صفحة 1
الكتاب: حياة مع القرآن لصالح حدبون
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] بسم الله الرحمن الرحيم
حياة مع القرآن
للأستاذ: صالح أحمد حدبون
للقرآن أثر خالد في حياة الإنسان. ولمفسّر القرآن دور كبير في إضفاء روح القرآن على سامعه أو تاليه. وتختلف منازل المفسرين في ذلك حسب المواهب والفتوحات الإلهية. وقد حظي الشيخ بيوض إبراهيم رحمه الله في هذا المجال بسمات جعلت من دروسه في تفسير القرآن ومضات من النور الإلهي تغمر الحاضرين وتشيع في قلوبهم هداية القرآن، ونور القرآن، وروح القرآن، وطمأنينة لن يجد لها القلب نظيرا في غير القرآن. ونكهة وسحرا طبعا تفسير الشيخ لكتاب الله المعجز ودستور الهداية الخالد.
وتستوقفنا في هذه اللمحات التذكارية وقفات تأملية من حياة الشيخ مع القرآن. إحداها في العلاقة بين التلميذ والأستاذ. والثانية في العلاقة بين الشيخ والمجتمع. والثالثة في أثر القرآن على منهجه في الاجتهاد.
? بين التلميذ والشيخ:
«اللهم أكرمنا بنور الفهم وأخرجنا من ظلمات الوهم. اللهم افتح علينا حكمتك وانشر علينا رحمتك، ويسّر لنا من خزائن علمك يا ذا الجلال والإكرام». (1/1)
صفحة 2
لهذا الدعاء أثر عميق في النفس. إنه دعاء الافتتاح عندما يجلس شيخي على طاولة الوعظ جلسته الخاصة، بالمسجد الكبير العامر؛ يفتتح درسه بهذا الكلام العذب بصوته المميّز وبحّته الخاصة. لقد تأثرت بهذه الخواطر الأثر البليغ، وشكرت الله على آلائه ونعمه، إذ حباني بالجوار والقرب من هذا المعين الذي لا يزال يفيض علينا بخيراته. دعوت الله وتضرعت إليه، فهو الذي قدّر لي في عمري زمنا عشته في رحاب الشيخ الجليل، كنت في حصن حصين في مكتبته الخاصة وفي المسجد العامر يتلو علينا آيات الله ويعلمنا الكتاب والحكمة ويزكينا ويسمو بأفكارنا عندما يحلق بنا في أجواء البيان، يحاول أن يوصل المعنى إلى أفهامنا ونحن لا نزال تلاميذ ندرج في ميدان التعلم. وهو إذ يفعل ذلك لا يقتصر على تبليغنا معاني الآيات مجردة بل معها شيئا أسمى وألطف. يعجز عنه الوصف ويقصر عنه البيان. وكل ذلك ما ارتسم في الذهن وطبع فيه إحساسا يصعب على الواصف وصفه لغموضه وقتئذ، ولكنه كان عميق الأثر، وظل هو الباقي خالدا في القلب، منقوشا في الذاكرة، مركوزا في الروح والضمير إلى الآن.
ولعل ذلك الإحساس هو مصدر ما نجده من لذة في تلقي العلم، وهو سرّ تلك العلاقة الروحية التي تربط التلميذ بأستاذه، وما يضمره له من حب وتقدير وإجلال.
اعترف أنني لم أفهم حق الفهم معنى تلقي العلم ولم أدرك سعادة الجلوس أمام المعلم للتعلم إلا من ذلك الإحساس الجميل والغريب. وأصبح الآن صوت إمامي الشيخ بيوض يثير في نفسي أغلى الذكريات في أعز فترات الحياة. وتتجدد هذه الشجون كلما سمعت صوته الرخيم من آلات التسجيل. (1/2)
صفحة 3
هذه الخواطر تتوارد على ذهني وأكاد أجزم أن أقدس علاقة في هذا الوجود هي علاقة التلميذ بمربيه وبمعلمه الأول. وقد ذقت حلاوة تلك الخواطر في روحانيتها وطهارتها وقدسيتها. إنه الصوت العذب الذي كان يملأ آذاننا، وكان الشيخ يرسله طاهرا شجيا في رحاب المسجد، يشعّ في نفسي ونفس كل زملائي التلاميذ والأساتذة الحاضرين. فهو الصوت الخالد الذي لمس شغاف النفوس وأشاع فيها الضياء. فأحببت بذلك العلم وذويه، وقدرت المعلم وأحببته.
