صفحة 1
الكتاب: سلسلة من فكر العلماء العاملين (4) الشّيخ محمد البشير الإبراهيمي والشّباب
المؤلف: محمد بن قاسم ناصر بوحجام
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الخامس (1230 عنوان): ربيع الثاني 1438هـ / جانفي (يناير) 2017م (قرص مضغوط) سلسلة .................................................................. من فكر العلماء العاملين (4)
الشّيخ محمد البشير الإبراهيمي والشّباب
الدّكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام (1/1)
صفحة 2
بسم الله الرّحمن الرّحيم
من أقوال الشّيخ محمد البشير الإبراهيمي
المدرسة هي جنّة الدّنيا، والسّجن هو نارها، والأمّة التي لا تَبنِي المدارس تُبنَي لها السّجون.
والأمّة التي لا تَصنَع الحياة يُصنعُ لها الموت.
والأمّة التي لا تَعمَل لنفسها ما ينفعها ويسعدها، يُعمَل لها ما يضرّها ويشقيها.
والأمّة التي لا تكرم شبابها بالعلم والتّثقيف مضيّعة لرأس مالها.
والأمّة التي لا تجعل الأخلاق مِلاكها، أمّة تتعجّل هلاكها.
والأمّة التي تلد لغيرها أمّة تلد العبيد، لا أمّة تلد الأحرار الصّناديد.
والأمّة التي تعتمد في حياتها على غيرها، طفيليّة على موائد الحياة، حقيقة بالقهر والنّهر وقصم الظّهر.
والحياة بلا علم متاع مستعار، ونهبٌ مقسَّم.
قال محدّدًا من يحقُّ له اعتلاء منابر الوعظ والإرشاد:
إنَّ المنابرَ في الإسلام ما نُصبتْ ... إلاَّ لترفعَ صوتَ الحقِّ في النّاس
فاخترْ لأَعوادِها - لا - من يلينُ له ... في الحقِّ عودٌ، ولا يصغي لخنَّاس
ومن إذَا ريعَ سِربُ الدّينِ خفَّ لهُ ... وّلَمْ يَكُنْ لعهودِ اللهِ بالنّاسي
قال عن الشّاب الجزائري: أتمثّله بانيا للوطنيّة على خمس، كما بني الدّين على خمس: السّباب آفة الشّباب، واليأس مفسد للبأس، والآمال لا تدرك إلّا بالأعمال، والخيال أولّه لذّة وآخره خبال، والأوطان لا تخدم باتّباع خطوات الشّيطان. يا شباب الجزائر! هكذا كونوا أو لا تكونوا ..
قال الشّيخ محمد البشير الإبراهيمي: " لم يتّسع وقتي للتّأليف والكتابة، مع هذه الجهود التي تأكل الأعمار أكلاً، ولكنّني أتسلَّى بأنّنِي ألّفتُ للشّعب رجالاً، وعملت لتحرير عقوله؛ تمهيدًا لتحرير أجساده، وصحَّحتُ له دينه ولغته، فأصبح مسلمًا عربيًّا، وصحَّحتُ له موازين إدراكه فأصبح إنسانًا أبيًّا، وحسبي هذا مقرّبًا من رضى الرَّبِّ ورضى الشّعب. (1/2)
صفحة 3
ومع ذلك فقد ساهمتُ بالكتابة في موضوعات مفيدة، ولكن لم يساعدني الفراغ ولا وجود المطابع على طبعها.
قال عنه الشّيخ حمّو بن عمر فخّار: فحياته كلّها وحشة واغتراب، ومسؤوليّات واضطرابات، ومفاجآت ومجابهات، وخطب ومقالات، ومصاولات ومداولات ومناورات ..
مقدّمة
قد يتساءل أحدنا لماذا هذا الموضوع: " الشّيخ محمد البشير الإبراهيمي والشّباب "؟ ما أهميّته في الوقت الحاضر؟ هل للإبراهيمي خصوصيّة في الموضوع؟
أقول: قرأت للشّيخ الإبراهيمي كثيرًا من مقالاته، وأعدت قراءتها مرارًا وتكرارًا؛ وأقول أيضًا: لكتاباته حضور كبير ومتميّز في كثير من دراساتي؛ لحاجتي إلى أفكاره ورؤاه وتحليلاته .. لبسط موضوع، أو عرض آخر، أو الاستئناس بغيره؛ بِما كتب ونشر .. فتكوّنت لديّ قناعة أنّ بعض الموضوعات وبعض الأفكار والنّظرات والنّظريّات ... للشّيخ البشير الإبراهيمي باع كبير فيها، وله تميّز في عرضها وبسطها وتحليلها .. ؛ نتيجة تجاربه الميدانيّة، واحتكاكه الدّائم الدّائب، القريب بالمجتمع، ومروره بميادين ومجالات عديدة في العمل التّربوي والاجتماعي والثّقافي .. وتقلّده مناصب قيادبّة في المجتمع، وتسييره لهيئات عديدة، كما أنّ هذا التّميّز جاء ثمرات لسعة معارفه وتنوّعها، التي حصل عليها بجّده واجتهاده في وقت مبكّر من حياته، بالإضافة إلى المواهب الفطريّة التي حباه الله إيّاها، من ذكاء وقّاد، وحافظة تلتقط الكثير ممّا يمرّ بها، ولا تلفظ ما تخزّن فيها، وذاكرة تسعفه في أيّة لحظة يستنجد بها ..
إلى جانب ما يعرف عنه من خصائص، كالعمق في التّفكير، وحسن النّفاذ إلى كنه الأشياء، والبراعة في التّحليل .. وغيرها .. جماع ذلك كلّه وخلاصته أنّه مدرك تمام الإدراك أنّه تعلّم ليعمل، وأنّ عليه وعلى أمثاله ممّن أعطاهم الله تلك المواهب حقًّا، ينتظره واجبٌ كبيرٌ، هو تسخير هذه النّعم وتجسيد هذا الحقّ في خدمة المجتمع بكلّ ما يتطلّبه، وفي كل ما يحتاج إليه ..
كان الشّيخ البشير ممّن أولى عناية خاصّة بالشّباب، وشغله أمرهم كثيرًا، وكان يرى فيهم أمل الأمّة ومنقذها ممّا تعيش فيه من أوضاع مزريّة، في ظلّ الاحتلال الفرنسي الغاشم، الذي كان يحارب أوّل من يحارب (الشّباب) بالقهر والدّحر، وبالإغراء والإغواء، والتّنديد والتّهديد والحرمان من كلّ ما يبني فيه شخصيّته .. فكان الإبراهيمي بالمرصاد لهذه الأعمال التّدميريّة الاستنزافيّة لمستقبل الأمّة الجزائريّة، باستهداف شبابها ..
هذه الأسباب وغيرها مجتمعة كانت الدّافع لتناول موضوع الشّباب مرتبطًا أو مقرونًا بجهود الشّيخ البشير الإبراهيمي في معالجته. وشبابنا اليوم في حاجة إلى هذا الموضوع الذي يقدّم نصائح وإرشادات مصبوغة بالصّبغة العربيّة الإسلاميّة في مضمونها وأهدافها، والمنطلقة من الواقع المعيش، والنّاطقة بسمة المنطقيّة والاستراتيجيّة .. لسّاعية لبناء مستقبل الأمّة. (1)
__________
(1) - أصل هذا لبحث كلمة ألقيناها؛ تلبيّة لدعوة من المركز الثّقافي الإسلامي لمدينة باتنة، للمشاركة في ندوة، أقامها يوم الأحد: 09 من محرّم 1428ه، الموافق لـ 28 من جانفي 2007م، للعالمين الكبيرين: الشّيخ محمد البشير الإبراهيمي، والشّيخ إبراهيم بن عمر بيّوض، الذي قدّم عنه الدكتور مصطفى بن صالح باجو كلمة في هذه النّدوة. (1/3)
صفحة 4
إنّ الشّيخ الإمام محمد البشير الإبراهيمي أعطى اهتمامًا كبيرًا للشّباب؛ إرشادًا وتوجيهًا وبناء ونقدًا، وتشجيعًا للمبادرات التي يأتي بها، وتقريعًا إذا ما بدا له مقصّرًا في أيّ مجال وميدان ..
هذا ما اجتهدنا في عرضه في هذا البحث المختصر. ممّا تناولناه فيه البحث: حقيقة الشّباب، مكانته في فكر الإبراهيمي، بناؤه وإعداده، الشّباب في حاجة إلى رعاية وعناية، السّبل الكفيلة بتقويم الشّباب. نصائح وتوجيهات للشّباب .. دور القادة في التّنشئة والإعداد، مقوّمات التّكوين والبناء، ماذا يجب على الطّلبة الشّباب ...
نقدّم لِهذه الشّذرات التي عرضناها عن الشّيخ الإبراهيمي والشّباب بالملاحظات الآتية:
1 ـــــــ كتب الشّيخ محمّد البشير الإبراهيمي كثيرًا في موضوع الشّباب بكلّ فئاته .. وما عرضناه هو وَشَلٌ من سيل عارم، أو هو طلٌّ من وابل هاطل ... وما في الرّصيد من كمّ هائل، مخزون ومنشور في كتاباته ..
2 ـــــــ جمعنا كلّ ما عرضناه في هذا البحث؛ ممّا كتبه الشّيخ محمد البشير الإبراهيمي عن تربية النّشء والشّباب والمعلّمين والموجّهين .. تحت عنوان الشّباب؛ لأنّ هؤلاء يمثّلون فترات القوّة التي يكون فيها المجال واسعًا فسيحًا للتّربيّة والتّكوين، بل هي الفترات التي تحتاج إلى العناية والرّعاية .. ؛ ليتكوّن منهم الرّجال الذين يخدمون المجتمع، الذين يرفعون أركانه، ويقيمون كيانه، ويسيرون به نحو التّقدّم والازدهار والاستقرار .. وهؤلاء يمثّلون فئة الشّباب .. شكلاً أو مضمونًا ..
3 ــــــــ عمدنا إلى التّحليل والتّفسير والنّقد والمقارنة للكشف عن آراء الشّيخ الإبراهيمي .. لبيان دورها في البناء والإعداد.
4 ـــــــــ عمدنا – في بعض الأحيان - إلى الرّبط بين ما قاله الشّيخ الإبراهيمي في الفترة التي عاشها أو عالج أوضاعها، وما نعيشها اليوم؛ لندرك بعض الحقائق في سيرورة التّربيّة ماضيًا وحاضرًا، وتقويم دورنا نحن – بخاصّة – وإدراك الأخطار التي تحدق بنا؛ نتيجة استعمار خاصّ جديد يسكن نفوسنا، أو ما يأتينا من خارجها، بعد ما كان الاستعمار الاستيطاني في فترة احتلال الجزائر من عوامل تضهور التّربيّة وانحطاط التّكوين وفساد التّعليم، وضعف الإعداد ..
قد يرى بعض الذين يمارسون الإرهاب المنهجي هذا التّصرّف خروجًا عن المنهجيّة العلميّة والموضوعيّة العلميّة .. أقول أنا: مادامت الكتابة رسالة – كما أعتقد ذلك – فإنّ هذا الإجراء أو التّصرّف موضوعي ومنهجي من هذا المنظور؛ لأنّ في هذه الرّسالة اعتبارَا وتقويمًا وإفادةً وتوجيهًا .. وإلاّ غدت الكتابة ممارسة من دون روح ولا هدف، إلاّ هدف التّنفيس عن النّفس والتّرويح عن القلب .. وهذا جانب من رسالة الكتابة، وليس هو الهدف الأساس .. أو ليس هو الهدف الوحيد.
5 – أضفنا إلى بحثنا الأصلي بعض الزّيادات، وقمنا ببعض التّنقيحات والتّصحيحات ليستوي كتابًا، نشرناه كما هو الآن بين أيدي القرّاء الكرام ..
نسأل الله أن تكون هذه القبسات من فكر الشّيخ البشير الإبراهيمي أنوارَ هداية لنا في طرق التّعامل مع الشّباب، (1/4)
صفحة 5
كما نرجو أن تكون في هذه الومضات صُوًى ومناراتٌ للأجيال الحاضرة، تستنير بها في ظلمات الحيرة والتّيه التي تلفّ حياتهم المتغيّرة المتقلّبة، التي يسيطر عليها ويوجّهها من لا يريد أن يراهم في الطّريق الصّحيح .. وأن تكون أيضًا للشّباب دفعًا ونفعًا لهم ليثقوا بقدراتهم وكفاياتهم التي بتمتّعون بها، ليفهموا الحياة جيّدًا، ويدركوا دورهم فيها، وليستثمروا مواهبهم في التّمتّع بالحياة كما تأمر الفطرة الإنسانيّة، ثمّ ليستمروا مع الحياة في عطائها وتطوّرها .. هذا ما بيّنه ولفت إليه الأنظار، وركّز عليه الاهتمام الشّيخ الإبراهيمي الإمام. وفّقنا الله إلى ما يحبّه يرضاه، وإلى ما فيه صلاحنا دنيا وأخرى.
الجزائر يوم الأحد: 07 من رمضان 1437ه
12 من ... جوان 2016م
الدّكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام
التّعريف بالشّيخ محمد البشير الإبراهيمي
اسمه الكامل: محمد البشير محمد السّعدي بن عمر الإبراهيمي .. (1)
من مواليد يوم الخميس 14 من شهر شوال سنة 1306ه/ 13 من شهر جوان سنة 1889م (2)،في قصر الطّير قبيلة ريغة، من مدينة أولاد إبراهيم، ولاية سطيف. تلقّى دروسه الأولى على عمّه، الشّيخ محمّد المكّي الإبراهيمي، الذي قام على تربيته .. وقد لازمه ملازمة كبيرة، وكان هو يعتني به عناية خاصّة .. وتكوينه الأوّلي الأساسي كان عليه .. وهو بحفظ له هذا الجميل وهذه الرّعاية الخاصّة، وهذه العناية الكبيرة، حتّى مكّنه أن يتصدّى للتّدريس وعمره أربع عشرة سنة، بعد وفاته، فكان بدرّس زملاءَه الذين كانوا يدرسون معه.
هاجر إلى المدينة المنوّرة سنة 1911م لإتمام دراسته بها، مرورا بالقاهرة. وكان انتقاله إليها، بعد هجرة والده إلى الحجاز سنة 1908م؛ فرارًا من الإرهاب الفرنسي.
يقول الشّيخ البشير الإبراهيمي: " وبالجملة كانت إقامتي بالمدينة المنوّرة أيّام خير وبركة عليَّ، فكنت أنفق أوقاتي الزّائدة في إلقاء دروس في العلوم التي لا أحتاج فيها إلى مزيدٍ، النّحو والصّرف والعقائد والأدب، وكنت أتردّد على المكتبات الجامعيّة ..
كلّ هذا لم أنقطع عن إلقاء الدّروس، وجاءت الحرب العالميّة الأولى فلم أنقطع عن هذا النّظام المحكم في حياتي
__________
(1) - ذكر الشّيخ حمّو بن عمر فخّار أنّ اسمه الكامل هو محمد بن بشير بن عمر الإبراهيمي ينظر، " البشير الإبراهيمي "، مجلّة الحياة، (معهد الحياة)، القرارة، الجزائر، العدد الثّاني، رمضان 1419هم جانفي 1999م، ص: 74. والصّحيح ما أثبتناه، كما أشار إليّ بهذا الأستاذ محمد الهادي الحسني، في مكالمة هاتفيّة، وذكر لي أنّ هذا ما سجّله الشّيخ محمد البشير الإبراهيمي بنفسه. ذكر الشّيخ حمّو فخّار – أيضًا - أنّ اللشّيخ الإبراهيمي درس في زاوية (ابن الشّريف)، في شلاطة بجبال القبائل .. ينظر الصّفحة نفسها.
(2) - يقول الشّيخ محمد البشير الإراهيمي كما رأيت ذلك مسجّلاً بخطّ جدّي لأبي عمر الإبراهيمي – رحمه الله – في سجلٍّ أعدّه لتسجيل مواليد الآسرة ووفياتها .. ينظر محمد البشير الإبراهيمي، " خلاصة تاريخ حياتي العلميّة"، مجلة الموافقات، المعهد الوطني العالي لأصول الدِّين، الجزائر، العدد الرَّابع، جوان 1995م، ص: 381. كتب هذه النّبذة بطلب من مجمع اللّغة العربيّة بالقاهرة، عندما انتخب عضوًا فيه سنة 1961م. (1/5)
صفحة 6
العلميّة ... " (1)
في سنة 1913م التقى في المدينة المنوّرة بالشّيخ ابن باديس وتعارفا، وتكّوّنت بينهما صداقة. جمعتهما على النّظر في أوضاع الجزائر، والتّفكير في مستقبلها .. أثمرت فيما بعد زمالة دائمة وصحبة مستمرّة في خدمة قضايا الوطن ومعالجة مشاكله، وتربيّة أبنائه، وتكوين رجاله ...
في سنة 1917م انتقل إلى دمشق مع والده. ثمّ. التحق أستاذًا للأدب العربي بالمدرسة السّلطانيّة بدمشق، بعد أن طُلبَِ للتّعليم في عدّة مدارس في دمشق، وإلقاء دروس في مساجدها .. لم يُلَبِّ كلّ الدّعوات ..
في سنة 1920م شارك في تأسيس المجمع العلمي العربي بها.
في السّنة نفسها عاد إلى وطنه بحصيلة علميّة كبيرة في مختلف المعارف؛ ليبدا جهاده العلميى والتّربوي مع أترابه من علماء الجزائر، روَّاد نهضتها وباعثي الإصلاح فيها. بدأ بعقد ندوات علميّة للطلبة، ثمَّ إلقاء دروس دينيّة على بعض الجماعات القليلة ... ثمّ تدرّج في هذا العمل إلى أن تمكّن من إلقاء محاضرات علميّة وتاريخيّة .. ثمّ وُفِّقَ بعد ذلك إلى تأسيس مدرسة صغيرة لتعليم النّاشئة ..
في سنة 1931م شارك في تأسيس جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريّين، التي كان رئيسها الأوّل هو الشّيخ عبد الحميد، ابن باديس، وانتخب هو نائبًا للرّئيس ..
أشرف على تأسيس دار الحديث بتلمسان. كان التّفكير وبداية الأعمال والأشغال لإنشائها قد انطلقت منذ حلّ الشّيخ البشير الإبراهيمي بتلمسان في أكتوبر 1932م ... وتمّ تدشينها يوم 27 من سبتمبر سنة 1937. أدار هذا الصّرح العلمي الكبير وأشرف عليه ودرّس فيه. (2)
في العاشر من شهر أفريل سنة 1940م نفته السّلطات الاستعماريّة الفرنسيّة إلى مدينة أفلو بولاية الأغواط .. بقي في منفاه ثلاث سنوات ..
في سنة 1940م انتخب رئيسًا لجمعيّة العلماء المسلمين الجزائريّين خلفًا للشّيخ ابن باديس الذي توفِّي في تلك السّنة. بل بعد أسبوع واحد من انتقال الإبراهيمي إلى منفاه.
في سنة 1945م اعتقل مرّة أخرى وسجن وعُذِبَ .. لكنّه استمرّ في نشاطه وجهادة بعزيمة قويّة.
أسّس وأشرف على إنشاء عدد كبير من المدارس العربيّة في بعض نواحي القطر الجزائؤري .. أبرزها معهد عبد الحميد، ابن باديس بقسنطينة.
