صفحة 1
الكتاب: حياة النامي ومقالاته وأشعاره لمحمود الناكوع
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] كاتب إسلامي ليبي مختف منذ 1984:
الدكتور عمرو النامي: سيرته و مواقفه
عندما أنهى الدكتور عمرو النامي دراسته في جامعة كمبريدج 1971 كان يحلم بمكانة مرموقة في الجامعة الليبية. وهو حلم يتناسب مع قدراته العلمية، و مواهبه الفنية، و تطلعاته الفكرية. انه مثقف واسع الإطلاع، متنوع القراءات. و يتمتع بذكاء أهله إلى درجة المتفوقين في الدراسات الأدبية في كلية الآداب و التربية، بالجامعة الليبية، ومقرها مدينة بنغازي، سنة 1962. ووقع اختياره لبعثة دراسية لاستكمال الدراسات العليا.. كانت الجامعة الليبية في تلك السنوات في بداية عمرها الذهبي، إذ افتتحت أول جامعة ليبية في زمن الاستقلال سنة 1955. (استقلت ليبيا سنة 1951). وأهدى الملك إدريس قصره المتواضع، واسمه "قصر المنار" ليكون منارة لطلاب الدراسات الجامعية. و من حسن الحظ، وحسن السياسة تمكنت الجامعة في عقدي الخمسينات و الستينات من الاتفاق مع عدد من الأساتذة الجامعيين اللامعين وجلهم من جامعتي القاهرة، والإسكندرية. وكان من بينهم الأستاذ الدكتور محمد محمد حسين، أستاذ الأدب العربي الحديث. و هو شخصية مثيرة، بأسلوبه النقدي، وبتمسكه ببعض القديم بما في ذلك "طربوشه" الذي يميزه عن سائر المدرسين الآخرين. (1/1)
صفحة 2
كان الدكتور محمد محمد حسين شديد الإعجاب بذكاء عمرو النامي، فاهتم به وشجعه على المضي في طريق البحث والدراسة حتى يصبح يوما ما أستاذا جامعيا. وجمعت بين الأستاذ وتلميذه رابطة المنطلق والتوجه الإسلامي.. ومن الصدف الطريفة أن قسم اللغة العربية في تلك السنوات (1959-1962) جمع بين ثلاثة من الطلاب الأذكياء، وهم عمرو النامي، ومصطفى الهنقاري، وصادق النيهوم. و في حين جمعت الصدفة بينهم في الدراسة، فقد كان لكل واحد منهم شخصيته الثقافية، وسلوكه الاجتماعي، و اختياره الفكري. وتباعدت بينهم الآراء والمعايير و المواقف حتى انعكست في أعمالهم الأدبية و النقدية، والتي سنذكرها في ما بعد، وبالتحديد بين عمرو النامي و صادق النيهوم.
... في سنة 1962 أكمل عمرو النامي تعليمه الجامعي في ليبيا، وبدا يستعد لمرحلة الدراسات العليا. و توجه في بداية الأمر نحو مصر، وبينما كان في تلك المرحلة وقعت أحداث 1965 وهي أحداث اعتقالات "الإخوان" و من بينهم محمد قطب و سيد قطب. ونظرا لان عمرو النامي يقع في نفس الدائرة من حيث التوجه الفكري، و خشية من أن تمتد إليه يد الاعتقال ترك مصر، وترك شان الدراسات العليا بها، وعاد إلى ليبيا لبعض الوقت، واستطاع ان يقنع إدارة الجامعة بتغيير مكان الدراسة من مصر إلى بريطانيا. وكان مدير الجامعة في ذلك الوقت المرحوم الأستاذ مصطفى بعيّو الذي قدر ظروف عمرو النامي، ووافق على إجراءات التغيير. (1/2)
صفحة 3
... في بريطانيا، وفي جامعة كمبريدج قضى عمرو قرابة خمس سنوات كان حصادها التعليمي درجة الدكتوراه في الدراسات: "العربية و الإسلامية" و حصادها العام ثقافة واسعة، و تجربة حضارية، وعلاقات متنوعة مع أهل العلم و الفكر ورواد الحركات الإسلامية من مختلف الأجناس واللغات و القارات. و بينما كان عمرو النامي في غربته تلك من اجل العلم والدراسة (1967 _ 1971) كان يتابع أخبار الوطن، و ما يجري فيه من تفاعلات ثقافية و سياسية. و ظل يرصد بعض ما تنشره الصحف الليبية من مقالات فكرية و أدبية، أو ما تنشره من شعر. ولا يفوته أن يقيمها، و أن يعبر عن موقفه من اتجاهاتها وما تعكسه من دلالات لا يرضى عنها في بعض الأوقات، وفي بعض ذلك الإنتاج.
... كنت أنا في تلك السنوات صحفيا في صحيفة "العلم" اكتب عادة عمودا يوميا. واكتب أحيانا مقالات في بعض الصحف و المجلات الأخرى، بعضها حكومية، وبعضها مستقلة. ونظرا لعلاقة الصداقة بيني وبين عمرو النامي، ونظرا لاهتماماتنا بالفكر والثقافة، و حواراتنا المتواصلة أحيانا و المتقطعة أحيانا أخرى منذ كنا في الجامعة، فقد اتفقنا أن يكتب مقالات تنشر في صحيفة "العلم". و يمكن وصف عقد الستينات بالعصر الذهبي للصحافة الليبية، وحرية التعبير على صفحاتها، ما كان منها ناطقا باسم الدولة، أو ما كان منها قطاعا خاصا، وغالبا ما يعيش بدعم من الدولة. (1/3)
صفحة 4
... نشرت صحيفة العلم ما بين سنة 1967_1969عددا من المقالات النقدية لعمرو النامي. كانت تدمر حول: "الحضارة الغربية و موقفها من الإسلام و العالم الإسلامي". "الشعر الحديث" نماذج ليبية، و اختار لها عنوان "فصول من الجد الهازل" و عكست نقدا ساخرا ولاذعا لبعض الإنتاج الشعري الليبي الذي انفلت من موازين الشعر العربي، وانفلت من ثقافة و قيم و صور البيئة العربية الإسلامية، و كثرت فيه على حد إشارات النامي "النواقيس" م "الصلبان" وأشياء أخرى تعلمها الشباب الليبيون من مجلات: الطليعة والكاتب و الآداب البيروتية.. و غيرهم. أما المقالات التي أثارت دويا هائلا في تلك الأيام، فهي المقالات التي أنشاها عمرو النامي بعنوان "رمزام غمز في القرآن" و فيها رد على كتابات للصادق النيهوم، التي نشرها في صحيفة الحقيقة. و نشر بعضها الآخر في صحيفة الرائد، وكانت عن "الرمز في القرآن" و من أكثرها جدلا مقالته بعنوان "إلى متى يظل المسيح بدون أب". حيث أحدثت ردود أفعال في عدة دوائر دينية و صحافية و أدبية. (1/4)
صفحة 5
... و من بين ردود الأفعال تلك كانت مقالة عمرو النامي مقالة عمرو النامي التي أرسلها من مدينة كمبريدج ونشرت "بالعلم" بتاريخ 18/4/1969وجاء فيها: "و لو أنني اعرف الصادق النيهوم جيدا لكتبت غير هذا عن هذا الأمر، فانا اعرف الصادق شخصا لا ينطلق من أسس واضحة فيما يفعل أو يكتب، وهو يصنع ذلك استجابة لما يقرأ أو ما يطرأ عليه من أحوال تكتنف حياته التي لا يحكمها تصور واضح للحياة، أو سلوك ثابت محدود. و لذلك فعندما نشر بعض فصوله عن الرمز في القرآن، حسبت ذلك على ما قدمته من أحواله. و قلت نوبة ستمضي بما جاءت، وهو شيء غير ذي قيمة في الواقع لا من ناحية الجهد والدراسة و البحث العلمي السليم، ولا من حيث آثاره ونتائجه". وكشف النامي أن ما يردده النيهوم قد سبقه إليه الباطنية نظريا وتطبيقيا. ولعله من المناسب أن نلاحظ أن النيهوم الذي يكتب مقالا في مجلة "الناقد" ما يزال يستخدم نفس الأسلوب، ونفس العناوين الاستفزازية فيما يصدر عنه من آراء بشان قضايا الفكر الإسلامي. (1/5)
صفحة 6
... ويبدو أن جو كمبريدج، ومناخها الأكاديمي قد أشاع الاطمئنان و الارتياح عند الدكتور عمرو النامي. فعندما حدث التغيير في ليبيا في 1/9/1969، وانتهى النظام الملكي، و حل محله النظام الجمهوري كتب مقالة بعنوان: "كلمات للثورة" نشرت بصحيفة "الثورة" في 4/11/1969. ووضع فيها مبررات الثورة، ومهمة الجيش، وهي مهمة استثنائية ضرورية محدودة، يعقبها تسليم السلطة إلى الشعب، وهو الذي يختار أسلوب حياته السياسي و الاجتماعي في الفترة القادمة. و تناولت المقالة الاتجاهات الفكرية السياسية القائمة في البلاد في ذلك الوقت ورتبها في الشكل الآتي: 1_ القوميون العرب، 2 _البعثيون، 3_ الناصريون، 4_ الشيوعيون، 5_ الإسلاميون. ووصفها بأنها تجمعات عقائدية ولذلك حسب تعبيره "فغالب الظن أنها لن تتخلى عن اتجاهاتها القائمة بل ستستمر في ارتباطها بهذه الاتجاهات والدعوى إليها، ونحن نعتقد أن لها جميعا حقا كاملا في اعتناق أفكارها و عرضها في نطاق الأخلاق العامة للشعب بعيدا عن التراشق بالتهم و الكذب و الإرجاف.. و يجب أن تتاح الفرصة الكاملة لهذه التجمعات للتعبير عن أفكارها و عرضها بكل الصور المشروعة التي تختارها. كما يجب الاستفادة من خبرات هذه الفئات جميعا على النطاق الفردي في الجهاز الإداري للدولة مع تجنب تمكين أي فئة منها من كل المراكز الحيوية التي تجعلها تستغل مرافق الدولة في سبيل أهدافها الخاصة". (1/6)
صفحة 7
... كما تحدث في مقالته الطويلة عن الثورة و الإسلام، وأكد أن الإسلام هو الأصل و هو الأساس في أحداث الإصلاح المنشود في ليبيا. فلا توجد في ليبيا عقيدة غير عقيدة الإسلام. في صيف عام 1971حزم الدكتور عمرو النامي كتبه و أمتعته وعاد إلى ليبيا ليحقق حلمه و يقف على منابر الفكر و العلم كاتبا و شاعرا و أستاذا جامعيا. وبدل أن تفتح أمامه أبواب هذه المنابر، استقبلته مراكز الشرطة، و غرف التحقيق، ومنها إلى المعتقل. وجاء أول اعتقال كحالة إنذار و تحذير ولم تستغرق مدته إلا بضعة أيام، و استأنف حياته العادية، وبدا نشاطه كأستاذ في الجامعة في بنغازي ثم نقل إلى طرابلس. و عندما جرت الاعتقالات الموسعة سنة 1973 تحت شعارات: "الثورة الثقافية" "من تحزب خان" "الثورة الإدارية" كان عمرو النامي، واحدا من مئات المعتقلين من المثقفين الطلبة. و كنت أنا من احد المعتقلين في السجن الذي دام قرابة سنتين.. وبعد الإفراج عنا، طلب من الدكتور عمرو النامي أن يغادر البلاد، و أعطي حق اختيار منفاه في اليابان، أو أمريكا اللاتينية أو إفريقيا. فاتجه أوّلا إلى الولايات المتحدة لتدريس اللغة العربية والإسلام في جامعة أمريكية. ثم طلب منه الذهاب إلى اليابان في سنة 1979 و فيها انشد يقول:
وَدَّعْتَ دَارَكَ رَغْمَ الشَّوْقِ لِلدَّارِ وَالدَّارُ ذَاتُ أَحَادِيثٍ وَأَخْبَاِر
يَا دَارُ أَمْسَيْتِ بِالأَحْزَانِ غَامِرَةً تُهْدَى هُمُومَكِ مِنْ دَارٍ إِلَى دَارِ
نَفْسي الفِدَاءُ لِأَرْضٍ عِشْتُ مِحْنَتَهَا ثُمَّ ارْتَحَلْتُ وَحِيدًا غَيْرَ مُخْتَارِ
مُبَدَّدَ الحَوْلَ لا زَادٌ وَلا أَمَلٌ إِلاَّ عَلالاتُ أَفْكَارٍ وَ أَشْعَارِ
أَنَّى ارْتَحَلْتُ فَإِنَّ القَلْبَ يَعْطِفُنِي إِلَى الأَحِبَّةِ فِي شَوْقٍ وَإِصْرَارِ
* * *
بِالأَمْسِ كُنْتَ عَرِينَ المَجْدِ يَا وَطَنِي وَمَدْرَجَ الفَضْلِ فِي سَهْلٍ وَأَوْعَارٍِ (1/7)
صفحة 8
رَفَعْتَ أَلِْويَةً لِلْفَخِْر عَالِيِةً وَصُغْتَ آثَارَ مَجْدٍ أَيَّ آثَارِ
فَقَدْ أَمْهَرَتْ أَرْضُكَ الأَبْطَالَ مِنْ دَمِهَا تَسْخُو بِهِ بَيْنَ أَنْجَادٍ وَأَغْوَارِ
وَاليَوْمَ لاَ شَيْءَ غَيْرَ الحُزْنِ يَا وَطَنِي وَغَيْرَ أَنَّاتِ أَطْيَارٍ لأَِطْيَارِ
... لأنه شديد الحب لوطنه ولأهله ولمرابع طفولته و شبابه وذكرياته لم يطق حياة الاغتراب، وغلبته جاذبية الوطن، فعاد إلى ليبيا قبل أن يدور العالم دورته. وقرر أن يهجر العلم والتدريس وان يترك المدن الكبيرة، و أن يتحول من مهنة التدريس إلى مهنة رعي الأغنام لعل ذلك يجعل سدا بينه و بين "منكرات السياسة".. وكان جادا في هذا الاتجاه، واشترى قطيعا من الأغنام، وذهب إلى ظاهر "نالوت" مسقط رأسه، ومقر أسرته وأهله. وفي قصيدة في هذا الموضوع يقول:
يَكْفِي أَبَاكِ لِكَيْ يَعِيشَ مُكَرَّمًا عَجْفَاءُ ثَاغِيَةٌ وَتَيْسٌ أَجْرَبُ
وَنَعِيشُ فِي قِنَنِ الجِبَالِ تُظِلُّنَا وَيُحِيطُنَا بِالحِفْظِ قَفْرٌ سَبْسَبٌ
جِيرَانُنَا وَحْشُ الفَلاةِ فَلاَ يُرَى فِيهَا سِوَى سَبْعٌ يَسِيحُ وَثَعْلَبُ
وَهُنَاكَ لاَ نَخْشَى سِوَى ذِئْبِ الغَضَا يَعْدُو عَلَى تِلْكَ الشِّيَاهِ فَيَنْهَبُ
وَالوَحْشُ وَحْشٌ لاَ يُلاَمُ لِبَطْشِهِ هُوَ فِي طَبِيعَتِهِ يُغِيرُ وَيَغْضَبُ
فَلَقَدْ نَعِيشُ هُنَاكَ عِيشَةَ هَانِىءٍ وَلَقَدْ يُسَالِمُنَا الشُّجَاعُ المُرْعِبُ
... لم يتمكن الشاعر، والأستاذ الجامعي من تحقيق امنيته، و من إنجاز مشروعه، وليعيش حرا عزيزا كريما كما تطلعت نفسه. و فوجىء مرة ثالثة بأبواب السجن تفتح أمامه سنة 1981. و منذ سنة 1986 انقطعت أخباره عن أهله و أصدقائه. ولا يعرف مصيره حتى الآن!! (1/8)
صفحة 9
... عرفت عمرو النامي يوم كنا مرحلة الدراسة الإعدادية الثانوية بمدينة غريان. وجمعت بيننا مرحلة الدراسة الجامعية في بنغازي. وتوثقت علاقتنا بروابط العقيدة والفكرة والوجهة الإسلامية الواحدة. وعنا محنة السجن معا في سنة 1973_1974. و عرفت فيه الذكاء، والإيمان العميق، والشجاعة، وصلابة الموقف. و الرجل كان فعلا يريد ان يعتني بوالديه، و ان يعيش بعيدا عن السياسة و مآسيها، وهو يدرك تماما الأبعاد الدولية للصراع في المنطقة.. و لكن يبدو انه لم يفهم من قبل الأجهزة في ليبيا. ودفع ثمن حسن نواياه. كما دفع نفس الثمن كثيرون آخرون. ان الدكتور عمرو خليفة النامي مثل للإنسان المثقف الجاد، وشديد الإخلاص لوطنه وأمته.
... و لو كانت السلطة السياسية تتصرف بمنطق العقل و الحكمة و النظر البعيد لما وقفت منهم موقف المطاردة و الملاحقة والاعتقال. بعد أن أكد انه لا ينوي الانخراط في أي حركة معارضة. واختار ان يتفرغ للعلم والتدريس أولا ارض، ثم بعد أن حيل بينه و بين ذلك اختار أن يعيش في عزلة يرعى شويهاته في ارض ليبيا الواسعة.. ولكن يبدو أن ليبيا صارت ضيقة!!
لَعَمْرُكَ مَا ضَاقَتْ بِلاَدٌ بِأَهْلِهَا وَلَكِنْ أَخْلاَقُ الرِّجَالُ تَضِيقُ
... هذه خطرات في سيرة رجل ارتبط بالفكر و الثقافة، و كانت له مواقفه الصارمة التي لا تقبل الاحتواء، و ان قبلت الانزواء في وديان و شعاب نالوت.. كان عمرو النامي كاتبا و ناقدا و محاضرا و شاعرا. و خلال سنوات الاعتقال كتب عشرات القصائد. و ألّف في السجن (1973_1974) كتابه الوحيد "ظاهرة النفاق في إطار الموازين الإسلامية" و صدرت طبعته الأولى سنة 1979.. و شاءت الأقدار ان يغيب عن مسرح الحياة الثقافية في ليبيا، قبل أن ينجز أعماله الفكرية، بل شاءت الأقدار ان يغيب عن الأنظار و الأسماع منذ سنة 1986. والسؤال المطروح: أين الدكتور عمرو النامي ؟
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... لندن – محمود الناكوع. (1/9)
صفحة 10
هل سمعت قبل بالدكتور عمرو النامي ؟ هذا مثقف واسع الإطلاع تخرج من كمبريدج عام 1971 وعاد إلى بلاده داعية للحرية و منافحا عن الثقافة الإسلامية. لكنه سرعان ما ذاق كلفة اختياره، وتنقل بين السجون والمنافي، وحتى عندما هجر التدريس جملة واحدة وعاد إلى قريته راعيا للأغنام، لاحقته الأجهزة و ضاع خبره عندها منذ 1976، فلا احد يعرف مكانه أو مصيره.. هذه لفتة وفاء لكاتب كريم و شاعر حالم، وخاطرة أمل بان يذوق طعم الحرية من جديد.
موضوعات الكتاب
مقدمة .......................................
عمرو خليفة النّامي سيرته، ثقافته و مواقفه .....................
مقالاته:
مهر الحضارة الغربية ......................
فصول من الجد الهازل توابع الزوابع ..............................
فصول من الجد الهازل نواقيس و صلبان و أشياء أخرى .............
رمز أم غمز في القرآن ........................
كلمات للثورة ...............................
قصائده:
أماه لا تجزعي ..............................
حديثي إليك يا أماه ...........................
كلمات إلى زينب .............................
العش و الزهور و الفصائل ....................
قطوف .......................................
يا بدر ........................................
نفحة من ذوب القلب .........................
الفتية .........................................
خواطر .......................................
السجن أهون من تقبيل الأحذية ...............
خواطر في الزنزانة ..........................
دموع .........................................
يا ليلة العيد ....................................
أنشودة الهزار ................................
الوداع ........................................
قد مات كل شيء ............................. (1/10)
صفحة 11
في سجن الاستخبارات العسكرية ...............
لم تمت بلقيس .................................
الحب ..........................................
اندلسيات ......................................
القيد والقدر ....................................
من حديث الليل ................................
كلماتك .........................................
دماء العذراء ..................................
الكلب ..........................................
يا رسول الله ...................................
نظرات في اعمال النّامي و مراسلاته ...........
شكر عام
يطيب لمؤسسة النامي الخيرية ان تشكر كل أصدقاء الدكتور عمرو خليفة النّامي الذين شاركوا بأفكارهم و أقلامهم و جهودهم و أموالهم في تأسيس هذا العمل الخيري وفي الاهتمام بأعمال الدكتور النّامي الفكرية والأدبية بجمعها و نشرها و ترجمتها و تدعو المؤسسة كل من في حوزته أي لون من ألوان الأعمال الأدبية و الفكرية للدكتور النّامي ان يرسلها إلى عنوان المؤسسة البريدي المدون لاحقا... والمؤسسة تهيب بكل من يملك رسالة أو قصيدة أو رأيا له علاقة بحياة و سيرة و كفاح الدكتور النّامي ان يرسله في اقرب وقت إلى العنوان المذكور.
عمرو خليفة النّامي سيرته، ثقافته و مواقفه
كتبها محمود محمد الناكوع (1/11)
صفحة 12
عندما أنهى الدكتور عمرو النامي دراسته العليا في جامعة كمبريدج ببريطانيا عام 1971 و نال درجة الدكتوراه في الدراسات الإسلامية كان يتطلع إلى مكانة مرموقة في الجامعة الليبية. وهو تطلع يتناسب مع قدراته العلمية ودراساته و بحوثه الفكرية كما يتناسب مع مواهبه الفنية الأدبية، و رغباته الإصلاحية الإجتماعية. فهو مثقف واسع الإطلاع، متنوع القراءات. و هو أحد الأذكياء اللامعين في جيله، و قد أهله ذكاؤه إلى التفوق في الدراسات العربية و الأدبية خلال دراسته في كلية الآداب و التربية بالجامعة الليبية بمدينة بنغازيو حصل على الليسانس بإمتياز. و كان أحد الذين اختارتهم الكلية لبعثة دراسية لاستكمال دراسته و العودة ‘لى جامعته محاضرا و أستاذا بها حيث كانت الجامعة الليبية في ذلك الوقت في العقد الأول من عمرها الذهبي فهي أول جامعة ليبية(1955) في عهد الاستقلال الذي تحقق (1951) وكان الملك محمد إدريس السنوسي سليل الأسرة الإسلامية الإصلاحية هو أول ملك و آخر ملك اعتلى عرش الحكم في ليبيا هو الذي أهدى قصره المتواضع واسمه قصر المنار ليكون منارة لطلاب الدراسات الجامعية. و من حسن الحظ و من حسن السياسة تمكنت الجامعة في عقدي الخمسينيات و الستينيات من الاتفاق مع عدد من الأساتذة الجامعيين اللامعين وجلهم من جامعتي القاهرة، والإسكندرية، وكان من بينهم الأستاذ الدكتور محمد محمد حسين، أستاذ الأدب العربي الحديث و هو شخصية مميزة مثيرة، مميزة بتمسكها بكثير من التقاليد بما في ذلك (طربوشه) الذي تفرد بلبسه دون غيره من الأساتذة الجامعيين، و هو مثير بأسلوبه النقدي الذي عرف به في محاضراته و في كتبه و خاصة كتابه (الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر. جزآن). (1/12)
صفحة 13
إضافة إلى كتبه الأخرى مثل (في وكر الهدامين) (الإسلام و الحضارة الغربية) (حصوننا مهددة) كان الدكتور محمد محمد حسين رئيس قسم اللغة العربية و آدابها في تلك السنوات، و كان شديد الإعجاب بذكاء تلميذه عمرو النامي فاهتم به وشجعه على المضي في طريق والدراسة حتى يصبح يوما ما أستاذا جامعيا. وجمعت بين الأستاذ وتلميذه رابطة التدين و الإهتمام بالفكر الإسلامي و ضرورة ح ضوره في مناهج التعليم و التفكير و في الحياة بصورة عامة. ولم يكن أستاذنا الدكتور محمد محمد حسين محا ضرا أكاديميا فقط بل كان مربيا و يتوقد حماسا و عملا من أجل نهضة الأمة الإسلامية و مواجهة تيارات التغريب و محاولات إضعاف أو إهمال اللغة العربية و الآداب العربية و هي مفاتيح فهم القرآن و مفاتيح التفاعل مع التراث العربي و الإسلامي..... ومن الصدف الطريفة أن قسم اللغة العربية في تلك السنوات (1958-1962) جمع بين ثلاثة من الطلاب الأذكياء: وهم عمرو النامي، ومصطفى الهنقاري، وصادق النيهوم. و في حين جمعت الصدفة بينهم في الدراسة و في قسم اللغة العربية ، فقد كان لكل واحد منهم شخصيته الثقافية، وسلوكه الاجتماعي، و مواقفه إزاء ما يدور حوله من أحداث و صراعات و تطورات في داخل ليبيا و خارجها. وتباعدت بينهم الآراء والمعايير و المواقف و انعكست على أعمالهم الأدبية و النقدية، والتي سنشير إليها فيما بعد، وبالتحديد (1/13)
صفحة 14
بين عمرو النامي و صادق النيهوم..... في عام 1962 أكمل عمرو النامي تعليمه الجامعي في ليبيا، وبدأ يستعد لمرحلة الدراسات العليا، و توجه في بداية الأمر نحو مصر، وبينما كان في تلك المرحلة وقعت أحداث 1965 وهي أحداث الإعتقالات التي شملت عددا كبيرا من الشخصيات القيادية و الفكرية جماعة (الإخوان المسلمون) و من بين الذين اعتقلوا محمد قطب و سيد قطب. و كان عمرو النامي قد زار محمد قطب و سيد قطب مرات عدة في فترات متقاربة قبل الاعتقال و تأثر عمرو النامي بمواقف سيد قطب و عمق إيمانه ووضوح تصوراته و أفكاره في قضايا العقيدة و في قضايا الثقافة العامة و أبعادها الإقليمية و الدولية. و خشي عمرو أن تمتد إليه يد الاعتقال فترك مصر وترك شان الدراسات العليا بها وعاد إلى ليبيا، واستطاع ان يقنع إدارة الجامعة بتغيير مكان الدراسة من مصر إلى بريطانيا، وكان مدير الجامعة في ذلك الوقت المرحوم الأستاذ مصطفى بعيو الذي قدر ظروف عمرو النامي و تعاطفه معه ووافق على إجراءات التغيير.
