صفحة 1
الكتاب: ترجمة يزيد بن فندين لمصطفى شريفي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الأوّل (437 عنوان): جمادى الأولى 1430هـ / أفريل (أبريل) 2009م (قرص مضغوط) ابن فندين (ت: حوالي 172هـ/ 788م)
يزيد بن فندين اليفرني، أبو قدامة
يصعب عِلمِيًّا ومنهجيًّا الحديث بموضوعية وحياد عن ابن فندين؛ فالمعلومات التي وصلتنا عنه كُلُّهَا مستقاة من المصادر الإِبَاضِيَّة، إذ لم نجد مَن تعرَّض له غيرها، ومن المعلوم أَنَّهُ كان معارضا لنظام الحكم الرستميِّ الإِبَاضِيِّ، وبالتالي فمن المحتمل أن تغمط تلك المصادر من حقِّه.
ينسب ابن فندين إلى مدينة "يفرن" بجبل نفوسة بليبيا. ولم تحدد المصادر تاريخ ميلاده، وتكتفي بسرد دوره السياسي، في بداية حكم الإمام عبد الوَهَّاب (حكم: 171-208هـ/ 787-823م).
ولا نجد شَيْئًا عن تعلُّمه ومراحله ومشايخه، ويُحتمل أَنَّهُ أخذ العلم عن حملة العلم الإِبَاضِيِّين من البصرة إلى المغرب، في النصف الأَوَّل من القرن الثاني الهجري، شأنه شأن أغلب علماء الإِبَاضِيَّة المغاربة في تلك الفترة.
أَمَّا عن تاريخ وفاته بالتحديد، فلم نعثر عَلَيْهِ في المصادر، وَلَكِن يحتمل أن يكون في السنة الأولى من إمامة عبد الوَهَّاب أَو التي تليها عَلَى أبعد تقدير، أي سنة 172هـ/788م، نظرا لتسارع الأحداث التي انتهت بمقتله.
الدور الفكري والسياسي لابن فندين:
لم تذكر المصادر أَنَّ له آثارًا فِكرِيَّة، من تلاميذ أو مُؤَلَّفَات، وَلَكِن مِمَّا لا شَكَّ فيه أَنَّهُ كان متميِّزا بمكانته العِلمِيَّة وحنكته السِّيَاسِيَّة، فقد عيَّنه الإمام عبد الرحمن بن رستم (حكم: 160-171هـ/ 776-787م)، ـ قُبيل وفاته ـ ضمن جماعة الشورى السبعة، والذين يختارون مِن بينهم مَن يصلح للحكم بعدَه.
إِلاَّ أَنَّ ما يميِّز ابن فندين هو دوره السياسيُّ البارز، والمتمثِّل في معارضة الإمام المنتخَب عبد الوَهَّاب سنة 171هـ/787م. وَهَذَا ملخَّص قِصَّته حسب المصادر الإِبَاضِيَّة: (1/1)
صفحة 2
كانت تربطُ ابنَ فندين علاقةٌ أسريَّة بالإمام عبد الوَهَّاب؛ لذلك فقد كان أَوَّل المبادرين بمبايعة الإمام، طمعًا في الحصول على منصب في أجهزة الدولة، «بشرط أن لا يقضي أمرا دون جماعة معلومة»، فأجيب بِأَنَّا «لا نعلم شرطا غير أن يحكم فينا بكتاب الله وسنَّة رسوله J ، فترك ابن فندين وأصحابه الشرط». (الدرجيني: طبقات، 1/48-49).
وَلَمَّا كان الإمام لا يولِّي إِلاَّ أهلَ العلم والورع والزهد، الراغبين عن المناصب، سقط في أيدي ابن فندين وجماعته الطامعين فيها، فقاموا بمعارضة الإمام زاعمين أَنَّهُ لم يلتزم بالشرط المذكور، وأَنَّهُ تَوَلىَّ الإمامة وفي الأُمَّة من هو أعلم منه، فبثُّوا هَذِهِ الأفكار في أذهان عَامَّة الناس، فكثر القيل والقال، وكثر النزاع. ثُمَّ كان الاتِّفَاق عَلَى تهدئة الأوضاع، وبعْثِ رسولين إِلىَ علماء الإِبَاضِيَّة في المشرق، لحسم النزاع، فالتقى الرسولان في مصر بشعيب بن المعروف، فجاء مسرعا لمؤازرة ابن فندين.
