صفحة 1
الكتاب: ترجمة ومقالات أبي اليقظان - من الموقع الإلكتروني
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] بطاقة تعريف
الشيخ إبراهيم بن عيسى أبواليقظان
· ولد بمدينة القرارة – ولاية غرداية (وادي ميزاب) بالجزائر يوم 29 صفر 1306هـ الموافق 5 نوفمبر 1888م
· دخل الكتاب القرآني و حفظ القرآن ثمّ أخذ في تعلم الفنون من عربية و شرعية على يد أستاذه الشيخ الحاج عمر بن يحيى ثم سافر إلى مدينة بني يسجن ليكمل دراسته على قطب الأئمة الشيخ طفيش الحاج محمد بن يوسف.
· في سنة 1912م سافر إلى تونس و واصل دراسته في جامع الزيتونة ثم الخلدونية .
· في سنة 1914م ترأس أول بعثة علمية جزائرية إلى الخارج و كانت وجهة البعثة إلى تونس.
· في سنة 1920م كان عضوا بارزا في الحزب الحر الدستوري التونسي و تربطه بزعيمه عبد العزيز الثعالبي صداقة شخصية.
· في سنة 1926م أصدر أولي جرائده "وادي ميزاب" تحرر و توزّع في الجزائر و تطبع في تونس ، أصدر ثماني جرائد ما بين 1926 و 1938م و هي : وادي ميزاب ، ميزاب ، المغرب ، النور ، البستان ، النبراس ، الأمة ، الفرقان .
· في سنة 1931م أسّس المطبعة العربية ، و هو أول وطني جزائري يؤسّس مطبعة وطنية حديثة في الجزائر.
· في سنة 1931م انضم إلى جمعية العلماء المسلمين الجزائريين
· في سنة 1934م انتخب عضوا في المجلس الإداري لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين .
· نشر في أكثر من جريدة و مجلة (زيادة إلى جرائده) منها الفاروق و الإقدام في الجزائر و المنير و الإرادة في تونس والمنهاج في القاهرة
· تفرّغ للتأليف بعد انقطاعه عن الصحافة ، ترك للمكتبة العربية و الإسلامية أكثر من ستين مؤلفا بين كتاب و رسالة ، عدا المقالات و الأشعار و المذكرات .
· من مؤلفاته :?
- ديوان أبي اليقظان ج1 سنة 1931م
- وحي الوجدان في ديوان أبي اليقظان (مخطوط)
- سليمان الباروني باشا في أطوار حياته
- إرشاد الحائرين 1923م
- الجزائر بين عهدين الاستغلال و الاستقلال (مخطوط)
- تفسير القرآن الكريم ج1 (مخطوط)
- ملحق سير الشماخي (مخطوط) (1/1)
صفحة 2
- سلم الاستقامة (سلسلة فقهية مدرسية)
- فتح نوافذ القرآن 1973م
· توفي في القرارة يوم الجمعة 29 صفر 1393هـ موافق 30 مارس 1973م رحمه الله و أسكنه فسيح جنانه.
التعريف بالشيخ
أ - ولادته :
في يوم الاثنين التاسع و العشرين من شهر ِصفر الخير سنة 1306 للهجرة ، الموافق الخامس من شهر نوفمبر 1888 للميلاد ، ولد إبراهيم بن عيسى بن يحيى بمدينة القرارة ولاية غرداية بوادي ميزاب بالجنوب الجزائري.
ب - كنيته :
كنيته (أبو اليقظان) اقتبسها من الإمام الرستمي الخامس ( أبي اليقظان محمد بن أفلح بن عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم ). إعجابا بعدله و علو همته كرجل علم و دين ودولة.
جـ - والده :
أبوه عيسى بن يحيى من عشيرة البلات ، كان إماما وواعظا بمسجد القرارة لمدة عشرة سنة ، وكان شديدا في أمره ونهيه لا يخاف في الله لومة لائم.
أمه عائشة بنت الحاج امحمد بن الحاج إبراهيم بوعروة من عشيرة أولاد حمو بن إبراهيم .
د- نشأته :
نشأ رحمه الله في أحضان عائلة دينية فقيرة .
انتقل والده إلي رحمة الله في شهر رجب سنة 1307هـ . عاش ربيبا بعد أن تزوجت أمه برجل فقير ، توفي هو الآخر بعد مدة قصيرة .
نشأ محتذيا حذو أبيه , شديدا في الحق , ثابتا فيه , لم يثنه يتمه ولا فقره عن التدرج نحو السؤدد والمعالي .
تدرجه في طلب العلم
1- الطور الأول :
نشأ رحمه الله شغوفا بالقراءة والكتابة ، وحفظ القرآن . فكان يتردد علي الكتاب في سن مبكر ، وهو ا بن خمس سنين ، يسترق الآية والآيتين إلي أن بلغ سورة الملك حفظا .
كما كان مولعا بالكتابة وتحسين الخط ، يتدرب على كثبان الرمال يكتب كل ما بدا له من تصور الحروف ، إلى أن عثر في تركة أبيه على لوح ، فصار يكتب عليه بالصمغ ، يفعل هذا بشعور غريزي وتلقائي من نفسه .
2- الطور الثاني : (1/2)
صفحة 3
جرت عادة الأولياء أن يرافقوا أبناءهم عند أول دخولهم دور التعليم ، لكن الشيخ أبا اليقظان رحمه الله ذهب إليها بنفسه دون مرافقة ولي ، حاملا لوحه على كتفه ، قاصدا دار الشيخ الحاج عمر بن يحيى الذي كان مع طلبته أثناء الدرس ، فصاح بصوت عال - (( علموني يرحمكم الله )) – فأدناه الشيخ الحاج عمر من مجلسه ، واستبشر به ، ودعا له بالخير والبركة ، فاتصل بوكيله الرسمي الذي عهدت إليه كفالته من طرف العشيرة ، ليدخله الكتاب ، فتتلمذ على رجال أتقياء صلحاء ؛
أولهم : السيد الحاج علي بن حمو ، الذي كان من أعضاء العزابة .
ثانيهم : الحاج إبراهيم بن صالح أبو سحابة ، الذي كونه في الكتابة والقراءة .
ثالثهم : ملالي صالح بن كاسي .
وبفضل هؤلاء تمكن الشيخ أبو اليقظان من حفظ القرآن واستيعابه ، رسميا على الشيخ الحاج إبراهيم بن كاسي ، إمام المسجد سنة (1323هـ) .
3 - الطور الثالث :
لقد حقق الله أمنية الشيخ بدخوله دار التلامذة ليدرس على شيخه الجليل الحاج عمر بن يحيى ، ذلكم الرجل العظيم الورع المتواضع المصلح ،ولم يلبث أبواليقظان إلا أياما معدودة في حلقات الدرس حتى ميزه شيخه من بين رفاقه لنجابته واستعداده الفطري لتلقي الدروس ، وتقبل العلم والمعرفة . كما تفرس فيه مستقبلا زاهرا وحافلا بشتى أنواع المعارف ، يجعله أهلا لتبوأ المكان التي يصبو إليها .
عنى به شيخه عناية خاصة ، فكان يعزه ويصطفيه على سائر طلبته ، إلى درجة أنه كان يوقظه هو بنفسه في السحر عند الأذان الأول .
تفرغ أبو اليقظان لتلقي مختلف الفنون من نحو ، وعقائد ، وفقه ، و كان مولعا بحفظ المتون.
حفظ متن الأجرومية وشرحها لابن داود .
ومتن عقيدة التوحيد .
ومتن عقيدة العزابة وشرحها .
ومتن ألفية ابن مالك .
ومتن القطر .
ومتن السلم .
ومتن الدرر اللوامع .
ومتن الوراقات .
ومتن طلع الشمس .
ومتن الأربعين النووية .
ومتن الجوهر المكنون . (1/3)
صفحة 4
ومما تجدر الإشارة إليه أن أبا اليقظان ، لم يتلق هذه العلوم جافة خالية من روح شيخه ، بل كان شيخه رحمه الله يطبعه بأخلاقه الفاضلة ، وسيرته المثلى ، حتى غدا نسخه طبق الأصل لشيخه - الحاج عمر - في ورعه وتقواه وإخلاصه وتضحيته . لذلك كان أبو اليقظان يلقب شيخه (نور قلبي وبصيرتي ) .
قراءة اقتصادية في صحف الشيخ أبي اليقظان
إن الصحافة مرآة للأوضاع الدينية والاجتماعية والاقتصادية للأمم والشعوب ، فهي تعكس الحياة الواقعية في مختلف المجالات .
كما أنها أداة لإصلاح هذه الأوضاع نحو الأحسن والأمثل إن قامت عليها أقلام أمينة ملتزمة واعية لرسالتها وذلك بإبراز المحاسن وتنميتها والتنبيه إلى المثالب وبيان عِللِها والسعي نحو تلافيهما والحد منها .
وصحافة الشيخ أبي اليقظان منذ نشأتها سنة 1925 وهي تسعى جاهدة نحو إصلاح المجتمع والنهوض بالأمة ، وقد ركزت على جانبين مهمين :
( أ ) : مقاومة المستعمر الفرنسي الذي جثم على أرض الجزائر ببيان خطره وضرورة الانعتاق والتحرر والصد لمحاولاته اليائسة للمسخ والذوبان والتقصير للشعب الجزائري ، فكانت غصة في حلقة مما جعل الشيخ يتعرض للاستنطاق وصحفه للتوقيف الواحدة بعد الأخرى .
( ب ) : النهوض بالأمة واتخاذ أسباب القوة المادية والمعنوية ، ونفض غبار الجهل والجمود والمحافظة على المقومات الدينية والوطنية .
إن أبا اليقظان لم يكن يفرق بين قضية ذات اتجاه اقتصادي وأخرى ذات اتجاه اجتماعي أو ديني ، فقد كان ينظر إليهما جميعاً من زاوية واحدة هي الزاوية الوطنية .
لهذا لا نجده يخصص صفحة خاصة بالاقتصاد أو السياسة كما هو شأن صحف اليوم ، وإنما ينطلق في طرحه لجميع القضايا من حقيقة واحدة وهي صراع بين مستعمر صليبي دخيل وأمة عربية مسلمة . (1/4)
صفحة 5
وإذا كان هدف الشيخ هو نهضة الأمة الجزائرية عامة حيث عالج مشاكلها بكل أبعادها ، وأظهر واقعها المعيشي المسيرّ بالحسرة والأسى واقترح الحلول ، وحث رجال الإصلاح والمفكرين بالنهوض بها ، إلا أنه خصص حيزا هاماً من صحافته لمشاكل وهموم موطنه الأصلي ميزاب ، كما أنه لم ينس واقع الأمة العربية والإسلامية التي ترزح تحت نير الاستعمار الذي يستنزف خيراتها ويتخذها سوقاً لتصريف فائض إنتاجه ، مستعيناً بما تكتبه الصحافة العربية المشرقية ، وحتى الأقليات الإسلامية كان لها نصيب من اهتمام الشيخ أبي اليقظان .
هكذا فإن صحافته لها أبعاد ثلاثة : ميزابي ـ جزائري ـ إسلامي .
وقد ساعد الشيخ في الكتابة في الجانب الاقتصادي قلم له باع طويل في التجارة والاقتصاد حيث مارس التجارة في شبابه ويتقن اللغة الفرنسية مما سمح الإطلاع على ما يكتب في الصحف والنشرات العالمية ، وهو الشيخ : بكلي عبد الرحمن بن عمر ، ويلقب بالبكري . وساهم بدرجة أقل كل من :ـ لقمان ـ الشيخ : حمو بن عمر سليمان بو عصبانه والشيخ : ابن يوسف سليمان بن داود الذي يحمل لقب ، ـ عباس ـ .
عايشت صحف أبي اليقظان الأزمة الاقتصادية العالمية سنة 1929 ، فخصصت أعمدة ومقالات لتحليل هذه الأزمة وتأثيرها على الاقتصاد الجزائري فقد عَمَّ الركود والكساد مما أدى إلى إفلاس الكثير من المؤسسات التجارية والصناعية ، وسببت مشاكل اقتصادية واجتماعية عميقة .
أهم القضايا الاقتصادية التي تناولتها صحافة أبي اليقظان :
1) القضايا العالمية والعربية :
خصص البكري عدة حلقات في صحيفة وادي ميزاب للتعريف بعلم الاقتصاد وعلاقته بالعلوم الأخرى ، كما حلل عوامل الإنتاج من أرض ورأس المال وعمل ، فيقول في تعريف علم الاقتصاد : علم يضم بين دفتيه جميع السنن العامة التي تجري عليها إنتاج الأرزاق وتوزيعها و استهلاكها . (1/5)
صفحة 6
وهذا التعريف من أشمل التعاريف لعلم الاقتصاد ، فيضم أبعاده الثلاثة : الإنتاج والتوزيع والاستهلاك .
ويبين أهمية الاقتصاد في حياة الأمم والأفراد فيقول " لا يستغرب إذا قلنا أن حياة كل أمة منوطة بحياة حركتها الاقتصادية ومماتها بمماتها ، فالمال قوام الأعمال " ويصل إلى نتيجة هامة وحتمية بأن الاستعمار هو نتيجة من نتائج الاقتصاد ، أي أنه لا يمكن لأية دولة أن تستعمر إلاّ إذا انهار اقتصادها ووهنت قوتها ، وتاريخ الاستعمار الحديث خير دليل على ذلك .
ثم راح يشرح في حلقة أخرى عوامل الإنتاج الذي حصرها في ثلاث هي : الطبيعة ورأس المال والعمل ، ولم يورد العنصر الرابع وهو التنظيم ، وهو العنصر المكمل للعناصر الأخرى خاصة بعد اتساع المؤسسات والمقاولات فغذى التنظيم مهم في تسيير هذه الشركات ، ويستحق جزءاً من عوائد الإنتاج المتمثل في الربح ، وقد أورد تعريفاً لكل عنصر فيقول :
(1) الطبيعة : " هي القوة غير العاقلة والمادة العامة التي يسقيها الإنسان بعرق جبينه ويشغلها بالآلات من اختراع فكره"
(2) رأس المال " هو عبارة عن مصنوعات يحدثها الإنسان ، وإن كانت لا تفي بحاجاته ، إلا أنها تسهل له اقتناء أشياء أخرى تحصل له بها الكفاية ، وذلك من أبسطها كالقوس والمحراث إلى أعجبها صنعاً وأدقها تركيباً " .
(3) العمل " هي قوة الإنسان التي يسخرها لاستغلال الطبيعة باكتشاف سننها وقوانينها مستعيناً بالأدوات والآلات .
ويبين أهمية تكامل هذه العناصر للقيام بالعملية الإنتاجية ، فالطبيعة تفتقر في أداء وظيفتها إلى شيئين لازمين هما العمل ورأس المال .
