صفحة 1
الكتاب: ترجمة بكر بن حماد التيهرتي لمهنا السعدي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] بكر بن حماد التيهرتي
شاعر تيهرت
مهنا بن راشد بن حمد السعدي
سلطنة عمان – ولاية السويق
16 من ربيع الأول 1425هـ / 6 من مايو 2004م
abujaifar@hotmail.com
بسم الله الرحمن الرحيم
تحدثت في مقال سابق لي عن الدولة الرستمية ( 160- 296هـ ) تحت عنوان : " الدولة الرستمية دولة إسلامية تجاهلها التأريخ " وقد نُشر في جريدة الوطن ، كذلك يمكن مراجعته في موقع الأمل المشرق ، وشبكة أهل الحق والاستقامة (1) ، تناولت فيه لمحة موجزة عن العديد من جوانب هذه الدولة العظيمة سواء السياسية أو الاقتصادية أو الحضارية أو الثقافية أو الاجتماعية ؛ وقد أنجبت هذه الدولة العديد من الأعلام الذين نبغوا في مختلف الجوانب ، ومن هذه الجوانب الساحة الشعرية والأدبية ، وكفانا كون الإمام الثالث لهذه الدولة أفلح بن عبد الوهاب ( حكم : 208- 258هـ ) شاعرا فحلا أبدع في نظم القريض فمما قاله في الحث على العلم قصيدة رائية جاء في مطلعها (2) :
العلم أبقى لأهل العلم آثارا :: وليلهم بشموس العلم قد نارا
يحيى به ذكرهم طول الزمان وقد :: يريك أشخاصهم روحا وأبكارا
حي وإن مات ذو علم وذو ورع :: إن كان في منهج الأبرار ما مارا
__________
(1) * - انظره في موقع الأمل المشرق على هذه الوصلة :
http://216.221.185.71/history/history.html
وفي موقع شبكة أهل الحق والاستقامة على هذه الوصلة :
http://www.ibadhiyah.net/authors/mohanna_saadi/dawlah_rustumiyah.pdf
(2) - أنظر القصيدة مشطرة بتشطير الشيخ علي بن أحمد العماني في : الباروني ، الأزهار ، 2/190- 194 ـ وانظرها بدون تشطير في : ابن النظر ، كتاب الدعائم ، ص133- 136 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص270 الهامش ، ويذكر الكعاك أن القصيدة هي من ديوان لأفلح مفقود لم تسلم منه إلا تلك الأبيات : الكعاك ، موجز التاريخ العام ، ص215 نقلا عن : بحاز ، الدولة الرستمية ، ص270 الهامش . (1/1)
صفحة 2
وفي هذا المقال سنحاول تسليط الضوء على شاعر من فحول شعراء الدولة الرستمية ، ترك الكثير من غرر القصائد التي أبدع في سبك أبياتها متناولا فيها مختلف أغراض الشعر ، ليس هذا فحسب بل كان عالما بالحديث وتمييز الرجال كما سيأتي ، فمن هو شاعرنا ؟
أول ما تعرفت على شاعرنا تعرفت عليه من خلال أبيات جميلة له يصف فيها شدة البرد وكثرة الغيوم والثلج في تيهرت يقول فيها (1) :
ما أخشن البرد وريعانه :: وأطرف الشمس بتاهرت
تبدو من الغيم إذا ما بدت :: كأنها تنشر من تخت
فنحن في بحر بلا لجة :: تجري بنا الريح على السمت
نفرح بالشمس إذا ما بدت :: كفرحة الذمي بالسبت
وشاعرنا هو أبو عبد الرحمن بكر بن حماد بن سمك ( وقيل ابن سهر ) بن إسماعيل الزناتي التيهرتي ، ولد بتيهرت سنة 200هـ وبها توفي سنة 296هـ ، له رحلة إلى الشرق بدأها سنة 217هـ ، سمع فيها الفقهاء ، وجابه العلماء .
كان عالما بالحديث وتمييز الرجال ثقة مأمونا ثبتا صدوقا إماما حافظا ، سمع بالقيروان قبل رحلته إلى المشرق من سحنون بن سعيد التنوخي قاضي إفريقية سنة 234هـ ، وفي البصرة لقي مسدد بن مسرهد الأسدي المحدث بالبصرة ، وعمرو بن مرزوق ، وجماعة من العلماء ، وكتب عن مسدد مسنده ورواه عنه بتيهرت .
ومما يحكى عن بكر بن حماد في الحديث ما رواه القرطبي في تفسيره ( الجامع ، 1/287 دار إحياء التراث العربي ، 1372هـ / 1952م ) ، واقتبسه منه المقري في نفحه ( نفح الطيب ، 2/48- 49 ) .
