صفحة 1
الكتاب: سعيد بن خلفان الخليلي فقيها ومحققا لأحمد الخليلي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الأوّل (437 عنوان): جمادى الأولى 1430هـ / أفريل (أبريل) 2009م (قرص مضغوط) الخليلي فقيها ومحققا
محاضرة سماحة الشيخ أحمد
بن حمد الخليلي
مفتي عام السلطنة
في حفل تكريم
العلامة الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله حق حمده, أحمده كما ينبغي لجلاله وعظمته وسلطانه, سبحانه لا أحصي ثناء عليه كما أثني هو على نفسه, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله أرسله الله بالحجة البيضاء والطريقة السواء والشريعة السمحاء, فبلغ الرسالة وأدى الأمانة, نصح الأمة وكشف الغمة صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين وعلى تابعيهم من العلماء العاملين الناصرين لدين الله- تعالى- والقائمين بأمره حتى أتاهم اليقين.. أما بعد:
فيا أصحاب الفضيلة العلماء ويا أيها الأخوة الأعزاء والأبناء الكرام, السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أحييكم بهذه التحية المباركة وأشكر لكم حضوركم في هذه الليلة الغراء, كما إنني قبل كل شيء أشكر وزارة التراث القومي والثقافة وعلى رأسها صاحب السمو السيد فيصل بن علي بن فيصل آل سعيد وزير التراث القومي والثقافة, على إتاحته هذه الفرصة لي في هذه الليلة للتحدث عن هذا العملاق القطب الرباني والبحر الصمداني أبي محمد سعيد بن خلفان بن أحمد الخليلي الخروصي- رحمه الله تعالى ورضي عنه- ولا شك أن كل أحد يشعر بالأعتزاز بهذه العناية من هذه الوزارة الموقرة بالأسلاف الماضين بحثا عن تراثهم وتنقيبا عن مآثرهم وتخليدا لذكراهم لأجل ربط الحاضر بالماضي ولأجل أن يتزود الشباب من تراث سلفهم الماضين ليربطوا ما بين مسيرتهم الحاضرة المظفرة وبين ماضيهم العريق ليكون هذا الحاضر المشرق صورة من الماضي الجليل. (1/1)
صفحة 2
ولقد دعيت من قبل هذه الوزارة لأتحدث عن المحتفى به فقيها ومحققا, وأني وأن حاول الشيخ العزيز مدير الجلسة بأن يجعل بيني وبين المتحدث عنه قاسما مشتركا فأن هذا القاسم لا يعدو كونه محاولة للتتلمذ على تراث ذلك العملاق العظيم وألا فأنه لا يمكن أن يقاس ما بين الجبل الأشم وما بين ربوة متواضعة, لأن هذا القياس متعذر.
فالحديث عن المحتفى به حديث ذو شجون, وفي الليلة الماضية قدمت أوراق عمل من قبل أربعة من الأخوة الباحثين الأكفاء الذين تحدثوا عن العملاق المحقق من حيث تراثه الفقهي ومن حيث تراثه اللغوي, أما من حيث التراث الفقهي فقد تحدث الشيخ مبارك بن عبدالله الراشدي بما فيه الكفاية وتحدث ثلاثة من رجال اللغة والأدب وهم أساتذة في جامعة السلطان قابوس عن تراثه اللغوي, حيث تحدث اثنان منهم عن كتابه (مقاليد التصريف) والآخر عن كتابه (مظهر الخافي المضمن الكافي في علم العروض والقوافي).
وحديثهم جميعا كان متعة للسامعين- مع ضيق الوقت الذي تناول فيه كل منهم بحثه بالعرض على الحضور- وقد كان في برنامج جلسة الأمس أنه سيكون مناقشة من بعد ولكن لم تتح الفرصة للمناقشة بسبب ضيق الوقت.
وقد كان في نفس خواطر بعد ما سمعت الذي سمعته من أولئك الباحثين أردت عرضها في المناقشة التي أعد لها ولكن لم تتح لي الفرصة آنذاك للحديث عن هذه الخواطر.
والذي يمكنني الآن أن أقوله: بأنني أسجل مع أولئك الذين اقترحوا بأن يبحث تراث المحتفى به ويعرض بطريقة علمية محققة, - أضم صوتي إلى صوت أولئك وأسجل اقتراحي مع هذا الاقتراح الذي أبدوه-, ولا ريب أن الذي يطالع ما طبع الآن من مؤلفات الشيخ ربما ينتقل من الجهل البسيط إلى الجهل المركب بسبب الأخطاء التي ملئ بها كتاب مقاليد التصريف والتي امتلأ بها أيضا كتاب تمهيد قواعد الإيمان, فكم أتمنى أن يكون الكتابان مطبوعين طبعة محققة علمية للاستفادة من هذا التراث العلمي الواسع. (1/2)
صفحة 3
على أن كتاب مقاليد التصريف توجد منه نسخ متعددة وقد اطلعت على نحو خمس نسخ من هذا الكتاب والنسخة الأولى التي اطلعت عليها قبل أكثر من ثلاثين سنة من الآن كان فيها كثير من التعديلات والظاهر أن هذه التعديلات كانت من المؤلف في حياته وقد رأيت النسخ الأخرى متفقة مع تلك التعديلات فأن النسخة الأولى التي اطلعت عليها خطت في ريعان شباب المؤلف.
والكتاب- حسبما فهمت من المشايخ الذين أدركتهم وتحدثوا إلي عن الشيخ- كان باكورة عمله أو باكورة إنتاجه العلمي ولئن كان العلامة البياني الكبير عبد الرحمن الأحضري يقول في خاتمة كتابه الجوهر المكنون في الثلاثة الفنون.
ولبني أحدى وعشرين سنة
معذرة مقبولة مستحسنة
فأن مؤلفنا فيما أخبرت به قد ألف هذا الكتاب وهو لم يجاوز السادسة عشرة من عمره.
حدثني بذلك أحد الثقات وهو الشيخ القاضي سعود بن سليمان بن محمد الكندي نقلا عن جده العلامة الشيخ سعيد بن ناصر الكندي, وهذا الأخير كان- رحمه الله- تلميذا للمحتفى به, فقد ذكر الناقل عن ذلك الشيخ بأن المحقق الخليلي- رحمه الله- كان يتردد على الشيخ سعيد بن عامر الطيواني ببلدة بوشر طالبا العلم منه, فافتقده فترة من الوقت, وذهب إلى أمه وسألها عنه فلما عاد عليها أقبلت عليه تلومه وتقرعه بسبب انقطاعه عن الدراسة على يديه فذهب إلى شيخه وهو يحمل إليه هذا الإنتاج العلمي الذي هو ألفية في علم التصريف.
