صفحة 1
الكتاب: سلسلة من فكر العلماء العاملين (3) بناء الفرد في فكر الشّيخ حمّو فخّار
المؤلف: محمد بن قاسم ناصر بوحجام
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الخامس (1230 عنوان): ربيع الثاني 1438هـ / جانفي (يناير) 2017م (قرص مضغوط) سلسلة ......................................... من فكر العلماء العاملين (3)
بناء الفرد في فكر الشّيخ حمّو فخّار
الدّكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام (1/1)
صفحة 2
بسم الله الرّحمن الرّحيم
قُمْ لٍلمُعَلِّمِ، وَفِّهِ التَّبْجيلاَ ... كَادَ المُعَلِّمُ أنْ يَكونَ رَسُولَا
أَرَأَيْتَ أَشْرَفَ أوْ أَجَلَّ مِنَ الذي ... يَبْنِي، وَيُنْشِئُ أَنْفُسًا وَعُقُولاَ
أحمد شوقي
حقًّا إنّ الذين لا يحتكّون بطبقات الشّعب، لا يحسّون أنينه، ولا يتذوّقون أهازيجهُ وترانيمه، ولا يفصحونَ عن آماله وآلامه إذا قالوا، ولا يصلحونَ حاله إذا حاولوا، شعرهم متى نظموا تقطيع وأوزان، ونثرهم إذا كتبوا صدى للطّائر المحكيّ منذ أزمان.
الشّيخ حمّو بن عمر فخّار
عن خطب الشّيخ حمّو يقول أستاذه الشّيخ سعيد بن بالحاج شريفي:
وإنّك لتلمح فيها شموليّة التّناول، ودقّة التّحليل، ومنطقيّة التّعليل، وواقعيّة العلاج، وتلك جماع الحكمة، والحكمة فضلٌ، الله يؤتيه من يشاء ...
قلنا عن الشّيخ حمّو فخّار:
أنارَ الحياةَ بفكـ (1/2)
صفحة 3
رٍ كبيرٍ ... حَكى النّجْمَ فيه؛ سُمُوًّا كَقُسّ
هو الشّهمُ ذُو الفخرِ، مَنْ مِنْهُ شُقَّ ... لهُ اسمٌ، نَمَا في ثَرَى خَيْرِ غَرْس
ففِي شخْصِ ذاكَ الهُمامِ ضِياءٌ ... لَنَا، إنْ وَعَيْنا له كلَّ درس
محمد بن قاسم ناصر بوحجام
مقدّمة
ماذا نعرف عن العالم النّفسي للإنسان؟ ما هي الحصائص التي يتميّز بها الكائن البشري؟ ما هي واجباته وحقوقه؟ ما هي رسالته في الوجود؟ ما هي الأهداف التي يرغب في تحقيقها؟ وكيف يجب أن يصل إليها؟ ما هي المشاكل والعقبات والتحّديات التي تعترضه في بناء شخصيّته؟ وكيف السّبيل إلى تلافيها؟ ...
هذه بعض الأسئلة التي تعرض للشّخص وهو يريد أن يفهم هذا الكائن البشري، المكرّم والمفضّل من الله على كثير ممّن خلق .. ما يعني أنّه لم بخلق عبثًا .. وبمعنى آخر إنّه بهذا التّقدير وهذه العناية الإلهيّة الخاصّة، وهذا الحقّ الممنوح له، ينتظره واجبٌ كبير، يتمثّل في أداء رسالة ساميّة في الوجود .. (1/3)
صفحة 4
حمل هذه الرّسالة، وأداء هذا الواجب يحتاجان إلى إعداد وتأهيل وبناء. والنّقائص التي تكون في هذا الكائن، والمشكلات التي تعترض سبيله .. يمكن التّغلّب عليها بشيء من العناية والرّعاية .. ومن يتولّى ذلك هو من وكل الله إليه واجب بناءِ الكيان، وتهيئةِ الأركان، وَوضْعِ قواعدَ في سبيل تحقيق ذلك ...
إنّ السّبيل إلى تدارك هذه النّقائص، وتكوين الإنسان المؤهّل لأداء رسالته في الوجود كما خلق لها .. لن تكون سوى بنائِه وإعداده إعدادًا سليمًا وقويًّا .. في فكر الشّيخ حمّو فخّار –رحمه الله - إضاءات كثيرة، وإرشادات مهمّة في هذه السّبيل ..
فما هي القواعد الأساسيّة أو الضّروريّة لهذا البناء؟
لمّا كانت الحاجة الماسّة والضّرورة الحضاريّة تقومان على أساس وجوب القيام بحقّ الفرد في البناء: تربيّة وإعدادًا وتوجيهًا، وتقويمًا، ودمجًا في الحياة العامّة، وتوفيرَ السّبل له كي يتخطّى عتبات الحياة بثقة وقوّة، ويتجاوز عقباتها بحذق ومهارة ... جاءت فكرة عرض آراء الشّيخ حمّو فخّار في مجال البناء، التي استقرأناها ممّا دبَّحَهُ من كتابات رائعة، وقد لفت نظرنا - ونحن نتصفّح بعض محرّراته - بروزُ هذا الموضوع في هذه الكتابات بشكل كبير وعميق .. نكاد نقول - من دون مبالغة-: إنّ محور كتاباته تتركّزُ حول فكرة بناء الفرد. لذا فإنَّ نظراته في هذا البناء كانت محلّ اهتمامه الكبير، بل أخذت صفة الهمّ العظيم.
هذا الاهتمام وهذا الهمّ كانا نابعَين من تجربته الشّخصيّة في تعامله مع الشّباب – بخاصّة – ومختلف شرائح المجتمع – بعامّة – ما جعله يعرف دقائق في سلوك النّاس، وحقائق في معاملاتهم وتحرّكاته، وبحكم تصدّيه لمعالجة كثير من قضايا النّاس والمسائل التي تمرّ عليهم .. اكتسب خبرة في معرفة خبايا النّفوس، وما يسكن الطّوايا، وما يدور في الزّوايا، وما تخبّئه وتختزه الحنايا .. كلّ ذلك جعله ينطق ويكتب عن واقع معيش، ويعالج بواقعيّة ما يتناول، وينظر إلى المستقبل نظرة متّزنة، برؤية معتدلة .. يكفي أن نقول عنه وفيه: إنّه تجربة تمشي على رجلين – هذا ما نعتقده فيه وما نسمه به دائمًا – لنطمئنّ إلى (1/4)
صفحة 5
نظراته وآرائه وتحليلاته وتنظيراته .. التي نستمدُّ منها قواعد في البناء والإعداد والتّنشئة .. هذا ما اجتهدنا في عرضه في هذا الكتاب.
هذه الآراء تساعدنا على معرفة سبل الاقتراب من هذا الفرد لفهمه، ونحن نريد بناءه، لندرك ونحذق كيف نتعامل معه .. بكلّ ما تحمل كلمة التّعامل من مفهوم ودلالة وأبعاد .. أي المعنى الشّامل للكلمة، التي تخصّ مختلف المجالات التي لها علاقة بالكائن البشري ..
بذلك نمهر ونتخرّج على طرق صياغته وصناعته .. وتهيئته ليتبوّأ مقعد الخلافة في الأرض، كما أراد الله تبارك وتعالى ذلك؛ بخلقه الإنسان وتكريمه وتفضيله على كثير ممّن خلق تفضيلاً. وسخّر له كلّ ما في الأرض، وآتاه من كل ما سأل ... بما يمكن له أن يعدّ نعمه ولا يحصيها ..
ما يتمبّز به الشّيخ حمّو هو مشاركته الدّائمة الدّائبة في معظم المناسبات الدّينيّة والوطنيّة والمحليّة والخاصّة .. بالخطبة والرّسالة والكلمة المكتوبة والمنطوقة وغيرها من الوسائل الكثيرة التي يتّخذها مطيّة للدّعوة والإرشاد والتّبليغ. يكاد لا يفوّت فرصة مواتية ليكتب فيها شيئًا. ما يدلّ على أنّ الكتابة عندة رسالة ووسيلة مهمّة في ميدان التّوجيه والإرشاد. وهو ما يبيّن أيضًا أنّ القصد إلى الإسهام في عمليّة البناء والإعداد هو عنصر ارتكاز في نشاطه .. وهذا ما استنتجناه ممّا قرأناه من كتاباته. لذا اخترنا لعملنا هذا عنوان: " بناء الفرد في فكر الشّيخ حمّو فخّار ". ونزعم أنّ العنوان يقدّم لنا شخصيّة الكاتب بدقّة وشموليّة ..
شاركنا بهذا البحث في الملتقى الأوّل حول: فكر القائد الرّمز: الشّيخ حمّو بن عمر فخّار، الذي أقيم بمركّب الإصلاح، مسجد الشّيخ بابا السّعد، غرداية، الجزائر، من تنظيم كشّافة أفواج الإصلاح بغرداية. أيّام: 15 – 18 من جمادى الثّانيّة 1427ه/ 12 – 18 من جويليّة 2006م. قمنا ببعض التّعديلات والإضافات في هذا الكتاب الذي ننشره لروّاد البناء، وقادة الإعداد، وأعلام التّوجيه والإرشاد ..
هناك دراسات عديدة، يمكن الإفادة منها في هذا الموضوع. نذكر منها: صناعة الشّباب، ط1، للدّكتور محمد سعيد حوّى. دار السّلام للطّباعة والنّشر والتّوزيع والتّرجمة، (1/5)
صفحة 6
1427ه/ 2006م. وكتاب بناء الإنسان والمجتمع، ط1 للدّكتور فاروق حمادة، دار القلم، دمشق، 1433ه/ 2012م. وكتاب رجل القرآن وصناعة الإنسان، ط1، للدّكتور عبد الحليم عويس، دار النّيل للطّباعة والنّشر، القاهرة، 1430ه/ 2009م. ومقال بعنوان:" معالم البناء الثّقافي للشّخصيّة الإسلاميّة"، مجلّة الثّقافيّة، (مركز السّلطان قابوس العالي للثّقافة والعلوم)، مسقط، سلطنة عمان، ع: 9، ربيع الأوّل 1432ه/ فبرلير 2011من ص: 4 – 15. وغيرها كثير ..
هذه الدّراسات لها علاقة كبيرة ووطيدة بما أثمره فكر الشّيخ حمّو فخّار، الذي كان نتاج تجارب خاضها، وإفرازات مخاض مرّ بها، في عمق المجتمع الذي عاش فيه وسيّره وقاده وعالج قضاياه وتناول مسائله .. ووجّه مساره.
نشير في ختام هذا التّقديم إاى أنّنا عمدنا إلى سرد بعض أقوال العلماء والمربّين والموجّهين – بخاصّة الجزائريّين -؛ دعمًا لما ذكره الشّيخ حمّو فخّار في قواعد بناء الفرد، لنبيّن أنّ ما ذهب إليه يتمتّع بمصداقيّة كبيرة، ويتميّز بالواقعيّة في العرض والتّناول والتّحليل .. ثُمَّ لنؤكِّدَ أنّ المشكاة التي يصدر منها هؤلاء المربّون البانون للفرد المسلم واحدة،، أي إنّ المنابع التي يستقون منها أفكارهم، ويبلورون نظراتهم واحدة، والأهداف المسطّرة واحدة، والبيئىة التي يتحرّكون فيها متشابهة ..
نسأل الله عزّ وجلّ القبول والسّداد والرّشاد، والإفادة من أعمال العلماء العاملين المخلصين لله، الحنفاء الأصفيّاء، الأوفيّاء لما وكل إليهم من أمانات ومسؤوليّات.
الجزائر يوم الإثنين: 01 ... من رمضان 1437ه
06 ... من جوان ... 2016م
الدّكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام
رئيس جمعيّة التّراث، القرارة، الجزائر (1/6)
صفحة 7
الشّيخ حمّو بن عمر فخّار (بطاقة تعريف) (1)
التّاريخ المسجّل إداريًّا لميلاد الشّيخ حمّو فخّار هو 1917م إِلاَّ أَنَّ ولادتَه الحقيقيّة كانت فِي ديسمبر 1919م بقصر غرداية.
عاش يتيم الأب منذ عامه الأوّل، ونشأَ فِي أحضان أمّه الأرملة السيدة: "مَنَّه بنت حمّو اشْقَبْقَبْ" المرأة الصّالحة، المثقَّفة ثقافةً شعبيّة ..
أخذ عن أمِّه الكثير من الأمثال والحِكم والأشعار والقَصص الشّعبيّة التي كان يُوظفُها فِي دروسِه الاِجتماعيّة. ونُكهةُ هذه الدّروس هي قولُه: " قالت لي أمّي" .. الأمُّ التي كان يتغنّى بها فِي جميع المحافل إِلَى آخر يومٍ من حياتِه.
__________
(1) - مصدرنا الأساس في هذه التّرجمة لحياة الشّيخ حمّو هو النّبذة التي وزّعت في الملتقى الأوّل لفكر القائد الرّمز. غرداية جمادى الثّانية 1427ه/ جويليّة 2006م. مع بعض الإضافات والتّعليقات البسيطة .. (1/7)
صفحة 8
لما بلغ سنّ السّادسة من عمره سافرَ إِلَى " قسنطينة" وأدخَله أخوه الحاج اسماعيل الكُتّابَ بِدار "الْمَعْرَاض".
عاد بعد غربةٍ طويلةٍ وقاسيةٍ إِلَى غرداية فِي سنّ التّاسعة، وتابع دراسته فِي مدرسة "تَاجِّوِينْ" بالمسجد العتيق ... من مشائخه في ذلك العهد: الشّيخ باحمد بن يعقوب وجمّة بن بالة وصالح بابهون.
فِي سنةِ 1932م انتقل إلى " مدرسة الإصلاح" التّابعة لِـ "جمعية الإصلاح" المؤسَّسة عام 1928م. تفتّحت عيناه فِي هذه المدرسة عَلَى العلوم العصريّة، وفيها خَتَم القرآن الكريم ...
فِي سنة 1937م اِلتحقَ بالقرارة، بعد أن بعث إليه شقيقه "محمد" يطلبُه للتّجارة فِي دكانٍ جديدٍ يفتحُه فِي سكيكدة.
سعى أخوه الحاج اسماعيل فِي إقناع أمِّه بأنَّ " حمّو خُلق للعلم لا للتّجارة"، واستعان فِي إقناعها بأستاذه "الشّيخ صالح بابكر"، فنجح في هذا المسعى، فالتحق حمّو بالقرارة لمواصلة الدّراسة ..
في القرارة استظهر القرآن الكريم على الشّيخ الحاج أحمد بن الحاج إبراهيم بن كاسي حميد أوجانة (إمام مسجد القرارة÷، والتحقَ بِسلك " اِرْوَانْ" ثُمَّ تابع دراسة في معهد الشّباب (معهد الحياة). كان من بين أساتذته، ومن أبرزهم الشّيخ إبراهيم بن عمر بيُّوض والشّيخ سعيد بن بالحاج شريفي (الشّيخ عدُّون) رحمهم الله ..
فكَّر فِي الاِلتحاق بِالبعثة العلميّة بتونس، إِلاَّ أَنَّ الشّيخ بيّوض - رحمه الله - حَوّلَ اهتمامَه للبقاء بجنبه مستزيدًا من العلم، وراعيًا لأمور الطّلبة فِي دار البعثات العلميّة البيّوضيّة .. ثُمَّ أستاذًا مشرفًا عَلَى النّشاط الثّقافيّ فِي الجمعيّات الأدبيّة ..
من طلبته النّبغاء الذين يدينون له بالفضل - بشهادات مُوَثَّقة - فضيلة الشّيخ النّاصر مرموري – رحمه الله -. (1/8)
صفحة 9
أُسندَت إليه رئاسةُ البعثة العلميّة لفترة قصيرة وفي ظروفٍ خاصّة فِي سنة 1946م، ثُمَّ أُعفيَ منها فِي السّنة نفسِها ...
فِي سنة 1947 م دُعي للتّدريس فِي "مدرسة الإصلاح" بغرداية، وكل تلاميذه يدينون له بالفضل فِي تحبيب العلم إليهم -بعامّة - والأدب – بخاصّة -. وقد كان أبًا رحيمًا مطّلعًا ومضطلِعًا بالمشكلات العامّة ومعالجًا لها، بحكمة وأناة وخبرة، نابعة من تجربته الخاصّة في الميدان الاجتماعي ..
في ديسمبر 1972 انخرط في إدارة جمعيّة الإصلاح وعين كاتبا عاما لها.
تولّى نيابةَ إدارة مدرسة الإصلاح سنة 1969م، مع التّعليم إِلَى غاية سنة 1976م ثُمَّ أعفي عن التّدريس نهائيًّا، وعُيّن مديرًا عامًّا لها، خلَفًا للمرحوم الشّيخ صالح بابكر الذي وافته المنيّة، يوم 19 ربيع الأول 1396هـ /20 مارس 1976م، رحمه الله.
في سنة 1979م أنشأ " معهد الإصلاح للبنين" بعد محاولات قام بها في إقناع الشّيخ بيوض والشّيخ عدون وإدارة جمعيّة الإصلاح بضرورة إنشاء هذا المعهد في ذَلِكَ الظّرف، عَلَى أن يكون امتدادًا لمعهد الحياة المصون.
فكّر مع ثلّة مخلصة من إدارة التّعليم في جمعيّة الإصلاح، في ضرورة تطوير المستوى التّعليمي للبنت. تحقّق لهم ذلك بتوفيق من الله سنة 1986م بتأسيس "متوسّطة الإصلاح للبنات" تحت شعار: " من أجل زوجٍ صالحة، وأمّ مثاليّة، وربّة بيت حاذقة، وداعية ". وكان ذَلِكَ امتدادًا لما حقّقته الجمعيّة من إصلاحات وإنجازات مهمّة في الميدان ..
كان منذ صغره اجتماعيّا محبًّا للرّياضة. ففي سنة 1948م كان من المفكّرين الأوائل، من خريجي معهد الحياة (القرارة) في تأسيس فرع "كشّافة الجنوب" بغرداية. وبعد الاستقلال الوطني، وفي سنة 1962م انبثق عن هذا الفرع " فوج الإصلاح للكشّافة الإسلاميّة الجزائريّة بغرداية". ثمّ توالى تكوين أفواج للكشّافة .. وقد كان الشيخ حمّو فخار مرشدها الدّائم. إلى وفاته ..
قاد عدّة فرقٍ رياضيةٍ، خاصّةً منها كرةَ القدم. (1/9)
صفحة 10
ترأّسَ الجمعيّة الرّياضيّة بالقرارة، في سنة 1942م.
منذ الخمسينيّات من القرن العشرين كان يشجّع رياضة الدّفاع عن النفس، ويؤيّد المهتّمّين بها، أمثال القائد الكشفي: بابكر قاسم بن صالح شهيد الواجب، الذي يعود إليه الفضل في تكوين أوّل فريق لرياضة " الجيدو " سنة 1956م.
بعد الاستقلا ل مباشرة، كان مهتمًّا برياضة الدّفاع عن النّفس، يؤيّد مدرّبيها الأوائل، بضمّهم وتأطيرهم فِي رحاب جمعيّة الإصلاح.
كان متحمّسًا لهذا النّوع من الرّياضة قصدَ تكوين الأجسام السّليمة، ومسايرة العصر، والتّصدّي للتّعدّي والظّلم فِي حينه، كان يحبّ السّلمَ والمسالمةَ والسّلامَ، ويكره فِي بنيه الخنوعَ والاستسلام.
أنشأ الشّيخ حمّو مجلّةَ "الشباب" ثُمَّ إذاعة " إِرَمْ ذات العماد" (1949 - 1954م) (السّاخرة). (1) عالج بها أمراضًا اِجتماعيّةً كثيرةً، وموضوعات متعدّدة، وكانت النّاطقَ الرسميَّ للحركة الإصلاحيّةِ فِي تلك الفترة، في غرداية .. كان هذا البرنامجُ الإذاعيُّ يُقامُ ويُبَثُّ فِي " دور العشائر .. " (الحجْبة) وتجتمع لمتابعته أعراسُ البلدة ...
كان لهذه الإذاعة المرئيّة، صدى كبير في المجتمع الغرداوي ... بل كثيرًا ما استدعي-رحمه الله- من الحاكم العسكريّ الفرنسيّ؛ بسبب مواضيعه المستنهِضة للهِمم، والتي كانت تمتازُ بالرّمزيّة فِي الأسلوب، وبخطابٍ فكاهيّ يأسرُ القلوبَ!!!
شارك بأدوار مهمّة فِي عدّةِ مسرحيّات تاريخيّة واجتماعيّة. من إخوانه الطّلبة فِي عهده من يحفَظُ له الوُدَّ طوال حياته وبعد وفاته، لأدوارٍ مُهمّةٍ رئيسيّةٍ أدّوها معًا عَلَى الخشبة، ونخصُّ بالذكر الأستاذ بالحاج بن سعيد شريف، نجلَ أبينا الروحيِّ الشيخ عدون رحمه الله، وبينهما رسائلُ مهمّة فِي الموضوع حفظت للتّاريخ.
__________
(1) - حدّثني أستاذي الشّيخ حمّو عن هذه الإذاعة، وأراني نماذج من أعمالها .. في لقاء لي معه في بيته في غرداية، في نهاية الثّمانينيّات من القرن العشرين، حينما كنت أعدّ أطروحتي للدّكتوراه:" السّخريّة في الأدب الجزائري الحديث". (1/10)
صفحة 11
فِي سنة 1957م شارك فِي إنشاء فروع لِـ" جمعية القدماء" بمزاب والتلِّ، كانت تضمُّ قدماء تلاميذ معهد الحياة بالقرارة.
فِي سنة 1956 م انتُخبَ نائبًا بلديًّا (ضُمّان البلدة) وَجُدّدَ انتِخابُه في دورَتين ...
فِي سنة 1958 م انخرط رسميًّا فِي خليّة العمل الثوريِّ في غرداية، في أثناء الثّورة التّحريريّة الجزائريّة ..
كان منذ سنواته الأولى في التّعلّم مولعا بالأدب، ومحبًّا للأدباء، ويذكر دائما بخير معلّمه الشّيخ أحمد بغباغة -رحمه الله - في مجال " العنتريّات " التي حفظها عنه في مدرسة الإصلاح.
تفتّقت موهبته الأدبيّة في القرارة، فحرّر مقالات كثيرة، كان يوقعها باسمه الأدبي " فريد". كان من أعمدة جريدة الشّباب، التي كان لها دور كبير في تكوينه الأدبي مع ثلّة من أترابه وزملائه في الدّراسة في معهد الشّباب، في الثّلاثينيّات والأربعينيّات من القرن العشرين .. الفترة التي درس فيها في المعهد كانت الفترة الذّهبيّة لجريدة الشّباب ..
زميله في الدّراسة بمعهد الحياة الذي يحفظ له الودّ بمراسلات أدبيّة رفيعة كان يرسلها من المهجر هو المغترب القديم الأستاذ: علوط بكير بن حمّو (مريد حبّ الله).
كان مرجعا للشّعر ومعرفة حياة فحول الشّعراء: حفظا ودراسةً وتعديلا وتصحيحا للأوزان والأفكار والقوافي إلاًّ أنه لم يكتب إلاّ بعض قصائد، يرجع عهدها إلى أيّام تلمذته بالقرارة ... براعته كانت في النّثر، وكان ممّن تأثر به كثيرا جاحظ القرن العشرين مصطفى صادق الرّافعي .. فكرًا و أدبًا (1)
فهمه وتدبّره وحفظه للقران الكريم أعطى لكتاباته النّثرية مميّزات خاصة تبهرك بجمالها الفطري , وتأسرك بأسلوبها المتناسق الأخاذ ... يكفي أن نستدلّ على ما نقول بما كتبه
__________
(1) - أرجو أن يتولَّى أحد المهتمّين بفكر الشّيخ حمّو فخار وأدبه، والمعجبين بهما – وكلّنا معجبون بهما ومولعون – القيام بدراسة يكون عنوانها: " بين الرّافعي وفخّار" .. (1/11)
صفحة 12
عنه عمالقة هذا الميدان، ومنهم أستاذنا الفاضل الدّتور محمد صالح ناصر في تقديمه لكتابه "كان حديثا حسنا "، يقول:
" والحقّ أقول دون مجاملة أو نفاق: إنّ الشّيخ حمّو فخار يعدُّ في نظري شيخ الأدب في وادي ميزاب في العصر الحديث , ولا أتحفّظ فيما أقول ولا أستدرك".
كان لا يتعصّب لأدب دون أدب , ولا للغة دون أخرى ... والدّليل هو كونه- رحمه الله- المشّجع و الدّاعم الأوّل والدّائم لابنه " عبد الوهّاب " في مسيرته المباركة في مجال خدمة اللّغة والأدب المزابي ... يدعو له دائما بالتّوفيق والتّفوّق ...
كما كان أوّل من آمن في مزاب من أصحاب القرار بضرورة تدريس اللّغة المزابيّة، وطبّق هذا فعلا، وقرّرها؛ مادّةً رسميّة في المؤسّسات التي يشرف عليها، وذلك في وقت مبكّر وبالتّحديد في سنة 1986، أي قبل المطالبة بإدراج الأمازيغيّة في المنظومة التّربويّة رسميًّا ...
إلى جانب ذلك، نسجّل موقفه الصّريح عن اللّغة العربيّة. إنّه يضعها فوق كلّ اعتبار، على أنّها لغة الدّين والفصاحة والبيان، ومن يمتلكها يمتلك مفاتيح القرآن ...
1962في م عُيّنَ كاتبًا لِـ"مجلس النّظام" فِي ذَلِكَ الظّرف.
آثاره الفكريّة
من كتبه المطبوعة، ومن نشر جمعيّة التّراث:
1 ــــــ من خطب الجمعة، الجزء الأوّل: إقناع لتغيير الطّباع وإصلاح الأوضاع. 1994 تقديم الشيخ عدون.
2 ـــــــ من خطب الجمعة، الجزء الثّاني. تخريج وفهرسة محمد موسى بابا عمّي. 1416ه/ 1986م.
3 ـــــــ من خطب الجمعة، الجزء الثّالث. ترسيخ للعقيدة وتقويم للخلق. تخريج وفهرسة الأستاذ محمد بن موسى بابا عمّي. 1997م. (1/12)
صفحة 13
4 ــــــ من خطب الأعياد، الجزء الرّابع: عيد الفطر وعيد الأضحى. تقديم الدكتور مصطفى صالح باجو. تخريج وفهرسة الأستاذ محمد بن موسى بابا عمّي، 1419ه/1998م.
5 ـــــــ كان حديثًا حسنًا (مناقب القائد المربِّي الشّيخ إبراهيم بيّوض)، تقديم الدّكتور محمد ناصر. 1420ه/ 2000و
6 ـــــــ وقفات ومواقف. 1422ه/ 2001م.
7 عَلَى درب الأنبياء الشّيخ صالح بابكر، تقديم الدّكتور مصطفى باجو، 2002،
8 – إبراهيم بن بابا بوعروة، الشّيخ بابا ثامر، حياته وآثاره. إعداد وتقديم الدّكتور مصطفى صالح باجو، 1424ه/ 2004م.
9 – الطّلاق أسبابه وعلاجه، 1988م.
10 – ماذا بعد الدّف؟!، 1999م.
11 – الحلقة المفقودة من تفسير الشّيخ بيّوض، (سورة البقرة وآل عمران) جمغت من تلخيص الشّيخ حمّو فخار، تحقيق الدّكتور مصطفى بن صالح باجو.؛ (مخطوط)
تحتفظ خزانة المرحوم بتراث مخطوط كبير، ينتظر الإخراج بطريفة علميّة،، محاضرات، مقالات، رسائل، وخواطر ...
أسلمت روحه إلى بارئها راضيّة مرضيّة – إن شاء الله تعالى – يوم الجمعة ليلا: 10 من جمادى الأولى 1426/ 17 جوان 2005. رحمه الله الشّيخ حمّو فخّار رحمة واسعة.
بعض مميّزاته:
- كان مهتمًّا ومطّلعًا عَلَى الأوضاع المحليّة والوطنيّة والعالميّة، كتاباته مصادر مهمّة للدّارسين فِي هذا المجال ...
- يمتاز بالحنكة والدّهاء وحسن التّصرّف في المواقف والمحطّات الحاسمة.، يُلاذ إليه فِي أوقات الشّدائد .. هو فعلا كهف التّجارب ..
- كان يسعى دائما إلى لَم ِّ الشمل، والدّعوة إبى الوَحدة .. (1/13)
صفحة 14
- كان محبوبا من الجميع؛ لأنه ببساطة كان يحب الجميع، ويقدّر ظروف الجميع ... لا يهنأ له بال حتّى يأخذ بيد المستغيث إلى شاطئ الأمان حيث الرّاحة والاطمئنان.
- من خصاله المتميّزة الكبيرة، في كل مجال، وفي كلّ مواقفه، أّنه كان ينسى من عارضه، ولا يحمل عليه حقدًا ولا يعكّر الصّفو، ويفسد العلاقة معه .. والسِّر في ذلك أنّه كان في وقفاته ومواقفه ينتصر لله وللجماعة، ولا ينتصر أبدا لنفسه مهما يكن نوع الخلاف والاختلاف!!!
- يتميّز بأخلاق الوفاء لكل من له به علاقة، مهما تكن هذه العلاقة .. وفي جميع الميادين، مهما تكن الظروف. فقد كان – مثلا - بعد زيارة أبيه في مقبرة الشّيخ عمّي سعيد بغرداية، لا يهنأ له بال حتّى يقف متضرّعا أمام ضريح أستاذه الأوّل الشّيخ صالح بابكر، يترحّم عليه ويبلّغ له سلامه، ويدعو له بما تيسّر. كما شوهد مرارا أنّه - بعد زيارة أمّه في مقبرة " الشيخ باعيسى أو علوان " - يتوّجه إلى مرقد " الشّيخ داود بن قاسم حوّاش"- وكيل المسجد العتيق- فيدعو له بالرّحمة والرّضوان ..
- كان الشّيخ ممّن يؤمن يتوزيع المسؤوليّات على العاملين معه، - خاصّة فئة الشّباب.– في هذا توجيه سديد وبناء رشيد للفرد؛ بإعداده للمشاركة في الحياة العامّة، زيادة على كون هذا منهجًا سليمًا لضمان سير الأمور وتنفيد الأعمال، بتكاثف الجهود، وتضافر الجميع .. لنّه كان يؤمن بالعمل الجماعي، ويحارب الفرديّة في النّشاط ..
الشّيخ حمّو فخّار رجل فكر وأدب واجتماع وتربيّة وتعليم وسياسة ووطنيّة .. حياته دروس
وعبر، ومَعْلَمٌ، يتبيّن منه ويتعلّم الفرد كيف يبني حياته على أسس صحيحة ..
- تميّز في كتاباته بكثرة الاقتيباسات والتّضمينات لآيات الذّكر الحكيم، وأحاديث المصطفى الكريم، والأشعار وأقوال العلماء والأدباء والحكم والأمثال .. ثمّ كثرة الاستشهاد بها، كما وردت في أصولها .. ما يدلّ على المخزون الفكري والأدبي الذي يتمتّع به؛ نتيجة مطالعاته الكثيرة، التي بدأها منذ الصّغر. ثمّ يبيّن – أيضًا - ويكشف (1/14)
صفحة 15
عن براعته في الكتابة الفنيّة، التي سمحت له بإدخال ما يقتبسه في نسيج ما يحرّر .. هذه مرتبة ودرجة يبلغها الرّاسخون في الكتابة والتّجرير والتّحربر ..
