صفحة 1
الكتاب: سليمان الباروني المعلم المقاتل لفاضل السباعي وآخرين
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] سليمان الباروني (المعلم المقاتل)
تأليف: فاضل السباعي و آخرون
رسالة وخصال
في عامٍ ما، من عشرينات القرن العشرين، كتب أبٌ من "طرابلس الغرب" إلى ابنه الفتى، الذي يتلقّى العلم خارج البلاد، رسالة أبوية، يُعلمه فيها بمنزلة جدوده عبر التاريخ... يقول: "اقرأ هذه الرسالة المشتملة على تاريخ أجدادك، يا بني، لتعلم أنكمن سلالة رجال علم وحكومة. ثم اختر لنفسك أن تكون عالما جليلا أو حاكما عادلا. ومع ذلك لا تعتمد على فخر الجدود، بدون أن تتحلَّى بحليتهم وتقتفي أثرهم، فانه إذا اجتمع في الإنسان تمجيده بأعماله وأعمال جدوده، كان جامعاً لصفات الحمد. فأجهد نفسك أن يكون لك مجد اكتسابيٌّ ذاتي، تجمعه إلى مجد جدودك،" فتكون كاملا، معظَّماً بين أقرانك، يفتخر بك أبناؤك من بعدك. والله يلهمك الرشاد)).
ثم يروح يسرد على ولده صفحاتٍ مما دونته كتب التاريخ من أمجاد جدوده، الذين كان منهم الأمراء وكان الأئمة، وكانوا دائماً يتصفون بالعلم والتقوى، والأخلاق الحميدة والخصال المجيدة.
ذلك الأب هو "سليمان الباروني"... الذي كان واحداً من ألمع قادة الجهاد في ليبيا، أيام الغزو الإيطالي الأثيم، وكان له شأن كبير في توجيه دفَّة سياستها خلال فترة من عمر الزمان.
وكانت، في انتظار "سليمان الباروني"، مصادفةٌ من مصادفات القدر النادرة... ومنها بدأ رحلته الأولى في العذاب!
البداية وراء القضبان
ولد "سليمان بن عبد الله الباروني" سنة 1287 هجرية ( 1870 ميلادية)، في مدينة "جادو" من أعمال "جبل نفوسة" – الواقع إلى الجنوب من مدينة طرابلس الغرب، في ليبيا اليوم. (1/1)
صفحة 2
وإذا بلغ الثامنة عشرة من عمره، بعثه أبوه إلى تونس حيث تلقى العلوم الدينية، في "جامع الزيتونة"، على أيدي كبار أساتذته وعلمائه. وقد لبث في تونس سنوات خمس، ارتحل بعدها إلى مصر، فدرس في "الأزهر" الشريف مدة ثلاث سنوات، ثم غادرها إلى الجزائر ليستكمل علومه في "وادي ميزاب" على يد "الشيخ اطفيش" عالم الدين الشهير في زمانه.
فلما آن له أن يعود إلى طرابلس، من رحلته العلمية الطويلة، كان قد بلغ الثامنة والعشرين... فاغترب بذلك من العلم ومن تجارب الحياة ما يؤهله لأن يخوض غمار تجارب جديدة تكون أكثر عمقاً ونفعاً.
وهل كان يدري ما تخبئه له الأقدار؟
إن أول ما يستلفت نظر الباحث في حياة "سليمان الباروني" الشاب، هو حبه للأدب، وإخلاصه للدين، وتطلعه إلى بناء دولة إسلامية ترقى إلى ما يليق بها من مستوى بين أمم الأرض.
وهكذا كان إعجابه بالغا بدولة آل عثمان، التي تجمع بعض الشعوب العربية والإسلامية... وعندما كان يمرن يده على "الخط العربي"، كان يطيب له أن يجلو خطه بكتابة أسماء سلاطين آل عثمان الذين يحبهم... وربما قلد – متأنقا – "الطغراء" العثمانية الشهيرة ... وربما أمعن في تسليته، فخط، على وريقة صغيرة، طغراء باسمه، على نحو ما يعبث شاب حالم: "السلطان سليمان الباروني". ثم جعل هذه الوريقة بين أوراقه الخاصة! وإذا نزوعه الديني قد حمله على أن يشرع – وهو في رحلته العلمية الأخيرة – في تأليف رسالة عن "المذهب الإباضي"، فأنه كان، إلى ذلك، متحرر الفكر، يتطلع إلى الأخذ بأسباب الحضارة الحديثة... وله في ذلك مواقف ونوادر، منها أنه كان في مجلس أستاذه "الشيخ اطفيش"، الذي ينكر التصوير الفوتوغرافي ويعده بدعة! وكانت الحرب عامئذ قائمة بين الدولة العثمانية واليونان. (1/2)
صفحة 3
فأخذ الباروني الشاب يحدث أستاذه عن انتصارات العثمانيين المظفرة على أعدائهم، ويُطلعه في ذلك على مجلة مصورة، شارحا له ما فيها منصور تمثل "أبطال آل عثمان وهم على صهوات خيولهم، وجنود اليونان صرعى هنا و هناك"... ففرح الشيخ بذلك فرحا شديدا وكان صاحب نكتة، فقال:
- إن كان التصوير هكذا، فهو حسن إذاً!
