صفحة 1
الكتاب: سلسلة من فكر العلماء العاملين (5) منهج الشّيخ بيّوض في عرض العقيدة
المؤلف: محمد بن قاسم ناصر بوحجام
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الخامس (1230 عنوان): ربيع الثاني 1438هـ / جانفي (يناير) 2017م (قرص مضغوط) سلسلة .................................................... من فكر العلماء العاملين (5)
منهج الشّيخ بيّوض في عرض العقيدة
الدّكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام (1/1)
صفحة 2
/
الإمام الشّيخ إبراهيم بن عمر بن بابه بيّوض
1316 - 1401ه/ 1899 – 1981م (1/2)
صفحة 3
بسم الله الرّحمن الرّحيم
قال الإمام الشّيخ إبراهيم بن عمر بيّوض، موجّهًا خطابه للمربّين:
إلى الجهاد في هذا السّبيل، ندعوكم إلى تهذيب النّاشئة، وملئها بالعقيدة الإسلاميّة الصّحيحة، وتسليحها بالأخلاق الإسلاميّة القويّة، وترقيّة عقولها بالعلوم النّافعة، وفي مقدّمتها وعلى رأسها العلوم الشّرعيّة والعربيّة، فهي عدّتنا، وغذاؤها الضّروري ..
محمد علي دبّوز، أعلام الإصلاح في الجزائر ... ج4، ص: 125.
إنّي أجد في استعراضي لتفسير الشّيخ بيّوض مواضيع في إصلاح العقيدة والمجتمع، توسَّع فيها، وكان الأولى في نظري أن تفرد بسفر خاصّ أو أسفار. وقد كتبتُ قائمةً لتلك المواضيع المهمّة والمفيدة، أشرتُ فيها إلى المناسبات والآبات التي تطرّق في تفسيرها إلى هذه الآيات.
فضيلة الشّيخ النّاصر بن محمد بن عمر المرموري
مختصر تفسير الشّيخ بيّوض، ج2. ص: 5.
عمل الشّيخ بيّوض البنائي انطلق من مفهوم الإصلاح الشّامل. وقد تبنّاه منهجًا أساسًا في تحرّكه؛ ما جعله يرسم مشروعه الإعدادي ليشمل شتّى الميادين، التي تهيّئ أجيالا كاملي العدّة، ليطوّروا الحياةـ، وينمّوا الحركة، ويغيّروا الأوضاع إلى الأحسن ... مشروعه هذا كان نابعًا من شخصّيته المنفتحة على التّطوير والتّجديد، المنغلقة عن الجمود والتّقليد ... وفي هذا المنهج، وهذا المسلك تظهر قوّة الشّيخ بيّوض، وتنكشف كفايته، ومن هذه الزّاوية نلج إلى أعماق شخصيّته؛ لنفقه كثيرًا من الأسرار في مسيرته الإصلاحيّة ...
محمد بن قاسم ناصر بوحجام
مقدّمة (1/3)
صفحة 4
- تسلّمتُ دعوة كريمة من مخبر البحث في الدّراسات العقديّة ومقارنة الأديان، التّابع لجامعة الأمير عبد القدر للعلوم الإسلاميّة بقسنطينة (الجزائر). الدّعوة تضمنّت المشاركة في الملتقى الدّولي الثّاني حول (الفكر العقدي عند علماء الجزائر في القرن 14ه/20م) (1) ببحث عن الإمام الشّيخ إبراهيم بن عمر بيّوض – رحمه الله -. تلقّيتها بنوع من الحذر والهيبة والخجل من تلبيّتها؛ لسبب بسيط، هو أنّني غير عدم متخصّص في موضوع العقيدة، فبضاعتي فيه مزجاة، لا يمكن أن أغامر بها في التّعريف بجهود علم كبير، قدّم عملا كبيرًا ومتميّزًا في الموضوع .. ؛مخافة افتضاح أمري، وانكشاف ضعفي في المجال، وخوفًا من غمط حقّ شيخي وقدوتي في الحياة العلميّة والعمليّة ...
كنت أقدّم خطوة وأؤَخّر أخرى، حتّى قرّرت أن أشارك، مستعينًا بالله أن يوفّقني في إنجاز هذا العمل، الذي أستفيد منه أنا أوّلا، ثمّ اُفيد به غيري .. فكّرتُ في موضوع يتيح لي فرصة المشاركة المجديّة وعدم المساس بمقام إمامنا وشيخنا، وعدم تعريض نفسي لما لا يحمد عقباه .. فاستقرّ رأيي على تناول منهج الشّيخ بيّوض في عرض العقيدة، الذي أزعم أنّي قد أفيدُ فيه ..
إنّ الشّيخ إبراهيم بن عمر بيّوض يهتمّ بالعقيدة أساسًا في تعليمه وتربيّته وتوجيهه .. هي حاضرة في كتاباته، وتفسيره القرآنَ الكريم، وفي رسائله وفتاواه، وفي توجيهاته العامّة ... وأكثر ما تتجلّى في تفسيره القرآن؛ لذا اعتمدتُ في هذا العرض لمنهجه في عرض العقيدة على تفسيره ..
كان الشّيخ يلحّ كثيرًا على دعوة المربّين إلى إيلاء البعد العقدي اهتمامًا كبيرًا في التّعليم والتّربيّة، وتزويد النّاشئة بنظرة واضحة وصحيحة عن القضايا الكبرى: الخالق، الكون، الإنسان، الحياة ... وتقديم نظرة الإسلام إليها؛ لأنّ من شأن ذلك أن يثبِّت في النّفوس محبّة الله ورسوله، وهو ما يساعد على الالتزام بشرع الله وسنّة رسوله.
قام الشّيخ بعمليّة التّبسيط والتّوضيح والتّصحيح وتيسير مسائل العقيدة للمؤمن عامّة، وللمشتغل بالعلم خاصّة .. ما يحتاج إلى التّعريف بما قام به، والإفادة منه ..
نظرًا لاهتمامه الكبير بمسائل العقيدة، وباعتبار ما قدّمه من نظرات مهمّة في حقيقتها، ورؤى ثاقبة في أبعادها، وتأمّلات نافذة في أعماقها، وتصويبات رائعة فيما أخطأ فيه بعض من تناولها أو عالج مسائلها .. ولما له فيها من نظرات عميقة وتوجيهات سديدة، يتعلّم منها من يريد أن يقدّم الإسلام
__________
(1) - أقيم الملتقي في جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية، قسنطينة، الجزائر يومَي:9، 10 فيفري 2011م. قمت ببعض الإضافات والتّعديلات على البحث، الذي أعددته للملتقى. (1/4)
صفحة 5
الصّحيح وأسالبيه في الدّعوة ... فإنّني اجتهدت في الكشف عن المنهج التي اتّبعه في عرضها .. فلم أتناول موضوعات العقيدة، إلآ من خلال أسلوبه في عرضها ..
قدّمتُ هذا الموضوع (أي منهج الشّيخ بيّوض في عرض العقيدة) في أجزاء، كما هي مثبتة في الدّراسة .. قد تبدو هذه الطّريقة غير سليمة. أي قد يرى بعض الدّارسين أنّ منهجي في عرض منهج الشّيخ بيّوض خاطئة أو غير مجديّة .. فأنا أنتظر النّقد والتّصويب والتّسديد. بارك الله فيمن يشاركني في الموضوع ..
أقول: إنّ تناول مسائل العقيدة، وطريقة التّعامل معها، واشتغال الشّيخ بيّوض بها وبما يقدّمه من دروس وعبر وتوجيهات قيّمة وعميقة الأثر .. لم تلقَ العناية الكافيّة، فإنّ الدّراسات المتخصّصة أو المخصّصة والمركّزة عليها قليلة جدًّا. نستثي من ذلك درسة الدّكتور حمو بن عيسى الشّيهاني: الفكر العقدي عند الشّيخ بيّوض، ودراسة الأستاذ صالح بن محمد حمدي. مسائل الإيمان بالله تعالى عند الإمام إبراهيم بن عمر بيّوض من خلال تفسيره في رحاب القرآن ..
نرجو أن تتبع هاتين الدّراستين بدارسات أخرى عديدة، للتّعريف بجهد الشيخ بيّوض في هذا المجال، ولتقديم رؤاه الفاحصة، وملاحظاته الدّقيقة، وتحليلاته ومناقشاته النّاقدة النّافذة .. لمن يريد أن ينتفع بها في تقديم الدّرس العقدي، وتصحيح المفهومات الخاطئة، وإصلاح طرق التّوجيه في الموضوع .. وفي الأخير تقديم توجيهات تربويّة سديدة في بناء شخصيّة المسلم، وتأسيس مجتمع فاضل، تكون العقيدة الصّحيحة هي نقطة الارتكاز في حياته، ومنطلقه في كلّ سلوك وتصرّف ..
أقول في ختام هذا التّقديم: إنّ الشّيخ بيذوض لم يؤلّف كتابًا في العقيدة، فيه المسائل مرتّبة ومضبوطة ومحدّدة .. إنّما اشتغل بالإصلاح والتّربيّة؛ مركّزًا ومنطلقًا من العقيدة في عمله .. فأنتج هذا العمل آراء ورؤى وتحليلات ومناقشات .. في مجال العقيدة .. تكوّن في مجموعها كتابًا أو كتبًا لو جمعت.
لذا أرجو أن تجمع هذه الآراء العقديّة في كتاب، ينتفع بها من يريد التّفقّه في دينه، ويفيد منها الباحث في موضوع العقيدة؛ فكرًا ومنهجًا وأسلوبًا ومعالجة ...
الجزائر يوم الخميس: 10 من محرّم ... 1432هـ
16 من ديسمبر 2010م
الدّكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام
قسم اللّغة العربيّة وآدابها
جامعة الحاج الأخضر، باتنة، الجزائر (1/5)
صفحة 6
الشّيخ إبراهيم بن عمر بيّوض في سطور
ولد - رحمه الله – يوم 11 من ذي الحجّة 1316ه/ 21 من أفريل 1899م في مدينة القرارة، من وادي مزاب، جنوب الجزائر. دخل المدرسة القرآنية في سنّ مبكّرة، استظهر القرآن سنة 1911م، عند شيخه الحاج محمد بن يوسف بهون علي.
أخذ مبادئ اللّغة العربيّة والفقه عن مشايخه: الحاج إبراهيم بن عيسى الأبريكي، والحاج عمر بن يحي ويرو الحاج يحي، وعبد الله بن إبراهيم أبو العلا.
بعد وفاة شيخه الحاج عمر بن يحي سنة 1339ه/ 1921م خلفه في رئاسة الحركة العلميّة، ثمّ النّهضة الإصلاحيّة بالقرارة. في سنة 1922ه/ 1340م عيّن عضوًا في حلقة العزّابة بالقرارة (1)، ثمّ مدرّسًا وواعظًا بالمسجد الكبير في سنة 1342ه/ 1924م، وفي سنة 1958ه/ 1940م انتخب رئيسًا وشيخًا لحلقة العزّابة في القرارة.
في يوم 18 من شوال 1343ه/ 21 من ماي 1925م أسّس معهد الشّباب للثّقافة الإسلاميّة والعربيّة، سمّاه معهد الشّباب في بداية نشأته، ثمّ تغيّر اسمه إلى معهد الحياةشعاره: " التّربية قبل التّعليم، ومصلحة الجماعة قبل مصلحة الفرد".
في سنة 1931م بدأ تدريس كتاب فتح الباري شرح صحيح البخاري في مسجد الفرارة، واختتمه في شهر ديسمبر 1945، وأقيم له حفل علمي كبير في شهر فيفري (فبراير) 1946م. قبلها درّس كتاب مسند الرّبيع بن حبيب.
في غرّة محرّم 1353ه/ ماي 1935م افتتح في المسجد نفسه دروس تفسير القرآن الكريم من فاتحته، واختتمه يوم 25 من ربيع الثّاني 1400ه/ 12 من فيفري 1980م، بعد أن أتمّ تفسير (جزء عمّ). وأقيم له مهرجان عظيم لختم التّفسير يوم 23 من ماي 1980م في مسقط رأسه القرارة، تحت عنوان (في رحاب القرآن).
في سنة 1931م شارك في تأسيس جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريّين، وفي مناقشة قانونها الأساسي، وانتخب عضوًا في إدارتها، وأسندت إليه نيابة أمانة مالها. قال الشّيخ إبراهيم بيّوض: " فأنا من أوّل
__________
(1) - حلقة العزابة نظام أسّسه الشّيخ أبو عبد الله محمد بن بكر الفرسطّائي النّفوسي اللّيبي سنة 409هـ. هو خاصّ بإباضية المغرب الإسلامي. يشرف على الشّؤون الدّينيّة والاجتماعيّة للمجتمع الميزابي في الجزائر. وكان له هذا الدّور في جبل نفوسة بليبيا وجزيرة جربة بتونس .. (1/6)
صفحة 7
مؤسّسي جمعيّة العلماء المسلمين، ومن واضعي قانونها الأساسي، ومن منتخبي الأستاذ ابن باديس رئيسًا لجمعيّة المسلمين الجزائريّين ... " (1). في سنة 1937م أسّس جمعيّة الحياة المشرفة على النّهضة العلميّة والتّربويّة في القرارة.
في سنة 1940م فرض عليه الاستعمار الفرنسي الإقامة الجبريّة في القرارة، وذلك لمدّة أربع سنوات.
سنة 1948 انتخب عضوًا في لجنة إغاثة فلسطين، وكان من بين الأعضاء الأربعة الممضين، باسم اللّجنة على برقيات التّأييد للقضيّة الفلسطينيّة، والرّسائل التي تصدر عن اللّجنة. يقول أحمد توفيق المدني: " ... حتّى أنجزنا تأسيس جمعيّة إغاثة فلسطين، وكنت أمينها العام، واتّفقنا على أن تكون تحت إشراف رجال الجزائر المعدودين يومئذ: الشّيخ البشير الإبراهيمي، السّيّد الحاج أحمد مصالي، الشّيخ الطّيّب العقبي، الأستاذ فرحات عبّاس، الشّيخ إبراهيم بيّوض، مصطفى القاسمي" (2)
دخل معترك الحياة السّياسيّة بعد خروجه من الإقامة الجبريّة، وبعد نهاية الحرب العالميّة الثّانيّة، فطلب بإلحاق الصّحراء بالجزائر، في إطار مشروع الدّستور المزعوم، الذي منحته السّلطات الفرنسيّة للجزائر.
يوم 20 أفريا 1948 انتخب نائبًا لدائرة غرداية في المجلس الجزائري. فتصدّى للدّفاع عن قضايا الإسلام والعربيّة والوطن. وأعيد انتخابه للمجلس نفسه سنة 1951.
أسهم بقسط وافر في الثّورة التّحريريّة الجزائريّة، برأيه ومجهوده ومساعيه الحميدة. كان محور النّشاط فيها، يديره مباشرة بنفسه، وبواسطة أبنائه، قام هو ومن معه من المجاهدين في منطقة وادي ميزاب يجمع المعونات المختلفة، وإيصالها إلى مختلف مراكز الثّورة في القطر الجزائري.
كان خلال الثّورة الجزائرية على اتّصال وثيق ودائم بقادة جبهة التّحرير الوطني الجزائريّة، وبالحكومة المؤقّتة الجزائريّة بتونس، عن طريق المراسلات السّرّية. " وقد أصرّ على البقاء داخل القطر الجزائري، رغم التّهديد الاستعماري؛ إيمانًا منه بأنّ الكفاح لا يقتصر على رفع السّلاح وحده، إنّما يتكامل ببناء النّفوس وإعدادها لتحمّل الرّسالة في المستقبل." (3)
__________
(1) - من حديث جرى بين الشّيخ بيّوض ومدير وزارة الدّاخليّة الجزائرية الأخ عبد الحميد (ربّما عبد المجيد) مزيان، بتاريخ 6 ماي 1964م. سجّل مقتطفات من هذا الحديث الشّيخ إبراهيم أبو اليقظان. هو موجود ضمن رسالته: " أطوار التّكوين والفناء في القرآن"، (مخطوطة).
(2) - أجمد توفيق المدني، حياة دفاح، القسم الثّاني، (ش. و. ن. ت)، الجزائر، 1977، 386.
(3) - الدّكتور محمد ناصر، " المرحوم الشّيخ إبراهيم بيّوض ركن أصيل في الحركة الإصلاحيّة الجزائريّة"، جريد ة الشّعب، الجزائر، عدد: 5359، (22/ 01/ 1981م). (1/7)
صفحة 8
كان من بين الواحد والسّتّين عضوًا في المجلس الجزائري الذين رفضوا الإصلاحات التي تقدّمت بها فرنسا يوم 26 سبتمبر 1955، كما ذكرت ذلك جريدة: La Dèpèche de Constantine. ( ديبيش قسنطينة).
قام بدور بطولي رئيس في إحباط مؤامرة فصل الصّحراء عن الجزائر. (1)
في 19 مارس 1962، وبعد إيقاف القتال في الجزائر، إثر مفاوضات " إيفيان. عيّن عضوًا في اللّجنة التّنفيذيّة المؤقّتة للحكومة الجزائريّة. وقد أسندت إليه مهام الشّؤون الثّقافيّة، وذلك إلى غاية تسليم السُّلط إلى الحكومة الجزائريّة المعينّة في سبتمبر 1962. وكان له شرف الإشراف على أوّل دخول مدرسي في الجزائر بعد استقلالها؛ بصفته مسؤولاً على قطاع التّربيّة والثّقافة في اللّجنة التّنفيذيّة المؤقّتة. ز
تعرّض في حياته الحافلة بمحامد الأعمال والجهاد الكبير لمحاولات اغتيال، على أيدي خصومه المتآمرين مع الاستعمار ثلاث مرّات، خرج منها سالمًا بألطاف إلهيّة.
من نراثه الأدبي تفسير مسجّل لأكثر من نصف القرآن في أشرطة (2)، ودروس قيّمة لمناسبات دينيّة واجتماعيّة ووطنيّة ... وفتاوٍ، وأجوبة مخطوطة عن أسئلة شرعيّة وعلميّة وتاريخيّة وتربويّة ... إلى جانب مراسلات ذات الطّابع العلمي، ومقالات في صحافة الشّيخ إبراهيم أبي اليقظان بخاصّة، وخطب عديدة في مختلف المناسبات، ومذكّرات مهمّة، ذات قيمة تاريخيّة ...
دعائم نهضته الإصلاحيّة هي القرآن والسّنة وسيرة الخلفاء الرّاشدين والسّلف الصّالح من بعدهم.
نحا في جهاده الإصلاحي منحى الشّيخ محمد عبده، على غرار أضرابه من المصلحين الجزائريّين,
منابر نشر رسالته هي: المسجد أوّلا، ثمّ التّعليم بمعهد الحياة ثانيًا، ثمّ المجتمع الواسع ثالثًا. يقول أستاذنا الدّكتور محمد بن صالح ناصر: " اتّخذ (أي الشّيخ بيّوض) من المسجد وسيلة لمقاومة التّقاليد البالية والخرافات التي كانت ما تزال تعشّش في أدمغة الجاهلين والجاهلات، من جرّاء التّعلّق بحرفيّة النّصّ، فما كان منه إلاّ أن حوّل المسجد إلى جامعة شعبيّة، لا يقتصر فيها على الوعظ والإرشاد وحدهما، وإنّما يقدّم فيها أطايب المعرفة الإسلاميّة؛ مبسوطة على مائدة القرآن الكريم وسنّة النّبيّ محمد - صلى الله عليه وسلم -." (3).
عمله البنائي انطلق من مفهوم الإصلاح الشّامل. وقد تبنّاه منهجًا أساسًا في تحرّكه. ما جعله يرسم مشروعه الإعدادي ليشمل شتّى الميادين، التي تهيّئ أجيالا كاملي العدّة، ليطوّروا الحياةـ، وينمّوا الحركة،
__________
(1) - ينظر محمد بن قاسم ناصر بوحجام، الشّيخ بيّوض وقضيّة فصل الصّحراء عن الشّمال.
(2) - نقل الأستاذ عيسى بن محمد الشّيخ بالحاج التّفسير المسجّل من الأشرطة، الذي ابتدأ من قوله تعالى: {وَلَقَدْ كرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَجَمَلْناهُمْ في البَرِّ والبَحْرِ ... } (الإسراء/ 70)، ثمّ قام بتحريره. تقوم بطبعه جمعيّة التّراث بالقرارة، الجزائر، بعنوان (في رحاب القرآن). آخر ما صدر منه الجزء الرّابع والعشرون، الذي ضمّ سور: (من الجمعة إلى التّحريم)، صدر سنة: 1436ه/ 2015م.
(3) - جريدة الشّعب (الجزائر)، عدد: 5359. (1/8)
صفحة 9
ويغيّروا الأوضاع إلى الأحسن ... مشروعه هذا كان نابعًا من شخصّيته المنفتحة على التّطوير والتّجديد، المنغلقة عن الجمود والتّقليد ... وفي هذا المنهج، وهذا المسلك تظهر قوّة الشّيخ بيّوض، وتنكشف كفايته، ومن هذه الزّاوية نلج إلى أعماق شخصيّته؛ لنفقه كثيرًا من الأسرار في مسيرته الإصلاحيّة ...
مرتكزاته في هذا العمل هي:
1 – الاهتمام بالشّباب: إعدادًا وتوجيهًا. 2 – الاهتمام بالتّربية والتّوجيه. 3 – الصّلابة في المبادئ والمرونة في التّحرّك والتّطبيق. 4 – اقتحام المجال الاقتصادي وشغل الوظائف الحكوميّة.
ختمت أنفاسه الطّيّبة وحياته الحافلة بالجهاد، والعمل الجاد، المتواصل من دون كلل وملل في السّاعة السّادسة مساء، من يوم الأربعاء الثّامن من ربيع الأوّل سنة 1401ه/ الرّابع عشر من جانفي (يناير) سنة 1981م، في منزله بمدينة القرارة. وشيّع جثمانه في موكب مهيب خاشع صبيحة يوم الجمعة: العاشر من ربيع الأوّل/ السّادس عشر من جانفي، ودفن في مقبرة الشّيخ بابهون بالقرارة. رحمه الله رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جنانه.
بعض مميّزاته وخصائص شخصيّته:
1 - يمتاز به البراعة في التّحليل، والاستفاضة في الكشف عمّا يخفى على الإنسان البسيط؛ ممّا يتدرّع به المتعلّقون بأتفه الأسباب. ويتتبّع الحجج التي يدلي بها المفسدون المتمسّكون بما يعتقدونه، ويردّ عليها بمنطق سليم، ويقارع الحجّة بالحجّة. وقد حباه الله ذكاءً وفطنة، يجعلانه يرى في الكلمة التي يدلي بها غيره ويعدّها النّاس غير ذات قيمة، يرى فيها دلالات كثيرة. وأتاه الله قدرة فائقة على إدراك خفايا الأمور ودقائقها. كما منحه براعة في بسط الموضوع ونشره، فيقف المستمع أو المخاطب على خطره (حسنًا أو سوءًا)، فيعدّهما بذلك لاستيعاب ما يقوله، وما يدلي به، من آراء ومن وجهات النّظر، تصحّح المفهومات، وتردّ إلى الصّواب.
كما رزق القدرة على الاسترسال في التّفسير والتّوضيح والتّبيين ساعات طويلة، فقد يستغرق في موضوع واحد: شرحًا وتحليلا ساعات، بل أيّامًا وشهورًا وسنوات .. الأمثلة على ذلك كثيرة. مثلا: بقي في تفسير القرآن الكريم خمسًا وأربعين سنة (1935 - 1980). وتدريس كتاب فتح الباري شرح صحيح البخاري أربع عشرة سنة (1931 - 1945). وكتاب قناطر الخيرات للشّيخ إسماعيل الجيطالي خمس عشرة سنة (1923 - 1938).
من الموضوعات التي أطال المدّة في بسطها حدث صلح الحديبية، ألقى فيه ستّة عشر درسّا تقريبًا. استغرقها في شرح معنى الاتّفاقيّة، وبيان مغزاها وجدواها. وعلّق على بعد نظر الرّسول - صلى الله عليه وسلم -. وتسعة دروس في المجنمع المسجدي (الميزابي)، وحوالي ثمانيّة دروس في الهجرة النّبويّة؛ مبيّنًا أهدافها (1/9)
صفحة 10
ونتائجها ... وفي موضوع الزَّواج والتَّربية وغيرها من الموضوعات." وقد بلغ له درس في موضوع مهمّ، فنّد فيه كثيرًا من الشّبه الباطلة، التي ينخدع بها بعض الشَباب. بلغ هذا الدّرس ستّ ساعات، من السّابعة إلى الثّالثة عشرة، في صباح يوم، في وقت الأعمال، حضره تجار المدينة وفلاّحوها." (1)
2 – صاحب ثقافة واسعة واطّلاع كبير، في مختلف ميادين المعرفة التي يحتاج إليها الزّعيم والقائد والمسؤول على جماعة المسلمين، والمرشد للأمّة. يقول الدّكتور محمد بن صالح ناصر: " وأحسب أنّ حرص الشّيخ بيّوض على المطالعة اليوميّة المستمرّة هي سرّ من أسرار تبحّر علمه وسعة أفقه، قد كان يخصّص للمطالعة أوقاتًا، ويتّخذ من أبنائه الطّلاّب من يقوم بهذه المهمّة." لم يفارق المطالعة إلاّ قبل ساعة من وفاته، فقد كان كاتبه الوفيّ الأستاذ صالح بن أحمد حدبون يطالع له في كتاب موسوعة أخلاق القرآن للدّكتور أحمد الشّرباصي (باب الهجرة)، ودّعه في السّاعة الخامسة، وكانت وفاته في السّاعة السّادسة.
عشقه المطالعةَ جعل منه رجلاً لا يؤمن إلاّ بالاستزادة من المعرفة، ما دام فيه عرق ينبض، فكان تلميذًا يستفيد من أبنائه، ومن أحداث الزّمن، في الوقت الذي كان فيه معلّمَ الأجيال، إيمانًا منه بأنّ العلم ليس له زمن محدّد.
3 – اطّلاعه الواسع ورسوخ قدمه في المعرفة، جعلا منه رجلا يتطلّع إلى المستقبل بعين بصيرة، وعقل نافذ، وحسّ مرهف، يجعله يحسّ بما لا يحرّك ساكنًا في غيره، ولا يثير اهتمامًا عند سواه، ويخطّط على أساس الرّؤية الواضحة، والنّظرة البعيدة. كما كان لمبادئه الثّابتة ورسوخ قدمه في المعارف المختلفة دور في جعله رجلا معتدًّا بآرائه، واثقًا من تصرّفاته. ما يهيّئه ليثبت أمام الأعاصير التي تثور ضدّه، إذا أبدى رأيًا أو نادى بفكرة؛ تيقّنًا منه ومؤمنًا أنّ الذين يعارضون آراءَه وأفكاره سيفهمونه متى حان الوقت المناسب.
