صفحة 1
بحث تخرج: العلامة موسى بن علي بن عزرة الإزكوي
الباحث: محمد بن سليمان بن ناصر المعولي
المشرف: الشيخ الفاضل طالب بن علي السعدي
معهد العلوم الشرعية - وزارة الأوقاف والشؤون الدينية - سلطنة عُمان
1424هـ /2003م.
[ناقص]
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] موسى بن علي
محمد بن سليمان بن ناصر المعولي
1424 هـ /2003 م .
المبحث الأول:حياته الشخصية
المطلب الأول:اسمه ونسبه وكنيته
اسمه:هو العلامة الجليل موسى بن علي بن عزرة الإزكوي ولم تذكر المصادر ما بعد هذا النسب.
ومن جهة أمه تذكر المصادر أن جده لأمه هو العلامة موسى بن أبي جابر أحد حملة العلم إلى عمان وسيأتي الحديث عنه إن شاء الله.
يتصل نسب العلامة موسى بن علي إلى سامة بن لؤي بن غالب،وكانت لهم زعامات أدت دورها بعمان زمانا،والجدير بالذكر أن والد الشيخ موسى وهو علي بن عزرة تنتسب إليه القبيلة المعروفة بعمان وهي قبيلة العزري،وكانوا ينتسبون إلى الأصل فيقال فلان بن فلان السامي وهكذا،ثم انتسبوا إلى علي بن عزرة وهم رهط عريق في الشرق لا ينكر إمارة وزعامة وعلما. (1)
كنيته:يكنى موسى بن علي ـ رحمه الله ـ بأبي علي،فإذا ما وجدت في كتب الأثر هذه الكنية فالمقصود بها غالبا هو موسى بن علي،كما أن هناك بعض العلماء في تلك الفترة يكنون بهذه الكنية ومن هؤلاء العلماء:
1ـ أبو علي الأزهر بن محمد بن جعفر. (2)
2ـ أبو علي الحسن أحمد بن محمد بن عثمان. (3)
3ـ أبو علي موسى بن موسى. (4)
4ـ أبو علي موسى بن أبي جابر. (5)
وإذا وجدت الكنية مجردة فإن المقصود بها غالبا ـكما ذكرت ـ موسى بن علي،ويمكن معرفة ذلك من خلال القرائن،كأن يذكر أحد تلاميذه مثل:
1ـ أبو عبدالله محمد بن محبوب.
2ـأبو مروان سليمان بن الحكم.
3ـ سعيد بن محرز.
وسيأتي الحديث عن هؤلاء ـ إن شاء الله تعالى ـ،كما أن هناك قرينة يمكن أن يستأنس بها وهي ذكر الكنية مقرونا بذكر القاضي. (6)
__________
(1) ـ إسعاف الأعيان سالم بن حمود السيابي.
(2) ـ بيان الشرع ج26ص370 طبعة وزارة التراث القومي والثقافة.
(3) ـ بيان الشرع ج40ص318.
(4) ـبيان الشرع ج43ص66.
(5) ـبيان الشرع ج6ص57.
(6) 1ـ بيان الشرع ج6ص57. (1/1)
صفحة 2
وقد تذكر الكنية مجردة في بعض المواضع ولكن لا يقصد بها موسى بن علي،وهي مواضع في الأثر معروفة ومحدودة،ويمكن التعرف على المقصود من خلال القرائن كما ذكرت سابقا،وكذلك من خلال المواقف والأحداث بالنسبة لبعض الفترات ،مثال ذلك ما تجده في كتب الأثر عند ذكر الفتنة التي حصلت في عهد الإمام الصلت بن مالك ـ أجارنا الله من الفتن ـ
تذكر هذه الكنية مجردة ويقصد بها ابنه موسى بن موسى (1) ؛لأن موسى بن علي في تلك الفترة قد انتقل إلى جوار ربه.
