صفحة 1
بحث مسابقة: خلف بن سنان حياته وشعره لجمال النوفلي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] مقدمة
الحمد لله وكفى والصلاة والسلام على النبي المصطفى محمد القائل : " إن من الشعر لحكمة، وإن من البيان لسحرا " (1) وعلى آله وصحبه الشرفا.
أما بعد :
فإن هذا البحث في الأدب العماني، كتبته إضافة بسيطة لإظهار تراث عمان وحضارتها، لأن هذا التراث ظل طيلة تلك الحقب السالفة حبيسا لم يكتب له أن يرى النور فتعرف به حضارة عمان وسالفها العريق، فالأدب العماني بصفة عامة والشعر بصفة خاصة ما يزال رهين الوطن، ولم يحظ بنصيب وافر من الدراسات الأكاديمية .
... لهذا رأيت أن أتقدم بهذه الدراسة التي قد تساهم في الكشف عن هذا الأدب المحبوس، وتزيح عنه بعض ذاك الغموض
... فلهذا رأيت أن أساهم في العمل على إزالة الغبار عن هذا التراث، ورفع الغموض عنه بالكشف والتنقيب والتحليل من خلال ( دراسة حياة وشعر الشيخ خلف بن سنان الغافري ).
وحسب علمي أنه لم يكتب في هذا العلم من الدراسات الأدبية التاريخية إلا دراستان إحداهما : كتاب ( إيقاظ الوسنان في شعر وترجمة خلف بن سنان ) للشيخ سيف بن حمود البطاشي.
وكتاب ( المحسنات البديعية في شعر الشيخ خلف بن سنان ) للأستاذ عيسى المسعودي.
وأما كتاب ( الشعر العماني ـ اتجاهاته وخصائصه الفنية ) فإنه يتسم بصفة التعميم، إذ أن الباحث اهتم برصد الظواهر الغالبة والخصائص العامة في أدب طائفة من الأدباء، لكل مرحلة من مراحل تطور الأدب العماني، فلهذا جاءت دراسته عامة تشمل أكثر من شاعر في حكم واحد.
ومن أسباب اختياري لهذا الموضوع أن خلف بن سنان عاش في فترة قامت فيها دولة قوية فتية امتد كيانها إلى الهند وشرق أفريقيا، واستمرت في نهوضها ما يقارب قرنين من الزمان فكان جديرا بي أن أكشف عن نشاط وطبيعة أدب هذه الدولة اليعربي وخصائصه من خلال دراسة شخصية واكبت نهوض هذه الدولة وفتوحاتها وانتصاراتها.
منهج الباحث :
__________
(1) أخرجه الربيع (1/1)
صفحة 2
أما المنهج الذي اتبعته في كتابة هذا البحث، فقد اتبعت ثلاثة مناهج هي المنهج التاريخي والمنهج التحليلي والمنهج الإستقرائي، فاستفدت من المنهج التاريخي في بيان الحقبة التاريخية التي عاش فيها الشاعر وفي تتبع أحداث ذلك العصر، واستفدت من المنهج التحليلي في تحليل النصوص ونقدها وبيان ما فيها من معان وقيم جمالية، استفدت من المنهج الاستقرائي في استقراء شعره واستخراج ما فيه من خصائص وحوادث تاريخية وكل ما يوصل إلى معرفة شيء عن حياته وشعره.
وقد قسمت هذا البحث إلى ثلاثة فصول وخاتمة :
الفصل الأول : تحدثت فيه عن عصره وقسمته إلى ثلاثة مباحث، المبحث الأول تحدثت فيه الحياة السياسية قبل وحين قيام الإمامة اليعربية، وتحدثت في المبحث الثاني عن الحياة الاجتماعية، والمبحث الثالث عن الحياة العلمية.
وفي الفصل الثاني بدأت الحديث عن حياته، فقسمته إلى ثلاثة مباحث : المبحث الأول تحدثت فيه عن حياته الشخصية ( اسمه، ونسبه وولادته ووطنه ووفاته )، وفي المبحث الثاني كان الحديث عن حياته الإجتماعية ( تنقلاته، علاقته، أسرته )، وأما المبحث الثالث فقد انتهيت فيه على الحديث عن حياته العلمية وقد شمل صفاته العلمية، وصفاته الخلقية، والعوامل المؤثرة في تكوينه العلمي، وانتاجه العلمي.
وخصصت الفصل الثالث لدراسة شعره من حيث الاتجاهات والخصائص والمؤثرات، حيث قسمته إلى ثلاث مباحث : الأول : درست فيه اتجاهات شعره على مطلبين : المطلب الأول : تحدث فيه عن الاتجاه التقليدي ( المديح ـ الغزل ـ الحماسة )، والمطلب الثاني : تحدثت فيه عن الإتجاه التقليدي ( الأخوانيات ـ الوعظ والحكم ـ النصائح ). (1/2)
صفحة 3
وفي المبحث الثاني تحدثت عن المؤثرات في شعره فكانت خمس مؤثرات على خمس مطالب : الأول تحدثت فيه عن القرآن الكريم وأثره في شعره، والثاني : تحدثت عن أثر السنة في شعره، والثالث : تحدثت عن أثر الثقافة العربية فيه، والرابع : تحدثت عن أثر النزعة التقليدية في شعره، وأما المطلب الخامس فتحدثت فيه عن أثر النزعة المذهبية وانتمائه الفكري على شعره.
وأما المبحث الثالث والأخير فقد كان دراسة فنية لشعره من حيث الخصائص، وقسمته إلى أربعة مطالب : المطلب الأول بناء القصيدة، وتحدثت فيه عن الأسس التي وضعها النقاد لبناء القصيدة من حيث المطلع ووحدة الموضوع والتزام الشاعر بها وعدمه ونحو ذلك، وتحدثت في المطلب الثاني عن الأسلوب الشعري الذي اعتمده الشاعر في تعبيره، والمطلب الثالث تحدثت فيه عن المعجم الشعري الذي استمد منه الشاعر ألفاظه التعبيرية وطريقة استخدامة لها، وفي المطلب الأخير أفردت الحديث عن المحسنات البديعية التي يكثر الشاعر استخدامها في شعره كالجناس والتروية والطباق ونحو ذلك.
الصعوبات التي واجهت الباحث :
ومن الصعوبات التي واجهتني في هذا البحث قلة المصادر وشحها، وقلة العارفين والمطلعيت على هذه الشخصية، فلذا اعتمدت كثيرا على منهج التحليل والإستقراء والإستنتاج للكشف عن شخصية الشاعر وحياته، وقد وجدت في شعره ما أسعفني في ذلك، إلا أنها لم تكن معلومات دقيقة وصريحة إلى ذلك الحد.
وقد استعنت في دراستي هذه بالمعاجم اللغوية : كلسان العرب والقاموس المحيط ومختار الصحاح، في معرفة ألفاظ الشاعر وعباراته في قصائده.
واستفدت من كتب الأعلام ككتاب ( وفيات الأعيان ) لابن خلكان، و(معجم الشعراء ) لكامل سليمان، ومن كتب الأعلام الحديثة ككتاب ( إتحاف الأعيان في علماء عمان ) للشيخ سيف البطاشي، و ( معجم شعراء الإباضية ) لفهد السعدي الذي ما زال مرقوما , استفدت منها جميعا لترجمة الأعلام الواردة في قصائده. (1/3)
صفحة 4
وأما الكتب الحديثة غير المعاجم فقد أفادني كتاب ( إيقاظ الوسنان في ترجمة وشعر خلف بن سنان ) فقد اعتمدت عليه كثيرا إذ أنه حوى أكثره، وأما حياته فقد استفدت منه قليلا، لأن الترجمة التي أوردها الشيخ البطاشي لم تكن متكاملة من جميع الجوانب وإنما ينقصها الكثير.
وأما ترجمة الأستاذ عيسى المسعودي لخلف بن سنان في بحثه عن (المحسنات البديعية عند الشيخ خلف) فقد استفدت منه في جانب المحسنات البديعية أكثر مما استفدت في الفصول الأخرى.
وأما المخطوطات فهناك مخطوط لديوان الشيخ خلف في وزارة التراث والثقافة لم أستطع الوصول إليه والاستفادة منه بسبب تمزقه وعدم وضوحه، وقد أغناني عنه كتاب ( إيقاظ الوسنان ) لشموله على أكثر شعره.
هذا وأسال الله تعالى أن يجعل هذا البحث في ميزان حسنات باحثه، والحمد لله أولا وأخيرا على ما أسبغ علينا من نعم وما وتوفيقي إلا به.
جمال بن مبارك النوفلي
الفصل الأول :
الأحوال السياسية والإجتماعية والعلمية
المبحث الأول :
الحالة السياسية
المبحث الثاني :
الحالة الاجتماعية
المبحث الثالث :
الحالة العلمية
المبحث الأول : الحالة السياسية
إن شخصية شاعرنا الشيخ خلف بن سنان لم تكن بمعزل عن الأحداث السياسية المواكبة لسير حياته ، بل إن مكانته لدى الأئمة ومنزلته عند الناس أقحمته في خضم تلك الأحداث وفي معمعة الحروب السياسية والإعلامية والميدانية وغيرها، مما أهله ليكون حقا رجلا من رجالات الدولة له المحل الأقرب لدى الأئمة اليعاربة، ورجلا من رجالات العلم له رجعية العلماء والناس ، ورجلا من رجالات الأدب والشعر ينافح عن وطنه بلسانه المسلول في وجوه الأعداء.
كل ذلك نجده بارزا في شعره وبائنا في ثنايا أبياته ورسائله كما سنعلم ذلك عند دراستنا شعره واتجاهاته . (1/4)
صفحة 5
ولا شك أن العوامل الخارجية من سياسية وغيرها لها دور كبير في فهم معاني أبيات الشاعر و أدراك مرامي مجازها وتشبيهاتها مما يضفي على الدراسة المصداقية العلمية ويجعل التحليلات مبتناة على أسس علمية تاريخية صحيحة . ...
وكان للحياة السياسية في عهد الدولة اليعربية جانبان متنازعان ومتصارعان :
1ـ الجانب الخارجي :- ويمثل البرتغال وملوك اليمن والهند وشرق أفريقيا
2ـ الجانب الداخلي :- ويمثل أئمة اليعاربة وزعماء القبائل العمانية منذ بداية قيام هذه الدولة بقيادة الإمام ناصر بن مرشد اليعربي.
...
وسنفرد لكل جانب حديثا نحاول فيه أن نلم الموضوع من كل جوانبه بإيجاز غير مخل.
1ـ الجانب الخارجي :
البرتغال هي شعوب من شعوب أوربا، جاؤوا إلى شرق أفريقيا والجزيرة العربية والهند وفارس بعد اكتشافهم طريق رأس الرجاء الصالح 1498م ، لأهداف دينية وسياسية واقتصادية وكان البرتغال طليعة الاستعمار الأوربي على العالم الإسلامي الشرقي.
أدى قدوم البرتغال إلي المحيط الهندي وبحر العرب إلى وقوع صدامات بينهم وبين العرب والمسلمين من أبناء اليمن وعدن عمان وهرمز وفارس، ونجح البرتغال في هذا الصراع مما أوصل إلى إضعاف سيطرة نفوذ المسلمين والعرب على الملاحة في المحيط الهندي والتجارة فيه ،" واتسم ذلك الصراع الذي نشب بينهم وبين البرتغاليين بنزعة دينية صارخة وتعصب قوي" (1) .
وبدافع هذه الروح الصليبية تعامل البرتغال مع المسلمين وبكل وحشية وقسوة .
وقد ثبت البرتغال أقدامهم في سواحل عمان عام 1507م تحت قيادة البوكيرك بعد عمليات الاستطلاع التي قام بها فاسكودي جاما بتسع سنوات (2) .
__________
(1) عائشة السيار - دولة اليعاربة عمان وشرق أفريقيا - دار القدس – ط 2 - ص 23 .
(2) ذ. ويندل فيليبس - تاريخ عمان – وزارة التراث القومي والثقافة - ط 1: 1401هـ / 1981م ـ ص49 . (1/5)
صفحة 6
كانت عمان في تلك الآونة مهيضة القوى، وذلك بسبب تقسمها إلى مشيخات وإمارات تقاتل كل منها الأخرى، ولم تكن بها إمامة موحدة تجمعها ، وترجع إليها وتلتف حولها إلا ما كان من سلطة وغطرسة النباهنة التي أوهت قوى الشعوب العمانية، أدى ذلك كله إلى انفصام المدن الداخلية العمانية، مما سهل للغزاة البرتغال الاستيلاء عليها.
فقد استطاع الجيش البرتغالي احتلال أربع مدن عمانية بكل سهولة، وهي قلهات وقريات ومسقط وخور فكان مع نهب ثرواتها وإحراقها، وسيطر البرتغاليون على السواحل العمانية من صور حتى خور فكان وهرمز التي وقفت ـ هي الأخيرة ـ في وجه البرتغال صامدة. ...
... واستمر البرتغال مسيطرين على الأوضاع في المحيط الهندي وبحر العرب والخليج العربي رغم الثورات والمنافسات حتى نهاية القرن السادس عشرة . (1)
كان من أهم أسباب جلاء البرتغال عن الخليج العربي والمحيط الهندي قيام الدولة العمانية وتوحدها ، تحت راية الإمامة اليعربية التي لم تكتف بتخليص الأرض العمانية من المحتلين ، وإنما تتبعتهم في ممالكهم المتناثرة في سواحل المحيط الهندي وحتى السواحل الأفريقية .
وأما الفرس فكانت علاقتهم بالسواحل العمانية علاقة قديمة جدا قبل الإسلام، ولم تكن علاقتهم مع العمانيين تتسم بطابع السلم ولا الحرب، وإنما كانت تتغير من فترة إلى أخرى حسب الظروف السياسية والاقتصادية، وبمثل هذه العلاقة استمرت الأحوال في عهد اليعاربة، فتارة يستولون على بعض مدن الساحل مثل جلفا ر وصحار، ويغيرون أحيانا على مدن الداخل، وتارة يتحدون مع العمانيين ضد البرتغال ومرة العكس.
ولم تكن علاقة الهند بعمان إلا علاقة تجارية ليس إلا، ولا شك أن طرد العمانيين الأساطيل البرتغالية من سواحل الهند نصر أجلى عن كواهل الهنود ثقلا وضعفا كانوا يرزحون تحته طيلة ربع قرن أو أكثر. ...
__________
(1) المرجع السابق – ص 58 . (1/6)
صفحة 7
... وأما اليمن فيظهر من الرسائل التي دارت بين الملوك وبعض أئمة عمان أن هناك تنازعا وخلافا أدى إلى إرسال الإمام سلطان بعض جيوشه لمنازعة ملوك اليمن. (1)
اليعاربة :
الأئمة اليعاربة هم الذين آلت إليهم الإمامة الإباضية والسلطة في عمان بعد انقطاعها في عصور النباهنة ، وكان قيام هذه الإمامة على يد خميس الشقصي ومن معه من العلماء المجاهدين العاملين بتنصيب الإمام ناصر بن مرشد بن مالك اليعربي إماما على عمان عام 1034م.
__________
(1) انظر رسائل الإمام سلطان بن سيف بن مالك إلى ملك اليمن . البطاشي : سيف بن حمود - إيقاظ الوسنان في شعر وترجمة الشيخ خلف بن سنان – ط 1 : 1415 هـ / 1995 م – ص 40 وما بعدها . (1/7)
صفحة 8
وقد اختلف النسابون في نسب اليعاربة فذهب الإمام نور الدين السالمي (1) وعبدالله بن خلفان بن قيصر (2) والكيذاوي (3) الشاعر إلى نسبهم إلى نصر بن زهران وذهب ابن رزيق (4)
__________
(1) هو الشيخ عبدالله بن حميد بن سلوم ، أبو محمد نور الدين السالمي ، ولد سنة 1286 هـ ببلدة الحوقين من أعمال (الرستاق) ، وهو فقيه مدقق وإمام محقق ومرجع عمان في عصره وناظم للشعر ، عاش في آخر القرن الثالث عشر والنصف الأول من القرن الرابع عشر الهجري ،توفي سنة 1332هـ ، ترك العديد من الآثار العلمية منها : شرح مسند الإمام الربيع – تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان – مشارق أنوار العقول . المصدر : السعدي : فهد بن علي - معجم أعلام شعراء الإباضية – مرقوم ص 119 - العلم 285 .
(2) هو الشيخ عبدالله بن خلفان بن قيصر بن خلفان الصحاري ، فقيه وناظم للشعر ، عاش في القرن الحادي عشر الهجري ، وهو من بيت علم وأدب. المصدر : البطاشي : إتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عمان – الناشر مكتب المستشار الخاص لجلالة السلطان للشؤون الدينية والتاريخية – ط2 – ج 3 – ص 362.
(3) هو موسى بن حسين بن شوال الحسيني المعروف بـ( الكيذاوي ) ، شاعر مدح ملوك النباهنة المتأخرين ، عاش في القرن العاشر الهجري ، ولد ببلد محليا من وادي ( عندام ) من الناحية الشرقية . المصدر : دليل أعلام عمان ، جامعة السلطان قابوس – ط1 - ص155 .
(4) هو الشيخ النسابة المؤرخ حميد بن محمد بن بخيت بن رزيق العبيداني الصحاري ، عالم فقيه مؤرخ ، عاش في القرن الثالث عشر الهجري ، من مؤلفاته : الفتح المبين في سيرة السادة البوسعيديين المرجع : ابن رزيق : حميد بن محمد – الفتح المبين في سيرة السادة البوسعيديين – وزارة التراث القومي والثقافة – ط3 – ص أ ، ح .. (1/8)
صفحة 9
وأبو مسلم البهلاني (1) وسالم بن حمود السيابي (2) إلى أنهم ينسبون إلى النباهنة بل إلى أبي العرب بن عمر بن محمد بن عمر بن نبهان بن عثمان ، ولعل الرأي الأول أقرب للصحة لدى المحققين لأن ابن قيصر والكيذاوي من العلماء المعاصرين لأئمة اليعاربة ، وإن خالف هذا الرأي كثيرا من المعاصرين والباحثين ، وقد أشار الشيخ خلف بن سنان إلى نسبهم في عدة مواضع من شعره منها قوله :
فاستوثقوها وحلوها شراة فتى ... ... ... نصر بن زهران آساد الشرى الزهر (3) ...
وعدم إنكارهم له ولغيره من الشعراء دليل على إقرارهم لهذا النسب وهم أدرى بنسبهم.
وهذا ملخص لأسماء الأئمة اليعاربة وأهم الأحداث التي وقعت في حياتهم من الإمام ناصر بن مرشد 1034م حتى سيف بن سلطان الثاني.
1- الإمام ناصر بن مرشد ( 1034 – 1050) بن سلطان بن مالك بن أبي العرب بن محمد بن يعرب بن مالك بن يعرب بن مالك بن يعرب بن مالك اليعربي .
__________
(1) هو الشيخ ناصر بن سالم بن عديم الرواحي الملقب بـ ( شاعر العرب ) ، ولد عام 1277هـ في بلدة محرم من وادي بني رواحة التابع لولاية سمائل ، وتوفي في صفر سنة 1339 م ، وهو قاض فقيه وأديب شاعر بليغ ، عاش في الثلث الأخير من القرن الثالث عشر والنصف الأول من القرن الرابع عشر الهجري ، له العديد من الآثار العلمية والأدبية منها : نثار الجوهر في غلم الشرع الأزهر – العقيدة الوهبية – النشأة المحمدية في مولد خير البرية . المصدر : معجم أعلام شعراء الإباضية ص 192 العلم 466
(2) هو الشيخ سالم بن حمود بن شامس السيابي ، توفي 1993م ، فقيه مؤرخ ووال قاض ، تعلم على يد الشيخ خلفان بن جميل السيابي ، وجالس الإمام الخليلي ، له الكثير من الآثار العلمية منها : عمان عبر التاريخ – أصول الإسلام . المصدر : معجم أعلام شعراء الإباضية . ص 63 العلم 1121
(3) البطاشي - إيقاظ الوسنان – ص 81 (1/9)
صفحة 10
نشأ في رعاية زوج أمه الشيخ خميس بن سعيد الشقصي (1) في (الرستاق) , والذي ولاه العلماء الإمامة في عمان عام 1034م.
كان زاهدا ورعا عدلا حليما جوادا آمرا بالمعروف وناهيا عن المنكر ومجاهدا في سيبل الله، ووحد القبائل العمانية تحت طاعته، وحارب البرتغال، وهدم بروجهم في مسقط ، ثم صالحوه على دفع الجزية ، ورفع أيديهم عن ما كان للعمانيين من أملاك , توفي يوم الجمعة 10 ربيع الثاني سنة 1050 ودفن في (نزوى) (2) (3) .
2- سلطان بن سيف بن سلطان بن مالك ( 1050- 1090)
ابن عم الإمام ناصر بن مرشد تولى الأمور بعد ابن عمه بمشورة وانتخاب العلماء وأهل الحل والعقد لشجاعته ودينه وخلقه.
فتح مدينة صور في عهد الإمام ناصر . وقد أجلي في عهده البرتغال من عمان والخليج ، واستمر يغزوهم في الهند وشرق أفريقيا ثلاث سنوات ، واجتاح عساكرهم في (الديو ) و (دامان ) وقفل بغنائم وافرة .
__________
(1) هو الشيخ العلامة خميس بن سعيد بن علي الشقصي ، من أشهر علماء عمان في القرن الحادي عشر ، ومن المؤلفين والمتصدرين للفتيا ، من مؤلفاته : منهج الطالبين وبلاغ الراغبين – منهج المريدين . المصدر : البطاشي – إتحاف الأعيان – ص 149 .
(2) نزوى) ( قلب عمان ) وهو من أعظم المراكز العمانية إذ هي تخت مملكة عمان وكرسي إمامتها من قدبم الزمان ، تقع في سفح الجبل الأخضر من الجنوب بين جبال هي سورها ، في فضاء صالح غير مكتض . المصدر : السيابي : سالم بن حمود – العنوان عن تاريخ عمان – ص 63 .
(3) الخروصي : سليمان بن خلف - ملامح من التاريخ العماني – الضامري للنشر – سلطنة عمان ط 3 : 1422هـ / 2002 ص 144. (1/10)
صفحة 11
وروج للتجارة وعمر الأسواق وجلب الأسلحة والخيول ، وغرس آلاف النخيل والأشجار، وأجرى الأفلاج ، وجدد من تلك الأموال بناء قلعة (نزوى) الشهباء (1) . توفي يوم الجمعة السادس عشر من ذى العقدة سنة 1090ه في (نزوى) (2) .
3ـ الإمام بلعرب بن سلطان بن سيف بن مالك (1090 - 1104)
ولد في نزوي ونشأ على العلم والنعمة والترف والأخلاق الحسنة . وكان مستشارا لوالده الإمام سلطان بن سيف في حياته (3) ، و كان أديبا شاعرا بارعا .
بنى حصن جبرين (1098هـ) ، وهو روعة في الحسن والهندسة وتجري من تحته الأفلج ، واتخذه الإمام حصنا وسكنا له . وأسس فيه كلية علمية تخرج فيها العلماء والأدباء والشعراء يزيد عددهم عن الخمسين . وجاء في عهده إلى عمان عمر بن سعيد بن محمد بن زكريا (4) ، فأشار عليه أن يحث أهل عمان على طلب العلم . توفي عام 1104 هـ بعدما وقعت فتنة بينه وبين أخيه سيف بن سلطان الذي حاصره في حصنه جبرين ، فوقع بينهما القتل في أهل عمان ، وسفكت الدماء حتى قضى الإمام بلعرب نحبه في مصلاه بالحصن (5) .
4ـ الإمام سيف بن سلطان (قيد الأرض )( 1104هـ - 1123 )
__________
(1) أهم المعالم الأثرية الموجودة في ولاية (نزوى) ، ارتفاعها 24 مترا ، كانت مقرا لحكم كثير من الأئمة ، بناها سلطان بن سيف بن مالك . المصدر : مسيرة الخير ( الداخلية ) ص 26 .
(2) المرجع السابق – ص 141 .
(3) المرجع السابق – ص 143 .
(4) لم نجد له ترجمة .
(5) السيابي : سالم بن حمود – عمان عبر التاريخ – وزارة التراث القومي والثقافة – ط4 – ج3 – ص 248 . (1/11)
صفحة 12
بويع بالإمامة عام 1104 هـ ، فكان أعظم حاكم عادل بلغت عمان في عهده قمة المجد ، حتى عدها المؤرخون الأوربيون الدولة الرابعة من الدول العظمى ، امتد حكم عمان في عهده من الهند (بمباي) شرقا حتى ممباسة وشمال أفريقيا ورأس الرجاء الصالح غربا. وكانت تأتيه الجزية من تلك المناطق ، وقد بلغ أسطوله 24 مركبا من السفن الكبار على إحداها ثمانون مدفعا، وتذكر كتب التاريخ أنه نزل بأرض الهند بستة وتسعين ألف حصان . وازدهت عمان في عهد رخاء وسعة ورفاهية فقد أجرى الأفلاج ، وغرس مئات الآلاف من الأشجار والنخيل ، توفي ب(الرستاق) (1) عام 1123هـ (2) .
5- سلطان بن سيف بن سلطان ( 1123هـ - 1131 )
ولد ب(الرستاق) سنة 1090هـ ، في بيئة علم وأدب وشجاعة وسياسية ، عرف بالجود والكرم ، وكان الناس تقصده لقضاء جوائجها فلم يرد لأحد يده .
بويع بالإمامة عام 1123هـ ، وكان حريصا على السير في طريقة أبيه في فتح الفتوحات ، فقد ضم إلى حكم عمان كلا من البحرين وجزيرة لاك وهرمز والقسم . ثم بنى قلعة الحزم (3) في (الرستاق) التي عرفت بشموخها وفن عمارتها وحسن هندستها، وقد أكثر الأدباء والشعراء في وصفها والتغني بها ، فهي لا تقل ورعة عن حصن جبرين . توفي في جمادى الأخرى عام 1131هـ ودفن في القلعة التي بناها (4) .
المبحث الثاني : الحالة الاجتماعية
__________
(1) هي واحدة من ولايات الحجر الغربي ، من منطقة جنوب الباطنة ، تتصل شرقا بالعوابي ، وغربا بعبري ، وشمالا بالمصنعة ، كانت عاصمة للدولة في عهد الإمام ناصر بن مرشد ، وفي عهد أحمد بن سعيد . المصدر : مسيرة الخير ( الباطنة ) ص 34 .
(2) الخروصي – المرجع السابق – ص 148 .
(3) إحدى قلاع الرستاق المشهورة , لا تقل هندسة وروعة عن حسن جبرين , بناها الإمام سيف بن سلطان الثاني .
(4) المرجع السابق – ص 151 . (1/12)
صفحة 13
عمان دولة عربية إسلامية ، وأغلب أهلها على المذهب الإباضي ، يؤمنون بمبدأ الشورى في اختيار الإمام منذ إسلامهم وحتى آخر عهدهم ، بل حين جاءهم رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا موكلين قيادة الدولة إلى شخصين يملكون أمر الرعية ، ويقطعون فيه بمشورة من العلماء والأعيان ومن له معرفة بالقضية الواقعة ، وهذا ما طبقوه في شأن عمرو بن العاص حين جاءهم بالرسالة المحمدية .
وكل عرب عمان ينحدرون من إحدى قبيلتين : قبيلة عدنان وقبيلة قحطان . ولكنهم لم يسيروا في حياتهم الاجتماعية على هذا التقسيم ، وإنما الأساس عندهم هو الدين والتقوى كما تمليه عليهم مبادئ دينهم وأسس فكرهم الإباضي القائم على أن ( الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين ) ، إلا أن فترات من التاريخ مرت عليهم برزت فيها النعرات والعصبيات القبلية ؛ بسبب غياب العلم والوعي وانزواء أهل العلم في بيوتهم ومساجدهم ، فقد انقسم الناس مرة إلى نزارية ويمنية في أواخر الإمامة الثانية ، فتقاتلت الطائفتان قتالا مريرا ذهبت فيه بأرواح كثيرة وأسالت دماء غزيرة والكتب التاريخية شاهد يحكي تلك المآسي الفظيعة التي أتت على الرطب واليابس ، ثم انقسموا مرة أخرى قبل نهاية دولة اليعاربة في عهد إمامة محمد بن ناصر وما بعدها إلى قسمين كبيرين هما الهناوية والغافرية وكان هذا الإمام وخصيمه خلف بن مبارك الهنائي موقد هذه الفتنة الشنعاء وظل القتال بين هذين الحزبين حتى عهد قريب ولعل هذه الفتنة كانت من أهم أسباب سقوط دولة اليعاربة . وعادة ما تثور هذه النعرات عندما يغيب العلماء وأهل الفضل عن مناصب القيادة ويتولى الأمور الجهلة وأهل الدنيا. وكما هو ملاحظ أن آخر كل إمامة عدل تنشأ الفتن وزعامة الضلال والعصبيات العمياء ، وهذا حكمة الله في خلقه { وتلك الأيام نداولها بين الناس } (1) .
__________
(1) سورة آل عمران الآية 40 . (1/13)
صفحة 14
وأهل عمان ـ كما ذكرنا ـ عرب إلا أن ضعف الدولة العمانية في عهد النباهنة؛ بسبب الحروب والخلاف مد جسر العبور للأجناس الأخرى لدخول عمان كالفرس والبرتغال ، "ذلك أن الضعف الذي اتصف به حكام الدولة النبهانية في أواخر عهدها قد ترتب عليه لون من الانفلات في العلاقات " (1)
وذلك بسب موقع عمان الجغرافي الاستراتيجي . وقد أضر تشتت الدولة ودخول البرتغال والسواحل العمانية بالعمانيين إضرارا كبيرا يقول السالمي " خربت عمان بعد العدل والأمان وعاثت فيها الجبابرة وقل فيها العلم والخير " (2)
إلا أن قيام دولة اليعاربة أعاد لعمان استقرارها الاجتماعي وتوازنها المادي ، حيث قضت على التحزبات القبلية (نزارية ـ يمنية ) واجتمعت على إمام واحد وكلمة واحدة ، وتوسعت الدولة حتى بلغت شرق أفريقيا والهند ، مما جعل مستوى المعيشة في عمان يرتقي كثيرا إلى حدود لم تكن تتوقع . ذكر ابن رزيق متحدثا عن عهد الإمام سلطان بن سيف
" واعتمرت عمان في دولته وزهرت ، واستراحت الرعية في عصره ، وربح أهل التجارات في دولته ، وخمت الثمار ، ورخصت الأسعار " (3) .
وكانت لهذه الدولة الأموال العظيمة والأساطيل الضخمة أشار إليها المؤرخون والشعراء، وما تلك القلاع والحصون التي بنوها إلا دليلا على عظم ملكهم وأمانهم واستقرار ملكهم . كما قال الشاعر:
ثلك آثارنا تدل علينا ... ... فانظروا بعدنا إلى الآثار
__________
(1) عائشة السيار – المرجع السابق – ص 130 .
(2) السالمي : عبدالله بن حميد – تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان – مكتبة الاستقامة – مسقط : 1417 هـ / 1997 م – ج 2 – ص 410 .
(3) ابن رزيق – حميد بن محمد – الشعاع الشائع باللمعان في ذكر أئمة عمان – وزارة التراث القومي والثقافة – سلطنة عمان – 1405هـ / 1984 م – ص 256 . (1/14)
صفحة 15
وذلك الاستقرار الكبير في السياسة والاقتصاد أدى بطبيعة الحال إلى استقرار في الحياة الاجتماعية لدى الشعوب العمانية ، بل أن العلاقة بين الدولة والقبائل العمانية الأخرى تطورت تطورا كبيرا تستطيع أن تسميه نوعا من الانضباط في العلاقات .
وهنا نستطيع أن نقول أن هذا الترف والتطور المذهل في الجوانب الاقتصادية والتجارية والعلمية وهذا الانفتاح الكبير على العالم الخارجي أدى بصورة واضحة إلى دخول أجناس مختلفة إلى عمان ،إما عن طريق التجارة وتبادل المصالح الاقتصادية ؛ إذ كان بعض التجار يرحل إلى فارس والهند وشرق أفريقيا للتجارة ؛ فيحضرون معهم من الخدم العبيد عن طريق الشراء، أو يأتون بمن يعينهم ويشاركهم في تبادل البضائع في التجارة ، وإما عن طريق بعض المجاهدين الذين يجلبون الرقيق والعبيد في حروبهم مع الغزاة .
ومن أهم سمات التركيب الاجتماعي في ذلك العهد أن أغلب القبائل العمانية كانت تنقسم إلى قسمين البدو الذين يمثلون جماعة المشتغلين بشؤون الزراعة وكان هؤلاء يقطنون المناطق الداخلية من عمان ، والحضر الذين كانوا يشتغلون بالعمارة والبحارة وهؤلاء كانوا يقطنون المدن الساحلية كمسقط وقريات وقلهات وصحار، ولا شك أن الدولة اليعربية كان اعتمادها على القبائل الحضرية في القيام بشؤون الدولة ، وخاصة أن الدولة كرست جل اهتمامها العسكري في القوة البحرية (1) .
__________
(1) انظر عائشة السيار – المرجع السابق – ص 132 . (1/15)
صفحة 16
أما المرأة العمانية فلم يهضم حقها قط طيلة التاريخ العماني منذ بزوغ فجر الاسلام وحتى اليوم ، ولا أدل على ذلك من قصة المرأة السقطرية التي أرسلت بقصيدة إلى إمام المسلمين في (نزوى) تستنجده على النصارى الذين احتلوا سقطرى ، وقتلوا واليها، وسبوا النساء الأطفال ، فأرسلت إليه تستنصره عليهم ، فأرسل الإمام من حينه الكتائب تلو الكتائب لتخلص المسلمين من هؤلاء الغزاة الغاصبين، وكان ذلك في عهد الإمام الصلت بن مالك (1) الخروصي ، فهذا موقف شاهد على مكانة المرأة العمانية عند قومها ، فقد كان لها دورها البارز في المجتمع العماني في هذا العهد من القيام بشؤون الأسرة، وإعالتها ، وتربية الأبناء وغير ذلك ، حيث أن الرجل أوكل إليها أمورا كثيرة ؛ بسبب اشتغال الكثير منهم بالتجارة والخروج في أساطيل الدولة للحروب ، وقد برز في هذا العهد من النساء العالمات اللاتي يرجع إليهن مثل الشيخة عائشة الريامية (2) وغيرها ومما يذكر في مكانة المرأة العمانية في ذلك العهد إن امرأة من منح أصاب بلدها الجفاف الشديد فلم يوجد بها ماء للشرب فسار أهلها إلى الباطنة وهناك بنت هذه المرأة مسجدا عظيما من مالها الخاص وقد عرف هذا المسجد باسم ( قيقا ) (3) .
__________
(1) أحد أئمة عمان في الإمامة الثانية . وقعت فتنة في آخر عهده . المصدر: ملامح من التاريخ العماني . الخروصي
(3) السالمي – المرجع السابق – ص (1/16)
صفحة 17
وقد أوجد انفتاح الدولة على العالم الخارجي وجود طبقة أخرى هي طبقة أخرى تسمى الرقيق ، وقد وجدت هذه الطبقة من العمانيين الراحة والمعاملة الحسنة بسبب الدين الإسلامي الذي يفرض عليهم حسن المعاملة ، فقد ذكر ذلك أحد كتاب الأجانب فقال : " أن العرب لم يرهقوا الرقيق الذين جلبوهم بالأعمال الشاقة إنما استخدموا الرجال منهم كملاحين في سفن أسيادهم والبعض الآخر كمزارعين وأما الإماء فكن يقمن بالأعمال المنزلية في بيوت أسيادهن (1) .
ويظهر من ذلك أن الرقيق انتشروا في المجتمع انتشارا كبيرا وليس هنالك إحصاء دقيق لعدد العبيد في عمان في عهد اليعاربة وما نملكه في هذا الصدد إحصاء تقديري ساقه كوبلاند عن عدد هؤلاء في أوائل القرن الثامن عشر فقدرهم بما يوازي ثلث عدد سكان عمان " . (2)
المبحث الثالث : الحالة العلمية
__________
(1) ج ج . لوريمر – دليل الخليج – طبع على نفقة أمير دولة قطر – ج 1 – ص 368 .
(2) المرجع السابق . ص 318 . (1/17)
صفحة 18
لا غرو أن يبرز في هذا العهد طائفة كبيرة من الشعراء والعلماء ؛ ذلك لأن الدولة التي ترعرع في أكنافها هؤلاء العلماء والشعراء لم تقم إلا على أكتاف العلماء العاملين، فلو اطلعنا على الفترة التي نشأ فيها هؤلاء ؛ لوجدناها تلي مباشرة فترة قيام الدولة اليعربة 1034هـ التي نهضت برأي أكثر من أربعين عالما كما صرح بذلك المؤرخون ، فكأنما الحياة العلمية آنذاك كانت في أوج نشاطها وأسمى ازدهارها ، وكانت تلك النهضة في عهد الأمام ناصر الذي جدد معالم العلم بعدما أبلته أيدي الزمان ، وربما كان للمتعلمين في هذه الفترة الحظ الأوفر من التلقي أكثر من العلماء الذين اشتغلوا بشؤون الدولة الداخلية والخارجية ، ولا شك أن هؤلاء العلماء لم يمنعهم القيام بأمور الدولة ونهضتها ومقارعة الأعداء وتوحيد الأولياء من وضع تأليف جمة ومصنفات طويلة أفادت العامة والخاصة وصارت مرجعا للعلماء حتى يومنا هذا مثل الشيخ خميس بن سعيد الشقصي وكتابه (منهج الطالبين وبلاغ الراغبين) وغيره من العلماء المجتهدين العاملين ، ويعتبر المؤرخون أن عصر اليعاربة من أنشط العصور حركة في التأليف والتدين لما نتج عنه من ظهور كتابات ومدونات تاريخية وفقهية وطبية وغير ذلك بل أنه" ازداد عدد تلك الكتب في القرون التالية بحيث أصبحت تشكل ثروة تاريخية هائلة لا غنى عنها للباحث في التاريخ العماني الحديث " (1) .
وفي ظل هذا الازدهار الحضاري الذي عاشته عمان طلية عهد دولة اليعاربة بلغت عمان رقيا عظيما في الرقاء الفكري والتطور العلمي، حيث اهتمت هذه الدولة بالجانب العلمي اهتماما كبيرا وواسعا شمل الكبار والصغار، بل حتى النساء فقد برز في هذا العهد نساء عالمات مثل الشيخة عائشة الريامية .
__________
(1) وزارة الإعلام – عمان في التاريخ – سلطنة عمان – مسقط – ص 249 . (1/18)
صفحة 19
كما نجد الدولة قد اهتمت بالناشئة اهتماما خاصا بتثقيفهم وتربيتهم على طلب العلم ، ففي هذه المرحلة يذكر الشيخ خميس الشقصي في كتابه (منهج الطالبين ) أن الطالب عليه أن يتعلم مع تعلمه قراءة القرآن وعلومه عليه أن يتعلم الخط والإملاء ومبادئ اللغة العربية ومقدمات بسيطة في علمي العقيدة والفقة، وذلك ينسجم مع عمر الطفل وقدرته الاستيعابية ، ثم أن عليه أن يلقن معرفة الأيام وعدد الشهور القمرية وأسمائها ومبادئ علم الحساب كالطرح والضرب والقسمة؛ وذلك ليتسني للطالب أن يتعلم علم المورايث، ولينفعه في حياته العملية الاجتماعية كالتعامل في البيع والشراء (لكي لا يأكل مالا حراما بخطا ولا عمد ولا جهالة في ذلك ) (1) .
__________
(1) الشقصي : خميس بن سعيد – منهج الطالبن وبلاغ الراغبين – وزارة التراث القومي والثقافة – سلطنة عمان – ص 58 . (1/19)
صفحة 20
وكان من تقدير هذه الدولة لأهمية العلم والعلماء ونشر المعرفة والفائدة والوعي في المجتمع أن أقامت عدة مؤسسات تعليمية ، ومجموعات من المكتبات الضخمة ، من تلك المؤسسات التعليمية مدرسة قصرى (1) في (الرستاق) التي تعلم فيها الشيخ خميس الشقصي والإمام ناصر بن مرشد وغيره من علماء (الرستاق) (2) ، " ومدرسة حصن جبرين التي أسسها الإمام بلعرب بن سلطان من ماله الخاص , إذ جلب إليها العلماء الكبار لتكليفهم بتدريس التلاميذ الذين جاؤوا من أنحاء مختلفة لتلقي العلم والاستفادة ، فدرس العلماء الذين أقرهم ـ الإمام بلعرب ـ فيها الطلبة على مراتبهم وأفاض عليهم بإحسانه ، فمنهم من يدرس في علم النحو والصرف، ومنهم من يدرس في علم المعاني والبيان والبديع، ومنهم من يدرس في علم الأدب واللغة العربية ، ومنهم من يدرس في علم الفقه " (3) ، وكان الإمام بلعرب يخدم بنفسه الطلبة والأساتذة ويوفر لهم ما يحتاجون إليه وزيادة حتى سمي لكرمه وإحسانه ( أبا العرب) ، وقد تخرج في هذه المدرسة العديد من الكتاب والشعراء والعلماء مثل الشيخ خلف بن سنان وابن عبيدان وشاعر الحس والذوق راشد الحسبي وغيرهم , يقول الإمام السالمي رحمه الله في التحفة ( يقال أنه خرج من هذه المدرسة التي في حصن جبرين خمسون عالما كلهم أهل اجتهاد ) (4) ، وهذا هو عدد العلماء المجتهدين ، فما ظنك بغير المجتهدين من العلماء والشعراء والأدباء .