تولّى إدارة جريدة البصائر ورئاسة تحريرها، بعد إعادة بعثها من جديد، بعد انتهاء الحرب العالميّة الثّانبّة ..
في سنة 1952م رحل إلى المشرق، وزار كثيرًا من بلدانه، ثمّ استقرّ بالقاهرة. وفي أثناء مقامه فيها اندلعت الثّورة التّحريريّة الجزائريّة .. يقول: " وقامت الثّورة الجزائريّة المباركة سنة 1954م، واستفحل أمرها، فانقطعت مكرهًا عن
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 385.
(2) - ينظر تفاصيل عن دار الحديث، المختار بن عامر التّلمساني وخالد مرزوق، جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريين بحاضرة تلمسان، ط1، منشورات وزارة اشّؤون الدّينيّة والأوقاف، الجزائر، 1437هـ/ 2016م، ص: 169 – 220، بمناسبة تظاهرات قسنطينة عاصمة الثّقافة العربيّة 2015م .. (1/6)
صفحة 7
زيارة الجزائر." (1)
انتديته قيادة الثّورة الجزائريّة للقيام بمهمّات عظيمة لدى جامعة الدّول العربيّة .. وقد كان له نشاط مهمّ فيها لصالح الثّورة، وكان له دور بارز في خدمتها بكلّ ما أوتي من قوّة وجهد وحنكة في العمل الوطني.
فور استقلال الجزائر سنة 1962م عاد إلى أرض الوطن. وأقام بالعاصمة مريضًا بداء السّكّري .. إلى أن وافته المنيّة قرير العين؛ بما قدّم للجزائر وللإسلام وللعربيّة من جهود وجهاد كبير .. سنة 1385ه/ 1965م. رحمه الله تعالى.
قال عنه الشّيخ حمّو بن عمر فخّار: " فحياته كلّها وحشة واغتراب، ومسؤوليّات واضطرابات، ومفاجآت ومجابهات، وخطب ومقالات، ومصاولات ومداولات ومناورات.
قضى في الغربة تعلُّمًا وتعليمًا قرابة عشر سنوات، من 1911م إلى سنة 1921م.
وقضى في السّجن والمنفى قرابة خمس سنوات، من سنة 1940م إلى سنة 1945م.
وقضى في الرّئاسة خمسة وعشرين عامًا، من سنة 1940م إلى 1965م. هذا بقطع النّظر عن غربته الثّانيّة بالكنانة، والتي دامت عشر سنوات، من سنة 1952م إلى سنة 1962م؛ لأنّها فترة استثنائيّة، وهو بالتّالي يعمل – وإن كان على بعد – لصالح الجمعيّة، وبعنوانها المتألّق المحبوب. " (2)
مؤلّفاته
قال الشّيخ محمد البشير الإبراهيمي: " لم يتّسع وقتي للتّأليف والكتابة، مع هذه الجهود التي تأكل الأعمار أكلاً، ولكنّني أتسلَّى بأنّنِي ألّفتُ للشّعب رجالاً، وعملت لتحرير عقوله؛ تمهيدًا لتحرير أجساده، وصحَّحتُ له دينه ولغته، فأصبح مسلمًا عربيًّا، وصحَّحتُ له موازين إدراكه فأصبح إنسانًا أبيًّا، وحسبي هذا مقرّبًا من رضى الرَّبِّ ورضى الشّعب.
ومع ذلك فقد ساهمتُ بالكتابة في موضوعات مفيدة، ولكن لم يساعدني الفراغ ولا وجود المطابع على طبعها. وقد بقيت كلّها مسودّات في مكتبتي بالجزائر." (3)
من مؤلّفاته التي ذكرها هو، وما أشار إليه بعض الباحثين نذكر الآتي:
ـــــــــــ عيون البصائر (مجموعة مقالات نشرها في جريدة البصائر، وأغلبها كان افتتاحيّات لَها).
ــــــــــ آثاره في خمسة أجزاء (مقالات وبعض الكلمات والمحاضرات التي ألقاها في مناسبات مختلفة)، أغلبها نشر في جريدة البصائر وبعض الجرائد الجزائريّة وبعض الجرائد والمجلاّت المشرقيّة .. (4)
__________
(1) - الشّيخ محمد البشير الإبراهيمي، " خلاصة تاريخ حياتي العلميّة "، مجلّة الموافقات، العدد الرّابع، ص: 400.
(2) - مجلة الحياة، العدد الثّاني، ص: 75، 76.
(3) - مجلّة الموافقات، العدد الرّابع، ص: 398.
(4) - أوّل ما طبع من آثاره كتاب عيون البصائر سنة 1963م، ثمّ توالت الأجزاء الأخرى، وكانت تصدر تباعًا تحت عنوان آثار الشّيخ محمد البشير الابراهيمي،1، 2، 3، 4. وفي السّنوات الأخيرة أعيد طبع آثاره الأدبيّة في خمسة أجزاء تحت عنوان: آثار الشّيخ الإمام الشّيخ محمد البشير الإبراهيمي بإشراف الأستاذ محمد الهادي الحسني، المخلص لمدرسة الشّيخ الإبراهيمي الأدبيّة في الكتابة النّثريّة .. فهو ينسج – كثيرًا - على منواله، في مجموعة من خصائص كتاباته، كالتّأثر بالقرآن في صياغته الأدبيّة، والميل إلى السّخريّة فيها، وتوشحيها بالسّجع أحيانًا – لكن بأقلَّ مما عرف عن الإبراهيمي - كما يلتقي معه في امتلاك ذاكرة قويّة ذهبيّة، التي تحفظ من جملة ما تحفظ التّاريخ، الذي يوظِّفه في الخطاب والكتابة .. كما يلتقي معه أنّه كتوب، لا يتوقّف عن الكتابة التي تسجّل المشاعر والخواطر ... في الطّبعة الأخيرة أصبح ترتيب كتاب عيون البصائر الثّالث في آثار الإبراهيمي. ذكر لي الأستاذ محمد الهادي الحسني - في مكالمة هاتفيّة - أنّ التّرتيب روعي فيه التّسلسل التّاريخي، في نشر الشّيخ الإبراهيمي مقالاته وأعماله ... (1/7)
صفحة 8
ـــــــــــ كتاب: بقايا فصيح العربيّة في اللّهجة العاميّة بالجزائر. التزم فيها اللّهجة السّائدة في مواطن هلال بن عامر.
ـــــــــــ كتاب: (النّقايات والنّفايات في لغة العرب)، جمع فيه كلّ ما حاء على وزن (فعالة) من مختار الشّيء أو مرذوله.
ـــــــــــ كتاب: أسرار الضّمائر في العربيّة.
ــــــــــــ كتاب: التّسمية بالمصدر.
ـــــــــــ الصّفات التي جاءت على وزن (فَعَل) بفتح العين.
ـــــــــــ كتاب: نظام العربيّة في موازين كلماتها.
ـــــــــــ كتاب: الاطّراد والشّذوذ في العربيّة.
ـــــــــــــ كتاب: رسالة في الفرق بين لفظ المطّرد والكثير عند ابن مالك.
ـــــــــــــ كتاب: ما أخلّت به كتب الأمثال من الأمثال السّائرة.
ــــــــــــ رسالة: في ترجيح أنّ الأصل في بناء الكلمات العربيّة ثلاثة أحرف، لا اثنان.
ـــــــــــ رسالة: في مخارج الحروف وصفاتها بين العربيّة الفصيحة والعاميّة.
ــــــــــ رواية: كاهنة أوراس، حرّرها بأسلوب مبتكر، يجمع بين الحقيقة والخيال.
ـــــــــــ كتاب: حكمة مشروعيّة الزّكاة في الإسلام.
ـــــــــ كتاب: شعب الإيمان. (جمع فيه الأخلاق والفضائل الإسلاميّة).
ــــــــــ رسالة الضّب.
ـــــــــــ رواية الثّلاثة في تسعمائة بيت. قدّمها في أسلوب من التّفكُّه والدّعابة والسّخريّة الهادفة. (1)
ـــــــــــ أرجوزة: الحقنتان، في خمسة وثلاثين ألف بيت. كلُّها سخرّية وفكاهة (2)
ـــــــــــ ذكر الإبراهيمي أنّ له محاضرات وأبحاثًا كتبها عنه تلاميذه، في حين إلقائها، وفتاوًى متناثرة. لست أدري ما مصيرها. هل طبع شيء منها؟
يقول الشّيخ محمد البشير الإبراهيمي: " ولكن أعظم ما دوّنت، ملحمة رجزيّة، نظمتها في السّنين التي كنت فيها
__________
(1) - علّق عليها وشرح بعض مسائلها الأستاذ الجيلالي بن محمد الفارسي. وقدّم عليها تلمبذنا الوفيّ الأستاذ إبراهيم براهمي، بحثًا مهمًّا للحصول على درجة الماجستير, وطبعت تحت عنوان: " استيراتيجيّات الخطاب في رواية الثّلاثة للبشير الإبراهيمي". منشورات بونة للبحوث والدّراسات عنابة، الجزائر، 1433هـ/ 2012م. بمناسبة الاحتفال بالذّكرى الخمسين لاستقلال الجزائر.
(2) - ذكر لي الأستاذ محمد الطّاهر فضلاء، أنّها من الأدب المكشوف، ضاعت ولم يعثر لها على أثر. مقالبة لي خاصّة معه في حي بلوزداد بالجزائر العاصمة، يوم: 09 من أكتوبر 1991م. (1/8)
صفحة 9
مبعدَا في الصّحراء الوهرانيّة. وهي تبلغ ستّةً وثلاثين ألف يبتٍ، من الرّجز السّلس اللّزومي في كلّ بيت منه. وقد تضمّنت فنونًا من المواضيع: تاريخ الإسلام، ووصف لكثير من الفرق التي حدثت في عصرنا هذا، وللمجتمع الجزائري بجميع فرقه ونحله. ولأفانين في الهزل للمذاهب الاجتماعيّة والفكريّة والسّياسيّة المستجدّة. والإنحاء على الابتداع في الدّين. وتصوير لأوليّاء الشّيطان، محاورات أدبيّة رائعة بينهم وبين الشّيطان، ووصف للاستعمار ومكائده ودسائسه، وحيله وتخديراته للشّعوب للقضاء على مقوّماته ... " (1)
قال عنه عبد الرّحمن شيبان (ت 2011م): " والبشير الإبراهيمي إمام في العربيّة وبلاغتها. تفقّه في أسرارها، وتغذّى بآدابها، واستنار بقرآنها؛ حتّى أقامَ لنفسه منها مدرسة تشهد بأنّ لغة العرب ما تزال – كما كانت في عصورها الذّهبيّة- صالحة لأن تكون لغة العلم والفنِّ والجمال." (2)
تمهيد
أبدأ مع القرّاء الكرام عرضَ نظراتِ الشّيخ محمد البشير الإبراهيبي في موضوع الشّباب، والكشف عن حقيقته .. وتحليل بعض تصرّفات الشّباب، وبيان طرق التّعامل معه، وإبراز الواجب نحوه ... وغير ذلك من المسائل والعناصر المتعلّقة به .. ونمهّد لكلّ تلك النّقط وغيرها ببعض ما كتبه الشّاعر الثّائر رمضان حمّود (1906 – 1929م) ونترك للمتلقّي الكشف عن أهميّة الموضوع من عدمه (أي موضوع الشّباب)، كما عرضه الشّيخ البشير الإبراهيمي بخاصّة.
قال الشّاب الحكيم رمضان حمّود: " الشّباب نار حاميّة ينفع، ونفعه أعظم من ضرره، في معظم الحالات. الشّباب معناه القوّة والحياة.
شباب كلِّ أمّة هدف أنظار الباحثين عن ضعفها أو قوّتها ..
الشّباب سيف لا يفلُّ إذا كان حامله بطلاً خبيرًا." (3)
قال أيضًا: " النّبوغ كامن في قلوب الشّباب، ولكنّه لا يبرز إلى الخارج إلاّ بالضّغط والاضطهاد.
__________
(1) - مجلّة الموافقات، العدد الرّابع، ص: 398، 399.
(2) - عبد الرّحمن شيبان، " عبقريّة الإمام الإبراهيمي في ذكراه"، جريدة العصر، المجلس الإسلامي الأعلى، وزارة الشّؤون الدّينيّة، الجزائر، العدد: 88، الإثنين: 17 من شعبان 1403هـ/ 30 من مايو 1983م، ص: 14. القى الكلمة الأستاذ عبد الرّحمن شيبان سنة 1966م بمناسبة الذّكرى الأولى لوفاة الشّيخ محمد البشير الإبراهيمي. أعيد نشرها – بتصرّف – في هذا العدد من جريدة العصر.
(3) - الدكتور محمد ناصر، رمضان حمّود حياته وآثاره، ط2، المؤسّسة الوطنيّة للكتاب، الجزائر، 1985م، ص: 216. (1/9)
صفحة 10
إذا أراد الله إسعاد شعبٍ ألهم شبابه النّظر يمينًا وشمالاً، بعين تفيض بحثًا وتنقيبًا .. " (1)
هذه الفقرات تبيّن وتؤكّد أربعة عناصر مهمّة في شخصيّة الشّباب:
1 ـــــــــ إنّه قوّة، نفعه أكبر من ضرره.
2 ــــــــــ إنّه طاقة الأمّة الكامنة، تحتاج لمن يضغط عليها لتتفجّر أعمالا كبيرة، تنفع هذه للأمّة.
3 ــــــــ إنّه عملة رابحة وعمل منتج، إذا كان في الطّريق الصّحيح في سيره وسلوكه ونشاطه ..
4 ــــــــ إنّه يكون عونًا وخيرًا لشعبه، إذا كان جادًّا ونشيطًا وعاملاً بحزم وعزم وقوة.
إنَّ الخصائص التي يتميّز بها الشّباب، هي التي دفعت وتدفع بالقادة والمربّين إلى إيلائهم العناية والرّعاية والإعداد الجيّد والصّحيح .. يقوال الشّيخ إبراهيم بن عمر بيّوض (1316 – 1401ه/ 1899 – 1401م): " وإنّ غرضنا أن ننشئ لهذه الأمّة في طورها الجديد جيلاً كامل العدّة للنّضال والكفاح، في شتّى الميادين، فيحدث في الأمّة انقلابًا كبيرًا، ويدفع بها في خطوات واسعة إلى مطمحها الأسمى ... " (2)
الشّيخ بيّوض يركّز في هذا الفقرة على:
1 ــــــــ الهدف من تكويننا الشّباب، هو طموحنا لإعداد جيل، مكوّن تكوينًا شاملا، قويًّا يصلح لما ننتظره منه في الحياة.
2 ــــــــ المهمّة المنوطة بهؤلاء الشّباب الذين نعدّهم هي تغيير الأوضاع السّيّئة التي تمرّ بها الأمة. (الشّيخ بيّوض يتحدَّث عن فترة الأربعينيّات من القرن العشرين وما قبلها) أي فترة الاستعمار الفرنسي، وما ساد المجتمع الجزائري من تضهور في كثير من ميادين الحياة .. فإعداد الشّباب هو لهذا الغرض .. إذن الاعتناء به كان الشّغل الشّاغل للزّعماء والقادة والمربّين .. وما يزال هو الهمّ الكبير والمسؤوليّة العظيمة التي يتحمّلونها ..
إنّ مهمّة الشّباب في هذه الحياة كبيرة وشاقّة، هم مطالبون بالقيام بها بقوّة، بالاستعداد الجيّد لها, يقول الشّيخ أحمد بن حمد الخليلي: " فالشّباب المسلم مطالب بأن يتزوّد من علم هذه الحياة الدّنيا ما يتمكّن به من الاستقلال عن خصومه، وحتّى لا يكون عالة عليهم في أمر دنياه، فنحن بحاجة إلى كلِّ هذه المهارات في حياتنا الدّنيا." (3)
يطلب الشّيخ الخليلي من الشّباب أن يتزوّد بالقوّة، هذه القوّة تتمثّل في أن يتقن الشّباب كلّ المهارات التي يتوفّر عليها عصره الذي يعيش فيه؛ لكي يصل إلى درجة الاستغناء عن غيره، هذا الاستغناء يمنحه فرصة الاستقلال الكامل لذاته عن الآخر، فلا يتحكّم فيه، ولا يسيِّره كما يشاء .. هذا ما تسعى التّربيّة الإسلاميّة إليه في تنشئة المسلمين عليه .. فالشّباب معنيٌّ بهذا التّوجيه في المرتبة الأولى، ففيه قوّة الأمّة، ومنه تستمدّ هذا المكسب، الاستقلاليّة والابتعاد عن التّبعيّة المذلّة المخزية ..
يسند الشّيخ محمد الغزالي هذا الرّأي ويضيف ملاحظة أخرى في تكوين النّشء وإعداد الشّباب، تتعلّق بالبناء
__________
(1) - المرجع السّايق، ص: 215.
(2) - محمد علي دبّوز، نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، ج3، ط1، المطبعة العربيّة، الجزائر، 1969م، ص: 197.
(3) - الشّيخ أحمد بن حمد الخليلي، معالم الجيل الواعد، ص: 31. (1/10)
صفحة 11
الدّاخلي للنّفوس على الإيمان؛ فكريّا وعاطفيًّا ... : " الأمّة التي تشبّ كالطّفل المدلّل، لا تجد من يعرّفها الخطأ والصّواب، الخير والشّرّ، لابدّ أن تؤدّبَها الأيّام واللّيالي، ولابدّ أن تلقى من اللّطمات والمخازي ما يعلّمها الحقّ الذي جهلته، ويلزمها السّبيل التي شردت منها.
إذا لم نحسن البناء الدّاخلي للنّفوس، ورفع الإيمان على دعائمه الفكريّة والعاطفيّة كلّها، فإنّ الأجيال النّاشئة لن تنجو من آثار زحف التّعاليم المدينيّة، وربّما شعرت بنقص في كيانها الرّوحي، تسعى كي تستكمله من جهات أخرى، وهذا باب لو انفتح هبّت منه شرور جانحة." (1)
تضمّن هذا التّنبيه ثلاثة عناصر:
1 ــــــــ يجب أن يراعى في التّنشئة التّنبُّه إلى فتح الأعين على مواطن الخطأ والصّواب في السّلوك، وإلى التّعريف بالخير والشّرّ معًا، لِتُتَّقَى المزالق والمهالك في المسيرة.
2 ـــــــــ يجب الاهتمام بالبناء الدّاخلي لننّفوس على الإيمان؛ عقلا ووجدانًا، وإلاّ انجذبت أو انجرفت النّاشئة والشّباب إلى تيّار المدنيّة، التي قد تتناقض مع الإيمان.
3 ـــــــ في غياب هذا الإعداد، من داخل المنظومة الفكرية التي تنتظم الأجيال التي تنتمي إلى دائرة الإيمان .. تُفتحُ الأبواب للبحث عن بناء الكيان من جهات أخرى، لا تتناسب ولا تتوافق مع الأصول التي تحكم هؤلاء الشّباب.
من كلّ ما تقدّم عرضه من آراء العلماء والمفكّرين يبدو لنا حقّ الشّباب على أوليّاء أمورهم في البناء والإعداد والتّكوين والتّنشئة السّويّة من أجل حياة هنيئة .. لذا قال الشّيخ محمد البشير الإبراهيمي: " للجيل الآتي علينا حقوق أوليّة مؤكّدة، لا تبرأ ذممنا منها عند الله، ولا تسقط شهادة التّاريخ علينا بها، إلاّ إذا أدّيناها لهم كاملة غير مبخوسة. وملاك هذه الحقوق أن نعدّهم للحياة على غير الطّريقة التي أعدّنا بها آباؤنا للحياة.