ومن خلال هذه المقتطفات من المقالات الاقتصادية يتجلى لنا مدى اهتمام الكاتب بهذا العلم الذي هو حديث النشأة ، جديد على وطن كالجزائر ما يزال في تخلف شامل وجهل مطابق ، فهو يحاول أن يقرب مفاهيمه ومصطلحاته إلى قراءة ، كما تظهر لنا سعة اطلاعه ودقة تحليلاته . (1/6)
صفحة 7
وعن اهتمام صحف أبي اليقظان بالشأن الاقتصادي العربي يورد مقالاً بصحيفة النور عدد 41 سنة 1935 تحت عنوان " كنز تحت رمال الصحراء " يتحدث فيه عن تكالب الشركات النفطية البريطانية والأمريكية على الحصول على الامتيازات للتنقيب عن البترول في الخليج العربي ، ويعلق على ذلك بقوله : وقبل أن تنشأ قصة المصالح النفطية والتنافس على هذه البقعة من رمال الصحراء لم يكن أحد يفكر فيها ، وقد أضحت الآن موضوع نزاع دولي خطير ، ثم يعرض لموقف حكام الخليج إزاء هذا الوضع ، واستسلامهم لنفوذ الغرب ، فلا طاقة لهم في الوقوف في وجه الدول العظمى .
وعن الأزمة الاقتصادية العالمية وتداعياتها وانعكاسها على اقتصاديات الدول الكبرى قبل الدول الصغرى والمستعمرة تناولها البكري في عدة حلقات من صحيفة النور مبيناً حالة الكساد التي أصابت التجارة ، وتسريح العمال من المصانع ، وإفلاس المؤسسات ، واثر ذلك على الوضعية الاجتماعية والأخلاقية .
كما يورد ـ لقمان ـ سليمان بو عصبانه حمو ، في نفس السياق مقالاً بصحيفة النور ، عدد 18 ، سنة 1932 يصف فيه الحالة التجارية أثر الأزمة العالمية التي تسببت في إغلاق المعامل والمتاجر وتسريح آلاف العمال ، فحل البؤس والانتحار ، وارتفعت درجة الإفلاس إلى حد أننا نعد السالمين ولا نعد المفلسين .
ثم يتعرض إلى أسباب ذلك ، ويرى أن السبب الرئيسي هو الأزمة العالمية التي أدت إلى الكساد التجاري وبالتالي إلى انخفاض الأسعار ، ثم يورد بقية الأسباب : منها البيع المؤجل وارتفاع الفوائد الربوية على الديون .
2) القضايا الوطنية : (1/7)
صفحة 8
تناولت صحافة الشيخ لعقدة قضايا اقتصادية وطنية ، فقد كان همه المقيم المقعد نهضة بلده ورقيه ، فهو لا يكتفي بعرض الأوضاع المزرية التي يعيشها المواطن الجزائري ، بل يحاول وضع الحلول ، ويضرب أسئلة من الأمم المتقدمة التي قامت بأسباب الرقي والحضارة ، ويحث على تعلم مختلف العلوم والفنون ، فهي مفتاح كل تقدم ونهوض
ومن أهم القضايا ، وهذه عناوينها كما وردت في صحف الشيخ :
(1) الحياة الصناعية والزراعية في القطر الجزائري ، بقلم البكري ، صحيفة : وادي ميزاب ، عدد : 74 سنة 1928.
(2) حاجة الجزائري إلى مصرف أهلي ، بقلم الشيخ صحيفة : وادي ميزاب ، عدد 89 ، سنة : 1928 .
(3) إحصائيات سكان الجزائر ، عن جريدة : " إيكود الجي " صحيفة وادي ميزاب ، عدد 95 سنة : 1928 .
(4) في بلاد المجاعة ، صحيفة النور ، عدد : 64 ، سنة : 1933 .
(5) نظرة عامة على الحياة الاقتصادية وموقف الأمة منها ، بقلم البكري عدد حلقات من صحيفة النور من عدد 55 إلى 59 سنة 1932 .
ولا يمكننا أن نتناول كل هذه القضايا وإنما نكتفي بنموذجين أو ثلاث كمثال للجانب الاقتصادي لصحافة الشيخ أبي اليقظان .
( أ ) حاجة الجزائر إلى مصرف أهلي :
يستهل المقال بعرض التحولات الاقتصادية التي يعيشها العالم ، واتساع نطاق الحياة والتطور المذهل للمدينة الأوروبية ، وتدفق الإنتاج وغزارته ، وتطور أساليب الحياة ونمط المعيشة ، والتقدم العلمي والتكنولوجي ، بينما نحن في الجزائر نعيش في تخلف وجهل وخلافات هامشية .
ثم يبين أهمية تكامل العلم والمال وتسخيرهما للقيام بنهضة حقيقية ، وبناء المؤسسات العلمية الاقتصادية .
وإذا كانت أوروبا قد قدمت لنا هذه المدينة وهذا التطور المتنوع في مختلف المجالات ، إلا أن كثيراً من نظمها وأساليب إنتاجها تتصادم مع النصوص الشرعية وتتنافى مع روح التشريع الإسلامي ، وأهمها التعامل الربوي الذي يعد محور النظام المصرفي الغربي . (1/8)
صفحة 9
فهنا يقف المسلم حائراً في أمره ، بين الارتماء في حمأة الربا ، والانسلاخ من دينه وعقيدته ، أو البقاء في خيل القافلة على مستوى الفردي ومستوى الأمة والمجتمع ويقول الشيخ مقدماً حلاً للخروج من هذا المأزق : إن وجه الحل لهذه المشكلة هو ان يقوم بعض متنوري الأمة بفتح مصرف أهلي يؤسس على القواعد الإسلامية المقررة في الفقه الإسلامي ويُسير بأساليب البنوك العصرية . فالشيخ بإيمانه الراسخ بعقيدته ودينه لم ينصح بالإقدام على تعاطي الربا الذي هو في نظره حريق إذا شبَّ في ثروة تركها رماداً ، كما فعل ويفعل كثير من الفقهاء التبريريين ، وإذا نادي إلى إقامة مصرف إسلامي نظيف خال من شوائب الربا ، كما أنه من ناحية أخرى لم يدع إلى الانزواء والانكفاء على الذات ما دامت المؤسسات الاقتصادية تقوم على الربا المحرم شرعياً .
وكلمة مصرف أهلي لها جانب سياسي أيضاً فهو يدعو المجتمع الجزائري على الاعتماد على النفس وتدبير شؤونه بنفسه والاستقلال في تصرفاته وقضاياه الاقتصادية .
وقد سبب هذا المقال احرجاً للشيخ ، إذ استدعاه محافظ شرطة الجزائر لاستنطاقه في فحوى أفكاره وأراءه الخطيرة على السياسة الفرنسية في الجزائر .
ويقدر الشيخ صعوبة هذا الأمر فهو يتطلب عزيمة ، وإدارة قوية ، فيحث أرباب المال على تخطيط وتنفيذ هذا الأمر فيقول : " وهذا الأمر وإن كان يتراءى بادئ الأمر شاقاً فهو يسير على من يسره الله تعالى من آهل العزم والصدق والإخلاص وقوة الإرادة " . كما أن إقامة مصرف أهلي إسلامي هو مقدمة وتمهيد لتأسيس الشركات وإنشاء المعامل وإقامة المشاريع الكبرى التي تحتاج إلى تمويل من هذه المؤسسة المصرفية .
( ب ) : في بلاد المجاعة : (1/9)
صفحة 10
هذا عنوان مقال لكاتب فرنسي يدعى : م ج جير نشره في جريدة " لا بريس ليبر " الصحافة الحرة ، وقام بترجمته إلى العربية الكاتب : الفرقد : بوجناح سليمان ، ونصف ويصف فيه الحالة المعيشية المأساوية للأهالي الجزائريين ويهيب بالحكام الفرنسيين بالاعتناء والرفع من مستوى معيشتهم بدلاً من الإسراف في حفلات الذكرى المئوية للاحتلال فيقول : " السواد الأعظم منهم يقاسون ـ بكل جلد ـ من مرارة العيش والبؤس والشقاء ، بما لا يرضاه حتى الكلاب ، ثم يعقد مقارنة بين ما يستهلكه الأوروبيون والأهالي ، فيقول : فالأوروبيون والأهالي ، فيقول : فالأوروبيون الذين يبلغ عددهم المليون يستهلكون 73? والأهالي الذين يبلغ عددهم ستة ملايين لا يستهلكون سوى 27? ، ثم وصف حالتهم وثيابهم الرثة ومساكنهم الخشبية التي تفقد أدنى مقومات الحياة ، كما أن الحالة الصحية متدنية لسوء التغذية ، ففي سنة 1927 أحضر لخدمة الجندية 125 ألف شاب ، وعند الفحص الطبي أسقط منهم النصف بسبب إصابتهم بالأمراض المختلفة ، وهم في زهرة شبابهم .
ثم يعقب صاحب المترجم : هذا موقف رجل فرنسي حر منصف أمام قضية الجزائريين ، فما يجب أن يكون موقف الأهلي الجزائري إزاء قضية وطنه يا ترى ؟؟؟
( جـ ) الحياة الصناعية والزراعية في القطر الجزائري :
يبين صاحب المقال وضعية الشباب الجزائري وهو يرزح في البطالة والجهل ، ويحثه على العمل واقتحام مدارس التكوين المهني لضمان حرفة شريفة تؤمن له مستقبله ، ويعيب عليه استساغة الربح السريع بالسطو والسرقة ، وقارن بين نسبة الجزائريين والمستعمرين في اليد العاملة الفنية فهناك واحد وثمانون ألف عامل فني من الأهالي مقابل خمسة وسبعون ألف من الأوروبيين ، في حين ان نسبة المستعمرين لا تتجاوز واحد إلى سبعة . (1/10)
صفحة 11
ثم تساءل لِمَ ترى غالب الذين يزاولون المهن أجراء ولا نراهم أرباب مستودعات كبرى في مختلف الصنائع والمهن ، مع توفر إمكانيات الالتحاق بمدارس التكوين .
وما يقال عن الصناعة ينسحب على الزراعة أيضاً ، فيدعو إلى الاعتناء بعمل الأرض ، فهي الكنز الذي لا يفنى ، أعطوها القليل من جهدكم تعطيكم الكثير من خيرتها .
وفي النهاية يورد مقالاً مقتبساً من جريدة " لاد بيش الجيريان " يتحدث عن تاريخ التعليم التقني بالجزائر ومدارسه المنتشرة عبر العمالات الثلاثة : الجزائر وقسنطينه و وهران ، ويحث الشبان على الالتحاق بها ، والتزود بالعلوم والتقنيات الحديثة ، حتى يتمكن أبناء الجزائر من نشر دواليب اقتصادهم بأيديهم .
ولا ينسى في مقاله الجانب النسوي ، فهو يدعو إلى تكوين العاملات المدربات في مختلف فروع الحركة النسائية .
من : طرز وفصاله وخياطة على النمط العصري .
...
3 ) القضايا المحلية ـ الميزابية :
قلنا أن صحافة الشيخ أبي اليقظان تجمع بين الأبعاد الثلاثة المحلية والوطنية والإسلامية ، فقد أولى الاهتمام البالغ بالقضايا المحلية لأنه ابن المنطقة ويحتل ميزاب مكانة خاصة في قلبه ، ويتطلع إلى مستقبل أفضل لهذا الجزء من وطنه العزيز ، كما أن قراءه يشكلون جزءاً كبيراً من أبناء الوادي المنتشرين عبر التراب الوطني .
وأهم القضايا الاقتصادية المحلية التي عالجتها صحفه وأسهب بقلمه في شرحها وبيانها هي :
1) مشروع توليد الكهرباء لمنطقة ميزاب ، صحيفة وادي ميزاب ، العدد : 852 سنة 1928 .
2) زراعة النخيل ونتائجها العجيبة ، تجربة من أميركا نقلاً عن مجلة : مصر الحديثة المصورة وادي ميزاب ، العدد : 102 ن سنة 1928 .
3) التجارة الميزابية مهددة بالإعدام ، تعلم لقمان ، صحيفة النور : العدد : 18 ، سنة 1932 .
4) خطورة الهجرة على مستقبل ميزاب في حلقتين ، صحيفة النور ، العدد : 74 ـ 77 ، سنة 1935 . (1/11)
صفحة 12
5) هل لتجارتنا من نهوض بقلم : م . م . ب : صحيفة الأمة ، العدد : 7 ، سنة 1934 .
وسنعرض نماذج من هذه القضايا :
1) مشروع توليد الكهربائي
إن مشروع عظيم الفائدة جزيل النفع لما يمتد منه إلى الشعب من أشعة المياه ، فإن الروح الكهربائية إلى الشعب بمثابة الروح إلى الجسد ، فبامتداد أسلاك الكهرباء تمتد الحركة في كافة فروع الحياة من الأضواء وإدارة المعامل والمصانع وضخ المياه وطحن الزرع وجرّ الأثقال وتلطيف الحرارة والبرودة وإجراء العمليات الجراحية إلى غير ذلك من الفوائد العظيمة .
هكذا الكاتب يبين أهمية المشروع الاقتصادية ، و واثره في الحياة الكريمة للمواطن ، وعن كيفية تمويله تعرض لمختلف الآراء ، فهناك من يرى أن تكاليف التجهيز يدفعها المواطنون بزيادة رسم الضريبة ـ البزرة ـ وهناك من يرى أن تتحمل الدولة ثلث التكاليف والثلثان يدلهما المواطنون . ويتقدم الكاتب باقتراح تأسيس شركة محلية للقيام بالمشروع ورفض أسياده إلى شركة أجنبية لما فيه من أضرار ، ثم أورد تفاصيل عن هذه الشركة وكيفية تمويلها وتسيرها كما تسير سائر الشركات التجارية وأن يستعين بالخبراء في الميدان .
وعن ثمار هذا المشروع ونتائجه يقول الكاتب :
وبمثل هذا ينفتح أمام الشعب باب من الحياة جديد يقضي إلى ميدان من العمل يستثمر فيه الممول رأس ماله والذكي ذكاءه ونبوغه والعامل جده وكده والوطن يستثمر مجموع هذه الفوائد الجمة فتبقى الثروة المادية في جيوب أبناء البلاد ، بخلاف ما إذا أسند إلى غيرهم ، فإن ثروة الشعب تتسرب إلى جيوب الأجانب . (1/12)
صفحة 13
ثم يحمل الكاتب على المثبطين الذين يقولون : لا قبل لنا بمثل هذه المشاريع فهي فوق طاقتنا وقدرتنا ، فالمشروع يستحق نواة من الإرادة وذرة من الحزم وصدق العزيمة والثبات ولا يتطلب من المال أكثر مما يستحق أحدكم دكانه ، فكفانا عاراً وشناراً ما سلف مهنا من الانزواء والانكماش والتأخر والانحطاط ، ويأمل الكاتب في نهاية المقال أن تؤسس في مدة قريبة شركة منظمة ذات رأس مال كبير وتسير المشروع على الطراز الحديث ، وعلى رأسها بعض أدمغة ميزاب الكبيرة ، يسرجون للبلاد سبل الحياة .