__________
(1) لإحدى مارس الرستاق الشهيرة , تخرج منه الكثير من العلماء , وسميت بقصرى نسبة إلى القرية .
(2) البوسعيدي : سلطان بن حمود بن حارب – خميس بن سعيد الشقصي حياته وآثاره – معهد العوم الشرعية ( بحث لنيل درجة البكالوريوس ) – ص 26 .
(3) ابن رزيق – الشعاع الشائع – ص 259 وص 266 .
(4) السالمي – تحفة الأعيان – ج2ص ـ 100 ـ 150 (1/20)
صفحة 21
وكان للمساجد المنتشرة في ربوع السلطنة دورها في البناء العلمي للمجتمع فلا تجد منطقة في عمان إلا بها مسجد تقام فيه الدروس، وعادة ما يكون مع هذا المسجد أموال خضراء موقفة لطلبة العلم، ومن أشهر هذه المساجد مسجد البياضة (1) بـ(الرستاق) الذي يعد قبلة المعلمين في تلك المنطقة، وقد تخرج في هذا المسجد وما جاوره من المدارس كمدرسة قصرى المذكورة سالفا جمع غفير من العلماء كالإمام ناصر بن مرشد والشيخ خميس بن سعيد الشقصي والشيخ خلف بن سنان وغيرهم .
... وأما المكتبات فقد كان لها الاهتمام الكبير لما لها من مكانة في تعليم الناس ، وتزويد الطلبة بما يسعفهم في مرحلتهم التعليمية ؛ ولهذا كان لكل قلعة مكتبة يرجع إليها العلماء والمتعلمون كمكتبة حصن جبرين ومكتبة حصن (الرستاق) ( التى حوت بين جنباتها آلاف الكتب قدرت فيما يربو على تسعة آلاف كتاب جمعها الأئمة اليعاربة وضمت مختلف الفنون العلمية الشرعية والعلوم التجريبية ....) (2) .
ومن المكتبات الخاصة الشهيرة مكتبة الشيخ خلف بن سنان الغافري التي يذكر أنها حوت تسعة آلاف وثلاثمئة وسبعين كتبا ، وقد أشار إلى هذا في قوله :
لنا كتب في كل فن كأنها جنان بها كل ما تشتهي النفس
جرى حبها مني ومن كل عالم ... ذكي الحجى والفهم حيث جرى النفس
فلا أبتغي ما عشت خلا مؤانسا سواها فنعم الخل لي وهي الأنس
ولست أرجي أن يفوز بمثلها على غابر الأزمان جن و لا أنس
ثلاث مئين ثم سبعون عدها وتسعة آلاف لها ثمن بخس
و لا عيب فيها غير أن زمانها لقلة من يعني بها زمن نحس (3)
__________
(1) أحد الجوامع الشهيرة في عمان , يقع على مدخل قلعة الرستاق , كان مدرسة وجامعا في عهد الأئمة وحتى اليوم .
(2) عمان في التاريخ – مرجع سابق – ص 248 .
(3) البطاشي – إيقاظ الوسنان – ص 17 (1/21)
صفحة 22
... إلا أن كثيرا المكتبات وكثيرا من مؤلفات ذلك العصر فقدت بسبب الحروب الداخلية أو الخارجية التي أحرقت فيها المكتبات وأتلفت فيها المؤلفات العمانية، وهذا ما ذكره الأزكوي عندما قال مشيرا إلى هذه الفترة " وأحرقت كتب كثيرة لم يكن لها نظير في عمان.........." (1) ويقدر عدد الكتب المحروقة آنذاك بحوالي تسعة آلاف وثلاثة وسبعين مخطوطا (2) .
ومما يدل على ازدهار الحياة العلمية وبلوغها شأوا لم يبلغه عهد قبلها ؛ أن الشيخ سيف بن حمود البطاشي أفرد مجلدا بمفرده من كتابه ( إتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عمان) ترجم فيه لمئتين وتسع وثلاثين عالما. وهذا مما وجد في كتب التراث العماني من غير أولئك الذين ذهبوا ولم يكن لهم ذكر في الكتب أو ممن ذهبوا وذهبت معهم مؤلفاتهم وذكرهم ؛ بسبب ما كان بعد ذلك العهد من حروب وإحراق للمكتبات كما ذكرنا سابقا.
وتعزو الدكتورة عائشة السيار سبب ارتقاء المستوى العلمي في ذلك العهد إلى حقيقتين:
أولاهما: الاستقرار النسبي الذي تمتعت به البلاد مما وفر المناخ المناسب لصرف الجهود إلى مثل هذه الجوانب الحضارية.
ثانيهما : إن صفة الإمام الدينية والعلمية جعلته يثبت أركان الدين وينشر الوعي بالفكر الإباضي من خلال مؤسسات علمية تابعة للإمام. (3)
الفصل الثاني :
حياته
المبحث الأول :
حياته الشخصية
المبحث الثاني :
حياته الاجتماعية
المبحث الثالث :
صفاته العلمية والخلقية
المبحث الرابع :
إنتاجه العلمي
المبحث الأول : حياته الشخصية
المطلب الأول :
اسمه ونسبه
المطلب الثاني :
مولده ونشأته
المطلب الثالث :
وطنه
المطلب الرابع :
وفاته
المطلب الأول : اسمه ونسبه
__________
(1) الإزكوي : سرحان بن سعيد – كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة ـ وزارة التراث القومي والثقافة ـ سلطنة عمان ـ 1405 هـ 1984 م ص 11 .
(2) السالمي : محمد بن عبدالله بن حميد – نهضة الأعيان بحرية أهل عمان – ص 45 .
(3) عائشة السيار – المرجع السابق – ص 146 (1/22)
صفحة 23
هو الشيخ العالم الفقيه ، والناثر البليغ ، والشاعر البارع ، الأديب الوالي القاضي خلف بن سنان بن خلفان بن عثيم الغافري . (1) وقد صرح بهذا الاسم أكثر من مرة في استفتاح رسائله وفي خلال أبياته من ذلك قوله في بعض رسائله :
"..... من المنقطع إلى الله خلف بن سنان ..... إلى شيخنا وولدنا السيد الحسن بن مطهر ...." (2) .
وجاء اسمه في قصيدة وعظية له ، وذلك بأخذ أول حرف من كل بيت منها ليكون في النهاية ( نظم خلف بن سنان ) :
ن ـ نقيم الأماني والمنية تنكس ... ونجلو المغاني والمقادير تطمس
ظ ـ ظننا نهار العمر يبرح مشرقا ... فأظلمه ليل الحمام المعسعس
م ـ مضى أكثر الأعمار والناس غفل ... لديهم من الأغفال بحر قلمس
خ ـ خليق فتى يخشى المنية أن يرى ... مدى عمره غرس التنبه يغرس
ل ـ لهونا لعمر الله حتى كأننا ... بنا من لقاء الموت شك مدمس
ف ـ فأين أبونا آدم وابن آزر ... وأين ابن داود النبي المرأس
ب ـ بدا لهم من مضجع التراب ما بدا ... لسيدنا المختار ساعة يرمس
ن ـ نعى موتهم حقا إلى الكل نفسه ... ... ففي وجل منه الهزبر المضرس
س ـ سواء على الأيام ميتة خامل ... ومن لمعاليه البرية تسلس
ن ـ نأى أملا منا الحمام وقد دنا ... ... وقوعا فما هذا الغفول المدنس
أ ـ إليك فخذها هاديا لك بدؤها ... ... لأسمى فلا يدخلك لبس ملبس
ن- نهاني الذكا من فضل ربي أن أرى بليدا لأسمال الفهامة ألبس (3) (4)
أما نسبه فهو غافري ، وبنو غافر يتفرعون من شجرة سامة بن لؤي بن غالب
__________
(1) البطاشي – إيقاظ الوسنان – ص 7 . المنذري : محمد بن ناصر – (الرستاق) عبر التاريخ – المنتدى الأدبي - ص 100 .
(2) إيقاظ الوسنان – ص 27 .
(3) إيقاظ الوسنان - ص 131 .
(4) في هذه الأبيات يصوغ الشاعر مواعظ حول الدنيا وقصرها ثم يذكر بغفلة الناس عن الآخرة ويضرب لذلك مثلا بآدم وسليمان عليهم السلام حيث لم نبوتهم وملكهم لم يغن عنهم من الموت شيئا . (1/23)
صفحة 24
ومنازلهم معروفة ، وفي الظاهر لهم اليد الطولى ، ومقاماتهم لم تنكر وهم الآن رهط من أوفر قبائل عمان عددا وعدة , ولهم في التاريخ ذكر حافل من بلدانهم وادي بني غافر (1) ، وهو اسم يشمل قرى متعددة ، وأشهرها خفدي لكونها مركز زعامتهم ، ومرجع إمامتهم )) (2)
وقد قال فيهم حسان عمان وشاعر العرب أبو مسلم :-
ويا بني غافر عليا قريش لكم أصل وأنتم لذاك الأصل أغصان (3)
وأما شاعرنا فهو نسب نفسه إلى بني غافر في مواضع عدة من شعره منها قوله
نحن بني غافر متى اعتذر الجاني إلينا صرنا غافرينا
لسنا عصبة متى تاب ذو الذنب صرنا له عاقرينا
وإذا بات ساهرا جارنا بتنا اهتماما شأنه ساهرينا (4)
وكان يرجع نسب بني غافر إلى قريش ، وهو يفخر بذلك ويعدها مكرمة قصر عنها الكثير من الناس ؛ لأن النبي الهادي صلى الله عليه وسلم بعث من نسل تلك القبيلة . حيث يقول :
قد قيل أن غافرا ... من نسل عبد المطلب
أكرم به حسبا يقـ صر عن علاه المطلب
وكيف لا وهو أبو الها دي النبي المنتخب
هذا هو المفخر مع تقوى المهيمن لا النسب (5)
ونجد من أبياته السابقة أنه لا ينسبهم إلى قريش فحسب ، وإنما إلى عبد المطلب جد النبي صلى الله عليه وسلم ، وما كان افتخاره بعبد المطلب لذاته ومكانته ، بل لأنه شرف بكونه جدا للرسول صلى الله عليه وسلم :
__________
(1) أحد الأودية الثلاثة المعتبرة في (الرستاق) ، أكثر قبائله من بني فاغر . مسيرة الخير ( الباطنة ) ص 35 .
(2) السيابي : سالم بن حمود بن شامس – إسعاف الأعيان في أنساب أهل عمان – منشورات المكتب الإسلامي – ص 18 .
(3) الرواحي : ناصر بن سالم بن عدبم – ديوان أبي مسلم – دار المختار – ص 310 .
(4) إيقاظ الوسنان – ص 8 . والمعنى أننا ( بني غافر ) نغفر للجاني إذا اعتذر كما نحفظ ذمة جارنا .
(5) إيقاظ الوسنان – ص 7 . . ويشير في هذه الأبيات إلى نسب قبيلته ويعد هذا الحسب أكرم حسب لأنه يتصل بأبي النبي صلى الله عليه وسلم . (1/24)
صفحة 25
هذا هو المفخر مع تقوى المهيمن لا النسب
ويؤكد نسبه لقريش في مواضع أخرى منوها إلى أن ذكره لنسبه القرشي ليس كبرا ولا فخرا وإنما هو شكر الله تعالى على ذلك وتحديث بنعمه عليه حيث يقول :-
ما قلت إني قرشي لكبر أو لفخر بل لشكر الشكور
الكبر في قوم هفا عقلهم ... فقادهم نحو الغرور الغرور (1)
ثم يستدرك بأن قريشا بشر مثل غيرهم لا يفضلون على أحد إلا بالصلاح والتقوى وهو تعبير عن تأثره بالفكر الإباضي القويم
إن قريشا بشر ما لهم ... عن المصير للقبور فتور
ولا لهم يصلح إلا التقي ... غدا إذا عم الأنام النشور
ويقول أيضا في نسبه :
بنا نحن خلاق الأنام هدى الورى ... فإن عقلوا لا ينسبونا إلى الورا
فنحن قريش معدن المجد والعلى ... ولكن ما زند الهدى والتقى ورا (2)
ومن ضل منا لا يضر من اهتدى ... وخالفه ما عاش باء يليه را
وأنصارنا أخوالنا الصيد يعرب ... فهم كالخزامى الورى إذ خرورا (3)
فنحن وهم عين الزمام وقلبه ... ... هدى وندى مجدا سطى وسنورا (4) (5)
فهو هنا يفخر بقومه وأخواله وإن نفى فخره ذلك إلا أنه ظاهر في أبياته ومعانيها . وأخواله الذين يفخر بهم ويشيد بهم العبريون وهم آل عبرة بن زهران بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله ، وهو حمى بن مالك بن نصر بن الأزد (6) .
وقد امتدحهم شاعرنا في شعره أكثر من مرة فقال :-
إن شئت أتعرف أخوالنا ... فهم أولو الفخر بنو عبرة
هم الذين لولاهم مارقى ... للمجد دمع لا ولا عبرة
ما ان رأوا وادي فضل جرى ... إلا وجابوا عاجلا عبره
__________
(1) إيقاظ الوسنان – ص 7 . وهنا يشير إلى أن ذكره للنسبه القرشي لا يعد كبرا .وإنما الكبر هو عند من زاغ عقله فاغتر به .
(2) ورا : احترق
(3) خرورا : السقوط
(4) سنورا : السيد
(5) إيقاظ الوسنان – ص 8 . ويشيد هنا بقبيلته ويمدحها بمدحه لقريش لأنه يزعم أن قبيلته يتصل نسبها بقريش، كما يمدح أخواله العبريين الذين كنا عنهم هنا بالصيد يعرب .
(6) السيابي – إسعاف الأعيان – ص 115 . (1/25)
صفحة 26
مهما طووا ذكر امريء لم يطق من بعدهم خلق له نشره (1)
ويقول :-
إن ترني من خوف لظى باكيا فإن أخوالي بنو عبرة
كم فيهم من عابد راهب ... من شدة غدا عبرة (2)
وقد ذكر اسمه وأبيه وأشار إلى أخواله وقبيلته في جملة أبيات جميلة قال فيها :-
ناظمه ابن بنتهم فتى سنان خلف
ذو ماله عنهم وان طال الزمان خلف
القرشي ذو له آل الخليل سلف
ويرتجي أن له عفو الآله سلف (3)
وقال في قصيدة يمدح بها الإمام سلطان بن سيف :-
هاكها من خويدم هجرت عينـ ـاه في نظمها لذيذ كراها
غافري الآباء عبري أخوا ل قلت عين وده عن قذاها (4)
فهو غافري قرشي النسب والآباء وعبري الخؤولة.
المطلب الثاني : مولده ونشأته
ولد شاعرنا في وطنه الأصلي ومسقط رأسه (الرستاق) ، بل في قرى (المعمور والرجلة والمحدوث ) بين قومه بني غافر، من أب غافري وأم عبرية ، ولا شك أن تقرير الباحث هذا منوط بالخلاف الحاصل بين المؤرخين في وطن الشاعر ،ومن ثم فقد استدل الباحث بعدة أمور سبق سوقها ساندت مذهبه من أن وطن الشاعر هو (الرستاق) .
__________
(1) إيقاظ الوسنان – ص 8 . وهنا أيضا يمدح أخواله العبريين ( بني عبرة ) ونلحظ أنه جعل قافية القصيدة باسم القبيلة الممدوحة وهي بني عبرة .
(2) إيقاظ الوسنان – ص 9 . وفي هذه الأبيات يختم إحدى قصائده مظهرا تواضعه ونسبه ،ويرجو من الله المغفرة والعفو .
(3) إيقاظ الوسنان – ص 8 .
(4) إيقاظ الوسنان - ص 9 . (1/26)
صفحة 27
أما عن تاريخ ولادته فإنه في القرن الحادي عشر الهجري ولم نجد في الآثار ما يشير إلى ولادته ولا في شعره تاريخا لذلك ، إلا أن بعض المؤرخين المتأخرين حاول التوصل إلى معرفة تاريخ ولادته ووفاته من مدائحه لمعاصريه من الأئمة والعلماء المعروفة تواريخ إمامتهم ووفاتهم ، ثم قياس مدة حياته بما عاصره من حياة أولئك الممدوحين ، وكانت تلك محاولة موفقة إلا أنها لم تصل إلى ضبط تاريخ ولادته ووفاته إلا تقريبا ، ومن هؤلاء المؤرخين الشيخ سيف بن حمود البطاشي فقد ذكر في كتابه ( إيقاظ الوسنان ) " ولا أعرف تاريخ مولده ولا وفاته ،والذي أفهمه من مدائحه لأئمة اليعاربة أنه أدرك بعض أيام إمامة الإمام ناصر بن مرشد – رحمه الله – الذي توفي سنة تسع وخمسين بعد الألف ( 1059 ) وعاش إلى ما بعد وفاة الإمام سيف بن سلطان بن سيف المتوفى سنة ثلاث وعشرين ومائة وألف ( 1123هـ) وشهد وقتا من إمامة ولده الإمام سلطان بن سيف بن سلطان بن سيف الباني لحصن الحزم (1) والمتوفى فيه سنة إحدى وثلاثين ومائة وألف ( 1131هـ) بدليل أن الشيخ مدح الإمام ناصر بن مرشد – رحمه الله – بقوله من قصيدة :
هيهات يذهب ملك ملك عادل ... ... كان الإله له معينا ناصرا
يكفيك في هذا دليلا مرشداً ... ... ... نصر الإله سليل نصر ناصرا (2)
- ثم قال ـ ونستدل من رثائه للإمام سيف بن سلطان – قيد الأرض – أنه عاش وقتا من الزمن ، لا ندري مدته من أيام ولده سلطان بن سيف – الثاني – بدليل رثائه لأبيه ،وثنائه على ولده – المذكور – في قصيدة واحدة ، ولعله توفي في زمانه ، وعلى هذا فلا يبعد أنه قارب التسعين سنة أو تجاوزها ، ويدل له قوله :
__________
(1) يعد من أروع بدائع الفن الإسلامي بعمان ، بناه الإمام سلطان بن سيف 1711 م . المصدر : مسيرة الخير ( الباطنة ) ص 34 .
(2) المعنى أن إمامة ناصر بن مرشد هي إمامة عدل وبستحيل للإمامة العدل أن تزول ، وأن نصر الله لهذا الإمام في غزواته دليل على عدله وفضله . (1/27)
صفحة 28
أيتها النفس إلى كم إلى ... ... ما ليس يرضى الله تسعينا
فبدلي السوأى بحسن وإ ... ... ن العمر قد ناهز تسعينا " (1)
ومن الباحثين الذين حاولوا التأريخ له عيسى المسعودي حيث قال بعد ما ذكر مثل ما ذكره البطاشي " فيمكن من خلال هذا الكلام أن نقول أن الشيخ أدرك إمامة الإمام ناصر بن مرشد وعمره ما بين ( 14 – 18) ، وعاش حتى إمامة الإمام سلطان بن سيف الثاني ما بين سنة ( 1124هـ ) إلى سنة( 1130هـ )فيكون عمره ما بين( 80-90)سنة " (2)
واستدلالهم فيه نظر ، وذلك أن قصائده وأبياته في مدح الإمام ناصر بن مرشد لم تكن بالركيكة ولا الضعيفة بل كانت مثل عقيباتها في القوة والجزالة .
وكما هو معروف أن الشاعر في بداية شعره عند شبابه يرك شعره ويضعف ، وتبسط أبياته حتى يعتاد امتطاء صهواته وأخذ زمامه بعد ذلك يبدع ويأتي شعره جزلاً رفيعاً .
وشاعرنا الغافري ظهرت في قصائده ومدائحه ومراثيه في الإمام ناصر بن مرشد قوة السبك وجزالة اللفظ ، ولم تكن قصائده فيه بأقل من مدائحه في سلطان ومن بعده رفعة ورصانة .
وهذا يومئ إلى أن عمر شاعرنا عند وفاة الإمام ناصر فوق العشرين أو الخمس والعشرين سنة ،ثم إننا وجدنا أن الإمام سلطان بن سيف استعمله في كتابة الرسائل على لسانه ، وربما استعمله في القضاء والولاية ، وما هو معلوم أن الإمام لن يقدم شابا يافعا في الخمس والعشرين من عمره تقريبا لتولي تلك المناصب مع وجود العلماء الكبار الذين هم أكثر منه خبرة إلا إذا كان ذلك في آخر عقد إمامته وهو بعيد لأن أكثر آثاره وقصائده في عصر هذا الإمام .
__________
(1) إيقاظ الوسنان - ص 9 – 10 . وهنا يعظ الشاعر نفسه بعد أن قارب الوفاة وطال به العمر ويأمرها بتبديل السيئات بالحسنات .
(2) المسعودي : عيسى بن سعيد – المحسنات البديعية في شعر الشيخ خلف بن سنان – معهد العلوم الشرعية ( بحث لنيل درجة البكالوريورس ) – ص 13. (1/28)
صفحة 29
مما نستطيع أن نستخلص منه أنه نشأ نشأة حسنة بين عائلة صالحة وأن أباه توفي عنه وهو صغير السن بما يدل عليه قوله :
أتاني من فضل المهيمن ذي العلا ... ... كبدرين لاحا في السما ولدان
هما خلف عن والدين تواريا ... ... ببطن التراب بعدما ولدان (1)
وقد أدرك الكثير من عهد إمامة الإمام ناصر بن مرشد ، وكان ذلك في صغره وشبابه تقريبا ، ثم برز وبدأت رحلته العلمية ودوره القيادي قبيل وفاة الإمام ناصر بن مرشد كما نفهمه من قصائده والقرائن الأخرى .
المطلب الثالث : وطنه
وقع خلاف وجدل بين الباحثين في تحديد وطن الشيخ خلف ، وهناك من يرى أن وطنه ((نزوى)) في بلدة ((المعيمير)) خاصة ، وهناك من يرجح أن وطنه (الرستاق) ، ومنهم من يرى أن موطنه بلدان بني غافر شمال (الرستاق) .
وسبب هذا الاختلاف أن الشيخ خلف كلف بذكر القرى والبلدان فقد جاء بأكثر من خمسين اسما في شعره ينسب نفسه لبعضها أو يكثر من تكرار بعض أسماء القرى ، كل ذلك ساق الباحثين إلى الدخول في حيرة من أمرهم .
ومن ذلك قوله :
نحن أهل المحدوث والمنصور ... والصويريج بعد والمعمور (2)
ويقول :
يا صاح حدثنا عن المحدوث ... ... نحيي رميم سرورنا المجدوث (3)
ثم يضيف قوله :
أنا بالرجلة داري ... ... وبها طيب قراري (4)
ويذكر بلدا آخر فيقول :
من حفرة الجنور لي مسكن ... ... كأنه من مسكن الخلد (5)
ويشير إلى استقراره ب(نزوى) أو بضياع منها عندما يقول :
ما سكوني بدار (نزوى) ومالي ... ... بسواها من الضياع قريب
__________
(1) إيقاظ الوسنان - ص 20 . أي أنه رزق بمولودين هما كالبدر في جمالهما ، وهما خلف لوالديه الذين توفيا عنه في الصغر .
(2) إيقاظ الوسنان - ص 14 .
(3) إيقاظ الوسنان - ص 14 .
(4) إيقاظ الوسنان - ص 16 .
(5) إيقاظ الوسنان - ص 15 . يصف مسكنه في الجنور كأنه جنة الخلد . (1/29)
صفحة 30
هل أنا ب(نزوى) ابن مداد هاقل ... أم سليمان ذو الندى أم غريب (1)
فهو ينسب نفسه إلى المحدوث والمنصور والصويريج والمعمور والرجلة وحفرة الجنور و(نزوى) ، فأي منها وطنه الحقيقي؟!.
ذهب الشيخ سيف البطاشي إلى أن وطنه بلدة (المعيمير) في (نزوى) ، وأشار إلى أن (المعيمير) ربما كانت تسمى سابقا المعمور وهو البلد الذي صرح الشاعر بأنه وطن له أكثر من مرة ، فهو يقول :
سائق الرزق لي ب(نزوى) قدير ... أن يسوقنه إلى المعمور
فمتى غير هذا اعتقدت فإنني ... ... أنا عين الجويهل المغمور (2) وأصرح من ذلك قوله :
ذروني في ذرى المعمور فردا ... ... وحيدا لا أزور ولا أزار (3)
وقوله :
كل من المعمور خبزا ولبن ... ودع الحلواء في أعلا فدن
فالسعيد خامل الذكر ولو ... ... حل نادانا فأن فاتت فدن (4)
وقوله :
لنا بذرى المعمور أفضل مزرع ... ... يسمى عدو الجوع وهو كما سمي (5)
ويترجح هذا الظن عند الشيخ البطاشي بما رفعه إليه العارف السيد حمود بن علي البوسعيدي (6) أن وطن الشيخ خلف هو (المعيمير) حتى قيل : أن بها قبره.
__________
(1) إيقاظ الوسنان - ص 15 . أي أنه استقربنزوى وليس له قريب فيها ولا في الضياع التي تليها ، ولا يدري هل مكانته عند الناس في نزوى كابن مداد ( وهو أحد علماء نزوى في القرن التاسع والعاشر ) وسليمان أم أنه غريب فيها .
(2) إيقاظ الوسنان - ص 15 . المعنى أن الله قادر على أن يرزقني حيث كنت كما رزقني في نزوى سيرزقني بلدة المعمور .
(3) إيقاظ الوسنان - ص 15 .
(4) إيقاظ الوسنان - ص 16 . هنا يشير إلى بلدة المعمور مشيرا إلى بعض الماكولات في ذلك العهد ( الخبز واللبن والحلوى ).
(5) إيقاظ الوسنان - ص 16 . يشير إلى مزرعة له في المعمور تسمى ( عدوة الجوع ) وقد طابق اسمها مسماها .
(6) هو شيخ فاضل وعارف ، عاش في القرن الحالي ( الخامس عشر الهجري ) .وهو والد وزير ديوان البلاط السلطاني الحالي في سلطنة عمان ـ توفي في بركا 27/ ربيع الأول / 1421 هـ . (1/30)
صفحة 31
وأميل إلى أن( المعمور و المحدوث والمنصور والرجلة) قرى من (الرستاق) ومن وادي بني غافر وقد سكنها الشاعر إما اضطراريا وإما اختياريا ، ولكن الأصل كان من وادي بني غافر هاجر منه للعلم والعمل .
ولا تعارض بين القولين فالبطاشي يرى أيضا أن احتمال كون وطنه قرية القرطي من بلدان وادي بني غافر احتمال وارد جدا ، وذلك لإفادة بعض أعيانها بذلك ، ويقول " لا مانع أن ينتقل من بلده الأصلي فيقيم ب(نزوى) ثم يخرج منه إلى المعمور ، سواء هو القريب من (نزوى) أو الذي بولاية (الرستاق) أو غيرها ".
وأرى بأن الشيخ خلف سكن في إحدى قرى (الرستاق) المذكورة في شعره { المحدوث – المنصور – الصويريج – الرجلة – المعمور } ، وكان ينتقل بينها ؛ لأنهن قريبات لبعض ، ثم انتقل بعد ذلك إلى (نزوى) لكونها عاصمة الإمامة عند ذلك الوقت ، ولكونه أحد أركان وولاة الإمامة ، وبمثل هذا أخبرني الشيخ أحمد العيسائي (1) ؛ إذ يرى أن وطنه الأصلي وادي بني غافر ثم انتقل منه ليسكن بلدة بين بهلا و(نزوى) .
فالشاعر إن انتسب إلى (المحدوث والمنصور والرجلة) فقصده وطنه الأصلي ، وإن انتسب إلى (نزوى) وقراها فقصده موطنه الجديد .
وما يقوي ذلك تضجره في بعض أبياته من مسكنه الجديد (نزوى) وكأنه خرج عنها وسكن بلدا آخر ،إذ يقول :
أبدلنا الرحمن عن نزوة ... ... دارا بها نهر وجنات
بها دروع عن بلايا البرايا ... وسرابيل وجنات (2)
ويقول :
نزوة دار الخير والمير لكن ... ذات خرج ماله دخل
__________
(1) هو الآن مستشار الدولة في سلطنة عمان ، كان وزيرا لوزارة البلديات الإقليمية ، وطنه صحار .
(2) إيقاظ الوسنان - ص 13 أي أنه انتقل من نزوى إلى وطن آخر يتسم بالخيرات والزرع الكثير والبعد عن مشكلات الناس . (1/31)
صفحة 32
فسرت عنها قاصدا غيرها ... وليس في قلبي لها ذحْل (1) (2)
ويشير إلى عدم استقراره فيها , وكأنه غريب عنها فيقول :
ما سكوني بدار (نزوى) ومالي ... ... بسواها من الضياع قريب
هل أنا ب(نزوى) ابن مداد هاقل ... أم سليمان ذو الندى أم غريب (3)
ورغم استقرار الشيخ في (نزوى) إلا أن له زيارات لوادي بني غافر و(الرستاق) وهذا ما نفهمه من ذكره لأسماء بلدانها وله قصيد قالها في افتتاح مسجد منه قوله :
قد تم بنياننا في مسجد الدار ... ... بعون رب بمكنون الحشا داري (4)
المطلب الرابع : وفاته
رحل إلى جوار ربه الشيخ خلف بن سنان الغافري رحمه الله تاركا للتأريخ صفحات من الجهاد والتضحية وصفحات من المجد والعلى وصفحات من العلم والمعرفة ، حق لكل مسلم ولكل عماني أن يفخر بها ويعتز بها بين الأقران والخصوم .
كانت وفاته رحمه الله في (نزوى) كما يدل عليه مقتضى الحال ، لكونه ملازما للأئمة اليعاربة ، ولما دلت عليه أبياته ومديحه لهم ، وقد دفن فيها ، ويقال أن قبره في بلد (المعيمير) من ولاية (نزوى) . (5)
وأما عن تاريخ وفاته فلم يتوصل أحد من الباحثين والمؤرخين إلى تحديد تاريخها ، ولكن توصل بعضهم إلى أنه عاش حتى إمامة سلطان بن سيف الثاني ، وذلك لوجود قصائد وأبيات يمدحه فيها ، ولقد استقريت مدائحه فيه فوجدتها تتجاوز العشر مدائح بين قصيدة ومقطوعة ، ومن هنا نستطيع أن نصرح بأنه أدرك أكثر عهد إمامة سلطان بن سيف الثاني المتوفى 1131هـ ، ولم يعش بعدها لأننا لم نجد في شعره مدحا أو ذكرا للأئمة الذين جاؤوا بعد سلطان بن سيف الثاني .
__________
(1) إيقاظ الوسنان - ص 13 .
(2) ذحل : ثأر أو الحقد والعداوة . أي أن نزوى بلد خير وحكم ولكن ما بخرج من ساكنيها لا يعود ، فلذا فضل الخروج عنها دون حقد عليها أو ضجر .
(3) إيقاظ الوسنان - ص 15 . سبق ذكره .
(4) إيقاظ الوسنان - ص 236 .
(5) إيقاظ الوسنان - ص 15 . (1/32)
صفحة 33
وعلى هذا فإن شاعرنا كان شيخا معمرا , إذ عاصر خمسة أئمة متوالين من ناصر بن مرشد وحتى سلطان بن سيف ، فعمره عند وفاته لا يناهز التسعين فحسب كما يشير في قوله :
أيتها النفس إلى كم إلى ... ... ما ليس يرضى الله تسعينا
فبدلي السوأى بحسن فإ ... ... ن العمر قد ناهز تسعينا (1)
بل تجاوزها حيث أنه لم يدرك الإمام ناصر طفلا صغيرا بل أدركه وقد بلغ الرشد وسن الرجولة ؛ لوجود قصيدتين يمدح فيهما هذا الإمام ، ثم رثاه بأربع قصائد أخرى ، فنقدر عمره عند وفاة الإمام ناصر 23 سنة تقريبا على أقل تقدير ، ثم نضيفها إلى 72 سنة التي بين وفاة الإمام ناصر والإمام سلطان الثاني ، فيكون المجموع 95 سنة ، ويؤيده ما نقله البطاشي أن بعض العارفين قال أنه عاش أكثر من 130 عاما ..... (2)
نعم ، طال عمره وأرهقته الخطوب ، وأحنته صروف الدهر ، وتغيرت ملامح المكان ، وتلونت أشكال الزمان ، وأما الناس الذين عهدهم فقد ذهبوا جميعا وتركوه ، وجاء الذين ألفهم وعاش معهم شبابه وشيبه ، ورأى المعالم أبدلت والديار تغيرت ، فأطرق ساعة من الزمان ينظر إلى ما وصل به الزمان ، معجبا بقدرة الله سبحانه وتعالى ، ثم قال :
تلون ألوان الزمان وأهله ... ... ونجل سنان ناظر يتبسم
عليما بأن الأمر لله كله ... ... فليس سوى ريح القضا يتنسم (3) ...
المبحث الثاني : حياته الاجتماعية
المطلب الأول :
أسرته
المطلب الثاني :
تنقلاته
المطلب الثالث :
علاقاته
المطلب الأول : أسرته
__________
(1) إيقاظ الوسنان - ص 10 . سبق شرحه .
(2) البطاشي – إتحاف الأعيان – ص 125 .
(3) إيقاظ الوسنان - ص 171. يشير إلى دنو أجله ، بعد أن تغير الزمان وأهله فلم يبق الناس الذين ألفهم ، وهو ينتظر أمر الله فيه ، لينتقل دار أخرى . (1/33)
صفحة 34
حق لرجل عمر أكثر من تسعين أو مئة سنة أن يجمع أسرة كبيرة حوله من زوجات وبنات وأولاد حتى أحفاد وأسباط ، إلا أننا لم نجد في استقراء شعره الموجود بين أيدينا إلا أسماء زوجتيه وذكر لابنيه وإحدى بناته ، ولا أظن أن هؤلاء فقط من يمثل أسرة الشاعر ، بل قد يكون هناك غيرهم لم يتسن له ذكرهم في شعره أو ربما ذكرهم فيما لم يصلنا من شعره .
- زوجاته :
كانت له زوجتان كلتاهما تنتسبان إلى عبس القبيلة الأم , وإحداهما من بني صبح وهذا ما يفيده قوله :
لي زوجتان سناهما ... ... لظلام أهل الدهر صبح
جداهما عبس ورب ... ... المجد ... والعلياء صبح (1)
وذهب الشيخ البطاشي إلى أن إحداهما من عبس والأخرى من بني صبح ولا تعارض لأن بني صبح يرجعون إلى عبس .
وإحدى زوجتيه كانت ابنت عمر بن غسان ، تزوج بها بكرا بعد أن ختمت القرآن الكريم حيث يقول فيها :
حمدا كثيرا فوق عد الأنجم ... قد علم الإنسان ما لم يعلم
ختمت كتاب الله بالعشرين من ... شوال بنت السيد المتكرم
بنت الفتى عمر بن غسان الجوا ... د بن الجواد الأكرم بن الأكرم (2)
وكتب مثنيا عليها ومؤرخا لعقد بينها وبين سليمان بن ناصر الحضرمي :
لقد أقرت زوجتي بنت عمر ... ... ذو عندها غرس الرجاء قد ثمر
أن عليها لسليمان فتى ... ... ناصر ذاك الحضرمي المنتصر (3)
ثم قال :
أقر رجل ناصر هذا بأن ... ... حقه هذا إليه قد وصل (4)
__________
(1) إيقاظ الوسنان - ص 18 . أي إحداهما من قبيلة عبس والأخرى من قبيلة صبح .
(2) إيقاظ الوسنان - ص 18 . وهنا يحمد الله على أن وفق وزوجته وهي ينت عمر بن غسان وكان ذلك في تاريخ 20 شوال .
(3) إيقاظ الوسنان - ص 18 . وهنا يشير عقد دين على زوجته لرجل اسمه سليمان بن ناصر الحضرمي .
(4) إيقاظ الوسنان - ص 19 . وهنا يشير إلى وفاء الدين السابق . (1/34)
صفحة 35
وأما زوجته الثانية فهي بنت أحمد ، وكانت سليطة اللسان كثيرة الخصام وكثيرا ما تسوؤه أخلاقها ، فهو غير راض عنها إلا أنه رفض طلاقها أملا في صلاح سيرتها واستقامتها ، ويقول في ذلك :
ألا يا بنت أحمد ذي التقى والنقا ... ... من بعلك استمعي الكلاما
عدمنا الشر مذ عنا ارتحلتم ... ... وفارقنا التنازع والخصاما
فإن كنتم نويتم مكث شهر ... ... هنالك فامكثوا عاما وعاما
ولو فينا أطعتم ربكم ما ... ... عرفنا بعد فرقتكم مناما (1)
وله بيتان في إحدى زوجاته وكأنه يقصد بنت أحمد :
رب جاز البيض واجعل ... ... هامها تحت نعالي
صيرت عشرة مثلي ... ... بسفال وبعالي (2)
- جاريته :
وقد تملك خلف جارية تسراها وذلك بعدما أرسل رجلا اسمه عامر لشرائها له ، وهذا ما تفيده أبياته :
فتى عامر عمرت ما عمر النسر ... ... ونلت محلا دونه الغفر والنسر
ويسر رب العرش ما أنت طالب ... ... نعم وسرى الإثراء نحوك واليسر
إليك مئينا أربعا من محبك الـ ... ... ــذي قد بدا منه لك الحمد والشكر
فخذ لي بها من ههنا وهناك ما ... ... ييسره لي من له النهي والأمر
ولا تنس أن تشري لي عروبا بثغرها ... ... وأجفانها قد جمع الخمر والسحر (3)
ثم يذكرها في أبيات أخرى واصفا لها فيقول :
حلت سويد القلب سرية ... بيضاء أهدتها لنا سرت
مهما رأتها النفس مكروبة ... مهمومة محزونة سرت
__________
(1) إيقاظ الوسنان - ص 19. ومعنى الأبيات أنها رسالة لزوجته ابنت أحمد التي هجرت بيت زوجها مخاصمة ، فيقول لها أن في هجرانها له راحة وسعادة لأنه هجر الخصام والمشكلات التي كان يواجهها معها في البيت ، فيأمرها بزيادة الغيبة إن شاءت ذلك ، ثم يذكرها بالله تعالى وأنها لو أطاعت الله فيه لما فضل هجرانها .
(2) إيقاظ الوسنان - ص 20 . وفي هذه الأبيات يظهر غضبه على زوجته وكأنه يود أن يطأها بنعله .
(3) إيقاظ الوسنان - ص 201 . ومعنى الأبيات أنه أرسل رجلا اسمه عامر وهو تاجر رحال ليشتري له في تجاره بعض الحوائج منها سرية جميلة . (1/35)
صفحة 36
كنت سخين اليمن حتى إذا ... ملكتها عيني بها قرت (1)
- أبناؤه :
لم يذكر الشاعر في شعره عدد أبنائه إلا أنه أقر بأن لديه ولدين صارا له بمثابة أبويه الذين توفيا عنه وهو ما زال صغيرا :
أتاني من فضل المهيمن ذي العلا ... ... كبدرين لاحا في السما ولدان
هما خلف عن والدين تواريا ... ... ببطن التراب بعدما ولداني
هو الفضل من رب البرية واسع ... ... لقاص بعيد نازح ولدان (2)
- بناته :
وله بنات يذكرهن في شعره إحداهن تسمى سالمة وهي التي يقول فيها :
بتاسع شهر الصوم مولد سالمة ... ... فيا رب صيرها من الشر سالمة
لألف وخمس بعدها مائة مضت ... ... فقولا لوادي الشك إن هو سال مه (3)
ويقول في إحداهن :
الحمد لله الذي ... أول لي بنيتي
من بعد ما كادت تهي ... من فقدها بنيتي
بمنه وفضله ... ... الغامر لا بنيتي (4)
ويقول :
لأجلك يا رب ضربت بنيتي ... ... فلا تهدمن بالعقاب بنيتي
فلست مثيبي لا ولست معاقبي ... تباركت يا ذا العدل إلا بنيتي (5)
ويقول :
لم أضربن بنيتي لتحش للأ ... ... بقار والأغنام أو كي تحطبا
لكن لتطلب بالصلاة لذي العلا ... زوجا من الأجر العظيم وتخطبا (6)
__________
(1) إيقاظ الوسنان - ص 19 . هنا يصف سريته ويزعم أنها تفرج الهم وتنزع الكرب منه بعدما عانا قبل مجيئها من الكروب والأحزان .
(2) إيقاظ الوسنان - ص 20 . سبق شرحها .
(3) إيقاظ الوسنان - ص 20 . المعنى أنه رزق بمولودة أسماها سالمة في يوم 9 رمضان 1105هـ ، ويدعو الله أن يسلمها من الشر .. مه : اترك .
(4) إيقاظ الوسنان - ص 20 . يشير إلى أن الله وفقه في أمره لحسن نيته ، وقد كادت ابنته أن تتضرر لولا فضل الله ومنه .
(5) إيقاظ الوسنان - ص 21 . المعنى أنه يرجو من الله تعالى أن لا يعاقبه لضربه ابنته .