هذه الألفية فيها من عذوبة القول وسلاسة التعبير وحسن التركيب ما ربما يعد أنتاجا جديدا لم يكن له مثيل فيما تقدم. (1/3)
صفحة 4
وحسبه إنكم تجدون في هذه الألفية تقريب الحقائق إلى طالبها بأسلوب مبسط ومفصل ربما لم يكن فيما تقدم من الظلم في هذا الفن حيث إننا نجد الأفعال المزيدة التي نظمها علماء هذا الفن جمعا لها من غير تمييز بين الملحق وغيره كالذي نجده في لامية الأفعال للإمام ابن مالك الذي ذكر هذه الأفعال مجتمعة من غير تفريق بين الملحق وغير الملحق وبين الملحق بفعلل والملحق بتفعلل والملحق بافعنلل في ذلك قوله:
وزهزقت هلمقت رهمست اكوأل اجفأظ سلهم قطرن الجملا
قلنست جوربت هرولت مرتحلا
واحبنظأ احونصل اسلنقي تبسكن سلقى
بينما نجد المحقق الخليلي في مقاليد التصريف أولا الملحق بفعلل في قوله:
هاك مزيدا ملحقا بفعللا
فعلنت وسفعلا
إلى آخر ما قاله ثم انتقل إلى الملحق بتفعلل:
تفعلل المزيد واوا سبقا
عينا أو إثر (ها) به قد ألحقا
أو هاء أثر الفاء أو ياء تلي
(فا) واخر بلامين اجتلى
والحلف في ثلاثة كن ناقلا
تفعلت تمفعلت تمفعلت تفاعلا
ثم ذكر الملحق بافعنلل فقال:
كافعنلل أفونعل ثم افعنلسا
وافعنلأ افعنلا وشبه اقعنسا
ثم انتقل إلى غير الملحق فقال:
وغير ذي الالحاق فهو افعلا
والمد رابعا مزيدا حلا
وانفعلت وافتعلت وكاستقر
واعثوججت مع اسلهم واسبطر
هذا الإنتاج في باكورة عمره يدل على رسوخ قدمه في علم اللغة العربية, ومما يدل على أن المؤلف ألف هذا الكتاب في ريعان شبابه ما ذكره في شرحه من أن أقدامه على الشرح كان بتوجيه من شيخه العلامة الكبير ناصر بن أبي نبهان- رحمهما الله تعالى-. (1/4)
صفحة 5
فقد قال في مقدمة الشرح ( فقد من الله علي بألفية مغنية في هذا الفن الشريف وسميتها- والحمد لله- (بمقاليد التصريف) ولما اطلع على نظمها العالم الرباني والبحر النوراني وحيد دهره بلا ممانعة وفريد عصره بلا منازعة أبو محمد ناصر ابن العلامة المولوي الولي أبي نبهان جاعد بن خميس الخليلي الخروصي أمرني أن أثبت عليها شرحا لطيفا مختصرا ولم يقبل تعللي كلما جئته فلم أستطع خلافا لأمره, ولا تبديلا بل تلوث ? أنا سنلقي عليك قولا ثقيلا? كما أنه ذكر تأليفه هذا أيضا في شرحه لكتاب (المظهر الخافي المضمن الكافي في علم العروض والقوافي), الذي ألفه بتوجيه من أستاذه اللغوي الشيخ العلامة حماد بن محمد البسط, وقد كان شرحه لهذا المؤلف الأخير في عام ألف ومائتين وسبعة وخمسين 1257 للهجرة, وبناء على ما شهر من أن العلامة الخليلي ولد في عام ألف ومائتين وستة وثلاثين 1236 للهجرة فعمره آنذاك أحدى وعشرون سنة.
ونحن إذا رجعنا إلى تراث العلامة المحقق الخليلي وجدنا أن الرجل كان موسوعة علمية ولربما تقول أن الرجل كان سابقا لزمانه فأنه كان متلهفا إلى الإطلاع على العلوم التي تأتي من أي مصدر كان, وكان هو نفسه دقيقا في دراسة ما يصل إليه من هذه الفنون دراسة الناقد البصير, ومن أمثلة ذلك أنه اطلع على ما كتبه علماء النصارى من الفرنسيين.
ولا ريب أن المحقق الخليلي لم يكن على علم باللغة الفرنسية, ولعله توصل إلى مكونات هذه الكتب عبر ترجمتها إلى العربية فلا يستغرب ذلك فأن بعض الكتب الفرنسية بدأت ترجمتها إلى اللغة العربية مع النهضة العلمية الجديدة في مصر, عندما ابتعث مجموعة من الطلبة إلى فرنسا وكان المشرف على تلك المجموعة الشيخ رفاعه الطهطاوي وذلك في عهد محمد علي باشا, وعاد بعد أن أتقن اللغة الفرنسية وترجم مجموعة من الكتب الفرنسية إلى اللغة العربية, ولا يبعد أن تكون هذه الكتب وصل بعضها إلى المحقق الخليلي عبر اتصال ببعض علماء مصر آنذاك. (1/5)
صفحة 6
ومن بين أولئك العلماء الذين كانت له صلة بهم في ذلك الوقت الشيخ العلامة سعيد بن قاسم الشماخي الذي كان أحد رجال الإصلاح في مصر وقد انتقل إليها من تونس كسفير لها في أرض الكنانة بعدما كان يسكن جزيرة جربة في تونس, وأن من يطلع على بعض ما كتبه المحقق الخليلي يجد أن هنالك مراسلات تمت ما بينه وبين الشيخ المذكور كما إنني وجدت قبل ما يقرب من ثلاثين سنة من الآن بعض الكتابات التي تدل على أن المحقق الخليلي كان بينه وبين علماء مصر الآخرين مراسلات أيضا.
ونجد أن المحقق الخليلي يتحدث في مؤلفاته عن أمور لم يكن ليعني بها الفقهاء في ذلك الوقت فمثال ذلك أنه عندما تحدث في كتابه ( لطائف الحكم في صدقات النعم) عن الأمراض التي تعتري النعم وتخل في قيمتها وتجعلها غير صالحة لإيتائها في الزكاة قال أثر ذلك:
( ومن أراد مزيدا من الإطلاع على هذا فعليه بكتب البيطرة) مع أننا نجد بعض علمائنا كانوا يتحفظون على قراءة كتب البيطرة لما تصوروه من بعض الفساد في الأخلاق الذي ينتج عنها وليس ذلك بصحيح فأن علم البيطرة علم الطب الحيواني, كما أن علوم الطب الأخرى تعني بالطب الإنساني.