2) زراعة النخيل ونتائجها العجيبة في أميركا :
بما أن ميزاب خاصة والجنوب الجزائري عامة يقوم اقتصاده على زراعة النخيل عبر الواحات ، وتشكل التمر الغذاء الرئيسي لمعظم سكان المنطقة آنذاك ، فقد ارتأى الكاتب أن يورد مقالاً نشر في مجلة " مصر الحديثة المصورة " يتحدث فيه عن التجربة الأميريكية في زراعة النخيل في صحراء كاليفورنيا ، لكي يستفيد الفلاحون من هذه التجربة ، ومن التقنيات الجديدة التي ترفع من إنتاجية هذا النوع من الأشجار , (1/13)
صفحة 14
ويستهل مقاله لدواعي الكتابة هذا الموضوع وإلى تاريخ زراعة النخيل الذي يعود إلى ستة الآف سنة ، وأن مهدها وأدى الفرات ثم انتقلت إلى بقية العالم ، ثم يتعرض لإحصائيات النخيل عبر العالم ، حيث يتصدر العراق القائمة بثلاثين مليون نخلة ، ثم الدول المصدرة لهذا المنتوج وهي : العراق والجزائر وتونس ، أما عن تجربة أميركا فيقول أن أول من أهتم بهذه الشجرة وقام بالبحث والدراسة الدكتور " سونجل " فقام بجولة إلى الجزائر ودرس تربتها ومناخها ، ومن ثَمَّ قارنها ببعض مناطق بلاده ، فنجح في اختياره واختار منطقتين إحداهما في كاليفورنيا وأوجد حلقين للتجارب ، وشرع في اختيار الأنواع التي تتلاءم مع المناخ الأميركي، فقام بزرع البذور في جهة ، وجلب الشتول من جهة أخرى ، لكنه أقلع في النهاية عن طريقة البذور واعتمد على الشتول لأنها الطريقة الوحيدة للحصول على أنواع ثابتة .
وأهم العقبات التي كانت تعترض هذا الخبير مع فريقه التقني هي مسألة الشتول واستجلابها من الخارج ، لأن القسم الأعظم كان يموت لسبب جهلهم بأصول العناية بالفسائل أثناء فصلها عن الأمم ، وبعد التجارب عرفوا كيف يعالجون هذه العلة .
أما عملية تلقيح النخلة فتجرى هناك على الطريقة التي اقتبسوها من بلادنا بدون أقل تغيير غير أنهم يعنون جداً في أمرها فلا يجهلون البستان في زمن الأزهار ، وقد أجروا تجارب بهذا الصدد لمعرفة تأثير لقاح الذكر على الأثمار فاستنتجوا منها إمكان تصغير النوى أو تكبيرها وإمكان تقديم موسم النضج أسبوعين أو تأخيره .
ومما يفاخرون به أن بستان النخيل عندهم يثمر بعد خمس أو ست سنوات من زرعه على حين أن المعروف في بلادنا أنه لا يمكن الحصول على التمر إلاَ بعد مضي عشر أو أثنا عشر سنة . (1/14)
صفحة 15
ثم تحدث عن أهمية ترك سعف النخل وعدم قطعه حتى يجف ، فالنخلة تخزن النسغ الذي تمتصه من التراب في الأوراق ( السعف ) ، كما أنهم لا يسمحون بكل العناقيد التي تظهر وتنمو بل يقطعون منها ما هو زائد عن العدد للحصول على ثمرة ذات حجم كبير .
وهو ما يفعله الفلاحون عندنا في عملية تسمى باللهجة الميزابية ( أَفْرَاق ) .
كما أن جميع العناقيد تغطى لحفظها من الطيور أو عوارض المطر ، وأثناء عملية الجني توضع التمر في صناديق وترسل إلى بيوت التعبئة حيث تبخر لالقاءها من بويضات الحشرات التي قد تفرخ داخل الثمرة فتتلف المحصول ، وبعد عملية التبخير توضع في غرف حيث تمسح إذا كانت من النوع الجاف أو تغسل إذا كانت من النوع الرطب ، ومن ثم ترسل للتصنيف حسب جودتها ، وإذا كانت نسبة الماء فيها كبيرة توضع في صوان في غرف يتخللها الهواء الجاف تزول نسبة الماء الزائد ، ثم ترسل أخيراً إلى الأسواق .
ثم تحدث عملية التسويق وأسعار التمر في العالم مبيناً ومؤكداً على أهمية التمر كمورد اقتصادي هام .
3) خطورة الهجرة على مستقبل ميزاب :
إن ما يتميز به الميزابي إرتباطه بموطنه الأصلي ، فمهما سافر وتنقل واغترب فهو دائماً متعلق بموطنه ويفكر في العودة إليه والاستقرار النهائي فيه ، فمنه يستلهم تاريخه وأصالته وأصوله ومميزاته ، ويأخذ منه تقاليده وعاداته ، ورغم أن الطبيعة شحيحة بمواردها ، إلا ّ أن إرادة الميزابيين أو بإيمانهم بحب الوطن استطاعوا أن يحولوا قراهم إلى واحات غناء تتوفر على أنواع مختلفة من الأشجار والأثمار .
كما أن مفهوم الارتباط بالأرض له مدلول سياسي هام إذ يساعد الدول والحكومات على إقامة التوازن الجهوي ويحد من الهجرة من الأرياف نحو المدن ، هذه الهجرة التي تسبب مشاكل اقتصادية واجتماعية تستعصى على الحل . (1/15)
صفحة 16
ومن هذا المنطلق يحاول الكاتب دراسة هذه الظاهرة وتاريخها ومستقبلها وأثرها على ميزاب ، فهو لا يدعو إلى ايقافها لأن ميزاب جزء من الوطن الجزائري ن وإنما يدعو إلى تنظيمها بحيث لا تؤدي إلى الاختلال العمراني والانسلاخ من الصالة ، ومن رقابة المجتمع لسلوك الفرد وتصرفاته .
بعد استعراض تاريخها واطوارها وغاياتها يقدم جملة من الاقتراحات والحلول :
1) دراسة الظاهرة من جميع نواحيها ، ومن مختلف هيئات المجتمع .
2) الإعتناء الخاص بتثقيف الصبيان والشبان الثقافة الدينية وتزويدهم بالعدة الكاملة منها حتى يتخذوا منها حصانه ومناعة من الطوارئ .
3) إلفات نظر المفكرين والمصلين نحو أبناءهم الموجودين في الشمال والاعتناء بهم ودراسة أحوالهم وحل مشاكلهم .
4) التقصير قدر الامكان من مدة الاغتراب ، وهذا قد كان فيما سلف متعذراً لبعد الشقة وصعوبة المواصلات ، أما الآن فقد وسائل النقل والمواصلات في السرعة والراحة .
5) إمعان النظر من جديد في دراسة الفلاحة ووسائلها بميزاب وازاحة أكثر ما يمكن من عقباتها وإدخال أكبر ما يمكن من التسهيلات والتحسينات ، فقد أضحت الفلاحة الآن أكثر أهمية ، والفلاح أسعد حظاً من التاجر أضعاف المرات ، وكذلك دراسة حالة الصنائع الأهلية بميزاب وانعاشها بما يكفل حياتها ودوامها .
6) اقناع أبناءنا بعدم الانخراط في سلك العمالة في المعامل التي يملكها الأوروبيون ، لأن في ذلك خطراً على دينهم وسلوكهم .
وملازمة مهنة الفلاحة وترغيبهم فيها بتحسين أجورهم وترقية معاشهم .
7) التقليل من رغبات النفس وشهواتها ، فإن النفس لا حد لمطامعها ولذاتها ، فما دامت لم تجد وازعاً من العقل ورادعاً من الدين فهي لا تزال تطمح وتثب وتقول : هل من مزيد .
هذه الاقتراحات والحلول قدمها الشيخ أبو اليقظان لتنظيم هجرة الميزابيين نحو الشمال منذ ما يربو عن سبعين عاماً حيث كانت الجزائر تحت وطأة الاستعمار . (1/16)
صفحة 17
والحركات الإسلامية لا تزال في طور نشأتها ، أما الآن فإننا ننعم بالاستقلال الوطني ـ والحمد لله ـ كما أن الميزابيين المتواجدين في الشمال تأثروا بالحركة الإصلاحية فقاموا بفتح المدارس الخاصة للتربية الدينية والخلقية وأنشئوا نظام الجماعات للتكفل بأبنائهم والاعتناء بالجانب الاجتماعي والثقافي والديني ، ومن ناحية أخرى فإن ميزاب شهد نهضة عمرانية واقتصادية وثقافية متنوعة ، لهذه المعطيات كلها ، فإن تنقل الميزابيين واستقرارهم في مدن الشمال تنظر إليه الآن بنظرة جديدة واستراتيجية أخرى .
خاتمة :
هذه إطلالة سريعة عن بعض ما كتبته صحافة الشيخ أبي اليقظان في الجانب الاقتصادي ، هذه الصحافة التي تشكل جزءاً من تاريخ الأمة في حقبة مهمة من تاريخ الجزائر المعاصر .
ورجائي من الباحثين دراستها من مختلف جوانبها .
وأنوه ببعد نظر الشيخ في تعاطيه للأحداث وتحليلاته ونظراته المستقبلية ، كما أن الشيخ يتميز بروح التفاؤل والتطلع نحو مستقبل وغد أفضل حتى في ظل الظروف الصعبة والحالكة .
وأمنيتي الغالية أن يحقق الجيل الحاضر حلم الشيخ واقتراحه بإنشاء مصرف إسلامي وفق قواعد الفقه ويسير بأسلوب البنوك العصرية ، خاصة وأن الظروف القانونية والاقتصادية الآن متاحة ، وتبقى فقط همه وإرادة وعزيمة الرجال .
المصادر والمراجع :
1 : صحف الشيخ أبي اليقظان : وادي ميزاب ـ النور ـ الأمة .
2 : أبو اليقظان وجهاد الكلمة د : محمد صالح ناصر .
الأستاذ : محمد بن صالح حمدي
جامعة باتنه
أعلام وأعمال في الفكر والثقافة والأدب - د.عمر بن قينة
دراسة - من منشورات اتحاد الكتّأب العرب دمشق - 2000
فهرس الكتاب
أدب الطفل
الدراسات
القصة
الشعر
المسرح
الرواية
( أبو اليقظان ) من أعلام الفكر القومي.. المغمورين (1/17)
صفحة 18
بين كوكبه من أعلام الفكر القومي (العربي – الإسلامي) يحتل المفكر الجزائري الشاعر الصحفي (أبو اليقظان) مكانة معتبرة، لنضاله بالكلمة الشجاعة على الجبهة الإعلامية، مقارعا قوى البغي الاستعماري الفرنسي، بمقالاته وبشعره، في صحفه العربية المتلاحقة في صدورها وانتشارها، فلا تكاد تسقط واحدة شهيدة حتى تخلفها أخت لها حاملة الراية نفسها، بالعزم والإصرار الذي لا يلين أمام قمع القوات الاحتلالية، وهي تصادر هذه الصحيفة، وتمنع ثانية، وتخنق ثالثة، وتلاحق ناشرها ذا الصوت القومي والقلم العربي، والموقف النضالي، الذي لا يساوم ولا يهادن، فيثبت في الخندق حتى آخر ما في (الجعبة) من طاقة، وإمكانيات.
ولد (إبراهيم أبو اليقظان بن الحاج عيسى) بمدينة (القرارة) في الجنوب الجزائري سنة (1888م) حيث تلقى مبادئه الأولى في التعليم، سافر بعدها إلى (تونس) حيث التحق بجامع (الزيتونة) سنة (1912م) فتولّى رئاسة البعثة الدراسية فيها حتى سنة (1925م) ممارسا الكتابة والنشاط الطالبي، وبعد التاريخ المذكور منذ حين عاد إلى (الجزائر) لممارسة العمل والنضال بقلمه ولسانه في الصحافة، فأصدر في هذا المضمار (ثماني جرائد) عربية، خلال ثلاث عشرة سنة (1926-1939م) أي منذ عودته حتى إعلان (الحرب العالمية الثانية) وتلك الجرائد هي: (وادي ميزاب)، (ميزاب)، (المغرب)، (النور)، (البستان)، (النبراس)، (الأمة)، (الفرقان) فكان كلما أوقف له الاستعمار واحدة أصدر هو أخرى، نضالاً وتحدياً، وقد توفّر على حسّ صحفي، ربّما بدأ يتكون لديه "منذ صباه، فقد آنس من نفسه ميلالا يقاوم لقراءة الجرائد والمجلات العربية.. ويتابع بنهم.. أخبار الوطن العربي، والتطورات السريعة التي كان يمرّ بها العالم آنئذ" وقد ترك مؤلفات مختلفة، في الفقه والتاريخ والأدب، من أهمها: ديوان شعري في جزأين اثنين. (1/18)
صفحة 19
وفي هذا الديوان نفسه تطل على القارئ هموم (الجزائر) والوطن العربي، والعالم الإسلامي عبر مختلف أقسام الديوان، هموم معاناة (الجزائر) الاحتلال أولاً، والمؤامرات ثانياً: مثل هموم العالم الإسلامي، كما يطل نضال (الجزائر) وجهادها في ثورة نوفمبر (1954م) وانتصارها في (1962م) فرأى في ذلك نصرا عربياً عاماً، في (المغرب) مثلما هو انتصار لإرادة الانتماء لحضارة عنوانها (العربية) وروحها (الإسلام) حين كانت ممارسة العقيدة تعاني العنف ويعاني تدريس العربية الملاحقة والتضييق من الاحتلال، كما عانت القيود عليها، دورانا على الألسنة، ومقالات وقصائد في كتب ودوريات، فكانت (لغة العرب) و(القرآن) أولى بتهنئة الشاعر (لأبي اليقظان) في اليوم الرابع من إعلان وقف القتال بين المجاهدين الجزائريين (أي جيش التحرير الوطني) و(الجيش الفرنسي المحتل) حين قال في الثالث والعشرين من شهر (مارس 1962م).
بشرى لمغربنا فقد دنت
بجهادنا، بقطوفها الأثمار
بشراك يا لغة العروبة لم يكن
من بعد هذا للقيود قرار
فلأنت صاحبة البلاد وإن هم
لحقتك منهم بيننا أضرار
فلينطلق ذلك المقيّد إذا بدا
فجر السلامة، وانتهت أكدار
وبهذا الحسّ الوطني الثوري نفسه طعّم (أبو اليقظان) قصيدته الإخوانية إلى : أمير شعراء المغرب العربي (محمد العيد آل خليفة) معلنا ارتباط الهمّ الوطني بالهمّ الشخصي لدى الأدباء الشرفاء الذين يعيشون أفراح أمتهم الكبرى والصغرى معاً وأتراحها، بوجدانهم، وبكل مشاعرهم، فأضاف في شهر (أفريل) من سنة (1962م) مخاطباً الشاعر (محمد العيد):
صوت العروبة من ربى الصحراء
هيّا بنا يا عندليب لنسمعن
ولواءها، ورسالة الشعراء
وتعال نرفع للجزائر ذكرها
سجّل الشاعر هذه الإرادة والأشواق بروح الفتوة والشباب وهو الذي بات في الرابعة والسبعين من العمر، كله آمال لا تقف أمامها حدود في عزة (الجزائر) وتقدم الأمة العربية وازدهارها. (1/19)
صفحة 20
غير أن الواقع البشع في حياتنا يطحن الآمال، ويمزّق الأشواق ويدمي القلوب، فتسقط مهيضة، كسيرة نازفة.
هو الواقع الذي ما لبث أن لفّ الشاعر فيه صمت كئيب، وتجاهل مريب، وتعتيم حالك بغيض، فسقط مريضاً، مقعداً، حبيس بيته بمدينة (القرار) حيث لقي ربّه في (30 مارس 1973) بعد نضال فكري طويل، أسهم به في الحياة الأدبية، بنثره، وبشعره الذي لا يفارقه فيه وطنه، وقضايا مجتمعه، حتى وهو يتحدّث في أموره الشخصية، والإخوانية، فيذكر إبان الاحتلال معاناة وطنه، والآفات التي تفتك بمجتمعه: مادية ومعنوية، كما عكست ذلك مادة ديوانه، بموضوعاتها المختلفة.