4 – يمتاز بعمله الدّائب المستمرّ على الرّفع من مستوى الأمّة بمختلف طبقاتها، والإخلاص في هذا العمل الشّريف، والفناء في هذا الواجب المقدّس. تشهد بذلك كثرة الدّروس التي كان يلقيها كلّ يوم: ابتداء من الصّباح الباكر من طلوع الشّمس، وانتهاء بساعة متأخّرة من اللّيل، من درس للعامّة في المسجد، وآخر للطّلبة المبتدئين، وثالث للطّلبة المتقدّمين في دراستهم وغيرها,,,متنقّلا بين محاور التّفسير والفقه والحديث، والأدب والبلاغة والنّحو ... وتعليق على مقالات منشورة في الصّحف والمجلاّت ..
5 – صاحب اهتمام بمجريات الأحداث الوطنيّة والعالميّة، يتتَّبعها عن كثب في الدّوريّات التي تصله من مختلف أصقاع العالم والإذاعات المسموعة، ومن أخلص أصفيائه وأبنائه، وكان شديد الاهتمام بشؤون المسلمين، يسأل عنها؛ فيفرح للأخبار السّارة، وتؤلمه المحزنة منها. المقالات التي كتبها في صحافة
__________
(1) - محمد علي دبوز، أعلام الإصلاح في الجزائر .... ج3، ط1، مطبعة البعث، قسنطينة، الجزائر،1398هـ/ 1978م, ص: 90. (1/10)
صفحة 11
الشّّيخ إبراهيم أبي اليقظان مثال على هذا الاهتمام, كتب في الفجوة التي وقعت بين شكيب أرسلان وسليمان الباروني باشا. حرّر حلقات في القضيّة أو الحدث بعنوان: " الفرقان بين أميري السّيف والبيان الباروني باشا والأمير شكيب أرسلان" (1) ... وقد عدّ تفرّقهما عن بعضهما خسارة للإسلام، وفرصة سانحة للأعداء، ناشدهما العودة إلى بعضهما؛ لأنّ الوحدة هي ما يطلبها المسلمون.
6 – صاحب أصالة في مبادئه، وتفتّح في أفكاره. يمقت التّعصّب المذهبي، ويدعو إلى التّمسّك بالمقوّمات الحقيقيّة للشّخصيّة الإسلاميّة. يقول الدّكتور محمد ناصر: " وأحسب أنّ حرص الشّيخ بيّوض أن يجعل من المسجد مدرسة تربّي المسلم الصّحيح، وتنقّي عقيدته من التّعصّب المقيت والنّظر الضّيّق، هو الذي دفع به إلى شرح صحيح البخاري في مدى أربعة عشر عامًا، فقدّم بذلك الدّليل العملي، حين تجاوز بعض الذين يقفون عند حدود الكتب المذهبيّة لا يتعدّونها." (2)
7 – كان يعطي أمثلة ودروسًا من نفسه في الصّبر والثّبات، والصّدق في القول، والإخلاص في العمل، والجهاد في سبيل الله، لا يخاف في الله لومة لائم، كان – رحمه الله – يوصينا بالثّبات على المبادئ مهما تكن الظّروف، والاعتزاز بالشّخصيّة مهما تكن الأحوال، والاعتداد باللّغة العربيّة، وتمثّل الإسلام في كلّ سلوكنا وأعمالنا، كما كان يوصينا بالصّبر في عبادة الله، والصّبر في الشّدائد والمصائب، والصّبر على الأعداء والجهلة.
8 ـــــ عملُ الشّيخ بيّوض اتّسم بالمواصفات الآتية: المحافظة على الثّوابت والأصول، والتّفتّح على العصر، ومسايرة الأحداث ومتابعة التّطوّرات، والحرص على تصحيح المسار، وتحديث المسيرة، وتطوير الأداء، واستشراف المستقبل برؤى دقيقة، ومنهج عميق، بعد تحديد أهداف واضحة قويّة الارتباط بمقوّمات الشّعب والأمّة,
9 ـــــ إنّ الشّيخ بيّوض صاحب الفكر الأصيل، والعقل المتفتّح، والنّظرة المتجدّدة والإصلاح الشّامل، والرّؤية الواضحة، والواقعيّة في المعالجة ...
__________
(1) - ينظر جريدة الأمّة للشّيخ إبراهيم أبي اليقظان (الجزائر)، الأعداد: 156 – 161. بإمضاء (أفلح) وهو الشّيخ بيّوض.
(2) - جريدة الشّعب، عدد: 5359. (1/11)
صفحة 12
تمهيد
إذا كانت التّربيّة تعني بناء الإنسان السّويّ القادر على القيام بشؤون الحياة، وتحقيق الغاية من خلقه، وإيجاده على الأرض، وهي عمارتها بما يفيد، واستثمارها بما ينفع { ... هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِّنَ الاَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فيها فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إنَّ رَبِّي قَريبٌ مُجيبٌ} (هود: 61) , فإنّ على هذا المخلوق أن يسير في هذا الوجود وفق منهج الله، الذي يتضمّنه دينه وشرعه.
إِنّ ما يضمن هذا المنهج هو العقيدة، التي يجب أن تكون المصدر لكلّ حركات الإنسان، والموجهّة لسلوكه، والرّاصدة لأفعاله ونشاطه ... والتّربيّة تقوم بدور الإعداد والتّكوين والتّنشئة؛ طبقًا لما نزل به القرآن العظيم، وبيّنه رسوله الكريم، إذا كان الهدف هو إعداد الإنسان الصّالح.
يقول الشّيخ إبراهيم بيّوض (1316 - 1401ه/1899 - 1981م): "إنّ العالم كلّه يتخبّط في مشاكله الاجتماعيّة والاقتصاديّة وعلاقاته التّعامليّة: أفرادًا وجماعات، وأكبر عويصة تؤرّقه، وأخطر مشكلة تحيّره: كيف يصل إلى السّعادة في الدّنيا؟ أمّا غير المسلمين فهم في حيرتهم يعمهون؛ إذ كلّ واحد يتصوّر السّعادة في شيء من الأشياء، فكان الحنافس أو الهيبيز (1) الذين تدفعهم شياطينهم إلى إرسال شعورهم، وترك الأوساخ والعفونات على أجسامهم، ينامون في الأرصفة والطّرقات، يركب بعضهم بعضًا كالدّيدان والحيّات. والذي يدفعهم إلى كلّ ذلك شيء واحد هو خلوّ القلب من عقيدة صحيحة. أمّا المسلمون فيسعدون بإيمانهم الذي يغمر قلوبهم، كما قال تعالى: {الذٍينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ الله أَلَا بِذِكْرِ الله تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ} (الرّعد: 28) (2)
يشير الشّيخ بيّوض إلى واقع مرير، يعيشه الإنسان الخالي قلبه من العقيدة، فيبقى في الحيرة والتّيه والشّقاء قابعا. واقع عسير، يكشف عن حال يحياها ناس فقدوا الإيمان، فعاشوا اليأس والقنوط، وبذلك يتحرّكون بفوضى وهمجيّة في حياة، صبغتُها حيوانيّة متوحّشة، وشهوانيّة متردّيّة، مهدرة للكرامة والعزّة ...
__________
(1) - مجموعة من الشّباب ظهروا في أوّل الأمر في سواحل كاليفورنيا بالولايات المتّحدّة الأمريكيّة، تدعو إلى حريّة العادات والتّقاليد، بما في ذلك الجنس، والعودة إلى الحياة البدائيّة، وعبّروا عن رفضهم لقيم المجتمع وتقاليده بلباس خاصّ وشعور طويلة ...
(2) - الإمام الشّيخ إبراهيم بن عمر بيّوض، في رحاب القرآن، الجزء 19، (تفسير سورة الفتح)، تحرير عيسى بن محمد الشّيخ بالحاج، المطبعة العربيّة، غرداية، الجزائر، نشر جمعيّة التّراث، القرارة، الجزائر، 1431هـ/ 2010م، ص: 331، 332. (1/12)
صفحة 13
في مقابل هؤلاء المستهترين بكرامتهم، والمذلّين أنفسهم، بأتي الأعزّاء الكرماء، الذين يعيشون في طمأنينة وراحة بال، سعداء بما يقومون به، وما يبدونه من سلوك؛ وذاك بفضل ما بغمر قلوبهم من إيمان، وما يسكن صدورهم من عقيدة. يقول الشّيخ بيّوض: " ... ذلك لنعلم علم اليقين أنّ السّعادة إنّما هي في القلب، والشّقاء إنّما هو في القلب، ليس إلاّ. فإذا حلّت السّكينة في القلب، فكان يذكر الله، فتلك هي السّعادة المثلى، حتّى ولو كان في وسط نار الجحيم كالنّار التي ألقي فيها إبراهيم - عليه السلام -، أو كان في غياهب سجن مظلم، كالسّجن الذي سجن فيه يوسف - عليه السلام -، أو بطن حوت ضخم كالحوت الذي ابتلع يونس - عليه السلام -،، أمّا إذا لم تحلّ السّكينة في القلب، فإنّ صاحبه يعيش في شقاء وضجر، ولو كان في أفخم قصور الدّنيا، أو كان في أرحب بلاد، لا يحدّها سقف ولا جدار، حتّى إنّه يتمنّى أن لو استطاع لأخرج قلبه، ونفض ما فيه من الهمّ، كما ينفض الغبار عن الثّوب، ولكنّنا نقول لهذا: اسأل ربّك أن ينفض ما في قلبك من همّ، بأن ينزل السّكينة، فيطمئنّ ويزداد إيمانًا" (1)
في تعليق الشّيخ بيّوض على قوله تعالى {هُوَ الذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ في قُلُوبِ الموِمِنينَ ليزدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إيمانِهِمْ ... } (الفتح: 4) بيان لقيمة التّفويض إلى الله والاعتراف بالعجز عن الإدراك، وفي هذا تعظيم الخالق، وكلّ ذلك ينزل السّكينة في القلوب، فيتقوّى الإيمان بالله فيها، فتزداد تذلّلا له وخضوعًا ... (2)
ركّز الشّيخ بيّوض على كلمة (السّكينة)، وقال: هي ليست شيئًا ماديًّا ترى بالعين، أو تدرك بالحواس .. هي حالة يشعر بها المؤمن تسكن قلبه، فتحدث حالة من الطّمأنينة والرّاحة .. فتسكن نفسه، ولا تضطرب مهما يحدث لها. بعد أن ذكر الشّيخ ما يشعر به بالإنسان، من مظاهر الضّيق والقلق، التي تسبّب له اضطرابًا وخوفًا وهلعًا .. ثمّ قد يهدأ وتسكن نفسه ... قال:" ولكن هل هذا هو المراد بالسّكينة؟ كلاّ، وإنّما المراد شيء آخر. والفرق كبير بين القلب السّاكن المطمئنّ، والقلب المضطرب المغموم، فالإنسان المضطرب القلب يحسّ من نفسه ضيقًا فيقول: وددت لو أفرغت ما في قلبي من الهمّ والغمّ. ولكن لا سبيل لك إلى ذلك، لأنّه ليس هناك من سبيل تفرّغ به ما في قلبك من الهمّ والضّيق، إلآّ أن تلجأ إلى الله فينزل عليك السّكينة .. وهذه هي المنّة الكبرى حقًّا. ولابدّ لنا فيها وقفة." (3)
كلّ السّرّ والعبرة وبيت القصيد في ما جاء في ختام النّصّ (ويزداد إيمانًا)، فراحة الإنسان في سعادته، وسعادته منوطة بما يجب أن بتوفّر له من أسباب ووسائل لذلك، هذه الوسيلة لن تكون سوى الإيمان
__________
(1) - في رحاب القرآن، ج19، تفسير سورة الفتح، ص: 234.
(2) - عن أمثلة تفويض الأمر إلى الله، وردّ العلم الحقيقي إلى الله، بما يبعث السّكينة والطّمأنينة في القلب، فتجتاز كلّ محنة، وكلّ عقبة وكلّ امتحان وكلّ فتنة ... ينظر المصدر السّابق، ص: 228 وما بعدها.
(3) - المصدر السّابق، ص: 228. ينظر ما كتبه الشّيخ في التّعليق على كلمة (سكبنة)، ص: 229 – 231. (1/13)
صفحة 14
الذي يغمر القلب، وهذا الإيمان توفّره العقيدة؛ لذا وجب الاعتناء بغرس العقيدة في القلب، ليكون الاطمئنان، وبذكر الله تطمئنّ القلوب، فلا غرو أن يكون القرآن كتاب عقيدة، فيتقيّد الشّيخ بيّوض في منهجه بالارتباط به، فيفسّره، وينظر فيه بمجهر العقيدة، ويفتح مغاليقه أو خزائنه بمفتاح العقيدة ...
إنّ الشّيخ بيّوض يؤكّد على ضرورة العقيدة لتستقيم الحياة، بل لتكون الحياة الحقيقيّة، التي تهيّئها التّربيّة الحسنة، وهو لا يرى التّربيّة إلاّ عقيدة، بمعنى أدقّ: إنّ ما يجب أن تقوم به التّربيّة هو غرس العقيدة في القلب، واستثمارها في تحسين السّلوك، وتعديل المسير ... يقول الشّيخ: " ... فقد قام والد ينصح ولده، فأجابه الولد: لا تتدخّل في خصوصيّاتي: ديني، عقيدتي، عملي. ويلك يا هذا، إذا لم يتدخّل أبوك في عقيدتك حتّى يصحّحها، وفي قولك وعملك حتّى بصلحهما، وفي سلوكك حتّى يسدّده، فما معنى التّربيّة؟ " (1)
هذا هو فهم الشّيخ بيّوض للتّربيّة، فَهِمَهَا: أنّها تثبيت للإيمان في القلب، وترسيخ للعقيدة فيه؛ لأنّهما إذا تمكنّا في نفس شخص جاء سلوكه سويًّا، وكان تحّركه في خطّ مستقيم، وهو صراط الله الذي شرع لعباده. وهذه هي الغاية من التّربيّة. يقول الأستاذ حمّو الشّيهاني: "وقد اهتدى الشّيخ بيّوض لتأسيس جهوده الإصلاحيّة على الدّعوة إلى تجديد الإيمان، وتركيزه في النّفوس؛ تأسّيًا بما ينطلق به الرّسل عليهم الصّلاة والسّلام، إذ يقول: (كان لزامًا علينا أن نعود، فنبدأ بما بدأ به الرّسل، إلى الدّعوة إلى الإيمان وتقريره في القلوب من جديد [وتحصين القلوب من أن يتطرّق إليها شكٌّ، يتحوّل بعد ذلك إلى إلحاد صريح، خاصّة وهو يتساقط كالمطر في كلّ مكان، وقد عمّ كثيرًا من شباب المسلمين ... ]) " (2)
قدّم الشّيخ بيّوض هذا التّنبيه، في أثناء حديثه عن محاربة البدع والخرافات التي يتمسّك بها بعض النّاس، ويدّعون أنّ ذلك دين، أو يجهلون حقيقة الدّين، فيتخبّطون في سلوكهم، ويخلطون ويخطئون في أعمالهم ... وفي كلتا الحالتين يجب التّنبيه والتّصحيح ..
البداية تكون بتصحيح العقيدة، وتجديد الإيمان، إنّ هذه السّبيل هي الكفيلة بتربيّة النّفوس على الالتزام يشرع الله، والاحتكام إلى قانونه، والصّدور عمّا يدعو إليه الخالق البارئ. يقول الشّيخ بيّوض: " ... والدّين كلٌّ لا يتجزّأ؛ بدءًا من رسوخ أصول العقيدة في أعماق القلب، إلى أقلّ عمل يصدر من جارحة من
__________
(1) - في رحاب القرآن، الجزء: 16، (تفسير سورتي غافر وفصّلت)، المطبعة العربيّة، غرداية، الجزائر،، شر جمعيّة التّراث، القرارة، الجزائر، 1428هـ/ 2007م، ص: 489.
(2) - حمّو بن عيسى الشّيهاني، الفكر العقدي عند الشّيخ بيّوض، منهجه وأبعاده (أطروحة الدّكتوراه في العلوم الإسلاميّة) (مخ)، كليّة العلوم الإسلاميّة، جامعة الجزائر، السّنة الجامعيّة: 1430– 1431هـ/ 2009– 2010م، ص: 62. النّصّ المقتبس هو من كتاب في رحاب القرآن، ج11، (تفسير سورة لقمان)، المطبعة العربيّة، غرداية، الجزائر، نشر جمعيّة التّراث، القرارة، الجزائر، 1423هـ/ 2002م، ص: 177. (1/14)
صفحة 15
الجوارح، فالدّين عقيدة وقول وعمل." (1) فلا يضمن استقامةَ عمل الجوارح إلاّ توجيهُ العقيدة الصّحيحة لها، ثمّ مراقبتها فيما يصدر عنها.
لقد أولى الشّيخ بيّوض العقيدة أهميّة كبيرة في عمله الإصلاحي والتّربوي والتّوجيهي والبنائي، بخاصّة في تفسيره القرآن الكريم, الذي كان يربّي به من يخاطب ومن يوجّه إليه تفسيرَه، يقول: " إنّ غرضي من تفسير القرآن هو تربيّة النّاس بالقرآن، وتثقيفهم ووعظهم، ومعالجة أمراض النّفوس كلّها بالقرآن، فإنّه شفاء لها كلّها .. " (2)
يقول حمّو الشّيهاني: "يعتبر تفسير القرآن بالقرآن أرضيّة صلبة لأسلوب حديث في التّفسير، يسمّى (التّفسير الموضوعي) وقد وظّفه الشّيخ بيّوض في علاجه للقضايا العقديّة، حيث يجمع الآيات في الموضوع المدروس، ويرتّبها قصد اكتمال الصّورة عنده، ليهتدي بذلك إلى استنتاجات مؤصّلة." (3) (
يقول الشّيخ محمد الغزالي عن القرآن الكريم: " هو وحده مصدر العقائد، وموطن اليقين. وأسلوب القرآن في تقرير العقائد يمتاز بالوضوح المطلق، ويتّسم بالموافقة لبداهة العقل، واستعصائه على المتناقضات والشّبهات." (4)
إنّ العقيدة هي الأساس الذي بنى عليه الشّيخ بيّوض تربيته بالتّفسير، ينطلق منها ليصل إليها، يؤسّس منها وعليها ما ينطق به، وما يوضّحه، وما يشرحه، وما يقيم عليه بنيانه التّربوي والتّوجيهي والتّرشيدي والإصلاحي ... وعمله الشّمولي الذي يمسّ كلّ جوانب الحياة. بمعنى أوضح وأصرح، كان يجعل العقيدة القاعدة الصّلبة التي يرتكز عليها في عمله الدّعوي والإصلاحي. هذه نقطة مهمّة في منهجه في عرض العقيدة وتناولها؛ ممّا نكشف عنه في الصّفحات الآتيّة.
يقول الأستاذ صالح بن محمد حمدي: " هذه هي مكانة العقيدة من تفسير الشّيخ بيّوض – رحمه الله – هي حاضرة في جلّ دروس تفسيره، التي كان يلقيها لكافّة النّاس في بيت الله تعالى. فمهما كان موضوع الآيات التي يغوص في تحليلها: تشريعًا أو تربيّة أو تاريخًا ... لا يمضي معه دون أن يحكم صلته ومرجعيّته الإيمانيّة. وإذا كان الموضوع عقيدة اعتصر منه آثاره العمليّة. فالقضيّة الإيمانيّة عند الشّيخ
__________
(1) - في رحاب القرآن، ج7، (تفسير سورتي الفرقان والشّعراء)، المطبعة العربيّة، غرداية، الجزائر، نشر جمعيّة التّراث، القرارة، الجزائر، 1420ه/ 1999م، ص: 96.
(2) - محمد عليّ دبّوز، أعلام الإصلاح في الجزائر (1921 - 1975م)، ج3، ط1، مطبعة البعث، قسنطينة (الجزائر)، 1978م، ص: 129.
(3) -
(4) - محمد الغزالي، الدّفاع عن العقيدة والشّريعة، ص: 82. نقلاً عن حمّو الشّيهاني، الفكر العقدي عند الشّيخ بيّوض، ص: 55. (1/15)
صفحة 16
بيّوض هي المحور الذي منه ينطلق الإنسان المؤمن وإليه ينتهي؛ حتّى يحقّق خلافة الله له في الأرض، ويفوز بالجنّة والرّضوان في الآخرة " (1)
إنّ طريقة تعامل الشّيخ بيّوض مع القرآن ومنهجه في هذا التّعامل: تفسيرًا وتأويلاَ وتحليلاَ وبيانًا ... يبرز ويقرّر أنّ القرآن نزل – أصلاً – ليثبّت العقيدة في القلوب، ويكشف أنّ كلّ ما يؤمر به المرء أن يأتيه، وكلّ ما يُنْهى عنه أن يتجنّبه، منطلقه العقيدة، ومنتهاه العقيدة، وما بينهما يتحرّك في خطّ مستقيم بين المنطلق والمنتهى.
لبيان ذلك اتّبع الشّيخ إبراهيم بيّوض منهجًا قويمًا، مكّنه من تحقيق كثير من أهدافه في التّربيّة، وبلوغ غرضه من تفسير القرآن، وهو تثقيف النّاس ووعظهم، ومعالجة أمراض النّفوس، التي تقوم به أو تساعد عليه رسوخ العقيدة في القلوب ... بهذا تظهر قيمة المنهج الذي سلكه الشّيخ بيّوض في تفسيره القرآن الكريم.
أقدّم منهج الشّيخ بيّوض في عرض العقيدة في عدد من العناصر، التي بدت لي مهمّة في هذا التّقديم، لنتعمّق فيه ونكتشف جيّدًا حقيقة هذا المنهج وعمقه وجدواه .. بداية نتساءل ما هي الأهداف التي كان ينشدها الشّيخ بيّوض في التركيز على العقيدة؛ منطلقًا في التّربيّة والدّعوة .. ؟
الأهداف المنشودة
إنّ من يتأمّل منهج الشّيخ بيّوض في عرض العقيدة يستنتج مجموعة من الأهداف، كان الشّيخ بيّوض يرمي إلى تحقيقها. بذلك يمكن له أن يدرك أهميّة هذا المنهج، ويعرف دوره في الإصلاح والتّربيّة والتّكوين والإعداد. من هذه الأهداف:
1 – البيان والتّوضيح ورفع اللّبس
هذا المنهج كان يهدف إلى توضيح بعض الأمور الغامضة، وبيان بعض المسائل الخفيّة، ودفع بعض الشّبه، التي قد تؤثّر في حقيقة المعتقد. لذا فإنّه يسعى لتصفيّة القلوب من الاعتقاد الخاطئ؛ الذي أفرزه سوء الفهم، أو العجز عن الإدراك، أو الخطأ في النّظر.
تعرّض الشّيخ بيّوض للفهم الخاطئ، الذي تقدّمه لنا عقولنا القاصرة، فنبني عليها أحكامًا، قد تمسّ العقيدة. وعمد إلى التّصحيح والتّوضيح. قال الشّيخ: "لقد ذكرنا أمثلة عن هذا (عن أخطاء الأنبيّاء) (2) في حقّ الأنبيّاء والمرسلين، وردت في القرآن الكريم، لا على سبيل الحصر، وبخاصّة فيما يتعلّق ينبيئنا - صلى الله عليه وسلم -، فقد عابه الله في شأن المنافقين (3) " ... لكنّ الصّورة التي تُظهر لنا بوضوح حقيقة معنى (خلاف الأولى) بالنّسبة للنّبئ - صلى الله عليه وسلم -، وندرك من خلالها أنّ ما عمله النّبئ - صلى الله عليه وسلم -، كان - بحسب عقولنا – هو الحقّ
__________
(1) - صالح بن محمد حمدي، مسائل الإيمان بالله تعالى عند الإمام إبراهيم بن عمر بيّوض من خلال تفسيره في رحاب القرآن، ط1، دار الخلدونيّة، الجزائر، 1430ه/ 2009م، ص: 57.
(2) - قال الشّيخ بيّوض معلّقًا على بعض الآيات التي ظهر فيها عتاب الله - عز وجل - نبيّئه محمد - صلى الله عليه وسلم - على بعض التّصرّفات أو الأخطاء التي صدرت منه، ثمّ على قوله تعالى: {ليغفر لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر ... } (الفتح/ 2): " ... وكان يخطئ ويصيب، ويعاتب على خطئه، وهذا ما بيّنه القرآن الكريم. وبهذا التّصرّف الذي يتصرّف به النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - بمقتضى طبيعته وبشريّته شرع لنا باب الاجتهاد.
هذه أخطاء الأنبيّاء، بحسب ما يليق بمقامهم، فلا يصدر منهم ذنب صغير ولا كبير، إن هي إلاّ أشياء يرونها بالنّسبة لمقامهم العالي نوعًا من التّقصير أو القصور في حقّ الله تعالى، وهذا ما يعبّر عنه العلماء بـ (خلاف الأَوْلَى) ... " في رحاب القرآن، ج19/، تفسير سورة الفتح، ص: 215، 216.
(3) - ينظر الآيتان: 43 و 83، سورة التّوبة. (1/16)
صفحة 17
والصّواب، وأنّه إنّما كان يقصد الخير والمصلحة العامّة لا غير، وهذا ما تبرزه لنا قصّته مع سيّدنا عبد الله بن أمّ مكتوم الأعمى - رضي الله عنه -، الذي عاتب الله تعالى فيه نبيئه - صلى الله عليه وسلم - .. " (1)
بعد أن فصّل القول في هذه القصّة، وبيّن ما يجب اعتقاده في أمثال هذه المواقف، والرّجوع إلى الوحي لفهمها، وعدم النّزول عند منتجات عقولنا، قال: " إنّ هذه الحادثة تفتح لنا بابًا واسعًا للفهم، ندرك بها حقيقة الأمر بالنّسبة لفعل النّبيء - صلى الله عليه وسلم -، من المنظور الإلهي في هذه القضيّة، أو قضيّة أسرى بدر، أو قضيّة الفداء، وكان في كلّ منها يراعي المصلحة كما راعى المصلحة كذلك لمّا صلّى على عبد الله بن أبيّ رأس المنافقين ...