... في بريطانيا، وفي جامعة كمبريدج المشهورة قضى عمرو النامي قرابة خمس سنوات كان حصادها التعليمي درجة الدكتوراه في الدراسات العربية و الإسلامية، أما حصادها العام فثقافة واسعة، و تجربة حضارية، وعلاقات متنوعة مع أهل العلم و الفكر ورواد الحركات الإسلامية من مختلف الأجناس واللغات و القارات.
و فيما كان عمرو النامي في غربته تلك من اجل العلم والدراسة، كان يتابع أخبار الوطن، و ما يجري فيه من تفاعلات ثقافية و سياسية، و ظل يرصد بعض ما تنشره الصحف الليبية من مقالات فكرية و أدبية أو ما تنشره من شعر، ولا يفوته أن يقيمها، و أن يعبر عن رأيه بشأن اتجاهاتها وما تعكسه من دلالات لا يرضى عنها. (1/14)
صفحة 15
... في تلك السنوات كنت أنا صحفيا أعمل بصحيفة (العلم) التي تصدر من طرابلس العاصمة و كنت اكتب بها عادة عمودا يوميا تحت عنوان (أضواء) إضافة إلى أعمال صحافية أخرى. ونظرا لعلاقة الصداقة بيني وبين عمرو الناميو التي توطدت في مرحلة الدراسة الجامعية، ونظرا لاهتماماتنا بالفكر والثقافة، و حواراتنا في هذا المجال كلما التقينا، فقد إتفقنا على أن يكتب مقالات تنشر في صحيفة العلم. و كان ذلك في عقد الستينات و الذي يمكن وصفه بأنه العقد الذهبي للصحافة الليبية، وحرية التعبير على صفحاتها، سواء ما كان منها ناطقا باسم الدولة أو ما كان يعرف بالصحف المستقلة و هذه الأخيرة تتلقى دعما من الحكومة يجعلها قادرة على الحياة و الاستمرار مع التمتع بقدر واسع من هامش الحرية... و فعلا كتب عمرو من كمبريدج عدة مقالات نشرت بصحيفة العلم ما بين عامي 1968_1969، و كانت مادة هذه المقالات تدور حول نقد الحضارة الغربية و موقفها من الإسلام و العالم الإسلامي، و حول نماذج من الشعر الليبي و نماذج من النثر الليبي و اختار لتلك المقالات عنوانا ثابتا: (فصول من الجد الهازل) و عكست تلك المقالات نقدا ساخرا ولاذعا لبعض الإنتاج الشعري الحديث في ليبيا و الذي انفلت من موازين الشعر العربي و من أساليب و أذواق الشعر بصورة عامة كما انفلت من ثقافة و قيم و صور البيئة العربية الإسلامية، و كثرت فيه على حد إشارات النامي: (النواقيس) و (الصلبان) وأشياء أخرى، و أرجع ذلك إلى تأثر الشباب الليبي بقراءاته
لمجلات مثل الطليعة والكاتب و الآداب و جميعها كانت تصدر في بيروت و تصل إلى الأسواق الليبية. (1/15)
صفحة 16
أما المقالات الأخرى التي أثارت دويا هائلا في تلك الأيام فهي المقالات التي كانت تنشر تحت عنوان (رمز أم غمز في القرآن) و جاءت ردا على مقالات لصادق النيهوم التي نشرها في صحيفة الحقيقة التي كانت تصدر في مدينة بنغازي، و نشر بعضها الآخر في صحيفة الرائد، وكانت عن (الرمز في القرآن) و من أكثرها جدلا مقالته (أي الصادق) التي كانت بعنوان (إلى متى يظل المسيح بدون أب) حيث أحدثت ردود أفعال في عدة دوائر دينية و صحافية و أدبية.
و من بين ردود تلك الأفعال ما كتبه عمرو النامي ونشربصحيفة (العلم) بتاريخ 18/4/1969وفيها يقول النامي: (و لو لا أنني اعرف صادق النيهوم جيدا لكتبت غير هذا عن هذا الأمر، فانا اعرف الصادق شخصا لا ينطلق من أسس واضحة فيما يفعل أو يكتب، وهو يصنع ذلك استجابة لما يقرأ أو ما يطرأ عليه من أحوال تكتنف حياته التي لا يحكمها تصور واضح للحياة، أو سلوك ثابت محدود. و لذلك فعندما نشر بعض فصوله عن الرمز في القرآن، حسبت ذلك على ما قدمته من أحواله و قلت نوبة ستمضي بما جاءت، وهو شيء غير ذي قيمة في الواقع لا من ناحية الجهد والدراسة و البحث العلمي السليم، ولا من حيث آثاره ونتائجه). وكشف النامي أن ما يردده النيهوم قد سبقه إليه فكر ينسب إلى الحركة الباطنيةا. ولعله من المناسب الإشارة إلى أن صادق النيهوم انشر عدة مقالات في مجلة (الناقد) التي كانت تصدر بلندن منذ أواخر الثمانينات و حتى التسعينات و أعاد فيها نفس الأسلوب و نفس العناوين الإستفزازية يصدر عنه من آراء بشان قضايا الفكر الإسلامي...... (1/16)
صفحة 17
... ويبدو أن أجواء كمبريدج الأكاديمية و الثقافية العامة و أجواء الديمقراطية البريطانية و حرية التفكير و التعبير قد أشاعت الاطمئنان و الارتياح عند الدكتور عمرو النامي فعندما وقع التغيير السياسي في ليبيا في 1/9/1969 على أيدي ضباط صغار في الجيش الليبي، وانتهى النظام الملكي، و حل محله النظام الجمهوري كتب مقالة بعنوان: (كلمات للثورة) – تجدها في مكان آخر من هذا الكتاب - نشرت بصحيفة الثورة في 4/11/1969. أي بعد نحو شهرين من حدث التغيير. وضع فيها مبررات الثورة، ومهمة الجيش، و وصفها بأنها مهمة استثنائية و ضرورية و محدودة، يعقبها تسليم السلطة إلى الشعب، وهو الذي يختار أسلوب حياته السياسي و الاجتماعي في الفترة القادمة. و تناولت المقالة الاتجاهات السياسية القائمة في البلاد في ذلك الوقت ورتبها في الشكل الآتي:
1_ القوميون العرب
2 _البعثيون
3_ الناصريون
4_ الشيوعيون
5_ الإسلاميون. (1/17)
صفحة 18
ووصفها بأنها تجمعات عقائدية و قال: (فغالب الظن أنها لن تتخلى عن اتجاهاتها القائمة بل أنها ستستمر في ارتباطها بهذه الاتجاهات والدعوة إليها، ونحن نعتقد بأن لها جميعا حقا كاملا في اعتناق أفكارها و عرضها في نطاق الأخلاق العامة للشعب، بعيدا عن التراشق بالتهم و الكذب و الإرجاف..... و يجب أن تتاح الفرصة الكاملة لهذه التجمعات للتعبير عن أفكارها و عرضها بكل الصور المشروعة التي تختارها. كما يجب الاستفادة من خبرات هذه الفئات جميعا على النطاق الفردي في الجهاز الإداري للدولة مع تجنب تمكين أي فئة من كل المراكز الحيوية التي تجعلها تستغل مرافق الدولة في سبيل أهدافها الخاصة) كما تحدث في مقالته تلك عن الثورة و الإسلام، وأكد أن الإسلام هو الأصل و هو الأساس في إحداث الإصلاح المنشود في ليبيا. فلا توجد في ليبيا عقيدة غير عقيدة الإسلام. في صيف عام 1971حزم الدكتور عمرو النامي كتبه و أمتعته وعاد إلى وطنه ليبيا ليحقق حلمه و ليقف على منابر الفكر و العلم أستاذا جامعيا و ناقدا و شاعرا و. لكن بدل أن تفتح أمامه أبواب هذه المنابر، استقبلته مراكز الشرطة، و غرف التحقيق، ومنها إلى المعتقل. وجاء أول اعتقال كإنذار و تحذير ولم تستغرق مدته أكثر من بضعة أيام، و استأنف حياته العادية و بدأ نشاطه أستاذ في الجامعة الليبية في بنغازي ثم انتقل إلى طرابلس، و ظل في عمله بالجامعة حتى ابريل عام 1973 و برز خلال سنوات التدريس بأسلوبه الجذاب و أصبحت محاضراته و خاصة عندما كان بكلية التربية بجامعة طرابلس تستقطب العدد الأكبر من الطلاب من طلبة مادته و من غيرهم من الطلاب بينما بعض المدرسين كانوا يشكون من قلة حضور طلابهم. (1/18)
صفحة 19
و في ابريل عام 1973 أعتقل مع مئات من أهل الفكر و الرأي و أصحاب التوجهات السياسية، بعضهم من الشيوخ و كثير منهم من الشباب، و كنت أنا من بين المعتقلين، و قضيت أنا و عمرو النامي قرابة العامين في السجن المركزي بطرابلس دون صدور حكم قضائي بتهمة الانتماء إلى تنظيم لجماعة الإخوان المسلمين. و لم تكن تهمة صحيحة في ذلك الوقت و لكنها اعتمدت على تقارير إستخبارية كتبت في العهد الملكي و اعتبرها النظام الجمهوري كافية للاعتقال و بعد تأكده من حقيقة الأمر تم الإفراج عنا بقرار سياسي. و هنا يجب أن نتوقف لتوضيح أمر مهم و هو أن جماعة الإخوان في ليبيا كانت في عقد الستينات تيارا ثقافيا تربويا أكثر منها تنظيما عقائديا سياسيا و كان تيار مؤثرا و فاعلا يتخذ من المساجد و المدارس الثانوية و الصحافة منابر لنشر المفاهيم الإسلامية الحديثة ذات الأبعاد السياسية و خاصة في مواجهة بقايا الاستعمار و القواعد العسكرية كما بعض مظاهر الفساد الإداري و المالي و الذي رغم أنه كان محدودا فقد كنا نراه كبيرا و مرفوضا... و فور الإفراج عنا طلبت الاستخبارات من عمرو النامي بصورة خاصة أن يغادر البلاد و أن يختار منفاه في اليابان أو أمريكا اللاتينية أو إفريقيا و أن يدعو هناك إلى الإسلام، و جاءت هذه ال‘جراءات تنفيذا لخطاب العقيد معمر القذافي ألقاه أمام الإتحاد الإشتراكي و أشار فيه إلى مسألة إبعاد بعض القيادات الإسلامية إلى خارج البلاد بعد الإفراج عنهم، ثم انتهت الاتصالات إلى أن يكون المنفى الأول للنامي الولايات المتحدة حيث قام بتدريس اللغة العربية و موضوعات إسلامية في جامعة متشجن و لكنه مل الغربة و عاد إلى البلاد، إلا أن السلطات لم تسمح له بالبقاء في ليبيا و طلبت منه أن يسافر إلى اليابان، ففعل ذلك و هو مكره عام 1979 و في تلك الظروف عبر عن حالته النفسية و عن حزنه لفراق الأهل و الوطن وقال في إحدى قصائده: (1/19)
صفحة 20
ودعت دارك رغم الشوق للدار والدار ذات أحاديث وأخبار
يا دار أمسيت بالأحزان غامرة تهدى همومك من دار إلى دار
نفس الفداء لأرض عشت محنتها ثم ارتحلت وحيدا غير مختار
تبدد الحول لا زاد و لا أمل لا علالات أفكار و أشعار
منّى ارتحلت فان القلب يعطفني إلى الأحبة في شوق وإصرار
* * *
بالأمس كنت عرين المجد يا وطني وتدرج الفضل في سهل و اوعار
رفعت ألوية للفخر عالية و صغت آثار مجد أي آثار
و أمهرت أرضك الأبطال من دمها تسخو به بين أنجاد و أغوار
و اليوم لا شيء غير الحزن يا وطني وغير أنات أطيار لأطيار
... لأنه شديد الحب لوطنه ولأهله ولمرابع طفولته و شبابه وذكرياته لم يطق حياة الاغتراب، وغلبته جاذبية الوطن، فعاد إلى ليبيا قبل أن يدور العام دورته. وقرر أن يهجر العلم والتدريس وان يترك المدن الكبيرة، و أن يتحول من مهنة التدريس إلى مهنة رعي الأغنام لعل ذلك يجعل سدا بينه و بين "منكرات السياسة".. وكان جادا في هذا الاتجاه، واشترى قطيعا من الأغنام، وذهب إلى ظاهر "نالوت" مسقط رأسه، ومقر أسرته وأهله. وفي قصيدة في هذا الموضوع يقول:
يكفي أباك لكي يعيش مكرّما عجفاء ثاغية وتيس أجرب
ونعيش في قنن الجبال تظلنا ويحيطنا بالحفظ قفر سبسب
جيراننا وحش الفلاة فلا يرى فيها سوى سبع يسيح و ثعلب
وهناك لا نخشى سوى ذئب الفضا يعدو على تلك الشياه فينهب
والوحش وحش لا يلام لبطشه هو في طبيعته يغير و يغضب
فلقد نعيش هناك عيشة هانىء و لقد يسالمنا الشجاع المرعب
... لم يتمكن هذا الشاعر، و هذا الأستاذ الجامعي من تحقيق أمنيته، و من إنجاز مشروعه ويعيش به حرا عزيزا كريما كما أراد. و كما تطلعت نفسه التواقة إلى تلك المعاني و القيم الإنسانية الكبيرة. و فوجىء مرة ثالثة عام 1981 بالاستخبارات تقوده إلى المعتقلات في طرابلس. و منذ سنة 1986 انقطعت أخباره عن أهله و عن أصدقائه فاختفى قسرا و لا يعرف مصيره حتى الآن. (1/20)
صفحة 21
... عرفت عمرو النامي يوم كنا مرحلة الدراسة الإعدادية و الثانوية بمدينة غريان عاصمة محافظة الجبل الغربي في ذلك الوقت. وجمعت بيننا مرحلة الدراسة الجامعية في بنغازي في أوائل الستينيات في
مدينة بنغازي. وتوثقت علاقتنا في عدة إتجاهات فكرية و سياسية وكنا بعض قيادات التيار الإسلامي المتأثر بمدرسة (الإخوان المسلمون) وعشنا محنة السجن معا في عامي 1973_1974. بطرابلس و طوال تلك الفترة عرفت فيه الذكاء الحاد، والإيمان العميق،و الشفافية الوجدانية، كما عرفت فيه صفات الشجاعة وصلابة الموقف. و الرجل فعلا كان يريد ان يعتني بوالديه و أن يترك السياسة و مآسيها، و كان يدرك تماما الأبعاد الدولية للصراع في المنطقة. و لكن يبدو انه لم يفهم من قبل الأجهزة الأمنية أو من قبل القيادة السياسية في البلاد كما أنه يبدو أيضا أن عمرو النامي لم يفهم المدى الذي يمكن أن تذهب فيه السلطة للتعامل معه باعتباره رمزا فكريا مرموقا فإما أن يكون مع السلطة و إما سيصنف معاديا لها. و سواء كانت هذه أو تلك فقد دفع ثمن حسن نواياه. كما دفع نفس الثمن كثيرون آخرون من خيرة أبناء الشعب الليبي. ... و لو كانت السلطات الليبية تتصرف بمنطق المؤسسات و القوانين و الأعراف الاجتماعية و النظر البعيد لما عاملته معاملة المتهم، و لما اتخذت منه موقف المطاردة و الملاحقة والاعتقال ثم الاختفاء القسري، خاصة بعد أن إختار العيش في عزلة مع شويهاته في أرض ليبيا الواسعة، ولكن يبدو أن ليبيا صارت ضيقة على النامي و أمثاله:
لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها ولكن أخلاق الرجال تضيق
... هذه خطرات في سيرة رجل ارتبط بالفكر و الثقافة، و كانت له مواقفه الصارمة التي لا تقبل الاحتواء، و ان قبلت الانزواء في وديان و شعاب نالوت. (1/21)
صفحة 22
من أعماله رسالة الدكتوراه في الدراسات الإسلامية و كتاب (ظاهرة النفاق في إطار الموازين الإسلامية) الذي كتبه في السجن المركزي (1973/1974) و صدرت طبعته الأولى عن الدار السلفية بالكويت دون أن تحمل الطبعة سنة الطباعة و الدور و الغالب أنه صدر في أواسط السبعينيات. كما كتب عشرات القصائد خلال فترات سجنه...... و شاءت الأقدار أن يغيب مسرح الحياة الفكرية و الثقافية قبل أن ينجز الكثير من أعماله و يحقق بعض طموحاته و مشروعاته بالمساهمة في تطور الحياة الفكرية و الأدبية في ليبيا أولا و في العالم الإسلامي ثانيا، بل شاءت الأقدار ان يغيب عن الأنظار و الأسماع منذ عام 1986 و لا أحد يعلم مصيره إلا السلطات الليبية التي ظلت ترفض إعطاء أية معلومات عن مصيره. و بغياب عمرو النامي عن ميدان التعليم و الفكر و الأدب فقدت ليبيا شخصية لإسلامية فذة... فذة في مواقفها الصلبة التي لا تتزحزح عن معتقداتها و مبادئها و لا تنحى إلا الله خالق الأنفاس و قابض الأرواح.... فذة في فكرها و أسلوبها و انفعالها و تفاعلها مع أحداث وطنها و أمتها و كان عمرو النامي شديد الاعتداد بنفسه و ذكائه و ثقافته و مع هذه الصفات يتمتع عمرو النامي بعلاقات اجتماعية حميمة مع كثير من الناس من مختلف الأجيال و من مختلف المناطق و الأوطان كما أنه يتمتع بإحساس عاطفي مرهف و بتذوق رفيع للشعر و الغناء و الموسيقى و من أحب أصوات الطرب لديه صوت فيروز... و ظل عمرو النامي مثل أستاذه محمد محمد حسين شديد الاهتمام باللغة العربية و نحوها و آدابها باعتبارها لغة القرآن كما ظل شخصية إسلامية الآفاق و التصورات و هو ما تعكسه مقالاته و قصائده التي تشكل مادة هذا الكتاب و قد رتبتها حسب تسلسل تاريخ نشرها (1/22)
صفحة 23
بالصحف الليبية أو حسب تاريخ الانتهاء من كتابتها بالنسبة للقصائد بالذات. فهذه القصائد بعض مخطوطاتها تحمل في الهامش تاريخ إبداعها أما بعضها الآخر فلا يشير إلى زمانها و لا إلى مكانها و لكن أغلب الظن أن معظمها كتبت في المعتقلات و تؤرخ لما كان يعانيه الشاعر في تلك المعتقلات كما تؤرخ لمرحلة سياسية و اجتماعية عاصرها عمرو النامي و اكتوى بنارها مرات عدة فجاءت كلماته و قصائده متفجرة من أعماق القلب و الوجدان لتجعله فارسا في خطابه السياسي و الأدبي..
* هذه المقالة نشرت أصلا بمجلة (العلم) في عددها الصادر بتاريخ 30 يناير 1993 و التي كانت تصدر بلندن.. ثم روجعت و أضيفت إليها بعض الفقرات.
مهر الحضارة الغربية
لو تخيلت الحضارة غادة حسناء قد تعرض لها الخطاب كل يريد ان يرجع بها إلى داره فمذا كنت تمهر تلك الحسناء البارعة الجمال؟
وإذا كانت المخطوبة هي الحضارة الغربية فهل يغالي أهلها في مهرها و هل يبلغون به حد المستحيل و الشطط؟ ولكن دعنا، أخي القاريء، من التساؤل و الافتراض، فالمهر الذي طلبه القوم قد صرح به احدهم منذ وقت بعيد. وذلك ما قاله المستر ويليم جيفورد بالكراف. قال المستر الهالك:
متى توارى القرآن و مدينة مكة عن بلاد العرب، يمكننا عندئذ أن نرى العربي يتدرج في سبيل الحضارة التي لا يبعده عنها إلا محمد و كتابه.
و ذلك ما يشترط القوم، وهي كلمة قد لفها الزمن منذ مدة، و لكنها كلمة يجب ان يتدبر كل مسلم كل حرف فيها، و هي كلمة كفيلة كذلك ان تفتح أمام أعيننا مغاليق أسرار الصراع الدائم الدائب بين الإسلام و خصوم الإسلام.
و هي كلمة حقيقة بان ترجع الكثير من أبنائنا إلى صوابهم في كثير من أفكارهم و أطوارهم. ونحن هنا سوف نشير إلى رؤوس مواضيع لبعض مظاهر ذلك الصراع من وراء ستار تلك الكلمات... (1/23)
صفحة 24
فأولا - إن الحقيقة التي تركزت في أذهان أعداء الإسلام بعد خبرة طويلة بشؤونه، و دراسة متعمقة صابرة لأموره، و هي أن سر قوة هذه الأمة وترابطها و تواثقها و انتظام أواصر الأخوة الكاملة بين أجزائها، هو الإسلام... و ان جماع أمر الإسلام و اصل منهاجه و دستور نظامه هو القرآن، و أن عليهم أولا لتفتيت هذه القوة، و زعزعة هذا الجدار، أن يقضوا على هذا الكتاب. و لذلك فان مخطط النسف الشامل الكامل لأمة الإسلام كما يحدوه هذا الخبيث و مقاله يستدعي أولا أن يتوارى القرآن عن أهله...
و قد سلك أعداؤنا سبلهم إلى هذا الأمر بعد ما بذلوا جهدا للتعرف على كتاب هذا الدين و لغته و أدبه و فكره و حضارته.