ولكن الغمة الطارئة، لم تنجلِ!
كان حكم البراءة قد رُفع في حينه – عام 1898 – إلى المراجع العليا في الآستانة...حيث تنقل، هناك، ب "إضبارة الدعوى"، من دائرة إلى دائرة، عاما، ثم عاماً آخر... وإذا المراجع العليا لا ترى في الدعوى إلا الأدلة الدامغة، فحكم المحكمة بالبراءة إذن مناف للقانون! فتنقض الحكم، وترد الدعوى إلى طرابلس، وتطلب إعادة النظر فيها من جديد، على مقتضى الحق والعدل!!
وكم كان صعبا أن يلقى القبض، في يوم من أيام العام 1900 ، على "سليمان الباروني، وهو بين أهله وعشيرته! وذلك ما اضطر قائم قام "فسَّاطو"، "محمد بك الأسير" (البيروتي)، إلى أن يتولى بنفسه القيام بهذا الإجراء القاسي، ترافقه قوة من الدرك والمشائخ.
------------
وتلقى "سليمان الباروني" الحكم بالحبس مدة خمس سنين... على أن يقضيها في جزيرة "رودس".
واضطرب الجبل لهذا الحكم الغريب الجائر. فرأى "النائب العام" إبقاء "السجين" في طرابلس، خشية الفتنة.
فلبث في سجن طرابلس، المخصص للمنفيين من الترك، فترة كان خلالها الوالي الآخر "حافظ باشا"، يقوم بمساع حميدة لتخفيف الحكم عنه... فأطلق سراحه بعد عام، بضمانة أعيان الجبل وأعيان طرابلس، على أن يبقى – مع ذلك – تحت أعين الشرطة، فلا يتجاوز سور طرابلس طوال العام التالي...
وكان – وهو وراء القضبان – قوى الإيمان بعدالة الله، لم يتسرب الوهن إلى نفسه قط... وما كفَّ عن نظم الأشعار، فكان يتغنى في السجن منشداً:
الروضُ بإكرها الغمامُ، وهزها ... ... روح النسيم، فغنت الأطيارُ (1/3)
صفحة 4
وتعانقت أغصانها، وتبسمت ... ... منها الزهور، وفاحت الأنوار
وبدا لألحان الحمام ترنمٌُّ ... ... باسم الجليل المجتبي المختار
فهل كان محض مصادفة أن يُلقى ب"سليمان الباروني" وراء القضبان، ليبدي ما يبدي من الصبر والتجلد واحتمال الشدائد، تلك السمات التي سترافقه في سائر مراحل حياته المقبلة؟
------------
الأسد الإسلامي
كانت بدايةٌ غير سعيدة لشاب يطمح إلى بناء حياةٍ سعيدة، خصيبة، حافلةٍ بجلائل الأعمال.
وبدا أن "سليمان الباروني" ، المطلق السراح منذ عام 1902 ، لم تعد تميل نفسه إلى البقاء في طرابلس... فغادرها إلى مدينة "يفرن"(مركز جبل نفوسة)، وقد قدَّر أن في استطاعته أن يعمل بحرية، بعيداً عن أعين الرقباء، وعن المكائد التي تحوكها المصادفات الشقية!
وكانت في الصدر مطامحُ، وفي القلب آمالٌ كبار: التأليفُ يمارسه، والشعرُ، والتعليم...
فكان أن أسس، في عام 1904 ، مدرسةً في "يفرن"سمّاها "المدرسة البارونية"، وعقد لافتتاحها حفلاً رائعاً، وتولى الإشراف عليها أبوه "الشيخ عبد الله الباروني".
وأخذت المدرسة تعلّم: القرآن، والحديث، والفقه، وعلم الكلام، واللغة العربية... الخ.
وأنشأ، جوار المدرسة، مكتبة سماها "المكتبة البارونية"، وضم إليها نفائس الكتب والمخطوطات.
وتابع، في هذه الفترة، تأليف كتابه – الذي عد قبل سنوات دليلا على اعتناقه فكرة الخروج على الخلافة العثمانية! - : "الأزهار الرياضية في أئمة وملوك الإباضية"، فجاء في ثلاثة أجزاء.. فضلا عما حقق من كتب مخطوطة، وما حرر من مقالات، ونظم من قصائد جمعتها مخطوطة "ديوان الباروني"..
------------
ثم ... لسنا ندري أية ريح طيبة حملت :سليمان الباروني:، من جديد، إلى أرض الكنانة! ولعلها حبه الجارف للأدب والتأليف، بعد أن اضطرته الأحداث إلى أن يلفت وجهه بعيدا عن السياسة ومصادفاتها الشقية. (1/4)
صفحة 5
ونراه يؤسس في "شارع محمد علي" بالقاهرة، عام 1906 ، مطبعة سماها "مطبعة الأزهار البارونية". وأخذ يطبع فيها ما يراه نافعا ونفيسا من كتب الحديث والتاريخ والأدب:
ففي الحديث طبع "حاشية الشيخ السالمي على مسند الإمام الربيع بن حبيب".
