صفحة 1
الكتاب: ترجمة سليمان الباروني باشا لـ...؟
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] - الشيخ سليمان الباروني باشا -
(1870م ـ1940م)
- سليمان بن عبد الله بن يحي الباروني باشا من مواليد مدينة جادو من جبل نفوسة سنة : (1287هـ) الموافق لـ (1870م) على الأرجح.
ويعود أصل هذا البطل المجاهد العظيم إلى إحدى العائلات العمانية العريقة وهي العائلة البروانية كما يقول ذلك عن نفسه (1) .
وقد حُف الباروني بعائلة عرف تاريخها منذ القرن الرابع الهجري في مدينة طرابلس ،وعرف أفرادها بخصالهم الحميدة،وسيرتهم المحمودة ؛ إذ أنجبت هذه العائلة أكثر من عالم في المسيرة التاريخية الجهادية والعلمية لطرابلس ،وعنها يقول الشيخ الباروني: " إن المطالع يرى سيرتهم كسيرة الصحابة والتابعين لا تعاظم ولا تكبر،مع العفة التامة والعلم الغزير والاعتناء بالدين والعدل، كتاب الله حجتهم ،وسنة الرسول دليلهم، وآثار السلف الصالح منهجهم،إن جلسوا للحكم عدلوا ،وإن تصدروا للتعلم أجادوا وأحيوا ،وإن قاموا للدفاع عن وطنهم وملكهم أبلوا ونصروا وإن بسطوا أيديهم للإحسان أغنوا ،وإن شمروا للعبادة صاموا النهار وفي الليل تهجدوا.." (2) .
وفي ظل هذه العائلة ذات المجتد الرفيع ،وتحت رعاية والده عبد الله العالم الورع - بشهادة القطب أطفيش - الشيخ الوالد الحاني نشأ وتعلم هذا الولد الذي تخرج في الأزهر الشريف وعرف له - لأخلاقه ومواهبه - مركز ممتاز بين علماء وأدباء مصر .وقد تصدى لنشر العلم والوعظ والإرشاد ومكافحة الجهل بين أبناء وطنه وتخرج على يده أعلام تركوا آثارا في مجال الشريعة والأدب،وكان من أبرزهم تلميذه وابنه سليمان
__________
(1) - ينظر: الشيخ أبو اليقظان إبراهيم ،سليمان الباروني باشا ،ج:1 ،(المطبعة العربية ،الجزائر:1953م)ص:32.
(2) - (المصدر السابق) ،ص:32 (1/1)
صفحة 2
بعد أن نال حظا معتبرا في أصول الشريعة واللغة العربية على يد والده سافر إلى تونس وكان ذلك حوالي سنة:(1305هـ) وفي رحاب الزيتونة جلس إلى علماء فطاحل من أمثال عثمان المكي ،ومحمد النخلي . ولا ندري كم دامت إقامته بتونس إلا أن مسيرة حياته تدل على أنه كان في سنة : (1310هـ) قد سافر إلى مصر للاستزادة من العلم في رحاب الأزهر الشريف ورجع منها سنة: (1313هـ) إلى تونس للتداوي في حمام (قربص) (1) .
وبعدها سافر إلى وادي ميزاب حيث جلس إلى قطب الأئمة الشيخ أطفيش الذي وجد عنده الرعاية والعناية ،ودرس عنده كتاب النيل مُعتمد الإباضية في الفقه، وزار في تلك الأثناء مع شيخه كلا من مدينة القرارة سنة: (1314هـ الموافق لـ 1895م) ،والعطف سنة: (1315هـ الموافق لـ 1896م) ،وقد ارتبط بشيخه ارتباطا وثيقا لما وجد عنده من الاحترام والتقدير والرعاية، وقد توطدت علاقته برجال العلم وأعيان الفضل هناك ،وكان من أعز أصدقائه بميزاب الشيخ أبواليقظان ،والحاج عمر العنق اللذين كانت لهما مراسلات كثيرة معه وردود الباروني لهما تعد وثائق تاريخية هامة لتلك المرحلة عربيا وإسلاميا ،وقد أقام بميزاب حتى سنة: (1316هـ/1889م) .
وهكذا تمت هذه المرحلة التعليمية من حياته متنقلا يبن بيئات عربية متعددة من طرابلس إلى تونس ومن تونس إلى جنوب الجزائر ومن الجزائر إلى مصر . وتسلح أثناءها بتخصصات علمية أهلته ليكون العالم بالشريعة والأديب الشاعر،والاجتماعي المحنك ،والمجاهد العظيم .
- الباروني في الميدان :
__________
(1) - قرية جبلية في الحدود التونسية – الجزائرية بها حمام معدني. (1/2)
صفحة 3
كان يتطلع إلى إصلاح الأوضاع الاجتماعية في وطنه الصغير ليبيا وفي وطنه الكبير العالم الإسلامي .وكانت آماله معلقة في الإصلاح الداخلي بجهوده ومساعيه التي تجسدت في مشاريع إصلاحية تعليمية وتثقيفية سنذكرها في محلها ،كما تجلت آماله في النهوض بالبلاد الإسلامية في إخلاصه الثابت لدولة الخلافة تقديرا منه بأن قوة الدولة العثمانية هي قوة للإسلام الذي أخذ الغرب يتربص به الدوائر وهكذا ظل حريصا على ربط الصلات الثقافية والاجتماعية بكل الزعماء الإسلاميين بدءا بأستاذه وشيخه محمد بن يوسف أطفيش الذي لم يكن له معلما وحسب بل موجها ومرشدا ومساعدا في الميدان الوطني.
وتمثلت هذه العلاقة في حرص الباروني على الزيارة التي قام بها إلى وادي ميزاب سنة: (1907م) لزيارة شيخه أطفيش واستمداد الروح الوطنية منه . يقول أحد الدارسين"بين أيدينا عدد لا يستهان به من نسخ الرسائل المتبادلة بينهما(بين الباروني والقطب)، وقد كان السيد سعد الله عيسى العلواني الواسطة بينهما؛لأن الشيخ كان مراقبا في مراسلاته، يدل ما بقي من نسخ رسائله على تتبع الشيخ لجميع حركات الباروني وأسفاره وخططه ومشاريعه،بل كان يشير عليه في كثير من الأحيان قبل الإقدام على العمل ،كان يبعث إليه في كل مناسبة المساعدات المالية يستعين بها على الجهاد ،وتذكر الوثائق الفرنسية الموجودة في مكتبته – (ايكس) – والتي تضم التقارير التي كان يبعث بها القادة العسكريون في ميزاب إلى سلطاتهم العليا – أن الشيخ الباروني زار شيخه بميزاب سنة: (1907م) عندما كان يجمع التبرعات والاشتراكات من أجل إنشاء المطبعة البارونية ،ومن أجل الدعوة إلى الاشتراك في مجلته التي تسمى: (الأسد الإسلامي) (1)
__________
(1) - الحاج عيسى، الإمام أطفيش ..(محاضرة ألقيت في المهرجان الثقافي الذي أقامته جمعية البلابل الرستمية،بني يزقن)،ص:11.عن Archives D`outre Mer,Aix en provence , Dossier 22E17. (1/3)
صفحة 4
كان الشيخ أطفيش العدو اللدود للاستعمار الغربي كثيرا ما يوقف الدرس ليطلب من تلامذته الدعاء الجماعي لينصر الله الباروني على الكفار وذلك أثناء حربه للاستعمار الإيطالي (1911م – 1913م).
وقد عبر الباروني عن تأثره بأستاذه وشيخه يوم بلغه خبر وفاته سنة :(1914م)إنه لم يهتز للمحن التي مرت به طول فترة جهاده، ولم تدمع عينه قط إلا مرتين:عند وفاة شيخه أطفيش ، وعند وفاة والده الشيخ يحي.
(عاد الباروني من زيارته ميزاب في عام (1907م ) إلى طرابلس عن طريق تونس بعد إقامة دامت شهراً استفاد فيها علما ، وكون معارف وربط صلات ، حضارية قديمة .