(6) إيقاظ الوسنان - ص 21 . المعنى أنه لم يضرب ابنته لكي تعمل في إطعام البقر او تقطيع الحطب ، وإنما ضربها لتحافظ على صلاتها وتدعو الله ليوفقه للزوج الصالح . (1/36)
صفحة 37
ويحكي البطاشي عن بعض الأكابر أن للشيخ خلف بنتا قد بلغت سن الزواج ، فخطبها أكفاؤها من بني عمها وأقاربها ، فلما شاورها أبوها لم ترض بواحد منهم ، ورغبت في شخص من سائر الناس ليس من أكفائها كان يخدم الشيخ ، فحاول إقناعها بأحد من أقاربها وجماعتها فلم توافق ، فأخبرهم بذلك ، وأنه لا سبيل إلا إجبارها بمن لا ترضاه ولابد أن يلحقها بهواها ولا يعضلها ، فاستبعدوا ذلك منها وطلبوا إلى أبيها أن يحضروا إلى منزله ويحضر ذلك الشخص معهم ، فحضروا وجلست هي على نافذة الغرفة ، بحيث لا يرونها وأخذت رانجة ورمت بها ، فأصابت ذلك الشخص الذي اختارته عن بني عمها ، فقالوا : إن تلك الرمية خطأ ، ففعلت ذلك مرارا حتى تيقنوا ذلك منها فزوجها أبوها بالذي اختارته ،مما أثار سخط بني عمه عليه ، وتهديدهم له بالضرب ، وقد قال الشيخ خلف مخاطبا بني عمه :
أبالضرب هذا يا ابن العم منكم ... ... تسومونني سوءا على الغادة البكر
تظنون إبعادا لكم وقطيعة فحاشا ولكن سوف أبرر لكم أمري
كذلك أوصاني أبي وهو راحل عليه سلام الله في ظلمة القبر
بني فلا تصدع حياتك حرة كعاب إذا ما كنت من أولي أمر
وأقبح عورات الرجال نساؤهم وفي العورة التعجيل في مطلب الستر
أريد أحليها من الصوغ جوهرا فتخلعه عنها وترغب في الصفر
وألبسها ربط الحرير ووشيه وترغب في صوف مخلجة غبر
أقيدها في النخل والكرم والجنا وتسرح في مر من الطلح والسدر
لقد غرها الطاؤس من حسن ريشه ولم تدر أن العز من منكب الصقر
فهل تعلموا أن النضيرة زوجت برأس أبيها مذ أحبت فتى بصري
إذا هي لم تتبعك دعها وبعلها ولو كان حبشيا جليبا من البحر
فبالعروة الوثقى صلوا الحبل بيننا ولا تقطعوا الأسباب بالنفع والضر
فإن كريم القوم يبذل ماله على قومه في ساعة العسر واليسر (1/37)
صفحة 38
فهذا وصلى الله ما لاح بارق على المصطفى المبعوث في ظلمة الكفر (1)
المبحث الثاني : تنقلاته
لم أستطع أن أجد المعلومات الكافية التي تؤهلني لأن أستند إليها في توضيح تنقلات الشيخ خلف منذ حياته حتى وفاته ، ولكن الواقف على شعره ونثره ومقطوعاته يستشف منها أنه كان كثير التنقل والترحال ، ذلك لأنه يكثر من ذكر الأسماء والقرى العمانية ، فقد ذكر أكثر من خمسين بلدة وقرية في بدايات قصائده ومقطوعاته وفي ثنايا رسائله ومطولاته ، بل إن نسبة نفسه إلى عدة مواطن كالرجلة والمعمور و(نزوى) –كما أشرنا في المطلب السابق- لدليل واضح على تنقله من وطن إلى وطن .
ثم إنه ليصعب على الباحث أن يدرك جميع تنقلاته لا من الآثار ولا حتى من شعره ، إذ لا يلزم من ذكره بلدا أو قرية في ثنايا شعره أنه انتقل إليها وزارها ، بل قد يكون ذكرها لوجود علم من الأعلام بها كالإمام مثلا أو صديق أو مثل ذلك ، أو أنه مر عليها أو وقع فيها حدث فهو يرويه كبلدان( ديو وبتة وممباسة ) (2) التي وقعت فيها معارك حاسمة ، أو بلد العينين التي ثارت فيها مسألة الفلج ، ولا يلزم من عدم ذكر بلد ما أنه لم ينتقل إليه ولم يقطنه , فلعله ذكره في شعره وقصائده التي لم تصلنا ، أو وصلت ولكن لم تثبت في الديوان لرداءة خطها وغموضها أو أنه لم يذكرها لأمر أو لآخر .
__________
(1) إيقاظ الوسنان - ص 22 . الشاعر في هذه الأبيات يحكي قصته مع ابنته وبني عمه ، وعتب على بني عمه لإيذائهم له بالضرب ، ثم يبرر لهم عدم تزويج ابنهم من بنته ، فيزعم أنها رفضت الزواج من ابن عمها لتعلقها برجل آخر أحبته وقد حاول أبوا صرفها عن عزمها فأبت فلم يستطع إرغامها على ما لم تبغ ، ثم يطلب من بني عمه الوصل وعدم القطيعة .
(2) مناطق وقعت فيها معارك بين الإمام سلطان بن سيف والبرتغال . (1/38)
صفحة 39
وقد حاولت بالنظر في شعره وسيرةحياته المبعثرة في كتب التراث أو من ديوانه أن أستقصي مراحل انتقاله والأماكن التي انتقل إليها فكان أهمها عدة مناطق تبدأ بالرستاق وتنتهي بنزوى :
1_ (الرستاق) : ( الرجلة – المجدوث – المعمور – المنصور ) وادي بني غافر:-
وكان ذلك في بداية حياته ونشأته حيث أخذ مباديء العلم وأسس العلوم من معلمي مدارس تعليم القرآن ، ثم من مشايخ وعلماء قصرى ، وهذا على أساس أن وطنه (الرستاق) كما أثبتنا .
2_ عبري : (1) ( الدريز ) (2) :-
قد لا يعتبر مسكنه في الدريز انتقالا مؤثرا في سير حياته لأن الدريز والرجلة والمعمور والمحدوث والمنصور جميعها بلدان لبني غافر ، ولم نجد في شعره المطبوع ذكر لبلد الدريز إلا أن الباحث صالح الصوافي أشار إلى ذلك فقال " لقد استقر الشيخ الغافري في بلدة الدريز من هذه الولاية ـ أي عبري ـ , وذلك في ريعان شبابه إلى أن انتقل لطلب العلم .... " (3) ، ولا أدري ما سنده في ذلك ولعله أخذه من أعيان البلدة ، ولا تستبعد سكناه في الدريز لأنها بلد من بلدان بني غافر كما أشرنا .
3_ (نزوى) :
__________
(1) ولاية من ولايات الظاهرة تتصل من جهة الغرب بصحراء الربع الخالي ، وتجاورها ولايات ينقل وضنك والبريمي ، تتميز بتعدد معالمها الأثرية. المصدر : مسيرة الخير ( الظاهرة) ص 32 .
(2) أهم مناطق عبري وبها حصن الدريز الذي يعتبر حصنا دفاعيا رئيسيا . المصدر : مسيرة الخير ( الظاهرة ) ص 36 .
(3) الصوافي : د. صالح بن أحمد – عبري عبر التاريخ – المنتدى الأدبي – ط1 : 1423 هـ /2002م – ص 163 . (1/39)
صفحة 40
انتقل إليها شاعرنا بعدما انتهى الإمام سلطان بن سيف من إكمال بناء قلعة الشهباء في (نزوى) أو بعدما انتقلت الإمامة من (الرستاق) إلى (نزوى) , فانتقل إليها الإمام ولحقه خلف بن سنان وكان ملازما للإمام وتولى منصب الولاية والقضاء لدى الإمام في ذلك الوقت ، وهو يمدح هذا الإمام ويثني عليه في جل قصائده ، فهناك أكثر من عشرين قصيدة في ديوانه يشيد فيها به ويثني عليه , ولا غرو فقد أضفى عليه من كرمه وجوده وقربه منه وولاه مناصب عدة .
4_ جبرين (1) :
لم تكن جبرين قبل بناء حصنها بلدا مشهورا ، له أهميته ومكانته في التاريخ حتى جاء الإمام بلعرب بن سلطان وأقام الحصن وأنشأ المدرسة المعروفة ، ولما توفي الإمام سلطان بن سيف الأول خلفه ابنه بلعرب الإمامة بالشورى ، وكان مقره في حصن جبرين فانتقلت الإمامة ( الحكومة ) من (نزوى) إلى جبرين وانتقل معها شاعرنا تبعا لأنه ركن من أركانها، وأنشئت مدرسة جبرين فيها على نفقة الإمام بلعرب ن ولا أدري هل كان شاعرنا دارسا أم مدرسا فيها ؟ أكثر المؤرخين ذهبوا إلى أنه أحد العلماء الذين تخرجوا في هذه المدرسة (2) ، ولكن يظهر من السياق التاريخي أنه دخلها معلما ومدرسا كما سنبين ذلك لاحقا في موضعه (3) .
5_ (نزوى) :
__________
(1) أحد حصون بهلا الشهيرة ، بناه الإمام بلعرب وكان قصرا له ولعائلته ، وكان حصنا دفاعيا وقت الحروب بالإضافة إلى ما يضمه من قاعات دراسية . المصدر : مسيرة الخير ( الداخلية ) ص 48 .
(2) أنظر السيابي – عمان عبر التاريخ – ج3 – ص 256 .
(3) وذهب الشيخ أحمد بن سعود السيابي إلى أنه لم يدرس في هذه المدرسة . مقابلة أجراها الباحث مع الشيخ أحمد بن سعود السيابي - (1/40)
صفحة 41
عاد إلى (نزوى) عندما عادت الإمامة إليها في عهد الإمام سيف بن سلطان قيد الأرض واستمر فيها معه حتى عهد الإمام سلطان بن سيف الثاني الذي بنى قلعة الحزم وانتقل إليها ولا ندري هل انتقل معه إلى الحزم في بلده (الرستاق) أم مكث في (نزوى) حتى وافته المنية ، وهذا مرجعه إلى صحة ما يزعمه الكثير أن قبره في بلدة (المعيمير) من (نزوى) ، وعلى العموم لشاعرنا مدائح تتجاوز الثلاث في الإمام سلطان بن سيف الثاني قد تدل على أنه رجع معه إلى (الرستاق) .
المطلب الثالث : علاقاته
... إن بلوغ الشيخ خلف أسمى درجات العلم ، ورقيه أعلى مراتب الفضل والشرف جعلا له الحظوة لدى العمانيين بصفة عامة ولدى العلماء والفضلاء بصفة خاصة ولدى الأئمة اليعاربة بصفة أخص ، ولا أظن أن لنسبه الغافري أو العبري فضلا في مكانته ومنزلته في ذلك كله ، بالرغم من أن قبيلته ( بني غافر ) كان لها النفوذ الأوسع والشرف الأرفع ، إلا أن ذلك ليس له كبير حساب في الفكر الإباضي المستمد من الأصول التشريعية ، والذي تنسجم مع مبادئه أسس السياسة في الإمامة أو الحكومة الإباضية واتجاهاتها .
... وقد قسم المسعودي علاقات الشاعر إلى قسمين ( علاقاته مع الأئمة اليعاربة ، وعلاقاته مع علماء وشعراء عصره ) (1) ، وعلى هذا التقسيم اعتمدنا إلا أننا فصلنا علاقاته مع العلماء في قسم وعلاقاته مع الشعراء في قسم آخر:-
1_ القسم الأول : علاقاته مع الأئمة اليعاربة .
... عاصر الشيخ خلف خمسة أئمة من اليعاربة مبتدئا بناصر ومنتهيا بسلطان بن سيف الثاني . أما علاقته مع الإمام ناصر بن مرشد فإنها كانت علاقة شعبية أو بمعنى آخر علاقة إمام بأحد رعاياه الأوفياء والمبدعين ، وربما اتصل الشاعر بالإمام ناصر في آخر عهده وذلك لوجود قصيدة واحدة يمدح فيها الأئمة ناصر بن مرشد لم يشاركه فيها أحد من الأئمة ، ومنها :
هيهات يذهب ملك ملك عادل ... ... كان الإله له معينا ناصرا
__________
(1) المسعودي – مرجع سابق - ص 33 . (1/41)
صفحة 42
يكفيك في هذا دليلا مرشدا ... ... نصر الإله سليل نصر ناصرا (1)
ولا تدل هذه القصيدة على علاقة وطيدة بينهما فلعله لم يصحبه ولكن التقى به في (الرستاق) إذ هي بلد لهما .
... وأما الإمام سلطان بن سيف الأول فكانت علاقته معه علاقة حميمة ، حيث قربه منه وجعله كاتبا له وناطقا باسمه لما رأى من غزارة علمه وفصاحة لسانه ، ثم أنزله منصب الوالي والقاضي ، وكثير من المسائل كانت ترجع إليه في زمانه ، مثل مسألة فلج العينين من أرض السر (2) ، ومسألة غرق أراضي الباطنة (3) ، وذلك إن صحت هذه المسألة الأخيرة عنه (4) .
... وكان شاعرنا من جهته يكن للإمام جل الاحترام والتقدير، ويبدي له الشكر والثناء في سره وعلانيته ،وقد جعل أكثر مدائحه في الإمام لما بدأ به من إكرام والإجلال ، ولعل أول ما قاله فيه قوله :
يقول لي الأهلون وقد رأوا ... ... تهلل وجهي بانتظام مالكي
بمن ذا يصاغ المدح بعد ابن مرشد ... ... فقلت بسلطان بن سيف بن مالك (5)
... ويرى المسعودي أن شاعرنا كان أحد المبايعين لهذا الإمام حيث يقول " أما علاقته بالإمام سلطان بن سيف بن مالك اليعربي كانت علاقة قوية بل أنه يعد من المبايعين لهذا الإمام كما تدل على ذلك مكانته التي وصل إليها " (6) .
... وهناك أكثر من ثمانية عشر قصيدة وموضعا في مدح هذا الإمام ضمن القصائد التي بين أيدينا ، وحسبنا بقصيدته الميمية المشهورة ومطلعها :
__________
(1) إيقاظ الوسنان - ص 9 . سبق شرحه .
(2) أنظر - إيقاظ الوسنان - ص 153 .
(3) السيابي – إسعاف الأعيان – ص 19 .
(4) ورأى الشيخ أحمد بن سعود أنها لا تصح عن الشيخ خلف بن سنان المذكور وربما تكون عن عالم آخر يسمى خلف بن سنان . مقابلة مع الشيخ أحمد بن سعود .
(5) إيقاظ الوسنان - ص 9 . أي أن أهله لما رأوا تهلل وجهه وسروره عجبوا فسألوه عمن سيمدح بشعره بعدما توفي ناصر بن مرشد فأجابهم بأنه سيمدح خلفه سلطان بن سيف .
(6) المسعودي – مرجع سابق – ص 33 . (1/42)
صفحة 43
جاد جودا غضى الغوير الغمام ... ... وهمى فيه هامل ورهام (1)
واعترى مربعا (2) بأكناف وبل ... ... من حيا المزن وابل وسجام (3) (4)
ثم قال :
إن ثنى اليعربي عن عرب العليـ ... ... ـــــا ملام ثنائي اللوام
ذاك سيف الإله سلطان بن سيف ... ... ذو بعلياه أعلي الإسلام
يعربي بفضله أعربن إذ ... ... عجمته العرباء والأغتام
كرم كله وعلم وحلم ... ... ... وعفاف يقوده إقدام (5)
... ومن الرسائل التي كتبها شاعرنا على لسان الإمام رسالة كتبها إلى ملك اليمن أحمد بن الحسن " من إمام المسلمين سلطان بن سيف بن مالك الواثق بإله المملوك والمالك ، إلى أحمد بن الحسن (6) ملك اليمن الأوسع وصاحب المحل الأمنع والمقام الأرفع .
أما بعد :
... فقد انتهى إلينا كتابك الشريف ، الجامع بين الرفق والتعنيف ، ففهمنا – بحمد الله - معناه ، وعرفنا فحواه ... " (7)
... وأما علاقته مع الإمام بلعرب بن سلطان فلم تكن مثل علاقته بالإمام سلطان بن سيف إلا أن شاعرنا استمر في منصبه و مكانته لدى الأئمة اليعاربة فما برح شاعرنا كاتبا ومدرسا في جبرين عاصمة الإمامة أيام الإمام بلعرب بن سلطان حتى نهاية عهده ، وكان شاعرنا معجبا بشخصية بلعرب لشغفه بإكرام الضيف وبذله المال للعلم والعلماء وله فيه ثمان مدائح منها :
زرى (8) طش (9) مولانا الكريم بلعرب ... ... بوابل ما جادت علينا الغمائم
__________
(1) الرهم : المطر الضعيف الدائم
(2) مربعا : موضع الأطلال
(3) سجام : المطر
(4) إيقاظ الوسنان - ص 68 . في هذه الأبيات يقف على الأطلال ويصف المطر المتساقط عليها .
(5) إيقاظ الوسنان - ص 69 . وفي هذه الأبيات يمدح سلطان بن سيف ويثني عليه بأنه أعلي به الاسلام كما يصفه بالعروبة والكرم والعلم والحلم .
(6) أحد أئمة الزيدية الذين حكموا اليمن ، توفي عام 1047 هـ تقريبا. إيقاظ الوسنان - ص 42.
(7) إيقاظ الوسنان - ص 40 .
(8) زاري : من زرى عليه زرينا أي عابه وعاتبه .
(9) طش : المطر (1/43)
صفحة 44
إمام متى ما قسته كان خير من ... ... تعالت على الفودين منه العمائم (1)
ويقول فيه :
ما لاح برق أو تألق كوكب ... ... إلا تحدر من جفوني كوكب
شوقا ليبرين التي زانت بمن ... هو للأداني والأقاصي كوكب (2)
... وهناك من المؤرخين كابن رزيق والسيابي والسالمي من يرى أنه كان تلميذا في مدرسة جبرين ، ولا أرى ذلك لتوليه منصب القضاء والولاية والفتيا في عهد سلطان بن سيف الأول فكيف له أن يعود تلميذا مرة أخرى في حصن جبرين ؟! ومما يقوي هذا الرأي أنه كان كاتبا وناطقا بلسان الإمام بلعرب في عهده لوجود رسالة كتبها الشيخ خلف على لسان بلعرب بن سلطان إلى ملك اليمن فيها " بسم الله الرحمن الرحيم من الواثق بذي القدرة والسلطان ، إمام المسلمين أبي العرب بن سلطان ، إلى القيل الأعظم والرئيس الأكرم ، بدر الدين محمد بن أحمد بن أبي الحسن (3) المعدود من ذرية نبينا محمد ، ذي الخلق العظيم ، وذي الخلق الحسن ، صلى الله عليه ما همت زهر الغمام ، وبدأ الزهر من الأكمام ..." (4)
__________
(1) إيقاظ الوسنان - ص 90 . وهنا يمدح الشاعر الامام بلعرب ويصفه بالجود فهو كالمطر ، وهو أعلى من الجبال إذا ما قيس بها .
(2) إيقاظ الوسنان - ص 90 . وهنا يذكر شوقه لحصن جبرين وحزنه الشديد على فراقه ، لا سيما شوقه للإمام بلعرب الذي زانت الدنيا به .
(3) هو محمد بن أحمد بن الحسن بن القاسم ، كانهو وأبوه أحمد بن الحسن وعم أبيه اسماعيل بن القاسم كان هؤلاء الأربعة من أئمة الزيدية الذين حكموا اليمن في زمانهم ، وكان مولد محمد بن أحمد سنة 1047 هـ وتوفي 1130هـ . المصدر : إيقاظ الوسنان - ص 42 .
(4) إيقاظ الوسنان - ص 42 . (1/44)
صفحة 45
... أما علاقته مع الإمام سيف بن سلطان الأول فلم تختلف عن علاقته مع سائر الأئمة من حيث الإكرام والتقريب ، إلا أننا لا ندري هل استمر كاتبا وواليا في عهده أم ترك ذلك إذ لم نجد ما يشير إلى شيء من ذلك ، وكانت لشاعرنا قصائد ومقطوعات عدة أشاد فيها بصفات هذا الإمام وحزمه وبطولاته ، فله أكثر من ثلاثة عشر قصيدة ومقطوعة في مدحه ، فهو في المرتبة الثانية من حيث عدد قصائد المدح بعد أبيه سلطان بن سيف . ومن قصائده التي مدحه فيها قصيدته الميمية وفيها :
على ربع سلمى بالعقيق سلام ... وإن شفنا منه جوى وغرام
ولا برحت تنهل في عرصاته ... غمائم في آثارهن غمام (1)
ثم يقول :
وكن ذاكرا سيف بن سلطان أنه ... ... عليك له بث الثناء لزام
سليل إمام المسلمين وردؤه ... ... ومن هو للمجد المؤثل هام (2)
شجاع تخاف الأشد شدة بأسه ... ... ... وسمح زرى بالوبل منه رهام (3)
... وكانت علاقة الشيخ خلف مع الإمام سلطان بن سيف الثاني علاقة الأب الحنون على ابنه ، علاقة الناصح المجرب مع الشاب اليافع ، فنجد في بعض قصائده النصح والوعظ والتذكير ، وذلك لأن الشيخ قد بلغ حينها من الكبر عتيا ورأى ما لم يره غيره من الناس وقد عاصر أجداد هذا الإمام الأوائل وعرف الإمامة وخبرها ، فنجده ينصحه إذ يقول :
فلازم العلم يا نجل الكرام وتقوى ... الله في الجدب والإمحال والريف
واصحب وجالس ذوي التقوى كنجل غر ... يب طاهر الظهر م الفحشاء والجوف (4)
ويقول في موضع آخر :
فكن قاريء الشرع الشريف فشمسه ... ... طوال المدى ليست بذات زوال
__________
(1) إيقاظ الوسنان - ص 92 . هذه الأبيات مقدمة طللية يشير إلى الأطلال وسقوط الأمطار عليها ، ويذكر محبوبته سلمى .
(2) هامة الشيء : رأسه وأعلاه
(3) إيقاظ الوسنان - ص 92 . وهنا يمدح سيف بن سلطان ويزعم بأنه محده واجب فهو ابن الإمام وهو شجاع وسمح .
(4) إيقاظ الوسنان - ص 100 . أ ي عليك بملازمة أهل العلم والتقوى لتستفيد من علمهم وصلاحهم . (1/45)
صفحة 46
ألا واقرأن جزء الإمامة إنه ... ... يدل على مولى عظيم جلال
وأقبل على الأخرى ودع ذكر هذه ... ... فليست تساوي قدر زر جلال (1)
2_ القسم الثاني : علاقته مع علماء عصره .
1- الشيخ الوالي محمد بن يوسف العبري (2) :-
... كان هذا الشيخ واليا على حصن الغبي (3) للإمام سيف بن سلطان ( قيد الأرض ) ،وفي وقت قيامه بالغبي كانت بينه وبين الشيخ خلف بن سنان مراسلات في بعض المسائل مثل مسألة فلج العينين :
... من ضمن تلك الرسائل هذه الرسالة التي أوردها البطاشي في كتابه إيقاظ الوسنان وبدايتها " بسم الله الرحمن الرحيم ليعلم من يقف على كتابي هذا من المسلمين ، وأنا الخادم الأقل ، خلف بن سنان الغافري ، إنا قد أردنا من الشيخ الوالي محمد بن يوسف أن يسأل عن سبب وقوف المسلمين عن الكتابة في فلج العينين من الظاهرة ... " (4)
... ثم أجابه الشيخ محمد العبري بهذه الرسالة :" بسم الله الرحمن الرحيم ، ورد كتاب من محب صفي أمين الشيخ الرضي الثقة الولي خلف بن سنان – رحمه الله ورضيه – وصلى الله على النبي الأمي وسلم :-
وبعد
... سيدي أن كتابك الكريم وصل وصلك الله المراد وذكرت سيدي في حال فلج العينين وفي السبيل إلى الكتابة فيه ... " (5)
وقد رثاه الشيخ خلف بقصيدة عند وفاته مطلعها :
__________
(1) إيقاظ الوسنان - ص 103 . ويأمره في هذه الأبيات بالتعلم عن طريق القراءة فينصحه بقراءة باب الإمامة لأنه الإمام وعليه معرفة أحكام الإمامة ، كما ينصحه بالزهد في الدنيا والاقبال على الآخرة .
(2) الشيخ الفقيه الوالي محمد بن يوسف بن طالب العبري ، من فقهاء النصف الثاني من القرن الحادي عشر ، وعاش وقتا من القرن الثاني عشر المتوفى سنة 1123هـ / 1171 م . المصدر : إتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عمان ص 481
(3) الغبي : أحد حصون عبري المشهورة . المصدر : مسيرة الخير . المنطقة الظاهرة
(4) إيقاظ الوسنان - ص 156 ، إتحاف الأعيان – ج3 – ص 482 .
(5) إيقاظ الوسنان - ص 153 . (1/46)
صفحة 47
لقد غيض ماء الجود والبر والندى ... ... وعطل في أسواقه السوم (1) والندا
وهدت جبال الرفد والبذل والجدى ... ... فلا تطمعوا في الكرم منه ولا الجدا (2)
2- ابن عبيدان النزوي (3) :
... هو الشيخ محمد بن عبدالله بن جمعة بن عبيدان النزوي العقري ، كان هو والشيخ خلف والشيخ ناصر بن خميس الحمراشدي والشيخ صالح الزاملي (4) في منزلة واحدة ، فقد تصدر للفتيا ، وكان قاضيا للإمام سلطان بن سيف وابنه بلعرب (5) ،وللشيخ خلف فيه قصائد وأبيات ، منها قوله :
سلام كنشر الروض وافاه طله ... وداواه منهل الغمام ووبله
أتى من محب لم تثبطه عذله ... له قلب ذي شجو وحسرة ثكلان
إلى من رقى فوق السهى بالتأدب ... وسامى سماوات العلى بالتهذب
وشرد جمع الجهل في كل سبسب ... وطار له من طائر اليمن طيران
محمد الزاكي كريم العناصر ... حليف السطى والنائر المتواتر
مفيد العلوم بل مبيد الذخاير ... سلالة عبدالله حفد عبيدان (6)
وله فيه :
__________
(1) السوم : البيع .
(2) إيقاظ الوسنان - ص 161 . أي أن الجود ذهب ماؤه وعطلت أسواقه وانهدت جبال الرفد لوفاة الشبخ العبري .
(3) هو الشيخ العالم الفقيه القاضي محمد بن عبدالله بن جمعة بن عبيدان النزوي العقري ، من علماء القرن الحادي عشر ، قد أصيب بالعمى ، توفي سنة 1104هـ / 1692م . المصدر : إتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عمان ص 461
(4) هو الشيخ صالح بن سعيد بن مسعود الزاملي فقيه قاض وناظم للشعر ، عاش في القرن الحادي عشر الهجري ، من محلة خراسين من أعمال (نزوى) ، وقد نشأ كفيف البصر ، توفي صباح يوم السبت من شهر ربيع الأول سنة 1073 هـ . المصدر : معجم أعلام شعراء الإباضية ص 111 العلم 257
(5) الباطاشي ـ إتحاف الأعيان ج 3 ص461 .
(6) إيقاظ الوسنان ـ ص 199 . المعنى أنه يرسل سلاما عبر الروض والغمام من صديق محب إلى رجل سام متأدب معروف بالعلم ويمن الطالع وهو الشيخ محمد بن عبدالله ابن عبيدان . (1/47)
صفحة 48
إن المسائل غير شك ظلمة ... ... وفتى عبيدان المهذب نورها (1)
3- الشيخ ناصر بن خميس (2) :
... هو الشيخ ناصر بن خميس بن علي الحمراشدي ، يعد من أقران الشيخ خلف بن سنان وقد عاصر مثله الأئمة الخمسة ، فلا عجب أن نجد الشيخ خلف يذكره في شعره ويثني عليه كثيرا ، في مثل قوله فيه :
لناصر بن خميس ... ... في الدار شهرة فضل
أزرت بشهرة زيد ... ... منا وعمرو وفضل
لكنه فجر علم ... ... للمهمات مجلي (3)
ويقول فيه :
ناصر نجل خميس ... ... ثقة عدل أمين
عالم سمح جواد ... ... لست في هذا أمين
عز أن يشبهه زيد وعمرو ومعين (4)
ويقول :
ناصر بن خميس ... ... بدا الظلام ولاحا
لم يخش في الله يوما ... ... من لام فيه ولاحى (5)
... وله أبيات في مدحه غير هذه الأبيات أعرضنا عنها خوف الإطالة ، ويبدو أن الشيخ ناصر كان يخالف الشيخ خلف في بعض المسائل وطبيعي أن يختلف العلماء ، وهناك بيت وكأنه مقطوع من قصيدة فيه يشعر بذلك الخلاف :
نبئت أن فتى خميس ناصرا ... ... بنداء هذا الدهر ليس يصلي (6)
ولقد توفي الشيخ ناصر بن خميس قبل وفاة الشيخ خلف فرثاه بقصيدة جاء في مطلعها :
__________
(1) إيقاظ الوسنان - ص 199 . أي أن الشيخ ابن عبيدان أهل لحل المسائل المشكلة .
(2) هو الشيخ ناصر بن خميس بن علي الحمراشدي ، قائد وفقيه وشاعر ، عاش في القرن الحادي عشر والثلث الأول من القرن الثاني عشر الهجري ، من ولاية (نزوى) ، من آثاره العلمية والأدبية : أجوبة كثيرة في كتب الأثر – أبيات في الإستسقاء وأخرى في تقريظ كتاب الإستقامة للشيخ أبي سعيد الكدمي ، توفي سنة 1127هـ . المصدر : معجم أعلام شعراء الإباضية ص 189 العلم 459
(3) إيقاظ الوسنان - ص 195. يمدح الشيخ ناصر ويشيد بعلمه وفضله .
(4) إيقاظ الوسنان - ص 195 . وهنا أيضا يمدحه بالعم والجود .
(5) إيقاظ الوسنان - ص 195 . لاح : لعن وسب .
(6) إيقاظ الوسنان - ص 168. أي لا يصلي بالأذان الذي يؤذن به في عصره . (1/48)
صفحة 49
قسي المنايا ليس تخطي سهامها ... ... وأيامها تشوي الوجوه سهامها (1)
4- القاضي عدي (2) :
... وكانت لشاعرنا علاقة مع القاضي عدي بن سليمان الذهلي الرستاقي ، الذي كان واليا وقاضيا للإمام سلطان بن سيف الثاني ومن بعده ، إذ كان الشيخ خلف يرسل إليه سلامه ويثني عليه ويصفه بأنه فاق بني زمانه :
أهدي سلاما حاكيا ... ... نشر الخزامى يوم طل
لفتى سليمان الذي ... ... لدم العمى والغي ضل
لكنه قد أنهل الإسلام كأس الهدى وعل
فلذاك فاق بني الزما ... ... ن بلا عسى وبغير عل (3)
ويمدحه في موضع آخر فيقول :
لولا إمام المسلمين وقا ... ... ضيه الفتى الذهلي والوالي
أعلنت الدنيا وأصحابها ... ... جهرا بأعوال وولوال (4)
5- الشيخ سرحه (5) :
... كان الشيخ سرحه بن حرمل العامري من العلماء الجهابذة في دولة الإمام سلطان بن سيف الأول وكان ناظما للشعر فلا غرو أن نجد الشيخ خلف يهدي له سلاما فيقول :
أهدي سلاما سليما ... ... لشيخنا الندب سرحه
__________
(1) البطاشي ـ إتحاف الأعيان ج3 ص 501 . أي أن للموت سهام لا تخطي صاحبها .
(2) هو الشيخ العالم الفقيه القاضي عدي بن سليمان بن راشد الذهلي ، من علماء القرن الثاني عشر ، ومن قضاة الأئمة اليعاربة الأخيرين ، وقد توفي سنة 1133هـ / 1721م . المصدر : إتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عمان ص 388 .
(3) إيقاظ الوسنان ـ ص 198 . المعنى أن الشاعر يرسل سلامه للممدوح ويصفه بأنه كأس الهدى وقد فاق بني الزمان بغير ترج.
(4) إيقاظ الوسنان ـ ص 198 . أي أن الدنيا لولا الإما م وقاضيه الشيخ عدي الذهل يلخربت وصاحت بالضياع .
(5) هو الشيخ سرحة بن حرمل بن حمد بن سرحان العامري كان حيا إلى سنة 1077هـ ، وهو فقيه ناظم للشعر ، عاش في القرن الحادي عشر الهجري ، من بلدة القريتين من أعمال إزكي . المصدر : معجم أعلام شعراء الإباضية ص 75 العلم 152 (1/49)
صفحة 50
ذو حاز عنا مراح الفـ ... ... ـضل الشريف و سرحه (1)
وهو يمدحه ويصفه بالكرم والجود وإنزال الضيف وأن وجهه مرضي بالطاعات ، حيث يقول :
جزى الله خيرا نجل حرمل إنه ... ... إذا نزل الأضياف كان هو القاري
ومهما دعتنا حاجة نحو خطبة ... ... ومألكة أضحى لها المنشيء القاري
فلا زال بالطاعات وجهك مرضيا ... ... ووجه ذوي العصيان لله كالقاري (2)
وللشيخ سرحه خط جميل وبديع ، وهو بارع ومتفنن في الخطوط ، فهو يستطيع أن يكتب عشرات الكتب دون أن يتشابه فيها كتابان في الخط .
فيقول فيه خلف :
إذا ذكر الكتاب خطا منمقا ... ... فما لأخينا سرحة من مشابه
لهذا له أهدي الثناء متمما ... ... جزى الله خيرا من إليه مشى به (3)
__________
(1) إيقاظ الوسنان – ص 199 . المعنى أن الشاعر يهدي السلام للشيخ سرحة الذي حاز الفضل والعلم .
(2) إ إيقاظ الوسنان - ص 200 . وهنا يمدح الشيخ سرحة بإكرام الضيف وأنه يقصد عند ملمات الدهر ، ثم يدعو له بالخير والطاعة .
(3) إيقاظ الوسنان - ص 200 . أي أن للشيخ سرحة خط بيع لا مشابه له في الخطوط . (1/50)
صفحة 51
... وللشيخ خلف علاقات مع الشيخ درويش المحروقي (1) والشيخ ناصر بن سليمان (2) وعبدالله بن محمد (3) وغيرهم مما هو متناثر في شعره .
3ـ القسم الثالث : علاقته مع الشعراء .
1- محمد بن عبدالله المعولي :
... من أولئك الشعراء الذين برزوا في عصور دولة اليعاربة هذا الشاعر الفطحل ، وقد جمعت بينه وبين شاعرنا الغافري مراسلات وتبادل قصائد وتهاني ، ومن ذلك قصيدة أرسلها المعولي للشيخ خلف يعاتبه فيها على عدم الزيارة وطول الغيبة ، وفيها :
مذ مدة ما جاءنا ... ... منكم خطوط أو خبر
أم كيف لا يأتي إلينا ... ... عنكم خبر يسر
أم عافكم عنا كما ... ... قد عافنا منك كبر
أنسيتم عهدا قديما ... ... أم بدا منكم نظر
أم غير الود النوى ... ... ... أم ربع ودي قد دثر
أم مسكم منا جفاء ... ... أم حادث منا ظهر
أم قد بدا منا مقا ... ... ... ل في عواقبه ضرر
أم دهركم ألهاكم ... ... أم قلبكم عنا نفر
ولقد سمعت بأنكم ... ... ... جئتم إلى العلم الأبر
ماذا يضركم إذا ... عاملتوني بالخبر
ما دار في ضمير الفؤاد ... محبتكم أو ما خطر
في بالكم أني أنا ... الخل الوفي وماغدر
فبأي ما أعرضتم عني فغالتني الفكر
__________
(1) هو الشيخ درويش بن جمعة بن عمر المحروقي ،ولد سنة 1020 هـ ، عالم فقيه ووال قاض وناظم للشعر ، عاش في القرن الحادي عشر الهجري ، من بلدة الروغة من أعمال أدم ، تولى القضاء والولاية على أدم للإمام سلطان بن سيف بن مالك ،توفي سنة 1086هـ ، له عدة مؤلفات منها : الدلائل في اللوازم و الوسائل – الفكر والإعتبار( مخطوط ) – جامع التبيان ( مخطوط ) . المصدر : معجم أعلام شعراء الإباضية ص 50 العلم 97
(2) هو الشيخ العالم الفقيه القاضي ناصر بن سليمان بن محمد المدادي الناعبي النزوي ، من علماء القرن الثاني عشر الهجري ، ومن قضاة الإمام سلطان بن سيف بن سلطان ، وكان مرجع الفتوى في زمانه . المصدر : إتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عمان ص 503
(3) وجدنا الكثير من العلماء الذين عاصروا الشيخ خلف بهذا الإسم . (1/51)
صفحة 52
منح قريب منكم لو واحد منكم أمر
بزيارة لمحبكم كيما يكون له قدر
لكن بحمد الله أني لا تحركني له قدر
لا ينجلي وديّ عن المحـ ـبوب واصل أم هجر
لكنني لا بد لي من أن أعاتب من نفر
كي ينطفي الأنكار عن قلبي لكي ما يستقر (1)
... وله قصيدة أخرى بعثها له يهنئه فيها بالصحة والعافية ولعله أرسلها له بعد علاجه من مرض أصابه في رجله ، وفيها :
إن كنت قد عدت إلى العافية ... ... فإننا في عيشة راضية
إن بت في صحة ناعما ... ... فإننا في لذة صافية
الله يكفيك الأذى والقذى ... ... وتصبحن في فرحة كافية
أجارك الرحمن من كل ما ... ... تخافه من علة خافية
أعيذك من شر البلايا ومن ... ... شر الوساوس بالكافية
وابق بقاء الدهر في بلدة ... ... المعمور ما عمرت في عافية
يا ابن سنان أنت في راحة ... ... تترى وفي عيشة صافية
ما دمت حيا نحن في سلوة ... ... قلوبنا من أجلكم سالية
سقيا لدهر قد خلا مدة ... ... خلا وأيام به خالية
إذ نحن في عنفوان الصبي ... ... وهمتنا في العلا عالية
ونجمنا يسطع بين السعود ... ... وحضرتنا في الورى عالية
والحمد لله الذي خصنا ... ... بالعز والنعمى وبالعافية (2)
__________
(1) المعولي : محمد بن عبدالله بن سالم – ديوان المعولي – وزارة التراث القومي والثقافة – سلطنة عمان – 1412 هـ / 1992م - ص 188 . في هذه الأبيات يعاتب الشاعر زميله الغافري لفراقه أياه وعدم زيارت ومواصلته رغم الصحبة والمودة التي بينهم ، ثم يلومه على مروره من قرب دياره منح وعدم زيارته له ، كما أنه لم يرسل له يعلمه بمجيئه قريبا من داره لاستقباله واستضافته ، ولكنه رغم هذا العتاب لا يزال محبا له وملتزما بصداقته .
(2) المرجع السابق – ص 443 . المعنى أن المعولي يهنئ الغافري بصحته وسلامته ، ويدعو الله أن يجعله في صحة وعافية دائمتين ، ويدعو الله أن يبعده عن الأذى والشر ، ويشير إليه بأنه إن كان صحيحا سليما فهو يشعر بسلامته وصحته . (1/52)
صفحة 53
2- راشد بن خميس الحبسي (1) :
... ومن الشعراء الأفذاذ الذين ملكوا ناصية البيان شاعر الحس والذوق راشد بن خميس بن جمعة الحبسي ، وكانت بينهما مراسلات أيضا ، ففي ديوان الحبسي ما يلي " ... الشاعر الحبسي قصيدة يمدح فيها فصيح الزمان ، ولسان أهل عمان ، الشيخ الرضي ، الفقيه الزكي : خلف بن سنان بن خلفان بن العثيم الغافري ويشكره في حاجة قضاها له وهي من البحر المنسرح :
بابن ابن خلفان علتي شفيت ... ... وكان حقا لها هو الآسي
وكنت من قبل أن أخبره ... ... بها أخا غمة و وسواس
وكنت بين الورى أسي ... ... أسير بين الرجاء واليأس
فحل عقدتها وحل بينها ... ... وقال لي ما عليك من باس
حمدا لمن صير الدواء على ... ... يدي حكم من أشرف الناس
زمرا يرجى في كل نازلة ... ... ولم يكن غافلا ولا ناسي
فتى سنان الذي يفيد أخا ... ... ألا يحاش أنسا وخير إيناس
جزاه عني الإله عافية طابت على رغم كل خناس (2)
... وقد أرسل الحبسي رسالة نثرية من (الغبي) إلى الشيخ خلف في (نزوى) صدرها بهذه الأبيات :
لما أبى إلا التفرق بيننا ... ... صرف النوى وتقلب الأيام
وتباعدت منا الديار ومنكم ... ... بتباعد الأشباح والأقدام
وتركتم المشتاق بعد وعينه ... ... تبكي بعيني عروة بن حزام
__________
(1) هو الشيخ راشد بن خميس بن جمعة الحبسي ولد سنة 1089هـ في قرية " عين بني صارخ" من قرى الظاهرة، وكان حيا إلى تاريخ 1150م ، وهو أديب شاعر ، عاش في أواخر القرن الحادي عشر والقرن الثاني عشر الهجري ، رمد وعمي وهو ابن شتة أشهر له ديوان مطبوع باسم ( ديوان الحبسي ) . المصدر : معجم أعلام شعراء الإباضية ص 52 العلم 100
(2) الحبسي : راشد بن خميس – ديوان الحبسي – وزارة التراث القومي والثقافة – سلطنة عمان – ص 219 . وفي هذا الأبيات يشكر الحبسي شاعرنا الغافري لأنه أعانه في إحدى الملمات التي ألمت به وأعيته ، فأعانه وأرشده إلى العلاج السليم الذي انتفع به وانجلى عنه الغشاء (1/53)
صفحة 54
صبرت طرسي كالرسول إليكم ... ... يقرا عليك تحيتي وسلامي (1)
والرسالة فيها :
بسم الله الرحمن الرحيم
سلام نشره يفوق على نشر الأناب ويزري طعمه بطعم الثواب ..." (2)
وبعدما انتهى من الرسالة ختمها بقصيدة يمدحه فيها :
سجية ابن سنان ... ... سجية الأنبياء
فاق الأنام بحلم ... ... وفطنة وذكاء (3)
فلما قرأها الشيخ خلف أعجب بها فأرسل مجيبا له :
لراشد بن خميس ... ... فصاحة وبيان
معشوقة كل علم ... ... لا زينب وضمان
كأن فعل المعاني ... ... له عليه ضمان (4)
3- بشير بن عامر الأزكوي (5) :
... لقد أشرنا سابقا إلى أن الشيخ خلف تولى منصب القضاء في عهد الإمام سلطان بن سيف الأول ، غير أنه اعتزل القضاء والولاية ، ولمناسبة اعتزال الشيخ خلف لهذه الوظيفة كتب الشيخ بشير بن عامر الفزاري قصيدة قال فيها :
قل للرضى خلف سليل سنانه ... ... برد حشاك ولا تكن بالواجد
قد حط الله عنك حملا ثقيلا ... ... فاشكر وكن لله عين الحامد
يا سعد من رزق الكفاية واكتسى ... ... ثوب الخمول خلال عيش بارد
أما الولاية فهي خود أصبحت ... ... بعد الطلاق عروس كفء ماجد
أعني به السيف الذي شدخت به ... ... هام العدى سيفا سلالة ماجد
__________
(1) المرجع السابق – ص 220 . وهنا نجد الحبسي يذكر شوقه للشاعر الغافري وبعده عنه وألم الفراق والغربة .
