صفحة 1
الكتاب: ترجمة الإمام أبي حاتم الملزوزي لمهنا السعدي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] الإمام أبو حاتم يعقوب الملزوزي
بقلم :
مهنا بن راشد بن حمد السعدي
ولاية السويق – سلطنة عمان
8 من محرم 1425هـ / 29 من فبراير 2004م
abujaifar@hotmail.com
بسم الله الرحمن الرحيم
في هذا المقال سنتعرف على إمام جليل من أئمة الإباضية بالمغرب ، وهو الإمام أبو حاتم الملزوزي ، عاش في القرن الثاني الهجري ، بايعه الإباضية بالإمامة بعد استشهاد إمامهم أبي الخطاب السمح بن عبد الأعلى المعافري ، فمن هو الإمام أبو حاتم الملزوزي ؟!
قبل أن نتناول التعريف بالإمام أبي حاتم وسيرته ، لابد من أن نعرج باختصار على الأحداث التي سبقت بيعته بالإمامة ، وذلك حتى نربط الأحداث ببعضها البعض ... (1/1)
صفحة 2
بعد أن انتشر المذهب الإباضي في المغرب على يد دعاة الإباضية وعلى رأسهم سلمة بن سعد الحضرمي (1) الذي قدم من المشرق تحديدا البصرة ، بعد أن أخذ العلم والمذهب الإباضي على يد إمام الإباضية أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة رحمه الله ، انطلق بأمر من شيخه أبي عبيدة إلى المغرب لنشر المذهب الإباضي في تلكم الأراضي البعيدة عن عيون بني أمية (2) ، وبالفعل استطاع سلمة أن يوجد أتباعا للمذهب الإباضي في المغرب وتحديدا المغرب الأدنى ، وخاصة جبل نفوسة ، ونتيجة لجهوده ارتحل بعض من اعتنق المذهب من أهل جبل نفوسه إلى البصرة ليأخذوا أصول الدعوة وتعاليمها عن الإمام أبي عبيده ، وكان أشهر هؤلاء أبو عبد الله محمد بن عبد الحميد بن مغيطر الجناوني (3) .
__________
(1) *- تناولت الحديث بالتفصيل عن دور الداعية سلمة بن سعد في نشر المذهب الإباضي في بحث لي تحت عنوان " أئمة المغرب الأوائل " أنظره في موقع الأمل المشرق قسم التاريخ www.alaml.net
(2) - أحمد بن سعيد الدرجيني ، كتاب طبقات المشائخ بالمغرب ، ج1 ، ت : إبراهيم طلاي ، ص11- محمد صالح ناصر ، منهج الدعوة عند الإباضية ، مكتبة الاستقامة ، مسقط ، سلطنة عمان ، 1418هـ / 1997م ، ص 147- إبراهيم بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، ج2 ، دار الغرب الإسلامي ، بيروت ، لبنان ، ط2 : 1421هـ / 2000م ، ص189 ، رقم الترجمة : 418 ـ نشأة الحركة الإباضية ، ص133.
(3) - علي يحيى معمر ، الإباضية في موكب التاريخ ، الحلقة (2) ، مكتبة الضامري ، السيب ، سلطنة عمان ، ط2 : 1993م ،
ص27- عوض محمد خليفات ، نشأة الحركة الإباضية ، مطابع دار الشعب ، عَمّان ، الأردن ، 1978م ، ص136 . (1/2)
صفحة 3
عاد ابن مغيطر من البصرة ليتعاون مع سلمة بن سعد في نشر المذهب الإباضي ، بعد وفاة سلمة بن سعد أو عودته إلى المشرق ، أصبح ابن مغيطر هو الداعية الأول للإباضية في المغرب ، وكانت له جهود كبيرة في إقناع قومه بجبل نفوسة باتباع المذهب الإباضي حتى أن جبل نفوسة أصبح المعقل الرئيسي لإباضية المغرب في تلك الحقبة أي خلال الثلث الأول من القرن الهجري الثاني ، وانتشر المذهب الإباضي بين قبائل هوارة وزناته وسدراته ولواته (1) .
بعد ذلك رأى دعاة الإباضية ضرورة إرسال المزيد من البعثات العلمية إلى البصرة ، فتم اختيار أربعة شباب من مناطق مختلفة ممن أمّل فيهم دعاة الإباضية بالمغرب أن يكون لهم شأن كبير في المستقبل ، وهؤلاء النفر هم : أبو درار الغدامسي من جنوب طرابلس ، وعبد الرحمن بن رستم - فارسي الأصل - من القيروان ، وعاصم السدراتي من سدراته ، وأبو داود النفزاوي من تونس (2) .
قضى حملة العلم إلى المغرب خمس سنوات يدرسون العلم على يد الإمام أبي عبيدة في سردابه بالبصرة ، وهناك التقوا بأبي الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري اليمني ، والذي سيكون له شأن كبير في المستقبل ؛ وبعد أن رأى الإمام أبو عبيدة جاهزيتهم للعودة إلى المغرب قال لهم : " توجهوا إلى بلادكم فإن يكن في أهل دعوتكم من العدد والعدة ما تجب معه التولية عليكم ، فولوا على أنفسكم رجلا منكم ، فإن أبى فاقتلوه " وأشار إلى أبي الخطاب المعافري (3) .
__________
(1) - عوض خليفات ، نشأة الحركة الإباضية ، ص136 .
(2) - مقرين بن محمد البغطوري ، كتاب سير أهل نفوسة ( مخ ) ، ص5 – يحيى بن أبي زكرياء ( أبو زكرياء ) ، كتاب سير الأئمة وأخبارهم ، دار الغرب الإسلامي ، بيروت ، لبنان ، ط2 : 1402هـ / 1982م ، ص54- الدرجيني ، الطبقات ، 1/19- عوض خليفات ، نشأة الحركة الإباضية ، ص137 .
(3) - الدرجيني ، الطبقات ، 1/21 . (1/3)
صفحة 4
فعادوا إلى بلادهم ، وبدؤوا نشر ما تعلموه في البصرة ، والإعداد لإقامة دولتهم الجديدة ، وفي سنة 140هـ سنحت الظروف لمبايعة أبي الخطاب بالإمامة وإعلان دولتهم الإباضية الجديدة ، فقاموا بمبايعته إماما على الإباضية بالمغرب (1) .
استطاع الإمام أبو الخطاب والإباضية السيطرة على طرابلس والقيروان ، وسار الإمام أبو الخطاب فيهم بالعدل وأعاد الحقوق إلى أصحابها ، والحقيقة أن الحديث عن عهد الإمام أبي الخطاب يطول ويحتاج إلى بحث مستقل ، وهدفي من التعريج على بيعة الإمام أبي الخطاب هو التمهيد لعهد الإمام أبي حاتم كما ذكرت .
__________
(1) - لواب بن سلام ، كتاب فيه بدء الإسلام وشرائع الدين ، ت : شفارتز وسالم بن يعقوب ، الناشر دار فرانز شتايز بفيسبادن ، ألمانيا ، طبع بمطابع دار صادر ، بيروت ، لبنان ، 1406هـ / 1986م ، ص117- أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص57- عبد الرحمن بن محمد بن خلدون ، تاريخ ابن خلدون ، ج4 ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، لبنان ، ط1 : 1413هـ / 1992م ، ص229- علي بن محمد الشيباني ابن الأثير، الكامل في التاريخ ، ج4 ، ت : د/ عمر عبد السلام تدمري ، دار الكتاب العربي ، بيروت ، لبنان ، ط1 : 1417هـ / 1997م ، ص327- ابن عذارى المراكشي ، البيان المُغرب في أخبار الأندلس والمغرب ، ج1 ، دار الثقافة ، بيروت ، لبنان ، ط2 : 1983م ، ص70- 72 - الدرجيني ، الطبقات ، 1/26 ـ عوض خليفات ، نشأة الحركة الإباضية ، ص148- محمد ناصر ، منهج الدعوة ، ص150. (1/4)
صفحة 5
على العموم لم يسكت العباسيون على هذه الهزيمة النكراء التي منوا بها على يد الإباضية ، فأرسلوا جيوشهم تترا وفي كل مرة تمنى بهزيمة ساحقة على يد الإباضية ، فأرسلوا جيشا قوامه أربعين ألفا بقيادة محمد بن الأشعث الخزاعي ، ومني كذلك بالهزيمة ، فلجأ إلى الحيلة وتظاهر بالانسحاب ، فظن الإباضية انسحاب جيش العباسيين ، وكان الموسم موسم حصاد فعادوا إلى حقولهم ، وحذرهم الإمام أبو الخطاب من ذلك وأعلمهم أن العرب أهل مكيدة ومكر ، ولكن دون جدوى ، وبالفعل عندما رأى ابن الأشعث تفرق جيش الإمام أبي الخطاب ، عاد مسرعا ، واستطاع القضاء على من بقي مع الإمام أبي الخطاب فقتلهم جميعا ، واستشهد الإمام أبو الخطاب رحمه الله ، وكان ذلك في سنة 144هـ في معركة " تاورغا " ، وتذكر بعض المصادر أن انهزام الإمام أبي الخطاب كان يعود إلى تصدع قبلي أصاب جيش أبي الخطاب ، فاستغله ابن الأشعث أحسن استغلال ، ولله الأمر من قبل ومن بعد (1) .
