صفحة 1
الكتاب: سلسلة من فكر العلماء العاملين (1) مفهوم التّاريخ عند الشّيخ محمّد عليّ دبّوز
المؤلف: محمد بن قاسم ناصر بوحجام
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الخامس (1230 عنوان): ربيع الثاني 1438هـ / جانفي (يناير) 2017م (قرص مضغوط) سلسلة: ... من فكر العلماء العاملين ... (1)
مفهوم التّاريخ عند الشّيخ محمّد عليّ دبّوز
الدّكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام
المقدّمة (1/1)
صفحة 2
التّعامل مع التّاريخ، والإفادة منه، وتقديمه للأجيال بطرق صحيحة، ومنهج سليم في حاجة إلى ضبط قواعد القيام بكلّ ذلك، ويتطلّب وعي حقيقة التّاريخ، وتحديد مفهومه وخطره على سيرورة الحياة، وآثاره على من يتلقّاه، ومن يتعلّق به، ومن يهجره ويعاديه على السّواء ... ومعرفة شروط التّحرّك بالتّاريخ لتحقيق الأهداف المرجوّة منه ضرورية.
كلّ هذا يتطلّب خطوة أولى أساسية، هي فقه مفهوم التّاريخ، ووعي مصطلحات ونظرات ينطلق منها، التي تستحقّ أن يحمل صفة (مؤرّخ)، أو يطمح أن يتقلّدها عن جدارة واستحقاق؛ احتّى يعلم جيّدًا ماذا يصنع بالتّاريخ، ويتقن أكثر عمله في الميدان. لأنّ التّاريخ محطّة مهمّة وخطيرة في حياة الشّعوب والأمم، فالأخطاء التي ترتكب باسمه، أو السّلبيات التي تنتح عن سوء استخدامه في الميدان تكون عواقبه وخيمة. من هنا كان لابدّ من حذق طريقة التّعامل مع التّاريخ والتّوجيه بالتّاريخ. من وسائل ذلك الاطّلاع على تجارب المحنّكين المتمكّنين، الذين يقدّمون آراءهم ونظريّاتهم، مصبوغة وموسومة بالواقعية، وبالنّظرة الشّمولية، ومشفوعة بنماذج من الممارسة الفعلية، والبحث المتواصل الدّؤوب في الأسفار، والسّير في مناكب الأرض بكثرة الأسفار، والجلوس إلى صانعي التّاريخ وطول الاستفسار.
من هؤلاء الذين قاموا بهذه الخطوات، وتركوا رصيدًا معرفيًّا جليلاً في موضوع التّاريخ: تنظيرًا وتطبيقًا، وممارسة ومدارسة، الشّيخ محمد علي دبّوز (1337 – 1402ه/ 1919 – 1981م) الذي نقدّم للقارئ الكريم عصارة فكره في مفهوم التّاريخ، عسى أن يحقّق هذا ما أشرنا إليه آنفًا.
من قراءاتي المتكرّرة لما كتبه الشّيخ محمد علي دبّوز في التّاريخ، ومن خلال ما أفدته في جلساتي معه ولقاءاتي المتعدّدة به ... وجدت أنّ الشّيخ يحمل أفكارًا قيّمة - قد تكون خاصّة - عن التّاريخ، وعن طريقة التّعامل معه، والإفادة منه، وتوجيهه في التّربية والتّكوين. ووجدت عنده مفهومًا عميقًا للتّاريخ، يكاد بكون متمبّزًا، وفريدا، لم يسبق إليه. هذا الحكم يحتاج إلى تأنّ وتثبّت لتقريره، وهو ما تركني أنتظر تسع عشرة سنة لنشر ما كتبته عن مفهوم التّاريخ عنده (1)؛ حتّى أتمكّن من إعلان هذا الحكم أو ردّه، أي يتمّ هذا بعد الاطّلاع الواسع على ما كتب عن التّاريخ، وعن تجارب الأقطاب الذين عرفوا في هذا
__________
(1) - كتبت هذا البحث في صيف 1991م، وها نحن اليوم ننشره؛ عسانا أن نتمكّن من التّوسّع فيه مستقبلا إن شاء الله. (1/2)
صفحة 3
المجال والفضاء. لكن الظّروف لم تسمح لي بالقيام بهذه الدّراسة ورصد هذه التّجربة، فقلت أنشر هذه المحاولة الأولى وأقدّم تقديمًا أوليًا مفهوم الشّيخ دبّوز للتّاريخ؛ لما فيه من فوائد، يقف عليها القارئ لهذه السّطور. ولي قناعة كبيرة أنّني سأتوصّل لإلى الحكم بأنّ مفهوم التّاريخ عند الشّيخ محمد عليّ متميّز.
أقول في البداية: إنّ مفهومه هذا نابع من تجربته الخاصّة، وممّا أفاده من تربية أولياء أمره له، من والدين ومشايخ وأساتذة، زممّا نقله من تجاربهم في الحياة، وممّا مارسه هو في مولّفاته، وأيضًا ممّا قرأه في الكتب والمؤّلّفات العديدة. وممّا أخذه ولاحظه في البيئات المختلفة التي عاش فيها وتقلّب وتدرّج، وغيرها من المصادر والمنابع المختلفة، لذا فإنّ ما توصّل إليه وقرّره يتّسع بالعمق والواقعية والشّمولية إلى حدّ بعيد، إلى جانب التّميّز في المفهوم.
بما أنّ الشّيخ كان يرى أنّ التّاريخ وسيلة تربوية راقية، تجبر كثيرًا من النّقائص التي تعاني منها الوسائل التّربوية الأخرى، فقد ركّزنا في هذا البحث على هذه النّقطة؛ إذ هي البؤرة التي تنصهر فيها آراء الشّيخ في التّاريخ، وهي المحور الذي يحرّك بالأشعة التي تنطلق منه غجلة العمل التّربوي. تناولنا لنقط الآتية: التّاريخ والتّربية، التّاريخ للاتّعاظ والتّأسّي، التّاريخ ولناء الرّوح الوطنية، التّاريخ والتّربية العقلية، قواعد تدريس التّاريخ، التّاريخ ودروس الوعظ والإرشاد، التّاريخ والجانب النّفسي، التّاريخ والثّقة بالنّفس، التّاريخ وإزالة العقد النّفسية، والإدراك الحسّي، التّاريخ والذّاكرة. عسى أن تكشف هذه العناصر عن بعض الجوانب في مفهوم التّاريخ عند الشّيخ محمد علي دبّوز.
كما يتميّز الشّيخ في المنهج، الذي أثار جدلاً كبيرًا بين المثقّفين بخاصّة. وقد حاولنا الكشف عن هذا المنهج في بعض المقالات التي نشرناها في بعض الجرائد والمجلاّت، وقد أثبتنا بعضها في الملاحق.
عرضنا في الملاحق بعض الملاحظات وبعض المعطيات، وبعض التّوضيحات التي تكشف عن شخصية أستاذنا الشّيخ محمد علي دبوز، وقدّمنا بعض النّقط التي تسهم في وضع بعض الأطر لدراسة شخصيّة محمد علي دبوز، وبخاصّة الشّخصية التّاريخية (أو الشّيخ مؤرّخا)، كما قصدنا إلى تصحيح بعض المفهومات والأحكام التي قدّمت عن منهج الشّيخ في كتابة التّاريخ، أو تناول التّاريخ (1).
__________
(1) - كتبنا عدّة مقالات عن الشّيخ محمد علي دبّوز، نشر بعضها في المجلاّت والجرائد الآتية: الشّعب، العقيدة، الواحة، عنوان المقال: " الأديب ولمؤرّخ محمد علي دبّوز ونهضة الجزائر الحديثة "، عدد: 18، يوم:. 07 من جمادى الأولى 1412ه/ 14 من نوفمبر 1991م. وفي مجلّة الحياة (التي كان يصدرها معهد الحياة)، ثمّ مجلّة النّهضة (سلطنة عمان). في الأعداد: 363، (09/ 12/1987م) " المؤرّخ الجزائري محمد علي دبّوز في ذكراه السّادسة " وعدد: 528 (09 من رمضان 1411ه/ 26 من مارس 1991م." الشّيخ محمد علي دبّوز ومنهجه في كتابة التّاريخ". وعدد: 584 (24 من ذي القعدة 1412ه/ 26 من مايو 1992م، " الشّيخ دبّوز واهتمامه بالتّاريخ الإسلامي". (1/3)
صفحة 4
أقول صراحة: إنّ الشّيخ كان صاحب منهج خاصّ في التّأريخ، يستطيع المتأنّي في قراءة كتبه أن يخرج بتصوّر أو مخطّط خاصّ، كتب به تاريخ الشّخصيات والبيئات التي تحدّث عنها، وقد التزم بهذا المخطّط، كما التزم - إلى حدّ بعيد - بالمعطيات التي سجّلها نظريًا في كتبه، وانطلق منها في الكتابة، وارتبط وتقيّد بالأهداف التي حدّدها في تناول التّاريخ، وما حدّه من حدود في مفهوم التّاريخ. قد لا يروق هذا المنهج كثيرين ممّن انتقدوا طريقته. ولكنّنا نسجّل أنّ الشّيخ كان وفيًّا لمنهجه الذي سنّه لنفسه على الأقلّ.
نرجو أن نجد هذه المحاولة كانًا في دراسة الباحثين بالنّقد والإضافة والرّدّ؛ فالدّراسات هي هو فضاء رحب للحوار والنّقاش ... هذا ما ننتظره بعد نشؤ الدّراسة، والله نسأل التّوفيق والسّداد.
الجزائر يوم الأربعاء: 09 من شعبان ... 1431ه
21 من جويلية ... 2010م
الدّكتور محمد بن قاسم ناصر يوحجام (1/4)
صفحة 5
التّعريف بشخصية الشّيخ محمد علي دبّوز (1)
ودّعت الجزائر في الأيّام الأخيرة إلى مثواه الأخير ابنًا من أبنائها البررة، الذين قدّموا لها الكثير، وأسهموا بمجهوداتهم المتواصلة في سبيل إعلاء صرحها، ورفع رايتها خفّاقة في الأفق، بعدما اعتراها ضعف وإجحاف وضيم من أعدائها، من مستعمرين ومغرضين، ومن أبنائها؛ نتيجة تقاعسهم عن أداء الواجب نحوها. إنّه المرحوم الأستاذ محمد عليّ دبّوز.
هو من مواليد مدينة بريّان (دائرة غرداية)، ولاية الأغواط (2) سنة 1337ه/ 1919م، زاول دراسته الابتدائية في مسقط رأسه على يد الأستاذ صالح بن يوسف ابسيس، وفي أواسط الثّلاثينيات انتقل إلى مدينة القرارة، لينضمّ إلى معهدها. وقد تلقّى دروسه على يد الأستاذ الشّيخ إبراهيم بن عمر بيّوض (ت1401هـ/ 1981م) والأستاذ الشّيخ عدّون سعيد بن بالحاج شريفي (ت 1425هـ/ 2004م) وغيرهما. وفي أوائل الأربعينيات غادر القرارة، متوجّهًا إلى تونس للاستزادة من المعرفة. ومنها إلى القاهرة حوالي سنة 1944م، وذلك في مغامرة كبيرة، والحرب العالمية الثّانية قائمة، والصّراع مستحكم بين الحلفاء ودول المحور، وقد قطع الحدود بين تونس وليبيا؛ مشيًا على قدميه، حسب ما ذكر ذلك زميله الأستاذ أنور الجندي، بل قطع المسافة كلّها إلى القاهرة على قدميه.
في سنة 1948م انضمّ إلى أسرة التّعليم بمعهد الحياة، ليشتغل مدرّسًا لمادتي التّاريخ والأدب. وبقي في هذا الميدان إلى شهر جوان 1981م، حيث أقعده المرض الفراش، وقد اشتدّ عليه في المدّة الأخيرة، فتوفّاه الله يوم الجمعة 01 من محرّم 1402هـ الموافق لِـ 13 من نوفمبر 1981م. تغمّده الله برحمته الواسعة، وأسكنه فسيح جنانه.
لقد عرف عنه أساتذته وأصدقاؤه الرّغبة في التّلقّي، والحرص على التّحصيل؛ منذ عرفوه طالبًا، وعرفوا عنه الإخلاص في العمل؛ منذ عرفوه أستاذًا مربّيًا.
__________
(1) - هذا التّعربف هو مقال كنّا نشرناه في جريدة الشّعب الجزائرية، بعد وفاة شيخنا مباشرة، أوردناه هنا، وأبقينا عليه كما نشر. عنوان المقال: " المؤرّخ الرّاحل الشيخ محمد عليّ دبوز"، جريدة الشّعب، الجزائر، عدد: 5825، الصّادر يوم الأحد: 02 من صفر 1402هـ/ 29 من نوفمبر 1981م.
(2) - كان ذلك قبل التّقسيم الإداري، الذي حصل سنة 1984م، تحوّلت بموجبه بريّان إلى دائرة، وغرداية إلى ولاية. (1/5)
صفحة 6
كان للأستاذ قلمٌ سيّال، ومقدرة كبيرة على تحرير الفصول الأدبيّة، وكتابة المقالات المطوّلة، وقد تجلّى هذا بوضوح على صفحات "جريدة الشّباب " (1)، التّابعة لمعهد الحياة، والتي كان الطّلبة ينشرون فيها مقالاتهم. وكان المرحوم – وهو طالب – ممّن أسهم إسهامًا كبيرًا في تطويرها؛ إذ كان يشارك فيها باستمرار بمقالات في الأدب والنّقد والتّاريخ ... ومن أمتع ما يمكن للقارئ أن يطّلع عليه في هذه الجريدة المعاركُ الأدبية التي كانت تدور بين الطّالبين (الأستاذين) عليّ يحي معمّر ومحمد عليّ دبّوز. وهي تندرج ضمن المعارك، التي كانت تدور بين العقّاديّين والرّافعيّين، وهي سلسلة مقالات كان لها دور كبير في تكوين الطّلبة أدبيًّا ولغويًّا. كما كانت للشّيخ أيضًا مشاركات عديدة في جريدة البصائر (التي كانت تصدرها جمعية العلماء المسلمين الجزائريين) نشر فيها عدّة أعمال أدبيّة. (2)
الشّيخ محمد عليّ دبّوز إلى جانب ذلك شخصية مرحة، تميل إلى النّكتة والطُّرفة والدّعابة الظّريفة. وكم كنّا نتمنّى – ونحن طلبة – أن نلتقي معه في قاعة الدّرس، أو يجمعنا به مجلس ليمتعنا بجانب من طرائفه، أو يسمعنا بعضًا من نوادره المسلّية.
كما كان الأستاذ مثالا للنّظام والانضباط، والحرص على الوقت، والمحافظة على المواعيد؛ حتّى أصبح مضرب الأمثال في هذا المضمار.
لقد حمل المرحوم على كاهله عبئًا ثقيلاً، تمثّل في محاولة جادّة لإعادة كتابة تاريخ الجزائر والمغرب العربي، وإنقاذه من الضّياع والفناء. فبعد مرحلة التّحصيل انكبّ على التّأليف، وأعطى كلّ نفسه ووقته، بل وضحّى براحته وصحّته في هذا السّبيل، يبحث وينقّب ويكتب، هدفه الوحيد تبصير الأجيال بتاريخهم المجيد، وإزالة الغشاوات التي رانت وترين عليه.
كان عمله شاقًّا؛ لأنّ المصادر كانت شبه منعدمة، وما كُتِب عن المغرب العربي كان بأقلام مغرضة، وبأساليب ملتوية، مشوّهة للحقائق، لأنّ كتّابه كانوا إمّا مستعمرين أو مستشرقين حقودين على الإسلام والعرب، أو جاهلين للتّاريخ. يقول الأستاذ أنور الجندي: " ... وقد صوّر المؤلّف كيف كان هذا العمل صعبًا كلّ الصّعوبة، وكان طريق هذه العهود مطموسًا، والسّبل غير معبّدة، وأغلب من كتبوا في تاريخ
__________
(1) - نشر في جريدة الشّباب حوالي ستّ وستّين مقالة. ما بين شهر نوفمبر 1935 وشهر جوان 1942م ومقالين في مجلّة الشّباب.
(2) - نشر في جريدة البصائر الثّانية حوالي سبع وثلاثين مقالة، ما بين شهر جانفي 1948 و شهر مارس 1956م. (1/6)
صفحة 7
المغرب من المحدثين قد اغترّوا بالمصادر المزيّفة، فردّدوا أغلاط المؤرّخين القدماء، فكان عليه أن يكتب فصولاً جديدة؛ معتمدًا في ذلك المصادر الصّحيحة، وإن كان يسلك طريقًا غير معبّدة" (1)
هكذا وجد الأستاذ محمد عليّ دبّوز نفسه أمام مسؤولية عظيمة، وعمل مُضنٍ. كان عليه أن يشمّر عن ساعد الجدّ، ويكثر التّرحال والتّجوال، ويطيل المكوث في المكتبات، ويديم الجلوس إلى الأساتذة والمشايخ، ومن عاصر الأحداث، أو شارك فيها. وقد كانت مصادره بشريّة في كثير من الأحيان.
فعلاً أمضى مدّة طويلة؛ متنقّلاً بين المكتبات العامّة والخاصّة، في كلّ من الجزائر وتونس ومصر وغيرها؛ باحثًا ومنقّبًا في المخطوطات والمطبوعات، ومقارنًا بنفسية المؤرّخ الباحث المدقّق، حتّى تمكّن من إخراج كتابه القيّم:" تاريخ المغرب الكبير "، والذي كان له صدًى كبير في الأوساط العامّة والخاصّة. وقد استقبل أحسن استقبال؛ إذ كتبت عنه الصّحف والمجلاّت في مختلف أقطار الوطن العربي، وتحدّثت عنه الإذاعات، وقرّظته ونوّهت به وبأهمّيته، وعدّته موسوعة، كما ارتأى تسميته بذلك كلّ من الأستاذين محمد عطية الأبراشي وأنور الجندي. ويكفيه شرفًا انّه أوّل كتاب عربي جزائري يطبع بعد استقلال الجزائر.
في مقدّمة الجزء الثّاني من الكتاب يذكر الأستاذ محمد علي دبّوز الأسباب التي دفعته إلى تأليف الكتاب: " ... عزمت أن أكتب شيئًا في تاريخ المغرب الكبير بأسلوب أدبي وتحليل فلسفي، وببحث علمي نزيه، يليق لمطالعة مثقّفينا، ويكون مرجعًا ومصدرًا لجامعاتنا ومدارسنا، ويصفّي أبواب تاريخ المغرب التي كدّرتها ودنّستها أكاذيب السّياسة القديمة، ودعايات المستعمرين وسمومهم، فصارت خطرًا على المغرب، ومنبعًا للسّموم، التي تكدّر صفاءَه، وتفرّق جماعته، وتُمكِّن الحسّاد والدّسّاسين من بثِّ الفرقة والشّقاق في مغربنا الحبيب، فكتبت في سنة (1370 – 1372هـ) (1951 – 1953م) مسوّدة الأجزاء الثّلاثة الأولى من " تاريخ المغرب الكبير"، فصرت أفكّر في طبعها، ولكنّني أبيتُ أن أفرغها في القالب النّهائي وأعدّها للطّبع قبل أن أقوم بجولة واسعة في لأطّلع على كلّ ما أستطيع الاطّلاعَ عليه من كتب تاريخ المغرب، سيما المخطوطات القديمة، فزرت في عطلة الرّبيع سنة (1373هـ/
__________
(1) - أنور الجندب، الفكر والثّقافة المعاصرة في شمال إفريقيا، ص:311. (1/7)
صفحة 8
1954م) خزائن كثيرة من المخطوطات، لا زالت محفوظة في جنوب الجزائر، لم تمتدًّ إليها أيدي الاستعمار، التي جردّت المغرب من كتبه القديمة، ومن مؤلّفات أجدادنا في التّاريخ، فوجدت فيها كتبًا من الكتب المخطوطة، ومن الوثائق التّاريخية شيئًا كثيرًا ممّا أريد، ثمّ عزمت على زيارة مكاتب تونس الخضراء ودار الكتب المصرية في القاهرة، وكان الاستعمار الفرنسي قد ضرب الأسوار الحديدية بين الجزائر والقاهرة والأقطار العربية ... وبعد مساعٍ ووقتٍ طويل، وقلق كبير حصّلت على تأشيرة الدّخول إلى مصر، على أنّي مارٌّ إلى الحجاز ... فسافرت في أوّل العطلة إلى تونس، فمكثت شهرًا في مكتبتها الوطنية، وفي المكتبة العبدليّة واطّلعت فيهما على كثير من مصادر تاريخنا، ثمّ وصلت دار الكتب المصرية في القاهرة ... فوجدت كلّ ترحيب وإجلال ومساعدة، فكنت أطلب أحيانًا عشرين مجلّدًا، فيسرعون بها إليّ ... فوجدت اكثير ممّا أريد، فاطّلعت على المهمّ منه، سيّما المخطوطات والكتب المطبوعة النّادرة الوجود ... " (1).
الكتاب تناول تاريخ المغرب كلّه بأقطاره الأربعة: ليبيا وتونس والجزائر والمغرب الأقصى. الجزء الأوّل: شمل العصر الحجري إلى الفتح الإسلامي. الجزء الثّاني: كان عن الفتح الإسلامي والعهد الأموي في المغرب. الجزء الثّالث: خصّص للعهد العبّاسي والدّول الإسلامية المغربية المستقلة.
تجدر الإشارة إلى أنّ الأستاذ محمد علي دبّوز قد سُبق في هذا المجال – على الأقلّ – بما كتبه الأستاذان مبارك الميلي وأحمد توفيق المدني، وكذلك ما كتبه الأستاذ عثمان الكعّاك وغيرهم. ولكن كما يقول الأستاذ أنور الجندي: " وتختلف هذه المؤلّفات عن كتاب تاريخ المغرب الكبير في أمرين:
الأوّل: هو أنّ أغلب هذه المؤلّفات موجزة، وكتبت في ظلّ الاحتلال والحماية، فلم يكن من اليسير أن تتوسّع في كثير من المجالات، مع التّحفّظ في العبارة. وإن كانت ميزتها أنّها كتبت لإيقاظ العقلية المغربية والرّدّ على ادّعاءات كتّاب الغرب في وقت المعركة.
