صفحة 1
الكتاب: حياة وكيل الأمة الميزابية الحاج محمد عمر بن عيسى (1884 - 1973) صفحات من الجهاد في سبيل الدين والوطن
تأليف: الحاج أحمد بن حمو كروم، وآخرون
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الخامس (1230 عنوان): ربيع الثاني 1438هـ / جانفي (يناير) 2017م (قرص مضغوط) حياة وكيل الأمة الميزابية
الحاج محمد عمر بن عيسى
(1884 – 1973)
صفحات من الجهاد في سبيل الدين والوطن
تأليف:
كروم الحاج أحمد بن حمو
بمساعدة لجنة من الأستاذة (1/1)
صفحة 2
الإهداء
إلى الذين قدموا حياتهم ثمنا لسعادة أمتهم ..
إلى الذين ضحوا من أجل الأجيال المقبلة ..
بكل ما أوتوا من جهد أو مال أو رأي سديد
إلى الرجل الذي جاهد إلى آخر ساعة وآخر ساعة وآخر لحظة من حياته ..
إلى المجاهد الكبير
عمر بن عيسى –الحاج محمد- في ذكراه العاشرة لوفاته
نهدي هذه الصفحات. (1/2)
صفحة 3
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على رسول الله وعلى كل من نصر "لا إله إلا الله قولا وعملا"
مقدمة:
لقد كان لميزاب دوما رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا ..
بمناسبة الذكرى العاشرة لتأسيس معهد "عمي سعيد" ووفاة المجاهد الكبير عمر بن عيسى –الحاج محمد- نود إلقاء بعض الأضواء على هذه الشخصية الميزابية الفذة التي أطبقت شهرتها الآفاق .. وعلا صوتها حتى سمعها الداني والقاصي ..
فتى استجاب لنداء أمته ووطنه .. ورجل أوقف نفسه وقلمه للدفاع عن حقوق أمته .. وشيخ غالب الزمن من أجل مواصلة جهاده الاجتماعي الكبير.
إنه أروع مثل في التضحية والجهاد بالنفس والنفيس، رغم كل الضغوط المختلفة، سواء كانت داخلية أو خارجية .. والتي أثارت حوله الكثير من المتاعب .. إنه الرجل الذي أراد أن يشرح للناس مميزات الشخصية الميزابية وأصالتها وعراقتها بعد أن أصبح الخطر الاستعماري وخطر "الاندماجيين" يهدد كيان الأمة ومكانتها الحضارية والدينية.
وقف ومعه -جند الله- من أهل الفضل والغيرة الوطنية يساندونه .. ويمدونه بالقوة المعنوية والمادية من أجل مواصلة الكفاح حتى النهاية الإيجابية. (1/3)
صفحة 4
وتعرضنا في هذه المناسبة إلى تحليل الأوضاع السياسية والاجتماعية لميزاب باختصار شديد نظرا لقلة الوقت والمصادر واعتبارات أخرى متعلقة بالتجربة الميدانية وها نحن نقدم للقارئ العزيز ثمرة جهد طالبين طيلة شهر رمضان المبارك. عسى الله أن يتقبله بقبول حسن.
والله الموفق لما يحبه ويرضاه
العطف الاثنين 30 رمضان 1403هـ الموافق لـ 10 جوليت يوليو 1983م
لجنة الكتابة والتحرير: أحمد بن حمو كروم
محمد بن إبراهيم بهون علي
قاسم بن محمد الحاج سعيد
محمد بن عمر الحاج سعيد (1/4)
صفحة 5
المبحث الأول:
التعريف بالمجاهد: هو السيد الحاج عمر بن الحاج عيسى بن إبراهيم لقب العائلة «الحاج محمد» من مواليد العطف (تجنينت) ولاية غرداية -وادي ميزاب- رأى النور في أواخر القرن التاسع عشر حوالي سنة 1884 ينتسب إلى أسرة محافظة من أشدّ الأسر المستمسكة بالقيم الدينية والأخلاق الإسلامية السامية.
مارس أبوه الطب الشعبي على مستوى وادي ميزاب وبعض النواحي الجنوبية الأخرى، ولعل ابنه عمر حين كان يرى عمل أبيه الصحي في معالجة الناس، كان يتمنى في قرارة نفسه أن يعالج الناس أيضا. ولعل القدر قد استجاب لهذه الأمنية ولكن ليعالج الناس من الناحية الاجتماعية ويساهم في تخفيف الضغط المتزايد عن كاهل أمته، والدفاع عن حقها إزاء بعض القضايا والمشاكل التي جرّها المستعمر البغيض .. والمساهمة أيضا في حل ومعالجة القضايا الأخرى المتعلقة بالتطور الاجتماعي.
ونشير أن الأب من تلامذة قطب الأئمة الشيخ اطفيش -رحمهم الله- أما الابن عمر فقد تلقى تعليمه في مدرسة حرة تابعة للمسجد «المحضرة» بالعطف «حفظ فيها القرآن الكريم وتلقى مبادئه الدينية والتربوية بها .. وكان يحضر حلقات بعض المشائخ في عهده. ومنهم الشيخ الحاج داود بن بلحاج بن باعزيز .. والشيخ صالح بوبكر .. وغيرهم، إلا أن عهده بالتعليم لم يطل كثيرا .. فالظروف الاقتصادية للأسرة -وكما جرت العادة في مثل سنه- اضطرت الابن عمر بن عيسى أن يعمل لمستقبل أيامه هو وأسرته الجديدة .. وهكذا التحق بالتجارة «المورد الاقتصادي الهام لغالب الميزابيين» في مدينة العاصمة .. وانتقل بين العديد من المتاجر إلى أن استقر أخيرا بمدينة الحراش في ضواحي العاصمة. (1/5)
صفحة 6
ومن الطريف أن أباه رفض إلحاقه بالمدرسة الرسمية رفضا باتا .. ودفع في مقابل إعفاءه من الدراسة مبلغا ماليا مهما. وكما يذكر ابنه الحاج محمد سعيد بن عمر فالمدارس الرسمية في ذلك الوقت كان ينظر إليها بعداء شديد وارتياب متزايد .. نظرا لأنها مدارس نظامية استعمارية جعلت لإنشاء جيل مثقف ثقافة غريبة عن دينه ومجتمعه .. ومرتبطة أشد الارتباط بالنشاط التبشيري المنقطع النظير، خاصة بعد نجاح المبشرين في تنصير عدد غير قليل من أبناء المناطق الصحراوية.