لقد حمل ديوانه آماله، وهمومه الوطنية والقومية والشخصية، كما صور تجارية وعكس شخصيته بكلّ أبعادها، خصوصاً منها الجانب الإنساني، مثلما عكست مقالاته الصحفية شخصيته الإصلاحية، وجهوده المختلفة، في (الإعلام الوطني) الشعبي أثناء الاحتلال الفرنسي، كما عبّرت عن ميوله القومية والوطنية عناوين جرائده، ومن أهمّها دلالة على ذلك "النبراس" "الأمة" و"الفرقان".
فيقدر ما هي صحف وطنية عروبية بلغتها وفكرها، واتجاهها هي إسلامية بقضاياها، وحتى بعناوينها نفسها ذات التعبير الدقيق عن الهوى الإسلامي كجوهر لهواه العروبي.
جهد (أبي اليقظان) و(جهاده) بالكلمة يجعله من (أعلام الفكر) القومي، غير أن التعتيم على الرجل أبقاه (مغموراً) بعد (فجر الاستقلال) فلم أعلم أنه حظي بدراسة منصفة لفكره وتراثه، ولا في رسالة (ماجستير) ولا في أطروحة (دكتوراه) كما حظي سواه، ممن قد لا يستحقون ذلك.. فهل في مقدور هذه الكلمة المتواضعة أن تسهم بشيء يسير جداً، في إنصاف الرجل الذي وهب في خدمة أمته العربية، شبابه، وجهده، بالرأي، والكلمة، وانتهى إلى صمت مطبق، كشأن معظم المجاهدين والشهداء الميامين، ويبقى الجزاء الأوفى عند ربّ العالمين، منصف كل العاملين المخلصين الجادين.
E - mail: aru@net.sy (1/20)
صفحة 21
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |
سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244
الصفحة الرئيسية | بطاقة التعريف | صحف أبي اليقظان | مؤلفات أبي اليقظان | ماكتب عن أبي اليقظان |
أصدقاء أبي اليقظان | عائلة أبي اليقظان | صور من بلادي | مواقع تهمك | اتصل بنا|
ملاحظات
حالته
النوع
المؤلفات
م
ثلاثة أجزاء للإبتدائي و أريعة أجزاء للثانوي
مطبوع نموذج من المخطوط
سلسلة فقهية مدرسية
سلّم الاستقامة (مقال عن الكتاب)
1
في جزأين
مطبوع
تاريخ-كتاب
سليمان الباروني باشا (مقال عن الكتاب)
2
جزء أول
مطبوع
شعر-كتاب
ديوان أبي اليقظان
3
نحو ثلاث أجزاء
مخطوط نموذج من المخطوط
تراجم- كتاب
ملحق السير (مقال عن الكتاب)
4
نحو جزأين
مخطوط
تاريخ-كتاب
الإباضية في شمال إفريقيا
5
مطبوعة سابقا في تونس
مطبوعة
رسالة
إرشاد الحائرين
6
مخطوط
رسالة
الاسلام و نظام المساجد في وادي ميزاب
7
مخطوط نموذج من المخطوط
رسالة
الإسلام و نظام العشيرة في وادي ميزاب
8
مخطوط
رسالة
أهدافي العليا بالعمل في هذه الحياة
9
مخطوط
رسالة
الإنسانية المؤمنة بين حزب الله و حزب الشيطان
10
طبق صنيع سيد قطب في مشاهد القيامة في القرآن
مطبوع
كتاب دراسات قرآنية
فتح نوافذ القرآن
11
مخطوط
رسالة
أضواء على بعض أمثال القرآن
12
مخطوط
رسالة
أطوار التكوين و الفناء في القرآن
13
تحتوي ثلاثة مئة بيت
مخطوط
أرجوزة
تحفة أبي اليقظان للصبيان
14
مخطوط
رسالة
تاريخ الصحافة العربية في الجزائر
15
مخطوط
رسالة
الجزائر بين عهدين عهد الاستغلال و عهد الاستقلال
16
تحنوي 325 بيتا
مطبوعة في مصر
قصيدة
مأساة فلسطين
17
مخطوط
رسالة
أشعة النور من سورة النور
18
نماذج من بعض المخطوطات
19
أعلى الصفحة (1/21)
صفحة 22
الصفحة الرئيسية | بطاقة التعريف | صحف أبي اليقظان | مؤلفات أبي اليقظان | ماكتب عن أبي اليقظان |
أصدقاء أبي اليقظان | عائلة أبي اليقظان | صور من بلادي | مواقع تهمك | اتصل بنا|
الثبات على المبادئ
الثبات على المبادئ و عدم التزحزح عنها و الوسائل اللازمة لاقتطاف ثمرة الفوز و النجاح
و ما ظفر عامل بمرغوبه إلا بفضل الصبر و الثبات ، وما خاب و أخفق في مسعاه إلا بالملل و السأم و القلق ، و الحجر المتقلب لا يثبت عليه ا لبنيان . لما الحروب داهية المغوليين تيمورلنك ، دب في عروقه دبيب الملل ، فالتجأ إلى بيت خرب ، فرأى نملة و هي تحمل قوتها ، تتسلق جدارا فتسقط ، فتعود فتسقط و هو يتأمل ما يكابده ذلك المخلوق الضعيف ، و يجاهد في سبيل حياته إلى أن نجحت في مبتغاها بعد (34) مرة ، فأخذ منها عبرة الصبر و الثبات ، فقال ( إن النملة علمتني الثبات ) فعند ذلك كر راجعا فنظم جيوشه و أعد عدته ، فاقتحم أهوال الحروب ، فانتصر انتصارا باهرا . هذه نتيجة العزم و الحزم و الثبات ، فإذا كانت نملة ، و هي أضعف خلق الله ، تثابر على عملها بحكم غريزتها ، و تحمل عشرة أضعاف حجمها عشرات المرات ، إلى أن تنال أمنيتها ، فكيف بالإنسان العاقل القوي ، الذي كرمه الله وفضله وخلقه في أحسن تقويم ؟
إذا كانت تلك تثبت ذلك الثبات لأجل حفظ وجودها بين أخواتها في هذه الحياة ، فكيف لا يثبت الإنسان أضعاف أضعافها لأجل حفظ وجوده و كيانه في الحياتين : حياة الدنيا و حياة الآخرة ، و لنيل السعادتين فيهما معا . و لو لا الحزم و الثبات ، لما أنقذت الملكة البربرية سانت هينان قافلتها من مخالب الجوع و الهلاك لما كادت الصحراء تبتلعها فيجوفها ، و لما حفظت جبال هقارة الحضارة البربرية ، الخالدة المتغلغلة في بطون التواريخ . (1/22)
صفحة 23
إن الناس بالنسبة إلى الثبات على صنفين : الأول ثابت كالطود ، لا تزعزعه العواصف و لا تضعفه القواصف ، اقتنع بمبدإ أو عقيدة أو انحاز إلى حزب أومذهب، فإنه يعض عليه بالنواجذ ، و يثبت عليه ثبات الرواسي ، و يتفانى فيه بكل ما أوتي من قوة مهما كلفه من الضحايا الغالية ، و يتجلى ثباته في جميع أحواله ، فتراه ثابت الجنان ، ثابت اللسان ، ثابت القدم ، ثابت العمل ، غير هلع و لا متلجلج و لا مضطرب و لا مرتبك ، و لو أحدقت به الأخطار و الأهوال .
و قد يبلغ به الثبات أحيانا إلى الغلو و التطرف ، وأحيانا إلى العشق و الوله و الغرام و الهيام ، و لا يبالي في ذلك بما يلاقيه من قوارص اللوم و العتاب ، و لا تثنيه عنه قوة المعارضة ، و لا تؤثر فيه سعاية الوشاة و فك الخراصين ، بل لا يزداد نحو ذلك إلا تعصبا و تمسكا ، و هذا دليل على كمال الصدق و الإخلاص و متانة الأخلاق ، وهو محمود جدا ما لم يخرج به إلى حد الجمود و الثقة العمياء و التعصب على الباطل .
و هذا الصنف هو نواة الإصلاح و عمدة المصلحين، و العدة التي يعول عليها المجاهدون و الكهف الذي يفزع إليه العاملون ، و لكنه قليل جدا في كل زمان و مكان و الكرام قليل . (1/23)
صفحة 24
الثاني : متزلزل العقيدة ، سقيم الوجدان ، متضعضع الفكر ،يعتنق اليوم عقيدة و ينسلخ منها غدا ،يستحسن اليوم مبدأ و يستقبحه غدا ،يدخل اليوم في مشروع و يخرج منه غدا يصادق اليوم زيدا و يعاديه غدا ... كل هذا لا لسبب حادث وإنما لمرونة في نفسه و ضعف في قلبه ، فتراه مدة عمره مترددا متذبذبا، لا مبدأ له و لا عقيدة و لا رأيا و لا مذهبا و لا دينا و لا صديقا و لا مشروعا قارا . و ربما تحدثه نفسه أن يدخل في معامع الأعمال مع المصلحين و المفكرين ، و لكن سرعان ما يجد الطريق وعرة ، و العقبة كأداء و المفازة مترامية الأطراف ، و الأرض مأسدة ، فيستصعب مجاراة العاملين ومجاهدة تلك المصاعب ، فيرجع القهقرى، نادما على ما فرط منه فيما هو خارج عن طوقه و استعداده و قد لا يكتفي بذلك بل يملأ الجو صراخا و صخبا ، و إن ذلك السبيل ، الوعر نافذ ، و لا ينتج نجاحا و لا فوزا ، فيفت في ساعد العاملين أهل الحزم و الثبات ، و يثبط عزيمتهم ، و يفصل بينهم و بين من يستمدون من المعونة و المساعدة و هذه نهاية الخسة و الدناءة ، إذ لم يحرم الأمة منفعة ثباته ومثابرته فقط ، و لكنه لفرط تذبذبه و كسله يريد أن يبقى العاملون الثابتون كسالى مثله ، وحرمان الأمة من ثمرات جهادهم و ثباتهم .
و لعلاج هذا الداء و اكتساح هذا المرض من نفسه ، يلزمه أن يعلم علم اليقين أن تذبذبه و تردده ، لا يجلب منه غير الإخفاق و الحرمان ، و أن الثبات و إن كان فيه من المشاق و المتاعب فإنه يلد الظفر و الفوز و النجاح ، و أن يعتبر بعاقبة المتذبذبين و بمغبة ذوي النفوس الصادقة ، و بما نالوه من العزة القعساء و الانتصارات العظيمة في ميادين الحياة بفضل عزيمة الصبر و خالص الثبات .
أعلى الصفحة
الصفحة الرئيسية | بطاقة التعريف | صحف أبي اليقظان | مؤلفات أبي اليقظان | ماكتب عن أبي اليقظان |
أصدقاء أبي اليقظان | عائلة أبي اليقظان | صور من بلادي | مواقع تهمك | اتصل بنا| (1/24)
صفحة 25
الأمية شلل
إن أصل الأمراض و علة العلل هي الأمية و الجهل ، فالجهل أبو الشقاء . و إذا قيل إن الأمية في الأمم شلل فنحن نقول إن الأمية في الأمم صمم و بكم و عمى هؤلاء، فالأمة الجاهلة كالإنسان الأصم الأبكم الأعمى لا تسمع و لا تعرف ما تقول و لا تبصر ما قد قيل فهي بمعزل عن الدنيا و أبنائها و عن الحياة و أحوالها وعن مجاري النهوض و تيارات الرقي . تقتنع من الحياة بالأكل و الشرب والنوم و الفساد و من المنزلة بالصقع و القرع و الذل و الهوان ترى المصائب تنتابها و المحن تنزل كالصواعق عليها من كل صوب و تنسب كل ذلك إلى الأقدار و ترى من واجب الإيمان الاستسلام و الخضوع كما يستسلم و يخضع الميت بين يدي الغاسل بدون أن تتخذ التدابير والاحتياطات اللازمة التي تحت مقدورها .
ترى الظلم والذل والإرهاق يجتاحها و لا تفكر في كيفية رفع ذلك عنها ترى الأمراض و أنواع الأوبئة تفتك بمجموعها و لا تفكر في مقاومتها و تحسبن حال صحتها ترى جراثيم الأخلاق الفاسدة تسري بين الجموع و الأفراد منها و العائلات و لا تحرك ساكنا ، ترى حالتها الاقتصادية في تدهور وانحطاط وسقوط صناعتها ميتة وتجارتها بائرة و فلاحتها عقيمة و لا تتلمس السبب و لا تتطلب الخلاص . يغشها دساس فتهرول وراءه و يصفعها ظلم غشوم فتقدم له شواهد الشكر و الامتنان و يهينها عابث عات فتقيم له الحفلات و المآدب الفاخرة و ينال من دينها و عزها و شرفها معتد أثيم فتتفاخر بالانتماء إليه و الانضواء ضمن أسرته .
إذا صرخ في وجهها صاحب القوة تطارحت هلعا إلى ذات اليمين و ذات اليسار ، و إذا لاحت لها منه ابتسامة توافدت عليه و انكبت بين يديه . (1/25)
صفحة 26
و هي من جهة أخرى على عكس ذلك ، إذا قام بينها ناصح ينصحها انفضت من حوله و تركته قائما ، و إذا دعاها إلى الإصلاح داع ثنت عنه صدرها و استغشت هروبا من دعوته ثيابها ، و إذا صاح في وجه الباطل صيحة ملأت حوله جلبة و ضوضاء ، ثم إنه إن انتصر و كان له فتح من الله ، طارت فخرا و طربا ، و قالت لو لا نحن لما حصل شيء ، و إن انخذل و سقط في ميدان الشرف ، انزوت في المغاور والكهوف متبرئة من صنيعه خشية أن تلحقها مسؤولية ما من عمله المبرور ، فتسقط من عين مرهقها و مسخرها .
و إذا كتب لها ما فيه عزها و حياتها ، فإنه لا تقرأه و لا تعرف ما فيه لأنها لا تعرف القراءة و الكتابة و إذا قرئ عليها لا تفهمه ،و إذا أمكن أن تفهمه أساءت هضمه و تلك طبيعة الأمية و مقتضياتها ، فهي تغلق عن الأمة الجاهلة منافذ الحياة كلها المادية منها و الأدبية ، و لهذا احتار النطاسيون في خطورتها و واصلوا العمل و التفكير في البحث عن معالجتها و مقاومة جراثيمها و تفننوا في الوسائل و الطرق لذلك أرصدت لهم حكوماتهم في ميزانياتها الملايين و المليارات لتنفيذ ما يرون فيه من الوقاية الكافية و الدواء الشافي منها ألا وهو نشر العلم و تعميم التعليم بين الطبقات . نعم هذا للأمم التي لها رجال يسهرون على مصالحها و حكومة يهمها أمرها و شأنها و لكن من ذا الذي للأمم الضعيفة المسكينة التي حرمت أمثال أولئك الرجال العاملين و بليت بمصائب من الرجال هم في الواقع ويل عليها و وبال على كيانها .