الثّاني: أنّ محمد علي دبّوز (الجزائري) لم يكتب تاريخ الجزائر، إنّما كتب تاريخ المغرب العربي الكبير، بأقطاره الأربعة، على نحو مستفيض، وأنّه أصدر ألف صفحة ليصل إلى ختام حكم الدّولة
__________
(1) - محمد عالي دبّوز، تاريخ المغرب الكبير، ج2، ص: 28، 29. (1/8)
صفحة 9
الرّستمية، في نهاية القرن الثّالث الهجري ... ويضاف إلى هذه الميزة ميزة أخرى هي اتّساع مجال البحث بالمراجعة الكاملة، وحريّة الكلمة في مواجهة ادّعاءات الغربيّين بشأن تاريخ المغرب العربي." (1)
بعد هذا الكتاب طلع الأستاذ محمد علي دبّوز على القرّاء بسلسلة جديدة، تحت عنوان:"نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة" في ثلاثة أجزاء. أرّخ فيها النّهضة الجزائرية، تناول فيها أسباب النّهضة وعواملها وأهمّ رجالها. وعرض مظاهرها، المتمثّلة في حركات إصلاحية ومدارس ومعاهد تعليمية، وزوايا دينية، وجمعيات خيرية ثقافية، ونوادٍ أدبية، ومؤسّسات اجتماعية، وغير ذلك. والأجزاء الثّلاثة تمثّل الأدوار الثّلاثة االتي مرّت بها النّهضة الجزائرية، حسب رأي المؤلّف.
بعد ذلك أخرج الأستاذ سلسلة أخرى، سمّاها " أعلام الإصلاح في الجزائر من عام 1340 هـ/ 1921م إلى عام 1395هـ/ 1975م "، في أربعة أجزاء، ترجم فيها لبعض زعماء الإصلاح في الجزائر، ممّن كانت لهم إسهامات مهمّة، بل أدوار كبيرة في النّهضة والإصلاح. تتبّع حياتهم بشيء من التّفصيل والتّحليل العميق لأعمالهم، في كلّ المجالات والأصعدة التي نشطوا فيها؛ مسجّلا بطريقة مطوّلة ومستفيضة الأطوار التي مرّت بها حياتهم، معلّقًا على الظّروف التي تقلّبوا فيها: من اجتماعية واقتصادية ونفسية ... شارحًا مواقفهم المشرّفة، ودورهم في الجزائر والعالم الإسلامي ...
بدأ بعد ذلك في إعداد سلسلة جديدة، سمّاها " الإصلاح والمصلحون في الجزائر" (2)، وانتهى – فعلا – من إعداد الجزء الأوّل، وكان في صدد مراجعته، قبل أن يمنعه المرض من مواصلة عمله، وأن يسلمه الموت إلى الرّاحة الأبدية. قيّض الله من يكمل مسيرته، ويحمل الرّاية من بعده. (3)
هكذا ذهب أستاذنا إلى ربّه قرير العين، مرتاح الضّمير، وقد أدّى ما عليه، وقدّم للأجيال تاريخهم صافيَا من أغلاط المغرضين، وأباطيل الحسّاد، وشطحات المستشرقين. وأيقظ النّفوس الخاملة من سباتها العميق؛ لتنهض كي تقوم بواجبها نحو تراثها وأمجاد آبائها.
__________
(1) - الفكر والثّقافة المعاصرة في شمال إفريقيا، ص: 312.
(2) - أخبرنا بذلك في جلسة جمعتنا به في داره بالقرارة، أيّامًا قبل وفاته.
(3) - بعد وفاة الشّيخ ضمّ هذا الجزء إلى سلسلة أعلام الإصلاح في الجزائر، فكان الخامس من السّلسلة، وقد خصّصه لأستاذه الشّيخ غبراهيم بيّوض رحم الله المشايخ جميعًا. إنّ الشّيخ محمد عليّ دبّوز وعد أن يوصل سلسلته " تاريخ المغرب الكبير "إلى عشرة أجزاء. توفيّ وقد طبع من كتبه عشرة، من مؤلّفاته الثّلاثة. هل يكون الشّيخ وفّى بوعده؛ لأنّ كتبه كلّها تتناول المغرب العربي، مع ظفر الجزائر (بلده) بحصّة الأسد في الكتابين الثّاني والثّالث.؟ (1/9)
صفحة 10
إنّ شيخنا – حسب رأيي – قد وفّق - إلى حدّ بعيد - في رسم الطّريق لمن يأتي بعده كي يسير في نهجه، واستطاع أن ينقذ التّاريخ من الضّياع، ويربط الأجيال بالنّاصع من تاريخهم؛ حتّى يعتزّوا بشخصيتهم التي حاول الاستعمار طمسها. فإذا كانت هناك مآخذ تؤخذ على أستاذنا، سواء في المنهج، الذي اتّبعه، أو في المبالغات التي غدت سمة من سمات كتاباته ... فلا يكفي أن نتحدّث عنها من وراء الحجب والجدر والأقنعة، وإنّما يجب أن نبرز إلى الميدان، ونقدّم أدلّة على صدق نوايانا، وحرصنا على العمل الجادّ؛ بالبحث والكتابة. فيكفي الأستاذ شرفًا أنّه مهّد الطّريق، وتحمّل العبء الثّقيل، واضطلع بمهمّة شاقّة. وإذا كانت هناك نقائص وعيوب تحسب عليه، فأيّ إنسان لا يرتكب الأخطاء؟؟
نرجو أن يوجد من يخلف الأستاذ في جهاده، وبخاصّة معشر المثقّفين والأساتذة. تغمّد الله شيخنا وفقيدنا برحماته الواسعة، وأسكنه فسيح جنانه.
محمد بن قاسم ناصر بوحجام
معهد الحياة القرارة الجزائر (1/10)
صفحة 11
التّاريخ والتّربية
التّاريخ في مفهوم الشّيخ محمد علي دبوز وسيلة تربويّة مهمّة وضروريّة، بل إنٌ المنطلق والمنتهى عند الشّيخ حين الحديث عن التّاريخ هما التّربية؛ لأنّ التّاريخ مرتبط بها، ومُوصِل إليها. لذا عُنِيَ به كثيرا: فمن النّاحية النّظريّة أنار التّاريخَ بمجموعة من النّظريّات والنّظرات والآراء، التي تكشف عن حقيقته، ومزاياه، وضرورة الاحتفاء و الاعتناء به؛ عاملاً مُهمًّا في التّربية. ومن النّاحية التّطبيقيّة قدّم صورا عمليّة وحيّة لهذا التّاريخ، التي جسّد فيها هذه الآراءَ و النّظريات، من خلال شخصياته التّاريخيّة، التي أرّخ لها، وتعامل معها.
يقول الشّيخ: ”إنّ التّاريخ هو الفن العظيم الذي حَرَمَنَا الاستعمارُ البغيضُ منه و حرَّمَهُ علينا، فيجب أن نبادر بعد استقلال المغرب، فنأخذ حظَّنا منه، و ننتفعَ به في تربية الأجيال القادمة.“ (1)
يُبدِي الشّيخُ تحسّره من حرمان الأجيال من مقوّم أساسٍ من مقوّمات الشّخصية، ومن أسٍّ وركيزة مُهمّة من ركائز التّربية و التّوجيه؛ لهذا نادى في بداية الاستقلال (استقلال الجزائر) بضرورة الالتفات إلى التّاريخ، والأخذ منه بسبب و نصيب؛ لِجَبْرِ النّقص الذي كانت تعاني منه التّربية، تحت هيمنة استعماريّة غاشمة، وتوجيه صليبي حقود، فهو لهذا يرى أنّ تاريخ الإسلام- و تاريخ المغرب جزء منه- هو الغذاء الصّحيح اللاّزم لتربية النّشءِ:” ... و لكن كِتابَ المغرب هو الذي يرى العالم فيه حقيقته، وهو قبل هذا الغذاء الصّحيح اللاّزم لناشئتنا وأمّتنا، والوسيلة الكبرى لتربية المجتمع، وتوجيهه إلى المثل العليا، التي كابدنا طويلا، و جاهدنا الاستعمار من أجلها “. (2)
يعضد هذا المعنى الدّكتورُ فاروق عمر: "إنّه عمليّة توجيه و توعية و تعبئة متكاملة للجيل الجديد" (3)
__________
(1) - محمد عليّ دبوز، تاريخ المغرب الكبير، الجزء الثّاني، ص: 26، 27.
(2) - تاريخ المغرب الكبير الجزء الأوّل، ص: 12.
(3) - د. فاروق عمر فوزي، التّاريخ الإسلامي و فكر القرن العشرين، ص: 7. (1/11)
صفحة 12
مِمّا يؤكد ارتباط حقيقة التّاريخ بالتّربية، في نظر الشّيخ محمد علي دبوز أنّ الدّارس يلاحظ تردّد عبارات كثيرة و متكرِّرة، تكشف عن الدّور التّربوي للتّاريخ. المتصفِّح لكتبه يلتقي مع العبارات الآتية: إنّ التّاريخ أكبر وسيلة للتّربية العقليّة و الخلقيّة ... إنّ التّاريخ للتّربية الصّحيحة و لبثّ الروح القويّة ... إنّ التّاريخ أجدى في التّربية من دروس الأخلاق النّظريّة ... هو من الوسائل الكبرى في التّربية الحسنة. لنحقِّق النّتائج التّربويّة بالتّاريخ. ”إنّ التّاريخ أكبر عامل في التّربية الخلقيّة، وأقوى سبب يخلق الأخلاق العظيمة في النّفوس، والأخلاق العظيمة هي أساس رقيّ الإنسان في عقله، وفي جسمه، فهي التي تستتبع كلَّ المزايا، وتقتضي تفوّقنا في كلّ النّواحي“. (1)
يكشف هذا النّصّ عن الدّور الكبير الذي يعطيه الشّيخ للتّاريخ. فمن المقدّمات التي رتّب بعضها على بعض. والنّتائج التي وصل إليها يتبيّن لنا الدّور الرّائد والأساس للتّاريخ في مجال التّربية. التّاريخ أكبر عامل في التّربية و أقوى سبب يكسب الأخلاق الحسنة. الأخلاق سبب رقيّ الإنسان في عقله و جسمه. الأخلاق تستدعي وتجلب كلّ الخصال و المميّزات الأخرى، وهذه المكاسب توصل إلى التّفوّق في كلّ النّواحي الأخرى ... إلى غير ذلك من سلسلة النّتائج الحسنة، التي يشدّ بعضها برقاب بعض. والتي يكون التّاريخ هو المتسبِّب فيها. ثمّ إنّ الشّيخَ يقرن كثيرا بين لفظتي " المربّي، و التّاريخ" و يربط بين مدلولاتهما ربطًا محكما؛ ليثبت أنّ التّاريخ للتّربية ليس إلاّ. تردّدت في كتبه العبارات الآتية: يجب على المربّي في درس التّاريخ، إنّ المربّي لا يستطيع أن يكون على ذلك الحماس، و على تلك الروح المؤثّرة في التّاريخ ... الذي يؤثره المربّي في نفس التّلميذ بدرس التّاريخ.
إذا كان للتّاريخ هذا الدّور التّربوي المُهمّ، فما هي نظرات الشّيخ، وما هي آراؤه في ذلك؟
التّاريخ هو الذي يَحُفُّنا ببيئة اجتماعيّة راقيّة من أجدادنا، فنعاشرهم، ونتأثّر بأخلاقهم، ونتطبَّع بطباعهم، وذلك من خلال اطّلاعنا على ما خلّفوه من تراث، يتمثّل في قيمهم وسلوكهم وأخلاقهم، وما سجّلوه من مواقف وما تركوه من آثار أدبيّة وفكريّة، تتضمَّن آراءهم ونظراتهم إلى الحياة والكون، وإلى حقيقة العمل والسّلوك، في خطبهم ووصاياهم ورسائلهم وأحاديثهم وكتاباتهم بصفة عامّة.
__________
(1) -تاريخ المغرب الكبير، الجزء الثاني، ص: 14. (1/12)
صفحة 13
ما دام للتّاريخ هذه المكانة وهذا الدّور، إذن هو الذي يسعى إلى توجيهنا ” فيكوّن وجدانا لنا يذكي فينا الحماس لمثلهم العليا، فنعمل لتحقيقها، والرّغبة في طريقتهم المثلى، وفي نهجهم القويم، فنتمسّك به، ... ونندفع فيه، فنصل الدّرجة الرّاقية التي كان عليها الأجداد، ونكون مثلهم في العزّة والإباء، وفي الطّموح والمحاولة، وفي العمل والكدّ، وفي الإخلاص والإتقان، وفي العمل لله. وتلك هي أسباب النّجاح والتّفوّق، وعوامل القوّة والتّقدّم“ (1).
بالتأمّل في هذه النّظرة، وهذا التّقرير نكتشف حرص الشّيخِ الكبيرَ على إعداد الشّخصية القويّة، المتماسكة، التي تقوى على المجابهة والمقاومة، ومن ثَمّ تتمكّن من المحافظة على أصالتها، وعلى قوّتها وجدارتها في ضمان البقاء، بل في الاستمرار في التّطوّر والتّقدّم. في هذا المعنى يقول الدّكتور فاروق عمر: " إنّ التّاريخ يخلق الشّخصية الإيجابيّة ذات الأثر الفعّال في مجرى الحياة، والمقصود بالشّخصية الإيجابيّة هي الشّخصية التي تقوم على الولاء للوطن والإخلاص لأهداف الأمّة، والعلم بطرق تحقيق تلك الأهداف والعزيمة القويّة، التي تدفع للإسهام في هذا التّحقيق" (2)
لهذه الغايات التّربويّة التي تتحقّق بالتّاريخ يقول محمّد علي دبّوز عن الصّفات التي يكتسبها الشّخص من البيئة الاجتماعيّة الراقيّة من تاريخ السّلف:”ولا يتّصف بها إنسان إلاّ تغيّر حاله، وتبوّأ أرفع الدّرجات في كلّ النّواحي، وكان الله معه؛ ليحقّق له كلّ الآمال، فيكون هو السّيّد الذي يسود غيره، والذّروة التي تشمخ على سواها، فلا يستطيع عدوّ كاشح أن يخضعه، ولا لصّ مُخَاتل أن يحتلَّ داره، ولا مستعمر غشوم أن يتسلّط عليه“ (3).
من هذه العبارات الواردة في النّصّ يتبيّن لنا أنّ الشّيخ يعتمد اعتمادا كبيرا على التّاريخ لحماية الكيان والمحافظة على الشّخصية وردّ العدوان عنها، وقد انطلق في كلّ ذلك من حقيقتين:
إنّ الإنسان مركّب من غرائز و ميول فطريّة، مثل غريزة حبّ الظّهور، التّقليد، الخوف، المشاركة الوجدانيّة ... هذه الغرائز الفطريّة هي أساس تربية الفرد وأخلاقه، وتغيّره وتطوّره وبلوغه أرفع
__________
(1) - م. س، ص: 13.
(2) - التاريخ الإسلامي و فكر القرن العشرين، ص: 8.
(3) - تاريخ المغرب الكبير الجزء الثاني، ص: 13، 14. (1/13)
صفحة 14
الدّرجات. وهي التي تصبغ حياته الاجتماعيّة، وتطبعها بطابعها، حسب ما يجده الفرد من توجيه خاصّ و إمكانات لتهذيب تلك الغرائز، وتلك الميول الفطريّة. فإذا ما أُسِئَ توجيهُها نَشَأَ الإنسانُ منحرفا، على طريقة من يختلط بهم، ويعاشرهم، ويكون نسخة ممن نشأ معهم وتأثّر بهم؛ لأنّ التّوجيه كان خاطئا، والإمكانات المسخّرة كانت غير صالحة. بينما البيئة التّاريخيّة يمكنها تعويض تلك النقائص.
يتأيّد رأي محمد علي دبوز بما قرّره بعض الدّارسين من أنّ على المؤرّخ تقع مسؤولية كبيرة في الاتِّجاه الذي يجب أن تسير فيه الأمّة. يقول فاروق عمر:" فالمؤرِّخ أيّ مؤرِّخ ينتمي إلى أمّة، عليه أن بكون مخلصا لأمّته، مواليا لها مثل ولائه للحقيقة و للإنسانيّة، و على المؤرِّخ تقع مسؤولية تبصير مواطنيه بقضاياهم المصيريّة، والأزمات المرتقبة، وأن يقف إلى جانب أمّته منذرا ومبشِّرا ومشجِّعا" (1).
ما لاحَظَهُ الشّيح محمد علي دبوز من هجوم على الشّخصية الإسلاميّة، من الأعداء الحاقدين والمغرضين النّاقمين، وما لمسه من استهانة بها من أبنائها، الذين لم يشربوا حبّها، ولم يدركوا حقيقتها، وما رآه وأحسّ به من التّشكيك في أصالتها من بعض مهزوزي الوجدان، ورقيقي الإيمان وضعيفي الوطنيّة. فخاف على هذه الشّخصية أن تتفكّك وتنهار، إن اعتمد فيها على البيئة الواقعيّة الموبوءة، أو غير القادرة على حماية هذه الشّخصية، وتعزيز مكانتها في نفوس المنتمين إليها. لذلك حذّر من العدوّ الكاشح واللّصّ المخاتل والمستعمر الغشوم أن يتسلّطوا عليها، وذلك باللّجوء إلى البيئة التّاريخيّة، التي تفوّت الفرصة على هؤلاء، عوضا عن البيئة الاجتماعيّة الواقعيّة التي تكون عاجزة – غالبا – عن القيام بهذا الدور، بل أحيانا يشوبها و يقترن بها كثير ممّا يضعف أخلاق الفرد، وبذلك تقلّل من نجاحه في الحياة.
إذن يجب الاعتناء بالتّاريخ في البيوت والمدارس و المجتمع؛ لأنّنا به نستطيع ”اختيار العصور الزّاهرة ... والشّخصيات العظيمة، كالرّسول - صلى الله عليه وسلم - والصّحابة والتّابعين والسّلف الصّالح، ورؤساء دولنا وكبار علمائنا. ونختار من التّاريخ ما هو حسن، فنجعله بيئة للتّلميذ، ينغمس فيها، ويشغف بها ويعاشرها بالقراءة
__________
(1) - التاريخ الإسلامي و فكر القرن العشرين، ص: 7. (1/14)
صفحة 15
اللّذيذة والدّرس العميق. إنّ لَهَذا أحسن من البيئة الاجتماعيّة الواقعيّة، التي قد لا نستطيع أن نعزل منها ما لا يرضينا، و لا نجد فيها كلّ المثل العليا، التي نريدها“. (1)
إنّ الشّيخ يقتدي - في هذا السّبيل – بالقرآن الكريم، الذي يعتمد أسلوب القصّ التّاريخي وسيلة من وسائل التّربية، فيطلعنا على صبر أيّوب، ويقين إبراهيم، وعفّة يوسف، ونسك عيسى وعظمة محمّد عليهم الصّلاة والسّلام، ويكمل لنا ما يعوز بيئتنا الاجتماعيّة بذلك التّاريخ.
إنّ من شأن تلك الأخلاق التي نستقيها من التّاريخ من سيرة أصحابها، التي نكرّرها و نتأمّل فيها، من شأن ذلك أن يساعدنا على التّربية الحسنة، بترسيخ تلك الفضائل في نفوسنا، المُستفادة من ناس أفاضل أخيار؛ لأنّ عدواها لا شكّ ينتقل إلينا، فنكون على غرار من نقرأ تاريخهم و ننشأ على منوالهم.
لعلّ ما لاحظه الأستاذ محمّد عليّ دبّوز من الانقلابات الخطيرة التي حدثت في المحيط الاجتماعي، وما ساده من أخلاق بعيدة عن الرّوح الإسلاميّة، وما رآه من انحرافات لا تقوى على أن تنشئ لنا أجيالا مستقيمي السّيرة، يتّصفون بما يتّصف به الرّجال، الذين تقوم عليهم مسؤولية قيادة الأمّة، وبناء الوطن؛ إذ يصعب على المربي انتقاء ما يخدم شخصيّة الطّفل وينمّيها تنمية سليمة، وصرفُه عمّا يهدم فيه مقوّماتها. لعلّ هذا هو الذي جعله يعتقد أننا نستطيع أن نجبر هذا النّقص، ونتلافى هذه السّلبيات بالتّنقيب في ذاكرة الزّمن، وفي أعماق الماضي عن المواقف المشرّفة، وما يكون قدوة للطّفل، يساعده على تشكيل شخصيته، وبناء نفسه؛ فنهيِّئ له البيئة الحسنة الصّافية الرّاقية، التي يترعرع وينشأ فيها، مادمنا عاجزين عن التّحكم في البيئة الواقعيّة.
هو رأي له وجاهته و نصيبه من الصِّحة إذا نظرنا إليه من زاوية التّربية والتّوجيه. يبقى للمختصّين أن يبدوا وجهات نظرهم فيه. يمكن لنا أن نستنير ونستأنس في هذا المجال بما قاله الدّكتور يوسف جعفر سعادة: " والتّاريخ من الوسائل النّاجحة لدمج الفرد في الحياة الاجتماعيّة، فالطّفل بعد أن يتمثّل طراز حياة الجماعة التي ولد فيها، يتمثّل عن طريق التّاريخ ذكريات هذه الجماعة وتقاليدها وعاداتها وروحها،
__________
(1) - تاريخ المغرب الكبير الجزء الثاني، ص: 17. (1/15)
صفحة 16
ويرتبط بها مع كلّ ما ينمو لديه من عواطف ومشاعر ... فبالنّظر إلى الماضي نستطيع أن نكرّر الإنجازات العالية، وأن نتجنّب الأخطاء، وعليه يجب أن تكون دراسة الماضي مفيدة لإرشاد النّشاط الحاضر". (1)
في سبيل الوصول إلى الأهداف التي يصبو إليها الشّيخ بواسطة التّاريخ، وهي أهداف تربويّة خالصة، ينبِّه إلى أمر مُهمّ، وهو دراسة الشّخصيات التّاريخية التي تتوفّر على قيم، وعلى أنماط السّلوك، التي لها دور في مجرى الأحداث التّاريخية، ولها تأثير على وتيرة الحياة، وبخاصّة الشّخصيات الإيجابيّة، ثمّ الوقوف على العوامل التي ساعدت على تكوينها، وإيجادها على تلك الصّورة؛ للإِفَادَةِ من نشاطها، ولرسم الطّريق الصّحيح في الحياة للأجيال الصّاعدة، مبنيًّا على أسس تربويّة، تدعمها الخبرة. لهذا يردّ على الذين يعيبون عليه الإطناب – أحيانا – في بعض الجوانب قائلا:”وقد توسّعت في العوامل التّربويّة، التي كوّنت عبقرية أعلام الإصلاح في الجزائر و خلقهم العظيم، لأنّ التّاريخ للقدوة الحسنة والموعظة والمعرفة ... إنّ الحديث عن العوامل التّربوية العظيمة التي كوّنت الشّخصية العظيمة في أعلام الإصلاح من أهمّ ما يجب أن يُعنَى به المؤرِّخ، لأنهّا أسرار خفيّة تُنْسَى، لا يستطيع الاهتداء إليها جميع النّاس، وإن كانوا علماء، أمّا جهادهم فخالد في آثارهم المرئيّة، يستطيع هذا الزّمان والأجيال المقبلة أن تعرفه، ثم إنّ بيان العوامل التّربويّة التي كوّنت أعلامنا هو الذي يجعلنا نأخذ بها فيكون لأمّتنا دائما مثلهم.“ (2)
الشّيخ محمد علي دبّوز ليس بدعا من الباحثين المؤرّخين والمربِّين على السّواء، الذين يقرّرون هذه القاعدة، ويرون هذا الرّأي، ويثبتون دور دراسة العوامل التّربويّة في التّوجيه والتّكوين، فالأستاذ "هرنشو" يقرِّر بدوره هذه الفكرة. وتتطابق وجهة نظره مع الشّيخ محمد علي دبوز تمام المطابقة، يقول:" إنّ الوقائع و الآثار مغمورة بمحيط من الآراء والإرادات والانفعالات، التي كانت تلك الوقائع والآثار معبِّرة عنها أو أثرا لها، هذه الآراء والإرادات والانفعالات حقائق نهائيّة ثابتة للرّوح البشري، وخارجية بالمرّة عن متناول المعاينة المباشرة، حتى بالإضافة إلى من شهد الوقائع، أو أقيمت بينهم الآثار. والمؤرِّخ
__________
(1) - الدّكتور يوسف جعفر سعادة، دور القراءات الخارجية في تدريس التّاريخ، ص: 59، 60.