وبعد، فإنّه ليس في مثل هذه الأعمال التي قام بها الرّسل عليهم السّلام - وبخاصّة نبيئنا محمّدًا - صلى الله عليه وسلم - أيّ ذنب بحسب ما نراه نحن ونظنّه، ولكنّها بحسب مقامهم العالي، وما أراده الله تعالى منهم من الإسوة، هي ذنوب في حقّهم، وبهذه النّظرة يمكن لنا أن نفسّر هذه القصّة وغيرها ممّا يروى عن النّبيء - صلى الله عليه وسلم - وغيره من المرسلين، والتي يريد الله تعالى من ورائها أن يوجّهنا إلى تعظيم أوليّائه، وإن كنّا لا نعلم على وجه التّحقيق من هو الوليّ عند الله .. " (2)
2 – توفير الحصانة الإيمانيّة
يهدف المنهج إلى توفير الحصانة الإيمانيّة، التي تعصم من الاستهتار بالدّين، والتّهاون في الحدود، والاستخفاف بالقيم ... وتهيّئ النّفوس للتّمسّك بشرع الله، وتحكيمه في الحياة. قد يقال: إنّ هذا الهدف هو القاسم المشترك عند كلّ من يتناول عرض العقيدة، نقول هذا صحيح، وهو ما يجب أن يُتوخّى، لكنّنا نؤكّد أنّ ما قدّمه الشّيخ بيّوض لتحقيق هذا الهدف لافت للنّظر. ميزة منهجه أنّه يبيّن بالمحسوس وبضرب الأمثلة لما يقدّمه في عرض العقيدة، ويبيّن ويضيء ببراعةٍ الجوانب التي ترتكز عليها حقيقة العقيدة، مع الاعتماد على التّعليل، كما فعل حين تكلّم عن دور الحصانة الإيمانيّة في تصفيّة القلب من الشّبهات التي تنال من العقيدة. قال: إنّ الحصانة الإيمانيّة تلقيح للقلب من الأمراض التي قد تصيبه، فهو يرى أنّ سبب انحراف النّاس عن الصّراط المستقيم أنّهم " ليس لهم حصانة في نفوسهم، ولا في عقولهم. فهم كالجسم المهلهل المستعدّ لتقبّل كلّ الأمراض، ومن أراد الله به خيرًا يحصّن قلبه بالإيمان، وعقله بالتّفكير؛ حتّى يميّز بين النّفع والضّرر، وبين الحقّ والباطل، وبين المعروف والمنكر. فلا تتعلّق الشّبهات
__________
(1) - في رحاب القرآن، ج19، (تفسير سورة الفتح)، ص: 216، 217.
(2) - المصدر السّابق، ص: 220، 221. (1/17)
صفحة 18
بقلبه، وقبيح بأحد أن يكون قلبه كما قال الإمام مالك: (لا يكن قلبك كالإسفنجة تتشرّب الشّبهات، ولكن كالزّجاجة التي تدفع، ولا ينفذ منها إلاّ النّور" (1)
عن القلب الذي هو مناط زرع العقيدة، ودوره في توجيه الجوارح لتكون صالحة، وتبقى متّبعة الصّراط المستقيم، يقول الشّيخ بيّوض: " ... لأنّ العلم لو بلغ إلى أعماق القلب، حيث محلّ اليقين والطّمأنينة لرسخ فيها، ولعملت الجوارح بمقتضاه" (2)
التّأكيد على نقطة الارتكاز في عمليّة تثبيت العقيدة، وهي القلب، هو جزء من طبيعة منهج الشّيخ بيّوض في عرض العقيدة. يقول مثبِّتًا ما قاله في النّصّ السّابق: " ... إذن يريد الله تعالى أن تكون قلوبنا طاهرة، ويريد أن يقطع الفساد من جذوره، وجذورُه في القلب، وإذا اجتثّت من القلب إرادة الاستعلاء ومحبّة الفساد صلحت الجوارح، واستمرّت في الصّراط المستقيم." (3)
3 – صلاح الأعمال
يقول الأستاذ حمّو الشّيهاني: "يقصد الشّيخ بيّوض من الدّرس العقدي صلاح الأعمال وتحقيق الاستقامة، التي تعدّ ثمرة الإيمان الصّحيح، ويتجنّب المشاحّة في الألفاظ – ولو خالف مشهور مذهبه الإباضي– ما لم يؤدّ ذلك إلى محذور مخالفة النّصوص القطعيّة، والمقاصد العامّة للدّين" (4)
4 – إحداث التّكامل والانسجام في شخصيّة الفرد المسلم
إنّ الشّيخ بيّوض من خلال تعامله مع النّصوص الشّرعيّة، يعمد إلى جمع مجموعة كثيرة من النّصوص في الموضوع الواحد؛ ليعرضه عرضًا صحيحًا، ويتناوله تناولاً سليمًا، يشمل الجوانب التي يتضمّنها هذا الموضوع. إنّ هذا نابع من خاصيّة الشّموليّة التي تميّز به منهجه في معالجة الموضوع بعامّة، والعقيدة بخاصّة. ويبدو هذا جليًّا في تفسيره القرآن الكريم، الذي تحوّل - في نظري- إلى كتاب عقيدة، حسب معالجة الشّيخ بيّوض للتّفسير.
__________
(1) - في رحاب القرآن (تفسير سورتي مريم وطه)، المطبعة العربيّة، غرداية، الجزائر، نشر جمعيّة التّراث، القرارة، الجزائر، 1416ه/ 1995م، ص: 265، 266.
(2) - في رحاب القرآن، ج13، (تفسير سورتي سبأ وفاطر)، المطبعة العربيّة، غرداية، الجزائر، نشر جمعيّة التّراث، القرارة، الجزائر، 1425ه/ 2004م، ص: 215. ذكر هذه المقولة، وهو في صدد تفسير قول الله - عز وجل -: { ... إلاّ لنعلمَ من يومنُ بالاَخرةِ ممَّن هوَ منها في شكٍّ ... } (سبأ / 22)
(3) - في رحاب القرآن، ج8، (تفسير سورتي النّمل والقصص)، المطبعة العربيّة، غرداية، الجزائر، نشر جمعيّة التّراث، القرارة، الجزائر، 1421ه/ 2000م، ص: 522. ينظر الفكر العقدي،: ص: 273.
(4) - الفكر العقدي عند الشّيخ بيّوض، ص: 127. (1/19)
صفحة 19
في هذا التّناول تبدو الشّموليّة في درس العقيدة واضحة في منهجه في تفسيره. وقد انتهى إلى هذه النّتيجة الأستاذ صالح حمدي: " إنّ هذه النّظرة الموضوعيّة المتكاملة للقرآن من قبل الشّيخ – وإن تعدّدت تعابيره عنها – نرى أنّها تهدف إلى إحداث مثل هذا التّكامل والانسجام في شخصيّة الفرد المسلم، بين ما يحمل في قلبه من قيم ومبادئ، وما يصدر عنه من سلوك ملتزم في واقع حياته، فلا يقع في شراك النّفاق والانفصام بين العقيدة والسّلوك.، كما أنّها تهدف إلى حسن الفهم والتّصوّر لقضايا العقيدة فهمًا منسجمًا مع روح الدّين وقواعده، وإلى الحفاظ على وحدة النّصوص من التّناقض والتّضارب في الفهم والاعتقاد" (1)
5 – حسن الفهم والتّصوّر لقضايا العقيدة
يهدف المنهج إلى تمكين المسلم من حسن فهم مسائل العقيدة، وحسن تصوّر قضاياها؛ ليفقه دورها في حياته، وضرورتها لضمان الاطمئنان والرّاحة والاستقرار واليقين ...
6 - تكوين أجيال مؤمنة بربّها، تفقه دينها، وتتقن كيفيّة العيش على هدي القرآن الكريم، وسنّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وتكون مرتبطة بالأصول الصّحيحة، وصادرة عن مبادئ ثابتة .. (2)
بعد معرفة (أو اكتشاف) الأهداف التي كان الشّيخ بيّوض يرمي إلى بلوغها من خلال منهجه في عرض العقيدة، تبدو لنا أنّ معرفة طرق تحديد المصطلحات التي وظّفها في تناوله مسائل العقيدة، مهمّة ومفيدة في مزيد من الكشف عن هذا المنهج، هذا ما نتناوله في المبحث الآتي:
__________
(1) - مسائل الإيمان بالله تعالى عند الإمام بيّوض إبراهيم بن عمر، ص: 68.
(2) - ينظر أساليب تحقيق الوحدة الإسلاميّة من خلال الدّرس العقدي، كتاب الفكر العقدي، ص: 127. (1/20)
صفحة 20
تحديد المصطلحات وتوضيح المدلولات
يعتمد منهج الشّيخ بيّوض في تقديم درس العقيدة، ومعالجة موضوعاتها على تحديد المصطلحات، وتبيين المفهومات، والتّدقيق في الألفاظ التي تحمل الدّلالات العقديّة. هو يتحرّى في هذا المجال تحريًّا كبيرًا الصحّة والحقيقة؛ حتّى يكون البناء الذي يبني به الشّخصيّة السّويّة صحيحًا؛ بصفة العقيدة هي الحجرة الأساس في هذا البناء. يمكن عرض هذا الجانب في النّقط الآتية:
1 – يعنى الشّيخ بيّوض بشرح الألفاظ التي يتوقّف عليها الفهم الصّحيح للآية القرآنيّة – مثلا – وذكرِ المواضع التي وردت فيها في القرآن الكريم، مع سردِ الآيات التي جاءت فيها وشرحِها وتوضيحِها. الأمثلة على هذه الخاصيّة كثيرة، بل إنّ الشّيخ لا يغفل عن هذا العنصر الأساس في تفسيره خاصّة .. لهذا لم نأت بالأمثلة عنه. يمكن لأيِّ مطلّع على تفسيره، أو مستمع له أن يلحظ هذا بسهولة ووضوح ...
2 – يجتهد في إعطاء الألفاظ والعبارات والتّراكيب والمصطلحات دلالات عقديّة. يعكس هذا طبيعة تفكيره، ويبرز شدّة فهمه وقوّة وعيه لما يربط فكره أو تفكيره، وما يشدّ وجدانه، ويصبغ شخصيّته. هذا التّعامل وهذا التّناول بهذه المنهجيّة ينقل جوهر المعتقد للدّين أو كنه الدّين. ويصل بالمخاطب إلى الحقيقة التي يجب أن يعرفها المؤمن بالله حقّ الإيمان، وهي "وحدانيّة الله" أو على الأقلّ يعرف مصدر الوحدانيّة.
3 – بيان حقيقة الدّين والدّينونة، أي معرفة كيفيّة الخضوع إلى إرادة الواحد الدّيّان، والاستسلام له؛ بإتيان أوامره، والانتهاء عن نواهيه. هذه الدّينونة تدلّ الفرد على مواطن الخير، ليرتادها، وتريه مواطن الشّرّ ليبتعد عنها. إنّ الشّيخ بتحديده مفهوم الدّينونة بطريقة منهجيّه ودقيقة يضع لبنة في منهجه في عرض العقيدة. بذلك (1/21)
صفحة 21
يقوم بعمليّة التّفهيم والتّوعيّة والتّصحيح ... على أحسن وجه. يقول الشّيخ مفسّرًا ومعلّقًا على قوله تعالى: {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحقّ ليظهره على الدّين كلّه}؛ محلّلا وشارحًا المصطلحات، ومبيّنًا الدّلالات: " ... فالدّين من حيث هو دين هو ما يدينه به البشر من عقيدة، والدّينونة ما يعتقده أحد في قلبه بحرمة شيء وغلبته وقوّته، وكونه مصدر الضّرّ والنّفع، والخير والشّرّ، فيدين له، أي يخضع له. وَ"دان" بمعنى: خضع. فأصل الدّين كلّه ينبني على هذه العقيدة، أن يرتكز في القلب أنّ هذا الشّيء له قوّة، وله غلبة، وله سلطان، يستطيع أن ينصره إن شاء أو ينفعه، فهو يدين له، يخضع ويتودّد إليه بأيّة كيفيّة، وأمّا هذه الحركات والطّقوس المعمول بها، من ركوع وسجود وتقبيل وتمسّح وتقريب القرابين، وأشياء أخرى، سواء في الدّيانات السّماويّة، أو الدّيانات الوضعيّة التي تعدّ بالآلاف، فهي منبعثة كلّها من بذرة في القلب، الذي يعتقد قوّة وسلطانًا غيبيين في هذا الشّيء الذي يدين له. هذا هو أصل الدّين، وهو واحد، فمن أرشده الله تعالى كانت عقيدته متّجهة إلى خالق السّموات والأرض، لا إله إلاّ هو، وهذا الذي يدان له ... " (1)
من الألفاظ التي وضّح حقيقتها ودلالاتها: (الظّهور، الدّين، الحق)، هذا التّوضيح كان من أجل أخذ المتلقّي والغوص به في أعماق هذه الكلمات، التي تحمل اصطلاحات خاصّة، مقرونة بدلالاتها التي تحملها، ومربوطة ومشدودة إلى الدّقائق في المعاني التي تتضمّنها العقيدة، ويتوفّر عليه الإيمان .. هكذا يتّضح في هذا التّناول جانب من منهج الشّيخ بيّوض في عرض العقيدة. (2)
4 – بيان معنى الرّبوبيّة - التي إن فقهت حقيقتها - أنتجت عقيدة صحيحة، وأعانت على تجسيد فعلها في السّلوك، ونقلت القول إلى العمل، وحدّدت حركة المؤمن الموفّي الملتزم بالعهد، الذي لا يقول إلاّ ما يفعل، ولا ينطق إلاّ بما يحقّقه في الواقع. هذا التّوضيح وهذا التّدقيق هو لبيان ما يجب تبنّيه واعتناقه للسّير بوضوح وسلامة في هذه الحياة.
ذهب الشّيخ بيّوض بعيدًا؛ حين انطلق من العقيدة ليبيّن أنّ سيرورة الحياة وضمان استمرارها لا تكونان إلاّ بفقه حقيقة الرّبوبيّة، والإصدار في الحياة عن فحواها وما تتطلّبه العقيدة. يقول؛ تفسيرًا وتبيينًا لقوله تعالى {إِنَّ الذين قالُوا رَبُّنَا الله ... } (فصّلت/ 30) " ليس المراد أنّهم نطقوا بألسنتهم فقط، وإنّما قالوا هذا بألسنتهم تعبيرًا عن العقيدة الرّاسخة المتمكّنة في قلوبهم؛ اعترافًا منهم بأنّ الله هو ربّهم. وكلمة (الرّبّ) تتضمّن كلّ شيء، بداية من الإيجاد، وما يقتضيه الإيجاد من الإمداد الذي به استمرار الحياة إلى
__________
(1) - في رحاب القرآن، ج19، (تفسير سورة الفتح)، ص: 325.
(2) - ينظر تعليق الشّيخ بيّوض على الآية، وتوضيحه للألفاظ المشار إليها المصدر السّابق، ص: 323 ما بعدها ... (1/22)
صفحة 22
يوم الممات، فهو الذي وهب لهم الحياة والوجود، وكلّ ما يتمتّعون به من نعمٍ، في أبدانهم ونفوسهم وعقولهم وأموالهم وأهليهم." (1)
إنّ المعاني والأبعاد التي يقف عليها من يقرأ تفسير الشّيخ بيّوض للجملة (إنّ الذين قالوا ربّنا الله ... ) تتوفّر له وتتأتّى؛ ثمرة ونتيجة للمنهج الذي اتّبعه الشّيخ في توضيح الدّلالة، وتصحيح الخطأ في استيعاب المفهوم، ثمّ الاهتداء بعد ذلك إلى السّلوك الصّحيح، وتطبيق ما تدعو إليه الجملة في الآية القرآنيّة.
5 – ربط الاستقامة بالعقيدة. بيّن الشّيخ بيّوض معنى الاستقامة ودلالاتها، وسرد بعض الآيات التي وردت فيها الاستقامة بمختلف صبغها، وعلق عليها، كما عرض ما جاء عن النّبيّ - صلى الله عليه وسلم -، وذكر مجموعة من التّفسيرات لها، نقلا عن بعض الصّحابة والعلماء والمفسّرين للقرآن الكريم ... وكان يربط الدّلالات بما تفرزه من نتائج، ترتبط بالعقيدة ..
ممّا ورد في تفسيره وتعليقاته: " ... الاستقامة: ضدّ الاعوجاج. تقول هذا طريق مستقيم مباشر، لا اعوجاج فيه ولا التواء، وهذا طريق معوجّ، فيه التواءات إلى جهة اليمين أو جهةة اليسار، وكلّ النّاس يفهمون معنى الاستقامة ...
فمعن قوله: (ثمّ استقاموا) أنّهم ساروا على الصّراط المستقيم الذي شرعه الله. وفي تفسير الاستقامة وردت كلمات عدبدة عن الصّحابة والعلماء ...
وقال القرطبي (اعتدلوا في طاعة الله: عقيدة وقولا وعملاً)، وهذا هو الحقّ، وهذا هو دين الله القويم؛ لأنّ الاستقامة عقيدة في القلب وقول باللّسان وعمل بالأركان، أي بالجوارح. ومن كلّ هذا يعجبني قول سيّدنا عمر، عندما قرأ (إنّ الذين قالوا ربّنا الله ثمّ استقاموا)، قال: (استقاموا لله بطاعته، لم يروغوا كما يروغ الثّعلب)، وإنّها لكلمة في غاية الحلاوة .. ,.
فالدّين كلّ الدّين في الاستقامة. فاسلك طريقًا واحدًا مستقيمًا؛ لأنّ الحقَّ لا يتعدّد، والباطل له أبواب ونوافذ كثيرة، لا تعدّ ولا تحصى، فالمبطل إذا قبضته من جهة، فإنّه يهرب من جهة أخرى، وأمّا المستمسك بالحقِّ فإنّه يتقبّل الحقّ إذا ذُكِّرَ ... فالمستقيم هو الذي يقول: (ربيّ الله) ثمّ يحسن العمل، وليس العمل، وليس الذي يقول: (ربِّي الله)، ثمّ يعصي ما امر الله ... " (2)
__________
(1) - في رحاب القرآن، ج16، (تفسير سورتي غافر فصّلت)، المطبعة العربيّة، غرداية، الجزائر، نشر جمعيّة التّراث، القرارة، الجزائر، 1428ه/ 2007م، ص: 468، 469.
(2) - ينظر المصدر السّابق، ص: 468 – 473. (1/23)
صفحة 23
استفاض الشّيخ بيّوض في تحليل مضمون كلمة الاستقامة، وفي توضيح معنى جملة (ربِّنا الله ثم استقاموا)؛ مبيّنا دلالاتها، وشارحا مغازيها، رابطَا وقارنًا بين دلالات الاستقامة والتّفسيرات التي قدّمت عنها، والأبعاد التي تحملها ... رابطًا كلّ ذلك بالعقيدة ..
6 – لا منهج في باب العقيدة إلاّ منهج القرآن: يرى الشّيخ بيّوض أنّه مادام موضوع العقيدة الإسلاميّة هو (الغيب)، الخارج عن المشاهدة، والعصيّ عن الإدراك الحقيقي الصّحيح، وما دامت سلامة العقيدة تشترط اليقين في التّصوّر، والقطع والتّصديق، من دون إخضاع ذلك للعقل القاصر عن معرفة الحقيقة. كان لابدّ من اللّجوء إلى المصدر الذي يتكفّل بالقيام ببثّ اليقين، وزرع الطّمأنينة في القلب، محلِّ الاعتقاد، فالعقيدة ليست كالأشياء الماديّة والمحسوسة، التي تخضع للعقل، ويحتكم النّاس إليه لتصوّرها، وتقدير قيمتها، وبَعْدَها الاستجابة لما تشير به، أو تدعو إليه. فالعقيدة لا يصلح لضمان سلامتها من الزّيغ والانحراف سوى الوحي الصّادق، الذي جسّده القرآن الكريم: "لا منهج في باب العقيدة إلاّ منهج الله تعالى في كتابه الكريم." (1)
هذا التّحديد لمصدر استقاء العقيدة، ومعرفة حقيقتها وتشرّبها، يؤصّل وصف القرآن الكريم بأنّه كتاب عقيدة، ويؤكّد سلامة منهج الشّيخ بيّوض في درس العقيدة؛ باعتماده على القرآن أساسًا في عمليّة العرض.
7 - عدم إلزام المؤمن اعتقاد رأي معيّن، يعدم الدّليل القاطع: منهج الشّيخ بيّوض يقوم على التّحديد والتّأسيس والتّأصيل للعمل الصّحيح، في هذا السّبيل يشدّد على عدم إلزام المؤمن اعتقاد رأي ليس فيه دليل قاطع، كما ينكر تخطئة من اعتقد رأيًا مخالفًا، من دون دليل قاطع أيضًا؛ حرصًا منه على تحصين العقيدة من الانزلاقات والولوج بها في التّرهات والزّج بها في المتاهات، فهو يردّد في المسائل التي هي من هذا النّوع: المسألة ليست مسألة اعتقاديةّ. سجّل هذا القول وهو يعرض وجهات نظر بعض المفسّرين والعلماء في مسألة تفضيل بني آدم على كثير من مخلوماته، كما ورد في قوله تعالى: {ولقد كرّمنا بني آدم ... وفضَّلناهم على كثير ممّن خلقنا نفضيلاً} (الإسراء/ 70).
بعد أن ذكر الفرق بين التّكريم والتّفضيل .. وفصّل في مفهوم خلافة الإنسان الله في الأرض، وما قدّمه العلماء في دلالة الخلافة ... كما جاءت في الآية: 30 من سورة البقرة .. قال: " ... ولا يمكن أن يعتقد في شيء من هذا، إلاّ إذا كان هنالك دليل، ولا دليل قاطع على أنّ الملائكة خير من بني آدم، أو
__________
(1) - في رحاب القرآن، ج9، (تفسير سورة العنكبوت)، المطبعة العربيّة، غرداية، الجزائر، نشر جمعيّة التّراث، القرارة، الجزائر، 1422ه/ 2001م، ص: 105. (1/24)
صفحة 24
أنّ بني آدم خير منهم. هنالك بعض أشياء، قد يستند إليها كلٌّ من الفريقين، ويحتجُّ بها، ولكنّها كلَّها فابلة للنّقد. ومن الغريب في الأمر أنْ يكفّر بعضهم بعضًا، ويلعن بعضهم بعضًا في سألة ليست اعتقاديّة. " (1)
مثال ذلك - أيضًا – ما عَرَضَ له الشّيخ بيّوض في مسألة عَرْضِ الأمانة على السّموات والأرض والجبال والإنسان، فبعد أن سرد بعض الرّوايات التي فصّلت القول في الموضوع، تحرّج وتوقّف عن تصديقها، وأرشد إلى عدم الخوض في مثل هذه المسائل والمغامرة بالرّأي الذي قد يقوّل على الله ما لم يقل. فالابتعاد عن التّأويل أسلم، إلاّ إذا جاءنا شيء عن طريق الوحي. قال السّيخ بيّوض في شأن هذه الأمانة، وهي غيب: "ولكنّ هذه الأمور كلّها غيبيّة، والأمور الغيبيّة لا يقال فيها بالرّأي، فلو ثبت عن النّبيء - صلى الله عليه وسلم - شيء صحيح لقبلناه على الرّأس والعين، ونفوّض الأمر إلى الله، ولكن ليس هناك تفسير عن النّبيء - صلى الله عليه وسلم - عن هذا العرض، ولا عن زمانه، ولا عن كيفيّته، فكلّ ما قاله النّظّار في القرآن والمفسّرون، من عهد الصّحابة رضي الله عنهم إلى اليوم، كلّه تخمين. وإذا كان الأمر كذلك يكون الرّاجح هو الرّجوع إلى التّمثيل." (2)
كثيرُا ما يردّد الشّيخ بيّوض عبارات في هذا المعنى، كقوله: " ... وعلى كلّ فهذا أمر غيبي، ليس لنا عليه دليل ... " (3). وقوله: " ... وإذن لا يدرك أمر الدّين إلاّ بالوحي" (4) ...
أكّد على هذا المعتقد في تعليقه على ما روي عن حقيقة عذاب أبي طالب، وما تنال نار جهنّم منه، سرد الرّواية التي نصّت على أنّه أقلّ أهل النّار عذابًا يوم القيامة؛ إذ يقف في ضحضاح من النّار، يغلي بها دماغه أبد الآبدين، قال: " ... فكان جزاؤه أن يخفّف الله تعالى عنه العذاب، لا أن يرفع عنه العذاب؛ لأنّه مات مشركًا، هذا ما ورد، والعلم عند الله، وليس هذا بالعقيدة التي يجب أن نعتقدها، وإنّما الذي نعتقده أنّ أصحاب النّار هم دركات، وعذابهم متفاوت، كما أنّ أصحاب الجنّة درجات، ونعيمهم متفاوت. وهذا هو العدل المطلق، وهذه هي موازين القسط التي قال عنها الله تعالى ... " (5)
__________
(1) - في رحاب القرآن، ج1، (تفسير سورة الإسراء) ط2، المطبعة العربيّة، غرداية، الجزائر، نشر جمعيّة التّراث، القرارة، الجزائر، 1430هـ/ 2009م، ص: 74. ينظر تفصيل الشّيخ بيّوض في المسألة وبسطها وتحليلها، المصدر السّابق، ص: 71 – 81.
(2) - في رحاب القرآن، ج12، (تفسير سورتي السّجدة والأحزاب)، المطبعة العربيّة، غرداية، الجزائر، نشر جمغيّة التّراث، القرارة، الجزائر، 1424ه/ 2003م، ص: 695. ينظر نماذج من هذه التّنبيهات الفكر العقدي عند الشّيخ بيّوض، ص: 80.
(3) - في رحاب القرآن، ج19، (تفسير سورة الفتح)، ص: 244.
(4) - المصدر السّابق، ص: 246.
(5) في رحاب القرآن، 18، (تفسير سور الدّخان ـ الجاثية ـ الأحقاف ـ محمد)، المطبعة العربيّة، الجزائر، نشر جمعيّة التّراث، الفرارة، الجزائر، 1430ه/ 2009م، ص: 331. (1/25)
صفحة 25
في تناوله " القول بخلق حوّاء من ضلع آدم"، بيّن أنّها مسألة ظنيّة، لا ترقى إلى اليقين والاعتقاد. ومسألة خلق آدم من تراب، كما وردت في كثير من آيات الذّكر الحكيم. يقول الشّيخ بيّوض: " ... هذا ما يجب أن نقوله؛ حتى لا يعتمد أحد بعض الرّوايات – وإن اشتهرت - ويعتقدها، حتّى لا ينكر من خالفها، أو قال بغيرها. والخطر كلّ الخطر إذا وصل إلى حدّ التّكفير والتّفسيق والتّضليل." (1)
هذه الملاحظة مهمّة؛ إذ أنّها:
1 - تنبّه إلى تجنّب الاشتغال بما لا طائل منه، ولا فائدة فيه ..
2 – تدعو إلى التّحرّي في تقبّل الأخبار، ونقد الرّوايات.
3 – تفرّق بين ما هو عقيدة، يجب التّمسّك والالتزام به، وما ليس عقيدة، مرتبته في التمسّك به لا ترقى إلى مستوى العقيدة الحقيقيّة.
4 – تعين على تصفية العقيدة من الشّوائب، وصيانتها من العبث والتّلاعب وتوجيهها الوجهة غير الصّحيحة، وهو ما أفسد على النّاس دينهم، وحرّف سلوكهم.
5 – تساعد في المحافظة على وحدة المسلمين، وعدم الانزلاق إلى التّفسيق والتّكفير، اللّذين هما نتيجة مباشرة للزّيغ في العقيدة، والجهل بأحكام الله، وعدم فقه أسرار الشّريعة.
بذلك يكون الشّيخ بيّوض قد أصاب في منهجه في عرض العقيدة، ومنحه قوّة وأهميّة وقيمة، وقد أعانه هذا المنهج على القيام بعمله الإصلاحي أحسن قيام، أو على الأقلّ حقّق به كثيرًا ممّا خطّطه في دربه الإصلاحي.