__________
(1) - ابن سلام ، بدء الإسلام ، ص121- أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص69- ابن خلدون ، تاريخ ابن خلدون ، 4/229- ابن الأثير، الكامل ، 4/328- ابن عذارى ، البيان المُغرب ، 1/71- 72 - الدرجيني ، الطبقات ، 1/32 ـ عوض خليفات ، نشأة الحركة الإباضية ، ص153- محمد ناصر ، منهج الدعوة ، ص151. (1/5)
صفحة 6
وقد حاول عبد الرحمن بن رستم - الذي عينه الإمام أبو الخطاب واليا على القيروان - اللحاق بالإمام أبي الخطاب لنجدته ، إلا أن أخبار استشهاد الأمام أبي الخطاب وأصحابه وصلته وهو لا يزال في الطريق ، فلما عاد إلى القيروان وجد أنها ثارت على الإباضية ، فعند ذلك اضطر للتوجه إلى أرض المغرب متخفيا بصحبة ابنه عبد الوهاب وعبد له ، فتحصن قي جبل يدعى " سوفجج " ، فلحقه شيوخ الإباضية ، فسمع بهم ابن الأشعث فلحق بهم وحاصر الجبل ، وظل محاصرا للجبل حتى وقع الجدري في جنده ولم يستطع أن يُخرج عبد الرحمن وأصحابه من الجبل ، فكر راجعا إلى القيروان ، فأراح الله عبد الرحمن ومن معه من شره (1) .
بعد استشهاد الإمام أبي الخطاب في عام 144هـ ، قام ابن الأشعث بمتابعة البربر بما فيهم الإباضية ، فقتل منهم الكثير ، وانتهج معهم منهج الإذلال والتحقير ، وأرسل أحد أتباعه ويدعى الجزيري لملاحقة البربر فكان هذا الجزيري ظالما فاسدا كابن الأشعث ، فكان يشترط على البربر أن تقوم جواريهم الحرائر بفلي لحيته ورأسه (2) ، فلم يرض الإباضية بهذا الإذلال المتعمد والانتهاك لحرماتهم ، ولم تندمل جراح استشهاد إمامهم أبي الخطاب وأصحابهم في معركة تاورغا ، فبايعوا إماما جديدا عليهم هو أبو حاتم يعقوب الملزوزي في طرابلس ؛
فمن هو الإمام أبو حاتم الملزوزي ؟
__________
(1) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص70- الدرجيني ، الطبقات ، 1/35 ـ عوض خليفات ، نشأة الحركة الإباضية ، ص155- منهج الدعوة ، ص153.
(2) - ابن سلام ، بدء الإسلام ، ص127- أحمد بن سعيد الشماخي ، كتاب السير ، ج1 ، وزارة التراث والثقافة ، سلطنة عمان ، 1407هـ / 1987م ، ص121- معمر ، الإباضية في موكب التاريخ ، ج1 ، ح2 ، ق1 ، ص61 . (1/6)
صفحة 7
هو أبو حاتم يعقوب بن حبيب التجيبي الملزوزي الهواري الكندي ، وقد وقع الخلاف بين المصادر في اسم أبيه ، فذكر كل من أبي زكرياء والدرجيني وابن عذارى نقلا عن الرقيق أنه " لبيب " ووافقهم على ذلك الشيخ عبد الله بن يحيى الباروني ، وذكر أصحاب المعجم أنه " لبيد " ، وذكر ابن سلام والشماخي وابن خلدون وابن الأثير والزركلي أنه " حبيب " ووافقهم على ذلك الشيخ سليمان باشا الباروني والشيخ سالم بن يعقوب و د/ محمد ناصر ود/ عوض خليفات ود/ إبراهيم بحاز وإسماعيل العربي محقق كتاب سير الأئمة (1) ، والظاهر أن حبيب هو الأصح والله أعلم .
__________
(1) - ابن سلام ، بدء الإسلام ، ص128- أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص73- الدرجيني ، - الطبقات ، 1/36 ـ الشماخي ، السير ، 1/121 ـ ابن خلدون ، تاريخ ابن خلدون ، 4/230- ابن الأثير، الكامل ، 5/168- ابن عذارى ، البيان المُغرب ، 1/78- خير الدين الزركلي ، الأعلام ، ج8 ، دار العلم للملايين ، بيروت ، لبنان ، ط7 : 1986م ، ص197- عبد الله بن يحيى الباروني ، رسالة سلم العامة والمبتدئين إلى معرفة أئمة الدين ، مكتبة الضامري ، السيب ، سلطنة عمان ، ط1 : 1412هـ / 1992م ، ص16- سليمان الباروني أبو الربيع ، مختصر تاريخ الإباضية ، ص34- سالم بن يعقوب ، تاريخ جزيرة جربة ، دار الجويني ، تونس ، 1986م ، ص62- محمد ناصر ، منهج الدعوة ، ص152- عوض خليفات ، نشأة الحركة الإباضية ، ص175- بحاز ، الدولة الرستمية ، ص69- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/475 ، رقم الترجمة : 1035 . (1/7)
صفحة 8
والحقيقة أن بعض الباحثين المعاصرين ذكر أن أبا حاتم ينتسب إلى قبيلة كندة بالولاء ، فممن ذهب إلى ذلك الشيخ علي يحيى معمر (1) ، وأصحاب معجم أعلام الإباضية (2) ، وإسماعيل العربي محقق سير الأئمة (3) ، ود/ إبراهيم بحاز (4) ، وأما الشيخ أبو إسحاق إبراهيم اطفيش فإنه ذهب إلى أنه عربي من قبيلة كنده (5) ، إلا أنه لم يركز على كونه مولى من عدمه ، فالظاهر أنه تجاوز ذلك ولم يركز عليه .
__________
(1) - معمر ، الإباضية في موكب التاريخ ، ج1 ، ح1 ، ق1 ، مكتبة الضامري ، السيب ، سلطنة عمان ، ط2 : 1993م ، ص61 .
(2) - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/475 ، رقم الترجمة : 1035 .
(3) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص73 الهامش .
(4) - بحاز إبراهيم بكير ، الدولة الرستمية ، جمعية التراث ، القرارة ، الجزائر ، ط2 : 1414هـ / 1993م ، ص69 – قمت بمحادثة د/ بحاز هاتفيا وناقشته حول العديد من القضايا ومن ضمنها هذه القضية فوجدته يذهب إلى أن أبا حاتم مولى لبني كندة كما وضح في كتابه الدولة الرستمية ، وأشار إلى أنه يميل إلى كون الولاء ولاء النسب وليس ولاء العبودية ( مدارسة علمية عبر الهاتف مع د/ إبراهيم بحاز ، الأحد 1 من محرم 1425هـ / 22 من فبراير 2004م ) .