(2) - محمد علي دبوز، أعلام الإصلاح في الجزائر. الجزء الأوّل، ص: 10. (1/16)
صفحة 17
إنّما يبحث في آخر الأمر عن هذه العوامل الخفيّة، التي تبعث النّاس على العمل، يبحث عن هذه الحقائق الرّوحية الخالدة على وجه الزّمان". (1)
من هذه الأقوال، وهذه النّظرات، يبدو لنا جليّا الدّور التّربوي للتّاريخ. هذا الدّور يُتَمَكَّنُ من القيام به، إذا عُرِفَت حقيقتُه، وقُدِّم بطريقة سليمة، ونُهِج به نهجَه الصَّحيح. من ذلك اتِّخاذُه وسيلة للاتِّعاظ والتَّأسِّي والقدوة الحسنة. وذلك ما أشار إليه الشّيخ في كتاباته، وهو ما نحاول توضيحه اعتمادا على وجهة نظر الشِّيخ نفسِه
التّاريخ للاتّعاظ والتّأسِّي
ما دام التّاريخ وسيلة تربويّة مُهمَّة في صرح العمل التّوجيهي والإرشادي العام، فإنّ الأستاذ محمد علي دبّوز يركِّز كثيرا على جانب الاتعاظ والاعتبار والتأسّي في التّاريخ، ويعلَّق على الأحداث، ويقوِّم المسيرات، ويحلّل الواقعات، ويحلِّل المواقف، ويستقرئ الوقائع، إذ التّاريخ ليس سردا للوقائع، و تسجيل التّواريخ، إنّما هو أعمق من هذا. إنّه”: للقدوة الحسنة والموعظة والمعرفة، فإذا خلا من هذه فهو قشور لا نفع فيه، ... وكلام غثّ لا فائدة منه. “ (2) يقول رمضان حمود: " ليس التّاريخ سردَ الوقائع سردا و حشرَها في بطون الكتب حشرا، وهو أفضل الفنون و أنفعها لتربية النّفوس، و تثقيف العقول". (3)
يؤكِّد الدّكتور فاروق عمر على هذه الحقيقة، ويبيّن أنّ إيجاد الشّخصية الإيجابيّة، التي تستفيد من التّاريخ وتتّعظ بالمواقف، وتتربّى بالأحداث " لا يتمّ بالطّرق التّقليديّة، بل بدراسة مستنيرة موجّهة، لا تقف عند الأحداث والتّواريخ، بل تتعدّاها إلى توضيح المغزى الحقيقي لكلّ حادثة في تاريخ العرب والإنسانيّة". (4)
__________
(1) - ج، هرنشو، علم التاريخ، ترجمة و تعليق عبد الحميد العبادي، ص: 8، 9.
(2) - أعلام الإصلاح في الجزائر، الجزء الأوّل، ص: 10.
(3) - الدّكتور محمد ناصر، رمضان حمود حياته و آثاره، ص: 257.
(4) - التّاريخ الإسلامي و فكر القرن العشرين، ص: 8. (1/17)
صفحة 18
بناء على ما تقدّم فإنّ الشّيخ محمد علي دبوز يرى وجوبا ” أن نقف في هفوات الأجداد، وما أثار الأعاصير عليهم، فنصوِّره للأحفاد، ونحذّرهم منه، ونفتح عيونهم على ما أودى بدولنا القديمة من أمراض كالانغماس في المدنية، والرّكون إلى الرّاحة والاتصاف بالأنانيّة و بالعصبيّة القبليّة والمذهبيّة، وبالحسد الذي هو أمّ الخبائث كلِّها، وهو الذي أودى بدولنا الإسلاميّة، وشقّق جماعة المسلمين، فداخلها سوس الاستعمار، ورتع فيها ذباب أوروبا وطمعت فيها كلّ الحشرات الضّعيفة “. (1)
الأستاذ يُبَيِّن أنّ من أساسيّات التّاريخ أن يكون للاتّعاظ والاعتبار من أحداثه؛ إذا أردنا أن نُفيدَ منه حقًّا. بل يجب أن تكون لنا الشّجاعة الكاملة، والجرأة الحقيقيّة في الوقوف عند أخطاء السّلف لإِطْلاعِ الخلف عليها، حتى يختطّوا لأنفسهم طريقا سليمة، فلا يكرِّروا أخطاء آبائهم. كما يجب أن نتحمَّل مسؤولياتنا التّربويّة كاملة، ونُخْلِصَ في توجيه ناشئتنا بواسطة التّاريخ، فلا نخاف منه، لأنّ خوفنا منه يجني عليه وعلينا جناية كبيرة. (2)
نلاحظ أن الأخطاء التي عدّدها الشّيخ للآباء ولبعض دولنا الإسلاميّة، وهفوات أجدادنا التي سجّلها عليهم، نلاحظ أنّها أخطاء تحكّمت فيها الغرائز التي لم يُحسَن توجيهُها و تهذيبها.
هذا العمل الكبير الذي نقوم به، ونحن نعتبر بالتّاريخ الصّحيح ونتَّعظ، يزيلُ عن الأبناء كثيرا من العقد النّفسيّة التي غرسها في نفوسهم الحانقون على الإسلام والمسلمين، والمتربِّصون به الدَّوائر؛ لضربِ وَحدة المسلمين. ويُبعِدُ عنهم الآثار السّيِّئة التي ركَّزها فيهم بعض الذين لا يحسنون التّربية والتّوجيه، فلا ينبِّهون النّاشئة إلى الأخطاء والذّنوب التي جرّت الأجداد إلى عواقب وخيمة، احتفظ بها التّاريخ في ذاكرته. بل إنّ الشّيخ يذهب إلى أبعد من هذا فيقول: ” إنّ هذا أكبر فرض يجب على المربّي في دروس التّاريخ أن يقوم به، وإلاّ يكون مقصِّرا في التّربية، مخلاّ بواجبه الوطني، لم يأت أهمّ ما يجب عليه في بناء الجيل الجديد، الذي يجب أن يكون خاليا من العقد النّفسيّة الموروثة، ومن العقائد البالية الفاسدة؛ ليكون صفًّا مرصوصا، وبنيانا متينا، فيصل بمغربنا الحبيب إلى الذّرى العالية، التي تؤهِّله لها متانة أخلاقه،
__________
(1) - تاريخ المغرب الكبير، الجزء الثّاني، ص: 21.
(2) - ينظر مقالنا " نخاف من التّاريخ فنجني عليه"، جريدة النّصر، قسنطينة، (الجزائر) عدد: يوم 13 - 01 - 1988. (1/18)
صفحة 19
والبطولة الموروثة من أجداده، ... وتمسّكه بدينه، وبالأخلاق الإسلاميّة التي تسعده وتُنيلُه رضا الله (1) “)
يؤكد هذه الحقيقة، وهي الاتّعاظ بالتّاريخ وأخذ العبرة منه أحد الدّارسين: " ومن هنا كانت أهميّة المطالعة والقراءة في كتب التّاريخ، حيث أنّنا سندرس المجتمع، وتتّضح لنا نواحي الحياة الاجتماعيّة والسّياسيّة والاقتصاديّة والفكريّة في المجتمع، ونقارن بين مجتمعات الماضي بعضها البعض، ونقارنها مع مجتمعات الحاضر، فنرى أوجه الاختلاف بين المجتمعات خلال تعاقب العصور". (2)
نلاحظ في مقولة الشّيخ محمّد علي دبّوز التّركيز على الجانب الوطني في العمليّة التّربويّة المعتمدة على التّاريخ وأحداثه، وهو ما عبّر عنه بالواجب الوطني في عمل المربّي في دروس التّاريخ، وقد أكدّه بالعمل على الوصول بمغربنا الحبيب إلى الذّرى العالية بالإِفادة من التّاريخ في هذا المجال. فكيف يكون التّاريخ عاملا من عوامل بناء الوطنيّة؟
التّاريخ وبناء الرّوح الوطنيّة
يقول الشّيخ محمّد علي دبّوز: ” إنّ التّاريخ أكبر عامل لبناء الأمم و نهضة الشّعوب، وهو من الوسائل الكبرى في التّربية الحسنة. “ (3)
يعني الشّيخ أنّ التّاريخ أقوى عامل في بناء الوطنيّة، وبثّ روحها وتركيزها في النّفوس. لِتَتَوطَّد العلاقة بين الوطن والمنتمين إليه، ويتعزّز هذا الانتماء، وتتمتّن الرّوابط بين أبناء الوطن الواحد، والأمّة الواحدة، وتتّحد المشاعر، ويكون تصوّر المستقبل واضحا.
أكّد الشّيخ على ذلك في كتاباته مرّات كثيرة، وبعبارات مختلفة. فبعد أن بيّن ضرورة تطهير تاريخ المغرب الإسلامي من دعاية السّياسة القديمة، وترّهات الاستعمار، أوضحَ أنّ الغاية من ذلك: ” ليكون
__________
(1) - تاريخ المغرب الكبير، الجزء الأوّل، ص: 21.
(2) - دور القراءات الخارجية في تدريس التّاريخ، ص: 60، 61.
(3) - تاريخ المغرب الكبير، الجزء الثّاني، ص: 16. (1/19)
صفحة 20
التّاريخ نفعا خالصا للأمّة، وسببَ وحدة ومحبّة، تجعل أمّتنا الكبرى كالبنيان المرصوص يشدّ بعضه بعضا.“ (1)
إنّ هذا الهدف، وهو توحيد الرّؤية والمشاعر، الذي يوصِل إلى توحيد الصّفّ – بفعل التّاريخ – يتطّلب معرفة السّلوك الذي يجب تبنّيه؛ لتمكين هذه الرّوح الوطنيّة في النّفوس، وتعزيز هذا الانتماء في القلوب، وهو ما تكشف عنه العمليّة التّاريخيّة. والتّاريخ وحده – من بين العلوم الإنسانيّة - الذي يقوم بهذا الدّور. يقول فاروق عمر:" إنّ العمليّة التّاريخية التي يكشفها التّاريخ تبيّن الاتّجاه الذي يجب أن تسير فيه الأمّة. إنَّ هدفنا هو أن نُعِدّ المواطن، لا ليعيش في حاضر دائم، بل في حاضر متطوِّر نحو مستقبل، يجب أن يكون خيرا من الحاضر. هذه هي الوظيفة الوطنيّة للتّاريخ، وهي وظيفة، لا يمكن أن يؤديها غيرُ التّاريخ من العلوم الإنسانيّة." (2)
لهذا يقرر محمد علي دبّوز: ” أنّ تاريخ أجدادنا هو الذي يؤثِّر فينا أكثر، فيجب الاعتناء به ... والاعتماد عليه في تربيتنا في البيوت والمدارس والمجتمع. “ (3) بينما في المقابل – و لملحظ نفسي – يزهِّدنا الأستاذ في دراسة تاريخ غيرنا، فهو لا ينفعنا؛ لأنّه ترعرع في بيئة غير بيئتنا، ويتّصف بصفات لا تتوفّر فينا، وقد أوجدته ظروف وعوامل غير التي توفّرت لأجدادنا وآبائنا. ولمفارقات أخرى، قد تؤثّر فينا سلبا، فعوض أن نستفيد من التّاريخ ما يعيننا على تكوين شخصيتنا، وبناء نفوسنا. فإنّنا قد نتعقّد به، لأنّنا ربما قد نخرج منه بنتيجة خطيرة هي: إنّ هؤلاء الذين نقرأ تاريخهم هم من جنس أرقى من جنسنا (4)، و أنّ لهم مواهب غير مواهبنا المتخلّفة، وبذلك نفقد الطّموح، الذي يمكِّننا من اللّحاق بركب الحضارة، ونفقد الثِّقة في نفوسنا، وفي إمكاناتنا.
يريد الشّيخ من خلال هذه الفكرة أن يصرف أبناء الإسلام عن دراسة تاريخ الأوروبيّين، الذي فيه مثل هذه الآراء الخاطئة والمغرضة؛ لأنّه هو ما توفّر في كتب التّاريخ، ولأنّ عقول الأبناء ساذَجة،
__________
(1) - تاريخ المغرب الكبير، الجزء الثّالث، ص: 11.
(2) - التّاريخ الإسلامي و فكر القرن العشرين، ص: 7.
(3) - تاريخ المغرب الكبير، الجزء الثّاني، ص: 16.
(4) - كما هو حال أغلب مقرّراتنا ومناهجنا في مدارسنا، التي تنشئ أبناءنا على فكرة تفوّق الغرب علينا وعلى آبائنا، وتأصيل أنّ التّقدم مقصور على غير المسلمين. (1/20)
صفحة 21
ومداركهم قاصرة، فخاف الشّيخ أن تتأثّر بهذه الكتابات، فنخسر من التّاريخ أكثر ممّا نربح. فأراد أن يتشبّع أبناؤنا بتاريخ آبائهم أوّلا، ويتأثروا به وتتمتّن العلاقة به، ثمّ بعد ذلك يسمح بمعرفة تاريخ غيرهم (1)؛ لهذا قال للشّاب المسلم والنّاشئ: ” أمّا تاريخ أجدادك الذين نشؤوا في أرضك، فهم أبناء بيئتك الطّبيعيّة، التي لا تتبدّل، وفي دمائك وراثتُهم، تلك الوراثة التي انحدرت إليك منهم، و هي بفضل إعْمالِهِمْ لها في جهادهم أقوى ممّا انحدر إليهم من أجدادهم، ففيك من عوامل القوّة والنّجاح أكثر ممّا فيهم، فتثق بنفسك، فتسلك طريقهم، فتصل ما وصلوا.“ (2) بهذا التّفكير، وهذا العرض لحقيقة التّاريخ، يحاول محمد علي دبّوز التّركيز على الجانب الوطني في التّاريخ؛ ليؤدِّي مَهمّته التَربويّة على أحسن ما يرام.
ليزيد هذه الوطنيّة وضوحا وبيانا، كشف عن خطّة المستعمر في تعامله مع المسلمين مع تاريخهم: ”لهذا حرّم الاستعمار اللاّتيني على المغرب أن يعرف تاريخ أجداده؛ لأنّ تأثّرنا بهم يقتضي أن نثور عليه، فندفع ما يكدّر حياتنا، ويدنّسها وينتنها إلى البحر، ونصفّي حياتنا وأوطاننا من المرارة والسّموم التي ألقاها البحر إلينا. “ (3)
ثم ضرب مثلا لدور التّاريخ في غرس روح الوطنيّة في النّفوس وتنميتها بعناية الأوروبيّين بتاريخهم، وانتفاعهم به في بثّ الرّوح فقال: ” إنّ الأوروبيّين قد عرفوا آثار القصص التّاريخية للعظماء في بناء الأخلاق العظيمة والتّربية الحسنة، وتهذيب الأمّة، فاعتنوا بتاريخ أجدادهم وعظمائهم، فأبرزوه في أسلوب قصصي جذّاب، يجعل النّاشئة تُغرَم به وتستغرق في قراءته، وتتنبّه كلّ التّنبّه إليه، فيتأثّرون بأجدادهم العظماء، ويحافظون في أمّتهم على تقاليدهم الحسنة، التي هي سبب عظمتها وبقائها “ (4)
__________
(1) - الشّيخ لا يمانع من قراءة تاريخ غيرنا ودراسته، إنّما يمنعه عن الناشئة إلى حين تتشبّع بتاريخ آبائها؛ لتكون لها الحصانة فيما يبثّ من سموم في تاريخه، بدليل أنّه يدعو أبناء الإسلام إلى الإفادة من كل تاريخ عظيم: " إنّ هذه الآثار العظيمة لتكون لنا بدراسة تاريخ كلّ أمة عظيمة، و إن كانت أجنبيّة عنّا ... ". تاريخ المغرب الكبير، الجزء الثّاني، ص: 15.
(2) - م. س، ص: 16.
(3) - م. ن. قال في موضع آخر: " إنّ التّاريخ هو الفنّ العظيم الذي حرمنا الاستعمار منه، وحرّمه علينا، فيجب أن نبادر بعد استقلال المغرب فنأخذ حظّنا منه، وننتفع به في تربية الأجيال القادمة". م. س، ص: 26، 27.
(4) - م. س، ص: 18. (1/21)
صفحة 22
مثل هذا التّوجيه، بمثل هذه الأفكار وهذه الإشارات، يساعد على تنمية روح الولاء في النّشء لوطنهم، وانفعالهم بأحداثه، ومن ثَمّ الشّعور بالمسؤولية في المحافظة على المكاسب، التي تحقّقت لهذا الوطن، والتّفريق بين الأغراض الوطنيّة وأهدافه والمصالح التي يبغي تحقيقَها مَنْ لا علاقة له بالوطن من المغرضين والحسّاد والحانقين. كما أنّ هذا التّوجيه والقراءة في كتب التّاريخ ومصادره يساعدان ”على المشاركة الواعية فيما يواجه المجتمع من المشكلات والتّحديات “ (1)
وَعْيُ هذه الحقائق المذكورة، ومعرفةُ دور كلّ إنسان نحو وطنه، وإِفادتُه من دروس التّاريخ إِفادة حسنة، تتطلّب تعاملا عقلانيّا مع أحداث التّاريخ، يكون له تأثير في عقول النَّشء، وفي نشاطهم وسلوكهم، بما يعود على هذا الشّعور بالوطنيّة والانتماء بالنّفع، وهو من القواعد الأساسية التي أشار إليها الشّيخ محمد علي دبّوز.
التّاريخ والتّربية العقليّة
يرى الشّيخ محمد علي دبّوز أنّ التّاريخ:" من أحسن العلوم التي تثقّف العقل ". (2) لهذا واستكمالا لرسالة التّربية بالتّاريخ، وترسيخا لحقيقته في النّفوس، وبيان جدواه، و لماذا يدرّس؛ حتىّ تنجذب إليه النّاشئة وتقترب منه، وتسترفده في توجيه حياتها. أكدّ الشّيخ على ضرورة إعمال عقل التّلميذ فيه كلّ الإِعْمالِ، وذلك بالتّدرّج معه في تقديم هذا التّاريخ إلى أن يستنبط بنفسه من المقدّمات ما تقتضيه من النّتائج، لأنّ ذلك من شأنه أن يقوّي انتباهه إلى ما يجب أن يتأثّر به في التّاريخ إيجابا وسلبا، وهو ما يجعل عقله أكثر حضورا حين عرض التّاريخ أمامه: ” كما يجب أن تكون التّمارين التي يعقب بها كلّ باب مشتملة على أسئلة، تدعو التّلميذ إلى الاستنباط، وتعمل عقله باستخراج النّتيجة من مقدّماتها.“ (3)
يوضّح الشّيخ هذه الفكرة، و يبيّنُ ما يكون عليه التّلميذ حين يقدّم إليه التّاريخ: ” فإذا سمع باستقامة دولة وتمسّكها بالدّين، ورسوخها في الصّراط المستقيم، فإنّها لابدّ أن تكون على القوّة
__________
(1) - دور القراءات الخارجيّة في تدريس التّاريخ، ص: 43، ينظر أيضا ص: 60، 61.
(2) - أعلام الإصلاح في الجزائر، ج3، ص: 116.
(3) - تاريخ المغرب الكبير، الجزء الثّاني، ص: 22. (1/22)
صفحة 23
والازدهار، وعلى النّجاح في الأمور، والتّقدم والتّفوّق في كلّ النّواحي ... وإذا أرَاهُ (أي المربّي) دولةً تتنكّر لدينها، وتُعرِض عن الإسلام، وعمّا أمر به القرآن، وتحتقر الدّين وتزدريه، وتأخذ بالمذاهب الهدّامة التي وضعها أعداؤها ... فإنّ عاقبتها لا شكّ هي الدّمار والاضمحلال، وما تبوء به إنّما الخسارة والهلاك و التّمزّق والتّفكّك، وما يكون لها في صدور الأحرار و الأمم إنّما هو الاحتقار و الازدراء.“ (1)
هذه النّتائجُ المترتّبةُ عن مقدّمات، الحاصلةُ من أسباب معيّنة هي ما يجب أن يترك المربّي فيها الفرصةَ للتّلميذ كي يتوصّل إليها بنفسه، بل عليه أن يثير اهتماماته، ويُشبِع فضوله العقلي، ويسأله عن الأسباب المؤدّية أو الموصلة إلى تلكم النّتيجة، أو يسأله بعد وضع المقدّمات أو تقديم معطيات عن النّتائج الممكن الوصول إليها. أو محاولة انتقاء مواقف تعليميّة من التّاريخ ودفع التّلميذ للتّفاعل معها، بذلك يكون المربّي: ’’ قد ربّى فيه الخُلق بإلفاته إلى عائدة التّمسّك بالدّين، وربّى فيه العقل بالاستنباط والاستخراج.‘‘ (2)
ما يجب جعله في الحُسبان، وإيلاؤُه عناية كبيرة في مجال إعمال العقل في التّاريخ، هو عدم البقاء أسير آراء سابقة، وأفكار خاصة دُرِج عليها، حتىّ ولو كانت خاطئة؛ لأنّها هي التي عكّرت الصّفو على المسلمين، وأعاقتهم عن التّفاهم والتّلاقي، بل يجب إعمال العقل وتحكيم المنطق في التّاريخ ورواية الأحداث ونقل الواقعات. فمتى تبيّن لنا خطأ رأي أو معلومة، يجب تسجيل ذلك، والإعلان عنه؛ حتىّ لا ننحرف عن التّاريخ في هدفه ومغزاه، وهو التّربية العقليّة والتّنمية الإدراكيّة فينا وفي النشء: ’’و يجب أن نترك إلفنا وما ردّده أجدادنا، فاستقرّ في عقلنا الباطن، يكوّن أحكامنا في التّاريخ، يجب أن ننظر بعقولنا، ونبحث بحثا منطقيّا خالصا، لا توجّهنا فيه العواطف الموروثة، ونعتمد في أحكامنا على الأدلّة القويّة والبراهين السّاطعة والنّصوص الصّحيحة ... ‘‘ (3)
__________
(1) - م. ن.