وفي التاريخ: "الأزهار الرياضية في أئمة وملوك الإباضية".
وطبع في الشعر: ديوان "السيف النقَّاد" للشيخ الحضرمي، وديوان "القلائد الذرية" للشيخ عمر التندميري.. فضلا عن "ديوان الباروني".
------------
كانت في الرجل طاقة خلاقة ومنتجة ... والمطبعة لم يؤسسها من أجل أن يطبع الكتب وحسب.
كان يكتب المقالات، ثم يرى الجرائد لا تطيق نشرها لما فيها من جسارة، فيحز ذلك في نفسه (كما صارح ابنته "زعيمة" ذات يوم) ... فلم لا يصدر هو جريدة في مصر، والمطبعة باتت جاهزة، فيتاح له مجال القول، ويبث على صفحاتها روح الإسلام على أوسع نطاق؟
وفي أوائل ابريل 1908 (بيع الأول 1326 ه.)، أصدر جريدته "الأسد الإسلامي" ... ومما جاء في افتتاحية العدد الأول منها:
• "... فاستخرت الله تعالى، وسألته الإعانة على إنشاء "الأسد الإسلامي"، وإصداره أسبوعيا مؤقتا في مصر، وهيأت له مطبعة من أحسن صنف تامة الاستعداد، ومحلا معتبرا يليق بإدارته... "( 1)
ولما كان اتحاد المسلمين هو الهدف الذي يسعى "الباروني" المؤمن إلى تحقيقه، ولما كان تفرق كلمة المسلمين هو الأمر الذي يشغله ويقلقه، فقد عمد إلى أن يطرح على علماء الإسلام وكُتابه جملة أسئلة، منها:
• هل توافق على أن من أقوى أسباب تفرق المسلمين، تعدد المذاهب وتباينها؟
• على فرض عدم الموافقة ذلك، فما هي في رائك أسباب التفرقة؟
• على فرض الموافقة، فهل يمكن توحيدها (المذاهب) بالجمع بين أقوالها المتباينة وإلغاء التعدد، في هذا الزمن الذي نحن فيه أحوج إلى الإتحاد قبل كل شيء؟ .. الخ.
وفي مقال له طويل، عنوناه "الجامعة الإسلامية"، كتب يقول: (1/5)
صفحة 6
• "يوجد الآن من الفرق الإسلامية، المتباغضة، عدد وافر... فلو أرسلت كل فرقة وفداً من علمائها إلى اليابان للدعوة إلى الإسلام، ومال الإمبراطور "الميكادو"" بفطرته إلى قبول الإسلام، وطلب منهم بيان تعاليمه ومبادئه، ورأى منهم بعض الاختلاف.. فما يقول "الميكادو " في الإسلام يا ترى؟ "ثم إذا علم بوجود المذاهب، وطلب بيان أصحِّها بالاتفاق ليتبعه، فماذا يكون الجواب؟"
"وهل يقبل التمويه بأن المذاهب كلها سواء، وأنها تغترف من بحر واحد؟"
وقد صدر العدد الثاني من "الأسد الإسلامي " بعد أيام من صدور الأول، ثم صدر الثالث في 23 ابريل 1908 ... وبعده توقفت الجريدة عن الصدور.
------------
هل أراد "سليمان الباروني " أن يصرف – بالتأليف والصحافة – نفسه عن العمل السياسي؟ ولكن كيف يتخلى عن مطامحه السياسية، وهو الشاعر، ( 1) "صفحات خالدة من الجهاد"، القاهرة 1964 ، عنيت بجمعها "زعيمة سليمان الباروني"، الجزء الأول ص 13 ، وفي الكتاب كل متا نشر في أعداد "الأسد الإسلامي" من مواد.
والخطيب الذي هزَّ المنابر والمشاعر، والوطني العاشق لأرضه، الداعية إلى الإتحاد الإسلامي، وإلى توحيد الكلمة، وإلى النهوض والترقي؟.
وفي صيف 1908 ، ولد في الدولة العثمانية "الدستور" الجديد الذي وسع على الناس من حرياتهم، حتى خيِّل للقلوب الطامحة أن فجرا يوشك أن يبزغ في أفق "الدولة العليّة"، وأن الليل الطويل يوشك أن ينجلي.
نودي بالدستور.
وفي الدستور أن يؤسس"مجلس المبعوثات" أو برلمان الأمة. (1/6)
صفحة 7
"طرابلس الغرب" هي إحدى ولايات الدولة العثمانية.. ومن مقاطعات هذه الولاية: جبل نفوسة... ومن أعيان الجبل: "سليمان الباروني"، الرجل الطموح، الذي نفي بالأمس نفسه عن بلاده مختاراً ... ولكن حنكته، التي أكسبته إياها أعوام عمره الثمانية والثلاثون، غيرها حنكة الأمس... أفلا يرشح نفسه للانتخابات، والجبل من ورائه مؤيدا؟ على انه كان لأبيه "الشيخ عبد الله"، في هذا الترشيح رأي مغاير. لقد جعلته عاطفة الأبوة يخشى على ابنه الأكبر من تقلبات السياسة وحبائلها وتصاريفها، ولم ينس، بعد، ما كان بالأمس القريب... فمنعه من أن يخوض هذا الغمار! فما العمل؟
والابن برٌّ بوالده، لا يعصى له أمرا. ولكنه أيضا، تواق إلى أن يغدو ممثلا لوطنه في "مجلس المبعوثان"! المطامح تملا الصدر، والكفأة متوافرة، وأهل الجبل من ورائه يفدونه بالمهج.. وإنها لفرصةٌ، إن لم يغتنمها اليوم،ضاعت إلى حين لا يعرف أحد مداه.