كما نجد أيضا المحقق الخليلي ذا عناية بعلوم العصر, عندما يتحدث عن بعض الأمور التي تتعلق بالأحكام الشرعية للعلوم الطبيعية فهو عندما يتحدث عن السمع والآثار التي تترتب عليه ذكر طبيعة انتقال الصوت عبر الأثير إلى الصمام ثم كيف يصل بعد ذلك إلى الدماغ حتى يمكن للإنسان أن يميز بين صوت وآخر وأن يفهم المراد من ذلك الصوت أن كان قول. (1/6)
صفحة 7
وعلى أي حال فأن من مزاياه أيضا أنه جمع ما بين العلوم الشرعية والعلوم اللغوية وقد كان في كل منها محققا طويل الباع وقد سمعتم من خلال البحوث التي قدمت الليلة الماضية كيف كان تعمقه في العلوم اللغوية, وقد كان فصيح اللسان وحسبكم أن العلامة سيد الشعراء أبا مسلم الذي لقب بشاعر العرب, كان يقول فيه: (وكلامه نظما ونثرا قطعي أن علمه كشفي وهبي لا يطيق أداءه إلا من أكرمه الله بالوصول إليه).
كانت للمحقق الخليلي موهبة في البيان شعرا ونثرا ولكنه لم يكن في شعره يهيم في كل واد ويقول ما لا يفعل فلم يكن مشهورا بالغزل في ليلى ولبنى أو بالتشيبب في دعد وهند وإنما كان صاحب رسالة, طوع شعره كما طوع نثره لأجل القيام بتلكم الرسالة التي عنى بها, فنجد في شعره الدعوة إلى الاستقامة على الخير, الدعوة إلى التفاف المسلمين من أجل إعلاء كلمة الله, الدعوة لأجل النهوض بهذه الأمة من مرقدها وإثارتها من كبوتها لتضطلع بالأمانة التي نيط بها وجود الإنسان على هذه الأرض وهي الخلافة فيها بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقد كان واسع الخيال, ولكنه كان في خياله ذا حس ديني كما تجدون ذلك في شعره التي يتحدث فيه عن الكائنات وكيف تسبح بحمد الله جميعا وكيف تدور في فلك عبادة الله- تبارك وتعالى-.
مثال ذلك أنه اطلع على أبيات شعرية أرخ فيها قائلها حدوث سيل عرم بمكة المكرمة ملأ رحاب البيت العتيق حتى وصل إلى القناديل حوله ونص تلك الأبيات:
أتى السيل مجتاحا لمكة طالبا
فطهرها واجتاح منها الأباطيلا
وما قصد الضر الشنيع وإنما
أراد من الركن المعظم تقبيلا
يقولون أرح كونه قلت فاكتبوا
سمعت بأن الماء لاقى القناديلا
فلم يكد يطلع عليها حتى هزته الأريحية ونالت كل إعجاب منه ( ما عدا قول الشاعر) (واجتاح منها الأباطيلا) لما فيها من نسبة الأباطيل إلى بلد الله الحرام, فقال:
لقد حج بيت الله سيل عرمرم
وطاف كما طاف الحجيج وسلموا (1/7)
صفحة 8
تشوق للبيت العتيق ومكة
فجاء كما يأتي المشوق المتيم
وقبل منه الركن والحجر الذي
تسامى فحياه الحطيم وزمزم
وما كان مجتاحا ولا مفسدا لها
ولكن به من رحمة الله أنعم
يطهر أوساخ البقاع مقدسا
لما مسه منها عصي ومجرم
فلا تعجبوا أن عاد بحرا فإنما
تعاظم قدرا مثلما يتعظم
إلى أن قال:
كما بفناء البيت والحجر اغتدت
تطهر أوساخ الذنوب وتحسم
فلله من أرض مقدسة به
وتاريخه حيا غمام مسلم
ثم صاغ بيانا آخر يحكي هذا الحدث بخيال مرهف إذ قال:
قد سمعنا ما لم يكن مذكورا
آية تملأ المسامع نورا
ذرفت أعين السحائب من خشـ
ـية رب السماء دمعا غزيرا
سكبته ماء ولو إنها اسطاعـ
ـت لأجرت من الدماء بحورا
فأتى سيلها والقلب فيه
خفقات تظنه مذعورا
إلى أن قال بعد أبيات:
أدركته عناية أوردته
حرم الله بيته المعمورا
يطلب العفو والأمان من اللـ
ـه وكان المولى سميعا بصيرا
عقد النذر بالطواف فقل تا
ريخه ناجى السيل وفي النذورا
وهو ينطلق بالحس الإيماني بحيث يرى أن الكائنات كلها تنقاد لأمر الله وتخضع له وتسبح بحمده وتعبده- تبارك وتعالى- كأجناس العقلاء, وقد كان يحس وهو يسبح بحمد الله وينقاد لأمره ويسجد خاضعا لجلاله يحس بألسنة متعددة من كيانه, تشاركه هذا التسبيح وكأنما كان يبصر ما وصل إليه العلم الحديث من أن في الإنسان كائنات تقدر بمليارات المليارات, هذه الكائنات هي الخلايا وما هو أدق منها كالجزيئات التي تسمى الكرموسومات والجينات, فكان من قوله في ذلك:
أعاين تسبيحي بنور جناني
فأشهد في ألف ألف لسان
وكل لسان أجتلي من لغاته
إذا ألف ألف من غريب أغاني
ويهدي إلى سمعي بكل لغية
هدى ألف ألف من شتات معاني
وفي كل معنى ألف ألف عجيبة
يقصر عن إحصائها الثقلان
ولم أذكر الأعداد إلا نموذجا
كأني في أو صاف مبتطوان
وإلا ففوق العد أمر منزه
عن الحد يفنى دونه الملوان
ولا تتعجب أن عجبت فإنها
حقائق صدق ليس بالهذيان (1/8)
صفحة 9
علما أننا نجد في شعره أيضا دفاعا عن العقيدة, فعندما يطلع على شعر من بعض الذين تسول لهم أنفسهم أن يجترئوا على الله- تبارك وتعالى- لا يقر قرار حتى يرد على ذلك فعندما اطلع على بيتين قالهما المعري اجترأ فيهما على حق الله- تبارك وتعالى- اجتراءا خطيرا وهما:
ونهيت عن قتل النفوس تعمدا
وبعثت أنت لقتلها ملكين
وزعمت أن لها معادا آخرا
ما كان أغناها عن الحالين
لم يقر له القرار لما رآه من هذه الجرأة على الله- تبارك وتعالى- حتى رد على المعري بقوله:
هذا دليل علوه وجلاله
والعدل منه في كلا الأمرين
الله يفعل ما يشاء ولم يسل
وعن الجرائم يسأل الثقلين
وأعادها لمثوبة وعقوبة
والعبد مقصور على هذين
فدع اعتراضا عن عمى وجهالة
(ما كان أغناه عن الحالين)
واطلع أيضا على بيتين متداولين عندنا كثيرا خصوصا من الذي يحبون المال والبيتان هما:
أن الدراهم في المواطن كلها
تكسو الرجال مهابة وجمالا
فهي السان لمن أراد فصاحة
وهي السنان لمن أراد قتالا
فرد عليهم بقوله:
أن الدراهم في المواطن ربما
تكسو المذلة والصغار رجالا
في فقر موسى ما تراه مهلكا
أموال قارون فكانت آلا
فلكم غني قد غدت أمواله
تجني عليه مذلة ونكالا
ولكم فقير سالم في فقره
لم يخش حادثة ولا زلزالا
والحق أن غضون مال لم يكن
لله تثمر حسرة ووبالا
هذا يدل على إيمانه وعلى أنه يقيس الأمور كلها بمقاييس الحق وعلى أنه لا يعير الدنيا أي اهتمام إلا إذا كانت مطوعة لأمر الله مسخرة لمرضاته- عز وجل- كما أنه أيضا اطلع على بيتين نظمهما أحد العمانيين فيما يبدو وهما.