(2) - م. ن.
(3) - م. س، ص: 24. (1/23)
صفحة 24
هذه الفكرة أو قريب منها ذكرها الدّكتور طريف الخالدي:" إنّ فائدة التّاريخ تكمن في التّمرين العقلي على استخراج الحوادث، ووضعها في نصابها القصصي و المنطقي." (1)
إِنْ سُلِكَ مع التّاريخ هذا المسلك، فإنّه يكون عاملا مهمّا في توسيع أفق العقل، والتعوّد على التّفكير المنطقي، وتنمية روح البحث العلمي في نفوس التّلاميذ وطلاّب المعرفة؛ بإثارة اهتمامهم، وبذل الجهد في الاستنباط والاستنتاج وربط الأسباب بالمسبّبات ... لتحقيق كلّ ذلك قدّم الشّيخ محمد علي دبّوز مجموعة من الملاحظات والقواعد العامّة في كيفية تدريس مادة التّاريخ؛ ليؤتي ثماره المرجوّة منه، فما هي هذه القواعد؟.
قواعد تدريس التّاريخ *
إنّ الشّيخ محمد علي دبّوز يؤكّد أنّ التّاريخ يجب أن لا يقتصر على السّرد والحكاية ومجرّد الاطّلاع، بل يجب أن نتّبع فيه طريقة مجدية، ونختار نهجا قويما، ونبتكر منهاجا صحيحا؛ حين نقدّمه إلى النّاشئة بخاصّة؛ ليكون لهم عامل اجتذاب بدل أن يكون عامل نفور.
قدّم للمربين – في هذا السّياق - مجموعة من الملاحظات والإرشادات حول فن تدريس التّاريخ تحت عنوان ’’فن تدريس التّاريخ.‘‘ (2) هي في حقيقتها شروط، فما هي هذه الشّروط التي يشترطها في مدرّس التّاريخ؟
- أن يلقي دروسه التّاريخيّة بتحليل علمي و روح خطابيّة، وفي أسلوب طليّ.
- أن يتمتّع بشخصية قويّة، يكون لها التّأثير الكبير في النّشء؛ حين يقدّم لهم الحقائق التّاريخيّة.
- أن ينبع التّاريخ من أعماقه متأجِّجا بوجدانه، متشبّعا بفلسفته، حتّى لا يقتل هذا التّاريخ حين يقدّمه، وحتى لا يكون أخبارا باردة، و أنباء قديمة يحكيها. (3)
__________
(1) - الدّكتور طريف الخالدي، بحث في مفهوم التّاريخ و منهجه، ص: 20.
* لمزيد من التّفاصيل ينظر مقالنا: " المؤرّخ الجزائري محمد عليّ دبّوز في ذكراه السّادسة "، مجلّة النّهضة (سلطنة عمان) عدد: 363، يوم: 09/ 12 / 1987م
(2) - ينظر تاريخ المغرب الكبير، الجزء الثّاني، ص: 22 و ما بعدها.
(3) - يرى الدّكتور جعفر سعادة أنّ مدارسنا تخطئ في طريقة تدريس التّاريخ، و هو ما يأتي بنقيض المقصود من التّاريخ لأنّها تعتمد على " السّرد الجافّ للحوادث، والشّيء البارز فيه هو ذكر السّنين و أسماء الملوك و الوقائع الحربيّة "، ينظر دور القراءات الخارجيّة في تدريس التّاريخ، ص: 20. (1/24)
صفحة 25
- يجب أن يأتي بدروسه ومقرّراته في رأسه، لا في كرّاسه.
- يجب أن يتحمّس المدرّس المربّي للفضيلة في تاريخ العظماء ولكلّ الأشياءِ الحسنة. كما يجبُ أن يُظهرَ مقته للرّذيلة ولكلّ الأشياء السّيّئة.
- يجب أن لا يُسند تدريس التّاريخ لمن كانت شخصيته علميّة محضة. فإنّه يقتله، ولا تجدي معلوماته الغزيرة فيه، وذاكرته المحشوّة بمادّته.
- يجب أن لا يسند تدريس التّاريخ إلاّ للفصحاء الذين وهبهم الله اقتدارا في التّعبير، وكانت الشّخصية الخطابيّة فيهم قويّة.
رغم وجاهة هذه الآراء في تدريس التّاريخ، إلاّ أنّنا نحترز من ملاحظة واحدة، وهي التي يقرّر فيها الشّيخ أنّ التّاريخ يقدّم إلى النّشء بروح خطابيّة. نخشى أن يسرف المربّي أو المدرّس في هذه الخطابيّة (1)، فيهمل دور المتلقِّي أو التّلميذ في درس التّاريخ، فيكون الجهد مبذولا من جهة واحدة، وهي جهة المعلّم، بينما طرف التّلميذ يبقى سلبيّا، يغرق في الاستماع، وينشأ على السّلبية في النّشاط، وعلى التّسليم بما يقدّم له، فيتعطّل عقله أو تفكيره، الذي يحرص الشّيخ ويوصي الشّيخ باستثارته؛ بما قرّره من نظريّات في مفهومه للتّاريخ و دوره التّربوي، بينما: ’’ الطّريقة الجيّدة في تدريس التّاريخ تعتمد على إثارة التّلاميذ، وتحفيزهم على العمل، وبذل الجهد، وتقوم على النّشاط الإيجابي من التّلاميذ، والتّوجيه والقيادة والإشراف من المدرّس، وتسمح بالتّعاون والعمل الجماعي على أسس ديموقراطيّة، ولا تهمل في نفس الوقت العمل الفردي الاستقلالي، و تشجّع التّفكير المستقل والحكم المستقلّ من التّلاميذ.‘‘ (2)
هذه بعض القواعد العامّة في طريقة تدريس التّاريخ، قدّمها أستاذنا للمربّين، تنفعهم في أداء رسالتهم التّربويّة. فهي تكشف عن تجربة كبيرة في الميدان، وتفهّم عميق لعمل المربّي الذي يتوخّى السّبل القويمة
__________
(1) - هي الطّريقة التي كان يدرّسنا بها التّاريخ في معهد الحياة، فهو يقدّم لنا دروسه على شكل محاضرات. ليس لنا في دروسه أيّ دور يذكر.
(2) - دور القراءات الخارجيّة في تدريس التّاريخ، ص: 68، 69. ينظر أيضا عبد الحميد السيّد، التّاريخ في الّتعليم الثّانوي، ص: 192. (1/25)
صفحة 26
والطّرق النّاجحة في التّربية. لهذا يرى الشّيخ أنّ التّاريخ أكبر وسيلة في التّربية، ويفضّله على دروس الأخلاق النّظريّة.
التّاريخ ودروس الوعظ والإرشاد
لخطورة التّاريخ وأهميّته في مجال التّربية فإنّ الأستاذ محمد علي دبّوز يراه أجدى من دروس الوعظ والإرشاد النّظريّة؛ لأنّ التّاريخ يجسّم الفضيلة في سلوك الصّالحين، ويقدّمها مصحوبة بعاقبتها الحسنة، ومقرونة بجدواها العظيمة؛ فيكون المرء أكثر إدراكا لها وأحسن تصوّرا، ومن ثَمّ يتملّكه الإعجاب بها، فلا يسعه بعد ذلك إلاّ الإيمان بها: ’’ فالصّلاح نراه مقرونا بالنّجاح الذي حصّلوا عليه، والأخلاق العظيمة في العظماء نراها مصحوبة بالزّعامة والعبقرية والمجد الذي تُتُوِّجوا به. فنرى الفضيلة فيهم في هالة مشرقة من عاقبتها الحسنة، ونحسّ بها في حلاوة عائداتها الجميلة، فيكون إيماننا بها أشدّ، ورغبتنا فيها أقوى؛ فتثور غريزة السّيطرة وكثير من الغرائز فتبعثنا عليها، فنتّصف بها.‘‘ (1)
كما يجسّم التّاريخ الرّذيلة في سلوك المذنبين مقرونة بعاقبتها الوخيمة:’’فنراها في بؤس المذنبين وفي مشنقة المجرمين، وفي جحيم الله الذي أعدّه للعاصين؛ فتبدو لنا في أبشع صورها، وفي هولها ونكرها.‘‘ (2) وبذلك ندركها أكثر، ونتصوّر قبحها وأثرها أكثر فنزداد نفورا منها، وأكثر مقتًا.
هذه العبر وهذه الأخلاق يقدّمها لنا التّاريخ على شكل قصص وسير وسلوك، فترسخ في قلوبنا، وترتسم حقيقتها في أذهاننا. يقول الشّيخ محمد علي دبّوز:’’ أمّا المواعظ النّظريّة ودروس الأخلاق المعنويّة، التي لا تؤيّد بالقصص التّاريخيّة، فإنّ المرء لا يزيد بها على أن يلين قلبه بعض اللَّين، و تدمع عينه بعض الدّمع، ثم ّيقسو قلبه، وترقأ دمعته، وينسى ما سمعه من المعاني، لا تفجّر المعاني منه ما يفجّره المحسوس الواقع، الذي يرسمه التّاريخ في خيالنا من دموع غزيرة، تغسل نفوسنا من الأدران، ويطهّرها
__________
(1) - تاريخ المغرب الكبير، الجزء الثّاني، ص: 20.
(2) - م. ن. (1/26)
صفحة 27
الوجدان المتأجّج، بالتّحسّر والنّدم، فتكون صافية بيضاء، ناصعة كالثّوب الأبيض، الذي غسلناه، فأجرينا عليه المكواة الحامية، فأرجعت له جدّته، وأزالت تجاعيده، ومنعته من التّسوّس والبلى.‘‘ (1)
يرى الشّيخ أيضا أنّ الأبناء الذين عقّوا تاريخهم – مهما تكن الأسباب في ذلك – أو الذين لم يعوا حقيقة هذا التّاريخ، ومن ثمّ تعاملوا معه تعاملا باردا فاترا خاليا من الانفعال والتّفاعل ... هؤلاء لا يمكن إقناعهم بخطئهم، وتعريفهم بتاريخهم المشرق، بالوعظ النّظري وحده، ولا بالجدال: ’’ ولكن بالتّاريخ الذي يعيشون به في بيئة أجدادهم الزّكيّة؛ فتورِّثهم بياضها وإشراقها، فيكون كما يريد مغربنا الحصيف النّاهض، وكما يرضى الله.‘‘ (2)
رغم اعترافنا بأهميّة التّاريخ التّربويّة، ومزاياه على الدّروس النّظريّة، والمواعظ والإرشاد، التي تكتفي بسرد المعاني فقط. إلاّ أنّنا نأخذ على الشّيخ محمد علي دبّوز مبالغته في إضفائه هذه الصّفة على التّاريخ، وإعطائه هذه الوظيفة الكبيرة، وعدِّه الكفيلَ بالقيام بعمليّة التّربية والتّوجيه، والاضطلاع بهذه المهمّة، دون سواه من الوسائل الأخرى. نستشف هذا الحكم من عباراته التي أفرغ فيها فكرته. كالتّشبيه الذي قدّمه في مقولته السّابقة، وهو يتحدّث عن غسل الموعظة التّاريخية للنّفوس من الأدران، وتطهيرها تطهيرا كاملا: ’’ فتكون صافية بيضاء ناصعة، كالثّوب الأبيض الذي غسلناه فأجرينا عليه المكواة الحامية، فأرجعت له جدّته، و أزالت تجاعيده، ومنعته من التّسوّس و البلى.‘‘
ما نأخذه عليه أيضا – و نستنتجه من تعبيره – سلْبَه المواعظ النّظريّة المنفعة والجدوى والتّأثير في النّفوس، إلا ما كان آنِيا وقتيًّا؛ إذ سرعان ما ينسى المخاطب بدرس نظري الأخلاق التي لُقِّنَها:’’ فإنّ المرء لا يزيد بها على أن يلين قلبه بعض اللّين، وتدمع عينه بعض الدّمع، ثم يقسو قلبه وترقأ دمعته، وينسى ما سمعه من المعاني.‘‘
هذه المبالغة في تقرير هذه الفكرة منشؤها – في نظري – اقتناع الشّيخ بجدوى التّاريخ وبدوره الفعّال في التّربية والتّوجيه، وحرصه على تأصيل هذه الفكرة في النّفوس؛ لِمَا لاحظه من عدم اكتراث النّاس بالتّاريخ، ومعاينته الأخطاء التي ارتكبت في حقّ التّربية؛ بسبب الإعراض عن التّاريخ، ثمّ وقوفه
__________
(1) - م. س، ص: 21.
(2) - تاريخ المغرب الكبير، الجزء الثاّلث، ص: 11. (1/27)
صفحة 28
على صنيع الاستعمار في تشويه الشّخصية الإسلاميّة، وانحرافه بالمجتمع الإسلامي في سلوكه؛ بتزييف التّاريخ، وكذا مشاهدته لمجتمعه يتخبّط ويتعثّر في وحل من الأخلاق الفاسدة والسّلوك المشين؛ بسبب عدم الإفادة من التّاريخ، والاطّلاع على مآثر الأجداد ومثالبهم، وأخذ العبرة منها، وكذا ما لاحظه من نقص وضعف – أحيانا – في دروس الوعظ والأخلاق النّظريّة.
كلّ ذلك أثّر عليه – سلبا – في التّنظير؛ فقد حمله ذلك على دَعْمِ فكرة آمن بها، والتّأكيدِ على نظريّة تبناها على حساب أفكار أخرى. هذا خطأ في النّظر والتّقدير، كثيرا ما عيب على الشّيخ. كما لاحظ ذلك الشّيخ علي يحي معمر في انتقاداته للشّيخ محمد علي دبّوز. (1)
مع ذلك فنحن لا ننكر دور التّاريخ في التّوجيه والإرشاد والتّوعية، وفي نشر الأخلاق وتفتيق العقل، وتنمية الخيال وتهذيبه إلى جانب البحث التّاريخي المحض. (2)
هذه بعض الآراء والنّظرات، التي قدّمها الشّيخ محمد علي دبّوز عن التّاريخ وسيلةً تربويّة للتّوجيه والتّكوين، هي في حاجة إلى وقفات وتأمّل ومناقشة معمقّة؛ لأنّها تحمل دلالات مهمّة. وهي وجهات نظر شخصيّة أملتها – أغلبها – ظروف خاصّة، وأفرزتها بيئة متميّزة، وكونتها عوامل ذات طابع خاصّ. على المؤرخ مناقشتها، وعلى المربّي نقدها وإغناؤها.
إلى جانب الدّور الكبير الذي يعطيه الشّيخ للتّاريخ في التّربية، فإنّه يُوكِلُ إليه دورًا آخر، وهو جبر النّقص أو التّعويض في مجال التّربية؛ كالاستعاضة عن البيئة الاجتماعيّة الواقعيّة، التي قد تفتقر إلى عوامل التربيّة الحسنة، أو إلى مقوّماتها، وإلى التّوجيه المثمر ... الاستعاضة بالبيئة التّاريخيّة، التي يمكن بواسطتها توفير الجوّ الملائم لحسن الرّعاية و التّوجيه.
__________
(1) - عاب الشّيخ علي يحي معمر على الشّيخ محمد علي دبّوز مبالغاته، التي تحجب بعض الحقائق – أحيانا – و توقعه في تناقض؛ لسبب واحد هو محاولته وحرصه على إظهار أهميّة الفكرة التي يؤمن بها، و تقديم صورة عمّا يعجب به، أو ينكره، فيتغافل عن الحقائق الأخرى أو يتناساها. و هو ما يصم بعض آرائه بعدم الوضوح أحيانا. ينظر مبحث " لا يا أخي" علي يحي معمر، الإباضية في موكب التاريخ، الحلقة الرابعة (الإباضية في الجزائر، الطبعة الأولى، مكتبة وهبة. القاهرة سنة 1979، ص: 461 و ما بعدها).
(2) - ينظر ما يؤيد هذا الرأي "ج. هرنشو" و كتابه علم التاريخ " علم التاريخ"، ص: 105، 106. (1/28)
صفحة 29
هذا الجانب يعمل فيه العامل النّفسي دورا كبيرا، و هو المجال الذي أولاه الشّيخ عناية كبيرة لتوضيح آرائه، و بيان نظراته، و الكشف عن الجانب التّربوي في التّاريخ، وهو ما نعرض له في المبحث الآتِي.
التّاريخ والجانب النّفسي
حين نتأمّل في بعض الأوصاف التي سجّلها الشّيخ محمد علي دبّوز للتّاريخ، ونمعن النّظر في تعامله معه؛ تنظيرا وتطبيقا، نلحظ أنّه كان كثير التّركيز على الجانب النّفسي في هذه الوسيلة التّربويّة.
يُحاوِل من خلال تعريفنا بهذا التّاريخ، وتقديم صورة عن هذه الوسيلة، وإقناعنا بجدواها في العمليّة التّربويّة، يحاول أن يتغلغل معنا في أعماق النّفس البشريّة، ويسبر غورها، ويوقفنا على بعض الحقائق النّفسيّة فيها، وعلى بعض الإشارات، التي يجب مراعاتها؛ للسّير سيرا حسنا في التّربيّة، سواء في استغلال هذه المؤهّلات في التّوجيه أم تعديل بعض المعطيات فيها؛ لتستقيم العمليّة ... كلّ ذلك هو ما يقوم به التّاريخ أو يَضْمَنُهُ.
ربّما كان لاطّلاعه على نظريّات في علم النّفس التّربوي، وتشبّعه ببعض المفهومات النّفسيّة، ووقوفه على بعض الأنماط السّلوكيّة، وتحسّسه لهموم المجتمع التي تسبّبت فيها عوامل القهر والضّيم والتّخلّف والجهل، التي تعرض لها، والإحباطات النّفسيّة التي نالته من الظّلمة والجبابرة والمستعمرين، والتي مسّته في مقوّماته وكيانه وأصالته؛ بسبب تزييف تاريخه، أو منعه من إرثه العزيز. لعلّ لكلّ ذلك أثر في جعله ينحو هذا المنحى في التّعامل مع التّاريخ، ويهتمّ بالجانب النّفسي أكثر من سواه، و يفسّر التّاريخ انطلاقا من هذه الزّاوية.
يركّز الشّيخ محمد علي دبّوز على جانب مهمّ في حياة الإنسان، هو جانب الغرائز التي تتركّب منها النّفس، والتي تُسيِّرُ حياته و توجّهها. يقول: ’’ إنّ هذه الغرائز و الميول الفطريّة العامّة هي أساس أخلاقنا، و سبب ما فينا من عقائد، تشكّل سلوكنا، و ترسم طريقنا في الحياة.‘‘ (1)
__________
(1) - تاريخ المغرب الكبير، الجزء الثّاني، ص: 13. (1/29)
صفحة 30
نظرا لكون هذه الغرائز هي التي تكوِّن البيئة الاجتماعيّة، التي يترعرع فيها المرء، بتأثير من يحيطون به ويختلط بهم، ومن يعاشرهم. والمربّون يستطيعون بواسطتها التّأثير في الأبناء و تشكيلهم كما يشاؤون، فإنّها في حاجة إلى من ينمّيها ويقوّمها، ويوجِّهها الوجهة الحسنة.
يرى الشّيخ في البيئة التّاريخيّة، وسيرة من سبق من الآباء والأجداد مجالا لذلك. يضرب مثلا بغريزة حبّ الظّهور التي تحقّق إنسانيّة الفرد. وهو الكائن الذي يسعى إلى إثبات وجوده، وفرض نفسه على الآخرين: ’’ومن تلك الغرائز غريزة حبّ الظّهور، التي تجعله يريد الاحترام من بيئته، والتّقدير والإكبار ممّن يختلط به، وهذا لا يكون إلاّ بالسّلوك الحميد الذي يكبره من يعاشره، والأخلاق الحسنة التي يحبّها من يختلط به، فتبعثه تلك الغرائز عليها. إنّها أقوى غريزة في الإنسان، فتسعة أعشار أعمالنا الحسنة تدفعنا إليها هذه الغريزة؛ لذلك يجب أن نحفّ الطّفل بالبيئة الاجتماعيّة التي تحترم الأخلاق الحسنة؛ لتبعثه هذه الغريزة عليها.‘‘ (1)
حتَّى يربط بين هذه الغريزة و التّاريخ، وما يمكن أن يقدّمه هذا الأخير للأجيال في مجال التّربيّة بتوجيه هذه الغريزة نحو الأحسن، حاول الشّيخ التّركيز على ضرورة العودة إلى تاريخ الأجداد والأسلاف؛ لتوطيد العلاقة، والإفادة من سير الغابرين. من هذه السِّيَر يستمدّ الخلف قوَّتهم وحقيقة وجودهم، ويثبتون تلك الجدارة وحبّ الظّهور، التي قد يزهّدهم فيها، أو ينفيها عنهم بعض المغرضين والطّاعنين.
إذن بفضل هذه الغريزة يعطى الأبناء الثِّقة في أنفسهم، فيعملون على المحافظة على وجودهم؛ بما يضيفونه إلى هذا المجد بالتّربية والتّوجيه:’’إنّ غريزة حبّ الظهور ممّا يبعث الإنسان على الشّغف بتاريخ أجداده، وعلى التّنبه فيه، فيزداد تأثّره به، لأنّ أجداده جزء منه، فمجدهم هو مجده، وأنّ هذه الغريزة لتجد شبعها بمشاهدة هؤلاء الأجداد في عروشهم و التّحديق فيهم، وهم في حلل مجدهم، و إنّه لتدفع الابن ليكون مثل جدّه، فيبحث بدون شعور عن الطّريق الذي سلكوا، والأسباب التي أخذوا بها،
__________
(1) - م. س، ص: 14. (1/30)
صفحة 31
فحقّقوا تلك الغايات، فتدفعه لسلوك ذلك الطّريق، والأخذ بتلك الأسباب؛ فيتّصف بأخلاق أجداده؛ فيكون عظيما مثلهم ومن الأسود الكاسرة ... ‘‘ (1)
ظاهر من هذه النّظرة، وهذا التّحليل أنّ الشّيخ ينطلق من الواقع المعيش الذي تمرّ به الأمّة الإسلاميّة المقهورة والمغلوبة على أمرها في حقيقة إنّيتها وأصالتها، التي عمل الاستعمار والظّلم على قهرها وتزييفها، وعلى محاولة هزم أبنائها نفسيًّا؛ بتصويره وإيهامهم بأن لا تاريخ لهم، ولا أصالة إلاّ ما يهيِّئُه لهم هو بنفسه، و ما يمليه عليهم.
في المسألة عامل نفسي يعمل على تنبيه النّاس إلى هذه الحقيقة، وإلى توضيح الرُّؤية لهم، وإلى التّركيز على جانب أساسي في البشر، و هو إشعارهم بحقِّهم في فرض الوجود، وبعث الثِّقة في النَّفس. هذا العامل يتحرّك في الإنسان و ينمو ويتطوّر بفعل الشّغف بتاريخ الأجداد و القراءة المتأنيّة في مجدهم وثرائهم.