ولكنه ما إن وصل الحدود التونسية حتى فتشت أ متعته تفتيشاً دقيقا ووجهت إليه تهمة السعي إلى فصل طرابلس عن الدولة العثمانية استنادا إلى حجج واهية و أوهام متخيلة منها الشهرة التي أخذ يكتسبها الباروني من نشاطه العلمي ، والسياسي وكثرة أسفاره وتنقلاته ، ومنها الاحتفالات العظيمة التي أقيمت له أثناء وجوده في الجزائر و ميزاب ، و فيها أوراق ضبطت معه و أصلها مسودات كتابه (الأزهار الريا ضية في أئمة وملوك الإباضية )وبناء على هذا وجهت إليه تهمة السعي إلى تأسيس إمامة إباضية جديدة بطرابلس ، لأن الإباضية على زعم الجواسيس لا يعترفون بالخلافة العثمانية و يوجبون الخروج عليها . (1/4)
صفحة 5
ومن هنا بدأت خطوات الباروني مع المضايقات والاستجوابات والأحكام بالسجن والنفي وما أشبه (1) ، وعلى الرغم من إطلاق سراحه بكفالة مادية ،أصدر الباب العالي أمرا بعدم براءته ،وبعزل أعضاء محكمة طرابلس التي أطلقت سراحه،ولكن المواطنين الطرابلسيين واجهوا هذا الحكم بالعصيان والتمرد وكادت تكون فتنة، فصدر الحكم عليه بخمس سنوات سجنا يقضيها في جزيرة (رودس) فثار الجبل مرة أخرى لهذا الحكم.مما اضطر معه النائب العام بإبقائه في طرابلس.
وبقى في السجن المخصص بالمنفيين من الترك وفي مركز الشرطة سنة،ثم أفرج عنه بكفالة على أن يبقى تحت نظارة الشرطة لا يتجاوز سور المدينة سنة أخرى،وأخيرا أصدر السلطان عبد الحميد أمرا بالعفو عنه ونصح الباروني بالخروج من طرابلس قبل أن تلفق ضده تهم أخرى بغية القبض عليه والحد من تحركاته وتطلعاته السياسية .
(
__________
(1) * - وجهت إليه تهمة التعاون مع دولة أجنبية ولعلهم يقصدون فرنسا إثر عودته من ميزاب علما أن وادي ميزاب من الجزائر كانت تحت الحكم العسكري الفرنسي. (1/5)
صفحة 6
هكذا واجهته المحن الشديدة بالامتحانات العسيرة منذ مطلع شبابه .ولعل الباروني أراد أن يعمل من أجل وطنه في ميدان آخر فغادر طرابلس سنة: (1902م) إلى يفرن مركز الجبل الغربي وبها أسس مدرسة سنة: (1904م)سماها المدرسة البار ونية وتولى الإشراف عليها والده الشيخ عبد الله الباروني وكانت مدرسة نظامية تدرس العلوم الشرعية واللغوية،وأنشأ إلى جوارها المكتبة البار ونية التي ضمت نفائس الكتب والمخطوطات وتابع في هذه الفترة تأليف كتاب الأزهار الرياضية ،ولعل الباروني ضاق ذرعا لمضايقات السلطان التي ما فتئت تلاحقه فقرَّ عزمه على السفر خارج البلاد متجها إلى مصر، وبالقاهرة وجد المجال فسيحا للتأليف،والطبع ،والنشر،والالتقاء بالعلماء، فأسس بها سنة : (1906م)مطبعة سماها: مطبعة الأزهار البار ونية أخذ يطبع فيها ما يراه صالحا من كتب الحديث والتاريخ والأدب ولا سيما ما تعلق منه بالتراث الإباضي،مثل حاشية الإمام السالمي على مسند الربيع بن حبيب،والأزهار الرياضية، وديوان السيف النقاد للشيخ الحضرمي وغيرها..
ولعل أهم إنجاز في هذه المرحلة هو إنشاؤه جريدة الأسد الإسلامي (1) التي أرادها صوتا مدويا للمسلمين تعَرِّف بواقعهم وتدعو إلى وحدتهم.
ولما كان أمر المسلمين هو الهدف الذي يسعى إليه الباروني ،ولما كان تفرق كلمتهم هو الذي يشغله ويحز في نفسه فقد عمد إلى فكرة طريفة وهو أن يطرح على علماء الإسلام ومفكريه جملة أسئلة يجيبون عليها في صدر هذه الجريدة،ومن هذه الأسئلة :
1. هل توافق على أن من أقوى أسباب تفرق المسلمين تعدد المذاهب وتباينها؟
2. على فرض عدم الموافقة على ذلك ،ما هي في رأيك أسباب التفرقة ؟
__________
(1) - صدر منها ثلاثة أعداد فقط ثم توقفت لأسباب سياسية ومادية. صدر العدد الأول منها في: (أبريل،سنة:1908م). (1/6)
صفحة 7
3. على فرض الموافقة هل يمكن توحيدها(المذاهب) بالجمع بين أقوالها المتباينة وإلغاء التعدد في هذا الزمن الذي نحن فيه أحوج ما نكون إلى الاتحاد قبل كل شيء؟.
ونشر بهذه الجريدة مقالات إسلامية هامة تهدف كلها إلى بث فكرة الاتحاد بين المسلمين والعمل جماعيا على صد ما يحاك ضدهم لابتلاعهم من طرف الاستعمار الغربي .
وما لبث الاستعمار أن منع الجريدة عن عمان وزنجبار وتونس والجزائر ومنعت أيضا عن الولايات العثمانية ،وأمام هذه العراقيل توقفت ولم يصدر منها سوى ثلاثة أعداد وكان ذلك سنة: (1908م).
في صيف 1908م ولد في الدولة العثمانية "الدستور" الجديد الذي وسع الحريات حتى تخيل بعض الناس أن فجرا من الحرية يوشك أن يبزغ في أفق "الدولة العلية".
وكان الدستور يقتضي أن يؤسس مجلس المبعوثان الذي هو مجلس برلمان الأمة ،وكانت طرابلس الغرب إحدى ولايات الدولة العثمانية ومن مقاطعاتها الجبل الغربي الذي رشح بالإجماع هذا الشاب الطموح الذي أخذت الأيام تعلمه أشياء جديدة في العمل السياسي ،وتوسع من أفقه المعارف والأسفار، وترشح إمكاناته الخلقية والخُلُقية لكل ذلك،ودخل سليمان ابن الثمانية والثلاثين عاما الانتخابات ونجح نجاحا ساحقا،وغدا نائبا في البرلمان العثماني .
ونظرا للصفات والمواهب التي يتجمل بها سليمان الباروني فإن رياح السياسة أخذت تدفعه دفعا ليجد نفسه في الصفوف الأمامية يحمل هم أمته ودينه ووطنه منافحا مدافعا دون جبن أو خور مخلصا لله عقيدته الإسلامية التي كانت الحافز لكل تلك الأعمال التي قام و يقوم بها، وما كان يدري أن القدر يخبئ له بعد هذه الخطوات السياسية هموما ونكبات .وقد ظل في عمله ذلك من سنة: (1908م) حتى سنة: (1911م) السنة التي نشبت فيها حرب طرابلس مع إيطاليا الغازية، ومن هذا تبدأ صفحة جديدة في حياة الباروني مليئة بصور رائعة من البطولة والجهاد في الميدان الحربي وكان من قبل لا يتعدى الميدان السياسي والدبلوماسي. (1/7)
صفحة 8
جهاد الباروني ضد الغزاة الإيطاليين
- الواقع أنه يصعب على المرء أن يكتب عن جهاد البطل الباروني في حيز مثل هذا ؛لأن ذلك يتطلب مجلدات ضخمة،وقبل الدخول معك أيها القارئ الكريم في بعض الملخصات نستطيع أن نجمل هذه المراحل في ثلاثة أطوار:
الطور الأول: يبتدأ من يوم إعلام إيطاليا الحرب على الدولة العثمانية في طرابلس الغرب وذلك يوم :(26 سبتمبر 1911م) وينتهي عند آخر معركة له في (جندوبة) في (12 مارس سنة 1913م).
الطور الثاني : يبتدأ من أواسط 1914م وينتهي في أوائل سنة: (1916م).
الطور الثالث : يبتدأ من حوالي أكتوبر1916م وينتهي إلى يوم اعتراف إيطاليا بحكومة طرابلس الجمهورية الوطنية وإمضاء قانونها الأساسي في 21 أبريل سنة 1919م .
