » (1). وبرَّر تقديم ذكر العلم عَلَى الجهل مع أَنَّهُ طبع في الإِنسَان، بِأَنَّ العلم أشرف. ويعطينا تبريرا منطقيًّا لتقديم مبحث السؤال عَلَى مبحث الفتوى: «لأَنَّ السؤال سبب للفتوى، والسبب مُقَدَّم عَلَى مسبَّبه» (2).
والتسلسل يظهر أَيضًا في حسن التفريع وحسن التبويب، كما في مباحث الولاية والبراءة المعقَّدة والغامضة بتداخلها أحيانا (3)، فقد حلَّلها تحليلا منظَّما واضحا، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى تصوُّر دقيق للموضوع وتمكُّن عميق فيه، وَعَلَى التحكُّم في مادَّته العِلمِيَّة، رغم كونه ضريرا.
ومن نماذج حسن الترتيب للأفكار: التعديلات التي أجراها عَلَى ما وجده في أصل مُؤَلَّفه، كما في ”جوهر النظام“، الذي عدَّل فيه ترتيب بَعض الأبواب من منظومة الصائغي، وقد لا يخالف الأصل فقط بل يخالف الترتيب المألوف في كتب الفقه كُلِّيَّة، كما في باب المساجد، إذ فَصَل بين ما يَتَعلَّقُ منه بفضلها وحقوقها وآدابها، وبين ما يَتَعلَّقُ بأموالها، مراعيا في ذَلِكَ التناسب بين المواضيع، ويقول:
«وها هنا باب أرى أن أذكره في بابه والأصل عنه أَخَّرَه
ذكَرَهُ كسائر الأصحاب فيما لحكم الوقف من أبواب
__________
(1) بهجة، ص13 - 14.
(2) المصدر نفسه، ص23. وينظر مثل ذَلِكَ في: ص65، 151. وفي المشارق، ص97.
(3) ينظر: بهجة، ص151 - 170. (1/270)
صفحة 271
حَتَّى يكون الكلُّ معْ مناسِبه ليسهُلَنَّ أخذه لطالبه» (1)
ومثل هَذَا التعديل كان في موضوع صلاة الجمعة، فقد رتَّب ذكرها مباشرة بعد فصل القصر في الصلاة باعتبار أَنَّ الجمعة قصر للظهر (2). وعدَّل أَيضًا في ترتيب بَعض أبواب مختصر الخصال، لَمَّا نظمه في ”مدارج الكمال“، وقد خلط ــ كما يقول ــ عِدَّة مسائل وجمعها في قاعدة واحدة، وعدَّة فوائد في فائدة واحدة، وقد أكثر من مخالفته في الترتيب حَتَّى إِنَّ المرء لا يعرف أَنَّ أصلها من ”مختصر الخصال“ إِلاَّ إن ذُكر له ذَلِكَ (3).
يقول محَمَّد محمود إسماعيل عن الْمَادَّة العِلمِيَّة في تآليف السالمي: «ويمتاز في كتبه بغزارة المادَّة، وسعة الاطِّلاَع ... وهي كلُّها لباب لا تجد فيها الحشو، عميقة تَدُلُّك عَلَى شَخصِيَّة الْمُؤَلِّف القَوِيَّة، وَعَلَى عبقريَّته في العلوم» (4).
وتجدر الإشارة إِلىَ أَنَّهُ في خضمِّ المناقشات العِلمِيَّة، وفي ثنايا الاستدلالات المتضاربة بين العلماء، حَتَّى إِنَّ القارئ قد ينسى أَنَّهُ بصدد مناقشة موضوع شرعيٍّ خطير، يَتَعلَّقُ بأهمِّ العلوم وَهُوَ أصول الدين أو الفقه، في هَذَا الجوِّ يطعِّم السالمي مناقشاته بومضات تَربَوِيَّة، تكون في شكل نصائح يسديها الشيخ للقارئ والمستفتي، أو في دعاء بخيري الدنيا والآخرة، يختم به كلامه، فلا يملك القارئ إِلاَّ أن يؤمِّن بعده، ويعلم أَنَّ العبرة في النهاية لِكُلِّ أعمال الإِنسَان هو ما يلقاه في الدار الأخرى، وَأَنَّ الغاية والهدف الأسمى هو رضا الله سُبحَانَهُ، ويتجلَّى هَذَا بصفة أوضح في الفتاوى.
__________
(1) السالمي: جوهر النظام، 1/ 78.
(2) المصدر نفسه، 1/ 87. وينظر أَيضًا بابي الإيلاء والظهار، 2/ 228. وكِتَاب الشفعة، 2/ 317.
(3) ينظر: معارج، 1/ 92 - 94. ويقول السالميُّ بِكُلِّ تواضع أمام الحضرميِّ (صاحب الأصل): إِنَّ إعادة الترتيب لم يكن «لخلل في ترتيب الأصل، لَكِن لمراعاة حال أَهل زمانه، فَإِنَّ حال أهل زمانه ـ رحمة الله عَلَيْهِ ـ يقتضي ذَلِكَ الوضع الذي وضعه، وما عَلَى وضعه من مزيد، وحال أهل زماني يقتضي هَذَا الوضع الذي وضعته». وَهَذَا يظهر مدى تقديره وإجلاله للحضرمي، وقد اتَّخَذَه السالمي قدوة في مواقفه السِّيَاسِيَّة وَالْعِلْمِيَّة والإصلاحيَّة.
(4) مُقَدِّمَة محَمَّد إسماعيل للمعارج، 1/ 5، 7. (1/271)
صفحة 272
سابعا - بعض آرائه العِلمِيَّة وتَطَوُّرها:
تتطوَّر آراء الشيخ السالمي حسب نظره في الأَدِلَّة، ونعرض بعض تلك الآراء، في العقيدة والأصول والفقه.
كثيرا ما يتغيَّر رأي السالمي في مجال العقيدة (1)، فقد يعوِّل في أحد تآليفه عَلَى رأي لأحد العلماء، ثُمَّ بعد التحقيق في المسألة يظهر له خلاف ما ذهب إِلَيْهِ أَوَّل مَرَّة. ومن أمثلة ذَلِكَ تقسيم الناس يوم القيامة ــ اعتمادا عَلَى الجيطالي ــ إِلىَ صنفين: محاسبين وغير محاسبين، فَأَمَّا المحاسبون فهم الفاسقون العصاة والمؤمنون المقصِّرون التائبون، وَأَمَّا غير المحاسبين فهم المؤمنون الموفون يدخلون الجَنَّة بغير حساب، والمشركون يدخلون النار بلا حساب، ثُمَّ ظهر له بعد ذَلِكَ أَنَّ المشركين محاسبون لِقَولِهِ تَعَالىَ في شأنهم: {وَقِفُوهُمُ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ} (الصافات: 24)، ولورود محاسبة المؤمنين الموفين في الحديث (2). ومن أبرز القضايا العقديَّة التي تغيَّر فيها رأي السالمي ــ بعد أن لقي نقدا كبيرا وجدالا من بَعض شيوخه وإخوانه ــ تجويزه لتغيير ما كتبه الله في اللوح المحفوظ (3)، وَذَلِكَ حين يكتب الله أَنَّ أجل فلان سِتِّينَ عاما مثلا، وإذا عمل ما يزيد في العمر كصلة الرحم فَإِنَّ الله تَعَالىَ يزيد في عمره في اللوح، وبعد أن دوَّن السالمي هَذَا الرأي في كِتَابه "مشارق أنوار العقول"، عدل عنه فمحاه؛ ويقول عن هَذَا التَّطَوُّر: «ولنا عند قولنا بثبوتها تشبُّثات كُنَّا نظنُّها حججا ثُمَّ ظهر لي بعد مناظرة طويلة من إخواننا المتعلِّمين صواب ما قاله شيخنا [صالح الحارثي] في منع تغيير ما كتب في اللوح، فرجعتُ عَمَّا كتبته في المشارق ... فلذا
__________
(1) ينظر أمثلة أخرى لم نذكرها في: بهجة، ص129، 132 - 133. مشارق، ص122، 275 - 276، 449 - 450.
(2) ينظر: بهجة، ص117. مشارق، ص276.
(3) مِمَّا يَدُلُّ عَلَى الانتقاد الشديد الذي تلقَّاه السالمي من جرَّاء هَذِهِ المسألة حُكْمُ القطب اطفيَّش ــ في مراسلة له مع الشيخ عيسى الحارثي والشيخ السالمي ــ بالكفر (كفر نعمة) عَلَى من يجوِّز تغيير ما في اللوح المحفوظ. (ينظر: القطب اطفيَّش: كشف الكرب، 1/ 49 - 51). ومن ذَلِكَ أَيضًا جواب السالميِّ لأحد سائليه: «هذه المسألة في غاية من الإشكال، وهي التي أوقعت محبَّك في مسألة اللوح الممحوَّة من} المشارق} لا أبقى الله لها ذكرا!! ... ». جوابات، 6/ 181 - 182. (1/272)
صفحة 273
كتبت إِلىَ أهل الآفاق بإبطال مسألة اللوح في نُسَخ المشارق ... فالحقُّ الذي لا مرية فيه أَنَّ ما كتب في اللوح لا يَصِحُّ تبديله» (1).
ومن الأمثلة الأصوليَّة: قَضِيَّة المجاز، ومناقشته لمسألة اطِّراد العلاقة بين الحقيقة والمجاز، تغيَّر رأيه بين النظم والشرح فقال: « ... والصحيح ما قَدَّمت لك من اعتبار نوع العلاقة فقط، فلا يكون عدم الاطِّراد عَلَى هَذَا علامة للمجاز، وقد جريت بذكره في النظم مجرى جمهور الأصوليِّين، والصواب عدم ذكره» (2). ومنها مسألة تجريح الراوي للحديث، كان رأيه أن لاَ بُدَّ لتجريحه من شاهدين، ثُمَّ ظهر له أَنَّهُ لا يشترط ذَلِكَ، وقال: «فقولي في النظم ”لَكِنَّهُ باثنين في الصحيح“ مبنيٌّ عَلَى ما اختاره البدر (3) تقليدا له مِنِّي في حال النظم، وقد ظهر لي أَنَّ الراجح خلافه» (4).
ونجد في الفقه نماذج كثيرة من هَذَا التَّطَوُّر، منها: مسألة المياه وتنجُّسها (5)، ومنها حكم المسافر الذي انتقضت صلاته خلف المقيم هل يعيدها أربعا أم اثنتين؟ (6) ومنها مسألة الزاني بأخت امرأته هل تحرم عَلَيْهِ زوجته أم لا؟ (7) ...
********************
وخلاصة ما نخرج بِهِ من هَذَا العرض الإجمالي حول التأليف عند الشيخ السالمي، أَنَّهُ اهتم بالتأليف، وعمل عَلَى إحياء التراث بمختلف جوانبه الشَّرعِيَّة والأدبيَّة والتاريخيَّة، مخصِّصا للعلوم التي ألَّف فيها كتبا مستقلَّة، وقد دفعته إِلىَ
__________
(1) العقد الثمين، 1/ 240 - 241. جوابات، 5/ 436 - 438؛ 6/ 200 - 201.
(2) طلعة الشمس، 1/ 208 - 209.
(3) بدر الدين أبو العَبَّاس أحمد بن سعيد بن عبد الواحد الشَّمَّاخِي (928هـ/1522م)، من علماء جبل نفوسة بليبيا، له كِتَاب} السير}، و} مختصر العدل والإنصاف}، و} مشكل إعراب الدعائم} ... ينظر: جمعِيَّة التُّرَاث: معجم أعلام الإِبَاضِيَّة، 2/ 44، ترجمة رقم 80.
(4) طلعة الشمس، 2/ 39.
(5) ينظر: الخليلي: منهج السالمي، قراءات، ص22.
(6) جوابات، 1/ 459 - 461.
(7) العقد الثمين، 3/ 5 - 6. (1/273)
صفحة 274
التأليف عِدَّة أسباب ذَاتِيَّة وموضوعيَّة، وعمل عَلَى صياغه التراث بطرق شَتَّى، وجعله في متناول الجميع، من حيث الشكل والمضمون، وألَّف بالطريقة الأكثر مناسبة لمجتمعه، «وهو ما يعني أَنَّهُ عَلَى دراية تَامَّة بالمخاطبين الذين يوجه إِلَيْهِم خطابه، بمدى إدراكهم، وَكَيفِيَّة اختراق ذَلِكَ الإدراك» (1)، وَهَذَا بهدف خدمة المصلحة الدِّينِيَّة وَالدُّنيَوِيَّة. واتَّبَعَ في مدوَّناته منهجا علميًّا إِلىَ حدٍّ بعيد، معتمدا عَلَى ما توفَّر لديه من المصادر المتخصِّصة عَلَى اختلاف الفنون التي ألَّف فيها. ورأينا كيف امتاز أسلوبه بالسلاسة والوضوح، وبالتبسيط وبالعمق، حسب نوعيَّة القارئ الذي وجَّه إِلَيْهِ الكِتَاب، وفي كُلِّ ذَلِكَ قَدَّمَ لنا زبدة القول بعد أن استفاد من التراكم المعرفيِّ الذي توصَّل إليه العلماء السابقون، ولم يكن في تأليفه ناقلا ومقلِّدا، بل كان ناقدا ومجتهدا. كما حرص عَلَى جمع الصفوف، والاشتغال بما يفيد، ونبذ ما لا طائل من ورائه.
هَذَا ما أمكن استقراؤه عن مُؤَلَّفَات الشيخ السالمي ومنهجه فيها، وإذا وضعنا في الحسبان الظروف التي كان يؤلِّف فيها، فَإِنَّ المرء ليعجب كيف استطاع أن يؤلِّف ذَلِكَ الكمَّ الكبير في وقت قصير، لا يتجاوز 27 عاما، منذ أن بدأ التأليف سنة 1305هـ/1888م، إِلىَ يوم وفاته سنة 1332هـ/1914م، ولو لم يكن ضريرا، ولو تفرَّغ للتأليف دون أن يشغله شاغل لاعتبرت أعماله أمرا عظيما، فكيف وقد كان ضريرا، ومشتغلا بإصلاح أوضاع بلاده الاجتِمَاعِيَّة والسِّيَاسِيَّة، أبرزها سعيه الحثيث لإحياء الإمامة في القطر العماني!. وكانت أغلب تآليفه تصبُّ في هَذَا الهدف، وهو انتشال الأُمَّة من الركود، ونفخ الروح في جسدها، والتي دام سباتها لعقود طويلة. وَهَذَا العمل الاجتماعيُّ والسياسيُّ جانبٌ آخر من جوانب آثار الشيخ السالميِّ، يحتاج مِنَّا إِلىَ وقفة لدراسته، وَهُوَ ما سنتناوله بِشَيْءٍ من التفصيل فيما يأتي بحول الله، حول مواقفه الإصلاحيَّة والسِّيَاسِيَّة.
__________
(1) العزري: فكر السالمي، ص157. (1/274)
صفحة 275
الفصل الرابع
مواقف الشيخ السالمي الإصلاحية والسِّيَاسِيَّة
توطئة
المبحث الأَوَّل: تشخيص السالمي لأوضاع عصره، وأساسيات الإصلاح
أَوَّلاً - تشخيص السالمي لأوضاع عصره
ثانيا - أساسيات الإصلاح
المبحث الثاني: الإصلاح الديني والاجتماعي
أَوَّلاً - الإصلاح الديني
ثانيا - الإصلاح الاجتماعي والتربوي (1/275)
صفحة 276
صفحة 276 بيضاء (1/276)
صفحة 277
توطئة:
رأينا في بداية البحث جانبا من الوَضْعِيَّة الدِّينِيَّة وَالاِجتِمَاعِيَّة والسِّيَاسِيَّة في عمان في عصر السالمي، وهي أوضاع سَيِّئَة للغاية: اضطرابات سِيَاسِيَّة وَاجتِمَاعِيَّة، ضغوط دَاخِلِيَّة وَخَارِجِيَّة، افتراقات وصراعات قبليَّة، انتشار للبدع والانحرافات ... أمور تدفعنا إِلىَ التساؤل عن موقف السالمي منها: هل عمل عَلَى إصلاحها؟ هل تأثَّر بها؟ وهل أثَّر فيها؟ وإذا أثَّر فكيف كان ذَلِك؟ وما هي الطرق التي اتَّبَعَها، والوسائل التي استعملها، والبدائل التي طرحها؟ ...
يقول الشيخ سليمان بن محَمَّد بن نور الدين السالمي، بعد أَن استعرض جانبا من تلك الوَضْعِيَّة: «فانطلق يعالجها بثقافته الإِسلاَمِيَّة الواسعة، وحسن فقهه للدين، وبحسِّه المرهف، وإخلاصه الشديد، وخبرته التي دونها كل عاطفة من عواطفه، فعالجها بعمله الدائب، ونضاله المستمر، في جميع الميادين السِّيَاسِيَّة والفكريَّة وَالاِجتِمَاعِيَّة، بحماسة نادرة، وجرأة لا تعرف حدًّا، وإخلاص شديد، وصدق واضح، وصراحة لا تعرف المجاملة» (1). قد لا يكون هَذَا الكلام الصادر من حفيد السالمي مقنعا بالمنظور العلميِّ، ما لم يدعَّم بوثائق تَارِيخِيَّة، وبشواهد من المواقف التي سجَّلها السالمي بنفسه في مُؤَلَّفَاته، أو شهد بها من عاصره، وهو ما سنحاول القيام به في هَذَا البحث.
في البداية تجدر الإشارة إِلىَ أَنَّهُ يصعب التفريق بين موقف سِيَاسِيٍّ وموقف دينيٍّ عند السالمي، فَإِنَّ الدين هو المنطلق والمحرِّك لأيِّ إصلاح مهما كان نوعه، وَهُوَ المصبُّ والغاية من كُلِّ إصلاح؛ فإصلاح الأوضاع السِّيَاسِيَّة وَالاِجتِمَاعِيَّة من صميم الدين، والدين ـ إذا تَمَّ تطبيقه بشموليَّته فَإِنَّهُ ولا شَكَّ ـ يخدم الحياة بِكُلِّ نواحيها: السِّيَاسِيَّة والاقتصاديَّة وَالاِجتِمَاعِيَّة وَالثَّقَافِيَّة
__________
(1) سليمان السالمي: كلمة في ندوة المنتدى الأدبي حول السالمي، قراءات، ص14. تقديم سليمان السالمي لروض البيان، ص: «ب». (1/277)
صفحة 278
وَالتَّربَوِيَّة ... فالسالميُّ إذا حرَّض عَلَى نبذ الذلِّ والهوان، فَإِنَّهُ يربط ذَلِكَ بالمقصد الأسمى وَهُوَ خدمة الدين وعزَّة الإسلام، وبالعاقبة الحسنى وهي نيل الشهادة والفوز برضوان الله. ويرى أَنَّ أيَّ تصحيح للأوضاع لا يكون إِلاَّ بالتقوى، وهي رأس كُلِّ حكمة، وسرُّ النجاح والفلاح، سواء للراعي أم الرعيَّة، فهي تمنع صاحبها من الوقوع في المعاصي، من ظلم النفس أو الغير، أو الإفساد في الأَرض ... وقد ربط القرآن الكريم كثيرا من الأوامر والنواهي بالتقوى، منها قَوله تَعَالىَ: { وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَئَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ } (المائدة: 8).
*************** (1/278)
صفحة 279
المبحث الأوَّل
تشخيص السالمي لأوضاع عصره، وأساسيات الإصلاح
إِنَّ العمل الإصلاحي لا يؤتي ثماره المرجوَّة إِلاَّ إذا كان المصلح عَلَى علم بطبيعة المجتمع المراد تغييره، وبالمشكلة التي سيتصدَّى لها، وعلى دراية بجميع جوانبها، ولا بُدَّ أن تكون له خُطَّة مدروسة ودقيقة، لإعداد الرأي العامِّ ليستجيب لدعوته، وأن يكون له الحماس الكافي والإرادة القَوِيَّة لبلوغ مأربه، وأن يستغلَّ كُلِّ الوسائل المتاحة بين يديه، وَلَعَلَّ أهمَّ وسائل المصلح: الإعلام. وفي نظر الباحث أَنَّ عمان في عهد السالمي ـ على ما يبدو ـ كانت تفتقر إِلىَ وسائل الإعلام الحديثة، من جرائد ودوريَّات ومطابع (1) ينشر من خلالها أفكاره، وكانت الوسيلة الإعلاميَّة الأجدى لنشر الأفكار في المجتمع العمانيِّ آنذاك هي: الشِّعر، حيث لم يزل المجتمع العربيُّ محافظا عَلَى حفظ الشعر، وتداوله، والمسامرة به في اللقاءات والنوادي. استغلَّ السالميُّ هَذِهِ الوسيلة ـ التي لم يكن في محيطه خير منها ـ فانبرى يلهب المشاعر، ويؤجِّج القلوب، فنراه يصف الداء، بشكواه من وضع زمانه وأهله، ويصف الدواء باستنهاض الهمم المفلولة، ليصل إِلىَ الغاية المنشودة، وهي تنحية الظلم وأهله، والاستبدال به عدلا وقسطا.
أَوَّلاً - تشخيص السالمي لأوضاع عصره:
كان الشيخ نور الدين السالمي «مشغول البال بأمَّته، يفرح بما ينفعها، ويحزن لِمَا يَضُرُّها، وَإِنَّهُ ليكتئب إذا أصيب أحد من الأُمَّة بحدث ولو بالصين» (2)، وكان كثير
__________
(1) لا تشير المصادر إِلىَ هَذَا، وَلَكِن لم نجد ـ فيما اطَّلَعنا عَلَيْهِ من المصادر ـ ذكرًا لصحيفة أو مطبعة، أو دار للنشر، وكلُّ الكتب العمانيَّة التي اطَّلَعت عليها قبل السبعينيَّات من القرن العشرين طبعت خارج عمان.
(2) أبو بشير: نهضة، ص119. وينظر: مُقَدِّمَة أبي إسحاق لجوهر النظام، 1/} ج}. (1/279)
صفحة 280
التأوُّه لِمَا آل إِلَيْهِ أمر المسلمون من التفرُّق والتشرذم، ومن مظاهر الذلِّ والهوان، وعدم الجدِّ في ما يسعدهم دنيا وأخرى، «فتراه قد قطع حديثه وتنفَّس الصعداء قائلا: ”ذهب الوفاء، ذهب الدين، ذهبت المروءة، ذهبت الغيرة، ذهبت الحميَّة ... “ وكثيرا ما يتمثل بقول دِعبِل (1):
ما أكثر الناس لا بل ما أقلَّهم الله يعلم أَنِّي لم أقل فندا
إِنِّي لأفتح عيني حين أفتحها عَلَى كثير وَلَكِن لا أرى أحدا» (2)
وكان كثير التضرُّع إِلىَ الله في كُلِّ وقت وفي أيِّ مكان: في مصلاَّه، وفي الطريق، وفي مجالسه، وفي تآليفه، وفي فتاواه ... يدعو الله أن يصلح أحوال المسلمين، ويؤلِّف بين قلوبهم، وأن يخذل أعداء الدين، ويردَّهم عَلَى أعقابهم خاسرين (3).
وَإِنَّ ديوان السالمي يعتبر أبرز ما تتجلَّى فيه نظرته عن أهل عصره ومصره، لِذَلِكَ فسنورد مواضيع بعض القصائد التي تناول فيها تشخيص الأوضاع كنماذج:
· قصيدة عينية: يتأوه فيها من حال الانخذال والذلِّ أمام الإنجليز، وذهاب الوفاء من الرجال، وانطماس الفضائل والورع، وبيع الأحرار لأنفسهم، فغدوا عبيدا للإنجليز طمعا في أموالهم (4).
· قصيدة دالية: فيها شكوى من أهل دهره، الذين اتَّبعوا سبيل العمى وتركوا سبيل الرشد، حيث صار العجز فيهم أربح متَّجرا، وقطعت فيه الأرحام، وتسفَّهت الأحلام، وانتشر الحقد، «فعزُّهم عجزٌ، وَأَمَّا علاهم فذلٌّ ... » (5).
·
__________
(1) دعبل بن علي بن رزين الخزاعي أبو علي (148 - 246هـ / 765 - 860م): شاعر هجاء، أصله من الكوفة، أقام ببغداد، له أخبار وشعر جَيِّد. ينظر: الزركلي: الأعلام، 2/ 339.
(2) نهضة، ص121. والبيتان من البسيط. قيل لدعبل: ما الوحشة؟ قال: النظر إِلىَ الناس. ينظر: ديوان دعبل بن علي الخزاعي، ص60. (برنامج موسوعة الشعر العربي: شركة العريس للكمبيوتر ACI أراسوفت، الإصدار الأول، د. ت.).
(3) ينظر: نهضة، ص121.
(4) ينظر: ديوان السالمي، (مخ)، ص31.
(5) المصدر نفسه، ص19. (1/280)
صفحة 281
قصيدة بائية: يشكو فيها دهره، حيث تتابعت النكبات عَلَيْهِ، وهجر الناس الصالحين، لا لِشَيْءٍ سوى دعوتهم لنيل العلا (1).
· مقطوعة من أرجوزة جوهر النظام: يشكو فيها السالمي زمانه الذي ألبس فيه المسلمين ثوب المهانة والذلَّة والعار، إِلىَ أن يقول:
«فلست عندي بزمان خير وهكذا قال فيك غيري
وقال أهل الصدق والأمانة لست زمانا أنت بل زمانة» (2)
· قصيدة حائية: يرثي فيها لفقدان شيخه صالح الحارثي، ويتَّسع رثاؤه ليشمل المسلمين جميعا، فيقول:
«أشكو إِلىَ الله زمانا به في قلب كُلِّ مسلم جرح» (3)
· قصيدة سينيَّة: ضمَّنها شكواه من أهل زمانه، معدِّدا جملة من أوصافهم الذميمة، فقد اختبرهم بعد فقدان الأخيار من رفقائه، فوجدهم مفلسين من القيم، راكنين إِلىَ الراحة، منقسمين إِلىَ طوائف، إذا استنجَدْتَهم لم تجد منهم كيِّسا، وقد بدا في طيَّات كلامه نوع من اليأس، وميل إِلىَ هجران الناس:
«ولقد سئمت من المقام بينهم ورأيت خيرًا منزل الأرماس
كيف المقام عَلَى تظاهر منكر وفساد أعيان وقتل أناس؟» (4)
وَلَكِن أَنَّى لليأس أن يتطرَّق إِلىَ قلب السالمي وَهُوَ الذي يقول:
قضت أحسابنا أن لا ندينا لحكم الحادثات وإن رُزينا
وعزم صادق يأبى علينا لغير المكرمات وإن بُلينا
ونحتسب المصائب والرزايا ثوابا عند رَبِّ العالمينا
فلا يحسب فتى أنَّا انثنينا عن العليا لِمَا فيها لقينا» (5)
__________
(1) ينظر: المصدر نفسه، ص27 - 28. وينظر: أطروحة الهاشمي، ص74.
(2) جوهر النظام، 4/ 638.
(3) السالمي: الديوان، ص11. عين المصالح، ص59.
(4) السالمي: الديوان، ص25.
(5) المصدر نفسه، ص6. عين المصالح، ص51. الخصيبي: شقائق، 3/ 16. (1/281)
صفحة 282
وهل ينفع الحزن والأسى في تغيير الأوضاع؟ كلاَّ، لا بُدَّ من نهضة وإصلاح، وانتقال من الانفعال إِلىَ الفعل، حَتَّى نجتنب مقت الله تَعَالىَ: { كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ } (الصف: 3)، وهَذَا ما سنفصِّله في أساسيَّات الإصلاح من منظور السالمي.
ثانيا - أساسيات الإصلاح:
يقول جمال الدين ومحمَّد عبده: «إِنَّ البكاء لا يحيي الْمَيِّت، إِنَّ الأسف لا يَرُدُّ الفائت، إِنَّ الحزن لا يدفع المصيبة، إِنَّ العمل مفتاح النجاح» (1)، وهي نفس ما يدعو إِلَيْهِ السالميُّ في هَذِهِ الأبيات:
«والحزن للطاعة دون نهضة لها، غرور عند أهل الفطنة
والقول دون الفعل مقت لازم جاء به القرآن وهو الحاكم
فانهض إِلىَ الإصلاح ما استطعتا وادع لِذَلِكَ من له قَدِرتَا» (2)
والإصلاح في نظر السالمي يكون شاملا من القمَّة (الحكام)، إِلىَ القاعدة في آن واحد، بخلاف بَعض المصلحين الذين اهتمُّوا بإصلاح بعض الجوانب من الحياة دون أخرى، أو بطبقة الخَاصَّة أو العَامَّة من المجتمع (3)؛ فكان السالمي يوجِّه خطاباته إِلىَ الحكام والعوامِّ عَلَى حدٍّ سواء، إذ إِنَّ الحاكم إذا صلحَ عَمِلَ عَلَى إصلاح الرعيَّة، وإذا فسدت الرعيَّة فسد الحكم. وإذا تتبعنا منحى الإصلاح عند السالميِّ، وجدناه في بدايته من النوع الثوريِّ، وَذَلِكَ عند مساندته للشيخ الحارثيِّ، ثُمَّ يتغيَّر الأسلوب، فيقتنع بالإصلاح الجذريِّ، أي بإصلاح القاعدة، وإعداد النخبة التي ستسانده في مبتغاه، حَتَّى إذا توفَّرت الإمكانات الْمَادِّيَّة والْمَعْنَوِيَّة عاد إِلىَ العمل الثوريِّ بإعلان الإمامة، بطريقة مباغتة، وفي ظرف لم يكن ينتظره خصمه.
__________
(1) جمال الدين ومحمَّد عبده: العروة الوثقى، ص113. نقلا عن طهاري: مفهوم الإصلاح، ص68.
(2) جوهر النظام، 3/ 478.
(3) يقول أحمد أمين: إِنَّ جمال الدين الأفغاني كان مصلح الخَاصَّة، وَأَمَّا عبد الله نديم فكان مُعَلِّم العَامَّة. ينظر: زعماء، ص291. (1/282)
صفحة 283
ويرى السالمي أَنَّ مسؤولية التوجيه والإرشاد ملقاة عَلَى عاتق الفقهاء العلماء، فهم أطبَّاء الأُمَّة، ويجب عَلَيْهَا اتِّبَاعهم (1)، كما يجب عَلَيْهِم نصح الملوك، فإن انتصحوا فازوا، وَإِلاَّ فقد برئت ذمَّتهم أمام الله إذ أدَّوا واجبهم (2). وَلَكِن بشرط أن يكون العلماء قدوة لغيرهم في حسن السلوك، فقد ذمَّ الشيخ بشدَّة من يلبس زيَّ الصالحين، ويقوم بأعمال تخالف الدين، واعتبره نوعا من النفاق، وقد سئل عن حكم لبس المصر المدراسي (3) ـ وَهُوَ لباس اشتُهر به الفسَّاق في زمانه ـ فأجاب: « ... وبالجملة فالمصر المدراسيُّ خير من بعض العمائم التي تنطوي عَلَى النفاق ... وكفى المرءَ هوانا أن تكون عَلَيْهِ علامة الفسوق، وأقبح به حالا أن يكون عَلَيْهِ حالة الطاعة ويخفي ضِدَّها» (4).
ويستشعر الشيخ مسؤوليته أمام الله والمجتمع باعتباره عالما، عَلَيْهِ أن يوفي بالعهد، مهما قست الظروف:
«فهل مبلِّغ عَنِّي بني المجد أَنَّنِي عَلَى العهد لا أنفك عَمَّا أطالبه (5)
وإن صوَّبت نحوي الليالي سهامها ودقَّ عظامي من زماني نوائبه» (6)
وتتمثَّل قساوة الظروف خُصُوصًا عندما يصادف المصلحُ ذهنيات أَلِفت التقليد، وقد لا يكون الوضع المراد تغييره محرَّما في ذاته، وَلَكِنَّ الأمر المذموم هو العناد والتمادي عَلَى مخالفة السنَّة من بعد ما تَبَيَّنَ الحقُّ، وَهَذَا ما صادفه السالميُّ في عمله الإصلاحيِّ، إذ يقول في إحدى فتاواه: « ... ونحن لا نقول إِنَّ فعل ذَلِكَ من أصله حرام، وَإِنَّمَا نحرِّم العناد والتمرُّد بعد العلم بِالسُّنَّةِ، فالعلماء يقولون للناس:
__________
(1) ينظر: العقد الثمين، 1/ 426 - 427. جوابات، 5/ 557 - 558.
(2) ينظر: قصيدة بائية (مخ)، ص54. نهضة، ص176.
(3) «عصابة من صوف توضع عَلَى الرأس». ينظر: شرح لبعض المصطلحات العمانيَّة من إعداد د. إبراهيم بن أحمد الكندي، ملحق بجوابات: السالمي، 6/ 634.
(4) العقد الثمين، 1/ 459. جوابات، 5/ 456.
(5) في الأصل: «عما أنا طالبه».
(6) السالمي: الديوان، ص9. عين المصالح، ص55 - 56. الخصيبي: شقائق، 3/ 19. (1/283)
صفحة 284
هَذِهِ سنَّة رَسُول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم، والمعاند يقول: هكذا وجدنا آباءنا فلا نزول عنه، فَهَذَا الذي نحرِّمه ونشدِّد فيه، لأَنَّهُ عناد عَلَى السنَّة النَّبَوِيَّة، وتمرُّد عَلَى مخالفة الحقِّ الواضح» (1). فالناس ـ غالبا ـ عبيد ما ألفوا، إذا دُعوا إِلىَ إصلاح ما بهم من بدع ومنكرات قالوا: { إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى ءَاثَارِهِم مُّقْتَدُونَ } (الزخرف: 23). وسنذكر فيما يأتي نماذج من تلك البدع والمنكرات التي كان للسالميِّ فيها دور لإصلاحها.
?????
__________
(1) العقد الثمين، 2/ 132. جوابات، 1/ 182. (1/284)
صفحة 285
المبحث الثاني
الإصلاح الديني والاجتماعي
عَلَى الرغم من طمع السالمي ويقينه في النصر عَلَى أعدائه، معتمدا عَلَى دعاء الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم لأهل عمان أن لا يسلَّط عَلَيْهِم عدوًّا من غيرهم ـ كما ورد في قِصَّة مازن بن غضوبة، والتي ذكرها السالميُّ مرارا في تآليفه (1) ـ إِلاَّ أَنَّ ذَلِكَ لم يكن باعثا عَلَى التواكل، بل دافعا إِلىَ استنهاض الهمم، آخذا بأسباب التَّقَدُّم والنهوض، متَّبعا للسنن الكونيَّة في التغيير؛ لم يكن من الصنف الذي يبقى جالسا في مكتبه متَّكئا عَلَى أريكته، مستغنيا بالتأليف والتدريس والدعاء، أو مكتفيا بتسجيل مواقف الشجب، وإصدار بيانات التنديد، دون مشاركة عَمَلِيَّة في الحياة الاِجتِمَاعِيَّة والسِّيَاسِيَّة، بل كان يسعى بِكُلِّ ما أوتي من علم وَقُوَّة في العمل الدؤوب، والسعي الجادِّ في الإصلاح في مختلف جوانب الحياة. فابتدأ أَوَّلاً بإصلاح نفسه، وكان أسوة حسنة لغيره، في التفكير السليم، والسلوك القويم، والجهاد العظيم، وحاول أن يتمسَّك في كُلِّ أعماله بهدي النَّبِيء صلَّى الله عليه وسلَّم، وبصحابته الكرام (2)، وعُرف بأخلاقه الفاضلة، وخصاله الكريمة. ثُمَّ سبَّل حياته للدعوة إِلىَ الله، ونبذ البدع وإحياء السنن، ناشرا أفكاره بين تلاميذه وبين كَافَّة من يمتُّ إليهم بصلة، من العَامَّة وأصحاب النفوذ وأعيان البلاد وأمرائها. وكانت مجالسه لا تخلو من فوائد دِينِيَّة ودنيويَّة، وكان رَحِمَهُ اللهُ مشتغلا ـ إضافة إِلىَ التدريس ـ بالإصلاح بين الخصوم، داعيا إِلىَ الخير، آمرا بالمعروف، ناهيا عن المنكر، حاثًّا عَلَى جمع الكلمة وإصلاح الأُمَّة (3). وقد تجلَّى عمله الإصلاحيُّ الجَبَّار في العبادات، والعادات، والمعاملات، والسياسة.
__________
(1) ينظر مثلا قوله بعد أن ذكر انتصار ناصر بن مرشد عَلَى البرتغاليِّين: « ... فهذا ونحوه من بركة دعوة محَمَّد - صلى الله عليه وسلم -، وَهُوَ يطمعنا في القُوَّة بعد الضعف، وفي الاجتماع بعد الفرقة، وفي الظهور بعد الكتمان، يا من يحيي العظام وهي رميم، أحي القلوب بعد موتها، وأيقظ العزائم ... ». بذل المجهود، ص72.
ولم أجد تخريج الحديث المشار إليه في ما بين يدي من مصادر السنَّة الورقية والرقمية.
(2) مُقَدِّمَة محَمَّد إسماعيل لمعارج الآمال، 1/ 4.
(3) ينظر: نهضة، ص119 - 120. أطروحة الهاشمي، ص82. (1/285)
صفحة 286
أَوَّلاً - الإصلاح الديني:
أ - العلم الشرعي:
العلم الذي يقصده السالمي ويحثُّ عَلَى طلبه في كثير من مُؤَلَّفَاته هو ما يَتَعلَّقُ بأمور الدين، وَهُوَ أجلُّ العلوم (1). ويؤكِّد عَلَى وجوب عمل العالم بما علم، إذ لا فائدة في علم لا يثمر عملا؛ كما يجب عَلَى المتعلِّم أن يتزوَّد بالتقوى ليتحصَّل عَلَى العلم النافع. وإذا تأمَّلنا موقف السالميِّ من العلم والتعلُّم في عصره نراه من جهة يشتكي مرارا من انطماس العلم وظهور الجهل، ويقول: « ... وأين علماء المذهب؟! هم وَالله تحت التراب، ولو رأيتم علماء المذهب لعرفتم أَنَّهُم ورثة الأنبياء، وقادة الأُمَّة، هَذَا زمان الجهل! وَالله المستعان» (2)، إِلاَّ أَنَّهُ من جهة أخرى لا ينكر وجود من يحرص عَلَى العلم تحصيلا وتبليغا، وَلَكِن ينعى عَلَيْهِم الرياء والمباهاة وطلب الجاه، عدم الإخلاص لله:
وقد رأيت الناس في زماني لا يطلبون العلم للمنان
لَكِن مباهاة لأهل العلم وحجَّة منهم لأهل الظلم
ويل لمن كان بهذا الحال من العذاب ومن النكال» (3)
كما نعى عَلَى الذين يقرؤون القرآن الكريم دون تدبُّر، ودون تأثُّر بأوامره ونواهيه، وَكَأَنَّهُ نزل عَلَى غيرهم مِمَّن مضى، ولا يدخلون في خطابه، ولا يعني الأُمَّة الحاضرة في شَيْء (4). وحذَّر من مطبوعات النصارى، لأَنَّهُم يحاولون بها تشويه صورة الإِسلاَمِ، وصورة الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم؛ وذَكَر عناوين كتبٍ وقع فيها التحريف (5).
__________
(1) ينظر: جوهر النظام، 1/ 6. بهجة الأنوار، ص5، 10 ...
(2) العقد الثمين، 2/ 236. جوابات، 1/ 482.
(3) جوهر النظام، 1/ 6.
(4) العقد الثمين، 1/ 336 - 337. جوابات، 5/ 554 - 555.
(5) منها: «فقه اللغة» و «مجاني الأدب» ومنها «نهج البلاغة» الذي نسبت فيه أفكار إِلىَ الإمام عليٍّ كرم الله وجهه كذبا. ينظر: بذل المجهود، ص73 - 75. (1/286)
صفحة 287
ب - التصوُّف (1):
كانت الطرق الصوفيَّة منتشرة في عهد السالمي (2)، وإذ كُنَّا نبحث عن نظرته إِلَيْهَا، اعترضنا إشكال يَتَعلَّقُ بموقفه من المتصوِّفة وما يذكرونه من طرق اكتساب العلم، بالرياضة والإلهام والكشف ... خَاصَّةً وقد سبقت الإشارة إِلىَ ما تلقَّاه السالمي من تكوين روحيٍّ عَلَى يد الشيخ محَمَّد السيفي، مِمَّا يدفعنا إِلىَ التساؤل: ما موقف السالميِّ من التصوُّف؟ وهل كان الشيخ السالمي متصوِّفا؟
إِنَّ الجواب يكون من زاويتين:
الزاوية الأولى: قد رأينا كيف استعمل أبو بشير مصطلحاتٍ صوفيَّةً، إذ ذكر أَنَّ السيفي أعطاه «طريقة» مناسبة له، وَأَنَّهُ أمره بـ «الخلوة» و «الرياضة»، حَتَّى ينال مراده من «وهبيات العلم اللدنِّي»، وَأَنَّ الشيخ نور الدين امتثل أمر أستاذه، فكانت له خلوات (3)، والخلوة والعزلة مِمَّا يدعو إِلَيْهِ المتصوِّفة (4). وَعَلَى هَذَا فالجواب المتبادر يكون بالإيجاب.
الزاوية الثانية: أَنَّ أبا بشير هو الوحيد الذي تفرَّد بذكر هَذَا النوع من التكوين، ولم يَرِد فيه ـ ولا في كُلِّ ما اطَّلَعت عَلَيْهِ من التراجم ـ مصطلح «التصوُّف» أو أحد اشتقاقاته، وبناء عَلَى هَذَا فيكون الجواب بالنفي.
__________
(1) توجد عِدَّة أقوال لاشتقاق التصوُّف، فقيل: مشتقٌّ من أهل صفَّة الرَّسُول صلَّى الله عليه وسلَّم، أو من الصف الأَوَّل من حيث محاضرة الله، أو من الصوف، فيقال تصوَّف لمن لبس الصوف، كما يقال: تقمَّص لمن لبس القميص ... وَأَمَّا اصطلاحا فهو: «الدخول في كُلِّ خُلق سَنيٍّ، والخروج من كُلِّ خلق دَنيٍّ»، أو «أن تكون مع الله بلا علاقة»، أو «الأخذ بالحقائق واليأس عَمَّا في أيدي الخلائق» ... إِلىَ غيرها من التعاريف. ينظر: أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري (376 - 465هـ): الرسالة القشيرية في علم التصوُّف، دار الكِتَاب العربي، بيروت، لبنان، 1376هـ/1957م، ص126 - 127.
(2) ينظر: أحمد أمين: زعماء، ص342 - 343، 348.
(3) ينظر: ترجمة السالمي (مخ)، ص4.
(4) يقول القشيري: «ولا بُدَّ للمريد في ابتداء حاله من العزلة عن أبناء جنسه، ثُمَّ في نهايته من الخلوة لتحقُّقه بأُنسه ... [وعليه] أن يعتقد باعتزاله عن الخلق سلامة الناس من شرِّه، ولا يقصد سلامته من شرِّ الخلق». الرسالة القشيرية، ص74. (1/287)
صفحة 288
وَهَذِهِ الْمَادَّة التَّارِيخِيَّة الشحيحة لا تسمح لنا بإصدار الحكم، فَلاَ بُدَّ من الاطِّلاَع عَلَى مواقفه من المتصوِّفة وَبَعض أعمالهم، بتتبُّع آرائه حول ما يَتَعلَّقُ بِبَعْض أحوال الصوفيَّة، ونظريَّاتهم في المعرفة.
1 - استعماله لمصطلحات صوفية:
يقول عن أهل التقى: إِنَّهُم استووا عَلَى بساط القرب وفي حضرة قدسيَّة، «وبساط القرب عبارة عن كون الوصول إِلىَ خير مأمول، إِلىَ مقام المشاهدة ودرجة المكاشفة ... وتقريبُ الله لعبده: ... تخليصُه له من كثيف الغبار. والحضرة: عبارة عن دائرة الكمال» (1). وفي هَذَا الكلام يذكر «مقام المشاهدة»، و «درجة المكاشفة»، و «الحضرة القدسية» ... وهي كلُّها مصطلحات لأهل التصوُّف. وينقل بعد ذَلِكَ كلاما للدمنهوري (2) عن معنى حضرة القدس، وَأَنَّ معناها «الحالة التي إِذَا وصل إِلَيْهَا السالك سُمِّيَ عارفا وواصلا، أن يكون في حالة لا يرى فيها إِلاَّ المولى، أي لا يرى صدور الأشياء عَلَى الحقيقة إِلاَّ منه تَعَالىَ، فانيا عن الأكوان، متوجِّها بقلبه إِلىَ الرحمن، متلقِّفا ما يلقيه المولى سُبحَانَهُ وَتَعَالىَ في قلبه من لطائف العرفان. ولا شَكَّ أَنَّ الوسيلةَ إِلىَ هَذِهِ الحالةِ ذكرُ المولى سُبحَانَهُ وتَعَالىَ». وَهَذَا كلام صوفيٌّ واضح (3)، ولو لم ير السالمي صوابه لَمَا نقَله دون تعليق. ونضيف إِلىَ ذَلِكَ ما ذُكر من أَنَّ السالمي هو الذي أطلق عَلَى الشيخ اطفيَّش لقب «القطب» (4)، وهو مصطلح صوفيٌّ كَذَلِكَ.
__________
(1) بهجة، ص6.
(2) أحمد بن عبد المنعم بن يوسف بن صيام الدمنهوري (1101 - 1192هـ/1690 - 1770م) شيخ الأزهر، له مصنَّفات عِدَّة في الفقه. ينظر: الزركلي: الأعلام، 1/ 164.
(3) ينظر المصطلحات المذكورة: المقام، والحال، والمشاهدة، والمكاشفة، والقرب ... في الرسالة القشيرية، ص32، 40، 42.
(4) مقابلة مع الشيخ الناصر المرموري. (1/288)
صفحة 289
2 - موقفه من المعرفة الصوفية:
نتعرَّض هنا إِلىَ موقفه من العلم اللدنِّيِّ، واكتساب العلم بالإخلاص، والكشف والإلهام، وهي ما وجدناه في تآليفه.
العلم اللدنِّي: سئل السالمي عَمَّا في الدَّلِيل والبرهان للوارجلانيِّ، أَنَّ من حصل له العلم اللدنِّيُّ (أو علم المكاشفة، أو الكشف)، صار علمه فوق علم الملائكة المقرَّبين، والأنبياء والمرسلين الذين «بعثوا في إصلاح الفساد في الظاهر، وبقي عليهم علم الباطن الذي استأثر الله به، إِلاَّ من خصَّه من عباده» (1)، ومن بلغ هَذِهِ المنزلة رُفع عنه الحجاب، وكُشف الغطاء عن قلبه «في جميع [كذا] ما أراد الله - عز وجل - أن يحدثه في خلقه آثره بعلم ذَلِكَ، وخصَّه به، فكانت علومه من لدن الله - عز وجل - لا بواسطة من غيره، كما قال الله - عز وجل -: { ءَاتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا } [الكهف: 65]» (2)، فأجاب السالميُّ بقوله: «لَعَلَّ صاحب الدَّلِيل حكى هَذَا الكلام عن أحد من أهل الضلال فلم يتبع أَوَّله، فَإِنِّي قد وجدته حكى مثل هَذَا المعنى في كِتَاب "العدل والإنصاف" (3) عن أهل الباطن» (4)، ويضيف: إِنَّ أولئك الباطنيَّة كانوا
__________
(1) الوارجلاني أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم (570هـ): الدليل لأهل العقول لباغي السبيل بنور الدليل لتحقيق مذهب الحقِّ بالبرهان والصدق، تحقيق: الشيخ سالم بن حمد الحارثي، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان، 1403هـ/1983م، 3/ 215.
(2) المصدر نفسه، 3/ 221 و237، 308.
(3) ينظر: الوارجلاني أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم: العدل والإنصاف في أصول الفقه والاختلاف، حقَّقه وعلَّق عَلَيْهِ: د. عمرو خليفة النامي، (مرقون)، ص134. وقد ابتدأ كلامه عن الباطنية بقوله: «أَمَّا الباطنيَّة فزعموا أَنَّ الله خاطب العقلاء ذوي الألباب بالأمور الباطنيَّة، وخاطب العَامَّة بالأمور الظاهرة ... » ثُمَّ فصَّل القَضِيَّة وشرحها كما ذكرنا في تلخيص السالمي، وقول الوارجلاني: «زعموا» يوحي بِأَنَّهُ يخالفهم الرأي. وانبرى للردِّ عَلَيْهِم بذكر تأويلاتهم الباطلة، وفضائحهم الأخلاقيَّة، وردَّ قولَهم بتأليه الإمام عليٍّ كرَّم الله وجهه، وبيَّن أَنَّ الأخذ بقولهم ـ أي أنَّ لِكُلِّ لفظ ظاهر وباطن، ممَّا يعدُّ تلاعبًا بمعاني الألفاظ ـ يجعل النقاش معهم متعذِّرا. (ينظر: المصدر نفسه، ص142 - 147).
وَلَكِنَّ الذي يؤخذ عَلَيْهِ أَنَّهُ لم يَرُدَّ عَلَيْهِم قولهم عن التكليف: «فالبداية للأطفال والأغمار من الرجال والنساء، والنهاية لذوي الألباب والعقول» (ص134)، مِمَّا يوحي بموافقته لهم، خَاصَّةً وَأَنَّهُ قد كرَّر في مُؤَلَّفَيْهِ فكرة تدرُّج الإيمان عَبْرَ خمسة مراتب، كُلَّمَا ازداد قُوَّة ورسوخا انتقل إِلىَ المرتبة التي فوقها، وهي: الإيمان، ثُمَّ الظنُّ، ثُمَّ العلم، ثُمَّ اليقين، ثُمَّ المعرفة (وهي الكشف أَو المكاشفة، أو العلم اللدنِّي)، وهي الغاية القصوى للعباد، وهناك يحصل له ما ذكر من كشف الحجاب والاطلاع عَلَى المغيبات، وحصول العلم له من الله بلا واسطة، وتعبُّده بما سنح في خاطره لا بالشريعة ... إلخ (ينظر: العدل والإنصاف، ص373 - 376. الدَّلِيل والبرهان، 3/ 215 - 216، 238 - 239). وَهَذَا مِمَّا أوقعنا في إشكال كبير عن رأيه الفصل في المسألة، لم نعثر له عَلَى حلٍّ عنده ولا عند مَن كَتَبَ عن فكره!.
(4) العقد الثمين، 1/ 55. جوابات، 6/ 134. (1/289)
صفحة 290
مكيدة للإسلام، خدعوا الجهَّال من العوامِّ، ومذهبهم ظاهر البطلان، كيف يدَّعون حصول علم فاق علم الأنبياء والمرسلين والملائكة المقرَّبين، وَأَنَّ الله يُطلعهم عَلَى ما أراد أن يحدثه في خلقه؟! وَالله تَعَالىَ يقول: { فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا اِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ } (الجن: 26 - 27)!. وبيَّن أَنَّ ضلال الصوفيَّة هو قيامهم بأعمال تخالف الشرع ويدَّعون أنَّهُم علموا ما لم يعلم غيرهم (1).
الكشف (2): يقول في أحد أجوبته لَمَّا سئل عن معناه: «لا أعرف علم الكشف ولا انتهيتُ إِلَيْهِ، فكيف أصف ما لا أعرف؟ والموجود في بَعض الكتب أَنَّ الكشف أن يكون الإِنسَان دائم الفكرة في أثر صفات الله تَعَالىَ، فلا يلتفت إِلىَ شَيْء من الموجودات إِلاَّ وَهُوَ يرى لله فيه أثرا ... فيزداد بِذَلِكَ خشية { إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَآءُ } [فاطر: 28]، وَهُوَ العلم الذي أجمعت العلماء عَلَى تفضيله»، ويضيف: إِنَّ لأهل هَذَا النوع من
__________
(1) العقد الثمين، 1/ 52، 54 - 56. جوابات، 6/ 56 - 57، 133 - 136.
(2) الكشف هو «الاطلاع عَلَى ما وراء الحجاب من المعاني الغَيْبِيَّة والأمور الحَقِيقِيَّة وجودا وشهودا». ينظر: علي بن محَمَّد الشريف الجرجاني: كِتَاب التعريفات، مكتبة لبنان، بيروت، 1985م، ص193. جميل صليبا: المعجم الفلسفي بالألفاظ العَرَبِيَّة والفرنسية والإنجليزية واللاتينية، دار الكِتَاب اللبناني، مكتبة المدرسة، بيروت، لبنان، 1982م، 2/ 230 - 232. (1/290)
صفحة 291
الكشف كرامات (1) عظيمة، ككرامة مريم في الرزق (2)، ففي هَذَا الجواب ينفي علمه بحقيقة المصطلح، وَلَكِن يُسَمِّي علم الكشف زيادة خشيةٍ لله، لا زيادة علم، أي معلومات. نلاحظ أَنَّ تفسير السالمي للكشف بزيادة خشية الله يوافق تفسير بعض الصوفيَّة، وإن اختلفت العبارة، إذ تعتبر المكاشفة عندهم من أعلى درجات اليقين، وبطبيعة الحال كلما ازداد المرء يقينا ازداد خشية لله. والمكاشفة هي العلم اللدنِّيُّ، أو المعرفة، بحيث يتدرَّج العبد من الإيمان إِلىَ الظنِّ، فإذا قوي صار علما، ثُمَّ ينتقل إِلىَ اليقين، ثُمَّ إِلىَ المعرفة أَو المكاشفة، ويحصل بتعويد النفس عَلَى العبادات وتواتر الطاعات، «فهنالك يستأنس بربِّه، ويستوحش من أبناء جنسه وتربه، بما عوَّده الله - عز وجل - من استجابة الدعاء، ومن الأنس به دون غيره. فإذا بلغ العبد هَذِهِ المنزلة رفع الله الحجاب بينه وبين خلقه، وانكشف الغطاء عن قلبه» (3).
وفي جواب آخر عَمَّن وهبه الله علما في مكاشفات العلويَّات العظمى، بواسطة تلاوة أسماء الله الحسنى، إلهاما من الله تَعَالىَ، لا تعلُّما من كِتَاب ولا من أحد، هل يكتم ذَلِكَ السِّرَّ أم يفشيه؟ فيجيبه بقوله: يجب عَلَيْهِ أن يكتم سرَّه، لأَنَّهُ إذا أفشاه فلا يخلو حال السامع من أمرين: «إِمَّا أن يصدِّقه فيفتتن، وَإِمَّا أن يكذِّبه فيقع في إنكار ما لا يعلم، غاية الأمر أَنَّ السِّرَّ كاسمه سرٌّ، وَأَنَّ الله تَعَالىَ يهبه لمن يشاء ... » (4)، ونجده في هَذَا الجواب يناقش كتمان العلم الْمُلهَم وإفشاءه، ولا يناقش أصل القَضِيَّة، وَهُوَ: هل يمكن حصول المرء عَلَى علوم وأسرار إلهاما من الله تَعَالىَ دون تعلُّم من كِتَاب أو أحد؟.
__________
(1) ينظر معنى الكرامات، والفرق بينها وبين المعجزات: القشيري: الرسالة القشيرية، ص159 - 161.
(2) العقد الثمين، 1/ 48.
(3) الوارجلاني: الدَّلِيل والبرهان، 3/ 222، 237، وينظر: ص211 - 215. والمكاشفة عند القشيري مرتبة بين المحاضرة والمشاهدة، فـ «ـصاحب المحاضرة يهديه قلبه، وصاحب المكاشفة يدنيه علمه، وصاحب المشاهدة تمحوه معرفته». الرسالة القشيرية، ص40.
(4) العقد الثمين، 1/ 48 - 50. جوابات، 5/ 552 - 563. (1/291)
صفحة 292
وجوابُه بالخوف عَلَى إنكار السامع ما لا يعلم، وبأَنَّ الله يهب سرَّه لمن يشاء، يوحي بموافقته عَلَى إمكانية حصوله. ففي هَذَا الجواب يبدو أَنَّ موقفه في اكتساب أسرارٍ بلا مُعَلِّم هو الحياد.
اكتساب العلم بالإخلاص (1): أَمَّا انفجار الحكمة في قلب من أخلص أربعين يوما، الوارد في الحديث (2)، فهو الهداية: {وَالذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} (العنكبوت: 69)، ولا يعني حصول العلم بالخلوة لأَنَّهُ محال، وعلوم الشريعة سمعيَّة، وقد انسدَّ باب الوحي، فلا تؤخذ إِلاَّ شفاها من الأشياخ أو من آثارهم الصحيحة (3). ونلاحظ في هَذَا الجواب أَنَّ السالمي لو عُنيَ بتخريج الحديث لَمَا تكلَّف تأويله، لأَنَّ نقَّاد الحديث قد حكموا بضعفه. ونخرج من هَذَا الجواب بنتيجة ثالثة وهي: نفي اكتساب العلم الشرعيِّ من غير تعلُّم، فلاَ بُدَّ من القراءة أو المشافهة.
الإلهام (4): وَلَكِن يعكِّر عَلَى كلامنا الأخير قولُ السالميِّ في طلعة الشمس عن الإلهام: إن كان الملهَم ضعيفا فلا يكون الإلهام بنفسه حجَّة إِلاَّ إذا طابق
__________
(1) «الإخلاص هو: إفراد الحقِّ سُبحَانَهُ بالقصد» أو «تصفية الفعل عن ملاحظة المخلوقين». وينظر عِدَّة تعاريف أخرى في الرسالة القشيرية، ص95 - 96.
(2) حديث: «من أخلص لله أربعين يوما ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه». قال العجلوني: رواه أبو نعيم بسند ضعيف عن أبي أَيُّوب، وقال في اللآلئ: رواه أحمد وغيره عن مكحول مرسلا. وروي مسندا من حديث ابن عطية عن ثابت عن أنس بسند فيه يوسف، ضعيف لا يحتج به. ورواه القضاعي عن ابن عباس مرفوعا. وروى ابن الجوزي في الموضوعات نحوه عن أبي موسى مرفوعا. وأورده الصنعاني وقال: إِنَّهُ موضوع. ينظر: إسماعيل بن محَمَّد العجلوني الجراحي (1162هـ): كشف الخفاء ومزيل الإلباس عَمَّا اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس، تحقيق: أحمد القلاش، مُؤَسَّسَة الرسالة، الطبعة الرابعة، بيروت، 1405هـ، 2/ 292 - 293. (برنامج المكتبة الألفية).
(3) العقد الثمين، 1/ 65 - 66. جوابات، 5/ 461 - 463.
(4) الإلهام عند السالمي هو: «إيقاع شَيْء في قلب الوليِّ ينثلج له قلبه، أي يطمئنُّ به صدره». طلعة الشمس، 2/ 188. وعند الوارجلاني هو: علمُ الملائكةِ. والنبوءةُ والوحيُ والإرسالُ: علم الأنبياء. والرُّوعُ والإلقاء والنفث: علم الأولياء والأصفياء العارفين. ينظر: الوارجلاني: العدل والإنصاف، ص31. وينظر تعريف الإلهام عند الفلاسفة: صليبا: المعجم الفلسفي، 1/ 130 - 132. (1/292)
صفحة 293
الشريعة، وَأَمَّا إذا كان مجتهدا فيكون من باب الاستحسان عَلَى بَعض الأقوال في معنى الاستحسان (1)، ويضيف: «وهو عندنا حجَّة عَلَيْهِ» (2)، فالسالميُّ هنا يرفع من شأن الإلهام حَتَّى جعله حجَّة عَلَى صاحبه، وسياق الكلام يَتَعلَّقُ بِالحُجَّةِ الشَّرعِيَّة، لا الحجَّة العَقلِيَّة ولا الذوقيَّة، وقد رأينا نفيه لحصول العلم الشرعي بلا تعلُّم!.
3 - موقفه من بعض أعمال الصوفية وأحوالهم:
الخلوة: يقول في إحدى فتاواه: إِنَّ الخلوة لم تثبت عن رَسُول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم ولا عن أحد من أصحابه، وما فعله من التعبُّد في غار حراء إِنَّمَا كان قبل البعثة، وَحَتَّى لو ثبتت خلوته صلَّى الله عليه وسلَّم بعد البعثة فَذَلِكَ قبل استقرار الشريعة (3).
سقوط التكاليف عن الواصل: سئل السالمي عَمَّا قاله الوارجلاني في الدَّلِيل والبرهان، في مسألة سقوط التكاليف عَمَّن حصل له علم المكاشفة أو العلم اللدنِّيُّ، وَأَنَّهُ ليس عَلَيْهِ من شريعة محَمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم شَيْء، فليس عَلَيْهِ الأمر بالمعروف ولا النهي عن المنكر، ويكون له مطلق التَّصَرُّف فيما أراه الله، كالملائكة المقرَّبين، كعزرائيل في الأرواح، وجبريل في الشرائع، وإسرافيل في الفانيات، فالخضر لا يلزمه من شريعة محَمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم شَيْء، وَإِنَّمَا هو متعبَّد بما خصَّه الله به من العلم اللدنيِّ ... والوارجلانيُّ لم يُوَضِّح هل يمكن أن يحصل هَذَا العلم لغير الخضر أم لا؟ وهل يمكن أن يحصل لأحد بعد شريعة محَمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم أم لا؟ ظاهر كلامه يفيد إمكانيَّته كما سيأتي في المناقشة (4) ...
__________
(1) اختلفت تعريفات الأصوليين للاستحسان، منها: أَنَّهُ «دليل ينقدح في ذهن العالم المجتهد تقصر عن إظهاره عبارته»، ومنها أَنَّهُ «عدول عن الدَّلِيل إِلىَ العادة للمصلحة». ينظر: الوارجلاني: العدل والإنصاف، ص346. السالمي: طلعة الشمس، 2/ 186.
(2) طلعة الشمس، 2/ 188.
(3) العقد الثمين، 1/ 66. جوابات، 5/ 462.
(4) ينظر: الدَّلِيل والبرهان، 3/ 215 - 216، 221 - 222، 236 - 237. (1/293)
صفحة 294
وقد رَدَّ السالميُّ عَلَى تعلُّق الصوفيَّة بقصَّة الخضر إذ يقول: «ولا تعلُّق لهم بقصَّة الخضر، فقد اختصَّه الله بالعلم اللدنِّي اتِّفَاقًا، وبشريعة غير شريعة موسى - عليه السلام -؛ ومن خالف في شَيْء مِمَّا لا تسعه فيها المخالفة فهو ضالٌّ مبطل فاسق لا تُقبل شهادته، «وإن خرقت لَهُ العادات، ومشت وراءه الجبال، وفلق له البحر، ومشى عَلَى الهواء» (1).
ونلاحظ أَنَّ السالمي هنا لم يكن رَدُّه حاسما، واكتفى بتفسيق من خالف الشرع، لأَنَّ للصوفيَّة جوابا عَلَى هَذَا، وهو: إذا كان هَذَا العلم قد حصل للخضر، بحيث خرج من حيِّز الْمُكَلَّفِينَ ذوي الشرائع، فما المانع من حصوله لغيره؟.
ويمكن أن نناقش هَذَا الرأي بما يأتي:
· لا يمكن أن يَخْتَصَّ الخضر ولا غيره من العارفين بشريعة بعد شريعة محَمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم؛ لأَنَّهَا ناسخة لِكُلِّ الشرائع إجماعا، وَحَتَّى ولو كان موسى وعيسى حيَّين، لم يسعهما إِلاَّ اتِّبَاعه صلَّى الله عليه وسلَّم (2)، وَلَكِنَّ الوارجلاني يناقش هَذَا ويقول: «نعم، إِنَّ عيسى بعث بالشريعة كمحمَّد - عليه السلام -، ومن العادة [أَنَّ] الآخر ينسخ الأَوَّل، فشريعة عيسى سبقت، وتأخرت شريعة محَمَّد - عليه السلام -، لَكِنَّ العلم اللدنِّي ناسخ لو ورد» (3). ويجاب بِأَن لا دَلِيل من القرآن ولا من السنَّة عَلَى اختصاص الخضر بشريعة بعد شريعة محَمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم، بله أن يختصَّ بِذَلِكَ غير الخضر من العارفين.
·
__________
(1) العقد الثمين، 1/ 52. جوابات، 6/ 56 - 57.
ونلاحظ أَنَّ السالمي هنا ينفي دلالة الكرامات عَلَى صدق من ظهرت عَلَيْهِ، بينما يرى القشيري أَنَّهَا دَالَّة عَلَى صدقه. ينظر: الرسالة القشيرية، ص158.
(2) قال - صلى الله عليه وسلم -: « ... لقد جئتكم بها بيضاء نقيَّة، ولو كان موسى حَيًّا ما وسعه إِلاَّ اتِّبَاعي». البيهقي أبو بكر أحمد بن الحسين (384 - 458هـ): شعب الإيمان، تحقيق: محمد السعيد بسيوني زغلول، الطبعة الأولى، دار الكتب العِلمِيَّة، بيروت، 1410هـ، ج1/ص200.
(3) الوارجلاني: الدَّلِيل والبرهان، 3/ 216. (1/294)
صفحة 295
لقد أجمع (1) العلماء عَلَى أَنَّ الرسول محَمَّدًا صلَّى الله عليه وسلَّم بعث للكافَّة، لعموم قَوله تَعَالىَ: { وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ } (سبأ: 28)، ولو كان هَذَا العموم مخصَّصا بمن أوتي العلم اللدنِّيَّ لاشتُهر.
· إِنَّ إمكانية تكرار إتيان العلم اللدنِّيِّ لغير الخضر، محتاج إِلىَ دَلِيل، ولا دَلِيل له غير القياس على الخضر، وحجَّة القياس ظنِّيَّة.
· إذا كان الرَّسُول صلَّى الله عليه وسلَّم يقول: «لَنْ يَبْقَى بَعْدِي مِنَ النُّبُوَّةِ إِلاَّ الْمُبَشِّرَاتُ، فَقَالُوا: وَمَا الْمُبَشِّرَاتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الرَّجُلُ الصَّالِحُ أَوْ تُرَى لَهُ، جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ» (2)، فكيف يكتفي الرَّسُول صلَّى الله عليه وسلَّم بذكر الرؤيا وهي ظَنِّيَّة، لا تبلغ سوى جزء من سِتَّة وأربعين جزءا من النبوة، ويَدَعُ العلم اللدنِّيَّ الذي ـ حسب رأي الوارجلاني ـ بلغ من اليقين درجة أعلى من نصوص الوحي، حَتَّى إِنَّهُ يمكن أن ينسخ الشريعة؟!!.
· ومجاراة للمتصوِّفة يمكننا القول: إذا اعتقدنا الكمال الإِنسَانيَّ في النَّبِيء محَمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم، وأفضليَّته عَلَى الخلق أجمعين، فَهَذَا يعني أَنَّهُ جمع بين الشريعة والحقيقة، وإذا كان الخضر قد تفوَّق عَلَى سَيِّدنَا موسى - عليه السلام - من حيث الحقيقة (العلم اللدنِّي، الذي يفوق علم الملائكة المقرَّبين، والأنبياء والمرسلين!!)، فلا دَلِيل من النقل عَلَى تفوُّقه عَلَى سَيِّدنَا محَمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم، لا في الحقيقة ولا في الشريعة؛ لأَنَّ هَذَا من الأمور التي لا تثبت إِلاَّ بالدليل النقلي.
__________
(1) ينظر: ابن أبي العز: شرح العقيدة الطحاوية، المكتب الإِسلاَمِي، بيروت، الطبعة الرابعة، 1391هـ، 1/ 178. البهوتي منصور بن يونس: كشف القناع عن متن الإقناع، دار الكتب العِلمِيَّة، 5/ 33. (برنامج مكتبة العقائد والملل، إعداد: الخطيب للتسويق والبرامج، إشراف: مركز التراث لأبحاث الإعلام الآلي، عمَّان، الأردن، الإصدار: 1.5، 1419هـ/1999م. برنامج جامع الفقه الإسلامي: [مُؤَسَّسَة] حرف لتقنية المعلومات، القاهرة، مصر، الإصدار الأَوَّل، أكتوبر 1998م).
(2) رواه الإمام مالك في الموطأ، كِتَاب الجامع، باب ما جاء في الرؤيا، حديث رقم 1783. (1/295)
صفحة 296
رؤية النَّبِيء صلَّى الله عليه وسلَّم: لقد بدا موقف السالمي واضحا من ادِّعاء بَعض الصوفيَّة رؤية النَّبِيء صلَّى الله عليه وسلَّم، إذ رَدَّ عَلَيْهِم بِأَنَّ الصحابة ــ وهم أكرم الخلق بعد الأنبياء ــ كانوا أَشَدَّ الناس شوقا إلى رؤيته صلَّى الله عليه وسلَّم في وقت الاستقرار، وكانوا أحوج الناس إِلَيْهِ أَيَّام الفتن، «فما رآه المشتاق، ولا لقيه المحتاج، أَ أُكرِم هَؤُلاَءِ [الصوفية] بخصوصيَّةٍ ما أُكرم بها أصحاب محَمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم!! زيَّن لهم الشيطان سوء أعمالهم، وصدَّهم عن السبيل، وجعلوا الخرافات أصل طريقتهم، والتخييلات قاعدة سيرتهم، والوهميَّات غاية مقصدهم» (1)، ففي هَذَا الردِّ الشديد نفى نفيا قاطعا إمكانية رؤية النَّبِيء صلَّى الله عليه وسلَّم بعد وفاته. ولا يَتَحَدَّثُ السالمي هنا عن رؤيا النَّبِيء صلَّى الله عليه وسلَّم في المنام فهي حقٌّ (2)؛ لأَنَّهَا ثابتة بالحديث الصحيح، وهو قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: « ... مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لاَ يَتَمَثَّلُ فِي صُورَتِي ... » (3)، وَإِنَّمَا كلامه عن رؤية الرَّسُول صلَّى الله عليه وسلَّم في اليقظة، وقد رَدَّ العلماء السابقون عَلَى القائلين بجواز رؤيته صلَّى الله عليه وسلَّم بما يأتي:
· أَنَّهَا لم تقع للصحابة ولا للتابعين، ومن ادَّعَى رؤيته فَإِنَّهُ جنِّيٌّ تَمَثَّلَ في صورته (4).
· ما روي عن بعض الصالحين من رؤيته صلَّى الله عليه وسلَّم أمرٌ مشكل جدًّا، لأَنَّهَا تستلزم أن يكونوا صحابة، وَأَنَّ الصحبة باقية إِلىَ يوم القيامة.
· أَنَّ جمعا كبيرا من الصالحين رأوه في المنام، ولم يَذكُر واحدٌ منهم أَنَّهُ رآه في اليقظة (5).
__________
(1) العقد الثمين، 1/ 58. جوابات، 5/ 576.
(2) ينظر: أبو العَبَّاس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (661 - 728هـ): كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية في العقيدة، تحقيق: عبد الرحمن محَمَّد قاسم النجدي، مكتبة ابن تيمية، 1/ 173. ابن تيمية: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، تحقيق: د. علي ناصر ود. عبد العزيز العسكر ود. حمدان محمد، الطبعة الأولى، دار العاصمة، الرياض، 1414هـ، 2/ 326. (برنامج مكتبة العقائد والملل).
(3) صحيح البخاري، كِتَاب العلم، باب إثم من كذب عَلَى النَّبِيء - صلى الله عليه وسلم -، رقم 110، ج1/ص52.
(4) ينظر: ابن تيمية: المصدران السابقان.
(5) ينظر: فتح الباري، 12/ 384 - 386. (برنامج المكتبة الألفية). (1/296)
صفحة 297
والنتيجة التي نخرج بها من خلال هَذِهِ الْمَادَّة العِلمِيَّة القليلة أَنَّ السالمي ـ من جهة ـ لم يُذكر عنه، ولم يُصَرِّح بكونه متصوِّفا، وَأَنَّهُ انتقد بشدَّة بَعض أحوال الصوفيَّة، وَلَكِنَّهُ من جهة أخرى استخدم عبارات صوفيَّة في بعض تآليفه، ولم ير مانعا من أن يتفضَّل الله عَلَى من بلغ درجة عليا من الخشية بالكرامات المَادِّيَّة أو الْمَعنَوِيَّة. وَأَمَّا أن يكتسب المريد معلومات شَرعِيَّة فَهَذَا ما رفضه الشيخ؛ لأَنَّ علوم الشرع سمعيَّة، فعلوم الحقيقة يمكن الحصول عَلَيْهَا بالإلهام، وَأَمَّا علوم الشريعة فلا بُدَّ فيها من الوحي (نصوص القرآن وَالسُّنَّة). ويبقى الإشكال قائما في مسألة الإلهام، إذ إِنَّ النصوص التي بين أيدينا لا تعطينا موقفه الواضح الصريح، وما دمنا لا نعلم الْمُتَقَدِّم والمتأخِّر من أقواله، فلا نستطيع الحكم بمستقرِّ رأيه، ولا يزال الموضوع بحاجة إِلىَ مزيد بحث، سواء عند السالمي والوارجلاني، أم عند الإِبَاضِيَّة عُمُومًا.
وأخيرا يمكن القول: رغم ما تَقَدَّمَ من رأي السالميِّ في حجِّيَّة الإلهام، إِلاَّ أَنَّهُ كان دوما يدعو إِلىَ السعي في طلب العلم، وخصَّص فصولا طويلة في كتبه العقديَّة والفقهيَّة لفضل العلم والحثِّ عَلَى اكتسابه، وجَمَع عِدَّة أحاديث تَتَعَلَّقُ بالموضوع، وَهَذَا السعيُ والجدُّ هو ما طبَّقه في حياته، وغَرَسه في نفوس تلاميذه. وبهذه النظرة التي تجمع بين المدد الربَّانيِّ، وبين العمل الإِنسَانيِّ، باتِّخَاذ الأسباب، ينبذ السالميُّ كُلَّ أشكال التواكل والكسل، استنادا إِلىَ إمكانية التعلُّم من غير مُعَلِّم، بِمُجَرَّدِ ترديد ألفاظ، وممارسة حركات، بلا كدٍّ أو جدٍّ أو سعي ...
جـ - الاعتقاد:
رأينا فيما سبق ما ألَّفه السالميُّ في مجال العقيدة نظما، ولم يكتف بِذَلِكَ بل شرح منظومته «أنوار العقول» شرحين، ليسهل حفظها بعد فهم معانيها، وتنال بِذَلِكَ شهرة واسعة عند العوامِّ والطلبة وَالْمُتَخَصِّصِينَ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى اهتمامه البالغ بالعقيدة، فالعقيدة الصحيحة الراسخ هي المحرِّك والدافع إِلىَ استرخاص كُلِّ غال في سبيل الله. وَعَلَى النقيض من ذَلِكَ فَإِنَّ نفوسا ضعيفة تتذلَّل للحجر والشجر (1/297)
صفحة 298
والأرواح، فَإِنَّهَا تتذلَّل أَيضًا للحكَّام والولاة الظالمين والأغنياء، ولا تستطيع الوقوف في وجوههم، للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
بعد دعوة السالمي إِلىَ تصحيح العقيدة وترسيخها في النفس، والتمسُّك بما جاء في القرآن وَالسُّنَّة، نجده يركِّز عَلَى الدعوة إِلىَ التمسُّك بالمذهب الإِبَاضِي، لأَنَّهُ يُمَثِّلُ ـ في نظره ـ الحقَّ وَهُوَ أحقُّ أن يُتَّبع، والحقُّ هو ما عَلَيْهِ رَسُول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم وأصحابه، وَالإِبَاضِيَّة هم التابعون لهم بإحسان، لم تمل بهم الأهواء، «وهم أهل الاستقامة في الدين، الذين بذلوا مهجهم، وجادوا بأرواحهم، وأفنوا أشباحهم في رضا رَبِّ العالمين» (1)، ويشيد دوما بالتاريخ المشرق للإباضيَّة، وبعلمائهم وأئمَّتهم العدول، وأبطالهم الشراة (2). وَهَذِهِ الدعوة إِلىَ التمسُّك بالمذهب أمر بدهيٌّ، لا يكاد يختلف من عالم لآخر، إذ لو لم ير أحقِّيَّة مذهبه لَمَا اتَّبَعَه، هَذَا من جهة، ومن جهة أخرى فإِنَّ العقيدة هي العامل الوحيد الذي يمكن به توحيد البلاد، والقضاء عَلَى الروح القبليَّة (3). وَهُوَ مع ذَلِكَ لم يكن متعصِّبا ضِدَّ المذاهب الإِسلاَمِيَّة الأخرى، بل كان ـ كما يقول الشيخ الخليلي ـ «يحرص عَلَى حسن الظنِّ بالمسلمين الذين يدينون لله تَبَارَكَ وَتَعَالىَ بالشهادتين،
__________
(1) بذل المجهود، ص75 - 76.
(2) ينظر عَلَى سبيل المثال: جوهر النظام، 4/ 551 - 552، 626.
والشراة، جمع شارٍ، وَهُوَ الذي باع نفسه لله، وسبَّلها للجهاد، أخذا من قَوله تَعَالىَ: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُومِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالاِنجِيلِ وَالْقُرْءَانِ وَمَنَ اَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَالِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} (التوبة: 111)، والشراء من مسالك الدين عند الإِبَاضِيَّة: وَهُوَ أن يخرج المجاهد من بيته في أربعين نفرا فما فوق، آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر، ولا يعودون إِلاَّ بعد الانتصار، أو حَتَّى لا يبقى منهم سوى ثلاثة أو أقل. قال السالميُّ: «والشراء درجة عظيمة لا يدركها إِلاَّ الخواصُّ من الخواصِّ». السالمي: تحفة، ط. 1347هـ، 2/ 218. ينظر: الوارجلاني: الدَّلِيل والبرهان، 3/ 198. جهلان عدون: الفكر السياسي عند الإِبَاضِيَّة من خلال آراء الشيخ محَمَّد بن يوسف اطفيَّش، جمعِيَّة التُّرَاث، القرارة - غرداية، [1411هـ/1991م]، ص160 - 164.
(3) العزري: فكر السالمي، ص169. (1/298)
صفحة 299
أَنَّ للشهادتين حرمة عظيمة، ومن أمثلة ما قاله ما جاء في أرجوزته " كشف الحقيقة لمن جهل الطريقة " عندما قال:
ونحن لا نطالب العبادا فوق شهادتيهم اعتقادا
فمن أتى بالجملتين قلنا إخواننا وبالحقوق قمنا ... » (1)
عمل السالمي عَلَى إبطال بَعض البدع الاعتقاديَّة، كتعظيم بعض الأشياء، واعتقاد أَنَّهَا تملك النفع أو الضرَّ، كشجرة أَو عين أو قبر أو مسجد، ويعتبر هَذَا شركا بِاللهِ، فالنافع الضارُّ هو الله وحده، وأهل الجَاهِلِيَّة مع أَنَّهُم لم يكونوا يعتقدون النفع والضرَّ فيما يعبدونه من أصنام، وَإِنَّمَا عبدوها لتقرِّبهم إِلىَ الله، لم ينفعهم ذَلِكَ، وقد حكم عَلَيْهِم القرآن بالشرك، وما يفعله المسلمون اليوم ـ كما يضيف السالمي ـ من تقديس بَعض الأشجار والذبح لها وتعليق الجلود عَلَيْهَا أشبه ما يكون بأفعال الجَاهِلِيِّين، إذ كانت لهم شجرة ذات أنواط، وقد أنكرها الرَّسُول صلَّى الله عليه وسلَّم إنكارا شديدا (2).