ثُمَّ دبَّر أتباع ابن فندين مكيدة لاغتيال الإمام، إِلاَّ أَنَّهَا باءت بالفشل. فسارعوا إلى الفرار من المدينة خوف أن يوقع بهم الإمام والمسلمون لسوء صنيعهم، فحشدوا بعض القوات من ضواحي تاهرت، وكانوا يتربَّصون الدوائر بالإمام وأنصاره، ويتحيَّنون الفرص، ويستفزُّون سُكَّان المدينة؛ وفي كُلِّ ذَلِكَ كان الإمام ينهاهم بلطف خوف الفتنة. (1/2)
صفحة 3
وَلَمَّا كان من المتوقَّع أن يكون الجواب من المشرق مساندا لرأي الإمام ـ نظرا لِمَا سبق من خلاف بين العلماء المشارقة وشعيب المذكور ـ ومن أجل ربح الوقت قبل وصول الجواب، تحيَّن ابن فندين وأصحابه خروج الإمام ذات يوم من مدينة تاهرت لبعض حاجاته، ليقتحموا المدينة بغتة، فدافع الناس عنها بضراوة، وعلى رأسهم أفلح ابن الإمام عبد الوَهَّاب، فوقعت مقتلة عظيمة راح ضحيَّتها ابن فندين، وفرَّ صاحبُه شعيبٌ إِلىَ طرابلس، ليبثَّ فيها أفكاره. وَأَمَّا الباقون من أنصار ابن فندين فقد اغتالوا ميمون ابن الإمام عبد الوَهَّاب، وكان ذَلِكَ سببا في استئصال هَذَا الأخير لشأفتهم.
ومنذ ذَلِكَ اليوم صار العداء مستحكما بين الموالين للإمام عبد الوَهَّاب، وبين بَقِيَّة الموالين لابن فندين، وقد اسْتَمَرَّت المناوشات ـ الكلاميَّة غالبا، والعسكريَّة أحيانا ـ بين الفئتين لعدَّة قرون، ونجد لها ذكرًا في أحداث القرن السادس الهجري في مواطن الإِبَاضِيَّة بالمغرب الإِسلاَمِيِّ، إلى أن انقرضت فئة النُّكَّار ولم يبق لها أثر فيما بعد.
ورغم انشقاقهم عن الإِبَاضِيَّة فَإِنَّهُم بقوا يطلقون عَلَى أنفسهم تسمية الإِبَاضِيَّة، فأضاف الإِبَاضِيَّة الأصلاء إِلىَ اسمهم كلمة “الوهبيَّة”، تمييزا لهم عن المنشقِّين، بينما أُطلقت عَلَى أنصار ابن فندين عِدَّة تسميات، منها: النُّكَّار لإنكارهم إمامة عبد الوَهَّاب، والنُّكَّاث لنكثهم البيعة، والشغبيَّة لِمَا أثاروه من الشغب، والملحدة لإلحادهم في أسماء الله، والنجويَّة لتناجيهم بالعدوان عَلَى الإمام، واليزيدية نسبة إلى يزيد بن فندين أو عبد الله بن يزيد الفزاري، أحد علمائها. وكانت التسمية الأولى هي المتداولة في المصادر. (1/3)
صفحة 4
هَذِهِ هي الرواية الإِبَاضِيَّة، أَمَّا رواية ابن الصغير ـ غير الإباضي ـ فهي تتَّهم الإمامة بتغيير الأمور، والقاضي بالجور، وصاحب بيت المال بالخيانة، وصاحب الشرطة بالفسق، والإمام لا يُغَيِّرُ من ذَلِكَ شَيْئًا. وَهَذِهِ الرواية نفسها تشير إِلىَ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ كان مُجَرَّد وشاية. (ابن الصغير: أخبار، ص41-44).
والتساؤل المطروح هو: ما درجة مصداقية الرواية الإِبَاضِيَّة التي تبرِّئ ساحة الإمام، وتنسب كُلَّ الأخطاء إِلىَ ابن فندين (من تدبير الاغتيال، ثُمَّ الاستفزاز، ثُمَّ الغارة عَلَى تاهرت)؟ وهل كان ابن فندين محقًّا في معارضته تلك؟.
يرى الدكتور إبراهيم بحَّاز أَنَّهُ رُبَّمَا كان انشقاق ابن فندين بسبب معرفته المسبقة بأَنَّ تولية الإمامة لعبد الوَهَّاب بن الإمام عبد الرحمن بن رستم ستترك آثارا وخيمة، أخطرها الاستمرار في وراثة الحكم، الأمر الذي يرفضه الإِبَاضِيَّة، وهو ما يميِّزهم منذ نشأتهم. (بحاز: الدَّوْلَة الرُّسْتُمِيَّةّ، 116-117).
