صفحة 1
الكتاب: سلسلة أعلام الفكر والحضارة (1) ابن دريد الأزدي الصّوت المتميّز في اللّغة والأدب
المؤلف: محمد بن قاسم ناصر بوحجام
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الخامس (1230 عنوان): ربيع الثاني 1438هـ / جانفي (يناير) 2017م (قرص مضغوط) سلسلة .......................................................... أعلام الفكر والحضارة (1)
ابن دريد الأزدي الصّوت المتميّز في اللّغة والأدب
تأليف
الدّكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام
بسم الله الرّحمن الرّحيم
مقدّمة
أبوبكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدي (223 ـ 321 هـ/ 837 – 933م) علم بارز من أعلام العربيّة، ورمز من رموزها الخالدة. وواحد من أبرز أعلام التّراث العربي والإسلامي في القرن الثّالث وبداية الرّابع الهجريين. ومعلم من معالم الفكر الإسلامي، وأحد أقطاب الحضارة الإسلاميّة، والثّقافة العربيّة الأصيلة ... بما أسهم فيهما بجهود كبيرة في مختلف مجالات المعارف الإنسانيّة. بل بما قدّم من أعمال كان لها دور بارز في تنشيط الحركة العلميّة، وتنمية الثّقافة، وإعداد رجال واصلوا الدّرب (1/1)
صفحة 2
بعده، وأبدعوا في سيرورة الفكر والحضارة. قيل عنه هو نحرير العلم؛ لسعة ثقافته، ورحابة معارفه ... وحقّ له أن يظفر بلقب " العالم الموسوعي".
هو لغويّ صاحب (الجمهرة و (الاشتقاق) وغيرهما من كتب اللّغة. وأديب: كاتب صاحب (الأمالي) و (الأخبار) و (المجتنى). وشاعر ناظمُ (المقصورة) وأشعارٍ كثيرة، ينتظمها ديوان بلغ خمسة مجلّدات. وراويّة للأخبار والأشعار، التي ملأت كتبَه ومؤلّفاتِ من جاء بعده. ونسّابة عرّف بالقبائل العربية والجماعات والأفراد ... وبليغ ظهر باعه، وذاع صيته بما نشرته كتاباتُه الفنيّة، وإسهاماتُه في التّأليف، وبخاصّة كتابه (الملاحن). وإخباريّ. ومعلّم تصدّر حلقات الدّرس ومجالس العلم ستّين سنة كاملة. ومصنّف صاحب المؤلّفات العديدة، والآثار القيّمة المتنوّعة ...
كتب في ضروب مختلفة من العلوم والمعارف. ألّف في اللّغة والأدب، والتّاريخ والأنساب، والظّواهر الطّبيعيّة وعلوم القرآن ... غير أنّ أشهر مصنّفاته كانت في اللّغة، لذا عرف - أكثر -بابن دريد اللّغوي. وقد منحه هذا تفوّقًا في هذا المجال فغدا حجّة في اللّغة.
قال عنه السّيّد مصطفى السّنوسي: " إنّه معلّم، وهو لغوي، وهو راوية يروي الأخبار والأشعار واللّغة، وهو نسّابة، وهو أديب وشاعر، نظم الشّعر وهو ابن العشرين، وكان شعره يفيض روعة وعذوبة، منه الجزل ومنه الرّقيق، وله ألوان من النّثر الفنّي والنّثر التّعليمي." (1)
قال عنه الدّكتور سيف الدّين الفقراء: " ابن دريد واحد من أهمّ روافد الدّرس اللّغوي، وبخاصة في باب صناعة المعجم." (2)
نشأ وعاش متنقّلا بين عمان والبصرة وفارس وبغداد, يطلب العلم وينشره، يؤلّف ويعلّم النّاس، ويخدم اللّغة العربية ... وكان أعلم النّاس في زمانه باللّغة والشّعر وأيّام العرب، وأنساب القبائل وتاريخ الجماعات والأفراد ... انتهت إليه زعامة مدرسة البصرة
__________
(1) - ابن دريد الأزدي أعلم الشّعراء وأشعر العلماء، المجلّد الثّاني، سلسلة أعمال النّدوات والمؤتمرات (8)، (أوراق المؤتمر الدّولي السّابع)، تحرير الدّكتور عليان عبد الفتّاح الجالودي، الدّكتور كمال أحمد مقابلة، منشورات وحدة الدّراسات العمانيّة، جامعة آل البيت، المملكة الأردنية الهاشمية، 1432هـ/ 2011م، ص: 1266. نقلا عن السّيّد مصطفى السّنوسي، ابن دريد حياته وتراثه اللّغوي والأدبي، ط1، وزارة الإعلام، الكويت، 1984م، ص: 7
(2) - المرجع السّابق، المجلّد الثّالث، ص: 1819. (1/2)
صفحة 3
اللّغويّة، أتى بأشياء لم توجد في كتب من تقدّمه. فأسهم بكلّ هذا مع غيره من العلماء العاملين الجهابذة في بناء صرح اللّغة العربية والأدب والشّعر وما يتّصل بها ...
له مكانة عالية ومنزلة رفيعة في نفوس الكبراء، الذين يعرفون للعلم قدره، وللفضل مكانته. هذه المكانة المرموقة فتحت له أبوابًا كبيرة من المدح له والقدح فيه؛ في شخصيّته وعلمه، وأصالته الفكريّة وأمانته العلميّة، وأخلاقه وسلوكه ... لا نتعجّب من هذه المواقف المتباينة، بل إنّ هذا الاختلاف في تقدير هذه الشّخصية هو الذي يثبت أصالة الرّجل، ويثبّت له العبقرية والتّفوّق والتّميّز وكبر النّفس، فالكبير في نفسه وعلمه وخلقه .. يعسر على كثير من النّاس فهمه وتقدير مواقفه، ووعي حقيقة عمله، وإدراك معالم شخصيّته، واكتشاف حدود نشاطه. يقول المحقّق محمد عبد السّلام هارون: " وكان من الطّبيعي أن تتّجه أنظار العلماء إلى هذه العبقرية لتزنها وتقدرها قدرها، فاختلفت الأنظار في ابن دريد، ما بين الإشادة بفضله والزّراية به والطّعن عليه." (1)
يعلّق الدّكتور محمد صالح ناصر على القدح الذي لحق ابنَ دريد: " لا أحسب أنّ هذا الاستنقاص قد أثّر على الذين جاؤوا بعده من اللّغويّين والأدباء؛ لأنّ شهرة ابن دريد في اختصاصه أصبحت مضرب المثل، وبات علمًا يشار إليه بالبنان في المشرق والمغرب معًا. فكان الأدباء إذا أرادوا التّنويه بعالم في الميدان اللّغوي قارنوا شهرته بشهرة ابن دريد، كما قيل ذلك عن إمام اللّغة أبي بكر الزّبيدي الإشبيلي: " إنّه بالمغرب بمنزلة ابن دريد بالمشرق " (2)
المنزلة العلمية الرّفيعة التي احتلّها ابن دريد في مجال العلم بمختلف فروعه، دفعت بالدّكتور أحمد درويش أن يقول عن مصنّفاته: " وكثير من مؤلّفات ابن دريد تبدو فيها اللّمحة التّميّزية التي تشقّ طريقًا جديدًا من طرق البحث، كان من الصّعب على الأدعياء، وعلى أنصاف العلماء وعامّتهم أن يهتدوا إليه، رغم ظنّهم بأنّهم يلمّون بالقدر الكافي من اللّغة وعلومها ... (3)
__________
(1) - الدّكتور محمد صالح ناصر، محمد بن الحسن بن دريد، حياة من أجل الأدب، الهيئة العامّة للرّياضة والأنشطة الشّبابيّة، سلطنة عمان، 1412هـ/ 1991م، ص: 169. نقلاً عن كتاب الاشتقاق لابن دريد، تحقيق محمد عبد السّلام هارون، طبع مصر، 1958م، ص: 11.
(2) - المرجع السّابق، ص: 185. نقلاً عن نفح الطّيب، 3/ 476.
(3) - الدّكتور أحمد درويش، ابن دريد الأزدي وتأثيره في الدّرس والنّصّ الأدبي، الهيئة العامّة للرّياضة والأنشطة الشّبابيّة، سلطنة عمان، (د. ت)، ص: 60. ينظر مبحث " المؤلّفات والبحث عن صوت متميّز " المرجع نفسه، ص: 56 – 70. فيه أظهر المؤلّف بَيَّنَ ووضَّح تفوّق ابن دريد وريادته وأستاذيته، فاستحقّ من الدّكتور لقب أستاذ الجيل. (1/3)
صفحة 4
هذا التّميّز وهذه المكانة هما اللّذان جعلا الذين حضروا جنازته يقولون ويردّدون: مات علم اللّغة بموت ابن دريد (1)
هذه الشّهادات تبيّن أنّ لابن دريد مكانة متميّزة في مسار الفكر الإسلامي بخاصّة، وأنّ له حضورًا خاصًّا في المشهد الحضاري، يعرفه القليل، ولا يدري به الكثير. ومن يعرفه قد لا يفقه ولا يستوعب كثيرًا منه. فمن خلال التّعليقات التي أثبتناها آنفًا يتأكّد لدينا أنّ شخصيّة ابن دريد غير واضحة المعالم في أذهان بعض الذين تناولوه بالدّراسة، وبعضهم قلّل من شأنه، واستنقص من شأنه ... ممّا يدعو إلى مزيد من البحث في فكره، وتقديم الوجه الحضاري في أعماله.
نحن نقدّر ما قام المخلصون من أبناء اللّغة العربية للتّعريف بهذه الجهود، وتقديم شخصيّة ابن دريد إلى طلاّب المعرفة؛ إنصافًا لها، وتسجيلاً لفضلها في تطوير المنظومة اللّغويّة بخاصّة، وإعطاء نماذج من العمل الجادّ للأجيال كي تتعلّم منها دروسًا علميّة في مجال التّخصّص، وعبرًا ومواعظ وقواعد في الدَّرَجِ في مسالك الحياة بتوجيه صحيح للاستفادة والإفادة ...
مع ذلك تبقى جوانب كثيرة في حاجة إلى مزيد من البحث، وبخاصّة تلك النّقط التي تكشف عن تميّز ابن دريد ودوره الأساس في البحث والدّرس اللّغويين بخاصّة. هذا ما نحاول عرضه وتحليله في هذه الدّراسة المتواضعة.
نشير إلى أهميّة تراث الرّجل في مسيرة الفكر الإسلامي: تأليفا وتأصيلا لبعض النّظريّات اللّغويّة، ودفعا للحركة الأدبيّة إلى الأمام، ونبيّن دوره في إعداد رجال اللّغة والأدب، ونبرز ما اكتنف حياته من مميّزات التّفوّق والنّبوغ، وما اتّصفت به من صفات يستفاد منها في التّكوين والإعداد.
نعمد في هذا العمل إلى عرض معلومات لنؤكد على مكانة ابن دريد. فليس هدفنا الاستقصاء، لذا فإنّنا نعتمد كثيرًا على الإحالات، فالكتب والمصنّفات مليئة بالمادة العلميّة عن ابن دريد، لكن تبقى بعض الجوانب في حاجة إلى إضاءات أكثر، وبعضها يحتاج إل جلاء الغموض عنها، وأخرى تطلب التّحليل والمناقشة والنّقد أكثر، وغيرها ينتظر الإنصاف والاعتدال والتّروّي في الكشف عنها، ومنها ما يطلب التّصحيح والتعمّق لإبرازها حقائقَ ثابتةً صحيحة .. باختصار إنّ قصد نا هو إظهار الجانب
__________
(1) - ينظر الدّكتور محمد صالح ناصر، محمد بن الحسن بن دريد ... ص: 170. ابن النّديم، الفهرست، ص: 276، ومعجم الأدباء، 18/ 127، وابن الأنباري، نزهة الألبّاء، ص: 256 .... (1/4)
صفحة 5
الفكري والوجه الحضاري في شخصيّة ابن دريد، وبيان حقيقة شخصيّة ابن دريد العلمية ...
نتناول حياة ابن دريد ونشأته وتكوّنه، وعمانيته التي شكّك فيها بعض الدّارسين، ومذهبه غير الواضح عند كثير من الباحثين. ثمّ جهوده اللّغوية، وإسهاماته الأدبية، من كلّ هذا نبرز مكانته العلمية، التي أسهم فيها ما كان يتمتّع به من مميّزات وخصائص، من أخلاق عالية، ومؤهّلات أهّلته أن يبدع وينتج ويترك إرثًا فكريًا، تفنّن به في أيجاد أسباب بناء الحضارة ...
الهدف من هذا العرض المتواضع هو إبراز شخصيّة ابن دريد وبيان تميّزها، ودورها في الفكر والحضارة الإسلاميين. لذا نقول للمتلقّي والقارئ المحترف: إنّ مفاتيح الدّراسة التي تساعد على فهم مضمون هذا البحث كلمات محورية فيه هي: (الفكر، العلم، المعرفة، الحضارة، عمان، البصرة، التفوّق، التميّز، العبقرية، مكانة علمية، الأصالة، التّأصيل، الإبداع، الابتكار، العلمية، التّجديد، التّطوير، صناعة، مكانة ابن دريد ... ). اصطحبها معك وأنت تقرأ هذا البحث، قد تساعدك على فهم مضمونه، ومعرفة الهدف المرسوم له. والله الهادي للتي هي أقوم، وهو نعم المولى ونعم النّصير، وبالإجابة جدير، وهو على كلّ شيء قدير ...
الجزائر يوم الإثنين: 17 من محرّم الحرام 1433هـ
12 من ديسمبر ... 2011م
الدّكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام
الفصل الأوّل
ابن دريد حياته وآثاره
أ - النّسب والمولد
1 - نسبه:
يذكر ياقوت الحموي نسبه بشكل ضاف؛ توسّعًا ودقّة: " هو محمد بن الحسن بن دريد بن عتاهية بن حنتم بن حمامي بن وهب بن سلمة بن حنتم بن حاضر بن جشم بن (1/5)
صفحة 6
ظالم بن أسد بن عديّ بن مالك بن فهم بن غنم ... " امتدّ بنسبه حتّى وصل به إلى يعرب بن قحطان. (1)
إنّ ابن دريد ينحدر من أسرة عريقة، كانت لها مكانتها في الدّولة العبّاسية. فأبوه يعدّ من رؤساء زمانه (2). ذكر البغدادي أنّ أباه كان من الرّؤساء، وكان ذا يسار (3). حين عرض نسب ابن دريد، ووصل إلى " حمامي " ذكر أنّ ابن دريد قال: هو " أوّل من أسلم من آبائي، وهو من السّبعين راكبًا الذين خرجوا مع عمرو بن العاص، من عمان إلى المدينة لمَّا بلغهم وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتّى أدّوه." (4)
ذُكِر أنّ جدّ ابن دريد الأدنى نزح مع النّازحين من أزد عمان، خلال القرن الثّاني للهجرة إلى البصرة، واستقرّ بها، واتّخذها مركزًا لإقامته، ومنطلقًا لأسفاره. (5)
إنّ ابن دريد ينحدر من قبيلة الأزد العمانيّة. وأزد عمان من القبائل العربيّة المعروفة على مدى التّاريخ، والتي استقرّت في عمان، وأصولها من القبائل العربيّة اليمنيّة، وبها يفخر السّيّد الحميري، إذ يقول:
وَالأزْدُ أَزْدُ عُمانَ الأَكْرَمُونَ إذَا ... عُدَّتْ مَآثِرُهُمْ في سالفِ الزّمن
بَانَتْ كَرِيمَتُهُمْ عنِّي، فَدَارُهُمُ ... دَارِي وَفِي الرَّحْبِ مِنْ أَوْطَانِهِمْ وَطَنِي (6)
يذكر الإمام غالب بن علي الهنائي أنّ ابن دريد حديدي، وبنو حديد قومه، ما زالوا في (دُما)، المعروفة اليوم بالسّيب من الباطنة، وبعضهم بوادي العين من أودية بني
__________
(1) - الدّكتور أحمد عبد اللّطيف اللّيثي، " ابن دريد من خلال كتابه شرح المقصور والممدود، عرض ودراسة وتعليق "، فعاليات ومناشط المنتدى الأدبي، وزارة التّراث القومي والثّقافة، سلطنة عمان، إصدار يونيو 1990م، ص: 122. ينظر معجم الأدباء، ج 18، ص: 127. والدّكتور محمد صالح ناصر، محمد بن الحسن بن دريد، ص: 37، 38. فيهما إحالة إلى المصادر التي ذكرت نسب ابن دريد.
(2) - الصّفدي، الوافي بالوفيات، ج2، فيسبادن، 1962م، ص: 339.
(3) - أبو بكر أحمد بن عليّ الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، ج2، المكتبة السّلفيّة، المدينة المنوّرة، (د. ت)، ص: 195.
(4) - فعاليات ومناشط المنتدى الأدبي سنة 1990م، ص: 122.
(5) - المرجع نفسه.
(6) - ابن دريد الأزدي أعلم الشّعراء وأشعر العلماء، المجلّد الأوّل، ص: 85. (1/6)
صفحة 7
هُناءة من الأزد، ولا يزال بطون الأزد كبني حديد (أو حُدَيْد) واليحمد والعتيك وخروص وغيرهم منتشرين في عمان. (1)
في شعر ابن دريد ما يشير إلى هذا النّسب:
وَبَنُو العَمِّ مِنْ حُدَيْدٍ، خُصُوصًا ... وَعِمادِي في كُلِّ أَمْرٍ نفيل
وبَنُو ظَالِمٍ يدِي وَلِسانِي ... وَحُسامِي المُهَنَّدُ المَصْقُول (2)
2 – مولده:
تذكر معظم المصادر، وتتّفق أغلب الرّوايات أنّ مولده كان في مدينة البصرة سنة 223هـ، في خلافة المعتصم. القليل منها يخالف هذا. ورود كلمتي: (سكن ونشأ) (3) في بعض ما كتب عن حياة ابن دريد، ربّما يكون السّببَ في مخالفة بعضهم شبه الإجماع: (أنّ مولد ابن دريد كان في البصرة). فقال نفر من الدّارسين كانت بعمان. وقد يكون تحيّزهم لوطنهم عمان، هو الذي جعلهم لا يقبلون بغير رواية مولد ابن دريد في عمان. الشّيخ نور الدّين السّالمي يقول: إنّ ابن دريد من أهل عمان، (4) والشّيخ محمد الخصيبي يقول: هو ممّن قال الشّعر من أهل عمان، سكن في صحار من الباطنة، ويقال أيضًا: سكن في (دُما) التي كانت مأوى الأخيار والعلماء، وهي بلد (السّيب) من خطّ الباطنة (5)
أمّا الشّيخ أبو إسحاق إبراهيم طفيَّش، فهو أكثر وقوفًا أمام قضيّة المولد والنّشأة، وأكثر ميلاً إلى اعتبار أنّها كانت في عمان، وهو ينسب إلى بعض المؤرّخين العمانيّين، دون أن يشير إلى أسمائهم ما يرجّح وجهة نظره تلك. يقول: " كتب بعض مؤرّخي عُمان، وهم أهله ومنهم أرومته، وفيهم منبته، قال: هو من بلد (قدفع)، هكذا نصّ عليه صاحب (رسالة الأئمّة والعلماء) " (6)
الرّاجح أنّه ولد في سكّة صالح بالبصرة سنة 223هـ / ما يقابل تقريبًا 838م). هذا ما أثبتته كثير من المصادر القديمة والحديثة (7) أورد الدّكتور محمد صالح ناصر نصًّا لابن دريد، نقله تلميذه الحسن بن عبد الله بن سعيد اللّغوي، وأبو الحسن الدّريدي أحد غلمان ابن دريد، يشير فيه ابن دريد إلى أنّ مولده كان في البصرة: " ولدتُ بالبصرة، في سكّة صالح سنة ثلاث وعشرين ومائتين، وذلك في خلافة المعتصم." (8)
مهما يقل في مكان مولد ابن دريد، فإنّ ما هو متّفق عليه هو تحقيق أصالته العمانيّة، ولو رجحت روايات مولده في البصرة، فإنّها تظلّ عمانيّة؛ بالنّظر إلى أنّ أغلب سكّان البصرة كانوا عمانيّين، وصلتهم بعمان لم تنقطع أبدًا، في المجال العلمي والتّجاري، والعلاقات الحميميّة، التي كانت تترجم لها وتجسّدها الرّحلات المكثّفة بين الجهتين. لم يغفل الدّارسون الحديث عن الصّلات التي تربط عمان بالبصرة، وبخاصّة قبيلة الأزد التي انتقلت إلى العراق وسكنت البصرة بخاصّة: " وإذا تحدّثنا عن صلات العمانيّين ببلاد العراق، فنحن نتحدّث عن تاريخ طويل بعيد، يعود إلى فترات ما قبل الإسلام، وقد لعبت التّجارة دورًا مهمًّا في هذه الصّلات، وإثر تمصير البصرة أثناء الفتوحات الإسلاميّة. ونظرًا لموقعها الجغرافي الذي يربطها بالخليج العربي وعمان انتقلت بطون كثيرة من القبائل العربية، وسكنت البصرة، ومنها قبيلة الأزد، بل إنّ الأزديّين كانوا الأكثر عددًا؛ لذلك سمّيت البصرة ببصرة الأزد، هنا يقول الشّاعر:
__________
(1) - الدّكتور موسى بني خالد والدّكتور أنور عودة الخالدي، " ابن دريد الأزدي العماني: قراءة في حياته ومكانته العلميّة "، كتاب ابن دريد أعلم الشّعراء وأشعر العلماء، المجلّد الأوّل، ص: 86. ينظر ابن دريد، كتاب وصف المطر والسّحاب وما نعته العرب الرّوّاد من البقاع، تحقيق وتقديم وشرح عزّ الدّين التّنوخي، دمشق، 1382هـ/ 1963م، المقدّمة، ص: 11.
(2) - محمد بن الحسن بن دريد، ص: 38. ينظر ديوان ابن دريد، تحقيق عمر، ا بن سالم، تونس، 1973م، ص: 94.
(3) - مثلاً وردت هذه العبارة " نشأ ابن دريد بعمان وتنقّل بين البصرة وفارس وبغداد ... " في كتاب عمان في التّاريخ، دار أميل للنّشر المحدودة، لندن، 1990م، ص: 244.
(4) - ينظر أبو محمد عبد الله بن حميد السّالمي، تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان،، ج1، مكتبة الاستقامة، مسقط، سلطنة عمان، (د. ت)، ص: 18.
(5) - محمد بن راشد الخصيبي، شقائق النّعمان على سموط الجمان في أسماء شعراء عمان، ج1،ط2، وزارة التّراث القومي والثّقافة، مسقط، سلطنة عمان، 1989م، ص: 21.
(6) - الدّكتور أحمد درويش، ابن دريد الأزدي وتأثيره في الدّرس والنّصّ الأدبي، ص: 20. وأبو إسحاق إبراهيم اطفيش الجزائري، تحقيق كتاب " الملاحن " للإمام أبي بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدي، دار الكتب العلميّة، بيروت، لبنان، 1987م، المقدّمة.
(7) - ينظر مثلاً ابن دريد الأزدي أعلم الشّعراء وأشعر العلماء، المجلّد الأوّل، ص: 93، هامش: 9. والدّكتور محمد صالح ناصر، محمد بن الحسن بن دريد ... ص: 39، 40. وغير هذين المرجعين ...
(8) - محمد بن الحسن بن دريد، ص: 39. ينظر ابن بركات كمال الدّين الأنباري، نزهة الألبّاء في طبقات الأدباء، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار النّهضة، القاهرة، مصر، 1967م، ص: 256. (1/7)
صفحة 8
فَبَصْرَةُ الأزد مِنَّا، والعِراقُ لَنَا ... والمَوْصِلانِ، ومِنَّا مِصْرُ وَالحَرَمُ
وكانت قبيلة الأزد تنتقل بين البصرة وعمان (1)
ب – نشأته وثقافته
نشأ ابن دريد في بيئة علميّة دينيّة، اهتمّت بالعلم والثّقافة والأدب ... وَوُجد في عصر تنوّعت فيه المعارف، وتطوّرت العلوم، وانفتح فيه العالم الإسلامي على ثقافات متعدّدة، واشتدّ التّنافس بين العلماء، وكثر المبرّزون في مختلف حقول العلم ... وهو نفسه انكبّ على التّحصيل وتفرّغ للتّكوّن، وعدّد من مصادر تعلّمه، بين الجلوس إلى الأساتذة والمشايخ، والقيام برحلات علميّة، والانكباب على المطالعة ... كما لقي توجيهًا خاصّا، وعناية متميّزة ... وغير ذلك من العوامل التي ساعدته على التثقّف والتّكوّن والاستعداد الجيّد لمستقبل واعد بالعطاء والنّتاج الوافر من المعارف المتنوّعة ..
نشأ ابن دريد في أسرة علميّة، ميسورة الحال؛ ممّا جعله لا يتأثّر بشظف العيش، ولا بقلّة ذات اليد التي قد تمنع من التّفرّغ للتّعلّم. وقد ساعدته عوامل كثيرة على النّشأة العلمية المتميّزة:
1 - انتماؤه إلى أسرة عريقة في الأصالة العربيّة، ونشأته وترعرعُه بين أحضان بيت يتمتّع بالعزّ والفخار والسّؤدد، الأسرة التي تنتمي إلى أزد عمان. يقول الدّكتور محمد صالح ناصر: "فهذه الأرومة المنيعة في الشّجرة العربيّة الوارفة، تعدّ من أهمّ العوامل التي كوّنت ابن دريد؛ لأنّ نشأته في البيئة العربيّة الصّافية، هي التي حافظت على لسانه، ليظلّ عربيًّا فصيحًا، فقويت فيه ملكة الشّعر، ونمّت رصيده اللّغوي، ووفّرت بين يديه الوسائل والأدوات التي ساعدته على أن يصبح - مع مرور الأيّام – ذلك العالم اللّغوي، الذي طبّقت شهرته الآفاق." (2)
2 - اعتناء عمّه الحسين به، وتأديبه له، واصطحابه له معه في كثير من أسفاره؛ قصد تأديبه وتعليمه. مع العلم أنّ العمّ كان عالمًا، كما كان تاجرًا، بتنقّل كثيرًا بين البصرة
__________
(1) - ابن دريد الأزدي أعلم الشّعراء وأشعر العلماء، المجلّد الأوّل، ص: 86. نقلاً عن تاريخ بغداد، ص: 196. ذكر الكاتبان مجموعة من المصادر والمراجع التي أشارت إلى هذه النّقطة، تنظر صفحة: 93، هامش: 7.
(2) - محمد بن الحسن بن دريد، ص:44. ينظر أيضًا فعاليات ومناشط المنتدى الأدبي، إصدار يونيو 1990م، ص: 133. (1/8)
صفحة 9
وعُمان، حسب ما تذكر المصادر. بذلك تكون نشأته وتعلّمه بين البصرة وعمان. تدلّ على ذلك العبارات التي نقلت عمّن ترجم لابن دريد، والتي تورد ما يفهم منها أنّه نشأ في البصرة، كما نشأ في عُمان أيضًا. يقول ابن خلّكان: " إنّه نشأ بالبصرة وتعلّم فيها " (1). وابن النّديم يقول: " ولد بالبصرة وأقام بها، ثمّ مضى إلى عمان " (2). والسّيوطي يقول: " إنّه ولد بالبصرة وقرأ على علمائها " (3). أمّا تلميذه المرزباني والسّمعاني والخطيب البغدادي وابن الأنباري فيقولون إنّه نشأ بعمان (4)
هذا التّداخل والاختلاف في تحديد مكان النّشأة والتّعلّم بين البصرة وعمان، يدلاّن على هذه اللّحمة والعلاقة الكبيرة اللّتين كانتا بين أهل عمان وسكّان البصرة، التي كان أغلب قاطنيها عمانيّين؛ لذا كان المؤرّخون لحياة ابن دريد لا يفرّقون بين البصرة وعمان في أثناء الحديث عن ابن دريد، ولا يعبؤون بالتّدقيق في ذكر الجهتين، وكانوا يعدّانهما مكانًا واحدًا، ولا يختلفان إلاّ في التّسمية. كما أنّه بسبب تعاقب وجود ابن دريد بين البصرة وعمان، لم يتمكّن الدّارسون والمؤرّخون من تحديد مكان النّشأة بالضّبط، فتكون بذلك قد حصلت في الجهتين، وإن كانت للبصرة الأولوية أو الفضل في ذلك. في هذا المعنى يقول محمد بدر الدّين العلوي: "وأجزم أنّهم كانوا (أي أهل ابن دريد) في البصرة، حين ولد ابن دريد، ثمّ ذهبوا إلى عمان، ووقعت نشأته في عمان بهذا المعنى، ثمّ لمّا صار أهلاً للتّعلّم أقام بالبصرة مع عمّه الحسين بن دريد، ولعلّه كان أكثر إقامة بها من بينهم، ولا شكّ أنّه تعلّم بها، إذ معلّمه الأوّل بعد عمّه هو أبو عثمان الأشننداني، وقد ثبت أنّه أخذ عنه بالبصرة. فأحسب أنّ من قال بوقوع النّشأة والتّعلّم في البصرة اختصر وأغمض في زمن طفولته، الذي قضاه بعمان. ومن قال بكون النّشأة في عمان أهمل ذكر تعلّمه بالبصرة " (5)
معنى هذا أنّ البصرة وعمان اشتركتا في تنشئة ابن دريد. البصرة كانت موطن التّعلّم، وعمان كانت موضع اكتساب المهارات والإفادة من بيئتها.
3 - رحلاته المتعدّدة بين عمان والبصرة وفارس وبغداد. فمن هذه الرّحلات ما أفاد منها في بداية حياته في التّعلّم والتّكوّن، ومنها ما استثمره لأخذ التّجارب ممّن التقى بهم في المراحل التي أعقبت بدايات نشأته، ومنها ما استلهم من بيئاتها التي تقلّب
__________
(1) - وفيات الأعيان، ج3/ 450.
(2) - الفهرست، ص: 275.
(3) - بغية الوعاة، ج1/ 76.
(4) - محمد بن الحسن بن دريد، ص: 50.
(5) - ديوان ابن دريد، تحقيق محمد بدر الدّين العلوي، ص: 4. (1/10)
صفحة 10
فيها ما صقل شخصيته، ونمّى معارفه ... ولو كان ذلك في سنّ متقدّمة من حياته. المهمّ كما قال الدّكتور محمد صالح ناصر عن رحلات ابن دريد العلميّة: " إنّ النّاظر في حياة ابن دريد يلحظ فيها فواصل زمانية، وفواصل مكانية، وكلّها كانت عظيمة الأثر في حياته. فقد تنقّل من بيئة عربية خالصة إلى أخرى أعجمية خالصة. وسافر وهو خائف مطارد، كما استقرّ وهو مرفّه منعّم. ومن هنا فإنّ النّظر في هذه الرّحلات قد يساعد على فهم شخصيّة ابن دريد، ويلقي الضّوء على جانب من جوانب حياته، فإنّ هذه الأسفار ولا شكّ قد أفادته تجربة، وزوّدته معارف واتّصالات؛ ولذلك اعتنى المترجمون بذكرها، إلاّ أنّهم لم يتّفقوا على عددها ... " (1)
يقول الدّكتور أحمد درويش: " ... كانت رحلاته (أي ابن دريد) المتكرّرة إلى عمان واتّصاله بصفاء اللّغة هناك قد أمدّه برافد هامّ مكّنه من السّيطرة على المادة اللّغوية؛ دراية ورواية وتنسيقًا وفتحًا لآفاق جديدة ... " (2)
ركّز الدّكتور محمد صالح ناصر على بيئتين كان لهما دور كبير في صقل شخصيّة ابن دريد اللّغوية بخاصّة، هما البصرة وعمان. عن البصرة قال: " وممّا لا شكّ فيه أنّ لنشأة ابن دريد في البصرة بالذّات علاقة وطيدة وتأثير مباشر في توجّهه اللّغوي، وتكوينه الأدبي، وعنايته القصوى باللّغة العربية؛ حفظًا وإتقانًا ودراسة." وقال عن بيئة عمان الثّقافية: " وأحسب أنّ من أهمّ العوامل التي ساعدت على شهرة ابن دريد وتفوّقه في المجال اللّغوي انتماءَهُ إلى أزد عمان بالذّات، واتّصاله الوثيق بهذه البيئة الثّقافيّة التي وإن لم يعش فيها طويلاً، إلاّ أنّه ظلّ وثيق الصّلة بها. وليس أدلّ على ذلك من شهرة البيئة العمانيّة بالحافظة اللّاقطة، والذّاكرة العجيبة المتدفّقة، وهذه أولى الخصائص التي ساعدت ابن دريد على تفوّقه اللّغوي، إذ لولا هذه الحافظة التي تسعفه بالعلم والرّواية ما ألّف الجمهرة، أو الاشتقاق، أو الملاحن، أو غيرها من المؤلّفات القيّمة ... " (3)
__________
(1) - محمد بن الحسن بن دريد، ص: 48. ينظر الإشارة إلى بعض هذه الرّحلات: المرزباني، معجم الشّعراء، ص: 425. الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، ج2، ص: 195. ابن النّديم، الفهرست، ص: 275. ابن خلّكان، وفيات الأعيان، ج3، ص: 450 ... ينظر تفصيلا وتحليلا لهذه الرّحلات، حسب المراحل التي مرّت بها حياة ابن دريد الدّكتور محمد صالح ناصر، محمد بن الحسن بن دريد، ص: 48 – 60.
(2) - ابن دريد الأزدي وتأثيره في الدّرس والنّصّ الأدبي، ص: 40.
(3) - محمد بن الحسن بن دريد، ص: 32. لمزيد من التّفاصيل في الموضوع، ينظر الكتاب نفسه الفصل الثّالث: الحياة العلمية والثّقافية، ص: 27 – 34. (1/11)
صفحة 11
4 - قضاء جزء من حياته المبكّرة في أجواء المدينة، وتدرّجه فيها، وأخذه من البيئة الحضريّة ما أضاف إلى شخصيّته مكوّنًا آخر، اختلط بما تشبّعت به نفسه من ملامح البادية الصّافية. فكان لذلك أثره على مستقبل حياته العلمية والعملية. يقول أحمد عبد اللّطيف اللّيثي عن العوامل التي أثّرت في نشأته، وصقلت شخصيته: " ... العامل الثّاني: أخذه بحظّ وافر من أضواء المدينة، وزخارف الحواضر .. فلم يكن ابن دريد منغلقًا على نفسه، بقدر ما كان منطلقًا .. هذا الانطلاق الذي وسّع بلا شكّ مداركه .. وكثّر معارفه، وجعله ملمًّا إلمامًا واسعًا بثقافة عصره ... " (1)
5 - كان حظّه أن يعيش البيئة العلمية، منذ صغره، ويتنقّل بين فضاءات كثيرة، أسهمت في تنشئته النّشأة العلمية والثّقافية الصّحيحة القوية. يقول الدّكتور أحمد درويش: " ... ولقد أتيح لابن دريد أن يعيش الحياة العلمية في العراق وفارس في أزهى فترات الحضارة الإسلامية، وأن يسهم في العطاء، بعد أن أسهم في الاستيعاب في مرحلة يرى بعض المفكّرين أنّها القمّة التي وصل إليها العطاء العلمي في الإسلام ...
كان شيوخ علماء اللّغة والأدب والنّحو وعلوم الدّين والشّعر وأصحاب التّرجمات والمولعون بعلوم الأوائل، كان كلّ أولئك يعمرون العراق في هذه الفترة، يفدون إليه، أو يلتقون فيه، أو ينطلقون منه، إلى أمصار العالم الإسلامي المختلفة ... " (2)
يقول الباحثان موسى بني خالد وأنور الخالدي: " عاش ابن دريد في عصر حافل بالعلم والنّشاط الفكري، فقد ازدهرت حركة التّأليف، ونشطت التّرجمة، وبرز العلماء، في الفترة التي عاشها ابن دريد (223 – 321هـ). وقد عبّر أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ البصري (ت 255هـ) عن ذلك النّشاط الفكري في كتابه الحيوان بقوله: (وكان المعين فيّاضًا مترعًا، والعقول في نشاط، والتّأليف والتّرجمة لهما دويّ النّحل في كلّ صقع، والدّين يدعو إلى العلم والنّور، والمال تلمع وجوهه في عيون أهل الفضل، فيذكي العزائم، ويبرم العقد، والعلم ولود، صاحبه كلّما ارتوى منه عاد به في سبيل الظّمأ، وحيثما شبع منه رجع به في سبيل الجوع.) " (3)
بمعنى إنّ ابن دريد عاش في عصر اتّساع مجالات الثّقافة، وتدفّق ينابيع العلم، وتنوّع مصادر المعارف، لذا عرف علماؤه ومؤّلفوه بالموسوعيّين بما يملكون من الثّقافة، وبما
__________
(1) - فعاليات ومناشط المنتدى الأدبي، إصدار يونيو 1990م، ص: 123.
(2) - ابن دريد الأزدي وتأثيره في الدّرس والنّصّ الأدبي، ص: 36، 37.
(3) - ابن دريد الأزدي أعلم الشّعراء وأشعر العلماء، المجلّد الأوّل، ص: 90. ينظر كتاب الاشتقاق، المقدّمة، ص: 7. وكتاب الجمهرة، ج1، ص: 11. (1/12)
صفحة 12
ينتجونه من أعمال. وكان منهم ابن دريد الأزدي. " ولعلّ السّمة الجامعة لعصر ابن دريد هي سمة الجمع بين المختلفات من أمور الثّقافة والعلم، ولا نقول المتضادّات. هذه السّمة هي النّهل من كلّ مورد والإصدار من كلّ معطن، أو كما قال بعضهم. (الأخذ من كلّ شيء يطرف، وهو مفهوم الأدب لدى القدماء).
وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أنّ عصر ابن دريد كان عصر تكوين وتأسيس أو اكتمال البناء والتّأسيس، ورسوخ الفكرية والحضارية لدى المجتمع الإسلامي.
ولقد كان ابن دريد أحد المشاركين النّشطين بترسيخ ذلك البناء الشّامخ والصّرح السّامق للحضارة الإسلامية، من خلال مؤلّفاته الموسوعية ... (1)
6 - التّيّار الفلسفي الذي ساد العصر الذي وجد فيه ابن دريد، شكّل جزءًا من الثّقافة التي تشبّع بها، وكان لها مردودها في نتاج ابن دريد. يقول الدّكتور أحمد درويش: " على أنّ رافدًا هامًّا من روافد التّكوين الثّقافي عند ابن دريد، لم يحظَ بعناية كافية من قبل دارسيه، هو الرّافد الفلسفي الذي شكّل تيّارًا عميقًا في ذلك العصر، وشكّل في بعض المراحل نمطًا ثقافيًا يتمّ من خلاله عادة المفاضلة أو المواجهة بين طائفتين، تعتزّ إحداها بالثّقافة العربية الإسلاميّة، وتعتزّ الثّانية بالثّقافة المستحدثة الوافدة، وتزهو بها على الطّائفة الأخرى. " (2)
هذه بعض العوامل التي أحاطت بنشأة ابن دريد، وقامت شاهدًا على ما بذله من جهد ليتعلّم، ودليلاً على ما حظي به من ظروف وشروط مناسبة لكي يتكوّن، إلاّ أنّ الدّور الكبير في تكوّنه ونشأته العلميّة المتميّزة كان على أيدي شيوخ كبار، شُهدَ لهم بالتّفوّق وغزارة العلم، والمكانة العالية في مجتمعاتهم.
ج – شيوخه
عاش ابن دريد في عصر ازدهرت فيه الثّقافة، وتعدّدت مشاربها ومنابعها، وتنوّعت أشكالها وألوانها، والتقى بعلماء مختلفي التّخصّصات، وتخرّج على أيدي مشايخ فطاحل: أساطين في اللّغة، وجهابذة في العلم، مبرّزبن في ميدان المعرفة. منهم من تلقّى عنه، ومنهم من روى له. عدّد له مصطفى السّنوسي حوالي اثنين وعشرين شيخا (22)
__________
(1) - ابن دريد الأزدي، البحوث المقدّمة في ندوة من أعلامنا الرابعة، الهيئة العامّة للرّياضة والأنشطة الشّبابية، سلطنة عمان، 1412هـ/ 1991م، ص: 130.
(2) - المرجع السّابق، ص: 41. ينظر أحمد أمين، ظهر الإسلام، ج2، ط5، دار الكتاب العربي، (د. ت)، ص: 260. (1/13)
صفحة 13
ومحقّق كتاب " الاشتقاق " تسعة عشر شيخا (19) بين من هو مشهور، ملأ اسمه الآفاق، وترك مؤلّفات مهمّة، ومن هو دون ذلك في الشّهرة. نسجّل أنّ هؤلاء الشّيوخ ليسوا سواء من حيث تأثيرهم في ابن دريد. نذكر من بين من صبغوه بصبغته:
- عمّه الحسين بن دريد. وهو أوّل من تتلمذ عليه، ومهّد له السّبيل ليلتقي بعلماء كبار نهل من علمهم، وتخرّج في مجالسهم. صرّح ابن دريد أنّ عمّه الحسين كان هو من تولّى تربيته بعد وفاة أبيه، الذي يبدو أنّه فارق الحياة، وابن دريد ما يزال في سنّ مبكّرة من عمره. (1)
- عبد الرّحمن بن عبد الله بن أخي الأصمعي (ت 240 هـ)، الذي وصله بالأصمعي مباشرة، وقد روى عنه كثيرًا.
- أبو إسحاق إبراهيم الزّيادي بن سفيان (ت 249 هـ) له اهتمام بالنّحو. هو أديب شاعر، " أخذ عن سيبويه وأبي عبيدة والأصمعي، ويشبهه البعض بالأصمعي في معرفته بالشّعر ومعانيه ... " (2)
- أبو حاتم سهل بن محمد بن عثمان السّجستاني (ت 255 هـ) قال عنه الدّكتور محمد صالح ناصر: " كان عالمًا ثقة ضليعًا في علوم العربية والشّعر دقيق النّظر ... وكان إمامًا في النّحو واللّغة والعروض والقراءات ... ويقول عنه أبو الطّيّب عبد الواحد بن علي اللّغوي: وكان أبو حاتم في نهاية الثّقة والإتقان والنّهوض بلغة القرآن، مع علم واسع بالإعراب أيضًا ... " (3)
كان تأثّر ابن دريد بهذا الشّيخ كبيرًا؛ في تخصّصه اللّغوي، وفي الجانب الأخلاقي والسّلوكي، وفي دقّة تحرّيه في نقل الأخبار، وفي الجدّ في طلب العلم، وفي روح الدّعابة ... (4)
- أبو الفضل عبد الرّحمن الرّياشي (ت 257 هـ) قال عنه الدّكتور أحمد درويش: " ... وكان يعرف بأنّه راوية ثقة، عارف بأيّام العرب. وقد تتلمذ عليه ابن دريد، وظلّ مصاحبًا له، يأخذ عنه حتّى فرّقت بينهما ثورة الزّنج عام 257هـ، فهاجر ابن دريد في
__________
(1) - ينظر الدّكتور محمد بن ناصر بن راشد المنذري، تاريخ صحار السّياسي والحضاري من ظهور الإسلام حتّى نهاية القرن الرّابع الهجري، ط1، دار العلوم العربية للطّباعة والنّشر، بيروت، لبنان، 1429هـ/ 2008، ص: 302. نقلا عن الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، ج2، ص: 196.
(2) - محمد بن الحسن بن دريد، ص: 94.
(3) - المرجع السّابق، ص: 91.
(4) - ينظر المرجع السّابق، ص: 91، 92. (1/14)
صفحة 14
بدايتها إلى عمان، واعتصم أستاذه الرّياشي بالمسجد مع النّاس، فدهمهم الزّنج داخله وقتلوهم " (1)
- أبو عثمان سعيد بن هارون الأشننداني (ت 257 هـ). (2) يعدّ المعلّم الثّاني لابن دريد بعد عمّه الحسين بن دريد. وقد استقدمه ليؤدّب ابن أخيه. وهو يعدّ من أئمّة اللّغة والنّحو والأدب (3)
إنّ الشّيوخ الذين أخذ عنهم العلم علماء كبار، لهم باع طويل في ميادين العلم والمعرفة، وهم من الأعلام الذين وجّهوا مسيرة العلم، وقعّدوا لمختلف العلوم، وقد تأثّر بهم ابن دريد كثيرًا، واصطبغ بصبغتهم في تكوّنه وتثقّفه. يظهر هذا جليًا في شخصيته العلمية، وأصالة فكره، كما يبدو في توجّهه وتخصّصه وتفوّقه في الميادين التي برز فيها مشايخه، ومنها ميدان اللّغة بخاصّة. يقول الدّكتور أحمد درويش: " استقى ابن دريد إذن جزءًا من معارفه من مصادر شيوخ مرموقين، يصلون بعلمهم إلى شيوخ الجيل الأوّل ...
إنّ تعدّد مصادر ابن دريد إذن ما بين القنوات التي تؤدّي إلى منابع الأصمعي وأبي عبيدة ومعمر بن المثنّى، من خلفهم بحر العربيّة الواسع، الذي يمتاح منه كلّ على قدر ما يستطيع ... ليدلّ كلّ ذلك على مدى صلة الذّاكرة القويّة، والعقل الشّره، والعمر الممتدّ بالعصر الغنيّ والإمكانات المتاحة، والجهد الدّروب " (4)
هؤلاء الشّيوخ الكبار الذين أخذ عنهم ابن دريد، كوّنوه وثقّفوه وعلّموه ونشّؤوه تنشئة جيّدة ... فنبغ وتفوّق؛ ليقوم هو بدوره على إعداد جيل من الرّجال الذين واصلوا الدّرب في خدمة اللّغة العربية والثّقافة الإسلامية.
د - تلاميذه
لقد أعدّ ابن دريد جملة من التّلاميذ، كان لهم دور كبير في مسيرة الفكر الإسلامي، وبخاصّة في مجالي اللّغة والأدب (5) ذكر السّيّد مصطفى السّنوسي من
__________
(1) - ابن دريد الأزدي وتأثيره في الدّرس والنّصّ الأدبي، ص: 38.
(2) - ينظر تعليق من أمالي ابن دريد، ص: 21 – 23. وكتاب الاشتقاق (المقدّمة)، ص: 5، 6. وكتاب جمهرة اللّغة (المقدّمة)، ص: 5.
(3) - ينظر محمد بن الحسن بن دريد، ص: 91.
(4) - ابن دريد الأزدي وتأثيره في الدّرس والنّصّ الأدبي، ص: 40، 45.
(5) - كان له صنفان من التّلاميذ: مريدون لازموا حلقاته، وتلاميذ رواة عابرون، يغادرون حلقاته بمجرّد أن يفيدوا العلم، الذي جاؤوا يطلبونه. (1/15)
صفحة 15
تلاميذه العلماء حوالي أربعة وستّين تلميذا (64). وأحصى منهم محقّق كتاب الاشتقاق خمسة وأربعين تلميذا (45). هؤلاء التّلاميذ كان من بينهم لغوي ونحوي ومؤرّخ وأديب وناقد وراوية وقصّاص ...
يقول الدّكتور أحمد درويش عن ابن دريد والتّلاميذ الذين أعدّهم ليسهموا في تنمية الفكر، وتسيير دفّة الحضارة؛ بما صنعوه من أمجاد، وما قدّموه من أفضال، وما تميّزوا به من نزعات فكرية، وما أبدعوه من أعمال علمية كبيرة: " إذا كان هناك عالم يصلح أن يطلق عليه لقب (أستاذ الجيل) في الرّبع الأخير من القرن الثّالث الهجري والرّبع الأوّل من القرن الرّابع، فذلك العالم هو ابن دريد؛ ذلك أنّ جيلاً في حضارة متحرّكة وتخصّصات متفرّعة، ومشارب متفاوتة، بعضها ينزع إلى المنطق والفلسفة، وبعضها يشابهها. بعضها يأنس إلى الرّواية ويتوسّع سبلها، وآخر يعبر الحاجز بين دقّة السّند وخصوبة الخيال. بعضها يجنح إلى القراءة المستوعبة، والآخر يضمّ إليها خلاصة التّجربة. بعضها يميل إلى النّقد والموازنة والتّحليل وإعمال الدّراية، وآخر يميل إلى الأنس بتجارب السّابقين والميل إلى الرّواية. بعضها طامح إلى الشّعر، وآخر جانح إلى النّثر. ثمّ أخيرًا بعضها محافظ متورّع يقترب من الفقهاء، والآخر متجاوز متساهل يميل إلى منزع الأدباء والشّعراء. هذه المشارب كلّها في ذلك الجيل تلتقي نماذج منها في مدرسة ابن دريد، وتأخذ عنه وتنشر علمه في الآفاق، وتطوّر به مناحي الدّرس والتّأليف " (1)
نصّ أحمد درويش يكشف عن مدرسة كبيرة، كانت لبنة في الصّرح الحضاري، والبناء الفكري لمسيرة ثقافية طويلة، كوّنها ابن دريد، و استمرّت بعده، وامتدّ غرسها إلى الأجيال اللاّحقة، فكان هو أستاذ الجيل، وتلاميذُه مُعِدِّي أجيال، لذا كان دوره كبيرًا، وفضله بارزًا في تكوين مدرسة متميّزة في حقل التّعليم، وميدان الإعداد. من بين هؤلاء التّلاميذ الذين تخرّجوا في هذه المدرسة:
- أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الله البصري (صاحب ثعلب (ت 327هـ). (2)
__________
(1) - ابن دريد الأزدي وتأثيره في الدّرس والنّصّ الأدبي، ص: 48. أفاض الدّكتور أحمد درويش في بيان شخصيات بعض تلاميذ ابن دريد العلميّة ليبيّن دوره في إعداد جيل من العلماء الذين أسهموا في البناء الحضاري، وتطوير الفكر، فكانت جهوده فعلا قد أوجدت مدرسة كبيرة بتعدّد معارف من أنتجتهم، واختلاف تخصّصاتهم، وتنوّع اتّجاهاتهم ... ينظر المرجع نفسه، ص: 48 – 53.
(2) - محمد بن الحسن بن دريد، ص: 192. (1/16)
صفحة 16
- أبو الحسن محمد بن طالب بن يوسف البغدادي المالكي الأزدي (ت 328هـ). (1)
- أبو القاسم عبد الرّحمن بن إسحاق الزّجاجي (ت 337هـ).
- أبو عبد الله المرزباني (ت338هـ).
- أبو الحسن المسعودي (ت 346 هـ).
- الحرادي عبيد الله بن محمد بن جعفر الأزدي (ت 348هـ). (2)
- أبو الفرج الأصبهاني (ت 356 هـ).
- أبو علي ّ إسماعيل القالي (ت 356 هـ).
- أبو سعيد السّيرافي (ت 368 هـ).
- أبو عبد الله، ابن خالويه (ت 370 هـ).
- أبو الحسن محمد بن طالب الإخباري (ت 370هـ). (3)
- أبو عليّ بن عيسى الرّمّاني (ت 384هـ).
- الحاتمي محمد بن الحسن بن المظفّر اللّغوي البغدادي (4)
- أبو الحسين غلام بن دريد. أبو عليّ محمد بن عليّ بن مقلة. أبو القاسم الآمدي ... (5)
ذكر الأستاذ مرشد بن محمد الخصيبي ثلاثة تلاميذ هم:
- أبو عمران موسى بن رباح بن عيسى، راوي أصل كتاب (الجمهرة).
- أبو محمد عبد الله بن محمد الإيجي النّحوي الأديب، الذي روى عن ابن دريد الكثير، ووصف بصاحب ابن دريد.
- الشّاعر أبو الطّيّب المتنبّي (6).
قال مصطفى السّنوسي: " تصدّر (أي ابن دريد) في العلم ستّين سنة، له حلقات درس ومجالس علم، يؤمّها تلاميذه ومريدوه؛ للسّماع والتّلقّي. ولا نعدو الصّواب إذا
__________
(1) - المرجع السّابق، ص: 191م.
(2) - المرجع السّابق، ص: 193.
(3) - المرجع نفسه.
(4) - المرجع السّابق، ص: 193. هناك مجموعة من تلاميذ ابن دريد ذكرهم الدّكتور محمد صالح ناصر مع نبذ من حياتهم في كتابه " محمد بن الحسن بن دريد" ينظر الصّفحات: 189 – 201.
(5) - ينظر كتاب تعليق من أمالي ابن دريد، ص: 24 – 30. وكتاب جمهرة اللّغة، ج1 (المقدّمة)، ص: 5، 6، وكتاب الاشتقاق (المقدّمة)، ص: 6 – 8. وعمر، ابن سالم، ابن دريد حياته وآثاره وتأثيره.
(6) - ابن دريد الأزدي (ندوة من أعلامنا الرّابعة)، ص: 57. (1/17)
صفحة 17
قلنا: إنّ كلّ إنتاجه النّثري إنّما كان بمثابة محاضرات أعدّها ليلقيها على تلاميذه ومريديه، كما أنّ كثيرا من إنتاجه الشّعري إنّما هو من الشّعر التّعليمي، وكلّ من ترجموا للرّجل لم يعرفوا له عملا غير قيامه بالتّعليم، والتّوفّر له حيثما رحل وأقام. " (1)
هذا الجهد الكبير الذي بذله في التّعليم والتّكوين، والتّفرّغ لهما ... جعل الدّكتور أحمد درويش يقول ويقرّر: إنّ: " هذه الملامح العامّة هي التي جمعت بين النّحوي والمنطقي والمؤرّخ والنّاقد والرّاوية والقصّاص من تلاميذ ابن دريد، وهي ملامح في الحقيقة تكوّنت في نفسه أوّلا وتمثّلها، وزاد عليها وطوّرها تلاميذُه أعلامُ القرن الثّالث والرّابع ... وهم دون شكّ (أعلام الجيل) في عصر الحضارة النّاهضة، وابن دريد يستحقّ – بانتمائهم إليه وتأثّرهم به - أن يكون (أستاذ الجيل) " (2)
يضيف الدّكتور محمد بن ناصر المنذري: " ... ومن خلال ذلك الاستعراض الوجيز عن بعض تلاميذه نستطيع القول بأنّه ساهم مساهمة فاعلة في تنشئة جيل قدّم للحضارة الإسلامية كنوزًا معرفية لا ينضب معينها، تفيد كلّ الأجيال المتلاحقة، حتّى أصبحت مرتكزات تدعم البناء المعرفي في المجال اللّغوي للغة القرآن الكريم. وهذا الإسهام لابن دريد في حدّ ذاته هو أحد جوانب عطائه العلمي ... " (3)
هـ – آثاره أو مصنّفاته
مكانة ابن دريد العلمية تبدو أيضًا في كمّ المؤلّفات التي تركها للمكتبة الإسلاميّة وفي قيمتها. حتّى ولو كان الغالبُ عليها الطّابعَ اللّغوي، فإنّ مجالات أخرى كان لها نصيب من مصنّفاته. ذكر له الدّارسون حوالى خمسة وعشرين مؤلّفًا، متفاوتة الأحجام، بين صغير وكبير ومتوسّط. منها ما هو مطبوع، وبعضها ما يزال مخطوطًا، وجزء من هذه المؤلّفات ضاع، ولا تعرف عنه إلا إشارات في المصادر القديمة. هذه قائمة بمصنّفات ابن دريد حسبما ذكرته المصادر القديمة بخاصّة:
1 – المؤلّفات المطبوعة:
أ - جمهرة اللّغة. يقع في ثلاثة مجلّدات. طبع في حيدر أباد سنة 1334هـ/ 1952م، وألحق به مجلّد خاصّ بالفهارس، بتحقيق الشّيخ محمد السّورتي والمستشرق
__________
(1) - تعليق من أمالي ابن دريد، ص: 38.
(2) - ابن دريد وتأثيره في الدّرس والنّصّ الأدبي، ص: 53.
(3) - تاريخ صحار السّياسي والحضاري، ص: 306. (1/18)
صفحة 18
الألماني فريتس كرنكو، ثمّ حقّقه تحقيقًا علميًا الدّكتور رمزي منير بعلبكّي سنة 1987م، ونشره في ثلاثة مجلّدات، صدر عن دار العلم للملايين (1)
ب – الاشتقاق، أو كتاب اشتقاق أسماء القبائل، كما سمّاه ياقوت الحموي. نشره أوّل مرّة المستشرق فرناند وستنفلد سنة 1854م، ثمّ حقّقه الدّكتور عبد السّلام محمد هارون، سنة 1958م (2) " وقد ذكر (وستنفلد) في مقدّمة الكتاب أنّ الذي كشف هذا الكتاب واعتنى به هو المستشرق رايسكي. وقد قام بنشر الكتاب نشرة ممتازة، ولكنّ نسخها كانت محدودة جدًّا، حتّى جاء المحقّق الكبير عبد السّلام محمد هارون فنشره نشرة مدقّقة ممتازة، مستدركًا ما فات النّشرة السّابقة، وقد طبع الكتاب بالقاهرة سنة 1958م" (3)
يذكر الدّكتور أحمد درويش أنّ الكتاب طبع لأوّل مرّة في جوتنجن بألمانيا، بتحقيق فرديناند وستفنلد، مع مقدّمة بالألمانية في ستّ صفحات، وفهارس لأسماء الرّجال واللّغات. وقد صدرت له طبعة أخرى محقّقة تحقيقًا جيّدًا، ومشروحة على يد الأستاذ عبد السّلام هارون، وقد صدرت عن دار المسيرة ببيروت طبعة ثانية سنة 1979م. (4)
ج – السّرج واللّجام. نشره وليام رايت في ليدن، عام 1859م (5)
د – المقصور والممدود. نشره في دمشق ماجد الذّهبي وصلاح الخيمي بعنوان (شرح المقصور والممدود)، القصيدة همزية مثبتة في ديوانه، عدد أبياتها خمسة وخمسون بيتًا (6). هي تعليميّة، جمع فيها ابن دريد أغلب المقصور والممدود في اللّغة العربية.
هـ – الملاحن. نشره المستشرق رايت في ليدن، سنة 1859م، ثمّ المستشرق تريكي في جونا، سنة 1882م, ثمّ نشر في القاهرة سنة 1323هـ، ثمّ نشره أبو إسحاق إبراهيم
__________
(1) - ينظر الدّكتورة ميمونة عوني سليم، " قراءة تحليلية في حياة ابن دريد الأزدي ومصنّفاته "، كتاب ابن دريد الأزدي أعلم الشّعراء وأشعر العلماء، المجلّد الأوّل، ص: 132.
(2) - المرجع نفسه.
(3) - محمد بن الحسن بن دريد، ص: 102.
(4) - ابن دربد الأزدي وتأثيره في الدّرس والنّصّ الأدبي، ص: 56.
(5) - ابن دريد الأزدي أعلم الشّعراء وأشعر العلماء، ص: 132.
(6) - المرجع نفسه. (1/19)
صفحة 19
اطفيش الجزائري في القاهرة، سنة 1347هـ. (1). ذكر له أحمد درويش طبعة أخرى سنة 1987م، صدرت عن دار الكتب العلمية ببيروت (2)
يقول الدّكتور محمد صالح ناصر: " ... ثمّ نشر بتحقيق علمي، بشرح مفرداته وغامضه، بعناية الشّيخ إبراهيم اطفيش الجزائري سنة 1347هـ، وتفادى في تحقيقه ما لوحظ في النّشرات السّابقة من تحريف النّاسخين. فكانت ممتازة بجمعها ما بين تلك النّسخ من الزّيادات، وتصحيح ما فيها من الأغلاط، فجاءت أكملهنّ وأوفاهنّ وأصحّهنّ، مزدانة بتعليقات، موشّاة بتحقيقات وزوائد لا يستغنى عنها." (3)
و – روّاد العرب. نشر بعنوان (صفة السّحاب والغيث وأخبار الرّوّاد وما حمدوا من الكلأ)، طبع الكتاب في مجموعة (جُرْزَة الحاطب وتحفة الطّالب) في ليدن، سنة 1859م، بتحقيق وليام رايت. ونشره عزّ الدّين التّنوخي في دمشق، سنة 1963م، بعنوان (كتاب وصف المطر والسّحاب وما نعتته العرب الرّوّاد من البقاع) (4)
ز - ديوان ابن دريد. جمعه وحقّقه ونشره السّيّد محمد بدر الدّين العلوي، الأستاذ بالجامعة الإسلاميّة بعلي كره بالهند، وتمّ طبعه في القاهرة 1946م. حقّقه ونشره في طبعة ثانية الأستاذ عمر، ابن سالم في تونس، وصدرت عن الدّار التّونسية للنّشر. عام 1973م "ورتّبه حسب الموضوعات؛ تسهيلاً للقارئ. وأضاف إليه ما فات الطّبعة الأولى" (5) هذا العمل كان جزءًا من أطروحة تقدّم بها الأستاذ إلى جامعة باريس سنة 1965م (6)
يقول الدّكتور أحمد درويش: " وعلى الرّغم من المجهود العلمي الذي بذله محقّقا الدّيوان، فما زال في حاجة إلى مزيد من الجهد العلمي. وعلى سبيل المثال أورد المحقّقان قصيدة المثلّثة لابن دريد، على حين أنّ بعض مقاطع هذه القصيدة وردت في (تعليق من أمالي ابن دريد) منسوبة إلى أحد الجاهليّين " (7)
__________
(1) - المرجع السّابق، ص: 132، 133.
(2) - ابن دريد الأزدي وتأثيره في الدّرس والنّصّ الأدبي، ص: 57.
(3) - محمد بن الحسن بن دريد، ص: 106. ينظر أيضًا السّنوسي مصطفى، تعليق من أمالي ابن دريد، ص: 121.
(4) - ابن دريد أعلم الشّعراء وأعلم الشّعراء، ص: 132.
(5) - محمد بن الحسن بن دريد، ص: 106.
(6) - ابن دريد الأزدي وتأثيره في الدّرس والنّصّ الأدبي، ص: 74.
(7) - المرجع نفسه. (1/20)
صفحة 20
إنّ ابن دريد يبقى دائمًا في حاجة إلى البحث في تراثه، ويظلّ دومًا ماثلا بنتاجه العلمي أمام الدّارسين ليجلُوا الغطاء عن الغائب أو المحجوب من أعماله.
يبدو أنّ شعر ابن دريد كثير، ما هو متداول وما هو مجموع في ديوانه المطبوع هو غيض من فيض. يفهم هذا من إشارات الدّارسين، وتعليقاتهم على شعر ابن دريد. يقول الدّكتور أحمد درويش" وقد أشار القدماء إلى غزارة إنتاج ابن دريد الشّعري. ومنهم تلميذه المسعودي، الذي قال في مروج الذّهب: (إنّ شعره أكثر من أن نحصيه، أو نأتي على أكثره، أو يأتي عليه كتابنا هذا). وقال القفطي في إنباء الرّواة: (وشعره كثير، قال: من رآه في خمس مجلّدات، وقيل: أكثر من ذلك).والقفطي صاحب الرّواية رجل عاش في القرن السّابع الهجري، وتوفّي سنة 646هـ ... ومعنى ذلك أنّه بعد حوالي ثلاثة قرون ونصف من وفاة ابن دريد كانت نسخ كاملة من الدّيوان موجودة ومعروفة في أرجاء من العالم الإسلامي، كالشّام حيث يعمل القفطي، أو كمصر حيث ولد في جنوبها، وكانت له بمعاهدها ومكتباتها صلات، وكانت بالتّأكيد موجودة في العراق، وخراسان، مواطن ابن دريد العلمية، والأندلس موطن تلميذه، الذي نشر علمه فيه، أبو علي القالي " (1)
إن ثبت أنّ الدّيوان في الحجم الذي ذُكِر، فإنّنا نعدّه من بين آثار ابن دريد المفقودة؛ لأنّ ما نشر لا يعدّ شيئًا بالنّظر إلى ما هو غائب عن ساحة الدّارسين، وهذا ربّما ممّا ذهب ببعض الباحثين مذهب التّنقيص من شاعرية ابن دريد. يقول الدّكتور أحمد درويش: " وهذه المجلّدات الخمسة لم يعثر عليها حتّى الآن، ولعلّها حبيسة خزانة من خزائن الكتب في عُمان أو البصرة، أو خراسان أو مصر أو الشّام. أو لعلّها – للأسف – أكلتها العوادي التي مرّ منها على بلدان العالم الإسلامي، ولم يجد من عُنِيَ به؛ بجمع ديوان له في عصرنا هذا سوى مقطوعات وقصائد قليلة، احتفظت بها بعض كتب التّاريخ والأدب، وسوى المقصورة التي كانت تعدّ دائمًا عملاً مستقلاًّ، حفظت من الضّياع، واهتمّ بها الأدباء ... " (2)
ح – تعليق من أمالي ابن دريد. تحقيق مصطفى السّنوسي، طبع في الكويت، سنة 1404هـ/ 1984م.
هل ما نشره مصطفى السّنوسي هو كل ما ترك ابن دريد من كتاب الأمالي؟ بمعنى هل ما يحمل هذا العنوان هو كلّ مخلّفاته؟ يبدو أنّ ما نشره السّنوسي هو جزء فقط. ما
__________
(1) - المرجع السّابق، ص: 73.
(2) - ابن دريد الأزدي وتأثيره في الدّرس والنّصّ الأدبي، ص: 73، 74. (1/21)
صفحة 21
عنون به الكاتب هذا المصنّف قد يوحي بذلك: " تعليق من أمالي ابن دريد ". والدّكتور أحمد درويش قدّم إضاءة، ربّما دلّت على أنّ أمالي ابن دريد هو أكثر ممّا نشر؛ لذا قد تكون الدّكتورة ميمونة على حقّ، حين وضعت أمالي ابن دريد في عداد الكتب المفقودة. يقول الدّكتور أحمد درويش عن هذه الأمالي: " ولعلّ الكتاب الأخير (تعليق من أمالي ابن ديد) يأتي من حيث الأهميّة ودلالة الجزء الحاضر على الكلّ الغائب في مقدّمة هذه الأعمال المنشورة لابن دريد, فقد اشتمل الكتاب على جملة مختارات من (أمالي ابن دريد). ودلّت عباراته على وجود كتاب كبير الحجم، كان يسمّى (أمالي ابن دريد)، وكان يتكوّن من سبعة أجزاء على الأقلّ. وقد بقيت هذه الأجزاء حتّى منتصف القرن السّابع الهجري، تاريخ نسخ مخطوطة تعليق من أمالي ابن دريد، سنة 641هـ. حيث أشارت المخطوطة إلى بعض أجزاء أمالي ابن دريد في صفحات متعدّدة، وحيث اختتمت بعبارة (هذا آخر الجزء السّابع من أمالي ابن دريد ... " (1)
ط - المجتنى. يشتمل على أقوال الرّسول - صلى الله عليه وسلم - وخلفائه، وأقوال الحكماء والفلاسفة، وأشعار الشّعراء ... طبع في حيدر أباد، الدّكن، سنة 1342هـ، بعناية المستشرق كرنكو (2) يذكر أحمد درويش أنّ الكتاب طبع مرّة ثانية في دمشق سنة 1399هـ/ 1979م، بتحقيق السّيّد هاشم النّدوي، وصدر عن دار الفكر بدمشق. (3) جاء في مقدّمة الكتاب ما يأتي: " يشتمل على الأخبار الموثقة الألفاظ المستشرفة، والأشعار الرّائعة، والمعاني الفخمة، والحكم المتناهية، سمّيناه كتاب (المجتنى)؛ لاجتنائنا فيه طرائف الآثار، كما نجتني أطايب الثّمار، وجرينا فيه إلى الاختصار، إذ الإكثار مقرونًا بالسّآمة ... كما يمتاز حسب رأي عبد السّلام هارون باختيار مجموعة كبيرة من كلام نحو عشرين فيلسوفًا من فلاسفة اليونان " (4)
عبارات ابن دريد تكشف عن منهجيته في تعليم النّشء وتكوينه بواسطة توجيهات الحكماء، وتجارب السّابقين، وفي هذا يبدو الوجه الحضاري في عمل ابن دريد، وفيه نقرأ أصالة تفكيره، ومن ذلك نكتشف عمق فكره. فما يزال في كلّ خطوة يخطوها المعلّمَ الذي يختار الوسيلة المناسبة، وينتقي الأقوال المفيدة والمعاني الفخمة؛ رجاء أن يحصد الثّمار الطّيّبة في عمله التّربوي.