وكذلك يوجد في الأثر:وعن موسى...،أو سألت موسى...فإنه يحتمل شخصين اثنين هما:موسى بن علي وجده لأمه موسى بن أبي جابر،ولكن هناك ضوابط معينة يتحدد من خلالها المقصود،فضوابط موسى بن علي قد ذكرت سابقا،وأما موسى بن أبي جابر فتقترن به إحدى الشخصيات التالية:
1ـ هاشم بن غيلان 2ـ بشير بن المنذر
3ـمنازل 4ـ منير
5ـ أبو عثمان أو سليمان بن عثمان (2)
المطلب الثاني:ولا دته ونشأته ووفاته
ذكر الإمام السالمي أن الشيخ موسى بن علي ولد ليلة العاشر من جمادى الأخرى سنة سبع وسبعين ومئة،وأثبت الإمام السالمي هذا الرأي وهناك رأي آخر ذكره وهو أن الشيخ موسى توفي سنة إحدى وثلاثين ومئتين وأنه عاش ثلاثين سنة أي ولد سة واحد ومئتين تقريبا على هذا الرأي , ويبدو أن تاريخ ولادة الشيخ موسى كان محددا ومعروفا من قبل أي لم يكن هناك اجتهاد في تحديد تاريخ ولادته , ويظهر ذلك من تحديد الإمام السالمي – رحمه الله – اليوم والشهر الذي ولد فيه ، ومن الصعب أن يحدد ذلك عن طريق الاجتهاد والاستنباط ، ولهذا لا أجد داعيا للاجتهاد والاستنباط في تحديد المولد ، على انني لم أجد تحديد ذلك في كتب الأثر المتوفرة لدي ، فلربما وجد هذا التحديد في كتب أخرى لم أعثر عليها مما يدعو الى المزيد من البحث .
... نشأته :
__________
(1) 2 ـ انظر بيان الشرع مثل ج4ص144
(2) 3ـ بحث عن موسى بن علي لفهد بن علي السعدي. (1/2)
صفحة 3
نشأ الشيخ موسى بن علي في مدينة إزكي وهي مدينةعانية عريقة تعرف قديما بجرنان ، وتقع في قلب المنطقة الداخلية ، ويبعد المدينة عن محافظة مسقط بمائة وأربعين كيلومتر ، وقد أنجبت الكثير من فطاحل العلماء والأدباء1 ، ناهيك بهذه الأسرة العظيمة التي نشأ فيها موسى بن علي .
وعاش في بلدة نزار من إزكي وهي التي ذكرها خلفان بن محمد المغتسي وهو يثني عليها حيث نشأ فيها الكثير من العلماء يكفي من ذلك بيت موسى بن علي الذي تسلسل فيه العلم قال :
فحسبك النزر منها كي تشاهد من ... مجد النزار منيفا جل تدوينا
نبع المعارف مشكاة العلوم فكم ... كانت مصابيحها تجلو ليالينا
فقم وحيي بنيها في مآثرهم ... ... في غابر العز في سبق المجلينا
والثم ثرى بقعة طابت معادنها ... وطاب منبعها وردا فماشينا
فأنبتت في رباها دوحة بسقت ... ... عزا فعز بها القاصي ودانينا
وأخرجت من صفايا قومها نجبا ... لهم عزائم أمضى من مذاكينا
نشأ الشيخ موسى في هذه المدينة التي كانت تغص بالكثير والكثير من العلماء ، فترعرع في أحضان العلم ، وارتوى من تلك الينابيع الصافية ، تلقى منهم العلوم والأخلاق ، وتربى على الزهد والتقوى ، حتى أصبح رجلا له دوره الريادي والسياسي في المجتمع .