ومن هنا فقد اكتفى الكثير من أبناء ميزاب بما يتلقونه في مدارسنا الحرة ..
والشاب عمر بن عيسى بعد التحاقه بميدان العمل التجاري .. كانت أمنيته مازالت تراوده للقيام بدور فعال في إصلاح أوضاع مجتمعه سواء من الناحية الاجتماعية أو الاقتصادية. فلاحظ ذووه هذا الاهتمام (1) وهذا الميل الشديد لدى هذا الشاب «فشجعوا فيه هذه البوادر الطيبة» ومن تمّ إلحاقه في نطاق العمل الاجتماعي والسياسي وهذا في سنة 1912، وعمره 28 سنة.
وأول قضية شغلت الشاب وأخذت لب تفكيره هي قضية التجنيد الإجباري للجزائريين عامة والميزابيين بصفة خاصة .. لأن الميزابيين تربطهم معاهدة حماية مع الفرنسيين منذ سنة 1853 .. وتفاصيل هذه القضية ودوره فيها سيأتي شرحها فيما بعد إن شاء الله.
والقضية الثانية التي اهتم بها هي دستور الجزائر عام 1947 .. ومسألة مشاركة ميزاب في الانتخابات التشريعية في المجلس الجزائري .. وسنرى أن صاحبنا عمر بن عيسى رفض الدخول في هذه الانتخابات لأنها تتضمن دخول ميزاب تحت السيطرة الفرنسية المباشرة .. بينما معاهدة 1853 تقول بموجب استقلال داخلي لميزاب .. ولقد
__________
(1) - ومما شجعه أكثر هو وجود إخوته الثلاثة بجانبه يساندونه في أكثر أعماله (1/6)
صفحة 7
عيّن وكيلا للأمة الميزابية سنة 1930 من طرف مجلس عمي سعيد (1) لشرح المطالب الأهلية لدى السلطات الفرنسية .. وقد قام هو وزملاء له في الكفاح بنشاط متواصل في هذا المجال.
ومن أعماله الاجتماعية المعتبرة قضية "لاريجي" التي سنأتي تفاصيلها فيما بعد .. والتي شب النزاع فيها بين الشركة الفرنسية للمياه المعروفة بـ (لاريجي) وسكان المنطقة سنة 1947، فما بعد.
والسيد عمر بن عيسى يعتبر مرجعا رئيسيا لحل المشاكل الإدارية والقانونية (2). ويقول رأيه بصراحة المؤمن الشديد الإيمان بالله والوطن .. ولا يخاف في الله لومة لائم.
يقدس القيم الدينية ويعتبر احترامها واجبا اجتماعيا ضروريا، وكل هذه المميزات أهلته لأن يكون عضوا بارزا في مجلس العزابة الديني بالعطف. ولقد قابل الكثير من الساسة في الحزب والدولة الجزائرية المستقلة يؤكد فيها على هذا الجانب الهام «الجانب الديني» في الحياة الاجتماعية للمجتمع. وله قول مأثور في هذا يقول فيه «الديانة في حق الميزابي أكثر من غيره هي حدود طبيعية وضرورية لحياته الاجتماعية (3)».
وفاته:
وبعد 61 سنة من الكفاح والطموح العاليين، توفي المجاهد الحاج عمر عيسى
__________
(1) - أعلى هيئة دينية واجتماعية في ميزاب.
(2) - ملف أعماله الإدارية والقانونية ضخم جدا كما رأيناه في مكتبة ابنه الدكتور محمد بن عمر
(3) - كتاب مذكرات ووثائق ص 55 للسيد عمر بن عيسى (1/7)
صفحة 8
رحمه الله عن عمر يناهز التسعين سنة وذلك يوم الخميس 29 ديسمبر 1973 .. وقد حضر العديد من الشخصيات الدينية والسياسية على مستوى الوادي جنازة المجاهد المرحوم، فجزاه الله خيرا لما قدم لأمته من جليل الأعمال خير جزاء وأثابه عليه.
إشارة جديرة بالاعتبار:
سافر المجاهد عمر بن عيسى إلى العاصمة في مهمة اجتماعية يرفع تقريرا لوزارة الفلاحة حول وضع القرى السبع من الناحية الزراعية وهذا قبل 48 ساعة من وفاته –رحمه الله-.
وقد علل مجيئه بنفسه -في حالته الصعبة- بأنه يريد تنفيذ كل أعماله بنفسه.
فانظر أيها القارئ إلى هذه العظمة واحكم بما تراه!.
المبحث الثاني: أعماله ومواقفه:
أ) الحالة السياسية لميزاب وأثره فيها:
1) ميزاب في أواخر القرن 19: بعد نزول قوات الغزو الفرنسية في مدينة الجزائر سنة 1930 وتفكك المقاومة النظامية والشعبية في العاصمة .. ثم تلتها المواقع الأخرى وخاصة بعد استسلام الأمير عبد القادر الجزائري سنة 1847. وصلت إلى مدينة الأغواط سنة 1853 أول قوات فرنسية .. ونظرا للضعف العام الذي كان عليه الميزابيون آنذاك وحرصا على المحافظة على أمنهم الداخلي واستقلال شؤونهم الخاصة عن أية فتنة غازية فقد قرر مجلس عمي سعيد إرسال وفد لإمضاء معاهدة حماية مقابل الاعتراف «باستقلال بني ميزاب في جميع مدنهم السبع بإدارة شؤونهم (1/8)
صفحة 9
الداخلية .. وأنهم باقون أبدا مثلما كانوا عليه في الماضي» (1) .. وقد تم بالفعل إمضاء المعاهدة بين الطرفين –الفرنسي والميزابي- في مدينة الأغواط بتاريخ يوم 22 أفريل 1853 .. وهذا مقابل دفع ضريبة سنوية قدرت بـ 45 ألف فرنكا فرنسيا قديمة.
