صفحة 1
بحث: روح التحدي في صحافة الشيخ أبي اليقظان
الباحث: محمد بن صالح حمدي
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الخامس (1230 عنوان): ربيع الثاني 1438هـ / جانفي (يناير) 2017م (قرص مضغوط) بسم الله الرحمن الرحيم
روح التحدي في صحافة الشيخ أبي اليقظان
مقدمة: إن شخصية الشيخ أبي اليقظان متعددة الجوانب كثيرة الاهتمامات، حمل هموم أمته و عايش قضاياها، متفاعل معها، سعى لمعالجة أدوائها و تقديم حلول علاجها، وأفنى عصارة عمره متعلما و معلما و مربيا و أدبيا و شاعرا ومفكرا و صحافيا مقتدرا، مسخرا جهوده كله من أجل نهضة أمته الميزابية و الجزائرية و الإسلامية، خاصة وقد عائش عصر انحطاط هذه الأمة فكريا و سلوكيا وماديا، والاستعمار يفعل أفاعيله، ويتففن في أساليب التجهيل و التفريق. فلم يرض بهذا الواقع المرير، فثار على أوضاع الاستعمار و الجهل و التزمت و التعصب، موجها كل إمكاناته في سبيل تحقيق التغيير المنشود.
لقد أدرك الشيخ أن تلك المواجهة المتعددة تحتاج إلى إيمان راسخ و صبر سابغ و إرادة فلادية، فتسلح بها متوكلا على مولاه العلي القدير مستعينا به في أداء رسالته رافعا شعار التحدي في كل مراحل حياته و أطوارها في نشأته و تعلمه داخل الجزائر و خارجها، و في رئاسته للبعثات العلمية، وفي ميدان الصحافة و إدارة مطبعته و أثناء تفرغه للتأليف و الدعوة، وفي مواجهته للمرض الذي أصيب به في آخر حياته مؤمنا محتسبا راضيا.
فما هو مفهوم التحدي من الناحية النفسية، فكيف تكونت روح التحدي في حياة الشيخ كلها، وكيف استطاع بهذه الروح أن يصمد في ميدان الصحافة كل تلك المدة، رغم العقبات و الأزمات التي واجهت صحافة الشيخ أبا اليقظان؟ وهذا ما تتناوله هذه الورقة موزعة على هذه المباحث:
المبحث الأول: مفهوم التحدي و علاقته بالذكاء الوجداني عند الإنسان
المبحث الثاني: تكون روح التحدي في حياة الشيخ أبي اليقظان
المبحث الثالث: العقبات و الأزمات التي واجهتها صحافة أبي اليقظان (1/1)
صفحة 2
المبحث الرابع:
المبحث الخامس:
خاتمة
المبحث الأول: مفهوم التحدي و علاقته بالذكاء الوجداني عند الإنسان
خلق الله تبارك و تعالى الإنسان و استخلفه على الأرض لأداء رسالته و زوده بالعقل و بالنفس التي تحمل مشاعره و عواطفه، ومن حكمته تبارك و تعالى أن أعطى الإنسان نوعين من الذكاء: العقل الطبيعي الذي هو هبة إلهية يتفاوت فيه الناس و ذكاء عاطفي هو من كسب الإنسان، ومن رحمته تعالى أن جعل نجاح الإنسان و سعادته يقوم على ذكاءه العاطفي، فكثير من الناس يتمتعون بذكاء طبيعي خارق غير أنه لا يحقق سعادته لكونه أخفق في التوازن في علاقاته و عواطفه، في حين أن الناجحين في حياتهم و السعداء استطاعوا أن يحققوا أهدافهم رغم أن نصيبهم من الذكاء الطبيعي كان عاديا، إلا أنهم كانوا يتمتعون بذكاء عاطفي قوي تكون و نمى على طول مراحل حياتهم. فما هو الذكاء العاطفي و أثره في سعادة الإنسان؟