الأخلاق والآداب والأفكار والإحساسات والاتّجاهات العامّة والمشخّصات الخاصّة، هي الأمتعة التي يرثها جيل عن جيل، ومنها يتكوّن مزاجه: صحّة واعتلالا. فماذا ورثنا عن آبائنا؟ وماذا نورّث أبناءَنا منها؟ " (2)
نحن بدورنا نسأل ماذا قدّم الشّيخ البشير الإبراهيمي للشّباب؟ وكيف نظر إليه؟ وماذا نظَّرَ له؟ البداية تكون ببيان مكانة الشّباب في فكره وفي اهتمامه.
__________
(1) - عبد الله المصري، الدّاعية الشّهيد الشّيخ محمد الغزالي، دار الاعتصام للطّبع والنّشر والتّوزيع، القاهرة، 1996م. ص: 66.
(2) - محمد البشير الإبراهيمي، " حقوق الجيل النّاشئ علينا"، عيون البصائر، دار المعارف، مصر، 1963م، ص: 293. (1/11)
صفحة 12
مكانة الشّباب في فكر الإبراهيمي
يقول الشّيخ محمّد البشير الإبراهيمي: " شبابُ الأمّة هم عمادها، وهم مادّة حياتها، وهم سرّ بقائها. وخير شباب الأمّة هم المتعلّمون والمثقّفون، البانون لحياتهم وحياة أمّتهم على العلم، وصفوة الشّباب المتعلّم هم المتشبّعون بالثّقافة الإسلاميّة العربيّة، والمقدّمون لها؛ لأنّهم هم الحافظون لمقوِّماتها، المحافظون على مواريثها، وهم المثبتون لوجودها، وهم المصحّحون لتاريخها، وهم الواصلون لمستقبلها بماضيها". (1)
هذه بطاقة تعريف دقيقة وواضحة، قدّمها الشّيخ البشير الإبراهيمي المعلّم المربّي عن شباب الأمّة، أي شباب الإسلام الحقيقيّين. لو حلّلنا هذه التّركيبة وفكّكنا أجزاءها؛ لنعرف محتوياتها بدقّة نحن – أيضًا – لقلنا، إنّ مركّبات الشّباب في نظر الكاتب المربّي ومكوّنات شخصيّتهم هي:
__________
(1) - محمد البشير الإبراهيمي، آثار محمد البشير الإبراهيمي، ج3، ط1، الشّركة الوطنيّة للنّشر والتّوزيع، الجزائر، 1402هـ/ 1981م، ص: 365. (1/12)
صفحة 13
1 ــــ هم عماد الأمّة ومادّة حياتها. أي بهم تكون الأمّة، وبغيرهم تنعدم.
2 ــــــ هم سرّ بقائها ومعنى وجودها ..
3 ـــــــ خير هؤلاء الشّباب - بالمفهوم السّابق - هم المتعلّمون المثقّفون، أي الذين يملكون الوعي الذي يرتقي بهم إلى الاتّصاف بحقيقة الثّقافة ..
4 ـــــــــ هؤلاء الشّباب، تقودهم ثقافتهم إلى بناء حياتهم على القواعد المطلوبة أو المنشودة .. على رأس هذه القواعد العلم الذي يرفع بيوتًا لا عماد لها .. وهم عماد الأمّة ..
5 ــــــــــ خيرة الشّباب المتعلّم المثقّف من رضع من الثّقافة الإسلاميّة، وشبع بها وتشبّع بأصولها وتخرّج على مبادئها ..
أي إنّ الشّيخ الإبراهيمي بريد شبابًا من شكل خاص، أو تركيبة خاصّة، به يمكن أن تحافظ الأمّة على مقوّماتها وإرثها الحضاري، وتستطيع أن تثبت وجودها في ميدان الصّراع على انتزاع مكان في الوجود مع الأقويّاء. ويمكن أن تفرض نفسها في حلبة الصّراع على البقاء والحياة بعزّة وكرامة .. الذين يقومون على تصحيح المسار؛ بتنقيّة التّاريخ من الشّوائب، وردّ ما هم غير صحيح في تاريخها .. الذين يعملون على ربط الماضي بالحاضر، في مسيرة أمّتهم، وينتقلون إلى استشراف مستقبلها؛ بما يضمن لها الحياة التي تتطلّب التّطوير والإصلاح والتّغيير بما يتناسب مع قوّة الشّخصيّة الإسلاميّة.
هذا هو الشّباب الذي يريده الشّيخ البشير الإبراهيمي، وهذه بطافة تعريف له، كما جاء في فكره وفي معاملاته معه. وفي طموحه وتطلّعاته للسّموّ بالأمّة الإسلاميّة إلى الدّرجات العليا كما كانت عليها في زمن العزّ والسّؤدد والرّيادة والقيادة .. هذا هو الشّباب الذي ينشده المعلّم المربّي، لذا كان يعمل على إخراجه من دركات الجهل والتّخلّف والتّأخّر في الرّكب الحضاري .. ليقوم بما هو مناط به وموكول إليه، ومنتظر منه ..
هكذا نلحظ كيف أعطى الإبراهيمي أهميّة كبيرة للشّباب، وأحلَّهم مكانة متميّزة في المجتمع، وأقامهم في موضع حسّاس في جسم الأمّة، هو قلبها، وخوّلهم مهمّات ساميّة، وحمّلهم واجبات عظيمة، وحوّلهم دعائمها في البناء والتّشييد والنّهوض والرّقيِّ بها ... فعليهم تعتمد، وبهم تبني كيانها، ومنهم تستمدّ بقاءها. غير أنّ الشّباب من هذا المنظور درجات، أخيرهم من تعلّم وتكوَّن ليفيد أمّته أحسن، ويخدمها بالطّرق الصّحيحة السّليمة، والأفضل منهم جميعا من تحصَّن بالثّقافة الأصيلة التي تنتمي إليها الأمّة، وتصدر عنها .. ففيها الأسباب المعينة على إقامة صرحها: من صيانة المقوّمات، والمحافظة على المكتسبات والموروثات، والعمل على إثبات قوة الأمّة، وفرض وجودها وذاتها، والسّهر على الرّبط بين الماضي والمستقبل بجسر من الحاضر، الذي يتحرّك فيه هذا الشّباب بقواعد ثابتة ومؤسّسة بإحكام وأناة وثبات.
ألم تطلب الشّيخ البشير الإبراهيمي غاليًّاألم يبالغ في هذا الطلب؟؟ ألم يكن سقفه عاليًا؟ ألا يمكن أن نجد من يقوم بالأمّة من هو دون هذه المواصفات؟ أتحتاج إلى كلّ هذه الشّروط لترتاح أو تطمئنّ إلى من يبنيها ويقوم بأمورها وبرعى شؤونها؟
قبل أن نجيب على هذه الأسئلة ننظر ماذا قال وماذا طلب رفيقه في درب التّربيّة والبناء والإعداد وتصحيح مسار (1/13)
صفحة 14
الأمّة إلى الأحسن والأفضل. الشّيخ إبراهيم بن عمر بيّوض، الذي كانت نظرته إلى الشّباب النّظرة التي تبنّاها الشّيخ البشير الإبراهيمي .. قال من جملة ما قال موجّهًا تخطابه وإرشاده إلى الشّباب المتعلّم بخاصّة: " أيّها الشّباب المتعلّمون، إنّ الدّولة دولتكم، وإنّ الدّور دوركم، وإنّ اليوم لكم، فبيدكم مقاليد المستقبل، وأنتم أقدر النّاس على تحويل اتّجاه الأمّة إلى حيث تريدون، إنّكم الأئمّة، والأمّة لكم تبع، بل أنتم الأمّة، لو عرفتم أفداركم ... "
قال أيضًا: " ... فهل أدركتم الآن ما بنا من حاجة شديدة إلى قادة أكفاء ذوي عقول راجحة وأفكار واقعيّة، لا خياليّة، لهم بصر بالعواقب، ونفاذ إلى أسرار الحوادث، ينقذون الأمّة من محنتها، ويهدونها السّبيل، ويوجّهونها الوجهة الصّالحة. فإنّها اليوم في مفترق الطّرق، مشتبهة الأعلام، لا صوى فيها ولا منارات .. " (1)
هذه النّصوص وهذه الأقوال كانت من نتاج الاصطراع الذي ساد الجزائر المستعمرة بين الوطنيّين (العلماء المربّين بخاصّة) والغطرسة الاستعماريّة الفرنسيّة التي أرادت أن يكون الشّباب ناشئًا ومكوّنًا على غير الأصول التي يريدها الإسلام. من هذا المنظور تقرأ هذه الأقوال والنّصوص ..
أليس بين الرّجلين توافقًا في الرّأي؟ أليست رؤيتهما إلى الشّباب واحدة .. إذن فإنّ ما طلبه الإبراهيمي كان منطقيًّا، بل هو ما يجب أن بكون .. بهذا تبرز لنا قيمة الشّباب ودورها وضرورتهما للرّفع بالأمّة إلى المعالي والعوالي ..
إنّ ذلك يتطلّب عناية خاصّة، ورعاية مركّزة بالشّباب، حتّى يستفاد منه كما يُرْغَب ويُتَأَمَّل. في هذا بقول الشّيخ محمد البشير الإبراهيمي: " إنّ الأمّة الرّشيدة هي التي تحرس شبابها في طور الشّباب من الآفات التي تصاحب هذا الطّور، فتحافظ على أفكارهم أن تزيغ، لأنّ هذا الطّور طور له ما بعده من زيغ أو استقامة. وتحافظ على أهوائهم أن تتَّجه اتجّاها غير محمود، وتحافظ على عقولهم أن تعلق بها الخيالات، فتنشأ عليها، ويعسر أو يتعذَّر رجوعهم عنها. وتحافظ على ميولهم وعواطفهم، أن تطغى عليها الغرائز الحيوانيّة؛ لأنّ هذا الطّور هو طور تنبّهها ويقظتها." (2)
يبزر النص حقائق ثلاثًا، لابدّ من وعيها وعيا كاملا، ثمّ التّصرّف - بعد ذلك – على ضوئهما بما يتناسب مع ما تمليه وتفرضه:
الأولى: إنّ الشّباب مجموعة من أفكار خاصّة، وعواطف متحفِّزة، وميول متميِّزة، ومجموعة من الغرائز الكامنة، وكتلة من الخيالات والطّموح غير المحدود ... تصطبغ هذه المكوِّنات بصبغة الطَّور الذي يكون فيه الكائن البشري، وتتميّز بما تفرزه مرحلة المراهقة ..
الثّانية: على الرّاشدين والموجّهين معرفة كيفيّة التّعامل مع هذه المكوّنات وهذه المعطيات بحذق وحكمة وذكاء، بعد فهمها فهما حسنا؛ ليحسن توجيهها الوجهة الصّحيحة، حتّى لا ينحرف الشّباب عن سواء السّبيل.
لذا فإنّ رعاية الشّباب شيء ضروريٌّ ومهمّ، وهو ما أولاه الشّيخ البشير الإبراهيمي عناية خاصّة، من منطلق المسؤوليّة والواجب اللّذين يمليهما المركز الذي يتبوَّؤه؛ معلِّما ومربِّيا ومرشدا ... ثمّ قائدًا ومسيّرًا ومديرًا لكثير من شؤون الأمّة الجزائريّة .. بواسطة ما ترأّسه من هيئات ومؤسّسات ...
الثّالثة: الحرص على الانطلاق في الرّعاية منذ البداية، والاستمرار والنتابعة لعمليّة العناية في كلّ لحظة وآن، في كلّ
__________
(1) - نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، ج3، ط1، اص: 204، 205.
(2) - محمد البشير الإبراهيمي، آثار محمد البشير الإبراهيمي، ج1، ط1، الشّركة الوطنيّة للنّشر والتّوزيع، الجزائر، 1398ه/ 1978م، ص: 325. (1/14)
صفحة 15
زمان ومكان، في كلّ حال ووضع ... وعدم الغفلة عن إفرازات الطّور الذي يعيشه الشّباب، كما أشار النّصّ ..
المسؤوليّة التي وعاها الشّيخ البشير الإبراهيمي في داخله .. جسّدها في المحيط الخارجي، فجعلته يقترب من الشّباب، ويخصّهم بعطفه ومحبّته، وتوجيهاته وإرشاداته، فقال مخاطبا أبناءه الطّلبة الذين يدرسون في جامع الزّيتونة: " لستم منّا بموضع الهوان حتى ننساكم، وليس شأنكم عندنا بالهيّن حتّى لا نفكّر فيه، وليس مستقبلكم في نظرنا بالرّخيص حتّى لا نغالي فيه، إنّما أنتم عندنا أحجار بناء المستقبل المجيد، فحقَّ علينا أن نتخيَّر وأن نستجيد، وإنّما أنتم ذخائر الغد، فواجب أن نحافظ وأن نضنَّ ... إنّما أعماركم صحائف في تاريخ هذه الأمّة، فجدير بنا وبكم أن نعمرها بالباقيّات الصّالحات، وأن لا نبدِّد دقائقها في التّوافه والصّغائر. إنّما عقولكم أسلحة للحرب الفاصلة بين الخير والشّرّ، فواجب أ، نشحذ وأن نسنَّ ... " (1)
هذا الحبّ إكسير يحيي نفوس الشّباب، وغذاء ينعش جسم الشباب، وطاقة تُقوِّي عزيمة الشّباب؛ لذا كان لابدّ من توَفُّرِه ووجوده في قلوب الزّعماء والمربين. إن نجاحهم في عمليّة التّربية كامن، بل هو متوقِّف عليه. هذا ما يحرصون على إظهاره لأبنائهم وناشئتهم.
قال الشّيخ سعيد بن بالحاج شريفي (الشّيخ عدّون) (1319 – 1425ه/ 1992 – 2004م) مفصحًا عن المشاعر نفسها، التي أفصح عنها الشّيخ البشير الإبراهيمي لأبنائه الطّلبة الشّباب .. : " إنّ قلمي ليكبو دون غايته، إذا حاول أن يكتب شيئًا ممّا يختلج في ضميري من الحبور والابتهاج، وما تنطوي عليه جوانحي من الولاء والعطف عليكم، والاستبشار بمساعيكم وتقدّمكم. إنّني أجد في نفسي انشراحًا وارتياحًا لا يوصفان، إذا رأيتكم في سلّم النّجاح ترتقون، وعلى اقتطاف زهرات الآداب تتزاحمون. للنّاس فيما يعشقون مذاهب، ومذهبي في العشق نجاحكم وسعادتكم ... " (2)
قال الشّيخ إبراهيم بيّوض لأبنائه الطّلبة سنة 1948م: " أبنائي البررة! ... إذ أشعر في أعماق قلبي بحبٍّ شديد أحمله لكلِّ من اتَّصل بي، وتلقَّى عني ولو زمنا قصيرا ... أبنائي الأعزّاء! إنّ سروري أكثر من كلّ سرور بِميل بعضكم لبعض، والحبِّ الشّديد الذي يربط بينكم، وإنِّي لأعزو ذلك إلى أثر حبِّي الذي أَفَضْتُهُ عليكم، وأعزو إليه كلَّ ما يستقبلكم من فوز ونجاح." (3)
إنّ الشّيخ البشير الإبراهيمي يعي جيّدا حقيقة الشّباب، ويعرف تماما ما ينطوي عليه من قدرات وإمكانات، وما يتوفَّر عليه من مؤهّلات تمنحه القوّة كي يقوم بأدوار كبيرة وخطيرة في الحياة. ففي مقال له عنوانه: " الشّباب الجزائري كما تُمثِّلُه لي الخواطر"، نشره سنة 1947م (4) حدد فيه مواصفات الشّاب، من خلال سرد مجموعة من الحقائق التي يتصوّرها عنه.
__________
(1) - المصدر السابق، ص: 462.
(2) - سعيد بن بالحاج شريفي (الشّيخ عدّون)، " إخواني الأعزّاء"، جريدة الشّباب، معهد الشّباب (معهد الحياة)، القرارة، الجزائر، السّنة الأولى، العدد الثّاني، يوم الخميس: 14 من شعبان، 1345ه/ 17 من فيفري 1927م. ينظر أيضًا مجلّة الحياة، (معهد الحياة)، القرارة، الجزائر, العدد الأوّل، رمضان 1318ه/ جانفي 1998م، ص: 12.
(3) - نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، ج3، ط1، ص: ذ 196، 197.
(4) - ينظر عيون البصائر، ص: 578 - 586، نشر المقال في جريدة البصائر، الجزائر، عدد: 5، (05/ 07/ 1947م). (1/15)
صفحة 16
تمثّله متساميا ومتطلِّعا وطموحا إلى المعالي، متمردّا عن القيود والأغلال التي تحد من إرادته وتنال من عزيمته، وتعطّل طاقاته. تَصَوَّرُه: " مقداما على العظائم في غير تهوّر، محجاما عن الصغائر في غير جبن، مقدّرا موضع الرّجل قبل الخطو، جاعلا أوّل الفكر آخر العمل." (1)
يرى فيه سعة الصّدر، يحتوى النّاس بأخلاقه، يرى كلّ عربيّ (2) أخاه، في اللّغة أو الدّين أو الإنسانيّة. " ثمّ يعطي لكلّ أخوّة حقّها: فضلا وعدلا." (3)
يشاهد فيه المثل في الحرص على العمل، والابتعاد عن الخمود والازورار عن البطالة، والنّأي عن القول المجرّد، والتّوجّه مباشرة إلى العمل المنتج. " أتمثّله برًّا بالبداوة التي أخرجت من أجداده أبطالا، مُزوًرًّا عن الحضارة التي (رمته بقشورها)، فأرخت أعصابه، وأنَّثت شمائله، وخنَّثت طباعه، وقيَّدَتْهُ بخيوطٍ الوهم، ومجّتْ في طبعهِ الطّاهر السُّموم، وأذهبت منه ما يذهب القفص من الأسد من بأس وصولة.
أتمثله مقبلا على العلم والمعرفة؛ ليعمل الخير والنّفع، إقبال النّحل على الأزهار والثّمار لتصنع الشّهد والشَّمع، مقبلا على الارتزاق إقبال النّملة تَجِدُّ لِتَجِد، وتدَّخِر لتفتخر، ولا تبالي ما دامت دائبة أن ترجع مرّة منجحة ومرة خائبة." (4)
إن ما يذكره الكاتب عن الشّباب بعبارة (أتمثّله) هو - في الحقيقة - ما ينشده فيهم أن يتَّصفوا به؛ حتّى يستحقُّوا صفة الشّبابيّة، ثم يحقّقوا ما يأمله مربّوهم فيهم، بدليل قوله بعد ذلك: " هكذا شباب الجزائر! كونوا أو لا تكونوا." (5)
الشّباب الذي بقول عنه الشّاب الحكيم رمضان حمّود: " الشّباب نار حاميّة ينفع، ونفعه أعظم من ضرره، في معظم الحالات. الشّباب معناه القوّة والحياة." (6)
يتصوّر الإبراهيمي الشّاب الجزائري متدثِّرا بمكارم الأخلاق، متّزرا متزمِّلاً بروائع الشّمائل التي تصنع منه الرَّجل الذي ينضوي في سلك الشباب المحمّدي، فيكون سوِيَّ التّكَوُّن، قوِيَّ البناء ...