ولكن مع قدوم نابليون الثالث إلى كرسي الحكم في فرنسا وإعلان النظام الجمهوري للمرة الثانية سنة 1882 أمر بالتوغل في الجنوب الجزائري. وقد دخلت فعلا قوة عسكرية بقيادة الجنرال (دولاترودو فرين) إلى مدينة غرداية (2) في هذه السنة .. إلا أنه لم يعلن عن أي تغيير في تسيير الشؤون العامة للميزابيين .. إلا ما يتعلق منها بالشؤون الإدارية البحتة والقضايا التي تنشب بين أفراد فرنسيين ومزابيين والتي يعود فيها الفصل إلى المكتب ( Bureau) أما الأمور الأخرى المتعلقة بالحياة اليومية المزابية فالجيش لم يتدخل فيها إلا نادرا .. ومن بين التدخلات المريبة التعسفية إحكام قبضتها على المحاكم الشرعية للمزابيين وإبطالها لمفعول مجلس عمي سعيد الذي يعد محكمة استئناف عليا في النظام الاجتماعي بالمنطقة.
2) ميزاب في مطلع القرن العشرين وأثناء الحرب العالمية الأولى:
في سنة 1912 صدر قرار وزاري بالتجنيد العسكري الإجباري على الجزائريين فأرغم المزابيون على المشاركة في التجنيد من 30 إلى 50 شابا في السنة .. وقد ألحق هذا القرار هلعا لدى الأوساط الميزابية فارتفعت الأصوات المستنكرة والمنددة بالقرار مطالبة الحكام الفرنسيين بإلغائه ..
ومن الأصوات المستنكرة بصوت عال التي ضجت بالمطالبة وعلت بالتنديد
__________
(1) - مذكرات ووثائق ص 7.
(2) - إدارة فرنسا للجنوب كانت في الأغواط إلى سنة 1882 ثم انتقلت إلى غرداية بدعوى أن غرداية أصبحت بمقتضى المعاهدة معقلا للذخيرة والسلاح لمحاربة النفوذ الفرنسي عن طريق غير مباشر متى سنحت لها الفرصة. (1/9)
صفحة 10
صوت المجاهد الحاج عمر بن عيسى وقد أوكلته أمته سنة 1930 بتقديم مطالب يدعو فيها إلى احترام معاهدة سنة 1853 .. وقد دامت المطالبة بإلغائه حوالي 35 سنة وكانت للوكيل عمر بن عيسى وزملائه اتصالات واسعة مع المسؤولين الفرنسيين في الجزائر وباريس يناشدونهم فيها بالتخفيف من الضغوط الموجهة إلى المزابيين ويشرحون لهم الظروف الصعبة التي يعيشها أهالي ميزاب خاصة بعد فرض القرار المذكور آنفا. ومن بين الشخصيات السياسية الفرنسية التي قابلها الوفد المزابي (كليمو نصو) رئيس وزراء فرنسا قبيل اندلاع الحرب العالمية الأولى بأسبوع ولقد واعد هذا الأخير بدراسة الموضوع إلا أن ظروف الحرب جمدت القرار إلى سنة 1919 حيث تم التأكيد عليه فأصبح ساري المفعول.
3) ميزاب بين الحربين والنشاط السياسي للمجاهد:
شكلت الأمة المزابية وفدا ينوب عنها لدى فرنسا فيما يتعلق بقضاياها الحيوية ومن بينهم السيد الحاج عمر بن عيسى رئيسا للوفد سنة 1930 وأعضاء الوفد الآخرين هم السادة: أعوشت عمر – باعلي الحاج سعيد – محمد الشّرّح – بلحاج بللو. وهذا الوفد قابل المسيو موريس فيوليت حاكم الجزائر سابقا بتاريخ 28 أفريل 1931 وكان آنذاك رئيس للجنة البرلمانية التي تهتم بأمور الجزائريين. وقبل هذا قدمت عريضة لمطالب ميزاب من طرف نائب الأمة المجاهد عمر بن عيسى إلى رئيس الجمهورية الفرنسية ورئيس الجمعية الوطنية الفرنسية ورئيس مجلس الشيوخ الفرنسي سنة 1930 بمناسبة مرور قرن على احتلال فرنسا للجزائر. ومن الذين عملوا في هذا الميدان بصفة عامة إضافة إلى من سبق ذكرهم السادة: حجوط إبراهيم بن بلحاج – الشيخ أبو اليقظان – الشيخ عبد الرحمن بكلي – عيسى بن بكير – الشيخ إبراهيم متياز – باسعيد عدون- الشيخ الثميني – محمد بن الحاج صالح. (1/10)
صفحة 11
وقد كللت أعمال هذه الجماعة المناضلة بنجاح سنة 1948 حين ألغت الحكومة الفرنسية قرار التجنيد الإجباري على أبناء المنطقة بعد كفاح طويل ومرير ومجهودات عظيمة متفانية.
4) ميزاب بعد الحرب العالمية الثانية ونشاط المجاهد:
قبل أن نمضي قدما في وصف الحالة العامة في هذه الفترة يجدر بالذكر هنا أن الوكيل الحاج عمر بن عيسى قد فرضت عليه الإقامة الجبرية عدة مرات في مسقط رأسه العطف نظرا لمواقفه السياسية التي فسرتها الإدارة الفرنسية بالعداء تجاهها وهذا في حدود سنة 1944 وكانت جميع تنقلاته تحت المراقبة المستمرة من طرف هذه الإدارة ..
ففي سنة 1948 وبعد إصدار الحكومة الفرنسية للقانون العام الجزائري ارتأت بعض الزعامات المزابية الدخول في الانتخابات التشريعية في المجلس الجزائري، إلا أن المزابيين وعلى رأسهم المجاهد البطل الغيور الحاج عمر بن عيسى – الحاج محمد – قاوموا هذا الاتجاه مقاومة عنيفة لا هوادة فيها باعتبار أن المشاركة في هذه الانتخابات مناقضة لمعاهدة 1853 التي تحمي المزابيين من التدخل الفرنسي في شؤونه الداخلية وتضيع بذلك 35 سنة من الجهود الجبارة المضنية في سبيل تحرير الشباب الجزائري المزابي من التجنيد الإجباري. ورغم كل هذه الاعتراضات فقد كان للتأثير الفرنسي على تلك الزعامات أثرا عميقا في دخولها غمار الانتخابات التشريعية لعام 1948 بواسطة عملائهم (1).
5) ميزاب والثورة المسلحة ونشاط المجاهد:
لم يبق ميزاب مكتوف الأيدي وهو يشاهد اندلاع الثورة التحريرية المسلحة
__________
(1) - طالع رسالة كشف اللثام عما شغل فكر الخاص والعام .. للمترجم له .. (1/11)
صفحة 12
المباركة كما يدعي ذلك بعض الناس. بل كانت مشاركته مشرفة وتوحي بالوطنية الصادقة والإيمان العميق بالمصير المشترك لكل أفراد الشعب الجزائري الذين منهم المزابيون. ولقد ساعد ميزاب إخوانه الثوار في الجبال والمدن والقرى بالمال والسلاح والرجال.
