صفحة 1
الكتاب: ترجمة أبي حاتم الملزوزي لمهنا السعدي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] الإمام أبو حاتم يعقوب الملزوزي
إعداد
مهنا بن راشد بن حمد السعدي
بسم الله الرحمن الرحيم
1- المقدمة :
الحمد لله رب العالمين .. الذي من سنته في الكون أن يقيض بين الفينة والفينة أئمة عدولا يعز بهم صرح الإسلام والدين ، وينشر على أيديهم العدل والأمن ويقضى على الظالمين ، والصلاة والسلام على النبي الأمين وعلى آله وأصحابه أجمعين وعلى من اقتفى أثره من الأئمة وسائر المسلمين ، وبعد ...
فإن المتأمل في التأريخ الإسلامي يجده تأريخا حافلا بالإنجازات العظام التي تمت على أيدي الكثير من الأئمة والعلماء ، والتي هي في أمس الحاجة للإبراز إلى النور ليتأسى بها أبناء هذا الجيل الذي أصبح فاقدا لهويته للأسف الشديد .
وإن المذهب الإباضي حوى تأريخه الكثير من الأئمة العظماء ، الذين سطروا في سني حياتهم أروع الإنجازات ، والتي تستحق أن تنقش بماء التبر على صفحات اللجين ، فمنهم من تمكن من تكوين الدول الإسلامية السائرة على نهج الخلافة الراشدة كالدول الإباضية التي قامت في عمان بدءا من الإمام الجلندى بن مسعود الكندي رحمه الله ، وكدولة الإمام طالب الحق عبد الله بن يحيى الكندي رحمه الله في اليمن ، وكدولة الإمام أبي الخطاب عبد الأعلى بن السمح رحمه الله في المغرب ، وكالدولة الرستمية التي قامت على يد الإمام عبد الرحمن بن رستم رحمه الله في المغرب .
ومنهم من ترك العديد والعديد من المؤلفات في مختلف فنون العلم ، والتي وصل بعضها إلى أكثر من تسعين مجلدا ، ولقد ضاع الكثير والكثير من التراث الإباضي بسبب الفتن والصراعات والله المستعان .
ومنهم من كون طلاب العلم يرشفون من معين علمه العذب الزلال ، فخرج على يديه أعلام عظام أعز الله بهم دينه .
ولا زال إباضية هذا العصر سائرون على نهج سلفهم في التمسك بكتاب الله تعالى والعمل بسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - والدفاع عن حياض الدين والحمد لله رب العالمين على هذه النعمة . (1/1)
صفحة 2
وإن مما يؤسف له أن تجد الكثير من المسلمين من غير المذهب الإباضي يجهلون أمر هذا المذهب ، ويجهلون التضحيات الجسام التي قدمها أتباعه محافظة على الدين الإسلامي ، بل وتجد بعضهم ينعتون أتباع هذا المذهب بنعوت هم منها أبرياء كبراءة الذئب من دم يوسف عليه السلام ، فمن ذلك وصفهم بأنهم خوارج معتمدين في ذلك على ما سطره كتاب المقالات كالبغدادي والشهرستاني وغيرهم الذين لم يكلفوا أنفسهم عناء الرجوع إلى المصادر الإباضية وإلى علماء المذهب الإباضي لمعرفة صحة ما ينسب إليهم من عدمه ، بل ونسبوا إلى الإباضية الكثير من العقائد المنحرفة التي لا تمت بصلة إلى العقيدة الإباضية المستقاة من الكتاب العزيز والسنة الصحيحة ، وقد تكفل علماء الإباضية بالرد على تلك الشبه في الكثير من المؤلفات وبينوا حقيقة المذهب الإباضي وأتباعه ، فيمكن الرجوع إليها (1) .
__________
(1) * - نذكر على سبيل المثال لا الحصر : كتاب " الرد على العقبي " لقطب الأئمة محمد بن يوسف اطفيش ، وكتاب " الفرق بين الإباضية والخوارج " للشيخ إبراهيم اطفيش ، وكتاب " الإباضية بين الفرق الإسلامية عند كتاب المقالات في القديم والحديث " للشيخ علي يحيى معمر ، وكتاب " دراسات عن الإباضية " للدكتور عمرو خليفة النامي ، وكتاب " الحق الدامغ " و" وسقط القناع " لسماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي ، وكتاب " الطوفان الجارف " و" السيف الحاد " للشيخ العلامة سعيد بن مبروك القنوبي ، وكتاب " الخوارج والحقيقة الغائبة " للشيخ ناصر بن سليمان السابعي ، وكتاب " الإباضية ومنهجية البحث عند المؤرخين وكتاب المقالات " للأستاذ علي بن محمد الحجري ، وكتاب " هذه مبادئنا " لمجموعة من الباحثين ، وكتاب " أضواء إسلامية على المعالم الإباضية " لبكير بن سعيد أعوشت وغيرها . (1/2)
صفحة 3
بل وإن مما يؤسف له كذلك أن تجد الكثير من أتباع المذهب الإباضي يجهلون تاريخ مذهبهم ونشأته ، ويجهلون أئمتهم وسيرهم ، وهذا البحث هو محاولة مني تنصب في هذا الصدد ، فأحاول من خلاله تسليط الضوء على إمام من أئمة الإباضية في المغرب ، بويع بالإمامة في سنة 145هـ / 762م ، فحاول إقامة دولة إسلامية سائرة على نهج الخلافة الراشدة ، فسطر في جهاده للظلم والجور أروع الإنجازات ، وهذا الإمام هو الإمام الجليل أبو حاتم يعقوب بن حبيب التجيبي الملزوزي رحمه الله تعالى .
فأسأل الله تعالى أن أكون بهذا العمل قدمت ولو نزرا يسيرا من أريج تأريخ أئمة الإباضية ، سائلا المولى القدير أن يجعل هذا العمل في ميزان حسناتي ، وصلي اللهم وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وآخر دعوانا أن { الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } (1) .
مهنا بن راشد بن حمد السعدي
ولاية السويق – سلطنة عمان
الأحد 15 من محرم 1425هـ / 7 من مارس 2004م
abujaifar@hotmail.com
2- انتشار المذهب الإباضي في المغرب :
قبل أن نتناول التعريف بالإمام أبي حاتم وسيرته ، لابد من أن نعرج باختصار على الأحداث التي سبقت بيعته بالإمامة ، وذلك حتى نربط الأحداث بعضها ببعض ...
بعد أن انتشر المذهب الإباضي في المغرب على يد دعاة الإباضية وعلى رأسهم سلمة بن سعد الحضرمي ( حي : 135هـ / 752م ) (2) الذي قدم من المشرق تحديدا البصرة ، بعد أن أخذ العلم والمذهب الإباضي على يد إمام الإباضية أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة رحمه الله ( ت : 145هـ / 762م ) .
__________
(1) سورة الفاتحة ، آية : 2 .
(2) * - تناولت الحديث بالتفصيل عن دور الداعية سلمة بن سعد في نشر المذهب الإباضي في بحث لي تحت عنوان " أئمة المغرب الأوائل " أنظره في موقع الأمل المشرق ( www.alaml.net ) قسم التاريخ . (1/3)
صفحة 4
انطلق بأمر من شيخه أبي عبيدة إلى المغرب لنشر المذهب الإباضي في تلكم الأراضي البعيدة عن عيون بني أمية (1) ، وبالفعل استطاع سلمة أن يوجد أتباعا للمذهب الإباضي في المغرب وتحديدا المغرب الأدنى ، وخاصة جبل نفوسة ، ونتيجة لجهوده ارتحل بعض من اعتنق المذهب من أهل جبل نفوسه إلى البصرة ليأخذوا أصول الدعوة وتعاليمها عن الإمام أبي عبيده ، وكان أشهر هؤلاء أبو عبد الله محمد بن عبد الحميد بن مغطير الجناوني ( حي بعد : 160هـ / 776م ) (2) .
عاد ابن مغطير من البصرة ليتعاون مع سلمة بن سعد في نشر المذهب الإباضي ، بعد وفاة سلمة بن سعد أو عودته إلى المشرق ، أصبح ابن مغطير هو الداعية الأول للإباضية في المغرب ، وكانت له جهود كبيرة في إقناع قومه بجبل نفوسة باتباع المذهب الإباضي حتى أن جبل نفوسة أصبح المعقل الرئيسي لإباضية المغرب في تلك الحقبة أي خلال الثلث الأول من القرن الهجري الثاني ، وانتشر المذهب الإباضي بين قبائل هوارة وزناته وسدراته ولواته (3) .
__________
(1) الدرجيني ، طبقات المشائخ ، 1/11- محمد صالح ناصر ، منهج الدعوة عند الإباضية ، مكتبة الاستقامة ، مسقط ، سلطنة عمان ، 1418هـ / 1997م ، ص 147- إبراهيم بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، ج2 ، دار الغرب الإسلامي ، بيروت ، لبنان ، ط2 : 1421هـ / 2000م ، ص189 ، رقم الترجمة : 418 ـ عوض محمد خليفات ، نشأة الحركة الإباضية ، مطابع دار الشعب ، عَمّان ، الأردن ، 1978م ، ص133.
(2) علي يحيى معمر ، الإباضية في موكب التاريخ ، الحلقة (2) ، مكتبة الضامري ، السيب ، سلطنة عمان ، ط2 : 1993م ، ص27- عوض خليفات ، نشأة الحركة الإباضية ، ص136 .
(3) عوض خليفات ، نشأة الحركة الإباضية ، ص136 . (1/4)
صفحة 5
بعد ذلك رأى دعاة الإباضية ضرورة إرسال المزيد من البعثات العلمية إلى البصرة ، فتم اختيار أربعة شباب من مناطق مختلفة ممن أمّل فيهم دعاة الإباضية بالمغرب أن يكون لهم شأن كبير في المستقبل ، والذين سيعرفون بعد ذلك بحملة العلم إلى المغرب ، وهؤلاء النفر هم : أبو المنيب إسماعيل بن درَّار الغدامسي ( حي : 211هـ / 826م ) من غدامس جنوب طرابلس ، وعبد الرحمن بن رستم ( ت : 171هـ / 787م ) فارسي الأصل من القيروان ، وعاصم السدراتي ( ت : 141هـ / 758م ) من قبيلة سدراته في جبال الأوراس بشمال الجزائر ، وأبو داود القبلّي النفزاوي ( حي : 140هـ / 757م ) من نفزاوة بتونس (1) .
قضى حملة العلم إلى المغرب خمس سنوات يدرسون العلم على يد الإمام أبي عبيدة في سردابه بالبصرة ، وهناك التقوا بأبي الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري اليمني ( ت : 144هـ / 761م ) ، والذي سيكون له شأن كبير في المستقبل ؛ وبعد أن رأى الإمام أبو عبيدة جاهزيتهم للعودة إلى المغرب قال لهم : " توجهوا إلى بلادكم فإن يكن في أهل دعوتكم من العدد والعدة ما تجب معه التولية عليكم ، فولوا على أنفسكم رجلا منكم ، فإن أبى فاقتلوه " ، وأشار إلى أبي الخطاب المعافري (2) .