أرجع إلى نفسي وأنا في حالة من النشوة واللذة الروحية، فأسترجع أعذب الذكريات، فأدرك تمام الإدراك كم أنا مَدينٌ لك يا شيخي الجليل بكل شيء في هذه الأيام. فأنت معلمي الأول وأنت مربّيّ الخاص الذي أخلص في أداء مهمته التعليمية والتربوية، فأصبحت بحق وارث إمام المرسلين وإمام المعلمين والمربين. فما أسعدها ذكريات عندي، وما أسعدني بها في هذه الحياة العصيبة التي أعيش فيها بعدك، ولئن هدأت دقات قلبك من حولي، وغاب نور وجهك عن ناظري، فلا أزال أشعر بسعادة غمرتني قديما ولم تفتأ تغمرني حاضرا ومستقبلا إن شاء الله.
إنها خواطر طاهرة تهيج في نفسي وتستبد بي الذكريات؛ فأشفق على نفسي وأرثي لحالها، فلا أكاد أمسك دموعي عندما أشعر أنني حرمت من الجوار الذي كنت فيه لما كنت أغدو وأروح كالنحلة اللطيفة من زهرة إلى زهرة، أرشف الرحيق العذب في رحاب داركم العامر ومكتبتكم الغنية، أقرأ عليكم وأكتب لكم وأنا السعيد المدلل بالمجلس العامر ببركاتكم وأنفاسكم ومحبيكم. وأشعر أني حُرمت الآن من تلك الأوقات السعيدة التي كنت أقضيها بجانبكم وكنت في نعيم يغبطني من أجله الكثير من الزملاء والإخوان. (1/3)
صفحة 4
فقد جلسنا إليك في درس التفسير خاصة وأنت تحلق بنا في أجواء ملائكية روحانية تنسينا كل ما في هذه الحياة الدنيا من متاع ومتاعب، وما يتكالب عليه أبناء الحياة من السفاسف وتوافه الأمور. إذ كنت تسمو بنا إلى الملإ الأعلى حتى تناجي أرواحنا ربها، وتنفحنا بما يفتح الله عليك من الحكمة، فتجعلنا نعيش معك في نورانية القرآن. إنها لحظات من أجل نعم الله التي منّ بها علينا آنذاك. فهنيئا لك شيخنا وطوبى لك وحسن مآب.
حظيتُ في العقد الأخير من حياتك بجوارك في رحاب القرآن العظيم، وقد كتبتَ لي يوما رسالة قلتَ فيها: «عزيزي، وصلتني رسالتك التي أسالت دم القلب قبل دمع العين، لِما صوّرتْه أبلغ تصوير من لوعة الفراق المفاجئ لمغانيك التي درجت فيها زمنًا، بين كتب التفسير والحديث والفقه والأسئلة الشرعية وأجوبتها. ونفائس التراث الإسلامي القديم والحديث، وما يُجتنى منها من ثمرات روحية يتضاءل أمامها كل نعيم مادي في هذه الدنيا، ويُرجى برّها وذخرها عند الله» (1) .