وحارب السالمي الشعوذة وما يَتَّصِلُ بها من كِتَابة الطلاسم والحروز والعزائم، ورأى أَنَّ السبب في لجوء الناس إِلىَ هَذِهِ الطرق هو ضعف الإيمان في القلوب. فحين سئل عن كِتَابة الطلاسم لمعرفة بَعض المغيبات قال: إِنَّهُ نوع من الكهانة؛ لأَنَّ الغيب لا يعلمه إِلاَّ الله، ولا يغرَّنَّ أحدًا ذِكْرُه في كتب بَعض
__________
(1) الخليلي: منهج السالمي، قراءات، ص29. والبيتان من كشف الحقيقة، ص25.
(2) ينظر: العقد الثمين، 1/ 168 - 169. جوابات، 6/ 237 - 238. المرموري: السالمي المجتهد، قراءات، ص61.
أخرج الترمذي في سننه أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لَمَّا خرج إلى خيبر مَرَّ بشجرة للمشركين يقال لها ذات أنواط يعلِّقون عليها أسلحتهم، فقالوا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «سبحان الله! هذا كما قال قوم موسى: {اجْعَل لَنَآ إِلَهًا كَمَا لَهُمُ ءَالِهَةٌ} [الأعراف: 138] والذي نفسي بيده لتركبنَّ سنَّة من كان قبلكم» قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. محمد بن عيسى أبو عيسى الترمذي السلمي (209 - 279هـ): الجامع الصحيح سنن الترمذي، تحقيق: أحمد محمد شاكر وآخرون، دار إحياء التراث العربي، بيروت، كِتَاب الفتن، باب: ما جاء لتركبنَّ سنن من كان قبلكم، حديث رقم 2180، ج4/ص475. (برنامج المكتبة الألفية، برنامج موسوعة الحديث الشريف). (1/299)
صفحة 300
العلماء، فَإِنَّهُم لو سئلوا عنه لمنعوه، وَحَتَّى ولو جوَّزوه فلا يمكن الاحتجاج بقولهم إذا صادم الشرع، لأَنَّهُ لا عصمة لأحد بعد النَّبِيء صلَّى الله عليه وسلَّم. ويبدي السالميُّ نوعا من التردُّد في تناوله لقضيَّة الطلاسم، ثُمَّ يتشجَّع لإبداء رأيه فيقول: «ثُمَّ إِنَّ في الطلسمات ما فيها، حَتَّى إِنَّ بَعضهم جعلها نوعا من السحر، ولا أقول فيها شَيْئًا لكثرة استعمال متأخِّري أصحابنا لها، فلو لم يظهر لهم جوازها ما فعلوه، غير أَنِّي أقول: إِنَّهَا مبتدعة قطعا؛ لأَنَّ السيرة النَّبَوِيَّة في الطريقة الصحابيَّة خالية منها، وَكَذَلِكَ مَن بعدهم من التابعين ... وَلَعَلَّ أصلها أخذ من اليهود، فإنَّهُم المعروفون بِذَلِكَ في سالف الزمان، وقد أغنانا الله عن علومهم بالعلم الذي جاء به رَسُول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم من رَبِّهِ ... » (1)، ونلاحظ كيف أبدى تحفُّظه من القَضِيَّة لا لِشَيْءٍ إِلاَّ لأَنَّ بَعض العلماء استعملوها، وَإِنَّمَا كان رأيه الشخصيُّ هو المنع، كما يَتَّضِحُ من فتاوى أخرى في هَذَا الموضوع (2). فالسالميُّ في هَذِهِ القَضِيَّة تنازعه شعوران: الولاء لعلماء مذهبه، والولاء لِلْحَقِّ، حَتَّى انتصر الحقُّ، وأرجع أصل الطلاسم إِلىَ اليهود. وَهَذَا نموذج من معاناة العالم المصلح بين الحقِّ وواقع الأمور (3). وحين سئل عن الحروز التي فيها صُوَرٌ أجاب: « ... انِّي أكره كِتَابتها من غير تصوير، فكيف الحال مع التصوير؟! { وَمَنْ يَّتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ } [الطلاق: 3]، وقد ضعف في زماننا اليقين فعوَّلوا عَلَى الحروز، وليت شعري هل كان هَذَا في عهد الصحابة؟! ... » (4). ونلاحظ كيف أصَّل القضيَّة إذ أعادها إِلىَ الرَّسُول صلَّى الله عليه وسلَّم وَإِلىَ الصحابة، ففي علومهم ما يغني عن الحروز والطلاسم وما شابهها.
وحسب تتبُّعنا للمادَّة التَّارِيخِيَّة للإصلاح العقديِّ عند السالمي يظهر أَنَّهُ لَمَّا سعى في ذَلِكَ لم يبدأ بتحطيم المظاهر الْمَادِّيَّة للشرك، من أشجار وأحجار ـ على
__________
(1) العقد الثمين، 1/ 50 - 51. جوابات، 5/ 484 - 485.
(2) ينظر: العقد الثمين، 1/ 51، 57 - 58، 404. جوابات، 5/ 434، 489 - 490، 574 - 575.
(3) تعليق للأستاذ مصطفى بن الناصر وينتن على مسودة هذا البحث.
(4) العقد الثمين 1/ 422. 5/ 516 - 517. (1/300)
صفحة 301
قلَّتها في عمان ـ كما كان من بَعض المصلحين (1)، وَإِنَّمَا حطَّمها من القلوب أَوَّلاً، بنشر العقيدة الصحيحة التي يبثُّها من حين لآخر في خطبه وأشعاره ومؤلَّفاته وفتاواه، وهو المنهج الذي اتَّبَعَه الرسول الكريم صلَّى الله عليه وسلَّم، وهو في مَكَّة طوال ثلاثة عشر عاما.
د - الصراع المذهبي:
نعى السالمي عَلَى المسلمين اختلافهم وصراعهم المذهبيَّ، ودعا إِلىَ الإصلاح حَتَّى بين من يختلف معهم في المذهب. وقد سئل ذات مَرَّة عن حكم الصلح بين جماعتين وهَّابيَّتين ــ عَلَى الرغم مِمَّا عرفتا به من عدائهما لأهل مذهب السالمي ـ وقال السائل: إِنَّ في افتراق هَؤُلاَءِ الوَهَّابيَّة (2) مصلحة للإِبَاضِيَّة، وفي صلحهما ضرر، وَلَكِنَّ السالميَّ أجاب بقوله: «للأمور اعتبارات وأحوال، وربَّ حال تراه بعينك ضررا، وَهُوَ في عينِ مَن كان أَبْصَرَ منك صلاحٌ ... لَكِن رُبَّمَا يكون في السعي بينهم مصلحة أخرى لتقويم أمر الدين، كتأليف قلوبهم، وتطييب خواطرهم، وتقريبهم من المسلمين (3)، حَتَّى يندفع بِذَلِكَ من الشرِّ ما لا يندفع بالبأس ... » (4).
__________
(1) مثل الشيخ محَمَّد بن عبد الوَهَّاب. ينظر: أحمد أمين: زعماء، ص24.
يقول الخوري: بقدر انتشار المزارات والأضرحة لدى الشيعة قصد التبرك والتقرب، فَإِنَّهَا منعدمة عند الإِبَاضِيَّة «ويعود السبب في ذَلِكَ إِلىَ الإيمان الراسخ عندهم أَنَّ "في كُلِّ نفس إمام"». الخوري: إمامة الشهيد، ص87.
(2) تَقَدَّمَ التعريف بالوهابيَّة. ينظر: ص 173 من البحث. ولكي نفهم عداء هَذَا السائل للوهَّابية ينبغي أن نضع في الحسبان أمرين: الأَوَّل عقديٌّ، وهو الاختلاف في بعض القضايا الكلاميَّة، والثاني سياسيٌّ، وهو ما تلقَّته إمامة عزان من ضربات موجعة عَلَى يد الوَهَّابيِّين عجَّلت بسقوطها.
(3) إذا أطلقت لفظة} المسلمين} ـ في مُؤَلَّفَات السالمي أو غيرها ـ في مقابل مخالفي الإِبَاضِيَّة فالمقصود بها: الإِبَاضِيَّة، من باب إطلاق العامِّ عَلَى الخاصِّ، ولا ينبغي أن نحملها بمفهوم المخالفة في حقِّ غيرهم. وإذا أطلقت في مقابل المشركين فالمقصود بها عموم المسلمين بمختلف مذاهبهم. ينظر: معمر علي يحيى: الإِبَاضِيَّة بين الفرق الإِسلاَمِيَّة عند كتَّاب المقالات في القديم والحديث، مكتبة وهبة، القاهرة، الطبعة الأولى، 1396هـ/1976م، ص309 (هامش).
(4) العقد الثمين، 1/ 179 - 180. جوابات، 4/ 593 - 594. (1/301)
صفحة 302
ونرى من الأَهَمِّيَّة بمكان أن ننقل نَصًّا ـ وإن كان مطوَّلا ـ من جواب السالمي لسؤال ورد إِلَيْهِ من المجاهد الليبيِّ سليمان باشا الباروني (1)، عن أسباب الفرقة بين المسلمين، ومدى إمكانيَّة توحيدهم، والسبل الكفيلة بذَلِكَ مَادِّيًّا وزمانيًّا ومكانيًّا؟ فأجاب السالميُّ بقوله: « ... نعم نوافق أَنَّ منشأ التشتيت اختلاف المذاهب، وتشتُّت الآراء، وَهُوَ السبب الأعظم في افتراق الأُمَّة، عَلَى حسب ما اقتضاه نظركم الواسع في بيان الجامعة الإِسلاَمِيَّة. وللتفرُّق أسباب أخرى، منها: التحاسد أو التباغض، والتكالب عَلَى الحظوظ العاجلة، ومنها: طلب الرياسة والاستبداد بالأمر ... وجمع الأُمَّة عَلَى الفطرة الإِسلاَمِيَّة بعد تشعُّب الخلاف ممكن عقلا، مستحيل عادة، وإذا أراد الله أمرا كان، { لَوَ اَنفَقْتَ مَا فِي الاَرْضِ جَمِيعًا مَّآ أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمُ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } [الأنفال: 63]، والساعي في الجمع مصلح لا محالة. وأقرب الطرق له أن يدعو الناس إِلىَ ترك الألقاب المذهبيَّة ويحضَّهم عَلَى التسمِّي بالإسلام، فَإِنَّ الدين عند الله الإِسلاَم، فإذا أجاب الناس إِلىَ هَذِهِ الخصلة العظيمة ذهبت عنهم العصبيَّة المذهبيَّة ولو بعد حين، فيبقى المرء يلتمس الحقَّ لنفسه، ويكون الحقُّ أَوَّلاً عند آحاد الرجال، ثُمَّ يفشو شَيْئًا فَشَيْئًا، حَتَّى يرجع إِلىَ الفطرة، وهي دعاية الإِسلاَمِ، التي بعث بها محَمَّد عَلَيهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ، وتضمحلُّ البدع شَيْئًا فَشَيْئًا، فيصير الناس إخوانا، ومن ضَلَّ فَإِنَّمَا يضلُّ عَلَى نفسه. ولو أجاب الملوك والأمراء إِلىَ ذَلِكَ لأسرع في الناس قبولهم، وكفيتم مؤونة الغرم، وإن تعذَّر هَذَا من الملوك فالأمر عسير، والمغرم ثقيل. وأوفق البلاد لِهَذِهِ الدعوة مهبط الوحي، ومتردَّد الملائكة، ومقصد الخاصِّ والعامِّ: حرم الله الآمن، لأَنَّهُ مرجع الكلِّ. وليس لنا مذهب إِلاَّ الإسلام، فمن ثمَّ تجدنا نقبل الحقَّ مِمَّن جاء به، وإن كان بغيضا، ونردُّ الباطل على من جاء به وإن كان حبيبا، ونعرف الرجال بالحقِّ، فالكبير عندنا من وافقه، والصغير من
__________
(1) تقدمت ترجمته، ينظر: ص 88 من البحث. (1/302)
صفحة 303
خالفه، ولم يشرِّع لنا ابن إباض مذهبا، وإنَّما نُسبنا إليه لضرورة التمييز، حين ذهب كلُّ فريق إلى طريق، وأمَّا الدين فهو عندنا لم يتغيَّر، والحمد لله» (1).
ولا يخفى ما في هَذَا التحليل من واقعيَّة ووعي بأسباب فرقة المسلمين، الدِّينِيَّة والسِّيَاسِيَّة والذاتيَّة، وهو شبيه بطرح الكواكبي (2) الذي اقترح إنشاء جمعية دائمة غير حكومية، تعنى بإصلاح وضع المسلمين، يكون مركزها مَكَّة، «ولا تتقيَّد بمذهب ديني خاصٍّ، ويكون شعارها: ”لا نعبد إلاَّ الله“» (3).
ونلاحظ أَنَّ السالمي ألقى بالمسؤوليَّة في جمع الشمل عَلَى عاتق الحكَّام والأمراء، وَهَذَا أمر معقول إِلىَ حدٍّ بعيد، فالعالم الإِسلاَميُّ في ذَلِكَ العهد ـ وإِلىَ اليوم ـ يعاني من أزمة حكَّامه، الذين لا يحقِّقون آمال شعوبهم في جمع الكلمة، وإنفاق الأموال الطائلة من أجل زيادة تشتيت المسلمين (بالسباق نحو التسلح، وتسخير أجهزة الإعلام المضاد، وأجهزة الاستخبارات ... )، ولا ينفقون عشر معشار ذَلِكَ في الصلح بينهم، وتوحيد صفوفهم!.
وَلَكِن ما يأمله السالمي من عدم التسمِّي بالألقاب المذهبيَّة والعودة إِلىَ الفطرة الإِسلاَمِيَّة أمر نظريٌّ وليس واقعيًّا، لأَنَّ العودة إِلىَ الفطرة المذكورة ـ وَلَعلَّهُ يقصد بها الرجوع إِلىَ الكِتَاب وَالسُّنَّة دون تقليد ـ تفضي إِلىَ ما يُسَمَّى بـ «اللامذهبية» (4)، وإلى ظهور مذاهب جديدة؛ لأَنَّ تصحيح النصوص وتضعيفها وفهمها والترجيح بينها ... سيختلف حتما من عالم لآخر (5)، كما اختلف العلماء السابقون تماما، وهم أقرب مِنَّا إِلىَ المنابع الأولى للشريعة الإِسلاَميَّة، وهكذا تختلف الأُمَّة وتفترق في سلسلة من المذاهب لا تنتهي.
__________
(1) العقد الثمين، 1/ 126 - 127. نهضة، ص123 - 124.
(2) عبد الرحمن الكواكبي (1265 - 1320هـ/1849 - 1902م): ينظر ترجمته وأعماله: أحمد أمين: زعماء الإصلاح، ص319 - 355. الزركلي: الأعلام، 3/ 298.
(3) أحمد أمين: زعماء الإصلاح، ص351.
(4) ينظر: د. محَمَّد سعيد رَمَضَان البوطي: اللامذهبية أخطر بدعة تهدِّد الشريعة الإِسلاَمِيَّة، دار الهدى للطباعة والنشر والتوزيع، عين مليلة، الجزَائِر، 1990م، ص14 وما بعدها.
(5) ينظر الأسباب التي ذكرها السالمي للاختلاف بين الفقهاء: معارج الآمال، 1/ 14 - 23. (1/303)
صفحة 304
وقوله: «فَإِنَّ الدين عند الله الإِسلاَم ... ويكون الحقُّ أَوَّلاً عند آحاد الرجال، ثُمَّ يفشو شَيْئًا فَشَيْئًا، حَتَّى يرجع إِلىَ الفطرة»، مع قوله في نفس الجواب: «وليس لنا [أي الإِبَاضِيَّة] مذهب إِلاَّ الإِسلاَم ... وَأَمَّا الدين فهو عندنا لم يتغيَّر والحمد لله» (1) يوحي بِأَنَّ السالمي لا يدعو إِلىَ اللاَّمذهبية، وَلَكِنَّهُ يرى أَنَّ المسلمين لو عادوا إِلىَ الفطرة الإِسلاَمِيَّة فسيقعون ـ دون قصد ـ في مذهب الإِبَاضِيَّة؛ لأنَّه يمثِّل الإسلام الذي لم يتغيَّر. وَهَذَا الكلام فيه نظر؛ فمِمَّا لا شَكَّ فيه أَنَّ الحقَّ المطلق لا وجود له، فلِكُلِّ مذهب وَلِكُلِّ عالم مأخوذ ومتروك. ثُمَّ إِنَّ الإباضيَّة ـ والسالميُّ منهم ـ وإن اعتقدوا أَنَّ مذهبهم هو الإِسلاَم بعينه لم يتغيَّر، إلاَّ أنَّهم لم يدَّعوا يوما العصمة المطلقة من أيِّ خطأ؛ لذلك لا يستنكفون عن الأخذ من مصادر كلِّ المذاهب الإسلاميَّة الأخرى، والحقُّ مقبول مِن كلِّ مَن جاء به، مهما كان مذهبه أو انتماؤه. هذا بالإضافة إلى أنَّ كُلَّ أصحاب المذاهب الأخرى يعتقدون في مذهبهم نفس الاعتقاد، وهو أنَّ مذهبهم هو الإسلام النقيُّ الصافي. لِذَا فطرح السالميِّ لا يعدو أن يكون نظريًّا مثاليًّا، وقد صدق حين قال في جوابه هَذَا: إِنَّ جمع الكلمة عَلَى هَذَا «ممكن عقلا، مستحيل عادة». فالمطلوب إذن هو المبدأ الذي دعا إليه الشيخ علي يحيى معمر (2)، حين قال: «وإنَّما تتحطَّم المذهبيَّة بالمعرفة والتعارف والاعتراف، فبالمعرفة يفهم كلُّ واحد ما يتمسَّك به الآخرون، ولماذا يتمسَّكون به، وبالتعارف يشتركون في السلوك والأداء الجماعيِّ للعبادات، وبالاعتراف يتقبَّل كلُّ واحد منهم مسلك الآخر برضًا، ويعطيه مثل الحقِّ الذي يعطيه لنفسه: (اجتهد فأصاب أو اجتهد فأخطأ)» (3).
__________
(1) العقد الثمين، 1/ 127. نهضة، ص124.
(2) علي يحيى معمَّر (1337 - 27 صفر 1400هـ/1919 - 15 جانفي 1980م): من علماء جبل نفوسة بليبيا، فقيه ومُؤَرِّخ وأديب، له عِدَّة مقالات ورسائل وبحوث، من تآليفه: الإِبَاضِيَّة في موكب التاريخ في أربع حلقات، الإِبَاضِيَّة بين الفرق الإِسلاَمِيَّة، سمر أسرة مسلمة ... ينظر: جمعِيَّة التُّرَاث: معجم أعلام الإِبَاضِيَّة، 2/ 298، ترجمة رقم 640.
(3) معمر: الإِبَاضِيَّة بين الفرق، ص5. (1/304)
صفحة 305
ويمكن أن نفهم طرح السالمي من زاوية أخرى، وهي أَنَّ «الأصل الأكبر من الدين ما جُمع في الشهادتين، وما جُمع فيهما لا يفترق، بشرط استحضار المعاني القلبية وَالعَقلِيَّة، وتوخِّي آثارهما ومقاصدهما الشَّرعِيَّة، وهو ما يبدو الشيخ داعيا إِلَيْهِ. والعودة إِلىَ الفطرة الإِسلاَمِيَّة هو توخِّي المقاصد الشَّرعِيَّة في العقائد والعبادات، وهو منهج بسيط في متناول الجميع، ولو اجتمعت كلمة المسلمين عَلَى توخِّي البعد الوظيفي ما تسنَّى لهم التركيز عَلَى النظريَّات، لانشغالهم بالعمليَّات» (1).
هـ - العبادة والعمل:
إِنَّ كثرة العبادات من صلاة وصيام وقيام ـ في نظر الإمام السالميِّ ـ لا تنفع صاحبها ما دام يرضى لنفسه ولدينه الهوان والذلَّ، ويقول في ذَلِكَ:
« ... يا أَيُّهَا المغرور إِنَّ التقى لِكُلِّ خلق سيئ تنفي
فلا تغرَّنك صلاة إذا في ظلمة الليل لها تخفي
ولا صيام في نهار به في شفتيك أثر القشف
ولا قيام ثمَّ دوام عَلَى تلاوة الآثار والصحف
من كان يرتضي الدون في دينه فَكُلُّ هَذَا منه لا يكفي» (2)
لم يكتف السالميُّ هنا ـ بهذا المفهوم الشامل للدين ـ بإصلاح العقيدة فقط، كما كان من بَعض المصلحين (3)، وَإِنَّمَا ربط العبادات الدِّينِيَّة بالواقع العمليِّ والسياسيِّ ربطا وثيقا، خَاصَّةً إذا تذكَّرنا الظرف الذي ـ كان ولا يزال ـ يَمُرُّ به العالم الإِسلاَميُّ من ويلات الاستدمار، وتسلُّط الحكَّام، ومن مواقف الذلِّ والهوان، ويرى أَنَّ الدين كلٌّ لا يتجزَّأ، لا فرق فيه بين العبادات والمعاملات السِّيَاسِيَّة والعلاقات الاِجتِمَاعِيَّة، ويُؤَكِّدُ عَلَى أَنَّ تلك العبادات ما لم تترجم في السلوك
__________
(1) تعليق للأستاذ المشرف الدكتور عَمَّار جيدل على مسوَّدة هذا البحث.
(2) السالمي: ديوان، ص10. عين المصالح، ص57 - 58. وينظر مقطوعة أخرى في نفس المَعْنَى: الديوان، ص21.
(3) ينظر: أحمد أمين: زعماء، ص18. (1/305)
صفحة 306
والمواقف فلن تنفع صاحبها شَيْئًا، ويظهر جليًّا أَنَّ السالميَّ ينطلق في ذَلِكَ من قوله تَعَالىَ: {وَأَقِمِ الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنكَرِ} (العنكبوت: 45)، فإذا لم تنه الصلاة ـ وسائرُ العبادات ـ عن المنكر كان ذَلِكَ دَلِيلا عَلَى أَنَّ صاحبها ليس تقيًّا، وَأَنَّهَا لم تؤت مقاصدها فيه.
و - البدع:
من البدع التي حاربها السالميُّ في مجال العبادات: ما يَتَعلَّقُ بالأذان، فقد جرت عادة العمانيِّين في عصره ـ بل إلى اليوم في بعض المساجد ـ أنَّ الإمام هو الذي يقيم الصلاة، فرأى السالميُّ وجوب الرجوع إِلىَ ما عَلَيْهِ العمل في السنَّة وعند السلف، وَرُبَّمَا لاقى في ذَلِكَ عنتا، لذا نجده يشدِّد النكير عَلَى المتمسِّكين بتلك المخالفة للسنَّة عِدَّة مَرَّات، منها قوله: «آه! آه! أخبروني عن هَؤُلاَءِ العلماء الذين نسبتم إِلَيْهِم هَذِهِ المخالفة، وَهَذِهِ كتبهم ناطقة أَنَّ المؤذِّن هو الذي يقيم، فهلاَّ سمَّيتَ لي عالما واحدا! ... وإذا تَبَيَّنَ لك أَنَّ العلماء لم يتركوها علمت أَنَّهَا إِنَّمَا حدثت بعد انقراض عصورهم، وَذَلِكَ حين عمَّ الجهل، وتلاعبت بالأمر الجبابرة، وقد تركت الظَّلَمة كثيرا من السنن، فلا يَصِحُّ أن ينسب ذَلِكَ إِلىَ أحد من العلماء ... » (1). وقد بلغ الأمر بِبَعْض الأَئِمَّة أن يعتبر تلك العادة من السنَّة، وما أتى به السالميُّ هو البدعة، فردَّ عَلَيْهِ بشدَّة فقال: «هذا رجل معاند لِلْحَقِّ، ومنكر للسنَّة، بل هو أخسُّ من ذَلِكَ فَإِنَّهُ جعل السنَّة المتواترة بدعة، وما أحقَّه أن يجذب من المحراب وينزل حيث أنزل نفسه! ... » (2). كما رَدَّ أَيضًا عَلَى الذين يزعمون أَنَّ عَلَى الإمام أن يعيد الإقامة للصلاة سرًّا إذا كان المؤذِّن غير ثقة، وحكم عَلَى القائل بهذا الرأي بِأَنَّهُ ساعٍ لهدم السنَّة! (3).
__________
(1) العقد الثمين، 2/ 128 - 132. جوابات، 1/ 176 - 182. وينظر: الخليلي: منهج السالمي في مؤلفاته الفِقهِيَّة، ص28.
(2) العقد الثمين، 2/ 152. جوابات، 1/ 183 - 184.
(3) ينظر: جوهر النظام، 1/ 52 - 53. (1/306)
صفحة 307
وفيما يَتَعلَّقُ بالأذان أَيضًا: الأذان لصلاة الخسوف والكسوف، بَيَّنَ السالمي أَنَّهُ بدعة، يجب عَلَى القادر إنكارها، وَالسُّنَّة جاءت بخلاف ذَلِكَ، وهي أن يفزع الناس إِلىَ المساجد ويذكروا الله ويكبِّروه ويتصدَّقوا ويصلُّوا (1).
وفي موضوع صلاة الجماعة والمساجد، عمل السالمي عَلَى تحقيق مقصد الشارع الحكيم منها، وَهُوَ جمع الشمل، وَإِنَّ الزائر لعمان يلاحظ كثرة المساجد وتقاربها منذ عهد السالميِّ، وَهُوَ أمر حسن باعتبار، وَلَكِن للشيخ رأيه في الموضوع باعتبار آخر، إذ قال: «ولا بُدَّ من نظر في بناء المساجد، فَإِنَّ تقاربها جِدًّا ممنوع، لأَنَّهُ يفضي إِلىَ تفرُّق الجماعة وتشتُّتهم، وكفى به مفسدة في الإِسلاَم» (2)، وقال أَيضًا بأسلوب أكثر شِدَّة: «كثرت المساجد، وقلَّ الساجد! كيف يبنى مسجد قريب من مسجد؟! أدكاكين هي أم بيوت للسكن؟ أم مواضع للاجتماع عَلَى العبادة؟» (3). وندَّد بالذين يعدِّدون الجماعات في مسجد واحد، وقال: «كنت أسمع بهذا الفعل مع المخالفين في مسجد الحرم ... فاتَّقوا الله! ثُمَّ اتَّقوا الله! ثُمَّ اتَّقوا الله! واخشوا عاقبة التنازع وسوء الافتراق، فَإِنَّ الله تَعَالىَ يقول في محكم كِتَابه العزيز: { وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ } [الأنفال: 46]، ولعمري إِنَّهَا ما وقعت الفرقة في مكان إِلاَّ كان مآله الخراب ... فكونوا عباد الله عَلَى أمر جامع، وقدِّموا في صلاتكم خياركم كما أمر الشارع، فإن تعذَّر عَلَيكم ذَلِكَ فصلُّوا وراء من يَتَقَدَّمُ إذا كان يحسن الصلاة» (4).
وَمَنَعَ السالميُّ استجلاب المصلِّين إِلىَ المسجد بتوزيع بَعض الصدقات من مال المسجد، كبعض الفواكه أو الحلوى، إذ «لا خير في جماعة تجلبهم الحلوى للصلاة، أبعدهم الله وأمثالهم ... وفي الترغيب مِن مَالِكَ نظرٌ، لأَنَّهُ يشبه الأجرة عَلَى فعل
__________
(1) ينظر: العقد الثمين، 2/ 248. جوابات، 1/ 174.
(2) العقد الثمين، 3/ 337 - 338.
(3) العقد الثمين، 2/ 119. جوابات، 1/ 577.
(4) جوابات، 1/ 266 - 268. وينظر أَيضًا حثَّ السالمي عَلَى جمع الكلمة في المساجد: المصدر نفسه، 1/ 348 - 349، 455 - 456. والعقد الثمين، 2/ 249. (1/307)
صفحة 308
الطاعة، وهي إِنَّمَا شُرِعت لثواب الآخرة لا لفواكه الدنيا» (1). وفي مثل هَذَا الموضوع منع إكرام الضيوف بالمسجد والطبخ فيه، وقال: «لم يبق من خراب بيوت الله إِلاَّ جعلها بمنزلة المطابخ!» (2).
نلاحظ من خلال هَذِهِ النماذج من الفتاوى شكواه من التهاون بالصلاة وبالمساجد، وحرصه أَشَدَّ الحرص عَلَى جمعِ الشمل، وتركِ كُلِّ ما من شأنه أن يُؤَدِّي إِلىَ الفُرقة، ودعوته إِلىَ إعادة الاعتبار للمساجد وقداستها ورفعها وعمارتها بالذكر كما أمر الله بقوله: { فيِ بُيُوتٍ اَذِنَ اللهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ... } (النور: 36).
وكان من الأهداف التي سعى السالميُّ إِلىَ تحقيقها في حياته: إحياء صلاة الجمعة، والتي لم تصلَّ (3) ـ منذ الإطاحة بالإمامة السابقة ـ إِلاَّ بعد أن أعلن السالميُّ قيام إمامة سالم الخروصي في 12 جمادى الثانية عام 1331هـ/19 ماي 1913م، «وَلَمَّا حضرت أَوَّل صلاة جمعة بنزوى، واجتمع الناس بجامعها، حضر نور الدين المسجد، فسمع ضجيج الناس بتلاوة القرآن والصلاة والدعاء، فقال: "الحمد لله الذي رَدَّ إلينا جمعتنا، ولو لم يكن من هَذَا السعي إِلاَّ إقامة الجمعة لكفانا"» (4).
وَمِمَّا دعا السالميُّ إِلىَ إصلاحه: تصحيح مفهوم صلاة السفر، فقد شنَّع عَلَى بَعض العمانيِّين الذين يقيمون السنين الطوال في زنجبار، ويَتَّخِذُون الأموال والأزواج والأولاد والسرايا والخدم، ويزعمون أَنَّهُم مسافرون، وعَلَيْهِم أن يقْصُروا من الصلاة، وَلَكِنَّ واقع حالهم يشهد بِأَنَّهُم موطِّنون، فلو مُنع أحدهم من الدخول إِلىَ زنجبار لعدَّ ذَلِكَ من أَشَدِّ العقوبات (5).
__________
(1) العقد الثمين، 2/ 109. جوابات، 3/ 527.
(2) العقد الثمين، 2/ 109. جوابات، 1/ 569.
(3) ذكر السالميُّ أَنَّ بعض الإِبَاضِيَّة ـ وهم الأقلُّ ـ ذهبوا إلى أنَّ الإمام العادل شرط في وجوب صلاة الجُمُعَة وصحَّتها، وأَنَّهَا لا تجوز خلف الجبابرة، فردَّ السالميُّ عَلَى أدلَّتهم، وبَيَّنَ أَنَّهَا جائزة ولو خلف الجبابرة. ينظر: السالمي: الحجج المقنعة، ص88 - 93 (مرقون).
(4) نهضة، ص212.
(5) العقد الثمين، 2/ 230، 239 - 240. (1/308)
صفحة 309
وصحَّح مفهوم الناس للوصيَّة، إذ اتَّكل كثير من الموسرين عَلَى الإيصاء بفريضة الحجِّ مع استطاعتهم، ويتساءل: ما بال هَؤُلاَءِ استبدلوا بالحج ـ وهو ركن من أركان الإِسلاَم ـ وَصِيَّة يكتبونها كَأَنَّهَا هي الفرض؟ (1). ويقول أَيضًا في الموضوع: «وقد استروح الأغنياء إِلىَ الوَصِيَّة بالحجِّ والزيارة عن فعل ذَلِكَ، فاتَّكلوا عَلَى قرطاسة يكتبونها ... وقد تهافت الفقراء في تلقِّي هَذِهِ الأجرة كَأَنَّمَا هي الكسب لا غير، إِنَّا لله وَإِنَّا إليه راجعون، لا ملجأ من الله إِلاَّ إليه، بئس الصنيع!» (2).
وسعى الشيخ في إبطال بدعة الإيصاء بقراءة النِّيَّة عند غسل الْمَيِّت، وترديدها حَتَّى يُفرغ من الغسل، ويُعطَى لقارئها أجره كما أوصى به الْمَيِّت، لأَنَّهُ ـ في زعمهم ـ لا يتِمُّ الغسل إِلاَّ بتلك الطريقة! فردَّ السالمي عَلَيْهِم بقوله: «أَمَّا زعمهم المذكور فباطل، وغسل الْمَيِّت يَصِحُّ عَلَى غير هَذِهِ الصفة، وليست هَذِهِ الصفة من السنَّة في شَيْء، والوصيَّة بها نوع من الجهل، ولو قال قائل بإبطالها لأصاب، لأَنَّهَا خلاف السنَّة ... ولا يعجبني مثل هَذَا، ولا آمر به بل أنهى عنه» (3).
ومن البدع أَيضًا: الإيصاء بقراءة القرآن عَلَى الأموات، وَلَعَلَّ هَذِهِ القَضِيَّة أَشَدُّ ما أثار عَلَى السالميِّ معارضة من المجتمع ومن بَعض معاصريه. وقد كان الْمَيِّت يوصي بقراءة القرآن عَلَى قبره، وتعطَى للقارئ أجرةٌ من ريع ما أوصى به الْمَيِّت، نخلةً أو فلجا ... واعتبر السالمي الإيصاء بِذَلِكَ بدعة مخالفة للسنَّة، إذ ثبت أَنَّ النَّبِيء صلَّى الله عليه وسلَّم دعا في المقبرة ولم يقرأ القرآن (4)، وقال السالميُّ في هَذَا الشأن: «لا أرى أن تُعمر المقابر بتلاوة القرآن وتُخلى منها المساجد، هَذَا لعمرو الله خلاف المشروع من دين محَمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم، فَإِنَّهُ قد أمر بعمارة المساجد، وقال: "اجعلوا لبيوتكم حظًّا من صلاتكم،
__________
(1) جوابات، 2/ 196 - 197.
(2) المصدر نفسه، 2/ 198.
(3) العقد الثمين، 3/ 403. جوابات، 1/ 531 - 532.
(4) ينظر: جوهر النظام، 3/ 393. العقد الثمين، 2/ 265 - 266. جوابات، 1/ 522 - 523. نهضة، ص454 - 457. (1/309)
صفحة 310
ولا تجعلوها قبورا“ (1)، وجاء النهي عن الصلاة في المقبرة، وقال: ”خير القبور ما درس“ (2)، وقال: ”لعن الله اليهود اتَّخَذوا قبور أنبيائهم مساجد“ (3)، فَهَذَا كلُّه دَلِيل عَلَى أَنَّ حكم المقابر مخالف لحكم المساجد، فلا أرى أن يجعلا سواء في الذكر، والمسجد أولى بالتلاوة، ومن هاهنا لا تجد عالما أوصى بتلاوة عَلَى قبره، وَإِنَّمَا أوصى بِذَلِكَ ضعفاء الناس وعوامُّهم، فَلَمَّا وقعت الوَصِيَّة لم يتجاسر العلماء عَلَى إبطالها، وَلَعلَّهُ قد تجاسر مَن أشرتَ إِلىَ قوله بِأَنَّهَا مال الله حيث لم يُدر أربابها ... » (4). ورغم أَنَّ السالمي لم يتفرَّد بهذا الرأي، فقد سبقه إِلَيْهِ الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي (5)، إِلاَّ أَنَّ السياسة لعبت دورها في القَضِيَّة، حين مُسَّت بعضُ الأموال المجهول أربابها، والموقوفة لقراءة القرآن، وحكم فيها الإمام سالم الخروصي بإلحاقها لعزِّ الدولة الإِسلاَمِيَّة، فثار بَعض العلماء عَلَى هَذَا التَّصَرُّف، الذي كان السالميُّ من ورائه بسبب فتواه، ولم يبال بمخالفة شيخه: ماجد بن خميس العبري، الذي يرى أَنَّ التَّصَرُّف في الوَصِيَّة حرام بِنَصِّ القرآن، ولا من معارضة المجتمع الذي لم يتقبَّل الفكرة بسهولة، لأَنَّ المجتمع «رُبَّمَا كان يحرص عَلَى آراء العلماء السابقين، ويرى أَنَّ لتلك الآراء
__________
(1) حديث مُتَّفَق عَلَيْهِ، رواه البخاري بلفظ: «اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم، ولا تجعلوها قبورا». محمد بن إسماعيل أبو عبد الله البخاري الجعفي (194 - 256هـ): الجامع الصحيح، تحقيق: د. مصطفى ديب البغا، الطبعة الثالثة، دار ابن كثير، اليمامة، بيروت، 1407هـ/1987م، كِتَاب الصلاة، باب كراهية الصلاة في المقابر، حديث رقم 422، ج1/ص166.
(2) لم أعثر عَلَى نص الحديث بهذا اللفظ، وورد بلفظ: «خير القبور الدوارس». قال العجلوني: «هذا مشهور على الألسنة وليس معناه بظاهره صحيحا فإنَّه يسنُّ أن يجعل على القبر علامة ليعرف فيزار كما وضع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حجرا عند رأس عثمان بن مظعون». العجلوني: كشف الخفاء، رقم 1269، ج1/ص477. (برنامج المكتبة الألفية).
(3) رواه البخاري بلفظ: «اليهود والنصارى»، كِتَاب المغازي، باب مرض النَّبِيِّ ووفاته، حديث 4177، ج4/ص1614. (برنامج المكتبة الألفية، وبرنامج موسوعة الحديث الشريف).
(4) ينظر: جوابات، 3/ 528. نهضة، ص457.
(5) ينظر: العقد الثمين، 2/ 266. جوابات، 1/ 523. والخليلي قد تَقَدَّمَت ترجمته، ينظر: ص 42 من البحث (هامش). (1/310)
صفحة 311
قدسية» (1)، فكانت القَضِيَّة مثار جدل كاد يُؤَدِّي إِلىَ فتنة، لقي السالميُّ من جرَّائها عنتا كبيرا، وانتقادا شديدا (2).
وموقف السالمي في هَذِهِ القَضِيَّة يَدُلُّ عَلَى قُوَّة في الشَّخصِيَّة لا تتزعزع أمام النقد، إذا آمن بصواب فكرته، واعتمد فيها الدَّلِيل القويَّ الواضح، ونظر بعين الفاحص الخبير بما يصلح للمجتمع وللدولة الإِسلاَمِيَّة. ويبدو أَنَّ مسألة الإيصاء بقراءة القرآن عَلَى الأموات مِمَّا تطوَّر فيها رأي السالميِّ، إذ نجده في بَعض فتاواه حين سئل في الموضوع، وفي حكم من تعذَّرت عليه القراءة عَلَى القبر مقابل أجرة من نخلة موقوفة لِذَلِك، أجاز له أن يقرأ في الجامع، دون أن يعلِّق بِأَنَّها بدعة أو أَنَّها غير جائزة (3).
ز - المعاملات المالية:
اجتهد السالميُّ في محاربة الربا وذرائعه، وقد استحدث أهل زمانه طرقا يتحايلون بها لأخذ الفوائد الربويَّة، وسمَّوه: بيع الخيار، والملاحظ أَنَّ كثيرا من المسائل في فتاواه تَتَعَلَّقُ بهذا البيع (4)، وقد تعامل الناس فيها بطرق ملتوية معقَّدة، حَتَّى إِنَّ السالمي يُصَرِّحُ في بَعضها بعدم معرفة الحكم (5). ومن تلك الحيل أَنَّ «الله تَعَالىَ يقول: { وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ اِلَى مَيْسُرَةٍ } [البقرة: 280]، وَهَؤُلاَءِ يقولون: إن كان ذو عسرة فسلعة نقبلها حَتَّى [تكون] لنا الزيادة، وهيهات، لم يحرم الله شَيْئًا ثُمَّ يحلُّه بالحيلة، ولا تخفى عَلَى الله خافية» (6)، وفي جواب آخر يُوَضِّحُ موقفه وكيف اتَّخَذَ الناس هَذَا البيع وسيلة إِلىَ الربا: «يقول الله تَعَالىَ: { فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ } [البقرة: 283]، وَهَؤُلاَءِ يقولون: فرهان ملبوسة ومستعملة! كلاَّ! لا يَصِحُّ خلاف ما أنزل الله، وإن تراضى به
__________
(1) الخليلي: منهج السالمي في مؤلفاته الفِقهِيَّة، ص28.
(2) ينظر: نهضة، ص131 - 133. الخليلي: منهج السالمي، ص29. الصوافي: السالمي فقيها، ص108 - 110 ...
(3) ينظر: العقد الثمين، 2/ 260، 265، 461.
(4) ينظر مثلا: المصدر نفسه، 3/ 316 ... جوابات، 4/ 450 - 451، 453 - 456.
(5) يقول: « ... ولا أدري ما أقول فيه، لسوء معاملة الناس في الخيار». جوابات، 4/ 296.
(6) المصدر نفسه، 4/ 301. (1/311)
صفحة 312
الطرفان» (1). وَرُبَّمَا كان المتعاملون يَتَّخِذُون من آراء بَعض العلماء تُكأة لمعاملاتهم تلك، فردَّ عَلَيْهِم السالمي بقوله: « ... وقد تساهل الناس في زماننا [في بيع الخيار] فجعلوه ذريعة إِلىَ الربا والعياذ بِاللهِ تَعَالىَ، فلو ارتفع للمجوِّزين رأسٌ، وشاهدوا ما عَلَيْهِ الناس اليوم لصاحوا عن لسان واحد: ما هَذَا الذي أجزنا! فَإِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ راجعون، انطمس العلم، وظهر الجهل ... وكاد الناس أن يرجعوا إِلىَ جاهليَّتهم الأولى» (2). وأراد السالمي أن يقطع هَذِهِ المعاملات من جذورها، ـ والتي أقلُّ ما يقال في بَعضها: إِنَّهَا مشبوهة ـ فمنع من مُجَرَّد كِتَابتها بين المتبايعين، وقال للذي سأله في هَذَا الشأن: « ... وأقول لك نصحا وإرشادا: إِيَّاكَ أن تكتب بيع الخيار، فإن الناس قد عملوا فيه بغير الحقِّ، وجعلوه ذريعة إِلىَ الربا، فإن كنتَ تحبُّ سلامة دينك فاكسر القلم عن كِتَابته» (3). وبِهَذِهِ الأجوبة الصريحة الواضحة لم يدَع للناس مجالا لاستباحة الربا، فهو حرام بِنَصِّ القرآن، «وَهُوَ باب من السحت، لسببه انتزعت البركات، ونضبت الخيرات» (4).
ورَدَّ السالمي عَلَى الذين يقرضون أمانات ائتُمنوها، ظانِّين أَنَّ ذَلِكَ جائز، فبَيَّنَ السالميُّ وجه الصواب فيها، وَهُوَ أَنَّ هنالك من العلماء من أجاز قرض الأمانة بشروط (5)، ففهم الناس أَنَّهَا جائزة بإطلاق، فكم من أمانات عَامَّة وَخَاصَّة، ليتامى ولمساجد، تلفت وضاعت بسبب هَذَا التَّصَرُّف؛ ووضَّح السالمي أَنَّ العلماء
__________
(1) المصدر نفسه، 4/ 455.
(2) المصدر نفسه، 4/ 299 - 300.
(3) المصدر نفسه، 4/ 302. ونتساءل: إذا كان هَذَا هو موقف السالمي من كِتَابة البيوع المشبوهة، فما موقفه من العاملين في البنوك الربويَّة، والموثِّقين للربا الصراح؟ لا شَكَّ أَنَّهُ المنع المطلق؛ لَكِن لم نطَّلع في فتاواه إشارة إِلىَ البنوك الربويَّة، وَإِلىَ حكم العاملين فيها، رُبَّمَا لأَنَّهَا لم توجد بعدُ في عمان آنذاك.
(4) المصدر نفسه، 4/ 313.
(5) أجاز الإمام مالك قرض الوديعة، وذهب فقهاء الزيدية إِلىَ منعه، وجاء في درر الحكام: «(الْمَادَّةُ 793) إذَا أَقْرَضَ الْمُسْتَوْدَعُ دَرَاهِمَ الأَمَانَةِ بِلاَ إذْنٍ إلَى آخَرَ وَسَلَّمَهَا وَلَمْ يُجِزْ صَاحِبُهَا يَضْمَنُ الْمُسْتَوْدَعُ تِلْكَ الدَّرَاهِم». ينظر: أحمد بن يحيى بن المرتضى: البحر الزخار الجامع لمذاهب علماء الأمصار، دار الكِتَاب الإِسلاَمِي، 5/ 169. علي حيدر: درر الحكام في شرح مجلة الأحكام، دار الجيل، 2/ 308 - 309. (برنامج جامع الفقه الإِسلاَمِي). (1/312)
صفحة 313
السابقين لم يكونوا يقصدون هَذَا التَّصَرُّف، ولو اطَّلَعوا عَلَى ما يفعله الناس في زمانه لمنعوا الترخيص فيها كُلِّيَّة، لأَنَّهُ يعتبر خيانة مُحَرَّمَة (1).
ثانيا - الإصلاح الاجتماعي والتربوي:
سبق أن تعرَّضنا في بداية البحث إِلىَ الوضع الاجتماعيِّ بعمان في عصر الشيخ السالميِّ، وذكرنا أَنَّهُ قد تميَّز بالصراع القبليِّ، وبانتشار بَعض البدع والعادات السَّيِّئَة في المجتمع، وارتكاب بَعض المنكرات، ورأينا سوء نظرة بَعض الناس إِلىَ الدين، واعتباره سبب تخلُّف المسلمين، وسنتعرَّض فيما يأتي إِلىَ موقف السالميِّ من كُلِّ ذَلِكَ.
أ - الصراع الطائفي:
خَبَرَ السالميُّ المجتمع الإِسلاَمِيَّ بِعَامَّةٍ، والعمانيَّ بخاصَّةٍ، واطَّلع عن كثب عَلَى ما يمزِّق كيانها، ويشتِّت شملها، وقد شهدت عُمان خلافات طائفيَّة وسِيَاسِيَّة وفِقهِيَّة، وتفرَّقت إِلىَ نزاريَّة ويمانيَّة، وَإِلىَ رستاقيَّة ونزوانيَّة، وَإِلىَ غافريَّة وهناويَّة (2). فوجَّه جهوده لإصلاح هَذِهِ الأوضاع المتردِّية، وألقى باللائمة إِلىَ ثلاثة أطراف، وحمَّل كلاًّ جانبا من المسؤولية، وهي:
1 - حكَّام المسلمين: ومسؤوليَّتهم تتمثَّل في عدم تطبيق شرع الله، من العدل بين الرعيَّة، وفي تعطيل الحدود، وعدم الضرب عَلَى يد الظالم، وانشغالهم بالشهوات (3). وَكَأَنَّ السالمي يعرِّض بالسلطان ويحمِّله أكبر مسؤوليَّة في صراع العمانيِّين بالباطل، حين يقول: «وقد خلت عمان من أمر سلطان دافعٍ لشرِّ بَعضهم عن بَعض، وبليت بمن يغري بينهم العداوة والبغضاء، وَذَلِكَ جزاء ما كسبت أيديهم، آمنوا بِبَعْض الكِتَاب وكفروا بِبَعْض، فشابهوا اليهود في ذَلِكَ» (4).
__________
(1) ينظر: جوهر النظام، 2/ 329 - 330.
(2) ينظر: ص 65 من البحث.
(3) ينظر: بذل المجهود، ص58 - 59، 60 - 64. العقد الثمين، 2/ 449. جوابات، 5/ 537 - 538.
(4) جوابات، 4/ 599 - 600. (1/313)
صفحة 314
2 - حال المسلمين أنفسهم: إذ كثيرا ما يتأوَّه في مؤلَّفاته وفتاواه لِمَا صاروا إِلَيْهِ، ومسؤوليَّتهم تكمن في عدم اتِّبَاعهم هدي الله ورسوله صلَّى الله عليه وسلَّم، وما أصابهم من مصيبة فبما كسبت أيديهم (1).
3 - الاستدمار الغربي: لم يكن الاستدمار سوى نتيجة حتميَّة لِمَا آل إِلَيْهِ المسلمون رعاةً ورعيَّةً.
ويحلِّل السالمي أسباب الصراع، ويرجعها إِلىَ ما يأتي:
· ذهاب الوفاء والغيرة والحميَّة الإِسلاَمِيَّة، إذ يقول: «والمسلمون يد عَلَى من سواهم إذا كانت الكلمة واحدة، ولم تتفرَّق بهم الأهواء، ولا تستعبث بهم الآراء والأغراض، فَأَمَّا إن تفرَّقوا وصار بَعضهم يقتل بَعْضًا عَلَى الدنيا فما هَذِهِ اليد التي تكون عَلَى من سواهم؟! لقد قطعها التفرُّق والتشتُّت، ذهب الوفاء، ذهب الدين، ذهبت المروءة، ذهبت الغيرة، ذهبت الحميَّة، طمع فينا الخصم، طلبنا بالمكائد، ونصب لنا الحبائل، فَإِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ راجعون!» (2).
· سوء الظن: إذ يصيح في قومه مبيِّنا سببا آخر للتشتُّت فيقول: «فيامعشر المسلمين، ويا أهل الحقِّ في الدين، إِيَّاكُم والتنازع في الأمر فَإِنَّهُ عين الفشل، وإِيَّاكُم وإساءة الظنِّ بِبَعْضكم بَعْضًا فَإِنَّهُ أصل التشتُّت ومنشأ التفرُّق، واحتملوا للمسلمين ما احتمل لهم فيه الحقُّ، وتناصحوا بينكم فَإِنَّ الدين النصيحة، واذكروا الوقوف بين يدي رَبِّكم فَإِنَّهُ يوم تبدو فيه الضمائر، وتظهر فيه السرائر» (3).
وَبَيَّنَ السالمي العواقب الوخيمة للتفرُّق والتشتُّت حين قال:
__________
(1) ينظر: المصدر نفسه، 4/ 419؛ 5/ 56.
(2) المصدر نفسه، 5/ 33 - 34. وينظر: العقد الثمين، 3/ 328. نهضة، ص121.
(3) الحق الجلي، ص45. (1/314)
صفحة 315
«في فشل الرأي وفي التنازع عن رتب الدارين أيُّ مانع
وَالله قد أوصى العباد أجمعا بترك ما لجمعهم قد ضيَّعا
كونوا عباد الله إخوانا ولا تنازعوا تفرُّقا وفشلا» (1)
ففي ظلِّ التنازع ينحطُّ المسلمون إِلىَ الدركات السفلى في الدُّنيا وَالآخِرَة، مخالفين بِذَلِكَ نصَّ القرآن الكريم: { وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ } (آل عمران: 103)، { وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ } (الأنفال: 46).
ب - العادات:
إِلى جانب التشتُّت والصراع الطائفيِّ ظهرت بَعض العادات المبتدعة، عمل السالميُّ عَلَى محاربتها، ومنها: إيصاء الْمَيِّت بتقديم الطعام للمعزِّين، والسالميُّ لم يجوِّز هَذِهِ الوَصِيَّة، لمخالفتها للسنَّة، ويقول في شأنها بأسلوب يبدو فيه نوع من الشدَّة:
«لأَنَّهَا وَصيَّة مخالفة لِمَا عَلَيْهِ الأتقياء السالفة
وكلُّ ما كان عَلَى خلاف أمر محمَّد فللتلاف» (2)
وفي رسالة بُعثت إِلىَ السالميِّ جاء فيها عرض لواقع القَضِيَّة في المجتمع، وَأَنَّهُ قد يستنزف هَذَا الإطعام كثيرا من المال، يقدِّمه الفقير مضطرًّا ـ مع ما به من خصاصة ـ حفاظا عَلَى التقاليد، وخوفا من ألسنة الناس، كما تُبَيِّنُ الرسالة موقف السالميِّ منها، وامتثال بعض الناس في إبطالها، وتمادي بَعضهم، وَمِمَّا جاء فيها: «العزاء الذي ابتدعه الناس حَتَّى كثر وفشا في زماننا ... تكلَّف الناس هَذَا الأمر تكلُّفا، منهم من يداري، ومنهم من يرائي، ومنهم من يصون عرضه، وَرُبَّمَا لم يبق لورثة الهالك شَيْء من التركة، ينفقون في ذَلِكَ المئات العديدة. ورفع لنا عنك الثقة الشيخ ناصر بن بخيت (3) أَنَّكَ تنهى عن ذَلِكَ وتنكره، وقد اقتدينا بك،
__________
(1) جوهر النظام، 3/ 478.
(2) المصدر نفسه، 3/ 450. وينظر: العقد الثمين، 3/ 389. جوابات، 1/ 523 - 524؛ 4/ 103، 130 - 131.
(3) لم نعثر عَلَى ترجمة هَذِهِ الشَّخصِيَّة فيما بين أيدينا من المصادر. (1/315)
صفحة 316
وجرينا عَلَى استحسانك ومحابِّك، وقد أصابتنا مصيبة، وأخَّرنا العزاء، لَكِن بقي الناس يقدحون في أعراضنا، وبقينا هدفا لألسن القادحين، واستغربوا ذَلِكَ مِنَّا حينما خالفناهم عَلَى هواهم ... » فيجيب السالمي مؤكِّدا عَلَى ضرورة اتِّبَاع الحقِّ، وعدم الاكتراث بنقد الناس، مبيِّنا أَنَّ موقفه هو السنَّة، وما عَلَيْهِ الناس هو خلافها، فقال: «لا يَضُرُّكم قدح القادحين ... بل قدحهم زيادة في حسنات المظلومين، وَالسُّنَّة في العزاء أن يعمل جيران المصاب طعاما يرسلونه إِلىَ المصاب، لأَنَّهُ مشغول بمصيبته عن معالجة الطعام، هَذِهِ هي السنَّة في أَيَّام النَّبِيء صلَّى الله عليه وسلَّم (1)، عكس الناس فصار أهل المصيبة يطعمون الجيران، وغيرهم من الواصلين، فجمعوا عَلَيْهِم همَّين: همَّ المصيبة وهمَّ المعالجة والمعاناة، وجمعوا عَلَيْهِم مصيبتين: مصيبة الحال، ومصيبة المال، وحملوهم عَلَى بدعتين: مخالفة السنَّة والتصنُّع للناس». ويضيف مبيِّنا أَنَّ هَذِهِ البدعة بدأت تختفي من موطن السالمي بالشرقيَّة بعد أن كانت منتشرة انتشارا عامًّا، ثُمَّ هان أمرها في بَعض النواحي، ولم تبق سوى عند أهل البادية ومن نحا نحوهم (2)، وَلَعَلَّ ذَلِكَ كان نتيجة لمساعيه في إبطالها.
وَمِمَّا اعتاد بَعض الناس فعله في عهد السالمي: اتِّخَاذ يوم العاشر من شهر رجب عيدًا، تصنع فيه أطعمة خَاصَّة، وقد سبق أن نهى عنه الإمام عزَّان بن قيس، ثُمَّ لم يلبث أن عاد الناس إليه (3)، فنهى السالميُّ عنه بشدَّة، وقال: إِنَّهَا مِمَّا كان الناس في الجَاهِلِيَّة يفعلونه، فَلَمَّا جاء الإِسلاَم أبطلها، وَلَمَّا اختفى ظنَّ «الجاهلون
__________
(1) عن عبد الله بن جعفر قال: لَمَّا جاء نعي جعفر قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «اصنعوا لآل جعفر طعاما فَإِنَّهُ قد أتاهم ما شغلهم». سنن الدارقطني، باب تخفيف القراءة لحاجة، حديث 8، 2/ 87. أبو داود: كِتَاب الجنائز، باب صنعة الطعام لأهل البيت، رقم 3132، ج3/ص195. (برنامج المكتبة الألفية، وبرنامج موسوعة الحديث الشريف).
(2) ينظر: جوابات، 1/ 530 - 531. العقد الثمين، 3/ 398 - 399، 403.
(3) المصدر نفسه، 1/ 419. جوابات، 2/ 351. وفي الصفحة المذكورة من العقد الثمين أَنَّ العيد يتَّخذ في اليوم العاشر من شهر مُحَرَّم، ويبدو أَنَّهُ خطأ مطبعي، لأَنَّهُ يخالف ما ذكر في صفحة 426 من نفس الكِتَاب، ومن الجوابات. (1/316)
صفحة 317
بحقيقة الأمر أَنَّهُ لا بأس عَلَى فاعله، وهيهات! بل يجب التغليظ والإنكار عَلَى فاعل ذَلِكَ» (1)، و «العيد سنَّة من سنن الإِسلاَم، ولا يَصِحُّ لأحد أن يزيد عَلَيْهَا أو ينقص، وقد ثبت في الإِسلاَم عيدان، فزيادة ثالث بدعة، وقد عرفت حال المبتدع، فالنهي للتحريم، ولا يَصِحُّ الأكل من طعامهم، لأَنَّهُ طعام صنع لمنكر شرعا، ولا يَصِحُّ الاجتماع عَلَيْهِ» (2).
جـ - المنكرات:
أمام انتشار بَعض المنكرات والآفات الاِجتِمَاعِيَّة ـ والتي كان للاستدمار دور في نشرها (3) ـ دعا السالميُّ إِلىَ محاربتها دون هوادة، وفي نظره أَنَّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في زمن الكتمان (عند انعدام الإمام) (4) ليس محصورا عَلَى الحكام والولاة، بل هو واجب عامٌّ عَلَى جميع من استطاع من أفراد الأُمَّة، باليد واللسان، إذا لم يخف ضررا عَلَى مال أو بدن، وَهُوَ فرض عين بعد أن كان في عهد الإمامة فرضا كفائيًّا (5).
وكثيرا ما تأسَّف السالمي لفقد من يقوم بردع المفسدين، خَاصَّةً بعد وفاة المحتسب الشيخ صالح الحارثي، فيقول مَرَّة: «وقد ذهب تحت التراب من كان يدفع المفاسد ويقوم بالعقوبات» (6)، وَمَرَّة أخرى يقول: «وأين الأَئِمَّة؟ هم وَالله تحت التراب! قد استراحوا من نكد الدنيا ومجاورة أهلها» (7).
__________
(1) العقد الثمين، 1/ 426 - 427. جوابات، 5/ 557 - 558.
(2) المصدر نفسه، 1/ 419. جوابات، 2/ 351.
(3) ينظر: مالك بن نبي: في مهب المعركة، ص50 - 51.
(4) الكتمان مسلك من مسالك الدين عند الإِبَاضِيَّة، للتفصيل ينظر: جهلان عدون: الفكر السياسي عند الإِبَاضِيَّة، ص123 وما بعدها.
(5) ينظر: العقد الثمين، 2/ 496 - 497. جوابات، 4/ 577 - 578؛ 5/ 45.
(6) المصدر نفسه، 5/ 309.
(7) المصدر نفسه، 2/ 388. (1/317)
صفحة 318
يرى السالمي أَنَّ كسر آلات المعاصي جائز، «ولا ضمان عَلَى كاسرها، وَأَمَّا بيوت المعاصي فإن كان أهلها لا يُقدر عَلَى ردعهم بالقيد والحبس جاز تخريبها، إن كان في تخريبها قطع مَادَّة الفساد، وإن قدر عَلَيْهِم بدون ذَلِكَ فلا تخرَّب، وإن كانت البيوت بنيت من أصلها للمعاصي ... جاز تخريبهـ[ـا] من أَوَّل مَرَّة، وقد أمر رَسُول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم بحرق مسجد الضرار ... وإذا كان هَذَا في صورة المسجد فما ظنُّك ببيت بني للمعاصي!» (1). فالسالمي في هَذِهِ الفتاوى يستنفر جميع أفراد المجتمع لاستئصال جذور الفساد وأماكنه، حَتَّى يشعر المفسدون أَنَّهُم محاصرون منبوذون من الجميع، فيستريح من شرِّهم العباد، وتأمن من فسادهم البلاد، فَإِنَّهُ يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن. وَهَذَا الموقف الصارم من السالميِّ يشبه إِلىَ حدٍّ مَا أسلوب «الكبسة» الذي يحبِّذه الشيخ محَمَّد عبده، وهي مباغتة الشرطة لدور الفجور والأماكن المشبوهة، فلا ينهض بالشرق ـ في نظره ـ إِلاَّ مستبدٌّ عادل (2). إِلاَّ أَنَّ الكبسة تكون في إطار رسميٍّ منظَّم من قِبل السلطة، بينما يوحي كلام السالميِّ بِأَنَّ محاربة الفجور مَهَمَّة الجميع، وَلَكِن لا تستقرُّ الأمور بِهَذِهِ الطريقة، ولاَ بُدَّ من ضوابط، لِذَلِكَ فَإِنَّ دعوة السالميِّ إِلىَ قيام الإمامة كانت ملحَّة لتضبط هَذِهِ الأمور، ولتتولَّى محاربة الفساد عَلَى أحسن وجه.
واستئصال مَادَّة الفساد ـ قطع الطرق، وأعمال السلب والنهب المنتشرة ـ لا يكون بالحلول الترقيعيَّة التي دأب عَلَيْهَا المسلمون، وَإِنَّمَا يكمن في تطبيق الشريعة الإِسلاَمِيَّة بشموليَّتها، والضرب عَلَى يد الظالم؛ ففي سؤال ورد إِلىَ السالميِّ جاء فيه أَنَّ اللصوص لا يتورَّعون عن اليمين الفاجرة، فإذا جاء صاحب الشَّيْء المسروق إِلىَ القاضي بِبَيِّنَةٍ عَلَى أَنَّهُ صاحب ذَلِكَ الشَّيْء، فَإِنَّ القاضي يكلِّف المدَّعى عَلَيْهِ باليمين، والسارق لا يتورَّع عن اليمين الكاذبة، فيضيع الحقُّ بِهَذِهِ الطريقة، واقترح السائل حلاًّ آخر رأى أَنَّهُ أقطع للفساد، فردَّ عَلَيْهِ السالمي بموقف قاطع وحاسم
__________
(1) العقد الثمين، 2/ 458.
(2) ينظر: أحمد أمين: زعماء الإصلاح، ص380. (1/318)
صفحة 319
بقوله: «المفسدة في ترك الشرع أعظم منها في فعل اللصوص، أتُدرأ المفاسد بترك الأحكام؟! كلاَّ وَالله! ما هَذَا إِلاَّ جور آخر فوق الأَوَّل!. ألا أدلُّك عَلَى ما يقطع المفاسد من أصلها؟ هو استعمال الشريعة [على] من أهانها، كقطع الأيدي والأرجل، وقطع الرؤوس، وإزهاق النفوس (1)، وليس الشرع مقصورا عَلَى بَيِّنَة ويمين، بل هَذَا بَعض الشرع، وبقيت أبواب من الشريعة أخر تدرأ الفاسد وتجلب المصالح في الدين والدنيا، لَكِن عجز أهل زمانك عن فتحها، فاقتصروا عَلَى اليمين، فظنَّ العوامُّ ومن لا خلاق له من الجهَّال أَنَّ ذَلِكَ هو الشرع لا غير، فقبَّحوا محاسن الشريعة. اللَّهُمَّ انصر الإِسلاَم وأهله!» (2). وفي هَذَا الجواب ينعى السالميُّ عَلَى الذين يأخذون من الدين ما شاؤوا ويذرون ما شاؤوا، فالدين كلٌّ لا يتجزَّأ، وهو نظام متكامل الجوانب، لا ينبغي أن نجتزئ منه بَعْضًا، ونتغافل عن جوانب أخرى قد تكون أكثر أَهَمِّيَّة؛ فيساء فهمه، ويُعتبر نظاما غير صالح، وبهَذِهِ النظرة القاصرة المجزِّئة للدين جنى المسلمون ـ ويجنون ـ عَلَى دينهم، وإذا سألنا السالميَّ عن هَذَا الحلِّ الشامل؟ كان جوابه: تغيير نظام الحكم إِلىَ الإمامة، التي تلتزم بتطبيق شرع الله وحدوده في كلِّ نواحي الحياة.
د - التأثُّر بالغرب:
ندَّد السالمي ـ في جوابه عَلَى معترِض من زنجبار ـ بالتأثُّر بالاستدمار النصرانيِّ، وخصَّ من ذَلِكَ أمورا منها: التقليد في اللباس واللسان، فقال بأسلوب شديد: « ... وتالله ما تركتم لباسكم زهدا ولا قناعة ولا اقتصادا، ولا لقصد المواساة لفقرائكم، وَلَكِنَّهُ أُشرب في قلوبكم حبُّ أعدائكم، فاستحسنتم منهم كُلَّ قبيح، واستصلحتم كُلَّ فاسد، وتشبَّهتم بحركاتهم وسكناتهم، وتزيَّنتم بهيئاتهم، وطبعتم
__________
(1) يشير بِذَلِكَ إِلىَ حد الحرابة المذكورة في قَوله تَعَالىَ: {إِنَّمَا جَزَآؤُاْ الذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الاَرْضِ فَسَادًا اَنْ يُّقَتَّلُواْ أَو يُصَلَّبُواْ أَو تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلاَفٍ اَو يُنفَوْاْ مِنَ الاَرْضِ} (المائدة: 33).
(2) المصدر السابق، 5/ 309. (1/319)
صفحة 320
ألسنتكم عَلَى لغاتهم، ونبذتم كِتَاب الله وسنة نبيِّه عَلَيهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ وسيرة السلف وراء ظهوركم، فآمنتم بِبَعْض الكِتَاب وكفرتم بِبَعْض، واستبدلتم بالرشد غيًّا، وبالهدى ضلالا، وبعتم الآخرة بالدنيا، فما ربحت تجارتكم ولا أنتم مهتدون ... ولم أر مثلكم يا أهل زنجبار في اختياركم هَذَا اللباس الأجنبيَّ، وسرعة انطباع أخلاق العدوِّ فيكم ... وأنتم مع كمال هيأتكم، وعلوِّ شأن آبائكم، وشرف أسلافكم، سارعتم هَذِهِ المسارعة كُلَّها في تبديل هيئتكم المنيفة، وتغيير أخلاقكم الشريفة، أأحياء أنتم أم أموات؟! أعقلاء أنتم أم مجانين؟!» (1). فالسالمي في هَذَا النص كشف عن حقيقة التَّغَيُّر الذي طرأ عَلَى سيما المجتمع المسلم، وَأَنَّ التَّغَيُّر في المظهر لم يكن سوى نتيجة للتغيُّر في المخبر، وهو نبذ القرآن ولغته، وحبُّ الشرك وأهله، والانبهار ببريق الغرب. كما حاول ربط المسلم بدينه، وتذكيره بأصالته وتاريخه المجيد، وبيَّن الفجوة التي بدأت تظهر بين السلف والخلف، مستعملا الأسلوب الخطابيَّ القويَّ، والغيرة الجيَّاشة، حَتَّى يوقظ الوسنان، وينبِّه الولهان.
هـ - التربية (2):
إِنَّ التعليم والتدريس هو أَوَّل ما ينصرف إليه الذهن عند ذكر لفظة «التربية». وإذا تساءلنا عن التدريس لدى السالميِّ: ما مستوى تلاميذه؟ وما هي العلوم التي درَّسها لِكُلِّ مستوى؟ وما هي الكتب التي اعتمدها في التدريس؟ وما هي الأوقات المخصَّصة لِذَلِكَ؟ وما هو البرنامج والنظام اليوميُّ؟ وما هي الطرق والأساليب «البيداغوجية» التي انتهجها في التبليغ؟ ... فَإِنَّنَا لا نجد الجواب في النصوص التَّارِيخِيَّة التي بين أيدينا؛ اللَّهُمَّ إِلاَّ ما ذكره سعيد الحارثي إذ قال: إِنَّهُ كان يُفَسِّرُ
__________
(1) بذل المجهود، ص29 - 30.
(2) قد يبدو في هَذَا العنوان تداخل مع ما سبق ذكره في مبحث التدريس عند السالمي، وَلَكِن تناولنا هناك ما يَتَعلَّقُ بممارسته للتعليم، كيف بدأ؟ وماذا كان يدرِّس؟ وكيف كانت علاقته بتلاميذه؟. وسنحاول هنا أن ندرس ما يَتَعلَّقُ بالجانب الإصلاحيِّ التغييريِّ في المجتمع، أي كيف عمل عَلَى ترسيخ المبادئ الأخلاقيَّة في النفوس، وفيم يتمثَّل تجديده وإبداعه؟. (1/320)
صفحة 321
القرآن بين العصر والمغرب (1)، أو ما ذكره حمدون السالمي من أَنَّ مدرسة الشيخ تنوَّعت «في تقديم الْمَادَّة العِلمِيَّة، فلم تقتصر عَلَى منهج مُعَيَّن، أو مَادَّة واحدة، بل تعدَّدت وتشعَّبت المناهج وتعدَّدت الموادُّ، وشملت سائر فنون العلم، فكان عَلَى المتعلِّم أن يستقي منها ما تمليه عَلَيْهِ رغبته ومقدرته واستعداداته» (2)، وَهَذِهِ الإشارة السريعة ـ من باحث معاصر ـ لا تكفي لبناء تصوُّر عن المنهج التربويِّ لدى السالميِّ. ويذكر أحمد الكندي أَنَّ السالميَّ رَحِمَهُ اللهُ قام «بإعداد جيل من الرجال ربَّاهم عَلَى يديه منذ نعومة أظفارهم، حَتَّى وصلوا إِلىَ درجة الاجتهاد في الدين ... وله مع هَؤُلاَءِ مواقف يتناقلها الرواة، تَدُلُّ عَلَى مقدرته عَلَى التربية بِكُلِّ حكمة وإبداع» (3)، ويقول أَيضًا: « ... فجمع بين تجديد المناهج العِلمِيَّة، واتِّباع الأساليب المناسبة، واستخدام الوسائل المتاحة، وحرص عَلَى التطبيق العمليِّ لِمَا يدعو إليه» (4). وَكُنَّا نودُّ لو أفادنا ببَعض الروايات حول تلك المواقف، وأطلعنا عَلَى الأساليب والوسائل العِلمِيَّة والعَمَلِيَّة التي وظَّفها في التربية، والتي جدَّد فيها. لذا فهَذِهِ الإشارات السريعة تدفعنا إِلىَ البحث أكثر لاستكشاف هَذَا الجانب من شَخصِيَّة السالمي، من خلال الْمَادَّة العِلمِيَّة الشحيحة المتناثرة في المصادر الأَسَاسِيَّة: مُؤَلَّفَات السالمي نفسه، وهو ما نحاول إبرازه في الآتي:
من خلال ما مَرَّ من تحليل لمؤلَّفات الإمام السالميِّ رأينا اهتمامه بمختلف مستويات الطلبة: من الصبيان، إِلىَ الأواسط، إِلىَ المتخصِّصين؛ وتعرَّضنا إِلىَ الأسلوب التربويِّ المتدرِّج والمتخصِّص الذي انتهجه. وذكرنا كيف أَنَّ السالمي طبَّق عَلَى نفسه أَوَّل أسلوب للتربية تطبيقا صارما، وَهُوَ: القدوة الحسنة، علما وعملا، عبادة وسلوكا، في علاقته بِاللهِ وعلاقاته مع الناس ... وَهَذَا الجانب هو أهمُّ ما
__________
(1) ينظر: الحارثي: اللؤلؤ، ص134.
(2) حمدون السالمي: السالمي مُؤَرِّخًا، ص147.
(3) أحمد الكندي: الجوانب التَّربَوِيَّة، قراءات، ص131.
(4) المرجع نفسه، ص127. (1/321)
صفحة 322
يتحلَّى به المربِّي المصلح، ليكون لإصلاحاته الأثر الطَّيِّب في الآخرين. وبقي الآن أن نشير إِلىَ بَعض جوانب التربية، ضمن اهتمامات الشيخ. ونذكر من ذَلِكَ:
1 - تخصيص فصول من تآليفه للتربية وتهذيب النفس، منها خاتمة كِتَابه ”مدارج الكمال“، ومنها الجزء الرابع من كِتَاب ”جوهر النظام“ الذي خصَّصه لجملة من السنن والآداب، ابتدأه بالعلم، وجمع فيه جواهر من الحِكم الواردة حول طلب العلم وفضله وآدابه، وتعرَّض إِلىَ العقل والنِّيَّة وسنن الفطرة في اللباس والأكل والشرب ومختلف الحقوق بين العباد، وسبر فيها أغوار النفس البَشَرِيَّة وما يمكن أن يلوِّثها من العُجب والكبر والنفاق، وضمَّن في أواخر الكِتَاب بابين: أحدهما سَمَّاهُ ”جامع الآداب“ والآخر ”جامع الحكم“ قيَّد فيهما جملة من الحكم المفيدة في إصلاح الفرد والمجتمع، كما تضمَّن هَذَا الجزء أبوابا لأسباب الإثم والتوبة والزهد، وختمها بباب في الدعاء (1). وكل ذَلِكَ في نظم سهل وواضح. وإذا تأمَّلنا في هَذِهِ الموضوعات وجدناها تستند إِلىَ أسس تَربَوِيَّة عميقة، وتبرهن عَلَى معرفته الواسعة والدقيقة بالنفس البَشَرِيَّة، إِذْ يشخِّص أمراضها، ويصف لها الوقاية والعلاج (2).
2 - استخدام الأساليب التَّربَوِيَّة: كالاعتماد عَلَى القواعد الاحترازيَّة والاحتياطيَّة في فتاواه، مثل: «دع ما يريبك إِلىَ ما لا يريبك» (3)، «البرُّ ما اطمَأَنَّ إِلَيْهِ القلب، والإثم ما حاك في الصدر وتردَّد في النفس» (4)، «المؤمن
__________
(1) ينظر: جوهر النظام، 4/ 550 - 643.
(2) ينظر: الكندي: الجوانب التَّربَوِيَّة: مرجع سابق، ص129.
(3) قال رَسُول اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك فإن الخير طمأنينة وإنَّ الشرَّ ريبة»، قال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وقد روي بلفظ آخر». محَمَّد بن عبد الله أبو عبد الله الحاكم النيسابوري (321 - 405هـ): المستدرك على الصحيحين، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، الطبعة الأولى، دار الكتب العِلمِيَّة، بيروت، 1411هـ/1990م، رقم 2169، ج2/ص15. (برنامج المكتبة الألفية).
(4) قال - صلى الله عليه وسلم -: «يا وابصة استفت قلبك، استفت نفسك، البرُّ ما اطمأنَّ إليه القلب واطمأنَّت إليه النفس، والإثم ما حاك في النفس وتردَّد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك»، رواه أبو نعيم في الحلية وقال: «غريب من حديث الزبير أبي عبد السلام لا أعرف له راويا غير حمَّاد». وقال الهيثمي: «رواه الطبراني وأحمد باختصار عنه ورجال أحد إسنادي الطبراني ثقات». أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني (430هـ): حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، الطبعة الرابعة، دار الكتاب العربي، بيروت، 1405هـ، 6/ 255. علي بن أبي بكر الهيثمي (807هـ): مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، دار الريان للتراث، دار الكتاب العربي، القاهرة، بيروت، 1407هـ، 10/ 294. (برنامج المكتبة الألفية) (1/322)
صفحة 323
وقَّاف» (1)، وَهُوَ إذ يقدِّم للمستفتي هَذِهِ القواعد يهدف إِلىَ إقناعه، وردِّه إِلىَ ضميره ومحاسبة نفسه، فيكوِّن فيه وازعا ورادعا داخليًّا، لا ينفكُّ عنه فيِ أيِّ زمان أو مكان، وَهُوَ أسلوب مفيد في التربية الذَّاتِيَّة، وتهذيب المرء لنفسه.
3 - الدعوة إِلىَ الاهتمام بالناشئة وإصلاحها: ففي آخر كِتَابه ”بذل المجهود“ يرسم الطريق الأمثل لتربية الأطفال، وملخَّص كلامه (2) أَنَّ الولد صفحة بيضاء، فعلى المرء أن يختار بعناية ما يملؤها به، ولْنعلِّم الأطفال الأخلاق الحميدة والقرآن، ولا نعوِّده عَلَى الرفاهية، ولنختر له حاضنة متديِّنة، تأكل الحلال. وإذا كبر الطفل وبدأ يظهر فيه الحياء فلنستغلَّ هَذِهِ الخصلة لأَنَّهَا بشارة تَدُلُّ عَلَى اعتدال الأخلاق، ولنرسله إِلىَ الكتَّاب ليتعلَّم القرآن وأخبار الصالحين، والأدب، ولنحذر من شعر العشق، ومن لغو الكلام وفحشه، ومن اللعن والسبِّ، ومن مخالطة من يجري عَلَى لسانه شَيْء من ذَلِكَ. وليُعلَّم الطهارة والصلاة والصيام مع سنِّ التمييز، وليخوَّف من الأخلاق الرذيلة كالسرقة والخيانة وأكل الحرام، والشره في الأكل والملبس، وليعلَّم أمور الآخرة ومصيره. ويضيف السالميُّ في نفس السياق: إذا كان هَذَا هو المطلوب من تربية الأطفال فكيف يمكن السماح لأطفالنا بدخول مدارس النصارى، يخالطونهم ويتعلَّمون منهم، ويعيشون معهم ليلا ونهارا لِعدَّة
__________
(1) لم أجد تخريجا للأثر «المؤمن وقاف» رغم شهرته.
ينظر استعمال السالمي للقواعد المذكورة عَلَى سبيل المثال: العقد الثمين، 2/ 6، 9، 137، 255، 486؛ 3/ 144، 146.
(2) اعتمد عَلَى يوسف بن إسماعيل النبهاني، الذي بدوره اختصره من أبي حامد الغزالي. (1/323)
صفحة 324
سنين؟! (1)، فالواجب في نظره منع دخول تلك المدارس كُلِّيَّة، لِمَا تزرعه في نفوس التلاميذ من أفكار مناقضة لتعاليم الإِسلاَم.
4 - ضرب الأطفال: إذا كان السالميُّ عاش في ظرف انتشرت فيه ظاهرة ضرب الأطفال في الكتاتيب لتعليمهم، ثُمَّ جاء من يدعو إِلىَ رفض هَذِهِ الطريقة بِالكُلِّيَّة، فَإِنَّ للسالميِّ رأيا وسطا في الموضوع، إذ لا بُدَّ في نظره «من اعتبار الحال، فإن كان سوء حفظه مِن تساهُلِه في الحفظِ وتهاونِه بالتعلُّم، فالضرب علاج دائه، ولا يزاد عَلَى قدر الحاجة، فَإِنَّ الزيادة ظلم، وإن كان لسوء حفظٍ في طبعه فلا يستَحقُّ الضرب عَلَى ذَلِكَ، إذ ليس من قدرته أن يحفظ، كما أَنَّ الأعمى ليس من قدرته أن يبصر» (2). فهو بِهَذِهِ النظرة ينتهج منهج الوسطيَّة التي دعا إليها الإسلام، لا إفراط ولا تفريط، فالضرب كالدواء لا يلجأ إليه إِلاَّ عند الضرورة، وإذا استعمل في غير موضعه كان ظلما وضرًّا، وترك الضرب كُلِّيَّة قد بدت آثاره واضحة في سوء الأدب لدى الأطفال، وجسارتهم البذيئة أمام أساتذتهم، والرسول صلَّى الله عليه وسلَّم يقول: «ليس مِنَّا من لم يرحم صغيرنا ويوقِّر كبيرنا» (3)، وكيف إذا كان الكبير معلِّما!.