يعرف علماء النفس الذكاء العاطفي بأنه يعبر عن قدرة الإنسان على التعامل مع عواطفه، بحيث يحقق أكبر قدر ممكن من السعادة لنفسه و لمن حوله (1)، إن الإنسان ذكي عاطفيا لا يتجاهل عواطفه و لا يكبتها، وإنما يفهمها و يتعامل معها بطريقة إيجابية خلاقة، ولقد هيأ الله للإنسان المسلم من خلال عقيدة التوحيد و الإيمان بالقضاء و القدر وأن كل شيء بإرادة الله و مشيئته ما يجعله مطمئنا هادئ النفس واثق الخطوة، وهو يأخذ بالأسباب و يتوكل على مولاه العلي القدير، فلا يمكن أن توتره إي مشكلة توترا زائدا عن اللزوم، لأنه على يقين أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه، إن الزاوية التي ينظر منها المسلم إلى الأمور تجعله أذكى الناس عاطفيا و أكثرهم قدرة على تجاوز المشاعر السلبية و توليد المشاعر الإيجابية في نفسه ومن حوله
__________
(1) ياسر العيسي: الذكاء العاطفي، دار الفكر، دمشق، ط:3، س: 2005، ص:18 (1/2)
صفحة 3
وهناك أمر هام ينبغي الالتفات إليه في استخدام الذكاء العاطفي لتحقيق السعادة و النجاح في الحياة الإنسانية أن نأخذ بعين الاعتبار الأمور التالية:
1 - لكل شيء ثمن، فلا يمكن للإنسان أن يحقق تغييرا دون أن يدفع جهدا نفسيا
2 - التغيير مؤلم في البداية و لكنه يحقق سعادة كبيرة في النهاية
3 - النكسات في مرحلة التغيير ليست فشلا
بعد هذه الجولة في النفس الإنسانية نحاول أن نسقط ذلك على شخصية الشيخ أبي اليقظان الذي كان يتمتع بذكاء عاطفي قوي مكنه من اقتحام
الصلابة النفسية عند الشيخ أبي اليقظان:
لقد تميزت شخصية الشيخ بالصلابة النفسية التي استطاع بفضلها أن يواجه العقبات و يقاوم العراقيل التي وفقت أمام تحقيق رسالته في الحياة و لولا هذه الخاصية التي صبغت حياته لما استطاع يصمد أمام الأعاصير و يصارع الأمواج العاتية في لجة حياته، فما هي الصلابة النفسية و أهميتها في حياة الإنسان.
لا يمكن وصف شيء بأنه صلب إلا إذا اختبر تحت الضغط و الشدة، (1) فإذا أبدى مقاومة و تماسكا وصفناه بأنه صلب، وكذا الأمر في المجال النفسي، فقد ارتبطت الصلابة بالضغوط و الشدائد التي يتعرض لها الإنسان. فالحقيقة أن التعرض للضغوط أمر حتمي لا مفر منه، فواقع الحياة محفوف بالمخاطر و الصعوبات و أشكال الفشل و النكسات، فالضغوط ظاهرة إنسانية تعتري الإنسان في أوقات و مواقف.
__________
(1) د: أحمد بن سعد، الصلابة النفسية: المفهوم و المتعلقات، دراسات، مجلة دورية محكمة، جامعة عمار الثليجي، الأغواط، العدد 21، أوت 2012، ص:37 (1/3)
صفحة 4
فقد بيّن الله تبارك و تعالى هذه الحقيقة في القرآن وأقسم بأفضل خلقه و أقدس بقعة في وجه البسيطة على هذه الحقيقة {لاأقسم بهذا البلد و أنت حل بهذا البلد و والد وما ولد لقد خلقنا الإنسان في كبد} [البلد:1]
و إذا كانت الصلابة النفسية لا تظهر إلا في إطار الضغوط، فإن معناها في هذا السياق يحيل إلى الاعتقاد العام للفرد في فاعليته و قدرته في استخدام كل المصادر النفسية و الاجتماعية المتاحة، ويواجه بفعالية أحداث الحياة الضاغطة، وهذا ما استطاع الشيخ أبو اليقظان أن يدركه و يوظف طاقته في مواجهة مختلف الضغوط التي تعرض لها
وقبل التعرض للضغوط و العقبات التي واجهها الشيخ نلقي نظرة سريعة على أبعاد الصلابة النفسية.
أبعاد الصلابة النفسية (1)
لقد حدد علماء النفس خصائص الصلابة النفسية في أبعاد ثلاثة:
الالتزام: وهو نوع من التعاقد النفسي يلتزم به الفرد تجاه نفسه و قيمه و الآخرين من حوله.