__________
(1) - أحمد بن سعيد الدرجيني ، كتاب طبقات المشائخ بالمغرب ، تح : إبراهيم طلاي ، 1/43- سليمان باشا الباروني ، الأزهار الرياضية في أئمة وملوك الإباضية ، دار البعث ، الجزائر ، ط3 : 1423هـ / 2002م ، 2/ 34 - وانظرها كذلك في نفس الكتاب ، طبعة دار بو سلامة ، تونس ، 2/28 . (1/2)
صفحة 3
هذا وقد أخذ الحديث عنه عدد من العلماء منهم : القاسم بن أصبع الذي كتب مسند مسدد بن مسرهد عن بكر ، ومنهم أبو عبد الله محمد بن صالح القحطاني المعافري الأندلسي ، ومنهم ابنه عبد الرحمن بن بكر بن حماد ، وقاسم بن عبد الرحمن التميمي التيهرتي .
وقد نبغ بكر بن حماد في الشعر أيما نبوغ ونظم قصائد جيدة في أغراض مختلفة كالوصف والمديح والهجاء والرثاء والاعتذار والزهد والوعظ .
وشعر ابن حماد مبعثر بين صفحات الكتب وثنايا المخطوطات ، وقد بذل الأستاذ محمد شاوش جهده في جمع ما استطاع من شعره من مختلف المصادر التي تمكن من الحصول عليها ، فعثر بعد البحث الطويل المستمر حسبما يذكر على نحو المائة وعشر أبيات من شعره لا غير ، هذا ولم يقطع الأمل في اكتشاف غيرها في المستقبل ، ويذكر أحد سكان ولاية تيهرت في عصرنا هذا أن إمام جامع تيهرت المتوفي قبل سنوات عثر في تركيا على ديوان شعر لبكر بن حماد .
ولعل جودة شعر ابن حماد تعود إلى ترحاله المستمر ، حيث رحل إلى المشرق كما ذكرنا وهو شاب فالتقى هناك بفطاحل شعراء القرن الثالث الهجري مثل دعبل الخزاعي ، وأبي تمام الطائي ، وعلي بن الجهم ، فكان لهذه الرحلة التأثير الأكبر على فكره واستعرابه ، كما أن دراسته في القيروان أتاح له فرصة للاختلاط بأناس كانوا عريقين في عروبتهم .
ويصنف الأستاذ بونار ابن حماد في الشعراء المطبوعين ، وهم قلة ، فيقول : " إن هذه الشخصية هي أنبغ شخصية في الشعر الغنائي بالمغرب العربي عامة ، ولا نجد نظيرها في عمق تفكيرها وأصالتها البيانية وامتلاكها لموهبة شعرية محترمة إلا في الأندلس ... ويحق لمؤرخ الأدب في هذا العصر أن يصرح بأن ظهور بكر بن حماد في القرن الثالث ... هو أكبر مفخرة للأدب العربي المغربي " اهـ (1) .
__________
(1) - انظر ما سبق : بحاز ، الدولة الرستمية ، جمعية التراث ، القرارة ، الجزائر ، ط2 : 1414هـ / 1993م ، ص308- 309 ، 361- 363 بتصرف . (1/3)
صفحة 4
هذا ويذكر الشيخ سليمان باشا الباروني أن مذهب ابن حماد مشكوك فيه إما أن يكون إباضيا أو صفريا ، ويصفه بقوله : " ... العلامة الأديب صاحب النظم العجيب والإنشاء الغريب المشهور في الشرق والغرب بين أرباب العلم والأدب ... بكر بن حماد بن سهل بن أبي إسماعيل الزناتي ... " اهـ (1) .
ونذكر هنا بعض الأبيات لشاعرنا فمن ذلك ما قاله معتذرا من الإمام أبي حاتم يوسف بن أبي اليقظان ( حكم الدولة الرستمية سنة 281- 249هـ ) عن خطئ ارتكبه (2) :
ومؤنسة لي بالعراق تركتها :: وغصن شبابي في الغصون نضير
فقالت كما قال النواسي قبلها :: عزيز علينا أن نراك تسير
فقلت جفاني يوسف بن محمد :: فطال علي الليل وهو قصير
أبا حاتم ما كان ما كان بغضة :: ولكن أتت بعد الأمور أمور
فأكرهني قوم خشيت عقابهم :: فداريتهم والدائرات تدور
وأكرم عفو يؤثر الناس أمره :: إذا ما عفا الإنسان وهو قدير
وقد اشتهر ابن حماد بشعر الزهد والتصوف حتى شبه بأبي العتاهية اعتقادا منهم أنه تأثر به أثناء رحلته إلى المشرق ، فمن شعره في الزهد (3) :
قف بالقبور فناد الهامدين بها :: من أعظم بليت فيها وأجساد
قوم تقطعت الأسباب بينهم :: من الوصال وصاروا تحت أطواد
راحوا جميعا على الأقدام وابتكروا :: فلن يروحوا ولن يغدو لهم غادي
والله والله لو ردوا ولو نطقوا :: إذا لقالوا التقى من أفضل الزاد
ما أعظمها من أبيات تؤثر في قلب كل من يقرؤها ...