كما يتخيّله فردا يعلم معنى الطّهر، ويعي حقيقة الإصلاح، ويعرف رسالته في الوجود بدقّة، ويفقه معنى الحياة
__________
(1) - المصدر السابق، ص: 578.
(2) - بالمفهوم الحقيقي للعروبة، التي لا تفرّق بينها والإسلام، أي هما كلمتان تؤدّيان معنى واحدَا وتدلاّن على شخصيّة واحدة) قال الإبراهيمي يخاطب الطّلبة الشّباب: " ... إنّ الإسلام والعروبة يا إخواني ويا أبنائي! إذا ذكرا ذابت القيود، وتلاشت الحدود، واجتمعت الأقطار على رحبها في بيت. وإنّ أخوّة الإسلام والعروبة لا تقوم على الأقوال، وإن طالت وكثرت، وإنّما تقوم على الأعمال والحقائق ..
ولو أوتينا رشدنا لأقمنا كلمتي المسلم العربي مقام هذا النّسب المعروف إلى البلدان والقبائل، فما هذا النّسب إلاّ ثغر ومداخل لشيطان الوطنيّات الضّيّقة التي ليست من ديننا، ولا من ميراث سلفنا فتواصوا جميعًا بتحقيق هذه النّسبة الإسلاميّة العربيّة، ونثبيت أصولها في نفوس أبناء هذه الأمّة .. " (مجلّة الموافقات، العدد الرّابع، ص: 760).
(3) - عيون البصائر، ص: 578.
(4) - المصدر نفسه. يبدو أنّ ما عناه الشّيخ هو (مدنيّة) وليس حضارة، لأنّ الحضارة شيء إيجابي، وليس مذمومًا .. ومن الحضارة الاعتزاز بالبداوة، التي أخرجت من أجداد الشّباب الذي يتمثّله أبطالاً، فأسّسوا حضارة ..
(5) - المصدر السّابق، ص: 586.
(6) - رمضان حمّود حياته وآثاره، ص: 216. (1/16)
صفحة 17
الصّحيحة. يتخيّله صاحب عزيمة وإرادة على التّغيير نحو الأحسن، ذا قوّة على فهم الأمور، والنّفاذ إلى أسرارها؛ لأنّه يتهيّأ ليواصل المسيرة، ويقود القافلة، ويحمل المشعل ساطعا في الآفاق، ويرتفع بالألوية خفاقة في الأعالي ...
" أتمثّله في الطّاهرين والطّاهرات، ارتضع أفاويق الإصلاح صبيًّا، وزُرَّتْ غلائلُه عليه يافعا، فنبتت في حجره، ونبتت قوادمُه في وكره، ورفرفت أجنحته في جوِّه، لم يمسسه زيغ العقيدة ولا غشيت عقله سحب الخرافات، بل وجد النهج واضحا، فمشى على سوائه، والأعلام منصوبة، فسار على هداها، واللِّواء معقودا فأوى إلى ظلِّه، والطَّريق معبَّدا آمنا من العثار، فما بلغ مبلغ الرّجال إلَّا وهو صحيح العقد في الدّين، متين الاتّصال بالله، مملوء القلب بالخوف منه، خاوي الجوانح من الخوف من المخلوق، قويّ الإيمان بالحياة، صحيح النَّظر في حقائقها، ثابت العزيمة في المزاحمة عليها، ذلق اللِّسان في المطالبة بها، ناهض الحجّة في الخصومة لأجلها، يأبى أن يكون حظُّه منها الأخَّس الأوكس، أمن بعقله وفكره أن يُضلَّل في الحياة، كما أمن بهما أن يضلّل في الدّين .. وفي الحياة كما في الدّين تضليل." (1)
ماذا نقرأ في هذه الفقرة؟ نقرأ فيها معاني كثيرة، ودلالات دقيقة وإيماءات عميقة .. منها:
1 ـــــــ أنّ الشّباب هم مصدر قوّة الأمّة.
2 ــــــــ قوّة الشّباب يجب أن تكون شاملة لكلّ ما يتّصل به، وبه يتحرّك وينشط ويعمل: القلب، العقيدة، العقل، الفكر، اللّسان ..
3 ـــــــ يجب أن يكون الإصلاح هو الذي يغمر هذا الشّاب الجزائري .. يرضعه صبيًّا، ويتقلّب فيه يافعًا، ويتشرّبه ويعمل به ويصدر عنه في كامل حياته ..
4 ـــــــ تسجيل جهود الآباء والمربّين وأوليّاء الأمور في سبيل تعبيد طريق الإصلاح في الشّباب، وفي هذا التّسجيل أيضًا التّنبيه إلى السّير في هذا المنهج لضمان مواصلة المسيرة في الاتّجاه .. فالطّريق أصبحت واضحة للمُوَجِّه والمُوَجَّه معًا ..
5 ــــــــ هذه التّوجيهات هي التي تضمن وتمنح الهداية إلى الطّريق الصّحيح، وتمنع من الغواية والضّلالة عن سواء الصّراط ... في الحياة: دينًا وفكرًا، وفي كلّ جوانبها ..
إذا عرضنا أمامنا الظّرف الذي حرّر فيها الشّيخ الإبراهيمي هذه المشاعر، وسجّل هذه الخواطر، ووعينا طبيعة الفترة التي عاشتها الجزائر، في ظلّ الاحتلال الفرنسي الصّليبي الغاشم، السّالب الحياةَ - بكلّ مقوّماتها وقيمها - من الجزائريّين. وما كان يقوم به نحو شباب الجزائر ليكوّن منهم لا شيء، أو ينشئهم على ما يكفل له تطويعهم كما بشاء .. أدركنا أنّ ما يذهب إليه الإبراهيمي بخياله .. هو طموح من يريد أن يكون بلده في مستوى راق من التّقدّم والتّحضّر، وفي قدر عالٍ من القوّة والعزّة .. وهو طموح مشروع، وأمل يمكن تحقيقه .. والمعنيّون بذلك – في الدّرجة الأولى – هم الشّباب ذخيرة الأمّة، وقوّتها وعمادها وسنادها ومرتكز نهوضها وقيامها وتطّورها ..
هو أيضًا رسالة بالغة الأهميّة للشّباب نفسه، أن يعمل ليتّصف بتلك الخصال، ويتمثّل تلك القيم، وللقائمين على
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 580. (1/17)
صفحة 18
شؤون هؤلاء الشّباب القيام بدورهم في هذه السّبيل بقوّة وكفاية ودراية، ومسؤوليّة ورساليّة وأمانة ..
كما تتضمّن هذه التّخيّلات المقبولة والمشروعة جانبًا نفسيًّا، المعنيٌّ بها الطّرفان معًا؛ في ظلّ محاولة الاستعمار اغتيال معنويّات الشّعب الجزائري، وتيئيسه من القيام بشؤونه بنفسه، وحمله على الاقتناع بوجوب وجود من يعينه على ذلك ... ومن يكون هذا سوى الاستعمار نفسه .. ؟! كلّ هذه التّأويلات والتّفسيرات لهذه التّمثّلات والتّخيّلات واردة ..
إذن – في نظري - لن تكون هذه الإشارات سوى توجيه الشّباب إلى ما يجب أن يكون عليه، ليتحقّق به إصلاح المجتمع، وترقية الحياة، وليكون هذا الشّباب سائرا في النّهج الذي خطّه الشّيخ الإبراهيمي وأضرابه من المصلحين الذين يسعون إلى بناء النّفوس، وإعداد رجال ينوؤون بالحمل ويحملون على الهول، ويقومون برسالة الإصلاح. بدليل أنّه شدّد على أنّ كلًّا من الشّباب والمشيب لا قيمة له: " إذا لم تنفق دقائقه في تحصيل علم، ونصر حقيقة، ونشر لغة، ونفع أمّة، وخدمة وطن، ... يا شباب الجزائر! هكذا كونوا أو لا تكونوا ... " (1)
هكذا يتبيّن بوضوح الوجهة التي يقصدها الكاتب بهذه الإيماءات، إنّها وجهة الإصلاح. إنّه يأمل من الشّباب أن يكون في خدمة الإصلاح ومواكبة العاملين في هذه السّبيل.
قال أيضًا " أتمثّله جديدا على الدّنيا، يرى من شرطها عليه أن يزيد شيئا جديدا مستفادا فيها، يرى من الوفاء لها أن يكون ذلك الجديد مفيدا ... أتثّمله واسع الآمال إلى حد الخيال، ولكنّه يزجيها بالأعمال إلى حدّ الكمال." (2)
إنّ ما يطلبه البشير الإبراهيمي هو الفعاليّة، والإسهام في تطوير الحياة، والمزيد من العمل، وإضافة الجديد، وترك الخمول والخمود، ونبذ الهموم. كما ينشد في الشّباب التّمتّع بالخيال الواسع، والآمال العراض التي تبعث على التّحرّك والإبداع، لكن في حدود ما يقبله الواقع، ويتحمّله العمل.
أضاف بخياله المنتج المفيد مجموعة من القيم يريدها أن تكون في الشّاب الجزائري، الذي هو أمله في الارتقاء بوطنه نحو العلا والسّؤدد، ثمّ قال: " أتمثّله مقدّمًا لدينه قبل وطنه، ولوطنه قبل شخصه، يرى الدّين جوهرًا، والوطن صدفًا وهو غوّاص عليهما يصطادهما معًا. ولكنّه يعرف الفرق بين القيمتين. فإن أخطأ في التّقدير خسر مرّتين." (3)
قيمة أخرى يضيفها إلى قبمة الشّاب الجزائري، قيمة تحديد الأولويّات وتقديم الأهمّ على المهمّ، من دون التّفريط فيهما؛ وذلك بإعطاء كلّ شيء له به سبب وصلة حقَّهُ، وإحلاله في قلبه المحلَّ اللاّئق به .. فالدّين مقدّم على الوطن وهو مقدّم على النّفس .. لكنّها جميعًا ذات قيمة في الاهتمام والرّعاية ..
ألا يكون هذا التّسجيل لهذه الحقيقة (التي هي مطمح أو مطلب الشّيخ الإبراهيمي في الشّاب الجزائري) هو تنبيه لهذا الشّاب أن لا يخطئ التّقدير في تحديد العلاقات مع المقوّمات وترتيب مكانتها ومكانها في سلّم الاهتمام .. ألا يكون فيه تحذير من الوقوع في حبائل الاستعمار الذي يريد أن يصرفه عن كلّ ما يثبِّتُ شخصيّته ويحميها من
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 581.
(2) - عيون البصائر، ص: 586.
(3) - المصدر السّابق، ص: 586. (1/18)
صفحة 19
التّذبذب والاضطراب .. (1)
إذن يتصوّر الشّيخ البشير الشّاب الجزائري صاحب اعتزاز بدينه، وغيرة على وطنه، يتميَّز بالحماسة نحوهما، عاملا على تطبيق ما يدعوان إليه، مثابرا وحريصا على الابتعاد عمَّا يشينهما، جاهزا للدّفاع عنهما. متّصفًا بالخلال الحميدة التي تعينه على المضيّ في العمل، والسَّير نحو تحقيق الأهداف ..
" أتمثّله بانيا للوطنيّة على خمس، كما بني الدّين على خمس: السّباب آفة الشّباب، واليأس مفسد للبأس، والآمال لا تدرك إلّا بالأعمال، والخيال أولّه لذّة وآخره خبال، والأوطان لا تخدم باتّباع خطوات الشّيطان. يا شباب الجزائر! هكذا كونوا أو لا تكونوا " (2)
إنّ الشّيخ الإبراهيمي يدرك تمام الإدراك مكانة الشّباب في المجتمع، ودوره في الحياة، فهم بناء المستقبل، وامتداد الحاضر، وأمل الأمة، وذخيرة القادم من الأيّام ... لذا حرص كلَّ الحرص على إحلاله في القلب المحلَّ اللَّائق، والعطف عليه كلَّ العطف، واحتضانه بقوّة، ثمَّ العمل على بناء شخصيّته، وإعداده إعدادا قويًّا سويًّا، وتزويده بالنَّصائح الغالية المهمّة الضّروريّة التي يحتاجها في حياته. لذا فإن ما عبّر عنه بـ (أتمثَّله) هو توجيه غير مباشر إلى ما يجب أن يكون عليه الشّباب، صاحب الطّاقات الهائلة، والكفاءات العالية، والطّموح الكبير، هذه المؤهّلات لابدَّ لها من خبرة توجِّهها وتستثمرها أحسن استثمار.
استثارتُها واستثمارُها يكونان أوّلا ببعث الثّقة في من يحملها، بزرع الحبِّ والودِّ والحنان في قلبه، وإشعاره وتحسيسه بذلك، وبأنّه في محضن من يريد له الخير، ثم بتحميله المسؤوليّة في توجيه هذه المؤهِّلات والامتيازات إلى سبيل أداء الواجب، وخدمة الصَّالح العام ثانيًا. هذا ما قام به القائد والمربِّي والموجِّه الشّيخ محمّد البشير الإبراهيمي وهو في مدرسة بناء النّفوس، وتكوين الرّجال، وإعداد الشّباب، وفي معركة تحصينه ممّا ينال منه في شخصيّته ..
بناء الشّباب وإعداده
__________
(1) - يمكن أن يكون هذا توجيهًا للأجيال الحاضرة مع مقوّمات شخصيّتهم وما يفعل بها من أفاعيل المغرضين الضّالين المضلّين ما الدّاخل والخارج.
(2) - عيون البصائر، ص: 586. (1/19)
صفحة 20
إنّ الشّيخ الإبراهيمي - بناء على ما تقدَّم - يرى أنّ حقَّ الشّباب متعلّقٌ بالكبار، أي عليهم أن يقوموا بواجب التّكفُّل به وتربيته وتوجيهه، وإعداده إعدادا حسنا، وبنائه بناء سليما: " للجيل الآتي علينا حقوق أوّليّة مؤكّدة، لا تبرأ ذمَّمُنا منها عند الله، ولن تسقط شهادة التّاريخ علينا بها، إلّا إذا أدَّيناها لهم كاملة غير مبخوسة، وملاك هذه الحقوق أن نُعدَّهم للحياة على غير الطّريقة التي أعَدَّنَا بها آباؤُنا للحياة.
الأخلاق والآداب والأفكار والإحساسات والاتّجاهات العامّة والمشخَّصات الخاصّة هي الأمتعة التي يرثها جيل عن جيل، ومنها يتكوَّن مزاجه صحَّة واعتدالا. فماذا ورثنا عن آبائنا؟ وماذا نورِّثُ أبناءَنا منها؟ " (1)
الشّباب في حاجة إلى رعاية وعناية، بل إنّ هذا حقُّهم المتعلّق بالكبار، هذا الحقُّ يشمل كلَّ ما يساعد على بناء شخصيَّتهم: الأخلاق والآداب والأفكار والمشاعر والخصوصيّات التي تحكم المجتمع الذي ينتمون إليه، هذه المطالب هي ما يجب على المربِّين والمسؤولين الاهتمام بها إذا أرادوا البناء الحقيقي والصّحيح.
هذه الفكرة التي سجّلها الإبراهيمي عن حقّ الأبناء في بناء شخصيّاتهم على غير الطّريقة التي بنى أباؤهم بها نفوسهم، ترمي إلى هدف جعل الأجيال الصّاعدة تعيش زمانها بكلّ ما يفرزه وينتجه ويخرجه من جديد، حتّى يكونوا أوفيّاء له. مندمجين فيه، ولا يكونوا غرباء فيه – طبعًا مع استصحاب الأصول والمبادئ التي تحكم شخصيّتهم وفكرهم – وَفق المقولة التي وردت في الأثر: خلّقوا أولادكم بغير أخلاقكم، فقد خلقوا لزمان غير زمانكم ..
هذه سنّة التّطوّر، وهذه حقيقة السّيرورة التي تسير مع المتغيّرات بما يتلاءم مع التّجدّد في الوسيلة والتّفكير والتّعايش السّليم مع الأشياء التي تتحرّك أمامه ... يذكر أنّ كسرى أنوشروان أوضى ابنه قائلا: " إنّنا عشنا في زماننا بما يلائمه، فعليكم أنتم أن تعيشوا بما يلائم زمانكم" .. وقريب من هذه المقولة قول الشّيخ عدّون شربفي: " لقد وجدنا حلولاً لزماننا، فأوجدوا حلولاً لزمانكم"
هذا الملحظ قاعدة تربويّة مهمّة تساعد على البناء السّليم للنّفوس، والتّنشئة الصّحيحة للرّجال الذين يكونون امتدادًا لجهود من يربّيهم، حتّى تستمرّ الحياة، وبها تضمن الأمّة بقاءها وعطاءها وفضاءها؛ لتبدع وتنتج وتقدّم ما يجعلها حيّة، لا تتعرّض للفناء، إلاّ ما كتب الله لخلقه من الأجل المحتوم، حين يأتي اليقين، كما قال: {كلّ من عليها فانٍ ويبقى وجه ربّد ذو الجلال والإكرام} (الرّحمن/ 26، 27)
إنّ هذه القاعدة تراعي طبيعة النّفس التي تخضع للتّطوّر، وتطمح للتّغيير، وتطمع في الخروج من الرّتابة القاتلة للمواهب، المجهضة للمبادرات، الباعثة على الخمول والخمود والهمود والاستكانة .. فللأوليّاء دور كبير في تنشئة أبنائهم على هذا لمسلك المحمود، وهذا النّهج القويم ..
أقرّ الشّيخ البشير بهذا الحقِّ بعدما بيَّنَ أنَّ آباءه وآباء الجيل الذي ينتمي إليه كانوا مقصِّرين في أداء مهمةَّ البناء، فقد كانوا يعيشون في ظلام وتيه وحيرة .. عَدَّ الكاتب ما أصابهم ونالهم من ذلك حنظلا، لا يرضى لنفسه وزملائه المربِّين أن يصيبوا به الأجيال المتعاقبة التي يتولَّوْنَ الإشراف عليها: " حرام علينا أن نرضى للجيل الآتي بما لم نرض به لأنفسنا، وأن نجرِّعهم هذا الحنظل الذي تجرَّعْناه، وأن نلوِّث نفوسهم البريئة بهذه القاذورات، وأن
__________
(1) - المصدر السابق، ص: 293. (1/20)
صفحة 21
نبتليهم بما ابتلانا آباؤنا من أدواء التّفرُّق المهلك، والأنانيّة الكاذبة، والغرور المدلي، والتّنكُّر للقريب، والخضوع للغريب.
حرام علينا أن نقلِّدهم هذه الأسلحة المسمومة، فيتفانون كما تفانينا، ويذوق بعضهم بأس بعض، ويشقون جميعا، ويسعد بشقائهم الغير. حرام علينا أن نسلم إليهم شيئا من هذه الترَّكة التي يجب أن تنفق في جهاز الميِّت، فتدفن معه، ويأمن الأحياء شرَّها، إذ لم ينالوا خيرها." (1)
في هذا النّصّ إشارات مهمّة، تلخّص ما أراد الإبراهيمي أن ينبِّهَ إليه كلَّ المربِّين والموجِّهين، في كلِّ زمان ومكان، أن يقوموا به، إذا قصدوا إلى البناء الصّحيح للنّاشئة والشّياب:
1 - حدّد الأدواء التي كانت نتيجة إخفاق الآباء في التّربية.