ذكر الأستاذ حمّو الشّيهاني بعض الموضوعات ومسائل الغيب التي توقّف الشّيخ بيّوض عن رواية تفاصيلها، وكان نقله لها بقصد الرّدّ عليها، والتّنبيه إلى عدم الخوض فيها، وعدم البقاء أسير ما روي: الصّور الذي ينفخ فيه (2)، واللّوح المحفوظ (3)، والمستثنون من الصّعق عند النّفخة الأولى (4)،وتفاصيل حياة الجنّ، وطرق صعود الشّياطين إلى السّماء وتلقّيهم الأخبار عن الملائكة ... (5)
__________
(1) - في رحاب القرآن، 15، (تفسير سورتي ص والزّمر)، المطبعة العربيّة، غرداية، نشر جمعيّة التّراث، القرارة، الجزائر، 1427 ه/ 2006م، ص: 221.
(2) - في رحاب القرآن، ج14، (تفسير سورتي يس والصّافات)، المطبعة العربيّة، غرداية، الجزائر، نشر جمعية التراث، القرارة، الجزائر، 1426ه/ 2005م، ص: 210.
(3) - في رحاب القرآن، ج4، (تفسير سورتي الأنبياء والحجّ)، المطبعة العربيّة، غرداية، الجزائر، نشر جمعيّة التّراث، القرارة، الجزائر، 1417ه/ 1997م، ص: 279
(4) - في رحاب القرآن، ج15، (تفسير سورتي ص والزّمّر)، المطبعة العربيّة، غرداية، الجزائر، نشر جمعيّة التّراث، القرارة، الجزائر، 1427ه/ 2006م، ص: 486. وفي رحاب القرآن، ج8، (تفسير سورتي النّمل والقصص)، المطبعة العربيّة، غرداية، الجزائر، نشر جمعيّة التّراث، القرارة، الجزائر، 1421ه/2000م، ص: 207، 208.
(5) - في رحاب القرآن، تفسير سورة الكهف، مطبعة النّخلة، الجزائر، نشر جمعيّة التّراث، القرارة، الجزائر، 1994، ص: 225. و ج7، تفسير سورتي الفرقان والشعراء، المطبعة العربية، غرداية، نشر جمعية التراث، الفرارة، الجزائر، 1420هـ/ 1999م، ص: 466، 467. (1/26)
صفحة 26
وكيفيّة شهادة الرّسول - صلى الله عليه وسلم - على أمّته (1) ... وكان يعلّل ذلك بمثل قوله: "فالأمر كبير جدًّا والمقام خطير، وهو مَزَلّة أقدام، ولا يمكن أن يقال في هذه المواطن بالرّأي، بل لا يجوز؛ لأنّه غيب مطلق، لا يعتمد فيه إلاّ على صريح الكتاب، أو صحيح السّنّة، والإنسان إذا جاء إلى بعض المقارنات في مسألة هذه الشّهادة، فإنّه يقف حائرًا، لا تطمئنّ نفسه إلى معنى صريح.
فلنفوّض الأمر في مسألة هذه الشّهادة إلى الله تعالى، فنؤمن بما ورد في القرآن كما ورد بأنّ الرّسل شهداء على أممهم، ورسولنا شهيد علينا، أمّا الكيفيّة فأمرها إلى الله تعالى وحده، والسّلامة كلّ السّلامة في هذا، ولا يتوقّف على عجزنا عن فهم معنى هذه الشّهادة - إذا سلّمنا فيها الأمر إلى الله – أعمال مفروضة، لا صلاة ولا صيام ولا زكاة [ولا تحليل ولا تحريم] " " (2)
كان هذا التّعليق على ما هو المقصود من شهادة كلّ رسول أمام الله تعالى للمؤمنين المصدّقين برسالته، وعلى الكافرين والمنافقين المكلّفين المكذّبين، بحسب أعمالهم، وجاء – أيضًا - بعد أن عرض الإشكال الآتي: هل يشهد الرّسول - صلى الله عليه وسلم - لمن كان معه من الصّحابة في زمانه؟ وعلى المشركين والمنافقين في حياته؟ على أمّته كلّها إلى قيام السّاعة؟ إلى غير ذلك من الأسئلة التي عجز العلماء عن إيجاد أجوبة شافية لها ...
بقيّة الرّسل أيضًا ذكر الله - عز وجل - أنّهم ينفون علمهم بأحوال أقوامهم؛ من حيث الإجابة والرّفض لما بلّغوهم إيّاه: " فالله تعالى يجمع الرّسل، من شيخ المرسلين نوح - عليه السلام -، ومن قبله، إلى خاتم النّبيئين محمّد - صلى الله عليه وسلم -، فيسألهم: بماذا أجابكم قومكم؟ هل صدّقوكم واتّبعوكم؟ هل أجابوا بالقبول أم بالرّفض؟ فيقولون: {لا عِلْمَ لَنَا إنَّكَ عَلاّمُ الغُيُوبِ} (المائدة:109). وحقيقةً، هذا أمر أوقع إشكالاً كبيرًا في المقارنة بين الآيات، فالرّسل من جهة هم شهداء على أممهم، وسيسألون عنها، وهم من جهة أخرى إذا سئلوا يقولون: (لا علم لنا) " (3)
__________
(1) - في رحاب القرآن، ج12، (تفسير سورتي السّجدة والأحزاب)، ص: 409.
(2) -. في رحاب القرآن، ج12، (تفسير سورتي السّجدة والأحزاب)، ص: 409.
(3) - المصدر السّابق، ص: 408، 409. (1/27)
صفحة 27
بعد أن عرفنا كيف كان يحدّد الشّيخ بيّوض المصطلحات التي كان يتعامل معها، وتقديم الدّلالات التي تحملها، انتهينا إلى أنّ بعض هذه الدّلالات قد تكون عصيّة على الإدراك، ما يدعو إلى عدم الخوض فيها، ويجب تفويض الأمر فيها إلى موجدها وخالقها، والمتصرّف فيها بإرادته ومشيئته – هذا هو الأساس في التّحلّي بالإيمان الصّالدق، والتّخلّي عمّا يخدش العقيدة -، وهذا هو الدّرس المستفاد من الدّرس العقدي أو من عرض العقيدة .. بعد ذلك نسأل عن مرتكزات الشّيخ بيّوض في منهجه في عرض العقيدة؟
مرتكزات الشّيخ بيّوض في منهجه
يمكن للدّارس أن يقف بكلّ سهولة على المرتكزات التي يستند إليها منهج الشّيخ بيّوض في درس العقيدة. هو لم يعلن عنها، ولم يخطّط لها – كما يبدو -، وقد جاءت عفويّة، وبشكل تلقائي. فهذه المرتكزات هي ممّا يجب أن يوليها الأهميّة الكاملةَ المتناولُ العقيدة، والذي يهدف إلى التّربيّة الصّحيحة، والتّنشئة السّويّة. كما أنّه لن يتمكنّ من الاهتداء إليها، وتوظيفها أحسن توظيف إلاّ الماهرُ المتمكّن علميًّا وتربويًّا.
إنّ حذق الشّيخ بيّوض عمليّة تقديم العقيدة، وامتلاكه منهجًا واضحًا في ذلك- باهتدائه إلى نقط الارتكاز في هذا السّبيل- نابعان من طبيعة شخصيّته الإصلاحيّة التّربويّة، التي تبحث في المجالات التي يجب إصلاحها، والوسائل النّاجعة في الإصلاح الشّامل، والتّربيّة الصّحيحة. فكانت العقيدة الحجرة الأولى في هذا العمل الكبير، وكانت المحور الذي دارت عليه العمليّة التّربويّة عنده. له في هذا المنهج مرتكزات، فما هي هذه المرتكزات؟
1 – التّركيز على إرادة الله ومشيئته وقوّته (1/28)
صفحة 28
في تعليق الشّيخ بيّوض على قوله تعالى: { ... وللّه جُنُودُ السّمَواتِ والاَرْضِ وكانَ اللهُ عليمًا حَكِيمًا} (الفتح: 4) وعلى قوله: {وللّه جُنودُ السَّمَوَاتِ والاَرْضِ وَكَانَ اللهُ عزيزًا حكيمًا} (الفتح:7) , وفي بيانه الفرق بين (عليمًا حكيمًا، وعزيزًا حكيمًا) قال: " ممّا يدخل في علم الله تعالى دخولاً أوّليًّا أنّه يعلم حيث ينزل سكينته، كما يعلم حيث يجعل رسالاته، فهو وحده يعلم القلب الذي يستحقّ أن ينزل عليه سكينته، حتّى يعيش مطمئنًّا مستسلمًا لأمر الله، راجيًا ما عنده، وقواعد الإسلام أربع: العلم والعمل والنّيّة والورع، وأركانه أربعة: الاستسلام لأمر الله، والرّضا بقضاء الله، والتّفويض إلى الله، والتّوكّل على الله، وإنّها لأركان حقًّا" (1).
" عقّب الله تعالى بهذه الآية الكريمة (رقم: 7) إثر الكلام على تعذيب الكفّار والمنافقين الظّانين بالله ظنّ السّوء، الذين قالوا: إنّ الله لن ينصر عبده ووليّه محمّدًا - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، ولن يهزم أعداءهم. ولكنّه نصرهم نصرًا مؤزًّرًا، فهذا المقام مقام عزّة؛ ولذلك قال: {وكان الله عزيزًا حكيمًا} ... قرن الحكمة مع العليم أوّلا، ثمّ قرنها مع العزيز ثانيًا، فالله تعالى قويّ حكيم، يضع الأشياء في مواضعها، يعلم من يستحقّ النّصر فينصره، ومن يستحقّ الكسر فيكسره، وكلّ شيء بقضائه وقدره، ولكنّ القضاء والقدر يجريان بالحكمة، فلا شيء من أمر الله يحدث صدفة واعتباطًا، وإن كانت الأشياء تبدو لنا نحن وكأنّها تقع مصادفة؛ لأنّنا لا نرى إلاّ أسبابها الظّاهرة، وأمّا حقائقها فنجهلها، ولا نعلم عنها شيئًا." (2)
الغاية من درس العقيدة هو ترسيخ الإيمان في القلب، لينتج عملاً صالحًا، وسلوكًا طيّبًا؛ لذا كان منهج الشّيخ بيّوض في عرض العقيدة يرتكز على الوحدانيّة، وبيان مفهومها، والتدرّج مع المخاطب إلى أن يصل معه إلى إدراك حقيقتها. هده العمليّة تبلغ به إلى الاعتراف بقدرته المطلقة، ثمّ تنتقل به إلى تفويض الأمر إليه، والخضوع لإرادته ... قال الشّيخ: "والغرض من التّفكير في خلق الله، هو الوصول إلى الحقيقة الكبرى، إلى حقيقة الحقائق، وهي أنّ لهذا الكون - علويّه وسفليّه، وللمخلوقات جميعها – خالقًا مدبّرًا حكيمًا واحدًا لا شريك له. مريدًا فعّالاً لما يريد، عليمًا بكلّ شيء؛ لأنّه خالق كلّ شيء {ألاَ يعلمُ من خلقَ وهو اللّطيف الخبير} (الملك/ 14" (3)
تفويض الأمر إلى الله من شروط الإيمان، لذا لمّا تعجّب الصّحابة من قوله تعالى: { ... الذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إلى جَهَنَّمَ ... } (الفرقان: 34) وسألوا الرّسول - صلى الله عليه وسلم - عن كيفيّة مشي الأشقيّاء على
__________
(1) - في رحاب القرآن، ج19 (تفسير سورة الفتح)، ص: 235.
(2) - المصدر السّابق، ص: 238، 239.
(3) - في رحاب القرآن، ج18، (تفسير سور: الدّخان ـ الجاثية ـ الأحقاف ـ محمّد)، ص: 173. (1/29)
صفحة 29
وجوههم، إذ بدا هذا غريبًا، قال لهم: " الذي قدِرَ أن يمشِّيهم على أرجلهم قادرٌ أن يمشِّيهم على وجوههم " (1) أي إنّ الله قادر على كلّ شيء، فلا غرابة فيما نصّ عليه، أو أورده في الآية.
أجاب الإجابة نفسها، حين سأل الصّحابة النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - السّؤال ذاته، حول قوله تعالى: {يوم يسحبون في النّار على وجوههم ذوقوا مسَّ سقر} (القمر/ 48)، ثمّ قال: " الجواب بسيط جدًّا، القصد به تفويض الأمر إلى الله. ولنقل مثل هذا، ولنفوّض الأمر إلى الله تعالى" (2)
يعلّمنا الشّيخ بيّوض درسًا؛ بدعوته لنا وجوبَ التّسليم بما ورد من أخبار عن عالم الغيب، وإن خالفت مألوف النّاس في حياتهم ومشاهداتهم ... ؛ لأنّ قوّة الله لا حدود لها، وإرادته ليس لها رادّ، ومشيئته لا منقض لها، فما على المؤمن إلاّ أن يفوّض الأمر إلى صاحب القوّة والإرادة والمشيئة فيما جاء عن دليل قطعي، عن طريق الوحي. عقّب ووضّح الشّيخ بيّوض إخبارَ الله - عز وجل - بأنّ المؤمنين يتحلّون يوم القيامة بأساور من ذهب قائلاُ: "فلا ننكر إذن هذا لأنّنا لم نفهمه، أو لم نألفه، وأحكام تلك الدّار ليست كهذه" (3)
علّق الأستاذ صالح حمدي على المقدّمة التي قدّم بها الشّيخ بيّوض تفسيره سورةَ القصص بقوله: "وجّه الشّيخ في هذه المقدّمة العقول إلى تدبّر المحور الذي تدور حوله السّورة؛ مستنتجًا إيّاه ممّا جاء فيها من آيات، خاصّة قصّتي فرعون وقارون، اللّتين استغرقتا حيّزًا لا بأس به من السّورة. هذا المحور هو موضع الاعتبار والادّكار، إنّه ترسيخ الإيمان بالقدرة الإلهيّة، ونفوذها المطلق في الكون، والتّذكيرُ بهذه الوحدة الموضوعيّة للسّورة له أثر بالغ في إجلاء وتثبيت قضايا العقيدة، وقضايا الإسلام (؟) عامّة." (4)
2 – التّركيز على الإيمان قاعدة في المنهج
قاعدة الإيمان إحدى مرتكزات منهج الشّيخ بيّوض في عرض العقيدة، فالإيمان هو الذي يبعث على إقرار الوحدانيّة لله، ويدعو إلى تفويض الأمر إليه, كما يضمن اتّزان شخصّيّة المؤمن في الحياة. إنّه رأس مال المؤمن، فمن ضيّع إيمانه، خسر خسرانُا مبينًا، خسر آخرته التي إليها مآبه ومآله ومثواه الأخير والدّائم. هو مثل التّاجر، إذا خسر رأس ماله خسر كلّ شيء. بيّن الشّيخ هذا المعنى عند تفسيره قوله تعالى: { ... والذِينَ آمَنُوا بِالبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِالله أُولَئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ} (العنكبوت: 52) وصف الله الكافرين بالخاسرين؛ لأنّهم خسروا رأس المال: "ورأس المال هو إيمانك، والرّبح الأوّل للإنسان المكلّف
__________
(1) - في رحاب القرآن، ج7، (تفسير سورتي الفرقان والشّعراء)، ص: 124. ينظر صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب قوله تعالى: (الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنّم)، حديث 4482، 4/ 1784. والطّبري، جامع البيان، مج8، ج19، ص: 9 ..
(2) - في رحاب القرآن، ج2، (تفسير سورة الكهف) ط2، ص: 259.
(3) - في رحاب القرآ ن (تفسير سورة الكهف)،، ص: 175. ينظر الفكر العقدي، ص: 88.
(4) - مسائل الإيمان بالله تعالى عند الإمام بيّوض، ص: 66. (1/30)
صفحة 30
إنّما هو إيمانه دائمًا، ومن احتفظ برأس ماله لا يسمّى خاسرًا ... ولما كان الإيمان هو رأس المال، فإنّ كلّ من كفر فهو خاسر؛ لأنّه ضيّع رأس ماله الأوّل الذي يثبت بقاءه في النّعيم يوم القيامة." (1)
يقول حمّو الشّيهاني: "إذا كان المبدأ الإيماني هو الدّافع لقيام الشّيخ بيّوض بعمله الإصلاحي، فإنّ انطلاق العمليّة الإصلاحيّة من ترسيخ الإيمان في القلوب يشكلّ الوسيلة الفعّالة لتحقيق هذا الإصلاح، ذلك لأنّ إصلاح المجتمع يستلزم إصلاح أفراده؛ باعتبارهم لبناته الأولى التي يقوم عليها بنيانه، ومفتاح الصّلاح النّفسي والخلقي لهؤلاء الأفراد شيء واحد هو الإيمان (2) وقد اهتدى الشّيخ بيّوض للانطلاق من القاعدة الإيمانيّة في مختلف مجالاته الإصلاحيّة، معتقدًا ضرورة هذا المنهج، إذ يقول: "كان لزامًا علينا أن نعود، فنبدأ بما بدأ به الرّسل إلى الدّعوة إلى الإيمان، وتقريره في القلوب من جديد، [وتحصين القلوب من ان يتطرّق إليها شكٌّ، يتحوّل إلى بعد ذلك إلى إلحاد صريح .... ] (3) لأنّ الإيمان الصّحيح إذا رسخ في القلب فاض في واقع الحياة، وتجلّى في كلّ المجالات." (4)
إنّ قاعدة الإيمان مرتكز مهمّ في منهج الشّيخ بيّوض، يُكثر الحديثَ عنه، إمّا للتّأسيس لعمله التّربوي والإصلاحي، أو للتّأصيل لنشاطه وحركته، أو للإقناع بأهميّة هذا الجانب وضرورته، أو لبيان أنّه العنصر الأساس في إنشاء الحياة المستقرّة السّويّة، أو للتّذكير بما قد يُنسى، أو للتّنبيه إلى أخطاء تنجم من سوء فهم قضايا الإيمان، أو الانحراف في توظيف الإيمان في السّلوك.
يطيل الشّيخ الحديث في قضايا الإيمان بخاصّة، إذا أحسّ فيها من مخاطبيه الشّكّ؛ تأثّرًا بالأفكار الوافدة، وقد يصرّح الشّيخ بهذه الطّريقة. من ذلك قوله، بعد طول بيان في موضوع (تزيين سوء العمل للإنسان): "هكذا إنّما أطلت في هذا البيان لنحذر من طبقة الملاحدة، وطبقة الشّباب المنحرفين، الذين يحسبون أنّهم يحسنون صنعًا؛ بإنكار الألوهيّة، وإنكار البعث، وبالسّخريّة من شعائر الدّين، ومن المتمسّكين بها، ويظنّون أنفسهم العقلاء، وغيرهم الجهلة المغفّلين، إذ لا يؤمنون بما لا يرون، ويصدّقون بما لا حقيقة له. على أنّ الله تعالى وصف المؤمنين أوّل ما وصفهم بقوله: {الذِينَ يُومِنُونَ بِالغَيْبِ ... } (البقرة:3)؛ لأنّ ما في العالم من الغيوب شيء لا يُعدُّ ولا يُحصى ... " (5)
ما يؤكّد أهميّة قاعدة الإيمان وكونها مرتكزًا أساسًا في منهج الشّيخ بيّوض، أنّه كان يحرص على استخلاص العبر من القصص القرآني، الذي يحكي عن الأنبيّاء والرّسل، ولا يغفل عن توجيه الأنظار إلى
__________
(1) - في رحاب القرآن، ج9، (تفسير سورة العنكبوت)، ص: 228، 229.
(2) - الدّكتور بوسف القرضاوي، الإيمان والحباة، ص: 318.
(3) - في رحاب القرآن، ج11، (تفسير سورة لقمان)، ص: 177.
(4) - الفكر العقدي عند الشّيح بيّوض، مرجع سابق، ص: 294.
(5) - في رحاب القرآن، ج 18، (تفسير سور الدّخان ـ الجاثية ـ الدّخان ـ الأحقاف)، ص: 485. (1/31)
صفحة 31
مواطن الإيمان في مواقفهم؛ قصدًا إلى إصلاح النّفوس، وتهذيب الطّباع، وتقوية الرّوابط بالعروة الوثقى، وتمتين العلاقة بالرّبّ الخالق الجبّار ... يقول صالح حمدي: " ... فكان الشّيخ كلّما تطرّق إلى قصّة نبيّ من أنبيّاء الله تعالى، أو وليّ من أوليائه، إلاّ وأردفها ببيان رسوخ إيمانهم، وشدّة صلتهم بربّهم، وحسن توكّلهم عليه؛ ممّا أثمر فيهم سلوكًا قويمًا" (1)
نسجّل في هذا الموضوع الملاحظة الآتيّة: إنّ الشّيخ بيّوض تمكّن من التّنبيه إلى أشياء خفيّة ودقيقة في موضوع العقيدة وحقيقتها؛ لترسيخ الإيمان في القلب، وتثبيت صفة التّذلّل والخضوع لله، وإبراز وحدانيّة الله وتفرّده بالعظمة، من خلال التّصرّف المطلق في خلقه، والتّفرّد بحكمة تسيير الأمور، وجعل ما يشاء في الدّنيا، وما يريد في الآخرة. يمكن إدراك هذه الملاحظة؛ بالرّجوع إلى تفسيره أوّلا، ثمّ دروسه وتوجيهاته وفتواه ثانيًّا .. وقد تكون له خصوصيّة في هذا المجال .. وربّما أساء فهمه بعض الذين لم برتفعوا بعقولهم إلى مستوى من الفهم العالي لحقائق الإسلام .. أو لأنّ بضاعتهم فيها ليس بالكبيرة والمؤصّلة .. أو لتفسير آخر، يرجع إلى طبيعة من ينتقده في بعض تحليلاته واجتهاداته ...
عن عدل الله المطلق في الآخرة وبيان أثر الإيمان به، عقّب الشّيخ بيّوض على قول الله تبارك وتعالى وهو يعرض حال الكفّار يوم القيامة، بعد أن رأوا مصيرهم: {وَلَوْ شِئْنَا لأَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ القَوْلُ منِّي لأَمْلأَنّ جَهَنَّمَ مِنَ الحِنَّةِ والنَّاسِ أَجْمَعِينَ} (السّجدة: 13)
"وقبل أن يجيبهم الله تعالى الجواب المسكت المفحم، عجّل بكلمةٍ، أظهر فيها سلطانه وقهره وجبروته، وأنّ كلّ شيء يكون بإرادته، إذ ربّما يسبق إلى ذهن إنسان أنّ الكفرة عصوا ربّهم – حاشاه – رغمًا عنه، وأنّه لم يقدر على أن يحملهم على الإيمان، رغم قيام الحجج بإرسال الرّسل وإنزال الكتب، وتمييزهم بالعقل، مع ما في صدورهم من الفطرة، التي فطر النّاس عليها، ولهذا عجّل بقوله: {وَلَوْ شِئْنَا لأَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا ... }
لو شئنا لحملنا كلّ واحد على اتّباع طريق الهدى، ويجبر على ذلك جبرًا، ولكنّ حكمة الله اقتضت أن يخلق خلقًا مكلّفين، ويمكّنهم من الاختيار المطلق لما يريدون، ولكنّه يعلم ما سيختاره كلّ واحد منهم، ومن سيهتدي أو يضلّ، ولو شاء لانتزع من قلوبهم الشّهوات، فلا يكونون إلاّ مهتدين كالملائكة، ولو شاء لساقهم إلى ما يريد منهم بالغريزة والإلهام كالبهائم. فكثيرًا ما يفهم البعض هذا المفهوم، وكأنّ فيه نوعًا من الظّلم، ولكنّه يستسلم على أنّ هناك ما يمكن أن تطمئنّ إليه النّفس من التّعليل ...
__________
(1) - مسائل الإيمان بالله تعالى عند الإمام إبراهيم بن عمر بيّوض، ص: 55. (1/32)
صفحة 32
بعد هذا عاد إلى الكلام على هؤلاء الكفرة، فقال: {فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إنَّا نَسْينَاكُمْ فَذُوقُوا عَذابَ الخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} (السّجدة: 14)." (1)
3 – القلب مناط الإيمان
الإيمان الذي جعله الشّيخ بيّوض قاعدة مهمّة، وركيزة رئيسة في منهجه في الدّرس العقدي، محلُّه القلب، لذا اهتمّ به، وقدّم فيه بعض الإضاءات والإيماءات؛ ممّا سمح لنا أن نعدّه أحد مرتكزاته في منهجه. يقول الشّيخ: "والقلب الذي يأمر وينهى هو سلطان الجسد، وهذه حقيقة لا يُشكّ فيها، ولا أحد يستطيع أن يصدم هذه الآيات، أو يردّ ما ورد في الأحاديث التي تجعل القلب مناط السّعادة والشّقاء، ومناط الهداية والضّلال ...
فالقلب هو سلطان الجسد إذن، هو الملك الذي يصدر الأوامر والنّواهي، هو المتصرّف تصرّفًا مطلقًا في الجسد؛ لهذا قال الله تبارك وتعالى: {مَّا جَعَلَ الله لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ في جوفه ... } (الأحزاب: 4). (2)
وَصْفُ الشّيخ بيّوض القلبَ بالسّلطان والملك، والمتصرّف التّصرّف المطلق في إعطاء الأوامر والنّواهي، يكشف مدى تقديره له، وهو ما يبرّر المكانة والدّور اللّذين أولاهما له في منهجه. إنّ الشّيخ أعطى للقلب هذه القيمة ممّا استوحاه واستلهمه وتعلّمه من تناول القرآن والسّنّة له، اللّذين عَدَّا صلاح الجسد والسّلوك من صلاح القلب.
تبدو لنا الأهميّة التي أعطاها الشّيخ بيّوض للقلب في النّقط الآتية:
أ – أهميّة القلب ودوره في احتضان العقيدة
بيّن الشّيخ بيّوض دور القلب في احتضان العقيدة، التي توجّه الإنسان الوجهة الصّحيحة، في أثناء تعليقه على الآيات التي تضمّنت دعاء سيّدنا إبراهيم - عليه السلام - (3) قال: " ... فهذا القلب السّليم لا نجد له نموذجًا حيًّا إلاّ أن يكون كقلب سيّدنا إبراهيم إخلاصًا ونقاءً، قلب حنيفي مسلم أُشرِب حبًّا لله، وامتلأَ بخشية الله في عقيدة راسخة صحيحة ... فهو لا يتوجّه لغير مولاه في الدّعاء والابتهال، ولا يبتغي الوسيلة إلى غيره في أيّ حال من الأحوال، هو القلب الذي يعتقد ويقول: {قُلْ إِنَّ صَلاتِي ونُسُكِي وَمَحْياي وَممَاتِي لله ربٍّ العالمِينَ} (الأنعام: 162) " (4)
__________
(1) - في رحاب القرآن، ج 12، (تفسير سورتي السّجدة والأحزاب)، ص: 80– 82.