التحكم: مدى اعتقاد الفرد بأنه بإمكانه أن يكون له تحكم فيما يلقاه من أحداث، وتحمل المسؤولية الشخصية عما يحدث له، و القدرة على اتخاذ القرارات و القدرة على المواجهة الفعالة للضغوط.
التحدي: اعتقاد الفرد أن ما يطرأ من تغيير في جوانب حياته هو أمر مثير و ضروري أكثر من كونه تهديدا له، مما يساعده على الإبداع و الابتكار و معرفة قدراته النفسية و الاجتماعية التي تساعده على المواجهة.
الصبر: (2) يضيف الباحثون النفسانيون المسلمون بعدا رابعا للصلابة النفسية وهو الصبر الذي يمد الإنسان بطاقة تعينه على تحمل الأحداث المؤلمة و مواجهة الشدائد برباطة جأش و تقبلها و التكيف
__________
(1) المرجع السابق، ص:37
(2) زينب نوفل أحمد راضي، الصلابة النفسية لدى أمهات شهداء الأقصى، ماجستير، الجامعة الإسلامية، غزة، 1429/ 2008، ص:23 (1/4)
صفحة 5
معها، ويعرف: بأنه قدرة الفرد على تحمل الابتلاء و تقبله بنفس مطمئنة راضية بقضاء الله و قدره و عدم الندم على ما فات و قطع دابر التشاءم.
مكونات الصلابة النفسية عند الشيخ
إن النشأة الأسرية و البيئة الاجتماعية التي عاشها الشيخ سمحت له بتكون هذه الصلابة و نموها عبر محطات، فقد ورث عن أبيه رغم فقره وقلة ذات يديه
وكانت لنشأته الاجتماعية مارس الفلاحة هذه المهنة التي تتطلب البذل الجهد العضلي المضني و الانتظار الطويل من أجل جني الثمار، وتحمل مشقة نضح المياه من أعماق الآبار، وتسلق النخيل الباسقات ثلاث مرات على الأقل في الموسم الفلاحي، لقد نشأ الشاب إبراهيم فلاحا من الطراز الأول.
وقد أحسن الدكتور محمد ناصر إجلاء هذه الحرفة الشريفة التي نشأ عليها الشيخ و التي كانت مهنة أغلب شباب القرارة حينئذ، فيقول واصفا أياه و هو يحمل منجلا طويلا و يلقي على كتفه منديلا عريضا:" أن الشيخ يقضي صباحه في (الغابة) حيث يملك نخلات يقوم بنفسه على تأبيرها و جذّ ثمارها، ... فهو رياضي قوي الجسم متين الأركان يستطيع تسلق النخيل ببراعة وخفة و ليس في نخيل القرارة نخلة تستعصي عليه مهما طالت في عنان السماء. (1)
لقد ساهمت هذه النشأة في نمو الصلابة النفسية عند الشيخ
الضغوط التي تعرض لها الشيخ في حياته
(أ) مرحلة النشأة و التكون و التعليم
__________
(1) محمد ناصر، مشائخي كما عرفتهم، مرجع سابق، ص:62 (1/5)
صفحة 6
لو تتبعنا حياة الشيخ – رحمه الله لألفيناها عقبات و ضغوط و نكسات فواجهها بإيمان قوي و إرادة قوية ونفسية صلبة. (1)
فأول عقبة أنه نشأ يتيما فقد تركه والده ولم يتجاوز عامه الأول فنشأ ربينا بعد أن تزوجت والدته برجل فقير، توفي هو الآخر بمدة قصيرة
قلة ذات اليد فلم يجد حتى أدوات المدرسية البسيطة آنذاك، فكان يتدرب على كتابة الحروف على كثبان الرمال، إلى أن عثر في تركة أبيه على "لوح" فصار يكتب عليه بالصمغ
كما أنه شغفه بحب العلم لم يجد من يرافقه إلى الكُتّاب دون مرافقة ولي قاصدا دار الشيخ الحاج عمر بن يحي، طالبا منه أن ينضم إلى حلقة علمه
الحالة المادية التعسة لأسرته استلزمت دعوة والدته، تحت طائلة الاحتجاج، للانقطاع عن التعليم واقتحام العمل الفلاحي أو السفر من أجل التكفل بإعالة الأسرة مما اضطر أبو اليقظان للجمع بين العمل الشاق و مزاولة التعلم
فكر في الاستزادة من العلم بعد أن استوعب علوم شيخه ميمنا شطر معهد القطب، الشيخ اطفيش- رحمه الله- لكن الظروف المادية وهو مقبل على الإعداد لإحصان نفسه حالت دون ذلك، فأشار عليه وكيله بالسفر إلى التل للعمل، فكانت وجهته نحو مدينة باتنة
اكتشف إبراهيم في باتنة أنه ليس من أهل المادة و المال و إنما هو للعلم ونشر القيم، فقفل راجعا إلى حضنه و شيخه ثم وجهه نحو معهد القطب.