2 - تعهَّد بعدم نقل هذه الأمراض إلى النّشء، بل طالب بحمايته منها، وممَّا يعيق بناءه بناء صحيحا سليما.
3 - ضمَّنَ كلامه ما يشير إلى أنّ ما يجعل المجتمع يتخبَّط في مشاكل أخلاقيّة وتربويّة واجتماعيّة ... هي وجود هذه الأسلحة الفتَّاكة فيه ..
ألا يمكن أن تفسِّر هذه الإشارات بِما نعاني منه في الوقت الحاضر في هذا الجانب، إذا أنَّنا مقصِّرون في إنقاذ أبنائنا من هذه الأدواء المهلكة. فأين بيوتنا لتتحرَّك فتقوم بواجبها؟ وأين مدارسنا لتهبَّ فتتدارك الأمر؟ وأين إعلامنا لينهض فيصحِّح المسار؟ وأين مساجدنا لتنشط فتبين السّبيل الأقوم في تربيّة الشّباب على السّلوك الحسن؟
إنّ هذا التَّحليل لأوضاع الأربعينيّات وما قبلها من القرن العشرين هو أيضا عرض لأوضاعنا الحالية، فهل من معتبر؟ وهل من مدَّكر؟ وهل من قلب يعي؟ وهل مِمَّن يلقي السّمع وهو شهيد؟ وهل من قلب سليم يقوم بما يغيّر الحال إلى الأحسن؟؟؟
طبعًا إنَّ عرض الشّيخ البشير لحال من سبق من الماضين من الآباء في مجال التّربيّة، ورفضَه أن يقوم هو وأترابه بما فعل هؤلاء، أو بمعنى آخر السّير سيرتهم مع الأجيال الحاضرة .. هو دعوة لإعادة النّظر في سبل البناء والتّنشئة والإعداد، وتبنّي طرق صحيحة، ومناهج قويمة .. في هذا التّنبيه يبرز اهتمام الشّيخ الإبراهيمي ببناء الشّباب وإعداده ..
لذا لم يغفل عن بيان ما يجب عمله بدقّة أكثر، فقال: " السّبيل القويم الذي يؤدِّي إلى حفظ الجيل الجديد من هذه الشّرور المتوارثة، وإلى توثيق عرى الأخوّة بين أفراده، وإلى توحيد أفكاره ومشاربه واتّجاهاته، وإلى تصحيح فهمه للحياة، وتسديد نظرته إليها، وتشديد عزيمته في طلبها، هو المدرسة العربيّة، التي تصقل الفكر والعقل واللّسان وتسيطر عليها. وتوجيه الجيل النّاشئ إلى الإسلام والعرب، وإلى الشّرق والرّوحانية. فعلى هذه المدرسة يتوقّف جزء كبير من ذلك الواجب الثّقيل، وعليها يتوقّف حظُّ كبير ممّا نرجوه لهذا الجيل، وبهذه المدرسة نستطيع أن نبرِّئ ذمَّمنا من حقوق أبنائنا، وأن نكفِّر سيِّئاتٍ اجترحتها أجيالنا الماضية." (2)
إنّ البشير الإبراهيمي يذكِّر هنا بِمجموعة أفكار مهمّة في البناء:
__________
(1) - المصدر السابق، ص: 294.
(2) - المصدر نفسه. (1/21)
صفحة 22
1 - إنّ النّاشئة في حاجة إلى توثيق عرى الأخوّة فيما بينها؛ لتتمكَّن من السَّير السّويِّ في حياتها.
2 - هي أشدّ احتياجًا إلى توحيد أفكارها وتصوُّراتها، ومعتقداتها ومشاربها واتّجاهاتها، ففي الوحدة حياة مستقرِّة وسعيدة وسويَّة.
3 - توجيه النّشء إلى العمل على الإفادة من الحياة، بل طلبها بقوّة وبعزيمة كبيرة؛ لأنّ في ذلك الخيرَ كلّ الخير له ولمجتمعه، وللإسلام الذي ينتمي إليه، ويصدر عنه.
4 - إنّ هذه المطالب لن تتحقَّق إلّا بإيجاد مدرسة عربيّة أصيلة قلبا وقالبا، تسهم في صقل مقوّمات: الفكر والعقل واللِّسان؛ بما يخدم الأصالة، ومن خلال ذلك يضمن توجه النّشء صوب وجهته الحقيقيّة: الإسلام والعرب.
5 - الحذر من التّقصير في جانب شدّ النّاشئة إلى الوجهة الصَّحيحة؛ حتى لا تغرِّب ولا تشرِّق، ولا تغوِّر ولا تنجد، فتأتي بأفكار لا تَمتُّ إلى أصالتها بصلة، بل تَمسُّها وتصيبها في العمق، فيحدث في المجتمع ما يفعله الزّلزال الذي يهزّ الأوساط، ويسبّب إضطرابا في المعتقدات والأفكار والسّلوك والعلاقات.
نلاحظ العمق الذي تحمله هذه الأفكار، التي نبتت في أرضٍ تحوكها الأشواك من كلّ جانب، وتتربّص بها الآفات كلّ حين .. أرض استعمرها المحتلّ الفرنسي الصّليبي، وعاث فيها فسادًا في محاربة الأصالة، ونشر الرّذيلة، وما يبعد الشّباب عن أرومته وأصوله ومبادئه وثقافته.
كما وُلدت هذه الأفكار من رحم المعاناة، من تخلّف الشّعب عن ثقافته الحقيقيّة، وفساد طرق التّربيّة والتّنشئة في المحيط الذي يتحرّك قيه الكاتب .. فكانت هذه المعاناة النّفسيّة سببًا لِهحومه الحادّ والجادّ على آبائه الذين سبقوه، في مجال التّربيّة والإعداد .. وإن كان هذا التّقريع أو الهجوم قد بلغ درجة عالية من القسوة والشّدّة.
الأسئلة التي تفرض نفسها، أو التي يمكن تقديمها ونحن نعرض فكر الإبراهيمي في رعاية الشّباب وتقويمه هي: هل ما ذكره هي الحقيقة؟ هل هو محقٌّ فيما ذهب إليه؟ هل يساغُ له أن يكون في هذه الدّرجة من التّوتّر وعدم الرّضا على عمل من سبقه في التّربيّة والتّنشئة؟ هل يعذر في موقفه القاسي المتشدّد معهم؟ هل هناك جدوى من هذا الموقف؟؟
نترك الإجابة وتقويم موقف الإبراهيمي إلى المتلقّي .. ولكن مهما تكن الإجابة، فإنّنا نقرّ أنّ هذا الموقف، وهذا الفكر هو دليل على عناية الشّيخ الإبرا هيمي بالشّباب إعدادًا وتنشئة. كما نقول – وبكلّ صراحة ووضوح – إنّ هذا الموقف يعكس حالات التّذمّر التي عاشها من يريد الإصلاح والتّغيير، ومن يريد أن يرى وطنه خارجًا من وحل التّخلّف والتّأخّر في العمل الحضاري، ويريده أن يتحرّك أبناؤه وموجّهوه ومربّيه والقائمون عليه وعلى شؤونه بطرق سليمة ومجدية ومتناسبة مع التّحدّيّات التي تواجه الأصالة والوطنيّة والقيم والمبادئ ..
أمّا نحن ف نسأل الكاتب لماذا المدرسة العربيّة بالذّات؟ ولماذا التّعليم المؤصل؟ ليجيبنا: " لأنّ التّعليم الأجنبي على تفاهته في الكيف وقلّته في الكمّ - وعلى اضطرارنا إليه وإقبالنا عليه – يسبقه جهل، وتقترن به آفات، وتعقبه مفاسد، وهو – على ذلك كلّه – يفتح عينا ليعمي عينا، ومن بلغ إلى غايته منّا أصبح بالطّبيعة متنكِّرا (1/22)
صفحة 23
لماضيه ودمه وقومه، لأن ذلك التّعليم وجده فارغا فملأه بما يشاء، لا بما نشاء نحن ... " (1)
إنّ المدرسة العربيّة ضروريّة لتربية النّشء؛ لأنّها هي التي تقف أمام خطر التّعليم الأجنبي، الذي يمسُّ الأصالة والقيم، فيحوِّل من تعلَّم فيها - قبل أن يأخذ نصيبه من الثّقافة الأصليّة – إلى متنكِّر لهذه الأصالة؛ في تاريخها وموطنها وأفكارها ومقوِّماتها ... ويحصلُ استغلالُ هذا التّعليم الأجنبي لعقول أبنائنا؛ لأنّه وجد الفراغ فيهم فملأه بما يشاء من الأفكار والمعتقدات، فانقلب كلُّ هذا سلوكا مشينا، يهدِّم البناء، ويحطِّم الحدود، ويتجاوز الأعراف، ويكسر القواعد ...
بعد هذا الذي يحصل من نتاج التّعليم الأجنبي وإفرازاته الخطيرة .. أفلا يكون في المدرسة العربيّة الأصيلة الحماية والنّجاة من هذه المزالق والمهاوي؟؟
أليس ما نبَّهَ إليه الشّيخ البشير الإبراهيمي هو ما نعانيه اليوم؛ بسبب تقصير مدرستنا الجزائريّة في واجبها في تلقين أصول هذا المجتمع للأجيال المتعاقبة، وتنوير عقولها بالصّحيح من العقائد، وتوحيد رؤاها إلى قضاياه؛ انطلاقا من مبادئ ثابتة وأصول راسخة، وقواعد متينة؟؟ ألا نأخذ من هذه التّنبيهات دروسا لنقوم بعمليّة التّوجيه بأسس صحيحة؟؟
ألا يمكن أن نعدّ ما يحدث في مجتمعنا الجزائري من تنكّر أبنائها لأصالتهم، والخروج عن أعرافهم، واستيرادهم أفكارًا غربيّة عن أوساطهم، والتّذبذب في تفكيرهم وسلوكهم ... هو ما حذَّر منه البشير الإبراهيمي؟ ألا يمكن إرجاع ذلك إلى غياب المدرسة العربيّة الأصيلة، في أهدافها، وفي برامجها ومناهجها، وفي إدارتها وتسييرها .. التي تبني وتنشئ عقولا، تكون وتبقى وفيّة لتراثها ومحتدها، وانتمائها ومعتقداتها؟؟ فلنفكِّر جيِّدا، ولنتدبَّر الأمر مليًّا، وليكن لنا في تنبيهات الشّيخ الإبراهيمي وتوجيهاته خير مَعين للتّربية السّليمة، والإعداد المُؤسَّس على القواعد الصّحيحة. وخير مُعين على البناء القويم، والتّنشئة القويّة ..
من هذا المَعين نغرف ونعرف المَهمّة المنوطة بكل عامل في حقل بناء النّفوس، وإعداد الرجال، التي يحدِّدها الشِّيخ الإبراهيمي بقوله: " ... الغاية من هذه المدرسة هي تربية الجيل وتعليمه. وغاية الغايات من التّربية هي توحيد النّشء الجديد في أفكاره ومشاربه، وضبط نوازعه المضطربة، وتصحيح نظراته إلى الحياة، ونقله من ذلك المضطرب الفكري الضّيّق الذي وضعه فيه مجتمعه، إلى مضطرب أوسع منه دائرة، وأرحب أفقا، وأصحَّ أساسا، فإذا تمَّ ذلك وانتهى إلى مداه طمعنا أن تخرج لنا المدرسة جيلا متلائم الأذواق، متَّحد المشارب، مضبوط النّزعات، ينظر إلى الحياة - كما هي – نظرة واحدة، ويسعى في طلبها بإرادة متَّحدة، يعمل لمصلحة الدِّين والوطن بقوَّة واحدة، في اتّجاه واحد.
غاية التّعليم هي تفقيهه في دينه ولغته، وتعريفه بنفسه بمعرفة تاريخه. تلك الأصول التي جهلها آباؤه فشقوا بجهلها، وأصبحوا غرباء في العالم مقطوعين عنه، لم يعرفوا أنفسهم فلم يعرفهم أحد.
ففي هذه الغاية السّليمة التي في تحقيقها نجتهد ونكدح، وللوصول إليها نعمل، وفي العمل لها نلقى الأذى، وفي
__________
(1) - المصدر السّابق، ص:295. (1/23)
صفحة 24
الأذى فيها نلقى راحة الضّمير واطمئنان النّفس، وببلوغها - إن شاء الله – نكون قد أدَّينا الأمانة، وقضينا المناسك، وكفَّرنا عن جريمة التقصير، وفزنا بالعاقبة، فحمدنا السُّرى." (1)
الكلمات التي تضمّنها هذا النّصّ هي: (تربية، تعليم، تفقيه، تصحيح، معرفة، الأصول، قوّة، طمعنا، أدّينا، قضينا، حمدنا، نجتهد، نكدح، نعمل ... ) أمّا العبارات فهي: (توحيد النّشء في أفكاره ومشاربه، ضبط نوازعه المضطربة، متلائم الأذواق، متّحد المشارب، مضبوط النّزعات، نظرة واحدة، إرادة متّحدة، اتّجاه واحد، مصلحة الوطن، تفقيهه في دينه ولغته، راحة الضّمير، اطمئنان النّفس ... )
هذه الكلمات والعبارات تعدّ محوريّة في النّصّ، ومفتاحيّة لفهم ما تضمّنته من معانٍ ووعيِها حقّ الوعي؛ لذا فهي تحمل دلالات كبيرة وعميقة. يمكن إيجازها فيما يأتي:
1 ـــــــ تحمل مضمونات مركزيّة، تكشف عن طبيعة العمل، وحقيقة النّشاط، وكنه التّحرّك ... في طريق التّربيّة والتّكوين والتّنشئة ..
2 ـــــــ تحمل طابع الأهداف من العمل والتّخطيط والتّدبير والتّسيير .. وهو دليل العناية والرّعاية وتحمّل المسؤوليّة وأداء الأمانة ..
3 ـــــــ تحمل ميزة الشّموليّة التي تحيط بكلّ جوانب التّربيّة، وتمسّ كلّ عناصر تكوين الشّخصيّة، التي هي إسلاميّة وعربيّة ووطنيّة .. في دينها ولغتها وتاريخها وأدبها وعاداتها وتقاليدها الحقيقيّة ..
4 ـــــــ يتمّ كلّ ذلك؛ وَفق خطط تنطلق من مفهوم الوَحدة في المشرب والمنزع، لتصل إلى هدف الاتِّحاد، في الاتّجاه والمشاعر والضّمائر والخواطر، وإلى وَحدة التّصوّر والنّظرة والرّؤية، مهما اختلفت الوسائل والطّرق في التّكوين وفي الممارسة ...
المدرسة العربيّة – بمفهوم العروبة والإسلام ممتزجين – هي التي توفّر الظّروف للعمل، وتحقّق الأهداف من الممارسة، وتبلّغ الغاية من التّحرّك في الحياة ...
أليست هذه نظرات عميقة في مجال العناية بالشّباب؟؟ أليست هذه رؤى ثاقبة في عمق عمليّة الإعداد؟؟ رغم ما يلحقهما من عنت وتعب ونصب، وما تحتاجانه من صبر ومصابرة ومرابطة .. كما قال الشّيخ الإبراهيمي في نهاية النّصّ: " ففي هذه الغاية السّليمة التي في تحقيقها نجتهد ونكدح، وللوصول إليها نعمل، وفي العمل لها نلقى الأذى، وفي الأذى فيها نلقى راحة الضّمير واطمئنان النّفس، وببلوغها - إن شاء الله – نكون قد أدّينا الأمانة، وقضينا المناسك، وكفّرنا عن جريمة التّقصير، وفزنا بالعاقبة، فحمدنا السّرى" ..
إذا كانت الفقرات السّابقة التي عرضناها في الصّفحات السّابقة، كان الشّيخ محمد البشير الإبراهيمي قد نشرها سنة 1951م في مقال طويل تحت عنوان: " حقوق الجيل الجديد علينا" (2) فإنّه في سنة 1952م قدّم لمجلس إدارة جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريّين نصائح كان من بينها ما يخصّ الاهتمام بالشّباب (3)، مضامينها وعناصرها، بل
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 295، 296 ..
(2) - ينظر جريدة البصائر، (جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريّين)، الجزائر، ع: 145، يوم: 05/ 07/ 1951م. وكتاب عيون البصائر، ص: 291 – 297.
(3) - وردت في التّقرير الأدبي للجمعيّة، نشر في جريدة البصائر، العدد: 173 - 174، السّنة الرّابعة من السِّلسلة الثّانية، (15 من أكتوبر 1951م). (1/24)
صفحة 25
حتّى كلماتها وعباراتها لا تختلف كثيرًا عمّا ورد في الفقرات السّابقة، ممّا يعدّ تكرارًا وتأكيدًا على الأفكار السّابقة، ما يكشف عن أهميّة الموضوع، وعلى سعته، ثمّ يدلّ على روح الاستمراريّة والمواصلة والمتابعة والمداومة والشّموليّة .. التي تتطلّبها عمليّة التّربيّة، كما تُبينُ عن العناية والرّعاية التي أولاهما الشّيخ البشير الإبراهيمي لموضوع رعاية الشّباب: " ... وأوصيه بالشّباب، فإنَّهم ذخر الغد، وأهل الأبد، ورأس مال هذه الأمّة، فَلْيُلَابِسْهُمْ، وليغرس فيهم حبّ دينهم ولغتهم ووطنهم وتاريخهم، وليُقَوِّ فيهم ملكة الاعتزاز بها، وليبسط في آمالهم الوطنيّة، وليروِّضهم على الفضائل الشّرقيّة، وليجمع قلوبهم على الإسلام وكتابه، وألسنتهم على لغته وآدابه، وليتألّف شاردهم بالرّفق والأناة، فإنّ للشّباب نزوات، وليقوِّ رجاءهم في الحياة، (فإنّ اليأس يخترم الشّباب)، وليربِّهم على التّقليل من الأقوال، والتّكثير من الأعمال، وليوجِّههم إلى حياة الشّرف، حياة العلم مقرونا بالعمل، فهذه سِمة العصر وشبابه، وليربط حاضرهم بماضيهم، فقد أوشكت الصّلة بينهما أن تنقطع عندهم، وأوشك الاستعمار والحضارة الغربيّة أن يتركاهم بلا ماض، فالقارئ منهم يعرف عن نابليون أكثر ممَّا يعرف عن عمر، والأمِّي منهم يجهلهما معا، ولا ذنب لهم في ذلك، وإنَّما الذنب ذنب الزّمن الغادر والعصر الفاجر، وليحملهم على التّحابب، فإنّ الحبّ رباط القلوب، وإنّ الحب يثمر الاتّحاد." (1).
قواعد مهمّة قدّمها الكاتب للمسؤولين على رعاية الشّباب والأبناء، والقائمين على عمليّة التّربية والبناء. شملت معظم جوانب الإعداد؛ بداية من توجيه الشّباب إلى الالتفات إلى الماضي والالتفاف والارتباط بالتّاريخ؛ مُنطلَقًا للتّكوين والتّربية، ثمّ الاعتزاز بالدّين والوطن واللّغة والآداب والتّمسّك بها، ملاذا للتّحصين من الانحراف والزّيغ والتّنكُّر للأصول، ثم الاهتمام بالحياة المعاصرة وفهم ما تتطلّبُه، والتّقدُّم إليها بعلم نافع، تكتنفه شمائل حسنة، يصحبه عمل جاد هادف مخطَّط؛ زرعًا للأمل في النّفوس، لتثق بإمكاناتها، فتتحرَّك لتنشط وتعمل وتعمر وتنتج، ومحاربة اليأس الذي يقهر الشّباب، ويحطِّم جانب الفعاليّة والحيويّة فيهم، وتوجيهًا للطَّاقات للاستثمار الحسن، والاستفادة الجيِّدة.