ونجد مثلا لذلك أن جميع المتاجر المزابية في كامل القطر الجزائري معقلا للثوار وأماكن أمان لهم. ويتذكر بعض المجاهدين في الثورة من ميزاب أن الأعداد الأولى من جريدة "المجاهد" صدرت من متجر مزابي في العاصمة وهو من سكان العطف وهو السيد المرحوم ابن عيسى الحاج محمد بن سليمان بن يحي مصطفى فروخي (ريشيليو سابقا) مع شقيقه حمو (1).
ولا يمكن إنكار جهود كثير من الأقلام الميزابية قبل الثورة خاصة منهم رائد الصحافة الجزائرية الشيخ أبو اليقظان الذي أصدر بنفسه وبطرق مختلفة ثمان صحف كان له الفضل الكبير في تهيئة الجو الملائم للثورة كتوعية وتعبئة الشعب الجزائري للمطالبة بحقوقه الشرعية الفطرية. وهذا إلى جانب عدة صحف أخرى وطنية صادرة آنذاك.
أما المجاهد الحاج عمر بن عيسى فكانت جهوده في الثورة أكثر مما يتحمله شيخ في مثل سنه المتقدمة. ويقول ابنه الحاج محمد الحاج سعيد: إن متجر أبيه الحاج عمر كان من المراكز الكبيرة للثورة منذ اندلاعها إلى سنة 1957 التي ألقي فيها القبض على أحد أبنائه الذي كان يدير المتجر ومن ذلك الوقت أغلق المحل من طرف السلطات الاستعمارية.
والعطف أيضا نفسها كانت من المحطات الكبيرة للأسلحة. وهذا للصبغة
__________
(1) - حمو النوري: دور الميزابيين قديما وحديثا ج2 ص 153 (1/12)
صفحة 13
الغالبة على ميزاب لكونه هادئا من الاضطرابات السكانية كما يذكر ذلك الشيخ عمر بن يوسف عبد الرحمن زميل المجاهد وسكرتيره الخاص ويضيف قائلا: «فالعطف تعد من الملاجئ الآمنة للثوار إضافة إلى كونها عاصمة متنقلة للمنطقة العسكرية السادسة» (1).
ومما تجدر الإشارة إليه في هذا المقام أن المجاهد قُدم إلى المحكمة في مارس 1961 بتهمة حيازة الأسلحة بدون رخصة. وهي تهمة خطيرة في عرف القانون الفرنسي وهذا بعد أن كشف النقاب عنها عن طريق أحد عملاء الاستعمار وأعداء الثورة. وتمّ حبس المجاهد رغم كبر سنه البالغ 75 عاما قبل المحاكمة بحوالي سنتين. وانتقل بين عدة سجون منها الأغواط ثم البليدة ثم إلى ضواحيها في معتقل (الشنو) في جبال شفّة.
6) نشاط المجاهد بعد الاستقلال:
أما بعد انتهاء الحرب في سنة 1962 كان المجاهد قد بلغ من الكبر عتيا ولم يعد قادرا على الحركة بنفس الحيوية السابقة، إلا أنه لم يتخل عن مهمته كوكيل للأمة المزابية. حيث قابل عدة شخصيات في الحزب والدولة الجزائرية الفتية يطالبهم فيها باتباع قواعد الشريعة الإسلامية فيما يخص العديد من القضايا الاجتماعية كالجندية والزواج والقضاء الشرعي وبيع الخمور ... الخ (2).
وقبل ثلاث سنوات من وفاته بعث عدة تقارير إلى رئيس الحكومة ورئيس مجلس الثورة ووزارات أخرى في الدولة كالفلاحة والعدلية والشؤون الدينية
__________
(1) - كما أنها كانت قاعدة عسكرية لتدريب الجنود الجزائريين. والدليل على ذلك مادة في اتفاقيات إيفيان تقرر أن العطف منطقة محظورة على الجيش الفرنسي بعد وقف إطلاق النار في 1962/ 03/19.
(2) - طالع الوثيقة في آخر البحث. (1/13)
صفحة 14
والسياحة يشرح فيها المشكلات التي يعاني منها المجتمع المزابي وطرق علاجها.
7) مقابلاته السياسية:
كانت للمجاهد عمر بن عيسى مقابلات عديدة مع الشخصيات الوطنية والحزبية والفرنسية.
أما الوطنيون فهم: الأمير خالد، الشيخ عبد الحميد بن باديس، مصالي الحاج، البشير الإبراهيمي، وتوفيق المدني. وتبادل معهم وجهات النظر في كثير من القضايا الوطنية. ومن ذلك سفره إلى فرنسا سنة 1939 في وفد يترأسه الشيخ عبد الحميد بن باديس للدفاع عن قضايا الوطن.
أما الزعماء العرب: فقد تقابل معهم في العديد من الدول منها مصر وتونس والحجاز وعمان ... (1)
أما كبار الدولة الفرنسية: فقد تقابل أيضا مع حكام الجزائر منهم: موريس فيوليت، مسيو نيجلان، والمسيو كاترو، والمسيو توينبي ..
وله عدة اتصالات مع شخصيات قانونية وسياسية أخرى يقنعهم فيها بعدالة القضية الوطنية عموما والمزابية منها خاصة.
ب) الحالة الاجتماعية في عهد المجاهد وأثره فيها:
1 - الحياة الاجتماعية من الناحية الجغرافية: تمتاز الحياة الاجتماعية بالقساوة في التحصيل على القوت لما تتميز به أراضي ميزاب الواقعة في الصحراء الجزائرية من طقس جاف وأمطار قليلة تهطل أغلبها في الشتاء، وربما لم تهطل الأمطار في كامل أيام السنة عند توالي الجذب. وهذه الأمطار تسيل على شكل وديان قصيرة المدى. وتقسم نسبة الأمطار بين الأهالي بكيفية هندسية رائعة. ولكن الفلاحة تعتمد غالبا
__________
(1) - لقد راسل الإمام غالب بن علي في عمان. (1/14)
صفحة 15
على الآبار التي يستخرج مياهها بوسائل عتيقة كطريقة جلب المياه بالدلو. عسى أن تدر على العائلة بعض الغلال الضئيلة التي كفى حاجتها فضلا عن تسدية السوق الداخلية.