(2) - المصدر السّابق، ص: 145، 146.
(3) - ينظر سورة الشّعراء، الآيات: 78 - 89.
(4) - الشّيخ إبراهيم بن عمر بيّوض، حديث الشّيخ الإمام ردًّا على بعض الشّبهات والأوهام، الحلقة الأولى، إعداد وتنسيق الشّيخ محمد بن إبراهيم سعيد (كعباش)، المطبعة العربيّة، غرداية، نشر جمعيّة النّهضة، العطف، غرداية، الجزائر، 1992م، ص: 17. (1/33)
صفحة 33
بيّن بهذا التّعليق والتّنبيه أنّ لسلامة القلب أثرًا كبيرًا في حياة الإنسان بكلّ جوانبها الماديّة والرّوحيّة، وبخاصّة ما تعلّق منها بتحلّي صاحبه بالإيمان الرّاسخ الصّحيح ..
ب – سلامة القلب وأثرها في الأعمال والسّلوك
قال الشّيخ بيّوض: " ... وما الإيمان والعمل الصّالح وأنواع الطّاعات والقربات إلاّ نتائج طبيعيّة لسلامة القلب، إذ لا تصدر عنه إلاّ الأعمال السّليمة الصّالحة، على عكس القلب المغشوش المليء بالخبث، فلا يمكن أن تسلم معه أعمال الجوارح، ولا أن تتّجه الوجهة الصّالحة، وصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حديثه الشّريف ... : (ألا وإنّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كلّه، وإذا فسدت فسد الجسد كلّه، ألا وهي القلب.) " (1)
ج – تطهير القلب من الخبث
قال الشّيخ منبّهًا من يخدع نفسه بالتّمويه والتنّصل من الالتزام بالعمل الصّالح، والاعتماد على طيبة قلبه، إنّ هذا تناقض سافر فاضح للحقيقة التي عليها صاحب هذه الدّعوى الباطلة: " ... فضلّ من يظنّ أو يقول: (إنّ قلبي طيّب)، وهو يعمل الشّرّ، فليستحِ مثل هذا من ربّه، وليستحِ الذين يقولون إذا عوتبوا على ارتكاب المعاصي: (إنّ قلوبنا طيّبة)، ألا ما أقبح هذه القلوب ...
لعمري إنّ هذا لهو الضّلال والمحادّة لله تعالى، فلتستحِ ولتستغفر الله، ولتتب إليه أفضل لك، لا أن تحاول أن تغطّي معاصيك التي لا تصدر إلاّ من قلب خبيث، بدعوى طيبة القلب ... فالقلب الطّيّب لا يجتمع إطلاقًا مع العمل الفاسد، وكلّ إناء بما فيه ينضح، ولا يمكن لزقّ عسل أن ينضح بالقطران، ولا بزقّ القطران أن ينضح بالعسل" (2)
د – القلب مدعاة للوحدة
علّق الشّيخ بيّوض على قوله تعالى: {مَّا جَعَلَ الله لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ في جَوفه ... } (الأحزاب:4) قائلاً: "والمراد من قوله تعالى أن يحملنا على الوحدة في كلّ شيء، فبما أنّ لكم قلبًا واحدًا، فيجب أن يتّحه القلب إلى وجهة واحدة، وهي وجهة الله الخالق جلّ جلاله، لا يخاف إلاّ الله، ولا يرجو إلاّ الله، ولا يتّبع إلاّ الله ... فالله واحد والقلب واحد وصراط الله واحد ... " (3)
__________
(1) -المصدر السّابق، ص: 18. قدّم الشّيخ بيّوض هذا التّعليق على ما تضمّنته الآية الكريمة: {إلاّ مَنْ أَتَى اللهَ بٍقلبٍ سليمٍ} (الشّعراء:89)، وعدّ الشّيخ السّلامة وصفًا لطيفًا للقلب، ينظر المصدر نفسه، ص: 16 – 19. الحديث الذي استشهد به الشّيخ ييّوض جزء من حديث رواه النّعمان بن بشير. يقول الرّسول - صلى الله عليه وسلم - في أوّله: " الحلال بيّن والحرام بيّن ... " البخاري، الجامع الصّحيح، كتاب الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه، حديث 52، ج1، ص: 28.
(2) - في رحاب القرآن، ج7، (تفسير سورتي الفرقان والشّعراء)، ص: 391، 392.
(3) - في رحاب القرآن، ج12 (تفسير سورتي السّجدة والأحزاب)، ص: 146. (1/34)
صفحة 34
نظرٌ حقيق، وفهم عميق، وتنبيه دقيق، وتوجيه هادف، واستثمار جيّد لكلام ربّ العالمين، هذا ما يمكن تسجيله في تحليل الشّيخ بيّوض لما ورد في الآية عن القلب ـ المتحكّم والموجّه لحياة الإنسان. تحليل لُبِّ ما حاء في الآية لِلُبِّ ما في جسد الإنسان، بَيَّنَ اللُّبَّ الذي تسعى كلّ التّشريعات الرّبانيّة إلى تركيزه في لُبِّ المؤمن، إنّه الوحدانيّة. هذا ما وصل إليه الشّيخ بيّوض من استقصاء القول في الآية، وهو تحليل وتفصيل لا يستطيعه، ولا يأتيه إلاّ من أوتي قدرة على النّفاذ إلى عمق الدّلالات، ومن يحذق الغوص إلى المعاني الدّقيقة. لِهذا البسط والتّحليل، عددنا القلب أحد مرتكزات الشّيخ بيّوض في منهجه في عرض العقيدة.
4 – التّركيز على المسائل العقديّة التي لها تأثير في السّلوك
ركّز الشّيخ بيّوض في درس العقيدة على المسائل التي تؤثّر في السّلوك، وبخاصّة ما يعين على الاستقامة وتصحيح المسيرة، والالتزام بشرع الله. نلاحظ في هذا السّياق أصالته في التّناول والمعالجة والتّوجيه؛ بالابتعاد عن اتّباع سَنَن من سبقه، إذا وجد عدم الجدوى في أساليب تناولهم الدّرس العقدي، أو رأى عدم استجابة المناهج المتّبعة لأهدافه الإصلاحيّة والتّربويّة، فهو كان يتّجه مباشرة إلى صلب الموضوع، ولا يبقى في حدود التّعريفات العقيمة، ولا يضيف إليها ما يعقّد من أساليب تلقين العقيدة، إلاّ ما يراه ضروريًّا، ويخدم العمليّة التّربويّة بما يناسب الظّرف، وينسجم مع مدارك المخاطبين.
قدّم الأستاذ حمّو ملاحظة مهمّة عن هذا المنهج: " ... ودعاه هدفه الإصلاحي إلى عدم التّقيّد بما انضاف إلى التّعريفات من قيود. فلم يؤلّف الشّيخ كتابًا في العقيدة لترتيب مسائلها، وضبط تحديداتها، وصناعة الرّدود على المخالفين فيها، إنّما كان هدفه الإصلاح الشّامل، توسّل إلى تحقيقه بتفعيل العقيدة، وتحريك الإيمان في القلوب؛ ليقينه بأنّ ذلك أحسن طريقة لتخطّي العقبات الكؤود، وتحطيم الحواجز الوهميّة، التي كان للتّراث العقدي دور كبير في نصبها، فحالت بين العبد وبين بلوغ العديد من مقاصد الدّين، منها الوحدة الإسلاميّة." (1)
هذه الملاحظة تبيّن جانبًا مهمًّا في منهج الشّيخ بيّوض في عرض العقيدة، وتفصح عن نقط الارتكاز في عمله، التي يتبنّى منهجًا وهدفًا في آن واحد، كما تبرز شخصيّته المتميّزة. وتسوق إرشادُا لطريقة التّعامل مع مسائل العقيدة، لتؤتي نتائجها التّربويّة والتّكوينيّة. إلى غير ذلك من الفوائد والثّمار التي يمكن جنيها من منهج الشّيخ بيّوض؛ بإدراك هذه الملاحظة، وتبنّي هذه الطّريقة في عرض العقيدة ..
لا يكتفي الشّيخ بيّوض بالمسائل العقديّة التي لها علاقة بالسّلوك في عمومها، بل كان يهتمّ كثيرًا بما له علاقة بالجانب التّعبّدي، وما له صلة بالحياة الواقعيّة، وكان يضفي على معالجاته وتحليلاته المسحة الواقعيّة من خلال ربطها بما عايشه من أحداث، وما خبره منها وكان طرفًا فيها، أو حدثت في عهده،
__________
(1) - الفكر العقدي عند الشّيخ بيّوض، ص: 127. (1/35)
صفحة 35
سواء كانت محليّة أم إقليميّة أم عالميّة. إنّ ذلك يرتبط بمفهومه للإصلاح والتّربيّة والتّوجيه، ويفهم في سياق عمله التّغييري والتّجديدي إلى الأصلح بالأمّة، والرّجوع بها إلى جادّة الصّواب. لذا نسجّل له تركيزه على مسائل الاعتقاد لاستخلاص العبر منها. (1)
سجّل حمّو الشّيهاني هذه النّقطة قائلاً: " فكان يركّز الكلام على قضايا العقيدة التي ترتبط بها آثار عمليّة، متعلّقة بالجانب التّعبّدي أو الحياتي، ويعالج من خلالها صور الفساد التي طالت مجتمعه الذي خبره، مستثمرًا أحداث العالم وأخباره التي يسايرها، وكان لها حضور وتأثير في دروسه. قال الشّيخ عن نفسه، بمناسبة تطرّقه إلى علاج إحدى القضايا الاجتماعيّة: (خذوا هذه الحكمة ممّن قضى نصف قرن في حلّ المشاكل)." (2)
كان - أحيانًا - ينبّه إلى القيمة العقديّة للمسألة؛ للفت نظر المخاطب إلى ضرورة إدراك تلك القيمة؛ حتّى يتأثّر سلوكه ويرتبط بها، ليكيّف هذا السّلوك بما ينسجم مع نقطتي الارتكاز في حياة المؤمن: نقطة المنطلق، وهي المبادئ والأصول، ونقطة المنتهى، وهي الغاية، ليكون سيره في خطّ مستقيم، يمتدّ بين النّقطتين: كما حدّدته الآية الكريمة: {وأنَّ هَذا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فاتّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبيلٍهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقون} (سورة الأنعام:153)
قال عن البعث: " فلو آمن أهل الأرض جميعهم؛ حكّامًا ومحكومين بالبعث، واعتقدوا أنّهم سيحاسبون وسييجازون على كلّ مال حرام أكلوه، وكلِّ قطرة دمٍ سفكوها، وكلّ جريمة ارتكبوها، لقلّت الشّرور في العالم، ولما كانت بالجملة كالهجوم على الشعوب الآمنة وقتلهم بالآلاف والملايين. ومبعث كلِّ هذا الكفرُ بالله، وإنكار البعث، والاعتقاد بأن لا جزاء بعد هذه الحياة، وكّ شيء مَقصِيٌّ في هذه الدّنيا ...
هذه قيمة عقيدة البعث، وهي مهمّة جدًّا في تقويم سلوك الفرد، وعلى قدر تمكّنها من القلب، واستشعارها في كلّ حين يزداد المرء صلاحًا وتقوى، وعلى قدر ضعفها واستبعادها يزداد المرء فسادًا وشقاءً." (3)
قال عن مسألة الرّوح، وبيّن لماذا لم يفصّل الله ا - عز وجل - القول فيها، ومع أنّه قال في القرآن: إنّه تبيان وتفصيل لكلّ شيء، وأنّه أنزل ما فيه شفاء للنّاس، وفي هذه المسألة لم يشف غليلهم، ولم يزل حيرتهم ... تولّى الشّيخ بيّوض الإجابة، حتّى ولو لم يوجّه إليه السّؤال. فمن واقع ما كان يعيشه، ويعرفه من علاقة النّاس
__________
(1) - ينظر المرجع السّابق، ص: 136، 137.
(2) - المرجع السّابق، ص: 113. ينظر في رحاب القرآن، ج12، (تفسير سورتي السّجدة والأحزاب)، ص:686.
(3) - في رحاب الله، ج4، (تفسير سورتي الأنبيّاء والحجّ)، ص: 326. (1/36)
صفحة 36
بالعقيدة، وما يبدونه من سلوك، ينمّ عن انحراف في الفكر، وتنكّب عن جادّة الصّراط، وابتعاد عن الفطرة التي فطر النّاس عليها. قال: " ... فنقول: لماذا لم يشفِ الله تعالى صدور البشر، وهي مرضى بهذه القضيّة؟ ذلك لأنّهم هم الذين أمرضوا أنفسهم بهذه القضيّة، وإلاّ فماذا يتعلّق بمعرفتنا للرّوح من أحكام المعاملات والعبادات والأخلاق؟ لا شيء أبدًا, ليس لها أيّ علاقة ممّا تقتضي معرفته لإصلاح المعاش والمعاد. نعم يزداد بها الإنسان علمًا، لكن هل يزداد بها قربى إلى الله؟ هل هو ضروري لتقويم عوجه في خلقه وعمله وعقيدته؟ كلاّ ولعلّ الاعتراف بالعجز والقصور، وتفويض الأمر إلى الله هو الأنفع والأولى في كثير من الأشياء؛ لأنّ في ذلك تعظيمًا لله تعالى ... " (1)
بهذا العرض نسجّل للشّيخ بيّوض إرشاده المسلمين إلى ما يجب التّعامل به مع مسائل العقيدة ... ؛ بترك ما لا يفيد, وتوجيههم إلى عدم الاشتغال بقضايا المتشابه، التي لا يتعيّن عليها معرفة حقيقتها، وهي مظنّة الزّيغ في الاعتقاد والفرقة بين العباد، إنّما يتعيّن صرف الاهتمام إلى ما ينفعهم في المعاش والمعاد. وما يندرج في هذا السّياق دفع الشّبهات، وتصحيح الخاطئ من المفهومات والفاسد من التّأويلات ...
__________
(1) - في رحاب الله، ج1، (تفسير سورة الإسراء)، ط2، مزيدة ومنقّحة، ص: 218. ينظر كتاب مسائل الإيمان بالله تعالى عند الإمام إبراهيم بن عمر بيّوض، ص: 98. (1/37)
صفحة 37
ردّ الشّبهات و تصحيح الفهم الخاطئ والتّأويل الفاسد
منهج الشّيخ بيّوض في عرض العقيدة يتميّز بالدّقة والتّحرّي والكشف عن البعد في المسألة التي يتناولها، لذا كان ممّا يجتهد فيه الضّبطُ والتّصحيح، وترشيدُ التّأويل وردُّ الشّبهات؛ حرصًا منه أن يأتي الدّرس العقدي بالنّتائج المرجوّة، وهو تلقين العقيدة الصّحيحة، التي تعين على الصّلاح في العمل.
مثلاً في موضوع تعامله مع روايات المفسّرين، التي تتناول قصص الأنبيّاء الواردة في القرآن الكريم، كان يفحص ما يقرأ منها، وينقدها بميزان العقيدة، ويتحرّى ما يجب أن يعتقد في حقيقة أنبيّاء الله، فما كان منها مخالفًا للشّرع، قد يذكره ليبيّن فساده وتجنّبه الحقيقة، وبعده عن شرع الله، ثمّ يقوم بالنّقد والتّصحيح والإرشاد والتّوجيه؛ ليكون للدّرس العقدي مبرّر لتقديمه. يضيف الأستاذ صالح حمدي:" ... وما كان منها غير مخالف للشّرع، فإمّا أن يكون موافقًا له فيحقّه، وإمّا أن يكون مسكوتًا عنه فيذكره استئناسًا، مع توقّفه عن تصديقه أو تكذيبه، وقد يرجّح بالقرائن عند اختلاف الرّوايات، مع عدم الجزم لما توصّل إليه ... " (1)
كان الأستاذ صالح دقيقًا في تسجيل هذه النّقطة، التي تكشف عن الرّصد الجيّد لتناول الشّيخ بيّوض مسائل العقيدة، التي مظانّها القصص الواردة في القرآن الكريم. في الوقت نفسه تبرز دقّة الشّيخ بيّوض
__________
(1) - مسائل الإيمان بالله تعالى عند الإمام إبراهيم بن عمر بيّوض، ص: 81، 82. (1/38)
صفحة 38
في التّعامل مع الرّوايات التي ساقها المفسّرون عن القصص القرآني. فتصنيفه لهذه الرّوايات - أو ما استنتجه الأستاذ صالح – يدلّ على قوّة منهج الشّيخ في عرض العقيدة في هذا الموضوع، أو هذه الوسيلة (وسيلة القصّ)، المنهج الذي يقوم على عرض الرّوايات على ميزان الشّرع، ثمّ تحكيم معايير موضوعيّة دقيقة فيما لم يخالف الدّين.
لينصف الأستاذ صالح حمدي الشّيخ بيّوض قدّم تلك الملاحظة؛ ليدفع عنه شبهة قد تلصق به، والتي قد تأتي من الفهم السّقيم، أو المبتور عن السّياق: "ومع إيمانه العميق بأنّ قصص القرآن أهمّ وسيلة لتقرير العقائد وتثبيتها، وإصلاح النّفوس من خلالها، إلى جانب ذلك قناعته الرّاسخة بأنّ القرآن لا يتناول من الأخبار إلاّ ما فيه العبرة، فالأفضل لدى المؤمنين به عدم الخوض فيما سكت عنه." (1)
في موضوع الإسرائيليّات التي تصدّى لها الشّيخ، بنيّة ردّ الشّبهات، وتصحيح المفهومات، وترشيد التّأويلات؛ لتنقية العقيدة ممّا يشينها، وبخاصّة ما يتعلّق بحياة الأنبيّاء والرّسل قال عن قضيّة داود - عليه السلام - والخصمين، التي تعدّدت فيها الرّوايات واختلفت، وشابتها وشانتها الإسرائليّات: " لا يجوز أن تذكر أو تروى إلاّ لردّها ودحضها؛ لأنّ فيها طعنًا في النّبوّة والرّسالة، واتّهامًا للأنبيّاء والمرسلين، بما لا يليق بهم كبشر معصومين." (2)
من النّقط التي تناولها الشّيخ بيّوض في موضوع ردّ الشّبهات وتوضيح المفهومات - قصد تصفية العقيدة ممّا يشينها فيستقيم العمل- بيانُ المدلول الحقيقي للألفاظ التي قد تحتمل معاني كثيرة، مع تأصيل ما يتبنّاه، واستيحائه أو تقريره ممّا وعاه من روح الشّريعة ومقاصدها؛ هادفًا بذلك إلى منع التّلاعب بالدّين، وإبعاد الفهم السّقيم لأحكام الشّرع، ونبذ التّأويل الخاطئ لآيات القرآن، التي تتضمّن مفهومات خاصّة. من هذه المفهومات "عدم اشتراط دخول العمل الصّالح في مفهوم الإيمان" يقول الشّيخ: " ... أمّا مفهوم كلمة (إيمان) هل يدخل فيه العمل الصّالح أم لا؟ فهذا لا يهمّ، ولو كان محلّ نزاع، فهناك بعض الآيات تدلّ على أنّه دخل في مفهومه العمل الصّالح، وبما أنّ الله تعالى يعطف العمل الصّالح دائمًا على الإيمان، قال بعض: إنّ العمل الصّالح غير داخل في مفهوم الإيمان.
ولكن كلّ هذا لا يضرّ، وإنّما الذي يضرّ، والذي لا يجوز أبدًا، ويعتبر مروقًا من الملّة والشّريعة، أن يعتقد أحد أنّه يجازى على عقيدة قلبه، وإن لم يعمل العمل الصّالح، الذي يجب عليه شرعًا. هذا الذي يخالف ما في القرآن، من فاتحته إلى خاتمته، ومخالف لكلّ ما ورد في الحديث." (3)
__________
(1) - المرجع السّابق، ص: 82 ..
(2) - في رحاب القرآن، ج15، تفسير (سورتي ص والزّمر)، ص: 71.
(3) - في رحاب القرآن، ج4، (تفسير سورتي الأنبيّاء والحجّ)، ص: 217، 218. (1/39)
صفحة 39
توضيح مهمّ، وتدقيق ضروري، وتوضيح واجب؛ لتقديم الدّين للنّاس كما جاء به الوحي، لتجنيب الرّكون إلى مفهومات خاطئة، تضلّل النّاس، وتخدع النّفوس، وتغرّر بالبسطاء، أو تلقي بأصحاب الأهواء إلى التّهلكة.
عرض الشّيخ بيّوض لمسألة أخرى تتعلّق بعلاقة العلم بالإيمان، فردّ على من يحاول تضليل النّاس؛ بافتعال التّنافر بين العلم والإيمان، والدّعوة إلى الاحتكام إلى العلم، دون سواه في مجال المعرفة، وعدّ ما ثبت بالمحسوس والملموس والتّجريب علمًا، وغيره لا اعتراف به. وقد استبعد هؤلاء من تفكيرهم ومناهجهم ما هو غيب، ومنه ما يدخل في صميم العقيدة.
نبّه الشّيخ إلى أنّ هذه مغالطة، بل هي بلادة، وأفن في الفكر، وعطن في العقل، فليس العلم الصّحيح خصمًا للدّين ولا للعقيدة، بل هو داعم للإيمان، إذا سُلكت في طلبه وتوظيفه المسالك الصّحيحة، من المنهجيّة العلميّة. بل من الفطرة الصّحيحة أن يعترف العلم بقصور العقل عن إدراك كلّ الحقائق، منها بعض مسائل العقيدة، التي هي غيب، يجب على العلم أن يحترمها؛ بعدم الولوج إلى حرمها والبحث في تفصيلاتها ودقائقها ... يقول الشّيخ بيّوض: " قد يقول: إنّ كثيرًا من العلماء ألّهوا العلم وكفروا بالله، فنحن نسمّي هؤلاء بلداء العلماء، إذ دعاهم العلم إلى الإيمان - شاؤوا أم أبوا - فكفروا وألحدوا، وسلكوا مسلك الدّهريّين الذين يقولون: (الأرحام تدفع والأرض تبلع)، وإنّه ليس للإنسان حياة أخرى غير هذه الحياة الأولى. وقالوا: مثل ما قال الأوّلون، كما نصّ تعالى على ذلك بقوله: {كذلكَ قالَ الذينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوِلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهًمْ قَدْ بَيَّنَا الآياتِ لِقَوِمٍ يُومِنُون} (البقرة: 118)، ولكنّ الآيات تثبت أنّ العلم يدعو إلى الإيمان، وأنّ العلماء الحقيقيّين يدخلون محراب الإيمان في كلّ يوم. فنحن نرى إذن تحقّق هذا الوعد، وسيتحقّق أكثر، وما يدرينا ما يكون بعد." (1)
في هذه النّقطة، يوجّه الشّباب المتعلّمين الباحثين، الذين يجرون وراء الحقيقة، ويحذّرهم من مغبّة الانزلاق؛ بسبب هذه النّزعة: " وإيّاكم أن تتورّطوا فيه ()، ويقول أحدكم: أنا باحث، وأريد أن أقتنع، ويراه بعينه، ويشمّه بأنفه، ويذوقه بلسانه، أمّا ما وراء هذا فلا يؤمن به. ولا يزال مثل هؤلاء يطلبون الدّليل إلى ما لا يمكن التّوصّل إليه إلاّ عن طريق الوحي، الذي لا يؤمنون به." (2)
بعد عرض بعض الجزئيّات في منهج الشّيخ بيّوض في عرض العقيدة، نسأل ماذا يميّز هذا المنهج؟؟
__________
(1) - في رحاب القرآن، ج19، (تقسير سورة الفتح)، ص: 330.
(2) - في رحاب القرآن، ج17، (تفسير سورتي الشّورى والزّخرف)، المطبعة العربيّة، غرداية، الجزائر، نشر جمعيّة التّراث، القرارة، الجزائر، 1429ه/2008م، ص: 576. (1/40)
صفحة 40
خصائص منهج الشّيخ بيّوض في عرض العقيدة
تميّز منهح الشّيخ بيّوض في عرض العقيدة بخصائص عديدة، نذكر بعضها:
1 – الاعتماد على القرآن في تقرير الحقائق. كالحديث عن القلب. سرد الشّيخ بيّوض مجموعة من الآيات القرآنيّة، التي تحدّثت عن القلب؛ ليوضّح من خلالها أنّ مركز الإيمان هو القلب, وبذلك يقدّم الأدلّة القطعيّة القويّة على صحّة الحقيقة التي يريد تثبيتها في الأذهان.
ليبيّن الشّيخ لماذا أخبرنا الله تبارك وتعالى عن أنّ للإنسان قلبًا واحدًا - فقط - في جوفه، ولم يخصّ بهذا التّنصيص بقيّة أعضاء الإنسان (1) قال: "إذن لهذا الإخبار مقصد آخر، وغرض عال وسام، فما هو؟ لكي نفهم الحكمة من هذا علينا أن ندرك حقيقة القلب، وما هي وظيفته؟ .. وإنَّما المراد ما أودع الله تعالى من فهم وإدراك وفقه وتدبير، والمرء إنّما يفهم ويدرك ويفقه ويتدبّر بقلبه ...
قد يقول قائل: إنّ الدّماغ أو الفكر أو المخُّ، هو الذي يدرك ويفهم ويعقل ويتدبَّر. إنّنا لا نعلم العلاقة بين القلب والفكر والدّماغ، إذ هناك سرّ عجيب لا يعلمه إلاّ الله تعالى، ولكنّنا بحسب ما نجد في القرآن أنّ كلّ ذلك منسوب إلى القلب، فمثلاً يقول الله تعالى: {إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوَ اَلْقَى السّمعَ وَهُوَ شَهيدٌ} (ق: 37)،/ ولم يقل: إنّ في ذلك لذكرى لمن كان له دماغ أو مخٌّ.