يجب على كل فرد من أفراد هذه الأمم و الحالة هذه أن يجعل نصب عينيه أنه لا وجود و لا بقاء و لا حياة و لا عز و لا سعادة له و لأمته إلا بإزاحة غشاوة الأمية عن بصائر الأمة و رفع كابوس الجهل عنها و أن يجعل من الضروريات اللازمة له كالأكل و الشرب مسألة العلم والتعليم. (1/26)
صفحة 27
وإذا كان سعي يبقى معه داء الجهل و الأمية فاشيا بين أفراد الأمة فمآله الخيبة و الإخفاق إذ لا حياة لأي مشروع في عهد الجهل و لا نجاح لأي عمل مع الأمية فالصديق الحقيقي للأمة و العامل المخلص لها هو من يسعى في نشر العلم و العرفان بين أبنائها و يعمل على إبادة جراثيم الجهل منها ، و العدو اللدود لها هو الذي يساعد على تفشي داء الجهالة فيها و يسعى في إطفاء أنوار المعارف عنها إذ الأول يعمل على إخراجها من الظلمات إلى النور والثاني يسعى في إخراجها من النور إلى الظلمات و الفرق بين الرجلين عظيم .
إن مضار الجهل و منافع العلم أشياء تدرك بالضرورة و الكلام عليها كقولك السماء فوقنا و الأرض تحتنا و وجوب مقاومة الجهل و تحصيل العلم مما علم من الدين بالضرورة و مما اتفقت عليه الشرائع و نطقت به حوادث التاريخ و جرت عليه سنن الكون و العمران و لجأت إليه ضروريات هذا العصر الحادث و سارت في منهاجه كافة الأمم التي تعرف معنى الحياة . (1/27)
صفحة 28
و لكن رغما عن كل ذلك و عما شرحناه أولا من المفاسد فإنا نرى بكل أسف الأمة الجزائرية عموما و الأمة الميزابية خصوصا لم تدرك للأمية و الجهل خطورة و لم تر للعلم و العرفان قيمة و لا مزية و أبت أن تقتنع أن في الجهل ومن الجهل الفقر المدقع و الموت الزؤام و إن في العلم و بالعلم العز و السعادة و الحياة و إنما ترى مسألة العلم و الجهل مسألة ثانوية لا حظ لها من الاهتمام و التفكير بالقدر الذي يجب للأكل و الشرب و اللباس بل ترى إن السعادة و الحياة لا تتوقف على العلم و التعليم و إنما تتوقف على المال و لا دخل للعلم في العز و الحياة بل ربما يرى البعض العلم عائقا في سبيل تحصيل المال و هذا هو السر في الزهد العام تقريبا من الأمة في العلم و الرضاء بداء الجهل ، مع أن في مكنتها و هي تربو عن خمسة ملايين أن تشيد للعلم قصورا شامخة لو شاءت و لا يصد إرادتها صاد ، و لكن أي باعث يبعثها على ذلك و هي لم تقتنع بفساد الجهل وضرورية العلم ما دام الغرض الأساسي في الحياة عندها هو المال و لا دخل للعلم أو الجهل به لديها و هذا منها غلط فاحش منشؤه الجهل منها بأسباب الحياة و وسائل النهوض , إذ جعلت الوسيلة غاية , و الغاية وسيلة ، و الذَّنَبَ رأسا, و الرأس ذنبا ، و لو أحسنت التفكير قليلا و أصغت إلى ضميرها , لوجدت أن بالعلم يُجْنَى المال و يُحْتَفَظُ عليه ، و بالعلم يُنالُ الجاهُ و يُسْتَفَادُ منه لا عكس .
و بالعلم يجنى المال لا عكس ، إنها فضيلة حق عند كل الورى تُدْرَى . (1/28)
صفحة 29
و لكنها تسير مع الظواهر و تستنطق السطحيات وتأبى أن تحكم الحقائق و نفس الأمر و الواقع تستند في دعواها تلك وعدم الإقناع بوجوب العلم و إزاحة الجهل على حالة المتعلمين و غيرهم إذ ترى كثيرا من العلماء في حالة مزرية و غالب المتعلمين في كسل و بطالة و إهمال ، و لم يكن لعلمهم من أثر نافع أو ثمرة محسوسة غير التحاسد و التشاكس و التفنن في الفساد و الاحتيال على اجتراح الموبقات , وهذه النظرية أشبه بنظرية أعداء الإسلام الذين يقولون إن الدين الإسلامي دين ذل و خنوع و كسلا و بطالة وجمود ، لا يصلح للرقي و النهوض ، و لا يتناسب مع المدنية و الحضارة نظرا لما عليه حال المسلمين في جميع البقاع من السقوط و الانحطاط ، و يتخلصون من هذه المقدمة إلى نتيجة هي وجوب نبذ ما شأنه كذلك و الانسلاخ من تماما
و كلتا النظريتين فاسدة ، إذ أسسها مؤسسوها على قضية الأفراد و الأشخاص لا على قضية المبادئ ، فلو أنهم أمعنوا النظر و أنصفوا ، لوصلوا إلى الحق و الصواب ، و لوجدوا أن العبرة في الحقيقة لنفس العلم أو نفس الإسلام ،لا لما يرى من الُتَلَبَّسِ به من الفساد و الرذيلة . (1/29)
صفحة 30
إذ لا يخلو هذا من عروض مرض عليه أفسد عنه الانتفاع بالعلم أو بالإسلام و ليس الذنب في ذلك ذنب العلم أو الإسلام و لكنه ذنب علم التأثر به و العمل بمقتضاه ، وإذا أصروا و قالوا إن الفساد سرى للمتعلم من ناحية العلم ، و للمسلم من ناحية الإسلام فنقول لهم و كذلك نرى الغالب من أرباب الأموال و الجاه و أبنائهم منهمكين مستهترين ، حتى أصبح اٌلانهماك و الاستهتار أمارة عنهم و شارة لهم ، فَلِمَ لَمْ تتجنبوا هذا الفساد الفظيع الذي يلحق منه غالبا صاحبه ؟ و لِمَ لمْ تنهوْا عنه و تأمروا الناس بالإعراض التام عن المال كما أمرتموهم بالإعراض التام عن المال كما أمرتموهم بالإعراض عن العلم و زهدتموهم فيه و وضعتم في طرقه حواجز و عراقيل ؟ أم أنكم تقرون ذلك المستهتر على انهماكه و فساده لأن له شفيعا لا يرد و هو المال؟ ألا بئس هذا الرأي السخيف!!!
إن داء الفقر – و إن كان أليما و خصوصا على ضعفاء الإيمان – و لكن داء الجهل أعظم خطرا و أشد فتكا فغاية الدنيا كلها خزانة و كلها ثروة و غنى .
ينال الفقير من فقره خروج نفسه و موته جوعا موتة لا غرو أما داء الجهل فإنه يرسل على صاحبه من كل شعبة موتة جديدة فيميت منع العز و الشرف و المجد ، يميت منه الدين و الوطنية، يميت منه نور الإيمان و شمس الحق ومنبع السعادة ، يكسبه ثوب الفناء العاجل و الآجل ، يلبسه سربال الخزي في الدنيا و العذاب في الآخرة .
فإلى مقاومة الجهل و الأمية أيها السادة ، و إلى نشر العلم و تعميم التعليم .
و إذا دار الأمر بين إزاحة الجهل وداء الفقر ، فالواجب الاشتغال بإزاحة الأول ، إذ بإزاحته ينزاح الثاني غالبا لا عكس . (1/30)
صفحة 31
إن إزاحة داء الفقر لا يجعل صاحبه عالما و إن يمكنه أن يتخذ من ملايينه شعاعا من العمل يستضيئ به ، و كم من أصحاب الملايين لا يعرفون وضع إمضائهم كما ينبغي بخلاف ما إذا كان الرأس عامرا و القلب غنيا فإن هنالك الدين و هنالك الدنيا و هنالك الفضل و الخير و البركة .
أعلى الصفحة
الصفحة الرئيسية | بطاقة التعريف | صحف أبي اليقظان | مؤلفات أبي اليقظان | ماكتب عن أبي اليقظان |
أصدقاء أبي اليقظان | عائلة أبي اليقظان | صور من بلادي | مواقع تهمك | اتصل بنا|
الإسلام يحتضر و المسلمون يهزلون
إذا وضعنا رقعة الكرة الأرضية أمامنا ، نجد المسلمين يشغلون شطرا عظيما منها ، و إذا استعرضنا إحصائيات سكانها ، نجد رقم المسلمين يبلغ الربع منهم . و إذا فحصنا نتاج بلادهم ومحصولاتها ، نجدها أغنى بلاد العالم ، و أزكاها تربة ، و إذا استقصينا مواقعها ، نجدها أحسن موقعا ، و أعدل هواء و أصفى جوا ، و إذا رأينا أمزجتهم و استعدادهم الفطري ، نجدهم أعدل مزاجا و أكمل استعدادا ، وأنور عقول.
وإذا نظرنا إلى ماضيهم نجده شامخ الأنف ،رافع الرأس بالعظماء و العبقريين حافلا بجلائل الأعمال و الآثار الخالدة ، و إذا التفتنا إلى إمامهم الحقيقي في هذه الحياة ، نجده الكتاب المجيد ، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه ، و تلك السنة الصحيحة ، سنة من لا ينطق عن الهوى.
و لكن إذا نظرنا من جهة أخرى إلى حالتهم العمومية نجدهم في غفلة و جهالة في جمود وخمول ، في خنوع و تواكل ، في هلع و جبن في ذل ،و صغار في احتقار ، و امتهان في فقر ، و بؤس في تعاسة و شقاء .
استأثرت الأجانب بخيرات بلادهم و كنوزها ، و أصبح 90% منهم تحت الاحتلال أو الحماية أو الوصاية أو الانتداب و بالمعنى الحقيقي تحت الاستعمار ، و الباقي منهم محاط بالأهوال ، مهدد بالأخطار ، فما سبب هذه الحالة الغريبة ، و منشأ هذا البون الشاسع يا ترى؟ (1/31)
صفحة 32
الجواب على ذلك بسيط جدا ، و هو أنهم ضيعوا أوامر الإسلام فضيعهم الله لقاعدة " إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ " .
عندما كان السلف الصالح واقفين عند حدود الإسلام أيدهم الله و أعزهم فنشروا ألوية الإسلام شرقا و غربا و هم لم يتجاوزوا 200 ألف ، و لكن لما تعدى الخلف حدوده خذلهم الله و لم يجدهم 400 مليون فتيلا ، و لا نفعتهم خيرات بلادهم الوفيرة نقيرا ، بل كانت عليهم وبالا مبيدا و شرا مستطيرا و سلاحا فتاكا في نحورهم ، فلقد استثمر الأجانب بلد المسلمين ، و أحقادهم القديمة و أضغانهم المتوارثة ، فسلطوهم على أنفسهم بأسماء المذاهب و عناوين الطرق و ألقاب القبائل والعشائر و أقسام البلاد ، فبنوا بينهم أسوارا و حواجز وهمية ، فأذكوا بينهم نيران العداوة و البغضاء ، فتواثبوا و تناحروا و تنازعوا ، ففشلوا و أذهبوا ريحهم . و المسخ إذا جاء لا يقلب بني آدم قردة و خنازير ، و لكن يمسخ النفوس و يجعلها عدوة لدودة لنفسها .
إن 400 مليون نسمة التي نعدها في زمرة المسلمين ، إنما هي كذلك من حيث الجنس و الجغرافيا ، و أما من حيث الوصف الذي يقتضيه جوهر الإسلام فهل نجد من هذا النوع 1% ؟
فلو تتألف جمعية دينية لإحصاء الممتثلين لأوامر الإسلام و المنتهكين لها ، فكم تجد في المائة من المصلين بالوجه الشرعي ؟ و كم تجد من المزكين ؟ و كم تجد من الصائمين ؟ و كم تجد من الحجاج ؟ و كم تجد من الآمرين بالمعروف و الناهين عن المنكر ؟...
ثم أنها كم تجد في المائة من المنتهكين منهم؟؟؟ فلا محالة إنها تجد الأقلية الضئيلة من الأولين و الأكثرية الساحقة من الآخرين .أفبعد هذا نرجو من الله (1/32)
صفحة 33
و نحن نحاربه أن ينجز فينا وعده بالتمكين في الأرض و أن يتوجنا بتاج العزة إن هذا إلا نقيض سنته في كونه . إن كل مجد و كل عظمة و كل عز يطلبه المسلم ، لا من باب الإسلام ، فمن قبيل إتيان البيوت من ظهورها . و هل هو إلا عناء في عناء مغبته الخيبة و الخسران .
لم يغلب المسلمون على أمرهم بقوة السلاح ، و لكنهم غلبوا على أمرهم غلبوا على دينهم ببث الدعاية ضد الإسلام بأساليب عديدة في مختلف البلاد و العصور، فدخلت في عقيدة الإسلام الصحيحة الناصعة الشكوك و الأوهام و الخرافات ، و فسدت الأخلاق و تنافرت النفوس وتلاحقت الأضغان و تراكمت الأحقاد ، فأصبح المرء عدو نفسه و قومه و بلاده بدون أن يشعر بالسبب ، و هذا نهاية الانحطاط و أسفل دركات السقوط .
أرسلت أوربا إلى بلاد الإسلام موادها السامة و غازاتها المخنقة ، فاختنقت بها روح الإسلام و شوهت مروءته ، و طمست معالمه فخدرت أعصاب المسلمين وتركتهم نياما و سكارى غير شاعرين بما حاق بأنفسهم و دينهم و بلادهم .
هجمت على الإسلام بخيلها و رجلها و حاربته و لا تزال تحاربه بكل ما أوتيت من المكر و الخداع و المهارة و السياسة و الدسائس و آلات التخريب و التدمير ، فعقدت المؤتمرات تلو المؤتمرات ، و أبرمت المعاهدات تلو المعاهدات ، أرسلت جمعيات التبشير و وزعتها في أطراف البلاد طولها و عرضها كالحمام الزاجل ، حاملا إليها رسائل النصرانية ظاهرا و الاستعمارية باطنا ، و أمدتها بكل ما لديها من مال و سلطان لإفساد العقيدة الإسلامية و تخليص النفوس من الحرية إلى عبادة العباد . (1/33)
صفحة 34
أجرت أنهارا و جداول من أنواع المسكرات في المدائن و القرى و المدارس لتجفيف العقول و مسخ النفوس . جهزت جيشا جرارا من بنات الهوى ، و فتحت لها أبوب المراقص والفجور على مصارعها في أنحاء البلاد لقصف الأعمار و إفساد النسل و اكتساح الجيوب . استحوذت على موارد الثروة العمومية فأفقرت العباد و أفقرت البلاد ، فثقلت وطأة البؤس و الشقاء على البشرية .
فعملت كل ذلك و غيره ضد الإسلام ، لكن بعنوان التمدين و مقتضيات الحضارة و مقاومة الوحشية و الهمجية ، فأصابت بهذا مقاتل الإسلام لو لا أن تداركه الله بلطفه و رحمته . فعلت كل ذلك و ملوك المسلمين منهمكون في اللذائذ و الشهوات و الملاهي ، و لو كلفهم ذلك بيع دينهم و ملتهم بأثمان بخسة في أسواق الخزي و المهانة و الصغار ، و علماء المسلمين ملجمون بلجام الصمت و السكوت ، منزوون في قعر بيوتهم برداء الجمود و الخمول ، جبنا أو طمعا في لقب أو مرتب أو وظيف !!!