و المطلعون على بواطن الأمور يعرفون تلك الجهود الجبارة التي بذلتها أجهزة الإستشراق و الاستعمار في دراسة الأدب العربي و اللغة العربية و الثقافة الإسلامية، و يعرفون الجهود الجبارة التي بذلت في سبيل نشر التراث العربي و بعثه و التنقيب عنه و إزالة الغبار عن كنوزه. و العاقلون يعرفون كذلك ان كل ذلك لم يتم لان الغرب كان يفتش عن دين ليعتنقه أو لغة ليلتزمها أو أدب يقتبس منه. و لكن كل ذلك يتم ليتعمق الأعداء في معرفة هذه الأمة التي يتربصون بها الدوائر، و يعدون العدة لاستئصال شافتها و القضاء على حضارتها و تدمير و جودها و مسخ وجهها الإسلامي الأصيل. (1/24)
صفحة 25
و قد بذلت أجهزة الصليبية و الصهيونية الكثير من الجهود للحيلولة بين المسلمين و قرآنهم بما اتيح لهم من فرصة للسيطرة العسكرية و السياسية على هذه البلاد في فترات الاحتلال والانتداب على السواء. وكانت لتلك الجهود مظاهر عدة يستطيع الإنسان ان ينبه إلى بعضها. على ان اخطر طريق سلكه هؤلاء هو تحميل آلة الهدم لمن يسهل عليهم ذلك ولا يستنكر منهم الأمر في عنف سافر أو عداء ظاهر. و كان ان حملوا آلة الهدم لأسماء مسلمة، و ظهرت بين المسلمين أصوات تدعي أسطورة القرآن و تشكك في حقائق الوحي و ترجع ذلك إلى غير مصدره العلوي الجليل، مدعية تحكيم العلم و العقل و ما إلى ذلك من ادعاءات مختلفة إنما هدفها هو التشكيك في القرآن الكريم وزعزعة عقيدة الإسلام في قلوب المسلمين بعد ذلك. (1/25)
صفحة 26
لقد برز هذا الصوت عند المستشرقين أول ما برز على اختلاف في اللهجات و أساليب و طرائق العرض. واخذ مسلك الدرس أحيانا و التصريح أحيانا أخرى. ثم حمل طه حسين، و هو صاحب اسم إسلامي، راية الهدم فأحسن حملها و مضى بها كما يريد أسياده فكان – كما يريدون – أكثر جرأة و جسارة. و خرج على الناس بكتابه (في الشعر الجاهلي) الذي كان يلقيه محاضرات على طلبة كلية الآداب في الجامعة المصرية حينذاك. و في نطاق حديثه عن الوضع في الشعر الجاهلي قرر ان كثيرا من حقائق القرآن موضوعة أيضا... و كان ذلك اشد ما تعرض له القرآن من محاولة الطعن في قداسته و صحة نصه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. و قد أثار ذلك ضجة كبيرة دافع فيها المسلمون عن كتابهم و ترك لنا إنتاجا رائعا مم اتفقت به قرائح ادباء الإسلام و صرت به أقلامهم. و كان الفتى المبرز في حلبة ذلك الصراع هو أديب العربية المعاصر و منشئها الفذ المنافح الصوال عن تراثها الأستاذ مصطفى صادق الرافعي رحمه الله. فقد كان – جزاه الله عن الإسلام كل خير – امة وحد ه في ذلك الصراع الصاخب. و أنا أحب ان أوصي شبابنا المثقف بقراءة جميع كتبه و متابعة ذلك و الاستمرار عليه حتى يألفوا بيان العربية الأصيل و تسيغ أذواقهم أسلوبها الرفيع جلاه الرافعي في سلاسة و قوة... (1/26)
صفحة 27
و اشد من ذلك استطاع أن ينفذ به الاستعمار إلى المناهج التعليمية فاستحدث أساليب قللت من محصول الطلبة من القرآن الكريم و أنقصت من حصص الدين و حصرت اللغة في دراسات شكلية محدودة. فكان حظ الأجيال المتعاقبة من نصوص دينهم و قرآنهم و لغتهم و أدبهم و ما يشكل ثقافتهم المتميزة محدودا ضئيلا. وكان من حججهم المتهافتة أن ذاكرة التلميذ الصغير تنوء بكل ذلك العبء الثقيل، و يحتجون بان حفظ النص دون فهمه ضرب من الضياع و العبث، و قصدهم تفويت الفرصة الذهبية على هذا الكتاب و لغته حتى ينشأ الجيل بمعزل عنهما. والجميع يعلمون أن استخدام أي آلة يعين على صقلها و تنميتها و أول هذه الآلات الذاكرة.. و ان مخزونها الذي يتحصل عليه التلميذ في فترة لم تكتمل فيها مداركه العقلية بعد هو الرصيد الذي تعمل فيه هذه المدارة مستقبلا حيث تكون فترات الدراسة التالية مجالات لشرحها و إيضاحها. و كم يكون موقف الطالب ممتاز عندما يجد ذاكرته تمده بذلك الرصيد المدخر في فترة نضجه العقلي و اكتماله الفكري. وتستغرب ان هؤلاء الذين يبكون إشفاقا على ذاكرة الطفل المسلم لأنه يؤخذ بحفظ قرآنه، كيف لا يتكلمون عن أطفالهم الذين تلوى عظامهم الطرية الصغيرة لتعليمهم رقصات الباليه!! (1/27)
صفحة 28
و مظهر آخر من مظاهر هذا الصراع، و قد كان اشد خطرا و ابعد أثرا و أكثر خبثا، تمثل هذا المظهر في حركة نشطة أضمرها أعداء الأمة و عملاؤهم كان هدفها قطع صلة حاضر هذه الأمة بماضيها و قطع لغتنا من أصلها حتى نفقد ذلك الرباط الذي يصلنا بثروتنا الفكرية و الثقافية، و التي كان مدارها و قطبها في أيام ازدهارها هو كتاب الله.. و أخذت هذه الحملة المسعورة سبيلين رئيسيين قصد أحدهما إلى الحرف العربي فادعى قصوره و تعقيده و عدم إيفائه بحاجة الكتبة والمؤلفين، و تعددت الاقتراحات باختراع حروف جديدة للغة العربية. و اذكر أن اثر هذه الشطحة قد وصل إلى صحف طرابلس، ووجد هنا على ما اذكر من أسهم باختراعه في هذا المضمار و الذي انتهى بدون شك إلى سلة المهملات. بل بلغ الأمر ان اقترح بعضهم باستبدال الحرف العربي الشريف بالحرف اللاتيني. و من اشهر أصحاب هذه الدعوة في البلاد العربية المدعو سعيد عقل و قد أصدر كتابا طبعه بالحرف اللاتيني فعلا.
و طال الأخذ و الرد في هذا الأمر و أدلى الجميع بدلائلهم فعادت فارغة و الحمد لله. و واضح ان القصد من هذه الدعوة الهدامة و خلاصته أن يجيء يوم ننسى فيه الحرف العربي و يحجب كل ميراثنا الكريم الغزير الذي كتب و طبع به عن الأجيال التي تجهله فتنقطع صلتنا بالقرآن و تراث السلف. و قد سارعت مخططات الأعداء إلى تنفيذ هذه الخطة في تركيا وآل أمر المسلمين في تركيا إلى الحال التي تعيشها اليوم بعيدة عن نتاجها الضخم الغزير في ميدان الفكر الإسلامي، و أعجب بهذه الدعوة الخبيثة الهدامة. (1/28)
صفحة 29
و السبب الثاني لهذه الحركة هو ذلك التحامل الشديد على أسلوب النحو و القواعد اللغوية للغة العربية. فقد اشتد النص على الأسلوب الذي اتخذه السلف لضبط قواعد لغتهم و تحديد أساليبها و صبها في قواعد ثابتة محدودة. و سرت دعوة عالية صاخبة تندد بالكتب الصفراء و بالأسلوب العقيم و المنهج الفاسد – على حد زعمهم – الذي سلكه السلف رحمهم الله من فطاحل النحاة و اللغة، بل ووجد من دعا إلى نحو جديد، و من كتب نحوا جديدا.
و كان نتيجة ذلك هذه العقدة السخيفة التي تركزت عند متعلمينا من دراسة النحو، و خصوصا في المدارس (المدنية!!). فما تكاد تجد اليوم من يتقن هذا العلم، لا بل لا تكاد تجد شاديا يحسن أولياته فضلا عن لن يتعمق أسراره ما عدا من قراه في معاهد الدين و اللغة على الأسلوب القديم الذي تنهج الجامعة الإسلامية نهجه اليوم. و كان نتيجة ذلك ان نشأت أجيال لا تحسن تذوقا للنص العربي و لا فهما له لما غاب عنها من إدراك لعلاقات الكلمات بعضها ببعض، و لما غمض عنها من تبين تراكيب الأساليب التي يدرك علمها بامتلاك (النحو) على النحو الذي وضعه أسلافنا و اصطلحوا عليه، و أثبتت تجربة دوامة لمدة ثلاثة عشر قرنا صلاحه و استقامته و نفعه. و رحم الله من وصف النحو بأنه علم نضج و احترق. و هنا قد افلح أعداؤنا في الهدم إلى حد بعيد. (1/29)
صفحة 30
و إلى جانب هاتين الصورتين برزت دعوة أخرى ذات نهج رهيب و هي الدعوة إلى العامية. و بدلا من أن نرفع العامة إلى لغة القرآن التي يحيينا بهديه و نوره صرنا نهبط إلى مستوى السوقة نتلطف شهواتهم و نستلطف عواطفهم و نتذلل لعقليتهم بحجة الأدب للشعب و الفكر للشعب. و واضح خطر هذه الدعوة الشعوبية التي اعتبرها اخطر معاول الهدم لوحدة هذه الأمة و أشدها تأثيرا في إلهائها و إضلالها عن الحق الذي نزل الله إليها على نبيه العربي الكريم. و للتوسع في معرفة أخطار هذه الدعوة و آثارها ارجوا من القارئ الرجوع إلى رسالة الدكتوراه التي كتبتها الدكتورة الفاضلة نفوسة زكريا بعنوان الدعوة إلى العامية.
هذه بعض الوسائل التي ركز الدعوة إليها قوم أعداء للإسلام، و حملها بعدهم بعض ممن يتمون بأسمائنا و يتزينون بأزيائنا و يوالون أعداءنا. و هي رؤوس أقلام يجد القارئ ما يشفي غلته حولها من مصادرها المتعمقة التي يجدها في آخر هذا المقال. و هذه كلها بعض مظاهر التنفيذ للمخطط الذي حددته تلك الكلمة السالفة اعني كلمة اللورد التالف مستر (وليام جيفورد بالكراف) التي تدعوا في شطرها الأول إلى أن يتوارى القرآن عن بلاد العرب ليتدرج العربي على زعمه في سبيل الحضارة الغربية.. و تلك هي الدفعة الأولى من المهر المطلوب فلننظر في بقية الدفعات في الحلقة التالية. (يتبع).
* صحيفة العلم 28/10/1968
رمز أم غمز في القرآن ! (1/30)
صفحة 31
أحب أن اعرض في هذا الفصل لمسالة سوف تبعدنا عن ميدان الشعر، و إن كان يربطها بالشعر الجديد بعض الظلال و المعاني، اعني مسالة الرمز. و قد عرفنا الرمز فنا في التصوير و التعبير يتخذه الشعر الجديد لإخفاء بعض الأفكار و عرضها عرضا غير صحيح يتجنب سخط المجتمع و بطش الحكومات. و قد انتشر هذا الأسلوب في الشعر الحديث و هو لم يكن معروفا بهذه الصورة في الشعر العربي القديم لان العرب في القديم لا يواجهون أنظمة القهر و البطش بتلك الصورة. فهم لم يعرفوا إلا المواجهة المباشرة للجور و الظلم قولا و عملا، لأنهم يعتقدون "أن أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر". و لن يعبر الرمز عن الحق، ولن يبلغ الرمز دعوة صريحة واضحة تواجه فسادا ظاهرا قويا. و من الامتهان الشديد للحق أن يتدسس بعرضه، بينما يستعلن الباطل قويا في كل الصور و المظاهر. لذلك لم يعرف أسلوب الرمز بصورته الحديثة في الماضي، و هم قد عرفوا الكناية و المثل و المجاز و لكن ذلك كان يؤدي عمل الكلمة الصريحة المباشرة بل و ابلغ أحيانا.
و ظهور الرمز عند العرب في الحديث امر غير مستغرب، فهم قد ظهرت بينهم كل أعراض التعبير، إن لم تكن نتيجة لظواهر أصيلة فلمجرد التقليد الأعمى.
و لكن المستغرب حقا أن نلبس هذه الأساليب الجديدة في التعبير للنصوص القديمة التي عبر بها أصحابها عن أفكارهم و آرائهم بما عهدوه من صور التعبير و تعارف عليه الناس حينذاك. أما المستهجن جدا فهو أن نحاول أن نلبس ذلك القرآن الكريم. (1/31)
صفحة 32
و لو أنني اعرف الصادق النيهوم جيدا لكتبت غير هذا عن هذا الأمر، فانا اعرف الصادق شخصا لا ينطلق من أسس واضحة فيما يفعل أو يكتب، وهو يصنع ذلك استجابة لما يقرأ أو ما يطرأ عليه من أحوال تكتنف حياته التي لا يحكمها تصور واضح للحياة، أو سلوك ثابت محدود. و لذلك فعندما نشر بعض فصوله عن الرمز في القرآن في جريدة الحقيقة حسبت ذلك على ما قدمته من أحواله، و قلت نوبة ستمضي بما جاءت. وهو شيء غير ذي قيمة في الواقع لا من ناحية الجهد والدراسة و البحث العلمي السليم، ولا من حيث آثاره ونتائجه. فالناس يقرؤون للصادق عندما يتحدث لهم عن صديقته السائحة الاجنبية التي لا يعجبها اسلوب الليبيين في المغازلة، و يضحكون من ذلك. و يقرؤون له عندما يترجم لهم رسالة العامل التشيكي سائق الجرار الى حبيبته يعلن فيها للناس و الذباب في بنغازي. و قد يضحك من ذلك بعضهم ايضا. و لكنهم عندما يبصرون موضوع الرمز في القرآن فهم يضحكون قبل قراءته.
فالذي يعرف الصادق من قرب يعرف صلته بالقرآن. و الذي لا يعرفه يعرف أن مناهج كلية الآداب و قسم اللغة العربية فيها لا تؤهل الطالب فيها لمواجهة مثل هذا البحث دون رعاية أكاديمية أمينة يخضع فيها الباحث لإشراف احد الدارسين من العلماء المختصين. وهو أمر لم يتيسر للصادق على الأقل في موضوع الرمز في القرآن. و لذلك فان اضطلاع صاحبنا بمثل هذه الدراسة أمر تحفه الكثير من المزالق و المخاطر و لقد رأينا ذلك في ذلك الخلط و التناقض الذي وقع فيه و هو يتحدث عن دراسته في جريدة الرائد (العدد 485) و هو أمر لا يمكن تلافيه لما أسلفت. (1/32)
صفحة 33
فالمنهج العلمي يقتضي أن نعتبر هذه القضية مجرد فرض. و هذا أيضا يأتي بعد دراسة شاملة في الموضوع. فقد يكتشف الدارس لهذا الأمر أن الموضوع قد تطرق من قبل، فيعود إلى تقييمه بالصورة التي درس بها. و إذا رأى أن هناك ما يمكن أن يضاف إلى ذلك فبدا في دراسة شاملة للموضوع في جميع جوانبه. و في مثل الموضوع السابق فينبغي أولا استقصاء كتاب الله من أوله إلى آخره، م دراسة حديث رسول الله عليه السلام فيما يتعلق بأطراف الموضوع، و قراءة كل التفاسير السابقة و كل الدراسات القرآنية في القديم و الحديث، و عند العرب و غيرهم. ثم يستطيع الباحث بعد ذلك أن يؤكد صحة افتراضه و يحدد صوره ومظاهره أو ينتهي إلى استبعاده و إهماله. و هذه جوانب لم تكتمل للصادق و أنا أقول هذا جازما به رغم عدم إطلاعي على كامل النسخة العربية السيئة الحظ إن بقي منها ما لم ينشر، أو أخواتها الأربع...
أما انه لو استشار الصادق بعض المتخصصين في دراسته الأخيرة لوجد أن الباطنية قد سبقوه إلى هذه الدراسة نظريا و تطبيقيا و لأراحه من هذا العناء، و لجنبه موقفه المحرج.
و لنتحدث الآن عن تحقيق محمد الهتكي الذي نشر في مقابلة مع الصادق النيهوم تكلم فيها هذا الأخير عن اقرب الأعمال إلى نفسه الرمز في القرآن. و هو الرمز الذي استخدمه الصادق في محاولة جديدة "يزعم" لتفسير القرآن بما يحققه هذا المنهج من: (1) مد اللغة الإنسانية البسيطة العاجزة بقدرة الرمز على التعبير. و (2) إيجاد الطريقة المثلى للتعبير "عن فكرة أكثر تعقيدا" مما تحمل اللغة العادية. (1/33)
صفحة 34
و نحن نبادر إلى إخبار الصادق أن اكتشافه هذا جاء متأخرا عن وقته جدا. فان القرآن قد نزل بما نزل به من الحق و رعاه رسول الله عليه السلام و أصحابه بما ألفوه من معاني لغتهم و أساليبهم. و عبدوا الله بما أمرهم به على فهمهم ذاك. و اعتقدوا كل حقائقه على فهمهم ذاك أيضا. و لحقوا بربهم و هم صفوة عباده مما أكرمهم بصحبة رسوله والهجرة معه ونصرته و مؤازرته. و ما نعلم أنهم عرفوا من أمر هذا الرمز شيئا...
و نحن على يقين أن الله تعالى لن يكلفهم غير ما فهموه و كلف رسوله بتبليغه. فهل نراهم عبدوا الله على حق و جهلوا هذا الرمز، أم أن للقرآن دورا آخر و معان أخرى غير تلك التي كلف الله بها رسوله و صحبه، و هي مدخرة للهتكي و النيهوم يعلنانها و يبشران بها؟
لقد نزل هذا القرآن على لغة العرب و هو قد أبان عن الدعوة الإلهية ببيان باهر و واضح. و لو نزل بمعميات لم يعوها لأخذوها عليه، و لعدوها من نقائص البيان. و قد كان المشركون ينتهزون مثل تلك الفرص و يتحينونها لتكذيب الرسول و الطعن فيما يجيء به من ربه.
و كذلك فان القضايا التي عرض لها القرآن مما عد من الغيب او عجز العقل البشري عن تفسيره، و لم يات فيه علم توقيفي من الله سبحانه، و لاسمع فيه شيء عن رسول الله صلى الله عليه و سلم، فقد درج السلف الصالح من المسلمين على ادخال تلك القضايا في نطاق الغيبيات التي قد تنكشف لعلم النسان و قد لا تنكشف. و لكن الاصل الاساسي هو ان القرآن هو المهيمن على غيره من وسائل المعرفة و العلم. و نحن لا نتوقع ان ياتي يوم يعتمد فيه المسلمون في فهم قرآنهم على التلموذ اليهودي او العهدين القديم و الجديد المحرفين او على دراسات آرنولد توينبي و مستشاريه اليهوديين او ويل ديورانت و سلفه المؤرخ اليهودي يوسيفون، و هو ما فعله او يحاول ان يفعله معيد فقه اللغة في هلسنكي "أي صادق النيهوم"
و قد تكلم صاحبنا في مقابلته تلك في الموضوعات التالية: (1/34)
صفحة 35
1) مالة ميلاد المسيح عليه السلام ميلادا طبيعيا ثم بزواج زكريا عليه السلام. و قرر انه كان للمسيح اخوان و اخوات. اما ادلته على هذا فهي كلها من خارج القرآن قطعا. و الذي استشهد به من كتاب الله آيات آل عمران و خرج منها ان القرآن قد نص على ان مريم امراة قد بلغت الرشد حين كفلها الله زكريا، و هذا ما لا يدل عليه السياق مطلقا. و اعتمد على ان كلمة "كفل" تحتمل معنى تزوج. و هذا باطل قطعا، و لا يمكن ان يعتمد في هذا الصدد. فلم يرد استعمال لكلمة "كفل" بمعنى تزوج. و من العجيب ان يتخلى القرآن عن استعمال كلمة تزوج في هذا الموضوع بالذات، و يبدلها بكفل بينما قد درج على ايرادها في آيات كثيرة تتجاوز سبعين موضعا او اكثر بلفظ الزوج و التزواج و التزويج صريحا واضحا سواء في معرض التشريع او العرض القصصي. بينما استعمل القرآنكلمة كفل بمعنى الرعاية و الكفالة و العناية. "اذ تمشي اختك فتقول هل ادلكم على من يكفله" (طه:40) و كذلك في آية اخرى: "فقال هل ادلك على اهل بيت يكفلونه لكم" (القصص:12) فهي تعني هنا كفالة طفل ر ضيع حرم الله عليه المراضع ليرجعه الى امه ليطمئن قلبها و هو موسى عليه السلام. و وردت كذلك في الآية التالية: "ان هذا اخي له تسع و تسعون نعجة و لي نعجة و احدة فقال اكفلنيها و عزني في الخطاب" (ص:23) و معنى اكفلنيها هنا "اجعلها لي و في ملكي و كفالتي". و هكذا تجد انه لا معنى مطلقا لذلك التمحك الفاسد الذي يريد أن يفهم من كفل "زوج". و أنا لا اكتب لان في المسالة كبير نقاش، و لكن ليرى القاريء مدى الجرأة و سوء الفهم التي يتناول بها هؤلاء كتاب الله تعالى. فهم يبدأون بالتي هي أسوأ و يطالبون أن نجادلهم بالتي هي أحسن. و هذا الذي يردونه ليس جدالا سلح و العياذ بالله. (1/35)
صفحة 36
و نحن نعرض للحديث في هذا الأمر في سياق الآيات الكريمة التي تعرض لها صاحبنا و اتخذها منطلقا لحديثه و هي آيات سورة آل عمران: "إن الله اصطفى آدم و نوحا و آل إبراهيم و آل عمران على العالمين. ذرية بعضها من بعض و الله سميع عليم. إذ قالت امرأة عمران رب إني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل مني. انك أنت السميع العليم. فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى و الله اعلم بما وضعت و ليس الذكر كالأنثى و إني سميتها مريم و إني أعيذها بك و ذريتها من الشيطان الرجيم. فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا و كفلها زكريا. كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا. قالت هو من عند الله، إن الله يرزق من يشاء بغير حساب. هنالك دعا زكريا ربه، قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة انك سميع الدعاء. فنادته الملائكة و هو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحي مصدقا بكلمة من الله وسيدا و حصورا و نبيا من الصالحين. قال ربي أنى يكون لي غلام و قد بلغني الكبر و امرأتي عاقر. قال كذلك الله يفعل ما يشاء. قال رب اجعل لي آية. قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا و اذكر ربك كثيرا و سبح بالعشي و الإبكار. و اذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك و طهرك و اصطفاك على نساء العالمين. يا مريم اقنتي لربك و اسجدي و اركعي مع الراكعين. ذلك من انباء الغيب نوحيه إليك وما كنت ليهم اذ يلقون اقلامهم ايهم يكفل مريم و ما كنت لديهم إذ يختصمون . إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى بن مريم وجيها في الدنيا و الآخرة و من المقربين. و يكلم الناس في المهد و كهلا و من الصالحين. قالت رب أنى يكون لي ولد و لم يمسسني بشر. قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون". (آل عمران:33-47) (1/36)
صفحة 37
و تقول الروايات أن الآيات من سورة آل عمران نزلت في مناسبة قدوم الوفد من نصارى نجران اليمن و مناظرته للرسول عليه السلام و سؤاله عن أمور لم ترد في سورة مريم، و هي سورة مكية و آل عمران مدنية نزلت بعد الهجرة بفترة، بعضهم يؤقتها بعام الوفوج و هو العام التاسع للهجرة و بعضهم يقدمها على ذلك الوقت. و الذي يهمني الوقوف عنده هو ما يتابع في هذه الآيات من أمور كلها خارق للعادة، يصور أفضال الله على هذا البيت الكريم الذي أكرمه الله بالاصطفاء و الهداية.
و أول هذه الآيات و الأفضال ما يذكره الله سبحانه من شأن مريم الطاهرة المصطفاة: "كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا. قال يا مريم انى لك هذا. قالت هو من عند الله. ان الله يرزق من يشاء بغير حساب." فهذه معجزة اولى لن نطيل الوقوف عندها و ينتقل بنا النص الى تصوير زكريا ترق نفسه و تحن الى ذرية طيبة من صنف مريم. فيضرغ بالدعاء الى ربه بذلك. و قد وردت صيغة ذلك الدعاء في الآيات الاولى من سورة مريم كذلك. و يستجيب له ربه الكريم. و كان الامر معجزة اخرى جعلت زكريا نفسه وهو نبي كريم يعجب من نداء الملائكة الذي يبشره بيحي: " قال ربي أنى يكون لي غلام و قد بلغني الكبر و امرأتي عاقر. قال كذلك الله يفعل ما يشاء."
و هكذا تتوالى المعجزات و الأفضال على هذا البيت الكريم. و يطل علينا المشهد الجديد في الآيات السابقة ب الملائكة الكرام يبشرون مريم بكلمة من الله اسمه المسيح عيسى ابن مريم فتتساءل في إشفاق و استغراب: " قالت رب أنى يكون لي ولد و لم يمسسني بشر. قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون." و في سورة مريم قالت: " أنى يكون لي غلام و لم يمسسني بشر و لم أكن بغيا" فهاتان الآيتان تنصان نصا صريحا على أن بشارة الله لمريم بالمسيح كانت مستغربة من قبلها لأنها لم تتزوج ولم يمسسها بشر ولم تك بغيا، و هي طرق الإنجاب العادية في افهام الناس. (1/37)
صفحة 38
و كان الجواب في الحالتين يذكرها بالحقيقة الكبرى، و هي المقدرة الالهية على الخلق عندما يشاء كما يشاء: "كذلك يخلق الله ما يشاء" و " كذلك قال ربك هو علي هين و لنجعله آية للناس و رحمة منا و كان أمرا مقضيا".
فالآيات في السورتين تؤكدان أن حمل المسيح عليه السلام كان على غير الطريق المألوف و المعتاد بين البشر، و أنها ستلد ولدا و هي عذراء لم يمسسه بشر لا نكاحا ولا سفاحا " و رحمة منا و كان أمرا مقضيا" و "مريم ابنة عمران التي احصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا، و صدقت بكلمات ربها و كتبه و كانت من القانتين". (التحريم:12)
و القضية هنا واضحة و يسوق القرآن الآيات في سورة مريم بما يدل على هذا المعنى و يؤكده. فهي عندما ألجأها المخاض إلى جذع النخلة قالت: "يا ليتني مت قبل هذا و كنت نسيا منسيا". و هذه الشكوى الضارعة الأليمة تصور مدى الحيرة (1/38)
صفحة 39
و الذعر مما ستواجه به من قومها الذين يستنكرون هذا الحديث. فكيف تلد من غير أن يكون لها زوج؟ وقد كان ما توقعت: "فاتت به قومها تحمله. قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا. يا أخت هارون و ما كن أبوك امرأ سوء و ما كانت أمك بغيا". و هذا كله تلميح لما يعتمل في نفوس القوم من الظنون و الشكوك في مريم البتول التي تأتيهم بولد من غير زوج. و هم يستنكرون منها هذه الفعلة التي لا تكون إلا من بنات أباء السوء و أمهات البغايا. و قد تكلم عيسى في المهد بما أجلى تلك الشكوك و أزاح تلك الظنون. و ليعلن نبوته و طهارة أمه المصطفاة. و لو كان زكريا زوجا لمريم لما جاء كل هذا الاستنكار و الاستغراب. و لو كن ذلك كذلك لما كان لكل هذه الآيات معنى. و لكن الله سبحانه لا يترك بتلك الآيات الواضحة الصريحة القاطعة المجال لأي تصور آخر في القضية كلها. فقد حملت مريم العذراء بالمسيح عليه السلام بأمر الله و إرادته. و كان ذلك بنفخة من روحه سبحانه – هو اعلم بكيفيتها -. و كان المسيح عليه السلام محفوفا بالمعجزات في حمله و في كلامه في المهد و في إحياء الموتى و إبراء الأكمة و الأبرص و خلق الطير من بعد.