من خاف من نوب الزمان وعضه
فليزرع ألقت النضير بأرضه
في كل شهر منه تأتي غلة
تغنيك عن دين البخيل وقرضه
فعارضهما ببيتين آخرين هما:
من خاف من نوب الزمان وعضه
فليدع رب العرش خالق أرضه
في كل يوم منه تأتي رحمة
تغنيك عن دين البخيل وقرضه (1/9)
صفحة 10
وكان يصوغ أشعاره صياغة بيانية يسكب فيها آلامه التي يحس بها من تفرق الأمة وما يترتب على ذلك من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعدم انصياع الناس لأمر الله - عز وجل- وتكبر المترفين في الأرض واتخاذهم عباد الله خولا وماله دولا كما تجدون ذلك في قصيدته التي افتتحها بقوله:
تلألأ برق في الدياجي مشعشع
تضاحكه أبكاك فالعين أدمع
أم التاع من ذكر الأحبة والنوى
فؤد بتذكار الهوى يتصدع
أم ارتاع من دهر أداني صروفه
تكاد الجبال الشم منه تزعزع
زمان به الدين الحنيفي دارس
وناصره مستضعف ومروع
ويصور ما كان يقع في الأرض تصويرا يحس منه القارئ بانسكاب دموعه, وتوالي أناته على ذلك الواقع الأليم الذي كانت تعيشه الأمة الإسلامية في ذلك قوله:
وأرملة جنت بفرط بكائها
لقلة حاميها إلى الله تضرع
كأن اليتامى والمساكين جيفة
للحمانها تلك النوابح تسفح
ثم يقول بعد ذلك أبياتا:
فيالك ليلا قد دجى فتكدرت
شموس الضحى فالصبح أسود أسفح
ثم يتطلع إلى انجلاء ذلك الليل ويقول:
ألا تنجلي يا ليل عن صبح فتية
كرام بهم قد رد للعدل يوشع
ثم يصف أولئك الفتية بأوصاف إيمانية إلى أن يقول:
كأن مثاني ذكرهم في تجهد
مزامير داؤد بها قد تسجعوا
كأن بهم من نشوة أذن عاشق
تشوق لما يشدو حبيب ممنع
كأن الثكالى منهم في نياحة
وأوصالهم من خيفة تتخلع
كأن حطام الأرض من لحم ميلحني
فهم عنه في عليائهم قد ترفعوا
كأن من الشهد المصفى لقاءهم
لربهم يوما ألحوا وأسرعوا
كأن المنايا منية لقلوبهم
فما كاد يثني القوم بالحتف مصرع
يخوضون دأماء المنايا بواسما
كأنهم في جنة الخلد رتع
قد أطرحوا لبس الدروع لأنهم
لهم من زكيات المناصب أذرع (1/10)
صفحة 11
كما أن الشيخ جمع ما بين علوم الشريعة وعلوم اللغة أو بعبارة أخرى جمع ما بين العلم والأدب, فأنه أيضا جمع مابين الشريعة والحقيقة, وهذا مطلب مهم فهو مما عني بتزكية النفس ونظم في ذلك قصائد, أهمها قصيدته المسماة (بالمعراج) هذه قصيدة أفتتحها بقوله:
سلوك طريق العابدين بعرفان
يلذ لأرواح غذين بإيمان
يطيب لها فيه عناها فلم تزل
مسافر لا تستقر بأوطان
من العلم اعلام لها ودلائل
ومن همة شماء والعزم ظهران
وزاد من التقوى لتقوى بنهجها
ومن فقرها أوفى رفيق ومعوان
ولكنه عرف كيف تتأتى تزكية النفس بالأخلاق الحميدة, والتحلي بالفضائل مشيرا بهذا الصدد إلى قوله تعالى ? هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم?
ومن هنا اجتنب المحقق الخليلي ذكر ما وفد إلى الصوفية الإسلامية من مصطلحات عقيمة نتجت عن الاحتكاك بأصحاب الديانات المختلفة من برهمية وزردشتية وغيرها فنتج عن ذلك ما ألص بالصوفية من سلبيات مما لا تقره العقيدة ألحقه.
وقد أدرك- رحمه الله أن صفاء الباطن لا يمكن أن يسيطر على النفس إلا مع استقامة الظاهر, فلذلك نجده في قصيدته التي اقتطفنا أبياتا من مقدمتها يشترط في التزكية ترقي النفس في ثلاثة مدارج وهي (الإسلام والإيمان والإحسان), ثم تحدث عما لكل منها من مراتب يرقاها السالكون, فعندما ذكر الإيمان مثلا, وجه نظر القارئ إلى أن الإيمان هو مجرد أفكار تحشى بها الأدمغة, ولكنه طاقة روحانية تسيطر على العقل والوجدان فيستفيد المؤمن في عمله بكل ما يؤمن به من حقائق غيبية. (1/11)
صفحة 12
فإيمانه بربه يجعله مطيعا له منيبا إليه متعلقا به في كل شؤون حياته, لا يرجو غير فضله, ولا يخشى إلا بطشه, وإيمانه برسله يفضي به إلى أن يأتم بهم, ويتخلق بأخلاقهم فيستمد من إيمانه بإبراهيم الصبر والحكمة, ومن إيمانه بموسى الشدة في ذات الله- تعالى- ومن إيمانه بأيوب رضاه بقضاء ربه, وهكذا إيمانه بالملائكة ينعكس أثره على سلوكه بحسب أحوال جميع أولئك الذين آمن بهم مما وصفوا به في الكتاب العزيز والسنة الطاهرة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام.