__________
(1) - المرجع السّابق، ص: 125، 126. ينظر تعليق من أمالي ابن دريد، تحقيق السّيّد مصطفى السّنوسي، الكويت، 1984م، ص: 53.
(2) - ابن دريد الأزدي أعلم الشّعراء وأشعر العلماء، المجلّد الأوّل، ص: 132.
(3) - ابن دريد الأزدي وتأثيره في الدّرس والنّصّ الأدبي، ص: 57.
(4) - محمد بن الحسن بن دريد، ص: 107. نقلاً عن كتاب الاشتقاق، ص: 20. (1/22)
صفحة 22
ي – معاني الشّعر. طبع في دمشق سنة 1340م.
ك – كتاب الفوائد والأخبار. تحقيق إبراهيم صالح، نشر في مجلّة مجمع اللّغة العربية بدمشق، المجلّد السّابع والخمسين، سنة 1982م. (1)
2 – المصنّفات المخطوطة:
أ - أخبار ابن دريد. فيه تقييدات لغوية في أربعة أبواب. توجد المخطوطة في القاهرة 3: 6. (2)
ب – شرح بانت سعاد لكعب بن زهير. توجد المخطوطة في برلين، يرقم: 7489. (3)
ج – شرح لامية العرب للشّنفرى. توجد المخطوطة في برلين، برقم: 7408. (4)
د – مجموعة حكم لسيّدنا علي بن أبي طالب. يوجد المخطوط في باريس أوّل 3971، برقم: 3. (5)
هـ – المقتبس. يوجد في برلين برقم: 8509.
و – الوشاح. ذكر د. عبد السّلام محمد هارون أنّه مخطوط في معهد المخطوطات العربية بجامعة الدّول العربية، القاهرة، برقم 1859. (6) قال عنه أحمد درويش:" كتاب الوشاح في الشّعراء الذين غلبت عليهم ألقابهم " (7)
ز – كتاب ذخائر الحكمة. جاء في التّعريف بالكتاب كما ذكر ابن دريد: " هذا كتاب جمعنا فيه ذخائر استودعتها الحكماء الصّحف، منذ قديم الدّهر، وزبروا بعضها في الصّخر ضنًّا منهم بالحكمة، وإيثارًا منهم لبثّها في النّاس بعد موتهم". نقل الدكّتور محمد صالح ناصر هذا من مجلّة المجمع العلمي العربي، الصّادرة بدمشق، المجلّد: 19، الجزء: 1، 2. بتاريخ جانفي، فيفري، سنة 1944م، ص: 74، تحت عنوان: مخطوطات ومطبوعات نادرة. المخطوط يقع في 49 صفحة. والملاحظ أنّ النّاقل لم يشر إلى تاريخ نسخ المخطوط ومكانه. (8)
ح - الأخبار المنثورة. ذكره بروكلمان، وقال: توجد أوراق من الجزء الرّابع والخامس والسّادس منه في المكتبة الخالدية بالقدس (9). بهذا الوصف نعدّ الكتاب من مفقودات ابن دريد.
ط – كتاب يشتمل على الألفاظ المشتركة الواقعة بين العرب العرباء ومعانيها. مكتبة راغب باشا بتركيا، وهو يعدّ من نوادر المخطوطات. (10)
3 – آثاره المفقودة:
أ – أدب الكاتب. ذكره ابن النّديم باسم (أدب الكاتب) قائلاً: " كتاب أدب على مثال كتاب ابن قتيبة، ولم يجرّده عن المسوّدة، فلم يخرج منه شيء يعوّل عليه ". ومثل ذلك ذكره الأنباري، وياقوت الحموي، والصّفدي، والسّيوطي. (11)
ب – الأمالي. ذكره ياقوت الحموي والصّفدي والسّيوطي (12). لكنّ الدّكتور محمد صالح يقول:" ذكرته (أي الأمالي) كلّ المراجع التي ترجمت لابن دريد، وقد ظهر أخيرًا تعليق من هذه الأمالي. قام بتحقيقه وإعداده للنّشر الباحث الذي عني بابن دريد مصطفى السّنوسي. وقد صدر عن قسم التّراث العربي بالمجلس الوطني للثّقافة
__________
(1) - المرجع السّابق، ص: 108.
(2) - ابن دريد الأزدي أعلم الشّعراء وأشعر العلماء، المجلّد الأوّل، ص: 133.
(3) - المرجع نفسه.
(4) - المرجع نفسه.
(5) - المرجع نفسه.
(6) - المرجع نفسه.
(7) - ابن دريد الأزدي وتأثيره في الدّرس والنّصّ الأدبي، ص: 58.
(8) - محمد بن الحسن بن دريد، ص: 109.
(9) - المرجع السّابق، ص: 109. ينظر بروكلمان، تاريخ الأدب العربي، الجزء الثّاني، ص: 184.
(10) - المرجع السّابق، ص: 110. ينظر أيضًا مصطفى السّنوسي، تعليق من أمالي ابن دريد، ص: 66.
(11) - ابن دريد الأزدي أعلم الشّعراء وأشعر العلماء المجلّد الأوّل، ص: 133. ينظر الفهرست، ص: 67. ونزهة الألبّاء، ص: 192. ومعجم الأدباء، 5/ 1، 3. والوافي بالوفيات، 2/ 340. وبغية الوعاة، 1/ 78. أحالت الدّكتورة ميمونة إلى هذه المصادر.
(12) - ابن دريد الأزدي أعلم الشّعراء وأشعر العلماء، المجلّد الأوّل، ص: 133. ينظر معجم الأدباء، 5/ 301. و الوافي بالوفيات، 2/ 340. و بغية الوعاة، 1/ 78.أشارت الدّكتورة ميمونة إلى هذه المصادر. (1/23)
صفحة 23
والفنون والآداب بدولة الكويت، سنة 1984م. وهو تحت عنوان تعليق من أمالي ابن دريد." (1)
أورد الدّكتور أحمد درويش كتابًا بعنوان (الأمالي) نسبه إلى ابن دريد، قال: " لخّصّه جلال الدّين السّيوطي، وسمّاه (قطف الوريد) (2). فما علاقته بأمالي ابن دريد، الذي أشرنا إليه، واشتهر عند من ترجم لابن دريد؟؟
ج – الأنباز. ذكره ابن دريد في جمهرته، كما ذكره عبد السّلام محمد هارون في مقدّمة كتاب الاشتقاق (3)
د – الأنواء. ذكره ابن النّديم، وأبو البركات الأنباري، و ياقوت الحموي، وابن خلّكان، والصّفدي، والسّيوطي (4)
هـ – البنون والبنات. ذكره الدّكتور عبد السّلام محمد هارون. (5) يقول الدّكتور أحمد درويش: " ولعلّه كتاب لغوي في الكنية " (6)
و – تقويم اللّسان. ذكره ياقوت الحموي، والسّيوطي. (7)
ز- التّوسّط. ذكره ابن النّديم. (8)
ح – الخيل الصّغير والخيل الكبير. ذكره ابن النّديم، وياقوت الحموي، وابن خلّكان، والصّفدي، والسّيوطي. (9) بعض المراجع ذكرت المخطوطة في كتابين منفصلين: " الخيل الصّغير " و" الخيل الكبير " (10)
__________
(1) - محمد بن الحسن بن دريد، ص: 108، 109.
(2) - ابن دريد وتأثيره في الدّرس والنّصّ الأدبي، ص: 57.
(3) - ابن دريد الأزدي أعلم الشّعراء وأشعر العلماء، المجلّد الأوّل، ص: 133. ينظر جمهرة اللّغة، 2/ 666. وكتاب الاشتقاق، مقدّمة المحقّق، ص: 15.
(4) - المرجع نفسه, ينظر الفهرست، ص: 67. ونزهة الألباء ص: 192, ومعجم الأدباء، 5/ 301. ووفيات الأعيان، 4/ 324. والوافي بالوفيات، 2/ 304. هذه إحالات الدّكتورة ميمونة.
(5) - كتاب الاشتقاق، مقدّمة المحقّق، ص: 16.
(6) - ابن دريد الأزدي وتأثيره في الدّرس والنّصّ الأدبي، ص: 58.
(7) - ابن دريد الأزدي أعلم الشّعراء وأشعر العلماء، ص: 133. ينظر بغية الوعاة، 1/ 78. ومعجم الأدباء، 5/ 301. أحالت إلى المصدرين الدّكتورة ميمونة.
(8) - المرجع نفسه. ينظر الفهرست، ص: 67.
(9) - المرجع نفسه. ينظر الفهرست، ص: 67. ومعجم الأدباء، 5/ 301. ووفيات الأعيان، 4/ 324. والوافي بالوفيات، 2/ 340. وبغية الوعاة، 1/ 78. هذه إحالات الدّكتورة ميمونة.
(10) - أحمد درويش، ابن دريد الأزدي ... ، ص: 58. الدّكتورة فتحية صلاح، كتاب: ابن دريد أعلم الشّعراء وأشعر العلماء، المجلّد الأوّل ص: 103. (1/24)
صفحة 24
ط – السّلاح. ذكره ابن النّديم، وياقوت الحموي، وابن خلّكان، والصّفدي، والسّيوطي. (1)
ي – غريب القرآن. ذكر ابن النّديم أنّ ابن دريد لم يتمّ كتابته، كما ذكره ابن خلكّان، والصّفدي، والسّيوطي. (2)
ك – المتناهي في اللّغة. ذكره القالي في أماليه، في الجزء الثّاني، ص: 50. (3)
ورد عنوان آخر لابن دريد باسم " اللّغات في القرآن "، رجّح بعضهم أن يكون هو كتاب " غريب القرآن. (4)
ل – فَعَلْتُ وَأَفْعَلْتُ. ذكره ابن النّديم، والصّفدي, والسّيوطي. (5) وقد سبقه ابن قتيبة وأبو حاتم السّجستاني إلى هذا العنوان، وربّما إلى الموضوع أيضًا. ذكر الدّكتور محمد صالح ناصر نقلاً عن السّنوسي: إنّ هذا الكتاب حقّقه ودرسه الدّكتور إبراهيم خليل العطية، ونشر سنة 1979م. (6) إذن كيف يضعه الدّكتور في قائمة الكتب المفقودة، وهو يشير إلى نشره؟
م - اللّغات. ذكره ابن دريد في جمهرته، كما ذكره ابن النّديم، وابن خلّكان. (7)
ن – ما سئل عنه لفظًا فأجاب عنه حفظًا، ذكره ابن النّديم. (8) وقال: "جمعه علي بن اسماعيل بن حرب عنه " (9)
__________
(1) - المرجع نفسه. ينظر الفهرست، ص: 67. ومعجم الأدباء، 5/ 301. ووفيات الأعيان، 4/ 324. والوافي بالوفيات، 2/ 340. وبغية الوعاة، 1/ 78. أثبتت هذا الدّكتورة ميمونة.
(2) - المرجع السّابق، ص: 134. ينظر الفهرست، ص: 67. ووفيات الأعيان، 4/ 324. والوافي بالوفيات، 2/ 340. وبغية الوعاة، 1/ 78.
(3) - محمد بن الحسن بن دريد، ص: 113.
(4) - ينظر كتاب الاشتقاق، ص: 19. ومحمد صالح ناصر، محمد بن الحسن بن دريد، ص: 112.
(5) - ابن دريد الأزدي أعلم الشّعراء وأشعر العلماء، المجلّد الأوّل، ص: 134 .. ينظر الفهرست، ص: 67. والوافي بالوفيات، 4/ 340. وبغية الوعاة، 1/ 78.
(6) - محمد بن الحسن بن دريد، ص: 112. ينظر مصطفى السّنوسي، تعليق من أمالي بن دريد، ص: 68.
(7) -ابن دريد الأزدي أعلم الشّعراء وأشعر العلماء، ص: 134. ينظر ابن دريد، الجمهرة، 2/ 785، 1064. والفهرست، ص: 67. ووفيات الأعيان، 2/ 324. أشارت إلى هذه المصادر الدّكتورة ميمونة.
(8) - المرجع نفسه. ينظر الفهرست، ص: 67. أشارت إلى المصدر الدّكتورة ميمونة.
(9) - محمد بن الحسن بن دريد، ص: 112. ينظر الفهرست، ص: 61. (1/26)
صفحة 25
س– المطر. ذكره الصّفدي، والسّيوطي. (1)
ع – المقتنى. ذكره ابن النّديم، وأبو البركات الأنباري. (2)
ف – النّوادر. ذكره أبو علي القالي. (3)
ص – غريب الحديث. ذكره ابن النّديم بين الكتب المؤلّفة في غريب الحديث (4)
ق – إيجاز المنطق وذخائر الحكمة. ذكره مرشد بن محمد بن راشد الخصيبي (5)
هذه هي المصنّفات التي سجّلتها لنا المصادرُ والمراجعُ المؤرِّخةُ مسيرةَ ابن دريد العلمية، والمهتمّة بنقل صورة عن جهود العالم الموسوعي الكبير، المسهم إسهامات كبيرة في تطوير الفكر الإسلامي، وتنمية الحضارة الإنسانية.
في نظرة تأمّلية فاحصة ناقدة في قائمة مصنّفات ابن دريد يمكن الخروج بالملاحظات الآتية:
1 –لهذه المصنّفات قيمة علمية كبيرة، يدلّ على ذلك تنوّع الموضوعات التي حوتها، والتّعمّق في تناول القضايا، وبخاصّة اللّغوية منها. يقرأ هذا من خلال الكتب التي تعدّدت فيها دراسة الظّواهر اللّغوية. إلى جانب الأدب والحكمة والتّاريخ و النّقد ... قال علي بن محسن آل حفيظ: من يتأمّل فيما كتبه الزّركلي في كتابه الأعلام عن ابن دريد" يجد ابن دريد الأديبَ الشّاعر، حين يذكر المقصورة وغيرها من شعره، ثمّ عالمَ اللّغة حين يذكر الاشتقاق وكتاب الجمهرة وكتاب المقصور والممدود، ويجد الفيلسوفَ حين يذكر كتاب ذخائر الحكمة والمجتبى، ثمّ رجل الحرب والسّيف، حين يذكر كتاب صفة
__________
(1) - المرجع نفسه. ينظر الوافي بالوفيات، 2/ 340. وبغية الوعاة، 1/ 78. أحالت إلى المصدرين الدّكتورة ميمونة. ينظر الاشتقاق، ص: 20, وتعليق من أمالي ابن دريد، ص: 69. ومحمد بن الحسن بن دريد، ص: 113.
(2) - المرجع نفسه. ينظر الفهرست، ص: 67. ونزهة الألبّاء، ص: 192. ذكرت المصدرين الدّكتورة ميمونة.
(3) - أبو علي القالي، الأمالي، 2/ 279.
(4) محمد بن الحسن بن دريد، ص: 112. ينظر الفهرست، ص: 87.
(5) - ينظر كتاب: ابن دريد الأزدي (ندوة من أعلامنا الرّابعة)، ص: 62. (1/27)
صفحة 26
السّرج واللّجام، والخيل الكبير، والخيل الصّغير, وابن دريد النّاقد، حين يذكر كتاب تقويم اللّسان وأدب الكاتب، وغير ذلك كثير " (1)
2 – اهتمام العلماء المبرّزين والدّارسين، قديمًا وحديثًا بتسجيل جهود ابن دريد في التّصنيف والتّأليف. تعدّى هذا إلى المستشرقين الكبار، الذين كان لبعضهم فضل اكتشاف بعض مصنّفات ابن دريد، ولبعضهم دور إبراز قيمة هذه المؤلّفات، وشحذ همم الدّارسين العرب للقيام بمعالجة هذه المؤلّفات وتحليلها.
3– ما يزال دور ابن دريد في الدّرس اللّغوي - بخاصّة - في حاجة إلى دراسات معمّقة، للكشف عن مكانته العلمية. والحاجة ماسّة أكثر إلى تحقيق المخطوط من مصنّفاته.
4 – كثير من آثاره مفقود، هذا يعرض أسئلة عديدة: لماذا فقد؟ ومن كان السّبب في هذا؟ ما تفسير هذا الضّياع؟ وغيرها من الأسئلة التي تفرض على الدّارسين بذل مزيد من الجهد لعمل حضاري، ينصف رجل الحضارة والفكر الأصيل.
5 – اعتناء الدّارسين بتنقيح آثار ابن دريد، تصحيحًا وإضافة وإعادة ترتيب المادة العلميّة ... كلّ ذلك يدلّ على أهميّة تراث الرّجل، وحاجة طلبة العلم والباحثين إلى الإفادة منه.
6 – الابتهاج والفرح باكتشاف عمل جديد لابن دريد، والإعلان والإعلام المكثّف الذي يصحب أو يعقب العثور على أثر مفقود له. مع الحرص في البحث عمّا ترك ابن دريد.
7 – هناك بعض الاختلاف في تحديد عناوين بعض مؤلّفات ابن دريد، واختلاف في تواريخ الطبعات، وأماكن وجودها، وتضارب في المعلومات عن بعض المصنّفات ... ممّا يؤكّد أنّ عملاً كبيرًا ما يزال ينتظر الباحثين في شخصيّة ابن دريد. كما يدلّ هذا الاختلاف على عظمة هذه الشّخصيّة، التي يحاول بعض الدّارسين ملء الفجوات التي أصابت أو لحقت مؤلّفاته؛ بالتّأويل والتّخمين ... بغية تحقيق مكانة الرّجل العلمية. قال أحمد درويش بعد أن سرد مجموعة مصنّفاته التي استطاع أن يضبطها من الكتب التي اطّلع عليها، أو أشير له بها: " هذه قائمة لمؤلّفات ابن دريد، ربّما تكون في حاجة إلى مزيد من التّحرّي والتّفصيل للكتب وطبعاتها، والمخطوطات وأماكن
__________
(1) - ابن دريد الأزدي (ندوة من أعلامنا الرّابعة)، ص: 163. ينظر الزّركلي، الأعلام، ج6، ص: 80. وعمر كحالة، معجم المؤلّفين، ج9، 189. (1/28)
صفحة 27
وجودها، والمنسوبات إليه ومدى صحّتها. وهو جهد ربّما يساعد بدوره على كشف جوانب أخرى من حياة هذا العالم الجليل " (1)
يقول علي بن محسن آل حفيظ: " فما خلّفه ابن دريد من تراث علمي وأدبي جعل العلماء والأدباء يذهبون بإطرائها كلّ مذهب وشأن، وذلك دليل على أنّ ابن دريد قديم في عصره، جديد في فكره وأدبه وعلمه، في كلّ زمان ومكان، وهذا ملمح التّجديد كما أرى ... " (2)
و - مرضه ووفاته
أمضى ابن دريد عمرًا طويلا حافلا بجلائل الأعمال، غنيًا بالتّجارب، ثريًا بالأفكار التي أنتجته قريحته المخصبة ... حياته كانت كلّها بين تعلّم وتعليم، ورحلة ومدارسة، ومكابدة ومجاهدة ومغالبة ... حتّى بلغ من العمر عتيًّا، فضعفت قواه، وانهدّ جسمه، فأصبح لا يقوى على مقاومة ما يعرض لجسمه من طوارئ أو سقطات أو ضربات .. يروي عنه تلميذه المرزباني أنّه قال له: " سقطت من منزلي بفارس فانكسرت ترقوتي " (3)
" ... وقبل وفاته بسنتين عرض له فالج، فسقيَ له التّرياق فبرئ منه، وصحّ وعاد كما كان إلى إسماع تلامذته وإملائه عليهم. ثمّ بعد حول تناول طعامًا ضارًّا، فعاوده الفالج، فكان يحرّك يديه حركة ضعيفة، وبطل [كذا] من محزمه إلى قدميه، فكان إذا دخل عليه داخل ضجّ لدخوله، وإن لم يصل إليه " (4)
كان - مع ما كان يعانيه من المرض - مرابطًا في مجالس العلم، متّقد الذّاكرة، حاضر الذّهن، يقدّم لتلاميذه ولمن يقصده ليسأله أو يطلب عنده فائدة علمية، يقدّم لهم أطايب المعرفة، وخلاصات تجاربه، لا يكترث بما يلمّ به، ولا يضعف أمام ما يصيبه من آلام وأسقام. بل كان يجيب سائليه عمّا يعرضون عليه من أسئلة علمية دقيقة، وهو في آخر لحظات حياته، كما يروي تلميذه أبو علي القالي. " وآخر شيء سألته عنه، جاوبني بأن قال: حال الجريض دون القريض. فكان هذا الكلام آخر ما سمعته منه.
__________
(1) - ابن دريد الأزدي وتأثيره في الدّرس والنّصّ الأدبي، ص: 58.
(2) - علي بن محسن آل حفيظ، " الآفاق الفكرية والحضارية في أدب ابن دريد "، ندوة من أعلامنا الرّابعة، ص: 138.
(3) - محمد بن الحسن بن دريد، ص: 61. نقلا عن معجم الأدباء، ج18، ص: 133.
(4) - المرجع نفسه، ينظر ديوان ابن دريد، تحقيق محمد العلوي، ص: 13. نقلاً عن ابن خلّكان، الوفيات، ج3، ص: 45. (1/29)
صفحة 28
هكذا ظلّ ابن دريد معلّمًا إلى آخر نفس في حياته، وكان من توفيق الله له أن يجلس للتّعليم قرابة ستّين سنة ... " (1)
فارق محمد بن الحسن بن دريد الحياة في بغداد يوم الأربعاء لثماني عشرة ليلة خلت من شعبان سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة للهجرة. (2) تركت وفاته أثرًا كبيرًا في النّفوس، وحزنًا عميقًا في القلوب؛ لمكانته العلمية المرموقة، ولأعماله الجليلة التي خدم بها الفكر والحضارة الإسلاميين. وعدّ رحيله إلى العالم الآخر خسارة وفقدانًا لمن يخدم العالم الدّنيوي علميًا وثقافيًا.
يقول القفطي: " لمّا توفّي ابن دريد حملت جنازتُه إلى مقبرة الخيزران ليدفن فيها، وكان قد جاء في ذلك اليوم طشُّ مطر، وإذا بجنازة أبي هاشم عبد السّلام بن أبي علي الجبّائي، المتكلّم المعتزلي، فقال النّاس: اليوم مات علم اللّغة والكلام " (3)
مِمّن رثاه أبو الحسن أحمد بن جعفر، المعروف بجَحْظة البرمكي، وقد حضر دفنه، قال:
فقدتُ بابنِ دُريدٍ كُلَّ فائدَةٍ ... لمَّا غَدَا ثالثَ الأحْجارِ والتُّرَب
وَكُنْتُ أَبْكِي لِفَقْد الجُودِ مُنْفَرِدًا ... فَصِرْتُ أَبْكِي لِفَقْدِ الجُودِ والأَدَبِ (4)
هـ - عمانيته
من المسائل التي أثارت جدلا كبيرًا بين الدّارسين، علاقة ابن دريد بعمان؛ نشأة وانتماء وهوية وشخصية ... هناك من يراه عمانيًا في مولده ونشأته وهويته ومذهبه، وآخرون ينفون عنه كلّ صلة بعمان، لا من قريب أو بعيد، ومنهم من يوزّعه بين البصرة وعمان، مولدًا ونشأة ووجدانًا وحركة علمية ...
نقول في البداية: إنَّ في المراجع والمصادر التي تناولت شخصية ابن دريد ما يقوّي جانب عمانيته. " ويذكر الخطيب البغدادي أيضًا أنّ ابن دريد ذكر نسبه حتّى وصل به إلى قحطان ... وحينما بلغ (حمامي) ذكر أنّه أوّل من أسلم من آبائي. وهو من السّبعين راكبًا الذين خرجوا مع عمرو بن العاص من عمان إلى المدينة، لمّا بلغهم وفاة رسول الله
__________
(1) - المرجع السّابق، ص: 62.
(2) - هذا التّاريخ ما تتّفق عليه أغلب المصادر التي ترجمت لابن دريد، ولم يشذّ عن هذا إلاّ القليل.
(3) - ابن دريد الأزدي أعلم الشّعراء وأشعر العلماء، المجلّد الأوّل، ص: 92.
(4) - محمد بن الحسن بن دريد، ص 63. (1/30)
صفحة 29
- صلى الله عليه وسلم - حتّى أدّوه. وقد نزح جدّ ابن دريد الأدنى مع النّازحين من أزد عمان، خلال القرن الثّاني للهجرة إلى البصرة .. واستقرّ بها، واتّخذها مركزًا لإقامته ومنطلقًا لأسفاره." (1)
أورد الدّكتور موسى بني خالد والدّكتور أنور عودة الخالدي اسم (ابن دريد) هكذا " ابن دريد هو محمد بن الحسن بن دريد ... الحُديدي العماني البصري اللّغوي ... وحمامي نسبة إلى جدّه الأعلى حمامي بن جرو بن واسع. وحمامي قرية من نواحي عمان ...
انحدر ابن دريد من قبيلة الأزد العمانية، وأزد عمان من القبائل العربية المعروفة على مدى التّاريخ، والتي استقرّت في عُمان، وأصولها من القبائل العربية اليمنيّة، وبها يفخر السّيّد الحميري:
وَالأَزْدُ أَزْدُ عُمانَ الأَكْرَمونَ إذَا ... عُدَّتْ مَآثِرُهُمْ فِي سَالِفِ الزّمَن
بَانَتْ كَرِيمَتُهُمْ عَنِّي، فَدَارُهُمُ ... دَارِي وَفِي الرَّحْبِ مِنْ أَوْطَانِهِمْ وَطَنِي (2)
أورد الباحثان نصًّا لحاجي خليفة من كشف الظّنون:" ومن بطون هذه القبيلة بنو حُديد واليحمد والعتيك وخروص وغيرهم، وهم منتشرون اليوم في عمان، ونبغ منهم الأئمّة والقضاة والرّؤساء" (3)
يؤكّد النّصّ على عمانية قبيلة الأزد ببطونها، إلاّ أنّها كانت تتنقّل بين عمان والبصرة؛ لدوافع تجاريّة في الدّرجة الأولى، وكان استقرارها في البصرة طويلاً، كما كان حال ابن دريد، فنسبه بعض الدّارسين إليها.: " وإذا تحدّثنا عن صلات العمانيّين ببلاد العراق، فنحن نتحدّث عن تاريخ طويل بعيد، يعود إلى فترات ما قبل الإسلام، وقد لعبت التّجارة دورًا مهمًّا في هذه الصّلات، وإثر تمصير البصرة أثناء الفتوحات الإسلامية، ونظرًا لموقعها الجغرافي الذي يربطها بالخليج العربي وعمان، انتقلت بطون كثيرة من القبائل العربية، وسكنت البصرة، ومنها قبيلة الأزد، بل إنّ الأزديّين كانوا الأكثر عددًا، لذلك سمّيت البصرة ببصرة الأزد، وهنا يقول الشّاعر:
فَبَصْرَةُ الأزْدِ منَّا والعراق لَنَا ... والمَوْصِلانِ، ومِنَّا مِصْرُ والحَرَمُ
وكانت قبيلة الأزد تنتقل باستمرار بين البصرة وعمان " (4)
فيما يأتي بعض الأقوال والأدّلة التي ساقها أصحابها لتأكيد عمانية ابن دريد:
1 ـ يبيّن الشّيخ أحمد بن سعود السّيّابي الانتماء القبلي لابن دريد قائلاً: " ينتمي ابن دريد إلى فراهيد بن مالك بن فهم الأزدي. ومالك بن فهم الأزدي هو القائد العربي الذي انتقل إلى عُمان إثر الانهيار الكامل لسدّ وادي مأرب باليمن، وأخرج الفرس من عُمان. والجدير بالذّكر أنّ جميع أولاد مالك بن فهم صاروا آباء قبائل في عُمان، حتّى صار بعض تلك القبائل كثيرة العدد، ومن بين تلك القبائل بنو فراهيد بن مالك بن فهم ... " (5)
2 - اهتمّ ابن دريد كثيرًا بقبيلته الأزد، (بل بقبائل الأزد وبطونها ومنازلها) فكان لا يغفل أيّة مناسبة سانحة ليكتب عنها أو يذكرها, ففي كتابه (الاشتقاق) وهو يتناول أصول أسماء القبائل، ويرجع بالتّسمية إلى أصولها اللّغوية، لم يفوّت الفرصة للتّوسّع في الحديث عن القبيلة في أيّامها وحوادثها، قبل الإسلام، وفي صدر الإسلام، وذِكْرمعلومات تاريخية واجتماعية مهمّة عنها والقبائل العربية ... (6)
3 - كتب الدّكتور محمد صالح ناصر مبحثًا كاملاً عن علاقة عمان بالبصرة (7) ذكر بعض الحقائق المهمّة - نقلا من مصادر ومراجع – التي تبيّن العلاقة الوطيدة بين العمانيّين والبصرة، هذه الحقائق تضيء كثيرًا من الجوانب الغامضة في الحياة العمانية المرتبطة بالبصرة، ومنها حياة ابن دريد، التي تتوزّعها عمان والبصرة سجالاً.
مثلا عن الوجود المبكّر للعمانيّين في البصرة، في ظلّ الدّولة الإسلامية يقول الدّكتور: " إنّ العلاقة بين العمانيّين والبصرة تعود إلى أيّام نشأتها الأولى؛ إذ تذكر المصادر التّاريخيّة أنّ الخليفة عمر بن الخطّاب – رضي الله عنه – حين مصّر البصرة
__________
(1) - فعاليات ومناشط المنتدى الأدبي، إصدار 1990م، ص: 122. يقول بعض العمانيّين المعاصرين: إنّ (حماما) تسمّى اليوم قرية (خور الحمام). ينظر ابن دريد الأزدي وتأثيره في الدّرس والنّصّ الأدبي، ص: 21.
(2) - الدّكتور موسى بني خالد والدّكتور أنور عوده الخالدي، " ابن دريد الأزدي العماني: قراءة في حياته ومكانته العلمية "، كتاب ابن دريد الأزدي أعلم الشّعراء وأشعر العلماء، المجلّد الأوّل، ص: 85.
(3) - المرجع نفسه. ينظر حاجي خليفة، مصطفى بن عبد الله القسطنطيني الرّومي، كشف الظّنون عن أسامي الكتب والفنون، مجلّدان، دار الفكر، بيروت، 1982م، ص: 403.
(4) - المرجع السّابق، ص: 86. ينظر المصادر المحال إليها هامش (7) في الصّفحة نفسها.
(5) - أحمد بن سعود السّيّابي، " ابن دريد في الذّاكرة العمانية ":، المرجع السّابق، ص: 187.
(6) - لمزيد من التّفصيل في الموضوع ينظر دراسة الدّكتور ليث شاكر، " قبائل الأزد وبطونها في كتاب الاشتقاق لابن دريد الأزدي ... " المرجع السّابق، ص: 691 – 706.
(7) - ينظر كتابه: محمد بن الحسن بن دريد، ص: 19 – 22. (1/31)
صفحة 30
سنة 16 هـ، قدم إليه نفر من العمانيّين كان منهم كعب بن سور، الذي عيّنه عمر بن الخطّاب قاضيًا عليها، وأخذت البصرة تنمو تجاريًا وعلميًا وسكانيًا، وقويت مع الأيّام صلتها بعمان. " وكانت الصّلة روحية قوية، ففي البصرة ترعرع المذهب الإباضي، ونما على يد جابر بن زيد الأزدي العماني، ومنها طار حملة العلم إلى المشرق والمغرب، حتّى شبّهوا العلم بطائر، باض بالمدينة، وفرّخ بالبصرة، وطار إلى عمان" (1)
4 - يقول عيسى يحي الباروني محقّق كتاب الجامع للشّيخ ابن بركة البهلوي: " وقد كان وفد كثير من أهل عمان البصرة لأجل الاغتراف من علوم الشّر يعة الإسلامية. ... إذ البصرة في ذلك العهد المشرق قبلة طلاّب العلم، وقد نبغ كثير من أهل عمان في البصرة، وألّفوا الكتب القيّمة في اللّغة والسّنّة النّبوية وعلوم الشّريعة الإسلامية، مثل الرّبيع بن حبيب، صاحب (الجامع الصّحيح) والخليل بن أحمد، صاحب كتاب (العين)، ومنهم أبر بكر محمد بن الحسن الأزدي، صاحب (الجمهرة)، وأبو العبّاس المبرّد، صاحب كتاب (الكامل) ... وقد أصاب من شبّه العلم بطائر باض في المدينة وفرّخ في البصرة وطار إلى عمان " (2)
5 - العلاقة بين عمان والبصرة توطّدت علميًا وتجاريًا واقتصاديًا؛ فأصبح تنقّل الأشخاص والبضائع بين الجهتين يتمّ بشكل طبيعي وباستمرار؛ فتكوّن مجتمع عماني بصري، يصعب أحيانًا معرفة الرّجل أهو بصري أم عماني، وهو ما حدث مع ابن دريد، في اختلاف نسبته إلى البصرة أو إلى عمان. ومن مظاهر الاندماج بين الموطنين أنّ كلاّ منهما كان ملاذًا للمضطهدين في الجهتين. مثلا حين قامت ثورة الزّنج في البصرة لجأ كثير من العمانيّين البصريّين إلى عمان، وحين غزا محمد ابن نور عُمان فرّ بعض العمانيّين من عمان، وكان من بين مواطن الملاذ البصرة. (3)
6 - كان التّعاون في مختلف المجالات قائمًا بين البصرة وعمان، ونتج عنه ازدهار حضاري كبير. قال الدّكتور محمد صالح ناصر: " هذا التّفتّح على العالم الخارجي لكلا البلدين كان لابدّ أن ينتج عنه تلاقح فكري وازدهار ثقافي، وكان لابدّ أن ينجم عن ذلك تأثّر وتأثير. فكما كانت البصرة منطلق حملة العلم الذين نشروا الدّعوة الإباضية، فإنّها
__________
(1) - المرجع السّابق، ص: 19، 20. ينظر الدّكتورة سيّدة اسماعيل كاشف، عمان في فجر التّاريخ، سلسلة تراثنا، العدد الأوّل، ط2، وزارة التّراث القومي والثّقافة، سلطنة عمان، 1982م، ص: 42. والشّيخ سالم ابن حمد الحارثي، العقود الفضية.
(2) - ابن دريد الأزدي (ندوة من أعلامنا الرّابعة)، ص: 70، 71. ينظر كتاب الجامع للعلاّمة ابن بركة، ج1، ط2، عام 1394هـ/ 1974م.
(3) - ينظر صحار عبر التّاريخ، ص: 5، 11، 17، 18 ... (1/32)
صفحة 31
كانت تصدر أيضًا بعض الأفكار والفلسفات التي كانت تعجّ بها، وكانت مصدر قلق جماعة العلماء الإباضية في المنطقة الدّاخلية، ولا سيّما أثناء الإمامة الأولى " (1)
7 ـ كانت البصرة محور النّشاط الفكري والدّعوي، أي كان لها وزن كبير في حركة البناء الحضاري؛ لهذا كانت قبلة كثير من النّاس، من هؤلاء أهل عمان، انتقلوا إليها لهذا السّبب ولأسباب أخرى. بل كانت هجرة العمانيّين إلى البصرة بكثرة لافتة، حتّى غدت كأنّها عمانيّة. لقد فصّل الدّكتور فاروق عمر فوزي القول في هذه النّقطة، وبيّن دور العمانيّين في نشاط البصرة داخل المدينة وخارجها، وعدّ هذه الحاضرة منطلق النّشاط والحركة بدءًا من الفتوحات الإسلامية في عهد الخلفاء الرّاشدين وبعده، امتدادًا إلى مجالات أخرى، وأَكّد على دور العمانيّين، الذين كانوا يمثّلون أغلبية سكّان مدينة البصرة. كما أشار الدّكتور فاروق إلى نصيب العمانيّين الكبير في النّهضة الفكرية الإسلامية: " ولا ريب أنّ أهل عمان شاركوا في النّهوض بحركة فكرية نشيطة، تتركّز بالدّرجة الأولى حول العلوم الدّينية واللّسانية ونشر الإسلام .. " (2)
في تناول الباحث موضوع الفتوحات الإسلامية في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب، وإذنه بالتّوسّع في فتح الأقاليم لنشر الإسلام، والقيام بفريضة الجهاد في سبيل الله، والحفاظ على أمن الدّولة ومكاسبها ... ذكر دور العمانيّين، الذين انطلقوا من البصرة التي سكنوها: " ... وقد اعتمدت الدّولة الإسلامية على ثلاث قواعد في الجهة الشّرقية، هي: البصرة والكوفة والبحرين. ولقد لعب أهل عمان، وخاصّة الأزد منهم دورهم في الجهاد، من خلال قاعدة البصرة، التي كان لها أوثق الصّلة بعمان. وقد تولّت البصرة فتح الأقاليم الجنوبية والجنوبية الغربية ... والذي يهمّنا هنا هو دور أهل عمان في الفتوحات، الذي يبدو واضحًا في مشاركتهم في حملة والي البحرين عثمان ابن أبي العاص الثّقفي، الذي قاد حملة على إقليم فارس سنة 17هـ/ 628م، وضمّ جيشه قبائل من عبد القيس والأزد وتميم وبني باجية .. " (3)
قال الدّكتور فاروق عمر فوزي أيضًا: " أمّا خراسان فقد كان أهل البصرة - ومن بينهم أزد عمان – هم الذين تحمّلوا مسؤولية فتحها ... وقد انتشر العرب فيها منذ سنة 45هـ/ 665م، في ولاية زياد بن أبيه على البصرة. ثمّ ازدادوا في ولاية الرّبيع بن
__________
(1) - محمد بن الحسن بن دريد، ص: 22. ينظر صحار عبر التّاريخ، ص: 11.
(2) - الدّكتور فاروق عمر فوزي، دراسات في تاريخ عمان، منشورات جامعة آل البيت، المملكة الأردنية الهاشمية، 1421هـ/ 2000م، ص: 107.
(3) - المرجع السّابق، ص: 103. (1/34)
صفحة 32
زياد الحارثي، سنة 51هـ/ 671م، ثمّ استمرّت الهجرات بشكل غير منقطع. فلمّا وليها سعيد بن عثمان خرج معه جماعة من أشراف العرب، منهم المهلّب بن أبي صفرة، ولمّا ولي سلم بن زياد خراسان، كان في معيّته حين قدومه خلق كثير من فرسان البصرة وأشرافهم. ولا ريب فإنّ نسبة من هؤلاء القوم كانوا من أهل عمان المتواجدين بالبصرة." (1)
من هذا النّصوص تتبيّن الصّلة الكبيرة التي كانت بين عمان والبصرة، ويظهر الوجود المبكّر لأهل عمان في المدينة، ثمّ تبرز المشاركة الكبيرة القويّة في حركة المدينة الحضاري. ولشهرة البصرة وإهمال عُمان في كتابات الدّارسين، طمس دورها ودور رجالها في الحضارة الإسلامية، فكان ابن دريد بصريًا فقط، وليس له من العمانية شيء يربطه بها. (2)
8 - ابن دريد نفسه يذكر أنّ أصله عماني: " كان أوّل من أسلم من آبائي (حمامي)، وهو من السّبعين راكبًا الذين خرجوا مع عمرو بن العاص من عمان إلى المدينة، لمّا بلغهم وفاة الرّسول - صلى الله عليه وسلم - " (3)
9 - في التّعريف بابن دريد يذكر الخطيب البغدادي: " أنّه بصري المولد ونشأ بعمان، وتنقّل بجزائر البحر والبصرة وفارس " (4) هو بهذا يعيّن ويحدّد عمانية ابن دريد.
هذا القول هو من الشّهادات التي يردّدها العمانيّون ليؤكّدوا أنّ ابن دريد عماني الأصل، أو هو يدعمون بها وبغيرها ممّا ورد في كتب المصادر التي ترجمت لأئمّة العلم وأركان الحضارة الإسلامية، هذا الرّأي. فالشّيخ السّالمي يسحّل أنّ ابن دريد من أهل عمان، ويقول: "ومنهم ... أبو بكر أحمد بن محمد بن أبي الحسن الأزدي بن دريد، وهو صاحب كتاب الجمهرة .. الخ .. " (5) والشّيخ محمد بن راشد الخصيبي يقول: " ممّن قال الشّعر من أهل عمان ... أبو بكر محمد بن الحسن ... وشهر بابن دريد ... سكن صحار من
__________
(1) - المرجع السّابق، ص: 104.
(2) - لمزيد من معرفة دور أهل عمان في البصرة وخارجها، الذي كان منطلقه هذه الحاضرة المهمّة في الحضارة الإسلامية ينظر المرجع السّابق، ص: 97 – 119. مبحث: " دور عمان في نشر الإسلام خلال القرون الإسلامية الأولى ".
(3) - ابن دريد الأزدي وتأثيره في الدّرس والنّصّ الأدبي، ص: 20، 21. نقلاً عن مقدّمة كتاب الاشتقاق، تحقيق عبد السّلام محمد هارون، دار المسيرة، بيروت، 1979م.
(4) - المرجع السّابق، ص: 20. نقلا عن تاريخ بغداد، ج2، المكتبة السلفية، المدينة المنوّرة، (د. ت) ص: 196.
(5) - المرجع نفسه, ينظر تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان، ج1، ص: 18. (1/35)
صفحة 33
الباطنة، ويقال أيضًا سكن في (دُمَا)، التي كانت مأوى الأخيار والعلماء، وهي بلد (السّيب) من خط الباطنة " (1)
أمّا الشّيخ أبو إسحاق إبراهيم اطفيش فيقول: " كتب بعض مؤرّخي عمان، وهم أهله، ومنهم أرومته، وفيهم منبته، قال: هو من بلد (قدفع). هكذا نصّ عليه صاحب (رسالة الأئمّة والعلماء) " (2)
يقول الدّكتور أحمد درويش معلّقًا على الرّوايات التي أوردها المؤرّخون العمانيّون بخاصّة: "والإشارة إلى أماكن عُمانية في حياة ابن دريد، مثل (قدفع) في الرّواية السّابقة، و (صحار) و (دُما) و (السّيب) في روايات سابقة تؤكّد روايات عن الجذور العمانية لابن دريد ... " (3)
9 ـ ذكر أحمد ين سعود السّيّابي أدلّة كثيرة، يثبت بها عمانية ابن دريد، يراها قويّة في الموضوع.
أ - منها: ما أكّدته المصادر من أنّ ابن دريد نشأ بعمان " والنّشأة هي المرحلة المبكّرة من عمر الإنسان، فلا يقال لمن جاوز الحلم، إنّه ناشئ. ولكن كيف تكون الولادة في البصرة، والنّشأة بعُمان؟ الظّاهر أنّ وقت الولادة كان قصيرًا، ولعلّ عائلته كانت قد ذهبت إلى البصرة في بعض المواسم التي كان أهل عمان، لا سيّما أهل صُحار والمناطق الشّمالية من عُمان، ينتقلون فيها إلى البصرة، وقد ثبت أنّ الكثير منهم لهم أملاك من المزارع والنّخيل في البصرة. بل ثبت أنّ أهل صُحار يقضون المصيف في البصرة " (4)
ب - منها لجوؤُه إلى عمان لمّا حدثت ثورة الزّنج وهجومهم على البصرة سنة 257هـ، اختار موطنه الأصلي ليرجع إليه ويحتمي به، وبقي فيها اثنتي عشرة سنة كاملة، يرى الشّيخ أحمد بن سعود السّيابي هذا دليلاً آخر لعمانية ابن دريد (5)
ج- قال أيضًا بعد أن سرد مجموعة من الأقوال والمواقف التي تناولت المكان في مسألة انتماء ابن دريد: " إنّ ابن دريد من خلال ما تقدّم طرحه يبدو أنّ أكثر أيّام حياته كانت في عمان، وكان تردّده عليها جيئة وذهابًا. والظّاهر أنّ مقرّه في صحار، التي كانت تتمتّع برخاء العيش، ونضارة الحياة، وثراء الحال، وهو ما يؤكّد عمانيته " (6)
د ـ المشاعر التي كانت تغمر ابن دريد، والأحاسيس التي كانت تنتابه كلّما حدث شيء في عمان، أو وقع ما يثير العواطف ويهيّجها.، عدّها بعض الدّارسين دليلا على ارتباطه بعمان؛ لأنّها موطنه الأصلي:
1 - من ذلك تأثّره ببعض الفتن الدّاخليّة التي هزّت المجتمع العماني، فحرّكت فيه عاطفة الشّفقة على وطنه، فنطق بالشّعر؛ ليبثّ مشاعره الحزينة، هذا دليل على الارتباط بموطنه الأصلي، الذي رآه يصلى بنار الفتنة. وكتب يحرّض قومه من العتيك واليحمد، وهي المعركة التي عرفت في التاريخ العماني بمعركة أو وقعة الرّوضة (7)
يقول أحمد بن سعود السّيّابي: أورد له العوتبي قصيدتين، إحداهما في الرّثاء، ومطلعها:
إنّما فَازَتْ قداحُ المَنايَا ... يَومَ حازتْ خَضْلَها بِتَنُوفَا
والثّانية حرّض فيها قومه على الأخذ بالثّأر لقتلاهم، ومطلعها:
نَبَهٌ نابٍهٌ، وخَطْبٌ جَليلْ ... بَلْ رَزايَا، لَهُنَّ عِبْءٌ ثَقِيلْ (8)
كذلك أورد له الشّيخ سيف بن حمود البطّاشي قصائد أخرى، منها ما هو في الموضوع نفسه، ومنها ما كان موضوعات أخرى نقلها من تحقيق الأستاذ عمر، بن سالم التّونسي ودراسته لديوان ابن دريد. (9)
2 - روى لابن دريد تلميذه أبو علي القالي قوله: " وحدّثني أبو بكر بن دريد قال: خرجنا من عمان، نريد سفرًا لنا، فنزلنا في أصل نخلة، فنظرت فإذا فاختتان تزقوان في فرعها، فقلت:
__________
(1) - ينظر شقائق النّعمان على سموط الجمان في أسماء شعراء عمان، ج1، ص: 21.
(2) - ابن دريد الأزدي وتأثيره في الدّرس والنّصّ الأدبي، ص: 20. ينظر أبو إسحاق إبراهيم اطفيش الجزائري، كتاب الملاحن، للإمام أبي بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدي (تحقيق)، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 1987م، المقدّمة.
(3) - ابن دريد الأزدي تأثيره في الدّرس والنّصّ الأدبي، ص: 20.
(4) - ابن دريد الأزدي أعلم الشّعراء وأشعر العلماء، المجلّد الأوّل، ص: 188.
(5) - المرجع السّابق، ص: 189.
(6) - المرجع السّابق، ص: 190.
(7) - ينظر الأستاذ ناصر بن علي بن سالم النّدابي، " معركة الرّوضة (373هـ/ 886م) من خلال قصائد ابن دريد الأزدي "، كتاب ابن دريد الأزدي أعلم الشّعراء وأشعر العلماء، المجلّد الثّاني، ص: 1241 – 1258.
(8) - تراجع القصيدتان، تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان، ج1، ص: 234 – 239.
(9) - ابن دريد الأزدي أعلم الشّعراء وأشعر العلماء، المجلّد الأوّل، ص: 189، 190. ينظر كتاب إتحاف الأعيان، ج1، ص: 89. (1/36)
صفحة 34
أَقُولُ لِوَرْقاوَيْنِ في فَرْعِ نَخْلَةٍ ... وَقَدْ طَفَلَ الإِمْساءُ أو جَنَح العَصْرُ
وَقَدْ بَسَطَتْ هَاتَا لِتِلْكَ جَناحَهَا ... وَمالَ علَى هَاتِيكَ مِنْ هَذِهِ النَّحْرُ
لِيَهْنِكُمَا إِنْ لَمْ تُرَاعَا بِفُرْقةٍ ... وَمَا دَبَّ في تَشْتِيتِ شَمْلِكُمَا الدَّهْرُ
فَلَمْ أَرَ مِثْلِي قَطَّعَ الشَّوقُ قَلْبَهُ ... عَلَى أَنَّهُ يَحْكِي قَسَاوَتَهُ الصَّخْرُ (1)
تحت عنوان (المعادل الموضوعي في شعر ابن دريد) يعلّق الدّكتور عماد حسيب محمد على هذه الأبيات ليتناول عمانية ابن دريد: " فالأبيات تنقل لنا مشاعر الشّاعر، التي يعانيها من أثر الغربة، والبعد عن الوطن، في صورة رمزية، تتّحد أطرافها في الحمامتين اللّتين تتبادلان الحبّ والتّضحية، وتظهر هذه الصّفات في الجناح المبسوط والنّحر المائل، كعلاقتين من علاقات الحبّ والتّرابط. هذا على المستوى الأوّل لقراءة النّصّ ولكن إذا تعمّقنا في الأبيات وربطناها بحياة ابن دريد المطوية بين سفر وإقامة، فإنّنا نرى أنّ الحمامتين ما هما إلاّ الشّاعر ووطنه، فيميل بمشاعره تجاه وطنه من حين لآخر، ووطنه يبسط جناحه لاستقباله، ولكنّه لا يستطيع العودة. وهنا تظهر المفارقة بين الحكاية المروية، والحقيقة الغائبة، فيخفي الشّاعر مشاعره الذّاتية ببيت أخير، تظهر فيه علامات التّخصيص والذّاتية، ليعلن جرحه الذي يعيشه، وألمه المسيطر على نفسه من أثر الفراق والغربة " (2)
تعليق الدّكتور على هذه الأبيات انطلق من مسلّمة – عنده – هي أنّ ابن دريد عماني. فعمد إلى تحليل الأبيات، في مفرداتها وتراكيبها وصورها ورموزها؛ ليبيّن ويقنع المتلقّي بهذه الحقيقة. فمفاتيح نصّه أو تعليقه هي: (الوطن، الحبّ، الغربة، الذّاتية، المشاعر .. ) هذه المفردات تكشف عمّا يختزَنه الشّاعر في داخله من عاطفة الارتباط بالوطن، وهو ينظر إلى الحمامتين اللّتين حرّكتا فيه مشاعر الحنين بمظهرهما، ثمّ بهديلهما (الذي هو مثار تهييج الشّعراء كما حدث لأبي فراس الحمداني) حتى ولو أنّ الشّاعر ابن دريد كان موجودًا في وطنه حين رأى الحمامتين تهدلان، غير أنّ هذا التّصوير يعبّر عن فترة مضت عليه، وهو في الغربة، ويخبر عن عهد سيأتي، حين يغادر أرض الوطن، وهي حاله التي قدّر له أن يكون عليها طول حياته (فحياته مطوية
__________
(1) - المرجع السّابق، ص: 188. ينظر الأمالي لأبي علي القالي، ج1،منشورات دار الآفاق الجديدة، بيروت، 1400هـ/ 1980م، ص: 133.
(2) - الدّكتور عماد حسيب محمد، " تنوّع الخطاب الشّعري ومرايا الاختلاف، مقاربة نصّيّة في ديوان ابن دريد الأزدي "، المرجع السّابق، المجلّد الثّاني، ص: 1150. (1/37)
صفحة 35
بين سفر وإقامة). فكلمة (الوطن) تكرّرت في النّصّ أربع مرّات. ولفظة (المشاعر) ثلاث مرّات. ومفردة (الحبّ) مرّتين. وكلمة (الغربة) مرّتين .. ولفظة (الذّاتية) مرّتين ... فالمعادل الموضوعي في نصّ ابن دريد هو الذي يثبت عمانيته.
الدّكتور أحمد درويش يقدّم تعليقًا آخر بديعًا عن هذه الأبيات، التي تقوم دليلاً آخر على عمانية ابن دريد، وعن رحلاته إلى عمان المتكرّرة، ويعطي تفسيرات مهمّة تعمّق النّظر في علاقة ابن دريد بعمان، بل في ارتباطه بها وطنًا أصليًّا: " يبدو أنّ هذه الرّحلات الأولى من عُمان أو إليها، كانت في سنّ طراوة الشّباب واحتدام العاطفة، وهي سنّ تقترن فيها مفارقة الأوطان بنزعات الحنين، وتهيّج الذّكريات، على عكس مراحل الكهولة والرّجولة، التي تقترن فيها الرّحلة بالنّزعة العملية والهدف المنشود، ويمكن أن نلمح هذين اللّونين من المشاعر في إنتاج ابن دريد الشّعري نفسه ...
واللاّفت للنّظر في تصدير الأبيات أنّ ابن دريد يقول: (خرجنا من عُمان في سفر لنا). فهو لا يتحدّث عن عودته من عُمان، ولا رجوعه من رحلته إلى عُمان، وإنّما يورد الخبر على أنّ ذلك كان عادة مقيم تتكرّر ... " (1)
10ـ " في الفترة التي قضاها في عمان خالط البوادي القريبة في عمان والأعراب المقيمين بعُمان نفسها، ممّا ظهر بصورة جليّة في كتابه (الجمهرة)، فقد ذكر لهجات من الأزد، ومن البحرين، وأعطى عناية خاصّة للّهجة اليمنية، وذكرها في قريب من مائتين وعشرين موضعًا " (2)
هذا الاهتمام باللّهجات اليمنيّة بهذا الشّكل، قد يترجم عن حبّه لموطنه الأصلي، ويبرز حنينه وارتباطه بمهد النّشأة أو مكان الذّكريات، أو موطن الآباء والأجداد ... المهمّ إنّ هذه العناية هي من المؤشّرات الكبيرة على ارتباط ابن دريد بعمان. يقول الدّكتور شبّر الموسوي عمّا أسماه المرحلة العمانية في حياة ابن دريد (257 – 270هـ): " هناك أثرى حصيلته من لغة أهل الجنوب ولهجاتها، كما تمكّن من ربط الصّلة ببلاد أجداده وبرؤساء قومه وبني عمومته من الأزد، وقد عاشرهم عشرة طويلة، أثّرت في شعره، وطبعته بطابع العصبيّة القبلية، التي عرفت لشعراء البداوة من قبله " (3)
__________
(1) - ابن دريد الأزدي وتأثيره في الدّرس والنّصّ الأدبي، ص: 23، 24.
(2) - ابن دريد الأزدي أعلم الشّعراء وأشعر العلماء، المجلّد الأوّل، ص: 87.
(3) - الدّكتور شبّر بن شرف الموسوي،: رؤية جديدة لنتاج ابن دريد الفكري"، المرجع السّابق، ص: 164. (1/39)
صفحة 36
في نصّ الموسوي كلمات وعبارات تدلّ على الارتباط الكبير بعمان، ممّا يقوم دليلاً قويًّا على عمانية ابن دريد. (أثرى حصيلته من لغة أهل الجنوب .. ، تمكّن من ربط الصّلة ببلاد أجداده وبرؤساء قومه، وقد عاشرهم عشرة طويلة أثّرا في شعره ... ) هذا الاندماج القويّ والشّديد في بيئة عمان ليس له – عندي - سوى تفسير واحد هو التعبير عن الانتماء الحقيقي، وإلى عمان بالضّبط. إنّ ما يريد أن يصل إليه الباحث هو أن يقول: إنّ ابن دريد عماني. سواء في نشأته أم في تعلّقه بموطن أجداده، الذي هو موطنه بالتّبع.
11ـ أورد الدّارسون عبارات تمدح ابن دريد وتصفه بالمتقن للّغة والفصيح فيها، وتربط ذلك بأثر البيئة العمانية في هذه التّنشئة والتكوين؛ ليثبتوا أنّه عمانيّ. إنّ سلامة اللّغة الفصحى – حسب التّقاليد الأدبية المرعية في القرن الرّابع الهجري – تتطلّب الرّحيل إلى أماكن النّقاء اللّغوي، وهي البوادي العربية، ومن بينها بادية عمان. ذكر المستشرق الفرنسي" ريجيس بلاشير Regis Blachre ": " ... وكانت تلك العادة لا تزال مرعية حتّى أوائل القرن الرّابع للهجرة/ العاشر الميلادي، فقد أقام أحد المعاصرين للمتنبّي، وهو اللّغوي ابن دريد اثنتي عشرة سنة بصحبة بدو عُمان " (1)
قال شبّر الموسوي حين ذكر رحلات ابن دريد العلميّة: " ... وكان لوجوده في البصرة ثمّ ارتحاله لعمان أثر بالغ في حصيلته اللّغوية والفكرية ... ثم انتقل إلى عمان حيث البداوة والفطرة اللّغوية السّليمة؛ ممّا كان له أبعد الأثر في تجربته اللّغوية ... " (2) يؤكّد هذه الحقيقة، وهي دور بيئة عمان في تكوين شخصيّة ابن دريد ... " ... وبلا شكّ فإنّ وجوده في عمان قبل قدومه إلى بلاد فارس قد صقل تجربته الأدبيّة ومعارفه اللّغوية. ويبدو أنّ شهرته كعالم من علماء العربية قد سبقته إلى بلاد فارس، وكانت عمان في تلك الفترة تمثّل النّقاء اللّغوي ... " (3)
حلّل الدّكتور أحمد درويش رحلة ابن دريد إلى عمان، وذهب إلى أنّ البقاء في عمان أو التّنقّل إلى بيئتها، أو المقام فيها، أو التردّد عليها ... للغرض الذي أشار إليه بلاشير وغيره من الدّارسين، لا يمكن أن يكون إلاّ في سنّ مبكّرة من حياته، حتّى
__________
(1) - ابن دريد الأزدي وتأثيره في الدّرس والنّصّ الأدبي، ص: 22. ينظر:
Regis Blachre . un poete arabe du IV siecle de l hegire. About Tayyib Al motanabbiy. Librairie Adrien. Maisonneave. Paris. 1945. p : 42.
(2) - ابن دريد الأزدي أعلم الشّعراء وأشعر العلماء، المجلّد الأوّل، ص: 165.
(3) - المرجع نفسه. (1/40)
صفحة 37
تحصل النّتيجة المنشودة. ولن تكون هذه الرّحلة التي ذكرها بلاشير هي الوحيدة، بل من المؤكّد أن رحلات ابن دريد قد تعدّدت؛ للإفادة من صفاء البيئة العمانية، المساعدة على تلقّي اللّغة السّليمة، ثمّ بدافع الحنين إلى الرّبع الذي يتّصل به بسبب من الأرومة. هذا دليل آخر على عمانية ابن دريد.
يضيف أحمد درويش: " لكن رحلة ابن دريد هذه إلى عُمان، إذا كان طلب النّقاء اللّغوي إحدى فوائدها، فإنّه لم يكن بالتّأكيد فائدتها الوحيدة، بل ولعلّه لم يكن باعثها الأوّل. فنسيج حياة ابن دريد ونتاجه الشّعري، على نحو خاصّ، قد يوحيان ... بأنّ ذهاب ابن دريد إلى عُمان لم يكن ارتحالاً، بقدر ما كان عودة من ارتحال، وأنّ هذا الذّهاب من الصّعب أن يحصر في مرّة واحدة، قوامها اثنتا عشرة سنة، والأرجح أن تكون هذه المرّة هي أطول المرّات، أو أكثرها اتّصالاً، وأن تكون قد سبقتها أو تلتها مرّات أخرى متقطّعة." (1)
الأستاذ بدر اليحمدي تناول الموضوع من زاوية أخرى، أو بطريقة غير مباشرة لتأكيد عمانية ابن دريد، فهو لم يقف طويلاً في انتمائه إلى عمان، وإن كان قصده إلى هذا لا يخفى على أيّ دارسٍ باحثٍ عن الأدلّة في المسألة. هو عَرَضَ لتأثير البيئة العمانية في شخصية ابن دريد، وأنّ ما ظهر من تفوّقه في اللّغة كان من أثر هذه البيئة في تكوينه وإعداده لغويًا متميّزًا (2)
قال بدر اليحمدي: " ولنأتِ بعد ذلك إلى دليل قاطع يجعل افتراض أثر البيئة العمانية على ابن دريد يتأكّد أكثر فأكثر، وهو أنّ ابن دريد ما ظهر أثره اللّغوي إلاّ بعد أن رحل إلى عمان، وظلّ بها اثنتي عشرة سنة، أي أنّه لم يبدأ العطاء اللّغوي والرّواية والشّعر إلاّ بعد عودته من عمان وتشبّعه بذلك الثّراء اللّغوي الكبير.
وكأنّ الأقدار أرادت أن تثبت أنّ ابن دريد لم يكن ليصقل نبوغه، وهو في تلك البيئة الصّغيرة المنقولة من بيئة عمان، بل أرادته أن يرجع إلى البيئة الأصلية، موطن آبائه الكبير، فيستلهم منه أصالة اللّغة العربية وثرائها وطابعها " (3)
بعض الكلمات والعبارات التي عمد إليها الباحث في النّصّ تدلّ أنّه كان يرمي إلى إثبات عمانيّة ابن دربد: (يرجع إلى البيئة الأصلية، موطن آبائه الكبير .. ).
ممّا سبق عرضه يتبيّن أنّ ابن دريد عمانيً، في أصله ونسبه وانتمائه ومشاعره واهتماماته ... فالحنين والانتماء إلى وطنه واضح في شعره، وتردّده على أهله وبلده كان
__________
(1) - ابن دريد وتأثيره في الدّرس والنّصّ الأدبي، ص: 22.
(2) - ينظر كتاب ابن دريد الأزدي (ندوة من أعلامنا الرّابعة)، ص: 98 – 103.
(3) - المرجع السّابق، ص:101. (1/41)
صفحة 38
كثيرًا، ومشاركاته الوجدانية في أحداث موطنه عمان بارزة وقويّة، ومواقفه فيما يهمّ بلده صريحة وصادقة في الانحياز إليه ... هذا ما قدّمه الدّارسون أدلّة قويّة، تثبت هذا الانتماء وتؤصّله.
لكن قد يكون في بعض الأقوال مبالغة في تقدير هذه العمانية إلى درجة نفي أيّ صلة لابن دريد بالبصرة، أو التّقليل من أهميّة علاقته بها، بخاصّة في التّكوّن. فابن دريد عماني الأصل والانتماء، وعماني وبصري التّكوّن. نقول ما قالته الأستاذة نهلة أحمد عبد الباقي: " ويظلّ ابن دريد عُماني الأصل والمنشأ، وتظلّ البصرة مكان ميلاده وعلمه وطلاّبه وشهرته، ويظلّ ابن دريد رمزًا من علماء عُمان، بإرثه العلمي، وانتمائه الجغرافي." (1)
كما نلتفّ حول نداء الدّكتور محمد الينبعي البوقاعي، الذي يرجو أن تولى شخصيّة ابن دريد مزيدًا من البحث والدّراسة: " كي تكشف لنا عن مختلف المجالات العلمية التي برز فيها هذا العالم الجليل، الذي جادت به أرض عمان الطّيّبة، كما جادت بغيره من العلماء الرّوّاد، الذين كان لهم شرف السّبق في خدمة لغة القرآن الكريم، مثل الخليل بن أحمد الفراهيدي، صاحب (العين)، والعوتبي الصّحاري، صاحب (الإبانة في اللّغة العربية) وغيرهما " (2)
نختم هذا المبحث بما قاله الأستاذ مرشد بن محمد الخصيبي في حقّ ابن دريد:
رَأَيْتُ المَادِحِينَ هُمُو أَجادُوا ... بِمَدْحِهِمُو الهُمامَ فَتَى دريد
فَقُلْتُ وَحَقِّ رَبٍّكُمُو أَفِيضُوا ... عَلَيْهِ المَدْحَ قُولُوا مِنْ مَزيد
أَديبٌ عَالِمٌ فَطِنٌ أَِريبٌ ... كريمُ الطّبْعِ ذُو خُلُقٍ حَميد
عُماني أصِيلٌ مِنْ سَراةٍ ... نَشَا في العِزِّ والعَيْشِ الرَّغيد
فَلَمْ أَرَ مِثْلَهُ عَلَمًا وَصِيتًا ... وَلَمْ أَرَ كـ (العُماني) (3) من مجيد
فَلِابنِ دريد أَحْيُوا اليَوْمَ اسْمًا ... لِيَبْقَى الذِّكْرُ في المَجْدِ التَّليدِ (4)
__________
(1) - ابن دريد الأزدي أعلم الشّعراء وأشعر العلماء، المجلّد الثّالث، ص: 1783.
(2) - الدّكتور محمد الينبعي البوقاعي، " معجم جمهرة اللّغة ومكانته في صناعة المعجميّة العربيّة "، المرجع السّابق، المجلّد الثّاني، ص: 935.
(3) - تدعو بعض المصادر ابن دريد بالعماني، كما جاء في (مروج الذّهب) للمسعودي، 4/ 321.
(4) - ابن دريد الأزدي (ندوة من أعلامنا الرّابعة)، ص: 63. في الشّطر الأوّل من البيت الأخير خلل في الوزن. (1/42)
صفحة 39
أشير في النّهاية: إنّنا أطلنا عرض مسألة عمانية ابن دريد، ونوّعنا في النّصوص التي تناولتها، وعدّدنا في أسماء الباحثين الذين تناولوا الموضوع؛ لأنّ هذه القضيّة تضاربت فيها الآراء، كما توجد فيها ثغرات كثيرة، سببها نقص في المعلومات الدّقيقة، وغموض في بعض التّعبيرات، ما فتح مجالا للتّأويلات والتّقديرات، أحيانًا تكون مصبوغة بالصّبغة الذّاتية. إلاّ أنّنا نقول: إنّ الأدلّة التي تثبت عمانية ابن دريد قاطعة وثابتة.
و - مذهبه
إنّ المصادر القديمة التي تناولت شخصية ابن دريد الأزدي لم تعالج هذه المسألة بما يشفي الغليل، قد يكون لذلك أسبابٌ موضوعية وأخرى متحيّزة، أو يكون لذلك تفسير يرتبط بالظّروف التي عاشتها الأمّة الإسلامية، كانت تدفع إلى الامتناع عن الخوض في مسائل الانتماء المذهبي، فخفيت الحقيقة في الموضوع، كما هو الشّأن في كثير من القضايا والأحداث التّاريخية ..