وتفتق ذهن الابن عن حيلة لطيفة بارعة... ذلك أنه أخذ كتاباً، فيه وصية من "كسرى أنوشروان" إلى ابنه خلاصتها: أننا عشنا في زماننا بما يلائمه، فعليكم أنتم أن تعيشوا بما يلائم زمانكم!
قدَّم "سليمان" الكتاب إلى والده ليقرأه، وقد أشار بالقلم إلى موضع القصة فيه.
فكان أن أدرك الأبُ المغزى الذي يرمي إليه ابنه، فأقره على المضي في معركة الانتخاب.
وقد خاضها "سليمان الباروني"...
وغد نائبا في "مجلس المبعوثان"...
فانفتح بذلك أمامه عهدٌ جديدٌ.
فلم يكد يبلغ مسامع الناس نبأ ظهور قطع الأسطول الإيطالي في مياه مدينة طرابلس، حتى اجتمع- عند الباروني- كثيرٌ من رؤساء القبائل العربية والأمازيغية، وتفاوضوا في وضع ميثاق يُديرون بمقتضاه دفة الدفاع عن الوطن، ويبنون على أساسه قواعد الجهاد.
غزاة من البحر أصبح "سليمان الباروني" نائباً، في "مجلس المبعوثان" بالآستانة، عن الجبل الغربي في ولاية طرابلس، منذ عام 1908. (1/7)
صفحة 8
وفي هذه الأثناء، كانت إيطاليا تمَدُُّ بصرها من الشاطئ الآخر من البحر الأبيض المتوسط نحو ليبيا، تريد أن "تلتهمها"، لتعيد بها أمجاد "الإمبراطورية الرومانية" الزائلة!
والحق، إن الدولة العثمانية كانت قد أهملت- في عهد حكم "جمعية الاتحاد والترقي"، ذات النزعة التركية- ولايتي طرابلس الغرب وبرقة إهمالاً جلياً، من ناحيةِ تعزيزها بالسلاح والجند، حتى لكأن هاتين الولايتين الإسلاميتين ليستا من جسد الدولة العثمانية، وذلك كله على رغم تعلق أبنائها بالخلافة الإسلامية بدافع ديني خالص.
وهكذا وجهت إيطاليا، في يوم الأربعاء 7سبتمبر 911 ، إنذارا إلى الدولة العثمانية ... تؤاخذها فيه على إهمالها شأن طرابلس وبرقة وعدم السير بهما في مضمار "التمدن"، فأمر الولايتين – كما يدعي الإنذار – يهم إيطاليا لقربهما من شواطئها!..
وزعم هذا الإنذار – الحافل بالتجني – أن ثمة تحريضا في طرابلس على الرعايا الأوروبيين، والطليان منهم خاصة!
ويمضي هذا الإنذار، العجيب، إلى القول بأنه لما كانت الحكومة الإيطالية حريصة على شرفها ومصالحها (كذا!!) فقد "قررت أن تحتل طرابلس وبنغازي احتلالا عسكريا، فذلك هو الحل الوحيد"!.. وأن على الحكومة العثمانية أن تصدر أوامرها حتى لا يلقى الاحتلال مقاومة!! .. وأن ترسل الجواب الحاسم على الإنذار خلال أربع وعشرين ساعة!!!
ثم ظهرت قطع الأسطول الإيطالي في مياه طرابلس مساء الخميس 28 منه.
------------
كان "سليمان الباروني" ، حينئذ، في "يفرن" مركز جبل نفوسة، وقد حضر من الآستانة لتعزية والده بوفاة والدته.
فلم يكد يبلغ مسامع الناس نبأ ظهور قطع الأسطول في مياه مدينة طرابلس، حتى اجتمع، عند "الباروني" في "يفرن"، كثيرٌ من رؤساء القبائل العربية والأمازيغية، وتفاوضوا في ميثاق يُديرون بمقتضاه دفة الدفاع عن الوطن، ويبنون على أساسه قواعد الجهاد... (1/8)
صفحة 9
وكان من أول الأسس التي قرروها إن ما يجمع الناس في الجهاد هو "الجيش الإسلامي الطرابلسي"، وأن المجاهدين إخوان في الإسلام، ضاربين عرض الحائط بالاختلافات المذهبية (مالكي أو أباضي) والعنصرية (عربي أو أمازيغي).
ثم طيروا برقية إلى المسئولين في الولاية، يبلغونهم استعدادهم لبذل النفس والنفيس دفاعا عن الوطن، متسابقين إلى نيل المنازل العليا التي وعد الله بها الشهداء.