و مشائخ الطرق - مع ما لهم من النفوذ الروحي في نفوس العامة و شارة الشرف النبوي – مشتغلون بجمع الزيارات و النور ، بل هم أصبحوا لها أداة صالحة لجمع أعنة المسلمين و إسلاس قيدهم لها ، و قد اتخذتهم لطمس معالم الإسلام باسم الإسلام كأمهر جنودها ، و إغرار الشبان من المسلمين الذين كانت ترنو إليهم بلادهم بعين الأمل و الرجاء ، و تراهم كزهرة أبنائها ، اصبحوا رسلا و طلائع لنشر ثقافتها و مزرعة خصبة لبذر بذورها .
تلك هي أسلحتها التي جربتها أجيالا فنجحت بها تمام النجاح وهؤلاء هم جنودها الأبطال المخلصون ، و هاتيك البلاد الشاسعة الأطراف هي معسكرها العام ، و ذلك الدين الإسلامي العظيم هو هدف رصاصها الفتاك ، و لكنه – و الفضل لله – لم يصب الإسلام في شيء ، لأن الله سبحانه أراد أن يبقى حيا عزيزا ، و سيبقى كذلك إلى الأبد ، و إنما أصاب ذلك الهول ألئك الأبطال المخلصين أنفسهم . (1/34)
صفحة 35
و لئن استأصلوا كيانه من الوجود فللإسلام رجاله ، و له رب يحميه وأرض واسعة " وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غِيْرَكُم ْثُمَّ لاَ يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ "
نعم كان ذلك الخذلان الفاضح انتقاما من الله و تنكيلا بهم لما حاربوه و أعرضوا عن شريعته الغراء ، و لن يرفع عنهم هذا الخزي في هذه الحياة بنبذ الإسلام و الاستخفاف بأوامره و الاستهتار في المفاسد و الشرور ، و لكن يرفعه بالرجوع إلى أمره والاعتصام بحبله و الالتجاء إلى حصنه الحصين .
و الرجوع إلى أمره لا يكون بالجهل و التخاذل و التواكل ، و لكن يكون بالعلم و الاتحاد و السعي و العمل و الإخلاص .
و هل آن للمسلمين أن يفتحوا أبصارهم و بصائرهم إلى هذه النقط الأساسية ، فيتفانوا في طريق العلم و يتسابقوا في سبيل التضامن والاتحاد ، و يتنافسوا في ميادين السعي و العمل ، و يتزينوا بحلية الصدق و الإخلاص .
نعم لقد ظهرت منهم في الشرق و الغرب حركة ترمي إلى ما فيه إعزاز الإسلام و أبناء الإسلام ، و لكن نرجو أن تغذى بغذاء الإسلام و لبنه الصافي لا بلبن الإلحاد المسلول و سمه القتال ،فإن هذا كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب .
إن الإسلام في حالة احتضاره هذه ، ليس في حاجة إلى الاستكثار من عدد المنتسبين إليه ، و لا إلى توسيع خريطته خيالا و وهما ، فإن هذا لم ينقذه و لن ينقذه مما هو فيه من الضعف و الوهن ، و إنما هو في حاجة و في حاجة أكيدة إلى إسعافه بالأدوية الناجعة ، على العدة اللازمة و القوة العتيدة من المال و العلم و الثقافة الإسلامية ، فمليون من هذا الطراز أجدى له من 400 مليون أعداء ، فإن الفرد من الأملين في حكم المليون عدة و قوة ، و الفرد من الآخرين في الفرد لا غير ، أليس كذلك أيها المنصفون ؟ (1/35)
صفحة 36
ليصرف زعماء الإسلام و مفكروه جهودهم إلى السير بالمسلمين في دائرة الإسلام الواسعة القابلة لأرقى تمدن في الأرض ، و ليداووا به أدواءهم إن شاؤوا حقيقة استرداد عزهم و فخارهم ، فإنه شفاء ورحمة للمؤمنين ...
أعلى الصفحة
الصفحة الرئيسية | بطاقة التعريف | صحف أبي اليقظان | مؤلفات أبي اليقظان | ماكتب عن أبي اليقظان |
أصدقاء أبي اليقظان | عائلة أبي اليقظان | صور من بلادي | مواقع تهمك | اتصل بنا|
الإصلاح
إن حالة المسلمين المادية و المعنوية الأسيفة تستدعي الاهتمام التام بإصلاحها و الاعتناء بها . فالجهل عام و الفقر مدقع و الافتراق و التخاذل قد أذهب بريحهم ، و أمراض الفجور و الخمور قد سرت عدواها في جسم الأمة ، فمسخت النفوس و طمست العقول ، و عطلت المواهب و المزايا من الأمة فانجرت بذلك مفاسد و شرور ، و كثر الأشرار و تعددت الجرائم و الآثام ، و تقاذفت الأزقة بالشرد والمهملين و امتلأت الشوارع بالعاطلين و الأغنياء يلهون و يلعبون في اللذائذ و الشهوات ، والأعيان منصرفون إلى مصالحهم الخاصة ، و العلماء واجمون ساكتون ، آيسون من إصلاح الحالة – إلا من رحم ربك - مع أنه لا أحد بعد الله يقوم بذلك غير المسلمين أنفسهم ، ما حك جلدك مثل ظفرك ، فتول جميع أمرك .
إن إصلاح تلك الحالة يستدعي علما ، يستدعي مالا ، يستدعي نفوسا عظيمة و رؤوسا كبيرة و أدمغة مفكرة و صدورا واسعة ، و أين نجد هذه و متى نجدها ؟
نعم نجدها في المدارس عندما نعتقد أن العلم ضرورة للحياة .
إن لإصلاح تلك الحالة فروعا ولكل فرع منها طبقة من الرجال تقوم به بما لها من الاستعداد الفطري .
أولا : العلماء ، فهؤلاء بنشر العلم و العرفان وتمزيق أغشية الجهل و ترقية المدارك ورفع المستوى العلمي في الأمة ، و قد ذكرنا كل ما يتعلق بهذا بكل إسهاب في أعدادنا السالفة . (1/36)
صفحة 37
ثانيا : رجال الشرع الرسميون ، فهؤلاء بالهيمنة على العامة و ضبط سيرها ، والمحافظة على عوائدها و تقاليدها الاجتماعية ، و الضرب على أيدي الثائرين و المتمردين على الشرع العزيز بخرق سياج الآداب ، و تمزيق ثوب الحياء و الفضيلة ، فإن لهؤلاء نفوذا في نفوس العامة لا كنفوذ الحكومات و الجبابرة .
فلتتق الله هذه الطبقة في نفوذها و لتستخدمه في ما يعود على الأمة والبلاد بالخير العميم و لا تتخذه كآلة لتنفيذ الأغراض و المصالح الذاتية ، فإن من وهبه الله نعمة و لم يؤد شكرها باستعمالها في ما خلقت لأجلها ، فليبشر باستلابها منه وشيكا .
إن لهؤلاء شخصية بارزة في نظر الأمة فهم مع الطبقة الأولى بمثابة منارة في رأس الجبل بها يهتدي الحائرون فيسبل الحياة فليصلحوا شؤونهم و ليكونوا عند ظن الأمة بهم هداة إلى حيث السلامة و النجاة .
ثالثا : الدعاة المرشدون و المصلحون المفكرون ،فهؤلاء بالقيام بوظيفة الدعوة و الإرشاد و بذل النصيحة ، و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر ، و إنارة السبيل أمام الشعب و وضع خطط الإصلاح و تتبع سير الأمم و نهضات الشعوب ، و مناهج رقيها و أساليبها في الحياة ، حتى يستخلصوا منها ما يلائم ذوق الأمة و مشربها .
رابعا : الكتاب و الأدباء ،فهؤلاء بقيادة النفوس و سيادة العقول ، و تحريك ما كمن فيها من العبقرية و النبوغ ، و عكس أشعة الأفكار ة الآراء بواسطة كتابتهم إلى الأمة لتستجلي بها حقائق الوجود فتسير في الجادة بكل جد و استقامة
خامسا : رجال القضاء ، فهؤلاء بإقامة ميزان العدالة بين الناس و إنصاف المظلوم من الظالم ، و تقوية جانب الضعيف حتى يتصل بحقه ، و كسر شِرَةِ القوي حتى يخرج منه الحق ، بدون تأثرها بقوته أو جاهه أو ماله أو قرابته و عدم الانخداع لخلابة الخصوم و خزعبلاتهم . فعلى هذه القاعدة تنحل المشاكل ، و تنحسم مواد النزاع , و توفر الأموال و أوقات و الرجال , و يتصل كل ذي حق بحقه . (1/37)
صفحة 38
و بدونها تبقى المشاكل معقدة و النوازل مكدسة و ألسنة الخصام مندلعة و بذرات الأموال مهدورة ، و الناس في اختلاف و فتن و شقاق ، القوي يدوس الضعيف ، و الضعيف يكيد للقوي و يتحفز له .
سادسا : الموظفون و الإداريون ، فهؤلاء بتسيير دفة إدارتهم على قواعد الحزم و الضبط و النظام و العدل و المساواة بين الناس ، و المحافظة على الأمن العم ، و الضرب على أيدي الأشقياء و المجرمين ، و التثبت مع المتهمين ، و عدم التسرع و الاندفاع مع الأهواء و الأغراض ، و عدم الإصغاء لأقوال مرتزقة الوشاة ، و القيام بحسن الوساطة بين أمتهم و رؤسائهم ، و الحذر الحذر من استعمال ما خول لهم من السلطة و النفوذ في الإضرار بالأمة و رجالها العاملين فيهلكوا أو يُهْلِكُوا ، بل يجب أن يعلموا أنهم جزء من أمتهم عزها عزهم و ذلها ذلهم
سابعا : نواب المجالس البلدية ، فهؤلاء بالذود عن مصالح مندوبيهم ، والسهر فيما يجلب هناءهم و يوفر راحتهم ، فهم الوكلاء و المحامون ، و الوكيل لا يلتزم بالقيام بحمل الوكالة إلا وهو عالم بقرد المسؤولية الملقاة على كاهله ، و لا يمكن أن يخرج من عهدة المسؤولية إلا بالقيام بمأموريته إلى أقصى ما بلغ إليه طوقه من المعرفة و الدراية .
و أقل تقصير فيه تنجر به أضرار جمة لا تختص به فقط و لكن تعم البلاد و العباد ، فليحذر هؤلاء مغبة تقصيرهم ، و ليناقشوا أنفسهم الحساب قبل أن يناقشهم الله و لا يقابلوا ثقة الأمة بهم بالتقاعس عن مصالحها و القعود عن تسييجها بسياج الصيانة و الرعاية .
و ما التشرف بالألقاب الجوفاء و الأعراض الزائفة بها إلا زبد عما قريب يذهب جفاء . (1/38)
صفحة 39
ثامنا : رؤساء القبائل والعائلات ، فهؤلاء بالسهر على مصالح من عليهم حقهم و الاهتمام بشؤونهم و كفالة القصارى و المعوزين و تربية الأيتام و الفقراء و إصلاح ما بين المتشاجرين و ردع المتشردين و تأديب المفسدين منهم ، و الضرب على أيدي الحمقاء و السفهاء ، و إهمال الرؤوس لهذا الواجب يفضي إلى تفكيك أوصال المجتمع و حل عرى التضامن بين الأمة و فتور العلاقات بين الأب وابنه ، و الأخ و أخيه ، و الزوج و زوجته ، و القريب و رحمه ، و إلى نضوب معين الغيرة و العاطفة التي ألحمها الله بلحمة النسب ، و وطدها بأوشاج القرابة ، و لا يخفى ما ينجر عن ذلك من الشرور و المفاسد و الفوضى ، و ليس بعد العيان بيان
تاسعا : الأغنياء ، فهؤلاء بتشييد معالم المجد و تأسيس المشاريع الخيرية , وتخفيف وطأة البؤس و الشقاء على الفقراء و المساكين بأداء الحقوق الواجبة ، و البذل بطل كرم و سخاء ، و عليهم تتوقف حياة الأمة العمومية و بهم تطير إلى شواهق الكمال
عاشرا : التجار و الصناع و الفلاحون : فهؤلاء بإتقان عملهم و إجادته و ترقيته ، حتى يستغني الوطن بنتائجه و محصولاته عن الخارج فتبقى الثروة الوطنية في أبناء البلاد و هذه الطبقة هي القوة العملة المنتجة و هي المنبع الحقيقي لحياة الأمة و المورد الوحيد لها ، فإذا انسد منه شيء أو تكدر صفوه ، توقفت حياتها عن النمو و الانتشار ، فسارت إلى الوراء فالاندثار .
و يعلم القارئ الكريم أن هذه الطبقات كلها لا تقدر أن تقوم بوظيفتها كما يجب إلا بالعلم الصحيح و التربية الصحيحة و تزكية النفس بالأخلاق الفاضلة .و هل هذا مستحيل على المصلحين و قادة الشعب ؟ كلا فإن هذا ممكن و تحت دائرة مقدورهم لكن إذا أرادوا فالمستحيل عند قوة الإرادة ممكن ، و الممكن عند ضعفها مستحيل . (1/39)
صفحة 40
نعم إن المستحيل الحقيقي و المخالف لنواميس الكون و قواعد العمران هو قيام تلك الطبقات بواجبها عما ينبغي بالجهل و عدم الدراية إذ فاقد الشيء لا يعطيه ، و قيادة المرء لغيره في الظلام من الاستحالة بمكان .
و لأجل هذا يجب قبل كل شيء على سراة الأمة و أعيانها أن يصرفوا قواهم و كل ما لديهم إلى العلم و التعليم و التربية و التهذيب ، ليجددوا شباب الأمة بعد الهرم، و يشيدوا معالم مجدها و أركان حياتها .
أعلى الصفحة
الصفحة الرئيسية | بطاقة التعريف | صحف أبي اليقظان | مؤلفات أبي اليقظان | ماكتب عن أبي اليقظان |
أصدقاء أبي اليقظان | عائلة أبي اليقظان | صور من بلادي | مواقع تهمك | اتصل بنا|
الدين و الإلحاد
لقد من الله على الأمة الإسلامية بالقرآن الكريم و بالرسول صلى الله عليه و سلم و سنته
و بعلماء أجلاء بينوا معالم الدين ، فقَعَّدوا أُصوله و خرَّجوا فروعه ، و بعد هذا كله تجد من يترك الإسلام و تعاليمه السمحة ، و يندرج تحت قائمة الملحدين المناوئين للإسلام ....
الناس في هذا المعترك الحيوي بين عاملين متعاكسين : عامل الواجب الديني و الوطني
و عامل التيار الجارف الذي تدفق من أوربا فغمر إفريقيا و آسيا .
فالأول يقضي باتباع أوامر الإسلام من توحيد و حج و صلاة و صيام و زكاة و حج ...
و اجتناب نواهيه من شرك و قتل و فجور و خمور ...يقضي بالذب عن بيضة الإسلام و عن بلاد الإسلام و بحماية المسلمين و دفع الأذى عنهم بكل قوة و إعداد العدة لذلك .