(5) - عمر بن جميع أبو حفص ، مقدمة التوحيد وشروحها ، شرح : أحمد بن سعيد الشماخي وداود بن إبراهيم التلاتي ، تعليق : إبراهيم اطفيش أبو إسحاق ، طبعة مسقط ، سلطنة عمان ، ص72 الهامش . (1/8)
صفحة 9
والحقيقة أني راجعت أهم مصادر الإباضية المتقدمة في التاريخ ، فوجدت أن الشماخي أشار إلى كونه مولى كندة (1) ، وأما كتاب بدء الإسلام لابن سلام ، وسير الأئمة لأبي زكرياء ، والطبقات للدرجيني ، والجواهر المنتقاة للبرادي (2) ، فلم أجد أحدا منهم أشار إلى كون الإمام أبي حاتم مولى لبني كندة أو كندي أصلا ، بل ولم يذكر أحد منهم ولو بإشارة بسيطة كونه عربيا ، بل وجدت أن البرادي والدرجيني يعتبرانه هواري ، ومن المعلوم أن قبيلة هوارة قبيلة بربرية مغربية (3) ، ولكن الباحث محمد دبوز اعترض على من نسب الإمام أبا حاتم إلى هوارة وذهب إلى أنه من ملزوزة ، وذكر أن ملزوزة قبيلة بربرية بترية من فروع مغيلة قوم أبي قرة اليفرني ، وذكر أن مواطن هذه القبيلة في المغرب الأوسط ، وأن أبا حاتم أو أجداده انتقلوا إلى طرابلس فنزل في هوارة فصار ينسب إليها (4) ؛ فنلاحظ هنا أن الباحث دبوز يرجح كون أبي حاتم بربري الأصل ، ولم يشر نهائيا إلى كونه مولى لكندة ، ولكن قد يعترض على الباحث دبوز أنه لم يذكر المصادر التي اعتمد عليها .
__________
(1) - الشماخي ، السير ، 1/121 .
(2) - ابن سلام ، بدء الإسلام ، ص128- أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص73- الدرجيني ، - الطبقات ، 1/7 ، 36 ، 37 ، 38 ، 40 ، 74 – أبو القاسم بن إبراهيم البرادي ، الجواهر المنتقاه ( مخ ) ، ص173 .
(3) - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 1/294 .
(4) - محمد علي دبوز ، تاريخ المغرب الكبير ، ج3 ، دار إحياء الكتب العربية ، ط1 : 1383هـ / 1963م ، ص58 . (1/9)
صفحة 10
وأما قبيلة التجيبي فهي قبيلة عربية قحطانية من كندة ، و" تجيب " هو اسم أمهم التي ينسبون إليها ، وقيل أبوهم ، ومحلها بمصر ، قال النسابة القلقشندي : " بنو تجيب - بضم التاء وكسر الجيم وسكون الياء المثناة تحت ثم ياء موحدة بطن من كندة وهم بنو أشرس بن شيب بن السكون بن كندة وكندة يأتي نسبه عند ذكره في حرف الكاف كان له من الولد أشرس وعدي ، وتجيب هي أمهما عرف بنوها بها وهي تجيب بنت بولان بن سليم بن رها بن مدحج ، كذا قال أبو عبيد : وجعل في العبر تجيب هم عبارة عن بني عدي وبني سعد ابني أشرس بن شبيب بن السكون قال القضاعي : فهو كان من ولد عدي وبني سعد قيل له تجيب ، وقال الجوهري : هم بنو تجيب بن كندة فجعل تجيب أبا لهم لا أما وقد ذكر القضاعي لهم خطة بمصر " إهـ (1) .
وأما قبيلة الملزوزي فقد بحثت عن أصلها طويلا فلم أجد شيئا يعينني على معرفة أصلها إلا ما ذكره الباحث دبوز من كونها قبيلة بربرية بترية من فروع مغيلة موطنها المغرب الأوسط كما مر قبل قليل ؛ ولاحظت أن هذه القبيلة لا وجود لها بين القبائل البربرية عند استقراء فهرس القبائل في معجم أعلام الإباضية .
__________
(1) - أنظر كتاب " نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب " ، أحمد بن علي القلقشندي ، على هذا الرابط :
http://www.al-eman.com/Islamlib/viewchp.asp?BID=200&CID=9
وعلى هذا الرابط :
http://www.al-eman.com/Islamlib/viewchp.asp?BID=200&CID=14
وأنظر كتاب " لب اللباب في تحرير الأنساب " ، عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي ، على هذا الرابط :
http://www.al-eman.com/Islamlib/viewchp.asp?BID=237&CID=3
وانظر : عبد الكريم بن محمد السمعاني ، الأنساب ، ج1 ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، لبنان ، ط1 : 1408هـ / 1988م ، ص448 . (1/10)
صفحة 11
والظاهر أن من ذهب إلى اعتبار الإمام أبي حاتم مولى كندة اعتمد في ذلك على بعض المصادر غير الإباضية كابن الأثير وابن خلدون والزركلي ، فابن الأثير يذكر أن اسم أبا حاتم هو يعقوب بن حبيب مولى كندة (1) ، ونجد ابن خلدون يوافقه على ذلك فيذكر أن اسمه أبا حاتم يعقوب بن حبيب الأباضي مولى كندة (2) ، والزركلي يذكر أنه يعقوب بن حبيب الكندي بالولاء أبو حاتم الإباضي (3) .
ولم يذكر ابن الأثير وابن خلدون والزركلي مستندهم فيما ذهبوا إليه من كونه مولى لكندة ! ، وأما إذا كانوا قد اعتمدوا على نسبته إلى قبيلة التجيبي والتي يعدها النسابة بطن من كندة ، فهو كندي ، فلماذا يقال بأنه مولى ؟!
ولكن لعلهم حاولوا الجمع بين نسبته إلى قبيلة الملزوزي البربرية - على فرض صحة ما ذكره دبوز - ونسبته إلى قبيلة التجيبي الكندية العربية ، فاعتبروه بربري تعرض للسبي هو أو أحد آبائه من قبل قبيلة التجيبي الكندية فأصبح مولى لكندة ؛ وهذا ما أميل إليه للجمع بين الأقوال المتضاربة والله أعلم .
__________
(1) - ابن الأثير، الكامل في التاريخ ، 5/168-
(2) - ابن خلدون ، تاريخ ابن خلدون ، ص230 .
(3) - خير الدين الزركلي ، الأعلام ، ج8 ، دار العلم للملايين ، بيروت ، لبنان ، ط7 : 1986م ، ص197 . (1/11)
صفحة 12
إذا فمما سبق لعل أبا حاتم بربري الأصل ينتمي إلى قبيلة ملزوزة البربرية أو هوارة البربرية ، ثم تعرض هو أو أحد آبائه للسبي من قبل قبيلة التجيبي الكندية فنسب إليها بالولاء ، ثم أعتق وعاد إلى المغرب موطن آبائه ، إذ أنه لو ظل مسترقا لما بايعه الإباضية بالإمامة ، حيث أن من شروط الإمام في المذهب الإباضي الحرية قال سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي حفظه الله : " وهو – يقصد منصب الإمامة – منصب لا يختار له إلا من كان ذا أهلية تامة ، وذلك بأن يكون رجلا مسلما ورعا سليم الحواس والعقل ليست به عاهة وأن يكون حرا بالغا ، متمتعا بمؤهلات القيادة ... إلخ " إهـ (1) ، فلا يمكن أن يقوم الإباضية بمبايعة أبي حاتم وهو لا يزال رقيقا لم يعتق .
وأما عن طلبه للعلم فإن المصادر تذكر أنه أخذ العلم عن حملة العلم إلى المغرب وغيرهم (2) ، فلعله تتلمذ على يد سلمة بن سعد وابن مغيطر ؛ ويعد أبا حاتم في درجة الإمام أبي الخطاب مكانة وعلما (3) .
__________
(1) - أحمد بن حمد الخليلي ، شرح منظومة غاية المراد في نظم الاعتقاد للإمام نور الدين السالمي ، مكتبة الجيل الواعد ، مسقط ، سلطنة عمان ، 1424هـ / 2003م ، ص167 .
(2) - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/475 ، رقم الترجمة : 1035 .