أنا بدوري لن أخوض في الموضوع بشكل مستفيض معمّق؛ لأنّني لن آتي بشيء جديد فيه، فأستاذي الدّكتور محمد صالح ناصر قد حلّل الموضوع تحليلاً علميًا منهجيًا رائعًا، ثمّ خلص إلى نتيجة مهمّة (1). أحاول عرض هذا التّحليل ملخّصًا في نقط:
1 – المصادر القديمة لم تتناول موضوع انتماء ابن دريد، رغم ما يعرف عنها من الحرص على ذكر نحل الكتّاب ومذاهبهم. عرض الدّكتور مجموعة من العوامل التي مَنَعَتْ من القيام بذلك مع ابن دريد، وترك القارئ يتأمّل فيها. (2)
2 – قال الدّكتور: لعلّ المصدر القديم الوحيد الذي أشار إلى هذا الجانب هو ياقوت الحموي (ت 636هـ) إذ يقول: (إنّ أكثر أهل عُمان في زمانه كانوا خوارج، إلاّ أنّه لا يُرَى على ابن دريد أثرُ الخروج، بل يشهد شعره بمخالفته للخوارج) (3) ويبدو أنّ
__________
(1) - ينظر كتابه محمد بن الحسن بن دريد، ص: 82 – 88.
(2) - المرجع السّابق، ص: 82.
(3) - ينظر معجم الأدباء، ج18، ص: 130. (1/43)
صفحة 40
ياقوت يشير إلى البيت الذي يقول فيه ابن دريد؛ ويحثّ قومه على الأخذ بالثّأر من راشد بن النّظر وشيعته؛ انتقامًا لموتى وقعة الرّوضة: (1)
أَترَى الأزْدَ يَقْسِمُ الذُّلَّ فيها ... خَارِجيٌّ وخَاربٌ عَمْرُوطُ
ثُمَّ تَرْضَى بِذَلِكَ الأزْدُ أَنْ تَرْ ... ضَى، فَلاَ رِيشَ سَهْمُها المَمْرُوطُ (2)
يرى بعض المحقّقين أنّ ابن دريد هنا، لَمْ يَعْنِ بالخارجي أحد الخوارج بالمفهوم السّياسي للكلمة، وإنّما يعني الغريب الخارج عن قومه، بالمفهوم اللّغوي ... استشهد الدّكتور في هذه النّقطة برأي الشّيخ عزّ الدّين التّنوخي، الذي فسّر ما ورد في البيت تفسيرًا لغويًا، بعيدًا عن المدلول السّياسي، كما قد يكون توهّم ياقوت الحموي (3)
3 – ذكر الدّكتور أنّه كما اختلط على بعض النّاس والدّارسين مفهوم (الخروج) لغويًا وسياسيًا، فأوّلوا وأصدروا أحكامًا خاطئة في حقيقة مذهب ابن دريد، كذلك خانهم الحظّ في التّفريق بين الخوارج والإباضية، فقالوا: بما أنّ ابن دريد يخالف الخوارج، فهو لا ينتمي إلى مذهب أهل عمان. قال: " ولعلّ وجه الصّواب في هذه القضيّة يتعلّق أساسًا بمفهوم الخوارج، الذي ألصقه المؤرّخون بالإباضية، وتبعهم في ذلك المحدثون، إذ يعدّونهم خوارج، هكذا دون التّمييز والتّفريق بينهم وبين غلاة الخوارج من الأزارقة والصّفرية والنّجدات. بل غير آخذين بما جاء في تاريخ عمان نفسه في هذه المرحلة، حيث كانوا في حرب مع النّجدات الذين حاولوا بسط نفوذهم على عمان، ممّا يؤكّد رفضهم المطلق لمبادئ الخوارج المتطرّفة كالأزارقة والنّجدات، في وقت كانوا فيه معتنقين لمبادئ الإباضية، التي نقلها أبو بلال مرداس بن أديّة التّميمي إلى عمان." (4)
4 – إصدار أحكام من دون مراعاة الظّروف التي تظهر فيها المواقف والأقوال، ومن دون الدّراية الكافية بالقواعد والمفهومات التي تطبعها، ومن دون النّظر إلى المقاصد والغايات، بدل الوقوف عند الألفاظ والكلمات. ناقش الدّكتور محمد ناصر الأستاذ مصطفى السّنوسي الذي استند إلى تعبير صدر من ابن دريد، وهو يتحدّث عن
__________
(1) - ينظر كتاب محمد بن الحسن بن دريد، ص: 17 – 19.
(2) - المرجع السّابق، ص: 83. ينظر ديوان ابن دريد، تحقيق محمد العلوي، ص: 74.
(3) - محمد بن الحسن بن دريد، ص: 83. ينظر ما قاله الشّيخ عزّ الدّين التّنوخي، مقدّمة كتاب ابن دريد، وصف المطر والسّحاب، ص: 20.
(4) - المرجع السّابق، ص: 84. ينظر تحفة الأعيان، ج1، ص: 79 وما بعدها، وينظر الإباضية في عمان وعلاقتها مع الدّولة العبّاسية، ص: 5. (1/44)
صفحة 41
الإمام الصّلت بن مالك الشّاري: " كنت بعمان مع الصّلت بن مالك الشّاري، وكانت الشّراة تدعوه أمير المؤمنين ... " ويقول السّنوسي بناء على الصّيغة التي استخدمها ابن دريد، وهي: (كانت الشّراة تدعوه أمير المؤمنين)، وقوله: (فصلّى بهم) ... تؤكّد أنّ الرّجل أبعد ما يكون عن صفة الخروج، وإلاّ لقال: (كنّا ندعوه أمير المؤمنين)، و (فصلّى بنا).
يردّ الدّكتور على هذا بقوله: والواقع أنّ هذه الصّيغة أو تلك لا تقوم دليلاً على الإثبات أو النّفي؛ لأنّ الظّروف التي كان ابن دريد يعيشها في البصرة، أو في بغداد تحت حكم العباسيّين كانت تفرض عليه التّقية، وهي مبدأ من مبادئ الإباضية؛ لأنّ الذي أراه من خلال النّصّ هو هذه المكانة المرموقة التي كان يحتلّها ابن دريد من الإمام الصّلت، الذي طلبه أن يخرج معه إلى الصّحراء للدّعاء، ولولا ما بينهما من قرابة وثقة وتقارب ما رفعه إلى هذه المنزلة. (1)
للأستاذ بدر اليحمدي تعليق على عبارات ابن دريد في نقل هذا الحدث أو تسجيله: " شيء آخر يلفت النّظر في هذه الرّواية هو تحفّظ ابن دريد من نسبة الإمام الصّلت بن مالك إلى الخوارج، كما هي عادة بعض المغالين. فهو لم يقل: الصّلت بن مالك الخارجي، وإنّما قال: الصّلت بن مالك الشّاري، ولفظة (الشّاري) هي من ألطف الألفاظ التي تطلق على الإباضية، ولذلك لجأ إليها ابن دريد؛ حفظًا للصّحبة التي نالها من هذا الإمام، وبعدًا عن العقوق للقوم والعشيرة. (2)
5 – نسب بعض الدّارسين ابن دريد إلى مذاهب مختلفة؛ بناء على بعض مواقفه، وبعض أقواله وأشعاره، وبخاصّة تلك التي مدح أو رثى فيها علماء من مذاهب مختلفة، كاهتمامه بأخبار الإمام علي بن أبي طالب، فقالوا: هو إذن شيعي. ورثائِه الإمام الشّافعي، قالوا: إذن هو شافعي. ورثائِه العالم ابن جرير الطبري ... قال الدّكتور لهؤلاء: " وأحسب أنّ هذا الخلط يعود إلى عدم التّعمّق في معرفة موقف الإباضية من الصّحابة – رضوان الله عليهم- وهو موقف يتّسم بالتّسامح رغم ما يقال عنهم. وهذا دليل آخر على عدم التّفريق بين مبادئ غلاة الخوارج والشّراة الإباضية ...
لأنّ رثاء الشّافعي يدلّ على تسامح ابن دريد وسعة صدره وتفتّحه على المذاهب الإسلامية المخالفة. وهو موقف عرفت به الإباضية قديمًا وحديثًا. هذا من جانب، ومن
__________
(1) - المرجع السّابق، ص: 85، 86.
(2) - ابن دريد الأزدي (ندوة من أعلامنا الرّابعة)،ص: 102. (1/45)
صفحة 42
جانب آخر فليس كلّ من رثى شخصًا واحدًا أو مدحه يكون حتمًا على هواه ومعتقده ... " (1)
ناقش الدّكتور محمد ناصر الآراء التي تناولت مذهب ابن دريد، ثمّ قدّم رأيه، وهو ما نميل إليه؛ بناء على المناقشة العلمية التي قدّمها أستاذنا في الموضوع، والأدلّة القويّة التي تثبت هذا الرّأي: "وخلاصة القول، بناء على عقيدة ابن دريد من القضاء والقدر، كما تتجلّى في شعره، وبناء على انتمائه القويّ إلى قومه الأزد بعمان، فإنّنا نرجّح أنّ ابن دريد كان من الشّراة، وإن لم يصرّح بذلك، كما لم يصرّح به معاصروه، مثل الخليل بن أحمد والمبرّد، لسبب بسيط هو ما كانوا يشعرون به من اضطهاد وملاحقة، حيث كانوا يعيشون في البصرة، تحت سمع وبصر السّلطات العبّاسية، التي كانت في حرب مستمرّة ضدّ الإباضية (2). ونرجّح أنّ المؤرّخين القدامى كانوا يعرفون منه ذلك، ولكنّهم بحكم تعاطف أغلبهم مع السّلطة العباسيّة الحاكمة، وتعصّبهم ضدّ الإباضية، لم ينقلوا ذلك ولم يحتفلوا به فيما كتبوه من أخبار ابن دريد " (3)
الفصل الثّاني
ابن دريد اللّغويّ
1 - ابن دريد عالم لغويّ متميّز، قدّم خدمات جليلة للّغة العربيّة، بتصانيفه وأماليه وملاحظاته وإضافاته، وبما كوّن من رجال أسهموا بدورهم في تنمية المنظومة اللّغوية وتطويرها. كانت بداية تعلّمه لغويّة، إذ بعد تأدّبه على يد عمّه ... " الحسين بن دريد " تكفّل بتعليمه اللّغوي "أبو عثمان الأشننداني " (ت 228 هـ) لقّنه هذا أوّل ما لقّنه اللّغة والأشعار. كما كانت لمجالس البصرة دورها في تكوينه اللّغوي؛ إذ كان من بين من حضر مجالسَ اللّغويّ " أبي حاتم السّجستاني " (ت 255 هـ) الذي شفى غليله من أسرار اللّغة ودقائقها، وتأثّر به في تخصّصه اللّغوي، وشخصيّته العلميّة، وجانب السّلوك
__________
(1) - محمد بن الحسن بن دريد، ص: 87.
(2) - ينظر محمد رشيد العقيلي، الإباضية في عمان وعلاقتها مع الدّولة العباسية في عصرها الأوّل، سلسلة: تراثنا، العدد: 60، وزارة التّراث القومي والثّقافة، سلطنة عُمان، 1984م،
(3) - محمد بن الحسن بن دريد، ص: 88. (1/46)
صفحة 43
والأخلاق. (1) كما تردّد كثيرا على مجالس لغويّ آخر هو " أبو الفضل الرّياشي " (ت257 هـ).
2 - هذه البداية اللّغويّة في التّكوّن، جعلت ابن دريد يتّجه اتّجاها لغويّا – أيضا – في تعليمه ونتاجه. وقد كان يهدف في كلّ ما يكتب ويملي ويحدّث إلى تلقين أصول اللّغة، وبيان أسرار اللّغة العربيّة – في أغلب الأحيان – وقد وقف الدّارسون والباحثون على هذه الحقيقة من خلال دراساتهم لآثاره (2)
3 - اشتهر بمجموعة من الآثار اللّغوية كانت لها مكانة كبيرة في الدّرس اللّغوي، وعدّت بعضها معالم في الفكر الإسلامي، ومصادر لمن جاء بعده ممّن كتب في اللّغة، وألّف في المعجم، تظهر عبقريته اللّغوية – بخاصّة – في كتابيه: (الجمهرة والاشتقاق) وقصيدتيه: (المقصورة، والمقصور والممدود).اللّتين جمعتا بين اللّغة والأدب في المضمون والصّياغة. وكثير من قصائده يغلب عليها الطّابع اللّغوي.
يقول الأستاذ علي بن محسن آل حفيظ: " لا غرو أن يصبح ابن دريد من علامات ... عصره البارزة، وذلك من خلال مؤلّفاته العلميّة والأدبيّة والتي نيّفت على اثنين وثلاثين (32) مؤلّفًا غير ديوان شعره، أهمّها وأبرزها كتاب (الجمهرة) و (الاشتقاق)، اللّذان أصبحا علامة دالة على ابن دريد، حيث يتبادر ذهن كلّ منّا إلى ابن دريد، حين تسمع مصطلح الاشتقاق والجمهرة " (3)
يقول الدّكتور أحمد درويش: " وكثير من مؤلّفات ابن دريد تبدو فيها اللّمحة التّميّزية التي تشقّ طريقًا جديدًا من طرق البحث، كان من الصّعب على الأدعياء، وعلى أنصاف العلماء وعامّتهم أن يهتدوا إليه؛ رغم ظنّهم بأنّهم يلمّون بالقدر الكافي من اللّغة وعلومها" (4)
أ – كتاب جمهرة اللّغة
__________
(1) - ينظر محمد بن الحسن بن دريد، ص: 92.
(2) - ينظر على سبيل المثال هذه الملاحظات الدّكتورة إكرام فاعور وكتابها، مقامات بديع الزّمان الهمذاني وعلاقتها بأحاديث ابن دريد، تحقيق نادية فاعور، دار إقرأ، بيروت، سنة 1403 هـ / 1983 م. وكتاب محمد بن الحسن بن دريد، ص: 89 – 94.
(3) - علي بن محسن آل حفيظ، " الآفاق الفكرية والحضارية في أدب ابن دريد"، كتاب ابن دريد الأزدي، (ندوة من أعلامنا الرّابعة)،، ص: 137.
(4) - ابن دريد الأزدي وتأثيره في الدّرس والنّصّ الأدبي، ص: 60. (1/47)
صفحة 44
1 – التّعريف بالكتاب
يبرز المجهود اللّغوي الكبير الذي قدّمه ابن دريد للعربيّة، وللمشتغلين بها في كتابه " الجمهرة" في اللّغة، الذي يعدّ الموسوعة الثّانية، بعد كتاب " العين " للخليل بن أحمد الفراهيدي (ت 189 هـ)، وأصلا من أصول معجمات لغة العرب. وقد وضعه بعد رحلة طويلة مع اللّغة، ومعايشة حميمية لها: تعلّمًا وتدريسَا وتحقيقًا وتجديدًا لأساليب تناولها ...
قال ابن دريد مبيّنا الغرض من تأليف الكتاب، إنّه وضعه لمّا رأى زهد النّاس في الأدب، وعداءَهم لما يجهلون، بل تضييعهم لما يتعلّمون. تساوى في ذلك الكبار والشّباب المقبلون على الحياة، الذين يقدّمون شهواتهم على حبّ الخيرات، قال لمّا رأيت ذلك: " حبوت العلم خزنا على معرفتي بفضل إذاعته، وجللته سترا مع فرط بصيرتي بما في إظهاره من حسن الأحدوثة الباقية على الدّهر. فعاشرت العقلاء كالمسترشد، ودامجت الجهّال كالغبيّ؛ نفاسة بالعلم أن أبثّه في غير أهله، وأضعه حيث لا يُعرَف كنه قدره، حتّى تناهت بي الحال إلى أبي العبّاس إسماعيل بن عبد الله بن محمد بن ميكال، أيّده الله بتوفيقه، فعاشرت منه شهابا ذاكيّا وسبّاقا مُبِرّزا، وحكيما متناهيا، وعالما متقنا ... فبذلت له مصون ما أكننت، وأبديت مستور ما أخفيت ... فارتجلت الكتاب المنسوب إلى جمهرة اللّغة. " (1)
من هذا النّصّ تتبيّن لنا غيرة ابن دريد على اللّغة العربيّة، وأسفه وتضجّره من زهد النّاس فيها، وتقاعسهم عن طلبها وطلب العلم، وعدم احتفائهم بما يلقّنون وما يعلّمون. فلمّا أنس من نفسه قوّة وكفاية علميّة، ودراية باللّغة العربية، ووجد الفرصة المناسبة والظّرف الملائم، والسّند القويّ في القيام بعمل يعين النّاشئة على تدارك الأمر والأخذ بأيديهم، دوّن لهم ما يمكّنهم من الرّجوع إليه في أخذ لغتهم، وحفظ لسانهم العربي، فأملى الكتاب على أبي العبّاس إسماعيل بن ميكال.
هذا التّفكير بهذه الطّريقة، وهذا الاهتمام بهذه الرّوح يكشفان عن عظمة الرّجل، ويُبينان عن قدره العالي؛ إذ أنّه اهتبل الفرصة، واختار الظّرف، وانتقى الرّجل الذي يملي عليه نفيس ما يعتزّ به، وما ضنّ به على سائر النّاس؛ أسرار اللّغة العربيّة. وهو قبل العثور على الرّجل المناسب، والضّالة المنشودة، كان يبخل بإذاعته بين الأنام؛ مخافة أن يقدّم الدّرّ لمن لا يفقه قيمته، فيضيع، ويذهب معه وقته وجهده سُدًى.
__________
(1) - أبو بكر بن دريد الأزدي، كتاب جمهرة اللّغة، الجزء الأوّل مكتبة المثنّى، بغداد، (د. ت)، ص: 3. (1/48)
صفحة 45
كتاب " الجمهرة " كتاب جليل، حتّى وإن عدّت عليه بعض الهنات، بالمقارنة مع كتاب " العين " للخليل بن أحمد، الذي يعدّ ملهم ابن دريد في تأليفه كتاب " الجمهرة "، وذلك بمحاولة الاستدراك على طريقته – كما أشار إلى ذلك في المقدّمة – وقد قال عنه (أي الخليل بن أحمد): " كلّ من بعده له تبع، أقرّ بذلك أم جحد. " (1)
قال الدّكتور عيد الخريشة: " ونعتقد أنّ ابن دريد كان يهدف من وضع هذا الكتاب تسهيل مراجعة معاني الألفاظ للعامّة، وأن لا تقتصر على الخاصّة من اللّغويين، وذلك بعد أن وجد صعوبة في البحث عن معاني الألفاظ؛ وفق طريقة التّرتيب الصّوتي التي سار عليها الخليل." (2)
أقدم ابن دريد على العمل عن دراية وقناعة، وقصد تقديم خدمة للعربية كي تنتشر، وللمتعلّمين كي يقبلوا على تلقّيها برغبة وشغف. قال ابن دريد: " وأملينا هذا الكتاب والنّقص في النّاس فاشٍ، والعجز لهم شامل، إلاّ خصائص كدراري النّجوم في أطراف الأفق، فسهّلنا وعره، ووطّأنا شأزه، وأجريناه على تأليف الحروف المعجمية، إذ كانت بالقلوب أعبق، وفي الأسماع أنفذ، وكان علم العامّة بها كعلم الخاصّة، وطالبها من هذه الجهة بعيدًا عن الحيرة. " (3)
بهذا الجهد وهذا الأسلوب في التّعامل مع مفردات اللّغة العربية يكون ابن دريد مجدّدًا ومبتكرًا في سبل البحث عن معاني الكلمات، ويكون قد فتح المجال لمن أتى بعده في التّجديد وتسهيل الإفادة من المعاجم. " كان ابن دريد صاحب مدرسة في التّأليف المعجمي، عندما ابتدع طريقة تصنيف المعجم على التّرتيب الألفبائي، وتبعه على ذلك مجموعة من المعاجم، مثل مقاييس اللّغة ومجمل اللّغة لابن فارس، وأساس البلاغة للزّمخشري " (4)
يقول الدّكتور أحمد درويش إنّ كتاب الجمهرة: " اختطّ طريقًا جديدًا للمعاجم العربية، ونقلها من مجال المعرفة بالسّمع، وهو مجال مناسب لعصر ما قبل التّدوين والكتابة، إلى مجال المعرفة بالعين، وهو الأكثر مناسبة لعصر الكتب والدّفاتر، الذي
__________
(1) -المصدر نفسه.
(2) - الدّكتور عيد الخريشة، " ابن دريد ومعجمه الجمهرة "، كتاب ابن دريد الأزدي أعلم الشّعراء وأشعر العلماء، المجلّد الأوّل، ص: 213.
(3) - المرجع نفسه.
(4) - عبد الرّازق فالح جرار، " تأثّر ابن دريد وتأثيره في صناعة المعاجم "، المرجع السّابق، المجلّد الثّاني، ص: 853. (1/49)
صفحة 46
امتدّ إلى عصر المطابع وما يليه. ذلك أنّ المعجم الشّهير الذي سبق ابن دريد، وهو معجم الخليل بن أحمد كان يقوم على أساس التّرتيب الصّوتي المخرجي ... " (1)
عمل ابن دريد في (الجمهرة) خطوة مهمّة وجريئة في صناعة المعاجم العربية، جاءت لتطوّر العمل المعجمي، وتواصل ما بدأه صاحب أوّل معجم عربي، الخليل بن أحمد الفراهيدي في كتاب العين:" ولهذا يعدّ كتاب الجمهرة تطوّرًا تاليًا لمعجم العين، ولا نغالي إذا قلنا: إنّ ابن دريد صاحب الفضل في تدعيم النّظام الألفبائي في فنّ صناعة المعجم (وهو الذي منحه ما يشبه الشّرعية في وضع المعاجم من بعده) " (2)
كان اهتمام ابن دريد منصبًّا على أمرين أساسين في عمله المعجمي، وهو يقوم بعمليّة تطوير طرق خدمة اللّغة العربية، التي كان يخاف عليها أن تتعرّض لما يوهنها؛ بسبب التّغيّرات التي حصلت في المجتمع العربي، كدخول عناصر جديدة فيه: جنسًا وثقافة ونزعات. هذان الأمران هما: التزامُ الصّحيحِ من الألفاظ، وتيسيرُ البحث عن المواد.
بذلك يكون قد جمع بين العناية بالمحتوى والشّكل أو المنهج في التّعامل مع المادة العلمية. يقول الدّكتور عامر باهر الحيالي: " وإذا ما أردنا أن نصنّف (جمهرة اللّغة) على وفق الاتّجاه النّقدي الذي يمثّله، وحجم المادة النّقدية التي اشتمل عليها، فهو يندرج ضمن المعجمات (الانتقائية التّصويبية)؛ لأنّه جمع بين الانتقاء والتّصويب، وفي العنوان التي وسم به كتابه (جمهرة اللّغة) ما يفصح عن انتقائية، وصرّح بذلك في مقدّمته بقوله: (وإنّما اخترنا هذا الاسم لأنّا اخترنا له الجمهور من كلام العرب، وأرجأنا الوحشي والمنكر) كرّر تأكيد اعتماده على مبدأ الانتقاء في متن معجمه، وفي خاتمته، ويفهم من أقوال ابن دريد أنّه قصد بالجمهور المستعمل الشّائع من الكلام. وفي هذا الشّائع ما هو فصيح وغير فصيح، ممّا جعل ابن دريد يورد في معجمه غير الفصيح إلى جانب الفصيح الصّحيح ... " (3)
__________
(1) - ابن دريد الأزدي وتأثيره في الدّرس والنّصّ الأدبي، ص: 60.
(2) - ابن دريد الأزدي أعلم الشّعراء وأشعر العلماء، المجلّد الأوّل، ص: 214. ينظر الدّكتور أحمد عبد السّميع، المعاجم العربية دراسة تحليلية، دار الفكر العربي، القاهرة، 1979م، ص: 55.
(3) - الدّكتور عامر باهر الحيالي، " إضاءات لغوية على رحلتي العلمية مع ابن دريد في كتابه (جمهرة اللّغة) "، المرجع السّابق، ص: 224, ينظر جمهرة اللّغة، تحقيق د. منير بعلبكّي، دار العلم للملايين، بيروت، لبنان، 1/ 41، و2/ 1182، و3/ 514. (1/50)
صفحة 47
هذا الانتقاء في إيراد ألفاظ اللّغة العربية في معجمه؛ لتكون فائدته التّعليمية أكبر، يبيّن جهده في تطوير منهج الدّرس اللّغوي، وبذلك يكون قد أسهم في تنمية طرق البحث في اللّغة.
يقول الدّكتور عمر الدّقّاق: " فاللّفظ الشّائع المألوف كان قصْدَ ابن دريد في معجمه، وليس الغريبَ النّادر (1). وهذا يعني أنّ غرضه يشبه إلى حدّ ما غرض الجوهري في تصفية اللّغة من الشّوائب، واستبعاد بعضٍ من ألفاظها، على حين كان غرض الخليل في " العين " استيعاب العربية وجمع ألفاظها قاطبة، دون تمييز بين شائعها وغريبها " (2)
بهذا المؤلَّف يواصل ابن دريد جهود سلفه وابن وطنه الخليل بن أحمد الفراهيدي، في معجمه (العين) أوّل معجم في اللّغة العربية، بعد أن اعترف له بالفضل والسّبق، وفي الوقت نفسه استدرك عليه في المنهج الذي اختطّه الخليل المبتدي، الذي رأى فيه ابن دريد المقتدي عنتا، قد ينفّر من تعلّم هذه اللّغة، هذا في الحقيقة شيء طَبَعِي يحدث في الكائن الذي يراد له أن يؤدّي المهمّة التي تناط به، يُراعى الظّرف الذي يوجد فيه، وتُرعى المتغيّرات التي تحصل، وتتطلّب التّجاوب معها بما يخدم المصلحة العامّة، ويفرض التّحاور بين العلماء، عن طريق نقد أعمالهم، والإضافة إليها ... هذا ما نبّه إليه الدّارسون المنصفون الأكفاء الذين تناولوا تراث الرّجلين. قال ابن دريد: " ولَمْ أَجْرِ في إنشاء هذا الكتاب إلى الإزراء بعلمائنا، ولا الطّعن على أسلافنا، وأنّى يكون ذلك!! وإنّما على مثالهم نحتذي، وبسبلهم نقتدي، وعلى ما أصّلوا نبتني، وقد أّلّف الخليل بن أحمد كتاب (العين) فأتعب من تصدّى لغايته ... وكلّ من بعده له تبع، أقرّ بذلك أم جحد ... " (3)
إنّ ابن دريد يكنّ كلّ التّقدير لسلفه الذي تعلّم منه، ويعترف له بالفضل، فليس فيما أقدم عليه من الاستدراك على طريقته في تسجيل اللّغة العربية ما يدفع إلى الطّعن عليه، ووصفه بالتّعدّي والتّطاول على مكانة الخليل بن أحمد .. يقول علي بن محسن آل حفيظ: " وابن دريد من أنجب تلاميذ الخليل والمدافعين عن علومه وآدابه، فابن دريد رأس مدرسة الخليل، فضلاً عن كونه من المنافحين الأوائل عن معجم (العين) للخليل أمام ناقديه
__________
(1) - أفرد ابن دريد للنّوادر من الألفاظ أبوابًا ملحقة في آخر كتاب (الجمهرة).
(2) - الدّكتور عمر الدّقّاق، مصادر التّراث العربي في اللّغة والمعاجم والأدب والتّراجم، دار الشّرق العربي، بيروت، لبنان، حلب، سورية، (د, ت)، ص: 186، 187.
(3) - ابن دريد الأزدي أعلم الشّعراء وأشعر العلماء، المجلّد الأوّل، ص: 539, ينظر كتاب جمهرة اللّغة، ج1، ص: 3. (1/51)
صفحة 48
والمستدركين عليه بعض الاستدراكات، فإنّ كتابه الموسوم بـ (الجمهرة) قد اعتبر مؤلّفًا على منوال كتاب (العين) " (1)
مثلما يُعترَف لابن دريد بالتّجديد في كتابه الجمهرة، يسجّل تأثّره بالخليل بن أحمد؛ لوجود بصمات من آثار (العين) في موسوعته. عدّد الدّكتور عبد الرّازق جرار هذا الأثر في النّقط الآتية:
1 – رغم أنّ ابن دريد ابتكر التّرتيب الألفبائي في الجمهرة، إلاّ أنّه لم يخرج من عباءة معجم (العين) في المعالم الكبرى، وبخاصّة في الموضوعات، فهي في (الجمهرة) لم تخرج عمّا تناولته مقدّمة (العين) إلاّ في التّفاصيل.
2 – احتفظ ابن دريد بما صنعه الخليل بن أحمد في (العين) من تقسيم ألفاظ اللّغة إلى أبواب الثّنائي والثّلاثي ... الخ. واحتفظ أيضًا بتقليب الأصل الواحد على وجوهه المختلفة، حسب الاشتقاق الكبير، واتّفق مع الخليل أيضًا بأنّه لا يذكر بعد الحرف إلاّ الحرف الذي يليه، حتّى لا يقع تكرار في تصنيف الألفاظ.
3 – اشتملت مقدّمة (الجمهرة) على امتدادات لما دوّنه الخليل في مقدّمة (العين)، فقد تكلّم عن صفة الحروف وأجناسها، ووضعها في سبعة أجناس. وهي قريبٌ من البيان الذي ورد في كتاب (العين) (2)
4 – اعتمد كثيرًا على الخليل بن أحمد في مروياته اللّغوية، لكنّه ظهر فيها ناقدًا لغويًا، يحسن الاختيار، ويقف على مواد أهملها الخليل، وأثبتها هو. (3)
رغم تأثّر ابن دريد بالخليل بن أحمد، إلاّ أنّ الجمهرة تعدّ متميّزة، ومنفردة بمنهجها وإضافاتها وتطويرها للعمل المعجمي، فلا يقدح فيها كما فعل خصوم ابن دريد الذين عدّوا عمل ابن دريد نسخًا وسلخًا وسرقة لعمل الخليل، كما ادّعى نفطويه والأزهري ...
" نفطويه " (ت 323 هـ / 935 م) أنكر على ابن دريد أن يكون قد أتى بشيء جديد، سوى أنّه نقل ما سجّله الخليل بن أحمد في معجم (العين)، بعد أن غيّر فيه قليلا، ونسب العمل إليه. قال نفطويه:
ابْنُ دُرَيْدٍ بَقَرَهْ ... وَفِيهِ عَيٌّ وَشَرَهْ
__________
(1) - ابن دريد الأزدي (ندوة من أعلامنا الرّابعة)، ص: 133, ينظر د. عزّ الدّين إسماعيل، كتابه: المصادر الأدبية واللّغوية في التّراث العربي، ص: 301, وتاج العروس، ج1، ص: 38.
(2) - ينظر ابن دريد الأزدي أعلم الشّعراء وأشعر العلماء، المجلّد الثّاني، ص: 858.
(3) - ينظر المرجع السّابق، المجلّد الأوّل، ص: 213. (1/52)
صفحة 49
وَيدَّعِي مِنْ حُمْقِهِ ... وَضْعَ كِتَابِ الجَمْهَرَهْ
وَهُوَ كِتَابُ العَيْنِ ... إِلاَّ أَنَّهُ قَدْ غَيَّرَهْ
ردّ عليه ابن دريد:
لَوْ أُنْزِلَ الوَحْيُ عَلَى نَفْطَوَيْهِ ... لَكَانَ ذَاكَ الوَحْيُ سُخْطًا عَلَيْه
وَشَاعِرٌ يُدْعَى بِنِصْفِ اسْمِهِ ... مُسْتَأْهِلٌ لِلصَّفْعِ عَلَى أَخْدَعَيْه
أُفٍّ عَلَى النَّحْوِ وَأَرْبَابِهِ ... قَدْ صَارَ مِنْ أَرْبَابِهِ نَفْطَوَيْه
أَحْرَقَهُ اللهُ بِنِصْفِ اسْمِهِ ... وَصَيَّرَ البَاقِي صُرَاخًا عَلَيْه ِ (1)
" ... وقد وصمه من انتقده بأنّه افتعل كثيرا من الأنماط اللّغويّة، لم تعرف عن العرب، وأنّه ولّد ألفاظا، وأدخل في كلامهم ما ليس منه. من هؤلاء أبو منصور الأزهري (ت 370 هـ) صاحب معجم " تهذيب اللّغة "، وأحمد بن فارس، صاحب معجم " مقاييس اللّغة ". ممّن تعرّض له أيضا " عباد بن عمر الكرماني.
تولّى العلماء الدّفاع عنه، وبيّنوا أنّ هذه التّهم وليدة الحسد والغيرة. قال السّيوطي (ت 911هـ): " معاذ الله، هو برئ ممّا رمي به، ومن طالع الجمهرة رأى تحرّيه في روايته، ولا يقبل فيه طعن نفطويه؛ لأنّه كان بينهما منافرة عظيمة، وقد تقرّر في علم الحديث أنّ كلام الأقران في بعضهم لا يقدح." (2) ويقول السّيّد مصطفى السّنوسي: " وإذا نحن أحسنّا الظّنّ بابن دريد، حملنا هذا الذي يقال عنه على أنّه من حسد منافسيه الذين قد أغروا به، إذ لم يحفل بهم. " (3)
كما تناول الدّكتور عبد العزيز عبد الكريم التّويجري موضوع علاقة كتاب (الجمهرة) بكتاب (العين)، وعرض لمضمون المعجمين، ونقط تأثّر ابن دريد بالخليل.
__________
(1) - ديوان ابن دريد، تحقيق ودراسة عمر، ابن سالم، ص: 76.
(2) - ديوان شعر الإمام أبي بكر بن دريد الأزدي، تحقيق وجمع محمد بدر الدّين العلوي، ص: 20. نقلا عن كتاب المزهر: 1/ 58.
(3) - تعليق من أمالي ابن دريد، ص: 18، 19. ينظر أيضا كتاب جمهرة اللّغة، ج1 (المقدّمة)، ص: 7، 8. الرّدّ جدير بالتّأمّل. (1/53)
صفحة 50
ثمّ عرّج على اتّهام ابن دريد بالسّرقة والسّطو على علم الخليل، وقال: " ... وأنّ هذا الاتّهام لا يثبت أمام الدّرس والبحث والنّظر العلمي " (1)
قال الدّكتور شوقي ضيف مثبتًا أصالة عمل ابن دريد في الجمهرة: " وعلى الرّغم من نقد القدماء له، وقول نفطويه الكوفي معاصره، المتوفّى سنة 328هـ: إنّه ليس أكثر من تحريف لمعجم العين للخليل، يعدّ عملاً باهرًا " (2)
لابن دريد في كتاب الجمهرة مزايا وحسنات، تثبت أنّه تقدّم بالبحث اللّغوي خطوات إلى الأمام، ولم تكن جمهرته نسخة طبق الأصل لعين الخليل بن أحمد، هذه المميّزات هي:
1 – قال ابن دريد عن كتابه " الجمهرة ": " إنّما أعرناه هذا الاسم لأنّنا اخترنا له الجمهور من كلام العرب، وأرجأنا الوحشيّ والمستنكر. " (3)
2 - لم يرتّب معجمه على مخارج الحروف، كما فعل الخليل بن أحمد في معجمه " العين "، إنّما اتّبع التّرتيب الألفبائي؛ لأنّه التّرتيب السّهل الشّائع.
3– ابتكر تبويبا جديدا في المواد نفسها.
4– زاد الأبواب اللّغويّة من المعجم وصيغا كثيرة أهملها صاحب كتاب العين.
5 - اقتبس الكثير في اللّغة والأدب والتّاريخ، ونقل الكثير من الشّواهد القرآنيّة.
6 – عُني بالمعرّب والدّخيل من الحبشيّة والرّوميّة والسّريانيّة والعبرانيّة والنّبطيّة والفارسيّة.
7– أورد أشياء كثيرة في اللّغة لم توجد في كتب الذين تقدّموه.
8– أورد كثيرا من الألفاظ من لغات اليمن. (4)
__________
(1) - الدّكتور عبد العزيز عبد الكريم التّويجري، " مقولة: (الجمهرة نسخة من العين) مقولة لا تصحّ "، كتاب ابن دريد الأزدي أعلم الشّعراء وأشعر العلماء، المجلّد الأوّل، ص: 537. ينظر الدّراسة كاملة، ص: 537 – 548.
(2) - الدّكتور شوقي ضيف، تاريخ الأدب العربي، العصر العبّاسي الثّاني، ط2، دار المعارف بمصر، 1975م، ص: 143.
(3) - الجمهرة، الجزء الأوّل، ص: 4. كيف يمكن الجمع بين هذا النّصّ وما اتّهم به ابن دريد من افتعال ما ليس من كلام العرب.
(4) - المرجع نفسه. (1/54)
صفحة 51
9 – قدّم في مقدّمة (الجمهرة) دراسة في علم الأصوات: مخارجَ وصفات ٍوائتلافًا .. (1)
10 – يحتوي المعجم على آراء نحوية وصرفية وصوتية مهمّة ... (2)
11– تميّز ابن دريد في معجمه (الجمهرة) بالأمانة العلمية في نقله المادة اللّغوية، فكان يصرّح بأنّه اعتمد على معجم (العين) في المقدّمة. (3)
12– عُني ابن دريد باللّهجات عناية كبيرة، فكانت الجمهرة بحقّ من أهمّ المعجمات العربية التي حوت كمًّا هائلاً من ألفاظ اللّهجات العربية، وبخاصّة اللّهجات اليمنية. (4) ويعدّه الدّكتور عبده الرّاجحي في كتابه: " اللّهجات العربية في القراءات القرآنية " أهمّ مصدرين في التعرّف على اللّهجات العربية. (5)
13– يقول عبد الله بن محمد المسملي: " يعدّ معجم (الجمهرة) أصلاً من أصول معجمات لغة العرب؛ لما تميّز به واضعه من غزارة في علمه بها، وقوّة في حافظته، وتقدّم في زمنه، وقد سار في جمعه لألفاظ العربية وإثباتها وفق منهج معتبر، يدلّ عليه توقّفه وتحرّزه عن إثبات ما يقع فيه شكّ، ولا دليل عليه من سماع ونحوه ... (6)
14 - تميّزت (الجمهرة) بأنّها حافلة بالأنساب، هذا الاحتفاء بها يكشف عن جانب مهمّ في شخصية ابن دريد، إذ ظهر بذلك نسّابة كبيرًا. (7).
15 – عناية ابن دريد باشتقاق الأعلام وشرحها (8)
هذه المميّزات التي امتازت بها موسوعة الجمهرة تبيّن قيمة هذا المعجم، وتكشف عن عبقريّة ابن دريد وكفايته العلميّة، وتُبِينُ عن عقله الجبّار، وتحرّره من الجمود
__________
(1) - ابن دريد الأزدي أعلم الشّعراء وأشعر العلماء، المجلّد الأوّل، ص: 208. سرد الدّكتور عيد الخريشة مجموعة من المميّزات لمعجم الجمهرة، ينظر المرجع نفسه ص: 212 - 214.
(2) - المرجع السّابق، ص: 212.
(3) - المرجع السّابق، المجلّد الثّاني، ص: 858.
(4) - المرجع السّابق، المجلّد الأوّل، ص: 540.
(5) - المرجع السّابق، ص: 215.
(6) - الدّكتور عبد الله بن محمد المسملي، " توقّف ابن دريد في الجمهرة (مظاهره ودوافعه)، المرجع السّابق، ص: 526.
(7) - ينظر مصطفى السّنوسي، ديوان ابن دريد، ص: 111.
(8) - الدّكتور محمد حسن عبد العزيز، مصادر البحث اللّغوي في الأصوات والصّرف والنّحو والمعجم وفقه اللّغة، ط1، دار الكتاب الجامعي للنّشر والتّوزيع، الكويت، 1987م، ص: 168. (1/55)
صفحة 52
الفكري، وتدلّ على حبّه للتّجديد. " فهو لم يكن جامدا متزمّتا في تفكيره كبعض اللّغويّين، إنّما كان ذا عقليّة جبّارة يزيّنها التّجدّد والابتكار." (1). . وتدلّ على سعة اطّلاعه وكثرة محفوظه.
هذه المزايا التي توفّرت لكتاب الجمهرة، لم تمنع عنه الوقوع في بعض الأخطاء. وقد سجّل عليه الدّارسون بعض المآخذ، وهذا شيء طبعي، فلا يوجد عمل كامل. فما هذه المآخذ؟
2 - مآخذ على الكتاب
هذه المآخذ تتمثّل في سوء التّنظيم والتّنسيق بالمقارنة مع كتاب " العين"، إذ يغلب على الجمهرة التّشويش والفوضى، ولا نجد عند ابن دريد الدّقّة والوضوح في تفسيره للقواعد الصّرفيّة والنّحويّة على حدّ تعبير قسطنطين تيودوري (2)
ممّن تعرّض لابن دريد بالاستنقاض والطّعن في معجمه (الجمهرة) بخاصّة أبو منصور الأزهري (ت 370هـ). فقد أنكر عليه كثيرًا من الآراء التي أثبتها في معجمه، وبيّن تجاوزاته فيها، وسمّاها) مناكير ابن دريد).قام الدّكتور سيف الدّين الفقراء بدراسة هذه الطّعون، ومناقشتها (3). خلص في النّهاية إلى المحصّلة الآتية:" ومن النّتائج التي خلصت إليها الدّراسة، إنّ العلماء الذين عرفوا بثنائهم على ابن دريد، أو عرفوا بعدم الطّعن فيه يكثرون من الأخذ عليه، ولذلك نجد الألفاظ التي أنكرها الأزهري على ابن دريد مذكورة عندهم دون إنكار، وهي مسألة بيّنة عند الصّاحب بن عبّاد، وابن سيدة، وابن القّطاع، وكذلك عند الفيروزبادي، غير أنّ العلماء الذين عرفوا بنقدهم لابن
__________
(1) - قسطنطين تيودوري، " معجم الجمهرة ثاني عمل موسوعي في تاريخ العرب "، مجلّة العربي (الكويت) عدد: ذي الحجّة 1402 هـ / تشرين الأوّل 1982م ص: 132.
(2) - المرجع السّابق، ص: 131، 132.ينظر بعض هذه المآخد فيما أورده الدّكتور شبّر بن شرف الموسوي في دراسته: " رؤية جديدة في إنتاج ابن دريد "، كتاب ابن دريد الأزدي أعلم الشّعراء وأشعر العلماء، المجلّد الأوّل، ص: 179، 180.
(3) - ينظر دراسة الدّكتور سيف الدّين الفقراء " مناكير الأزهري على ابن دريد " المرجع السّابق، المجلّد الثّالث، ص: 1819 – 1843. فيها عرض لمآخذ الأزهري على ابن دريد، باستقصاء المواضع التي طعن فيها في آراء ابن دريد، انطلاقًا من كتاب (الجمهرة) ثمّ الكتب الأخرى. مع العناية بحقيقة الخلاف بينه وبين ابن دريد ... (1/56)
صفحة 53
دريد يجارون الأزهري في عدم الاعتداد بهذه الألفاظ. وهي مسألة نجد أوضح أمثلتها عند أحمد بن فارس في (المجمل في اللّغة) و (مقاييس اللّغة). (1)
قال ابن جنّي: " وأمّا كتاب (الجمهرة) ففيه أيضًا من اضطراب التّصنيف وفساد التّصريف، ما أعذر واضعه فيه، لبعده عن معرفة هذا الأمر، ولما كتبته وقفت في متونه وحواشيه جميعًا من البيّنة على هذه المواضيع ما استحييت من كثرته، ثمّ لما طال عليّ أومأت إلى بعضه، وأضربت البتّة عن بعضه. " (2) تولّى السّيوطي الرّدّ على حكم ابن جنّي، وتفنيد مزاعمه (3)
يقول الدّكتور عمر الدّقّاق: " وممّا زاد منهج ابن دريد عسرًا في الجمهرة أنّه جعل لكلّ من الثّلاثي والرّباعي والخماسي ملحقات. فالمعجم مقسّم عنده إلى الثّنائي المضاعف وما يلحق به، فالثّلاثي وما يلحق به ... الخ. كما ألحقت بهذه الأبواب أبواب أخرى في اللّفيف، وأبواب سواها في النّوادر" (4)
يقول الدّكتور محمد حسن عبد العزيز: و" وقال محقّق الكتاب (الجمهرة) رمزي البعلبكي: ولا يخفى أنّ المنهج الذي اتّبعه ابن دريد أكثر تعقيدًا من منهج الخليل " (5).
يبدو أنّ هذا الحكم شاذّ عمّا قرّره معظم الدّارسين الذين بحثوا في كتاب الجمهرة. ما نقوله: لا يخلو أيّ عمل من نقص، كما لا يكتمل أيضًا إلاّ بتضافر الجهود، بالتّصحيح والحذف والإضافة والنّقد البنّاء .. هذا ما ينطبق على عمل ابن دريد في (الجمهرة). مع ذلك نسجّل لها كثرة المحاسن بجنب قليل من الأخطاء. أشار إلى هذا تيودوري قسطنطين:" ورغم المعاناة التي يصادفها غير المتخصّصين في تناولهم للجمهرة، إلاّ أنّها إذا وضعت في ميزان النّقد رجحت كفّة المحاسن والمزايا على كفّة السّلبيات، فهي شاهد على قدرة ابن دريد اللّغوية، وموفور حفظه، واستيعابه للغة. مع الدّقّة والضّبط، كما أنّها تجسّد أمانته في الرّواية عن العلماء .. ومن مزاياها أيضًا ذلك الفيض الزّاخر من الأشعار والأرجاز؛ ممّا يجعلها – إلى جانب كونها معجمًا لغويًا – موسوعة أدبيّة حافلة " (6)
__________
(1) - المرجع السّابق، ص: 1834.
(2) - محمد بن الحسن بن دريد، ص: 101. نقلا عن الخصائص، 3/ 288.
(3) - ينظر السّيوطي، المزهر، 10/ 93.
(4) - مصادر التّراث العربي .. ، ص: 189.
(5) - مصادر البحث اللّغوي في الأصوات ... ، ص: 168.
(6) - مجلّة العربي، عدد تشرين الأوّل، 1982م. (1/57)
صفحة 54
مع كلّ هذه المطاعن والمآخذ، التي يبدو أنّ بعضها غير مؤسّس على حقائق صحيحة، وقواعد ثابتة، أو كان الدّافع إليها عوامل خارجة عن المعايير العلمية ... فإنّ كتاب (الجمهرة) لقي إقبالا كبيرًا، وحظي باهتمام العلماء والدّارسين الذين أفادوا منه كثيرُا في صناعة المعاجم، وفي تعلّم اللّغة العربية الصّحيحة .. (1)
مع هذه الطّعون التي سجّلها بعض من تعرّض لابن دريد بالاستنقاص، نجدهم ينقلون مواد كثيرة، أفادوا بها في مصنّفاتهم .. ذكر الدّكتور ناصر الدّين الأسد مثلاً إفادة أبي منصور الأزهري في كتابه (تهذيب اللّغة) من كتاب (الجمهرة)، وكانت النّقول كثيرة لافتة للنّظر، يسجّل هذا التّصرّف فضل ابن دريد على الأزهري؛ رغم هجومه العنيف على صاحب كتاب الجمهرة: "ومع ذلك نرى أبا منصور الأزهري قد نقل من كتاب (الجمهرة) مئات النّقول، وأورد أكثرها مستشهدًا بها، قابلاً لها دونما تشكيك ولا تضعيف. قد أخذ من الجمهرة في الجزء الأوّل في ثلاثة وأربعين موضعًا، قبلها دونما تعليق، إلاّ في تسعة مواضع، علّق عليها تعليقات مختلفة ...
واستشهد الأزهري بابن دريد في الجزء الثّاني في سبعة عشر موضعًا، توقّف في أربعة منها بتعليقات مختلفة ...
ونقل عن ابن دريد في الجزء الثّالث في اثنين وستّين موضعًا، لم يعقّب على شيء منها بشكٍّ أو إنكار، سوى في موضع واحد ...
أمّا في الجزء الرّابع فقد استشهد الأزهري بأقوال ابن دريد في اثنين وعشرين موضعًا. مرّ بخمسة عشر منها دون تعليق، وعلّق على أربعة منها ...
أمّا الجزء الخامس من (التّهذيب) فقد ذكر الأزهري فيه ابن دريد في عشرين موضعًا، قبلها كلّها دون تعليق، ما عدا موضعًا ... " (2)
يذكر الحسين أحمد بن فارس (ت 395هـ /1004م) في مقدّمة معجمه " مقاييس اللّغة " كتبا خمسة اعتمد عليها في تأليفه كتابه ذلك، وعدّها كتبا مشهورة عالية، وعليها بناء كلّ ما ذكر في المعجم، قال: " ... منها كتاب أبي بكر بن دريد المسمّى الجمهرة، فهذه الكتب الخمسة معتمدنا في ما استنطقناه من مقاييس اللّغة، وما بعد هذه الكتب فمحمول
__________
(1) - سرد الدّكتور ناصر الدّين الأسد مجموعة من أقوال علماء أجلاّء كلّها ثناء طيّب على كتاب (الجمهرة). ينظر كتاب: ابن دريد الأزدي (ندوة من أعلامنا الرّابعة)،ص: 11 – 15.
(2) - الدّكتور ناصر الدّين الأسد، " كتاب الجمهرة لابن دريد وأثره في اللّغة "، كتاب ابن دريد الأزدي (ندوة من أعلامنا الرّابعة)، ص: 18 – 20. (1/58)
صفحة 55
عليها، وراجع إليها، حتّى إذا وقع الشيء النّادر نَصَصْناه إلى قائله إن شاء الله. " (1)
أشار الدّكتور ناصر الدّين الأسد إلى كتابَيْ (مقاييس اللّغة) و (مجمل اللّغة) لابن فارس، وعدد المّرات التي ورد فيهما اسم ابن دريد، ممّا يؤكّد اعتماد صاحب المعجمين على ابن دريد. في الأجزاء الثّلاثة من (مقاييس اللّغة) تكرّر اسم ابن دريد مائة وثمانية وأربعين مرّة. أمّا في (المجمل) المتكوّن من أربعة أجزاء، فورد اسم ابن دريد ستّة وسبعين مرّة في جزأين، والعدد يزداد حين نتصفّح بقيّة الأجزاء ... (2)
إنّ النّصّ الآتي يبيّن قيمة (الجمهرة): " كان ابن دريد واحد ًامن أهمّ روافد الدّرس اللّغوي، وبخاصّة في باب صناعة المعجم، يشهد له بذلك – على سبيل المثال – أنّه كان مصدرًا للأزهري في (تهذيب اللّغة) في أكثر من ثلاثمائة موضع. وأخذ عنه ابن فارس (ت 395هـ) مائتين وخمسين موضعًا تقريبًا، نصّ عليها (3). وأخذ عنه ابن منظور في (لسان) العرب) ما يقرب من ستّمائة موضع. نصّ عليها نصًّا صريحًا (4) ... (5)
هذا يعني أنّ فضل ابن دريد على المعاجم العربية التي ألّفت بعد ظهور معجم الجمهرة كبير، وحضوره المكثّف فيها واضح، فما هو هذا الأثر؟
3 - أثر كتاب الجمهرة في المؤلّفا ت اللّغوية
لقيمة هذه الموسوعة العلميّة وجدنا المؤلّفات اللّغويّة والمعاجم الكبرى التي هي مرجع النّاس في أخذ اللّغة، تعتمد عليها من جملة ما تعتمد من الكتب. وكذا فعل أبو منصور الثّعالبي (ت 429 هـ) في كتابه " فقه اللّغة ". قال زكيّ مبارك: " وليس كتاب فقه اللّغة في جملته من صنع الثّعالبي، فقد نقل فصولاً برمّتها عن أمثال ابن دريد والخوارزمي وأبي الحسن الجرجاني وابن الأعرابي، ولكن له فضل التّرتيب والتّبويب " (6) وكتاب الجمهرة من الأصول التي اعتمد عليها مؤلّفو المعاجم بعده.
قال الدّكتور عيد خريشة: " ولا شكّ أنّ لكتاب (الجمهرة) دورًا هامًّا عند المعجميّين بعد وفاته، فلقد تأثّر به عدد من المعجبين. ومن هؤلاء أحمد بن فارس المتوفّى سنة 395هـ، والذي ألّف معجمين، هما: كتاب (مقاييس اللّغة)، وكتاب (المجمل)،وقد اتّخذ ابن فارس منهجًا في كتاب المقاييس، يقترب من أسس ابن دريد في تقسيم كتابه وترتيبه، وقد اختلف معه في بعض الأمور، فقد سار على التّرتيب الهجائي، ولكنّه خالفه في اتّخاذ هذا التّرتيب الأساسي الأوّل للتّقسيم، وقد ذكر في مقدّمة كتابه أنّه اعتمد على أشرف الكتب وأعلاها، منها كتاب (العين) وكتاب (الجمهرة). ومنهم أيضًا الزّمخشري المتوفّى سنة 538هـ، في كتابه (أساس البلاغة) " (7)
للزّيادات الكثيرة في كتاب الجمهرة على ما أورده الخليل بن أحمد في كتاب العين، اعتمد عليه ابن التّياني القرطبي (ت 436 هـ) في معجمه " الموعب " الذي ظهر في صدر القرن الخامس الهجري، وكان هذا المعجم من أضبط المعاجم وأصدقها رواية. " (8)
"ومن هؤلاء جمال الدّين بن منظور (ت 711 هـ/ 1311م) مؤلّف " لسان العرب " الذي يشتمل على الألفاظ اللّغويّة والأعلام والجغرافية والحقائق التّاريخيّة ... أيضًا بنى معجمه هذا على خمسة كتب، منها الجمهرة. " (9)
زيادة على من ذكرناهم من العلماء الذين ألّفوا معاجم، واعتمدوا من بين مصادرهم ابن دريد، نجد صاحب (القاموس المحيط)، و (تاج العروس) ... يقول الدّكتور محمد بن صالح مشري: " ... فصاحب (اللّسان) و (القاموس) و (التّاج) كلّهم نقلوا عنه وأكثروا، بل كادت أن
__________
(1) - الدّكتور عمر فرّوخ، تاريخ الأدب العربي، الجزء الثّاني، (الأعصر العبّاسيّة) ط1، دار العلم للملايين، بيروت، سنة 1401 هـ / 1981 م، ص: 594. كذلك اعتمد ابن فارس في معجمه " المجمل " على الجمهرة.
(2) - ينظر المرجع السّابق، ص: 22 – 24.
(3) - ينظر كتاب أعلم الشّعراء وأشعر العلماء، المجلّد الثّالث، ص: 1819.ينظر ابن فارس، مجمل اللّغة، تحقيق ودراسة زهير عبد المحسن، ج4، ط1، مؤسّسة الرّسالة، 1404هـ، 1984م، ص: 1099، 2000.
(4) - أحمد أبو الهيجاء وخليل بن أحمد عمايرة، " فهارس لسان العرب "، المجلّد الثّالث، ط1مؤسّسة الرّسالة، بيروت، 1407هـ/ 1987م، ص: 232 – 235.
(5) - المرجع السّابق، المجلّد الثّالث، ص: 1819.
(6) - الدّكتور زكيّ مبارك، النّثر الفنّي في القرن الرّابع، الجزء الثّاني، ط2، مطبعة السّعادة، مصر، سنة 1376 هـ / 1957 م، ص: 190.
(7) - ابن دريد الأزدي أعلم الشّعراء وأشعر العلماء، المجلّد الأوّل، ص: 215.
(8) - مجلّة العربي، عدد: تشرين الأوّل، سنة 1982 م، ص: 132.
(9) - الدّكتور عمر فرّوخ، تاريخ الأدب العربي، الجزء السّادس، ط1، دار العلم للملايين، بيروت، سنة 1983 م، ص: 371. (1/59)
صفحة 56
تطغى مواد (الجمهرة) و (الاشتقاق) على بعض المواد بحرفيتها في تلك المعاجم ... " (1)
مجمل القول: إنّ آراء ابن دريد مبثوثة في مختلف معاجم اللّغة العربية، القديمة والحديثة؛ ممّا يدلّ على قيمة الرّجل في آرائه وحجيّته في اللّغة العربية.
4 - أعمال على الجمهرة
منذ أن ألّفت الجمهرة عكف عليها الدّارسون والباحثون والأدباء واللّغويّون: قراءة ومراجعة، تصحيحا وتحشية، تعليقا واستدراكا واختصارا وإيضاحا ... وذلك في مختلف العصور. فأوّل من ألّف في ذلك " عمر الزّاهد غلام ثعلب " (ت 345 هـ / 957 م)، استدرك ما فات ابن دريد في كتاب، سمّاه " فائت الجمهرة " وقيل " سقطات الجمهرة " (2).كما ألّف "الصّاحب بن عبّاد " (ت 385هـ) مختصرا سمّاه " جوهرة الجمهرة " (3). وألّف أبو العلاء المعرّي (ت 449 هـ) كتابا في شرح شواهد الجمهرة. قيل إنّه يقع في ثلاثة أجزاء. كما نظم الجمهرة يحي بن معطي (ت 628هـ) (4). ورد اسمه هكذا: (يحي بن معطي بن عبد النّور المغربي الزّواوي, وله (نظم الجمهرة) (5)
لشرف الدّين محمد بن نصر الله بن عُنَيْن الشّاعر (ت 630هـ)، (مختصر الجوهرة) (6)
__________
(1) - الدّكتور محمد ين صالح مشري،: " من آراء ابن دريد اللّغوية في المعاجم العربية حتّى القرن الخامس الهجري "، ابن دريد الأزدي أعلم الشّعراء وأشعر العلماء، المجلّد الثّاني، ص: 888, ينظر الدّراسة كاملة، ص: 869 – 892.
(2) - ينظر ابن دريد الأزدي أعلم الشّعراء وأشعر العلماء، المجلّد الثّالث، ص: 1819.
(3) - ينظر كتاب جمهرة اللّغة، الجزء الأوّل، (المقدّمة)، ص: 16.
(4) - ينظر دراسة الدّكتور عبد الرّازق فالح جرار، " تأثّر ابن دريد وتأثيره في صناعة المعاجم "، المرجع السّابق، المجلّد الثّاني، ص: 853 – 865.
(5) - ينظر كتاب ابن دريد الأزدي (ندوة من أعلامنا الرّابعة)، ص: 17.قال عنه الدّكتور عمر فرّوخ: " ابن مُعْطٍ الزّواوي أحد أئمّة اللّغة والنّحو في عصره، ماهر في العربيّة (النّحو)، مبرّز في علم الأدب، قادر في النّظم والنّثر، وهو مؤلّف، له قصيدة في القراءات السّبع، نظم الجوهرة لابن دريد، الأرجوزة الألفية (لعلّها أوّل ألفية في النّحو) ... ينظر كتابه: تاريخ الأدب العربي، ج5، ط1، دار العلم للملايين، بيروت، لبنان، كانون الثّاني (يناير)، 1982م، ص: 663، 664.
(6) - المرجع نفسه. نقلا عن حسين نصّار، المعجم العربي نشأته وتطوّره، 2/ 400. قال حسين نصّار: إنّ هذا الكتاب مفقود ومجموعة من كتب أخرى أشار إليها .. (1/60)
صفحة 57
يقول الدّكتور أحمد درويش: " الجمهرة إذن نموذج لتميّز الصّوت في مجال الدّراسات المعجمية، ولاهتداء ابن دريد – رغم أنّه لم يكن صاحب الفكرة الأولى في عمل المعاجم – إلى فكرة تضمن لهذه المعاجم شيوعها، وكثرة الفائدة منها، وتخطّ لها طريقًا جديدًا، ومنهجًا مبتكرًا " (1)
من مظاهر الاحتفاء بـ (الجمهرة) اقتناء كثير من العلماء والنّاس لها، وكثرة تداولها ونقلها وتنقّلها بالبيع والشّراء بشكل لافت للنّظر: عددَ المرّات وارتفاعَ الثّمن (2). أوردت بعض المصادر القديمة قصصًا طريفة عن انتقال هذا الكتاب العظيم بين النّاس؛ ما يدلّ على قيمته ومكانته في قلوب العارفين للعلم أهمّيته وفضله: " وحكى الخطيب أبو زكريّاء يحي بن علي التّبريزي اللّغوي أنّ أبا الحسن علي بن أحمد بن علي بن سلَّك الفالي الأديب (ت 448هـ) كانت له نسخة لكتاب (الجمهرة) لابن دريد في غاية الجودة، فدعته الحاجة إلى بيعها فباعها، واشتراها الشّريف المرتضى أبو القاسم المذكور بستّين دينارًا، وتصفّحها فوجد يها أبياتًا بخطّ بائعها أبي الحسن الفالي:
أَنِسْتُ بها عشرينَ حَوْلاً وَبِعْتُها ... لَقَدْ طَالَ وجْدِي بَعْدَهَا وَحَنِيِنِي
وَمَا كَانَ ظَنِّي أنَّنِي سَأَبيعُها ... وَلَوْ خَلَّدَتْنِي في السُّجونِ دُيونِي
وَلَكِنْ لِضُعْفٍ وَافْتِقارٍ وصِبْيَةٍ ... صِغَارٍ، عَلَيْهِمْ تَسْتهِلُّ شُؤُونِي
فَقُلْتُ – وَلَمْ أَمْلِكْ سَوَابِقَ عَبْرَةٍ - ... مَقَالَةَ مَكْوِيِّ الفُؤَادِ حَزين
(وَقَدْ تُخْرِجُ الحَاجَاتُ يَا أُمَّ مالِكٍ ... كَرَائِمَ مِنْ رَبٍّ بِهِنَّ ضَنينِ (3)
إذن إنّ (جمهرة اللّغة) كتاب متميّز بما قدّمه من جديد في مجال الدّرس اللّغوي؛ رغم ما قيل فيه، وما قدّم عليه من طعن، كما أنّ تقويم بعض الدّارسين له كان محدودًا؛ إذ أبقوه في دائرة التّربية والتّعليم فقط. في هذا التّقدير تضييق وتحجيم لأهميّة هذه الموسوعة المتميّزة في مسيرة الفكر والحضارة العربية الإسلامية. يقول علي بن محسن آل حفيظ: " ... فإنّ صناعة هذا الكتاب تعتبر بحقّ من التّجديدات الفكرية والعلمية ذات
__________
(1) - ابن دريد الأزدي وتأثيره في الدّرس والنّصّ الأدبي، ص: 62.
(2) - ينظر كتاب ابن دريد الأزدي (ندوة من أعلامنا الرّابعة)، ص: 13 – 15.
(3) - ابن دريد الأزدي (ندوة من أعلامنا الرّابعة)، ص: 13، 14. ينظر ابن خلّكان، وفيات الأعيان، 3/ 316. جاء في المزهر للسّيوطي، 1/ 95. عن نسخة (الجمهرة) التي كانت في حوزة الفالي:" نسخة من الجمهرة بخطّ مؤلّفها، وكان قد أعطي بها ثلاثمائة مثقال فأبى، فاشتدَّت به الحاجة، فباعها بأربعين مثقالاً، وكتب عليها هذه الأبيات ". (1/62)
صفحة 58
الشّأن، والتي سوف تعتمد عليها العديد من جوانب تطوير اللّغة العربية وتحديد أبوابها، ومن حيث حصر وتحديد الألفاظ ومعانيها وجذورها، والأبنية الصّرفية والنّحوية، وتحديد مختلف الصّيغ الفعلية وما إلى ذلك.
إنّ بعضًا من الذين يتحدّثون عن كيفية تأليف ابن دريد لكتاب (الجمهرة)، ينظرون إليه باعتباره نوعًا من الأمالي التّربوية والتّعليمية، حيث قد أملاه على مراحل لتلميذه الأمير الميكالي أبي العبّاس، وهو لهذا لا يعدو كونه حلقات درس في أبنية اللّغة وغير ذلك. ولكنّ القيمة العلمية لهذا الكتاب بعد ظهوره والاحتفاء العظيم الذي حظي به لدى العام والخاصّ، يجعل من ابن دريد عَلمًا من أعلام صناعة معاجم اللّغة العربية، وهذه نقطة حضارية ولا شكّ في مجال الفكر وعلوم اللّغة " (1)
الجمهرة كتاب لا يستغني عنه أيّ دارس للّغة والآداب العربيّة، الذي يريد التّبحّر في اللّغة، وأخذها من مصادرها وينابيعها، لذا لقي عناية كبيرة من مختلف الدّارسين والباحثين والمصنّفين والمشتغلين باللّغة، في مختلف العصور والأزمنة من مسلمين وعرب وعجم. وتبوّأ له مكانا ووجودا في كثير من مكتبات العالم. (2)
كما نسجّل لهذا الكتاب الاهتمام الكبير الذي ما يزال يحظى به من الدّراسة والبحث فيه، فما يزال الباحثون يكتشفون أسرارًا كثيرة في أعماق هذا المصنّف الجليل. (3)
ب – كتاب الاشتقاق
1 - تمهيد
__________
(1) - ابن دريد الأزدي (ندوة من أعلامنا الرّابعة)، ص: 153، 154.
(2) - عن أماكن وجود نسخ كتاب الجمهرة في العالم، وصفة كلّ نسخة من حيث الصّحّة والفساد، ومن حيث الكمال والنّقص، ينظر على سبيل المثال: جرجي زيدان، تاريخ آداب اللّغة العربيّة، الجزء الأوّل، منشورات دار مكتبة الحياة، بيروت، (د. ت)، ص: 498. وكارل بروكلمان، تاريخ الأدب العربي، الجزء الثّاني، ط3، دار المعارف بمصر، سنة 1974 م، ص: 183.
(3) - ينظر مثلا البحوث التي قدّمت عن كناب الجمهرة في المؤتمر الدّولي السّابع ابن دريد الأزدي أعلم الشّعراء وأشعر العلماء، الذي نظّمته وحدة الدّراسات العمانية، جامعة آل البيت، المملكة الأردنية الهاشمية، أيّام: 17 – 19 من جمادى الأولى 1430هـ/ 12 – 14 من أيّار (مايو) 2009م. ينظر كتاب المؤتمر، المجلّد الأوّل، ص: 205 – 548، والمجلّد الأوّل والثّاني، ص: 775 – 1044. والمجلّد الثّالث، ص:1471 – 1493. و 1709 – 1722. (1/63)
صفحة 59
من مصنّفات ابن دريد المهمّة كتاب الاشتقاق، الذي يعدّ من الكتب الأصول في تأصيل اللّغة العربية، ومن المصادر التي يعتمد عليها في التّحقيق اللّغوي. هو كتاب غزير الفائدة، من عيون التّراث العربي لذلك وصف بأنّه ذخيرة علمية، كما عدّ إضافة مهمّة للمكتبة العربية. ذكر هذا المصدر ونوّه به القدامى والمحدثون، العرب والمستشرقون ... ذكره ابن النّديم في" الفهرست"، والقفطي في " إنباء الرّواة على أنباء النّحاة "، وياقوت الحموي في " معجم الأدباء "، وابن خلّكان في " وفيات الأعيان "، والسّيوطي في " المزهر " ... " واسمه عند ياقوت والسّيوطي (اشتقاق أسماء القبائل. كما ذكره من المتأخّرين حاجي خليفة في مؤلّفه (كشف الظّنون) هكذا (كتاب الاشتقاق) " (1)
أشاد به – أيضًا - المحدثون والكّتاب المعاصرون كثيرًا. (2) عدّه الدّكتور عامر الحيالي الرّائدَ في ميدان التّأصيل اللّغوي (3). فيه قّدم ابن دريد أنموذجًا علميًا في اللّغة والتّاريخ والنّسب (4). وقالت الدّكتورة دلال دحيدل: " يدلّ كتاب الاشتقاق على سعة علم ابن دريد، وقوّة إدراكه واجتهاده في علوم اللّغة، والتي أصلها الأسماء. وبذلك يكون هذا الكتاب ذخيرة علمية واعية ... " (5)
قال عنه إسماعيل عبد الحليم: " ... وبالرّغم من كثرة الكتب المسمّاة بـ (الاشتقاق) فإنّ كتاب (الاشتقاق) لابن دريد لا يزال يعتبر مصدرًا مهمًّا للباحثين في مجال علم اللّغة العربية واشتقاقها، لما له من أصالة وحسن التّبويب وجزالة الأسلوب فضلاً عن أنّه يعتبر مصدرًا قديمًا في هذا الموضوع، وأنّ مؤلّفه موثوق بعلمه لكثرة اطّلاعه على التّراث المتنوّع في عصره " (6)
__________
(1) - محمد بن الحسن بن دريد، ص: 102.