__________
(1) مقرين بن محمد البغطوري ، كتاب سير أهل نفوسة ( مخ ) ، ص5 – يحيى بن أبي زكرياء ( أبو زكرياء ) ، كتاب سير الأئمة وأخبارهم ، دار الغرب الإسلامي ، بيروت ، لبنان ، ط2 : 1402هـ / 1982م ، ص54- الدرجيني ، طبقات المشائخ ، 1/19- عوض خليفات ، نشأة الحركة الإباضية ، ص137- إبراهيم بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، ج2 ، ص55 رقم الترجمة : 107 ، ص139 رقم الترجمة : 303 ، ص239 رقم الترجمة : 528 ، ص246 رقم الترجمة : 544 .
(2) الدرجيني ، طبقات المشائخ ، 1/21- إبراهيم بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/242 رقم الترجمة : 534 . (1/5)
صفحة 6
فعادوا إلى بلادهم ، وبدؤوا نشر ما تعلموه في البصرة ، والإعداد لإقامة دولتهم الجديدة ، وفي سنة 140هـ / 757م سنحت الظروف لمبايعة أبي الخطاب بالإمامة وإعلان دولتهم الإباضية الجديدة ، فقاموا بمبايعته إماما على الإباضية بالمغرب (1) .
استطاع الإمام أبو الخطاب والإباضية السيطرة على طرابلس والقيروان ، وسار الإمام أبو الخطاب فيهم بالعدل وأعاد الحقوق إلى أصحابها ، والحقيقة أن الحديث عن عهد الإمام أبي الخطاب يطول ويحتاج إلى بحث مستقل ، وهدفي من التعريج على بيعة الإمام أبي الخطاب هو التمهيد لعهد الإمام أبي حاتم كما ذكرت .
__________
(1) - لواب بن سلام ، كتاب فيه بدء الإسلام وشرائع الدين ، ت : شفارتز وسالم بن يعقوب ، الناشر دار فرانز شتايز بفيسبادن ، ألمانيا ، طبع بمطابع دار صادر ، بيروت ، لبنان ، 1406هـ / 1986م ، ص117- أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص57- عبد الرحمن بن محمد بن خلدون ، تاريخ ابن خلدون ، ج4 ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، لبنان ، ط1 : 1413هـ / 1992م ، ص229- علي بن محمد الشيباني ابن الأثير، الكامل في التاريخ ، ج4 ، ت : د/ عمر عبد السلام تدمري ، دار الكتاب العربي ، بيروت ، لبنان ، ط1 : 1417هـ / 1997م ، ص327- ابن عذارى المراكشي ، البيان المُغرب في أخبار الأندلس والمغرب ، ج1 ، دار الثقافة ، بيروت ، لبنان ، ط2 : 1983م ، ص70- 72 - الدرجيني ، طبقات المشائخ ، 1/26 ـ عوض خليفات ، نشأة الحركة الإباضية ، ص148- محمد ناصر ، منهج الدعوة ، ص150. (1/6)
صفحة 7
على العموم لم يسكت العباسيون على هذه الهزيمة النكراء التي منوا بها على يد الإباضية ، فأرسلوا جيوشهم تترا وفي كل مرة تمنى بهزيمة ساحقة على يد الإباضية ، فأرسلوا جيشا قوامه أربعين ألفا بقيادة محمد بن الأشعث الخزاعي ( ت : 149هـ / 766م ) ، ومني كذلك بالهزيمة ، فلجأ إلى الحيلة وتظاهر بالانسحاب ، فظن الإباضية انسحاب جيش العباسيين ، وكان الموسم موسم حصاد فعادوا إلى حقولهم ، وحذرهم الإمام أبو الخطاب من ذلك وأعلمهم أن العرب أهل مكيدة ومكر ، ولكن دون جدوى ، وبالفعل عندما رأى ابن الأشعث تفرق جيش الإمام أبي الخطاب ، عاد مسرعا واستطاع القضاء على من بقي مع الإمام أبي الخطاب فقتلهم جميعا ، واستشهد الإمام أبو الخطاب رحمه الله ، وكان ذلك في سنة 144هـ / 761م في معركة " تاورغا " ، وتذكر بعض المصادر أن انهزام الإمام أبي الخطاب كان يعود إلى تصدع قبلي أصاب جيش أبي الخطاب ، فاستغله ابن الأشعث أحسن استغلال ، ولله الأمر من قبل ومن بعد (1) .
__________
(1) ابن سلام ، بدء الإسلام ، ص121- أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص69- ابن خلدون ، تاريخ ابن خلدون ، 4/229- ابن الأثير، الكامل ، 4/328- ابن عذارى ، البيان المُغرب ، 1/71- 72 - الدرجيني ، طبقات المشائخ ، 1/32 ـ عوض خليفات ، نشأة الحركة الإباضية ، ص153- محمد ناصر ، منهج الدعوة ، ص151. (1/7)
صفحة 8
وقد حاول عبد الرحمن بن رستم - الذي عينه الإمام أبو الخطاب واليا على القيروان - اللحاق بالإمام أبي الخطاب لنجدته ، إلا أن أخبار استشهاد الأمام أبي الخطاب وأصحابه وصلته وهو لا يزال في الطريق ، فلما عاد إلى القيروان وجد أنها ثارت على الإباضية ، فعند ذلك اضطر للتوجه إلى أرض المغرب متخفيا بصحبة ابنه عبد الوهاب ( ت : 208هـ / 823م ) وعبد له ، فتحصن قي جبل يدعى " سُوفَجَّج " ، فلحقه شيوخ الإباضية ، فسمع بهم ابن الأشعث فلحق بهم وحاصر الجبل ، وظل محاصرا للجبل حتى وقع الجدري في جنده ولم يستطع أن يُخرج عبد الرحمن وأصحابه من الجبل ، فكر راجعا إلى القيروان ، فأراح الله عبد الرحمن ومن معه من شره (1) .
بعد استشهاد الإمام أبي الخطاب في عام 144هـ / 761م ، قام ابن الأشعث بمتابعة البربر بما فيهم الإباضية ، فقتل منهم الكثير ، وانتهج معهم منهج الإذلال والتحقير ، وأرسل أحد أتباعه ويدعى الجزيري لملاحقة البربر فكان هذا الجزيري ظالما فاسدا كابن الأشعث ، فكان يشترط على البربر أن تقوم جواريهم الحرائر بفلي لحيته ورأسه (2) ، فلم يرض الإباضية بهذا الإذلال المتعمد والانتهاك لحرماتهم ، ولم تندمل جراح استشهاد إمامهم أبي الخطاب وأصحابهم في معركة تاورغا ، فبايعوا إماما جديدا عليهم هو أبو حاتم يعقوب الملزوزي في طرابلس .
فمن هو الإمام أبو حاتم الملزوزي ؟
3- نسب الإمام أبي حاتم :
__________
(1) أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص70- الدرجيني ، طبقات المشائخ ، 1/35 ـ عوض خليفات ، نشأة الحركة الإباضية ، ص155- منهج الدعوة ، ص153.
(2) ابن سلام ، بدء الإسلام ، ص127- أحمد بن سعيد الشماخي ، كتاب السير ، ج1 ، وزارة التراث والثقافة ، سلطنة عمان ، 1407هـ / 1987م ، ص121- معمر ، الإباضية في موكب التاريخ ، ج1 ، ح2 ، ق1 ، ص61 . (1/8)
صفحة 9
هو أبو حاتم يعقوب بن حبيب التُّجِيبي المَلْزُوزِي الهُوَّارِي الكِنْدِي ، وقد وقع الخلاف بين المصادر في اسم أبيه ، فذكر كل من أبي زكرياء والدرجيني وابن عذارى نقلا عن الرقيق أنه " لبيب " ووافقهم على ذلك الشيخ عبد الله بن يحيى الباروني ، وذكر أصحاب المعجم أنه " لبيد " ، وذكر ابن سلام والشماخي وابن خلدون وابن الأثير والزركلي أنه " حبيب " ، ووافقهم على ذلك الشيخ سليمان باشا الباروني والشيخ سالم بن يعقوب و د/ محمد ناصر ود/ عوض خليفات ود/ إبراهيم بحاز وإسماعيل العربي محقق كتاب سير الأئمة (1) ، والظاهر أن حبيب هو الأصح والله أعلم .
__________
(1) ابن سلام ، بدء الإسلام ، ص128- أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص73- الدرجيني ، طبقات المشائخ ، 1/36 ـ الشماخي ، السير ، 1/121 ـ ابن خلدون ، تاريخ ابن خلدون ، 4/230- ابن الأثير، الكامل ، 5/168- ابن عذارى ، البيان المُغرب ، 1/78- خير الدين الزركلي ، الأعلام ، ج8 ، دار العلم للملايين ، بيروت ، لبنان ، ط7 : 1986م ، ص197- عبد الله بن يحيى الباروني ، رسالة سلم العامة والمبتدئين إلى معرفة أئمة الدين ، مكتبة الضامري ، السيب ، سلطنة عمان ، ط1 : 1412هـ / 1992م ، ص16- سليمان الباروني أبو الربيع ، مختصر تاريخ الإباضية ، ص34- سالم بن يعقوب ، تاريخ جزيرة جربة ، دار الجويني ، تونس ، 1986م ، ص62- محمد ناصر ، منهج الدعوة ، ص152- عوض خليفات ، نشأة الحركة الإباضية ، ص175- بحّاز إبراهيم بكير ، الدولة الرستمية دراسة في الأوضاع الاقتصادية والحياة الفكرية ، جمعية التراث ، القرارة ، الجزائر ، ط2 : 1414هـ / 1993م ، ص69- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/475 ، رقم الترجمة : 1035 . (1/9)
صفحة 10
والحقيقة أن بعض الباحثين المعاصرين ذكر أن أبا حاتم ينتسب إلى قبيلة كندة بالولاء ، فممن ذهب إلى ذلك الشيخ علي يحيى معمر (1) ، وأصحاب معجم أعلام الإباضية (2) ، وإسماعيل العربي محقق سير الأئمة (3) ، ود/ إبراهيم بحاز (4) ، وأما الشيخ أبو إسحاق إبراهيم اطفيش فإنه ذهب إلى أنه عربي من قبيلة كنده (5) ، إلا أنه لم يركز على كونه مولى من عدمه ، فالظاهر أنه تجاوز ذلك ولم يطرقه بالبحث والتحقيق .
__________
(1) معمر ، الإباضية في موكب التاريخ ، ج1 ، ح1 ، ق1 ، ص61 .
(2) بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/475 ، رقم الترجمة : 1035 .
(3) أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص73 الهامش .