(3) - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/475 ، رقم الترجمة : 1035 . (1/12)
صفحة 13
والحقيقة أن المصادر لا تذكر شيئا عن دور أبي حاتم في عهد الإمام أبي الخطاب ، ولكن يظهر أنه كان من ضمن جيش أبي الخطاب ومن رفقاء دربه الكفاحي ضد ظلم بني العباس وجورهم ، وذلك أن أبا زكرياء وصفه أنه من بقية أصحاب أبي الخطاب (1) ، بل ويظهر أنه كان له شأن كبير في عهد الإمام أبي الخطاب وإلا لما بايعه الإباضية خلفا لأبي الخطاب ؛ فلعله شارك في المعارك التي خاضها الإمام أبو الخطاب ، وربما كلفه الإمام أبو الخطاب بولاية شيء من المناطق كما كلف عبد الرحمن بن رستم بولاية القيروان والله أعلم .
__________
(1) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص73 . (1/13)
صفحة 14
وقد اختلفت المصادر في سنة بيعته ، فقيل سنة 145هـ (1) ، وقيل سنة 154هـ (2) ، وذكر كل من ابن الأثير والزركلي أن أبا حاتم بويع في سنة 151هـ (3) ، وقد رجح الشيخ سليمان داود ما ذكره ابن الأثير (4) ؛ والظاهر أنه بويع في سنة 145هـ ، وظل يعمل في السر ليجمع حوله أكبر قدر من الأنصار ولينظم صفوف الإباضية من جديد ، ثم أعلن الثورة في سنة 150هـ ، واستشهد في سنة 155هـ كما سيأتي ؛ وهذا ما رجحه عدد من الباحثين المعاصرين ، كالدكتور محمد ناصر والدكتور الجعبيري والدكتور عوض خليفات والدكتور إبراهيم بحاز وأصحاب المعجم ؛ ولعل السبب في ذهاب بعض المصادر إلى كونه بويع في 154هـ هو بروزه على الساحة ومنازلته للعباسين في هذه الفترة والله أعلم .
__________
(1) - ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ت : محمد ناصر وإبراهيم بحاز ، دار الغرب الإسلامي ، بيروت ، لبنان ، 1406هـ / 1986م ، ص22- أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص73- محمد ناصر ، منهج الدعوة ، ص152- عوض خليفات ، نشأة الحركة الإباضية ، ص158- فرحات الجعبيري ، علاقة عمان بشمال إفريقيا ، المطابع العالمية ، روي ، سلطنة عمان ، ط1 : 1412هـ / 1991م ، ص22- بحاز ، الدولة الرستمية ، ص69- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/475 ، رقم الترجمة : 1035.
(2) - ابن سلام ، بدء الإسلام ، ص128- الدرجيني ، الطبقات ، 1/36 ـ الشماخي ، السير ، 1/121 ـ الباروني ، رسالة سلم العامة ، ص16- أبو الربيع الباروني ، مختصر تاريخ الإباضية ، ص34- دبوز ، تاريخ المغرب الكبير ، 3/58 .
(3) - ابن الأثير، الكامل ، 5/166 ، 168- الزركلي ، الأعلام ، 8/197 .
(4) - سليمان داود بن يوسف ، حلقات من تاريخ المغرب الإسلامي ، مطبعة أبو داود ، ص58 . (1/14)
صفحة 15
وقد ذهبت أغلب المصادر إلى عد بيعته بيعة دفاع (1) ، وقد اعترض الشيخ أبو إسحاق إبراهيم اطفيش على ذلك ، وذهب إلى كونها بيعة ظهور ، واعتبر كلام من ذهب إلى كونها بيعة دفاع كلام فقهاء ليس لهم في التاريخ على حد تعبيره ، واحتج بكون الإمام أبي حاتم جهز الجيوش ووطد الإمامة وقاتل أهل البغي في كل صوب طالبا لا مطلوبا حتى بلغت جنوده ثلاثمائة وخمسين ألفا مشاة ، وخمسة وثمانين ألفا من الخيالة ، وكانت وقائعه نحوا من ثلاثمائة وخمس وسبعين ، وأن له فضل عظيم في تمكين الإسلام الحق في البربر ، وقال أن إمام الدفاع ليس له من الأمر بعد أن تضع الحرب أوزارها (2) .
__________
(1) - ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص22- أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص73- الدرجيني ، الطبقات ، 1/36- ابن جميع ، مقدمة التوحيد ، ص70- محمد ناصر ، منهج الدعوة ، ص152- عوض خليفات ، نشأة الحركة الإباضية ، ص158- الجعبيري ، علاقة عمان بشمال إفريقيا ، ص22- بحاز ، الدولة الرستمية ، ص69- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/475 ، رقم الترجمة : 1035
(2) - ابن جميع ، مقدمة التوحيد ، ص72 التعليق . (1/15)
صفحة 16
ولكن إذا عدنا إلى تعريف مصطلح إمامة الدفاع في المصادر الإباضية ، فنجدهم يعرفونه بأنه : " من الفروض الواجبة إذا عدم الظهور وهو اجتماع الناس على إمام يقدمونه عند مقاتلتهم العدو الذي دهمهم ، فإذا زال القتال زالت إمامته وتجب عليه جميع الأحكام التي تقع حال كونه إماما ، وتجب عليهم طاعته " إهـ (1) ، وعرفها قطب الأئمة بقوله : " والدفاع للعدو إذا جاءهم أو جاء أموالهم لمن يريدون دفع الظلم عنه بإمام يُنَصَّبُ له ، وإذا زال العدو زالت الإمامة فتجدد له أو لغيره لحادث ؛ وقيل يجوز نَصْبُه على استمرار وإبقاؤه إذا نُصِّب بلا قيد استمرار وبلا نفي استمرار ، فلا يزول بزوال الحرب بل يبقى لما يحدث منها " إهـ (2) ، وعرفها سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي حفظه الله بقوله : " ... الدِّفاع : وهو أن يجتمع المسلمون عندما يفاجئهم عدوهم بالانقضاض عليهم على مبايعة أحد منهم ليقودهم دفاعا عن دينهم وعن حرماتهم ، إلى أن تنجلي الغمة وينكشف العدو ، وتنتهي بذلك بيعته " إهـ (3) .
__________
(1) - ابن جميع ، مقدمة التوحيد ، ص70 .
(2) - محمد بن يوسف اطفيش ، شرح عقيدة التوحيد ، ت : مصطفى بن الناصر وينتن ، جمعية التراث ، القرارة ، الجزائر ، ط1 : 1422هـ / 2001م ، ص195 .
(3) - الخليلي ، شرح منظومة غاية المراد ، ص105 . (1/16)
صفحة 17
إذا لو تأملنا وضع الإباضية عندما بايعوا الإمام أبا حاتم نجده تنطبق عليه التعاريف السابقة ، فالإباضية كانوا في عهد الإمام أبي الخطاب في فترة ظهور ، ثم انقض عليهم عدوهم ابن الأشعث وقتل إمامهم وشردهم وتعقبهم ، مما اضطرهم إلى الدفاع عن أنفسهم وحرمتهم فبايعوا إماما عليهم ليقودهم في مرحلة الدفاع ضد من هاجمهم ، فبيعته بيعة دفاع ؛ ثم من شروط الظهور أن تكون للإباضية دولة آمنة يطبقون فيها شرع الله تعالى ، وهذه الدولة لم تكن موجودة في عهد الإمام أبي حاتم ، فتعريف الظهور عند الإباضية هو الظهور كالنبي صلى الله عليه وسلم في المدينة وفي مكة بعد إسلام عمر ، وكأبي بكر وعمر يصليان الجمعة ويجلدان ويرجمان ويقطعان ويغزوان ويقيمان الثغور ويجمعان الزكوات والغنائم (1) .
ولكن في المقابل نجد أن الإمام أبا حاتم تمكن من السيطرة على طرابلس والقيروان وعين بعض الولاة ، فقد ورد أنه عين عبد العزيز المعافري واليا على القيروان (2) ، بل وكان يجمع الزكاة ويرسلها إلى عبد الرحمن بن رستم (3) ، وهذه الأعمال لا يقوم بها إلا إمام الظهور .
إذا فلعل الإباضية بايعوا أبا حاتم بيعة دفاع في البداية لرد الأعداء وتوحيد الصفوف ، وعندما تمكن من السيطرة على طرابلس والقيروان ونعم الإباضية بقليل من الأمن انتهت مرحلة الدفاع ، وانتقل الإباضية إلى مرحلة الظهور ، وأقروا إمامهم أبا حاتم على إمامته ولم ينقضوها ، فانتقل من إمام دفاع إلى إمام ظهور والله أعلم .