هكذا يعمل التّاريخ عمله في تنمية غريزة حبّ الظّهور، فيحاول الابن الارتفاع إلى سمعة أبيه ... والارتقاء إلى مستواه، وتسنّم مجد سلفه، فيردّ أسطورة التفوّق الأجنبي عليه، ويدافع عن وجوده، ويدفع ضيم العدوّ و الجاني عنه: ’’فلا تستطيع ثعالب الاستعمار أن ترتع في عرينه، وتستأسد في غابه ‘‘. لكلّ ذلك يضيف الشّيخ محمد علي دبّوز: ’’حرّم علينا الاستعمار دراسة دولنا الإسلاميّة ومعاشرة أبطالنا، ... والاختلاط بأجدادنا، وهم في ذروة عزّهم، وفي عروش مجدهم، تعنو لهم رقاب الدّنيا إجلالا وتعظيما، ويرضى عنهم الله؛ بأخذهم بكلّ ما أمرهم به من أسباب الصّلاح والفلاح والفوز والنّجاح.‘‘ (2)
بفضل غريزة حبّ الظّهور الموجّهة توجيها سليما يمكن إرجاع الثّقة في النّفس، وتصحيح كثير من الأخطاء التّاريخيّة التي تنزل – دوما- قاسية على النّفس، فتحدث فيها انهيارا نفسيّا، فلا تقوى على المحافظة على مقوّماتها، وعلى مميّزاتها، فنستسلم للقوّة الخارجيّة، التي تسيّرها كيف تشاء. وبفضل هذه الغريزة: ’’يستطيع الفرد عن طريق دراسة التّاريخ أن ينفذ إلى أسرار شخصيته المحجوبة عنه.‘‘ (3)
__________
(1) - م. س، ص: 15.
(2) - م. ن.
(3) - علم التّاريخ، ص: 106. (1/31)
صفحة 32
إذا كان التّاريخ كفيلاً بتحقيق هذا الجانب النّفسي فكيف عالج الشّيخ هذه النّاحية؟ وكيف تتكوَّن الثّقة في النّفس بالتّاريخ؟
التّاريخ والثّقة بالنّفس
إذا كان الاستعمار أو العدوّ يحاول زرع روح الخوف والضّعف في القلوب، ويبذر بذور الوهن وعدم الثّقة بالذات في النّفوس، وبعمل على التّشكيك في الإنيّة، ويبذل جهده في قطع الصِّلة بالماضي، فإنّ التّاريخ يحاول بأسلوب نفسيّ وتربويّ متميّز القضاءَ على هذه السّلبيات، وقطعَ دابر هذه المحاولات، وبعث الحسّ الوطني والروح الانتمائيّة إلى الأصالة في النّفوس؛ وذلك ببثّ الثّقة بالنّفس في الأبناء، والاستئناس إلى الإمكانات، والكشف عن كوامن القوّة، عن طريق الاعتناء بتاريخ الأجداد بخاصّة؛ للوقوف على الحقائق الثّابتة، والاطمئنان إلى القدرة على الوصول إلى ما وصل إليه الآباء، لأنّ الظّروف واحدة، والعوامل متشابهة - تقريبا- و كذا البيئة. يقول الشّيخ محمد علي دبّوز: ’’ أمّا تاريخ أجدادك الذين نشؤوا في أرضك، فهم أبناء بيئتك الطّبيعيّة التي لا تتبدّل، وفي دمائك وراثتُهم، تلك الوراثة التي انحدرت إليك منهم، وهي بفضل إعمالهم لها في جهادهم أقوى ممّا انحدر إليهم من أجدادهم. ففيك من عوامل القوّة والنّجاح أكثر ممّا فيهم؛ فتثق بنفسك، فتسلك طريقهم، فتصل ما وصلوا.‘‘ (1)
على ضوء العوامل التي ذكرها الشّيخ، التي من شأنها استرجاع الثّقة في النّفس يمكن فهم الحاضر ووعي سلوك الفرد فيه، وتفهّم المشاكل التي تعترضه، التي قد تكون من أسباب عرقلة نشاطه، والوقوف أمام طموحه، ومن أسباب انهزامه نفسيًّا. في هذا المعنى يقول الدّكتور جعفر سعادة:" فالغرض من التّاريخ هو تذكّر الماضي الذي هو السّبيل لتكوين الثّقة بالنّفس، وبالإمكانات والشّعور بأنّ فهم الماضي ضروريّ لإدراك الحاضر، وأنّ تكوين الوعي التّاريخي ضروريّ إذا أردنا فهم مشاكلنا الحاضرة والتّخطيط لمستقبل أفضل.‘‘ (2) فالثّقة بالنّفس تحمل الإنسان على تحقيق طموحه بالعمل الإيجابي، كما
__________
(1) - تاريخ المغرب الكبير، الجزء الثّاني، ص: 16.
(2) - دور القراءات الخارجيّة في تدريس التّاريخ، ص: 20. (1/32)
صفحة 33
أنّها تستدعي مهمّة أخرى وهي العمل على إزالة العقد النّفسيّة التي ترسّبت في النّفوس بفعل عوامل كثيرة، وهو ما نبّه إليه الشّيخ في حديثه عن التّاريخ.
التّاريخ وإزالة العقد النّفسيّة
ما يحقّق الثّقة بالنّفس إزالةُ العقد النّفسيّة الموروثة والرّاسخة في النّفوس؛ التي يفرزها ما يرتكبه العدوّ الحاقد على الإسلام من جنايات في حقّ المسلمين، وذلك بتشويه تاريخهم، أو التّشكيك في مصداقيته أو أصالته.
من هذه العقد التي تمكّنت في نفوس أبناء الإسلام اقتناع بعضهم بقوّة العدوّ وتفوّقه؛ بسبب القهر والتّسلّط، اللّذين يمارسهما عليهم. لهذا نلحظ أنّ الشيخ كان يركّز كثيرا على عبارات القهر والضيم؛ أسبابًا لهذه العقد النّفسيّة.
منها أيضا: عدّ الإسلام بعيدا أن يكون دين المدنيّة، بل هو سبب الخمول والهوان. وأنّ اللّغة العربيّة لغة متخلّفة: ’’ هذه العقائد الخطيرة التي هي الدّيناميت الفتّاك، الذي يهدم مغربنا، والسمّ القتّال الذي يفتك بنا، وهي شرّ من وجود المستعمرين كلّهم في بلادنا.‘‘ (1)
هذه العقد النّفسيّة التي تكوّنت في أبناء الإسلام، يكون أثرها على الأمّة خطيرا؛ لأنّها أصبحت عقائد ومسلّمات يؤمن بها هؤلاء النّشء – لأسباب و عوامل- هي أخطر من الاستعمار نفسه، لأنّه كما يقول الشّيخ محمد علي دبّوز: ’’ أمّا أبناؤنا الذين يلابسوننا ويختلطون بدهمائنا وأغرارنا، ونحسن الظنّ بهم، وتنفتح لهم صدورنا، فإنّهم يَسْكُبون في مغربنا هذه العقائد القتّالة، ويغمروننا بعدواهم المميتة.‘‘ (2)
من بين هذه العقد أيضا تقريرُ أنّ أيام المغرب العربي في عهود الدّول الإسلاميّة كانت تسبح في دماء من الصّراع والتّناحر، وكان المغرب يرزح تحت نير التّخلّف والفقر، وكان يعيش حالة الهوان والذِّلَّةِ ... لماذا يلقِّن المستعمرون هذه الأمور لأبناء المغرب الإسلامي؟:’’ ليهيِّئوا نفوسهم للرّضوخ
__________
(1) - تاريخ المغرب الكبير، الجزء الثّالث، ص: 10.
(2) - م. ن. (1/33)
صفحة 34
للقيود، واستحلاء المرارة، فلا يثورون عليه، والرّضا بواقعهم الأليم فلا يسخطون عليه. ‘‘ (1) وقد حدث في تاريخ الجزائر مثلا، وبسبب سياسة استعماريّة حقودة خبيثة، أنْ تنكّر بعض الجزائريّين لوطنهم. وقد أثَّرت فيهم الدِّعايات، وأقنعتهم بأن ليست هناك للجزائر شخصية متميّزة، ولا كيان متميّز إلاّ ما كوّنته فرنسا لَمّا دخلت إليها واحتلّتها سنة 1830م. حتى قال أحدهم: ’’ لن أموت في سبيل الوطن الجزائري لأنّ هذا الوطن ليس له وجود ‘‘ (2)
وقد ظهرت في الشِّعر الجزائري التفاتات إلى التّاريخ لمقاومة هذا التّيّار الخطير، وهي كما عبّر عنها الدّكتور صالح الخرفي " الوعي التّاريخي". حيث لاحظ في الشّعر، وبخاصّة الإصلاحي منه والوطني ظواهر التفجّع والحسرة على الماضي الغابر، ومناهضة المواقف السّلبية من الشّخصية الوطنيّة، ثم المواجهة الصّارخة، ومقاومة ادّعاءات نكران الوطن الجزائري، ثمّ الاعتناء والاهتمام باللّفتات التّاريخيّة، والتّركيز على قضيّة الانتماء العربي، والإشادة بالحضارة العربيّة الإسلاميّة؛ ردًّا على أسطورة (الجزائر فرنسيّة L`Agerie Francaise ) ... إلى غير ذلك من المواقف التي أملتها عوامل المساس بالشّخصيّة الإسلاميّة، وهذه العقد النّفسيّة التي كوّنها في النّشء الإسلامي الظّلم والاستبداد. (3) قال رمضان حمود، مُنَبِّهًا إلى خطر التّاريخ وحساسيته: ’’ التّاريخ محيي الأمم و قد يكون قاتلَها إذا شربته من كأس غيرها.‘‘ (4)
لكلّ هذه المعطيات والحقائق المرّة التي عشّشت في البيئة الإسلاميّة، واستحكمت في نفوس أبناء الإسلام، غير المحصّنين بتاريخ أجدادهم الحقيقي. لكلّ ذلك يرى الشّيخ محمد علي دبّوز أنّ التّاريخ
__________
(1) - تاريخ المغرب الكبير، الجزء الثّاني، ص: 8.
(2) - د. صالح الخرفي، الشّعر الجزائري، ص: 96، 97. نقلا عن جريدة ( L`ENTENTE ) ( التّفاهم)، الصّادرة يوم: 23 - 02 - 1936. ( Je ne mourrai pas pour la patrie Algerienne parce que cette patrie n`existe pas ) ...
POESIE ALGERIENNE) ALBER MEMMI. MOUTON. PARIS 1963. ... LA
(3) - يراجع صالح الخرفي، الشّعر الجزائري، ص: 95 و ما بعدها و مولود قاسم نايت بلقاسم، وكتابه شخصية الجزائر الدّولية وهببتها العالمية قيل سنة 1830م، الجزء الوّل والثّاني، الطّبعة الأولى، مطبعة البعث، قسنطينة، الجزائر، 1405ه/ 1985م.
(4) - د. محمد ناصر، رمضان حمّود ... ص: 258. (1/34)
صفحة 35
الصّحيح الخالي من التّزييف والتّحريف والتّضليل كفيل بإزالة العقد النّفسيّة، التي تكوّنت في نفوس الأبناء نحو تاريخهم وإمكاناتهم النّفسيّة والعقليّة.
قال الشّيخ معلّقا على ما قام به المستعمرون والظّلمة في نفوس النّاشئة الإسلاميّة، وما يهدفون الوصول إليه: ’’ ... ليخلقوا في نفوس أبنائنا عقائد سيّئة في أجدادهم، وعقدا نفسيّة، تصرفهم عن الاعتناء بتاريخهم، فلا يرون ما كان يرفل فيه المغرب في عهود دوله الإسلاميّة الزّاهرة من سعادة و هناء، ومن رقيّ وتقدّم، ومن عِزٍّ وسيادة، ومن ازدهار في كلّ النّواحي وتفوّق في كلّ الاتّجاهات.‘‘ (1)
لهذه الحالة المأسويّة التي يسعى الدّخيل والمغرض، والمناهض للمسلمين إضفاءَها على حياة النّشءِ، ... والتّضييق عليهم، يلجأ الشّيخ إلى التّاريخ لمسح آثار هذه المؤامرات من نفوس النّابتة بخاصة: ’’ ونُبيدُ من نفوسهم بالتّاريخ الصّحيح العقد النّفسيّة الموروثة، التي بثّها الاستعمار في نفوسنا ليمزّق شملنا. ‘‘ (2)
حذّر الشّيخ كثيرا من تصرّفات بعض أبناء الإسلام – و أبناء المغرب الإسلامي بخاصّة - في زرع بعض العقائد الفاسدة في نفوسهم نحو تاريخهم وتاريخ آبائهم، وقد عدّها الدِّيناميت القتّال الذي يهدم مغربنا؛ ولهذا قال: " إنّ التّاريخ المغربي الإسلامي هو الذي يشفى هؤلاء الأبناء." (3)
ممّا يلحظه المتأمّل في نظرة الشّيخ إلى المسلك الحسن في إبادة العقد النّفسيّة، تركيزه على فكرة "التّاريخ الصّحيح ". هذه العبارة ذات أبعاد نفسيّة مهمّة، وذات دلالات فكريّة عميقة، وذات مفهومات دقيقة. يمكن للمرء أن يقف عندها، وعند مراميها من خلال ما يفقهه من كيفية تعامل الشّيخ مع شخصياته، والأحداث التّاريخيّة، ومن خلال ما يعيه من آرائِه الخاصّة، التي لها علاقة بالتّاريخ، التي كان يدعم بها نظراتِه ومفهوماته لمحتوى التّاريخ، ودوره وجدواه، كعلم النّفس والتّربية وعلم الاجتماع والبيئة ...
__________
(1) - تاريخ المغرب الكبير، الجزء الثّاني، ص: 8، 9.
(2) - م. س، ص: 21.
(3) - يراجع تاريخ المغرب الكبير، الجزء الثّالث، ص: 9، 10. كما يجب الحذر ممّا بثّه بعض السُّذّج و بعض المحسوبين على الإسلام من سموم، و ما نقله بعض النّقلة غير الأمناء أو غير المؤهّلين عبر الأزمنة و الحقب التّاريخية، ممّا يخرج عن التّاريخ الصّحيح الذي دعا إليه الشّيخ، و هو ما سبّب تصدّعا في صفوف المسلمين. و أورث ضغائن و إِحَنًا، تضخّمت بمرور الزّمن. فليُعَد النّظر في هذه الكتابات برؤية إسلاميّة. (1/35)
صفحة 36
في كتاباته نجد ما يشير إلى هذا التّاريخ الصّحيح، كالابتعاد عن آراء المستشرقين، أو على الأقلّ الحذر والحيطة ممّا يقولون، وتمحيص ما ينطقون به وينقلون قبل تثبيته فيما نكتب، وما نقرّره للأبناء، كما حذّر:’’من كتب التّاريخ الإسلامي القديمة، فإنّها مملوءة بأكاذيب الملوك و دعاياتهم الباطلة.‘‘ (1) يضيف الشّيخ قائلا:’’ يجب أن ننظر بعقولنا، ونبحث بحثا منطقيّا خالصا، لا توجِّهنا فيه العواطف الموروثة، ونعتمد في أحكامنا على الأدلّة القويّة والبراهين السّاطعة والنّصوص الصّحيحة.‘‘ (2)
إذن في سبيل كتابة التّاريخ الصّحيح، الذي يساعد على إزالة العقد النّفسيّة، والعقائد الفاسدة من نفوس الأبناء بالطّرق السّليمة، يجب أن لا تستبدّ بنا العاطفة في أثناء البحث عن الحكم، والتأمّل في الأحداث والسّير والواقعات؛ حتى نتمكّن من الوصول إلى الحقيقة، وكتابة تاريخ صحيح. لكنّ هذه العاطفة والحماسة يجب أن يتوفّرا للحكم، أي بعد الوصول إليه. (3) ’’ إنّ العاطفة و الحماس يجب أن لا يلابسنا في الحكم، لا للحكم، و يجب أن نخلو منهما أثناء البحث و التأمّل، لا بعد الحكم الذي نؤمن به والنّتيجة التي نتيقّنها.‘‘ (4)
إنّ هذه الملاحظات مهمّة لإدراك حقيقة التّاريخ، وتقديمه بطريقه تحقّق الغرض منه، ومن روايته وقراءته. يضيف الشّيخ محمد عليّ دبّوز ملاحظة أخرى، لها وجاهتها، وهي في الوقت نفسه مجال للنّقاش والتّأمّل، وهو ما نعرضه فيما يأتي:
التّاريخ والإدراك الحسّي له
في الإفاضة في الحديث عن دور التّاريخ في التّربية، وأهميّته في توجيه الحياة العامّة، يلحّ الأستاذ محمد علي دبّوز على الجانب الحسّي في الإدراك والوعي والفهم؛ الذي يجسّم ويجسّد المعاني ويقدّمها بشكل
__________
(1) - تاريخ المغرب الكبير، الجزء الثّاني، ص: 24. ينظر تعليق الشّيخ على هجوم الملوك القدماء على المغرب و أسباب ذلك و نتائجه، ينظر المصدر السّابق، ص: 33 و ما بعدها.
(2) - م. س، ص: 24.
(3) - أشار الشّيخ محمد علي دبّوز إلى ذلك في حديثه عن الحماسة للفضيلة، و إظهار المقت و الكره للرّذيلة.
(4) - تاريخ المغرب الكبير، الجزء الثّاني، ص: 24. هل تمكّن الشّيخ من تطبيق هذا المعيار في كتاباته تطبيقا كاملا؟ (1/36)
صفحة 37
محسوس، بعيدا عن التّجريد، انطلاقا من أنّ الإدراك الحسِّي في الإنسان أقوى من الإدراكِ المعنوي (1). لذا يجب استغلال هذا الجانب فيه من النّاحية النّفسيّة؛ لبلوغ الأهداف المسطّرة في التّربية و التّوجيه: ’’ والتّاريخ هو الذي يرسم في خيالنا ذلك المحسوس الواقع، فلذلك كانت آثاره أبلغ وأرسخ من آثار الوعظ والإرشاد النّظري، الذي لا يقترن بالقصص التّاريخية وبالحكايات التي تجسّم معانيه.‘‘ (2)
نلحظ في مقولة الشّيخ ملاحظة، جديرٌ بنا أن نقف عندها ونتأمّلها – و هو يتدرّج معنا في الإدراك والوعي وتحقيق الغاية في التّربية- إنّها فكرة اللّجوء إلى الخيال؛ عاملاً نفسيًّا في التّربية والتّوجيه. هذا الخيال الذي يعظّم لنا الفضائل في نفوسنا، ويضخّم لنا مظاهر النّجاح والتّفوق في هؤلاء النّاس الذين نقرأ حياتهم، ونتأمّل في مسيرتهم. وفي هؤلاء الأشخاص الذين يُعرَضون علينا لِلاقتداء والاتعاظ بهم؛ حتى نطمح في الوصول إلى ما وصلوا إليه، ونرغب ونعمل بكلّ جدّية و إخلاص لِتسنّم ذروة المجد مثلهم. هذا الخيال الذي يبالغ في تصوير الأحداث التي تقدّم إلينا؛ للإفادة منها واستثمارها في مستقبل أيّامنا ... إنّ هذا ما يرجى من التّربية.
قد تقصر المشاهدة العينيّة البصريّة عن تحقيق ما يطلب تربويّا من التّاريخ؛ لأنّ الإدراك الحسّي، حتىّ و لو كان مهمًّا في مجال التّربية، إلاّ أن هناك عنصرا أو درجة أرقى وأجدى – أحيانا- في هذا المجال، وهو الخيال الذي يهوّل من المسائل لأجل بلوغ الأهداف المرسومة: ’’ ولعلّ التّاريخ الذي يرسم في خيالنا عظماءَه ومختلف شخصياته، يجعلنا أكثر تأثّرا ممّا لو شاهدنا أولئك بعيوننا، لأنّ الخيال قد يزيد في الصّورة فتكون أكثر ممّا هي في الواقع، ويُضفِي عليها من تهاويله، ما يجعلها أحسن ممّا هي في الحقيقة. والتّاريخ يقدّم إليك الشّيء مشروحا ظاهر الأسرار، بيّن الخفايا، فتدرك كلّ حقيقته، فيكون تأثّرك بالغا
__________
(1) - قضيّة الإحساس و الإدراك و ماهيتهما و العلاقة بينهما، لا نناقشها هنا لأنها بحث نفسي و فلسفي، يُعْنَى بها علم النّفس و الفلسفة، و آراء العلماء والدّارسين فيها مختلفة، و بخاصة بين المدرسة السّيكولوجيّة التّقليدية و مدرسة علم النّفس الحديثة، ونحن نتساءل: هل استعمال الشيخ لهذه العبارة " الإدراك الحسّي " استعمال صحيح؟ هل يمكن أن نقول الإدراك الحسّي؟ أم الحسّ الإدراكي؟ هل لا يجوز هذا ولا ذاك؟ يراجع لمزيد من التّوضيح جمال الدّين بوقلي حسن، قضايا فلسفيّة، ص: 291 و ما بعدها.
(2) - تاريخ المغرب الكبير، الجزء الثّاني، ص: 20. (1/37)
صفحة 38
على حسب الإدراك، أمّا الحوّاس فقد لا تطلعك إلاّ على الظّواهر، فترى الرّجل العظيم، فلا تعرف إلاّ بعض مزاياه أو لا تعرف عنه شيئا، فتظنّه من عرض النّاس، وهو زعيم قومه، وعبقريّ فذّ في أمّته.‘‘ (1)
قد يبدو الشّيخ محمد علي دبّوز في تقرير هذه الفكرة متناقضا مع نفسه. فمن جهة يثبت للإحساس دورا مُهمًّا في الإدراك، ومن جهة أخرى ينفيه عنه، وينسبه للخيال، الذي يعمل على التّهويل والتّضخيم. أَيمكن لنا أن نقرّر ذلك، أم نقول: إنّ الشّيخ يريد أن يتدرّج معنا في مراتب الإدراك لدى النّشء بخاصّة، من الإحساس إلى الخيال الذي يفتح باب التّصوّر؛ بقدر ما يملك الشّخص من قوّة التّخييل، وبقدر ما يتمتّع به من درجات الوعي بحقيقة التّربية، وبأهمية الأهداف التي ينبغي الوصول إليها، وبقدر وفرة العوامل المعينة على تبنّي هذا النهج في التّربية و التّوجيه؟
مهما يكن التّأويل الذي نعطيه لهذه الفكرة، التي يريد الشّيخ تقريرها وتقديمها لنا، وتثبيتها في أذهاننا، فإنّنا نسجّل: إنّه كان حريصا على بيان أنّ التّاريخ وسيلة نفسيّة مهمّة في التّربية، تحتاج إلى أساليب متنّوعة ومتعدّدة؛ لكي نُفيد منه. لا نستطيع أن نحكم على هذه الفكرة بالتّناقض، أو أن نصدر فيها حكمًا خاصًّا. ما دامت آراؤه بصفة عامّة لم تدرس بعد دراسة معمّقة.