أما إيمانه بالكتب فهو يقتضي تجسيد هدايتها حتى تكون الحياة بكل ما تشتمل عليه من أفعال وانفعالات ترجمة لها, وبهذا يرقى العبد المؤمن على سلم إيمانه حتى يستوي على المرتبة الثالثة وهي مرتبة الإحسان التي صورها رسول الله ? بقوله: ( أن تعبد الله كأنك تراه فأن لم تكن تراه فأنه يراك).
وهذا أن دل على شيء فإنما يدل على اهتمام عالمنا المحتفى به, وبتزكية باطن النفس إلى جانب اهتمامه بتقويم السلوك, وذلك يتجلى في مؤلفاته وأجوبته النثرية والنظمية فإنها كثيرا ما تشع جنباتها بأنوار الحقيقة بجانب ما فيها من بحث واستقصاء للأدلة الشرعية, وما تدل عليه من أحكام ظاهرة.
ونجد في أجوبته النثرية والنظمية وفي مؤلفاته الشرعية المختلفة إيماء إلى هذا الجانب وهو يحرص كل الحرص على أن يمزج ما بين الناحيتين أو بتعبير آخر ما بين علمي الظاهر والباطن, وقد كان ذا باع طويل في علم القرآن, وألف رسالة في علوم التجويد. (1/12)
صفحة 13
ومن يطالع كتابه مقاليد التصريف يدرك أنه كان على علم بفن القراءة وكذلك أجوبته التي يفتي فيها عندما يسأل عن تفسير آيات من كتاب الله- تبارك وتعالى- ومن سعة أفقه في علوم القراءات أنه ذكر في بعض فتاواه أنه اطلع على وجوب الوقوف على الهمزة في (هؤلاء) فإذا بها خمسة وعشرون وجها, وعلى وجوه أداء همزتي( أونبئكم) فإذا بها سبعة وعشرون وجها, وعلى وجوه أداء الهمزات في قوله- تعالى- (أن أولياؤه) فإذ بها ستون وجها.
هذا يدل على سعة أفقه كما أن فتاواه التي تتعلق بالوقف في القرآن تدل على علمه الدقيق بمعاني القرآن الكريم.
وعندما سئل عن قصة الغرانيق, وقصة الغرانيق بطبيعة الحال كانت مشكلة, وهي مما زحف إلى تفسير القرآن الكريم من افتراءات المفترين وتدجيلات الدجالين وقد اغتر بذلك بعض المفسرين ومن جملتهم شيخ المفسرين ابن جرير الطبري, فأنه- مع رسوخ قدمه في علم التفسير- اغتر بالروايات التي جاءت قبل هذه القصة فحشى بها كتابه وكذلك العلامة ابن كثير- مع غزارة علمه ومع عنايته بعلم الحديث وتمحيص الروايات- إلا أنه اغتر بهذه القصة, كما نجد أيضا كبار المحدثين كالحافظ ابن حجر في الفتح أيضا حسن الروايات التي تتعلق بقصة الغرانيق.
وعندما سئل المحقق الخليلي عن هذه القصة جاء فيها بالقول البسط اعتمد عليه المفسرون القدامى كالعلامة الفخر الرازي في تفسيره فأنه تحدث عن هذه القصة بما لا يدع مجالا للشك أنها قصة باطلة, وكذلك العلامة الألوسي في تفسيره وهو من العلماء المتأخرين بل كان من المعاصرين للمحقق الخليلي كما أشبع القول فيها العلامة الأستاذ الإمام محمد عبده في رسالة خصصها لبحث هذه القضية, وعندما سئل المحقق الخليلي عن هذه المسألة أجاب جوابا مطولا وذكر ما قيل فيها من أقوال حيث قال:
ومن قال أن المصطفى زل أوسها
وفي الوحي بالوسواس قال وزيدا
فقول مخل بالوثوق بعصمة
النبيين والقرآن والوحي أن بدا
وجوز بعض كونه من قبيل ما (1/13)
صفحة 14
به يبتلى الرحمن من قد تميدا
ليعلم من في إيمانه راسخ ومن
يزلزله شك ويزعجه الردى
ومن أعجب الأشياء شيء سمعته
رسول أتى بالوحي من رب الهدى
يقول ولم ينطق هوى ثم أكدت
بأن هو إلا الوحي من رب أحمدا
ويتبعه بالسهو في اثر قوله
والقاء شيطان عليه تمردا
أما في متون الآي ما رد نطقه
بها زللا آمنت بالآي فاشهدا
وما جعل الرحمن في الآي مدخلا
لالقاء شيطان وتلبيسه اعتدا
وظاهر ذي الآيات لم يأت كله
تأوله والحق يجلى به الصدى
أصاب وجوه الحق فيه عصابة
جلوا منه للسارين بدرا مخلدا
فهذا جواب من ضعيف فأن يكن
هدى فاشكر الله الذي عبده هدى
كان هو الرأي الذي يتفق مع دلائل بأن الرسول? معصوم وأن الوحي محفوظ فالآيات الصريحة دالة على عصمة النبي ? من الزلل معصوم من الزلل في كل شيء وخصوصا في تبليغه عن ربه- تبارك وتعالى-.
كما أن الآيات دالة على حفظ الله- تبارك وتعالى- لكتابه الذي أنزله من أن يناله شيء من الباطل ? لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه?.
كل ذلك صريح في أن هذا الرأي الذي تبناه المحقق الخليلي هو الحق, ومن يدرس بحوثه الفقهية يجد أنه كان ضليعا بالعلوم الشرعية دقيق النظر فيها, فلم يكن ينقل الأقوال بما فيها من ضعف ووهن وإنما كان يمحصها تمحيصا وأن نقل الأقوال الضعيفة بين أثر ذلك ما فيها من الضعف ولربما ذكر في المسألة الواحدة نحو عشرة أقوال أو أكثر من ذلك ولكنه يحرص كل الحرص على بيان ما هو الحق, وقد كان شجاعا في رأيه كما كان محققا في بحثه.
وهو يحرص على أن تكون آراؤه التي يقولها مستندة إلى الدليل ومتفقة مع الأهداف التي جاء من أجلها الدين الحنيف والمتفقة مع مقاصد الشرع.