(2) المرجع السابق – ص 220 .
(3) وهي قصيدة طويلة تركنا سردها بغية الاختصار .
(4) المرجع السابق – ص 221 . المعنى أن الحبسي رجل فصيح وعالم باللغة والبيان .
(5) الشيخ بشير بن عامر بن عبدالله الفزاري الإزكوي ، كان حيا إلى تاريخ 9 جمادى الأخرة 1110م ، وهو شاعر فقيه وطبيب ناظم للشعر ، عاش في القرن الحادي عشر وأوائل القرن الثاني عشر الهجري ، له مراسلات طبية مع الطبيب علي بن عامر النزوي ، له ديوان شعري أكثره في مدح الإمام سلطان بن سيف وولديه الإمامين بلعرب بن سلطان وسيف بن سلطان ، وله نظم في مسائل فقهية . المصدر : معجم أعلام شعراء الإباضية ص 14 العلم 23 (1/54)
صفحة 55
كانت قديما تحت عدل منصف ... ... والآن صارت تحت ذمر زاهد
وكلاهما أهل لها وكلاهما ... ... عبد مطيع للإمام القائد (1)
وللشيخ بشير قصيدة أخرى يمدح فيها الإمام سلطان بن سيف بن مالك وواليه خلف بن سنان
أخص بذا التسليم ألف الممالك ... ... وذا المجد سلطان بن سيف بن مالك
وواليه أعني الغافري فواله ... ... وكن لامريء عاداه أول فارك
فتى طاب أخلاقا وطاب أرومة ... ... وآراؤه نابت مناب البواتك (2)
... ولم يكن خلف بن سنان أقل قصدا وودا من صاحبه الفزاري ، بل كان متواصلا معه بقصائده ورسائل الشعرية ، فقد أجاب خلف بن سنان على قصيدة من قصائد صاحبه بقوله :
أهلا بطرسك يا سلالة عامر ... ... لا زلت ذا فضل علينا غامر
طرس غدا لك زينة لكنه ... ... يلهي عن التهجاع عين السامر
غفر الإله لك الذنوب وأمك ... ... الذكر الممجد من شكور غافر (3)
وله أبيات أخرى أرسلها له وكأنه يعتذر له عن عدم الزيارة فيها :
صاحب الود إن نأى عن حبيب ... ... ناب عنه طرس كريم فزاره
فلهذا أهدي السلام بطرسي ... ... لبشير أزكى فروع فزاره
يا بشير بن عامر أنت في إزكي ... ... كبدر ما إن يخاف سراره
__________
(1) إيقاظ الوسنان - ص 163 . المعنى : أن الأزكوي يعزي شاعرنا لأنه عزل عن الولاية مشيرا إلى أنه قد حط حملا ثقيلا كان على كاهله ، فحقيقة العزل أنه راحة للنفس من مكابدة مشكلات الناس ، ثم يصور أن الولاية كانت في عدل منصف وهو الغافري والآن في يد زاهد وهو الوالي الجديد .
(2) إيقاظ الوسنان - ص 163 . وهنا يمدح الأزكوي الإمام سلطان بن سيف وواليه الغافري ، ثم يصف الغافري الخلق الكريم والنسب المجيد .
(3) إيقاظ الوسنان - ص 203 . الطرس : الكتاب .. والمعنى أن الشاعر يرحب بكتاب الأزكوي ويصف بالحسن وأنه يلهي عن النوم لجماله وروعته . (1/55)
صفحة 56
... ... ... واصلا قاطعا بكفك بعد النـ ... ... ـشر أخيار دهرنا وشراره (1)
وله في مدحه :
لبشير بن عامر في دجى إز ... ... كي ضياء يجلي به الإظلام
فجزاه الله خيرا كثيرا ... ... وعليه من السلام السلام (2)
... وكما اهتم شاعرنا بتقوية علاقاته مع أصحابه من العلماء والشعراء من داخل بلده عمان ، فإنه كذلك اهتم بتقوية علاقاته مع أصحابه من البلدان الأخرى وذلك من باب تقوية أواصر المودة والمحبة ، وتأكيد التواصل والتراسل بين قطرين تفرقهما طول المسافة وبعد المساحة ، ويجمعهما الفكر والمبدأ ، وتقرب بينهما الهموم والآمال ،وإن تقوية هذه الوحدة غير مستغربة ،لاسيما أن هناك زيارات متكررة بين البلدين .
... ولشاعرنا أصدقاء في المغرب العربي ، وخاصة في جزيرة ( جربة وجبل نفوسه) اللتين تعدان من أهم معاقل الإباضية في المغرب ، ويبدو أن تبادل رسائل وزيارات كانت بينهم فقد أرسل قصيدة لصديق يدعى سعيد بن يحيى ، يحييه ويدعو له بالخير، وينشده أن يبلغ سلامه للأصدقاء في (نفوسة وجربة) :
حييت يا يحيى سليل سعيد ... ... وحييت في داريك خير سعيد
واعتادت الخيرات ربعك ما خدت ... ... للبيت أو رتكت قلاص العيد
أبلغ سلامي من نفوسة أنفسا ... ... سلمت من التثريب والتفنيد
واخصص به أهل التجارب والنهى ... ... من جربة دار الكماة الصيد
قوم متى اعتنت بدجنة بدعة ... ... جلوا دياجي غيها بعمود
وهبية وهبوا النفوس لربهم ... ... فربا لهم منه نفيس مزيد
أن ينأ عني أو يشط مزارهم ... ... فهم بقلبي مثل حبل وريد
__________
(1) إيقاظ الوسنان - ص 204 . المعنى أن الرسالة قد تنوب عن زيارة المرسل وذلك إن عجز عنها ، فلهذا أرسل الغافري للشاعر الفزاري رسالته التي يمدحه فيها ويذكر شوقه وحبه له ,
(2) إيقاظ الوسنان - ص 204 . وهنا يمدحه ويصفه بالبدر الذي تنجلي عنه غياهب الظلم . (1/56)
صفحة 57
فعليهم مني تحية وامق ... ... يحيا بها بلد الوصال المودي (1)
المبحث الثالث : حياته العلمية
المطلب الأول :
صفاته العلمية
المطلب الثاني :
صفاته الخَلْقية والخُلُقية
المطلب الثالث :
العوامل المؤثرة في تكوينه العلمي
المطلب الرابع :
إنتاجه العلمي
المطلب الأول : صفاته العلمية
لا ريب أن الشيخ خلف بن سنان الغافري قد بلغ شأوا بعيدا في العلم ، والكتب الفقهية شاهدة على ذلك ، لاسيما كتاب " التبيان " للشيخ درويش المحروقي , وكتاب " فواكه العلوم في طاعة الحي القيوم " للخراسيني , وكتاب "" فواكه البستان " للمحليوي , وغيرها وهي كتب جمع فيها تلامذته كثيرا من فتاويه.
وكان يعد رحمه الله ممن ترجع إليه الفتوى في زمانه ، ( وكان فقيها مفتيا من أقران المشايخ الزاملي ، وابن عبيدان ، وله أجوبة كثيرة في الأثر ..). (2)
وللشيخ خلف أجوبة فقهية منظومة بعضها مطبوع في كتاب "إيقاظ الوسنان " بعنوان " ما كان من شعره في المسائل الفقهية " وبعضها متناثر في كتب الأثر ، وبعضها ما زال مخطوطا .
وكان الشيخ خلف مفتخرا بعلمه الذي جمعه طول حياته بالجهد و التعب والقراءة والدرس ، يرى أنه أثمن ما يملكه الإنسان ، بل هو أفضل وأغلى من الأموال فلو أعطي ألفا مقابل حرف واحد من العلم لم يرض .
وبهذا يقول :
لقد جمعنا العلم حرفا حرفا إذ جمعوا ألأموال ألفا ألفا
__________
(1) إيقاظ الوسنان - ص 194 . المعنى أن شاعرنا يرسل تحيت لزميله يحيى بن سعيد ويدعو له بالخير كلما جرت الإبل إلى بيت الله الحرام ، ثم يطلب منه أن يبلغ سلامه الرجال الأماجد من أهل نفوسة وجربة(هما مدينتان في تونس) ، ويذكرهم بأنه ما زال هلى حبه لهم وشوقه إليهم رغم بعد الديار وطول الفراق .
(2) البطاشي – إتحاف الأعيان – ص 126 . (1/57)
صفحة 58
فإن بغوا حرفا بألف لم نكن نرضاه عنه صاحبا وإلفا (1)
ويرى بأن العلم أغناه عن الناس فهو مستغن من إضافة الخلق وقِراهم .
حمدا لمن أرفد والبعد يسم لي قد أوقرا
... ... ... فلست أحتاج لخلـ ـق أن أضاف أو قرا (2)
وهو إذ ذاك لم يحصل على هذا الكم الكبير من المعرفة بالعز والكسل , بل اكتسبه بقطع العناء وجوب صحراء الكد .
لا تحسب العلم تمرا لذيذا أكل وجبنا
فقد قطعنا فيه صخور العناء فيه وجبنا
فلا يؤمله من يصحـ ـبن عجزا وجبنا (3)
وكان جل اهتمام الشيخ خلف بالعلوم الشرعية (4) دون كل علوم مع عدم غفلته عن المعارف ألأخرى كالطب (5) وعلوم ألأسرار (6) وعلم الفلك . فكثيرا ما يشحذ الهمم لطلب العلم الشرعي ويخص كتاب " بيان الشرع " (7) بالقراءة دائما لسعته وشموله .
والعلم لا يحصى فمن أحسنه ... خذ يا سليل الأكرمين ما كفى
واعمل بما تعمله لأنك شر ... وى ذي صدى لما حوى ماء كفا
يا رافد الجهل انتبه يا صعق الغـ ـي أفق فالسيل قد غطى الزبا
__________
(1) إيقاظ الوسنان - ص 164 .أي أن أهل المال اشتغلوا بجمع المال ألفا ألفا ونحن العلماء جمعنا العلم حرفا حرفا ، فإن أراد أهل المال استبدال حرفا من علمنا بما لديهم من آلاف لم نرض .
(2) إيقاظ الوسنان - ص 164 . المعنى أنه يحمد الله على ما رزقه إياه ، فهو برزق الله لا يحتاج لمال الناس وقراهم .
(3) إيقاظ الوسنان - ص 165 . أي أن العلم صعب وليس سهلا فقد قطعنا الصخور وجزنا الصعاب لإدراكه .
(4) ويقصد العلوم المتصلة بالقران والسنة واللغة . كالقه والعقيدة والتفسير زالنحو .
(5) الطب هو علم يدرس خصائص الجسم بهدف علاجه وصحته .
(6) علم الأسرار والكشف قيل : هو الإخبار عن أمور غيبية ، فتظهر كما أخبر .
(7) كتاب بيان الشرع تأليف الشيخ محمد بن إبراهيم الكندي ، ويقع في اثنين وسبعين جزءا . (1/58)
صفحة 59
واقرأ بيان الشرع تظفر بالمنى ... ... منه ومع ذلك لا تنس الضيا (1)
ويقول :
فإن كنت للشرع الشريف مصاحبا ... فلسنا بشيء في الخطوب نبالي
فكن قارئ الشرع الشريف فشمسه طوال المدى ليست بذات زوال (2)
ويقول :
وكن لبيان الشرع ما عشت قارئا ففيه الهدى حقا وفيه المغانم
ومن لم يلازمه وأشباهه هوى بهوة هلك وهو يحب سالم (3)
ويؤكد مرة أخرى الاهتمام بعلم الشرع ويفضله عن علم اللغة والنحو
فيقول :
من فاته الشرع الشريف والتقى لم يغنه نحوا حواه ولغا (4)
بل غره من نفسه فإنه في جمعه في الدارين بالجهل لغا (5)
وكان الشيخ كثير القراءة للكتب ، وملازما لها ، فهي معه حيثما حل ونزل - وهكذا دأب العلماء - ، بل لا يعد البلد الذي ليس به كتب بلدا :
بلاد ما بها كتب فلست أعدها بلدا
حليف العلم من فيها لقلة حظه بلدا (6) .
رغم اهتمام الشيخ خلف بعلوم الشريعة إلا أنه لم يكن مقتصرا عليها ، فهو واسع الثقافة عريض المعرفة له في كل فن يد .
__________
(1) إيقاظ الوسنان - ص 125 . أي يا طال العلم اعمل بالعلم الذي تطلبه فإن العلم كثير لا ينتهي ، ثم يوصيه بقراءة كتاب بيان الشرع للكندي لما فيه من فائدة ومثله كتاب الضياء للعوتبي .
(2) إيقاظ الوسنان - ص 103 . وهنا يوصي بطلب علم الشرع الحنيف ، لأن شمسه لا تزول ، أي أهميته وفائدته .
(3) إيقاظ الوسنان - ص 97 . وهنا أيضا يأمر بقراءة كتاب بيان الشرع للكندي لأن فيه الهدى ، ومن تركه ضل وهوى .
(4) أصلها ( لغة ) .
(5) إيقاظ الوسنان - ص 130 . ويضيف هنا أن من ترك قراءة الشرع لم تنفعه قراءته في العلوم الأخرى مثل النحو والصرف.
(6) إيقاظ الوسنان - ص 117 ، و ( بلد ) الثانية من البلادة . ويزعم هنا أن البلد التي ليس بها كتب لا تستحق أن تسمى بلدا ، وأن العالم يصير لقلة الكتب فيها بليدا . (1/59)
صفحة 60
فهو عارف بالتاريخ (1) وأعلام الأدب العربي : فيشير إلى حادثة نبش قبر ابن مقلة (2) ويؤرخها في شعر فيقول :
شرب ابن مقلة منها ومنه الكف قط
وثلاث مرات أثير من الضريح وفيه حط
لم ترع فيه النائبات حكمة وبديع خط (3)
وقد قرأ للسمؤال (4) ولثمود وعاد فيقول :
قد اخترم الدهر السمؤال عاديا وأوفى فأعدى للمنية عاديا
... ... وعلى ثمود من ثمود منية وأضحى على عاد لك الخير عاديا (5)
وقرأ عن الأحنف بن قيس فيقول :
لو بحلم الإمام حلم ابن قيس قيس أضحى كأنه أحلام (6)
__________
(1) هو علم يدرس أخبار السابقين للعبرة والموعظة .
(2) ابن مقلة أبو علي محمد بن علي بن الحسين بن مقله الكاتب المشهور ، كان في أول أمره يتولى بعض أعمال فارس ويجبي خراجها ، قتل في الموصل ببغداد سنة ثلاثين وثلاثمئة ، وقيل أن بني حمدان قتلوه بالموصل . المصدر : وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان ( لأبي العباس أحمد بن محمد بن أبي بكر بن خلكان ) ج3 ، ص58
(3) إيقاظ الوسنان - ص 176 . يقول أن ابن مقلة لم ينفعه حسن خطه حيث قتل ودفن ثم نبش قبره ودفن أكثر من مرة .
(4) السموأل بن غريض بن عادياء الأزدي ، شاعر جاهلي حكيم ، من سكان خيبر ( في شمال المدينة ) ، كان ينتقل بينها وبين حصن كان له سماه ( الأبلق ) . المصدر : معجم الشعراء من العصر الجاهلي إلى سنة 2002 م ( كامل سلمان الجبوري ) ج2 ، ص369
(5) إيقاظ الوسنان - ص 177 . يصف في هذه الأبيات انقلاب الدهر على أهل زمانه فقد انقلب على قوم عاد وثمود .
(6) إيقاظ الوسنان - ص 70 . (1/60)
صفحة 61
وفي الشنفرى (1) وعنترة (2) وحاتم (3) ، يقول :
حكى الشنفرى بطشا وباسا وقوة ولكنه للمتقين إمام (4)
ويقول :
فليس إن عاداه إن شاء ذو العلى عن الهلك والذل المذمم عاصم
يقصر عنه حاتم وابن مامة وعنترة العبسي والشيخ عاصم (5)
ويذكر حادثة هجوم خازم بن خزيمة على عمان فيقول :
فقل لشياطين الضلالة ويلكم لكم وعليكم راجم هو عازم
فما للأعادي مطمع في عماننا كما جاءها في سالف الدهر خازم (6)
وكذا وجدنا أن للشيخ خلف اطلاعا على علوم الفلك (7) والأجرام السماوية ,
فتراه يقول في الكواكب :
الثور والليث والقـ ـوس ثمت الحوت سعد
والنحس كبش وميزانه كذا الجدى بعد
وما عداها امتزاج فاسمع مقالي سعد (8)
ويقول :
__________
(1) شاعر جاهلي يماني من فحول الطبقة الثانية ، وكان من فتاك العرب وعدائيهم ، وهو صاحب لامية العرب. المصدر : الموسوعة الشعرية .
(2) عنترة بن شداد بن عمرو بن معاوية بن قراد العبسي ، أشهر فرسان العرب في الجاهلية ، من شعراء الطبقة الأولى من أهل نجد ، أمه حبشية اسمها زبيبة، قتله الأسد الرهيص أو جبار بن عمرو الطائي . المصدر : معجم الشعراء من العصر الجاهلي إلى سنة 2002 م - ج4 - ص107
(3) حاتم بن عبدالله بن سعد الطائي ، شاعر جاهلي ، فارس جواد يضرب به المثل بجوده وكرمه . المصدر : الموسوعة الشعرية .
(4) إيقاظ الوسنان - ص 92 . يصف الإمام بأنه شابه الشنفري فب بطشه وبأسه وقوته ، ثم تميز الامام بكونه تقي صالح .
(5) إيقاظ الوسنان - ص 98 . أي الذي يعادي الامام لن ينجو من الهلاك بإذن الله تعالى ، ويقصر عن فعل الامام كل من حاتم الطائي وابن مامه وعنترة بن شداد .
(6) إيقاظ الوسنان - ص 98 . أي قل يا إمام للشياطين الذي يبغون غزونا ويلكم فإنه ليس للأعادي مطمع في عمان لأنها ردت خازم بن خزيمة بجيشه وقوته .
(7) علم الفلك : هو من علوم الطبيعة يدرس النجوم والكواكب الموجودة في الفضاء .
(8) إيقاظ الوسنان - ص 56 . (1/61)
صفحة 62
خاصم وحارب عصبة العدوان والبدر في الجوزا والسرطان
واحذر إذا حل القضيبة أو ببر ج الجدي يا ابن فلان
واحذر تخاصم أو تحارب عند نحـ ـس البدر خوف الذل والخسران
واحذر إذا ما الدوار كان مقابلا لك مدة الأيام و الأزمان (1)
وقوله في أفراح الكواكب :
ثان عشر وحاد عشر وسادس تاسع خامس وطالع ثالثا (2)
وقوله :
... ... سرنا لكي نلقى الإمام المرتضى والطالع الحوت الذي سعدا شهر
... ... لكنه مع ذاك كان ربه أخا رجوع وهو الثاني عشر
... ... مع أنه كان للشمس كان ثامنا فلم يكن قط بينهما نظر
فنالنا ما نالنا من تعب وفاتنا من وجه مولانا النظر
... ... لعل في الأفلاك سرا مودعا أبدعه فيهن من أبدى الفطر
فلا تكذب أيها المرء بها لعلها أحوال أسباب القدر (3)
وله كذلك معرفة بعلوم الطب بمستواها القديم الذي كان في عهده ، من أنواع الأطعمة وأحوالها وخصائصها ، وفي هذا نجده يقول في مقصورته الحاوية :
وجانب الإكثار من أكل وشرب وجماع فهي أسباب البلا
وقبل أن ينهضم القوت فلا تأكل ... عليه اسمع مقالي من بلا
... و لا تتابع أكل شيء واحد فإنه مر وبي لو حلا
__________
(1) إيقاظ الوسنان - ص 57 . وهنا يدعو الشاعر إلى التطير بالأفلاك والأبراج ، لأنها يظن أن لها أثرا على الحياة ، ( وهذا الفكر غير صالح لأن العلم والمنطق أظهر فشله وبعده عن الحقيقة) .
(2) إيقاظ الوسنان - ص 57 . وهنا يذكر الأيام القمرية التي يستشف منه شيئا لم يذكره في الأبيات .
(3) إيقاظ الوسنان - ص 57. المعنى : أن الشاعر استعان بالأفلاك في خروجه فكانت تدل على الخير إلا أنه صادف شرا على ما كان يظن فعجب من ذلك ، ( وأود أن أشير إلى أن هذه القصيدة مما اختلف فيه العلماء وأكثر المحدثين على أن الأجرام السماوية ليس لها أثر على الإنسان ، وهو ما يؤكده العلم التجريبي الحديث وفي هذه القصة دليل على فشل هذا العلم ) . (1/62)
صفحة 63
ومن يقل كل واشربن ما شئت في هذي الحياة اتل عليه لوح لا (1)
ويقول في الأنف :
المنخر الأيسر أقوى من الـ أيمن إن حينا بدا الفجر
فإن لم يكن ثم زكام و لا سقم على ما قلته فاجروا
فمن يشك فليجرب فالأ شياء في تجريبها فسر (2)
ويقول في علاج مرض ارتفاع الحرارة والسهد :
قل لمن عاثت الحرارة فيه فغدا موجعا مسهد العين
... ... اشرب الليم أخضرا شيب بالماء زلالا أهدته أعذب عين
وإذا بلغم عليك طغى فالشهد والثوم فيه أفضل عين
أو فاسق الإبلوج مع زنجبيل لو بذلت عليه آلاف عين
فإذا السوداء فالشهد .... واشربه بذر صفراء عين (3)
ويقول في مرض الجدري والعلاج منه :
من حمى بالجدري فليصفد الأكحل أو يحجم شريكا وشيك
وليأكل الحامض والخل إن قد تبدى الضر منه وشيك
وقل له الفرصاد كل خوف إن بظاهر في حلقك يوم وفيك (4) .
ومن العلوم التي اشتهر بها الشيخ خلف بن سنان علم الأسرار والكشف ، وعلم الكشف كما قيل : هو الإخبار عن أمور غيبية ، فتظهر كما قال وهو من الإلهام وهو كشف الأمور الغيبية بلا واسطة ، أو من الفراسة : وهي علم الكشف عن الغيب بسبب تفرس آثار الصور (5) .
__________
(1) إيقاظ الوسنان - ص 127 . أي لاتشرب وتأكل وتجامع بكثرة لأنه مضر وكذلك لا تأكل حتى ينهضم القوت وكذا لاتتابع في أكل نوع واحد من الطعام .
(2) إيقاظ الوسنان - ص 167 . يقول أن المنخر الأيسر من الأنف أقوى من المنخر الأيمن هذا إذا كان في غير الزكام ، ومن لم يصدق فليجرب .
(3) البطاشي – إتحاف الأعيان – ج3- ص 126 . أي من أصيب بالحمى الساخنة فعليه بشرب الليمون مع الماء، ومن أصيب بالبلغم فعليه بالعسل والثوم ، أو يتناول الأبلوج مع الزنجبيل ، أو الحبة السوداء .
(4) المرجع السابق – 127 . أي من أصيب بحمى الجدري فعليه بصفد الأكحل ، أو عليه أن يحتجم وياكل الحامض والخل .
(5) إيقاظ الوسنان - ص 53. (1/63)
صفحة 64
ومنه الحديث : " اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله " (1) ، قال القاضي الجرجاني : ( الفراسة في اللغة التثبت والنظر وفي الإصطلاح هي مكاشفة اليقين ومعاينة الغيب ) (2) وقد أشار الشيخ خلف إلى علمه بالفراسة في مواضع من شعره منها قوله :
إن كان في تفرس يرنو بنو ر الله فالنقمات مسرعة الخطى
يارب فاقبل توبنا مما بعمد قد أسأنا واعفون عن الخطا (3)
وأصرح منه قوله :
إن كان في نفوس فأنا امروء متوقع أمرا عظيما شأنه
أمر يذل له العزيز ويبتلي للعز من بالذل يجري شأنه (4)
ومنها قوله :
ستحدث إن شاء الإله أمور تكاد السماوات لهن تمور
أمور بها تضحى الرجال حصيدة لا حبوب صبت وتمور (5)
يقول البطاشي بعد ذكر هذه الأبيات : ( ولعله يشير إلى ما حدث بعد موت الإمام سلطان بن سيف المتوفى 1131 هـ فبموته ـ رحمه الله ـ انتقض الشر في عمان ، وذاق أهلها الذل والهوال ؛ بسبب الافتراق وما جرى بينه من الحروب ودخول العجم عمان ، أيام سيف بن سلطان الصغير ـ والله أعلم ـ قوله :
سيبكي امرء بعد الأئمة عمرا دما من مقلتيه تحدرا (6)
وله أيضا في مثل هذا المعنى :
أعوذ بالرحمن خلاق الورى من شر ما يحدث في هذه السنة
__________
(1) رواه الطبري في مجمع الزوائد - ج5 - ص 268 .
(2) الجرجاني : علي بن محمد بن علي – التعريفات – دار الكتاب العربي – بيروت – ط 2 : 1992م – ص 212 .
(3) إيقاظ الوسنان - ص 50 . أي إن كان تفرسي صدقا فإنني أتوقع أن المصائب مقبلة على العباد ، فلهذا أسأل الله أن يعفو عنا ويغفر لنا .
(4) إيقاظ الوسنان - ص 50 . وهنا أيضا يتوقع أمرا عظيما يحل بالبلد فيه يعز الذليل ويذل العزيز .
(5) إيقاظ الوسنان - ص 50 . وهنا أيضا يشير إلىت نفس القضية .
(6) إيقاظ الوسنان - ص 51 . يقول أن الناس إذا انقضت الإمامة سيلقون الهلاك والمصائب . (1/64)
صفحة 65
لو يعلمن الناس ما أعلمه لم تأخذ منهم أحد سنة (1)
وقوله في الإمام سيف بن سلطان قيد الأرض :
إذا شهر الصيام أتى توقع أمورا دونهن الوصف قاصر
فطوبى لامرء بالثوب أضحى بثوب الدين مـ الأوساخ قاصر (2)
وكانت وفاة الإمام سيف في ثلاثة رمضان عام 1123 هـ .
ومن ذلك قوله :
مهما مضى من بعد أربع عشرة من شهرنا الأسنى ربيع الأول
... نصف الشهور انظر إلى ما الله صانعه عيانا في عدو أو ولي (3)
وقوله :
من كان ذا عقل يكن محسنا إلى ابن فلان العامري الحقير
عسى رب العرش سر به كما يضم الكنز ترب الحفير
... من حاد عما قلته يخش من ندامة يعجز عنها الخفير (4)
ويروى أنه رأى في النوم يقرأ هذا البيت وهو من نظمه :
سيحدث أمر في البلاد عجيب يكاد له رأس الوليد يشيب (5)
فحدث قتال عظيم في جبرين ثم حدث بعد ذلك موت بلعرب بن سلطان . (6)
ورأى في النوم هذا البيت :
إن الأنام عطاش فجد عليهم بمائك (7)
__________
(1) إيقاظ الوسنان - ص 51 . أي أنه يظن أنه يعلم ما لا يعلمه الناس إذ أنه يظن أن أمورا سيئة ستقع في هذا السنة .
(2) إيقاظ الوسنان - ص 51 . وهنا يتوقع أيضا أن في شهر الشيام سيقع أمر .
(3) إيقاظ الوسنان - ص 51 . أي بعد تاريخ 14 / ربيع الأول سيحدث أمر عظيم .
(4) إيقاظ الوسنان - ص 51 . وهنا يتوسم خيرا في فتى من قبيلة بني عامر ، وربما أصل الكلمة غافري وليس عامري ، لن خلف بن سنان الغافري صار إماما بعد لك خلفا لليعاربة .
(5) إيقاظ الوسنان - ص 52 .
(6) أما قضية الرؤيا فقد وقع فيها جدل شديد ، أكثر المحدثين من العلماء التجريبيين ذهبوا إلى عدم وقوعها لأنها غير خاضعة للتجربة الاختبار ، وذهب غيرهم من علماء الدين إلى وقوعها مستدليين بالقران الكريم والسنة وقولهم أقرب للصحة في رأيي لأنها ثابتة في قصة النبي يوسف وغيره .
(7) إيقاظ الوسنان - ص 52 . (1/65)
صفحة 66
وفي كتاب الطالع السعيد أنه لقى الإمام أحمد بن سعيد البوسعيدي جد العائلة المالكة وكان صبيا ، فوضع الشيخ يده على رأس الصبي وقال له : اتق الله في الرعية ولما بلغ هذا الفتى أشده تولى أمور المسلمين وصار إماما عليهم (1) ، ومن هنا نعلم أن الشيخ خلف كانت له اليد الطولى في العلوم ، ليس في علم الفقه والعقيدة والعلوم الشرعية عامة فحسب ، بل كانت له ثقافة واسعة وعلم خضم في كل مجالات الدنيوية والأخروية فهو موسوعة علمية إذ هو عالم بالفقه والعقيدة والأدب والشعر والطب والفلك والسير والتاريخ وغير ذلك ، ولا أدل على علمه من أنه يمتلك أكبر مكتبة في عهده بلغت عدد الكتب فيها ( 9370 ) كتابا فلو اطلع على كل كتاب فيها فكم من العلوم سيحوي يا ترى. (2)
المطلب الثاني : صفاته الخُلُقية والخَلْقية
لم تشر المصادر إلى صفاته ، على أننا من خلال استقراء أشعاره نستطيع أن نستنبط جملة من صفاته الخلقية وأبعاد شخصيته .
* خٌلُقه :
1- التواضع :
لا نجد رسالة من رسائله – رحمه الله – إلا يقدمها بكلمات يبدي فيها تواضعه ويظهر ذله وعجزه أمام الله سبحانه وتعالى ، فنجده في إحدى رسائله يقول( هذا ما يقول الذليل الحقير ، ذو الكف المكفوف (3) ، والباع القصير ، والمحصى عليه الفتيل (4) والنقير (5) ، الموسوم بكثرة التفريط والتقصير ، الخائف من سوء المنقلب وسوء المصير ..)) (6) .
ويعرض نفسه ذاكرا بأنه ليس مفضلا نفسه على السارق أو الزاني ، لأن العبرة بالخاتمة ، فلربما يختم لأولئك بالتوبة والمغفرة ويختم له بمعصية .و لا شك أن هذا يعكس فكر وعقيدة أهل الحق و الإستقامة :
__________
(1) البطاشي – الطالع السعيد نبذ عن تاريخ الإمام أحمد بن سعيد – مكتب المستشار الخاص – ط ص 13 و14 .
(2) سعادة الشيخ أحمد بن سعود السيابي - مقابلة
(3) المكفوف : الممنوع
(4) الفتيل : الحبل الدقيق
(5) النقير :نكتة في ظهر النواة
(6) إيقاظ الوسنان - ص 29 . (1/66)
صفحة 67
وما أنا يوما بالمفضل نفسه على سارق من ذي البرية أو زاني
عسى لهما بالخير يختم ذو العلا ... ويختم لي شرا يخفف أوزاني (1)
2- التقوى :
كان الشيخ تقيا ، كثير العبادة ، وجلا من ربه ، طامعا في جنته ، خائفا من سعيره ، بل كان يأمر الناس بالتقوى والصلاح والتمسك بالدين ، ولذا نجده في رسائله يكتب توبة صريحة في إحدى رسائله حين يقول :(( إني تائب إلى الله تعالى من جميع الذنوب والمعاصي ، راجع إلى سيدي قبل الأخذ بالأقدام والنواصي (2) ، نادم على سالف أوزاري ، عائب على نفسي الأمارة بالسوء وزاري ، متبرئ إلى الله من القوة والحول ...)) (3) .
ودائما ما نجده يأمر بالتقوى وينصح بالزهد في الدنيا والتوجه إلى الآخرة ،فيقول :
تمسك بتقوى الله سرا وجهرة وعش بين أبرار أفاضل أمجاد
لأنك مفتون يكلفه الهوى سوال الدمى (4) ورس (5) بخدك أم جادي (6) (7)
ويقول :
تقوى الله وخوفه حقا هما الحصن الحصين
وهما السلاح عن المكا ره لا المهند والخصين (8) (9)
__________
(1) إيقاظ الوسنان - ص 55 .
(2) جمع ناصية وهي قصاص الشعر .
(3) إيقاظ الوسنان - ص 29 .
(4) سوال الدمى : سيال الدمى
(5) الورس : نبات كالسمسم
(6) الجادي : الزعفران
(7) إيقاظ الوسنان - ص 169 . . المعنى : أي اتق الله في السر والجهر ولا تعش إلا بين الأبرار والأماجد ، لأن المرء يفتن في هذه الحياة فيعينه من حوله .
(8) الخصين : الفأس الصغير
(9) إيقاظ الوسنان - ص 169 . أي أن تقوى الله وخشيته هي التي تحصن المسلم من موارد السوء وليس يحصنه السلاح . (1/67)
صفحة 68
وشعره مملوء بأبيات الزهد والتوبة والتقوى والوعظ بل لو جمعت قصائده المفقودة والموجودة لكان معدودا من كبار شعراء السلوك كمثل الشيخ جاعد بن خميس (1) والشيخ سعيد بن خلفان (2) .
وحسبنا قوله في تقواه وزهده ومنهجه هذه الأبيات :
مرادي مذهب م العيش صاف فما سؤلي قناطير وصافن
ويطربني فتى بالآي شاد مجيد لا عروب (3) مثل شادن (4)
وقدوتي امرؤ للرشد هاد دليل لا امرؤ في الغي هادن (5)
لعمر الله إن الحق باد مبين لاك عير البطل بادن (6) (7)
3- فقره :
__________
(1) هو الشيخ جاعد بن خميس بن مبارك الخروصي الملقب بالشيخ الرئيس ، عالم محقق وفقيه مدقق ، عاش في القرن الرابع عشر الهجري ، من قرية العليا من وادي بني خروص ، من مؤلفاته : مقاليد التنزيل – الدقاق لأعناق أهل النفاق . المصدر : معجم أعلام شعراء الإباضية – ص 20 العلم 31 .
(2) هو االشيخ سعيد بن خلفان بن أحمد بن صالح الخليلي ، ولد سنة 1236 هـ في ولاية بوشر وتوفي في ذي القعدة سنة 1287 هـ ، وهو عالم محقق فقيه مدقق ، وأحد أركان دولة الإمام عزان بن قيس ، عاش في القرن الثالث عشر الهجري ، وله العديد من الآثار العلمية منها : إغاثة الملهوف بالسيف المذكر في الآمر بالمعروف والنهي عن المنكر – كرسي الأصول – تمهيد قواعد الإيمان وتقييد شوارد مسائل الأحكام والأديان - رسالة في علم التجويد .
المصدر : معجم أعلام شعراء الإباضية ص 81 العلم 172
(3) العروب : المرأة الضاحكة .
(4) الشادن : الظبي الذي استغنى عن أمه .
(5) هادن : ساكن
(6) بادن : الجسيم
(7) إيقاظ الوسنان - ص 171 . أي أنه يحب أن يعيش عيشة صافية زاهدة لا يكدرها زخارف الدنيا ، ويحب الرجل الذي يتلو القرآن ويرنم به ، وقدوته رجل الهدى والرشاد . (1/68)
صفحة 69
يبدو من شعره رحمه الله أنه كان فقيرا ذا فاقة ، رغم أنه كان واليا عند الإمام سلطان بن سيف الأول ومقربا عند الأئمة ، فلعل تلك الصلات التي تصله من الأئمة لم تكن تسد حاجته ، إذ إن من عادة الأئمة أن لا يأخذوا من أموال الدولة شيئا غير خصصه لهم أهل الحل والعقد وعادة ما يكون قليلا كأي عامل آخر في الدولة ، وكان الولاة والقضاة يجعلون عملهم من قبيل القيام بالواجب نحو الأمة ونحو دينهم فلا يأخذون على عملهم إلا ما قدر لهم في حدود سد الحاجة ، وقد ظهر فقر الشاعر وحاجته في خلال أبياته وشعره ، فنجده يقول للإمام سلطان بن سيف الأول :
لنا منك قبل اليوم للعيد عادة تراوحنا في مرة وتغادينا
فهل أنت مجريها بميدان رسلها لنا فيروى غلة الفقر صادينا
فأنت إذا ضن الغمام ثمالنا (1) وأنت متى تدجو الحوادث هادينا (2)
__________
(1) ثمالنا : الغياث الذي يقوم بأمر الناس
(2) إيقاظ الوسنان - ص 56 . في هذه الأبيات يذكر الإمام بمنحة اعتادها منه كل عيد ، وكأن الإمام قطعها عنه فأصاب الشاعر الفقر والحاجة لها . (1/69)
صفحة 70
فكأن فقره وحاجته اشتدت به حتى جعلته يذكرها في نهاية بعض القصائد التي يمدح بها الأئمة ، وهو بفعله هذا يحاكي شعراء البلاط كمثل جرير (1) والمتنبي (2) والأخطل (3) وغيرهم .
فهو يقول في إحدى قصائده :
فدم وابق من كل المكاره ناجيا ... كلاك (4) إله عالم السر والنجوى
وكن ناضيا عني سرابيل فاقة غدوت بها من غير ما سقم نضوا (5)
ويقول في موضع أخر :
يا غيث من أخلف عهد الحيا وحتف من أبدى القلى والحراب
إليك أشكو يا قصارى المنى أعباء دين عد رمل العداب (6)
__________
(1) هو أبو حرزه جرير بن عطيه بن الخطفي واسمه حذيفة ، والخطفي لقبه ، كان من فحول شعراء الإسلام ، وكانت بينه وبين الفرزدق مهاجاة ونقائض . المصدر : وفيات الأعيان - ج1 - ص165
(2) هو أبو الطيب المتنبي أحمد بن الحسين بن الحسن بن عبد الصمد الجعفي الكندي الكوفي المعروف بـ( المتنبي ) ،شاعر حكيم ، وأحد مفاخر الأدب العربي ، ولد بالكوفة في محلة تسمى ( كندة ) ، قال الشعر صبيا ، مدح سيف الدولة ابن حمدان أمير حلب وكافور الأخشيدي أمير مصر . المصدر : وفيات الأعيان - ج1 - ص67
(3) هو غياث بن يغوث بن الصلت بن طارقة ابن عمرو من بني تغلب ، أبو مالك شاعر مصقول الألفاظ ، حسن الديباجة ، اشتهر في عهد بني أمية بالشام ، نشأ عل المسيحية في أطراف الحيرة بالعراق ، له ( ديوان شعر ) . المصدر : معجم الشعراء من العصر الجاهلي إلى سنة 2002 م - ج4 - ص133
(4) كلاك : حرسك .
(5) إيقاظ الوسنان - ص 56 . هنا يدعو للإمام ويطلب منه حاجة تزيل عنه الفقر .
(6) العداب : ما استرق من الرمل . وهنا يصف الإمام بأنه غيث للمحتاجين المطيعين وموت وهلاك لمن يريد العصيان والحرب ، ثم يشكو له دينه وفاقته . (1/70)
صفحة 71
ويفيد استقراؤنا لأبياته ، وملاحظتنا لها أنه كان فقيرا في بداية عمره وشبابه ، ذلك لأن القصائد التي عثرنا على أبيات الاستجداء ، وإظهار الفقر فيها، كلها في مدح الإمام سلطان بن سيف الأول ، وثمة أبيات أخرى من شعره نستشعر فيها غناه وكرمه ، من ذلك قوله مرحبا بالضيوف :
رزق الضيوف على الإله وأجرهم لمضيفهم
أهلا بهم أهلا بهم بشتائهم ومصيفهم (1)
وهو يذكر في شعره بأن له أجيرا ، وجارا ، وخادما ، وبيدارا (2) جميعهم تكفل برعايتهم وعولهم :
على الكريم الرحيم رزق شرذمة من كل ناحية في الدهر بي داروا
هذا أجير وذا جار وذلكم خويدم بي وهذا بعد بيدار (3)
وقد حاول الشيخ خلف أن يتاجر في ماله ، ويجعل لنفسه ربحا يكفيه وعياله ، فعمل مشروع استطناء (4) النخيل – وهو معروف لدى العمانيين – من رجل اسمه حمير بن سلطان (5) لكنه خسر في مشروعه وتجارته ، فلذا هو يسأل صاحب المال أن يعفوه عن أجرة الاستطناء :
أحمير نجل سلطان أخا العلياء والشان
... ومولى كل إحسان وحتف المبغض الشاني
أطنيت عنكم مالا فأداني لخسراني
ثم يقول :
وقد جيئتك أبغي منـ ك أن تتحفني ببرآن (6)
4ـ اعتزازه بنفسه وشعره :
__________
(1) إيقاظ الوسنان - ص 181 . وهنا يرحب بالضيوف ويدعوهم للزيارة
(2) البيدار : كلمة عمانية تعني الرجل الذي يستأجر للعمل في النخيل .