فجاءهم الرد بأن الباخرة العثمانية "درنة" قد وصلت أخبرا محملة بالسلاح والذخيرة، وطلب المسئولون منهم التريث والثبات.
ثم وجه "سليمان الباروني" نداء عاماً إلى المسلمين في حيز طرابلس، يستنهض الهمم ويحض على الجهاد دفاعا عن الدين والوطن.. وهذا نصه (مختصراً):
- بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.
- أيها الناس، اعلموا أنه قضاء الله وقدره أن سلط على وطننا، امتحانا لنا، دولة خسيسة تستهين بالإسلام، فسولت لها نفسها الخبيثة الاستيلاء على بلادنا، وغصب أراضينا ونسائنا، واستخدام أبنائنا كالعبيد، لا بلغها الله ذلك.. ومراكبها الحربية واقفة الآن في البحر أمام المدينة تنتظر الأوامر من دولتها بالهجوم على ولايتنا.
وقد استعد إخواننا أهالي الشطوط والمدينة لصد غاراتها وتشتيت جموعها، وفتحوا دفاتر لتقييد المجاهدين.
وها أنا أيضا فتحت دفاتر في مركز القضاء، لتقييد المجاهدين، وقيدت اسمي فيه.
وها نحن ندعوكم، يا كافة إخواننا، "رجبان" و"زنتان" و"الرحيبات" و"حرابة" و"حوامد" و"اولاد بوسيف" و"منايضة" و"محاميد" وغيرهم من القبائل، وخصوصا أهالي قرى الجبل
الكرام، بالقدوم بسرعة لأجل الدود عن الوطن والإسلام وحفظاًَ لشرف الأهل والأولاد.
"فإن الحجة قد قامت عليكم، وفرض الجهاد قد تعين على كل فرد منكم إلا العاجز الذي لا طاقة له. (1/9)
صفحة 10
وها هو وطنكم العزيز يناديكم، ودينكم القديم يستنجدكم، ونبيكم محمد صلى الله عليه وسلم يخاطبكم من قبره بقوله: "الجنة تحت ظلال السيوف"، وبقوله تعالى: "جاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله"...
"الجهاد الجهاد"، "البدار البدار"، "النفير النفير، لا يُقبل عذرٌ ولا تأخير".
"اللهم، يا من بيده ملكوتُ كل شيء، امنحْ لنا رقابهم، واقذف الرعب في قلوبهم، وكثر عددنا في أعينهم، وشتت شملهم، ومزق جموعهم، وأردد كيدهم في نحورهم، يا أرحم الراحمين". "وآخر دعواتي أن الحمد لله رب العالمين".
"سليمان الباروني"
------------
وطاش سهم العدو، بعد "معركة المنشية" التي اندحر فيها، وفقد صوابه، فقام جنوده بتقتيل السكان كيفما اتفق، فتمرغت هيبة هذا الجيش الهمجي بالوحل والجريمة أمام الرأي العام العالمي!
ومضى حول كامل
ظهرت قطع الأسطول الإيطالي في مياه طرابلس، يوم الخميس 28 أيلول (سبتمبر) 1911.
وفي يوم الثلاثاء 2 تشرين الأول (أكتوبر)، وجّه قائده إنذاراً إلى الحامية العثمانية بأن تستسلم... فلما أبت، شرع الأسطول بقصف المدينة عصر اليوم التالي، الأربعاء..ثم أنزل- يوم الجمعة 5 منه- قوة من البحارة، فدخلت طرابلس دون مقاومة، لأن الحامية كانت قد آثرت أن تغادر المدينة كي تتمركز في جنوبها، ومن هناك يبدأون نزالهم للمعتدين وهم على اليابسة.
انضم المجاهدون بزعامة "سليمان الباروني"، إلى إخوانهم المجاهدين من القبائل الأخرى، ووقفوا جنباً إلى جنب مع الحامية العثمانية بقادتها – من الترك والعرب والأمازيغ – الذين أبدوا استبسالا نادرا كاد يُغطِّي الإهمال الطويل الذي عاملت به دولة آل عثمان هذا القطر الفقير بموارده.. لولا أن قوة المعتدين كانت من الوفرة والتفوق إلى حد يعجز عن دحرها ما في أيدي الليبيين والترك من أسلحة هي، على تخلف طرازها، قليلة شحيحة. (1/10)
صفحة 11
على أنه وإن لم يستطع المجاهدون والحامية العثمانية دحر الغزاة ورميهم في البحر، لقد وفقوا إلى القيام بأمر عظيم أذهل المعتدين وأرغمهم على إعادة حساباتهم وتقديراتهم!
لقد ظنَّ الطليان، بادئ ذي بدء، أن حملتهم، المتوجهة إلى كل من طرابلس وبنغازي، لن تكون سوى.. "نزهة بحرية": أسبوعان، ويفرغون من احتلال كل مناطق الولايتين.. فهم قوةٌ، وفي الشاطئ الليبي ضعف وتخاذل وتمزق!!. فإذا هم يرون الضعف مقاومة صامدة لئن لم تمنعهم من أن ينزلوا في مساحة صغيرة من أرض طرابلس، لقد أعاقتهم عن التوسع..