وفي كل هذه الأطوار كان للمجاهد البطل مواقف ومعارك ،وبذل وفداء كما سنفصل ذلك فيما يلي : البطل البارونى يواجه الغزو الإيطالي
فوجئ الليبيون بقطع الأسطول الإيطالي في مياه طرابلس مساء الخميس (28سبتمبر من سنة 1911م) ، وكان سليمان الباروني حينها بـ(يفرن)،جاءها من الآستانة لتعزية والده بوفاة والدته .
وهرع الناس إلى الباروني المجاهد يسمعون رأيه .والتف حوله كثير من رؤساء القبائل وتفاوضوا في كيفية مواجهة هذا الاعتداء السّافر واتفقوا على وضع ميثاق وطني جهادي يديرون بمقتضاه دفة الدفاع عن الوطن ويبنونه على أساس قواعد الجهاد .
وكما تعوّد الباروني وانطلاقا من نظريته الوحدوية كان حريصا على أن يكون الجهاد في جيشه قوية تعلو فيه القبائل على حزازاتها المذهبية والصفرية والدخول في هذه المعركة المصيرية تحت لواء جيش موحّد هو الجيش الإسلامي الطرابلسي.
ووجد سليمان الباروني باشا نداء عاما إلى المسلمين في حيّز طرابلس يستنهض الهمم ويحضّ على الجهاد دفاعا عن الدّين والوطن وكان نداء قويا،يهز الأفئدة ، ويوقظ الضّمائر ، ويلهب الشّاعر، وممّا جاء في هذا الخطاب : (1/8)
صفحة 9
"أيّها الناس إنه من قضاء الله وقدره أن سلّط على وطننا امتحانا لنا تستهين بالإسلام , فسوّلت لها نفسها الخبيثة الاستلاء على بلادنا , وغصب أراضينا ونسائنا , واستخدام أبنائنا كالعبيد , لأبلغها الله ذلك ...
... هاهو وطنكم العزيز يناديكم , ودينكم القويم يستنجد بكم , ونبيّكم ( محمّد صلّى الله عليه وسلّم ) يخاطبكم من قبره بقوله :" الجنّة تحت ظلال السّيوف " .وبقوله تعالى : (جاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله )
انضمّ المجاهدون بزعامته (الباروني ) إلى إخوانهم المجاهدين من القبائل الأخرى ووقفوا جنبا إلى جنب مع الحامية العثمانية بقادتها من الترك والعرب الذّين أبدوا استبسالا نادرا كاد يغطّي الإهمال الطّويل الذّي عاملت به دولة آل
عثمان هذا القطر الفقير غير أنّ العدوّ كان متفوّقا عدّة وعددا ،والمجاهدون ليس عندهم سوى الإيمان بالله والوطن فإن أسلحتهم قبيلة ومتخلّفة . ومع ذلك كانت مهوّلة بالنّسبة للإيطالييّن ووجّهوا باستبسال وفدائية ، ولم تكن الغزوة نزهة بحرية . منها بعد أسبوعين كما ظنّوا وصرحوا في بداية الغزو .
ولعل من أروع المعارك التي خاضها المجاهدون (معركة الهاني –شارع الشّطّ-).
وتسمّى أيضا معركة (المنشية) وكانت في أول أكتوبر من سنة (1911م) لقد تكبّد بها الإيطاليون خسائر فادحة باعترافهم ، ممّا جعلهم ينتقمون من الأهالي العزّل ، فراحوا يقتلون الشّيوخ والعجائز والأطفال في بيوتهم ، وظهرت إيطاليا أمام العالم الهمجي المتوحّش بشهادة الصّحافة الأجنبية المرافقة للحملة .
قام المجاهدون يبذلون كلّ طاقاتهم في الجهاد ضدّ الغزاة كانت الدّول الأوروبية تسعى إلى حمل الدّولة العثمانية على عقد صلح مع إيطاليا المعتدية ، وكان لهذا التطوّر أثرا سيّئا في نفوس المجاهدين ،وكان احتجاج الباروني لدى مجلس الأمة العثمانية صارخا حادّا .
وقد جاء فيه ما يلي: (1/9)
صفحة 10
إننا لا نرضى بصلح يُخل بعثمانيتنا، ويجعل للعدو مدخلا إلى بلادنا ،ولو أبرمته الدول ورضيه الخليفة.
ونحن إلى الآن نحارب باسم العثمانيين والطرابلسيين ،فإذا أبرم الصلح على ما لا يرضينا أمكننا الاستمرار في الحرب باسم الطرابلسيين فقط إلى آخر قطرة من دمائنا ، وليس بيننا متقاعس عن الحرب أو ميال إلى العدو أو مسالم له ،وقد أوجبنا الحرب إلى كل قادر دون استثناء.
وما دامت الدول العظمى ملتزمة بالحياد فإننا نحارب باسم دولتنا وموطننا ،وقد ظهر منها الوقوف في طريق انتصاراتنا وقوف غير مشروع فإننا نعد ذلك منها تعصيا،ولذا فإننا سنحارب باسم الدين فقط (1) .
ولكن تواطأ الغرب الصليبي من جهة وضعف الدولة العثمانية من جهة أخرى ،مع قلة عدد المجاهدين وتقلص عددهم وانقطاع مد السلاح والذخيرة عنهم ،واشتداد النزاع بين الاتحاديين والائتلافيين داخل تركيب ،واندلاع لهيب الثورة في دول البلقان ضد الدولة العثمانية ،هذه العوامل كلها مجتمعة .اضطرت الدولة العثمانية إلى الدخول في مفاوضات مع إيطاليا النازية وإذا بالمفوضات تنتهي إلى عقد ما يسمى معاهدة (أوشي)بتاريخ 18 أكتوبر 1912.
وبعد مضي عام كامل على الغزو الإيطالي الهمجي،لم يمكنوا من الاستيلاء على هما طرابلس ،وزوارة وبعض القرى الصغيرة الأخرى .ولكن حماسة المجاهدين ظلت متأججة متطلع إلى الظروف المناسبة التي تشعل فيها نار الثورة ضد الغزاة من جديد.
صميم المجاهدين طبعا هدنة (أوشي) بين الدولتين العثمانية والإيطالية ،وأصيبوا بخيبة أمل كبيرة في دولة الخلافة التي تخلت عنهم في أحلك الظروف ،وعاودتهم تلك الشكوك من أن العثمانيين قد فرطوا بحقوق وطنهم عندما أهملوه في الماضي وهاهم اليوم يتعهدون بسحب قواتهم على قلتها من الموكة دون أن يستشيروا أبناء البلاد الذين هم أصحاب الشأن أول ...
__________
(1) ينظر سليمان الباروني،سلسلة نوابغ العرب. (1/10)
صفحة 11
وسرعان ما انقسم القادة المجاهدون إلى رأيين إزاء هذا التطور الخطير .
ومن يطالب المفاوضة مع الطلبان للاعتراف بالاستقلال الذي منحهم إياه السلطان العثماني واستكمال ما في المعاهدة من فرائض ...
ومن ... الاستمرار في الجهاد ومصارعة الأعداء إلى النهاية وعدم التسليم بالأمر الواقع وكان على رأس هذا الفريق سليمان الباروني باشا .
وما لبث أنصار الجهاد أن اتخذوا من القرب ... في الجبل الغربي مركزا لهم واختاروا سليمان الباروني قائدا ورئيسا لحكومة طرابلس الجديدة وكون أجنحتها العسكرية والمدنية وقام بإبلاغ الدول العظمى والصحف الكبرى بإنشاء هذه الحكومة وأرسل إلى أوروبا وهذا للسعي لدى حكوماتها لنيل الاعتراف بها .وهكذا وضع الباروني الإيطاليين أمام الأمر الواقع ردّا على موقفهم السابق .
واشتعلت الحرب بين المجاهدين والإيطاليين حامية الو ... ،وكان من المشاكل التي واجهت الحكومة ال ... نقص المال ،وقلة العتاد والذخيرة والاختلاف بين المجاهدين الذين انقسموا كما ذكرنا من قبل ما بين مؤيد للجهاد،ومحب للتفاوض .