وبين يدي الشيخ أطفيش شعر الطالب إبراهيم و كأن قطار العلم كاد أن يتجاوزه بعد الانقطاع عن التعلم لما يقرب من سنة، فأخضعه للتجربة ليمحص مدى إرادته و حرصه على طلب العلم، هو شرط أساسي لقبول طلبته في حلقات الدراسة، نجح إبراهيم في امتحانه وقربه إليه شيخه لما أدرك منه صدق النية و العزيمة، فأصبح من أعز طلبته يحضره إلى مجالسه الخاصة و العامة و في أسفاره و تنقلاته.
__________
(1) أحمد فرصوص، الشيخ أبو اليقظان كما عرفته، دار البعث، قسنطينة، ص: 16 (1/6)
صفحة 7
أحس الطالب الطموح أنه لم يشبع نهمه في طلب العلم، فأحب أن يتفتح على الفضاء العلمي الواسع في المشرق الإسلامي، غير أن ظروفه المادية لا تسمح له بذلك، وراءه عائلة يرعاها والسفر خارج البلد يتطلب أموالا لا يملكها، غير إن روح التحدي التي تملأ جوانحه هدته إلى يتفق مع شخص ليؤدي عنه حجة إلى البقاع المقدسة وسلم له نصف المبلغ و الشطر الثاني يستلمه في القاهرة بعد العودة ليستعين به على مزاولة دراسته، حط بالبقاع المقدسة و أدى مناسك الحج و العمرة و قام بزيارة مدينة الحبيب المصطفى، غير أن الرياح تجري بما لا يشتهي السفن، فلم يتمكن من تحقيق حلمه بالتوجه إلى القاهرة، بسبب الضائقة المالية، مع ملاحقة السلطات الفرنسية، مما اضطر للعودة إلى بلاده عن طريق الشام إلى تركيا فطرابلس إلى الجزائر منتحلا جنسية رجل مغربي للفرار من ملاحقة قانون الخروج بدون رخصة، فنجى بهذه الحيلة، ونفسه تملأ حسرة على عدم تحقيق طموحه على الرغم أنه وفق في زيارة البقاع المقدسة
إن فشله في التجربة الأولى لم تثنه عن عزمه للكرة ثانية في محاولة أخرى، و هذه المرة نحو تونس الخضراء، حيث ترأس أول بعثة علمية ميزابية لتلك الربوع، فقام بشؤونها و تعهدها بالرعاية إلى جانب مواصلة دراسته في جامعاتها و معاهدها. مما يدل على إصراره و عناده وتشبثه بتحقيق آماله
وفي تونس وهو يقوم بتربية النشء هو و رفقاء دربه و يكرع من معين العلم واجه عقبة و تحديا جديدا و هو صدًى الصراع القائم بين أنصار الحركة الإصلاحية و المعارضين لها الذين يرون أن إرسال البعثات العلمية بدعة تتنافى مع المبادئ و القيم و أن القائمين عليها يشغلون بالسياسية و يهملون واجب التربية و التوجيه. فتصدى الشيخ أبو اليقظان لهذه الزوبعة بقلمه و حرر مقالات في صحف مختلفة يبين فيها أهمية البعثات على مستقبل نهضة الأمة مفندا مزاعم معارضيه (1)
(ب) مرحلة الجهاد الصحفي
تعتبر هذه مرحلة بارزة في شخصية الشيخ أبي اليقظان و هي مرحلة المقارعة و المقاومة و التحدي و ظهرت فيه خصائصه النفسية و فيها يقول الدكتور محمد ناصر:"أحسب هو الجانب الذي اتضحت
__________
(1) محمد ناصر، أبو اليقظان و جهاد الكلمة،، الشركة الوطنية للنشر و التوزيع، الجزائر، سنة 1980، ص: 15 (1/7)
صفحة 8
فيه شخصية أبي اليقظان أكثر وبرزت خصائصه الفكرية و النفسية معا وهو الميدان الذي تفانى فيه فأعطاه زهرة شبابه، وعصارة جهاده". (1)
قصة الدخول إلى معترك الصحافة:
بدأ الحس الصحفي مبكرا عند الشيخ فنماه بالاحتكاك بالعالم الصحفي قارئا ومحررا و منشئا صحافة بينه و بين إخوانه و أصفيائه، متطلعا لظهور صحيفة تعبر عن تطلعات الأمة و آمالها، إذ كان يرى أن أمة بدون صحافة هي خرساء بلا لسان.