(2) - ينظر الدّراسات التي قدّمت عن كتاب الاشتقاق في مؤتمر ابن دريد الذي أقامته وحدة الدّراسات العمانية، حامعة آل البيت، سنة 1430هـ/ 2009م، كتاب ابن دريد الأزدي أعلم الشّعراء وأشعر العلماء، المجلّد الأوّل 543 – 724. المجلّد الأوّل والثّاني، ص: و1427– 1493.
(3) - المرجع السّابق، المجلّد الأوّل، ص: 242.
(4) - الدّكتور حسن عيّاش، " الألفاظ الدّينية عند العرب قبل الإسلام في ضوء كتاب الاشتقاق لابن دريد الأزدي "، المرجع السّابق، ص: 555.
(5) - الدّكتورة دلال دحيدل، " القضايا الصّرفية في كتاب الاشتقاق لابن دريد، دراسة تحليلية دلالية "، المرجع السّابق، ص: 643.
(6) - إسماعيل عبد الحليم، " أهمبّة كتاب ابن دريد لابن دريد الأزدي في الدّراسات التّاريخية والأدبية "، كتاب ابن دريد الأزدي (ندوة من أعلامنا الرّابعة)، ص: 35. (1/64)
صفحة 60
يدلّ هذا التّنويه وتعدّد المصادر التي أوردته، تسجيلاً له من بين المصادر المهمّة في المجال اللّغوي، وإفادةً منه في المادة اللّغوية. يدلّ على قيمته ومكانته في الحقل الّلغوي ...
الكتاب جاء ليردّ أساسًا " على من يتساءلون عن سبب تسمية العرب أبناءَهُم بأسماء قد تثير الفزع، أو تتّصف بالقسوة. فانتصف ابن دريد لعروبته من خلال الوقوف على الأصول المتعدّدة في توجيه الاسم، واختلاف المعنى لاختلاف الأصل، مع مراعاة الجانب اللّغوي " (1)
إذا كان دافع ابن دريد الأوّل في تأليف كتاب (الاشتقاق) هو الردّ على انتقاص الشّعوبية من العربية، وما يتّصل بها من أسماء غريبة، ونابية عن الذّوق، وقبيحة لا تستسيغها الأسماع، ومستعصٍ فهمُها حتّى على علماء اللّغة العربية أنفسهم – كما يقول الشّعوبيّون – ويطعنون حيث لا يجب الطّعن، ويعيبون حيث لا يستنبط العيب ... فإنّ " العطاء جاء أغزر بكثير من مجرّد الاستجابة لهذا الدّافع، وردّ تلك التّهم. فقد أقام ابن دريد من التّسمية علمًا له بواعثه ودوافعه ومسبّباته، وجعل منها نافذة تطلّ على تراث واسع متشابك، وترصد ماضي وحاضر شبكة العلاقات في كتلة بشرية كبيرة، تمثّل الكتلة العربية، كانت قد بدأت في الانتشار والذّوبان في كتلة أخرى أكثر اتّساعًا، هي الكتلة الإسلامية " (2)
تناول ابن دريد للموضوع بهذا الشّكل من التّوسّع في البيان والاستطراد، يدلّ على سعة علمه باللّغة العربية، ثمّ على رغبته في تعليمها بأصولها وقواعدها الصّحيحة، ثمّ الانتصار لمنهج العرب في التّعامل مع اللّغة، ثمّ الدّفاع عن العربية وردّ كلّ ما يسيء إليها من قريب أو بعيد، وبخاصّة في عصره الذي انتشرت فيه الشّعوبية (3)، التي حملت لواء الاستهانة بالعرب في مختلف مظاهر حياتهم، والطّعن في الشّخصية العربية ... في هذا السّياق، ومن هذا المنظور تأتي قيمة كتاب الاشتقاق؛ أثرًا لأصول اللّغة العربية، ومصدرًا لمضمونها ...
" لقد كانت اللّغة العربية إحدى [أحد] الموضوعات التي وجّهت إليها الشّعوبية سهام الطّعن والتّجريح، وذلك لفخر العرب بلغتهم لفصاحتها، ولكونها لغة القرآن
__________
(1) - الدّكتور محمد علي مقابلة، " التّطوّر المجازي وأثره في توجيه الدّلالة لدى ابن دريد في كتابه الاشتقاق"، ابن دريد الأزدي أعلم الشّعراء وأشعر العلماء، المجلّد الأوّل، ص: 573.
(2) - ابن دريد الأزدي وتأثيره في الدّرس والنّصّ الأدبي، ص: 67.
(3) - يراجع كتاب الشّعوبية وأثرها الاجتماعي والسّياسي للدّكتورة زاهية قدورة. وكتاب ابن دريد الأزدي (ندوة من أعلامنا الرّابعة)، ص: 131 – 135. (1/65)
صفحة 61
الكريم. فمن هذا المنطلق قال الشّعوبيّون: إنّ اليونان والفرس يستطيعون أيضًا أن يزعموا أنّ لغتهم أخصب وأغنى، وأنّ شعرهم أسمى وأعلى. ليس هذا فحسب، بل إنّهم أرجعوا العديد من الكلمات العربية إلى أصول فارسية. ولعلّ لهذا كان انكباب المدافعين عن العربية على التّأليف الغزير والواسع في الاشتقاق اللّفظي ومعاني العربية حيث ظهرت كتب عديدة في القرون الثّلاث: الثّالث والرّابع والخامس بعنوان واحد أو يكاد، وهو (الاشتقاق) " (1)
2 - التّعريف بكتاب الاشتقاق
نشر الكتاب لأوّل مرّة سنة 1270هـ/ 1854م بعناية المستشرق الألماني " فرديناند وستنفلد Ferdinand Wustenfeld " (1808 – 1899 م). كان ذلك سنة 1854م، كما نوّه المستشرق الألماني " فون رايسكه Reiske 1716 ) " Fone – 1794 م (بالكتاب وبأهمّيته (2) نشرته بعد ذلك دار الجيل ببيروت عام 1411هـ/ 1991م بتحقيق الأستاذ عبد السّلام محمد هارون، ويقع في مجلّد واحد. قال الأستاذ عبد السّلام محمد هارون عن عمل " وستنفلد ": " امتاز عمله بالأمانة التّامة والحرص الشّديد على أداء الأصل، بيد أنّه يخفق في قراءة نسخة الأصل، ونبّهت أنا على ذلك في حواشي نشرتي هذه، كما أنّه مع التزامه إثبات الحواشي الثّمينة التي هي في النّسخة، قد فاته إثبات كثير منها، وقد نبّهت على ذلك في التّعليقات ... ومهما يكن من شيء فإنّ عمله في بعث هذا الكتاب، وما بذل فيه من جهد جدير باستحقاق الثّناء والإجلال " (3)
أ - محتوى الكتاب
موضوع الكتاب تفسير أسماء القبائل، وتقديم معارف ومعلومات قيّمة عنها في جوانب كثيرة: لغة وتاريخًا وأنسابًا، ومواقف ومآثر ومواقع جغرافية ... مع التّركيز على الجانب اللّغوي، المجال الذي يشغل بال ابن دريد، ويستحوذ على شخصيّته العلميّة، ويخدم أهدافه التّربوية والاجتماعية ... يذكر الأستاذ عبد السّلام محمد هارون محاور الكتاب ويحدّدها كالآتي:
__________
(1) - ابن دريد الأزدي (ندوة من أعلامنا الرّابعة)، ص: 132، 133,
(2) - ابن دريد الأزدي أعلم الشّعراء وأشعر العلماء، المجلّد الأوّل، ص: 692.
(3) - المرجع نفسه. ينظر عبد السّلام محمد هارون، مقدّمة كتاب الاشتقاق، لأبي بكر محمد بن الحسن بن دريد (223 – 321هـ)، مطبعة السّنة المحمّدية، مصر، (د. ت)، ص: 29. (1/66)
صفحة 62
1 – الاشتقاق اللّغوي لأسماء القبائل والرّجال.
2 – بسط القول في المادة اللّغوية التي اشتقّت منها هذه الأسماء.
3– تفسير الآثار الدّينية والأدبية التي تمتّ بصلة إلى تلك المواد.
4 – بيان أنساب قبائل العرب وبطونها، وأفخاذها، وتشعّب بعضها عن بعض.
5 – إمداد الباحث بكثير من المعارف التّاريخية النّادرة التي تتعلّق بقبائل العرب ورجالها، وبعض ما يمتّ بصلة تاريخية إلى تلك القبائل، وإلى أولئك الرّجال. (1)
4 – " حدّد ابن دريد فلسفة العرب في التّسمية؛ حين أشار إلى رواية نقلها عن أستاذه أبي حاتم السّجستاني، قال: (قيل للعتبي ما بال العرب سمّت أبناءها بالأسماء المستشنعة، وسمّت عبيدها بالأسماء المستحسنة؟ فقال: لأنّها سمّت أبناءها لأعدائها، وسمّت عبيدها لأنفسها). وقد علّق ابن دريد على إجابة العتبي بأنّها جميلة مستحسنة، لكنّها محتاجة إلى شرح وتوضيح، وهو ما تولاّه الكتاب " (2)
يقول الدّكتور أحمد درويش: " وتتناثر خلال تحليله معلومات تاريخية قيّمة عن القبائل والأماكن والبلدان، تصلح في ذاتها أن تكون نواة لدراسات مستفيضة. ومن الطّبيعي أن يولي الأزدَ وعُمان قدرًا من رعايته، فيتكرّر الحديث عنده عن الأزد خمسًا وعشرين مرّة في كتابه، يريد خلالها التّعريف ببطونهم، كاليحمد وسلامان وبكر وبني سعيد وأزد السّراة وصريم والأشافر ... الخ ويتتبّع في كلّ مرّة أماكن معيشتهم وأسماء من حالفهم ومن عاداهم ووالاهم " (3)
تعليقًا على ما صنعه ابن دريد وما قدّمه من خدمة للباحثين في مجال التّحقّق من الأصول اللّغوية في الأسماء والأنساب ... في كتاب الاشتقاق قال الدّكتور محمد علي مقابلة عن هذا الكتاب: " يعدّ - إلى جانب كونه مرجعًا في اللّغة – مرجعًا في حفظ الأنساب التي احتفظت بجانب ليس بالقليل من الأعلام العربية في الجاهلية والعصر الإسلامي، إلى زمن تأليفه ... " (4) لذا فهو دليل الباحثين في الأنساب العربية، وضبط الأعلام العربية؛ لأنّ
__________
(1) - ينظر كتاب الاشتقاق، تحقيق عبد السّلام محمد هارون، ص: 32. عدّ الأستاذ علي بن محسن آل حفيظ المحاور التي تضمّنها كتاب الاشتقاق الجديد َالتي أتى به الكتاب. ينظر كتاب: ابن دريد الأزدي (ندوة من أعلامنا الرّابعة)، ص: 155.
(2) - ابن دريد الأزدي وتأثيره في الدّرس والنّصّ الأدبي، ص: 68.
(3) - المرجع السّابق، ص: 69.
(4) - ابن دريد الأزدي أعلم الشّعراء وأشعر العلماء، المجلّد الأوّل، ص: 584. (1/67)
صفحة 63
الكتاب عني ببيان الصّيغ الصّرفية للكلمات، وتوضيح ما تحمل من دلالات، مع الرّجوع بالألفاظ إلى أصولها اللّغوية.
يقول الدّكتور ليث شاكر: " أمّا محتوى الكتاب فيتضمّن مادة علمية غزيرة، تركّزت على الاشتقاق اللّغوي لأسماء القبائل والرّجال، وبيان بشكل مختصر أنساب قبائل العرب وبطونها وأفخاذها، ونوادر عن تلك القبائل ورجالها .. ولا يجد أيّ مثقّف، ومهتمّ بالثّقافة العربية إلاّ أن يتلقّف ضالته في كتاب الاشتقاق؛ لأنّه يوفّر المادة الخصبة في ضبط الأعلام العربية، ويقف مشفوعًا ببيان الصّيغة التّصريفية والمدلول اللّغوي للأسماء والقبائل والبطون. " (1) فالكتاب ذخيرة علمية واسعة واعية، مستوعبة لضروب كثيرة من أسرار اللّغة العربية.
ب – منهج الكتاب
يسجّل لابن دريد سابقة في مجال خدمة اللّغة العربية، وتأصيل قواعدها، والكشف عن مميّزاتها، وابتكار منهج جديد في تناول أسرار اللّغة العربية، الذي يتمثّل في البحث في اشتقاقات اللّغة العربية؛ انطلاقًا من " أسماء الرّجال ". جمع في هذا المنهج بين الجانب اللّغوي في تأصيل الألفاظ، والجانب التّاريخي لتوسيع المعارف فيما له علاقة بالكلمات المبحوثة. يقول عن ذلك أحمد درويش: " هو منحًى في البحث لم يسبق إليه ابن دريد، بل لم تؤلّف فيه بعده كتب كثيرة معروفة. وما ألّف حول الأعلام وسيرهم وطبقاتهم - وهو كثير – كان يهتمّ بالنّاحية التّاريخية أكثر من غيرها، وما ألّف في علم الأنساب – وهو كثير أيضًا – لم يهتمَّ بالنّاحية اللّغوية اهتمام ابن دريد: (2)
1 - " يلخّص ابن دريد منهجه في الكتاب بقوله: (فشرحنا في كتابنا هذا أسماء القبائل والعمائر، وأفخاذها وبطونها، وتجاوزنا ذلك إلى أسماء ساداتها وثُنْياتها وشعرائها وفرسانها، وجرّاري الجيوش من رؤسائها ... ) " (3)
2 - كان ابن دريد يتوسّع في البحث اللّغوي، وينوّع في الأدلة التي تعينه على تأصيل الكلمات التي يتعامل معها أو بها، في تلك المصادر القوية التي كان يرجع إليها، ويوثّق بها مادته اللّغوية. من هذه المصادر القرآن الكريم والحديث النّبوي
__________
(1) - الدّكتور ليث شاكر، " قبائل الأزد وبطونها في كتاب الاشتقاق لابن دريد "، المرجع السّابق، 692.
(2) - ابن دريد الأزدي وتأثيره في الدّرس والنّصّ الأدبي، ص: 66.
(3) - ابن دريد الأزدي أعلم الشّعراء وأشعر العلماء، المجلّد الأوّل، ص: 556. ينظر كتاب الاشتقاق، 1/ 30، 31. (1/68)
صفحة 64
الشّريف والشّعر ... هذا ما يعطي لعمله القوّة والثّقة والمصداقية ... " استند ابن دريد في الكشف عن عربية الأعلام التي أثبتها في كتابه بردّ كلّ علم إلى مادته العربية الخالصة؛ محتجًّا بالقرآن الكريم تارة، وبحديث الرّسول - صلى الله عليه وسلم - تارة أخرى، وينوّع في الشّواهد التي يستشهد فيها لمواده اللّغوية، فيستعين بالشّعر وبكلام العرب ... " (1) والأحاديث النّبوية والأمثال العربية.
3 – يفسّر اسم القبيلة، ثمّ يترجم لمن نبغ من رجالها.
4 – يبسط القول في المادة اللّغوية التي اشتقّت منها الأسماء، ويفسّر الآثار الدّينية والأدبية التي لها علاقة بالمادة اللّغوية (2)
5 – " يعتمد مفهوم مصطلح (الاشتقاق) عند ابن دريد في كتابه هذا على ردّ الكلمة إلى أصولها اللّغوية التي اشتقّت منها ... " (3) ويعيدها أحيانًا إلى أكثر من أصل.
6 - يتميّز بالضّبط الدّقيق للأعلام العربية؛ مشفوعة ومدعومة ببيان الصّيغة التّصريفية والمدلول اللّغوي.
7 – يستقلّ المؤلّف برأيه، ويختار ما يريد أن يكتب فيه، ويحلّله:" وعلى سبيل المثال تجنّب المؤلّف عن ذكر اشتقاق اسم (الله عزّ وجلّ) حيث قال: (وقد أقدم قوم على تفسيره، ولا أحبّ أن أقول فيه شيئًا " (4)
ج- مميّزات الكتاب
1 – هو معجم ضخم حوى صنوفًا متعدّدة من الأسماء والأعلام والنّبات والجماد والبطون والأودية والفصائل .. (5)
2– ركّز على الاشتقاق اللّغوي لأسماء القبائل والرّجال ..
3 – مزج ابن دريد في كتاب الاشتقاق بين علم اللّغة في اشتقاق الأسماء للأعلام والقبائل، وأنساب القبائل العربية وبطونها. لذا فإنّ النّسّابة ودارس التّاريخ وأنساب
__________
(1) - الدّكتور ناجح جميل صوافطة، " توجيه ابن دريد للشّاهد القرآني في كتاب الاشتقاق "، المرجع السّابق، ص: 591.
(2) - ابن دريد الأزدي (ندوة من أعلامنا الرّابعة)، ص: 123.
(3) - ابن دريد الأزدي أعلم الشّعراء وأشعر العلماء، المجلّد الأوّل، ص: 556.
(4) - ابن دريد الأزدي (ندوة من أعلامنا الرّابعة)، ص: 36.
(5) - الدّكتور سعيد شواهنة، " القضايا الصّرفية في كتاب الاشتقاق "، ابن دريد الأزدي أعلم الشّعراء وأشعر العلماء، المجلّد الأوّل، ص: 623. (1/69)
صفحة 65
القبائل العربية قبل الإسلام وبعده في المجالات المختلفة، يجدون في الكتاب مادة خصبة غزيرة تفيدهم في أعمالهم ...
4 – يتميّز الكتاب بالتّحليل الدّقيق للأسماء. فابن دريد في هذا الموضوع يقدّم معلومات تعتمد الإحصاء – في بعض الأحيان – وهو يعرض سلسلة النّسب. مثلا في سلسلة نسب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعرض نسبه، ويقف أمام كلّ اسم من السّلسلة " فيشرح الجذور اللّغوية والفروق بينها وبين الجذور المتشابهة. فيتعرّض في مادة (محمد) إلى الفرق بين الحمد والشّكر، وبين صيغة محمد وصيغة محمود، ثمّ يشير إلى من سمّي (محمدا) في الجاهلية، ويخصّ أربعة. ومنه ينتقل إلى (أحمد)، فيشير إلى من سمّي به، وإلى يحمد وحميد وحميدان وحماد، وهكذا يفعل مع بقيّة الأسماء التي يتعرّض لها في سلسلة النّسب الشّريفة، ومن بعدها في أسماء القبائل وبطونها ورجالها " (1)
ما قام به ابن دريد يحقّق شخصيته اللّغوية، وشخصيته التّعليمية، فهو يقصد إلى تعليم اللّغة، وتحقيق مكانة العرب في المجال العلمي، التي نال منها وطعن فيها الشّعوبيّون، وبهذا يبلغ غايته التي نذر نفسه للوصول إليها، وهي نصرة العربية، وخدمة العنصر العربي، فلا غرابة أن يطنب ويستطرد في مباحثه، إنّ هذا يدخل في صميم المنهج الذي اختطّه لنفسه، الذي يجعل اللّغة هي محور أبحاثه وأعماله.
هذا تقديم مقتضب لمضمون كتاب الاشتقاق، وتسجيل لخصائصه، وبيان لمكانته في الفكر اللّغوي العربي، ومن خلال ذلك يتّضح لنا دور ابن دريد في تطوير الدّرس اللّغوي، وتصحيح بعض الأخطاء المرتكبة في حقّ اللّغة العربية، كما كان له فضل فتح مجالات البحث في أسرار اللّغة العربية، وفي طرق تناول هذه اللّغة بمنهجية دقيقة، تسهم في مزيد من العطاء لكشف الغطاء عن اللّغة الغنيّة القويّة. يقول الدّكتور أحمد درويش: " وهكذا يقدّم (الاشتقاق) فيما يقدّم علامات، يمكن أن تساعد على رسم صور لكثير من الجماعات والأمكنة في التّاريخ العربي، إلى جانب ما قدّمته من ملاحة متمكّنة في بحر واسع هو اللّغة العربية، بطريقة منهجيّة منظّمة، دلّت – مرّة أخرى - على أنّ ابن دريد كان مؤلّفًا ذا عطاء متميّز، من خلال تلاميذه ومؤلّفاته، وأنّ أثره من خلال ذلك كلّه تجاوز عصر القرن الثّالث والرّابع، الذي استحقّ بجدارة أن يكون أستاذ الجيل فيه، إلى القرون التّالية؛ ليكون واحدًا من روّاد الثّقافة العربيّة الجادّة العميقة" (2)
__________
(1) - ابن دريد الأزدي وتأثيره في الدّرس والنّصّ الأدبي، ص: 69.
(2) - المرجع السّابق، ص: 70. (1/70)
صفحة 66
سجّل الدّكتور أحمد درويش ملاحظة مهمّة، تؤرّخ مسيرة عمان العلميّة المتميّزة في الجهود اللّغوية، التي تعنى بالأصالة، وبذلك تتأكّد إسهامات عُمان المتميزّة في الشّهود الحضاري منذ القدم، والمتجدّدة دومًا. وفي ميدان اللّغة تسجّل لها الرّيادة والاستمرارية فيه في آن واحد: "ومن المصادفات العلمية أن يكون العمل الذي اهتمّ بأسماء الرّجال في العصر الحديث من النّاحية اللّغوية والتّاريخية والإحصائيّة هو (معجم أسماء العرب) الذي صدر عام 1991م، عن سلطنة عُمان، في إطار موسوعة السّلطان قابوس لأسماء العرب، وأن تكون عُمان بذلك مصدر الأعمال العلمية التي تهتمّ بأسماء الرّجال. فابن دريد صاحب المعجم القديم في الاشتقاق، ينتمي إليها، والعمل العلمي الحديث (معجم أسماء العرب)، يصدر تحت إشرافها " (1)
ج – كتاب الملاحن
من تراث ابن دريد اللّغوي كتاب " الملاحن " الذي يتناول الألغاز وصيغ القسم. وهو تعليميّ الهدف. يندرج الكتاب في حقل الدّلالة والمعجميّة. " وهو كتاب يبحث في دلالات الألفاظ، ويهتمّ بالدّلالات الثّانوية للّفظ. وغاية المؤلّف من تأليفه، كما ذكر في مقدّمة كتابه: إيجاد مخرج لمن يحلف يمينًا على شيء، ويريد غير المعنى الظّاهر. كأن تقول: والله ما أكلت صقرًا، وتريد اللّبن شديد الحموضة " (2)
يظهر جليًا من الدّافع لتأليف كتاب الملاحن عناية ابن دريد بالتّوسّع في البحث اللّغوي؛ قصد تعليمها للأجيال، بعد الكشف عن مقوّماتها وأسرارها، وقد ركّز في هذا السّياق على الجانب الدّلالي في التّعامل مع الكلمة العربية، وما تسعف به صاحبها من فرصة لتوجيه الكلام إلى ما يخدم غرضه من الإتيان به، بالتّصرّف في دلالاتها أو استثمار طاقاتها التّصويرية، باللّجوء إلى التّعبير غير المباشر، وهو ما وتدلّ عليه كلمة (الملاحن).
" ويقوم مفهوم مصطلح (الملاحن) عند ابن دريد في كتابه على الانزياح الدّلالي في استعمال اللّفظ من الدّلالة العامّة إلى الدّلالة المعجميّة الخاصّة، وهو ما عُرف عند البلاغيّين بمصطلح (التّورية) ... وقد استفاد ابن دريد من ظاهرة المشترك اللّفظي، وأقام
__________
(1) - المرجع السّابق، ص: 66.
(2) - الدّكتور كمال المقابلة، " التّورية في أسماء الحيوان والنّبات: دراسة دلالية معجمية في كتاب الملاحن لابن دريد "، كتاب ابن دريد الأزدي أعلم الشّعراء وأشعر العلماء، المجلّد الأوّل، ص: 731. (1/71)
صفحة 67
عليها كتابه. وقريب من هذا ما عرف عند البلاغيّين أيضًا بـ (أسلوب الحكيم) في أحد مفهوميه " (1)
أثار الدّكتور محمد صالح ناصر نقطة مهمّة، تتعلّق بالدّافع الحقيقي لتأليف هذا الكتاب بهذه الطريقة، انطلاقًا من سؤال عرضه ثمّ أجاب عنه: هل للظّروف التي عاشها ابن دريد، وطبيعة الحياة التي كانت تسود العصر الذي وجد فيه ابن دريد علاقة بتأليف كتاب الملاحن؟؟ "والذي يبدو لنا أنّ وراء تأليف هذا الكتاب، الذي نجهل مكانه وزمانه دوافع سياسية واجتماعية أيضًا. فقد عرف عصر ابن دريد بالظّلم والاضطهاد والملاحقة. وإلاّ هل يكفي الهدف التّعليمي ليدفع بابن دريد لتأليف كتاب كامل على هذا النّحو؟ " (2)
استند الباحث في إثارة هذا السّؤال إلى ما ورد في كلام ابن دريد، حين صرّح بالدّافع الذي دفع به إلى تأليف الكتاب، وقد جاءت فيه كلمات توحي بالجوّ الذي أحاط بظروف إنشاء هذا العمل المتميّز: (إنّه مفزع للمجير المضطهد ليسلم من عادية الظّالم، ويتخلّص من جنف الغاشم. بناء على هذا يقول الدّكتور محمد صالح ناصر: " ألا يؤكّد هذا الدّافع مرّة أخرى ما نذهب إليه من أنّ ابن دريد كان يخفي مذهبه الحقيقي، وهو مذهب الشّراة. ولكنّه كان يستخدم التّقية بشتّى أساليبها؛ ممّا ألجأه إلى أن يستخدم التّورية واللّحن، وهو تحت سمع العبّاسيّين وبصرهم، وهذا لا ينفي بطبيعة الحال أن يكون للكتاب هدف تعليمي أيضًا " (3)
1 – مضمون الكتاب
ذكر ابن دريد في مقدّمة كتابه سبب تأليفه: " هذا كتاب ألّفناه ليفزع إليه المجبر المضطهد على اليمين، المكره عليها، فيعارض بما رسمناه، ويضمر خلاف ما يظهر؛ ليسلم من عادية الظّالم، ويتخلّص من جنف الغاشم، وسمّيناه (الملاحن)، واشتققنا له هذا الاسم من اللّغة العربية الفصيحة، التي لا يشوبها الكدر، ولا يستولي عليها التّكلّف " (4)
__________
(1) - المرجع نفسه.
(2) - محمد بن الحسن بن دريد، ص: 105.
(3) - المرجع السّابق، ص: 106.
(4) - المرجع السّابق، ص: 104. ينظر كتاب الملاحن، تحقيق إبراهيم اطفيش، ص: ج. (1/72)
صفحة 68
بيّن ابن دريد معنى الملاحن، وذكر أنّ الكلمة تعني (الفطنة)، مستندًا إلى قول الرّسول - صلى الله عليه وسلم -: (لعلّ أحدكم أن يكون ألحن بحجّته)، أي اللّحن في المعنى (1) " لأنّ اللّحن عند العرب الفطنة، ومنها قول النّبي - صلى الله عليه وسلم - لعلّ أحدكم ألحن بحجّته من بعض، أي أفطن لها وأغوص، وذلك أنّ أصل اللّحن أن تريد شيئًا فتوري عنه بقول آخر " (2)
قدّم ابن دريد في هذا الكتاب مادة لغوية مهمّة، يفيد منها اللّغويّون والبلاغيّون في الدّرجة الأولى، تضمّنتها الجمل التي اختارها ليوضّح بها مفهوم الملاحن، ويقدّم بها درسًا لغويًا يتعلّم منه من أراد التّفقّه في اللّغة، ومجموع الجمل التي انتقاها بلغ خمسًا وثمانين ومائة جملة (185) (3) وذكر الدّكتور محمد صالح ناصر أنّ ابن دريد عرض في هذا الكتاب: "مائتي عبارة، مستعينًا ببراعته الفائقة وذكائه الخارق، وإلهامه الواسع بمفردات اللّغة ودلالاتها، والاستشهاد عليها بشواهد من التّراث العربي، ولهذه الشّواهد أهميّة خاصّة؛ لأنّها تعضد الدّلالات الخفية لبعض الألفاظ التي يندر أن يتفطّن إليها أحد (4)
2 - نماذج من النّصوص الواردة في الكتاب
أ - كان العنبري أسيرًا في بني بكر بن وائل، وسألهم أن يعدّوا له رسولا كي يبلّغه رسالة يذهب بها إلى قومه. فخاف الآسرون أن يبلّغهم شيئًا يضرّ بهم، فاشترطوا أن يبلّغ رسالته في وجودهم، فوافق، فَجِيء بعبد أسود فقال له: أتعقل؟ قال: نعم إنّي لعاقل. وأشار بيده إلى اللّيل فقال: ما هذا؟ قال: اللّيل. ثمّ ملأ كفّيه من الرّمل فقال: كم هذا؟ قال: لا أدري، وإنّه لكثير. قال: أيّهما أكثر النّجوم أم التّراب؟ قال: كلّ كثير. قال: أبلغ قومي التّحيّة، وقل لهم ليكرموا أسير بكر، فقومه لي مكرمون، وقل لهم: إنّ العرفج شجر بالبادية، قد أدبى (خرج منه الدّبى وهو صغار الجراد)، وقد شكت النّساء، وأمرهم أن يُعروا ناقتي الحمراء، فقد أطالوا ركوبها، وأن يركبوا جملي الأصهب، بآية ما أكلت معهم حيسًا، واسألوا الحارث عن خبري.
فلمّا أدّى العبد الرّسالة إليهم، قالوا: لقد جنّ الأعور، والله ما نعرف له ناقة حمراء ولا جملاً أصهب، ثمّ سرّحوا العبد، ودعوا الحارث وقصّوا عليه القصّة، فقال: لقد
__________
(1) - ابن دريد الأزدي أعلم الشّعراء وأشعر العلماء، المجلّد الأوّل،، ص: 732. ينظر ابن دريد الأزدي، كتاب الملاحن، تحقيق عبد الإله النّبهان، منشورات وزارة الثّقافة السّورية، دمشق، 1992م، ص: 65 – 69.
(2) - محمد بن الحسن بن دريد، ص: 104. ينظر الملاحن، ص: 4.
(3) - ابن دريد الأزدي أعلم الشّعراء وأشعر العلماء، المجلّد الأوّل، ص: 732.
(4) - محمد بن الحسن بن دريد، ص: 105. ينظر أيضًا السّنوسي، ابن دريد، ص: 121. (1/73)
صفحة 69
أنذركم. أمّا قوله: أدبى العرفج، فيريد أنّ الرّجال قد استلأموا، أي لبسوا الدّروع، ولبسوا السّلاح. وقوله: قد شكت النّساء، أي اتّخذن الشُّكاء للسّفر. وقوله: عروا ناقتي الحمراء، أي ارتحلوا عن الدّهناء (الفلاة). واركبوا الجبل. وقوله: بآية ما أكلت معكم حيسًا، يريد أنّ أخلاطًا من النّاس قد غزوكم؛ لأنّ الحيس يجمع التّمر والسّمن والأقط. فامتثلوا ما قال، وعرفوا لحن كلامه (1)
في هذا النّموذج يظهر أن النّاس في الفهم والإدراك مستويات. وأنّ استعمال اللّغة أيضًا مستويات، ليس بمقدور كلّ النّاس فهم ما يلقى إليهم من الكلام، كما أنّ توجيه اللّغة إلى التبليغ بالتورية واللّحن مقام لا يدركه ولا يحسنه كلّ النّاس: منشئين للكلام ومبلّغيه، ومتلقّين له .. وفي هذا النّموذج يتّضح معنى اللّحن، كما تتكشّف قوّة اللّغة الرّامزة. واللّغة المبلّغة بدقّة إلى من يعنيه الأمر فقط. وبهذا الضّرب من التّعبير تبرز عبقرية اللّغة العربية، وتظهر براعة ابن دريد في عرض اللّغة وأساليبها، التي تعلّم النّاس كيف ينطقون، وكيف يخاطبون، وكيف يكتبون ...
ب – قال ابن دريد: وكلّ ما كان من الفرس من أسماء الطّير فلك أن تحلف عليه. نحو الحمامة والقطاة وما أشبه ذلك. فالقطاة مقعد الرّديف بين الوركين، والحمامة الموضع الذي يصيب الأرض من صدر الفرس إذا ربض، والفرخ وهو الدّماغ. تقول: (والله ما كنت قائدًا قط، ولا أصلح لذلك، فالقائد الجدول يسقي الأرض). وتقول: (والله ما رأيت سعدًا ولا سعيدًا، فالسّعد من سعود النّجوم، والسّعيد النّهر الذي يسقي الأرض منفردًا بها. تقول: (هذا سعيد هذه الأرض)، أي نهرها. وتقول: (والله ما رأيت جعفرًا ولا كلّمت سريًا) فالجعفر النّهر، والسّري النّهر الصّغير، كذلك فسّر في التّنزيل، أي في قوله تعالى: {قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا} (مريم/) (2)
هذا النّصّ يبيّن أنّ للألفاظ دلالات خفية، يمكن استثمارها بالتّورية واللّحن في القول لتوصيل الفكرة إلى المتلقّي بدقّة، من دون أن يتفطّن لها إلاّ الفطن الذكيّ. يركب هذا الأسلوب من يريد أن يفوّت فرصة معرفة أفكاره على غير من يريد أن تصل إليه. فابن دريد بأمثال هذه النّماذج أراد أن يعلّم النّاس كيف يتصرّفون في كلامهم وفي تعبيراتهم، في الوقت نفسه يطمح إلى الكشف عن عبقرية اللّغة العربية.
__________
(1) - ابن دريد الأزدي وتأثيره في الدّرس والنّصّ الأدبي، ص: 63، 64. ينظر كتاب الملاحن، تحقيق أبي إسحاق، ص:17. والأمالي لأبي علي القالي، ج1، ص: 6، 7. عند القالي زيادات واختلاف في بعض الألفاظ ..
(2) - محمد بن الحسن بن دريد، ص: 105. ينظر كتاب الملاحن، ص: 39. (1/74)
صفحة 70
من هذين المثالين والأمثلة الواردة في كتاب الملاحن يتبيّن لنا كفايةُ ابن دريد التّعليمية والتّربوية، واطّلاعُه الواسع على مفردات اللّغة العربية، وفطنته وذكاؤُه في توجيه الدّرس اللّغوي لما يخدم أهدافه، التي منها تمكين تلاميذه الذين كان يعنيهم – في الدّرجة الأولى – بما يملي ويؤلّف ويوجّه من التّفقّه في اللّغة العربية .. ومن بعدهم يستفيد كلّ من يطّلع على أعماله بالزّاد اللّغوي. إذن ما جاء في كتاب (الملاحن) هو من الوسائل التي اتّبعها لتمكين النّاس من حفظ الكلمات بما تدلّ عليه بظاهرها وباطنها.
في سبيل الحصول على أدلّة تثبت تميّز ابن دريد في مجاله الذي عرف به، وهو ميدان اللّغة، أتى الدّكتور أحمد درويش بنماذج ممّا ضمّنه ابن دريد كتابه، وبيّن من خلالها غنى اللّغة العربية وقوّتَها وتميّزها، واستعصاءَها على كثير ممّن يدّعون الفهم والقدرة على الاستيعاب، وهم في الحقيقة عاجزون عن إدراك كنه كثير من الكلمات ودلالاتها. يقول الدّكتور: " ومع أنّ الجمل التي أتى بها ابن دريد تستجيب لحاجات عملية عاجلة، فإنّ وراء ذلك فكرة التّميّز، وتنبيه من يتصوّرون أنّهم يعرفون لغتهم جيّدًا، وهم بعيدون عن ذلك؛ لأنّ ذلك شأو يحتاج إلى تبحّر وتعمّق. اكتفى ابن دريد بالإشارة إليه، ثمّ فتح مجال مستويات الدّلالة، وهي مجالات تقدّم فيها بقدر بعض علماء البلاغة والنّقد الأقدمين، لكنّها ما تزال في حاجة إلى جهد كبير " (1)
تعليق الدّكتور أحمد درويش بخاصّة وبقيّة الأساتذة بعامّة يحمل ويوحي بملاحظتين:
1 – إنّ تميّز ابن دريد واجتهاداته وابتكاراته وتجديده في الدّرس اللّغوي ... كلّ ذلك فتح مجالات أمام الذين جاؤوا بعده من علماء في اللّغة والبلاغة والنّقد وغيرها ليطوّروا البحث في اللّغة، وفي مستويات الدّلالة التي تتوفّر عليها. إنّ هذا يظهر جانبًا مهمًّا وقويًا من شخصية ابن دريد العلمية. وهو ما يرفع من مكانته.
2 – قدّم الدّكتورأحمد درويش تفسيرًا وتوضيحًا لجانب التّميّز في شخصية ابن دريد العلمية، والدّكتور محمد صالح ناصر أبرز جانب الذّكاء والقدرة اللّغوية، والمهارة في التّعليم، من خلال كتاب الملاحن .. والدّكتور كمال المقابلة أشار إلى أهميّة المادة اللّغوية التي قدّمها في الكتاب، يفيد منها اللّغويون والبلاغيّون بخاصّة، وغيرهم سجّل ملاحظات أخرى .. هذا يدلّ على قوّة شخصية ابن دريد العلمية، وعلى غنى المعين الذي يتوفّر عليه، ممّا يجعل كلّ دارس يلتقط من علمه جانبًا يستنتجه بما يقوم به
__________
(1) - ابن دريد الأزدي وتأثيره في الدّرس والنّصّ الأدبي، ص: 64، 65. (1/75)
صفحة 71
في بحثه وغوصه إلى أغوار شخصيته، ويلتقط منها شذرات ممّا يحويه علمه الغزير؛ لتتكامل هذه النّظرات وهذه الملاحظات، فتعطينا وتقدّم لنا ابن دريد عالمًا كبيًرا متمكّنًا متميّزًا.
3 - منهج الكتاب
أ – يذكر ابن دريد الجملة، ويبيّن المعنى الغائب عن الذّهن، المقصود بالتّمثيل، ويغفل المعنى القريب المتبادر إلى الذّهن، أو الشّائع عند النّاس؛ اعتمادًا على أنّه معروف، وهو – في الحقيقة – ليس المعنيّ في إيراده، ولا يخدم غرضه.
ب – يورد الشّواهد الشّعرية على المعاني المُورَّى بها.
ج – يعتمد أحيانًا أسلوب القصّ، أي رواية قصص؛ ليقدّم ويعرض الدّلالات المختلفة التي تحملها الألفاظ. وهو يقوم بعملية التّعليم.
عن أهميّة كتاب الملاحن ودوره المتميّز، وعن الأبعاد الكبيرة التي يتوفّر عليها منهج ابن دريد في التّعليم، وتلقين اللّغة يقول الدّكتور أحمد درويش: " والكتاب يجيب بطريقة غير مباشرة ولا معلنة عن أسئلة دقيقة مثل: من يزعم أنّه يفهم اللّغة فهمًا كاملاً؟ وهل هناك مستوى واحد من الدّلالة يمكن أن يستوعبه كلّ أفراد الجماعة عند سماعهم عبارة ما؟ وهل يكفي الإنسان أن يكون عربيًا خالصًا حتّى يدرك كلّ مستويات التّخاطب؟ وهل يتمّ الفهم والإفهام من خلال إدراك المعنى القريب المباشر للمفردة والجملة، أم أنّ هناك مستويات رمزية أخرى، لا تدرك إلاّ بمجهود خاصّ، وفي أذهان جماعات خاصّة؟ " (1)
عرض الدّكتور هذه الأسئلة ليبيّن أنّ ابن دريد حين ألّف هذا الكتاب كان قصده أن يثبت أنّ اللّغة العربية غنيّة بمفرداتها التي تحمل دلالات عميقة، لا يعيها ولا يدركها إلاّ ذو الفطنة وصاحب الملكة الكبيرة، أي هي عصيّة على الإنسان العادي البسيط. ومن جهة أخرى إنّ اللّغة العربية قويّة بالمرونة التي تتوفّر عليها، يظهر هذا في امتلاك المفردة الواحدة مستويات عديدة من الدّلالات، يبرز جانبًا من ذلك اللّحن، كما وضّحه ابن دريد في كتاب الملاحن. هذه المستويات المتعدّدة تفي للمتعامل باللّغة العربية بغرضه في اختيار اللّفظ بالأسلوب المناسب.
__________
(1) - ابن دريد الأزدي وتأثيره في الدّرس والنّصّ الأدبي، ص: 62. (1/76)
صفحة 72
هذه المميّزات التي تتّصف بها اللّغة العربية لا يفقهها كلّ النّاس، ولا يستطيع أن يبرزها أيّ شخص، إنّما لهذا الميدان فرسانه، من أمثال ابن دريد، الذي يملك القدرة والعبقرية للقيام بهذا الدّور، هنا مكمن التّميّز الذي يملكه المعلّم اللّغوي الكبير ابن دريد. هذه القدرة وهذا التّميّز تبرزهما خصائص توفّر عليها كتاب الملاحن. فما هي هذه المميّزات؟
4 - مميّزات الكتاب
أ ... – اشتمل الكتاب على مادة لغوية مكثّفة، غنيّة بالدّلالات والشّواهد.
ب – نهج فيه ابن دريد نهجًا تعليميًا ليمكّن مريديه من حفظ مفردات اللّغة العربية، ومعرفة دلالاتها الخفية.
ج _ أبرز غنى اللّغة العربية ورقيّها؛ ببيان الأداء اللّغوى الذي يعتمد الرّمز، وهو اللّحن في هذا الكتاب، وفيه يظهر تعدّد الدّلالات.
د – جهود ابن دريد اللّغويّة الأخرى
ممّا يعزّز مكانة ابن دريد اللّغويّة ودوره في تأصيل بعض القواعد اللّغويّة، ويثبت جدارتَه في هذا المجال تنوّعُ تآليفه وتخصّصُها. فهو مثلا من مصنّفي معاجم الموضوعات، التي يدور كلّ منها حول موضوع واحد، مثل " السّرج واللّجام " وكتاب "صفة المطر والسّحاب" (1). وكتاب " البنون والبنات ". يقول عنه عبد السّلام هارون: " وظنّي أنّه كتاب لغوي، يبحث في ما يضاف إلى الابن والبنت " (2) ثمّ كتاب " الخيل الصّغير والخيل الكبير ".
له مؤلّفات هي عبارة عن ردود على بعض المزاعم اللّغويّة، ككتاب " الاشتقاق " في الرّدّ على من زعم أنّ أسماء القبائل جامدة غير مشتقّة. كما ألّف كتبا في بيان بعض الصّيغ في اللّغة، كرسالته في " فعلت وأفعلت " (3)
له تقييدات لغويّة في أربعة أبواب، تسمّى " أخبار ابن دريد " (4). له أيضا كتاب "التّناهي في اللّغة " وهو يشتمل على الألفاظ المشتركة الواقعة بين العرب العرباء ومعانيها.
له نظم في اللّغة، مثل المقصورة الصّغرى، أو كتاب المقصور والممدود. يتكوّن هذا النّظم من خمسة وخمسين بيتا (55)، يشتمل على سبع وخمسين كلمة مقصورة، ومثلها ممدودة كما ذكر الدّكتور شوقي ضيف (5) أي يتضمّن كلّ بيت كلمتين متماثلتين، إحداهما مقصورة والأخرى ممدودة، مع شروح فروق المعاني بينها في بعض الأحيان. وله قصيدة في هجاء "الباهلي" والتّعريض به. هي من نوع الألغاز اللّغويّة. قال عنها عمر، ابن سالم: " ما هي في الحقيقة إلاّ قائمة بالغرائب والمشتركات اللّفظيّة التي حاول فيها الشّاعر – وهو ما يزال شابّا – أن يظهر أمام منافسيه بمظهر الفقيه في اللّغة، المتبحّر فيها. " (6)
هذا التّنوّع في التّأليف والكتابة في مجال اللّغة يُبِين عن تمكّن ابن دريد فيه، وتبحّره في علوم اللّغة، كما يكشف عن الاهتمام بها اهتماما كبيرا، ويفصح عن إخلاصه وحبّه لها والدّفاع عنها، ومحاولته الجادّة تأصيل قواعد هذه اللّغة. نلحظ في هذه العناوين التي ذكرناها، وهي غيض من فيض من كتبه التي ما يزال معظمها مخطوطا، وكثيرها مفقودا (7) نلحظ أنّها تتوزّع بين تأليف معجمي للألفاظ وتصنيف الموضوعات، وردود على بعض المزاعم، واستقصاء المباحث، وإيراد
__________
(1) - ذكر كارل بروكلمان اسما آخر للكتاب، هو " صفة الغيث وأخبار الرّواد وما حمدوا من الكلأ ". يراجع كتابه: تاريخ الأدب العربي، الجزء الثّاني، ص: 183.
(2) - السّيّد مصطفى السّنوسي، تعليق من أمالي ابن دريد (تحقيق) ط1، مطابع مقهوي، الكويت، سنة 1404 هـ / 1984 م، ص: 35.
(3) - قال بروكلمان: انظر هل هي لابن دريد، ذكرها ابن النّديم، وقال أظنّها على غرار كتاب " فعلت وأفعلت" لأستاذه أبي حاتم السّجستاني. ينظر أيضا، تعليق من أمالي ابن دريد، ص: 36.
(4) - جمع لابن دريد الشّيخ محمود الشّنقيطي (1816 – 1904م) كثيرا من مفردات المسائل اللّغويّة وطرائقها، سمّاها أيضا " أخبار ابن دريد " ينظر كتاب " الملاحن " لاين دريد (تصحيح وتعليق أبي إسحاق طفيش الجزائري) (ت 1965م)، المطبعة السّلفيّة بمصر، سنة 1347 هـ، ص: ل. وكتاب تعليق من أمالي ابن دريد، ص: 33 – 49. يقول مصطفى السّنوسي: إنّ عبد المحسن المبارك حقّقها ونشرها في مجلّة المورد العراقيّة، المجلّد السّابع، العدد الأوّل، سنة 1978 م. هل ما ذكره هؤلاء الباحثون أسماء لمؤلّف واحد؟ هل هي مؤلّفات مختلفة، تحمل كلّها هذا الاسم؟
(5) - تاريخ الأدب العربي، العصر العبّاسي الثّاني، ص: 253.
(6) - عمر، ابن سالم، ديوان ابن دريد (تحقيق ودراسة)، الدّار التّونسيّة للنّشر، تونس، سنة 1973م، ص: 8، 9.
(7) - يراجع على الخصوص السّيّد مصطفى السّنوسي وكتابه، تعليق من أمالي ابن دريد، ص: 34 وما بعدها للاطّلاع على قائمة مؤلّفات ابن دريد المخطوطة والمفقودة. لاشكّ أنّ طبع ما هو مخطوط بعد تحقيقه، والعثور على ما هو مفقود، سيزيد دعم مكانة ابن دريد اللّغويّة وإبراز شخصيّته العلميّة. (1/77)
صفحة 73
بعض التّفاصيل اللّغويّة، وتسجيل الصّيغ المستعملة في مجال معيّن وفي باب محدّد، واللّجوء إلى الألغاز اللّغويّة.
حتّى في أماليه ومجالسه العلميّة وأحاديثه الأدبيّة كان يُعنَى بتلقين اللّغة للنّاشئة، حرصا منه على إنقاذ اللّغة من التّلاشي، وحمايتها من التّشويه والتّحريف. وكان ينوّع في أساليب التّعليم والتّلقين. فالدّكتورة إكرام فاعور – في دراستها لأحاديث ابن دريد – ردّدت كثيرا عبارات: لاشكّ أنّها ذات مقصد أدبي ولغوي، جمع في شعابها ثروة لفظيّة وتعبيريّة، ليتقن النّاشئة أصول اللّغة وغريبها، الغرض من ذلك تهذيب النّفس وتهذيب اللّسان للإلمام باللّغة، وما يحتويه من مفردات غريبة وتراكيب مجازيّة، الغاية منه تعليم النّاشئة اللّغة. (1)
بهذا النّتاج الغزير في اللّغة، وهذه العناية الفائقة بتأصيل القواعد، وبهذه العاطفة الصّادقة نحو اللّسان العربي المبين، وبهذه الخدمات الجليلة التي قدّمها ابن دريد للأجيال في مجال اللّغة نال هذه المكانة السّامية في نفوس العلماء.
عرف عن ابن دريد نزعته التّجديدية، وشُهد له بالعمل الكبير في الدّأب على تأصيل قواعد اللّغة العربية، والتّأسيس والمشاركة في تطوير مناهج البحث في اللّغة، وتطوير الدّرس اللّغوي .. هذا التّوجّه فتح على ابن دريد بابًا واسعًا من الانتقاد والاتّهام بسبب خروجه عن المألوف في اللّغة العربية، أي استخدامه بعض الاشتقاقات اللّفظيّة، وإتيانه ببعض الأساليب والمناهج غير المعروفة في عصره، أو هي مخالفة للسَّنن العربي ... قام علي بن محسن آل حفيظ بالرّدّ على هذه التّهم بقوله: " يحقّ لابن دريد أن يأتي بالجديد في فنون اللّغة العربية، سواء كان ذلك اشتقاقًا ونحتًا أو أساليب، وذلك للاعتبارات التّالية:
أوّلا: ثقافة الرّجل الغزيرة والعميقة والغور والموسوعية في جميع فنون العربية: نحوًا وبلاغة وأساليبَ تعبير وشعرًا. أليس ابن دريد الذي وصف من قبل معاصريه بأنّه قد انتهت إليه لغة البصريّين؟ وأنّه كان أحفظ النّاس، وأوسعهم علمًا، وأقدرهم على الشّعر؟ أما قالوا: (ما ازدحم العلم والشّعر في صدر أحد ازدحامهما في صدر خلف الأحمر وابن دريد؟ ... ألم يقولوا عنه بأنّه كان رأس أهل العلم، والمتقدّم في الحفظ للّغة والأنساب وأشعار العرب؟ ... "
__________
(1) - ينظر مقامات بديع الزّمان الهمذاني وعلاقتها بأحاديث ابن دريد، الصّفحات الآتية: 90، 99، 101، 102، 103، 108 ... (1/78)
صفحة 74
ثانيًا: إنّ ابن دريد وهو الفصيح الذي تنطق بفصاحته خرس الجماد من القبائل العمانية، والقبائل العمانية جلّها من الأرومة الجنوبية اليمنية، وعرب الجنوب لهم لغة أو لغات مختلفة الألفاظ والأسلوب عن لغة الشّمال، وهي لغة قبائل نجد والحجاز في معظمها، ولابدّ أنّ ابن دريد قد حوت ثقافته العديد، والعديد من أساليب اللّغة الجنوبية ومفرداتها اللّفظيّة، وذلك من مجالس أهله وذويه أيّام طفولته والصّغر من ناحية، ومن البيئة العمانية القديمة التي انتقل إليها أو عاد إليها من العراق، إثر ظهور حركة الزّنج ليمكث فيها طويلاً عالمًا ومتعلّمًا قبل أن يركب جناح الرّيح إلى إيوان ابني ميكال لتذيع شهرته من هناك ... (1)
شخص يملك هذه الثّقافة الواسعة، ويحسن الإبحار في محيط اللّغة، وشخصيّة يعترف لها بالتّفوّق والتّميّز في الدّرس اللّغوي، وفرد تسجّل له وتعرف له مؤهّلات وقدرات للإبداع والإنتاج غير المحدودين، ورجل يقرّ ويؤمن بروح التّجديد والتّطوير، وعالم يشهد له بالأصالة والغيرة على اللّغة العربية، وبالدّور الكبير في الدّفاع عنها: محاورة وتأليفًا، وتعمّقًا في البحث اللّغوي، وتوجيهًا للدّرس اللّغوي للبروز في مظاهر القوّة والغنى ...
علم بهذه المواصفات، وبهذه الكفايات ... أَيُتَّهَمُ بأنّه مبتدع في اللّغة العربية؛ بما يسيء إليها، ممّا يعدّ خروجًا عن المألوف في اشتقاقاتها اللّفظية والأسلوبية؟؟ الكفاية العلمية والتّربوية التي يتوفّر عليها ابن دريد، والقدرة على الإبداع التي يتميّز بها، والحماسة على اللّغة العربية التي تلازم شخصيته ... كلّ هذا كان الأجدر أن يدفع إلى الثّقة في عمله، أو على الأقلّ إلى حسن الظّنّ فيما أقدم عليه من تطوير الدّرس اللّغوي، في مضامينه ومناهجه، وفي اشتقاقات الألفاظ، و أساليب اللّغة. فما أخطأ فيه يعرض ويناقش فيه بمنهجيّة علمية وموضوعية ..
نختم هذا المبحث بشهادتين تسّجلان لابن دريد فضلا كبيرًا في الدّرس اللّغوي:
1 - الفقرة الآتية سجّلت لابن دريد فضلاً كبيرًا في مجال الصّوتيات، وسبقًا وريادة في هذا المجال .. قال عبد العزيز الصّيغ في نهاية دراسته مسجّلا الإضافات التي أتى بها ابن دريد: "تبيّن من خلال ما مضى (2) أنّ ابن دريد كان صاحب نظر صوتي، خاضَ في هذا المجال الدّقيق الشّائك، وقدّم جملة من الآراء الصّوتية الدّالة
__________
(1) - ابن دريد الأزدي (ندوة من أعلامنا الرّابعة)، ص: 142، 143.
(2) - قال هذا في خلاصة دراسته: " من الجهود الصّوتية والصّرفية عند ابن دريد "، كتاب ابن دريد الأزدي أعلم الشّعراء وأشعر العلماء، المجلّد الأوّل، ص: 381 – 402. (1/80)
صفحة 75
على ذهنية لغوية كبيرة، فقد أدرك الجانب الصّوتي للغة الذي صاغه بعده ابن جنّي، حين عرّف اللّغة بأنّها أصوات، يعبّر بها كلّ قوم عن أغراضهم، كما كان صاحب جهد صرفي، تجلّى في كتابه (الاشتقاق) واضحًا. (1)
2 – الفقرة الثّانية أقرّت واعترفت بتمكّن ابن دريد في علم اللّغة. يقول أحمد عبد اللّطيف اللّيثي: " ولعلّ الباحث المدقّق إذا درس كتب ابن دريد في اللّغة، يجد فيها العالم المتمكّن، الذي يجمع مادته العلمية جمعًا مستوعبًا، ويقدّم منها ما يقدّم ممّا يراه لازمًا لقضيّته، في صيغة علمية بعيدة عن التّهويل والتّهوين " (2)
كلّ من كتب بموضوعية وإنصاف عن ابن دريد يعترف له بالتّفوّق والتّميّز والإضافة والتّجديد في الفكر اللّغوي العربي، نسجّل هنا أنّ ابن دريد ساعدته على ذلك مواهبه الفطرية، وفرص التّكوّن التي أتيحت إلى جانب العصر الذي وجد فيه، الذي كان عصر المنافسة العلمية، وعصر العلماء الفطاحل الذين كانوا يتسابقون إلى تطوير المعرفة، وتنمية حركة التّأليف، وعصر التّأصيل العلمي ... لقد وجد ابن دريد نفسه وسط هذا الجوّ العلمي، فانطلق مع السّاعين في مضمار البحث، وأبحر وغاص مع الغائصين في بحر العلم والمعرفة يؤلّف ويصنّف وبصفّف: "كان لابن دريد أن يضيف جديدًا في المجالين العلمي والفكري على حدّ سواء، وذلك لطبيعة عصره من ناحية، وهو القرن الرّابع الذي يعتبر عصر بحث ونشاط علمي وفكري متميّز بالنّسبة للحضارة العربية الإسلامية، حيث نمت العلوم نموًّا واسعًا، وظهرت مجموعة كثيرة من المؤلّفات في مجال النّحو والآداب والمجال المعجمي، فقد اهتمّ علماء القرن الرّابع الهجري بترسيم قواعد اللّغة العربية ومعاني الألفاظ والكلمات، وعمل المعاجم، وما إلى ذلك ... " (3)
__________
(1) - المرجع السّابق، ص: 399.
(2) -فعاليات ومناشط المنتدى الأدبي، إصدار سنة 1990، ص: 125.
(3) - ابن دريد الأزدي (ندوة من أعلامنا الرّابعة)، ص: 169. (1/81)
صفحة 76
الفصل الثّالث
ابن دريد أديبًا (1)
يقول الدّكتور أحمد درويش عن شخصية ابن دريد الأدبية: " برغم طول باع ابن دريد في مجال اللّغة وأخذه لزعامة مدرسة البصرة، ذات الاتّجاه النّحوي اللّغوي الواضح، وبرغم تخرّجه على يد شيوخ اللّغة في عصره، وتخرّج أئمّة النّحو واللّغة على يديه، برغم هذا كلّه فقد كانت سمته الأدبية شديدة الوضوح، وعدّ في عصره من كبار من يؤخذ الأدب على يديهم، ومن الشّائع في تراجم ذلك العصر أن يقال: إنّ فلانًا رحل إلى البصرة أو بغداد، فسمع الحديث من فلان، وقرأ النّحو على فلان، وأخذ العربية والأدب من ابن دريد، وقد انتهى معاصروه وتلاميذه إلى القول بأنّه رجل ازدحم العلم والشّعر في صدره، وإذا كان أبو حيان التّوحيدي قد حيّرهم بتفوّقه في مجالي الفلسفة والأدب معًا، فعدّوه فيلسوف الأدباء، وأديب الفلاسفة، فقد كان لابن دريد الشّأن ذاته في مجالي الأدب والعلم معًا، فهو من هذه النّاحية أديب العلماء وعالم الأدباء، إذا كان لابدّ من التّصنيف. " (2)
يصنّفه فيليب فان تيغم لغويًا شاعرًا أديبًا، " وأنّه مؤلّف قاموس وعدّة أعمال لغوية ذات صلة شديدة بالأدب " (3)
أوّلا: شعره
- نظرة عامّة حول شعره
ابن دريد أديب وشاعر، تعشّق الشّعر، قرضه وهو ابن العشرين (4) وهو القائل:
بالشِّعْرِ يُبْدِي المرْءُ صَفْحَةَ عَقْلِهِ ... فَيُعْلِنُ مِنْهُ كُلّ ما كانَ يَكْتُمُ (5)
إنَّ عالم ابن دريد الشّعري عميق وفسيح، لكنّه مجهول جهلا كبيرًا؛ بسبب طغيان الشّخصية اللّغوية عليه، وتقديمه للنّاس لغويًا، من دون لفت النّظر إلى شخصيّته الأدبية – إلاّ قليلاً -. قد يكون هذا ناتجًا عن سبب فقد كثير من نتاجه الأدبي، وبخاصّة الشّعري منه .. وسيطرة النّزعة اللّغوية على أدبه .. لذا فإنّ الولوج إلى العالم الشّعري في شخصيّة ابن دريد – بخاصّة - في حاجة إلى كفاية ومغامرة وإرادة كبيرة للكشف عن هذا العالم المنطوي على أسرار ومخفيات ومستورات وغموض وألغاز ...
قال الدّكتور عماد حسيب محمد: " إنّ الدّخول إلى عالم ابن دريد الشّعري يعدّ نوعًا من اختراق الحجب الملوّنة المستورة خلف مسافات شاسعة من الرّؤية الإبداعية الخاصّة، تلك المسافات التي تغزوها خيول الألفاظ الجامحة، التي تقتفى آثارها في تربة النّصّ، من خلال منظار ثلاثي الأبعاد، يتّجه بعده الأوّل إلى الأغراض الشّعرية التي كتب فيها، وبعده الثّاني إلى آليات التّشكيل الفنّي في نصوصه، أمّا الأخير فيتّجه إلى علاقات التّجاوز التي تخرج النّصّ من فضائه الورقي إلى فضاء أرحب، تتشابك دلالاته اللّغوية مع مساحات التجديد الشّكلي " (6)
هذا التّنوع في الألوان الشّعرية التي تطرّق إليها ابن دريد، واقتداره على التّنويع في مجالات الكتابة، والجولان بقوّة في مضامير الإبداع ... كلّ هذا جعل الدّارسين يصدرون في حقّه أحكامًا قيمية عالية، تكشف عن عبقرية كبيرة وشخصية متميّزة في عوالم العلم والفكر والأدب ... يقول عنه أبو الطّيّب اللّغوي: " وكان أحفظ النّاس وأوسعهم علمًا، وأقدرهم على شعر، وما ازدحم العلم والشّعر في صدر أحد ازدحامهما في صدر خلف الأحمر، وأبي بكر بن دريد (7). ويقول أبو بكر محمد بن رزق الأسدي: كان يقال إنّ
__________
(1) - حول حياة ابن دريد الأدبيّة، نذكر الدّراسات الآتية: أ – أبو بكر بن دريد الأديب، تحقيق " تعليق من أماليه " (رسالة ماجستير) مخطوطة بكليّة دار العلوم، جامعة القاهرة، إعداد السّيّد مصطفى السّنوسي. ب – ابن دريد حياته وآثاره وتأثيره، لعمر، ابن سالم، الدّار التّونسيّة للنّشر، سنة 1972م، وهو باللّغة الفرنسيّة. ج - مقصورة ابن دريد، بحث تاريخي مقارن لعطّار أحمد عبد الغفور. د - محمد بن الحسن بن دريد للدّكتور محمد صالح ناصر. هـ - ابن دريد الأزدي وتأثيره في الدّرس والنّصّ الأدبي، للدّكتور أحمد درويش. و – دراسة في أحاديث ابن دريد، للدّكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام. ز – ابن دريد العالم المعلم، للدّكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام. ح – كتاب المؤتمر الدّولي ابن دريد الأزدي أعلم الشّعراء وأشعر العلماء، وحدة الدّراسات العمانية، جامعة آل البيت، الأردن ...
(2) - ابن دريد الأزدي وتأثيره في الدّرس والنّصّ الأدبي، ص: 96.
(3) - المرجع نفسه. ينظر:
Philipe Van Tieghme. Dicionnaire des litteratures. Tom ll. P. 1912. Puf Paris. 1968.
(4) - تعليق من أمالي ابن دريد، ص: 40.
(5) -ديوان ابن دريد، تحقيق ودراسة عمر، ابن سالم، ص: 59.
(6) - الدّكتور عماد حسيب محمد، " تنوّع الخطاب الشّعري ومرايا الاختلاف، مقاربة نصّية في ديوان ابن دريد الأزدي "، كتاب ابن دريد الأزدي أعلم الشّعراء وأشعر العلماء، المجلّد الثّاني، ص: 1123.
(7) - ينظر مراتب النّحويين، ص: 84. (1/82)
صفحة 77
أبا بكر بن دريد أعلم الشّعراء وأشعر العلماء (1) ويعضدهما صاحب المروج، حيث يقول: (وكان ابن دريد ببغداد ممّن برع في زماننا هذا في الشّعر. وكان يذهب بالشّعر كلّ مذهب فطورًا يجزل، وطورًا يرقّ، وشعره أكثر من أن نحصىه، أو نأتي على أكثره، أو يأتي عليه كتابنا هذا) (2) " (3)
هذه الشّهادات وغيرها من هؤلاء الأعلام تسجّل لابن دريد مكانة جيّدة في مجال النّظم، إلى جانب مكانه الكبير في ميدان اللّغة، إلاّ أنّ كثيرًا من الدّارسين لا يولون هذا المجال كبير عناية، وانصرف اهتمامهم إلى ابن دريد اللّغوي، حتّى رسخ في الأذهان ألاّ ميدان له إلاّ مضمار اللّغة، ومجال العلم، الذي لا يلتقي مع فضاء الأدب، من حيث الإبداع والتّفوّق.
إنّ ابن دريد ترك شعرا حفظته بعض الكتب القديمة. قام بجمعه وتحقيقه ودراسته وشرحه محمد بدر الدّين العلوي، وعمر، ابن سالم. تنوّعت أغراض هذا الشّعر، فكان منه الغزل والنّسيب، المدح والفخر، الرّثاء والهجاء، الوصف والخمريّات، والشّعر التّعليمي، وشعر العصبيّة والحماسة، والألغاز اللّغويّة. أبرز هذه الأغراض الحكمة.
لمكانة ابن دريد الشّعرية، فإنّ أشعاره مبثوثة في كتب التّراجم والتّاريخ العام، وكتب المختارات الأدبيّة والحماسة، وفي المجامع الأدبيّة ...
أ – ملاحظات عامّة على شعره
1 – ذكروا أنّه ترك ديوانًا في خمسة مجلّدات، ضاع أغلب ما نظم، ولم يبق إلاّ القليل، الذي لا يعطي الصّورة الحقيقية عن شاعرية ابن دريد. قال الدّكتور عماد حسيب محمد: "وإنّنا في تعاملنا مع شعر ابن دريد إنّما نتعامل مع القليل الذي تبقّى من شعره فقد ذكر أنّه كان له ديوان من الشّعر في خمسة مجلّدات، وكتاب الأمالي النّثرية في سبعة مجلّدات. وقد تحدّث عتها علماء القرن السّابع بعد أكثر من ثلاثة قرون على وفاته، ولم يبق من هذا إلاّ القليل " (4)
__________
(1) - ينظر تاريخ بغداد، 2/ 196.
(2) - ينظر مروج الذّهب، 4/ 228. والوفيات، 1/ 497.
(3) - محمد بن الحسن بن دريد، ص: 115.
(4) - ابن دريد الأزدي أعلم الشّعراء وأشعر العلماء، المجلّد الثّاني، ص: 1123، 1124. (1/83)
صفحة 78
قال عنه المسعودي: في مروج الذّهب: " إنّ شعره أكثر من أن نحصيه، أو يأتي عليه كتابنا هذا ". وقال القفطي في إنباء الرّواة: " وشعره كثير، قال من رآه في خمس مجلّدات، وقيل أكثر من هذا " (1)
2 - في أشعاره أخبار كثيرة عن عمان وتاريخه وعلمائه وأئمّته. لذا فإنّ شعره يمتّع بالقيمة التّاريخيّة؛ لأنّه يفيد كثيرا في معرفة تاريخ عمان، خاصّة وأنّ هذا التّاريخ مغمور ومجهول، وأنّ أغلب تراث عمان الأدبي والفكري لم يكشف عنه، رغم دور عمان القويّ في الحياة الفكريّة العربيّة والإسلاميّة في مختلف الحقب التّاريخيّة.