(3) إيقاظ الوسنان - ص 242 .. أي أنه يرجو من الله أن يرزق من تكفل الشاعر بإعانتهم ومكافأتهم وهم أربعة أجير وجار وخادم وعامل يعمل له في نخيله .
(4) هي أن يستأجر الرجل من صاحب النخيل نخيله لمدة معينة يعتني بها يستفيد من غلتها مقابل أجر بينهما .
(5) لم نعثر له على ترجمة ، ولعله من عوام الناس .
(6) إيقاظ الوسنان - ص 206 . هنا يمدح صاحب المال الذي استطناه منه ويطلب منه أن يعفوه من الأجر لأنه خسر في ما عمله . (1/71)
صفحة 72
وهكذا يجد القارئ لقصائده أنه عادة ما يشيد في أواخر قصائده بشعره وقصيدته لا سيما إن كانت مدحا لأحد الأئمة ، حيث يظهر فيها براعته وقوة بيانه ، فهو يرى أن إحدى قصائده يعجز عن الإتيان بمثلها كل بني الدنيا بشيبهم وشبابهم فيقول :
خذها أبا الأشبال مياسة تجر أذيال الصبا والشباب
يعجز عن إتيان شبه لها شيب في أيامها والشباب
كأنها إبان إنشادها عذب فرات شح فيه الثواب (1)
ثم يفخر بنفسه ويقظته فيقول :
نقحها مستيقظ نابه كأنه جنح الدياجي شهاب
وحاكها فكر أخي مرة في كل أمر نيثوية شهاب
له الشعر المقال الذي شاء به يوم الجدال القتاب (2)
ويقول في موضع أخر:
فخذها إمام المسلمين كأنها حليم به يشفى من الوجد لاثمه
كستك ثناء لا يزال مجددا لابسك منه ما دجى الليل نعامه (3)
ويقول واصفا قصيدته ومادحا إياها :
فخذها إمام المسلمين كأنها كعوب تهادى في الملا والغلائل
يميل به ذي الود حتى كأنما سقاها شمول الراح حلو الشمائل
ويزور عنه كل قال كأنما شوى منه حر الوجه حر المشاعل
كستك ثناء لا يزال مجددا وناظمها رهن الثرى والجنادل (4)
ولا شك أن الأديب عندما يقرأ هذه الأبيات تتبادر إلى ذهنه أبيات شاعر العربية أبو الطيب المتنبي ويستحضرها أمام عينيه :
- وما الدهر إلا من رواة قصائدي ... ... إذا قلت شعرا أصبح الدهر منشدا
__________
(1) إيقاظ الوسنان - ص 76 . أي خذ يا إمام هذه القصيدة الفتية في شبابها وهي قصيدة يعجز عن أن يأتي بمثلها كل من في هذه الأيام من شيب وشباب .
(2) المرجع السابق ـ ص 77 ، وهنا يصف نفسه بأنه مستيقظ نابه كأنه شهاب في الظلم ويصف نفسه بالقوة وحسن الشعر .
(3) المرجع السابق ـ ص85 . وهنا يصف قصيدته الدواء الشافي ، ويزعم أنها كست الإمام ثناء متجددا لا يبلى .
(4) المرجع السابق ـ ص 87 . أي خذ يا إمام هذه القصيدة التي كأنها كعوب تتهادى في المكان فلا يمل منها سامعها حتى يسكر ، وقد كست هذه القصيدة الإمام ثوبا من الثناء متجددا . (1/72)
صفحة 73
- فسار به من لا يسير مشمرا ... ... وغنى به من لا يغني مغردا
- أجزني إذا أنشدت شعري فإنما ... ... أنا الطائر المحكي والآخر الصدى (1)
فلا يقتصر بافتخاره بقصيدة معينة نمقها وأبدعها ، بل يفتخر ويثني على كل قصائده وشعره في اليعاربة لما يقول :
ولي في بني زهران زهر مدائح كما قد حوى الدر النفيس نظام
إذا أنشدت وسط الندى تضوعت كما فض للمسك الذكي ختام (2)
* خَلْقه :-
أما عن خلقته فلم نجد في المصادر ما نستطيع أن نرتكز إليه و لا ما نعتمد عليه في وصف شكله أو لونه أو هيئته ، وما تذكره المصادر أنه كان أعرجا وتقف عند هذا، ولا أدري هل قطعت رجله أم أنه أصابه مرض في رجله و لم تقطع؟.
... ولكن الخلاصة أن مرضا أصابه في رجله فأقعده فترة من الزمن حتى جاءه الطبيب عامر بن علي (3) فعالجه فشفي ، وهذا ما نفهمه من بعض أشعاره حين يقول :
ألم ترني من قبل كنت مصححا رياح سباق ما لهن ركود
... ... فصالت علي الحادثات فأعدمت ... نهوضي أنكال لها وقيود
... ... وحل قبيلي في الثرى بعض أعظمي وأودت لحوم لي معا وجلود
ولاقيت مالا فوقه قط شدة سوى أن يرى جسمي حوته لحود
... ... فلما أراد الله برءا لمرضتي ... وقامت لإقبال السرور جدود
__________
(1) العكبري : أبي البقاء – شرح ديوان أبي الطيب المتنبي – دار المعرفة – بيروت – ج 1 – ص 290 . والمعنى ان الدهر أحد رواة شعري فأنا أقول الشعر وهو يرويه وينشده ، فلهذا ولجودة شعري سار به كل من لا يستطيع السير وغنى به من لم يعرف الغناء .
(2) إيقاظ الوسنان - ص 94 . أي أن له قصائد في اليعاربة كالزهر الذي حوى الدر النفيس قإذا أنشدت تضوع المكان بطيبها ومسكها .
(3) هو الشيخ العالم الفقيه الطبيب عامر بن علي بن مسعود العقري النزوي ، من علماء القرن الثاني عشر ، أدرك مدة ليست بالقصيرة من القرن الثالث عشر الهجري ، من مؤلفاته : كتاب المراقي فيما يحل ويحرم من التقية للمتاقي . المصدر : إتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عمان ص 349 (1/73)
صفحة 74
... ... أتاح لطبي من لعدم نظيره غدا وهو بين العالمين وحيد
هو المفخر الأعلى علي بن عامر مشرد جيش السقم وهو فريد (1)
وقد أرسل الشيخ خلف في مرضه للإمام سلطان بن سيف الأول قصيدة يذكر له مرضه ويبشره بالصحة والعافية , ينفي له ما أشيع عنه من خوف وجبنه من تجبيره لرجله منها :
واسمعن يا ابن سيف إن شئت مني خبر رجلي قولا حكته ذكاء
جاء نحوي الآسى وقال أرى فـ ـيها الرجاء لوصح الآسى والدواء
إلى أن قال :
والمقال المنبي بجبني عن التجـ ـير كذب مموه وافتراء
قول زور أتاك من حاسد لي حشو أحشائه البغضاء (2)
ولكن يبدو من بعض شعره أن قطعة من رجله قطعت فدفنت في التراب وهذا يفهم من قوله :
وحل قبيلي في الثرى بعض أعظمي وأودت لحوم لي معا وجلود (3)
فلهذا قد يكون عاش بقية عمره أعرجا لا يمشي إلا والعصا في يده ، ولعله قصد هذا بقوله :
وأنت واهي القوى نزر المكاسب إن مشيت تمشي على عود من الخشب (4)
وأصرح منها قوله في مقصورته :
وصيرتني النائبات أقزلا (5) مهما أرد أمشي مشيت بالعصا
من غير ما شكوى فمن يشكو من العدل الكريم لم يطعه بل عصى (6)
المطلب الثالث : العوامل المؤثرة في تكوينه العلمي
__________
(1) المرجع السابق ـ ص 62 . في هذه الابيات يصف الشاعر مرضا أصابه في رجله فأعياه واشتد به حتى أن جزءا من عظم رجله ولحمها قطع فدفن في الثرى قبل موته ، ثم زاد به المرض حتى يسر الله له طبيبا خبيرا اسمه عامر العقري فطبه وشفاه الله .
(2) المرجع السابق ـ ص64 . أي ما جاءك من خبر وإشاعات ليس بصحيح بل هو كذب وافتراء .
(3) المرجع السابق ـ ص 62
(4) إيقاظ الوسنان - ص 63 . يصف نفسه بأنه ضعيف لا يستطيع الكسب ولا يمشي إلا على رجل من خشب .
(5) الأقزل :- الذي يمشي مشية مقطوع الرجل
(6) إيقاظ الوسنان - ص 110. أي النائبات أتعبته حتى جعل لا يمشي إلا بالعصا ، وهو لايشكو من ذلك لأن حكمة الله اقتضته . (1/74)
صفحة 75
لاشك أن لكل إنسان بارز في تخصص معين عوامل ساعدته على تبوئه تلك المكانة العالية ، ووسائل اعتمد عليها في مسيرته وتوجه ، إلا أن تلك العوامل قد تختلف من شخص إلى آخر حسب الاستعدادت الفطرية لكل إنسان ، وحسب المؤثرات الخارجية والظروف المحيطة والعوامل لواقعية .
ومن هنا ندرك أن العوامل المؤثرة في تكوين الإنسان علميا أو جسميا ، لا تعدو أن تكون عوامل داخلية أو عوامل خارجية ، فالعوامل الداخلية يقصد بها وحدات الوراثة المساهمة في تكوين الإنسان الفطري كالطول واللون والذكاء ، إلا أن هناك من العلماء من ينفي أن يكون للوراثة أثر في تحديد سلوك الإنسان ، وهم أتباع المدرسة السلوكية ، فهم يدعون أن الإنسان يولد وعقله صفحة بيضاء ، وليست هناك استعدادات موروثة و لا ذكاء موروث ولذا نجد وطسن يقول :
أعطوني عشرة من أطفال أصحاء التكوين فسأختار أحدهم جزافا ثم أدربه فأصنع منه ما أريد .. طبيبا أو فنانا أو عالما أو تاجرا أو لصا أو متسولا ، وذلك بغض النظر عن ميوله ومواهبه وسلالة أسلافه (1) .
__________
(1) د . أحمد عزت راجح – أصول علم النفس – دار المعاف – القاهرة – ط 11: 1979م – ص 44 . (1/75)
صفحة 76
أما العوامل الخارجية فالمقصود بها البيئة ، والبيئة عند العلماء هي مجموعة العوامل الخارجية التي تؤثر خارج وحدات الوراثة ، والتي يمكن أن تؤثر في نمو الكائن الحي ونشاطه منذ تكوينه إلى أخر حياته (1) ، ولذا نستطيع أن ندرك أن البيئة هي عدة عوامل خارجية مختلفة مؤثرة ، ونحن في صدد التحدث عن العوامل المؤثرة في تكوين شخصية شاعرنا العلمية والأدبية نجد أقلامنا ملزمة بالكتابة عن كلا الجانبين جانب العوامل الداخلية ، وجانب العوامل الخارجية ، حتى يكون الموضوع متكاملا ومتزنا ومتسقا مع توجيهات علوم النفس المكملة للعلوم الأخرى كما هو معلوم ، إلا أننا مع ذلك كله لم نأل جهدا في تحري العوامل جميعها الخارجية والداخلية ، وذلك بنبش الآثار والتنقيب عنها بين الصفحات والأسطر ، واستخراجها من ذاكرة العارفين العلماء واستنتاجاتهم ، إلا أننا دائما ما نعود بخفي حنين ، لاسيما ما يختص بالعوامل الداخلية، ولا شك أن للعوامل الوراثية الأثر البالغ في شخصية الشيخ خلف ، فعلمه ومكانته ونباهته دالة على ذلك ، ولكن لعدم معرفة ماهية العوامل وحقيقتها أعرضنا عنها .
أما ما يختص بالعوامل الخارجية فثمت عدة عوامل توصلنا إليها عن طريق الاستنتاج والقياس والاستنباط , هي شيوخه ومدارس تعليم القرآن ومكتبته والنهضة العلمية .
* شيوخه:-
إن صح ما أثبتناه سابقا من أن بلد الشيخ خلف الذي نشأ فيه وترعرع هو (الرستاق) ، فإنه مما لاشك فيه أن شيوخه سيكونون من علماء (الرستاق) ، مثل :
1- الشيخ خميس بن سعيد الشقصي :
__________
(1) المرجع السابق ـ ص 29 (1/76)
صفحة 77
وهو العالم العلامة الفقيه المجاهد خميس بن سعيد بن علي بن مسعود بن عبدالله بن زياد الشقصي ، أصله من (نزوى) واستوطن (الرستاق) (1) ، ولد في نهاية القرن العاشر الهجري تقريبا عام 990م (2) ، وتوفي بعد واحد وعشرين من جمادى الآخر سنة سبعين وألف سنة من الهجرة النبوية .
كان عالما زاهدا تصدر لإحياء الإمامة ( إمامة الإمام ناصر بن مرشد 1024هـ) وقاد جيش الإمام في عدة معارك .
ترك للمكتبة الإسلامية كتبا أجلها كتاب ( منهج الطالبين وبلاغ الراغبين ) في عشرين جزءا ، وللشيخ خميس ذكر في شعر الشيخ خلف من ذلك قوله في الوعظ بالموت :
واستنزلت من أعالي كل شاهقة ... ... جمع الخلائق في مستوحش الحفر
وجردت صارما من عذرها فغدا ... به ابن مرشد بعد العقر في العفر
وفوقت سهم بؤساها فغيل به ... ... فتى سعيد خميس منتهى الوطر (3)
2- الشيخ مسعود بن رمضان :
هو الشيخ العالم الفقيه المجاهد الشهيد مسعود بن رمضان النبهاني (الرستاق)ي ، توفي قبل سنة ( 1050هـ ) ، قيل أن سبب وفاته أنه تزوج أميرة صغيرة فسقته سما في شربه فمات ، وقد رثاه ابن قيصر (4) .
* مدارس تعليم القرآن :
شهدت عمان نهضة علمية شاملة منذ يقظة العلماء قبيل إحياء الإمامة اليعربية 1024هـ على يد ناصر بن مرشد ، وكان لهذه النهضة أثرها الواسع على البلاد ، حيث أنشأت المدارس القرآنية ( الكتاتيب ) ، وأقبل طلاب العلم من كل حدب وصوب ينهلون من معين هذه النهضة .
__________
(1) البوسعيدي - خميس بن سعيد الشقصي - ص21
(2) مقابلة مع الشيخ أحمد السيابي
(3) أي الموت أنزل من الملوك من أعاليهم إلى الحفر ، وجرد ناصر بن مرشد من سيفه واغتال الشيخ خميس الشقصي
(4) البوسعيدي - خميس بن سعيد الشقصي - ص12 (1/77)
صفحة 78
فلذا كان حظ الشيخ خلف موفقا إذ قدر له أن ينشأ ويترعرع في كنف هذه المدارس، وعلى يد علماء أفاضل مثل الشيخ خميس بن سعيد الشقصي وغيره من العلماء الذين لم يحفظ لنا التاريخ ذكرهم ، وقد أدرك العلماء وقتئذ أن من أساسيات التعليم في البلاد الإسلامية البدء بتعليم كتاب الله قراءة وحفظا وفقها ، فلذا قامت المدارس على دراسة القرآن الكريم حفظا وفقها ، وبما أن (الرستاق) وطن الشيخ خلف وهي نقطة انطلاق هذه النهضة وإحدى حواضر عمان الشهيرة ، فمن الضرورة اللازمة أن يكون الشيخ خلف هو أحد ثمار هذه المدارس القرآنية ، وقد أشرنا سابقا إلى أنه أخذ العلم في صغره على يد الشيخ خميس الشقصي في مدرسة قصرى .
وكانت هذه المدارس القرآنية تقام عادة في المسجد إن كان للذكور ، وفي مبنى مجاور للمسجد إن كان التعليم للذكور والإناث ـ الصغار ـ ( ومن أشهر المساجد التي كان لها دور في تخريج عدد كبير من العلماء في (الرستاق) هو مسجد البياضة ) الذي يعد قبلة المتعلمين في هذه الولاية ، وقد تخرج في هذا الجامع جمع غفير من العلماء على مر الحقب التاريخية ، منهم العلامة خميس الشقصي والإمام ناصر بن مرشد والشيخ خلف بن سنان ، وقد استمر عطاء هذا الجامع طوال فترة تلك الدولة اليعربية وما بعدها (1) .
* مكتبته :
__________
(1) الرستاق) عبر التاريخ ـ ص 83 (1/78)
صفحة 79
إن رجلا يمتلك نواصي العلوم ، وأزمة المعرفة ، ويخوض في بحور البيان ، ويستخرج منها لآلي البلاغة والفصاحة ، إن رجلا كهذا لاشك أن خلفه ما يستند عليه في نهوضه ويسعفه في طارئه ويكفيه في حاجته ، أما أهل بيته فلم يكونوا - كما يظهر - أهل علم ومعرفة واسعتين ، وكذا أبوه فقد توفي عنه وهو لم يزل صبيا ، بيد أنه كانت تسانده مكتبة ضخمة جمع فيها أنواع المصنفات ، وكثيرا من المطولات ، وجل الكتب والرسائل ، إن هذه المكتبة العظيمة هي من أهم العوامل التي أهلته ليكون أحد مراجع الفتيا في زمانه وأحد ولاة الإمامة اليعربية ، ولذا لا يستغرب إن يقتطف شاعرنا في شعره من شتى المعارف من علوم الفلك مرة ومن التاريخ تارة ومن الفقه والعقيدة كثيرا ومن العربية أحيانا ومن الطب أخرى .
وكان شاعرنا من جانبه محبا لها وعاشقا ، ومحافظا عليها ، بل كانت مكتبته هذه أغلى ما يملك وأعز ما يحوي بيته ، فهي لديه كالهواء المتنفس الذي لا يستطيع أن يستغني عنه الإنسان بحال ، ويشاركه في هذه الحاجة إخوانه المثقفون والعلماء ، إذ لم يكن هنالك مكتبة خاصة أو عامة حوت من الكتب والمجلدات والمصنفات ما حوته مكتبة شاعرنا الشيخ خلف ، وهو يسأل الله تعالى أن يؤتيه مكتبة كبيرة جدا لا يكون مثلها لأحد من قبله ولا لمن بعده ، ولهذا نجده يقول شعرا في مكتبته منها :
لنا كتب في كل فن كأنها جنان بها كل ما نشتهي النفس
جرى حبها مني ومن كل عالم ذكي الحجى والفهم حيث جرى النفس
فلا أبتغي ما عشت خلا مؤانسا ... سواها فنعم الخل لي وهي الأنس
ولست أرجي أن يفوز بمثلها ... على غابر الأزمان وجن ولا أنس (1)
أما عدد الكتب التي حوتها فقد عدها فكانت سبعين وثلاثمائة وتسعة آلاف كتاب ، وقد صرح بعدها في قوله :
__________
(1) إيقاظ الوسنان - ص 17. أي أن هذه المكتبة هي جنة يحبها وتحتوي على الكثير من الفنون ، ولا يرى غيرها خلا مؤانسا في هذا الزمان ، ثم يرجو أنلا يكون لأحد غيره مثلها . (1/79)
صفحة 80
ثلاث مئين ثم سبعون عدها وتسعة آلاف لها ثمن بخس
و لا عيب فيها غير أن زمانها لقلة من يعني بها زمن نحس
ثم يستطرد في وصفها والثناء عليها فهي كالشمس والكتب التي فيها كالنجوم ، وأما المكتبات الأخرى فهي مثل كوكب الزهرة لا يبدو إلا عندما تغيب الشمس ، ومكتبته هذه أعانته على اجتياز صعب العلوم بإتقان وفهم وهي التي حلت له كثيرا من المشكلات والمسائل العويص التي عنت له في أثناء توليه للقضاء والفتيا أو أثناء بحثه ومطالعته في مسيرته العلمية ، ولذا يقول فيها :
هي الشمس والكتب الكريمة أنجم وكيف تكون الزهر إن طلع الشمس
بها ذل لي صعب العلوم وأذعنت جوامعه وهي الممانعة الشمس
فكم مشكلات مبهمات عويصة تجلى إليها نورها فانجلى اللبس
وشاعرنا يرى أن هذه المكتبة الكبيرة هي كنز من الله عزوجل من عليه به ، فمهما أنفق منه لا ينقص ، ثم يوصي أهله وقومه بالمحافظة على هذه المكتبة والعناية بها وعدم بيعها لأحد أو شرائها من أحد ، ثم أوصى بأن تكون وقفا للمسلمين والمثقفين للاستفادة منها و لا يخص بها أحدا من قومه سواء من بني غافر أو من بني عبس .
هي الكنز لا الإنفاق منها بناقص هي الفخر لا العيش المدغفل واللبس
وهيهات بعدي أن تباع وتشترى كما يشترى من ربه العير والعنس
و لكنها وقف على كل مسلم فلا غافر فيها يخص و لا عبس
* النهضة العلمية :
... بدأت هذه النهضة العلمية قبيل تولي الإمام ناصر بن مرشد السلطة في عمان ، ولهذه النهضة قصة طريفة ، كانت كالشرارة الأولى التي استنفرت العلماء والناس للجد والعمل ، وأيقظت الكسالى من سباتهم العميق وأخرجت العلماء من حجورها . (1/80)
صفحة 81
وذلك أن (الرستاق) كان يحكمها قبيل ظهور الإمامة أمراء اليعاربة ، وكانت ( وبل ) مدينة من أعمال (الرستاق) ، ولعل أميرها اليعربي من طرف السلطان مالك بن أبي العرب ، فاحتاج هذا الأمير لقاض يقضي في المدينة ، فلم يجد قاضيا من أهل الحق و الاستقامة ، فاتخذ قاضيا من أهل الخلاف ، فكان يضل الناس و يزلهم عن مذهبهم ، عندها قام بعض أهل الغيرة من أهل العلم فنصحوه وبينوا له مغبة الحال ، وما يؤول إليه الأمر فاستجاب ذلك الأمير لهم ، فعزل القاضي ، وأرسلوا له رجلا من أهل المذهب ، فأخذ العلماء بمراجعة أنفسهم وما وصلت بهم الحال من تهارش و تقاتل فتداركوا أمرهم وأحيوا المدارس وحلقات التعليم ، و ربوا الصبيان على العلم وطلبه وأقاموا مدرسة ( قصرى ) في (الرستاق) فشع منها العلم في أرجاء (الرستاق) ، وكان من ثمار هذه الحركة الشيخ خميس بن سعيد الشقصي ، والشيخ مسعود بن رمضان وناصر بن مرشد اليعربي الذين أحيوا الإمامة وأقاموا العدل (1) .
وكانت ولادة الشيخ خلف في ذروة الانتعاش العلمي والحركة الإصلاحية ، فكانت نشأته مصاحبة لها ، فلا غرو إذن أن يكون من بعد عالما مجتهدا وشاعرا بارعا لاسيما أنه نشأ في (الرستاق) منشأ , ومأوى النهضة العلمية و الإمامة اليعربية .
المطلب الرابع : إنتاجه العلمي
لم نجد للشيخ خلف بن سنان شيئا من الكتب سواء في العلوم الشرعية أو في غيره من العلوم الأخرى ، ولم يشر أحد من العلماء إلى شيء من كتبه ، إلا أن ما تناثر من جواباته وفتاواه هنا وهناك بين الكتب والمصنفات الأخرى والجوابات المخطوطة ورسائله لو جمعت في كتاب واحد لكانت كتابا .
__________
(1) مقابلة مع الشيخ أحمد السيابي (1/81)
صفحة 82
... ولعل السبب قي قلة مؤلفات الشيخ ومؤلفلته راجع إلى عدة أمور منها أن الشيخ خلف بن سنان شغلته الدولة وشؤونها عن التفرغ للتأليف والكتابة ، فقلما نجد أحدا من السياسيين والقادة من يضع تآليفا ولو كان عالما ، وربما ترك الشيخ عدة مؤلفات إلا أن الحروب القبلية التي دارت بعد وفاته ، وغزو الفرس وغيرهم للبلاد أدى إلى ذهاب كتبه بالإتلاف التحريق.
أما فتاواه وآراؤه فهي لا تخرج عن كتب تلامذته الذين نقلوا عنه مثل كتاب فواكه العلوم في طاعة الحي القيوم الشيخ عبد الله بن محمد الخراسيني .
... وكتاب التبيان للشيخ درويش المحروقي وكتاب فواكه البستان للشيخ سالم بن خميس المحيلوي أما جواهر الآثار – ومكنون الخزائن لباب الآثار - قاموس الشريعة ، فقد أوردت كثيرا من فتاويه ولم يكن أصحابها تلامذة للشيخ خلف .
و ترك لنا الشيخ خلف ديوانه الكبير الحافل بالبطولات والمدائح والمراثي ، وهذا الديوان لم يزل مخطوطا في وزارة مكتبة التراث القومي والثقافة ... ، وقد حاول الشيخ سيف بن حمود البطاشي جمع هذا المخطوط وأضاف إليه قصائد أخرى متناثرة في بطون الكتب، وبين بعض قصائده مجموعة في دواوين الشعراء تحمل اسم ديوان مجموع الشعراء .. وهي موجودة في مكتبة السيد محمد بن أحمد البوسعيدي ، إلا أنه أغفل كثيرا من شعره بسبب تمزق الديوان الموجود في مكتبة الوزارة . (1/82)
صفحة 83
ولأنه اختار ما كان ملائما لمقصده فهو يقول في مقدمة الكتاب الإيقاظ ( إلا أن عملي الذي أحاوله في هذا أن لا استوعب نقل جميع أشعاره التي اطلعت عليها ، وإنما أقتصر على ذكر الأكثر ملائمة لمقصدي من مقطوعات وقصائد ، وخاصة فيما لها علاقة بالتاريخ ، كالتي في مدائح أئمة اليعاربة ووقائعهم وفتوحاتهم ، وما كان منها في المسائل الفقهية ، ومخاطبات الأصدقاء ، وإخوانه من أهل العلم ، ورثاء بعضهم ، وتقريظه لبعض الكتب المؤلفة في زمانه ، ككتاب فواكه العلوم ، أو قبله ككتاب القناطر للعلامة الجيطالي ، ولم أتعرض لذكر فتاويه ....)) (1)
وذكر الشيخ البطاشي في كتابه الإتحاف بضع قصائد لم يذكرها في كتابه الإيقاظ .
و للشيخ خلف رسائل عدة على بعض الولاة ورسائل أخرى كتبها على لسان بعض ألأئمة سلطان بن سيف الأول وبلعرب بن سلطان وسيف بن سلطان الأول .
و قد أدرجها البطاشي في كتابه الإيقاظ .
* تلامذته :
دائما ما تعوزنا المصادر في معرفة مسير حياة الشيخ خلف بن سنان وهنا في هذا المبحث تشح المصادر من جهتها في الدلالة عن تلامذة الشيخ الشاعر ، ولكن من طريق الاستقراء والمقارنة نجد أن بعض العلماء الذين عاصروا الشيخ خلف أخذوا ينقلون في كتبهم كثيرا من فتاويه وآرائه مما يشير إلى حقيقة الاحتمال القائل بأن هؤلاء العلماء تتلمذوا على يد الشيخ خلف بن سنان وفي (نزوى) خصوصا .
وأشهر هؤلاء العلماء الشيخ سالم بن خميس المحيلوي والشيخ عبد الله بن محمد الخراسيني .
1- الخراسيني :
__________
(1) إيقاظ الوسنان - ص 6 . (1/83)
صفحة 84
... هو الشيخ الفقيه البارع الخطيب عبد الله بن محمد بن عامر بن محمد بن خنبش الخراسيني النزوي - وفي رواية السمدي النزوي (1) ، من علماء القرن الحادي عشر وبداية القرن الثاني عشر (2) .
ولد في أيام إمامة الإمام ناصر بن مرشد اليعربي 115هـ ولم نجد معلومات محددة عن سنة ميلاده ، ويبدو أنه أدرك إمامة سلطان بن سيف شابا .
وخراسين بلده الذي ينسب إليه ، وهي محلة في (نزوى) ، وقيل أنه من سمد (نزوى) وهي كذلك محلة منها (3) .
وقد ترك عدة مؤلفات منها :
- كتاب " فواكه العلوم في طاعة الحي القيوم " في ثلاثة أجزاء مطبوع .
- كتاب " منثور الأشياخ " وهو مخطوطة غير تام .
- كتاب " مختصر المصنف " وهو مخطوط مفقود .
- ويشير في كتابه " فواكه العلوم " أنه سيشرع في تأليف بعض الكتب منها عن علماء عمان ، وكتاب في علم الأسرار ، وكتاب عن كرامات الشيخ سليمان بن محمد. (4)
وهذه الكتب غير موجودة ، فلعل الشيخ لم يتمها أو أنها ذهبت أدراج الرياح في ما ذهب من كتب الإباضية بسبب الحروب والفتن الكثيرة .
وقد تتلمذ الشيخ عبد الله على كثير من علماء عصره أشهرهم (5) :
1- خلف بن سنان الغافري .
2- عامر بن محمد المعمري .
3- محمد بن عبد الله بن عبيدان .
4- صالح بن سعيد الزاملي .
5- خميس بن سعيد الشقصي .
6- سعيد بن أحمد الكندي .
ومما شحت به علينا المصادر بعض المعلومات عن حياته وتلامذته ولعل من الباحثين من يستطيع أن يستخرج لنا عن طريق الاستنباط و الاستقراء ما يفيد عن حياته وآثاره .
__________
(1) البطاشي – إتحاف الأعيان – ص 377 .
(2) الخراسيني : عبدالله بن محمد – فواكه العلوم في طاعة الحي القيوم – وزارة التراث القومي والثقافة – سلطنة عمان – ط 1 – ج 1 – ص 9 .
(3) البطاشي – المرجع السابق – ص 377 .
(4) الخراسيني – المرجع السابق – ص 15 .
(5) المرجع السابق – ص 12 . مقابلة مع الشيخ أحمد بن سعود السيابي (1/84)
صفحة 85
توفي رحمه الله في عام ( 1101 هـ) تقريبا (1) .
2- المحليوي :
هو الشيخ الفقيه العالم سالم بن خميس بن سالم بن نجاد بن موسى بن حسين بن شوال الحسيني المحليوي ، فهو من ذرية الشاعر موسى بن حسين الكيذاوي أحد شعراء دولة النباهنة وما بعدها ، وله ديوان معروف. (2)
لم تفد المصادر عن تاريخ ميلاده و لا عن شيء من حياته وقد عاصر من الأئمة ، الإمام سيف بن سلطان (( قيد الأرض )).
والشيخ سالم ينسب إلى محليا وهي محلة من وادي عندام .
تتلمذ على يد الشيخ خلف بن سنان الغافري وغيره من العلماء مثل الشيخ ابن عبيدان ، والشيخ صالح الزاملي ، وهو كثير النقل عن هؤلاء المشايخ في كتابه "" فواكه البستان "".
ترك للمكتبة الإسلامية عدة مؤلفات منها :
1- كتاب " فواكه البستان الهادي إلى طريق الرحمن " وهو مطبوع في ثلاثة أجزاء .
2- كتاب " التقييد و الاختصار " ما زال مخطوطا ، تحفظه مكتبة السيد محمد بن أحمد ، برقم ( 596 ).
الفصل الثالث :
شعره
المبحث الأول :
اتجاهاته
المبحث الثاني :
المؤثرات في شعره
المبحث الثالث :
خصائصه الفنية
المبحث الأول : اتجاهاته
المطلب الأول :
الاتجاه التقليدي
المطلب الثاني :
الاتجاه الاجتماعي
تمهيد :
من الملاحظ أن شعر الشيخ خلف بكثرته وتنوعه تتباين فيه الفنون الشعرية خاصة الفنون الشائعة التقليدية والتي عرفت منذ عصور الجاهلية عند امرئ القيس وزهير وعنترة وغيرهم والتي سار الشعر عليها حتى عصر شاعرنا الغافري ، مثل الرثاء والفخر والغزل والوصف والهجاء .
__________
(1) الخراسيني – المرجع السابق – ص 12 .
(2) البطاشي – إتحاف الأعيان – ص 204 . (1/85)
صفحة 86
كما نجد بروز الشعر الإخواني في شعره ، ولا شك أن هذا النوع ناجم عن علاقاته السياسية والاجتماعية ، ويكثر في شعره أبيات الوعظ والحكم ، وهو ما يمليه عليه دينه وعلمه ويحدث به واقع تجاربه وخبراته الطويلة ، وهذا الاتجاه كان ناشئا منذ ظهور الإسلام في جزيرة العرب ، ثم صار سمة بارزة عند بعض الشعراء الذين عرفوا بعد ذلك بها كأبي العتاهية (1) مثلا .
وأحيانا كثيرة يحلو للشاعر أن يعني في شعره بالحديث عن المذهب الإباضي ومبادئه ونشأته ، ولو بلمحة خاطفة لها معناها ومغزاها وما ذلك إلا لتعلقه بهذا الفكر وهذه العقيدة ، وهذا التوجه الذي سلكه الشاعر ليس غريبا فقد سلكه قبله شعراء الخوارج والإباضية وذلك منذ انفصالهم عن معسكر علي بن أبي طالب بعد معركة صفين والتحكيم ، وشعر قطري بن الفجاءة وكعب خير شاهد على هذا الاتجاه .
المطلب الأول : الاتجاه التقليدي
1- المديح :
أول ما يسترعي القارئ عند إطلاعه على شعره في كتاب إيقاظ الوسنان أن أكثر شعره يدور حول غرض واحد من أغراض الشعر العربي التقليدية وهو غرض المديح ، وأن محور مديح الشاعر أسرة واحدة غالبا هي أسرة أئمة اليعاربة .
وإذا كان المديح يمثل الإطار العام لرؤية الشاعر في الديوان فإن هذا الإطار يضم مجموعة من الأغراض الفرعية كالنسيب والوصف والرثاء والإخوانيات ونظم المسائل الفقهية وغيرها ، ولكن تلك الأغراض مجرد مقدمات لغرض المديح والرثاء أو تكون مقطوعات لا تتجاوز أبياتها العشرة ، حتى أن تلك القصائد التي تطغى فيها مساحة الغرض أو الأغراض الأخرى على مساحة المديح يظل المديح فيها هو الهدف الأساسي .
__________
(1) إسماعيل بن القاسم بن سعيد العيني ، شاعر مكثر ، سريع الخاطر ، يعد من مقدمي المولدين ، ولد ونشأ قرب الكوفة , وسكن بغداد وتوفي فيها . المصدر : الموسوعة الشرعية . (1/86)
صفحة 87
والغافري أحيانا يسير على النمط الذي كان مألوفا في قصيدة المديح التراثية المألوفة حتى لا يهجم الشاعر على غرضه الأساسي مباشرة ، وإنما يمهد له بشيء من ذكر الديار والدمن والآثار وبشيء من النسيب يشكو فيه" شدة الوجد وألم الفراق وفرط الصبابة والشوق - كما يقول أبو قتيبة – ليميل نحوه القلوب ويصرف إليه الوجوه وليستدعي به إصغاء الأسماع إليه ........... فإذا علم أنه قد استوثق من الإصغاء إليه والاستماع له عقب بإيجاب الحقوق ؛ فرحل في شعره وشكا النصب والسهر ، وسري الليل وحر الهجير ، وإنضاء الراحلة والبعير . فإذا علم أنه قد أوجب على صاحبه حق الرجاء وذمامة التأميل ، وقرر ما ناله عنده من المكاره في المسير ، بدأ في المديح فبعثه على المكافأة وهزه السماح" (1)
اقتبسنا النص السابق لابن قتيبة لأن بعض قصائد المديح عند الغافري تقدم تطبيقا نموذجيا لمعمار قصيدة المديح كما أوردها ابن قتيبة ، منها قصيدته في مدح الإمام سلطان بن سيف الأول :
لعلوة ربع قد تعفت معالمه ... ... كخط زبور لم يجوده راقمه
تعاوره ريحا جنوب وشمأل ... ... وأولاه طش الرجع ريا سواجمه
تراءى لنا لما وقفنا كأنه ... ... مراجع وشم ضمنته معاصمه
فظلنا نسح الدمع في عرصاته ... ... كتهتان قطر حدرته غمائمه (2)
ألا ليت شعري هل لأهليه عودة ... ... وهل واجد عصر التجمع عادمه
وهل راجع ذاك الحبيب وقد نأت ... ... بمرآة عن عين المحب رواسمه
فأشفي غليلا في الحشاشة طالما ... ... توقد ما بين الأضالع جاحمه
أراني أخا جفن لذلك مقرح ... ... وقلب شجي لا تطاع لوائمه
__________
(1) ابن قتيبة - الشعر والشعراء – ط 1 ـ ص 75
(2) المعنى : أن امرأةاسمها علوة كانت عند ربع ثم ان هذا الربع عفى عليه الزمن وصار طللا باليا فتهب عليه الريح شمالا وجنوبا فلما زاره الشاعر ووقف عليه رأى الريح وهطول الأمطار الغزيرة عليه فتذكر أيامه فيها مع علوة فتساقطت العبرات من عينيه ، (1/87)
صفحة 88
وعين كأن السهد فرض محتم ... ... عليها ومثلي لا تضاع لوازمه (1)
وبعد أن يذكر الأطلال وعناءه في السفر ويشكو دهره وأحبابه يعرج إلى ذكر شمائل ممدوحه . فيقول :
ومهما رأيت الدهر ناء بكلكل ... ... عليك وسامتك الحتوف صوارمه
فكن لائذا بالله ثم ابن مالك ... ... فلائذه لا تستباح محارمه
إمام أبت أخلاقه البيض أن يرى ... ... لهن نظير عربه و أعاجمه (2)
وغالب قصائد المدح عند الغافري تتناول ما يتمتع به الحكام من صفات اشتهروا بها كالشجاعة في مواطن القتال ، والمروءة والنبل وقت الشدائد ، والجود والكرم الفائضين ، وحسن التدبير والسياسة ، مع تصوير الفتوحات والانتصارات التي قام بها الممدوح ، كما تبرز ما قاموا به من أعمال مجيدة كنشر العدل ، وإقامة الحق ، وأحيانا يضفي على مدائحه الروح الوطنية والإسلامية . وكما تتميز مدائحه بالإسهاب في وصف فضائل الممدوح والإشادة بأعماله في حياته وأبرز صفاته مع الاهتمام بذكر اسم الممدوح ، فهو يقول في سلطان بن سيف :
يا منهلا للمؤمنين ميمما ... ... ... ومهندا ماضي الشبا مطرورا
يا ابن ابن مالك الهمام أبا أبي ... ... العرب المليك العادل المذكورا (3)
كما يقول في سيف بن سلطان ( قيد الأرض ) :
فدعها فقد أعذرت في وصف ذاتها ... ... وفاتك تثريب لها وملام
فلو شامها رهبان لبنان آثروا ... ... هواها وساحوا في الغرام وهاموا
سليل إمام المسلمين وردأه ... ... ومن هو للمجد المؤثل هام (4)
__________
(1) إيقاظ الوسنان ـ ص 83 . وهنا يتمنى الشاعر عودة الأيام وعودة محبوبته ليشفي غليله من الحب ويطفئ نار الشوق في أحشائه .
(2) يخاطب نفسه فيقول لها إن كان الدهر أهانك وسامك بعذابه فارجع إلى الله تعالى ثم استعن بسلطان بن سيف فالمستجير به يجار .
(3) إيقاظ الوسنان ـ ص 82 . هنا يصف الإمام بأنه منهل عذب للمؤمنين ومهند للجهاد .
(4) إيقاظ الوسنان ـ ص 92 . في البيتين الأوليين يصف محبوبته وحسنها ، ثم يمدح الإمام بأنه سليل المسلمين ويصفه بالمجد . (1/88)
صفحة 89
وهكذا في كل قصيدة مديح غالبا ما يذكر فيها اسم الممدوح وأهم أعماله .
2- الرثاء :
عرف الإنسان الأحزان منذ أقدم العصور فذاق مرارتها ، وكابد أحزانها ، ووقف على تلك الآلام وقفة المشدوه الحائر ، فعبر بشعره عن تلك الأحزان والمآسي بالمرثيات التي أودع فيها حرقة حزنه ولوعة تجربته .
وقد اتجه كثير من الشعراء إلى هذا الفن لعدة أمور منها بقصد العزاء والتسلية للمصاب عن مصيبته ومنها حبا وألفة للمتوفى أو تقربا إلى الملك أو الأمير الذي توفي قريبه ، " فالرثاء - كما قيل – قريب من العزاء ، وإن كان مذهبه – العزاء – تهوين المصائب ، وبث السلوى والتأسي بالسلف الهالك ..... " (1)
وشاعرنا في هذا الصدد كان أكثر الناس لوعة ورثاء ، وتألما وتفجعا لفقد أعزائه وقادته الذين ما غفلوا عن إكرامه وإجلاله والإحسان إليه ، فقد رثى أئمة اليعاربة حكاما وقوادا وأصحابا وأبناء ، ورثاؤه – رحمه الله – لهؤلاء الأئمة دليل إخلاص المودة بينهم لأن الرثاء لا تظهر فيه الدوافع الدنيوية كالمال أو التقرب أو الخوف من السلطان أو مثل ذلك فهو كما قيل " أصعب الشعر الرثاء ، لأنه لا يعمل رغبة ولا رهبة ...." (2)
__________
(1) أحمد الشايب ،الأسلوب ، ط8 ، مكتبة النهضة المصرية القاهرة 1990 م ص ـ 87 .