__________
(1) - ابن جميع ، مقدمة التوحيد ، ص69- اطفيش ، شرح عقيدة التوحيد ، ص195 – الخليلي ، شرح منظومة غاية المراد ، ص103 .
(2) - ابن خلدون ، تاريخ ابن خلدون ، 4/231 – ابن عذارى ، البيان المغرب ، 1/77 – ابن الأثير ، الكامل ، 5/170- عوض خليفات ، نشأة الحركة الإباضية ، ص164 .
(3) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص73- الدرجيني ، الطبقات ، 1/36- عوض خليفات ، نشأة الحركة الإباضية ، ص157 . (1/17)
صفحة 18
على العموم بعد أن بويع أبو حاتم بالإمامة في سنة 145هـ ، ظل يعمل بسرية وآثر عدم التسرع في إعلان ثورته ضد الولاة الظلمة من بني العباس ، حتى يستطيع أن يجمع أكبر قدر ممكن من القوات والأنصار حوله ، فظل في حالة تأهب وترقب لفرصة مواتية للثورة ضد الولاة الظلمة من بني العباس ، واستطاع في هذه الفترة أن يكون جيشا عظيما لم يجتمع لأحد من الإباضية مثله بأفريقية قدره بعض المؤرخين بثلاثمائة وخمسين ألفا ، الخيل منها خمسة وثلاثون ألفا ، وقيل خمسة وثمانون ألفا (1) .
__________
(1) - ابن عذارى ، البيان المغرب ، 1/77 – ابن جميع ، مقدمة التوحيد ، ص72 – بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/475 ، رقم الترجمة : 1035 . (1/18)
صفحة 19
وأما ابن الأشعث الذي قضى على دولة الإمام أبي الخطاب فقد عاد إلى المشرق بسبب ثورة جنده عليه (1) ، وعين أبو جعفر المنصور العباسي عددا من الولاة الظلمة على إفريقيا ، إلى أن جاءت سنة 151هـ - وكان الوالي للعباسيين على إفريقيا في ذلك الوقت عمر بن حفص الملقب بـ " هزار مرد " وهي كلمة فارسة تعني رجل عن ألف رجل (2) - وجد الإباضية بقيادة إمامهم أبي حاتم الفرصة مواتية لإعلان الثورة عندما خرج عمر بن حفص من القيروان إلى مدينة طبنة لبناء سور حولها ، واستخلف على القيروان أبا حازم حبيب بن حبيب المُهَلِّبي ، وثارت عليه جموع البربر من إباضية وصفرية وغيرها ، فخرج إليهم واستطاعوا هزيمته وقتله (3) ،
__________
(1) - ابن خلدون ، تاريخ المغرب ، 4/229- ابن الأثير، الكامل ، 4/328- ابن عذارى ، البيان المُغرب ، 1/73 – عوض خليفات ، نشأة الحركة الإباضية ، ص156.
(2) - ابن خلدون ، تاريخ المغرب ، 4/230- ابن الأثير، الكامل ، 5/168- ابن عذارى ، البيان المُغرب ، 1/77- عوض خليفات ، نشأة الحركة الإباضية ، ص159- بحاز ، الدولة الرستمية ، ص69- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/475 ، رقم الترجمة : 1035.
(3) - ابن خلدون ، تاريخ المغرب ، 4/230 - ابن الأثير، الكامل ، 5/168- ابن عذارى ، البيان المُغرب ، 1/75 .. (1/19)
صفحة 20
فاجتمع الإباضية في طرابلس مع إمامهم أبي حاتم متظاهرين أنهم إنما اجتمعوا في أمر امرأة أساء إليها زوجها ، فبعث إليهم الجُنيد بن بشار الأسادي - الوالي العباسي على طرابلس - خمسمائة فارس فقال لهم قائد الفرسان : أجيبوا الطاعة لأمير المؤمنين ، فقالوا : أجبنا الطاعة لأمير المؤمنين ، وهم لا يقصدون أبا جعفر المنصور وإنما يقصدون الإمام أبا حاتم ، وقيل يقصدون عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، حيث أنهم فضلوا التقية حتى لا يظهروا أمرهم سريعا ؛ فعاد الفرسان إلى الجُنيد بن بشار فأخبروه بأمرهم فلم يقتنع ، فأخرج هذه المرة حملة كبيرة تحت قيادته ، فأمرهم أن يجيبوا الطاعة لأمير المؤمنين أبي جعفر المنصور ، فقالوا : عليك لعنة الله وعلى أبي جعفر ، فوقع بين الطرفين قتال شديد كان النصر فيه حليف الإمام أبي حاتم ، وهرب الوالي العباسي وفلول جيشه إلى طرابلس ولاحقهم أبو حاتم ، فهربوا من طرابلس إلى قابس فحاصرهم أبو حاتم فيها ، وكانت هذه الأحداث في سنة 153هـ (1) ؛ وتذكر المصادر أن بعض العوام الذين ليس له حظ من العلم والفقه في الدين من جيش الإمام أبي حاتم قام بسلب قتلى العباسيين وجرحاهم ، وعندما علم الإمام أبو حاتم بذلك غضب غضبا شديدا وقال : " إن لم تردوا أسلاب هؤلاء القتلى فقد خرجتُ وبرئتُ من ولايتكم " ، فرَدوا أسلابهم وأعلنَوا التوبة (2) .
__________
(1) - ابن سلام ، بدء الإسلام ، ص128- 129 - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص73- 74- الدرجيني ، الطبقات ، 1/37 – الشماخي ، السير ، 1/121- ابن خلدون ، تاريخ المغرب ، 4/230- ابن الأثير، الكامل ، 5/168- ابن عذارى ، البيان المُغرب ، 1/75- عوض خليفات ، نشأة الحركة الإباضية ، ص159 .
(2) - ابن سلام ، بدء الإسلام ، ص129- أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص74- 75- الدرجيني ، الطبقات ، 1/37 – الشماخي ، السير ، 1/121- عوض خليفات ، نشأة الحركة الإباضية ، ص159. (1/20)
صفحة 21
أقام الإمام أبو حاتم في طرابلس يحكم بالعدل ويطبق الشرع ، ثم نادى بالخروج إلى إفريقيا لحصار عمر بن حفص في طبنة (1) ؛ وقد ذكرنا أن عمر بن حفص خرج إلى طبنة لتحصينها ، وطبنة هذه تقع في إقليم الزاب بالقرب من تيهرت معقل الإمام عبد الرحمن بن رستم ، وكذلك تقع على الطريق الرئيسي المؤدي إلى تلمسان معقل الصفرية بزعامة أبي قرة اليفرني ، فاعتبر الإباضية والصفرية هذا العمل عدوانيا وتهديدا لكيانهم ، فاتفقوا على محاصرة طبنة والقضاء على العباسيين ، فراسل عبد الرحمن بن رستم الإمام أبا حاتم في طرابلس والإباضية في تونس للخروج لمحاصرة طبنة (2) .
__________
(1) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص75 - الدرجيني ، الطبقات ، 1/38.
(2) - عوض خليفات ، نشأة الحركة الإباضية ، ص160 . (1/21)
صفحة 22
وتجمع لدى الإمام أبي حاتم جيش عظيم مكون من الإباضية والصفرية ، فتذكر المصادر أن اثني عشر عسكرا أحاط بطبنة ، أربعين ألفا بقيادة أبي قرة الصفري ، وخمسة عشر ألفا بقيادة عبد الرحمن بن رستم ، وستة آلاف بقيادة عاصم السدراتي الإباضي ، وعشرة آلاف بقيادة المسور الزناتي الإباضي ، وغيرهم كثير ، وأما الإمام أبو حاتم فيقود من الجحافل ما لا يعرف عدده ، وقد مر علينا أنه اجتمع لديه من الجيوش ما لم يجتمع لأحد غيره فقدر بثلاثمائة وخمسين ألفا ؛ فلما رأى عمر بن حفص هذه الأعداد الهائلة التي حاصرته عزم على الخروج لمقاتلتهم فمنعه أصحابه وقالوا له : إن أصبت تلف العرب ؛ عند ذلك لجأ إلى الحيلة لتفريق هذه الجيوش العظيمة ، فأرسل إلى أبي قرة قائد الصفرية ستين ألفا من الدراهم ليرجع عنه ، إلا أن ذلك لم يجد وقعا في نفس أبي قرة وقال : " بعد أن سُلِّم إليَّ بالخلافة – يعني عند الصفرية – أربعين سنة أبيع حربكم بعرض قليل من الدنيا ؟! " فلم يجبهم إلى طلبهم ؛ عند ذلك أرسل ابن حفص بأربعة آلاف درهم وبعض الثياب إلى أخي أبي قرة على أن يعمل في صرف الصفرية عن أخيه ، فاستجاب لطلبهم ووقعت الخيانة للأسف ، فارتحل من ليلته فتبعه جيش الصفرية ، مما جعل أبا قرة يضطر للانسحاب مرغما ويتبعهم والله المستعان (1) .