(صحيفة العلم – 18 ابريل 1969)
رمز أم غمز في القرآن !
و مر ة أخرى فانا لا اكتب هذا الكلام لان في القضية كبير نقاش أو صغير نقاش ، و لكنني اكتب هذا للصادق و الهتكي ليصححا عقيدتهما و لمن لم تتح له الفرصة الإطلاع على الموضوع و دراسته، و ليعلم القاريء مدى جرأة صاحبنا على حقائق القرآن.
اما اليهود – لعنهم الله – فهم يعتقدون ان وراء مولد المسيح بهذه الصورة سرا لا يشرف، و انه قد حملته سفاحا من يوسف النجار. و نحن نبرأ إلى الله تعالى من قولهم هذا و نستغفر الله من إيراده هنا. فذلك من بهتانهم و قولهم غير الحق. و هم قد كذبوا النبيين و قتلوهم فلا يستكثر منهم هذا الطعن في القديسة الطاهرة المصطفاة. (1/39)
صفحة 40
اما المسيحيون فقالوا عن المسيح انه ابن الله – تعالى الله عن ذلك – فوقعوا في شر آخر. و هكذا جاء القرآن يبين للمسلمين الحق الواضح في شان المسيح عيسى ابن مريم: "ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون. ما كان لله أن يتخذ ولد سبحانه. إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون".
و هكذا يتبين أن ما يريد النيهوم أن يلفقه هراء منكر، و أن كل ما فعله هو أن عدل قليلا في عقيدة اليهود في هذه المسالة، و جاء ليزورها على القرآن من غير مستند و لا دليل. فهو يقترح زكريا أب لعيسى بدلا من يوسف النجار، و يقترح الزواج بدلا من السفاح الذي تنص عليه نصوص اليهود و كتبتهم التاريخية. و في سبيل هذا يبطل الآيات الكثيرة الواضحة، و يصادم كتاب الله بصورة قبيحة مستهجنة.
2) و الموضوع الثاني الذي عرض له صاحبنا هو معجزات عيسى عليه السلام التي جاء يفسرها لنا طبقا لأبعاد الرمز (زعم). يقول صاحبنا: أما شفاء الأكمة و الأبرص فانا اعتقد أن الرمز هنا للإنسان الأعمى الذي لا يستطيع أن يرى آيات الله في العالم من حوله... (1/40)
صفحة 41
و لصاحبنا أن يعتقد ما يشاء. و لكن أن يقول أن ذلك من معاني هذه الآية فذلك افتراء محض و فساد في الفهم. هذه الألفاظ ليست شتائم و لكنها صفة لهذا الذي يصنعه صاحبنا. فقد استعمل القرآن لفظ الأعمى و العمى في أكثر من ثلاثين موضعا للدلالة عن عدم الاهتداء. فذلك قد جاء في مواقع كثيرة، و لكنه استعمل اللفظ في مدلوله القريب اعني العمى الذي هو فقدان البصر في المواضع التالية: "ليس على أعمى حرج ولا على الأعرج حرج و لا على المريض حرج". (الفتح:17) و في قمله تعالى: " ليس على أعمى حرج ولا على الأعرج حرج و لا على المريض حرج و لا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم..."(النور:61) فهاتان تختصان بالتشريع لهذا الصنف من الضعفاء و ذوي العاهة. الأولى ترفع الحرج عن أولئك الصنف من العمى و العرج و المرض في أمر الخروج إلى الجهاد. والثانية ترفع عنهم الحرج أن يأكلوا من بيوت أقربائهم أو من يأخذهم إليه صديقهم من البيوت التي حددتها الآية. أما الآية الأخرى التي يقول فيها: "عبس و تولى أن جاءه الأعمى..." (عبس:1-2) فهو صحابي معروف اسمه ابن أم مكتوم. و لذلك فان قول صاحبنا في مقابلته: هذا يعني إن كلمة الأعمى و كلمة الموتى تستعملان في القرآن للرمز إلى أولئك الناس العاجزين عقليا عن الارتباط بالعالم العلوي، قول منفلت و تعميم فاسد لا يصدق على كل موضع في القرآن خصوصا في آية معجزة المسيح عليه السلام. أما قول صاحبنا: أما قوله في أني اخلق لكم من الطين كهيئة الطير.. فالطين رمز للمادة المرتبطة بالأرض، أي للإنسان المرتبط بعالمه المادي، و الطير رمز للسمو الروحي. و عيسى المسيح الذي جاء لنقل الإنسان البسيط من عالم التراب و المادة إلى عالم الله الرحب كان في الواقع يؤدي مهمة أكثر تعقيدا من مجرد صناعة الدمى الطائرة.
أولا: الآية قالت "اخلق لكم" و ليس منكم... (1/41)
صفحة 42
ثانيا: من قال للصادق أن المسيح جاء ينقل الإنسان البسيط من عالم التراب و المادة إلى عالم الله الرحب، أو انه جاء يصنع الدمى الطائرة؟ انه لا هذا و لا ذاك. هو جاء ليبلغ رسالة الله لهذا الإنسان الذي جعله الله خليفة في الأرض يعيش فيها و يعبده فيها. و جاء يعبده لله لا لينقله إلى عالم الله الرحب. فهذه كلمة غائمة شديدة الغيمومة لا مضمون لها في الواقع. كذلك فان المعجزة التي يخلق فيها المسيح طائرا من الطين فيبث فيه الحياة ليس صناعة دمى طائرة. فذلك ما يصنع اليوم في مصانع أوروبا الشرقية و الغربية.
و لكن كان يخلق لهم من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيصبح طائرا بإذن الله. من تمثال من الطين إلى طائر حقيقي بدم و لحم و ريش. و ذلك كله آية من الله و بإذن الله. و كذلك إحياء الموتى و إنباء بني إسرائيل بما يأكلون و يدخرون في بيوتهم. و ليس ذلك كله ما يسره الله من معجزات على يد عيسى عليه السلام، فهناك غيرها. ولا أريد أن أطيل في هذا أيضا فليس فيه كبير نقاش و لا صغير نقاش. و لكنني أوردت هذا لتصحيح ذلك الكلام الفاسد الذي قد يظن الناس انه على شيء.
و هو يعتذر اعتذارا قبيحا عن ذلك الذي لف بان "ذلك لا يعني أن الله عجز عن تحقيق المعجزة و لكن يعني أن الله يحترم العقل الإنساني و يعطيه فرصته لكي يكتشف طريقته بقدرته و حدها بعيدا عن عالم المعجزة الغامض. هذا يعني أن يحترم كبرياء الإنسان و يترك له شرف اكتشاف الحقيقة دون أن يعمد إلى شله بمظاهر المعجزة الخارقة." (1/42)
صفحة 43
يقول السيد صادق لمحمود الهتكي في خلوة الخز عبلات: "و مرة أخرى أنا مثلك أؤمن بالله، و أنا مثلك اعرف انه على كل شيء قدير، و لكني أريدك أن ترى أن عقولنا لم تخلق لمجرد العبث". (ربما يعني ابعد من العبث و ذلك ما يمكن أن نحمل عليه ما كتب) و تعالو أحدثكم أنا الآخر من خلوتي في كمبريدج: أولا من اخبر الصادق أن الله سبحانه "يحترم" العقل الإنساني؟ و ما تعني كلمة الاحترام في حق الله تعالى؟ و هل هي من الصفات الجائزة عليه سبحانه؟ إن الله تعالى لا يجوز عليه أن يحترم شيء معينا و لا يحترم غيره. و هو سبحانه خلق الإنسان ليعبده، و لأنه يعلم حاجته إلى الهداية لما يعلمه من خلقه و شانه، و انه لا ينال هذه الهداية "بقدرته و حدها" فقد أرسل إليه الرسل. و القضية هنا أن الرسل كلهم عليهم السلام مع كمال عقولهم يعتمدون عقولهم في رسائلهم التي يبلغونها إلا في حدود التبليغ و ما يتصل به. أما الرسالة فيتلقونها من الله عن طريق الوحي، و هم أمناء على تبليغ ذلك الوحي. و مجرد الوحي من الله تسليم قبوله، تسليم بالمعجزة لان ذلك يتم خارج نطاق العقل و لا بد من التسليم بذلك لقبول حقيقة النبوة و إلا نكون قد رفضنا هذه الحقيقة من أساسها. و لذلك فإنني أقول لكم من هذه الخلوة التي لم يحضرها الهتكي و النيهوم أن الله لم يحترم عقل الإنسان بذلك المفهوم الذي عرضه صاحبنا مطلقا، و انه قد أحاطه "بعالم المعجزة" بإرسال الأنبياء و هديهم و معجزاتهم كذلك. (1/43)
صفحة 44
قال الإمام أبو عمار عبد الكافي في كتاب الموجز: بعث الله موسى صلى الله على محمد و على موسى و على جميع المرسلين و الغالب على الناس إذ ذاك أمر السحر. و قد فشا فيهم حتى اتخذوه صناعة يوجد عند كبيرهم و عند صغيرهم. و اظهر الله على أيدي موسى عليه السلام من العلامات و الشواهد و المعجزات ما دوخ به أمور جميع السحرة، و أعجزهم بالإتيان بمثله، و أعلمهم انه ليس من جنس ما يأتون به من السحر بوجه ولا سبب من انقلاب العصا حية تسعى و ثعبانا مبينا، حتى اشترطت جميع حبالهم و ابتلعت جميع عصيهم فذهبت و لم يوجد لها اثر مع ما جاء به من النور إذا هو اخرج يده صارت بيضاء صافية من غير برص و لا سوء. و ما كان من رجوع مياههم دما، و ما سلط عليهم من الجراد و القمل و الضفادع، و فلق البحر حتى صار برا يابسا و نقعا ساطعا فقطعه موسى و من معه فخرجوا منه سالمين و اتبعهم فرعون و جنوده على أثارهم فظلوا فيه غارقين. في سائر تلك الآيات المشهورة على يد موسى عليه السلام. فتبين للسحرة عند ذلك أن الذي جاء به موسى ليس من فعلهم و لا من فعل احد من البشر لمعرفتهم بنهاية السحر و مبلغه. فاتضحت لهم الحجة فآمنوا بموسى و ما جاء به، و كفروا بفرعون و ما يدعو إليه. فإيمان السحرة حجة على فرعون و من معه و قطع بمعاذيرهم و معاذير جميع المبطلين المكذبين للرسالة.
و بعث الله عيسى عليه السلام و الغالب على أهل زمانه أمر الطب و التداوي، و به يفتخرون و فيه يتنافسون. فأتاهم عيسى عليه السلام من عند الله بإحياء الموتى و يبريء لهم الأكمة و الأبرص، و يخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه طائرا بإذن الله. فأول ذلك انه لما كان أبرأ لهم.....
(لم نحصل على بقية هذا المقال وقت إصدار هذه الطبعة)
(العلم: 1 مايو 1969)
كلمات للثورة (1/44)
صفحة 45
تقول العرب في أمثالها آخر الدواء الكي، و ذلك أن آخر ما يلجأ إليه من الدواء هو الكي بالنار لما فيه من الخطورة و الألم الشديد، و كان الأسلم ألا يلجا إليه إلا عندما ينقطع الرجاء من كل صور العلاج الأخرى.. و قد بلغ الحال بأوضاع ليبيا السابقة في كل جوانبه مبلغا ما كان ليجدي معه غير دواء واحد هو الكي.. و كان واضحا أن الذي يستطيع التطبيب بذلك الدواء هو اليد الحاذقة البارعة التي تضع الجمرة فوق موضع الداء فتحصر الم الدواء في منطقة الداء و لا تتجاوزه إلى بقية الجسم. (1/45)
صفحة 46
و قد كان الداء بالنسبة لليبيا هو جهاز الحكم السابق في أشخاصه و سياسته الداخلية و الخارجية. و قد كان ذلك الجهاز في غالب أفراد القمة العليا مصدر العفونة و الفساد يعيش بها و ينميها فيمن يتصل بهم و يستخلصهم لحمايته و الحفاظ عليه. و اتخذ ذلك النظام كل الوسائل التي تمنع الأطباء الحاذقين من علاج ذلك الجسم الذي بدأت تنتابه الأمراض و تسري فيه العدوى، و بدأت ظواهر الفساد تتلمس طريقها إلى أفراد الشعب، و أصبح أمرا مسلما به بين الناس أن يكسب المرء المال بطريق غير مشروع و أصبحت الأمانة غفلة و الاستقامة سذاجة و الرجولة تهورا و أصبحت المحسوبية و الأثرة حقيقة واقعة... و في نطاق هذه الصور المتعددة من ألوان الفساد التي بدأت تفر نفسها بما هيأه لها الحكام السابقون من مناخ مفسد خبيث بدأت أخلاق هذا الشعب الأصلية و قيمه الرفيعة تضعف و تضمحل أو تتقلص في نفوس الكثير من أبنائه، و اقتنع الكثيرون بضرورة مسايرة الفساد و الإخلاد إلى الراحة عندما يئسوا من كل أمل في الصلاح، و أصبح علاج الداء مستحيلا على المستوى الفردي المحدود أو الجهود الضعيفة المحدودة. و كان لابد من اللجوء إلى آخر الدواء لأنه أنجع الدواء... كان لابد من الكي. و هكذا جاءت انتفاضة الجيش ليحسم الداء من جذوره و ليضرب رأس الحية في حزم و دقة بارعين و تنفس الناس الصعداء بعد أن انزاح ذلك الكابوس الثقيل الذي عمل طويلا لحساب أعداء الأمة، و ضد أهدافها و آمالها. و إذا كان اللجوء إلى هذا الأسلوب في الصلاح ضرورة حقيقية في حالة ليبيا فانه لابد من التأكيد على حقيقة مهمة هي أن لجوء الإنسان إلى آخر الدواء يغني استنفاذ كل الوسائل الطبيعية و أن استعمال هذا اللون من العلاج هو إجراء استثنائي غير طبيعي و لذلك فان اللجوء إليه كان بسبب الضرورة القصوى و في آخر لحظة و هذا ما ينبغي ان يقال في عملية الإصلاح عن طريق الجيش. (1/46)
صفحة 47
إنها عملية ضرورية فرضتها الضرورة و يجب التسليم بها في حالتنا هذه في النطاق المحدود لآخر الدواء، إنها الجمرة التي تأتي لتحرق جذور الداء ثم تنتهي مهمتها عند ذلك الحد لتعود قضية العلاج لأصحابها المختصين و في نطاق الوسائل الطبيعية التي كان الداء يحد فاعليتها قبل استئصاله، و هذا معنى سبق رجال الثورة أنفسهم إلى تأكيده.
إن تجربة الإصلاح عن طريق الجيش قد سبقتنا إليها بلاد كثيرة قريبة و بعيدة و لكنها جميعا بدون استثناء انتهت إلى داء جديد قاتل في بعض الأحوال و إلى سرطان. لقد حقق الجيش الخطوة الأولى و المهمة من العمليات المتتابعة التي استهلكت طاقات الجيش و أنهكت جسم الأمة و لم يبلغ من أمل الشعب شيئا، و نحن لا نحب لثورتنا أن تعيد نفس الشيء و نحب أن تستفيد من سابقاتها في المنطقة و العاقل من وعظ بغيره.
لقد كانت حركة أول سبتمبر ضرورة بلا شك و لكن يجب أن تكون العملية الأولى والأخيرة و ألا تكون منطلقا لعمليات متتابعة لا تنتهي إلا إلى إنهاك الجيش و تدمير الشعب، و لا يمكن تحقيق هذه الغاية إلا بمراعاة الجوانب التالية:
أولا: في نطاق الجيش، يقوم بالدفاع عن امن البلاد الخارجي و الداخلي و مساعدة الشعب في فترة انتقالية محدودة على اختيار منهج لحياته السياسية و الاجتماعية المستقلة في جو من الحرية التامة في الاختيار. (1/47)
صفحة 48
ثانيا: في نطاق الشعب، يقوم الشعب في جميع البلاد الليبية و بمختلف فئاته باختيار أسلوب حياته السياسي و الاجتماعي في الفترة القادمة... لقد حقق الجيش الخطوة الأولى و المهمة فخلص الشعب من كابوس الاستبداد، و بقي الجانب الثاني الذي لا يحققه إلا الشعب بجميع فئاته و بمساعدة الجيش في المرحلة الانتقالية، و هو قيام الشعب باختيار طريقه الجديد الذي يضمن له حياة حرة كريمة عزيزة تضعه في مكانه اللائق به في الوجود الدولي.. وإذا استطاع رجال الثورة تحقيق هاذين الهدفين و تأمينهما في نطاق الجيش و الشعب فإنهم يحققون بذلك منقبة من أكرم المناقب و أنبلها في التاريخ. سوف يضربون مثلا من أروع أمثلة التضحية و الإخلاص يكون مفخرة خالدة لهم و لأمتهم التي أنجبتهم. و نحن نرى أن تحقيق هذه الجوانب الأساسية التي تضمن نجاح أهداف الثورة و الاستقرار السياسي للأمة لابد أن يسلك في تقديرنا البل التالية: (1/48)
صفحة 49
أولا: في نطاق الجيش، تحقيق وحدة الجيش و إعادة الثقة بين أفراده فقد كان من نتائج الوضع البائد أن تكونت داخل الجيش وحدات و تنظيمات متعددة كانت تعمل لتغيير الوضع السابق. و نحن نعتقد أن أحسن صور التغيير التي يمكن أن نتفق عليها جميعا هي تلك التي تهدف إلى انتزاع سلطة الحكم من الجهاز المستبد و تسليمه إلى الشعب ليقرر هو مصيره باختياره الحر، و لذلك فان شرف تحقيق هذا الهدف من قبل تنظيم معين لا يبرر لأصحابه اعتبار التشكيلات الأخرى تشكيلات معادية... و لا يبق هناك أي مبرر للتوجس السابق من تلك التنظيمات، و لا ينبغي أن ينشأ أي نوع من التمييز بين عناصر الجيش بسبب ارتباطها السابق بالتشكيلات المختلفة التي كانت تعمل على تغيير الوضع السابق فهدفها يعتبر منتهيا و بذلك يكون لا مبرر لاستمرار هذه التشكيلات أو التمسك بها. و ينبغي أن يكون الأصل الذي ينظر به إلى رجال الجيش على اختلاف تشكيلاتهم هو سعيهم المخلص لتحرير الشعب، و مخاطرتهم بتكوين تلك التنظيمات لتحقيق ذلك الهدف و على ذلك فان هذه العناصر إذا ارتضت التغيير القائم الآن و قبلت التعاون مع الجيش في مكانها المناسب يجب أن ييسر لها ذلك و ان تتاح لها الفرص للقيام بواجبها المقدس مع مراعاة فئتين اثنتين من هذه العناصر:
الفئة الأولى: هي العناصر التي كنت تعمل في نطاق تصورات و مبادئ سياسية معينة و هذه يجب تخييرها بين أمرين.. إما الاستمرار في العمل بالجيش و ترك العمل السياسي العقائدي... أو الاستقالة من الجيش للتفرغ للعمل السياسي في نطاق الأفكار و المبادئ التي يؤمن بها و يعتنقها. إذ أن من الحقائق التي لا منكرة فيها أن السماح بالنشاط السياسي في نطاق الجيش يؤدي حتما إلى تفتيت وحدته و إلى إيجاد صراع عنيف ينحرف بالجيش عن هدفه الرئيسي في المحافظة على امن الشعب و الدفاع عنه. (1/49)
صفحة 50
الفئة الثانية: فهي العناصر التي كانت تعمل على تغيير الوضع السابق لحسابها الخاص و التي بنت ارتباطها بقوى خارجية أو أنها تعمل بإيحاء من دول أجنبية فانه من حين التحقق من وجود أفراد يعملون في نطاق الجيش على هذا المستوى و بهذه الصورة، و إذا ثبت ذلك بأدلة ملموسة و في نطاق القانون و بالعقوبة اللازمة.
و قبل الانتقال إلى الحديث عن السبيل الثاني لابد من الإشارة إلى حقيقة مهمة هي أن أي فكرة أو نظام يفرض فرضا على أي شعب من الشعوب دون اقتناع غالبيته به لن يكون ذا نفع أو تأثير، و أن محاولة فرضه لا تؤدي إلا إلى تعميق الهوة بين الشعب و بين من يريد فرضه و أن الذي يعين على نجاح أي نظام و تثبيته و يحقق الخير المرجو منه هو اقتناع الناس به و اعتناقهم له عن حماس و طواعية، و صاحب أي فكرة يدرك أن اسلم طريق لتطبيق فكرته و مبدئه هو اقتناع الناس به أولا. و انطلاقا من هذه الحقيقة فان من الأمور الرئيسية التي يجب أن ننتبه لها ثورتنا هو عدم فرض أي لون من ألوان التصوير على أفراد الشعب و أن تحرص على حصر عملها في نطاق محدود لا يتجاوز الإشراف على ير الفترة الانتقالية التي يمكن فيها الشعب من اختيار طريقه الجديد الذي تجمع عليه فئاته، و أن تكون إجراءات النظام القائم ممثلا في مجلس الثورة و في مجلس وزرائه محدودة في تسيير مرافق الأمة العامة و تخطيط و تنفيذ السياسة الداخلية و الخارجية في النطاق الذي يحقق المطالب العامة لجميع أفراد الشعب و ألا يتجاوز ذلك إلى إجراءات مصيرية في المجال الدستوري أو العقائدي مما يمكن أن يؤثر على مستقبل الحياة السياسية و العقائدية للشعب. فذلك مما يجب أن يقرره الشعب وحده و في نطاق الحرية التامة لكل فئاته في الاختيار.