ومن أمثلة ذلك أنه عندما تعرض في رسالته التي خصصها للجهاد لقضية جبر الإمام رعيته على الجهاد إذا ما تلكأوا عن ذلك, ذكر ما قيل من أقوال في هذه المسألة بين متشدد ومتساهل بحيث أن بعض العلماء قال:
( (1/14)
صفحة 15
ليس للإمام أن يجبر رعيته إلى أية حال من الأحوال) وذكر الآراء التي تذهب إلى التفصيل ما بين حالة وأخرى وأدنى هذه الأقوال إلى تسعة أقوال وذكر ذلك قول المتصلبين الذين يقولون بأن للإمام الحق في أن يجبر الرعية على الجهاد ما دامت المصلحة تقتضي ذلك.
وقال بعد سرد لهذه الأقوال:
( أن قول من لا يرى جبر الإمام رعيته على الجهاد إنما هو قول زهاد العلماء الذين يفرون بدينهم من شاهق إلى شاهق ليس لهم نظير في سياسة الأمة وليس لهم نظر في قيادة الدين, فهم أبعد ما يكونون عما تقتضيه السياسة) واستشهد ببعض الآيات التي تدل على حزم أولي العزم- حيث ذكر عن رسول الله سليمان ما كان من قوله للهدهد: ? لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين? مع كونه طائرا ليس من المكلفين.
وذكر حال الثلاثة الذين خلفوا في عهد رسول الله ? وكيف فرضت القطيعة عليهم حتى نزل الوحي بتخليصهم مما هم فيه, وعليه رجح القول بأن للإمام الحق بأن يجبر الرعية على الجهاد, ثم ذكر بعد ذلك ما إذا أحد أولئك الرعايا بعذر هل يصدقه الإمام أن ادعى عذرا أولا يصدقه حتى يأتيه ببينة؟, فإن لم تكن بينه كان له أن يحلفه؟ فقال بعد ذلك ( بأنه لم يجد من أقوال العلماء المتقدمين إلا أن على الإمام أن يصدقه وليس له أن للإمام أن يطالبه بالبينة فإن لم يكن له بينة حلف اليمين بالله- تبارك وتعالى- بأنه صادق فيما ادعاه من عذر), واستدل لذلك بقول الله- تبارك وتعالى- لنبيه - ?- ? عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين?. (1/15)
صفحة 16
ولربما كان المحقق الخليلي بحاجة إلى الإطلاع أحيانا على أقوال العلماء المتقدمين في بعض القواعد، لأجل تعزيز ما يذهب إليه ولكن قلة المراجع آنذاك كانت تحول بينه وبين الإطلاع على ما قاله كثير من العلماء أحيانا، فعندما تعرض لحديث( ليس من البر الصيام في السفر) ذكر بأنه ( ليس ما بين يديه ما يرجع إليه ليرى ما قاله العلماء فيه) ولكنه استطاع فهمه أن يصل إلى ما قاله شراح الحديث في هذه المسألة فقد ذكر وجهين:
الوجه الأول: أن المراد هنا، البر الذي ينبغي به أي ليس من البر الذي ينبغي أن يعتني به فلربما كان الفطر أفضل من الصوم عندما يكون الإنسان في ضرورة داعية إلى الفطر أو عندما يتعب إذا ما استمر على صومه وهو في سفره، ثم استدل على هذا بقوله- تبارك وتعالى-? ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب?.
أي ليس هذا هو البر الكامل أو البر الذي ينبغي العناية به وهذا الذي قاله مذكور في شروح كتب الحديث وهو مروي عن الإمام الشافعي في أحد القولين فقد ذكر احتمال أن يكون المراد من الحديث الشريف( ليس من البر الكامل الصيام في السفر) وهذا هو الذي نص عليه العلامة الطحوي.
وذكر وجها آخر: وهو ان الحديث وإن كان عاما فهو خاص كما تأتي الأدلة العامة ويقصد بهذا الخصوص أحيانا وذلك بأن يحمل على ما إذا تعب المسافر وشق عليه الصيام، وهذا الوجه الأخير الذي ذكره هو الذي يعتضد بما رواه الإمام البخاري وغيره( عن جابر بن عبدالله- رضي الله عنه- قال( كان رسول الله ? في سفر فرأى زحاما ورجل قد ظلل عليه فقال ما هذا؟ فقالوا صائم فقال: ليس من البر الصوم في السفر).
والحديث أخرجه بمعناه الطبراني من رواية كعب بن عاصم الأشعري، والإمام البخاري أشار إلى أنه يجنح إلى هذا الرأي وذلك أنه بوب هذا الباب بما يدل على ذلك. (1/16)
صفحة 17
وهذا الذي ذهب إليه العلامة ابن دقيق العيد فيما حكاه عنه الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري وذلك أنه قال( وينبغي أن يتنبه للفرق بين دلالة السبب والسياق والقرائن على تخصيص العام، وعلى مراد المتكلم، وبين مجرد ورود العام على سبب التخصيص، فإن بين العامين فرقا واضحا ، ومن أجراهما مجرى واحد لم يصب ، فإن مجرد ورود العام على سبب لا يقتضي التخصيص به كنزول آية السرقة في قصة سرقة رداء صفوان.
وأما السياق والقرائن الدالة على مراد المتكلم فهي المرشدة لبيان المجملات وتعيين المحتملات كما في حديث الباب).