__________
(1) - ابن خلدون ، تاريخ المغرب ، 4/230- ابن الأثير، الكامل ، 5/169- ابن عذارى ، البيان المُغرب ، 1/75- 76- عوض خليفات ، نشأة الحركة الإباضية ، ص160 . (1/22)
صفحة 23
كان لهذه الخيانة من قبل الصفرية تأثير معنوي ونفسي كبير على الإباضية مما دفعهم إلى رفع الحصار ، فانسحب عبد الرحمن بن رستم إلى تهودا ( قبيلة بربرية ) ، ورجع الإمام أبو حاتم وإباضية طرابلس وتونس إلى القيروان محاولين احتلالها قبل عودة ابن حفص (1) ؛ عند ذلك أرسل ابن حفص جيشا لمقاتلة عبد الرحمن في تهودا ، وبالفعل هاجمه وقتل من الإباضية ثلاثة آلاف فانهزم عبد الرحمن إلى تيهرت (2) .
وعندما علم ابن حفص بتوجه الإمام أبي حاتم إلى القيروان قرر الرجوع إلى القيروان واستخلف على طبنة ومنطقة الزاب المهنأ بن المخارق الطائي ، فلما علم أبو قرة بمسير ابن حفص إلى القيروان قرر مهاجمة طبنة ، ولعل تلك محاولة منه لرد اعتباره أمام الإباضية وبقية البربر الذين خانهم الصفرية ، ولكن محاولته لم تجد نفعا حيث أن المهنأ الطائي تصدى له وقاتله وهزمه ، فانسحب أبو قرة إلى تلمسان (3) .
__________
(1) - عوض خليفات ، نشأة الحركة الأباضية ، ص161 .
(2) - ابن خلدون ، تاريخ المغرب ، 4/231- ابن الأثير، الكامل ، 5/169- ابن عذارى ، البيان المُغرب ، 1/76- عوض خليفات ، نشأة الحركة الأباضية ، ص161 .
(3) - ابن خلدون ، تاريخ المغرب ، 4/231- ابن الأثير، الكامل ، 5/169- عوض خليفات ، نشأة الحركة الأباضية ، ص161 . (1/23)
صفحة 24
وصل الإمام أبو حاتم إلى القيروان قبل ابن حفص وحاصرها لمدة ثمانية أشهر ، فضاق جند العباسيين جهدا من الحصار ونفذ عليهم الطعام فوصل بهم الأمر إلى أكل دوابهم وكلابهم ، ولحق كثير من أهل القيروان بالإمام أبي حاتم ، عند ذلك جاء الخبر بوصول ابن حفص بالقرب من القيروان فنزل مكان يسمى الهريش ، وكان في سبعمائة فارس ، فزحف إليه الإمام أبو حاتم وترك القيروان ، فسار ابن حفص إلى تونس ، فتبعه الإمام أبو حاتم ، فعاد ابن حفص مجدا إلى القيروان ودخلها بعد أن تزود بما يحتاجه من طعام ودواب ، فحاصره الإمام أبو حاتم ، فطال الحصار حتى نفذ الطعام على ابن حفص ومن معه وأكلوا دوابهم ، وفي كل يوم تكون بينهم مناوشات ، فلما يأس ابن حفص من النجاة قرر أن يلقي نفسه إلى الموت ، فوصل الخبر بأن المنصور أرسل يزيد بن حاتم بن قتيبة بن المهلب في ستين ألف مقاتل لنجدة ابن حفص ، وأشار أصحاب ابن حفص عليه بعدم الخروج لمقاتلة الإمام أبي حاتم حتى يصل يزيد ، فلم يستمع لهم وخرج وقاتل حتى قتل في سنة 154هـ (1) .
تولى أمر بقايا العباسيين في القيروان بعد مقتل ابن حفص حميد بن صخر وهو أخو ابن حفص لأمه ، فصالح الإمام أبا حاتم على أن حميدا ومن معه لا يخلعون المنصور ولا ينازعهم أبو حاتم في سوادهم وسلاحهم ، فذكرت بعض المصادر أن الإمام أبا حاتم وافق على ذلك (2) ، إلا أن بعض المصادر تشير إلى رفضه لتلك الشروط وأنه قاتلهم حتى فتح القيروان (3) .
__________
(1) - ابن خلدون ، تاريخ المغرب ، 4/231- ابن الأثير، الكامل ، 5/169- 170- ابن عذارى ، البيان المُغرب ، 1/76- عوض خليفات ، نشأة الحركة الأباضية ، ص162- 163 .
(2) - ابن خلدون ، تاريخ المغرب ، 4/231- ابن الأثير، الكامل ، 5/170- عوض خليفات ، نشأة الحركة الأباضية ، ص162- 163 .
(3) - ابن عذارى ، البيان المُغرب ، 1/76- 77- دبوز ، تاريخ المغرب ، 3/69 . (1/24)
صفحة 25
وتذكر المصادر الإباضية أن عاصم السدراتي – أحد حملة العلم الخمسة إلى المغرب – استشهد في حصار القيروان ، حيث أنه أصيب بمرض فوصف له القثاء ، وعندما علم العباسيون المحصورون داخل القيروان بذلك ، أرسلوا شخصا يتظاهر ببيع القثاء وسَمُّوا واحدة منها وأمروه بأن يبيعهم المسمومة ، وبالفعل اشترى أصحاب عاصم القثاءة المسمومة وعندما أكل منها عاصم استشهد رحمه الله ، فناداهم المحصورون : أين عاصم السدراتي أليس قد قتلناه ؟ فعلم الإمام أبو حاتم أنهم هم من قتله ، فقرر أن يكيد بهم كما كادوا بعاصم ، فأمر أصحابه بالتظاهر بالانسحاب والهزيمة ، فأصبح معسكر أبي حاتم خاليا ، فظن العباسيون أنهم انهزموا ، فتبعوهم إلى أن وصلوا إلى مكان يسمى الرقادة ، فتفاجئوا بجيش الإمام أبي حاتم قد كمن هناك وثار في وجههم ، وقتلوهم ولاحقوا فلولهم المنهزمة إلى القيروان (1) ، ولعل هذا حدث في إحدى المعارك حيث أن المعارك تحدث بشكل يومي بين الطرفين في فترة الحصار ؛ والحقيقة أن بعض المصادر ذهبت إلى كون عاصم السدراتي استشهد في عهد الإمام أبي الخطاب وتذكر نفس القصة إلا أن المحاصر قبيلة ورفجومة بالقيروان (2) ،
__________
(1) - ابن سلام ، بدء الإسلام ، ص129- الشماخي ، السير ، 1/121- 122 ، 126.
(2) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص62- 63 – الدرجيني ، الطبقات ، 1/28- 29 - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/239 ، رقم الترجمة : 528 .. (1/25)
صفحة 26
ولكن الظاهر أن الأصح أنه استشهد في عهد الإمام أبي حاتم ، حيث أن المصادر غير الإباضية تشير إلى وجود دور له في قتال أبي حاتم للعباسيين ، وأنه خرج بستة آلاف مقاتل وانضم تحت لواء الإمام أبي حاتم كما مر علينا ، كذلك فإن أقدم مصدر إباضي وهو بدء الإسلام لابن سلام يشير إلى استشهاده في عهد الإمام أبي حاتم ، وأورد هذه القصة عند حصار الإمام أبي حاتم للقيروان ، وابن سلام قريب من عهد الإمام أبي حاتم حيث أنه توفي بعد سنة 273هـ (1) ، بل إن جده وعمه ممن شارك مع الإمام أبي الخطاب في حروبه (2) ، وكذلك فإنه يروي الأحداث مشافهة عمن حضر ذلك الحصار وقد أشار إلى ذلك بنفسه (3) ، وهذا ما دفع الشماخي إلى ترجيح ما ذكره ابن سلام على ما ذكره أبو زكرياء والدرجيني حول فترة استشهاد عاصم السدراتي (4) والله أعلم .