فبسبب هذه القساوة الطبيعية نجد عددا كبيرا من المزابيين يغادرون أوطانهم من أجل التماس الرزق في أماكن أخرى من القطر الجزائري عن طريق التجارة غالبا –رغم ما يعانيه المغترب من صعوبات الغربة- حتى يخفف بعض التكاليف عن الزراعة فيشمل القوت كل أفراد الأسرة.
2 - وفي الزمن الاستعماري الفرنسي: ازدادت صعوبة الكسب أكثر، عندما أثقلت هذه الأرباح الضئيلة بضرائب مختلفة وعديدة منها ضريبة مكس الأسواق والمجازر والغرامة الشخصية وغرامة الإرث وحقوق التسجيل وخاصة ضريبة معاهدة 1853 التي تقدر بـ 45 ألفا فرنك فرنسي قديم والتي تضاعف عددها سنة 1949 وأصبح حوالي 17 مليونا من الفرنكات الفرنسية (1) مع العلم أن هذه الأثقال التي سلطت على جيب المزابي آنذاك كانت إضافة إلى الفقر والجذب وغلاء المعيشة الذي اجتاح ميزاب كما حدث ذلك في الأربعينات. حتى أن أحد الإخوان ممن مرت به هذه الفترات يتذكر أنه وصل في يوم من أيام الصيف الحارة في شهر جوليت إلى أن قارورة من الماء تقاسمها كل أفراد الأسرة بسويّة مع الجار.
كما يتذكر أيضا أن الخبز يباع بالأنصاف وهذا النصف يجب أن يقسم بين خمسة أشخاص.
__________
(1) - مذكرات ووثائق ص 83 (1/15)
صفحة 16
3 - الناحية التربوية: أما إذا نظرنا إلى الحياة التربوية نجدها مقتصرة على مدارس قرآنية تعرف بالمحضرة تابعة للمساجد "والتي يسعى الاستعمار جاهدا لخنق حرية التعليم العربي الإسلامي بمنعها فتح مدرسة أو محضرة قرآنية إلا بإذن منها (1)».
بالإضافة إلى معهدين دينيين الحياة بالقرارة 1925، والجابري ببني يسجن 1927.
وإذا وجدنا مدرسة عصرية إلى جانب هذه المدارس المحلية فإنها إما تغريبية أو تمسيحية بمعنى أن العلوم الإسلامية واللغة العربية محظورة فيها.
4 - الناحية الإدارية والقضائية: حاولت الإدارة الفرنسية بكل ما في وسعها لشل حيوية الإدارات الدينية في ميزاب مثل: مجلس عمي سعيد، محاكم القضاء الشرعي الإسلامي، هيئة العزابة. مجلس رؤساء العشائر. وتحويلها إلى هياكل بدون وظائف تقريبا. مما جر عنه آفات اجتماعية، «وتمرد عن الدين وارتكاب الفواحش والموبقات» (2).
وخاصة «بعد أن فتحت فرنسا دور البغاء والحانات لبيع الخمور وتعاطيها» (3).
وأمام كل هذه الأوضاع المنحطة من نواحيها الاجتماعية الثلاث: المعاشية والتربوية والإدراية وقف رجال صادقون في وطنيتهم وشخصيتهم الإسلامية بالمرصاد لتفادي الأضرار الناتجة عنها أو للتخفيف من حدتها قدر المستطاع منهم المجاهد والمصلح الاجتماعي عمر بن عيسى –الحاج محمد-
__________
(1) - مذكرات ووثائق ص 8
(2) - مذكرات ووثائق ص 7
(3) - مذكرات ووثائق ص 9 (1/16)
صفحة 17
تأسيس مسرحية النهضة:
وأهم أعماله الاجتماعية إنشاء مدرسة عصرية هي مدرسة «الشبيبةبالعطفاء» والمعروفة حاليا بمدرسة النهضة سنة 1932 الموافق لربيع الثاني سنة 1351هـ، وترأس جمعيتها التي كانت تقوم بالتدريس فيها التي تضم عشرة أعضاء.
وترمي الجمعية إلى إعداد النشء إعدادا إسلاميا يتماشى والتطورات الجديدة، ومن أهدافها البعيدة المدى فضلا عن التدريس إنشاء نادي الشباب ومكتبة للمطالعة ومدرسة للبنات والإشراف على النشاطات الثقافية والفنية في البلدة.
إلا أنه بالإمكان أن يكون وراء إنشائها إعطاء صبغة هيكلية أخرى للمدارس القرآنية في ميزاب حتى يخفف من شدة الضغط التي تتلقاه هذه المدارس من طرف الاستعمار المستبد.
موقفه من شركة حفر الآبار (لاريجي):
ونذكر أيضا على سبيل المثال لا الحصر موقفا من مواقفه الشجاعة تتمثل في الاهتمام الذي يوليه للشؤون الاقتصادية في ميزاب وهذا يتجلى في قضية حفر الآبار الارتوازية التي قامت جمعية فرنسية تعرف باسم لاريجي في 30 ديسمبر سنة 1947 بتنفيذ مشروع حفر الآبار الارتوازية بالأراضي الصحراوية الجزائرية بتكليف من الإدارة الفرنسية والتي أعطت لها صلاحيات التنقيب والتسعير والتوزيع وكل ما يتبع ذلك من التكاليف.
إلا أن هذه الشركة تعرضت لانتقادات شديدة من المزابيين نظرا لأنها تتصرف فيه بتسعير المياه واحتكارها وبتصيّرها تحت رحمتها حتى قال المجاهد الحاج عمر: «إن هذا القرار يجعل مستقبل هذا الوطن بيد (لاريجي) وهي الشركة الفرنسية (1)».
ويعد هذا القرار كما يرى الشيخ تدخلا سافرا في الشؤون الداخلية لميزاب إلا أن القضية كما يظهر لنا اقتصرت على الاحتجاجات الشديدة اللهجة كما وجد معارضة للشيخ من بعض الأطراف في أقصى الوادي!!؟
ومن جهة أخرى فقد كان للمجاهد الحاج عمر مواقف متشددة ضد تقسيم الأراضي المزابية (العرش) مناصفة بين الأهالي وغير الأهالي وقدم احتجاجا في هذه القضية حيث عدّه تدخلا في شؤون ميزاب الخاصة. واغتصاب الأراضي يعد سابقة خطيرة في الشؤون الاقتصادية والتاريخية والسياسية أيضا لميزاب (2).