? بين التلميذ والمجتمع:
__________
(1) –. من رسالة للشيخ بيوض إلى كاتب المقال بتاريخ 6 جمادى الأولى 1396هـ / الموافق لـ 4 جوان 1976م. (1/4)
صفحة 5
إن أثر الشيخ بيوض في ميزاب ومعهد الحياة ظاهر جليّ في نفوس الناشئة التي ترعرعت في أحضان مجالس الذكر ورحاب دروس التفسير. وقد وجد الطالب حلاوة ذلك وأثره في نفسه، وذلك من فضل الله عليه ولطفه به وحبّه له. { فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ } (1) . وصدق الله في قوله الكريم: { أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا } (2) . وقال - صلى الله عليه وسلم - : «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين» (3) .
وإن كل ما تعلمه الطالب وما تلقاه من دروس وما شاهده من مظاهر الحياة الإسلامية، إنما ذلك قبس من نور الله الذي أنزله لعباده ليخرجهم من الظلمات إلى النور ويهديهم إليه صراطا مستقيما. ذلك هدى الله الذي بثه الشيخ في نفوس أبنائه وحملوه مشعّا بين جوانحهم في قلوبهم وصدورهم، وصاروا بذلك المشكاةَ التي ضربها الله مثلا لنوره، في قوله: { اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لاَ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } (4) .
__________
(1) – سورة الأنعام، آية 125.
(2) – سورة الأنعام، آية 122.
(3) – رواه الربيع بن حبيب، باب العلم وطلبه وفضله، حديث 26. - و البخاري، كتاب العلم، حديث 69. (ترقيم العالمية)- ومسلم، كتاب الزكاة، حديث1719. (ترقيم العالمية) – والترمذي، كتاب العلم، حديث2569. (ترقيم العالمية).
(4) – سورة النور، أية 35. (1/5)
صفحة 6
وإن هذا القرآن ما زال غضا طريا كما أنزله الله أول مرة. وما زالت آيات صدقه تتجلى على مرّ السنين، وتظهر عبر العصور والحضارات، مصداقا لقول الحق سبحانه: { سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ } (1) .
__________
(1) – سورة فصلت، آية 53. (1/6)
صفحة 7
ففي رحاب الشيخ بيوض القرآنية عاش الطالب فصار القرآن لديه هو الجليس والأنيس في السر والعلانية والخلوة والجلوة، وهو الرائد والمرشد. { إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ } (1) . «من قال به صدق ومن عمل به أجر ومن حكم به عدل ومن دعا إليه هُدي إلى صراط مستقيم» (2)
__________
(1) – سورة الإسراء، آية 9.
(2) – هذا جزء من حديث رواه الترمذي في أن القرآن هو المخرج من الفتن: ونصه عن علي بن أبي طالب قال:«سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ أَلا إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتْنَةٌ فَقُلْتُ مَا الْمَخْرَجُ مِنْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ كِتَابُ اللَّهِ فِيهِ نَبَأُ مَا كَانَ قَبْلَكُمْ وَخَبَرُ مَا بَعْدَكُمْ وَحُكْمُ مَا بَيْنَكُمْ وَهُوَ الْفَصْلُ لَيْسَ بِالْهَزْلِ مَنْ تَرَكَهُ مِنْ جَبَّارٍ قَصَمَهُ اللَّهُ وَمَنِ ابْتَغَى الْهُدَى فِي غَيْرِهِ أَضَلَّهُ اللَّهُ وَهُوَ حَبْلُ اللَّهِ الْمَتِينُ وَهُوَ الذِّكْرُ الْحَكِيمُ وَهُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ هُوَ الَّذِي لاَ تَزِيغُ بِهِ الأَهْوَاءُ وَلا تَلْتَبِسُ بِهِ الأَلْسِنَةُ وَلا يَشْبَعُ مِنْهُ الْعُلَمَاءُ وَلاَ يَخْلَقُ عَلَى كَثْرَةِ الرَّدِّ وَلا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ هُوَ الَّذِي لَمْ تَنْتَهِ الْجِنُّ إِذْ سَمِعَتْهُ حَتَّى قَالُوا ( إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ ) مَنْ قَالَ بِهِ صَدَقَ وَمَنْ عَمِلَ بِهِ أُجِرَ وَمَنْ حَكَمَ بِهِ عَدَلَ وَمَنْ دَعَا إِلَيْهِ هَدَى إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ» صحيح الترمذي، كتاب فضائل القرآن. حديث 2831. (ترقيم العالمية). (1/7)
صفحة 8
فحسبنا أن نطمئن إلى أننا على العهد سائرون، فمساجدنا ومدارسنا مليئة بالقرآن. فالحفظة يتلون القرآن كل يوم بالمسجد العامر، وأصوات الأطفال الملائكة تصدح مع الفجر بالقرآن في أقسام المدارس القرآنية ومحاضر (1) المساجد.