5 - أسلوب الإقناع لا الإكراه: بالرغم من تشدُّد السالميِّ في مسألة التشبُّه بالغرب في اللباس ـ كما سبق ذكره ـ إِلاَّ أَنَّهُ لم يُرِد أن يفرض لباسا مُعَيَّنًا بِالقُوَّةِ عَلَى الناشئة، خوفا من أن يصيروا مثل بَعض آبائهم الذين يلبسون العمائم في الظاهر، ويخفون النفاق في الباطن، وَإِنَّمَا أراد أن لا يلبسها الناشئة إِلاَّ عن اقتناع، وقال: « ... ومن هَذَا المعنى لم نشدِّد عَلَى أولادنا في تركه [المصر المدراسي (4)] لِئَلاَّ
__________
(1) ينظر: بذل المجهود، ص73 - 78.
(2) العقد الثمين، 3/ 320. جوابات، 5/ 478.
(3) رواه الربيع بن حبيب في مسنده، من حديث ابن عبَّاس، كتاب البيوع، باب [34] في الربا والانفساخ والغش، حديث رقم 582. ورواه الترمذي من حديث أنس، كِتَاب البر والصلة، باب ما جاء في رحمة الصبيان، رقم 1919، 4/ 321. صحَّحه الألباني في صحيح الجامع، رقم 5445.
(4) تَقَدَّمَ تعريفه وهو أَنَّه: عصابة من صوف توضع عَلَى الرأس. (1/324)
صفحة 325
تكون عمائمهم منطوية عَلَى نفاق، فإذا طلبوا العمائم من صفاء قلوبهم كان ذَلِكَ خيرا من الجبر عليها ... » (1). وَهَذَا الأسلوب في التربية (الإقناع) هو ما يدعو إليه علماء التربية، وللإقناع نتائج أفضل وأدوم وأضمن وأرسخ في النفس من فرض أيِّ فكرة أو سلوك بِالقُوَّةِ.
6 - اعتماده طريقة التعلُّم الذاتي (العصاميَّة): كان من عادته إذا قعد لقراءة القرآن مع تلاميذه يقول لهم: «ليفكِّر كُلُّ واحد منكم أثناء القراءة في آية من الذي قرأناه، وليبحث عنها بعد القراءة» (2). ولا يخفى ما في هَذِهِ الطريقة من الفوائد، فالتلميذ إذا تأمَّل في آية ولم يفهمها، أو فهمها فهما خاطئا، فَإِنَّ عَوْدَتَهُ إِلىَ المصادر تمكِّنه من التصحيح الذاتيِّ. كما أَنَّ المعلومات التي تنطلق من تساؤل أو إشكال، ثُمَّ البحث عن حلِّه، أدعى إِلىَ الشغف بالعلم، واستشعار لَذَّة الاكتشاف. كما أَنَّ هَذِهِ الطريقة أفيد لترسيخ المعلومات من التلقين. والتصحيح الذاتيُّ، وطرح الإشكال أَوَّلاً مِمَّا طبَّقه الرَّسُول صلَّى الله عليه وسلَّم (3)، وَمِمَّا يوصي به علماء التربية المحدثون (4).
وننوِّه هنا بالجهد الذي بذله السالميُّ تجاه الصبيان والشباب، بما دوَّنه من تآليف، وما أبداه من اهتمام بتربيتهم، فهو من جهة يعتبر البديل الإِسلاَميَّ النظيف الذي طرحه أمام انتشار المدارس النصرانيَّة، ومن جهة أخرى يَدُلُّ عَلَى وعي عميق لِمَا لإصلاح الناشئة والجيل الصاعد من دور في الإصلاح العامِّ، ويكون هَذَا الجيل الجديد العَمَدَ والأركان المتينة للدولة الإِسلاَمِيَّة المنشودة، التي تقلب نظام الحكم المستبدِّ، وتطرد المستدمر المستعبِد، وتلبس المسلم ثوب العدل والحُرِّيَّة، وتكسوه رداء العزَّة والكرامة. وَهَذِهِ استراتيجيَّة وتخطيط بعيد النظر، عميق الفكر، سليم المنهج إِلىَ حدٍّ بعيد.
__________
(1) العقد الثمين، 1/ 459. جوابات، 5/ 456.
(2) الحارثي: اللؤلؤ الرطب، ص138.
(3) من ذَلِكَ حديث المسيء صلاته، ينظر: صحيح البخاري، كِتَاب الأذان، باب أمر النبي الذي لا يتِمُّ ركوعه بالإعادة، حديث رقم 760، 1/ 274.
(4) ينظر: محَمَّد عثمان نجاتي: علم النفس في حياتنا اليومية، ط12، دار القلم، الكويت، 1985م، ص163 - 165. (1/325)
صفحة 326
و - أين المرأة؟
في ختام عرضنا للإصلاح الاجتماعيِّ والفكريِّ والتربويِّ لدى السالميِّ، نتساءل عن دوره في إصلاح نصف المجتمع: المرأة؛ ما موقعها من البرنامج الإصلاحيِّ الذي تبنَّاه السالمي؟ وهل كان يخصِّص لها أوقاتا لتربيتها وتثقيفها وتعليمها، اقتداء بالرسول صلَّى الله عليه وسلَّم الذي خصَّص للنساء يوما يعلِّمهن فيه أمور دينهنَّ؟ (1) هل تخرَّجت عَلَى يديه نساء عالمات مصلحات عَلَى غرار كوكبة الرجال العلماء الذين اقتبسوا من علمه وسياسته؟.
نقول: للأسف الشديد، إِنَّ المصادر التي بين أيدينا ـ ورغم حرصنا عَلَى تتبُّعها في ما يَخُصُّ قَضِيَّة المرأة بالذات ـ تصمُتُ عن هَذَا الجانب، ولا تذكر شَيْئًا من نشاط السالمي في تربيتها وإصلاحها (إن كان للسالميِّ نشاط في ذَلِكَ). ويبدو أَنَّ الشيخ رَحِمَهُ اللهُ حين اهتمَّ بالأنثى، ولاحظ أَنَّهَا مهضومة الحقِّ في مسألة زواجها، وألَّف في الموضوع رسالة "إيضاح البيان في نكاح الصبيان"، وانتقد تصرُّف أهل زمانه في معاملتهم للصبيَّة المتزوِّجة، لم يكن يقصد بِذَلِكَ مسايرة التيَّار الداعي آنذاك إِلىَ حقوق المرأة (2)، وَإِنَّمَا كان منطلقه فقهيًّا بالدرجة الأولى، إذ رأى الناس يجمعون بين رأيين فقهيَّين متناقضين، كما سبقت إليه الإشارة في تحليل تآليف السالمي (3). ويبدو أَنَّ عدم الاهتمام بالجانب النسويِّ يرجع إِلىَ طبيعة المجتمع العمانيِّ، الذي كان في تلك الفترة بعيدا عن تقبُّل مثل هَذِهِ الفكرة. وَلَكِن مهما
__________
(1) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: قَالَتِ النِّسَاءُ لِلنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: غَلَبَنَا عَلَيْكَ الرِّجَالُ فَاجْعَلْ لَنَا يَوْمًا مِن نَفْسِكَ، فَوَعَدَهُنَّ يَوْمًا لَقِيَهُنَّ فِيهِ، فَوَعَظَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ ... صحيح البخاري، كِتَاب العلم، باب: هل يجعل للنساء يوم عَلَى حدة في العلم؟ حديث 101، ج1/ص50.
(2) ينظر: أحمد أمين: زعماء، ص145.
لا نقصد تلك الأفكار التي انتشرت في عهد السالمي الداعية إِلىَ تحرير المرأة من كُلِّ القيم والمبادئ، وَإِنَّمَا نقصد الدعاة المعتدلين، الرامين إِلىَ تأهيل المرأة بتعليمها وتثقيفها الثقافة الإِسلاَمِيَّة الملتزمة، مع الحرص عَلَى آدابها وقيمها، لتؤدِّي دورها في المجتمع، أُمًّا وربَّة بيت صالحة مصلحة ...
(3) ينظر: ص 188 - 189 من البحث. (1/326)
صفحة 327
تكن المبرِّرات فَإِنَّ أيَّ عَمَلِيَّة إصلاحيَّة مهما اهتمَّت بتثقيف الرجل وإعداده إعدادا كاملا، إذا لم يرفقه اهتمام بتثقيف المرأة ـ في درجة الرجل، بل أولى ـ فَإِنَّ هَذِهِ العَمَلِيَّة مآلها الفشل، طال الزمان أم قصر، وستترك آثارا سَيِّئَة في المستقبل، بسبب سير المجتمع بخطى عرجاء، فما الفائدة من مجتمع يعتمد عَلَى رِجْل قَوِيَّة متينة، إذا كان يجرُّ رجْلا أخرى مشلولة ضعيفة، تعوقه عن اللحاق بالركب الحضاري؟.
*********** (1/327)
صفحة 328
المبحث الثالث
الإصلاح السياسي
مدخل:
لا غرابة أن يولي السالميُّ اهتماما كبيرا للعمل السياسيِّ، فقد تعلَّم بين أحضان علماء إصلاحيِّين، وسياسيِّين متمرِّسين، قامت عَلَى كواهلهم دولة الإمام عزَّان بن قيس، أمثال الشيخ عبد الله بن محَمَّد الهاشمي، والشيخ صالح بن علي الحارثي، والشيخ ماجد بن خميس العبري (1)، فمن الطبيعيِّ أن يتأثَّر بهم. إِلاَّ أَنَّ السالميِّ رغم اهتمامه بالسياسة، فَإِنَّهُ لم يترك لنا تأليفا خَاصًّا في الموضوع، وَإِنَّمَا تعرَّض له في ثنايا كتبه الفِقهِيَّة والعقديَّة، وَرُبَّمَا يعود السبب في ذَلِكَ إِلىَ عدم اعتبار السياسة عِلما مستقلاًّ خَاصًّا بالحكم، بل هي جزء من حياة الإِنسَان، لا يمكن فصلها عن الجوانب الروحيَّة والأخلاقيَّة وَالاِجتِمَاعِيَّة والاقتصاديَّة (2).
وإذا كان السالمي لم يؤلِّف كِتَابا مستقلاًّ في السياسة، فَإِنَّهُ مارسها بِقُوَّة في حياته، حَتَّى صار اسمه مرتبطا بالإمامة ارتباط اللحمة بالسداة. وإِنَّ نظرة سريعة في الظروف السِّيَاسِيَّة التي سبق ذكرها (3) تُبَيِّنُ لنا طبيعة العمل السياسيِّ الذي كان عَلَى السالمي أن يتصدَّى له؛ فهناك ثلاث جبهات رئيسة عَلَيْهِ أن يخوضها في آن واحد: مقاومة الاحتلال الإنجليزي، وإسقاط النظام الجائر (السلطنة)، وإحياء النظام العادل (الإمامة)، وتنظيم هيكلة الدولة الجديدة. ولا يخفى ما في مثل هَذَا العمل من الصعوبات والمخاطر؛ وَذَلِكَ لعدَّة اعتبارات:
__________
(1) تَقَدَّمَت ترجمتهم، ينظر: ص 127 - 130، 135 - 138 من البحث.
(2) ينظر: جهلان: الفكر السياسي، ص235.
(3) ينظر: ص 33 - 55 من البحث. (1/328)
صفحة 329
- مقاومة الاحتلال ومنعه من التحكُّم في سياسة البلاد، بما يمتلكه من الإمكانيات الْمَادِّيَّة والعسكريَّة، ذات التقنيَّات الحديثة العالية، أمر قد لا يكون في مقدور السالميِّ وأنصاره التصدِّي له، فميزان القوى غير متكافئ.
- الإطاحة بنظام السلطنة، والذي تسانده إحدى أكبر القوى العَالَمِيَّة آنذاك: إنجلترا، ليس بالأمر الهيِّن، فكان عَلَى السالميِّ أن يُقدم ويخوض المعركة بالرغم من ذَلِكَ.
- إقناع القبائل المتناحرة بضرورة الكفِّ عن الاقتتال، والمصالحة بينها، وجمع كلمتها عَلَى رأي وقائد واحد، أمرٌ بعيد المنال، خَاصَّةً وَأَنَّ الإمامة السابقة لم تتمكَّن من ذَلِكَ، لأَنَّ الأمر يَتَعلَّقُ بالدماء!.
- إقناع تلك القبائل، بعد تناسي خلافاتها، بضرورة الإطاحة بالنظام القائم، وإحياء الإمامة، ــ بالرغم من اختلال موازين القوى، وبالرغم مِمَّا تلقته الإمامة السابقة (إمامة عزان بن قيس) وأنصارها من ضربة قاصمة، لا تزال جراحها تنزف في نفوس العمانيين، وبالرغم من فشل المحاولات التي قام بها المحتسب الشيخ صالح الحارثي ... ــ معطيات تجعل مِمَّا يقدم عَلَيْهِ السالميُّ أمرا يعدُّ من أصعب ما يتحدَّاه مصلح سياسيٌّ. هَذَا بالإضافة إِلىَ أَنَّ المتصدِّي للعمل السياسيِّ تحيطه الجواسيس من كُلِّ جانب، يسجِّلون أعماله، بل ويضيفون إِلَيْهَا ما لم يعمل، ويرصدون تحرُّكاته، ويؤوِّلون ما يصدر عنه تأويلا يزيد في ربحهم (1).
لذا كان عَلَى السالميِّ أن يذلِّل كُلَّ هَذِهِ العقبات، ويتَّكل عَلَى الله ويسير ... كيف ذَلِكَ؟ هَذَا ما سيَتَّضِحُ من خلال استعراض مواقفه من الاحتلال، ومن السلطان، ومساعيه لإحياء الإمامة.
__________
(1) ينظر: أحمد أمين: زعماء الإصلاح، ص38 - 39. (1/329)
صفحة 330
أَوَّلاً - موقف السالمي من الاحتلال:
هل كان موقف السالميِّ من الاحتلال «لا يتعدَّى حديث الناقم لوجود الأجنبيِّ باعتباره كافرا» (1)؟ أم أَنَّهُ تجاوز ذلك إلى السعي في كشف دسائسهم ومكائدهم، والعمل عَلَى إفشالها؟ وهل حثَّ الشعبَ عَلَى الثورة والجهاد لتحرير البلاد؟ هَذَا ما سنعرفه من خلال عرض المنطلق العقديِّ في نظرته إِلىَ الاحتلال، ثُمَّ مواقفه العَمَلِيَّة في مقاومته.
أ - المنطلق العقدي:
علمنا مِمَّا سبق بيانه أَنَّ بين الإنجليز والفرنسيِّين عداوة مستحكمة في شأن الاستيلاء عَلَى دول الخليج، ومنها عمان، وهنا نتساءل: أفلم يكن للشيخ السالميِّ أن يستغلَّ الظرف ويستعين بالفرنسيِّين ضِدَّ الإنجليز، ويضرب بَعض المستدمرين الظالمين بِبَعْض، ويخرج من بينهم سالما؟
في نظر الباحث أَنَّ السالميَّ لن يقبل بذَلِكَ، خوفا من ثلاثة أمور:
· الأَوَّل: أن ينفلت من قبضة مستدمر ويقع في قبضة الآخر.
· الثاني: أن يفشل في المحاولة ولا ينال سوى الذلِّ والهوان من كلا المستدمرين. وهذا فرق ما بين الشيخ السالميِّ وبين السلطان فيصل، الذي حاول استغلال تلك الخلافات، دون أن يصل إلى نتيجة، سوى إهانة نفسه وأمَّته، وتغلغل وتحكُّم للاستدمار الإنجليزي أكثر.
· الثالث بالمنطلق العقديِّ ــ وهو الأساس ــ: اختلاف الملَّتين: الإيمان والشرك، إذ كان أَوَّل مبدأ ينطلق منه السالميُّ، ويسعى لترسيخه في نفوس الناس ـ باعتباره عالما مسلما ـ: أَنَّ الكفر ملَّة واحدة، لا فرق بين احتلال برتغاليٍّ أو فرنسيٍّ أو إنجليزيٍّ، ويسمِّيهم كلَّهم نصارى (2)،
·
__________
(1) العزري: فكر السالمي، هامش ص170.
(2) ينظر: تحليل تآليف السالمي، ص262 - 263 من البحث. (1/330)
صفحة 331
وأَنَّ المحتلين أهل حرب، قد دخلوا ديار المسلمين بالحرب حينا، وبالدسائس والمكائد أحيانا، يجب عَلَى كُلِّ من قدِر من المسلمين عَلَى حمل السلاح المادِّيِّ أو المعنويِّ أن يقاومه. و هَذِهِ القاعدة العقديَّة الراسخة تعتبر أقوى دافع للمقاومة، وتجعل من الإِنسَان يسترخص كُلَّ عزيز، ولا يبالي إن هو مات في سبيل الفكرة، لأَنَّ هدفه الأسمى هو إعلاء كلمة الله، ونيل الشهادة ورضوان الله. وَهَذَا ما يخيف الاحتلال، لأَنَّ الإغراءات الْمَادِّيَّة والقوَّات العسكريَّة كلَّها لن تثني من عزائم المجاهدين؛ لذا قال الوكيل البريطاني في مسقط، مستشعرا خطورة الوضع عند قيام الإمامة: «إِنَّ الثورة قد اتَّسمت بطابع دينيٍّ، وَإِنَّ الإمام يدعو إِلىَ الجهاد، وأكثر من هَذَا فَإِنَّ كثيرين من الثوار لقوا حتفهم عَلَى يد قوَّات الإنجليز ... إِنَّ الغرض الخاصَّ بمنح إعانات للقبائل ليس خليقا أن يكون وسيلة مغرية لإقناعها، ذَلِكَ لأَنَّ الإمام قد يحرِّم من قبول الإعانات بوازع دينيٍّ» (1). وكفى بهذا شهادة عَلَى أثر الإيمان في النفوس، والفضل ما شهد به العدوُّ!.
ب - كشف الدسائس وردُّ الشبه:
إذا تتبعنا بَعض تآليف السالمي وجدناه واعيا بدسائس الاستدمار، وَحَتَّى في كتبه الفِقهِيَّة كان يربط الفقه بالواقع، ويحاول أن يبثَّ من خلاله أفكاره السِّيَاسِيَّة، فيقول مثلا في كِتَابه الفقهي: «جوهر النظام» في «باب الجهاد»:
حرب النصارى اليوم بالدواهي والكلُّ مِنَّا غافل ولاهي
فيأخذون الدار بالخدائع وَإِنَّهَا أقوى من المدافع» (2)
ونودُّ أن نشير في البداية إِلىَ قِلَّة ما كتبه السالمي في كشف دسائس الإنجليز، بإبراز بعض الأمثلة والوقائع التي كانت تشهدها عمان وسائر البلاد الإِسلاَمِيَّة،
__________
(1) نهضة، ص251 - 252.
(2) جوهر النظام، 3/ 513. (1/331)
صفحة 332
والوقوف عَلَى حقيقة ما تتعرَّض له من هجمات فِكرِيَّة عنيفة، وَرُبَّمَا يرجع ذَلِكَ إِلىَ قِلَّة تنقُّله خارج عمان، واتِّصاله بالمصلحين الآخرين.
ويمكن تلخيص بعض الشُّبه التي وقفنا عَلَيْهَا في ثنايا تآليف الشيخ، والدسائس التي حاول كشفها في النقاط الآتية:
1 - تنبيه الرأي العام إِلىَ أَنَّ الإنجليز لا يهدفون إِلىَ تحرير الشعوب ـ كما يزعمون ـ وَإِنَّمَا هدفهم التوسُّع الاستدماريُّ، واستنزاف الثروات، ويشير السالميُّ إِلىَ ذَلِكَ في نصائحه للسلطان، وتذكيره بخطورة مكائد الإنجليز، واحتيالهم في سلب ممالك المسلمين، فقال للسلطان وحاشيته:
«والخصم لا يخفى عليكم حاله حين انقلب
سلب الممالك باحتيا لٍ قد علمتم ما سلب
وأتى يخادعكم فقلتم إِنَّهُ الخلُّ المحب
بتُّم وبات ينوشكم بمكائد لم تحتسب
شعواء دسَّ إليكمُ تحت الليالي والحجب» (1)
وَهَذَا أشبه بما فعله الأفغاني مع الهنود والمصريِّين، الذين خُدعوا بإنجلترا التي زعمت أَنَّهَا تهدف إِلىَ تحريرهم وحمايتهم (2).
2 - الوقوف بالمرصاد أمام ما يلقيه النصارى من الشبه التي قد تنطلي عَلَى بَعض الجهَّال، ومنها:
· تبرير النصارى لاحتلال بلاد المسلمين بقولهم: نَحْنُ أتباع عيسى - عليه السلام -، وَالله تَعَالىَ يقول في القرآن: {وَجَاعِلُ الذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} (آل عمران: 55)، فنحن الغالبون عليكم وَعَلَى غيركم، فيردُّ الشيخ نور الدين شبهتهم بقوله: «قلنا: صدق الله فيما أخبر، وقد جعلكم
·
__________
(1) قصيدة بائية (مخ) ضمن مجموع، ص46 - 47. نهضة الأعيان، ص171. بذل المجهود، ص25.
(2) ينظر: طهاري: مفهوم الإصلاح، ص69 - 70. (1/332)
صفحة 333
فوق الذين كفروا بعيسى، وهم اليهود، وَذَلِكَ مكافأة لكم عَلَى اتِّبَاع عيسى في أَوَّل الأمر لا عَلَى تبديلكم الأخير، فإنَّكم بالتبديل قد استوجبتم العقاب، وَالله يستدرجكم من حيث لا تعلمون» (1).
· فرض بريطانيا الضرائب عَلَى البيوت، تُدفع كُلَّ عام، وإرغام القضاة عَلَى كِتَابتها، وإيهام الناس أَنَّ هَذِهِ الضرائب ليست من ابتداعها، بل هي مِمَّا قضت به الشريعة المحَمَّدِيَّة، وقد طبَّقها بَعض الحكَّام المسلمين، فبيَّن السالميُّ أَنَّ كتابة ذَلِكَ لا تجوز، وَأَنَّهُ يجوز للإمام العادل القائم بأمر الله وأمر رَسُوله صلَّى الله عليه وسلَّم ما لا يجوز لملوك النصارى ولا للجبابرة من المسلمين، «عَلَى أَنَّ السبب الذي سوَّغ ذَلِكَ للإمام ـ إن صَحَّ المدَّعى ـ قد اختفى ... وَعَلَى كُلِّ حال ننزِّه المحمَّديَّة الغرَّاء من هَذِهِ المغارم الباطلة، وَالله المستعان»، ويضيف معلِّقا عَلَى تزييف النصارى للحقائق، وتحريفهم لشريعة الإِسلاَم: «أَمَا كفى النصارى أن يمصُّوا اللحم والدم حَتَّى يمصُّوا الدين؟!! ذَلِكَ بما كسبت أيديكم، وَالله {لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [يونس: 44]» (2).
3 - الكشف عن إحدى الدسائس في مجال الاقتصاد، إِذْ من المعلوم أَنَّ المسلمين كانوا يتعاملون في تجاراتهم وتبادل منافعهم بالنقدين: الذهب وَالفِضَّة، وهما العملتان اللتان لهما قيمة حَقِيقِيَّة، ثُمَّ جاء الاستدمار فاستبدل بهما أوراقا لها قيم اعتباريَّة، فقال السالميُّ في هَذَا الشأن: «وهذا أمر أحدثه النصارى تقوية لدولتهم، وإجراء لحيلتهم، فوضعوا للناس القراطيس، وأخذوا منهم الصفراء والبيضاء، وحملوها إِلىَ دولتهم، فلو قدَّر الله عَلَى دولتهم ذهاب من أراضي المسلمين بقيت الذهب وَالفِضَّة عند النصارى والقراطيس عند المسلمين في سوق الكساد، فهي المكيدة التي رسمها النصارى في عمل النوط (3)، ولم تفطن لها طوائف
__________
(1) العقد الثمين، 2/ 425 - 426. جوابات، 6/ 216 - 217.
(2) جوابات، 5/ 56.
(3) كلمة «نوط» لا علاقة لها بمعناها العربي الذي هو «العلاوة بين عدلين ... ». وَإِنَّمَا المقصود بالنوط: الأوراق النقديَّة، وأصل الكلمة إنجليزي: « Note» والتي من معانيها بِالعَرَبِيَّةِ: حوالة، أَو صك تحويل. ينظر: الفيروزآبادي مجد الدين محَمَّد بن يعقوب (817هـ): القاموس المحيط، ضبط وتوثيق: يوسف الشيخ محَمَّد البقاعي، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، 1415هـ/1995م، ص621، مَادَّة: «نوط». شرح بَعض المصطلحات العمانية، ملحق بجوابات السالمي، 7/ 630. شركة صخر لبرامج الحاسب: برنامج القاموس، العَالَمِيَّة، الإصدار 2، 1995 - 1996، مَادَّة: « Note». (1/333)
صفحة 334
الإِسلاَم، فقبلوها صرفا، وتعاملوا بها في الأماكن التي تحت دول الأعداء، فصار ذَلِكَ رضا منهم بالتعامل، فلو تنبَّهوا لها في أَوَّل الأمر لحرَّموا قبولها (1)، لأَنَّهَا من الأسباب المقوِّية للكفر عَلَى الإِسلاَمِ، وَعَلَى الحازم الحاذق أن لا يقبل عن نقده قرطاسة، لأَنَّهُ من ضياع المال» (2)، وَهَذَا الرأي من السالميِّ، وإن كان نابعا من منطلق فقهيٍّ، وَهُوَ تحريم تقوية الكُفَّار وإضعاف المسلمين، إِلاَّ أَنَّهُ يعتبر ــ في نظرنا ــ من الآراء الاقتصاديَّة البعيدة النظر، إذ لم يَعُد للأوراق النقديَّة أيُّ قيمة في كثير من البلدان الإِسلاَمِيَّة، وصارت أحد أسباب التضخُّم، وَرُبَّمَا لو ظلُّوا يتعاملون بما له قيمة حَقِيقِيَّة (الذهب وَالفِضَّة) لتجنَّبوا كثيرا من المشاكل الماليَّة، كالتدهور المفرط في العملات، وظاهرة التزوير المنتشرة في العالم. وَهَذَا الرأي يحتاج إِلىَ تأمُّل ونقد من قِبَلِ الخبراء الماليِّين.
جـ - سبب الاحتلال:
يُبَيِّنُ السالمي أَنَّ السبب الحقيقيَّ للاحتلال هو فساد المسلمين، حكَّاما ومحكومين، وَهُوَ عقوبة لهم عَلَى تضييعهم. ويضيف مخاطبا الاحتلال: «وَأَمَّا غلبتكم عَلَى المسلمين في بَعض النواحي فلا يَدُلُّ عَلَى حقِّكم، ما ذاك إِلاَّ تسليط علينا بفعل ما حرَّم الله علينا، كما أخبر نبيُّنا عَلَيهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ، فَإِنَّهُ إذا تُرك الأمر والنهي أديلت الكُفَّار (3)، فهي عقوبة عاجلة، وتسليط مقدَّر، فأنتم أشباه كفرة
__________
(1) فيِ الأَصْلِ: «من حرم عليهم قبولها» ولا معنى لها.
(2) جوابات، 4/ 386.
(3) لم نجد فيما بين أيدينا من المصادر نصًّا حديثيًّا قريبا من هَذَا اللفظ، وَإِنَّمَا وجدنا في معناه تسليط الأشرار عَلَى الأخيار عند ترك الأمر والنهي، وهو قول الرَّسُول - صلى الله عليه وسلم -: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنْ الْمُنْكَرِ أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللهُ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَابًا مِنْهُ ثُمَّ تَدْعُونَهُ فَلاَ يُسْتَجَابُ لَكُمْ». قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. سنن الترمذي، كِتَاب الفتن عن رَسُول الله، باب ما جاء في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حديث 2169، 4/ 468. (برنامج المكتبة الألفية، وبرنامج موسوعة الحديث الشريف). (1/334)
صفحة 335
المجوس الذين سُلِّطوا عَلَى بني إسرائيل حين عملوا بمساخط الله، وَالله المستعان» (1). ويرى أَنَّ كلَّ ما آل إليه المسلمون ليس إِلاَّ نتيجة لِمَا كسبت أيديهم، كما قال لبعض الزنجباريِّين الذين اشتكوا من تحرير النصارى لجميع العبيد، فلم يعد للأسياد سلطة عَلَيْهِم: «هذه بليَّة عمَّت الزنجباريِّين عقوبة لِمَا صنعوا من الجور في المماليك {وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا} [الشورى: 40]» (2)، ويسائلهم قائلا: ما بال النصارى يعاملونكم بخلاف ما يعاملون به بَقِيَّة الشعوب؟ «وَلَعلَّهُم وجدوا من السهولة واللين والفساد ما لم يجدوه مع غيركم!» (3)، فاللوم يُلقى عَلَى المسلمين بالدرجة الأولى لضعفهم، وَلأَنَّهُم لم ينصروا الله فينصرهم، فلو كانوا من أهل الإيمان والعمل الصالح حَقًّا لوفَّى الله بما وعد، إذ يقول تَعَالىَ: {إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ} (سورة محَمَّد: 7)، «فلو نصَرْنا الله حَقًّا لنَصَرَنا الله، غير أنَّا قد اتَّصفنا بالفشل والتنازع، وقد نهانا الله عن ذَلِكَ، وركب غالبنا المناهي، وعملوا بالمساخط، وَذَلِكَ موجب للغضب إن لم يعف الله» (4). وقد صدق الله تَعَالىَ حين قال: {أَوَلَمَّآ أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدَ اَصَبْتُمْ مِّثْلَيْهَا قُلْتُمُ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُم} (آل عمران: 165)، وقال: {وَمَآ أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ بِمَا كَسَبَتَ اَيْدِيكُمْ} (الشورى: 30)، وَهَذَا ما يُسَمِّيه مالك بن نبي: القابليَّة للاستعمار (5).
__________
(1) العقد الثمين، 2/ 425 - 426. جوابات، 6/ 216 - 217. وينظر: بذل المجهود، ص58.
(2) العقد الثمين، 3/ 431 - 432. جوابات، 5/ 396.
(3) المصدر نفسه، 4/ 419.
(4) العقد الثمين، 1/ 337. جوابات، 5/ 555.
(5) ينظر: مالك بن نبي: شروط النهضة، ترجمة عبد الصبور شاهين، سلسلة مشكلات الحضارة، دار الفكر، دمشق، 1986م، ص152 - 155. في مهب المعركة، ص27. (1/335)
صفحة 336
د - حكم الدعوة والسلام مع الاحتلال:
بما أَنَّ المشركين دخلوا ديار الإِسلاَم بالحرب فَإِنَّهُ لا دعوة لهم عَلَى المسلمين، لأَنَّهُم إِنَّمَا يسعون في إظهار كفرهم، وإطفاء نور الإسلام، لأَنَّ الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم لم يكرِّر دعوة كُفَّار قريش بعد انتقاله إِلىَ المدينة، وَإِنَّمَا بدأهم بالحرب، فهو يعلم تمرُّدهم وعدم انقيادهم بغير السيف، وحال المستدمرين في عهد السالمي كحال قريش في زمانه صلَّى الله عليه وسلَّم (1)، والدعوة تجب حين يكون المسلمون هم الخارجون عَلَى المشركين وَأَمَّا إذا كان المشركون هم القاهرون على المسلمين فلا دعوة لهم، «ولا يَصِحُّ لأحد تأمينهم في بلاد الإِسلاَم» (2). فموقف السالميِّ إذن واضح من المستدمرين: هم مشركون، قد استولوا عَلَى ديار المسلمين بِالقُوَّة، وسعوا في إطفاء نور الإِسلاَم، فلا سلام معهم ولا دعوة. وَهَذَا مصداقا لِقَولِهِ تَعَالىَ: {إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمُ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَّتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} (الممتحنة: 9).
هـ - حكم معاونة الاحتلال:
منع السالميُّ كُلَّ ما يمكِّن المشركين من التغلغل في دار الإِسلاَم، كبيع بَعض البيوت لهم، لأَنَّ ذَلِكَ تقوية لهم، وعند دخولهم البلاد الإِسلاَمِيَّة أَوَّل مَرَّة يكون التحريم أَشَدَّ، «لأَنَّهُ معونة لهم عَلَى تمكُّنهم في البلاد، وقد ظهر ذَلِكَ عيانا. وَلَكِن أين الناظرون؟!» (3)، فالسالميُّ في هَذِهِ الفتوى يبصر بعين السياسيِّ المجرِّب، والمعتبِر بالتاريخ، إذ من المعلوم أَنَّ البلاد في حصانة من العدوِّ ما لم تُفتح له ثغرة للاستيلاء والتمكين، لِذَلِكَ كانت الحرمة في أَوَّل الأمر أَشَدَّ منها فيما بعدُ.
ومنع كُلَّ أشكال مساعدة النصارى ولو تحت التهديد، إذ أجاب أحد سائليه بقوله: «لا تجوز معاونة النصارى في شَيْء مِمَّا ذكرتَ [من التهديد] {وَمَنْ يَّتَوَلَّهُم
__________
(1) ينظر: جوابات، 5/ 11 - 12، 570.
(2) المصدر نفسه، 5/ 36. وينظر: جوهر النظام، 3/ 513.
(3) جوابات، 4/ 303. (1/336)
صفحة 337
مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُم} [المائدة: 51]، ولعمري إِنَّ هَذِهِ المعاونة وأمثالها هي التي سلَّطت النصارى عَلَى ممالك المسلمين، داهنتِ الملوك، وعاونت النصارى، { اَضَاعُواْ الصَّلاَةَ وَاتَّبَعُواْ الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا اِلاَّ مَن تَابَ} [مريم: 59]» (1)، وهنا يعود باللوم عَلَى حكَّام المسلمين الذين داهنوا الاستدمار وعاونوه، ولم يكن ضعفهم إِلاَّ بتضييعهم العلاقةَ التي بينهم وبين رَبِّهِم: تضييع الصلاة، واتِّباع الشهوات. كما يربط بين العقيدة (الولاية والبراءة) وبين التطبيق العملي لها عَلَى أرض الواقع السياسيِّ، فأيُّ عمل أو مساعدة للمشركين يُعتبر ولايةً لهم، وولاية المشركين أمر مُحَرَّم قطعا. ويَعتبر أيَّ إعانة لهم بغيا وخيانة: « ... وَإِنَّ من خرج معهم بعد الحجر فهو باغ بِذَلِكَ، لأَنَّهُ دالٌّ عَلَى عورات المسلمين، وخارج عَلَيْهِم بعدوِّهم، وساعٍ في الأَرض بالفساد، ومُظاهر للشرك عَلَى الإِسلاَم» (2).
و - حكم مخترعات الاحتلال:
إِنَّ الموقف الأَوَّل الذي يَتَّخِذُه السالمي تجاه ما يخترعه المحتلُّ هو الرفض والمقاطعة، حَتَّى إذا تَبَيَّنَ له أَنَّ تلك المخترعات لا تَضُرُّ بالدين قَبِلها. من ذَلِكَ مثلا: استماع القرآن من الأسطوانات، للسالميِّ فيها موقف خاصٌّ، إذ حرَّم استماع القرآن من المذياع ومن الأسطوانات، لأَنَّهُ أشدُّ قبحا من المزمار الذي اتَّفَقَت الأُمَّة عَلَى تحريمه، إذ يقول: «واعلم أَنَّ استماع هَذِهِ حرام، والتكلُّم فيها حرام، وشراءها حرام، وبيعها حرام، واقتناءها في البيت حرام، بل الواجب كسرها لأَنَّهَا من آلات الملاهي، وهي من المنكرات الواجب تغييرها، فلا يسع التهاون فيها، ولا التساهل في إنكارها ... » (3)، ويقول فيِ جواب آخر: «ولا تجوز القراءة فيها، وهي مكيدة عملتها أعداء الإِسلاَم لأهل الإِسلاَم، أرادوا أن يسلبوهم تلاوة القرآن وأن يسمعوهم من المزامير» (4)، وَهَذَا الرأي وإن بدا شديدا وغريبا إِلاَّ أَنَّ له ـ باعتبارٍ ـ
__________
(1) العقد الثمين، 2/ 449. جوابات، 5/ 537 - 538. وينظر: 5/ 52.
(2) المصدر نفسه، 5/ 36. وينظر: جوهر النظام، 3/ 513.
(3) العقد الثمين، 1/ 425 - 426.
(4) المصدر نفسه، 1/ 347. (1/337)
صفحة 338
جانبا من الوجاهة والواقعيَّة، فالمكيدة التي أشار إليها بدت واضحة في واقعنا المعاصر، حيث لا يَخفَى استغناء كثير من الناس عن قراءة القرآن وتدبُّره، واكتفاؤهم بتشغيل أشرطة الترتيل، وأذهانهم شاردة، ولا يسمعون القرآن إِلاَّ كما يسمعون الموسيقى والأغاني «المزامير»، ولا يُؤَثِّرُ ذَلِكَ في سلوكهم شَيْئًا، والقرآن إِنَّمَا نزل ليُتدبَّر ويؤثِّر في السلوك. وَلَكِن ـ باعتبار آخر ـ لا يخفى ما في تلك الأشرطة من فوائد في تحفيظ القرآن، وتصحيح تلاوة كثير مِمَّن ليس لهم أساتذة لتعليم القرآن وترتيله، خَاصَّةً بالنسبة للأعاجم؛ فما الأسطوانات إِلاَّ آلة ووسيلة، يتغيَّر الحكم لها أو عَلَيْهَا حسب الغاية من استعمالها. وَلَكِنَّ الرأي الأصوب هو تعميم ما ذكره من جواز استعمال وسائل النقل الحديثة، عَلَى سائر المخترعات، إذ يقول في فتوى أخرى: «فهذه المراكب البحريَّة، وتلك السكك البرِّيَّة جميعها مبتدَع، ولا وجه للقول بمنع ركوبها لكونها من بدع النصارى» (1).
وَلَكِنَّ السؤال الذي يطرح نفسه: هل يبقى المسلمون دوما عالة عَلَى غيرهم يستغلُّون ما يُخترع لهم، أم عَلَيْهِم أن يتعلَّموا التقنيَّات الحديثة، لينتقلوا من شعب مستهلك إِلىَ شعب منتج؟. هَذَا ما يدفعنا إِلىَ التساؤل عن نظرة السالمي إِلىَ التعلُّم في مدارس النصارى، والتي يمكن أن يوجد فيها بَعض التقنيَّات والعلوم الحديثة.
ز - حكم التعلُّم في مدارس النصارى والتشبُّه بهم:
أمام انتشار المدارس النصرانيَّة في الشرق الإِسلاَمِيِّ، والتي كانت بتدعيم الجمعيَّات المسيحيَّة في الغرب، فَإِنَّ المسلمين كانوا حائرين «بين إقدام عَلَى التعلُّم في هَذِهِ المدارس، مع التعرُّض لِمَا يَمَسُّ دينهم، وبين الاحتفاظ بدينهم ومعه الاحتفاظ بجهلهم» (2). وقد أشرنا فيما سبق إِلىَ أَنَّ موقف السالمي كان شديدا في النهي عن التعلُّم والتعليم في مدارس النصارى، خوفا من التأثُّر بالعقائد النصرانيَّة، ورأى أَن لا غرض منها سوى تلقين الكفر للأطفال مِمَّا يسلخهم عن دينهم رأسا.
__________
(1) المصدر نفسه، 1/ 414. جوابات، 5/ 548.
(2) أحمد أمين: زعماء الإصلاح، ص34 - 35. وينظر: شاتليه: الغارة على العالم الإسلامي، ص22 - 31. (1/338)
صفحة 339
وقد خصَّ بالنكير تعليم البنت في مدارس الراهبات، واعتبره أَشَدَّ خطرا في القضاء عَلَى الإِسلاَم، ونقل عن أحد المستشرقين قوله: «وفي اليوم الذي تغذِّي فيه الأمُّ أولادها بلبان هَذِهِ التربية [غير الإِسلاَمِيَّة]، تكون قد تغلَّبتَ عَلَى الإِسلاَمِ نفسه، فتلك هي أقرب الطرق وأنجح الوسائل لمحاربة الإِسلاَمِ بأهله، دون جلبة ولا ضوضاء ... » (1).
ولم تقتصر الدعوة إِلىَ المقاطعة عَلَى مدارس النصارى فحسب، بل دعا إِلىَ مقاطعة أزيائهم، وقد مَرَّ بنا آنفا موقف السالمي من مسألة تقليد الكُفَّار في اللباس (2)، والذي يعنينا هنا هو ما لِهَذِهِ الدعوة من تثبيط لعزائم الكُفَّار، لَمَّا لا يجدون لمساعيهم أيَّ تأثير عَلَى المسلمين في أبسط الأمور (كاللباس) فضلا عن التأثير في المواقف والمعتقدات. إضافة إِلىَ كساد الاقتصاد الاستدماريِّ، فقد كانت ـ ولا تزال ـ البلدان الإِسلاَمِيَّة أكبر سوق استهلاكيَّة للصناعات الأوروبيَّة والأمريكيَّة.
ح - حكم العمل تحت دولة مشركة:
تحرَّج السالمي من عمل القاضي تحت حكم المشركين أو الجورة (3)، فقال: «والدخول في القضاء عند هَؤُلاَءِ عَلَى هَذَا الوصف فيه ما فيه، والخلاف في التقضِّي للجبابرة مشهور، ومن كان ... محترزا لدينه فلا يَضُرُّه أن يحكم بِالْحَقِّ بين خصمين، ولو كان الذي سلَّطه عَلَى الحكم من الظلمة» (4)، ثُمَّ يرى رأيا آخر في كِتَابه «بذل المجهود» (5)، حين ردَّ عَلَى الزنجباريِّ الذي يرى أَنَّ من أسباب الاحتلال شغور المناصب في إدارة الدولة، فعمرها الكُفَّار ومن لا خلاق له، لأَنَّ الأكفاء من
__________
(1) بذل المجهود، ص13. والنص نقله الْمُؤَلِّف عن «مَجَلَّة العالمين» لأحد المستشرقين.
(2) ينظر: ص 319 - 320 من البحث.
(3) لم يفرِّق السالمي في فتاواه بين دولة الجورة ودولة المشركين في مسألة عمل القاضي فيهما، لأَنَّ حكم السلطان في ذَلِكَ العهد لم يكن إِلاَّ صوريًّا، والتحكُّم الفعليُّ هو للإنجليز.
(4) العقد الثمين، 2/ 450.
(5) كِتَاب بذل المجهود من أواخر مُؤَلَّفَات السالمي، فقد يكون ما ذكر في الكِتَاب مستقرَّ رأيه، وَلَكِن لاَ بُدَّ من الأخذ بعين الاعتبار أَنَّهُ بصدد الردِّ، وقد يختلف الرأي بين الردِّ الخطابي، وبين البحث الرصين. (1/339)
صفحة 340
المسلمين فرُّوا بدينهم، وتخلَّوا عن تلك المناصب، زعما منهم أَنَّ ذَلِكَ غير جائز، فردَّ عَلَيْهِ السالميُّ بشدَّة: «لو تدري ما قلت في هَذِهِ الكلمات لأكثرت الزفرات، وأطلت العبرات، كيف تقول: "زعما منهم أَنَّ ذَلِكَ غير جائز" كَأَنَّكَ المكذِّب بِذَلِكَ، ونصوص الكِتَاب وَالسُّنَّة القاطعات تمنعنا من معاونتهم عَلَى ظلمهم، ولو بأقلِّ قليل، والجهل آفة، ولولا أَنَّ الكلام يخرج بنا عن المقصود لبسطنا الأَدِلَّة عَلَى منع الظلم والمعاونة عَلَيْهِ، وحسبك الآن قَوله تَعَالىَ: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الاِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2]، وقد لُمتَ أنت الفضلاء بما أثنى الله به عَلَيْهِم في كِتَابه العزيز، ودعوتهم إِلىَ فعلٍ ذمَّ الله الداخل فيه ... » (1). وللسالميِّ رأي ثالث في حكم العمل في البلاد التي استولى عَلَيْهَا المشركون والجبابرة، وَهُوَ أَنَّ الحكم يختلف بحسب الأحوال ونوع العمل، فإن كان خيرا فهو خير، «وإن كان شَرًّا فشرٌّ، وما أفضى إِلىَ الشرِّ فهو شرٌّ، وما لا يمكن فعله إِلاَّ بمعصية فهو معصية، ومن عمل شَيْئًا يستَحقُّ عَلَيْهِ العناء في المال فله أن يأخذ عناءه، وإن دفع إِلَيْهِ المشرك أو الجائر جاز له» (2). وحين سئل عن حكم عمل القاضي في دولة الجبابرة؟ أجاب بِأَنَّ الرأي الصحيح والمعمول به هو الجواز، وبرَّر الجواز بقوله: «كيلا تتعطَّل الأحكام كلُّها بالعجز عن بَعضها، ولأَنْ يُذكَر الحكم الشرعيُّ في البلاد أحبُّ إِليَّ من إهماله بِالكُلِّيَّة ... » (3)، والسالميُّ في هَذَا الرأي الأخير وافق رأي الزنجباريِّ الذي رَدَّ عَلَيْهِ آنفا، وما دمنا لا نعرف تواريخ فتاواه لنقارنها بتاريخ "بذل المجهود"، فَإِنَّنَا لا نعرف ما استقرَّ عَلَيْهِ رأيه. وفي نظر الباحث أَنَّ الرأي الأخير هو الأكثر مراعاة للمصلحة (4)، وأدعى إِلىَ نشر العدل شَيْئًا فَشَيْئًا، شريطة أن يكون القاضي
__________
(1) بذل المجهود، ص58 - 59.
(2) العقد الثمين، 2/ 461. جوابات، 4/ 411.
(3) المصدر نفسه، 5/ 52.
(4) ينظر تعريف المصلحة وأقسامها باعتبار الشرع: الغزالي أبو حامد محَمَّد بن محَمَّد: المستصفى، دار الكتب العِلمِيَّة، ص173 وما بعدها. عزّ الدين عبد العزيز بن عبد السلام: قواعد الأحكام في مصالح الأنام، دار الكتب العِلمِيَّة، 1/ 11 وما بعدها. (برنامج جامع الفقه الإِسلاَمي) (1/340)
صفحة 341
عدلا قويَّ الشَّخصِيَّة، فقد ينسدُّ عَلَى يديه باب كبير من الظلم عَلَى الرعيَّة، وهذا من باب ارتكاب أخفِّ الضررين، وَبَعض الشرِّ أهون من بَعض.
ط - العمل عَلَى إجلاء المحتلِّ:
أمام الاستدمار المادِّيِّ والمعنويِّ عَلَى المسلم أن يتحرَّك، ويقوم بِكُلِّ ما يغيظ الأعداء، ويدفعهم إِلىَ الرحيل عن ديار المسلمين بِكُلِّ وسيلة؛ وقد أجاز السالميُّ للمستطيع أخذ أموالهم بالاحتيال، فقال: «وجب أن يؤخذوا من كُلِّ جهة، وأن يقعدوا لهم كُلَّ مرصد، وحلَّ أخذ أموالهم بالسلب والاحتيال لِكُلِّ قادر عَلَيْهِ من المسلمين، ويكون ما أخذه غنيمة» (1)؛ فإذا كان المشركون قد استولوا عَلَى ديار المسلمين وأموالهم بالدهاء، بدعاوى ومبرِّرات مختلفة، ظاهرها حماية ومصلحة، وباطنها استدمار، واحتيال للاستيلاء عَلَى ثروات البلاد، فَإِنَّ عَلَى السالميِّ أن يعاملهم بالمثل، إذ أفتى بجواز أخذ أموالهم بالاحتيال، والحربُ خدعة، ودعا إِلىَ إغاظتهم والتنغيص عَلَيْهِم، وقد سئل مَرَّة عن حُرمة المقابر فقال: « ... أَمَّا مقابر المشركين فلا حرمة لها، فابنِ، واغرِسْ، وأَغِظِ الأعداء» (2)، ولا ننسى أَنَّ نضع في الحسبان أَنَّ هَذِهِ الفتوى الحادَّة قالها السالميُّ في أحلك ظروف الاستدمار، لَمَّا كانت أغلب الأقطار الإِسلاَمِيَّة في يد المشركين، تحت نير الحرب والنهب والتقتيل، وَهَذِهِ الفتوى كانت مقابل النظرة البريطانيَّة المشوَّهة عن أنصار الإمامة، إذ تعتبر كُلَّ من يثور عَلَى السلطان ـ عَلَى حدِّ تعبير أحد المستشرقين ـ «متمرِّدا، أو إرهابيًّا، أو قاطع طريق، أو قرصانا، بل قاتلا، أو مجرما» (3). ولا شَكَّ أَنَّ آثار تلك الفتوى ستكون عميقة في نفوس المشركين، خَاصَّةً إذا أخذنا بعين الاعتبار اهتمام النصارى بمقابرهم وتزيينها، وبرفات جنودهم واحترامها، فكان رأي السالميِّ أن يعاملوا بنقيض ذَلِكَ إغاظةً وتبكيتا لهم.
__________
(1) جوابات، 5/ 35.
(2) العقد الثمين، 2/ 263. جوابات، 1/ 528 - 529.
(3) كما اعتبر هَذَا المستشرق مجموعة السالميِّ «أكثر المجموعات تطرفا في العقيدة». ينظر: لاندن: عمان، ص239، 458. (1/341)
صفحة 342
ي - المواجهة العسكرية:
دعا السالميُّ إِلىَ المواجهة العسكريَّة (الجهاد)، واستغلَّ في ذَلِكَ موهبته في النظم والشعر، «وصرخ في العمانيين أَنَّ الاستقلال والحريَّة لا تُنالان بالمنى، ولا تُبنيان إِلاَّ بالجماجم وأجساد القتلى، ولا تجلبان إِلاَّ بالدموع والدماء، وَأَنَّ الخوف هو لعنة الحياة، وَأَنَّ الشكَّ في الانتصار هو الهزيمة العابسة» (1). وإذا تصفَّحنا ديوانه وجدنا أغلب القصائد في الاستنهاض، والتحريض عَلَى الجهاد، والموت في سبيل الله، وفي مدح السائرين من الصالحين في هَذَا السبيل، ومنهم عَلَى وجه الخصوص الشيخ صالح بن علي الحارثي (2). ونورد ـ عَلَى سبيل التمثيل ـ مواضيع بعض المقطوعات التي تلهب المشاعر نارا، منها ما يأتي:
· قصيدة رائية: ينادي فيها إخوانه إِلىَ توفير الأجور ببذل النفوس في سبيل الله، واجتناب اللذَّات، وعدم التشبُّه بربَّات الخدور، وأشار في القصيدة إِلىَ الآيات المحرِّضة على الجهاد، منها قَوله تَعَالىَ: {انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَالِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمُ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} (التوبة: 41)، وقوله: {وَجَاهِدُواْ فيِ اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ} (الحج: 78)، وقوله: {نَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُومِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالاِنجِيلِ وَالْقُرْءَانِ} (التوبة: 111) (3).
· قصيدة ميميَّة: يدعو فيها إِلىَ ضرورة التحلِّي بالصبر والتجلُّد أمام العدوِّ، فصَوْنُ النفس عن المنيَّة حمقٌ، فإنَّ الموت لا يَرُدُّه الإحجامُ، وإنَّ الأجل لا يعجِّله الإقدامُ، وفي الشجاعة نيل المجد وجنَّة الرضوان، وفي الجبن كُلُّ
·
__________
(1) نهضة، ص153.
(2) ينظر: الكلباني: إطلالة عَلَى شعر نور الدين السالمي، قراءات، ص 137. واستنهاض السالمي يرمي به إِلىَ مقاومة الاستدمار، ومقاومة النظام الجائر عَلَى حدٍّ سواء.
(3) ينظر: السالمي: الديوان، ص4. أطروحة الهاشمي، ص70. (1/342)
صفحة 343
الذلِّ والحرمان، في هذه الدنيا وفي دار الحيوان، وأعطى صورة بديعة لمآل الجبان، إذ يقول:
«إِنَّ الجبان وإن جلَّت منازله وزاده في عيشه فضل وتنعيم
مثل السمين من الأنعام يذبح إن أرضاهم سمنه والشبه مفهوم» (1)
· قصيدة بائية يحرِّض فيها بَعض إخوانه قائلا: إِنَّ التماس البقاء لا يكون إِلاَّ تحت ظلال السيوف، وإدراك العزِّ لا يكون إِلاَّ بخوض المنايا ... (2).
· قصيدة بائية أخرى: بَيَّنَ فيها أَنَّ النصر لا يكون إِلاَّ لمن ينصر اللهَ، وفي النصر حسن العاقبة والعزَّة والعلوُّ، ومن كانت الدنيا همَّه لم ينل منها غير المتاعب والهوان ... إِلىَ أن يقول: إِنَّهُ لا خير في عيش مشوب بذلَّة، ولو كان ينعم في دنياه برياض الجنَّة (3).
ولتتَّضح لنا قُوَّة السالمي في الاستنهاض إِلىَ الجهاد العسكري نورد هذه الأبيات:
«لم أجد للعلا طريقا قريبا مثل طعن اللها وحزِّ الغلاصم
فأشبِعِ الوحشَ من لحوم الأعادي واروِ من دمهم ظما كُلِّ هائم ... » (4)
***
المجد يدرك بالقنا الحسَّاس في كفِّ مقدام شديد الباس
يرمي به نحر العدوِّ فلا ترى إِلاَّ الكميَّ يخرُّ بين الناس
وبقاضب عضب إذا حكَّمته في قسمة الشجعان والأفراس
أيقنت أَنَّ السيف عدل في القضا وبه أساس الدين أيُّ أساس ...
__________
(1) السالمي: ديوان (مخ)، ص5 - 6. وأورد مقاطع من القصيدة أبو الوليد في عين المصالح، ص51. والخصيبي في شقائق، 3/ 15 - 16.
(2) الديوان، ص9. عين المصالح، ص55 - 56. الخصيبي: شقائق، 3/ 19.
(3) الديوان، ص3. عين المصالح، ص48 - 49.
(4) الديوان، ص22. نهضة، ص154. (1/343)
صفحة 344
لا مجد إِلاَّ إن شحذتَ حدوده بعظام من عاداك والأضراس
لا عِزَّ إِلاَّ إن غمدت حديده في جثَّة الباغين والأنجاس» (1)
هَذَا غيض من فيض من جملة قصائد ناريَّة تلهب المشاعر، وتؤجِّج البراكين في النفوس لمواجهة الأعداء! (2).
ك - حكم الإقامة في دار استولى عليها الاحتلال:
وإذ يدعو السالميُّ الناسَ إِلىَ الصبر والتجلُّد أمام العدوِّ، نجده من جهة أخرى يدعو إِلىَ الهجرة من البلاد التي احتلها الكُفَّار إذا فتنوا المسلمين، فقال: ولا يقال إِنَّ الهجرة منسوخة بعد الفتح، لأَنَّا نقول: إِنَّمَا نسخت لَمَّا قوي المسلمون، وأمنوا من الفتنة في دينهم، واستطاعوا إظهار الإسلام، أَمَّا «إذا نزلت عَلَى بَعض المسلمين حالة مثل حالة من كان قبل الفتح من المسلمين وجب أن يعطوا حكم ذَلِكَ، لأَنَّ الفرار بالدين واجب في كُلِّ زمان ... » (3). وبغض النظر عن الأَدِلَّة التي ساقها ـ والتي تحتاج إِلىَ مناقشة لا يسعها هَذَا البحث ـ فَإِنَّ الدعوة إِلىَ المقاومة والصبر والجهاد تبدو متناقضة مع الدعوة إِلىَ الهجرة. أفكُلَّمَا احتلَّ الكُفَّار أرضا للمسلمين وتغلَّبوا عَلَى أهلها هاجر منها المسلمون وتركوها للغاصبين؟ ماذا لو طَبقت هَذِهِ الفتوى كُلُّ البلاد الإِسلاَمِيَّة التي كانت محتلَّة؟ فكم ستبقى من أرض للمسلمين؟ (4) أليست هَذِهِ الهجرة نوعا من الفرار من الزحف؟ أليس في هَذَا الفرار ذلَّة ومهانة واستكانة، مِمَّا ينعاه السالمي عَلَى المسلمين؟. اللَّهُمَّ إِلاَّ أن يلتجئ الفارُّون إِلىَ من ينصرهم، لاستجماع القوى، وتكاتف الجهود، وإعداد العدَّة للمواجهة، للانقضاض عَلَى
__________
(1) الديوان، ص24 - 25. نهضة، ص153 - 154.
(2) ينظر: الديوان، ص22 - 23، 27، 31 - 32 ...
(3) بذل المجهود، ص25.
(4) ماذا لو دعونا اليوم إلى الهجرة من فلسطين وجنوب لبنان، ومن البوسنة والهرسك وكوسوفو وغروزني والشيشان، ومن العراق وأفغانستان ... ؟ أليس هَذَا ما يريده العدوُّ مِنَّا بالذات؟. (1/344)
صفحة 345
العدوِّ بالضربة القاصمة، كما فعل المهاجرون الأَوَّلُونَ بمعيَّة الأنصار، وَلَكِنَّ أَنَّى لظرف السالميِّ أن يشابه ظرف الصحابة، فالاحتلال ضارب أطنابه في أغلب البلدان، ولا توجد دولة مسلمة قَوِيَّة يتحيَّز إِلَيْهَا المسلمون، تمدُّهم بِالقُوَّةِ المَادِّيَّة والمعْنَوِيَّة، بل كانوا في ذلك العهد معاول هدمٍ للدولة العثمانيَّة، والتي كانت ـ على ضعفها ـ رمزا للخلافة الإسلاميَّة.
هَذَا ما أمكن ذكره في الجانب النظري من موقف السالمي من الاحتلال، ولنذكر أحد مواقفه العَمَلِيَّة في مواجهته:
ذكرنا في أَوَّل البحث (1) حادثة صدِّ القنصل البريطانيِّ في أواخر سنة 1319هـ/1902م الذي حاول التوغُّل في منطقة الداخل من عُمان، متسترا بدعوى تفقُّد مناجم الفحم، فوقف السالميُّ ضدَّه، وتنبَّه إِلىَ «أَنَّ القصد من ذَلِكَ: التوغُّل في البلاد، ودخولها بالسياسة، واجتهد أن يوصد الباب في وجهه حَتَّى ينزع عن رأيه، فأعرب عن إحساسه هَذَا إِلىَ أعيان العمانيِّين، واستنهضهم عَلَى منعه، وحثَّهم عَلَى صدِّه، وحيث إِنَّ منزلته غير مجهولة، ونصحه غير مستنكر، هاج الشعب العمانيُّ لِذَلِكَ ... » (2)، وقد غضب السلطان لهذا الاعتراض، ونُظمت في شأن الحادثة قصائد أخذا وردًّا بين أنصار السلطان وأنصار السالميِّ (3)، الداعين إِلىَ إسقاط النظام السلطانيِّ، والاستبدال به نظاما إماميًّا. وقد رأينا في ما سبق نقاط الخلاف بين طبيعة النظامين، وسنتعرَّض فيما يأتي إِلىَ علاقة السالميِّ بالسلطان فيصل بن تركي (4)، ونظرته إِلىَ نظام السلطنة عُمُومًا.
__________
(1) ينظر بَعض التفاصيل في: ص54 من هَذَا البحث.
(2) نهضة، ص169 - 176. وينظر: السالمي: تحفة، 2/ 326 - 327. أطروحة الهاشمي، ص46.
(3) ينظر: السالمي: قصيدة بائية (مخ)، ص31 - 34. أبو الوليد: عين المصالح، ص68 - 71. نهضة، ص169 - 176.
(4) تَقَدَّمَت ترجمته، ينظر: ص 44 - 50 من البحث. (1/345)
صفحة 346
ثانيا - موقف السالمي من الحُكم السلطاني:
فتح السالميُّ عينيه عَلَى الدنيا حين كان زمام الأمور في يد السلطان تركي بن سعيد (1)، وفي جوٍّ من الجور والاستبداد، والسماح للأجنبيِّ بالتدخُّل في شؤون البلاد، وبارتكاب المحرَّمات، واستيراد ما تحرِّمه الشريعة الإِسلاَمِيَّة من التبغ والخمور ... هل كان عَلَى السالمي أن يتكيَّف مع نظام الحكم كما يرى البَعض (2)؟ أم عَلَيْهِ أن يسعى لتغيير هَذَا النظام؟.
اختار السالمي الطريق الثاني، كيف ذلك؟
أ - الاهتمام بتنحية نظام السلطنة:
أولى السالميُّ اهتماما كبيرا بتنحية حكَّام الجور والاستبداد، إذ نجده كثيرا ما يسأل الله في مُؤَلَّفَاته أن يزيلهم عن الحكم، منها دعاؤه بقوله: « ... طهَّر الله منهم بلاده، وأراح منهم عباده، وأبدلنا الله خيرا منهم» (3). ويبدو من خلال ما تتبَّعناه من إنتاج السالميِّ (شعرا ونظما ونثرا) أَنَّهُ أعطى لمسألة مقاومة «العدو» الداخلي (السلطنة) أَهَمِّيَّة أكبر من مقاومة العدوِّ الخارجيِّ، فالقصائد التي قالها في مساندة الشيخ صالح الحارثي ـ الثائر عَلَى السلطنة ـ أكثر مِمَّا قاله في مناسبات أخرى؛ وَذَلِكَ لأَنَّ الإنجليز أعداء كُلِّ العمانيين، وَهَؤُلاَءِ يأنفون أن يُتدخل في شؤونهم الخَاصَّة، وضرورة مقاومة الاستدمار لا تحتاج إِلىَ عَمَلِيَّة «إقناع»، بل تحتاج إِلىَ استنهاض للهمم، بخلاف إسقاط «حكم الجبابرة» (4) ـ حسب تعبير السالمي ـ فَإِنَّ
__________
(1) تَقَدَّمَت ترجمته، ينظر: ص41 - 44 من البحث.
(2) ينظر: الخوري: إمامة الشهيد، ص281 - 282. من العجيب أن يدعو الخوري العلماءَ إِلىَ التكيُّف مع الحكَّام، بينما الواجب أَن يدعو الحكَّام إِلىَ التكيُّف مع العلماء، فالعلماء هم أطبَّاء الأُمَّة ـ كما يرى السالميُّ ـ فالمريض هو الذي ينقاد لأوامر الطبيب، وماذا لو حدث العكس؟! ... هَذَا ما يعانيه المسلمون من الصراع بين المثقَّف والسلطة!.
(3) الحقُّ الجليُّ، ص43.
(4) المراد بالجبابرة في اصطلاح السالمي: «أمراء الإقطاع، وملوك الطوائف ... وَكُلَّمَا ذكر الْمُصَنِّف الجبابرة فالمراد الولاة غير العدول». ينظر: تعليق أبي إسحاق في هامش تحفة الأعيان، 1/ 105. (1/346)
صفحة 347
محاولة الإقناع تكون أَشَدَّ صعوبة، لأَنَّ الحاكم من بني جلدتهم، وتربطهم به علاقات قرابة، ومصالح مَادِّيَّة وَمَعْنَوِيَّة ... وقد بدا السالمي في تعامله مع السلطنة أحيانا أقسى من تعامله مع ذوي العهود من الكُفَّار، فَهَؤُلاَءِ لا تجوز خيانتهم، بخلاف أولئك الحكَّام الجبابرة، لأنَّ أمكنتهم «ليست ملكا لهم، وَإِنَّمَا هي للمسلمين، تغلَّبوا عليها قهرا، وملكوها قسرا» (1).
ويرى أَنَّ المُلك لا يصلح إذا رافقه أمران: العصيان والظلم، ولا يقوم إِلاَّ بضدِّهما: الطاعة والعدل:
والملك لا يصلح دون طاعة فالعسف في الملك هو الإضاعة
والظلم لا تنبني عَلَيْهِ دار لأَنَّهُ الخراب والدمار
والعدل لا شَكَّ أساس الملك وَهوَ أساس الخير دون شَكِّ» (2)
ويحمِّل السالميُّ الملوك عُمُومًا أكبر مسؤوليَّة في تردِّي أوضاع البلاد، عَلَى مختلف الأصعدة، ويقول: إِنَّ السبب الأعظم هو: «انخماد همم الملوك، وضلالهم عن السبيل، واتِّباعهم الشهوات، وتعطيلهم الحدود، وتضييعهم الأحكام، وتقديمهم السياسة النصرانيَّة عَلَى السياسة الشَّرعِيَّة، واختيارهم الهوى عَلَى الحقِّ، والظلم عَلَى العدل، والدنيا عَلَى الآخرة» (3)، ولم يستشْرِ الفساد في البلاد إِلاَّ بسبب فساد الحكَّام، واستبدالهم بقراءةِ القرآنِ المزاميرَ، وبالذكرِ اللهوَ والطربَ (4). ويوجِّه الاتهام المباشر إِلىَ السلطان فيصل بن تركي، ويذكر من مساوئه: عدم الأخذ بأسباب الحزم، واطِّراح عوامل العدل، والإغراء بالعداوة والبغضاء بين الرعية، وعدم الاستفادة بالتقدُّم العلميِّ والصناعيِّ عند الغرب، ويتمنَّى لو أَنَّهُ «جمع الشمل، وألَّف بين الرعيَّة، واستعمل التقوى في جميع تصرُّفاته، فهي الحصن الذي
__________
(1) الحق الجلي، ص 43.
(2) جوهر النظام، 3/ 478.
(3) بذل المجهود، ص58.
(4) ينظر: المصدر نفسه، ص59 - 64. يبدو أَنَّ السالمي لم يقصد بالمزامير مزامير داود - عليه السلام -، وَإِنَّمَا قصد المعازف، كما يفهم من السياق. (1/347)
صفحة 348
لا يرام ... » (1)، ويحمِّله مسؤوليَّة تغلغل الإنجليز في عمان بالدهاء، فقال للزنجباريِّ الذي حذَّر من هَذَا التغلغل: «وللقوم [الإنجليز] دهاء هائل، والعجب منك كيف تذكر ذَلِكَ لنا وتَدَعُ الْمَلِك، فهو أولى بالتنبيه في ذَلِكَ، وبيده أزمَّة الأمور» (2).
ب - استراتيجية الإضعاف:
من المنطلق الفقهيِّ، ومن المرجعية الدِّينِيَّة التي هي أساس مواقف السالميِّ، دعا إِلىَ استراتيجيَّة المقاطعة التَّامَّة تجاه حكم الجَبَّار (السلطان)، قصد إضعاف نفوذه؛ وإِلىَ التخلِّي عن أيِّ شكل من أشكال معاونته، بِأَيِّ وسيلة كانت، وكلُّ التعلاَّت في نظره مرفوضة، فقال: «معاونة الجبابرة لا تجوز، وتكثير سوادهم، والحرس في حصونهم، والانضمام إِلَيْهِم من أكبر المعاونة، ولو أنصف الناس من أنفسهم لَمَا وجد الجَبَّار معه واحدا ... فَهَذَا يعتلُّ بِأَنَّهُ من جماعته وَلاَ بُدَّ له منه، وَهَذَا يعتلُّ بِأَنَّهُ في داره وَلاَ بُدَّ له منه، وَهَذَا يعتلُّ بِأَنَّهُ يحتاج إِلىَ ما في يده، ولو تركوا هَذِهِ التعلُّلات لكان الجَبَّار كواحد منهم، فلا يَنظُمُ له أمر، ولا يَجتَمِعُ له شمل، فليتَّقوا الله رَبَّهُم فَإِنَّهُم شركاؤه في كُلِّ ما يأتي وما يذر ... » (3). وسئل عَمَّن كانت نيَّته حسنة، إذ لم يلجأ إِلىَ العمل مع السلطان إِلاَّ بدافع الاحتياج والفاقة، وسعيا وراء قوت عياله، مع التحرُّز من المعاصي أو ما فيه مَضَرَّة، فأجاب السالميُّ بالمنع، مستشهدا بِقَولِهِ تَعَالىَ: {وَمَنْ يَّتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ} (الطلاق: 2 ــ 3)، فالرزق بيد الله ومن كان مع الله كان الله معه (4).
جـ - حكم مداراة السلطان:
إذا كان السالميُّ يقصد إِلىَ إضعاف السلطان، ونحن نعلم أَنَّ من ورائه قُوَّة كبيرة، هي إنجلترا، أليس من الأجدى أن يتعامل السالميُّ مع العدوِّ (السلطان
__________
(1) المصدر نفسه، ص67.
(2) المصدر نفسه، ص69.
(3) جوابات، 5/ 483. وينظر فتاوى مشابهة في: المصدر نفسه، 4/ 411. العقد الثمين، 2/ 461.
(4) ينظر: جوابات، 5/ 483 - 484. (1/348)
صفحة 349
الجائر) ويداريه قصد دفع ضرره؟ وما رأي السالميِّ في مداراة الحاكم الجائر؟ يبدو أَنَّ للسالميِّ رأيين في الموضوع:
1 - الرأي الأَوَّل: المنع، وَهُوَ ما نستوحيه من قصائده التي يمنع فيها التلطُّف مع الحاكم الجائر، منها قوله:
«من رام المجد باللطف ومن معاداة العدى مستخفي
فقل له: إِنَّ العلا قد أبت خطبة غير الباسل الصرف
فتى يرى الإقدام عند اللقا أشهى من الماء عَلَى اللهف ... » (1)
وقال:
« ... وخلِّ مداراة الرجال فَإِنَّهَا هوان عَلَى من عَزَّ في الناس جانبُه» (2)
2 - الرأي الثاني: جواز مداراة الجبابرة إذا كان يلحق أهلَ البلد ضررٌ، شريطة أن لا يكون القصد هو المعاونة (3). وَهُوَ ما أشار به القطب اطفيَّش كَذَلِكَ عَلَى السالميِّ: « ... وأنصحكم لله أن تطلبوا من الجائر وتداروه ولو بمال، وأن يخلِّي بينكم وبين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتكتبوا بِذَلِكَ، ويكونوا عونا لكم، وجاء الحديث: ”إذا رأيتم أمرا لا تقدرون عَلَيْهِ فدعوه حَتَّى يكون الله هو المغيِّر له“» (4).
ويبدو أَنَّ لكلاَ الرأيين ظرفه، فالمنع كان حين قام الشيخ صالح الحارثي (ت: 1314هـ/1896م) ـ مع مساندة السالمي ـ بزعزعة معاقل السلطان، وَأَمَّا
__________
(1) السالمي: الديوان، ص9. أبو الوليد: عين المصالح، ص56.
(2) السالمي: الديوان، ص9. أبو الوليد: عين المصالح، ص55. الخصيبي: شقائق، 3/ 19.
(3) العقد الثمين، 2/ 453.
(4) اطفيَّش: كشف الكرب، 2/ 379.
والحديث رواه الطبرانيُّ في الكبير بلفظ: «إذا رأيتم أمرا لا تستطيعون تغييره فاصبروا حَتَّى يكون الله هو الذي يغيِّره»، سليمان بن أحمد بن أيوب أبو القاسم الطبراني (360هـ): المعجم الكبير، تحقيق: حمدي بن عبد المجيد السلفي، الطبعة الثانية، مكتبة العلوم والحكم، الموصل، 1404هـ/1983م، رقم 7685 وفي سنده عفير بن معدان، قال النسائي: ليس بثقة ولا يكذَّب حديثه. وقال الذهبي: ضعَّفوه. (برنامج المكتبة الألفية، وبرنامج موسوعة الحديث الشريف). (1/349)
صفحة 350
الثاني فكان بعد ذَلِكَ، وقبل قيام الإمامة سنة 1331هـ/1913م؛ لأَنَّهُ رغم تأزُّم الوضع، وغضب السلطان بسبب اعتراض القنصل البريطاني سنة 1319هـ/1902م، فَإِنَّ علاقة السالمي بالسلطان اتَّسمت بالاحترام، وبالرغم من استفزاز شاعر السلطان لأنصار السالميِّ بقصيدة ناريَّة، إِلاَّ أَنَّ الشيخ آثر الردَّ اللطيف في عمومه، وفضَّل أن يسدي النصح للسلطان، بدل التعرُّض للقدح فيه، وَهَذَا ما نتعرَّض إليه فيما يأتي.
د - نصائح السالمي للسلطان:
كان السالميُّ يرشد الناس إِلىَ الاجتهاد في نصح السلطان «بالكلام اللائق والنصح الرائق» (1)، وَيُبَيِّنُ للسلطان أَنَّ معارضته لم تكن سوى بدافع الحبِّ والخير والإخلاص:
«فأنا النصيح وإن يكن قولي عليكم قد صعب
وأنا الشفيق وإن حسبـ ــتم أَنَّنِي الخصم الحَرِب
وأنا المحبُّ وإن ظننـ ـتم سيرتي لا تستحب
وأنا البصير وإن رأيـ ــتم أَنَّنِي أعمى أدب
ما كان نصحي للبريـ ــَّة بالدراهم مجتلب» (2)
وقد ضمَّن السالميُّ في قصيدته التي وجَّهها إلى السلطان جملة من النصائح العامَّة والخاصَّة، وتتمثَّل النصائح العَامَّة في الآتي:
· الحثُّ عَلَى الصدق وترك الكذب.
· عدم الخوف من الموت في سبيل الله.
· الموت في سبيل الله خير من العيش في الدناءة.
· لا خير في العلماء إن لم يغضبوا لله، ولم يوفوا بعهدهم أمام الله، ولم يُبَيِّنُوا الحقَّ.
·
__________
(1) جوابات، 5/ 7.
(2) ينظر: السالمي: قصيدة بائية (مخ)، ص31 - 34. عين المصالح، ص68 - 71. نهضة، ص169 - 176. (1/350)
صفحة 351
التذكير بأَنَّ النفس أغلى من أن تبيع الدين بالذهب، وأكرم من أن تهان أو تُسب.
· عزَّة العرب أصيلة فيهم، وهي من أكبر ما يعتذر به السلطان للإنجليز، وَالله يأمرنا إن خشينا الغدر من العدوِّ أن ننبذ إِلَيْهِ عَلَى سواء (1)، خَاصَّةً وَأَنَّ دسائسه ومكائده غير خافية عَلَى أحد.
· لا يمكن بِأَيِّ حال أن يبرَّ العدوُّ المشرك المسلمين وعنده أخبار السابقين وما وقع بينهم من حروب طاحنة، تركتهم أذلاَّء في يد المسلمين.
· لم ينتصر السلف بالخدائع، وَلَكِن بضرب الهام بالسيوف، مع ما كانوا فيه من قِلَّة أمام الأعداء، ولم ينتصروا إِلاَّ لأَنَّهُم نصروا الله، وَلاَ بُدَّ مع ذَلِكَ من اتِّخَاذ الأسباب.
وَأَمَّا نصائحه الخَاصَّة التي وجَّهها إلى السلطان فتتلخَّص فيما يأتي:
· إِنَّ العمر قصير، وَعَلَى المرء أن يستغلَّه في طاعة الله، والتوبة من المعاصي.
· التحذير من بطانة السوء، همُّها بطنها ونيل المراتب.
· دعاء لله أن يلهم السلطان رشده، ويكشف له عن رتب الرجال، فيميِّز بين من يبتغي المعالي بالتقوى ومن يبتغي الدراهم.
· تحديد صفات الرجل الكامل ”صاحب المعالي“، وهي: التربية والتنشئة الحسنة، والأنفة والعزَّة، والشهامة والبسالة، واستسهال الصعاب، والحُرِّيَّة، والتجلُّد، وشِدَّة العزيمة، والخوف من الله لا من الموت، وعدم الجزع في الشدائد، والرضا بالقضاء، والإباء، وعدم الانخداع بالوشاة، والفكر الثاقب، والحنكة في التجارب.
· تحديد صفات أصحاب مشورة السلطان، ويذكر منها: الرأي الحصيف، والعزيمة، والنصيحة، والسياسة، والشجاعة والبسالة التي ترهب الأعداء،
·
__________
(1) إشارة إِلىَ قَوله تَعَالىَ: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذِ اِلَيْهِمْ عَلَى سَوَآءٍ اِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْخَآئِنِينَ} (الأنفال: 58). (1/351)
صفحة 352
فَهَؤُلاَءِ هم دعائم الدولة القَوِيَّة، كالجبل الشامخ يستحيل أن تحمله أركان ضعيفة من خشب.
· دعوة السلطان إِلىَ توخِّي العدل، فهو سبب دوام الملك، واكتساب الإجلال، وَإِلىَ نبذ الجور فهو سبب زوال الملك.
وختم نصائحه بدعاء الله أن ينصر الدين، وبحمد الله عَلَى أن قيَّض للأُمَّة علماء يقومون بواجب النصح للحكَّام.
نلاحظ من خلال هَذَا العرض الموجز لمحتوى إحدى قصائد السالميِّ، أَنَّهُ عرف كيف يستغلُّ الظرف، إذ كتب هَذِهِ القصيدة التي ضمَّنها خلاصة آرائه السِّيَاسِيَّة، فما من نصيحة من هَذِهِ النصائح إِلاَّ ونجدها قد تكرَّرت مَرَّات عِدَّة، وبأساليب مختلفة في سائر ديوانه وتآليفه. وفي ظلِّ وضع سياسيٍّ متوتِّر، وبعد حشد الجيوش الجرَّارة من كلا الطرفين: أنصار السالميِّ وأنصار السلطان، فَإِنَّ قصيدته هَذِهِ تنال اهتماما أكبر، يسير بها الركبان، ويتسامر بها الخلاَّن، ويضمن لأفكاره انتشارا أوسع في البلدان؛ خَاصَّةً وَأَنَّهَا كانت أكثر رزانة مِمَّا قاله غيره، مع أَنَّ له اقتدارا عَلَى أن يردَّ الصاع صاعين!.
هـ - الاحترام المتبادل بين السالمي والسلطان:
لم تمنع معارضة السالميِّ أن يبدي ما يكنُّه من تقدير للسلطان، وذكر بَعض محاسنه، كحسن المدافعة الخطابيَّة (1)، ولم تثنه عن التودُّد إليه في بَعض الفترات، وَهُوَ ما أشار به القطب اطفيَّش عَلَى الشيخ السالميِّ إذ يقول: «وأغريك بالتودُّد إِلىَ العدوِّ [الجبابرة] بالصلح، ودعائه إِلىَ ترك الذنوب التي يقرُّ أَنَّهَا ذنوب، كشرب الخمر، وأكل الخنزير، والزنا، وغصب الأموال ... وبدعائه إِلىَ ما لا ينكر من الطاعة لنفع الطلبة والفقراء، وإقامة العلم حفظا ودرسا وقراءة القرآن وعمارة
__________
(1) بذل المجهود، ص67. وقد أشرنا فيما سبق من البحث إلى أَنَّ السلطان فيصل سعى (بالمدافعة الخطابية) للتقليل قدر الإمكان من التغلغل البريطانيِّ في عمان، فباءت مساعيه بالفشل. ينظر: ص44 - 50 من البحث. وينظر: العزري: فكر السالمي، هامش ص35. وأحال عَلَى: عبد العال محَمَّد علي: فيصل بن تركي ودوره في السياسة العمانيَّة (1864 - 1913)، رسالة ماجستير، جامعة أسيوط، 1991. (1/352)
صفحة 353
المسجد ... » (1)، حاول السالمي تطبيق هَذِهِ الطريقة، وحافظ عَلَى ”العلاقة الدبلوماسية“ (التودُّد) بينه وبين السلطان، فلم يقطعها رغم الاختلاف في الرأي، وَهَذَا يظهر من خلال ما يأتي:
1 - إعجاب السلطان بعلم السالميِّ، إذ طلب منه تأليف كِتَاب ”تحفة الأعيان“، وتولَّى نشر كِتَابين له، وهما: الجزءان الأَوَّل والثاني من ”شرح الجامع الصحيح“، وتعاليقه عَلَى ”الرد عَلَى العقبي“ للقطب اطفيَّش (2).