(4) بحاز ، الدولة الرستمية ، ص69 – قمت بمحادثة د/ بحاز هاتفيا وناقشته حول العديد من القضايا ومن ضمنها هذه القضية فوجدته يذهب إلى أن أبا حاتم مولى لبني كندة كما وضح في كتابه الدولة الرستمية ، وأشار إلى أنه يميل إلى كون الولاء ولاء النسب وليس ولاء العبودية ( مدارسة علمية عبر الهاتف مع د/ إبراهيم بحاز ، الأحد 1 من محرم 1425هـ / 22 من فبراير 2004م ) .
(5) عمر بن جميع أبو حفص ، مقدمة التوحيد وشروحها ، شرح : أحمد بن سعيد الشماخي وداود بن إبراهيم التلاتي ، تعليق : إبراهيم اطفيش أبو إسحاق ، طبعة مسقط ، سلطنة عمان ، ص72 الهامش . (1/10)
صفحة 11
والحقيقة أني راجعت أهم مصادر الإباضية المتقدمة في التأريخ ، فوجدت أن الشماخي أشار إلى كونه مولى كندة (1) ، وأما ابن سلام وأبو زكرياء والدرجيني والبرادي (2) ، فلم أجد أحدا منهم أشار إلى كون الإمام أبي حاتم مولى لبني كندة أو كندي أصلا ، بل ولم يذكر أحد منهم ولو بإشارة بسيطة كونه عربيا !
بل وجدت أن البرادي والدرجيني يعتبرانه هواري ، ومن المعلوم أن قبيلة هوارة قبيلة بربرية مغربية (3) ، ولكن الباحث محمد دبوز اعترض على من نسب الإمام أبا حاتم إلى هوارة وذهب إلى أنه من ملزوزة ، وذكر أن ملزوزة قبيلة بربرية بترية من فروع مغيلة قوم أبي قرة اليفرني ، وذكر أن مواطن هذه القبيلة في المغرب الأوسط ، وأن أبا حاتم أو أجداده انتقلوا إلى طرابلس فنزل في هوارة فصار ينسب إليها (4) .
فنلاحظ أن الباحث دبوز يرجح كون أبي حاتم بربري الأصل ، ولم يشر نهائيا إلى كونه مولى لكندة ، ولكن قد ينتقد الباحث دبوز كونه لا يذكر المصادر التي اعتمد عليها في كثير من القضايا التي طرقها في كتابه الموسوعي الضخم ( تاريخ المغرب الكبير ) ، إذ أنه بذلك افتقر إلى المنهج العلمي الأكاديمي ، مع أننا لا ننتقص من قدر الباحث محمد دبوز وكتابه ، إلا أن الأمانة العلمية تقتضي ذلك ، فهو بذلك حرم من يأتي بعده من الباحثين من إمكانية العودة للمصادر التي اعتمد عليها .
__________
(1) الشماخي ، السير ، 1/121 .
(2) ابن سلام ، بدء الإسلام ، ص128- أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص73- الدرجيني ، طبقات المشائخ ، 1/7 ، 36 ، 37 ، 38 ، 40 ، 74 – أبو القاسم بن إبراهيم البرادي ، الجواهر المنتقاه ( مخ ) ، ص173 .
(3) بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 1/294 .
(4) محمد علي دبوز ، تاريخ المغرب الكبير ، ج3 ، دار إحياء الكتب العربية ، ط1 : 1383هـ / 1963م ، ص58 . (1/11)
صفحة 12
وأما قبيلة التُّجِيبي فهي قبيلة عربية قحطانية من كندة ، و" تُجِيب " هو اسم أمهم التي ينسبون إليها ، وقيل أبوهم ، ومحلها بمصر ، قال النسابة القلقشندي : " بنو تُجِيب - بضم التاء وكسر الجيم وسكون الياء المثناة تحت ثم ياء موحدة بطن من كندة وهم بنو أشرس بن شيب بن السكون بن كندة وكندة يأتي نسبه عند ذكره في حرف الكاف كان له من الولد أشرس وعدي ، وتجيب هي أمهما عرف بنوها بها وهي تجيب بنت بولان بن سليم بن رها بن مدحج ، كذا قال أبو عبيد : وجعل في العبر تجيب هم عبارة عن بني عدي وبني سعد ابني أشرس بن شبيب بن السكون قال القضاعي : فهو كان من ولد عدي وبني سعد قيل له تجيب ، وقال الجوهري : هم بنو تجيب بن كندة فجعل تجيب أبا لهم لا أما وقد ذكر القضاعي لهم خطة بمصر " إهـ (1) .
وأما قبيلة الملزوزي فقد بحثت عن أصلها طويلا فلم أجد شيئا يعينني على معرفة أصلها إلا ما ذكره الباحث دبوز من كونها قبيلة بربرية بترية من فروع مغيلة موطنها المغرب الأوسط كما مر قبل قليل ؛ ولاحظت أن هذه القبيلة لا وجود لها بين القبائل البربرية عند استقراء فهرس القبائل في معجم أعلام الإباضية .
__________
(1) أنظر كتاب " نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب " ، أحمد بن علي القلقشندي ، على هذا الرابط :
http://www.al-eman.com/Islamlib/viewchp.asp?BID=200&CID=9
وعلى هذا الرابط :
http://www.al-eman.com/Islamlib/viewchp.asp?BID=200&CID=14
وأنظر كتاب " لب اللباب في تحرير الأنساب " ، عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي ، على هذا الرابط :
http://www.al-eman.com/Islamlib/viewchp.asp?BID=237&CID=3
وانظر : عبد الكريم بن محمد السمعاني ، الأنساب ، ج1 ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، لبنان ، ط1 : 1408هـ / 1988م ، ص448 . (1/12)
صفحة 13
والظاهر أن من ذهب إلى اعتبار الإمام أبي حاتم مولى كندة اعتمد في ذلك على بعض المصادر غير الإباضية كابن الأثير وابن خلدون والزركلي ، فابن الأثير يذكر أن اسم أبي حاتم هو يعقوب بن حبيب مولى كندة (1) ، ونجد ابن خلدون يوافقه على ذلك فيذكر أن اسمه أبو حاتم يعقوب بن حبيب الأباضي مولى كندة (2) ، والزركلي يذكر أنه يعقوب بن حبيب الكندي بالولاء أبو حاتم الإباضي (3) .
ولم يذكر ابن الأثير وابن خلدون والزركلي مستندهم فيما ذهبوا إليه من كونه مولى لكندة ! ، وأما إذا كانوا قد اعتمدوا على نسبته إلى قبيلة التجيبي والتي يعدها النسابة بطن من كندة ، فهو كندي ، فلماذا يقال بأنه مولى ؟!
ولكن لعلهم حاولوا الجمع بين نسبته إلى قبيلة الملزوزي البربرية - على فرض صحة ما ذكره دبوز - ونسبته إلى قبيلة التجيبي الكندية العربية ، فاعتبروه بربريا تعرض للسبي هو أو أحد آبائه من قبل قبيلة التجيبي الكندية فأصبح مولى لكندة ؛ وهذا ما أميل إليه للجمع بين الأقوال المتضاربة والله أعلم .
__________
(1) ابن الأثير، الكامل في التاريخ ، 5/168.
(2) ابن خلدون ، تاريخ ابن خلدون ، ص230 .
(3) الزركلي ، الأعلام ، 8/197 . (1/13)
صفحة 14
إذا فمما سبق لعل أبا حاتم بربري الأصل ينتمي إلى قبيلة ملزوزة البربرية أو هوارة البربرية ، ثم تعرض هو أو أحد آبائه للسبي من قبل قبيلة التجيبي الكندية فنسب إليها بالولاء ، ثم أعتق وعاد إلى المغرب موطن آبائه ، إذ أنه لو ظل مسترقا لما بايعه الإباضية بالإمامة ، حيث أن من شروط الإمام في المذهب الإباضي الحرية قال سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي حفظه الله : " وهو – يقصد منصب الإمامة – منصب لا يختار له إلا من كان ذا أهلية تامة ، وذلك بأن يكون رجلا مسلما ورعا سليم الحواس والعقل ليست به عاهة وأن يكون حرا بالغا ، متمتعا بمؤهلات القيادة ... إلخ " (1) ، فلا يمكن أن يقوم الإباضية بمبايعة أبي حاتم وهو لا يزال رقيقا لم يعتق .
4- طلبه للعلم ودوره في دولة الإمام أبي الخطاب :
تذكر المصادر أنه أخذ العلم عن حملة العلم إلى المغرب وغيرهم (2) ، فلعله تتلمذ على يد سلمة بن سعد وابن مغيطر ؛ ويعد أبا حاتم في درجة الإمام أبي الخطاب مكانة وعلما (3) .
__________
(1) أحمد بن حمد الخليلي ، شرح منظومة غاية المراد في نظم الاعتقاد للإمام نور الدين السالمي ، مكتبة الجيل الواعد ، مسقط ، سلطنة عمان ، 1424هـ / 2003م ، ص167 .
(2) بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/475 ، رقم الترجمة : 1035 .
(3) بحاز وآخرون ، المصدر السابق ، 2/475 ، رقم الترجمة : 1035 . (1/14)
صفحة 15
والحقيقة أن المصادر لا تذكر شيئا عن دور أبي حاتم في عهد الإمام أبي الخطاب ، ولكن يظهر أنه كان من ضمن جيش أبي الخطاب ومن رفقاء دربه الكفاحي ضد ظلم بني العباس وجورهم ، وذلك أن أبا زكرياء وصفه أنه من بقية أصحاب أبي الخطاب (1) ، بل ويظهر أنه كان له شأن كبير في عهد الإمام أبي الخطاب وإلا لما بايعه الإباضية خلفا لأبي الخطاب ؛ فلعله شارك في المعارك التي خاضها الإمام أبو الخطاب ، وربما كلفه الإمام أبو الخطاب بولاية شيء من المناطق كما كلف عبد الرحمن بن رستم بولاية القيروان والله أعلم .
5- مبايعته بالإمامة :
اختلفت المصادر في سنة بيعته ، فقيل سنة 145هـ / 762م (2) ، وقيل سنة 154هـ / 770م (3) ، وذكر كل من ابن الأثير والزركلي أن أبا حاتم بويع في سنة 151هـ / 768م (4) ، وقد رجح الشيخ سليمان داود ما ذكره ابن الأثير (5) .
__________
(1) أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص73 .
(2) ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ت : محمد ناصر وإبراهيم بحاز ، دار الغرب الإسلامي ، بيروت ، لبنان ، 1406هـ / 1986م ، ص22- أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص73- محمد ناصر ، منهج الدعوة ، ص152- عوض خليفات ، نشأة الحركة الإباضية ، ص158- فرحات الجعبيري ، علاقة عمان بشمال إفريقيا ، المطابع العالمية ، روي ، سلطنة عمان ، ط1 : 1412هـ / 1991م ، ص22- بحاز ، الدولة الرستمية ، ص69- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/475 ، رقم الترجمة : 1035.