هذه هي حياتنا مع القرآن في رحاب الشيخ بيوض. وهي الذكريات الخالدة التي أثرت في نفوس الناشئة. وكل من عاش أيامها يتذكر صحن المسجد ونسيمه العليل عند الأصيل وبين العشاءين وعند الفجر، وتلك الصفوف المتراصة بثيابها البيضاء، المتحدة في شكلها ولونها. تلك هي المعاني السامية المؤثرة في النفس المؤمنة مع دروس التفسير التي تنساب إلى القلوب فتملأها خشية وتنيرها إيمانا وتزيدها تفقيها في أمر دينها.
ومن أثر القرآن الخالد، ذلكم التضامن الاجتماعي المتمثل في النظام العشائري والتعاون التلقائي بين المسلمين على المشاريع الخيرية، بالمشاركة الفعلية والتبرعات السخية. مع ما يمتازون به أيضا من احتمال الأعباء؛ أعباء الفقراء والمحتاجين من الأيتام والأرامل، والسهر على شؤونهم والرفع من شأنهم خاصة في الأعراس الجماعية التي يتجلى فيها التعاون على البر والتقوى في أسمى معانيه.
كل هذه المشاهد الرائعة ما تزال على عهدها بعد وفاة إمامنا رحمه الله. ولعل بعضها في تحسن وازدياد، نسأل الله دوامها ومباركتها.
__________
(1) – المحاضر هي التسمية المتداولة للكتاتيب عند سكان ميزاب. وهي أشبه بالمدارس الشعبية يؤمها الصبيان والكبار لحفظ وتلاوة القرآن، وتكون مجاورة للمسجد لأنها تعمر بين أوقات الصلوات، ومواقيتها في ميزاب قبل الفجر ، وبين العصرين وبين العشاءين. (1/8)
صفحة 9
إن أغلى ميراث تركه الشيخ بيوض لأبنائه الروحيين ومريديه هي تلك الحياة الروحية الطاهرة. إنها الحياة مع القرآن، وهي حياة المؤمن التقي التي يسعد بها في دنياه وآخرته، مصداقا لقوله تعالى: { مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } (1) .
? أثر القرآن على منهج الاجتهاد:
لفضيلة الشيخ بيوض آراء خاصة استخلصها من حياته مع القرآن الكريم. وقد أبدى فكره جليا واضحا في فتاواه الكثيرة. وهي أجوبة شافية عن أسئلة وردت إليه من مختلف أنحاء الوطن والعالم الإسلامي. وقد طبعت في مجلدين يجد القارئ فيها صورة ناصعة عن أصالة فكر الشيخ ودعائمه في الفتوى والاجتهاد.
والاطلاع على تلك الفتاوى يُمدّ الباحث بمدى سعة فقه الشيخ، ومدى اعتماده على هدي الوحي المعجز في فتاواه.
ومن النماذج التي توضح هذه الحقيقة؛ قضية ذبائح أهل الكتاب. فعندما أُثيرت المسألة أدلى فيها بدلوه مع الباحثين، فاستنطق القرآن وصدع برأيه دون خوف أو تردد.