يقضي بالتعليم الصحيح و التربية الصحيحة من تزكية النفوس و تطهيرها من أوضار الأخلاق الفاسدة .. (1/40)
صفحة 41
و العامل الثاني يقضي بهدم الإسلام من أساسه ببث دعاية الزندقة و الإلحاد و فتح أبواب الفساد على مصاريعها و إذكاء ثورة عامة على مبادئ الإسلام و اقتلاع نظم الإسلام بمعاول القوة و الترهيب أو بوسائل التدجيل و الترغيب يقضي ببيع الشرف و خيانة الملة و الوطن و الدين . أما سلاح العامل الأول فهو أمر معنوي و هو الحجة القاطعة و البرهان الصحيح و الدليل القوي و منبع هذا القرآن الكريم و السنة القويمة و آثار السلف الصالح و متن الكون و قواعد العمران . و أما سلاح العامل الثاني فهو شيء مادي محسوس و هو القوة المادية العتيدة و المظاهر الخلابة الساحرة التي منبعها المال و قوة السلطان التي بيدها في الظاهر قوة القبض و المنع و الخفض و الرفع والإعزاز و الإذلال .
و بما أن جماهير الناس لا يؤمنون بالمعنويات كما يؤمنون بالماديات و يقتنعون بالحجة المادية أضعاف ما يقتنعون بالحجة المعنوية و يرهبون السلاح المادي أكثر ما يرهبون السلاح المعنوي تراهم في كل زمان و مكان خصوصا في هذا العصر يهرولون إلى حيث القوة المادية و ينجذبون للزخرف المادي و هم في هرولتهم وراء هذا التيار على نسبة ضعف عقولهم و سقوط مداركهم ، فمنهم من يرتطم فيها و ينبطح في حماتها بكامل جسده إلى أن ينغمس في قعرها و لا يفهم شيئا غير المادة و لا يدرك شيئا إلا المادة و لا يعقل شيئا سوى المادة ، و منهم من يرتمي فيها ليأخذ جانبا عظيما منها و لا يشعر بنفسه حتى يغرق فيها ، و منهم من يقصدها ليتذوق شيئا من عسيلتها و لا يلبث أن ينجذب إليها فيمتزج حبها بلحمه و دمه فيصبح في جانب أخويه و هم كلهم ضحايا القوة المادية .
إذا حدثتهم عن الإسلام و أوامره سخروا منك و قالوا إنك جامد ، و إذا خاطبتهم بالقرآن و السنة ، لووا أعناقهم و قالوا إنك رجعي ، و إذا كلمتهم بالتاريخ و سنن الله في الأمم الفانية الفاسقة أعرضوا عنك وقالوا إنك نحس الطلعة شديد التشاؤم و انفضوا من حولك . (1/41)
صفحة 42
و إذا جاءهم فاسق فجاهرهم بفجوره و فسوقه ، هتفوا له ، و إذا أقبل إليهم أحد الوجهاء المثرين ، قاموا له ابتغاء مرضاته , و إذا لاح لهم شبح موظف رفعوا أيديهم رغبا و رهبا و زلفى , و إذا تكلم صفقوا له و لو لم يفهموا لكلامه مغزى ، و هكذا تظهر عوارض الانخداع بالقوة المادية في جميع حركاتهم و سكناتهم بدون أن يحسبوا لمستقبلهم حسابه ، إذ أداة النظر و التفكير في العواقب هي البصيرة ، و بصائرهم مطموسة بحب المادة و عشق المادة و الغرام بالمادة ، و هذه لها وقت معدود و أجل محدود ، لا يتجاوز عالم الشهادة ، و لا رأي و لا شعور في عالم الغيب الذي يحمل بين جوانحه أهوالا و أي أهوال !!!
لأجل ما تقدم ترى أن المتأثرين بعامل الواجب و المؤمنين به و المقتنعين بحجته هم قليلون جدا ، و هم في كل عصر غرباء ، يطاردون من مكان لمكان ، كأنهم لاستقامتهم جناة مجرمون لا يستحقون العيش مع غيرهم في الوجود ، و لا حظ لهم في الحياة ، و أي إنسان يصبر على هذه المضايقات من جميع الشعوب و النواحي إذا لم يكن راجح العقل ، عظيم النفس ، كبير الهمة ، لا يحسب للمادة إزاء القوة المعنوية قيمة , و لا يرى تجاه هذه شأنا ، بل ينفذ شعاع بصيرته إلى ما وراء المادة من الشرف الرفيع و النعيم الخالد ، أولئك هم الرجال العظماء الكاملون .
و بكل أسف نرى أنه بقدر ضغط القوة المادية و ازدهار جماهيرها و طغيانهم ، يقل أولئك القليلون ويضأل عددهم و تهن قواهم حتى كاد لا يحس لهم أثر ،و لا يشعر لهم بوجود مع أنهم روح الأمم و ملح الشعوب .
و كلما ألقيت نظرة تحليلية لدعوة زعيم أو خطة سياسي ، إلا و تجد سداها و لحمتها المادة و مثلها الأعلى هي المادة ، اللهم إلا القليل النادر . (1/42)
صفحة 43
و كيف يمكن إقناع الجماهير الأمم بالاستهانة من قيمة المادة و تحويل جهتهم إلى العامل المعنوي ، و هم لا يرون مقنعا إلا في القوة المادية ، و كلهم في صمم عن صيحة القرآن الكريم إذ يقول :" زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ و البَنِينَ و القَنَاطِيرِ المُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ و الخَيْلِ المُسَوَّمَةِ و الأَنْعَامِ وَ الْحَرْثِ ، ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ، و اللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ "
و يقول :" فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَ لاَ أَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَ تَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَ هُمْ كَافِرُونَ "
و يقول:" وَ لَوْ لاَ أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَ يَظْهَرُونَ وَ لِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَ سُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ وَ زُخْرُفًا وَ إِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الدُّنْيَا و الآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ" الزخرف ( 33-35)
ليست الدعوة إلى ذلك معناها الدعوة إلى الكسل و الفشل و البطالة ، و لكن معناها عدم الاعتزاز بالقوة المادية و الاقتصار عليها و جعلها هي الغاية ، بل جعلها وسيلة و مطية إلى غاية أخرى و مقصد آخر أشرف و أعلى .
لما تأثر الصحابة رضوان الله عليهم بتلك الآيات البينات و استضاءوا بضوئها و اهتدوا بهديها ، حكموا السلطان المعنوي للإسلام و اتخذوا القوة المادية وسيلة لانتشاره و إعلاء شأنه ، و عبروا على جسرها إلى إعزازه فبلغوا ما بلغوا و وصلوا إلى ما وصلوا (1/43)
صفحة 44
و لما أخذ ذلك الأثر الهائل يضعف من النفوس ، و يحل محله عشق المادة ، و جعلها هي الغاية و الأساس باتساع الفتوح و تضخم الغنائم ، تطايرت ين جموع المسلمين شرارة فتنة المادة ، و انجذب إليها جماهيرهم ، فأصبحت القوة المادية هي المحكمة في شؤون المسلمين ، فآل أمر الإسلام إلى ما آل إليه مما هو مدون بين دفات التاريخ .
و لو سار المسلمون بعد ذلك على منهج الخلفاء الراشدين ، من جعل القوة المادية تابعة لا متبوعة ، و ذّنَبًا لا رأسا ، فهل يقع في الإسلام ما وقع ؟ كلا و ألف كلا !!!
إن المشاكل و الخصومات و النزاعات ، لا تتأجج غالبا إلا بوقيد من المادة فإذا طرحنا هذا السبب من بين أسباب المشاكل ، انحلت الخصومات و ارتفع النزاع ، و حل محله الألفة و الوئام ، هذا ما دلت عليه التجربة و حوادث التاريخ .
و متى يستهين المسلمون قليلا بالقوة المادية التي ملكت عليهم مشاعرهم ، فيرجحوا جانب الواجب الذي يدعوهم إلى الشرف الحقيقي و العز الخالد ، ذلك الواجب الذي تضمنه القرآن الكريم و السنة القويمة و آثار السلف الصالح .
إن الصدود عن هذا العامل و التأثر بالعامل المادي و الجري وراء تياره بدون تدبر و لا قراءة حساب للعواقب ، يجعل الإنسان سكرانا ، لا يحس بخير و لا يشعر بفضيلة , و لا يفهم معنى الإحسان ، يقوده الجبن ، و يسوقه الجزع و الإياس ، و يملأ نفسه الهوس والخور ، يفر من عواقب البذل فرار الأرنب من الأسد ، و يهرب من مواقع الدفاع هروب الجبان من ميادين الحروب .
و لو أنه نظر إلى المادة بمنظار مصغر لما كان منه شيء من ذلك ، فالاستهانة بالمادة رأس كل فضيلة ، و حبها رأس كل خطيئة
أعلى الصفحة
الصفحة الرئيسية | بطاقة التعريف | صحف أبي اليقظان | مؤلفات أبي اليقظان | ماكتب عن أبي اليقظان |
أصدقاء أبي اليقظان | عائلة أبي اليقظان | صور من بلادي | مواقع تهمك | اتصل بنا|
شعور الأمة نائم فماذا ينبهه؟ (1/44)
صفحة 45
طال الأمد على بعض الأمم الإسلامية المسكينة ، فأخمد إحساسها ، و أنام شعورها و سكن أعصابها حتى ذهلت عن نفسها ، و ضل عليها طريق العمل .
نهضت الأمم من كبواتها و نفضت الغبار عنها ، و سارت خطوات شاسعة إلى الأمام ، و هي تغط في فراش نومها .
زلزلت الأرض زلزالها و أخرجت أثقالها ، فهزت العالم هزا عنيفا ، و ارتج ارتجاجا مخيفا ، و اضطرب الشرق و الغرب والشمال و الجنوب ، و بقيت هي تتثاءب و تتمطط ، كأنما لم ينلها ذلك الانقلاب العالمي المهول بذرة منه مع أنها لم تكن في النقطة المركزية من الأرض تحت القطب الشمالي أو الجنوبي ، و لكن موقعها كان في المنطقة الشمالية المعتدلة .
صفعت قفاها من يد الدهر بلطمات ، و أصيبت في أعز ما لديها بنكبات أصيبت في دينها، أصيبت في بلادها ، أصيبت في أبنائها ، أصيبت في أخلاقها ، أصيبت في ثروتها ، و هي لا تبدي حراكا ، و إذا تصاعدت منها أنة فسرعان ما يُكَمُّ فمها و يخنق نفسها ، و ربما تحمل على اعتبار تلك المصائب نعما جزيلة ، يجب عليها أن تقدم شكرها و شواهد إخلاصها عليها .
و كأن الدهر تحالف مع أبنائها عليها ، حتى على حرمانها من الشجو و البكاء تخزها من جميع جنباتها وخزات مسمومة ، من أيدي أعدائها فتحمل عليها حملاتها المنكرة بالسب و الشتم والطعن و سائر الإهانات و أنواع التحقير ، يرسل عليها أصدقاؤها المخلصون على أعمدة جرائدهم الصادقة سيالات كهربائية من اللوم و التقريع ، عسى أن تستفيق من نومها ، و هي لا تزال غريقة في ضلالها و جهالتها ، و هل بعد هذا الوراء وراء ؟ و هل بعد هذا الموت موت ؟ بربك قل لي أي قارعة ، تبعثها بعد تلك القوارع ؟ و أي بوق ينبهها من نومها العميق بعد تلك الأبواق الهائلة التي ، لا يفوقها إلا بوق إسرافيل عليه السلام ، و إنما ينبه شعور الأمة أمور : (1/45)
صفحة 46
أولا : المدارس ، فهي التي تمزق غشاء النوم ، و تحمل معاقد أجفانها ، و تنبهها إلى واجبها نحو الحياة ، و هذه بكل أسف لا وجود لها عندنا بالشكل الذي يؤدي إلى الغاية المطلوبة منها ، و إذا ما وجد فهو ضئيل الفائدة ، قليل الجدوى ، لا يسمن و لا يغني .
ثانيا : الجرائد الوطنية الحرة ، فإنها تنير أمامها سبيل العمل و تأخذ بيدها إلى ما فيه الخير والصلاح ، لكن هذه لا وجود لها أيضا إلا قليلا، و هذا لا يكفي أصلا ، وزيادة على هذا فالأمة في شغل شاغل عما تنشرها تلك الجرائد الصادقة , و لا تستفيد منها شيئا ، إذ لا تهضمها معدتها التي لم تتعودها
ثالثا : عقد الجمعيات و الشركات على اختلاف الأغراض و المشاريع ، فهي التي تجمع شتات قواتها المختلفة ، و تكون من مجموعها قوة عديدة هائلة ، وهذه أيضا لا وجود لها ، لأن نواتها العلم و الاتحاد و المال و لا وجود لهذه لديها .
رابعا : النوادي الأدبية لإلقاء المحاضرات و المسامرات في مختلف المواضيع لتقويم الأخلاق و حفظ الصحة و اللسان ، وهذه إنما هي وليدة المدارس و فرع من فروعها ، و أين تزدهر تلك نبتت هذه ، و شأن المدارس كما قلنا سابقا .
خامسا : المجامع العلمية لاستخراج نبوغ الأمة و عبقريتها ، بمسابقة فرسان العلوم و الفنون في ميادينها ، لاستكناه أغوار العلوم و تحقيق معضلات الفنون , و التوصل إلى الاختراع والاكتشاف ، و هذه أيضا مفقودة إذ وجودها إنما هو خلاصة من مجموع وجوه المدارس و انتشار عناصر العلوم المختلفة (1/46)
صفحة 47
سادسا : انتشار الدعاة و المرشدين في كافة البلاد لدعوة الأمة إلى ما فيه خيرها و سعادتها في الدنيا والآخرة ، و هؤلاء إنما تلدهم المدارس و الكليات الكبرى ، و تنبعهم منابع البطولة و التضحية ، و هذه لا وجود لها . لقد تسلطت على الأمة عوامل ثلاثة ، لو تسلط عامل واحد منها على أمة كبيرة لزعزع ركنها وهد بناءها ، ألا وهي : الجهل و الفقر و الافتراق . فالجهل أفقدها الشعور بوجودها وكيف تذب عليه ، و الفقر أقعدها عن العمل أو شل أعضاءها عن الحركة ، و الافتراق أذاب قوتها و ذهب بريحها ، فبقيت و الحالة هذه عرضة للتلف و الهلاك و الاضمحلال، فاستغراقها في ذلك النوم المطبق إذا نتيجة طبيعية لتلك الحالة المخزية التي كان منشأ بركانها الظلم و الاستبداد . (1/47)
صفحة 48
نعم تنبهت أعصابها قليلا ، فقامت كما يقوم النائم ، و قد أغرق في الأحلام ذاهلة مذعورة تتلمس الطريق يمنة و يسرة ، و قد مضى عليها أمد مديد ، و هي كذلك لم تهتد إلى وجه الصواب ، شأن كل أمة إبان قيامها من سباتها . حاولت تأسيس الشركات فأخفقت ، و عقد الجمعيات فخابت ، و فتح المدارس فلم تفلح ، و فتح النوادي ولم تنجح ، و إنشاء الصحف و لم تصلح ، فضاعت أثناء ذلك أموال و أوقات ، و ذهبت ضحية التجربة والاختبار , و هو دور و إن كان لا بد من اجتيازه لكل شعب يريد النهوض من كبوته ، هذه دروس قاسية و إن كانت كافية لأن يرسم منها خطة للحياتين مستقيمة و منهاجا للسعادتين قويما ، ولكن رغم كل تلك الامتحانات و الاختبارات والتجارب بتلك الدروس الهائلة ، فالأمة لا تزال في حيرتها ، و شعورها بالوجود الحقيقي لا يزال راكدا خامدا ، لم ينتبه لواجباتها كما يجب . خطب الخطباء و نصح الشعراء و كتب الكتاب ، و نادى المصلحون حي على الصلاح و الإصلاح ، و لكن لم تزل الأمة في شغل شاغل عن هذا كله ، الجاهل في جهله ، و المنافق في نفاقه ، و المفسد في فساده ، و الفاسق في تهتكه و انهماكه ، بل لم نر إلا للجهل إمعانا و تمكنا ، و لا للفساد إلا شيوعا وذيوعا ، و لا للإلحاد و الزندقة إلا تسربا و تغلغلا ، و لا للتهتك و الانهماك إلا فشوا و انتشارا ، كان ما يبذله المصلحون مواد مفرقعة تزيد الحريق التهابا ، و العمران خرابا ، و لا غرو في ذلك فإزاء تلك القوة الإصلاحية الضئيلة حركة أخرى مضادة لها ، راسخة الأصول ، متشعبة الفروع ، تغذيها قوة أخرى ، و سواعد مختلفة لا يمكن التغلب عليها إلا بتوحيد الجهود ، و جمع ما تشتت من القوى و ما بدد من المواهب ، و أنى يتسنى هذا و المصلحون قليل ، وهم أنفسهم تنقصهم الكفاءة و المران . (1/48)
صفحة 49
إن معالجة أدواء الأمة لا تكون إلا باكتساح تلك الأصول المبيدة : الجهل و الفقر و الافتراق ، وغرس بذور الحياة فيها : العلم و الثراء و الاتحاد و لن يحصل شيء من هذا بالأماني و الأحلام أو مجرد القول و فوار الفم ، و لكنه يحصل بتوجيه العزائم ، و تحريك الهمم ، و صدق الطلب والإخلاص و الصبر و الثبات .