ثم مراعاة طبيعة الشّباب التّكوينيّة، والتّعامل معهم بوعي وكياسة وحذق؛ تجنُّبَا للتّجنِّي عليهم، فينفرون من المجتمع، فيخسرهم بعد ذلك، فإنِّ للشَّباب نزواتٍ وهَنَات، يمكن التّعديل منها بحسن التّصرف في حكمة وأناة، وتصريفها إلى الأحسن في السّلوك، مع العمل على زرع المحبَّة والودِّ بين الشَّباب؛ فبهما ترتبط القلوب، ويتمُّ الاتِّحاد، فإذا تَمَّ العمل في ظلِّ المحبَّة والاتِّحاد حصل الخير الكثير، ونتج الفضل الكبير.
في هذا المعنى، وبهذه الرّوح يقول الشّيخ حمّو فخّار، مخاطبًا الكبار؛ راجيًا منهم مراعاة الصّغار: " ... ثمّ اسمحوا سادتي الشّيوخ المحتفلين! بدوركم أن أدعوكم في هذه المناسبة السّعيدة، إلى مزيد من تكريم أبنائكم الشّباب، وإن كنتم قد فعلتم وأحسنتم وأجملتم، وذلك بأن تغضّوا الطّرف عن نقدهم، ولو كان جارحًا، وتحترموا تطلّعهم للاستيلاء والتّصدّر، ولو كان جامحًا؛ لأنّهم في عهد الفورة والثّورة والسّورة، فلطالما جروا مع العشّاق في حلبة الهوى، ونهزوا مع الغواة بدلوهم.
__________
(1) - آثار محمد البشير الإبراهيمي، الجزء الثّالث، ص: 355، 356. (1/25)
صفحة 26
إنّي بحكم سنّي المخضرم بين الشّباب والشّيخوخة، ما أزال أطلّ على الجانبين. واجبي أن أدعو الرّفق؛ انصياعًا للحكمة الخالدة: ما دخل الرّفق في شيء – حتّى في معاملة الكبار – إلاّ زانه، ولا دخل الخرق في شيء – لا سيّما في مناقشة الأفكار – إلاّ شانه.
فما أحوج الشّباب لحكمة الشّيوخ، وحنكتهم وثبات عشرتهم، وإخلاصهم وصبرهم ومصابرتهم، ورسوخ مبادئهم وتمرّسهم بالآفات! وما أحوج الشّيوخَ إلى السّواعد المفتولة، والأفكار الجديدة، والآمال الواسعة، والمخطّطات البعيدة، والاندفاع العارم، الذي يطوي المسافات، والكفاءات المشرّفة في شتّى المجالات! " (1)
عن نزوات الشّباب التي تفرزها المرحلة التي يمرُّ بها المراهقون - والشّباب في بعض تصرُّفاته صغيرٌ ومراهقٌ – تقول دوروثي روبرتس Dorothy M. Robertes) : " إنَّ من يتجاهل الاضطراب والألم اللّذين يلازمان المراهق خلال هذه المرحلة من العمر، أو يحاول تجاهل ظواهر النُّموِّ التي تصاحب فترة المراهقة، يسيء من حيث لا يدري إلى الأحداث، لأنَّ الفهم الصَّحيح لِمشكلات تلك الفترة من جانب الرَّاشد يجعله أكثر قدرة على معاونة الصَّغير على تفهُّم وإزالة أسباب قلقه، وتخفيف حدَّة آلامه." (2)
إنّ خلق المودّة والتّحابب مهمّ جدًّا في حياة الأبناء والنّاشئة، وبقدر ما تكون المحبّة سائدة بينهم يتحقّق الاتّحاد الذي يثمر هو بدوره عملا صالحا ونتائج جيّدة. هذه النُّقطة، أولاها االمربُّون والموجِّهون عناية كبيرة، ولفتوا إليها نظر الجميع .. فهذا الشِّيخ إبراهيم بيّوض بعد أن أشار إلى ما يهدف إليه من تكوين جيل كامل العدّة ليخدم أمّته، قال: " لن نبلغ غرضنا منه، حتَّى نضيف إلى تنوير العقول بالعلم، وتزكية النّفوس بالدِّين، التّأليف بين القلوب بالحبّ الرّاسخ والوُّد المكين." (3)
هذه وصايا موجّهة لكلِّ مُرَبٍّ في كلِّ زمان، وفي كلّ حال .. فما أحوجنا إليها في الوقت الرّاهن، وقد اختلط علينا الأمر فأصبحنا نَخِبُّ ونضع، ونبدئُ ونعيد، ونتخبَّط خبط عشواء في علاقاتنا مع الشّباب والصّغار ... ؛ لأنّنا ضللنا سواء السّبيل في التّربية والتّكوين والتّوجيه. فليكن في توجيهات شيوخنا ما ينير لنا الدَّرب، ويضيء الطَّريق، ويذلِّل السَّبيل، ويقي من الزَّلل والخطأ والعثرات، فنهتدي إلى تكوين شباب يكون بحقٍّ رأس مال الأمَّة، وذخرها وأملها ...
إنّ الشّيخ الإبراهيمي يكرِّرُ كثيرا الحديث عن هذه القواعد وهذه التّوجيهات التي تُهمُّ كلَّ مُرَبٍّ ومُكوِّن ومرشد وقائد: " ... فعلى أولئك القادة أن يبنوا أمرهم على العلم الصَّحيح والتَّربية الرَّشيدة، وعليهم أن يبدؤوا بإنشاء جيل قويم، يبنونه على التّربية الإسلاميّة القويمة، ليكون أساسا لمن بعده، وأن يغرسوا فيه العقائد والأخلاق القرآنيّة من الصّغر، وأن يروِّضوه على الصَّبر والعفَّة والجدِّ، مع طراوة العود، وأن يوجِّهوه الوجهة السَّديدة في الدِّين والحياة،
__________
(1) - الأستاذ جمّو بن عمر فخّار، وقفات ومواقف، نشر جمعيّة التّراث، القرارة، الجزائر، 1422ه/ 2001م، ص: 160، 161.
(2) - دوروثي روبرتس، فن قيادة الشّباب، المراهقون بشر لا مشاكل، ترجمة إسماعيل صفوت، ط2، دار نهضة مصر للطّباعة والنّشر، القاهرة، إبريل 1966م، ص: 4.
(3) - نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، ج3، ص: 197. (1/26)
صفحة 27
ويرشِّحوه للعظائم حتَّى ينشأ مستعدًّا لها، مستخِفًّا بأثقالها." (1)
هذا الشّباب بدوره في حاجة إلى وصايا ونصائح ليستقيم على الصّراط السّوي، وينشأ على القواعد الصّحيحة. فماذا قدَّم الشِّيخ الإبراهيمي للشَّباب؟ وبِماذا نصحهم؟
نصائح وتوجيهات للشَّباب.
كما وجَّه الشّيخ وصايا للقادة والموجِّهين، يبيِّن لهم القواعد التي يجب مراعاتها في التّربية والبناء، وينبِّهُهم إلى تجنُّب ما يفسد عمليّة الإعداد والتّكوين ... خصَّ الشّباب المعنيِّين بالتّكوين والإعداد بالتّوجيه والتّنبيه والنّصح؛ ليقوموا بنصيبهم من هذا العمل الكبير، وهذا الشّطر من الواجب العظيم .. فتتضافر الجهود، وتتلاقى الإرادات؛ ليتمَّ البناء بقوّة ودقّة وإحكام ..
قال للشّباب والنّشء: " ... إنَّ عصركم بطل، فمن البِرِّ به أن تكونوا أبطالا، وإنَّ جيلكم سماوي التّشوُّف، فلا تخلدوا إلى الأرض، وإنّ حاضركم جديد، فلا تكونوا منه في موضع الرّقعة البالية، إنَّ الحياة حسناء، مهرها الأعمال العامرة، فلا تسوقوا لها الأقوال الجوفاء، وإنّ دينكم ينهاكم أن تأخذوا الأمور بالضّعف والهوينا، فخذوها بالقوّة والغلاب، وإنّ أربع خلال ارتضاها الله لعباده، وأمرهم بها: الصّبر والمصابرة والمرابطة والتّقوى، { .... اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعكم تفلحون} (آل عمران/ 200)، {ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مومنين.} (آل عمران/ 139 " (2)
قوّة هذا الخطاب تعزّزت بالألفاظ المنتقاة بدقّة، ثمّ المنطقيّة التي سلكها الكاتب، وهو يخاطب الشّباب، فيها تحريك للوجدان كي يتعاطف مع الخطاب، وفيه استفزاز للعقل كي يتأمّل في هذا التّوجيه .. فيه أسلوب المقارنة بين حالين متقابلين، أحدهما إيجابي والآخر سلبي .. ينتجان ما ينتجان؛ بحسب تصرّفات هؤلاء الشّباب في الحياة .. نسج هذا الأسلوب ولفّه في لباس من الثّنائيّة، التي تعين على الكشف والجلاء لما يكون في أعماق الشّيء المتناول.
في الحقيقة هذا جانب من الصّفة العقلانيّة التي تميّزت بها كتابة الإبراهيمي .. وهي التي منحت لها طبيعة خاصّة،
__________
(1) - الشّيخ محمد البشير الإبراهيمي، آثار محمد البشير الإبراهيمي، الجزء الرّابع، المؤسّسة الوطنيّة للكتاب، الجزائر، 1985م، ص: 410. هذه الفقرة من كلمة افتتاح، نشرت في مجلّة الإرشاد، الكويت، أوت 1953م.
(2) - عيون البصائر، ص:454. (1/27)
صفحة 28
وجلبت إليها أنظار القرّاء والمستمعين لكلامه، والقارئين لكتاباته ..
هذا النّسيج الذي قدّمه الإبراهيمي - وهو يخاطب الشّباب ويدعوهم للارتفاع بأنفسهم إلى المعالي من المور والعوالي من المراتب - كفيلٌ بإقناع من كان له قلب سليم وعقل صحيح ومشاعر صادقة .. للامتثال لما قيل ولما قدّم ...
من الشّباب عامّة، ينتقل إلى المعلِّمين بشكلٍ أخصّ- وهم شباب ينتظر منهم أن يخلفوا الآباء في المناصب وفي مراكز القيادة – ليقول لهم، وهو يعدّهم لهذه المهام، وينشد فيهم ما يطلبه في الطّلبة الشّباب النّاشئين، الذين يتكوّنون على أيدي هؤلاء المعلّمين .. هو دائمًا يطلب السموّ والعلوّ، ويبحث عن القوّة والشّدّة فيمن يخاطب ..
في سلسلة النّصائح التي قدّمها للمعلّمين - تكاد تحيط بكلّ ما يخصّهم في مجال التّكوين والتّعليم والتّربيّة ... - (1) قال: " ... ولكنّكم جنودٌ، ومتى طمع الجنديُّ في رفهنيّة العيش؟ وأسودٌ، ومتى عاش الأسدُ على التّدليل؟ وهو يشعر أنّ التّدليل تذليل.
إنّكم يا أبنائي!! رجالُ حركة، فلا تشينوها بالسّكون، وأبطال معركة، فلا يكن منكم إلى الهوينا ركون. وإنّكم رجال جمعيّة العلماء، فشرِّفوا جمعيّة العلماء. " (2)
ما يطلبه الكاتب من الفئتين (الشّباب والمعلّمين) واحد في كنهه وطبيعته .. حتّى الكلمات التي نسج بها خطابه لهما بينها تشابه .. هذا شيء طبَعِي .. فالهدف من إعداد الفئتين واحد، والعلاقة بينهما علاقة ما يفرزه مجال العلم .. وكلاهما يعدّ ليقوم بمهمّة شريفة وشاقّة، تلك النّاشئة تتعلّم، وهذه الطّائفة من المعلّمين تُعلِّم، وعملهما يتطلّب الفوّة والإرادة والثّقة في النّفس، والحركة والشّجاعة والإقدام .. فلا غرو أن يتشابه الخطاب الموجّه إليهما .. شكلاً ومضمونًا.
لذا قد تكون الشّدّة هي التي تطبع علاقة الموجِّه والموجَّه أحيانًا. هذا ما دفع بالشّيخ الإبراهيمي الموجِّه أن يقول للمعلِّمين الموجَّهين: "فإذا رأيتمونا نُمسك بالشّدَّة أحيانا، ونقسو عليكم في التّثقيف، فذلك لكي يخلص لنا من عشيرتكم آحاد، يخلفوننا في هذه الخلال إذا خلت أمكنتنا في المراكز الأماميّة، بعد أن يقطعوا من مراحل العمر ومقامات التّدريب ما يؤهِّلهم لذلك." (3)
الشّاعر العربي يقول:
فَقَسَا ليزدجروا، ومن يكُ راحمًا ... فَلْيَقْسُ أحيانا علَى مَنْ يرحمُ
لم يخرج الشّيخ الإبراهيمي عن هذه القاعدة التّربويّة المهمّة .. هي تندرج ضمن العناية والرّعاية التي يقوم بها الموجّه ... والمكوّن .. وهي وجه من وجوه أداء الواجب نحو من يربّيهم ويعدّهم لخوض معترك الحياة بكفاية واقتدار ..
إنّ قيام القادة بواجبهم في الإعداد والبناء، لن يؤتي ثماره إذا لم يبادر الشّباب - بدوره – بالعمل على التّكوُّن
__________
(1) - ينظر مجموعة مقالات في الموضوع، موجَّهة للمعلِّمين. عيون البصائر، ص: 268 - 292 ..
(2) - المصدر السّابق، ص: 284.
(3) - المصدر السّابق، ص: 285، 286. (1/28)
صفحة 29
الصّحيح، لذا نجد الشّيخ الإبراهيمي في هذا التّوجيه يركز على جانب القوَّة في التّكوين، مادام ينتظر من الشّباب أن يكونوا رجال الغد، وجنود الأمّة، وأبطال الحمى، وحماة المجتمع، وحرَّاس القيم، وبناة المجد ... ، فكان في هذا النِّداء يطلب من الشَّباب أن يرتقي إلى مصافِّ الأبطال، وأن ينظر إلى السَّماء وهو يتحرَّك، ولا يلتصق نظره بالأرض فيخلد إليها، يجب أن يتعلَّق بالثُّريَّا، وينأى عن الثَّرى. لا يكون من الضّعفاء والمهازيل، بل يكون من الأبطال والبهاليل، لا يتعلَّق في مطالبه بالتَّمنِّي، بل يأخذ الدّنيا غلابا.
يريد من الشَّباب أن يسايروا العصر، ويكونوا أوفيّاء له، ولا يكونوا غرباء فيه وعليه. يطلب منهم أن يواكبوا الجديد، ويتطلَّعوا إلى التّحسين والتّطوير. ينشد فيهم القوّة في التّحرّك، والجدَّ في العمل، والطُّموح في الآمال ... ، يطلب فيهم كلّ العناصر القويَّة التي تبني منهم مغاوير وأشاوس وصِيدًا، ورجالا أقويّاء صناديد، تقوم على أكتافهم الأمّة، وتُناط بكواهلهم الأعباء الثَّقال، وتلقى على ظهورهم الأحمال.
إنّ التكوُّن الصَّحيح يبدأ من الدِّين وبالتحديد من القرآن؛ لذا وجّه الشِّيخ الإبراهيمي نظر الشِّباب إلى هذا الجانب: " أي شباب الإسلام! إنّ الأوطان تجمع الأبدان، وإنّ اللُّغات تجمع الألسنة، وإنَّما الذي يجمع الأرواح ويؤلِّفها، ويصل نكرات القلوب فيعرِّفها هو الدِّين. فلا تلتمسوا الوحدة في الآفاق الضّيِّقة، ولكن التمسوها في الدِّين، والتمسوها في القرآن، تجدوا الأفق أوسع، والدَّار أجمع، والعديد أكثر، والقوى أوفر." (1)
استغلَّ الشّيخ البشير الإبراهيمي حدث إضراب طلبة الجزائر الزّيتونيّين في تونس؛ احتجاجا على الأوضاع التّعليميّة المترديّة؛ بسبب الجمود والقعود عن التّطوير والتّجديد، والأخذ بالأسباب المعينة على التّقدّم، والإفادة من العلم الجديد ... ، استغلَّ هذه الفرصة ليقدِّم ملاحظات وانطباعات وتوجيهات لهؤلاء الطّلبة الشّباب، تدخل في إطار الإعداد والتّشييد، والبناء والتّوجيه السّديد (2)
بدأها بشكر هؤلاء الطّلبة الذين عبَّروا عمّا يشعر به من الضّيق من السَّير غير السّوي الذي أبداه من قبله، ممّن انتقد طرقهم في تربية الشّباب، ومناهج تعليمهم النّاشئةَ – وقد ذكرنا طرفًا من ذلك في الصّفحات السّايقة -، كما صوّروا ما يحسّ به من الضّجر من حال الجمود التي يمرُّ بها المجتمع، فجاء الإضراب ليحرِّك ويهيج أشجانا في صدر الشِّيخ الإبراهيمي، فاغتنمها فرصة ليقول وينبّه ويوجِّه، ويوصي ويرشد ويسدّد ..
قال: " ... وكأنَّ أبناءنا الزّيتونيّين - نصرهم الله ونضَّر وجوههم – أرادوا بثورتهم الحاضرة أن يختصروا هذه الفترة المنافقة، وأن يقرِّبوا منَّا الزَّمن الصَّالح لنشر هذه الآراء، وإنّ لهذا الأمر لعاقبةً، هذا نذيرها، فإذا لم نقدم عليها طائعين أرغمنا عليها مكرهين.
ونحن - حين نشكر أبناءنا – نرى أنَّ شطر الشّكر يرجع إلى هذا التَّقريب الذي نخرج به من تبعة كتمان الحقِّ،
__________
(1) - محمد البشير الإبراهيمي، آثار الشّيخ محمد البشير الإبراهيمي، الجزء الأول، الطبعة الأولى، الشّركة الوطنيّة للنشر والتّوزيع، الجزائر، 1398هـ/ 1978م، ص: 93.
(2) - المقال بعنوان: " المقال بعنوان: "إضراب الطّلبة الزيتونيّن"، جريدة البصائر، ع: 118، يوم: 01/ 05/ 1950، ينظر كتاب: عيون البصائر، ص: 449 – 454. (1/29)
صفحة 30
لأنَّ النَّصيحة إذا تأخَّرت عن ميقاتها أصبحت غشًّا، ومن أظلم ممن غشَّ نفسه وأمَّته؟ " (1)
إنّ هذا الشّكر يتضمَّن توجيها وإرشادا للشّباب؛ أن يكون صاحب رسالة، يشعر بمسؤوليّته في المجتمع، يسهم في حلّ مشاكل الأمّة، يشارك في التّخفيف من همومها. كما أنّ في هذا الشّكر لمسة نفسيّة، ومسحة ناعمة، ترفع من معنويّات الشّباب، الذي يجتهد في التّغيير نحو الأفضل .. فهذا الشّكر يعين على التّحلِّي بالخلال التي تدعو إلى ممارسة ما يؤدِّي الى التّحسين والتّطوير. من تلكم الصّفات أن يتوفّر على قيمة الجرأة والشّجاعة في الصَّدح بالحق، وأن يكون أريبا، فينتقل إلى ميدان العمل، ولا يبقى في حدود القول.