وفاته :
انتقل الشيخ إلى رحمة الله تعالى في الليلة الثامنة من ربيع الأول سنة ثلاثين ومائتين (1) يقول الشيخ خلفان بن جميل السيابي :
كانت وفاة الشيخ موسى بن علي ثامن يوم من ربيع الأول
عام ثلاثين تماما مرت ... ... ومائتين من سنين الهجرة وعمره إذ ذاك خمسون سنة ... مع ثلاث سنوات حسنة
__________
(1) 1 1 – تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان نور الدين السالمي الناشر زاهر وزهير ابنا حفيد المؤلف سعود بن حمد . (1/3)
صفحة 4
والملاحظ أن الشيخ السالمي – رحمه الله – وكذلك الشيخ خلفان قد ذكرا وفاة الشيخ في اليوم والشهر الذي توفي فيه – رحمه الله – مما يدلنا على أن تاريخ وفاته كان محددا من قبل ، ولم يكن ثمة إجتهاد في المسألة ، وبما أن التاريخ محدد فلا داعي للاستنباط والاجتهاد فيها .
المطلب الثالث : قرابته وأهله :
نشأ الشيخ موسى بن علي في بيئة علمية ، فقرابته الذين تربى فيهم كانوا على قدر واسع من العلم ، يكفيك من ذلك أن بعضهم كان قاضيا للإمام ، وبعضهم من الذين كانوا يفتون الإمام في بعض القضايا ، وسأذكر فيما يلي بعض الشخصيات البارزة في قرابته ، والتي كان لها دور بارز في الجانب العلمي :
1) جده لأبيه عزرة : أخذ العلم حسب الظاهر من يد الإمام أبي عبيدة (1) – رحمه الله - ، وهناك رواية تفيد ما ذكرت وهي موجودة في الأثر يرويها سعيد بن محرز عن موسى بن علي عن أبيه عن جده أن أبا عبيدة مسلم بن أبي كريمة – رحمه الله – أقام الصلاة فقال له أصحابه : إنك لم تقل : قد قامت الصلاة .
فقال : قد قامت الصلاة ، ولم يعد الإقامة (2) .
وهذه الرواية تفيد أيضا أن ابنه علي بن عزرة تتلمذ على يديه ، ويمكن أن نستخرج من الرواية أيضا أن موسى بن علي لم يدرك جده عزرة ؛ لأنه لم يرو الرواية عنه مباشرة فيحتمل أنه توفي قبل موسى بن علي أو أن موسى كان صغيرا عندما توفي جده ، ويحتمل غير ذلك .
__________
(1) 1 – أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي بالولاء ولد بالبصرة سنة 45 للهجرة أو بعدها بقليل . قال البدر الشماخي : كان مولى فيهم توفي في ولاية أبي جعفر سنة 150 للهجرة أو بعدها بقليل على رأي الشيخ القنوبي ، وكان هو الحجة في الدين . قال أبو سفيان : كان من أئمة المسلمين وقاداتهم وحمل عنه خلق كثير لا يحصى عددهم . شرح الجامع الصحيح للإمام السالمي ، والربيع بن حبيب مكانته ومسنده للشيخ القنوبي .
(2) 2 – بيان الشرع ج 11 ص64 (1/4)
صفحة 5
... ولم تسعفني المصادر عن أخبار عزرة أكثر مما ذكرت ، وقد أثنى عليه خلفان بن محمد المغتسي في نونيته حيث قال :
وعزرة من علا شأن وعز به ... ... قوم مكانا فهل عز يدانينا
زاكي النجار عريق في أرومته (1) ... ... من سامة ولؤي والسريينا (2)
المطلب الرابع : حياته وأسفاره
إن حياة العظماء حياة جليلة ، حافلة بالمعاني الإيمانية المشرقة التي أنارت دروبهم ، وطهرت قلوبهم لاغترافها من معين القرآن الذي لا ينضب ومن سنة النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم ، فكانت حياتهم نبراسا للسالكين يستضاء بها في ظلام الحياة المدلهم ، ويستأنس بها في غيابها الحالكة
بدور دجى شم الأنوف مشايخ ... لربهم قد أخبتوا وتضرعوا
بهم تشرق الدنيا ويستوسق العلا ... وتستمطر الأنواء والغوث أجمع
ومن هؤلاء الذين كان لهم ذلك المجد الشامخ ، والشأن الباذخ شيخنا موسى ابن علي ـ رحمه الله تعالى ـ ، فقد ملأ حياته ـ رحمه الله ـ بالعلم والإصلاح وإقامة الحق ولم الشمل ونبذ الفرقة ، كما كان رجلا ودودا وقورا متحليا بالأخلاق الفاضلة والقيم العالية ، ومن الجدير بالذكر أن موسى بن علي بعد أن دخل معترك الحياة السياسة لم يكن لينسى إخوانه الذين صاحبهم فترة من الزمن قبل توليه القضاء ، بل كان يواصلهم ويسأل عنهم حفاظا منه على مبدإ الأخوة الإيمانية ، فيروى أن زاهدا كان يتعاهد بالوصول إلى موسى بن علي ـ رحمه الله ـ بإزكي ، حتى ولى القضاء ، فلما ولى القضاء انقطع عنه الزاهد ورجع يواصل سعيد بن جعفر (3) في إزكي فقيل للزاهد في ذلك فقال : ذلك قد دخل في الدنيا وأمور الناس.