تمهيد
إنّ ما يعيشه المجتمع من تفكّك وميوعة وتدهور، وما يشكو من انتشار علامات الخواء الرّوحي والخور، وما يعانيه من مختلف أنواع السّلوك المشين والانحطاط، وما يبديه من تذمّر نتيجة الإحباط، وما تظهر عليه من علامات القلق على مستقبله ومصير أبنائه ... سببه الأساس عدم الاهتداء إلى وسائل التّكوين والإعداد الصّحيحة، وعدم معرفة أسس (1/15)
صفحة 16
البناء والتّشييد الدّقيقة. أو عدم تبيُّن الهدف الحقيقي النّبيل في التّخطيط والتّوجيه. أو الجنوح عن الطّريق السّليم في المسيرة.
إنّ تفسير كلّ تلك النّتائج أو المقِّدمات، يكمن في الغفلة عن بناء الفرد، الذي هو رأس مال المجتمع، والعمود الفقري، ومحور العمليّة التّكوينيّة فيه. عدم العناية بِبِنَاء الفرد هو سبب كل هذه المشاكل والمنغّصات، وسبب النّكد والمحبطات. يقول الشّيخ محمّد الغزالي (ت 1996م): " إذا لم نحسن البناء الدّاخلي للنّفوس، ورفع الإيمان على دعائمه الفكريّة والعاطفيّة كلّها، فإنّ الأجيال النّاشئة لن تنجو من آثار زحف التّعاليم المدنّية. وربّما شعرت بنقص في كيانها الرّوحي، تسعى كي تستكمله من جهات أخرى وهذا باب لو انفتح هبّت منه شرور جانحة. " (1)
إنّ مسؤوليّة بناء النّفوس: تعليمًا وتكوينًا وإعدادًا، مسؤوليّة الجميع، من دون استثناء، هو فرض محتوم، وواجب أكيد، من دون تخصيص، مع تفاوت في مقدار هذه المسؤوليّة، بين الجهات المعنيّة بهذا البناء الدّاخلي للنّفوس، والتّكوين القويّ للكيان.
أستاذنا الشّيخ حمّو بن عمر فخّار (1917 - 2005م) أولى هذه المسألة عناية كبيرة، وجعلها أسّ نشاطه، ومحور عمله، والبؤرة التي ينصهر فيها فكره، والمدار الذي يدور فيه نظره. نحاول في هذه الإطلالة والجولة في فكره أن نكتشف هذا الأساس الذي بَنى عليه عمله الدّعوي الإصلاحي التّكويني التّوجيهي. ومثله في هذا السّبيل مثل كلّ مصلح ومربٍّ، وعى رسالته، وعرف دوره، وحذق عمله، وأتقن فعله، وأحسن صنعه، وتَحمّل مسؤوليّته، وصان أمانته ... قال الشّيخ محمّد البشير الإبراهيمي (1889 - 1965م): " للجيل الآتي علينا حقوق أوّليّة مؤكّدة، لا تبرأ ذممنا منها عند الله، ولا تسقط شهادة التّاريخ علينا بها، إلاّ إذا أدّيناها كاملة غير مبخوسة. وملاك هذه الحقوق أن نعدّهم للحياة على غير الطّريقة التي أعدّنا بها آباؤنا للحياة. الأخلاق والآداب والأفكار والإحساسات
__________
(1) - عبد الله المصري، الدّاعية الشّهيد محمّد الغزالي، دار الاعتصام للطّبع والنّشر والتّوزيع، القاهرة، 1996م، ص: 66. (1/16)
صفحة 17
والاتّجاهات العامّة والمشخّصات الخاصّة، هي الأمتعة التي يرثها جيل عن جيل، ومنها يتكوّن مزاجه: صحّة واعتلالا." (1)
كيف لا يتقن الشّيخ حمّو فخار عمله، وينجح في التّخطيط لهذا البناء، ويقدّم في الموضوع أبدع النّظرات، ويُعدّ أحسن النّظريّات، وهو الذي غاص في المجتمع واندمج فيه، وهام به، منذ أن استمع وأطاع واستجاب لوصيّة مربّيه ومعدّه ومكونّه، شيخه الإمام إبراهيم بن عمر بيّوض (1899 - 1981م)، الذي يعدّه الصّائغ له، وهو المصوغ على يديه، (2) استمع إليه، وأصاخ إلى توجيهاته، كما قال: " وأنا في الحضيض من الخبرة والفطنة والمعرفة، وهو في أعلى الذّرى من الزّعامة علمًا وحصافة ومكانة، ثمّ لا يحول سموقه وعلوّه دون الحنوّ على مثلي، وأنا نبتة صغيرة لازقة بالأرض، مشرئبّة العنق لامتصاص ذرّات الهواء وهباءات الضّياء. ". (3) " سعدت بالبقاء هنا بالقرارة متعلّمًا ثماني حجج، أُصنَعُ على عيني الأب الحاني الشّيخ بيّوض- رحمه الله – ولو شئت أن أشقّ عليه لأتممت عشرًا ... " (4)
استمع إلى هذا الذي صنعه على عينيه، وكان له الغمام، وهو نبت الرّبى، سقاه فبناه وأعدّه، قائلاً له في بداية مشواره العملي: " ... بيد أنّي ألاحظ في كتابك شكاة تفنّنت في عرضها، وقد سمعتها منك مشافهة مرّات، وأخوف ما أخافه أن لا تزال بها، ولا تزال
__________
(1) - الشّيخ محمّد البشير الإبراهيمي، عيون البصائر، الجزء الثّاني، الشّركة الوطنيّة للنّشر والتّوزيع، الجزائر، (د. ت)، 26، 27. نشر الشّيخ حمّو فخّر مقالا عن " الشّيخ البشير الإبراهيمي" في مجلّة الحياة (معهد الحياة)، القرارة، الجزائر، ع:2، رمضان 1419ه/ جانفي 1999من ص: 73 – 86.
(2) - حمّو بن عمر فخّار، كان حديثًا حسنًا (مناقب القائد المربّي الشّيخ بيّوض)، نشر جمعيّة التّراث، القرارة، غرداية، الجزائر، ذي القعدة 1420هـ/ 2000م، ص: 65
(3) - المصدر السّابق،، ص: 65، 66.
(4) - المصدر السّابق، ص: 67، 68. ينظر ما كتبه التّلميذ حمّو فخّار عن أستاذه الشّيخ إبراهيم بيّوض، " السّرّ الأوّل في عبقريّة الأستاذ وزعامته"، مجلّة الشّباب (معهد الشّباب)، ع:1، غرّة جوان، 1946م. و" مناقب القائد المربّي: الشّيخ بيّوض"، مجلّة الحياة (معهد الحياة) الفرارة، الجزائر، ع؛ 3ن رمضان 1420ه/ جانفي 2000م، ص: 64 – 75. (1/17)
صفحة 18
بك، حتّى تصبح خلقًا متمكّنًا وفجيعة راسخة فتصاب بذلك الدّاء الوبيل الذي أصيب به كثير من المثقّفين وذوي الكفاءات، فخسروا أنفسهم، وخسرتهم أممهم، ذلك هو داء الخوف من تحمّل المسؤوليّات، وتقلّد التّبعات، والفرار بكلّ وسيلة وطريقة من ميدانها.
ذلك الذي قعد برجال أيّ رجال عن تسنّم ذرى الكمال، وذلك الذي يعدّ في شرع الجهاد والتّضحيّة جبنًا شائنًا، وفرارًا من الزّحف. فأعيذك بالله من هذا الدّاء الوبيل، والخلق الشّائن ... " (1)
كيف لا يفلح الشّيخ حمّو التّلميذ في عمله الاجتماعي، وقد استمع إلى نصيحة أستاذه، وعمل بتوجيهات شيخه. وكيف لا ينجح في تقديم آراء سديدة، وقواعد عتيدة في مجال البناء، وهو الذي عاش آلام الشّعب عن قرب، وقاس طموحه عن كثب، وراض آماله عن حبّ، فغاص إلى داخله، وجاس خلال منازله ... وهو الذي يقرّ: " حقًّا إنّ الذين لا يحتكّون بطبقات الشّعب، لا يحسّون أنينه، ولا يتذوّقون أهازيجهُ وترانيمه، ولا يفصحونَ عن آماله وآلامه إذا قالوا، ولا يصلحونَ حاله إذا حاولوا، شعرهم متى نظموا تقطيع وأوزان، ونثرهم إذا كتبوا صدى للطّائر المحكيّ منذ أزمان. (2)
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 73. 74. الفقرة من رسالة أرسلها الشّيخ إبراهيم بيّوض الأستاذ إلى حمّو فخّار التّلميذ. كتبت في القرارة، يوم 16 من رمضان 1362هـ/ 14 من سبتمبر 1943م. قبل أن يقرأ الشّيخ حمّو الرّسالة على المحتفلين بالذّكرى الرّابعة لوفاة الشّيخ بيّوض، قدّم لها بما يأتي: " ثمّ إليكم الرّسالة الثّالثة في خريف 1943م، وهي مزيج من التّشجيع والتّقريع والتّثبيت والتّبكيت. وتحمل في طيّاتها أبلغ درس للشّباب الذي يتهرّب من تحمّل المسؤوليّة، ويتفصّى من نبعاتها. فارعوها انتباهكم، واجعلوا توجيهاتها نصب أعينكم.
(2) - في الفقرة استلهام لبيت أحمد شوقي:
والشّعر إن لم يكن ذكرى وعاطفة ... وحكمة فهو تقطيع وأوزان.
كما أنّ في التّركيبة استيحاءً لبيت الشّاعر المتنبّي:
ودع كلّ صوت غير صوتي، فإنّني ... أنا الطّائر المحكي والآخر الصّدى. (1/18)
صفحة 19
ومثل هؤلاء لا يلهمون المعاني الرّائعة التي تهزّ المشاعر، ولا يهتدون إلى القوالب الرّفيعة التي تبهج الخواطر، ولا يمتلكون القريحة التي تتنورّ الشّوارد من منابعها، ولا العبقريّة التي تنحت القوافي من معادنها. (1)
إنّ الشّيخ لا يرى فائدة تجنى من وعّاظ، ومرشدين ودعاة، لا يحتكّون بطبقات الشّعب، هؤلاء لا يخدمون الإسلام، ولا يعينون على هداية النّاس حقّ الهداية؛ لأنّهم ببساطة لا يعرفون ماذا يطلب النّاس، أو ماذا ينقصهم في هذه الحياة، حتّى تستقيم أحوالهم، وما هي آمالهم، وكيف هو طموحهم. قال للخطيب إذا كنت: " ... من زمرة الجالسين على الرّبوة، أو المنزوين في الخلوة، أو القابعين في المقهى، تحتسي الشّاي وتعبّ القهوة. فاعلم أنّك على المنبر دعيٌّ؛ لأنّك لا تحسن إلاّ إثبات السّماعة في أذنك لالتقاط العيوب، ووضع المجهر على عينيك لاستطلاع الغيوب، لم يمسسك في المجتمع يوما نصب ولا لغوب.
ومن كان كذلك فليس عند النّاس بالخبير، الذي يصلح لتوجيه الجماهير، وينصتون إليه، مهما كان خطيبًا مفوّهًا، يجيد العظة والتّذكير. فإنّما يمتلك العبرة من كان مجبولاً بالفطرة على الرّأفة والرّحمة، يختلط بالنّاس في حالات اليسر والعسر، يجفّف الدّموع، ويشيع الأمل والبسمة في الجموع، ويقتحم العقبة ... " (2)
إنّ الشّيخ يؤمن أنّ الفرد ينجح في عمله الإصلاحي والتّربوي، متى كان شاعرًا بما يدور في نفوس النّاس، معايشًا هُمومهم واهتمامهم، وهو ما كان فيه دائبًا دائمًا؛ فأنتج منهاجًا حسنًا في التّربية، وأينع نتاجًا أنضج في التّنظير .. فما هي توجيهاته في بناء الفرد؟ وما هي قواعده في ذلك؟ يقرّ الشّيخ حمّو: " أنّ إقامة دولة القرآن، وتنفيذ الأحكام، وهو
__________
(1) - حمّو بن عمر فخّار، وقفات ومواقف، نشر جمعيّة التّراث، القرارة, غرداية، الجزائر، 1422هـ/ 2001م، ص: 193، 194. الفقرة من كلمة ألقاها الشّيخ حمّو فخّار، يخاطب بها الدّكتور محمّد بن صالح ناصر، بمناسبة زفاف ابنه " مصطقى " يوم السّبت 28 من شعبان 1408هـ/ 26 من مارس 1988م.
(2) - حمّو بن عمر فخّار، من خطب الجمعة (1)، نشر جمعيّة التّراث، القرارة، الجزائر، (د. ت)، ص: ل، م. (1/19)
صفحة 20
حلم جميل، ومطمح نبيل، يحتاج إلى إعداد طويل الأمد؛ لأنّ سنّة الله في التّغيير لا تعرف الطّفرة، بل امتلاك القدرة قبل الإقدام على أخذ الزمام .. " (1)
إنّ إقامة البناء على القواعد الصّحيحة، يحتاج إلى وقت كبير، وأمد طويل. هذا البناء يجب أن يكون قائمًا على الدّين، الذي يستمدّ مصداقيّته من القرآن. يقول الشّيخ محمّد البشير الإبراهيمي: " أي شباب الإسلام، إنّ الأوطان تجمع الأبدان، وإنّ اللّغات تجمع الألسنة، وإنمّا الذي يجمع الأرواح ويؤلّفها، ويصل بين نكرات القلوب فيعرّفها، هو الدّين، فلا تلتمسوا الوحدة في الآفاق الضّيّقة، ولكن التمسوها في الدّين، والتمسوها من القرآن تجدوا الأفق أوسع، والدّار أجمع، والعديد أكثر، والقول أوفر. " (2)
الدّين هو المعتمد، والقرآن هو السّند؛ لهذا كان لابّد من البدء من حيث يجب البدءُ، وهو بيان حقيقة الإسلام لمن نريد بناء الفرد وإعداده إعدادًا صحيحًا، هذ الدّين الذي يجهله الكثير من معتنقيه، فأخطؤوا الإفادة منه في البناء، فلماذا كان الإسلام قاعدة البناء؟ وما هي حقيقته؟
الإسلام قاعدة البناء ومرجعيّته
إنّ الشّيخ وهو يحدّد القواعد الأساسيّة في بناء الفرد، حرص أن يبيّن المنطلق الذي يكون في هذا الإعداد. إنّه لن يكون سوى الإسلام مصدرًا وملهمًا. وبِما أنَّ حقيقة
__________
(1) - حمّو بن عمر فخّار، من خطب الأعياد (4)، نشر جمعية التّراث، القرارة، الجزائر، 1419هـ/ 1998م، ص: 220.
(2) - محمّد البشير الإبراهيمي، آثار الشّيخ محمّد البشير الإبراهيمي (1) , ط1, الشّركة الوطنيّة للنّشر والتّوزيع، الجزائر، 1398هـ/ 1978م، ص: 93. (1/20)
صفحة 21
الإسلام غير واضحة في أّذهان كثير من النّاس، وبخاصّة حين يتعلّق الأمر بالتّربية والبناء. وهو أكبر تحدٍّ فكري يواجه المسلمين، وسط المتغيّرات المتلاحقة المتساوقة، واختلاط الثّابت بالمتغّير والمتحوّل ... وبما أنّ هذا هو الواقع الذي يعيشه النّاس، كان على الشّيخ أن يوضّح الأمر ويصحّح؛ حتّى يبني بنيانه على أساس متين، وركن مكين.
لهذا لم يفوّت الفرصة، فيوجّه نصيحة للزّوار الذين قصدوا مدينة " غرداية " المشهورة بمحافظتها على القيم الإسلاميّة، ويقول لهم: إنّ أحسن ما تأخذونه ذكرى، تنفعكم، وهديّة، تهديكم سواء السّبيل، وتقيكم سوء المصير الوبيل، هو أخذكم الإسلام نفحة ونعمة: " فيا من زارنا، هُديتَ وكُفيتَ، إذَا أخذتَ معك هذه الحقيقةَ العظمىَ، نعمة الإسلام، إنّها أسنَى هديّة، تزوّدُكَ بها، وأنت عائد إلى أهلكَ، وأبلغُ تذكارٍ. إنّها أبقى على اللّيالي والأيّام من الزّرابي التّقليديّة، والصّينيات النّحاسيّة، والبرانيس الوبريّة، وأبهى الأفلام، وهي خير عدّة تدّخرها لِيومٍ لا ينفع فيه مال ولا بنون إلاّ من أتى الله بقلب سليم. " (1)
يقول الشّيخ: " الإسلام - أيّها المسلمون - دين هو مجمعُ الفضائل، وعروة المبادئ الخالدة، التي لا تلين للمساومة، ولا ترضى المهاودة، ولا تعرفُ المهادنة، فكلّ استخفاف بجزء، يعتبر انتقاصًا للكلِّ، ومن بدأَ في الانحدارِ يوشكُ أن يبلغ القرارَ. (2)
يلحُّ الشّيخ أن يكون التّخطيط التّربوي والإعدادي بتصوّر إسلامي شامل، لا بتر فيه، ولا انتقاء. لا يكون في مبادئه مساومة ولا مهادنة ولا مهاودة، بأيّ وجه من الوجوه، وبأيّ سبب من الأسباب، إذا أردنا أن نبني فردًا يعكس روح المجتمع الحقيقيّة. من هنا نبّه وحذّر من مغبّة الفهم السّقيم لحقيقة الإسلام، والخطأ في ممارسته في الحياة؛ بالتّنكّب عن الجادّة في تطبيقه، وعدم الاهتداء إلى رسالته الحقيقيّة: " ... فَضَلّ قوم حسبوا القرآن نزل لمجرّد التّلاوات، وأذن الله برفع المساجد لتكون خلوات، وشرع الذّكر للكسالى، يترنّم به مع ربّات الحجال في الحجرات. كلاَّ وربّكم فاطر الأرض والسّموات، وما كان ذكر الله
__________
(1) - وقفات ومواقف، ص: 256.
(2) - من خطب الجمعة (1)، ص: 41. (1/21)
صفحة 22
ليعوق عن البيع والشّراء والسّير في الأرض؛ أخذًا وعطاءً، ومكافحة الفقر والجهل والكفر والغلاء. " (1)
كما بيّن عاقبة الانحراف عن التّوجيه، فقال مضيفًا: " فمن أسْلَمَ قيادَهُ لحظة لعدوّه، خوفًا منه، أو إعجابًا بلحنه ورويّه ومظهره وزيّه، فقد سعى لحتفه برجليه، وصفعَ خدّه بكفّيهِ، وحطّمَ عقاربَ ساعته بنعليهِ. (2)
بناء النّفس يكون مهزوزًا، ويصبح على شفا جرف هارٍ، إذا كان مصبوغًا أو ملوثًّا بهذه الشّبهات، وخاضعًا لهذه الممارسات، وظلّ حبيسًا لهوى هذه التّصرّفات ..
قال الشّيخ: " إنّ هّمنا المقيم المقعد - بعد طرد الدّخيل - أن نلحق به لغته ودينه وتقاليده، وتلك من الشّهامة عند العرب الأقحاح، وأيّ تهاون وتلكّؤ عن ذلك فالمهانة والذّلّة والخنوع:
لا تقطعَنْ ذنب الأفعى وترسلها ... إن كنت شهمَا فأتبع رأسها الذّنبَا
أجل إنّ استيراد البضائع الأجنبيّة نقص ماديّ وتخلّف مشين، ولكن استيراد المبادئ واستعارة الألفاظ للتّعبير أكثر استجداء، وأعظم معرّة؛ لأنّه ينبئ عن قحطٍ فكري، وموت أدبي، وانحطاط خلقي، لا يجوز أبدًا أن توصم به أمّة، قاموسها القرآن. " (3)
هذا الإسلام الذي يُعْتَمَدُ في البناء، لا يفيد إلاّ إذَا الْتُزِمَ به التزامًا كاملاً وصحيحًا، فما هو هذا الالتزام، هو: " الالتزام أيّها الأصفياءُ، في كلمة: أن تراعيَ حدود الله، وترعى حقوقَ العبادِ (لا ضرر ولا ضرار)، كما قال سيّد الأبرار.
__________
(1) - حمّو بن عمر فخّار، من خطب الجمعة (3)، نشر جمعيّة التّراث، القرارة، 1418هـ/ 1997م، ص: 136.
(2) - من خطب الجمعة (1).، ص: 41.
(3) - وقفات ومواقف، ص: 247. (1/22)
صفحة 23
وخلاصة ذلك كلّه: أن تحفظَ الرأسَ وما وعى، والبطنَ وما حوى، وأنْ تتجنّبَ الهوى. (1) وجِماع ذلك كلّه: أن تمسي وتصبح مستقيمًا، وتحيا وتموت مستقيمًا. وإنّما بلغَ الخليل ذروةَ الإيمان، وأحرزَ على أبوّة البشريّة، وبلغ ولدهُ قمّة الصّبرِ، فرضي كلاهما بعمليّة الذّبحِ الأليمة الكبيرة، إلاّ على الخاشعينَ؛ لسابق استقامتهما، وطولِ ممارستهما لضبط أنفسهما، وحملها على تطبيق المكاره من أوامر الله، واجتناب مناهيه. " (2)
\مناسبة عيد الأضحى، وذكرى التّضحيّة التي قدّمها خليل الرّحمن سيّدنا إبراهيم عليه السّلام، والبّر الذي أبداه الولد المَفْدِي بذبح عظيم، سيّدنا إسماعيل عليه السّلام، هذه المناسبة فرصة كبيرة لتوضيح مفهوم الالتزام بالاستقامة والنّهج الإسلامي في الحياة؛ مهما تكن الظّروف والأسباب. ففيها ظهر الإصرار في البقاء على النّهج، وبَرَزَ رفض أيّة مساومة ومهاودة، وضعف وتخاذل ... هذا هو الذي يبني الكيان، ويؤسّس البنيان.
ذاك مثال من الماضي السّحيق، ونموذج من التّاريخ العريق. وقد زرع الطّمأنينة والرّاحة في القلب، والأمن في الحياة. ومن الحاضر ما نلمسه في حياة من اتّخذ الإسلامَ قاعدة يقلع منها في سيره، ويدير به جميع أمره، يقدّم الشّيخ حمّو فخّار المنطقةَ التي يعيش فيها مثلاً على هذه القاعدة: " إنّما أودُّ أن أشيرَ قبلَ أن أنهيَ كلمتي إلى أنّ ما ينعمُ به المواطن من راحة ضمير، والضّيف من إكرام، والسّائح من تقديرٍ، إنّما يعودُ إلى استتباب روح الدّينِ والخلق القويمِ في نفوسِ ذويهِ. فدين الإسلامِ هو صمّامُ الأمانِ، والمفتاح السّحري لمن درسهُ حقًّا، وعملَ على تطبيقهِ بالتزامٍ. وذلك هو سرّ امتنان الله على عبادهِ في خواتيمِ ما
__________
(1) - جاء عن عبد الله بن مسعود، رواية عن النّبيّ - صلى الله عليه وسلم -، وهو يبيّن للصّحابة حقيقة الحياء:" ... ولكنّ الاستحياءَ من الله حقّ الحياءِ: أنْ تحفظ الرّأسَ وما وعى، والبطن وما حوى، ولتذكر الموتَ والبلى، ومن أراد الآخرة تركَ زينة الدّنيا، فمن فعل ذلك فقد استحيَا من اللهِ، حقّ الحياء." رواه التّرمذي، وقال أبو عيسي: حديث غريب.
(2) - من خطب الجمعة (4)، ص: 162. (1/23)
صفحة 24
نزلَ، إذْ يقولُ: { ... اليوم أكْمَلْتُ لَكُمْ دينَكُمْ وأتْمَمتُ عليكُمْ نِعْمَتِي ورضِيتُ لَكَمُ الإسْلاَمَ دِينًا ... } (1)
إنّ التّمسّك بهذا المنهج في فهم الإسلام فهمًا، وتطبيقه سليمًا، يساعد على تصحيح المسار، ويضمن البقاء في المدار. وببساطة كما قال الشّيخ محمّد البشير الإبراهيمي، لشباب الإسلام: " كن كما يريد منك القرآن وكفى ... ؛ وسترى من نتائج ذلك صحّة في الأعمال، التي تصدر عن تلك الإرادات وتلك العقائد، وسترى من آثار طهارة النّفوس قوّة في الأخلاق، وسموًّا في التّفكير، ونزوعًا إلى الفضائل؛ لأنّ هذه الأشياء متلازمة، لا تنفكّ بحال. " (2)
إنّ الالتزام بالدّين، بعد فهمه حقّ الفهم، ووعي مضامينه وخصائصه وعيا عاليًا، يساعد على تكوين ما يعين على البناء، إنّه الضّمير الدّيني، فما هي نظرة الشّيخ إليه؟
__________
(1) - سورة المائدة، الآية: 3, وقفات ومواقف، ص: 255.
(2) - آثار الشّيخ محمّد البشير الإبراهيمي (1)، ط1،, ص: 216. (1/24)
صفحة 25
تكوين الضّمير الدّيني
الإسلام مصدر التّنظيرِ، وقاعدة البناء، يجب دراسته بعمق، وتشربّه بقوّة؛ لأنّهُ هو الذي يؤمّن الحياة، ويَزرع الرّاحة والطّمأنينة في القلب، وبخاصّة راحة الضّمير، الذي به يُضْمَنُ الالتزام بروح الدّين: " وراحة الضّمير أعزّ ضالّة عثرَ عليها من يَنْشُدُها، وأعْذَبُ أنشودةٍ عزفها من يُنْشِدُها، وأعذَبُ واحةٍ استراحَ تحتَ ظلالها المتبعون. " (1)
من هذا المفهوم كان حرص المربّين والمكونّين على تنشئة الأبناء على تكوين الضّمير الخلقي فيهم، ورعايته أحسن رعاية؛ ليكون أولى قواعد البناءِ، وأساس الإعداد. قال الشّيخ حمّو: " وكانَ الوازعُ الدّيني ترضعه الأمّهات مع حليبها لصغارها قبل فطامهم، ويتابعه المربّون في المدارس، ويؤيّدهُ أُمَنَاءُ البلد في الأحياءِ، ويؤكّده رؤساءُ العشائر، ويدعمه المستخدمون في المتاجر، ويشنّعه الوعّاظُ والمرشدونَ في المساجد والمحاضرِ، ويتعهّده الجميع بالأمر والنّهي في القرى والمداشر. " (2)
في هذا التّنصيص إشارة مهمّة وواضحة إلى أهميّة هذه اللّبنة الرّئيسة في البناء، وهو الاعتناء بالضّمير، أو الوازع الدّيني، منذ النّشأة. وفيه أيضًا التأكيد على قاعدة تربويّة ضروريّة للسّير بالبناء في نهج سليم، وهي وجوب تضافر الجميع وتآزرهم في هذا السّبيل، ورعاية المُربَّى والمكوَّن في كلّ مكان يوجد فيه، ومع كلّ من يجاور ويجالس ويصاحب؛ لتكون تنمية البناء متأصّلة شاملة متواصلة متناسقة متنوعّة.
__________
(1) - وقفات ومواقف، ص: 195.
(2) - المصدر السّابق، ص: 36، 37. (1/25)
صفحة 26
من دون هذا الضّمير الدّيني، (1) لن ينفع أيّ توجيهٍ يؤتَى بهِ، ولن يُظْفَرَ بأيّ ضمير – مهما يكن لونه وطبيعته - يُسْعَى إلى تكوينه، فكلّ ضمير يُصْبَغُ بأيّة صبغة، مهما تلوّنت، أو تُعْطَى له أيّة تسميّة مهما تشكّلت ... لن تفيد في البناء إذا لَمْ يهيّئها الضّمير الدّيني، بل سيتلوّن هذا الضّمير – في غياب هذا الشّكل – بحسب الأمزجة، ويتقلّب بحسب الأهواء، ويتشكّل بحسب الظّروف والتوّجيهات والضّغوط. قال الشّيخ حمّو: " ليس هناك ضمير مهني ثابت، على كلّ حال، لمن لا يملك الضّمير الدّيني، - ولو كانَ دينًا خرافيًّا -، فدين خرافي خير من لا دين، والأخوةّ الصّادقة، والوفاء والإحسان والإتقان والانضباط والإتمام والإكمال ... كلّها وليدة الضّمير الحيّ اليقظ، ولن يكون الضّمير يتحرّى ويراعي حدودَ اللهِ، إلاَّ إذا تشرّب أصولَ العقيدة وتعاليم الإسلامِ. فبقدر ترسيخ مبادئ الدّين، وتعميق جذوره في قلب المسلم، بقدر ذلك يطيب عنصره، ويزكو عمله، ويبدو ورعه، ويخلص من شوائب قوله وفعله، ويعظم نفعه، فالضّمير الدّيني هو منبع الكلمة الطّيّبة، والفعلة الطّيّبة ... " (2)
السّير المنضبط في الحياة، يضمنه أو يدفع إليه ضمير مهني، يُنَشَّأُ عليه الفردُ، لكنّ هذا الضّميرَ، لا يمكن أن يتوفّر أو يتكوّن بالمعنى الصّحيح والحقيقي، من دون ضمير ديني ثابت، فهذا الضّمير هو الذي يضمن الأخلاق العاليّة التي تبني الأخوّة والوطنيّة، وتؤسّس قواعد التّحرّك السّليم، الذي يصدر عن خلال الوفاء والإحسان والإتقان والإتمام والإكمال والانضباط ... وهذه بدورها تنبع من الضّمير الحيّ اليقظ.
هذه الحقيقة لا تبنيها، ولا تهدي إليها سوى العقيدة الرّاسخة، والمبادئ الثّابتة، وتعاليم الدّين الصّافيّة، التي هي طيّبة، فلن تبني إلاَّ طيِّبًا، مصداقًا لقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ كيْف
__________
(1) - هناك تسميّات عديدة نلتقي معها في مصطلح الضّمير ومضمونه ودلالته. الضّمير المهني، الضّمير الجمعي، الضّمير الوطني، الضّمير الخلقي، الضّمير الدّيني .. لكنّ أهمّها وأقربها إلى ما يدعو إليه الشّيخ حمّو، وما يحقّق الرّاحة النّفسيّة، والطّمأنينة فيما يقدّمه الفرد من سلوك، وما يشمل كلّ دلالات التّسميّات الأخرى، هو الضّمير الدّيني .. وهو ما استمعله الكاتب ..
(2) - من خطب الجمعة (4)، ص: 87، 88. (1/26)
صفحة 27
ضَرَبَ الله مثَلاً كلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فيِ السّمَاءِ تُوتِي أُكْلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ ربِّهَا ويَضْرِبُ الله الأَمْثالَ للنَّاسِ لَعَلَّهُم يَتَذَكَّرُون} (1)
لن يصلح إلاَّ الدِّين، والإسلام بالتّحديد لهذا البناء. في هذا السّياق نبّه الشّيخ حمّو إلى سلوك أو خطأ، نقوم به، ونحن نزعم، أو نرمي إلى تكوين الشّباب وتوجيههم وإعدادهم. أشار بذلك إلى وسيلة إقامة الأسابيع الثّقافيّة، وما ينبغي أن تكون عليه؛ حتّى لا تحيد عن هدفها، أو تتنكّب عن الجادة: " نرفع صوتنا من علوّ هذا المنبر – وذلك جهدنا – مستنكرين الأساليب المتّبعة في هذه الأعيادِ المبتدعة؛ تنبيهًا للغافل، وتعليمًا للجاهل، حتّى لا تسري عدواها الموبوءة إلى أوساطنا الطّاهرة، فيراها ضعاف العقول، ومهلهلوُ العقيدة أمورًا بسيطة صادرة عن حسن نيّة، وسلامة طويّة؛ ترفيهًا عن النّفوسِ، وترويحًا عن القلوبِ. وما هي والله إلاّ مقدّمات مدروسة لنتائج معروفة، وبذور تغرس لمحاصيل تحصد، وأوّل النّار من مستصغر الشّرر ... " (2)
نبّه وحذّر أن تحيد الأسابيع - التي تحمل صفة الثّقافيّة - عن مسارها الحقيقي، وهو التّكوين والتّهذيب، كما يعني بذلك مدلول الثّقافة، يجب أن يكون التّثقيف بالتّصورّ الإسلامي، والمنهج الإسلامي، لقد تعوّد النّاس أن يعطوا للثّقافة مضمونًا، تحوّل بها إلى السّخافة والوقاحة والسّفاهة، والسّفاحة أحيانًا ..