3 – عالج شعر ابن دريد قضايا مهمّة، وهي قضايا الإنسان في كلّ زمان ومكان، لذا يجد القارئ لشعره تعاطفا كبيرا معه؛ لأنّه يحسّ وكأنّ ابن دريد يعبّر عن همومه واهتماماته الأدبيّة، لهذا لقي شعره رواجا وتقبّلا لدى القرّاء، ولا أدلّ على ذلك من الإقبال الذي حظيت به مقصورته. " يزخر ديوان ابن دريد بفيض من الحكم والأمثال التي استمدّها من البيئة المحيطة به؛ وذلك بحكم تجربته في الحياة وخبرته وصحبته للأدباء والعلماء، في زمن كان الخلفاء العبّاسيّون يتّخذون لأولادهم معلّمين في القرآن والحديث وأخبار العلم والشّعر ... " (2)
4 – يقول محمد بدر الدّين العلوي: " لم يكن ابن دريد شاعرا من حيث صناعته، بل كان ينظم الشّعر كلّما بعثته باعثة من قريحته للمدح أو للهجو أو غير ذلك، فكان شعره نفثة المصدور بالمعنى الحقيقي، إذ كان في الأصل عالما مدرّسا مصنّفا." (3) مع ذلك درج فيه حتّى فاق كثيرا من الشّعراء الذين تفرّغوا لنظم الشّعر ".
قالوا: فيه إنّه يذهب في الشّعر كلّ مذهب، فأحيانا يرقّ وطورا يجزل. وكان يميل إلى السّلاسة في التّعبير، وأحيانا يغرق في الدّقائق اللّغويّة، كما تكشف عن ذلك " المقصورة" و" المقصورة الصّغرى "، وقصيدته التي عرّض فيها بالباهلي.
5 – الحكمة هي أغلب ما يطبع شعره. قال الدّكتور محمد صالح ناصر: " والمتأمّل في حكمة ابن دريد يجدها نظرات ثاقبة في الحياة والنّاس. كيف ينبغي النّظر إليهم والتّعامل معهم، وقد استخلص هذه النّظرات من موروثه الثّقافي، الذي هو دين
__________
(1) - المرجع السّابق، ص: 1155.
(2) - الدّكتور حسين فالح البكور والدّكتور إبراهيم النّعانعة، " اتّجاهات ابن دريد الأزدي في خطابه الشّعري "، كتاب ابن دريد الأزدي أعلم الشّعراء وأشعر العلماء، المجلّد الثّاني، ص: 1071.
(3) - ديوان شعر ابن دريد، تحقيق بدر الدّين العلوي، ص: 21، 22. (1/85)
صفحة 79
واجتماع، دبن لما تلمحه من خلال أفكا ر من تأثّر بالشّريعة الإسلامية، واجتماع لما نلحظه من استخلاص التّجارب من حكمه على النّاس (1).
لا تَدْخُلَنَّكَ ضَجْرَةٌ مٍنْ سَائِلٍ ... فَلِخَيْرِ دَهْرِكَ أَنْ تُرَى مَسْؤُولَا
لا تَجْبِهَنْ بِالرَّدِّ وَجْهَ مُؤَمٍّلٍ ... فَبَقَاءُ عِزِّكَ أَنْ تُرَى مَأْمُولَا
وَاعْلَمْ بِأنَّكَ عَنْ قَلِيلٍ صَائِرٌ ... خَبَرًا، فَكُنْ خَبَرًا يَرُوقُ جَمِيلَا (2)
وممّا ورد في مقصورته:
مَنْ لَمْ يَعِظْهُ الدَّهْرُ لَمْ يَنْفَعْهُ مَا ... رَاحَ بِهِ الوَاعِظُ يَوْمًا أَوْ غَدَا
مَنْ لَمْ تُفِدْه ُعِبَرًا أَيَّامُهُ ... كَانَ العَمَى أَوْلَى بِهِ مِنَ الهُدَى
وَلِلفَتَى مِنْ مَالِهِ مَا قَدَّمَتْ ... يَدَاهُ قَبْلَ مَوْتِهِ، لا مَا اقْتَنَى
وَإِنَّمَا الَمرْء حَديثٌ بَعْدَهُ ... فكن حديثا حسنا لمن وعى (3)
كثيرًا ما تناول في شعره أحوال النّاس، بعد التّأمّل فيها، مستخلصًا دروسًا وعبرًا، مقدّمًا نصائح على شكل حكم؛ لتغدو قواعد يسير عليها من يريد تنظيم شؤون حياته وهو على بصيرة من أمره، وعلى دراية ممّا يقدم عليه، مع تجنّب كثير ممّا قد يسبّب له مشاكل في سيره في هذه الحياة. بناء على هذا كثيرًا ما كان يحذّر من معاملات النّاس، أو يطلب الابتعاد عنهم اتّقاء لسوء فعالهم. قال مثلا:
وَإِذَا تَنَكَّرَتِ البٍلا ... دُفَأَوْلِهَا كَنَفَ البِعَادْ
وَاجْعَلْ مَقَامَكَ أَوْ مَقَرْ ... رَكَ جَانِبَيْ برَكَ الغِمادْ
لَسْتَ ابْنَ أُمِّ القَاطِنِيـ ... ــنَ، وَلاَ ابْنَ عَمٍّ لِلبِلاَدْ
وَانْظُرْ إِلَى الشَّمْسِ التي ... طَلَعَتْ عَلَى إِرَمٍ وَعَادْ
هَلْ تُؤْنِسَنَّ بَقِيَّةً ... مِنْ حَاضِرٍ مِنْهُمْ وَبادْ
كُلُّ الذَّخائِرِ غَيْرَ تَقْـ ... ــوَى ذِي الجَلاَلِ إِلَى نَفَادْ (4)
__________
(1) - محمد بن الحسن بن دريد، ص: 120.
(2) - ديوان ابن دريد، تحقيق ودراسة عمر، ابن سالم، ص: 85.
(3) - المصدر. السّابق، ص: 131، 132.
(4) - محمد بن الحسن بن دريد، ص: 120. ينظر الدّيوان، تحقيق محمد العلوي، ص: 66. (1/86)
صفحة 80
يقول الدّكتور أحمد درويش: " وقد كان حظّ ابن دريد – فيما بقي بين أيدينا من شعره في الحكمة – حظًّّّّّّّّّّّّّّّّّّّا عابرًا، لم يخصّص له سوى المثلّثة، وجاءت أبياتها الأخرى متناثرة بين الأغراض المختلفة ... " (1)
لست أدري ماذا يعني الدّكتور بهذا الحُكم، هو نفسه درس شعر ابن دريد دراسة معمّقة، وسجّل له في المقصورة وحدها مجموعة كبيرة من الحكم، ونوّه بها، كما درس بقيّة شعره، وسجّل له فيها كمًّا هائلاً منها. قال عن قصائد (المثلّثة) التي عرفت عن ابن دريد: " ... واتّخذت من الحكمة موضوعا لها " " ... وهكذا تستمرّ المثلّثة كما قلنا واحدًا وثلاثين مقطعًا في نفس شعري صافٍ ومحتوى، يذكر بالجانب الذي أشرنا إليه من ثقافة ابن دريد، والمتعلّق بحبّ الحكمة، والإبحار؛ بحثًا عنها في الثّقافات الأجنبية أو المترجمة، كما تلمّسنا ذلك من كتابه (المجتنى). وها هو يضيف إلى ما اختار نتاجه الشّعري في عالم الحكمة مصوغًا في قالب موسيقي طريف ومضيفًا إلى ذلك التّراث الذي عرفه الشّعر العربي منذ الحاهلية ... وصالح بن عبد القدّوس الذي يمكن أن يتشابه نفس ابن دريد في شعر الحكمة مع نفسه ومع تجربته في الحياة والنّاس ... (2).
ترديد الدّكتور كلمة (الحكمة) في الأسطر السّابقة عدّة مرّات، وتسجيله في ثقافة ابن دريد حبّ الحكمة، والبحث عنها في مظانها ودراستها، مع ملاحظته تضمين ابن دريد لها فيما كتب شعرًا ... كلّ ذلك يردّ عليه، أو هو يردّ على نفسه حكمه أنّ الحكمة في شعر ابن دريد قليلة.
يضاف إلى ذلك أنّ كلّ من درس شعر ابن دريد يقرّ أنّ الحكمة هي الغرض الأكثر بروزًا فيه؛ إذ أنّها تتماشى مع التّجارب الكبيرة والقيّمة التي خاضها في حياته الطويلة الحافلة بالمواقف المتنوّعة والمختلفة، والرّؤى العميقة والنّظرات الثّاقبة ... وتستجيب وتنسجم مع رغبته في التّعليم والتّنشئة ..
لقد أجمع الدّارسون أنّه عاش في حياته، وعايش في عصره الظّلم والبغض والكراهية، وعاش المعاناة والضّيق والمجافاة ... فعالج مخلّفات كلّ هذا في شعره، فجاءنا ناقلاً معاناة كبيرة، وتجارب قيّمة هادفة، أنتجت حكمًا غالية، وأمثالا سائرة.
كما جاءت هذه الحِكَمُ لتستجيب لطبيعة شخصيته التي اتّخذت التّعليم مهنة، لقد كان المحورَ الذي دار حوله نشاطه، والدّائرةَ التي تحرّكت فيها عجلته ... هذه المعطيات
__________
(1) - ابن دريد الأزدي وتأثيره في الدّرس والنّصّ الأدبي، ص: 82.
(2) - المرجع السّابق، ص:80. 81، 82. (1/87)
صفحة 81
وفّرت لابن دريد فرصًا للنّطق بِحِكَمٍ، قدّمها قواعد يسير عليها النّشء الطّالع الذي حرص على إعداده، ثمّ بقيت نبراسًا لمن جاء بعده إلى يومنا هذا، وفيما بعد. إنّ رأي الدّكتور أحمد درويش في حاجة إلى تحليل ومناقشة ومراجعة ...
إلى جانب غرض الحكمة كتب ابن دريد في: المدح، والرّثاء، والأمثال، الوصف، الهجاء، الغزل، الفخر، الحنين، العتاب، الحماسة، المظاهر الاجتماعية .. كما كتب شعرًا تعليميًا، واستلهم التّاريخ، ونظم في الشّباب والشّيب ... (1)
6– لم يخل شعره من الوصف الذي أبدع فيه، وهو المجال الذي تظهر فيه موهبة الشّاعر على التّصوير والتّعبير أكثر:
عُيُونٌ مَا يُلٍمُّ بِها الرُّقادُ ... وَلاَ يَمْحُو مَحَاسِنَهَا السُّهادُ
إذا مَا اللَّيْلُ صَافَحَها اسْتَهَلَّتْ ... وَتَضْحَكُ حينَ يَنْحَسِرُ السَّوادُ
لَها حَدقٌ من الذَّهَبِ المُصَفَّى ... صِيَاغَةَ مَنْ يَدينُ لَهُ العِبادُ
وَأَجْفانٌ منَ الدُّرِّ اسْتَفادَتْ ... ضِياءً، مِثْلُهُ لا يُسْتَفادُ
على قُضُبِ الزَّبَرْجَدِ في ذُراهَا ... لأِعْيُنِ مَنْ يُلاَحِظُها مُرادُ (2)
7 _ في مدح الرّسول - صلى الله عليه وسلم - ذكر الشّيخ أحمد بن سعود السّيّابي لابن دريد قصيدة مخطوطة، غير مثبتة في ديوانه: " ولعلّ القصيدة الميمية الموسومة بأشرف البشر في مدح أشرف البشر - صلى الله عليه وسلم - إن صحّت نسبتها إليه - قد تصحّح بعض الأفكار أو تلك الطّعون التي وجّهت إليه. والقصيدة المذكورة لا تزال مخطوطة. والظّاهر إنّها غير معروفة عنه لدى دارسي شعره وجامعيه. ويعتبر ابن دريد – إن صحّت نسبة القصيدة إليه – أوّل من مدح النّبيّ عليه الصّلاة والسّلام، بعد وفاته بقصيدة كاملة، وله السّبق في ذلك. وهي تتكوّن من مائة وأربعة وثلاثين بيتًا، على البحر البسيط، وهو البحر الذي وزن عليه البوصيري بردته المشهورة، التي طبّقت شهرتها الآفاق، والتي نهج عليها الكثير ممّن جاء بعده." (3)
__________
(1) - ينظر دراسة الدّكتور عزّت محمود فارس، " ابن دريد شاعرًا "، كتاب ابن دريد الأزدي أعلم الشّعراء وأشعر العلماء، المجلّد الثّاني، ص: 1051 – 1064. على سبيل المثال.
(2) - المرجع السّابق، المجلّد الأوّل، ص: 103. ينظر ديوان ابن دريد، دراسة وتحقيق عمر، ا بن سالم، ص: 39.
(3) - المرجع السّابق، ص: 194. (1/88)
صفحة 82
مطلع القصيدة هو:
حُسْنُ ابْتِداءِ مَديحِي حَيُّ ذِي سَلَمِ ... أبْدِي بَرَاعَةَ الاِسْتِهْلالِ في العَلَم
وقال في آخرها مخاطبًا النّبيّ الكريم - صلى الله عليه وسلم -:
وَعَدْتَنِي في مَنَامِي مَا تَقَرُّ بِهِ ... عَيْنِي، بِحُسْنِ بيانٍ غَيْرِ مُنْعَجِم
فَمَطْلَبِي أَنْتَ أَدْرَى مِنْ بَراعتِه ... بِهِ، فَحالِي مِنْهُ غَيْرُ مُنْكَتِم
فَإنْ ظفِرْتُ بِهِ فَالوَعْدُ مُوجِبُهُ ... أَوْ لاَ فَإنَّ رَجائِي حُسْنُ مُخْتَتَمِ (1)
8 - أغلب شعره مقطوعات، إلاّ أنّ نفسه يطول، فيكتب القصائد والمطوّلات، حين ينظم شعرا له صلة قويّة بمشاعره وأحاسيسه، التي تترجم بصدق عن همومه واهتماماته الدّاخليّة كالمقصورة التي تعدّ أربعة وخمسين ومائتي بيت (254)، و" فخر واعتزاز " ستّةً وأربعين بيتا (46)، و" رثاء محمد بن جرير الطّبري " خمسةً وثلاثين بيتا (35)، وقصائده عن عمان كَـ "رثاء من قتل في وقعة الرّوضة " التي تعدّ سبعة وأربعين بيتا (47)، و " تحريض لقومه على الأخذ بثأر قتلاهم " ستّين بيتا (60)، و" ابلغوا الجهد أو فموتوا كراما " خمسة وأربعين بيتا (45)، و " مدح الحارثي العماني " مائة بيت (100) ...
9 - " حفل خطاب ابن دريد الشّعري برسائل توجيهية، تشقّ للأجيال المتعلّمة معالم طريقهم في الكون والحياة على هدي واضح وسبيل منير، يستطيع من خلاله مواجهة التّحديّات والصّعاب بقوّة واقتدار وعزم لا يلين." (2)
10 - يقول رابح طبجون: " لأنّ ابن دريد من هؤلاء الشّعراء الذين طرحوا أسئلة جديدة عن الذّات والموضوع وفلسفة الموت وتفجير اللّغة والفكر وآليات اللّغة ونقد الأنظمة المعرفية السّائدة، ومن ثمّ فالصّورة الشّعرية عنده كشف واستبطان وتأمّل وطرح للأسئلة أكثر من طرح الأجوبة، كما أنّ الصّورة نقل للمكبوت والمجهول والمهمل، وتوسيع التّجربة والمغامرة " (3)
__________
(1) - المرجع نفسه.
(2) - المرجع السّابق، المجلّد الثّاني، ص: 1071.
(3) - الدّكتور رابح طبجون، " جدل الفكري والجمالي في شعر ابن دريد الأزدي، مقاربة في البناء والتّشكيل "، المرجع السّابق، ص: 1170. (1/89)
صفحة 83
هذا الحكم لا يعني أنّ ابن دريد كان يبقى في حدود الأسئلة، ولا يتعدّاها إلى تقديم حقائق، وإعطاء أجوبة لكثير من اهتمامات النّاس، بل لقد كان في شعره يعطي دروسًا وتوجيهات لكيفية خوض غمار الحياة بعدّة وعتاد؛ مستخلصًا ذلك من تجاربه الخاصّة، وممّا تعلّمه ممّن احتكّ بهم. فهو كان معلّمًا طول حياته، وكان همّه الكبير أن يعلّم الأجيال ما ينفعها ويعينها على بناء شخصياتها. فلا يمكن مع هذا القصد أن يبقى في دائرة التّساؤل، من دون تخطّي هذا إلى تقديم معطيات وحقائق عن المسائل التي أشار إليها الدّكتور رابح طبجون.
لا يمكن للمعلّم المربّي أن يبقى في هذه الدّائرة، ويعيش مع التّأمّلات ويهيم فيها، من دون الخروج منها إلى الواقع في حياة النّاس، ويقدّم لهم خلاصة تجاربه للتّربية والتّوجيه والإرشاد، بقول الدّكتور محمد صالح ناصر: " ... ثمّ لأنّ مفتاح شخصية ابن دريد هي التّعليم، فهو معلّم بالقول والفعل، أخلص لهذه المهنة عمره كلّه الذي تجاوز ثمانية وتسعين عامًا. والمعلّم ينزع بطبعه إلى أن يوصل علمه وتجربته إلى الآخرين، إمّا نثرًا وإمّا شعرًا، وابن دريد ممّن جمع بين الأسلوبين، وتفوّق في النّوعين." (1)
إلاّ أن يكون قصد رابح طبجون: إنّ ابن دريد كان يتعمّق الأشياء ليثير فضول النّاس لمزيد الغوص والتّنقيب والبحث المستمرّ؛ لأنّ الحياة تتطوّر وتتجدّد، وفي كلّ حين تستجدّ أشياء، على المرء أن يتأمّل فيها، ويعرض حولها أسئلة جديدة كلّما وجد جوابًا لما يشغل باله. هذه الخصّيصة تمنح ابن دريد صفة الأديب العالم.
11– يكشف شعره عن أنّه كان يعاني من النّاس كثيرا، وأنّ ظروفًا عصيبةً مرّت عليه، عجمها وعجمته:
إِنّي حَلَبْتُ الدَّهْرَ شَطْرَيْهِ فَقَدْ ... أمَرَّ لي حِينًا وَأَحْيَانًا حَلَا
وَفَرَّ عَنْ تَجْرِبَةٍٍ نابِي فَقُلْ ... في بَازِلٍ رَاضَ الخُطوبَ وَامْتَطَى (2)
أحيانا يصل به الحال إلى التّشاؤم والضّجر من خلق النّاس، ومن تصرّفاتهم. هذه الصّبغة التي تصبغ كثيرًا من شعره، تعكس المرارة التي طبعت حياته، وتصوّر الظّروف الصّعبة التي كانت توجّهها (3) قال مثلاً:
وَمَا أَحَدٌ مِنْ أَلْسُنِ النَّاسِ سَالمًا ... وَلَوْ أَنَّهُ ذَاكَ النَّبِيُّ المُطَهَّرُ
فِإِنْ كَانَ مِقْدَامًا، يَقُولُونَ: أَهْوَجُ ... وَإِنْ كانَ مِفْضالاً، يقُولونَ: مُبذِرُ
وَإِنْ كانَ سِكِّيتًا، يَقُولونَ: أَبْكَمُ ... وَإِنْ كَانَ مِنْطِيقًا، يَقُولونَ: مُهْذِرُ
وَإِنْ كَانَ صَوَّامًا، وَبِاللّيْلِ قَائِمًا ... َيقُولونَ: زَرَّافٌ، يُرَائِي وَيَمْكُرُ
فَلاَ تَحْتَفِلْ بِالنَّاسِ في الذّمِّ وَالثَّنَا ... فَلاَ تَخْشَ غَيْرَ اللهِ، فَاللهُ أَكْبَرُ (4)
12– كان أحيانًا يلجأ في نظمه إلى أساليب خاصّة، ويركب الوعر في الكتابة، و يستعمل كلمات صعبة وغريبة، من محفوظه الذي خزّنته ذاكرته. ربّما كان يهدف بهذا إلى التّجديد في الكتابة، كما كان ذلك سائدًا في العصر العبّاسي الذي عاش فيه, إلى جانب ما كان يقصده من تدريب النّاشئة على أساليب متنوّعة في الكتابة الشّعرية، ثمّ إلى تلقينهم اللّغة العربية، ممثّلة في الألفاظ التي هي المادة التي يبنون بها أساليبهم، التي قد تنسى بسبب عدم تحفيظ المتعلّمين لها. كتب ما يسمّى بالقصيدة المربّعة والمثلّثة التي أبدى فيها نوعًا من التّجديد، الذي هو تقييد وإلزام عن طريق التّغيير أو التّطوير في أساليب النّظم أو طريقة الكتابة، وشكل الأبيات. رغم تحرّره من رتابة القافية، ومن الالتزام ببحر واحد في هذا النّوع من الشّعر الذي كان يأتيه من حين إلى حين، إذ كلّ مجموعة ينتظمها بحر، وبذلك تضمّ القصيدة عدّة بحور ...
" وربّما كان ابن دريد من الرّوّاد الذين حاولوا شقّ الطّريق لمن جاء بعده في إلزام نفسه بما لا يلزم، ويظهر ذلك جليًّا في تقسيمه لهذه القصيدة التي تربو على مائة وستّة عشر بيتًا، كلّ أربعة أبيات تنتهي بحرف هجائي من حروف العربية، وتبدأ بالحرف نفسه. فالأبيات الأربعة الأولى تبدأ جميعها بالهمزة، وتنتهي بالهمزة, والأبيات الأربعة الثّانية تبدأ بالباء وتنتهي جميعها بالباء. وهكذا إلى نهاية القصيدة، وبحرف الياء." (5)
هذا نموذج لهذه الطّريقة وهذا النّوع من الشّعر:
أَبْقَيْت لي سُقْمًا يُمازِجُ عَبْرَتِي ... منْ ذا يَلذُّ معَ السَّقَامِ لِقاءُ
__________
(1) - محمد بن الحسن بن دريد، ص: 119.
(2) - الدّيوان، تحقيق عمر، ابن سالم، ص: 132.
(3) - تراجع في المصدر السّابق قصيدته: " أقاويل النّاس "، ص: 21. ورأيه في النّاس، ص: 23.
(4) - محمد بن الحسن بن دريد، ص: 122. ينظر الدّيوان، تحقيق محمد العلوي، ص: 71.
(5) - ابن دريد الأزدي أعلم الشّعراء وأشعر العلماء، المجلّد الثّاني، ص: 1070. (1/90)
صفحة 84
أشْمَتَّ بي الأعْداءَ حينَ هَجَرْتَني ... حاشاكَ ممَّا يُشْمِتُ الأَعْداءَ
أَبْكَيْتَني حتَّى ظَنَنْتُ بأَنَّنِي ... سَيَصيرُ عُمْرِي ما حَيِيْتُ بُكاءَ
أُخْفِي وَأُعْلِنُ بِاضْطِرارٍ إِنَّنِي ... لاَ أَسْتَطيعُ لِمَا أُجِنُّ خَفاءَ
بِقَلْبِي لذْعٌ مِنْ هَواكَ مُبَرَّحٌ ... نَعَمْ دامَ ذلِكَ اللّذْعُ مَا عِشْتَ للقلب
بِكَ اسْتَحْسَنَتْ نَفْسِي الصّبابَةَ والصّبا ... وَقَدْ كُنْتُ قَبْلَ اليَوْمِ أزْرِي على الصَّبّ
بَذَلْتُ لَهُ الدَّمْعَ الذي كُنْتُ صَائِنًا ... لأَدْناهُ إلاَّ في الجليلِ منَ الخَطْب
بُلِيتُ بِبَعْضِ الحُبِّ والحُبُّ موعدي ... مُجَاوَرَةً بَعْدَ المَنِيَّةِ في التُّرْبِ (1)
" وإذا كان ابن دريد في مربّعته هذه قد تحرّر من قيود البحر الواحد ومن القافية، فإنّه التزم بقيود أخرى، أملت عليه التّحرّك في آفاق اكتسبت ضربًا من تحديد الحريّة، وكأنّه فكّ بعض القيود ليلزم نفسه بقيود أخرى، تلك هي التي قصدها الشّاعر لتكوّن بُعْدًا تجديديًا في شكل القصيدة العبّاسيّة، يكون متّفقًا مع معطيات الحضارة الجديدة، ومواكبًا لتقدّمها ونهضتها، وليكون ذلك سبيلا للآخرين يعلّمهم كيفية التّفنّن والإبداع." (2)
مهما يقل عن صنيع ابن دريد فإنّ ذلك يعطيه فضل التّجديد في الإبداع الشّعري، ويمنحه ميزة التّضلّع في أكثر من مجال من مجالات المعرفة والإبداع. وقوّة في الشخصيّة العلمية؛ بجمعه بين ميدانين يقفان بين طرفي الإبداع: الأدب الذي يحتاج إلى الخيال والعاطفة والعلم الذي يميل إلى العقل والفكر. هذا ما مكّنه من أن يظفر بلقب أعلم الشّعر اء وأشعر العلماء.
هذه الظّاهرة في شعر ابن دريد دفعت بالدّكتور رابح طبجون أن يقوم بقراءة جديدة لشعره، في مضمونه وشكله، ونقد الطّريقة التي عولج بها الشّعر العربي دراسة وتحليلاً وتوجيهًا؛ وذلك بتناوله ما أهمل من الجوانب فيه، وبعض المميّزات التي يتوفرّ عليها، التي يُتطرّق إليها فصدرت فيه أحكام غيرحقيقية. من ذلك الفصل بين الجانبين الفكري
__________
(1) - المرجع السّابق، ص: 1070، 1071. ينظر الدّيوان، تحقيق عمر بن سالم، ص: 41.
(2) - المرجع السّابق، ص: 1071. (1/91)
صفحة 85
والشّعري في التّناول، والنّظرة إلى الشّعر أنّه إحساس وشعور وانفعال، ينتج عنهما الجمال والمتعة، فهو بذلك يتقابل مع الفكر ولا يندمج معه. فلا يمكنه بهذه الصّفة أن بقدّم المعرفة والحقائق ... فعمد الدّكتور إلى شعر ابن دريد بيّن من خلاله أنّ العرض وهذا التّحليل غير صحيحين، وخرج أنّ شعر ابن دريد يتوفّر على العنصرين. غير أنّ هذا الشّعر في حاجة إلى دراسة معمّقة، يقول الدّكتور رابح طبجون: " وأخيرًا نقول: إنّ شعر ابن دريد في حاجة إلى قراءة جديدة بمعطيات جديدة، تبحث عن المعرفي والجمالي، ولطالما غاب هذا المنحى لسيطرة اتّجاهات نقدية بعينها، رسّخت أنّ عالم اللّغة لا يمكن أن يكون شاعرًا، عنده زخم المعاناة الشّعرية وعذاباتها ... وقد صدق القائل: إنّ ابن دريد عالم الشّعراء وشاعر العلماء " (1)
13 – من الخصائص التي تميّز بها ابن دريد في الكتابة الشّعرية ركوب القوافي الصّعبة، التي يقلّ لجوء الشّعراء إليها، مثل التي تنتهي برويّ: الثّاء، والصّاد، والضّاد، والطّاء، والظّاء. قال ابن دريد في مدح يحي بن عبد الوهّاب قصيدة، منها هذه الأبيات:
مُقَلُ الجآذِرِ نَبْلُها الأَلْحاظُ ... مَا إِنْ لَهَا فَذَذٌ وَلاَ أَرْعَاظُ
أَوَ لَمْ يَجزْنَ وَقَدْ مَلَكْنَ قُلُوبَنَا ... فَأَلَنَّهَاوَقُلُوبُهُنَّ غِلاظُ
يَا مَا لَهُنَّ لَدَغْنَ بالبرْقِ التي ... سَفَعَ الحَشَا مِنْ لَدْغِهِنَّ شُواظُ (2)
النّفثة التي ملأت صدر ابن دريد، حملتها القصيدة الآتية في رثاء عمّه الحسين بن دريد، صاحب الأفضال الكثيرة عليه، فهو الذي كفله وربّاه وعلّمه، ووجّه حياته العلمية، فكان في النّهاية العالم الكبير. هذه أبيات منها، وهي على رويّ الضّاد:
نَجْمُ العُلى بَعْدَكَ مُنْقَضُ ... وَرُكْنُهُ الأَوْثَقُ مُنهَضُ
يا وَاحِدًا لَمْ تُبْقِ لِي واحِدًا ... يُرْجَى بِهٍ الإِبْرامُ والنّقْضُ
أديل بَطْنُ الأَرْضِ مِنْ ظَهْرِها ... يَوْمَ حَوَتْ جُثْمَانَهُ الأَرْضُ
وَلَّى الرَّدَى يَوْمَ تَوَلَّى بِهِ ... وَوَجْهُهُ أَزْهَرُ مُبْيَضُ (3)
__________
(1) - المرجع السّابق، ص: 1170.
(2) - ابن دريد الأزدي وتأثيره في الدّرس والنّصّ الأدبي، ص: 75. ينظر الدّيوان، تحقيق عمر بن سالم، ص: 63. الفذذ: الرّيش المحيط بالسّهم. الأرعاظ: الثّقب الذي في رأس السّهم. السّفع: اللّفح بالشّمس.
(3) - المرجع نفسه، يبدو في الأبيات خلل في الوزن، قد يعود إلى التّصحيف الذي وقع فيها .. (1/93)
صفحة 86
الأيبات ضعيفة من حيث المعاني التي تضمّنّتها، وصياغتها كانت بسيطة، أي ليس فيها ما يميّزها، غيرأنّ ما يثير الاهتمام، ويلفت النّظر فيها هو هذا المركب الصّعب الذي ركبه الشّاعر في اختيار رويٍّ، الكتابةُ عليه نادرة، إذ يحتاج الشّاعر في هذا المرْكَبِ إلى قاموس لغوي كبير، وإلى براعة في اصطياد الكلمات التي تنسجم مع السّياق. هذا ما صنعه ابن دريد في هذه اللّوحة، التي جاءت لغتها منسابة، وأسلوبها سلسًا، لينفث ما في صدره من حسرات على وفاة وليّ نعمته عمّه، الوالد والأستاذ ة والمربّي ... قال الدّكتور أحمد درويش معلّقًا على هذه الأبيات: "والأبيات سلسة رغم صعوبة القافية، ويبدو أنّ ابن دريد كان مولعًا بإظهار مقدرته الشّعرية من خلال القوافي على نحو خاص، وهو منزع كان سائدًا في العصر عند كبار الشّعراء. ولا ننسى أنّنا قريبون من عصر اللّزوميات لأبي العلاء المعرّي، وهو النّمط الذي يبلغ فيه الصّراع مداه بين هاجس القافية وطبيعية الأداء ... " (1)
14 – من إبداعات ابن دريد ما يسمّى بالمثلّثات والمربّعات، التي يظهر فيها التّفنّن في الكتابة، والتنوّع في التّعبير، والتجدّد في التّشكيل الموسيقي بخاصّة. وفيها يظهر ما يسمّى بـ (الشّعر الهندسي)، كما تبرز في هذا النّوع من الشّعر الثّقافة البصرية، التي تعدّ تطوّرًا في كتابة القصيدة العربية، لابن دريد دور الرّيادة فيه في نظر بعض الدّارسين.
المربّعة هي: عبارة عن قصيدة مكوّنة من عدّة مقاطع، كلّ مقطع يتكوّن من أربعة أبيات، أي ثمانية أشطر، وكلّ مقطع يعتمد على قافية موحّدة في آخر الأبيات، وفي الوقت نفسه يلتزم المقطع بتكرير حرف القافية الذي اختاره في أوائل الأبيات، فيما أسماه الدّكتور أحمد درويش (القافية المعكوسة).
وإذا انتقلنا إلى (المثلّثة) فإنّنا نجدها " ذلك الفنّ الذي يقوم على بناء القصيدة من مجموعة من مقاطع، يتشكّل كلّ واحد منها من ثلاثة أشطر، تقوم على قافية موحّدة فيما بينها، ويستقلّ كلّ مقطع من حيث القافية عمّا يسبقه وما يلحقه. والدّكتور إبراهيم أنيس - وهو عالم عروض متبحّر - يعلن أنّه لم يجد في الشّعر العربي قصيدة، تسير على نظام المثّلثات " (2) ويقول أحمد درويش: " لَمْ تَكُنْ (المربّعة) هي الفنّ الهندسي الوحيد الذي تمتّعت به قصائد ابن دريد، لكنّه عرف فنونًا أخرى، أهداها للقصيدة العربية في عصرها الذّهبي، مثل فنّ (المثلّثة) ... ويبدو أنّ هذا الفنّ بدوره أيضًا ليس شائعًا في التّراث الشّعري، وانّ ما شاعَ قريبًا منه كانَ لونًا من تثليث القافية في (بيت الموشّحة) السّداسي ... " (3)
يضيف الدّكتور: " والمربّعة التي يحتفظ بها ديوان ابن دريد عمل فنّي هندسي في الشّعر العربي القديم، ولم يقع لأحد غير ابن دريد على هذا النّمط الموسيقي، بل إنّ كثيرًا من علماء العروض المعاصرين لم يصلوا إلى هذا الفنّ، ولم يصنّفوه بين الإمكانيات التي عرفها الشّعر العربي لتنويع القافية ... " (4)
يعني هذا أنّ ابن دريد كان مجدّدًا، وكان متميّزًا في صناعة الشّعر، في عصر المنافسة الأدبية الكبيرة، هذا ما يعطيه العَلَمِية والمكانة المعتبرة في سياق التّطوّر الحضاري.
هذا نموذج للمربّعة:
تَمَنَّيتُ المَنِيَّةَ يَوْمَ قَالُوا ... غَدًا مَجْمُوعُ شَمْلِكُمُ شَتيتُ
تَعِيشُ صَبَابَتِي، وَيَمُوتُ صَبْرِي ... وَنَفْسِي تَعِيشُ ولا تَمُوتُ
تَرَاءَى لِي الأَسَى فَصَدَفْتُ عَنْهُ ... فَقَالَ إِلَيْكَ إِنَّكَ لا تَفُوتُ
تَكَلَّمَ مَاءُ عَيْنِي عَنْ فُؤَادِي ... وَقَلْبِي مِنْ سجيَّتِهٍ السُّكوتُ (5)
هذا نموذج للمثلّثة: ... حِمَى مُؤَاخَاةِ اللّئيمٍ فِعْلُهُ
مَا طَابَ فَرْعٌ لاَ يَطيبُ أَصْلُهُ
وَكُلُّ مَنْ وَافَى لَئِيمًا مِثْلُهُ
مَنْ أَمِنَ الدّهْرَ أُتي مٍنِ مَأْمَنِهْ ... لاَ تَسْتَثِرْ ذَا لِبَدٍ مِنْ مَكْمَنِهْ
وَكُلّ شَيْءٍ يُبْتَغَى في مَعْدِنِهْ
لِكُلِّ نَاعٍ ذَاتَ يَوْمٍ نَاعِي ... وَإِنَّمَا السَّعْيُ بِقَدْرِ السَّاعِي
قَدْ يهْلِك المَرْعَى عتب الرّاعي (6)
__________
(1) - المرجع السّابق، ص: 75، 76.
(2) - ابن دريد الأزدي أعلم الشّعراء وأشعر العلماء، المجلّد الثّاني، ص: 1139، 1140. ينظر أحمد درويش، ابن دريد رائد فنّ القصّة العربية، ص: 85، 86، 88. وابن دريد الأزدي وتأثيره في الدّرس والنّصّ الأدبي، ص: 78 – 82.
(3) - ابن دريد الأزدي وتأثيره في الدّرس والنّصّ الأدبي، ص: 80، 81.
(4) - المرجع السّابق، ص: 78.
(5) - ابن دريد الأزدي أعلم الشّعراء وأشعر العلماء، المجاّد الثّاني، ص: 1139.
(6) - ابن دريد الأزدي وتأثيره في الدّرس والنّصّ الأدبي، ص: 81. (1/94)
صفحة 87
هذا النّمط من الشّعر لم يكن معروفًا في الشّعر العربي، وعرفته قريحة ابن دريد،. ما يؤكّد على رغبته في التّطوير والتّجديد، ويسجّل له سبقًا وريادة وصوتًا متميّزًا في الأدب. يقول الدّكتورعماد حسيب محمد: " إنّ الحقيقة القارّة الآن، والتي لا تقبل جدلاً أن ابن دريد تنسب له الرّيادة في كتابة الشّكل الشّعري الجديد على المستوى الموسيقي. وإذا نظرنا المربّعة - من وجهة بصرية – فإنّنا نجد أنّ الأبيات تخضع لنظام التّدوير، وكلّ بيت يرسم دائرة مغلقة، تبدأ وتنتهي بحرف واحد، ثمّ تبدأ الدّائرة الثّانية من نفس الحرف، لتعود إليه مرّة أخرى ... " (1)
15 - رغم أنّ ابن دريد كان مقلّدًا لغيره في صوره الشّعرية، وفي شكل القصيدة، إلاّ أنّ تجربته الفنيّة يبدو في بعض مجالاتها التّفرّد والتّميّز في مضمونها وشكلها وصورها؛ إذ أنّها جاءت لتعكس حياته الخاصّة التي درج فيها وتململ وتقلّب، وتنقل معاناته الخاصّة، التي اختار لها الأنماط والموضوعات التي تستجيب لما يرغب الوصول إليه. ثمّ لتترجم عن ثقافته المتنوّعة، وعن رغبته وطموحه في التّطوير والتّجديد ... قال الدّكتور عمر أحمد صديق: " أعان ابن دريد في كتابة الشّعر امتلاكه لأدوات التّعبير المختلفة، من لغة وأسلوب وبلاغة ونحو، وهو العالم الشّاعر، والشّاعر العالم، وقلّما نجد مثله " (2)
يرى الدّكتور زكيّ مبارك أنّ شخصية ابن دريد تتوفّر على جانب الإبداع الفنّي مع ما سحّلته من تفوّق في الميدان اللّغوي، بذلك تكون قد جمعت بين الأدب واللّغة في الإبداع: " تلك الشّخصية القوية التي حسبها النّاس لا تحسن غير رواية اللّغة والشّعر وتصريف الأفعال، وسترى ابن دريد، بالرّغم من شغله باللّغة والرواية، وكلفه بالبحوث الجافّة، التي تختم على القلب، كان رجلاً دقيق الحسّ، عذب الرّوح، ليس يكبر عليه أن يكون فنّانًا بارعًا يدين له أمثال بديع الزّمان الهمداني، ممّن طبعوا على جودة الفهم، وحسن البيان " (3)
من باب الموضوعية نعرض رأيًا مخالفًا لإجماع من درس شعر ابن دريد، الذي حكم له بأنّه شاعر متميّز، وله مكانته في مجال الإبداع والإمتاع. هذا رأيُ الدّكتور
__________
(1) - المرجع نفسه. ينظر ديوان ابن دريد، تحقيق ودراسة عمر، ابن سالم، ص: 41، 42.
(2) - الدّكتور عمر أحمد صديق، " ثنائية النّور والظّلام في شعر ابن دريد "، كتاب ابن دريد الأزدي أعلم الشّعراء وأشعر العلماء " المجلّد الثّاني، ص: 1119. لمزيد المعرفة عن ريادة ابن دريد للمجالات الشّعرية، وسبقه إلى ابتكار طرق التّعبير والتّصوير، وما يسجّل تفوّقه وتميّزه ... ينظر دراسة الدّكتور عماد حسيب محمد، المرجع السّابق، ص: 1123 – 1158.
(3) - محمد بن الحسن بن دريد، ص: 166. ينظر النّثر الفنّي ... ج1، ص: 227. (1/95)
صفحة 88
عودة أبو عودة (1). تساءل هل ابن دريد شاعر؟ ثمّ انطلق من أطروحة: إنّ ابن دريد ناظم شعر وما هو بشاعر. وراح يسوق الدّليل تلو الدّليل على نفي الشّاعرية عنه. يمكن تلخيص هذا الرّأي في النّقط الآتية:
1 – عاش ابن دريد في عصر ازدهار الشّعر العربي، أين برز مجموعة كبيرة من الشّعراء الكبار، الذين سار شعرهم سير الأمثال، وتخطّى حدود المكان، وجرت أشعارهم على ألسنة الدّارسين والباحثين والمؤلّفين والمنشدين ... يحفظونه ويردّدونه، ويتمثّلون به .. ولا نجد مثل هذا لشعر ابن دريد: " فما بال شعر ابن دريد لا يكاد يسمع به أحد من النّاس، إلاّ إذا كان شاهدًا على فكرة علمية، أو دراسة نقدية ... في الوقت الذي طبّقت شهرة ابن دريد اللّغوية الآفاق ... " (2)
2 – " إنّ مقاييس نقد الشّعر تختلف بالتّأكيد بين الالتزام بعمود الشّعر - وهو المقياس الأساسي للشّعر في العصور الأولى – وبين نظريات النّقد الحديثة والنّظرات الأسلوبية المتطوّرة في تحليل النّصّ الأدبي، وحتّى لو احتكمنا إلى مقاييس النّقد الأدبي في عمود الشّعر العربي لوجدنا أنّها لا تتحقّق في كثير من قصائد ديوان ابن دريد ومقطعاته " (3)
3 – أغلب ما اشتمل عليه ديوانه نظم وليس شعرًا؛ لأنّه تسجيل لأفكار ومواقف في الحياة، رسمها ثمّ نظمها في قواعد التزمت بالوزن والقافية ... وهي تشبه المذكّرات اليومية، تصنّف في خانة المحاولات التي لا ترقى إلى أن تكون شعرًا ...
4 – " إنّ ابن دريد علم كبير من أعلام اللّغة، وجبل من جبال العلم، وهو من خزائن المعرفة المعدودين، وإنّ هذا التّراث الضّخم الذي يحفظه هو الذي مكّنه من (صناعة) هذه المقطوعات الشّعرية. إنّ حضور المفردات والتّراكيب اللّغوية في ذهنه، وقدرته على التّصرّف بها، إضافة إلى محفوظاته من أمثال العرب وقصصهم وتاريخهم وشعرهم هيّأ له أن يقول هذا العدد الوفير من المقطوعات، ولكنّ هذا المخزون الهائل من المحفوظات لم يفلح في أن يجعل منه شاعرًا ... " (4)
أي إنّ شعر ابن دريد – حسب هذا الرأي - خالٍ من الفنيّة والجمالية، ومفتقر إلى براعة التّصوير و رونق التّعبير. غلبت على شخصيته الصّفة العلمية، فهي تسيطر عليه
__________
(1) - ينظر المرجع السّابق، ص: 1263 – 1285. الدرّاسة عنوانها: " شعر ابن دريد الأزدي نظرات في اللّغة والدّلالة ".
(2) - المرجع السّابق، ص: 1266.
(3) - المرجع السّابق، ص: 1267.
(4) - المرجع السّابق، ص: 1268. (1/97)
صفحة 89
ولا تفارقه وهو يقول الشّعر، فتشوّه على صفة الشّعر فيه؛ لذا يبدو شعره شعرًا علميًا. وقد قال ابن كثير الدّمشقي في ابن دريد: هو (أعلم من شعر من العلماء) (1)
5 – الّلجوء إلى الغريب من الألفاظ في شعره؛ لأسباب قد يكون منها إظهار مقدرته اللّغوية، والتّباهي بما يحفظ من كلام العرب ... وهذا ما جنى على حظّ الشّعر عنده.
ذكر الباحث مجموعة من المبرّرات والأدلّة تنفي عن ابن دريد صفة الشّاعرية؛ ليخلص في النّهاية إلى القول: " ... وعلى هذا فإنّ النّقد الموضوعي الدّقيق والدّراسة الجادّة ينبغي أن يذهبا بابن دريد في قائمة من ينظمون القول، وليس في قائمة الشّعراء؛ لأنّ ابن دريد من خلال ديوانه هو أقرب إلى صفة نظم الشّعر من صفة الشّاعر المبدع " (2)
هذه وجهة نظر خاصّة في شاعرية ابن دريد، نعرضها على الدّارسين ليناقشوها، ويحلّلوا مضمونها وينقدوها، وهي تعدّ إثراء وتعمّقًا في شخصية ابن دريد، ومجالاً للتّقويم الموضوعي لنتاجه. لكنّنا نحن نقول: رغم ما سجّله الدّكتور عودة أبو عودة من نقص في شاعرية ابن دريد، بل سلب عنه الشّاعرية أصلاً، فإنّ الحكم – في عمومه – يبدو مبالغًا فيه، وغير دقيق. أترك التّعقيب عليه إلى الدّراسات المقبلة، كما أحيل الرّاغبين في استيضاح الموضوع إلى ما حرّره النّقاد والدّارسون في شعر ابن دريد.
للدّكتور عمر فرّوخ رأي قريب من رأي الدّكتور عودة أبي عودة. حيث يقول: " ولابن دريد ديوان شعر صغير، يجري فيه على أسلوب العلماء بعيدًا عن الطّبع والرّونق ... " (3)
عقّب الدّكتور محمد صالح ناصر على رأي عمر فرّوخ، وردّ رأيه، ووصفه بأنّه بتّسم بالتّعميم والارتجالية وعدم الدّقة، والتعسّف في اختيار الأبيات التي أصدر بها هذا الحكم (4)
ب – مقصورته
__________
(1) - المرجع نفسه, ينظر ابن كثير، البداية والنّهاية، ج11، ص: 176.
(2) - المرجع السّابق، ص: 1273، 1274.
(3) - تاريخ الأدب العربي، ج2، ص: 417.
(4) - محمد بن الحسن بن دريد، ص: 134. (1/98)
صفحة 90
أحسن ما عرف عن ابن دريد من شعره وأجوده مقصورته، التي مدح بها عبد الله بن محمد بن ميكال وابنه أبا العبّاس إسماعيل. هذه المقصورة تعدّ أربعة وخمسين ومائتي بيت (254) مطلعها:
يَا ظَبْيَةً أَشْبَهَ شَيْء ٍبِالمَهَا ... تَرْعَى الخزَامَى بَيْنَ أَشْجَارِ النَّقَا (1)
تعدّ المقصورة نموذجا جيّدا من الأدب الرّفيع؛ صياغة وأسلوبا ومضمونا، ومنهجا محتذى في الكتابة الشّعريّة لكثير من الشّعراء في مختلف العصور. قال عنها الدّكتور محمد بن ناصر الشّهري: " فهذه هي مقصورة ابن دريد التي أبان فيها عن موهبة فنّية، وشاعرية حقّة، وبراعة في عرض مقدرته اللّغوية والأدبية والفنّية، فلا عجب أن تنال هذه العناية الكبيرة من العلماء والأدباء، ممّا يشي بملكة فنّية أدبية حقيقية لدى ابن دريد، أثمر وجودها ما لديه من مقوّمات الذّكاء والفطنة، والموهبة الشّعرية الخصبة " (2)
1 - أهميّة المقصورة
إنّ أهمّيتها تكمن كما يرى بعض الباحثين والدّارسين في:
أ – إنّها خلاصة تجارب تاريخيّة طويلة، وسجلّ لأسماء كثير من رجال الأدب والفكر والثّقافة والتّاريخ، الذين يُحتاج إلى الاطّلاع على سيرهم للإفادة منها.
ب – اشتملت على مادة لغويّة هائلة. قيل مثلا: " إنّها احتوت على أكثر المقصور في اللّغة العربيّة. " (3) ولذلك عدّها بعض الدّارسين معجمًا لمعظم الألفاظ المقصورة في اللّغة (4).قال عنها عبد القادر بن عمر البغدادي: " إنّها اشتملت على نحو الثّلث من المقصور، وفيها كلّ مثل سائر، وخبر نادر، مع سلامة ألفاظ، ورشاقة أسلوب، وانسجام معانٍ، يأخذ بمجاميع القلوب " (5) " هي كما وصفها ... المتقدّمون معلمة للغة العربية، مقوّمة للسان " (6).
__________
(1) - الدّيوان، تحقيق عمر، ابن سالم، ص: 115.
(2) - الدّكتور محمد بن ناصر الشّهري، " ابن دريد من خلال شعره "، ابن دريد الأزدي أعلم الشّعراء وأشعر العلماء، المجلّد الأوّل، ص: 18.
(3) - الملاحن، تحقيق أبي إسحاق طفيش، ص: ط.
(4) - المرجع السّابق، المجلّد الثّاني، ص: 1263.
(5) - ابن دريد الأزدي (ندوة من أعلامنا الرّابعة)، ص: 60.
(6) - ابن دريد الأزدي أعلم الشّعراء وأشعر العلماء، المجلّد الأوّل، ص: 54. (1/99)
صفحة 91
هذه المادة تسهم في التّعليم والتّكوين، والتّعريف بالبيئة العربيّة، وما تشتمل عليه من المرئيات والأشياء التي تميّزها. هذا ما يعطي المقصورة قيمة خاصّة في تسجيل مآثر العرب وآثارهم ووصف محيطهم. مع العلم أنّ لابن دريد نزعة عربيّة أصيلة، يريد دائما أن يبقى عربيّا في تفكيره، وفي سلوكه ومعيشته، وفي كلّ شيء. فالتّيّارات – في زمنه – والعناصر غير العربيّة بدأت في الانتشار. هذا ما دفع به إلى النّزوع هذا المنزع. لذا نقول إنّ الاستفادة من أقواله وآثاره تكون مهمّة ومفيدة.
ج – هي خواطر ذاتيّة وخلاصة تجارب ابن دريد مع الدّهر والحياة؛ لما حفلت به من الحكم والأمثال والمواعظ والتّوجيهات، التي تعلّم الإنسان كيف يواجه صروف الزّمان. المقصورة - في حقيقتها - سيرة ذاتيّة لابن دريد، قدّمت بطريقة ذكيّة رائعة معبّرة عن رأيه في مختلف القضايا الإنسانيّة. سجّلها بصدق ورويّة وأناة، ونظرة ثاقبة وعميقة.
هذه السّيرة تعلّم المتلقّي اللّغةَ والأخلاقَ وأشياءَ كثيرة (1). يكاد كلّ من تعرّض لسيرة ابن دريد أو جانب منها، أو لأفكاره يستشهد بالمقصورة. هذا ما يضفي عليها طابع السّيرة الذّاتيّة.
د – جمع فيها أغراض الشّعر التّقليدية المعروفة في عصره، وضمّنها مجموعة من الموضوعات لأغراض تعليمية وتربوية ...
هـ - تتميّز بطول النّفس، من دون الإخلال بالمعنى. فقد جاءت " متناسقة وسلسة المعاني ورائقة الألفاظ ومتماسكة البناء " (2)
و – إنّ ابن دريد وظّف ثقافته التّاريخية بمهارة في شعره، وبخاصّة في المقصورة " ... فوجدناه يتأسّى بالأحداث التّاريخية التي تخدم مضمونه الذي يريد صوغه. وهذه الظّاهرة يستخدمها الشّعراء الحداثيّون الآن فيما يسمّونه (الامتصاص الشّعري)، وإقامة علاقات نصيّة بين الحاضر والغائب، ولم يكن يعلم هؤلاء أنّ ابن دريد الذي سبقهم قد مدّ يده في هذه الظّاهرة، وكانت له الرّيادة في توظيفها " (3)
2 - مكانة المقصورة في الأدب العربي
قال مقدّم كتاب جمهرة اللّغة:" شعره (أي ابن دريد) كثير، ومن معروف شعره (المقصورة) التي تغلغلت البلاد، ودخلت الغور والنّجاد، وأراد الشّعراء مقابلتها، وراموا مساجلتها، غير أنّه لم يبلغ شوطها أحد ولا صيتها، وبعد فهي جامعة لأخبار العرب وآثارها ... " (4)
لقيت مقصورة ابن دريد رواجا كبيرا وقبولا حسنا عند الأدباء والباحثين: طبعا وترجمة، شرحا وإعرابا، معارضة وتخميسا، تسميطا واستلهاما ... وذلك في مختلف الأزمنة. فقد ترجمت إلى اللاّتينية في القرن الثّامن عشر، وجلبت اهتمام المستشرقين (5). وممّن كتب من الأكاديميّين المعاصرين دراسة عن المقصورة أحمد بن عبد الغفور العطّار، طبعت هذه الدّراسة في مصر سنة 1956م (6).
إنّ المقصورة انتشرت انتشارا كبيرًا، وعني بها عناية لافتة للنّظر، هذا ما دفع ببعض الدّارسين إلى البحث عن أسباب ذلك، وعن العوامل التي ساعدت على حصولها على هذه الحظوة والمكانة المرموقة الخاصّة. ذكر الأستاذ علي بن محسن آل حفيظ مجموعة من العوامل منها:
1– ما أثارته من ضجّة حول اسم ابن دريد.
2 – لما فيها من فنّ واقتدار وحكمة ومثل.
3 – لما فيها من تسجيل حوادث التّاريخ.
4 - لما فيها من إشارات الأدباء أو مصطلحاتهم.
5ـ - لطولها الذي يصل إلى 250 بيتًا.
6– تناول الأدباء لها بالشّرح والمعارضة، وبالتّخميس والتّوشيح والإعراب، حيث وصلت شروحها إلى 35 شرحًا، كما هو مدوّن في مصادر تاريخ الأدب العربي.
7– ترجمتها إلى بعض اللّغات اللاّتينية.
8 – إجراء البحوث المقارنة عليها. " (7)
__________
(1) - لمزيد من التّفصيل عن مقصورة ابن دريد، ينظر الخطيب التّبريزي، شرح مقصورة ابن دريد، تحقيق الدّكتور فخر الدّين قباوة، مكتبة المعارف، بيروت، لبنان، سنة 1414هـ/ 1994م. والدّكتور عليّ عبد الخالق عليّ، الشّعر العماني مقوّماته واتّجاهاته وخصائصه الفنّية، دار المعارف بمصر، سنة 1984م، ص: 84، 85.
(2) - ابن دريد الأزدي أعلم الشّعراء وأشعر العلماء، المجلّد الثّاني، ص: 1143.
(3) - المرجع السّابق، ص: 1146.
(4) - كتاب جمهرة اللّغة، ج1، (المقدّمة)، ص: 10.
(5) - ابن دريد الأزدي أعلم الشّعراء وأشعر العلماء، المجلّد الثّالث، ص: 1771.
(6) - محمد بن الحسن بن دريد، ص: 146. عن بعض الدّراسات التي قدّمت عن مقصورة ابن دريد، ينظر كتاب: ابن دريد الأزدي أعلم الشّعراء وأشعر العلماء، المجلّد الثّاني، ص: 1259 – 1422.
(7) - ابن دريد الأزدي (ندوة من أعلامنا الرّابعة)، ص: 158، 159. (1/100)
صفحة 92
أ -
شروح المقصورة
شروح المقصورة كثيرة، نذكر أسماء بعض من شرحها، وهم يمثّلون مختلف العصور:
- شرح ابن خالويه (ت 370 هـ)
- شرح أبي سعيد السّيرافي (ت 368 هـ)
- شرح الخطيب البغدادي (ت 463 هـ)
- شرح التّبريزي (ت 520 هـ)
- شرح الزّمخشري (ت 538 هـ)
- شرح ابن هشام اللّخمي (ت570هـ) ,
- شرح عبد الله بن عمر الحضري (ت720هـ).
- شرح نصر بن سعيد بن مسعود (ت في حدود 700هـ)
- شرح أبي القاسم الشّريف الغرناطي (ت 760هـ)
- شرح عبد القادر بن محمد الطّبري (ت 1033 هـ)
- شرح سيّدي ابن المختار الأنتشائي (ت 1283 هـ)
- شرح الحسن بن مسعود الهشتوكي (؟)
ب – معارضات المقصورة
عورضت مقصورة ابن دريد كثيرًا، ومن الذين عارضوها:
- أبو القاسم علي بن محمد التّنوخي (ت 332 هـ)
- تميم بن المعزّ الفاطمي (ت 337 هـ)
- أبو عبد الله الأزدي الأندلسي (ت 358 هـ)
- أبو الحكم عبد الله بن المظفّر الباهلي الأندلسي (ت 549 هـ)
- أبو عبد الله بن حمّاد الصّنهاجي (ت 628 هـ)
- حازم القرطاجنّي الأندلسي (ت 684 هـ)
- أحمد بن عبد الله الهشتوكي (ت 718هـ)
- أبو عبد الله الهواري الأندلسي (ت 780 هـ) (1)
__________
(1) - ما أحصيته من مطالعاتي لبعض الكتب التي ذكرت شروح المقصورة أنّها كانت أكثر من ثلاثين شرحا. ومن المعارضات أكثر من خمس عشرة معارضة. ينظر على سبيل المثال الكتب الآتية: تاريخ الأدب العربي، ج2، ص: 181، لكارل بروكلمان. تاريخ آداب اللّغة العربيّة، ج1،، لجرجي زيدان. ص: 497. تاريخ الأدب العربي بأجزائه، لعمر فرّوخ. ابن دريد حياته وآثاره وتأثيره، لعمر، ابن سالم. وعن تخميسات المقصورة وتسميطها، ينظر كارل بروكلمان، تاريخ الأدب العربي، ج2، ص: 181. (1/101)
صفحة 93
لقد كانت لمقصورة ابن دريد أهميّة خاصّة عند أدباء عمان، وبخاصّة عند المحدثين منهم. وممّن عارضها: أبو الصّوفي، وأبو مسلم الرّواحي (ت 1339 هـ/ 1920م) وعبد الله بن علي الخليلي (ت 1421 هـ/ 2000م) وهلال بن سالم السّيّابي .. (1)
قمت في كتابي:" ابن دريد العالم المعلم " بإجراء مقارنة مختصرة بين مقصورة ابن دريد ومقصورتي أبي مسلم الرّواحي وعبد الله الخليلي، وقدّمت ملاحظات عامّة؛ لأبيّن تأثير ابن دريد في هذين الشّاعرين في إنشاء هاتين المقصورتين، وبهذه المقارنة تتأكّد مكانة ابن دريد التي تغلغلت وترسّخت عبر العصور، لتصل إلى العصر الحديث والمعاصر، فتستحوذ شخصيّته الأدبيّة على اهتمام الأدباء. (2)
لقد وجدت حضورًا لكثير من معاني مقصورة ابن دريد أو روحها، في مقصورتي الرّواحي والخليلي، وبالعرض نفسه تقريبا، وتأثّرًا بمقصورة ابن دريد: في ألفاظه وصوره وأخيلته. وقد سجّل الدّكتور علي عبد الخالق بعض هذه الألفاظ التي أوردها الشّاعران في مقصورتيهما، ممّا جاء في مقصورة ابن دريد. (3)
أبدى الدّكتور علي عبد الخالق ملاحظة حول مقصورة ابن دريد، حين قارن بينها وبين مقصورتي أبي مسلم وعبد الله الخليلي، تتلخّص فيما يأتي: هو يرى مثلا أنّ موقف ابن دريد وأبي مسلم مختلفان من حيث البواعث النّفسيّة والشّعور العام، ومن حيث الهدف الذي كان يرمي إليه كلّ واحد منهما. فابن دريد لم يقصد إلاّ إلى مدح آل ميكال، بينما كان أبو مسلم يحمّل مقصورته دعوة وطنيّة، يحيي بها المشاعر، ويثير الحماسة في النّفوس. ويضيف:" فكلا الشّاعرين تحدّث عن الدّهر وقسوته على النّبلاء، إلاّ أنّ موقف ابن دريد لم يكن له فيه أكثر من بيان حالته، وتماسكه في مواطن الشدّة،
__________
(1) - لمزيد من التّفصيل في موضوع أثر مقصورة ابن دريد في الشّعر العماني، ينظر الدّكتور سعيد بن سليمان العيسائي" مقصورة ابن دريد وأثرها في الشّعر العماني " كتاب ابن دريد الأزدي أعلم الشّعراء وأشعر العلماء، المجلّد الثّاني، ص: 1407 – 1422. وللباحث نفسه كتاب: المعارضة في الشّعر العماني القديم والحديث.
(2) - يمكن الرّجوع إلى كتاب: الشّعر العماني ... ،للدّكتور علي عبد الخالق علي ص: 83 – 93، فيه بعض المقارنات والإشارات العابرة.
(3) - المرجع السّابق، ص: 93. (1/103)
صفحة 94
وصبره عليها ... أمّا موقف أبي مسلم الرّواحي من الدّهر فخلص منه إلى أنّ ظلم الدّهر للنّبلاء والشّرفاء من النّاس، إنّما هو جزء ممّا يقع على الأحرار، الذين يدافعون عن أوطانهم في كلّ مكان من اضطهاد وقسوة ... " (1)
رغم أنّه اعترف بأنّ الشّاعرين أبا مسلم وعبد الله الخليلي استلهما روح مقصورة ابن دريد، وتأثّرا به، إلاّ أنّه يرى أنّ موقف ابن دريد في مقصورته موقف خاصّ، إذ لم يعتدّ بمن حوله. " .... أمّا موقفهما (أي أبي مسلم والخليلي) فقد كان ترجمة لما في وجدان المجتمع من معاناة. فهما ينشدان المجد للوطن في مستقبله، ويهيبان به أن يلتفت إلى ماضيه العريق، خاصّة وأنّ المقصورتين كانتا في وقتين تشابهت فيهما الأحداث والمحن التي نزلت بعمان. " (2)
بالتّأمّل في هذه الملاحظة يبدو لنا أنّ الباحث قد بالغ كثيرا في حكمه، وأساء فهم ما أراد ابن دريد تثبيته في مقصورته. على الأقلّ نقول: إنَّ الرّأي الذي أبداه الدّكتور عليّ عبد الخالق في حاجة إلى مناقشة، وإن كنت – شخصيّا – أراه مجانبا الصّواب. (3)
مجمل القول: إنّ مقصورة ابن دريد هي خلاصة تجارب تاريخيّة طويلة، وحديث عن العرب وآثارهم، وسجلّ لقضايا إنسانيّة، ووسيلة تعليم للّغة العربيّة، وعرض للأدب وتقويم للسّلوك. وبذلك يتخطّى ابن دريد في مقصورته الخواطر الذّاتية إلى الهموم والاهتمامات العامّة. يقول عمر، ابن سالم: " اعتبرنا المقصورة التي قيلت في مدح الشّاه ابن ميكال وابنه من الشّعر التّعليمي، لأنّ قيمتها – في نظرنا – لم تعد في هذه الأبيات القلائل التي ذُكِرَ فيها الممدوحان، إنّما في قافيتها التي سارت بها الرّكبان، وتداولها من أجلها المؤدّبون والمعلّمون تلقينا ومعارضة وشرحا. " (4)
إنّ المقصورة لم تكن موجّهة لابني ميكال فقط، حتّى ولو كان نظمها مرتبطًا بهما، من حيث المناسبة، وذكرهما في القصيدة. فأسرة بني ميكال كانت صاحبة شأن عظيم؛ لحبّها العلم والأدب، ودرايتها الكبيرة وكفايتها العالية في شؤون الحكم والسّياسة، هذه المكارم تتناسب مع شخصية ابن دريد، وتستجيب لميوله .. لذا اندفع لإعداد عمل فنّي علمي وجّهه لمن يأنس منهم خيرًا في تشجيع العلم. فنظم المقصورة، ومن خلالها نشر العلم والأخلاق والقيم وغيرها. وفي هذا يقول علي بن محسن آل حفيظ" ... لأنّ
__________
(1) - المرجع السّابق، ص: 87، 88.
(2) - المرجع السّابق، ص: 92.
(3) - ينظر مناقشتنا هذا الرّاي كتابنا: ابن دريد العالم المعلّم.
(4) - ديوان ابن دريد دراسة وتحقيق عمر، ابن سالم، ص: 8. (1/104)
صفحة 95
المقصورة التي شاع ذكرها في الآفاق، وعارضها أو قلّدها كبار الأدباء والنّاظمين، والتي خلّدت اسم صاحبها، قبل أن تخلّد ذكر بني ميكال، قد تضمّنت العديد من الأغراض الشّعرية والاجتماعية والفنّية والعلمية والتّربوية، إذ لم يذكر ممدوحيه في المقصورة إلاّ في أبيات قليلة، ثمّ انطلق في رحاب بحر من المعاني الإنسانية ذات القيمة العلمية والفنّية والتّربوية والعقلية. فكأنّما ابن دريد قد لخّص حياته، وكثّف تجاربه في هذه القصيدة التي عدّت من الشّعر التّعليمي لدى رجال التّربية والعلم في الوقت الذي حوت فيه إلى جانب اللّغة والحكمة والعظة والاعتبار مفاهيم أخرى جديدة عقلية وفلسفية وتاريخية ودينية وغير ذلك ... " (1)
في ختام حديثنا عن مقصورة ابن دريد نسجّل ما يأتي:
1 – أغلب من عارض ابن دريد في مقصورته، أو تأثّر بها أو استلهمها كان ينطلق من المدح، كما فعل ابن دريد نفسه. وهو ما يؤكّد على رغبة من قلّده في السّير في ركابه، وعلى طريقته. هذا ممّا يثبت تأثيره فيمن بعده، في مختلف العصور، وهو ما يشير إلى مكانته الأدبيّة المتميّزة.
2 – كثير من معارضي المقصورة كانوا لغويّين ونحاة، يبيّن هذا قيمتها اللّغويّة (إلى جانب قيمتها الأدبيّة) بالنّظر إلى ما اشتملت عليه من ألفاظ ومسائل لغويّة، وما صبغت به من صبغة تعليميّة.
3 – كثير من علماء القرن السّادس الهجري وأدبائه اهتمّوا بمقصورة ابن دريد: شرحا ومعارضة. ما السّرّ في ذلك؟
4– كثير أو أغلب من عارضوا مقصورة ابن دريد كانوا من المغرب والأندلس. ما تفسير ذلك؟ هل سببه مجرّد الإعجاب بها؟ هل كان الهدف الاستفادة منها أدبا ولغة؟ إن صحّ هذا التّعليل الأخير فإنّه يزيد من تعزيز مكانة ابن دريد من حيث دوره في تعليم اللّغة وتكوين الرّجال حتّى بواسطة آثاره، من دون التّعليم المباشر، أم هناك سرّ آخر وسبب غير هذين؟ يقول الدّكتور أبو القاسم سعد الله: " ... ومهما كان الأمر فقد اهتمّ الأندلسيّون والمغاربة بابن دريد: لغة وشعرًا وتراثا؛ ممّا جعله من المؤثّرين في حياتهم الأدبية واللّغوية والتّعليمية على مرّ العصور.