عندما اقترب يزيد بن حاتم من إفريقيا خرج إليه عدد من جند العباسيين الموجودين بإفريقيا وانضموا إليه ، والظاهر أن هذا السبب الذي دفع الإمام أبا حاتم إلى أن يأمر أصحابه بأن يجردوا الجند العباسي الموجود بالقيروان من سلاحهم خلافا للصلح المبرم بينهم سابقا ، وفي هذا رد على من اتهم الإمام أبا حاتم بأنه خان العهد والمواثيق كما ذهب ابن الأثير وعوض خليفات (5) ، ورد آخر أن الإمام أبا حاتم لم يوافق على ذلك الصلح نهائيا بل قاتل حتى فتح القيروان كما ذكر ابن عذارى وقد مر الحديث عن ذلك .
__________
(1) - ابن سلام ، بدء الإسلام ، ص 40- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/350 ، رقم الترجمة : 760 .
(2) - ابن سلام ، بدء الإسلام ، ص37 ، 118 .
(3) - ابن سلام ، بدء الإسلام ، ص130 .
(4) - الشماخي ، السير ، 1/122 ، 126 .
(5) - ابن الأثير، الكامل ، 5/170- عوض خليفات ، نشأة الحركة الأباضية ، ص164 . (1/26)
صفحة 27
وتذكر المصادر الإباضية أن قبيلة بربرية من هوارة يقال لها مليلة انضمت إلى جيش يزيد ضد الإمام أبي حاتم ، فسأل الإمام أبو حاتم عمن أعان عليه من البربر ، فقالوا له مليلة ، فقال: " اللهم ذُلَّ مليلة " ، فاستجاب الله تعالى دعاءه ، فلم يزالوا في مذلة من الجند والظلمة لا ينقطع عنهم دون البربر أبدا (1) .
على العموم رأى الإمام أبو حاتم أن مواجهة جيش يزيد الكبير القادم من المشرق بالقيروان ستكون خطيرة وفي غير صالحه خاصة وأنه توجد بعض الفلول العباسية بمدينة طبنة ، فقرر الاعتصام بجبل نفوسة في أوساط الإباضية حيث تقطن قبائل نفوسة وهوارة الإباضية ، فيضمن الإمام أبو حاتم سندا قويا له من الخلف ، هكذا خطط الإمام أبو حاتم ولكن حكمة الله تعالى اقتضت غير ذلك كما سنرى .
__________
(1) - ابن سلام ، بدء الإسلام ، ص131- أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص79 . (1/27)
صفحة 28
عموما تمكن الإمام أبو حاتم من هزيمة مقدمة جيش يزيد التي كانت تحت قيادة سالم بن سوادة التميمي ، ولعل هذه هي موقعة " مغمداس " التي تذكرها المصادر الإباضية ، وهذا ما مال إليه محمد دبوز (1) ، فأبو زكرياء يقول عن هذه الوقعة : " وبلغنا أن أبا حاتم سمع بطوالع أقبلت من المشرق فخرج من مدينة طرابلس ، فتلقاهم بموضع يقال له مغمداس ، وهو على مسيرة ثمانية أيام من مدينة طرابلس ، فلما وصلهم أبو حاتم لاقوه ، فاقتتلوا قتالا شديدا ، فهزم الله له العدو ، ومنحهم أكتافهم ، فقتل منهم ستة عشر ألفا " إهـ (2) ؛ ويُروى أن رجلا من غير الإباضية سأل رجلا من الإباضية : ما تفسير تاورغا ؟ ، وكان يقصد من هذا السؤال الاستهزاء بالإباضية ومقتل إمامهم أبي الخطاب في معركة تاورغا ، ولكن كان الإباضي فطنا فأجابه بقوله : تفسيرها : مغمداس فيه أربعة أكداس في كل كدس أربعة آلاف (3) .
والحقيقة أن الشماخي اعترض على ما ذكره أبو زكرياء من أن موقعة مغمداس وقعت في عهد الإمام أبي حاتم ، وذهب إلى أنها وقعت في عهد الإمام أبي الخطاب أو أن تكون وقعت موقعة أخرى في مغمداس في عهد أبي حاتم ، وأشار إلى أن ابن سلام والرقيق أشارا إلى كون موقعة مغمداس وقعت في عهد الإمام أبي الخطاب (4) ؛ وبالفعل فإن ابن سلام أشار إلى ذلك (5) ؛ ولكن لعل أكثر من موقعة وقعت في مغمداس إحداها في عهد الإمام أبي الخطاب والأخرى في عهد الإمام أبي حاتم والله أعلم .
__________
(1) - دبوز ، تاريخ المغرب الكبير ، 3/74 .
(2) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص77- الدرجيني ، الطبقات ، 1/38- 39 .
(3) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص78- الدرجيني ، الطبقات ، 1/39 – الشماخي ، السير ، 1/123 .
(4) - الشماخي ، السير ، 1/123 .
(5) - ابن سلام ، بدء الإسلام ، ص118 . (1/28)
صفحة 29
بعد أن انهزمت طلائع جيش يزيد على يد الإمام أبي حاتم ، قام بمهاجمة الإمام أبي حاتم في جبل نفوسة ، وجرت بين الطرفين معركة قاسية في ربيع الأول من سنة 155هـ في مكان يسمى " جنى " (1) ، وليس في " مغمداس " كما ذكر أصحاب المعجم (2) .
فقتل في تلك المعركة الرهيبة خلق كثير من كلا الطرفين ، ولكن كانت النتيجة في نهاية المطاف لصالح يزيد ، واستشهد الإمام أبو حاتم مع جل أصحابه ، وتذكر المصادر أن عدد القتلى من أصحاب الإمام أبي حاتم ثلاثين ألفا (3) ، ويروى أن الإمام أبا حاتم رحمه الله عندما رأى مقتل أصحابه وأن الهزيمة لا محالة واقعة قال لمن بقي من أصحابه : " زفوني إلى الموت في سبيل الله زفاف العروس وقفوا لي قليلا " فقاتل حتى استشهد (4) .
__________
(1) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص79 - الدرجيني ، الطبقات ، 1/39
(2) - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/475 ، رقم الترجمة : 1035.
(3) - ابن خلدون ، تاريخ المغرب ، 4/231- ابن الأثير، الكامل ، 5/170- 171- ابن عذارى ، البيان المُغرب ، 1/78- عوض خليفات ، نشأة الحركة الأباضية ، ص164- 165 .
(4) - الدرجيني ، الطبقات ، 1/40 . (1/29)
صفحة 30
وتذكر المصادر الإباضية أن الموضع الذي استشهد فيه الإمام أبو حاتم وأصحابه يروى فيه الأنوار ، والحقيقة الله أعلم بصحة أمثال هذه القصص ولكن نعرض ما وجدناه في بطون الكتب ونكل أمر صحتها من عدمه إلى الله تعالى ؛ فيروي أبو زكرياء أن الموضع الذي كانت فيه معركتهم يضئ من كل ليلة خميس ، ويبصر ضياؤه من بعيد ، بل وينقل عن أشخاص عاصرهم أنهم رأوه وهو نور ساطع وضياء عظيم (1) ؛ ويعلق الشماخي على ما ذكره أبو زكرياء فيقول : " وقد اشتهر عندنا من غير أن أراه أن النور ينزل على قبره – يعني قبر الإمام أبي حاتم – وقيل لم يزل ينزل حتى دفن إلى جنبه أعرابي فكفَّ والله أعلم " إهـ (2) ، ثم قال : " وبتلك الجهة مقبرة يقال إنها للذين ماتوا عنده يوجد بأطرافها تراب أحمر يقال أنه دمهم لم يغيره الزمان يتبرك الناس به ويحملونه للمرضى وهذا في مثلهم ليس بغريب ، وقد شاهدت بنفوسة دماء رجال ثلاثة سفحت على صفا مسيل ماء المطر مضى عليها مئون من الأعوام وهي باقية وكل ما وقع مطر جرى عليه ومسحته بثوبي مبلولا بالريق فأثر فيه وشممته فإذا هو رائحة الدم ... " إهـ وأشار إلى كونهم صالحين أي الرجال الثلاثة (3) .