(3) ابن سلام ، بدء الإسلام ، ص128- الدرجيني ، طبقات المشائخ ، 1/36 ـ الشماخي ، السير ، 1/121 ـ الباروني ، رسالة سلم العامة ، ص16- أبو الربيع الباروني ، مختصر تاريخ الإباضية ، ص34- دبوز ، تاريخ المغرب الكبير ، 3/58 .
(4) ابن الأثير، الكامل ، 5/166 ، 168- الزركلي ، الأعلام ، 8/197 .
(5) سليمان داود بن يوسف ، حلقات من تاريخ المغرب الإسلامي ، مطبعة أبو داود ، ص58 . (1/15)
صفحة 16
والظاهر أنه بويع في سنة 145هـ / 762م ، وظل يعمل في السر ليجمع حوله أكبر قدر من الأنصار ولينظم صفوف الإباضية من جديد ، ثم أعلن الثورة في سنة 150هـ / 767م ، واستشهد في سنة 155هـ / 771م كما سيأتي ؛ وهذا ما رجحه عدد من الباحثين المعاصرين ، كالدكتور محمد ناصر والدكتور الجعبيري والدكتور عوض خليفات والدكتور إبراهيم بحاز وأصحاب المعجم ؛ ولعل السبب في ذهاب بعض المصادر إلى كونه بويع في 154هـ هو بروزه على الساحة ومنازلته للعباسين في هذه الفترة والله أعلم .
وقد ذهبت أغلب المصادر إلى عد بيعته بيعة دفاع (1) ، وقد اعترض الشيخ أبو إسحاق إبراهيم اطفيش على ذلك ، وذهب إلى كونها بيعة ظهور ، واعتبر كلام من ذهب إلى كونها بيعة دفاع كلام فقهاء ليس لهم في التأريخ على حد تعبيره ، واحتج بكون الإمام أبي حاتم جهز الجيوش ووطد الإمامة وقاتل أهل البغي في كل صوب طالبا لا مطلوبا حتى بلغت جنوده ثلاثمائة وخمسين ألفا مشاة ، وخمسة وثمانين ألفا من الخيالة ، وكانت وقائعه نحوا من ثلاثمائة وخمس وسبعين ، وأن له فضل عظيم في تمكين الإسلام الحق في البربر ، وقال : أن إمام الدفاع ليس له من الأمر بعد أن تضع الحرب أوزارها (2) .
__________
(1) ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ص22- أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص73- الدرجيني ، طبقات المشائخ ، 1/36- ابن جميع ، مقدمة التوحيد ، ص70- محمد ناصر ، منهج الدعوة ، ص152- عوض خليفات ، نشأة الحركة الإباضية ، ص158- الجعبيري ، علاقة عمان بشمال إفريقيا ، ص22- بحاز ، الدولة الرستمية ، ص69- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/475 ، رقم الترجمة : 1035.
(2) ابن جميع ، مقدمة التوحيد ، ص72 التعليق . (1/16)
صفحة 17
ولكن إذا عدنا إلى تعريف مصطلح إمامة الدفاع في المصادر الإباضية ، فنجدهم يعرفونه بأنه : " من الفروض الواجبة إذا عدم الظهور وهو اجتماع الناس على إمام يقدمونه عند مقاتلتهم العدو الذي دهمهم ، فإذا زال القتال زالت إمامته وتجب عليه جميع الأحكام التي تقع حال كونه إماما ، وتجب عليهم طاعته " (1) ، وعرفها قطب الأئمة بقوله : " والدفاع للعدو إذا جاءهم أو جاء أموالهم لمن يريدون دفع الظلم عنه بإمام يُنَصَّبُ له ، وإذا زال العدو زالت الإمامة فتجدد له أو لغيره لحادث ؛ وقيل يجوز نَصْبُه على استمرار وإبقاؤه إذا نُصِّب بلا قيد استمرار وبلا نفي استمرار ، فلا يزول بزوال الحرب بل يبقى لما يحدث منها " (2) ، وعرفها سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي حفظه الله بقوله : " ... الدِّفاع : وهو أن يجتمع المسلمون عندما يفاجئهم عدوهم بالانقضاض عليهم على مبايعة أحد منهم ليقودهم دفاعا عن دينهم وعن حرماتهم ، إلى أن تنجلي الغمة وينكشف العدو ، وتنتهي بذلك بيعته " (3) .
__________
(1) ابن جميع ، مقدمة التوحيد ، ص70 .
(2) محمد بن يوسف اطفيش ، شرح عقيدة التوحيد ، ت : مصطفى بن الناصر وينتن ، جمعية التراث ، القرارة ، الجزائر ، ط1 : 1422هـ / 2001م ، ص195 .
(3) الخليلي ، شرح منظومة غاية المراد ، ص105 . (1/17)
صفحة 18
إذا لو تأملنا وضع الإباضية عندما بايعوا الإمام أبا حاتم نجده تنطبق عليه التعاريف السابقة ، فالإباضية كانوا في عهد الإمام أبي الخطاب في فترة ظهور ، ثم انقض عليهم عدوهم ابن الأشعث وقتل إمامهم وشردهم وتعقبهم ، مما اضطرهم إلى الدفاع عن أنفسهم وحرمتهم فبايعوا إماما عليهم ليقودهم في مرحلة الدفاع ضد من هاجمهم ، فبيعته بيعة دفاع ؛ ثم من شروط الظهور أن تكون للإباضية دولة آمنة يطبقون فيها شرع الله تعالى ، وهذه الدولة لم تكن موجودة في عهد الإمام أبي حاتم ، فتعريف الظهور عند الإباضية هو الظهور كالنبي - صلى الله عليه وسلم - في المدينة وفي مكة بعد إسلام عمر ، وكأبي بكر وعمر يصليان الجمعة ويجلدان ويرجمان ويقطعان ويغزوان ويقيمان الثغور ويجمعان الزكوات والغنائم (1) .
ولكن في المقابل نجد أن الإمام أبا حاتم تمكن من السيطرة على طرابلس والقيروان وعين بعض الولاة ، فقد ورد أنه عين عبد العزيز المعافري ( ت : 154هـ / 771م ) واليا على القيروان (2) ، بل وكان يجمع الزكاة ويرسلها إلى عبد الرحمن بن رستم (3) ، وهذه الأعمال لا يقوم بها إلا إمام الظهور .
__________
(1) ابن جميع ، مقدمة التوحيد ، ص69- اطفيش ، شرح عقيدة التوحيد ، ص195- الخليلي ، شرح منظومة غاية المراد ، ص103 .
(2) ابن خلدون ، تاريخ ابن خلدون ، 4/231 - ابن عذارى ، البيان المغرب ، 1/77- ابن الأثير ، الكامل ، 5/170- عوض خليفات ، نشأة الحركة الإباضية ، ص164- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/254 ، رقم الترجمة : 553 .
(3) أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص73- الدرجيني ، طبقات المشائخ ، 1/36- عوض خليفات ، نشأة الحركة الإباضية ، ص157 . (1/18)
صفحة 19
إذا فلعل الإباضية بايعوا أبا حاتم بيعة دفاع في البداية لرد الأعداء وتوحيد الصفوف ، وعندما تمكن من السيطرة على طرابلس والقيروان ، ونعم الإباضية بقليل من الأمن انتهت مرحلة الدفاع ، وانتقل الإباضية إلى مرحلة الظهور ، وأقروا إمامهم أبا حاتم على إمامته ولم ينقضوها ، فانتقل من إمام دفاع إلى إمام ظهور والله أعلم .
6- إعلانه للثورة ضد الظلم :
على العموم بعد أن بويع أبو حاتم بالإمامة في سنة 145هـ / 762م ، ظل يعمل بسرية وآثر عدم التسرع في إعلان ثورته ضد الولاة الظلمة من بني العباس ، حتى يستطيع أن يجمع أكبر قدر ممكن من القوات والأنصار حوله ، فظل في حالة تأهب وترقب لفرصة مواتية للثورة ضد الولاة الظلمة من بني العباس ، واستطاع في هذه الفترة أن يكون جيشا عظيما لم يجتمع لأحد من الإباضية مثله بأفريقية ، قدره بعض المؤرخين بثلاثمائة وخمسين ألفا ، الخيل منها خمسة وثلاثون ألفا ، وقيل خمسة وثمانون ألفا (1) .
__________
(1) ابن عذارى ، البيان المغرب ، 1/77- ابن جميع ، مقدمة التوحيد ، ص72- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/475 ، رقم الترجمة : 1035 . (1/19)
صفحة 20
وأما ابن الأشعث الذي قضى على دولة الإمام أبي الخطاب فقد عاد إلى المشرق بسبب ثورة جنده عليه (1) ، وعين أبو جعفر المنصور ( ت : 158هـ / 774م ) عددا من الولاة الظلمة على إفريقيا ، إلى أن جاءت سنة 151هـ / 768م – وكان الوالي للعباسيين على إفريقيا في ذلك الوقت عمر بن حفص ( ت : 153هـ / 770م ) الملقب بـ " هزار مرد " وهي كلمة فارسة تعني رجل عن ألف رجل (2) – وجد الإباضية بقيادة إمامهم أبي حاتم الفرصة مواتية لإعلان الثورة عندما خرج عمر بن حفص من القيروان إلى مدينة طبنة لبناء سور حولها ، واستخلف على القيروان أبا حازم حبيب بن حبيب المُهَلِّبي ( ت : 151هـ / 768م ) ، وثارت عليه جموع البربر من إباضية وصفرية وغيرها ، فخرج إليهم واستطاعوا هزيمته وقتله (3) .
__________
(1) ابن خلدون ، تاريخ المغرب ، 4/229- ابن الأثير، الكامل ، 4/328- ابن عذارى ، البيان المُغرب ، 1/73- عوض خليفات ، نشأة الحركة الإباضية ، ص156.
(2) ابن خلدون ، تاريخ المغرب ، 4/230- ابن الأثير، الكامل ، 5/168- ابن عذارى ، البيان المُغرب ، 1/77- عوض خليفات ، نشأة الحركة الإباضية ، ص159- بحاز ، الدولة الرستمية ، ص69- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/475 ، رقم الترجمة : 1035.
(3) ابن خلدون ، تاريخ المغرب ، 4/230 - ابن الأثير، الكامل ، 5/168- ابن عذارى ، البيان المُغرب ، 1/75 . (1/20)
صفحة 21
فاجتمع الإباضية في طرابلس مع إمامهم أبي حاتم متظاهرين أنهم إنما اجتمعوا في أمر امرأة أساء إليها زوجها ، فبعث إليهم الجُنَيْد بن بشّار الأسادي ( حي : 153هـ / 770م ) – الوالي العباسي على طرابلس – خمسمائة فارس فقال لهم قائد الفرسان : أجيبوا الطاعة لأمير المؤمنين ، فقالوا : أجبنا الطاعة لأمير المؤمنين ، وهم لا يقصدون أبا جعفر المنصور وإنما يقصدون الإمام أبا حاتم ، وقيل يقصدون عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، حيث أنهم فضلوا التقية حتى لا يظهروا أمرهم سريعا ؛ فعاد الفرسان إلى الجُنيد بن بشار فأخبروه بأمرهم فلم يقتنع ، فأخرج هذه المرة حملة كبيرة تحت قيادته ، فأمرهم أن يجيبوا الطاعة لأمير المؤمنين أبي جعفر المنصور ، فقالوا : عليك لعنة الله وعلى أبي جعفر ، فوقع بين الطرفين قتال شديد كان النصر فيه حليف الإمام أبي حاتم ، وهرب الوالي العباسي وفلول جيشه إلى طرابلس ولاحقهم أبو حاتم ، فهربوا من طرابلس إلى قابس فحاصرهم أبو حاتم فيها ، وكانت هذه الأحداث في سنة 153هـ / 770م (1) .