وعلى الرغم من أن إيطاليا أخذت تكتسح أماكن جديدة وتوسع من رقعة اغتصابها، إلا أنها لم تستطع الوصول إلى الجبل الغربي مركز القيادة المحصن .
وقد استمر الحال على هذا النحو من تأسيس الحكومة الوطنية الجديدة حتى مارس(1913)وقد أوضح الباروني منهجه في الجهاد من أجل الدين والوطن في رسالة رد بها على القائد الإيطالي الذي أرسل إليه رسالة فيها مطاعن في شخص الباروني ومقاصده.وحيث يقول :ليكن في علمكم أني لست متقلبا،ولا غدارا،ولا محبا للمال،ولا معادياً للإصلاح والمدنية ولكني رجل عارف قيمة الوطن ،ومعنى الدين ،ولذة الحرية ،وفضيلة الشرف فإنا من أرشد الناس شوقا إلى رؤية بلادنا را ... في حلل الرقي على شرط حفظ كرامة سكانها وبقاء استقلال المشروع . (1/11)
صفحة 12
وإني لأستسهل في جنب حرية النفس كل صعب ... وها أنا آكل من الطعام أخشنه وأنام على الأرض متوسدا سرج جوادي ،وأشرب الماء المالح تارة والمر أخرى ،وأسير في الليل المظلم الممطر ،ولا أرى هذا إلا ألذ من الشهد ،ولا يزيد جأشي إلا ثباتا (1) .
وطالما حاول الإيطاليون الإيقاع بالمجاهد الباروني بالإغراء بالمال وشراء الضمير،ولكنه كان أشد عليهم وأصعب مما تصوروه،فما كان منهم إلا اللجوء إلى القوة بحشد كافة قواتهم لضرب هذه الجبهة المعارضة التي رغم الاختلاف بينها وبين المجاهدين الآخرين – بقيت صامدة ثابتة مُسلحة بالصبر والإيمان بالله والوطن.
ودارت معارك طاحنة مهولة استشهد فيها مجاهدون كثيرون ،وتكبد فيها الإيطاليون أفظع الخسائر والسلاح والجنود، وكان الغزاة يستخدمون كل وسيلة لقهر المجاهدين مثل:حرق المدن وتقتيل الأبرياء من الأطفال وشيوخ وعجائز.في مواقع وقرى يحفظ التاريخ أسماءها.
ولكن نفاذ الذخيرة،والتعب والانكسار المتوالي علمهم أن العدو ظافر بهم لا محالة بعد أن أحكم حصاره عليهم .
أثر كل ذلك في المجاهدين الذين لم يجدوا ملجأ إلا الالتجاء إلى تونس.وهكذا اجتازوا الحدود وكان على رأسهم المجاهدان سليمان الباروني ، و الشيخ محمد سوف وغيرهم .
وما أن تجمعوا في الأراضي التونسية حتى طلبت منهم السلطة الفرنسية الاستعمارية المتواضعة مع الطليان بتسليم سلاحهم قبل كل شيء ،ولما سلموا سلاحهم قالت لهم السلطات إن الأراضي التونسية لا تتسع لكم هيا ارحلوا.
وهكذا آثر بعضهم الرجوع إلى طرابلس،وفضل آخرون الالتحاق بالمجاهد الكبير محمد بن عبد الله البوسيفي في فزان ،ورغب سليمان الباروني في السفر إلى (الآستانة)،واختار الشيخ محمد سوف الهجرة إلى بلاد الشام (حلب).
__________
(1) - سلسلة نوابغ العرب،(13)،سليمان الباروني،(دار العودة،بيروت:1985م)،ص:61. (1/12)
صفحة 13
ولما وصل الباروني إلى (الآستانة)أكرم السلطان محمد رشاد وقادته ،وأنعم عليه برتبته الباشوية – وكأن الباروني اتخذ من اللجوء إلى الآستانة فرصة لالتقاط الأنفاس وتجديد خطة الهجوم على الأعداء،ولم صفوفه.وتحين فرصة الرجوع إلى طرابلس الغرب لمعاودة الجهاد العتيد من جديد.
وبعد أ، أعادت الدولة العثمانية في ضوء ظروف السياسية العالمية النظر في علاقتها بطرابلس الغرب، وبعد أن تحسس يحي الباروني شقيق المجاهد سليمان الباروني الميدان عن كثب في سنة: (1916م)واختبر وضعها وسكانها عاد يحي الباروني إلى الآستانة ليبلغهم بما رآه من عزم الطرابلسيين على مداومة الجهاد فكان ذلك مما قوى الأسباب لدى أولياء الأمر في الآستانة لإلحاق طرابلس الغرب بالدولة العثمانية من جديد والوقوف أمام الغزو الإيطالي .
وهكذا أصدر السلطان محمد رشاد مرسوما بذلك ، ومرسوما بتعيين سليمان باشا الباروني واليا على طرابلس الغرب و(قوماندنا)عليها.
وحملته واليا جديدا على طرابلس في غواصة نزل ... ... ... في يوم من أيام أبريل من سنة: (1916م).
وأرسل الباروني كتابا إلى كبار المجاهدين والأعيان والمشايخ يخبرهم بأمره..واتخذ من مدينة الزاوية مركزا له،ورفع فيها العلم العثماني في يزم مشهود..وتفرع إلى تنظيم القوات الطرابلسية كلها في جهة واحدة..من حدود(مصراتة) شرقا إلى مركز (زوارة)على الحدود التونسية،بعد أن بذل مجهودات حثيثة في مصالحة الزعماء الذين أضناهم التنافس فوحد قلوبهم فولى كل زعيم على المنطقة التابعة له،على أن ينفذ تعليمات الحكومة المركزية وأوامرها.
وهكذا انطلقت مرحلة جديدة من الجهاد ضد المعتدين. (1/13)
صفحة 14
وظل الحال على ذلك عامين،وكانت الحرب العالمية انتهت بانكسار الدولة العثمانية كما هو معروف ،فكر الباروني والمجاهد الكبير رمضان السويلمي في تأسيس دولة مستقلة تكون جمهورية إسلامية لا علاقة لها بالدولة العثمانية،وانتهى قيامها تحت اسم الجمهورية العربية الليبية ،كان ذلك في نوفمبر سنة: (1918م). وقوبل هذا التطور الهائل بالفرحة العارمة من الشعب الليبي ووجه بالمكر والتحايل من الحكومة الغازية،فما لبث الطليان أن أرسلوا في 8 فبراير سنة:(1919م)إلى الحكومة الجمهورية الطرابلسية بكتاب مفاده..نظرا لأن حضرة سليمان باشا الباروني قد عين قبل نشوب الحرب العالمية عضوا في مجلس أعيان الدولة العثمانية لذلك لا تصير له صعوبة إذا ركب ..وتوجه إلى الآستانة وأقام بتركيا مع كونه من أبناء القطر الطرابلسي.وكان موقع الخطاب الجنرال تارديني رئيس دائرة السياسة العسكرية ؛ومعنى الخطاب }ارحل عنا غير مطرود{ بعد أن رأوا في الباروني العقل المفكر ،والجهاز المحرك لما يجري في الجمهورية الفتية.
لقد بذل الطليان جهدا ومالا وأرواحا في سعيهم لاحتلال إقليمي (طرابلس)،و(برقة)،فما نالوا بعد حرب سبع سنين بل ثماني تعاقب فيها الكر والفر،سوى بضع مدن على الساحل،لم تستطع أن تمنحهم الأمن والطمأنينة ،ولا الانتصار الساحق الذي ظنوه أول الأمر.
ولكي تكتمل المؤامرة فصولا سعى الإيطاليون إلى تقسيم آراء المجاهدين عن طريق المفاوضات والحرب في آن واحد.