__________
(1) - الآية: 4، سورة الأحزاب. (1/41)
صفحة 41
ويقول في شأن الكفرة الذين لا يتدبّرون آيات الله في الكون، ولا آياته في الكتب المنزّلة: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرونَ القرآنَ أَمْ علَى قُلوبٍ اَقْفالُها} (محمّد: 24). ويقول: {لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا} (الأعراف: 179). والآية صريحة في نسبة الفقه إلى القلب، والفقه هو الفهم الدّقيق، وليس الفقه مرادفًا للفهم فقط، فالفهم يكون حتّى في الأمور البسيطة، كان تقول: 2× 2= 4. أمّا كلمة الفقه، فلا تقال إلاّ في الأمور الحفيّة الدّقيقة؛ ممّا يحتاج إلى إمعان نظر، وتدبّر عميق." (1)
2 - الشّموليّة
" إذا كانت الشّموليّة تعني التّكامل بين عناصر الإيمان، كالتّصديق والعمل، فإنّها تعني من العمل مفهومه الواسع الشّامل للجانب العبادي والحياتي" (2) في هذا المعنى، ولبيان مكوّنات الإيمان، وحقيقته التي يجب أن تدرك بدقّة؛ ليكون السّلوك سويًّا في الحياة، أكّد الشّيخ بيّوض على الشّموليّة التي تمسّ كلّ حركات الفرد من دون استثناء، فيرتبط التّصديق القلبي بالعمل في كلّ المجالات والحالات والمواقف والظّروف، وحيث يكون الإنسان ... لأنّ الدّين كما يقول الشّيخ: " كلٌّ لا يتجزّأ، بدءًا من أصول العقيدة في أعمال القلب، إلى أقلّ عمل يصدر من جارحة من الجوارح، فالدّين عقيدة وقول وعمل." (3)
الشّموليّة تعني العمل للدّارين، ابتغاء الآخرة وعدم نسيان الدّنيا، في توازن بين الجانبين الرّوحي والمادّي، لضمان عمارة الأرض، وتحقيق عبادة الله، بما يخدم الحياتين: الدّنيا والآخرة. فالشّموليّة تحقّق قوّة الإسلام، وتحفظ التّوازن في الحياة. في هذا السّياق يؤكّد الشّيخ بيّوض أنّ الإسلام يرفض الرّهبنة والإعراض عن الدّنيا، والإحجام عن العمل، بل إنّ الإسلام القويّ يريد أن يكون إيمان المسلم دافعًا له كي يكون قويًّا في الجانبين الرّوحي والمادّي. وإنّما: " ... كلّ شيء له وقته، إنّما الإنسان المنظّم يجعل وقتًا للمسجد، لله تعالى في أوقاته المعتادة المعيّنة، ووقتًا للعمل معيّنًا، لا يضيّع هذا ولا ذاك ... فلا يخدم الآخرة إلاّ من خدم الدّنيا، ولا يخدم الدّنيا إلاّ من خدم الآخرة ... والدّنيا والآخرة لا تتزاحمان إلاّ عند البلداء السّخفاء" (4)
الشّموليّة تدعو المسلم كي يقيم الدّين ويعمر الأرض، كما أمر الله تعالى، وكما تقتضي حكمته من خلقه وإنشائه، كما تساعد على النّشأة القويّة التي تقي من الهزائم. مثلا يذكر الشّيخ بيّوض أن من أسباب هزيمة المسلمين أمام اليهود، (منها حرب حزيران 1967م) فَقْدَ الشّموليّة في حياتهم، التّقصير في
__________
(1) - في رحاب الله، ج12، (تفسير سورتي السّجدة والأحزاب)، ص: 143، 144.
(2) - الفكر العقدي عند الشّيخ بيّوض، ص: 107.
(3) - في رحاب القرآن، ج7، (تفسير سورتي الفرقان والشّعراء)، ص: 96.
(4) - الشّيخ إبراهيم بن عمر بيّوض، المجتمع المسجدي، إعداد محمد ناصر بوحجام، المطبعة العربيّة، غرداية، الجزائر، 1989م، ص: 125، 126 .. (1/42)
صفحة 42
شؤون الدّنيا وأمور الدّين معًا. يقول: " ... وقد نصر علينا اليهود، وهم أخبث خلق الله، وهو الذي يعلم لماذا نصرهم، وعلينا أن نتساءل ونتدبّر الحكمة، ولكنّنا لا نستطيع أن نردّ الأمر إلاّ إلى تقصيرنا في الجانب الدّيني والدّنيوي ... فعلينا أن نجمع بينهما معًا، فنعدّ ما استطعنا من القوّة، حتّى القوّة النّوويّة مع الاعتماد على الله أوّلاً وأخيرًا." (1)
إذن إنّ " شموليّة الدّين تستغرق تصوّرات المسلم وقواه الرّوحيّة والماديّة وواقعه وتوقّعاته؛ لأنّ علّة وجوده تحقيق العبوديّة لله، فالدّين ليس مجرّد أفكار أو شعور، بل هو يعني التّحرّك به في واقع الحياة اليوميّة." (2) هذا ما بيّنه الشّيخ بيّوض في كلّ ما تحدّث به في دروسه، وطبّقه في كلّ ما قام به من نشاط وعمل إصلاحي وتربوي.
3 – الواقعيّة
" خاصيّة الواقعيّة تمكّن المتلقّي من استيعاب معاني العقيدة الإسلاميّة، واكتساب آثارها العمليّة، فيتجاوز بذلك مرتبة رسم حدودها، وصياغة الرّدود فيها ... ومن المؤلّفات المندرجة ضمن هذا المنحى كتاب عقيدة المسلم للشّيخ محمد الغزالي، الذي علّق على نتائج واقعيّته أحد الدّارسين قائلاٌ: (نتيجة لهذه الواقعيّة الثّقافيّة، لا تبرز العقيدة في الكتاب – لقارئه من خلاله – عناصر محدّدة واضحة الأبعاد؛ رغم أنّه عالج عامّة مسائلها، ولكنّ تداخلات المعالجة الواقعيّة كانت تطغى أحيانًا، وهذا يغذّي القارئ بالعقيدة مشاعر فيّاضة، وإن لم تتّحد في فكره على شكل أنساق علميّة. " (3)
أ - إنّ الشّيخ يتوخّى الواقعيّة في تقديم درس العقيدة، وبخاصّة حين يكون في موقف التّنبيه والنّصح والتّحذير من العواقب الوخيمة من سلوك شائن، أو تصرّف يخدش العقيدة، أو يمسّ الإيمان. كما فعل في موضوع خطر الصّحبة الفاسدة، التي تزيّن ارتكاب الفواحش، واقتراف المعاصي ... فضرب مثلاً بما قام به، وهو ينصح شخصُا، ويدعوه ليكفّ عن شرب الخمر، فذكر له هذا الشّخص أنّ بدايته الأولى كانت كأسًا، تناولها إثر مجالسته رفقاء السّوء، وبطانة الشّرّ، واستحيائه أو خجله من عدم مشاركته هذه الشّلّة الشّراب المحرّم، فخاطبه الشّيخ؛ مبيّنًا له سوء العاقبة من هذا السّلوك، إن لم يبادر إلى التّوبة، مركّزًا في حديثه معه على عقيدة الإيمان بالله واليوم الآخر. قال الشّيخ لهذا الشّخص: " وهل هناك من هو أعظم من الله! وقد حرّم عليك الخمر؟ أتتجرّأ على ربّك أخذًا بخاطر من جالسته؟ ولو كان ملكًا أو رئيسًا؟ وهل يعقل أن
__________
(1) - في رحاب القرآن، ج10، (تفسير سورة الرّوم)، المطبعة العربيّة غرداية، الجزائر، نشر جمعيّة التّراث، القرارة، الجزائر، 1422ه / 2001م، ص: 25. ذكر الشّيخ بيّوض هذه الملاحظة سنة 1968م.
(2) - الفكر العقدي عند الشّيخ بيّوض، ص: 111.
(3) - المرجع السّابق، ص: 124. ينظر عبد الرّحمن الزّنيدي، مناهج العقيدة الإسلاميّة، ص: 187. (1/43)
صفحة 43
يفسق أحدٌ أخذًا بالخاطر؟ أو أن يسرق أو أن يشرب الخمر كذلك؟ فلتأخذ بخاطر الزّبانيّة إذا جرّوك إلى عذاب الجحيم" (1)
واقعيّة الشّيخ تبدو:
1 - في التّمثيل لبيان فساد المعتقد، الذي أدّى إلى سلوك مشين، من أحد مواقفه هو؛ ليكون أكثر إفصاحًا وتوضيحًا.
2 – في تنبيه هذا الشّخص الغافل إلى ما قد يوقظ فيه إيمانه؛ لتحريك وجدانه، بعقد مقارنة بين ما أقبل عليه - تلبيّة لقرناء السّوء، أخذًا بخاطرهم - وتلبيّة دعوة زبانيّة جهنّم إلى دخول النّار يوم القيامة؛ أخذًا بخاطرهم. أي ذكّره بالمصير السّيّء الذي ينتظره يوم الفزع الأكبر، بطريقة غير مباشرة. هذا الموقف يكون أكثر تأثيرًا؛ لأنّه يتّسم بالواقعيّة التي رُبطَت بالأصول الإيمانيّة. هذه خصّيصة مهمّة في منهج الشّيخ بيّوض.
ب – يقول الأستاذ صالح حمدي: " لقد كان الشّيخ بيّوض واقعيًّا في تناول قضيّة الإلحاد بالله، فلم يعالجها كتعريفات اصطلاحيّة جافّة، بل انطلق من موارد ذكر القضيّة في القرآن، ثمّ أنزلها على واقعه، الذي يشهد مظاهر متجدّدة من الإلحاد، متمثّلة في التّيّارات الفكريّة التي نشأت في الغرب، واستهوت معها الشّباب المسلم. وقد ركّز الشّيخ على تيّاري الشّيّوعيّة والعلمانيّة؛ ببيان مضامين كلّ منهما وأسباب انتشاره بين هؤلاء الشّباب، ثمّ تقديم العلاج الرّبّاني للقضيّة، بعودته إلى القرآن مرّة أخرى. " (2)
ج – واقعيّة الشّيخ بيّوض في الدّرس العقدي، تبرز في حسن التّوجيه للإفادة من القرآن وخدمته. ففي موضوع خلق القرآن، الذي أغرق الأمّة الإسلاميّة في لجيّ عميق من الجدل العقيم، وحطّ بها في تيه من الفرقة والشّقاق، والتنّاحر والصّدام. صوّب اهتمامه في توجيه المسلمين إلى كيفيّة التّعامل مع القرآن بما يساعدهم على جعله مصدر هداية، وحوّل النّظر إلى الواقع المعيش، الذي يعجّ بالمفاسد والمناكر، ونقد الإعلام الذي يبثّ وينشر صورًا مشوّهة عن الإسلام، فقابله هو بإعلام مضادّ، تمثّل في الدّعوة إلى التّعلّم من القرآن ما يحقّ الحقّ ويبطل الباطل؛ مبيّنًا ما في القرآن من الشّفاء من الأمراض التي تصيب الصّدور. فبيّن – مثلا - لماذا الجهاد بالقرآن؟ لأنّه السّلاح الحادّ، الذي يحمل الحجج القويّة، والبراهين السّاطعة، التي تعين على إحقاق الحقّ وهزم الباطل، وحملة القرآن يدركون ذلك جيّدًا، لذا طالبهم الشّيخ بالقيام بهذه المهمّة، كما أمر الله - عز وجل - رسوله
__________
(1) - في رحاب القرآن، ج7، (تفسير سورتي الفرقان والشّعراء)، ص: 106.
(2) - مسائل الإيمان بالله تعالى عند الإمام إبراهيم بن عمر بيّوض، ص: 334، 335. (1/44)
صفحة 44
الكريم: { ... وجاهِدْهُمْ بِهِ جِهادًا كَبيرًا} (الفرقان: 52) قال الأستاذ الشّيهاني حمّو " وسعى بذلك إلى توجيه النّاس من خَلْقِ القرآن إلى خُلُقِ القرآن." (1)
في هذا المجال، ووَفْق هذه المنهجيّة، وطبقًا لهذا التّوجيه .. حمّل طلبته مسؤوليّة المجاهدة بالقرآن؛ بصفتهم حاملين لكتابه: " تلك وظيفة حملة القرآن، وحملة لواء الدّين والشّريعة في كلّ زمان ومكان، وأنتم أيّها الطّلبة دعاة، كلّكم مطالبون بأن تجاهدوا بالقرآن الجهاد الأكبر، كما قال الله لنبيّه - صلى الله عليه وسلم -، وقد مضى على نزول الآية أربعة عشر قرنًا، ولا تزال الآية محكمة، ونحن مخاطبون بها. ومن حولنا كفرة جاحدون، يدعون إلى الكفر، وبقذفون بالشبه، فلا نُطِيعهم، ولنجاهدهم بالقرآن جهادًا كبيرًا " (2)
د – من تمام واقعيّة الشّيخ بيّوض أنّه يراعي حال السّائل، ومستواه وسنّه في الإجابة عن مسائل العقيدة.
ه – يعلّل لاختياراته وآرائه ومنهجه. كما قال عن منهج السّلف في الموضوع؛ لأنّهم أطهر قلوبًا، ولا يكثرون من سؤال النّبيّ - صلى الله عليه وسلم -، حتّى لا يتطرّق الشّكّ إلى قلوبهم، ولأنّهم يثقون في قائدهم وموجّههم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
4 – العقلانيّة في عرض العقيدة
لا نعني بهذا التّنصيص أنّ الشّيخ بيّوض يطلق العنان للعقل كي ينطلق ليسيح ويسبح في أعماق العقيدة، ويوجّه الدّرس العقدي كما يشاء. فإنّ هذا يتنافى مع حقيقة الإيمان، ويتعارض مع منهجه هو، الذي سلكه في عرض العقيدة، ودعا إليه في توجيهاته وتقريراته، وهو يربط هذا الاستعمال بشروط كما نصّ على ذلك في الفقرة الآتية: " لقد أعطى الله تعالى الإنسان العقل، الذي يدرك به من أمور دنياه ما لا حدّ له، وأمّا ما وراء الطّبيعة، وما وراء هذه الدّنيا من أحوال الآخرة وأحوال المكلّفين فيها، فهذا ما لا يعلمه قطعًا يقينًا. وإنّما يمكن للعقل أن يدرك ذلك بعد أن يستمع إلى الرّسل والأنبيّاء، ويقرأ الآيات التي أنزلها الله في كتبه المتلوّة، كالتّوراة والإنجيل والزّبور والقرآن، وصحف إبراهيم وموسى، أو بما يخبر به الرّسل عن ربّهم، ممّا ليس وحيًا متلوًّا، وقد نجد لما يخبرون به نظائر في القرآن؛ لهذا كانت الرّسالة ضروريّة للبشر، ولهذا قال الله تعالى: { ... وما كُنَّا مُعَذِّبينَ حتَّى نَبْعَثَ رسُولا} (الإسراء: 15) ولو كان العقل وحده كافيًّا لما قال الله تعالى هذا، فهو قد علّق التّعذيب بإرسال الرّسل، ولا يعبد الله إلاّ بما شرع ... " (3)
__________
(1) - الفكر العقدي عند الشّيخ بيّوض، ص: 122.
(2) - في رحاب القرآن، ج7، (تفسير سورتي الفرقان والشّعراء)، ص: 177.
(3) - في رحاب القرآن، ج19، (تفسير سورة الفتح)، ص: 246. . (1/45)
صفحة 45
في هذا التّوجيه تبرز العقلانيّة، إذ ترشد العقل أن يتدبّر في طريقة التّعامل مع مسائل الإيمان، بما يمليه الإيمان نفسه، ولا يشتطّ بإطلاق العنان له، من دون قواعد وضوابط ومبادئ وأصول يصادم ما يريد الإيمان بناءه، أي لا يتصرّف المسلم بسذاجة؛ سيرًا في ركاب من يدعو إلى تحرير العقل من أيّ ضابط، يرتدّ إلى الأصول الثّابتة، وينطلق من القواعد المؤصّلة .. لأن من يسير خلاف هذا يعيش في فوضى، وهذا ما يتنافى من العقلانيّة ..
إنّ قصدنا من وصف الشّيخ بيّوض بأنّه عقلانيّ في عرض العقيدة، أنّه يستعمل العقل في بعض معالجاته لموضوع العقيدة، ما لم يؤدّ ذلك إلى المساس بجوهر الدّين، وهو يرمي بذلك إلى بيان جانب مضيء في مناهج البحث في العلوم الإسلاميّة وهو جانب العقل، كما أنّ بعض المعالجات العقليّة تساعد على الفهم الجيّد للمسائل، تسهم في رفع اللّبس، وردّ الشّبهات، وتحريك الإيمان في القلوب، والوصول إلى الحقيقة الكبرى، وهي الوحدانيّة.
علّق الشّيخ بيّوض على قوله تعالى: {وَفي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثَّ مِنْ دابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} (الجاثيّة:4) موجّهًا العقل كي يتأمّل في حقيقة النّعم التي منحها الله الإنسان، ومن خلال هذا النّظر يقف على قدرة الله، بعدها يتيقّن منها، ويوقن واجبه نحو خالق هذه النّعم: " ... والعجيب كذلك يبدو في هذه المعدة المصنوعة من اللّحم، ولكنّها تذيب كلّ شيء ولا تذوب، وفي أجهزة التّحليل والتّكرير، التي تفرز مئات الأنواع من الأطعمة التي يغذّي كلُّ واحد منها جزءًا معيّنًا من أجزاء الجسم فينمو، بينما الفضلات تخرج خارج الجسم، على سبيل البول وسبيل الغائط .. وهكذا فإنَّ أمرَ خلقنا لعجيب! حتّى ولو اقتصرنا على الصّورة الظّاهريّة، التي يقول عنها الله تعالى: { ... وَصَوَّركُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ ... } (غافر: 64) فصورة الإنسان مستقيمة؛ إذ رأسه إلى الأعلى، وهي موضع الجوارح والحواسّ فيه، وكيف تتّسق وتتناسب حتّى يؤدّي كلّ واحد منها وظيفته بالتّعاون مع الأطراف الأخرى بدون تعارض أو تناقض، فالأمر عجيب وعجيب حقًّا! نبّهنا الله تعالى إليه في آية مختصرة قوله: {وفي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دابّة} (1)
إنّ الشّيخ بيّوض حين يدعو إلى التّأمّل والتّفكّر في خلق الله، إنّما يهدف إلى تسخير العقل وتوظيفه لإدراك حقيقة الوحدانيّة، التي تدفع إلى إفراد العبوديّة لله، من دون سواه، وليس إعمال الفكر في خلق الله غاية، وإنّما هو وسيلة، حدّد له مجال تحرّكه، ونطاق استعماله. يتجلّى ذلك في تعليقه على قوله تعالى: { ... إنَّ في ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} (الجاثيّة: 13):" ... والغرض من التّفكير في خلق الله هو الوصول إلى الحقيقة الكبرى، إلى حقيقة الحقائق، وهي أنّ لهذا الكون - علويّه وسفليّه، وللمخلوفات جميعها – خالقًا مدبّرًا حكيمًا واحدًا، لا شريك له، مريدًا فعّالاً لما يريد، عليمًا بكلّ شيء؛ لأنّه خالق كلّ شيء: {أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ
__________
(1) - في رحاب القرآن، 18، (الدّخان ـ الحاثيّة ـ الأحقاف ـ محمد)، ص: 135. (1/46)
صفحة 46
خَلَقَ وَهُوَ اللَّطيفُ الخبيرُ} (الملك:14). ثمّ لنقول وراء ذلك: إنّ هذا الخالق يستحقّ على خلقه ومخلوقاته أن تحمده وتشكره، وتسبّحه على ما أنعم عليها، وهذا منتهى التّفكير. وإذا لم ينتهِ التّفكير إلى هذه النّتيجة، ولم يوصل إلى هذا الحدّ، فالويل لصاحبه، والويل كلّ الويل للذي يقول: إنّ هذا الخلق كلّه كان محض الصّدف والطّبيعة، أو مثل هذا الكلام ... " (1)
كما دعا الشّيخ بيّوض إلى مداومة التّفكّر في مخلوقات الله، وفي أسمائه الحسنى؛ قصد زرع محبّته في القلوب، التي يكون من أسباب إدراك الوحدانيّة، ويكون من عوامل تعظيم الله. يقول الأستاذ حمّو الشّيهاني: "دعا الشّيخ بيّوض إلى مداومة التّفكّر في خلق الله، وتأمّل تجلّيات أسمائه الحسنى وصفاته في الكون، فإنّ ذلك يعين على محبّة الله، وتعظيمه والتّوجّه إليه وحده؛ لأنّ القلب بقدر ما يمتلئ بحبّ الله والالتجاء إليه، بقدر ما يسقط تعظيم غيره من العباد." (2)
إنّ التّفكّر في خلق الله يساعد على إخلاص العبادة له، والابتعاد عن الشّرك، ويضع علاقة المرء بربّه في الطّريق الصّحيح، هذا موضع من المواضع الذي يمكن للعقل أن يشتغل فيه، لترسيخ العقيدة في القلب. هذا ما أراد الشّيخ بيّوض التّنبيه إليه.
قال: " ... هذا الذي يريده الله تعالى، إنّه ترسيخ العقيدة في القلب، وبقدر ما يتفكّر المرء في مخلوقات الله تزداد هذه العقيدة رسوخًا؛ ولذلك جاء في الحديث (تفكّروا في الخلق ولا تتفكّروا في الخالق) (3). والتّفكير في الخلق ممّا يعيننا على محبّة الله تعالى وتعظيمه، والالتجاء إليه. وبقدر ما يمتلئ القلب بحبّ الله والالتجاء إليه يسقط غيره من العباد، إلاّ باعتبار المعاملة الحسنة. أمّا ما يكيِّف المرء أعماله بحسبهم؛ محادّة لأمر الله ومخالفة له، فهذا ما لا يجوز، وا لا ينبغي." (4)
كما يدعو الشّيخ بيّوض إلى استعمال العقل لمعرفة الله تبارك وتعالى عن طريق إبداعه في صنعه وخلقه وتفرّده بالعظمة والكبريّاء والقوّة المطلقة .. وللكشف عنها فيما تعيشه مخلوقاته عمليًّا .. فإنّه يرمي من ممارساته العمليّة إلى دعوة المشتغلين في حقل الدّعوة، وإلى كلّ من يتعامل مع كتابه وتشريعاته .. إلى توفير المجال للعقل في عملهم .. فهذا العمل يزيد المؤمنين رسوخًا في إيمانهم، ويدفعهم إلى الالتزام أكثر بعبادة خالقهم بإحسان وإتقان، ويعين غير المؤمنين على إدراك حقيقة الإسلام الذي هو من وحي خلاّق عليم قدير، ليس كمثله شيء ..
__________
(1) - المصدر نفسه، ص: 173.
(2) - الفكر العقدي عند الشّيخ بيّوض، ص: 318.
(3) - الرّبيع بن حبيب، المسند، ج1 باب النّهي عن الفكرة في الله عزّ وجلّن ص: 311، حديث: 827.
(4) - في رحاب القرىن، ج11، (تفسير سورة لقمان)، ص: 440، 441. (1/47)
صفحة 47
تجدر الإشارة إلى أنَّ هذه الدّعوة لم تغفل من التّنبيه إلى وضع الوجدان بجانب العقل في الدّرس العقدي؛ لإحداث التّوازن في الخطاب. بمعنى أوضح، إنّه لإثبات العقيدة وترسيخها في القلوب، يجب أن تكون بأسلوب يخاطب العقل والوجدان معًا. يجب أن تكون الأدلّة متنوّعة، ما بين برهانيّة إلى جدليّة، إلى خطابيّة، وهذا هو الأسلوب القرآني والنّبوي في تناول العقيدة. (1)
في الفقرة الآتية تتجلّى هذه الدّعوة أو هذه الفكرة، حتّى ولو أنّ ظاهرها يوحي بالحديث عن التّأملّ بالعقل. يقول الشّيخ بيّوض: " ... فللتّعبير بالمصير سرّ وأيّ سرّ! فلو أنّ إنسانًا خُيِّر بين طريقين، فقيل له: هذا طريق مفروش بالحرير والورود، ولكن في نهايته حبل المشنقة، وذلك مفروش بالأشواك وقطع الزّجاج، ولكن في نهايته جنّة النّعيم. فمَنْ مِنَ النّاس يسلك الطّريق الأوّل؟!! فلينظر كلّ عاقل إلى المصير قبل أن يسلك الطّريق." (2)
5 – ضبط مسائل الاعتقاد
"من خصائص المنهج العقدي عند الشّيخ بيّوض ضبط مسائل الاعتقاد التي يتعيّن على المؤمن أن يعتقدها، ويكون له موقف ثابت فيها، حيث أَخْرَجَ من مسائل الاعتقاد ما ليس منها، ممّا حفلت به كتب العقائد. فسعى إلى حصر هذه المسائل في القضايا الإيمانيّة، التي تستند إلى أدلّة قطعيّة الدّلالة والثّبوت من الكتاب والسّنّة." (3)
ما بمكن استنتاجه من هذه الفقرة ما يأتي:
أ - الدّعوة إلى تمحيص ما يتناول في موضوع العقيدة ونقده؛ بعرضه على الكتاب والسّنّة.
ب – ضرورة معرفة مسائل العقيدة؛ من باب وجوب التّفقّه في الدّين.
ج – التّفريق بين ما هو عقيدة، وما هو غير ذلك؛ لترشيد التّعامل مع القضايا الدّينيّة أو الشّرع بالطّريقة الصّحيحة.
د – الرّبط بين المسائل العقديّة والإيمان.
من أمثلة ما ذكره الشّيخ بيّوض لتطبيق هذه القاعدة، وتأكيد هذه الخاصيّة، قضيّة المفاضلة بين الملائكة وبني آدم. علّق الشّيخ على قوله تعالى في تكريمه بني آدم: { ... وَفَضَّلنَاهُم عَلَى كَثيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضيلاَ} (الإسراء: 70). وقد احتدم الخلاف بين المسلمين في تفضيل الله تبارك وتعالى للملائكة، أو
__________
(1) - ينظر كتاب مناهج الاستدلال، وكتابنا كيف تختار موضوعًا للوعظ، ط1، مكتبة الضّامري للنّشر والتّوزيع،، السّيب، سلطنة عمان، 1424ه/ 2003م، ص: 37 – 46.
(2) - في رحاب القرآن، ج7، (تفسير سورتي الفرقان والشّعراء)، ص:71، 72.
(3) - الفكر العقدي عند الشّيخ بيّوض، ص: 134. (1/48)
صفحة 48
تفضيل بني آدم، وبخاصّة بين الأشاعرة والمعتزلة ووصل الأمر إلى السّبّ والشّتم واللّعن والتّكفير ... قال الشّيخ: " ... وكلّ هذا لا يعنينا، وهو ممّا لا ينبغي البحث فيه؛ لأنّه لا يوقف فيه بالبحث المجرّد والعقل المجرّد. ولا يمكن أن يعتقد في شيء من هذا، إلاّ إذا كان هنالك دليل عن النّبيء - صلى الله عليه وسلم -، أو عن الله تعالى في كتاب، ولا دليل قاطع على أنّ الملائكة خير من بني آدم، أو أنّ بني آدم خير منهم." (1)
في تعليق الشّيخ بيّوض على قوله تعالى: {فيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكيمٍ} (الدّخان:4) وما قيل عن اللّيلة المباركة التي نزل فيها الكتاب المبين، وبعض الرّوايات فيها. من ذلك أنّ استنساخ القوائم يبدأ في ليلة النّصف من شعبان ويتمّ في ليلة القدر ... إلى غير ذلك من الأقوال التي تفتقر إلى الدّليل.