2 - استقبال السلطان للشيخ السالميِّ أحسن استقبال حين مَرَّ به وَهُوَ في طريقه إِلىَ الحجِّ، إذ يقول الشيخ نور الدين: «وفي سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة وألف خرجت من بيتي بالقابل، قاصدا بيت الله الحرام، ومررت عَلَى السلطان فيصل ذاهبا وراجعا، فقابلني هو وأولاده بالإجلال والاحترام، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله» (3).
و - الاقتراح على السلطان بقبول الإمامة (4):
كان السالميُّ لا يكتم ميوله (إحياء الإمامة) عن السلطان فيصل، ولا يعارض أن يكون السلطان فيصل هو الإمام، فالمطلوب أن يكون في مستوى الإصلاح
__________
(1) اطفيَّش: كشف الكرب، 2/ 379.
(2) عن طلب تأليف تحفة الأعيان ينظر: غباش: عمان، ص242. وعن شرح الجامع ينظر قائمة المصادر في آخر البحث. وَأَمَّا كِتَاب الرد عَلَى العقبي فقد جاء في أَوَّله: «قياما بإشارة الإمام العامل العالم ناشر لواء العلم الصحيح: فيصل بن تركي، سلطان مسقط وعُمان، ذي اليد البيضاء في بزوغ شمس هَذَا الأثر الجليل أحسن الله إِلَيْهِ».
(3) السالمي: تحفة الأعيان، 2/ 329. وينظر: الحارثي: اللؤلؤ، ص132. أطروحة الهاشمي، ص72 - 73.
وحديث «مَنْ لَمْ يَشْكُرِ النَّاسَ لَمْ يَشْكُرِ اللهَ» رواه الترمذي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وقال: «وَفِي الْبَاب عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَالأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ وَالنُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ». سنن الترمذي، كِتَاب البر والصلة عن رَسُول اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، باب ما جاء في الشكر لمن أحسن إليك، رقم 1955. ج4/ص339. (برنامج المكتبة الألفية، وبرنامج موسوعة الحديث الشريف).
(4) يرى الإِبَاضِيَّة أَنَّهُ إن سبق أن استولى عَلَى السلطة حاكم عادل، ولو بطريقة غير شَرعِيَّة (بالوراثة، أو بالانقلاب ... ) فَإِنَّ عدله ونيَّته الحسنة كفيلة له بالغفران. ينظر: بكير واعلي: الإمامة، ص158. (1/353)
صفحة 354
والعدل وتحدِّي الإنجليز، فالسلطان ظلُّ الله في أرضه، إن استقام وعدل، وإن دعا إِلىَ الخير وإقامة شرع الله وجبت إجابته ومعاونته عَلَى إنفاذ أمر الله تَعَالىَ، وإن طلب المناصرة وجبت مناصرته، وإن جار كان بلاء عَلَى الناس وشرًّا عَلَى نفسه (1). وَهَذَا الكلام من السالميِّ ينمُّ عن صدق في حبِّ الفضل، ونشر العدل، ولم يكن هدفه المعارضة من أجل المعارضة، أو الوصول إِلىَ كرسيِّ الحكم.
وكأنِّي بالسالميِّ يقول: لِمَ لا أقترح عَلَى السلطان فيصل أَن يكون هو الإمام، بالرغم من عدم كفاءته (2) من الناحية الشَّرعِيَّة، وليكن له مجلس شوريٌّ، يضمُّ العلماء الأكفاء، يشيرون عَلَيْهِ بما يوافق الشرع، وليكن هَذَا من باب ارتكاب أخفِّ الضررين وأهون الشرَّين؛ وَبِهَذِهِ الطريقة نجنِّب البلاد شرَّ التفرُّق، والوقوع في حرب بين قبائل الداخل، وعساكر الساحل؟ ... ويذكر السالمي مسعاه في هَذَا السبيل قائلا: «وطلبت منه [من السلطان] الخلوة عَلَى لسان ولده تيمور، وكلَّمته في اجتماع الشمل، والقيام بالعدل، وجمع العرب (3) تحت راية واحدة» (4) إِلاَّ أَنَّ السلطان كان يعتذر باعتذارات لم يسوِّغها له الشيخ نور الدين، وألحَّ عَلَيْهِ فلم يستجب لمطالبه وقد أحيط بدسائس الإنجليز (5)، ولم يسفر اللقاء عن نتيجة عَمَلِيَّة سوى رفع «العشور والكرنتيتة» (أي الضرائب والرسوم) عن الحُجَّاج (6). ويذكر أبو بشير أَنَّ السالمي بعد اللقاء كرَّر نصائحه الدِّينِيَّة للسلطان، ومناشدته في اتِّبَاع
__________
(1) ينظر: بذل المجهود، ص69. جوابات، 5/ 7.
(2) من عجيب ما قاله المستشرق لاندن عن السلطان فيصل أَنَّهُ كان أمِّيًّا لا يجيد إِلاَّ التوقيع باسمه. (ينظر: لاندن: عمان، ص429. العزري: فكر السالمي، هامش ص35). وفي هَذَا نظر، لأَنَّ السلطان كان يقرِّب الشعراء، ويغذق عَلَيْهِم العطاء، ويراسل العلماء، ويسعى في نشر بَعض التآليف. وذكر الخصيبي أَنَّهُ أديب، له إلمام وحفظ للشعر، ويقرضه أحيانا. ينظر: الخصيبي: شقائق، 1/ 224 (هامش).
(3) المقصود بالعرب هنا: العمانيون، حسب السياق.
(4) السالمي: تحفة الأعيان، 2/ 329.
(5) ينظر: مُقَدِّمَة أبي إسحاق لجوهر النظام، 1/} د}. مُقَدِّمَة التنوخي لشرح الجامع، 1/} ط}.
(6) ينظر: السالمي: تحفة الأعيان، 2/ 329. (1/354)
صفحة 355
القُرآنِ وَالسُّنَّة في أمر الوطن والرعيَّة، وكان السلطان يلطِّف له في الجواب، «فَلَمَّا ثقل عَلَيْهِ تكرار نصائحه دسَّ إِلَيْهِ الدسائس الخفيَّة، كما هي عادة الملوك إذا عاكستهم الرعيَّة» (1). وتهرُّب السلطان من إقامة العدل إِنَّمَا يرجع إِلىَ خوفه من تجريده من ثرائه، والحطِّ عن جاهه، وانحسار سلطاته، وتكون شكليَّة يسيِّرها العلماء، أو أن تلغى سلطته تماما إن هو لم يسر عَلَى رأيهم (2).
وخلاصة القول، وحسب تتبُّعي لمجريات الأحداث، حول علاقة السالمي بالسلطان تَبَيَّنَ أَنَّهَا مَرَّت بمراحل ثلاث:
· الأولى: اتَّسمت بالتوتُّر، والعنف المتبادل، حين كان السالمي مساندا للشيخ صالح الحارثي، ما بين سنة 1308 و1314هـ تاريخ وفاة الحارثي، (أي سِتّ سنوات).
· الثانية: اتَّسمت بالهدوء، والاحترام المتبادل، حين كان السالميُّ يعدُّ الرجال بالتدريس والتأليف، ما بين وفاة الحارثي سنة 1314هـ وقيام الإمامة سنة 1331هـ، (أي لِمُدَّة 17 عاما ونيف).
· الثالثة: عودة السالميِّ إِلىَ مواجهة السلطان فيصل بالجهاد والثورة العارمة عند إعلان الإمامة في 12 جمادى الثانية 1331هـ/19 ماي 1913م، ولم تدم هَذِهِ الفترة طويلا إذ سرعان ما تُوُفِّيَ السلطان في 4 من ذي القعدة سنة 1331هـ/ 4 أكتوبر 1913م (أي بعد أقل من 5 أشهر من قيام الإمامة) كما تُوُفِّيَ السالمي في 5 ربيع الأَوَّل سنة 1332هـ/31 جانفي 1914م (أي بعد أقل من 9 أشهر من قيامها).
يبعثنا الحديث عن المواجهة والثورة إِلىَ الحديث عن نظرة السالميِّ إِلىَ الجهاد، وتميُّزه عن البغي، وحكم الخروج عَلَى السلطان.
__________
(1) نهضة، ص150.
(2) ينظر: أحمد أمين: زعماء، ص60. العزري: فكر السالمي، ص172 - 173. (1/355)
صفحة 356
ثالثا - الجهاد في فقه السالمي:
كان السالميُّ يرى التناقض واضحا بين العلم والعمل، بين النَّظَرِيَّة والتطبيق، بين المدارسة والممارسة: استشرى الاعتداء بين القبائل، وقلَّت في المجتمع الفضائل، وانتشرت في النفوس الرذائل، واحتاج الناس إِلىَ مصلح صبور، يعزل ولاة الجور، ويقضي عَلَى الفجور، يحيي السنن، ويميت البدع ... وَهَذَا لا يتأتَّى إِلاَّ بالجهاد في سبيل الله. وهنا نتساءل عن فقه الجهاد عند السالمي، وما مفهوم البغي عنده؟ وما حكم الباغي؟ وكيف طبَّق هَذَا المفهوم عمليًّا؟
أ - بعث روح الجهاد:
كان السالميُّ يكثر في المحافل من تلاوة الآيَة الكريمة: {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَاَمَنُوا هَلَ اَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ اَلِيمٍ تُومِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَالِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمُ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ... } الآيات (الصف: 10 ــ 13)، وغيرها من الآيات المرغِّبة في الجهاد، والمشوِّقة للاستشهاد (1).
ويدعو إِلىَ الثبات أمام العدوِّ، حَتَّى ولو كَانَ أكثر عددا وعدَّة، ويرى أَنَّ قَوله تَعَالىَ: {الاَنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضُعْفًا فَإِن تَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ... } (الأنفال: 66)، لم ينسخ مبدأ المقاومة الوارد في قوله: {إِنْ يَّكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِاْئَتَيْنِ ... } (الأنفال: 65)، «وَإِنَّمَا نسخ وجوبها، فنحن لو صبرنا لكان مِنَّا ما كان من أسلافنا في أَوَّل الأمر ... ولعمري إِنَّ الصبر فيها طريقة الأماجد، وبذل النفس في نيل الشهادة من أعظم المقاصد، أفترغب عن حياة أبديَّة، وسعادة سرمديَّة، ودرجة في أعلى الدرجات العليَّة، يخبرك بها رَبُّ العِزَّة وَهُوَ أصدق القائلين: {وَلاَ تَحْسِبَنَّ الذِينَ قُتِلُواْ فيِ سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلَ اَحْيَآءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَآ ءَاتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمُ أَلاَّ
__________
(1) ينظر: نهضة، ص120 - 121. (1/356)
صفحة 357
خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [آل عمران: 169 ــ 170]». ثُمَّ يدعو الله أن يمنحه فضل الاستشهاد في سبيل الله فيقول: «اللَّهُمَّ يا ذا المنن العظيمة، والعطايا الجسيمة، أنعم علينا بِهَذِهِ الخصلة الكريمة» (1). وينبِّه السالميُّ إِلىَ أَنَّ طلب الاستشهاد يجب أن لا يكون بغرض تمنِّي الموت، وَإِنَّمَا من أجل إعلاء كلمة الله، وَلِذَلِكَ شواهد كثيرة من القرآن وَالسُّنَّة وسيرة الصحابة والسلف الصالح (2).
ب - مفهوم البغي وحكم الخروج عَلَى السلطان الجائر:
1 - مفهوم البغي:
للبغي في نظر السالميِّ صور عديدة، منها: تعطيل الحاكم للحدود، والتسلُّط عَلَى الرعيَّة بالهوى. وفي هَذِهِ الحال على المسلمين استتابته، فإن أصرَّ اعتبر جَبَّارا عنيدا، وباغيا عَلَى المسلمين (3).
2 - حكم الخروج على السلطان الجائر:
إذا تأمَّلنا النصوص التي تركها الشيخ السالميُّ في موضوع الجهاد والخروج عَلَى السلطان الجائر، فَإِنَّهُ يتجاذبنا رأيان، يمكن أن ينبنيا عَلَى معطيات نفصلها في الآتي:
الطرح الأَوَّل: وجوب الجهاد، ويمكن أن يستند إِلىَ المعطيات الآتية:
· كثرة شعر الاستنهاض للجهاد في ديوان السالمي.
· التصريح بِأَنَّ الجهاد واجب في قوله: « ... وقد فرض الله الجهاد عَلَى عباده بالأنفس والأموال، وهي التجارة الرابحة المنجية من عذاب الآخرة، وَعَلَى إقامة سوقها مضى عصر النبوَّة وزمان الخلفاء، ثُمَّ خلف من بعدهم خلف يقرؤون القرآن كما يقرؤون تواريخ الأمم، يسمعون أوامره وزواجره،
·
__________
(1) جوابات، 5/ 14.
(2) ينظر: المصدر نفسه، 5/ 22 - 31.
(3) ينظر: المصدر نفسه، 5/ 252. (1/357)
صفحة 358
ويحملونه عَلَى من مضى، كَأَنَّهُم لم يدخلوا في خطابه، وَكَأَنَّهُم لم يعنوا بعتابه، فارتاحوا إِلىَ الخمول، واستروحوا بالقعود مع الخوالف ... » (1).
· تحسُّره من تضييع أهل زمانه لفريضتي الحجِّ والجهاد، مع كونهما من أركان الدين (2).
· إعجابه بمنهج الشراة (3)، وبفحول العلماء الذين وقفوا في وجه الظلم، وتجرَّؤوا عَلَى إصدار الأحكام والفتاوى التي تَتَّفِقُ ومصلحة الأُمَّة في مواجهة الظلم والظالمين، دون خوف، مثل الإمام عزَّان بن قيس، والمحقِّق سعيد بن خلفان الخليلي، والشاري أبي إسحاق الحضرمي، والمحتسب الشيخ صالح الحارثي (4).
· معاضدته للشيخ الحارثي، وتكبُّده لأجل ذَلِكَ مشاقَّ الهجرة من الرستاق إِلىَ الشَّرْقِيَّة، وتنويهه مرارا بجهاد الحارثي، وتأليفه لرسالة: «الحقُّ الجلي في سيرة الشيخ صالح بن علي»، ضمَّنها التأييد المطلق، والدفاع عن مواقف الحارثي، ورفع أيِّ التباس بشأنها (5)، والتي يصرخ فيها قائلا: «فما لي أراكم عن مناصرته منخذلين، ولمؤازرته مجانبين؟ ولأعدائه مصادقين؟! ... » (6).
· إعلانه الإمامة، و «خروجه» عَلَى السلطان فيصل سنة 1331هـ/1913م.
من خلال هَذَا الطرح، يبدو وَكَأَنَّ السالمي يرى أَنَّ الإطاحة بحكام الجور واجب.
الطرح الثاني: عدم وجوب الجهاد، ويمكن أن يستند إِلىَ ما يأتي:
·
__________
(1) العقد الثمين، 1/ 336 - 337. جوابات، 5/ 554 - 555.
(2) ينظر: المصدر نفسه، 3/ 521.
(3) ينظر: الديوان، (مخ)، ص 20، 27 ...
(4) ينظر: السالمي: معارج، 1/ 78 - 81. الخليلي: منهج السالمي، قراءات، ص30 - 31. ... وقد تَقَدَّمَت ترجمة الأعلام المذكورين، ينظر الصفحات: 50 - 51، 42، 205 - 206، 135 - 138 من البحث.
(5) ينظر تفاصيل أكثر عن مضمون الرسالة في تآليف السالمي، ص210 من هَذَا البحث.
(6) الحق الجلي، ص9. (1/358)
صفحة 359
التصريح بِأَنَّ أصل الخروج جائز (1).
أَنَّ الْمُؤَرِّخينَ لم يذكروا (2) قيام السالمي بثورة ضِدَّ السلطان خلال سبعة عشر عاما: من بعد وفاة الشيخ صالح الحارثي سنة 1314هـ إِلىَ تاريخ إعلان الإمامة سنة 1331هـ.
وبهذا الطرح نرى أَنَّ السالمي لم ير وجوب الخروج.
ويمكن الجمع بين الطرحين، بِأَنَّ الأصل في الخروج عَلَى الحاكم الجائر هو الجواز، وإذا تطوَّع أحد وأعلن الجهاد عَلَى الحاكم الجائر وجبت إعانته ونصرته، وَلَعَلَّ السالمي استند في ذَلِكَ إِلىَ قَوله تَعَالىَ: {مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الاَعْرَابِ أَنْ يَّتَخَلَّفُوا عَن رَّسُولِ اللَّهِ} (التوبة: 120) (3)، فالآية وإن كانت في شأن قتال المشركين، إِلاَّ أَنَّهَا تنهى عن التخلُّف عن الجهاد بعد إعلانه، وإذا كان أمر الإمام بالنفير يوجب الخروج، وإذا كان للمحتسب ـ في نظر السالمي ـ من الصلاحيات ما للإمام، فهل نستنتج أَنَّ أمر المحتسب بالجهاد كأمر الإمام؟ يبدو أَنَّ الجواب يكون بالإيجاب.
وَأَمَّا عدم قيام السالمي بِأَيِّ ثورة ضِدَّ السلطان طوال سبعة عشر عاما، فيفسَّر بِأَنَّهُ رأى أَنَّ احتمال الفشل أقرب، وَهَذَا ما شرحه الشيخ علي يحيى معمَّر بقوله:
__________
(1) المصدر نفسه، ص10.
(2) لم يذكر الْمُؤَرِّخُونَ سوى معارضته للقنصل البريطاني، وهي حادثة تخرج عن إطار موضوعنا؛ لأَنَّهَا تَتَعَلَّقُ بالإنجليز أكثر من تعلُّقها بنظام السلطنة.
(3) ذكر بَعض الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ هَذِهِ الآية منسوخة بالآية الموالية، وهي قَوله تَعَالىَ: {وَمَا كَانَ الْمُومِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً ... } (التوبة: 122)، وقد ناقش الطبري هَذَا الرأي ولم ير أَنَّهَا منسوخة، وجمع بين الآيتين بقوله: «فَأَمَّا التخلُّف عنه في حال استغنائه فلم يكن محظورا إذا لم يكن عن كراهته منه - صلى الله عليه وسلم - ذلك، وكذلك حكم المسلمين اليوم إزاء إمامهم فليس بفرض على جميعهم النهوض معه إلا في حال حاجته إليهم لِمَا لا بدَّ للإسلام وأهله من حضورهم واجتماعهم واستنهاضه إِيَّاهُم، فيلزمهم حينئذ طاعته». ينظر: محمد بن جرير الطبري أبو جعفر (224 - 310هـ): جامع البيان عن تأويل آي القرآن، دار الفكر، بيروت، 1405هـ، 11/ 65 وما بعدها. (برنامج مكتبة التفسير وعلوم القرآن: [مؤسسة] الخطيب، إشراف: مركز التراث لأبحاث الإعلام الآلي، الأردن. الإصدار 1.5، سنة 1419هـ/1999م). (1/359)
صفحة 360
«فإذا كانت الظروف مواتية ونتائج النجاح منتظرة والمضارُّ فيه قليلة، فإنَّ الجواز هنا يميل إلى الوجوب. وإذا كانت الظروف غير مواتية والنتائج غير مؤكَّدة، والمضارُّ المتوقَّعة كثيرة، فإنَّ الجواز هنا يميل إلى المنع. ومع كُلِّ هذا فإنَّ الخروج لا يمنع في أيِّ حال، والشراء مرغوب فيه على جميع الأحوال، ما دام الحكم ظالمًا» (1)، لِذَلِكَ لَمَّا آنس السالميُّ من نفسه قُوَّة في العُدَّة والعدد، وكان احتمال النجاح أقرب، ثار وأعلن الإمامة.
وهنا نلاحظ تقيُّد الإمام السالميِّ برأي مذهبه، فرغم قساوة الضربات التي تلقَّاها مشايخه، ورغم مقتل شيخه الحارثيِّ، فهو لم يتزعزع، ولم يَرَ وجوب الخروج عَلَى السلطان الجائر، واكتفى بالإفتاء بجوازه، إِلاَّ أَنَّهُ أصدر فتوى خطيرة وهي: جواز اغتيال السلطان الجائر لِكُلِّ من قدر عَلَيْهِ، إذ يقول: «ويجوز لِكُلِّ من قدر عَلَيْهِ قتله، ليريح الناس من ظلمه وفساده، فإن أمكن الاجتماع عَلَيْهِ من المسلمين كان ذَلِكَ أولى» (2)، ولا شَكَّ أَنَّ إصدار السالمي فتوى خطيرة كهذه تزعزع عروش الجورة، وتبعث في نفوسهم الرعب أينما حلُّوا وارتحلوا، هَذَا من جهة، وَلَكِنَّهَا من جهة أخرى تحتاج إِلىَ ضوابط دقيقة وصارمة، فَإِنَّ استنفار «كلِّ من قدر عَلَيْه» لقتله ـ هكذا عَلَى التعميم ـ يُؤَدِّي إِلىَ فوضى لا تحمد عقباها.
بعد هَذِهِ المناقشة لمفهوم البغي وحكم الخروج عند السالميِّ، لننظر كيف طبَّق مفهومه عَلَى أرض الواقع؟
إِنَّ أبرز ما قام به السالمي قبل إعلان الإمامة هو مساندته للشيخ الحارثيِّ في ثوراته، وَهَذَا ما نتناوله بالتحليل فيما يأتي.
__________
(1) ينظر: الوارجلاني: الدَّلِيل والبرهان، 3/ 77 - 79. علي يحيى معمر: الإِبَاضِيَّة بين الفرق الإِسلاَمِيَّة، ص290. جهلان عدون: الفكر السياسي، ص198 - 202. واعلي بكير: الإمامة، ص145 - 147. وهنا يؤكِّد الإِبَاضِيَّة عَلَى عدم التعرُّض للعامَّة مطلقا، بل الخروج يكون عَلَى الحاكم وجنوده لا غير.
(2) جوابات، 5/ 252. (1/360)
صفحة 361
ج - مساندة السالمي للحارثي في الثورة:
بحث السالمي عن رجل يتبع سبيل الشراة، يكون شديدا في الحقِّ، صابرا عَلَى النوائب، قويَّ العزم عند الشدائد، ويقول:
«فمن لي بِشَارٍ هكذا وصف حاله يمحي به جور الزمان فلا يبدو
ومن لي بشهمٍ يعلم الدهرَ أَنهُ إذا لم يقم للمجد حاط به الكدُّ
ويدري بِأَنَّ الأمر ليس بهيِّنٍ فيصبر إن خيرا أتاه وإن جَهدُ
ويمضي عَلَى الأهوال لا متلعثما إِلىَ أن يواري جسمه ذاك اللحد» (1)
فوجد في الشيخ صالح الحارثيِّ الرجلَ الثائر الذي يلبِّي طموحه، فأقام معه معاضدا. وكان من نتيجة ثورات الشيخ الحارثي ـ في نظر السالميِّ ـ أن طُبِّقت الأحكام الشَّرعِيَّة والحدود، واستبشر الناس، وكثر الخير والرزق، ولهجت الألسنة بالمدح (2).
ومساندة الإمام السالميِّ للشيخ الحارثيِّ تدفعنا إِلىَ التساؤل: أيَّ مسلك من مسالك الدين الأربعة (3) كان ينتهج السالميُّ؟ فالوضع لا يُسَمَّى إمامة ظهور، لأَنَّ الظهور يعني مبايعة إمام عدل عن طريق الشورى. ولم يكن في مسلك الدفاع، لأَنَّهُ يكون بمبايعة إمام (قائد عسكريٍّ) عند مداهمة عدوٍّ خارجيٍّ أو داخليٍّ، ولم يُذكر أَنَّ الحارثيَّ بويع إماما للدفاع. ولم يكن السالميُّ والحارثيُّ في مسلك الشراء، لأَنَّ هَذَا يقتضي أن يخرجا من بيتهما ويبيعا أنفسهما لله، ولا يعودا إِلاَّ بعد الانتصار، أو الاستشهاد. ولم يكونا أَيضًا في مسلك الكتمان، لأَنَّ معناه: الاهتمام بالتنظيم والإصلاح الداخليَّين للجماعة الإِبَاضِيَّة، وعدم تشتيت القوى بالتعرُّض للحاكم الجائر.
__________
(1) السالمي (مخ): الديوان، ص 20.
(2) المصدر نفسه، ص10. عين المصالح، ص58.
(3)} مسالك الدين الأربعة} عند الإِبَاضِيَّة هي: الظهور والدفاع والشراء والكتمان. للتفاصيل ينظر: جهلان عدون: الفكر السياسي، ص123 وما بعدها. واعلي بكير: الإمامة، ص156 - 182. (1/361)
صفحة 362
والجواب نجده عند السالميِّ، إذ أطلق عَلَى الحارثيِّ اسم المحتسب، وعرَّفه بِأَنَّهُ: رجل حرٌّ مسلم ثقة أمين، يقوم مخلصا لله عند عدم الإمام، يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر قدر طاقته، ويكون عالما وأمينا فيما يأمر به وينهى عنه، وغير متَّهم في دينه؛ وأن لا يكون آمرا بالمعروف ولا يفعله، أو ينهى عن المنكر ويفعله، وفي هَذِهِ الحال تجب نصرته، وجُوِّز له القيام بالحدود، وجباية الصدقات، وتولية وكلاء الأيتام والأرامل، بل وفعل كُلِّ ما للإمام فعله (1).
والملاحظ أَنَّ رأي السالميِّ هَذَا قد وسَّع من صلاحيَّات المحتسب، وأعطاه من المكانة والدور السياسيِّ والقضائيِّ والفقهيِّ والاجتماعيِّ ما يُعطى لإمام الظهور، وهو ما لم يعطه بعض الفقهاء، فليس للمحتسب المتطوِّع عندهم أن يعزِّر ويقيم الحدود (2). ويبدو أَنَّ الحارثيَّ والسالميَّ ـ في تلك الفترة ـ تكيَّفا مع الظروف التي لم تسمح لهم بتطبيق مسالك الدين بحذافيرها، فجمعا بين مسلكي الدفاع والشراء، فأعطيا مفهوما أوسع، وسلطة أقوى للمحتسب، وسارا عَلَيْه. وكان السالميُّ يأمل أن يتِمَّ إحياء الإمامة عَلَى يدي الحارثيِّ، إِلاَّ أَنَّ الله تَعَالىَ لم يُقَدِّر ذَلِكَ، إذ سرعان ما تُوُفِّيَ الحارثيُّ في إحدى معاركه، ثُمَّ كانت للسالميِّ بعد ذَلِكَ خطوات اتَّبَعَها، فتمَّ له مراده بعد نحو سبعة عشر عاما، وَهَذِهِ الخطوات سنتناولها بالعرض والتحليل في حديثنا الآتي عن دور السالمي في إحياء الإمامة.
رابعا - دور السالمي في إحياء الإمامة:
أَجْمَعَ كلُّ مَن كَتَبَ عن السالميِّ عَلَى أَنَّهُ كان الركن الأعظم في إحياء الإمامة (3)، وقبل الحديث عن مساعيه العَمَلِيَّة، نتعرَّض إِلىَ الإطار النظريِّ الذي كان السالميُّ يسير وفقه، أَو بالأحرى بدافعٍ منه.
__________
(1) ينظر: الحقُّ الجلي، ص5 - 7.
(2) ينظر: القرشي محَمَّد بن محَمَّد بن أحمد: معالم القربة في معالم الحسبة، دار الفنون، كمبردج، ص7 - 12. وزارة الأوقاف والشؤون الإِسلاَمِيَّة بالكويت: الموسوعة الفِقهِيَّة، 16/ 223 - 241. (برنامج جامع الفقه الإِسلاَمي).
(3) ينظر عَلَى سبيل المثال: نهضة، ص120. مُقَدِّمَة أبي إسحاق لجوهر النظام، 1/} د}. مُقَدِّمَة التنوخي لشرح الجامع، 1/} ط} ... (1/362)
صفحة 363
أ - المنطلق النَّظَرِي:
تُمَثِّلُ سيرة الرَّسُول صلَّى الله عليه وسلَّم، وسيرة الخلفاء الراشدين المرجعيَّة التَّارِيخِيَّة والفقهيَّة التي يعود إليها المسلمون في مبدأ تولية الحاكم، وفي أسلوب الحكم، وقد حاول الإِبَاضِيَّة عَبْرَ تاريخهم استعادة ذَلِكَ التاريخ الزاهر للحكم الإِسلاَمي، فلم تكن مبادئ الإمامة ـ عند الإِبَاضِيَّة عُمُومًا، وفي عمان خُصُوصًا ـ نَظَرِيَّةً مثاليَّة، لا تتجاوز أوراق كتب الفقه والسياسة الشَّرعِيَّة، وقد نجحت إِلىَ حدٍّ بعيد بِأَن سلمت من الوقوع في الهوَّة الفاصلة بين التنظير السياسيِّ والتطبيق الميدانيِّ، هَذِهِ الهوَّة التي وقع فيها كثير من المفكِّرين المسلمين (1)، واستطاع العمانيُّون أن ينزلوها إِلىَ أرض الواقع، فطبَّقوها عمليًّا.
1 - نبذة عن الإمامة في عمان (2):
تنبني نَظَرِيَّة الإمامة عند العمانيِّين ـ والإباضيَّة عُمُومًا ـ عَلَى أساس أَنَّ إقامة الإمامة واجبة شرعًا (3). ويتمُّ تعيين الإمام بالشورى وانتخاب أهل الحل والعقد للأكفأ لقيادة الأُمَّة، والكفاءة تقتضي أن يكون أمينا في نفسه ودينه وَعَلَى رعيَّته، قادرا عَلَى تطبيق أحكام الشريعة الإِسلاَمِيَّة من غير خوف أو محاباة، يقسم بالسويَّة، ويعدل بين الرعيَّة ... وباختصار: أن يكون قدوته في ذَلِكَ دولة
__________
(1) جهلان: الفكر السياسي، ص238.
(2) حول الأسس الشَّرعِيَّة للإمامة في عمان، ولتصحيح بَعض المفاهيم حولها ينظر: تنبيهات أبي إسحاق اطفيَّش في تحفة الأعيان، ط. 1347هـ، 2/هـ. تعليق أبي إسحاق اطفيَّش في هامش تحفة الأعيان، ط1417هـ، 1/ 105. نهضة، ص164 - 167. وَأَمَّا عن الإمامة وظروفها عبر تاريخ عمان، وصِفَات الإمام، وَكَيفِيَّة تنصيبه، ومسؤولياته، وعزله ... ينظر: عبيدلي: الإمام عزان، ص33 - 45. السيار عائشة: دولة اليعاربة، ص106 - 127. لاندن: عمان، ص57 - 60. فاروق عمر: التاريخ الإِسلاَمِي وفكر القرن العشرين، دراسات نقدية في تفسير التاريخ، دار اقرأ، بيروت، ط2، 1406هـ/1985م، ص7 - 64. الوسمي: عمان بين الاستقلال والاحتلال، ص62 - 70. غباش: عمان الديمقراطية، ص346 - 347. العزري: فكر السالمي، ص11 - 12.
(3) ينظر: معمر: الإِبَاضِيَّة بين الفرق، ص290 - 291. جهلان: الفكر السياسي، ص130 - 140. (1/363)
صفحة 364
رَسُول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم والخلافة الراشدة. ومتى صَحَّت البيعة عَلَى هَذِهِ الأسس لم يجز لأحد من الرعيَّة أن يتخلَّف عنها، ولا أن يخرج عَلَيْهَا (1).
وطريقة تنصيب الإمام في عمان شبيهة بطريقة تولية الخلفاء الراشدين، أي قبل أن يتحوَّل الحكم من الخلافة إِلىَ ملك عضود (2). وإذا جار الحاكم حقَّ لأهل الحلِّ والعقد أن يختاروا من يسوسهم بشريعة الله وأحكامه، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق (3)، ما لم يؤدِّ الانقلاب إِلىَ فتنة أعظم من جور الحاكم.
وبالرغم مِمَّا اكتنف الإمامة في عمان في نهاية المطاف من ضعف بسبب عدم قدرتها عَلَى تلبية مقتضيات العصر إِلاَّ أَنَّهَا «تبقى كَذَلِكَ تجربة عَرَبِيَّة وإِسْلاَمِيَّة رائدة» (4)، إذ حقَّقت مبادئ العدل والمساواة والحريَّة والسلام، وأرست اقتصادا مفتوحا ينبني أساسا عَلَى النشاط البحريِّ، وحقَّقت نوعا من الاستقرار السياسيِّ، إذ لم نجد في حكم الإمامة ـ طوال أكثر من ألف عام ـ تمرُّدا عَلَى الإمام (5). إِلاَّ أَنَّ الصراع كان طويلا بين حكم السلطنة وحكم الإمامة، ولا تكاد تنقطع سلسلة الحروب بينهما، وَكُلَّمَا سنحت الفرصة لأحدهما أن ينقضَّ عَلَى الآخر استغلَّها. وكان السالميُّ الحلقة الأخيرة في هَذِهِ السلسلة.
__________
(1) ينظر: جهلان: الفكر السياسي، ص202 - 203، 233 - 234. واعلي: الإمامة، ص114، 144.
(2) ينظر: أبو الأعلى المودودي: الخلافة والملك، تعريب: أحمد إدريس، شركة الشهاب، باتنة، الجزَائِر، 1988، ص63 - 138. واعلي: الإمامة، ص 101، 113، 207 - 210.
(3) ينظر: السالمي: تنبيهات أبي إسحاق إبراهيم اطفيَّش في تحفة الأعيان، ط. 1347هـ، 2/جـ-هـ. أبو بشير: نهضة الأعيان، ص164 - 165.
قال الهيثمي عن حديث «لا طاعة في معصية الله تبارك وتعالى»: «رواه أحمد بألفاظ، والطبراني باختصار، وفي بعض طرقه:} لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق} ورجال أحمد رجال الصحيح». علي بن أبي بكر الهيثمي (807هـ): مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، دار الريان للتراث، القاهرة، دار الكتاب العربي، بيروت، 1407هـ، 5/ 226. (برنامج المكتبة الألفية).
(4) غباش: عمان الديمقراطية، ص349.
(5) المرجع نفسه. (1/364)
صفحة 365
2 - الإمامة عند السالمي:
يرى السالميُّ ـ باعتباره إباضيًّا ـ وجوب نصب الإمام، وبيَّن أَنَّ جمع الشمل لا يكون إِلاَّ بالإمام العدل، والسياسة الراشدة لا تكون إِلاَّ باتباع الوحي المنزل عَلَى سَيِّدنَا محَمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم:
«سياسة الوحي هي السياسة أين عقولكم أولي الرياسة» (1)
وَلَكِن من المؤسف أَنَّنَا إذ تتبعنا التاريخ البشريَّ وجدنا أَنَّ أَيَّام العدل والخلافة الإِسلاَمِيَّة قصيرة، بخلاف أَيَّام الجور، وفي ذَلِكَ حكمة بالغة ـ كما يقول السالمي ـ إذ هي «ابتلاء من الله واختبار لعباده، وظهور الحقِّ أحيانا قيام حجَّة عَلَيْهِم» (2).
وكثيرا ما تأفَّف السالمي من فقد الإمامة (3)، ودعا الله أن يعود الحكم العادل، من ذَلِكَ قوله: «اللَّهُمَّ ... اجعل لنا قائما يسود فينا بسنَّة نبيِّك، ويعمل فينا بحكم كِتَابك، فَإِنَّكَ وليُّ ذَلِك» (4)، وقوله: «اللَّهُمَّ ردَّ إلينا عصر العدل، وزمان الفضل» (5). وكان استرجاع حقِّ الإمامة المغصوب من قِبل العائلة الحاكمة، الهمَّ الأكبر في حياة السالميِّ، والهدف الأسمى الذي يطمح إليه، فبالإمامة تتحرَّر البلاد من يد الإنجليز، وبها تُحيا شعائر الدين، وإذا تأملنا تآليفه وجدناها تصبُّ في هَذَا الاتجاه، فلنتأمَّل الآن مواقفه وأعماله، وخطواته العَمَلِيَّة في هَذَا السبيل.
__________
(1) جوهر النظام، 3/ 478.
(2) حاشية الرد عَلَى العقبي، ص32.
(3) ينظر: جوابات، 2/ 388.
(4) الحقُّ الجلي، ص45. وينظر: نهضة، ص121.
(5) العقد الثمين، 2/ 491. جوابات، 3/ 554. (1/365)
صفحة 366
ب - الخطوات العَمَلِيَّة (1):
اتَّبَعَ السالميُّ في بداية أمره سبيل المقاومة العسكرية، حين ساند الشيخ صالح الحارثيَّ، ما بين سنة 1308 و1314هـ، إِلاَّ أَنَّ هَذِهِ المقاومة لم تؤت أكلها، إذ كان من أسباب فشلها تخاذل بعض الأعيان، وخيانة آخرين، فتيقَّن السالميُّ أَنَّ الأزمة أزمة رجال في الدرجة الأولى، فاهتمَّ بالشباب وعمل عَلَى إعدادهم قبل أن تلوِّثهم الاعتبارات والإغراءات الْمَادِّيَّة والمعنويَّة. وكانت هَذِهِ هِيَ الاستراتيجية الطويلة الأمد (1314 - 1331هـ)، التي اتَّبَعَها السالميُّ لتغيير النظام.
ويفصِّل أبو بشير السالمي الخطوات العَمَلِيَّة الأخيرة لعقد الإمامة، نلخِّصها فيما يأتي (2):
في البداية كان يلتمس المعاونة والنصرة من جميع من يرجو فيه الخير ممَّن يفد إليه من رؤساء القبائل وأعيان الناس، وسعى في ذَلِكَ ليله ونهاره، مع ما هو فيه من الاشتغال بتدريس العلم، وتأليف الكتب والفصل بين النَّاس (3)، ثُمَّ طلب بإلحاح من الأمير عيسى بن صالح الحارثي أن يكون عَلَى رأس الإمامة، ويتبع طريق والده، إِلاَّ أَنَّ الأمير اعتذر؛ خشية أن يُقدم عَلَى هَذَا الأمر فيُسْلمه الناس للسلطان، وتخذله القبائل (4).
__________
(1) يرى العزري أَنَّهُ من الممكن اعتبار عام 1323هـ/1906م بمثابة النهاية والبداية، نهاية جهود السالمي النَّظَرِيَّة، وبداية الاستراتيجيَّة العَمَلِيَّة في استنهاض همم العمانيِّين. (ينظر: فكر السالمي، ص172). وَلَكِن المصادر لا تلمح لهذا، فالرحلة إِلىَ الحجِّ كانت بريئة، وهي بعيدة من أن تكون إنذارا من السالمي للسلطان، غاية ما في الأمر أَنَّ السالمي استغل تحسُّن العلاقة بينه وبين السلطان لَعَلَّهُ يجد منه قبولا لنظام الإمامة. وَأَمَّا الاستراتيجيَّة العَمَلِيَّة فقد بدأت قبل ذَلِكَ بنحو عقد من الزمن.
(2) يعتبر كِتَاب نهضة الأعيان لأبي بشير السالمي المصدر الأساسيَّ في التحرُّكات السرِّيَّة لوالده الشيخ نور الدين، فقد كان مرافقا له، وحاضرا معه في اجتماع البيعة. ولم نجد فيما بين أيدينا من المصادر من تعرَّض لتلك التحرُّكات بتلك الدقَّة والتفصيل، ولم نجد ـ فيما اطَّلَعنا عَلَيْهِ ـ لأحد الحاضرين في البيعة مؤلَّفا أو مذكِّرات في الموضوع. وفد فضَّلنا السرد التاريخيَّ للخطوات دون تحليل حَتَّى تَتَّضِح الصورة، ثُمَّ أردفناه بالتحليل والاستنتاج.
(3) ينظر: أبو بشير: ترجمة السالمي (مخ)، ص9 - 10. مُقَدِّمَة البطاشي للمشارق، ص} ح}.
(4) ينظر: نهضة، ص150. العزري: فكر السالمي، ص177. (1/366)
صفحة 367
ثُمَّ لَمَّا لم يجد السالمي استجابة من الأمير الحارثي، تظاهر بعزمه عَلَى السفر إِلىَ الحجِّ سنة 1329هـ/1911م، وكان قد حجَّ الفريضة، وَلَكِنَّهُ كان ينوي أن يلتقي في مَكَّة بعلماء الإِبَاضِيَّة المغاربة، لِمَا عرفه من تقديرهم إِيَّاهُ، فيستعين بهم بما يمكنهم من مال أو جاه، وَبِخَاصَّةٍ من الشيخ اطفيَّش، الذي كانت بينهما مراسلات عِلمِيَّة وودِّيَّة كثيرة، هَذَا من جهة. ومن جهة أخرى ليأخذ قسطا من الراحة من جرَّاء المعاناة التي لقيها في سبيل مطالبه الجسيمة، وليستجمع همَّته وقوَّته. وكتم السالميُّ هَذِهِ النية إِلاَّ عَلَى من انتخبه لصحبته، فخطب في إخوانه في يوم عيد الفطر من السنة المذكورة، طالبا أن لا يمنعوه من السفر، فأجابه الكلُّ بالمنع، لأَنَّ إقامته بين أظهرهم لنشر العلم أفضل من حجِّ النافلة، وكان الأمير عيسى الحارثي من أَشَدِّ الرافضين للفكرة، إذ «أقسم عَلَيْهِ في العدول عن مطلبه ... وأخيرا قال له: إن خرجت من عمان فسأخرج منها عَلَى أثرك، ولا أقعد بها بعدك، فثنَّى كلامُه من عزمه» (1)، هنا تأكَّد السالميُّ من وزنه بين أصحابه، وضمن تعاطف الحارثي أو ـ على الأقل ـ حياده تجاه مشروع إحياء الإمامة (2).
وبعد أشهر خرج السالمي في جولة دعائيَّة في عِدَّة مناطق من البلاد، يجسُّ فيها نبض العمانيِّين ليعرف مدى تقبُّلهم لفكرة الإمامة، وكانت آخر رحلة في شهر شوال عام 1330هـ/ سبتمبر 1912م، والتي زار فيها أمير الجبل الأخضر ورئيس بني ريام ومن تبعهم: الشيخ حِمير بن ناصر النبهاني (3)، ومشايخ بني هناءة أولاد هلال بن زاهر، وكانوا مطاعين في قومهم، وكانوا آنذاك يعانون من شِدَّة تضييق الخناق عَلَيْهِم من قِبل السلطان، «فهم يودُّون لو يجدون الظهر فيستندوا إليه، والمساعد فيقووا به لِمَا يرون من الاضطهاد، فَلَمَّا اجتمع بالشيخ حمير النبهانيِّ كلَّمه
__________
(1) نهضة، ص151. وينظر: أطروحة الهاشمي، ص69 - 70. غباش: عُمان، ص277.
(2) ينظر: العزري: فكر السالمي، ص177 - 178.
(3) حمير بن ناصر بن سيف بن سليمان الحِمْيَري (1291 - الجمعة 7 جمادى الثانية 1338هـ/1874 - 27 فيفري 1920م): حاكم الجبل الأخضر بعمان، ساند الإمام السالميَّ في الإمامة مساندة فعَّالة. ينظر: نهضة، ص108 - 111. (1/367)
صفحة 368
فيما يخفيه عن نفسه، فصادف السهم مرماه، والسيل مجراه، فأجابه بلا تلعثم ولا توان بما يثلج الصدر وينعش القلب» (1).
ولَمَّا وجد الموافقة من عِدَّة قبائل، قرَّر موعدا سرِّيًّا في 12 ربيع الآخر 1331هـ/ 20 مارس 1913م للاجتماع بتنوف، وفي أَوَّل الشهر المذكور جمع الأمير عيسى أعيان الحارثيِّين، فاجتمع رأيهم عَلَى منع السالمي من الإقدام عَلَى هَذِهِ الخطوة الخطيرة، خوفا من خيانة القبائل التي أبدت موافقتها، فتسلمه لحكومة مسقط، وَأَنَّ الوقت غير مناسب؛ فألغي اللقاء، حسب ما يُفهم من كلام أبي بشير (2).
يبدو أَنَّ هَذِهِ المعارضة من أصدقاء السالمي قد أثَّرت فيه، وَلَكِنَّهَا لم تفلَّ من عزيمته، بل دفعته إِلىَ آخِر استشارة في الموضوع، فأرسل إلى زميله الشيخ عامر بن خميس المالكي، والشيخ عامر بن سيف الحجري «فقصَّ عَلَيْهِما القصص، واستشارهما قائلا: ”لعلِّي عاشق لأمري، فأفتياني، واصدقاني رأيكما“. فأيَّداه وثبَّتاه، فقوي عزمه» (3)، ومضى إِلىَ الخطوة الأخيرة، فقرر اجتماعا سرِّيًّا آخر بتنوف، فاستجاب لندائه جماعة من العلماء والطلبة الذين يثق بهم، يقدُمهم الشيخ
__________
(1) المصدر نفسه، ص151 - 152. وينظر: غباش: عُمان، ص277. العزري: فكر السالمي، ص179. يقارن مع ما رواه الشيخ سعيد الحارثي في اللؤلؤ الرطب، ص19.
قال العزري: «مقابل ذَلِكَ [موافقة الشيخ حمير] قَدَّمَ السالمي تنازلا مهمًّا، على ما يبدو من حديث الابن». (فكر السالمي ص179) وَلَكِن ليس في حديث الابن أبي بشير ــ ولا غيره ــ أيُّ دلالة عَلَى أيِّ تنازل، حيث يقول: «وسأله الشيخ الحميري عن مسائل دِينِيَّة، فأجابه نور الدين عَلَيْهَا، فأظهر التَّنَصُّل والتوبة، وشرع في الخلاص من المظالم». (المصدر نفسه) وأنَّى للسالمي أن يركن في دينه ويقدِّم تنازلا في قَضِيَّة تَتَعَلَّقُ بمظالم العباد من أجل مكسب سياسيٍّ، وَهُوَ الذي عمل عَلَى نبذ كُلِّ صور النفاق، مع ما عُرف به من شِدَّة في قول الحقِّ دون محاباة لأحد. ثُمَّ إِنَّ توبة النبهاني كانت صادقة مخلصة، بدليل شروعه في رَدِّ المظالم، ومساندته الكبيرة للإمامة؛ فكلام العزري يفتقد إِلىَ الموضوعيَّة العِلمِيَّة المدعَّمة بالنصوص والشواهد التَّارِيخِيَّة. واتِّهام خطير من هَذَا القبيل للسالمي لا يقدح في السالمي في هَذِهِ القَضِيَّة فحسب، بل يقدح في مصداقيَّة كُلِّ فتاواه الْمُتَعَلِّقَة بالأحكام والقضاء والسياسة!.
(2) ينظر: نهضة، ص157 - 158.
(3) المصدر نفسه، ص153. وينظر: العزري: فكر السالمي، ص180. (1/368)
صفحة 369
أبو مالك عامر المالكي، وحمير بن ناصر النبهاني، وأولاد الشيخ هلال بن زاهر الهنائي (1). فخرج السالميُّ من بلدته بالظاهر في الشَّرْقِيَّة إِلىَ تنوف، دون أن يلفت انتباه أحد، وحدَّد في طريقه أماكن الالتقاء بأصحابه وتجميع القوات، وأرسلوا أمامهم من يرصد لهم الطريق، وساروا في طريق وعرة يصعب رصدها (2)، وكُلُّ ذَلِكَ إمعانا في السرِّيَّة، كما يقول أبو بشير: «خرجوا فرادى مستخفين، يتسلَّلون تسلُّل القطا خوف أن يشعر بهم الظلمة» (3).
اجتمع أربعة عشر رجلا من العلماء والأمراء يرأسهم الشيخ السالميُّ، يوم العاشر من شهر جمادى الثانية عام 1331هـ/17 ماي 1913م (4) في تنوف عاصمة الشيخ حمير، فتداولوا الآراء، وتأمَّلوا في الظروف المحيطة بهم: هَذَا السلطان فيصل مستولٍ عَلَى مقاليد الحكم، وقد أحكم سيطرته عَلَى كثير من بلدان الداخل، وَهَؤُلاَءِ الإنجليز يساندون السلطان، وأولئك المشايخ العبريُّون أبدوا اعتذارهم بعد أن وعدوه جميلا في أَوَّل الأمر، خوفا مِمَّا يحذره جلُّ العمانيين ... طال النقاش والتداول في الرأي لأكثر من يومين، كانوا بين إقدام وإحجام «فكان نتيجة ذَلِكَ الموقف أن يسلِّم العلماء والأمراء والخاصَّة والعامَّة أرواحهم ومهجهم إِلىَ رئيس النهضة العمانيَّة، وقلَّدوه أمرهم، لعلمهم أَنَّهُ يستسهل الصعاب من الأمور، اعتمادا عَلَى رَبِّهِ، وثقةً بمولاه، وتوكُّلا عَلَيْهِ» (5). في هذه اللحظة، عَلَى السالمي أَن
__________
(1) ينظر: نهضة، ص156.
(2) ينظر: العزري: فكر السالمي، ص184. وقد ذكر أبو بشير القرى التي مَرَّ بها السالمي، ومواعداته لإخوانه. وذكرها الرواحي أَيضًا في قصيدته النونيَّة. ينظر: الرواحي: الديوان، ص299 وما بعدها.
(3) نهضة، ص160.
(4) ذكر العزري أَنَّ تاريخ اللقاء المزمع عقده هو 12 ربيع الثاني، ثُمَّ يذكر خروج السالمي إِلىَ ذَلِكَ اللقاء يوم 27 جمادى الأولى، هَذَا تناقض. وسياق كلام أبي بشير يوحي بأَنَّ الموعد الأَوَّل (12 ربيع الثاني) ألغي بعد منع الحارثي، ثُمَّ جدِّد موعد آخر سرِّي دون استشارة الحارثي يوم 10 جمادى الثانية. ينظر: نهضة، ص157 - 158. العزري: فكر السالمي، ص180، 182.
(5) نهضة، ص162. وينظر: أطروحة الهاشمي، ص77. (1/369)
صفحة 370
يَتَّخِذ موقفه الحاسم، ويقرِّر قراره الصارم، بعد عمل طويل دام لثلاثة عقود، هَذِهِ هي اللحظة التي طالما انتظرها ...
جـ - البيعة وما بعدها:
في يوم الاثنين الثاني عشر من شهر جمادى الثانية عام 1331هـ/19 ماي 1913م، عَلَى الساعة الثانية عشرة، قال الشيخ نور الدين للمجتمعين معه في مسجد الشرع من تنوف: «اختاروا زعيما تُقَدِّمُونه أمينا عَلَى حمل الأمانة والدين، يحمل الناس عَلَى احترام الشريعة المحَمَّدِيَّة» (1)، فأشاروا جميعا إِلىَ الشيخ سالم بن راشد الخروصي الذي لم يكن يتوقَّع هَذَا الترشيح، فأبى، وألحُّوا عَلَيْهِ فامتنع، «وأمر نور الدين تلميذه الكبير أبا زيد [عبد الله بن محَمَّد الريامي] بقتله متى أصرَّ عَلَى الامتناع، فسلَّ حسامه، وَصَحَّ عند الحاضرين أَنَّهُ قاتله لا محالة، فسألهم: إن قتلتموني هل أنا عندكم في الوَلاية؟ فصرخ الجمهور: لا! وملؤوا بها أفواههم، فعقدوا عَلَيْهِ البيعة غصبا، والدموع عَلَى وجهه، وما ذَلِكَ منه ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ جبنٌ، ولَكِنَّهُ مخافة التقصير بما سيتحمَّله، لعلمه أَنَّ الأمر جلل، وَأَنَّ الخطَّة صعبة المرقى، وحمل الناس عَلَى الجادَّة ليس بالهوينا» (2). فبايع العلماء والأمراء ثُمَّ العَامَّة الشيخَ سالم بن راشد الخروصي بالإمامة.
وسئل السالميُّ عن حكم هَذِهِ البيعة فقال: حكمها حكم إمامة الخليفتين أبي بكر وعمر، وهي إمامة الظهور (3) باصطلاح الإِبَاضِيَّة. ونصُّ البيعة هو: «قد بايعناك عَلَى طاعة الله ورسوله، وَعَلَى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله، وأن لا تقدم عَلَى أمر إِلاَّ برأي العلماء، وقد بايعناك عَلَى إنفاذ
__________
(1) نهضة، ص162.
(2) المصدر نفسه، ص163. وينظر: الحارثي: اللؤلؤ، ص19. أطروحة الهاشمي، ص77 - 78. العزري: فكر السالمي، ص186.
(3) ينظر: نهضة، ص179. (1/370)
صفحة 371
أحكام الله تَعَالىَ، وإقامة حدوده، وقبض الجبايات، وإقامة الجمعات، ونصرة المظلوم، وإغاثة الملهوف» (1).
أراد السالميُّ أن يسير في طريقه عَلَى قاعدة صلبة لا تتزعزع مهما كانت الظروف، متَّكلا عَلَى الله، واثقا من نصرة إخوانه الأمراء والشيوخ، فأخذ منهم التأكيدات البليغة، والمواثيق والأيمان المغلَّظة، لينصرُنَّ الإمام ولا يخذلُنَّه، «ثُمَّ قام منتصبا في ذَلِكَ المحفل العظيم، ورفع يديه إِلىَ السماء، مبتهلا إِلىَ رَبِّهِ بصوت أجش، رعب منه الحاضرون أن يعاقب من نكث أو تخلَّف، أو نقض البيعة، والكلُّ يؤمِّن عَلَى دعائه ... فكان لهذا الدعاء أثر عظيم في القلوب ... ولَمَّا تَمَّ العقد خُطبت الخطب، وأُطلقت المدافع في تلك الساعة، إعلاما بالظهور، ورُفعت الراية البيضاء، وهي عَلَم الإمامة عند العمانيِّين» (2).
ومن الخطب التي ألقيت في ذَلِكَ المحفل العظيم: خطبة الشيخ أبي مالك عامر بن خميس المالكي، تعرَّض فيها لمعنى الإمامة، وَأَنَّهُ نشر العدل، ووجوب إقامته، وذكَّر بنعمة الاجتماع بعد التفرُّق، وشكر الله بطاعته ونصرة الحقِّ. وألقى الإمام سالم الخروصي الخطبة المأثورة عن أبي بكر الصدِّيق - رضي الله عنه -. وخطب أبو زيد عبد الله بن محَمَّد الريامي، وحرَّض العسكر عَلَى الجهاد، وبيَّن أحكام قتال الفئة الباغية، ودعا إِلىَ نبذ التفرُّق والحميَّة الجَاهِلِيَّة، وقد أورد أبو بشير في كِتَابه نهضة الأعيان نصوص تلك الخطب (3). كما نُظمت في البيعة عِدَّة قصائد، منها: فائية لأبي مالك عامر المالكي، ولامية للمر بن سالم الحضرمي (4)، وبائية لمحمَّد بن شيخان
__________
(1) المصدر نفسه، ص179. وقارن مع نصِّ البيعة عند مبايعة الإمام عزَّان بن قيس، ونصِّ القطب. ينظر: السالمي: تحفة، ط. 1347هـ، 2/ 237. اطفيَّش: شرح النيل، 14/ 314. جهلان: الفكر السياسي، ص190.
(2) نهضة، ص178 - 179. وينظر: العزري: فكر السالمي، ص187.
(3) نهضة، ص179 - 191.
(4) المر بن سالم بن سعيد الحضرمي الفرقي الجوفي (1243 - 1336هـ/1827 - 1918م): شاعر عماني، مدح الملوك وَالأَئِمَّة والكبراء. ينظر: الخصيبي: شقائق، 1/ 211 - 223. (1/371)
صفحة 372
السالمي، ونونيَّتان إحداهما لجمعة بن سليم الخنجري (1)، والثانية لأبي مسلم الرواحي في مدح إمام المسلمين سالم بن راشد الخروصي، وفي استنهاض المسلمين وقبائل عمان بالخصوص لأجل نصرة الحق، مطلعها:
«تلك البوارق حاديهنَّ مرنان فما لطرفك ياذا الشجو وسنان» (2)
د - الدولة الجديدة: الصدى والنتائج:
قال الرواحي عن ظروف قيام الإمامة، والنتائج التي أحرزتها:
«جاءت إمامته والأرض مظلمة والناس فوضى وأهل الجور ذؤبان
فأشرق العدل في أرجائها ولقى عن المفاسد إرهاق وإيهان» (3)
كان برنامج الإمام الخروصي ـ وبتخطيط من الشيخ السالميِّ ـ يقوم عَلَى أربعه أهداف: إسقاط السلطنة، وإنهاء النفوذ البريطاني، وتوحيد البلاد، وبسط حكم الإمامة عَلَى جميع القطر العماني (4).
وقعت المدن الرئيسة من عُمان الواحدة تلو الأخرى في يد أنصار الإمامة، وكانت المدينة الأولى بعد تنوف هي ”نزوى“، عاصمة الإمامة في العصور السالفة، وَلَمَّا اسْتَقَرَّ بها الإمام اتَّخَذَها عاصمة له كَذَلِكَ (5)، فتوالت وفود القبائل، وجموع العلماء والطلبة، تُقَدِّمُ بيعتها، وتعلن الولاء والنصرة (6). ولم تمض إِلاَّ شهور قلائل
__________
(1) ينظر: المصدر نفسه، ص191 - 194. ولم أعثر عَلَى ترجمة لجمعة بن سعيد فيما بين يدي من المصادر.
(2) الرواحي: الديوان، ص299 - 315. نهضة، ص337 - 355.
(3) الرواحي: الديوان، ص306. نهضة، ص344.
(4) ينظر: غباش: عُمان، ص278.
(5) اتَّفَقَ رأي الإمام الخروصي والشيخ السالميِّ وأنصارهما عَلَى العفو عَلَى عامل السلطان بنزوى سيف بن حمد، وأن يَدَعوه يخرج بأمان، إِلاَّ أَنَّهُم لَمَّا اقتحموا القلعة وجدوه منتحرا، وقد ذكر أبو بشير تفاصيل الحادثة التي كان حاضرا فيها. وَلَكِنَّ الهاشمي رُبَّمَا فضَّل أن يتستَّر عَلَى عامل السلطان، فقال: «فأخرجوا منها عامل السلطان عَلَيْهَا»، رغم اعتماده عَلَى نفس المصادر التي اعتمدناها، ينظر: أطروحة الهاشمي، ص78 - 79.
(6) ينظر: نهضة، ص156، 204. أطروحة الهاشمي، ص79. (1/372)
صفحة 373
حَتَّى انبسط حكم الإمامة عَلَى كثير من المدن والقرى: مَنَح، فإزكي، فالعوابي، فسمائل، فبدبد، فالرستاق، فبهلا، فنخل، وهذه الأخيرة كان التخطيط لها قبيل وفاة السالميِّ، ولم يتِمَّ الاستيلاء عَلَيْهَا إِلاَّ بعد وفاته. وكثير من هَذِهِ القرى أذعن ولاتها للإمام عن اقتناع ودون حرب (1). وأمام التوسُّع السريع لرقعة الإمامة، وتغيُّر موازين القوى، لم يبق للسلطان غير العاصمة، وَبَعض المدن الساحليَّة؛ فعمد هَذَا الأخير إِلىَ الزيادة في الرسوم عَلَى المنتجات الزراعيَّة من 5 % إِلىَ 25 % (2)، إِلاَّ أَنَّهُ لم يكن لهذا التضييق أثر كبير.
وفي ظلِّ هَذِهِ الظروف يستحيل أن تغضَّ بريطانيا الطرف عنها؛ لذا نلاحظ أَنَّ أخبار الإمامة ـ في التقرير البريطاني الذي يلخِّص الوضع في عمان ـ قد طغى عَلَى كُلِّ الأحداث الواقعة بعمان في تِلْكَ السنة، وكان قد حمَّل مسؤولية ”العصيان“ للشيخ نور الدين السالميِّ (3). وقد استشعر الإنجليز خطورة الوضع وتهديد مصالحها، فكان مِمَّا كتبه الوكيل البريطاني في مسقط: «إِنَّ العصاة قابضون عَلَى مفتاح الموقف، فَإِنَّهُم يحتلُّون وادي سمائل وحصنه اللذين لا غنى عنهما لازدهار التجارة في مسقط ... فَإِنَّ الشعور بالسخط قد بلغ مبلغا أصبح من العسير إزالته» (4). فبعث القنصل البريطاني إنذارا للإمام، يحذِّره من التعرُّض لمدينتي مسقط ومطرح الاستراتيجيتين، فاستخفَّ الإمام بتهديده، وأجابه برسالة شديدة، بَيَّنَ له فيها أَن لا غاية له سوى نشر العدل وطيِّ صفحة الظلم (5). وفي شعبان
__________
(1) ينظر تفاصيل فتح البلدان المذكورة وغيرها في: نهضة، ص203 - 264. العزري: فكر السالمي، ص191 - 194.
وعن الموقع الجغرافي للمدن المذكور ينظر خريطة عُمان في الملحق.
(2) العزري: فكر السالمي، ص195.
(3) ينظر: I.O.R : R/15/ 6/337, Administration Report of the Muscat Agency for the year 1913, p.51. نقلا عن غباش: عُمان، ص279.
(4) كِتَاب شركة الزيت الأمريكية، ص93. نقلا عن نهضة، ص251.
(5) ينظر: نهضة، ص233 - 235. (1/373)
صفحة 374
1331هـ/جويلية 1913 قدِم الميجر مورفي ( Murphy) من بوشهر (1) للدفاع عن مسقط ومطرح، ولو اقتضى الأمر استعمال القُوَّة، وبالفعل جمعت قوَّاتها حول مسقط، لأَنَّ سقوطها في يد الإمامة يعني نهاية نفوذ البريطانيِّين (2).
والغريب في الأمر (3) أَنَّ الأمير عيسى الحارثي بعد إعطائه البيعة قَبِل اقتراحات تَقَدَّمَ بها حاكم أبوظبي حمدان بن زايد الفلاحي (4)، للوساطة بين أنصار الإمامة وأنصار السلطان، فاجتمع رأي المشايخ عَلَى رفض هَذِهِ المبادرة، وكان من شأن تلك الاقتراحات والقبول غير المتوقَّعين أن يزرعا التخاذل بين أنصار الإمامة، في الوقت الذي لم تكن فيه الثورة إِلاَّ في طورها الأَوَّل (5).
أخذ الإمام في تنفيذ الأحكام الشَّرعِيَّة، وكان أَوَّل تنفيذ لحدِّ الرجم عَلَى امرأة محصنة اعترفت بالزنا، بعد إقرارها أكثر من أربع مَرَّات في يومين، في 19 شوال 1331هـ/ 20 سبتمبر 1913م. وجيء بامرأة قد أتت بولد من غير زوج، فأمر الإمام بجلدها أربعين جلدة بدل مائة، لشبهة أَنَّهَا غُصبت. وكان يعزِّر شارب الدخان بعشر ضربات إِلىَ عشرين (6).
كان السالمي يُمَثِّلُ الزعيم الروحيَّ للإمامة، إذ كانت القرارات والمواقف السِّيَاسِيَّة ترجع إِلىَ رأيه بالدرجة الأولى وَإِلىَ المشايخ الآخرين في الدرجة الثانية،
__________
(1) مدينة إيرانية تقع عَلَى شاطئ الخليج العربي. وقد كانت مركزا للمقيم البريطاني الذي يتابع قضايا الخليج بصفة عَامَّة. ينظر: لاندن: عمان، ص109.
(2) ينظر: I.O.R : R/15/ 6/337, Administration Report of the Muscat Agency for the year 1913, p.52. نقلا عن غباش: عُمان، ص280.
(3) إِنَّ الأحداث التَّارِيخِيَّة كثيرا ما تكون غير منطقيَّة، خَاصَّةً في زمن الثورات، كما يقول أحمد أمين. ينظر: زعماء، ص385.
(4) لم أعثر عَلَى ترجمته في الأعلام للزركلي.
(5) ينظر: نهضة، ص256 - 258. الحارثي: اللؤلؤ، ص121. غباش: عُمان، ص278 - 279. العزري: فكر السالمي، ص194.
(6) ينظر: نهضة، ص236 - 237. (1/374)
صفحة 375
فالسالميُّ هو الأستاذ، والإمام هو التلميذ. وكان السالميُّ الممثِّل الرسميَّ للإمام يَمضي ويُمضي باسمه دون أيِّ تحفُّظ، كما قال الابن أبو بشير: «وقد فوَّض الإمامُ سالِمٌ الأمورَ في يد سَيِّدي الوالد تفويضا مطلقا فيما يراه من المصالح العَامَّة، فهو يمضيها باسمه ورسمه» (1).
في ظلِّ الدولة الفتيَّة عمل السالميُّ عَلَى إصلاح ذات البين بين القبائل المتناحرة، التي دام اقتتالها لعشرات السنين. ويُذكر من ذَلِكَ: إصلاحه بين قبائل الشَّرْقِيَّة وإطفاء الفتن القديمة بينهم، والإصلاح بين الرواشد (2) والشروج (3) من وادي عندام (4)، وقد دامت حروبهم لبضع وثلاثين سنة، الإصلاح بين أهالي سمد الشان، الإصلاح بين المساكرة والحرث (5)، «وببركة العدل صار هَذَا الصلح هادما لِمَا قبله من الضغائن والأحقاد التي ورثها الأبناء عن الأجداد» (6). ولا يخفى
__________
(1) المصدر نفسه، ص254.
(2) الرواشد أو بنو راشد، ينسبون إلى راشد بن إسماعيل، أخي الإمام محمد بن إسماعيل بن عبد الله بن محمد بن إسماعيل. ومنازلهم القريتين في داخلية عمان، من بلدان العوامر، من خصوص أرض الجوف. من أخيارهم: الشيخ الفقيه سعيد بن حمد بن عامر بن خلفان الراشدي، والشيخ سفيان بن محمد بن عبد الله، أحد القضاة للإمام محمد بن عبد الله الخليلي ثم للسلطان سعيد بن تيمور. وتوجد منهم أفراد بفنجا من بلدان وادي سمائل. ينظر: سالم السيابي: إسعاف الأعيان، 1/ 91 - 92. (شاملة).
(3) الشروج: بنو شرجة بن شمس، عمانيون من بني شمس بن وائل بن الغوث بن قطن بن عمرو بن الهميسع بن حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان. يسكنون «في خضرا بني دفاع من وادي عندام، وهم جملة بالخضرا، وهي مركزهم، وليس لهم غيرها، وليست هي كلها لهم، بل يشاركهم فيها الفوارس وبنو دفاع وبنو رواحة والرواشد وغيرهم. ويرأس الشروج الشيخ سرحان بن ..... [كذا] .... ». سالم السيابي: إسعاف الأعيان، 1/ 96. (شاملة).
(4) عن منطقة وادي عندام ينظر: خريطة عُمان في الملحق.
(5) عن منطقة سمد الشأن ينظر: خريطة عُمان في الملحق.
المساكرة من الأزد بعُمان، «أولاد الأسود بن عمران بن عمرو فريقيا بن عامر، ومنازلهم في علاية إبرا من الشَّرْقِيَّة، وهم فرق مُتَعَدِّدَة». عين المصالح، ص39. وينظر: كحالة: معجم قبائل، 1/ 231.
والحرث: آل الحارث بن كعب بن اليحمد من الأزد بعمان، وهم رهط الحارثيين آل صالح بن علي، وهم بطون عِدَّة ... وللحرث القدم الراسخة في شَرْقِيَّة عمان». عين المصالح، ص39.
(6) أبو بشير: نهضة، ص254 - 255. (1/375)
صفحة 376
ما في هَذَا العمل من الصعوبة، إذ ليس من السهل تناسي الخلافات القديمة، والدماء التي سالت، خَاصَّةً وقد اشتهر العرب بحبِّ الأخذ بالثأر، وكلُّ ما دون ذَلِكَ يعتبرونه ذلَّة وعارا. وانظر كيف استطاع السالميُّ أن يقنع بَعض القبائل بِأَنَّ كُلَّ ما كان قبل نصب الإمامة من سفك للدماء ونهب للأموال يُسكت عنه، لأَنَّهَا تفتقد الحجَّة العادلة عَلَى الباغي، وَلأَنَّ أغلب حروب أهل عمان بغي لبعضهم عَلَى بَعض (1). إِنَّ هَذَا لَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى المكانة العظيمة، والتقدير الكبير الذي يكنُّه الجميع للشيخ السالميِّ، إذ أذعنوا دون إصرار عَلَى الانتقام.
ومن نتائج إصلاح ذات البين: أن فُتحت الطرق بعد أن كانت مسدودة، وقامت السوق بين المتعادين السابقين بعد أن كانت عاطلة، وتبادل الناس مصالحهم ومنافعهم (2).
والمهمُّ في كُلِّ ذَلِكَ هو التساؤل الآتي: مَن الذي حوَّل الشعب العمانيَّ من شعب متقاتل فيما بينه، مطأطئ رأسه للظلم، متخاذل أمام الاستدمار، إِلىَ أُمَّة متَّحدة الهدف، رافعة رأسها أمام الظلم، مشهرة سلاحها في وجه المستدمر؟ إِنَّهُ في المقام الأَوَّل بعد توفيق الله: عمل السالميِّ الدؤوب، بِقُوَّة إيمانه، وَشِدَّة عزيمته، وصبره وثباته، فهو ملهب المشاعر، ومؤجِّج العِزَّة وَالقُوَّة الإيمانيَّة في النفوس.
إِنَّ السالميَّ وأنصاره (من الإمام الخروصي والعلماء، إلى عَامَّة الشعب) استطاعوا أن يحوِّلوا الإمامة من الشعار إِلىَ واقع ملموس، ويحقِّقوا مكاسب عَلَى أرض الواقع، والمحافظة عَلَيْهَا (3).
يحقُّ لنا بعد هَذَا العرض التاريخيِّ أن نتساءل عن أسباب نجاح إمامة السالميِّ، بعد أن فشلت التجارب السابقة: إمامة عزَّان بن قيس (1285 - 1287هـ/1868 - 1871م)، وثورات الشيخ صالح الحارثيِّ لاستعادة الإمامة،
__________
(1) ينظر: المصدر نفسه، ص255.
(2) ينظر: المصدر نفسه، ص255.
(3) ينظر: العزري: فكر السالمي، ص220. (1/376)
صفحة 377
هل استفاد السالميُّ من تجاربهما؟ وهل أخذ العبرة من أخطائهما وتجنَّبها؟ هَذَا ما سنحاول الإجابة عنه، بتحليل المعطيات التَّارِيخِيَّة الآنفة الذكر، لنستخلص منها العبر والنتائج.
هـ - تحليلات واستنتاجات:
إِنَّ للنجاح وللفشل أسبابا سيكولوجيَّة، وأسبابا فَنِّيَّة، ومن الواضح أَنَّ الجانب الفنِّيَّ، أي التنظيم والتخطيط، وتوجيه العمل المشترك هو عمود القَضِيَّة (1)، فللثورتين ”العزَّانيَّة“ و”الحارثيَّة“ أسباب فَنِّيَّة عجَّلت بفشلهما، فلننظر في بَعض تلك الأسباب.
1 - استفادة السالمي من إمامة عزَّان:
لا شَكَّ أَنَّ السالميَّ قد درس بعمق أسباب (2) سقوط إمامة عزَّان، الأمر الذي مكَّنه من تجنُّب الوقوع في أغلبها مَرَّة أخرى، فكان عمله عَلَى النحو الآتي:
1 - بدأ السالميُّ حملته الدعائيَّة ـ بصورة دبلوماسيَّة ـ بالشيخ حِمْيَر بن ناصر النبهانيِّ، من رؤساء الغافريَّة التي لم يكن لها دور في إمامة عزَّان، وقد ضمنها السالميُّ إِلىَ جانبه منذ أن كان صبيًّا، حين انحازت أسرته إِلىَ الغافريَّة، إضافة إِلىَ اختيار
__________
(1) ينظر: مالك بن نبي: في مهبِّ المعركة، ص128.
(2) ينظر: العزري: فكر السالمي، ص27 - 34.
يرى العزريُّ أَنَّ من أسباب الفشل: اعتمادها الحكم «الثيوقراطي»، وفق مفاهيم القرن السابع الميلادي بينما هم في القرن الثامن عشر (ينظر: فكر السالمي، ص34). وَلَكِن ليس المشكل في طبيعة الحكم الذي يرفضه العزريُّ، وَإِنَّمَا في عدم قدرة أفراده عَلَى الاجتهاد والتأقلم مع الظروف. ويعتمد العزريُّ عَلَى المستشرق «لاندن»، ويرى أَنَّ من أسباب الفشل الاقتصاديِّ: سنُّ الإمام لقوانين «تحدُّ من حُرِّيَّة الأفراد، كتحريم اللهو والخمر والمخدِّرات والموسيقى والطبول (والمقاهي) ... ». (ينظر: لاندن: عمان، 362. العزري: فكر السالمي، ص29). وَلَكِنَّ هَذَا الطرح بعيد عن الموضوعيَّة التَّارِيخِيَّة والسِّيَاسِيَّة ـ فضلا عن الناحية الشَّرعِيَّة ـ لأَنَّ سنَّ القوانين التي تحرِّم الخمر والملاهي أمرٌ تسانده الأغلبيَّة الساحقة من الشعب العمانيِّ، باعتباره مسلما بالدرجة الأولى، فكيف يعقل أن يكون القانون الذي تسانده الأغلبيَّة سببا لإسقاط الحكم؟. (1/377)
صفحة 378
بلدة تنوف وسط القبيلة الغافريَّة، بعد إقناع رئيسها الشيخ حِمْيَر. وَأَمَّا القبائل الهناويَّة فهي ممثَّلة في أولاد هلال بن زاهر الهنائيِّ، ولم يبق عَلَى السالميِّ إِلاَّ أن يقنع الأمير عيسى الحارثيَّ وَهُوَ من أكبر رؤساء الهناويَّة حَتَّى ينضمَّ إِلىَ الإمامة، فتمَّ له ذَلِكَ بعد نحو شهر من إعلان الإمامة. وبهذا ضمن السالميُّ والإمام الخروصيُّ أهمَّ أسباب نجاح الدولة، وَهُوَ الوحدة، الأمر الذي كان غائبا في إمامة عزَّان (1)، إذ لم يتمكَّن من توحيد قبائل عمان بشطريها الهناويِّ والغافريِّ، واكتفى بتأييد الهناويِّين.
2 - لم يدخل السالميُّ في أيِّ صراع مذهبيٍّ، بل قد دعا إِلىَ إصلاح ذات البين، بخلاف مواجهة الإمامة السابقة للنفوذ الوهابيِّ والسنِّيِّ في توام (البريمي حاليا) وجعلان (2).
3 - لم يشأ السالمي أن يصادر منذ أَوَّل يوم الأموال التي جُمعت بطريقة غير شَرعِيَّة في عهد دولة الجور، أو التي استُغرقت في رَدِّ المظالم، وقد اشترط الشيخ الحميريُّ عَلَى السالميِّ شروطا قبل عقد البيعة، منها أن لا يتعرَّض الإمام المنتخب إِلىَ بيت المال وإِلىَ المعاقل التي بيده، فقبل السالميُّ الشروط مقابل ما تعهَّد به الحميريُّ من تجهيز ألف مقاتل إذا دعت إِلَيْهِ حاجة الإمام (3). فالسالميُّ هنا تفادى الدخول في صراع من أجل المال، وراعى مصلحة الإمامة المنتظرة، ولم يتصلَّب في رأيه بمصادرة ما جُمع من المال في عهد الجورة، وَإِنَّمَا استغلَّ ذَلِكَ المال بطريقة حكيمة لطيفة لعزِّ الدولة، وهي في الواقع مصادرة ”مقنَّعة“، وَلَكِنَّهَا تحافظ عَلَى ماء الوجه. وهَذَا خلاف ما قام به الإمام عزَّان، إذ عمد فور
__________
(1) ينظر: السالمي: تحفة، ط. 1347هـ، 2/ 242. لاندن: عمان، ص361 - 362. غباش: عُمان، ص277 - 278. العزري: فكر السالمي، ص183 - 184.
(2) ينظر: لاندن: عمان، ص360 - 361.
وعن منطقة جعلان ينظر: خريطة عُمان في الملحق.
(3) ينظر: العزري: فكر السالمي، ص187. (1/378)
صفحة 379
اعتلائه سدَّة الحكم إِلىَ مصادرة أملاك الأسرة الحاكمة (1)، مِمَّا ولَّد ردَّة فعل سريعة وعنيفة، فقام تركي بن سعيد بتجميع القبائل الغافريَّة المناوئة فأطيح بالإمامة سريعا.
4 - لم يتمكن السالميُّ من التأقلم مع الاقتصاد الدوليِّ، وَهُوَ ـ في نظر الباحث ـ نتيجة للحصار المفروض عَلَى هَذِهِ الدولة الفتيَّة، خَاصَّةً وَأَنَّ مقاليد الاقتصاد العمانيِّ في يد الإنجليز والسلطان، وَهَذَا ما وقعت فيه إمامة عزَّان كَذَلِكَ (2)، إذ شدَّد السلطان الحصار عَلَى مناطق الإمامة، فغلت الأسعار، واستجلب الناس أقواتهم بالحيلة، إِلاَّ أَنَّهُ لم يكن لهذا الأسلوب أثر كبير عَلَى إمامة السالميِّ (3).
5 - أقنع السالميُّ القبائل بحِرمة قبول أيِّ مساعدة من الإنجليز أو السلطان، بتركيز العقيدة الراسخة في القلوب، لعلمه أَنَّ بريطانيا تعتبر عمان ممرًّا إِلىَ دُرَّة التاج البريطاني: ”الهند“، وتريد أن يكون في عُمان حاكم ينصاع لأوامرها، ولا يهدِّد مصالحها، وكانت قد أغرت القبائل بالمال للإطاحة بإمامة عزَّان. والسالميُّ حَسِبَ لِهَذِهِ المكيدة حسابها، بحسِّه الدينيِّ.
6 - عرف السالميُّ غدر الإنجليز، فلم يطلب منهم أيَّ مساعدة، بخلاف الشيخ سعيد بن خلفان الخليليِّ الذي سلَّم نفسه ـ بعد مقتل الإمام عزَّان ـ للسلطات الإنجليزيَّة، والتي عقدت معه اتِّفَاقا، ولم تنفِّذ منه شَيْئًا، بل أكثر من ذَلِكَ: فقد
__________
(1) اعتبر المستشرق لاندن هَذِهِ المصادرة وسيلة قذرة. ينظر: لاندن: عمان، ص365. والواقع أَنَّ هَذِهِ المصادرة قد مَسَّت أموال بعض الحكَّام الجورة، إذ حكم عَلَيْهَا الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي بأن تؤُول إِلىَ بيت المال لأَنَّهَا مستغرقة في الجبايات والمظالم المجهولة أربابها. ينظر: السالمي: تحفة، ط. 1347هـ، 2/ 246 - 247.