ونجد أن العلامة المحقق- رحمه الله- كان شديد التمسك بالدليل عندما يتضح له، وكان ربما يختلف مع أشياخه ومع أشياخ أشياخه إذا ما رأى الدليل يدل على خلاف ما ذهبوا إليه؛ فمن أمثلة ذلك أن العلامة الشيخ سعيد بن أحمد الكندي- رحمه الله- وهو شيخ العلامة المحقق الخليلي وهو شيخ الإمام الكبير أبي نبهان جاعد بن خميس- رحمه الله تعالى- الذي هو شيخ ابنه الشيخ ناصر ابن أبي نبهان والشيخ ناصر بن أبي نبهان شيخ المحقق الخليلي. (1/17)
صفحة 18
العلامة الكندي استظهر من قول الله- تبارك وتعالى- في ذي النون? فساهم فكان من المدحضين? جواز أن يساهم اثنان إذا لم تكن نجاة أحدهما إلا بهلاك الآخر، ولكن المحقق الخليلي- رحمه الله- اشتد نكيره على القول وقال:( إن للنفس حرمة ولا يجوز لأي أحد- مهما كان الأمر- أن يفدي نفسه بغيره والناس متساوون في ذلك، لا فرق بين الأحرار والعبيد ولا فرق بين الذكور والإناث، فليس لحر أن يفدي نفسه بعبد وليس بذكر أن يفدي نفسه بأنثى ولا العكس، والناس- مهما كانوا- لهم حرمة إنسانية) حتى قال( إن المسلم والذمي في ذلك سواء وأن الإنسان مأمور بالمحافظة على نفسه منهي عن إتلافها، فليس له أن يعرض نفسه للإهلاك بسبب فدائه لغيره فالمساهمة غير جائزة) وبين( إن الاستبدال لا يصح، فإن ما ذكر في القرآن من هذا القبيل إنما ذكر للعبرة، ولم يذكر للتشريع، ولو كان نحو هذا للتشريع لجاز لمن رأى نفسه يذبح ولده في المنام أن يذبحه افتداه بإبراهيم- عليه السلام- ولجاز للإنسان أن يعمل عمل العبد الصالح الذي صاحب موسى- عليهما السلام-، فحرق السفينة وقتل الغلام لكن كلا من ذلك إنما ذكر للعبرة ولم يذكر للتشريع). (1/18)
صفحة 19
ومن أمثلة ذلك ما وقع بينه وبين شيخه العلامة ناصر بن أبي نبهان من خلافهم على مسألة من مسائل الفقه المهمة التي كانت تدعو إليها الحاجة في ذلك الوقت، وهي ما إذا تعرض الراكبون في السفينة لهبوب الريح وتعاظم الأمواج حتى كادت السفينة تغرق ولم تكن السلامة لهم إلا بإلقاء جانب من أموالهم التي حملوها في تلك السفينة أي بإلقاء جانب من حمولة السفينة وكانت الأموال لبعض الناس دون بعض وكان في ذلك سلامة الأنفس وما يبقى من تلك الأموال غير ملقى بالبحر، فإن الأثر الذي جاء من العلماء الأقدمين في هذه المسألة أثر مجمل، فالأقدمون قالوا:( بأن إلقاء جانب من الحمولة إن كانت لسلامة الأنفس والأموال والسفينة فإن المغرم ما بين أصحاب السفينة وما بين الركاب وما بين أصحاب الحمولة) ولكنهم أجملوا ولم يبينوا ما على كل فريق من المغرم، وقد توقف الإمام الكبير أبو نبهان- رحمه الله- عندما سئل عن ذلك- مع غزارة علمه وثاقب فهمه- ولا ريب أن توقفه هذا دليل ورعه فإن ذلك شأن العلماء المتورعين لا يقولون إلا بما تبين وأتضح لهم من الدليل.
وبعض العلماء في ذلك الوقت تمكنوا من الذهاب إلى رأي دقيق في هذه المسألة وذلك أنهم قالوا:( تقوم الأموال بقيمتها وتقوم الأنفس بدياتها وتكون المحاصصة ما بين أصحاب الأموال وما بين الأنفس بحسب قيمة الأموال وبحسب ديات الأنفس) وأول من ذهب إلى ذلك- فيما يبدوا العلامة العبادي الشيخ عامر بن علي ووافقه على هذا الرأي السيد العلامة الخليل المهنا ابن خلفان- رحمه الله تعالى-.
والشيخ ناصر بن أبي نبهان اعترض على العلامة العبادي في هذه المسألة باعتراضات وذلك بأنه قال بأن هذا القياس فاسد بوجوه.
أول هذه الوجوه: أن الأحرار لا يملكون ولا يقومون بالمال
ثانيهما: أنه لو اعتدى معتد على حر لما كان يقومون بالمال
الوجه الثالث؛ أن الدية غير متقدرة فيها إذا تلفت الإنسان وذلك أنه لا يدري هل يتلف كله أو يتلف بعضه. (1/19)
صفحة 20
فلو تلف كله ففيه دية ولربما كانت الدية فيما إذا تلف أكثر فلو تلف لسانه كانت فيه دية تامة ولو خرس ففيه دية, ولو تلف ذكره ففيه الدية لأنه عضو وحيد من نوع ففيه الدية, وكالأنف وكذلك العضوان من جنس, كالعينين فيها الدية وفي فقدان منفعتهما الدية وفي الأذنين الدية وفي فقد منفعتهما الدية وكذلك اليدان وكذلك الأصابع إلى ذلك من الديات المتعددة في الإنسان.
الوجه الرابع: أن الدية تختلف ما بين إنسان وآخر فالمسلم والذمي ليست ديتهما واحدة والذكر والأنثى دياتهما مختلفة فمن أجل ذلك رأى أن ما قاله الشيخ العبادي كأن خطأ.
سئل المحقق الخليلي- رحمه الله تعالى- عن ذلك وأجاب عن الاعتراض الأول ( بأن الأحرار بطبيعة الحال كما قال الشيخ لا يملكون ولا تجوز فيهم الهبة ولا البيع ولا الشراء ولا المعارضة بحال من الأحوال ولكن لو تلف أحدهم فقد جعل الله- تبارك وتعالى- فيه عوضا ماليا وهذا العوض المالي هو قيمة ولو لم يعبر عنه بالقيمة فليس العبرة بالعبارات وإنما العبرة بالمعاني فالإيجاز يسمى تارة إيجازا وطورا شراء ويسمى أحيانا صداقا وهكذا ولكن المعنى متحد, فالدية التي تدفع إنما هي عوض مالي عن نفس هذا الإنسان وقد جاء تحديد هذه الدية على لسان الشارع- عليه أفضل الصلاة والسلام- فإذا تعتبر هي القياس في قيمة الإنسان, وما دامت هي القياس في قيمة نفس الإنسان فإن على هذا الإنسان أن يدفع لأجل المحافظة على سلامة تلك الحمولة التي ألقيت في البحر بقدر المخاصصة بين دية الإنسان وقيمة الحمولة المتبقية في السفينة والتي لم تلق).
ثم أجاب عن الاعتراض الثاني, ( بأنه ليس هناك قتل وإنما هناك قتل وإنما هناك محافظة على سلامة, على أن قتل العمد لا يتعين فيه القصاص بل يجوز التنازل عنه إلى الدية أيضا وليس في ذلك قتل). (1/20)
صفحة 21
وأجاب على الشيخ باختلاف الديات بين المسلم والذمي والذكر والأنثى, هذا (بأن المحافظة هنا على سلامة النفس, وما دامت المحافظة على سلامة النفس, فالدية التي تقدر بها قيمة النفس إنما هي دية النفس لا دية الأعضاء المتفرقة).