(2) الحسن بن رشيق القيرواني ، العمدة ، دار المعرفه بيروت ، ط1 1988م ص ـ ج1 251 . (1/89)
صفحة 90
وقد امتاز شعره ببعد الخيال والتأمل في حقائق الكون ، وسنن الوجود ، مع إظهار حرقة الألم ، ومرارة اللوعة ، إلا أن المعاني التي يطرقها في مراثيه معان متكررة وتقليدية ، فهو يبدأ رثاءه بالحكم والمواعظ والتذكير بالموت، وذم الدنيا والزهد فيها ، والتحذير من قصر هذه الحياة ، ومباغتتها للنفس مع التذكير بالمصير ، ثم يتخلص بعد ذلك إلى ذكر محاسن المرثي ومآثره ، ويعمد إلى مدحه بالشجاعة والكرم والتقوى والصلاح ، ويعدد أبرز انتصاراته وأعماله في حياته ، وهذا التكرار في المعاني مع حرصه على استخدام المحسنات البديعية من جناس وطباق وغيره أدى إلى ضعف العاطفة وركاكة التفكير .
لما توفي الإمام ناصر بن مرشد كان شاعرنا أول المتأثرين بموته من الشعراء ، فسالت أنفاسه أشعارا عذبة رقيقة تدل على الحزن والأسى . فهو يقول :
أبعد نصير الدين ذي النصر ناصر بن ... مرشد من صرف الردى يرتجى نصر
مليك هوى من ذروة الملك فاحتوى ... على جسمه بعد اعتلاء العلى قبر
وقد كان بدرا للخطوب إذا دجت وعصرة من أفنى على آلة العصر
وغيث ندى إن تأت قطرا وجدته ... وقد عمه من مزن راحته قطر
وليث زحام نطق سامر دهره ... ... بما صنعت في شانئيه القنا السمر
فدانت لعلياء عمان بأسرها ... ... غداة علامته بها الجود والأسر (1)
وكانت مرثيته في الإمام بلعرب بن سلطان من أجمل مراثيه ، وتميزت هذه المرثية بمعارضتها لقصيدة أبي ذؤيب الهذلي وكانت هذه القصيدة من أجمل ما كتب في الرثاء ، مطلعها :
__________
(1) إيقاظ الوسنان ـ ص 67 . هنا يتعزى بوفاة الإمام ناصر بن مرشد وينكر أن يكون هناك نصر بعد ذهاب الإمام ناصر ، فهو ملك دفن في الأرض بعدما كان بدرا في السماء يحلي الخطوب وغيث يستقي الناس منه وليث يهيب الأعداء . (1/90)
صفحة 91
أمن المنون وريبها تتوجع ... ... ... والدهر ليس بمعتب من يجزع (1)
ومطلع قصيدة الشيخ خلف :
يا معقلا عبث الزمان بأهله ... ... ... فغدوا أولاة تمزق لا يرقع
أين الذي بك كان ملكا أعظما ... ... ... كالدهر يخفض من يشاء ويرفع
تعنو له صيد الملوك وتقتفي ... ... ... ما قاله أسد الرجال وتتبع (2)
ولعل سبب إجادته في هذه القصيدة أن الإمام بلعرب ازدحم الشعراء على بابه لمديحه ، وعند وفاته كثرت مراثيه ، وذكر محاسنه وخلاله الكريمة ، فأراد الشيخ خلف أن تكون قصيدته من أفضل القصائد خاصة وأن تلك الفترة ظهر فيها شعراء كبار مثل الحبسي والفزاري .
ورثى شاعرنا الإمام سيف بن سلطان ( قيد الأرض ) بمرثية افترقت عن مرثياتها السابقة حيث عمد في قصيدته هذه إلى نصح الإمام سلطان بن سيف الثاني ( ابن المتوفى ) ويحرضه على طلب العلم والجد ويبين له معالم سياسة الدولة ، وذلك في قصيدة مطلعها :
هو الخطب ما إن فوقه أبد خطب ... ... فكل أسى من أجل ذاك لنا خطب
عشية سيف نجل سلطان ضمه ... ... عن الآل والأصحاب بعد العلى ترب (3)
ثم يقول بعد أبيات :
إليك ابن سيف نجل سلطان لا إلى ... ... ... سواك لدنيانا وأدياننا نصبو
فلازم قراءات الشرائع والهدى ... ... ... ينبت من أمواهها الأب والحب
__________
(1) السكري : أبي سعيد الحسن بن الحسين – شرح أشعار الهذليين – دار المعرفة – ج 1 – ص 4 . في هذا البيبت يخاطب الهذلي نفسه فيقول لها هل من المنون تتوجعين .
(2) إيقاظ الوسنان ـ ص91 . في هذه الأبيات يخاطب الشاعر حصن جبرين فيقول له يا معقلا للمسلمين عبث الدهر بأهله العلماء والقضاة والأئمة وكل القوم الذين كانوا به فأصبحوا متمزقين متشتتين بعد ذلك العز ، ثم سأله عن الملك وهو الإمام بلعرب أي ذهب بعد ذلك العز .
(3) أي هذا الخطب ليس فوقه خطب أكبر منه ، وهذا الخطب هو موت سيف بن سلطان . (1/91)
صفحة 92
ووال ولاة العلم والحلم والتقى ... ... ... وضدهم لا يلف منك لهم حب (1)
ولم يفت شاعرنا أن يرثي العلماء العاملين الذين حملوا أمر هذه الدولة بالنصح والإرشاد والفصل بين الناس ، وكان رثاؤه لهم عن صدق ومحبة ، فهو يصفهم بالفضل والصلاح ، بل ويصفهم بالجود والإحسان وغير ذلك من المعاني التقليدية ، وكان أولى بالشيخ خلف أن يصفهم بالعلم والحكمة والمعرفة والتقوى ، ومثل ذلك من الصفات التي تناسب العلماء والأفاضل .
ففي رثائه للشيخ محمد بن يوسف العبري يقول :
لقد غيض ماء الجود والبر والندى ... ... وعطل في أسواقه السوم والندى
وهدت جبال الرفد والبذل والجدى ... ... فلا تطمعوا في الكرم منه ولا الجدا
غداة يد الإمام في نجل يوسف ... ... أخي الجود والإحسان أولغت المدى (2)
ولعل سبب ذلك راجع إلى أن الشيخ محمد بن يوسف كان صاحب مال وثراء مع غزارة علمه , فلربما كان جوده وكرمه غالبا على علمه ومعرفته فوصفه الشاعر بما غلب على محاسنه واشتهر به بين الناس .
3- الغزل :
للشعراء مواقف متباينة من الغزل تختلف من شاعر لآخر، حسب نشأته وتكوينه والبيئة المحيطة به ، والعادات والتقاليد التي تحكم المجتمع وتحدد توجهه ومنهجه .
1- فمن الشعراء من أعرض عن الغزل وانصرف عنه ولم يجد مندوحة للخوض فيه ، وذلك عائد إلى أن طبيعة البيئة التي تربى فيها هؤلاء الشعراء وما كان لهم من منزلة اجتماعية لم تسمح لأحدهم أن يخوض في هذا الفن .
2- ومن الشعراء من أوقف شعره على الغزل ولم يجد لنفسه حرجا من الخوض في ذلك . (3)
__________
(1) إيقاظ الوسنان ـ ص11. في هذه الأبيات يتجه إلى سيف بن سلطان بالنصح فينصحه بقراءة الشرع الحنيف وملازمة أهل العلم والفضل .
(2) إيقاظ الوسنان ـ ص 161. سبق شرحها .
(3) عبد الخالق علي - الشعر العماني مقوماته واتجاهاته - دار المعارف – القاهرة - ط1 ـ ص 123 ـ 124 (1/92)
صفحة 93
وكان شاعرنا من الصنف الأول حيث أن مكانته الاجتماعية ومنزلته العلمية وما صاحب حياته الدينية التقليدية لم تأذن له بالخوض في هذا المجال ، إلا أن شاعرنا تطرق إلى الغزل والنسيب في مقدمات بعض قصائده الطويلة ،ولم يكن يقصد ذلك إلا رغبة في تقليد الشعر القديم في بنائه ومنهجه من البدء بالغزل والنسيب والوقوف على الأطلال ثم يتخلص منه إلى ذكر شمائل ممدوحه والغرض الأول للقصيدة .
ولذا نجد الغزل في شعره غير متناسق ولا منسجم مع طبيعة الشاعر ، ولا يدل على تجارب سابقة له مع معشوق ، وربما كان ذلك قصدا منه وتحرجا من إظهار عواطفه والتنفيس عن مشاعره وهذا شأن أكثر الشعراء العلماء .
والشيخ خلف في غزله يعنى بالمبالغة في وصف حسن المرأة وجمالها وشدة أثر حسنها على الرجال ، ثم شدة تعلقه بها ، وهذه المعاني متكررة في شعر القدماء ، وهو لا يخرج عن هذه المعاني في غزله تقريبا ، بل أنه قد يكرر المعاني بالألفاظ نفسها في مواضع مختلفة ، فهو يقول في مقدمة إحدى قصائده بعدما وقف على الأطلال وذكر الأحبة:
فتاة تفوت الوصف حسنا فلم تزل ... ... تفتت أكباد الرجال الضراغم
سليم هواها لا يفارق سمه ... ... بترياق فاروق ورقية عازم
علقت هواها دمنة علقت دمي ... ... فأصبحت ذا ضراء دامي المحاجم (1)
ويقول في مطلع قصيدته المقصورة :
يا كاعبا حوراء غرثاء الحشا ... ... ناعمة تعنو لها حسن الدمى (2)
ليس بها شين يرى لكنها ... ... بلا سلاح سفكت منا الدما
وأنها للعالمين فتنة ... ... لذي هوى من الورى وذي تقى
__________
(1) إيقاظ الوسنان ـ ص 88 . هنا يصف فتاة بأن الوصف لا يصل حسنها ، فهي تبدد أكباد الرجال الأقوياء ، ومن أصابه سمها فلا يزول عنه إلا برقية ، وقد تعلق الشاعر بهواها فأصبح متضرر بحبها .
(2) الدمى :- جمع دمية (1/93)
صفحة 94
ليل على بدر دجا قد ركبا ... ... على قضيب مائس فوق نقى (1)
جريحها لم يشفينه مرهم ... ... ... قتيلها ليس له واد ودى (2)
فكر الطبيب حار في ممرضها ... ... إذا شفى من غيره سقما ودا
مسمومها فارقه ترياق فا ... ... ... روق وجافاه المنام والرقا (3)
سليمها لم يشفه وسم ولا ... ... ... محجم حجام ولا نفث الرقى (4)
والشاعر دائما ما يحاول أن يحاكي طريقة الأقدمين في الغزل ويحاول أن يشابه كلماتهم وأساليبهم ونجده يأتي بغريب الألفاظ في مقدمات قصائده وفي غزله فهو يقول :
ومعلف أفراس ومعطن ضمر ... ... وضال أنيق زهره وسلام
رعى الله أياما تقضت لنا به ... ... ... وعيشا جنود البؤس عنه نيام
ليالي سلمى كلما جئت زائرا ... ... ... بدا لي بشر عندها وسلام
واذهى كالريم الأغن يعمها ... ... ... جمال حبال الصبر عنه رهام
إذا ما تثنت في الملى قال صاحبي ... ... على فقد هذي لا يطيب منام
فلو شامها رهبان لبنان آثروا ... ... ... هواها وساحوا في الغرام وهاموا (5)
الخلاصة أن شعره في الغزل أقل بالنسبة إلى شعر المديح والإخوانيات والشعر الفقهي ، وشعره يتصف بضعف العاطفة وتقليد السابقين في الأسلوب والمعاني ،مع حرصه على استخدام البديع والمحسنات اللفظية .
ويتميز شعره الغزلي بالابتعاد عن الغزل الفاضح الذي يصف محاسن المرأة الجسدية .
4- الحماسة :
__________
(1) نقى :- كثيب الرمل . في هذه الأبيات يبدأ الشاعر بمقدمة غزلية فيصف فتاة كاعب حوراء ، ليس بها سوء وهي تسفك دماء الرجال من حسنها ، وهي فتنة للناس التقي منهم وغيره ، وكل من اصبته بسمها وسهمها لا ينج حتى أن الأطباء حاروا في ذلك
(2) ودى :- يعطيه ديته
(3) الرقا :- الرقاد
(4) إيقاظ الوسنان ـ ص 110
(5) إيقاظ الوسنان ـ ص 92 (1/94)
صفحة 95
... إن دولة اليعاربة دولة فتية ، تفجرت ثورتها بعد ضغوط الدولة البرتغالية المستعمرة التي امتدت سيطرتها على سواحل عمان والخليج حتى إيران والهند وشرق أفريقيا ، فكانت هذه الثورة ثورة مناهضة لأعتى قوة في العالم آنذاك ، فاندفعت الشعوب العمانية الفتية بكل ما لديها من عزيمة وحماس لتخليص نفسها والأمة الإسلامية من هذا العدو الغاشم ، وكان في مقدمتها العلماء والقادة الذين أخذوا بزمام الأمور وجمعوا الناس حول رجل واحد ، فتوالت الانتصارات تلو الانتصارات حتى دحضوا العدو من أرضهم وتتبعوه حتى في شواطيء الهند وفارس وشرق أفريقيا ـ وهذا ما بيناه في الفصل الأول ـ .
فكانت هذه الدولة قائمة على الحروب والجهاد والسفر للغزو والقتال ، وكان من شأن الشعراء أن يواكبوا هذه الثورة العارمة وأن يعبروا من جانبهم بشعرهم على هذه الانطلاقة ويوظفوه في إيقاظ الهمم ولهب العزائم الفاترة ، ويعملوه في تصوير الانتصارات والفتوح الإسلامية ، على مثل ما كان عند المتنبي وأبي تمام ، وفي أبي تمام وقصيدته العمورية مثلٌ سامي في هذا الجانب ، حيث يقول في مطلعها :
السيف أصدق أنباء من الكتب ... في حده الحد بين الجد واللعب
بيض الصفائح لا سود الصحائف في ... متونهن جلاء الشك والريب
فتح الفتوح تعالى أن يحيط به ... نظم من الشعر أو نثر من الخطب (1)
ولكننا نندهش حين نجد أن شعراء هذه الفترة اليعربية لم يلق منهم تجاوب حول هذه القضية رغم أن الدولة كانت آنذاك قد بلغت أوج مجدها وعظمة انتصاراتها على البرتغاليين .
__________
(1) التبريزي : الخطيب – شرح ديوان أبي تمام – دار الكتاب العربي – بيروت – ط1 : 1992م – ج 1 – ص 32 . والمعنى : ان الشاعر يؤكد صدق السيف وكذب كتب المنجمين ، فبيض السيوف أغنت عن سواد الكتب الكاذبة ، وفتح عمورية فتح تعالى حاله عن وصف الشعراء وخطب الخطباء . (1/95)
صفحة 96
وشاعرنا الغافري كان في المسلك الذي كان عليه شعراء عهده ، فلم تكن انتصارات الدولة حافزا له لينسج على منوالها شعرا يصور فيه تلك الانتصارات ، ويعبر عن حماسة الجمع وتلاحمه أمام حجافل المستعمرين ؛ ولكن ظل شعره يرسف تحت أغلال الصنعة المتكلفة والزخارف الموروثة إلا بعض القصائد التي ظهرت فيها الحماسة وتيقظ الهمم .
ويتمثل هذا الفتور في شعر الحماسة لديه ، وينجلي بوضوح في إحدى قصائده يشيد فيها بانتصارات الإمام سلطان بن سيف الأول وقد بلغت من الضعف وافتقاد روح الحماسة الوطنية وصدق التعبير مبلغا جعله يقول :
قل لمن ظن أن ذا العرش لن ينـ ... ... ـصره وهو ناصر علام
مد حبلا إلى السما ثمت اقطع ... ... ... وارن هل غاض ما يغيض المرام ؟
أوما عاينت أفاعيله عيـ ... ... ... ــناك أم عاث فيها الإظلام (1)
ثم يقول عن الاستعمار البرتغالي وهزائمه أمام صلابة جيش المسلمين :
وفدوا ( مسقطا) بعدة بلدا ... ... ن عليها دمع القسوس سجام
ثم أروى لمسقط سقط عزم ... ... أسقط الظالمين منه ضرام
وهي دار يكاد يذهل عنها ... ... هيبة حين تذكر الأحلام (2)
إلى أن يصل إلى قوله :
فغدت من عمان كف بني الأصـ ... ... ــفر صفرا قد هزها الانهزام
أبهم العقل عنهم فأتاهم ... ... عنوة ما اصفرت به الإبهام
همهمت فيهم رعود حتوف ... ... من هماهم في ملكه مهمام
وسباهم ألف أسير كأن قد ... ... مازج الدمع منهم العلام
واقتنى منهم كنوزا غدا يبـ ... ... ... ــهر منها قارون بل بهرام
وبممباسة أذاقهم بأ ... ... ... سا بئيسا سيئت به الأصنام
__________
(1) إيقاظ الوسنان ـ ص 71 . في هذه الأبيات ينكر الشاعر توهم المتوهمين بأن الله لا ينصر الإمام ، ثم يدعوهم إلى مشاهدة انتصاراته في البلاد على العداء .
(2) أي أن العتاة لما جاؤا إلى مسقط وجدوا فيها قوة الإمام في مواجهتهم فسقط جيش العتاة في هذهالمعركة وانتصر الإمام . (1/96)
صفحة 97
همم هامها منوط إلى ها ... ... ... م إلهام حرن دونها الأوهام (1)
وهكذا أخذ الشاعر يصور انتصارات الإمام سلطان بن سيف الأول على البرتغال ويروي فتوحاته في ممباسة وزنجبار وفتوحاته في الهند وبمباي بهذا التعبير الذي فيه شيء من الركاكة والضعف والبرود الحماسي مع أنها كانت حروبا ضارية وانتصارات عظيمة ، ولو أنه جرى على سجيته وأطلق لوجدانه عنان التعبير ، ولم يتقيد بالمحسنات البديعية المتنوعة والزخارف الموروثة لبلغ غاية في الإصابة والإجادة ولأثر شعره في القلوب ، وقد استطاع الشاعر أن يجمع بين تلك الزخارف واللفظية والمحسنات البديعية وبين الحماسة وقوة العاطفة في قصيدة هي من أروع شعره قال فيها :
أتوها ضحى والعين تنظر أختها ... يؤمهم فتح ويتبعهم نصر
فما ردهم عن أن يجوسوا خلالها ... لقاء ألوف كان ألفها الكفر
بلى دخلوها عنوة جهرية ... ... وبحر الردى من كل ناحية غمر
وأبدوا بها صبر الكرام وكابدوا ... ... أمورا صعابا طعمها مقر مر (2)
المطلب الثاني : الاتجاه الاجتماعي
1- الإخوانيات :-
تبادل الغافري الرسائل الشعرية مع أصدقائه ، وتحدث عن الصلات الاجتماعية والنفسية وعن الصداقة والصديق ، وكان أصداؤها جلية في شعره .
وقد تنوع شعره في الإخوانيات بين أغراض متعددة منها التشوق والمدح والاستعطاف والتهاني والنصائح ، وله في كتاب الإيقاظ فصل كامل في الإخوانيات افتتح بقوله :
__________
(1) إيقاظ الوسنان ـ ص 72 . أي أن بني الأصفر وهي كناية للنصارى البرتغال رجعوا إلى بلادهم مهزوميتن صفر اليدين ، وقد فقدوا عقولهم لما رأوه من قوة ، وغنم المسلمون من هذه المعركة ألف أسير والكثير من الكنوز التي يبهر منه قارون وبهرام .
(2) إيقاظ الوسنان - ص 79 . أي أن جيش الإمام هجم على العدو والنصر يتبع الجيش حيث ذهب فما شكوا في النصر فجاسوا خلال جيش النصارى رغم قلة عدد المسلمين وكثرة جيش الكافرين ، فدخلوا المعركة وانتصروا وكابدوا الصعاب من اجل ذلك . (1/97)
صفحة 98
لله مدحي الإخوان لا رهبا ... ... أنظمه فيهم ولا رغبا
بل أن طبعي كذا وماردني ... ... عنه امرؤ عن مديحهم رغبا (1)
ومن إخوانيات الغافري ما كان عاما يخاطب به جمعا من الناس كأهل قرية أو جماعة مسجد أو فرقة معينة أو نحو ذلك ، ومنها ما كان خاصا يخاطب به شخصا معينا كصديق أو زوجة أو ولد أو جار ونحو هذا ، وأكثر إخوانياته مدح وتهاني وسلام .
فمن إخوانياته العامة قوله في أهل (نزوى) مادحا لهم :
على أهل (نزوى) الأكرمين تحية ... ... زرت بدخان العود والعنبر الشحري
تضمنها لفظ يروق يعده ... ... حليف الحجى نوعا حلالا من السحر
محلكم يا أهل (نزوى) بهامتي ... ... وعيني وبين النحر مني والسحر
وداركم دار بها الدين والدنا ... ... وأيامكم تاهت على الفطر والنحر (2)
ويذكر منح (3) بعد ذكر أسماء أفاضلها وأعيانها ويمدحهم بثناء عابر، بعدها يدخل في موضوع رسالته ويبينه باختصار وإشارة خاطفة داعيا لهم بالخير والبقاء :
منح لنا ما دام فيها أحمد ... ... وبها سليمان الكريم وماجد
وبها الفتى عمر الرضي وعامر ... ... وفتى سليمان التقي الزاهد
وبها أجاويد البلاد ذا حليـ ... ... ـف تقي وذا ذمر وذلك ماجد
ثم يشير إلى حاجته بإيحاء مفهوم :
جيرانكم صرنا نرجي منكم ... ... عونا متى أمر عنانا كائد
والظن فيكم يا ذوي العليا جميـ ... ... ـل والرجاء إلى علاكم يصعد
والعين من فضل الإله قريرة ... ... بكم وحظ الجار نام زايد (4)
__________
(1) إيقاظ الوسنان ـ ص 193. المعنى : ان مدحه للأخوانه ليس من شيء يرهبه ولا من شيء يحبه بل هو لله وهو من طبعه مدح الإخوان .
(2) إيقاظ الوسنان ـ ص210 . المعنى أنه يبعث تحية إلى أهل نزوى تتضمن اللفظ الرائق الجيل المشابه للسحر ، ويؤكد الشاعر أن لأهل نزوى محلا في قلبه وفوق هامته وفي نحره .
(3) إحدى ولايات داخلية عمان , وهي تجاورة نزوى عاصمة الإمامة .
(4) المعنى : أننا صرنا جيرانا لكم ومن حقنا عليكم أن تعينونا وقت الحاجة ، ونحن نحسن الظن فيكم ، بل واعيننا قريرة بجواركم . (1/98)
صفحة 99
ثم يختم بدعائه لهم بالبقاء والدوام :
فالله يبقيكم لنا ويديمكم ... ... غيظا لمن هو مبعد ومعاند (1)
وأما الصنف الثاني من إخوانياته فهي الخاصة ، وتزيد أعدادها في شعره على الإخوانيات العامة بكثير ، والغافري يرسل سلامه إلى صديقه الشيخ ناصر بن خميس الحمراشدي فيقول له :
أهدي السلام لناصر بن خميس ... ... ما مر في الأيام يوم خميس
مع حملة الإخوان من (نزوى) الذيـ ... ... ـن هم لنا في الروع خير خميس
لا زلتم إن جن ليل جهالة ... ... فيه يضل الناس مثل شموس (2)
ويقول في موضع آخر :
ناصر بن خميس ... ... بدا الظلام ولاحا
لم يخش في الله يوما ... ... من لام فيه ولاحى (3)
ومن أصدقاء الغافري رجل يدعى مبارك بن حبيب (4) وقد ولاه احد الأئمة شيئا من أعماله فهو يهنئه على ذلك بقوله :
أهدي سلاما إلى ألب لبيب ... ... فرد وحيد في الفخار غريب
ذاك المبارك خادم الملك الكـ ... ... ـريم ابن الكريم مبارك بن حبيب
هنئت بالمجد السعيد بخدمة الملـ ... ... ـك الرشيد ونلت خير نصيب
فلأهدين مدائحا لك نظمها ... ... يزري على نظم الأديب نصيب (5)
كما يرسل قصيدة إلى صديقه الشيخ الفقيه محمد بن عبدالله بن عبيدان يسلم عليه فيها ويحييه مادحا له ومثنيا عليه :
سلام كنشر الروض وافاه طله ... ... ورواه منهل الغمام ووبله
أتى من محب لم يثبطه عذله ... ... له قلب ذي شجو وحسرة ثكلان
إلى من رقى فوق السهى بالتأدب ... ... وسامى سماوات العلى بالتهذب
__________
(1) إيقاظ الوسنان ـ ص219
(2) إيقاظ الوسنان ـ ص194 . المعنى : الشاعر يرسل سلامه للشيخ ناصر بن خميس في كل خميس تمر ويبعثه أيضا لبقية العلماء وطلبة العلم في نزوى .
(3) إيقاظ الوسنان ـ ص 195. المعنى : يمدح ناصر بن خميس ويصفه بأته بدد الظلام ، وه لا يخشى إلا الله .
(4) مبارك بن حبيب من علماء القرن الحادي عشر ولم نجد له ترجمه في الكتب التي استخدمتها في البحث .
(5) إيقاظ الوسنان ـ ص 196 . المعنى : أهدي سلامي للشيخ مبارك بن حبيب الذي هو خادم لللإمام . (1/99)
صفحة 100
وشرد جمع الجهل في كل سبسب ... ... وطار له من طائر اليمن طيران
محمد الزاكي كريم العناصر ... ... حليب السطى والنائر المتواتر
مفيد العلوم بل مبيد الذخاير ... ... سلالة عبدالله حفد عبيدان (1)
وللغافري أصدقاء وإخوان في الدين والمذهب تفصل بينهم الصحاري والفيافي الطويلة إلا أنه رغم ذلك ما زال قلبه متعلقا بهم ، لاسيما صديقه يحيى بن سعيد (2) وأولئك القوم هم أهل جربة ونفوسه ، فهو يحييهم ويقول :
حييت يا يحيى سليل سعيد ... ... ... وحييت في داريك خير سعيد
واعتادت الخيرات ربعك ما خدت ... ... ... للبيت أو رتكت قلاص العيد
أبلغ سلامي من نفوسة أنفسا ... ... ... سلمت من التثريب والتفنيد
واخصص به أهل التجارب والنهى ... ... ... من "جربة" دار الكماة الصيد
قوم متى اعتنت بدجنة بدعة ... ... ... جلوا دياجي غيها بعمود
وهبية وهبوا النفوس لربهم ... ... ... فربا لهم منه نفيس مزيد
أن ينأ عني أو يشط مزارهم ... ... ... فهم بقلبي مثل حبل وريد
فعليهم مني تحية وامق ... ... ... يحيا بها بلد الوصال المودي (3)
ومما يلاحظ في أكثر قصائده في الإخوانيات أنها تميل إلى اللغة التقريرية الإنشائية التي تؤدي كل لفظة منها إلى المعنى القاموسي لها فقط ، وتقترب إلى النثرية الخطابية ، وتبتعد عن الإثارة والإمتاع الشعري الذي يحرك العواطف ويدغدغ الأحاسيس .
من ذلك قوله إلى بعض تلامذته معتذرا لهم عن فعل صدر منه لم يدركوا مغزاه :
عذرا إلى الولدين جمعتنا الرضي ... ... ... وسليل مسعود حكيم عمانا
النيرين الزاهرين ذو متى ... ... ... نعمى ترى بهما هناك عمانا
في أخذنا عنكم سليمان الذي ... ... ... نرجوا به مما نخاف أمانا
إن كنتما في مرية فسل الحجا ... ... ... والحال عن هذا المقال أمانا (4)
__________
(1) إيقاظ الوسنان ـ ص 199 . سبق شرحه .
(2) لم نجد له ترجمة
(3) إيقاظ الوسنان ـ ص194 . سبق شرحها .
(4) إيقاظ الوسنان ـ ص 201 . (1/100)
صفحة 101
فهو لم يتجاوز في شعره هذا إلا قوله أعتذر للولدين جمعة وابن مسعود النيرين لأنني أخذت عنكم سليمان حفظا له وأمانا وإن كنتما تشكان فاسألا أهل العقول . وهكذا نجده يصوغ أكثر قصائده الإخوانية .
2- النصائح والتعليم :-
لا ريب أن يكون لشاعر بلغ مبلغا من العلم والمعرفة بوأه مكانا أسمى بين العلماء ومنزلة عليا بين الأئمة لا ريب أن يكون له شعر ينفث فيه تعاليمه للناس ونصائحه لإخوته ، فنحن نجد أن شاعرنا الغافري قد أكثر من الشعر التعليمي الذي يصوغ فيه المسائل الفقهية او العقدية في أبيات شعرية تسهل للمتعلم فهمها وحفظها ، وهو أسلوب قديم استخدمه العلماء حتى في النحو والصرف والعروض ، كما استخدم في علوم أخرى كعلوم الفلك والبحار عند ابن ماجد وغيره .
وللشيخ باب في كتاب ( الإيقاظ ) خص لما كان من شعره في المسائل الفقهية ، منه قوله في التيمم :
وإن بتيمم فرد يصلي ... ... ... فرائض فاسدات فهو كاف
وإن كانت فوائت فاختلاف ... ... ... فقابل بالقبول له وكاف (1)
ويقول في الاغتسال من الجنابة :
مهما انغمست براكد ... ... ... للاغتسال من الجنابه
من غسل أذى كفا ... ... ... ك إن تقصد جنابه (2)
ومما يقارب شعره التعليمي شعره في الإرشاد ، فهو في الحقيقة نوع من التعليم , واستخدم فيه أسلوب الخطاب التقريري ، بل أن بعضه في أمور فقهية كالأذان والإفتاء ، فهو يقول في الإفتاء بغير علم :
يا أيها المفتي بما لم يعلم ... ... احذر وخف من حر نار جهنم
إن الملائكة الكرام لتلعن الـ ... ... ـمفتي بلا علم وغير تفهم
فارجع جهارا تائبا متنصلا ... ... ما دام منك العمر لم يتصرم
ليس الزنا عندي بأعظم حرمة ... في الدين من إضلال عبد مسلم
ثم يقول بعد أبيات :
__________
(1) إيقاظ الوسنان ـ ص184 . المعنى : يجوز لمن تيمم أن يصلي بتيممه الصلوات الفاسدة ، وأما الصلوات الفائتة ففيها خلاف .
(2) إيقاظ الوسنان ـ ص184 . المعنى : من غمس نفسه في ماء راكد ونوى غسل الجنابة أجزاه ذلك . (1/101)
صفحة 102
فأجب بعلم تسأل أو فقل ... ... الله أعلم تنج ثمت تسلم
ما الدين شيئا هينا فتخوضه ... ... بتخرص وتكلف وتوهم (1)
ويقول في حضور صلاة الجماعة في حال الاشتغال بأمور أخرى :
مهما بدت لك حاجة ... ... لا تأت في وقت الصلاة
فتؤب لا بطن المراد ... ... به ظفرت ولا صلاة (2)
وقد اهتم الغافري اهتماما كبيرا بالأذان ويبدو أن المؤذنين كانوا يخطئون في تقدير وقت الأذان خاصة صلاة الفجر ، فلذا نجده يرشد المؤذنين بمجموعة من أشعاره فيقول في بعضها :
لا تزعقن للفجر إلا إذا ... ... ... لم يحنث الحالف أن قد ظهر
ثوب النداء لا يصلى به ... ... إن لم يكن من رجس ريب طهر (3)
ويقول لأحد المؤذنين :
يا ابن عزيز يا حليف الندى ... ... سيف الرزايا عنك أضحى فليل
إني محب مشفق ناصح ... ... أخر نداء الفجر وقتا قليل
فالاحتياط بالنجاة كفيل ... ... لكن في العقل سواك كفيل (4)
__________
(1) إيقاظ الوسنان ـ ص166 . المعنى : الشاعر يحذر الرجل الذي يفتي دون علم وفقه ويرى أن إضلال الناس بالجهل هو أشد عنده من الزنا ، ثم يأمره بإفتاء الناس بعلم وإلا فليقل الله أعلم .
(2) إيقاظ الوسنان ـ ص167. المعنى : إن كنت تريد أن تقضي حاجة فلا تتركها وتأتي للصلاة لأنك ستشغل ذهنك بحاجتك في أثناء الصلاة .
(3) المعنى : لا تأذن لصلاة الفجر حتى تتأكد من دخول الوقت ، وعلامة ذلك أن الحالف بدخوله لا يحنث من ذلك .
(4) إيقاظ الوسنان ـ ص168 . هنا يرشد مؤذنا فيأمره بتأخير وقت أذان الفجر قليلا حتى يتأكد من دخوله ويحتاط لدينه . (1/102)
صفحة 103
إلا أن الشعر التعليمي ليس شعرا مثاليا لأنه خلا تقريبا من قوة العاطفة ، وهو يجمع بين أوصاف الشعر وأوصاف النثر ، ولذلك يجب أن يكون منطقيا ، وأن يكون واضحا ؛ لأنه يعلم حقائق معينة فيجب أن يكون صريحا واضحا قابلا للفهم بسرعة ، ومن الناحية الشعرية يجب ألا يخلو من الجمال الفني وأن يشعر القاريء بشيء من اللذة والاستمتاع ، (1) إلا أن الغافري لم يراع في شعره التعليمي والإرشادي الجمال الفني والصور التمثيلية .
3- المواعظ والحكم :-
تنقل الغافري في بلدان كثيرة في مدن عمان وغيرها وعاشر أقواما مختلفة ، وجالس الأئمة والعلماء والفقهاء والأدباء، وصاحب أناسا مختلفي الطباع ، فأخلص له بعضهم وتنكر له بعضهم ، وأثرت هذه الحياة الطويلة التي ملأها بالتجارب في نفسه أيما تأثير، فنتج عن ذلك كله أن أتحفنا بآراء قيمة وحكم خالدة ونصائح راشدة تنتظم بها حياة البشر ، وهذا الجانب أخذ حيزا لا بأس به من شعره وديوانه ، وبعضه متناثر ومتداخل بالأغراض الأخرى كالمديح والرثاء .
والشعر الذي قاله الغافري في المواعظ والحكم كان له مصدران أساسيان هما :
1ـ الموروث الثقافي : الديني والتاريخي وأخبار الأمم .
2ـ التجربة الذاتية : فالعمر الطويل الذي أمده الله سبحانه وتعالى لشاعرنا جعل منه إنسانا محنكا خبيرا بالحياة مطلعا على أسرارها .
وقد تعرف على الناس وخبرهم وعلم غثهم من سمينهم (2) ، فهو يقول :
لا تتثق بأخي ملك ولا امرأة ولا شرود ولكن ثق بمن خلقك
فعند طاعته ما أن يضرك أن تأكل شعيرك أو أن تلبسن خلقك (3)
__________
(1) أحمد أمين - النقد الأدبي - دار الكتاب العربي - بيروت – لبنان - ط 4 ـ ص 101
(2) الحسيني : راشد بن حمد الحسيني- اللواح الخروصي سالم بن غسان - ط1 :1417هـ ـ/ 1996م ـ ص 140
(3) إيقاظ الوسنان ـ ص 208 , المعنى : ينصح الشاعر بعدم الثقة بالمرأة والملك ، ومن أراد أن يثق فاليثق بالله تعالى . (1/103)
صفحة 104
ويشعر بدنو الأجل فيذكر نفسه بالله ويحظها على التوبة والرجوع إلى الله بعد هذا العمر الطويل الذي قضاه في تتبع الدينا وملاذها :
ما للقلوب عن التنكر عاربه بل ما لأقمار التفكر غاربه
بل مالنا نسعى لضر نفوسنا ... فكأننا جمل يعضض غاربه
هلا نرى أن البرية أجمعا كرها لكاسات المنية شاربه
هلا نرى أن الحوداث من يدا فعها بكف منه أصمت شاربه
فانظر لنفسك وانتبه يا ذا النهى فالموت يشحذ للأنام مخالبه
وخذ الحذار من الزمان وصرفه إن الليالي لابن آدم خالبه (1)
ويغلب على شعره الوعظي التذكير بالموت والذنوب و العقاب والحض على الزهد في الدنيا والقناعة . فهو يقول في العقاب والبكاء على الذنوب :
إذا كنت بكاء فكن باكيا على ركوب الخطايا لاعلى مربع أقوى
وقل يا إله العرش عفوا فإنني ضعيف على أدنى عذابك لا أقوى (2)
ويقول فيذم الدنيا وقصر الحياة ومفاجأة الموت :
المرء ضيف وما يحويه عارية فتلك مردودة والضيف مرتحل
أن يسكت الدهر لا تخدع فشاعره ... حقا ينظم نعي الخلق مرتجل (3)
ويقول فيها :
الشيب فهو أذان والموت فهو إقامه
ولست صاحب طهر فبئس هذه الإقامه (4)
__________
(1) إيقاظ الوسنان ـ ص 170 . المعنى : أن القلوب أصبحت غافلة عن التذكر والنفوس أصبحت تسعى إلى حتفها ، ألا ترى هذه النفوس أن جميع الناس يسعون إلى الموت ، فلينظر كل إنسان في حاله وليستعد للموت .
(2) إيقاظ الوسنان ـ ص 196 . المعنى : الشاعر هنا يخاطب نفسه فيقول إذا كنت تريد أن تبكي فلا تبكي على الطلل والمنازل الخاوية بل ابك على الخطايا والذنوب .
(3) المرجع السابق ـ ص 172 . المعنى : أن المرء في هذه الدنيا كضيف نزل بيتا وما يملكه في رحلته هو زاد مستعار سيرجعه إلى معيره ويخرج من بيته ، فلا يغتر أحد بسكوت الدهر فإن له شاعرا ينظم وفيات الناس .
(4) المرجع السابق ـ ص 172 . المعنى : أن الشيب كالأذان والموت كالإقامة والفترة بين الإقامة والأذان قصيرة فليعتبر المرء لذلك وليتتطهر . (1/104)
صفحة 105
وللغافري حكم اكتسبها من عمق تجربته ، وطول خبرته ، ومعرفته بالإنسان وأحواله، وتقلبات الدهر وأزمانه، فمن حكمه رحمه الله :
هكذا قيل الولد بعض الأحايين كمد (1)
ويقول في عداوة الأقارب :
إن العدواة في الأقارب جوهر وبغيرهم عرض من الأعراض (2)
ويقول :
فما دواهي الفتى إلا معارفه ولا عقاربه إلا أقاربه (3)
ويقول في المشاورة :
شاور أخا العقل المجرب تأخذن منه رخيصا ما اشتراه بالغلا
لم يسفلن مشاور في أمره أهل البصائر والتجارب بل علا (4)
والغافري كثيرا ما يقتبس حكمه ومواعظه من القرآن الكريم والسنة النبوية كما في قوله:
هو الموت لو كنا ببرج مشيد ... على شاهق وعر السبيل أتانا
سواء عليه من على ظهر سابق ... ... ومن راكب بين الأنام أتانا (5)
فقد اقتبس هذا المعنى من قوله تعالى " وأينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة....." (6)
المبحث الثاني : المؤثرات في شعره
المطلب الأول :
القرآن الكريم
المطلب الثاني :
الحديث الشريف
المطلب الثالث :
الشعر العربي
المطلب الرابع :
النزعة التقليدية
المطلب الرابع :
النزعة التقليدية
المطلب الأول : القرآن الكريم
__________
(1) المرجع السابق ـ ص207
(2) إيقاظ الوسنان ـ ص 207 . المعنى : أن العداوة أكثر ما تكون بين القارب فهي متأصلة بنهم .
(3) المرجع السابق ـ ص 207
(4) المرجع السابق ـ ص208 . وفي هذه الأبيات يدعو إلى الأخذ بالمشورة ممن له العقل فهو طريق مختصر للوصل إلى الحقيقة ، ولم يخب من شاور أهل البصائر أبدا .
(5) المرجع السابق ـ ص177 . المعنى : أن الموت سواء عليه الذي يسكن في برج شاهق ومن هو يركب الحمار .
(6) النساء ـ78 (1/105)
صفحة 106
لا غرابة أن نجد الغافري وهو العالم الفقيه يوظف حفظه للقرآن الكريم وعلمه بمعانيه في سبيل تقوية شعره والسمو بمستواه إلى مستوى أعلى وأسمى ، فما من شك أن القرآن الكريم قد وضع الله فيه من البلاغة ما أعجز أئمة اللغة والفصاحة و البلاغة من جميع الأجناس وفي كل العصور ، فمن قوى الصلة بين شعره والقرآن الكريم قوي معناه وجزل لفظه وبرع أسلوبه ن بحفظه وفهمه ودراسة بلاغته وفصاحته والاهتداء بهدايته .