فأرسل موسى بن علي إلى سعيد بن جعفر أن ينظره الزاهد معه حتى يصل موسى إليه ، فامتنع الزاهد عن ذلك ، فلم يزل سعيد بن جعفر بالزاهد إلى أن أجاب إلى ذلك .
__________
(1) 3 – الأرومة : الأصل . القاموس المحيط الفيروز آبادي ص1389 مؤسسة الرسالة
(2) 4 – نزهة المتأملين ص131
(3) 1ـ سيأتي الحديث عنه عند ذكر تلاميذ موسى بن علي . (1/5)
صفحة 6
فوصل موسى بن علي إليه ، واجتمع الزاهد و موسى بن علي وسعيد بن جعفر ، فلما أراد الزاهد الانصراف سلما إليه دريهمات فلم يقبلها إلا بعد مسألة عنها فقبضها ، وخرج من عندهما ،وخرجا في أثره ينظرانه ، فلقي رجلين معهما حمار ، فوقف الزاهد معهما كأنه يكلمهما ووقف موسى بن علي وسعيد بن جعفر إلى أن وصل إليهما الرجلان ، فسألاهما عن وقوف الزاهد معهما فقالا لهما : إنه سألهما عن الحمار الذي معهما لمن هو منهما؟ فعرفاه أنه لأحدهما ، فسلم الدريهمات إلى الذي اعترف أن الحمار لصاحبه.
وكان هذا الزاهد ـ فيما يروى عنه ـ يصل في أيام الإمام ويدخل مسجد نزوى الجامع يصلي فيه ، ولا يدخل السوق ولا يصل إلى مجلس الإمام ، فيشرف على السوق ويقول : يا أهل الغفلة ، يا أصحاب المكيال والميزان ثم ينصرف (1) .
وقد كان ـ رحمه الله ـ متضلعا بالعلوم الشرعية ، راشفا من بحر العلم الخضم ، وقد مكنه ذلك من معالجة الوسواس الذي ابتلي به فقد توضأ في يوم من الأيام من بئر ، فلما انصرف وقارب ليدخل المسجد ، اتبعه رجل فقال : إن البئر وجدت فيها ميتة ، فقال موسى : لعلها سقطت بعدنا.
قال : إنها متفسخة . قال : لعل طيرا اختطفها وألقاها في البئر. (2)
وجاء في رواية أحد المعاصرين لموسى بن علي ما يدل على سعة فقهه الذي جعله يحسن التصرف في الأوقات الحرجة يقول : وصاح صائح ونحن في الصلاة خلف موسى بن علي لصبي وقع في بئر عندالمسجد فقطع الصلاة وأقبل هو ومن معه حتى وقفوا على البئر وأخرجوا الغلام (3) .
__________
(1) 1ـ بيان الشرع محمد بن إبراهيم الكندي ج5ص104 نقلته بتصرف.
(2) ـ المرجع السابق ج7ص35.