__________
(1) – سورة النحل، آية 97. (1/9)
صفحة 10
وذكر أن بلاد أهل الكتاب وهم نصارى مسيحيون أو يهود، هي خير من بلاد الكفر والإلحاد التي تنكر وجود الخالق ولا تدين بشيء. وكما يقال: "دين خرافي خير من لا دين". والحكمة الإلهية وثقت روابط الصلة بين الملل والنحل والأمم والشعوب التي تربط بينها روابط العقيدة، وتؤمن بمدإ الألوهية والربوبية لله على الكائنات. فالصلة مترابطة بين العالم العلوي الله جل جلاله، وبين عباده المكلفين من الجن والإنس والملائكة. فالوحي الذي نزل على الأنبياء والرسل جاء بعقيدة واحدة هي الإيمان بالله واليوم الآخر. أي الحياة الثانية حيث يلقى المرء فيها جزاء عمله، خيرا كان أم شرا. فالله تعالى وثق الصلة بين الملل والأمم التي تدين بهذه المبادئ لتقاوم تيار الإلحاد وتحاربه. وإن هذا الحرص من الشارع قرّب بين هؤلاء فأحل للبعض طعام البعض، وهو القائل: { وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ } (1) .
ولم يختلف العلماء في أن المراد بالطعام في هذه الآية إنما هي اللحوم المذبوحة، فلا خلاف في حلية الخضر والفواكه ولحوم البحر. إذن فذبائح أهل الكتاب حلال لنا مهما كانت طريقة الذبح المشروعة عندنا أو عندهم. فكل ذبيحة أُزهقت روحها بإراقة دمها قصد تحليلها على ملتهم، تعتبر ذكاة لأهل الكتاب. وهي مشروعة عندهم، هي حلال لنا أكلها.
__________
(1) – سورة المائدة، آية5. (1/10)
صفحة 11
وقد يقول قائل إن أهل الكتاب بدّلوا وغيّروا أحكام دينهم. فالجواب أن ذلك قد وقع حين نزول الوحي وقبله، وهو ما نص عليه القرآن صراحة بقوله تعالى: { مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ } (1) . ويقول: { يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ } (2) . ويقول: { سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ } (3) .
فهم يغيرون الكلم من بعض مواضعه، ومع ذلك أباح الله لنا أكل ذبائحهم، رغم أنها لم تذكّ كما تذكّى ذبائحنا على الطريقة المشروعة في الإسلام. فالذكاة الشرعية ليست لها طريقة خاصة محدودة معينة، بل لها عدة كيفيات فصّلها الفقهاء في كتب الفقه. وثمة اختلاف وفرق بين حالة الاختيار وحالة الاضطرار. مع مراعاة حالة الحيوان ونوعه. فكل هذه الاختلافات لا ضير فيها بين اختلاف الشرائع. والشرط الوحيد الذي يجب الاتفاق عليه هو أن يكون الإهلال بالذبح لوجه الله تعالى لا لغيره. فيذكر اسم الله وحده عند الذبح.
__________
(1) – سورة النساء، آية 46.
(2) – سورة المائدة، آية 13.
(3) – سورة المائدة، آية 41. (1/11)
صفحة 12
وما أهل لغير الله به فهو حرام عند جميع الديانات، وذلك بالتقرب لغير الله عند الذبح. أما إذا لم يذكر اسم الله نسيانا أو سهوا، فهذا معفو عنه ولا يحرّم الذبيحةَ، للحديث النبوي القائل: «ذكر اسم الله جار على قلب المؤمن سمّى الله أو لم يسمّ» (1) . وقد سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن لحم يَرِد السوق لا يدري الراغب فيه أذُكر اسم الله عليه أم لم يُذكر؟ فأجاب النبي - صلى الله عليه وسلم - «سموا الله عليه أنتم وكلوا» (2) .