قال الشّيخ أيضًا، وهو يوجّه المؤمنين ليستفيدوا من عبادة الصّيام الأخلاقَ التي من أجلها شرعت الأحكام، وفرضت العبادات: " وسبيل البقاء في منازل الصّالحين ومقامات المقبولين – أيّها المؤمنون – أن تصبحوا معكم روحانيّة رمضان، فيما يستقبلكم من عمر قصير، وشيك الزّوال، فلا رفثَ ولا فسوق ولا جدال، ولا شحَّ ولا احتكار ولا احتقار، ولا حسد ولا حقد ولا أنانيّة، ولا شهادة زور ولا عصبيّة. وأن تكون – أيّها المؤمن –
__________
(1) - سورة إبراهيم، الآيتان: 24، 25.
(2) - من خطب الجمعة (3)، ص: 86. والشّاعر يقول:
كلّ الحوادث مبداها من النّظر ... ومعظم النّار من مستصغر الشّرر (1/27)
صفحة 28
قويًّا أمينًا، على الأهوال جلدًا، وفي الأعاصير جبلاً ثابتًا صلدًا، وأن تكون شيمتك السّماحة والحياء والكرم والوفاء.
وملاك ذلك كلّه أن تمتلك بين جنبيك الضّمير الدّيني، لا الذي يعبّر عنه البعض بلغة العصر خطأ بالضّمير المهني. " (1). بمعنى أنّ الأخلاق هي التي تبني وتنشئ.
الأخلاق أساس البناء
علم المعادون للإسلام خطر هذا البناء، المعتمد على تعاليم الدّين، المنبثق من القرآن، المتّخذ الأخلاق إلى ذلك سبيلا، ومضمونها إليه دليلا، فجنّدوا كلّ طاقاتهم، ووجّهوا كلّ أسلحتهم، وسخرّوا كلّ مخطّطاتهم للقضاء على أسّ البناء وهو الأخلاق، ومن ثمّ صرف النّاس عن الإسلام ...
الحرص على البناء الصّحيح واضح في النّصوص، التي يتناول فيها الشّيخ حمّو الأخطاء المرتكبة في التّربية، ما دامت الإشارة هي مركّزة على التّنبيه إلى ما يقدّم إلى النّشء الغرّ، والأفراد الذين لَمّا يرسخ الإيمان في قلوبهم، فلا يعرفون الطّيّب من الخبيث، ولا يفرّقون بين النّافع والضّارّ. وبخاصّة حين يكون وراء هذه التّصرّفات مخطّطات ترمي إلى الهدم والتّخريب: " إنّها أيّها الإخوة المؤمنون مخطّطات قديمة، أعدّها منذ زمن طويل الصّهيونّيون والصّليبيّون والعلمانيّون، لتحطيم القيم وتخريب الذّمم في ربوع المسلمين؛ ليعودوا من جديد لاستعمارها فكريًّا، واستغلالها ماديًّا. ولا أجودَ تربة لزراعة الزّيغ، وبثّ الانحراف من قلوب العذارى – فالعذارى قلوبهنّ هواء – واتّقوا الله في نفوس الأطفال، الأطفال نفوسهم من الشّرّ براء ...
وأمّا المراهقون والمراهقات فمادة أسرع التهابًا من البنزين الممتاز ( super) إذا اقترب منهم وقيد الكائدين، لأنّهم في عهد الجنون والفتون، لا يدرون ما يفعلون، ولا ما يتركون. " (2)
__________
(1) - من خطب الأعياد (4)، ص: 87.
(2) - من خطب الجمعة (3)، ص:86. في النّصّ تضمين لبيت أحمد شوقي:
فاتّقوا الله في قلوب العذارى ... فالعذارى قلوبُهنّ هواءُ (1/28)
صفحة 29
يحذّر الكاتب من ارتكاب أخطاء في التّربيّة والتّوجيه والإعداد، بخاصّة حين يكون المعنّيون شبابًا، عذارى، مراهقين، أطفالا ... أي من هم في حاجة كبيرة وماسّة إلى البناء والإعداد، فهم لَمَّا يأخذوا القواعد التي يعتمدون عليها في تحرّكاتهم وَسيرهم وَدَرَجِهِم. فكان لابدّ من اختيار الطّرق الصّحيحة في البناء، والتّفطّن إلى ما يدبّر ويخطّط لإفساد طرق البناء والتّأسيس.
في هذا قال الشّيخ: " فلمّا انقلبت المفاهيم في الثّقافة إلى غير منهجها، واكتفينا بالقشور عن لبابها، جنينا من الأسابيع الثّقافيّة الزّبد، الذي يذهب جفاءً ... " (1)
ركّز الشّيخ محمّد البشير الإبراهيمي على هذه النّقطة، وأكّد عليها بقوّة، وقدّم توجيهًا إلى المعلّمين، ونداءً وصيحة: " واجعلوا الحقيقة الآتية نصب أعينكم، واجعلوها حاديكم في تربية هذا الجيل الصّغير، وهاديكم في تكوينه، وهي: أنّ هذا الجيل الذي أنتم منه، لو يُؤتَ في خيبته في الحياة من نقص في العلم، وإنّما خاب من نقص في الأخلاق، فمنها كانت الخيبة، ومنها كان الإخفاق. " (2)
إنّ ما يضمن البقاء في سواء الصّراط، ويبعد الزّبد الذي يذهب جفاءً، ويحقّق الفهم الصّحيح للثّقافة، التي يُحتفَل بها في المناسبات العديدة، وتُتّخذ وسيلة للبناء. إنّ الذي يضمن ذلك هو التّحلّي بالأخلاق الحسنة الصّحيحة، وتوجيه الأبناء والنّشء إليها، بداية من التّوجّه إلى الله - عز وجل - بالخشية، بدل خشية خلقه، وهذه أولى خطوات بناء النّفس المؤمنة.
استغلّ الشّيخ حمّو مناسبة الاحتفال بعيد الأضحى المبارك، ليبيّن المغزى الحقيقي من الاحتفال، ويوجّه من خلاله صوته ونداءه باستكمال بناء فضائل النّفس بالأخلاق الفاضلة: " أيّها المسلمون المَفديّون المعفيّون من ذبح أولادكم في أعيادكم، اعلموا أنّ
__________
(1) - وقفات ومواقف، ص: 37.
(2) - عيون البصائر، الجزء الثّاني، ص: 291. (1/29)
صفحة 30
لله عليكم عوضًا، إن رجوتم لقاءَه، وذلك أن تذبحوا الأنانيّة وحبّ الذّات في نفوسكم، وتسلخوا عادة خشية النّاس من قلوبكم، فما عاق المصلحين عن تنفيذ خططهم الإصلاحيّة إلاّ خشية النّاس للنّاس، ومراعاة عواطف النّاس في النّاس، ولو غضب خالق النّاس، ورازق النّاس." (1)
إنّ أوّل ما يجب تصحيحه في نفس المسلم هو العقيدة، وأوّل ما يجب ترسيخه من هذه العقيدة، إفراد الله بالعبوديّة، وتحكيم شرعه في السّلوك، وعدم الالتفات إلى ما يأمر به النّاس، إذا كان ذلك مخالفًا مصادمًا لما يأمر به خالق النّاس. فالشّيخ يرى أنّ ما أخلّ بالبناء الصّحيح للنّفس المسلمة، وعملِ المصلحين الذين تحرّكوا أصلاً ليصلحوا النّهج الذي كرّسّه من سار في درب الهدم والنّقض ... إنّ ما أخلّ بهذا البناء هو مشكلة الخوف من النّاس، والاستهانة من خشية الله - عز وجل -. تصحيح هذا الخلل يساعد على تثبيت الأخلاق التي جاء الإسلام لينشرها في حياة البشريّة.
إنّ الأخلاق هي الكفيلة ببناء المجتمعات البشريّة على أسس سليمة، لهذا قال الشّيخ: "حسبُنَا أيّها السّادة، إن رُمْنَا تطهيرًا لمجتمعنا، ورقيًّا في أفكارنا، وتقرّبًا إلى ربّنا، أن نحتفل بالأخلاق، وبغيرها لن تستقيمَ وربّكم أحوالنا، وإنّما الأمم الأخلاق (2). من أجل ذلك لم يمتدح رَبُّنا نبيًّا من أنبيّائنا في الغالب إلاّ بحسن خلقه، فقال في أحدهم: إنّه كان صادق الوعد (3)، وقال في آخر: إنّه كان مخلصًا (4)، وقال في ثالث: إنّه كان صِدّيقًا (5)، وقال في الرّابع: إنّ إبراهيم لحليم أوّاه منيب (6)، وقال في خاتمهم: وإنّك لعلى خلق عظيم (7)، ولم يقل: إنّك لذو ثقافة عاليّةٍ، رغم ما زوّده من علم، وما زوّدَ آدم من الأسماء." (8)
الأخلاق الفاضلة هي التي كان المصلحون والمرّبون يحرصون على اعتمادها في البناء؛ حتّى يكون سليمًا، وفي التّكوين؛ حتّى يكون صحيحًا. في هذا يقول الشّيخ البشير الإبراهيمي، مخاطبًا شباب الإسلام: " أي شباب الإسلام: حملة الأمانة وبناة المستقبل وطلائع العهد الجديد. خذوها فصيحة صريحة، لا تتستّر بجلباب، ولا تتوارى بحجاب. إنّ علّتكم التي أعيت الأطبّاء، واستعصت على حكمة الحكماء، هي من ضعف أخلاقكم، ووهن عزائمكم. فداووا الأخلاق بالقرآن تصلح وتستقم، وآسوا العزائم بالقرآن تَقْوَ وتشتدّ. " (9)
يقول أحمد شوقي:
صلاح أمرك للأخلاق مرجعُه ... فقوّم النّفس بالأخلاق تستقم
إيمانًا من الشّيخ حمّو فخّار بأنّ البناء يبدأ بترسيخ الأخلاق في النّفوسِ، وحرصًا منه على تقديم النّصائح والتّوجيهات، متى يجب أن تقدّم، وبخاصّة حين يلحظ في بعض المتحمّسين للإسهام في عمليّة البناء هذا التّوجّه، كإقامة الأسابيع الثّقافيّة. التي تدلّ تسميّتها، ومظاهرها على هذه الوجهة ... فإنّه يهتبلها فرصة للتّوجيه والتّنبيه إلى القواعد الأساسيّة في البناء، ولا أولى منها من الأخلاق: " ... وبِهذا الاعتبار المهمّ، نودّ أن لا يفهمَ من عنوان المهرجان (10) ما يفهم حديثًا من أنّه اكتشاف للطّاقات الشّابة، وتبيان
__________
(1) - من خطب الأعياد (4)، ص: 155.
(2) - إشارة إلى بيت أحمد شوقي:
وإنّما الأمم الأخلاق ما بقيت ... فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا
(3) - سورة مريم، الآية: 54.
(4) - سورة مريم، الآية: 51.
(5) - سورة مريم، الآية: 56.
(6) - سورة هود، الآية: 75.
(7) - سورة القلم، الآية: 4.
(8) - وقفات ومواقف، ص: 17، 18.
(9) - آثار محمّد البشير الإبراهيمي، (1) , ص: 93.
(10) - عنوان المهرجان الثّقافي الثّالث عشر، الذي بتحدّث عنه الشّيخ حمّو، المقام بمدينة غرداية هو: "النّظام الاجتماعي بوادي ميزاب " (1/30)
صفحة 31
للمهارات الموجودة، وجمع للمعلومات المتفرّقة، وما أشبه ذلك، كالشّعر والتّصوير والرّسوم الجامدة والمتحرّكة، والفلكلور بأشكاله وألوانه، وما إلى ذلك. فلقد آن الأوان أن نفهم من الثّقافة جانبها الحقيقي، وهو تهذيب السّلوك الفردي، وتثقيف الضّمير الدّيني، وتركيز الرّوح العقديّة في نفوس النّابتة، وأن يسود هذا التّثقيف جميع النّشاطات، وتعطى له الأولويّة في التّكوين، وتمنح للمتفوّقين فيه النّياشين والرّتب والمكافآت السّخيّة، والميداليّات الذّهبيّة، وما فوق الذّهبيّة ... (1)
البناء الحقيقي لا يقف في العمل عند المظاهر، والقشور، إنّما يتعمّق ويتجذّر إلى الإفادة مِمّا يقدّم قواعد وأساليب في التّوجيه والإعداد. فالنّظام الاجتماعي الذي يعرض على النّاس، وعلى النّاشئة، يجب أن تُفادَ منه طرقٌ ومناهج في التّربيّة والتّعليم،. وتؤخذ منه أخلاق تهذِّب السّلوك، وتعين على التّكوين والبناء، فلا يبقى الفعل في مستوى العرض الفلكلوري الشّكلي.
بتعدّد إقامة الأسابيع الثّقافيّة، وبتكرار الحديث عن صفة الثّقافيّة فيها، يتكرّر تذكير الشّيخ بالمفهوم الحقيقي للثّقافة: " أريد أن أقولَ: أتمنّى أن يقامَ مهرجاننا الآتي، ولعشر سنوات متتالية، باسم المهرجان الأخلاقي. فحسبنا ثقافة إذا كانت توصل إلى الدّعارة والسّفور والفضائح والجرائم والعواهر، واللّقيطات واللّقطاء، والمغالاة في المهور، ومعاقرة الخمور واختلال الأمن، واستباحة الأموال، وهتك الأعراض والسّرقات بكلّ مؤسّسة، والرّشوة بكلّ إدارة والمحسوبيّة، والبيروقراطيّة والرّوتين، وبكلمة جامعة: بِهدر العلاقات الإنسانيّة، ومحو القيم الأخلاقيّة، وإحياء الطّائفيّة والقوميّة العربيّة، كلّ ذلك تحت شعار " الثّقافة " (2)
إنّ ما أشار إليه الشّيخ حمّو من تحريف مفهوم " الثّقافيّة "، وانحراف الموجّهين والقائمين على التّربيّة، والسّاهرين على الإعداد ... عن مدلول الثّقافة الأصيل، هو ما
__________
(1) - وقفات ومواقف، ص: 33.
(2) -المصدر السّابق، ص: 17. (1/31)
صفحة 32
نلحظه، ونشاهده ونعيشه في ما يقدّم باسمها في مختلف التّظاهرات والمناسبات المختلفة، فتنتج نتاجًا فسلاً، ومن الحصاد دَقَلاً، وثمارًا غير صالحة. كلّ ذلك يؤثّر على عمليّة البناء والإعداد. ونظرًا لما أفرزه هذا السّلوك وهذا التّوجّه وخلّفاه من ترسّبات وتراكمات، فَإنّ الشّيخ يشير إلى أنّ العمل يجب أن يتمَّ في اتّجاه معاكس بكثافة، وبنَفَسٍ طويل، يمتدّ إلى سنوات من العمل المنظّم المخطّط المتواصل ... ويجب أن يفهم أنّ الثّقافة هي الاعتناء بالأخلاق, ننمّيها ونرسّخها في مناهجنا وبرامجنا ومخطّطاتنا، وسلوكنا بصفة عامّة.
عن حقيقة ثقافة المسلم، التي تتزيّا بالأخلاق، وتستند عليها، وهي في الوقت تبينُ شموليّة في النّظرة، وعمق في الرّؤية لحقيقة الدّين .. يقول أحد الدّارسين:" ... إنّها ثقافة منخرطة في الفعل الدّنيوي، وفي العمل، وفي الإنتاج، وفي نشدان الخير العام والسّعادة للنّاس. فإذا كانت أفعال الإيمان والتّقوى والعمل الصّالح والإحسان. وجملة العبادات والمعاملات التي حدّدتها النّصوص الدّينيّة ووجَّهتها وَفق قيم عليا ومثل ساميّة معيّنة، تعد المؤمنين بالسّعادة الأخرويّة، فإنّ قيم العمل والفعل والإنتاج والتّنميّة وتحقيق المصالح والخير العام للنّاس، هي محدّد أساسي وجوهريّ لهذه الثّقافة، فهي – إذن حكمًا وضرورة - ثقافة عمل وفعل وممارسة، لا ثقافة فكر ونظر فحسب .. " (1)
هذه الرّؤية لثقافة المسلم هي التي ركّز عليها الشّيخ حمّو فخّار، وانطلق منها لبقدّم إرشاداته في طريقة التّعامل معها في الميدان .. أو بمعن أدقَّ وأعمق، إنّ الرّؤية التي تحكم الثّقافة الإسلاميّة هي ذات أبعاد أخلاقيّة صرفة، إنّها قاعدتها التي تنطلق منها، والهدف الذي تسعى للوصول إليها، ورؤية انعكاساتها أو آثارها الإيجابيّة في سلوك الفرد المسلم. فعن أبي هريرة أنّ الرّسول عليه الصّلاة والسّلام قال: " إنّما بعثتُ لأتمّم مكارم الأخلاق" (2)
__________
(1) - الثّقافيّة، مركز السّلطان قابوس العالي للثّقافة والعلوم، ع: 9, ص: 8.
(2) - مسند الشهاب القضاعي، ج:1، ص: 271. الحديث رقم: 1080. (1/33)
صفحة 33
في مجال تصحيح المفهومات، وتبيين الطّريق الأسلم في تطبيق الإسلام، وعدم البقاء في مستوى الدّفاع عنه بحماسة، خاليّة من التّصوّر الحقيقي له، بل الانتقال من دائرة الشّعارات إلى الممارسة الفعليّة لتعاليمه (1)، والخروج من حيّز العادات والتّقاليد إلى فضاء العبادة والولاء لله ولرسوله ولتعاليم الدّين الحنيف، وتنفيذ الأوامر ... خاطب الشّيخ حمّو الشّباب الذين دافعوا بقوّة عن الطّاقيّة البيضاء، التي يرتديها الكشّافة؛ لباسّا إسلاميّا، ويصرّون على عدم استبدال البيريه اليهودي بها، كما دعا إلى ذلك بعض المسؤولين، الذين لم يعمر الإيمان سرائرهم، بل أعمى الحقد على الدّين بصائرهم.
بعد أن شكر الشّيخ فعلَ هؤلاء الشّباب، نبّهم إلى توجيه هذا السّلوك إلى تصرّفاتهم وأفعالهم؛ حتّى يكون لقيامهم بهذه الحركة معنى وجدوى وفعاليّة، وإلاّ أدرج ذلك في خانة نصرة عادة، لا الدّعوة أو الدّفاع عن عبادة: " أبناءَنا الشَّباب، عدّة الدّين والوطن، إنّ التّاريخ لن ينسى أبدًا موقفكم المشرّف، يوم رفضتم المساومة في طاقيّتكم، وأبيتم أن ترفعوا بيريه اليهود على هامتكم، فهلاّ كان كذلك موقفكم مع لحيتكم، وهي من صميم دينكم ومذهبكم، بينما الطّاقيّة مجرّد تقليدة من تقاليد قومكم. ظنُّنا بكم ورجاؤنا فيكم، يا شباب الإسلام، أن تعملوا على تكثير سواد الخلّص الكمّل؛ حتّى يشعر المشوّهون لوجه الإسلام في ربوعه بالغربة في ديارهم، وينكمشون إلى جحورهم، ثمّ يصيرون قريبًا إلى وحشة قبورهم، وتصفو الأرض للأخيار، وتخفق ألوية الصّلاح والإصلاح في جميع الأقطار." (2)
في هذا التّوجيه تنبيهات مهمّة، لها دور وأثر كبيران في البناء والإعداد:
__________
(1) - في هذا المعنى يقول مفدي زكريّاء:
والشّعارات، وما أسخفها ... تركت يعرب يستفُّ الرّغاما
وملأنا بالأناشيد الدُّنَى ... والدّنى تصحبُ أحداثًا جساما
(2) - من خطب الجمعة (1)، ص: 41، 42. الفقرة من خطبة ألقاها الشّيخ حمّو في غرداية، يوم الجمعة: 14 من ربيع الأوّل 1408هـ/ 6 من أكتوبر 1987م. (1/34)
صفحة 34
1 ـ الاعتناء بالزيّ الإسلامي مهمّ جدًّا؛ لأنّه مظهر من مظاهر التّعلّق بالدّين. غير أنّ التَّمسّك به يجب أن بكون مصاحبًا للتّمسّك بما هو في صميم الدّين؛ حتّى لا يتحوّل هذا التّصرّفُ إلى حماسة وتعلّق أو محافظة على ما هو عادة، من دون أن يرقى إلى مستوى العبادة.
2 ـ الحرص على التّمسّك بحقيقة الدّين، والعمل على نشره بين النّاس، ودعوتهم إلى الاستمساك به؛ مدعاة إلى تكثير سواد الإسلام من المخلصين وَالأوفيّاء، فتقف هذه الكثرة في وجوه الذين يعملون على طمسه أو تشويهه. بمعنى آخر وأوضح: إنّ الشّيخ يدعو إلى الحرص في العمل على الحضور في الميدان، وملء الفراغ بالمسلمين الحقيقيّين، وتحدّي من يقف في وجه الدّين، فإنّ هذا هو الذي يهزم هؤلاء المحاربين له، فيعيشون الغربة والضّيق والوحشة، فينسحبون. إنّ الثّبات على المبادئ وتحدّي الخصوم والمعيقات، هما السّبيلان لدحض الأغراض الدّنيئة، وقهر المتطاولين على الإسلام.
3 ـ الأمل معقود بالشّباب، محطّ أنظار المستقبل، والمسؤوليّة موكولة إلى من يعدّ امتدادّا للآباء، واستمرارًا للنّهج. فلابدّ أيّها الخلف أن تكونوا في مستوى الأمانة، فخذوا الإسلام صافيًّا من الدّغل والدّخن والتّشويه.
إنّ الشّيخ وهو يسعى إلى تثبيت المفهوم الحقيقي للبناء، يوجِّه نصيحة إلى هؤلاء العلماء الذين رزقوا علمًا، عملوا به لترقية الإنسانيّة. تتمثّل هذه النّصيحة في لفت أنظار هؤلاء العلماء والمكتشفين إلى قرن العلم بالأخلاق، بل إحاطة علمهم وتسييجه بها؛ حتّى يؤتي ثماره الطّيّبة للبشريّة، يقول الشّيخ وهو يهنّئُ رائدة الفضاء الرّوسيّة " فلانتينا " التي زارت غرداية، ومن خلالها العلماء الذين أفادوا البشريّة باكتشافاتهم، وتفوّقهم العلمي: " بهمّة هؤلاء تحقّق البشريّة التّقدّم والتّفوّق والاستيلاء .. فشكرًا للعظماء، شكرًا على ما خطّوا من سبل الطّموح، ومرحبًا بروّاد العلم والاكتشاف. وإذا كان لنا من ملاحظة نتقدّم بها متواضعين، فهو أن تحرصوا على أن تسخّر هذه الكشوف العلميّة لخدمة الإنسانيّة، وتقدّم قرابين لتدعم السّلام العالمي، الأمر الذي تعمل له ـ ولأجله خلقت ـ المنظّمة العالميّة (اليونسكو)، والأمنية الغالية التي يسعى إليها وينشدها كلّ إنسان على وجه (1/35)
صفحة 35
البسيطة ... داعية (أي حلقة العزّابة) النّاس إلى التّمسّكِ بالفضيلة، والابتعاد عن الرّذيلة؛ طالما أنّ العظمة لا تتاح للأراذل، والخير لا يتحقّق على أيدي الأدنيّاء." (1)
فالشّيخ لا يبعد عمّا قرّره وحرص على التّنبيه إليه الحكماء. فحافظ إبراهيم يقول:
لا تحسبنّ العلم ينفع وحده ... ما لم يتوّج ربّه بخلاق
والعلم إن لم تكتنفه شَمائل ... تعليه، كان مطيّة الإخفاق
إنّ الأخلاق تعين على الإعداد القويّ والسّليم للرّجال، والبناء الصّحيح للنّفوس، فما هي توجيهات الشّيخ في هذا المجال؟
الإعداد القويّ والسّليم
إنّ ما ركّز عليه الشّيخ حمّو كثيرًا في كتاباته هو بيان ما يلزم الأخذ به للتّكوّن الصّحيح، والإعداد السّليم, بعد أن أَبرز ضرورة اعتماد الإسلام منطلق البناء، ومصدر الإعداد. ففي سياق تحديد المفهومات، وتوضيح الرّؤى، وتبنّي النّهج الواضح البيّن، والتّعامل مع الأشياء والدّعاوى أو الادّعاء بصدق وواقعيّة وشفافيّة، قال مخاطبًا الشّباب الذي ينتظر منه حمل راية الإصلاح والسّير بالمسيرة إلى الأمام بقوّة: " يا شباب الإصلاح،
__________
(1) - وقفات ومواقف، ص: 239، 240. ألقى الشّيخ الكلمة يوم الثّلاثاء: 27 من ذي القعدة 1384هـ/ 30 من مارس 1965م. (1/36)
صفحة 36
إنّ كلمة (حقّي) لا تحيَا في السّياسة إلاّ إذا وضع قائلها حياته فيها. فالقوّة القوّة – يا شباب – والوحدة الوحدة في الأصول، والسّماح السّماح في الفروع.
والقوّة المطلوبة هي التي تقتل أوّل ما تقتل فكرة التّرف والتّخنّث والميوعة والاستسلام. والقوّة الفاضلة المتسامية التي تضع للأنصار المحبّين في كلمة (نعم) معنى (نعم). القوّة الصّارمة النّفاذة التي تضع للأعداء الشّانئين في كلمة (لا) معنى (لا) .. يا شباب الإصلاح، اجعلوا رسالتكم أن يحيا الإصلاح – وهو لبُّ الإسلام في ربوعكم وفي دنياكم – عزيزًا مكرّمًا، وإمّا أن تموتوا ... " (1)
همّ الشّيخ إقناع النّشء بضرورة الالتفاف حول الإصلاح، والالتفات والعمل على إنجاح برامجه، وتحقيق مطامحه، فإنّ هذه الرّغبة، وهذا المطلب لن يتحقّقَا إلاّ بالاستعداد الكامل، والعدّة القويّة، من الإيمان بالفكرة، والتّهيّؤ لتنفيذها بصدق والتّقرّب إلى عناصر القوّة، والابتعاد عن عوامل الضّعف، التي أشارَ إليها في هذا التّوجيه وهذا النّداء.
استلهم الشّيخ حمّو فخار هذه النّفحات وهذه الإيماءات من فكر الأديب الكبير مصطفى صادق الرّافعي (ت 1356هـ / 1937م)، الذي كان معجبَا به كثيرًا، في أفكاره وأدبه، وكانّ مُسْتَلْهمَه في كتاباته، وبخاصّة في مرحلة التّحصيل، حين كان طالبًا في معهد الشّباب (معهد الحياة)، وما كان يكتبه على صفحات جريدة الشّباب. (2) أو فلنقل: إنّه استأنس به في دعم ما آمن به في إعداد الشّباب بقوّة, في معركة البناء والتّشييد. قال مصطفى صادق الرّافعي: " الشّباب هو القوّة، فالشّمس لا تملأ النّهارَ في آخره، كما تملؤه في أوّله. وللشّباب طبيعة، أوّل إدراكها: الثّقة بالبقاء، فأوّل صفاتها
__________
(1) - من خطب الجمعة (4)، ص: 6.
(2) - ينظر ما كتبناه عن جريدة الشّباب، مجلّة المعارف، العدد الأوّل، الرّابطة الجزائرية للفكر والثّقافة، باتنة. ينظر أيضًا ما دار من حوار وصراع أدبي بين أنصار مصطفى صادق الرّافعي وأنصار عبّاس محمود العقّاد، على صفحات جريدة الشّباب. ينظر أيضًا ما كتبناه تحت عنوانك " جريدة الشّباب نادٍ للتّباري في الأدب والفكر"، كتابنا دراسات عن الأدب الجزائري الحديث، نشر جمعيّة التّراث، القرارة، الجزائر، شوّال 1432 / سبتمبر 2011م ص 149 – 194.: (1/37)
صفحة 37
الإصرار على العزم، وفي الشّباب تصنع كلّ شجرة من أشجار الحياة أثمارها، وبعد ذلك لا تصنع الأشجار كلّها إلاّ خشبًا.
يا شباب العرب، اجعلوا رسالتكم، إمّا أن يحيا الشّرق عزيزًا مكرّمًا، وإمّا أن تموتوا. ويا شباب الإصلاح، اجعلوا شعاركم أن يحيا الإصلاح عزيزًا في وطنه، وإمّا أن تموتوا. أنقذوا فضائلنا من رذائل هذه المدنيّة الأوروبيّة تنقذوا استقلالنا بعد ذلك، وتُنْقَذُوا بذلك." (1)
شفّع الشّيخ فخّار هذا التّوجيه وهذا النّداء بأبيات من الشّعر للشّاعر مصطفى صادق الرّافعي؛ ليدعم رأيه في الإعداد القوّي لمن يُرَجَّى لحمل الرّسالة ونصرة الدّين، وحماية الإصلاح:
كن قويّا لا ضعيفًا ... يا شَقَا الشّعب الضّعيف
واقضِ إن مِتّ شريفا ... حبّذا الموتُ الشّريف
كن سواء ما اختفى وما علن ... كن قويًّا بالضّمير ... والبدن
كن عزيزًا بالعشير
__________
(1) - من خطب الأعياد (4)، ص:4. نقلا عن كتاب " وحي القلم " للرّافعي، نشر دار الكتاب العربي، بيروت، ط 8، (د. ت)، ص: 249، 253. لاحظت تشابهًا كبيرًا بين مصطفى الرّافعي والشّيخ حمّو فخّار في الكتابة الأدبيّة، وبخاصّة في طريقة بناء النّصّ. وعلى الخصوص حين بكون القرآن والأدب العربي هو الملهم. ويصلح أن يكون موضوع:" بناء النّصّ عند الشّيخ حمّو فخّار " مجالا للكتابة عن شخصيّته الأدبيّة. (1/38)
صفحة 38
والوطن ... كن عظيمًا في الشّعوب والزّمن (1)
دعم الشّيخ حمّو كلّ ذلك بالحديث النّبوي الشّريف: " المؤمن القويّ خير وأحبّ إلى الله من المؤمن الضّعيف." (2)
القوّة المطلوبة في الاستعداد تحتاج إلى مقوّمات، تنمّيها وتغذّيها. أشار الشّيخ حمّو إلى بعض هذه العناصر بقوله: " لكن أحبّ أن أشير إلى أمرين هامّين جدًّا: أوّلهما: وجوب المحافظة على صداقات الأخيار، فإنّها خير عون على ركوب الأخطار، ونيل الأوطار، وقذع أنف الأشرار، وكسب الأنصار في نهاية المشوار. ومن أجل ذلك قيل قديمًا: أعجز النّاس من ليس له صديق، وأعجز منه من اكتسبه وضيّعه. ثانيهما: توطين النّفس على الاحتمال والصّبر، خاصّة مع العشراء؛ لأنّ الحياة قلّما تَخلو من تناقضات ومفارقات ومضايقات وهنات. وسعةُ الصّدر يستوعب جميع الاضطرابات والهزّات، تارة بالتّغابي، وطورًا بالتّناسي، وآونة بالإغضاء، ومرّة بالسّماحة، ومرارًا بالسّماح." (3)
أرسل هذا التّوجيه، وهو يتحدّث عن زميله في الدّراسة، وفي مضمار التّربيّة ودرب الإصلاح، الشّيخ إبراهيم بن يحي الحاج أيّوب (القرادي) (ت 1409هـ /1989م) (4)، بعد أن سجّل مسيرته في هذه الميادين، التي يريد الشّيخ حمّو أن يتدرّج فيها النّشء بقوّة، ويتحرّك بعزيمة، ويثبت فيها ببأس شديد. إنّ قوّة الفرد تكون في كسب من يقف بجانبه في هذه الحياة المتقلّبة المتغيّرة، التي لا تظهر له إلاّ معاكِسة مغالِبة مناوِئة، فمن له من يخفّف عنه هذه الغلواء سوى الخلّ الوفيّ والأخ الصّدوق:
أخاك أخاك، إنّ من لا أخا له ... كساعٍ إلى الهَيْجَا بغير سلاح
__________
(1) - ينظر المصدر السّابق، ص: 7.