وها قد تقضى الأسبوعان، وهم حيث هم، في شريط من الأرض ضيق لا يستطيعون تجاوزه، فإذا رغبوا ردتهم قوات المجاهدين على أعقابهم خاسرين!
ولعل من أروع المعارك التي خاضها المجاهدون – وستظل تذكر على مرّ الزمن – معركة "الهاني –شارع الشط" (وتسمى، أيضا، معركة "المنشية"): لقد واجه فيها الإيطاليون، يوم تشرين الأول (أكتوبر) 1911 ، هجوما أماميا شنه المجاهدون، وهجوما خلفيا شنه سكان المنازل الواقعة داخل الرقعة المحتلة من الأرض.
فتكبّد العدو – وباعترافه – خسائر فادحة تفوق كثيرا كل ما كان يقدِّر. فقد تشتت جيشه، ولوحق جنوده، وطوردوا، وقتلوا تقتيلا، حتى لم يكد يبقى أحد من أفراد الأورطتين الرابعة والخامسة وفرقة "البرسالليري" الحادية عشرة.. بل إن قائد الحملة – وأسمه "بريتش" – التجأ في أثناء المعركة، هو وبعض جنوده، إلى أحد بيوت الطرابلسيين فتحصنوا فيه، ولكن المجاهدين تسلقوا جدرانه، ونزلوا عليهم، وقتلوهم، فلم ينج من الملتجئين إلا اثنان!
بعد هذه المعركة طاش سهم العدو وفقد صوابه. فقام جنوده بتقتيل السكان كيفما اتفق، فتمرغت هيبة هذا الجيش الهمجي بالوحل أمام الرأي العام العامي، بعد ما نقل المراسلون الحربيون الأجانب المرافقون للحملة، ما شاهدوه بأم أعينهم من الأعمال الانتقامية ضد الأهالي مما يعجز العقل البشري عن تصوره: (1/11)
صفحة 12
فقد كانوا يقتلون الأهالي جزاف، من شيوخ وعجائز وأطفال في بيوتهم، ويقتلون الأطفال على مشهد من والديهم..
ويتركون القتلى في الشوارع حتى تتعفَّن أجسامهم، ويدعون الجرحى حيث هم يئنون، وعلى مرأى من رجال الصليب الأحمر، حتى تفيض أرواحهم إلى خالقها.
------------
أحدثت بطولات المجاهدين في معركة "المنشية"، صدمة شديدة للطليان، ونبهتهم إلى خطأهم في تقدير قوة الليبيين، وكفوا - من يومها – عن الظن بأن حملتهم للاحتلال هي "نزهة بحرية"، وأخذوا يفكرون: كيف يستطيعون أن يحتلوا مزيدا من الأرض بعدد أقل من الضحايا، فقد أعجزهم أن يدفعوا إلى الحرب بمزيد من الجند من أجل أن يحتلوا الأرض شبرا فشبرا! وتوالت المعارك.
وإذا المجاهدون يُضطرون – بأسلحتهم القليلة – إلى التراجع أحيانا، فأنهم كانوا يثخنون في العدو ويُنزلون به أفدح الخسائر.
وكم كان تقدم العدو بطيئاً! وعندما أراد أن يوسع من رقعة الأرض التي يقف عليها في مدينة طرابلس، ورأى أن يحتل "عين زارة" القريبة، طلب المدد من الحكومة الإيطالية، وجهَّز حملة كبرى قوامها خمسة عشر ألف جندي مزودين بأحدث آلات الحرب.
ويقول المجاهدون، يصفون هذا لجيش في يوم زحفه في 4 ديسمبر 1911 : إن الإنسان، إذا ما نظر إلى هذا الجيش، لا يرى إلا أجساما بشرية تتحرك في مسافة من الأرض، تبتدئ من "قرقاش"، وتملا ما بين "جنزور" و"المنشية"!
كل هذه الاستعدادات كانت من أجل مجابهة المجاهدين، الذين كانوا يمسكون بأيديهم سلاحا قليلا، فإنه يعمر صدورهم إيمان بالحق والوطن والدين، واستبسال ما ينقضي.
وطبّلت أبواق الطليان لاحتلال "عين زارة"! وما "عين زارة"، آخر الأمر، إلا موقع صغير، وذلك كله بعد نزول الغزاة على الشاطئ بستين يوما.. وهم – بعد – في رقعة من الأرض تحيط بمدينة طرابلس ليس إلا.
------------ (1/12)
صفحة 13
وفيما كان المجاهدون يبذلون كل طاقاتهم في النضال ضد الغزاة، كانت الإشاعات تتكاثر من أن الدولة الأوربية تسعى إلى حمل الدولة العثمانية على "عقد صلح" مع ايطاليا المعتدية...
فكان لهذه الإشاعة في نفوس المجاهدين أثر سيئ.
ولكن الحديث عن الصلح بين الدولتين أخذ يشتد، مما حدا بالمجاهدين – وعلى رأسهم الزعيم "سليمان الباروني" – إلى أن يحتجوا لدى "مجلس المبعوثان" في برقية جاء فيها:
"إننا لا نرضى بصلح يخل بعثمانيتنا، ويجعل للعدو مدخلا إلى بلادنا، ولو أبرمته الدول ورضيه الخليفة.