(3) ـ المرجع السابق ج12ص29، وجامع ابن جعفر لمحمد بن جعفر الإزكوي ،وزارة التراث القومي والثقافة تحقيق عبد المنعم عامر ج2ص206. نقلته بتصرف . (1/6)
صفحة 7
نعم علماء الدين في الأرض نعمة ... على الثقلين عمت الكل منهما ويروي أحدهم قائلا : وصاحت صائحة وهو يقرأ في صلاته ، وأحسبها صلاة الفجر فأمسك ما قدر الله وهو ساكت عن القراءة حتى توهمنا أنه قد فهم ذلك ثم مضى في صلاته . (1)
ومما يروى أيضا أن الإمام عبدالملك بن حميد كان بنزوى مريضا ، فلم يخرج إلى الجمعة فصلى عمر بن الأخنس الجمعة بنزوى ركعتين ، من غير أن يأمره الإمام عبدالملك أن يصلي بالناس وكان موسى بن علي يومئذ حاضرا فلم ير موسى عليهم النقض وأجاز صلاتهم (2) . و وقد كان ـ رحمه الله ـ ينير دياجير الليل بسبحاته وخلواته وصلاته لربه ، وكان هو ومن معه يقومون الليل في شهر رمضان حتى قبيل الفجر ، فيروي زياد بن وضاح (3) أن موسى بن علي ـ ومن معه (4) ـ كانوا يقومون في شهر رمضان حتى يحضر وقت صلاة الفجر فالله أعلم يقطعون قيامهم إذا انفجر الصبح أم قبل طلوع الصبح ثم يصلون صلاة الغداة ولايركعون شيئا غير الصلاة التي كانوا يصلونها جماعة (5) اه
ومما يدل على سعة علمه وحسن تصرفه ما يذكر أن رجلا كبر على جنازة ثلاثا وكان موسى بن علي ـ رحمه الله ـ خلفه فكبر الرابعة مِن خلفه ورفع صوته ـ لعله أراد أن يتبعه الناس ـ فكبروا (6) .
__________
(1) ـ بيان الشرع ج12ص46.
(2) ـ المرجع السابق ج15ص21.
(3) ـ سيأتي الحديث عنه عند ذكر تلاميذ موسى بن علي .
(4) ـ هذه الزيادة من عندي ليتناسق مع لفظ الرواية .
(5) ـ بيان الشرع محمد بن إبراهيم الكندي ج14ص23.
(6) ـ المرجع السابق ج16ص80. (1/7)
صفحة 8
ويذكر محمد بن جعفر (1) عن امرأة في عصره تدعى عبيدة بنت محمد ابتليت بالوسواس قال : قالت لي عبيدة بنت محمد : إن أبا علي موسى بن علي ـ رحمه الله ـ رآها قد صلت العتمة وشكت في صلاتها فأبدلتها ثم شكت في البدل فقال لها : إنما البدل من الشك مرة واحدة ، فإن شككت أيضا فإن ذلك من الشيطان ـ لعنه الله ـ فلا ترجعي تبدلينها . قالت : فإني قد شككت في البدل وأنا أصلي ، فالذي معي الساعة أني لم أصلها . قال : دعيها ونامي ، فإن ذلك من الشيطان. قالت : فلم أصلها برأيه ونمت فذهب الشك عني (2) .
وقد كان ـ رحمه الله ـ محبا لأهل الصلاح والفضل ، حريصا على الاتصال بهم ، فمما يروى أنه زوج ابنته تلميذه محمد بن محبوب ـ رحمه الله ـ ثم نقلها محمد بن محبوب إلى صحار ، ومضت مدة طويلة فاشتاقت أمها إليها ، فقالت لأبيها : إما أن أسير لزيارتها أو تسير أنت . قال : بل أسير .