(2) - الحديث رواه مسلم، في كتاب القدر، رقم: 4816 (ترقيم العالميّة) رواه أبو هريرة.
(3) - وقفات ومواقف، ص: 184، 185.
(4) - ينظر تفاصيل عن حياته، وبعض كتاباته، الشّيخ القرادي حياته وآثاره، الحلقة الأولى، نشر جمعيّة النّهضة، العطف، غرداية، الجزائر, 1990م. (1/39)
صفحة 39
التّغلّب على مشاقّ الدّنيا وصروفها لا يكون إلاّ بالصّبر والجلد، قال أبو مسلم الرّواحي (ت 1339 هـ/ 1920م):
صُكّ الخطوب بخطبٍ اسمه جَلَدُ ... وْاَلقَ الأمور بحلمٍ شخصُه جبلُ
الاستعداد القويّ يكون بتخطّي مراحل الحياة بتدرّج، والإفادة منها بقوّة استيعاب، وفي خطوات الأقدمين والسّابقين، والرّجال العظام دروس وعظات. يستغلّ الشّيخ حمّو محطّات الاحتفال بالمناسبات؛ فَيذكّر بالمعاني التي تتضمَّنها، وبالقيم التي نأخذها منها، بما يفيد في التّكوّن القويّ الجيّد الصّحيح.
يهمس في آذان المسلمين المعتزّين بعيدهم، المحتفلين بذكرى عيد النّحر، فيشير إليهم أنّ الاحتفاءَ الحقيقي لن يكون إلاّ إذا احتفلنا بالقيم الرّفيعة، التي تساعدنا على البناء والتّكوين. قال عن إبراهيم عليه السّلام " انظروا إليه كيف اجتاز مراحل الامتحان الخمس بنجاح. تلقّى العلم أوّلاً: من معدنه، حاملِ الوحي جبريل، وطبّقه ثانيًا: بعزيمة حين لم يتردّد في ذبح ولده إسماعيل، واستعمل الحكمة ثالثًا: في دعوته بعرض القضيّة بصيغة المشورة، لا بقسوة الأمر، حيث قال: { ... يا بنيّ إنِّي أَرَى في المنام أنّي أذبحكَ فانظر ماذا ترى} (1) فلمَّا تلّه للجَبينِ، رابعًا: إنّما فعل ما فعل لا زهدًا في ابنه، ولكن انصياعًا لأمر ربّه، وإيقانًا بما أعدّه لهما في جنّات خلده، وضَرَبَ خامسًا المثل في الصّبر للنّاسِ، عندما أعرضَ عمّا سيقوله المعلّقون الخرّاصون في صنيعه، من أسرته الأقربين في عصره، ومِمّن يتعاقب على الدّنيا إلى يوم بعثه ونشره." (2)
هذه المراحل الخمس، تمثّل عناصر القوّة في شخص الفرد، الذي يسعى إلى التّكوّن الصّحيح، طبّقها سيّدنا إبراهيم عليه السّلام، فنجح بامتياز في الامتحان، امتحان تكوين
__________
(1) - سورة الصّافات، الآية: 102.
(2) - من خطب الأعياد (4)، ص:152، 153. (1/40)
صفحة 40
الشّخصيّة. فعلى كلّ من يروم الوصول بنفسه إلى تحقيق النّجاح أن يعرف كيف يطبّق هذه القواعد.
يضيف الشّيخ حمّو: " وإليكم أعزّاءَنا الشّباب، ما يعينكم على تحقيق المراد، من قبل سيّد العباد، من أوتي جوامع الكلم، صلوات الله وسلامه عليه: (المؤمن القويّ أحبّ إلى الله من المؤمن الضّعيف). ما أروعها حكمة، وأجلّها نصيحة. إنّها تدعو المسلمين الذين يرومون إصلاح أوضاعهم، وتركيز تعاليم دينهم في قلوبهم، وبناء المستقبل الأفضل لمن يأتي من بعدهم، أن يبعدوا روح التّذمّر والشّكوى من ألسنتهم، ويبيدوا جرثومة التّشاؤم واليأس من نفوسهم، ويلقوا رداء الاستسلام والاستخذاء عن ظهورهم، ويزيلوا غشاء التّشكّك والتّردّد عن قلوبهم، ويحسموا داء التّواكل والتّخاذل المتمكّن بين حنايا أضلعهم.
ثمّ لينزلوا إلى الميدان مطمئنّة بذكر الله قلوبهم، معتزّة بماضٍ ناصع شريف نفوسهم، تقودهم كفاءة عريقة أصيلة، وتسودهم همّة لا تعرف الكلل، وعزيمة لا يخامرها الملل. كذلك كان الصّفوة والقدوة من الأنبيّاء والمرسلين، والقادةُ الماردون على الجبروت والطّغيان من المصلحين." (1)
إنّ الشّباب يعدّ كي يكون عونًا على تحقيق ما يريده الإصلاح، ويهيّأ كي يعمل ما يرجوه المصلحون، ويكوّن كي يقدر على حمل ما يتطلّبه التَّغيير، الذي هو همّ المصلحين ونهجهم. فكان لابدّ من العدّة، التي تبني النّفس بقوّة؛ فتحرّرها مِمّا يضعفها ويوهنها: تبعد عنها روح التّذمّر والشّكوى، وتخلّصها من روح التّشاؤم واليَأسِ، تطرد عنها رذيلة الاستسلام والخذلان، وتنقذها من وباء التّردّد والتّشكّك، وتسير بها بعيدًا عن خلق التّواكل والتّقاعس ...
إنّ من شأن هذا العمل الكبير أن يرسّيَ في النّاشئة أسباب الإعداد المتين، ويبني فيهم قواعد التّكوّن الصّحيح؛ فيسيروا في حياتهم بثقة كبيرة، واعنزاز أكبر، تقودهم إلى اكتساب خلق الهمّة والشّهامة، وتعدّ منهم كفايات، تصلح لمواصلة المسيرة، ومتابعة
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 26. (1/41)
صفحة 41
النهج، وتحمّل الأمانة. مثلما كان العظماء من الرّجال، الذين تكوّنوا هذا التّكوّنّ القويّ، وساروا هذا السّيرّ السّويّ، وقدّموا هذا العمل القويّ، فقهروا الجبروت والطّغيان والظّلم ... إنّه العمل الذي يقوم به الإصلاح.
ضربَ الشّيخ لهذا المنهج في التّكوّن والعمل الكبير أمثلة من رسل الله عليهم السّلام، وما كانوا يتّصفون به من عناصر القوّة، كالحفظ والأمانة والطّموح, فذكر إبراهيم ويوسف وسليمان وموسى عليهم السّلام. وقال: " تلكم قمم البشريّة في الطّموح المُشْرَبِ بالقوّة والفعاليّة والعبقريّة .. " (1)
هذه الأخلاق الكبيرة التي تعدّ الفرد بقوّة، تحتاج إلى ملاحظات أخرى، وإشارات غيرها، تسند هذه القواعد؛ حتّى تؤتي أكلها طيّبًا زكيًّا. هي الرّكائز التي ترتكز عليها عمليّة البناء. يكون المثل دائمًا شخصيّات الأنبيّاء، الرّجال الكبار، الذين يؤخذ من حياتهم المراس والمران ...
يشير الشّيخ إلى شخصيّة سيّدنا إبراهيم عليه السّلام، وكيف حقّق في مسيرته مراحل، أعدّته وضمنت له النّجاة من ضعف النّفس. هذه المراحل هي: التّفقّه في الدّين، وحمل النّفس على تطبيق ما علمت في صرامة وانضباط والتزام، ودعوة النّاس بالحسنى، والصّبر على الأذى في سبيل الله: " تلك خمس مراحل، مطالب بها كلّ بالغ، لا سلامة لمؤمن إلاّ بقطعها جميعها، ولا نجاة لمسلم في أخراه إلاّ بتتبّعها وتقصّيها واستيفائها: التّفقّه في الدّين أساس العبادات والمعاملات، وتطبيق العلم بالعمل سرّ التّأثير في الجماهير، والدّعوة إلى الله بالتّواصي بالحقّ والصّبر خير عاصم للإنسان من الخسر، الذي نصّت عليه سورة العصر, وبذل النّصح خاليًا من الرّياء وحبّ المحمدة، لوجه الله العظيم سرّ القبول عند علاّم الغيوب. أمّا استعمال الحكمة والموعظة الحسنة في القول فضمان الانصياع والاتّباع لدى
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 27. (1/42)
صفحة 42
الأتباع. وأخيرًا سيّد الخصال الصّبر على أذى النّاس، فذلك مفتاح النّصر، مهما طال الوقت، وعظم الكرب." (1)
النّموذج في الدّعوة إلى فكرة هو ما يتوخّاه الدّاعي، والمثل فيه هو ما يطلبه المدعوّ. وبما أنّ عمل المصلحين هو مواصلة لعمل رسل الله، فإنّ الشّيخ حمّو كان يلجأ كثيرًا إلى معين الأنبيّاء، يستعين به في توجيهاته ودعواته، في الوقت نفسه كان يهدف بِهذا المسلك إلى إقناع النّاس، أو تذكيرهم بأنَّ ما يقوم به المصلحون هو رسالة المرسلين، فانتبهوا أيَها الغافلون. ولهذا كان يركّز على الصّبر والتّحمّل في مضمار العمل الإصلاحي. فبعد أن ذكَر القواعد الخمس، قالَ: " ... وقصدتم بعملكم وجه الله الذي لا يضيع أجر المحسنين، ثمّ صبرتم صبر أيّوب في التّبليغ على استعلاء المتكبّرين، وتنكُّرِّ الجاحدين، وغباوة الجاهلين، وسخريّة السّاخرين، وكيد الحاسدين الشّانئين .. " (2)
لم يغفل الشّيخ حمّو أحد المقوّمات الأساسيّة في التّكوّن والإعداد بقوّة، وهو اللّغة العربيّة، التي لابدّ من الاهتمام بها؛ لأنّها الوعاء الذي يحمل الفكر الإسلامي، وهي المقوّم الذي يغذّي ويرعى نُموّ الشّخصيّة، وهي الأسّ الذي يبني الكيان البناء الصّحيح، وهي الحامي الذي يحمي النّفس من الذّوبان.
هذا المقوّم الذي أهين، وأهيل عليه التّراب أو كاد, هذا العنصر الذي زهد فيه ذووه ونأوا عنه وتركوه، ولم يعلموا أنّهم بذلك يحملون معاول لتخريب بيوتهم بأيديهم. دفع بالشّيخ أن يذكّر به.
ركزّ كثيرًا على نظرة النّاس إلى اللّغة العربيّة، وتصحيح علاقتهم بها. وهو في هذا السّبيل، وفي أمثال هذه المواقف يلجأُ إلى من هو القدوة، ومحلّ ثقة، كالرّسل، يستمدّ منهم الدّليل على ما يدعو إليه. فنصح الخطيبَ الذي يقف أمام النّاس ليحدّثهم عمّا أوحى به الله - عز وجل - إلى رسوله محمّد - صلى الله عليه وسلم -، وما أُمِرَ به عباد الله، ونبّهه إلى ضرورة الارتقاء إلى
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 150.
(2) - المصدر السّابق، ص: 151. (1/43)
صفحة 43
مستوى كبير في اللّغة وصوغ الكلام الفصيح، فقال: " أخي الخطيب، عليك أن تعلم أنّ صوغ الكلام الجيّد الفصيح أصعب من نحت الحجر، ونقل زبر الحديد؛ لذلك قال الشّاعر العربي: إنّه ليمرّ عليّ وقت لنزع ضرس أسهل عليّ من قول بيت. وأجاب عبد الملك بن مروان الذي سأله: ما الذي شيّبك، قائلاً: شيّبتني المنابر.
فليجعل كلّ خطيب قياسه في الإجادة هذا المقياس، وما لم يصبه ما أصاب الفحول الأوفيّاء للغة القرآن، فليعلم أنّه لا يزال في طور الهذيان. كما قيل في عمر بن أبي ربيعة: لا يزال هذا الطّفل يهذي حتّى قال شعرًا." (1)
التّكوّن القويّ في اللّغة العربيّة، والصّياغة الصّحيحة ضروريان لمن يريد تبليغ ما جاء على لسان تلك اللّغة القويّة، وإلاّ بقي صاحبها في مستوى الهذيان، وظلَّ بعيدًا عن الوفاء للغة القرآن. هذا التّنبيه يدخل في إطار الدّعوة إلى الاستعداد أو الإعداد القويّ: " فمن الطّبيعي والبديهي أنّ الدّستور الذي صيغ بالفصحى، سوف لا يحذقه إلاّ الذين يحذقون العربيّة، ويمتلكون ناصيّتها، ويسبرون غورها، لا الغوغاء الشّبيهة بالأعاجم أو العجماوات في نطقها، ولا المبرّزون في اللّغات الأجنبيّة، التي غزت حتّى اللّهجات المحليّة، ولم تترك لإحداها ذاتية ولا مصداقية." (2)
يكون المثل في هذا الاهتمام بهذه اللّغة، ونصرتها والتّعلّق بها هو رسول الله - رضي الله عنهم -، الذي كاتب الملوك والقياصرة والأكاسرة باللّغة العربيّة؛ اعتزازًا بهذا اللّسان العربيّ المبين، ونصرة له، وبيانًا لمكانته وقيمته: " ولو شاء محمّد أن يحرّر كتبه بغير العربيّة لما عزّ عليه وجود كتّاب بالفارسيّة ونظائرها، كما وجد في عصره من علّم زوجته حفصة اللّغة العبريّة. إنّه الانتصار لوعاء كتاب الله حلّ جلاله، وسنُّ القدوةِ لأتباعه حتّى لا ينزل كلام ربّه، ما دامت السّموات والأرض عن عليائه، وحتّى تبقى صلصلة الجرس التي ملأت سمعه في حراء، ترنّ دومًا في آذان أحِبَّائه، توحي إليهم أنّ اللّغة المفضّلة عند ربّهم هي التي هتف بها
__________
(1) - من خطب الجمعة (1)، ص: ط.
(2) - المصدر السّابق، ص: ي. (1/44)
صفحة 44
روح القدس لمحمّد يوم استهلال نبوّته (يا محمّد أنت رسول الله، وأنا جبريل) وليس اعتباطًا أن ربط المشرّع علاقاتنا بخيط العربيّة الذّهبي، فأمرنا أن نؤذّن بِـ (الله أكبر) في صوامعنا، ونستفتح باسم الله أعمالنا، ونستبيح أكل ذبائحنا، وبالعربيّة نُلبِّي، وبالقرآن نصلّي، وبِـ (لا إله إلاّ الله) نستنزل الرّحمات والبركات، ونرجو عفو الله ومغفرته ورضوانه ... " (1)
هل هناك أدلّة أقوى من هذه، تثبت أهميّة اللّغة العربيّة؟ هل هناك بيان أوضح، يُبينُ عن مكان اللّغة العربيّة في حياة المسلم إطارَ عبادة، ووعاء كتاب الله - عز وجل -؟ ليس بعد هذا البيان إلاّ الهذيان, وليس بعد الدّليل إلاّ الجحود والنّكران, وليس بعد الحقّ إلاّ الضلال والخسران. في فعل النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - التّوجيه والبرهان، والتّذكير ولفت النّظر، وتحديد المسار، وتوضيح المنهج ... فعلى من يبغي التّكوّن الصّحيح ألاّ يبغي على لغة القرآن، ولا يظلم نفسه بحرمانها من هذا المقوّم للإعداد السّليم ..
بعد هذا أكّد الشّيخ حمّو على واجب الاهتمام باللّغة والانتصار لها، بيّن أنّ هذا يتطلّب خطوة أخرى أكثر نجاعة، وأبين برهنة على الوفاء للخطّ، وهو التّكوّن فيها، والتّخرّج على الطّريقة التي تؤهّل للتّعامل معها في الحياة العمليّة بقوّة. فقال: " وإنّما كانت الصّياغة عزيزة المنال لأنّ الكتابة والخطابة تحتاج إلى الاستيلاء على ناصية اللّغة العربيّة؛ بامتلاك مفاتحها، ولن يتأتّى ذلك إلاّ لمن قضى العمر في السّياحة في حياض مغانيها، والسّباحة في حياض لآليها، وامتصاص رحيق الأزهار كالنّحل من روابيها، ذلك ما أهمله اليوم النّاطقون بالضّاد، وراحوا يلحنون كالأعاجم في كلّ ناد، ويهيمون بها في واد.
لا يا قوم, لا يجوز بحال أن نخبط خبط عشواء في اللّيلةِ الظّلماء عندما نتحدّث بلغة السّماء، وتنطق ألسنتنا بفصاحة سحبان، إذا تحدّثنا بلغة الأجنبي ولغة الدّهماء.
يجب أن نصرّ على النّطق بلغة العرب الأقحاح، كما لو أنّنا بسوق عكاظ، لا لأنّ لها حلاوة، وعليها طلاوة فحسب، بل لأنّها لغة السّماء للأرض، التي كتب لها الخلود إلى
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: ك. (1/45)
صفحة 45
قيام السّاعة، قدّسها الملك القدّوس؛ بصوغ رسالته الأخيرة للعالمين في قالبها، وصبغها بصبغته { ... ومن أحسن من الله صبغة ... } (1) وأضفى عليها ثوبًا قشيبًا من كماله وجماله وجلاله، ثمَّ أنزلها دستورًا على محمّد - صلى الله عليه وسلم - من فوق سبع سموات." (2)
اللّغة العربيّة مقوّم رئيس لبناء الشّخصيّة، التّحكّم فيها في حاجة إلى ممارسة طويلة، وتعلّمها يتطلّب الغوص فيها إلى الأعماق، والتّنقل بين مغانيها، والنّزول إلى فسيح حياضها، والتّزوّد بأريجها ورحيقها تزوّدًا كبيرًا؛ حتّى تتمّ المعرفة الجيّدة، بها وبما تملك من كنوز وقوّة، من بعد ذلك يحصل التّعلّق بها، ثمّ يحسن التّحدّث بها بطلاقة وكفاية ومقدرة. إنّه لا يساغ مروءة، ولا يليق قدرًا، ولا يقبل عقلا أن نحسن التّكلّم بلغة الأجنبي بفصاحة ولياقة واقتدار، ونخفق في النّطق بلغة القرآن ولغة السّماء، ولغة الحضارة ولغة الهويّة الحقيقيّة بتكسّر وتخبّط وهذيان ... التّعامل مع اللّسان العربي المبين بهذه الطّريقة مساس بالكرامة، ووصمة عار في جبين من يطلب المروءة والشّهامة.
يذكر الشّيخ حمّو فخّار أنّ تكرير قوله الاعتزازَ باللّغة العربيّة والاحتفاظ بها، إنّما ترديد لصيحات أعلام الجزائر، في الشّعر والنّثر، الذين يقومون بعمل بناء النّفوس على القواعد التي ينادي بها هو. (3)
فهذا الشّيخ محمّد البشير الإبراهيمي يقول عن جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريّين: " ... ونجحت الجمعيّة – أيّها الإخوان – في لفت الأنظار إلى شيء لم يكن بيننا منسيًّا، وإن كان مجفوًّا، وهو هذا اللّسان العربي الشّريف، الذي هو قطعة من كياننا التّاريخي، وشرط أساسي لوجودنا القومي، شهادة قاطعة بصحّة نسبنا الدّيني، ونسبنا الجنسي. وإنّ من العار الفاضح، أن يفخر الواحد منّا بانتسابه إلى العرب، وهو لا يعرف شيئًا عن لغة العرب، ولا شيئًا من تاريخ العرب، وقد أشرفت هذه اللّغة الشّريفة على الاضمحلال بهذه
__________
(1) - سورة البقرة: الآية: 138.
(2) - من خطب الجمعة (1)، ص: ك، ي.
(3) - ينظر المصدر نفسه. (1/46)
صفحة 46
الدّيار، لولا أن تداركتها جمعيّة العلماء، وأخذت بيدها، وانتشلتها من الحضيض، الذي وصلت إليه، فاستعادت على يدها شبابها، ووصلت بسبب الدّين الحنيف أسبابها، فأصبحت الجزائر في مدّة قليلة تفاخر أمصار العربيّة الكبرى، ومنابتها الأصليّة بأدبائها وكتّابها وشعرائها وخطبائها." (1)
قال عن الشّيخ ابن باديس (ت 1359ه/ 1940م): " أخي الخطيب! لا تعجب إذا ما رأيتني أبدئُ القول وأعيد في وجوب الاعتزاز بالعربيّة والحفاظ على عليها – أنا سليل اللّغة الميزابيّة – فإنّما أردّد صيحة أعلام الجزائر في الشّعر والنّثر، وعلى رأسهم الإمام ابن باديس الصّنهاجي الأرومة، الأصيل العروبة، الذي خلّد إسلام الجزائر وعروبتها بقصيدته المشهورة، حيث يقول في مستهلّها:
شعبُ الجزائرِ مسلمٌ ... وإلى العروبةِ ينتسب
مَنْ قال: حاد عنْ أصله ... أو ماتَ فَقَدْ كذَبْ" (2)
لهذا الإهمال، أو عدم الاحتفاء باللّغة العربيّة، وتعلّمها والنّطق بها بطلاقة، يعلن الشّيخ حمّو فخّار خوفه وشفقته على هذه اللّغة، بأن يستمرّ المسلمون في الزّهد فيها، والتّنكّر لها، فيصيبها الصّوح، ويركبها البلى، ويلحقها الهجران ... فيغدو مسكنها في الخَرِبِ من الدّيار، ومقرّها بيوت الآثار، والمتاحف التي يكتفى فيها بالمزار. وبذلك تتضرّر الشّريعة الإسلاميّة، إذ تفقد الوعاء الذي يحويها، والوسيلة التي تحفظها من التّلاشي
__________
(1) - آثار محمّد البشير الإبراهيمي (1)، ص: 218، 219. ينظر جريدة البصائر (جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريّين)، السّنة الأولى، الجزائر، عدد: 37, الجمعة: 16 من رجب 1355هـ/ 2 من أكتوبر 1936.
(2) - من خطب الجمعة (1)، ص: ك، ل. (1/47)
صفحة 47
والاضمحلال: " وأخوف ما يُخاف على العربيّة أن يتمادى المسلمون في زهدهم فيها والاستهانة بها، كما تبدو بوادر ذلك في الآفاق البعيدة والقريبة، فإذا ما جفّ معينها، وصوّح نبتها، صارت هشيمًا تذروه الرّياح، وقطعة أثريّة في متحف السّواح، وكان ذلك إيذانًا بأفول نجم الشّريعة الإسلاميّة السّمحة، وامّحاء البقيّة الصّالحة من خريطة الإسلام على وجه البسيطة. (1)
قال أيضًا موبّخًا ومقرّعًا ومحذِرًا: " إنّ المتهاون في لغتنا – وهو يدّعي الإسلام- لن تكون دعواه إلاّ كدعوى آل حربٍ في زياد، وهو بالأحرى مسلم جغرافيّ، هو في وادٍ والإسلام في وادٍ .. فتضلّعوا يا روّاد المعالي بلغتكم تضللُّع الحاج والمعتمر بماء زمزم، فإنّي أخشى أن يُدمدمَ عليكم ربّكم بذنبكم فيسوّيكم، فلا يخاف عقباكم." (2)
تلك بعض التّوجيهات التي قدّمها الشّيخ حمّو فخار في البناء السّليم للشّخصيّة، والإعداد الصّحيح لها، اللّذين يعتمدان المقوّمات القويّة والمهمّة للوصول إلى النّتيجة المرجوّة. من بين مقوّمات البناء ومكوّناته" القدوة الحسنة"، كان لهذا العنصر حضور في توجيهات الشّيخ حمّو فخّار، فماذا قال فيه؟
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: ي.
(2) - الشّيخ حمّو بن عمر فخّار، " مرحبًا بالتّاريخ يعيد نفسه"، مجلّة الحياة، (معهد الحياة، القرارة، الجزائر)، ع:1، رمضان 1418هـ/ حانفي 1998م، ص: 10. (1/48)
صفحة 48
القدوة الحسنة والجيّدة
تعريف الخلف بمسيرة السّلف وسيلة مهمّة في بناء شخصيّاتهم؛ لأنّها تجربة وممارسة ميدانيّة، تنطق بالحقائق، وتعنى بالدّقائق ... في مجال الحديث عن بذل الجهد، والصّبر عل الشّدائد والصّعوبات، والطّموح إلى كسب المعالي، وبيان أنّ بلوغ الأهداف يتمّ ويحصل بالإصرار والتّحدّي، والمغالبة والمواظبة على قهر الصّعاب، والمتابعة الصّارمة والمثابرة الجادّة ... دعا الشّيخ حمّو فخّار الطّلبة الذين يقتعدون المقاعد لتحصيل العلم، ليعرض عليهم مشاهد من سيرة أولي العزم من الرّسل: " فهم ذؤابة الرّسل، وقمّة القمم في البشر، والجديرون بالأسوة والقدوة، والحريّون بالتّنويه والتّكريم والتّعظيم، لما عانوه من أممهم من بخس ورهق، وكابدوا من معارضة وشتيمة وأذى في أعراضهم وأموالهم وأجسامهم وذويهم." (1)
ما حدث لأولئك الرّسل وصفوة البشر، وما لاقوه من عنت ونصب ورهق ... كان بسبب ما حملوا عليه أنفسهم، وما كابدوه من أجل تبليغ الرّسالة، ونشر الدّعوة. لهذا فإنّ الطّلبة الذين يتعلّمون ليقوموا بما قام به الرّسل، عليهم أن يأخذوا العبرة من هؤلاء الأفذاذ، ويقتدوا بهم في هذا السّبيل. فبعد أن عرض مشاهد ومواقف من سيرهم، خاطب الطّلبة قائلاً: "أيّها المتطلّعون إلى الآفاق الرّحبة من المعرفة، والاستيلاء على نواصي الأشياء في الحكم والتّحكّم في خزائن الأرض من الثّروة. ها أنتم شاهدتم نماذج ممّا قاساه أولو
__________
(1) - من خطب الجمعة (3)، ص: 130. (1/49)
صفحة 49
العزم من الرّسل، ومن دونهم في سبيل تلقّي العلم اللّدنّي من ربّهم، وفي طريق الدّعوة إلى الله شطرًا كبيرًا من عمرهم، وكيف كانت عاقبتهم, وعلمتم علم اليقين أنّ المطالب لا تنال بالتّمنّي، ولكن تؤخذ الدّنيا غلابًا، وأنّ بقدر الكدّ تكتسب المعالي ...
بِهؤلاء العصاميّين الأفذاذ في الدّنيا فلتقتدوا يا شباب الإسلام, وبهممهم وسيرهم فلتهتدوا, ذلك ما يمحو عار التّخلّف عن أممكم، فلا تبقى نامية، ويقطع دابر التّبعيّة لغيركم، وما أدراك ما هيه، ويومها تستخرجون الكنوز المطمورة بأرضكم، بعبقريّتكم وكفاءتكم، وتكتشفون النّجوم السّابحة من حول كوكبكم، وترسلون الأقمار الصّناعيّة إلى الأجواء، وتوجّهون الرّواد إلى الفضاء." (1)
يقول الشّيخ حمّو وهو يدعو الشّباب إلى الاقتداء بهؤلاء العظماء، الذين أحسنوا التّربية، بصلاحهم أوّلا، فاقتدى بهم من يدعونهم ويربّونهم: " ... إذن فالسّرّ في صلاح الذّريّة يكمن في صلاح مربّيها وكافليها، أيًّا كان, ونحن وإن كنّا لا نقوى على بلوغ درجات الأنبيّاء، لكن بوسعنا وقدرتنا أن نتشبّه بهم؛ لأنّهم ما بعثوا إلاّ مثلاً للاحتذاء، وهداة للاقتداء. فمن كان يرجو صلاح ذريّته أيّها - المسلمون – واستقامتها ونجابتها ونجاحها في أولاها وأخراها، فلينصب لها من نفسه النّموذج الخيّر، بسلوكه الطّيّب، عند ذلك لا تنبت الأصالة إلاّ الأصالة بإذن الله:
وهل يُنْبِتُ الخطِّيُّ إلاَّ وشيجه ... وتغرس إلاّ في منابتها النّخلُ" (2)
كما اغتنم الكاتب فرصة إقامة صديقه الشّيخ إبراهيم القرادي، العرس لابنه محمّد، فوقف يعرض على الحاضرين بعامّة، والشّباب بخاصّة شذرات من النّشاط الذي كان يقوم
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 135.136. في النّصّ إشارة إلى بيت أحمد شوقي:
وما نيل المطالب بالتّمنّي ... ولكن تؤخذ الدّنيا غلابا.
وإلى البيت الآتي:
بقدر الكدّ تكتسب المعالي ... ومن طلب العلا سهر اللّيالي
(2) - من خطب الأعياد (4)، ص: 135. (1/50)
صفحة 50
به مع ثلّة من أترابه؛ ليقدّم النّموذج والمثل في كيفيّة التّكوّن والتّحرّك والنّشاط، بعد هذا العرض قال: " تلك أيّها الأبناء الأعزّاء عيّنة من الخصائص والمميّزات التي جمعتنا في الماضي بمضمار العلم والتّدريب، وتلك هي التي حبّبتنا إلى بعضنا اليوم، والتي نرجو المولى جلّ وعلا أن يبارك لنا فيها، ويكلأنا من خلالها من شرّ ما خلق، ومن شرّ حاسد إذا حسد؛ لنؤدّي رسالتنا المنوطة بعهدتنا أحسن أداء، ونؤوب إلى ربّنا يوم المآب، راضين مرضيّين.
والهدف من استعراض هذا الشّريط المتواضع، إنّما هو الأمل في أن تحسنوا - يا من تخلفوننا في هذا التّراث المجيد - رعاية الأمانة والوفاء بالعهد، فإنّكم خير خلف لخير سلف.
أعزّائي الشّباب، رجال الحاضر وعدّة المستقبل، كم يحلو لي أن أسترسل في الحديث عن ذكريات الماضي، فإنّ في الإفضاء للمتقدّم في السّنّ بليغ السّلوى، بقدر ما فيه لحديث العهد بِلأْواء الحياة من مفيد الغذاء عبرة وذكرى ... " (1)
الحرص على تقديم النّصيحة في الاستعداد الحسن لحمل الرّسالة وأداء الأمانة واضح في هذا التّناول، والصّدق في عرض التّجربة بارز في هذا العرض. فمادامت المهمّة موكولة إلى الخلف بعد السّلف، فإنّه من الأحسن والأجدى تقديم توجيهات في كيفيّة التّكوّن والبناء؛ لتضمن الاستمراريّة على النّهج، ومواصلة المسيرة. فالقدوة الحسنة والجيّدة سبيل مهمّ في بناء النّفوس، وتكوين الرّجال. إنّها الغذاء والعبرة والذّكرى، كما سمّاها الشّيخ حمّو.
إنّ المهمّة الشّريفة والكبيرة التي تنتظر الخلف والشّباب عدّة المستقبل، وعمدة الأمّة، تتطلّب الانتباه إلى خطأ يهدّد التّربية، وخطر يهدّ البناء. يتمثّل في عرض مشاهد انتهاك الحرمات أمام الصّبية، وتقديم مظاهر التّعدّي على الأخلاق والتّعرّي من الحياء أمام النّشء؛ ممّا يعدّ تجاوزات في مضمار التّكوين والتّوجيه ... إنّ هذا خطر كبير على عمليّة البناء والإعداد. فلابدّ أن يُنْتَبَهَ إلى هذا الخلل والخطل.