وتذكر المصادر أن بعض العوام الذين ليس له حظ من العلم والفقه في الدين من جيش الإمام أبي حاتم قام بسلب قتلى العباسيين وجرحاهم ، وعندما علم الإمام أبو حاتم بذلك غضب غضبا شديدا وقال : " إن لم تردوا أسلاب هؤلاء القتلى فقد خرجتُ وبرئتُ من ولايتكم " ، فرَدوا أسلابهم وأعلنَوا التوبة (2) .
__________
(1) ابن سلام ، بدء الإسلام ، ص128- 129 - أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص73- 74- الدرجيني ، طبقات المشائخ ، 1/37- الشماخي ، السير ، 1/121- ابن خلدون ، تاريخ المغرب ، 4/230- ابن الأثير، الكامل ، 5/168- ابن عذارى ، البيان المُغرب ، 1/75- عوض خليفات ، نشأة الحركة الإباضية ، ص159 .
(2) ابن سلام ، بدء الإسلام ، ص129- أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص74- 75- الدرجيني ، طبقات المشائخ ، 1/37-الشماخي ، السير ، 1/121- عوض خليفات ، نشأة الحركة الإباضية ، ص159. (1/21)
صفحة 22
7- فتح القيروان :
أقام الإمام أبو حاتم في طرابلس يحكم بالعدل ويطبق الشرع ، ثم نادى بالخروج إلى إفريقيا لحصار عمر بن حفص في طبنة (1) ؛ وقد ذكرنا أن عمر بن حفص خرج إلى طبنة لتحصينها ، وطبنة هذه تقع في إقليم الزاب بالقرب من تيهرت معقل الإمام عبد الرحمن بن رستم ، وكذلك تقع على الطريق الرئيسي المؤدي إلى تلمسان معقل الصفرية بزعامة أبي قرة اليفرني ( حي : 154هـ / 770م ) ، فاعتبر الإباضية والصفرية هذا العمل عدوانيا وتهديدا لكيانهم ، فاتفقوا على محاصرة طبنة والقضاء على العباسيين ، فراسل عبد الرحمن بن رستم الإمام أبا حاتم في طرابلس والإباضية في تونس للخروج لمحاصرة طبنة (2) .
__________
(1) أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص75 - الدرجيني ، طبقات المشائخ ، 1/38.
(2) عوض خليفات ، نشأة الحركة الإباضية ، ص160 . (1/22)
صفحة 23
وتجمع لدى الإمام أبي حاتم جيش عظيم مكون من الإباضية والصفرية ، فتذكر المصادر أن اثني عشر عسكرا أحاط بطبنة ، أربعين ألفا بقيادة أبي قرة الصفري ، وخمسة عشر ألفا بقيادة عبد الرحمن بن رستم ، وستة آلاف بقيادة عاصم السدراتي الإباضي ( ت : 154هـ / 770م ) ، وعشرة آلاف بقيادة المسور الزناتي الإباضي ( حي : 154هـ / 770م ) ، وغيرهم كثير ، وأما الإمام أبو حاتم فيقود من الجحافل ما لا يعرف عدده ، وقد مر علينا أنه اجتمع لديه من الجيوش ما لم يجتمع لأحد غيره فقدر بثلاثمائة وخمسين ألفا ؛ فلما رأى عمر بن حفص هذه الأعداد الهائلة التي حاصرته عزم على الخروج لمقاتلتهم فمنعه أصحابه وقالوا له : إن أصبت تلف العرب ؛ عند ذلك لجأ إلى الحيلة لتفريق هذه الجيوش العظيمة ، فأرسل إلى أبي قرة قائد الصفرية ستين ألفا من الدراهم ليرجع عنه ، إلا أن ذلك لم يجد وقعا في نفس أبي قرة وقال : " بعد أن سُلِّم إليَّ بالخلافة – يعني عند الصفرية – أربعين سنة أبيع حربكم بعرض قليل من الدنيا ؟! " فلم يجبهم إلى طلبهم ؛ عند ذلك أرسل ابن حفص بأربعة آلاف درهم وبعض الثياب إلى أخي أبي قرة على أن يعمل في صرف الصفرية عن أخيه ، فاستجاب لطلبهم ووقعت الخيانة ، فارتحل من ليلته فتبعه جيش الصفرية ، مما جعل أبا قرة يضطر للانسحاب مرغما ويتبعهم (1) .
__________
(1) ابن خلدون ، تاريخ المغرب ، 4/230- ابن الأثير، الكامل ، 5/169- ابن عذارى ، البيان المُغرب ، 1/75- 76- عوض خليفات ، نشأة الحركة الإباضية ، ص160 . (1/23)
صفحة 24
كان لهذه الخيانة من قبل الصفرية تأثير معنوي ونفسي كبير على الإباضية مما دفعهم إلى رفع الحصار ، فانسحب عبد الرحمن بن رستم إلى تهودا ( قبيلة بربرية ) ، ورجع الإمام أبو حاتم وإباضية طرابلس وتونس إلى القيروان محاولين احتلالها قبل عودة ابن حفص (1) ؛ عند ذلك أرسل ابن حفص جيشا لمقاتلة عبد الرحمن في تهودا ، وبالفعل هاجمه وقتل من الإباضية ثلاثة آلاف فانهزم عبد الرحمن إلى تيهرت (2) .
وعندما علم ابن حفص بتوجه الإمام أبي حاتم إلى القيروان قرر الرجوع إلى القيروان واستخلف على طبنة ومنطقة الزاب المهنأ بن المخارق الطائي ( حي : 154هـ / 770م ) ، فلما علم أبو قرة بمسير ابن حفص إلى القيروان قرر مهاجمة طبنة ، ولعل تلك محاولة منه لرد اعتباره أمام الإباضية وبقية البربر الذين خانهم الصفرية ، ولكن محاولته لم تجد نفعا حيث أن المهنأ الطائي تصدى له وقاتله وهزمه ، فانسحب أبو قرة إلى تلمسان (3) .
__________
(1) عوض خليفات ، نشأة الحركة الأباضية ، ص161 .
(2) ابن خلدون ، تاريخ المغرب ، 4/231- ابن الأثير، الكامل ، 5/169- ابن عذارى ، البيان المُغرب ، 1/76- عوض خليفات ، نشأة الحركة الأباضية ، ص161 .
(3) ابن خلدون ، تاريخ المغرب ، 4/231- ابن الأثير، الكامل ، 5/169- عوض خليفات ، نشأة الحركة الأباضية ، ص161 . (1/24)
صفحة 25
وصل الإمام أبو حاتم إلى القيروان قبل ابن حفص وحاصرها لمدة ثمانية أشهر ، فضاق جند العباسيين جهدا من الحصار ونفذ عليهم الطعام فوصل بهم الأمر إلى أكل دوابهم وكلابهم ، ولحق كثير من أهل القيروان بالإمام أبي حاتم ، عند ذلك جاء الخبر بوصول ابن حفص بالقرب من القيروان فنزل مكان يسمى الهريش ، وكان في سبعمائة فارس ، فزحف إليه الإمام أبو حاتم وترك القيروان ، فسار ابن حفص إلى تونس ، فتبعه الإمام أبو حاتم ، فعاد ابن حفص مجدا إلى القيروان ودخلها بعد أن تزود بما يحتاجه من طعام ودواب ، فحاصره الإمام أبو حاتم ، فطال الحصار حتى نفذ الطعام على ابن حفص ومن معه وأكلوا دوابهم ، وفي كل يوم تكون بينهم مناوشات ، فلما يأس ابن حفص من النجاة قرر أن يلقي نفسه إلى الموت ، فوصل الخبر بأن المنصور أرسل يزيد بن حاتم بن قتيبة بن المهلب ( ت : 170هـ / 786م ) في ستين ألف مقاتل لنجدة ابن حفص ، وأشار أصحاب ابن حفص عليه بعدم الخروج لمقاتلة الإمام أبي حاتم حتى يصل يزيد ، فلم يستمع لهم وخرج وقاتل حتى قتل في سنة 154هـ / 770م (1) .
تولى أمر بقايا العباسيين في القيروان بعد مقتل ابن حفص حميد بن صخر ( حي : 154هـ / 770م ) وهو أخو ابن حفص لأمه ، فصالح الإمام أبا حاتم على أن حميدا ومن معه لا يخلعون المنصور ولا ينازعهم أبو حاتم في سوادهم وسلاحهم ، فذكرت بعض المصادر أن الإمام أبا حاتم وافق على ذلك (2) ، إلا أن بعض المصادر تشير إلى رفضه لتلك الشروط وأنه قاتلهم حتى فتح القيروان (3) .
__________
(1) ابن خلدون ، تاريخ المغرب ، 4/231- ابن الأثير، الكامل ، 5/169- 170- ابن عذارى ، البيان المُغرب ، 1/76- عوض خليفات ، نشأة الحركة الأباضية ، ص162- 163 .
(2) ابن خلدون ، تاريخ المغرب ، 4/231- ابن الأثير، الكامل ، 5/170- عوض خليفات ، نشأة الحركة الأباضية ، ص162- 163 .
(3) ابن عذارى ، البيان المُغرب ، 1/76- 77- دبوز ، تاريخ المغرب ، 3/69 . (1/25)
صفحة 26
8- استشهاد عاصم السدراتي :
تذكر المصادر الإباضية أن عاصم السدراتي – أحد حملة العلم الخمسة إلى المغرب – استشهد في حصار القيروان ، حيث أنه أصيب بمرض فوصف له القثاء ، وعندما علم العباسيون المحصورون داخل القيروان بذلك ، أرسلوا شخصا يتظاهر ببيع القثاء وسَمُّوا واحدة منها وأمروه أن يبيعهم المسمومة ، وبالفعل اشترى أصحاب عاصم القثاءة المسمومة وعندما أكل منها عاصم استشهد رحمه الله ، فناداهم المحصورون : أين عاصم السدراتي أليس قد قتلناه ؟ فعلم الإمام أبو حاتم أنهم هم من قتله ، فقرر أن يكيد بهم كما كادوا بعاصم ، فأمر أصحابه بالتظاهر بالانسحاب والهزيمة ، فأصبح معسكر أبي حاتم خاليا ، فظن العباسيون أنهم انهزموا ، فتبعوهم إلى أن وصلوا إلى مكان يسمى الرقادة ، فتفاجئوا بجيش الإمام أبي حاتم قد كمن هناك وثار في وجههم ، وقتلوهم ولاحقوا فلولهم المنهزمة إلى القيروان (1) .