(2) ينظر: لاندن: عمان، ص364. وقد اضطرَّ الإمام عزَّان إِلىَ الاقتراض من الشعب لتغطية عجز ميزانيَّة الدولة، ولم يتِمَّ هَذَا إِلاَّ بعد استشارة الفقهاء. ويذكر «لاندن» أَنَّ تلك الأموال قد اعتبرت «تبرُّعا من الجمهور، لا قرضا قابلا للسداد»، دون أن يشير إِلىَ مصدر هَذِهِ المعلومة التي تناقض النصوص التَّارِيخِيَّة، وتوحي باتِّهام الإمام بالتحايل لابتزاز أموال الشعب!.
(3) ينظر: أبو بشير: نهضة، ص214. (1/379)
صفحة 380
سلَّمته إِلىَ السلطان ليتمَّ قتله بطريقة مأساوية (1)، وأيُّ عهد أو خير يُنتظر ممَّن دأبه وهمُّه كما قال الله تعالى في أشباههم من قبلُ: {كَيْفَ وَإِنْ يَّظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُوا فِيكُمُ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَابَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ} (التوبة: 8).
7 - لم يستعمل السالميُّ وأنصاره التقنيَّات العسكريَّة الحديثة لمواجهة قوَّات السلطان والإنجليز، مِمَّا لم يمكِّنهم من الاستيلاء عَلَى مسقط، عاصمة السلطان، فالسالميُّ من هَذِهِ الناحية لم يستفد من التجربة السابقة، إذ بقيت عساكرهم محافظة عَلَى نمط القتال القديم، وَعَلَى المعدَّات الحربيَّة البسيطة (2).
8 - يرى أحد الباحثين أَنَّ وجود نظام الإمامة في مجتمع قليل السكان لم يمكِّنهم من تطوير نموذج مستديم للحكم (3)، وهذا ليس مقبولا منطقيًّا ولا تاريخيًّا، إذ المنطق يقتضي أن يكون التحكُّم والتنظيم في المجتمع الصغير أسهل من التحكُّم في المجتمع الكبير. والتاريخ يثبت أَنَّ الإمامة التي أنشأها السالميُّ قد صمدت واسْتَمَرَّت لعدَّة عقود، فلم تُسقط إِلاَّ في الستِّينيَّات من القرن العشرين، رغم كُلِّ المضايقات من الداخل والخارج.
2 - استفادة السالمي من فشل ثورات الحارثيِّ:
1 - ساند السالميُّ في بداية كفاحه السياسيِّ ضِدَّ السلطان الشيخَ صالح الحارثيَّ، وتبنى أسلوب المواجهة العسكريَّة، للتغيير من القمَّة، إِلاَّ أَنَّهَا لم تؤت ثمارها، فاستفاد السالميُّ أمورا أَسَاسِيَّة في أيِّ حركة تغييريَّة، وهي أَنَّ التغيير من القمَّة لا يفيد ما لم يرفقه إعداد قاعديٌّ يمسُّ الطبقة العريضة من الشعب، وَأَنَّ الإصلاح السياسيَّ لا يكون إِلاَّ بعد إصلاح جذريٍّ شامل، وإعداد كامل للرجال،
__________
(1) للاطلاع على المؤامرة وبنود الاِتِّفَاق ينظر: لاندن: عمان، ص376 - 377.
(2) ينظر: أبو بشير: نهضة، ص270. العزري: فكر السالمي، ص195.
(3) الخوري: إمامة الشهيد، ص282. (1/380)
صفحة 381
وإقناعهم ـ باعتقاد يقينيٍّ راسخ ـ بِأَنَّ ما يقومون به هو الجهاد الحقيقيُّ الذي أمر الله به، وإذا لم يتوفَّر هَذَا الاعتقاد فَإِنَّ عِدَّة قبائل وأمراء سيتراجعون عن النصرة بسبب الخوف، أو الإغراءات المَادِّيَّة؛ فاختار أسلوب التغيير التصاعديِّ، بنتائج أضمن، وبخسائر أقلَّ، وَلَكِن بنفَس أطول.
2 - عمل السالميُّ عَلَى حسم أيِّ خيانات محتملة، بتركيز الهدف الحقيقيِّ من الثورة في النفوس، فَإِنَّ ارتجاليَّةَ الثورات وافتقادَهَا ـ في الأساس ـ إلى الهدف الحقيقيِّ من ورائها، وتفضيلَ المصالح الآنية عَلَى الأهداف الحَقِيقِيَّة (الإمامة) كان من بين أسباب فشل الحارثيِّ (1)، فقد وصل ثواره ذات مَرَّة إِلىَ قصر السلطان، وكانوا عَلَى وشك الانتصار، وَلَكِنَّهُم انخذلوا بالإغراءات الماليَّة.
3 - كان السالميُّ القائد الروحيَّ، الذي تجتمع إليه النفوس، والعقلَ المدبِّر الذي يَتَّخِذُ القرار الصارم في الموقف الحاسم، وَبِخَاصَّةٍ حين يقترب الانتصار، إذ تَوَلَّى في الدولة مهامَّ الموحِّد والموجِّه والأبِ الروحيِّ ـ عَلَى غرار الشيخ سعيد بن خلفان الخليليِّ في إمامة عزَّان ـ حَتَّى لُقِّب بأبي النهضة العمانيَّة في القرن العشرين (2)، وكان غياب القائد ذي المواصفات المذكورة من بين أسباب فشل ثورات الحارثيِّ.
4 - إِنَّ محاولة السالميِّ تلافي مواطن النقص التي وقع فيها مع شيخه الحارثيِّ حين كانا يقومان بثورتهما، يعتبر بمثابة النقد الذاتيِّ، إذ لم يكتف بتسجيل الفشل، وَإِنَّمَا سعى في تفهُّم أسبابه، وَهَذَا الذي يجب عَلَى النخبة أن تتبنَّاه في مسارها (3).
ولم يكن تلافي أخطاء السابقين السببَ الوحيد في نجاح إمامة السالميِّ، بل كانت هناك أسباب أخرى نتعرَّض إِلَيْهَا فيما يأتي:
__________
(1) ينظر: العزري: فكر السالمي، ص166 - 168.
(2) ينظر: غباش: عُمان، ص276.
(3) ينظر: مالك بن نبي: في مهب المعركة، ص128. (1/381)
صفحة 382
3 - من أسباب نجاح إمامة السالميِّ:
إِنَّ نجاح قيام الإمامة، ثُمَّ ديمومتها لعدَّة عقود، (ابتدأت بالإمام الخروصيِّ سنة 1332هـ/1913م وانتهت بالإمام غالب بن علي الهنائيِّ 1378هـ/1959م) (1)، واتِّساع رقعتها مقارنة بإمامة عزَّان، مع تشابه الظروف الدوليَّة وَالدَّاخِلِيَّة، يرجع في نظر الباحث إِلىَ الأسباب الآتية:
1 - إعداد العدَّة للثورة وما بعد الثورة، فقد حشد لها ”مطاوعةً“ و”شراةً“ (2) يكوِّنون الجيش الجرَّار، والدرع الواقي في الحملات العسكريَّة، وَلِمَا بعد الثورة أعدَّ ”كوادر“ الدولة من ولاة وقضاة أكفاء، إذ جلُّهم من العلماء ومن تلامذة السالمي (3).
2 - قدرة الإمامة ـ بمساعي السالمي في المقام الأَوَّل ـ عَلَى تفادي الخلافات القبليَّة (4)، وتوحيد أغلب العمانيِّين عَلَى أساس مبدإ موحَّد، وهدف مشترك: بعث الإمامة، والإطاحة بالسلطنة (نشر العدل)، وإبعاد الإنجليز (الاستقلال).
3 - الشهرة الواسعة التي اكتسبها السالميُّ، بسبب تنوُّع الطلبة الذين جاءوا إليه من مختلف أقطار عمان، إذ «ضربت إِلَيْهِ أكباد الإبل، ووفد إِلَيْهِ الأخيار من جميع النواحي»، عَلَى حدِّ تعبير أبي بشير (5).
4 -
__________
(1) ينظر: لاندن: عمان، ص490. غباش: عمان، ص315.
(2) قال السالمي: «هو اسم لمن تسمَّى بالدين، وكفَّ عن المآثم». تحفة، ط. 1347هـ، 2/ 216.
وَأَمَّا الشراة فقد تَقَدَّمَ تعريفهم. ينظر: ص298 من البحث.
(3) يوحي كلام العزري بأنَّ قيادة العلماء للدولة يعتبر عامل ضعف، وبأَنَّ خطأ العلماء كان في محاولتهم محاكاة دولة الرَّسُول - صلى الله عليه وسلم - والخليفتين أبي بكر وعمر رَضِيَ اللهُ عنهُما (ينظر: فكر السالمي، ص215 - 216). ولكن ممَّا لا شكَّ فيه أنَّ العكس هو الصحيح، فإسناد الأمور إلى من يتأهَّل لها من العلماء يعتبر عامل قُوَّة. كما أنَّ تلك المحاكاة ليست خطأ، بل هي مطلوبة من حيث المبدأ (الانتخاب الشوري، والعدل)، وَإِنَّمَا الخطأ يكمن في الهيكلة والتسيير، وعدم الاستفادة من تنظيمات الدولة المعاصرة.
(4) ما أبعد قول العزري عن الحقائق التَّارِيخِيَّة حين قال عن الإمامة إِنَّهَا «غرقت منذ يومها الأَوَّل في وَحَل الواقع القبلي والديني». ووصْفُ التمسُّك بالدين بِأَنَّهُ غرق في الوحل، أمر لا يحتاج إِلىَ تعليق!!!. ينظر: العزري: فكر السالمي، ص217.
(5) نهضة، ص 119. (1/382)
صفحة 383
الثقة المتبادلة بين القائد (الأستاذ السالمي) وأركان الدولة (تلاميذه)، وَهُوَ أعزُّ ما يحتاج إليه القائد، خَاصَّةً في العمليَّات السرِّيَّة، وفي المواقف الحرجة، وأكثر من ذَلِكَ في الظروف الحاسمة التي يشرف فيها الثوار عَلَى النصر، بل وَحَتَّى بعد الانتصار.
5 - السرِّيَّة التَّامَّة التي توخَّاها السالميُّ ـ ولو من بَعض أصدقائه القدماء الذين لَمَّا يقتنعوا بالفكرة، كالأمير عيسى الحارثي ـ في حشد رؤساء القبائل وأمرائها ومن يَظُنُّ فيه الموافقة عَلَى مطلب تنصيب الإمام.
6 - اختيار السالميِّ لموضع اللقاء السرِّيِّ بعناية، فبلدة ”تنوف“ قرية صغيرة بين جبال شامخة، وهي في وسط قبيلة الغافريَّة، وليست بعيدة عن مواطن القبيلة الهناويَّة، وهي أَيضًا تطلُّ عَلَى نزوى، العاصمة القديمة للإمامات السابقة، مِمَّا يسهل عَمَلِيَّة افتكاكها من يد عامل السلطان (1).
7 - استغلال السالميِّ للجوِّ ”الروحانيِّ“ للبيعة، والحماس الفيَّاض المرافق لها، لأخذ العهود والمواثيق من شيوخ القبائل ومن العلماء عَلَى النصرة وعدم الخيانة، ولم يترك الفرصة تنفلت من يديه بتفرُّق الجموع دون أخذ تلك العهود، إذ بالتفرُّق تنخمد الهمم، وقد يتراجع من يتراجع.
8 - العامل الزمنيُّ: فَإِنَّ الفترة التي قضاها السالميُّ في تكوين تلاميذه منذ أن شرع في التعليم وعمره لا يتجاوز السادسة عشرة (أي حوالي سنة 1300هـ/ 1883م) (2) منذ ثلاثين عاما قبل قيام الإمامة، فترة كافية لإعداد الجيل الذي يثق فيه، ويطعِّمهم بالروح العقديَّة والسِّيَاسِيَّة. ويبدو أَنَّ هَذِهِ الروح تأجَّجت أكثر في نفوس الأستاذ وطلبته بعد فقدان الرجل المثاليِّ في نظر السالميِّ، أو الإمام المنتظر، وَهُوَ الشيخ صالح بن علي الحارثي سنة 1314هـ/1896م،
__________
(1) ينظر: العزري: فكر السالمي، ص183.
(2) ينظر: غباش: عُمان، ص276. لَعَلَّ الأصوب بعد سنة 1300هـ بقليل، إذ إِنَّ السالمي في تلك السنة لا زال قريب العهد بطلب العلم في الرستاق. (1/383)
صفحة 384
لعلمه وشجاعته وجرأته في الحقِّ، وفي العمل العسكريِّ والسياسيِّ، فكُبتت تلك الروح لِمُدَّة سبعة عشر عاما، لتنفجر بعد ذَلِكَ عند إعلان الإمامة.
9 - الوعي الكامل بأغلب الظروف: فشيخُنا قد أخذها بعين الاعتبار، وحسب لها حسابها: القبائل وخصوماتها القديمة، وَكَيفِيَّة استمالتها؛ والسلطان وأنصاره ومعارضوه ظاهرا وباطنا، تحرُّكات عيون السلطان ومراقبتها لِئَلاَّ ينكشف أمره ...
10 - استغلال الاحتقان السياسيِّ، والحصار الاقتصاديِّ الذي كانت تعاني منه بعض القبائل، فاستمال من كان تحت ضغط السلطان.
11 - الاستفادة من الشعور العَرَبيِّ بعزَّة النفس لدى الشعب العمانيِّ، وطموحه نحو الاستقلال والحُرِّيَّة، واعتزازه بالمواقف البطوليَّة الشجاعة، فوجَّهه الوجهة الحسنة، نحو العدوِّ الحقيقيِّ، بدل استنزاف هَذِهِ القوى في الصراع القبليِّ الداخليِّ.
12 - استغلال السالميِّ لطبيعة المجتمع العمانيِّ المنغلق، لتمرير الأفكار السليمة، التي تنهض بالمجتمع، في حين كانت التيارات الفِكرِيَّة عَلَى أشدِّها عند ظهور المصلحين الآخرين في أنحاء أخرى من العالم الإِسلاَميِّ كمصر، والتي ألجأتهم إِلىَ التصدِّي لها، وتصحيحها، مِمَّا سبَّب لهم عنتا كبيرا.
13 - الهوَّة السحيقة بين سكَّان الساحل (الذي كان أكثر انفتاحا على مظاهر الحضارة)، وبين سكَّان الداخل (الذي كان يعيش في فقر مدقع)، كانت السبب ـ في نظر البَعض (1) ـ وراء الاستقطاب الدينيِّ العارم لمعارضة السلطان، وهَذَا الرأي نموذج من التفسير الغربيِّ المادِّيِّ لأسباب قيام الإمامة، ونحن لا ننكر أن يكون الفقر أحد الأسباب الثانويَّة ـ كما لا يخفى من بَعض الأحداث التَّارِيخِيَّة، القديمة والحديثة والمعاصرة، وقد أشرنا إِلَيْهِ في البند العاشر ـ وَلَكِنَّهُ ليس السبب الرئيس، وَإِنَّمَا السبب الأَوَّل في نظرنا، وفي نظر
__________
(1) ينظر: الخوري: إمامة الشهيد، ص148. (1/384)
صفحة 385
كُلِّ من يَتَحَدَّثُ بإنصاف عن الإمامة، إِنَّمَا هو دينيٌّ بالدرجة الأولى، وَهُوَ الحنين الذي يربط العمانيَّ الإباضيَّ المسلم بدينه وبتاريخه المجيد العريق. ومن العجيب أنَّ المسلم إذا حاول إقامة الدولة الإِسلاَمِيَّة وفق مبادئ القُرْآن وَالسُّنَّة، فَإِنَّ الدول الغَربِيَّة تثور ثائرتها، وتقطع عنها كُلَّ الموارد المالية، وكُلَّ العلاقات الاقتصاديَّة، حَتَّى تُضعف من قواها، فإذا تضرَّر الشعب من جرَّاء الحصار الاقتصاديِّ قالوا: انظروا إِلىَ ما فعل تطبيق الدين الإِسلاَمِيِّ بتلك الشعوب المسكينة! إِنَّهُ السبب في كُلِّ الأزمات!! ...
4 - ملاحظات عَامَّة:
يرشدنا الله تَعَالىَ في قوله: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الاَلْبَابِ} (يوسف: 111) إِلىَ أَنَّهُ لا ينبغي أن نسرد الوقائع دون محاولة استجلاء العبر، لذا فسنحاول اتِّبَاع الإرشاد القرآنيِّ، بالتأمُّل في أحداث البيعة ـ وما سبقها أو رافقها أو لحقها ـ لنخرج بِعِدَّةِ ملاحظات وعبر ومقارنات نلخِّصها فيما يأتي:
1. حاول السالمي اتِّبَاع نفس الطريقة المتعارف عَلَيْهَا في التراث السياسيِّ الإِبَاضِيِّ، ابتداء بالتخطيط المحكم، والسرِّيَّة التَّامَّة، وعقد مجلس شوريٍّ يضمُّ جملة من العلماء وذوي الرأي الحصيف، إِلىَ عقد البيعة، والالتزام حَتَّى بنصِّ البيعة حرفيًّا، واشتراط اتِّبَاع شرع الله ورسوله، وما يتبع ذَلِكَ من توالي المبايعة عَلَى يد العلماء والأعيان، فالعامة، ثُمَّ خطبة البيعة ... كما وردت في مصادر التاريخ والفقه (1) عند تولية الإمام. وكان نصُّ البيعة وخُطَبُهَا دستورا متكاملا تقيِّد به الأُمَّة وليَّ أمرها، ولم تَشُبْهُ أيُّ شائبة من الاستبداد، مع محاولة الالتزام الصارم والصادق بمضمونه، بينما قد أفرغته الدول الأخرى (كالأمويَّة وَالعَبَّاسِيَّة) من مضمونه، إذ بقي حبرا عَلَى ورق (2).
2.
__________
(1) ينظر: جهلان: الفكر السياسي، ص187 - 192. واعلي: الإمامة، ص132 - 133.
(2) ينظر: واعلي: الإمامة، ص211. (1/385)
صفحة 386
إِنَّ رفض الخروصيِّ تسلُّم مقاليد الحكم (الإمامة) يدحض ما ذكره بعض الكتَّاب من أَنَّ الصراع في عمان كان من أجل الإمامة (1)، فَهَذَا الطرح لا أساس له من الواقع، وتفنِّده الشواهد التَّارِيخِيَّة. نعم، عاشت عمان صراعات دامية مريرة وطويلة، وَلَكِنَّ أغلبها كان بين القبائل، أو بين الإمامة والسلطنة، ولم يكن بين الأَئِمَّة (سوى مَرَّة واحدة في عهد الصلت بن مالك). ونلاحظ هنا تأثُّر الكاتب بالتفسير الغربيِّ، إذ أحال عَلَى ولكنسن. وخلْطُه الواضح بين السلطنة والإمامة، يَدُلُّ عَلَى عدم فهم طبيعة الحكم، والأسس التي يقوم عَلَيْهَا كلٌّ منهما (الأوَّل يقوم عَلَى التوارث، والثاني عَلَى الشورى). ومن خلال هَذَا نفهم الردَّ الذي كتبه الشيخ أبو إسحاق وأبو بشير عَلَى هَؤُلاَءِ المستشرقين والمستغربين (2).
3. إنَّ رفض الخروصيِّ للإمامة كذلك لا يعدُّ خروجا عن التقاليد الإِبَاضِيَّة أبدا، كما يزعم العزري (3)، فَهَذَا الطرح يَدُلُّ عَلَى جهل ـ أو تجاهل ـ لتاريخ علماء الإِبَاضِيَّة، فهم يتهرَّبون من تحمُّل أعباء المسؤوليَّات الكبيرة، فليسوا من عشَّاق الكراسي حَتَّى يبدو الرفض غريبا، ولنا في التاريخ شواهد كثيرة عَلَى ذَلِكَ (4).
4. حكم السالميِّ بقتل المتهرِّب من قبول الإمامة بعد وقوع الإجماع عَلَيْهِ، لم يكن متفرِّدا به، بل قد سَبقه في هَذَا الحكم الخليفة عمر بن الخطاب، وأبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة، حين أشارا بقتل من وقع عَلَيْهِ الإجماع لتولِّي الإمامة (5)، إذ بامتناعه تتعطَّل الحدود، وتتفرَّق الكلمة، وَلأَنَّهُ شبيه بالطاعن في الدين،
__________
(1) ينظر: الخوري: إمامة الشهيد، ص143 - 144.
(2) ينظر: تنبيهات أبي إسحاق في تحفة الأعيان، ط. 1347هـ، 2/جـ-هـ. نهضة الأعيان، ص164 - 165.
(3) ينظر: العزري: فكر السالمي، ص186.
(4) وكمثال عَلَى ذَلِكَ إمام المذهب جابر بن زيد رفض تولِّي القضاء في الدولة الأُمَوِيَّة. وأبو الخطاب الذي رفض الإمامة إِلاَّ بعد أن فُرضت عَلَيْهِ، وكذا الشيخ حمُّو بن باحمد بابا وموسى الذي نصِّب قاضيا وَهُوَ يبكي ... ينظر: جهلان: الفكر السياسي، ص192. جمعِيَّة التُّرَاث: معجم أعلام الإِبَاضِيَّة، ترجمة أبي الخطاب، رقم534، 2/ 242 - 243؛ ترجمة باباوموسى، رقم 270، 2/ 124 - 125.
(5) ينظر: جهلان: الفكر السياسي، ص192. جمعِيَّة التُّرَاث: معجم أعلام الإِبَاضِيَّة، 2/ 242، ترجمة رقم 534. (1/386)
صفحة 387
أو المرتد، بجامع التخلِّي عن الدين وإنكار الإمامة (1). وَهَذَا الحكم مِمَّا تميَّز به الإِبَاضِيَّة عن أهل السنَّة (2).
5. إِنَّ عدم خوف الخروصي من القتل، وكون القتل أهون عَلَيْهِ من البراءة، يَدُلُّ عَلَى الأَهَمِّيَّة العظمى لمبدإ الولاية والبراءة في عقيدة الإِبَاضِيَّة، بينما أفرغ كثير من المسلمين محتواهما عَلَى مَرِّ العصور.
6. إِنَّ في تقديم السالميِّ للخروصيِّ وَهُوَ شابٌّ لم يتجاوز الثلاثين أكثر من معنى، فهو يَدُلُّ عَلَى اهتمامه بالشباب، وحبِّه للتجديد، وحرصه عَلَى أن يستغلَّ حماس الشباب ويوجِّهه الوجهة الحسنة فيما يخدم الأُمَّة.
7. تمكُّن الإماميِّين من توسيع نفوذهم حَتَّى وصلوا إِلىَ مشارف مسقط، وفي وقت قصير، والانتصارات التي أحرزوها أمام قوَّات السلطان والإنجليز، بلا سلاح متطوِّر، يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الثورة كانت محكمة التخطيط، وَأَنَّهَا سارت نحو هدف مرسوم، وَأَنَّ انتصاراتها زادتها يقينا وثباتا.
8. كان الغرض الأساسيُّ من قيام الإمامة: نشر العدل، وإجراء الأحكام الشَّرعِيَّة، بخلاف ما ذهبت إِلَيْهِ المصادر الأوروبيَّة حيث سعت في التنقيص من هَذِهِ الدولة، وذكرت أَنَّ من أسباب قيامها إصرار بريطانيا عَلَى تجريد السكَّان من السلاح (3) عندما شبَّت الحرب العَالَمِيَّة الأولى، بينما الإمامة قامت قبل الحرب بنحو سنة ونصف.
9. إذا كان الله تَعَالىَ لم يقدِّر للإمام جمال الدين الأفغانيِّ أن يجني ثمار جهاده العظيم في حياته، وكان كما يقول في إحدى حِكَمِهِ بِكُلِّ تحسُّر: «الأديب في الشرق يموت حَيًّا، ويحيا مَيِّتًا» (4)، فَإِنَّهُ - عز وجل - قد كتب للسالميِّ أن يحصد
__________
(1) ينظر: القطب اطفيَّش: كشف الكرب، 1/ 143. نهضة، ص163.
(2) ينظر: واعلي: الإمامة، ص134.
(3) ينظر: تنبيهات اطفيَّش أبي إسحاق إبراهيم في تحفة الأعيان، ط. 1347هـ، 2/جـ.
(4) أحمد أمين: زعماء، ص153. (1/387)
صفحة 388
ثماره يانعة نضرة، فغدت الإمامة واقعا ملموسا، وشعر بِأَنَّهُ قد أَدَّى ما عَلَيْهِ من واجب بعد الكفاح المرير، وقال وَهُوَ يتنفس الصعداء: «خشيت معاجلة الموت قبل اجتماع العمانيِّين عَلَى إمام يجمع الشمل، ويقيم العدل، فَلَمَّا تَمَّ ذَلِكَ خشيت الموت قبل أن يكون لهم مأوى يرجعون إِلَيْهِ، ومركز يأوون فيه، ثُمَّ خشيت أن أموت قبل أن أشاهد الإمام يُصَلِّي الجمعة بالمسلمين، ثُمَّ خشيت أن أموت قبل أن أرى الإمام يقيم حدًّا من الحدود الواجبة، أَمَّا الآن فقد كان ذَلِكَ كلُّه، فالحمد لله عَلَى تمام النعمة، ثُمَّ كان يردِّد قول الشاعر:
”طبت ياموت فإن شئت فَزُرْ “» (1).
وَهَذِهِ المقولة من السالميِّ تلخِّص الأهداف التي رسمها، وسبَّل حياته لأجلها، وهي: جمع الشمل، وإقامة العدل، وتكوين قُوَّة دفاعيَّة، وإقامة صلاة الجمعة، وتطبيق الحدود، وقد مكَّنه الله من بلوغها كُلِّهَا، رغم قصر المدَّة التي عاشها، وفقدانه للبصر.
بعد هَذَا التحليل للعمل الإصلاحيِّ عند السالميِّ نتساءل عن علاقته بعلماء الإصلاح في عصره، في أوائل القرن الرابع عشر الهجريِّ/العشرين الميلاديِّ؟
خامسا- علاقة السالمي بعلماء الإصلاح في سائر الدول الإِسلاَمِيَّة:
هل كانت له اتِّصَالات بزعماء الإصلاح في العالم الإِسلاَمِي، أمثال الشيخ جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده، والشيخ امحمَّد بن يوسف اطفيَّش؟
يرى الدكتور أحمد درويش (2) احتمال وجود اتِّصَالات للسالميِّ بأولئك الزعماء، لعدَّة مبرِّرات، منها: المعاصرة، والاهتمام المشترك، والأهداف الموحَّدة،
__________
(1) نهضة الأعيان، ص133 - 134. وينظر: مُقَدِّمَة البطاشي للمشارق، ص} ح}. الحارثي: اللؤلؤ، ص20. أطروحة الهاشمي، ص79 - 80.
(2) ينظر: درويش: جهود السالمي في خدمة الأدب، قراءات، ص115 - 117. (1/388)
صفحة 389
وتشابه الظروف التي كان يَمُرُّ بها المسلمون، ونظرًا لإشارة أبي بشير إلى أَنَّ للسالميِّ مراسلات واتِّصالات وأبحاثا حسنة مع علماء المغرب الإِسلاَمِي، وَبَعض علماء مصر (1). وَلَكِن إذا عدنا إِلىَ المصادر وجدنا أبا بشير (2) يذكر مِمَّن راسلهم الشيخ السالمي: القطب اطفيَّش من ميزاب بالجزائر، سليمان باشا الباروني من ليبيا، قاسم بن سعيد الشَّمَّاخِي (3) ومصطفى بن إسماعيل الفرضي (4) من مصر، وَهَؤُلاَءِ كلُّهم من الإِبَاضِيَّة. ولم نعثر في ما بين أيدينا من المصادر عَلَى وجود اتِّصَالات مع أمثال: جمال الدين الأفغاني، ومحمَّد عبده، ومحمَّد رشيد رضا، من علماء غير الإِبَاضِيَّة، وَلَكِن لا نستطيع أن ننفيها، ويبقى احتمال وجودها قائما، للمبرِّرات المذكورة.
ونشير إِلىَ أَنَّ المصادر التي بين أيدينا لم تحتفظ بنماذج من مراسلات السالميِّ، اللَّهُمَّ إِلاَّ ما كان بينه وبين الباروني والقطب اطفيَّش؛ وقد تعدَّدت الرسائل بين هَذَا الأخير وبين شيخنا، رغم صعوبة الاتِّصَال، وبعد المسافة (5). وفي كلام الشيخ اطفيَّش ما ينبئ عن المكانة التي يكنُّها للسالميِّ، إذ وصفه بـ «الشيخ العالم العفيف
__________
(1) ينظر: نهضة، ص122.
(2) ينظر: ترجمة السالمي (مخ)، ص12 - 13. نهضة، ص122، 448. حمدون السالمي: السالمي مُؤَرِّخًا، قراءات، ص147.
(3) قاسم بن سعيد بن قاسم بن سليمان الشَّمَّاخِي (ت: 1334هـ/ 1916م) من جبل نفوسة بليبيا. نزل مصر، وساند الإمام محمَّد عبده في حركته الفِكرِيَّة. وأنشأ مجلَّة «النبراس». وله عدَّة مؤلَّفات منها: «الحكمة في شرح رأس الحكمة»، «القول المتين في الردِّ على المخالفين» ... ونُصب قنصلاً عامًّا لدولة تونس بمصر قبل الاستدمار الفرنسي. ينظر: جمعِيَّة التُّرَاث: معجم أعلام الإِبَاضِيَّة، 2/ 345، ترجمة رقم 746.
(4) مصطفى بن إسماعيل المصري (ق: 14هـ/ 20م) تحوَّل إلى المذهب الإباضيِّ على يد الشيخ قاسم بن سعيد الشَّمَّاخِي. نَشرَا معًا بَعض المجلاَّت الإِسلاَمِيَّة، وألَّفا كِتَابا بعنوان: «الهداية الإِسلاَمِيَّة». ينظر: جمعِيَّة التُّرَاث: معجم أعلام الإِبَاضِيَّة، 2/ 420، ترجمة رقم 895.
(5) نجد في بَعض الرسائل الشكوى من صعوبة الاتِّصَال، لبُعد المسافة، إذ يقول القطبُ للسالميِّ وعيسى الحارثي: «وَلَكِنَّ كتبي لا تصلكما، لا أدري ما اسم بلدكم، وإن دريت ما اسمه لم يصلكما لوسع عمان»، وقال في رسالة أخرى: «أظنُّ أَنَّ الجواب يضيع في الطريق، وقد عطَّل البعد كثيرا من الأشياء». اطفيَّش: كشف الكرب، 1/ 5 - 6. (1/389)
صفحة 390
صاحب الحبِّ الصادق» (1)، ويقول له: «وأَمَّا الجوابُ فلو وجدتُ سؤالَك كُلَّ يوم لأجبتك لتزداد علما إِلىَ علمك ... ولا أظنُّ أَنِّي يثقل عليَّ شَيْء في نفعك ... وقد عزمتُ عَلَى أَنَّهُ إن جاءني سؤالكم أعجل بجوابه ... ولكم الدعاء الصالح مِنِّي، وَلَعلَّهُ تظهر لك ثمرته ... واعلم أَنِّي أريد أن تخبرني بِكُلِّ ما تحبُّه فأسعى فيه جهدي، ولا أملُّ منه ... » (2). وكان موضوع المراسلات بين الشيخين والتي اطَّلَعنا عَلَيْهَا تحتوي عَلَى:
· إعجاب كلٍّ منهما بكتب الآخر، فكانا يتبادلان ما ينتجانه الأحدث فالأحدث، قال الشيخ اطفيَّش في رسالة مؤرَّخة في 9 رَمَضَان 1325هـ/16 أكتوبر 1907م: « ... اعلم أَنِّي قد نشرت تآليفك كلَّها، وأمرت بمطالعتها، والعمل بما فيها، ولا يشكل شَيْء إِلاَّ بيَّنته لهم، حَتَّى يفهموه بفضل الله، وينقادوا، ويدركوه عَلَى قصدك من الوجه الحقِّ ... وَإِنِّي مريد لنفعكم لو كان لي مال بمالي وبكتبي في كُلِّ فنٍّ» (3).
· أسئلة عقديَّة يطرحها الشيخان: السالميُّ وعيسى الحارثي يجيب عنها القطب (4).
· قضايا تَتَعَلَّقُ بمنهجيَّة التأليف (5).
· قضايا سِيَاسِيَّة يتساءل في بَعضها السالمي عن كَيفِيَّة التعامل مع السلطان وأنصاره (6).
· إفضاء كلٍّ منهما إِلىَ صاحبه بما يعانيه من ضائقة مالية، ومن معارضة اجتِمَاعِيَّة (7).
__________
(1) المصدر نفسه، 1/ 89.
(2) المصدر نفسه، 1/ 6.
(3) المصدر نفسه، 1/ 5 - 7، 45. وينظر: نهضة، ص122.
(4) ينظر: كشف الكرب، 1/ 49، 53 - 55.
(5) ينظر: المصدر نفسه، 1/ 6، 92 - 95.
(6) ينظر: المصدر نفسه، 2/ 379.
(7) ينظر: المصدر نفسه، 1/ 6. (1/390)
صفحة 391
كانت تلك الاتصالات بين السالمي وعلماء إباضيِّين، أَمَّا عن اتصالاته بعلماء آخرين فلم أجد فيما بين يديَّ من المصادر غير ما ذُكر عن الرحلة التي قام بها السالمي إِلىَ الحجِّ سنة 1323هـ/1906م، إذ كانت فرصة للقائه بعلماء الآفاق: أحدهم تركيٌّ، والثاني من بغداد، والآخر من تونس اسمه: إبراهيم بن سليمان التونسي، وثلاثة من الهند أحدهم اسمه: أبو عبد الله الزبير بن علي الأصغر (1)، وكان هَذَا الأخير السببَ في اجتماع السالميِّ بالعلماء المذكورين، وكان أكثرَهم مخالطة للشيخ، وأوفرهم علما وذكاء وأدبا وتواضعا أمام الحجَّة، أهدى له شيخنا نسخة من كِتَابه ”المشارق“. ويذكر أَنَّهُ وقعت بينه وبينهم مناقشات كلاميَّة، في عِدَّة مجالس، وأَنَّهُ شرح لهم أصول مذهبه، وجادلوه فأفحمهم، واعترفوا له بالتفوُّق، وصوَّبوا رأيه (2). والمسائل التي وقع فيها النقاش هي المسائل الخلافيَّة الكلاميَّة بين الإِبَاضِيَّة وأهل السنَّة، كالرؤية والخلود والشفاعة، وَهَذَا ما تكتفي المصادر بإيراده، إِلاَّ أَنَّ أحد الباحثين المعاصرين يضيف أَنَّ النقاش دار أَيضًا في قضايا تهمُّ العالم الإِسلاَمِي، وما يحيكه الغرب من دسائس ضِدَّ الإِسلاَمِ والمسلمين (3). وقد استفاد السالميُّ من تلك الرحلة بالحصول عَلَى مُؤَلَّفَات نادرة، وَكِتَابات معاصرة، وقد ظهرت آثارها في تآليفه بعد تلك الرحلة، كما سبق بيانه.
وقد لاحظنا أوجها للتشابه بين الشيخ نور الدين، وسائر معاصريه من المصلحين، مع بعض نقاط الاختلاف، نذكر منها ــ على سبيل التمثيل ــ ما يأتي:
1. عمل السالمي عَلَى إحياء اللغة العَرَبِيَّة، والآداب الإِسلاَمِيَّة، ونسج عَلَى منوال الأَئِمَّة السابقين، فأحيى نظام الإمامة، وهو نفس ما دعا إِلَيْهِ الأفغانيُّ إذ يقول: « ... لا جامعة لقوم لا لسان لهم، ولا لسان لقوم لا آداب لهم، ولا
__________
(1) لم أعثر عَلَى ترجمة إبراهيم التونسي، ولا الزبير الهندي فيما بين يدي من المصادر، ومنها الأعلام للزركلي.
(2) ينظر: السالمي: تحفة الأعيان، 2/ 329 - 330. السالمي: حاشية عَلَى الرد عَلَى العقبي، ص16، 17. أبو بشير: ترجمة السالمي (مخ)، ص12 - 13.
(3) مُقَدِّمَة عبد الرحمن السالمي لروض البيان، ص34. (1/391)
صفحة 392
عزَّ لقوم لا تاريخ لهم إذا لم يقم منهم من يحيي آثار رجال تاريخهم، فيعمل عملهم، وينسج عَلَى منوالهم» (1).
2. اعتبار السالميِّ الأدبَ وسيلةً للإصلاح، لا وسيلة للاستجداء من الحكَّام والأمراء، والتقاط الفتات من موائد الأغنياء، وهو ما عمل الأفغانيُّ كَذَلِكَ عَلَى تغييره (2).
3. اقتنع السالميُّ منذ البداية ــ من خلال تبنِّيه لمبادئ المذهب الإِبَاضِي ”الثوريَّة“ ضِدَّ الحاكم الجائر، وإيمانه بعقيدة الولاية والبراءة، وأخذه العبرة من دراسة التاريخ الذي أثبت له غدر الحكَّام ـ أَنَّ مساعفة الحكَّام الجورة لن يُؤَدِّي في النهاية إِلاَّ إِلىَ دَوْسِ كرامة المرء وإهانتها، فاتَّخَذَ لنفسه طريقا آخر، وَهُوَ ناجح، وَلَكِنَّهُ طويل الأمد وشاقٌّ، يستلزم من سالكه صبرا وطول نفَس، وَهُوَ طريق المعارضة من أَوَّل يوم، وتكوين النخبة، التي تكون الرأس المدبِّر، وإعداد الرأي العامِّ الذي يكون السند القويَّ. والسيِّد جمال الدين الأفغاني لم يقتنع بهذا إِلاَّ بعد أن تقلَّد عِدَّة وظائف في الدولة، ودقَّ أبواب عِدَّة أمراء وسلاطين، وتيقَّن في النهاية أَنَّ ذَلِكَ ليس بالسبيل الأنجح (3)، إذ انتهى به الأمر إِلىَ أن يتوفَّى في إقامته الجبريَّة، دون أن يراعى له أدنى حقٍّ، رغم مكانته العليا، وأثره الإصلاحيِّ الواسع في أقطار العالم الإِسلاَمِيِّ، ويده الطولى في العلم والاجتهاد والجهاد.
4. إِنَّ الدارس لحياة المصلحين يلاحظ أَنَّ كثيرا منهم تلقَّوا دعما سياسيًّا من قبل إحدى الجهات المعتبرة في الدولة، أو أَنَّهُم تقلَّدوا فيها مناصب عليا تمكَّنوا من خلالها إصلاح بَعض الأوضاع، وَأَمَّا السالميُّ فلم يكن من هَذَا الصنف ولا ذاك، وَإِنَّمَا ابتدأ إصلاحه من دون أيِّ دعم سياسيٍّ من الدولة،
__________
(1) أحمد أمين: زعماء الإصلاح، ص132.
(2) ينظر: ص259 من البحث.
(3) ينظر: أحمد أمين: زعماء، ص133. (1/392)
صفحة 393
سواء في الداخل أم الخارج، اللَّهُمَّ إِلاَّ ما تلقَّاه من تأييد رؤساء القبائل وأصحاب الجاه، لا السياسيِّين.
في ختام حديثنا عن علاقات السالميِّ نتساءل: لِمَ لَمْ يبرز الشيخ إسلاميًّا وعالَمِيًّا، كما برز علماء الإصلاح الآخرون في تلك الفترة؟
يبدو لنا في الإجابة عن هَذَا التساؤل عِدَّة مبرِّرات، تَتَعَلَّقُ بالشيخ نفسه، وبمحيطه الاجتماعيِّ والسياسيِّ والمذهبيِّ، وهي:
1. انشغاله بإصلاح الوضع الداخليِّ المتردِّي، دينيًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا ... ومحاولة تركيز جهوده في إطار محدَّد، واضح المعالم، سمح له بِأَن يجني ثمارها، وَرُبَّمَا لو شتَّتها في مختلف بقاع العالم الإِسلاَمِي لَمَا حصلت له تلك النتائج.
2. ظروف الاستدمار التي تَمُرُّ بها بلدان العالم الإِسلاَمِيِّ، والحصار المضروب عَلَى منطقة السالميِّ (منطقة الداخل من عُمان) من قِبل السلطان والإنجليز، ووجود بعض المناوئين للشيخ، كلُّها ظروف جعلت من الاتِّصَالات أمرا صعبا للغاية.
3. الاتصالات والأسفار، إِلىَ مختلف الأقطار، لبثِّ الأفكار، تحتاج إِلىَ إمكانيات مَادِّيَّة معتبرة، وَلَكِنَّ الضائقة المَادِّيَّة التي عاشتها منطقة الداخل، وأسرة السالميِّ بالخصوص، لم تسمح له بِذَلِكَ.
4. طبيعة الرجل العمانيِّ الذي يحاول التقليل من الاحتكاك بغيره، خوف سلب استقلاله، وتغيُّر طباعه (1)، والسالميُّ عمانيٌّ لاَ بُدَّ أن يتأثَّر بهَذِهِ الطبيعة.
5. عدم توليِّ الشيخ لأيِّ منصب سياسيٍّ أو إداريٍّ في دولة السلطان. وَأَمَّا دولة الإمام فَإِنَّ المدَّة التي بين إعلانها وبين وفاة الشيخ كانت قصيرة، بحيث
__________
(1) ينظر: نهضة، ص75. (1/393)
صفحة 394
لم تسمح له بالبروز، فما من شَكٍّ في أَنَّ قيام الإمامة سيكسبه شهرة دوليَّة، إذا كُتب له طول العمر، باعتباره الزعيم الروحيَّ، والمسيِّر الفعليَّ للحركة، يجب أن تقرأ له الدول الأجنبيَّة ألف حساب.
6. الخلاف المذهبي: «فالأسباب المذكورة من المفروض أن تجعله مجهولا عند إِبَاضِيَّة المغرب الإِسلاَمِيِّ أَيضًا، بينما هو ذائع الصيت مشهور لديهم، ومؤلَّفاته متداولة، فما نقل أخباره وسهَّل وصولها إِلاَّ اتِّحاد المشارب، وما أبعده عن الحجاز بجنبه ـ على سبيل المثال ـ إِلاَّ بُعد الشقَّة بين المسلمين، وَهَذَا من الأسباب الجوهريَّة، وهو من الحقائق المرَّة» (1).
a
__________
(1) تعليق للأستاذ الدكتور مصطفى بن الناصر وينتن على مسودة البحث. (1/394)
صفحة 395
الفصل الخامس:
مكانة الشيخ السالمي ووفاته
المبحث الأَوَّل: مناقب السالمي ومنزلته
أَوَّلاً - مناقبه
ثانيا - منزلته
المبحث الثاني: وفاة السالمي
أَوَّلاً - تاريخ وفاته
ثانيا - سبب وفاته
ثالثا - رثاؤه (1/395)
صفحة 396
صفحة 396 بيضاء (1/396)
صفحة 397
المبحث الأَوَّل
مناقب السالمي ومنزلته
لا يروق لأحد الكتَّاب المعاصرين سرد الخصال التي امتاز بها السالميُّ، ويسمِّيها خطابات تبجيليَّة، «تقع دائما أسيرة للأحكام المسبقة التي رسَّختها الترجمات التي أرَّخت لحياة السالميِّ» (1)، ونحن وإن كُنَّا نوافق عَلَى ضرورة توخِّي الموضوعيَّة، وتجنُّب الإطراءات الجوفاء، وَلَكِنَّ الحقيقة التَّارِيخِيَّة تبقى فوق كُلِّ اعتبار، وأيُّ كلام لم يُدعم بالأدلَّة والوثائق يعتبر لغوا لا قيمة له. لذا نحاول في هَذَا المبحث أن نعتمد عَلَى النصوص الأَسَاسِيَّة التي كُتبت في عهد السالميِّ، سواء من قِبل أنصاره أم معارضيه.
أَوَّلاً - مناقب السالمي:
تَتَّفِقُ المصادر والمراجع التي ترجمت للسالميِّ عَلَى ذكر عِدَّة خصال تميَّز بها، وبزَّ بها أقرانه (2)؛ فهل من شواهد ووثائق تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ؟.
إِنَّ فيما سبق ذكره ـ من تحليل لتآليف الشيخ، ولبعض أفكاره ومواقفه في الإصلاح والسياسة ـ ما يغنينا عن تكرارها هنا، لنستوحي جوانب من
__________
(1) العزري: فكر السالمي، ص59 - 61، 81 - 82.
(2) ينظر: الرواحي: ديوان، ص406 - 409، 458. أبو بشير: ترجمة السالمي (مخ)، ص10؛ نهضة، ص119. مُقَدِّمَة أبي إسحاق لجوهر النظام، 1/} جـ، ح}. الخصيبي: شقائق، 3/ 9. مُقَدِّمَة العبري للعقد الثمين، 1/ 7. مُقَدِّمَة التنوخي لشرح الجامع الصحيح، 1/} ط}. مُقَدِّمَة محَمَّد إسماعيل لمعارج الآمال، 1/ 3. مُقَدِّمَة البطاشي للمشارق، ص} ث}. مُقَدِّمَة عميرة للمشارق، ط. بيروت، 1/ 16. محاضرات المنتدى الأدبي: كلمة سالم الغيلاني، قراءات، ص11؛ كلمة سليمان السالمي، ص13 - 15؛ الخليلي: منهج السالمي في مُؤَلَّفَاته الفِقهِيَّة، ص30 - 31. المرموري: السالمي المجتهد، ص49 - 50، 56؛ سالم الكلباني: إطلالة عَلَى شعر نور الدين السالمي، ص136 - 137؛ حمدون السالمي: السالمي مُؤَرِّخًا، ص146. أطروحة الهاشمي، ص82 - 84. مُقَدِّمَة أبي غدَّة لجوابات الإمام السالمي، 1/ 6 - 7، 9. (1/397)
صفحة 398
شَخصِيَّته، ومنها: إيمانه العميق، وشِدَّة غيرته عَلَى الإسلام والمسلمين، وحرصه عَلَى الوحدة الإِسلاَمِيَّة، ووعيه الدينيُّ والسياسيُّ والاجتماعيُّ، وصلابته في قول الحقِّ، وردِّ المكائد والشبه، ووقوفُه في وجه الظلم والمنكر، ونبذُه لكُلِّ مظاهر النفاق، وحرصُه عَلَى تطبيق الشريعة في أرض الواقع، ودعوته إِلىَ الجهاد في سبيل الله، وسعيه لنشر العدل، وكرهه للجمود وضيق الأفق، وإحياؤه للسنن، وإماتته للبدع، وحبُّه للعلم والاجتهاد، وتطلُّعه للتجديد، واتِّباعه لِلْحَقِّ، ولا يهمُّه في كُلِّ ذَلِكَ أغضب الناس أم رضوا، وَإِنَّمَا هدفه إرضاء الله تَعَالىَ ...
ونضيف هنا بعض الصفات التي تناولتها النصوص الأَسَاسِيَّة حول الشيخ نور الدين السالميِّ، ونخصُّ منها:
1 - الصبر: إِنَّ شَخصِيَّة إصلاحيَّة مثل السالميِّ لاَ بُدَّ أن تلقى في طريقها عِدَّة متاعب وعقبات من قبل المجتمع، وَبِخَاصَّةٍ من ذوي العقول المقلدة للآباء، والمتشبِّثة بما أَلِفته من آراء، فواجهها السالمي بالصبر الجميل، واحتساب الأجر عند الله، إذ يقول في هَذَا الشأن:
« ... وقابلتُ المصائب باحتساب فخفَّف صبرُها ثقلَ الرزيَّه
مصائب بَعضها في إثر بعض فلولا الصبرُ لم تُبقِ عَلَيَّه
وَلَكِن صادَفَتْ مِنِّي مُحَيًّا تلوح به البشاشات البهيَّه
تجرَّعت المصائب مترعات وقلتُ بِأَنَّهَا الكأس الهنيَّه
وقابلتُ النوائب موتِرات وقلتُ: فَهَذِهِ الحال الرضيَّه
فحار بأمري الجهَّال حَتَّى رأوا أَنَّ المصائب ليس فِيَّه
وظنوا أَنَّ قلبي من جماد أُصيغَ فلم تغيِّره الرزيَّه ... » (1)
__________
(1) السالمي: الديوان، ص17. أطروحة الهاشمي، ص75. وينظر أَيضًا قصيدة أخرى بائية: السالمي: الديوان، ص9. أبو الوليد: عين المصالح، ص56. الخصيبي: شقائق، 3/ 19. (1/398)
صفحة 399
وهناك ملاحظة مثيرة للانتباه، وهي: أَنَّ السالمي رغم إصابته بفقدان البصر، فلم أجد فيما قرأت له من الشعر أو النثر شكوًى من مصيبته، كما هو شأن بَعض الشعراء، ولا شَكَّ أَنَّهُ محتسب أجر ذَلِكَ وثوابه عند الله (1)، والصبر يعتبر أعظم الخصال التي يجب أن يتحلَّى بها الداعية المصلح، فَاللهُ تَعَالىَ حين أمر النَّبِيء صلَّى الله عليه وسلَّم بالقيام للدعوة: {يَآ أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنذِرْ ... } ختم الآيات بالأمر بالصبر: {وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ} (المدَّثِّر: 1 - 7).
2 - التضرُّع إِلىَ الله: إِنَّ الدعاء ملاذ السالميِّ في كُلِّ مواقفه الدِّينِيَّة والسِّيَاسِيَّة، وَالاِجتِمَاعِيَّة، وفي كُلِّ أحواله السارَّة والضارَّة (2)، وكان يكثر من الدعاء عَلَى النصارى، بِأَن يَرُدَّهم الله عَلَى أعقابهم خاسرين، وفي شهر رَمَضَان بشكل خاصٍّ (3).
3 - التواضع: تميَّز السالميُّ بالتواضع، أمام العلماء وطلبة العلم عَلَى وجه الخصوص؛ وقد رأينا في تحليل تآليفه رغبته في اتِّبَاع العلماء السابقين، مبديا تواضعه أمامهم (4)، واعترافه بالقصور، وطلب الاستزادة من العلم حَتَّى من بعض المستفتين له (5)، ويبدي السالميُّ نكرانه للذات، ولا يرضى أن يُمدح ولو بما هو أهل له، ولا أن يُطرى بالمدح وبالألقاب العِلمِيَّة (6).
4 - الزهد والورع، والجود والكرم: عُرف السالميُّ أَيضًا بالزهد والورع، وعدم التعلُّق بشواغل الدنيا وزخرفها (7)، وبالجود والكرم، إذ قلَّ ما أكل طعاما
__________
(1) ينظر: سالم الكلباني: إطلالة عَلَى شعر نور الدين السالمي، قراءات، ص141.
(2) أبو بشير: نهضة، ص121. وينظر أمثلة لتلك الدعوات في أجوبته: العقد الثمين، 1/ 337. جوابات، 5/ 555.
(3) ينظر: أبو بشير: ترجمة السالمي (مخ)، ص10 - 11.
(4) ينظر: السالمي: جوابات، 3/ 251؛ 4/ 116؛ 5/ 344، 347، 372؛ روض البيان، ص46.
(5) ينظر: جوابات، 3/ 260، 263؛ 4/ 133؛ 5/ 326.
(6) ينظر: العقد الثمين، 1/ 233 - 234، 345 - 346؛ 2/ 483. جوابات، 4/ 247 - 248؛ 5/ 481 - 482؛ 6/ 109 - 111، 413 - 415. جوهر النظام، 4/ 638.
(7) أبو بشير: ترجمة السالمي، (مخ)، ص11؛ نهضة، ص120. (1/399)
صفحة 400
وحده لكثرة ضيوفه وملازميه، يقدِّم لهم ما أمكنه بلا تكلُّف (1). وقد سبق أن ذكرنا (2) اهتمامه بطلبته مَادِّيًّا رغم قِلَّة ذات يده.
ثانيا - منزلة السالمي:
إِنَّ البحث الموضوعيَّ يقتضي مِنَّا أن نتعرَّض إِلىَ القادح والمادح للشيخ، ونعرض ما بين أيدينا من نصوص لكلا الطرفين، ونوازن بين رأي هؤلاء وأولئك، حَتَّى نخرج بنتيجة أقرب إِلىَ الموضوعيَّة في تقويم منزلة السالمي.
أ - القادحون:
اشتكى السالميُّ من وجود بَعض الخصوم المناوئين له، المتَّهمين إِيَّاهُ بالغلظة وَشِدَّة الطبع، فقال:
«مالي والأنذال والغوغا يرمونني بالبغض والشحناء
من غير ذنب غير أَنِّي طالب للدين أن يعلو عَلَى الأهواء
يدعونني للعجز عن طلب العلا ودَعَوْتُهُم للمجد والعلياء
بالأمس كانوا خلَّتي فأغاظهم طلب الهدى فإذا هم خصمائي
الحقُّ باعَد بيننا فأحلَّني في عزَّة وأحلَّهم ببلاء
قالوا: شديد طبعه ذو غلظة فأجبتهم: لَكِن عَلَى السفهاء
ولقد خفضت جناح ذلٍّ للذي أضحى أخا تقوى وربَّ وفاء
أَمَّا العصاة فَإِنَّهُم ما شاهدوا مِنِّي سوى الإعراض والبغضاء
من ذاك شقَّ عَلَيْهِم ما عاينوا مِنِّي فملُّوا عيشي وبقائي ... » (3)
من خلال هَذَا النصِّ نعلم أَنَّ للسالميِّ معارضين، فهل هم من العَامَّة أم من الساسة أم من العلماء؟. أَمَّا معارضة العَامَّة فَهَذَا أمر طبيعيٌّ، إذ ما من مصلح منذ
__________
(1) ينظر: أبو بشير: ترجمة السالمي، (مخ)، ص11؛ نهضة، ص120. الحارثي: اللؤلؤ، ص157.
(2) ينظر: ص142 من البحث.
(3) السالمي: الديوان، ص30 - 31. (1/400)
صفحة 401
أن وُجد الإِنسَان عَلَى وجه الأَرض إِلاَّ وله معارضون من العوامِّ، وقصص الأنبياء والرسل الواردة في القرآن شاهدة عَلَى ذَلِكَ. وأَمَّا معارضة الساسة من حزب السلطان فهو أمر لا شَكَّ فيه؛ نظرا لدعوة السالميِّ الصريحة إِلىَ تغيير النظام، وسنحاول بسط هَذَا الأمر لاحقا. وَأَمَّا معارضة العلماء لشيخنا في تبنِّي منهج إصلاحيٍّ موازٍّ لمنهجه، فَهَذَا ما يحتاج إِلىَ تأمُّل.
1 - المعارضة الإصلاحيَّة (1):
تَقَدَّمَ لنا فيما سبق ذكر معارضة الشيخ ماجد بن خميس العبري لفتوى تلميذه السالميِّ القاضية بِضَمِّ الأموال الموقوفة لقراءة القرآن عَلَى القبور، والتي جُهل أربابها، إِلىَ بيت المال، وَهَذِهِ المعارضة كما نلاحظ لا تعدو أن تكون رأيا فقهيًّا، بعيدا عَمَّا يمكن تسميته بتيَّار إصلاحيٍّ ذي منهج خاصٍّ؛ وَإِنَّمَا يدخل في إطار المحيط المحافظ السائد في عُمان.
وَأَمَّا عن وجود تيَّار إصلاحيٍّ مناقض لتيَّار السالميِّ، فَهَذَا ما تشحُّ به علينا المصادر، إذ لم نعثر سوى عَلَى معارض من زنجبار (2)، لم يُذكر اسمه، وقد بَعث برسالة يناقش فيها بعض آراء الشيخ، وقد تَقَدَّمَ لنا مضمون رسالة ”بذل المجهود“ التي رَدَّ فيها السالميُّ عَلَى ذاك المعترض (3)، كما بَيَّنَا وناقشنا في مواقف السالميِّ السِّيَاسِيَّة والإصلاحيَّة ما يَتَعلَّقُ بتعليم اللغات الأجنبية، وبطريقة تربية الأبناء، وبسبب دخول النصارى لبلاد المسلمين (4).
ورأينا كيف كان السالميُّ يركِّز في رسالته عَلَى حرمة التشبُّه بالنصارى، وكان ردُّه عنيفا، وَلَكِن من المفروض أن لا يوجِّه مثل هَذَا النقد إِلىَ ذَلِكَ الزنجباريِّ، لأَنَّ
__________
(1) قيَّدنا المعارضة بالإصلاح احترازا من المعارضة التي تتشبَّث بالقديم ولا تبغي عنه بدلا، وتأبى أيَّ نوع من أنواع التغيير، وَهَذَا النوع من المعارضة لا يكاد يخلو منه مجتمع.
(2) هَذَا باعتبار أَنَّ زنجبار ـ اجتماعيًّا ونفسيًّا ـ جزء من عُمان آنذاك، إذ الفصل الرسميُّ بين عمان وزنجبار من قِبل الإنجليز لم يمنع التواصل الثقافيَّ والترابط الأسريَّ بين البلدين.
(3) ينظر: ص216 - 218 من البحث.
(4) ينظر: ص217، 265 - 266، 323 - 324 من البحث. (1/401)
صفحة 402
نيَّته لم تكن التشبُّه بالنصارى بقدر ما كانت تهدف إِلىَ الأخذ بأسباب القُوَّة والحضارة المعاصرة، وَمِمَّا يُؤَكِّدُ هَذَا ما يأتي:
1. قول الزنجباريِّ: إِنَّ هناك بعض اللباس النصرانيِّ «أخذه المسلمون فعرَّبوه وفصَّلوه تفصيلا غير تفصيل المشركين، فالبعض زاد في طوله، والبعض نقص من الطرفين ... »، فلا يقال في صاحبه: إِنَّهُ لابس لباس المشركين (1). من هَذَا الكلام نلاحظ أَنَّ الزنجباريَّ لم يدعُ إِلىَ التفسُّخ ولا التشبُّه بالنصارى.
2. أَنَّ السالميَّ نفسَه يعترف بِأَنَّ المعترض ليس مِمَّن يقول بحلق اللحى، لأَنَّهَا من مظاهر التشبُّه بالمشركين، وهي عند السالميِّ من الكبائر، وَلَكِنَّهُ يحشر المعترضَ في زمرة القائلين بجواز حلقها (2).
3. نعيُ الزنجباريِّ المسلمين عَلَى الاقتتال بين الإخوان في الدين والمذهب والوطن والجنس، في حين أَنَّ أيديهم قاصرة عن التعرُّض للمشرك المحتل، وحثُّهم عَلَى التآزر والتناصر (3).
4. دعوته الصريحة إِلىَ الأخذ بأسباب القُوَّة العسكريَّة الحديثة «من المقذوفات الجهنَّميَّة، كهذه المدافع السريعة الطلقات، والدناميت ... »، ويتأسَّف عَلَى تخلُّف المسلمين وكونهم عالة عَلَى غيرهم «إذ لو منعتم من الرصاص أو القمع والإبر لتعطَّلتم، أَمَا هَذَا التواني والحال عَلَى التعليم مساعف؟!» (4).
وقد أقرَّ السالمي بوجاهة الدعوة إِلىَ جمع الشمل، والأخذ بالأساليب والوسائل العسكريَّة الحديثة، وَلَكِنَّ اللومَ ـ في نظر السالمي ـ إِنَّمَا يوجَّه إِلىَ السلطان لا إِلىَ العلماء (5).
__________
(1) ينظر: بذل المجهود، ص28.
(2) يقول السالمي: «لَكِنَّ غيره مِمَّن كان عَلَى شاكلته من أهل ناحيته قد جادل في ذَلِكَ ... » أي جادل في أَنَّ الحلق مباح. المصدر نفسه، ص54.
(3) ينظر: المصدر نفسه، ص66.
(4) المصدر نفسه، ص66.
(5) ينظر: المصدر نفسه، ص67. (1/402)
صفحة 403
ويبدو من خلال مناقشة الزنجباريِّ أَنَّهُ رُبَّمَا كان متأثِّرا بالتيَّار الفكريِّ والإصلاحيِّ لأمثال الشيخين جمال الدين الأفغاني ومحَمَّد عبده، إذ دعا إِلىَ ضرورة الاستفادة من مدارس النصارى في الجانب المادِّيِّ، مع المحافظة عَلَى القيم والمبادئ الإِسلاَمِيَّة؛ فهَذَا المعترض كان أكثر تفتُّحا من السالميِّ عَلَى الحضارة الغَربِيَّة، وَهَذَا ما نركِّز عَلَيْهِ في تحليلنا للموضوع:
ناقش الزنجباريُّ السالميَّ في منعه التعلُّم والتعليم في مدارس النصارى بما ملخَّصه: أَنَّ واقع الحال المشاهد في تلك المدارس وجود مُعَلِّمين مسلمين، يلقِّنون الأطفال مبادئ العقيدة، ويدرِّسونهم القرآن والعبادات واللغة العَرَبِيَّة عَلَى الوجه المرتضى، إِلىَ جانب ما يتلقَّونه من الحساب واللغة الأجنبيَّة والعلوم الحديثة، فما المحذور في هَذَا إذا كان التعلم أمرا مطلوبا؟ ثُمَّ إِنَّ بعض المدارس المشار إِلَيْهَا في زنجبار وضعها المسلمون لا النصارى، وَإِنَّمَا فيها أساتذة نصرانيُّون خاضعون للمراقبة.
ردَّ السالمي عليه بقوله: «هَذَا كلامه وهو ينقض بعضه بَعْضًا» (1)، وَلَكِن لم يظهر لنا أيُّ تناقض في كلام الزنجباريِّ، كما أَنَّ السالميَّ لم يُبَيِّن وجه هَذَا التناقض، واكتفى بتبيين دسائس الإنجليز، منها قوله:
«وما ذكرتَه من تعليم التوحيد وما بعده من الخصال فهو ذريعة إِلىَ تدريجكم إِلىَ المهاوي، وإلقائكم في المهالك، وَلاَ بُدَّ للفخِّ من حَبٍّ يقع عَلَيْهِ الطائر، فلو جاهروكم بمرادهم، وكشفوا لكم أغراضهم لقفَّت شعوركم، واقشعرَّت جلودكم، ونفرتم عنهم كُلَّ نفرة، لَكِنَّ القوم أدرى بمصائدكم، وأعرف بمكائدكم، فهم أَشَدُّ من الأفعى لينا وعداوة، وأروغ من الثعلب، ولهم في المكر أبواب يعجز عنها الشيطان ... » (2). ويبرِّر موقفه بِعِدَّةِ أمور:
·
__________
(1) المصدر نفسه، ص7.
(2) المصدر نفسه، ص7 - 8. (1/403)
صفحة 404
العبرة في تلك المدارس بالقائمين بأمرها من تدريس وغيره، لا المؤسِّسين لها.
· الجهل بما في تلك المدارس من الكفريات أسلم من الاطِّلاَع عَلَيْها، خوف التأثُّر بها.
· محاولة النصارى إخراج المسلمين من دينهم إخراجا حقيقيًّا، بحيث يصير المتعلِّم فيها مسلما في الظاهر، محبًّا للنصارى في الباطن، بسبب ما تلقَّاه في صباه ــ طوال عِدَّة سنين وبصورة متكرِّرة ــ من روايات مشوِّقة (1) عن مشاهيرهم، ومنفِّرة عن الإِسلاَم وعظمائه.
· يستحيل أن ينفق النصارى الأموال الطائلة (2) لمدارسهم محبَّة وشفقة عَلَى أبناء المسلمين لتعليمهم، وَإِنَّمَا لغرس محبَّة النصارى في قلوب المتعلِّمين.
· سعي النصارى في غرس بذور الشكِّ في قلوب أبناء المسلمين، فيصبحون مذبذبين بين ذَلِكَ، لا هم نصارى ولا هم مسلمون، فيكونون أضرَّ عَلَى الإِسلاَم مِمَّا لو بدَّلوا دينهم صراحا.
· خطورة تعليم البنت في مدارس الراهبات، وهو أنجح وسيلة لمحاربة الإِسلاَم (3).
· ما يضيِّعه التلميذ من مبادئ الدين والشرف والغيرة لا يقابِل عَلَى الإطلاق بَعضَ ما اكتسبه من علوم ولغات؛ وهي لا تزيده رفعة ولا جاها ولا شرفا ولا مالا، إذ الواقع يثبت عكس ذَلِكَ، فكثيرٌ من المتعلِّمين فيها عاشوا فقراء، بينما كثير مِمَّن لم يَتَعَلَّموا فيها عاشوا أغنياء أعزَّاء.
· إِنَّ إدخال الأبناء في المدارس النصرانيَّة يتعلَّمون فيها الكفريَّات، ويلقِّنونها لمن يأتي بعدهم، يعدُّ سنَّة سَيِّئَة يتحمَّل أولياء التلاميذ وزرها ووزر من عمل بها إِلىَ يوم القيامة.
__________
(1) ينظر بعض الأساليب المشوِّقة التي يستعملها المنصِّرون: شاتليه: الغارة على العالم الإسلامي، ص35 - 37.
(2) ينظر نماذج من أرقام النفقات عَلَى إرساليات التنصير: المصدر نفسه، ص67، 69، 123 - 146.
(3) ينظر: المصدر نفسه، ص 41 - 42. (1/404)
صفحة 405
ويتعجَّب السالمي قائلا: لماذا لا يرسل هَؤُلاَءِ النصارى أبناءهم إِلىَ التعلُّم عند طائفة أخرى من طوائفهم، ناهيك أن يرسلوهم إِلىَ مدارس المسلمين؟ لماذا يحرصون عَلَى باطلهم ولا تحرص عَلَى دينك الحقِّ؟ أم تخاف أن يقال عنك: متعصِّب؟ فلماذا هم يفتخرون بباطلهم وتتستَّر أنت بدينك خير الأديان؟ كيف تتستَّر والإِسلاَم شرع الأذان خمس مَرَّات في اليوم (1)؟! ...
كان أسلوب السالمي شديدا، وموقفه واضحا في الموضوع، ويبدو أَنَّ رأي الزنجباريِّ ـ المعارض للسالميِّ في هَذِهِ المسألة، الداعي إِلىَ الاستفادة مِمَّا في مدارس النصارى، مع المحافظة عَلَى القيم والمبادئ ـ يعتبر أبعد نظرا، لِمَا في العلوم الحديثة من فوائد تعود عَلَى المسلمين، وَلَكِن ـ كما يقول ـ بشرط أن يباشر المسلمون التعليم فيها بأنفسهم.
ونضيف هنا شرطا ضروريًّا، وهو أن يكون المسلمون في مستوى التحدِّي والتصدِّي للأفكار المعادية، ومواجهة الشبهات التي تثار، ومقابلة الدهاء بالدهاء، والمكيدة بالمكيدة، وهو ما أشار به القطب اطفيَّش عَلَى العمانيِّين إذ قال: «ولو كنتم يدا واحدة قَوِيَّة لاستحسنت لكم مراقبة المشركين بإبطال خدعهم بحيلكم، ليهون كيدهم ويبطل، ويسقط في أيديهم، فتكونوا عَلَى استعداد ... » (2)، وَهَذَا الشرط ـ أن يكونوا يدا واحدة ـ لا أخاله متوفرا آنذاك لدى العمانيِّين بِخَاصَّة. وَهَذِهِ النظرة الثاقبة لدى القطب نجدها لدى المفكِّر مالك بن نبي، الذي يرى أَنَّ علينا أن نضع قناعا ضِدَّ الأفكار الغَربِيَّة السامَّة والقاتلة، مثلما نضع قناعا ضِدَّ الغازات السامَّة (3).
بعد هَذِهِ المناقشة، يبدو في نظرنا أَنَّ الرأي الأصوب في هَذِهِ القَضِيَّة هو ما ذهب إِلَيْهِ الزنجباريُّ والقطب ومالك بن نبي، فإذا كان السالميُّ عَلَى دراية بالداء في
__________
(1) ينظر: بذل المجهود: السالمي، ص16 - 23. وقد اعتمد عَلَى كِتَاب: «إرشاد الحيارى في تحذير المسلمين من مدارس النصارى»، ليوسف بن إسماعيل النبهاني.
(2) القطب اطفيَّش: كشف الكرب، 2/ 363.
(3) ينظر: مالك بن نبي: في مهب المعركة، ص143 - 148. (1/405)
صفحة 406
تلك المدارس وهو المكائد ضِدَّ المسلمين، فمن المفترض أن يدعو إِلىَ وصف الدواء ووضعه في موضع الداء، وهو صدُّ المكائد بالمكائد، والدخول بِقُوَّة في المعركة، لا الانسحاب منها كُلِّيَّة، فيبقى المسلمون في تخلُّف تقنيٍّ لا زالوا يعانون مرارته إِلىَ اليوم، و « ... الْحِكْمَةُ ضَالَّةُ الْمُؤْمِنِ فَحَيْثُ وَجَدَهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا» (1). وَكُنَّا نودُّ لو أَنَّ السالميَّ اهتمَّ بالمواجهة الفِكرِيَّة جنبا إِلىَ جنب مع المواجهة الْمَادِّيَّة، وَلَكِن في كلتا المواجهتين لاَ بُدَّ من وقوع الضحايا!.
2 - المعارضة السِّيَاسِيَّة:
إذا كان أهمَّ ما تميَّز به السالميُّ هو معارضته للسلطان، وإذا كان من المعلوم عَبْرَ فترات التاريخ الإِسلاَمِيِّ أَنَّ للسلطان حاشية من الشعراء والفقهاء المتسوِّلين، الذين يقتاتون من فتات مائدته ... أفلا يتبادر إِلىَ أذهاننا وجود أمثال هَؤُلاَءِ في البلاط السلطاني في عهد السالميِّ: فقهاء يبرِّرون تصرُّفات السلطان، ويلبسونها ثوب الشَّرعِيَّة الدِّينِيَّة؟ أو وجود شعراء يعارضون مساعي السالميِّ، ويقدحون فيه بالهجاء؟ وإذا كانوا موجودين فما هي وجهة نظرهم؟
المصادر التي بين يدي الباحث لا تشير إِلىَ الصنف المذكور من الفقهاء، غاية ما تذكره أَنَّ هناك شعراء يمدحون السلطان، لينالوا بعض المكاسب المَادِّيَّة، وكان من بينهم الشاعر محَمَّد بن شيخان السالميُّ، وكان نور الدين يلوم ابن شيخان (ابن عمِّه) عَلَى هَذَا النوع من التكسُّب والتزلُّف، فكانت بينهما جفوة (2)، ولم يكن ابن شيخان معارضا للشيخ نور الدين، ولم يُذكر وجود تعارض بينهما في الأفكار
__________
(1) رواه الترمذي بلفظ: «الكلمة الحكمة ... »، وقال: «هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لاَ نَعْرِفُهُ إِلاَّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ الْفَضْلِ الْمَدَنِيُّ الْمَخْزُومِيُّ [أحد الرواة في سند الحديث] يُضَعَّفُ فِي الْحَدِيثِ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ». كِتَاب العلم عن رَسُول اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، باب ما جاء في فضل الفقه عَلَى العبادة، حديث رقم 2687، ج5/ص51. (برنامج المكتبة الألفية، وموسوعة الحديث الشريف).
(2) ينظر ترجمة ابن شيخان في ص159 - 161 من هَذَا البحث. (1/406)
صفحة 407
السِّيَاسِيَّة، وَإِنَّمَا العوز المادِّيُّ كان السبب في لجوء هذا الشاعر إِلىَ هَذِهِ الطريقة من الاسترزاق، إذ سرعان ما عادت بينهما المودَّة، حين أقلع عن مدح السلطان (1). ولم يُذكر أَنَّ ابن شيخان تعرَّض للسالميِّ بِأَيِّ انتقاص، بل إِنَّ أبا بشير أورد عِدَّة قصائد لابن شيخان ينتصر فيها للإمامة، ويشيد بفتوحاتها (2).
وقد عثرنا ـ في شأن معارضة السالميِّ سياسيًّا ـ عَلَى قصيدة شديدة اللهجة، لأحد الشعراء الموالين للسلطان تنسب «لسعيد بن مسلم ولد مجيز أو غيره» (3)، قالها ردًّا عَلَى قصيدة السالمي التي وصف فيها اعتراض العمانيِّين للقنصل البريطانيِّ سنة 1319هـ/1902م، دعا فيها الشيخَ نور الدين إلى التخلِّي عن القدح في السلطان، والتخويف من عواقب معارضته، ويهجوه فيها قائلا:
«وارفق فديتك لا تسا وي بالأنوف الذنب
لا غرو إن حسد الأسا فلُ من تَعَالىَ في الرتب
قل للذي شتم الكِرَا مَ: فما عَلَى أعمى عتب
وإذا اختفى ضوء الصبا حِ عَلَى الضرير هو السبب ... » (4)
ويواصل شاعرُ السلطان هجاء السالميِّ وأصحابه، ويصفهم بالجفاء والبداوة، بينما يمتدح السلطان، ويبدي إعجابه بالقنصل البريطانيِّ، ويصفه بِأَنَّهُ ضيف سائح استجار بالعمانيِّين يجب عَلَيْهِم حمايته وإكرامه، ويبدي الشاعر عطفه وشفقته عَلَى هَذَا القنصل المسكين النزيل المغترب عن أوطانه!. ونلمس في القصيدة غطرسة
__________
(1) ينظر: اطفيَّش: كشف الكرب، 1/ 83 - 84. وينظر نموذج من مدح ابن شيخان للسلطان: أبو بشير: نهضة، ص248 - 250.
(2) ينظر: نهضة، ص193، 242 - 246، 293 - 298، 304 - 308، 414، 417 - 426.
(3) كذا بالمخطوط. مجموع قصائد بائية (مخ)، ص37.
ويبدو أَنَّ الشاعر هو أبو الصوفي سعيد بن مسلم بن سالم المجيزي السمائلي: أحد شعراء السلطنة، تفرس في علوم العَرَبِيَّة والشعر، ونال مكانة عالية في الأسرة الحاكمة منذ السلطان فيصل، ثُمَّ بعده السلطان تيمور. ت: 1372هـ/1953م. ينظر: شقائق الخصيبي، 1/ 223 ـ 230.
(4) مجموع قصائد بائية (مخ)، ص37 - 40. (1/407)
صفحة 408
أنصار السلطان، واحتقار من سواهم، وقلب الحقائق، إذ لا يشكُّ أحد في دهاء الاستدمار البريطانيِّ ودسائسه، فكيف يوصف مستدمِرٌ بِأَنَّهُ ضيف يجب إكرامه؟! وَأَنَّهُ مستجير بأهل عمان تجب حمايته! والسؤال: مَن يستجير بمن؟!. ويصل الأمر بالشاعر إِلىَ دركة أن يعلي من شأن هَذَا القنصل حَتَّى يرفعه عَلَى رأس جميع الجند (بمن فيهم الأمير تيمور ابن السلطان نفسه!) فيقول:
«والقنصل المخفور يمـ ـشي بيننا لم يحتجب
فَكَأَنَّهُ عَلَم عَلَى رؤوس الرجال قد انتصب» (1)
من هَذَا النموذج ـ الوحيد الذي بين أيدينا ـ يظهر أَنَّ معارضي السالميِّ السياسيِّين ليس لهم من الحجج ما يواجهون به حركته، فلم يجدوا غير الهجوم عَلَى شخصه، (مثل نَبْزِهِ بالآفة الربَّانية التي ابتُلي بها الشيخ نور الدين، وهي العمى)، وليسوا في الواقع سوى أتباع للإنجليز، الذين لهم من الشأن والمكانة ما يرفعهم ـ في نظر البَعض ـ إِلىَ درجة أعلى من ابن السلطان نفسه!.
لم يشأ السالميُّ أن يَرُدَّ عَلَى هَذِهِ القصيدة، وَإِنَّمَا كتب قصيدة للسلطان ينصحه فيها، كما ذكرنا سابقا، وترك الردَّ للحبشيِّ بن غابش بقصيدة بائية شديدة ينتصر فيها للنور السالميِّ (2).
وقد عثرنا عَلَى قصيدة قالها الشيخ سليمان بن مُحَمَّد بن أحمد الكندي (3) ينتصر فيها لشيخه نور الدين، وعَلَى من هجاه، وَمِمَّا جاء فيها:
مزَّقت جلباب الأدب وعرضت نفسك للعطب
تهجو الكرام أولي النهى شمَّ الأنوف أولي الحسب ... » (4)
__________
(1) مجموع قصائد بائية (مخ)، ص42.
(2) ينظر: مجموع قصائد بائية (مخ)، ص59 - 63.
والحبشي هو: أبو الخير عبد الله بن غابش الحبشي النوفلي، تَقَدَّمَت ترجمته ضمن تلاميذ السالمي، رقم 18. ص155 - 156 من البحث.
(3) تَقَدَّمَت ترجمته، ينظر: ص150 من البحث (هامش).
(4) الكندي: قصيدة بائية، ملحقة ببداية الإمداد عَلَى غاية المراد: سليمان بن مُحَمَّد بن أحمد الكندي، تحقيق: حميد بن حمد الجحافي، إشراف أحمد مهني مصلح، بحث التخرج، (مخطوط)، معهد لقضاء الشرعي والوعظ والإرشاد، ص284. ولم يذكر الطالب مكان وجود القصيدة. (1/408)
صفحة 409
والقصيدة كُلُّهَا في مدح السالميِّ وأنصاره، وَلَكِن لا تفيدنا أيَّ شَيْء عَمَّا انتُقد به السالمي، أو مِمَّا هُجي به، ولا من هجاه.
ب - المادحون:
اتَّفَقَت أغلب الوثائق التَّارِيخِيَّة عَلَى أَنَّ رئاسة العلم بعمان انتهت إلى السالميِّ في عصره، وقد وصفته بِأَنَّهُ كان أحد أقطاب الأَئِمَّة المجتهدين، ومن أهل التحقيق، جامعا بين المعقول والمنقول، إماما في التفسير، والحديث، والتوحيد، والأصول، والفقه، والفرائض، واللغة، والنحو ... حَتَّى عُرف بالإمام المجدِّد (1).
وقد أشرنا قبل قليل إِلىَ قصيدة الكنديِّ التي ينتصر فيها للسالمي، ويصف فيها أنصاره ويشبِّههم بالبحور والبدور والليوث، ويصف شدَّتهم في دينهم وفي محاربة أهل الزيغ والبدع، ويمدح السالميَّ بقوله:
«فالسالمي هو الهما م القطب فخر أولي الأدب
ربُّ المعارف كم أزا ح عن الورى ظلم الريب ... » (2)
وتناول في مدحه بصيرة الشيخ، ونباهته، وعلمه، وزهده، وخشيته لله، وإحياءه للسنن، وإنتاجه الغزير، وشجاعته. ودعا من هجاه إِلىَ التوبة من كذبه قبل يوم الحساب.
وتظهر جليًّا مكانة السالميِّ العظمى في نفوس العمانيِّين، من خلال المراسلات التي تأتيه، والتي تثني عَلَيْهِ، وتُظهِر إعجاب أصحابها بعلمه وعمله، ويطلقون عَلَيْهِ
__________
(1) ينظر: مُقَدِّمَة أبي إسحاق لجوهر النظام، 1/} ز}. نهضة، ص122. مُقَدِّمَة التنوخي لشرح الجامع، 1/} ط}. تقديم الراشدي للمشارق، ص} ث}. مُقَدِّمَة البطاشي للمشارق، ص} ج}. المرموري: السالمي المجتهد، قراءات، ص50 - 60.