التّاريخ والذّاكرة
ممّا ركّز عليه الشّيخ كثيرا في مجال التّاريخ قوّة الذّاكرة، التي تتقوّى وتنمو بفضل التّاريخ، وما يتّصل به. هذه الذّاكرة التي لا بد منها في حياة الإنسان، وإلاّ كانت (هذه الحياة) مضطربة ومشوّشة، وغير طبيعية.
ينطلق الشّيخ من منطلق أنّ التّاريخ أصعب الفنون رسوخا في الذّاكرة؛ لذا يجب أن نتّبع معها سبلا وطرقا، تمكِّننا من المحافظة على ما يقدّم لها من المسائل التّاريخيّة، أو يُستودَع فيها من الواقعات والذّكريات، حتّى يُفادَ من هذه الذّكريات في الوقت المناسب؛ حين استدعائها. يرى الشّيخ أن ذلك يستلزم أمورا هي:
__________
(1) - م. ن. حتى ينجح المربّي في مهمّته بالتّاريخ يجب أن يتمتّع هو بخيال المؤرّخ الذي يعطيه ’’ القدرة على تصوّر الماضي وكأنّه حاضر ‘‘ ينظر بحث في مفهوم التاريخ و منهجه، ص: 74. (1/38)
صفحة 39
- الانتباه القويّ و الملاحظة التامّة.
- الحماسة التي يورّثها المربّي في نفس التّلميذ، وهو ما يساعد على الانتباه.
- كثرة الرّوابط بين الحقائق التّاريخيّة. هذا العامل يعين على ترسيخ المسائل في الذاكرة؛ لأنّه يكوّن بينها وشائج قويّة؛ إذ استدعاء حقيقة واحدة يجرّ معها حقيقة ثانية فثالثة من باب تداعي المعاني المعروف في علم النّفس التّربوي. هذا التّداعي يستلزم تكرار المعلومات أو الحقائق؛ مّما يساعدها على الرسوخ و الثّبات في الذّاكرة.
غير أنّ الشّيخ يشترط للنّجاح في هذا الرّبط وتكوين هذه الوشائج بين الحقائق أن يكون المربّي – الذي يوظّف التّاريخ في عمله التّربوي- عالما بكلّ فصول التّاريخ، عارفا بكلّ أبوابه: ’’ أمّا من ينقل الدّرس من الكتاب فيردّده كالحاكي، وينفث به كالرّاقي ثمّ ينساه، فإنّه لا يستطيع هذا الرّبط الذي هو أساس رسوخ العلوم في الحافظة.‘‘ (1)
بطريقة ذكيّة ولفتة جدّ مهمّة ينطلق الشّيخ من هذه الملاحظة، ويستغلّ هذه الفكرة ليستروح التّاريخ ونفحاته، فيذكّر المربّين بواجبهم التّربوي:’’ إنّ باب تداعي المعاني في كتب علم النّفس التّربويّة، وباب الذّاكرة والحافظة ممّا يفرض على كلّ معلّم أن يدرسه، مع ما يجب عليه من دراسة كتب علم النّفس التّربوي وكتب التّربية والتّعليم.‘‘ (2)
هذه الشّروط التي قدّمها الشّيخ للتّمتع بذاكرة قويّة، تسهم في الإفادة من التّاريخ، تشير إلى الأهميّة التي يجب أن يوليها الشّخص لعمليّة تحصيل المعلومات وتركيزها في الحافظة؛ إذ عليها يتوقّف استرجاعها؛ لأنّ الشّخص لا يسترجع من ذكرياته، إلاّ ما يلائم ميوله وحالاته النّفسيّة:’’ لأنّ التّذكّر معناه القيام بعمليّة اختيار وانتقاء، تبعا لاهتمامنا ومقتضياتنا الاجتماعيّة الرّاهنة، ومعنى هذا أنّ ما يلائمنا في هذه اللّحظة قد لا يلائمنا في اللّحظة التي تليها، وهكذا نفهم اختفاء الذّكريات في حالة عدم احتياجنا إليها.‘‘ (3)
__________
(1) - تاريخ المغرب الكبير، الجزء الثّاني، ص: 25.
(2) - م. ن.
(3) - قضايا فلسفيّة، ص: 325. (1/39)
صفحة 40
هذه الحالة تتطلّب عمليّة سابقة، وهو ما أشار إليه محمد علي دبّوز، وتتمثّل في التّركيز والانتباه والاهتمام بالموضوع والحماسة له، والتّأثر به. يقول الأستاذ جمال الدّين بوقلي حسن:" والمؤاخذة التي توجّه إلى الذّاكرة في حالات النّسيان الطّبيعي لَمُؤاخذة تريد من الذّاكرة أن تؤدّي وظيفة اجتماعيّة أكثر منها نفسيّة. فالنّسيان استجابة طبيعيّة كبقيّة الحوادث السّيكولوجيّة؛ من إدراك وتخيّل وعاطفة. وإذا كانت هذه الاستجابات فاشلة وغير موفّقة من النّاحية الاجتماعيّة وفي أعين النّظرة البراغماتيّة، فإنهّا من النّاحية السّيكولوجيّة تكشف عن مدى قدرة الشّخص في وضعيته الحاليّة على استخدام ماضيه للتّلاؤم مع المطالب الجديدة التي يواجهها. " (1)
الخاتمة
هذا عرض أوّلِي مقتضب لبعض آراء أستاذنا المؤرّخ الجزائري الشّيخ محمد عليّ دبّوز في التّاريخ، حاولنا أن نبرز من خلاله أهمّ الجوانب التي تناولت مفهوم التّاريخ عنده من النّاحيّة النّظريّة؛ اعتمادا على ما ذكره في موسوعته التّاريخيّة المهمّة " تاريخ المغرب الكبير ". وقد وجدنا تطبيقا لكثير من هذه الآراء في كتابيه " نهضة الجزائر الحديثة " و" أعلام الإصلاح في الجزائر ". إنّ الوقوف على حقيقة هذه الآراء يحصل حين عرض الجانب التّطبيقي لها، من خلال دراسة ما ورد في الكتابين المذكوربن، ونقدهما.
نقول: إنّ مفهوم التّاريخ عند الشّيخ محمد علي دبّوز دقيق وعميق، يراعي الوظيفة التّربوية للتّاريخ. ويصدر عن الأصول التي ينتمي إليها، وتحكم حياته، وينطلق من الواقع الذي يعيشه النّاس، يسترفد التّجربة التي عاشها، ومرّ بها، وعاينها؛ ممّن احتكّ بهم، وأفاد من خبراتهم، لا نجد فيها اجترارا لآراء غيره. بل قد نجد له نظرات خاصّة، تفرّد بها، مستقبل الأيّام والدّراسات المقبلة تثبت هذا أو تنفيه.
عمدنا في هذه الدّراسة إلى ربط آرائه بالعوامل التي دفعت به إلى تقرير بعض الحقائق، وبالبيئة التي ساقته إلى إصدار بعض الأحكام، التي قد يرى فيها بعض الدّارسين شططًا أو شذوذًا فيها؛ ممّا هو خارج عن المألوف المتعارف عليه عند عامّة من تعامل مع التّاريخ.
__________
(1) - م. س، ص: 326. (1/40)
صفحة 41
إنّ هذا التّناول من الشّيخ محمد علي دبّوز، والانتقاد ممّن لا يوافقه في كثير ممّا قرّره، وهذا العرض الذي قدّمناه ... لا شكَّ أنّ كلّ هذا سيثير كثيرًا من القضايا، وسيسيل كثيرا من الحبر، ويفتح حلقات كثيرة من الحوار والنّقاش .. وهو ما يعطي لهذه الدّراسة التّميّز، لتفتح المجال للدّراسات التي ستعقبها، فتعقّب عليها وتثريها، توافق على ما توافق، وتردّ ما تردّ، وتضيف ما تضيف، وتثير ما تثير من عناصر ليبحث فيها, وهو ما نأمله من الدّارسين في أبحاثهم ودراساتهم ..
الملاحق (1/41)
صفحة 42
الملحق رقم: (1)
كلمة في حقّ أستاذنا الشّيخ محمد علي دبّوز (1)
أعوذ بالله من الشّيطان الرّجيم، بسم الله الرّحمن الرّحيم، الحمد لله ربّ العالمين، والصّلاة والسّلام على رسول الله.
أّيّها السّادة الكرام! سلام الله عليكم، وطاب مقامكم.
إنّنا نقف اليوم جميعًا لنكشف عن جوانب من حياة أستاذنا وشيخنا محمد علي دبّوز، يل ونتوقّف في بعض المعالم منها، عسانا نعتبر ونتأسّى بهذه الحياة، فنحذو حذوه في العمل الجادّ، والبحث المستمرّ؛ ذلك أنّ الأستاذ كان قد حمل على عاتقه عبئًا ثقيلاً، ورابط من أجل تحقيقه زمنًا طويلاً، تمثّل ذلك في محاولاته تصحيح تاريخ الجزائر والمغرب العربي بصفة عامّة، الذي اعتراه ظلم وإجحاف من المغرضين الذين شوّهوه، والمستعمرين الذين عملوا على طمسه، وإبعاد أبنائه عنه؛ حتّى يقضوا على شخصيتهم بعد أن يسلخوهم من أصولهم، ويرموا بهم بين أحضانهم.
عمل أستاذنا - بدافع من هذا الصّنيع المشين – جاهدًا محتسبًا أجره عند ربّه، من أجل الكشف عن الأغاليط، والرّدّ على الافتراءات، وفضح المؤامرات، التي كانت تحاك ضدّ التّاريخ المجيد النّاصع. إيمانًا منه بأنّ بناء الحاضر والمستقبل منوطان بمعرفة الماضي معرفة صحيحة، فلا يمكن لأمّة أن تفرض وجودها،
__________
(1) - كلمة ألقيت في حفل التّأبين الذي أقامه معهد الحياة في مسجد الشّيخ بابهون بالقرارة يوم 19/ 01/ 1982م. وكان لي الشّرف أن أكون منشّط الحفل. (1/42)
صفحة 43
وتضمن يقاءها واستمرارها، إذا ما شُوِّه تاريخها وافتري عليه، ولا يتيسّر للأجيال أن تبقى في النّهج القويم، تترسّم خطى أجدادها وأسلافها، إذا ما جهلت تاريخها. فالشّاعر الثّائر رمضان حمّود يقول: " إذا ما جهلت أمّة تاريخها فقد جهلت مستقبلها، وإذا ما جهلت مستقبلها فقد أسرت نفسها وألقت بها في يد غيرها".
انطلاقًا من هذا المفهوم قام الأستاذ قيام المربّي المحنّك، الذي يعرف دور التّاريخ في تربية الأجيال، وتنشئتهم تنشئة، تساعدهم على النّموّ نموًّا سليمًا من كلّ عقدة، فشمّر عن ساعد الجدّ ليبدأ رحلة طويلة شاقّة في سبيل تحقيق الهدف المنشود.
كانت الرّحلة متعبة ومرهقة، عقّد منها كثرة الافتراءات والادّعاءات، وانخداع بعض الكتّاب المخلصين بما ألّفه المتعصّبون، فردّدوا – عن حسن نيّة – ما قال هؤلاء، فكانت الأجيال النّاشئة هي الضّحية. وصعّب من المهمّة قلّة المصادر المكتوبة، التي يطمأنّ إليها، والجهل والغموض اللّذان اكتنفا بعض الفترات من تاريخ الجزائر على الخصوص ... فكانت لذلك مصادر شيخنا بشرية في الدّرجة الأولى، ووثائق وكتبًا مخطوطة، ورسائل متبادلة مخزونة في المكاتب الخاصّة، ومضروبًا عليها بأسوار من حديد، ومخفيّة عن العين، لا تصل إليها الأيدي إلاّ بعد جهد جهيد، ومحاولات متكرّرة ملحّة في الطّلب، كما كانت دائرة بحثه واسعة، تتوزّع بين القاهرة وتونس والجزائر شمالها وجنوبها. فكان على الأستاذ أن يكثر التّجوال والتّرحال، ويطيل المكوث في المكتبات الخاصّة والعامّة، ويديم الجلوس إلى الأساتذة والمشايخ، وكلّ من شارك في الأحداث أو عاصرها ..
في كلّ ذلك كان مستفسرًا وباحثًا ومنقّبًا في المخطوطات والمطبوعات، مستنطقًا الوثائق، مسترشدًا بالمكاتبات والمراسلات الخاصّة، مقارنًا بنفسية المؤرّخ المدقّق الباحث عن الحقيقة، تحدوه في كلّ ذلك إرادة وعزيمة قويّة، لم يفتّ في عضده المشاكل والصّعوبات، ويدفعه إلى القيام بالواجب إخلاص كبير لأمّته وأمجاده، حتّى تمكّن من إخراج كتابه القيّم:" تاريخ المغرب الكبير "، الذي كان له صدى كبير في الأوساط العامّة والخاصّة، فقد استقبل أحسن استقبال؛ إذْ كتبت عنه الصّحف والمجلاّت في مختلف أقطار الوطن العربي، وتحدّثت عنه الإذاعات، وقرّظته، ونوّهت به وبأهمّيته. (1/43)
صفحة 44
وقد استطاع أن يحتلّ صدارة المراجع التي يعتمد عليها في كتابة تاريخ المغرب الكبير؛ لما يتّصف به من عمق في تحليل الأحداث وتدقيق في سرد الحقائق، وبراعة في الإبانة عن مكامن النّفوس، وجودة في الأسلوب. وقد أظهره للنّاس في ثوب قشيب: في أسلوب أدبي، يغري القارئ لمتابعة قراءته، ويجلب السّامع لمسايرته.
في الغرض نفسه أصدر كتابيه: " نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة" و " أعلام الإصلاح في الجزائر"، أرّخ فيهما النّهضة الجزائرية، فتحدّث عن عواملها ومظاهرها، من جمعيات إصلاحية، ومدارس ومعاهد تعليمية، وزوايا دينية، وجمعيات خيرية وثقافية، ونوادٍ أدبية، ومؤسّسات اجتماعية، وغير ذلك. كما خصّ بعض الزّعماء والأعلام الذين كانت لهم إسهامات مهمّة، أو أدوار أساسية في تلك النّهضة والإصلاح، فتتبّع حياتهم بشيء من التّفصيل الدّقيق والتّحليل العميق لأعمالهم، في مختلف المجالات والأصعدة؛ مسجّلا وبطريقة مطوّلة ومستفيضة الأطوار التي مرّت بها حياتهم، معلّقًا على الظّروف التي تقلّبوا فيها، شارحًا مواقفهم المشرّفة، وغير ذلك.
بهذه الأعمال يكون الشّيخ قد قدّم للأجيال خدمة لن تنسى، وأنار لهم الطّريق، فقرّبهم من تاريخهم، بعد أن أَبْعَدَ عنه ما شوّهه؛ ممّا نسبه إليه المغرضون ظلمًا وعدوانًا. فهلاّ عرفنا نحن قيمة هذه المجهودات المبذولة؟ ووعينا حقًّا الصّعوبات التي كانت عقبات كأداء في طريق أستاذنا؟
إذا كان هو قد ذهب إلى ربّه قرير العين، مرتاح الضّمير، وقد أدّى ما عليه، وقدّم للأجيال تاريخهم؛ خاليًا من أباطيل الحسّاد، وأغلاط المغرضين، وشطحات المستشرقين، وحاول إيقاظ النّفوس الخاملة من سباتها العميق، لتنهض كي تقوم بواجبها نحو تراثها ومجد آبائها. فهلاّ اعتبرنا بذلك، واستجبنا للنّداء ونفضنا غبار الكسل عن أنفسنا، وأفقنا من غفلتنا؟ ونهضنا من رقدتنا لإكمال الطّريق الذي بدأه شيخنا، ومواصلة النّهج الذي سلكه؟ حتّى نبرّه، ونبرّ آباءنا، وننصف تاريخنا، وقبل ذلك نقدّم الخير لأنفسناـ، فما ذلك على المجدّين المخلصين ببعيد، وما ذلك على الله بعزيز.
ليعلم المثقّفون أنّ مجتمعهم، حين سمح لهم بارتياد مراكز الثّقافة، والتّردّد على أماكن التّعلّم، كان يرمي إلى تأهيلهم وتكوينهم ليساعدوه في القضاء على المشاكل التي يتخبّط فيها. وهل هناك مشكلة أعظم من تلك التي نجد فيها الأبناء جاهلين لماضيهم؟ وبذلك لا يستطيعون تحديد رؤية واعية للمستقبل، (1/44)
صفحة 45
وبعدها عدم معرفة المصير المنتظر. وما الذي يجعلهم يثبتون وجودهم ويقفون أمام الأعاصير الهوجاء، التي تحول بينهم وبين تاريخهم، والتّيارات التي تبعدهم عن أصلهم؟ لن يكون سوى التّاريخ الذي يجب أن يعرفوه حقّ المعرفة.
لا ينبغي ولا يجوز أن لا نترك تاريخنا يمليه غيرنا علينا، كما شاءت له نفسه، رضيه هواه؛ لأنّ: التّاريخ محيي الأمم، وقد يكون قاتلَها إذا شربته من كاس غيرها " كما يقول رمضان حمّود.
يا معشر المثقّفين! آثارنا اندرست، وأدبنا تنوسي، وعظماؤنا أغمط حقّهم، وتراثنا أهمل، وتاريخنا شُوّه، وأبناؤنا ضاعوا في متاهات الجهل، وابتعدوا عن أصولهم؛ بسبب إهمالنا وتقاعسنا عن أداء واجبنا، حتّى قيل عنّا ما قيل: إنّكم لم تكتبوا أدبًا، ولم تشاركوا في نهضة، ولم تسجّلوا تاريخًا ...
وبعد! أفلا تكون لنا من حياة أستاذنا عبر ودروس؟ فإذا كنّا نجهل دور التّاريخ في بناء النّفوس، وتكوين الشّخصية، وتحديد المصير، وإذا كنّا لا ندري ما أصاب تاريخنا من تحريف وتزييف، وإذا كنّا لا نعرف الأخطار المحدقة بنا وبأبنائنا وبمستقبلنا؛ نتيجة سكوتنا على عبث العابثين، وكيد الكائدين، وإذا كنّا لا نفقه معنى التّضحية في سبيل إرضاء الضّمير، وإذا كنّا لا نعرف معنى العزم والحزم ... فلتكن لنا في حياة أستاذنا، وفي سيرته أجوبة مقنعة، تزيل عنّا كلّ ما ينتاب نفوسنا من شكوك، وكلّ ما يعوقها عن معرفة الحقيقة.
إخواني الباحثين! إذا كانت هناك مآخذ تؤخذ على أستاذنا، سواء في المنهج الذي اتّبعه، أو في المبالغات التي غدت سمة من سمات كتاباته، فلا يكفي أن نتحدّث عنها من وراء الحجب أو الجدر والأقنعة، وإنّما يجب أن نبرز إلى الميدان، ونقدّم أدلّة قاطعة على صدق نيّاتنا، وحرصنا على العمل الجادّ؛ بالبحث والكتابة، وتقديم البديل. أمّا أن نسمع جعجعات ولا نرى طحينًا، فذلك - والله - تثبيط للعزائم وإجهاز على المجهودات.
إخواني! إنّ الدّروس التي نستفيدها من حياة شيخنا، هي الاحتفال الحقيقي بذكراه، ومعاهدة النّفس على العمل والاستجابة لندائه، واستغلال مواهبنا وقدراتنا بما يعود على الأمّة بالخير في سبيل ازدهارها وتقدّمها، هي أحسن هديّة نهديها له في ذكراه، بعد دعائنا أن يتغمّده الله برحمته الواسعة، ويسكنه فسيح جنانه، إنّه سميع مجيب. (1/45)
صفحة 46
محمد بن قاسم ناصر بوحجام
القرارة الجزائر
الملحق رقم (2)
المؤرّخ الجزائري محمد علي دبّوز في ذكراه السّادسة (1)
قيمة الرّجل تكمن فيما قدّمه لأمّته ومجتمعه من أعمال جليلة وخدمات كبيرة، وأسدى إليه من معروف، وتتجلّى فيما خلّفه من تراث، يشهد له بالعظمة، ويحيي ذكره بعد أن يوارى التّراب. لكنّنا نحن البشر ألفنا أن لا نعرف، ولا نعترف بقدر الرّجال إلاّ حين نفتقدهم من بيننا، ولا نقدر للنّعمة قدرها إلاّ بعد زوالها، فالإنسان يظلّ دائمًا كفورًا كنودًا.
ها نحن اليوم نتوقّف قليلاً للتّعريف برجل عظيم، القليل يعرفه، والأقلّ من يقدره حقّ قدره، إنّه أستاذنا محمد علي دبّوز، هذا الذي قدّم الكثير للأجيال المتلاحقة. أهدى لها تاريخها صافيًا من الأكاذيب والدّسائس، التي كان هدف أصحابها من كلّ ذلك هو إضعاف روح الانتماء إلى الأمّة الإسلامية الجزائرية في نفوس النّشء، ومحاولة تذويبهم وإدماجهم في الشّخصية الأجنبية الدّخيلة.
__________
(1) -نشر المقال في مجلة النّهضة، سلطنة عمان، ع: 363، (09/ 12/1987م). وقد أعيد نشره في عدّة أعداد من المجلّة نفسها. منها عدد: 528، الصّادر يوم الثّلاثاء: 9 من رمضان 1411ه/ 26 من مارس 1991م. اختارت له إدارة المجلّة عنوان: " الشّيخ دبّوز ومنهاجه في كتابة التّاريخ" .. (1/46)
صفحة 47
مهّد الطّريق أمام الباحثين والدّارسين للعمل الجادّ، من أجل كتابة تاريخ الجزائر والمغرب العربي، بعد أن نقل كثيرًا من الحقائق من رؤوس المسجّلين لهذا التّاريخ، بمهجهم وأفكارهم وجهودهم، ومن العارفين به حقّ المعرفة، من الوثائق المهمّة الصّحيحة، ومن المخطوطات النّادرة، ومن الرّسائل المتبادلة الخاصّة. وذلك بعد طول مكث في المكتبات، وجلوس إلى الأساتذة والشّيوخ، وتجوال في الأقطار، وصبر على الكشف عمّا تحمله الوثائق من دلالات ومعانٍ، فكان له فضل الرّيادة في الكشف عن كنوز كثير من الحقائق؛ بفضل دأبه وتفانيه ومغامراته الصّعبة النّاجحة في سبيل إقامة تاريخ المغرب الإسلامي على عوده، بعدما أصابه من تحريف وتزييف وغمط لحقّه.
قام بذلك كلّه لإيمانه الرّاسخ بأنّ بناء الحاضر والمستقبل مرهونان بمعرفة الماضي، والعمل على تمثّله، وليقينه الثّابت بأنّ الأجيال لا يمكن لها أن تكشف ذاتها الحقيقية، وتميّزها عن غيرها، فتبني شخصيتها، إذا لم تكن لها الثّقة الكاملة بهذا الماضي، ثقة تساعدها على الاعتزاز به، ومحاولة حمايته، ثمّ الإضافة إليه، حتّى لا توصم بالخمول، فتؤول بعدها إلى الاضمحلال والذّوبان.