__________
(1) - وقفات ومواقف، ص: 183. (1/51)
صفحة 51
تحدّث الشّيخ حمّو عن الاهتمام بعيد الطّفولة، الذي يحتفل به كلّ عام. المفروض أن يكون الاحتفاء فيه بالقيم، والسّهر على نشر الفضيلة؛ لأنّ القصد هو تربية النّشء والأطفال. فلا يمكن أن يرتكب فيه ما يهدم هذا البناء الذي يرجى ويبتغى من أمثال هذه التّظاهرات. لكنّ ما يحدث فيه ينتج نتائج عكسيّة، بما يقدّم فيه من آيات المسخ والسّلخ والفسخ ... قال الشّيخ: " ... أمّا عيد الأمّ والطّفل والشّباب والشّجرة، فقد غدت مواسم للتّفسّخ والتّحلّل من القيم الرّوحيّة، بما يباح فيها من اختلاط الجنسين، وتلاحم النّوعين، يأباه الله ورسوله، بين المنشّطين وبين المتفرّجين ... "
بعد أنْ أعلن تبرّؤه من ظهور المرأة بشكل سافر متبرّج مفتن، قال: " ونستنكر جعل المناسبة حفلا موسيقيًّا، يباح فيه الرّقص الخليع للفتى والفتاة، ويسنّ عنده تقبيل الوجنات، لدى تسليم الجائزة للعوازب والمتزوّجات. إنّ هذه التّجاوزات أمام الصّبيان والصّبايا الأطهار في عهد التّربية والتّكوين لينقش في صدورهم أنّ ذلك هو السّلوك السّليم الذي سنّه النّبيّ الكريم، والذي نصلّي عليه ونسلّم، لنغطّي فعلنا الذّميم. وحاشا لمحمّد – الذي كان أشدّ حياء من العذراء في خدرها - أن يرضى بنزع برقع الحياء. ونزعُه تجريد لأطفالنا من خلق توقير الكبير، واحترام المعلّم والمدير، وخفض جناح الذّلّ من الرّحمة للوالد والوالدة، وتقديم شواهد الإخلاص والتّجلّي للخالق العظيم، آناء اللّيل وأطراف النّهار." (1)
ما أشار إليه الشّيخ حمّو في هذا المجال، هو ما نبّه إليه الشّيخ محمّد علي الدّبوز (ت 1402ه/ 1981م)، وهو عدم الاعتماد على البيئة الاجتماعيّة الواقعيّة في التّنشئة؛ لأنّها تقدّم صورة سيّئة، أو نموذجًا غير صحيح أو سليم في التّربية، لهذا ينصح الشّيخ محمّد عليّ دبوز باللّجوء إلى البيئة التّاريخيّة في التّربية. يقول: " ... ونختار من التّاريخ ما هو حسن، فنجعله بيئة للتّلميذ، ينغمس فيها ويشغف بها، ويعاشرها بالقراءة اللّذيذة والدّرس العميق. إنّ لهذا أحسن من البيئة الاجتماعيّة الواقعيّة، التي قد لا نستطيع أن نعزل منها ما لا
__________
(1) - من خطب الجمعة (3)، ص: 84، 85. (1/52)
صفحة 52
يرضبنا، ولا نجد فيها كلّ المثل العليا، التي نريدها. " (1) المهمّ: إنّ للقدوة دورًا كبيرًا وخطيرًا في البناء والإعداد.
بعد وعي دور القدوة في الإعداد، يجب معرفة الهدف من التّكوين، واستيعاب المغزى من ممارسة أيّ نشاط، أو عمل.
الهدف من الإعداد والممارسة
ما تقدّم عرضه من توجيهات، وما صدر من الكاتب من تنبيهات وتصويبات .. ترمي إلى إعداد رجال أكفاء، يقومون بحمل اللّواء، وقيادة الأمّة .. إنّ هذا يدعو إلى إحاطة هذه المَهمَّة بمجموعة من التّوجيهات والإرشادات. هذا ما لم يغفل عنه الشّيخ حمّو، فقال مخاطبًا الشّباب: " أيُّها الأبناء الأعزّاء! لقد أصبحتم، أو ستصبحون وشيكًا أمناء هذا البلد، بيدكم مقود سفينته، معبّأة كسفينة نوح من كلّ صنف، أزواج وأفواج، فكونوا الرّبّان الماهر، الذي يخاطر ويتغلّب على المخاطر، حتّى يبلغ بالرّاكبين الذين أولوه ثقتهم، شاطئ السّلامة والأمان ... إنَّكم روّاد العهد الجديد، فكونوا في عزيمتكم أشدّ صلابة من الحديد، وفي إقدامكم أكثر مضاءً من خالد بن الوليد، وفي الدّهاء السّياسي أبلغ من معاوية وابن العاص والمغيرة وزياد. " (2)
__________
(1) - محمّد عليّ دبوز، تاريخ المغرب الكبير، الجزء الثّاني، ط1، دار إحياء الكتب العربيّة، القاهرة، 1382هـ/ 1963م، ص: 17.
(2) - حمّو بن عمر فخّار، من خطب الجمعة (2)، نشر جمعيّة التّراث، القرارة، الجزائر، رمضان 1416هـ/ حانفي 1996م، ص: 141 – 143. (1/53)
صفحة 53
أرسل الشّيخ حمّو هذا النّداء، وقدّم هذا التّوجيه للشّباب، بعد أن أبدى خوفه من أخذ النّاس غير الأكفاء، وغير المؤهّلين، وغير المُعدّين إعدادًا حسنًا .. للمناصب؛ فتضيع الأمانة، ويضيع البلد. كأنّي بالشّيخ يقول: نحن أعددناكم وبنيناكم لغرض (أو هدف) تولّي مسؤوليّة القيام بالواجب نحو ما أنتم موكولون القيام به، أي هذا هو الهدف من تكوينكم.
لذا يجب أن تفهموا أنّ دوركم يكون كبيرًا وعظيمًا، تنوؤون بالحمل الثّقيل، وتقومون بالعمل الأساس في تحمّل المسؤوليّة وأداء الواجب، بعيدًا عن رذائل الانهزاميّة والتّخاذل، والتّراخي والتّهوّر والتّخبّط: " ... أي نعم! يجب أن لا نرمي إلى القيام بوظيفة الغصن في دوحته، يحمل الأزهار والأثمار فحسب ... ولكن نعمل ونسعى من أوّل يوم إلى القيام بوظيفة الجذع الكامل، تراه أوّل ما تراه يحمل فروعًا مورقة، مرصّعة بالأزهار، مثقلة بالثّمار. فنحن فرع عن أصل، ولكنّنا أصل لفروع، ونحن جدول من نهر، ولكنّنا منبع لأنهار، ونحن قطرة من غمار، ولكنّنا سماء لا تصحو، ولا يقف لها انهمار.
كذلك يجب أن تكون مبادئُ الضّعاف، الذين يستمدّون أَوَدَهُم من الأقويّاء، يوم يستيقظون، مبادئَ قويّةً صحيحة، عتيدة صارمة، وغاياتهم شريفة سامية، بعيدة شاسعة، حتّى لا يضعفوا أمام العقبات، التي تعترضهم في أوّل الهجمات، ولا يفتروا عند توالي الصّدمات، وحتّى لا يقتنعوا ببوارق النّصر إذا بزغت، ولا يغترّوا بطلائع النّجاح إذا بالأفق لاحت، بل يكافحون ويثابرون إلى أن يقبضوا على ناحية الفوز بكلتا اليدين، وينالوا العزّة التي تملأُ الخافقين." (1)
دأب الشّيخ على تنشئة النّفوس على الثّقة الكاملة بذاتها، والشّعور التّام بمؤهّلاتها. خاطب زملاءَه الشّباب، الذين يرى فيهم الأمل والرّجاء في بناء صرح الأمّة. حدّثهم بأسلوب مَنْ يعمل على رفع معنويّات رفاقه في درب الإصلاح والتّشييد، خاطبهم إثر
__________
(1) - وقفات ومواقف، ص: 53. (1/54)
صفحة 54
تدشين فرعٍ لجمعيّة قدماء تلاميذ معهد الحياة (1) في مدينة غرداية .. لم يرضَ أن يشعر هؤلاء أنّهم فرع لأصل، فيفهموا أنَّ دورهم ثانوي في العمل الجادّ، وليس أساسيًا؛ فلا يتسابقوا ولا يجدّوا فيه، فيتواكوا ويتأخّروا عن الصّدارة والرّيادة؛ بصفتهم غير معنيّين الأوائل في الحركة والنّشاط والسّعي. بيّن لهم أنّهم، حتّى ولو كانوا فرعًا لأصل شكلاً ... (2)، فإنّهم في العمل الميداني وفي المسؤوليّة أصل لفروع، ومنبع لأنهار، وسماء لا ينقطع غيثها ...
يريد منهم أن يعوا رسالتهم في المجتمع، ويعطوا الثّقة في أنفسهم، فيعملوا بجدّ وقوّة وبحماسة ... يريد منهم أن يظلّوا أقويّاء، يقظين، ذوي جلد أمام الخطوب، أصحاب إرادة أمام العقبات، نائين عن الغرور والاغترار، مثابرين دائبين، لا يغريهم النّجاح الضّئيل، ولا يستهويهم النّصر السّريع، بل يريد منهم أن يمتلكوا القوّة التي يمتلكها الجذع الكامل، الذي يقوى على حمل الأثقال من الثّمار، والوقوف أمام العواصف والرّيّاح العاتية ...
قال الشّيخ حمّو هذا الكلام سنة 1367هـ/ 1948م، بذلك يكشف عن نيّته في العمل الجادّ الدّؤوب الملتزم، في تحمّل المسؤوليّة وأداء الرّسالة بعزم وحزم وقوّة مع رفاقه، وذلك منذ بدايات دخوله معترك الحياة الجهاديّة، بعد تخرّجه في معهد الشّباب (معهد الحياة). وبداية عمله في المجتمع الغرداوي سنة 1947؛ بتعيينه مدرّسًا في مدرسة الإصلاح ..
لهذه المبادرة المبكّرة، وهذا النّداء المتقّدم، منذ انطلاق الشّيخ حمّو في النّشاط التّربوي والاجتماعي .. دلالة على قوّة شخصيّته، وعلى ثقته الكبيرة في شخصه وأشخاص زملائه،
__________
(1) - جمعيّة قدماء التّلاميذ، تأسّست في القررارة، في شوّال سنة 1347ه/ أغسطس سنة 1948م، من قدماء تلاميذ معهد الحياة .. كوّنت لها فروعًا في بعض قرى وادي ميزاب؛ ليستمرّ التّواصل والتّنسيق في النّشاط والعمل بين أبناء المعهد، الذين كانوا مجتمعين في صفوف الدّراسة في رحابه، ثمّ تفرّقوا في دروب الحياة .. هذا التّجمّع في هذه ةالمؤسّسة بأصلها وفروعها .. يحفظ وحدتهم شكلاً ومضمونًا ..
(2) - الأصل هو جمعيّة قدماء التّلاميذ، التي تأسّست بالقرارة .. وما تأسّس في مدينة غرداية هو فرع لهذه الجمعيّة. (1/55)
صفحة 55
في القدرة على القيام بالمهام الكبيرة، ثمّ على النيّة الخالصة المخلصة للقيام برسالة النّهوض بالمجتمع .. والثّقة بالنّفس أساس النّجاح .. ومنطلق العمل المؤسَّس على قاعدة صلبة متينة ..
الرّسالة التي يعدّ لها الشّباب، لا تكون سوى نصرة الحقّ، وإقامة الدّين، والمضيّ بالوطن نحو السّؤدد والتّقدّم والازدهار، والارتفاع عن حضيض التّخلّف والذّلّ والخضوع والخنوع ... في هذا الشّأن يخاطب الشّباب ويناديه أن يقوم بواجب الشّكر لله على ما أنعم عليه من نعم لا تحصى. هذا الشّكر يكون ويتحقّق: " بأن نعقد العزم على نصرة الحقّ، ومطاردة الباطل بكلّ قطاع من قطاعات حياتنا، وبأيّ مجال من مجالات نشاطنا ... ومهما كلّفنا الجهاد من ثمن ... كلاَّ يا شباب الجزائر! فما لتجاوز الحدود الوطنيّة أدعوكم، ولكن لإقامة حدود الله في ربوع منابتكم ومرابع دولتكم .. فمن لم يصلح نفسه وقومه ومحيطه، فهو أعجز أن يصلح غيره، ويهدي سواه." (1)
" فيا أيّها الغافلون! هل خفي عنكم أنّ ويلات الويلات قد غزت ربوعنا، وأوشكت أن تطمس معالمنا؟ معالمنا التّاريخيّة، ونصاعتنا الأخلاقيّة، وسموّنا الفكري، وطهرنا الفطري، ونظامنا التّقليدي العبقري. ثمّ غاب عنكم أنّه لن يوقف الزّحف العارم، إلاّ أن يتحمّل كلّ فرد منّا مسؤوليّته في هذا البلد كجنديّ مجهول، على قاعدة: {إنّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لا نُريدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكورًا} (الإنسان: 9)، وعلى مبدأ:
وَإِنَّما رَجلُ الدُّنْيا وَوَاحِدُها ... مَنْ لا يُعَوِّلُ في الدُّنْيا علَى رَجُل
فما أحوجنا إلى روح معنويّة عاليّة، مشبعة بالإيمان بالنّصر، توّاقة للعلياء، لا تستبطئ بلوغ المراد، ولا تيأس من استدراك ما فات، ولا تكلّ ولا تملّ، إذا بعدت الشّقّة، واستعصت الأمور:
لا تَحْسِبِ المجْدَ تَمْرًا، أَنْتَ
__________
(1) - من خطب الأعياد (4)، ص: 22، 23. (1/56)
صفحة 56
آكلهُ ... لا تَبْلُغُ المَجْدَ حتَّى تَلْعَقَ الصَّبرَا (1)
إنّ ما يدعو إليه الشّيخ حمّو يتوافق مع ما يدعو إليه أستاذه ومربّيه ومُعِدّه الشّيخ إبراهيم بن عمر بيّوض (ت 1401هـ/ 1981م)، الذي قال يخاطبه ويخاطب أبناءَه الشّباب سنة 1948م: " فهل أدركتم الآن ما بنا من حاجة شديدة إلى قادة أكفاء، ذوي عقول راجحة، وأفكار واقعيّة، لا خياليّة، لهم بصرٌ بالعواقب، ونفاذ إلى أسرار الحوادث، ينقذون الأمّة من محنتها، ويهدونها السّبيل، ويوجّهونها الوجهة الصّالحة. " (2)
إنّ الهدف من الإعداد واضح، والغاية من الممارسة العمليّة بارزة، في نصّ الشّيخ حمّو. يتمثّلان في القيام على أمور الأمّة والوطن، بعيدًا عن الأقوال الفارغة، والادّعاء المزيّف المخالف للفعل.
السّهرُ على إقامة تعاليم الدّين؛ اعتقادًا وتطبيقًا، بأحسن وجهٍ، وبشموليّة تامّة. هو ما ينقص المسلمين، الذين يدّعون الانتماء إلى الإسلام: " تلكَ هي الضّالة المنشودة، والعملة الصّعبة المفقودة، والجاذبيّة الفذّة اللّطيفة، التي تسلب عقول غير المسلمين، وتجلبهم لاعتناق الإسلام مقتنعين طيّعين." (3)
هذه الملاحظة التي يضعها المسلم نصب عينيه، وهي الشّموليّة التي تطبع كلّ ما يأتي وما يدع، والاقتناع بأنّه مطالب بالقيام بواجب نصرة الدّين وإقامة حدوده ... هذه الإشارة توضّح الهدف الذي يجب أن يرسمه هذا المسلم في كلّ ما يأتي؛: ممّا هو يدخل في مفهوم الإعداد والممارسة ..
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 55، 56.
(2) - محمّد علي دبّوز، نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، الجزء الثّالث، ط1، المطبعة العربيّة، الجزائر، 1969م، ص: 204، 205. ينظر اهتمام الشّيخ إبراهيم بيّوض بالشّباب: إعدادًا وتوجيهًا، كتابنا: الشّيخ بيّوض والعمل السّياسي، ط1، المطبعة العربيّة، غرداية، الجزائر، 1412هـ/ 1992م، ص: 17 – 26. نلحظ فيها كثيرًا من الأفكار المتشابهة المتطابقة بين ما يدعو إليه الشّيخ بيّوض، وما يدعو إليه الشّيخ حمّو فخّار.
(3) - من خطب الأعياد (4)، ص: 23. (1/57)
صفحة 57
في هذا الأمر لم يهمل الشّيخ حمّو مجالاً، تبدو فيه الغفلة عن تحكيم شرع الله كثيرًا، ويبرز فيه عدم توجيه الجهد إلى خدمة الدّين؛ بسبب الفهم القاصر لحقيقة الإسلام، وللعجز أو القصور في إدراك حقيقة الرّسالة، والغاية من خلق النّاس.
قام بتوجيه الرّيّاضي المسلم إلى تذكّر أنّه يمارس الرّياضة لاكتساب أخلاق فاضلة، وتربية الرّوح، وتزكيّة النّفس: " أوّلاً: على الرّياضي الشّاب المسلم أن يكون الهدف من ممارسته لأيّ نوعٍ من أنواع الرّياضة تكوين روحه، من خلال تكوين حسده، ومعنى ذلك أن يحمل بين جنبيه روحًا رياضيّة. والرّوح الرّياضيّة هي التي لا يستفزّها النّصر فتطغى، ولا تُضْعِفُ معنويّاتِها الهزيمةُ فتستسلم. وهي التي تتّسم برحابة الصّدر وسعة الأفق، لا حقد ولا حسد، ولا فخر ولا انتقام، وتلك الرّوح الثّوريّة بلغة العصر. وبعبارة أخرى على الشّباب الرّياضي المسلم أن تكون الرّياضة عنده وسيلة، لا هدفًا، وسيلة لتربية النّفس على الصّبر وتحمّل الصّدمات. وبذلك يصبح جديرًا بحمل أعباء المسؤوليّات: مسؤوليّة التّكليف الإيجابي، كالصّلاة والصّوم والتّطهّر من الأحداث، ومسؤوليّة التّكليف السّلبي، كالامتناع عن المشروبات الكحوليّة بأنواعها، وممارسة الزّنى بأشكاله، والسّرقات بألوانها. وتحمّل مسؤوليّة الأسرة، ومسؤوليّة الوظيفة، ومسؤوليّة المنظّمة التي ينتمي إليها." (1)
يحمل النّصّ إشارتين مهمّتين، الأولى: تحديد الهدف من ممارسة الرّياضة وهو تكوين الرّوح وتزكية النّفس؛ باكتساب الأخلاق الحسنة، وهو ما يدعو إليه الدّين الإسلامي. الثّانية: التّكوّن والاستعداد لحمل الأمانة والمسؤوليّة، والتّدرّب عليها بالتّربّص والتّرويض الهادف المخطّط. لهذا فليعلم الرّياضي المسلم علم اليقين أنّ الرّياضة وسيلة لممارسة العبادة؛ لِغاية وهي نيل رضا الله في الدّرجة الأولى.
هذا التّوجيه يؤسّس ويوصل إلى غاية نبيلة وهي تسخير ما يُتَحصَّل عليه من نتائج وفوائد من الرّياضة في نصرة الدّين والدّفاع عن المظلومين: " ثانيًا: على الرّياضي الشّاب
__________
(1) - وقفات ومواقف، ص: 72. المنظّمة هي رابطة المصارعة اليابانيّة بولاية غرداية، الجزائر. (1/58)
صفحة 58
المسلم أن يكون الهدف من تقوية عضلاته ردّ العدوان والدّفاع عن المظلوم، لا التّعدّي والتّبلّي والاستغلال. والله القويّ المتين يقول على لسان رسوله الأمين - عليه السلام - في الحديث القدسي: " يا عبادي! إنّي حرّمت الظّلم على نفسي، وجعلته بينكم محرّمًا فلا تظّالموا (1)
ثالثًا: للرّياضي الشّاب المسلم أن يعتبر بعد ذلك تداريبه وانتقالاته وانتصاراته وانهزامه، كلّ ذلك قربة يتقرّب بها إلى الله، فيجازيه ربُّنا في الدّنيا بالصحّة والعافية، وفي الجنّة بما لا عين رأت ... ؛ لأنَّ الرّياضي برياضته وفي رياضته، إنّما يهيّئ من نفسه وجسده قوّة وطاقة لنصرة دينه الإسلام بين الأديان، ورفع راية بلده المحبوب بين الأمم ونصرة المبادئ العالميّة، كالعدل والحقّ والمساواة بين بني البشر." (2)
إنّ هذه التّوجيهات التي قدّمها الشّيخ حمّو تسعى إلى بناء الفرد، وإعداده ليتحمّل المسؤوليّة، بكفاية وقوّة، فالدّولة والأمّة تقومان على القويّ الأمين، والحافظ العليم. بهذه المواصافات وهذه المميّزات، يمكن المحافظة على الكيان، وبناء الأركان، وردّ العدوان: " فدعوتنا لاختيار الأكفاء لتمثيلنا في المجالس الإداريّة والسّياسيّة، إنّما كان حرصًا على مقوّماتنا الرّوحيّة التي نستقي منها المثل العليا، والتّوجيه الأسمى للدّين والدّنيا. كما أنّ أسانا وحسرتنا من تقاعس الأكفاء، إنّما كان خوفًا أن توسّد الأمور إلى غير أهلها فتقوم السّاعة. وقد قال الشّرع الحكيم: " إذا وسّدت الأمور إلى غير أهلها فانتظر السّاعة" (3).
وحقًّا ما قال؛ لأنّ صلاح دنيانا مرتبط بقيام ديننا، وصلاح ديننا متوقّف على صلاح دنيانا، ومن يحاول فصل الدّين عن الدّولة فذلك رجعيّ، يريد أن يعود بنا إلى
__________
(1) - الحديث، عن مسلم، كتاب البرّ والصّلة والآداب، عن أبي ذرّ، حديث رقم: 2577 (ترقيم عبد الباقي) العالميّة، برنامج موسوعة الحديث، مادة " تظّالموا ". التّبلّي: كلمة بالعربيّة الدّارجة، تعني: التّعدّي.
(2) - وقفات ومواقف، ص: 72، 73.
(3) - رواه البخاري بلفظ: " ... إذا وسّد الأمر، إلى غير أهله فانتظر السّاعة". وهو صحيح، فيض القدير، ج1. وفي رواية: إذا أسند، ينظر جامع الشّمل، ج4، للشّيخ الحاج امحمد طفيش، ص: 250. (1/59)
صفحة 59
عهد الاستعمار البغيض، يوم كان يطمس في نفوسنا معالم الدّين؛ ليدوم له في أرضنا التّمكين ... " (1)
هذا الإعداد، وفق التّوجيهات التي قدّمها الشّيخ حمّو، هو الذي يعدّ الفرد القويّ الذي يتحمّل المسؤوليّة بكفاية ودراية، فما هي توجيهات الشّيخ في هذا الموضوع؟ وما هي آراؤُه فيه؟
تحمّل المسؤوليّة واجب الأقويّاء
الإعداد القويّ يخرج، بل ينتج رجالا أكفاء، الرّجال الأكفاء يقومون بالمسؤوليّة أحسن قيام، فإذا تُحُمِّلَتِ المسؤوليّة بقوّة وأمانة وعلم وحفظ ... استقامت أمور الدّنيا، وإذا استقامت شؤون الدّنيا على النّهج الصّحيح صلحت الآخرة ... هكذا تكون عجلات العمل متّصلة ببعضها، منسجمة فيما بينها، متساوقة في حركاتها .. منطلقها الإعداد الصّحيح. والبناءُ المتين المتماسك يبدأ باللّبنة الأساس ..
__________
(1) - من خطب الجمعة (2)، ص: 139. (1/60)
صفحة 60
يؤكّد الشّيخ حمّو – بناء على هذه الحقيقة وهذه القاعدة- على ضرورة تحمّل الشّباب أعباء بلدتهم ومحيطهم ووطنهم .. فيكونون أقويّاء عظماء، ينوؤون بالحمل الثّقيل، ويحملون الأعباء الجسام، ويقفون سدًّا في وجوه الطُّفيليّين والأنذال، الذين يتربّصون بالوطن شرًّا .. من لهذه المهمّة ولهذا الدّور الخطير سوى الشّباب، الذي يبنى بناء قويًّا سويًّا؟!
حين أصبحت غرداية ولاية سنة 1404هـ/ 1984م، خاطب الشّيخ حمّو رجال الغد، وعماد المشروع الجديد، وسناد التّنظيم الحديث، وحثّهم على التّحلّي بروح المبادرة، قال: "وأخصُّ من بين شباب الجزائر بالدّعوة لتحمّل المسؤوليّة شباب الوادي (وادي ميزاب) الطّاهر الأمين. ألا إنّ الواجب يناديكم، ويسلّط الأضواء عليكم، ولا يعني إلاّ إيّاكم. فحيّا الله من تحلّى منكم بروح المبادرة دائمًا، وحيّاه بصفة خاصّة في هذا الظّرف، الذي تؤسّس فيه ولايتكم الجديدة.
فلتتحمّلوا مسؤوليّتكم التّاريخيّة أمام الله، وأمام أمّتكم بمسقط رأسكم، بأن يتقدّم للمكان المناسب الرّجلُ المناسب، فإنّ كلّ تقصير أو تهاون في هذا المنعطف التّاريخي وكلّ غفلة، وكلّ سِنة من نوم، ستجنون عواقبها الوخيمة لا محالة، إن عاجلاً أو آجلاً. إنّه ظرفٌ قصير، سريعةٌ لحظاته، عزيزةٌ فرصه، شاسعةٌ أبعاده، عميقةٌ أغواره: ...
إِنَّما الدُّنْيا جِهادٌ، مَنْ يَنَمْ ... يَوْمَهُ، داسَتْهُ أقْدامُ الرّزايَا (1)
أيّها المسلمون بالولاية الجديدة، غرداية الغالية الحبيبة! تهنئة حارّة، وتحيّة عطرة بعيدكم السّعيد، وعهدكم الجديد، وتهنئة حارّة، وتحيّة عطرة على طهركم الطّريف والتّليد." (2)
__________
(1) - البيت للشّيخ إبراهيم أبي اليقظان (1306 – 1393هـ/ 1888 – 1973م) من قصيدة عنوانها: " في الجهاد الوطني"، قالها قي نكبة دمشق، سنة 1926م. ينظر ديوانه، الجزء الأوّل، ط2، نشر جمعيّة التّراث، العطف، غرداية، الجزائر، 1989م، ص: 125.
(2) - من خطب الأعياد (4)، ص: 29، 30. (1/61)
صفحة 61
إنّ الشّيخ حمّو – من خلال التّهنئة – يرسل رسالة بالغة الأهميّة للشّباب: أن يحافظوا على ما عرف عن المنطقة من الطّهر، وذلك بقوله: (وتهنئة حارّة وتحيّة عطرة على طهركم الطّريف والتّليد). في العبارة نداء ورجاء وتوجيه، يعيها من ارتفع إلى مستوى المسؤوليّة الكبيرة في أداء واجبه الدّيني والأخلاقي ...
إذن لابدّ أن يتقدّم الأكفاء لتحمّل المسؤوليّة، ولابدّ أن يتحرّك الأقويّاء للقيام بواجب الإشراف على شؤون الأمّة؛ لأنّهم هم القادرون على هذه المهمّة، وغيرُهم العاجزون على ذلك. ولأنّهم هم المؤهّلون، وغيرهم القاصرون: " آن والله! للصّالحين الأكفاء أن يتقدّموا إلى المناصب الحسّاسة، لا جبًّا في الرّئاسة، لكن حفاظًا على المكاسب الكثيرة العزيزة النّادرة، وتوطيدًا لدعائم الدّولة بالخبرة والنّصح والهمم الثّائرة." (1)
هذا توجيه القائد التّلميذ الشّيخ حمّو فخّار. في السّياق نفسه يقول القائدُ أستاذُه الشّيخ إبراهيم بيّوض: " أيّها الشّباب المتعلّمون! إنّ الدّولة دولتكم، وإنّ الدّور دوركم، وإنّ اليوم لكم، فبيدكم مقاليد المستقبل، وأنتم أقدر النّاس على تحويل اتّجاه الأمّة إلى حيث تريدون. إنّكم الأئمّة، والأمّة لكم تبعُ، بل إنّكم أنتم الأمّة، لو عرفتم أقداركم." (2)
كلا القائدين جمّل المسؤوليّة الشّباب المتعلّم الكُفء، وكلاهما رأى فيهم القدرة على تحمّل المسؤوليّة، دون سواهم. يعني هذا إخطارهم وتنبيههم أنّه لا يجوز ولا ينبغي أن يتخلّوا عن واجبهم الذي من أجله أُعدُّوا وهُيِّئُوا، كما أنّ على الأمّة أن تُعِدّ وتكوّن الأكفاء لقيادة مسيرتها، وأن تفسح المجال للطّاقات والقادرين على تسيير شؤونها، ولا تقبل بالضّعفاء العاجزين أن يتبوّؤوا مراكز الرّيادة والسّيادة والقيادة، والإدارة والصّدارة والإمارة ...
قال الشّيخ حمّو فخّار سنة 1409هـ/ 1989م، سنة التّحوّل في الجزائر، من سياسة الحزب الواحد إلى سياسة التّعدّدية الحزبيّة. هذا التّحوّل والتّغيّر في حياة الجزائريّين
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 29.
(2) - نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، الجزء الثّالث، ص: 205. (1/62)
صفحة 62
مكسب، يجب استغلاله استغلالاً جيّدًا، ومغنم يجب استثماره استثمارًا حسنًا. هو في حاجة إلى مزيد من العناية والتّوجيه؛ حتّى لا تنحرف السّفينة عن مسارها، ويتنكّب الرّكب عن جادّته. وممّا يجب مراعاته في التّرشيح للمسؤوليّة تقديم رجال أكفاء، قادرين على استيعاب مقوّمات الشّعب الجزائري المسلم، مهيّئين لتثبيتها في حياة النّاس، مُعدّين لصيانتها من العبث والتّلاعب والانحراف ... : " أيّها الإخوة المؤمنون! بما أنّنا مقبلون على عهد جديد، كلّ ما فيه يتحرّك ويطالب بالإنصاف والعدل والحريّة والإصلاح، وينادي: هل من مزيد؟
فمن الجدير بمنابر بيوت الله أن تجهر بكلمة الحقّ، وتلحّ عليها، وتحثّ الجمهور المسلم في جزائرنا المسلمة العربيّة، على التّحرّي فيمن تقدّمه للصّدارة؛ باحترام الكفاءة، فهي وحدها القادرة على رعاية الثّوابت وصيانتها، وعلى رأس الثّوابت شريعة الإسلام، التي أثبتت تجاريب البشريّة أن ليس إلاّ فيها نجاة البشريّة، واللّغة العربيّة التي قال عنها نبيّ الإسلام: (الإسلام باقٍ ما بقيت العربيّة) " (1)
بناء على هذه الحقيقة فعلى المسلم العاقل، الذي أعدّ هذا الإعداد القويّ أن يتقدّم ليقوم بواجبه، فلا يغفر له الوقوف موقف المتفرّج، من دون مساعدة المجتمع الإسلامي
__________
(1) - من خطب الجمعة (2)، ص: 138، 139. هذه فقرة من خطبة الجمعة، عنوانها:" الكيِّس من يلبس لكلّ حالة لبوسها "، ألقاها الشّيخ حمّو فخّار في مدينة غرداية (الجزائر) يوم: 12 من ذي القعدة 1409هـ/ 16 من جوان 1989م. ينظر أيضًا كتابه: من خطب الجمعة (1)، ص: 133 – 148، فيه خطبة، عنوانها: "تحمّل المسؤوليّة والصّبر عليها "، فيها أفكار مهمّة، وتوجيهات سديدة، ونظرات ثاقبة في مفهوم المسؤوليّة، وشروط الاضطلاع بها، ألقاها في غرداية يوم الجمعة: 03 من ربيع الأوّل 1409/ 14 من أكتوبر 1988م. بمعنى إنّ الشّيخ ألقاها بغد حوادث 05 من أكتوبر 1988م، التي كانت انتفاضة كبيرة للشّباب الجزائري بخاصّة. فقد قام بالتّخريب والحرق والاحتجاجات القويّة على تردّي الأوضاع المعيشيّة والضّغط وقمع الحريّات، تحت حكم الحزب الواحد (حزب جبهة التّجرير الوطني). وكان ذلك سببًا في استجابة الدّولة لتغيير سياستها، فجاء بعدها التّفتّح وإطلاق الحريّات، وفتح المجال لتأسيس أحزاب سياسيّة، وجمعيّات فكريّة وثقافيّة، كان لها هامش من الحريّة، أحسن ممّا كان من قبل. هذه الحياة الجديدة في حاجة إلى توجيه ورعاية وتخطيط ... لهذا قدّم الشّيخ تحليلات لها، ونصائح في كيفية التّعامل مع المستجّدات، من منظور المسؤوليّة .. (1/63)
صفحة 63
ليخرج من المضايق التي يمرّ بها، ومن دون إعانته ليدفع ما يلاحقه من أعدائه في كلّ مجال وميدان، وبخاصّة في العصر الحاضر.