والواقع أنّ حازم القرطاجنّي نفسه لم ينكر أنّه تأثّر في مقصورته بمقصورة ابن دريد، وأنّه مدين له فيها وأشاد به وبها، أليس هو القائل عن مقصورته: وما هذه القلادة
__________
(1) - ابن دريد الأزدي (ندوة من أعلامنا الرّابعة)، ص: 141. (1/105)
صفحة 96
المنظومة والرّوضة الممطرة، إلاّ قصيدة من الرّجز غير مشطورة، عارضت بها قصيدة أبي بكر بن دريد المقصورة " (1)
5 - لماذا بنى ابن دريد قصيدته على الألف المقصورة؟ ما صلة هذا العمل وهذا الأسلوب بعصره؟ وما علاقته بشخصيّته بصفته لغويّا، يجنح أحيانا إلى التّفنّن في الكتابة والتّنويع في الأساليب، ويسعى إلى إظهار مدى تمكّنه من اللّغة والتّبحّر في علومها؟
ننهي هذا المبحث بما سجّله الدّكتور أحمد درويش عن قيمة المقصورة ومكانتها: " ... فإنّ المقصورة دون شكّ قدّمت نموذجًا في بناء القافية، وظلّ على كثرة النّماذج التي سبقته، أو حذت حذوه أشهر نموذج لقصيدة كتبت على هذا النّحو، بل لا نبالغ حين نقول: إنّ مقصورة ابن دريد واحدة من أشهر القصائد المفردة في تاريخ الشّعر العربي. وإذا استثنينا قصيدة في المديح النّبوي كالبردة ومعارضاتها وتخميساتها وتشطيراتها، فإنّ القصائد المفردة الأخرى التي تقف في جانب المقصورة، من حيث الشّهرة والاهتمام، على الأقلّ سوف تكون قليلة " (2)
ثانيا: أحاديث ابن دريد (3)
أ - مصادر أحاديث ابن دريد
من المهمّ التّطرّق إلى موضوع المصادر والمراجع التي نقلت آثار ابن دريد النّثرية لتحقيق أهداف كثيرة علمية ومنهجية، منها:
1 – التّأكّد من الأنواع النّثرية التي تركها ابن دريد، وتحقيق نسبتها إليه.
2 – معرفة حقيقة الأحاديث المنسوبة إلى ابن دريد: نوعًا وعددًا وقيمة ...
3 – طبيعة هذه الأحاديث، ومكانة العلماء والدّارسين الذين قاموا بجمعها وتصنيفها. وطريقة التّعامل معها، وتوثيقها وتأصيلها.
يقول الدّكتور أحمد درويش: " توجد أجزاء من النّثر الأدبي لابن دريد، الذي تنتمي الأحاديث إليه، في مجموعتين من المؤلّفات: مجموعة تنسب إليه، ومجموعة تنسب
__________
(1) - الدّكتور أبو القاسم سعد الله، " ابن دريد في الأندلس والمغرب العربي "، كتاب ابن دريد الأزدي أعلم الشّعراء وأشعر العلماء، المجلّد الثّالث، ص: 1770. ينظر كيلاني حسن سند، حازم القرطاجنّي: حياته وشعره، الهيئة المصرية العامّة للكتاب، القاهرة، مصر، 1986م، ص: 287.
(2) - ابن دريد الأزدي وتأثيره في الدّر س والنّصّ الأدبي، ص: 83. ينظر المبحث الذي خصّصه الدّكتور لدراسة المقصورة في الكتاب وهو بعنوان: " المقصورة: قراءة جديدة "، ص: 83 - 92.
(3) - لم نعرف له فنّا آخر في النّثر غير الأحاديث. (1/106)
صفحة 97
إلى من روى أو نقل عنه. وفي إطار المجموعة الأولى توجد مؤلّفات مخطوطة وأخرى مطبوعة. فهناك:
1 – مخطوطة كتاب " الأخبار المنثورة ". وقد قال عنها بروكلمان: " توجد أوراق من الجزء الرّابع والخامس والسّادس منه في المكتبة الخالدية بالقدس " (1)
2 – رسالة طبعت بعنوان: " كتاب الفوائد والأخبار "، تحقيق إبراهيم صالح، في مجلّة مجمع اللّغة العربية في دمشق، المجلّد السّابع والخمسون، سنة 1982م.
3 – رسالة بعنوان: " من أخبار أبي بكر بن دريد "، تحقيق عبد المحسن المبارك، في مجلّة (المورد) العراقية، المجلّد السّابع، سنة 1978م.
4 – كتاب بعنوان: " تعليق من أمالي بن دريد "، تحقيق السّيّد مصطفى السّنوسي. وقد صدر عن المجلس الوطني للثّقافة والفنون بالكويت، سنة 1984م ... " وقد اشتمل الكتاب على جملة مختارات من (أمالي ابن دريد)، ودلّت عباراته على وجود كتاب كبير الحجم، كان يسمّى (أمالي ابن دريد)، وكان يتكوّن من سبعة أجزاء على الأقلّ. وقد بقيت هذه الأجزاء حتّى منتصف القرن السّابع الهجري، تاريخ نسخ مخطوطة (تعليق من أمالي ابن دريد) سنة 641هـ، حيث أشارت المخطوطة إلى بعض أجزاء أمالي ابن دريد في صفحات متعدّدة، وحيث اختتمت بعبارة (هذا آخر الجزء السّابع من أمالي ابن دريد) (2) واللاّفت للنّظرأن يكون تاريخ الحديث عن كتاب نثري لابن دريد من سبعة أجزاء مقاربًا لتاريخ الحديث عن ديوان شعري له من خمسة أجزاء، في عبارة القفطي ... وقد توفّي سنة 646هـ. أي في نفس العقد الذي نسخت فيه مخطوطة (تعليق من أمالي ابن دريد). ومعنى ذلك أنّ هذين الكتابين وغيرهما لابن دريد كانا معروفين في المكتبات العربية بعد وفاته بأكثر من ثلاثة قرون، ومن ثمّ فتأثير هذه الكتب في النّتاج الأدبي في هذه الفترة وما بعدها ينبغي أن يوضع في حساب الدّارس دائمًا " (3)
من هذا النّصّ الطّويل الذي تعمّدنا إيرادة هكذا، ونقله عن أحد المهتمّين بشخصيّة ابن دريد نسجّل ما يأتي:
1 - إنّ نتاج ابن دريد غير معروف بدقّة عند الباحثين.
2 – كثير ممّا عرف عنه، أو نسب إليه ما يزال مخطوطًا.
3– ما ضاع منه كان أكثر ممّا هو متداول بين الدّارسين.
__________
(1) - ينظر تاريخ الأدب العربي، ج2، ص: 184.
(2) - ينظر: تعليق من أمالي ابن دريد، تحقيق السّيّد مصطفى السّنوسي، ص: 53.
(3) - ابن دريد الأزدي وتأثيره في الدّرس والنّصّ الأدبي، ص: 125، 126. (1/107)
صفحة 98
4– وقعت في تقدير كمّه اجتهادات وتخمينات، لسنا ندري كيف نقدّرها نحن، أو كيف نقوّمها.
5– توزّع نتاجه النّثري بين مجموعة من المصنّفات، بعضها له، وأخرى لغيره، من القدامى والمحدثين.
6 – ورد ذكر كثير من نتاجه في الكتب القديمة، من دون الظّفر به منشورًا بعد ذلك.
نبقى مع الدّكتور أحمد درويش لنعرض وضعية نتاج ابن دريد الإبداعي، الذي قدّم نقدًا لعمل السّيّد مصطفى السّنوسي: " على أنّ العبارات التي أشارت إليها مخطوطة (تعليق من أمالي ابن دريد) تلقي الضّوء على ما أشار إليه بروكلمان من وجود مخطوطة كتاب (الأخبار المنثورة) في المكتبة الخالدية بالقدس، والإشارة إلى وجود أوراق من الجزء الرّابع والخامس والسّادس من هذا الكتاب. فهناك احتمال أن تكون الأخبار المنثورة هي (الأمالي) المفقودة، خاصّة أنّ الموضوع واحد في الكتابين، وأنّ عدد الأجزاء المشار إليها متقارب، وأنّ من المستبعد قليلاً أن يكون ابن دريد قد ألّف كتابين أحدهما من سبعة أجزاء، والآخر من ستّة على الأقلّ حول موضوع واحد. إذن فالاحتمال الذي يظلّ فرضًا حتّى رؤية مخطوطة القدس أن تكون هذه المخطوطة جانبًا من الأمالي المفقودة، والتي لخّصها أو عرض جانبًا منها (تعليق من أمالي ابن دريد) " (1)
هذه الملاحظات تقدّم انطباعًا أنّ آثار ابن دريد ما تزال غامضة في أذهان الباحثين الموضوعيّين الجادّين. فمادام الوضوح غائبًا، واليقين غير حاصل، بدلاً منهما كان الافتراض في تقدير حقيقة بعض نتاج ابن دريد، فإنّ عملاً كبيرًا منتظرٌ إنجازه؛ لخدمة تراث هذا الرّجل الكبير. وبخاصّة نثره، وبالأخصّ أماليه وأحاديثه. في الوقت نفسه تقدّم هذه الملاحظات دفعًا لمزيد الاشتغال في هذا التّراث: بحثًا عن المفقود منه، وتحقيقًا لما هو موجود مخطوطًا، وإعادة النّظر في بعض ما هو متناول ومتداول، والخروج به من الشّكّ والظّن والتردّد ... إلى التّأكيد أو النّفي ... إلى غير ذلك من الأعمال الجادّة المنظّمة المخطّطة التي تنصف جهود الرّجل الذي خدم اللّغة والأدب والعلم والفكر ... ، وأسهم في البناء الحضاري.
يضيف الدّكتور أحمد درويش: " التّحقيق العلمي الذي صاحب مخطوطة (تعليق من أمالي ابن دريد) للسّيّد مصطفى السّنوسي تحقيق علمي جيّد، عرف قيمة
__________
(1) - المرجع السّابق، ص: 126. (1/108)
صفحة 99
المخطوطة، وأعطاها حقّها من العناية، وصدّرها بدراسة جيّدة متأنّية عن ابن دريد. وحاول أن يصل الأخبار الواردة فيها برواياتها في كتب التّراث النّثري المتعدّدة لتوثيقها وضبطها. وفي هذا الإطار استطاع المحقّق – كما يقول – توثيق نحو ثمانين في المائة من مجمل المادة التي تعرّض لها الكتاب، وهي مادة بلغت في مجملها نحو مائتين وأربعين خبرًا، ومائة وسبعين مقطوعة شعرية، وهو جهد علمي جاد ومفيد " (1)
ما قام به السّيّد مصطفى السّنوسي يعدّ إضافة في خدمة تراث ابن دريد النّثري، كما يحسب عملاً علميًا جيّدًا، تمكّن من خلاله توثيق النّصوص المنسوبة إلى ابن دريد من المصادر القديمة، مع دراستها. هو بذلك يكون قد قدّم خدمة للمتلقّين للاطمئنان على صحّة نسبة الآثار التي عمل فيها، وبالنّسبة للباحثين يكون قد أمدّهم بمادة علمية محقّقة، يتشجّعون بذلك على دراستها.
هذا العمل ثمّنه الدّكتور أحمد درويش، وهو ما يجب القيام به في الحقل العلمي. إلاّ أنّ جزءًا من الآثار الأدبية لم يتمكّن المحقّق أن يوثّقها. وبذلك يبقى العمل في حاجة إلى المواصلة والمتابعة. فبعد ثناء الدّكتور أحمد درويش على عمل السّنوسي سجّل نقصًا فيه الجبّار: " غير أنّ المحقّق فاته في بعض الأحايين أن يعرض نصوص الأحاديث والأخبار على أحاديث ابن دريد التي رواها أبو علي القالي في أماليه، والتي تشكّل أهمّ مصدر موثّق لأحاديث ابن دريد عند القدماء والمحدثين. مع أنّ المؤلّف رجع إلى أمالي أبي علي القالي، بل وعدّها المرجع الأوّل فيما رجع إليه من الكتب القديمة، واستطاع إرجاع بعض الأخبار إليها، ومع ذلك فقد ندّ عنه عدد لا بأس به من هذه الأخبار، لم يقابل فيها بين ما جاء في (التّعليق) وما جاء في (أمالي القالي) " (2)
إذن رغم العلمية التي تميّز بها عمل السّيّد السّنوسي، فإنّ الدّكتور أحمد درويش سجّل عليه نقصًا في التّوثيق، وفي صحّة بعض الأخبار التي وردت في عمله؛ بالمقاربة مع المصدر الذي نقل منه. فرغم التّحرّي والحرص على الدّقّة، فإنّه وقع في بعض الأخطاء، التي تسيء إلى شخصية ابن دريد. ذكر أحمد درويش نماذج منها.
إذا كانت هذه الأخطاء قد وقعت ممّن اجتهد في أن يكون أمينًا في عمله، وجادًّا في تحقيقاته، فكيف يكون الأمر مع الأعمال المرتجلة، الفاقدة لشروط البحث العلمي. وقد أصاب ابنَ دريد منها نصيبٌ؟! فكيف نتعامل مع شخصية ابن دريد الأدبية بخاصّة، ومع أحاديثه بصفة أخصّ إذا كان كثير منها غائب عنّا؟ هذا ما اضطرّ الدّكتور أحمد درويش أن يتناول أحاديث ابن دريد بمنهج خاصّ، عماده تجميع أشلاء متناثرة، وإعادة تنظيمها لتقدّم الصّورة المرجوّة والمنشودة لأحاديث ابن دريد. عرضها وقدّمها في مبحث عنوانه: " محاولة لتجسيد نصّ أدبي غائب " (3)
ذكر أحمد درويش مجموعة من المصادر التي تتوفّر فيها آثار ابن دريد النّثرية. منها: (ملحق بأمالي ابن دريد في أمالي القالي ومزهر السّيوطي). وأبدى تحفّظه ممّا ورد في الملحق، الذي ذيّل به السّيّد السّنوسي كتاب (تعليق من أمالي ابن دريد)، ثمّ قال: " ... وقد ظلّت حكمة وجود هذا الملحق، أو على الأقلّ الجزء الخاصّ منه بأمالي القالي خافية عليّ " (4)
" إذا كان هذا هو مجمل الآثار النّثرية المعروفة في الكتب المنسوبة إلى ابن دريد، فإنّ هناك آثارًا نثرية أخرى وجدت في كتب علماء، ردّدوا أو نقلوا عنه. ومن بين هذه الكتب كتاب (قطوف الوريد)، الذي لخّص فيه جلال الدّين السّيوطي (أمالي ابن دريد)، وأشار إليه حاجي خليفة، وكذلك (المزهر) للسّيوطي، الذي وردت فيه روايات كثيرة عن ابن دريد، أشار محقّق (التّعليق) إلى أنّها أكثر من مائة وخمسين خبرًا " (5)
لكنّ المصدر الأساس لأحاديث ابن دريد والرّوايات والأخبار المنسوبة إليه يظلّ كتاب تلميذه الوفيّ أبي علي القالي (الأمالي)، الذي أملاه بدوره على من كان يحضر مجلسه أيّام الخميس في مسجد قرطبة بالأندلس. " ... ولقد مثّلت الأحاديث المنسوبة إلى ابن دريد نحو ثلث كتاب (الأمالي). وتردّد اسم ابن دريد في معظم صفحات الكتاب تردّدًا، يذكر بشيوع اسم سلفه الخليل بن أحمد على صفحات (الكتاب) لسيبويه " (6)
وجود المادة الأوّلية من نثر ابن دريد في هذه المصادر المعتمدة في الأدب، وبخاصّة في كتاب (أمالي القالي)، الذي تمثّل أحاديث ابن دريد ثلث الكتاب، وهو يعدّ أحد المصادر الأربعة الرّئيسة في الأدب (كما نصّ على ذلك القدماء)، وبرواية أحد المقرّبين إلى ابن دريد، التّلميذِ الوفيّ له أبي علي القالي. يعطي قيمة لهذه الأحاديث، كما يبعث في النّفس الثّقة في صحّة نسبتها إلى صاحبها. لكنّ هناك مشكلة منهجية تقف
__________
(1) - المرجع السّابق، ص: 126، 127.
(2) - المرجع السّابق، ص: 127.
(3) - ينظر المرجع السّابق، ص: 122 – 133.
(4) - المرجع السّابق، ص: 128.
(5) - المرجع السّابق، ص: 128، 129. مرجع الدّكتور أحمد درويش في أغلب المعلومات عن مصادر الآثار النثرية لابن دريد كان السّيّد مصطفى السّنوسي في تحقيقه لـ (نعليق من أمالي ابن دريد).
(6) - المرجع السّابق، ص: 129. (1/109)
صفحة 100
دون التّحقيق النّهائي من نسبة الأحاديث المروية لابن دريد، ثمّ في عددها، وفي مضمونها، وفي جمع شتات بعض الأحاديث الموزّعة بين صفحات الكتب النّاشرة لها ... من دون منهجية واضحة أحيانًا. كما فعل أبو علي القالي في إملائه الأحاديث في مجالس، يتطلّع من يشهدها إلى الاستمتاع بما يسمع، لهذا يحاول المملي تحقيق هذا المطلب، وتلبية هذه الرّغبة؛ بالتّنويع في الموضوعات، من دون ضابط محدّد، ولا منهجية معيّنة، فقد يعمد المملي أو الرّاوي إلى الانتقاء، والانتقال من موضوع إلى موضوع، ممّا قد يتسبّب في تشتيت الموضوع الواحد وتوزيعه بين مجالس متعدّدة. وقد تفتقر هذه الموضوعات وهذه المرويات إلى الرّابط الموضوعي الذي يربطها ببعضها، وغير ذلك من المشكلات التي تقف دون الإفادة الكبيرة من هذه الأحاديث.
حاول الدّكتور أحمد درويش معالجة هذه المشكلة المنهجية باقتراح منهج خاصّ، اعتمده في دراسة هذه الأحاديث، لتجسيد (النّصّ الغائب)، الذي قال عنه: " ونعتقد أنّ ظهور الأحاديث في هذا المعرض، من شأنه أن يجسّد (النّصّ الغائب)، وأن يقرّبه ربّما من الصّورة التي تصوّرها ابن دريد نفسه، أو حتّى من الصّورة الغائبة، التي ليس بين أيدينا منها إلاّ روايات وتعليقات الآخرين " (1)
ب - تمهيد في موضوع أحاديث ابن دريد
إنّ أشهر ما نقل من النّصوص النّثرية، ممّا ينسب إلى أدب ابن دريد أحاديثه، التي اختار لها طريقة جديدة في تقديمها. وقد وجّهها للنّاشئة بخاصّة، ثمّ لعامّة النّاس؛ ليعرّفهم بأصول اللّغة والأدب العربيين، ويطلعهم عل بعض النّوادر وتاريخ العرب وآثارهم ... يرجّح الدّكتور أحمد درويش أنّ كثيرًا منها لم يصلنا، ضاع من بين ما ضاع من آثار ابن دريد، وقد يكون بعضها لم يدوّن أصلاً. (2)
هذه الأحاديث، رغم ما قدّم فيها وحولها من أعمال جادّة، هي في حاجة إلى دراسات معمّقة متأنّية، وإلى قراءات متنوّعة متعدّدة؛ لما أثارته من جدل ونقاش كبيرين عميقين، ولما أفرزته من آراء متباينة، ونظرات مختلفة، وتقويم متنوّع النّتائج، ومتباين أحيانًا، ولما بقي فيها غامضًا وألغازًا، يحتاج إلى توضيح وفكّ أسراره. ولما تستوقف الباحث فيها من انطباعات وملاحظات وإشكالات، بما يبعث المتعة والنّكهة في مزيد الغوص في أعماقها، وسبرأغوارها ...
__________
(1) - ابن دريد الأزدي وتأثيره في الدّرس والنّصّ الأدبي، ص: 133.
(2) - المرجع السّابق، ص: 97. (1/110)
صفحة 101
هذه الأحاديث هي من الأساليب التي ابتكرها ابن دريد في التّعليم والتّلقين، أعدّها للنّاشئة والمتلقّين والمتعلّمين؛ ليعرّفهم بأصول اللّغة والأدب، ويطلعهم على بعض النّوادر، وتاريخ العرب وآثارهم. أكّدت على هذا الدّكتورة إكرام فاعور، قالت: " فأراد بذلك تهذيب النّفس، وتهذيب اللّسان للإلمام باللّغة وما تحتويه من مفردات غريبة، وتراكيب مجازية، من الواجب الاطّلاع عليها والإحاطة بها. " (1)
ج - مضمون أحاديث ابن دريد
نقول في البداية: إنّ مضمون أحاديث ابن دريد في حاجة إلى وقفات ونظرات ودراسات لتحديد حقيقة هذا المضمون: محتوى وهدفًا وقيمةً. ومعرفة الذين وجّه إليهم ابن دريد هذه الأحاديث من النّاس، ولماذا وكيف؟ ...
أحاديث ابن دريد ذات موضوعات متنوّعة مختلفة، تكشف عن المخزون الكبير من المعارف التي يملكها، والتي يبدو أنّه وجّهها لتعليم النّاشئة والمتعلّمين وعامّة النّاس ليعرّفهم بأصول لغتهم وأدبهم وتاريخهم، ولإطلاعهم على بعض النّوادر والطّرائف، التي وجّهها للتّثقّف والمحافظة على الأصالة والكرامة والمتعة. إِنّ الهدف الذي كان يرمي إلى تحقيقه ابن دريد تقول عنه الدّكتورة إكرام فاعور: " فأراد بذلك تهذيب النّفس، وتهذيب اللّسان؛ للإلمام باللّغة، وما تحتويه من مفردات غريبة، وتراكيب مجازية، من الواجب الاطّلاع عليها والإحاطة بها." (2)
أحاديثه دارت حول حياة الأعراب والبادية, ثمّ التّاريخ: بمواقف رجاله وبعض مشاهده، وعالم النّساء، بمختلف ميادينه، وعالم الحكمة والفصاحة واللّغة العربية، ثمّ عالم الكهانة ... يلخّص لنا الدّكتور زكيّ مبارك القول في موضوعات أحاديث ابن دريد: " إنّ ابن دريد اهتمّ بتصوير الشّمائل العربية، وكلف بنوع خاصّ بتقديم طائفة من أحلام النّساء في فهم الرّجال، وإعجاب البنات بأعمال الآباء، وما يقع في الملاحاة بين الأزواج، والتّواصي بين الشّباب والكهول. كلّ ذلك بطريقة قويّة وأخّاذة، تجعل له مكانًا بين العالمين بالغرائز وأهواء النّفوس" (3)
__________
(1) - مقامات بديع الزّمان الهمذاني وعلاقتها بأحاديث ابن دريد، ص: 99.
(2) - المرجع نفسه.
(3) - النّثر الفنّي في القرن الرّابع، ج1، ص: 231، 232. (1/112)
صفحة 102
نذكر بعض الموضوعات التي دارت فيها هذه الأحاديث من دون استقصائها كلّها. حسبُنا أن نقدّم صورة عمّا كان يشغل بال ابن دريد. ومن هذا العرض يمكن لنا تقويمها في مضمونها.
أوّلا: تناولت أحاديث ابن دريد جوانب شتّى من حياة الأعراب في البادية والحضر. وقد نوّع فيها ابن دريد بين ذكر الأعراب والكدية، والأعراب والحجّاب، والأعراب والنّوادر والطّرائف، التي تكشف عن جوانب كثيرة من شخصية الأعراب، فيها الحكمة والذّكاء والأناة، والرويّة والحلم والغضب، والبلاهة والغفلة، والشّمائل والفضائل ...
هذه أمثلة من هذه الأحاديث:
1– أعرابيّ يسأل ويشكو حاله العسرة (1) روى أبو علي القالي: " وحدّثنا أبو بكر، قال: أخبرنا عبد الرّحمن عن عمّه قال: وقفَ علينا أعرابيّ ونحن بِرَمْلَةِ اللِّوَى فقال: رحِمَ الله امرَأً لَم تَمْجُجْ أُذُناهُ كلامي، وقدّمَ معاذَةً من سوءِ مقامي؛ فإنّ البلادَ مُجدبة، والحالَ مُسغِبة، والحياءَ زاجرٌ، يَمْنَعُ من كلامكم، والفقرَ عاذرٌ يدعو إلى إخبارِكُمْ، والدّعاءُ أحد الصّدقتين، فرحم الله امْرأً أمرَ بِمَيْرٍ، أو دعا بِخيرٍ، فقلتُ: ممّنْ أنت يرحمك الله؟ فقال: اللّهم غَفْرًا، سوءُ الاكتساب يَمنعُ من الانتساب."
2 – الأعرابي والكريم (2) روى أبو علي القالي: " وحدّثنا أبو بكر قال: أخبرنا عبد الرّحمن عن عمّه قال: دخل أعرابيّ على خالد بن عبد الله القسري، فقال: أصلح الله الأميرَ، شيخٌ كبيرٌ حَدَتْهُ إليكَ باريَةُ العظام، ومُؤَرِّثَةُ الأسقامِ، ومطوّلَةُ الأعوام، فذهبتْ أموالُه، وذُعْذِعَتْ آبالُه، وتَغيّرتْ أحوالُه، فإن رأى الأميرُ أن يَجْبُرَهُ بفضلِه، ويَنْعَشَهُ بِسَجْلِهِ، ويرُدّهُ إلى أَهلِه. فقال: كلُّ ذلك، فأمر له بعشرة آلاف درهم." (3)
يكشف الحديثان عن جانب بارز ومهمّ من شخصية الأعراب وهو التّعبير الدّقيق الفصيح، والتّحلّي بالحياء في عرض الحال، وطلب المعونة والإغاثة.
__________
(1) - كتاب الأمالي، ج1، ص: 138.
(2) - كتاب الأمالي، ج2، ص: 46.
(3) - ذُعْذِعَتْ: فُرِّقَتْ. السَّجْلُ: الدّلوُ التي فيها ماء. (1/113)
صفحة 103
3 – أعرابي يصف الجدب والمطر. (1) قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر، قال: حدّثنا أبو حاتم، عن الأصمعي قال: سمعت أعرابيًا من غَنِيّ يذكر مطرًا صابَ بلادهم في غِبِّ جدْبٍ، فقال: تَدارَكَ رَبُّكَ خلْقَهُ، وقدْ كَلِبَتْ الأمْحال، وتقاصرت الآمال، وعكفَ اليأْس، وكُظِمت الأنفاس، وأصبحَ الماشي مُصرِما، والمُتْرِب مُعْدِما، وَجُفِيَت الحلائل، وامْتُهِنت العقائل، فأنْشَأَ سَحابًا رُكاما، كَنَهْورًا سَجَّاما، بُروقه مُتألِّقة، ورُعودُه مُتَقعْقِعَة، فَسَحَّ ساجِيًا راكِدا، ثلاثًا غيرَ ذي فُواقٍ؛ ثُمَّ أمَرَ رَبُّك الشّمالَ فَطَحَرَتْ رُكامَه، وفَرّقت جَهامَه، فانقشعَ مَحمودا، وقدْ أَحْيَا وأغْنَى، وجادَ فَأَرْوَى، والحمد لله الذي لا تُكَتُّ نِعمُه، ولا تَنْفَدُ قِسَمُه، ولا يَخِيبُ سائِلُه، ولا يَنْزُرُ نائِلُه."
في هذا الحديث تظهر قوّة اللّغة، وحسنُ الصّياغة، ودقّة الوصف، وبراعة الاستقصاء، مع الإيجاز في التّعبير، واختيار النّقط البارزة في المشهد، التي تقدّم الصّورة الحقيقية للموصوف، إلى جانب الموسيقى المتولّدة من الجمل القصيرة المتتابعة، والنّبر النّابع من تكرار الأصوات المتشابهة، أو المتقاربة في المخارج والصّفات، والسّجع غير المتكلّف، الذي جاء منسجمًا مع المشاعر المتدفّقة والأحاسيس الصّادقة ...
إضافة إلى العاطفة الدّينية التي ارتسمت على هذه اللّوحة الفنّية في هذا الحديث المختصر البليغ. إذ كان ما حدث من الغوث بالمطر بعد المحل والجدب، هو من عند الله المنّان الكريم الرّحيم، فاستوجب الحمد على نعمه التي لا تُكتُّ ولا تنفد. وهو ما نبّه ودعا إليه الأعرابي.
بِهذا النّموذج يقدّم لنا ابن دريد صورة عن بلاغة الأعراب وفصاحتهم، وعلى قدرتهم على الوصف الجيّد، وعلى باعهم الكبير في اللّغة ومفرداتها.
4 - عن ذكاء الأعراب وفطنتهم، حدّث ابن دريد عن حسن التّخلّص في المواقف الحرجة. قال أبو عليّ القالي: " حدّثنا أبو بكر قال: حدّثنا أبو العبّاس أحمد بن يحي قال: ذَكر أعرابيّ رجلاً فقال: ما له لَمَجَ أمَّه، فرفعوهُ إلى السّلطان، فقال: إنّما قلتُ: مَلَجَ أُمّه. قال أبو بكر، قال أبو العبّاس: لَمَجَها: نَكحَها. ومَلَجَها: رَضَعها." (2)
__________
(1) - كتاب الأمالي، ج1، ص: 173.كَلِبَتْ: اشتدّت. الماشي: صاحب الماشية. المُصرِمُ: المعدم: قليل المال. المُتربُ: الغنيّ الذي له من المال مثل التّراب كثرةً. الكنَهْوَر: قطع كالجبال. طَحَرتْ: أذهبت وأبعدتْ. الجهام: السّحاب الذي قد هراقَ ماءَه. تُكتُّ: تُحصَى. يَنْزُرُ: بَقِلُّ.
(2) - المصدر السّابق، ص: 137. (1/114)
صفحة 104
قد يكون من بين ما كان يهدف إليه ابن دريد من هذا الحديث تعليم اللّغة العربية، بخاصّة وقد عرف عنه الحرص على تلقين النّاشئة لغتهم فصيحةً، بعد ما تعرّضت للتّشويه والتّغيير في البيئة العربية، بدخول العناصر غير العربية إليها وتغلغلهم في أعماقها، ونقص الاهتمام بها وتعلّمها ...
5 - إلى جانب البلاغة والفطنة والذّكاء، كانت هناك مظاهر الغفلة والتّخلّف والجهل، وقد برزت في بعض أوساط الأعراب منها حالات، حدّث عنها ابن دريد. الحديث الآتي يكشف عن ذلك، وهو يبيّن جهل الأعراب بالقرآن. قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر، قال: أخبرنا عبد الرّحمن عن عمّه قال: اختصم أعرابيان إلى شيخ منهم، فقال أحدهما: أصلحك الله، ما يحسن صاحبي هذا آية من كتاب الله عزّ وجلّ، فقال الآخر: كَذَبَ والله، إنّي لقارئ كتاب الله، قال: فاقرأ، فقال:
عَلِقَ القَلْبُ رَبابَا ... بَعْدَ ما شابَتْ وَشابَا
فقال الشّيخ: لقد قرأتَها كما أنزلها الله، فقال صاحبه: والله أصلحك الله، ما تعلّمها إلاّ البارحةَ." (1)
6 – نصائح ووصايا
أ - نصيحة أعرابي. (2) قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا (أي أبو بكر)، قال: أنبأنا عبد الرّحمن عن عمّه قال: سمعتُ أعرابيًا من بني مُرَّة يعظ ابنًا لهُ، وقد أفسدَ ماله في الشّرابِ، فقال: لا الدّهرُ يعِظُك، ولا الأيّامُ تُنذِرُك، والسّاعاتُ تُعَدُّ عليك، والأنفاسُ تُعدُّ منك، أَحَبُّ أمْرَيكَ إليكَ أَرَدُّهُما بالمضرَّةِ عليك."
ب - " قالَ: وأخبرَنَا عبد الرّحمن عن عمّه، قال: سمعتُ أعرابيًا يقولُ لأخٍ له: اعْلَمْ أنّ النّاصِحَ لَكَ المُشْفِقَ عليك منْ طالعَ لكَ ما وراءَ العواقبِ برويّته ونظَره، ومثّل لك الأحوالَ المَخُوفةَ عليكَ، وخلَط الوَعْرَ بالسّهلِ من كلامه ومَشورتِه، لِيكونَ خوفُكَ كِفاءَ رجائِكَ، وشُكرُكَ إِزاءَ النِّعمَةِ عليك، وَأنّ الغاشَّ لكَ والحاطِبَ عليْك مَنْ مَدَّ لك في الاغترارِ، ووَطَّأَ لَكَ مِهادَ الظُّلْمِ، تَابِعًا لِمَرْضاتِكَ، مُنْقادًا لِهواك."
ج - وصيّة أعرابي. (3) قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا (أي أبو بكر) قال: أخبرنا عبد الرّحمن عن عمّه قال: سَمعتُ أعرابيًا يوصي ابنه فقال: ابذُلِ المَوَدّةَ الصّادقةَ
__________
(1) - المصدر السّابق، ج2، ص: 308.
(2) - المصدر السّابق، ج1، ص: 194، 195. ورد الحديثان مع مجموعة من الأحاديث تحت عنوان " مطلب حكم ومواعظ من كلام الحكماء"
(3) - المصدر السّابق، ص: 197. مُستعرِزة: منقبضة شديدة. (1/115)
صفحة 105
تستَفِدْ إخْوانًا، وتَتَّخِذْ أَعوانًا، فإنّ العداوةَ موجودَةٌ عتيدة، والصّداقة مُسْتَعْرِزَة بعيدة، جنِّب كرامتَك اللّئام، فإنّهم إن أحسنتَ إليهِمْ لَمْ يشكُروا، وإنْ نَزَلَتْ شديدةٌ لَمْ يَصبروا."
د – من حكم الأعراب (1) قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر رحمه الله، قال: أخبرنا عبد الرّحمن عن عمّه قال: سمعتُ أعرابيًا يقول: لا يوجد العجول مَحمودًا، ولا الغضوبُ مسرورًا، ولا المَلولُ ذا إخوانٍ، ولا الحرُّ حريصًا، ولا الشّرِهُ غنيًّا."
هـ - " وحدّثنا وقال: أخبرَنَا عبد الرّحمن عن عمّه قال: سمعتُ أعرابيًا يقول: صُنْ عقلَكَ بالحِلْمِ. ومُروءَتَكَ بالعفاف، وَنَجْدَتَكَ بِمُجانَبَةِ الخُيلاء، وخَلّتَكَ بالإجمالِ في الطّلب."
و - " وحدّثنا قال: حدّثنا عبد الرّحمن عن عمّه، قال: سمعتُ أعرابيًا يقول: أقبحُ أعمالِ المُقتدرين الانتقام، وما استُنْبِطَ الصّوابُ بِمثل المشاورة، ولا حُصِّنَت النّعمُ بمثل المواساة، ولا اكتُسبت البغضاءْ بِمثلِ الكِبْرِ."
إنّ هذه الوصايا التي ذكرناها هنا، مروية عن ابن دريد من بين النّصائح الكثيرة التي حدّث بها عن الأعراب. تبعث على القول: إنّ أبا بكر بن دريد كان حريصًا على توجيه النّاس إلى معرفة الخلال التي تبني شخصياتهم، وتقيم كيانهم على أحسن الأسس، وأصحّ القواعد. وقد حرص أن تكون منقولة ومنحوتة من تجارب الحكماء والحصفاء، ومن عقول رجال حلبوا أشطر الدّهر، وخاضوا غمار الحياة، وجابوا في دروبها فعركوها وعركتهم. كما أنّ بعضها صادر من آباء وأولياء حرصوا أن يوجّهوا أبناءهم الوجهة الحسنة، وأن يوصوهم وصايا، يرونها صادرة عن دافع الواجب الملزوم، والفرض المحتوم في القيام بمسؤولية التّربية والعناية والرّعاية، وأداء الأمانة المنوطة بأعناقهم. كما أنّ هذه الوصايا التي حدّث بها ابن دريد، نابعة من بيئة عذراء نظيفة، ومن ناس لم تفسد المدنية والحضارة طباعهم، إذ كانت صادرة من أعراب سكنوا البادية، فنقلوا ما أنتجته الفطرة من صالح الخلال وكريم الشّمائل. أخبر بِها ابن دريد من أراد له الخير والأمان والفوز في هذه الحياة.
هذا السّلوك من ابن دريد يتكرّر كثيرًا في نشاطه وتحرّكه وعمله، وهو الاستناد إلى الأعراب في التّوجيه والإرشاد والدّعوة. فهو معجب بهم كثيرًا. وفي الوقت نفسه يهدف إلى الإبقاء على الوجه الأصيل للحياة العربية الإسلامية، التي بدا عليها التّأثّر بِبَصمات المتغيّرات، ولمسات الثّقافات الأخرى، التي بدأت تغزو المجتمعات العربية
__________
(1) - المصدر السّابق، ج2، ص: 29، 30. (1/116)
صفحة 106
الإسلامية في عهده، وشرعت تزحزح شيئًا فشيئًا سمات الثّقافة العربية والإسلامية ومظاهرهما.
دليلنا عل إعجاب ابن دريد بالأعراب، والرّكون إليهم في الإفادة من حياتهم وأقوالهم وأفعالهم ما جاء في الحديث التي حدّث به تلاميذُه وروّاد مجالسه (1). قال أبو علي القالي: "وحدّثنا أبو بكر قال: حدّثنا عبد الرّحمن عن عمّه قال: ذكر أعرابيّ قومًا فقال: أدّبتهم الحكمة، وأحكمتهم التّجارب، ولم تغررهم السّلامة المنطوية على الهَلَكَة، وجانبوا التّسويف الذي به قطع النّاس مسافة آجالهم، فذلّت ألسنتهم بالوعد، وانبسطت أيديهم بالإنجاز، فأحسنوا المقال، وشفَعوه بالفَعال."
في الحقيقة إنّ اهتمام ابن دريد بالأعراب، والحرص على إيراد أخبارهم ونوادرهم في أحاديثه، يلفت النّظر، ويبعث على البحث عن دوافع ذلك عنده وتحليله، والتّأمّل فيه، وتقويم هذا التّوجّه و سبر غور هذا الاتّجاه ... فعل هذا وهو يحدّث تلاميذه كما فعل مع تلميذه أبي عليّ القالي، وهو يملي عليه ما يسمّى بأحاديث العرب ... أو كما صنع حين ألّف الأحاديث الأربعين لإسماعيل بن ميكال ليؤدّبه بها ويعلّمه أصول اللّغة العربية كما يقول الدّكتور محمد صالح ناصر. (2)
يقول أحمد درويش: " وأبرز هذه الطّوائف طائفة "الأعراب"، وهي طائفة متعدّدة الوجوه، وتعكس معالجة ابن دريد لها في أحاديثه أصداء الأفكار التي كانت شائعة في الحضر عن عالم البدو، ومدى ما يتمتّعون به من صفات عفوية متضاربة في بعض الأحيان، وبعض خصائصهم تلك، يمكن أن تكون مثارًا للتّفكّه، وبعضها الآخر يصبح مثارًا للتّعلّم والاقتداء بالصّفات التي لم يفسدها التّحضّر." (3)
قد يكون هذا الاهتمام راجعًا إلى إعجابه بالأعراب: فصاحة وبيانًا، وشمائل وأخلاقًا. التّحدّث بها يعين على بناء شخصية الإنسان الحقيقية. وقد يعود ه إلى ما لاحظه في المجتمع من تغيّر في القيم، وتخلّ عن الأصول، وامتزاج بالثّقافات غير العربية، التي أثّرت سلبًا على مقوّمات الشّخصية العربية ... فأراد بهذه الطريقة أن يرجع لهذه القيم مكانها في التّربية والتّكوين، فعمد إلى حياة الأعراب يمتاحها لتمنحه الأسباب التي تعينه على بناء شخصية النّشء على السَّنن العربية الأصيلة، بخاصّة وهو العالم المعلّم الذي سخّر حياته للعمل في هذا الميدان.
قد يكون للاتّجاه الذي اتّجهه ابن دريد في أحاديثه، من التّركيز على اللّغة العربية، في غريبها ومفرداتها وتراكيب أساليبها، وإيراد الحكم الكثيرة، ونقل أخبار الأعراب، ونبذ من فصاحتهم ... قد يكون لكلّ ذلك علاقة وانعكاس لما ساد عصره من مزاحمة الثّقافة العربية من الثّقافات الأخرى الوافدة، التي تركّزت في الأوساط العربية، وغيّرت من معالمها. وقد وصل الحال إلى المواجهة بين الثّقافتين، بلغ حدّ المفاضلة بينهما. (4)
هذا التّوجّه يعطي لهذا المضمون قيمة، ويمنحه الرّيادة في السّير في هذا الطّريق. طريق المحافظة على الأصالة، وبعث الثّقافة الأولى التي ينبغي أن تسود، مع التّفتّح على الثّقافة الأخرى، من دون أن تمسّ من الثّقافة الأولى.
ثانيًا: من موضوعات أحاديث ابن دريد عالم النّساء، في جوانب كثيرة منه. تناولتها بنتًا وأمًّا وزوجًا، وفتاة عاشقة ومعشوقة ... نقلت عنها الشّجاعة والمروءة، والقيام بشؤونها أحسن قيام، والتّمرّد والخروج عن الأعراف وغيرها من الجوانب والمجالات.
نقدّم فيما يأتي بعض النّماذج و الأمثلة عن هذا العالم.
1 – قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر رحمه الله قال: حدّثنا عبد الرّحمن عن عمّه قال: دخلتُ على امرأة بأعلى الأرض في خباءٍ لها، وبين يديها بُنَيٌّ لها، قد نزل به الموتُ، فقامت إليه فأغمضته وعصّبته وسجّتهُ، ثمّ قالت: يابن أخي، فقلتُ: ما تشائين؟ قال: ما أحقَّ من أُلْبِسَ النّعمةَ وأُطيلتْ به النّظِرةُ أن لا يدعَ التّوثّق من نفسه قبل حلِّ عُقْدَتٍهٍ، والحُلُولٍ بٍعَقْوَتِه، والمَحالة بينه وبين نفسه. قال: وما يَقطر من عينيها قطرةٌ صبْرًا واحتسابًا، ثمّ نظرتْ إليه فقالت: والله ما كان مالُك لبطنك، ولا أمرُك لِعِرسك. ثمّ أنشأت تقول:
رحيبُ الذّراعِ بالتي لا تَشينُه ... وإنْ كانَتِ الفَحشاءُ ضاقَ بِها ذرعًا" (5)
هذا الحديث يسجّل قوّة تحمّل المرأة الثّكلى وتجلّدها وصبرها على ما حلّ بها، من فقد ولدها، وانصرافها إلى تقديم كلام بليغ حكيم للوافد عليها، فيه النّصح والتّذكير الصّادران عن حنكة وتجربة ...
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 21.
(2) - محمد بن الحسن بن دريد، ص: 56
(3) - ابن دريد الأزدي وتأثيره في الدّرس والنّصّ الأدبي، ص: 116. إنّ الحقيقة غائبة عن حقيقة الدّوافع لإملاء هذه الأحاديث: بسبب كثرة الرّوايات وتضاربها أحيانًا.
(4) - المرجع السّابق، ص: 41.
(5) - كتاب الأمالي، ج2، ص: 278. (1/117)
صفحة 107
2 - ثكلى كريمة. (1) قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر، قال: حدّثنا أبو حاتم عن الأصمعي، قال: نزلتُ على امرأة من بني عامر بن صعصعة، وقد مات ابٌن لها، وهي من القلق على مثل الرَّضْفَةِ، فقامت تعالجُ لي طعامًا، فقلتُ لها: يا هذه، إنّك لفي شُغُلٍ عن هذا، فقالت: والله لا تجوز بيتي إلاّ مَقريًّا، ولكن أنشدني أبياتًا أسلو بهنّ، فإنّي أراكَ لوذعيًا، فأنشدتُها أبيات نُويرة بن الحصين المازني، يرثي ابنه:
إنِّي أُرِي للشّامتين تجلّدي ... وإنِّيَ كالطّاوي الجناحِ على كسْر
يُرَى واقِعًا لَمْ يُدْرَ ما تَحْتَ ريشِه ... وإِنْ ناءَ لَمْ يَسْطِعْ نُهوضًا إلى وَكْر
فلولاَ سرورُ الشّامتين بكبوتِي ... لَما رَقَأَتْ عينايَ من واكفٍ يَجْرِي
عَلَى مَنْ كَفانِي وَالعشيرةَ كلَّها ... نوائِبَ ريبِ الدّهرِ في عَثرة الدَّهر
وَمَنْ كَانَتِ الجاراتُ تأْمَنُ ليلَهُ ... إذا خِفْنَ من باتتْ غوائلُه تسري
بَصيرٌ بِما فِيهِ لَهُنّ حصانةٌ ... غَبِيٌّ عن المحجوبِ بالباب والسِّتْر
يكفُّ أذاهُ بَعْدَ ما بذْلِ عُرْفِه ... وَيَحْلُمُ حِلْمًا، لا يُذمُّ ولا يُزري
ويأخُذُ مِمّن رامَ بالهَصْرِ هَيْضَةً ... إذا ما أرادَ الأخذَ بالهصرِ والقسر
ولا يُنْظِرُ الأيسارَ إن نال يُسْرَهُ ... ولا يَنْثَنِي عَنْ فِعْلِ خَيْرٍ لَدَى العُسْر
ولا يتأرَّى لِلْعَوَاقِبِ إِنْ رَأَى ... لَهُ فُرْصَةً يَشْفِي بِها وَحَرَ الصَّدْر
ولكنّه ركّابُ كلِّ عظيمةٍ ... يضيقُ بِها صدرُ الحَسودِ عَلَى الأمر
ولستُ وإنْ خَبَّرتُ أن قَدْ سَلِيتُه ... بِناسٍ أبَا سوداءَ إلاّ على
__________
(1) - المصدر السّابق، ج1، ص: 261، 262. (1/118)
صفحة 108
ذِكْر
شَمائلَ منه طيّبات يَعُدْنَنِي ... وَأَخْلاق مَحْمُودٍ لَدَى الزَّادِ وَالقِدْر
فتًى شَعْشَع يُروي السّنانَ بِكَفِّه ... وَيَجْمَعُ للمَولَى العطاءَ مَعَ النَّصر
قال: فكأنّي والله زَبَرْتُ الأبيات في صدرها، فما زالت تنشدها وتصلح طعامي حتَّى قَرَتْني ورُحتُ من عندها، "
هذا الحديث يحمل دلالات كثيرة، يقف عليها المتأمّل فيه بقدر ما يتمكّن من قراءة ما ورد فيه قراءة متأنّية، وبقدر ما يسعفه ذكاؤه من الغوص فيه والاستنباط. أمّا نحن فنقول: إنّ الحديث يكشف عن جانب الضّعف في الإنسان، وهو يتعرّض لمصيبة، وبخاصّة المرأة. إنّ هذا الحديث يبرز وجهًا آخر للمرأة، وهو جانب الضّعف، مقابل جانب القوّة الذي برز في الحديث السّابق. فيه أيضًا الجانب النّفسي الذي يبحث عنه المرء المكلوم ليسلو به، ويخفّف عن نفسه، وهو ما طلبته المرأة من اللّوذعي، الذي تفرّست فيه القيام بهذا الدّور، وقد أحسن الأصمعي الحاذق في اختيار الأبيات المناسبة للحالة التي عليها المرأة. في الحديث أيضًا إبراز لإحدى مكارم الأعراب، وهي إكرام الضيف، مهما تكن الحالة التي يكون عليها المرء، فحزن المرأة على فقيدها لم يصرفها عن قرى الضّيف النّازل عليها ... (1)
3 – أعرابية تثني على زوجها. (2) قال أبو علي القالي: " وحدّثنا أبو بكر – رحمه الله – قال: أخبرنا عبد الرّحمن عن عمّه قال: وصفتْ أعرابية زوجها بمكارم الأخلاق عند أمّها فقالت: يا أمَّهْ، من نشرَ ثوبَ الثّناءِ فقد أدّى واجب الجزاء، وفي كتمان الشّكر جُحودٌ لما وجب من الحقّ، ودخول في كفر النّعم، فقالت لها أُمُّها: أيْ بُنَيّة، أَطَبْتِ الثَّناء وقمت بالجزاء، ولم تضعي للذّمّ موضعًا، إنّي وجدتُ مَنْ عَقَلَ لم يعجل بذمٍّ ولا ثناءٍ إلاّ بعد اختبار، فقالت: يا أُمَّهْ، ما مدحتُ حتّى اختبرتُ، ولا وصفتُ حتّى عرفتُ."
يوصي هذا الحديث بأمور مهمّة في حياة النّاس، وفي علاقاتهم فيما بينهم. الأوّل: الوفاء لمن تربطنا به علاقة متينة، كعلاقة الزّواج، الميثاق الغليظ، كما سمّاه عزّ وجلّ
__________
(1) - الرّضفة: الحجارة المحماة. الهيض: الكسر. يتأرَّى: ينتظر ويترقّب. وحر الصّدر: غيظه وفعله. شعشع: طويل. زبرت: كتبت.
(2) - المصدر السّابق، ص: 221. (1/120)
صفحة 109
في كتابه الكريم. الثّاني: النّظر إلى الأخلاق، والمدح والثّناء لا يكون إلاّ عليها أوّلا. الثّالث: الحكم في كلّ الأمور لا يكون إلاّ عن بيّنة، وتقدير سلوك شخص لا يكون إلا عن دراية، وهو يَحصل بعد اختبار دقيق ومعرفة جيّدة ... فهذه دروس تؤخذ من هذا الحديث. وهي لا شكّ من مقاصد ابن دريد في إيراده.
4 - أعرابية تكره المبالغة. (1) قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر قال: حدّثنا عبد الرّحمن عن عمّه قال: سَمعتْ أعرابيةٌ رجلاً ينشد:
وكأسٍ سُلافٍ يَحْلِفُ الدّيكُ أَنَّها ... لَدَى الَمزْجِ مِنْ عَيْنَيْهِِ أَصْفَى وَأَحْسَنُ
فقالت: بلغني أنّ الدّيك من صالح الطّير، وما كان ليحلفَ كاذبًا."
المرأة الأعرابية التي نشأت على الفطرة في البادية، ونَبَتَتْ على الخلق القويم، لم تتقبّل نفسها الكذب في المشاعر، حتّى ولو كانت المبالغة في القول هنا لبيان نهاية الانتشاء، من باب أصدق الشّعر أكذبه، (طبعًا في المبالغة في التّصوير) فكان ردّها بطريقة لطيفة جَميلة، حين ذكّرت القائل أنّ الدّيك حيوان صادق، لا يمكنه أن يحلف كاذبًا، فلماذا تنسب إليه ما ليس من طبعه؟ ولماذا توظّفه لتكذب على النّاس أيّها الرّجل؟ بيّن الحديث جانبًا من شخصية المرأة، المتمثّل في حصافة العقل، وفي جميل النّقد، الذي هو من نتاج العقل.
5 - قريب من هذه الصّورة حديث حدّث به ابن دريد، وهو يريد أن يكشف عن براعة المرأة في الرّدّ، وفي الوقت نفسه يبيّن سلاطة لسانها، حين تهان أو تهمل. هذا ما فهمته من الحديث الآتي، الذي أثبته الدّكتور أحمد درويش في كتابه تحت عنوان: " متخم وزوجته جائعة". وأورده القالي تحت عنوان: " كتاب امرأة إلى زوجها وكان مع الحجّاج يحضر طعامه وهي في سوء حال" (2): قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر رحمه الله قال: حدّثنا أبو عثمان الأشننداني قال: كان رجلٌ من أهل الشّام مع الحجّاج يحضر طعامه، فكتب إلى امرأته يعلمها بذلك، فكتبت إليه:
أَيُهْدَى لِيَ القِرْطاسُ والخُبزُ حاجتي ... وأنت على باب الأمير بطينُ
إذا غِبتَ لَمْ تذكرْ صديقًا، ولَمْ تُقِمْ ... فأنت على ما في يديك ضنينُ
__________
(1) - المصدر السّابق، ج2، ص: 136.
(2) - المصدر نفسه. (1/121)
صفحة 110
فأنت ككَلْبِ السّوءِ جَوَّعَ أهله ... فَيُهْزَلُ أَهْلُ البيتِ وهو سَمينُ "
زيادة على ما في الأبيات من بيان ردّ المرأة الغاضب والمبكت، فيه أيضًا التّذكير بما يجب أن يكون عليه الإنسان السّويّ في علاقته بغيره.
6 - نبقى مع سلاطة اللّسان والمشاتمة والخصام، ونورد حديثًا لابن دريد، أملاه أبو عليّ القالي (1) قال فيه: " وحدّثنا أبو بكرٍ رحمه الله تعالى قال: أخبرنا عبد الرّحمن عن عمّه قال: سَمعتُ امرأةً من العرب تُخاصمُ زوجها، وهي تقول: والله إنّ شُرْبَكَ لَاشْتِفافُ، وإنَّ ضِجْعَتَكَ لاَنْجِعافُ، وإنّ شِمْلتكَ لَالْتِفافُ، وإنّك لتَشْبَعُ ليلةَ تضافُ، وتنامُ ليلَةَ تَخافُ. فقال لها: والله إنّكِ لَكَرْوَاءُ السّاقين، قَعْواءُ الفَخِذينِ، مقَّاءُ الرُّفغَينِ، مُفاضَةُ الكَشْحينِ، ضيفُكِ جائع، وشرُّك شائع." (2)
7– البنات الثّلاث والزّوج المطلوب. حديث ورد في كتاب الأمالي تحت عنوان: "مطلب تفسير ما جاء من الغريب في حديث البنات الثّلاث اللاَّئي وصفن ما يُحببن من الأزواج (3) قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد قال: أخبرني عمّي عن أبيه عن ابن الكلبي قال: قالت عجوز من العرب لثلاث بناتٍ لها: صِفْنَ ما تُحببنَ من الأزواج، فقالت الكبرى: أريدُ أَرْوَعَ بَسَّاما، أحذَّ مجذاما، سيِّد ناديه، وَثِمالَ عافيه، ومُحْسِبَ راجيه، فناؤُه رحبٌ، وقيادُه صعبٌ. وقالت الوسطى: أريده عالي السّناءِ، مُصمِّمَ المَضَاء، عظيم نارِ، مُتَمِّم أيسارِ، يفيدُ ويبيدُ، ويُبْدئُ ويُعيدُ، هو في الأهلِ صبِيّ، وفي الجيشِ كَمِيّ، تستعبدُه الحليلة، وتسوّده الفضيلة. وقالت الصّغرى: أريدُه بازلَ عام، كالمهنّد الصّمصام، قِرانُه حُبورُ، ولقاؤُه سرور، إن ضمّ قضقض، وإن دَسَرَ أغمض، وإنْ أخَلّ أَحْمض. قالت أمُّها: فُضَّ فوكِ، لقدْ فَرَرْتِ لِي شِرَّةَ الشَّباب جَذَعة." (4)
الحديث ينبّه إلى الخلال والشّمائل التي تطلبها المرأة الحرّة في الرّجل الكريم، الذي تقترن به، وتقضي معه مشوار حياتها. هذا توجيه سديد موجّه إلى النّساء والرّجال معًا، فليعتبر أولو الألباب.
__________
(1) - المصدر السّابق، ج1، ص: 104.
(2) - الانجعاف: الانصراع. الكرواء: الدّقيقة السّاقين. القعواء: المتباعدة ما بين الفخذين. المقّاء: الدّقيقة الفخذين، وقيل الطّويلة. المفاضة: المسترخية. المصدر السّابق، ص: 104، 105.
(3) - المصدر السّابق، ص: 16.
(4) - أروع: نجيب، كريم. أحذّ: سريع خفيف. مجذام: قطّاع للأمور. ثِمال: غِيّاث. المصدر السّابق، ص: 16، 17. (1/122)
صفحة 111
8 - الحرّة ترفض الإكراه على الزّواج. (1) قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر، قال: حدّثنا أبو حاتم، عن أبي عبيدة قال: خطب دُريد بن الصِّمّة خنساء بنت عمرو بن الحارث بن الشّريد، فأراد أخوها معاوية أن يزوّجها منه، وكان أخوها صخر غائبًا في غزاة له، فأبَت وقالت: لا حاجة لي به، فأراد معاوية أن يكرهها فقالت:
تُباكِرنِي حَميدةُ كُلّ يومٍ ... بِما يُولي معاويةُ بن عمرو
فإلاّ أُعْطَ من نفسي نَصيبًا ... فقد أوْدَى الزّمانُ إذًا بِصخرٍ
أََتُكرِهُنِي هُبِلْتَ على دُرَيْدٍ ... وَقد أَحْرَمْتَ سيِّد آل بدر
معاذ الله يرْضَعُنِي حَبَرْكَى ... قصيرُ الشَّبرِ، من جُشَمَ بنِ بَكر
يَرَى مَجْدًا ومكرُمةً أتاها ... إذا عشَّى الصّديقَ جريمَ تَمْرِ (2)
المرأة هنا حرّة، لا تقبل إكراهها على ما لا ترضاه ولا تحبّه. بخاصّة إذا كان الأمر يتعلّق برباط يرهن حياتها. فهي لا تتردّد في رفض كلّ أنواع التّسلّط والضّغط. هذا جانب يكشف عنه ابن دريد في عالم النّساء.
9 - " ما وقع بين أبي الأسود الدّؤلي وامرأته من المخاصمة " (3) قال أبو عليّ القالي: "وحدّثنا أبو بكر رحمه الله قال: حدّثنا أبو حاتم عن أبي عبيدة قال: جرى بين أبي الأسود الدّؤلي وبين امرأته كلامٌ في ابن كان لها منه، وأراد أخذه منها، فسار إلى زيادٍ، وهو والي البصرة، فقالت المرأة: أصلح الله الأمير، هذا ابني، كان بطني وِعاءَه، وَحجْري فِناءَه، وَثَديِي سِقاءَه، أَكْلَؤُهُ إذا نام، وأحْفظُهُ إذا قام، فلم أزل بذلك سبعة أعوام، حتَّى إذا استوفى فِصالُه، وكَمَلَتْ خِصالُه، واستْوكَعَتْ أوْصالُه، وأَمَّلْتُ نفعَه، ورجوتُ دفعَه، أرادَ أن يأْخُذَه منِّي كَرْها، فآدِنِي أيُّها الأميرُ، فقد رامَ قَهْرِي، وأرادَ قَسْرِي. فقال أبو الأسود: أصلحك الله، هذا ابني، حَملتُه قبلَ أن تَحْملَه، وَوَضَعْتُه قبلَ أن تَضَعَه، وأنا أقومُ عليه في أدبه، وَأَنْظُرُ في أَوَدِه، وأَمْنَحُه علمِي، وألْهِمُه حِلْمِي، حتّى يكمُلَ عقلُه، ويسْتَحْكِمَ فَتْلُه. فقالت المرأةُ: صدق أصلحك الله، حَملَه خِفًّا، وحَملتُه ثِقْلاً، وَوَضَعه
__________
(1) - المصدر السّابق، ج2، ص: 161.
(2) - الحَبَرْكَى: القصير الرّجلين الطّويل الظّهر. الشّبر: الخير والعطاء. المصدر السّابق، ص: 161، 182.
(3) - المصدر السّابق، ص: 12. (1/123)
صفحة 112
شَهْوَةً، وَوَضَعْتُه كُرْهًا. فقال له زياد: اُرْدُدْ على المرأةِ ولدَها، فهي أحقُّ به منك، ودَعْنِي من سَجْعك." (1)
الحديث طريف في أسلوبه، وفي حواره ومناظرته، فيه سجّل ابن دريد براعة كلّ خصم في إيراد الحجج والأدلّة والبراهين، التي تعينه على كسب قضيّته، وإفحام مُناظره. كما سجّل فيه العمل العظيم الذي يقوم به الوالدان، وبسببه تنالهما مشقّة كبيرة. وفي الحديث انتصر الوالي الحَكَمُ للمرأة، وفي هذا إقرار ضمي بتحمّل المرأة العنت الكبير الذي تلاقيه في سبيل تربية الأولاد، لذا كان حقّها (أمًّا ووالدة) في البّرّ والإحسان مقدّمًا على حقّ الرّجل (أبًا ووالدًا)، كما أقرّه الشّرع الحنيف. ألا تكون هذه المناظرة فرصة لتبيان هذا الجانب، وتوضيح هذا الحقّ. مهما يكن التّأويل والفهم والإدراك لما جرى، وما حُدّثَ بِه، فهو وجه من وجوه عالم المرأة، الذي أرادَ ابن دريد الكشف عنه.
10 - عاشقة ابن عمّها. (2) قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر بن دريد رحمه الله، قال: أخبرنا عبد الرّحمن عن عمّه قال: كانت خُليبةُ الخُضْرية تَهوى ابن عمٍّ لها، فعلم بذلك قومها فحجبوها، فقالت:
هَجرتُكَ لمَّا أن هَجَرْتُكَ أَصْبَحتْ ... بِنا شُمَّتًا تلك العيونُ الكواشحُ
فلاَ يفْرحِ الواشون بالهَجْرِ رُبَّما ... أطال المُحِبُّ الهَجرَ والجَيْبُ ناضِحُ
وتغدو النّوَى بين المُحِبّين والهوَى ... مَع القلبِ، مَطويٌّ عليهِ الجَوانِحُ
تناول الحديث نقطتين مهمّتين:
الأولى: كشف عن عالم العاشقين والمحبّين، الذين لا يؤثّر على قلوبهم ما يفعل بهم، من الإبعاد والتّفريق، وحرمانهم من التّلاقي. فإذا كان النّوى يبعد المحبّين. فإنّ القلب يبقى محتفظًا بالهوى بداخله، مطويًّا عليه الجوانح.
الثّانية: سجّل محافظة المجتمع العربي على الأصول والتّقاليد، التي لا تقبل المساس به وبحرمته، فالعلاقة التي تكون عن هوى وعشق مرفوضة من الأسرة الأصيلة.
في بيان النّقطتين أو تناولهما كشف عن جانب مهمّ في عالم النّساء، يضاف إلى ما سبق ذكره والإشارة إليه، والتّمثيل له في أحاديث ابن دريد.
ثالثًا: عالم الحكمة في أحاديث ابن دريد
إنّ شخصية ابن دريد القويّة، وخبرته بالحياة، وتقلّبه بين أحوال مختلفة فيها، ومعاشرته لأصناف متعدّدة من النّاس، ومُمارسته لمهنة التّعليم، بل وتحمّله مسؤولية إعداد النّشء وتوجيهه ... كلّ ذلك أثمر عنده حكمًا بالغة الأهمية، تعالج كثيرًا من شؤون الحياة بشمولية وعمق ودراية. هذا ما نجده في شعره منتشرًا أكثر.
في أحاديثه التي نعالجها بالدّراسة، نلمس هذا الاعتناء؛ برصد مجموعة من الحكم، حدّث بها تلاميذه، وبخاصة تلميذه الوفيّ أبا عليّ القالي، الذي أملاها بدوره على مرتادي مجالسه في مسجد قرطبة. حتّى ولو لم تكن هذه الحكم من بنات عقل ابن دريد، إذ لم يكن هو إلاّ ناقلاً، لكن كما يقال: إنّ اختيار المرء جزء من عقله. إنّه انتقاها وانتقرها ليعلّم بها النّشء الطّالع، والجيل الصّاعد. وهي عند التّأمّل لا تخرج عن طبيعة شخصيته المعروفة عند من تأمّل فيها ودرسها. نستطيع أن نجد لها نظائر في شعره الذي تميّز بالحكمة. نسرد في الآتي بعض الحكم الواردة في أحاديثه تمثيلاً لا استقصاء، ثمّ نسجّل بعض الملاحظات على ما حدّث به.
1ـ من وصايا عمر بن الخطّاب. (3) قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر رحمه الله قال: حدّثنا أبو حاتم عن العتبي قال: حدّثنا رجلٌ من أهل الكوفة قال: كتب عمر رضي الله عنه إلى ابنه عبد الله، في غيبة غابَها: أمّا بعد، فإنّه مَنِ اتَّقى الله وقاه، ومن توكّل عليه كفاه، ومن شكره زاده، ومن أقرضه جزاه، فاجعل التّقوى جِلاءَ بصرك، وعِماد ظهرك، فإنّه لا عملَ لمن لا نيّة له، ولا أجر لمن لا حسنة له، ولا جديد لمن لا خَلَقَ له."
إذا كان عمر بن الخطّاب قد ركّز على التّقوى، وهي الأساس في البناء والتّدبير والمسير، وضمان حسن المصير، وهي وصية الله عزّ وجلّ للأوّلين والآخرين. فإنّ عليّ بن أبي طالب في الوصيّة الموالية، بيّن حقيقة الدّنيا، التي قد تقف أمام التّقوى، إذا لم يحسن المرء التّصرّف معها، وتصريفها في الخير.
2 ـ وصف عليّ للدّنيا. (4) قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر رحمه الله، قال: حدّثنا أبو حاتم عن أبي عبيدة، قال: سأل رجل عليّ بن أبي طال رضوان الله
__________
(1) - اسْتَوْكَعَتْ: اشتَدَّتْ. آدِنِي: قَوِّنِي وأعِنِّي وانْصُرنِي عليه.
(2) - المصدر السّابق، ص: 83.
(3) - المصدر السّابق، ص: 55.
(4) - المصدر السّابق، ص: 120. (1/124)
صفحة 113
عليه، قال: صِف لِيَ الدُّنيا، فقالَ: وما أصفُ لكَ من دارٍ، أَوّلُها عناء، وآخرها فناء، منْ صَحَّ فيها أَمِن، ومنْ سَقِمَ فيها ندِم، ومن افتقر فيها حزن، ومن استغنَى فُتِن، حَلالُها حِساب، وحرامها عذاب."
هذه حقيقة الدّنيا، فلا يطمأنُّ إليها ولا يركن. لذا وجب على المرء أن يعرف كيف يدّبر أمره فيها؛ حتّى لا تغرّه بما تزيّنه له من أفعالها، وبما تحيطه به من هالة العظمة والجاه، فيغترّ ويتكبّر، وينسى غيره ويتجبّر. في هذا السّياق يوجّه أبو جعفر الباقر وصيّة للخليفة عمر بن عبد العزيز، بعد أن طلبها منه، وهو الحريص أن لا تفتنه الدّنيا، وتغرّه وتغرّر به، بعد أن أصبح في جاه بعد الارتقاء إلى سدّة الحكم، وتبوُّئِه منصبًا أعلى في الدّولة.
3 ـ وصية الباقر لعمر بن عبد العزيز. (1) قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر بن دريد، قال: حدّثنا أحمد بن عيسى أبو بشر العُكْلِيّ، قال: حدّثني أو حُدّثتُ عن أسد بن سعيد (الشّكّ من أبي بكر) قال: حدّثني أبي عن جدّي عن عُفَيْر، قال: دخل أبو جعفر محمد بن عليّ بن الحسين على عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، فقال: يا أبا جعفر، أَوْصِنِي، قال: أُوصيكَ أنْ تَتَّخِذَ صغير المسلمين ولدًا، وأوسطهم أخًا، وكبيرَهم أبًا. فارْحمْ ولدَك، وصِلْ أخاك، وبِرَّ أباك. وإذا صنعت معروفًا فَرَبِّه."
الملوك والأمراء والرّؤساء المتواضعون، الذين يحبّون الخير لأنفسهم، ويرغبون أن يفيدوا من العلماء دائمًا، يبحثون عن الحكمة في كلّ مكان، وعند كلّ أحد، بخاصّة من معدنها، وهو عقول الحكماء. كما صنع أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز، فيما ذكرناه في النّصّ السّابق. وما نثبته في الحديث الآتي مع قيصر الرّوم.