نظر الأستاذ إلى التّاريخ المغربي فوجده عبارة عن شطحات المستشرقين، ودسائس المستعمرين، ومكائد المغرضين، فتأكّد لديه وجوب العمل على تصحيح المفاهيم، وتوضيح الحقائق، وأن لا يتولّى ذلك غير أبناء الإسلام، الذين يكنّون له عطفًا وحنينًا، لا إلى الأجانب، الذين لا يحسنون سوى وضع السّمّ في الدّسم؛ متمثّلا بقول الشّاعر المناضل رمضان حمّود: " التّاريخ محيي الأمم، وقد يكون قاتلها إذا شربته من كأس غيرها ".
لقد برّ الأستاذ بوعده، ونفّذ ما دعا إليه، وأنقذ تاريخ أمّته من الضّياع، وقد استمرّ في هذا العمل الشّاق المضني ما يزيد عن الثّلاثين عامًا، قضاها في الجمع والتّنقيب والمقارنة، بإرادة لا تعرف الملل، وصير لا يعرف الحدود، فذهب إلى ربّه قرير العين، رحمه الله رحمة واسعة.
إسهامًا منَّا في الكشف عن جوانب من حياة الشّيخ محمد علي دبّوز، ارتأينا اطلاع القارئ على بعض آرائه في التّاريخ، وكيفية التّعامل معه، وطريقة تقديمه للأجيال لتستفيد منه؛ عسى هذه الإلمامة السّريعة أن تساعد المجدّ المخلص ليتبيّن طريقه، ويعرف واجبه نحو مجتمعه، ليكمل النّهج الذي بدأه أستاذنا، واختطّه بعزيمته وإرادته. (1/47)
صفحة 48
آمن أستاذنا محمد علي دبّوز بأنّ التّاريخ وسيلة تربوية ناجحة، تساعد الأجيال على السّير في الطّريق، الذي رسمه الأجداد، وعمل جاهدًا لتثبيت هذه الحقيقة في نفوس المربّين القائمين بمسؤولية الوعظ والإرشاد في الأمّة، وحملهم على الاستفادة من هذه الوسيلة، إذا أرادوا أن ينشئوا الأبناء على النّهج الذي يريدونه، وبحقّقوا الهداف التي يصبون إليها؛ لأنّ التّربية كما يقول الشّيخ أبو الحسن النّدوي: " وسيلة مهذّبة راقية لدعم العقيدة، ونقلها سليمة إلى الأجيال القادمة، وأفضل تفسير لنظام التّربية: إنّها السّعي الحثيث المتواصل من قبل الآباء والمربّين لتنشئة أبنائهم على الإيمان والعقيدة التي يؤمنون بها، والنّظرة التي ينظرون إلى الحياة والكون من خلالها؛ ليكونوا ورثة صالحين للتّراث الذي ورثه هؤلاء الآباء عن الأجداد، مع الصّلاحية الكافية للنّهوض والتّطوّر والتّقدّم." (1)
آمن الأستاذ محمد علي دبّوز بأنّ هذا الدّور، يستطيع التّاريخ أن يقوم به، إذا أحسن استغلاله؛ ولهذا راح يبيّن النّتائج الحسنة التي يتحصّل عليها من دراسة التّاريخ، فسجّل مجموعة من الملاحظات المهمّة، التي استنتجها من تجربته، ومن خلال تعامله مع التّاريخ، الذي تعشّقه واندمج فيه اندماجًا كليًّا، واعترف بعد ذلك بفضله عليه في توجيهه وتكوينه.
إليك أيّها القارئ الكريم بعضًا من هذه الملاحظات، التي ضمّنها الشّيخ مقدّمة كتابه: " تاريخ المغرب الكبير الجزء الثّاني". كتب تحت عنوان: " فوائد التّاريخ التّربوية وأثره في نهضة الأمم" (2)، نوجزها فيما يأتي:
- التّاريخ يحفّنا ببيئة اجتماعية راقية من أجدادنا فنعاشرهم بأخلاقهم، ونتطبّع بطباعهم.
- التّاريخ أكبر عامل في التّربية الخلقية.
- تاريخ أجدادنا هو الذي يؤثّر فينا أكثر، فيجب الاعتناء به، والاعنماد عليه في تربيتنا في البيوت والمدارس والمجتمع.
- إنّ التّاريخ هو أكبر عامل لبناء الأمم ونهضة الشّعوب، وهو من الوسائل الكبرى في التّربية الحسنة، وهو الذي يمكّننا في التّربية من اختيار البيئة الاجتماعية الصّافية الرّاقية، التي نحدث بها
__________
(1) - ينظر مجلّة منار الإسلام، العدد الثّاني، السّنة الثّالثة، دولة الإمارات العربية المتّحدة، صفر 1398ه/ فبراير 1978م، ص: 93.
(2) - ينظر تاريخ المغرب الكبير ج2، ص: 13 وما بعدها. (1/48)
صفحة 49
الآثار التي نريد في التّلميذ. أمّا البيئة الاجتماعية الواقعية، فقد لا تطاوعنا ولا نستطيع أن نجد فيها كلّ ما نريد، وإذا وجدنا فإنّه لابدّ أن يشوبه ويقترن به كثير من الأشياء السّيّئة التي لا نريدها، فيتأثّر التّلميذ بها فيتّصف بصفات تضعف أخلاقه الحسنة، وتقلّل نجاحه في الحياة، أمّا في التّاريخ فإنّنا نستطيع اختيار العصور الزّاهرة والشّخصيات العظيمة، كالرّسول - صلى الله عليه وسلم - والصّحابة والتّابعين والسّلف الصّالح ورؤساء دولنا وكبار علمائنا، ونختار من التّاريخ ما هو حسن، فنجعله بيئة للتّلميذ، ينغمس فيها ويشغف بها، ويعاشرها بالقراءة اللّذيذة والدّرس العميق، إنّ التّاريخ لهذا أحسن من البيئة الاجتماعية الواقعية، التي قد لا نستطيع أن نعزل منها ما لا يرضينا، ولا نجد فيها كلّ المثل العليا التي نريدها.
لعلّ ما لاحظه الأستاذ محمد علي دبوز من الانقلابات الخطيرة التي حدثت في المحيط الاجتماعي، وما ساده من أخلاق بعيدة عن الرّوح الإسلامية، ومن انحرافات، لا تقوى على أن تنشئ لنا أجيالاً مستقيمي السّيرة، بتّصفون بما يتّصف به الرّجال الذين تقوم عليهم مسؤولية قيادة الأمّة، وبناء الوطن، إذ يصعب على المربّي انتقاء ما يخدم شخصية الطّفل وينمّيها، وصرفه عمّا يهدم فيه مقوّماتها ... لعلّ هذا الذي جعله يعتقد أنّنا نستطيع أن نجبر هذا النّقص ونتلافى هذه السّلبيات بالتّنقيب في ذاكرة الزّمن، وفي أعماق الماضي عن المواقف المشرّفة، وما يكون قدوة للطّفل يساعده على تشكيل شخصيته وبناء نفسه، فنهيّء له البيئة الحسنة الصّافية الرّاقية، التي يترعرع وينشأ فيها ما دمنا عاجزين عن التّحكّم في البيئة الواقعية. وهو رأي له وجاهته ونصيبه من الصّحة؛ إذا نظرنا إليه من جانب التّربية والتّوجيه. يبقى للمتخصّصين أن يبدو وجهات نظرهم فيه.
- إنّ التّاريخ أجدى في التّربية، وفي غرس الأخلاق الحسنة، ونبذ الأخلاق السّيّئة، من دروس الأخلاق النّظريّة، ومن الوعظ والإرشاد النّظري.
- التّاريخ للاتّعاظ والاعتبار، فيجب أن نقف في هفوات الأجداد، وما أثار الأعاصير عليهم، فنصوّره للأحفاد ونحذّرهم منه.
- التّاريخ للتّربية العقلية، فيجب أن نعمل فيه عقل التّلميذ كلّ الإعمال، فنكلّفه أن يستنبط من المقدّمات التي سمعها ما تقتضيه من نتيجة. (1/49)
صفحة 50
- إنّ التّاريخ للتّربية الصّحيحة، ولبثّ الرّوح القومية في الأمّة، وإذكاء الحماسة للمثل العليا في القلوب.
أنت تلاحظ معي - أخي القارئ - أنّ الأستاذ محمد علي دبّوز حرص كلّ الحرص على أن يكون للتّاريخ دور كبير وأساس في بناء النّفوس، وتكوين النّشء، وأن لا يقتصر على السّرد والحكاية ومجرّد الاطّلاع. ولهذا أكّد على وجوب الوقوف على حقيقة التّاريخ وفلسفنه؛ حتّى نتمكّن من اتّباع طريقة مجدية، واختيار نهج قويم، وابتكار منهاج صحيح لتقديمه إلى النّاشئة على الخصوص، فيكون لهم عامل اجتذاب، بدل أن يكون عامل نفور. فأستاذنا يقدّم لنا مجموعة من الملاحظات والإرشادات حول تدريس التّاريخ؛ حتّى يمكن استغلاله استغلالاً حسنًا. فكتب تحت عنوان: " ماذا يشترط في مدرّس التّاريخ؟ "، وذكر الصّفات الآتية:
- لكي يؤتي التّاريخ ثماره ونتائجه التّربوية العظمى، يجب أن تلقّن دروسه بتحليل علمي وروح خطابية، وفي أسلوب طليّ.
- يجب أن يتمتّع المدرّس بشخصية قويّة؛ حتّى يؤثّر في النّشء، حين تقديم الحقائق التّاريخية.
- يجب أن ينبع التّاريخ من أعماقه، متأجّجًا بوجدانه ومن عقله، ممتلئًا بفلسفته، لا من لسانه، فيكون أخبارًا باردة يسردها، وأنباء عتيقة ميّتة يحكيها.
- إنّ المربّي لا يستطيع أن يكون على ذلك الحماس، وعلى تلك الرّوح المؤثّرة القويّة في التّاريخ، إلاّ إذا أتى بدروسه وبمحاضراته في رأسه، لا في كرّاسه.
- لتحقيق النّتائج التّربوية بالتّاريخ، يجب أن يتحمّس المدرّس والمحاضر المربّي للفضيلة في تاريخ العظماء، ولكلّ الأشياء الحسنة في الأمّة التي ندرسها، كما يجب أن يمتلئ كرهًا للرّذيلة وللخيانة ورقّة الدّين، ولكلّ الأشياء السّيّئة.
- إنّ التّاريخ فنّ فلسفي، علمي، أدبي، يجب أن لا يسند تدريسه إلاّ للفصحاء، والذين وهبهم الله اقتدارًا في التّعبير، وكانت الشّخصية الخطابية فيهم قويّة. (1/50)
صفحة 51
أتساءل هنا: كيف يمكن عدُّ التّاريخ فنًّا فلسفيًا وعلميًا وأدبيًا؟ وكيف يمكن أن تجتمع هذه الصّفات في مسمّى واحد؟ لست أدري ماذا يقول زملاؤنا المشتغلون بالتّاريخ في هذا التّعريف؟ فهم من ذوي التّخصّص. (1)
- يجب أن لا يسند تدريس التّاريخ لمن شخصيته علمية محضة؛ فإنّه يقتله، ولا تجدي معلوماته الغزيرة فيه، وذاكرته المحشوّة بمادته. (2)
هذه بعض الآراء التي نقلناها عن أستاذنا محمد علي دبّوز في التّاريخ، ودوره في التّربية والتّوجيه. وهي تكشف عن تجربة كبيرة في الميدان، وعن تفهّم عميق لرسالة المربّي، الذي يتوخّى السّبل القويمة والطّرق النّاجحة في التّربية، وتُبينُ عن وعي كبير لفائدة كتابة التّاريخ، وتُبرز الاهتمام العظيم بتوجيه الأجيال لتحقيق الأهداف النّبيلة؛ بجعلهم يتمثّلون الأصول الحقيقية، ويتشرّبون المبادئ الأصيلة، التي تساعدهم على تمييز ذواتهم، والوقوف على إنيّاتهم، وذلك عن طريق الاطّلاع الجدّي على مناقب الأجداد ومآثر الآباء، والوقوف على أخطائهم، ومحاولة الاستفادة منها لضمان السّير الحسن في دروب هذه الحياة الوعرة الملتوية.
هكذا ومن خلال هذه الآراء، نلاحظ أن ّ الأستاذ محمد علي دبّوز كان حريصًا على أمور أساسية:
1 – دراسة حياة العظماء دراسة نفسية، تهدف إلى سبر أغوار شخصياتهم، والوقوف على أهمّ ما تمتاز به، والتّنويه بالأدوار التي قامت بها في معترك الحياة، وربط كلّ ذلك بالميول الفطرية والمواهب والظّروف النّفسية والاجتماعية، التي مرّت بها؛ حتّى يستفاد من تجاربها، وتؤخذ الدّروس والعظات من أعمالها؛ لأنّ التّاريخ للتّأسّي والاتّعاظ. والمنهج نفسه يجب أن نسلكه في تحليل الأحداث، ونقد المواقف.
الأستاذ محمد علي دبّوز بصفته مربّيًا وأستاذًا في علم النّفس، ولكونه مؤرخًا، كان ينظر إلى حياة العظماء من زوايا متعدّدة، من خلال معطيات عديدة، وكان يسقط مجموعة من النّظريّات على شخصياته، حتّى يحقّق قصده من التّاريخ، من أخذ العبرة، ورسم طريق العمل أمام النّشء.
__________
(1) - عرّفه في موضع آخر هكذا: " التّاريخ علم أدبي اجتماعي فلسفي"، ينظر أعلام الإصلاح في الجزائر، ج2، ص: 113.
(2) - ينظر تاريخ المغرب الكبير ج2، ص: 23، 24. (1/51)
صفحة 52
ربّما تكون هذه الرّغبة والإخلاص منه، قد جعلاه يسرف أحيانًا في نقل الحقائق، ورواية الأحداث والواقعات والوقائع، ويبالغ في التّقدير والتّصوير، ممّا جعل بعض النّاس يرون في جزء من كتاباته حشوًا لا فائدة منه.
2 – تقديم دروس التّاريخ في أسلوب أدبي، وتحليل عميق، وبلهجة خطابية مؤثّرة، لتحقيق الهدف المرجوّ منه وهو التّربية والتّوجيه، فرغب في تقديمه في حلّة قشيبة، تجلب النّاس إليه، وتقرّبهم منه، وفي تلقينه بطريقة تؤثّر فيهم وتحمّسهم لمزيد من الاطّلاع عليه؛ بغية الاستفادة منه، لأنّه لو قدّم بغير هذه الطّريقة – حسب نظره – لغدا سردًا للحقائق الحافّة، التي لا يرغب فيها النّاس، لهذا نجده – أحيانًا – يسرف في إيراد التّشيهات، والإغراق في تقديم الصّور الشّعرية، والتّحليق في أجواء الأدب الرّفيع؛ وذلك بحكم نشأته الأدبية، واحتكاكه بكبار الأدباء، والهيام بما أنتجوه وأبدعوا فيه، وتأثير ذلك في نفسه. ولما يمتاز به من خفّة الرّوح وميل إلى الظّرف والنّكتة، فرأى أن يقدّم حقائق التّاريخ بهذا الأسلوب الطليّ، حتّى يزيل عن النّفس الكآبة والابتئاس، اللّذين ينتابان من يقرأ أو يسمع عن الأحداث الدّموية والدّامية، ولهذا – أيضًا – حرّم إسناد تدريسه لمن يتميّز بشخصية علمية محضة. اجتهد الأستاذ فأصاب عند بعض، وأخطأ عند آخرين.
3 – محاولة الاستفادة من التّاريخ، وتركيز العناية بجانب الاعتبار والتّأسّي، واستغلال هذا التّاريخ في التّوجيه والتّعامل معه تعاملاً، يكشف عن الاهتمام والوعي. - فحسب رأيه - يجب إظهار علامات الإعجاب والرّضا، إذا كان الموقف يتطلّب ذلك، والتّحمّس للفضيلة والمواقف المشرّفة والعظيمة، وإظهار التّحسّر والتّذمّر والاستنكار للرّذيلة والمواقف المخزية؛ حتّى نركّز حبّ الخير في النّشء، ونقضي على دواعي الشّرّ والرّذيلة فيه.
ربّما يستنكر مثل هده التّعاطف، وهذا التّعامل مع التّاريخ بعضُ المهتمّين به؛ لاشتراطهم الموضوعية في نقل الأحداث. نقول لهؤلاء: إذا سلّمنا لأستاذنا ووافقناه في اعتقاده بأنّ التّاريخ وسيلة تربوية، ووعينا معنى التّربية، وجب أن نقرّه على هذا النّهج، ونؤّد رأيه، ونسهم معه في هذا السّبيل، أمّا إذا كان لنا رأي غير هذا، فيجب أن نكشف عنه. أحمد شوقي نفسه يقول: (1/52)
صفحة 53
وإذا فاتَك التفاتٌ إلى الما ... ضي، فقد غاب عنك وجه التّأسي
هذه إلمامة سريعة وخاطفة بآراء أستاذنا محمد علي دبّوز حول التّاريخ، عرضناها من دون مناقشة. وكان قصدنا من ذلك اطلاع القارئ العزيز على إسهامات شيخنا، إذ ربّما سنحت الفرصة لنا أو لغيرنا لدراسة هذه الآراء، ومناقشة غيرها، ممّا نقل عنه.
أخيرًا أرجو من مثقّفينا وطلاّبنا الذين سيتناولون كتابات أستاذنا محمد علي دبّوز بالدّراسة والتّحليل والنّقد، أن يعوا جيّدًا الملاحظات التي ذكرناها، ويفهموا الأسس التي انطلق منها في كتاباته، ويناقشوه مناقشة علمية، ويقدّموا آراءهم حول ما كتب بنزاهة وصدق نيّة وإخلاص في الكشف عن الأخطاء التي وقع فيها، ويحاولوا تقديم البديل عمّا يرونه نقصًا، وأن يبرزوا إلى الميدان لسدّ كلّ ثغرة، من شأنها أن تدخل الرّيح السّموم، فتعكّر الصّفو، وتنغّص الحياة، بدل أن تدخل النّور ليستضيء به من هو في حاجة إليه، كما أرجو أن يقفوا عند المحاسن وقوفهم عند الأخطاء؛ فيغدو عملهم نقدًا يبني ويشجّع، لا انتقادًا يهدم ويثبّط العزائم.
اختم هذه الخواطر بما قاله عنه الأستاذ حمو بن عمر فخّار (ت 1426ه/ 2005م) في حفل تأبين الشّيخ محمد علي دبّوز، الذي أقامه معهد الحياة في القرارة يوم: 19/ 01/ 1982م: " ... وبعد، ماذا عسى يقول النّقاد في نتاجه الفكري، وقد خلا لهم الجوّ بموته؟ وبأيّ نوعٍ ومقدار من جهده سيضطلعون؟ لقد علمت أنّهم في الخفاء يهمسون فيما يهمسون أنّه لا منهجية له في البحث، وأنّه كحاطب ليل، يجمع البعرة إلى الدّرّة، وأنّه مهلهل الأسلوب، وأنّه يسهب فيما لا طائل تحته.
هب أنّها هنات لا مبرّر لها، فهل كان محمد علي دبّوز بدعًا من كتّاب البشر، ألا يشفع له أنّه كان أمينًا فيما روى؟ شجاعًا فيما دوّن؟ صادقًا فيما أذاع؟ مقدامًا جريئًا فيما خطّ من طريق لم يُسبَق إليه، لمن يريد الاقتداء؟ سخيًّا كريمًا بما جمع من مواد أوّلية لمن يحسن صوغها في قوالب جديدة، ينتفع بمبرّاتها؟ إنّي أتخيّله بأزائي الآن يهزّ رأسه، وينشد مع أبي فراس قوله:
سيذكرني قومي إذا جدّ جدُّهم ... وفي اللّيلة الظّلماء يفتقد البدر (1/53)
صفحة 54
فلو سدّ غيري ما سددتُ اكتفوا به ... وما كان يغلو التّبر لو نفق الصُّفر
ويخيّل إليّ أنًّ أغلب ناقديه سوف يكونون جدَّ مغتبطين، لو كان شرّفهم بالذّكر في أحد مؤلّفاته ... " أرجو أن يقول النّقاد خيرًا، وأن يتحلّوا بروح الأناة والرّوية في إصدار الأحكام. رحم الله شيخنا وأسكنه فسيح جنانه
محمد بن قاسم ناصر بوحجام
معهد الحياة القرارة الجزائر
الملحق رقم: (3)
الذّكرى العاشرة لوفاة شيخنا الفاضل محمد علي دبّوز (1)
اهتمّ الشّيخ محمد علي دبّوز – رحمه الله – بالتّاريخ الإسلامي، وأولاه عناية كبيرة: جمعًا لمادته، وتدريسًا له، وتقديمه للنّاشئة تقديمًا، مبنيًا على قواعد من أصول التّربية وعلم النّفس، ومبادئ الشّريعة الإسلامية، وتصحيحًا لكثير من الأخطاء التي ارتكبها في حقّه أبناؤه المنتسبون إليه، وردًّا للشّبهات التي ألحقها المغرضون والأفّاكون الحاقدون على الإسلام. لهذا عُني كثيرًا بالجانب التّربوي في التّاريخ بصفة عامّة. وسلّط الأضواء على الجانب النّفسي فيه. نبّه إلى مكامن الاتّعاظ والتّأسّي فيه، وأشار إلى عوامل بناء الشّخصية، وبناء الوطنيّة من التّاريخ.
__________
(1) - نشر المقال في جريدة العقيدة (مؤسّسة النّصر)، قسنطينة، الجزائر، ع: 65، (الأربعاء: 13 جمادى الأولى 1412ه/ 27 نوفمبر 1991م). وضعت إدارة الجريدة تحت عنوان المقال العبارة الآتية: " رحل الرّجل .. وبقيت أفكاره قبسًا يشعّ ونورًا يضيء". (1/54)
صفحة 55
كما ألمح إلى دوره في بعث الثّقة في النّفس، وإزالة العقد النّفسية التي يزرعها - عادة – الأعداء في النّفوس؛ حيث يزيّفون الحقائق، ويشوّهون الوقائع، إلى غير ذلك من الأمور العامّة، التي يجب أن يلتفت إليها كلّ من أراد الاستفادة من التّاريخ، في مجال الإعداد والتّكوين.
نحن إذ نحتفل بذكرى وفاته العاشرة (1981 – 1991م) يفرض عليتا الواجب أن نقدّم هذه السّطور القليلة عن جهاد هذا الدّاعية الكبير لقرّائنا الأعزّاء، مشيرين إلى نقطة واحدة.