__________
(1) ابن سلام ، بدء الإسلام ، ص129- الشماخي ، السير ، 1/121- 122 ، 126. (1/26)
صفحة 27
ولعل هذا حدث في إحدى المعارك حيث أن المعارك تحدث بشكل يومي بين الطرفين في فترة الحصار ؛ والحقيقة أن بعض المصادر ذهبت إلى كون عاصم السدراتي استشهد في عهد الإمام أبي الخطاب وتذكر نفس القصة إلا أن المحاصر قبيلة ورفجومة بالقيروان (1) ، ولكن الظاهر أن الأصح أنه استشهد في عهد الإمام أبي حاتم ، حيث أن المصادر غير الإباضية تشير إلى وجود دور له في قتال أبي حاتم للعباسيين ، وأنه خرج بستة آلاف مقاتل وانضم تحت لواء الإمام أبي حاتم كما مر علينا ، كذلك فإن أقدم مصدر إباضي وهو ( بدء الإسلام ) لابن سلام يشير إلى استشهاده في عهد الإمام أبي حاتم ، وأورد هذه القصة عند حصار الإمام أبي حاتم للقيروان ، وابن سلام قريب من عهد الإمام أبي حاتم حيث أنه توفي بعد سنة 273هـ / 886م (2) .
بل إن جده وعمه ممن شارك مع الإمام أبي الخطاب في حروبه (3) ، وكذلك فإنه يروي الأحداث مشافهة عمن حضر ذلك الحصار وقد أشار إلى ذلك بنفسه (4) ، وهذا ما دفع الشماخي إلى ترجيح ما ذكره ابن سلام على ما ذكره أبو زكرياء والدرجيني حول فترة استشهاد عاصم السدراتي (5) والله أعلم .
9- العباسيون يرسلون يزيد بن حاتم :
__________
(1) أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص62- 63 – الدرجيني ، طبقات المشائخ ، 1/28- 29 - بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/239 ، رقم الترجمة : 528 .
(2) ابن سلام ، بدء الإسلام ، ص 40- بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/350 ، رقم الترجمة : 760 .
(3) ابن سلام ، بدء الإسلام ، ص37 ، 118 .
(4) ابن سلام ، المصدر السابق ، ص130 .
(5) الشماخي ، السير ، 1/122 ، 126 . (1/27)
صفحة 28
عندما اقترب يزيد بن حاتم من إفريقيا خرج إليه عدد من جند العباسيين الموجودين بإفريقيا وانضموا إليه ، والظاهر أن هذا السبب الذي دفع الإمام أبا حاتم إلى أن يأمر أصحابه بأن يجردوا الجند العباسي الموجود بالقيروان من سلاحهم خلافا للصلح المبرم بينهم سابقا ، وفي هذا رد على من اتهم الإمام أبا حاتم بأنه خان العهد والمواثيق كما ذهب ابن الأثير وعوض خليفات (1) ، ورد آخر أن الإمام أبا حاتم لم يوافق على ذلك الصلح نهائيا بل قاتل حتى فتح القيروان كما ذكر ابن عذارى وقد مر الحديث عن ذلك .
وتذكر المصادر الإباضية أن قبيلة بربرية من هوارة يقال لها مليلة انضمت إلى جيش يزيد ضد الإمام أبي حاتم ، فسأل الإمام أبو حاتم عمن أعان عليه من البربر ، فقالوا له مليلة ، فقال : " اللهم ذُلَّ مليلة " ، فاستجاب الله تعالى دعاءه ، فلم يزالوا في مذلة من الجند والظلمة لا ينقطع عنهم دون البربر أبدا (2) .
على العموم رأى الإمام أبو حاتم أن مواجهة جيش يزيد الكبير القادم من المشرق بالقيروان ستكون خطيرة وفي غير صالحه خاصة وأنه توجد بعض الفلول العباسية بمدينة طبنة ، فقرر الاعتصام بجبل نفوسة في أوساط الإباضية حيث تقطن قبائل نفوسة وهوارة الإباضية ، فيضمن الإمام أبو حاتم سندا قويا له من الخلف ، هكذا خطط الإمام أبو حاتم ولكن حكمة الله تعالى اقتضت غير ذلك كما سنرى .
__________
(1) ابن الأثير، الكامل ، 5/170- عوض خليفات ، نشأة الحركة الأباضية ، ص164 .
(2) ابن سلام ، بدء الإسلام ، ص131- أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص79 . (1/28)
صفحة 29
تمكن الإمام أبو حاتم من هزيمة مقدمة جيش يزيد التي كانت تحت قيادة سالم بن سوادة التميمي ( حي : 155هـ / 771م ) ، ولعل هذه هي موقعة " مغمداس " التي تذكرها المصادر الإباضية ، وهذا ما مال إليه محمد دبوز (1) ، فأبو زكرياء يقول عن هذه الوقعة : " وبلغنا أن أبا حاتم سمع بطوالع أقبلت من المشرق فخرج من مدينة طرابلس ، فتلقاهم بموضع يقال له مغمداس ، وهو على مسيرة ثمانية أيام من مدينة طرابلس ، فلما وصلهم أبو حاتم لاقوه ، فاقتتلوا قتالا شديدا ، فهزم الله له العدو ، ومنحهم أكتافهم ، فقتل منهم ستة عشر ألفا " إهـ (2) .
ويُروى أن رجلا من غير الإباضية سأل رجلا من الإباضية : ما تفسير تاورغا ؟ ، وكان يقصد من هذا السؤال الاستهزاء بالإباضية ومقتل إمامهم أبي الخطاب في معركة تاورغا ، ولكن الإباضي كان فطنا فأجابه بقوله : تفسيرها : مغمداس فيه أربعة أكداس في كل كدس أربعة آلاف (3) .
والحقيقة أن الشماخي اعترض على ما ذكره أبو زكرياء من أن موقعة مغمداس وقعت في عهد الإمام أبي حاتم ، وذهب إلى أنها وقعت في عهد الإمام أبي الخطاب أو أن تكون وقعت موقعة أخرى في مغمداس في عهد أبي حاتم ، وأشار إلى أن ابن سلام والرقيق أشارا إلى كون موقعة مغمداس وقعت في عهد الإمام أبي الخطاب (4) ؛ وبالفعل فإن ابن سلام أشار إلى ذلك (5) ؛ ولكن لعل أكثر من موقعة وقعت في مغمداس إحداها في عهد الإمام أبي الخطاب والأخرى في عهد الإمام أبي حاتم والله أعلم .
10- موقعة " جنى " واستشهاد الإمام أبي حاتم :
__________
(1) دبوز ، تاريخ المغرب الكبير ، 3/74 .
(2) أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص77- الدرجيني ، طبقات المشائخ ، 1/38- 39 .
(3) أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص78- الدرجيني ، طبقات المشائخ ، 1/39- الشماخي ، السير ، 1/123 .
(4) الشماخي ، السير ، 1/123 .
(5) ابن سلام ، بدء الإسلام ، ص118 . (1/29)
صفحة 30
بعد أن انهزمت طلائع جيش يزيد على يد الإمام أبي حاتم ، قام بمهاجمة الإمام أبي حاتم في جبل نفوسة ، وجرت بين الطرفين معركة قاسية في ربيع الأول من سنة 155هـ / 771م في مكان يسمى " جنى " (1) ، وليس في " مغمداس " كما ذكر أصحاب المعجم (2) .
فقتل في تلك المعركة الرهيبة خلق كثير من كلا الطرفين ، ولكن كانت النتيجة في نهاية المطاف لصالح يزيد ، واستشهد الإمام أبو حاتم مع جل أصحابه ، وتذكر المصادر أن عدد القتلى من أصحاب الإمام أبي حاتم ثلاثين ألفا (3) .
ويروى أن الإمام أبا حاتم رحمه الله عندما رأى مقتل أصحابه وأن الهزيمة لا محالة واقعة قال لمن بقي من أصحابه : " زفوني إلى الموت في سبيل الله زفاف العروس وقفوا لي قليلا " فقاتل حتى استشهد (4) .
وتذكر بعض المصادر الإباضية أن الموضع الذي استشهد فيه الإمام أبو حاتم وأصحابه تُرى فيه الأنوار ، إذ يروي أبو زكرياء أن الموضع الذي كانت فيه معركتهم يضئ من كل ليلة خميس ، ويبصر ضياؤه من بعيد ، بل وينقل عن أشخاص عاصرهم أنهم رأوه وهو نور ساطع وضياء عظيم (5) .
ويعلق الشماخي على ما ذكره أبو زكرياء فيقول : " وقد اشتهر عندنا من غير أن أراه أن النور ينزل على قبره – يعني قبر الإمام أبي حاتم – وقيل لم يزل ينزل حتى دفن إلى جنبه أعرابي فكفَّ والله أعلم " إهـ (6) .
__________
(1) أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص79 - الدرجيني ، طبقات المشائخ ، 1/39
(2) بحاز وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، 2/475 ، رقم الترجمة : 1035.
(3) ابن خلدون ، تاريخ المغرب ، 4/231- ابن الأثير، الكامل ، 5/170- 171- ابن عذارى ، البيان المُغرب ، 1/78- عوض خليفات ، نشأة الحركة الأباضية ، ص164- 165 .
(4) الدرجيني ، طبقات المشائخ ، 1/40 .
(5) أبو زكرياء ، سير الأئمة ، ص79- 80 .
(6) الشماخي ، السير ، 1/124 . (1/30)
صفحة 31
وفي الحقيقة أمثال هذه القصص الخرافية التي تزخر بها كتب التراث الإسلامي حري بنا ألا نلتفت إليها ونضيع الجهد العلمي والعقلي عليها ، وإن ذكرناها فمن باب نقدها وتحرير العقل المسلم من سيطرت هذه الخرافات ليكون عقلا منتجا واقعيا متخذا بالأسباب لا يعيش في الوهم والجري وراء القدرات الخارقة الخارجة عن الطبيعة الإنسانية التي فطر الله الإنسان عليها : { فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ } (1)
والملاحظ أن أغلب المدارس الإسلامية يحلو لها أن تحيط أئمتها وأعلامها بصفات تضفي عليهم نوعا من الخصوصية والتميز ، وربما للعوام البسطاء دور – بحسن نية ومحبة لأئمتهم وعلمائهم – في نسج أمثال هذه القصص التي تخرج عن نطاق العقل والواقع إلى الأساطير والخرافات ، ثم يقيدها المؤرخون في مصنفاتهم من باب التقييد للتأريخ والحوادث بغض النظر عن صحتها من عدمه ، يقول الشيخ خميس العدوي : " ... عندما نأتي إلى خبر معين ، فنجده غير صحيح أو الواقع والعقل لا يقبلانه ، ليس معناه الطعن في المؤرخ الذي ينقله .. قطعا ؛ لا . لا يحاسب المؤرخ على الرواية والروايتين ، وإنما هو ينقل تأريخا عريضا فيه الصحيح والسقيم ، فعدم صحة الخبر لا يطعن في المؤرخ ، وقد ينقل المؤرخ الأخبار بغض النظر عن صحتها وبطلانها ... فالمؤرخ قد يجمع المادة التأريخية عن حقبة زمنية معينة بدون أن يبدي رأيه فيها بالتحليل أو المقارنة ، ولكن أن يكون هدفه جمع المادة فقط وحفظها وليس إلزام تلك الحقبة بها ، فافهم ذلك فإنه دقيق يخفى على الكثيرين " (2) .