4 ـ حديث قسّ بن ساعدة مع قيصر. (2) قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر، قال: حدّثنا السّكنُ بن سعيد عن العبّاس بن هشام عن أبيه، قال: كان قسّ بن ساعدة يفِدُ على قيصر ويزوره، فقال له قيصر يومًا: ما أفضلُ العقل؟ قال: معرفة المرء بنفسه، قال: فما أفضل العلم؟ قال: وقوف المرء عند علمه، قال: فما أفضل المروءة؟ قال: استبقاء الرّجل ماءَ وجهِه، قال: فما أفضل المال؟ قال: ما قُضِيَ به الحقوق."
قدّم حكيم العرب قسّ بن ساعدة تعريفات دقيقة لما سئل عنه، فمن وقف عليها عرف كيف ينضبط في حياته. هذا شأن الحكماء المجرّبين، العارفين لدقائق الأشياء، الذين يزنون
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 308.
(2) - المصدر السّابق، ص: 37. (1/125)
صفحة 114
الأمور بميزان العقل، ومحكّ التّجربة. من هؤلاء لقمان الحكيم الذي نلتقي معه في الحديث الآتي:
5 ـ من حكم لقمان: (1) قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر، قال: حدّثنا أبو حاتم عن العتبي، قال: بلغني أنّ لقمان الحكيم كان يقول: ثلاثة لا يُعرفون إلاّ في ثلاثة مواطن: الحليم عند الغضب، والشّجاع عند الحرب، وأخوك عند حاجتك إليه."
6 ـ ومن حكم الأحنف بن قيس. (2) قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر، قال: حدّثنا أبو حاتم عن أبي زيد، قال: حدّثنا هشام بن حسان الفردوسي عن الحسن، قال: قال الأحنف ابن قيس: الكذوب لا حيلة له. والحسود لا راحة له. والبخيل لا مروءة له. والمَلول لا وفاء له. ولا يسود سيّئُ الأخلاق، ومن المروءة إذا كان الرّجل بَخيلاً أن يَكْتُمً ذلك وَيتَجَمَّل."
يسند حكيم آخر ما قرّره الأحنف بن قيس، ويضيف تقريرات أخرى، تفتح قلوب النّاس على عواقب الأخلاق السّيّئة، وتنبّه العقول إلى حسنِ النّظر في هذه التّقريرات، وفقهِ ما تُوصِلُ إليه.
7 ـ من وصايا حكيم. (3) قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر بن دريد رحمه الله، قال: أخبرنا عبد الرّحمن عن عمّه، قال: سَمِعتُ رجلا يقول: الحسد ماحقُ الحسنات، والزّهوُ جالبٌ لِمقتِ الله ومقتِ الصّالحين، والعُجبُ صارفٌ عن الازدياد من العلم، داعٍ إلى التّخمُّطِ والجهلِ، والبخل أذمُّ الأخلاق، وأجلبها لسوء الأُحدوثة.
8 - قال: وأخبرنا عبد الرّحمن عن عمّه، قال: سَمِعتُ رجلاً يوصي آخر، وأرادَ سفرًا، فقال: آثِرْ بِعملِكَ معادك، ولا تدعْ لشهوتك رشادك، وليكنْ عقلُكَ وزيرَك الذي يدعوك إلى الهدى، ويعصمُك من الرّدى، أَلْجِمْ هواك عن الفواحش، وأطلقهُ في المكارم، فإنّك تَبَرُّ بذلك سَلَفَك، وتشيدَ شرفك."
لم يغفل ابن دريد وهو يحدّث عن الحكم، ويوجّه الأجيال الصّاعدة، ويعلّم بها خلق الله، أن يفيد من حكماء غير عرب، فراح يسرد مجموعة من الحكم من الفارسية واليونانية والهندية ... نذكر بعضها فيما يأتي:
9 ـ من حكم فارس. (4) قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر رحمه الله، قال: حدّثنا أبو حاتم عن أبي عبيدة، قال: وجد في حكمة فارس: إنِّي وجدتُ الكرماء والعقلاءَ
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 179.
(2) - المصدر السّابق، ج1، ص: 231، 232.
(3) - المصدر السّابق، ص: 197.
(4) - المصدر السّابق، ص: 240. (1/127)
صفحة 115
يبتغون إلى كلّ صِلةٍ معروفٍ سببًا، ورأيتُ المودّة بين الصّالحين سريعًا اتّصالُها، بطيئًا انقطاعها، ككوب الذّهب سريع الإعادة، إن أصابه ثَلْمٌ أو كسرٌ. ورأيتُ المودّة بين الأشرار بطيئًا اتّصالُها، سريعًا انقطاعها، ككوب الفخّار، إن أصابه ثَلْمٌ أو كسرٌ، فلا إعادة له. ورأيتُ الكريمَ يَحْفظُ الكريمَ على اللِّقاءة الواحدة ومعرفة اليوم. ورأيتُ اللّئيمَ لا يحفظُ إلاّ رغبةً أو رهبَةً. "
10ـ وصفة هندية. (1) قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر، قال: حدّثنا أبو حاتم، قال: قال بعض علماء الهند: صُحبة السّلطان على ما فيها من العزّ والثّروة عظيمة الخِطار، وإنّما تُشبَّه بالجبل الوعر، فيه السّباع العادية، والثّمار الطّيّبة، فالارتقاء إليه شديد، والمُقامُ فيه أشدّ، وليس يتكافأُ خيرُ السّلطان وشرُّه؛ لأنّ خير السّلطان لا يعدو مزيدَ الحال، وشرّ السّلطان يُزيلُ الحال، ويُتلِفُ النَّفسَ التي لها طُلِبَ المزيد، ولا خير في الشّيء الذي سلامته مالٌ وجاه، وفي نكبته الجائحةُ والتّلف."
11 ـ حكيم من العجم. (2) قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر، قال: أخبرنا أبو الحسن بن خضر عن حمّاد بن إسحاق الموصلي، قال: سَمِعتُ أبِي يقول: قال رجل من العجم لملك كان في دهره: أوصيك بأربع خلالٍ، تُرضِي بهنّ ربّك، وتُصلحُ بهنّ رعيّتك. لا يغرنّك ارتقاء السّهل، إذا كان المنحدرُ وَعْرًا، ولا تَعدنَّ عِدةً ليس في يدكَ وفاؤُها، واعلم أنّ لله نَقِماتٍ فكن على حذرٍ، واعلم أنّ للأعمال جزاءً فاتّقِ العواقب."
هذه الوصايا، التي جاءت على صورة حكم، قالها حكماء غير عرب, لا تختلف في مضمونها وفي عمقها ومغازيها عمّا حدّث به أبو بكر بن دريد من حكم العرب. ممّا يدلّ على أنّ الفطرة الإنسانية تدعو وتهدي إلى ما هو أقوم وأسدّ وأنفع وأصلح للبشر، فما على المرء إلاّ أن يستجيب لهذه الفطرة. كما أنّ ما قام به ابن دريد، من رواية دررٍ، ممّا قرأه أو سمعه عن الأمم غير العربية يدلُّ على تفتّحه على الثّقافات الأخرى. وهو أحد عوامل تكوّنه وتثقّفه. كما لاحظ وسجّل ذلك الدّارسون والباحثون.
في ختام الحديث عن عالم الحكمة في أحاديث ابن دريد نقول:
1 - إنّ الحكم التي انتقاها ابن دريد، وحدّث بها ورواها، تعكس شخصيته المنطوية على القوّة وحبّ الخير، وتقديم يد المساعدة للنّشء بخاصّة؛ كي يبني شخصيته على أسس صحيحة متينة. كما تهدف إلى توجيه المجتمع إلى طرق الإصلاح والتّطهير وإزالة ما يعوق سيره وبناءَه على قواعد سليمة.
__________
(1) - المصدر السّابق، ج2، ص: 121.
(2) - المصدر السّابق، ج1، ص: 254 (1/128)
صفحة 116
2 – تنويعه في إيراد هذه الحكم؛ إذ شملت فئات مختلفة، وبيئات متعدّدة، ومستويات كثيرة، وثقافات مختلفة ... في هذا دلالات كثيرة، يقف عليها كلّ لبيب متأمّل فاحص ناقد.
3 – أحاديثه في هذا لم تتعدَّ نهاية العصر الأموي، ربّما يرجع ذلك إلى كونه غير مطمئنّ إلى أحوال ما بعد هذه الفترة؛ بسبب المتغيّرات الكثيرة التي حدثت في المجتمعات العربية والإسلامية، التي جعلته لا يثق فيما وجد فيها، وهو يريد أن يوجّه ويعلّم ويكوّن الأجيال، ويصلح المجتمع وفق المقوّمات الصّحيحة، البعيدة عن تأثير تلك المتغيّرات ..
رابعًا: أحاديث عن عالم التّاريخ
اهتمّ ابن دريد بالتّاريخ، فحدّث عن أبطاله، وروى وقائعه وواقعاته، وسجّل موقف صانعيه، وحكى عن مشاهده, ونقل أقوال بانيه ... معتمدًا على روايات أساتذته ومشايخه. الهدف - دائمًا – هو التّعليم والتّوجيه ...
رسالته التّعليمية دفعت به إلى استعمال كلّ وسيلة ممكنة لتحقيق غايته، والاستعانة بكلّ مصدر يأنس إليه، يخدم هدفه ومنهجه. فكان عالم التّاريخ من بين هذه العوالم الذي دخل إليه بعمق لأجل هذه الغاية.
في هذا المجال ركّز كثيرًا على الشّخصيات الفاعلة في التّاريخ، وسرد بعض مواقفها، وروى بعض المشاهد التي تبرز عناصر القوّة في هذه الشّخصيات، التي تتماشى مع رسالته هو. حدّث كثيرًا عن شخصيّات أموية: خلفاء وولاّة وحكماء وعلماء ... هذا المسلك في حاجة إلى وقفات للتّأمّل والتّفسير والتّأويل ... نذكر بعض هذه الأحاديث على سبيل التّمثيل.
1 ـ " مطلب ما دار بين معاوية بن أبي سفيان وعرابة بن أوس من الحديث ". (1) قال أبو عليّ القالي:" وحدّثنا أبو بكر رحمه الله، قال: أخبرنا الرّياشي عن العتبي عن رجل من الأنصار عن أهل المدينة، قال: معاوية لعَرَابة بن أوس بن حارثة الأنصاري: بأيّ شيءٍ سُدتَ قومَك يا عَرابة؟ قال: أُخبرك يا معاوية أنّي كنت لهم كما كان حاتم لقومه، قال: وكيف كان؟ فأًنشدتُه:
وأصبَحْتُ في أمرِ العشيرةِ كلِّها ... كذِي الحِلمِ يُرْضَى ما يقولُ ويُعرَفُ
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 274. (1/129)
صفحة 117
وذاك لأنٍّي لا أُعادي سراتَهُمْ ... ولا عن أخي ضرّائِهِمْ أتنَكَّفُ
وإنِّي لأُعطِي سائلي، ولَرُبَّما ... أُكَلَّف ما لا أَستطيعُ فَأَكْلَفُ
وإنِّي لَمَذمومٌ إذا قيلَ حاتمٌ ... نَبَا نَبْوَةً، إنَّ الكريمَ يُعنَّفُ
ووالله إنِّي لأعفو عن سفيهِهِمْ، وأَحلُمُ عن جاهلِهم، وأسْعى في حوائجهم، وأُعطي سائلهم. فمن فعلَ فعلي فهو مثلي، ومن فعل أحسن من فعلي فهو أفضل منّي، ومن قصَّر عن فعلي فأنا خير منه؛ فقال معاوية: لقد صدق الشّمّاخ حيث يقول فيك:
رَأيتُ عَرابةَ الأوسيَّ يسمو ... إلى الخيرات منقطع القرين
إذا ما رايَةٌ رُفعتْ لِمَجْدٍ ... تلقّاها عَرابَةُ باليمين "
2 ـ معاوية يسأل عن الأحنف بن قيس. (1) قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر رحمه الله، قال: حدّثنا أبو حاتم عن أبي عبيدة، قال: قال معاوية رحمه الله لِعقالٍ: بِمَ سادكم الأحنفُ وهو خارجي؟ فقال: إن شئتَ حدّثتُك عنه بِخصلة، وإنْ شئتَ باثْنتين، وإن شئتَ بثلاثٍ، وإنْ شئتَ حدّثتُك إلى اللّيلِ. قال: حدِّثْني عنه بثلاثِ خصالٍ، قال: لَمْ أَرَ أحدًا مِن خلقِ الله كان أغلبَ لنفسهِ من الأحنف، فقال: نِعمَ والله الخصلةُ. قال: ولَم أَرَ أحدًا من خلقِ الله كانَ أكرمَ لِجليسٍ من الأحنفِ، قال: نِعمَ والله الخصلةُ. قال: ولَمْ أَرَ أحدًا من خلق الله أحْظَى من الأحنف، قال: كان يفعل الرّجلُ الشّيءَ فتصيرَ حظوتُه للأحنف."
3 ـ " خطبة عبد الملك بن مروان حين قتل مصعب بن الزّبير ". (2) قال أبو عليّ القالي: "وحدّثنا أبو بكر قال: أخبرنا السَّكنُ بن سعيد عن محمد بن عبّاد عن ابن الكلبي عن أبيه، قال: لَمَّا قَتَلَ عبد الملك مُصعب بن الزّبير، دخل الكوفة، فَصعد المنبر، فَحمدَ وأثنى عليه وصلَّى على النّبيّ محمد - صلى الله عليه وسلم -، ثمّ قال: أيُّها النّاس، إنّ الحربَ صعبةٌ مُرّة، وإنّ السِّلمَ أمْنٌ ومسرّة، وقد زَبنَتْنا الحربُ وزبنَّاها، فَعَرَفْناها وأَلِفناها، فنحن بنوها وهي أمُّنا. أيُّها النَّاسُ، فاستقيموا على سبل الهُدَى، ودعُوا الأهواءَ المردية، وتجنَّبوا فراقَ جماعات المسلمين، ولا تكلِّفُونا أعمال المهاجرين الأوّلين، وأنتم لا تعملون أعمالهم، ولا أظُنُّكم تزدادون بعد الموعظة إلاّ شرًّا، ولن نزداد بعد الإعذار إليكم والحُجّة عليكم إلاّ عقوبةً؛ فمن شاء منكم أن يعودَ بَعدُ لِمثلِها فَلْيَعُدْ، فإنَّما مَثَلِي ومَثَلَكُمْ كما قال قيسُ بن رِفاعة:
مَنْ يَصْلَ نارِي بِلاَ ذَنْبٍ ولا تِرَةٍ ... يَصْلَ بِنارِ كريمٍ غيرِ غَدّار
أنا النَّذيرُ لكم، منّي مُجاهرةً ... كَيْ لا أُلامَ على نَهْيٍ وإنذار
فإَِنْ عصيتُم مقالي اليوم فاعْتَرِفُوا ... أن سوف تَلْقَوْنَ خِزْيًا ظَاهِر العار
لَتَرْجِعُنّ أحاديثًا مُلعّنَةً ... لَهْوَ المُقيمِ، وَلَهْوَ المُدْلِجِ السّاري
من كان في نفسهِ حَوْجاءُ يَطلبُها ... عندي، فإنّي له رهْنٌ بإصحار
أُقيمُ عوجَتَهُ إن كان ذا عِوجٍ ... كَما يقوِّمُ قِدْحَ النّبعةِ الباري
وصاحبُ الوِتْرِ ليسَ الدّهرَ مُدْرِكَهُ ... عندي وإنّي لَدرَّاكٌ بأوتارِ "
4 ـ " سؤال الوليد بن عبد الملك أباه " (3)
قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر رحمه الله، قال: حدّثنا أبو حاتم عن أبي زيد، قال: سأل الوليد بن عبد الملك أباه عن السّياسة، فقال: هيبة الخاصّة مع صدق مودّتها، واقتياد قلوب العامّة بالإنصاف لَها، واحتمال هفوات الصّنائع، فإنّ شكرها أقرب الأيادي إليها."
5 ـ " الرّعية وعمر بن عبد العزيز " (4) قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر رحمه الله، قال: حدّثنا أبو حاتم عن الأصمعي، قال: بلغني أنّ وَافِدًا وَفَدَ على عمر بن عبد العزيز رحمه الله، فقال له: كيف تركت النّاسَ؟ قال: تركت غنيّهم موفورًا، وفقيرهم محبورًا، وظالمهم مقهورًا، ومظلومَهم منصورًا. فقال: الحمد لله، لَو لَم تَتِمَّ واحدةٌ من هذه الخصال إلاّ بعضوٍ من أعضائي لكانَ يسيرًا."
6 ـ " وصايا مهمّة " (5) قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر رحمه الله، قال: حدّثنا أبو عثمان عن التّوزي عن أبي عبيدة، قال: بلغني أنّ محمد بن كعب القرطبي، قال لعمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: لا تَتّخذنَّ وزيرًا إلاّ عالِمًا، ولا أمينًا إلاّ بالجميل
__________
(1) - المصدر السّابق، ج2، ص: 227، 228.
(2) - المصدر السّابق، ج1، ص: 11، 12.
(3) - المصدر السّابق، ج2، ص: 80.
(4) - المصدر السّابق، ص: 37.
(5) - المصدر السّابق، ص: 29. (1/130)
صفحة 118
معروفًا، وبالمعروف موصوفًا، فإنّهم شركاؤك في أمانتك، وأعوانك في أمورك، فإن صَلَحوا أَصْلَحُوا، وإن فَسَدُوا أفْسَدُوا."
7 - وبهذا الإسناد قال: قال عبد الملك بن مروان رحمه الله: يا بني أُميّةَ، ابذُلُوا نداكمْ، وكُفّوا أذاكُمْ، واعفُوا إذا قَدَرْتُمْ، ولا تَبْخَلُوا إذا سُئِلتُمْ، فإنّ خير المال ما أفادَ حَمْدًا، أو نَفَى ذمًّا، ولا يقولنَّ أحدُكُمْ: اِبْدَأْ بِمن تعول، فإنّما النّاسُ عِيالُ الله، قد تَكفّلَ الله بأرزاقهم، فمن وسّع أخلفَ الله عليه، ومن ضيّق ضيّق الله عليه."
8 ـ " وصايا زياد بن أبيه لمن يولّيه عملاً " (1) قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر، قال: حدّثنا أبو حاتم عن أبي عبيدة عن يونس، قال: كان زياد إذا ولَّى رجلاً عَملاً، قال له: خُذْ عهدك، وسِرْ إلى عَملك، واعلمْ أنّك مصروفٌ رأسَ سنتِك، وأنّك تصير إلى أربع خلال، فاختر لنفسك: إنّا إن وجدناك أمينًا ضعيفًا استبدلنا بك لِضَعفِكَ، وَسَلَّمَتْكَ من معرّتِنا أمانَتُك. وإن وجدناك قويًّا خائنًا، اسْتَهَنَّا بقوّتِك، وأحْسنَّا على خِيانتِك أدبَك، وأوْجعْنَا ظهرك، وثَقَّلنا غُرْمَك. وإن جَمعْتَ علينا الجُرمين جمَعْنَا عليك المضَرّتين. وإن وجدناك أمينًا قويًّا زِدْنا في عملك، ورفعنا ذكرك، وكثّرنا مالك، وأوطَأْنا عَقِبَك."
هذه نماذج من الأحاديث التي حدّث بها ابن دريد، تضمّنت مواقف تاريخية، ووصايا صدرت من بعض الأعلام والرّجال والحكّام، الذين شاركوا في صنع التّاريخ بأقدار متفاوتة. اجتهد الدّكتور أحمد درويش في جَمعها ووضعها في مجموعة واحدة، تحت عنوان: " أحاديث من التّاريخ " (2) وقد وردت في كتاب الأمالي موزّعة بين المجالس التي أملاها فيها أبو عليّ القالي على من كان يحضرها. كما توجد أحاديث أخرى في الكتاب، وفي مصادر أخرى نقلت شذرات تاريخية، من الجاهلية إلى العهد الأموي، وضعها أحمد درويش في مجموعات أخرى، تحمل الرّوح نفسها، والرّسالة ذاتها، كما نفهم من إملاء ابن دريد لها.
د - الخصائص العامّة لأحاديث ابن دريد (3)
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 80، 81 ..
(2) - ابن دريد الأزدي وتأثيره في الدّرس والنّصّ الأدبي، ص: 219 – 237.
(3) - يمكن الرّجوع إلى دراسة الدّكتور فايز القيسي، " جماليات خطاب النّسوة في أحاديث ابن دريد: حديث زبراء الكاهنة من بني رئام أنموذجًا "، كتاب ابن دريد الأزدي أعلم الشّعراء وأشعر العلماء، المجلّد الثّالث، ص: 1563 – 1588. فيها مجموعة من الخصائص التي تميّزت بها أحاديث ابن دريد. (1/131)
صفحة 119
أقرّ منذ البداية بصعوبة تحديد الخصائص العامّة لأحاديث ابن دريد، التي تنسب إليه شخصيًا؛ بسبب عدم معرفة حقيقة ما هو منسوب إليه: إنشاء وصياغة، وتمييزه عمّا هو مرويّ عنه حرفيًا ممّا حدّث به تلاميذه، وليس له فيها إلاّ فضل الإملاء، وعلى من ألقى إليهم أحاديثه؛ لذا عدلت عن الحديث عن الخصائص الفنّية إلى ذكر الخصائص العامّة. ومن الإشارة إلى ابن دريد – هنا – إلى ذكر الأحاديث مباشرة. أهمّ الخصائص التي سجّلناها في هذه الدّراسة هي:
1 – ورود الأحاديث مسجوعة في أغلبها.
إنّ السّجع هو السّمة البارزة في هذه الأحاديث، بل إنّ بعضها ورد مسجوعًا في كلّ جمله. وهي خاصية يراها ابن دريد ومن عاصره ضرورية لفنّية النّصّ، ولتقدير مهارة الكاتب أو الأديب على الكتابة والتّحرير. لذا نلتقي مع بعض النّصوص التي توجّه إلى فئة خاصّة، نحسّ أنّها عالية المستوى في الأدبية، يحتاج من يقرؤُها إلى حاسة ذوقية فنّية عالية للأدب.
أ - قال أبو عليّ: " وحدّثنا أبو بكر بن دريد رحمه الله تعالى، قال: أخبرنا عبد الرّحمن عن عمّه، قال: وصف أعرابي نساء، قال: يلْتَثِمْنَ على السّبائك، ويتّشِحْنَ على النّيازِك، ويأْتَزِرْنَ على العوانِك، ويرْتَفِقْنَ على الأرائك، ويتهاديْنَ على الدّرانِك. ابتِسامُهُنّ وميض، عن وليعٍ كالإغريض، وهُنَّ إلى الصِّبا صور، وإلى الخنا نور. " (1)
إلى جانب السّجع، نلحظ الجمل المتساوية في فقراتها، والفواصل التي جاءت على صيغة واحدة (المفاعل) (السّبائك، النّيازك، العوانك، الأرائك، الدّرانك) و (فُعْل) (صور، نور) كلّ ذلك أحدث إيقاعًا رتيبًا، أوجد موسيقى جميلة، تطرب الأذن، وتحرّك النّفس، وربّما تثير المشاعر، وتحرّك العواطف ...
ب - قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد، قال: أخبرني عمّي عن أبيه عن ابن الكلبي، قال: مَرَّ مَنْسِرٌ من العرب على غلام يرعى غُنيمةً له، وبينه وبين أهله شِعْبٌ أو نَقْبٌ، فترك غنمه، وأسند في الجبل، فأتى قومه،
__________
(1) - كناب الأمالي، ج1، ص: 42. السّبائك: الأسنان الشّديدة البياض. النّيازك: الرّماح القصيرة. العوانك: واحدها عانك: رمل منعقد يشقى به البعير، لا يقدر على السّير. الدّرانك: الطّنافس. الإغريض والوليع: الطّلع. صور: موائل. نور: نُفْرٌ من الرّيبة. ينظر ص: 42، 43. المصدر نفسه. (1/133)
صفحة 120
فأنذرهم، فقالوا له: ما رأيت؟ قال: سبعة كالرّماح، على سبعة كالقداح، غائرة العيون، لواحِقِ البطونِ، مُلس المُتون، جريُها انبتار، وتقريبُها انكدار، وإرخاؤها استعار. وعهدي بهم قد لاذوا بالضِّلَع، وكأنّكم بغبارهم قد سطع. فلم يفرُغ من كلامه حتَّى رأوا الغَبَرَةَ فاستَعَدُّوا، وصادفوا القوم حاذرين فأدبروا عنهم." (1)
جاء السّجع هنا متنوّعًا، بتغيير حرف الفاصلة، بعد كلّ جملتين. هذا التّنويع في الأشكال والألوان أحدث موسيقى، انبعثت من نبرات مختلفة، وهو ما تطرب له النّفس ... هذا لون آخر من ألوان الصّياغة المبنية على الشّكل والنّغمة المنبثقة من داخل التّراكيب.
ج - قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر رحمه الله، قال: أخبرني عمّي عن أبيه عن ابن الكلبي، قال: خرج رجل من العرب في الشّهر الحرام طالبًا حاجة، فدخل في الحِلِّ، فطلب رجلاً يستجير به، فَدفَعَ إلى أُغَيْلِمَةٍ يلعبون، فقال لهم: من سيّد هذا الحِواء؟ فقال غلام منهم: أَبِيَهْ، قال: ومن أبوك؟ قال: باعِثُ بنُ عُويْص العاملي، قال: صِفْ لي بيتَ أبيك من الحِواء، قال: بيت كأنّه حرّة سوداء، أو غمامة حمّاء، بفنائه ثلاثة أفراس، أمّا أحدُها: فمُفرِع الأكتاف، مُتماحِلُ الأكْناف، ماثلٌ كالطِّراف. وأمّا الآخرُ: فذيّالٌ جوّالٌ صهّال، أمينُ الأوصال، أشَمُّ القذال. وأمَّا الثّالث: فَمُغار مُدْمَج، مَحْبوكٌ مُحَمْلَج، كالقَهْقَر الأَدْعَج. فمضى الرّجل حتّى انتهى إلى الخِباء، فَعَقَدَ زمام ناقته ببعض أطنابه، وقال: يا باعث، جارٌ عَلِقَتْ علائقُه، واستحكمت وثائِقُه، فَخَرَجَ إليه باعث فأجاره." (2)
هذا مثال آخر تنوّعت وتعدّدت فيه أشكال الأسجاع، بين جمل فقراتها متساوية، وأخرى اعتمدت على تكرار الصّيغ في كلمات متساوقة، مع تنوّع في نهايات الفواصل ... مجموع كلّ ذلك أوجد موسيقى، مبعثها في الدّرجة الأولى السّجع غير المتكلّف.
إنّ هذا الأسلوب يبيّن تحكّم العرب الفصحاء في اللّغة، ويظهر قدرتهم على التّعبير والتّحبير، والتّنويع في الصّياغة ... فابن دريد كان يعرض ذلك على النّاشئة؛ ليطلعها على هذه الأساليب البيانية الرّاقية، لتتعلّم، وتحذو حذوها، فتتخرّج على الكتابة الرّفيعة الأصيلة.
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 44. قال أبو عليّ: المَنْسٍر: جماعة الخيل. والمِنْسَر بكسر الميم: منقار الطّائر؛ لأنّه ينسر به كلّ ما مرّ به، أي ينتفه. الانبتار: الشّدّة في العَدْو. الانكدار: بعض الإسراع. ينظر المصدر نفسه.
(2) - المصدر السّابق، ص: 57. قال أبو علي: المُفرع: المشرف. القذال: معقد العذار. المُغار: الشّديد الفتل. ص: 57، 58. (1/134)
صفحة 121
2 – ورود الغريب في الأحاديث
تكثر في أحاديث ابن دريد الكلمات الغريبة، بل الحوشية أحيانًا. كثيرًا ما نعثر في كتاب الأمالي على عناوين لأحاديث هكذا: " تفسير ما جاء من الغريب في حديث ... أو شرح الغريب من ذلك ...
قد يكون اهتمام ابن دريد بالتّعليم، وحرصه على التّوجيه عاملا كبيرًا في انتحائه هذا المنحى، " فهو حين يهدف إلى بيان أصل اللّغة، ويبغي نفض الغبار عن الكلمات التي تنوسيت، يعمد إلى الإكثار من الكلمات الغريبة، ليلقّنها النّاشئة ... " (1)
أ - أورد أبو عليّ القالي الحديث الآتي تحت عنوان " مطلب تفسير ما جاء من الغريب في وصف الغلام للعنز التي كان ينشدها": " وحدّثنا أبو بكر رحمه الله، قال: أخبرنا عبد الرّحمن عن عمّه عن أبي عمرو بن العلاء، قال: رأيتُ باليمن غلامًا من جَرْمٍ ينشُدُ عنزًا، فقلت: صفها يا غلام، قال: حسْراءُ مُقبلة، شعْراءُ مُدبرة، ما بين غُثْرَةِ الدُّهْسَةِ، وقُنُوءِ الدُّبسة، سَجحاء الخدّين، خطلاء الأذنين، فَشْقَاءُ الصُّورَيْن، كأنّ زَنْمَتَيْها تَتْوَا قُلَنْسيَة، يا لها أمَّ عِيالٍ، وثِمالَ مالٍ." (2)
بعض المفردات في الحديث غريبة، في حاجة إلى شرح، بل بعضها صعب النّطق. لا نشكّ أنّ ابن دريد قَصْدَ من الإتيان بهذا الحديث الذي اشتمل على هذه الكلمات الغريبة كان تعليمَ النّاشئة اللّغةَ العربية مروية عن الأعراب الأقحاح، الذين عاشوا بعيدين عن تأثير الحضر. بدليل إيراد الحديث منقولاً عن أبي عمرو بن العلاء، الذي كان من بين الرّجال الذين قصدوا البوادي والبيئات العربية الأصيلة لجمع اللّغة العربية. قد يكون هذا الحديث من ضمن ما جمع في رحلاته تلك للغرض المذكور. وطلبُه الغلامَ أن يصف له العنز، كان ليسمع منه اللّغة الصّحيحة، فيدوّنها في مدوّنته.
ب - أورد أبو عليّ القالي – أيضًا - الحديث الآتي تحت عنوان " مطلب خطبة الأعرابي السّائل في المسجد الحرام وشرح غريب ذلك": " وحدّثنا أبو بكر رحمه الله، قال: أخبرنا أبو حاتم، قال: أخبرنا أبو زيد، قال: بَيْنَا أنا في المسجد الحرام إذ وقف علينا أعرابي، فقال: يا مسلمون، إنّ الحمد لله والصّلاة على نبيّه، إنّي امرؤٌ من أهل هذا الِملْطاط الشّرقي المُواصي أسيافَ تِهامة، عَكَفتْ عليَّ سنون مُحُشٌ، فاجْتَبَّت الذُّرَى، وَهَشَمَت
__________
(1) - محمد بن قاسم ناصر بوحجام، ابن دريد العالم المعلّم (مخطوط)، سنة 1411هـ/ 1991م، ص: 21. طبع الكتاب في مكتبة الضّامري للنّشر والتّوزيع، السّيب، سلطنة عمان،
(2) - كتاب الأمالي، ج1، ص: 34. ينظر الصّفحة نفسها معاني الكلمات الآتية: غُثرة: غُبرة كَدِرة. الدُّهسة: لون كلون الدَّهاس، قال الأصمعي: والدَّهاس من الرّمل: كلّ ليّن لا يبلغ أن يكون رملاً، وليس بتراب ولا طين. القُنوءُ: شدّة الحمرة. (1/135)
صفحة 122
العُرَى، وَحَمَشَت النًّجْم، وأَعْجَتِ البَهْمَ، وهمَّت الشّحْمَ، والْتَحَبَتِ اللَّحْمَ، وأَحْجَنَتِ العَظْمَ، وغادَرَتِ التُّرابَ مَوْرًا، والماءَ غَوْرًا، والنّاسَ أوزاعًا، والنَّبَطَ قُعاعًا، والضَّهْلَ جُزاعًا، والمقامَ جعْجاعًا، يُصَبِّحُنا الهاوي، ويَطرُقُنا العاوي، فَخَرجتُ لا أَتَلَفَّعُ بِوَصيدَة، ولا أتَقَوَّتُ هَبيدَة، فالبَخَصاتُ وَقِعَة، والرُّكباتُ زَلِعَة، والأطْرافُ قَفِعَة، والجِسمُ مُسْلَهِمٌّ، والنَّظَرُ مُدْرَهِمٌّ، أَعْشُو فَأَغْطَشُ، وَأضْحَى فَأَخْفَشُ، أُسْهِلُ ظالعًا، وأُحْزِنُ راكِعًا، فهل من آمرٍ بِمَيْرٍ؟ أو داعٍ بِخيرٍ؟ وقاكم الله سطوة القادر، وملكةَ الكاهر، وسوء الموارد، وفُضوح المصادر. قال: فأعطيته دينارًا، وكتبتُ كلامه، واستفسرته ما لم أعرفه." (1)
لا يخفى على القارئ ما اشتمل عليه الحديث من المفردات الغريبة. كما لا يغيب عنه قصد ابن دريد إلى تلقين المتلقّينِ عنه اللّغةَ العربية، وإحياءِ الألفاظ، التي قد تنسى، بسبب عدم تناولها، أو شعور النّاس بصعوبة النّطق بها، أو لاستثقالها. هذا ما قد يفهم من العبارة التي خُتِمَ به الحديث " وكتبت كلامه واستفسرته ما لم أعرفه."
3 – الإكثار من رواية الأحاديث التي تتضمّن أشعارًا
هذه ظاهرة لافتة للنّظر في أحاديث ابن دريد، تفسير ذلك عندي أنّ العرب أمّة شاعرة، وأمّة تتذوّق الشّعر، وتراه الدّم الذي تعيش به، ولهذا كان الشّعر يسري في شريان حياتها، ويتمدّد في مسالك حركاتها، وقد لا يجد المتحدّث وسيلة للإفصاح عن مشاعره أحسن من الشّعر، حتّى ولو حدّث نثرًا مزجه بشعر. وابن دريد لا يخرج عن هذا السَّنَن، ولا يشذّ عن القاعدة، ولا يندّ عن الطّابع العام. زيادة على كونه شاعرًا يقول الشّعر، ويرويه. الأمثلة على ذلك كثيرة، لا حاجة للتّمثيل لهذه الخصّيصة.
4 – النّزعة العقلية في الأحاديث
بعض الأحاديث التي حدّث بها ابن دريد نلمح فيها النّزعة العقلية، التي تتّخذ التّأمّلات مسلكًا، تحقِّقُ في الأشياء، أو تقرّر الحقائق، أو تدعو إلى النّظر والاعتبار ... وكثيرًا ما نلتقي مع هذه الخاصيّة في الحكم والمواعظ. نذكر بعض النّماذج عنها:
أ ـ قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر رحمه الله، قال: حدّثنا أبو حاتم عن الأصمعي، قال: بلغني أنّ عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه كان يقول: إنّما المرءُ في الدّنيا غرضٌ تنتَضِلُ فيه المنايا، ونهبٌ للمصائب، ومع كلّ جَرعَةٍ شَرَقٌ، وفي كلّ أُكْلَةٍ غَصَصٌ، ولا ينال العبدُ فيها نعمَةً إلاّ بفراقِ أُخرَى، ولا يستقبل يومًا من عمره إلاّ بِهدْم آخر من أجَلِه. فنحنُ أعوانُ الحُتوف، وأنفسنا تسوقنا إلى الفناء، فمن أين نرجو البقاء،
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 113، 114. (1/136)
صفحة 123
وهذا اللّيل والنّهار لم يرفعَا من شيءٍ شرَفًا، إلاّ أَسْرَعَا الكرَّةَ في هدمِ ما بَنَيَا، وتفريق ما جَمعَا، فاطلبوا الخير وأهله، واعلموا أنّ خيرًا من الخير معطيه، وشرًّا من الشَّرِّ فاعِلُه." (1)
هذه التّقريرات التي سجّلها عليّ بن أبي طالب هي نتاج عقله، الذي أوصله إليها بعد تأمّله في الحياة الدّنيا، وملاحظاته لما يحدث للنّاس فيها، وإدراك العواقب التي آلوا إليها. فوجّه عقول النّاس للتّأمّل في مسير هذه الحياة، واتّخاذ مواقف تستجيب لما يُمليه العقل، وتحديد ما يقدّم لها من جهد وعمل، بما يتناسب مع حجم ما تستحقّه، وما يتطلّبه المكوث فيها ... هذا التّوجيه الذي حدّده العقل يؤكّده ما جاء في نهاية الحديث نتيجةً منطقيةً عقليةً: "فاطلبوا الخير وأهله، واعلموا أنّ خيرًا من الخير مُعطيه، وشرًّا من الشّرّ فاعلُه".
ب ـ قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر رحمه الله، قال: حدّثنا أبو عثمان عن التّوزي عن أبي عبيدة، قال: بلغني أنّه وُلِدَ للحسن البصري غلامٌ، فهنّأه بعض أصحابه، فقال الحسن: نَحْمَدُ الله على هِبَتِه، ونستزيدُه من نعمته، ولا مرحبًا بِمن إن كنتُ غنِيًّا أذهلَني، وإن كنت فقيرًا أتْعبني، لا أرضَى له بِسعْيِي سَعْيًا، ولا بِكَدِّي له في الحياة كَدًّا، أُشفق عليه من الفاقة بعد وفاتي، وأنا في حال لا يصلُ إليّ من هَمِّه حزنٌ، ولا من فرحه سرور." (2)
رغم أنّ ما ذهب إليه الحسن البصري وجهة نظر، في حاجة إلى مناقشة ونقد. فإنّ النّظرة - أصلا - هي نتاج عقلي، تدعو إلى التّأمّل فيما يقدّم - قولاً كان أو فعلاً - بعين فاحصة ناقدة، وبِمنظار مكبّر، يصنعهما العقل. كما أنّ ما أضفى على الحديث سِمة عقلية المقابلةُ التي أجراها الحسن البصري بين الأشياء والحالات وما ينتج عنها: (الغنى والفقر، الهمّ والفرح، الحزن والسّرور).
ج ـ قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر رحمه الله، قال: حدّثنا أبو عثمان عن التّوزي عن أبي عبيدة، قال: قعد المأمون الحارثي في نادي قومه، فنظر إلى السّماء والنّجوم، ثمّ أَفْكَرَ طويلاً، ثمّ قال: أرْعُوني أسْماعَكم، وأصْغُوا إليّ قلوبَكُمْ، يبلغ الوعظُ منكم حيثُ أُريد، طَمَحَ الأهواء الأشَرّ، ورانَ على القُلوبِ الكدر، وطَخْطَخَ الجهلُ النّظر، إنّ فيما نرى لَمُعتبرًا، لِمن اعتبر؛ أرضٌ موضوعة، وسماءٌ مرفوعة، وشمسٌ تطلعُ وتغرب، ونجوم تسري فَتَعْزُب، وقمر تُطْلعُه النّحور، وَتَمْحقهُ أدبارُ الشّهور،
__________
(1) -المصدر السّابق، ج2، ص: 54.
(2) - المصدر السّابق، ص: 29. (1/137)
صفحة 124
وعاجزٌ مُثْرٍ، وَحُولٌ مُكْدٍ، وشابٌ مُخْتَضَر، ويَفَنٌ قد غبر، وراحلون لا يؤوبون، وموقوفون لا يُفرِّطون، ومطرٌ يرسَلُ بِقدر، فيحيي البشر، ويورق الشّجر، ويطلع الثّمر، وينبتُ الزّهر، وماءٌ يتفجّر من الصّخر الأيَر، فَيَصْدَعُ المدر عن أفنان الخُضَر، فيُحيي الأنام، ويشبع السّوام، ويُنمي الأنعام. إنّ في ذلك لأوضح الدّلائل على المُدَبِّر المُقَدِّر، البارئ المُصوِّر، يا أَيُّتها العقولُ النّافرة، والقلوب النّاثرة، أنَّى تُؤْفكون، وعن أيّ سبيل تَعمهون؟ وفي أيّ حيرة تهيمون؟ وإلى أيّ غاية توفضون؟ لو كُشفت الأغطية عن القلوب، وتجلّت الغشاوة عن العيون، لَصَرَّح الشَّكُّ عن اليقين، وأفاق عن نشوة الجهالة، من استَولت عليه الضَّلالة. " (1)
الجانب العقلي واضح في الحديث. من آيات ذلك:
* توجيه النّظر إلى التَّفكّر في مخلوقات الله، والتّأمّل في حركة الكون. عجّل صاحب الحديث، فقال: إنّ في ذلك لأوضح الدّلائل على المدبّر المقدّر ... ثمّ الدّعوة إلى النّظر إلى مآل خلق الله، والاعتبار بذلك.
* تنبيه العقول والقلوب إلى التأمّل والنّظر والاعتبار، كما جاء في العبارات الآتية: (أنّى تؤفكون، وعن أيّ سبيل تعمهون وفي أيّ حيرة تهيمون، وإلى أيّ غاية توفضون ... إلى آخر ما جاء في النّصّ).
* وردت فيه كلمات تحمل السّمة العقلية: (فنظر، أَفْكَرَ طويلاً، لَمُعتبر لمن اعتبر ... )
هذه بعض الإشارات التي وردت في الحديث السّابق، تقوم دليلاً على أنّ بعض أحاديث ابن دريد تحمل سمات عقلية، الغرض منها تدريب العقول على التّأمّل، وتوجيهها للنّظر، وتعليم النّاس بعض الحقائق بطريقة تبعث على الاقتناع.
5 – الإيجاز في بعض الأحاديث
يبرز هذا الإيجاز في مظاهر متعدّدة:
أ - قد يكون على شكل تقرير حقائق، القصد منه التّعريف الدّقيق، كما جاء على لسان حِمْيري وهو يشخّص، ويقرّر معنى الدّاء، قال أبو عليّ القالي: " حدّثنا أبو بكر، قال: حدّثنا السّكن بن سعيد، قال: قيل لرجل من حمير: ما الدّاءُ العضال؟ قال: هَوًى مُحْرِض، وحَسد مُمْرِض، وقلبٌ طروب، ولسانٌ كذوب، وسؤال كديد، ومنعٌ جَحيد، ورُشدٌ مُطَّرَح، وغنًى مُمْتَنَح." (2)
__________
(1) - المصدر السّابق، ج1، 273.
(2) - المصدر السّابق، ص: 140. (1/138)
صفحة 125
وكقول معاوية بن أبي سفيان. قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر بن دريد، قال: حدّثنا أبو حاتم عن أبي عبيدة، قال: قال معاوية: الفرصة خُلسَة، والحياءُ يَمْنَعُ الرٍّزْقَ، والهَيبَةُ مقرونٌ بها الخيبة، والكلمة من الحِكمة ضالّة المؤمن." (1)
ب - كما يكون على شكل نصيحة موجزة، أو وصْفٍ مركّز لإحساسٍ داخلي، يروم إحداث وقع في القلب، والتّأثير في النّفس فيكون بليغًا؛ لأنّ في الإيجاز بلاغة، والبلاغة هي بلوغ النهاية في نقل المعنى والشّعور. وما يكون موجزًا يكون أكثر تقبُّلاً واستيعابًا من المتلقّي. كما حدّث ابن دريد في الحديث الآتي: قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر، قال: حدّثنا سعيد ابن هارون الأشننداني عن التّوزي عن أبي عبيدة، قال: عزَّى رجل من العرب رجلاً على أخيه، فقال: محبوب فائت، وغُنْمٌ عارض، إن ضيَّعته فات أيضًا، وبقِيتَ حسيرًا، أمّا أخوك فلا أخوك، فلا يذهب بك جزعك فتحطّ سودَدَك، وتَقِلَّ ثقةُ عشيرتِك باضطلاعك بالأمور، وفي كثرةِ الأُسَى عزاءٌ عن المصائب.
وحدّثنا أبو بكر، قال: أخبرنا عبد الرّحمن عن عمّه، قال: سَمعتُ عمّي يقول: التّهنئةُ على آجلٍ أولَى من التّعزية على عاجل المصيبة. " (2)
أمّا في الحديث الآتي، فقال أبو عليّ القالي: " حدّثنا أبو بكر، قال: أخبرنا أبو حاتم عن الأصمعي، قال: ذُكر رجلٌ عند أعرابي، فوقع فيه قومٌ، فقال: أما والله لآكَلُكُمْ المأدوم، وأعطاكم للمغروم وأكسبُكُم للمعدوم، وأعطفُكم على المحروم. " (3)
6 – أحاديث تكون على شكل ألغاز
إنّ ابن دريد بقصد دائمًا إلى التّعليم، فهو ينوّع في أساليب هذا التّعليم. فكان من الأساليب التي أملى بها أحاديثه أسلوبُ الإِلغاز، الذي كان يختبر به ذكاء من يخاطبهم ويعلّمهم، ويمتحن محفوظهم من الأدب العربي، ومخزونهم من المعارف والمعلومات. قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر رحمه الله، قال: حدّثنا الرَّيَّاشي عن العمري عن الهيثم، قال: قال لي صالح بن حسَّان: ما بيتٌ شطرُهُ أعرابيٌّ في شَملة، والشَّطرُ الآخرُ مُخنَّثٌ يتفكّك، قلتُ: لا أدري، قال: قد أجّلتُك حولاً، قلتُ: لو أجّلتني حولين لَم أعرف، قال: أفٍّ لك، قد كنتُ أَحسبُك أجود ذهنًا مِمّا أرى، قلتُ: ما هو؟ قال: أما سَمعتَ قول جميل:
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 194.
(2) - المصدر السّابق، ج2، ص: 99.
(3) - المصدر السّابق، ص: 14. (1/139)
صفحة 126
" ألاَ أيُّها النُّوّامُ وَيْحَكُمُ هُبُّوا "
أعرابيٌّ في شملةٍ، ثمَّ أدركه اللِّينُ وضَرْعُ الحُبِّ فقال:
" نُسائِلُكُمْ هلْ يَقْتُلُ الرَّجُلَ الحُبُّ"
كأنّه والله من مُخنَّثي العقيق." (1)
هـ ملاحظات عامّة حول هذه الأحاديث
1 - بصفة ابن دريد رجل لغة ورواية، فإنّ أحاديثه اتّجهت اتّجاها تعليميّا؛ لذا نراه أحيانا يعمد إلى بعض المفردات الصّعبة والغريبة والحوشية، وإلى بعض التّراكيب المجازية والتّعابير مختلفة الوجوه – يظهر بها فصاحة لسانه وحسن بيانه – يسجّلها أوّلا ثمّ يلقّنها النّاشئة، كما فعل مع حديث الأعرابي الذي وقف في المسجد الحرام، يصف ما وقع فيه قومه من القحط، ويطلب الإحسان. ما يدلّ على هدف التّعليم، وأنّ ابن دريد كان يرغب في أن يدرّب النّاشئة على إتقان اللّغة، بمعرفة أصولها وغريبها وخفاياها، أنّه في نهاية الحديث يقول: فما كان من الرّاوي إلاّ أن أعطاه دينارا وقد أعجب بكلام الأعرابي، فكتبه بعد أن استفسر عن غوامضه. (2)
أراد بطريقة ذكيّة وجذّابة أن يلقّن اللّغةَ النّاشئةَ، فاخترع لها هذا الإطار. يقول مصطفى الشّكعة: " فأحاديث ابن دريد تعليميّة صرفة، والمقصود تلقين النّاشئة أصول اللّغة وغريبها، عن طريق الأحاديث الحوشية والجمل المليئة بالغريب والعجيب. " (3)
يقول بدر بن هلال اليحمدي: " ونخلص من هذه الأحاديث إلى أنّ ابن دريد هو أوّل من أبدع في مجال الأحاديث التّعليمية الهادفة لأجل تعليم النّاشئة اللّغة العربية بأسلوب جذّاب. وبألفاظ غريبة، تدخل في رصيدهم اللّغوي، وتكسوهم فصاحة في اللّسان وعلوًّا في البيان " (4)
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 298.
(2) - المصدر السّابق، ج1، ص: 114.
(3) - مقامات بديع الزّمان الهمذاني وعلاقتها بأحاديث ابن دريد، ص: 87.
(4) - ابن دريد الأزدي (ندوة من أعلامنا الرّابعة)، ص: 121. (1/140)
صفحة 127
2 – يعمد ابن دريد أحيانا إلى رصف العبارات الأدبيّة المنمّقة إلى بعضها، فيكوّن منها نسيجا أدبيّا من الأساليب التي يريد تقديمها للمتلقّين، ليحقّق غرضه التّعليمي، وهو تقديم درس لغوي في نصّ أدبي، يتعرّف عليه المتعلّمون، ويحتذونه بعد ذلك. (1)
3 – ينزع في أحاديثه منزعًا تعليميًا لغويًا، بمعنى: إنّه يسوق الحكمة أو النّادرة، أو يروي الخبر، أو يقدّم النّصيحة ... في قالب لغوي، قد يبدو غريبًا، ممّا يدفع بالمتلقّي أن يسأل عن معاني الألفاظ، فيشرحها له، وبذلك يتحقّق هدفه وهو تعليم النّاس اللّغة بخاصّة. فالغاية من أحاديثه هي التّعليم دائما، لكنّه أحيانا يقصد إلى نشر الفكرة وتقديم المعنى، وإرشاد المتعلّمين إلى سبل الخير وتوجيههم إلى التّحلّي بالأخلاق الحسنة. فهو لهذا يقدّم أحيانا الفكرة على اللّفظة، ويعنى بالمضمون أكثر من عنايته بالشّكل. وهو ما نلحظه في وصاياه بخاصّة.
4 – أحاديثه اهتمّت بحياة الأعراب وأخلاقهم، وأبطال الجاهليّة وصفاتهم وأيّامهم ومآثرهم. كما اهتمّت بتصوير الشّمائل العربيّة. يقول زكيّ مبارك: " إنّ ابن دريد اهتمّ بتصوير الشّمائل العربيّة، وكلف بنوع خاصّ بتقديم طائفة من أحلام النّساء في فهم الرّجال، وإعجاب البنات بأعمال الآباء، وما يقع في الملاحاة بين الأزواج، والتّواصي بين الشّباب والكهول. كلّ ذلك بطريقة قويّة وأخّاذة، تجعل له مكانا بين العالمين بالغرائز وأهواء النّفوس." (2)
كأنّي بزكيّ مبارك يريد أن يبيّن براعة ابن دريد في التّصوير، وخبرته في وصف النّفوس، ومقدرته على الدّراسة النّفسيّة. وهدفه وغايته التي يرمي إليها هي تلقين النّاشئة الأخلاق العربيّة الأصيلة. إنّ هذا يعين على إبراز مكانة ابن دريد في نفوس العارفين للفضل لأهله، بدليل قوله: "تجعل له مكانا بين العالمين بالغرائز وأهواء النّفوس."
كما يؤكّد زكيّ مبارك بأنّ ابن دريد يكون أعمق تفكيرا وأحصف رأيا، وأصدق حديثا، وأدقّ تصويرا، وأكبر نفسا، حين يتحدّث عن شجعان العرب وفرسانهم، بل هو يتعقّب أعيان الجاهليّة فينطقهم بألوان من الحوار لكي يفهم الأجيال والأخلاف وكلّ العرب بما يجب أن يعرفوه عن أسلافهم، من الأخلاق والشّيم، التي يجب أن يتحلّوا بها، ليكونوا في مستوى هؤلاء. فنراه " ينطق بالحكمة وفصل الخطاب، فنراه تارة يقول على لسان أوس بن حارثة: المنيّة ولا الدّنيّة، والعتاب قبل العقاب، والتّجلّد لا التّبلّد، والقبر خير من الفقر، ومن قلّ ذلّ، ومن أمر فرّ، والدّهر يومان: فيوم لك ويوم عليك. ونراه أخرى ينطق رجلا أعمى من أزد السّراة، يقوده شابّ جميل، فيقول: يا أخي إنّ اغترارك بالشّباب كالتذاذك بسمادير الأحلام، ثمّ تنقشع فلا تتمسّك منها إلاّ بالحسرة عليها، ثمّ تعرى راحلة الصّبا، وتشرب سلوى الهوى، واعلم أنّ أغنى النّاس يومَ الفقر من قدّم ذخيرة، وأشدّهم اغتباطا يوم الحسرة من أحسن سريرة. " (3)
5– أحاديث ابن دريد تضمّنت وصايا مهمّة، تدلّ على أنّه عجم عود الدّنيا، وحلب أشطر الدّهر، فخرج منها بمواعظ وعبر، قدّمها للنّاس على شكل وصايا. فيها نظرات إلى الدّنيا، وما تحفل به من شرور، فعلى الإنسان إلاّ أن يحذرها، ويتّخذها طريقا إلى الآخرة فقط. تذكر الدّكتورة إكرام فاعور – على سبيل المثال – وصيّة عبد الله بن شدّاد لابنه: " ومن معاني هذه الوصيّة الإيمان بالله، بالإضافة إلى نظرة رحمة وعدل وتسامح وصراحة واستقامة ومروءة، نتيجة خبرة وحنكة، فكانت دستورا اجتماعيّا فاضلا، ولو اتّبع كلّ إنسان هذه النّصائح لوصل إلى رتبة الكمال وصفاء الرّوح. " (4)
6 – يقول الدّكتور محمد صالح ناصر: " والنّاظر في هذه الأحاديث يجدها متنوّعة الموضوعات، ولكنّها مستقاة كلّها من البيئة العربية، حضرية كانت أم بدوية، ولو أنّ أغلبها يتحدّث عن البيئة الصّحراوية، ولكنّ الجامع بينها هو الهدف الذي ترمي إليه جميعها، وهو بثّ الأخلاق الفاضلة، والنّظرة السّليمة إلى الحياة، على أساس مراعاة جانب الله في كلّ عمل، والتّعامل بالحسنى بين النّاس، ونرى ابن دريد كثير الإلحاح على أنّ رأس مال الإنسان هو التّقوى والعمل الصّالح، ممّا يدلّ على تغلغل الإيمان في قلبه، رغم ما قيل عنه من رقّة في الدّين، وميل إلى اللّهو والاستهتار " (5)
7– يُعنَي بتضمين أحاديثه الآيات القرآنية والأحاديث النّبوية والشّعر والحكم والأمثال. يقول الدّكتور محمد صالح ناصر: " وثمّة تأثّر ظاهر بأسلوب القرآن
__________
(1) - مقامات بديع الزّمان الهمذاني وعلاقتها بأحاديث ابن دريد، ص: 89. تتمثّل هذه الملاحظة وتظهر في حديث الأعرابي، ينظر تحليلا لها وتفصيلا عنها المرجع المذكور، ص: 83 – 90.
(2) - النّثر الفنّي في القرن الرّابع، ج1، ص: 231، 232.
(3) - المرجع السّابق، ص: 232.
(4) - مقامات بديع الزّمان الهمذاني وعلاقتها بأحاديث ابن دريد، ص: 95. تراجع الوصيّة وتحليلها في المرجع نفسه، للوقوف على المعاني الدّينيّة والأخلاقيّة والاجتماعيّة، وعلى النّواحي العمليّة المختلفة التي تعين على الاستقامة.
(5) - محمد بن الحسن بن دريد، ص: 163. (1/141)
صفحة 128
الكريم الذي يبدو تشرّب ابن دريد له واضحًا من خلال الصّيغ القصيرة المتوازنة الحريصة على الجرس الموسيقي، الهادفة إلى الإيجاز والوضوح قدر الإمكان. من هنا يمكننا القول: إنّ الهدف التّعليمي في هذه الأحاديث يتجسّد في المبنى والمعنى " (1)
مجمل ما يمكن قوله في أحاديث ابن دريد: إنّها تكشف عن براعة صاحبها في الكتابة، والتّمرّس على الأساليب المختلفة فيها، والتّحكّم في الصّياغة. فهو يعمد إلى الغريب والحوشي، كما ينحو منحى البساطة والسّهولة في الكتابة. وهو بذلك يتّبع أسلوبَ لكلّ مقام مقال، ما دام المنطلق والهدف – في آن واحد – هو التّعليم. إنّه يراعي مقام من يخاطبهم، وطبيعة الموضوع الذي يعالجه. فهو حين يهدف إلى بيان أصل اللّغة، ويبغي نفض الغبار عن الكلمات التي تنوسيت، يعمد إلى الإكثار من الغريب منها؛ ليلقّنها النّاشئة، كما فعل في حديث الأعرابي الذي وقف في المسجد، أو في حديث وصف الفرس. قالت الدّكتورة إكرام فاعور: "فبعث ابن دريد في تلك الكلمات المحنّطة شيئا من روحه، تتغلغل في ألفاظه، فتتحوّل إلى طاقات إيحائيّة، تستهوي القارئ، ومن ثمّ تتمّ الفائدة. " (2)
بينما في وصيّة رجل أعمى من الأزد، اعتمد السّهولة في المعنى والمبنى؛ لأنّه في مقام عرض تجربة، وتقديم مكامن العبر والاستفادة منها لشاب هو في مقتبل العمر، مقبل على الدّنيا. مع ذلك اشتملت هذه الوصيّة على مفردات غريبة وحوشية، لكنّها كانت قليلة، لأنّ هدف تلقين اللّغة كان يصاحبه دائما، في كلّ نتاجه وتفكيره. وقد جمع في الوصيّة بين تهذيب النّفس وتهذيب اللّسان. مثل ذلك يقال عن حديث " خطبة الأحنف بن قيس ".
إنّ أحاديث ابن دريد تحتلّ مكانة رائدة مهمّة وكبيرة في النّثر الأدبي العربي، بما تركته من آثار واضحة في تطويره عبر العصور، وبخاصّة في جانب القصّ أو القالب القصصي، الذي أفرز في الأحاديث أنماطًا من التّعبير والتّصوير، كالمشهد القصصي والموقف القصصي والحكاية ذات العناصر القصصية المتشابكة، التي تتداخل فيها الأزمنة أو الشّخصيات، ويطول فيها الحدث نسبيًا، وتكتمل عناصره .. (3)
__________
(1) - المرجع السّابق، ص: 166.
(2) - مقامات بديع الزّمان الهمذاني وعلاقتها بأحاديث ابن دريد، ص: 103.
(3) - ابن دريد الأزدي وتأثيره في الدّرس والنّصّ الأدبي، ص: 110.ينظر أيضًا د. أحمد درويش، ابن دريد رائد فن القصّة العربية. ودراسة الدّكتور وليد غبور، " الإبداع القصصي لابن دريد الأزدي بين التّأثّر والتّأثير "، كتاب ابن دريد الأزدي أعلم الشّعراء وأشعر العلماء، المجلّد الثّالث، ص: 1591 – 1613. (1/142)
صفحة 129
ما ابتكره ابن دريد من أساليب التّصوير والتّعبير في أحاديثه ألهم كثيرًا من المبدعين في تطوير أدائهم، فأنتجوا صورًا من الأشكال التّعبيرية، وعلى رأسها المقامات، في رأي بعض الدّارسين. يقول الدّكتور أحمد درويش: " إنّ النّافذة الصّغيرة التي تركها لنا ابن دريد فيما تبقّى من أحاديثه تكشف لنا عن المكانة التي يحتلّها هذا العمل الرّائد في النّثر الأدبي عند العرب، على مستوى الشّكل والمحتوى معًا، وأيّ أثر يكون قد أحدثه ابن دريد في عالم (النّصّ النّثري) كما أحدث من قبل في عالم الدّرس اللّغوي والأدبي، وفي عالم النّصّ الشّعري " (1)
هناك مسألة مهمّة، يجب أن تولى عناية كبيرة، هي مسألة العلاقة بين أحاديث ابن دريد ومقامات بديع الزّمان الهمذاني، التي أثارها الحصري (453 هـ) حين قال إنّ بديع الزّمان الهمذاني عارض بمقاماته الأربعمائة أحاديث ابن دريد الأربعين. وقد أثار هذا الخبر جدلا – ولو كان قليلا – بين الدّارسين، فكانوا بين مؤيّد للفكرة ومعارض لها ومتردّد في الحكم. (2)
الملاحظات والانطباعات التي قدّمت في هذا الموضوع وهذه المأثورات الأدبيّة، والبحث فيها ونقدها، والوصول إلى رأي سديد فيها، من شأن كلّ ذلك أن يحدّد مكانة ابن دريد الأدبيّة بعامّة، وفي مجال النّثر بخاصّة.
إذا ما توصّلنا إلى نتيجة: أنّ بديع الزّمان الهمذاني استلهم أحاديث ابن دريد، وتأثّر بها أو قلّدها، يكون لصاحب الأحاديث فضل السّبق والابتكار لفنّ من فنون الكتابة الأدبيّة، التي ذاع صيتها وظهر نفعها وأثرها في الكتابات اللاّحقة، التي ما يزال الفضل ينسب فيها
__________
(1) - المرجع السّابق، ص: 119.
(2) - للاطّلاع على ما كتب في هذا الموضوع ينظر على سبيل المثال لا الحصر الدّراسات الآتية: أ - مقامات بديع الزّمان الهمذاني وعلاقتها بأحاديث ابن دريد لإكرام فاعور. ب – ابن دريد الأزدي وتأثيره في الدّرس والنّصّ الأدبي، ص: 98 – 114. ج – محمد بن الحسن بن دريد، ص: 157 – 168. د - دراسة الدّكتور وليد غبور، " الإبداع القصصي لابن دريد الأزدي بين التّأثّر والتّأثير "، كتاب ابن دريد الأزدي أعلم الشّعراء وأشعر العلماء، المجلّد الثّالث، ص: 1591 – 1513. هـ - محمد بن قاسم ناصر بوحجام: 1 – ابن دريد العالم المعلّم. 2 – دراسة في أحاديث ابن دريد. و – د. أحمد درويش، " البناء الفنّي لأحاديث ابن دريد وأصداؤه في مقامات بديع الزّمان الهمداني "، مجلّة فصول، مج: 13، ع: 3، سنة 1994م ... (1/144)
صفحة 130
إلى بديع الزّمان الهمذاني، ما دامت القرائن في صالحه، والأدلّة – على عكس ذلك – لم تثبت لابن دريد. فهذا مجال واسع للباحثين للكتابة فيه.
في الختام نقول: إنّ أحاديث ابن دريد في حاجة إلى دراسة معمّقة، تتوخّى الاستقصاء والبحث عن الآثار أو الأحاديث التي قد تكون غائبة عن الباحثين. والتّأكّد من أنّ ما يتداول بين النّاس، وما سجّلته الكتب - وبخاصّة أبو عليّ القالي في كتابه الأمالي - هي لابن دريد. ثمّ التّمييز بين ما هو من صياغته، وما هو من روايته ومحفوظه، بين ما هو من خياله وما هو من واقع ما رواه ..
أخيرًا نقول إنّ أحاديث ابن دريد في حاجة إلى دراسة وتحليل عميقين، وبيان ما إذا كان الغرض منها التّعليم والتّوجيه والوعظ؟ أم الغاية هي السّرد فقط؟ (1) أم الهدف كان التّسلية وتجزية الوقت، لهذا أكثر فيها من الوضع والاختراع؟ (2) أم هي مقدَّمة لإظهار البراعة في اللّغة وقوّة الحافظة؟ أم رويت لإشباع النّزعة القبليّة العربيّة، التي عرف بها ابن دريد في أقواله ونتاجه بعامّة.
لماذا هذا الأسلوب في التّناول؟ ولماذا هذا العدد بالذّات: أربعون حديثا؟ المهمّ إنّ أحاديثه في حاجة إلى دراسة نفسيّة وتربويّة وتعليميّة واجتماعيّة. (3) هناك أسئلة كثيرة تحتاج إلى إجابات، بعد البحث والدّراسة والتّدقيق في أحاديث ابن دريد (4)
ثالثا: تعليق من أمالي ابن دريد
ممّا يبعث على التّقدير والإعجاب في شخصيّة ابن دريد، وما يعزّز مكانته في النّفوس أماليه، التي تكشف عن بعد غور نفسيّته، وعن عظمتها. بعد قراءتنا السّريعة لأماليه - سواء ما ذكره السّيّد مصطفى السّنوسي في كتاب " تعليق من أمالي ابن دريد " أم ما رواه عنه تلميذه أبو عليّ القالي – سجّلنا بعض الانطباعات المبدئيّة:
1 – في الأمالي اعتناء بسرد الحكم والأمثال والأقوال، التي تعنى بالأخلاق والشّمائل، وتقديم النّصائح والإرشادات، المتولّدة من التّجارب، التي تعين على بناء النّفس، وتكوين الشّخصيّة، وتقويم الحياة.
__________
(1) - عمر فرّوخ، تاريخ الأدب العربي، ج2، ص: 412.
(2) زكيّ مبارك، النّثر الفنّي ... ج1، ص: 230.
(3) - يضاف إلى نتاجه الأدبي شرحه للامية العرب، ولبانت سعاد، وجمعه للحكم. نسجّل أنّه لم تُؤْثَر عنه رسائل ولا مناظرات فيما اطّلعنا عليه.
(4) - ينظر كتابنا: دراسة في أحاديث ابن دريد. طبع في مكتبة الضّامري للنّشر والتّوزيع، السّيب، سلطنة عمان. (1/145)
صفحة 131
2 – فيها تقييدات لغويّة كثيرة عن الأسلاف واللّغويّين بخاصّة، كالأصمعي وأبي عبيدة ...
3 –كشفت عن كثرة محفوظ ابن دريد من الشّعر والأقوال والمأثورات والنّوادر. يقول السّيّد مصطفى السّنوسي عن " تعليق من أمالي ابن دريد ": " وأنّ به نيّفا وأربعين ومائتي خبر أدبي، وأكثر من تسعين ومائة مقطوعة شعريّة، بها نيّف وسبعون وخمسمائة بيت من الشّعر، كلّها ترجع إلى ما قبل القرن الرّابع الهجري، وكلّها مسندة إلى رواة عظام كالأصمعي وأبي عبيدة وعبد الرّحمن والتّوزي وأبي عثمان الأشننداني وغيرهم. " (1)
4 – من قوّة حافظة ابن دريد وصحّة نقله وسلامة روايته، أنّه كان ينسب الرّواية إلى أصحابها، ويسندها كما تلقّاها، زيادة على ذكر أصحاب النّصوص؛ رغم ما تعجّ به أماليه من أسماء كثيرة للأعلام والأشخاص والأماكن والقبائل والأحداث.
5 – يحدّث كثيرا عن الأعراب. وفي هذا التّوجّه دلالات كثيرة. فيه الاعتزاز بأصله العربي، وفيه الرّفع من شأن الأعراب، وإعلاء قدر العرب؛ استجابة لنزعته العربيّة، التي لم يتخلّ عنها أبدا، في كلّ أحاديثه ومأثوراته، فيه طمأنة النّاس والمتلقّين أنّ ما يرويه صادر من مصدر موثوق، ومن النّبع الأصيل، وهو البيئة العربيّة الحقّة، ومن أهل اللّغة الحقيقيّين. إلى غير ذلك من الدّلالات التي تكشفه الدّراسة المعمّقة، التي تبرز - بدورها - حقيقة شخصيّة ابن دريد.