أعلى الصفحة
الصفحة الرئيسية | بطاقة التعريف | صحف أبي اليقظان | مؤلفات أبي اليقظان | ماكتب عن أبي اليقظان |
أصدقاء أبي اليقظان | عائلة أبي اليقظان | صور من بلادي | مواقع تهمك | اتصل بنا|
النفوس الرخوة
في كل شعب و في كل أمة يوجد أصحاب المبادئ الصماء الذين تتزحزح الجبال و لا يتزحزحون ، هم على مبادئهم وسواء أكانت هي في الخير أم في الشر ، في الإصلاح أم في الإفساد ، و على هؤلاء دون غيرهم تدور قطب الرحى و الحروب و المعارك السياسية و الدينية في أنحاء العالم ، و هم قلب الأمم و دماغها ، فمتى كان القلب صحيحا و الدماغ سالما سيقت الأمة إلى حيث العز و المجد و الشرف ، و متى كان القلب مريضا و الدماغ ممسوسا سيقت على هوة الهلكة و الخسارة .
و بين هؤلاء يوجد جمهور كبير ذوو قلوب ضعيفة كقلوب الطير و نفوس رخوة كالعجين ، لا ثبات لهم و لا مبدأ ، كالماء لا لون له و لكنه يتلون بلون الإناء ، فمتى جُعِلَ في إناء أخضر رئي أخضر ، و متى جُعِلَ في إناء أزرق رئي أزرق! (1/49)
صفحة 50
و كذلك أولئك لا خطة لهم يترسمونها ، و لا مطمح لهم عاما يسيرون عليه ، و لكنهم أبناء وقتهم ، مرة مع زيد و أخرى مع عمرو وتارة مع بكر و طورا مع خالد الخ ... يصبحون مع زيد، و لمجرد ما تحيق حوله بعض الأخطار يتجاوزون في الزوال لجانب عمرو ، و إن لاحت لهم سحابة من الخطر تحوم فوقه عشية انفضوا من حوله و تجمهروا في المساء بجانب بكر ، و هكذا لا يسكن بال ولا يقر لهم قرار ، فرائصهم ترتعد و أعصابهم تضطرب و قلوبهم ترتجف ونفوسهم تذوب شعاعا لمجرد ما يلوح لهم شبح من الخطر ، يحلفون لكل بكل محرجة من الإيمان ، إنهم لا يزالون معك في السراء و الضراء ، فيبُرُّون َيمينهم ما دامت السراء ممدودة الرواق ، فإذا جد الجد و رُفِعَ الستار عن الدور الأول من رواية الخطر افرنقعوا عنك ، و واجهوك من بعيد و ضحكوا من قلة عقلك و مخاطرتك و مجالدتك ، و إذا ما رأوك حُزْتَ النصر و ظفرت بالمطلوب رجعوا إليك واحدا بعد واحد على قدر هروبهم منك و من معك ما دامت راية النصر تخفق فوق رأسك ، و إذا تقلص ظلها و نكست تراجعوا عنك ، و أصبحوا في جانب خصمك , و هكذا دأبهم و ديدنهم ما داموا في قيد الحياة .
و الغالب على هؤلاء كشف الأسرار و نقل الأخبار من هنا و هناك استرضاء للجميع و خوفا من الجميع و شدة الشغف بالسكون و الركون إلى السلم ، و لو مع إقرار الباطل و خذلان الحق ، و لا يهمهم انتصر الباطل أم خُذِلَ الحق؟ و لكن يهمهم السكون و السلم فقط . (1/50)
صفحة 51
على أي حال كان الحق والباطل يتصارعان ، ألبسوا صراعهما بلباس الفتنة و الفساد و التشويش ، و كالوه بكيل واحد ، وجهوا سهام اللوم و التعنيف إليهما معا ، لأنهم يرون أن الواجب هو السكون و الركون ، و متى ثارت زوبعة الخصام بينهما ، فلا خير في الجميع ، و لا يميزون بين الحق و الباطل ، فينصروا الأول و يجهزوا على الثاني ، ضرورة إنهم يرون السكون و الركود قبل كل شيء، و يرون وجوب الولاء و الصفاء بينهما ، ونحن لم ندر و لم نسمع في تاريخ العالم –قديمه و حديثه- متى اجتمع الحق و الباطل في غمد واحد ؟ و متى انعقد الصلح بينهما في الدنيا ؟ و إنما تلك أمنية منهم سداها ضعف القلب ، و لحمتها رخاوة النفس .
إن هؤلاء غالبا يكونون في مؤخرة الجيوش عند الإقدام و في مقدمتهم عند الإحجام ، و في صفوفهم تنفتح الثغرات للعدو المهاجم ، و على رؤوسهم ينهار بنيان الحصون ، و هم عيون كل قائد و أذن كل جيش ، و من المستحيل أن ينعقد بهؤلاء أمر وأن يؤسس مشروع إذ الأمور تنعقد بالكتل الصلبة المتماسكة الأجزاء لا بالذرات الرخوة المتناثرة ، و المشاريع الكبرى إنما تؤسس على الصخور العظيمة الثابتة ، لا على الأحجار الهشة القلقة " و الحجر المتقلب لا يثبت عليه البنيان "
إن أمثال هؤلاء لا يعول عليهم في تأسيس النهضات ، و لا يعتمد عليهم في شيء يستوجب الجلد و المثابرة و الثبات، و لا ينبغي للعاقل أن يفرح لإقبالهم أو يحزن لإدبارهم ، أو أن يطرب لهتافهم أو يتذمر من صفيرهم ، فهم في جميع الأحوال سواء ما داموا في حال الضعف القلبي و الوهن النفسي ، لا يمكن التعويل عليهم في شيء معها .
نعم يمكن للماهر الحاذق أن يستخدمهم و يستفيد منهم في مصالح عدة ، و لكن لا يمكن أن يبني عليهم قصور آماله ، أو يُشَيِّدَ بهم حصون قوته ، و إنما يمكنه أن يبلغ ذلك بالرجال الصابرين الثابتين أصحاب المبادئ القارة و الكلمة الواحدة . (1/51)
صفحة 52
فإن انتشر دين فبهؤلاء ، و إن انبث مذهب فبهؤلاء ، و إن اعتزت أمة فبهؤلاء ، و إن حُرِّر َشعب فبهؤلاء !!!
فمن أراد تكوين أمة أو إحياء شعب فليبدأ بإعداد العدة و هي هؤلاء . أما إذا أغفل عن هذا و أسس عمله على كواهل أولئك الضعفاء ، فقد بناه على أساس من الرماد أو كتلة من الزبد ، فلمجرد ما تهب ريح عاصفة ، أو ترسل الشمس أشعتها في المحرقة تتناثر ذرات الرماد في الفضاء ، و تذوب كتلة الزبد في الأرض فينهار بنيانه و يصير عاليه سافله .
فمن كان يؤلمه أن يحشر بين هؤلاء الواهنين الضعفاء ، و تؤلمه لذعة الامتهان و الازدراء فما عليه إلا أن يتجلد و يصبر قليلا على لذعات الأهوال و الخطوب كغيره و يتزيا بزي الصابرين الثابتين ، فلا يلبث قليلا حتى يطرز صدره بنيشان الجلد و الثبات و يصبح في الصفوف الأمامية بين الرجال الكاملين
أعلى الصفحة
الصفحة الرئيسية | بطاقة التعريف | صحف أبي اليقظان | مؤلفات أبي اليقظان | ماكتب عن أبي اليقظان |
أصدقاء أبي اليقظان | عائلة أبي اليقظان | صور من بلادي | مواقع تهمك | اتصل بنا|
الثبات على المبادئ
الثبات على المبادئ و عدم التزحزح عنها و الوسائل اللازمة لاقتطاف ثمرة الفوز و النجاح (1/52)
صفحة 53
و ما ظفر عامل بمرغوبه إلا بفضل الصبر و الثبات ، وما خاب و أخفق في مسعاه إلا بالملل و السأم و القلق ، و الحجر المتقلب لا يثبت عليه ا لبنيان . لما الحروب داهية المغوليين تيمورلنك ، دب في عروقه دبيب الملل ، فالتجأ إلى بيت خرب ، فرأى نملة و هي تحمل قوتها ، تتسلق جدارا فتسقط ، فتعود فتسقط و هو يتأمل ما يكابده ذلك المخلوق الضعيف ، و يجاهد في سبيل حياته إلى أن نجحت في مبتغاها بعد (34) مرة ، فأخذ منها عبرة الصبر و الثبات ، فقال ( إن النملة علمتني الثبات ) فعند ذلك كر راجعا فنظم جيوشه و أعد عدته ، فاقتحم أهوال الحروب ، فانتصر انتصارا باهرا . هذه نتيجة العزم و الحزم و الثبات ، فإذا كانت نملة ، و هي أضعف خلق الله ، تثابر على عملها بحكم غريزتها ، و تحمل عشرة أضعاف حجمها عشرات المرات ، إلى أن تنال أمنيتها ، فكيف بالإنسان العاقل القوي ، الذي كرمه الله وفضله وخلقه في أحسن تقويم ؟
إذا كانت تلك تثبت ذلك الثبات لأجل حفظ وجودها بين أخواتها في هذه الحياة ، فكيف لا يثبت الإنسان أضعاف أضعافها لأجل حفظ وجوده و كيانه في الحياتين : حياة الدنيا و حياة الآخرة ، و لنيل السعادتين فيهما معا . و لو لا الحزم و الثبات ، لما أنقذت الملكة البربرية سانت هينان قافلتها من مخالب الجوع و الهلاك لما كادت الصحراء تبتلعها فيجوفها ، و لما حفظت جبال هقارة الحضارة البربرية ، الخالدة المتغلغلة في بطون التواريخ . (1/53)
صفحة 54
إن الناس بالنسبة إلى الثبات على صنفين : الأول ثابت كالطود ، لا تزعزعه العواصف و لا تضعفه القواصف ، اقتنع بمبدإ أو عقيدة أو انحاز إلى حزب أومذهب، فإنه يعض عليه بالنواجذ ، و يثبت عليه ثبات الرواسي ، و يتفانى فيه بكل ما أوتي من قوة مهما كلفه من الضحايا الغالية ، و يتجلى ثباته في جميع أحواله ، فتراه ثابت الجنان ، ثابت اللسان ، ثابت القدم ، ثابت العمل ، غير هلع و لا متلجلج و لا مضطرب و لا مرتبك ، و لو أحدقت به الأخطار و الأهوال .
و قد يبلغ به الثبات أحيانا إلى الغلو و التطرف ، وأحيانا إلى العشق و الوله و الغرام و الهيام ، و لا يبالي في ذلك بما يلاقيه من قوارص اللوم و العتاب ، و لا تثنيه عنه قوة المعارضة ، و لا تؤثر فيه سعاية الوشاة و فك الخراصين ، بل لا يزداد نحو ذلك إلا تعصبا و تمسكا ، و هذا دليل على كمال الصدق و الإخلاص و متانة الأخلاق ، وهو محمود جدا ما لم يخرج به إلى حد الجمود و الثقة العمياء و التعصب على الباطل .
و هذا الصنف هو نواة الإصلاح و عمدة المصلحين، و العدة التي يعول عليها المجاهدون و الكهف الذي يفزع إليه العاملون ، و لكنه قليل جدا في كل زمان و مكان و الكرام قليل . (1/54)
صفحة 55
الثاني : متزلزل العقيدة ، سقيم الوجدان ، متضعضع الفكر ،يعتنق اليوم عقيدة و ينسلخ منها غدا ،يستحسن اليوم مبدأ و يستقبحه غدا ،يدخل اليوم في مشروع و يخرج منه غدا يصادق اليوم زيدا و يعاديه غدا ... كل هذا لا لسبب حادث وإنما لمرونة في نفسه و ضعف في قلبه ، فتراه مدة عمره مترددا متذبذبا، لا مبدأ له و لا عقيدة و لا رأيا و لا مذهبا و لا دينا و لا صديقا و لا مشروعا قارا . و ربما تحدثه نفسه أن يدخل في معامع الأعمال مع المصلحين و المفكرين ، و لكن سرعان ما يجد الطريق وعرة ، و العقبة كأداء و المفازة مترامية الأطراف ، و الأرض مأسدة ، فيستصعب مجاراة العاملين ومجاهدة تلك المصاعب ، فيرجع القهقرى، نادما على ما فرط منه فيما هو خارج عن طوقه و استعداده و قد لا يكتفي بذلك بل يملأ الجو صراخا و صخبا ، و إن ذلك السبيل ، الوعر نافذ ، و لا ينتج نجاحا و لا فوزا ، فيفت في ساعد العاملين أهل الحزم و الثبات ، و يثبط عزيمتهم ، و يفصل بينهم و بين من يستمدون من المعونة و المساعدة و هذه نهاية الخسة و الدناءة ، إذ لم يحرم الأمة منفعة ثباته ومثابرته فقط ، و لكنه لفرط تذبذبه و كسله يريد أن يبقى العاملون الثابتون كسالى مثله ، وحرمان الأمة من ثمرات جهادهم و ثباتهم .
و لعلاج هذا الداء و اكتساح هذا المرض من نفسه ، يلزمه أن يعلم علم اليقين أن تذبذبه و تردده ، لا يجلب منه غير الإخفاق و الحرمان ، و أن الثبات و إن كان فيه من المشاق و المتاعب فإنه يلد الظفر و الفوز و النجاح ، و أن يعتبر بعاقبة المتذبذبين و بمغبة ذوي النفوس الصادقة ، و بما نالوه من العزة القعساء و الانتصارات العظيمة في ميادين الحياة بفضل عزيمة الصبر و خالص الثبات . (1/55)