... ولقد ظل القرآن بارزا بجلاء في شعر الغافري طيلة ديوانه ، إما بالاستعانه بمعانيه وأسلوبه أو باستخدام ألفاظه وعباراته . من ذلك قوله في إحدى قصائده التي جاءت أكثر قوافيها موافقة لبعض فواصل سورة القمر وسورة القيامة , وذلك بعد ملاحظة أول آية من السورة وهي قوله تعالى " اقتربت الساعة وانشق القمر " (1) ، إذ جاءت الآية على وزن بحر( الرمل ) وهو البحر الذي جرت عليه قصيدة الشاعر :
لك مني الحمد يا مولى البشر إن رجلي برئت من كل ضر (2)
ثم يأتي في أبيات أخرى في نفس القصيدة يستخدم فيها نفس الألفاظ والعبارات التي استخدمها القرآن مثل قوله:
أم ترى أنك عن صرف الدنا ذو امتناع ويك ( كلا لا وزر )
فقد اقتبسه من قوله تعالى : "كلا لا وزر" (3)
ومنها قوله :
فلقد أرشدت لو تبغي الهدى ولقد أنذرت لو( تغني النذر ) (4)
فقد اقتبسه من قوله تعالى : " حكمة بالغة فما تغني النذر " (5)
ومن ذلك قوله :
لو عدا قطرك رضوى لغدا زهر عودي ( كهشيم المحتظر)
فقد اقتبسه من قوله تعالى : " إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة فكانوا كهشيم المحتظر ..." (6)
ومن ذلك قوله :
__________
(1) سورة القمر أيه 1
(2) إيقاظ الوسنان - ص 66 . المعنى : يحمد الله على شفاء رجله .
(3) سورة القيامة ألآية 11
(4) أي لقد جاء الرشد لو أردت الرشد ، وقد جاء الإنذار لو تريد النذر .
(5) سورة القمر الآية 5
(6) سورة القمر الآية 31 (1/106)
صفحة 107
فلئن لم أك شاكرا لذا فلقد جئت بها (إحدى الكبر) (1)
فقد اقتبسه من قوله تعالى : " إنها لإحدى الكبر " (2)
ومنه أيضا قوله :
لست أنسى ذاك ما عشت وما أنا فيما قلت (كذاب أشر)
اقتبسه من قوله تعالى : " أؤلقي الذكر عليه من بيننا بل هو كذاب أشر " (3)
ومنه قوله :
وجزاك الله يا مولاي من فضله (جنات) عدن (ونهر)
اقتبسه من قوله تعالى : " إن المتقين في جنات ونهر " (4)
ومنه قوله :
لك ما شئت بها من لذة مكرما (عند مليك مقتدر)
اقتبسه من قوله تعالى : " في مقعد صدق عند مليك مقتدر " (5)
ومنه قوله :
وصلاة الله تغشى أحمدا ما همى المزن( بماء منهمر )
اقتبسه من قوله تعالى : " ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر " (6)
وهناك مواضع أخرى في شعره ، يرى فيها تأثره بالقرآن لفظا ومعنى فقد يضمن آية كاملة أحيانا كما رأينا في قوله تعالى " كلا لا وزر " ، وقد يضمن نصف آية في بيت كما في قوله :
يا حسرة على العباد ما أتا هم ناصح إلا أصاروه هزا (7)
فقد ضمن في البيت قوله تعالى :"يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون" (8)
وفي موضع آخر ضمن قوله تعالى :" ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك ... " (9) فقال :
ولا تكن فظا غليظا جافيا فإن ذا لنفسه أعدى عدا (10)
وهناك الكثير من الأمثلة الذي يظهر فيها تأثره بلفظ القرآن الكريم ، وأكثره في مقصورته وفي شعره الوعظي والسلوكي .
أما تأثره بمعاني القرآن الكريم فكثير جدا وأظهر مثال عليه قوله في مقصورته :
وسابلته ألسن الحال أما ... وجدت حقا وعده قال بلى
__________
(1) أي لأن لم أشكر الله على هذا لوقعت في إحدى الكبائر .
(2) سورة المدثر الآية 35
(3) سورة القمر الآية 25
(4) سورة القمر الآية 54
(5) سورة القمر الآية 55
(6) سورة القمر الآية 11
(7) إيقاظ الوسنان - ص 120
(8) سورة يس الآية 30
(9) سورة ال عمران 159
(10) إيقاظ الوسنان - ص 124 عدا :- جمع عدو (1/107)
صفحة 108
حتى إذا ما النفخة الأخرى بدت ... ... قام لها في زي عري وخفا
ينظر أحوالا بدت غريبة ... ... ليس بها في أعين الناس خفا
فبان من أوضع للشر ومن ... ... للخير من فضل الإله أو جفا
ووقع التمييز بين رقة ... وغلظة وبين وصل وجفا
وامتاز من أودية الأعمال ما ... ينفع من خلط غثاء وجفا
ثم يقول :
دعه عساه من نجيع أحمر يسكب دمعا لا تراه قد رقى
فإنه لو مات ثم رد للد نيا وقال لا تعودن لعا (1)
المطلب الثاني : الحديث الشريف
وكما تأثر الغافري بالآيات القرآنية لفظا ومعنى تأثر أيضا بالأحاديث النبوية ، إلا أن تأثره بالقرآن الكريم كان أظهر، فلا يمكن أن تنزل السنة مكان القرآن ، حيث أن القرآن لفظه ومعناه من الله سبحانه وتعالى ، وأما السنة فمعناها من الله تعالى وليس لفظها ، فلذا نجدها ظاهرة في شعره معنى أكثر من ظهورها لفظا إلا في مواضع قليلة منها قوله :
وإنما الأعمال بالنيات فالكـ ... ... ــل له في كل شيء ما نوى (2)
فقد ضمن قوله صلى الله عليه وسلم : " إنما الأعمال بالنيات ولكل امريء ما نوى " (3)
وتأثر بلفظه في موضع آخر وهو :
( من خاف أدلج ) مسرعا ... ... كي يبلغن المنزلا
فاتبع لتأمن خوف دا ... ... ريك الكتاب المنزلا (4)
حيث أنه تأثر بقوله صلى الله عليه وسلم " ثم من خاف أدلج ومن أدلج فقد بلغ المنزل " (5)
وأما ما كان من تأثره بالمعنى وبعض اللفظ فكثير في شعره ، ومنه قوله في الوعظ:
__________
(1) إيقاظ الوسنان - ص 121 ، لعا :- أصلها ( لعاد ) . المعنى :أن العاصي عنمدا يتمثل للمحاسبة يوم القيامة سيأل عن وعد الله لهم هل تحقق فيجيب . وإذا نفخت النفخة الأولى بعث الإنسان وصار ينظر في تقلب السماء والأرض ثم يقع بعد ذلك التمييز بين الخير والشر . وفي البيتين الأخيرين يصف حال الكافر عندما يندم على ما فاته ويتمنى الرجوع فلا يجاب .
(2) المرجع السابق ـ ص 129
(3) أخرجه الإمام الربيع في مسنده ـ ص 1
(4) إيقاظ الوسنان - ص 180
(5) المستدرك على الصحيحين – ج 4 – ص 343. (1/108)
صفحة 109
لا ينظر الله إلى بزة ... ... ... نفيسة جاءت بها الهند
ولا حلي معجب ومؤنق ... ... ... زينت به زينب أو هند
لكنه ينظر أعمالنا ... ... ... ليستبين الهزل والجد
فينحس الهزل ويغد وأخو ... ... ... الجد وقد أسعده الجد (1)
وقد تأثر الغافري بحديث افتراق الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة وهو قول الرسول صلى الله عليه وسلم " ستفترق أمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة كلهن إلى النار ما عدا واحدة وكلهم يدعي تلك الواحدة " (2) فتأثر به في قوله :
ونحو دين ابن الرحيل فارحلن ... ... ولو بصحراء بها الذئب عوى
ففرقتان بعد سبعين نبي اللـ ... ... ... ــه قال الكل منهم قد غوى
ونجيت مع ما ذكرت فرقة ... ... ... قلوبهم من خشية الله هوى
ونحن بفضل الله تلكم الفر ... ... ... قة عن عين يقين لا هوى (3)
المطلب الثالث : الثقافة الأدبية ( الإسلامية )
...
نقصد بالثقافة الإسلامية هنا الثقافة الأدبية والتاريخية والدينية وغيرها ، ومما صار معلوما لدينا ، أن الشيخ الغافري بفضل جهوده الشخصية في طلب العلم ومكتبته الكبيرة ، قد بلغ من العلم مبلغا فاق به أقرانه في زمانه ، فتحصلت له حصيلة ضخمة من المعارف والثقافات استطاع بها بعد ذلك أن يسخرها في خدمة تقوية أسلوب شعره لفظا ومعنى ومنهجا ونحو ذلك ، فالقاريء لشعر الغافري لا يجد لذة تذوق الشعر فحسب ، وإنما يخرج منه بحصيلة ثقافية كبيرة ، فهو كثيرا ما يضرب الأمثال بالأعلام القدماء من علماء وشعراء وموهوبين وغيرهم ، ومقصورته الحاوية خير شاهد على ذلك ، وما سميت بالحاوية إلا لتطرقها لكل الثقافات الأدبية, واحتوائها على العلوم الإنسانية .
__________
(1) المرجع السابق - ص 218 . المعنى : أن الله لا يجازي الناس بحسنهم ولباسهم وهندامهم وإنما يجازيهم بأعمالهم وأفعالهم.
(2) أخرجه الإمام الربيع في مسنده .
(3) إيقاظ الوسنان - ص 112 . المعنى : يدعو الشاعر الناس إلى الدخول في مذهب آل الرحيل وهو المذهب الإباضي ، وهناك اثنان وسبعون فرقة هالكة في النار وفرقة واحدة غير هالكة هي فرقة مذهب آل الرحيل . (1/109)
صفحة 110
وأما تأثير هذه الثقافة الأدبية على شعره فهو واضح وضوح الشمس في كثير من شعره ، من ذلك استشهاده بكثير من الأعلام الأدباء كالسمؤل بن عاديا في قوله :
قد اخترم الدهر السموأل بن عاديا ... ... وأوفى فأعدى للمنية عاديا (1)
وكالشنفرى الصعلوك في قوله :
حكى الشنفرى بطشا وبأسا وقوة ... ... ولكنه للمتقين إمام (2)
وكعنترة العبسي في قوله :
ماذا يقول عنده عنترة ... ... وما يكون عند ذكراه سخا (3)
وهناك الكثير من الأعلام الذين يستشهد بهم ويضرب بهم الأمثال لا داعي لذكرهم .
وهو مع هذا كان كثير الاقتباس من الشعراء السابقين تقوية لشعره وتجويدا لأسلوبه ولفظه ، مع المحافظة على بناء قصيدته وأثر إبداعه فيها ، ومن هذا قوله :
حتى إذا تمت جميع أموره ... ... وافى إليه النقص يسطع يسرع (4)
أخذه من قول الشاعر :
إذا تم شيء بدا نقصه ... ... توقع زوالا إذا قيل تم
ومنه قوله :
ليالي سلمى كلما جئت زائرا ... ... بدا لي بشر عندها وسلام (5)
أخذه من قول امرئ القيس (6) :
ألم ترياني كلما جئت زائرا ... ... وجدت بها طيبا وإن لم تتطيب
ومنه قوله :
وكل ابن أنثى سوف ينحب أهله ... ... عليه كأن قد دوخوا بسعال (7)
أخذه من قول كعب بن زهير (8) :
__________
(1) إيقاظ الوسنان - ص 177 .أي أن الدهر قضى على السموأل بن عاديا ...
(2) المرجع السابق - ص 92 . سبق شرحه .
(3) المرجع السابق - ص 129
(4) المرجع السابق - ص 91 . أي أن الشيء إذا تم واكتمل بدأ النقص يقترب منه .
(5) المرجع السابق ـ ص 92 . أي كلما جئت أزورها وجدت عندها الطيب والبشر .
(6) هو امرؤ القيس بن حجر بن الحارث الكندي , شاعر جاهلي ، أشهر شعراء العرب ، كان أبوه ملك أسد وغطفان , إلا أن امرئ القيس عاش مع الصعاليك للهوه وتشبيبه بالنساء , توفي بأنقرة .
(7) إيقاظ الوسنان - ص 147 . أي كل إنسان سيموت ويبكي عليه الناس .
(8) هو شاعر عالي الطبقة من اهل نجد ، كان ممن اشتهر في الجاهلية ، أسلم وأنشد قصيدته اللامية المشهور . المصدر : الموسوعة الشعرية . (1/110)
صفحة 111
كل ابن أنثى وإن طالت سلامته ... ... يوما على آلة حدباء محمول
ولم يكتف الغافري باقتباسه بعض أشعار العرب بل أفاد من تجاربهم ورائع قصائدهم بالمعارضة والمجاراة في الأسلوب والألفاظ . فقد عارض مقصورة ابن دريد الشهيرة وحاول أن ينسج على منوالها مقصورته ، وكان ابن دريد قد أنشأ مقصورته تلك في مدح ( آل ميكال ) إلا أنها تعد من أحسن شعره وأوجده ، ولها أهمية خاصة في الأدب ؛ يرجع ذالك إلى أنها خلاصة تجارب تاريخية طويلة ، وإشارة إلى تاريخ كثير من المشهورين ؛ أمثال ( أمريء القيس ) و ( جزيمة الأبرش) و ( يزيد بن المهلب ) وغيرهم .
وقد أبرز فيها أصالته وذاتيته الخاصة ، بما أورد فيها من حكم وأمثال ، وقد حفلت مقصورة ابن دريد بالمادة اللغوية الوفيرة ، والثروة اللفظية الكثيرة .
وقد اتخذ الغافري مقصورة ابن دريد مثالا ينسج عليه قصيدته الجديدة ، ونجد ذلك ظاهرا في الافتتاح بالمقدمة الطللية ثم التحدث عن المحبوب والتغزل به ، بعدها يعرج إلى ذكر الدهر وقسوته وتغلب الزمان عليه حتى إذا خلص منه نفذ إلى المديح وذكر مزايا ممدوحه وخلاله . فمقصورة ابن دريد مطلعها :ـ
يا ظبية أشبه شيء بالمهى ... ... ترعى الخزامى بين أشجار النقى (1)
وأما مقصورة الغافري فكان مطلعها :
يا كاعبا حوراء غرثاء الحشا ناعمة تعنو لها حسن الدمى
ليس بها شين يرى لكنها بلا سلاح سفكت منا الدما (2)
وابن دريد يذكر بعد ذالك الدهر وممارسته له وتغلبه عليه رغم انهزام الأبطال أمامه . فيقول :ـ
مارست من لو هوت الأفلاك من جوانب الجو عليه ماشكا
ويأتي الغافري ليصف الدهر وشدته وانقلابه عليه ، ثم يخرج عنه منتصرا لتعلقه بالله الذي وعده الجنة فيقول :
__________
(1) ابن دريد : أبو بكر – ديوان ابن دريد – دار الكتاب العربي – بيروت – 1995 – ط1 – ص 123 .
المعنى : أنه يشبه فتاة أو ظبية بالمها التي ترعى بين الحقول والأشجار .
(2) المرجع السابق ـ ص 110 . سبق شرحه . (1/111)
صفحة 112
فالحمد والشكر لمولانا فما ... أحمده إلا هو إلاهو
لعل هذا سبب إلى النجا ... ة من وقوع في هوى وفي هوى
فهكذا الدهر أبو مراقش ألوانه شتى بعين من رأى (1)
وقد وافق الغافري مقصورة ابن دريد في نسبة المديح إلى شخصين هما ( عبدالله بن ميكال (2) ـ وابنه أبو العباس ) عند ابن دريد ، و ( ناصر بن مرشد ـ وسلطان بن سيف ) عند الغافري . إلا أن الغافري في مقصورته تنوعت أغراضه فهو يمدح ، ويؤرخ لوقائع في تاريخ المسلمين .
ويعظ ويذكر بالموت ويذم الدنيا ، ويذكر كثيرا من الحكم والأمثال مع ذكر بعض الأعلام الذين عاصروه ومدحهم ، فكانت عدد أبيات مقصورته خمس مئة بيت ، ملأها بأنواع البديع والزخارف التي ألجأته إلى التكلف في استخدام كثير من الكلمات والألفاظ مما ساعد على ضعف مقصورته بالنسبة إلى مقصورة ابن دريد . ويقول الغافري في وصف مقورته :ـ
فدونك مقصورة قد قصرت ... ... فيها حسان الدين والدنيا معا
قد جنست كل قوافيها فلو ... ... يسمعها متيم صب سلا (3)
ويقول فيها :ـ
مقصورة الأديان والآداب ... ... تمت بعون الملك الوهاب
خمس مئين عدها لا ناقص ... ... أو زايد في صادق الحساب
أرجو بها من خالقي وفاطري ... ... نيل الثواب والعطا الحساب (4)
__________
(1) . المعنى : الشاعر يحمد الله ولا يحمد سواه ، لأن الله هو سبب النجاة ، وأما الدهر فهو غادر متغير الألوان .
(2) عبدالله ميكال ، عامل كور الأهواز للخليفة المقتدر بالله العباسي ، واستدعى ابن دريد ليؤدب ولده أبا العباس . المصدر : ديوان ابن دريد – ص 9 .
(3) إيقاظ الوسنان - ص 130 . المعنى : أن هذه القصيدة المقصورة جمعت فيها كل محاسن الدين ومحاسن النيا ، وقد استعملت الجناس في كل قوافي القصيدة .
(4) المرجع السابق ـ ص 131 . (1/112)
صفحة 113
وقد عارض الغافري قصيدة لأبي ذؤيب الهذلي في الرثاء تعد من عيون الشعر العربي، إلا أنه لم يلتزم فيها كما التزم في معارضته للمقصورة ابن دريد ، وإنما اكتفى بالنظم وفق قافية وبحر قصيدة الهذلي وكما وافقه في الغرض والموضوع وهو الرثاء .
ومطلع قصيدة أبي ذؤيب :ـ
أمن المنون وريبها تتوجع ... والدهر ليس بمعتب من يجزع (1)
وأما مطلع قصيدة الغافري فكان :ـ
يا معقلا عبث الزمان بأهله ... فغدوا أولاة تمزق لايرقع
أين الذي كان بك ملك أعظما كالدهر يخفض من شاء ويرفع (2)
وكان أبو ذؤيب يرثي ابنه بينما كان الغافري يرثي الإمام بلعرب ويخاطب حصن جبرين . ومن هذه المعارضات وغيرها اكتسب الغافري ثقافة لغوية كبيرة وأسلوبا رصينا قوى من شعره وأجزل لفظه .
المطلب الرابع : النزعة التقليدية
إن دراسة الشعر عند الغافري – شأن أدي دراسة – لا تبدأ من فراغ ، وإنما لها نقطة بداية ومراحل مرت بها وأثرت فيها ، والشعر - عامة - في مراحله المختلفة يتباين قوة وضعفا وعلوا وهبوطا نتيجة للمؤثرات وعوامل الرقي أو الضعف ، وهذه المؤثرات السابقة هي التي كونت النزعة التقليدية عند الغافري وأمثاله من شعراء اليعاربة .
فالجيل الذي سبق جيل شعراء اليعاربة كان يمثل جيل شعراء النباهنة وقد ظهر فيه شاعران يمثلان الاتجاهات الأدبية التي كانت تحكم الشعر حينئذ .
والشاعران هما أبو بكر أحمد بن سعيد الستالي ، وسليمان بن سليمان النبهاني ، أما الستالي فقد وجه كل طاقته الفنية لمدح ملوك بني نبهان فذكر مآثرهم وأشاد بأمجادهم ، حتى إن مدائحه فيهم استغرقت كل ديوانه فسمي شاعر النباهنة ، وفي شعره بدت سمات التكلف والصنعة البديعية المسرفة كقوله في الخمر :
إن عزت الخمر من (هيت) فهات لنا ... ما استل من (مستل) أو سيق من (سيق)
__________
(1) السكري : أبي سعيد الحسن بن الحسين – شرح أشعار الهذليين – دار المعرفة – ج 1 – ص 4 .
(2) المرجع السابق ـ ص91 . سبق شرحه . (1/113)
صفحة 114
وأحينا بسلاف السالفين بدت ... ... صفراء ذات بريق في الأباريق
فجاء يسعى بها تحت الرواق لها ... ... ضوء يروق الحميا وسط راووق (1)
وأما النبهاني فلم يكن بأفضل من صاحبه ، إذ كان يحفظ الكثير من أشعار الجاهليين خاصة امرئ القيس ، وتأثر به في ميوله ونشأته وصياغة شعره ، فجاء شعره متكلفا تعتريه الصنعة والزخرفة .
" وبقي شعر الستالي والنبهاني مثالا للجودة في عصرهما كما كان عند الكيذاوي ولمن جاء من بعدهما أمثال شعراء الدولة اليعربية " وفي مقدمتهم الغافري ، إذ أخذ بمنهج البديع يصطنع فيه مذهب من سبقه ،ويبالغ فيه حتى أنه يحكي عن نفسه ذلك ويتعهد بتصنع البديع والجناس خاصة :
لم يمنعني من التجنيس تورية ... ... ولم أجد أحدا قبلي لذاك حوى (2)
ويقول :
نظم القريض عسير ... ... ... بلا جناس محلي
لولا سكوني ذراه ... ... ... كان الحضيض محلي (3)
وكل شعر الغافري لا يخلو من جناس أو طباق أو سجع أو أو ... من كل أنواع البديع ، ولا أظن أن قصيدة من قصائده تخلو من هذه الزخارف الفنية ، بل أن أطول قصائده وهي المقصورة التزم فيها بالجناس في كل قافية منها وقد بلغت خمس مائة بيت :
قد جنست كل قوافيها فلو ... ... ... يسمعها متيم صب سلا (4)
ومن النصوص التي بالغ فيها بالجناس حتى أضعفه قوله :
رعى الله سيفا نجل سلطان إنه ... ... هو السيد المفضال والملك العدل
على أنه ليث هصور عن العلى ... ... طوال الليالي ليس يردعه العذل
__________
(1) الستالي ، ديوان الستالي أحمد بن سعيد الستالي، ط1 ، وزارة التراث القومي والثقافة ، ص 310
المعنى : إذا نفدت الخمر من بلدة ( هيت ) فاحضروا لي خمرا من ( مستل ) أو من ( سيق ) وأحيونا بهذه الخمر الصفراء التي تلمع كالأباريق .
(2) إيقاظ الوسنان - ص 53 . أي أنه لم يمنعه من الاكثار من الجناس استخدامه للتورية . ويظن أن لم يسبقه أحد إلى كثرة استخدام الجناس .
(3) المرجع السابق ـ ص 54 .
(4) إيقاظ الوسنان - ص 130 (1/114)
صفحة 115
له كرم كالبحر فاض عبابه ... ... تضيق به الأقطار لا الخرج والعدل (1)
فليس بخاف تكلفه الزخارف ، وخاصة الجناس في ( العدل – العذل – العدل ) ، والترادف في ( السيد – الملك ) ، والطباق في ( الخرج – العدل ) في محاولة لإبراز المقدرة الصناعية من جناس وطباق وغير ذلك .
ويعد اعتماد الغافري على بناء القصيدة القديم في طرح موضوع نوعا من الموروثات التقليدية ، حيث أنه حاول فيها أن يجاري القصائد الجاهلية من حيث البدء بالمقدمات الطللية والميل إلى النسب وذكر الأحبة ، مستخدما الكلمات المتوحشة والألفاظ البدوية ، ومن هذا قوله في إحدى قصائده :
ألا حي أطلالا لدى حي عاصم ... ... تبدت كوشم في منون المعاصم
وشم ضوء برق لاح من نحو بارق ... ... يريك اعتصام العصم فوق العواصم
وروِّ بدمع كالعقيق مرابع الـ ... ... ــعقيق وقف فيهن وقفة واجم
وعج لرسوم بالأجيرع قد عفت ... ... بمر عوافيها رسيم الرواسم
وطل بأطلال المنومة أدمعا ... ... تنم بمكنون من الوجد جاحم (2)
ثم أخذ يذكر بعض اسماء الأماكن ثنى بعدها بذكر الفتاة الجميلة التي فتت أكباد الرجال من جمالها الأخاذ .
ومن الملاحظ في الأبيات الفائتة استخدام الغافري للمفردات المتوحشة والغريبة مثل ( المعاصم – شم – العواصم – العصم – عج – عوافيها – رسيم – الرواسم – جاحم ) وذكره للمواضع والأماكن في ( حي عاصم – الأجيرع – المنومة ) كل ذلك يشير إلى النزعة التقليدية التي أثرت على الغافري في شعره .
المطلب الخامس : النزعة المذهبية
__________
(1) المرجع السابق ـ ص 94 المعنى : يثني الشاعر على سيف بن سلطان ويصفه بالعدل ويشبهه بالليث في شجاعته والبحر في جوده وكرمه .
(2) المرجع السابق ـ ص 87 . وفي هذه الأبيات يقف على الأطلال ويدعو للبكاء عليها ثم يشير إلى بعض قرى ولاية بركا . (1/115)
صفحة 116
وتتمثل النزعة المذهبية في الفكر الإباضي الذي تبلور على يد الإمام جابر بن زيد في القرن الأول الهجري ، حيث نشأ في البصرة كمنظمة مذهبية لها مميزاتها وأهدافها ، فأما نشأتها كفكر ودين فليس له منشأ إلا ظهور الإسلام بالرسالة المحمدية .
وكان الإباضية يؤيدون رأي المحكمة كموقف سياسي ويخالفون رأي معاوية وأتباعه ومذهب علي – كرم الله وجهه – وأشياعه ، فلذا وقع عليهم الاضطهاد من الدولة الأموية في البصرة والشام ، فلجؤوا إلى التنظيم السري لإقامة الدولة الإسلامية ، فأقيمت ثلاث دول إحداها في عمان والثانية في اليمن والثالثة في المغرب .
وهذا الفكر الذي يتمسك به الإباضية ويميزهم عن غيرهم أثر في أدبياتهم أيما تأثير ، وكان الشعر أول تلك الأدبيات تأثرا ، حيث أنه كان وعاء الفكر الذي يحفظه وينقله من جيل إلى جيل ، وهو السلاح الأبقى الذي ينافح فيه عن المذهب ويسجل فيه ملاحمه ومعالمه .
ولهذا نجد شعراء الإباضية منذ تبلورمذهبهم وظهوره على الساحة يوظفون شعرهم في خدمة هذا المذهب ، فإن كان ذلك كما قلنا فلا عجب أن نجد الغافري يتأثر شعره بهذا الفكر، ونجده بين البيت والبيت يشير إلى مبدأ من مبادئه أو أساس من أسسه .
ومن تأثره بالفكر الإباضي استخدامه لمصطلح الشراة في أكثر من موضع في شعره ، وهو مصطلح يطلق على الرجل الذي يبيع نفسه لله من أجل القتال في سبيله ونيل جنته ، ومن تلك المواضع قوله واصفا جهاد العمانيين في غزوة بتة :
ألم تعلمن صنع الشراة ببتة ... ... ... وهو مائة مع نيف عدد نزر (1)
ويقول واصفا الأئمة :
فبورك من وال ولي وبوركت ... ... شراة ابن زهران الغطارفة الزهر (2)
ويقول :
__________
(1) إيقاظ الوسنان - ص 79 . أي هل تعلم ما فعل الشراة وهم جيش الإمام في غزوة بتتة وكان عدد الشراة فيها مئة ونيف .
(2) المرجع السابق ـ ص 80 (1/116)
صفحة 117
فعيشوا شراة المسلمين بمفخر ... ... يزيد اشتهارا زايدا إن مضى شهر (1)
وهو ينصح بالتمسك بالمذهب الإباضي ، ويحذر من اتباع المذاهب الأخرى كالخوارج وغيرها :
كن إباضيا لمحبوب فتى الر ... ... ... حيل قد هبت له ريح الصبا
لا خارجيا لانتحال هجرة ... ... ... ونحو تشريك لألي الدين صبا (2)
كما يوظف شعره في تبيين رأي الإباضية في الجبر والاختيار :
لم يجبر الخالق خلقا على ... ... معصية كلا ولا طاعة
لو كان ذاك لغدا باطلا ... ... جزاء عاصيه ومن طاعه
لكنه بين هذا وذا ... ... مذ شرع الدين إلى الساعة
وكان ذا علم بعاصيه وال ـطائع في اللحظة والساعة (3)
وأما رأي الإباضية في طاعة الإمام فقد وضحه في قوله :
ولم نطع إلا إماما عادلا ... ... في درج الإحسان والتقوى سما
ولم نوال كل جبار يعـ ... ... ــج منه للرحمن أرضا وسما (4)
ويبين منهج الإباضية في التعامل مع الناس ديانة من حيث الولاية والبراءة ، ليس من حيث القتال والسلم فيقول :
وعندنا الناس على ثلاثة ... ... من الصنوف من خسا ومن زكا
من أظهر العدل توليناه لمـ ... ... ـا إن رأيناه بذاك قد زكا
ومن إلينا أظهر الشر برئـ ... ... ـنا منه لما أن عن الرشد لها
__________
(1) المرجع السابق ـ ص 80 . يدعو للمسلمين الشراة بطول العيش .
(2) المرجع السابق ـ ص-112 . وهنا يدعو للمذهب الإباضي ويرفض مذه الخوارج الذين يستحلون دم المسلمين .
(3) إيقاظ الوسنان - ص 166 . المعنى : أن الله لم يجبر الناس على طاعة ولا على معصية ، ولو فعل ذلك لما كان لعقابه وثوابه معنى وحكمة ، ولكن الله يعلم من عباده فعل الطاعة والمعصية دون أن يجبرهم على شيء منها .
(4) المرجع السابق ـ ص 188 .. المعنى : أن مذهبه لا يوالي ويطيع إلا الإمام العادل وأما الجبار فإنهم يتبرؤون منه . (1/117)
صفحة 118
ومن جهلنا نفسه عنه وقفـ ... ... ـنا لا عليه ميلنا ولا لها (1)
... وهكذا نجده في كثير من شعره يبرز فكره الإباضي ويظهر منهجه ، ولعل قصيدته المقصورة حوت كل أسس مباديء الإباضية في العقيدة والسياسة ، وأوضحت أهم الأمور الفقهية التي تميز المذهب الإباضي عن غيره بطريقة غير مباشرة وإنما عن طريق الإشارة والتلميح (2) .
المبحث الثالث : خصائصه الفنية
المطلب الأول :
بناء القصيدة
المطلب الثاني :
الأسلوب
المطلب الثالث :
المعجم الشعري
المطلب الرابع :
المحسنات البديعية
المطلب الأول : بناء القصيدة
بناء القصيدة هي الطريقة التي سلكها القدماء في تأليف أبيات القصيدة ، ذلك أن العلماء في القرون الهجرية الأولى لاحظوا هذا البناء المتراص لبنى القصيدة العربية والتزام الشاعر به ، فوضعوا على أساسه القواعد والأسس التي ينبغي أن يسير عليها الشعراء .
فابن قتيبة يتحدث عن ابتداء الشاعر القصيدة " بذكر الديار ومخاطبة الدمن ، فبكى وشكا واستوقف الرفيق ذاكرا أهلها الظاعنين عنها ، لأن أهل الوبر ينتجعون مساقط الغيث على خلاف ما عليه نازلة المدر ، ثم خلص من ذلك إلى إظهار شدة الوجد وألم الفراق وفرط الصبابة والشوق ليميل نحوه الوجوه ويجتذب الأسماع ، فإذا علم أنه قد استوثق من الإصغاء إليه والاستماع له ، عقب بإيجاب الحقوق ، فرحل في شعره وشكا النصب والسهر وسرى الليل وحر الهجير وإنضاء الراحلة والبعير ، فإذا علم أنه أوجب على صاحبه حق الرجاء ، وقرر ما ناله من المكاره في المسير ، بدأ في المديح فبعثه على المكافأة وهزه للسماح " (3) .
__________
(1) المرجع السابق ـ ص 115 . المعنى : أن الناس عندهم على ثلاثة أصناف / صنف مطيع عادل فهذا يتولى ، وصنف أظهر الشر وعصى فهذا يترأ منه ، وصنف مجهولة حاله فهذا يقفون عنه .
(2) المرجع السابق ـ ص 115
(3) ابن قتيبة ـ الشعر والشعراء - ص 21 . (1/118)
صفحة 119
وقد فصل القدماء في كل جزئية في بناء القصيدة ، فتحدثوا عن مطالع القصيدة فابن الأثير يوضح بأنه "يجب أن يجعل من مطلع الكلام من الشعر أو الرسائل دالا على المعنى المقصود من ذلك الكلام ، إن كان فتحا ففتحا ، وأن كان هناء فهناء ، وإن عزاء فعزاء ، وكذلك يجري الحكم في غير ذلك من المعاني " . (1)
وأما التخلص فهو حسن الانتقال ، والشاعر المجيد هو الذي يحسن الانتقال ، فيغادر موضوعه الأول إلى الذي يليه دون خلل أو انقطاع ، ويجعل معانيه تنساب إلى الموضوع الآخر انسيابا بحيث لا يشعر قارئه بالنقلة ، بل يجد نفسه في موضوع جديد هو استمرار للأول وامتداد له ، وبين الموضوعين تمازج والتئام وانسجام . (2)
وقد أجمع النقاد العرب على وحدة القصيدة العربية ، فالجاحظ يقول : " إن أجود الشعر ما رايته متلاحم الأجزاء ، سهل المخارج ، فتعلم بذلك أنه أفرغ إفراغا واحدا وسبك سبكا واحدا " (3)
ويقصد بسهولة مخارجه حسن انتقاله من معنى إلى معنى ، ومن غرض إلى غرض ، حتى يصبح الشعر وحدة مترابطة . (4)
ويقول ابن طباطبا مؤكدا على ذلك : " وينبغي للشاعر أن يتأمل تأليف شعره وتنسيق أبياته ، ويقف على حسن تجاورها أو قبحها فيلائم بينها ، لتنتظم له معانيها ، ويتصل كلامه فيها ، ولا يجعل بين ما قد ابتدأ وصفه وبين تمامه فصلا من حشو ليس من جنس ما هو فيه" (5)
وإنما سقنا تلك النصوص الكثيرة ليتسنى لنا مقابلة شعر الغافري للقواعد والأسس التي وضعها العلماء لنقد الشعر .
__________
(1) الحسيني - اللواح الخروصي - ونقله من المثل السائر لابن الأثير- ص 188 .
(2) ابن رشيق ـ العمدة في محاسن الشعر وآدابه ـ دار المعرفة ـ بيروت ـ لبنان ـ 1998م .
(3) العمدة ـ ج1 - ص171 .
(4) داوود عطاشة وحسين راضي ـ قضايا النقد العربي قديمها وحديثها ـ الدار العالمية ـ الأردن ـ عمان ط1 ـ ص58 .
(5) ابن طباطبا . عيار الشعر ـ دار الكتب العالمية ـ بيروت ـ 1402هـ ـ ص129 . (1/119)
صفحة 120
فمن حيث الابتداء بالمقدمات الطللية فقد رأينا أن الغافري قد اعتمد عليها في بعض قصائده المديحية ، منها قوله :
منازل سلمى سالمتك الغمائم ... ... وجادك منها راهم (1) ثم ساهم
وأخصب مرعاك الذي كان مجدبا ... ... ورددت الكافات فيك الحمائم
وسر بمرآك الحزين أخو الأسى ... ... وبش لك المرء الذي هو واجم (2)
1- المطالع :-
ينبغي للمطالع أن تكون فخمة ، بعيدة عن التعقيد ، نادرة في اختراعها ، خالية من المآخذ النحوية ، تراعى فيها جودة الألفاظ والمعاني معا ، وأن لا تكون باردة ميتة ، وهذا ما أراده النقاد القدامى . (3)
ولم يكن الغافري يلقي كثير اهتمام لانسجام مطالعه مع غرض القصيدة ، بل كثيرا ما يختلف الغرض عن المطلع ، ومطالعه أكثرها متشابهة ، فهو غالبا ما يبدأ قصائده الطويلة بمقدمة غزلية طللية لا تتجاوز العشرة أبيات ، كمثل قوله :
ألمت خيالا والأنام رقود ... ... وشهب الدياجي للأفول (4) سجود
كأن لم يكن قد حال دون وصولها ... ... سباسب قفر لفلا ونجود (5)
ومثل قوله :
أمن ذكر أطلال بأكناف عرعرا ... ... طللت دما من مقلتيك تحدرا
أأم أم روح أم نحوك هجرها ... ... فراح بأحشاك الجوى (6) وتهجرا (7)
وربما يطيب له أن يبدأها بإلقاء السلام والتحية على المخاطب الممدوح ، كمثل قوله :
سلام كنشر المسك فضت لطائمه ... ... أو الروض جادته صباحا غمائمه
عليك ياابن سيف نجل سلطان خير من ... ... عليه بحمد الله ليثت عمائمه (8)
__________
(1) الرهم : المطر الضعيف .
(2) إيقاظ الوسنان - ص 96 . المعنى : في هذه الأبيات يدعو الشاعر لمنازل سلمى أن يصيبها الغيم وأن تخصب مراعيها ويسر محزونها .
(3) انظر قضايا النقد الأدبي15ـ 52 .
(4) أفل : غاب
(5) إيقاظ الوسنان - ص 62. . المعنى : أن معشوقته زارته في نومه رغم البعد والحجب .
(6) الجوى : الحرقة
(7) إيقاظ الوسنان - ص 77. المعنى : يتسائل الشاعر عن سبب تساقط الدموع هل من تذكر الأطلال أم من ذكر الحب .
(8) إيقاظ الوسنان - ص 103. (1/120)
صفحة 121
وأحيانا يبدأ بمخاطبة النفس والتحدث إليها عن آلامه وآماله :
قالت لي النفس إذ جن الظلام وقد ... ... عامت ببحر من الأفكار مضطرب
ماذا تقول بناس أنت كافلهم ... ... ... كسبا متى ضنت الأنواء (1) بالسحب (2)
وهكذا تختلف مطالع قصائده مع أغراضها في كثير من مدائحه ، وهذه سمة بارزة في شعره إلا أنه قد يصيب المطلع والغرض معا فتظهر براعة الشعر وروعته ، وتبدو فخامته وندرته ، مجودا في ألفاظه ومعانيه ، ومراعيا فواصله ومبادئه ، ومثل هذا يظهر في مجموعة من قصائد المدح وكل قصائد الرثاء ، فمن مطالعه في مدح سلطان بن سيف وتهنئته بانتصاراته :
سما لك النصر والتأييد والظفر ... ... وناب منك العداة الناب والظفر (3)
وأقبلت نحوك البشرى بفتح هدى ... ... لمثله قبل لما يهتدي البشر (4)
ومن ذلك قوله أيضا :
علوت ولقاك المهيمن ما تهوى ... ... وألقي من يشناك (5) في هوة البلوى
فأنت الذي أهدى إلى رق دهرنا ... ... سطور هدى ما اسطاع ماح لها محوا (6)
وقد أجاد في مطلع مرثياته أيضا ، من مثل قوله في الإمام ناصر :
أثأر علينا في الحوادث أم وتر ... ... كفانا رمايا نبل أوتارنا الوتر (7)
لها كلما يوم يعود وليلة ... ... ... قتيل ومكلوم غدا كلمه (8) السبر (9)
__________
(1) الأنواء : ثمانية وعشرون نجما معروفة المطالع .
(2) إيقاظ الوسنان - ص 64 . المعنى : أن نفسه خاطبته وهو في عمق أفكاره فقالت له ماذا تفعل بالناس الذين تكفلهم إذا ضاق عليك الرزق .
(3) الظفر : طويل الأظفار .
(4) إيقاظ الوسنان - ص 80 . المعنى : أن النصر والظفر جاءا إليك سموا ، وأقبلت نحوك البشرى تحمل بشرى الفتح .
(5) يشناك : يبغضك
(6) إيقاظ الوسنان - ص 85 . المعنى : أنك علوت يا إمام وسعيت حتى أعطاك الله ما تريد من فوز ، وأنت يا إمام كتبت للدهر سطورا من النصر لا تمحى .
(7) الوتر: القوس
(8) مكلوم : مجروح .
(9) إيقاظ الوسنان - ص 67 . المعنى : يتسائل الشاعر هل للحوادث ثأر تريده منا ، فهي تأخذ كل يوم وليلة منا قتيل ومجروح . (1/121)
صفحة 122
ومثل قوله في رثاء الإمام بلعرب :
يا معقلا عبث الزمان بأهله ... ... فغدوا أولاة تمزق لا يرقع
أين الذي بك كان ملكا أعظما ... ... كالدهر يخفض ما يشاء ويرفع (1)
2- حسن التخلص :-
أما حسن التخليص فقد عنى به النقاد لما فيه من محافظة على روح الموضوع ونفس القصيدة وانسجامها مع بعضها البعض ، فبحسن التخلص يستطيع الشاعر أن ينقل روح قصيدته من موضوعه الأول إلى الذي يليه دون خلل أو انقطاع ودون أن يشعر القارئ والمستمع بالنقلة .
وكان الغافري مجيدا في سبك قصائده مع تعدد أغراضها أحيانا ، ماهرا في الانتقال من موضوع إلى آخر بانسجام وتواؤم ، وهذا يظهر في كثيرمن قصائده ، حيث يبدو تخلصه من الأسى والحزن وخطوب الدهر ونوائبه إلى مدح الإمام سلطان بن سيف الأول :
ومهما رأيت الدهر ناء بكلكل (2) ... ... عليك وسامتك الحتوف صوارمه
فكن لائذا بالله ثم ابن مالك ... ... ... فلائذه لا تستباح محارمه (3)
وهكذا نجده يحسن التخلص في أغراضه إلى أغراض أخرى رغم تعددها في قصيدة واحدة مثل المقصورة .
3- وحدة القصيدة والموضوع :-
لا يعني اهتمام النقاد العرب بوحدة القصيدة أنهم يرفضون تعدد الأغراض في القصيدة الواحدة وإنما أرادوا به توفير التناسق والارتباط بين أبيات القصيدة ، بحيث تكون متناسقة المعاني لا يشعر السامع أو القارئ بأن هناك انقطاعا بين معاني القصيدة .