فسار إلى أن وصل صحار ، وكان لا يعرف منزل الشيخ محمد ، فبينما هو يمشي في بعض الطرق ، وجد صبيين يتحاوران على عود شوك سقط في الطريق ، فقال أحدهما : إن هذا الشوك سقط من هذا الجدار وهذا أثر موضعه من الجدار فينبغي أن نرده فيه . وقال الآخر : بل ألقاه الريح في الطريق ويحتاج أن نخرجه إلى مكان آخر .فوقف عندهما وسألهما ،فقالا : نحن أبناء محمد بن محبوب . فاحتضنهما وسار معهما إلى البيت فأخبرا أمهما بمجيء جدهما . فقالت لهما : قولا له : أن يجلس في المسجد أو تحت سدرة هناك لأن صاحب المنزل غير حاضر .
__________
(1) ـ محمد بن جعفر هو
(2) ـ جامع ابن جعفر ـ مرجع سابق ـ ج2ص16. (1/8)
صفحة 9
ثم جاء الشيح محمد بن محبوب ورأى ضيفه قاعدا خارج البيت فأدخله المنزل ، ولام زوجه وعنفها . فقال الشيخ موسى : إنها على حق ولا لوم عليها (1) .
وتروىعنه بعض الآثار التي تدل على تفجر الحكمة من جنانه ، وتدفق البيان من لسانه من ذلك قوله : إن محل العقل الدماغ ، وتدبيره القلب (2) .ويروى أيضا قوله : لا تعمق في الإسلام (3) .
وأما عن أسفاره فتذكر المصادر أنه سافر إلى البصرة ، وجاء في رواية يرويها أبو المؤثر عن الوضاح بن عقبة أن موسى بن علي ـ رحمه الله ـ أرسله أن يخلصه من علاقة عليه وأحسب أنه قال بالبصرة ، فقال الوضاح بن عقبة : فأديت ذلك الحق عن أبي علي ، ثم رجعت إلى أبي علي فلم يسألني عن ذلك ؛ وذلك لثقته به رحمهم الله جميعا (4) .
هذا هو نص الرواية ولكن لا نعلم عن طبيعة هذا السفر شيئا ، هل الغرض منه الدعوة إلى الله تعالى ؟ هل كان لأجل طلب العلم؟ لم تشر المصادر إلى شيء من ذلك .
__________
(1) ـ إتحاف الأعيان سيف بن حمود البطاشي ج1ص191 ، واللؤلؤ الرطب في إبراز مستودعات القلب للشيخ سعيد بن حمد الحارثي ، مخطوط ص23وعلق بعد ذلك الشيخ سعيد بن حمد بقوله : وذلك الولدان فيما يقال : إنهما عبدالله ومحبر ، فعبدالله أبو الإمام سعيد بن عبدالله الذي قال في حقه مؤلف تحفة الأعيان : لا نعلم أفضل منه في عمان إلا أن يكون الجلندى بن مسعود .
ومحبر هو الذي يقال في حقه : تستبرأ الأمة ولو أخذت من محبر.
هذا وقد وردت هذه القصة بألفاظ متعددة ،وفي بعضها زيادة على ما ذكرت .
(2) ـ بيان الشرع ـ مرجع سابق ـ ج19ص126.
(3) ـ المرجع السابق ج2ص128.
(4) ـ المرجع السابق ج6ص70. (1/9)
صفحة 10
وكذلك جاء في الأثر أنه سافر إلى حضرموت ، ويذكر ذلك بنفسه ـ كما جاء في الأثر ـ يقول : رأيت رجلا في الحبس بحضرموت على الدين وهو يطلب أن يباع من ماله ويعطى دينه ، والإمام (1) يحبسه حتى يكون هو الذي يلي بيع ماله وقضاء دينه .
وهذا السفر أيضا لا نعلم عن دواعيه شيئا ، وهذا من الأمور التي يؤسف لها حيث لم تذكر المصادر السبب الذي دعا موسى بن علي للذهاب إلى حضرموت ، ومعرفة ذلك من الأهمية بمكان للأسباب التالية :
1 ـ معرفة العلاقة السياسية بين عمان وحضرموت ، وخاصة أن موسى بن علي كان ذا منزلة سياسية كبيرة في عمان زمن الإمامة .