5 - نشاطه الاجتماعي بعد الاستقلال:
لم يقتصر نشاطه في الفترة الاستعمارية فحسب بل امتد حتى فترة الاستقلال حسبما نجد ذلك في وثيقة له بعثها إلى الرئيس الحكومة السيد هواري بومدين يطلب فيها ببعض الإصلاحات تخص ميزاب كقانون الزواج والخدمة الوطنية ومنع البغاء السري والعلني وحانات الخمور (3) ..
المبحث الثالث:
1) مؤلفاته ومكاتباته الصحفية ومراسلاته:
ومما يمتاز به المجاهد أنه لا يعجز عن الكتابة متى استطاع إلى ذلك سبيلا بل كان يصطحب معه دفاتر صغيرة يسجل فيها كل مذكراته وأعماله وأحداث وطنه (4).
__________
(1) - مذكرات ووثائق ص 35
(2) - كاغتصاب أراضي زلفانة التابعة للعطف طالع ص 17 – مذكرات ووثائق
(3) - طالع الوثيقة في آخر هذا الكتيب
(4) - لقد اطلعنا على بعض هذه الدفاتر لدى مكتبة ابنه محمد (1/17)
صفحة 18
أ) كتّابه: ولاهتمامه بالكتابة اتخذ بعض الكتّاب ممن يرى فيهم الكفاءة في الخط والتعبير وهؤلاء الكتاب يتخذهم في الكتابات العامة: مثل تقديم رسالة مطالب أو شكاية (عريضة) أو مذكرات التي تعتبر اليوم كوثائق تاريخية تحكي عن ظروف ذلك العصر، وأهم الشخصيات التي تساعد المجاهد في الكتابة والرأي.
1 - الشيخ عبد الرحمن بن عمر بكلي «مترجم»
2 - الشيخ أبو اليقظان «شيخ الصحافة الجزائرية»
3 - الشاعر مفدي زكرياء «صوت الجزائر الثائر»
4 - باسعيد عدون بن بكير «أحد وكلاء الأمة»
5 - عيسى بن بكير «أحد الوكلاء الشيخ إبراهيم متياز»
6 - الشيخ عمر بن يوسف عبد الرحمن اليسجني السكرتير من سنة 1946.
7 - الشيخ صدقي الحاج محمد بن أيوب
8 - الحاج سعيد الحاج عيسى بن محمد
9 - كروم الحاج أحمد بن باحمد
ب) مميزات كتاباته:
القارئ لما أملى من كتب ورسائل ومقالات في الصحف يلمس فيها أربع خصال تتبلور في خلالها شخصية المجاهد.
1) التورية العملية والصراحة والوضوح ..
2) التفكير المنطقي الذي لا يقبل التناقضات ولا المراوغات والمغالطات.
3) النزعة الدينية والاجتماعية المتقدة التي لا تقبل أن تهان كرامة الأمة ولا (1/18)
صفحة 19
هضم حقوقها بأيّ ثمن كان.
4) الموضوعية التي لا تقبل تشقيق الكلام أو تفخيمه.
ونضيف له نقطة خامسة وهي:
5) القدرة الكافية على مواجهة كل المشاكل العويصة وعرضها للأطراف المعنية ولو أدّى ذلك إلى مقابلة لتلك الأطراف نفسها حيث أننا لا نجده يذل في كتاباته أمام الاستعمار وعملائه.
ج) مؤلفاته:
ترك ثلاث مؤلفات بين صغير ومتوسط الحجم، وإليكم عرضا سريعا لهذه المؤلفات.
1 - بيان حقيقة: «عن التجنيد الإجباري وما ينتج عنه بوادي ميزاب» باللغتين العربية والاجنبية، تعرض في هذا الكتاب كما هو ظاهر في العنوان إلى قضية التجنيد الإجباري والآثار التي تخلفها في الوادي سياسيا واجتماعية وأيضا اقتصاديا، وقدمت مطالب بوكالة السيد عمر بن عيسى إلى الحكومة الفرنسية مرارا يشرح فيها كل الجوانب المتعلقة بالقضية وقد قدمت هذه العريضة في الذكرى المئوية للاحتلال الفرنسي للجزائر. وقد حرره باسم الشيخ أبو اليقظان إبراهيم بن عيسى.
2 - كشف اللثام عما شغل فكر الخاص والعام: رسالة يشرح فيها قضية الدخول في الانتخابات التشريعية لعام 1947 في المجلس الجزائري يبين فيه مختلف وجهات النظر المتباعدة بين مؤيد ومعارض لهذه (1/20)
صفحة 20
الانتخابات.
3 - مذكرات ووثائق رسمية عن وادي ميزاب في سنة 1951 – 1952: وهو الأخير الذي خرج إلى النور وضمنه الأطوار المختلفة التي مرّ بها ميزاب أثناء هذه الفترة منذ المعاهدة المبرمة مع الفرنسيين سنة 1853. إلى سنة 1951. بعد مرور قرن على المعاهدة وفيه يشرح المراوغات الفرنسية من أجل التدخل في الشؤون الداخلية لميزاب، ومن جهة أخرى يبين فيه فترة حرجة مرت على الوادي والخلافات التي تنشب بين الفئات المختلفة في مختلف القضايا التي يتعرض لها الوادي بصفة خاصة، والوطن الجزائري عامة.
فكل هذه الكتب تعدّ وثائق تاريخية غاية في الدقة والوضوح تبين مراحل الفترة الاستعمارية بالجزائر وميزاب على الوجه الخاص.
كما يلاحظ أيضا الاتجاه القانوني للمجاهد، وأعني بذلك الطريقة الدبلوماسية في تناول موضوعاته ومناقشاته، يشتد حين يكون الموضوع بحاجة إلى ذلك، ويلين في مواضيع أخرى يرى ضرورة لذلك.
والمطالع لكتبه ووثائقه سوف يلاحظ هذه الميزات المذكورة ولو أن مؤلفاته الآن منعدمة في المكتبات نظرا لقدم عهدها نسبيا من جهة، ولعدم الاهتمام بها من طرف المعنيين بالأمر من جهة أخرى. إلا أن آثاره مازالت محفوظة في الأذهان وفي الكتابات التي خلفها.
