صفحة 1
الكتاب: ترجمة عمران بن حطان السدوسي الشاري لـ؟؟
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] عمران بن حِطَّان السدوسي الشاري
(ت: 84هـ/703م)
هو عمران بن حِطَّان بن ظبيان السدوسي الشيباني (أبو سماك، أو أبو شهاب) تابعي من بني عمرو بن شيبان، من رؤوس الشراة، و واحد من أكبر علمائهم و زهادهم، و ربما كان أكبر شاعر ظهر فيهم.
نشأ بالبصرة موطن الفكر الإباضي مع بداية العقد الثاني من القرن الأول الهجري، (حوالي 10هـ)، ثم رحل إلى الحجاز، و أدرك صدرا من الصحابة، و تلقى الحديث و الفقه عن عائشة أم المؤمنين، و عبد الله بن عباس، و عبد الله بن عمر، و أبي موسى الأشعري. ثم حدث و روى عنه بعض المحدثين مثل ابن سيرين، و قتادة، و يحي بن أبي كثير، و هو يعد عندهم من الثقات.
و المصادر الإباضية و غير الإباضية متفقة على أنه من علماء الحديث، و من الفقهاء الأعلام. يقول المبرد عنه في كامله: "إن له مسائل كثيرة في العلم بالقرآن، و الآثار و السير، و السنن و الغريب" (الكامل في اللغة، ج3، ص262)
و قد اختلف الكتاب حول معتقده، فنسبه بعضهم إلى أن حياته أول الأمر تميزت بأنه فقيه و محدث، و بأنه على مذهب أهل الجماعة، لا يجنح إلى حزب سياسي أو فرقة دينية، ثم تزوج (جمرة) قريبة له (أو بنت عمه) و كانت على مذهب الخوارج، فاستمالته إلى مذهبها (المصدر السابق، ص168) و (الحوفي، أدب السياسة، ص525). و رواية أخرى تقول إنما رغبت فيه عن زوجها لما رأته من صحة معتقده، و صلاح سيرته، و هذا ما يدل عليه بعض شعره (إحسان عباس، ديوان شعر الخوارج، ص178) (1/1)
صفحة 2
و قد اتفق على أنه صار إلى مذهب الخوارج كما تروي ذلك المصادر غير الإباضية التي تتضارب في تعيين الفرقة التي ينسب إليها. فيذكر الجاحظ أنه كان رئيس الصفرية، و صاحب فتواهم، و مفزعهم عند الإختلاف (البيان و التبيين، ج1/437). و يذكر البغدادي أن كلا من مرداس بن حدير، و عمران بن حطان كان رئيسا للقعدة من الصفرية (خزانة الأدب، 5/365) و كذا المبرد (الكامل، 3/170) و ابن حبان في ثقاته كان يميل إلى مذهب الشراة (5/222)، و قال ابن عبد البر كان حروريا (الإصابة، 3/179).
و تزعم المصادر غير الإباضية أنه كان من الصفرية، و كان ذلك منه بعد أن كبرت سنه، و طال عمره، فضعف عن الحرب، و قنع بالدعاية إلى مذهبه بلسانه، و لم عجز أن يشارك في الحرب بسيفه، و رضى القعدة الصفرية منه بهذا الجهد البياني، فولوه زعيما لهم تقديرا لبلاته في الشعر و الخطابة، و تقديرا لدرايته بالفقه و الحديث (الأغاني، 16/149، 152)
و أغلب المصادر الإباضية تذهب إلى أنه كان من زعمائهم، و من أبرز قادتهم بعد وفاة أبي بلال مرداس، حيث يذهب الدرجيني و الشماخي صراحة إلى أنه كان رئيس القعدة بعد وفاة مرداس بن حدير سنة 61هـ (الشماخي، سير، ص71) و ربما عضد هذه الرواية التجاؤه إلى عمان فرارا من الحجاج، و عمان معروفة بانتمائها إلى الإباضية و عدائها للصفرية.