بعد هذه التّوطئة النّفسيّة، أو التّهيئة النّفسيّة، ينتقل الكاتب ليحدِّد من تكون عليه المسؤولية في الإصلاح والعمل، فأشرك في ذلك الطّلبة الشّباب، قال لهم: "وعذرا إذا تعجَّلت كلمة منصفة، وهي أن الإصلاح المأمول لا يتوقَّف منه على الحكومات إلّا شطره المادي، وأهون به، أما شطره الآخر - وهو اللُّباب – فلا يضطلع به إلَّا ثلاث فرق متساندة مخلصة: المسيِّرون لهذه الجامعات بالإدارة والتَّعليم والتَّلاميذ والأمّة، ومن اعتمد في هذا القسم من الإصلاح على غير هؤلاء فقد سجَّل على نفسه قصر النَّظر، وقصور الرَّأي، والتّقصير في الواجب." (2)
الطّلبة - بما يملكون من طاقات وإمكانات نفسيّة وكفايات عقليّة ومؤهّلات فكريّة - معنيّون بالمشاركة في الإصلاح بما يقدرون عليه، وقد قام هؤلاء بما يفرح ويبشِّر بخير، فاستحقُّوا تقديرا من الشِّيخ، فليكونوا قدوة لغيرهم، وليصل التّوجيه إلى البقيّة بواسطة أولاء الطَّلبة: "وإنَّني مرسل إلى أبنائي التّلاميذ الزّيتونيّين بالكلمة التّالية، تحيّيهم وتشدُّ من عزائمهم، فإن لم تكن رَوْحًا يدوم ويبقى، تكن ريحانا يُشَمُّ ويَذوَى، وإذا تأخَّرت عنهم فعذرها أن العُرج في آخر الذَّود، فلينتظروا العود، وأن عسى أن أكون قد قمت ببعض حقِّهم عليَّ.
ما هذا التَّصميم الذي يفلُّ الحديد؟ وما هذه العزائم التي لا تعرف الهزائم؟ وما هذا التَّحدِّي الذي يقهر الخصوم اللّد؟ وما هذا الإصرار الذي يقتحم البحر، وقد جَاشت غواربه؟ " (3)
منطوق كلام الشّيخ يشير إلى الشَّباب أن يظلَّ دائمًا صاحب تصميم وعزيمة وتحدٍّ وإصرار ... تقهر الصِّعاب، وتردّ العدوان، وتطرد الهوان، وتهزم الخصوم، وتنشد الحياة الحقيقيّة، وتهدي الشَّباب إلى المقوّمات الصَّحيحة للعيش الكريم.
ما يمكن التّعليق به على تلك الفقرة:
1 ــــــــ هذه الإيماءة هي تقدير للقيمة التي يحملها الشّباب في المجتمع، وللمكانة التي يحتلّها في جسمه، فهو العمود الفقري له، حياته الهنيئة السّويّة تستند إليه .. وهو العماد الذي يرتكز عليه ليقوم ويستوي هيكلاً قويًّا ومتماسكًا .. فما تلك الأسئلة التي أنهى بها الفقرة إلاّ دليل على ما أشرنا إليه ..
2 ـــــــ هذه النّفحة الإبراهيميّة للنّاشئة النّاهضة، هي رسالة عميقة الرّؤية وبعيدة النّظرة، تبيّن وتحدّد دور المتعلّمين في المجتمع، أي إنّ تعلّمهم يجب أن يكون لخدمة الأمّة .. هو يقول لهم: ها قد بدأتم تتحرّكون في هذه
__________
(1) - عيون البصائر، ص:449، 450 ..
(2) - المصدر السابق، ص: 450.
(3) - المصدر نفسه. (1/30)
صفحة 31
السّبيل .. فدوموا ورابطوا وشدّوا على هذا الرّباط، فهو الذي يصلكم بالمجتمع في القيام بشؤونه ..
إنّ في طيّي الشّكر تكمن الدّعوة إلى القيام بالواجب .. فلا ننسى أنّ من قدّم شكرًا لشخص، فإنّما يحمّله مسؤوليّة الالتزام بالخطّ الذي كان الدّافع إلى شكره وتقديره ..
3 ــــــــ هذه الإشارة إلى ما قام به الطّلبة كشفت عن ذكاء الشّيخ البشير الإبراهيمي في الإرشاد والتّوجيه والتّكليف ... فيها استغلال للموقف المشرّف، وتوجيهه الشّباب لحسن التّصرّف، الذي يجب أن يبقى في حدود المعقول والمقبول في السّلوك الحضاري الحكيم، الذي يبني ويشيّد ويؤسّس .. أي كأنّي بالكاتب المربّي المعلّم يقول للطّلبة المضربين يجب أن يكون إضرابكم – وأيّ عمل تقومون به – مرسومًا ومخطّطًا وهادفًا لغرض نبيل، يرمي إلى الإصلاح والتّحسين والتّطوير .. وغير ذلك من المعاني التي يمكن استخراجها من هذا الشّكر والتّقدير للطّلبة. بدليل أنّ الكلمة التي وجّهها الشّيخ الإبراهيمي للطّلبة المضربين - يشكرهم فيها على فعلهم،- أحاطها وسيّجها وذيّلها بنصائح مهمّة، تدعو إلى الاعتدال والتّحلّي بالخلال التي تبني شخصيّتهم: كالقوّة والشّحاعة والإرادة والتّحدّي والمثابرة والمبادرة والمواصلة ....
عدَّ الشّيخ البشير الإبراهيمي ما قدّمه الطّلبة في هذا الموقف والمشهد هبة من نفحات الأجداد، طاف طائفها بنفوس الشَّباب المتعلّم فنهضت لتذكِّر بقوّة الأصل الذي ينتمون إليه. فكان في هذا الفعل إحياءٌ للأمجاد وردٌّ للأمور إلى نصابها، وفيه رسالة أخرى موجَّهة إلى بقيّة الشباب: أن هكذا فافعلوا، وهكذا فسيروا ... ". أجدَّكم أن العزائم التي قهر أجدادنا الفرس والرُّومان بمثلها قد تمثَّلت من جديد في الشَّباب الزَّيتوني العتيد؟ وأنَّ الإصرار الذي لبس طارقا فأخضع به الجبَّارَيْن: البحر والجبل، قد لابس نفوس أبنائنا الزيتونيِّين كرة أخرى؟ وأن الإيمان الذي صاحب خالدا في اليرموك، وسعدا في القادسيَّة، والمثنَّى في بابل، وعمرا في بلبيس، وعقبة في أفريقيّة، قد خالطت بشاشته قلوب طائفة من أحفادهم." (1)
كم كان للتّوجّه إلى التّاريخ من أثر في هذا التّوجيه والإرشاد! كم كان لاستحضار بعض الخصال التي عرف بها السّلف من تزويد هؤلاء الشّباب الطّلبة بالقيم المعنويّة، التي تشحذ عزائمهم، وتدفع بهم إلى البقاء في هذا المستوى من الأخلاق .. فالشّيخ الإبراهيمي معروف عنه توظيف التّاريخ في التّربيّة؛ وسيلةً للبناء والتّكوين والتّنشئة .. أثر عنه قوله ناعيًا نقص هذه الوسيلة التّربويّة في الموجِّهين قال: " إنّ غفلتنا عن إحياء ذكريّات أمجادنا هي التي أزهقت في الأمّة الإسلاميّة روح التّأسّي، وأفقرتها من الرّجال، وجعلت تاريخ أبنائها خاليًا من المثل العليا."
يقول الشّيخ محمد عليّ دبّوز (ت 1402ه/ 1981م) في هذا الموضوع، مبيّنًا دور التّريخ في التّربيّة: " إنّ التّاريخ أكبر عامل في التّربيّة الخلقيّة، وأقوى سبب يخلق الأخلاق العظيمة في النّفوس. والأخلاق العظيمة هي أساس رقيِّ الإنسان في عقله، وفي جسمه. فهي التي تستتبع كلَّ المزايا، وتقتضي تفوُّقنا في كلِّ النّواحي." (2)
إنَّ الشَّباب حين يستروح أرواح أجداده، ويتمثَّل صفاتهم، ويتملَّى ويتبنّى خصائصهم .. يأتي بالجليل من
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 451.
(2) - محمد علي دبّوز، تاريخ المغرب الكبير، الجزء الثّاني، دار إحياء الكتب العربيّة، عيسى البابي الحلبي وشركاه، القاهرة، 1382هـ 1963م، ص: 14. ينظر مبحث:" التّاريخ والتّربيّة "،كتابنا: مفهوم التّاريخ عند الشّيخ محمد علي دبّوز، ط1، نشر جمعيّة التراث، القرارة، الجزائر، 2011من ص: 28 – 41. (1/31)
صفحة 32
الأعمال، ويحققَّ العالي من البطولات. وفي تسجيل الإبراهيمي لبعض صفات الغابرين الرّائعة، تذكيرٌ بأمجاد، وإقرار بإنجاز، وحثٌّ على المُضيِّ في النهج.
هكذا فليكن الشَّباب. وعلى درب هؤلاء الطَّلبة فليسر الطامحون. هذا ما يقصده الشّيخ بهذه الكلمة التي وجهّها للطَّلبة المضربين عن الدِّراسة، دليلنا على هذا الاستنتاج ما قاله لهم بعد ذلك: "إيه أبناءنا الأعزّاء! أإضراب ما صنعتم أم إطراب؟ لقد أضربتم فأطربتمونا، فللَّه إضراب! كلُّ ما فيه إطراب، فاسكبوا يا أبناءنا! هذه الأغاريد في الآذان العَطِلَة، فقد طال عهدها بسماعها، واضربوا هذه الأمثال الشَّوارد في التَّحدِّي للظّلم والتّعدِّي، فقد استطابا في دياركم، وكذِّبوا الظّانِّين بكم ظَنَّ السّوء، قفد طال ما قالوا عنكم وتفوّلوا ...
لله أنتم حيث كنتم، فقد كذّبتم هذه الأقاويل بالفعلة الحاسمة، وأريتمونا مثالا من التّصميم، بعد ما قامت فينا نواعيه، ونموذجا من التّحدِّي بعد ما فقدت منَّا دواعيه، ورمزا من التّحكُّم في التّحكُّم، خابت من قبلكم سواعيه، وعنوانا من الوفاء لزمنكم، قلَّ راعيه، وغاب واعيه." (1)
ثمَّن الشّيخ الإبراهيمي ما قام به الطّلبة، ورآه من أحسن الدّروس التي تسهم في الإعداد والتّكوين وبناء النّفوس. إنّ ذلك ما يجب أن يضعه الشّباب في برامجهم التّكوينيّة: النّزول إلى الميدان، وممارسة العمل بكلِّ واقعيّة: "إنّ الأسابيع التي تقضونها في الإضراب لأجدى عليكم من شهور ينقضين في مقدّمات بلا نتائج، وفي التّقلّب في موات من عقول الأموات.
تلك دروس تغذِّي الذِّهن، ونحن من تغذيّتها للعقل في شك مريب، وهذه دروس تغذي العقل فيعرف الحياة، وتغذِّي الإرادة فتعمل للحياة، وتغذِّي الروح فتفقه سرَّ الحياة، وتغذِّي العقيدة فيتبيَّن كلُّ إنسان واجبه، وتغذِّي العزيمة فينبعث كلّ إنسان إلى تأدية واجبه، وتغذِّي النّفس فتطهر من أدران الخور والفسولة والتّخنُّث والتّردُّد، وإنَّ هذه لجماع الأمراض التي أودت بأمّتكم. " (2)
إذا كان هذا السّلوك يرسّخ العقيدة، وينمِّي العقل، ويغذِّي الرّوح، ويكوِّن الإرادة، ويقوِّي العزيمة، ويطهِّر القلب، ويزكِّي النفس، ويطرد الأخلاق الفاسدة، ويبعد الأدران التي تورِّث الخور والتّخنُّث والتخاذل والتكاسل. وإذا كان هذا النّهج يبعث على فهم الحياة وإدراك أسرارها؛ فتندفع النّفس إلى الانطلاق في العمل لها وفيها بكلِّ حماسة ووعي وكفاية وكياسة ... إذا كانت هذه النّتائج مََجنيَّةً من أمثال هذه التّصرّفات فأنعم بها من سلوك، وأكرم بها من عمل.
إنّ تكوين الشّباب على المشاهدات الميدانيّة، والمشاركة العمليّة المباشرة، هو من صميم منهج المصلحين والمربِّين الأكفاء، الذين يَعُون حقيقة التّربية والتّنشئة، ويحذقون طرق الإعداد. فما سجّله الشّيخ البشير الإبراهيمي قرّره زميله في حقل الإصلاح والتّربيّة الشّيخ إبراهيم بيّوض، قال: " أعمل لتكوين شباب عمليٍّ يتعلَّم ليعمل، ويطبِّق في المجتمع ما عرفه، ويعرف بالمشاهدة الكثيرَ مِمَّا يعلمه. لا أرضى من تلميذي أن يقتصر على قراءة دروسه ومطالعتها بين الجدران، وهو مُنْزَوٍ منكمش لا يعرف من الحياة شيئا، أريد من تلاميذي أن يطبِّقوا معلوماتهم في
__________
(1) - عيون البصائر، ص: 451، 452.
(2) - المصدر السابق، ص: 452. (1/32)
صفحة 33
المجتمع الذي يسارعون لخدمته، ويختلطون به فيعرفونه حقَّ المعرفة، فيستعدُّون كلَّ الاستعداد لمعالجة أمراضه." (1)
إنَّ الشّيخ الإبراهيمي يريد من الشّباب أن يكونوا ذوي نفوس كبيرة، وعقول جبّارة، يتميّزون بالإرادة القويّة، والتّصميم الذي يفلُّ الحديد، والتّحدي الذي يقهر كلَّ عتيد، والفكر الذي لا يخاف من الجديد، والنّفس التي ترغب من الحياة في المزيد؛ لتحارب الجمود، وتناهض الرّكود، وتخترق السّدود لتفسح المجال للدّين كي ينتصر، وللعلم كي ينتشر، وللحياة كي تتطوّر. إنّ الإسلام قويٌّ، يريد من أبنائه أن يكونوا أقويّاء؛ كي يقوموا به أحسن قيام، ويرفعوه أعلى مقام، ويقفوا به بين الأنام، متحدِّين كل جبّار وظلّام.
لهذا يؤكد للشّباب الطّلبة هذه المعاني؛ بلفت أنظارهم إلى حقيقة الزّمان الذي يعيشون فيه، ويدفعه ليعوا ويعرفوا ما يجب عليهم عمله حتّى لا يقهرهم: " ... لقد سمعتم وحفظتم هذه الجملة: النّاس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم، ولعلَّكم سمعتم في معناها تأويلين أو تأويلات، لكنَّها لا تقبل التّأويل، لأنّها من آيات الله في الأنفس والآفاق، فأين موضع الشَّبه منكم بزمانكم؟ زمانكم طائر وأنتم واقعون، وزمانكم مصمِّم وأنتم متردِّدون، وزمانكم سائر وأنتم جامدون، وزمانكم ضاحك مستبشر، وحظُّكم منه العبوس والحزن ... " (2)
هل انقلب الشّيخ المعلّم على أبنائه، فوصمهم بما يبرز تخلّفهم؟ بعد ما وسمهم بسات الأبطال والأكابر؟؟ أنا لا أرى في هذه التّذكرة والتنبيه خروجًا عن خطّه المشجّع والمثمّن لما قام به أبناؤه الطّلبة الشّباب .. بل إنّ في هذا عرضًا لحال الأمّة غير المسرّ، الذي يكون على عاتق هؤلاء الشّباب وعلى كاهل هؤلاء الطّلبة واجبُ القيام بتغييره؛ ليخرجوا مجتمعهم من الظّلمات إلى النّور، ومن التّيه والضّياع إلى الهداية والرّشاد .. بل إنّ هذه الملاحظات هي دليل على الثّقة التي أعطاها الشّيخ البشير في ناشئته ونابته، الذين أظهروا بداوة حسنة في إضرابهم، فلا يريد منهم أن يتوقّفوا عن العمل في درب الإصلاح والتّحسبن والتّطوير والتّغيير نحو الأحسن .. بل يريد منهم أن يستمرّوا في هذا الدّرب. وكلّ من سار على الدّرب وصل .. ولا يكون هذا إلّا بمواصلة العمل، لنحقيق هذا الأمل ..
إنّه يستثيرهم بهذه الوخزات، ويستفزُّهم بهذه اللّذعات، ويحرِّكهم بهذه المقارنات، لا يرضى لهم أن يكونوا خارج فضاء زمانهم، ولا يقبل لهم أن يكونوا متخلّفين عن أقرانهم، يبغي لهم الظّهور بمظهر القويِّ في المضمار، ينأون عن كلِّ انهزام وانكسار .. فيحقِّق بهم المجتمع كل انتصار ..
لقد أفلح الشّيخ الإبراهيمي في هذا المسعى – بهذا التّوجيه والتّنبيه - أيَّما فلاح، شعر بهذا النّجاح الذي حقّقه، بفضل عمله الدّؤوب، ونتيجة التّربية الحسنة التي قام بها، ومارسها مع زملائه نحو من تولَّاهم بالرّعاية وبخاصّة الشّباب، حتّى ولو كان الأمر يتعلَّق بالشعب الجزائري بكلٍّ فئاته، فإنّ الاعتناء بالمراحل الأولى من عمر الفرد، وبمرحلة الشّباب، هي التي تعطي هذه النّتائج الكبيرة.
لمس ثمرة ذلك، فقال: " أثرُ أعمالنا في الشَّعب بارز، لا ينكره حتّى أعداؤنا من الاستعماريّين، وخصومنا من إخواننا السّياسيّين، فمن آثارنا بثُّ الوعي واليقظة في الشّعب؛ حتّى أصبح يعرف ما له وما عليه، ومنها إحياء تاريخ الإسلام وأمجاد العرب، التي كان الاستعمار يسدُّ عليه منافذ شعاعها، حتّى لا يتسرّبَ إليه شيء من ذلك الشّعاع،
__________
(1) - محمّد علي دبوز، أعلام الإصلاح في الجزائر، الجزء الرّابع، الطّبعة الأولى، مطبعة البعث، قسنطينة، الجزائر، 1400هـ/ 1980م، ص: 102.
(2) - عيون البصائر، ص: 452، 453. (1/33)
صفحة 34
ومنه تطهير عقائد الإسلام وعباداته من أوضار الضّلال والابتداع، وإبراز فضائل الإسلام، وأوّلها الاعتماد على النّفس، وإيثار العزّة والكرامة، والنّفور من اللّذة والاستكانة والاستسلام، ومنها أخذُ كلِّ شيء بالقوَّة، ومنها العملُ.
هذه الكلمة الصّغيرة التي تنطوي تحتها جميع الفضائل؛ ومنها بذل المال والنّفس في سبيل الدّين والوطن، ومنها نشرُ التّحابب والتّآخي بين أفراد المجتمع، ومنها التّمسك بالحقائق، لا بالخيالات والأوهام." (1)
هذه الفقرة تلخّص حقيقة عمل الشّيخ محمّد البشير الإبراهيمي في مجال العناية بالتّربيّة والإعداد والتّكوين والبناء .. بخاصّة فئة الشّباب، وفي مقدّمتهم الطّلبة، محطّ الرّعاية السّامية والاهتمام الكبير بهم .. وفي الفقرة نقرأ ونفهم كثيرًا من الإشارات والإيماءات والملاحظات والانتقادات التي قدّمها الكاتب في توجيهاته.