ثانيا: فيما يتعلق بالتنظيمات السياسية المدنية توجد في ليبيا الاتجاهات التالية:
1- القوميون العرب
2- البعثيون
3- الناصريون
4- الشيوعيون
5- الإسلاميون (1/50)
صفحة 51
و بسبب طبيعة هذه التجمعات العقائدية فغالب الظن أنها لن تتخلى عن اتجاهاتها القائمة بل فستستمر في ارتباطها بهذه الاتجاهات و الدعوة إليها، و نحن نعتقد أن لها جميعا حقا كاملا في اعتناق أفكارها و عرضها في نطاق الأخلاق العامة للشعب على أن يكون أسلوب المعارضة و التنافس بعيدا عن التراشق بالتهم و الكذب و الإرجاف التي يجب أن تعتبر من أقبح الجرائم الاجتماعية و أن يعاقب عليه أصحابه بشدة. و يجب أن تتاح الفرصة الكاملة لهذه التجمعات للتعبير عن أفكارها و عرضها بكل الصور المشروعة التي تختارها كما يجب الاستفادة من خبرات هذه الفئات جميعا على النطاق الفردي في الجهاز الإداري للدولة مع تجنب تمكين أي فئة منها من كل المراكز الحيوية التي تجعلها تستغل مرافق الدولة في سبيل أهدافها الخاصة. (1/51)
صفحة 52
إضافة إلى تنظيمات الجيش و إلى التنظيمات و الاتجاهات السياسية المدنية التي ذكرناها هناك القعدة العريضة لفئات الشعب الأخرى مدنيين و عسكريين الذين يجب أن توفر لهم الفرصة الكاملة لاختيار المنهج الذي يفضلونه في اقرب فرصة و يجب أن يتم هذا عن طريق التمثيل الصحيح الحر بواسطة الانتخابات النزيهة فالشعب وهده هو صاحب الحق في اختيار و وضع التشريع لكل جديد يستوجبه الصالح العام. و يجب حث الشعب على اتخاذ دوره الايجابي في تخطي الفترة الانتقالية في اقصر فترة ممكنة حتى تنتهي هذه الفترة بانتخاب جمعية تأسيسية لتقر الدستور الدائم للدولة الذي ينبثق عنه جهاز الحكم الثابت، و هنا لابد من الإشارة إلى نقطة هامة تتعلق بتحقيق حرية الاختيار للشعب و هي ما حدث من اعتماد رجال الثورة لشعارات بعضها هي الحرية و الوحدة و الاشتراكية. و بالرغم من أن رجال الثورة حاولوا إعطاء تفسيراتهم الخاصة لهذه الشعارات، و بالرغم من إيماننا أن هذه الشعارات قد لحقها النزيف الشديد ممن حملها في الماضي بصورة مجحفة جعلتها كلمات جوفاء لا تحمل معانيها فهناك من حمل شعار الحرية و هو اشد الناس خنقا لها، و حمل شعار الوحدة و هو أعتى الناس في تفريق كيان الشعب الواحد فضلا عن وحدة الأمة كلها،و حمل شعار الاشتراكية فأصبحت الأمة مطية لنفوذ الأجنبي... و كان من الزم الواجبات إعطاء الصورة الحقيقية لهذه الشعارات... (هنا بعض الجمل غير واضحة في النسخة المصورة عن الأصل المنشور في الجريدة)
الثورة و الإسلام: (1/52)
صفحة 53
و القضية الأخرى التي يجب الإشارة إليها في هذه المقالة هي موضع الإسلام من الثورة الجديدة، و الإسلام هو دين الشعب الذي يدين به جميع أفراده... مع وجود أقليات يهودية و مسيحية جاءت و استقرت و إن كانت ليست من اصل ليبي و قد احتضنها تسامح هذا الدين و كرم هذا الشعب و سمح لهم بالاستقرار في أرضه فكان أن اكتسبوا الجنسية الليبية من بعد. و رغم أن الإسلام يحرم شرعا على غير المسلمين بناء أماكن العبادة في الأرض الإسلامية إلا أن فرصة كاملة أعطيت لهم، و قامت عدة كنائس بعد الاستقلال و أخواتها التي ارتفعت أيام الاحتلال و لم تهدم واحدة منها أو تحول إلى غير ما وجدت له بالرغم من إنها تعطي أليمة لنفوس الناس بقيامها، فكاتدرائية بنغازي التي تملأ بر القادم على العاصمة الليبية من كل الجهات بناها الذين شنقوا عمر المختار و مثلوا بآلاف من النساء و الأطفال، و قتلوا الآلاف من صناديد المجاهدين. و لكنها مع ذلك ما تزال تتمتع بموضعها الشامخ الذي يذكر السياح من المسيحيين بأمجادهم، و يذكرنا نحن بأيام من الذلة و الهوان. و قل مثل ذلك عن كاتدرائية طرابلس، و بالرغم من أن بعض هذه الكنائس قد استغلت كمراكز للتجسس لحساب إسرائيل إلا أن الإسلام بروحه المتسامحة قد تتاح لهذه الفئات من أتباع الديانات الأخرى حرية الاستعلاء و التجسس و التدين – إن وجد – إلى أبعد حد. و هذه قضية أخرى لا داعي للإفاضة فيها و نحن نحتاج إلى وجود بعض هذه الكنائس لأنه ربما تكرم بزيارتنا بعض إخواننا العرب المسيحيين ممن يحرص على إقامة شعائره الدينية فيجد مكانا لائقا شامخا معدا لذلك الغرض... و نعود إلى الحديث عن الإسلام دين هذا الشعب الذي جاهد عنه و جاهد بكل أنواع الاستعباد منذ حملات فرسان القديس يوحنا إلى أن وضع على عرشها أميرا من أسرة حملت لواء الإصلاح الإسلامي في قسم كبير من البلاد. (1/53)
صفحة 54
و إذا قام ذلك الملك – الذي انتهى ملكه لان الملك لله وحده – بإعطاء فكرة مشوهة عن عدالة الإسلام و كماله و خان الأمانة و تنكر لها، فان من واجب أبناء هذا الشعب المسلم و في مقدمتهم رجال الثورة أن يردوا إلى دينهم نصاعته و جماله و حقيقته الأصيلة الكريمة التي حاول تزييفها رجال محسوبون عليه في العهد السابق. (1/54)
صفحة 55
و قد لمسنا من رجال الثورة حتى الآن في تصريحاتهم المختلفة تأكيدا على معنى ارتباطهم بالإسلام في سلوكهم الشخصي و في قراراتهم التي كان من بينها تحريم الخمر و الاتجار به و الحرص على تقديم التاريخ الهجري في دواوين الدولة و التركيز على اللغة العربية في الدراسة الابتدائية و تقويتها، و التأكيد على عدالة الثورة و إنسانيتها و بعدها عن روح الانتقام، و تفسير الاشتراكية بأنها اشتراكية إسلامية، و تأكيد رجال الثورة على ارتباطهم ب الأخلاق الإسلامية في سلوكهم مما أعان على نجاح حركتهم إلى غير ذلك من الملامح التي تشير إلى ارتباط الثورة بحقائق الإسلام و اعتزازها بها،و هذا أمر طبيعي، فان الحرية الحقيقية لهذا الشعب المسلم، و الشخصية الحقيقية لهذه الأمة المسلمة لا تتحقق بغير الارتباط بالإسلام الذي حاولت كل القوى الاستعمارية و العميلة طمسه بكل الصور الممكنة. و الواجب الأول لهذه الثورة الجديدة هو الانتصار للقيم الإسلامية و إحياء تعاليم الإسلام و شرائعه و شعائره في جميع جوانب الحياة، و أن أي سير على غير طريق الإسلام هو انحراف عن الخط السليم الذي يجب أن تعود إليه هذه الأمة و أن تلتزم بأحكامه و تعاليمه... و إذا طالبنا بحرية نشاط بقية المبادئ الأخرى المعادية للإسلام أو المنكرة له بالرغم من إيماننا بأنها جميعا ممن اخترعه و أوجده أعداء الإسلام ليشغلوا به أبناء السلام عن دينهم الحنيف و ليضلوهم عن طريق الإسلام، أقول هذا طالبا بإعطاء حرية النشاط لهؤلاء جميعا فلأن ذلك حق يعطيه لهم الإسلام ما ارتبطوا بالأخلاق العامة للمجتمع و ما لم يمدوا أيديهم لأعداء الشعب في الخارج. (1/55)
صفحة 56
الإسلام في تاريخه الطويل بعكس كل الأديان و الأفكار و المبادئ الأخرى، قد مكن للأفكار المعادية و المعارضة أن تعيش في حمايته، و في كثير من ادوار تاريخه و في كثير من بلاده كان ضحية لهذا التسامح الذي جرأ أعداءه عليه، و ذلك أن الإسلام هو دين الله الذي لا يفوته حساب هؤلاء جميعا في اليوم الآخر و إن أفلتوا الحساب في الدنيا و استكبروا عن الحق و اعرضوا عنه، و في هذا الجانب لابد من مراعاة الحقائق التالية:
أولا: إن الأفكار ذات الأصول الأجنبية غريبة عن الإسلام و امة الإسلام و أنها تعود جميعا إلى أصول يهودية، و أنها وضعت أصلا للقضاء على الأديان، و تفتيت الإمبراطوريات الكبيرة التي كانت تستند في بنائها إلى العقيدة الدينية و قد استجلبت هذه الدعوات إلى العالم العربي و البلاد الإسلامية للقضاء على الدين الإسلامي و إضعاف الدولة الإسلامية. جاء دور القومية لتفتيت الجامعة الإسلامية، و الفكرة العلمانية لحصر الإسلام في نطاق العبادات و إقصائه عن ميدان التشريع، حتى يفتح المجال للمنهج الاستعماري ليحكم حياة الناس و تصوراتهم و يقربهم في مفاهيمهم عن الحياة و نظمها للمفاهيم التي يعيش بها المستعمر في الحدود التي يختارها هو حتى لا يصعب عليه استغلال هذه البلاد عند انتهاء فترة الاحتلال العسكري الكامل و الدخول في مرحلة الاستعمار الاقتصادي. و جاءت الفكرة الشيوعية للقضاء على البقية الباقية من العقيدة الإسلامية و صاحب كل ذلك العمل المتصل في المنطقة لإقامة دولة إسرائيل التي يعلم أصحابها أنهم لا يمكنهم الاستقرار في ارض فلسطين إلا على أنقاض العقيدة الإسلامية و الدين الإسلامي. (1/56)
صفحة 57
ثانيا: أن هذه الأفكار و المبادئ – التي أشرنا إليها – تقوم أساسا على العداوة الشديدة للإسلام، و أنها كانت في كل مراحلها و في كل البلاد التي وجدت فيها و بلغت مراكز القوة و الحكم فيها شديدة العداوة للعقيدة الإسلامية و حاربتها بكل ألوان الحرب و سلطت على عناصرها كل ألوان الاضطهاد، وان إتاحة الفرصة لها و التمكين لأصحابها يعني إقصاء الإسلام و فسح المجال أمام استبداد مدمر من لون جديد.
ثالثا: الإسلام هو تعاليم الكتاب و السنة كما فسرها و بينها علماء الإسلام من السلف الصالح، و أن المرجع في فهم الإسلام و تفسيره و عرضه هم علماء الإسلام المخلصون الملتزمون بسمته و تعاليمه و أخلاقه من الورع و الفقه و الصلاح و التقوى و لا مجال في ذلك لأصحاب الأغراض و الأهواء و المضللين و المنافقين.
رابعا: الدعوة للإسلام حق كل مسلم لا تحتكره فئة معينة و لا جماعة معينة، و واجب الدعوة إليه و حمايته و الجهاد في سبيل إحيائه و تحكيمه يقع على كل مسلم يؤمن بالله و رسوله.. و نحن في نطاق هذه المفاهيم نعتقد أن بإمكان الثورة الليبية و أنا لا أحب أن اسميها ثورة أول سبتمبر لان في ذلك إيحاء بإمكان مجيء ثورات جديدة. أقول بإمكان الثورة الليبية أن تحقق دورا تاريخيا رائدا في المنطقة لم تسبق إليه من قبل و أنها بذلك تستطيع أن تحقق الاستقرار و الكرامة لجموع هذا الشعب التي رحبت بها جميعا و احتضنتها بإعزاز كامل.*
صحيفة الثورة 32 شعبان 1389هـ الموافق لـ 4 نوفمبر 1969م
النسخة المصورة عن الأصل لم تك واضحة في بعض الأسطر و العبارات، و عالجنا ذلك بحذف ما غمض او وضعه في السياق العام لما قبله و بعده من عبارات. عدد الصحيفة موجود بمكتبة الكونجرس الأمريكي.
العش و الزهور و الفصائل
لو تقرئين رسائلي قد كنت أبعث بالرسائل
أو تلمحين خواطري لأضأت منهن المشاعل
لهفي على ضبي شرود فاتر الأوصال ذابل
لهفي على الوجه البوح على الغدائر و الجدائل (1/57)
صفحة 58
لهفي على الخصر المهفهف في المجاسد و الغلائل
و على الحديث الحلو في خلواتنا عند الأصائل
لهفي على العش الصغير نصونه من كل غائل
عصفت به كلماتهم و عدت على العش الفصائل
خنقوا الزهور و دمروا تلك الجداول و المشاتل
كانوا حمات ربوعنا فعدوا على تلك المعاقل
هجموا على العش المحصن بالمناجل و المعاول
عادت حصون حماك مرتع كل هازلة و هازل
جاست بها الذؤبان في وضح النهار و لا منازل
انعى اليك رفيقتي احلامنا بين الخمائل
فلقد افقت على صليل القيد يقتات المفاصل
و على السياط تذيب كل مجاهد حلو الشمائل
وعلى وجوه احبتي ما بين مكتئب و ذاهل
فدعي مناك و شمري قد حال دون مناك حائل
و لتهجري بحر الدموع فما وراء الدمع طائل
أبدع الشاعر هذه القصيدة في عنبر رقم 4 السجن المركزي، طرابلس، أغسطس 1973
كلمات إلى زينب
منعت جفونك من رقاد زينب و شجت فؤادك فهو صب متعب
و اعتاد سجنك طيفها يزداره فتراه في ردهات سجنك يلعب
أبنيتي لا تيأسي من عودتي فأبوك في سعي يجيء و يذهب
سأعود يوما و الرجاء يحثني و لسوف تؤنسني حنان و زينب
و الم قلب رفيقة محزونة قد هدها زمن شديد متعب
حرمت أنيس القلب بعد و وصالها لنائب الحدثان أم أو أب
لا تجزعي ان مس والدك الضنى سبق القضاء به فضاق المهرب
أيهز قلب الصقر في أجوائه بوم يصوت أو غراب ينعب !
إني لثمت تراب ارض حرة إن ديس بالقدم اللئيمة يغضب
أتعز تربتها و يقهر أهلها هيهات يأبى أن يطال الكوكب
لهفي على الرايات يخرقها القنا يفدي مواكبها بخيع يشخب
يشفى غليل الحر حين دورها نفس يجود بها و جرح يتعب
لا يصنع الأمجاد غير ملابس للهول يصدع للأمور و يرأب
او صابر للهول حين حلوله حتى تزول خطوبه و يغيب
و الحر تفجأه الحوادث إن أتت فيخوض لجتها و لا يتهيب
و يصد شرتها بأنف مشامخ يسمو بصاحبه و لا يتترب
يأبى الرغام و إن أريد لطخه شنعاء هب لها فؤاد اغلب
أنى ربيب مكارم أورثتني شمما يتيه على العدا لا يغلب (1/58)
صفحة 59
أنا لم أكن يوما صنيعة سيد يرمي إلي بكسرة فأرحب
يكفي أباك لكي يعيش مكرما عجفاء ثاغية و تيس أجرب
و نعيش في قنن الجبال تظلنا و يحيطنا بالحفظ قفر سبسب
فإذا عتى (القبلي) بقيظ لافع و غلت مراجله و صر الجندب
فنسائم (البحري) تجيء عليلة و مناك في القيظ النسيم الطيب
جيراننا وحش الفلاة فلا يرى فيها سوى سبع يسيح و ثعلب
و هناك لا نخشى سوى ذئب الغضا يعدو على تلك الشياه فينهب
والوحش وحش لا يلام لبطشه هو في طبيعته يغير و يغضب
فلقد نعيش هناك عيشة هانئ و لقد يسالمنا الشجاع المرعب
و إذا بلوت الآدمي وجدته أشرى وأشرس إذ يصول و يغلب
هو يا بنيتي في حقيقة أمره ناب يكشر كي يعض و مخلب
ألقي أباك و لا جريرة عنده في قعر مظلمة يهان و يضرب
يا وحشة المسجون في جدرانها يفنى دقائق يومه يترقب
لا تعجبوا من وحشة تعتاده فالأنس بالقضبان أمر يصعب
مرت ثمانية و جاءت عشرة و أبوك في ظلماته يتقلب
وطنت كل الصبر في مكث بها أما إذا ذكر الخروج فاشغب
و بها ذكرت (القبر) و هو يلفني و أنا به تحت الصفيح أغيب
فانا هناك رهين ما قدمته و أنا هنا ازن الأمور و احسب
و بها تشف الروح في و مضاتها تجلو بنفحتها النفوس فتطرب
هي عبرة النفس الجموح تروصها و بها ترق منى الشجي و تعذب
و بها ترق العين بعد جمودها تسخو بدمعتها و لا تتهيب
و لكم دعوت الله دعوة صادق و جأرت اسأل رحمة لا تحجب
يا رب قد ضاق السجين بسجنه و رحاب فضلك يا مهيمن أرحب
أنى دعوتك خاشعا متضرعا و محاجري بسخين دمعك تسكب
فامنن و مكني قياد جوارحي حتى أسوم بها رضاك و ارغب
أنت المؤمل يا كريم فكن لنا يا من إليك صمودنا و المهرب
أبواب جودك لم تزل مطروقة و قلوبنا في لهفة تترقب
وا خجلتا أدعو و قلبي غافل و النفس من جزع تجيء و تذهب
عودتها رغد الحياة و لينها فالآن حين دعوتها تتهيب
و لقد حططت القيد عن أهوائها فقيود ذلتها أشد و أصعب
يا نفس حسبك ما لهوت و شمري عن ساعد يسعى عليك فيكسب (1/59)
صفحة 60
ما أنت و الأهواء و هي مذمة تذر الحليم مضيع يتذبذب
يا رب أنى قد أتيت مؤملا من فيض فضلك موردا لا ينضب
و لقد مددت إليك كفا ألحفت بسؤال فضلك خفية تترقب
لو قدمت حسن الأفعال لأملت حسن الجزاء لها و تم المطلب
لكنها غفلت فجاءت تبتغي منك الرضا و جميل عفوك اقرب
و السجن عند رضاك أهون محنة و يهون أن نلقى به و نغيب
_ زينب هي احد بنات الشاعر.
* هذه الأرقام ليست شهود و لا سنوات و لكنها تعبيرا عن الضيق بالسجن.
عنبر رقم 4 السجن المركزي، طرابلس، 17 أغسطس 1973.
فصول من الجد الهازل
توابع الزوابع
(صورة خيالية)
قال ابن شهيد: و قد رأيت في قطعة و جدتها في مخلفات احد الشعراء المفلقين من أهل عصرنا كتب على ظاهرها: هذا من علم المستقبل، و ختم عليه بخطه هكذا: لو حدثت الناس بهذا لرموني بالجنون، و لو علم الناس ما علمته من ذلك و اعتبروه لاحتاطوا لحالهم...
قال ابن شهيد: فأخذني – والله – العجب من ذلك، و عالجت الختم ففكته... و قرأت الكتاب فإذا فيه عجبا. و قد كتمت روايته في مجالسي التي أمليت فيها (رسالة الزوابع و التوابع) و إنما كانت غايتي أن أتحف الناس بطرائف الأدب و نوادر الشعر. و لما كان ما وجدته ادخل في علم الغيب و التنجيم.. فقد رأيت أن الإفصاح بما فيه رجم من الرجم، و ربما ادخل الخلط على الناس بما فيه. و هذا وديعة الزمن ربما جاء وقته من بعد... فحسن حفظه و كتمانه الآن. و أستحلف امرأ وقع إليه هذا الكتاب بكل ما يعرف من إيمان ألا يسخر منه و مما فيه. فقد عرفت على صاحبه كل سيمات الصلاح و الورع، و هو ربما ساح السياحات الطويلة يختلي فيها بنفسه، و يخلص فيها المناجاة لله. و قد اجلس إليه الساعات الطويلة فما اظفر منه بطائل. و ربما انطلق فهو كالبحر الزاخر يضطرب عبابه. فالقط من فيه الدر من كل لون و صنف. فرحمة الله على أبي سعيد الأندلسي لقد كان شيخا كريما جوادا قانتا صالحا. (1/60)
صفحة 61
قلت و قد كان من حسن الحظ أن عثرت على ورقات قديمة مخطوطة تحتوي على قطعة من ذلك الكتاب الذي اخبر عن ابن الشهيد، فعجبت مما ورد فيه اشد العجب، و رأيت أن أتحف به قراء (العلم) لما فيه من فائدة. و إليكم نص الكتاب:
بسم الله الرحمن الرحيم. قال أبو سعيد الاندلسي كان الله له، بعد التوكل على الله، و اللجوء إليه في الحول و الطول، و صلى الله على أفصح خلقه، محمد النبي العربي الأمين، رسول رب العالمين إلى الجن و الإنس أجمعين. أما بعد،
لقد جمعتني سياحة من سياحاتي بشيخ صالح من شيوخ الجن، كان يألفني و آلفه، و نتعاون على شؤون الخلوة و السياحة. و كان ورعا تقيا ممن أسلم و حسن إسلامه. و قد حدثني انه كان صاحبا للبيد بن ربيعة، و انه قد ألهمه بعض شعره، و قد رويت عن معلقته، و قرأتها عليه. و هو حافظ للقرآن قد هجر الشعر فما يتيسر له منه إلا حكمة أو دعاء.
قال أبو سعيد: و قد شاقني مرة أن اعرف من أحوال إخواننا الجن، و هم ممن ستر الله أمرهم علينا فما ينكشف لنا من حالهم إلا قليل. فناجتني نفسي أن اسأل صديقي الشيخ الصالح لعله يتحفني بأثارة من علم ذلك، أو طرف منه.
و سألت الشيخ فوجدته بر ما بذلك، و لولا الود الذي احكمنا عراه لاعتراه من أجل ذلك تغير في شأنه معي. و لكن تبسط و تهلل و قال:
و ماذا تريد إلى ذلك يا أبا سعيد؟ و لك في خاصة نفسك و إصلاح شأنك ما يشغلك بقية عمرك، و ما بقي منه غير ظمأ حمار. و إنما حقيقة الدنيا كلها فيما تقدمه بين يديك من عمل صالح، و لو حزت علم الإنس و الجن، و الماضي و الحاضر و الآتي، فنلت الغاية في كل ذلك لما كان فيه غنى عن عمل صالح تقصد به وجه الله تعالى و تطلب به رضاه، بنية خالصة، و ورع و صدق، و إيمان و إحسان. (1/61)
صفحة 62
و لك يطوي الزمن من صحائف هذا الخلق من إنس و جن، فكأنهم ما ساروا على هذه الأرض و لا درجوا بها... و هذه ديارهم خاوية كأن لم تكن عامرة بهم يضربون فيها و يروحون و يغدون. و قد شهدت بين مولدي و يومي هذا شؤون الدهر و تصاريفه و أعاجيبه ما تشيب لو حدثتك ببعضه يا أبا سعيد.
قلت: يرحمك الله، و إنما قد قص الله من أخبار الأمم الخالية ما ساقه عبرة لمن بعدهم. و في قصص القرآن عبر لا تنفد، و زاد لا ينقطع. و لكنني أحببت حديثك لينشطني لما في القرآن، و أنا إمرؤ شاعر اطرب للطريف من القول و ارتاح له و تنفتح له نفسي...
قال الشيخ: و أنت تريد من ذلك حديث الشعر، ويحك، أما قرأت في كتاب ربك قوله الكريم "و الشعراء يتبعهم الغاوون"... ؟
قلت. بلى، إنني لعلى ذكر من ذلك، غنما أردت حديث الشعر لأحترز من الغي، و إنما يحذر المرء عيبه الذي يخشاه من نفسه، ثم له أن يستقصي ما بعد ذلك...
فضحك الشيخ حتى أحسست لفح أنفاسه تلسع وجهي. و أبرقت عيناه برقا لامعا خفيفا، و قال: يا أبا سعيد، إن |لغي في شعر اليوم لقليل، و إن الغي في شعر الأمس أقل من ذلك، و إنما قصارى أمرهم أن ينطق أحدهم كذب القول و زوره، أو يفحش على أحد ببذاء يقذع فيه، أو يتزيد في قوله بما تزينه له شياطيننا. و مع هذا فقد كانت الحكمة ترد على ألسنهم فتخلد مع الناس. فكيف بك لو رأيت "شعراء آخر الزمان" أو سمعت بعضا من قولهم؟
قلت: و هل لك علم من آخر الزمان؟ لقد أخبر نبي الله – صلى الله عليه و سلم – بعلامات الساعة، و بعض حال الناس في آخر الزمان، و لكنني لا أعرف حديثا صحيحا و لا موضوعا عرض فيه لذكر " شعراء آخر الزمان "، فهل أنبأتني ببعض ذلك يرحمك الله؟ (1/62)
صفحة 63
قال صديقي الشيخ: إنما يكون ذلك بعد دهور كثيرة. و ذلك أن أسلافنا من شيوخ الجن قد أخبرونا أنه يكون منا شعراء من جيل آخر الزمان، يلقون وساوسهم إلى شعراء الإنس كما نعقل في كل زمان و قد جعلوا وقته علامة شر يعم الخلق و يستفحل فيهم، و يستضعف المسلمون و يكثر فيهم الزيغ و الإلحاد و النفاق، و تنتزع منهم قبلتهم الأولى، و يبتلون بكل بلية. و قد وصف أشياخنا ذلك الجيل منا أنهم من بين الأصفر و بني الأحمر، من أفخاذ "ماو" و "لينون". قال ابن الشهيد: هكذا وجدت هذه الأسماء، و لم أعلم ما هي. (انتهى من الهامش) رجع... و هم خلق يعم فيهم الكفر بالله و الإلحاد فيه سبحانه، و تجمعهم كراهية و حقد على الإسلام، و يبلغون من أسباب القوة مبلغا عظيما،و يحاولون غزو بلاد المسلمين و احتوائها فيعجزهم ذلك. و ذلك لأنه تكون قد غلبت على بلاد المسلمين أمم الكفر قبلهم فصارعوها و أخرجوها من غالب ديارهم، و حذروا من كل أسباب التسلط و الغلب الظاهر. و كذلك فإن وقتهم وقت هول و صراع متصل فيما بينهم على كفرهم. و هو يصلون من العلم بقوانين الأشياء إلى غاية تجعل أطراف الأرض في متناولهم، و يتكلم أحدهم في الصين فيسمعه و يرى الشخص الجالس في مجلسنا هذا يا أبا سعيد. وتكون لهم صنعة هائلة في السلاح يخشون يقتلوا بها، و إلا أهلكت كل شيء، و دمرت عليهم الأرض، و نسفت الجبال فجعلتها كالعهن، و أحالت البحار سعيرا متقدا و لهبا مضطرما...
فساقهم عقلهم إلى ابتداع أساليب و طرائق للغزو مما يتجنب معه سلاح الفتك و القتل و جعلوا الكلام و الرأي و الفكر مطية غرضهم، و الشعر أحد تلك المطايا. و لما كان هؤلاء أعجاما لا يفقهون كلام العرب و لا يقيمون لغتهم، فأنه يستعصى عليهم قول الشعر على النسق المعروف المألوف، و لن يستقيم لأحدهم شطر بيت و لو قضى بياض نهار من أجل سواده (1/63)
صفحة 64
و قد خبرت ذرية إبليس – عليه و عليهم أللّعنة – من سبل الكيد ما يقودهم إلى ابتداع لون جديد من "الشعر" يسهل القول فيه على كل غاد و رائح، فيقولونه و يوسوسون به إلى "شعراء آخر الزمان" من مسلمي الإنس...