د) جهوده الصحفية واتصالاته:
المقالات الصحفية التي بين أيدينا لا تشير إلى الاهتمام الخاص للصحافة أو (1/21)
صفحة 21
الاهتمام الدائم بها، وهذا لأعماله وتنقلاته الكثيفة والتي لا تخول له فيما يبدو ولو فترة من الراحة فضلا عن فترة فراغ.
مقالاته التي اتصلنا بها تتعلق إما بمواضيع سياسية أو اجتماعية أخلاقية. كاتب عدة صحف عربية وأجنبية منها صحيفتي المغرب والأمة التي يحررها الشيخ أبو اليقظان، وصحيفة النجاح في العاصمة بالجزائر وكذلك بعض المقالات في الصحف الأجنبية، ومن بين المواضيع التي عالجها موضوع «البغاء الرسمي وأضراره» في عهد الاستعمار حلل فيه المشكلة في وجهة النظر الدينية والأخلاقية وبين مساوئها التي تنجر عنها كالتحلل الاجتماعي وانتشار الفواحش.
وصحيفة المنار نشرت استجوابا للمجاهد عمر بن عيسى في شأن الوحدة الوطنية، وأظهر المجاهد عمر بن عيسى تحمسه لذلك وطالب بإنشاء لجنة لدراسة الوضع السائد، ووضع تقريرا للحالة والبحث عن علاجها (1) ..
وأما مكاتباته السياسية فعديدة حتى في الفترة ما بعد الاستقلال والرسالة التي وجهها لرئيس الدولة الجزائرية (2) (رئيس مجلس الثورة والحكومة) توضح بعض الاهتمامات التي تشغل المجاهد وتؤرقه.
وقد وجدنا في مكتبة ابنه الدكتور الحاج محمد محمد بن عمر الجرائد التي كان يهتم بها ويتابع فيها قضايا الأمة الميزابية التي وكلته لدافع عنها، وهي كما يلي:
الرقم ... الجريدة ... المؤسس
01 ... النور ... الشيخ أبو اليقظان إبراهيم
02 ... وادي ميزاب ... الشيخ أبو اليقظان إبراهيم
__________
(1) - طالع العدد 43 من مجلة المنار من السنة الثالثة سنة 1953
(2) - نص الرسالة في آخر هذا العرض (1/22)
صفحة 22
03 ... الأمة ... الشيخ أبو اليقظان إبراهيم
04 ... الفرقان ... الشيخ أبو اليقظان إبراهيم
05 ... النبراس ... الشيخ أبو اليقظان إبراهيم
06 ... المغرب ... الشيخ أبو اليقظان إبراهيم
07 ... الإصلاح ... الطيب العقبي
08 ... الرأي العام ... حزب الثوري والاستقلال
09 ... العيار ... هراس مصطفى
10 ... المرصاد ... محمد عباسة الأخضري
11 ... الشهاب ... أحمد بوشمال
12 ... الحياة ... بدون صاحب
13 ... المنار ... محمود بوزوزو
14 ... النجاح ... مامي إسماعيل
15 ... النهضة ... الشاذلي الفنسطيني
16 ... المغرب العربي ... محمد السعيد الزاهري
17 ... الصباح ... (من تونس)
18 ... الإرادة ... محمد منصف المنستيري
19 ... لسان الشعب ... البشير الحنفي
20 ... الثبات ... محمد عباسة الأخضري
21 ... الأسبوع ... بدون صاحب
22 ... العرب ... يونس بحري
23 ... الوطن ... فرحات عباس (1/23)
صفحة 23
24 ... النديم ... حسين الجزائري
25 ... الزمان ... محمد بنيس
26 ... العصر الجديد ... أحمد حسين المهيري
27 ... البصائر ... الشيخ البشير الإبراهيمي
28 ... البلاغ التونسي
29 ... البلاغ الجزائري ... الأخضر عميروش
30 ... الزهرة ... عبد الرحمن ضادلي
31 ... المبشر ... بدون صاحب
32 ... الليالي ... علي بن سعد
33 ... الإقدام ... الأمير خالد
34 ... الجريدة الرسمية ... (فرنسية وجزائرية)
وفي معظم هذه الجرائد نجد حاشية أو دائرة حول الموضوع الذي نشر فيها عن ميزاب أو الإباضية أو التجنيد الإجباري (1).
عائلته:
الشيخ عمر رحمه الله كان والدا حنونا أنشأ أسرة كريمة تتكون من السادة:
حني – محمد – إبراهيم – عيسى.
مامة – خديجة – عائشة.
__________
(1) - قمت بتسجيل هذه القائمة في زيارة إلى المكتبة يوم الأحد 21/ 07/1996. (1/24)
صفحة 24
إليك نموذج من مقالاته:
طريقة لجمع كلمة الأمة ووحدتها (1)
يمكن الاتحاد على الأساس الآتي:
أن تتركب لجنة لا تقل عن العشرة ولا تزيد على العشرين ممن تتوفر فيهم الشروط الآتية: الإيمان الصحيح والصدق والشجاعة لتبحث عن أسباب افتراق الأمة الجزائرية بحثا دقيقا تفحص الموضوع فحص الطبيب لجسد المريض. إذا استكشفت الأسباب عين كل اختصاصي لمعالجة موضوع اختصاصه ونعطي له مدة ثلاثة أشهر يقدم عند انتهائها تقريره الجامع لنتائج أبحاثه ثم يجتمع هؤلاء عند تمام المدة لدرس ما هيئ من التقارير وعلى أساسها يخطون الطريق الموصلة للأمة إلى ساحل النجاة.
والوسيلة إلى تشكل اللجنة استدعاء رجال الأمة على صفحات الجرائد لهذه المهمة فتنتخب من أكفائهم وعلى من وجدت فيه الخصال الحميدة الآنفة الذكر أن لا ينعزل ويترك الأمة تتخبط في ظلمات الجهل وإلا دخل في وعيد قوله تعالى: «إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولائك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون». والحذر الحذر ممن يدعي الشيخوخة أو الزعامة وهو منافق أو طماع أو مراوغ أو خائن أو مادي فهؤلاء لا يصلحون لشيء من الخير ولا يصلح لهم شيء. هذا رأيي في المسألة. أما الاجتماعات العامة والخطب الرنانة لمعالجة الموضوع فسابقة لأوانها وربما كان ضررها أكبر من نفعها ..