و يذهب بعض المحدثين إلى أن هذه الروايات كلها صحيحة رغم ما يبدو من تناقض بينها، لأن الإباضية و الصفرية كانوا فرقة واحدة قبل انقسامهم، و كانوا يشكلون جماعة القعدة من الخوارج، و لما انقسموا بعد رجوعهم من مكة سنة 64هـ صار أتباع كل فرقة يبجلون رؤساءهم، و مقدميهم قبل الإنقسام (عوض خليفات، نشأة الحركة الإباضية، ص72) (1/2)
صفحة 3
و الذي يهمنا من كل هذا هو أن عمران بن حطان من أتباع مرداس الذي تدل أشعاره فيه على أنه كان على معرفة تامة به، وتقدير عظيم له، و هذا يؤكد أن عمران لم يكن على رأي الخوارج المتطرفين. فإن الفترة التي أعقبت موت مرداس و التي تزعَّم فيها عمران جماعة القعدة اتسمت بالهدوء و السكينة، و اتجه القعدة فيها نحو الدراسة و التعمق في الدين و ما يتصل به من علوم، فسار عمران بذلك على منوال مرداس في نشر دعوته، و إنكار الاستعراض، و تحريم أموال بقية المسلمين و دمائهم (المصدر السابق، بتصرف)
إن الدور القيادي الذي قام به عمران في هذه المرحلة (64-84هـ) كان اعتماده فيها على الجهاد بالكلمة خطابة و شعرا، إذ كان متفوقا فيهما، و يؤيد هذا الزعم ما ترويه الكتب التراثية من ملاحقة الحجاج، و مروان بن عبد الملك له، كما يدل على ذلك شعره، و يذكر ضمن المتوارين عن الحجاج الذي طلبه أشد الطلب حين جاء العراق، فهرب و نزل بالشام على قوم من بني غسان فأنكروه، فتحول عنهم و نزل على قوم من بني لخم فأنكره رب منزله، فتحول حتى صار إلى روح بن زنباع القائد الشهير و هو لا يعرفه، فغير اسمه و نسبه، و ذكر أنه من أزد شنوءة. فلما كاد أمره ينكشف ارتحل خفية، و نزل على زفر فأقام عنده، ثم تحول عنه و مضى إلى بلاد عمان، فنزل على قوم من الأزد و وجد عندهم الطمأنينة و الأمان، و في هذه الأثناء قال قصيدته التي من بينها بيته المشهور الذي سار مسرى المثل:
أبي الإسلام لا أبي لي سواه ... ... إذا انتسبوا لقيس أو تميم
و لم يزل بعمان مقيما حتى مات الحجاج (الحافظ عبد الغني بن سعيد الأزدي، كتاب المتوارين عن الحجاج.. ص65، أيضا، إحسان عباس، ديوان شعر الخوارج، ص179)
قيل أنه مات بعمان، و قيل في روذ سيسان قرب الكوفة سنة 84هـ/ 703م
شعره: (1/3)
صفحة 4
كان عمران من أشهر شعراء الشراة في زمنه، قال الشعر قبل موقعة صفين، و أثناءها، و بعدها. و قد نقل ابن حجر في لسان الميزان (4/438) عن نشوار المحاضرة للتنوخي أن بعضهم قرأ ديوان عمران على أبي خليفة الفضل بن الحباب الجمحي (إحسان عباس، شعر الخوارج ..ص18)
غير أنه لم يصلنا من شعره و أدبه إلا القليل، فإن الكثير من تراثه قد ضاع أو ضيع لأنه لا يمثل مذهب الجماعة و الكثرة كما يعلل ذلك الدكتور أحمد الحوفي (أحمد الحوفي، أدب السياسة، ص527)
و مع ذلك فإن ما بقي من شعره يدل على ما يتمتع به من عاطفة جياشة، و صدق و التزام لعقيدته و فنه، كما يذهب إلى ذلك أحد الذين درسوا شعره، حيث يقول: "يظهر لنا عمران شاعرا متأملا تجري في شعره بعض الملاحظ النفسية الدقيقة عن حياة الناس و علاقاتهم، و بهذا العمق في النظرة إلى الحياة و الموت، و فهم الطبيعة الإنسانية، قل أن نجد لعمران مثيلا لا بين شعراء الزهد فحسب بل بين شعراء عصره عامة، و هو في مراثيه (لمرداس ت61هـ) و تحليله لشخصية الخارجي المثالي، و في استطالة الحياة، و وقفته من الصراع بين البقاء و الفناء أصدق من يمثل الزهد الثوري، و الشعر الخارجي، و بالجملة لست أرى الآمدي مبالغا كثيرا حين قال فيه "إنه أشعر الناس في الزهد" (إحسان عباس، م س، ص34)
و قد اعترف له بهذه المزية شعراء عصره، إذ قال فيه الفرزدق "لقد أحسن بنا عمران، حيث لم يأخذ فيما أخذنا فيه (يريد شعر التكسب) و لو أخذ فيما أخذنا فيه لأسقطنا (يريد جودة شعره، و صدق عاطفته) " الحوفي، أدب السياسة، ص528 (1/4)
صفحة 5
و لعل هذه المزية التي لها صلة بشخصيته الدعوية، و معتقده الصحيح هي التي لفتت نظر المحدثين إليه، فقال عنه ابن سعد في طبقاته (7/155) و ابن دريد في الاشتقاق (303) بأنه كان شاعرا، و قال ابن كثير في البداية و النهاية (9/52) كان من الشعراء المفلقين. و قال الذهبي في الميزان (3/236) كان من نظراء جرير و الفرزدق في الشعر. و قال الفرزدق: عمران بن حطان من أشعر الناس، لأنه لو أراد أن يقول مثلنا لقال، و لسنا نقدر أن نقول مثل قوله.. (عبد الغني الأزدي، المتوارين.. ،ص64، هامش)
أهم المصادر:
أبو الفرج الأصفهاني، الأغاني، ت سمير جابر، دار الفكر، 1986م، ج16 /149-154
أبو العباس المبرد، الكامل في اللغة، مؤسسة المعارف، بيروت (د.ت)، ج2/ 126-128
الجاحظ، البيان و التبيين، تح، المحامي فوزي عطوي ،ط، دار صعب (د.ت) ج1/37
الدرجيني، طبقات، ت ابراهيم طلاي، دار البعث، قسنطينة، (د.ت) ج1/7، 2/223، 226-232
الحافظ عبد الغني بن سعيد الأزدي، كتاب المتوارين عن الحجاج بن يوسف، ت: مشهور حسن محمود سليمان، دار القلم، دمشق، 1989م، ص62 و ما بعدها
إحسان عباس، ديوان شعر الخوارج، دار المشرق، بيروت، 1402هـ/1982م، المقدمة و ص157-191
أحمد الحوفي، أدب السياسة في العصر الأموي، ط، دار القلم، بيروت، د.ت، ص525
عوض خليفات، نشأة الحركة الإباضية، عمان، الاردن، 1982م، ص72-74
جمعية التراث، معجم أعلام الإباضية (قسم المغرب)، دار الغرب الإسلامي، 2000م ج2، ص315
محمد ناصر، الإباضية عقيدة و فكرا، (مخطوط) مكتبة محمد ناصر (1/5)