لا يجوز للمسلم أن يُؤْثِرَ الدّعة والاستكانة، ويفضّل السّلامة والأمن لنفسه، بينما مجتمعه يعيش حالات من العسر. ولهذا يجيب الشّيخ حمّو من يتساءل: ما هو دور المسلم العاقل في العصر الحاضر، بعد أداء الأركان الخمسة؟: " الجواب: هو أن يتحمّل كلّ فرد في العالم الإسلامي قسطه من المسؤوليّة في سبيل نصرة الحقّ، وخذلان الباطل. وذلك لا يكون بالتّهرّب والانزواء والوقوف من أعداء الصّلاح موقف المتفرّج، بل بالصّمود والملاحقة والمناوأة والإحراج والمضايقة، والثّبات والدّوام والدّأب والاستمرار.
إنّ داء المسلمين العياء اليوم هو حبّ السّلامة والدّعة، وهذان الخلقان يورّثان الجبن والملق. والجبن والملق معناهما الاستسلام والرّضى بالأمر الواقع، والاستسلام والرّضى بالأمر الواقع مآل صاحبهما الذّلّ والهوان والخنوع والاستكانة." (1)
يحدّد الشّيخ حمّو مسؤوليّة المسلم العاقل، الواعي العارف لواجبه، وهي تتمثّل في الدّأب والمداومة على محاربة الفساد، وملازمة النّضال من أجل نصرة الدّين. من دون هذا فإنّ من يدّعي أنّه مسلم يكون أنانيًّا، وخائنًا الأمانة.
إنَّ عدم المداومة على مهاجمة الفساد يجرّئ الأنذال والأشرار على التّمادي في الإضرار بالإسلام، مع التّرصّد وسبق الإصرار. أشار الشّيخ حمّو إلى داء عياء، ووباء وبيل، يصيب من كان ضعيفًا في شخصيّته، ذاك هو الجبن - بخاصّة - الذي يورّث خورًا في الإرادة، وتخاذلاً في النّصرة، اللّذين يؤدّيان إلى الاستسلام لقُوى الشّرّ، التي تسوق إلى الذّلّ والهوان، فالرّضوخ فضياع الشّخصيّة، فالذّوبان فالتّلاشي والزّوال. إنّ الجبن داء فتّاك ومهلك. لقد صدق شاعر الثّورة والنّضال مفدي زكريّاء (1326 – 1397هـ/ 1908 - 1977م)، حين دعا على الجبان بالهلاك والدّمار:
لا دَرَّ دَرُّ الخائٍنين، ولاَ
__________
(1) - من خطب الأعياد (4)،: 128. (1/64)
صفحة 64
غَفَتْ ... عَيْنُ الجبانِ المُسْتَميتِ بُكاءَ
إِنَّ الجَبانَ علَى البِلادِ مُصيبَةٌ ... عَظُمَتْ، فَيا أَرْضُ ابْلَعِي الجُبناءَ (1)
الجبن يورّث أدواء أخرى مبيدة للمجتمع، هي: انعدام الثّقة في النّفس، الانهزام النّفسي، التّهرّب من المسؤوليّة، الابتعاد عن أداء الواجب، وغيرها من الأخلاق التي تنأى عن القوّة. وقد قال الشّيخ إبراهيم بن عمر بيّوض يخاطب تلميذه حمّو بن عمر فخّار، وهو في بداية مشواره في العمل الاجتماعي، بعد أن شكره على خطاب ألقاه على جمع غفير من النّاس، وقف فيهم واعظًا مرشدًا مفسّرًا، أظهر فيه كفاية في المخاطبة، وشجاعة وفصاحة وحكمةً في الخطاب ... : " عزيزي! إنّك تعلم أنّ أكره ما أكرهه من الأخلاق: الجبن وضعف الثّقة بالنّفس، وعدم الاعتماد عليها، والفرار من المسؤوليّة، وتخاذل القوى عند اللّقاء، أعاذكم الله منها." (2)
هذه الأخلاق الرّذيلة هي التي كان المصلحون يحاربونها في النّاشئة المسلمة بخاصّة؛ إذ الاتّصاف بها يؤدّي إلى الخنوع والخضوع والاستكانة والمسكنة .. كلّ ذلك يوقع في شراك التّبعيّة للقويّ، وللآخر الذي لا يبغي للمسلمين الخير، بل يبغي عليهم بالشّرّ، ويطغى عليهم ويقهر ويتجبّر ..
تحدّث الشّيخ حمّو عن الحال السّيّئة الصّعبة التّعسة، التي عاشتها الجزائر في التّسعينيّات من القرن العشرين. بل مرّت بحالات من التّردّي والرّدّة والرّداءة، في أغلب الأصعدة والمجالات. مظاهره الخلاعة والميوعة وخلع جلباب الحياء .. بالجملة التّخلّي عن الدّين. ذكر أنّ الجميع يتساءل: هل لهذه الحال من آخر؟ أحاب هؤلاء: إنّها قد تتحسّن: " ولكن
__________
(1) - ينظر الدّكتور محمد ناصر، مفدي زكريّاء شاعر النّضال والثّورة، ط2، نشر جمعيّة التّراث، العطف، غرداية، الجزائرـ 1989م، ص: 208.
(2) - كان حديثًا حسنًا، ص: 79. هذه فقرة من رسالة، بعث بها الشّيخ إبراهيم بيّوض الأستاذ من القرارة، إلى حمّو فخّار التّلميذ في غرداية، بتاريخ 19 من شوّال 1365هـ/ 15 من سبتمبر 1946م. (1/65)
صفحة 65
عندما يتوفّر في أبناء الجزائر: حكومةً وشعبًا عاملان أساسيّان: عندما يكفّ الشّعب عن التّسرّع إلى الحكم قبل إرساء قواعد القرآن في النّفوس، وعندما ترتفع الدّولة الجزائريّة من حضيض الدّول النّامية المستجدية، إلى مصاف الدّول المصنّعة المستغنية ... " (1)
القوّة مطلوبة – دائمًا - في منهج الشّيخ حمّو. التّسرّع إلى الحكم قبل التّكوّن، وقبل التّخرّج على قواعد القرآن ضعف، فالبناء أوّلا؛ إذ هو الذي يمنح القوّة. والبقاء في حظيرة الدّول النّامية المتسوّلة ضعف.
إنَّ الاستقواء بالطّرق الصّحيحة السّليمة هو الذي يتيح الخروح من التّخلّف. بينما الوضع الذي يعيشه الشّعب الجزائري التّعس لا يسمح بتحقيق المأمول. أي إنّ الشّرطين اللّين قدّمهما الشّيخ للخروج من دائرة التّخلّف، ما تزال الجزائر تفتقر إليهما، وتفتقدهما في مسيرتها الحاليّة (أي في تلك الفترة) ..
لكنّ الابتعاد عن منطقة ذلك الخطر ممكن جدًّا. قال الشّيخ حمّو قائلاً: " وما ذلك على همّة الجزائر، والدّولة الجزائريّة بعزيز ... لكنِ العاملان كلاهما مفقود.
والعائق الأوّل عن انفراج أزمة الإسلام بالجزائر أيّها الشّعب الكريم! أنّ إقامة دولة القرآن وتنفيذ الأحكام، وهو حلم جميل، ومطمح نبيل، يحتاج إلى إعداد طويل الأمد؛ لأنّ سنّة الله في التّغيير لا تعرف الطّفرة، بل امتلاك القدرة قبل الإقدام على أخذ الزّمام ..
وبالتّالي يجب أن لا ننسى أن المستعمرين عمدوا قبل رحيلهم إلى هدم كلِّ مقوِّماتنا الرّوحيّة، فتركوا النّفوس خرابا من الغيرة والمروءة والحياء، والقلوبَ خالية من تقديس رموزها من الأموات والأحياء ... فإذا هم معاول أشدَّ هدما من الأجنبيِّ الرّاحل، حتَّى ضجَّ من خياناتهم وعمالاتهم المرأة والصَّبي، والذكَّيّ والغبيّ.
فما أصعب بلوغ قمّة الهرم في أمّة، مُنيت بخراب الذّمم، واندراس القيم، ربع قرن ونيّفًا من عمر الزّمن." (2)
__________
(1) - من خطب الأعياد (4)، ص: 220.
(2) - المصدر السّابق، ص: 220، 221. يشير الشّيخ إلى ما قام به الاستعمار الفرنسي في الجزائر مدّة جثومه على أصالتها (1830 – 1962م)، فقد خرّب النّفوس، وميّع الشّباب، وهدّم القيم، وأطاح بالقمم، وشوّه الإسلام ... (1/66)
صفحة 66
إنّ التّفكير في أخذ زمام الأمور، وتبوُّؤَ موقع الصّدارة، والوصول إلى الحكم، بل الاستيلاء عليه .. قبل الاستعداد القويّ لذلك، وقبل بناء الأفراد الذين يكونون أكفاء لهذه المراكز، وقادرين على أداء ما يتطلّبه مكان الصّدارة والقيادة ... هو الذي سبّب الانتكاسة للمسلمين، وهو الذي كبّلهم وتركهم في الحضيض الأسفل في كلّ شيء؛ لأنّهم لم يتمكّنوا من إدارة شؤونهم، بما يتناسب مع جسامة المسؤوليّة التي تحتاجها القيادة، وبما يستجيب للتّحدّيات والمستجدّات التي تفرزها التّغيّرات المتلاحقة كلّ لحظة، في حياة تتّسم بالحركة السّريعة الدّائبة الدّائمة.
كان يعوز هؤلاء بناءُ النّفوس وإعدادها لهذه المهمّة الخطيرة، كما كانت تنقصهم مقوّمات القوّة، التي تؤهّلهم لبلوغ الغاية، وتحقيق المبتغى، والوصول إلى القمّة. هذه المقوّمات هي: التّوأدة والتّروّي والاعتدال والكفاية والقدرة على تسيير الأمور .. : " أما وربّ الكعبة والرّكن الأسعد! ما كانت نكسات المسلمين المتوالية بمصر وسوريا وعدن، وما لاقوه من فتنِ ومحنٍ، إلاّ بسبب التّسرّع للحكم، قبل الاستعداد الرّصين المحكم، وصدق الله - عز وجل - إذ يقول: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعِتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ... } (الأنفال: 60)، وأوّل القوى رياضة النّفوس على الصّلاح والتّقوى ... لا إعداد الغوغاء والعامّة البلهاء." (1)
ينصح الكاتب الجزائريّين أن يتّعظوا بإخوانهم، ويتريّثوا في المبادرة إلى أخذ زمام الحكم. عليهم أن يعدّوا أنفسهم بالقوّة المطلوبة، التي أشار إليها أوّلا؛ حتّى يتمكّنوا من أن يقهروا كلّ ما يعترضهم، ولا يذلّوا، ولا يُمنعوا الحقّ الذي ينشده الإسلام القويّ. وقد كانت بعض الفئات في الجزائر قد اغترّت بما لديها من إمكانات بسيطة، وبضاعة مزجاة في مقوّمات تولّي السّلطة، فزجّوا بأنفسهم في هذه المخاطرة الصّعبة، وهذا الرّهان الخاسر، فتطلّعوا إلى الحكم، وساروا إليه بقوّة وسرعة، غير متناسبة مع مؤهّلاتهم له .. فاندحروا
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 221. ينظر أيضًا ص: 225، 226. (1/67)
صفحة 67
وانكسروا، وانتكس بسبب ذلك علم الإسلام في ربوع الجزائر، الذي كان يطمح أن يزداد ترفرفًا وارتفاعًا في سمائها. وما تزال الجزائر تعاني ارتداداتٍ وويلاتِ هذا التّسرّع والتّهوّر. هذه الانتكاسات واللّدغات واللّسعات .. أصابت الشّعب الجزائري في العمق.
المتسبّب في هذا هو عدم احترام سنّة التّدرّج في بناء المسيرة، والوقوع في مغبّة من طلب الشّيء قبل أوانه عوقب بحرمانه. حال هؤلاء المتعجّلين من قال فيهم المثل العربي:" تزبَّبَ قبلَ أن يتَعَنّب". إنّ بناء الفرد في شخصيّته ومقوّماته وكيانه قاعدة أساسيّة في تهيئته لخوض ميادين الحياة بقوّة وثقة ونجاعة وكفاية ..
هذا الارتداد إلى الوراء أنتج رداءة في السّلوك، ورّث ضعفًا في الشّخصيّة، أدّى إلى التّردّي إلى الحضيض، وهو ما كرّس التّبعيّة للآخر، فكانت العامل الثّاني في تغيير حال الجزائر إلى البؤس والتّعاسة: " أمّا العائق الثّاني: فهو التّبعيّة للغير، والتّبعيّة للغير معناها الاحتياج إليه، والاحتياج يرغم المحتاج أن يرتمي في أحضان المنعم المتفضّل عليه، ويربط عجلته بمركبته، ويخضع عقله لعقله، ويفنى في حبّه وإرضاء ميوله ورغباته ... وحتّى لو امتلك أمراء العرب قوّة الرّوح الدّيني، وعدموا السّلطان الدّنيوي، والتّقدّم التّكنولوجي، فإنّهم لا يستطيعون التّحليق في سماء الأقويّاء، ولا النّطق على مائدة المفاوضات، إلاَ مع أندادهم من الأذناب المستضعفين. ولا أدلّ على ذلك من إذلال الغرب الصّليبي للشّرق الملحد، عندما طلب عونه ورفده. بعبارة أخصر وأوضح: عندما هبطت روسيا العملاقة الطّاغية إلى مستوى الدّول النّامية في الطّلب والمسألة." (1)
المهمّ، إنّ القوّة مطلوبة في مواطن الوقوف أمام الآخر موقف الاعتداد بالنّفس، لمن يروم التّحكّم في زمام أموره، حتّى لا يكون تحت رحمة من يبذل له ما يذلّه به، ويخضعه
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 222, تراجع الخطبة التي ألقاها الشّيخ حمّو فخّار، بمناسبة عيد الأضحى المبارك، يوم الخميس: 10 من ذي الحجّة 1412هـ، 11 من جوان 1992م، وليس 10 من حوان، كما ورد في الكتاب.، ص: 216 - 227. عنوان الخطبة: " واإسلاماه "، فيها تحليل جيّد لبداية الأزمة الجزائريّة، بعد إلغاء نتائج الانتخابات البرلمانيّة، التي فازت فيها الجبهة الإسلاميّة للإنقاذ بأغلبيّة مقاعد المجلس الشّعبي الوطني الجزائري، وفي الدّور الأوّل. (1/68)
صفحة 68
لإرادته. وليعلم أنّ التّاريخ شهيد على ذلك. وما مصير الاتّحاد السّوفياتي ببعيد عن الذّهن، وما هو ببعيد عن الزّمن. فقد انهار سنة 1991م، بعد أن كان القوّة العظمى الثّانية في العالم عشرات السّنين، يخضع غيره لإرادته وسياسته. ولمّا فقد عناصر القوّة مدّ يديه يتسوّل، فانضمّ أو اقترب من دركة الدّول الضّعيفة.
إنّ القوّة التي تعين على الخروج من المهانة والإهانة والهوان، في حاجة إلى أمد طويل حتّى تتهيّأَ. وما يلاحظ في الجزائريّين هو التّسرّع إلى التّغيير، قبل الحصول على العامل الفعّال في ذلك، وهو التّكوّن الصّحيح، وكسب القوّة الفعّالة لبلوغ المرام.
إذن إنّ التّعاليم الإسلاميّة في حاجة إلى رجلٍ قويّ يحميها، ويضمن لها البقاء والسّيادة في حياة البشر. كما أنّ العمل على حماية المبادئ فرض على كلّ مسلم؛ لهذا لا يجوز له أن يبقى متفرّجًا على ما يحدث من منكرات وأضرار، وما تتعرّض لها القيم من هجوم وإهدار. يعني الشّيخ حمّو فخّار بذلك أنّ الجلوس على الرّبوة طلبًا للسّلامة، أو تنصّلا من المسؤوليّة جريمة لا تغتفر، وصاحبها يصلى سقر، التي لا تبقي ولا تذر، لوّاحة للبشر، عليها تسعة عشر ..
بعد أن عرض الكاتب مجموعة من السّلبيّات التي أثّرت على المجتمع، خاطب الشّباب الذي يحسب أنّه حدّد له المواصفات التي يكون عليها، ويظنّ أنّه قد هُدِيَ إلى طريقة إعداده قويًّا جلدًا أشوَسَ: " ... أمّا اليوم فالجلوس على الرّبوة جريمة منكرة، سيصلى القائمون بها، والرّاضون عنها من ربّهم سقر ... صلّى الله على نبيّ الله زكريّاء، يوم قال: {وَإِنِّي خِفْتُ الماليَ مِنْ وَرائِي وَكانَتْ امْرَأَتِي عاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكً وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهً رَبِّ رَضِيًّا} (مريم: 5، 6) , فهل درى شباب الإسلام الذي يتشدّق بالقرآن، لماذا يخاف زكريّاء الموالي؟ إنّه يا شبابنا الحفيظ العليم! لم يخف الموالي من بعده على مال، ولا على جاهِ، ولا على سلطان، بل كان يخافهم على القيم الرّوحيّة والتّعاليم السّماويّة، أن تؤول على أيديهم إلى زوال واضمحلال؛ ذلك أنّه قد علم أنّ القيم والمثل العليا، ليس يحرسها غير الصّالحين الكمّل في الأرض: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا في الزّبورِ مِنْ (1/69)
صفحة 69
بَعْدِ الذِّكْرِ أنَّ الاَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالحُون إِنَّ في ذلِكَ لَبَلاغًا لِقْوْمٍ عابِدينَ} (الأنبياء: 104، 105) " (1)
أبرز الكاتب في النّصّ عنصر المداومة والمواصلة؛ لأنّه السّبيل الأجدى إلى التّألّق والرّقيّ، ووسيلة النّجاة من البقاء في دائرة التّخلّف، وهو صمّام الأمان من الوقوع في داء الخنوع، ودائرة التّراخي، وفخِّ التّواني، ومرض الفسولة، التي تتنافى مع الرّجولة والفحولة .. قال سائلاً ليوضّح ويقرّر حقيقة، ويوجّه أنظار من يعتنق دين القوّة والعزّة والكرامة والعمل والدّأب: " ... وهل تعلمون لماذا أشاد الله بالذين هم على صلاتهم دائمون؟ لأنّ المتابعة والمداومة سرّ التّألّق، وبراق المعراج، ومعوان التّسلّق، في جميع مجالات الحياة، ولأنّ مواصلة الجهد هي وحدها زورق النّجاة إلى شواطئ النّجاة ..
وما مثل الحيّ الذي يقطع مراحل الكفاح، ويقتحم عقبته إلاّ كالسّابح في البحر، إذا لم يتابع طريقه في صمت، التقمه الحوت، وحال بينه وبين اليابسة الموج، فكان من المغرقين." (2)
حذّر الشّيخ حمّو من بعض السّلبيّات التي يتّصف بها الشّباب، وتؤثّر على شخصيّاتهم، وعلى أدائهم وعملهم، فلا يفيد منهم المجتمع. على رأس هذه العيوب التّعلّق بالأمل والتّمنّي، من دون الانتقال إلى العمل. منها عدمُ التّحلّي بالصّبر والتّجلّد، والاستسلامُ للملل والكلل، والتّراجع في بداية الطّريق، وعدم المداومة والمواصلة والمتابعة: " أيّها المسلمون في جميع أنحاء المعمورة! عيبكم البارز، ومرضكم المزمن أنّكم تأملون ولا تعملون، وتبدؤون ولا تُتِمّون، وقد تندفعون ويدرككم الملل والإعياء في أوّل الشّوط فتنهزمون. تذبحون الشّاة ولا تسلخون، وإذا سلختم لا تطبخون، وإذا طبختم – وقلّ ما تطبخون – غلبكم النّعاس فأكلكم النّاس.
__________
(1) - ينظر كتاب من خطب الجمعة (4)، ص: 28. ينظر أيضًا وقفات ومواقف، ص: 193.
(2) - من خطب الجمعة (1)، ص: 48. (1/70)
صفحة 70
نهضتكم هذه نسمة، سرعان ما يعقبها سكون، ووثبتكم ضفدعة، لا تقطع مرحلة، ولا تثير زوبعة، ووعودكم لمعة برق، طرفةَ عين ويسود الظّلام. وإذا قمتم ليلة إلى مطلع الفجر، أصابتكم وعكة طيلة شهر، ويحسبكم النّاس أيقاظًا وأنتم رقود، فيا ليتكم مع أصحاب الكهف تحت الأرض، لا على وجهها، فلا تلامون ولا تحاسبون." (1)
إنّ الكاتب يكرّر كثيرًا الدّعوة إلى المواصلة والمتابعة، وينشد الجدّ والحزم والإقدام، وينعى التّردّد والتّواني والإحجام، ويذمّ التّذبذب في الحركة والسّير من دون انتظام .. يرى ذلك ضعفًا في الشّخصيّة، ووهنًا في الإرادة، لهذا يطالب الشّباب أن يتحلّى بروح المبادرة. هو ينشد في المسلمين – الشّباب بخاصّة – أن يظهروا في الحياة بقوّة، ويحرص أن يعدّهم بقوّة، ويطلب منهم أن يكوِّنُوا أنفسهم بقوّة.
تناول موضوع المبادرة في إحدى خطبه، تحت عنوان: " أجلّ الأخلاق المبادرة، وأخسّ الطّباع التّواني" (2) قال: " المبادرة في الأمور من أجلّ الأخلاق وأروعها؛ إذ هي خير عون على بلوغ المراد، وتحقيق الأهداف في خضمّ الحياة، خاصّة ما كان منها في تلبية أوامر الله، والحصول على مرضاته ورضاه، من حجٍّ وصومٍ وصلاةٍ، وسعيٍ فيما يسعد البشريّة، ويخلّد الذّكر، وتحمد عقباه.
وأمّا التّواني فهو أخسّ الطّباع، وأشنعها وأرذلها، وصاحبه كثيرًا ما يغلب عليه الجبن والتّواكل والتّخاذل، فهو لذا محكوم عليه بالخيبة والإخفاق مسبّقًا، ولِمَ لا وعمره يقضيه في التّشهّي والتّمنّي، ويعيش دهره في التّردّد والإحجام، وإعادة وضع الأرقام، والاستقسام بالأزلام ... ولا يحرّك ساكنًا، ولا يسكّن متحرّكًا، إلاّ إذا تحقّق أنّ النّجاح سيكون مائة في
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 48، 49.
(2) - ينظر كتابه: من خطب الجمعة (2)، ص: 23 – 38. الخطبة ألقاها يوم الجمعة: 18 من رجب 1409هـ/ 24 من فيفري 1989م. (1/71)
صفحة 71
المائة. ومن كان هذا شأنه، فهيهات هيهات أن يعمر ناديًا، أو يعبر واديًا، أو يسرّ به صديق، أو يحزن منه عدوّ، بل لست تلقاه مدى الحياة إلاّ مذمومًا مخذولاً." (1)
إنّ المبادرة إذا لم تكن طبيعة المؤمن فلن ينجح في حياته، وتكون نتيجة هذا خسارة الإسلام كثيرُا ممّا يمكن أن يقدّمه إليه أتباعه، لو تحلّوا بروح المبادرة، وخلق البدار. إنَّ وجود المبادرة صفة مرتكزة في قلوبهم وعقولهم تمكّنهم من المحافظة على قوّتهم وشدّتهم وبأسهم أمام أعدائهم. لذا شدّد الشّيخ حمّو اللّوم والإنكار على المتخاذلين المتفاعسين، فعدّهم فاسدي الاعتقاد، فاقدي الرّجولة، قابعين في دار الذّلّ، لابسين ثوب الهوان، غير موفّين بما جاءت به الرّسل. (2)
إنّ المبادرة إلى العمل والتّحرّك طبيعة الفرد السّويّ، وسبيل إلى تكوين الفتى القويّ، وإعداد الشّباب الكميّ، وبناء الشّعب الأبيّ .. لذا ينصح الكاتب الطّلبة – بخاصّة – ببذل الجهد الكبير في التّحصيل العلمي، والتّحلّي بقوّة التّحمّل والتّجلّد، والتّدرّع بالصّبر في زمن التّلقّي، فعقبى هذا المسلك الظّفر بالصّيد الثّمين السّمين. وسنّة الله تعالى قضت أنّ الرّاحة الحقيقيّة لا تنال إلاّ بعد بذل جهد جهيد، وإظهار بأس شديد، وتقديم عزم من حديد .. أعطى الكاتب المثال، وساق الدّليل على هذه الحقيقة بما قُدِّمَ لأبيه الأوّل آدم - عليه السلام - " ... وهنا يكمن السّرّ أن خلق الله لآدم جنّتين: مؤقّتة؛ لأنّها للعبور، وخالدة للاستقرار. وإنّما كانت الأولى مؤقّتة؛ لأنّها منحة دون عناء، ووسام من غير استحقاق، ومعجزة قبل نبوءة .. وكانت الثّانية سرمديّة أبديّة؛ لأنّها مكافأة على جهد، وتعزية بعد بلاء، وإنعام بعد فتنة وحسرة ودموع {أَمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجّنّةَ ولَمَّا يَاتِكُمْ مَثَلُ الذينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ والضَّرَّاءً وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولُ الرَّسُولُ والذينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ ... } (البقرة: 214) " (3)
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 23، 24.
(2) - من خطب الجمعة (1)، ص: 107.
(3) - كان حديثًا حسنًا، ص: 102. (1/72)
صفحة 72
كما أنّ ما يتعرّض للمسلمين قوّاتٌ عديدةٌ، والإسلام لا يقبل إلاّ أن يكون قويًّا، فأبناؤهُ يجب أن يكونوا أقويَّاءَ؛ بما يجب أن يظهروا عليه: ثباتًا وبقاءً في المجال، ودأبًا ومداومة على العمل، بل الأعمال، وصمودًا وجلدًا أمام العقبات، وتحدّيًا للصّعوبات، وإكمالاً للمسيرات، ومواصلة للانطلاقات، وابتعادًا عن الأماني، التي لا تنتج إلاّ إفلاسًا، ولا تعطي إلا أنكاسًا .. القوّة تنشد اليقظة لا الرّقود، والإضاءة لا اللّمعان، والإتقان لا النّقص ...
يضيف الشّيخ حمّو قائلاً: " اعلموا – غير معلّمين – أن لا عبرة بنهضة لا تدوم، ولا بحركة لا تستمرّ، ولا بمعركة لا يواصل أصحابها مراحلها، ولا بحملة لا يتابع مديروها مقاطعها، ولا برواية لا يتمّ ممثّلوها أدوارها وفصولها.
والذي يقضّ المضجع، ويدمي القلب: أنّنا لا ينقصنا – بحمد الله – الشّعور بالنّقص، ولا يعوزنا التّدبير في تلافيه ... ولسنا فقراء من الذّكاء الذي يجنّبنا الشّرّ، ويمكّننا من تفاديه. ولسنا بالجهّال الذين لا يميّزون بين الغثّ والسّمين، ولا الرّعناء الذين يرتجلون الخطط، ويستعجلون النّصر المبين. ولكنّنا لا نعرف المواصلة والمتابعة، ولا نحسن صنعها، لا، بل نعرفها ونحسنها لو أردنا، غير أنّنا من القوم العاجزين، وذلك هو العيب الأكبر عند العارفين.
وَلَمْ أَرَ في عيوبِ النّاس عَيْبًا ... كَنَقْصِ القادِرينَ علَى التَّمام" (1)
يريد الشّيخ حمّو من المسلم أن ينتقل من نقطة الأمل إلى دائرة العمل؛ لأنّ الأمل: "وحده عنصر عقيم، لا ينتج إلاّ إذا اقترن به العمل، والرّجاء في الله خلق ذميم إذا لم يسبقه استفراغ الجهد في سلوك الأسباب." (2)
__________
(1) - من خطب الحمعة (1)، ص: 49، 50.
(2) - من خطب الأعياد (4)، ص: 223. (1/73)
صفحة 73
السّلوك القويم يقتضي التّصرّف في الحياة بما أمر الشّرع، والصّدور باسم الإسلام بما يحقّق حقيقته، وهو ما يكشف عن قوّته وأصالته، من ذلك اتّخاذ الأسباب، وبذل الجهد في العمل، إلى جانب التّوكّل على الله، والتّمسّك بالأمل، الذي يزرع في النّفس الانشراح والطّمأنينة والدّافع إلى الحركة والنّشاط. فليس الأمل وحده هو السّبيل إلى الوصول إلى الأهداف، ونيل المطالب. يقول الشّيخ حمّو في هذا الصّدد أو هذا المعنى:
أُعَلِّلُ النَّفْسَ بالآمالِ أَرْقُبُهَا ... مَا أَضْيَقَ العَيْشَ لَوْلاَ فُسْحَةُ الأمَل
ولكنْ، هل الأمل وحده يبلغ بصاحبه المراد؟ كلاّ، لابدّ من سفينة نوحٍ، أو باخرة كولومبس، أو بساط سليمان، أو غازيات القمر والنّجوم، وما مركبة البرّ والبحر والفضاء إلاَ العمل بجدّ وعزم ومضاء، وما الأمل إلاّ الضّوء الذي يُريك الأبعاد، ويُنير لك الطّريق، في الشّعاب والوِهادِ ..
أجل، الأمل المنفكّ عن السّعي والعمل روح في غير جسد، وبالتّالي هو مجرّد أمنيّة حلوة، وحلم لذيذ، والمنى رأس أموال المفاليس (1)، وبضاعة الجبناء، ورصيد الكسالى، وعملة الأمم المتخلّفة في الأرض:
تَمَنَّيتَ أنْ تُمْسِي فَقيهًا مُناظِرًا ... بِغَيْرِ عَناءٍ، فالجُنونُ فُنونُ " (2)
ركّز الشّيخ حمّو كثيرًا على هذه النّقطة السّلبيّة في حياة المسلمين؛ لأنّ تخلّفهم وهوانهم وذلّهم تسبّب فيها هذا الخلق الذّميم، ولأنّ قوّة الإسلام تتنافى مع هذا السّلوك، ولأنّ هذه الخليقة تشوّه حقيقة الإسلام، والشّيخ يحرص كلّ الحرص أن يبرز قوّة الإسلام، وأن يكوّن بقوّة من يبنيهم؛ ليحملوه بقوّة وشدّة بأس ..