إذن فذبائح أهل الكتاب جائزة لنا إذا توفرت فيها الشروط الآتية:
1= أن يكون الحيوان المذبوح مما أباح الله لنا أكله من الأنعام، دون ما حرّم الله علينا لذاته كالخنزير، أو لسبب كذوات الأنياب أو المخالب والحمر الأهلية، مما ورد النص بتحريمه.
2= أن يكون هذا الحيوان مذبوحا ذبحا أراق منه الدم وسال. وإذا لم يكن كذلك لم يجز أكله.
3= أن لا يكون قد أهل به لغير الله.
__________
(1) – وردت أحاديث كثيرة في الأمر بالتسمية عند الذبح وعند الأكل. أما هذا الحديث بلفظه فلم أجده في الكتب التسعة.
(2) – نص الحديث عند البخاري، «عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّه عَنْهَا أَنَّ قَوْمًا قَالُوا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ قَوْمًا يَأْتُونَا بِاللَّحْمِ لا نَدْرِي أَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَمْ لاَ فَقَالَ سَمُّوا عَلَيْهِ أَنْتُمْ وَكُلُوهُ» البخاري، كتاب الذبائح والصيد. حديث 5083. (ترقيم العالمية). (1/12)
صفحة 13
وأهل الكتاب في بلدانهم يغلب عليهم الطابع العام. ففي تلك البلاد مظاهر دينية كوجود الكنائس والبيع التي يؤمها أصحابها، لإجراء طقوسهم الدينية. ولا عبرة في تطبيق الناس أو عدم تطبيقهم لأحكام دينهم في خاصة حياتهم. ولو التزمنا بذلك واشترطنا ذلك عليهم فإننا نلتزمه ونشترطه على المسلمين في عالمهم الإسلامي، مع وجود المساجد بينهم وارتفاع صوت الأذان من مآذنها. ففي العالم الإسلامي مسلمون ظاهريا، ولكنهم غير ملتزمين ولا يطبقون أحكام دينهم، ففيهم تارك الصلاة وشارب الخمر. ورغم ذلك فإنه لم يُفتِ أحد من العلماء بوجوب التوقف عن أكل ذبائح البلاد الإسلامية. فالعبرة إذن بالطابع العام. حيث تسوده المظاهر الإسلامية؛ كالمساجد والمآذن التي يعلو فيها الأذان في أوقاته الشرعية ينادي للصلاة. ومثل ذلك يقال عن البلاد التي تسودها مظاهر أهل الكتاب من كنائس تدق فيها الأجراس في مواعيدها ومواسمها الدينية. ويكفي هذا لنعتبرها بلد أهل الكتاب، يحلّ لنا نحن المسلمين أكل طعامهم. (1) .
هذا ما بدا للشيخ رحمه الله في فتاواه في هذه المسألة الحاسمة التي أثارت الرأي العام وتضاربت فيها الآراء بين من أحلّ ومن حرّم.
وهو رحمه الله لم يقطع عذر من تورّع واتقى الشبهات، وتقوّى بأنواع أخرى من المأكولات، وتغذى بأنواع من الأسماك والألبان ومشتقاتها والبيض والفواكه وغير ذلك مما هو غير مذبوح.
فكفى الشيخ شرفا أنه أفتى بما يجد المسلمون فيه سعة في حياتهم. وأصدر فتواه اعتمادا على كتاب رب العالمين، كما وردت أخبار صحيحة عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أنه أكل من ذبائح أهل الكتاب، وأقرّ أصحابه على ذلك. فجاءت السنة مصداقا وترجمانا لما نطق به القرآن.
إنها حياة الشيخ مع القرآن فقهته في الدين وألهمته رشده، فاجتهد فأصاب. ونال الأجرين، فطوبى له وحسن مآب.
__________
(1) – ينظر: فتاوى الإمام الشيخ بيوض، ج؟؟ ص؟؟ (1/13)
صفحة 14
صالح أحمد حدبون. مدير داخلية الحياة. مساء الخميس 18رجب 1420هـ/ الموافق لـ 28 أكتوبر 1999 (1/14)