2 ـ معرفة ما إذا كان موسى بن علي قد سافر إلى تلك المناطق المذكورة لأجل طلب العلم ، أو الدعوة إلى الله تعالى .
3 ـ قد تكون هناك علاقة وثيقة بين عمان وحضرموت تختلف عن العلاقة السياسية ، تستدعي جلب العلماء للنظر في بعض القضايا لأجل الحكم عليها.
مقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد:
__________
(1) ـ لم تشر المصادر إلى اسم هذا الإمام ولكن يحتمل أن يكون هذا الإمام هو سليمان بن عبدالعزيز ؛ لأن ابن محبوب ذكره مصرحا باسمه في مسألة من المسائل وكان معاصرا له ، وابن محبوب ـ كما هو معلوم ـ ممن تتلمذ على يد الشيخ موسى بن علي وكانت وفاته سنة ستين ومائتين للهجرة . (1/10)
صفحة 11
فإن التاريخ صفحات مفتوحة تدعو الإنسان إلى التفكر والنظر ، وهو ميدان فسيح ينزله من أراد أن يأخذ المعاني العميقة التي أودعها الله تعالى في خضم صفحاته الواسعة ، ولابد للناظر من أن يكتسي بثوب الإيمان لتصيب تلك النظرات الغاية التي يسعى لتحقيقها ، وأن يمتطي صهوة العلم والفكر لأجل أن يجعل كل قضية في إطارها الصحيح ، فالعلم والإيمان صنوان في مضمار دراسة علم التاريخ ليخرج من دراسته وقد استفاد من العبر والعظات المبثوثة في ثناياه ، لأن النظر في التاريخ يراد منه أخذ الخير وإلقاء الشر
ينظر في أحوال من قد مرا ... ليأخذ الخير ويلقي الشرا
من هذا المنطلق كانت هذه الدراسة عن سيرة علم من أعلام الإسلام ، وشخصية من شخصيات أهل الحق والاستقامة الذين لهم القدح المعلى في مضمار العلم والعمل .
وللأسف الشديد لم تنل هذه الشخصية شخصية موسى بن علي ــ رحمه الله ــ حظها من الدراسة والتحليل وهي جديرة بذلك لما كان لموسى بن علي من مكانة كبيرة عند المسلمين ، لأنه قدم خدمة كبيرة للأمة الإسلامية في الحفاظ عليها من الفتن والضياع بجانب دوره العلمي والاجتماعي ، وهذه الدراسة وإن كانت متواضعة في مضمونها وعرضها إلا إنها تعتبر بداية ودافعا للباحثين ليدرسوا سيرة هذا العلم الهمام بشيء من العناية و التحليل .
وقد واجهت بعض الصعوبات في كتابة هذا البحث من هذه الصعوبات : ندرة المصادر التي تتحدث عن موسى بن علي ، والمصادر التي تحدثت عنه لم تذكر تفصيلا لسيرته ، وبعضها لاحظت في الظاهر تناقضا فيها كما سيأتي ذلك عند الحديث عن شيوخه ، ومن ضمن الصعوبات كذلك أني لم أجد دراسة حديثة تناولت سيرة موسى بن علي بشيء من التحليل وما وجدته هي بحوث صغيرة تناولت شيئا من أخباره فقط ، هذه أهم الصعوبات التي واجهتها ولم أحصرها بل ذكرت بعضها .
وقد قسمت البحث إلى فصلين :
الفصل الأول : عصر موسى بن علي ، وقسمت هذا الفصل إلى مبحثين: (1/11)
صفحة 12
المبحث الأول : الحياة السياسية والاجتماعية والعلمية بعمان في زمنه ، وقسمت هذا المبحث إلى ثلاثة مطالب :
المطلب الأول : الحياة السياسية .
المطلب الثاني : الحياة الاجتماعية .
المطلب الثالث : الحياة العلمية .
المبحث الثاني : حياته الشخصية ، وقسمته إلى أربعة مطالب :
المطلب الأول : اسمه وكنيته ونسبه .
المطلب الثاني : ولادته ونشأته ووفاته .
المطلب الثالث : قرابته .