6 – لحظت أنّ أغلب النّصوص التي أوردها ابن دريد، بخاصّة في " تعليق من أمالي ابن دريد " كانت سهلة العبارة، واضحة المعنى (2)، فما سرّ ذلك؟ ولمن كان، أو على من كان يملي هذه الأمالي، ويسرد هذه الأقوال؟
7 – أبو عليّ القالي – فيما نقل في أماليه – كان يروي عن شيخه ابن دريد كثيرا، وكان يورد عبارات (أخبرنا، حدّثنا، كتبت من كتاب ابن دريد، قرأت على ابن دريد ... )، بل هو يستعمل كثيرا عبارة (قرأت على ابن دريد) وكأنّي به يختبر محفوظه، ويعرضه عليه، للثّقة التي وضعها في أستاذه. ولم أعثر فيما اطّلعت عليه أنّ ابن دريد اعتذر لتلميذه عن عدم معرفته لما سمعه منه.
__________
(1) - تعليق من أمالي ابن دريد، ص: 52.
(2) - في بعض الأمالي التي أثبتها السّيوطي في "المزهر " بعض الألفاظ الغريبة والحوشيّة. (1/146)
صفحة 132
إنّ هذا يدلّ على كثرة ملازمة القالي لشيخه ابن دريد، ويعبّر عن اهتمام أستاذه به، وعنايته بالعلم والتّعليم. وإلاّ لما تردّد أبو عليّ على ابن دريد، فإنّه لم يفعل ذلك إلاّ حين وجد استجابة من معلّمه لذلك.
قال: " وأنشدنا أبو عبد الله، فال أنشدنا أحمد بن يحي، قال أبو عليّ: وقرأت هذه الأبيات على أبي بكر بن دريد، والألفاظ في الرّوايتين مختلفة، ولم يسمّ قائلَها أبو عبد الله، وقال أبو بكر هي لسالم بن وابصة " (1). وفي موضع آخر قال أبو عليّ القالي: " ... وزادني أبو بكر بن دريد – رحمه الله – من حفظه هاهنا بيتا هو ... " (2). كما لاحظت أنّ أبا عليّ القالي كلّما ذكر ابن دريد قال: رحمه الله. ونادرا ما تتخلّف هذه العبارة، بل وجدتها تابعة لاسم شيخه أكثر من غيره.
كلّ ذلك يدلّ على المكانة التي احتلّها ابن دريد في نفس القالي، كما يكشف عن وفاء التّلميذ لأستاذه. وإذا علمنا ما لأمالي القالي من قيمة أدبيّة، عرفنا مكانة ابن دريد الأدبيّة أيضا.
8 – كانت أمالي ابن دريد ما بين البيتين والأسطر المعدودة، والمقطوعات والقصائد، والأملية ذات الصّفحات الكثيرة.
9 - أمالي ابن دريد في حاجة إلى دراسة نفسيّة معمّقة، للكشف عن العلاقة بين ما أملاه وحالاته النّفسيّة والفكريّة والاجتماعيّة.
__________
(1) - أمالي القالي، ج2، ص: 224. وفي الصّفحة نفسها قال: أنشدنا أبو بكر الأنباري، وقرأتها على أبي بكر بن دريد.
(2) - المصدر السّابق، ص: 151. (1/147)
صفحة 133
الفصل الرّابع
مميّزات شخصيّة ابن دريد
أ – أخلاقه (1)
1 - كان ابن دريد جامعا لخلال الخير، يأتي في مقدّمتها الحلم. فقد كان حليما على من يسيء إليه. كما عرف عنه الكرم والسّخاء والشّجاعة والنّجدة. قال عنه المترجمون لحياته، إنّه لا يمسك درهما على كثرة ما استفاد من المال. وقد رووا له قصّته مع ابني ميكال، حين رست بهما السّفينة في بلدة صحار العمانيّة، بعد أن اشتدّت بهما الرّيح وجاءهم الموج من كلّ مكان. في هذه الحالة العصيبة استقبلهما ابن دريد فأكرم وفادتهما حتّى إنّه رهن ما عنده من بيوت، وباع ما يملك. فعل ذلك إحسانا ومعروفا قدّمه إلى هؤلاء، وهو لا يعرفهم. (2)
2 - يتّصف بلين الجانب وسهولة الطّبع وسماحة الخلق، لذا نجده يروي كثيرا من القصص والنّوادر والأمثال والحكم، التي توصي بحسن الخلق. قال عنه تلميذه أبو عبد الله المرزباني: هو "سمح الأخلاق، وكانت له نجدة في شبابه وشجاعة وسخاء وسماحة " (3)
3 - من أخلاقه الحسنة الوفاء. آية ذلك وفاؤه لآل ميكال، الذين أكرموه، فقابل هذا المعروف بأسنى منه، وهو تخليد ذكرهم بأحسن ما ألّف، وهو كتاب "جمهرة اللّغة "، وأروع ما نظم من الشّعر وهو " المقصورة ". ثمّ وفاؤه لأهل العراق، الذين عاش بين ظهرانيهم. قال فيهم وهو بفارس:
إِنَّ العِرَاقَ لَمْ أُفَارِقْ أَهْلَهُ ... عَنْ شَنَآنٍ صَدَّنِي وَلَا قِلى
وَلَا اطَّبَى عَيْنَيَّ مُذْ فَارَقْتُهُمْ ... شَيْء يَرُوقُ الطَّرْفَ مِنْ هَذَا الوَرَى
هُمُ الشَّنَاخِيبُ الُمنِيفاتُ الذُّرَى ... وَالنَّاسُ أَدْحَالٌ سِوَاهُم وَهُوى (4)
كذلك وفاؤه لمن سبقه في الفضل والخير، مثلما فعل حين ألّف كتاب " جمهرة اللّغة "، الذي سبق بعمل جليل، وهو كتاب " العين ". قال وهو يوضّح طبيعة عمله، والهدف منه: "ولم أَجْرِ في إنشاء هذا الكتاب إلى الإزراء بعلمائنا، ولا الطّعن في أسلافنا، وأنّى يكون ذلك، وإنّما على مثالهم نحتذي، وبسبلهم نقتدي، وعلى ما أصّلوا نبتني. " (5)
هذا هو تواضع العلماء، وهذا هو خلق الكبراء، وهذا ما يجب أن نربّي عليه الأبناء، وننشئ عليه أنفسنا، إذا أردنا حسن البناء. فالإنسان مهما يؤتَ من العلم، ومهما يقدّم من عمل، عليه أن يعترف أنّه لولا من سبقه، الذي فتح له الطّريق، ووضع له الأساس، لما استطاع أن يبلغ ما بلغ. هذا جانب من جوانب الاعتبار في حياة ابن دريد.
هذه بعض الأخلاق التي سجّلها من ترجم لابن دريد، وهي أخلاق عالية، وشمائل يعتزّ بها كلّ مسلم حرّ. غير أنّ بعض الدّارسين تملّكتهم الحيرة في شخصيّة ابن دريد. إذ رأوا أنّ أقواله وأشعاره تهدف إلى الإصلاح والتّربية والتّوجيه، بينما وجدوا بعض تصرّفاته لا تتّفق مع ذلك. كعادة شربه الخمر أو النّبيذ مثلا (6).كما أنّ أماليه وأحاديثه ونوادره، التي كان ينقلها، والأخبار التي كان يحكيها، وما تشتمل عليه من مواعظ ونصائح تتناقض مع عادة شرب الخمر. يمكن لنا الإتيان بمثالين: " وحدّثنا (أي ابن دريد) قال: أنبأنا عبد الرّحمن عن عمّه قال: سمعت أعرابيّا من بني مرّة يعظ أحد أبنائه، وقد أفسد ماله في الشّراب، فقال: لا الدّهر يعظك، ولا الأيّام تنذرك، والسّاعات تعدّ عليك، والأنفاس تعدّ منك، أحبّ أمريك إليك أردّهما بالمضرّة عليك. " (7) (ومن
__________
(1) - ينظر مبحث (الاتّجاه الأخلاقي) في الدّراسة الآتية:" اتّجاهات ابن دريد الأزدي في خطابه الشّعري " كتاب ابن دريد الأزدي أعلم الشّعراء وأشعر العلماء، المجلّد الثّاني، ص: 1073 – 1080.
(2) - ينظر تفاصيل هذه القصّة، محمد بن راشد الخصيبي، شقائق النّعمان على سموط الجمان في أسماء شعراء عمان، ج1، ص: 22 وما بعدها.
(3) - محمد بن الحسن بن دريد، ص: 173. ينظر معحم الشّعراء، ص: 425.
(4) - ديوان ابن دريد (تحقيق ودراسة) عمر، ابن سالم، ص: 124. وكتاب شرح مقصورة ابن دريد للخطيب التّبريزي، تحقيق الدّكتور فخر الدّين قباوة، ص: 59. ورد البيت الأوّل فيه كالآتي: إنّ العراق لم أفارق أهله ... عن شنإ أصدّني ولا قلى.
(5) - كتاب جمهرة اللّغة، ج1، ص: 3. تراجع مقطوعاته في العلم والعلماء، ديوانه، تحقيق ودراسة عمر، ابن سالم، ص: 33، 34. فيها هذه الرّوح من التّقدير والاحترام والوفاء.
(6) - إلاّ أنّني شخصيّا لم أعثر على نصّ له (شعرا أو نثرا) ينهى عن شرب الخمر أو ينكره، إلاّ ما أورده السّيوطي من أمالي ابن دريد.
(7) - أمالي القالي، ج1، ص: 194. (1/148)
صفحة 134
وصايا قصيّ بن كلاب لبنيه:" ... وإيّاكم وشرب الخمر، فإنّها إن أصلحت بدنا أفسدت ذهنا. " (1)
قال أبو منصور الأزهري: " وألفيته أنا على كبر سنّه سكران، لا يكاد يستمرّ لسانه على الكلام من سكره. " (2)
ويقول السّيّد مصطفى السّنوسي: " لا نستطيع أن نصف ابن دريد بالتّقوى والورع، ولا نجد في أخباره ما يصدّق قوله: (كلّ الذّخائر غير تقوى ذي الجلال إلى نفاذ). بل لعلّ ما تواتر من أخباره يبعد به عن ذلك ... وتكاد تجمع مصادر ترجمته على ولعه بالخمر، ولا يؤخذ عليه في خلقه ودينه غير هذا المطعن، وهو حسبه، فالخمر أمّ الخبائث. ونحن لا نبرّئه، ولا نتصدّى للدّفاع عنه ... " (3)
إلاّ أنّ هناك من دفع عنه هذه التّهمة التي ألصقت به، وعدّها من كيد الحسّاد والمغرضين. قال السّيوطي: " لو صحّ شرب الخمر صحّت توبته منها كما في البغية." (4) الرّأي نفسه نجده عند أبي إسحاق طفيش، فهو لا يرى لهذه التّهمة أساسا من الصّحّة: "واتّهموه باللّهو والخمرة، حتّى رووا عنه في هذا أشياء، اللّه أعلم بصحّتها، لم أر لمن ذكره من أصحابنا أنّه نسب له شيئا من تلك التّهم، ولا يبعد أن تكون من قبيل الدّسّ. " (5)
المهمّ إنّ هذا جانب مهمّ في سيرة ابن دريد، يجب البحث فيه بكلّ موضوعية، والنّظر فيه بوعي وفطنة؛ للوصول إلى الحقيقة.
يضاف إلى ذلك ما اتّهم به من التّلفيق ونقل الأخبار من دون تمحيص، والسّذاجة أحيانا في تقبّل الأخبار ورواية الأحداث واختراع الأقاصيص (6). يجب دراسة هذا الجانب بدقّة؛ حتّى تتّضح شخصية ابن دريد أكثر، وبعدها تتميّز مكانته الحقيقية.
__________
(1) - تعليق من أمالي ابن دريد، ص: 223. نقلا عن " المزهر " للسّيوطي: 1/ 163.
(2) - كتاب جمهرة اللّغة، ج1 (المقدّمة)، ص: 7. وَرَوَوْا أنّه كان يتعاطاها وقد جاوز التّسعين من عمره. (المصدر نفسه).
(3) - تعليق من أمالي ابن دريد، ص: 17، 18.
(4) - ديوان شعر ابن دريد، تحقيق محمد بدر الدّين العلوي، ص: 21. ومحمد بدر الدّين نفسه يرى هذا الرّأي، بل هو ينفي أن يكون ابن دريد شاربا الخمر، ولا مرتكبا الأشياء المحرّمة. (المصدر نفسه).
(5) - الملاحن، (تحقيق أبي إسحاق طفيش)، ص: ل.
(6) - ينظر كتاب النّثر الفنّي في القرن الرّابع، ج1، ص: 246 وما بعدها. (1/149)
صفحة 135
كثر الطّعن على ابن دريد في علمه وأخلاقه ... ردّ على هذا القدح من يعرفون للرّجال أقدارهم، ومن له دراية بسلوك النّاس في هذه المجالا ت. من بين هؤلاء الذين عرفوا ابن دريد جيّدًا، من خلال معايشته له في مؤلّفاته وفكره ومواقفه، وممّا قدّم عنه من دراسات وأبحاث. الباحثُ السّيّد مصطفى السّنوسي. قال: " ويجدر بنا دفاعًا عن الحقّ والحقيقة قبل الدّفاع عن ابن دريد أن نتساءل: لماذا كان جلّ الطّاعنين على ابن دريد من الموالي: نفطويه، والأزهري، وحمزة الأصفهاني، والكرماني؟ ترى هل كان للشّعوبية دور في هذه الحملة المغرضة التي وجّهت لابن دريد؟ نعم قد نوقشت قضيّة الشّعوبية بحرارة، واشترك فيها من جانب الشّعوبيّين حمزة الأصفهاني، وكان ابن دريد من أبرز المدافعين عن قوميّتهم العربية، ومن الحقائق المعروفة أنّ ابن دريد ألّف كتابه (الاشتقاق) للرّدّ على الشّعوبية والشّعوبيّن " (1)
في التّعليق ردٌّ غير مباشر على الطّعون التي وجّهت لشخصيّة ابن دريد، وفيه لفتة مهمّة إلى بعض الأسباب التي قد تكون أفرزت هذه التّهم هذه الإشارة تفصح عن الصّراع الثّقافي الذي كان سائدًا في العصر الذي عاش فيه ابن دريد.
أغلب الدّارسين يقرّون بأنّ ابن دريد كان صاحب الأخلاق العالية، والسّجايا الطّيّبة، وهي من العوامل التي جعلت منه شخصية مرموقة، ترنو إليه الأنظار بعيون الإكبار والاحترام. يقول الدّكتور محمد صالح ناصر: " وشعر ابن دريد أغلبه يتّجه هذا الاتّجاه التّربوي المتشبّع بالرّوح الإسلامية، بل أقول بالرّوح العربية التي هذّبها الإسلام. ففي شعره ذاك عناية خاصّة بالأخلاق الفاضلة، من كرم ونجدة وشجاعة واعتزاز بالنّفس، وهي أخلاق شهد له بها عارفوه .. " (2)
ب – صفاته ومؤهّلاته
يتمتّع ابن دريد بمميّزات خاصّة، ومؤهّلات عالية أسهمت في الرّفع من مكانته، وساعدته على التّفوّق والنّبوغ وكثرة العطاء العلمي، منها الذّكاء وقوّة الذّاكرة والحافظة السّريعة ...
1 - الذّكاء:
__________
(1) - محمد بن الحسن بن دريد، ص: 181. ينظر السّنوسي، تعليق من أمالي بن دريد، ص: 87. ومقدّمة الاشتقاق، ص: 31. يقول الدّكتور محمد صالح ناصر: نفطويه ليس من الموالي، بل هو عربي من الأزد، كما جاء في وفيات الأعيان لابن خلّكان.
(2) - محمد بن الحسن بن دريد، ص: 122. (1/151)
صفحة 136
نستشفّ حدّة ذكاء ابن دريد وفطنته من مقولته، وهو يشرح لماذا كان يضنّ بعلمه على من ليس له أهلا. فلقد رأى بقوّة بصيرته وسداد رأيه واتّقاد ذكائه أنّ تقديم ذلك لمن لا يستحقّه مضيعة للوقت واحتقار للعلم، وتضييع له وازدراء بأهله: " عاشرت العقلاء كالمسترشد، ودامجت الجهّال كالغبيّ؛ نفاسة بالعلم أن أبثّه في غير أهله، وأضعه بحيث لا يعرف كنه قدره، حتّى تناهت بي الحال إلى صحبة أبي العبّاس ... " (1)
في هذا التّصرّف ذكاء ونباهة وفطنة وكياسة. كأنّي به يتمثّل قول زهير بن أبي سلمى: ...
وَمَنْ َيْجَعلِ المَعْروُفَ فِي غَيْرِ أَهْلِهِ ... يَكُنْ حَمْدُهُ ذَمًّا عَلَيْه ِوَيَنْدَم
2 – قوّة الذّاكرة:
عن ذاكرته تروى عنه نوادر كثيرة، وتحكي أعمالُه حقيقتَها، وكيف كانت سببا من أسباب ذيوع صيته، وكسبه شهرة علميّة كبيرة. قال عنه أبو إسحاق طفيش: " ولابن دريد خاصّة امتاز بها، وهي قوّة الحفظ، ما لم يدانه أحد فيها، وكان يقرأ عليه دواوين العرب فيسابق إلى إتمامها من حفظه، وكان واسع الرّواية ... " (2)
ممّا يدلّ ويؤكّد على هذه الموهبة أو هذه الصّفة، هذه النّادرة التي حكاها ابن دريد عن نفسه. قال: " ... فدخل يوما عمّي وأبو عثمان يرويني قصيدة الحارث بن حلّزة، التي أوّلها:
آذَنَتْنَا بِبَيْنِهَا أَسْمَاءُ ... رُبَّ ثَاوٍ يُمَلُّ مِنْهُ الثّوَاءُ
فقال لي عمّي: إذا حفظت هذه القصيدة وهبت لك كذا، ثمّ دعا المعلّم ليأكل معه، فدخل إليه فأكلا، وتحدّثا بعد الأكل ساعة، فإلى أن رجع المعلّم حفظت ديوان الحارث بن حلّزة بأسره، فخرج المعلّم فعرفته ذلك، فاستعظمه وأخذ يعتبره عليّ فوجدني قد حفظته، فدخل إلى عمّي فأخبره فأعطاني ما كان وعدني به. " (3)
ممّا يقوم دليلا على قوّة ذاكرته أيضا أنّه أملى " الجمهرة " من ذاكرته عدّة مرّات. أملاها في فارس والبصرة وبغداد، وكان لا يستعين بالنّظر في شيء من الكتب إلاّ في باب
__________
(1) - كتاب جمهرة اللّغة، ج1، ص: 3.
(2) - الملاحن (تحقيق أبي إسحاق)، ص: ط. ينظر أيضا كتاب جمهرة اللّغة، ج1 (المقدّمة)، ص: 7.
(3) - كتاب جمهرة اللّغة، ج1 (المقدّمة)، ص: 4، 5. (1/152)
صفحة 137
الهمزة واللّفيف، فإنّه رجع إلى بعض الكتب، كما ذكر ذلك ابن ميكال. مع ملاحظة أنّه أملاها وقد نيّف على السّبعين من عمره.
روى عن عبد الرّحمن، ابن أخي الأصمعي العديد من كتب عمّه: " ويعتبر ابن أخي الأصمعي من المشايخ الذين طبعوا شاعرنا بطابع المحدّث الذّلق، ومن الذين أثّروا في ذاكرته بعديد النّوادر والشّوارد والألغاز، التي لا تروى إلاّ على أمثاله. " (1) قال أبو الطّيّب اللّغوي في كتابه " مراتب اللّغويّين ": " كان أحفظ النّاس وأوسعهم علما وأقدرهم على الشّعر، وما ازدحم العلم والشّعر في صدر أحد ازدحامهما في صدر خلف الأحمر وابن دريد ... " (2)
قال الدّكتور أحمد درويش: "ولا يخفّف من الاندهاش من قوّة الذّاكرة في هذه الحالة أن يقال – كما كان بعض معاصري ابن دريد يقولون- إنّ كتاب الجمهرة كان في جوهره إعادة لترتيب المادة اللّغوية التي تضمّنها كتاب (العين) للخليل بن أحمد. فَأَنْ يعاد حتّى ترتيب مادة ضخمة كتلك في الذّاكرة، وليس في الأوراق، وعلى أساسين متباعدين، ينتمي أوّلهما إلى ترتيب مخارج الحروف، وينتمي آخرهما إلى ترتيب الحروف الأبجدية، أي ينتمي الأوّل في الحقيقة إلى أساس سمعي للّغة، وينتمي الثّاني إلى أساس بصري لها (3) أن يحدث هذا كلّه في ذاكرة رجل في الرّابعة والتّسعين، فإنّه لأمر يدعو إلى التّأمّل في شدّة خصوبة الفترة التي وقعت بين تاريخ ميلاده وتاريخ وفاته." (4)
3 – الجرأة على الخروج عن المألوف:
عرف عن ابن دريد الجرأة والخروج عمّا ألف النّاس. ولعلّ هذا من الأسباب التي جعلت كثيرا من النّاس، حتّى الدّارسين لا يفهمون، أو لا يعون بعض تصرّفاته، فوصفوه بأنّه ملفّق للأخبار، ومخترع للأقاصيص، وأنّه مفتعل لبعض ما لم يعرف عن العرب من ألفاظ وتراكيب.
يقول الدّكتور محمد صالح ناصر: " وإلى جانب الحفظ وقوّة الاستيعاب وهبه الله حسًّا دقيقًا، وذهنًا يقظًا، وذكاء وقّادُا، اهتدى بها إلى أن يسبق إلى اختراع مناهج في تحقيق اللّغة، ويجمع في صدره رصيدًا ضخمًا من لغة الأقدمين والمعاصرين له. بل إنّه تفتّح أيضًا على الثّقافات في عصره، فعرف منها طرفًا صالحًا، أو كان ملمًّا بها،
__________
(1) - ديوان ابن دريد (تحقيق ودراسة) عمر، ابن سالم، ص: 10، 11.
(2) - كتاب جمهرة اللّغة، ج1 (المقدّمة)، ص: 7.
(3) - للمقارنة بين طريقتي (العين) و (الجمهرة) ينظر د. أحمد عمر مختار، البحث اللّغوي عند العرب، ط6، عالم الكتب، القاهرة، 1988م، ص: 204 وما بعدها.
(4) - ابن دريد الأزدي وتأثيره في الدّرس والنّصّ الأدبي، ص: 14، 15. (1/153)
صفحة 138
كما تدلّ على ذلك إشاراته إلى اللّغة الفارسية، والرّومية، والنّبطية، والحبشية، والهندية في كتاب الجمهرة " (1)
ما اتّصف به ابن دريد من صفات دفعت به إلى مصافّ الرّجال الكبار هي نتاج عبقرية منتجة مثمرة، تضافر على إيجادها استعداد فطري، وعمل دؤوب على تنميتها والعمل على تخصيبها فأنتجت علمًا وأدبًا وفنًّا ... وأفرزت تميّزًا وتفوّقًا. وفي هذا يقول علي بن محسن آل حفيظ مبيّنًا طبيعة هذه العبقرية، وموضّحًا العوامل التي ساعدت على وجودها، فكان منها الجديد المتجدّد من الأعمال والآراء والنّظريات:" ... ونحسب أنّ عبقرية ابن دريد الأدبية واللّغوية مرجعها لسببين اثنين هما:
نقاوة عقلية ابن دريد، وسلامة سليقته العربية، حيث أنّه من بيئة صريحة في عروبتها، لم تلوّثها العجمة أو اللّكنة غير الفصيحة. زيادة على صفاء ذهني، يعمل على استيعاب العلم بسرعة كصفاء عُمان وتكويناتها الطّبيعيّة.
الأمر الثّاني أو السّبب الثّاني شيوخ العلم والأدب الذين نهل ابن دريد على أيديهم للاكتساب أكثر فأكثر من العلوم الأدبية واللّغوية ... " (2)
4 - الأمانة العلمية:
سجّل الدّكتور محمد صالح ناصر ملاحظة مهمّة عن مؤلّفات ابن دريد، ترفع من مكانته وتثمّن مصنّفاته، هي الأمانة العلمية، التي تسمو بأخلاقه إلى الدّرجات العلى، وتسوّده في أوساط النّاس، وتصنع منه باحثًا نزيهًا منصفًا، محترمًا للعلم والعلماء. " والذي نطمئنّ إليه من خلال ما رأيناه في مؤلّفاته هو أنّ ابن دريد يتّصف بالتّحرّي العلمي الدّقيق؛ ممّا ينفي عنه كلّ شيءٍ يراد له من هذا الجانب. هذه الصّفة التي أهّلته ليحتلّ هذه المكانة العلمية المرموقة. وقد رويت عنه في هذا المجال أخبار يمكن أن تكون ردًّا حاسمًا على أولئك الذين اتّهموه بالاختلاق والتّلفيق والتّساهل في الرّواية " (3)
يقول عنه الدّكتور عبد السّميع محمد أحمد: " وابن دريد في معجمه أمين، ينقل عن العلماء ويتحدّث عن مصادره، فيذكر أسماء من ينقل عنهم، ويشير أحيانًا إلى
__________
(1) - محمد بن الحسن بن دريد، ص: 171. ينظر المزهر، 1/ 279.
(2) - ابن دريد الأزدي (ندوة من أعلامنا الرّابعة)، ص: 160، 161.
(3) - محمد بن الحسن بن دريد، ص: 177. (1/154)
صفحة 139
كتبهم. وممّن نقل عنهم أو أشار إليهم أو إلى كتبهم: الخليل، والأصمعي، أبو حاتم، وأبو عبيدة، وكذلك هو أمين، حين لا يعرف شيئًا فيقول: لا أدري ما هو" (1)
5 - الإبداع والابتكار
أغلب من كتب عن ابن دريد لم يغفل الإشارة والإشادة بصفة الإبداع في كتابات ابن دريد تأليفًا وإنشاءً: شعرًا ونثرًا. وقد أنتجت هذه الصّفة مصنّفات كثيرة قيّمة، وأعطت أدبًا رفيعًا جيّدًا، ودفعت بالحركة العلمية والأدبية قدمًا إلى الأمام، وفتحت أمام المبدعين مجالات عديدة للتّطوير والابتكار، وفي بعض ما تناولناه في هذه الدّراسة المتواضعة بيان لهذا الجانب، وتوضيح لصفة الإبداع والابتكار في فكره وأدبه.
أحسن من أولى هذه الظّاهرة – فيما اطّلعت عليه – وفصّل فيها القول الدّكتورة فتحية توفيق صلاح في دراسة عنوانها: " الإبداع عند ابن دريد " (2) الدّراسة كانت هادفة إلى معرفة الصّفات التي جعلته مبدعًا، وصنعت منه رجل فكر وحضارة، بما أنتج من معارف كان فيها أصيلا وركنًا ركينًا في الفكر والثّقافة الإسلاميين.
قامت الدّراسة لتجيب عن أسئلة ثلاثة: " ما العوامل والقُوى التي أثّرت في بناء شخصية ابن دريد العلمية وتكوينها؟
ما الصّفات الإبداعية التي تمكّنت الباحثة من التّوصّل إليها من خلال مراحل حياة ابن دريد؟
ما أبرز مصنّفات ابن دريد؟ وما أهمّ ما اشتمل عليه كلّ مصنّف؟ وما هي التّوجّهات الإبداعية التي تجلّت في هذه المرلّفات؟ " (3)
اكتشفت الدّراسة أنّ ابن دريد يتّصف بالصّفات الإبداعية الآتية:1 - العقل المفتوح، الذي أبعده عن الجمود الفكري والتّصلّب في الرّأي. 2 – الطّلاقة اللّغوية. 3 – القدرة الابتكارية. 4 - التّمتّع بالاستقلالية والبعد عن صفة التّبعية. 5– الإحساس المرهف نحو المشكلات والمواقف التي تعرض له، أو تحدث أمامه. 6– الاتّزان وعدم التّسرّع إلى النّجاح والشّهرة والمجد ... 7 – الحزم والبعد عن التّردّد، والإخلاص في العمل وتحمّل المسؤولية بكفاية عالية 8 – الثّقة بالنّفس، وهي التي دفعته إلى المثابرة ومواصلة العمل، والإنتاج المتجدّد والاستمرار والإدمان في البحث وتقصّي دقائق الأمور ... فقدّم الكثير إلى
__________
(1) - ابن دريد الأزدي (ندوة من أعلامنا الرّابعة)، ص: 111، 112. ينظر د. عبد السّميع محمد، المعاجم العربية، ص: 73.
(2) - ينظر كتاب ابن دريد الأزدي أعلم الشّعراء وأشعر العلماء، المجلّد الأوّل، ص: 99 – 121.
(3) - المرجع السّابق، ص: 100. (1/155)
صفحة 140
الحضارة الإسلامية. 9– التّمتّع بتعدّد الميول والاهتمامات، فكان المعلّم، واللّغوي، والنّحوي، والرّاوية، والنّسّابة، والأديب، والمؤلّف ...
من مجموع الصّفات، التي سجّلتها الدّكتورة في هذه الدّراسة القيّمة. وكلّها من مقوّمات الإبداع في الفكر بكلّ أشكاله وأنواعه ... قالت: " ... في كلّ ما ذكر تجلّت الصّفات الإبداعية، التي جعلت ابن دريد عالمًا بارزًا وهي: الحافظة القويّة، والذّاكرة الوفيّة لصاحبها، والطّلاقة اللّغويّة، والقدرة الابتكاريّة، وأصالة الأفكار والمعاني والألفاظ، والإكثار من المترادفات، وتوليد المعاني، والتّطوير، والإنتاج المتجدّد، وغزارة الألفاظ وتنوّعها، مع حسن ... تصريفها، والمثابرة والاستمراريّة في البحث، وتقصّي دقائق الأمور، وتنوّع الميول والتّوجّهات، والقدرة على اللّعب بأساليب الكلام. كلّ هذا من المقوّمات العلميّة الإبداعيّة. " (1)
6 - الذّوق الشّخصي:
من الصّفات التي توفّرت عليها شخصية ابن دريد، وهي من شارات التميّز، التي تساعد وتعطي الفرصة، وتفسح المجال للإبداع، الذّوقُ الشّخصي، الذي يكون الفيصلَ في قبول كلام أو عبارة أو كلمة، أو رفضها وردّها: " وكانت حصيلة ذلك كلّه امتلاك ابن دريد موقفَا نقديًا واضحَا ورصينًا، يرتكز على فكر لغوي ناضج وأصيل ... " (2)
الذّوق الشّخصي الرّفيع الذي تمتّع به ابن دريد، هو نتيجة لما يملكه من حسّ دقيق، وذكاء عميق، وقد ساعداه على تعمّق أسرار الحياة، وفهم طبائع النّاس، كما أدّيا به إلى تقديم الصّور الواقعية للأوضاع المعيشة، فجاءت معالجاته لها عميقة ودقيقة. نلمس آثار ذلك في أحاديثه، وفي الحكمة التي غلبت على نتاجه الإبداعي: شعرًا ونثرًا.
جـ زعامته
تمكّن ابن دريد بفضل ما تمتّع به من صفات ومميّزات – أتينا على ذكر بعضها فيما سبق – أن يتسنّم قمّة المجد، وأن يحتلّ مكانة مرموقة في قلوب النّاس، وأن يحظى بالزّعامة في كثير من المواطن والمجالات. نذكر بعضًا منها فيما يأتي:
1 – ابن دريد من بيت علم ورئاسة ومجد، كان أبوه من الرّؤساء وذوي اليسار، وكان عمّه الحسين بن دريد وجدّه " دريد" من العلماء، وقد روى عنهم الأخبار والأنساب. وكان أبوه " (حمامي) أوّل من أسلم من آبائه، وهو من السّبعين راكبا الذين خرجوا مع عمرو بن العاص من عمان إلى المدينة، لمّا بلغهم وفاة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حتّى أدّوه. " (3)
2 – هو ممّن أكسب مدرسة البصرة شهرة وازدهارا، بفضل علمه الغزير وأديه الرّفيع، وبفضل ما تفرّد به من مسائل، وما قام به من تحقيقات كشفت عن عبقريّته ونبوغه. قال عمر، ابن سالم: " ... وقد تمّت له في هذه المرحلة (المرحلة البصريّة الأخيرة) (301 – 308 هـ) زعامة مدرسة البصرة اللّغويّة، واعتبره المؤرّخون خير مدافع عن مجد المدينة العلمي. " (4)
3 – كان إماما في اللّغة والأدب في عصره، وكانت تفد عليه وفود الطّلبة والتّلاميذ من أنحاء العالم للتّلمذة عليه، وكانت تقصده العلماء لمساءلته في مسائل لغويّة وعلميّة، لتبحّره في العلم. قال عنه المسعودي: " كان ابن دريد ببغداد ممّن برع في زماننا هذا في الشّعر، وانتهى في اللّغة، وقام مقام الخليل بن أحمد فيها، وأورد أشياء في اللّغة لم توجد في كتب المتقدّمين ... وقال الكمال الأنباري، كان من أكابر علماء العربيّة، مقدّما في اللّغة وأنساب العرب وأشعارهم " (5)، وقال القالي كنت أسأله عن شكوكي في اللّغة (6)
4 – حظي ابن دريد بمكانة سامية عند رجال السّياسة؛ فقد تقلّد ديوان فارس في عهد آل ميكال، وكانت الكتب لا تصدر إلاّ بتوقيعه، ولا تنفذ الأوامر إلاّ بإشارة منه. هذه الزّعامة أكسبته دربة وتجربة في السّياسة، إلى جانب ما تعلّمه في عمان لمّا اطّلع على السّياسة الدّاخليّة لها.
كذلك كانت له حظوة عند بلاط المقتدر باللّه، إذ أكرم وفادته، وعيّنه واليا على سوق الأهواز (7) ثمّ أجرى له راتبا شهريّا، يتقاضاه إلى أن توفّاه الله. مجمل القول كان ابن دريد ذا مكانة معتبرة عند كثير من فئات المجتمع.
__________
(1) - المرجع السّابق، ص: 116.
(2) - المرجع السّابق، ص: 225.
(3) - ديوان شعر ابن دريد، تحقيق محمد بدر الدّين العلوي، ص: 2. ينظر أيضا كتاب جمهرة اللّغة، ج1 (المقدّمة)، ص: 4.
(4) - ديوان ابن دريد، تحقيق ودراسة عمر، ابن سالم، ص: 12.
(5) - كتاب جمهرة اللّغة، ج1 (المقدّمة)، ص: 7.
(6) - المصدر السّابق، ص: 12، لقد كانت وفاة ابن دريد ووفاة متكلّم المعتزلة في يوم واحد، فقال النّاس: اليوم مات علم اللّغة وعلم الكلام.
(7) - ديوان ابن دريد، تحقيق ودراسة عمر، ابن سالم، ص: 12. (1/156)
صفحة 141
الفصل الخامس
مكانة ابن دريد العلميّة
نال ابن دريد مكانة علميّة مرموقة بين من يعرف للعلم قدره، وللعلماء أفضالهم؛ وذلك لدأبه وجدّه، وحرصه على التّحصيل، ثمّ لتفرّغه للتّعليم وإعداد الرّجال، وخدمة المعرفة واللّغة العربيّة بخاصّة.
1 - عن تعلّمه وتحصيله، يكفي أن نذكر أنّه تخرّج على أيدي علماء فطاحل: أساطين في اللّغة، وجهابذة في العلم، مبرّزبن في ميدان المعرفة. عدّد له مصطفى السّنوسي حوالي اثنين وعشرين شيخا (22) ومحقّق كتاب " الاشتقاق " تسعة عشر شيخا (19) بين من هو مشهور، ملأ اسمه الآفاق، وترك مؤلّفات مهمّة، ومن هو دون ذلك في الشّهرة. نسجّل أنّ هؤلاء الشّيوخ ليسوا سواء من حيث تأثيرهم في ابن دريد.
كان ابن دريد شديد الرّغبة في العلم والتّحصيل. تروى عنه هذه النّادرة: " قال السّمعاني سمعت الأمير أبا نصر أحمد بن الحسين بن أحمد بن عبد الله بن أحمد الميكالي، يقول: تذاكرنا المنتزهات يوما وابن دريد حاضر، فقال بعضهم: أنزه الأماكن غوطة دمشق، وقال آخرون: بل نهر الأبلة، وقال آخرون: بل سفد سمرقد، وقال بعضهم: نهروان بغداد، وقال بعضهم: نوبهار بلخ، فقال: هذه منتزهات العيون، فأين أنتم من منتزهات القلوب، فقلنا وما هي يا أبا بكر؟ قال: (عيون الأخبار) للقتيبي، و (الزّهرة) لابن داود، و (قلق المشتاق) لابن طاهر، ثمّ أنشأ يقول:
وَمَنْ تَكُ نُزْهَتَهُ قَيْنَةٌ ... وَكَأْسٌ تُحَثُّ وَكَأْسٌ تُصَبْ
فَنُزْهَتُنَا وَاسْتِرَاحَتُنَا ... تَلَاقِي العُيُونِ وَدَرْسُ الكُتُبْ" (1)
__________
(1) - كتاب جمهرة اللّغة، ج1 (المقدّمة)، ص: 9، 10. (1/157)
صفحة 142
هذه النّادرة تثبت شغف ابن دريد ورغبته في التّحصيل، إذ كان لا يجد راحته ولا تطمئنّ نفسه إلاّ مع الكتب. هذه الميزة هي من عوامل تكوّنه وسعة علمه وتفوّقه بعد ذلك.
روى عنه أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر – رحمه اللّه – قال حدّثنا أبو حاتم عن الأصمعي، قال: سمع يونس رجلا ينشد:
اسْتَوْدَعَ العِلْمَ قِرْطَاسًا فَضَيَّعَهُ ... وَبِئْسَ مُسْتَوْدَعُ العِلْمِ القَرَاطِيسُ
قال قاتله اللّه!! ما أشدّ صبابته بالعلم، وصيانته للحفظ، إنّ علمك من روحك، ومالك من بدنك، فصن علمك صيانتك روحك، ومالك صيانتك بدنك. " (1)
تعليق ابن دريد الظّريف على ملاحظة يونس، تكشف عن حبّه العميق للعلم، وعن حرصه الشّديد على صيانته، حتّى إنّه لم يرض بالقرطاس مستودعا، ورأى الرأس أولى بذلك. ولم يكتف بهذا بل قدّم إرشادا وتوجيها للمحافظة على العلم بوصفه – في الحرمة والقيمة – كالبدن الذي يجب المحافظة عليه وصيانته. هذا هو ابن دريد في حبّه العلمَ وشغفه به. بهذه الرّوح وهذه الإرادة كوّن نفسه، وتحصّل على زاد جمٍّ في العلم والمعرفة (2) أهّلته لأن يتصدّى للتّعليم بكفاية.
2 - كان شغوفا جدّا بهذه المهنة، وهذه المهمّة (التّعليم)، التي كان يراها أعزّ ما يمتهن، وما يشغل به نفسه. لحرصه على التّعليم كان يهتبل الفرص لذلك، ويوجد الوسائل إن لم تتوفّر، ويبتكر الطّرق إن لم تتهيّأ، وما يدلّ على تعشّقه مهنةَ التّعليم أنّه بقي وفيّا لها ولرسالته العلميّة إلى آخر رمق من حياته. يذكر أبو عليّ القالي: " كنت أسأله عن شكوكي في اللّغة وهو بهذه الحال – يعني مرض موته – فيردّ بأسرع من النّفس بالصّواب. وقال لي مرّة، وقد سألته عن بيت شعر: لئن طفئت شحمتا عيني لم تجد من يشفيك من العلم." (3)
لهذه المكانة وهذا المستوى من الكفاية العلميّة والتّربويّة التي انتزعها ابن دريد، دعاه ابن ميكال ليكون مؤدّبا لابنه إسماعيل، وللسّبب نفسه عيّن له المقتدر باللّه راتبا شهريّا ليتفرّغ للعلم والتّعليم.
__________
(1) - أمالي القالي، ج1، ص: 223.
(2) - لا ننسى ما لرحلاته من فوائد جمّة، فقد أكسبته علما وتجربة كبيرين، عزّزت مكانته بين العلماء والنّاس.
(3) - كتاب جمهرة اللّغة، ج1 (المقدّمة)، ص: 12. (1/159)
صفحة 143
3 - لقد ترك لنا ابن دريد جملة من التّلاميذ، كان لهم دور كبير في مسيرة الفكر الإسلامي، وبخاصّة في مجال اللّغة والأدب (1) ذكر السّيّد مصطفى السّنوسي من تلاميذه العلماء حوالي أربعة وستّين تلميذا (64). وأحصى منهم محقّق كتاب الاشتقاق خمسة وأربعين تلميذا (45).
قال مصطفى السّنوسي: " تصدّر (أي ابن دريد) في العلم ستّين سنة، له حلقات درس ومجالس علم، يؤمّها تلاميذه ومريدوه؛ للسّماع والتّلقّي. ولا نعدو الصّواب إذا قلنا: إنّ كلّ إنتاجه النّثري إنّما كان بمثابة محاضرات أعدّها ليلقيها على تلاميذه ومريديه، كما أنّ كثيرا من إنتاجه الشّعري إنّما هو من الشّعر التّعليمي، وكلّ من ترجموا للرّجل لم يعرفوا له عملا غير قيامه بالتّعليم، والتّوفّر له حيثما رحل وأقام. " (2)
4 - إلى جانب التّعليم ترك ابن دريد للمكتبة تآليف وتصانيف وأمالي كثيرة، تنوّعت بين اللّغة والأدب والنّحو والتّاريخ والأنساب والنّوادر ... أحصى له السّيّد مصطفى السّنوسي ما يقرب من الأربعين أثرا، بين مطبوع ومخطوط ومفقود، (3)
المؤلّفات الكثيرة المتنوّعة التي تركها ابن دريد، تدلّ على طول باع الرّجل في المعرفة، وعلى سعة نتاجه العلمي، وهو ما يعزّز مكانته في المجال العلمي والمعرفي. كما أنّ ما هو مفقود من نتاجه، لا شكّ أنّه - حين يكشف عنه - يزيد شخصيّة صاحبنا وضوحا. نأمل ونرجو من الباحثين الجادّين، الذين يسعون إلى خدمة المعرفة وإنصاف الرّجل والعلم والثّقافة، أن يسعوا إلى البحث عنه، ونشره ليُستفادَ منه ...
5 - يقول علي بن محسن آل حفيظ: " ويمكن معرفة مكانة ابن دريد من خلال ما أضفى عليه من مدح وإطراء من قبل رجال عصره، علماء وأدباء وفلاسفة وأرباب حكم وسلطة، فقد اعتبر ابن دريد أنّه أعلم أهل زمانه باللّغة وأيّام العرب وأنسابها، كما قيل عنه أعلم الشّعراء وأشعر العلماء، كما عرف بسعة الرّواية وسرعة الحفظ وقوّته.
فكما هو مؤكّد عقلاً، فإنّ هذا الإطراء والإجلال لابن دريد، من قبل رجال ... عصره وصفوة علمائه وأدبائه، لن يتأتّى إلا بعد أن عمّت شهرة ابن دريد الآفاق، كما أنّ هذه الشّهرة لم تأتِ صدفة، أو بفعل ظروف طارئة غير محسوبة أو مخطّط لها ... " (4)
6 - كما أنّ ورود اسم ابن دريد في مختلف المصادر والمصنّفات التي تناولت مجال اللّغة بخاصّة؛ مشرقًا ومغربًا، وبمختلف أشكال التّناول، يعزّز مكانته العلمية. نقف على هذه المكانة التي تبوّأها ابن دريد بين العلماء، وفي التّفوّق العلمي من قراءة عناوين بعض الدّراسات التي ألقيت في المؤتمر السّابع المخصّص لابن دريد الأزدي، الذي أقامته وحدة الدّراسات العمانية، جامعة آل البيت بالأردن:
أ – ابن دريد في الذّاكرة العمانية للشّيخ أحمد بن سعود السّيّابي (5)
ب – ابن دريد وجمهرته في المصادر التّراثية للدّكتور حنّا حدّاد (6)
ج - في مواجهة النّصّ: ابن دريد في شرح الحماسة للمرزوقي نموذجًا للدّكتور سعيد جاسم الزّبيدي (7)
د – ابن دريد في المصادر العربية للدّكتور محمد حسين محاسنة (8)
هـ ... – ابن دريد في الأندلس والمغرب العربي للدّكتور أبو القاسم سعد الله (9)
و – صورة ابن دريد في المصادر العمانية للأستاذة نهلة أحمدعبد الباقي (10)
7 _ مكانة ابن دريد العلمية تتّضح وتبرز في وجود مكان له ولمؤلفاته في الشّبكة العنكبوتية، كما تبيّن ذلك دراسة الأستاذ حسين ترّوش: " النّصّ الإلكتروني ودوره في التّعريف بابن دريد" (11) مع ما توفّر من معلومات عن ابن دريد
__________
(1) - كان له صنفان من التّلاميذ: مريدون لازموا حلقاته، وتلاميذ رواة عابرون، يغادرون حلقاته بمجرّد أن يفيدوا العلم، الذي جاؤوا يطلبونه.
(2) - تعليق من أمالي ابن دريد، ص: 38.
(3) - المصدر السّابق، ص: 31 – 37. ينظر أيضا كتاب جمهرة اللّغة، ج1 (المقدّمة)، ص: 8، 9. وابن دريد، كتاب الملاحن (تحقيق أبي إسحاق طفيش)، ص: ط. وديوان شعر ابن دريد (جمع وتحقيق بدر الدّين العلوي)، ص: 23 وما بعدها. وكارل بروكلمان، تاريخ الأدب العربي، ج2، ص: 178 – 185.
(4) - ابن دريد الأزدي (ندوة من أعلامنا الرّابعة)، ص: 138، 139.
(5) - ابن دريد الأزدي أعلم الشّعراء وأشعر العلماء، المجلّد الأوّل، ص: 187 – 197.
(6) - المرجع السّابق، المجلّد الثّالث، ص: 1711 - 1722
(7) - المرجع السّابق، ص: 1725 – 1750.
(8) - المرجع السّابق، ص: 1753 – 1765.
(9) - المرجع السّابق، ص: 1767 – 1780.
(10) - المرجع السّابق، ص: 1783 – 1798.
(11) - المرجع السّابق، المجلّد الأوّل، ص: 35 – 57. (1/160)
صفحة 144
وجهوده العلمية ومؤلّفاته إلاّ أنّ كلّ كان قليلاً في حقّه، وفي حقّ العلم الذي تركه ذخيرة للمتعلّمين: " ... وإذا أردنا تقييم [تقويم] حضور هذا العالم وأعماله على الشّبكة المعلوماتية فسنجدها غير مرضية، لا من حيث الكمّ، ولا من حيث الكيف. فهذا العلاّمة هو أكبر من أن يوصف في أسطر قليلة، في أحد مواقع الدّردشة، وشعره أكبر من أن يوضع جامدًا على صفحات (الواب)، دون دراسة ولا تحليل، وكتاب (الجمهرة) أهمّ من أن يجهله طلاّب العلم العربي، وقصيدته (المقصورة) هي حقًّا كما وصفها المتقدّمون معلمة للّغة العربية ومقوّمة للّسان " (1)
ما يستنتج من عرض مكانة ابن دريد العلمية العالية التي تبوّأها أنّها جاءت نتيجة حتمية وطبيعيّة، بعد طول مكابدته ومثابرته في التّحصيل العلمي. هذه المجاهدة والمغالبة وفّرت له ثقافة كبيرة متنوّعة، حصل عليها من شيوخ كبار لازمهم، ومن كثرة الرّحلات التي قام بها طلبًا للمعرفة في مظانها، ومن طول مكوثه أما م مجالس العلم يكرع منها، ومن كثرة مصاحبته للكتاب ينهل منه، ويأخذ الحكمة والفائدة، ويحفظ المأثورات المتنوّعة: بين القرآن، والحديث النّبوي، والشّعر الفصيح، والأمثال السّائرة، والحكم الماثورة ... " ممّا أكسبه دراية باللّغة العربية، وتضلّعًا في علومها، وتعمّقًا في أسرارها، وإحاطة بقوانينها وخواصّها، ومعرفة لسنن العرب في كلامها، هذا فضلاً عمّا يتمتّع به من ملكة خاصّة في النّقد، أنضجها طول اشتغال باللّغة العربية، وتمرّس بأساليبها ونقدها ". (2)
هذه العوامل كوّنت منه شخصية علمية مرموقة، يضاف إليها ملازمته لميدان التّعليم طول حياته، وتكوينه لتلاميذ علماء، وهو مجال زاد من صقل تجاربه في مضمار العلم، فترسّخت قدماه فيه، فأنتج وأبدع في التّأليف والتّأصيل للمسائل العلمية، والتّجديد في مناهج الدّرس اللّغوي بخاصّة ... فنال المكانة العلمية التي تليق بالعلماء العاملين. يقول الدّكتور محمد صالح ناصر: " شهرة بن دريد في اختصاصه أصبحت مضرب المثل، وبات علمًا يشار إليه بالبنان في المشرق والمغرب معًا، فكان الأدباء إذا أرادوا التّنويه بعالم في الميدان اللّغوي قارنوا شهرته بشهرة ابن دريد، كما قيل ذلك عن إمام اللّغة أبي بكر الزّبيدي الإشبيلي (إنّه بالمغرب بمنزلة ابن دريد بالمشرق) " (3)
قال عنه الدّكتور عودة أبو عودة: " أرى أنّ أبا بكر بن دريد كان جبلاً من جبال العلم الرّاسيات، وشيخًا من شيوخ اللّغة الكبار، وعالمًا جليلاً أحاط بمختلف علوم اللّغة والفوائد والأخبار والسّير والتّراجم والأصوات وغيرها ... فإنّ ابن دريد كان أمّة، بغزارة علمه، وسعة ثقافته، وتنوّع إنتاجه، وإنّه ما زال يمدّ الثّقافة اللّغوية بفيض لا ينضب من علمه وإنتاجه وآثاره الخالدة " (4)
إذن إنّ ابن دريد كان متميّزًا في عطائه، أمّة بعلمه، وعلمًا قدّم صورة حيّة وصحيحة للعالم العالم، وكان ظاهرة علميّة فنّيّة متميّزة ... من كلّ هذا استحقّ هذه المكانة العالية، التي احتلّها في النّفوس، واستوجب احترام المجتمع له، بكلّ أطيافه، وابتزّ شرف القدوة في ميدان العلم: تعلّمًا وتعليمًا، عبر العصور، فكان حقًّا عالم الفكر والحضارة ...
يلخّص الدّكتور أحمد درويش شخصيّة ابن دريد ويشخّصها في العبارات الآتية: "وبين لحظة البداية المومضة، ولحظة النّهاية الموغلة يشهد العصر نشاط ذاكرة قويّة حافظة مقلبة مجدّدة، تطرق مجالات في الدّرس اللّغوي والأدبي، لم تكن معهودة، وتجدّد فيما كان مألوفًا، وتصل حبل البادية بالحاضرة، والشّمال بالجنوب، والثّقافة العربية بغيرها من الثّقافات، والعلم بالفنّ، وتملأُ الدّنيا، وتشغل النّاس، وتترك الدّنيا والنّاس بين راضٍ عنها أشدّ الرضا، وساخط عليها أبلغ السّخط، لكنّها في كلّ الأحوال لا تدع قارئًا ولا باحثًا يمرّ بالقرن الثّالث أو الرّابع، وهما عصب الحضارة الإسلامية، وإلاّ ويجد نفسه محتاجًا إلى أن يقف ويطيل الوقوف أمام هذه الظّاهرة العلمية الفنّية المتميّزة، ظاهرة أبي بكر بن الحسن بن دريد الأزدي." (5)
__________
(1) - المرجع السّابق، ص: 54.
(2) - ابن دريد الأزدي أعلم الشّعراء وأشعر العلماء، المجلّد الأوّل، ص: 225. ينظرالنّقد اللّغوي في معجمات القرن الرّابع للهجرة: 8. وتاريخ النّقد الأدبي عند العرب للدكتور عبد العزيز عتيق، بيروت، 1980م، ص: 314.
(3) - محمد بن الحسن بن دريد، ص: 185. ينظر المقّري، نفح الطّيب، ج3، ص: 476.
(4) - ابن دريد الأزدي أعلم الشّعراء وأشعر العلماء، المجلّد الثّاني، ص: 1282.
(5) - ابن دريد الأزدي وتأثيره في الدّرس والنّصّ الأدبي، ص: 16. (1/161)
صفحة 145
الخاتمة
هذه هي مكانة ابن دريد العلميّة، وهذه هي منزلته في نفوس الكبار، وهي مكانة تكشف عن عظمة وكبر همّة، وتضمر أسرارا، على ذوي الهمم البحث عنها، وإبرازها للإفادة منها، واستلهامها، والاستنارة بها في هذه الحياة التي تكاد تكون من دون صوى ولا منارات، بسبب طغيان المتغيّرات على الثّوابت في مجتمعاتنا الإسلاميّة، وكدنا بذلك أن نفقد آدابنا ولغتنا وتاريخنا، وبعد ذلك أصالتنا.
في ختام هذا البحث، يمكن إجمال ما قلناه وما سجّلناه من ملاحظات فيما يأتي:
- يعدّ ابن دريد بهذه المعالم التي وضعها الدّارسون عن حياته، وما ذكروا له من مزايا، كروايته وتلمذته على فطاحل العلماء، وما تميّز به من صفات خلقيّة وخلقيّة، وما كان يتمتّع به من علم غزير وثقافة عالية ودراية كبيرة بأسرار اللّغة العربيّة بخاصّة، وما كوّنه من تلاميذ علماء ... يعدّ بكلّ ذلك ركنا ركينا وحصنًا مكينًا من رموز ثقافتنا العربيّة الإسلاميّة، وعلما من أعلام الفكر الإسلامي، الذين أسهموا إسهاما كبيرا في (1/163)
صفحة 146
مسيرته، في بعض مجالاته. وهو ما يفرض علينا الاعتناء به وبسيرته وتراثه؛ حتّى نؤدّي ما علينا من واجب نحو ثقافتنا ولغتنا.
- كلّ ما كتبه ابن دريد أو أملاه، أو حدّث به، كان الغرض منه التّعليم والتّلقين. وكلّ أسلوب ابتكره في نقل الأخبار أو سرد الحكايات، أو اختراع الأقاصيص كان الهدف منه التّعليم أيضا. فقد ندر نفسه لهذه المهمّة، في وقت وجد فيه النّاس في حاجة ماسّة إلى من يعلّمهم أصول لغتهم ويطلعهم على حقيقة أدبهم. وأحسّ هو بدوره بتعلّق النّاس به وبعلمه، وآنس من نفسه الكفاية العلميّة والمقدرة على سدّ هذا الفراغ. فوجّه نفسه هذه الوجهة، وسخّر طاقته في سبيلها.
إنّ المتغيّرات التي أثّرت على الحياة بعامّة دفعت بابن دريد إلى ولوج ميدان التّربية، وتبنّي منهج التّعليم في أحاديثه – بخاصّة - فكان كلّ ما نقله من أحاديث، وما ابتكره من أسلوب في نقل تلك الأخبار، وسرد الحكايات، وما أعمل فيه خياله بالوضع والابتكار كان الهدف منه التّعليم والتّربية. هذا ما أعطى لأحاديثه قيمة معنوية وتربوية كبيرة.
- النّزعة العربيّة ظاهرة في نتاجه الأدبي منه بخاصّة. ولقد كانت هذه النّزعة نعمة كبيرة على اللّغة العربيّة. فبفضلها وبفضل الرّوح التي كان يحملها ابن دريد نحو العربيّة وآدابها ورجالها، تمكّن أن يحميها من التّيارات الدّخيلة، وأن يبرزها في مستوى القوّة والعظمة التي هي من طبيعتها.
- كان تأثير ابن دريد فيمن جاؤوا بعده من اللّغويّين والأدباء والشّعراء واضحا في التّلمذة عليه مباشرة أو بواسطة آثاره العلميّة، وكذا في نقل آرائه ومعارضة كتاباته واستلهامها.
- اهتمام الكتّاب والمؤرّخين والدّارسين والمتعلّمين – على السّواء – بمعرفة التّفاصيل والدّقائق في سيرة ابن دريد يدلّ على مكانة الرّجل وعظمته، وعلى قدره العالي. ويدلّ على ثراء حياته وغناها بالعظات والعبر والدّروس التي تعين على التّكوّن والتّثقّف، لذا يمكن استمداد طرق التّحصيل وأسباب التّعلّم من سيرته.
- مكامن العبر في سيرته كثيرة، يمكن للدّارس الإفادة منها: أخلاقه، حبّه للعلم، طريقة تحصيله له، رحلاته، مكابدته في طلب المعاش، غيرته على العربيّة ودفاعه عنها، صبره على الشّدائد وتحمّله لها ...
- شخصيّة ابن دريد غير واضحة عند بعض الدّارسين، وأخباره غير كاملة، وكثير من آثاره مفقود؛ نتيجة لذلك اختلف النّاس في حقيقته وفي تقدير شخصيّته. فكانوا بين متّهم إيّاه بضعف في الدّين، وملفّق للأخبار ومخترع للقصص، وإدخال ما ليس في (1/165)
صفحة 147
لغة العرب في كلامهم ... ومصدّق له في كلّ ما نقله ورواه، مدافعا عنه بكلّ حماسة وعاطفة.
في كلّ الحالات إنّ الواجب يفرض علينا إعادة النّظر في ما قيل عنه وكتب، والتّحلّي في ذلك بالموضوعيّة والنّزاهة والدّقّة العلميّة في التّناول ...
أخيرا نقترح بعض الموضوعات لدراسة شخصيّة ابن دريد، عساها تسهم في التّعريف الجيّد بالرّجل الذي ملأَ الدّنيا بصوته المتميّز في اللّغة والأدب بخاصّة: ابن دريد شاعرا، ابن دريد لغويّا، ابن دريد معلّما، ابن دريد ودوره في تطوير المنظومة اللّغويّة، أحاديث ابن دريد (دراسة أدبيّة)، ابن دريد ونشوء فنّ المقامات في الأدب العربي، شعر ابن دريد وعلاقته بالبيئة العمانيّة، الحكمة في شعر ابن دريد، المقارنة بين مقصورة ابن دريد ومعارضاتها في الشّعر العماني بخاصّة ...
المصادر والمراجع
1 – بروكلمان، كارل.
تاريخ الأدب العربي، الجزء الثّاني (نقله إلى العربيّة الدّكتور عبد الحليم النّجار)، الطّبعة الثّالثة، دار المعارف بمصر، سنة: 1974م.
2 – ابن دريد، أبو بكر بن الحسن.
أ - كتاب جمهرة اللّغة، الجزء الأوّل، مكتبة المثنّى، بغداد، (د. ت).
ب – الملاحن، تصحيح وتعليق أبي إسحاق طفيش الجزائري، المطبعة السّلفيّة، مصر، سنة: 1347 هـ.
جـ - ديوان شعر ابن دريد، جمع وتحقيق محمد بدر الدّين العلوي، مطبعة لجنة التّأليف والتّرجمة والنّشر، مصر، سنة: 1365 هـ / 1946 م.
د - ديوان ابن دريد، تحقيق ودراسة عمر، ابن سالم، الدّار التّونسيّة للنّشر، تونس، سنة: 1973م.
3 - تيودوري، قسطنطين
معجم الجمهرة ثاني عمل موسوعي في تاريخ العرب (مقال)، مجلّة العربي، الكويت، عدد: ذي الحجّة 1402هـ/ تشرين الأوّل 1982م.
4 – الحصري، أبو إسحاق القيرواني. (1/166)
صفحة 148
زهر الآداب وثمر الألباب، الجزء الأوّل، شرح وضبط زكيّ مبارك، تحقيق محمد محي الدّين عبد الحميد، الطّبعة الثّالثة، مطبعة السّعادة بمصر، سنة: 1372 هـ / 1953م.
5 – الخصيبي، محمد بن راشد (شيخ).
شقائق النّعمان على سموط الجمان في أسماء شعراء عمان، ج1، ط2، نشر وزارة التّراث القومي والثّقافة، (سلطنة عمان)، سنة 1989م.
6 – الخطيب التّبريزي
شرح مقصورة ابن دريد، تحقيق الدّكتور فخر الدّين قباوة، مكتبة المعارف، بيروت، سنة 1414 هـ/ 1994 م.
7– الخليلي، عبد الله بن عليّ (شاعر).
ديوان من وحي العبقريّة، الطّبعة الثّانية، مطابع دار جريدة عمان للصّحافة والنّشر، رويّ، سلطنة عمان، سنة 1410هـ/ 1990م.
8 - درويش، أحمد (دكتور).
ابن دريد الأزدي وتأثيره في الدّرس والنّصّ الأدبي، الهيئة العامّة للرّياضة والأنشطة الشّبابيّة، سلطنة عمان، (د. ت).
9 - الدّقّاق، عمر (دكتور).
مصادر التّراث العربي في اللّغة والمعاجم والأدب والتّراجم، دار الشّرق العربي، بيروت، لبنان، حلب، سورية، (د. ت)
10– زيدان، جرجي.
تاريخ آداب اللّغة العربيّة، الجزء الأوّل، منشورات دار مكتبة الحياة، بيروت، (د. ت).
11 - السّالمي، أبو محمد عبد الله بن حميّد (شيخ).
تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان،، ج1، مكتبة الاستقامة، مسقط، سلطنة عمان، (د. ت).
10 – السّنوسي، السّيّد مصطفى.
تعليق من أمالي ابن دريد (تحقيق)، الطّبعة الأولى، مطابع مقهوي، الكويت، سنة: 1404 هـ/ 1984م.
11– عليّ، عبد الخالق عليّ (دكتور). (1/167)
صفحة 149
الشّعر العماني مقوّماته واتّجاهاته وخصائصه الفنّيّة دار المعارف بمصر، سنة: 1984 م.
12 - ضيف، شوقي (دكتور)
تاريخ الأدب العربي، العصر العبّاسي الثّاني، ط2، دار المعارف بمصر، 1975م
13– فاعور، د. إكرام.
مقامات بديع الزّمان الهمذاني وعلاقتها بأحاديث ابن دريد، تحقيق نادية فاعور، دار اقرأ، بيروت، سنة: 1403هـ/ 1983م.
14– فرّوخ، د. عمر (دكتور).
أ - تاريخ الأدب العربي، الجزء الثّاني (الأعصر العبّاسية)، الطّبعة الرّابعة، دار العلم للملايين، بيروت، لينان، سنة: 1401هـ/ 1981م.
ب – تاريخ الأدب العربي، الجزء الخامس، الطّبعة الأولى، دار العلم للملايين، بيروت، لبنان، كانون الثّاني (يناير)، سنة: 1982م.
ج - تاريخ الأدب العربي، الجزء السّادس، الطبعة الأولى، دار العلم للملايين، بيروت، لبنان، سنة: 1983م.
15 - فوزي، فاروق عمر (دكتور).
دراسات في تاريخ عمان، منشورات جامعة آل البيت، المملكة الأردنية الهاشمية، 1421هـ/ 2000م.
16 – القالي، أبو عليّ إسماعيل.
كتاب الأمالي، منشورات دار الآفاق الجديدة، بيروت، سنة: 1400 هـ / 1980م.
17 – مبارك، زكيّ (دكتور).
النّثر الفنّي في القرن الرّابع، الجزء الأوّل والثّاني، الطّبعة الثّانية، مطبعة السّعادة، مصر، سنة:1957م.
18 - المنذري، محمد بن ناصر بن راشد (دكتور).
تاريخ صحار السّياسي والحضاري من ظهور الإسلام حتّى نهاية القرن الرّابع الهجري، ط1، دار العلوم العربية للطّباعة والنّشر، بيروت، لبنان، 1429هـ/ 2008م.
19 - ناصر، محمد صالح (دكتور). (1/168)
صفحة 150
محمد بن الحسن بن دريد، حياة من أجل الأدب، الهيئة العامّة للرّياضة والأنشطة الشّبابيّة، سلطنة عمان، 1412هـ/ 1991م.
20 - ابن دريد الأزدي، البحوث المقدّمة في ندوة من أعلامنا الرابعة، الهيئة العامّة للرّياضة والأنشطة الشّبابية، سلطنة عمان، 1412هـ/ 1991م.
21 - ابن دريد الأزدي أعلم الشّعراء وأشعر العلماء، المجلّدات: الأوّل والثّاني والثّالث، سلسلة أعمال النّدوات والمؤتمرات (8)، (أوراق المؤتمر الدّولي السّابع)، تحرير الدّكتور عليان عبد الفتّاح الجالودي، الدّكتور كمال أحمد مقابلة، منشورات وحدة الدّراسات العمانيّة، جامعة آل البيت، المملكة الأردنية الهاشمية، 1432هـ/ 2011م.
22 - عمان في التّاريخ، دار أميل للنّشر المحدودة، لندن، 1995م (مجموعة أبحاث ودراسات).
23 - فعاليات ومناشط المنتدى الأدبي، وزارة التّراث القومي والثّقافة، سلطنة عمان، إصدار يونيو 1990م.
فهرس الموضوعات
مقدّمة
الفصل الأوّل
ابن دريد حياته وآثاره (1/169)
صفحة 151
أ - النّسب والمولد
1 - نسبه
2 – مولده
ب – نشأته وثقافته
ج – شيوخه
د - تلاميذه
هـ – آثاره ومصنّفاته
و - مرضه ووفاته
ز - عمانيته
ح - مذهبه
الفصل الثّاني
ابن دريد لغويًا
أ – كتاب جمهرة اللّغة
1 – التّعريف بالكتاب
2 - مآخذ على الكتاب
3 - أثر كتاب الجمهرة في المؤلّفا ت اللّغوية
4 - أعمال على الجمهرة
ب – كتاب الاشتقاق
1 - تمهيد
2 - التّعريف بكتاب الاشتقاق
أ - محتوى الكتاب
ب – منهج الكتاب
ج- مميّزات الكتاب
ج – كتاب الملاحن
1 – مضمون الكتاب
2 - نماذج من النّصوص الواردة في الكتاب
3 - منهج الكتاب (1/170)
صفحة 152
4 - مميّزات الكتاب
د – جهود ابن دريد اللّغويّة الأخرى
الفصل الثّالث
ابن دريد أديبًا
أوّلا: شعره
نظرة عامّة حول شعره
أ – ملاحظات عامّة على شعره
ب – مقصورته
1 - أهميّة المقصورة
2 - مكانة المقصورة في الأدب العربي
أ ... - شروح المقصورة
ب – معارضات المقصورة
ثانيا: أحاديث ابن دريد
أ - مصادر أحاديث ابن دريد
ب - تمهيد في موضوع أحاديث ابن دريد
ج - مضمون أحاديث ابن دريد
د - الخصائص العامّة لأحاديث ابن دريد
هـ ملاحظات عامّة حول هذه الأحاديث
ثالثًا: تعليق من أمالي ابن دريد
الفصل الرّابع
مميّزات شخصيّة ابن دريد
أ – أخلاقه
ب – صفاته ومؤهّلاته
جـ - زعامته
الفصل الخامس
مكانة ابن دريد العلميّة
الخاتمة (1/171)
صفحة 153
المصادر والمراجع
فهرس الموضوعات (1/172)