__________
(1) سورة الروم ، آية :30 .
(2) العدوي ، رؤية تاريخية ، ص37- 38 . (1/31)
صفحة 32
ومن ضمن القصص حول الإمام أبي حاتم ومن معه من الشهداء ما يذكره الشماخي فيقول : " وبتلك الجهة مقبرة يقال إنها للذين ماتوا عنده يوجد بأطرافها تراب أحمر يقال أنه دمهم لم يغيره الزمان يتبرك الناس به ويحملونه للمرضى وهذا في مثلهم ليس بغريب ، وقد شاهدت بنفوسة دماء رجال ثلاثة سفحت على صفا مسيل ماء المطر مضى عليها مئون من الأعوام وهي باقية وكل ما وقع مطر جرى عليه ومسحته بثوبي مبلولا بالريق فأثر فيه وشممته فإذا هو رائحة الدم ... " وأشار إلى كونهم صالحين أي الرجال الثلاثة (1) .
ولو تأملنا ما ذكره أبو زكرياء والشماخي نلاحظ أنهما ينقلان عن غيرهما ولم يقفا على الأنوار بنفسيهما ، وإنما سمعا من بعض الأشخاص ، والظاهر أن من يروي لهما هذه الروايات والقصص من عوام الناس وليس من العلماء الثقات ، وحتى إن كان من العلماء فلعله متأثر في اللاوعي بما راج في تلك العصور المتقدمة من أمثال هذه الخرافات والأساطير .
__________
(1) الشماخي ، السير ، 1/124 . (1/32)
صفحة 33
وأما القصة الثانية التي أوردها الشماخي ، فمن المعلوم أن الدم لا تتشربه الأرض كما تتشرب الماء ، فيظل على سطحها ولو إلى مئات السنين ، فلعل دم الشهداء من أصحاب أبي حاتم ظل على سطح الأرض واختلط مع التراب ، وكذلك بالنسبة لدم الرجال الثلاثة ، فهو أمر غير مستغرب ، وأما قضية الاستشفاء بالتراب الممتزج بدمهم فربما الجانب النفسي له دور في إحساس المرضى بالصحة والله أعلم (1) .
__________
(1) * - إن مما يؤسف له انتشار أمثال هذه الخرافات والأساطير في أوساط المسلمين ، وامتلاء كتب السير بها ، وعدها من التراث الإسلامي ، وعدها من الكرامات التي يهبها الله لمن اصطفى من عباده ، ولا زالت هذه الخرافات منتشرة في أوساط المسلمين إلى عصرنا هذا عصر التكنولوجيا والذرة واختراق الفضاء ، وصل الغرب إلى ما وصلوا إليه لأنهم اكتشفوا سر القوة والتقدم وهو ( الاتخاذ بالأسباب ) ، ونحن الأمة التي خاطبها الله تعالى وأمرها باتخاذ الأسباب { وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ } ( لأنفال : من الآية 60 ) لا زلنا نعيش في عالم الأساطير والخرافات ، بسبب ضعفنا وخورنا وهزيمتنا الميدانية أمام أعدائنا ، مما ولد هزيمة نفسية كبيرة ، نجم عنها ما نشاهده من اللجوء إلى تصديق هذه الخرافات والعيش في عالم الأوهام وعدم الرغبة في الخروج منه حتى لا نصدم بواقعنا الإسلامي المرير ، وهؤلاء الذين وهبهم الله أمثال هذه الخوارق – كما يزعمون – لماذا لا يسخرونها في تحرير فلسطين وبقية بلدان الإسلام من نير الاحتلال ؟! لماذا الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يعد الجيوش الجرارة ويضع الخطط لخوض المعارك ؟ لماذا الصحابة الكرام قادوا الجيوش الجرارة لفتح فارس والروم ، ولم يجلسوا في بيوتهم على الفراش الوثير يحركون الأنهار والصخور والجبال لتقوم بمهمة الفتح بدلا عنهم ! بل انطلق الواحد منهم ممتطيا فرسه متشحا سلاحه حاملا روحه على كفه تواقة نفسه للفوز بالشهادة ، فهل هؤلاء الذين يزعمون هذه القدرات أكثر صلاحا وإيمان من أبي بكر وعمر وحمزة عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟!
ثم إن هذه القصص تتعارض مع العقل والواقع والسنن الكونية ، فضلا عن تعارضها مع القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة ، فالله تعالى في كتابه الكريم أخبرنا أن للكون سننا ثابتة دائمة لا تتغير أو تتبدل إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وإلا أدى ذلك إلى اختلال موازين الكون قال تعالى : { سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً } ( الأحزاب : 62 ) ، وقوله تعالى : { سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً } ( الفتح : 23 ) ، ويقول تعالى : { لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ } ( يّس:40 ) ، وقال تعالى : { أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } ( لقمان : 29 ) ، والرسول - صلى الله عليه وسلم - أخبرنا أن هذه الأجرام السماوية لا تخسف لموت أو مولد أحد ، فعندما مات ولده إبراهيم وخسفت الشمس ظن الصحابة أنها خسفت بسبب موت إبراهيم ، فأعادهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى جادة الصواب فقال : " إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت بشر ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبروه وتضرعوا وتصدقوا " رواه الإمام الربيع والبخاري ومسلم .
ولسماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي – حفظه الله – محاضرة قيمة تحت عنوان ( محاربة الخرافة والأخذ بالأسباب ) ألقاها بجامعة السلطان قابوس ضمن سلسلة الدروس الفكرية التي يلقيها بالجامعة ، فيقول متحدثا عن الصحوة الإسلامية وما أصيبت به من التأثر والانجراف وراء أمثال هذه الخرافات والأوهام التي تتعارض مع سنن الله في الكون فيقول : " ... ولكن مما يؤسف له أن هذه الصحوة أصيبت بشيء من غبش التصور في بعض الأمور، وذلك مما جعل أبناءها يعيشون في عالم الأوهام ، أسارى للخيالات المختلفة ، وقد دفعهم ذلك إلى تجاهل سنن الله سبحانه وتعالى في خلقه ، مع أن الله سبحانه خلق الخلق ، وجعل لخلقه سنناً ، هذه السنن لا تتبدل حتى يرث الله الأرض وما عليها ، وما يقع من الخوارق التي قد تكون رأي العين خارجة عن هذه السنن؛ فإنما ذلك يرجع إلى أمر الله سبحانه عندما يريد أن يتعطل شيء من السنن في قضية معينة ، مع أن هذه الحالة لا يمكن أن يقاس عليها ، وهي حالات في عهد النبوات لا يمكن أن تتكرر مرة أخرى ؛ لأن السنن تسير حسب ما شاء الله سبحانه وتعالى مما رسمه لهذا الكون من نواميس معينة = = لا تتبدل ولا تتغير حتى يرث الله الأرض ومن عليها ، إن غبش التصور هو الذي يحول بين البصائر والرؤية الصحيحة لحقائق الأشياء ، وذلك مما يجعل هذه النفوس أسيرة الأوهام فتبتعد كل البعد عن هذه الحقائق " .
ونلاحظ هنا أن سماحته وضح أن الأمور الخارقة للعادة التي خصّ الله تعالى بها أنبيائه من معجزات ، وكذلك ما ذكر في القرآن من بعض القصص كقصة أصحاب الكهف والرجل الذي أماته الله مائة عام ، فإن تلك حالات حدثت في عهد النبوات لا يمكن أن تتكرر مرة أخرى بعد انقطاع الوحي واكتمال الدين ، فضلا عن ورودها بنصوص قطعية آي الكتاب الكريم .
ووجه إلي سماحته سؤال حول بعض الكرامات التي تنسب إلى بعض الأئمة والعلماء وتتعارض مع السنن الكونية ، ونص السؤال : إن هناك الكثير من القصص التي تنسب إلى الأئمة والعلماء – رضي الله تعالى عنهم – ما هي مخالفة لأبسط السنن الكونية ، ويدعي الكثير أنها من الكرامات التي يؤيدون بها ، ما رأيكم في ذلك ؟ ، ومن ذلك مثلا ما يروى عن الشيخ محمد بن علي بن عبد الباقي – رحمه الله – أخذ فلج الغنتق في نزوى وأجراه في مكة ، وما يروى عن الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي – رحمه الله – كان يفهم منطق الطير ؟!
وهذا نص جواب سماحة الشيخ حفظه الله تعالى : هذه القصص يعني راجت في وقت من الأوقات كثيرا وكل أمر لا يقبله العقل لا يمكن أن ينسب له ، وأبعد من ذلك ما ذكر أخيرا ولم يذكر أولا : من أن أبا عبيدة – رضي الله تعالى عنه - دعا الله ، فانفرجت السماء الأولى ثم الثانية ثم الثالثة ، وأبصر العرش ، الكلام هذا لا يصح ولا يقبل لأنه مخالف للكون .
( انظر : الإمام الربيع بن حبيب الأزدي ، الجامع الصحيح ، مكتبة مسقط ، مسقط ، سلطنة عمان ، ط1 : 1415هـ / 1994م ، كتاب الصلاة ووجوبها ، باب ( 31 ) في صلاة الكسوف ، ص52- 53 - أحمد بن علي بن حجر العسقلاني ، فتح الباري شرح صحيح البخاري ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، لبنان ، ط3 : 1421هـ / 2000م ، 3/669 ، كتاب الكسوف ( 16 ) ، باب الصلاة في كسوف الشمس ( 1 ) ، حديث رقم ( 1043 ) - يحيى بن شرف النووي ، صحيح مسلم بشرح النووي ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، لبنان ، ط2 : 1424هـ / 2003م ، 6/184- 185، كتاب الكسوف ( 10 ) ، باب ( 3 ) ، حديث رقم ( 10 ) - أحمد بن حمد الخليلي ، محاربة الخرافة والأخذ بالأسباب ، محاضرة ضمن سلسلة الدروس الفكرية التي يلقيها سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي بجامعة السلطان قابوس ، ألقيت في يوم الإثنين 23 من رجب 1423هـ / 30 من سبتمبر 2002م ؛ والمحاضرة منشورة بموقع الأمل المشرق ( www.alaml.net ). (1/33)
صفحة 34
إذا وباستشهاد الإمام أبي حاتم رحمه الله طويت صفحة مشرقة من صفحات التأريخ الإباضي ، سطر فيها الإباضية تحت لواء إمامهم أبي حاتم الملزوزي أروع الإنجازات وأعظم التضحيات رغبة في نيل الحرية من تسلط وظلم الدولة العباسية ، ورغبة في تطبيق شرع الله تعالى وأحكامه ، ورغبة في إعادة الحقوق إلى أصحابها ، ولكن قدّر الله ألا يتمكن الإباضية تحت لواء الإمام أبي حاتم من إقامة دولتهم المنشودة ، ففر من نجى من معركة " جنى " ومن ملاحقة العباسيين لهم إلى المغرب الأوسط ، إلى تيهرت ، إلى دولتهم المنشودة ، إلى إمامهم المنشود عبد الرحمن بن رستم ، والذي بالفعل استطاع أن يحقق حلم الحرية ، فأقام الدولة الرستمية العظيمة في سنة 160هـ / 776م .