بقى هذا الشوق و الأنين يفتعل في وجدانه، إلى أن قدر الله وقوع حدث جعله يخرج من عالم الفكرة إلى العمل و التطبيق الميداني، و يقتحم الميدان الصحفي بكل ما أوتي من قوة و يسخر كل إمكاناته لرسالة الصحافة التي آمن بها كوسيلة للنهضة و التغيير.
فقد ألغت السلطات الفرنسية حق إعفاء الشباب الميزابي من التجنيد الإجباري فأصبح لزاما عليهم أداء الخدمة العسكرية، تصدى أبو اليقظان لهذا القرار و دعا إلى الاحتجاج و المظاهرة، فكانت الحيرة و الاضطراب فيمن يقود هذه الحركة، يقول أبو اليقظان:" فرجعت إلى نفسي أفكر في هذه الحياة التعيسة، حياة السبات العميق أزاء هذا الحكم القاسي، و بعد الإغراق في هذا البحر البعيد تراءى لي أن هذه الحالة في الأمة، ليست إلا أنها لا تملك جريدة توحد رأيها و تفكيرها إلى وجهة واحدة." (2)
شمر عن ساعد الجد متوكلا على الله و على معونة إخوانه و مؤازرتهم له في الجزائر و في تونس، وشرع في الاستعداد المادي و الأدبي، ولم يبزغ فجر غرة أكتوبر 1926 إلا بصدور العدد الأول من جريدة "وادي ميزاب" تحمل افتتاحيتها أهداف الجريدة و غاياتها السامية.
لم تنته متاعب الشيخ بتحقيق حلمه و صدور أول عدد من صحافته بل ازدادت المتاعب و تعددت العبقات و تنوعت الجبهات، ويمكن حصرها في ثلاثة نقاط:
__________
(1) المرجع نفسه، ص:6
(2) نفسه: ص:18 (1/8)
صفحة 9
1الملاحقة القانونية من طرف السلطات الفرنسية
2الضائقة المالية
3 قلة المؤازرة و المساعدة
أولا: الملاحقة القانونية: (1)
يعامل القانون الفرنسي الجائر كل الإصدارات بغير اللغة الفرنسية أنها أجنبية، ويعطي السلطات الواسعة لوزير الداخلية و الوالي العام مصادرتها بدون اللجوء إلى القضاء، وقد وظف الوالي العام هذا القانون، لمقاومة الصحف العربية ذات الاتجاه الوطني عامة و صحف أبي اليقظان خاصة, وفعلا فقد صادر الاستعمار صحف أبي اليقظان الواحدة تلو الأخرى على مدى ثلاثة عشر سنة ثماني جرائد تساقطت كلها في ميدان الشرف، وإذا أضفنا إلى ذلك المقايضات و التحقيقات التي كان يتعرض لها الشيخ من طرف البوليس و التفتيش التعسفي لمكتبه و منزله و مطبعته و الضغط النفسي من طرف المخبرين.