والحقيقة الله أعلم بصحة أمثال هذه القصص ، وإذا كان لي تعليق فهو حول كلام الشماخي ، فمن المعلوم أن الدم لا تتشربه الأرض كما تتشرب الماء ، فيظل على سطحها ولو إلى مئات السنين ، فلعل دم الشهداء من أصحاب أبي حاتم ظل على سطح الأرض واختلط مع التراب ، وكذلك بالنسبة لدم الرجال الثلاثة ، فهو أمر غير مستغرب والله أعلم .
__________
(1) - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص79- 80 .
(2) - الشماخي ، السير ، 1/124 .
(3) - الشماخي ، السير ، 1/124 . (1/30)
صفحة 31
إذا وباستشهاد الإمام أبي حاتم رحمه الله طويت صفحة مشرقة من صفحات التاريخ الإباضي سطر فيها الإباضية تحت لواء إمامهم أبي حاتم الملزوزي أروع الإنجازات وأعظم التضحيات رغبة في نيل الحرية من تسلط وظلم الدولة العباسية ، ورغبة في تطبيق شرع الله تعالى وأحكامه ، ورغبة في إعادة الحقوق إلى أصحابها ، ولكن قدر الله ألا يتمكن الإباضية تحت لواء الإمام أبي حاتم من إقامة دولتهم المنشودة ، ففر من نجى من معركة " جنى " ومن ملاحقة العباسيين لهم إلى المغرب الأوسط ، إلى تيهرت دولتهم المنشودة ، إلى إمامهم المنشود عبد الرحمن بن رستم ، والذي بالفعل استطاع أن يحقق حلم الحرية ، فأقام الدولة الرستمية العظيمة في سنة 160هـ ، فأحس الإباضية في كنفها بطعم العدل والأمان والحرية ، ليس هذا فحسب بل وقصدها الكثير من المسلمين من غير الإباضية ، والذين أصبحت لهم فيها مدنهم ومساجدهم التي يعرفون بها ، بل وسكنها اليهود والنصارى ، راضين بحكم الأئمة الرستميين ، ففتحت صفحة جديدة في التاريخ الإباضي الناصع المشرق (1) ...
المصادر :
1- إبراهيم بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، ج1 ، 2 ، دار الغرب الإسلامي ، بيروت ، لبنان ، ط2 : 1421هـ / 2000م .
2- أحمد بن حمد الخليلي ، شرح منظومة غاية المراد في نظم الاعتقاد للإمام نور الدين السالمي ، مكتبة الجيل الواعد ، مسقط ، سلطنة عمان ، 1424هـ / 2003م .
3- أحمد بن سعيد الدرجيني ، كتاب طبقات المشائخ بالمغرب ، ج1 ، ت : إبراهيم طلاي .
4- أحمد بن سعيد الشماخي ، كتاب السير ، ج1 ، وزارة التراث والثقافة ، سلطنة عمان ، 1407هـ / 1987م .
5- أحمد بن علي القلقشندي ، نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب ، على هذا الرابط :
http://www.al-eman.com/Islamlib/viewchp.asp?BID=200&CID=9
__________
(1) * - أنظر مقالنا " الدولة الرستمية دولة إسلامية تجاهلها التاريخ " في موقع الأمل المشرق قسم التاريخ www.alaml.net (1/31)
صفحة 32
وعلى هذا الرابط :
http://www.al-eman.com/Islamlib/viewchp.asp?BID=200&CID=14
6- ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ت : محمد ناصر وإبراهيم بحاز ، دار الغرب الإسلامي ، بيروت ، لبنان ، 1406هـ / 1986م .
7- ابن عذارى المراكشي ، البيان المُغرب في أخبار الأندلس والمغرب ، ج1 ، دار الثقافة ، بيروت ، لبنان ، ط2 : 1983م .
8- بحاز إبراهيم بكير ، الدولة الرستمية ، جمعية التراث ، القرارة ، الجزائر ، ط2 : 1414هـ / 1993م .
9- خير الدين الزركلي ، الأعلام ، ج8 ، دار العلم للملايين ، بيروت ، لبنان ، ط7 : 1986م .
10- سالم بن يعقوب ، تاريخ جزيرة جربة ، دار الجويني ، تونس ، 1986م .
11- سليمان الباروني أبو الربيع ، مختصر تاريخ الإباضية .
12- سليمان داود بن يوسف ، حلقات من تاريخ المغرب الإسلامي ، مطبعة أبو داود .
13- عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي ، لب اللباب في تحرير الأنساب ، على هذا الرابط :
http://www.al-eman.com/Islamlib/viewchp.asp?BID=237&CID=3
14- عبد الرحمن بن محمد بن خلدون ، تاريخ ابن خلدون ، ج4 ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، لبنان ، ط1 : 1413هـ / 1992م .
15- عبد الكريم بن محمد السمعاني ، الأنساب ، ج1 ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، لبنان ، ط1 : 1408هـ / 1988م .
16- عبد الله بن يحيى الباروني ، رسالة سلم العامة والمبتدئين إلى معرفة أئمة الدين ، مكتبة الضامري ، السيب ، سلطنة عمان ، ط1 : 1412هـ / 1992م .
17- علي بن محمد الشيباني ابن الأثير، الكامل في التاريخ ، ج4 ، 5 ، ت : د/ عمر عبد السلام تدمري ، دار الكتاب العربي ، بيروت ، لبنان ، ط1 : 1417هـ / 1997م .
18- علي يحيى معمر ، الإباضية في موكب التاريخ ، ج1 ، ح2 ، ق1 ، مكتبة الضامري ، السيب ، سلطنة عمان ، ط2 : 1993م . (1/32)
صفحة 33
19- عمر بن جميع أبو حفص ، مقدمة التوحيد وشروحها ، شرح : أحمد بن سعيد الشماخي وداود بن إبراهيم التلاتي ، تعليق : إبراهيم اطفيش أبو إسحاق ، طبعة مسقط ، سلطنة عمان.
20- عوض محمد خليفات ، نشأة الحركة الإباضية ، مطابع دار الشعب ، عَمّان ، الأردن ، 1978م .
21- فرحات الجعبيري ، علاقة عمان بشمال إفريقيا ، المطابع العالمية ، روي ، سلطنة عمان ، ط1 : 1412هـ / 1991م .
22- لواب بن سلام ، كتاب فيه بدء الإسلام وشرائع الدين ، ت : شفارتز وسالم بن يعقوب ، الناشر دار فرانز شتايز بفيسبادن ، ألمانيا ، طبع بمطابع دار صادر ، بيروت ، لبنان ، 1406هـ / 1986م .
23- محمد بن يوسف اطفيش ، شرح عقيدة التوحيد ، ت : مصطفى بن الناصر وينتن ، جمعية التراث ، القرارة ، الجزائر ، ط1 : 1422هـ / 2001م .
24- محمد صالح ناصر ، منهج الدعوة عند الإباضية ، مكتبة الاستقامة ، مسقط ، سلطنة عمان ، 1418هـ / 1997م .
25- محمد علي دبوز ، تاريخ المغرب الكبير ، ج3 ، دار إحياء الكتب العربية ، ط1 : 1383هـ / 1963م .
26- مدارسة علمية عبر الهاتف مع د/ إبراهيم بحاز ، الأحد 1 من محرم 1425هـ / 22 من فبراير 2004م .
27- مقرين بن محمد البغطوري ، كتاب سير أهل نفوسة ( مخ ) .
28- يحيى بن أبي زكرياء ( أبو زكرياء ) ، كتاب سير الأئمة وأخبارهم ، دار الغرب الإسلامي ، بيروت ، لبنان ، ط2 : 1402هـ / 1982م . (1/33)