وأجاب على اعتراض بأن ذلك يختلف فيها إذا كان بعض الركاب ذكورا وبعضهم إناثا وبعضهم مسلمين وبعضهم ذميين بقدر تفاوت ديانتهم.
وقال: ( أنه لا يجوز أن يكون التقدير بحسب المساحة في السفينة أو بحسب المكاييل أو بحسب الموازين وإلا فمن حمل صاعا من القطن كان عليه أن يؤدي ما يؤديه الذي يحمل معه صاعا من التبر).
ولربما كان الخلاف أحيانا بين التلميذ وشيخه في المسائل التي تتعلق بعلم الكلام فإن الشيخ ناصر ابن أبي نبهان قد يرى أحيانا رأيا يختلف فيه مع المشارقة من الإباضية وقد كان له موقف في تعلق علم الله- تبارك وتعالى- بالمستحيل والممكن الذي لا يقع, والشيخ ناصر بن أبي نبهان حرص كل الحرص على أن يقول: ( بأن ما علم الله عدم كونه فلا يقدر أنه واقع, وما دام لا يقدر أنه واقع فلا فائدة في قول" لو كان كذا لكان كذا").
وكان يمنع هذا القول, وهو في هذا يتفق مع جمهور علماء الإباضية بالمغرب فأننا نجد في كتاب ( معالم الدين) للإمام العلامة عبد العزيز التميمي وفي ( حاشية الوضع) وفي ( الذهب الخالص) وفي ( فتاوي القطب) ما يدل على ذلك بينما نجد أيضا جانبا من علماء أهل المغرب يتفقون في هذه القضية مع علماء أهل المشرق, ومن بين هؤلاء صاحب القناطر وصاحب الوضع وشيخنا العلامة, وكان مما احتج به الشيخ ابن أبي نبهان أنه قال: (بأنه لو قيل " لو كان مذا لكان كذا" فإنه يلزم أن يكون ذلك متخيلا والله- تبارك وتعالى- منزه عن الخيال). (1/21)
صفحة 22
وقد تعجب المحقق الخليلي عندما سئل عن كلام الشيخ ابن أبي نبهان من هذا الكلام وقال: ( ياليت الشيخ استهدى في هذه المسألة بالنصوص القرآنية فإنها واضحة في هذا الأمر والله- تبارك وتعالى- يقول: ? ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا? , ويقول الله- تبارك وتعالى- ? ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض?, ويقول الله- تبارك وتعالى- ? ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا?, ويقول- سبحانه- ? ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه? , ويقول- سبحانه- ? لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا?, ويقول- سبحانه- ? لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا?, وبعض ما ذكر ممكن كائن وبعضه مستحيل لا يمكن أن يكون.
ثم قال: ( أن كلام الشيخ عجيب جدا وذلك أنه يترتب عليه بأن يكون الله- تبارك وتعالى- لا يعلم الكائنات إلا بعد حدوثها لأجل تنزيه- سبحانه وتعالى- عن الخيال, مع أننا نقطع بأن الله- تبارك وتعالى- عالم بكل كائن وهو في الأزل كما أننا نقطع بأنه عالم بما كان وما لم يكن أن لو كان كيف يكون سواء ذلك الذي لا يكون كان مستحيلا أو كان ممكنا ولكن الله- تبارك وتعالى- لم يقدر كونه).
ثم قال: ( ونحن نجد أحدنا يعلم الشيء من غير أن يتخيله فنحن نعرف الوجود ولكننا مع ذلك لا نتخيل ذاته- سبحانه وتعالى- بل لا نتخيل صفاته ويستحيل علينا تخيلها أو يستحيل علينا تخيلها أو يستحيل علينا أن نتخيل أفعاله- عز وجل- ويستحيل علينا أن نتخيل الروح التي هي بين جوانحنا, وأن نتخيل حقيقة العقل, بل هذه الأغراض التي في النفوس كلها لا يمكن أن تتخيلها وإذا كان بالمخلوق فكيف الأمر بالخالق العظيم- سبحانه وتعالى- ؟!!). (1/22)
صفحة 23
وله تحقيقات أخرى في علم الكلام وذلك بأنه شاع في أوساط كثير من العلماء- فيما تقدم- تفسير الذات العلية بالثبات, فيقولون: ذات الله ثباته بل وقع خطأ- كما يقول المحقق الخليلي نفسه- في بعض المؤلفات فجاء فيها ذات الله اقباته, وتناقل ذلك الناس خلفا عن سلف, وهذا خطأ فاحش فتفسير الذات بالإثبات أمر مستحيل لأن الإثبات من صنع الإنسان, فالإنسان أثبت شيئا فإثباته هو فعله ولا يمكن أن تفسر الذات بالإثبات, ولاحظ المحقق الخليلي على تفسير الذات بالثبات أيضا ملاحظة, وهي أن هذا من باب تفسير الذات بالصفات, وأنه يترتب على ذلك أن يقال ذات الله قدرته وذاته علمه وذاته سمعه وذاته بصره, وقال: وإن كنا نذهب إلى أن صفات الذات عين الذات فهذه الصفات هي معان اعتبارية أريد بها نفي أضدادها بالكلية فلكل صفة منها مفهوم غير مفهوم الصفة الأخرى ومفهوم الذات غير مفهوم الصفات ومن أجل ذلك اختار بأن يقال: ذات الله- تعالى- هي حقيقته الخاصة التي لا يعلمها أحد من مخلوقاته).
هذه أملثة من تحقيقات العلامة الخليلي وأظن أن الوقت الذي قدر لي فات وانني استطردت كثيرا وإنما أدعو من أراد الإطلاع على هذه الفوائد وعلى هذه البحوث وعلى هذه النفائس أن يرجع إلى مؤلفاته التي تتعلق بهذه الموضوعات وهي- بحمد الله- متيسرة للإطلاع عليها وان كنت أدعو مرة أخرى وأؤكد بأن الضرورة داعية إلى تحقيق هذه المؤلفات وطبعها طبعة علمية محققة بعيدة عن الأخطاء مصححة من كل الأخطاء ولا بد من المقارنة ما بين النسخ المتعددة.
وأسأل الله- سبحانه وتعالى- أن يبارك في هذا الاجتماع ويوفقنا لأن نتهج نهج السلف الصالحين وأسأل الله- تبارك وتعال- أن يحفظ هذا البلد في ظل قائده المفدى, قائد مسيرته المظفرة, وأن يأخذ بأيدي جميع المسلمين إلى ما فيه الخير والسعادة والاستقرار, وشكرا لكم, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. (1/23)