__________
(1) - طالع العدد 43 من مجلة المنار من س 3 عام 1953. (1/26)
صفحة 25
عزيزي القارئ:
بعد هذا الاستعراض لحياة المجاهد عمر بن عيسى من الناحية السياسية والاجتماعية نود أن نضع النقاط على الحروف، ونبين الوجهة التي كان ملتزما بها طوال حياته العملية المديدة.
1 - سارع بكل ما أوتي من إمكانيات للمحافظة على معاهدة 1853 وكان يراها أقل الضررين. وعمل من أجل أن يتحرر ميزاب داخليا، وقاوم كل الإجراءات الفرنسية من أجل إدخال ميزاب داخل رقعتها الاستعمارية المباشرة وذلك بتقديم المطالب باحترام المعاهدة والمحافظة عليها بطرق دبلوماسية مرنة، ويرى أن تحرير ميزاب لا يتناقض أبدا مع مبدأ أن ميزاب جزء لا يتجزأ من الجزائر العربية المسلمة.
2 - توقه الشديد إلى أن يرى مجتمعه مجتمعا فاضلا مستمسكا بحبل الله المتين، كما يرى أن تكون التعاليم الإسلامية محترمة ومطبقة وما ذلك على الله بعزيز.
كلمة أخيرة:
رحم الله تلك الروح الطاهرة السامية بأعمالها إلى مدارج الكمال "والتي ملأت الدنيا وشغلت الناس" ردحا من الزمن. كان فيه المنصب الشاق والخطير. هو هذا العمل وأمثاله لكونه يعرض العامل فيه نفسه للخطر في كل مقابلة مع الخصم وهذا مع صعوبة التنقل وانعدام أمن الطريق متى دعت الضرورة للسفر والانتقال.
وأخيرا نحمد الله ونشكره على توفيقه إيانا لنفض غبار الإهمال والنسيان عن هذه الشخصية التاريخية التي كاد الزمن أن يمحيه من الأذهان لولا رجال عاصروه (1/27)
صفحة 26
وساروا معه في ركب كفاحه الطويل، ولولا أيضا كتبه ووثائقه وأبناؤه البررة (1) الذين وفوا بالتزامهم تجاه والدهم.
ونحن نعتقد أن الصعوبة التي يجدها المحقق في مثل هذه التراجم هو توزع المادة والمعلومات في مناطق متعددة ومتباعدة والشيء الأمرّ والأدهى من هذا هو جمع هاته المعلومات من صدور الرجال والمسنين والمعاشرين للأحداث المراد تحقيقها.
ولكن لو أن كل شخصية تاريخية تقابل بالعجز عن جمع تاريخها بدعوى العراقيل التي نتلقاها عند الأسباب المذكورة آنفا .. فإننا سنضيع تاريخنا ونطمسه بأيدينا –لا قدر الله- وبالتالي نبقى دائما في دوامة من إعادة الأخطاء الماضية. فنتأخر عوض أن نتقدم لكوننا لم نربط حاضرنا ومستقبلنا بماضينا سلبا وإيجابا!
ثم إن أقل ما يمكن أن نقدمه لهاته الأجيال الماضية التي شقت من أجلنا كاعتراف للجميل هو تدوين أعمالها الجليلة.
وأخيرا لا نستطيع أن نقول أننا استقصينا كل أعمال المجاهد «وإنما حاولنا كشف النقاب عنه» ونحن نأمل أن تكون هناك كتابات مماثلة وأفضل منها للمجاهد ولغيره من الرجال أوقفوا حياتهم رهن أمتهم وفي سبيل التقدم بها إلى النصر والسعادة.
وفي الختام نتقدم إليك عزيزنا القارئ بطلب المعذرة عما تجده من أخطار من جهة المضمون أو الشكل ونحن حاولنا –قدر المستطاع- أن نخرج لك هذا الموجز في أنسب ثوب. وفي الحقيقة ما هذه إلا محاولة أولى منا في ميدان الترجمة خاصة والكتابة بها الشكل. وبالنسبة لنا تُعد مغامرة لكوننا لم نصل بعد إلى مرتبة الكُتاب المتمرنين. لذا فإن كل ما هو موجود في البحث قابل للبحث والمناقشة، على أن
__________
(1) - أبناؤه: منهم السياسيون والقضاة والأطباء (1/28)
صفحة 27
تكون المناقشة نزيهة وعلمية، حتى يكون لنا ذلك حافزا على مواصلة الطريق. ومشجعا لنا ولغيرنا ممكن يسلك نفس الطريق على إفادتك بكل ما أوتينا من معلومات في المستقبل المنظور والبعيد إن شاء الله. متى سنحت لنا الفرصة ذلك ومتى أنسنا القدرة من أنفسنا على الكتابة وتسجيل تاريخ العظماء. ومسكا للختام نتلوا قوله تعالى: «ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ... » (1/29)
صفحة 28
المصادر والمراجع
1 - أبناء المجاهد الحاج محمد سعيد وإبراهيم وعيسى
2 - مكتبة ابنه الدكتور محمد
3 - سكرتيره الخاص: الشيخ عمر بن يوسف عبد الرحمن اليسجني
4 - مؤلفات المجاهد: - كشف اللثام مما شغل فكر الخاص والعام.
- مذكرات ووثائق رسمية عن وادي ميزاب
- بيان الحقيقة عند التجنيد الإجباري
5 - د. محمد ناصر: - كتاب أبو اليقظان وجهاد الكلمة.
6 - محمد بوزوزو: - سلسلة التراث، إعداد مجلة المنار.
7 - الشيخ حمو النوري: - دور الميزابيين قديما وحديثا ج2 ص 114
8 - الحاج سعيد يوسف: - تاريخ بني ميزاب ص 225
9 - جمعية التراث: - معجم أعلام الإباضية ج3 ص 647 رقم: 667.
10 - علي يحي معمر: - الإباضية في الجزائر ص 594
11 - محمد علي دبوز: - أعلام الإصلاح ج2 ص 243. (1/30)
صفحة 29
فهرس البحث
الإهداء
المقدمة
التعريف بالمجاهد
الحالة السياسية لميزاب وأثره فيها
الحالة الاجتماعية في عهد المجاهد وأثره فيها
مؤلفاته ومكاتباته الصحفية ومراسلاته
مميزات كتاباته
الخاتمة
المصادر
فهرس البحث (1/31)