ونحن، إلى الآن، نحارب باسم العثمانيين والطرابلسيين( 1).
فإذا أبرم الصلح على ما لا يرضينا، أمكننا الاستمرار بالحرب باسم الطرابلسيين فقط، إلى آخر قطرة من دمائنا. وليسبيننا متقاعس عن الحرب، أو ميال إلى العدو، أو مسالم له. وقد أوجبنا الحرب على كل قادر دون استثناء.
وما دامت الدول العظمى ملتزمة بالحياد، فإننا نحارب باسم دولتنا ووطنا. ومتى ظهر منها الوقوف في طريق انتصاراتنا وقوفا غير مشروع، فإننا نعد ذلك منها تعصبا، وإذا فإننا سنحارب باسم الدين فقط".
كذلك ابرق "سليمان الباروني" بتوقيعه إلى "مجلس المبعوثان" الذي هو نائب فيه.
ولكن ... ماذا في وسع الدولة العثمانية، التي يأفل نجمها، أن تفعل بإزاء التواطؤ الأوروبي عليها، والسعي إلى تقليص إمبراطوريتها بسلخ أجزائها جزءاً بعد آخر؟
ولقد حاولت الدولة العثمانية أن تتماسك، فلا تنجر إلى مفاوضات بينها وبين ايطاليا، حتى أن الصدر الأعظم أعلن ذات يوم: "إننا عاقدون العزم على عدم إبرام الصلح إلا على أساس الاعتراف بحقوق ملكية السلطان الحقيقية والفعلية على طرابلس الغرب". (1/13)
صفحة 14
كانت تلك من الحكومة العثمانية عاطفة طيبة، يُؤازرها الرأيُ العام الإسلامي في تركيا... ولكن ليت هذه العاطفة الطيبة كانت قد سبقت هذا التاريخ، ورافقها تعزيز للقوات العثمانية في هذه المنطقة العزيزة على أفئدة المسلمين: طرابلس الغرب، وشقيقتها برقة... وأما الآن، والقوات في هذا الساحل الليبي قليلة، والسلاح شحيح، والذخيرة تنفد، وما تكاد البواخر العثمانية المحملة بالسلاح تقترب من الشواطئ الليبية لإنجاد المجاهدين به، حتى تهاجمها قطع الأسطول الإيطالي المحاصر، فتستولي على الباخرة وما فيها!
واشتد في داخل تركيا النزاع بين "الاتحاديين" و"الائتلافيين"، واندلع لهيب الثورة في دول البلقان ضد الدولة العثمانية، فإذا هي مضطرة إلى الدخول في مفاوضات مع إيطاليا الغازية.. وإذا المفاوضات تنتهي إلى عقد ما سُمِّي "معاهدة أوشي" بتاريخ 18 أكتوبر 1912 .
وحتى هذا التاريخ – وقد مضى على الغزو الإيطالي عام كامل – لم يكن في أيدي الغزاة إلا مدينة طرابلس، "زوارة" و"الخمس"، ورقعات صغيرة حول كل منها.
------------
(1) يعني بالعثمانيين هنا المسلمين، وبالطرابلسيين عرب ليبيا.
وأما الفريق الثاني، فيرى وجوب الاستمرار في الجهاد إلى النهاية، مهما كانت التضحيات. وتزعم هذا الفريق "سليمان الباروني" وما أروع رؤية القائد التي تستلهم روح الشعب في المقاومة والصبر والمجالدة.
الباروني زعيما للمجاهدين كان أهم ما في "معاهدة أوشي" وملاحقها، أن تتوقف الدولتان (العثمانية والإيطالية) عن القتال، وكذلك ما جاء في الملحق رقم - 1- من المعاهدة وهو المنشور الذي صرح فيه السلطان العثماني "محمد رشاد" بتنازله عن حقوقه في طرابلس وبرقة لأهلهما، ومنحهم الاستقلال الداخلي المطلق التام، ولم يرد في المعاهدة أو ملاحقها ما يقيد هذا الاستقلال أو ينتقص منه. (1/14)
صفحة 15
ولقد أذهل خبر إبرام المعاهدة زعماء المجاهدين، ووقع عليهم وقوع الصاعقة. وعاودتهم تلك الشكوك من أن العثمانيين قد فرطوا بحقوق وطنهم، عندما أهملوه في الماضي، وها هم – اليوم – يتعهدون بسحب قواتهم – على قلتها – من المعركة، دون أن يستشيروا أبناء البلاد الذين هم أصحاب الشأن أولا وقبل كل شيء.
وسرعان ما تنادى قادة الجيش وزعماء المجاهدين وأعيان البلاد، إلى اجتماع تبادلوا فيه الرأي حول ما يتعين عمله إزاء هذا التطور الجديد؟
وممن حضر الاجتماع سليمان الباروني، والهادي كعبار، وأحمد المرّيض، وفرحات الزاوي... واتفقوا – مبدئيا – على مطالبة الطليان بالاعتراف بالاستقلال الذي منحهم إياه السلطان العثماني، والدخول معهم في مفاوضة لاستكمال ما في المعاهدة من نواقص...