وما قطع مفاوضات واستئناف حرب،ثم عودة إلى المفاوضات – اتفق العرب والطليان على قاعدة للصلح هي: (1/14)
صفحة 15
? منح الشعب الطرابلسي دستورا يخوله مباشرة حقوقه المدنية والسياسية ..الحق في القيام بواجباته الكبرى مثل الشعوب المتمدنة ،وثم في الأول من مايو (1919م) وضع القانون الأساسي وعين بموجبه أعضاء حكومة القطر الطرابلسي وهم ثمانية،ولكن البطل المجاهد سليمان الباروني الذي آمن بالاستقلال أو الانضواء تحت دولة إسلامية اعتذر عن الدخول في هذه اللعبة رغم الإلحاح عليه ،وحجته في ذلك أنه عثماني ويريد الاحتفاظ بعثمانيته ، وبوظيفته في مجلس الشيوخ العثماني.
وما لبث أن غادر طرابلس إلى الآستانة في نفمبر(1919م)ولكن صادف قدومه إليها انقلاب الكماليين بقيادة مصطفي كمال،فخابت آماله وعاد أدراجه إلى طرابلس في مطلع العام الثاني بعد أن لبث بها ثلاثة أشهر.
( عاش سليمان الباروني بعد عودته إلى طرابلس بعيدا عن السياسة وأضوائها وهو متيقن في أعماق نفسه أن هذا الأمن تحت الحكم الإيطالي لن يستمر،لا إيطاليا تتطلع إلى جعل طرابلس وبرقة مستعمرتين نابعتين لهم في كل شيء ،وهنا توالت الدسائس مرة أخرى ضد الباروني الوطني الغيور الذي أتهم مرة أخرى بإحداث الفتنة في صفوف المواطنين.
فلم تلبث السلطات الإيطالية أن طلبت منه – و كان هذا سنة:(1922م) – مغادرة البلاد،وتحت المؤامرة والتهديد لم يجد الباروني حيلة سوى أن يغادر وطنه دامع العين مجروح القلب دون أن يودع أهله وأولاده (1/15)
صفحة 16
حملته ريح الاغتراب مرة أخرى إلى الآستانة ،ثم أنقرة ،ولكنه وجد أن الأمور هناك قد تغيرت تماما وأصبح الحكام كماليين ،وهم أعداء الخلافة الإسلامية ،ولم يستقر به المقام هناك فحاول السفر إلى الشام..أو مصر،أو تونس،أو الجزائر ،ولكن الاستعمار الإنجليزي والفرنسي والإيطالي أجمع على محاصرة المجاهد خوفا منه ،ولم يجد حيلة إلى الخروج سوى التنكر تحت جواز سفر يحمل اسم سليمان بن عبد الله العثماني،فاجتاز(رومانيا)في طريقه إلى أوربا،واستقر المقام به في (باريس) ظانا أنه يجد هناك الحرية التي كانت تدعيها فرنسا،ولكن ما إن تفطنت السلطات الفرنسية إلى الحقيقة حتى فرضت عليه المراقبة الشديدة ،ومنعته من مغادرة فرنسا،وراح يتنقل بين (باريس)و(مرسيليا) ،وظل هناك يبذل كل المحاولات ليؤذن له بالخروج إلى بلد عربي ولكن دون جدوى.
غير أنه لم ييأس من المغامرة مرة أخرى فاستصدر جواز سفر جديد باسمه المنتحل وسافر به إلى تونس ،وما إن اكتشف أمره هناك حتى أعيد إلى منفاه مرة أخرى،ولم يفت هذا الحصار الاستعماري في عزيمته،ولا نال من إيمانه وهو يعيش هذه المحنة القاسية،محنة الاغتراب بعيدا عن وطنه وأهله وأبنائه .
ونلمس هذا النفس الإيماني القوي،وهذا الصبر الراسخ من خلال رسالة بعث بها إلى صديقه أبي اليقظان وهو في (مرسيليا)بتاريخ:(17 يناير1964م)وأرفق رسالته هذه رسما له وكتب معلقا:
"إن صاحب هذه الرسالة هو على ما تعلمونه ،وبناته اللواتي لبسن أفخر الثياب وأكلن ألذ الطعام،وسكن أعظم قصر في أجمل موقع في الأرض ،يأكلن اليوم خبز الشعير ،ويلبسن الصوف،ويغزلنه بالأجرة لمن كان يتلقى إحسانهن صباحا ومساء وتلك حال لا تدوم بإذن الله ،ويسكن دويرات بين كثبان رمل (زوارة)..ولومد صاحب الرسم يده،أو ألان جانبه لكان أغنى من قارون،ومع ذلك كله لم يتأثر حزنا،ولم يسهر أسى وأسفا،بل هو لم ييأس،ولم يزل يقول:
يودون موتي ولكنني على رغم أنفسهم لا أموت (1/16)
صفحة 17
الفرج بعد الشدة :
بعد هذا الليل الاستعماري الطويل جاء الفرج من عند الله،فقد كتب إلى الشريف حسين بن علي – وكان قد تعرف عليه في الآستانة – يطلب منه الإذن وتسهيل السفر إلى مكة لأداء الفريضة علما بأن الباروني – ذو النزعة العثمانية الأصلية – كان قد نشر مقالا في جريدة الصواب ينتقد فيه بشدة سياسة الشريف حسين ومعاهدته مع الإنجليز،وحتى يعبر عن موقفه الثابت أرسل صحبة الطلب صورة من ذلك المقال حتى يكون الشريف حسين على بينة من أمره،وبعد أن اطلع الشريف حسين على المقال قال معلقا:إن الباروني ما كتب إلا عن حسن نية ونصيحة.وأمر بالإذن له بالحج فورا.وهذا موقف تتجلى فيه عظمة الباروني من جهة،وسمو الشريف من جهة ثانية اللذين استطاعا أن يضعا مصلحة الأمة فوق كل اعتبار،ويطرحا الحقد والمصلحة الشخصية جانبا.
وهكذا أتيح للباروني أن يغادر مرسيليا بعد أن قضى فيها سنتين كاملتين مُراقبا مُلاحقا.وكان هذا اليوم بالنسبة إليه يوما سعيدا لا يعد له إلا يوم تحرره من السجن في عهد السلطان عبد الحميد كما أشرنا إلى ذلك في مكانه ،وكانت مغادرته لفرنسا في(14 يوليو1924م). (1/17)
صفحة 18
وبعد رحلة لم تخل من المراقبة البوليسية الشديدة ،ولا سيما بعد أن رست السفينة في الإسكندرية – وصل جدة واستقبل استقبال الأبطال ،واحتفل به الاحتفال اللائق بمقامه،فإن الشريف حسين كرمه ،واحتفى به شخصيا،وقلده نيشان (الاستقلال الهاشمي) ،ومع ذلك ظل الباروني ثابتا في موقف السياسي الوطني فلم يبايع الشريف بيعة الخلافة كما بايع غيره من الزعماء والوجهاء (1) ،وليعبر بهذا الرفض على الخط السياسي الذي يؤمن به وهو الوحدة الإسلامية تحت راية }لا إله إلا الله محمد رسول الله{ ،وأن كل عمل تجزيئي لا يكون إلا في صالح الاستعمار الغربي المتربص بالمسلمين الدوائر ،وقد صدَّقت الأيام بُعد نظر الباروني،وظهرت توقعاته في الساحة العربية ظاهرة في المعارك والحروب والمناوشات التي أخذ الإنجليز يشعلون فتيلها من حين إلى آخر ولا سيما في الجزيرة العربية والشام كما هو معروف.
سليمان الباروني باشا في عمان:
بطلب من الباروني الذي كان يتطلع بشوق ولهفة إلى زيارة إخوانه وموطن أجداده في عمان توسطت له الحكومة العربية لدى السلطات الإنجليزية لتسمح له بزيارة مسقط وعمان – كما كان يطلق عليها آنذاك (2) - ،وقد رحب بهذه البادرة كل من السلطان تيمور والإمام الخليلي،وعلى الرغم من أن السلطان كان غائبا في الهند إبان وصوله إلى مسقط إلا أنه استقبل استقبالا رسميا حافلا ،وأرسل إليه السلطان برقية جاء فيها:"قدوم مبارك لبلادنا ،أرجو أن يكون شعبي قد استقبلكم بكل احترام".
فكانت هذه اللفتة الكريمة جديرة بأن تنسيه متاعب الاغتراب ،وآلام النفي ومتاعب الجهاد،ومشقات التطواف والسفر .وكانت للباروني آمال عظيمة يتطلع إلى تحقيقها بأرض أجداده الطيبين.