(2) الكندي: قصيدة بائية، ص 285. (1/409)
صفحة 410
مختلف صفات التبجيل وألقاب التقدير، خَاصَّةً في الأسئلة المنظومة (1). وَمِمَّا يُؤَكِّدُ هَذِهِ المكانة أَنَّ كثيرا من المستفتين يعرضون عَلَيْهِ فتاوى لغيره من كبار المشايخ ليبدي فيها رأيه، ويبدون رغبتهم في الرجوع ـ عند اختلاف الآراء ـ إِلىَ قوله دون سواه، واستعدادهم لجمع كلمتهم عَلَى رأيه (2)، وقد تعدَّت شهرته عمان، إذ وردت عَلَيْهِ أسئلة من الهند وزنجبار وإِفرِيقيَّة والمغرب ومصر (3).
وقد لقي تعظيما كبيرا حَتَّى لدى بَعض معارضيه، وَعَلَى رأسهم السلطان نفسه، وقد مَرَّ بنا ما كان بينهما من تواصل واحترام. وذكر القطب اطفيَّش أَنَّ الرسائل التي يبعثها إِلىَ السالميِّ كَانَ يرسل بَعضها باسم السلطان فيصل ليبلِّغها للشيخ نور الدين (4). وعلينا في هَذَا الصدد أن نضع في الحسبان ما ذكرناه سابقا من أَنَّ مقياس الشرف والمكانة غالبا ما يرتبط بمكانة القبيلة والأسرة، وَلَكِنَّ السالميَّ كان «فقيرا وضريرا، من عشيرة مستضعفة» (5)، فتلك المكانة العالية لم يبلغها في عين السلطان إِلاَّ بعد جهاد كبير. ويرى الشيخ أبو إسحاق اطفيَّش أَنَّهُ رغم قيادة السالميِّ للثورة ضِدَّ السلطان «فَإِنَّ المسألة ليست مِمَّا يعدُّ نفورا عنه، بل كان ذَلِكَ دَلِيلا عَلَى عطف القلوب عَلَيْهِ، والتفافها حوله، ولم يكن السلطان ممتنعا ومعارضا لإرادة الأُمَّة، وَلَكِنَّهَا ظروف قهريَّة ... » (6). وكانت للسالميِّ مكانة حَتَّى في نفوس بَعض الإنجليز، رغم كرهه الشديد لهم، إذ يعترف النائب الإنجليزيُّ في مسقط، في رسالة حرَّرها في 8 ذو القعدة 1331هـ/ 8 أكتوبر 1913م قائلا: « ... وَمِمَّا سرَّني
__________
(1) ينظر: ص85 - 86 من البحث حول ألقابه (هامش).
(2) ينظر: العقد الثمين، 1/ 233 - 234، 345 - 346؛ 2/ 46 - 47؛ 197 - 198، 483. جوابات، 1/ 542؛ 4/ 247 - 248، 409؛ 5/ 480؛ 6/ 109 - 111، 252 - 254، 413 - 415.
(3) ينظر: أبو بشير: ترجمة السالمي (مخ)، ص12. مُقَدِّمَة البطاشي للمشارق، ص} ج}.
(4) يقول الشيخ اطفيَّش للسالمي وعيسى الحارثي: «فتارة أرسله [الكتابَ] إليكما عَلَى يد السلطان فيصل، وتارة عَلَى يد السَّيِّد حمود [بن عزان بن قيس]». اطفيَّش: كشف الكرب، 1/ 5.
(5) السيابي: عمان عبر التاريخ، 2/ 335.
(6) مُقَدِّمَة أبي إسحاق لجوهر النظام، 1/} ز}. (1/410)
صفحة 411
هو علمي ... بِأَنَّ عماد المذهب الإِبَاضِيِّ الشيخ عبد الله بن حميد السالمي، لم يزل يقدِّم إِلَيْهِم النصائح الحكميَّة وَالإِنسَانِيَّة ... » (1).
ويرى الشيخ سالم السيابيُّ أَنَّ السرَّ الذي جعل السالميَّ محبوبا لدى الجميع، هو إخلاصه لله، إذ يقول:
«لذاك تلقَى الورى في حبِّه اشتركوا وذاك سرٌّ خفيٌّ عن سائر الغفل
أعداؤه وأودَّاؤه جميعهم في حبِّه، وولاَّه الكلُّ، قال: وَليّ
إخلاصه لا سواه قاد أمَّته فكان عمدة كُلِّ القادة الكمل» (2)
جـ - منزلة السالمي في الدولة الجديدة وفي السياسة:
لو لم يكن للسالميِّ دور سوى إحيائه للإمامة في عمان لكان كافيا في بيان منزلته، وَلَكِن مع ذَلِكَ فسنحاول أن نُبَيِّنَ هنا: ما هو دور السالميِّ في الدولة الجديدة بعد عقد الإمامة؟ وما المنصب الذي شغله فيها؟.
تشحُّ علينا المصادر التَّارِيخِيَّة بالمعلومات عن هيكلة دولة الإمامة، لهذا صعب علينا معرفة موقع الشيخ فيها، وَلَكِن يبدو أَنَّ الهيكل التنظيميَّ كان بسيطا، إذ لا تذكر المصادر غير تعيين الولاة والقضاة، وقد يشغل الوالي المنصبين معا (3)، أضف إِلىَ ذَلِكَ أَنَّ شيخنا عاش بعد إعلان الإمامة أقل من 9 أشهر، وهي فترة قصيرة عَرَفَتْ فيها الإمامةُ اضطرابا كبيرا لم يسمح لها بالاهتمام بالتنظيم الإداريِّ للدولة أكثر من اهتمامها بالسعي في توحيد البلاد تحت حكم الإمامة. وَهَذَا لا يمنعنا من العمل عَلَى استنطاق النصوص لنخرج بتصوُّر عن موقع السالميِّ في الدولة.
يقول الشيخ أبو بشير: «فتناظروا فيمن يخلف نور الدين، فأجمع رأيهم عَلَى أن يكون العلاَّمة عامر بن خميس المالكي ”مديرا لشؤون الإمامة“، كما
__________
(1) أبو بشير: نهضة، ص 235.
(2) الخصيبي: شقائق، 3/ 89. وينظر: مُقَدِّمَة أبي إسحاق لجوهر النظام، 1/} ز}.
(3) وقد ذكرنا نماذج منهم في ترجمة تلاميذ السالمي، كسالم بن حمد البراشدي، وأبي الوليد سعود المضيربي. ينظر: ص148 - 149 من البحث. (1/411)
صفحة 412
كان عَلَيْهِ نور الدين السالمي، فهو خليفته في العلم والعمل» (1). يُبَيِّنُ هَذَا النصُّ أَنَّ الشيخ نور الدين كان قد شغل منصب ”مدير شؤون الإمامة“، وَأَنَّ هَذَا المنصب يتطلَّب مستوى معيَّنا من العلم والعمل، فالمالكيُّ لم يشغل هَذِهِ الوظيفة إِلاَّ لأَنَّهُ خليفة السالميِّ في العلم والعمل؛ وَهَذَا لا يكفي في المقارنة بين المنصب المذكور وبين أحد مناصب الدولة الحديثة، إِلاَّ بالرجوع إِلىَ نصوص أخرى تُبَيِّنُ المهامَّ والأعمال التي أسندت إِلىَ هَذَا ”المدير“، والتي تتمثَّل فيما يأتي:
· تنفيذ السالميِّ الحملة الإعلاميَّة للإمامة، وجمع أعيان البلاد حولها.
· تفويض العلماء والأعيان في الاجتماع السرِّيِّ بتنوف أمرهم للسالميِّ، ليَتَّخِذ قراره الحاسم.
· بيعة الإمام سالم الخروصي كانت بمبادرة الشيخ.
· إفتاء السالمي بقتل الإمام الخروصي إن هو أصرَّ عَلَى التملُّص من توليِّ الإمامة بعد أن وقع عَلَيْهِ الإجماع. وإفتاؤه ـ بعد أن استولى الإماميُّون عَلَى نزوى وإزكي ـ بهدم الحصون والبروج التي بُنيت للبغي في طريق المسلمين في عهد الجورة، كالقلاع المبنيَّة عَلَى أفلاج بني ريام تضييقا عَلَيْهِم وظلما (2). وإصداره الفتوى القاضية بِضَمِّ الأموال الموقوفة لقراءة القرآن عَلَى القبور إلى بيت مال المسلمين، والتي لم يُعرف أصحابها ولا ورثتهم، فأمضى الإمام الفتوى وَاتَّخَذَ فيها قراره السياسيَّ (3).
· تفويض الإمام الخروصيِّ للشيخ السالميِّ تفويضا مطلقا يتلقَّى بالنيابة عنه بيعة بعض القبائل، ويُمضي بعض القرارات باسمه.
·
__________
(1) نهضة، ص263.
(2) ينظر: نهضة، ص212، 219.
(3) ينظر: نهضة، ص131 - 133. (1/412)
صفحة 413
إملاء السالميِّ محضر الأمر بإقامة حدِّ الرجم عَلَى المرأة التي أقرَّت بالزنى (1). كما أملى كِتَابا آخر لأهل تبورة من إفريقيا يتضمَّن إعلان دولة الإمامة، والفتوحات التي تَمَّت (2).
بناء عَلَى هَذِهِ الأعمال المذكورة، وإذا جازت لنا المقارنة بين دولة الإمامة في عهد السالميِّ، ودولة السلطنة حاليا ـ رغم اختلاف النظامين، واختلاف العصرين ـ فَإِنَّهُ يمكن القول: إِنَّ منصب ”مدير شؤون الإمامة“ الذي تولاَّه الشيخ يعني: الممثِّل الخاصَّ للإمام، والمفتي العامَّ للإمامة، ووزير الدَّاخِلِيَّة، والعدل، والأوقاف والشؤون الدِّينِيَّة، والشؤون القانونيَّة، وفق التنظيم الإداريِّ العمانيِّ حاليا (3).
وتجدر الإشارة إِلىَ أَنَّ دعوة السالميِّ وثورته لم تكن من النوع الذي ينتهي بذهاب أهلها، أو بِمُجَرَّدِ إسقاط الحاكم، بحيث إذا تَوَلىَّ زعماء المعارضة السلطة انقلبوا عَلَى الشعب، وساسوهم أسوأ سياسة ـ ربما بصورة أبشع من الحكم المسقط ـ بل إِنَّ السالميَّ أعدَّ للدولة الجديدة إعدادا رزينا، وبناها لبنة لبنة، وأقامها عَلَى قواعد متينة، كوَّن الرجال الأكفاء، وهيَّأ النفوس، وسلَّحها بالعقيدة الراسخة، والفقه الصحيح؛ فعمل الولاةُ والقضاةُ عَلَى تجسيد مبادئ العدل بين الرعيَّة.
كما أَنَّ ثورة السالمي لم تَمُت بمماته، بل اسْتَمَرَّت إِلىَ أواخر الخمسينيَّات من القرن العشرين، وضربت أروع الصور من مقاومة الإنجليز (4).
وخلاصة القول: إِنَّ الصفاتِ التي تحلَّى بها السالميُّ، وإنتاجَه العلميَّ الغزير، وأفكاره الإصلاحيَّة، وأعمالَه التي أثَّر بها في مجتمعه، تُؤَكِّدُ منزلته السامية، في الفكر والمجتمع والسياسة.
__________
(1) ينظر: نهضة، ص236 - 237.
(2) ينظر: نهضة، ص260 - 261.
(3) مع استبدال لفظة الإمام أو الإمامة بالسلطان، أو السلطنة. ينظر: هيكل السلطنة حاليا: وزارة الإعلام: عمان 99، ص54 - 60.
(4) ينظر مثال لِذَلِكَ: الطائي عبد الله بن محَمَّد: ملائكة الجبل الأخضر، قِصَّة الثورة في عمان، مطابع الوفاء، بيروت، د. ت. (1/413)
صفحة 414
المبحث الثاني
وفاة السالمي
أَوَّلاً - تاريخ وفاته:
تَتَّفِقُ المصادر عَلَى أَنَّ الشيخ نور الدين السالميَّ تُوُفِّيَ بعد العتمة من ليلة الخامس من ربيع الأَوَّل عام 1332هـ/31 جانفي 1914م، وصلَّى عَلَيْهِ تلميذه أبو زيد عبد الله بن محمد بن رزيق الريامي، وقبره بجانب قبر الشيخ حِمْير بن ناصر النبهاني، تحت سفح الجبل الأخضر بتنوف في ولاية نزوى (1). إِلاَّ أَنَّ هناك مراجع معاصرة لها رأي آخر، وَهُوَ أَنَّ تاريخ الوفاة كان في الثامن عشر من صفر 1332هـ/14 جانفي 1914م (2)، وَلَكِنَّ هَذَا توهُّمٌ، فتاريخ 18 صفر هو تاريخ رحلة السالميِّ إِلىَ الحمراء، الآتي ذكرها، وليس تاريخا للوفاة، والمعتمد هو ما ذكره أبو بشير، فهو أدرى بوالده، إضافة إِلىَ أَنَّهُ كان مصاحبا له في رحلاته.
وقد أصيبت الأُمَّة الإِسلاَمِيَّة بِعَامَّةٍ وَالإِبَاضِيَّة بِخَاصَّةٍ بنكبة عظمى إذ تضاعف الخطب بوفاة ثلاثة أقطاب إصلاحيِّين في نفس السنة، وهم إضافة إِلىَ السالميِّ: قطب الأَئِمَّة الشيخ امحَمَّد بن يوسف اطفيَّش، والشيخ عبد الله بن يحيى الباروني (3). وقد انعكست وفاة السالميِّ بشكل ملموس عَلَى
__________
(1) ينظر: مُقَدِّمَة أبي إسحاق لجوهر النظام، 1/ز-ح. أبو بشير: ترجمة السالمي (مخ)، ص18 - 19؛ نهضة، ص131 - 134. الخصيبي: شقائق، 3/ 22. مُقَدِّمَة محَمَّد إسماعيل للمعارج، 1/ 9. المرموري: السالمي المجتهد، قراءات، ص47؛ الصوافي: السالمي فقيها، ص110 - 111؛ حمدون السالمي: السالمي مُؤَرِّخًا، ص153. أطروحة الهاشمي، ص86. مُقَدِّمَة عبد الرحمن السالمي لروض البيان، ص35. غباش: عمان الديمقراطية، ص282.
(2) ينظر: مُقَدِّمَة البطاشي للمشارق، ص} د}. مُقَدِّمَة سعود بن حمد السالمي لإيضاح البيان، نشر مكتبة الإمام نور الدين السالمي، مطابع الباطنة ومكتبتها للطباعة التكنلوجية الحديثة، سلطنة عُمان، د. ت. (تاريخ التقديم: 1416هـ/1996م)، ص21.
(3) ينظر: جمعِيَّة التُّرَاث: معجم أعلام الإِبَاضِيَّة، ج2/ص280، 399، رقم: 604، 864. (1/414)
صفحة 415
القرار السياسيِّ للإمامة واتِّجاهها، بل وَعَلَى مصيرها (1)، وقد خلفه في منصب إدارة شؤون الإمامة الشيخ عامر بن خميس المالكي، بعد أقل من اثني عشر يوما من الوفاة (2).
ثانيا - سبب وفاته:
تَتَّفِقُ المصادر القديمة والمراجع الحديثة ـ إلاَّ ما شذَّ منها ـ عَلَى سبب وفاة السالمي، وَهُوَ أَنَّهُ خرج من بيته إِلىَ الحمراء يوم 18 صفر 1332هـ/ 15 جانفي 1914م، لمناظرة شيخه ماجد بن خميس العبري في قَضِيَّة الأموال الموقوفة لقراءة القرآن عَلَى القبور (3)، وفي طريقه سدعه غصن شجرة أمبا (4)، فسقط الشيخ نور الدين من راحلته عَلَى ظهره واهي القوى، فنقل إِلىَ تنوف، وما زالت حاله تسوء حَتَّى تُوُفِّيَ في الخامس من ربيع الأَوَّل (5).
__________
(1) ينظر: غباش: عمان الديمقراطية، ص282.
(2) ينظر: أبو بشير: نهضة، ص263. وقد وهم غباش حين ذكر أَنَّ السالمي لم يُخلف إِلاَّ في سنة 1915م، من قِبل الشيخ المذكور. ينظر: غباش: عمان الديمقراطيَّة، ص282.
(3) كان الشيخ نور الدين يرى أَنَّ الوَصِيَّة بِذَلِكَ باطلة، ترجع إِلىَ الورثة إن عُلموا، وَإِن جُهلوا رجعت إِلىَ بيت المال، وقد اختلف فيها مع شيخه العبري الذي يرى أَنَّ الوقف لا يُغيَّر، (ينظر تفاصيل المناقشة وَأَدِلَّة كُلٍّ منهما في: نهضة، ص454 - 457. الصوافي: السالمي فقيها، قراءات، ص108 - 111).
هَذَا هو موضوع المناظرة، وَهَذِهِ هي الحقيقة التَّارِيخِيَّة التي توردها المصادر، ولا يمكن أن نسترها بعبارات موهمة، كمثل قول الشيخ البطاشي: إِنَّ السالمي ذهب لزيارة شيخه العبري «للمشاورة في بَعض القضايا الهامَّة» (مُقَدِّمَة البطاشي للمشارق، ص} د})، أو قول الدكتور الهاشميِّ في أطروحته: إِنَّ السالمي ذهب «لزيارة شيخه الكبير ماجد بن خميس العبري لمناقشة بعض مصالح الدولة الجديدة» (أطروحة الهاشمي، ص86)، وَهُوَ كلام بعيد عن الدقة العِلمِيَّة المطلوبة في الدراسات الأكاديمية، هَذَا مع اعتماده عَلَى نفس مصادرنا.
(4) عرَّفه د. إبراهيم الكندي بِأَنَّهُ «الشجر المعروف بالمانجو». ينظر: شرح بَعض المصطلحات العمانية، ملحق بجوابات السالمي، 7/ 630. وقد بحثنا عن كلمة «أمبا»، في المعاجم اللغوية فلم نجد تعريفها. و «المانجا» و «المانجو» فاكهة معروفة في المشرق العربي، حلو المذاق.
(5) ينظر: أبو بشير: ترجمة السالمي (مخ)، ص18 - 19؛ نهضة، ص131 - 135. الحارثي: اللؤلؤ، ص141 - 142. مُقَدِّمَة عبد الرحمن السالمي لروض البيان، ص35. (1/415)
صفحة 416
تفاقم الخلاف بين الشيخين، وكاد يُؤَدِّي إِلىَ فتنة قد تقضي عَلَى مساعي السالميِّ في توحيد الصفوف، فأراد حسم الأمر، وقطع أسباب التفرُّق من أساسها، لَمَّا وجد أَنَّ الرسائل لا تزيد إِلاَّ تبعيدا، وكان يجلُّ شيخَه العبريَّ، فذهب لمناظرته، ليقضي الله أمرا كان مفعولا.
وقد وصف الشيخ أبو بشير تفاصيل الحادثة بدقَّة ووضوح، جاء فيها أَنَّ السالميَّ وَهُوَ في طريقه إِلىَ الحمراء، أراد المبيت بقرية بني صبح، وعند غروب الشمس توجَّه إِلىَ المحلَّة السفلى للمبيت، فسدعه الغصن ولم يره لأَنَّهُ ضرير، ولم ينبِّهه أصحابه لأمر أراده الله، ولبث إِلىَ اليوم السادس والعشرين من صفر لا يقوى عَلَى الحركة، وما زال شيخه ماجد العبري يراجعه في المسألة، وطلب التلامذةُ والأعيانُ إرجاءَ المناقشة إِلىَ حين عافيته، فأبى السالميُّ، خوفا من معاجلة الموت قبل أن يبيِّن للشيخ العبريِّ ما عنده، وانتهت المناقشة بأَنَّ العبريَّ راجع عن تخطئته للشيخ نور الدين، وَأَنَّ المسألة من مسائل الاجتهاد التي يسع فيها الخلاف؛ فطلب الشيخ نور الدين أن يُحمل إِلىَ نزوى، فحملوه عَلَى الأكتاف، وَلَمَّا وصلوا تنوف شقَّ عَلَيْهِ الخروج منها، وفي ليلة التاسع والعشرين من صفر زاره الإمام سالم الخروصيُّ، وكان مرضه قد خفَّ آنذاك، فعاد الإمام مسرورا بعافيته، وَلَكِن ما لبث أَن تزايد المرض حَتَّى تُوُفِّيَ ليلة الخامس من ربيع الأَوَّل (1). وَهَذِهِ هي القِصَّة المعتمدة في ما يكتب أو يقال عن الشيخ نور الدين.
ومع هَذِهِ التفاصيل الواضحة فَإِنَّ الشيخ سعود بن حمد بن نور الدين السالمي يقول: «انتقل الإمام نور الدين السالمي رضي الله عنه إِلىَ الرفيق الأعلى في الثامن عشر من شهر صفر [كذا] عام 1332هـ للهجرة، في ظلِّ ظرف غامض عَبَّرَ عنه الْمُؤَرِّخُونَ بِأَنَّ ركنة أمبا صدعته من عَلَى راحلته» (2). وَهَذَا الكلام من حفيد الشيخ نور الدين يدفعنا إِلىَ التساؤل عن هَذَا الظرف الغامض الذي يقصده؟ ألم يقنعه كلام
__________
(1) ينظر: أبو بشير: نهضة الأعيان، ص131 - 133. الحارثي: اللؤلؤ، ص20 - 21.
(2) مُقَدِّمَة سعود السالمي لإيضاح البيان، ص21. (1/416)
صفحة 417
عمِّه أبي بشير الواضح؟ وهل كُلُّ تلك التفاصيل والأحداث التي أوردها أبو بشير (ابن الشيخ نور الدين) بعد حادثة السقوط في 18 صفر من نسج الخيال؟ وَلَكِن من جهة أخرى: أليس إيراد أبي بشير لتلك التفاصيل إشارة إِلىَ إمعانه في التمويه، وإبعادا لذهن القارئ عن تخيُّل أيِّ سبب آخر لوفاة السالميِّ؟ ...
لَعَلَّ في كلام أبي مسلم الرواحي إشارة إِلىَ أَنَّ وفاة السالمي كانت غير عادية حين قال:
«فتكت بالسالمي المرتضَى غارة شعواء ما عنها حول
فتكةً لم يَحْمِ منها جيشُه لا ولا دافعها وقع الأسل» (1)
فوصف موت السالمي بالغارة الشعواء، وَأَنَّهُ لم يدافع عن السالميِّ الجيش ولا وقع الأسل (2)، يضعنا أمام علامة استفهام كبيرة: هل تُوُفِّيَ السالمي مغتالا؟
لا شَكَّ أَنَّ الأمر يختلف بين كون وفاة السالميِّ عادية، وبين كونه مغتالا. وَلَكِن هل يجوز لنا ـ من الناحية الشَّرعِيَّة ـ أن نتجرَّأ ونناقش قَضِيَّة خطيرة كهذه مَرَّ عَلَيْهَا قرابة قرن من الزمن؟ وهل طرح الموضوع عَلَى طاولة البحث يجرُّ فتنة؟ أم علينا أن نتحلَّى بالشجاعة ونناقشها بأعصاب هادئة؟. ومن جهة ثانية: أليس من الأسلم أن نكتفي بالقول: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} (البقرة: 134)؟ وَلَكِن ـ في هذه الحالة ـ هل يسوغ لنا أن نغضَّ الطرف عن القَضِيَّة وندعها لمن يناقشها وفق هواه، وفي الاتجاه الذي اختطَّه لنفسه؟ ومن جهة ثالثة: أليس عَلَى الباحث (القاضي) أن يحكم بناء عَلَى ما توفَّر لديه من الأَدِلَّة؟ ...
لا شَكَّ أَنَّ الحقيقة التَّارِيخِيَّة فوق كُلِّ اعتبار، وَلَكِن لا شَكَّ أَيضًا أَنَّ التسرُّع في إصدار الحُكم بغير يقين لا يُقبل شرعا ولا قضاء ولا منهجيًّا. لذا فحسبنا الآن أن نعرض ونناقش ما أثاره الباحث العزري قبل نحو سنتين ـ لأَوَّلِ مَرَّة، كما يقول ـ
__________
(1) الرواحي: الديوان، ص407 - 408.
(2) «الأسَلُ الشوك الطويل من شوك الشجر وتسمى الرماح أسَلا». الرازي: مختار الصحاح، مادَّة: «أسل»، ص7. (1/417)
صفحة 418
حول القَضِيَّة التي ظلَّت لعدة عقود طيَّ الكتمان في تراجم السالميِّ، حَتَّى إِنَّنَا لم نطَّلع عَلَيْهَا إِلاَّ في مرحلة مُتَأَخِّرة من البحث.
مهَّد الباحث كلامه بالحديث عن ظاهرة عزل أو اغتيال الأَئِمَّة في عُمان لتعود البلاد إِلىَ نقطة البداية من الصراع الطائفيِّ والاستنجاد بالأجنبيِّ، ثُمَّ أبدى مجموعة ملاحظات ملخَّصها: أَنَّ السالمي تُوُفِّيَ وَهُوَ صغير السنِّ (دون الخمسين)، وَأَنَّهُ أبرز شَخصِيَّة سِيَاسِيَّة في أحداث بداية القرن العشرين. ثُمَّ ذكر الباحث لقاء عقده في شهر سبتمبر سنة 1997م مع أحد أقرباء السالميِّ (1)، ودار بينهما الحوار الآتي:
«- هل تعتقدون فعلا أَنَّ وفاة الإمام السالميِّ كانت كما أوردها الشيخ أبي [كذا] بشير في نهضة الأعيان؟
- كلاَّ، فالإمام السالميُّ مات مقتولا، ونحن نعرف قاتله.
- لماذا إذن لم يكتب السبب الرئيسيُّ للوفاة؟
- لأَنَّ الإمام طلب ذَلِكَ قبل موته، كما عفا عن الجاني، خوفا من وقوع الفتنة بين العمانيِّين إذا علموا بالسبب الرئيسيِّ للوفاة، وأنت تعلم قدر الإمام في نفوس العمانيِّين» (2).
ثُمَّ طرح الباحث جملة من المعطيات التَّارِيخِيَّة نختصرها في النقاط الآتية (3):
· إِنَّ ظاهرة اغتيال الأَئِمَّة والعلماء في ظلِّ حكم الإمامة أو السلطنة ظاهرة متكرِّرة في التاريخ العمانيِّ (4).
·
__________
(1) يقول العزري: إِنَّ المتحدِّث أبى الخوض في مسألة وفاة السالمي إِلاَّ بعد إلحاح، وَهُوَ رجل مطَّلع وليس شخصا عاديًّا، وقد أصرَّ عَلَى عدم نشر اسمه، وهدَّد العزريَّ بالوقوف ضِدَّه إن هو نشره. ينظر: العزري: فكر السالمي، ص 201 - 202 (هامش).
(2) العزري: فكر السالمي، ص201.
(3) ينظر: العزري: فكر السالمي، ص 199 - 204، 207 - 208.
(4) مثل مقتل الشيخ أحمد بن النضر، والشيخ سعيد بن خلفان الخليلي وابنه محَمَّد، والشيخ محَمَّد بن سليم الغاربي، والإمام سالم بن راشد الخروصي. ينظر الصفحات: 109، 42، 133 - 134، 143 - 144 من البحث. (1/418)
صفحة 419
إذا كان الخلاف الذي نشب بين السالميِّ وشيخه العبريِّ، الذي انضمَّ إِلىَ الإمامة بعد تلكُّؤ (1)، يدخل ضمن دائرة الاجتهاد، فلماذا أثيرت القَضِيَّة أساسا؟ ويجيب الباحث: لأَنَّ الإمام أمضى الفتوى، وشرع في صرف الأموال الموقوفة لقراءة القرآن، وهي أموال لعامَّة الناس، أدخلها الإمام لخزينة الدولة الفارغة، وكانت فتوى السالمي كتبرير لتلك المصادرة التي تَمَّت.
· إِنَّ القَضِيَّة ما كانت لتثير فتنة لو لم تكن حجَّة العبريِّ قَوِيَّة.
· إِنَّ الظروف الاقتصاديَّة التي كانت تمرُّ بها عمان متدهورة، نتيجة للحرب العَالَمِيَّة الأولى، وَهُوَ ما توجَّب إيجاد مصادر فوريَّة لتغطية العجز، «فكانت فكرة السالمي بِضَمِّ الأموال الموجَّهة للموتى لانتفاع الأحياء بها» (2)، فصادر السالميُّ الرأيَ الفقهيَّ الموجود، وأمر الإمام بإمضاء الفتوى.
· إذا كان موت السالميِّ بسبب غصن شجرة لم يبصره، فهل خفي الغصن كَذَلِكَ عَلَى الفريق كُلِّه الذي كان يسير مع الشيخ، بمن فيهم قائده وحرَّاسه؟ هَذِهِ القِصَّة أشبه بقصَّة اغتيال الإمام سالم بن راشد بعد نحو سبع سنوات، والذي تَمَّ في وسط جيش، وتمكَّن القاتل من الهرب، ولم يتِمَّ القصاص منه إِلاَّ في مكان بعيد.
ثُمَّ طرح التساؤلات (3) الآتية: ألا يمكن أن تكون وفاة السالميِّ نتيجة لفتواه؟ هل يستبعد أن يعمد أحد المتضرِّرين من المصادرة إِلىَ قتله؟ وهل يمكن أن يكون
__________
(1) إِنَّ اعتذار العبريِّ عن الالتحاق بالاجتماع المنعقد قبل البيعة في تنوف لا يُسَمَّى تلكُّؤا، خَاصَّةً وَأَنَّهُ كان أَوَّل من وصل تنوف لبيعة الإمام قبل فتح نزوى، أي في الأسبوع الأَوَّل من البيعة. وَإِنَّمَا التلكُّؤ كان من الشيخ عيسى الحارثيِّ الذي لم يبايع بالإمامة إِلاَّ بعد نحو شهر، وبعد أن عاتبه الشيخ السالميُّ عتابا شديدا. ينظر: أبو بشير: نهضة، ص213.
(2) العزري: فكر السالمي، ص204. وفي الواقع: ليست الأموال التي أدخلت في بيت المال موجَّهة للأموات بل هي من مال الأموات موجَّهة للأحياء الذين يقرؤون القرآن!.
(3) لا يكتفي الباحث بإيراد التساؤلات فحسب، بل يَتَّخِذُ من مسألة اغتيال السالمي قَضِيَّة مسلَّمة ليبني عَلَيْهَا استنتاجات أخرى، فيقول: « ... إذ من المؤكَّد ـ بناء عَلَى ما سبق من اقتباسات ـ أَنَّ القتل قد تَمَّ في الحالتين [الشيخ السالمي والإمام الخروصي] من الداخل، أي داخل وسط حرَّاس السالمي والخروصي». العزري: فكر السالمي، ص207. (1/419)
صفحة 420
القاتل من أحد المتعصِّبين للفتوى المضادَّة؟ خُصُوصًا وَأَنَّ روح التعصُّب والتقليد الحرفيِّ لِمَا يصدر عن الشيخ أمر معروف في عمان، وَأَنَّ موت السالميِّ كان في منطقة العبريِّ، وَأَنَّ العبريَّ سلَّم بعد موت السالميِّ بما نجم عن الفتوى.
ولنا في التعليق عَلَى هَذَا الكلام أمور عِدَّة:
1 - إذا كانت قِصَّة وفاة السالميِّ التي ذكرها ابنه أبو بشير من نسج خياله، فلماذا نجد أبا إسحاق إبراهيم اطفيَّش ـ واضع ترجمة السالمي في مُقَدِّمَة جوهر النظام سنة 1345هـ/1926م، أي قبل نهضة الأعيان بأكثر من ثلاثين سنة ـ لا يشير إطلاقا إِلىَ أَنَّ الوفاة كانت غير طبيعيَّة؟ أكان متواطئا مع أبي بشير عَلَى إخفاء القَضِيَّة؟.
2 - كأنِّي بالعزريِّ يشير بأصابع الاتِّهام إِلىَ الشيخ العبريِّ، وَأَنَّهُ أثار زوبعة يقضي بها عَلَى خصمه، أو منافسه في منصب المكانة العِلمِيَّة، فَلَمَّا مات ارتاحت نفسه، فاستسلم وأذعن، ولم يكن رأيه الفقهيُّ سوى ذريعة للقضاء عَلَى السالميِّ! هَذَا كلام خطير وعظيم، يرمي إِلىَ التشكيك في إخلاص أعلام النهضة العمانيَّة الحديثة، دون أَدِلَّة تَارِيخِيَّة، سوى لقاء أجراه الباحث بعد ثلاث وثمانين عاما من الحادثة. إضافة إِلىَ ما يمكن أن يثيره هَذَا الكلام من فتنة بين العبريِّين والسوالم، وإذكاء نار القبليَّة المقيتة، التي عمل الشيخان السالميُّ والعبريُّ طوال حياتهما للقضاء عَلَيْهَا. ثُمَّ إِنَّ المصادر لا تشير إِلىَ أَنَّ العبريَّ أذعن لفتوى السالميِّ بعد وفاته، بل تشير إِلىَ نقيض ذَلِكَ، إذ اجتمع عِدَّة علماء، من بينهم الإمام سالم الخروصيُّ والعبريُّ، «فأجمع رأيهم، وَاتَّفَقَ نظرهم جميعا عَلَى السكوت عن تلك الأموال المبيعة، وَعَلَى عدم بيع ما بقي منها، وَعَلَى عدم الخوض فيما سبق من الاختلاف ... فارتفع بِذَلِكَ الاِتِّفَاق ما سبق من الشقاق» (1)، وَهَذَا النصُّ يُبَيِّنُ بوضوح أَنَّ المتنازل عن رأيه هو الإمام سالم الخروصيُّ لا العبريُّ. وإذا افترضنا صِحَّة مقتل السالميِّ، وَأَنَّهُ وقع من قبل المتعصِّبين للعبريِّ، فهل تختفي هَذِهِ الحادثة مع مرور أكثر من ثمانين عاما؟ وهل سيخفيها أنصار السلطنة والإنجليز المعارضين للسالميِّ والعبريِّ معا؟ لا شَكَّ أَنَّ
__________
(1) أبو بشير: نهضة، ص456. (1/420)
صفحة 421
انتشار خبر كهذا مِمَّا سيخدم مصالحهم (1). لذا فَهَذَا الاتهام، الذي ورد في رسالة أكاديميَّة، والذي لا يستند إِلىَ شواهد تَارِيخِيَّة، وبَيِّنَات يقينيَّة، مع خطورته ـ لأَنَّهُ يَتَعلَّقُ بالدماء ـ لا يمكن أن يثبت أمام النقد.
3 - يفهم من كلام الباحث المذكور أَنَّ الإمام لَمَّا وجد الخزينة فارغة، بادر بمصادرة أموال ”عَامَّة الناس“، ثُمَّ قال للسالميِّ: هيَّا يا شيخ، ابحث في حافظتك أو انفض الغبار عن كتبك العتيقة لَعَلَّك تجد تبريرًا لِمَا قمنا به! ... هَذَا ما يتناقض والنصوص التَّارِيخِيَّة والفِقهِيَّة، التي تصرِّح بأَنَّ المبادرة كانت من السالميِّ، وَأَنَّ هَذَا الرأي مبنيٌّ عَلَى محاربة البدع وإحياء السنن، ومن المستبعد جِدًّا أن تكون الفتوى تبريرا للمصادرة التي تَمَّت، وقد علمنا مِمَّا سبق أَنَّ السالمي لم يكن من ”فقهاء البلاط“ الذين يبرِّرون ظلم الحكَّام، وأَنَّ رفض السالميِّ للإيصاء بقراءة القرآن عَلَى القبور كان قبل الإمامة بِعِدَّةِ سنوات، كما جاء في كِتَاب جوهر النظام الذي ابتدأ السالمي تأليفه سنة 1323هـ/1906م، والذي دعا فيه إِلىَ عمارة المساجد بدل القبور، وبالرغم من التصريح فيه بعدم تخطئة من أثبت هَذَا الوقف، وبالرغم من أَنَّهُ لم يتجرَّأ عَلَى إبطال الوَصِيَّة من أساسها آنذاك مع اعترافه ببدعيَّتها، واكتفى بإبطال اشتراط المكان (القراءة عَلَى القبر)، إِلاَّ أَنَّ الأسلوب الذي استخدمه في مناقشة القَضِيَّة يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الجدال في المسألة كان حادًّا منذ ذَلِكَ الحين (2)، وليس تبريرا للمصادرة، ولا وليدا للظروف الاقتصاديَّة التي أشار إليها العزري.
4 - إِنَّ الظروف الاقتصاديَّة لم تكن نتيجة للحرب العَالَمِيَّة الأولى، فَإِنَّ قيام الإمامة كان في ماي 1913م، ووفاة الإمام السالميِّ كانت في جانفي 1914م، وكلا الحدثين كانا قبل اندلاع الحرب.
5 -
__________
(1) رأينا في أَوَّل البحث أَنَّ بَعض السلاطين السابقين أذكوا نار الفتنة بين القبائل، ليبعدوها عن المساس بالحكم. ينظر: ص43 من البحث.
(2) ينظر: جوهر النظام، 3/ 392 - 393. (1/421)
صفحة 422
إِنَّ الأموال التي تَمَّت مصادرتها ليست من أموال الشعب، وَإِنَّمَا هي أموال أوقاف جُهِل أصحابها، كما جاء ذَلِكَ في صريح عبارة السالميِّ التي يقول فيها: « ... وإذا بطلت الوَصِيَّة بِذَلِكَ أو التوقيف رجع المال للوارث، وإذا جُهل فللإمام جعله في عزِّ الدولة، ونحن لم نَبِعْ من ذَلِكَ إِلاَّ العتيق الذي جُهل الموصِي به أو الموقِف، فضلا عن وارثه، فكيف نسأل عن وارث من لم نعرف اسمه ولا نَسَبَهُ، أَمَّا ما عُلم موقِفه فتوقَّفنا عنه من غير أن نبحث عن وارثه أمجهول أم معلوم ... » (1).
6 - إِنَّ نفْع فتوى السالمي أكبر من ضرِّها، إذ تجلب المال لورثة الموصي، لأَنَّ الفتوى تقضي برجوع ما أُوصِيَ به للقراءة إِلىَ الورثة، وبهذا الرأي يتمكَّنون من استرداد الأموال التي كان من المفروض أن تنفلت من أيديهم؛ فكيف تكون هَذِهِ الفتوى سببا للقتل؟ ولا يتضرَّر بالفتوى غير قارئ القرآن الذي يتلقَّى الأجرة عَلَى قراءته، من نخيل (2) عُمرها عشرات السنين أو أفلاج أو آبار عمرها مئات السنين لا يُعرف أصحابها.
ويضيف العزريُّ احتمالا آخر لوفاة الإمام السالميِّ، بناء عَلَى معطيات (3) أخرى وهي:
· أَنَّ الإنجليز ينسبون اندلاع ”العصيان المدنيِّ“ إِلىَ الشيخ السالميِّ.
· أَنَّ المحاولات التي بُذلت للتوصُّل إِلىَ اتِّفَاق ينهي النزاع بين السلطان والإمام، والذي يهدِّد مصالح الإنجليز ـ بما فيها اقتراح تقسيم عمان إِلىَ سلطنة وإمامة ـ تُصدم عَلَى الدوام برفض السالميِّ المطلق.
· أَنَّ قبول التقسيم قد تَمَّ بالفعل بعد وفاة السالميِّ، وبعد مقتل الإمام.
__________
(1) العقد الثمين، 2/ 256 - 258.
(2) لفظة} الأموال} في عرف العمانيِّين تنصرف غالبا إِلىَ النخيل وما يرتبط بها.
(3) ينظر: عمان الديمقراطية، ص279 وما بعدها. (1/422)
صفحة 423
وبناء عَلَى هَذِهِ المعطيات «ألا يمكن القول إذن: إِنَّ مقتل السالميِّ قد تَمَّ بتدبير من المخابرات البريطانيَّة، وبفعل جواسيس حليفها السلطان؟» (1).
في رأينا أَنَّ هَذَا الطرح فيه نظر كَذَلِكَ، لعدَّة أمور:
1 - لو كان صحيحا لَمَا تردَّد أنصار الإمامة في نشره، لأَنَّهُ يخدم قَضِيَّة صراعهم ضِدَّ الإنجليز والسلطان، ولا يثير فتنة ـ كما يقول أحد أقرباء السالمي المذكور ـ بل يُؤَدِّي إِلىَ تأجيج روح المواجهة أكثر، لِمَا للسالميِّ من مكانة في النفوس.
2 - لو كان القتل صحيحا وتمَّ عَلَى يد المخابرات فلماذا لم ينشره أبو بشير، وَهُوَ الحريص دوما في كِتَابه عَلَى فضح دسائس الإنجليز والسلطان، خَاصَّةً إذا علمنا أَنَّهُ ألَّف كِتَابه ”نهضة الأعيان“ ـ وَهُوَ في المنفى ـ مع نهاية الخمسينيَّات من القرن العشرين، في وقت كانت ثورة العمانيِّين ضِدَّ الإنجليز عَلَى أشدِّها؟.
3 - لماذا لم تظهر قِصَّة الاغتيال ـ إن صَحَّت ـ في الوثائق الفرنسيَّة أو البريطانيَّة أو الأمريكيَّة، التي اعتمدها المستشرق لاندن، ولا التي اعتمد الدكتور غبَّاش عَلَى أكثر من 250 وثيقة منها؟ في حين ذكرت تلك الوثائق قَضِيَّة اغتيال الإمام سالم بطريقة تشعر بمسؤوليَّة الإنجليز في الحادث (2). ولماذا لم تظهر ”الحقيقة“ عَلَى يد أحد الشيوخ طوال ثمانية عقود، وأصحابُ القَضِيَّة (الشيخ السالمي والسلطان تيمور) قد أفضوا إِلىَ رَبِّهِم، ومن الشيوخ من يكتب اليوم عن فضائح بَعض الحكَّام الحاليِّين، وهم عَلَى قيد الحياة؟ (3).
من خلال هَذِهِ المناقشة، وبناء عَلَى ما توفَّر لدينا من نصوص، تبقى وفاة السالميِّ اغتيالا مسألة يعوزها الدَّلِيل، ويبقى ما طرحه الشيخ أبو بشير هو المعتمد، ما لم يقم دَلِيل يقينيٌّ يعارضه، والقَضِيَّة تَتَعَلَّقُ بإزهاق روح، لا يمكن المجازفة بالقول فيها بغير علم.
__________
(1) العزري: فكر السالمي، ص206.
(2) ينظر: غباش: عمان الديمقراطية، ص285، 290 - 291.
(3) ينظر: الحارثي: اللؤلؤ، ص354. (1/423)
صفحة 424
ثالثا - رثاؤه:
ما إن انتشر خبر وفاة السالميِّ حَتَّى اهتزَّت له القلوب، ولهجت ألسنة الشعراء برثائه، وحاز قصب السبق في ذَلِكَ أبو مسلم ناصر بن عديّم الرواحي، فنظم قصيدتين طويلتين فائقتين: رائيَّة ولاميَّة، أَمَّا الرائيَّة فكان مطلعها:
«ريب المنون مقارض الأعمار وحياتنا تعدو إِلىَ المضمار» (1)
وقد ضمَّنها الشاعر جملة من المواعظ الحسان، والحكم البالغة، حول غرور النفس بالدنيا الفانية، والدعوة إِلىَ الاعتبار بالموت، و”لوم“ الموت عَلَى قبض الأخيار، إضافة إِلىَ ذكر مناقب السالمي والإمام الخروصي وأنصارهما، ومواساة إخوانه عَلَى جلل المصاب، منها قوله:
«ما الهول من يوم النشور أَشَدُّ من هول النعي بسيِّد الأبرار
العالم القطب المجدِّد عمدة الـ ـعلماء طرًّا كعبة الأسرار
يا من أذاب الصخر حرُّ مصابه من ذا تركتَ لدولة الأحرار؟
وزَّعتَ بين الدين والوطن الأسى توزيعك الطاعات في الأطوار
ودعوت في الإِسلاَمِ دعوة مخلص ثابت إليك ذوو الأبصار ... » (2)
وَأَمَّا اللاميَّة فكان مطلعها:
«نكِّسي الأعلام يا خير الملل رزئ الإِسلاَم بالخطب الجلل
وانتثر يا دمع أجفان التقى قد أصيب العلم واغتيل العمل» (3)
ويواصل حديثه عن هول المصاب، والفراغ الذي تركه السالميُّ في الدعوة والعلم والقيادة:
«عجبا مِن نعش تحمله فتية وهو عَلَى الكون اشتمل
جمعَ العالَمَ في حيزومه أترى العالم في القبر نزل؟!
__________
(1) الرواحي: ديوان، ص399 وما بعدها. أبو بشير: نهضة، ص140 - 148.
(2) الرواحي: ديوان، ص402 - 403. مُقَدِّمَة أبي إسحاق لجوهر النظام، 1/ح-ط.
(3) الرواحي: ديوان، ص406. مُقَدِّمَة أبي إسحاق لجوهر النظام، 1/ط. (1/424)
صفحة 425
يا وليَّ الله إذ ودَّعتنا فَمَن الآن عَلَيْهِ المتَّكَل؟
من يجلِّي ظُلَم الجهل ومن ينصر الدين اضطلاعا للجلل؟» (1)
وللشيخ سالم بن حمود السيابي (2) في رثاء السالميِّ قصيدة في 66 بيتا، مطلعها:
«أخلص فقد فاز ذو الإخلاص بالأمل واستخلص الشرف المرضي بالعمل» (3)
وقد ذكر فيها بأسلوب التورية بعض مُؤَلَّفَات السالمي، وضمَّنها جملة من خصاله الحميدة: شجاعة وإخلاصا، واهتماما بأمر المسلمين، وإيقاظا الهمم، وعملا دعويَّا صادقا ...
رحم الله شيخنا نور الدين السالمي،
وجزاه عن خدمة العلم والدين خير الجزاء.
- - - -
__________
(1) الرواحي: ديوان، ص408.
(2) الشيخ سالم بن حمود بن شامس السيابي (1326 - 1413هـ/1908 - 1993م) من علماء عمان الأجلاء، تعلم عَلَى يد الشيخ سعيد بن خلفان السيابي، تَوَلىَّ القضاء ببوشر، وعمل واليا وقاضيا عَلَى نخل وملحقاتها، ثُمَّ جعلان، ثُمَّ قاضيا بالمحكمة الشَّرعِيَّة بمسقط. ترك عِدَّة مُؤَلَّفَات في التاريخ والفقه، منها: إسعاف الأعيان في أنساب عمان، الحقيقة والمجاز في تاريخ الإباضية باليمن والحجاز، عمان عبر التاريخ، العنوان في تاريخ عمان، إرشاد الأنام في الأديان والأحكام. ينظر: الخصيبي: شقائق، 3/ 75 - 98.
(3) الخصيبي: شقائق، 3/ 88 وما بعدها. (1/425)
صفحة 426
صفحة 426 بيضاء (1/426)
صفحة 427
الخاتمة
عاش السالمي في بيئة كانت تعجُّ بالاضطرابات: ضغط سياسيٌّ إنجليزيٌّ عَلَى حكَّام عمان، وإسقاط لنظام الإمامة، وملاحقة أتباعها، وفساد في الحكم السلطانيِّ، وضغط عَلَى الرعيَّة، وأزمات اجتِمَاعِيَّة واقتصاديَّة متلاحقة، وجمود فكريٌّ، وفساد في العقيدة والخلق عمومًا، إلا من رحم ربُّك ... ويريد الله أن يولد الشيخ في أسرة هزَّتها مصائب مَادِّيَّة، ويتعلَّم عَلَى يد مشايخ يحيطونه بالرعاية والاهتمام، ويتكبَّد في طلب العلم مشاقَّ الرحلات بين بلدان عمان، ويكون لأساتذته دور كبير في توجُّهه السياسيِّ.
بعد مرحلة التعلُّم، شرع في التدريس في وقت مبكِّر، وتخرَّج عَلَى يديه جملة من التلاميذ، صار لهم دور كبير في المجتمع: سياسةً وقضاءً وفتوًى وأدبًا وحركيَّةً، وصار أغلبهم أركانا في دولة الإمامة الجديدة.
بدأ التأليف وهو لا يتجاوز الواحدة والعشرين من عمره، وتخطَّى حواجز عصر الانحطاط، إذ رأى أَنَّ التأليف والإبداع ضرورة يحتِّمها الواقع الثقافيُّ والاجتماعيُّ؛ وترك إنتاجا غزيرًا، في العقيدة والحديث والأصول والفقه والأدب والتاريخ والإصلاح، وتدرَّج في التأليف تدرُّجا سَنَنيًّا، وقد تميَّز إنتاجه بما يأتي:
1. التنوُّع والتخصُّص: إذ ألَّف في عِدَّة فنون، وخصَّص لِكُلِّ فنٍّ كِتَابا مستقلاًّ، الأمر الذي لم يكن مألوفا لدى أغلب العمانيين، إذ كانوا يجمعون عِدَّة فنون في كِتَاب واحد.
2. تنوُّع دوافع التأليف من مُؤَلَّف لآخر إِلىَ ذَاتِيَّة، وموضوعيَّة، وظرفيَّة.
3. الالتزام إِلىَ حدٍّ بعيد بالمنهج العلميِّ في تعامله مع المصادر، باعتماده عَلَى أُمَّهَات الكتب والتحلِّي بالأمانة والمنهجيَّة العِلمِيَّة في كثير من تآليفه، وفي تحقيقه للنصوص. (1/427)
صفحة 428
4. الاحترام والمناقشة العِلمِيَّة الرصينة عُمُومًا في تعامله مع رأي الآخر، وقد يحتدُّ النقاش ـ خاصَّة في قضايا أصول الدين ـ ليخرج إِلىَ الأسلوب الخطابيِّ القاسي أحيانا.
5. الاجتهاد وعدم التقليد، ولا فرق لديه بين عالم وآخر إِلاَّ بِقُوَّة الدَّلِيل والبرهان.
6. استخدام الشِّعر والنظم وسيلةً لنشر أفكاره، في بيئة تفتقر إِلىَ وسائل الإعلام الحديثة.
7. عدم الاستفادة من العلوم الحديثة في عصره، والاكتفاء بآراء القدامى، قد ينقضها العلم الحديث.
8. سلاسة أسلوبه، وسهولة معانيه، وتدرُّجه بساطة وعمقا، حسب مستوى القارئ الذي يوجِّه إِلَيْهِ مؤلَّفه.
9. الترتيب المنطقيُّ للأفكار والأبواب، الأمر الذي تفتقر إِلَيْهِ كثير من المُؤَلَّفَات العمانيَّة السابقة.
إِلىَ جانب دور السالميِّ في التأليف، كان له دور بارز في الإصلاح الدينيِّ والاجتماعيِّ، وقد تَمَثَّلَ فيما يأتي:
1. تشخيص الأوضاع السَّيِّئَة التي يَمُرُّ بها المجتمع، ودراسة أسباب فساد الرعيَّة، الذي أرجعه ـ في حلقة دائرية ـ إِلىَ فساد الحكم، وفساد الحكم أرجعه إِلىَ فساد الرعيَّة، ومهمَّة العلماء تتمثَّل في قطع هَذَا الدور بإصلاح الحاكم والمحكوم معا.
2. التوعية بضرورة بذل المجهود للتغيير، ونبذ روح التواكل، والاستكانة.
3. نفخ روح العودة إِلىَ الشريعة الإِسلاَمِيَّة وتعلُّم فنونها.
4. اتِّخَاذ موقف وسط عن التصوُّف، يجمع بين المدد الربَّانيِّ، والسعي الإِنسَانيِّ. (1/428)
صفحة 429
5. تصحيح العقيدة، وتخليصها من البدع، كتقديس بَعض الأشياء، واعتقاد تأثيرها، واستعمال التمائم والحروز ...
6. الدعوة إِلىَ توحيد الصفِّ الإِسلاَمِيِّ، والعودة إِلىَ الفطرة الإِسلاَمِيَّة، إِلاَّ أَنَّ نظرته في هَذَا الجانب كانت مثاليَّة أكثر منها واقعيَّة.
7. اعتبار الدين كلاًّ لا يتجزَّأ، فلا فائدة من كثرة التعبُّد، مع الذلَّة والمسكنة.
8. محاربة البدع في العبادات والمعاملات بصرامة، كالتي تَتَعَلَّقُ بالأذان، وصلاة الجماعة وصلاة السفر، وكقراءة القرآن عَلَى القبور، والربا وذرائعه. ودعا إِلىَ تفعيل دور المسجد، وإحياء صلاة الجمعة.
9. العمل عَلَى توحيد المجتمع العمانيِّ الذي أنهكته الصراعات القبليَّة.
10. استئصال الفساد من جذوره، بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولو باستعمال القُوَّةِ، وألحَّ عَلَى ضرورة تطبيق الحدود عَلَى المفسدين.
11. العناية بتربية الناشئة، وتكوينهم دينيًّا وخلقيًّا وعلميًّا، بالطرق البيداغوجيَّة المناسبة. إِلاَّ أَنَّهُ مِمَّا يؤخذ عَلَى الشيخ أَنَّهُ لم يولِ اهتماما بالمرأة وتثقيفها وإعدادها، كعنايته بالرجل.
12. التجديد كان السمة الغالبة في مواقفه وآرائه، وإن اتَّسمت أحيانا بالتقليد، وعدم الاستفادة من العلوم والوسائل الحديثة.
وَلَعَلَّ أبرز ما قام به السالمي هو العمل السياسيُّ، وبثُّ أفكاره السِّيَاسِيَّة في ثنايا الكتب العقديَّة والفِقهِيَّة والتاريخيَّة. وقد عمل في ثلاث جبهات: مقاومة الاستدمار الإنجليزيِّ، ومعارضة السلطان، ثُمَّ إعلان الإمامة.
مقاومة السالميِّ للإنجليز تَمَثَّلَ فيما يلي:
1. المنطلق العقديُّ في محاربة الاحتلال هو اعتباره مشركا، دخل ديار المسلمين بالحرب، لذا تجب محاربته.
2. اعتبار الاحتلال نتيجة لضعف المسلمين. (1/429)
صفحة 430
3. السعي في كشف الدسائس والمغالطات التي يلقيها المحتل في نفوس المسلمين.
4. اتِّخَاذ موقف التحفُّظ من مخترعات الغرب، ولو كانت مفيدة للإسلام أحيانا.
5. الدعوة إِلىَ المقاطعة التَّامَّة لمدارس الاحتلال، وتحريم مساعدته بِأَيِّ شكل من الأشكال، واتخاذ كُلِّ الوسائل المتاحة التي تقضُّ مضجعه، لإجلائه عن أرض المسلمين. إِلاَّ أَنَّنَا رأينا أَنَّ السالمي يفتي بوجوب الهجرة من البقاع التي استولى عَلَيْهَا المشركون إذا فتنوا المسلمين، مِمَّا يبدو متناقضا مع الدعوة إِلىَ طرد المحتل ووجوب جهاده.
وتمثَّل موقف السالمي من الحكم السلطانيِّ في النقاط الآتية:
1. تنحية النظام السلطانيِّ كان أوَّل اهتمامات السالميِّ؛ لأَنَّ فساده كان سببا رئيسا في الاحتلال، وفي الأزمات الدَّاخِلِيَّة للبلاد.
2. اتِّبَاع سياسة إضعاف السلطان، والحكم بتحريم مداراته في ظرف، وبجوازها في ظرف آخر.
3. الدعوة إِلىَ الجهاد، والإفتاء ـ وفق مبادئ مذهبه ـ بجواز الخروج عَلَى السلطان الجائر، ومن خرج في ذَلِكَ وجبت مناصرته.
4. معارضة السالميِّ للسلطان مَرَّت بثلاث مراحل: مرحلة الصراع العنيف، ثُمَّ مرحلة هدوء اتَّسمت بإسداء النصائح للسلطان، والاحترام المتبادل، ثُمَّ عودة إِلىَ الصراع السلميِّ حينا، والدمويِّ حينا آخر، بعد إعلان الإمامة.
وَأَمَّا مساعي السالميِّ لإحياء الإمامة، فقد ابتدأت بمساندته للشيخ صالح الحارثيِّ، إِلاَّ أَنَّ وفاة هَذَا الشيخ ـ الذي كان مَعْقِد أمل السالميِّ في إحياء الإمامة ـ كانت منعطفا حاسما في حياته، إذ أصيب بخيبة أمل كبيرة، وَلَكِن لم تكن سببا في الاستكانة والاستسلام، بل كانت محطَّة للنقد الذاتيِّ، وتغيير خُطَّة العمل الدعويِّ والإصلاحيِّ، فاهتمَّ بتكوين القاعدة النخبويَّة والشعبيَّة، واستغلَّ ما يملك من طاقات في الإنتاج الفكريِّ، وفي ترسيخ أفكاره في نفوس تلاميذه، ثُمَّ بثَّ الدعاية بشكل (1/430)
صفحة 431
سرِّيٍّ في كُلِّ من يَظُنُّ فيه موافقته، واستغلَّ قساوةَ الظرف الاقتصاديِّ، والضغطَ السياسيَّ، ليطرح البديل. كما استفاد من أخطاء التجارب الفاشلة السابقة، فتَمَّ له مراده بإعلان الإمامة، وتوسيع رقعتها الجغرافيَّة في أغلب أنحاء عُمان في وقت وجيز، لتستمرَّ بعد ذَلِكَ إِلىَ أواخر الخمسينيَّات من القرن العشرين.
فالظروف التي عاشها السالمي بقدر ما كانت مثبِّطة عن عمله الإصلاحيِّ، نظرا للمضايقات التي كانت من قِبل السلطان ومن ورائه الإنجليز، إِلاَّ أَنَّ نفس تلك الظروف كانت عوامل مساعدة، إذ مكَّنته من استغلال جوِّ الاحتقان السياسيِّ والاقتصاديِّ، لطرح بديل متكامل الجوانب (حسب ظرفه) يتقبَّله الناس بشكل أسرع، ومكَّنته من مراجعة الذات، وتقويم المسيرة، والوصول إِلىَ استراتيجيَّة أطول، وَلَكِن ذات نتائج أضمن وأدوم، وهو ما تُنادي به الحركات الإِسلاَمِيَّة المعتدلة اليوم.
وبهذا يمكننا القول:
إِنَّ السالميَّ في عمله الفكريِّ قد حاول السالمي تخطِّي عقبات عصر الانحطاط، وسعى للتجديد في أسلوب التأليف، وطريقة التفكير، وتصحيح المفاهيم، وإصلاح الوضع الفكريِّ القائم. وإن لم يتمكَّن من بلوغ ذَلِكَ في كُلِّ ما أنتجه، فكان أحيانا مقلِّدا في طريقة التأليف بسبب ما فرضته بيئته، أو في مضمون التأليف، بسبب عدم الاستفادة من العلوم والتكنلوجيا الحديثة.
أَمَّا في السياسة، فقد حاول تغيير الحكم القائم لاستشراء الفساد في كيانه، وبسبب ما اكتنفه من ولاء للإنجليز، وسعى إِلىَ الاستبدال به حكما عادلا، ينبني عَلَى أسس الشريعة الإِسلاَمِيَّة وقواعدها؛ وطبَّق مبادئها عمليًّا، بنشر العدل، وجمع الشمل، وتأمين الناس، وتطبيق أحكام الشرع؛ واستفاد من نظريَّات وتجارب السابقين، وكان أسلوبه في التغيير وفق خُطَّة محكمة ومدروسة. وما يؤخذ عَلَيْهِ في ذَلِكَ قِلَّة استفادته من تنظيم الدولة الحديثة، والتقدُّم التكنلوجيِّ السائد في الغرب. (1/431)
صفحة 432
وما كان للسالميِّ أن ينجز كُلَّ تلك الأعمال ويجني ثمارها ـ بعد توفيق الله بطبيعة الحال ـ لولا الصفات العالية التي تحلَّى بها، وأهمُّها الصبر والتوكُّل الحقيقيُّ عَلَى الله، أي بعد اتِّخَاذ جميع الأسباب التي كان يتصوَّرها وفق اجتهاده. وتلك الصفات جعلته ذا مكانة متميِّزة بين أقرانه العلماء والسياسيِّين، وَلَكِن لم تتجاوز شهرته دائرة عمان وَالإِبَاضِيَّة، ولم نعلم بوجود اتِّصَال بين السالميِّ والإصلاحيِّين الآخرين، أمثال جمال الدين الأفغانيِّ ومحمَّد عبده، رغم التشابه الكبير في الأفكار والعمل والوسائل. ويمكن اعتبار السالميِّ جامعا بين منهج الأفغانيِّ (إصلاح سياسة الحكَّام)، ومنهج محمَّد عبده (إصلاح التعليم، والاشتغال بالتأليف)، مع التذكير بِأَنَّ السالميَّ كان متحفِّظا مِمَّا يأتي من الغرب وإن كان مفيدًا.
ونخلص في النهاية إِلىَ جملة من التوصيات:
1. ضرورة الاهتمام بالتراث الفكريِّ الإِسلاَمِيِّ، بمختلف مشاربه (الإِبَاضِيِّ، والسنِّيِّ، والشيعيِّ، والاعتزاليِّ، والخارجيِّ ... ) دون إقصاء لأيِّ طرف، لِمَا في المقارنة بينها من فوائد عِلمِيَّة وعَمَلِيَّة.
2. دراسة الحركات الإصلاحية وَالسِّيَاسِيَّة الحديثة والمعاصرة، ومنها الحركات الإِبَاضِيَّة عَلَى الخصوص، وإدراجها ضمن المقررات الدِّرَاسِيَّة في المعاهد والكلِّيَّات والجامعات الشَّرعِيَّة والتَّارِيخِيَّة وَالاِجتِمَاعِيَّة وَالسِّيَاسِيَّة والأدبيَّة وَالتَّربَوِيَّة والإعلاميَّة ... لِمَا تحمله تلك الحركات من تجارب مفيدة للمسلمين وللبشريَّة قاطبة.
3. إجابة الباحثين عن بعض التساؤلات التي بقيت عالقة، والتي قصر الباحث عن الإجابة عنها، وحسبه أَنَّهُ استثار همم الدارسين، ليواصلوا مسيرة البحث، ويفيدوه بما توصَّلوا إِلَيْهِ.
وأخيرا نقول: إذا كان الوضع السياسيُّ والاقتصاديُّ والاجتماعيُّ والتربويُّ والإعلاميُّ والتقنيُّ في عهد السالميِّ لم يكن بالتعقيد والتطوُّر الذي بلغه اليوم، وإذا كان السالميُّ منذ أَيَّام شبابه عمل عَلَى صدِّ جانب كبير من (1/432)
صفحة 433
الهجمات الخَارِجِيَّة وَالدَّاخِلِيَّة عَلَى الإِسلاَم والمسلمين، واستطاع أن يُغَيِّر الأفكار، ويصحح التصوُّرات، ويبرز القيم الأصيلة للمجتمع الإِسلاَميِّ، واستعمل ما بيده من وسائل متاحة، فهل الشباب اليوم في مستوى التحدِّي والصراع الحضاريِّ؟ وهل استفاد من تلك التجارب الناجحة في بَعض جوانبها؟ وهل حاول تفادي الجوانب السلبيَّة فيها؟ وهل من تخطيط استراتيجيٍّ دقيق يضع الدواء في موطن الداء؟ وَيَرُدُّ للدين الإِسلاَمِيِّ فاعليَّته، وللإنسان دوره في خلافة الأَرض والشهود الحضاريِّ؟ ...
{إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ}
(سورة الرعد: 11)
تم بحمد الله (1/433)
صفحة 434
صفحة 434 بيضاء (1/434)
صفحة 435
الملحق والفهارس (1/435)
صفحة 436
صفحة 436 بيضاء (1/436)
صفحة 437
ملحق (خريطة عُمان) (1/437)
صفحة 438
قائمة المصادر والمراجع
· القرآن الكريم برواية ورش عن نافع.
أ- مُؤَلَّفَات الشيخ السالمي:
· أنوار العقول (منظومة)، إعداد: مجموعة من الأساتذة خرِّيجي قسم التخصُّص في الشريعة الإِسلاَمِيَّة، معهد عمِّي سعيد، غرداية، 1418هـ/1998م.
· إيضاح البيان في نكاح الصبيان:
- (مخ) الناسخ: راشد بن سليمان، تاريخ النسخ: 15 شعبان 1327هـ، المقاس: 29×20,5 سم، المسطرة: بين 20 و21 سطرا، الخط: مشرقي نسخي واضح، مرقم بالصفحات. نسخة مصورة بمكتبة الباحث من مكتبة الاستقامة ببني يزقن (1).
- تقديم سعود بن حمد السالمي، نشر مكتبة الإمام نور الدين السالمي، مطابع الباطنة ومكتبتها للطباعة التكنلوجية الحديثة، سلطنة عُمان، د. ت. (تاريخ التقديم: 1416هـ/1996م).
· بذل المجهود في مخالفة النصارى واليهود، نشر مكتبة الإمام نور الدين السالميِّ، مطابع الباطنة ومكتبتها، عُمان، الطبعة الأولى، 1415هـ/1995م.
· بهجة الأنوار شرح أنوار العقول في التوحيد، طبع بهامش الجزء الأَوَّل من كِتَاب شرح طلعة الشمس نشر: سالم بن سلطان الريامي، مطبعة الموسوعات، مصر، د. ت.
· تحفة الأعيان بسيرة أهل عُمان:
- مكتبة الاستقامة، مطابع النهضة، 1417هـ/1997م. جزءان (2).
- تصحيح وتعليق: أبي إسحاق إبراهيم اطفيَّش، المطبعة السلفيَّة، القاهرة، مصر، 1347هـ.
- تصحيح وتعليق: أبي إسحاق إبراهيم اطفيَّش، مطبعة الشباب، القاهرة، مصر، الطبعة الثانية، 1350هـ.
·
__________
(1) النسخة المعتمدة في الإحالات.
(2) هَذِهِ هي الطبعة المعتمدة في البحث، وعند الإحالة عَلَى طبعة أخرى ننبِّه عَلَى ذَلِكَ، وقد اضطررنا لاستخدام عِدَّة طبعات نظرا لاختلاف التعاليق الواردة فيها للشيخ أبي إسحاق اطفيَّش. (1/438)
صفحة 439
تلقين الصبيان ما يلزم الإِنسَان، صحَّحها التنوخي عزّ الدين، الطبعة السابعة، المطبعة العموميَّة، دمشق، 1386هـ/1966م.
· جوابات الإمام السالميِّ، تنسيق ومراجعة: د. عبد الستَّار أبو غدَّة، إعداد الفهارس: عزّ الدين خوجة وعبد الرحمن السالمي، إشراف: عبد الله السالمي، نشر: مكتبة السالمي، بديَّة، مطابع النهضة، سلطنة عُمان، الطبعة الأولى، 1417هـ/1996م. 7 أجزاء.
· جوهر النظام في علمي الأديان والأحكام، تعليق أبي إسحاق إبراهيم اطفيَّش، مطابع العقيدة، مسقط، سلطنة عُمان، الطبعة العاشرة، 1405هـ/1984م.
· الحجج المقنعة في أحكام صلاة الجمعة:
- طبع بهامش الجزء الثاني من كِتَاب شرح طلعة الشمس، نشر: سالم بن سلطان الريامي، مطبعة الموسوعات، مصر، د. ت.
- دراسة وتخريج: إبراهيم بن علي بن عمر بولرواح، إشراف: د. مصطفى بن صالح باجو، مذكِّرة التعمُّق في البحث، قسم التخصُّص في الشريعة، معهد الحياة القرارة، غرداية، الجزائر، 1418هـ/1997م. (مرقون).
· الحقُّ الجلي من سيرة شيخنا صالح بن علي، ضمن كِتَاب: عين المصالح في جوابات الشيخ الصالح، صحَّحه وأشرف عَلَى طبعه عزّ الدين التنوخي، المطبعة العموميَّة، دمشق، د. ت. ص1 - 45.
· ديوان السالمي (مخ)، د. نا، د. ت. ن.، المقاس: 19 × 28,5 سم، المسطرة: بين 26 و30 سطرا، الخط: مشرقي مقروء، مرقم بالصفحات، مخروم تنقصه الصفحتان 3و4. أَوَّله: قصيدة «لَشُغلي بأهل الدهر إحدى العجائب»، آخره: قصيدة لامية لأبي مسلم الرواحي. نسخة مصورة بمكتبة الباحث من مكتبة السالمي ببدية، سلطنة عُمان.
· روض البيان عَلَى فيض المنان في الردِّ عَلَى من ادَّعَى قِدَمَ القُرْآن، تحقيق: عبد الرحمن بن سليمان السالمي، نشر: مكتبة السالمي، بديَّة، مطابع النهضة، سلطنة عُمان، الطبعة الأولى، 1415هـ/1995م.
· شرح بلوغ الأمل في المفردات والجمل، الطبعة الأولى، مطبعة عمان ومكتبتها، مطرح، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان، 1406هـ/1986م.
· شرح طلعة الشمس عَلَى الألفية المسمَّاة بشمس الأصول، نشر: سالم بن سلطان الريامي، مطبعة الموسوعات، مصر، د. ت. جزءان.
· (1/439)
صفحة 440
شرح (1) الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع بن حبيب الفراهيدي،
- الجزء الأَوَّل والثاني: الطبعة الأولى، نشر: السلطان فيصل بن تركي، مطبعة الأزهار البارونية، [مصر]، 1326هـ.
- الجزء الثالث: تصحيح وتعليق: عزّ الدين التنوخي، نشر: سليمان وأحمد ابني محَمَّد السالمي، المطبعة العمومية، دمشق، 1383هـ/1963م.
· العقد الثمين نماذج من فتوى نور الدين، قام بتصميمه وتحقيقه والتعليق عليه وترتيبه: سالم بن حمد بن سليمان بن حميد بن عبد الله الحارثي المضيربي، وأشرف عَلَى إصداره وتصحيحه محَمَّد محَمَّد الدهان، دار الشعب، القاهرة، مصر، د. ت. (تاريخ المقَدِّمَة: 27 رجب 1373هـ). 3 أجزاء.
· غاية المُرَاد في الاعتقاد (منظومة)، نشر: حمود بن سالم بن محَمَّد الرواحي وإخوته، ضمن مجموع كتب، مطبعة الفجالة الجديدة، مصر، الطبعة الأولى للمجموعة، 1373هـ/1953م.
· قصيدة بائية حين وفود القنصل النصراني بعُمان المحميَّة (مخ)، ضمن مجموع قصائد، د. نا.، د. ت. ن.، المقاس: 18×14 سم، المسطرة: 13 سطرا. الخط: مشرقي نسخي واضح، مرقَّم بالصفحات، مصور بمكتبة الباحث، ويتضمَّن:
- بائية رَدَّ بها شاعر السلطان «تنسب إِلىَ سعيد بن مسلم ولد مجيز أو غيره» عَلَى الشيخ السالميِّ.
- بائية ثانية رَدَّ بها الشيخ السالميُّ عَلَى شاعر السلطان.
- بائية ثالثة رَدَّ بها الشيخ الحبشيُّ عَلَى شاعر السلطان.
· اللمعة المرضيَّة من أَشِعَّة الإِبَاضِيَّة، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان، سلسلة تراثنا، عدد 18، الطبعة الثانية، 1983م.
· مدارج الكمال نظم مختصر الخصال، مطابع دار الكِتَاب العربي، مصر، د. ت.
· مشارق أنوار العقول:
- نشر: السَّيِّد حمُّود بن محَمَّد بن سعيد، سلطان زنجبار، وقف عَلَى طبعه: عزيز بك زند، مطبعة جريدة " المحروسة "، مصر، 1314هـ.
__________
(1) الجزء الأَوَّل والثاني طُبعا بمطبعة الأزهار البارونية، بعنوان: حاشية الجامع الصحيح، والجزء الثالث طُبع بعد ذَلِكَ بدمشق بعنوان: شرح الجامع الصحيح، والاسم الذي أثبتناه هو ما اشتهر به. (1/440)
صفحة 441
- تعليق: الشيخ أحمد بن حمد الخليلي، نشر: زاهر بن حمد الحارثي، مطابع العقيدة، سلطنة عُمان، الطبعة الثانية، 1398هـ/1978م (1).
- تحقيق وتخريج: د. عبد الرحمن عميرة، دار الجيل، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 1409هـ/1989م. جزءان
- تحقيق: عبد المنعم العاني، تعليق: الشيخ أحمد بن حمد الخليلي، دار الحكمة، دمشق، سورية، الطبعة الأولى، 1416هـ/1995م.
· معارج الآمال عَلَى مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال، تحقيق: محَمَّد محمود إسماعيل، مطابع سجل العرب، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان، 1403هـ/1983م. 18 جزءًا.
· منظومتي [كذا] أنوار العقول وكشف الحقيقة، تقديم: «طالبين من طلاب العلم الشريف» [؟]، د. ن.، د. ت. ن.، د. م.
· المنهل الصافي عَلَى فاتح العروض والقوافي، مطابع سجل العرب، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان، 1402هـ/1982م.
· المواهب السنيَّة عَلَى الدرَّة البهيَّة، سلسلة تراثنا، عدد: 66 - 67، مطابع سجل العرب، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان، 1406هـ/1986م. جزءان.
ب- مصادر ومراجع لغير السالمي:
· ابن حجر أبو الفضل أحمد بن علي العسقلاني الشافعي (ت: 852هـ): فتح الباري شرح صحيح البخاري، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، محب الدين الخطيب، دار المعرفة، بيروت، 1379هـ.
· ابن رزيق حميد بن محَمَّد (ت: 1274هـ): الشعاع الشائع باللمعان في ذكر أَئِمَّة عمان، تحقيق: عبد المنعم عامر، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان، 1404هـ/1984م.
·
__________
(1) أغلب الإحالات إِلىَ هَذِهِ الطبعة، لِذَلِكَ فعندما لا أذكر الطبعة فَإِنَّمَا أعني بها هَذِهِ. والطبعات الأخرى أميِّز بينها بـ: ط. بيروت، أو ط. مصر، أو ط. دمشق. (1/441)
صفحة 442
[أبو الوليد سعود بن حميد بن خُلَيْفين] (1) (ت: 1373هـ): عين المصالح في جوابات الشيخ الصالح، صحَّحه وأشرف عَلَى طبعه عزّ الدين التنوخي، المطبعة العموميَّة، دمشق، د. ت.
· أحمد أمين: زعماء الإصلاح في العصر الحديث، موفم للنشر، الجزَائِر، 1990م.
· اطفيَّش امحَمَّد بن يوسف (ت: 1332هـ/1914م):
- رسالة إن لم تعرف الإِبَاضِيَّة ياعقبي ياجزائري، تصحيح: قاسم بن سعيد الشَّمَّاخِي العامري ومصطفى بن إسماعيل العمري الفارضي، نشر: السلطان فيصل بن تركي. د. م، د. ت. [بعد جمادى الأولى 1328هـ (تاريخ النسخ) قبل1331هـ (تاريخ وفاة فيصل)].
- كشف الكرب في ترتيب أجوبة الإمام القطب، ترتيب: أبي الوليد سعود بن حميد بن خُليفين المضيربي (ت: 1373هـ)، تحقيق: محَمَّد علي الصليبي، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان، 1405هـ- 1406هـ/1985م-1986م.
· البوطي محَمَّد سعيد رَمَضَان، الدكتور: اللامذهبية أخطر بدعة تهدد الشريعة الإِسلاَمِيَّة، دار الهدى للطباعة والنشر والتوزيع، عين مليلة، الجزَائِر، 1990م.
· تلامذة الشيخين أبي عبيد السليمي وخلفان بن جميل السيابي: شرح مختصر عَلَى بهجة الأنوار، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان، سلسلة تراثنا، عدد: 30، 1982م.
· الجرجاني علي بن محَمَّد الشريف (ت: 816هـ): التعريفات، مكتبة لبنان، بيروت، 1985م.
· جمعِيَّة التُّرَاث (لجنة البحث العلمي) - القرارة - غرداية: معجم أعلام الإِبَاضِيَّة من القرن الأَوَّل الهجري إِلىَ العصر الحاضر (قسم المغرب الإِسلاَمِي)، دار الغرب الإِسلاَمي، الطبعة الثانية، 1421هـ/2000م.
· جميل صليبا، الدكتور: المعجم الفلسفي بالألفاظ العَرَبِيَّة والفرنسية والإنجليزية واللاتينية، دار الكِتَاب اللبناني، مكتبة المدرسة، بيروت، لبنان، 1982م.
· جهلان عدون (ت: 1409هـ/1988م): الفكر السياسي عند الإِبَاضِيَّة من خلال آراء الشيخ محَمَّد بن يوسف اطفيَّش (1236 - 1332هـ/1818 - 1914م)، جمعِيَّة التُّرَاث، القرارة - غرداية، [1411هـ/1991م].
·
__________
(1) لم يُذكر المؤَلِّف في الغلاف، وَإِنَّمَا ذكر في ص92. (1/442)
صفحة 443
الجيطالي أبو طاهر إسماعيل بن موسى (ت: 750هـ/1350م): قواعد الإِسلاَم، تحقيق وتعليق: بشير بن موسى الحاج موسى، المطبعة العَرَبِيَّة، غرداية، الجزَائِر، 1418هـ/1998م.
· الحارثي سعيد بن حمد بن سليمان: اللؤلؤ الرطب في إبراز مستودعات القلب، د. ن.، د. ت. [حوالي سنة 1405هـ/1985م].
· الحجِّي خلفان بن زهران بن محَمَّد: المخطوطات العَرَبِيَّة في المكتبات العمانيَّة، دراسة لتكوينها وسبل الإفادة منها، رسالة ماجستير، إشراف الدكتور: عبد الستار عبد الحق الحلوجي، جامعة القاهرة، كُلِّيَّة الآداب، قسم المكتبات والوثائق والمعلومات، شعبة المكتبات، 1418هـ/1997م. (مرقون).
· الحضرمي أبو إسحاق إبراهيم بن قيس (ت: بعد 475هـ): مختصر الخصال، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان، 1404هـ/1984م.
· الخشت محَمَّد عثمان: فن كِتَابة البحوث العِلمِيَّة وإعداد الرسائل الجامعيَّة، دار رحاب للطباعة والنشر والتوزيع، الجزَائِر، د. ت. (تاريخ المقَدِّمَة: 1409هـ/1989م).
· الخصيبي محَمَّد بن راشد بن عزيز:
- الروض النضير [في ملتقطات الشيخ أبي بشير] (1) جمع وترتيب، د. نا.، الطبعة الأولى، سلطنة عُمان، 1413 - 1414هـ/1993م.
- شقائق النعمان على سموط الجمان في أسماء شعراء عمان، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، 1984م، 3 أجزاء.
· الخليلي أحمد بن حمد بن سليمان (معاصر):
- شرح مختصر لقصيدة غاية المراد في الاعتقاد، د. ت. (مرقون).
- وسقط القناع، مكتبة الضامري للنشر والتوزيع، السيب، سلطنة عُمان، الطبعة الأولى، 1418هـ/1998م.