و أنت تعرف أن من فضائل الشعر الذي عدها له شيخكم ابو بحر أن الرجل يقول الشعر البارد الثقيل الذي يكون سبة على قائله، فما يسكن حتى يفشيه و يذيعه فرحا به... و هكذا يذيع شعراء آخر الزمان منكم ما ما يحسبونه شعرا، و لو قرء ذلك على الناس اليوم لأصابهم منه دوار و غثيان. و لو سمعه شيخكم أبو بحر الجاحظ لطارت عيناه من وجهه..
قلت: يرحمك الله، لقد علمنا شيوخنا أن الشعراء أربعة، و قالوا عن الذي جاء في ذيل القائمة: و شاعر لا يستحي أن تصفعه.
و لقد هولت علي بخبر شعراء لآخر الزمان، فأين هم من ذلك التصنيف يا ترى؟
قال صديقي الجني: هم يأتون بعد ذلك بمراحل كثيرة، و أحسبني سمعت فيهم من بعض أشياخنا وصفا لهم في أرجوزة
طويلة أنسيتها الآن فما أذكر منها غير قوله:
وشاعر ترمي به و تصفعه و شاعر تلقي عليه بردعة
فشعرهم "مردغة" مستبشعة أوصاله مبتورة مقطعة
يؤذيك من القول حين تسمعه خلا من المعنى فليس يسعه
و ما ترى من ذلك غير أشنعه فيا لها من محنة مروعة
يلقى بها الشعر الأصيل مصرعه فليت شعري من له فيردعه.
و قد كنت أحفظ من أخبارهم شيئا كثيرا. و يذكرون أنه سيكون من أساطين ذلك الشعر فأي منكم يذكرون أسماءهم فمنهم بدر شاكر السياب و عبد الوهاب البياتي و صلاح عبد الصبور، و أسماء أخرى كثيرة. و قد صوروا لنا منهم صورا رأيت بعضا منها. و ممن رأيته شخصا قصيرا متطامنا يضع على عينه حلقتين من زجاج و يفرق شعره رأسه و يدير حول عنقه خيطا أسود، يربطه بطريقة غاية في الدقة و الإحكام و هو ما يسميه الناس في آخر الزمان "فرفلة"... (1/64)
صفحة 65
قلت لصديقي الشيخ: إن أمر هؤلاء لعجب، و أحسبك قد عرفت ما أختاره شيخ المعرة للشعراء الرجاز في رسالة الغفران. فهو على ما أذكر قد أعطاهم أكواخا في الأعراف. فليت شعري ماذا كان يصنع بهؤلاء لو سمع شعرهم و عرف نعتهم؟
قال الشيخ: ما أظنه يحفل بهم، أو يسحب حسابا. و لو فعل لجعلهم في الدرك الأسفل من النار. فذلك أشبه بحمرتهم. و لعلك تحب أن تسمع بعض شعرهم حتى يكون الأمر أقصح و أوضح...
و هنا انقطعت المخطوطة التي بيدي و قد فقدنا بضياعها فصلا غاية في الإمتاع، و لو بقي ربا عرفنا منه الشيء الكثير. فرحم الله أبا سعيد الأندلسي و صديقه الشيخ الجني. و قد رأيت أن أنشيء بعد هذا فصولا أصل بها ما انقطع من كلام تلك المخطوطة. فنحن على علم بكل ذلك الآن، أعني أننا في "آخر الزمان".
(صحيفة العلم – 11 مارس 1969)
فصول من الجد الهازل
نواقيس و صلبان... و أشياء أخرى !! (1/65)
صفحة 66
يعتقد النصارى ان المسيح قد صلب، و أنه فعل ذلك ليخلص الناس و يفديهم من خطيئة أبيهم. و لذلك فقد صار الصلب و الصليب و المصلوب ثالوثا كذلك الثالوث الآخر يقدسونه و يقدرونه. و دخلت هذه المعاني أدب النصارى و شعرهم، و ذلك غير منكر منهم و لا مستغرب فهم نصارى قبل كل شيء. و لكن المنكر و المستغرب أنه قد جاء الببغاوات من بعد، فقرأوا و تأثروا و ظنوا أن هذه الألفاظ من لوازم الشعر التي لا يكتمل شعرهم بدونها. و ظنوا أنه إن خلا من كلمات المسيح و الصليب و الكنيسة و الأجراس فقد (الكروية) التي تجعله شهيا مقبولا. و قد سبق إلى الكشف عن هذا المعنى و التنبيه عليه الأستاذ محمود شاكر في مقالاته تتبع فيها الغزو النصراني الجديد الذي يكبر ناره ذلك الشرلتان المتنطع لويس عوض و حواريه في صفحة الثقافة في جريدة الأهرام. و قد تبين أن عصابة الشرلتان أقوى و أمكر، فأغلقت (الرسالة) مجلة الأدب الأصيل و دخل محمود شاكر السجن و مكث فيه أكثر من سنتين بدون جرم و بدون محاكمة. و كان من فضل الأدب عليه أن محمد محجوب رئيس وزراء السودان كان ممن يتذوقون أدبه و يقدر عليه، فكان واسطة الخير عند من أمر بالإفراج عنه منذ شهر. لقد اختفت مجلة (الرسالة) و اختفى الزيات كذلك و لكن صفحة الثقافة ما تزال على حالها، و مدرسة الصلبان ماضية لا تمل و لا تكل و مع مدرسة الصلبان تقف الطليعة و الكاتب و الآداب البيروتية، و الأديب أيضا لتشكل مدرسة (الشباب المثقف) الذي يأخذ بأيدي شعراء الجديد و يبلصرهم الطريق و يحذرهم مزالق الخطأ. و من هذه المدرسة التقط الشعراء الجدد تلك التعابير و الألفاظ، و جاءت كلمات التضحية و الفداء و الخلاص و الصلب عند عدد غير قليل من شعراء الجديد. و يأبى شعراء الجديد في ليبيا أن يشذوا عن القاعدة. و بالرغم من أن ليبيا تبعد كثيرا عن لبنان. و كذلك فإنه ليس بيننا قبطي واحد بجنسية ليبية اللهم إلا ما قد يجد في المستقبل. (1/66)
صفحة 67
إلا أن شعراء الجديد عندنا قد حملوا هم أيضا هذه الكلمات ذات إيحاء شعري خاص يحرصون على إيراده في أشعارهم، و يلونون به صورهم و خيالاتهم. و جولة سريعة في شعر بعض هؤلاء تصور مكانة هذه الألفاظ في أشعارهم و امتزاجها بمشاعرهم. فالشاعر الراحل محمد الرقيعي يبعثر يومه المصلوب، و تصلبه امرأة همجية على فستان فأعجب به صالبا مصلوبا و هو يقول:
أبعثر يومي المصلوب من مقهى إلى مقهى
و مخدع امرأة همجية العينين تأكلني
ببطء الليل تأكلني
و تصلبني على فستان... الخ (قصيدة غربة)
و يزيد على ذلك بأن يصلب الضوء كذلك فيقول:
كالكوى مصلوبة الضوء على صمت الجدار (قناديل مطفأة)
و لم تنجو أشواقه من صليبه فذلك ما ذكره في قصيدته إلى فتات تونسية يقول فيها:
و أنا أصلب أشواقي على صدر طفولي في عيشة... (...و هكذا).
و قبل أن نتركه إلى غيره لابد من الإشارة إلى بعض الصور الأخرى التي تندرج تحت هذا الباب مما يصور التأثر باللفظ الغريب و إيحاءاته رغم منافاته لتصوراتنا و نظرتنا، أعني تصور الناس في ليبيا بما في ذلك الشغيلين...
فهو يورد في رثائه للمرحوم أحمد الشارف قوله:
لا لم تمت أنت (ناقوس) يعذبنا
و هتفة و نداء حارق و فم...
فهو يتخذ الناقوس و دقاته كمنبه و موقظ و معذب أيضا. و هو عندما يتحدث عن محارته الخضراء يناجيها بقوله:
عيناك يا محارتي الخضراء صدر
أم عيناك لي (إله)...
أما في حديثه عن يقظة الكونغولي الذي يغني لباتريس لومومبا فإنه يقول على لسانه:
صبرتني مرة بعد هوان العبد ربا... (هكذا دفعة واحدة)
و إذا الشمس على صدري تصلي
و وا رحمة للشمس من شعرائنا الجدد. هذا يجعلها تصلي على الكونغولي، و الآخر يجعلها تغتسل في غرفته و الله وحده يعلم ما يدخرون لها بعد ذلك. (1/67)
صفحة 68
فهذه التصورات التي تجعل العبد يصبح ربا بفضل باتريس لومومبا، و تجعل عيني حبيبته إلها يتجه إليه بالعبودية، و تجعل الشمس تصلي على صدر الكونغولي... هذه كلها أشياء جاءت من هنالك.
و لم يفت الشاعر خالد زغبية نصيبه من ذلك فهو يقول في حديثه عن (سيزيف):
كان الكونغو ينوح، يهطل بالحزن كالديمة...
أواه قد صلب المسيح
و هو يحدثنا كذلك عن (مسيحه) الذي صلب على قضبان السجن رغم شوقه للدنيا:
عبر الآهات المكتومة
باب (مسيحي) يبث شجونه...
للدنيا تشتاق عيونه
في زنزانة كالقبر المظلم
و القضبان رباه أمست صلبان
و هو يختم قصيدته تلك بالتأكيد على الفجر المقبل على كونغوه، لأنها مليئة بطلاب الصلب:
في (كونغويا) ألف مسيح...
ألف سيزيف كونغولي
و قد يقول بعض الناس: إن الحديث عن الكونغو لا بد أن يسلك ذلك المسلك. فهم بين وثني و مسيحي و ماركسي. و لا ينتظر من الشاعر الذي اختار أن يعبر عن معاني كونغولية أن يعبر عنها خارج نطاق التصورات الوثنية أو المسيحية أو الماركسية. و قد يكون الأمر كذلك حقا. و ذلك معناه أن شعراءنا بعدوا بعدا شديدا عن تصورات أمتهم و تفكيرها. فهي ليست على ما نعلم من أهل تلك التصورات السابقة. و كان أجدر بها أن تواسي أحزان الكونغو بشخصيتها الحقيقية حيث يبصر الكونغوليون كثرة المعزين و تعدد ألوانهم. فذلك أجدى لهم من تكرير النسخ الكنغولية أو الماركسية أو الصليبية.
ثم و هم بلغوا أن صلبوا الحب كذلك. فخالد زغبية في كلماته إلى الرقيعي يناجيه هكذا:
يا رفيقي
كنت ملء القلب تشدو في ودار
حبك المصلوب في ليل السهار...
أما تلميذ المدرسة العرية الجديدة (النجيب جدا) – أعني لطفي عبد اللطيف – فإنه لم يفته أن يركض جحش شعره في هذا المضمار (كان العرب يسمون الرجز حمار الشعر فرأينا أن أنسب شيء بهذا الشعر أن يسمى جحشا، فهو حمار لم يكتمل و إن رأى الأستاذ محمود الناكوع أن يقدم الإقتراح إلى مجامع اللغة فليفعل...) (1/68)
صفحة 69
قلت هو قد جرى في هذا المضمار كذلك و هو يصف الغدير الذي يرمي فيه الحجارة صحبة رفيقة صباه فيخرج علينا بهذه الصورة:
و حلق الماء كموجة صغيرة مغلوبة
كدمعة حزينة مصلوبة...
و هو قد ذهب إلى أبعد من ذلك، و ملك من الجرأة ما مكنه من أن يلب موطن الكنيسة نفسها. و استمع إليه يقول:
فبالآحاد و الجماعات شردنا
و من (جنات حرف الله أطردنا) (؟) و قددنا
كأن العام لا يخجل
و يلقي فوق مسجدنا قذارة دوبه المهمل (هذه المرة الوحيدة التي ورد فيها ذكر المسجد في الديوان)
و فوق كنيسة مصلوبة الموطن... يحط ربيعه الأجمل
فتأبى تلك أن ترحل
و كما صلب الدمع و موطن الكنيسة فقد لب اللون أيضا:
الأبرياء صوتهم عذاب و انحناء
و لونهم مصلوب
و هكذا... فهم يصلبون أشواقهم و حبهم و دموعهم و أيامهم و يصلبون الضوء كذلك، و ربما الماء و الهواء و الرياح و كل شيء. و ليتهم صلبوا الصليب فأراحونا منه. و هكذا قدر علينا أن نسمع من أبنائنا و أفلاذ أكبادنا. هذا الكلام الهجين الغريب.
و إذا تركنا حديث الصلبان فلا بد أن نواجه مشكلة أخرى هي تعدد الآلهة و تلونها عند شعرائنا الجدد. و قد أبصرنا طرفا منها في شعر محمد إبراهيم زكري، و أشرنا إلى هذا المعنى في مقال سابق. و هذا بحث طريف أرجو أن يتاح له الباحث الصابر المتأني الذي يتتبع هذه البدعة و يرجعها إلى أصولها. و لكن لا بأس من إشارة زيادة على تلك سبقت عن آلهة الشاعر علي الرقيعي و هي هناك عين حبيبته. فقد كتب لطفي عبد اللطيف قصيدة طويلة تحت هذا العنوان: (رسالة من حزين إلى آلهته). و قد تحدث عنها حديثا ضافيا جعل فيه لآلهة معهدا و صاغ لها ركعة أخيرة و قال لها:
إليك يا (معبودتي) رسالة القصيد
فمزقي حروفها لكي يقال قد أحسست بي
و لكن لا تلقي بها لأنها وريد
لأنها أعماق
إلى آلهتي التي لا تعرف الأعماق
و من شاء حديث معبودته فليطلبه في الصفحات (19 إلى 102) من أكواخ الصفيح. (1/69)
صفحة 70
أما الشاعر علي صدفي عبد القادر المحامي فله حديث طويل طريف مع (ربة المحيط). و قصة هذا الحديث أنه... و لكن لنترك ذلك حتى فصل قادم، فنحن على شوق شديد إلى شعره وكل ما يتعلق به. و لن نؤثره بأقل ذيل فصل. فحتى عندئذ نترك الصلبان و النواقيس و الآلهة التي تعيش في أدمغة شعرائنا الجدد و نشهد أن لا إله إلا الله و ألا معبود سواه، و أن محمدا عبده و رسوله، و أن جميع ما جاء به حق من عند ربنا.
(صحيفة العلم – 19 مارس 1969)
يا بدر
يا بدر قد ناجتك أعينهم ترعى جلال الموكب الساري
يا بدر رفقا إن أنفسهم قد هدها طغيان إعصار
آنست خلف الصور وحشتهم لم يمح نورك سور جبار
و غدا تنير طريق موكبهم حر يواكب جمع أحرار
يا بدر أنت أنيس وحشتهم أجليت ظلمتها بأنوار
روحي تهيم إليك هانئة في غمرة من وحي أفكاري
و مشاعري تشدو مرددة نغمي و تصنع سحر أشعاري
أنا لا أضيق بسورهم أبدا فلقد هدمت جميع أسواري
* أغسطس 1973 السجن المركزي طرابلس.
-----------------------
نفحة من ذوب القلب
حدثوني عن الهوى حدثوني انني قد نسيت سحر العيون
بعد العهد بالهوى و تناءت داره عن فتى مضام سجين
زاده الذكريات في هدأة الليل و هل غيره لصب حزين
كلما شفه الضنا بات يشكو ما يعانيه من هواه المكين
أيها الليل قد منحتك سري أنت أهل لحفظ سر مصون
عت في سترك المهيب أناجي فيك سر الهوى العجيب الدفين
* * * *
شاركتني النجوم بعض حديثي فأنا ترجمان تلك الشجون
يا نجوم السماء جئتك أسعى فرحمي لهفتي ولا تنكريني
لا تغار فإن قلبي نجم فيه من نوره جلاء الظنون
فإذا أظلم الزمان تجلى أفق نفسي بغيض نور مبين
فأنا في رحابه مطمئن هانئ الروح في ملاذ حصين
أصدر النفس عن هواها و أعلوا نحو أفق الهدى الوضيئ الأمين
هينات هموم عمر قصير ينتهي أمره بنا للمنون
و هي محدودة المدى رحلة الموت و إن مد حبلها في السنين
ومضة أرقت لتنجو و يبقى الق النور ماثلا للعيون (1/70)
صفحة 71
فهنيئا لها و قد خالطتها ومضات من نور وحي مبين
ذلك سر الخلود قد عانقته و ارتقت سلما إلى التمكين
أفلتت ثقلة القيود و هبت للقاء الحبيب في كل حين
رحلة الشوق خضتها في هيام و دعاء من شدوها يحدوني
راحة الروح عنده و لديها من جمال السناء و ما يحييني
فأنا اليوم عنده أتغنى في ظلال من سحرها و عيون
نغم يطرد الهموم و يسري فيضه هادئا بدق اللحون
في رحاب الأشواق ألقيت رحلى فأراح الفؤاد ثقل الحنين
لم يعد للهيام و الضيق معنى فرياض الرضى هنا تحتويني
يا هموم الأحزان دونك غيري فسهام الردى تكسرت دوني
إنني في حما العقيدة و الدين وفي عهده القوي المتين
...
* 16/17/1973 السجن المركزي طرابلس.
الفتية
يا فتية نشر الزمان بهم في درب امتنا قناديلا
سيروا على سنن الهدى أبدا و تبتلوا للحق تبتيلا
و لتبعثوا صورا لها الق لم يخلوا منها دهرنا جيلا
زمر أضاء النور سيرتها لم ترضى تغييرا و تبديلا
لم ترهب الطغيان إن أثقلها ضربا و تشريدا و تقتيلا
في مهدها فطمت وغر بها زادت سنا فازدادوا تنكيلا
كم ليلة مزجوا مدامعهم بدمائهم حمدا و ترتيلا
* * * *
من منبع القرآن قد نهلوا و بحكمه و لأمره صدعوا
في فيضة للروح غايتها و بنوره في الخير ترتفع
الصدق و الإخلاص منهجهم و الزهد و الإخبات و الودع
من قبلهم شرع الهداة لهم سبل الهدى و لنعم ما شرعوا
... ... وجدوا الطريق ممهدا فمضوا في نهجه الميمون و أتبعوا
* * * *
يا فتية هم خير أمتنا و مناها لغد تؤمله
نشروا لواء الحق فوقهم كل أكب عليه يحمل
شقوا به الآفاق في ثقة ليرى الهدى من كان يجهله
فلترفعوا علم الهدى أبدا انتم كتيبته و موئله
إن الجهاد سنام دعوتنا لا شيء في الأعمال يفضله
تحت السيوف الحمر موكبنا حمل البنود و سار أوله
رسم الطريق إلى العلا سلف خبر الطريق و لا نبدله
* * * *
نور النبوة في ضمائرهم عرفوا حقيقته فما وهنوا
السجن أهون من تقبيل الأحذية (1/71)
صفحة 72
طغى بساحة عمري و استبد بها تتابع الهم في سر و في علن
و كنت أملت من دهري مسالمة فليلته إذا أراد الكيد أمهلني
قد جاء يزرع دربي بالهموم فلا أخطو على فير أشواق تمزقني
أخي مصيبتنا في (الشيخ) واحدة و حظنا واحد في ساحة المحن
سفحت دمعك لكن دمعتي حبست فغص قلبي بها و استبد بي حزني
لقد تمنيت أن الموت أمهله أو انه لرحاب الخلد شيعني
و كنت اهنأ لو آنست وحشته أو كنت واسيته في حالة الخشن
مصيرنا كلنا للقبر يجمعنا و كلنا تحتوينا لغة الكفن
أن نمنح السجن في أفكارنا ثمنا فما نرى لاكتساح الظلم من ثمن
و السجن أهون من تقبيل أحذية تردى الأنوف بريح منتن عفن
و السجن أطهر من أرض يدنسها نير الطغاة بأثقل من الدرن
* يقول الشاعر: (توفي عمي امحمد عمر العزابي، و بعد عيد الأضحى توفي عمي سعيد احمد النامي و لم أتمكن من حضور جنازتيهما بسبب الاعتقال، و لم تسمح إدارة المباحث بتسهيل الحضور رغم سماحها لغيري)
هنا يشير الشاعر إلى فترة اعتقاله بالسجن المركزي بطرابلس 73/74
خواطر في الزنزانة
خطوت هنا منذ عام مضى أمامي ظلام و خلفي ضباب
و صرت مفاتيح قفل رهيب ورائي و أطبق ليل العذاب
و بت رفيق الجدار الكئيب يحدثني عن شريط السراب
يحدث عن ذكريات توالت و ولت يكفنها الإكتئاب
مضغت أحاديث فكر رتيب و عشت الطفولة بعد الشباب
و حومت آفاق عيش رضي و طوفت أطراف كل الرحاب
تركت الجدار و ضيق الجدار إلى ذكريات الحياة العذاب
و دار الزمان بزنزانتي و درت بفكري على كل باب
و مرت شهور و جاءت شهور و أصبحت و العيش قفر يباب
و ما زلت أجتر نفسي فنونا و أدفن أحلامها في التراب
و ذبت و جفت بعيني الدموع و ذاب الحديد و ذاب الكتاب
و لف عمار الحياة الجميل (بزنزانة) القهر لون الخراب
... ... ...
السجن المركزي 28 شعبان 1394 هـ 15/09/1974
أماه لا تجزعي
أماه لا تجزعي فالحافظ الله و هو الكفيل بما في الغيب أماه
أماه لا تجزعي فالحافظ الله أنا سلكنا طريقا خبرناه (1/72)
صفحة 73
في موكب من دعاة الحق نتبعهم على طريق الهدى أنا وجدناه
على مناحيه يا أماه مرقدنا و من جماجمنا نرسى زواياه
و من دماء الشهيد الحر نسفحها على ضفافيه نسقي ما غرسناه
أماه لا تجزعي بل و أبسمي فرحا فحزن قلبك ضعف لست أرضاه
أرضعتني بلبان العز في صغري لا شيء من سطوة الطاغوت أخاه
أماه لا تشعريهم أنهم غلبوا أماه لا تسمعيهم منك أواه
أنا شمخنا على الطاغوت في شمم نحن الرجال و هم يا أم أشباه
نذيقهم من سياق الصبر محنتهم فلم يرو للذي يرجون معناه
أماه ذكراك في قلبي مسطرة و فيض عطفك أحيا في ثناياه
و مر طيفك يا أماه يؤنسني أنى و إن صفت القضبان ألقاه
عشت ركب الهدى و النور يعمره عشت حسنا عليه الوحي أضفاه
عشقت موكب رسل الله فانطلقت روحي تحوم في آفاق دنياه
لا راحة دون تحليق بمساحتهم و لا هناء لقلبي دون معناه
أماه ذلك دربي قد أموت به فلا يسوؤك كأس قد شربناه
لا تجزعي لفتى إن مات محتسبا فالموت في الله أسمى ما تمناه
أماه لا تجزعي فالحافظ الله و هو الوكيل لنا بالغيب أماه
--------------------------
لم يثنهم عن عزمهم وطر كلا ولا هدتهم المحن
غرباء للإسلام بيعتهم و رضى الإله لبيعهم ثمن
لم تخدع الأهواء موكبهم كلا ولا غرهم الزمن
خلعوا علوج الظلم في شمم حذر الوعيد لمن لهم ركنوا
الحق و الإيمان و جهتهم لم تثنهم ظلم و لا فتن
فبهم يضيء الكون في غده و بعزمهم سيحطم الوثن
الله – ليس سواه – غايتهم و روائع القرآن و السنن
و هدى النبي و نور سيرته فيما جلاه و سمته الحسن
...