__________
(1) - يُراجع: أبو اليقظان،(مرجع سابق)،ص:206،وفي نفس المرجع أسباب ولائه للعثمانيين.
(2) - وكان وصوله إليها أوائل سنة:(1343هـ /1926م). (1/18)
صفحة 19
وكانت سنتان ظل فيهما الباروني محل رعاية وإجلال واحتفال حيثما نزل من أرض عمان،وقد خلد أدباؤها وشعراؤها هذه المناسبات بقصائدهم الرنانة،ولم يغفل الباروني أن يسجل خطراته وخواطره تجاه هذا التحول العظيم في حياته سلبا وإيجابا في رسائله التي كان يراسل بها إخوانه بالجزائر (1) .
وكان همه الدعوة إلى جمع الكلمة والاتحاد،وإصلاح الصدع الذي كان يطفو على السطح في العلاقات بين السلطان ،والإمام من حين إلى آخر،وكان موضع الثقة والاستشارة من الطرفين.وأخلص الباروني وعمل ليل نهار ليجعل من هذه الأمة دولة عظيمة تقضي على الجهل والمرض والتخلف،فما مضى عليه عامان حتى اكتسب محبة الحاكم والمحكومين ويبدو أن علاقاته كانت بالإمام الخليلي أشد،واستقراره في الداخلية أدوم؛واستجابة لحماسة الباروني في إصلاح شؤون البلاد على النهج العصري سياسة وصحة وثقافة أصدر الإمام الخليلي انطلق المنادون به بإعلانه في الأسواق،وقد جاء فيه ما يلي:
من إمام المسلمين محمد بن عبد الله الخليلي إلى جماعة المسلمين:
ليُعلِم الحاضر الغائب..أني فوضت الأمر في تنظيم المملكة تنظيما صالحا..للشيخ سليمان الباروني فبيده الملكية،والعسكرية،والمالية،والسياسة الداخلية،والخارجية ،ومن يخالفه أو يقف في سبيل أعماله الإصلاحية يعاقب،ولا يلوم إلا نفسه.
كانت إرادة الباروني شيئا وإرادة الله – جلت قدرته – شيئا آخر ،فما لبث الباروني بعد نزوله عمان أن أصيب بحمى (الملاريا)التي أثرت في جسمه تأثيرا عظيما،جعلته يشفى حينا ليمرض أحيانا أخرى،وهكذا بين الإبلال والمرض كان يقوم بأعماله في صبر وتحمل شديدين.
__________
(1) - يُراجع: الشيخ أبواليقظان إبراهيم،سليمان الباروني ج:2 .ففيه بعض هذه الوثائق. (1/19)
صفحة 20
وفي سنة:(1348هـ)أنشأ بما عده الإمام الخليلي مدرسة نظامية في سمائل كان يهدف أن تكون على غرار المدارس الإصلاحية التي عرفها في المغرب العربي حتى تكون نقلة للتعليم من طرازه التقليدي إلى الطراز الحديث.
كما استقدم أول طبيب عربي وهو صديقه السوري بشير فوزي الجمال الذي كان يداوي جيشه أثناء الحرب الطرابلسية ولكن ما إن وطئت قدماه أرض عمان حتى انتقل إلى جوار ربه متأثرا بحمى (الملاريا)التي لم تكن ترحم أحدا.فكان هذا الطبيب أول المصابين بهذا الداء الفتاك.
وقام وهو بعمان بأعمال جليلة في المجال الدبلماسي أيضا.من ذلك تكليف السلطان له بحمل رسالة وساطة لإصلاح ما كان بين ملك نجد عبد العزيز آل سعود،وملك الحجاز حسين بن علي من مناوشات وحروب ،وهذه المكانة تدل على ما يتمتع به هذا المجاهد العظيم من تضحيته في سبيل الأمة الإسلامية ولم يصرفه ما هو فيه من مرض وأتعاب عن الاهتمام بقضايا أمته حيثما كان ،ولكي تتبين مكانته لدى عارفي قدره آنئذ نستشهد ببعض ما جاء في رسالة السلطان تيمور بن فيصل إل الملك الحسين:
" حامل كتابنا هذا هو الوصية المحبوب لدى الدولتين المحترم الشيخ سليمان باشا الباروني أحد علماء مذهبنا ومن رجال الإسلام المعروف لديكم شخصا وعملا،..إلى ملككم مضحيا خدماته فيما فيه مصلحة الأمة الإسلامية ولديه إخلاص كامل ..
وقد أصحبناه كتابنا هذا لينوب عنا في عرض إحساسنا ،وتألمنا العظيم مما لا زلنا نسمعه من استمرار الحرب حول حرم الله المقدس بين إخوان مسلمين كلهم يدينون بتعظيم بيت الله الحرام وشعائره المقدسة فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم (1) ".
__________
(1) - الرسالة مؤرخة بـ (12 رمضان 1343هـ) (1/20)
صفحة 21
وكانت مكانته لدى الإمام محمد بن عبد الله الخليلي جليلة،مقدرا في الباروني ما يتمتع به من إخلاص للأمة الإسلامية ويتحلى به من صفات ،ومزايا تؤهله ليكون جديرا للنيابة عن الأمة العمانية قاطبة وذلك بمناسبة عقد المؤتمر المزمع عقده في مصر للتباحث في شأن الخلافة والأماكن المقدسة.
..أن يكون رأيه مطابقا لقواعد الشرع الصحيحة ،ومما جاء في هذا الخطاب التاريخي ما يلي:
"أما مسألة الأماكن المقدسة فليكن رأيك فيها مبنيا على حمايتها من عبث العابثين بها ووقايتها من تسلط كل يد أجنبية عليها مهما كانت مقاصدها وصبغتها،وقد استحسنا جدا تكليف السلطان إنابتك بالتوجه إلى الحجاز مندوبا من طرفه وحاملا كتب نصيحة منه إلى المتحاربين حول بيت الله الحرام.فنعم الرأي رأيتماه فإن المسألة من أهم ما يجب أن يهتم به كل مسلم ،وإننا لا نزال في شغل من ذلك والمنتظرين من جنابك موافاتنا بالأخبار الصحيحة بدون فاصلة والله نسأل أن يوفقك والمسلمين أجمعين إلى ما فيه خير دينهم ودنياهم (آمين).
وإن دل هذان الموقفان فإنما يدلان على مكانة الباروني من جهة،وعلى نظرة الإباضية واهتمامهم العظيم بالوحدة الإسلامية وحرصهم الدائم على لم شمل المسلمين وهو كما علق على ذلك الشيخ أبو اليقظان حيث يقول:"ليعتبر الأخ الباحث كم تفيد هذه الوثائق التاريخية من اهتمام أئمة الإباضية وملوكهم وزعمائهم بشؤون الإسلام والمسلمين عامة ،وبأحوال الأماكن المقدسة خاصة،خلافا لمن يزعم أن الإباضية يعيشون لأنفسهم كأنهم لا يعنيهم من أمور الإسلام والمسلمين شيء،وهي تهمة لا تخرج إلا من أفواه الذين يتجاهلون كثيرا من مواطن الإسلام والمسلمين على قاعدة عدم الاعتراف بالوجود زهوا وغرورا.." (1)
- مرض الباروني وسفره إلى بغداد:
__________
(1) - أبواليقظان،(مرجع سابق)،ج:1،ص:253. (1/21)
صفحة 22
من أهم العوامل التي لم تساعد الباروني على تنفيذ مخططاته السياسية والتعليمية والمالية في تنظيم الدولة هو أنه كان على حد تعبير أبي اليقظان إما على الفراش يعاني المرض ،وإما على الحصان يعاني العناد ومشقات السفر.
وكانت حمى الملاريا التي أصابته في السنوات الأولى من نزوله أرض عمان السبب الأكبر في اعتلال صحته كما تدل على ذلك رسائله الكثيرة في هذا الشأن،ولعله ظل يقاوم المرض حتى سمح له ،أو طلب هو بأن يغادر عمان للمعالجة في بغداد كما نستدل على ذلك من خلال رسالة توجه بها إلى أصدقائه في الجزائر.مؤرخة بـ ):26 محرم 1348هـ( مرسلة من بغداد وجاء فيها ما يلي:
أما بعد،فإني بخير وصلت البحرين والبصرة ثم بغداد سيفحص كيماوي المستشفى الملوكي اليوم دمي ليتحقق العلة (وما هي إلا الملاريا والطحال)،وغدا أباشر استعمال الدواء،أما صحتي بعد خروجي من مسقط ففي تقدم سريع وكأنني اليوم ما بي شيء والحمد لله ،هواء وحر عمان ما أشدهما وأقساهما على الغريب.