ورجَّح الدكتور محمود إسماعيل أَنَّ جواب المشارقة كان لصالح ابن فندين، وأَنَّ مؤامرة الاغتيال الفاشلة ذات طابع أسطوري بحت، كما شكَّك في رواية اغتيال النكَّار لميمون بن عبد الوَهَّاب، لأَنَّ أسلوب الاغتيال كان مرفوضا عند الإِبَاضِيَّة، ولم تكن روايتهم إِلاَّ تبريرًا لقمع عبد الوَهَّاب للفرقة. ويرى أَنَّ القُوَّة التي تمتَّع بها ابن فندين كانت بتحريض من الأغالبة عَلَى إثارة العراقيل في تاهرت. (الخوارج: ص117-119). (1/4)
صفحة 5
ومهما يكن من أمر فَإِنَّ آراء الباحثيْن تبقى مُجَرَّد احتمالات، إذ إِنَّ الحقيقة التَّارِيخِيَّة يصعب توخِّيها مع غياب مصادر النكَّار في الموضوع. غير أَنَّ ما نتيقَّنه أَنَّ نصَّ الرسالة المشرقيَّة ـ والتي حقِّقت مؤخَّرا واطَّلعنا عَلَيْهَا ـ كانت مسانِدة للإمام عبد الوَهَّاب، علمًا أَنَّهَا صدرت من كبار العلماء، أمثال الربيع بن حبيب، وهم بعيدون عن مسرح الأحداث، ولا مصلحة لهم فيها، ومعروف عنهم شدَّتهم في الدين، ورفضهم للمداهنة. بالإضافة إِلىَ أَنَّ منطق سير التاريخ متوافق مع الرواية الإِبَاضِيَّة هَذِهِ، نظرا لِمَا تلقَّاه شعيب من الهجران من المشايخ بسبب آرائه الشاذَّة حتَّى قبل خوضه في فتنة ابن فندين.
فرقة ابن فندين: آراؤها وانتشارها:
أ- آراؤها:
لم تصلنا تآليف النكَّار ـ وعلى رأسهم ابن فندين وشعيب ـ إن كانت لهم مُؤَلَّفَات، لنستأنس بها، اللهمَّ إِلاَّ مُؤَلَّفَات عبد الله بن يزيد الفزاري، والتي لم تتعرَّض لتبرير موقفهم من إمامة عبد الوَهَّاب، وقد ورد فيها بعض آرائهم العقديَّة، نذكر منها:
- الاكتفاء (فيما يسع جهله إلى قيام الحجة) بالعمل فقط دون تكليف العلم بوجوب ذَلِكَ العمل، بينما الإِبَاضِيَّة تُلزم أن يجتمع لدى المرء العلم بوجوبه مع العمل.
- الاستطاعة ـ في رأي الفزاري ـ تكون مع الفعل، وتتناسب مع الإرادة، وَأَنَّهُ لا استطاعة على فعلين، وأنَّ الكُفَّار لا استطاعة لهم على الإيمان وبالتالي فَإِنَّهُم لا يعذَّبون لعدم إيمانهم وَإِنَّمَا لكفرهم.
- الله يرزق الحلال والحرام، والمقتول مات بأجله.
- جواز إرسال الله رسول دون بَيِّنَة.
- نفي عذاب القبر.
- أسماء الله تعالى مخلوقة، لأَنَّهُ تَعَالىَ كان في الأزل بلا اسم ولا صفة، فَلَمَّا خلق الخلق جعلوا له أسماء وصفات. فرُمُوا بالكفر والإلحاد.
- قضايا جُزئِيَّة تَتَعَلَّقُ بإرادة الله ومحبَّته. (1/5)
صفحة 6
ويضيف أبو عمرو السوفيُّ نحوًا من عشرين مقالة لِهَذِهِ الفرقة، منها أربعة سِيَاسِيَّة، والبقية في تفاصيل عَقَدِيَّة وفقهيَّة؛ أَمَّا الآراء السِّيَاسِيَّة فتتمثَّل في:
1- أَنَّ الإمامة (أي: الحكم) غير مفترضة.
2- أَنَّ صلاة الجمعة غير جائزة وراء الأَئِمَّة الجورة.