عنبر رقم 4 السجن المركزي طرابلس 7 مايو 1974
هديتي إليك يا أماه
هديتي إليك يا أماه هذه القصيدة الصغيرة
غمستها في ادمعي الغزيرة
نزفتها من قلبي الصبور
قد صغتها في أحرف من نور
هديتي إليك بعد رحلة طويلة
مشاعر رقيقة نبيلة
* * * *
هديتي إليك يا أماه هذه القصيدة
لأنني أبيت ان رأى مشاعري و ئيدة
أردت أن أصوغها في أحرف من نور
لكنها مشاعر عنيدة (1/73)
صفحة 74
وجدتها تنفر أن تصاغ في قصيدة
لا تعجبي من هذه المشاعر الرقيقة
لأنها تريد أن تعيش حرة سعيدة
نجوم في آفاقها الطليقة
* * * *
أماه يا أنشودة في قلبي الصغير
أماه يا قصيدة تنساب في لساني
يا منبعا يفيض بالشوق و بالحنان
يا واحة تفوح بالطيب و بالعبير
يا ومضة النور الذي يشرف في الديجور
يا مرفأ الأشواق يا أنشودة الشحرور
في حبك القديس يا أماه في حنايا قلبك الكبير
في حضنك الدافئ و في حنايا حجرك الطهور
غرست ألف زهرة
قرأت ألف عبرة
و لم أزل بعد فتى صغير
* * * *
لا زلت يا أماه ذلك الفتى المدلل الصغير
أريد أن أشكو إليك سطوة الزمان
أريد أن أبثك الأحزان و الأشجان
أنا هنا تحجزني القضبان
تحجبني عن وجهك الأوار و الجدران
لكم أحب يا أماه أن أراك
لكم أحب أن تضمني يداك
أنا أذرف الدموع فوق حجرك الطهور
و أن أبث لوعتي لقلبك الكبير
* * * *
فإنني و إن أكن أبا يحنو على اطفاله الصغار
و إن أكن رحلت في الآفاق كلها و خضت في مجاهل البحار
و إن أكن قرأت آلافا من الأسفار
فلو أزل بعد فتى صغير
أحب أن تضمني يداك
أن أذرف الدموع فوق حجرك الطهور
و أن أبث لوعتي لقلبك الكبير
فلا أزال ذلك الفتى المدلل الصغير
* * * *
أماه
خواطر
دموعك و الشوق و الذكريات و محنة ليل شديد عصيب
و بحة صوت ذليل النداء تلاشت بأفق الضياء الرحيب
و خفقة قلب كسير مشوق عتا أمره عن دواء الطبيب
و آهة حب حكاها الصدى فوافقت صدى في خيال الحبيب
أعادت لقلبك ر الحياة و اجلت عن الأفق لون الشحوب
* * * *
دموعك و الشوق عند الغروب ولحن العذاب الرتيب الكثيب
و أنات شعب مهيض الجناح يداوي جراحاته ب النحيب
و صورة فجر كثيف الظلال بدا خلف أفق جريح خضيب
و وجه الطفولة في لهوها وسمت الشيوخ الحزين المهيب
أضاءت لقلبك آفاقه و شعت بأنولرها في الدروب
* * * *
عزفت بسجنك لحن الرضى و داومت شدوك كالعندليب
فما أسكت القيد فيك الغناء و لم تبك من هول ليل رهيب (1/74)
صفحة 75
سكنت و قد أثقلتك القيود و أخلدت للأنس بعد الهروب
و غنيت للسجن بعد النفار و أسمعته دو لحن عجيب
و صيرت زنزانة القهر ربعا يلفك في ثوب أنس قشيب
* * * *
سيزهر روض الحيات العشيب و تسعد بالزهر فوق الكثيب
و تسطع شمس الرضى في رياض أضر بها ليل كيد عصيب
و ينفرج السجن بعد انغلاق و ينزاح ظل الظلال المريب
هنالك خلف الجدار الكئيب تباشير فجر منير قريب
و أنفاس صبح و ضيء السمات و أنسام روح رخي الهبوب
عنبر رقم 1 السجن المركزي طرابلس 17/6/1974
دموع
بكيت لو أن الدمع عن وصلكم يسلى و ما كان دمع العين يسلى عن الوصل
أبرد عن قلبي أحاسيس زفرة تأجج من شوق إلى الصحب و الأهل
لقد ذبت شوقا و اسبد بي الجوى و ليس غريبا أن يذوب جوى مثلي
و كيف خلاص القلب من غل أسره و قد أسرته الحور بالأعين النجل
أسير أنا في كل وجه و مسلك فهل خبر الأسر المحبون من قبلي
و للسجن و السجان بأس وصولة على جسدي تعروه بالقهر و الذل
أجرع من كأس المذلة مكرها مرارة آلام أشد من القتل
أرى كل يوم آية لا أحبها و ألبسها قسرا على مرجل يغلي
و من عجب الأيام أن تقحم البرى يد اللؤم آناف الالقناعسة البزل
تجلدت شأن الفحل هم فلم يجد مساغا لما يرجو فكف على ذحل
و ما نال نفس المرء من ذل حبسه أشد من الأغلال في الرسغ و الرجل
و لو كان هما واحدا لاحتملته و لكن ما ألقى يضيق عن الحمل
و لو كان هما أحاط بفرد من الناس هانت دونه صور البذل
و لكنه شر أحاط بأمة و أوقعها الرعيان في حمأة الوحل
تؤم الردى قصدا ولا من يردها و حارت أدلاء البداية بالسبل
فقد تركت رهن السباع و كيدها تناهب الذؤبان بالنهش و القتل
فذلك ما يشجى الفؤاد أذكاره و يشغل أحلامي و يسهرني ليلي
و معذرة يا (أم زينب) إن عنى بغيرك فكري حين تشقين من أجلي
فمثلك من يحنو على القلب إن عتت أعاصير تجتث الجذور من الأصل
و مثلك من يرعى المودة إن بغت صروف زمان مقفر ظاهر المحل (1/75)
صفحة 76
يفيء إليك القلب في حال ضيقه فيرتع في روض و يأوى إلى ظل
و لي أمل في الله أن يبلغ المنى مشوق و أن يحظى الأحبة بالوصل
كذلك شأن المرء في أمر عيشه يبيت على حزن و يصبح في سهل
تساق إلى ليل من الخسف مظلم و تمضي مع الجهال في غيبة العقل
و بات حماة الحي بين مكبل يعاني أسار القيد أو فاقد الحول
يا ليلة العيد
حم القضاء و سدت دونك الطرق و غص بالغيم في أجوائك الأفق
و بدد السحب إعصار الهموم فلم يجد عليك به طل و لا غدق
كنا نؤمل فجرا مشرقا غده فقد أطل كئيبا بعده الشفق
ما كنت أحسب أن الحزن يغمرنا و أننا بعد طيب العيش نفترق
و أن دهرا أمنا من حوادثه جاءت بوادره كالسيف يمتشق
ذابت نعال أحبائي و رفقتهم من الطواف و غصت منهم الطرق
طافوا على كعبة السلطان في أمل و يمموا بابه الموصود و استبقوا
و أدمنوا قرع أبواب الرجاء فقد كلت أكفهم من طول ما طرقوا
و لا مجيب فما بالدار من أحد فالظلم يعمرها و الطيش و النزق
كنا نظن بهم خيرا فقد حبسوا ما نرتجيه و هم بالشر قد سبقوا
نفسي فداء أحباء فقد عصفت بهم و بي خلجات كلها حرق
أنل هنا رهن قضبان تقيدني قلبي حزين و جفني غائم شرق
و هم على البعد في قيد يكبلهم من شوقهم و دموع العين تأتلق
نذوب شوقا و حزنا لا رجاء لنا إلا إلى الله يرفوا بعض ما فتقوا
يا ليلة العيد كم أقررت مضطربا لكن حظ بني الحزن و الأرق
أكاد أبصرهم و الدمع يطفوا من أجفانهم و دعاء الحب يختنق
يا عيد يا فرحة الأطفال ما صنعت أطفالنا نحن و الأقفال تنغلق
ما كنت أحسب أن العيد يطرقنا و القيد في الرسغ و الأبواب تصطفق
أنشودة الهزار
مثل الهزار على ربى النهر نشدوا بأنغام من السحر
تحكى أقاصيصا ترددها شأن النسيم يهب في الفجر
يا حسن ما تحكيه قصتنا زفت تميس بحلة الشعر
تروى حكايات الأولى حملوا راياتنا في ساحة الفخر
في كل ميدان لهم أثر سلف مضى و نسير باللإثر
قل سائلوا عنا خطى خطرت تركت طريقا طيب النشر (1/76)
صفحة 77
من كل منصلت مضى قدما رسمت خطاه منابت الزهر
نظراتهم كالفجر مشرقة و توقد العزمات كالجمر
مثل البدور وجوههم و لهم عند الكريهة بسمة البدر
هم حيث ما حلوا جلوا همما خلدت مآثرها على الدهر
هم نفحة الزمن الذي حضروا هم رحمة في العسر و اليسر
هم غرة الإسلام شرفها فضل الجهاد و ميسم الطهر
هم رحمة الرحمن أرسلها يحي وجود الناس بالخير
فحديثهم نغم يطيب به سمر الأحبة عندما يسرى
* * * *
شأن الهزار على ربا النهر أو كالنسيم يلم بالبحر
أو كالربيع بأرضنا ملأت أعباقه الآفاق بالعطر
قطوف
طال السهاد و غاب عنك المنطق و النفس في ضيق الحوادث تصدق
أرأيت لو رفا الرقاد هموما هل كان جفنك من دموع يشرق
فأزل بدمعك كل هم عالق هد الفؤاد لما يلم و يفرق
* * * *
الحمد لله و الشكر الجميل له على الذي منّ من خير و توفيق
مرحى بنية في بيت جلبت له هناءه بعد تشتيت و تفريق
إني دعوتك (إيناسا) ليؤنسني يوما محياك بعد القهر و الضيق
* * * *
أحاول قول الشعر و هو يصدني و هل يحسن الشعر السجين المكلب
و قد قيدت شعري قيود كثيرة ترى قلمي فيها يخط و يشطب
قيود القوافي قاسيات و مثلها قيود المعاني فهي أقسى و أصعب
* إيناس إحدى بنات الشاعر.
الوداع
يا بلادي لقد سفحت دموعا في التراب الطهور عند الوداع
طاف بي طائف من الشوق أحيا في فؤادي ضراوة الالتياع
أنت يا موطني عروس الجواري حفها الموج هازئا بالقلاع
أنت ظبي – أتاح دهرك منه فرصة للذئاب – من غير راعي
إن ما كان من ترابك مسك طيب عرفه بكل البقاع
صار للجفينة بيتا تتلوى به صنوف الأفاعي
قد مات كل شيء
قد جمد الحرف فلا ينطق في فمي
و جمد الفكر و كل شيء
قد استحالت الحياة لوحة ميتة الأشباح
و غاب ذلك البريق من سمائها
و بحت الأصوات و اختفت حشرجة الأنفاس
تشنجت يدي، تقطعت أظافري، و جفت المحبرة الحزينة
عيناي باتتا أبرد من زجاج
يداي صارتا لوحان من خشب
و كل شيء في يدي يقطر حنظلا لكنه موات (1/77)
صفحة 78
لا طعم للحنظل يا حبيبتي لا لون للآلام في يدي
لا شيء ذي بال هنا، لا شيء يا حبيبتي يا نفحة الصبا
فلترجعي لعشك البعيد
فإنني هنا أحيا بلا حياة
و عشنا الذي بنيته عاثت به الرياح
قد جمدت عيناي و استوى الضياء و الظلام
و لن أصوغ من إشراق عينيك ملامح القصيدة الجديدة
فلم أعد أبصر في عينيك أي شيء
حاشاك – أنت سر هذه الحياة – غير أن العيب في عيني فلتعذري
حبيبك المحطم المحزون
و ابتعدي عني فان ما أعيشه يعدى، فلا تقتربي و ابكي إذا ما شئت
يا حبيبتي و انتحبي قد مات كل شيء
في سجن الاستخبارات العسكرية
أفي كل حين حارس و قيود و حال بألوان الهموم جديد
لعمرك ما ضر الفتى كيد كائد سيفنى و يبلى كيده و يبيد
و لله فينا علم غيب تنتهي إليه و أحوال لهن حدود
تركت يا (نالوت) و القيد ماثل لعيني و سجن محكم و قيود
أقول الأمر فاثبتي و أوصيها بالصبر ريث أعود
بنيك فشدى أزرهم و تحملي فحولك أسد منهم و فهود
تقول و هل نقوى على الأمر وحدنا و نهنأ في عيش و أنت بعيد؟
أجازي أيام قضى الله أمرها و هل لك من أمر الإله محيد؟
أودعهم و القلب يفطر لوعة و أخفيت دمعي إذ بني شهود
يقول سعيد* لت أبغيك حارسا سأكفيك وحدي أمره و أقود
و قال أرى منك انبساطا و راحة كأنك إذ تأتي الهموم جليد
* هو سعيد الكسير سائق سيارة الشرطة التي أحضرتني إلى طرابلس.
سجن الاستخبارات العسكرية، طرابلس، 20/1/1982
هذه التوضيحات للشاعر.
الحب
الحب أكبر يا أحبابي معذرة قد جئت ملء عيون الحب أعتذر
غنيت للحب حينا ثم ألجمني صوت من القهر جبار له شرر
منذ استقر صريف الحقد في أذني و ضج حولي عواء مقفر أشر
تعاورتني ذئاب البغض تنهشني أنيابها الحمر لا تبقى و لا تذر
و كفنتني عيون الثلج تخنقني رموشها و ظلام الشؤم معتكر
ألقى علي رداء اليأس لامته و ضمني منه ثوب كالح قذر
صاولته و بماذا؟ و الهوان يرى وثرت لكن قيدي كان ينتصر
فمات في شفتي الفجر و اندثرت آثاره و امحت عن لونه الصور (1/78)
صفحة 79
و لم أعد أعزف اللحن الحنون و لم يعد لنغمته حس و لا وتر
و قد ألفت الكشيش المر يعصرني في ظلمة القبو لا شمس و لا قمر
و سغت طعم دموعي علقما شرسا يخوضها الشوق حينا ثم ينتحر *
ففاق الحب رحلي و انتحى خجلا و قيدت خطوه الأشواك و الحفر
* * * *
الحب أكبر يا أحباب معذرة للحب، فالحب جد ليس ينحسر
هذي بقية أيامي سأنشرها ... يزدهي فيها و يزدهر
فالحب أكبر يا أحبابي معذرة قد جئت ملأ عيون الحب أعتذر
* الشطر الأخير من البيت غير واضح في المخطوطة.
كتب الشاعر هذه القصيدة في مركز شرطة المدينة بطرابلس 20 رمضان الموافق يوليو 1982م
هذه القصيدة كانت تحت عنوان "إلى سالم" و يقصد سالم قنان شقيق زوجته
لم تمت بلقيس
يا طيور النغم الحلو أفيقي و أعزفي من نزف الجرح العميق
و اعزفي للموت لحنا مشرقا و اعيد الشدو في همس رفيق
و ازرعي صوت عزاء خافت دافق الأنغام و ردي النشوق
لم تمت بلقيس إلا لحظة ثم عادت في اختلاجات الشروق
اغلق الباب فقامت خلفه ترقب المحنة من خلف الشقون
افلتت بلقيس من احزانها و حللنا نحن في عمق سحيق
كلنا يبحث عن معراجه في رصاصات عدو او صديق
أيها الشاعر إني مرهق و جديد القيد يقتات عروقي
لم تعد لي ادمع اسفحها لم اعد ابصر الوان الشروق
وشوشات الشعر ان طافت هنا بددتها ضجة الباب العتيق
ورؤى الأحلام اما حومت نفرت من حارس جهم صفيق
هذه همسة قلب موجع ينزع الأنغام من صمت عميق
خرجت بلقيس من أغلالها و أنا ارسف في قيد وثيق
ايها الشاعر هل تعرفني إنني همس من اللحن العتيق
قد جلست اليوم في زنزانتي أنحت الأحرف من قلب مشوق
و تجاوزت قيودي كلها لأناجي شاعر الحب الرقيق *
قد زرعت الحرف في أوراقنا من بخور الشرق في لحن دفوق
و نشرت الشرق عطرا ابلها و خمورا من صبوح و غبوق
ترسم العيش نهودا بضة و دعاء من لهيب و حريق
و رحلت الحرف دهرا في رؤى من ليال عبقريات البريق
انت في رحلة عمري نقمة تنحر الأمجاد في ليل الفسوق (1/79)
صفحة 80
* يقصد نزار قباني زوج بلقيس
تبدع الشعر ضياعا ساحرا و تبيع الحرف في سوق الرقيق
فاذا هزك حزن غامر جئت عملاقا من المجد العريق
تنفض الأوهام عن أحزاننا و تحيل الجرح عقدا من عقيق
تبصر الدرب و قد تنعته ثم تمض في بنيات الطريق
أيها الشاعر هل تعذرني هدني قيدي و أعيتني طريقي
أقرأ الأيلم حولي قصصا من جروح وقروح و حريق
و الليالي ملأت عيني رؤى من ضياع و ضلال و مروق
عرب الضاد أحالوا صوتها هينمات من فحيح و نعيق
أرضعتهم حبها مشفقة فاستباحوها و جادوا بالعقوق
من مليك و رئيس مثله و أمير و لواء و فريق
و رقصنا حولهم في حذر بين أستاذ و شيخ و رفيق
كلنا يحمل في مديته شبح الموت إلى الجسم الدقيق
أيها الشاعر هل تسمعهم لعنة الأجيال في شعر حموق
إنني في القيد أخشى قلمي فارو عني رقية السحر العريق
هذه القصيدة كتبها الشاعر الدكتور عمرو خليفة النامي في 16 رمضان الموافق 7 يوليو 1982 في معتقله بمدينة طرابلس (ليبيا)
و قال في مقدمة مخطوطة القصيدة ( بلغت القارئ السجين أصداء فجيعة بلقيس المرأة و بلقيس الأمة فتجاوب بهذه الخلجات. لم تمت بلقيس ) و بلقيس هي بلقيس الراوي زوجة الشاعر المعروف نزار قباني قتلت بالسفارة العراقية في بيروت حيث كانت تعمل بالسفارة. و قد انفجرت بها أو بالقرب منها سيارة مفخخة فدمرت المبنى و كانت بلقيس أحد الضحايا.
أندلسيات
يا دموع العين
هدني حزني و غاضت أدمعي في سجون البغي بين العسس
يا دموع العين لا تمتنعي إن في الدمع شفاء الأنفس
* * * *
يا دموع العين لا تمتنعي روحي عن قلب حر موجع
بددي الحزن بدمع طيع و اندبي حظ الصبا و المرتع
أنت فيض للفؤاد المترع فانفحي الروح بتلك الاكؤس
* * * *
يا ما صاغته أحلام الصبا ورؤى العقل الحصيف الكيس
يا من قلبي خيوط نسجها من منى الفكر الطليق المؤنس
كلها ديست – و لم تحفل بها قدم البغي – بخف دنس
* * * *
ضقت بالحبس الكئيب المقفل ضقت بالليل البهيم الأليل (1/80)
صفحة 81
و يصبح ذي أكتاب مقبل و بيوم من ضياع ممحل
حيث نسقي فيه مر الحنظل من يد الجند اللئيم الشرس
* * * *
لست أنسى يوم جاءوا زمرا كلهم يلبس وجها اغبرا
ما ترى غير عزيز قهرا أو فتى حرا بكى و استعبدوا
باع بالفلقة فيهم و اشترى كل جلف مستبد نحس
* * * *
يا رفاق السجن لا تكتئبوا لا يضير الحر ربع مجدب
انه من بعد محل يخصب انه من بعد ضيق يرحب
و حزين القلب يوما يطرب و يولى بؤس ليل نحس
* * * *
ما رأت عيناي جمعا مثلهم لا و لا فضلا يداني فضلهم
ضل من جذ لجهل حبلهم فتية من كيس أو أكيس
ما أنا يوما بسال وصلهم سلوة النفس و انس المجلس
القيد و القدر
لقد ضقت بالأحلام و الفكر و شجيت من هم و من كدر
لو تعلمون شجون قصتنا كبلتم الألحان بالوتر
ذلك الحياة دروبها عبر و لقد نضيق لقسوة العبر
لا تسألوا عني و عن خبري فستفصح الأيام عن خبري
* * * *
إني ألفت القيد أحمله في كل منطلق بلا ضجر
فالقيد في أوطاننا قدر عشنا نكابده على العصر
من حطم القيد القديم رام قيدا جديدا غير منكسر
أو هدم الجدران ان شيدها لنعيش رهن القيد و الجدر
* * * *
يا من يذيب القلب من كمد يقتات من الم و من سهر
دع عنك حزن القلب فهو ردى و الحزن لا ينجيك من خطر
و انهج سبيلك غير مكترث و اهجر خطى المتردد الحذر
ظلمات حزنك إن طغت حقبا فستنجلي في لمحة البصر
* * * *
ما أنت إلا لمحة ومضت و مضى الزمان بها على الأثر
صنعت خطاك العمر من أمل لتراه ملء السمع و النظر
و استبعدت عينيك بهجته فتشاغلت ببراعة الصور
و إذا عتى الإعصار و اضطرمت أحشاؤه بصواعق الشرر
فلترتقب أنسام مرحمة تجري بنشر طيب عطر
* * * *
هذا طريق المجد تعرفه قد مهدته مواكب الظفر
خففت به الرايات زاهية تهتز تحت العثير الكدر
فوق النجيع الحر قد رفعت وعل جماجم فتية صبر
فطريقهم ترى معالمها آثار منتصر و منكر
القيد و القدر
الليل أشباح و أغوال و مجازر شتى و أهوال
و الفجر ولى لون روعته فكان جماله الآل (1/81)
صفحة 82
و الناس كيف الناس وا لهفي أودى بهم ذعر و إجفال
مرضى يدك وجودهم سقم هيهات ان يشفيه ابلال
و أكفهم بدماء إخوتهم مخضوبة و الربع أطلال
و إلى الضياع ضياع هيبتهم يرمى بهم خب وارقال
و الفجر أين الفجر وا لهفي اردى ضياء الفجر دجال
قمنا نهلل عند مقدمه فأغمنا ما كان اهلال
عشيت به أبصار أمتنا زمنا مضى ورعته آمال
فإذا به قيد تكابده و الشر ألوان و أشكال
يا ليل طال الليل في و طني و الليل للآلام سربال
زمر اللصوص يقال قد ذهبوا لكنهم يا ليل ما زالوا
جاسوا خلال ربوعنا زمنا و تناهبوا كل الذي طالوا
ذهبوا ولكن ما يزال لهم في أرضنا يا ليل أذيال
يا ليل زل عنا فقد تعبت من وحشة الظلمات أطفال
ماذا جنوا حتى تكفنهم حلل السواد و هن أسمال ؟!
كلماتك
كلماتك قنديل اخضر
و نداؤك صوت لا يقهر
و هتافك فجرا تصحو فيه الأحلام و تزهر نسجتها الآمال
و غلفها زمن جبار مستهتر، و جلاها قلب يتفجر
عمر النور جوانبه، و طواه السجن فلم يظهر
* * * *
كلماتك أخبار الماضي، عبر بيضاء لا تنفد
و عزاء الحاضر تنفحه بعزيمة صبر تتوقد
و منا رلغد آت، منبع أحلام يتجدد
عبر و عزاء و منار.. كلمات فجر يتفجر
كلماتك سيل لا يقهر
و منارة قنديل أخضر
* * * * ... ... ...
ستموت و تخلفك الأسطر
فالحرف هو الأثر الباقي... و هو المرفأ و المعبر
نغم يتردد في الآفاق ليشرق في الأزل الأول
يمضي يتردد لا يفتر
يرتاد المجهول و يمضي للأبد الآبد لا يقفل... و الحرف نداء الأشواق
ند أو عنبر.. ينشر في الآفاق شذى من نفحة آمال تكسر
و ستبقى أثرا لا يمحى كلماتك في تلك الأسطر
* عنون الشاعر لهذه القصيدة بجملة: (مقدمة كلماتك) و كانت الصفحة تحمل رقم 17
دماء العذراء
من يعذر العذراء من دمها قد سال في كرم على الصخر
في مذبح الشرف الذي خذلت ما زال مصبوغا مدى الدهر
تركت حديث شبالها قصصا تروى لكل صغيرة العمر
* * * * (1/82)
صفحة 83
دماء العذراء، أو كما يعرفها أهل لالوت (ادمى ان تا قيارت) عنوان أسطورة طريفة المغزى عميقة الدلالة، بالغة الأثر، تأخذ عين المتأمل من فوق صخرة صماء في صدع من الجبل الممتد على الضفة الغربية لوادي (عين بانون) حيث يتجه جنوبا صوب (توده)
و في قمة الجبل و على صخوره الصلدة كانت تمتد نخلة سحوق ترتفع في غربة و وحدة غريبتين و كأنها شاهد تلك الأسطورة قد ارتبطها الزمن لترويها للأجيال. و إلى ناحية منها ينتشر لون أحمر قان في حمرة الدماء على تلك الصخرة الصماء، يتهام الناس إنها (دماء العذراء.)
و في مجرى وادي عين نالوت قد استبطت آبار عدة بين عميقة و أخرى قريبة كانت مرتاد عقائل البلدة في أيام الجمع، تحضر إحداهن ما اجتمع لها من ثياب و فرش و أغطية و غزل و صوف فتغسلها في إحدى تلك الآبار، فلت ترى حواليها في ذلك اليوم غير ما انتشر من تلك الفرش و الأثواب، و ما اجتمع من البنات و الأمهات...
و في حديث يتراوح بين الهمس الخافت، و الرواية الظاهرة تتناقل تلك الجموع النسائية أسطورة الموقع فترويها الأمهات إلى الفتيات و تتحدث بها العذارى بينهن كل مرة فتسرى في الجميع عبرة القصة عميقة مؤثرة، نافذة بالغة، و تستقر في القلوب تلك الحقيقة الكبيرة و هي ان الشرف أغلى من الحياة و أن التفريط في العرض عار لا ترفعه عن صاحبه السنون، و أن أهون ما يغسله عن من لحقه أن تزهق له الروح الغافلة و يسفح له الدم المصون...
و يستشهد الجميع بدم العذراء الماثل في ناحية الجبل، قد انتشر على تلك الصخرة الصلدة الشامخة، و قد اصطبغ عليها أثرا لا يحيى...!!!