والله إني إذا افتكرت أني سأعود إلى عمان أندهش،وكأني أرى نفسي قادما على يوم المحشر لما كنت أقاسيه من ألم مستمر وتقهقر في صحتي يوما فيوما وعدم تلذذي بأي شيء من أكل وشرب ونوم (1) .
وتعبر رسالة أخرى أنه عاد إلى سمائل من بغداد وهي مؤرخة بـ (25 جمادى الثانية 1348هـ).
وما لبثت عائلته أن لحقت به واجتمع شمله بهم بعد فراق دام عشر سنوات كاملة،ولكن المناخ العماني لم يساعد أولاده فعاد ابنه الأكبر إبراهيم إلى بغداد حيث يدرس ويتداوى،وأقامت عائلته ما بين مسقط وسمائل تشفى حينا وتمرض حينا وعندما توفيت جدة الأولاد واختل عقل إحدى بناته واعتلت صحة الباقين من أولاده اضطر مرة أخرى إلى نقلهم إلى بغداد..الطبيب الذي قال له ستقدمهم جميعا إلى القبر إن لم تسارع إلى إخراجهم.
__________
(1) - (المصدر السابق)،ج:2،ص:78. (1/22)
صفحة 23
وأما هذه الوضعية الصحية السيئة لأفراد عائلته أضطر إلى إرساله إلى بغداد،وهكذا لم يجتمع شمله بعائلته حتى فرقت بينهم الأسباب والأقدار مرة أخرى،فظل مشتتا بين بغداد ومسقط التي غادرها في صفر من سنة:(1351هـ)وظل يتنقل بين عمان وبغداد حسب اعتلاله واعتلال أفراد عائلته وبرئهم ، وقاسى في هذه الظروف شظف العيش وقلة ذات اليد وصلت به في بعض الأحيان إلى مزرية جدا ، وكان أشد ما يقلقه مرض أولاده ولا سيما ابنه البكر إبراهيم ،ولعل شدة الأمراض والمتاعب النفسية أثرت على صحة الباروني فأصيب بمرض ضغط الدم حسب رسالة مؤرخة بـ (29 رجب 1356هـ).
ويبدو أن استقرار الباروني كان ببغداد منذ رجب سنة (1352هـ) ولما ألح عليه المرض وأمس بدنو أجله انتقل بعائلته من بغداد إلى مسقط،وقد نزل لدى السلطان سعيد في منازل العز والكرامة ، وكانت آخر رسالة منه إلى أصدقائه بالجزائر مؤرخة بـ (12 صفر 1359هـ)وقد جاء فيها ما نصه:
"تقرر أن أسافر مع جلالة السلطان إلى الهند في الأسبوع المقبل إن شاء الله..".
- مرضه ووفاته:
ظل هذا البطل العظيم الذي قدر عليه أن يلازمه العناء طوال حياته يصارع مرض ضغط الدم وحمى الملاريا،التي نشبت فيه أظفارها،ومع ذلك لم يستسلم للمرض وإنما كان يزاول أعماله بدأب وجد.
وعندما اشتدت عليه وطأة المرض سافر على نفقة السلطان سعيد إلى بومباي بالهند للمعالجة وكان ذلك صبيحة يوم المولد النبوي الشريف من سنة:(1359هـ)،ولم تمض بعدها أيام حتى جاء نبأ وفاته،وكان ذلك صبيحة يوم 23 من الشهر نفسه،ولم يعش ببومباي غير ساعات قليلة سقط بعدها مغشيا عليه فحمل إلى المستشفى،وكان قد فقد قوة النطق والحركة وفارقت روحه الطاهرة جسده إلى بارئها بعد جهاد طويل ،ومعاناة قاسية عرف أثنائها الغربة والتطواف،وشظف العيش،وتحمل كل ذلك محتسبا صابرا في سبيل وطنه الإسلامي الكبير،وتقول ابنته زعيمة بأنه مات بمرض ضغط الدم في أول ماي من سنة: (1940هـ). (1/23)
صفحة 24
ولن نطوي صفحة هذا المجاهد العظيم الذي يجهله الكثيرون دون أن نستشهد بما قالته عنه ابنته زعيمة وهي تلخص جهاده في سبيل الوطن والدين،وكانت إلى جانبه في اللحظات الأخيرة:
"إن أبي ظل معتبرا نفسه إلى اللحظة الأخيرة مركزا للمقاومة الوطنية سلبية كانت أم إيجابية ،ورغما من أن مرضه زاد عليه حتى بات لا يستطيع القيام بأعباء عمله الجليل إلا أنه كان يستطلع أخبار الوطن دائما إذ كان يتتبع أخبار الراديو إلى الهزيع الأخير من الليل وهو كبير الأمل بإمكان خروج إيطاليا من أرض الوطن ،واندحارها اندحارا كليا".
وحينما تطورت الأمور في أواسك الحرب الماضية (العالمية الثانية)بالنسبة لهزيمة إيطاليا ،وقرب إجلائها عن طرابلس زادت مكاتباته مع إخوانه الطرابلسيين في تونس وسوريا ومصر،وكانت تأخذه وهو على فراش المرض رنة الفرح والزهو حينما تصل إليه خطابات مواطنيه حاملة له الأنباء السارة والأخبار الطيبة" (1) .
ويقول عنه صديقه الحميم الشيخ أبو اليقظان وهو الذي خبِره عن قرب ،ودرس أفكاره ومواقفه دراسة دقيقة مستفيضة.
"له نظر واسع لسعادة الإنسانية عموما،وإلى عزة الإسلام خصوصا،وإلى إعلاء كلمة الله بوجه أخص،وله اعتزاز كبير بالقومية الإسلامية،ورأي عمومي لمصالح المسلمين،وشغف عظيم بالاتحاد الإسلامي إلى حد الفناء فيه دون اعتبار لأي جنس..وكانت سياسته دائما في الجمع لا في التفريق ،وفي التكتيل لا في التبديد،وفي التأليف لا في التشريد،وفي التبشير لا في التنفير،وفي التيسير لا في التعسير،مهما وجد لذلك سبيلا" (2) .
- شخصية الباروني وعوامل تكوينها:
__________
(1) - أبو القاسم الباروني ،حياة سليمان باشا الباروني،(ط:2،1948م)ص:261.
(2) - أبو اليقظان ،(مصدر سابق)،ص:63. (1/24)
صفحة 25
إن الناظر في سيرة هذه الشخصية العظيمة يبهر بهذه الأخلاق العالية الرفيعة التي تحلى بها الباروني فكانت من أقوى العوامل في توجيهها ورفعتها، وتبدو هذه الأخلاق للدارس من خلال بعض الصفات والسجايا الكريمة التي اشتهر بها بين عارفي مكانته ،تذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:
قوة التحمل جسميا ونفسيا؛ فإن الأتعاب والمشاق التي قاساها وعانى منها إبان الحرب الطرابلسية مدة ثماني سنوات تقريبا(1911م-1919م) لم تفت في عضده،كما أن الانهزامات والخيانات التي تعرض لها من أولئك الذين كان ينتظر منهم التأييد والنصرة،أو المضايقات التي لوحق وطورد بها من طرف الاستعمار الغربي مجتمعا ضده الفرنسيون الذين حرموه من تونس والجزائر ،وضايقوه في فرنسا،والإنجليز الذين منعوا عنه مصر والشام وتعقبوه في الباخرة المسافرة إلى الحج،وأفسدوا خططه التوحيدية أينما حل وارتحل .ثم الإيطاليون الذين حاربوه حربا عسكرية فقتلوا أهله وذويه ،وشردوه هو وأولاده وأخرجوه من وطنه ليعيش ست عشرة سنة من حياته مشردا من بلد إلى آخر:(1924م – 1940م) حتى مات غريبا في بلاد نائية.