3- أَنَّ عطايا الملوك لا يحلُّ أخذها.
4- أَنَّهُ لا تجوز وِلاية المفضول.
وَأَمَّا المسائل الأخرى فهي تَتَعَلَّقُ بـ:
1- ولايته وعداوته.
2- الولاية والبراءة.
3- الحكم بتشريك أهل القبلة.
4- مسائل فِقهِيَّة في الصلاة والإمامة.
ب- تطوُّرها وانتشارها:
من خلال مَا مَرَّ نلاحظ أَنَّ النكَّار فرقة انشقَّت عن الإمامة الرستميَّة، وبدأت بشكل سِيَاسِيٍّ، ثُمَّ تَطَوَّرَت لتصبح كيانا مستقلاًّ عن الإِبَاضِيَّة في آرائها العقديَّة والفقهيَّة وَالسِّيَاسِيَّة، والتي يرفض الإِبَاضِيَّة معظمها رفضا قاطعا، ويحكمون بالكفر عَلَى القائل ببعضها. وقد تقوَّت الفرقة من الناحية الفِكرِيَّة بعبد الله بن يزيد الفزاري، الذي وصلتنا بعض تآليفه، ومن الناحية السِّيَاسِيَّة بأبي يزيد مخلَّد بن كيداد اليفرني، الذي قام بحركته ضِدَّ العبيديِّين، والذي تبرَّأ الإِبَاضِيَّة من أفعاله الشنيعة، ولم ينصروه.
أَمَّا عن امتداد نفوذ الفرقة فقد انشرت في الجنوب التونسي، ووادي أريغ (جنوب شرق الجزائر)، وفي بعض نواحي ليبيا ولم تصل إلى جبل نفوسة. ثُمَّ لتخفت حركتها ومناوشاتها مع مرور الأَيَّام، ولا يبقى لها ذكر في الأحداث التَّارِيخِيَّة بعد القرن السادس الهجري/ الثاني عشر الميلادي.
المصادر:
- ابن الصغير (ق3هـ): أخبار الأَيمَّة الرستميِّين، تحقيق د/محمد ناصر وبحاز إبراهيم، سلسلة تراثنا، المطبوعات الجميلة، الجزائر، 1986م، 37-41.
- أبو زكرياء يحيى بن أبي بكر (474هـ): كتاب السيرة وأخبار الأيمة: تحقيق عبد الرحمن أَيُّوب، الدار التونسيَّة للنشر: 1985، 1/89-105. (1/6)
صفحة 7
- الدرجيني أبو العباس أحمد بن سعيد (670هـ/1271م): طبقات المشايخ بالمغرب، تحقيق: إبراهيم طَلاَّي، دار البعث، قسنطينة، د.ت. 1/46-56.
- الشمَّاخي بدر الدين أبو العبَّاس أحمد بن سعد ( 928هـ): السِّيَر، طبعة حجرية، قسنطينة، ص145-154.
- معمر علي يحيى(1400هـ): الإِبَاضِيَّة بين الفرق الإِسلاَمِيَّة عند كتَّاب المقالات في القديم والحديث، مكتبة وهبة، القاهرة، مطابع سجل العرب، مصر، الطبعة الأولى، 1396هـ/1976م، ص258-263.
- معمَّر علي يحيى (1400هـ): الإباضية في موكب التاريخ، الحلقة الرابعة: الإباضية في الجزائر، صحَّحه أحمد بن عمر أُوبَكَّة، المطبعة العَرَبِيَّة، غرداية، الجزَائِر، 1986م، 1/36-39.
- محمود إسماعيل: الخوارج في المغرب الإِسلاَمِيِّ، دار العودة، بيروت. 1976، 116-119.
- بحَّاز إبراهيم (معاصر): الدَّوْلَة الرُّسْتُمِيَّة (160–296هـ) دراسة في الأوضاع الاقتصاديَّة والحياة الفِكرِيَّة: نشر جمعية التراث، القرارة، 1993، ط2، 116-117.
- ابن ادريسو مصطفى بن محمد بن صالح (معاصر): الآراء العقديَّة عند الإِبَاضِيَّة حتَّى نهاية القرن الثالث الهجري، رسالة ماجستير في أصول الدين، كُلِّيَّة العلوم الإِسلاَمِيَّة، جامعة بغداد، إشراف الدكتور: إسماعيل القرني، 1421هـ/2000م (مرقون)، ص163-168، 191، 253، 268-274. (1/7)