ممّا تناوله الشّيخ محمد علي دبّوز في نظرته إلى التّاريخ الجانب التّربوي فيه، التّاريخ في مفهومه وسيلة تربوية مهمّة وضرورية، بل المنطلق والمنتهى عنده – حين الحديث عن التّاريخ – هما التّربية. فمن النّاحية النّظرية أناره بمجموعة من النّظريات والنّظرات والآراء، تكشف عن حقيقته ومزاياه، وضرورة الاحتفاء والاعتناء به؛ عاملاً مهمًّا وأساسيًا في التّربية. ومن النّاحية التّطبيقية، قدّم له صورًا عملية وحيّة، جسّد فيها هذه الآراء والنّظريات، من خلا ل شخصياته التّاريخية التي أرّخها، وتعامل معها.
يقول الشّيخ محمد علي دبّوز: " إنّ التّاريخ هو الفنّ العظيم الذي حرمنا الاستعمار البغيض منه، وحرّمه علينا، فيجب أن نبادر بعد استقلال المغرب، فنأخذ حظّنا منه، وننتفع به في تربية الأجيال القادمة ".
يبدي الشّيخ تحسّره من حرمان الأجيال من مقوّم أساسي من مقوّمات الشّخصية، ومن ركيزة مهمّة من ركائز التّربية والتّوجيه. لهذا نادى في بداية استقلال الجزائر بضرورة الالتفات إلى التّاريخ، والأخذ منه بسبب ونصيب، يجبر النّقص الذي كانت تعاني منه التّربية، تحت هيمنة استعمارية غاشمة، وتوجيه صليبي حقود.
هو لهذا يرى أنّ تاريخ الإسلام - وتاريخ المغرب جزء منه – هو الغذاء الصّحيح اللاّزم لتربية النّشء: " ... ولكنَ كتاب المغرب هو الذي يرى العالمُ فيه حقيقته، وهو قبل هذا الغذاء الصّحيح اللاّزم لنشئنا وأمّتنا، والوسيلة الكبرى لتربية المجتمع، وتوجيهه إلى المثل العليا، التي كابدنا طويلاً وجاهدنا الاستعمار من أجلها.". (1/55)
صفحة 56
ممّا يؤكّد ارتباط حقيقة التّاريخ بالتّربية في نظر الشّيخ محمد علي دبّوز أنّ الدّارس يلاحظ تردّد عبارات كثيرة ومكرّرة في آثارة وأقواله، تكشف عن الدّور التّربوي للتّاريخ. المتصفّح لكتبه يلتقي مع العبارات الآتية:
- التّاريخ أكبر وسيلة للتّربية العقلية،
- إنّ التّاريخ للتّربية الصّحيحة، ولبثّ الرّوح القومية.
- إنّ التّاريخ أجدى في التّربية من دروس الوعظ والأخلاق النّظرية.
- هو من الوسائل الكبرى في التّربية الحسنة.
- لنحقّق النّتائج التّربوية بالتّاريخ.
- " إنّ التّاريخ أكبر عامل في التّربية الخلقية، وأقوى سبب يخلق الأخلاق العظيمة في النّفوس. والأخلاق العظيمة هي أساس رقيّ الإنسان في عقله، وفي جسمه، فهي التي تستتبع كلّ المزايا، وتقتضي تفوّقنا في كلّ النّواحي ... "
يكشف هذا النّصّ عن الدّور الكبير الذي يعطيه محمد علي دبّوز للتّاريخ. فمن المقدّمات التي رتّب بعضها على بعض، والنّتائج التي وصل إليها، يتبيّن لنا الدّور الرّائد والأساس للتّاريخ في مجال التّربية: التّاريخ أكبر عامل في التّربية، وأقوى سبب يكسب الأخلاق الحسنة، الأخلاق تسبّب رقيّ الإنسان في عقله وجسمه، الأخلاق تستدعي وتجلب كلّ الخصائص والمميّزات الأخرى. هذه المكاسب توصل إلى التّفوّق في النّواحي الأخرى، إلى غير ذلك من سلسلة النّتائج الحسنة، التي يشدّ بعضها برقاب بعض، ويكون التّاريخ هو المتسبّب فيها.
الشّيخ يقرن كثيرًا لفظتي (المربّي والتّاريخ)، ويربط بين مدلولاتهما ربطًا محكمًا؛ ليثبت أنّ التّاريخ للتّربية أساسًا. تردّدت في كتبه العبارات الآتية: (يجب على المربّي في درس التّاريخ. إنّ المربّي لا ستطيع أن يكون على ذلك الحماس، وعلى تلك الرّوح المؤثّرة في التّاريخ. الذي يؤثره المربّي في نفس التّلميذ بدرس التّاريخ).
إذا كان للتّاريخ هذا الدّور التّربوي المهمّ، فما هي نظرات الشّيخ محمد علي دبّوز؟ وما هي آراؤه فيه؟ التّاريخ هو الذي يحفّنا ببيئة اجتماعية راقية من أجدادنا، فنعاشرهم ونتأثّر بأخلاقهم، ونتطبّع (1/56)
صفحة 57
بطباعهم، وذلك من خلال اطّلاعنا على ما خلّفوه من تراث، يتمثّل في قيمهم. وسلوكهم وأخلاقهم، وما سجّلوه من مواقف، وما تركوه من آثار أدبية وفكرية، تتضمّن آراءَهم ونظراتهم في الحياة والكون، وإلى حقيقة العمل والسّلوك في خطبهم ووصاياهم ورسائلهم وأحاديثهم.
ما دام للتّاريخ هذه المكانة وهذا الدّور، فهو الذي يسعى إلى توجيهنا. كما يقول الشّيخ محمد علي دبّوز: " فيكون وجدانًا لنا، يذكي فينا الحماس لمثلهم العليا، فنعمل لتحقيقها، والرّغبة في طريقتهم المثلى، وفي نهجهم القويم، فنتمسّك به، ونندفع فيه، فنصل الدّرجة الرّاقية، التي كان عليها الأجداد، ونكون مثلهم في العزّة والإباء، وفي الطّموح والمحاولة، وفي العمل والكدّ، وفي الإخلاص والإتقان، وفي العمل لله. وتلك هي أسباب النّجاح والتّفوّق، وعوامل القوّة والتّقدّم ".
بالتأمّل في هذه النّظرة وهذا التّقرير، نكتشف حرص الشّيخ الكبير على إعداد الشّخصية القويّة المتماسكة، التي تقوى على المجابهة والمقاومة. ومن بعدها تتمكّن من المحافظة على أصالتها، وعلى قوّتها وجدارتها في ضمان البقاء، بل الاستمرارية في التّطوّر والتّقدّم
لهذه الغايات التّربوية التي تتحقّق بالتّاريخ، يقول محمد علي دبّوز عن الصّفات التي يكتسبها الشّخص من البيئة الاجتماعية الرّاقية من تاريخ السّلف: " ولا يتّصف بها إنسان إلاّ تغيّر حاله، وتبوّأ أرفع الدّرجات في كلّ النّواحي، وكان الله معه ليحقّق له كلّ الآمال، فيكون هو السّيّد الذي يسود غيره، والذّروة التي تشمخ على سواها، فلا يستطيع عدوّ كاشح أن يخضعه، ولا لصّ مخاتل أن يحتلّ داره، ولا مستعمر غشوم أن يتسلّط عليه.
من هذه العبارات الواردة في النّصّ يتبيّن لنا أنّ الشّيخ يعتمد اعتمادًا كبيرًا على التّاريخ لحماية الكيان، والمحافظة على الشّخصية، وردّ العدوان عنها. وقد انطلق في هذا من حقيقتين:
1 – أنّ الإنسان مركّب من غرائز، وميول فطرية، مثل غريزة حبّ الظّهور والتّقليد والخوف والمشاركة الوجدانية. هذه الغرائز الفطرية هي أساس تربية الفرد، وأخلاقه، وتغيّره، وتطوّره، وبلوغه. وتطبعها بطابعها، حسب ما يجده الفرد من توجيه خاصّ، وإمكانات لتهذيب تلك الغرائز، وتلك الميول الفطرية. فإذا ما أسيء توجيهها نشأ الإنسان منحرفًا، على طريقة من يختلط بهم ويعاشرهم، ويكون (1/57)
صفحة 58
نسخة ممّن نشأ معهم، وتأثّر بهم؛ لأنّ التّوجيه كان خاطئًا، والإمكانات المسخّرة كانت غير صالحة، بينما البيئة التّاريخية يمكنها تعويض تلك النّقائص.
يتأكّد رأي الشّيخ محمد علي دبّوز بما قرّره بعض الدّارسين من أنّ على المؤرّخ تقع مسؤولية كبيرة في الاتّجاه الذي يجب أن تسير فيه الأمّة، يقول الدّكتور فاروق عمر: " فالمؤرّخ أيّ مؤرّخ ينتمي إلى أمّة، عليه أن يكون مخلصًا لأمّته مواليًا لها، مثل ولائه للحقيقة وللإنسانية، وعلى المؤرّخ تقع مسؤولية تبصير مواطنيه بقضاياهم المصيرية، والأزمات المرتقبة، وأن يقف إلى جانب أمّته منذرًا ومبشّرًا ومشجّعًا ".
ما لاحظه الشّيخ من هجوم الأعداء الحاقدين على الشّخصية الإسلامية، وما لمس من استهانة أبنائها بها، الذين لم يشربوا حبّها، ولم يدركوا حقيقتها. وما رآه من التّشكيك في أصالتها، من بعض مهزوزي الوجدان، ورقيقي الإيمان، وضعيفي الوطنية ... فخاف على هذه الشّخصية أن تتفكّك وتنهار، إن اعتمد فيها على البيئة الواقعية الموبوءة، أو غير القادرة على حماية هذه الشّخصية، وتعزيز مكانتها في نفوس المنتمين إليها، لذلك حذّر من العدوّ الكاشح، واللّصّ المخاتل، والمستعمر الغشوم أن يتسلّط عليها، وذلك باللّجوء إلى البيئة التّاريخية، التي تفوّت الفرصة على هؤلاء، عوضًا عن البيئة الاجتماعية التي تكون عاجزة – غالبًا- عن القيام بهذا الدّور، بل أحيانًا يشوبها ويقترن بها كثير ممّا يضعف أخلاق الفرد، ويقلّل من نجاحه في الحياة.
إذًا يجب الاعتناء بالتّاريخ في البيوت، والمدارس، والمجتمع؛ فبه نستطيع كما يقول محمد علي دبّوز:" اختيار العصور الزّاهرة والشّخصيات العظيمة، كالرّسول - صلى الله عليه وسلم - والصّحابة والتّابعين والسّلف الصّالح، ورؤساء دولنا، وكبار علمائنا، ونختار من التّاريخ ما هو حسن، فنجعله بيئة للتّلميذ، ينغمس فيها، ويشغف بها، ويعاشرها بالقراءة اللّذيذة، والدّرس العميق. إنّ لهذا أحسن من البيئة الاجتماعية الواقعية، التي قد لا نستطيع أن نعزل منها ما لا يرضينا، ولا نجد فيها كلّ المثل العليا التي نريدها."
إنّ الشّيخ يقتدي – في هذا السّبيل – بالقرآن الكريم، الذي يعتمد أسلوب القصّ التّاريخي وسيلة من وسائل التّربية، فيطلعنا على صبر أيّوب، ويقين إبراهيم، وعفّة يوسف، ونسك عيسى، وعظمة محمد، ويكمل لنا ما يعوز بيئتنا الاجتماعية بذلك التّاريخ. (1/58)
صفحة 59
ويضرب الأمثلة في نجاح هذه الوسيلة التّربوية (التّاريخ) بما كان يقوم به مشايخه، وبخاصّة أستاذه الشّيخ إبراهيم بن عمر بيّوض. يقول عنه:" إنّ غرض الشّيخ بيّوض هو تربية العامّة وتهذيبها وتثقيفها بتاريخ الصّالحين؛ لأنّ التّاريخ، سيّما تاريخ الرّسول والصّحابة وتاريخ المغرب، من أحسن العلوم التي تثقّف العقل، ثمّ إنّه أكبر واعظ بالمحسوس، الذي يتأثّر به الإنسان أكثر، وإيمانه به أقوى. وقد أكثر القرآن من ذكر القصص التّاريخي في أغلب سوره؛ لأنّ التّاريخ أحسن واعظ للإنسان، سيّما إذا كان تاريخ أجداده، وقع في أرضه، كَسِيَر مشايخ المغرب وتاريخ زمانهم المجيد." (1)
إنّ من شأن تلك الأخلاق التي نستقيها من التّاريخ، ومن سيرة أصحابها التي نكرّرها، ونتأمّل فيها أن يساعدنا على التّربية الحسنة؛ بترسيخ تلك الفضائل في نفوسنا، مستفادة من ناسٍ أفاضلَ أخيارٍ، عدواها لا شكّ ينتقل إلينا، فنكون على غرار من نقرأ تاريخهم، وننشأ على منوالهم.
لعلّ ما لاحظه الأستاذ محمد علي دبّوز من الانقلابات الخطيرة التي حدثت في المحيط الاجتماعي، وما ساده من أخلاق بعيدة عن الرّوح الإسلامية، وما رآه من انحرافات لا تقوى على أن تنشئ لنا أجيالاً مستقيمي السّيرة، يتّصفون بما يتّصف به الرّجال الذين تقوم عليهم مسؤولية قيادة الأمّة، وبناء الوطن؛ إذ يصعب على المربّي انتقاء ما يخدم شخصية الطّفل، وينمّيها تنمية سليمة، وصرفُه عمّا يهدم فيه مقوّماتها.
لعلّ هذا هو الذي جعله يعتقد أنّنا نستطيع أن نجبر هذا النّقص، ونتلافى هذه السّلبيات بالتّنقيب في ذاكرة الزّمن، وفي أعماق الماضي عن المواقف المشرّفة، وما يكون قدوة للطّفل، يساعده على تشكيل شخصيته، وبناء نفسه، فنهيّء له البيئة الحسنة الصّافية الرّاقية، التي يترعرع وينشأ فيها، ما دمنا عاجزين عن التّحكّم في البيئة الواقعية. هذا رأي له وجاهته ونصيبه من الصّحة، إذا نظرنا إليه من زاوية التّربية والتّوجيه. يبقى للمتخصّصين أن يبدو وجهة نظرهم فيه.
2 – في سبيل الوصول إلى الأهداف التي يصبو إليها الشّيخ محمد علي دبّوز بواسطة التّاريخ – وهي أهداف تربوية خالصة – ينبّه إلى أمر مهمّ، وهو دراسة الشّخصيات التّاريخية، التي تتوفّر على قيم، وعلى
__________
(1) - أعلام الإصلاح في الجزائر، ج3، ص: 116، 117. لم نشر إلى مصادر بقية النّصوص، لأنّها مأخوذة كلّها من كتاب واحد هو: تاريخ المغرب الكبير، ج2. تراجع في الصّفحات:13 – 27. (1/59)
صفحة 60
أنماط السّلوك، التي لها دور في مجرى الأحداث التّاريخية، ولها تأثير على وتيرة الحياة، وبخاصّة الشّخصيات الإيجابية، ثمّ الوقوف على العوامل التي ساعدت على تكوينها، وإيجادها على تلك الصّورة، للاستفادة من نشاطها، ولرسم طرق الحياة لصّحيحة للأجيال الصّاعدة، مبنيةً على أسس تربوية تدعمها الخبرة.
لهذا ردّ على الذين يعيبون عليه الإطناب – أحيانًا – في بعض الجوانب، قائلاً: " وقد توسّعت في العوامل التّربوية التي كوّنت عبقرية أعلام الإصلاح في الجزائر، وخلقهم العظيم؛ لأنّ التّاريخ للقدوة الحسنة، والموعظة والمعرفة، إنّ الحديث عن العوامل التّربوية العظيمة، التي كوّنت الشّخصية العظيمة في أعلام الإصلاح من أهمّ ما يجب أن يعتني به المؤرّخ، لأنّها أسرار خفيّة تُنْسَى، لا يستطيع الاهتداء إليها جميع النّاس، وإن كانوا علماء. أمّا جهادهم فخالد في آثارهم المرئية، يستطيع هذا الزّمان والأجيال المقبلة أن تعرفه، ثمّ إنّ بيان العوامل التّربوية التي كوّنت أعلامنا هو الذي يجعلنا نأخذ بها، فيكون لأمّتنا دائمًا مثلهم ... "
الشّيخ محمد علي دبّوز ليس بدعًا من الباحثين المؤرّخين والمربّين على السّواء، الذين يقرّرون هذه القاعدة، ويرون هذا الرّأي، ويثبتون دور دراسة العوامل التّربوية في التّوجيه والتّكوين، فالأستاذ " هرنشو" يقرّر بدوره هذه الفكرة. فوجهة نظره تتطابق مع ما ذهب إليه الشّيخ محمد علي دبّوز تمام المطابقة. يقول: " إنّ الوقائع والآثار مغمورة بمحيط من الآراء والإرادات والانفعالات، التي كانت تلك الوقائع والآثار معبّرة عنها، أو أثَرًا لها، هذه الآراء والإرادات والانفعالات حقائق نهائية ثابتة للرّوح البشرية، وخارجة بالمرّة عن متناول المعاينة المباشرة، حتّى بالإضافة إلى من شهد الوقائع، أو أقيمت بينهم الآثار. والمؤرّخ إنّما يبحث في آخر الأمر عن هذه العوامل الخفية، التي تبعث النّاس على العمل، يبحث عن هذه الحقائق الرّوحية الخالدة على وجه الزّمن ... "
هذه بعض الأقوال والآراء حول الدّور التّربوي للتّاريخ، من وجهة نظر الشّيخ محمد علي دبّوز، نقدّمها لقرّائنا الكرام؛ تنويهًا بشيخنا وأستاذنا، وجهده في تأصيل مفهوم التّاريخ الحقيقي، وتعريف الأجيال الصّاعدة به.
محمد بن قاسم ناصر بوحجام
جامعة باتنة الجزائر (1/60)
صفحة 61
المصادر والمراجع
1 – دبّوز، محمد علي (الشيخ)
أ - تاريخ المغرب الكبير، الجزء الأوّل، الطّبعة الأولى، مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه،
القاهرة 1384ه / 1964م.
ب – تاريخ المغرب الكبير، الجزء الثّاني، الطبعة الأولى، دار إحياء الكتب العربية، عيسى البابي (1/61)
صفحة 62
الحلبي وشركاه، القاهرة، 1382ه/ 1963م.
ج - تاريخ المغرب الكبير، الجزء الثّالث، الطّبعة الأولى، دار إحياء الكتب العربية، عيسى البابي
الحلبي وشركاه، القاهرة، 1383ه/ 1963م.
د – أعلام الإصلاح في الجزائر (من عام 1340ه/ 1921م إلى عام 1395م/ 1975م)، الجزء الأوّل، الطّبعة الأولى، مطبعة البعث، قسنطينة، الجزائر، 1394ه/ 1974م.
ه- أعلام الإصلاح في الجزائر (من عام 1340ه/ 1921م إلى عام 1395ه/ 1975م)،
الجزء الثّاني، الطّبعة الأولى، مطبعة البعث، قسنطينة، الجزائر، 1396ه/ 1976م.
و - أعلام الإصلاح في الجزائر (من عام 1340ه/ 1921م إلى عام 1375ه/ 1995م)،
الجزء الثّالث، الطّبعة الأولى، مطبعة البعث، قسنطينة، الجزائر, 1396ه/ 1976م.
2 – الجندي، أنور
الفكر والثّقافة المعاصرة في شمال إفريقيا، المكتبة العربية، القاهرة، 1385ه/ 1965م.
3 – حسن، جمال الدّين بوقلي
قضايا فلسفية، الشّركة الوطنية للنّشر والتّوزيع، الجزائر، 1399ه/ 1979م.
4 – الخالدي، طريف (دكتور)
بحث في مفهوم التّاريخ ومنهجه، الطّبعة الأولى، تشرين الثّاني (نوفمبر)، دار الطّليعة للطّباعة والنّشر،
بيروت، 1982.
5 - الخرفي، صالح (دكتور)
الشّعر الجزائري، الشّركة الوطنية للنّشر والتّوزيع، الجزائر، (د، ت).
6 – سعادة، يوسف جعفر (دكتور)
دور القراءات الخارجية في تدريس التّاريخ، النّاشر مؤسّسة الخليج العربي، القاهرة، 1985م.
7– فاروق، عمر (دكتور)
التّاريخ الإسلامي وفكر القرن العشرين، ط2، دار إقرأ، بيروت، لبنان، 1985م. (1/62)
صفحة 63
8– معمّر، علي يحي (شيخ)
الإباضية في موكب التّاريخ، الحلقة الرّابعة (الإباضية في الجزائر)، الطّبعة الأولى، مطلعة وهبة، القاهرة،
1979م
9 – ناصر، محمد (دكتور)
رمضان حمّود حياته وآثاره، الطّبعة الثّانية،
10– هرنشو، ج، علم التّاريخ، ترجمة وتعليق عبد الحميد العبّادي.
11 – جريدة الشّعب، الجزائر، عدد: 5825، (يوم: 02 صفر 1402ه/ 29 نوفمبر 1981م)
12 – جريدة العقيدة (مؤسّسة النّصر)، قسنطيبنة، الجزائر، عدد: 65، (يوم: 13 جمادى الأولى 1412
ه/ 27 نوفمبر 1991م).
13 – جريدة النّصر، قسنطينة، الجزائر، عدد يوم: 13 جانفي 1988م.
14 – مجلّة منار الإسلام، الإمارات العربية المتّحدة، العدد الخامس، السّنة الثّانية، صفر 1398ه/ فبراير
1978م.
15 – مجلّة النّهضة، مسقط، سلطنة عمان، عدد: 363، (09 ديسمبر 1987م).
16 - مجلة النهضة، مسقط، سلطنة عمان، عدد: 528، (26 مارس 1991م9. (1/63)
صفحة 64
فهرست الموضوعات
المقدّمة
التّعربف بشخصية الشّيخ محمد علي دبّوز
التّاريخ والتّربية
التّاريخ للاتّعاظ والتّأسّي
التّاريخ وبناء الرّوح الوطنيّة
التّاريخ والتّربية العقلية
قواعد تدريس التّاريخ
التّاريخ ودروس الوعظ والإرشاد
التّاريخ والجانب النّفسي
التّاريخ والثّقة بالنّفس
التّاريخ وإزالة العقد النّفسية
التّاريخ والإدراك الحسّي له
التّاريخ والذّاكرة
الخاتمة
الملاحق
الملحق رقم: (1) كلمة في حقّ أستاذنا الشّيخ محمد علي دبّوز
الملحق رقم: (2) المؤرّخ الجزائري محمد علي دبّوز في ذكراه السّادسة
الملحق رقم: (3) الذّكرى العاشرة لوفاة شيخنا الفاضل محمد علي دبّوز
المصادر والمراجع
فهرست الموضوعات (1/64)