المهمّ عند الشّيخ بيّوض أنّ هذه الرّوايات لا تتعلّق بالعقيدة، فلا يفيد ولا يضرّ الاهتمام بها من عدمه: "وقد اشتهرت هذه الرّوايات، ولا يضيرنا نحن أن تكون أو لا تكون؛ لأنّها ليست مسألة عقديّة." (2)
6 – الاكتفاء في قصص القرآن بمواطن العبر
يقول الأستاذ صالح حمدي: "يعتبر الشّيخ (بيّوض) قصص القرآن أهمّ وسيلة لتقرير العقائد، وإصلاح النّفوس، ويرى أنّ المنهج الأمثل في فهمها هو الاكتفاء بمواطن العبرة منها، وعدم الخوض فيما سكت عنه القرآن من تفاصيلها؛ لأنّه لا يأخذ من التّاريخ إلاّ ما فيه العبرة." (3)
ما ورد في هذه الفقرة يتضمّن ملاحظة مهمّة، واستنتاجًا أهمّ، يدلّ على القراءة الجيّدة لفكر الشّيخ بيّوض، ومعرفة دقيقة لمنهجه في الدّرس العقدي، يمكن تسجيل الآتي ممّا جاء في النّصّ:
أ - الإرشاد إلى الطّريقة المثلى في التّعامل مع القرآن.
ب - حصر الاهتمام فيما فيه الجدوى في الحياة العمليّة.
ج – الدّعوة إلى الابتعاد عمّا هو ترف في التّفكير، لا يفيد، بل قد يضرّ.
هذه الملاحظات المستنجة من الفقرة السّابقة، تسجّل أصالة المنهج وقوّته في تأصيل المسائل، وعرض القضايا، ومعالجة الموضوعات، وتحديد مسار التّحرّك والعمل ...
منهج الشّيخ بيّوض في هذا العنصر واضح ومطّرد، لم يحد عنه في كامل تفسيره. يمكن التّدليل على هذا بمثالين:
أ ـــــ قصّة ولادة مريم عليها السّلام بعيسى عليه السّلام، فبعد أن شرح القصّة قال: " وهكذا تنتهي هذه القصّة العجيبة، وقد رأينا في مطاويها حكمًا وأسرارًا عظيمة، ومن تتبّعها باهتمام
__________
(1) - في رحاب القرآن، ج1، (تفسير سورة الإسراء) ط2،، ص: 48.
(2) - في رحاب القرآن، ج18، (تفسير سور: الدّخان ـ الجاثية – الأحقاف – محمّد)، ص: 16. ينظر الصفحات: 13 – 18.
(3) - مسائل الإيمان بالله تعالى عند الإمام إبراهيم بن عمر بيّوض، ص: 332، 333. (1/49)
صفحة 49
يستفيد علمًا، ويزداد إيمانًا وتقوى، وليست الحكمة في أن نعلم شيئًا نجهله فقط، وإنّما الحكمة في جني ثمرة هذا العلم" (1)
ب ـــــــ في تعقيبه على القصص التي وردت في سورة الكهف قال: "وهكذا الغالب في خواتم السّور تكون خلاصة لما تقدّم فيها. ففي هذه السّورة، الله تعالى قصّ علينا خمس قصص، قصّة أصحاب الكهف، وقصّة صاحب الجنّتين، وقصّة السّجود لآدم، وامتثال الملائكة لأمر الله، وعصيان إبليس. هذه القصص وما تخلّلها وما فيها من حكم وعير، كلّها تقرّر قواعد وأسس الدّين الصّحيح، الذي هو الإيمان بالله وحده لا شريك له، والإيمان بإحاطة علمه بكلّ شيء، وبأنّ وراء علم البشر المادي الظّاهري غيبًا لا يعلمه إلاّ الله، إلاّ إِنْ أظهره لبعض خلقه ممّن يشاء من رسول، وأنّ علم الله لا يتناهى، وليس له حدّ مطلقًا." (2)
7 – نقد الأفكار غير المؤسّسة وغير المنسجمة مع العقيدة الصّحيحة
علّق الشّيخ بيّوض على قوله تعالى: { ... تَراهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يبتغون فضلاً من الله ورِضْوانًا ... } (الفتح:28) بعد أن شرح الآية الكريمة، وبينّ القصد من ابتغاء الفضل والرّضوان، بعد الرّكوع والسّجود شكرًا لله، وتقرّبًا وتذلّلاً له، ذكر أنّ هذا داخل في عبادة الله طمعًا في رحمته وجزائه، وخوفُا واتّقاءً لعذابه وانتقامه. لكنّ بعض المتطرّفين في الفهم، وغير الفاقهين لحقيقة ما يجب أن يعتقد في فضل الله على عباده الموفّين بعهده، وفي عدله فيما وعد به، والمتطاولين على أحكام الله؛ غلوًّا في الفهم، وشذوذًا في التّأويل, يقدّمون بدائل لما أثبته الله في كتابه.
تصّدى الشّيخ بيّوض لهذه الأفكار ينقدها ويردّها؛ على ضوء الكتاب. فقال منبّهًا إلى خطل الرّأي القائل: إنّ الله لا يعبد رغبة في ثوابه، ورهبة من عقابه. في مزيد من التّوضيح للآية السّابقة: " أريد أن أنبّه إلى نكتة، قد يذكرها بعض المفسّرين، وهي أنّ بعض الزّهّاد والمتصوّفة قالوا: إنّ أفضل عبادة المرء أن يعبد ربّه، لا طمعًا في الجنّة، ولا خوفًا من النّار، وإنّما يعبده لأنّه أهل لأن يُعبدَ، كما قالت مثل هذا الكلام رابعة العدويّة ... : (ما عبدتك طمعًا في جنّتك، ولا خوفًا من نارك، وإنّما عبدتك لأنّك أهل لأن تعبد)، واتّخذ بعض الصّوفيّة هذا شعارًا، يعني أن نعبد الله لأنّه المستحقّ للعبادة، لقدسيّته وجلاله، ولعظيم شأنه وعزّ سلطانه، ولجميل إحسانه وإكرامه، ولأنّه أسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة.
نعم هذا كلام حقّ، ولكنّنا لا نستطيع أن نصل إلى حقيقة استحقاق الله تعالى، وكلّ ما يقال في هذا المجال، فهو أقلّ ما يجب أن يقال، وأنا أرى أنّ هذه المقولة شطحة من شطحات الصّوفيّة، وأنا شخصيًّا لا
__________
(1) - في رحاب القرآن، ج3، (تفسير سورتي مريم وطه)، ص: 99.
(2) - في رحاب القرآن (تفسير سورة الكهف)، ص: 416. (1/50)
صفحة 50
أقبلها، تُرى لماذا؟ ذلك لأنّ الله تعالى خلق الجنّة، وجعلها أجرًا لمن أطاعه وعبده وطلب رضاه، ووصفها بأوصاف تهتزّ القلوب شوقًا إليها، وخلق النّار وجعلها عقابًا لمن عصاه، وتجنّب عبادته وأسخطه، ووصفها بأوصاف ترتعد لها الفرائص فرقًا منها، ثمّ إنّه وصف عباده المؤمنين بأنّهم يدعونه خوفًا وطمعًا، فقال: {تَتَجافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ المَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} (السّجدة: 16) وقال عقب الحديث عن طائفة من الأنبيّاء الذين ختمهم بزكريّاء عليهم السّلام: { ... إنّهُمْ كانُوا يُسارِعونَ في الخَيْراتِ ويَدْعُوننَا رَغَبًا ورَهَبًا} (الأنبيّاء: 90) فكلّ الأنبيّاء من آدم - عليه السلام - إلى النّبيّ محمّد - صلى الله عليه وسلم - يسألون الله تعالى الفوز بالجنّة، والنّجاة من النّار، ويدعون ربّهم رغبًا ورهبًا ... " (1)
ليزيد الشّيخ الموضوع توضيحًا، ويتوسّع في تنوير العقول؛ تصحيحًا للمفهومات التي تمسّ العقيدة. قام يردّ على شبهة أثارها المستشرقون؛ طعنًا في القرآن، وتشكيكًا للمسلمين في مصدر عقيدتهم. لقد وصف هؤلاء المغرضون القرآن بأنّه كتاب جنس وشهوة ولذّة ومادّة؛ بما يحمل من دعوات للعمل في الدّنيا للحصول على المتع الجنسيّة والطّعام والشّراب، ممّا عدّوه مساسًا بالكرامة، وانحطاطًا إلى دركات الحيوانيّة. ردّ الشّيخ بيّوض على هذا الهراء وهذا الطّعن المغرض. فما عدّه المستشرقون إسفافًا وانحطاطًا، قال عنه الشّيخ هو أسلوب تربوي، هدفه التّرغيب، وهو من صميم مقتضيات العقيدة: " إنّ الله تعالى يدعونا إلى أن نرغب في ثوابه، ويصفه لنا بكلّ وصف بديع ليحبّبه إلينا، ويشوّقنا إليه، حتّى فيما يتعلّق بالحالة الجنسيّة. وهذا ما أنكره بعض المستشرقين، وقالوا: إنّ محمّدًا رجل شهواني، إذ كيف يصف القرآن النّساء وحور العين ويرغّب فيهنّ، كمثل قوله: {حورٌ مقصُوراتٌ في الخِيامِ} (الرّحمن:72) وقوله: {كأمثال اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ} (الواقعة:23)، وقوله: {لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جانٌّ} (الرّحمن: 56). هذا غير المآكل والمشارب، وقد سخروا من الآيات الواردة في هذا المعنى، كمثل قوله: {مَّثَلُ الجّنَّةِ التِي وُعِدَ المُتَّقُونَ فيهَا أنْهارٌ مِّنْ مَّاءٍ غَيْرِ آسنٍ وأنْهارٌ مِّنْ لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغّيَّرِ طَعْمُهُ وَأَنْهارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ للشَّاربينَ وَأَنْهارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى وَلَهُمْ فيها مِنْ كُلِّ الثَّمراتِ} (محمّد: 15). سخروا فقالوا: إذن في الحنّة لذّات جسمانيّة؟ أي نعم، فالله تعالى يريد أن يجمع بين اللّذّة الرّوحيّة واللّذّة الجسمانيّة واللّذة الجنسيّة كذلك، والقرآن ملآن بمثل هذا." (2)
8 - يركّز أحيانًا على الدّلالة اللّغويّة في شرح المصطلحات وتوضيح المفهومات.
قدّم الشّيخ بيّوض في هذا العنصر ملاحظات دقيقة، وتحليلات عميقة، وتأويلات رائعة، واستنتاجات جيّدة مهمّة ... تخدم المعنى العام لما هو في صدد تفسيره. وقد أعانه هذا على الوصول إلى الهدف الذي كان يرجوه ويبتغيه من تفسيره آيات الذّكر الحكيم.
__________
(1) - في رحاب القرآن، ج19، (سورة الفتح)، ص: 345، 346.
(2) - المصدر السّابق، ص: 346. (1/51)
صفحة 51
في تعليقه على قوله تعالى: { ... رَبَّنَا أبَصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صالِحًا إِنَّا مُوقِنونَ} (السّجدة: 12) بيّن لماذا أتى الله - عز وجل - بلفظ (ربّ) بدل (الله): " اختار الله تعالى التّعبير بلفظ (الرّبوبيّة)، بدل لفظ (الجلالة)، الذي هو أعظم وأفضل الأسماء الحسنى، ولو شاء لقال: ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رؤوسهم عند الله، ولكنّه في هذا المقام اختار لفظ (الرّبّ)؛ لأنّه أدعى لإقامة الحجّة وقطع العذر، إذ الرّبّ فيه معنى الخلق والتّربيّة، والإمداد بالنّعمة، وكأنّه قال: ناكسو رؤوسهم عند خالقهم ومربّيهم ومعطيهم كلّ قوّة بدنيّة وعقليّة، حتّى انتهوا إلى ما انتهوا إليه من قوّة، فأنكروا الله وجحدوه، ففي ذلك الوقت وهم ناكسو رؤوسهم يحضر لهم ما كانوا يتغافلون عنه من قبل، من خلق الله لهم، وإغداق النّعم ظاهرة وباطنة عليهم.
وهكذا القرآن الكريم، يجب أن تكون لنا وقفة مع كلّ حرف وكلمة وآية؛ لبيان سرّ استعمالها في مقام دون آخر، كاستعمال لفظ الرّبّ مكان لفظ الجلالة (الله) هنا ... " (1)
عن مفهوم " الرّبوبيّة" وأثرها في توجيه السّلوك، يقول الشّيخ بيّوض، مستثمرًا دلالاتها ليبيّن سرّ اختيار الله تعالى اللّفظة المناسبة للمقام المناسب والحالة المناسبة، ولتكون هذه اللّفظة المختارة مناسبة لعرض العقيدة: " ... فإذا قلت: (ربيّ الله)، بقلب صادق، فإنّك حينئذ تجعل الله نصب عينيك في كلّ حركة وسكنة، وهذا كاف في الاستقامة، فكلّما عرض لك أمر فاجعل الله نصب عينيك وكأنّك تراه، كما ورد في الحديث. تيقّن أوّلا أنّ الله معك في كلّ عمل تريد أن تقوم به، وفي كلّ كلمة تريد أن تقولها، وكلّ خطوة تريد أن تخطوها، وكلّ ما أردت أن تمدّ إليه يدك، أو ترسل عينيك لتراه، أو تطلق أذنك لتسمعه. أَتُرضِي الله بذلك أم تغضبه؟ فاعمل بمقتضى الرّبوبيّة التي تعترف بها ... " (2)
9 – توحيد المرجعيّة
بهذه الخصّيصة كان الشّيخ بيّوض يعمل على تأصيل المسائل، التي يعرضها ويعالجها، ويتّخذ منها مواقف محدّدة، كان يستند في ذلك إلى ركيزتي النّصّ والعقل (3). وكان يدعو المتمسّكين بأقوال الأوائل، أن يجعلوا ميزانهم في هذا التّمسّكِ والاتّباعِ قائدَ هذه الأمّة الإسلاميّة القدوةَ والرّائدَ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -: "ونحن نقول: مثل هذا الكلام للذين يتمسّكون بالبدع؛ بناء على قولهم: إنّا وجدنا آباءنا، أو إنّا وجدنا أوائلنا ومشايخنا، نقول لهم: إنّ أوّلكم هو النّبيّ - صلى الله عليه وسلم -. هل فعل شيئًا ممّا تفعلون أم لا؟ فقولكم: (إنّا وجدنا آباءنا) لا يقوم حجّة، إذا عارض آية صريحة، أو سنّة صحيحة، وقولكم هذا قد يقبل، ما لم يعارض الطّريق الذي سلكه السّلف
__________
(1) - في رحاب القرآن، ج12، (تفسير سورتي السّجدة والأحزاب)، ص: 79.
(2) - في رحاب القرآن، ج16، (تفسير سورتي غافر وفصّلت)، ص: 472.
(3) - الفكر العقدي عند الشّيخ بيّوض، ص: 142. (1/52)
صفحة 52
الأوّلون: النّبيّ - صلى الله عليه وسلم -، الذي قال فيه الله تعالى: {لَقَدْ كانَ لَكُمْ في رَسُولِ الله إِسْوَةٌ حَسَنَةٌ ... (الأحزاب:21) ومن بعده من خلفائه وصحابته" (1)
10 – وَقْفُ المؤمن على نقطة الارتكاز في تقديم الدّرس العقدي
كان الشّيخ بيّوض يقدّم توجيهات للنّاس؛ قصد وقفهم على القاعدة التي تضمن لهم التّمسّك بدين الله والوقوف عند حدود ما شرع .. هذه القاعدة هي تأصيل الإيمان في قلب المسلم، الذي يساعده على استيعاب حقيقة العقيدة، وفقه الجوهر الذي لا يمكن التّساهل فيه، وتحويل الاهتمام بالقاعدة التي يُبنَى عليه السّلوك. فبعد أن فسّر الشّيخ بيّوض الآيات التي حدّدت العلاقة التي تكون بين أزواج النّبيء - صلى الله عليه وسلم - والذين آمنوا، وطرق التّعامل معهنّ، (وهو ما يجب أن يكون مع بقيّة نساء المؤمنين) (2)، ذكر أنّ الله - عز وجل - قال: { ... واتّقين الله إنَّ الله كان على كُلِّ شَيْءٍ شَهيدًا} (الأحزاب: 55) , أي إنّ الله - عز وجل - أشار إلى التّحلّي بالتّقوى؛ لاتّخاذ الاحتياطات، ووضع الحواجز، التي تمنع من الوصول إلى الفساد .. قال الشّيخ بيّوض: "فإذا أجاز الله تعالى للمرأة أن تنكشف لمحرمها فلابدّ من أن يكونا متّقين؛ لأنّهما إذا لم يكونا كذلك فقد يصلان إلى الفاحشة، وإنّ ذلك كان عند الله فاحشة ومقتًا وساء سبيلا.
فالله تعالى إذن كلّما أمر في كتابه بشيء أو نهى عن شيء، واتّخذ كلّ الاحتياطات التي تمنع من الوقوع في الجريمة، إلاّ ويأمر بعد ذلك بالتّقوى، ويذكّر بكلّ ما بجعل القلب حيًّا يتّعظ ويدَّكر ...
والنّجاة كلُّ النّجاة فيمن يعبد الله كأنّه يراه، فعلى كلّ أحد أن يستحضر الله في كلّ وقتٍ، ويستعين به على كبح جماح نفسه في كلّ حال." (3)
تنبيه الشّيخ بيّوض إلى هذه النقطة، له مغزى كبير وأثر عظيم في السّلوك؛ لأنّ ما أباحه الله من جواز انكشاف المرأة لمحرمها .. قد يكون سببًا لغواية الشّيطان، فيقع المحظور .. في هذه المواقف يحتاج المؤمن إلى التّحلّي بالإيمان القويّ الصّادق، الذي يحفظه من الوقوع فيما لا يرضي الله .. كما أنّ في مثل هذه المواقف يختبر المؤمن في إيمانه ..
للشّيخ بيّوض اهتمام كبير بهذا التّوجيه، وهو وقفُ المؤمن على نقطة الارتكاز في تقديم الدّرس العقدي، الذي يهدف أساسًا إلى التّربيّة .. وفي مثل هذه المواقف يربَّى المؤمن على حسن السّلوك، وحسن الأخلاق، وضبط العلاقة مع ربّه,.
__________
(1) - في رحاب القرآن، ج17، (تفسير سورتي الشّورى والزّخرف)، ص: 465. ينظر الفكر العقدي ... ، ص: 142.
(2) - ينظر الآيات: 53 – 55، سورة الأحزاب.
(3) - في رحاب القرآن، ج12، (تفسير سورتي السّجدة والأحزاب)، ص: 576. (1/53)
صفحة 53
ملاحظات مهمّة
من خلال قراءتي وتأمّلي في منهج الشّيخ بيّوض في ما تناوله في تفسيره من مسائل العقيدة، استوقفتني ملاحظات دقيقة، وإشارات عميقة، جديرة بالتّنويه بها (1)، أذكر بعضها فيما يأتي:
1 – نبّه إلى أشياء خفيّة ودقيقة في موضوع العقيدة، وحقيقة العقيدة؛ لها أثرها في ترسيخ الإيمان في القلب، وتثبيت صفة التّذلّل والخضوع لله، وإبراز وحدانيّة الله، وإفراده بالعظمة، من خلال التّصرّف المطلق في خلقه، والتّفرّد بحكمة تسيير الأمور وتصريفها، وجعل ما يشاء في الدّنيا، وما يريد في الآخرة. يبدو ذلك في اتّصاف الله - عز وجل - بالعدل المطلق في الآخرة. من هذه المشيئة والإرادة عمد الشّيخ إلى بيان أثر هذا العدل في الإيمان بالله.
علّق على ما جاء في قوله تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذِ المُجرمونَ نَاكسُو رُؤُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صالحًا إنّا مُوقِنونَ (السّجدة: 12)؛ ليضيء جانبًا من جوانب العقيدة، التي تخفى على بعض النّاس، فلا يكون لهم ذلك الإيمان الذي يحّل الله - عز وجل - في قلوبهم؛ بما يدفعهم إلى الإخلاص في
__________
(1) - بعض هذه الملاحظات ذكرها بعض الباحثين. (1/54)
صفحة 54
العبادة، فقال: " ... لو ترى حالة الكفرة في ذلك اليوم ورؤوسهم منكّسة من الخزي والذّلّ؛ لأنَّ أمرهم قد افتضح، وقد كانوا في الدّنيا يتّبعون الظّنون والأوهام وما تهوى الأنفس، ويعرضون عن آيات الله الظّاهرة وبراهينه السّاطعة ...
وقبل أن يجيبهم الله تعالى الجواب المسكت المفحم، عجّل بكلمةٍ، أظهر فيها سلطانه وقهره وجبروته، وأنّ كلّ شيء يكون بإرادته، إذ ربّما يسبق إلى ذهن إنسان أنّ الكفرة عصوا ربّهم – حاشاه – رغمًا عنه، وأنّه لم يقدر على أن يحملهم على الإيمان، رغم قيام الحجج بإرسال الرّسل وإنزال الكتب، وتمييزهم بالعقل، مع ما في صدورهم من الفطرة التي فطر الله النّاس عليها، ولهذا عجّل بقوله: {وَلَوْ شِئْنَا لأَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُداها وَلَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنَّاسِ أجمعينَ} (السّجدة: 13) لو شئنا لحملنا كلّ واحد على اتّباع طريق الهدى، ويجبر على ذلك جبرًا، ولكنّ حكمة الله اقتضت أن يخلق خلقًا ويجعلهم مكلّفين، ويمكنهم من الاختيار المطلق لما يريدون، ولكنّه يعلم ما سيختاره كلّ واحد منهم، ومن سيهتدي أو يضلّ، ولو شاء لانتزع من قلوبهم الشّهوات، فلا يكونون إلاّ مهتدين كالملائكة، ولو شاء لساقهم إلى ما يريد منهم بالغريزة والإلهام كالبهائم، فكثيرًا ما يفهم البعض هذا المفهوم، وكأنّ فيه نوعًا من الظّلم، ولكنّه يستسلم، على أنّ هناك ما يمكن أن تطمئنّ إليه النّفس من التّعليل." (1)
2 – كان الشّيخ بيّوض يركّز في دروسه على ضرورة تحريك الإيمان في القلب وتنميته ليكون ذلك دافعًا لمراقبة الله: إتيانًا لأوامره، وانتهاءً عن نواهيه، والتزامًا بالوقوف عند حدوده. وكان يكشف عن بعض الدّقائق التي قد تخفى على كثير من النّاس، فلا يفقهون ما يرد في سياق الآيات؛ ممّا قد يبدو فيه عدم التّرابط، بينما هو تعبير محكم وإرادة إلهيّة في نسج الجمل، وحِكَمٌ كما يراها هو؛ لقصد تقرير حُكم، أو تنبيه إلى أمر ... (2)، في هذا قال الأستاذ حمّو الشّيهاني" ووظّف في هذا التّأكيد المناسَبَةَ بين الآيات، فلاحظ أنّ البيان الإلهي – في سورة الأحزاب – بعدما استفاض في الأساليب الوقائيّة من اقتراف الفاحشة أمر عباده بالصّلاة على النّبىء: - صلى الله عليه وسلم - {إنّ الله ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ علَى النّبيء يَا أَيُّها الذينَ آمَنُوا صَلُّوا عَليْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} (الأحزاب: 56)؛ مشيرًا إلى أنّ ذلك ممّا يزكّي القلوبَ، فتستقيم الجوارح على الطّريقة." (3)
__________
(1) - في رحاب القرآن، ج12، (تفسير سورتي السّجدة والأحزاب)، ص:78، 80، 81.
(2) - يقول الشّيخ بيّوض: " وكما هو معلوم – بإجماع الأمّة – أنّ ترتيب الآيات توقيفي من عند الله تبارك وتعالى، والقرآن كلّه مجموع في اللّوح المحفوظ، ينزل بالآية والآيتين وفق ما يريد الله تعالى، ويقول لجبريل ثمّ إلى النّبيء - صلى الله عليه وسلم -: ضعوا هذه الآية في مكان كذا وكذا ... ولهذا فعلى المرء أن يتدبّر مواقع الآيات وحكمة ترتيبها ... ّ في رحاب القرآن، ج12، (تفسير سورتي السّجدة والأحزاب)، ص: 577. يُنظر مثالٌ آخر في المصدر نفسه، ص: 85، 86.
(3) - الفكر العقدي عند الشّيخ بيّوص، ص: 301. (1/55)
صفحة 55
علّق الشّيخ بيّوض في عدّة صفحات على أمر الله - عز وجل - الصّلاةَ على النّبيء - صلى الله عليه وسلم -؛ مبيًّنا مقامه وفضله، وما يجب على المؤمنين اعتقاده فيه، ثمّ محبّته، لأنّ محبّته من محبّة الله - عز وجل - (1)، قال: "جاءت هذه الآية المباركة التي تظهر فضل النّبيء - صلى الله عليه وسلم - ومقامه العالي وخطر الذين يؤذونه ويؤذون المؤمنين، في وسط الكلام على نظام الأسر والعائلات، وعلى الأحكام المتعلّقة بالنّساء ... وهي شديدة الاتّصال بما قبلها وما بعدها ... " (2)
بعد أن فصّل القول في كيفيّة الصّلاة على النّبيء - صلى الله عليه وسلم - وذكر الصّيغ الواردة في هذا، وسرد بعض الأحكام المتعلّقة بالسّلام على رسول الله، وبعد أن عرض بعض أقوال العلماء في الجمع بين الله تعالى وغيره في ضمير واحد ... قال: " أمّا فيما يتعلّق بموقع هذه الآية في وسط هذا السّياق الذي نحن فيه، والذي بتعلّق بالمرأة وسترها وحجابها ومحارمها، فيبدو أنّ الحكمة هي إظهار مقام النّبيء - صلى الله عليه وسلم - للنّاس ...
في وسط هذا السّياق جاءت هذه الآية بيانًا لمقام الرّسول - صلى الله عليه وسلم - عند الله تعالى ... ومن المعلوم أنّه كلّما عظم الله تعالى في قلب إنسان كان أسرع إلى امتثال أمره واجتناب نهيه، وكذا الأمر بالنّسبة للرّسول - صلى الله عليه وسلم -، فأراد الله تعالى أن يملأ قلوبَنا بتعظيم النّبيء - صلى الله عليه وسلم - ...
هذا الذي يريد الله تعالى أن يبيّنه بإدراجه هذه الآية هنا، وأنّ النّبيء - صلى الله عليه وسلم - بالمقام السّامي، وأنّه أفضل مخلوقاته؛ ليحفّزنا على اتّباع شرعه، والاقتفاء بسنّته، وتلقّي الأحكام التي جاء بها من قبل ربّه ... " (3)
الملاحظة التي قدّمها الشّيخ بيّوض مهمّة جدًّا، ودقيقة في موضوع الإرشاد القويّ للتّعامل مع كلام الله تعالى، والفهم الصّحيح للدّين، والتّوجيه الذكيّ والهادف لفقه حقيقة العقيدة. إنّ الأحكام التي ساقها الله تبارك وتعالى، جاءت عن طريق الوحي، فبلّغها الرّسول - صلى الله عليه وسلم - للنّاس. وهو بذلك يتبوّأ مكانة ساميّة، ومقامًا عاليّا عند ربّه، وهو ما يجب أن يعتقده المبلَّغ لهم ذلك، ويعملوا على تجسيده في حياتهم وسلوكهم، ما يعين على ذلك إظهار محبّة رسولهم - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنّ محبّته من محبّة مَنْ مَكنّه هذا القدرَ، وهو ربّ العزّة والجلالة والإكرام. فكان في إقحام تقدير النّبّيء - صلى الله عليه وسلم - وعدم إذايته، بل الصّلاة عليه في سياق الآيات المتعلّقة بأحكام الأسرة توجيهٌ إلى الامتثال لأوامره، وقد ورد في السّورة نفسها قوله: {لَقَدْ كانَ لَكُمِ في رَسولِ الله إِسْوَةٌ حَسَنَةٌ ... } (الأحزاب: 21) وفي هذا ترسيخ للعقيدة، وتلقين إحدى مميّزات القرآن أو خصوصيّته، التي تكشف عن تفرّده وتمنّعه عن المثل والنّدّ .. في هذا التّناول يتكشّف جانب من جوانب منهج الشّيخ بيّوض في عرض العقيدة.