" ووحدة القصيدة تقوم على أساس تنمية الشاعر لأقسام القصيدة تنمية عضوية بحيث ينشأ كل جزء من سابقه نشوءا طبيعيا مقنعا ، ويستدعي الجزء الذي يليه استدعاء حتميا ، حتى تتكامل أجزاء القصيدة وتشملها عاطفة واحدة " (4)
وتظهر مهارة الغافري في سبك الأبيات ببعضها سبكا يجعلها كالبناء الكامل المرصوص في مثل قوله في بعض وعظه :
__________
(1) إيقاظ الوسنان - ص 91 . سبق شرحه .
(2) الكلكل من الفرس : ما بين محزمه إلى ما مس الأرض إذا ربض.
(3) إيقاظ الوسنان - ص 83 . سبق شرحه .
(4) قضايا النقد الأدبي قديمها وحديثا ـ 58 . (1/122)
صفحة 123
أزف الرحيل وشدت الأوكار ... ... ودنا السباق وخلف المضمار
والمنتهى يا غر إما جنة ... ... فيها نعيم دائم أو نار
فانهض لأسنى الغايتين مبادرا ... ... فالعمر لاقى ريحه إعصار
حتام تصطحب الغفول وقد حدا ... ... حادي الرحيل وجاءك الإنذار
ما عذر من صحب التصابي بعد ما ... ... قد شاب منه مفرق وعذار (1)
ما عذر من ألف الغواية حالما ... ... ورحى الحمام على الرضيع تدار
يا صاح إنا ركب فلك كلنا ... ... فيه إلى عدن المعاد تجار
بينا بنا نجري بريح طيب ... ... إذ ساق عاصف حبه المقدار
فإذا بنا هذا غريق موبق ... ... ومسلم سمحت به الأقدار
سلم المخف من التجار وأغرقت ... ... أبناءها الأثقال والأوزار
فانظر لنفسك يا أخي فدهرنا ... ... أيامه بالموبقات عشار (2) (3)
وأما وحدة الموضوع فلم يشترطها النقاد إلا أن الغافري التزم بها في أكثر قصائده مع الابتداء في بعضها بمقدمات طللية تقليدا لما كان عليه السابقون ليس إلا . ...
المطلب الثاني : الأسلوب
لكل شعر روح تكمن في سليقة الشاعر ، وتتجلى هذه الروح قائمة من خلال لبنات النظم الأصيل ، التي تنقل أفكار الشاعر ومقاصده إلى المتلقي سواء كانت تلك اللبنات مفردة أو مجتمعة .
والأسلوب عرف في النقد الأدبي بأنه " طريقة اختيار الألفاظ وتأليفها للتعبير بها عن المعاني قصد الإيضاح والتأثير ، أو الضرب من النظم والطريقة فيه " (4)
__________
(1) عذار : هو شعر نابت . المعنى : أن موعد الرحيل من الدنيا اقترب ونهاية الطريق إما لجنة وإما لنار ، فلماذا النغافل عن النهاية والمقصد ، ولماذا تصاحب الغفول العاصي وقد اقترب الأجل ، وما عذر من ظهر على رأسه الشيب وهو ما زال في تصابيه .
(2) عشار : حامل .
(3) إيقاظ الوسنان - ص 149 . المعنى : يشبه الشاعر الناس في الدنيا بقوم ركبوا سفينة متوجهين إلى عدن فإذا بريح عاصف تبغتهم فغرقت السفينة ونجا من الغرق من خف حمله وأعد نفسه ، وهلك من ثقل حمله وغفل .
(4) أحمد الشايب ـ الأسلوب ـ مكتبة النهضة المصرية - القاهرة - ط2: 1990م - ص 44 . (1/123)
صفحة 124
وإذا كان من شأن الألفاظ أن تقع موقعا حسنا في الاستعمال بحيث تكون قوية لا ضعف فيها ، ومناسبة لأداء المعنى المراد ، ولا غرابة فيها ، فإن الناظر إلى شعر الغافري يجد أن بعض ألفاظ الشعر جاءت – تقريبا – متناسقة مع الغرض الذي وضعت له ، من جزالة وفخامة في بعض قصائد المديح والحماسة ، ومن سهولة ورقة في بعض شعر الغزل والشوق والعتاب ، وذلك راجع إلى ما كان له من قدرة لغوية في استخدام الألفاظ العربية والتصرف بها كيفما يريد ، ولولا إصراره على الجمود وتقليد السابقين في المنهج والزخارف لجاءت ألفاظه منساقة مع معاني القصيدة ، متجانسة مع أغراضها .
فإذن نستطيع أن نصف أسلوبه بالإصابة في بعض المواضع وعدم الإصابة في مواضع أخرى بنسبة تكاد تكون سواء .
وهناك مجموعة ليست بالقليلة من القصائد التي أصاب فيها الغافري الغرض بوضع الألفاظ في مواضعها ، منها قوله واصفا فتح الشراة لمدينة ( بتة (1) :
أتوها ضحى والعين تنظر أختها ... ... يؤمهم فتح ويتبعهم نصر
فما ردهم عن أن يجوسوا خلالها ... لقاء ألوف كان ألفها الكفر
بلى دخلوها عنوة جهرية ... ... وبحر الردى من كل ناحية غمر
وأبدوا بها صبر الكرام وكابدوا ... ... أمورا صعابا طعمها مقر مر (2)
فنرى أنه أجاد وصف المعركة حيث استخدم ألفاظا جزلة فخمة مثل ( يؤمهم – يجوسوا – لقاء ألوف – عنوة – جهرية – بحر الردى – غمر – صبر الكرام – كابدوا – صعابا – مر)
وكما أنه أصاب في قوة اللفظ وجزالته عند ذكر الحروب والمعارك فهو أيضا أصاب بسهولة اللفظ وليونته وسلاسة العبارة في شعر الغزل والنسيب من مثل قوله :
يا كاعبا حوراء غرثاء الحشا ... ... ناعمة تعنو لها حسن الدمى
ليس بها شين يرى لكها ... ... بلا سلاح سفكت منا الدمى
وإنها للعالمين فتنة ... ... لذي هوى من الورى وذي تقى (3)
__________
(1) إحدى المن التي الأفريقية التي احتلها البرتغاليون وحرره الإمام سلطان بن سيف .
(2) إيقاظ الوسنان - ص 79 . سبق شرحه .
(3) إيقاظ الوسنان - ص 110. سبق شرحه . (1/124)
صفحة 125
فالألفاظ السهلة السلسة ( كاعب – حوراء – ناعمة – حسن الدمى – بلا سلاح – فتنة – هوى ) والوزن اللطيف ( الكامل ) كل ذلك جاء مناسبا لمعاني الغزل وأغراضه .
ثم أننا لا نغفل ضعف أسلوب الغافري وركاكته في كثير من المواضع لاسيما الإخوانيات وأشعار النصائح والإرشاد ، وذلك كثير في شعره ، منه قوله :
أذن قبيل الفجر يابن تميمنا ... وازعق إذا ما الفجر لاح يقينا
واحذر قبيل الفجر تزعق مرة ... فعسى المهيمن م العذاب يقينا
إن العجائز إن سمعن مناديا ... ... صلت ودرب الاغترار وطينا
مهلا بني الأيام إن طريقنا ... زلق حوى ماء يزل وطينا (1)
فالركاكة ظاهرة والكلمات المستخدمة ليس لها معنى سوى معناها القاموسي وهي نوع من الخطاب التقريري .
وقد أشرنا في مبحث سابق أن شعر اليعاربة يتسم بشيء من الضعف في العاطفة الحماسية في قصائد المدح ووصف المعارك والفتوح التي عاصرها الشعراء أنفسهم ، رغم أن الشعوب كانت تنتظر من يصوغ لها الملاحم الوطنية الاستنهاضية ، ليس من ينسج لها الزخارف اللغوية والبديعية ، وهذه السمة بارزة في بعض أشعاره ، منها قوله في معارك الإمام سلطان بن سيف مع البرتغال :
وبممباسة أذاقهم بأسـ ... ... ــا بئيسا سيئت به الأصنام
ولقد فاز في مفازة منهم ... ... بمفاز زلت به الأزلام
وغزا كلوة بكل كمي ... ... لم يثن منه الغرار انثلام (2)
ولدى زنجبار زمجر فيهم ... ... رعد زجر لم ينج منه اعتصام
__________
(1) إيقاظ الوسنان - ص 167 . في هذه الأبيات يأمر المؤذن أن يأذن بعدما يستيقن من طلوع الفجر ، لأن النساء إذا سمعت الأذان صلت .
(2) إيقاظ الوسنان - ص 72. المعنى ك أن الامام أذاق النصارى بئسا أساءهم في الحرب ، وقد انتصر عليهم في مفازة ، وغزا كلوة ، والتقى بالنصارى في زنجبار . (1/125)
صفحة 126
فقد ملأ تلك الأبيات من الزخارف ما لم تتحمله ، فالجناس في قوله ( بأسا – بئيسا – سيئت ) وفي ( مفازة – فاز – بمفاز ) وفي ( كلوة – كل – كمي ) وفي ( زنجبار – زمجر – زجر ) واضح جلي حال عن ظهور العاطفة الحماسية .
المطلب الثالث : المعجم الشعري
الغافري شاعر تقليدي قح ، فأدواته أدوات تقليدية ، ولكننا لا نعدم من بعض الومضات البراقة من التجديد هنا وهناك .
ولو جئنا إلى لغة الغافري سواء في مفرداتها أو في تراكيبها لوجدناها لغة تقليدية ، فمعجمه الشعري معجم شاعر بدوي تأثر ببيئته وحياته في البادية ، ومن ثم فإن مفردات معجمه التي تشيع في شعره تنتمي إلى تلك البيئة البدوية ، هذا رغم أن الغافري عاشر الأئمة وتولى القضاء والولاية في دولة كانت من أعظم دول العالم آنذاك ، ولعل هذا راجع إلى تأثره بالنزعة التقليدية التي تحتم عليه أن يستخدم الألفاظ الجاهلية البدوية ، حتى تلك السياقات التي تستدعي الألفاظ الحضرية يوظف فيها الألفاظ البدوية بمعان مجازية ، فالغافري لما أراد أن يصف الأسلحة المستخدمة في جيش الإمام وهي ( البنادق والمدافع ) قال :
ولا زلت يا ابن الأكرمين مؤيدا ... ... وضداك وهن أجدع الأنف (1) راغمه
عتادك للأعداء كل مهند ... ... يرد كليلا طرف من هو شائمه
وخطية زرق الأسنة وردها ... ... دم داميات الوجنتين لواطمه
وخالية الأجواف تحشى فتمطر الـ ... ... أعادي سجيلا بطانا (2) حوائمه (3)
فعبر عن البنادق والمدافع بـ: ( المهند – خطية الأسنة – خالية الأجواف ) .
__________
(1) أجدع : مقطوع
(2) بطانا : ممتلئة البطن
(3) إيقاظ الوسنان - ص 84 . المعنى : أنك يا إمام ما زلت مؤيدا وعدوك مخذول راغم الأنف ، وعتادك في الحرب السيوف والبنادق والمدافع . (1/126)
صفحة 127
وأما معجمه في المديح والرثاء ونحوهما فهو المعجم الموروث في إطار هذه الأغراض ، فصفات المدح ( السيادة – الهزبر – البدر – الغيث – الكرم – مهيب – الجود – الحلم – العلم – الفصاحة- السيف – الصارم – الندى – المفخر- البحر – الشجاعة – العظيم – المعالي – الملك – العدل – السلطان )
ومعجمه في الغزل والنسيب كذلك يستخدم فيه المصطلحات التقليدية الموروثة ، إلا أنه كثيرا ما يلجأ إلى الألفاظ الغريبة المتوحشة ، وعبارتها عنده مرتبطة بالوقوف على الأطلال غالبا ، ومن معجمه الغزلي ( الهوى – الرباب – تحدر الدمع – السلو – منازل – الرسم – السحر – الحادي – غزال – الخرد البيض – الربع – الحبيب – عين المحب – القلب – الشجو – العقيق – الوجد – الصب – غرام – النحر – ليالي سلمى – الريم الأغن – جمال – الطيب – الهيام – الملام – الحسن – الثغر )
ومن استخدامه للألفاظ الغريبة قوله :
جاد جودا غضى (1) الغوير (2) الغمام ... ... وهمى (3) فيه هامل (4) ورهام (5)
واعترى مربعا بأكناف وبل ... ... من حيا المزن وابل وسجام (6)
ولدى رامة (7) سقى رسم ربع ... ... تصرع الأسد عنده الآرام (8)
كلما أرزمت (9) مطى نداه ... ... أيداها الإبراق والأرزام (10)
وغوان حلس (11) المعاني حسان ... ... كلَّ (12) عن وصف حسنهن الكلام (13)
__________
(1) لم نجد لها معنى .
(2) الغوير : ماء لبني كلب
(3) همى : سال
(4) هامل : من انهملت السماء أي دام مطرها
(5) الرهم : المطر الضعيف
(6) سجام : المطر
(7) رامة : موضع في البادية
(8) الآرام : ولد الظبي
(9) أرزمت : سوطت واشتد سوطها
(10) الأرزام : الرعد
(11) حلس : كساء
(12) كل : من الإعياء
(13) إيقاظ الوسنان - ص 68 . في هذه الأبيات يقف الشاعر على الأطلال ويرجو لها الغيث والخصب ، ثم يذكرالغواني الحسان التي كانت بها . (1/127)
صفحة 128
فالكلمات ( غضى – الغوير – همى – هامل – رهام – رامة- حيا – سجام - أرزمت – مطى – الأزرام – الإبراق – حلس ) كلمات غريبة قليلة الاستعمال ، لا يستطيع أن يفهم هذه الكلمات إلا بالاستعانة بمعجم لغوي.
وقد أثر في معجمه الشعري مصطلحات الفقه والعقيدة ، فقد أعمل علمه وثقافته الدينية في شعره ، فاستخدم المصطلحات الفقهية كالصلاة والأذان والإقامة والطهر والطلاق والسنة ، وقد جاء ذلك في مثل قوله في الوعظ :
الشيب فهو أذان ... والموت فهو إقامة
ولست صاحب طهر ... فبئس هذه الإقامة (1)
وقوله :
طلق عجوزا المنكرات بتة ... ... ولا تبخر حسن وجه بالتتن (2)
وقد يتخلص الغافري من ألفاظه البدوية إلى العبارات الحضرية والمعاني المدنية ، وذلك يظهر في بعض مقطوعاته من مثل قوله :
على أهل (نزوى) الأكرمين تحية ... ... زرت بدخان العود والعنبر الشحري (3)
تضمنها لفظ يروق يعده ... ... ... حليف الحجى نوعا حلالا من السحر
محلكم يا أهل (نزوى) بهامتي ... وعيني وبين النحر مني والسحر (4)
المطلب الرابع : المحسنات البديعية
البديع لغة : المخترع على غير مثال سابق ،وهو مأخوذ ومشتق من قولهم : بدع الشيء وأبدعه ، اخترعه لا على مثال .
واصطلاحا : هو علم يعرف به الوجوه والمزايا التي تزيد الكلام حسنا وطلاوة ، وتكسوه بهاء ورونقا ، بعد مطابقته لمقتضى الحال ، مع وضوح دلالته على المراد لفظا ومعنى . (5)
__________
(1) إيقاظ الوسنان - ص 172. سبق شرحه .
(2) إيقاظ الوسنان - ص 182.
(3) الشحري : نبات .
(4) إيقاظ الوسنان - ص 210 . سبق شرحه .
(5) الهاشمي . أحمد الهاشمي . جواهر البلاغة في المعاني والبديع ـ دار إحياء التراث ـ لبنان ـ بيروت ـ ط12 ص 360 . (1/128)
صفحة 129
وقد اهتم الغافري بالمحسنات البديعية بأغلب فنونها وأشكالها أيما اهتمام ، فلا تكاد قصيدة من قصائد شعره تخلو من عدة محسنات بديعية ، سواء المعنوية منها أو اللفظية ، بل أن الغافري نفسه يفتخر باستخدام نوعين من أنواع المحسنات ؛ وهما الجناس والتورية بقوله:
لم يمنعني من التجنيس تورية ... ... ولم أجد أحدا قبلي لذاك حوى (1)
وبقوله :
نظم القريض عسير ... ... بلا جناس محلي
لولا سكوني ذراه ... ... كان الحضيض محلي (2)
وهنا في هذا المطلب سنتعرض لبعض هذه المحسنات .
* المحسنات المعنوية
1- التورية :
التورية هي أن يذكر المتكلم لفظا مفردا له معنيان ؛ أحدهما قريب غير مقصود ودلالة اللفظ عليه ظاهرة ، والآخر بعيد مقصود ودلالة اللفظ عليه خفية ، فيتوهم السامع أنه يريد المعنى القريب وهو إنما يريد المعنى البعيد بقرينة تشير إليه ولا تظهره ،وتستره عن غير المتيقظ الفطن . (3)
وذلك مثل قوله :
من يكن وامقا لزرع ونخل ... فأنا لي قلب رهين بنخل (4)
فكلمة ( نخل ) لها معنيان :
الأول : بمعنى شجرة النخيل وهو القريب إلى الذهن .
والثاني : بمعنى ولاية ( نخل ) من ولايات جنوب الباطنة من عمان وهو معنى بعيد قصده الشاعر ولكن ستره بما مهد له من معاني النخيل والزرع .
2- الطباق :
الطباق هو الجمع بين لفظين مقابلين في المعنى ،وهما قد يكونان اسمين أو فعلين ، (5) فالاسمين في قوله :
فم يقرأ القرآن بالسر والعلن ... ... أسخى به يحش دخانا من التتن (6)
فقد طابق بين لفظتي ( السر ) بمعنى الخفاء و ( العلن ) بمعنى المجاهرة
ومن الطباق الاسمي قوله :
__________
(1) إيقاظ الوسنان - ص 54 .
(2) المرجع السابق 54 . سبق شرحه .
(3) الهاشمي ـ مرجع سابق 263 .
(4) إيقاظ الوسنان - ص 225 . أي من كان راغبا في النخل والزرع فأنا راغب محب لبلدة نخل .
(5) الهاشمي ـ المرجع السابق 367 .
(6) المرجع السابق ـ 183 . المعنى : الفم الذي يقرأ القرآن لا ينبغي لصاحبه أن يحشوه بالدخان . (1/129)
صفحة 130
لله مدحي الإخوان لا رهبا ... ... أنظمه فيهم ولا رغبا (1)
فالطباق هنا بين لفظتي ( رهبا ) و ( رغبا ) .
أما الطباق الفعلي فقد جاء في قوله :
مهما أردت دوام صحبة صاحب ... ... فاسمع مقالا من محب ناصح
أظهر محاسنه وغط قبيحه ... ... واشكره في أدنى نوال ناصح (2)
فالطباق بين لفظتي ( أظهر ) و ( غط ) طباق ظاهر جلي .
* المحسنات اللفظية
1- الجناس :
الجناس هو تشابه لفظين في النطق ، واختلافهما في المعنى (3)
وينقسم إلى قسمين : تام وهو ما اتفق فيه اللفظان المتجانسان في أربعة أشياء ، نوع الحروف ،وعددها وههيئاتها الحاصلة من الحركات والسكنات وترتيبها مع اختلاف المعنى.
وناقص وهو ما اختلف فيه اللفظان في واحد أو أكثر من الأربعة السابقة ، ويجب يجب ألا يكون بأكثر من حرف . (4)
وقد بالغ الغافري في استخدام الجناس في شعره كما أشرنا سابقا ، حتى ليكاد يشمل أكثر شعره ، والناظر في شعره يدرك ذلك يقينا ، بل أن أطول قصيدة له وهي المقصورة التزم فيها الغافري بالجناس في كل كلمات قوافيها وهو يقول :
دنوكها مقصورة قد قصرت ... ... فيها حسان الدين والدنيا معا
قد جنست كل قوافيها فلو ... ... ... يسمعها متيم صب سلا (5)
وهو بالتزامه هذا اضطر في كثير من الأحيان إلى وضع الكلمات على غير وضعها الصرفي مثل قوله :
مسمومها فارقه ترياقه فا ... ... روق وجافاه المنام والرقا
سليمها لم يشفه وسم ولا ... ... محجم حجام ولا نفث الرقى (6)
حيث اضطر إلى حذف حرف الدال من كلمة ( الرقاد ) حتى تجانس ( الرقى ) من البيت الثاني ، وهناك أمثلة أخرى .
__________
(1) المرجع السابق ـ ص 193 .
(2) إيقاظ الوسنان - ص 172 . المعنى : إن أردت أن يدوم لك صاحب فلا تظهر له مساوئه بل أظهر له الحسن من خصاله واشكره على كل ما يفعله .
(3) الهاشمي . المرجع السابق ص 396 .
(4) المرجع السابق ص 398 .
(5) إيقاظ الوسنان - ص 131 . سبق شرحها .
(6) إيقاظ الوسنان - ص 110 . (1/130)
صفحة 131
والغافري بارع في استخدام الجناس بكلا نوعيه ، إذ أنه نظم قصائد تنتهي أبياتها جميعا بكلمة واحدة ، ككلمة ( العين ) مثلا استخدمها في تسع وعشرين بيتا بمعان مختلفة :
قل لقال هموع مزن اليدين ... ... قائل في ظلال جمع العين
أشعر الحرص أن شعري مناه ... ... سوف تمنى من المنون بعين
وسيفنى جمع الورى الحتف حي ... ... لا ترى فوق ظاهرها من عين
ليس يبغي على صروف الليالي ... ... من أحاد عين اليقين وعين (1)
وهكذا استمر في باقي الأبيات .
ومن جناسه التام قوله في الوعظ :
أودى المريض اللازم الوساده ... ... ومات من مرضه ( وعاده )
وتلك للدهر الخئون عاده ... ... ... أردى بها ثموده ( وعاده ) (2)
فقد جانس بين لفظتي ( وعاده ) بمعنى زاره في مرضه ، و( وعاده ) بمعنى قوم عاد .
أما الجناس الناقص فهو كثير ومنه قوله :
المرء ضيف وما يحويه عارية ... ... فتلك مردودة والضيف مرتحل
أن يسكت الدهر لا تخدع فشاعره ... ... حقا ينظم نعي الخلق مرتجل (3)
فالجناس الناقص ظاهر في كلمتي ( مرتحل ) و ( مرتجل ) ، الأولى من ( الارتحال ) بمعنى السفر ، والثانية من ( الارتجال ) بمعنى الإلقاء دون تأهب واستعداد. ...
2ـ التشريع :
التشريع أحد المحسنات البديعية المختصة بالوزن والقافية وله مسميات مختلفة ، منها (المتلون ) و ( التوأم ) و ( ذات القوافي ) و منها ( قصائد في قصائد ). (4)
وحقيقته :" أن يبني الشاعر بيته على وزنين عروضيين وقافيتين مختلفتين ، فإذا أسقط جزءا أو جزأين صار ذلك البيت من وزن آخر ، وعلى قافية أخرى ، فيظهر للناظر أن الشاعر قد أتى بشعر جديد ، وهو في الحقيقة على خلاف ذلك ." (5)
وهذا الإسقاط المذكور نوعان :
__________
(1) إيقاظ الوسنان - ص 142 .
(2) إيقاظ الوسنان - ص 172 . أي شفى المريض الذي كان ملازما الوسادة ومات الطبيب الذي عالجه والصديق الذي عاده ، وهذا من طبع الدهر الخؤون .
(3) إيقاظ الوسنان - ص 172 .سبق شرحه .
(4) المسعودي ـ مرجع سابق - ص 98 .
(5) الهاشمي ـ المرجع السابق . (1/131)
صفحة 132
أولهما : أن يكون من آخر الشطر الأول ، وآخر الشطر الثاني .
وثانيهما : أن يكون من آخر الشطر الثاني من البيت فقط ، وهذا ما جاء على نسجه قول الغافري في الوعظ والحكمة :
كم غافل أيامه ... ... يمضي بها هملا سدى
... ... ... ... في مسرح الآصار
مهما بدت فرص الهوى ... ... أهوى لنزهتها يدا
صنع الفراش الناري
أأمنت ويحك يا ردي ... ... الرأي يغتاب الردى
وحوادث الأقدار
هلا اعتبرت بمن إلى ... ... الأحداث راح واغتدى
في سالف الأعصار (1)
2- التشجير والتطريز :
وحقيقة هذا النوع من الشعر أن الناظم ينظم قصيدته بجعل أوائل الحروف في الأبيات تشكل اسما معينا . (2)
وقد يظهر هذا المحسن في قصيدة الغافري السينية ، حيث جعل أوائل الحروف من أبياتها تمثل بترتيبها جملة ( نظم خلف بن سنان ) :
ن ـ نقيم الأماني والمنية تنكس ... ونجلو المغاني والمقادير تطمس
ظ ـ ظننا نهار العمر يبرح مشرقا ... فأظلمه ليل الحمام المعسعس
م ـ مضى أكثر الأعمار والناس غفل ... لديهم من الأغفال بحر قلمس
خ ـ خليق فتى يخشى المنية أن يرى ... مدى عمره غرس التنبه يغرس
ل ـ لهونا لعمر الله حتى كأننا ... بنا من لقاء الموت شك مدمس
ف ـ فأين أبونا آدم وابن آزر ... وأين ابن داود النبي المرأس
ب ـ بدا لهم من مضجع التراب ما بدا ... لسيدنا المختار ساعة يرمس
ن ـ نعى موتهم حقا إلى الكل نفسه ... ... ففي وجل منه الهزبر المضرس
س ـ سواء على الأيام ميتة خامل ... ومن لمعاليه البرية تسلس
ن ـ نأى أملا منا الحمام وقد دنا ... ... وقوعا فما هذا الغفول المدنس
أ ـ إليك فخذها هاديا لك بدؤها ... ... لأسمى فلا يدخلك لبس ملبس
__________
(1) إيقاظ الوسنان - ص 137 . المعنى : كم فتى غفل في حياته فيمضي فيها بلا وعي ولا حذر ، وإن واته فرصة للتوبة والرجوع يأبى كالفراش الذي يلقي بنفسه في النار ، ثم يدعوه للاعتبار بمن مضى بالأحداث الفئتة .
(2) المسعودي ـ المرجع السابق 98 . (1/132)
صفحة 133
ن- نهاني الذكا من فضل ربي أن أرى بليدا لأسمال الفهامة ألبس (1)
... الخاتمة
في هذه الدراسة إبنا إلى الوراء قرونا طويلة , التقينا فيها بدولة اليعاربة ، وتعايشنا معها وعلى أحداثها طيلة قرن من الزمان ، وتعرفنا عندها على العلماء والشعراء ، ثم توقفنا عند الشيخ خلف بن سنان الغافري فأقرأنا من شعره فأعجبنا ، ثم رحنا ندرس شعره وشخصه ونحلل منه ما ساغ لنا تحليله حتى خرجنا بعد ذلك بعدة نتائج أهمها :
ـ أن الحياة السياسية في عصره كانت تصادما بين فريقين فريق العمانيين المتمثل في دولة اليعاربة ، وفريق البرتغال الذين جاؤوا محتلين مستعمرين ، وكان هذا التصادم ناتجا عن ثورة وطنية عارمة انطلقت من مدينة (الرستاق) بحركة الشيخ خميس الشقصي والعلماء بعد تولية ناصر بن مرشد إماما على المسلمين . ثم نتج عن هذا التصادم انتصار الدولة العمانية واسيطرتها على اللأقاليم البحرية من الهند وحتى شرق أفريقيا .
ـ كانت الحياة الاجتماعية في عصره تميل إلى الاستقرار والهدوء بفضل ما وصلت إليه الدولة آنذاك من تقدم في جميع المجالات السياسية والاقتصادية والعلمية .
ـ ازدحمت تلك الفترة بالعلماء المجتهدين العاملين ، وانتشر العلم إلى أبعد حدود وشمل جميع الفنون منها الطب والهندسة والتاريخ وغير ذلك .
ـ ولد الشيخ خلف حوالي عام ألف للهجرة في (الرستاق) من أب غافري وأم عبرية ، ولم يولد في (نزوى) كما زعم بعض المؤرخين .
ـ واتضح أنه انتقل بعد ذلك إلى عدة مناطق منها المناطق المجاورة في (الرستاق) ، وانتقل إلى عبري ثم (نزوى) وجبرين .
ـ وتبين لنا فيه أنه كون أسرة له شملت زوجين وبنات وعدة أبناء لم نعرف عددهم ، و قد امتلك أمة اشتراها ، وله خادم وبيدار يساعدانه في قضاء أعماله .
__________
(1) إيقاظ الوسنان - ص 131 . سبق شرح هذه القصيدة . (1/133)
صفحة 134
ـ وكما تبين أن الشيخ كانت له علاقات قوية مع أئمة اليعاربة لا سيما الإمام سلطان بن سيف حتى سلطان بن سيف الثاني ، وقد ارتبط الشيخ بعلماء عصره أمثال ابن عبيدان والزاملي ، وكانت له علاقات معهم وقويت اواصر المودة ، واستمرت بينهم الرسائل الشعرية والنثرية .
ـ وتبين لي من هذا البحث أن الشيخ خلف اتصف بصفات علمية أهلته ليكون أحد أقطاب الفتوى في دولة اليعاربة فكان عالما بالفقة والعقيدة واللغة العربية والتاريخ والطب والفلك وغيرها من العلوم ، وكان من أسباب بروز الشيخ خلف علميا ، وجود مكتبة التي حوت تسعة الآف كتاب ، ومدارس القرآن في صغره ، والنهضة العلمية .
ـ اتضح أن من صفاته الخلقية والخلقية أنه كان أعرجا لعله أصابه في رجله في عهد الإمام سلطان بن سيف الاول وقد توفي ـ رحمه الله ـ في عهد الإمام سلطان بن سيف الثاني ، عن عمر يناهز التسعين .
ـ وفي دراسة شعره تبين لنا عدة أمور منها أنه تطرق إلى عدة مواضيع واتجاهات ، ومنها اتجاهات الديني والاتجاه الاجتماعي والتقليدي .
وفي الاتجاه التقليدي تعرض للمديح وشمل أكثر شعره ، والغزل ، والرثاء وغيرها ، وفي الديني تعرض للزهد والوعظ والإرشاد والمسائل الفقهية ، وفي الإجتماعي تعرض للإخوانيات والنصائح والحكم .
ـ وقد ظهر من هذا البحث أن شعره تأثر بمجموعة من المؤثرات كالقرآن الكريم والسنة النبوية ، والثقافة العربية ، والنزعة التقليدية ، والنزعة المذهبية .
ـ وفي الخصائص الفنية رأينا في شعره أنه كثيرا ما يعتمد على البناء التقليدي في القصيدة من حيث الابتداء بالمقدمة الطللية غالبا وقد تتعد أغراضه في الفصيدة الواحدة وقد تتفق .
ـ وأما أسلوبه فقد اتسم بالتقليد والإلحاح في استخدام الزخارف البديعية ، حتى أرهقت شعره وأضعفت روحه وعاطفته ، رغم أنه قد يجيد في استخدام الألفاظ والعبارات المناسبة للأغراض المناسبة . (1/134)
صفحة 135
ـ وتبين لنا من استقراء شعره أن معجمه الشعري يميل إلى البداوة واستخدام الألفاظ الغريبة في المدح وما شابهه ، وإلى استخدام الألفاظ الركيكة التقريرية في الإخوانيات والنصائح .
ـ كما رأينا في هذا البحث أن الشيخ خلف استخدم فنونا متوعة من فنون المحسنات البديعية سواء المعنوية منها أو اللفظية ، فقد استخدم الطباق والتورية ، أو ضرب الأمثال والجناس بأنواعه ، وأكثر منه ، والتشريع والتشجير وغيرها .
وفي الختام لا يسعنا إلا أن نسأل الله تعالى أن يجعل هذا العمل في ميزان حسناتنا وأن يجعله خالصا لوجهه الكريم .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
المصادر والمراجع
1- ابن خلكان : أبي العباس أحمد بن محمد بن أبي بكر بن خلكان
ـ وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان – دار إحياء التراث العربي – بيروت – الطبعة الأولى : 1417هـ / 1997م .
2- ابن دريد : أبو بكر
ـ ديوان ابن دريد – دار الكتاب العربي – بيروت – 1995 – الطبعة الأولى .
3- ابن رزيق : حميد بن محمد
ـ الفتح المبين في سيرة السادة البوسعيديين المرجع – وزارة التراث القومي والثقافة – الطبعة الثالثة .
ـ الشعاع الشائع باللمعان في ذكر أئمة عمان – وزارة التراث القومي والثقافة – سلطنة عمان – 1405هـ / 1984 م – ص 256 .
4- ابن رشيق
ـ العمدة في محاسن الشعر وآدابه ـ دار المعرفة ـ بيروت ـ لبنان ـ 1998م .
5- ابن طباطبا
ـ عيار الشعر ـ دار الكتب العالمية ـ بيروت ـ 1402هـ ـ ص129 .
6- ابن قتيبة : أبو محمد عبدالله بن محمد الدينوري
ـ الشعر والشعراء ، دار الكتب العلمية ـ بيروت ، لبنان ، الطبعة الثانية .
7- ابن منظور جمال الدين محمد بن مكرم
ـ لسان العرب ، دار صادر بيروت لبنان ، الطبعة الأولى ، 2001 م .
أبو مسلم : ناصر بن سالم بن عديم الرواحي
ـ ديوان أبي مسلم ـ دار المختار . لم تذكر تفاصيل الطبعة .
8- الأزكوي ، سرحان بن سعيد (1/135)
صفحة 136
ـ كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة ، وزارة التراث القومي والثقافة - سلطنة عمان .
9- أحمد أمين
ـ النقد الأدبي - دار الكتاب العربي - بيروت – لبنان - الطبعة الأولى .
10- أحمد الشايب
ـ الأسلوب ، مكتبة النهضة المصرية القاهرة 1990 ، الطبعة الثامنة .
11- أحمد غرت راجح
ـ أصول علم النفس ، دار المعارف ، القاهرة الطبعة الحادية عشرة 1979 م .
12- البطاشي ، سيف بن حمود بن حامد
ـ إتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عمان ، مكتب مستشار جلالة السلطان للشؤون الدينية والتاريخية ، الطبعة الأولى .
ـ إيقاظ الوسنان في ترجمة وشعر الشيخ خلف بن سنان – مكتب مستشار جلالة السلطان للشؤون الدينية والتاريخية ، الطبعة الأولى .
ـ الطالع السعيد نبذ من تاريخ الإمام أحمد بن سعيد – مطبعة عمان ومكتبتها المحدودة – الطبعة الأولى : 19997م / 1417هـ .
13- البوسعيدي ، سلطان بن حمود بن حارب
ـ الشيخ خميس ين سعيد الشقصي حيانه وآثاره – معهد العلوم الشرعية ( بحث تخرج ) 1423ه ـ / 2002 م .
14- جامعة السلطان قابوس
ـ دليل أعلام عمان – موسوعة السلطان قابوس لأسماء العرب – جامعة السلطان قابوس – مكتبة لبنان .
15- الجرجاني : علي بن محمد بن علي
– التعريفات – دار الكتاب العربي – بيروت – الطبعة الثانية : 1992م .
16- ج .ج لوريمر
ـ دليل الخليج – مطابع علي بن علي – قطر -
17- الحبسي ، راشد بن خميس
ـ ديوان الحبسي – وزارة التراث القومي والثقافة – سلطنة عمان
18- الحسيني ، راشد بن حمد بن هاشل
ـ اللواح الخروصي سالم بن غسان حياته وشعره – مطابع النهضة – سلطنة عمان – الطبعة الأولى : 1417 هـ / 1997م .
19- الخراسيني ، عبدالله بن محمد
– فواكه العلوم في طاعة الحي القيوم – وزارة التراث القومي والثقافة – سلطنة عمان – الطبعة الأولى .
20- الخطيب القزويني ،
ـ شرح ديوان أبي تمام – دار الكتاب العربي – بيروت – الطبعة الأولى : 1992م . (1/136)
صفحة 137
21- الرازي ، أبوبكر محمد بن أبي بكر
ـ مختار الصحاح ـ مكتبة لبنان ـ 1996 م .
22- الربيع بن حبيب الفراهيدي
ـ مسند الإمام الربيع –
23- السالمي ، عبدالله بن حميد بن سلوم
ـ تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان – مكتبة الإستقامة - 1417هـ / 1997م .
24- الستالي ، أحمد بن سعيد الخروصي
ديوان الستالي – وزارة التراث القومي والثقافة - الطبعة الثانية
25- السعدي ، فهد بن علي بن هاشل
ـ معجم أعلام شعراء الإباضية ( قسم المشرق ) – مرقوم - 1424هـ / 2003م .
26- السكري ، أبو سعيد الحسن بن الحسين
ـ شرح أشعار الهذليين – دار المعرفة – لا توجد طبعة .
27- السيابي ، سالم بن حمود بن شامس
ـ إسعاف الأعيان في أنساب أهل عمان – منشورات المكتب الإسلامي – عمان عبر التاريخ – وزارة القومي والثقافة – الطبعة الثانية :1406 هـ / 1986م .
ـ العنوان عن تاريخ عمان .
ـ عمان عبر التاريخ ـ وزارة التراث القومي والثقافة ـ الطبع الرابعة ـ .
28- الشقصي ، خميس بن سعيد
ـ منهج الطالبين وبلاغ الراغبين – وزارة التراث القومي والثقافة – سلطنة عمان
29- الشيبة ، محمد بن عبدالله بن حميد
ـ نهضة الأعيان بحرية أهل عمان .
30- عائشة السيار
ـ دولة اليعاربة عمان وشرق أفريقيا – دار القدس – الطبعة الثانية
31- العكبري ، أبو البقاء
ـ شرح ديوان ابي الطيب المتنبي – دار المعرفة – بيروت – لبنان
32- علي عبدالخالق علي
ـ الشعر العماني مقوماته واتجاهاته وخصائصه الفنية – دار المعارف – مصر
33- الفيروزأبادي ، محمد بن يعقوب
ـ القاموس المحيط – دار الفكر – الطبعة الأولى : 1424هـ / 2003م .
34- كامل ، كامل سلمان الجبوري
ـ معجم الشعراء من العصر الجاهلي إلى سنة 2002 م
35- المحليوي ، سالم بن خميس بن سالم
ـ فواكه البستان الهادي إلى طريق طاعة الرحمن – وزارة التراث القومي والثقافة – سلطنة عمان -
36- المسعودي ، عيسى بن عيسى بن سعيد (1/137)
صفحة 138
– المحسنات البديعية في شعر الشيخ خلف بن سنان – معهد العلوم الشرعية ( بحث تخرج ) .
37- مطاشة ، حيسن راضي , داوود عطاشة
ـ قضايا في النقد الأدبي قديمها وحديثها ـ الدار العلمية ـ عمان ـ الأردن ـ .
38- المنتدى الأدبي
ـ (الرستاق) عبر التاريخ – لم يذكر رقم الطبعة .
ـ عبري عبر التاريخ – الطبعة الثانية : 1423هـ / 2002م .
39- وزارة الإعلام
ـ مسيرة الخير ( الباطنة – الداخلية – الظاهرة )
ـ عمان في التاريخ - المطابع الذهبية - روي – سلطنة عمان .
40- وندل فيلس
ـ تاريخ عمان –ترجمة محمد أمين – وزارة التراث القومي والثقافة – الطبعة ألولى : 1401هـ / 1981م .
الفهرس
م ... الموضوع ... الصفحة
1 ... مقدمة ... 1
2 ... الفصل الأول : الأحوال السياسية والاجتماعية والعلمية ... 4
3 ... المبحث الأول : الحالة السياسية ... 5
4 ... المبحث الثاني :الحالة الاجتماعية ... 10
5 ... المبحث الثالث : الحالة العلمية ... 13
6 ... الفصل الثاني :حياته ... 16
7 ... المبحث الأول : حياته الشخصية ... 17
8 ... المطلب الأول : اسمه ونسبه ... 18
9 ... المطلب الثاني : مولده ونشأته ... 21
10 ... المطلب الثالث : وطنه ... 23
11 ... المطلب الرابع : وفاته ... 25
12 ... المبحث الثاني : حياته الاجتماعية ... 27
13 ... المطلب الأول : أسرته ... 28
14 ... المطلب الثاني : تنقلاته ... 32
15 ... المطلب الثالث : علاقاته ... 35
16 ... المبحث الثالث : حياته العلمية ... 48
17 ... المطلب الأول : صفاته العلمية ... 49
18 ... المطلب الثاني : صفاته الخَلْقية والخُلُقية ... 57
19 ... المطلب الثالث : العوامل المؤثرة في تكوينه العلمي ... 64
20 ... المطلب الرابع : إنتاجه العلمي ... 69
21 ... الفصل الثالث : شعره ... 72
22 ... المبحث الأول : اتجاهاته ... 73
23 ... المطلب الأول : الاتجاه التقليدي ... 74
24 ... المطلب الثاني : الاتجاه الاجتماعي ... 83
25 ... المبحث الثاني : المؤثرات في شعره ... 90
26 ... المطلب الأول :القرآن الكريم ... 91
27 ... المطلب الثاني : الحديث الشريف ... 94
28 ... المطلب الثالث : الشعر العربي ... 95
29 ... المطلب الرابع : النزعة التقليدية ... 98 (1/138)
صفحة 139
30 ... المطلب الخامس : النزعة المذهبية ... 100
31 ... المبحث الثالث : خصائصه الفنية ... 102
32 ... المطلب الأول : بناء القصيدة ... 103
33 ... المطلب الثاني : الأسلوب ... 108
34 ... المطلب الثالث : المعجم الشعري ... 110
35 ... المطلب الرابع : المحسنات البديعية ... 112
36 ... الخاتمة ... 117
37 ... قائمة المصادر والمراجع ... 119 (1/139)