__________
(1) - إشارة إلى قول بيت أبي نوّاس:
إِذَا تَمَنَّيْتُ بِتُّ اللَّيْلَ مُغْتَبِطًا ... إنَّ المُنَى رَأْسُ أَمْوالِ الَمفَاليس
(2) - من خطب الجمعة (1)، ص: 47، 48. (1/74)
صفحة 74
واصل الكاتب مخاطبًا المسلمين: " اسمعوا قول من كُلِّفنا باتّباعه، في إحدى جوامع كلمه: (ليس الإيمان بالتّمنّي، ولكن ما وقر في القلب وصدّقه العمل)، نعم العمل في سبيل إنجاح القضيّة – أي قضيّة – هو دليل الاقتناع بها، وادّعاء الإيمان بالشّيء دون عمل كذب وهراء." (1)
قال أيضًا: " احذروا يا شباب! كلّ الحذر أن تطغى عليكم ملكة القول بكثرة تعاطيه، فتطمس فيكم ملكة العمل، فيمسي أحدكم – كما هو الشّائع في بعضكم – قوّالاً غير فعّال. وقديمًا قيل: ما أسهلَ القولَ لِمن رامه، وأصعب العمل على من أراده! فالرّجل القوّال بخيل شحيح بالعمل ... أمّا الرّجل العمّال – ولله درّه – فممسك عن فضول الكلام، وسخيّ جواد، ولكن بعظائم الأعمال، وبفضول المال." (2)
ما يثبت أنّ الشّيخ حمّو كان حريصًا على ترسيخ مفهوم القوّة في نفوس المسلمين بعامّة، والشّباب بخاصّة، تنويهه بالقوّة في كلّ مرّة، يدعو فيها إلى التّمسّك بالدّين، أو ينادي إلى التّكوّن وبناء الشّخصيّة: " ... ثمّ أن نحفظ أنّه لا يُحيّي (أي الرّسول - صلى الله عليه وسلم -) بحرارة وحماس إلاّ الأقويّاء، الأوفيّاء لفكرهم، العاملين في صمود على تثبيتها وتركيزها وترسيخها؛ لمواصلة الكفاح، ومتابعة الجهاد والنّطاح، والمثابرة والإلحاح، والاستهانة بالصّدمات والنّكسات والجراح." (3)
إذا كنّا نطلب من الشّباب أن يكون قويًّا: عدّة وعملاً، فلابدّ أن نهيّئ له الفرص والمجال والجوّ ... كي يحقّق هذا المطلب. في هذا الموضوع أو هذا السّياق قدّم الشّيخ حمّو فخّار مجموعة من الملاحظات لمن يكون على رأس الشّباب، يقوم على بنائه وتكوينه فما هي هذه الملاحظات التي تخصُّ موضوع الاهتمام والاعتناء بالشّباب؟
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 48.
(2) - وقفات ومواقف، ص: 21.
(3) - من خطب الجمعة (1)، ص: 50. (1/75)
صفحة 75
الاعتناء بالشّباب
على القائد والموجّه أن يتّصف بالصّفات المطلوبة في الرّائد والمربّي، الذي يعوّل عليه في بناء النّفوس، وتكوين الرّجال وإعداد الأجيال ... فمن يكون على رأسهم هم تحت مسؤوليّته ورعايته وعنايته. فهو مطالب بإحسان فنّ القيادة، وإتقان عمليّة التّوجيه.
بعد أن سرد الشّيخ حمّو مجموعة من الرّسائل التي تلقّاها من أستاذه وقدوته وقائده ومربّيه فضيلة الشّيخ إبراهيم بن عمر بيّوض، وعدّد جملة من النّتائج والفوائد التي أفادها (1/76)
صفحة 76
منها (1) قال: " ... أمّا ثامنة اللّقطات من رسائل المحتفل به (الشّيخ بيّوض)، وهي آخرها، فتتعلّق بفنّ قيادة الجماهير ... والذي استوحيته منها: أنّ على القائد أن يكون على جانب كبير من المرونة والحنكة ولين القول، وانتقاء العبارات، وعلى حظّ أوفر من التّفاني في خدمتها، والعطف على صغيرها وكبيرها، وعلى مستوى عالٍ من رحابة الصّدر؛ للاحتمال لها في تصرّفاتها وتحمّل طيشها، والإغضاء عن قذى هَناتها وتفاهاتها.
فبفضل ما اتّسم به المحتفل به من هذه الخصائص العزيزة المنال، كما عرفناه، وكما تنمُّ عليه رسائله، ساد أمّته، ودانت له الرّقاب، لا بما عنده من علم غزيز أو تفوّق ذهني، أو منعة في القوم. فعلى من ابتلي بالقيادة بأيّ مجال أن ينحو ذلك النّحو، وإلاّ كان من الرّاسبين." (2)
النّشء والشّباب الذي يُسعَى إلى إعداده إعدادًا قويًّا، في حاجة إلى كفالة ورعاية وعناية، بدراية وكفاية، تتّسم بمراعاة طبيعة هؤلاء الموَجَّهين نفسيًّا. فعلى القائد أن يكون صاحب دراية بسياسة الأمور، وتوجيه الشّباب، وتقدير الظّروف، وحسن التّصرّف، ومراعاة مقتضى الأحوال، وتقويم المواقف ... ؛ لأنّ الشّباب يحتاج أوّل ما يحتاج إليه، هو وعْي عالمه النّفسي، ومعرفة ما يصطرع في داخله، من قوى وطاقات، وأحاسيس ومشاعر وعواطف ورغبات، وطموح وجنوح وجموح ... ومراعاة ذلك في التّعامل معه. على القائد أن يفتح قلبه ليستقبل من الشّباب ما يصدر منهم، ويفهمه ويستوعبه، ثمّ يوجّهه، ويصوّب ويسدّد ويهذّب و ..
كان الشّيخ حمّو يرى أنّ على الشّيوخ والكبار والسّراة أن يراعوا نفسيّات الشّباب الصّاعد النّاهض، ويتفهّموا عقليّاتهم التي لمّا تنضج، وتطلّعاتهم التي لا حدّ لها، ويقارنوا
__________
(1) - ينظر كتاب كان حديثًا حسنًا، ص: 63 – 105.
(2) - المصدر السّابق، ص: 103، 104. هذه الفقرة من محاضرة ألقاها الشّيخ حمّو فخّار في المسجد الكبير بالقرارة، يوم: 01 من جمادى الأولى 1405هـ/ 22 من جانفي 1985م، بمناسبة الاحتفال بالذّكرى الرّابعة لوفاة الشّيخ إبراهيم بيّوض – رحمه الله - الذي أقامه معهد الحياة. (1/77)
صفحة 77
بين تجربتهم هُمْ ونصيب الشّباب منها، الذي هو وشلٌ، بالنّسبة للوابل الذي عندهم، فيعرفوا كيف يتعاملون مع ما يصدر من الشّباب، ويكون الرّفق والأناة ورحابة الصّدر منهم.
بعد أن سرد مجموعة من الأعباء الكبيرة، والأحمال الثّقيلة، التي يحملها الأفذاذ من الأمّة، التي دفعتهم أو ساقتهم إليها مجموعة قيم. قال: حبّذا لو عرف الشّباب كيف يتدرّب عليها، ويتشبّع بها ثمّ يتّصف بها. بعد ذلك يمكن أن يضطلع بما يضطلع به أولئك.
في هذه اللّفتة وهذه الإشارة نقرأ قاعدة في البناء التّربوي، التي تُعنَى بمعرفة بعض القيم التي تبني الكيان، وتكوّن الشّخصّية، والتي تؤخذ من التّجربة، أي من واقع الممارسة. إنّ ذلك لا يكون من الدّروس النّظريّة، التي قد لا تقنع ولا تؤثّر. كما أنّ فيه دعوة ضمنيّة إلى الاعتراف بجهود السّابقين، بعد الاغتراف من معين قيمهم وقيامهم بالأعباء الثّقيلة من أجل إقامة مجتمعهم الذي ينعمون به؛ ليكونوا خير خلف لهم.
قال الشّيخ: " ... من أجل هذه القيم الرّوحيّة العالية، المتمثّلة في أفذاذ يعدّون على الأصابع، من أضراب الشّيخ عدّون (1)، أدعوكم لتكريم الحيل القابض على أزِمّة الأمور من الآباء؛ لأنّ ما بنا من نعمة التّكافل الاجتماعي والاشتراكيّة الحقّة، والاتّزان والرّشد في مجتمعنا الميزابي، إنّما كان من الله على أيديهم، تحت إشرافهم وقيادتهم النّاضجة الحكيمة." (2)
قدّم الشّيخ حمّو الصّورة التي عليها الآباء المرابطون في الثّغور، الحاملون هموم الأمّة واهتماماتها. بذلك يكون قد وجّه الأنظار إلى ضرورة احترام هؤلاء الأفذاذ والاعتداد بهم، ثمّ الاهتداء والاقتداء بهم. إلاّ أنّ تحقيق هذا الرّجاء وهذا الطّموح، في حاجة إلى رعاية
__________
(1) - هو الشّيخ سعيد بن بالحاج شريفي، المعروف (الشّيخ عدّون) (1419 – 1425هـ: 1902 – 2004م)، العضد الأيمن للشّيخ إبراهيم بيّوض في حهاده العلمي والإصلاحي .. هذه الفقرة من كلمة ألقاها الشّيخ حمّو في عرس نجل الشّيخ عدّون، (بكير)، في القرارة، يوم الخميس: 30 من جمادى الأولى 1402هـ/ 25 من مارس 1982م.
(2) - وقفات ومواقف، مصدر سابق، ص: 160. (1/78)
صفحة 78
خاصّة، يشير إليها بعد المقدّمة السّابقة: " ثمّ اسمحوا سادتي الشّيوخ المحتفلين! بدوركم أن أدعوكم في هذه المناسبة السّعيدة، إلى مزيد من تكريم أبنائكم الشّباب، وإن كنتم قد فعلتم وأحسنتم وأجملتم، وذلك بأن تغضّوا الطّرف عن نقدهم، ولو كان جارحًا، وتحترموا تطلّعهم للاستيلاء والتّصدّر، ولو كان جامحًا؛ لأنّهم في عهد الفورة والثّورة والسّورة، فلطالما جروا مع العشّاق في حلبة الهوى، ونهزوا مع الغواة بدلوهم.
إنّي بحكم سنّي المخضرم بين الشّباب والشّيخوخة، ما أزال أطلّ على الجانبين. واجبي أن أدعو الرّفق؛ انصياعًا للحكمة الخالدة: ما دخل الرّفق في شيء – حتّى في معاملة الكبار – إلاّ زانه، ولا دخل الخرق في شيء – لا سيّما في مناقشة الأفكار – إلاّ شانه.
فما أحوج الشّباب لحكمة الشّيوخ، وحنكتهم وثبات عشرتهم، وإخلاصهم وصبرهم ومصابرتهم، ورسوخ مبادئهم وتمرّسهم بالآفات! وما أحوج الشّيوخَ إلى السّواعد المفتولة، والأفكار الجديدة، والآمال الواسعة، والمخطّطات البعيدة، والاندفاع العارم، الذي يطوي المسافات، والكفاءات المشرّفة في شتّى المجالات! " (1)
ما أجمل أن يسود الودّ والتّناغم والانسجام بين الآباء والأبناء! وما أحسن أن يفهم الآباء – بخاصّة – ويعوا دورهم في قيادة أبنائهم وتوجيههم، بداية من فهم نفوسهم، ومراعاة ظروفهم وأحوالهم، وتفهّم التّصرّفات التي تصدر منهم. من هذا المنطلق والمنظور طلب الشّيخ حمّو من أوليّاء الأمور أن يغضّوا الطّرف عن بعض هفوات الشّباب، ويقدّروا الطّموح الذي يبدونه، فلا يفسّروه تفسيرًا يجرح كبريّاءَهم، أو يفضح ضعفهم. فليعدّوا ما يصدر منهم فورة دم، في حاجة إلى تجفيف وتلطيف، وثورة جسم، في حاجة إلى تليين وتخفيف، وسورة قلب، في حاجة إلى تهدئة وتكييف.
بتحمّل سلوك الشّباب وتوجيههم بالحسنى، نكسبهم، ولا نفقدهم، ونفيد منهم، ولا نخسرهم. إنّها نظرة بعيدة، وعظة بليغة، وتجربة عظيمة، يقدّمها الشّيخ حمّو في ميدان الإعداد القويّ للرّجال، والبناء السّويّ للأجيال ..
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 160، 161. (1/79)
صفحة 79
هذا التّصرّف بهذه الوصفة التي قدّمها شيخنا، يتيح لنا أن نُفيد من كلِّ فرد، ونستثمر كلّ طاقة؛ إذ نحن في أمسّ الحاجة إلى كلّ عنصر منّا: " إنّنا بصفتنا أمّة نامية، لا يجوز لنا أن نستغني عن فرد من أفرادنا، إن أردنا أن ندرك للسّابقين شأوًا، أو نحقّق في الخالدين راية." (1)
بهذه النّظرة كان الكاتب يرى في الشّباب بذورًا، يمكن أن تغرس بعناية في أرض طيّبة، فتنتج نتاجًا طيّبًا، وزهورًا، يمكن أن تسقى بأحسن الماء، فتعطي أريجًا زكيًّا، ترسله فتسعد به من يجاورها ...
الشّباب لا يحتاج إلاّ إلى العناية والرّعاية. فعلى القائمين عليه أن يهتمّوا به، فينتج النّتاج الطّيّب الجيّد. هذه العناية تبدأ بعدم فطام الأبناء عن مراتع التّعلّم، وعدم قطعهم وسط الطّريق، وهم يتدرّجون في مدارج التّكوّن؛ لأنّ ما يملكونه من مواهب، وما يزخرون به من إمكانات، تسمح لهم بالنّبوغ.
تناول الكاتب في هذه الإشارة شخصيّة الشّاعر الثّائر الطّموح العبقريّ: رمضان حمّود (1324 – 1347هـ/ 1906 – 1929م)، الذي أظهر تفوّقًا كبيرًا، وكشف عن عبقريّة فذّة؛ نتيجة المواهب الكبيرة التي كان يتمتّع بها. مع كلّ ما أنتج، لم يعمّر ولم يعش أكثر من ثلاث وعشرين سنة. بل كان عمره الأدبي والفكري ثلاث سنوات فقط (2).
تحدّث الشّيخ حمّو عن كتاب رمضان حمّود (بذور الحياة)، وما تضمّنه من كنوز ومآثر، تبرز التّفوّق والنّبوغ لشابٍّ، غدا أنموذجًا للشّباب، فقال: " فلقد عنّ لي أن أتصفّحه منذ أيّام، فما خرجت منه إلاّ بمثل نشوة الخارج من الأندلس العربيّة، بعدما قضى أيّامًا في مشاهدة ما بناه أجداده العظماء، من جوامع وقصور، تدهش النّفوس، وتحيّر الألباب، أُبّهةً وروعةً وإتقانًا.
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 161، 162.
(2) - ينظر تفاصيل عن حياته، الدّكتور محمد ناصر، رمضان حمّود حياته وآثاره، ط2، المؤسّسة الوطنيّة للكتاب، الجزائر، 1405هـ/ 1985م. (1/80)
صفحة 80
فهو بها جدّ فخور، وعليها دائمًا غيور، وعنها مدى العمر يتلقّى معاني العظمة والنّبل، ويستمدّ دروس النّضال والكفاح. ولو شئتُ لأسمعتكم بعض روائع من بذراته؛ لتتحقّقوا صدق ما أقول، وتتيقّنوا مستمعي الكرام! أنّ في نابتتكم (بذورَ الحياة) وأزهارَ نبوغٍ وعبقريّاتٍ، لو أمهلت حتّى تتفتّح الزّهور، لانتشيتم بكلّ أنواع العطور. ولو أمهلت الزّهور حتّى تينع من الأثمار، لجنيتم كلّ ما لذّ وطاب من ضروب الثّمار، ولرأيتم أنّ (رمضان حمّود) ليس إلاّ بذرة سُقيتْ، وزهرة رعيت، ولكنّها جاءت قبل أوانها، فليس لها إلاّ فضل السّبق عن أترابها، ولكنّكم تأبون إلاّ أن تبخلوا فتقطعوا أبناءَكم قبل أن يتمَ نضوجهم، فتبرز مواهبهم، وتنفجر ينابيع مواهبهم، فحرمتم نفعهم وفخرهم وأجرهم، وحرمتم الوطن علمهم وصلاحهم وفخارهم." (1)
في الشّباب مواهب، حين تستغلّ أحسن استغلال، وترعى حقّ الرّعاية، تنتج قوّة تنفع الأمّة والوطن. لكن للأسف، هذه الرّعاية وهذا الاهتمام ناقصان، فكثير من أوليّاء هؤلاء النّابتة لا يعرفون قيمة الكنوز التي عندهم، فلا يسقون تلك الزّهور، ولا يحضنون تلك البذور، بل يقصفونها ويخترمونها، بقطع النّاشئة عن سبل التّعلّم، فتحرم الأمّة من قوّتها. هذا ما اشتكى منه رجال الإصلاح كثيرًا. يقول الشّيخ عبد الرّحمن بن عمر بكلّي (1319 – 1406هـ/ 1901 – 1986م)، وهو يقدّم رجاءً لأوليّاء التّلاميذ أن يرحموا أبناءَهم، ويبقوهم يواصلون التّعلّم. قال لهم: كيف نرتقي بأمّتنا، ومتى يكون لنا العلماء الذين نعتزّ بهم ونفخر؟ وكيف يحصل لنا هذا؟!: " ... بربّكم متى نرى ذلك، إذا خلت المدرسة الابتدائيّة من تلاميذها، وهي أوّل مرحلة، يجب على كلّ أولئك قطعها؟ فهي الحقل الذي تؤخذ منه الأعقال، ومنبت الفسيل، الذي ينتخب منه أحسن النّخيل؟ إلى متى بربّكم؟ وبماذا؟ أبزهدنا عن تعميم التّعليم؟ وتعميم التّعليم في الأمّة أساس سعادتها؟ أبإشغال أبنائنا في وقت التّعليم ما وجدنا إلى ذلك سبيلا؟ أبقطعهم عن التّعليم قبل أن
__________
(1) - وقفات ومواقف، ص: 128، 129. (1/81)
صفحة 81
يستوفوا دراستهم، وقبل أن يفتح الواحد منهم عينيه، ويعلم ما معنى الحياة؟ أبتكميل تربيتهم على أناس أميّين، لم يتتلمذوا يومًا لأستاذ، ولا سمعوا درسًا في التّربية .. " (1)
هذه الرّغبة الملحّة من الشّيخ حمّو فخّار في رؤية النّشء، يواصل دربه ليتكوّن وينشأ ويبنى على قواعد صحيحة متينة، تجعله يطرب حين يشاهد مكرمة تصدر من الآباء والأوليّاء، تشجّع النّابتة على المضيّ في طريق التّكوّن. لهذا كان يستغلّ مناسبة إقامة المهرجانات الثّقافيّة ليقول كلمات تخدم أهدافها. كالثّناء على سراة القوم والمشايخ، الذين يحضرون هذه المناسبات، ليشكرهم على صنيعهم أداءً لرسالته في التّوجيه والرّعاية: " ... أرحّب بكم أوّلا: بقدر ما تكنّون من حبّ وإكرام لأبنائكم القائمين بنشاطات المهرجان الأدبيّة والثّقافيّة والتّفنّنيّة. وأرحّب بكم ثانيًا: بقدر ما تبذلون من اهتمامات وتضحيّات ومساعدات، تشجّعهم على المضيّ في سبيل الرّقيّ الفكري، وتفتيق الطّاقات الذّهنيّة، وتفجير الكنوز المطمورة من العبقريّات، وفتح المجال للخبرات المكبوتة.
وأرحّب بكم ثالثًا: بقدر ما تبدون بعد التّطواف في أجنحة المعرض، والاستماع والمشاهدة لما يذاع من ملاحظات بنّاءة، تداوي ولا تجرح، وتقيم ولا تقعد، وتدلّ على النّقص من غير أن تدخل على القلوب القنوط واليأس. وخيرنا من بذل النّصح في رفق، وشجّع الطّموح في أناة، واقتصد في الإطراء والمدح؛ حتّى لا تطغى غريزة الغرور، ويقنع الممدوح بتوافه الأمور، وحتّى لا يفتتن القزم الهزيل بالتّصفيق، فيحجبه ذلك عن الإتقان والتّحقيق والتّدقيق، ويقبع في الأرض، فلا تحدّثه نفسه بالتّحليق.
بهذه التّرحيبات الثّلاث، أرحّب بكم سادتي! يا من وفدتم من كلّ صوب وحدب، وسالت بكم شعاب الوادي وبطاحه." (2)
__________
(1) - الشّيخ عبد الرّحمن بكلي، " تقرير السّنة الدّراسية: 1954 – 1955م، (مدرسة الفتح لمدينة بريّان، ولاية غرداية، الجزائر، ص: 64. ينظر كتابنا: حقيقة التّعليم في فكر الشّيخ عبد الرّحمن بكلّي، نشر جمعيّة التّراث، القرارة، الجزائر، 2011م.
(2) - وقفات ومواقف، ص: 15، 16. (1/82)
صفحة 82
الحرص على السّير السّويّ، نحو الإعداد القويّ للنّاشئة واضحان في هذا الخطاب الموجّه لمن قصد المعرض، وأتى إلى هذه التّظاهرة. فإلى جانب التّشجيع المعنوي للقائمين على هذه الأنشطة؛ بمشاهدة حصيلة ما أعدّوه، والوقوف على ثمرة جهودهم وطموحهم، الذي يكشف عن الحبّ والإكرام اللّذين يكنّهما الآباء للأبناء، فإنّ الملاحظات التي ستقدّم عن الأعمال وعن الأنشطة، التي يتوخّى فيها الصّدق والصّراحة والنّصح والإرشاد والتّوجيه والتّثمين والتّقويم. يكون عمادها وأساسها عدم التّجريح والتّثبيط والإحباط ... من جهة، وعدم الشّطط في الإطراء والمدح المبالغ فيه، الذي يستر النّقائص، ويؤدّي إلى الغرور والعجب، اللّذين يقعدان عن التّحليق والاستزادة من مضاعفة الجهد ... من جهة أخرى. وبعدها يتوقّف الطّموح، ويغيب الإتقان. فإنّ من شأن ذلك أن يعرقل عمليّة الإعداد القويّ للنّاشئة، والبناء السّويّ للنّابتة .. إنّ هذه الالتفاتة تسهم في التّوجيه الحسن للشّباب، وتعين على الإرشاد الجيّد للنّاهضين من النّشء.
من حسن رعاية الشّباب اختيار البيئة المناسبة للإعداد أو التّكوين .. ليقدّم الشّيخ حمّو فخّار الأنموذج أو المثال الواضح على صحّة المنهج الذي دعا إليه، أشار إلى نشأته هُو، والبيئة التي ترعرع فيها، التي بنته، ونسجته وصيّرته على هذا المنوال الطّيّب السّليم، الذي يعتزّ به ويفتخر: " وهنا يطيب لي أن أعلن – اعترافًا بجميل القرارة -: إنّ السّنوات التي قضيتها بها مغتربًا ضمن مجموعة الغرباء، هي التي كوّنتني، واكتشفت فيها شخصيّتي، فكانت لي خير عون على مجابهة ما ينتظرني من تقلّبات وصعوبات في الحياة العمليّة، وما ذقت خلالها من عيّنات الصّراع في المجتمع الكبير، فخرجت كالمطعّم ضدّ جميع الأمراض المتوقّعة، وبرزت بفضل ذلك، وفي سجيّتي أن أحمل الكلّ، وأكسب المعدوم، وأعين على نوائب الدّهر، وفي روعي أنّ الحياة أخذٌ وعطاء، ومدح وقدح، وهجر ووصل، وجدّ وهزل، وصفاء ورياء، وأنّ ما عند الله خير وأبقى، للذين آمنوا وعلى ربّهم يتوكّلون ...
وهكذا كلّ من مرّ على المحكّ – كما تمرّون اليوم أيّها الوافدون من الطّلبة – سوف لا يستفزّه الخطب وإن طمى، ولا تبطره النّعمة إذا افترّت له مباسمها، ولا تفقده النّكسات (1/83)
صفحة 83
– مهما توالت وتنوّعت- ثقته بنصر الله، والبلسم الشّافي إذا تمطّى ليل المحن بصلبه، وأردف أعجازًا، وناء بكلكل، أن يهرع المؤمن إلى الدّعاء الأمثل ... " (1)
إنّ الشّيخ حمّو - بهذا الاعتراف - يرشد إلى اختيار البيئة المناسبة والسّليمة للإعداد، ويدعو إلى انتقاء العناصر الصّحيحة في البناء، ويفتح أعين النّاشئة على طبيعة الحياة التي يجب أن ينشؤوا عليها، وحقيقة المسيرة التي يدرجون وسيدرجون فيها.
بقدر ما تحمل هذه الفقرة من آيات الوفاء والاعتراف بالحميل لمن كان له الفضل على الكاتب، في تكوينه وإعداده وبناء شخصيّته .. فإنّها تقدّم المثال والدّليل الواقعي على حسن اختيار البيئة التي يدرج فيها النّاشئ وينمو .. كما أنّها ترسل دعوة مهمّة، منطوقها الحرص على حسن اختيار المحيط الذي يُرَبَّى فيه النّشء .. فإنّ اختيار البيئة الصّالحة والمناسبة في التّربيّة من أسس البناء السّليم للفرد.
إنّ تذكير الشّيخ حمّو بموطن نشأته العلميّة والاجتماعيّةـ وبداية تكوين شخصيّته، وببما تتميّز به .. يقدّم المثال الحيّ على أهميّة انتقاء البيئة الصّالحة للتّنشئة السّويّة، الذي يراعي المواصفات التي أومأ إليها، فيما سردناه في الصّفحات السّابقة.
أنعم به من مثال! لمن يسعى لِعِزِّ منال، ويرجو أن تكون له صولات في كلّ مجال، من دون ذلك لا يطمئنُّ إلى حسن مآل، وقد يتحسّر؛ لما يعود عليه بالوبال ..
خاتمة
__________
(1) - كان حديثًا حسنًا، ص: 102، 103.الدّعاء الأمثل الذي أشار إليه الشّيخ هو: " اللّهم إنّي أعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، [وأعوذ بك من الهمّ والحزن]، وأعوذ بك من غلبة الدّين وقهر الرّجال". أبو داود، السّنن، كتاب الصّلاة، رقم: 1330. ينظر اعتراف الكاتب بفضل معهد الحياة وشيخه الإمام إبراهيم بن عمر بيّوض، كتابه: كان حديثًا حسنًا، ص: 63 – 69. (1/84)
صفحة 84
عرضنا في هذا البحث مجموعة من الإيماءات والملاحظات والإشارات والنّظرات، قدّمها الشّيخ حمّو فخّار في موضوع البناء، وحقل التّربية، وعمليّة التّكوين، وبناء الفرد بناء صحيحًا قويًّا، أوحت له بها التّجربة الميدانيّة، وساقها الإيمان بضرورة حسن تحمّل المسؤوليّة في التّوجيه والقيادة، ودفع إلى عرضها الإخلاص والصّدق في تبصير النّاس بما يجب عمله، وما يجب تجنّبه والحذر منه للنّجاح في التّربيّة، وأملاه واجب الوقوف أمام سياسات التّغريب والتّحريف، والتّشويه والتّزييف، التي تسود حياة المسلم اليوميّة، فكان لابدّ من توجيه الأنظار إلى البناء الصّحيح السَّويّ.
يمكن تلخيص بعض النّتائج التي اجتمعت لدينا، بعد العرض الذي قدّمناه فيما يأتي:
1 - غدا الشّيخ حمو فخّار بما قدّمه في ميدان الإعداد والتّكوين تجربة، تمشي على رجلين: قلمُه تجربة، أقوالًه تجربة، مواقفه تجربة، وصاياه تجربة ...
2 - اتّخذ المراسلة والكتابة والخطابة وسائل للدّعوة والتّوجيه والتّوعية والإرشاد. إذ كان همّه الكبير توضيح مفهوم الإصلاح، وإبراز نهجه، وتسجيل نشاطه، وطلب الدّعم له.
3 - لا يرى فرقًا بين الإصلاح والإسلام؛ لهذا كان حريصًا على مناصرته، والدّعوة إلى الالتفاف حوله، والتّحرّك والصّدور عنه. هذه الدّعوة تندرج ضمن الاهتمام بالبناء والإعداد بقوّة.
4 – اهتمّ بالشّباب أو النّابتة – كما يسمّيهم -: توجيهًا وإعدادًا، ورعاية واحتضانًا. فهم بالنّسبة إليه عماد وسناد. لابدّ من تكوينهم بمنظور قوّةِ خيرِ الخلف، ليكونوا نعم العمل للسّلف. اهتمامه ببناء شخصيّتهم على قواعد صحيحة، وإعدادهم على أسس متينة .. نقرؤهما في قاموسه اللّغوي، الذي كان يبني به نصوصه. إذ تدور فيه كثير من ألفاظ: (1/85)
صفحة 85
البناء، الصّنع، الإنشاء، الإعداد، التّكوين، الصّوغ، الصّهر ... (1)، فتأتي العبارات: (صانع الرّجال، صوغ الرّجال، صهر الأبطال، مربّي الأجيال ... ) صابغة ومدبّجة لكتاباته وأقواله، لتبقيه في مسار البناء والإعداد ملازمًا ومثابرًا.
هو لم يخرج عمّا سجّله أحمد شوقي، في تحديده أو تجسيده عمل المعلّم الحقيقي، وهو البناء. وشيخنا دخل معترك الحياة معلّمًا. وبقي وفيًّا ملازمًا لهذه المهنة الشّريفة طول حياته، يعلّم كلّ ما أمكنه تعليمه لمن يحتاج إليه. كما أنّ عمله هو مواصلة وإتمام لعمل خير معلّم، وهو الرّسول - صلى الله عليه وسلم -:
قُمْ ... لٍلمُعَلِّمِ، وَفِّهِ التَّبْجيلاَ ... كَادَ المُعَلِّمُ أنْ يَكونَ رَسُولَا
أَرَأَيْتَ أَشْرَفَ أوْ أَجَلَّ مِنَ الذي ... يَبْنِي، وَيُنْشِئُ أَنْفُسًا وَعُقُولاَ
ما قام به الشّيخ حمّو، وجنّد له حياته وسخّر جهده، هو ما يقوم به كلّ مصلح. وهو مرابط في ميدان الجهاد بالتّربية. وكان المصلحون في الجزائر في معركة كبيرة، من أجل التّكوين والإعداد؛ بسبب ما تعرّض له بناء النّفوس للاهتزاز والابتزاز من المستعمر الظّالم الغشوم.
5 - اعتناؤه ببناء الشّخصيّة وإعداد النّفوس، يتجلّى في عرض مسيرات أو سير الشّخصيّات البارزة، وتقديم نبذٍ من الأنشطة المتميّزة لها، واستخلاص العبر والدّروس منها، ورصد الصّفات والمميّزات والخصائص التي سجّلها. من هذه الشّخصيّات وهذه
__________
(1) - ينظر مثلا: كان حديثًا حسنًا، ص: 65، 66، 67، 102 ... ، ومن خطب الأعياد (4)، ص: 26، 153، 221 ... ، ومن خطب الجمعة (1)، ص: ط، ي، ك ... ، ومن خطب الجمعة (3)، ص: 84 ... ، ووقفات ومواقف، ص: 128 .. بل لا يخلو نصّ من كتابته من ألفاظ عدبدة من هذا القاموس ... (1/86)
صفحة 86
المسيرات ... والرّبط بينها وبين النّجاح الذي تحقّق، مع بيان عوامل هذا النّجاح، الذي يتّخذ المنابع الأصيلة مصادر للإعداد والإمداد والإسناد .. : كالقرآن الكريم، والسّنّة النّبويّة الشّريفة، والسّيرة النّبويّة العطرة، والتّاريخ النّاصع، والبيئات الطّاهرة النّظيفة ...