3 – تصحيح العقيدة بالتّنبيه إلى بعض الأخطاء الخفيّة
في معرض التّعليق على قوله تعالى: {إنّ اللّه وملائكته يصلّون على النّبيء ... } (الأحزاب: 56) بيّن الشّيخ بيّوض أنّ من تمام تعظيم الله - عز وجل - التّأدّبَ معه في كلّ الحالات؛ تنزيهًا له أن يناله تقصير في حقّه، أو مساس بكبريّائه، وفيه تدريب النّفوس على تقديس الذّات الإلهيّة، وإفرادها بالعبوديّة والرّبوبيّة، اللّتين تدفعان إلى الخضوع لله والعمل على تحسين العلاقة به؛ بحسن السّلوك.
هذا أثر من آثار رسوخ العقيدة في القلب، قال عن كلمة (يصلّون): " ... ومثل هذا الجمع بين الله تعالى وغيره في ضمير واحد منهيّ عنه، إلاّ أن يكون الله تعالى هو الذي يجمع نفسه مع غيره، فقد كان النّبيء - صلى الله عليه وسلم - مرّة مع جماعة من الصّحابة رضي الله عنهم، فقام خطيب منهم فقال: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى، فقال له الرّسول - صلى الله عليه وسلم -: بئس الخطيب أنت! ألا قلت: ومن يعص الله ورسوله فقد غوى (4). ولهذا شواهد من القرآن. وإذن لا يجمع بين الله تعالى وغيره في ضمير واحد، ولكنّ هذا الجمع في قوله تعالى: {إنّ اللّه وملائكته يصلّون على النّبيء ... } أراد به الله تعالى أن يشرّف ملائكته، وأضافهم إلى نفسه." (5)
بعد أن ذكر رأي بعض المفسّرين في تأويل ما جاء في الآية، وعرض شاهدًا من هذا الاستعمال في القرآن ووضّحه (6)، وجّه كلامه للموجِّهين، وهو بيت القصيد ومحلّ الشّاهد من كلّ ما عرضه. وهذا يندرج في صميم منهجه في عرض العقيدة، قال: "وعلى الوعّاظ والمرشدين والكتّاب الحذر من الوقوع في مثل هذا الخطأ. وإذا لم نقل فيها: إنّه لا يجوز، نقول: إنّه سوء أدب مع الله، فإذا تكلّمت عن الله تعالى، فتكلّم عنه وحده، ولا تضمّ إليه أحدًا، وتجمعه معه في ضمير واحد." (7)
4 – توجيه المربِّين إلى أساسيّات في التّربيّة على العقيدة
أ - كان الشّيخ بيّوض حريصًا أشّدّ الحرص على إرساء قواعد في البناء، وتثبيت أسس في التّربيّة .. من ذلك توجيه المربّين والمكوّنين إلى الانتباه إلى الخطوات المهمّة في الإعداد والتّكوين، وعدم الغفلة عن الأمور الأساسيّة في رسم خطط بناء النّفوس.
__________
(1) - ينظر في رحاب القرآن، ج12، (تفسير سورتي السّجدة والأحزاب)، ص: 576 – 598.
(2) - المصدر السّابق، ص: 578.
(3) - المصدر السّابق، ص: 595 – 598.
(4) - مسلم، الصّحيح، كتاب الجمعة، باب تخفيف الصّلاة والخطبة، حديث: 870، ج2، 594.
(5) - في رحاب القرآن، ج12، (تفسير سورتي السّجدة والأحزاب)، ص: 592، 593.
(6) - ينظر الآية: 24 من سورة المائدة.
(7) - في رحاب القرآن، ج12، (تفسير سورتي السّجدة والأحزاب)، ص: 593. (1/56)
صفحة 56
في حديثه عن أثر الدّين في التّربيّة والتّعليم، عرض لما حصل من تطوّر في الأبحاث التّربويّة، وما تكدّس من نظريّات في علوم التّربيّة وعلم النّفس، وما أبدعه العلماء والفلاسفة من آراء في تربيّة الأحداث، من دون الاهتمام بالدّين في التّكوين، وطلب الهداية من دون الالتجاء والاستعانة بالله، أي إبعاد الجانب العقدي في العمليّة التّربوية ... وقالوا: في هذه النّظريّات والتّجارب الوسائل المثلى لتحقيق النّجاح في التّربيّة والإعداد. قال الشّيخ بيّوض سائلا ومجيبًا من يسير في هذا الدّرب، وبهذا المنهح: "وهل تظنّون أنّ شيئًا من ذلك ينفع من دون التّربيّة الدّينيّة؟؟ - كلاّ والله – وأقولها مجلجلة مدويّة: فلا تربيّة تنفع في إصلاح سلوك الإنسان وتحقيق سلامة قلبه، إلاّ إذا كانت مبنيّة على كتاب الله وسنّة رسوله، فاملأ أيّها المربّي المسلم قلوب ناشئتك ما استطعت بجلال الله ومحبّته، والرّغبة في نعيمه ورضوانه، والخوف من عذابه ونقمته، وبغير ذلك لا تجدي أيّة فلسفة تربويّة لفلان أو علاّن." (1)
دعم الشّيخ رأيه في هذه النّقطة بالواقع الإنساني والعالمي، الذي يشكو تعثّرًا في البناء الصّحيح للإنسان السويّ؛ بسبب غياب الحجر الأساس في ذلك وهو الدّين. قال: إنّ هذا الواقع يغني عن الإجابة: " ذلك لأنّ الذي يمكن أن يستفيد من تلك العلوم في التّربيّة وعلم النّفس، هو ذلك المربّي الذي يضع كتاب الله في يمينه، وسنّة رسوله في شماله؛ نبراسين ساطعين بنور الله، يكشفان له معالم الطّريق، في أوّله ووسطه وآخره، وهو يقوم بمهمّته التّربويّة، على أسس العقيدة الرّاسخة، من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ثمّ بعد ذلك يأخذ من التّجارب الإنسانيّة الصّادقة ويتزوّد بكلّ نافع من القواعد الصّحيحة والأساليب النّاجحة في غرس الأخلاق الإنسانيّة الرّفيعة، لتكوين الفرد الصّالح والمجتمع الفاضل ... " (2)
التّركيز على العقيدة قاعدةً صلبة أساسيّة في التّربيّة واضح وصريح فيما نبّه إليه الشّيخ بيّوض، ولن تقوم مكانها ما يدعو إليه المربّون خارج دين الله، إنّهم لن يتمكّنوا من القيام بمهمّاتهم التّربويّة بقوّة؛ بعيدًا عن تشريع ربّ العباد، بل إنّ الإفادة من التّجارب الإنسانيّة لغرس القيم الإنسانيّة في الإنسان الصّالح والمجتمع الفاضل، لن تحصل إلاّ إذا كانت الانطلاقة من الدّين، وكانت الرّعاية الشّاملة والحضانة الكاملة والحصانة الدّائمة من الإيمان بمكوّنات العقيدة.
ب - في السّياق ذاته، أشار على المربّين إلى العمل على تكوين الضّمائر الحيّة والقلوب السّليمة في النّاشئة؛ بالاستعانة بالله في التّوفيق في التّربيّة، وتوفير الهداية للأجيال الصّاعدة، وهو تنبيه مهمّ، إذ يجعل في الارتباط بالدّين، والتّعلّق بإرادة الله ومشيئته توجيهَ عمل عباده. من شأن هذا التّنبيه أن
__________
(1) - حديث الشّيخ الإمام ردًّا على بعض الشّبهات والأوهام، الحلقة الأولى، ص: 22.
(2) - المصدر نفسه. (1/57)
صفحة 57
يزرع الأمل والطّمأنينة في قلوب المربّين، الذين يتحرّكون بوحي من العقيدة، هذا التّصرّف هو أحد ثمرات منهج عرض العقيدة.
قال الشّيخ بيّوض: " ... فهذا هو مجال الدّعوة الحقيقيّة للمربّين الإسلاميّين والدّعاة إلى الله، فليكن شغلهم الشّاغل كيف يتوصّلون إلى تكوين تلك الضّمائر الحيّة، والقلوب السّليمة في نفوس الأجيال الصّاعدة، ويجعلوا نصب أعينهم معنى هذه الآية الكريمة { ... مَنْ يَّهْدِ الله فَهُوَ المُهْتَدْي وَمَنْ يُّضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا} (الكهف: 17)؛ وذلك باستنفار جهودهم في الأخذ بوسائل التّربيّة الحديثة ومناهجها الصّحيحة، ثمّ يطلبون التّوفيق والهداية من الله، ليزكّي أعمالهم، ويثمر جهودهم، إِنْ في بيوت الله للدّعاة والمرشدين، أو في المؤسّسات التّربويّة، والمعاهد العلميّة للأساتذة والمربّين." (1)
ج - نبّه المعلّمين المربّين إلى نقطة لها أهمّيتها في ترسيخ عنصر الاحترام لمصدر الهداية (القرآن الكريم)، لتحديد العلاقة التي يجب أن تكون بينه وبين نفوس المؤمنين، من حيث المكانة التي يحتلّها في القلوب، ومن حيث طرق التّعامل معه؛ حتّى يبقى متميّزًا عن سائر الكتب، فإنّ هذا من شأنه أن يبعث على تمثّل ما ورد فيه، والالتزام بما يأمر به. قال معلّقًا ومنبّهًا إلى الخطأ التّربوي الذي يرتكب في حقّ النّابتة والنّاشئة في طريقة التّعامل مع النّصّ الدّيني، الذي يكون أحيانًا باهتًا، لا حرارة فيه ولا تأثير: " ... أفنرضى لأبنائنا المسلمين أن يتعامل أحدهم مع نصّ القرآن أو الحديث، كما يتعامل المسيحي أو الملحد؟؟ قصارى أمره أن يضبط من خلاله بعض قواعد الصّرف أو النّحو والبلاغة، ثمّ هو لا يحرّك فيه وجدانًا، ولا يقوده إلى معرفة الله ومحبّة رسوله، اللّهم لا.
ولذا فإنّنا لا نحيد عن موقفنا من التّعليم، بل نتعصّب له، ولو ببذل الأرواح؛ لأنّنا نعتقد أنّ المصائب كلّها تهون إذا سلمت لنا عقائدنا، واستقام دبننا. بينما لا نمانع أن يمزج هذا التّعليم ببعض المواد العلميّة التي تمكّن الطّالب في المعهد (معهد الحياة) أن يشارك في الامتحانات الرّسميّة؛ بالتّرشيح الحرّ، إذا رغب أن يحصل على شهادة، تثبت مستواه لمتابعة دراسته في الجامعة أو المعاهد العليا. وبذلك نضمن للجزائر إطارات كفأة، تتمتّع برصيد من التّربية الدّينيّة والأخلاق الحميدة، ويثبتون في مختلف المعاهد والمؤسّسات؛ ليكونوا قدوة صالحة لغيرهم: سلوكًا وعملاً، ونزاهة والتزامًا ... " (2)
د - الكفّ عن القول بغير علم
ينبّه كثيرًا إلى الابتعاد عن الخوض في المسائل أو المباحث العقديّة التي ليس فيها علم يقيني، ولا أدلّة قطعيّة؛ لأنّها لا تزيد الأمر إلاّ تعقيدًا، ولا تورثّ إلاّ ضلالا وتيهًا، وابتعادًا عن الحقّ، إذ أنّها تخضع للتّأويل
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 25.
(2) - المصدر السّابق، ص: 31، 32. (1/59)
صفحة 58
والنّظر الشّخصي، وقد تتأثّر بالأهواء والنّزعات الذّاتيّة، ثمّ إنّ التّفاصيل التي يبحث فيها عنها لا تقدّم في المحال العقدي أيّ بُعد، أو فائدة تنفع في السّلوك.
في هذا توجيه منهجي في كيفيّة التّعامل مع العقيدة، وترشيد للتّفكير والنّظر، وفيه اقتصاد للجهد وصرفه فيما هو في طاقة الإنسان المخلوق الضّعيف، ذي القدرة المحدودة، وإنفاق وقته في المفيد والنّاجع، وفي النّهاية فيه دعوة إلى تفويض الأمر إلى الله جلّ وعلا، الذي لو رأى في معرفة التّفاصيل في المسائل التي لم يمنح فيها الفرصة للفرد أن يبحث فيها لأخبرنا بذلك، ولَمَكّننا من النّظر فيها، وفي ذلك زرع لليقين في قلب المؤمن نحو خالقه ... وهذا هو الدّرس الحقيقي الذي نفيده من العقيدة.
وجّه الشّيخ بيّوض أحد السّائلين، الذي سأله عما يشاع من نزول عيسى عليه السلام في آخر الزمن، أصحيح هو أم خرافة؟ قائلاً له: "والاشتغال بغير هذا من المهمّات الدّينيّة والدّنيويّة أولى وأحرى؛ لأنّ البحث فيما سألت عنه لا يأتي بنتيجة مطلقًا، مهما طال وامتدّ، فلا يعدو أن يكون تضييعًا للعمر فيما لا فائدة له." (1)
في تفسيره لقوله تعالى: { ... أَفَتَتّخِذونه وذُريّتهُ أوْليَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ للظّالمين بدلاً} (الكهف: 50) قال معلّقًا على بعض ما ذكره بعض المفسّرين في حقيقة ذريّة إبليس، وما قيل في تأويل ما ذكره الله تعالى، وعدّ ما أجهد فيه القائلون أنفسهم لتقديم المعنى المقصود في هذه الآية أو هذا السّياق ترفًا وسرفًا في الجهد، لا فائدة منه؛ لأنّه ببساطة لم يصحّ عن النّبيء - صلى الله عليه وسلم - ما أوردوه، فلا يتقوّل على الله من دون علم، ومن دون دليل: "وثبت عن النّبيء - عليه السلام - أنّه أُرسل إلى الإنس والجنّ، فهم إذن مكلّفون، ولكن لا نعلم من أمرهم شيئًا، عن طريقة أدائهم الفرائض، وطريقة اتّصال بعضهم ببعض، وطريقة التّوالد، ولم يصحّ عن النّبيء - صلى الله عليه وسلم -، شيء من هذا، ولو صحّ عنه شيء لقبلناه على الرّأس والعين؛ لأنّه خبر صادق، ولا ينطق عن الهوى، إن هو إلاّ وحي يوحى، وإذ لم يصحّ عنه شيء، فلا يجوز أيّ اعتقاد في الموضوع." (2)
إنّ الشّيخ بيّوض يتوقّف عن الخوض في هذا النّوع من القضايا، التي ينتج عنه اختلاف في الرّؤى، ويفضي إلى التّنازع والخلاف فالشّقاق ... ؛ بالإضافة إلى عدم الخروج بنتائج يقينيّة؛ لأنّ هذا التّناول لا يستند إلى علم ...
من هذه المسائل حقيقة كلام الله - عز وجل - موسى - عليه السلام -، ما هي اللّغة التي كلّم بها نبيّه؟ وكيف سمعه موسى؟ وكيف دار بينهما هذا الكلام؟؛ مذكّرًا أنّ الخوض في كلّ ذلك مضيعة للوقت، وانحراف عن سواء السّبيل؛ لأنّه اتّباع للظّنّ، وفيه ضرر للمسلمين في وحدتهم ... " وكلّ هذا دخول فيما لا يعني، بل لا
__________
(1) - فتاوى الإمام الشّيخ بيّوض إبراهيم بن عمر، الجزء الأوّل، ترتيب وتقديم وتخريج بكير بن محمد الشّيخ بالحاج، المطبعة العربيّة، غرداية، الجزائر، 1988م، ص: 69، 70.
(2) - في رحاب القرآن، تفسير سورة الكهف، ص: 225. (1/60)
صفحة 59
نحترس أن نقول: إنّه دخول فيما لا يجوز، فمن أين أن نعرف؟ (فالعجز عن إدراكه إدراك والخوض في إدراكه إشراك)، وخاصّة في مسألة الكلام التي طال فيها الجدال على أيدي أناس دخلوا الإسلام، وخلقوا الفتنة التي ابتلي بها كثير من النّاس في زمان مضى، كما ابتلي البلاء الكيير التّقيّ الورع المتمسّك بالسّنّة الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله ... والله ما كان ينبغي ذلك الجدل، ويجب أن يطوى ولا يذكر، لأنّه ما شتّت المسلمين إلاّ هو." (1)
خاتمة
أهمّ النّتائج التي خلصت إليها هذه الدّراسة هي الآتي:
1 – منهح الشّيخ بيّوض في عرض العقيدة يبيّن أنّ العقيدة فطرة في الإنسان، بمعنى أنّ الإنسان بعيش العقيدة بالقوّةِ. والفعلُ يعمل على إيقاظها وتنمية التّمسّك بها.
2 ـــــــــ ركّز الشّيخ بيّوض في تفسيره على العقيدة، ينطلق منها ليصل إليها، يؤسّس منها وعليها ما ينطق به، وما يوضّحه، وما يبني عليه بنيانه التّربوي والتّرشيدي والتّوجيهي والإصلاحي، وعمله الشّامل لكلّ جوانب الحياة. فإذا أمكن أن نعطي لتفسيره وصفًا خاصًّا، أو أن نَسِمَه بسِمَة عامّة نقول: هو كتاب عقيدة؛ إذ أنّه يربط كلّ تحليلاته وتعليقاته بالعقيدة.
هو بذلك يصدر عن حقيقة الدّين الإسلامي، وهي العقيدة. فكلّ ما يتفرّع من هذا الدّين، وكلّ ما يوجّه الفرد؛ طبقًا للدّين، وكلّ ما يطبع سلوكه وفق هذا الدّين هو عقيدة. بهذا يكون الشّيخ قد التزم بمنهج الإسلام في التّربيّة والتّوجيه، المتمثّل في استصحاب العقيدة في كلّ حركة، وكلّ توجيه، وفي كلّ تفسير ...
__________
(1) - في رحاب القرآن، ج8، (تفسير سورتي النّمل والقصص)، ص: 359، 360. (1/61)
صفحة 60
3 – طريقة تناول الشّيخ بيّوض لمسائل الدّين، ودعوته وإصلاحه، وبخاصّة تفسيره القرآن الكريم، واستعانته بمصادر في هذا التّفسير، كالقرآن الكريم نفسه والسّنة الشّريفة والسّيرة النّبويّة والأمثال العربيّة واللّغة العربيّة ... وتوظيفه الوسائل المختلفة ... كلّ ذلك يصل بالمتلقّي لهذه التّوجيهات، والمتعلّم من منهجه، والمخاطب بكلامه وإرشاده، والواعي والمستوعب لما ينقله إليه ... إلى فقه أنّ أصل الدّين هو العقيدة، وأنّ كلّ سلوك وكلّ تحرّك مرجعه واحد هو العقيدة.
هذه النّتيجة حصلت - وتحصل – نتيجة وضوح منهج الشّيخ بيّوض ودوره وقيمته في عرض العقيدة، وفهمه الصّحيح لمكوّنات العقيدة، التي هي كلّ ما يحمله الإسلام، وكلّ ما يحويه مفهوم الدّين.
4 - هذا المنهج يبيّن أنّ العقيدة هي القاعدة الصّلبة التي كان يرتكز عليها الشّيخ بيّوض في عمله الدّعوي والتّربوي والإصلاحي ... هذه نقطة مهمّة في منهجه، وهي من العناصر الأساسيّة التي يجب أن تستثمر في دراسة منهجه، وفي شخصيّته، وفي عمله ونشاطه؛ للإفادة منه في بناء النّفوس، وتكوين النّشء ...
5 – إنّ هذا التّوجّه في عرض العقيدة يرتبط ويتّصل بشخصيّة الشّيخ بيّوض الإصلاحيّة، وينبثق من التزامه بمبدأ الإصلاح الشّامل، فيكون على رأس العمل الإصلاحي - بل أساسه - ترسيخ العقيدة الصّحيحة في القلوب، وتبيين الطّرق السّليمة في التّربيّة؛ طبقًا لما تشير به وتدعو إليه.
6 ـــــــــ في ردّ الشّيخ بيّوض كلّ التّصرّفات وكلّ أنواع السّلوك إلى مصدر واحد، وإلى مرجعيّة واحدة تجسيد لأصل الوحدانيّة أو الواحديّة، التي تميّز بها الدّين الإسلامي. هذا التّناول لشؤون الحياة بهذه القاعدة، َوفق هذا المبدأ، هو ثمرة العقيدة، التي تحرّك الفرد المسلم في مسيرته في خطّ مستقيم. هذا ما يطلب الشّيخ بيّوض ويدعو أن يعيه النّاس حقّ الوعي، ويكيّفوا سلوكهم على هديه. ويريد أن تكون العقيدة حاضرة في كلّ أعمال الفرد المسلم، وهو ما تهدف إليه التّربيّة الصّحيحة. ونجاح الشّيخ في هذه الرّسالة جاء نتيجةً لنجاعة منهجه في عرض العقيدة.
7 ــــــــ ردُّ كلّ مسألة إلى أصولها الإيمانيّة، وربط ُكلّ سلوك بقاعدة إيمانيّة، مهما يكن هذا السّلوك، في أيّ مجال كان، في العبادات والمعاملات أو العقيدة ... يبيّن ترابط تصرّفات الإنسان، وتشابك حركات المؤمن، ويبرز شموليّة الإيمان وهيمنته على كلّ جوانب الحياة، وعلى كلّ سلوك؛ إذ هو الموجّه والمقوّم للعمل في الحياة. من هذا يتبيّن ويعرف المؤمن مرجعيّته في الحركة والنّشاط والسّلوك، فتظهر له أنّها واحدة، لا ثانيّة لها، هذا ما أيرزه وأثبته منهج الشّيخ بيّوض في تناول العقيدة.
8 - ربطُ مسائل العقيدة بأصولها العمليّة والتّربويّة، وإبرازُ البعد العملي والجانب الأخلاقي، الذي ينبغي أن يظهر في حياة الفرد المسلم من إيمانه بالأصل العقدي. (1/62)
صفحة 61
9 - لا يقف الشّيخ كثيرًا بالجدل في المسائل المختلف فيها، التي لا تعدّ من أساسات العقيدة، التي لا تؤثّر في السّلوك والعمل. إنّما يركّز على ما بعين على حسن العمل، وتحسين السّلوك، وترشيد الحركة. ويُبعد كلّ ما يثير الفتن، ويزرع الشّقاق، ويؤجّج العداوة.
10 – حمل على عاتقه مسؤوليّة التّصحيح؛ بصفته مربيًّا وموجّهًا ومعلّمًا، فقام بتصحيح المسار، وتصحيح عمليّة التّربيّة، وحماية الدّين.
11 – كان يخاطب العقل، ويحرّك الوجدان في آن واحد، ويختار الأسلوب المناسب؛ حسب مقتضيات الأحوال، وحال المخاطب، وطبيعة الموضوع، ودواعي تناول المسألة ...
12 – حرص أشدّ الحرص على الدّعوة إلى بناء العقيدة على اليقين، وقد اجتهد كلّ الاجتهاد في الالتزام بهذا في منهجه. دعاه هذا إلى الاستقلال بالرّأي في بعض الأحيان، حين لا يطمئنّ إلى التّفسيرات أو التّأويلات المقدّمة، ويراها لا تنسجم مع منهجه، لافتقارها إلى اليقين وإلى الأدلّة القطعيّة.
المصادر والمراجع
1 ــــــــ بيّوض، إبراهيم بن عمر (شيخ)
أ ـــــــ في رحاب القرآن، (تفسير القرآن الكريم)، الأجزاء:1 – 4) و (7 – 19) تحرير عيسى بن محمد الشّيخ بالحاج، المطبعة العربيّة، غرداية، الجزائر، نشر جمعيّة التّراث، القرارة، غرداية، الجزائر، ما بين 1994م و 1431هـ/ 2010م.
ب ــــــــ فتاوى الإمام الشّيخ بيّوض إبراهيم بن عمر، الجزء الأوّل، ترتيب وتقديم وتخريج بكير بن محمد الشّيخ بالحاج، المطبعة العربيّة، غرداية، الجزائر، 1988م.
ج ـــــــــــ المجتمع المسجدي، إعداد محمد ناصر بوحجام، المطبعة العربيّة، غرداية، الجزائر، 1989م. (1/63)
صفحة 62
ه ــــــــ حديث الشّيخ الإمام ردًّا على بعض الشّبهات والوهام، الحلقة الأولى، إعداد وتنسيق الشّيخ محمد بن إبراهيم سعيد (كعباش)، المطبعة العربيّة، غرداية، نشر جمعيّة النّهضة، العطف، غرداية، الجزائر، 1992م.
2 ــــــــــ حمدي، صالح بن محمد.
مسائل الإيمان بالله تعالى عند الإمام إبراهيم بن عمر بيّوض من خلال تفسيره في رحاب القرآن، ط1، دار الخلدونيّة، الجزائر، 1430ه/ 2009م.
ـ3 ــــــــــ دبّوز، محمد علي (شيخ)
أعلام الإصلاح في الجزائر (1921 - 1975م)، ج3، ط1، مطبعة البعث، قسنطينة (الجزائر)، 1978م.
4 ـــــــــ الرّبيع بن حبيب، المسند، ج1،
5 ــــــــــ الشّيهاني، حمّو بن عيسى (دكتور):
الفكر العقدي عند الشّيخ بيّوض، منهجه وأبعاده (أطروحة الدّكتوراه في العلوم الإسلاميّة) (مخ)، كليّة العلوم الإسلاميّة، جامعة الجزائر، السّنة الجامعيّة: 1430– 1431هـ/ 2009– 2010م، (طبعت الأطروحة).
محتويات الكتاب
مقدّمة
الشّيخ إبراهيم بن عمر بيّوض في سطور
تمهيد
الأهداف المنشودة
تحديد المصطلحات وتوضيح المدلولات
مرتكزات الشّيخ بيّوض في منهجه (1/64)
صفحة 63
ردّ الشّبهات و تصحيح الفهم الخاطئ والتّأويل الفاسد
خصائص منهج الشّيخ بيّوض في عرض العقيدة
ملاحظات عامّة
خاتمة
المصادر والمراجع
محتويات الكتاب (1/65)