خاتمة
حظي الشّباب بمكانة مرموقة في فكر الشّيخ محمّد البشير الإبراهيمي، ونال قسطا كبيرا في منظومته التّربويّة. فقد شمله بعطفه وحبّه ورعايته، وقدّم له نصائحه وتوجيهاته. وركَّز فيه مقوّمات أصالته، وأمدَّه بقواعد مهمَّة في السّير في الحياة، بعد أن أفهمه حقيقة هذه الحياة، وأعطاه المفاتيح التي تعينه على عيش عصره، وجنَّبه الأفكار التي تَمُسُّه في شخصيَّته، والأوهام التي تحبط طموحه، و تثبِّط من عزائمه، وتنال من دعائمه ...
إذا أمكن تلخيص نتائج هذ النّجاح - وفيه تسجيل لبعض نتائج هذه الدّراسة المقتضية - نقول:
1 - أدرك الشّيخ البشير الإبراهيمي جيّدا حقيقة الشّباب، ووَعَى طبيعته، وما ينطوي عليه من ميول ورغبات، وطموح وأمنيّات، وقدرات ونزوات ... فتعامل معها بحذق وكفاية، ورعاها أحسن رعاية.
2 - بنى هذا الشّباب وصنعه بالمقاس الذي يطلبه الإسلام، وتنشده العروبة، وتدعو إليه التّربيّة الصّحيحة .. المقاس الذي ينشد القوّة والشّموليّة والصّرامة والمرونة والنّظر البعيد، واستشراف المستقبل ...
3 - وفَّر له الرّعاية والعناية والحماية والصّيانة والنّصح والإرشاد والتّوجيه ... وتوخّى في ذلك الصّدق والصّراحة،
__________
(1) - محمد بوزواوي، البشير الإبراهيمي (حياته وآثاره) بقلمه، دار البشير الإبراهيمي للكتاب، الجزائر، 2006م، ص: 33. (1/34)
صفحة 35
واتّبع فيه الحكمة والأناة والرّويّة، ووظّف فيه تجاربه الميدانيّة، وأعطى لهذه التّربيّة ما حذقه من علم ومعرفة ومهارة في القيادة والتّوجيه والإرشاد ..
4 - قام بهذه الأمانة، وأدّى هذه الرّسالة، وتصرَّف مع مهمّة التّربيّة وبناء الشّباب وإعدادهم .. بدافع المسؤوليّة التي دفعه إليها مركزه الذي تبوَّأه، بصفته معلِّمًا ومربِّيًا ومرشدا وقائدا ...
5 - تكرّرت في كتاباته وخطابته وتوجيهاته كلمات المستقبل البناء المحبّة .. وهي من دعائم الإعداد والتّكوين. كما أنّ أفكار المصلحين والمربّين في ميدان العناية بالشّباب تشابهت كثيرًا .. وقد عمدنا إلى سرد بعض أفكارهم بجنب آراء الإبراهيمي، لنؤكّد على هذه الحقيقة .. للمتلقِّي أن يقرأ في هذا ما يوصله إليه تحليله ونقده لهذا التّشابه ..
6 ــــــــ ركَّز الشّيخ البشير في البناء على الأصالة مصدرا، وعلى متطلَّبات الحياة المتجدِّدة ضرورةً، وعلى آفاق المستقبل مطلبًا. وبذلك حقَّق كثيرًا ممّا تثمره وتنتجه التّربية الصَّحيحة، من الإرشاد المكبن القويم، ومن الإعداد السّويِّ القويِّ ...
7 ما كتبه وقاله وخطب به .. يحتاج إلى تأمّل وتأنٍّ في فهمه، وإلى تحليل وقراءة ما بين السّطور لإدراك ما تتضمّنه مضمونًا وما تحمله رسائل، وما تعالجه واقعًا، وما تشتشرفه مستقبلاً، وما تعطيه توجيهًا .. فكره كبير ونظراته عميقة .. ومنهجه في التّربيّة والتّوجيه والإرشاد ذو أبعاد تتّسع وتكبر، بقدر ما يتّسع عقل من يدرسه، وفكر من يحلّله ومنهج من يتناوله، ووجدان من يتحمّس له .. فيستخرج هذه الأبعاد، ويلتقط تلك الرّؤى، ويجمع تلك النّظرات ...
8 – كتاباته في موضوع الشّباب مصدر مهمّ في معرفة حقائق جيّدة عن شخصيّة الشّباب، بكلّ مكوّناتها وخصائصها .. ومَعين ثَرٌّ للتّعلّم والتّثقّف في كيفيّة التّعامل مع الشّباب، وتوجيهه إلى مآلات الصّلاح والنّجاح والفلاح ..
باتنة يوم الثلاثاء: 27 من ذي الحجَّة 1427هـ
16 من جانفي ... 2007م
الدكتور: محمد بن قاسم ناصر بوحجام.
الملحق رقم: (1)
رسالة من الشّيخ محمد البشير الإبراهيمي إلى الشّيخ إبراهيم بيّوض (1)
بسم الله والله أكبر
الأخ الأعزّ الأستاذ الشّيخ إبراهيم بيّوض، أعانه الله ونصره. سلام الله عليكم وتحيّات مباركات.
أمّا بعد! فإنّنا نحمد الله لنا ولكم على ما هدانا إليه، من عمل صالح للإسلام والعربيّة، بهذا الوطن الذي ضلَّ ضلالة حتّى قاد علماءَه جُهَّالُه، وقعد مشتمرُه، حتّى ضربه معتمرُه. ونسأله تعالى مزيدًا من التّوفيق، لنستمدَّ منه سدادًا في
__________
(1) - مجلّة الحياة، العدد الثّاني، ص: 85، 86. أحسب هذه الرّسالة مكمّلة لموضوع العمل من أجل البناء والجهاد في سبيل النّهوض بالمجتمع الجزائري، وهي الرّسالة التي يحملها هذا البحث الذي خصّصناه لبيان مكانة الشّباب في فكر الشّيخ الإبراهيمي .. وفيها قراءات أخرى كثيرة يقوم بها اللّبيب الحصيف المدرك ما تحمله السّطور وما بينها .. (1/35)
صفحة 36
الخُطا، وأمنًا من الخطأ، وشدًّا للعزائم، وإقدامًا على العظائم، فإنّه لم تَمضِ علينا في تاريخ الحركة فرصةٌ مواتية للعمل لديننا ولغتنا، مثل فرصة اليوم. فقد اضطرم شعور الأمّة بالحاجة إلى دينها ولغتها، وتمَّ استعدادها للبذل في سبيلها، وأثمر كلُّ ما زرعناه في سني التّمهيد، وإنّا لنرجو فوق ذلك مظهرًا.
أنا – أيُّها الأخ – أوّل من يعرف لكم مواقفكم في سبيل الإصلاح، ويفخر بها، ويعلم ما لقيتم من العنت والإرهاق، وما قابلتموه من الصّبر والثّبات، وإنّ بيننا وبين الله عهدًا، لننصرنَّ دينه ولسان دينه، ولنثبِّتَنَّ بهذه الأرض قواعدهما، وإن كره المبطلون.
هنا – أيّها الأخ الكريم – بقايا من رجعيّة وضلال، نحن عاملون على محوها، وهناك بقايا من جمود وتعصّبٍ وضيقٍ، نعلم أنّكم جاهدون في محوها، وسنحمد غِبَّ السُّرَى، ونلتقي على ما التقى عليه محمّد وأصحابه، من حقٍّ لا يعصف به باطل، وهدى لا تزيغ به ضلالة، واجتماع لا تتحيَّفُه العصبيّات الخاطئة، ومحجّة لا تلتبس بها بُنيَّاتُ الطّريق، وعقل لا يتحكّم فيه هوى، ورأي لا يتأثّر ولا يتعثّر، وعزائم لا تلين للغمرات، ولا تدين بالهمزات، ونفوس لا تضعف ولا تستكين. وإنّا لبالغون من ذلك إلى الغاية المرجوَّة إن شاء الله.
زارني هذا اليوم الأخ الحاج إبراهيم من القرارة، وأبلغني سلامكم، وبشّرني بصحّتكم ونجاح أعمالكم، وظهوركم على المبطلين، فحمدت الله، وشكرتُ للأخ هديّته التي لا تقوَّم بمال.
إنّني ممنوع منعًا إداريًّا في التّجوال في العمالات، وأعتقد أنَّ لكم علمًا بذلك، فقد هال الإدارة ما هيّأ الله في تلك الجولات القصيرة، من نجاحٍ وإقبالٍ على العلم، فكافأتني بالمنع والتّحجير، ولكن أبشّركم بأنَّ الأعمال لم تتعطَّل، وإنَّ حركة التّعليم وتشييد المدارس للعربيّة في ازدياد مطّرد ..
تأسّست مدارس للعربيّة في عدّة فحوص من وهران، كالحمري، وفي مغنيّة وتموشنت والغزوات وبني صاف وسيق، وغليزان والأصنام ومستغانم، وكذلك في عدّة قرى ومدن من عمالة قسنطينة. وزارتني وفود من الجهات الصّحراويّة تطلب إليَّ زيارتها، نشيِّد مدارس بها، وإنّا هذا لعجيب.
سلامي إلى جميع الأعوان النّاصحين، والإخوان المصلحين، وإلى كلِّ من أعانَ (الحياة) على الحياة، ولو بكلمة طيّبة، وأخصُّ بالسّلام العاطر الأخ الشّيخ أبا اليقظان. ودمتم لأخيكم ... محمّد البشير الإبراهيمي.
تلمسان: 22 جمادى الثّانية 1363ه (1/36)
صفحة 37
الملحق رقم: (2)
رسالة إلى الطّلبة الجزائريّين بالزّيتونة (1)
أحيِّي بتحيّات الله المباركة أبنائي طلبة العلم المهاجرين في سبيله، لا أخصُّ بتحيّتي من ينتسبون إلى وطن، أو تجمعهم جمعيّة، بل أعمُّ من يظلُّهم دين، ويربطهم لسان، ويجمعهم جامع، أولئك كلُّهم أبنائي، يستوون في حبِّي لهم، وعطفي عليهم، وآمالي فيهم، أحادهم وجموعهم.
وأحيِّي بأحسن منها إخواني العلماء، من حضر منهم في هذا المشهد ومن غاب عنه. أولئك الذين طبعتهم يد الرّحمن على أن يكونوا ألسنة العروبة وحَرَسَةَ الإسلام بهذا الشّمال الإفريقي. تحيّة تحرِّكُ النّفحاتُ سواكنَها، وتثير
__________
(1) - مجلّة الموافقات، العدد الرّابع، ص: 759 – 761. هذه الرّسالة تليت في الاجتفال الذي أقيم بتونس، بمناسبة مرور سبع سنوات على وفاة الإمام الشّيخ عبد الحميد، ابن باديس،. وقد نشرت في مجلّة العبقريّة، تلمسان، الجزائر، العدد: 3، شعبان 1366هـ. (1/37)
صفحة 38
المناسباتُ كوامنَها. في هذه المناسبة التي حقيقتها ومغزاها إعلان الفضل من أهله، ووصل لرحم علميّة، ولو أتى عليها النّسيان لأضحت مجفوَّةً. وبرًّا بإمامٍ، لو لم تعمر الأفئدة ذكراه والألسنة ذكره لأصبح حقُّه مكفورًا.
أيّها العلماء الخيرة! أيّها الآباء البررة! حيّاكم الله وبيّاكم، وأبقاكم عوامل رفع لهذا الوطن وأحياكم .. وأطال عمركم للعربيّة تعلون صروحها، وتنشقون في الأنفس لا في الأوراق شروحها، ولهذه الأمّة المسلمة تضمدون جروحها وتداوون قروحها، وللملّة الحنيفيّة تحمون حماها، وترمون من رماها. إنّ الإسلام والعروبة يا إخواني ويا أبنائي! إذا ذكرا ذابت القيود، وتلاشت الحدود، واجتمعت الأقطار على رحبها في بيت. وإنّ أخوّة الإسلام والعروبة لا تقوم على الأقوال، وإن طالت وكثرت، وإنّما تقوم على الأعمال والحقائق ..
ولو أوتينا رشدنا لأقمنا كلمتي المسلم العربي مقام هذا النّسب المعروف إلى البلدان والقبائل، فما هذا النّسب إلاّ ثغر ومداخل لشيطان. الوطنيّات الضّيّقة التي ليست من ديننا، ولا من ميراث سلفنا فتواصوا جميعًا بتحقيق هذه النّسبة الإسلاميّة العربيّة، ونثبيت أصولها في نفوس أبناء هذه الأمّة ..
أيّها الإخوان! أيّها الأبناء!
لا نكون مبالغين إذا قلنا: إنّ لفقيدنا العزيز عبد الحميد، ابن باديس منّة على كلِّ من يحمل بين جنبيه روحًا جديدة من أبناء الجزائر، أينما كانوا، لا فرق في ذلك بين طلاَّب العلم وبين غيرهم، من طلاّب الحياة في جميع فروعها، وإنّ من دلائل الوفاء وشكر الصّنيع في نفوس أولئك الطّلاّب أن ينهجوا نهجه في التّفكير وطرائق الإصلاح، ويتعاونوا على إكمال ما بدأ بوضعه من أسس العلم والحياة، ويشاركوا في هذه الذّكريات التي تقام كلَّ سنة لعرض أعماله، واستخراج العبر من تلك الحياة التي ليست حياة فردٍ، وإنّما هي حياة أجيال، إذ كامل الوفاء لفقيدنا العزيز هو الذي عمل عمله في نفوس أبنائنا، وحدا بهذه الطّائفة المهاجرة في سبيل العلم بجامعة الزّيتونة المعمورة إلى إحياء هذه الذّكرى، في هذه السّنة بتونس. وإنّ في كون (الذّكرى) بتونس وفي مشاركة الأفذاذ النّوابغ من رجال العلم والأدب للَطائفَ دقيقة ومغازي سامية وإلهامات رقيقة، هي من آثار الرّوحيّة والوجدان والضّمير، لا من آثار المجاملة والتّدريس، فإذا جاوزنا الصّلة العلميّة الرّوحيّة العربيّة، جاءت الصّلة الزّيتونيّة الوثيقة، وإنّها لصلة مَرعيَّة الأنساب، مبرورة العهود، محكمة الوثائق.
أيّها الإخوان!
أشكركم شكرًا تثقل موازينه، يطرّزه الحبُّ، ويزيّنه برّكم بأخيكم وأخي الذي نفي بعهده الثّقيل، وأرجو أن تتضافر الأيدي وتتوافر الهمم، وتتعاون الألسنة والأقلام على خدمة هذا الدّين وتاريخه ولسانه، بهذا الوطن الذي هو قطعة من ذلك الإسلام، وركن من حصن العروبة الأشمّ ..
أحيِّي - على بعد الدّار – تونس العزيزة عليَّ، الحبيبة إليَّ، فكم لي بها من علاقات، يبلى الزّمان وهي جديدة، وأخلاق تنحطُّ القمم وهي أبدا عالية، وذخائر من صداقة وأصدقاء، هي – مع أعمالي – كلُّ رأس مالي. وواشوقاه إلى تونس!! وواشوقاه إليكم، أيّها الإخوان الخيرة والأبناء البررة!!
الشّيخ محمد البشير الإبراهيمي (1/38)
صفحة 39
المصادر والمراجع
1 ــــــــــ الإبراهيمي، محمد البشير (شيخ).
أ ـــــــــــ عيون البصائر، دار المعارف، مصر، 1963م.
ب ــــــــ آثار محمد البشير الإبراهيمي، ج1، ط1، الشّركة الوطنيّة للنّشر والتّوزيع، الجزائر، 1398ه/ 1978م.
ج ــــــــ آثار محمد البشير الإبراهيمي، ج3، ط1، الشّركة الوطنيّة للنّشر والتّوزيع، الجزائر، 1402هـ/ 1981م. (1/39)
صفحة 40
د ـــــــ آثار محمد البشير الإبراهيمي، الجزء الرّابع، المؤسّسة الوطنيّة للكتاب، الجزائر، 1985م
2 ــــــــــــ التّلمساني، المختار بن عامر ومرزوق، خالد.
جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريين بحاضرة تلمسان، ط1، منشورات وزارة اشّؤون الدّينيّة والأوقاف، الجزائر، 1437هـ/ 2016م.
3 ـــــــــ بوزواوي، محمد.
البشير الإبراهيمي (حياته وآثاره) بقلمه، دار البشير الإبراهيمي للكتاب، الجزائر، 2006م.
ـ4 ــــــــــــ الخليلي، أحمد بن حمد (شيخ).
معالم الجيل الواعد،
5 ـــــــــــــ دبّوز، محمد علي (شيخ).
أ ـــــــــ تاريخ المغرب الكبير، الجزء الثّاني، دار إحياء الكتب العربيّة، عيسى البابي الحلبي وشركاه، القاهرة، 1382هـ 1963م.
ب ــــــــ نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، ج3، ط1، المطبعة العربيّة، الجزائر، 1969م.
ج ـــــــــ أعلام الإصلاح في الجزائر، الجزء الرّابع، ط1، مطبعة البعث، قسنطينة، الجزائر، 1400هـ/ 1980م.
6 ـــــــــــــ روبرتس، دوروثي.
فن قيادة الشّباب، المراهقون بشر لا مشاكل، ترجمة إسماعيل صفوت، ط2، دار نهضة مصر للطّباعة والنّشر، القاهرة، إبريل 1966م.
7 ــــــــــــ فخّار، حمّو بن عمر (شيخ).
وقفات ومواقف، نشر جمعيّة التّراث، القرارة، الجزائر، 1422ه/ 2001م.
8 ــــــــــــــ ناصر، محمد (دكتور).
رمضان حمّود حياته وآثاره، ط2، المؤسّسة الوطنيّة للكتاب، الجزائر، 1985م.
9 ــــــــــــ الحياة، (مجلّة) (معهد الحياة)، القرارة، الجزائر.
أ ــــــــــ العدد الأوّل، رمضان 1318ه/ جانفي 1998م.
ب ـــــــــــ العدد الثاني، رمضان 1419ه/ جانفي 1999م.
10 ـــــــــــ العصر (جريدة)، المجلس الإسلامي الأعلى، وزارة الشّؤون الدّينيّة، الجزائر، العدد: 88، الإثنين: 17 من شعبان 1403هـ/ 30 من مايو 1983م.
11 ـــــــــــــ الموافقات، (مجلّة)، المعهد الوطني العالي لأصول الدّين، الجزائر، العدد الرّابع، محرّم 1416هـ/ جوان 1995م، (1/40)
صفحة 41
موضوعات الكتاب
من أقوال الشّيخ محمد البشير الإبراهيمي.
مقدّمة
التّعريف بالشّيخ محمد البشير الإبراهيمي (1/41)
صفحة 42
تمهيد
مكانة الشّباب في فكر الإبراهيمي
بناء الشّباب وإعداده
نصائح وتوجيهات للشَّباب
خاتمة
الملحق رقم: (1)
رسالة من الشّيخ محمد البشير الإبراهيمي إلى الشّيخ إبراهيم بيّوض
الملحق رقم: (2)
رسالة إلى الطّلبة الجزائريّين بالزّيتونة
المصادر والمراجع
موضوعات الكتاب (1/42)