يقول الشيخ أبواليقظان صديقه الحميم :
"ما كاد يتم حياته العلمية حتى فاجأته المحن الكبرى ،وأحاطت به النكبات إحاطة السوار بالمعصم،لا تتركه محنة إلا لتسلمه إلى أخرى ؛من محنته مع الدولة العثمانية سجنا وإبعادا وملاحقة إلى الحرب ضد الاستعمار الإيطالي وما فيها من بؤس وشقاء وشظف عيش وأهوال ،إلى النفي والإبعاد من بلد إلى بلد ،ومن قُطر إلى قُطر (1) .
وقد اشتهر بين عارفيه – رغم ذلك – بالإيثار والفضل ،والكرم والسخاء،والصدق والنزاهة ،والورع والتقوى ،والشجاعة ورباطة الجأش حتى قال عن نفسه:"لا أعلم أني بكيت عند وفاة أقاربي من والدي إلى أولادي ،ولا نزلت مني دمعة واحدة في أشد المحن التي لاقيتها في الانهزامات الشنيعة،والدقائق الحرجة.."
__________
(1) -يُراجع:أبواليقظان،(مرجع سابق)،ص:78. (1/25)
صفحة 26
ولا يعود هذا إلى قساوة في القلب أو تحجر في العاطفة بقدر ما كان إيمانا وصبرا وتحملا؛لأن مواقفا مؤثرة في حياته بكى فيها،كمثل يوم نعي إليه شيخه القطب،أو عندما كان يتذكر في أخريات حياته المناظر البشعة الفظيعة للوقائع الطرابلسية الإيطالية،ولا سيما القتلى من الأطفال،والشيوخ،والعجائز.
إن أبرز ما يشد القارئ في شخصية الباروني هو هذه الروح الجهادية المنتفضة ،التي لم تقف دونها الأهوال فكان الجندي المسلم المخلص لدينه ووطنه قولا وعملا.نضالا بالكلمة جهادا بالسلاح .داخل الوطن أو بعيدا في المنفى.وحُقَّ لابنته زعيمة أن تصفه بقولها:"إن أبي ظل معتبرا نفسه إلى اللحظة الأخيرة مركزا للمقاومة الوطنية سلبية كانت أم إيجابية،ورغما من أن مرضه زاد عليه حتى بات لا يستطيع القيام بأعباء عمله الجليل}بعد سفره إلى عمان{ إلا أنه كان يستطلع أخبار الوطن دائما؛إذ كان يتتبع أخبار الراديو إلى الهزيع الأخير من الليل ،وهو كبير الأمل بإمكان خروج إيطاليا من أرض الوطن واندحارها اندحارا كليا.." (1) .
- وكان يحمل معه وهو في المنفى همين عظيمين هما:الاغتراب المفروض عليه جبرا وقسرا،وهمُّ ما آلت إليه الحركة الوطنية الطرابلسية،وما ووجهت به من قمع وتقتيل من طرف الطغاة الإيطاليين،وقد أفصح عن مشاعره تلك لأبنائه كما تحكي بنته زعيمة ذلك عنه في أخريات حياته:إذ قال لهم..
__________
(1) - أبو القاسم الباروني،(مرجع سابق)،ص:26. (1/26)
صفحة 27
"الحقيقة أني متأثر محزون أكثر مما ترونني داخل المنزل ،وإني أكاد أخفي عليكم مظاهر هذا الحزن الذي يستولي على جميع شعوري وحواسي ؛ذلك لأني رأيت سبل النجاة أصبحت شبه مسدودة في وجوه أبناء وطني الطرابلسيين وأنهم سوف يضطرون للخضوع منذ الآن لكل ما تمليه عليهم إيطاليا المستعمرة ،وذلك لعدم وجود ملجأ يلجأون إليه.إن (موسوليني (1) بعد فعلته الشنعاء بإعدامه هؤلاء الأبطال الذين رجعوا إلى أوطانهم قد وصم سياسته الخرقاء الغاشمة بأبشع وصمة في التاريخ وبهذا كتب على نفسه سوء الخاتمة وقرب الانهيار.
وقد وصفه صديقه أبواليقظان قائلا:
"له نظر واسع لسعادة الإنسانية عموما وإلى عزة الإسلام خصوصا،وإلى إعلاء كلمة الله بوجه أخص ،وله اعتزاز كبير بالقومية الإسلامية ،ورأي عمومي لمصالح المسلمين ،وشغف عظيم بالاتحاد الإسلامي إلى حد الفناء فيه دون اعتبار لأي جنس (2) ..وكانت سياسته دائما في الجمع لا في التفريق ،وفي التكتيل لا في التبديد،وفي التبشير لا في التنفير مهما وجد إلى ذلك سبيلا.." (3) .
- العوامل المكونة لشخصية الباروني:
ولعل العوامل التي كونت شخصية الباروني تعود إلى المكونات التالية:
( - نشأته في أسرة عظيمة عُرفت برجالها العلماء ،وشخصياتها الأدبية والسياسية.
( - تعلمه على يد علماء أفذاذ ؛ والده عبد الله ، وشيخه القطب ،ومشايخه في الزيتونة.
(
__________
(1) - موسوليني:الفاشيستي الطاغية الذي وقف إلى جانب هتلر في الحرب الثانية ،وكانت نهايته كما توقعها الباروني.
(2) - أبواليقظان،(مرجع سابق)،ص:50.
(3) - (المرجع السابق)،ص:63. (1/27)
صفحة 28
- تنقله وكثرة أسفاره في بيئات مختلفة ،ومعاشرته لأقوام متعددي المشارب والأهواء والديانات.فقد انتقل وعاش ما بين طرابلس ،وتونس،والآستانة،ومصر،والجزائر، وفرنسا، وإيطاليا،وبلدان أخرى من أوربا،وتنقل في منطقة الخليج،والحجاز،وعمان،والعراق،وعرف من خلق الله العرب ،والأتراك ،والفرنجة،مما فتح آفاقه ،وغذى نفسه ،وأثرى تجاربه .
( - كثرة قراآته ،وتنوع ثقافته ؛ فقد درس في طرابلس ، وتونس ، ووادي ميزاب،ومصر،واطلع على الكثير من الكتب في المجالات الشرعية،واللغوية ،والأدبية،والسياسية ،والاجتماع .
وكتاباته العميقة تشهد له برجاحة العقل ،وبُعد النظر ،وصواب التوقع ،وتحليلاته السياسية بصفة خاصة تدل على عبقرية عظيمة،وإبداعه النثري والشعري تنبئ عن عاطفة جياشة،وعقل رصين .ولا أدل على ذلك مقالاته المستفيضة التي احتضنتها الجرائد ،والمجلات المشهورة في العالم العربي والإسلامي في العشرينيات ،والثلاثينيات ،ولا أدل على سمو عاطفته ،وروعة أدبه من ديوانه ،ومؤلفه :الأزهار الرياضية في أئمة وملوك الإباضية (1) .
( يجمل بنا أن نختم هذه الترجمة عن هذه الشخصية العظيمة بما قالته عنه ابنته زعيمة (رحمها الله) :"كان قلبه (رحمه الله) خاليا من شوائب الحقد والضغينة ،خاليا من أدران الحسد وحب الذات ،مجبولا على الغير ،مفطورا على التفاني في سبيل عقيدته التي أوقف حياته ونضاله وكفاحه في سبيلها طول حياته حتى الرمق الأخير (2) .
..إنه لم يكن معصوما كالأنبياء ،ولكنه كان شريفا تقيا نقيا ،مسلما عربيا طرابلسيا ،فدائيا قولا وعملا. (3)
__________
(1) - طبع الجزء الثاني منه بمصر في سنة:(1908م)،أما الجزء الأول"فقد كان له شأن لم تسمح ظروفه بطبعه ،وقد انتوى طبعه فعاجلته المنية"ينظر هذه الكلمة لأبي إسحاق اطفيش بكتاب:أبو القاسم الباروني،حياة سليمان باشا الباروني،(ط2 ، 1948م) ،ص:17.
(2) - أبو القاسم الباروني،(مرجع سابق)، ص:21.
(3) - (المصدر السابق)،ص:30. (1/28)