ثانيا: الضائقة المالية:
إن أحسن ما يعبر عن وضعية الشيخ المالية في مرحلته الصحفية، ما كتبه بيده في مخطوطه الموسوم "اقتحام الصعاب في نشوء صحف الجزائر و وادي ميزاب" (2)، إذ يقول:" ونكبتنا في ذلك كله أن نبذل مسبقا من مهج الحياة جهودا مضنية، وأموالا كثيرة مدة ما يقرب من عام، ثم إذا تعطلت و ذهبنا نستخلص معلوم اشتراكنا من حرفائنا تواروا عن الأنظار أمام وكيلنا، واعتذروا له بأن الجريدة قد تعطلت، و أن ليس لها حق علينا، وتجاهلوا حقوقنا السابقة، فذهبت جهودنا و أموالنا السابقة أدراج الرياح." ويعبر عن هذا الموقف المرير خاصة عن حاله في نهاية الشهر حيث هو الموعد لدفع
__________
(1) المرجع نفسه، ص: 22
(2)، محمد ناصر، تاريخ صحف أبي اليقظان، قراءة تحليلة، كتاب مهرجان الصحافي الشيخ أبي اليقظان، جمعية التراث، القرارة، 1432/ 2011، ص:76 (1/9)
صفحة 10
الالتزامات في رسالة له إلى مساعده و عضده الأيمن السيد: عيسى تعموت:" الجزائر 25 سبتمبر (نهاية الشهر) و لا ألف في الكيس لدفع نحو عشرة آلاف ..... لقد كادت روحي تخرج من هذه الضائقة الشديدة." ما أروعك يا شيخ على هذه النفسية الصلبة التي حملتها بين جوانحك، ويا عجبا لسخرية القدر فقد كانت همة الشيخ يفتقد للأموال لمؤازرته للذهاب بعيدا في تحقيق أهدافه، بينما اليوم نجد الأموال الطائلة المكدسة مع فتور الههم و فقدان الرجال الذين يحملون صلابة و شكيمة الشيخ أبي اليقظان.
ثالثا: قلة المؤازرة و المساندة:
وثالثة الأثافي في معاناة الشيخ أن مشروعه الصحافي لم يجد من المؤازرة و المساعدة من القاعدة العريضة من المشتركين و القراء، فلا تكاد تسلم جريد ة من المماطلة، بل كان سبب توقف بعض الجرائد هو العجز المادي
و إذا أضفنا إلى ذلك الجهل الذي كان عائقا رئيسيا حال دون إقبال الناس على قراءة الصحف، فنسبة الأمية مرتفعة و الوعي و الحس الوطني ما يزال وليدا وثقافة قراءة الصحف منعدمة في الأوساط العامة، بل هي ممقوتة من طرف بعض الأوساط و الشخصيات.
التعصب ضد الحركة الإصلاحية التي تحمل لوائها صحف أبي اليقظان، جعلهم يقفون ضدها ويبذلون كل جهد من أجل إسقاطها بالوشاية و التأثير السلبي على القراء، أمعانا منهم في ضرب الحركة الإصلاحية في كل مقوماتها و وسائلها.
غلبة النزعة المادية لدى الناس و اهتمامهم بجمع المادة على حساب المعنويات و الروحيات، جعلتهم ينصرفون عن متابعة نهضة الأمة و إنارة الدرب نحو الانعتاق من التبعية و إذكاء روح الوطنية، وهي الرسالة التي تحملها الصحافة الإصلاحية (1/10)
صفحة 11
كيف واجه الشيخ أبو اليقظان هذه العقبات؟
إن الصلابة النفسية التي اكتسبها الشيخ و الإيمان الراسخ برسالته في الحياة كانت زاده في مقاومة كل العقبات التي واجهته في مراحل حياته و
قائمة المراجع:
1 - جمال جمال الدين: الإنسان الفعال: دار الفكر، دمشق، ط:2، س: 2009م
2 - ياسر العيتي: الذكاء العاطفي، دار الفكر، دمشق، ط:3، س:1326/ 2005
3 - محمد ناصر: مشائخي كما عرفتهم، الجزائر، دار الريام، ط:1، س:1429/ 2008
4 - كتاب مهرجان الصحافي الشيخ أبي اليقظان، القرارة، جمعية التراث، ط:1، س:1432/ 2011
5 - أحمد فرصوص: الشيخ أبو اليقظان كما عرفته، قسنطينة، دار البعث،
6 - محمد ناصر بوحجام: أبو اليقظان في الدوريات العربية، غرداية، المطبعة العربية، س: 1985
7 - د: أحمد بن سعد، الصلابة النفسية: المفهوم و المتعلقات، دراسات، مجلة دورية محكمة، جامعة عمار الثليجي، الأغواط، العدد 21، سنة 2012
8 - زينب نوفل أحمد راضي، الصلابة النفسية لدى أمهات شهداء الأقصى، رسالة ماجستير، الجامعة الإسلامية، غزة، س: 1429/ 2008 (1/11)