المطلب الرابع : حياته وأسفاره .
الفصل الثاني : حياته العلمية والدعوية : وقسمته إلى مبحثين :
المبحث الأول : حياته العلمية ، وقسمته إلى ثلاثة مطالب:
المطلب الأول : شيوخه .
المطلب الثاني : تلاميذه .
المطلب الثالث : مكانته السياسية والعلمية .
المبحث الثاني : حياته الدعوية وقسمته إلى ثلاثة مطالب :
المطلب الأول : الصفات التي تحلى بها .
المطلب الثاني : وظائفه :
أولا : القضاء .
ثانيا : الإفتاء .
ثالثا : الشورى .
رابعا : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
خامسا : إصلاح بعض الموارد .
سادسا : مراسلاته .
المطلب الثالث : آثاره .
أسأل الله تعالى أن ينفع بهذه الدراسة الإسلام والمسلمين ، وأن يرجع للأمة عزها وكرامتها ومجدها إنه ولي ذلك والقادر عليه .
بقلم : محمد بن سليمان بن ناصر المعولي . 3 / 3 / 1424 هـ ، 5 / 5 / 2003 م .
شكر وتقدير
أتقدم بالشكر الجزيل لكل من أعانني في إتمام هذا البحث ، وعلى رأسهم إدارة المعهد التي سعت سعيا حثيثا في توفير كل ما يحتاج إليه طلاب العلم الشرعي ، كما أشكر الشيخ الفاضل طالب بن علي السعدي الذي أشرف على هذا البحث وأضفى عليه توجيهاته وإرشاداته ، وقد غمرنا ــ جزاه الله خيرا ــ بأخلاقه العالية وخلاله النبيلة وكأنما قصده الشاعر عندما قال :
تراه إذا ما جئته متهللا ... كأنك تعطيه الذي أنت سائله
فلو لم يكن عنده غير روحه ... لجاد بها فليتق الله سائله (1/12)
صفحة 13
كما أخص بالشكر كذلك الأخ الفاضل فهد بن علي السعدي والأخ عماد بن ناصر الراشدي وجميع من له يد بيضاء في هذا البحث وأتمنى لهم التوفيق والعون والسداد ، ولا أنسى شكر القائمين على المكتبة مالك ورضوان وسعود على جهودهم التي بذلوها في خدمة الطلبة .
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .
...
... " كان في عصره مقدما على أهل العلم ... "
أبو قحطان
" وأين في الناس كموسى بن علي "
ابن النضر
" هو شيخ الإسلام يومئذ ومرجع الفتوى في الإمامة ورأس أهل الحل والعقد والذي يرجع إليه أهل الرأي والمشورة في أمر الإسلام من بيعة وخلع "
أبو إسحاق
" إن تقل من هم أقول كموسى ... حامل العلم ناقل الآثار
هم شموس الهدى بدور الدياجي ... قادة الناس صفوة الأخيار "
الشيخ محمد بن سالم الرقيشي
" ومن حسن حظ الإمام عبد الملك أن جعل له أعضادا من خيرة الرجال وأنصارا من القادة الأبطال ، وفي مقدمهم الشيخ الولي العلامة الرضي موسى بن علي السامي الإزكوي عمدة أهل العلم في زمانه ، وقدوة أهل الفضل في أوانه ، مرجع المسلمين في المهمات الدينية ، وحجة القائمين بأوامر خير البرية "
الشيخ سالم بن حمود السيابي
" وموسى بن علي أيضا لا يشق له غبار في ميدان العلم ، فله اجتهادات كثيرة وهي تدل على علو كعبه في شتى العلم ولا سيما علم الفقه ، فإن اجتهاداته فيه تدل على رسوخ قدمه وقدرته على استنباط المسائل من أدلتها "
" موسى بن علي بن عزرة الذي كان أيضا تولى قيادة أمر المسلمين وإدارة شؤونهم وكان المرجع لأئمتهم في عهده "
الشيخ أحمد بن حمد الخليلي (1/13)