فأحس الإباضية في كنفها بطعم العدل والأمان والحرية ، ليس هذا فحسب بل وقصدها الكثير من المسلمين من غير الإباضية ، والذين أصبحت لهم فيها مدنهم ومساجدهم التي يعرفون بها ، بل وسكنها اليهود والنصارى ، راضين بحكم الأئمة الرستميين ، ففتحت صفحة جديدة في التاريخ الإباضي الناصع المشرق (1) ...
هذا وأرجو أن أكون قد وفقت في إبراز سيرة هذا الإمام الجليل ، فإن أصبت فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ، وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان ، وصلي اللهم على خاتم الأنبياء والمرسلين وعلى أصحابه وأتباعه وحزبه إلى يوم الدين ، وآخر دعوانا أن { الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } (2) .
11- المصادر :
1- أحمد بن حمد الخليلي ، شرح منظومة غاية المراد في نظم الاعتقاد للإمام نور الدين السالمي ، مكتبة الجيل الواعد ، مسقط ، سلطنة عمان ، 1424هـ / 2003م .
__________
(1) *- أنظر مقالي " الدولة الرستمية دولة إسلامية تجاهلها التاريخ " بموقع الأمل المشرق ( www.alaml.net ) .
(2) سورة الفاتحة ، آية : 2 . (1/34)
صفحة 35
2- أحمد بن حمد الخليلي ، محاربة الخرافة والأخذ بالأسباب ، محاضرة ضمن سلسلة الدروس الفكرية التي يلقيها سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي بجامعة السلطان قابوس ، ألقيت في يوم الإثنين 23 من رجب 1423هـ / من سبتمبر 2002م ؛ والمحاضرة منشورة بموقع الأمل المشرق ( www.alaml.net ) .
3- أحمد بن سعيد الدرجيني ، كتاب طبقات المشائخ بالمغرب ، ج2 ، تح : إبراهيم طلاي .
4- أحمد بن سعيد الشماخي ، كتاب السير ، ج1 ، وزارة التراث والثقافة ، سلطنة عمان ، 1407هـ / 1987م .
5- أحمد بن علي القلقشندي ، نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب ، على هذا الرابط :
http://www.al-eman.com/Islamlib/viewchp.asp?BID=200&CID=9
وعلى هذا الرابط :
http://www.al-eman.com/Islamlib/viewchp.asp?BID=200&CID=14
6- أحمد بن علي بن حجر العسقلاني ، فتح الباري شرح صحيح البخاري ، ج3 ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، لبنان ، ط3 : 1421هـ / 2000م .
7- ابن الصغير ، أخبار الأئمة الرستميين ، ت : محمد ناصر وإبراهيم بحاز ، دار الغرب الإسلامي ، بيروت ، لبنان ، 1406هـ / 1986م .
8- ابن عذارى المراكشي ، البيان المُغرب في أخبار الأندلس والمغرب ، ج1 ، دار الثقافة ، بيروت ، لبنان ، ط2 : 1983م .
9- بحّاز إبراهيم بكير ، الدولة الرستمية دراسة في الأوضاع الاقتصادية والحياة الفكرية ، جمعية التراث ، القرارة ، الجزائر ، ط2 : 1414هـ / 1993م .
10- بحّاز إبراهيم بكير وآخرون ، معجم أعلام الإباضية ، ج2 ، دار الغرب الإسلامي ، بيروت ، لبنان ، ط2 : 1421هـ / 2000م .
11- خميس بن راشد العدوي ، رؤية تاريخية ، ط1 : 1423هـ / 2003م ، الأجيال للتسويق ، روي ، سلطنة عمان .
12- خير الدين الزركلي ، الأعلام ، ج8 ، دار العلم للملايين ، بيروت ، لبنان ، ط7 : 1986م .
13- الربيع بن حبيب الأزدي ، الجامع الصحيح ، مكتبة مسقط ، مسقط ، سلطنة عمان ، ط1 : 1415هـ / 1994م . (1/35)
صفحة 36
14- سالم بن يعقوب ، تاريخ جزيرة جربة ، دار الجويني ، تونس ، 1986م .
15- سامي صقر أبو داود ، الإمام جابر بن زيد الأزدي وأثره في الحياة الفكرية والسياسية ، ط1 : 2000م ، مطابع النهضة ، مسقط ، سلطنة عمان .
16- سليمان الباروني أبو الربيع ، مختصر تاريخ الإباضية .
17- سليمان داود بن يوسف ، حلقات من تاريخ المغرب الإسلامي ، مطبعة أبو داود .
18- عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي ، لب اللباب في تحرير الأنساب ، على هذا الرابط :
http://www.al-eman.com/Islamlib/viewchp.asp?BID=237&CID=3
19- عبد الرحمن بن محمد بن خلدون ، تاريخ ابن خلدون ، 2/1 على هذا الرابط :
http://www.al-eman.com/Islamlib/viewchp.asp?BID=163&CID=2
20- عبد الرحمن بن محمد بن خلدون ، تاريخ ابن خلدون ، ج4 ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، لبنان ، ط1 : 1413هـ / 1992م .
21- عبد الكريم بن محمد السمعاني ، الأنساب ، ج1 ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، لبنان ، ط1 : 1408هـ / 1988م .
22- عبد الله بن يحيى الباروني ، رسالة سلم العامة والمبتدئين إلى معرفة أئمة الدين ، مكتبة الضامري ، السيب ، سلطنة عمان ، ط1 : 1412هـ / 1992م .
23- علي بن محمد الحجري ، الإباضية ومنهجية البحث عند المؤرخين وأصحاب المقالات ، مطابع النهضة ، مسقط ، سلطنة عمان ، ط1 : 1420هـ / 1999م .
24- علي بن محمد الشيباني ابن الأثير، الكامل في التاريخ ، ج4 ، ت : د/ عمر عبد السلام تدمري ، دار الكتاب العربي ، بيروت ، لبنان ، ط1 : 1417هـ / 1997م .
25- علي يحيى معمر ، الإباضية بين الفرق الإسلامية ، ج1 ، وزارة التراث والثقافة ، سلطنة عمان ، ط3 : 1421هـ / 2000م .
26- علي يحيى معمر ، الإباضية في موكب التاريخ ، المجلد الأول ، الحلقة (1) ، (2) ، مكتبة الضامري ، السيب ، سلطنة عمان ، ط2 : 1993م . (1/36)
صفحة 37
27- عمر بن جميع أبو حفص ، مقدمة التوحيد وشروحها ، شرح : أحمد بن سعيد الشماخي وداود بن إبراهيم التلاتي ، تعليق : إبراهيم اطفيش أبو إسحاق ، طبعة مسقط ، سلطنة عمان .
28- عمر محمد صالح با ، دراسة في الفكر الإباضي ، ط2 : 1413هـ / 1992م ، مكتبة الاستقامة ، روي ، سلطنة عمان .
29- عوض محمد خليفات ، نشأة الحركة الإباضية ، مطابع دار الشعب ، عَمّان ، الأردن ، 1978م .
30- فرحات الجعبيري ، علاقة عمان بشمال إفريقيا ، المطابع العالمية ، روي ، سلطنة عمان ، ط1 : 1412هـ / 1991م .
31- لواب بن سلام ، كتاب فيه بدء الإسلام وشرائع الدين ، ت : شفارتز وسالم بن يعقوب ، الناشر دار فرانز شتايز بفيسبادن ، ألمانيا ، طبع بمطابع دار صادر ، بيروت ، لبنان ، 1406هـ / 1986م .
32- محمد بن مكرم بن منظور ، لسان العرب ، قرص مدمج ، مكتبة الحديث الشريف ، شركة العريس للكمبيوتر ، بيروت ، لبنان .
33- محمد بن يوسف اطفيش ، شرح عقيدة التوحيد ، ت : مصطفى بن الناصر وينتن ، جمعية التراث ، القرارة ، الجزائر ، ط1 : 1422هـ / 2001م .
34- محمد صالح ناصر ، منهج الدعوة عند الإباضية ، مكتبة الاستقامة ، مسقط ، سلطنة عمان ، 1418هـ / 1997م .
35- محمد علي دبوز ، تاريخ المغرب الكبير ، ج3 ، دار إحياء الكتب العربية ، ط1 : 1383هـ / 1963م .
36- مدارسة علمية عبر الهاتف مع د/ إبراهيم بحاز ، الأحد 1 من محرم 1425هـ / 22 من فبراير 2004م .
37- مقرين بن محمد البغطوري ، كتاب سير أهل نفوسة ، مخطوط .
38- مهنا بن راشد بن حمد السعدي ، الدولة الرستمية دولة إسلامية تجاهلها التاريخ ، موقع الأمل المشرق ( www.alaml.net ) .
39- يحيى بن أبي زكرياء ( أبو زكرياء ) ، كتاب سير الأئمة وأخبارهم ، دار الغرب الإسلامي ، بيروت ، لبنان ، ط2 : 1402هـ / 1982م .
40- يحيى بن شرف النووي ، صحيح مسلم بشرح النووي ، ج6 ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، لبنان ، ط2 : 1424هـ / 2003م . (1/37)
صفحة 38
12- فهرس المواضيع :
1- المقدمة ............................................................................ 2
2- انتشار المذهب الإباضي في المغرب .................................................. 4
3- نسب الإمام أبي حاتم ............................................................... 7
4- طلبه للعلم ودوره في دولة الإمام أبي الخطاب ........................................ 11
5- مبايعته بالإمامة ..................................................................... 11
6- إعلانه للثورة ضد الظلم ..............................................................14
7- فتح القيروان .......................................................................15
8- استشهاد عاصم السدراتي .......................................................... 18
9- العباسيون يرسلون يزيد بن حاتم .................................................... 19
10- موقعة " جنى " واستشهاد الإمام أبي حاتم .......................................... 21
11- المصادر ......................................................................... 26
12- فهرس المواضيع .................................................................. 30
تم بحمد الله (1/38)