ويقول في نفس القصييدة :
أين البقاء وهذا الموت يطلبنا :: هيهات هيهات يا بكر بن حماد
بينا ترى المرء في لهو وفي لعب :: حتى تراه على نعش وأعواد
إلى أن قال :
في كل يوم نرى نعشا نشيعه :: فرائح فارق الأحباب أو غادي
__________
(1) - الباروني ، رياض الأزهار ، 2/90 .
(2) - البرادي ، الجواهر ، مخطوط ، ص206 - بحاز ، الدولة الرستمية ، ص363- 364 .
(3) - الباروني ، الأزهار ، 2/95 - .بحاز ، الدولة الرستمية ، ص364 . (1/4)
صفحة 5
الموت يهدم ما تبنيه من فرح :: فما انتظارك يا بكر بن حماد ؟
وكان كثير العلاقة بالملوك والأمراء ، يمدحهم ويهجوهم حتى كان ينال منهم ما يرجوه ، وقد هجا الخليفة العباسي المعتصم ، بالرغم من أنه وصله بصلات جزيلة ، كما وصله الأمراء الأغالبة والأدارسة (1) ، فمما قاله مادحا أبا العيش عيسى بن إدريس العلوي (2) :
سائل زواغة عن طعان سيوفه :: ورماحه في العارض المتهلهل
وديار نفزة كيف داس حريمها :: والخيل تمرغ في الوشيج الذبل
غشى مغيلة بالسيوف مذلة :: وسقى جراوة من نقيع الحنظل
وقال أبيات إلى المعتصم يحرضه فيها على دعبل (3) :
أيهجو أمير المؤمنين ورهطه :: ويشي (4) على الأرض العريضة دعبل
أما والذي أرسى ثبيرا مكانه :: لقد كادت الدنيا لذاك تزلزل
ولكن أمير المؤمنين بفضله :: يهم فيعفو أو يقول فيفعل
فعاتبه حبيب فيه وقال له : قتلته والله يا أبا بكر (5) ، فقال :
وعاتبني فيه حبيب وقال لي :: لسانك محذور وسمك يقتل
وإني وإن صرفت في الشعر منطقي :: لأنصف فيما قلت فيه وأعدل
هذا ولما عاد إلى المشرق قصد القيروان فوشي به إلى صاحبها ، فهرب وكان معه ابنه عبد الرحمن ، فاعترضهم في الطريق بعض اللصوص واعتدوا عليهما فجرحوه وقتلوا ابنه ، فتأثر كثير لفقد ابنه ، وجاشت قريحته بروائع القصائد في رثاء ابنه معبرا فيها عما يعتلج في صدره من اللوعة والحسرة لموت ابنه ، فمن ذلك قصيدة طويلة قال في مطلعها (6) :
__________
(1) - بحاز ، الدولة الرستمية ، ص365 .
(2) - الباروني ، الأزهار ، 2/90 .
(3) - الباروني ، الأزهار ، 2/91 .
(4) ** - هكذا ولعله خطئ مطبعي والأصل " يمشي " فيتضح بذلك معنى البيت والله أعلم .
(5) *** - لا أدري لماذا قال : أبا بكر ، بالرغم أن اسمه بكر بن حماد ، فهل هو خطئ مطبعي أو بسبب النساخ ، أم أنه يوجد خلاف في اسمه ؟ الله أعلم .
(6) 10) - أنظر بقيتها في : الباروني ، الأزهار ، 2/92 . (1/5)
صفحة 6
بكيت على الأحبة إذا تولوا :: ولو أني هلكت بكوا عليا
فيا نسلي بقاؤك كان ذخرا :: وفقدك قد كوى الأكباد كيا
كفا حزنا بأني منك خلو :: وأنك ميت وبقيت حيا
ولم أك آيس فيئست لما :: رميت التراب فوقك من يديا
ولقد ذكره العلامة المحقق أبو يعقوب الوارجلاني في سلسلة حديث ساقه في كتابه الدليل والبرهان ، حيث قال : وروى عبد الوارث بن سفيان ويعيش بن سعيد قالا : أخبرنا قاسم بن أصغر قال : أخبرنا بكر بن حماد ... الخ " ولم يتعرض إلى مذهبه (1) .
وقد اختلف في سنة وفاته فذهب إبراهيم طلاي - محقق الطبقات - إلى أنه توفي في سنة 292هـ ولم يذكر المصادر التي اعتمد عليها (2) ، ود/ بحاز يذكر أنه توفي في 296هـ (3) ولعله الأصح ، حيث أن الشيخ الباروني ذكر أن وفاته كانت سنة 296هـ بقلعة ابن حمة بجوفي مدينة تيهرت وهو ابن 96 سنة نقلا عن المراكشي (4) والله أعلم .
__________
(1) 11) - الوارجلاني ، الدليل والبرهان ، 2/1 الطبعة الحجرية نقلا عن : الباروني ، الأزهار ، 2/97 .
(2) 12) - الدرجيني ، الطبقات ، 1/43 الهامش .
(3) 13) - بحاز ، الدولة الرستمية ، ص308 .
(4) 14) - الباروني ، الأزهار ، 2/97 . (1/6)