· الخوري فؤاد إسحاق: إمامة الشهيد وإمامة البطل، التنظيم الديني لدى الطوائف والأقلِّيَّات في العالم الإِسلاَمِي، مركز دار الجامعة للطباعة والنشر والتوزيع، جونية، لبنان، الطبعة الأولى، 1988م.
·
__________
(1) ما بين معقوفين أضفناه من المقَدِّمَة التي وضعها جامع الكِتَاب، وهي ساقطة من صفحة الغلاف. (1/443)
صفحة 444
الرواحي أبو مسلم ناصر بن سالم بن عديم (ت: 1338هـ): ديوان الرواحي، حقَّقه ودقَّقه عبد الرحمن الخزندار، عُني بطبعه ونشره صالح بن عيسى الحارثي، مطابع دار المختار، 1406هـ/1986م.
· الزِّرِكلي خير الدين (ت: 1396هـ):
- الأعلام قاموس تراجم لأشهر الرجال والنساء من العرب والمستعربين والمستشرقين، دار العلم للملايين، بيروت، لبنان، الطبعة الحادية عشرة، 1995م.
- شبه الجزيرة العَرَبِيَّة في عهد الملك عبد العزيز، بيروت، الطبعة الأولى، 1970م.
· السالمي أبو بشير محَمَّد شيبة بن نور الدين (ت: 1395هـ/1975م):
- ترجمة الإمام نور الدين السالمي، (مخ) الناسخ: الشيخ عمر بن يوسف عبد الرحمن اليسجني، بتاريخ 15 مُحَرَّم الحرام عام 1372هـ/ 6 أكتوبر 1952م، بِمَكَّة المكرَّمة، المقاس: 17×22 سم، المسطرة: 23 سطرا، الخط: مغربي واضح، مرقم بالصفحات. أوَّله: بعد البسملة والحمدلة والتصلية: «أَمَّا بعد فقد عنَّ لي أن أذكر بَعض مناقب سَيِّدي وعمدتي وفخري، بل وفخر المذهب الإِبَاضِيِّ والدي عبد الله بن حميد بن سلوم ... ». آخره: « ... فقال [الرواحي] جزاه الله خيرا عن الإِسلاَمِ والمسلمين ... » (1). نسخة مصوَّرة بمكتبة الباحث من مكتبة جمعية أبي إسحاق لخدمة التراث، بغرداية، الجزَائِر.
- نهضة الأعيان بحريَّة عُمان، مطابع دار الكِتَاب العربي، القاهرة، مصر، د. ت.
· السالمي أبو نذير محَمَّد بن شيخان (ت: 1346هـ/1927م): ديوان ابن شيخان السالمي، جمعه ووضع له مُقَدِّمَة: [أبو بشير] محَمَّد بن نور الدين السالمي، راجعه ووضع فهارسه: د. عبد الستار أبو غدة، شركة المطابع النموذجيَّة المساهمة المعدودة، عمَّان، الأردن، الطبعة الأولى، 1399هـ/1979م.
· السيابي سالم بن حمود بن شامس (ت: 1412هـ/1993م): عمان عبر التاريخ، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، 1406هـ/1986م.
· السيار عائشة علي: دولة اليعاربة، عمان وشرق إفريقيا في الفترة 1624 - 1741م، وزارة الإعلام بدولة الإمارات العَرَبِيَّة المتَّحدة، دار القدس، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، يناير 1975م.
·
__________
(1) لم يتمم الناسخ كِتَابة قصيدة الرواحي لأَنَّهَا طويلة وموجودة في ديوان الرواحي وغيره، أَمَّا الترجمة فهي كاملة. (1/444)
صفحة 445
سيدة إسماعيل كاشف: عمان في فجر الإِسلاَم، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان، سلسلة تراثنا، عدد: 01، الطبعة الثانية، 1982م.
· شاتليه أ. ل.: الغارة عَلَى العالم الإِسلاَمِي، لخَّصها ونقلها إِلىَ العَرَبِيَّة: محب الدين الخطيب ومساعد اليافي، الطبعة الرابعة، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزَائِر، 1405هـ/1985م.
· الشيخ بالحاج محَمَّد بن بابه: القرآن الكريم تفسيره ومفسِّروه، السنَّة روايتها ورواتها عند الإِبَاضِيَّة، سلسلة ”وقل رَبِّ زدني علما“ رقم: 1، المطبعة العَرَبِيَّة، غرداية، 1984م.
· الطائي عبد الله بن محَمَّد: ملائكة الجبل الأخضر، قِصَّة الثورة في عمان، مطابع الوفاء، بيروت، د. ت.
· طهاري محَمَّد: مفهوم الإصلاح بين جمال الدين الأفغاني ومحمَّد عبده، الْمُؤَسَّسَة الوطنيَّة لِلكِتَاب، الدار التونسية للنشر، الجزَائِر، 1984م.
· عبد المنعم عامر: عمان في أمجادها البحرية، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان، سلسلة تراثنا، عدد: 8، يونيو 1980م.
· عبيدلي أحمد: الإمام عزَّان بن قيس (1868 - 1871) جوانب من التاريخ العربيِّ الإِسلاَمِيِّ في ظلِّ الهيمنة الأوروبيَّة، دار الحداثة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية، 1984.
· عزّ الدين حامد محمود (إعداد بتصرف من مَجَلَّة الدراسات العمانيَّة): عمان في فجر الحضارة، راجعه وأشرف عَلَى طبعه: عبد المنعم عامر، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان، سلسلة تراثنا، أفريل 1980م.
· العزري خالد بن محَمَّد: فكر السالمي السياسي حول نظام الإمامة بعُمان (1856 - 1914م)، بحث مُقَدَّم لنيل شهادة الدراسات المعمَّقة، إشراف: توفيق بن عيسى، المعهد الأعلى لأصول الدين، جامعة الزيتونية، تونس، (مرقون).
· العقيلي محَمَّد رشيد: الإِبَاضِيَّة في عمان وعلاقاتها مع الدولة العَبَّاسِيَّة في عصرها الأَوَّل، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان، سلسلة تراثنا، عدد: 60، أكتوبر 1984.
· عمر فاروق، الدكتور: التاريخ الإِسلاَمِي وفكر القرن العشرين، دراسات نقدية في تفسير التاريخ، دار اقرأ، بيروت، الطبعة الثانية، 1406هـ/1985م.
· (1/445)
صفحة 446
عمرو بن جُميع أبو حفص (ق7هـ) (ترجمة إِلىَ العَرَبِيَّة): عقيدة العَزَّابَة، تحقيق وتعليق: عمر بن أحمد بازِّين، الطبعة الأولى، المطبعة العَرَبِيَّة، غرداية، 1317هـ/1996م.
· غبَّاش حسين عبيد غانم: عُمان، الديمقراطية الإِسلاَمِيَّة، تقاليد الإمامة والتاريخ السياسي الحديث (1500 - 1970م)، نقل النص إِلىَ العَرَبِيَّة، د. أنطوان حمصي، دار الجديد، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 1997م.
· الغيثي سعيد بن ناصر (ق14هـ): إيضاح التوحيد بنور التوحيد، تحقيق: محمَّد بن موسى باباعمي ومصطفى بن محمَّد شريفي، نشر معهد القضاء الشرعي، سلطنة عمان، ط1، 1417هـ/1996م.
· الفيروزآبادي مجد الدين محَمَّد بن يعقوب (ت: 817هـ): القاموس المحيط، ضبط وتوثيق: يوسف الشيخ محَمَّد البقاعي، إشراف مكتب البحوث والدراسات، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، 1415هـ/1995م.
· القشيري أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن (ت: 376 - 465هـ): الرسالة القشيرية في علم التصوُّف، دار الكِتَاب العربي، بيروت، لبنان، 1376هـ/1957م.
· الكباوي عمر مسعود أبو القاسم: الربيع بن حبيب محدِّثا، رسالة ماجستير، جامعة الفتح، كُلِّيَّة التربية، قسم اللغة العَرَبِيَّة، ليبيا، المطبعة العَرَبِيَّة، غرداية، 1994م.
· الكندي أبو بكر أحمد بن عبد الله بن موسى النزواني (ت: 557هـ): الجوهر المقتصر، تحقيق: سيدة إسماعيل كاشف، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان، 1406هـ/1986م.
· الكندي سليمان بن محَمَّد بن أحمد (ت: 1298 - 1337هـ): بداية الإمداد عَلَى غاية المراد، تحقيق الطالب: حميد بن حمد بن سلطان الجحافي، (مخ)، بحث التخرج، إشراف الشيخ أحمد مهني مصلح، معهد القضاء الشرعي والوعظ، سلطنة عمان، د. ت. ويتضمَّن: قصيدة بائية للمؤلف نفسه، ينتصر فيها للشيخ السالمي.
· لاندن روبرت جيران: عمان منذ 1856 مسيرا ومصيرا، ترجمة: محَمَّد أمين عبد الله، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان، الطبعة الثالثة، 1404هـ/1983.
· مؤنس حسين، دكتور: أطلس تاريخ الإِسلاَم، الزهراء للإعلام العربي، القاهرة، الطبعة الأولى، 1407هـ/1987م.
· (1/446)
صفحة 447
مالك بن نبي (ت: 1393هـ/1973م): في مهب المعركة، إرهاصات الثورة، سلسلة مشكلات الحضارة، دار الفكر - الجزَائِر، دار الفكر - دمشق، سورية، ودار الملكية للإعلام والنشر والتوزيع، الجزَائِر، الطبعة الأولى، 1412هـ/1991م.
· مجهول (ق12هـ/18م): تاريخ أهل عمان، تحقيق وشرح: د. سعيد عبد الفتاح عاشور، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان، 1406هـ/1986م.
· محَمَّد أمين عبد الله: عمان تاريخا وعلماء، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان، سلسلة تراثنا، عدد: 10، الطبعة الثانية، أوت 1980م.
· محَمَّد زيان عمر: البحث العلمي، مناهجه وتقنياته، الطبعة الرابعة، دار الشروق، جدَّة، السعودية، ديوان المطبوعات الجامعيَّة، الجزائر، 1987م.
· المرهوبي عامر علي عمير: عمان قبل وبعد الإِسلاَم، محاضرة بمهرجان العالم الإِسلاَمِي بلندن (أفريل-يونيو 1976)، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان، سلسلة تراثنا، عدد: 12، أكتوبر 1980.
· معمر علي يحيى (ت: 1400هـ/1980م): الإِبَاضِيَّة بين الفرق الإِسلاَمِيَّة عند كتَّاب المقالات في القديم والحديث، مكتبة وهبة، القاهرة، الطبعة الأولى، 1396هـ/1976م.
· المعهد الدبلوماسي العماني: محاضرات الدورة التاسعة عام 1994، وزارة الخَارِجِيَّة، سلطنة عُمان، مطابع دار جريدة عمان للصحافة، والنشر، سلطنة عمان.
· المعولي أبو سليمان بن محَمَّد بن عامر بن راشد (ق: 12هـ/18م): قصص وأخبار جرت في عمان، تحقيق: عبد المنعم عامر، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان، مطابع سجل العرب، القاهرة، 1979م.
· المنتدى الأدبي: قراءات في فكر السالمي، حصاد الندوة التي أقامها المنتدى الأدبي تكريما للعلاَّمة المرحوم نور الدين السالمي، إشراف: سالم بن محَمَّد الغيلاني، إعداد: محَمَّد علي الصليبي، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان، المطابع العَالَمِيَّة، روي، الطبعة الأولى، 1413هـ/1993م.
· مهدي طالب هاشم: الحركة الإباضية في المشرق العربي، نشأتها وتطورها حَتَّى نهاية القرن الثالث الهجري، رسالة ماجستير في التاريخ الإِسلاَمِي، كُلِّيَّة الآداب، بغداد، دار الاتحاد العربي للطباعة، الأردن، الطبعة الأولى 1404هـ/1981م.
· (1/447)
صفحة 448
المودودي أبو الأعلى: الخلافة والملك، تعريب: أحمد إدريس، شركة الشهاب، باتنة، الجزَائِر، 1988م.
· ناصر محَمَّد صالح، الدكتور: تراثنا الإِسلاَمي والعصر، مكتبة الضامري للنشر والتوزيع، السيب، سلطنة عمان، الطبعة الأولى، 1415هـ/1995م.
· الهاشمي مبارك بن سيف بن سعيد: الإمام نور الدين السالمي وآراؤه في الإلهيَّات مع مقارنة ذَلِكَ بآراء المعتزلة والأشاعرة والسلف، رسالة دكتوراه مقدَّمة بشعبة العقيدة والفلسفة، قسم أصول الدين، كلِّيَّة الدراسات الإِسلاَمِيَّة والعربيَّة، جامعة الأزهر، إشراف: د. جاد الله حجازي، 1413هـ/1993م (مرقون).
· هيرمان إيلتس: عُمان والولايات المتَّحدة الأمريكيَّة، مائة وخمسون سنة صداقة، ترجمة: محَمَّد كامل، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان، 1405هـ/1985م.
· الوارجلاني أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم (ت: 570هـ):
- الدليل لأهل العقول لباغي السبيل بنور الدليل لتحقيق مذهب الحق بالبرهان والصدق، تحقيق: سالم بن حمد الحارثي، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان، 1403هـ/1983م.
- العدل والإنصاف في أصول الفقه والاختلاف، حقَّقه وعلَّق عَلَيْهِ: د. عمرو خليفة النامي، د. ت. (مرقون).
· واعلي بكير بن بالحاج (ت: 1417هـ /1996م): الإمامة عند الإِبَاضِيَّة بين النَّظَرِيَّة والتطبيق مقارنة مع أهل السنة والجماعة، رسالة ماجستير بالمعهد الوطني العالي لأصول الدين، الجزَائِر، إشراف: د. عبد الرزاق قسُّوم، 1415هـ/1995م، (مرقون).
· وزارة الإعلام: عُمان 99، مسقط، سلطنة عمان، 1420هـ/1999م.
· وزارة التراث القومي والثقافة: فهرس المخطوطات، سلطنة عُمان، الطبعة الأولى، 1416هـ/1995م، الجزء الأَوَّل.
· الوسمي خالد ناصر: عُمان بين الاستقلال والاحتلال دراسة في التاريخ العماني الحديث وعلاقاته الإقليميَّة والدوليَّة في الفترة ما بين 1789 - 1904م، مُؤَسَّسَة الشراع العربي، الكويت، الطبعة الأولى، 1993م.
· ويلكنسون جون: صُحار تاريخ وحضارة، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان، سلسلة تراثنا، عدد: 20.
· (1/448)
صفحة 449
اليوسفي أبو يوسف حمدان بن خميس بن سالم (ت: 1384هـ): خلاصة العمل في شرح بلوغ الأمل، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان، الطبعة الأولى، 1406هـ/1986م.
جـ- برامج حاسوبية:
· حرف لتقنيَّة المعلومات: جامع الفقه الإسلامي، القاهرة، مصر، الإصدار الأَوَّل، أكتوبر 1998م.
· الخطيب للتسويق والبرامج:
- مكتبة التفسير وعلوم القرآن، إشراف: مركز التراث لأبحاث الإعلام الآلي، الأردن. الإصدار 1.5، سنة 1419هـ/1999م.
- مكتبة العقائد والملل، إشراف: مركز التراث لأبحاث الإعلام الآلي، عمَّان، الأردن، الإصدار: 1.5، 1419هـ/1999م.
· شركة البرامج الإِسلاَمِيَّة الدولية: موسوعة الحديث الشريف، الإصدار الثاني، 1997م.
· شركة العريس للكمبيوتر ACI أراسوفت: موسوعة الشعر العربي، الإصدار الأول، د. ت.
· شركة صخر لبرامج الحاسب: القاموس (عربي - إنجليزي / إنجليزي - عربي)، العَالَمِيَّة، الإصدار 2، 1995 - 1996م.
· مركز التراث لأبحاث الحاسب الآلي: المكتبة الألفية للسنة النَّبَوِيَّة، عَمَّان، الأردن، الإصدار: 1.5، 1419هـ/1999م.
· Moon Calculator 5.2 : Dr Monzur Ahmed, 1999. ( موقع في الإنترنت) ( http://www.startlight.demon.co.uk./mooncalc)
د- المراجع الأجنبية:
· Robin Bidwel : A collection of texts dealing with the sultanate of Muscat and Oman and it’s international relation 1790 - 1970, in the journal of Oman studies, articles presented to the conference on Oman studies, held in Muscat November 1980.
· Donald Hawley : L’Oman et sa renaissance, Traduction: Suzanne Lombard et Nadine Vilols, Révision: André Mathys et Angela Milburn, Stacey international, Londres, 1978. (1/449)
صفحة 450
هـ- المقابلات:
· مقابلة مع الدكتور محَمَّد بن صالح ناصر، في بيته بالجزَائِر، بتاريخ: 16 ذو القعدة 1420هـ/21 فيفري 2000م.
· مقابلة مع الشيخ الناصر بن محَمَّد المرموري، في بيته بالقرارة بتاريخ: 05 صفر 1422هـ/28 أفريل 2001م.
??? (1/450)
صفحة 451
فهرس الآيات القرآنية
السورة ورقم الآية ... نص الآية ... الصفحات
البقرة: 29 ... {وَهُوَ بِكلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} ... 255
البقرة: 156 ... {إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} ... 250، 309، 312، 314
البقرة: 134 ... {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} ... 417
البقرة: 280 ... {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ اِلَى مَيْسُرَةٍ} ... 311
البقرة: 283 ... {فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ} ... 311
البقرة: 286 ... {لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا اِلاَّ وُسْعَهَا} ... 252
آل عمران: 55 ... {وَجَاعِلُ الذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} ... 332
آل عمران: 103 ... {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ} ... 315
آل عمران: 165 ... {أَوَلَمَّآ أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدَ اَصَبْتُمْ مِّثْلَيْهَا قُلْتُمُ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُم} ... 335
آل عمران: 169-170 ... {وَلاَ تَحْسِبَنَّ الذِينَ قُتِلُواْ فيِ سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلَ اَحْيَآءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَآ ءَاتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمُ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} ... 356
النساء: 165 ... {رُسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ} ... 10
المائدة: 2 ... {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الاِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} ... 340
المائدة: 8 ... {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَئَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ} ... 278
المائدة: 51 ... {وَمَنْ يَّتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُم} ... 337
الأعراف: 35 ... {يَابَنِي ءَادَمَ إِمَّا يَاتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمُ ءَايَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} ... 10
الأنفال: 46 ... {وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} ... 307، 315 (1/451)
صفحة 452
الأنفال: 63 ... {لَوَ اَنفَقْتَ مَا فِي الاَرْضِ جَمِيعًا مَّآ أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمُ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} ... 302
الأنفال: 65 ... {إِنْ يَّكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِاْئَتَيْنِ...} ... 356
الأنفال: 66 ... {الاَنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضُعْفًا فَإِن تَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ...} ... 356
التوبة: 8 ... {كَيْفَ وَإِنْ يَّظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُوا فِيكُمُ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَابَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ} ... 380
التوبة: 41 ... {انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَالِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمُ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} ... 342
التوبة: 111 ... {نَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُومِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالاِنجِيلِ وَالْقُرْءَانِ} ... 342
التوبة: 120 ... {مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الاَعْرَابِ أَنْ يَّتَخَلَّفُوا عَن رَّسُولِ اللَّهِ} ... 359
يونس: 44 ... {لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} ... 333
يوسف: 111 ... {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الاَلْبَابِ} ... 385
الرعد: 11 ... {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} ... 433
الإسراء: 24 ... {رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} ... 7
الكهف: 65 ... {ءَاتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا} ... 289
مريم: 59 ... {اَضَاعُواْ الصَّلاَةَ وَاتَّبَعُواْ الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا اِلاَّ مَن تَابَ} ... 337
الأنبياء: 107 ... {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} ... 10
الحج: 78 ... {وَجَاهِدُواْ فيِ اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ} ... 342
الحج: 78 ... {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فيِ الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} ... 252
المؤمنون: 44 ... {ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَآءَ اُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمُ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِّقَوْمٍ لاَّ يُومِنُونَ} ... 10
النور: 36 ... {فيِ بُيُوتٍ اَذِنَ اللهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ...} ... 308 (1/452)
صفحة 453
العنكبوت: 45 ... {وَأَقِمِ الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنكَرِ} ... 306
العنكبوت: 69 ... {وَالذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} ... 292
سبأ: 28 ... {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ} ... 295
فاطر: 28 ... {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَآءُ} ... 290
الصافات: 24 ... {وَقِفُوهُمُ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ} ... 272
فصلت: 33 ... {وَمَنَ اَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَآ إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} ... 10
الشورى: 30 ... {وَمَآ أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ بِمَا كَسَبَتَ اَيْدِيكُمْ} ... 335
الشورى: 40 ... {وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا} ... 335
الزخرف: 23 ... {إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى ءَاثَارِهِم مُّقْتَدُونَ} ... 284
محمد: 7 ... {إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ} ... 335
الممتحنة: 9 ... {إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمُ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَّتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} ... 336
الصف: 3 ... {كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ} ... 282
الطلاق: 2-3 ... {وَمَنْ يَّتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ} ... 348
الطلاق: 3 ... {وَمَنْ يَّتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} ... 300
الجن: 26-27 ... {فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا اِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ} ... 290
المدثر: 1-7 ... {يَآ أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنذِرْ...} إلى قوله: {وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ} ... 399
القيامة: 22-23 ... {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ اِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} ... 242
الصف: 10-13 ... {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَاَمَنُوا هَلَ اَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ اَلِيمٍ تُومِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَالِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمُ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ...} ... 356 (1/453)
صفحة 454
فهرس الأحاديث النبوية والآثار
? أثنى عليه السلام عَلَى أهل عمان ثناء حسنا ... 30
? «اجعلوا لبيوتكم حظا من صلاتكم، ولا تجعلوها قبورا" ... 309
? إذا ترك الأمر والنهي أديلت الكفار ... 334
? «إذا ظهرت البدع في أمتي فعلى العالم أن يظهر علمه، فإن لم يفعل فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل» ... 234
? أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحرق مسجد الضرار ... 318
? أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد دعا لأهل عمان أن لا يسلط عليهم عدوا من غيرهم ... 263، 285
? أن النبيء صلى الله عليه وسلم دعا في المقبرة ... 309
? أنكر الرسول صلى الله عليه وسلم شجرة ذات أنواط إنكارا شديدا ... 299
? «البر ما اطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في الصدر وتردد في النفس» ... 322
? حديث افتراق أمة محمد صلى الله عليه وسلم ... 211
? «الحكمة ضالة المؤمن فحيث وجدها فهو أحق بها» ... 406
? خصص الرسول صلى الله عليه وسلم للنساء يوما يعلمهن فيه أمور دينهن ... 326
? «خير القبور ما درس" ... 310
? «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» ... 322
? «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» ... 364
? «لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" ... 310
? «لن يبقى بعدي من النبوة إلا المبشرات، فقالوا: وما المبشرات يا رسول الله؟ قال: الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو ترى له، جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة» ... 295
? «ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا» ... 324
? «المؤمن بنور الله يبصر» ... 266
? «المؤمن وقاف» ... 323
? «المسلمون يد على من سواهم» ... 314
? «من أحسن منكم أن يتكلم بالعربية فلا يتكلم بالفارسية فإنه يورث النفاق» ... 265
? «من أخلص لله أربعين يوما ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه» ... 292
? «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» ... 255
? «من رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي» ... 296
? «من لم يشكر الناس لم يشكر الله» ... 49، 353
? «يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن» ... 318 (1/454)
صفحة 455
فهرس الشعر والنظم
... ... البيت (1) ... ... القائل ... الصفحة
(«لَكِنَّهُ لم يخل من ... أشياءِ ... معيبة عند أولي الذكاء
كمثل تطويل بغير ... طائل ... كذكره في النظم قول السائل
وذاك شَيْء دونه ... يُستغنى ... ومثل حشو ليقيم الوزنا
ومثل تكرار لغير ... معنى ... ومثل مشكل يحير الذهنا
وجعله الشطر بشطر ... متصِل ... وكان حقُّ مثله أن ينفصل
وعلَّق البيت بما ... يليه ... من غير ما ضرورة تُلجيه
إِلاَّ لذكر ما يجوز ... حذفه ... وذاك منه ليتمَّ ... كشفه» ... السالمي ... 246
(«مالي والأنذال ... والغوغا ... يرمونني بالبغض والشحناء
من غير ذنب غير أَنِّي ... طالب ... للدين أن يعلو عَلَى الأهواء
يدعونني للعجز عن ... طلب العلا ... ودعوتهم للمجد والعلياء
بالأمس كانوا خلَّتي ... فأغاظهم ... طلب الهدى فإذا هم خصمائي
الحقُّ باعَد بيننا ... فأحلَّني ... في عزَّة وأحلَّهم ببلاء
قالوا: شديد طبعه ذو ... غلظة ... فأجبتهم: لَكِن عَلَى السفهاء
ولقد خفضت جناح ذلٍّ ... للذي ... أضحى أخا تقوى وربَّ وفاء
أَمَّا العصاة فَإِنَّهُم ما ... شاهدوا ... مِنِّي سوى الإعراض والبغضاء
من ذاك شقَّ عَلَيْهِم ... ما عاينوا ... مِنِّي فملُّوا عيشي ... وبقائي...» ... السالمي ... 400
(«...وخلِّ مداراة الرجال ... فَإِنَّهَا ... هوان عَلَى من عَزَّ في الناس ... جانبُه» ... السالمي ... 349
(«فهل مبلِّغ عَنِّي بني المجد ... أَنَّنِي ... عَلَى العهد لا أنفك عَمَّا أطالبه
وإن صوَّبت نحوي الليالي ... سهامها ... ودقَّ عظامي من زماني ... نوائبه» ... السالمي ... 283
(«أعامر أنت عندي خير ... صاحب ... وأنت فتى عددتك للنوائب
أترحل عن أخيك عَلَى ... اختيار ... وتتركني بلا قار وكاتب
لقد ضاق الفضاء عَلَى ... خليل ... غدا بعد الأحبَّة بلا صاحب
لئن لم تأتني في كُلِّ ... يوم ... لأعتمد الرحيل عَلَى ... النجائب...» ... السالمي ... 152
(«فالسالمي هو ... الهما ... م القطب فخر أولي الأدب
ربُّ المعارف كم ... أزا ... ح عن الورى ظلم ... الريب...» ... سليمان الكندي ... 409
__________
(1) ... الأبيات مرتبة ألفبائيا حسب القافية، وإذا كانت الأبيات رجزا فالاعتبار بالبيت الأَوَّل. (1/455)
صفحة 456
(«لشغلي بأهل الدهر إحدى ... العجائب ... وتركي طلاب العدل إحدى المصائب
فصوَّبتُ فكريَ: أيُّ حال يكون ... لي ... منارا أسمو به لأعلى المراتب
وأيُّ مقام أغدوا فيه ... مجانبا ... لأهل الهوى والغيِّ من كُلِّ لاعب
وأيُّ خصال إن تحلَّى بها ... الفتى ... تميَّز فيها عن ذوات الجلابب
وأيُّ طريق أقتفي في ... سلوكه ... سبيل رسول الله زين المناقب
وفيه رضى الرحمن رَبي فلم ... أجد ... سوى طلب العليا لتلك المناصب
فجشَّمت نفسي الصعب علما بِأَنَّ ... في ... تجشُّمها للصعب درك المآرب
وأوردتها مُرَّ الموارد ... راجيا ... ليحلو لها في المجد وِردُ المشارب
وحمَّلتها الصبر الجميل ... محاولا ... بلوغ المنى بالفتح من خير واهب
وجرَّدتُ عن عزمي بجدِّيَ ... صارمًا ... أقدُّ به هام الخطوب النوائب
وجُبتُ به شرق البلاد ... وغربها ... وفتَّشتُ هَذَا في الناس من كُلِّ جانب
فأمحضتهم نصحي وصفو ... مودَّتي ... وأودعتهم سرِّي فأخطَوْا مطلبي
خلا سَيِّد حاز العلى في ... مناقب ... نبا الدهرُ عن إحصاء تِلْكَ ... المناقب...»...السالمي ... 106-107، 213
(«وهل كالراشديِّ سعيد ... جِدٍّ ... حليف الخير في كُلِّ المناقب
إذا ما مشكل ألقاه ... حبر ... تيمَّم حلَّه بين ... العصائب» ... السالمي ... 150
(«حدِّث أُخَيَّ عن ... العجب ... وعن العلا وعن ... الحسب» ... السالمي ... 213
(«فأنا النصيح وإن ... يكن ... قولي عليكم قد صعب
وأنا الشفيق وإن ... حسبـ ... ـتم أَنَّنِي الخصم الحَرِب
وأنا المحبُّ وإن ... ظننـ ... ـتم سيرتي لا تستحب
وأنا البصير وإن ... رأيـ ... ـتم أَنَّني أعمى أدب
ما كان نصحي ... للبريـ ... ــة بالدراهم ... مجتلب» ... السالمي ... 350
(«مزَّقت جلباب ... الأدب ... وعرضت نفسك للعطب
... تهجو الكرام أولي ... النهى ... شمَّ الأنوف أولي ... الحسب...» ... سليمان الكندي ... 408
(«وارفق فديتك لا ... تسا ... وي بالأنوف الذنب
... لا غرو إن حسد ... الأسا ... فلُ من تَعَالىَ في الرتب
... قل للذي شتم ... الكِرَا ... مَ: فما عَلَى أعمى عتب
... وإذا اختفى ضوء ... الصبا ... حِ عَلَى الضرير هو ... السبب...» ... السالمي ... 407
(«والخصم لا يخفى ... عليكم ... حاله حين انقلب
سلب الممالك ... باحتيا ... لٍ قد علمتم ما سلب
وأتى يخادعكم ... فقلتم ... إِنَّهُ الخلُّ المحب (1/456)
صفحة 457
بتُّم وبات ... ينوشكم ... بمكائد لم تحتسب
شعواء دسَّ ... إليكمُ ... تحت الليالي ... والحجب» ... السالمي ... 332
(«والقنصل المخفور ... يمـ ... ـشي بيننا لم يحتجب
فَكَأَنَّهُ عَلَم ... عَلَى ... رؤوس الرجال قد ... انتصب» ... المجيزي ... 408
(«والحزن للطاعة دون ... نهضة ... لها، غرور عند أهل الفطنة
والقول دون الفعل مقت ... لازم ... جاء به القرآن وهو الحاكم
فانهض إِلىَ الإصلاح ما ... استطعتا ... وادع لِذَلِكَ من له ... قَدِرتَا» ... السالمي ... 282
(«أشكو إِلىَ الله ... زمانا به ... في قلب كُلِّ مسلم ... جرح» ... السالمي ... 281
(«ما أكثر الناس لا بل ما ... أقلَّهم ... الله يعلم أَنِّي لم أقل فندا
إِنِّي لأفتح عيني حين ... أفتحها ... عَلَى كثير وَلَكِن لا أرى ... أحدا» ... دعبل ... 280
(«ونحن لا نطالب ... العبادا ... فوق شهادتيهم اعتقادا
فمن أتى بالجملتين ... قلنا ... إخواننا وبالحقوق ... قمنا...» ... السالمي ... 299
(«فمن لي بِشَارٍ هكذا وصف ... حاله ... يمحي به جور الزمان فلا يبدو
ومن لي بشهمٍ يعلم الدهرَ ... أَنهُ ... إذا لم يقم للمجد حاط به الكدُّ
ويدري بِأَنَّ الأمر ليس ... بهينٍ ... فيصبر إن خيرا أتاه وإن جَهدُ
ويمضي عَلَى الأهوال لا ... متلعثما ... إِلىَ أن يواري جسمه ذاك ... اللحد» ... السالمي ... 361
(«نشروا الظلم وبثُّوا ... جورهم ... في البرايا وتعدَّوا كُلَّ حد
... تَجَروا بالحرِّ بيعا ... والربا ... ولَبيعُ الحرِّ من ذاك أشدّ
كثر الجور وقلَّ العدل ... من ... أمراء حربوا سُبل الرَّشَد
أفسدوا مذ فسدوا جهرا ... ولا ... يصلح الفرع إذا الأصل ... فسد» ... ابن شيخان ... 46
(«وها هنا باب أرى أن ... أذكره ... في بابه والأصل عنه أَخَّرَه
ذكَرَهُ كسائر ... الأصحاب ... فيما لحكم الوقف من أبواب
....حَتَّى يكون الكلُّ معْ ... مناسِبِه ... ليسهُلَنَّ أخذه ... لطالبه» ... السالمي ... 271
(«وَرُبمَا أخالف ... المشهورا ... وأذكرن ما لم يكن ... مذكورا» ... السالمي ... 252
(«ريب المنون مقارض ... الأعمار ... وحياتنا تعدو إِلىَ المضمار
...ما الهول من يوم النشور أَشَدُّ ... من ... هول النعي بسيد الأبرار
العالم القطب المجدِّد ... عمدة الـ ... ـعلماء طرًّا كعبة الأسرار
...يا من أذاب الصخر حرُّ ... مصابه ... من ذا تركتَ لدولة الأحرار؟
وزَّعتَ بين الدين والوطن ... الأسى ... توزيعك الطاعات في الأطوار
ودعوت في الإِسلاَمِ دعوة ... مخلص ... ثابت إليك ذوو ... الأبصار...» ... أبو مسلم ... 424 (1/457)
صفحة 458
(«فلست عندي بزمان ... خير ... وهكذا قال فيك غيري
وقال أهل الصدق ... والأمانة ... لست زمانا أنت بل ... زمانة» ... السالمي ... 281
(«وما رأيتَه من ... التحرير ... فهو من الله لذا الضرير
كَذَلِكَ التحقيق ... للدلائل ... كَذَلِكَ التحرير للمسائل
ولم يذكر الأصل سوى ... اليسير ... لا يبلغ المعشار في ... التقدير» ... السالمي ... 257
(............................. ... ....... ... «طبت ياموت فإن شئت ... فَزُرْ » ... السالمي ... 388
(«أَيهَا القادح فينا ... أقصر ... أتدري ماذا قلت أم لم تشعر
قدحت في مذهب أهل ... الحقِّ ... ويحك أغضبتَ إله ... الخلق» ... السالمي ... 178
(«سياسة الوحي هي ... السياسة ... أين عقولكم أولي ... الرياسة» ... السالمي ... 365
(«... نَعَم حوى كشف عيوب ... النفس ... كشفا بليغا قد خلا من لبس
فبيَّن المهلك من ... خصالها ... وذكر العلاج من أحوالها
وبيَّن المنجي بما لم ... يسبق ... إِلَيْهِ في تفصيله ... المنمَّق» ... السالمي ... 247
(«المجد يدرك بالقنا ... الحسَّاس ... في كفِّ مقدام شديد الباس
يرمي به نحر العدوِّ فلا ... ترى ... إِلاَّ الكميَّ يخرُّ بين الناس
وبقاضب عضب إذا ... حكَّمته ... في قسمة الشجعان والأفراس
أيقنت أَنَّ السيف عدل في ... القضا ... وبه أساس الدين أيُّ أساس
... لا مجد إِلاَّ إن شحذتَ ... حدوده ... بعظام من عاداك والأضراس
لا عِزَّ إِلاَّ إن غمدت ... حديده ... في جثَّة الباغين ... والأنجاس» ... السالمي ... 344
(«ولقد سئمت من المقام ... بينهم ... ورأيت خيرًا منزل الأرماس
كيف المقام عَلَى تظاهر ... منكر ... وفساد أعيان وقتل ... أناس؟» ... السالمي ... 281
(«...همُّهم في شهوات ... طبعهم ... هم السوام في ارتياد المرتعى
سريُّهم من جمع المال ... ولو ... أفلس من مروءة ومن حِجى
إذا دعا المجد تفادى ... ناقصا ... وإن دعاه بذخ قال: ... أنا!» ... أبو مسلم ... 68
(«والملك لا يصلح دون ... طاعة ... فالعسف في الملك هو الإضاعة
والظلم لا تنبني عَلَيْهِ ... دار ... لأَنَّهُ الخراب والدمار
والعدل لا شَكَّ أساس ... الملك ... وَهوَ أساس الخير دون ... شَكِّ» ... السالمي ... 347
(«...لهفي عَلَى شيخ ... نشأ ... تُ بحجره زين الصنائع
رحب الجميل ... مهذَّب ... حسن الشمائل والطبائع
طلق المحيَّا في ... الشدا ... ئد، صدره في الضيق واسع (1/458)
صفحة 459
قد طال ما أسدى ... عليَّ ... من الجمائل والمنافع
كم قد أضرَّ ... بنفسه ... ليكون لي واقٍ ونافع
كم حرمت عيناه ... طعـ ... ـم الغمض والمغرور هاجع
قد كان بالأولاد ... بَرًّا ... شاكرًا لو كنتُ ... قاطع» ... السالمي ... 91-92
(«...وسَوْرَةُ بَعضٍ فوق بَعض ... وحملةٌ ... لزيدٍ عَلَى عمرٍو، وما ثَمَّ رادع
...وما ذبح الإِسلاَم إِلاَّ ... سيوفنا ... وقد جعلت في نفسها تتقارع
...وما صدعة الإِسلاَمِ من سيف ... خصمه ... بأعظم مِمَّا بين أهليه واقع
فكم سيف باغ حزَّ أوداج ... دينه ... بأفظع مِمَّا سيف ذي الشرك باخع
هراشا عَلَى الدنيا وطيشا عَلَى ... الهوى ... وَذَلِكَ سمٌّ في الحقيقة ... ناقع...» ... أبو مسلم ... 66
(«في فشل الرأي وفي ... التنازع ... عن رتب الدارين أيُّ مانع
وَالله قد أوصى العباد ... أجمعا ... بترك ما لجمعهم قد ضيَّعا
كونوا عباد الله ... إخوانا ولا ... تنازعوا تفرُّقا ... وفشلا» ... السالمي ... 315
(«لهفي عَلَى من كان ... قد ... مًا صاحبا لي في المجامع
الراشديِّ المرشد ... الـ ... ــبرِّ التقيِّ بلا ... منازع» ... السالمي ... 150
(«وبعد إِنَّ خير نظام ... بالغ ... في الفهم مبلغا نظامُ الصائغي
فَإِنَّهُ حوى بيان ... الشرع ... من واجب وجائز ومنع
وانصبَّ في سهولة ... الألفاظ ... وطاب حفظه لدى ... الحفَّاظ» ... السالمي ... 246
(«لأَنَّهَا وَصيَّة ... مخالفة ... لِمَا عَلَيْهِ الأتقياء السالفة
وكلُّ ما كان عَلَى ... خلاف ... أمر محمَّد ... فللتلاف» ... السالمي ... 315
(«ولم أصنِّف قبله ... مؤلَّفا ... قطُّ ، فيعفو الله عن عبدٍ عَفَا
إذ ليس يخلو أبدا من ... زلَّة ... مؤلَّف وإن علا في الرتبة
فكيف يخلو من عثار ... مبتدي ... وإن يكن بالسابقين ... مقتدي» ... السالمي ... 212
(«... يا أَيُّهَا المغرور إِنَّ ... التقى ... لِكُلِّ خلق سيئ تنفي
فلا تغرَّنك صلاة ... إذا ... في ظلمة الليل لها تخفي
ولا صيام في نهار ... به ... في شفتيك أثر القشف
ولا قيام ثمَّ دوام ... عَلَى ... تلاوة الآثار والصحف
من كان يرتضي الدون في ... دينه ... فَكُلُّ هَذَا منه ... لا يكفي» ... السالمي ... 305
(«من رام المجد ... باللطف ... ومن معاداة العدى مستخفي
فقل له: إِنَّ العلا ... قد أبت ... خطبة غير الباسل الصرف
فتى يرى الإقدام عند ... اللقا ... أشهى من الماء عَلَى ... اللهف...» ... السالمي ... 349 (1/459)
صفحة 460
(«وباعتباره لدى ... التكلُّف ... لواسع الجهل وضيِّق ... يفي» ... السالمي ... 261
(«وخذْ بما قال أولو ... الخلاف ... إن لم تجد في كتب ... الأسلاف» ... السالمي ... 245
(«الحمد لله الذي قد ... أشرقا ... شمس الأصول في نُهى ذوي التقى
فأبصَروا بنورها ... المسالكا ... وجانبوا بسرِّها ... المهالكا ... السالمي ... 169
(«... ودونك السِّفر الذي ترقى ... به ... "مدارج الكمال" مرقى موصلا
...كان نثارا كالنجوم ... فانبرى ... لصوغه عقدا جَمَال ... النبَلا...» ... أبو مسلم ... 206
(«الحمد لله الذي قد ... انزلا ... كِتَابَه مفصَّلا ... ومجمَلا» ... السالمي ... 186
(«الحمد لله منشي الكائنات ... عَلَى ... ما شاءها وبلا مِثْلٍ هُناكَ ... خلا ... السالمي ... 175
(«...لذاك تلقَى الورى في حبِّه ... اشتركوا ... وذاك سرٌّ خفيٌّ عن سائر الغفل
أعداؤه وأودَّاؤه ... جميعهم ... في حبِّه، وولاَّه الكلُّ، قال: وَلي
....إخلاصه لا سواه ... قاد أمَّته ... فكان عمدة كُلِّ القادة ... الكُمُل» ... سالم السيابي ... 411
(«أخلص فقد فاز ذو الإخلاص ... بالأمل ... واستخلص الشرف المرضي ... بالعمل» ... أبو مسلم ... 425
(«أَرُقادٌ والهدى قد ... طَمَسَت ... أثَرَه من بيننا أيدي السفل
أم قعود والمعاصي ... ظهرت ... وأُهيل الدين كلٌّ في وجل
أم خمول والورى قد ... أحدثت ... بدعا خالفت الشرع الأجلّ
رجعت جلُّ فعال النَّاس ... في ... جهلهم فسقا كأفعال الأُوَل
واختيارا بدَّلوا دين ... الهدى ... بضلال ظاهرٍ، بئس ... البدل» ... السالمي ... 78
(«تَمَّت بحمد الله أنوار ... العقول ... حاوية أهمَّ شَيْء في الأصول
عارية من وصمة ... الإخلال ... سالكة طريقة ... الكمال» ... السالمي ... 169
(«حمدا لمانح العطا ... الجزيل ... وفاتح العروض ... للخليل» ... السالمي ... 215
(«...لو أتاهم بقروش ... عابدٌ ... صنما لاتَّبعوه ... وأضل...» ... السالمي ... 63
(«يا أبا شيبة عزَّت ... حيلة ... عن دفاع الموت أو وصل ... الأجل» ... أبو مسلم ... 86
(«فتكت بالسالمي ... المرتضَى ... غارة شعواء ما عنها حول
...فتكةً لم يَحْمِ منها ... جيشُه ... لا ولا دافعها وقع ... الأسل» ... أبو مسلم ... 417
(«نكِّسي الأعلام يا خير ... الملل ... رزئ الإِسلاَم بالخطب الجلل
وانتثر يا دمع أجفان ... التقى ... قد أصيب العلم واغتيل ... العمل
...عجبا مِن نعش ... تحمله ... فتية وهو عَلَى الكون اشتمل
جمعَ العالَمَ في ... حيزومه ... أترى العالم في القبر نزل؟! (1/460)
صفحة 461
يا وليَّ الله إذ ... ودَّعتنا ... فَمَن الآن عَلَيْهِ المتَّكَل؟
من يجلِّي ظُلَم الجهل ... ومن ... ينصر الدين اضطلاعا ... للجلل؟»...أبو مسلم ... 424-425
(« ............................ ... ...... ... والفضلُ للإمام إبراهيما
فَإِنهُ قد مهد ... القواعدا ... وحرَّر الفصول والفوائدا
وقيَّد الشارد ... بالضوابط ... وأتقن الترصيع بالروابط
كم مجمل فصَّله ... وقرَّرا ... ومشكل وضَّحه ... وحرَّرا». ... السالمي ... 206
(«قد أشرقت شمس الأصول في ... سما ... تحقيقها وأظهَرَت ما أبهما
وأبرزت مخدَّرات ... الفنِّ ... في قالب النظم البديع الحسن
وبيَّنت عجاب هَذَا ... العلم ... وليَّنت صعابه للفهم
وذلِّلت قطوفُه ... تذليلا ... وصيرت مخوفه ... سبيلا...» ... السالمي ... 186
(«لأَنَّنِي أقفو الدَّلِيل ... فاعلما ... لم أقتصر عَلَى مقال العلما
فالعلماء استخرجوا ما ... استخرجوا ... من الدَّلِيل وَعَلَيْهِ عرجوا
فهم رجال وسواهم ... رجل ... والحقُّ مِمَّن كان حتما يقبل
فمورد الكلِّ هو ... الدَّلِيل ... يقصده من لهم ... التحصيل» ... السالمي ... 244
(«إِنَّ الجبان وإن جلَّت ... منازله ... وزاده في عيشه فضل وتنعيم
مثل السمين من الأنعام يذبح ... إن ... أرضاهم سمنه والشبه ... مفهوم» ... السالمي ... 343
(«لم أجد للعلا طريقا ... قريبا ... مثل طعن اللها وحزِّ الغلاصم
فأشبِعِ الوحشَ من لحوم ... الأعادي ... واروِ من دمهم ظما كُلِّ ... هائم...» ... السالمي ... 343
(«وكم من عائب قولا ... صحيحا ... وآفته من الفهم ... السقيم» ... ... 231
(«قضت أحسابنا أن لا ... ندينا ... لحكم الحادثات وإن رُزينا
وعزم صادق يأبى ... علينا ... لغير المكرمات وإن بُلينا
... ونحتسب المصائب ... والرزايا ... ثوابا عند رَبِّ العالمينا
فلا يحسب فتى أنَّا ... انثنينا ... عن العليا لِمَا فيها ... لقينا» ... السالمي ... 281
(«تلك البوارق حاديهنَّ ... مرنان ... فما لطرفك ياذا الشجو ... وسنان» ... أبو مسلم ... 372
(«جاءت إمامته والأرض ... مظلمة ... والناس فوضى وأهل الجور ... ذؤبان
فأشرق العدل في أرجائها ... ولقى ... عن المفاسد إرهاق ... وإيهان» ... أبو مسلم ... 372
(«وقد رأيت الناس في ... زماني ... لا يطلبون العلم للمنان
لَكِن مباهاة لأهل ... العلم ... وحجَّة منهم لأهل الظلم
ويل لمن كان بهذا ... الحال ... من العذاب ومن ... النكال» ... السالمي ... 286 (1/461)
صفحة 462
(«ولم يكن "إحياء علوم ... الدين" ... بجامع لنا علوم الدين
بل فيه ما لا يأمن ... الإنسَان ... من أن يصيبه به خسران
وقد نقل الموضوع من ... أخبار ... وذكر الضعيف في ... الأسفار» ... السالمي ... 247
(«حرب النصارى اليوم ... بالدواهي ... والكلُّ مِنَّا غافل ولاهي
فيأخذون الدار ... بالخدائع ... وَإِنَّهَا أقوى من ... المدافع» ... السالمي ... 331
(«شرعت فيه ببلاد ... الله ... فكان هَذَا من عظيم ... الجاه» ... السالمي ... 195
(«والباطل المردود عندنا ... ولو ... أتى به الخلُّ الذي له ... اصطفوا» ... السالمي ... 205
(«...وقابلتُ المصائب ... باحتساب ... فخفَّف صبرُها ثقلَ الرزيَّه
مصائب بَعضها في إثر ... بعض ... فلولا الصبرُ لم تُبقِ عَلَيَّه
وَلَكِن صادَفَتْ مِنِّي ... مُحَيًّا ... تلوح به البشاشات البهيَّه
...تجرَّعت المصائب ... مترعات ... وقلتُ بِأَنَّهَا الكأس الهنيَّه
وقابلتُ النوائب ... موتِرات ... وقلتُ: فَهَذِهِ الحال الرضيَّه
فحار بأمري الجهَّال ... حَتَّى ... رأوا أَنَّ المصائب ليس فِيَّه
وظنوا أَنَّ قلبي من ... جماد ... أُصيغَ فلم تغيِّره ... الرزيَّه...» ... السالمي ... 398 (1/462)
صفحة 463
فهرس الأمثال والحكم والقواعد
? الأحكام والعبارات تختلف باختلاف الاعتبارات ... 188
? إن كنت ناقلا فالصحَّة، أو مدَّعيا فالدليل ... 22
? الأوائل لم يتركوا للأواخر ما يؤلفون ... 230
? بعض الشر أهون من بعض ... 341
? الحاكم إلى نظره أحوج منه إلى أثره ... 252
? رحم الله من أهدى إِليَّ عيوبي ... 24
? لكل جواد كبوة، ولكل عالم هفوة ... 205
? ما ترك الأول للآخر ... 230
? ما من أحد إلا مأخوذ من قوله ومردود عليه إلا صاحب هذا القبر ... 205
? من لم يتحكم على الأصول قلما تتحصل له الفصول ... 256
? المشقة تجلب التيسير ... 252
? نعرف الرجال بالحق ... 302 (1/463)
صفحة 464
فهرس الأعلام (1)
?
? إبراهيم اطفيش = أبو إسحاق
? ابن أبي نبهان، ناصر الخروصي: 243
? ابن الحاجب، عثمان بن عمر: 239
? ابن النضر، أبو بكر أحمد بن سليمان: 109، 127، 172، 174، 200، 201، 202، 222، 229، 233، 236، 241
? ابن جعفر، أبو جابر محَمَّد الإزكوي: 229
? ابن خلدون، عبد الرحمن بن محمد: 239
? ابن دريد أبو بكر محَمَّد بن الحسن: 31
? ابن رزيق، حميد بن محَمَّد: 239
? ابن عباس، عبد الله: 250
? ابن هشام عبد الله بن يوسف الأنصاري: 212
? أبو إسحاق إبراهيم اطفيش: 16، 84، 85، 142، 167، 181، 185، 195، 196، 262، 263، 410، 420
? أبو الحواري محمَّد بن الحواري: 228
? أبو الوليد سعود بن حميد بن خليفين: 137، 148، 149، 161
? أبو بشير السالمي: 16، 45، 84، 85، 86، 87، 89، 90، 94، 95، 96، 97، 104، 105، 110، 111، 113، 115، 120، 131، 132، 137، 142، 145، 146، 147، 151، 153، 161، 162، 167، 173، 181، 183، 184، 185، 188، 203، 214، 220، 287، 354، 366، 368، 369، 371، 375، 382، 386، 389، 407، 411، 414، 416، 417، 420، 423
? أبو بكر الصديق: 370، 371
? أبو زيد = الريامي عبد الله بن محمد بن رزيق
? أبو ستة محمد بن عمر (المحشِّي): 241
? أبو سعيد الكدمي، محمد بن سعيد: 238، 247
? أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة: 183، 386
? أبو غدة عبد الستار: 167، 168، 189، 190، 191، 203، 204، 220، 221
? أبو مسلم ناصر بن عديم الرواحي: 66، 68، 71، 75، 86، 160، 177، 197، 206، 215، 372، 417، 424
? أبو نبهان جاعد بن خميس الخروصي: 131
? أحمد أمين: 47، 123، 259
? أحمد خان: 235
? أحمد درويش: 388
? إدوارد شارل روس: 41
? إسرافيل عليه السلام: 293
? اطفيش امحمد بن يوسف، القطب: 48، 69، 76، 85، 95، 160، 181، 188، 220، 237، 238، 288، 349، 352، 367، 388، 389، 390، 405، 410، 414
? الأغبري سيف بن حمد بن شيخان : 152
? الأفغاني جمال الدين محَمَّد بن صفدر : 39، 40، 69، 251، 259، 282، 332، 387، 388، 389، 391، 392، 403، 432
? الإيجي عضد الدين عبد الرحمن بن أحمد: 242
? باباعمي محمد بن موسى : 8
? باجو مصطفى بن صالح : 8
? الباجوري إبراهيم بن محمَّد: 238، 241
? الباروني سليمان بن عبد الله (باشا): 88، 302، 389
?
__________
(1) ... أسماء الأعلام مرتبة حسب الشهرة. (1/464)
صفحة 465
الباروني عبد الله بن يحيى : 414
? البراشدي سالم بن حمد : 148، 151
? البراشدي سليمان بن حامد : 151
? برسي كوكس: 54
? البسيوي أبو الحسن: 228، 229
? البطاشي خالد بن مهنا: 103، 110، 175
? البطاشي محمد بن شامس: 229
? البهلوي سعيد بن خميس بن حمد : 198
? بوحجَّام محمد بن قاسم ناصر : 8
? البوسعيد أحمد بن سعيد: 56
? البوسعيدي حمد بن سعيد: 149
? البوسعيدي حمد بن سيف: 94، 107، 110، 113، 114، 115، 133، 141، 199، 226، 235
? البوسعيدي سيف بن حمد بن سيف: 45، 131
? البوسعيدي محمد بن مسعود : 102، 110، 132
? بولرواح إبراهيم بن علي: 8، 198، 199
? البيجوري = الباجوري
? تركي بن سعيد بن سلطان البوسعيدي: 41، 43، 51، 53، 55، 346، 379
? تلامذة الشيخين أبي عبيد السليمي وخلفان بن جميل السيابي: 171
? التنوخي عز الدين: 149، 84، 203
? التونسي إبراهيم بن سليمان : 391
? تيمور بن فيصل: 354، 408، 423
? الثميني عبد العزيز بن الحاج إبراهيم: 238، 243
? جابر بن زيد: 31، 74، 183
? جبريل عليه السلام: 293
? الجرجاني محَمَّد بن علي (صاحب التعريفات): 237، 242، 244
? الجلندى بن مسعود: 31، 50
? الجنيبي أحمد بن سليم العريمي: 146
? الجهضمي عبد الله بن خلفان : 154
? الجويني أبو محمد عبد الله بن يوسف: 241
? جيدل عمَّار : 4، 8، 24
? الجيطالي، أبو طاهر إسماعيل بن موسى: 238، 272
? الحارثي سالم بن حمد بن سليمان: 145، 158، 190
? الحارثي سعيد بن حمد بن سليمان: 135، 142، 208، 224، 320
? الحارثي صالح بن علي : 37، 43، 47، 48، 53، 55، 71، 107، 108، 109، 110، 111، 112، 113، 114، 115، 116، 117، 118، 120، 121، 123، 133، 134، 135، 136، 137، 138، 141، 149، 152، 157، 167، 173، 201، 210، 214، 225، 234، 236، 258، 260، 272، 281، 282، 317، 328، 329، 342، 346، 349، 355، 358، 359، 360، 361، 362، 366، 376، 380، 381، 383، 430
? الحارثي عبد الله بن سالم بن حمد : 111
? الحارثي عبد الله بن صالح بن علي : 53، 118
? الحارثي عيسى بن راشد : 135
? الحارثي عيسى بن صالح بن علي: 54، 55، 118، 137، 138، 146، 153، 157، 158، 366، 367، 368، 374، 378، 383، 390
? الحبسي سلطان بن محمد: 110، 112، 114، 148، 150
? الحبسي مسعود بن راشد ، أبو جبل: 162
? الحبشي بن غابش: 245، 408
? الحجري عامر بن سيف : 368
? الحجي خلفان بن زهران: 194، 212، 223
? (1/465)
صفحة 466
حسين عبيد غباش: 19، 20، 423
? الحضرمي أبو إسحاق إبراهيم بن قيس: 205، 206، 233، 358
? الحضرمي المر بن سالم: 371
? حمد بن راشد بن سالم = الوهابي
? حمود بن حمد: 147
? الحميري سليمان بن سيف : 151
? الخروصي خلفان بن عثمان: 162
? الخروصي خلفان بن محمد: 163
? الخروصي سالم بن راشد : 51، 54، 62، 126، 130، 137، 143، 146، 147، 148، 151، 152، 153، 155، 156، 158، 159، 160، 161، 162، 308، 310، 370، 371، 372، 375، 376، 378، 382، 386، 387، 412، 416، 419، 420، 424
? الخروصي سيف بن حماد : 162
? الخروصي عبد الله بن سالم بن راشد : 163
? الخروصي عبد الله بن محمد : 162
? الخروصي ناصر بن راشد : 162
? الخصيبي راشد بن عزيز: 147، 177
? الخضر عليه السلام: 293، 294، 295
? الخليلي أحمد بن حمد : 177، 180، 298
? الخليلي أحمد بن سعيد: 71، 158
? الخليلي سعيد بن خلفان : 42، 43، 53، 129، 131، 134، 136، 138، 144، 310، 358، 379، 381
? الخليلي عبد الله بن سعيد بن خلفان : 144
? الخليلي محمد بن سعيد بن خلفان : 42، 53
? الخليلي محمد بن عبد الله: 16، 130، 144، 147، 148، 151، 152، 153، 155، 156، 158، 159، 160، 161، 162، 164
? خميس بن سليم: 71
? الخنجري جمعة بن سليم: 372
? خوجة عز الدين : 189، 190
? داهية العلماء = أبو الوليد سعود بن حميد بن خليفين
? درويش (شيخ محمد عبده): 105
? دعبل بن علي الخزاعي: 280
? الدمنهوري أحمد بن عبد المنعم: 288
? الدهان محمَّد محمَّد: 203
? الذهلي سليمان بن ناصر : 163
? الرازي فخر الدين محمد بن عمر: 251، 253
? الراشدي سعيد بن حمد بن عامر: 149، 150، 159، 174، 203، 223
? الراشدي سفيان بن محمد: 155
? الراشدي قسور بن حمود بن هاشل : 158
? ربيبة حمد بن سيف بن سعيد البوسعيدي (زوج السالمي): 94، 110، 113، 133
? الربيع بن حبيب الفراهيدي: 32، 74، 182، 183، 249، 254
? الرحيلي محمد بن سيف : 102، 132
? الرقيشي محمد بن سالم بن زاهر : 150، 153، 156، 159، 190
? الرواحي = أبو مسلم ناصر بن عديم
? الرواحي سالم بن سليمان: 130
? الرواحي محمد بن شامس : 126
? الريامي عبد الله بن محمد بن رزيق، أبو زيد: 156، 157، 159، 193، 194، 226، 370، 371، 414
? الزاملي محمد بن حمد: 160
? الزمخشري جار الله محمود بن عمر: 244
? الزنجباري (لم يذكر اسمه): 339، 340، 348، 401، 402، 403، 405
? سالسبوري (رئيس الوزراء البريطاني): 38
? (1/466)
صفحة 467
السالمي حمد بن عبد الله (نور الدين)، أبو حميد: 87، 147
? السالمي حمدون: 321
? السالمي حميد بن سلوم (والد الشيخ نور الدين): 83، 84، 94، 100، 125
? السالمي خلفان بن خميس (جد محمد بن شيخان): 159
? السالمي سعود بن حمد بن عبد الله (نور الدين): 416
? السالمي سلوم بن عبيد (جد الشيخ نور الدين): 83، 84
? السالمي سليمان بن محمد بن عبد الله (نور الدين): 95، 277
? السالمي عبد الرحمن بن سليمان : 173، 189، 190، 150
? السالمي عبد الله بن محمد بن عبد الله (نور الدين): 87، 189
? السالمي محمد بن شيخان، شيخ البيان : 46، 48، 87، 90، 154، 159، 160، 371، 406
? السالمي محمد بن عبد الله = أبو بشير السالمي
? السعدي جميل بن خميس: 73، 229
? سعود بن حمد بن هلال: 45
? سعود بن حميد بن خليفين = أبو الوليد
? سعيد بن تيمور: 145، 147، 159
? سعيد بن سلطان: 135، 264
? سعيد بن مسلم ولد مجيز: 407
? سلطان بن أحمد: 37
? سليمان بن سويلم: 46
? السليماني عيسى بن محمد : 214
? السليمي حمد بن عبيد بن مسلم، أبو عبيد: 147، 171
? السيابي خلفان بن جميل: 171
? السيابي سالم بن حمود : 267، 411، 425
? السيفي محمد بن خميس بن محمد : 104، 105، 131، 287
? الشماخي أحمد أحمد بن سعيد، البدر: 239، 241، 273
? الشماخي قاسم بن سعيد : 389
? شيخ البيان = السالمي محمد بن شيخان
? شيخ القراء = أبو الوليد سعود بن حميد بن خليفين
? شيخان، والد الشاعر محمد بن شيخان: 90
? الشيذاني عامر بن علي، أبو شيذان: 153
? الصائغي سالم بن سعيد بن علي: 195، 233، 246، 247، 270
? الصقري سعيد بن علي: 152
? الصلت بن مالك: 247، 386
? العاني عبد المنعم : 180
? عبد الحميد بن باديس: 69
? عبد الرحمن عمر بن يوسف اليسجني: 16
? عبد الله بن إباض: 303
? العبري إبراهيم بن سعيد : 84، 96، 110، 130، 190
? العبري خميس بن راشد بن سعيد: 129، 239
? العبري سالم بن سيف: 126
? العبري سعيد بن صالح: 130
? العبري ماجد بن خميس بن راشد بن سعيد الحمراوي: 71، 73، 102، 108، 109، 120، 124، 126، 128، 130، 165، 230، 232، 310، 328، 401، 415، 416، 419، 420
? العدوي ناصر بن سالم : 129
? عزَّان بن قيس: 37، 38، 41، 42، 43، 44، 50، 51، 53، 55، 65، 71، 108، 108،
? (1/467)
صفحة 468
120، 128، 129، 130، 134، 136، 210، 316، 328، 329، 358، 376، 377، 378، 379، 381، 382
? عزرائيل عليه السلام: 293
? العزري خالد : 18، 20، 178، 219، 386، 417، 420، 421، 422
? العزري عبد الله بن عامر : 154، 160
? عظيم آبادي الزبير بن علي الأصغر، أبو عبد الله : 178، 391
? العقبي (الذي رد عليه القطب): 220
? العلوي سليمان بن سنان : 151
? عمر بن الخطاب: 370، 386
? العمريطي شرف الدين : 216
? عميرة عبد الرحمن : 180، 181، 225
? عيسى عليه السلام: 294، 332، 333
? الغاربي محمد بن سليّم : 42، 71، 103، 133
? الغافري خلف بن سنان: 72
? الغافري محمد بن ناصر : 65
? الغلابي ثابت بن سرور: 130
? الغيثي سعيد بن ناصر: 153
? الفراهيدي الخليل بن أحمد: 31، 215
? الفرضي مصطفى بن إسماعيل : 389
? الفلاحي حمدان بن زايد: 374
? فيصل بن تركي بن سعيد: 35، 37، 38، 41، 44، 46، 47، 48، 49، 53، 54، 157، 160، 245، 330، 345، 347، 353، 354، 355، 358، 369، 410
? فيصل بن حمود بن عزان: 126
? القطب اطفيش = اطفيش امحمد بن يوسف
? القنصل البريطاني: 41، 54، 213، 245، 345، 350، 373، 407، 408
? قيس بن عزان أبو عزان: 71، 129
? كامبون السفير الفرنسيُّ في لندن: 39
? الكدمي = أبو سعيد الكدمي، محمد بن سعيد
? الكندي إبراهيم (محاضر بالمنتدى الأدبي): 215
? الكندي أحمد (محاضر بالمنتدى الأدبي): 321
? الكندي سعيد بن أحمد: 153
? الكندي سعيد بن سليمان : 153
? الكندي سليمان بن محمد بن أحمد : 150، 409
? الكواكبي عبد الرحمن: 303
? كورزون، اللورد: 36، 39
? لاندن روبرت: 19، 423
? اللمكي راشد بن سيف: 71، 102، 108، 111، 120، 122، 124، 126، 127، 160
? لوفات فريزر الصحفي البريطاني: 45
? ماجد بن سعيد بن سلطان البوسعيدي (حاكم زنجبار): 41
? مازن بن غضوبة الطائي: 30، 285
? مالك بن أنس الإمام: 205
? مالك بن نبي: 40، 335، 405
? المالكي سعود بن عامر: 153
? المالكي عامر بن خميس أبو مالك: 137، 152، 153، 155، 159، 162، 368، 369، 371، 411، 412، 415
? المحلي محَمَّد بن أحمد، جلال الدين: 239
? محمَّد بن الحواري = أبو الحواري
? محمد بن تركي (أخو فيصل بن تركي): 39
? محمد بن خميس = السيفي محمد بن خميس
? محمد بن عبد الله (رسول الله صلى الله عليه وسلم ) / المصطفى: 10، 97، 176، 251، 293، 294، 295، 296، 309، 315، 365
? محمد رشيد رضا: 389
? (1/468)
صفحة 469
محمد عبده: 69، 105، 282، 318، 388، 389، 403، 432
? محمد محمود إسماعيل: 271
? المرموري الناصر: 84، 96، 132، 175
? مريم عليها السلام: 291
? مسلم بن أبي كريمة = أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة
? المصطفى صلى الله عليه وسلم = محمد بن عبد الله
? معمر علي يحيى : 304، 359
? المغيري جمعة بن سعيد بن علي: 107، 134
? المنظري سالم بن سعيد: 194
? مهدي علي خان: 37
? مورفي (Murphy): 374
? موساوي أحمد: 8
? موسى عليه السلام: 294، 295
? ميلز الكلونيل (القنصل البريطاني): 41
? نادر بن فيصل بن تركي: 46
? ناصر بن بخيت: 315
? ناصر محمد بن صالح: 8، 165
? النبهاني حمد بن سليمان بن سيف: 46
? النبهاني حمير بن ناصر: 367، 369، 377، 378، 414
? نزار بن معد بن عدنان: 86
? النوفلي عبد الله بن غابش الحبشي، أبو الخير: 155
? الهاشمي عبد الله بن محمد : 71، 102، 108، 120، 127، 128، 328
? الهاشمي مبارك بن سيف: 18، 22، 112، 114، 154، 162، 173، 175، 193، 203، 207، 220
? الهنائي خلف بن مبارك: 65
? الهنائي خميس بن حويسن: 157
? الهنائي غالب بن علي : 31، 50، 155، 382
? الهنائي هلال بن زاهر : 130، 131، 367، 369، 378
? الوارجلاني أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم: 182، 183، 293، 294، 295، 297
? ولكنسن: 386
? الوهابي حمد بن راشد بن سالم: 117، 173
? وينتن مصطفى بن الناصر : 8
? اليحمدي حمد بن سليمان: 42
? اليعربي ناصر بن مرشد : 30، 69، 264
? اليوسفي أبو يوسف حمدان بن خميس بن سالم: 213 (1/469)
صفحة 470
فهرس القبائل والطوائف والأديان والمذاهب
?
? الإباضية / الأصحاب / أصحابنا: 12، 13، 31، 50، 74، 75، 146، 170، 172، 173، 174، 176، 178، 179، 184، 188، 193، 196، 202، 210، 211، 220، 226، 227، 235، 238، 240، 241، 243، 244، 245، 250، 262، 270، 297، 298، 300، 301، 304، 361، 363، 367، 370، 387، 389، 391، 392، 411، 414، 432
? إباضية المغرب الإسلامي: 394
? الأحناف: 244
? الأزد: 29
? أسرة الإمام عزان: 108
? أسرة السالمي: 67، 393
? الأشاعرة: 18، 22، 237، 242، 243
? الأعاجم: 266، 338
? آل بوسعيد: 41
? الإماميون = أنصار الإمامة
? الأمة العمانية: 183
? الأمويون: 209
? الإنجليز: 30، 36، 37، 38، 41، 45، 52، 53، 55، 56، 62، 67، 75، 76، 77، 108، 163، 216، 262، 263، 265، 267، 280، 330، 331، 332، 346، 348، 351، 354، 365، 369، 373، 379، 380، 382، 387، 393، 403، 408، 410، 413، 420، 422، 423، 429، 431
? الأنصار (من الصحابة): 345
? أنصار الإمامة / الإمام: 19، 20، 42، 52، 374، 387، 412، 423
? أنصار السالميِّ: 20، 352، 376، 397
? أنصار السلطنة / السلطان: 19، 136، 157، 345، 352، 374، 408، 420
? أهالي سمد الشان: 375
? أهالي صور: 36، 46، 53
? أهل الاستقامة = الإباضية
? أهل البادية: 316
? أهل الباطن: 289
? أهل التوحيد: 219
? أهل الحل والعقد: 363، 364
? أهل الدريز: 46
? أهل السنة: 387، 391
? أهل العراق: 262
? أهل المغرب: 262
? أهل الوافي: 173
? أهل تبورة: 413
? أهل زنجبار: 320
? أهل عمان = العمانيون
? الأوروبيُّون: 34
? أولاد هلال بن زاهر الهنائي: 367، 369، 378
? الباطنية: 289
? البانيان: 23
? البرتغاليون: 34، 69، 263
? البريطانيون: 51، 72، 374
? البعثات التنصيرية: 63
? البلوش: 23
? بنو إسرائيل: 335
? بنو بطاش: 146
? بنو جابر: 118، 136
? بنو خروص: 143، 162
? بنو خلبة: 86
? (1/470)
صفحة 471
بنو راسب: 158
? بنو ريام: 46، 367، 412
? بنو ضبة: 86
? بنو غافر: 46، 53
? بنو مالك: 152
? بنو هناءة: 367
? التابعون: 207
? الجزائريون: 84
? جمهور الإباضية: 201، 243
? جمهور الأصوليين: 273
? الجنود الإنجليز: 52
? الحارثيون: 135، 368
? الحبوس، قبيلة: 161
? الحجريون: 158
? الحرث أو الحارثيون: 375
? الحنابلة: 244
? الخضر، قبيلة / الخضور : 92، 161
? الخلفاء الراشدون: 209، 363، 364
? الدولة الأُمويَّة: 33، 385
? الدولة العبَّاسيَّة: 34، 385
? الدولة العثمانية: 34، 345
? الرستاقية: 313
? الرواشد: 375
? الزنجباريون: 234، 265، 266، 335
? سكان الداخل العماني: 28، 384
? سكان الساحل العماني: 28، 64، 384
? السوالم: 86، 87، 92، 160، 420
? الشافعية / المذهب الشافعي: 146، 244
? الشراة: 298، 358، 361، 382
? الشروج: 375
? الصابئون: 176
? الصحابة: 207، 235، 258، 262، 296، 300، 345، 357
? الصوفية: 78، 287، 288، 290، 291، 293، 294، 296
? الظاهرية: 244
? العباسيون: 209، 263
? العبريون: 369، 420
? العثمانيُّون: 42
? عدنانيون: 86
? العرب: 29، 39، 160، 209، 351، 354، 376
? علماء المذهب: 220، 286
? علماء المغرب الإسلامي: 389
? العمانيون / أهل عمان: 13، 14، 16، 20، 31، 33، 36، 39، 48، 50، 59، 60، 61، 62، 63، 70، 75، 76، 77، 83، 84، 137، 164، 184، 191، 195، 197، 208، 219، 228، 229، 231، 232، 262، 263، 268، 306، 308، 313، 329، 342، 345، 346، 363، 367، 369، 371، 376، 382، 388، 405، 407، 408، 409، 418، 423، 427
? الغافرية: 65، 92، 99، 125، 160، 313، 377، 378، 379، 383
? الفُرس: 209
? الفرنسيون: 330
? فقهاء الإباضية: 250
? القبائل الدَّاخليَّة من عُمان: 46
? القبائل العمانية: 43
? القدرية: 174
? القرامطة: 263
? قريش: 336
? المالكية: 244
? المجتمع الزنجباري: 76
? المجتمع العماني: 23، 63، 64، 78، 279، 313، 326، 384، 429
? (1/471)
صفحة 472
المجوس: 176، 335
? المذهب الإباضي = الإِبَاضِيَّة
? المذهب الشافعي = الشافعية
? المزاريع قبيلة: 135
? المساكرة: 375
? المستشرقون: 77، 339، 341، 386
? المستغربون: 386
? المشارقة: 170، 238
? المشبهة: 174
? المصريون: 332
? المطاوعة: 23
? المعتزلة: 18، 22
? المغاربة: 238، 367
? الملل الست: 176
? المهاجرون: 345
? النزارية: 313
? النزوانية: 313
? النصارى: 72، 76، 77، 176، 216، 217، 218، 219، 226، 234، 263، 286، 323، 330، 331، 332، 333، 335، 336، 337، 338، 339، 341، 399، 401، 402، 403، 404، 405
? النصرانية: 77، 338
? النوافل، قبيلة من عمان: 155
? الهناوية / الهناويون: 65، 92، 99، 125، 160، 378، 378، 383
? هناوية: 313
? الهنود: 59، 63، 332
? الوثنيون: 176
? الوهابية: 301
? اليعاربة: 263
? اليعربيون: 262
? اليمانية: 313
? اليهود: 77، 176، 216، 218، 219، 234، 242، 300، 310، 313، 333 (1/472)
صفحة 473
فهرس المؤسسات (1)
?