و لا تحدد تلك الأسطورة هيئة ذلك الشاب الغيور و لا عمره، و لكن تسوقه جامد الأحاسيس عميق الفكرة، ماضي العزيمة، قد بيت في نفسه أمرا ذا بال و مضى له في صمت رهيب
رابط الجأش طويل صمته مطرق يعصره جرح عميق
ساقه الدهر و لم يحفل به في دروب مدلهمات تضيق
كلما قلب فيها فكره دله الفكر على نفس الطريق (1/83)
صفحة 84
* * * *
يلبس من وجهه الناعم صفحة تخفي بحرا بعيد الغور تضطرب خلفه الأمواج على أقوى من سد ياجوج و ماجوج، لا تكشف صفحته عن غير المألوف في عالم الناس، و في حنايا قلبه ما يضطرم و يتأجج من مشاعر الغيرة و الأسى و النقمة و الضيق...
إن أسرت نفسه من أمرها خطرة للفكر لم يتبع هواها
أو طفا ومضه شعور عابر من أحاسيس شجيات طواها
صفحة كالصخر في غلضتها بل لقد قدت من الصخر رؤاها
* * * *
لم تتردد العذراء في الاستجابة لدعوة شقيقها إلى رحلة قصيرة في مشارف القرية، و مضى ذلك القطار الصامت الصغير، هو أمامها و هي خلفه، هو ماض لأمر بيته، و عزم عليه فلا تحجزه عنه غير مسافة الطريق، و هي غافلة ساهية، تترسم خطى شقيقها الجلد في هدوء حالم، و سر و سارت وراءه، و دعاها إلى استراحة خفيفة في ناحية الجبل، و جلس و جلست إليه، و ششربا من ماء المزادة و ارتويا، و أكلا من تمرات معهما، و طلب إليها في هدوء رفيق أن تفلي له رأسه، فأقبلت على ذلك في حنان، و أخذت رأسه في حجرها تفليه شعرة شعرة تتبع هوام رأسه، و تمر على ذلك الرأس بتلك الأنامل الحانية الرقيقة...
و دعاها إلى مثل ما صبعته له، فأسلمت له رأسها بين يديه، و رمت به في حجره الدافئ، و تخللت أصابعه ذلك الفرع الفاحم الأثيت، و في لحظة مصممة خاطفة انحنى بشفرته الحادة على رقبتها الحانية، و إذا بذلك الرأس يسقط في حجره، و إذا بتلك الحياة المليئة أنفاس لاهثة مقطعة ما لبثت أن هدأت إلى الأبد، و إذا ذلك الجسم الحي الدافئ المضطرب جثة هامدة باردة، و حول ذلك كله شخب نجيع قاني على غير هدى يسبغ ما حوله، و ارتسمت لوحة منه على صخرة صلدة مقابلة لا تزال ماثلة حتى اليوم... (1/84)
صفحة 85
و شفى ذلك الفتى غيضه، و دفعت العذراء حياتها ثمن لحظة تغرير فاجرة من أحد الذئاب العادية. و مضى كل ذلك ليترك لنا أسطورة (دماء العذراء) و في ذلك الموقع المطل المستعلن، و جدت نواة إحدى الثمرات التي أكلها الشقيقان في تلك الرحلة مهدا لها مدت منه جذورا في تلك التراب المعتصر بين الصخور و نبتت نخلة ما زالت تمتد في عنان السماء فوق قمة الجبل، و ظلت هناك و لم تسقط إلا منذ أعوام عندما سقطت قيم الحفاظ على العرض، و الغيرة على الحرم...
الكلب
لا تذكروه بم وصفتم فهو من أوفى البهائم
و انعوا على ما قادكم لمصيركم مثل السوائم
لا يقبل الكلب الإهانة فهو نباح مهاجم
أنا لم أر كلبا يسام الخسف ظلما و هو واجم
كلا و يأبى أن يباع و يشترى بيد المساوم
و الكلب يرفض أب يبصبص بالرضى في وجهه ظالم
هو قد يخون و قد يعض و قد يهاجم من يسالم
لكن ذلك في غريزته اعتمادا للغرائم
يحتاط حتى لا ينال بما يحاذر و هو نائم
لا تنسبوا للكلب أفعالا تعد من الجرائم
فالكلب يرفض أن يداس و أن تحطمه القوائم
و الكلب يأنف أن يعيش حياته مثل السوائم
قد كان أولى أن نعلق في نواصينا النمائم
و نعيش شأن الغانيات تصون حوزتنا المحارم
و لقد تثور الغانيات على الاسارى و قد تخاصم
و قد تبدل سحنة الأنثى بجهم الوجه صارم
و تصول تحمي غيلها شأن الاشاوسة الضراغم
و ذا هتفت منددا قال رويدك أنت واهم
إن السياسة لا يزاولها جموح النفس ناقم
لكن من ينساب في حذر بأنياب الأراقم
قد تطرق الحياة و هي تريد في ذاك العظائم
و لكي تنال مرادها قد ترتدي ثوب المسالم
قلت الرجال تصونها عن خطة الغدر المكارم
خير من العذر الصراحة في شريعة من يصادم
قالوا رويدك ما تقول فإننا جمع مسالم
نحيا كما تحيا الكلاب و ذلكم عيش ملائم
فالكلب قدوتنا فنحن و جنسه صرنا توائم
فأجبت لا تتسرعوا فالكلب توجعه الشتائم
يا رسول الله
علوت فليس يدركك الثناء فأنت النور يسطع و الضياء (1/85)
صفحة 86
و أنت الشمس ليس لها حجاب و أنت البدر ليس به خفاء
و أنت المصطفى يجلوك فيض من الأنوار جلله السناء
تباه الأرض أن آوتك فخرا و تغبطها لموضعك السماء
أهم بمدح شخصك يا حبيبا فيمنعني جلالك و البهاء
و حسبك مدحة قرآن ربي و ما اجتمعت عليه الأنبياء
* * * *
رسول الله لست بذي بيان فليس لما أكابده عناء
جلالك معجز و أنا عيي و إن حاولت يصرفني الحياء
أحوم حول ذلك النور جهدي فيبهرني بروعته الضياء
فان تأذن بفيض منك نحوي فأشرع في مديحك ما أشاء
و ابلغ منه مل أرجو و تأتي روائع فيك يبدعها الوفاء
و يظهر حسنها حب و شوق و تجلوها المهابة و الوضاء
و ينشر عطرها في الكون حاد له في كل ناحية دعاء
بحبك يا حبيب الله يشدو فتهتز الكواكب و السماء
و تنتفض البسيطة في هيام و إحلال و يختلج الفضاء
* * * *
أتأذن يا رسول الله أني بباب الشوق يحدوني رجاء
اسلم هائبا و أعود صبا و للأشواق بالروح انتشاء
تأجج لا يكف لها أوار و نار الشوق يطفئها اللقاء
و نورك مائل للقلب أما دعا شوق وجد به النداء
أتأذن يا رسول الله أني أضر بي التوجع و البكاء
* * * *
وحيد ليس يؤنسني رفيق و ما جهدي و قد حكم القضاء
أهيم صبابة و أذوب شوقا و مدحك للمحبين الشفاء
فان تأذن بفيض منك نحوي و من كفيك يلتمس العطاء
أكن من آل فضلك لا أبالي أناخ علي ضيق أم رجاء
* * * *
يا رسول الله
أهل جلال نورك في ربيع بمكة و استفاض بها الضياء
فقرت عين شيبة بعد حزن لفقد أبيك إذ فيك العزاء
و أعلى من مقامك بين أهل و أولاد فكان لك العلاء
و سدت على بني سعد رضيعا فأنت لهم و قد سغبوا رخاء
و بين بيوتهم و افاك رهط من الاملاك لمستهم شفاء
أزالوا عن فؤادك كل سوء و حل الطهر قلبك و النقاء
رجعت لحضن أمك بعد حين لتؤنسها فما طال اللقاء
رضعت اليتم غضا و استمرت عليك شدائد فيها ابتلاء
و لم يكتب لجدك و هو بر بشخصك كي يواسيك البقاء
أراك الله فيهم من قريب بأن العيش غايته الفناء (1/86)
صفحة 87
و كل للتراب و ليس يغنى لدى الموت المودة و الفداء
قضى جد فقام عليك عم حفي في مبرته الغناء
يحوطك لا و هو أهل لذلك الفضل و هو له كفاء
و كنت رفيقه في السعي حينا و عونا حين أرهقه الشقاء
كفلت له (عليا) حين عضت صروف العيش و اشتد العناء
و كنت بهاشم برا و كانوا بأمرك في الشدائد احفياء
* * * *
درجت في أرض مكة في نقاء سما طهرا شبابك و الفتاء
و خصك من خديجة كل خير غناؤك و المودة و الرفاء
ترب بنيك في داب و تعنى بشأنك حين و افاك النداء
تلم بدارها فتعيش فيضا من الأشواق ليس له انقضاء
و لم تأنس بقومك حين ضلوا فآنسك التعبد و الخلاء
تحن إلى الحقيقة في هيام و يشركك الهيام بها حراء
تبيت بخلوة في الغار تدعوا و عند الله شوفك و الدعاء
فعند الأربعين جلاك نور من الرحمن و انكشف الغطاء
و فاض الوحي حولك و استفاضت هدايتك و تم الاصطفاء
... ... و كنت بشارة في الوحي قبلا فتمت و استقام بك البناء
و كان من النبوة فيض شوق إليك ففزت و انتظم اللقاء
قرأت و لم تكن من قبل تدري كتابا خط حين أتى النداء
و لقنك الأمين الوحي صرفا لتتلو ما حبتك به السماء
أتيت الناس بالقرآن نورا و في آياته لهم الشفاء
صدعت به فثاب إليك رهط و كذبك الطغاة الأشقياء
صبرت على الذي عناك منهم و آزرك الطغاة الأصفياء
فما وهنوا و ما ضعفوا و كانوا أباة لا يزعزعهم بلاء
و كنت لهم من الأهوال ردءا و عند الله عزمك و المضاء
* * * *
عتت عن أمر خالقها و صدت قريش و استبد بها الجفاء
و كنت على هدايتهم حريصا ولج بهم عناد و افتراء
مضيت على سبيلك في ثبات و لم تأبه بها مكروا و جاءوا
و ان يك بعض أهلك ذو عناد ففيهم رأفة و لهم ولاء
و كنت بهاشم برا و كانوا بأمرك في الشدائد أحفياء
فما تركوك رهن الشعب نهبا لقومك و استبان لهم وفاء
و أنت بحفظ ربك في أمان يحوطك من عنايته وقاء
و عام الحزن جاءك منه فيض من الرحمات ليس له انقضاء
فكان لليلة الإسراء أنس و معارج بشخصك و ارتقاء (1/87)
صفحة 88
تعاين من كبار الآي أمرا تضيق بوصفه الصحف الملاء
و زرت المسجد الأقصى و صلى وراءك في حماه الأنبياء
و كذب قومك الآيات زورا فهم قوم جفاء اغوياء
و تم هناك للصديق قول تباركه البسيطة و السماء
ارد القوم قتلك ضل قوم أرادوا قتل سيدهم و ساءوا
حرصت على الهدى منهم و صدوا و كان البغي منهم و البذاء
فشاهت تلك اشباح و ضلت اضر بها اللجاجة و العداء
* * * *
تتيه بذكر هجرتك القوافي ففيها كان فوزك و النجاء
تركت القوم في سر و سارت ركاب الحق يسترها الخفاء
و للأنصار شوق و انتظار لقربك و احتفال و اختفاء
حللت بدارهم فحللت سهلا و طاب بها مقامك و الثواء
اطاقوا حول ركبك من هيام و للقصواء من طرب رغاء
يأمر الله تم لها مسير و كان لها لمسجدك اهتداء
* * * *
فعز بنصرهم لله دين و حق الحق و ارتفع النداء
و خاب البغي و انقلبت بخزي عداتك و استتب لك الهناء
فحولك من جنود الله جمع مهاجرة و أنصار سواء
هم النصر المؤزر ليس فيهم نكوص حين يحتدم اللقاء
و ذاك الجيش لا يثنيه وهن و لا يلهيه بيع او شراء
شهرت السيف إذا أخرجت قسرا فسالت تنصر الحق الدماء
و مزق صولة الكفار بدر و عز الدين و ارتفع اللواء
* * * *
و في أحد دروس بينات نصرت به و كان بك الفناء
و لم يفلح من الأحزاب كيد فباءوا بالهزيمة حين جاءوا
و كان من اليهود عليك بغي فتم القتل فيهم و الجفاء
و رمت الحج فاعترضت قريش و ذاك بهم عناد و اعتداء
فجاءت بيعة الرضوان فتحا و تم الصلح إذ رجعوا و فاءوا
فسارت دعوة الإسلام لها في كل ناحية لواء
و جاء الفتح فانقادت قريش و كان لها رجوع و اهتداء
عفوت و كنت عند النصر برا هم الطلقاء ليس لهم فداء
و جاءت الوفود مهنئات لكل بعد بيعته وفاء
هي الأفواج فوج بعد فوج تتابع لا تصد و لاتساء
* * * *
هناك تم دين الله حقا و جاء النصر و انتظم البناء
و حج الناس بالتوحيد صرفا فلا جهل هناك و لا مكاء
و أعلى الله حجته و سارت بها الآيات نور يستضاء (1/88)
صفحة 89
كتاب محكم و بيان صدق يبين الحق ليس به خفاء
و سار الدين تظهره جموع مظفرة و يظهره النقاء
فذكرك يا نبي الله عال يردده على الكون النداء
* * * *
نبي الله قدرك فوق قولي بما لا يستطاع له اجتلاء
و شأنك لا يحيط به مقال و هذا النزر ليس به وفاء
ببابك حوم الشعراء قيلي فجئت و لي على الأثر اقتفاء
فإن أخفق فقد حاولت جهدي و حسبي في هواك الإقتداء
و إن أحسن ففضلك قد حباني و أنت البحر شيمتك السخاء
* * * *
نبي الله أنى جئت أشكو إليك و كل أنفاسي رجاء
نبي الله ضقت هنا و أنى ليرقني بذا الحبس العناء
شكوت إليك من ضنك و ضيق لتغمرني البشاشة و الهناء
رسول الله جئتك من بعيد يرافقني مديحك و الثناء
ببابك قد وضعت اليوم رجلي و عندك راحتي و بك الشفاء
أؤمل فيك إفراجا سريعا و فوزا لا يكدره شقاء
و عونا عند ضيق الحشر يغني و يشملني ودادك و الحباء
فجودك غاية و نداك فيض سخي النبع ليس له انقضاء
نظرات في أعمال النامي و مراسلاته
يعتبر عمرو خليفة النامي من الشخصيات الفكرية و الأدبية الموهوبة و المتميزة و يتضح ذلك من كتبه و هي قليلة كما يتضح ذلك من مقالاته و قصائده و هي أيضا قليلة أما محاضراته في الجامعة الليبية في بنغازي و طرابلس فآثاره ظلت في الأوساط الطلابية و زملائه من الأساتذة المعاصرين له في سنوات عمله بالجامعة و هي قصيرة جدا و لكنها كانت مدوية و ذات أبعاد إيجابية... إن زمن عطائه الفكري و الأدبي كان قصيرا جدا فقد أنهى دراسته الجامعية عام 1971 (1/89)
صفحة 90
و قضى سنتين في السجن المركزي بطرابلس 1973 و 1974 بتهمة الانتماء إلى تنظيم (الإخوان المسلمون) في ليبيا ثم سجن عام 1982 و منذ ذلك الوقت توقفت أعماله إلا بعض القصائد التي كتبها في المعتقلات و عرفت طريقها إلى دنيا الناس... إذن فسنوات نشاطه الفكري و الثقافي و الأدبي داخل الجامعات و خارجها و داخل ليبيا و خارجها لا تتجاوز عشر سنوات كان خلالها شخصية مثيرة للإعجاب خاصة في الأوساط الطلابية و كانت أفكاره و محاضراته و أسلوبه و شجاعته تشكل علامات فارقة أكسبته جاذبية خاصة و أعطته سمعة خاصة لم يتمتع بها غيره من أساتذة الجامعة في وقت اشتدت فيه سلطة المراقبة الأمنية و اتضحت فيه سياسة الخوف من الأفكار و الآراء المخالفة أو التي تصنف أنها مخالفة لآراء و سياسات السلطة الحاكمة... و السلطة الأمنية أحيانا تنطلق من أوهام و شكوك تجعلها تقع في أخطاء فادحة و تجعل المجتمع يخسر الكثير من الرجال المخلصين.
إن مقالات عمرو النامي و قصائده رغم قلتها تنم عن قدرات غير عادية فهي تجسد طاقات عاطفية و وجدانية و إنسانية هي من خصائص الشعراء و الأدباء الكبار. و جاءت بعض قصائده تعبيرا و تصويرا لتجارب عميقة الأغوار و لمعاناة شخصية و خاصة معاناة و تجارب السجون و ما لاقاه من متاعب لا قبل لبشر بها ما بالك بأستاذ جامعي و بشاعر مثقف رقيق المشاعر و الوجدان... و بعض تلك القصائد عبرت عن مشاعر الأبوة و ما تكنه من مودة و حنان إلى فلذات كبده من إناث و ذكور بل إن البنات كن أكثر حظا فيما وجدنا من قصائده. (1/90)
صفحة 91
في مقالاته الأدبية و التي انتقد فيها بعض الشعراء المحدثين و ما أقدموا عليه من شعر فإن النامي لا يعتبره شعرا بل هو كلام يمكن أن يوصف بأي وصف إلا وصف الشعر و بذلك تناوله من باب هزلي تهكمي و لو واصل الكتابة النقدية طبقا لمناهج النقد الأدب العربي كما درسه في الجامعة و كما قرأ عنه في كتب النقد العربي لكان أكبر أستاذ في النقد العربي في ليبيا لأنه صاحب قلم أدبي تتلمذ على كتب مصطفى صادق الرافعي و محمود عباس العقاد و سيد قطب و محمود شاكر و محمد محمد حسين كما كان يقرأ لكل الشعراء المحدثين أمثال نزار قباني و نازك الملائكة و عبد الوهاب البياتي و السياب و الشابي و أحمد رفيق المهدوي... و غيرهم. و قبل كل هؤلاء كان قد درس الشعر الجاهلي و شعر العصور الإسلامية بحكم تخصصه في دراسة اللغة العربية و الأدب العربي في كلية في كلية الآداب بالجامعة الليبية 1958 – 1962.
و كان عمرو النامي يقرأ لكبار الأدباء و الشعراء العالميين و ترجم لهم من كتب سواء منهم من كان روسيا أو أوروبيا أو أميركيا أو هنديل من أمثال تولستوي و دوستوفسكي و شكسبير و هنجواي و طاغور و غيرهم و كان يدعو إلى قراءة كل شيء لمعرفة العالم الذي نعيش فيه و أهله هذا النوع من القراءة إلى كسب معرفي متعدد المصادر جعله مدركا لثقافة العصر مع التمسك بأصوله الإسلامية و اهتمامه بالأدب العربي...
أما أعماله الفكرية التي طبعت فأولها كتابه (ظاهرة النفاق في إطار الموازين الإسلامية) و هذا الكتاب كتبه في السجن المركزي بطرابلس أثناء اعتقاله مع مئات من المثقفين و الطلبة إثر خطاب زواره الذي ألقاه العقيد عمر القذافي عام 1973 و أعلن فيه ما أسماه بالثورة الثقافية. و طبع الكتاب بعد خروجه من السجن بنحو سنتين و در عن الدار السلفية بالكويت و لم تذكر الدار سنة طباعته و يتكون الكتاب من سبعة فصول رتبها كالتالي : (1/91)
صفحة 92
المشكلة و النهج، أصل الإصلاح، ابتداء ظاهرة النفاق في المدينة، المظاهر العملية لتحركات المنافقين في المدينة، ظاهرة النفاق في إطار الموازين الإسلامية، الملامح العامة لظاهرة النفاق، أحكام المنافقين، و بدأ الكتاب بتمهيد و أنهاه بخاتمة. و الكتاب من الحجم المتوسط و يقع في مئة و ستة و ستين صفحة، و يبدو لي أنه تأثر بما شاهد من كثرة النفاق في المجتمعات الإسلامية و منها المجتمع الليبي و رأى من تجاربه الشخصية في إطار علاقات الناس بعضهم ببعض و في إطار علاقات الحكام بالناس أو علاقات الناس بالحكام ما يقع في دائرة النفاق فوضع بحثا موضوعيا يمكن أن يقرأ في أي زمان و في أي مكان. (1/92)
صفحة 93
أمى كتابه الثاني فهو البحث الذي نال به شهادة الدكتوراه من جامعة كمبريدج البريطانية و كان عنوانه حسب أول ترجمة حصلت عليها بعنوان (دراسات عن الإباضية) و صصاحب الترجمة ميخائيل خوري و راجعه د.ماهر جرار و راجعه و علق عليهكل من د.محمد صالح ناصر و د.مصطفى صالح باجو. أما دار النشر فهي (دار الغرب الإسلامي) بيروت لصاحبها الحبيب اللمسي و هو ناشر تونسي يهتم بنشر كتب التراث0 و هذا البحث ربما كان أول بحث علمي حديث يقوم به باحث إباضي ليبي عن مذهبه و يتم إنجازه في جامعة غربية عريقة هي جامعة كمبريدج. و تتبع عمرو النامي تاريخ المذهب من نشأته الأولى في القرن الهجري الأول إلى العصر الحديث و تتبع المراحل التي مر بها فقه المذهب على أيدي أئمة و فقهاء الإباضية و انتهى صاحب البحث إلى خلاصة تقول: (خلافا لما يعتقد بوجه عام لم يكن الإباضية فرعا من حركة الخوارج المعتدلة أو غير المعتدلة بل هم – عند النامي – يمثلون الروح النقية الأصيلة لدين الإسلام في مواجهة التغيرات السياسية و الاجتماعية بفعل التوسع السريع للإمبراطورية الإسلامية) و كان كثير من علماء و مشائخ المذهب الإباضي قد ذهبوا إلى أن الإباضية ليسوا من الخوارج و منهم الشيخ علي يحي معمر في كتابه (الإباضية في موكب التاريخ) و في هذا االسياق قال الشيخ الطاهر الزاوي أحد علماء المذهب المالكي في ليبيا (و هذا المذهب معدود من مذاهب المسلمين التي تعتمد في أصولها على الكتاب و السنة و يتفق في كثير من أصوله و فروعه مع مذاهب أهل السنة و يستشهد الشيخ الطاهر بقول ابن الحزم: إن أصحاب عبد الله ابن يزيد الإباضي الفزاري الكوفي أقرب إلى أهل السنة من بقية الفرق الأخرى.. من كتاب تاريخ الفتح العربي في ليبيا). (1/93)
صفحة 94
و قام عمرو النامي بتحقيق كتاب (قناطر الخيرات) للإمام إسماعيل الجيطالي و كتب مقدمة طويلة و صف فيها أحوال الأمة الإسلامية و ما تمر به من تشتت و تفرق و ضعف و دعى إلى العمل من أجل القوة و المجد الإسلامي انطلاقا من الإخلاص لله سبحانه و تعالى دينا و دنيا و كتب مقدمة أخرى لكتاب الشيخ سليمان داوود بن يوسف (ثورة أبى يزيد) و أشاد فيه بالشيخ سليمان باعتباره باحثا مرموقا في التاريخ الإسلامي و من الرجال العاملين في ميدان الإصلاح في دائرة العمل الإسلامي. و كانت للنامي مراسلات مع كبار علماء المذهب الإباضي المقيمين في مزاب بالجزائر و منهم: الإمام أبي اليقظان إبراهيم، الشيخ سليمان داوود بن يوسف و كلاهما من منطقة مزاب بالجزائر و التي تعتبر من معاقل المذهب الإباضي في شمال إفريقيا كما يبدو أنه راسل كلا من الشيخ بيوض من مزاب أيضا و الشيخ علي يحي معمر الأديب و المربي و الوؤرخ و هو من نالوت بليبيا و من أهم كتبه (الإباضية في موكب التاريخ) و يظهر من المادة الموجودة في ترجمة بحثه (دراسات عن الإباضية) المشار إليه سابقا أن تلك المراسلات تمت أو تم بعضها أثناء إقامته في بريطانيا للدراسة و كلها تدور حول اهتمامه كمثقف و كلتب يعطي وقته للفكر و لأهل الفكر و يريد التواصل مع هؤلاء العلماء الذين يجمع بينهم و بينهفقه المذهب الإباضي بصورة خاصة و الفكر الإسلامي و الأدب العربي شعرا و نثرا بصورة عامة... و أختم هذا الفصل بالإشارة إلى المقدمة التي كتبها لكتابي (مواقف فكرية) و هو أول كتاب صدر لي عام 1971 و كان عمرو النامي قد عاد لتوه من بريطانيا إلى أرض الوطن بع أن أكمل دراسته العليا الجامعية.. و ما سطره في تلك المقدمة يعتبر جزءا من أعماله و مواقفه تستحق أن تكون بحثا علميا شاملا ينهض به أحد الدارسين في الجامعات ليكون إضافة علمية في سيرة أحد أعلام ليبيا الحديثة. (1/94)
صفحة 95
و ما قمت به من عمل و من جمع لبعض أعماله و من استعراض لسيرته و مواقفه ليست إلا سطور وفاء لرجل يستحق كلمة وفاء في زمن قل فيه الرجال الصدق الشجعان. (1/95)