6 - القوّة هي التي كان ينشدها في الإعداد والبناء ولتّكوين، والتّوجيه والتّخطيط والتّدبير والتّحرّك، والإرادة واكتساب المعرفة والعمل بعامّة ... هذه القوّة هي التي تمثّل حقيقة الإسلام، وطبيعته التي هي مصدر التّربيّة ..
7 – حرص الشّيخ حمّو كثيرًا على بيان القواعد الأساسيّة في البناء والإعداد؛ لهذا كان يوجّه الأنظار إلى الأصول التي تحكم كلّ تحرّك ونشاط، وإلى المقوّمات التي تنتظم كلّ عمل.
8 – كان يولي الشّباب كلّ عناية، ويخصّهم بالرّعاية والتّوجيه، والعطف والشّفقة والهداية، وتهيئة البيئة السّليمة للتّكوّن والتّربية، والجوّ المناسب الملائم للتّحرّك والدَّرَجِ. يظهر هذا جليًّا في تركيزه على عنصر النّصح والإرشاد عند البدء في التّحرّك والنّشاط، في أوّل الطّريق، وعند ابتداء تنفيذ أيّ مشروع، أي في بداية المشوار في أيّ مضمار. كان يهتمّ بالتّلميذ البارز، والطّالب الطّالع، والشّاب اليافع، والفتى النّابغ، والعامل الكادح، والمعلّم المبتدئ، والفتاة النّاشئة ... أي كان لا يغفل عن رعاية البروز الأوّل، والعناية يظهور الموهبة، والاحتفاء ببُدُوّ الاستعداد، واحتضان المبادرة، واستثمار الطّاقة ...
9 – لا يغفل المناسبات الدّوريّة، والفرص المتاحة، والبداوات اللاّفتة ... يستغلّها لتوجيه ومضات وإضاءات وإيماءات، ليقدّم التّشجيع والعون والمساعدة في البناء والتّصحيح والتّوضيح ..
10 – خطّ تفكيره وكتابته ومخاطبته ... ظلّ واحدًا، منذ بدأ يخاطب النّاس في بداية مشواره مع العمل الاجتماعي، إلى أن لقي ربّه رضيًّا، راضيًا مرضيَّا عنه – إن شاء الله تعالى -. ينتظم كلَّ ذلك خطٌّ نفسي واحد، يصدر من مشكاة القرآن والسّنّة، وما تفرّع منهما، ويصبغه بصبغة الأخلاق التي تسير به إلى الأهداف المسطّرة والمنشودة والمنوطة (1/87)
صفحة 87
بالنّشاط، بخطى ثابتة مدروسة، وهي: الإخلاص والصّدق والوفاء، والتّأنّي والتّروّي، والصّرامة والمرونة وبعد النّظر، والكفاية العلميّة والتّربوية ... وتُمسكُه وتشدُّه نُقطتَا ارتكاز، يتحرّك بينهما، لا يحيد عنهما أبدًا: نقطة الصّلابة في المبادئ، ونقطة وضوح الهدف. هذا ما يفسّر تماسك سيره في الخطّ المستقيم، من دون الحيدة عنه إلى السّبل المتفرّقة؛ التزامًا بالطّريق القويّ الواضح، الذي حدّده الله - عز وجل - في قوله: {وَأَنّّ هَذَا صِراطِي مُسْتَقيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تتَّقُونَ} (الأنعام: 153). كما ظلّت كتابته على حالها من المتانة والقوّة، منذ أن نشأ يكتب، حين دخل معترك الحياة العمليّة، إلى أن انتهى مشواره بوفاته، رحمه الله.
11 – إذا بحثنا عن عوامل البناء التي وردت في كتابات الشّيخ حمّو أوفكره، فإنّنا نجدها كالآتي:
أ ... - زرع الثِّقة في نفوس الشّباب والنّابتة.
ب – نزع عقد النّقص والضّعف والوهن والذّلّ والتّهميش عن حياة الشّباب؛ بفعل ما يتوفّر عندهم من إمكانات، تكوّن وتصهر منهم قوّة فعّالة ومَهيبَة.
ج – بثّ روح المبادرة والمواصلة والإبداع في نفوس النّشء.
د – إرشاده وتوجيهه إلى كيفيّة تكوّنه، ومتى وأين .. ، وكيف يستغلّ أوقاته وإمكاناته، وكيف يوجّه حياته ويخطّط لها، وكيف يبني علاقاته مع محيطه ...
هذه العوامل وهذه الملاحظات، هي التي تنقص توجيهنا، ويفتقد إليها ناشئتنا، فسبّب لهم التّيه والضّياع، وعدم الاستقرار، وقلّة استثمار طاقاتهم فيما يعود على دينهم وأمّتهم بالقوّة والنّفع الكبير. هذا التّوجيه أو هذا التّوجّه، كان له حضور قويّ وكبير في فكر الشّيخ حمّو فخّار، فمنحه هذه الأصالة والعمق، فأثمر ثمارًا يانعة، مظاهرها هذه الأجيال التي صنعها على عيني فكره وتربيته، فطلعت شموسًا تشرق على وُهد المجتمع ونجده، تنعشه وتغذّيه الغذاء الطّيّب. وسطعت أقمارًا في سماء أرضه، ترسل أنوارها، فتضيء الدّروب المظلمة، وتنير المسالك الحالكة؛ فتهتدي بها الأجيال المتعاقبة .. (1/88)
صفحة 88
12 – إنّ ما قدّمه الشّيخ حمّو من نصائح وتوجيهات في مجال البناء والإعداد، يعضده ويسنده من يسير في دربه الإصلاحي. يبيّن ويؤكّد واقعيّة ما كان يدعو إليه ويتبنّاه. كيف لا يكون هذا أو يحصل هذا، والمشكاة التي يصدرون منها أو عنها واحدة، وطبيعة العمل التي يقومون بها واحدة، والغايات التي يرمون إليها واحدة ...
نسجّل في ختام عرض بعض أفكار الشّيخ حمّو فخّار في قواعد يناء الفرد أنّ تكوّنه المبكّر القويّ، وكثرة قراءاته ومطالعاته، أفادته في حياته العمليّة، وأمدّته بالمؤونة المناسبة، وكفتهُ في أوقات شغله بالعمل الاجتماعي والإصلاحي، الذي لا يتيح له المحال كثيرًا للتّفرّغ للقراءة الواسعة؛ طبقًا للإرشاد القائل الآتي: " اغتنم فراغك قبل شغلك". بمعنى إنّ الشّيخ حمّو كوّن نفسه في الصّغر، وفي زمن التّلمذة والتّحصيل، قبل أن ينغمس في خضمّ الحياة الاجتماعيّة، التي لا تبقي وقتًا كبيرًا للمطالعة والقراءة الواسعة. أي استغلّ أوقاته أحسن استغلال في سنوات طلب العلم، وعَمَرَها بما يفيده في التّكوّن. هذا أحد الدّروس الذي نتلقّاه من سيرته في البناء.
كما أنّ بقاءه على صلة مع أساتذته ومشايخه: مراسلةً، ولقاء، واستشارة ... كانت من عوامل تكوّنه القويّ، ونجاحه في عمله الاجتماعي. فليكن ذلك درسًا لمن يريد ويروم التّكوّن السّويّ القويّ ..
نقدّم في نهاية هذا العرض شهادة شيخه فصيلة الشّيخ عدّون بن بالحاج شريفي، -رحمه الله - في قيمة خطبه، التي هي من بين الوسائل التي سجّلت ونشرت فكره: " ... وإنّك لتلمح فيها شموليّة التّناول، ودقّة التّحليل، ومنطقيّة التعليل، وواقعيّة العلاج، وتلك جماع الحكمة، والحكمة فضل الله يؤتيه من يشاء ... :" (1)
رحم الله شيخنا، وأسكنه فسيح جنانه، وشمله قوله سبحانه وتعالى: {سلامٌ عليْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} (الرّعد: 24).
الجزائر يوم الأربعاء: 18 من جمادى الأولى 1427هـ
__________
(1) - من خطب الحمعة (1)، ص: ج. (1/89)
صفحة 89
14 من ... جوان ... 2006
الدّكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام
الملحق رقم: (1)
خطاب في عرس الحكيم يوسف بن سعيد شريفي (1)
أستاذي الجليل الشّيخ بيّوض.
أستاذي العزيز الشّيخ عدُّون.
باسم ثلّة من أبنائكم وأترابكم القائمين على رعاية الأمانات والعهد في مضمار التّعليم والإصلاح الاحتماعي بغرداية. أرفع إلى شخصكم الكريم وإلى أنجالكم الميامين خالص التّمنّيات وصادق الدّعوات وأحرَّ التّهاني، في فرحتكم العظمى بقران ولدكم النّجيب
__________
(1) - وجدت هذا الخطاب في أوراق والدي المغفور له - بإذن الله تعالى - مكتوبًا ومنسوخًا بخطّه، ووالدي ممّن هو معجب بأادب الشّيخ حمّو بن عمر فخّار رحمهما الله. وهو يحرص ويجتهد في جمع الدّرر والشّذرات وكلّ ما تصل إليه يده ممّا ينشر أو يقال أو يسمع به .. وهو كثير المطالعة وله كراريس يدوّن فيها مجاني الأدب، وله ملفّات يجمع فيها قصاصات الجرائد والأوراق التي تتضمّن الفوائد العلميّة والأدبيّة وغيرها .. كثير ما يقول لي – رحمه الله – ما استفدته من المطالعة بعد انقطاعي عن الدّراسة في معهد الحياة، أكثر بكثبر ممّا أّفدته حين كنت طالبًا فيه .. هذه الأوراق وجدتها في أحد الملفّات التي تركها ..
فضّلت نقل هذا الخطاب من متروك والدي؛ علّ الله يشملني برحمته، بتقديم مكرمة من مكارمه، التي تكون له حسنة، له أجرها وأجر من أفاد منها إلى يوم القيامة إن شاء الله. وتكون لنا في ذلك حسنة البرّ بالوالدين، بإذن الله تعالى.
أشير إلى أنّي وجدت اختلافًا بين ما في الأوراق التي نقلت منها، وما نشر في كتاب: " وقفات ومواقف "، ص: 130 – 136. يبدو أنّ الشّيخ حمّو عدّل في الخطاب قبل نشره، وسمّاه " خير هاد إلى سبيل الرّشاد ".
في أذكر أيضًا أنّي وجدت في الأوراق التي نقلت منها هذا الخطاب مزجًا بين ما جاء في خطاب الشّيخ حمّو في عرس الحكيم يوسف، الذي كان سنة 1971م، والذي ألقاه في عرس بكير بن عدّون (أي أخيه)، الذي كان سنة 1982م.: تحت عنوان: " إذا مات منَّا سيّد قام سيّد". ينظر وقفات ومواقف، ص: 158 – 164. لست أدري أين يكمن الخلل .. المهمّ عندي هو تقديم نصائح للشّباب في مجال البناء. والأهمّ أن أكون قد حقّقت هدفًا وهو ما أشرت إليه آنفًا.
ما جاء في خطاب الشّيخ حمّو فخّار له صلة بموضوع الكتاب الذي حرّرناه عن فكر الشّيخ حمّو فخّار .. ، وفيه إشارات مهمّة، تتمحور حول بناء الفرد، لذا أثيناه في الكتاب. ملحقًا وتكملة للموضوع .. (1/90)
صفحة 90
يوسف. إنّها لفرحة تعمّنا ولا تخصّكم؛ بحكم أبوّتكم الرّوحيّة التي ظلّلت تراب الواحة الخصيب، وراحت دائرتها النّورانيّة تنداح وأبعادها تتّسع لتعمّ أرجاء القطر الحبيب، ثمّ تتواصل في عزيمة عقبة الفاتح، ليكون لكم بكلّ ربع من الفضل نصيب، في الخضراء غصن رطيب، وفي الجبل طود شامخ، وعلى سماء المغرب صقر جارح، وهناك وهناك هزار وعندليب.
فيا رعى الله القرارة التي أنجبتكم، وتوّجها بمعهد الحياة، الذي تديرونه، حتّى ما يدري التّاريخ بأيّكما يبدي إعجابه، أبإشرافكم على المعهد، أم بالمعهد الذي عليه تشرفون؟! لا أقصد الإشادة بالمعهد في وقفتي هذه، وإن كان جديرًا بها. ولكن بالجهد المتواصل الذي يبذل من أجل تثبيته وتركيزه وتعديل مناهجه وتطويره، من القائمين عليه، في طليعته الشّيخ عدّون حفظه الله.
الأمر الذي يتركنا نوالي البعوث من أبنائنا للقرارة في إسراف نلام عليه أو نغبط، من اكتساب القدوة الحسنة وتشرّبها من معدنها وفردوسها الأعلى، طالما أنّ مجالات التّحصيل في العلم وافرة. أمّا نماذج الاقتداء وعظمتها فعزيزة الوجود في هذا الوجود.
حقًّ إنّ هذا التّكريم موجّهٌ إلى العريس الشّاب، ولكن يجب أن لا تنسينا غمرة الفرح ونشوة الفوز والنّجاح من كانوا السّلم لأفراحنا، والدّافع لنا إلى صهوات عزّنا ومجدنا.
وما أولئك غير هؤلاء الشّيوخ المضطلعين بأعباء الأمّة في كلّ الميادين، من أنداد الشّيخ عدّون، وإن وخط الشّيب لحاهم واشتعلت به رؤوسهم .. لكن عزائمهم مستقاة من أولي العزم من من الرّسل، واحتسابهم من احتسابهم، وتفانيهم في الخير والصّلاح من تفانيهم. فهم الرّعاة، وهم الحياة، وهم رهبان اللّيل، وهم أسود النّهار، عليهم العول في إصلاح ذات البين، وسداد كل دين الأيامى واليتامى، تأزر إليهم في الملمّات، والحيارى والثّكالى تلوذ بحقوبهم (ربما بحقوقهم؟؟) يوم الرّوع والفزع. كم نقضوا وكم أبرموا في الأنكحة من عقدة! وكم يسّروا من عسرة، وستروا من سوأة وعورة! أعمارهم وقف على رعاية أرامل النّازحين والمغتربين، وكفالة من تخلّفت (ربّما تخلّت) أمّهاتهم وشغل عنهم آباؤهم (1/91)
صفحة 91
من المشرّدين، فضربوا الحجر على السّفهاء، وقدعوا أنوف الغاوين من المذنبين السّقطاء. لا تنفكُّ ابتهالاتهم من بيوت الله تعلو إلى أجواز الفضاء، وصرخاتهم في الدّعوة إلى الله تغزو آذان الجماهير؛ لكي لا يكون للنّاس على الله حجّة بعد الرّسل ..
أمّا تشجيعهم للطّموح فتنبيك عنه الإطارات المغمورة والكفاءات المشهورة المشكورة، إلى ما عدّ له ولا حصر من الباقيّات الصذالحات، التي لا يكلّف نفسه عناءها المضني، وسهرها المميت، إلاّ من آمن إيمانًا راسخًا بالباقيات الصّالحات، والباقيات لصّالحات خير عند ربّك ثوابًا وخير أملا.
فما بنا من نعمة التّكافل والاشتراكيّة الحقّة والنّزاهة والعفّة والجدّ والكدّ، وما يمهّد لذلك وما يستتبعه من محامد في مجتمعنا المزابي، كان من الله حقًّا. إنّما كان على يدي هذه النّخبة المتتازة من خيرة الآباء، وتحت إشرافهم وقيادتهم الحكيمة الحازمة:
أولئِكَ آبائي، فجِئْنِي بِمِثْلِهمْ ... إذا جمعتنا يا جرير المجامعُ
وبعد!! فهل هذا الاعتزاز بالأبوّة والإشادة بمزاياها تطاول على البنوّة؟ وهدر لخصائصها ودورها الفعّال؟
كلاَّ وربِّ القلوب النّابضة والأنفاس النّازلة الصّاعدة، والشّعوب الواثبة النّاهضة، فالأبناء هم الضّالة المنشودة والغاية المقصودة من كلّ قران: { ... فهَبْ لي من لَدُنكَ وليًّا يَرثُنِي ويرثُ من آل يعقوب واجْعلْهُ ربِّ رضِيًّا} (مريم/ 5، 6).
فمن للغراس التي يغرس؟ والبدور التي تبدر؟ وأيّ شيء يضمن للإصلاح امتداده، وللفضل اكتماله واشتداده .. غير تلكم الخلائف التي تمسك الرّاية، فلا تنتكس، وتنير السّبيل فلا يضِلُّ اللاّحق ولا يشقَى ..
فإذا كان الشّباب في حاجة، لا محيد عنها إلى حكمة الشّيوخ وخبرتهم، وصدق حديثهم؛ لتمرّسهم بالأنّات، وتكسّر النّصال على النّصال؛ من طول ما لاقوا من أهوالٍ وأزمات .. فما أحوج الشّيوخ لمن يسندهم بالسّواعد المفتولة، والأفكار المستحدثة والآمال الواسعة، (1/92)
صفحة 92
والمخطّطات البعيدة والاندفاع العارم؛ ليطوي المسافات، والتّصميم الحازم، يزيح السّدود وينسف العقبات ..
بيد أنّي بحكم سنّي المخضرم أرى من واجبي في مثل هذا الملتقى التّاريخي، أن أدعو كلاًّ من آبائي وأبنائي إلى بعض القصد والاعتدال ممّا يقال، لعلّنا نرتق ما عساه حصل من فتق، ونرأب ما عسانا أحدثناه، أو اُحْدِثَ بنا من صدع. وحيّا الله الحكمة الخالدة: ما دخل الرّفق في شيء – حتّى في معاملة الأبكار - إلَّا زانه، وما دخل الخرق حتّى في مناقشة الأفكار – إلاّ شانه ..
فمعذرة معذرة أيّها الآباء في نقد الأبناء إذا تفلت جارحًا [كذا]. ومغفرة مغفرة تطلّعهم وطموحهم للصّدارة والاستلاء ولو كان جامحًا .. فإنّهم في عهد الثّورة والسّورة .. ومهما جروا مع العشّاق في حلبة الهوى، ونهزوا مع الغواة بدلوهم، فإنّها زلّة لا يضيق بها العفو، وعنفوّة كسحابة صيف، سرعان ما يصيبها الصّحو ..
كلاكما خلف عن فقد صاحبه ... هذا أبي حيّ، أدعوه وذاك ولي
وحذار حذار أيّها الشّباب!! أن تستنكفوا عن دروس التّأسِّي، ممن سبقكم في زحمة ما تتهالكون على تحصيله، من دروس الحياة أو من علوم الحياة، فيدرك التّلف ما يدركه من قبلهم من ذبول ونحول، فلا تملكون بعدهم غير قول ابي فراس:
سيذْكُرُنِي قومِِ إذَا جدَّ جدُّهم ... وفي اللّيلةِ الظَّلماءِ يُفتقَدُ البدرُ
ولوْ سدَّ غيرِي ما سدَدْتُ اكتفَو ابِهِ ... وما كان يغلُو التِّبْرُ، لو نَفقَ الصّفرُ
أخي العريس!!
لا خيل عندكّ تهديها ولا مال ... فليسعدِ النُّطقُ إنْ لَمْ بيسعد الحالُ (1/93)
صفحة 93
فإليك من كلّ زهرةٍ تتفتَّح وتعبقُ في هذا الرّبيع الطّلق البسّام، أسنَى هديّة، وأجمل باقة تنعش روحك، وتديم أنسك، وليكن شعارك شعار الرّافعي ما حييت:
قلبي يحبُّ، وإنّما ... ... أخلاقه فيه ودينه
قلبي هو الذّهب الكريم ... فلا يفارقه رنينه (1)
بارك الله فيكما، وبارك عليكما، وجمع بينكما في خير، وإلى الّقاء في عرس شقيقك بكير، وإنّ غدًا لناظره قريب. و السّلام على الجمع المبارك ورحمة الله و بركاته.
غرداية يوم: 03/ 04/ 1971م
بسم الله الرّحمن الرّحيم
رسالة إلى جماعة باتنة وشبابها
أيّها السّادة الكرام أعضاء جماعة باتنة الأعزّاء!! والإخوة في جمعيّة الشّباب الأصفيّاء في رابطة الطّلبة الأوفيّاء!! السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته. حفظكم الله ورعاكم وسدّد خطاكم، ووفّقكم في أعمالكم، وتقبّل تضحيّاتكم، وأثابكم عنها جنّة المأوى في دار الأخرى، بمشيئة المولى ..
دأبتم كلّ سنة على إحياء ذكرى المشايخ في شهر جانفي (2)، الشّهر الذي التحق فيه مجموعة من المشائخ بالرّفيق الأعلى. على رأسهم الشّيخ إبراهيم بن عمر بيّوض، والشّيخ
__________
(1) - في بعض الأبيات المثبتة في هذا الخطاب كسور عروضيّة ..
(2) - تقام التّظاهرة في مسجد الفرقان بمدينة باتنة، بدأت في بداية التّسعينيّات من القرن العشرين، وهي تقام كلّ سنة .. بدأت بإحياء ذكرى الإمام إبراهيم بن عمر بيّوض – رحمه الله – (ت 1401هـ/ 1981م). في السّنوات الأولى، ثمّ توسّعت إلى بقيّة الشّخصيّات الأعلام .. تختار في كل سنة – غالبًا - شخصيّان، تقدّم عنهما محاضرات ويقام لهما معرض عن حياتهما ثمّ معرض لبيع الكتب .. وتقدِّمُ في اليوم الأخير فرقة بلابل الأوراس حفلاً فنيًّا أدبيًّا، بمشاركة فرقة المسرح التّابعة لمسجد الفرقان .. تستمرّ التّظاهرة ما بين أربعة أيّام إلى أسبوع كامل ... (1/94)
صفحة 94
عبد الرّحمن بن عمر بكلّي، والشّيخ عليّ يحي معمّر، والشّيخ بكير بن محمد رشوم .. ولحق بهم يوم الأحد: 07 من محرّم الحرام 1430ه/ 04 من جانفي 2009م، (أي هذه السّنة) المجاهد والتّقيّ الورع رئيس حلقة عزّابة القرارة الشّيخ يحي بن محمد ألجون .. رجمهم الله جميعًا.
هذه الوقفة السّنويّة، هي للوفاء والتّقدير، والاعتبار والتّذكير. هي لعرض الأعمال وتسجيل جميل الخصال، هي لإنجاز الوعد وتجديد العهد، هي وسيلة لربط الخلف بالسّلف، وتوثيق اللّحمة بين الأصول والفروع ..
إنّ سير العظماء سجلٌّ للمآثر والمكارم، ومجال للتّعلّم والتّثقُّفِ والافادة من التّجارب، فمن أحسن استغلالها فاز بالصّيد الثّمين، وبنى صرح حياته على ركن مكين. هذا ما عهدناه، ممّا قدّمتموه في السّنوات الماضية، ولمسناه في الأوساط العامّة. فلقد كان للمحاضرات والنّدوات والأعمال، التي قدِّمت في هذا الإطار، وفي هذا المجال تاُثير واضح في النّفوس، وجدوى كبيرة في السّلوك، نرجو أن يتضاعف هذا التّأثير، وتزداد هذه الفائدة، وتتواصل هذه الجهود، وتكثر هذه اللّفتات ..
لقد اخترتم هذه السّنة شخصيّتين كبيرتين بارزتين متميّزتين، تحتفلون بهما، لتحقّقوا بذلك الأهداف المذكورة آنفًا، وتسجِّلوا الوقفات المشار إليها سابقًا. هاتان الشّخصيّتان هما: الشّيخ إبراهيم بن يحي الحاج أيّوب (قرادي)، المتوَفَّى سنة 1409هـ 1989م، والشّيخ حمّو بن عمر فخّار، المتوفَّى سنة 1426ه/ جوان 2005م. رحمهما الله.
هما من نتاج غرس إمامنا الشّيخ إبراهيم بيّوض، وأستاذنا الشّيخ عدّون، ومن ثمار معهد الحياة العامر بالقرارة. لهما مكانتهما في المحيط الميزابي بخاصّة، ودورهما في خدمة (1/95)
صفحة 95
المجتمع: تعليمًا وتوجيهًا وإصلاحًا وتطويرًا .. كلاهما أديب، أسهم في إثراء جريدة الشّباب، التي كان يصدرها طلبة معهد الشّباب (أي معهد الخياة)، لمّا كانا طالبين في رحابه.
واصلا تألّقهما في سماء الأدب، وهما في خضمّ العمل الاجتماعي والثّقافي والإصلاحي. تألّق الشّيخ قرادي في الشّعر، والشّيخ حمّو في النّثر. برز الأوّل في التّاريخ، سجّله وكتبه، خَزَّنت ذاكرته الذّهبيّة وقائع وواقعات وأحداثًا، ومشاهد ومواقف كثيرة، وشارك هو نفسه في صنع كثير منها. قيل عنه حين توُفِّي: " خزانة من التّاريخ دفنت تحت الأرض". وهو يتميّز – إلى جانب حفظه التّاريخ وروايته له – بتحليلٍ وتبسيطٍ ونقدٍ لما يروي ويُحدِث ..
عرف عن الشّيخ حمّو أنّه رجل الاجتماع، وفارس الأدب، وكهف التّجارب، وقائد المسيرة بكلِّ جدارة واستحقاق، وتميُّز وتفوُّق. رسائله وخطبه وخواطره وتوجيهاته .. تحمل الفكر والأدب والتّجارب والنّظرات الثّاقبة ..
اهتمّ في عمله وكتاباته ومعالجاته العميقة ببناء الفرد، وتكوينه وإعداد لخوض معترك الحياة بثقة وقوّة وجدارة، وحمل الرّسالة بأمانة وصدق ومهارة، قيل عنه:" هو تجربة تمشي على رجلين" ..
عرض حياتَي الرّجلين وتحليلُهما، والوقوف على مكامن العبر فيهما .. مكرمة تُنْفَحُ بها الأجيال الصّاعدة، وتربية تنفع النّاشئة الواعدة، وخير ننتفع به جميعًا، ونُفيدُ منهُ في مسيرتنا في هذه الحياة المتقلّبة المتغيّرة، التّي تتميّز بالتّحوّلات السّريعة، والتّعيقيدات المتنوّعة، والتّحدّيّات الخطيرة. نحتاج معها إلى منارات، نستنير بها في الدّروب الحالكة، وإلى معالم تحدّد لنا الصّراط السّويّ، والطّريق القويم، فنجنّب أقدامنا السّير في السّبل لمتفرّقة. وتلك وصيّة الله عزَّ وجلّ لنا .. هذه السّبيل نتلمّسها في مسيرات الأعلام والرّجال العظام، ونأخذها من مواقف هؤلاء الأفذاذ. (1/96)
صفحة 96
نرجو أن يفهم كلُّ من يحتفل ويحتفي بهم، ومن يستمع أو يقرأ سيرهم هذا الدّرس، ويعي هذه المعاني، ويفقه هذا المقصد؛ حتّى لا تفقد هذه الجهود جدواها، ولا نسقط في فخِّ الاحتفاليّة الفلكلوريّة الجوفاء، التي تضرّ ولا تنفع ..
وفّقكم الله إلى مزيد من النّجاح في الأعمال الهادفة المثنرة. وتقبّل منكم كلَّ ما تقدّمونه من أعمال بإخلاص في سبيل الرّفع من كلمة الله، وخدمة المجتمع، وتربية الأجيال، السّائرة في طريق الصّلاح .. واعذروني عن الغياب عن هذه المناسبة الكبرة، التي حرمت من حضورها والإسهام فيها. فنحن معها ومعكم بقلوبنا. والله الهادي إلى سواء الصّراط، وهو المُثيب على كلِّ الأعمال بالأجر المضاعف الكبير, والسّلام عليكم.
الجزائر يوم الأحد: 28 من محرّم ... 1430ه
25 من ديسمبر 2009م
أخوكم الدّاعي لكم بكلّ خير: محمد بن قاسم ناصر بوحجام
المصادر والمراجع
1 ـــــــ الإبراهيمي، محمّد البشير (الشّيخ).
أ ـــــــ عيون البصائر، الجزء الثّاني، الشّركة الوطنيّة للنّشر والتّوزيع، الجزائر، (د. ت). (1/97)
صفحة 97
ب ـــــــ آثار الشّيخ محمّد البشير الإبراهيمي (1) , ط1, الشّركة الوطنيّة للنّشر والتّوزيع، الجزائر، 1398هـ/ 1978م.
2 ــــ أبو اليقظان، إبراهيم بن عيسى (الشّيخ).
ديوانه، الجزء الأوّل، ط2، نشر جمعيّة التّراث، العطف، غرداية، الجزائر، 1989م.
3 ـــــــــ دبّوز، محمد عليّ (الشّيخ).
أ ـــــــ تاريخ المغرب الكبير، الجزء الثّاني، ط1، دار إحياء الكتب العربيّة، القاهرة، 1382هـ/ 1963م.
ب ـــــ نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، الجزء الثّالث، ط1، المطبعة العربيّة، الجزائر، 1969م.
4 ــــــــ فخّار حمّو بن عمر (الشّيخ).
أ ... ــــــ من خطب الجمعة (1)، نشر جمعيّة التّراث، القرارة، الجزائر، (د. ت).
ب ـــــ من خطب الجمعة (2)، نشر جمعيّة التّراث، القرارة، الجزائر، رمضان 1416هـ/ حانفي 1996م.
ج ــــــ من خطب الجمعة (3)، نشر جمعيّة التّراث، القرارة، 1418هـ/ 1997م.
من خطب الأعياد (4)،نشر جمعية التّراث، القرارة، الجزائر، 1419هـ/ 1998م.
د ــــــ كان حديثًا حسنًا (مناقب القائد المربّي الشّيخ بيّوض)، نشر جمعيّة التّراث، القرارة، غرداية، الجزائر، ذي القعدة 1420هـ/ 2000م.
ه ـــــ وقفات ومواقف، نشر جمعيّة التّراث، القرارة, غرداية، الجزائر، 1422هـ/ 2001م،
5 - المصري، عبد الله. (1/98)
صفحة 98
الدّاعية الشّهيد محمّد الغزالي، دار الاعتصام للطّبع والنّشر والتّوزيع، القاهرة، 1996م.
6 ــــــ ناصر، محمد (\كتور)
مفدي زكريّاء شاعر النّضال والثّورة، ط2، نشر جمعيّة التّراث، العطف، غرداية، الجزائرـ 1989م.
7 ـــــــ مجلّة الثّقافيّة، (مركز السّلطان قابوس العالي للثّقافة والعلوم)، مسقط، سلطنة عمان، ع: 9، ربيع الأوّل 1432ه/ فبرلير 2011م.
8 ــــــ مجلّة الحياة، (معهد الحياة، القرارة، الجزائر)، ع:1، رمضان 1418هـ/ حانفي 1998م. (1/99)
صفحة 99
موضوعات الكتاب
ـمقدّمة
الشّيخ حمّو بن عمر فخّار (بطاقة تعريف)
تمهيد
الإسلام قاعدة البناء ومرجعيّته
تكوين الضّمير الدّيني
الأخلاق أساس البناء
الإعداد القويّ والسّليم
القدوة الحسنة والجيّدة
الهدف من الإعداد والممارسة
تحمّل المسؤوليّة واجب الأقويّاء
الاعتناء بالشّباب
خاتمة
الملحق رقم: (1)
خطاب في عرس الحكيم يوسف بن سعيد شريفي
الملحق رقم: (2)
رسالة إلى جماعة باتنة وشبابها
المصادر والمراجع
موضوعات الكتاب (1/100)