? الأزهر (جامع) ... 72
? الأسرة الحاكمة ... 19، 41، 43، 64، 379
? الأسطول العماني ... 60
? جامع البياضة بالرستاق ... 160
? جامع نزوى ... 308
? جامعة الأزهر ... 18
? الجامعة الإسلامية ... 302
? جامعة الزيتونة ... 18
? جامعة أم درمان ... 214
? الجمعيات المسيحية ... 338
? جيش السلطان ... 46، 118، 157
? الحكم الإمامي ... 18، 21، 108
? الحكم السلطاني ... 346، 427، 430
? الحكومة البريطانية ... 35، 36، 38، 39، 54
? دولة الإمام الخروصي ... 146، 147، 152
? دولة الإمام عزَّان ... 43
? دولة الإمام الخليلي ... 147، 152
? دولة اليعاربة ... 19، 69
? الزيتونة (جامع) ... 72
? السلطات الإنجليزية ... 194، 195، 379
? سلطة مسقط ... 109
? شركة الهند الشرقية البريطانية ... 60
? العزابة ... 176
? المحكمة الشرعية بمسقط ... 152
? محكمة لاهاي ... 36
? المخابرات البريطانية ... 423
? مدارس الاحتلال /الاستدمار ... 218، 430
? المدارس البريطانية ... 72
? مدارس الراهبات ... 339، 404
? مدارس النصارى /المدارس النصرانية...77، 217، 323، 325، 338، 339، 403، 404، 405
? المدرسة الجابريَّة ببني يزقن ... 11
? مدرسة الرستاق ... 70، 71
? مدرسة الشيخ حميد بن سلوم ... 125
? مدرسة الشيخ راشد بن سيف اللمكي ... 102
? مدرسة الشيخ صالح بن علي الحارثي ... 71
? مدرسة الشيخ ماجد العبري ... 130
? مدرسة سمائل ... 71
? مدرسة نزوى ... 70
? المعهد الأعلى لأصول الدين، بالزيتونة ... 18
? معهد الحياة ... 8
? مكتبة الاستقامة ببني يزقن ... 8
? مكتبة السالمي ببدية...172، 173، 174، 187، 189، 199، 212
? مكتبة جمعيَّة أبي إسحاق لخدمة التراث، بغرداية... ... 8، 16
? مكتبة معهد الحياة بالقرارة ... 8
? المنتدى الأدبي ... 96، 132، 175
? نظام الإمامة ... 12، 19، 47، 380، 427
? نظام السلطنة...14، 18، 19، 41، 245، 345، 346
? وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان......... ... 177، 193، 207
? وزارة الخارجيَّة الفرنسيَّة ... 20
__________
(1) ... يضم المؤسسات الدينية والتربوية والاجتماعية والسياسية والإدارية والقضائية والعسكرية... (1/473)
صفحة 474
فهرس الوقائع والأحداث والفترات التاريخية
أ- الوقائع والأحداث:
السنة ... الواقعة ... الصفحات
0913 ... سنة 913هـ/1507م: غزو البرتغال لساحل عمان ... 34
1024 ... عام 1024هـ/1615م: طرد الاحتلال البرتغالي، على يد ناصر بن مرشد اليعربي ... 30، 69
1059 ... يوم 10 ربيع الثاني 1059هـ/22 أفريل 1649م: وفاة الإمام ناصر بن مرشد اليعربي ... 69
1062 ... حوالي عام 1062هـ/1652م: إتمام الإمام سلطان بن سيف اليعربي إجلاء البرتغاليين ... 34
1135 ... حوالي سنة 1135هـ/1723م: ابتداء صراع الغافرية والهناوية ... 65
1213 ... سنة 1213هـ/1798م: توقيع السلطان سلطان بن أحمد أَوَّل معاهدة بين سلطان عمانيٍّ ودولة أوروبيَّة ... 37
1241 ... عام 1241هـ/1826م: ميلاد الشيخ محمد بن خميس السيفي ... 131
1252 ... في رجب عام 1252هـ/نوفمبر 1836م: ميلاد الشيخ ماجد بن خميس العبري ... 128
1254 ... حوالي عام 1254هـ/1838م: ميلاد الأمير صالح بن علي الحارثي ... 135
1262 ... عام 1262هـ/1846م: ميلاد الشيخ راشد بن سيف بن سعيد اللمكي ... 126
1273 ... سنة 1273هـ/1856م: اتفاق بريطانيا مع سلطان عمان عَلَى أن يتخلَّى عن زنجبار ... 36
1277 ... سنة 1277هـ/1861م: فصل زنجبار عن عُمان ... 37
1279 ... سنة 1279هـ/1862م: توقيع اتفاق بين بريطانيا وفرنسا يقضي باستقلال مسقط ... 35
1280 ... عام 1280هـ/1864م: ميلاد الشيخ أبي عبيد حمد بن عبيد السليمي ... 147
1280 ... حوالي عام 1280هـ/1863م: أو 1282هـ/1865م: ميلاد الشيخ عامر بن خميس بن مسعود المالكي ... 152 (1/474)
صفحة 475
1284 ... عام 1284هـ/1867م: ميلاد الشيخ الشيخ نور الدين السالمي ... 88
1284 ... عام 1284هـ/1868م: ميلاد الشيخ محمد بن شيخان السالمي ... 160
1286 ... عام 1286هـ/1869م: فتح قناة السويس ... 60
1287 ... يوم 8 ذو القعدة 1287هـ/30 جانفي 1871م: الإطاحة بإمامة عزَّان بن قيس ... 44، 41
1287 ... في يوم 8 ذو القعدة 1287هـ/30 جانفي 1871م: تولِّي السلطان تركي بن سعيد البوسعيدي الحكم ... 41
1287 ... في ذي القعدة سنة 1287هـ/فيفري 1871م: استشهاد الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي وابنه محمَّد ... 42
1290 ... في 23 ذو القعدة 1290هـ/12 جانفي 1874م: ميلاد الشيخ عيسى بن صالح بن علي الحارثي ... 157
1290 ... في ذي القعدة 1290هـ/جانفي 1874م: هجوم الشيخ صالح بن علي الحارثي على السلطان تركي بمسقط ... 43
1291 ... عام 1291هـ/1874م: حصار الشيخ صالح الحارثي السلطانَ في قلعة الجلالي ... 37
1292 ... عام 1292هـ/1875م: ميلاد الشيخ سعيد بن حمد الراشدي ... 149
1295 ... عام 1295هـ/1878م: ميلاد الشيخ مسعود بن راشد الحبسي ... 162
1299 ... عام 1299هـ/1882م: ميلاد الإمام محمد بن عبد الله الخليلي ... 144
1299 ... عام 1299هـ/1882م: ميلاد الشيخ عبد الله بن خلفان الجهضمي ... 154
1300 ... حوالي سنة 1300هـ/1883م: هجرة السالمي من الحوقين إلى الرستاق ... 100
1300 ... حوالي عام 1300هـ/1883م: بدء السالمي تعلمه بالرستاق ... 96، 119
1301 ... عام 1301هـ/1883م: ميلاد الإمام سالم بن راشد الخروصي ... 143
1301 ... سنة 1301هـ/1884م: استشهاد الشيخ محمد بن سليم الغاربي ... 42، 134
1301 ... في يوم الجمعة 5 رمضان 1301هـ/28 جوان 1884م: ميلاد الشيخ أبي زيد عبد الله بن محمد بن رزيق الريامي ... 156
1304 ... عام 1304هـ/1887م: ميلاد الشيخ قسور بن حمود بن هاشل الراشدي ... 158 (1/475)
صفحة 476
1305 ... عام 1305هـ/ 1888م: نظم السالمي أرجوزة الجمل ... 120، 165
1306 ... بين 1300هـ/1883م و1308هـ/1891م: وفاة الشيخ عبد الله الهاشمي ... 128
1307 ... سنة 1307هـ/1890م: إعلان بريطانيا حمايتها على زنجبار رسميًّا ... 37
1308 ... عام 1308هـ/1891م: رحلة السالمي من الرستاق إلى الشيخ صالح الحارثي بالقابل ... 109
1308 ... يوم 10 شعبان 1308هـ/20 مارس 1891م: توقيع السلطان فيصل مع بريطانيا معاهدة تمنع تدخُّل أيِّ دولة أجنبيَّة في شؤون عمان غير بريطانيا ... 35
1308 ... عام 1308هـ/1891م: رحيل السالمي عن الرستاق ... 119، 124، 141
1308 ... عام 1308هـ/1891م: حلول السالمي عند شيخه ماجد العبري، في الحمراء بالجبل الأخضر ... 109
1308 ... عام 1308هـ/1891م: حلول السالمي بالمضيبي ... 160
1308 ... عام 1308هـ/1891م: تزوُّج الشيخ السالمي في المضيبي ... 94
1308 ... سنة 1308هـ/1891م: إمضاء معاهدة بين بريطانيا والسلطان للسماح لكل السلع بالدخول إلى أراضي سلطان مسقط ... 61
1310 ... سنة 1310هـ/1893م: منح السلطان لفرنسا مقرًّا ثابتا لقنصليَّتها ... 44
1311 ... يوم الاثنين 4 محرم 1311هـ/17 جويلية 1893م: مناظرة السالمي لحمد بن راشد بن سالم الوهابي ... 173
1312 ... سنة 1312هـ/1895م: مسير الشيخ صالح إلى بني هشيم بوادي دما ... 118
1312 ... في شعبان 1312هـ/فيفري 1895م: هجوم الشيخ صالح الحارثي على سلطان مسقط بقيادة ابنه عبد الله ... 53، 118
1313 ... في شهر جمادى الثانية عام 1313هـ/ نوفمبر 1895م: أخذ السلطان فيصل حماية من الإنجليز عَلَى مدينتي مسقط ومطرح ... 37
1314 ... يوم 6 ربيع الثاني 1314هـ/13 سبتمبر 1896م: موقعة الجيلة بين جيش السلطان وجيش صالح الحارثي وابنه عيسى ... 118، 136
1314 ... يوم 6 ربيع الثاني 1314هـ/13 سبتمبر 1896م: استشهاد الشيخ صالح الحارثي ... 116 ، 136، 359 (1/476)
صفحة 477
1314 ... عند المغرب من ليلة 24 شوال 1314هـ/27 مارس 1897م: وفاة الشيخ سعيد بن حمد بن عامر بن خلفان الراشدي ... 150
1314 ... سنة 1314هـ/1896م: ميلاد أبي بشيرمحمد شيبة بن عبد الله (نور الدين) السالمي ... 94، 161
1315 ... سنة 1315هـ/1898م: سماح السلطان لفرنسا بإقامة مستودع للفحم في منطقة الجصَّة ... 36
1315 ... يوم 19 شعبان 1315هـ/12 جانفي 1898م: وفاة الشيخ حمد بن سيف بن سعيد البوسعيدي ... 133، 199
1316 ... عند غروب الشمس من يوم 4 محرم سنة 1316هـ/24 ماي 1898م: وفاة الشيخ حميد السالمي (والد الشيخ نور الدين) بجدة بعد حجِّه ... 94، 125
1316 ... يوم 3 شوال 1316هـ/ 13 فيفري 1899م: إلغاء منحة مستودع الفحم لفرنسا ... 36
1319 ... في أول سنة 1319هـ: إجراء فلج الظاهر بالشرقية بعلاية بدية، على يد الشيخ: جمعة بن سعيد بن علي المغيري ... 134
1319 ... في أواخر سنة 1319هـ/1902م: حادثة صد العمانيين للقنصل البريطاني ... 345، 350
1321 ... في شعبان 1321هـ/نوفمبر 1903م: خطاب اللورد كورزون في الشارقة ... 39
1322 ... في 4 شعبان 1322هـ/13 أكتوبر 1904م: لجوء بريطانيا وفرنسا إلى محكمة لاهاي ... 36
1323 ... في ربيع الثاني سنة 1323هـ/جوان 1905م: إرغام السلطانِ حمدَ بن سليمان بن سيف النبهاني على الاستسلام ... 46
1323 ... ليلة 4 من ذي القعدة سنة 1323هـ/30 ديسمبر 1905م: وفاة الشيخ جمعة بن سعيد بن علي المغيري ... 134
1323 ... سنة 1323هـ/1906م: رحلة السالمي إلى الحج، ولقاؤه بالسلطان فيصل ... 49، 94، 121، 178، 183، 242، 353، 391
1328 ... عام 1328هـ/1910م: رجوع أبي زيد عبد الله بن محمد بن رزيق الريامي إلى إزكي ... 156
1330 ... في شهر شوال عام 1330هـ/ سبتمبر 1912م: آخر رحلة دعائية للإمامة زار فيها أمير الجبل الأخضر ... 367 (1/477)
صفحة 478
1331 ... في 12 ربيع الآخر 1331هـ/ 20 مارس 1913م: موعد سري للسالمي للاجتماع بتنوف ... 368
1331 ... يوم 10 جمادى الثانية عام 1331هـ/17 ماي 1913م: عقد اجتماع سري للعلماء والأمراء في تنوف حول تنصيب الإمام ... 369
1331 ... على الساعة 12 من يوم الاثنين 12 جمادى الثانية عام 1331هـ/19 ماي 1913م: عقد الإمامة لسالم الخروصي بإجماع أهل العلم ... 62، 137، 144، 308، 355، 358، 359، 370، 421
1331 ... في شعبان 1331هـ/جويلية 1913م: قدوم الميجر مورفي (Murphy) من بوشهر للدفاع عن مسقط ومطرح ... 374
1331 ... في 19 شوال 1331هـ/ 20 سبتمبر 1913م: أول تنفيذ لحد الرجم على امرأة محصنة اعترفت بالزنا ... 374
1331 ... في 4 من ذي القعدة سنة 1331هـ/ 4 أكتوبر 1913م: وفاة السلطان فيصل ... 355
1332 ... يوم 18 صفر 1332هـ/ 15 جانفي 1914م، خروج السالمي من بيته إلى الحمراء لمناظرة شيخه ماجد بن خميس العبري ... 415
1332 ... ليلة 29 صفر 1332هـ/26 جانفي 1914م: زيارة الإمام سالم الخروصي الإمامَ السالمي آخر مرة ... 416
1332 ... بعد العتمة من ليلة 5 ربيع الأول سنة 1332هـ/31 جانفي 1914م: وفاة الشيخ نور الدين السالمي ... 355، 414، 415، 421
1332 ... سنة 1332هـ/1914م: كف بصر الشيخ ماجد العبري ... 130
1333 ... سنة 1333هـ/1915م: وفاة الشيخ راشد بن سيف اللمكي ... 127
1333 ... سنة 1333هـ/1915م: وفاة الشيخ محمد بن خميس السيفي ... 131
1336 ... في اليوم الحادي والعشرين من جمادى الآخرة سنة 1336هـ/ 2 أفريل 1918م: استشهاد الشيخ أحمد بن سليم العريمي الجنيبي ... 147
1338 ... على الساعة 5 من ليلة 5 من ذي القعدة سنة 1338هـ/21 جويلية 1920م: استشهاد الإمام سالم الخروصي ... 144
1339 ... سنة 1339هـ/1920م: استعفاء أبي بشير من منصبه كعامل للإمام الخليلي ... 161
1339 ... يوم 15 صفر سنة 1339هـ/27 أكتوبر 1920م: وفاة الشيخ عبد الله بن غابش الحبشي النوفلي ... 156
1346 ... في فجر 24 محرم سنة 1346هـ/23 جويلية 1927م: وفاة الشيخ ماجد بن خميس العبري ... 130 (1/478)
صفحة 479
1346 ... ليلة الجمعة 18 ربيع الأول 1346هـ/14 سبتمبر 1927م: وفاة الشيخ محمد بن شيخان السالمي ... 161
1346 ... ليلة 5 رمضان سنة 1346هـ/26 فيفري 1928م: وفاة الشيخ عامر بن خميس بن مسعود المالكي ... 153
1352 ... في شوال عام 1352هـ/جانفي 1934م: تقلُّد أبي بشير الولاية على ديار المعاول ونخل ... 161
1358 ... يوم الاثنين 16 شوال 1358هـ/27 نوفمبر 1939م: وفاة الشيخ عبد الله بن عامر العزري ... 155
1359 ... عام 1359هـ/1940م: عودة الشيخ عبد الله الجهضمي إلى عمان ... 154
1360 ... سنة 1360هـ/1941م: وفاة الشيخ قسور بن حمود بن هاشل الراشدي ... 158
1362 ... يوم 28 رجب 1362هـ/30 جويلية 1943م: وفاة الشيخ ناصر بن راشد الخروصي ... 163
1363 ... يوم 16 صفر 1363هـ/10 فيفري 1944م: وفاة الشيخ عبد الله بن خلفان الجهضمي ... 154
1364 ... بعد العصر من يوم 3 رجب 1364هـ/13 جوان 1945م: وفاة الشيخ أبي زيد عبد الله بن محمد بن رزيق الريامي ... 157
1365 ... في ضحى يوم 7 ربيع الثاني سنة 1365هـ/10 مارس 1946م: وفاة الشيخ عيسى بن صالح الحارثي ... 158
1370 ... سنة 1370هـ/1950م: وفاة الشيخ مسعود بن راشد الحبسي ... 162
1372 ... عام 1372هـ/1952م: حلول أبي بشير بمكة في مهمة إدارية للإمام محمد بن عبد الله الخليلي ... 16
1373 ... على الساعة الأولى من يوم الاثنين 29 شعبان 1373هـ/3 ماي 1954م: وفاة الإمام محمد بن عبد الله الخليلي ... 146
1373 ... ليلة 24 ربيع الأول سنة 1373هـ/1 ديسمبر1953م: وفاة الشيخ أبي الوليد سعود بن حميد بن خليفين المضيربي ... 149
1377 ... بُعيد سنة 1377هـ/1958م: نشر كتاب نهضة الأعيان بمصر ... 16
1378 ... سنة 1378هـ/1959م: نهاية آخر إمامة بعمان ... 382 (1/479)
صفحة 480
1380 ... صباح الاثنين 22 من ذي القعدة سنة 1380هـ/8 ماي 1961م: وفاة الشيخ سيف بن حمد الأغبري ... 152
1385 ... يوم 23 شعبان عام1385هـ/16 ديسمبر1965م: وفاة الشيخ أبي حميد حمد بن عبد الله السالمي ... 147
1387 ... سنة 1387هـ/1967م: وفاة الشيخ محمد بن سالم بن زاهر الرقيشي ... 159
1390 ... يوم 28 ذو الحجة سنة 1390هـ/24 فيفري 1971م: وفاة الشيخ حمد بن عبيد بن مسلم السليمي ... 148
1395 ... في 30 ذو القعدة 1395هـ/ 3 ديسمبر 1975م: وفاة الشيخ أبي بشير محمد شيبة بن نور الدين السالمي ... 161
ب- الفترات التاريخية:
1034 ... من 1034هـ/1624م إلى 10 ربيع الثاني 1059هـ/22 أفريل 1649م: حكم الإمام ناصر بن مرشد اليعربي ... 69
1285 ... من 1285/1868م إلى 1287هـ/1871م حكم الإمام عزان بن قيس ... 37، 50، 136، 376
1287 ... من 1287هـ/1871م إلى 1305هـ/1888م: حكم السلطان تركي بن سعيد البوسعيدي ... 41
1305 ... من 1305هـ/1888م إلى 1331هـ/1913م: حكم السلطان فيصل بن تركي بن سعيد ... 44
1308 ... من 1308هـ/1891م إلى 1314هـ/1896م: ملازمة الإمام السالمي للأمير صالح الحارثي ... 118، 120، 355
1331 ... من 1331هـ/1913م إلى 1338هـ/1920م: حكم الإمام سالم الخروصي ... 126
1413 ... يومي 12-13 جمادى الأولى 1413هـ ندوة المنتدى الأدبي حول الشيخ السالميِّ، في مسقط بعُمان ... 17 (1/480)
صفحة 481
فهرس الأماكن والبلدان
?
? إِبْرَا (بعُمان): 29، 135، 151، 155، 156
? أبوظبي: 374
? الأخشبية (بعُمان): 154
? أدم (بعُمان): 28، 159
? إزكي (بعُمان): 28، 45، 46، 53، 152، 156، 159، 162، 194، 373، 412
? اسْنَاو (بعُمان): 148
? أفريقيا: 34، 60، 262، 413
? أفريقية: 410
? أفلاج بني ريام (بعُمان): 412
? الأقطار الآسيوية: 63
? الأقطار العمانية: 209، 382
? أم اللخم (بعُمان): 54
? الإمارات العربيَّة المتَّحدة: 28، 161
? أمريكا: 59
? إنجلترا: 34، 38، 51، 59، 70، 235، 329، 332، 348
? أوروبا: 70
? الباطنة (بعُمان): 28، 103، 104، 110، 134، 143، 155، 162، 163
? البحر الأحمر: 60
? بحر العرب: 28
? بدبد (بعُمان): 147، 373
? بْدِيَّة (بعُمان): 29، 94، 95، 107، 134، 152، 155
? بريطانيا: 34، 35، 36، 37، 38، 39، 41، 44، 49، 59، 60، 61، 62، 333، 373، 379، 387
? البريمي: 29، 378
? البصرة: 59، 60
? بغداد: 391
? البقاع المقدسة: 195
? بلاد فارس: 59
? بلدان الحبوس (بعُمان): 161
? بلدان بني بطاش (بعُمان): 146
? بلدان وادي منقال (بعُمان): 146
? بمبي: 133
? بني يزقن (بالجزائر): 8، 11
? بُهلا (بعُمان): 28، 108، 129، 130، 156، 157، 373
? بوشهر: 374
? بومبي: 63
? بيت القرن من الرستاق (بعُمان): 161
? بيت الله الحرام: 48، 97، 353
? تنوف (بعُمان): 153، 368، 369، 370، 372، 378، 383، 412، 414، 415، 416
? توام (البريمي حاليا): 378
? تونس: 391
? الجبل الأخضر (بعُمان): 104، 109، 130، 367، 414
? الجزائر: 3، 4، 23، 48، 69، 389
? الجزيرة الخضراء (من زنجبار): 154
? الجزيرة العربيَّة: 28
? الجصَّة (بعُمان): 36، 44، 59
? جعلان (بعُمان): 29، 378، 135، 155
? الجمهورية اليمنيَّة: 28
? جنوب آسيا: 31
? الجوف (بعُمان): 28، 29
? الجيلة (بعُمان): 118، 136
? حبل الغاف (بعُمان): 158
? (1/481)
صفحة 482
الحج / الحجاز: 94، 121، 150، 154، 178، 183، 224، 226، 237، 242، 260، 353، 367، 391، 394
? حرم الله (مكة): 302
? حصن الرستاق (بعُمان): 129
? حصن العوابي (بعُمان): 46
? حضرموت: 60
? الحمراء بالجبل الأخضر (بعُمان): 109، 129، 130، 165، 415، 416
? الحوقين (بعُمان): 87، 92، 94، 99، 100، 101، 102، 123، 124، 125، 160
? الخبة (بعُمان): 92، 94، 99، 101، 125
? خراسان: 262
? الخضراء (بعُمان): 144
? الخليج العربي: 34، 36، 39، 56، 60
? خليج عمان: 28
? الخوض (بعُمان): 46
? الداخل /الداخلية (بعُمان): 28، 45، 52، 61، 67، 87، 147، 213، 245، 267، 369، 393
? دار الإسلام: 60، 336
? الدريز من بلدان الظاهرة (بعُمان): 72
? دما (بعُمان): 152
? دول الخليج: 34، 38، 67، 330
? دول الغرب: 50
? الديار الرستاقية (بعُمان): 126
? ديار الشروج (بعُمان): 161
? الديار النزوية (بعُمان): 104
? رأس الحد: 28
? رأس مسندم: 28
? الرُّستاق (بعُمان): 28، 71، 87، 92، 93، 94، 96، 99، 100، 101، 102، 103، 104، 106، 108، 109، 111، 112، 114، 115، 119، 120، 121، 124، 125، 126، 127، 128، 129، 130، 132، 141، 150، 160، 161، 162، 165، 212، 260، 358، 373
? زنجبار: 37، 41، 60، 67، 151، 154، 158، 160، 189، 216، 219، 266، 308، 319، 320، 401، 403، 410
? الساحل (بعُمان): 34، 35، 61
? ساحل الهند: 34، 133
? سفح الجبل الأخضر (بعُمان): 414
? سمائل (بعُمان): 28
? سمائل (بعُمان): 46، 71، 135، 136، 144، 147، 373
? سمد (بعُمان): 46، 53، 146، 148، 161
? سمد الشان (بعُمان): 375
? سمد نزوى (بعُمان): 46، 53
? سْنَاو (بعُمان): 29، 149، 151
? السودان: 214
? السيب (بعُمان): 46
? سيوى (بعُمان): 135
? الشارقة (بالإمارات): 39
? شبه الجزيرة العربيَّة: 27، 66
? شرق إفريقيا: 31، 57
? الشرق الإسلامي: 338
? الشَّرْقِيَّة (بعُمان): 29، 54، 59، 71، 87، 94، 99، 106، 107، 109، 113، 114، 119، 120، 125، 134، 135، 143، 145، 146، 147، 149، 150، 152، 153، 156، 162، 222، 316، 358، 369، 375
? صُور (بعُمان): 36، 46، 53، 62، 147
? الصومال: 60، 135، 136
? (1/482)
صفحة 483
الصين: 31، 279
? ضنك (بعُمان): 29
? الطائيين (بعُمان): 152
? الظاهر / الظاهرة (بعُمان): 28، 29، 46، 72، 94، 95، 369
? ظُفار (بعُمان): 58، 59، 60
? عِبري (بعُمان): 29، 159
? عَدَن: 60
? العراق: 54، 262
? العريانة من مطرح (بعُمان): 150
? عز (بعُمان): 152
? علاية بدية (بعُمان): 107
? علاية سمائل (بعُمان): 136
? عُمان / القطر العماني: (تكررت: 118 مرة)
? العوابي (بعُمان): 28، 143، 162، 373
? الغربية (بعُمان): 87
? غرداية (بالجزائر): 8، 16
? غرفة الاستقبال (غرفة الصلاة في الحصن بالرستاق): 71، 129
? فارس: 60، 262
? الفتح من الشرقية (بعُمان): 149
? فرنسا: 19، 34، 35، 36، 44، 49، 55، 59
? فلج مسعود المسمى:”الطائف“: 104
? فنجا (بعُمان): 147
? القابل (بعُمان): 29، 48، 71، 89، 94، 109، 111، 112، 114، 115، 116، 124، 125، 132، 135، 137، 141، 147، 151، 152، 154، 155، 158، 161، 165، 194، 353
? القدس الشريف: 7
? القرارة (بالجزائر): 8
? قرية بني صبح (بعُمان): 416
? القريتين (بعُمان): 158
? قصرى (بعُمان): 101
? القطر العُماني = عُمان
? قلعة الجلالي (بعُمان): 37
? الكامل (بعُمان): 154
? كدم (بعُمان): 129
? لندن: 39
? ليبيا: 389
? مجان (= عُمان): 29
? المحلة السفلى من قرية بني صبح (بعُمان): 416
? محلة قصرى بالرستاق (بعُمان): 126
? المحيط الهندي: 28
? مدغشقر: 60
? المدن الساحلية بعمان: 58، 373
? مَزون (= عُمان): 29
? مسجد الحرم: 307
? مسجد الخور بمسقط (بعُمان): 147
? مسجد الرستاق بالحصن (بعُمان): 101
? مسجد الشرع من تنوف (بعُمان): 370
? مسجد الظاهر (بالشرقية بعلاية بدية فيما يبدو): 134
? مسجد قصرى (بعُمان): 71، 160
? مسقط (عاصمة عُمان): 17، 35، 36، 37، 38، 39، 43، 45، 53، 54، 57، 61، 75، 100، 108، 109، 113، 118، 147، 152، 223، 331، 368، 373، 374، 380، 387، 410
? مشايق (بعُمان): 143، 162، 163
? مصر: 16، 69، 186، 384، 389، 410
? مصعب (= ميزاب): 188
? المضيبي (بعُمان): 29
? المضيبي (بعُمان): 94، 110، 112، 113، 114، 115، 116، 125، 133، 141، 146، 148، 150، 154، 160، 161
? (1/483)
صفحة 484
مضيق هرمز: 28
? مطرح (بعُمان): 37، 38، 45، 61، 150، 373، 374
? المغرب الإسلامي: 142، 262، 321، 394، 410
? مكَّة المكرَّمة: 16، 226، 301، 303، 367
? المملكة العَرَبِيَّة السعودية: 28
? منح (بعُمان): 28، 59، 110، 113، 132، 152، 158، 373
? الموانئ الآسيويَّة: 31
? النادي العمومي بالرستاق (بعُمان): 71
? نخل من الداخلية (بعُمان): 28، 147، 159، 161، 373
? نزوى: 28، 45، 46، 53، 70، 104، 113، 125، 131، 152، 153، 155، 308، 372، 383، 412، 414، 416
? الهند: 31، 56، 59، 60، 133، 178، 235، 262، 379، 391، 410
? واد (بلدة من بلدان وادي منقال بعُمان): 146
? وادي الأبيض (بعُمان): 162
? وادي المعاول (بعُمان): 147، 159، 162
? وادي بني خالد بالشرقية (بعُمان): 152
? وادي بني خروص (بعُمان): 162
? وادي بني معولة بن شمس (بعُمان): 151
? وادي سمائل (بعُمان): 135، 373
? وادي عندام بالخضراء (بعُمان): 144، 375
? وادي ميزاب (بالجزائر): 23، 48، 389
? الوافي (بعُمان): 173
? ودام من الباطنة (بعُمان): 155
? اليابان: 59
? اليمن: 262
? ينقل (بعُمان): 29 (1/484)
صفحة 485
فهرس المؤلفات
?
? أجوبة مسائل (نظما ونثرا) لأبي الوليد سعود بن حميد بن خليفين المضيربي: 149
? أجوبة وردود في مسائل لماجد بن خميس العبري: 130
? أجوبة ورسائل لعامر بن خميس بن مسعود المالكي: 153
? إحياء علوم الدين للغزالي: 247
? أرجوزة الجمل للسالمي: 165، 198
? أرجوزة الصائغي = منظومة الصائغي
? أرجوزة في الأصول لعبد الله بن غابش الحبشي النوفلي: 156
? أرجوزة في الميراث لعبد الله بن غابش الحبشي النوفلي: 156
? أسئلة أبي زيد الريامي لنور الدين السالمي والإجابات عنها = حل المشكلات: 194
? الاستقامة لأبي سعيد الكدمي: 238، 247
? أشعار حسنة لحمد بن عبد الله السالمي، أبي حميد: 147
? أطروحة حسين عبيد غباش: 19، 20
? أطروحة مبارك بن سيف الهاشمي: 18، 20، 22، 154، 162، 193، 224
? الإعراب عن قواعد الإعراب لابن هشام الأنصاري: 212، 236
? أعلام الرشاد في علم الجهاد، قصيدة لسعيد بن حمد بن عامر الراشدي: 150
? الإمام نور الدين السالمي وآراؤه في الإلهيَّات لمبارك الهاشمي = أطروحة مبارك الهاشمي
? أنوار العقول للسالمي: 11، 120، 169، 170، 171، 179، 193، 200، 222، 226، 236، 250، 259، 297
? إيضاح البيان في نكاح الصبيان للسالمي: 85، 168، 188، 223، 226، 234، 252، 256، 326
? بداية الإمداد على غاية المراد في الاعتقاد لسليمان بن محمد الكندي: 177
? بذل المجهود في مخالفة النصارى واليهود للسالمي: 77، 168، 216، 219، 225، 226، 234، 269، 323، 339، 340، 401
? بلوغ الأمل في المفردات والجمل للسالمي: 212
? بلوغ الأمل في تفصيل الجمل = في المفردات والجمل للسالمي: 88، 90، 201، 212، 214، 222، 226، 236
? بهجة الأنوار للسالمي: 11، 120، 170، 171، 172، 193، 222، 248، 250، 255، 261، 268
? تاريخ ابن خلدون: 239
? تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان للسالمي: 48، 118، 207، 208، 225، 227، 235، 237، 262، 265، 353
? تحقيق ودراسة ديوان السالمي لعيسى بن محمد السليماني: 214
? ترجمة الإمام السالمي (مخطوطة) لأبي بشير السالمي: 16، 89، 110، 120، 131، 173
? تصحيح الأول والثاني من طلعة الشمس للسالمي: 187
? تعاليق على الرد على العقبي للسالمي: 224، 353
? تلقين الصبيان ما يلزم الإنسان للسالمي: 168، 218، 219، 223، 226، 235، 268
? التمهيد في أجوبة الشيخ سعيد، جمعها محمد بن خميس السيفي: 131
? (1/485)
صفحة 486
توابع مسند الربيع (زيادات الوارجلاني): 183
? جامع ابن جعفر: 229
? جامع أبي الحسن البسيوي: 228، 229
? جامع أبي الحواري: 228
? الجامع الصحيح، مسند الربيع: 182، 231، 237، 254، 269
? جريدة الأسد الإسلامي لسليمان باشا الباروني: 89
? جوابات الإمام السالمي: 96، 157، 167، 181، 189، 190، 194، 204، 223
? جوهر النظام: 16، 167، 168، 193، 195، 196، 224، 226، 237، 246، 255، 256، 269، 270، 281، 322، 331، 420، 421
? الحجة الواضحة في الرد على التلفيقات الفاضحة للسالمي: 184، 185، 225
? الحجج المقنعة في أحكام صلاة الجمعة للسالمي: 133، 197، 199، 221، 223، 226، 235، 252
? الحق الجلي في سيرة الشيخ صالح بن علي للسالمي: 149، 210، 223، 225، 234، 236، 358
? حل المشكلات للسالمي: 157، 193، 194، 223، 226
? حواش على كتاب الرد على العقبي للسالمي: 220
? حواشي الجوهرة للباجوري: 238، 241
? حواشي الوضع لأبي ستة: 241
? خزانة الجواهر لحمد بن عبيد السليمي: 148
? خطب وأوراد لراشد بن سيف اللمكي: 126
? خلاصة العمل في شرح بلوغ الأمل لأبي يوسف حمدان بن خميس اليوسفي: 213
? خلاصة الوسائل في تحرير المسائل، أجوبة فقهية للإمام الخليلي جمعها سالم بن حمد الحارثي: 146
? خلاصة الوسائل في ترتيب المسائل لعيسى بن صالح بن علي الحارثي جمعها الشيخ سالم الحارثي: 158
? الدر النظيم للشيخ المالكي، جمعه مسعود بن راشد الحبسي: 162
? دراسة المستشرق لاندن: 20
? الدرة البهية = العمريطية لشرف الدين العمريطي (نظم الآجرومية): 216
? الدرر السنية للسالمي: 236
? الدعائم لابن النضر: 127، 200، 229، 233، 236
? الدليل والبرهان للوارجلاني: 289، 293
? ديوان ابن النضر: 200
? ديوان أبي إسحاق الحضرمي: 233
? ديوان أبي مسلم الرواحي: 20
? ديوان السالمي: 20، 107، 168، 213، 214، 225، 236، 257، 258
? رائية لأبي مسلم ناصر بن عديم الرواحي: 424
? الرد العزيز على أحكام الدريز لعيسى بن صالح بن علي الحارثي: 158
? الرد على العقبي للقطب امحمد بن يوسف اطفيش: 220، 224، 353
? رسائل السالمي إلى القطب: 238
? رسائل / رسالة في الرد على نونية ابن النضر للسالمي: 172، 222
? رسائل لأبي الوليد سعود بن حميد بن خليفين المضيربي: 149
? رسائل نور الدين السالمي: 172، 220، 225
? الرسالة التي بعثها السالمي إلى الشيخ سليمان باشا الباروني: 88
? (1/486)
صفحة 487
رسالة المسالك في علم المناسك لراشد بن سيف اللمكي: 126
? رسالة في التوحيد = صواب العقيدة للسالمي: 175
? رسالة في الدم المسفوح للسالمي: 200، 225
? رسالة في الرد على الوهابية للسالمي: 173
? رسالة لنور الدين السالمي بعثها إلى صالح الحارثي حول مناظرته لحمد بن راشد: 117
? روض البيان على فيض المنان في الرد على من ادعى قدم القرآن للسالمي: 90، 117، 150، 172، 173، 174، 222، 223، 255
? سؤالات المشكلات لأبي زيد عبد الله بن محمد بن رزيق الريامي: 157
? سواطع البرهان للسالمي: 219
? السيرة العمانية = تحفة الأعيان للسالمي: 208
? شرح (أو حاشية) الجامع الصحيح للسالمي: 85، 182، 207، 224، 225، 227، 237، 353
? شرح أرجوزة الجمل للسالمي: 165
? شرح الجوامع للمحلي: 239
? شرح العمريطية = المواهب السنية على الدرة البهية للسالمي: 216، 236
? شرح المواقف للجرجاني: 237، 242
? شرح النونية للثميني: 238
? شرح بلوغ الأمل في المفردات والجمل للسالمي: 201، 213، 226
? شرح غاية المراد لأحمد بن حمد الخليلي: 177
? شرح فيض المنان في الرد على من ادعى قدم القرآن لسليمان بن محمد الكندي: 150
? شرح فيض المنان في الرد على من ادعى قدم القرآن لمحمد بن سالم الرقيشي: 150، 159
? شرح قصيدة أعلام الرشاد في علم الجهاد لسعود بن سليمان الكندي: 150
? شرح قصيدة الشيخ أبي نبهان لمحمد بن خميس السيفي: 131
? شرح مختصر العدل والإنصاف للشماخي: 239
? الشرف التام في شرح دعائم الإسلام للسالمي: 109، 120، 127، 165، 167، 200، 201، 202، 222، 233، 236
? شفاء القلوب لخميس بن راشد بن سعيد العبري: 239
? شمس الأصول للسالمي: 169، 185، 186، 223، 226، 233، 236، 256، 259
? شمس الأنوار للسالمي، (هذا العنوان خطأ من بعض الكتاب): 185
? الشمس الشارقة في توحيد المشارقة لحمد بن عبيد بن مسلم السليمي: 148
? صواب العقيدة = رسالة في التوحيد: 175
? طريق السداد إلى علم الرشاد في الدفاع والجهاد شرح قصيدة أعلام الرشاد في علم الجهاد، للسالمي: 150، 203، 223، 225
? طلعة الشمس للسالمي: 185، 186، 187، 193، 198، 199، 223، 226، 233، 239، 248، 250، 256، 268، 292
? العدل والإنصاف للوارجلاني: 289
? العشري في سير الأئمة لمحمد بن خميس السيفي: 131
? العقد الثمين أجوبة أبي نبهان، جمعها محمد بن خميس السيفي: 131
? العقد الثمين في أحكام الدعوى واليمين لحمد بن عبيد بن مسلم السليمي: 148
? العقد الثمين نماذج من فتاوى نور الدين للسالمي: 110، 190، 192، 194، 203، 203، 204
? (1/487)
صفحة 488
عقيدة العزابة لأبي حفص عمرو بن جميع: 176
? علم الرشاد في أحكام الجهاد لصالح الحارثي: 137
? علم الرشاد في الدفاع والجهاد لسعيد بن حمد الراشدي: 203
? عمان مسيرا ومصيرا لروبرت لاندن: 19
? عُمان، الديمقراطية الإِسلاَمِيَّة لحسين عبيد غباش = أطروحة غباش
? العمريطية = الدرة البهية لشرف الدين العمريطي (نظم الآجرومية): 216
? عين المصالح في أجوبة الشيخ الصالح، ترتيب أبي الوليد سعود بن حميد بن خُلَيْفين: 137، 149، 213
? غاية التحقيق في أحكام الانتصار والتغريق لعامر بن خميس بن مسعود المالكي: 153
? غاية المأمول لمحمد بن شامس البطاشي: 229
? غاية المراد في الاعتقاد للسالمي: 170، 175، 177، 222، 226
? غاية المرام في الأديان والأحكام لعامر بن خميس بن مسعود المالكي: 153
? غاية المطلوب في الأثر المنسوب لعامر بن خميس بن مسعود المالكي: 153
? فاتح العروض والقوافي للسالمي: 215
? فتاوى الإمام السالمي: 252، 255
? الفتاوى العمانية = العقد الثمين للسالمي: 203
? فتاوى حمد بن سيف بن سعيد بن راشد البوسعيدي: 133
? الفتاوى عن نوازل عمان = العقد الثمين للسالمي: 203
? فتاوى مدونة لمحمد بن مسعود البوسعيدي: 132
? الفتح المبين لابن رزيق: 239
? الفرق بين الفرق للبغدادي: 179
? فكر السالمي السياسي حول نظام الإمامة بعُمان لخالد العزري: 18
? فيض المنان في الرد على من ادعى قدم القرآن لسعيد بن حمد الراشدي: 150، 159، 174
? قاموس الشريعة لجميل بن خميس السعدي: 73، 229
? قراءات في فكر السالميِّ حصاد ندوة المنتدى الأدبي: 17
? قصائد ابن النضر: 109، 173
? قصائد في الوعظ والحكمة لماجد بن خميس العبري: 130
? قصائد لأبي الوليد سعود بن حميد بن خليفين المضيربي: 149
? قصائد لعبد الله بن غابش الحبشي النوفلي: 156
? قصيدة الجُمَل للسالمي: 120
? قصيدة بائية لسليمان بن محمد بن أحمد الكندي: 408، 409
? قصيدة بائية للحبشي بن غابش: 408
? قصيدة بائية للسالمي: 281، 343
? قصيدة بائية لمحمد بن شيخان السالمي: 371
? قصيدة حائية للسالمي: 281
? قصيدة دالية للسالمي: 280
? قصيدة رائية للسالمي: 342
? قصيدة سينية للسالمي: 281
? قصيدة عينية للسالمي في رثاء والده: 125
? قصيدة عينية للسالمي: 280
? قصيدة فائية لأبي مالك عامر المالكي: 371
? قصيدة في خلق القرآن للسالمي: 173
? قصيدة في نفي رؤية الله للسالمي: 177، 225
? قصيدة لامية لسالم بن حمود السيابي: 425
? (1/488)
صفحة 489
قصيدة لامية للمر بن سالم الحضرمي: 371
? قصيدة للحبشي بن غابش: 245
? قصيدة للسالمي ردا على شاعر السلطان حول زيارة القنصل البريطاني للداخل: 245
? قصيدة ميمية للسالمي: 342
? قصيدة نونية لأبي مسلم الرواحي: 372
? قصيدة نونية لجمعة بن سليم الخنجري: 372
? قلائد المرجان لحمد بن عبيد السليمي: 148
? قواعد الإسلام للجيطالي: 238
? كتاب في النحو لأبي زيد عبد الله بن محمد بن رزيق الريامي: 157
? كتاب في مناسك الحج لأبي زيد عبد الله بن محمد بن رزيق الريامي: 157
? كشف الحقيقة لمن جهل الطريقة للسالمي: 168، 178، 224، 226، 235، 299
? كشف الكرب جمع وترتيب أبي الوليد سعود بن حميد بن خليفين المضيربي: 149
? كلمة الصدق في تأييد الحق لعبد الله بن غابش الحبشي النوفلي: 156
? اللؤلؤ الرطب في إبراز مستودعات القلب لسعيد بن حمد الحارثي: 224
? لامية الأفعال لابن مالك محَمَّد بن عبد الله النحوي: 101، 124
? لامية لأبي مسلم ناصر بن عديم الرواحي: 424
? اللمعة المرضية من أشعة الإباضية للسالمي: 167، 211، 224
? متن الآجرومية لابن آجرُّوم: 93، 101، 102
? مجموع المناظيم للسالمي: 172، 173، 220، 221، 225
? مجموع مسائل في الدعاوى والأحكام والديانات لراشد بن سيف اللمكي: 126
? محاضرة الخليلي بالمنتدى الأدبي: 224
? مختصر الخصال لأبي إسحاق إبراهيم بن قيس الحضرمي: 205، 206، 253، 271
? مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال للسالمي: 193، 205، 206، 207، 224، 253، 254، 259، 271، 322
? مراسلات لعبد الله بن غابش الحبشي النوفلي: 156
? مسائل فقهية لمسعود بن راشد الحبسي: 162
? مسند الربيع بن حبيب: 74، 182، 183، 249
? مشارق أنوار العقول للسالمي: 11، 85، 170، 172، 175، 179، 181، 202، 222، 225، 239، 248، 255، 261، 268، 269، 272، 273، 391
? مطارحات أدبية لمسعود بن راشد الحبسي: 162
? معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال للسالمي: 207، 224، 226، 237، 252، 253، 255، 256، 261
? معالم الدين للثميني: 238
? المعتبر لأبي سعيد الكدمي: 238
? مقالات الإسلاميين للأشعري: 179
? الملل والنحل للشهرستاني: 179
? منظومة الصائغي: 195، 233، 246، 270
? منظومة في التحريض على نشر الحق لراشد بن سيف اللمكي: 126
? منظومة في الدماء والأروش لعامر بن خميس بن مسعود المالكي: 153
? منظومة في السلوك لراشد بن سيف اللمكي: 126
? منظومة كشف الحقيقة = كشف الحقيقة
? منظومة”أنوار العقول“ = أنوار العقول
? منهاج الوصول لابن الحاجب: 239
? (1/489)
صفحة 490
المنهل الصافي على فاتح العروض والقوافي للسالمي: 215
? موارد الألطاف في نظم مختصر العدل والإنصاف لعامر بن خميس المالكي: 153
? المواقف لعضد الدين الإيجي: 237، 242
? المواهب السنية على الدرة البهية للسالمي: 216، 222، 226، 260
? موسوعة التاريخ الإباضي للسالمي (مشروع لم يكتمل): 262
? نتائج الأقوال من معارج الآمال لسعيد بن حمد بن سليمان الحارثي: 208
? نهضة الأعيان بِحُرِّيَّة عمان لأبي بشير السالمي: 16، 17، 56، 89، 90، 105، 111، 120، 128، 131، 161، 167، 221، 371، 418، 420، 423
? النور الوقاد شرح قصيدة أعلام الرشاد في علم الجهاد لمحمد بن سالم الرقيشي: 150، 159
? نونية ابن النضر: 172، 173، 174
? هداية الحكام إلى منهج الأحكام لحمد بن عبيد بن مسلم السليمي: 148
? الوضع للجناوني: 241 (1/490)
صفحة 491
فهرس المصطلحات (1)
?
? الأب الروحي: 381
? الإبداع: 228، 427
? الأثر: 153، 189، 229، 250
? الاجتهاد: 11، 73، 170، 171، 184، 187، 201، 243، 250، 251، 256، 267، 321، 392، 398، 416، 419، 428
? الإجماع: 187، 200، 207، 248، 249، 252، 253، 386، 412
? أجهزة الاستخبارات: 303
? الأحاديث الآحادية: 249
? الأحاسيس الوجدانية: 116
? الاحتساب: 137
? الاحتقان السياسي: 384، 431
? الاحتلال: 14، 19، 30، 41، 217، 219، 329، 330، 331، 334، 336، 337، 339، 344، 345، 429، 430
? الاحتلال الإنجليزي: 14، 21، 262، 328، 330
? الاحتلال الأوروبي: 34
? الاحتلال البرتغالي: 30، 262، 330
? الاحتلال الفرنسي: 330
? الأحكام المسبقة: 397
? الأحكام غير الموضوعية: 91
? أحوال الصوفية: 288، 293، 297
? إحياء الإمامة: 17، 233، 264، 265، 274، 329، 353، 362، 430
? آداب البحث: 241
? إدارة شؤون الإمامة: 415
? الإدارة والتنظيم: 70
? الأرستوقراطية: 259
? الأرشيف الإنجليزي: 20
? أركان الدين: 176
? الأرومة العربية: 196
? الأساليب البيداغوجية: 320
? الاستبداد: 219، 259، 302، 346، 385
? الاستحسان: 252، 293
? استخراج الأصول: 230
? الاستدلال: 187، 237، 245، 248، 252
? الاستدمار: 11، 77، 218، 263، 305، 314، 317، 319، 330، 331، 333، 337، 341، 346، 376، 393
? الاستدمار الإنجليزي: 44، 330، 429
? الاستدمار البريطاني: 408
? الاستراتيجية: 325، 348، 431، 366
? الاسترقاق: 39
? الاستعارة: 261
? الاستقراء: 91، 192
? الاستقلال: 39، 44، 49، 342، 382، 384
? الاستقلالية: 63
? استنتاجات مغالِطة: 18
? الاستنهاض: 213، 213، 214، 214، 233، 285، 285، 342، 343، 346، 357، 372
? الاستهلال: 260
? الاستواء: 174، 179
? إسقاط الإمامة: 38
? الأسلوب الخطابي: 320، 428
? إشكالات أصولية: 117
?
__________
(1) ... يشمل المصطلحات الشَّرعِيَّة والأصولية والكلامية والفلسفية والصوفية والسِّيَاسِيَّة والأدبية وَالاِجتِمَاعِيَّة... (1/491)
صفحة 492
الإشكاليَّة المطروحة: 21
? الإصلاح: 13، 14، 15، 157، 216، 220، 235، 275، 279، 282، 285، 286، 300، 301، 313، 325، 326، 328، 353، 361، 375، 380، 388، 392، 393، 397، 427، 428، 431
? الإصلاح الثوري: 282
? الإصلاح الجذري: 282، 380
? الأصول (أصول الفقه أو أصول الدين): 145، 161، 212، 272، 409، 427
? الأضرحة: 78
? الاضطراب القبلي: 58
? الاضطرابات السياسية والطائفية: 73
? الإطاحة بالنظام: 329
? إعداد قاعدي: 380
? إعلان الإمامة: 282، 384
? أعين السلطة: 108
? الأغراض الخياليَّة: 20
? الأفكار القاتلة: 405
? إقامة شرع الله: 38، 52
? الإلهام: 287، 289، 292، 293، 297
? الإمارة: 157
? الإمام: (تكررت 100 مرة)
? إمام الدفاع / مدافع: 50، 361
? الإمام الشاري: 50، 233
? إمام الظهور: 50، 362
? الإمام العادل: 333
? الإمام المجدد: 409
? إمام المسلمين: 210
? الإمام المنتظر: 383
? الإمامة: (تكررت 114 مرة)
? إمامة الظهور: 361، 370
? الأمانة العلمية: 204، 240، 427
? إمبراطورية: 264
? أمراء الشرق: 39
? الأمراء: 23، 52، 259، 302، 303، 369، 370، 392
? الانتخاب الشوري: 52
? الانحطاط، عصر /عصور: 15، 256، 427، 431
? الأنس بالله (تصوف): 291
? انسداد الأفق: 108
? الانفجار المعلوماتي: 103
? الانفعال: 282
? الانقلاب: 364
? أهل حرب: 331
? الأوتاد (علم العروض): 215
? الأوصاف الذاتِيَّة: 19
? الإيمان والإسلام: 170
? الباغي: 66، 210، 337، 356، 357، 376
? البحور الشعرية: 215
? البدع: 77، 194، 234، 277، 284، 285، 299، 302، 306، 309، 313، 356، 398، 409، 421، 429
? البدعة: 129، 306، 307، 309، 311، 316، 317
? البراءة: 387
? براعة الاستهلال: 260، 261
? البرنامج الإصلاحي: 326
? بساط القرب: 288
? البغاة /الباغون: 43، 118، 210، 219، 344
? البغي: 118، 160، 337، 355، 356، 357، 360، 412
? البلاط السلطاني: 214، 406
? (1/492)
صفحة 493
بيبليوغرافيا: 24، 166
? بيت المال: 129، 143، 153، 156، 160، 378، 401، 412
? بيع الخيار: 194، 311، 312
? البيعة: 364، 370، 371، 374، 378، 383، 385
? التاريخ العماني: 208، 209، 418
? التاريخ المقارن للفرق الإسلامية: 178
? تجارة الأسلحة والرقيق: 59
? تجارة الرقيق: 36، 52، 59
? تجديد المناهج العلمية: 321
? التجديد: 11، 73، 228، 232، 429، 431
? التجريد: 116
? تحرير محل النزاع: 242
? التحليل المنطقي: 243
? التخطيط الاستراتيجي: 433
? التخطيط: 264، 373، 377، 385، 387
? التدرج السنني: 225، 427
? التراث الإباضي: 14، 184، 385، 432
? التراث الاعتزالي: 432
? التراث الخارجي: 432
? التراث السني: 432
? التراث الشيعي: 432
? التراث العماني: 165
? التربية الإسلامية المثالية: 217
? الترتيب المنطقي: 189، 270
? الترجيحات: 187
? التصوف: 24، 287، 288، 428
? التضخم: 334
? التطور التكنولوجي: 60
? التعصب: 65، 241
? التعصب المذهبي: 242، 256
? التعلم الذاتي: 325
? التغيير: 13، 15، 121، 235، 285، 380، 428، 431
? التغيير التصاعدي: 381
? تغيير الحكم /النظام: 15، 366، 401، 431
? تفريع الأصول: 230
? التقاليد الإباضية: 386
? التقليد: 73، 248، 250، 256، 267، 283، 319، 420، 428، 429
? التكوين الروحي: 287
? التكوين السياسي: 118، 120، 130
? التكوين القاعدي: 119
? التلاقح: 117
? التلغراف: 60
? التمرُّد: 44
? التناقح: 117
? التناقض: 15، 95، 116، 230، 356، 403
? التواتر: 249
? التوارث: 386
? التواكل: 285، 297، 428
? توبة المحرِّم: 170
? توبة المستحلِّ: 170
? التورية: 261، 425
? التوسع الاستدماري: 332
? التوسُّع الإمبريالي العماني: 19
? التيار الإصلاحي: 401
? تيَّارات التجديد: 14
? تيارات التقليد: 14
? التيارات الفكرية: 384
? الثوار: 331، 383
? الثورة / الثورات: 13، 30، 37، 53، 95، 330، 331، 355، 359، 361، 374، 376،
? (1/493)
صفحة 494
380، 381، 382، 387، 410، 413، 423
? الجائر: 340، 349، 357، 359، 360، 392، 430
? الجاليات الأجنبية: 75
? الجانب المعرفي: 12
? الجانب الوظيفي: 13
? الجاهلية: 66، 299، 316
? الجبابرة: 43، 78، 160، 258، 306، 333، 339، 340، 346، 347، 348، 349، 352
? الجبار: 348
? الجباية: 129
? الجبر (علم الكلام): 176
? الجمع بين الضدين: 189
? الجملة (جملة التوحيد): 170، 270
? الجمهوريَّة: 50
? الجمود: 70، 250، 256، 398، 427
? الجهاد: 62، 67، 116، 130، 137، 150، 159، 218، 219، 225، 233، 258، 285، 330، 331، 342، 343، 344، 355، 356، 357، 358، 359، 370، 371، 381، 392، 398، 410، 430
? الجهود الدبلوماسيَّة: 40
? الجواسيس: 329
? الجور: 43، 46، 78، 107، 137، 259، 319، 335، 346، 352، 356، 358، 361، 364، 365، 372، 378
? الجورة: 339، 360، 378، 392، 412
? الحاكم الجائر: 255، 361
? الحاكم الصالح: 51
? الحاكم المستبد: 75
? الحجة الخطابية: 269
? الحجة الذوقية: 293
? الحجة الشرعية: 293
? الحجة العقلية: 293
? الحجج البرهانية: 269
? الحجج الجدلية: 269
? حجية الإلهام: 297
? حجية العقل الصحيح: 174
? الحديث المتواتر: 243
? الحرب العالمية الأولى: 387، 419، 421
? حرز الدين: 176
? الحركات الإسلاميَّة الحديثة: 24
? الحركات الإصلاحيَّة: 14
? حروب الردَّة: 30
? الحروز: 77، 299، 300، 429
? الحرِّيَّة: 17، 38، 40، 325، 342، 351، 364، 384
? الحساسيات الطائفية: 204
? الحصار الاقتصادي: 385
? الحضارة الأوروبية: 64
? الحضارة الغربية: 384، 403
? الحضارة: 77، 267
? الحضرة (تصوف): 288
? الحضرة القدسية / حضرة القدس: 288
? الحقائق التَّارِيخِيَّة: 18
? حقوق المرأة: 326
? الحقيقة التاريخية: 397، 417
? الحكام: 11، 47، 78، 148، 231، 233، 259، 282، 303، 305، 317، 347، 392، 421، 423، 432
? حكام الجور: 346
? حكام المسلمين: 40، 45، 47، 313، 333، 337
? حكام مسقط: 54
? (1/494)
صفحة 495
حكم الأشياء قبل ورود الشرع: 255
? حكم الإمامة: 14، 19، 53، 130، 136، 144، 163، 364، 372، 373، 411، 418
? حكم السلطنة: 19، 364
? الحكم العادل: 15، 47، 365، 431
? الحكم المستبد: 263، 325
? الحكومات الاستدماريَّة: 45
? الحماية البريطانية: 76
? الحملة الإعلامية: 412
? الحمية: 11، 280، 314
? الحمية الإسلامية: 314
? الحمية الجاهلية: 65، 371
? الحوار الهادئ: 241
? خبر الآحاد: 249
? الخبراء الماليون: 334
? الخذلان: 76
? الخروج على السلطان: 357، 358، 359، 360
? الخطط السياسية: 113
? الخلاف المذهبي: 394
? الخلافة: 364
? الخلافة الإسلامية: 365
? خلق القرآن: 172، 174، 179، 201، 243
? الخلوة / خلوات (تصوف): 104، 105، 131، 155، 287، 287، 292، 293
? الخلود في النار: 179، 391
? دائرة الكمال (تصوف): 288
? الدافع الذاتي: 233
? الدبلوماسية: 377
? درجة المكاشفة: 288
? الدوافع الذاتيَّة: 12
? الدوافع الموضوعيَّة: 12
? الدول الاستدمارية: 34، 49
? ديار الإسلام / المسلمين: 331، 336، 336، 341، 429
? الديمقراطية الإِسلاَمِيَّة: 19
? الذاتية (مقابل الموضوعية): 23، 274، 427
? رؤية الله: 174، 177، 179، 241، 242، 244، 391
? الرئيس: 23
? الرئيس المستبد: 75
? رئيس النهضة: 17
? الراعي (الحاكم): 278
? الرأي الآخر / رأي الآخر: 20، 70، 240، 241، 428
? الرأي العام: 39، 70، 279، 332، 392
? الرأي العام الدولي: 39
? الرأي المخالف: 179، 237، 242، 245
? «رجع»: 230
? رجل السياسة: 210
? الرجل المثالي: 107، 383
? رد الفروع إلى الأصول: 252
? الرصيد اللغوي: 119
? الرعاة (الحكام): 217
? الرعية: 11، 19، 41، 43، 47، 49، 53، 56، 217، 278، 282، 313، 341، 347، 355، 357، 363، 364، 413، 427، 428
? الركود: 274
? الروح القبلية: 298
? الرياضة /الرياضات (تصوف): 104، 105، 131، 164، 287
? الزحاف (علم العروض): 215
? الزعيم الروحي: 138، 374، 394
? الزهد: 104، 129، 164، 399
? (1/495)
صفحة 496
زواج الكفاءة: 64
? زيادة الإيمان ونقصانه: 243
? زيادة الصفات على الذات: 242
? السالك (تصوف): 288
? سد الذرائع: 257
? سلاطين العرب: 39
? السلطان: (تكررت 90 مرة)
? السلطة: 31، 51، 57، 108، 113، 318، 413
? السلطنة: 12، 16، 40، 47، 49، 50، 51، 52، 108، 149، 180، 209، 328، 329، 346، 347، 372، 382، 386، 413، 418، 420، 422
? السلف: 18، 22، 122، 207، 210، 234، 247، 306، 320، 351، 357
? السنة: 183، 187، 189، 197، 200، 207، 210، 217، 226، 229، 237، 241، 248، 249، 252، 256، 266، 283، 284، 294، 297، 298، 303، 306، 307، 309، 316، 340، 355، 357، 385
? السنة المتواترة: 306
? السنن الكونية: 285
? السياسة: 11، 12، 13، 14، 15، 21، 44، 56، 69، 70، 147، 159، 161، 196، 245، 264، 285، 310، 328، 351، 363، 365، 397، 411، 413، 431
? السياسة الاستدمارية: 40، 196
? السياسة الإنجليزية: 40
? السياسة الدَّاخِلِيَّة: 40
? السياسة الشرعية: 347
? السياسة النصرانية: 347
? الشاري: 361
? شاهد عيان: 17
? الشراء: 360، 362
? شرائح المجتمع: 232
? الشعب / الشعوب: 14، 37، 70، 269، 303، 330، 332، 335، 376، 380، 384، 385، 413، 422
? الشعب العماني: 14، 37، 345، 376، 384
? الشعوذة: 299
? الشفاعة: 176، 391
? الشهود الحضاري: 433
? الشواهد التاريخيَّة: 19، 386، 421
? الشورى: 335، 361، 363، 386
? شيخ العلم: 23
? شيخ قبيلة: 23
? شيوخ القبائل: 48
? صاحب المعالي: 351
? صاحبة الجلالة البريطانية: 62
? صحيفة إمامية: 70
? صحيفة سلطانية: 70
? الصراط: 176
? الصراع الحضاري: 433
? الصراع الطائفي / القبلي: 64، 65، 67، 75، 313، 315، 384، 418
? الصراعات الداخليَّة: 37
? الصراعات الطائفية / القبلية: 70، 429
? الصفات الإلهية / صفات الله تعالى: 173، 175، 290
? الصفات الخبرية: 241
? الصفات الزائدة على الذات: 255
? صلاة الجمعة: 197، 235، 271، 308، 388، 429
? الضغط السياسي: 25، 33، 40
? (1/496)
صفحة 497
ضوابط الشرع: 65
? الطاعن في الدين: 386
? طرح للإشكال: 253
? الطرق البيداغوجية: 429
? الطريقة (تصوف): 104، 131، 287
? الطلاسم / الطلسمات: 77، 299، 300
? الظلم: 43، 46، 47، 53، 75، 78، 107، 135، 136، 137، 210، 263، 278، 279، 286، 324، 340، 341، 358، 373، 376، 398، 409، 421، 425
? الظلمة: 306، 339، 369
? الظني من الإجماع: 249
? الظهور، مسلك: 371
? العائلة الحاكمة: 365
? العار: 65، 281
? العارف / العارفون (تصوف): 288، 294
? العام والخاص: 248
? العدل: 38، 40، 46، 52، 77، 78، 106، 107، 108، 137، 143، 144، 153، 213، 227، 235، 239، 264، 265، 279، 313، 325، 340، 341، 347، 352، 354، 355، 364، 365، 371، 372، 373، 375، 382، 387، 388، 398، 413، 431
? عذاب القبر: 243
? العَروض: 127، 212، 215، 223، 257
? العصبية القبلية: 65
? العصبية المذهبية: 302
? العصيان المدني: 373، 422
? العقل والنقل: 180
? العلاقة الدبلوماسية: 353
? علم / علوم اللغة العربية: 127، 212، 257، 403، 409
? علم أصول الدين: 4، 24، 103، 117، 120، 127، 142، 148، 167، 169، 178، 179، 181، 188، 190، 191، 196، 200، 206، 228، 232، 237، 247، 250، 251، 255، 271، 428
? علم أصول الفقه: 24، 117، 127، 142، 171، 184، 185، 187، 188، 189، 190، 191، 196، 226، 228، 232، 244، 248، 250، 256
? علم الأدب: 24، 113، 147، 160، 161، 163، 212، 257، 258، 259، 323، 392، 427
? علم الآلة: 151
? علم الباطن (تصوف): 289
? علم البديع: 117
? علم البلاغة: 86، 127، 154، 214، 261، 262
? علم البيان: 117، 127، 135، 142، 157، 172
? علم التاريخ: 23، 24، 48، 74، 161، 163، 167، 179، 208، 220، 227، 228، 232، 239، 262، 263، 264، 380، 385، 392، 427
? علم التراجم والسير: 24
? علم التربية: 24
? علم التفسير: 117، 127، 142، 145، 162، 191، 212، 409
? علم التوحيد: 129، 175، 403، 409
? علم الحديث: 24، 117، 127، 142، 145، 162، 182، 183، 184، 191، 212، 226، 237، 240، 244، 249، 256، 292، 409، 427
? علم الصرف: 117، 135، 154
? (1/497)
صفحة 498
علم العروض: 31، 215
? علم العقيدة / العقيدة: 11، 12، 23، 117، 127، 154، 161، 163، 169، 170، 171، 175، 179، 180، 181، 201، 205، 225، 226، 237، 241، 248، 249، 255، 272، 297، 298، 301، 305، 337، 379، 403، 413، 427، 429
? علم الفقه /الفقه: 12، 24، 103، 120، 127، 148، 160، 161، 162، 163، 166، 188، 191، 196، 200، 205، 212، 226، 228، 232، 237، 244، 248، 249، 250، 251، 253، 256، 268، 270، 271، 272، 273، 331، 363، 385، 409، 413، 427
? علم القضاء: 127، 148
? علم الكشف: 290
? علم الكلام: 11، 127، 160، 169، 170، 173
? العلم اللدني: 104، 287، 289، 291، 293، 294، 295
? علم اللسان: 160
? علم اللغة الأجنبية: 403
? علم المعاني: 117، 127، 135، 142، 157، 226
? علم المكاشفة: 289، 293
? علم المنطق: 117، 142
? علم النحو: 117، 127، 129، 135، 142، 154، 157، 212، 216، 257، 260، 261، 377، 409
? علم بَدْو: 123
? علماء الأسرار: 104، 131
? العلماء العمانيُّون: 18، 19، 74، 228
? العلماء المصلحون /الإصلاحيُّون: 22، 76
? علوم الحقيقة: 297
? علوم العربية: 232
? العمل الثوري: 282
? الغرب: 28، 76، 77، 319، 320، 324، 338، 347، 391، 430، 431، 432
? الفئات المتطرِّفة: 19
? الفئة الباغية: 371
? فتنة الصحابة: 176، 204
? فتنة الهناوية: 125
? الفتوى: 129، 155، 170، 171، 192، 204، 210، 270، 336، 341، 344، 412، 419، 420، 421، 422
? فرز الدين: 176
? الفرقة المحقة: 211
? الفطرة الإسلامية: 302، 303، 304، 305، 429
? فقه الأولويات: 256
? فقه العبادات: 127، 163، 191، 196، 206، 403
? فقه المعاملات: 127، 163، 191، 196، 206
? فقهاء البلاط: 421
? الفوضى الاستعماريَّة: 40
? القائد: 46، 381، 383
? القائد الروحي: 381
? القابلية للاستعمار: 335
? القاعدة (عامة الناس): 282
? القاعدة النخبوية والشعبية: 430
? قِدَم القرآن: 174
? القراءات الشاذة: 249
? القرصنة: 39
? القضاء (منصب): 127، 129، 131، 147، 148، 151، 152، 153، 154، 155، 156، (1/498)
صفحة 499
160، 162، 163، 339
? القضاء والقدر: 170، 176
? القضايا العقدية: 180
? القضايا الكلامية: 180
? القضايا المدنية والجنائية: 52
? قطَّاع الطريق: 45
? القمة (الحاكم): 282، 380
? القواعد الاحترازية: 322
? قواعد التوحيد: 169، 175
? قواعد الدين: 176
? القواعد الفقهية: 252
? قواعد اللغة العربية: 102، 127
? القوة الإيمانية: 104
? القوة البخارية: 60
? القياس: 187، 200، 248، 252، 295
? قياس الغائب على الشاهد: 242
? قيام الإمامة: 382
? قيام الحجة: 170، 365
? الكبسة: 318
? الكُتَّاب /الكتاتيب: 219، 323، 324
? الكتابة العلميَّة: 18
? الكتمان: 156، 317، 361، 418
? الكرامات: 263، 291، 297
? الكرنتيتة: 354
? الكشف (تصوف): 287، 289، 290، 291
? كلام الله: 175
? الكناية: 261
? كوادر الدولة: 382
? اللامذهبية: 303، 304
? لطائف العرفان: 288
? لغة الخاصة: 269
? لغة العامة: 269
? اللوح المحفوظ: 181، 272، 273
? المؤلفات الشمولية: 232
? المادَّة الخبريَّة: 19
? المبتدع: 317
? المتزمِّتون: 19
? المتصوف /المتصوفة: 287، 288، 295، 297
? المتواتر: 249
? المجاز: 261، 273
? المجاز الإرسالي: 262
? مجلس شوري: 354، 385
? المحتسب: 53، 121، 210، 317، 329، 359، 362
? المحتسب المتطوع: 362
? المحتل: 337، 341، 402، 430
? المحكم والمتشابه: 170
? المداراة: 348، 349
? المداهنة: 76
? المدد الرباني: 297، 428
? مدير شؤون الإمامة: 412، 413
? المذهبية: 11، 304
? مراجعة الذات: 431
? المرتد: 387
? مرض الجدري: 125، 133، 178
? المزارات: 78
? المسائل الكلامية: 242
? مسألة صاحب الجزيرة: 255
? مسالك الدين: 176، 361، 362
? المساواة: 40، 364
? مستبد عادل: 318
? المستدمر/المستدمرون: 39، 325، 330، 336، 376، 408
? المستعمرون: 29
? (1/499)
صفحة 500
مسلك الدفاع: 361، 362
? مسلك الشراء: 361
? المصادر الشفهيَّة: 17، 18
? المصادر الظنية: 248
? مصادر المعرفة النقلية الظنية: 171
? مصادر المعرفة النقلية اليقينية: 171
? المصادر اليقينية: 248
? المصالح المرسلة: 252
? المصب: 277
? المصر المدراسي: 283، 324
? المصطلحات الصوفية: 287، 288
? المصطلحات العمانيَّة: 23، 191، 192
? المصطلحات الفقهية: 196
? المطاوعة: 382
? المطلق والمقيد: 248
? المعارضة: 40، 49، 52، 53، 354، 368، 392، 401، 413
? المعارضة الإصلاحية: 401
? المعارضة السياسية: 406
? المعتدلون: 19
? المعرفة (تصوف): 289، 291
? المعرفة والتعارف والاعتراف: 304
? المعقول والمنقول: 124، 145، 409
? مقام المشاهدة: 288
? المقاومة العسكرية: 366
? المكاشفة: 291
? مكاشفات العلويات العظمى: 291
? ملك عضود: 364
? الملَكية: 50، 52
? الملوك: 49، 263، 283، 302، 337، 347، 355
? الممثل الرسمي للإمام: 375
? المملكات العمانية: 57
? «من غيره»: 230
? المناظرات: 117، 121
? المناقشات الكلامية: 172
? منحة ربانية: 230
? منطق الواقع: 116
? المنهج: 18، 253
? منهج الاستدلال: 248
? المنهج الاستقرائي: 22
? المنهج الأكاديمي: 253
? المنهج التاريخي: 21، 264، 265
? المنهج التاريخي الاستردادي: 21
? المنهج التاريخي الأكاديمي: 264
? المنهج التحليلي: 22
? المنهج العلمي: 139، 205، 237، 254
? المنهج المقارن: 22
? المنهج الموضوعي: 205، 244
? المنهج النقدي: 22
? المنهج الوصفي: 22
? المنهجية العلمية: 427
? المواجهة العسكرية: 342، 380
? المواجهة الفكرية: 406
? المواجهة المادية: 406
? الموالون للإمامة: 33
? الموالون للسلطنة: 33
? الموضوعية (مقابل الذاتية): 14، 19، 20، 22، 23، 24، 247، 248، 274، 397، 400، 427
? الموقع الجغرافي الاستراتيجي: 33
? الموهبة الربانية: 121
? الميزان: 176
? الناسخ والمنسوخ: 166
? (1/500)
صفحة 501
النخبة: 282، 381، 392
? نسب الدين: 117
? النسق الفكري الإرادي: 225
? نص البيعة: 370
? النظام الإمامي: 345
? النظام الجائر: 328
? النظام السلطانيِّ: 21، 345، 430
? النظام العادل: 328
? النظر (مقابل العمل): 116، 121
? النظرة الاستعلائيَّة: 19
? نظرية المعرفة: 170، 248
? النظم الحديثة: 70
? النفوذ الأجنبي: 54
? النفوذ البريطاني: 44، 372
? النفوذ السني: 378
? النفوذ الوهابي: 378
? النقد: 22، 105، 181، 247، 248، 262، 311، 401، 421
? النقد الخارجيِّ: 22
? النقد الداخليِّ: 22
? نقد الدراسات السابقة: 253
? النقد الذاتي: 381، 430
? النهضة: 17، 69، 158، 282، 369، 381
? النهضة العمانية: 17، 420
? النوط: 333
? الواصل (تصوف): 288، 293
? الواقع الاجتماعي: 233
? الوالي: 23
? وباء الكوليرا والطاعون: 63
? الوثائق الدبلوماسيَّة الفرنسيَّة: 37
? الورود على الحوض: 176
? وسائل الإعلام: 70، 279، 428
? الوسطية: 324
? الوعد والوعيد: 170
? الوقوف (بين الولاية والبراءة): 170
? الولاء: 45، 53، 300، 372، 431
? الولاية (مقابل البراءة): 210، 370
? ولاية الله وعداؤه لعباده: 176
? الولاية والبراءة: 75، 170، 176، 270، 337، 387، 392
? وهبيات العلم اللدني: 104، 287
? الوهميات: 296
? اليوم الآخر: 170، 176 (1/501)
صفحة 502
قائمة المحتويات
الإهداء ... 7
شكر وعرفان ... 8
الرموز المستعملة ... 9
مقدمة ... 10
الفصل الأول
بيئة الشيخ السالمي وعصره
تمهيد ... 27
المبحث الأول موطن السالمي (عما) جغرافيا وتاريخيا ... 27
أولا- عمان جغرافيا ... 27
ثانيا- عمان تاريخيا ... 29
المبحث الثاني الوضعية السياسية ... 33
أولا- الضغط السياسي الخارجي ... 33
1 - تنافس بريطانيا وفرنسا على عمان ... 34
2 - اقتطاع الإنجليز لبعض المناطق التابعة لعمان ... 36
3 - تأييد الإنجليز للسلطان ضد القبائل ... 37
4 - تحكم الإنجليز في سياسة السلطان ... 38
ثانيا- الضغط السياسي الداخلي ... 40
1 - نظام السلطنة ... 41
2 - نظام الإمامة ... 50
3 - المعارضة ... 53
المبحث الثالث الوضعية الاقتصادية والاجتماعية ... 56
أولا- الوضعية الاقتصادية ... 56 (1/502)
صفحة 503
1 - الزراعة ... 57
2 - الصناعة ... 58
3 - التجارة ... 58
4 - الملاحة البحرية ... 60
5 - بريطانيا والحركة الاقتصادية في عمان ... 61
ثانيا - الوضعية الاجتماعية ... 63
1 - الصراع القبلي ... 64
2 - نتائج الصراع القبلي ... 67
المبحث الرابع الوضعية الثقافية والدينية ... 69
أولا - الوضعية الثقافية ... 69
1 - المدارس ... 70
2 - المكتبات ... 72
3 - حركة التأليف ... 73
ثانيا - الوضعية الدينية ... 74
1 - انتشار المداهنة والخذلان والخيانة ... 76
2 - سوء النظرة إلى الدين ... 76
3 - انتشار المعاصي والبدع ... 77
الفصل الثاني
السالمي وتحصيله العلمي
المبحث الأول ترجمة السالمي ... 83
أولا - اسم السالمي ونسبه ... 83
أ - الاسم ... 83
ب - اللقب ... 84
ج - الكنية ... 86
د - النسب ... 86 (1/503)
صفحة 504
ثانيا - مولد السالمي ونشأته ... 87
أ - المولد ... 87
ب - الأسرة ... 90
ثالثا - حياته الشخصية وصفاته الفطرية ... 93
أ - حياته الشخصية ... 93
ب - بعض صفاته الفطرية ... 95
المبحث الثاني التحصيل العلمي ... 99
أولا - مراحل التعلم والرحلات ... 99
أ - مرحلة التعلم بالحوقين ... 100
ب - مرحلة التعلم بالرستاق ... 101
1- تكوينه العلمي ... 102
2- التكوين التربوي ... 104
ج - مرحلة التعلم بالشرقية ... 106
1- دوافع الهجرة إلى الشيخ الحارثي وهدفها ... 107
2- في طريق الرحلة إلى الحارثي ... 109
3- اللقاء بين الأستاذ وتلميذه ... 111
4- التكوين العلمي والسياسي ... 116
ثانيا - التحصيل والشهادات والنبوغ ... 121
أ - سعيه في تحصيل العلم ... 122
ب - الشهادات ... 122
ج - النبوغ ... 123
ثالثا - شيوخ السالمي ... 124
1 - حميد بن سلوم السالمي ... 125
2 - راشد بن سيف بن سعيد اللمكي ... 126
3 - عبد الله بن محمد الهاشمي ... 127
4 - ماجد بن خميس بن راشد بن سعيد العبري الحمراوي ... 128
5 - محمد بن خميس بن محمد السيفي ... 131 (1/504)
صفحة 505
6 - محمد بن سيف الرحيلي ... 132
7 - محمد بن مسعود البوسعيدي ... 132
8 - حمد بن سيف بن سعيد بن راشد البوسعيدي، أبو عبد الله ... 133
9 - محمد بن سليم الغاربي ... 133
10 - جمعة بن سعيد بن علي المغيري ... 134
11 - صالح بن علي بن ناصر الحارثي (الأمير) ... 135
الفصل الثالث
الآثار العلمية للشيخ السالمي
توطئة ... 141
المبحث الأول تلاميذ الشيخ السالمي ... 141
أولا - اشتغاله بالتدريس ... 141
ثانيا - تلاميذه ... 142
1 - الإمام سالم بن راشد الخروصي ... 143
2 - الإمام محمد بن عبد الله الخليلي ... 144
3 - أحمد بن سليم العريمي الجنيبي ... 146
4 - حمد بن عبد الله السالمي، أبو حميد ... 147
5 - حمد بن عبيد بن مسلم السليمي، أبو عبيد ... 147
6 - سالم بن حمد البراشدي ... 148
7 - سعود بن حميد بن خليفين المضيربي، أبو الوليد ... 148
8 - سعيد بن حمد بن عامر بن خلفان الراشدي ... 149
9 - سلطان بن محمد الحبسي ... 150
10 - سليمان بن حامد البراشدي ... 151
11 - سليمان بن سنان العلوي ... 151
12 - سليمان بن سيف الحميري ... 151
13 - سيف بن حمد بن شيخان الأغبري ... 152
14 - عامر بن خميس بن مسعود المالكي، أبو مالك ... 152 (1/505)
صفحة 506
15 - عامر بن علي الشيذاني، أبو شيذان ... 153
16 - عبد الله بن خلفان الجهضمي ... 154
17 - عبد الله بن عامر العزري ... 154
18 - عبد الله بن غابش الحبشي النوفلي، أبو الخير ... 155
19 - عبد الله بن محمد بن رزيق الريامي، أبو زيد ... 156
20 - عيسى بن صالح بن علي الحارثي (الأمير) ... 157
21 - قسور بن حمود بن هاشل الراشدي ... 158
22 - محمد بن سالم بن زاهر الرقيشي ... 159
23 - محمد بن شيخان السالمي، أبو نذير (شيخ البيان) ... 159
24 - محمد شيبة بن عبد الله (نور الدين) السالمي، أبو بشير ... 161
25 - مسعود بن راشد الحبسي، أبو جبل ... 162
26 - ناصر بن راشد الخروصي ... 162
المبحث الثاني تآليف الشيخ السالمي ... 165
أولا - توطئة ... 165
ثانيا - قائمة تآليف السالمي ... 166
أ - القوائم السابقة ... 166
ب - تآليف السالمي ... 169
1- أصول الدين ... 169
2- الحديث ... 182
3- أصول الفقه ... 184
4- الفقه ... 188
5- التاريخ ... 208
6- علوم اللغة (النحو، والشعر، والعروض) ... 212
7 - الإصلاح والتربية ... 216
8- مواضيع مختلفة ... 220
ثالثا - الترتيب الزمني لتآليف السالمي ... 221 (1/506)
صفحة 507
المبحث الثالث نظرة تحليلية للتأليف عند الشيخ السالمي ... 228
أولا - خصائص التأليف قبل الشيخ السالمي وفي عصره ... 228
ثانيا - التأليف عند السالمي ... 230
أ - رأي السالمي في التأليف ... 230
ب - تنوع مؤلفات السالمي وتخصصها ... 232
ج - دوافع التأليف وأهدافه ... 233
د - تطور التأليف عند السالمي ... 236
ثالثا - المنهج العلمي في تآليف السالمي ... 237
أ - التعامل مع المصادر ... 237
ب - التعامل مع رأي الآخر ... 240
ج - نقد المؤلفات السابقة ... 245
د - منهج الاستدلال ... 248
هـ - المنهج " الأكاديمي" ... 253
رابعا - التعامل مع مختلف العلوم ... 254
خامسا - الأسلوب ... 267
سادسا - الأفكار والمادة العلمية ... 270
سابعا - بعض آرائه العلمية وتطورها ... 272
الفصل الرابع
مواقف الشيخ السالمي الإصلاحية والسياسية
توطئة ... 277
المبحث الأول تشخيص السالمي لأوضاع عصره، وأساسيات الإصلاح ... 279
أولا - تشخيص السالمي لأوضاع عصره ... 279
ثانيا - أساسيات الإصلاح ... 282 (1/507)
صفحة 508
المبحث الثاني الإصلاح الديني والاجتماعي ... 285
أولا - الإصلاح الديني ... 286
أ - العلم الشرعي ... 286
ب - التصوف ... 287
1- استعماله لمصطلحات صوفية ... 288
2- موقفه من المعرفة الصوفية ... 289
3- موقفه من بعض أعمال الصوفية وأحوالهم ... 293
ج - الاعتقاد ... 297
د - الصراع المذهبي ... 301
هـ - العبادة والعمل ... 305
و - البدع ... 306
ز - المعاملات المالية ... 311
ثانيا - الإصلاح الاجتماعي والتربوي ... 313
أ - الصراع الطائفي ... 313
ب - العادات ... 315
ج - المنكرات ... 317
د - التأثر بالغرب ... 319
هـ - التربية ... 320
و - أين المرأة ؟ ... 326
المبحث الثالث الإصلاح السياسي ... 328
مدخل ... 328
أولا - موقف السالمي من الاحتلال ... 330
أ - المنطلق العقدي ... 330
ب - كشف الدسائس ورد الشبه ... 331
ج - سبب الاحتلال ... 334
د - حكم الدعوة والسلام مع الاحتلال ... 336
هـ - حكم معاونة الاحتلال ... 336 (1/508)
صفحة 509
و - حكم مخترعات الاحتلال ... 337
ز - حكم التعلم في مدارس النصارى والتشبه بهم ... 338
ح - حكم العمل تحت دولة مشركة ... 339
ط - العمل على إجلاء المحتل ... 341
ي - المواجهة العسكرية ... 342
ك - حكم الإقامة في دار استولى عليها الاحتلال ... 344
ثانيا - موقف السالمي من الحكم السلطاني ... 346
أ - الاهتمام بتنحية نظام السلطنة ... 346
ب - استراتيجية الإضعاف ... 348
ج - حكم مداراة السلطان ... 348
د - نصائح السالمي للسلطان ... 350
هـ - الاحترام المتبادل بين السالمي والسلطان ... 352
و - الاقتراح على السلطان بقبول الإمامة ... 353
ثالثا - الجهاد في فقه السالمي ... 356
أ - بعث روح الجهاد ... 356
ب - مفهوم البغي وحكم الخروج على السلطان الجائر ... 357
1- مفهوم البغي ... 357
2- حكم الخروج على السلطان الجائر ... 357
ج - مساندة السالمي للحارثي في الثورة ... 361
رابعا - دور السالمي في إحياء الإمامة ... 362
أ - المنطلق النظري ... 363
1- نبذة عن الإمامة في عمان ... 363
2- الإمامة عند السالمي ... 365
ب - الخطوات العملية ... 366
ج - البيعة وما بعدها ... 370
د - الدولة الجديدة: الصدى والنتائج ... 372
هـ - تحليلات واستنتاجات ... 377
1- استفادة السالمي من إمامة عزان ... 377 (1/509)
صفحة 510
2- استفادة السالمي من فشل ثورات الحارثي ... 380
3- من أسباب نجاح إمامة السالمي ... 382
4- ملاحظات عامة ... 385
خامسا- علاقة السالمي بعلماء الإصلاح في سائر الدول الإسلامية ... 388
الفصل الخامس
مكانة الشيخ السالمي ووفاته
المبحث الأول مناقب السالمي ومنزلته ... 397
أولا - مناقب السالمي ... 397
ثانيا - منزلة السالمي ... 400
أ - القادحون ... 400
1- المعارضة الإصلاحية ... 401
2- المعارضة السياسية ... 406
ب - المادحون ... 409
ج - منزلة السالمي في الدولة الجديدة وفي السياسة ... 411
المبحث الثاني وفاة السالمي ... 414
أولا - تاريخ وفاته ... 414
ثانيا - سبب وفاته ... 415
ثالثا - رثاؤه ... 424
الخاتمة ... 427
الملحق والفهارس ... 435
ملحق (خريطة عُمان) ... 437
قائمة المصادر والمراجع ... 438
أ- مُؤَلَّفَات الشيخ السالمي ... 438 (1/510)
صفحة 511
ب- مصادر ومراجع لغير السالمي ... 441
جـ- برامج حاسوبية ... 449
د- المراجع الأجنبية ... 449
هـ- المقابلات ... 450
فهرس الآيات القرآنية ... 451
فهرس الأحاديث النبوية والآثار ... 454
فهرس الشعر والنظم ... 455
فهرس الأمثال والحكم والقواعد ... 463
فهرس الأعلام ... 464
فهرس القبائل والطوائف والأديان والمذاهب ... 470
فهرس المؤسسات ... 473
فهرس الوقائع والأحداث والفترات التاريخية ... 474
أ- الوقائع والأحداث ... 474
ب- الفترات التاريخية ... 480
فهرس الأماكن والبلدان ... 481
فهرس المؤلفات ... 485
فهرس المصطلحات ... 491
قائمة المحتويات ... 502
- الحمد لله ربِّ العالمين - (1/511)