غير انه ظهر بين هؤلاء الزعماء اتجاه آخر – وعلى رأسه "سليمان الباروني" – مؤداه الاستمرار في الجهاد إلى النهاية وعدم التسليم بالأمر الواقع.
والحق، لقد كان لكل من الاتجاهين مبرراته: فالفريق الداعي للمفاوضات كان يتبين عجز طرابلس عن الاستمرار في مواجهة قوة إيطاليا التي لم تصمد أمامها الدولة العثمانية نفسها، وأن الأجدى – في هذه المرحلة – هو العمل السياسي الذي يهدف إلى الاستفادة من نصوص المعاهدة والفرمانات الصادرة من السلطان، بما يساعد في النهاية على إيجاد نوع من التسوية مع الإيطاليين، تسوية تحقق ما يمكن تحقيقه للبلاد، وتجنبها كوارث الاستمرار في الحرب على عجز وعدم تجهيز.
أما الفريق الثاني، فيرى وجوب الاستمرار في الجهاد إلى النهاية، مهما كانت التضحيات. وتزّعم هذا الفريق "سليمان الباروني"، ثم انضمّ إليه "محمد بن عبد الله البوسيفي" الذي لم يوافق بدوره على الدخول في مفاوضات مع الطليان.
------------ (1/15)
صفحة 16
وعلى حين بعث أنصار المفاوضات إلى الطليان برغباتهم، طالبين تعيين الزمان والمكان لبدء المفاوضة، مختارين مدينة طرابلس مقرا لها، جاعلين أساس المفاوضة إضافة أربع عشرة مادة إلى المعاهدة التي لا يمكن أن تتم إلا بها.. فإن "سليمان الباروني"، نصير فكرة متابعة الجهاد، قد أعلم الطليان برغبته في إتمام الصلح والموافقةِ على المعاهدة، على شرط الاعتراف باستقلال طرابلس، الذي اعترفت به الحكومة العثمانية دون مفاوضات.
فكان أن تأثرت المفاوضات، وفشلت ... ووقعت الحرب.
وكان أنصار الجهاد قد اتخذوا من "يَفْرن"، في جبل نفوسة، مركزا لهم. واختاروا "سليمان الباروني" قائدا ورئيسا لحكومة طرابلس الجديدة، الذي قام بإبلاغ الدول العظمى والصحف الكبرى بإنشاء هذه الحكومة، وأرسل إلى أوربا وفدا للسعي لدى حكوماتها لنيل الاعتراف بها.
وأخذ "الباروني" يمارس سلطته في تعيين المتصرفين والقائمين والمديرين والقضاة والمفتين.. وفي ذلك يقول: "وشكَّلت ألأيا من الجندرمة والسواري والهجين، بلباس أروباوي جديد، ونظمت البوسطة في جميع الجهات، ومراكز للتلغراف والتليفون إلى حدود تونس، وأسست خط حرب مواجه للقوة الإيطالية.. ".
------------
أخذ الطليان، في حربهم الجديدة، يوسعون مساحات المناطق التي احتلوها. فاستولوا، ما بين 16 نوفمبر 1912 و 15 فبراير 1913 ، على "العزيزية" و"زليطن" و"الزاوية" و"غريان" و"ترهونة" و"سرت" و"بني وليد" وغيرها.. ولكنهم لم يستطيعوا أن يتجهوا نحو جبل نفوسة، بسبب ما أنشاه "سليمان الباروني" ورفاقه الذين التفّوا حوله، في جبهة حربية متماسكة لصد الزحف نحو الجبل والقبلة والجنوب...
وكان أول ما صادفت حكومة "الباروني" من الصعاب – في أثناء استعداداتها للجهاد – هو نقص ما في يدها من مال تدفع منه المرتبات والنفقات، فضلا عن الوهم الذي أصاب عزائم المجاهدين بعد هذا الخلاف بين أبناء الوطن، ما بين مؤيد للتفاوض وبين منكر له. (1/16)
صفحة 17
واضطر "سليمان الباروني" إلى الإيعاز بجباية الزكاة سدّا للعجز من نفقات الحكومة. وأرسل في ذلك موظفين لحصر أعداد الحيوانات التي يملكها المواطنون في المناطق التي تسيطر عليها حكومة المجاهدين. ولكن بدا أن نفقات الجباية أكبر مما يمكن جمعه من واردات الزكاة. ثم إن الحاجة ألحت حتى لم يعد في المستطاع الانتظار إلى أن تنضج الزروع فتجبى زكاتها.. أضف إلى ذلك تقدم العدو في كل ناحية، وضيق ما تبقى في أيدي المجاهدين من المناطق.
وقد استمرت هذه الحال منذ تأسيس الحكومة في أعقاب الإعلان عن معاهدة الصلح حتى أول مارس سنة 1913 .
وكان الطليان على جلية من أمر هذه الضائقة التي حلت ب "الباروني" وحكومته، كما أنهم لا يجهلون قلة ما في يده من العتاد الحربي...
وتورد المراجع التاريخية نص كتاب سطَّره "سليمان الباروني" في هذه الفترة، ردا على كتاب جاءه من القائد الإيطالي يتضمن مطاعن في شخص الباروني ومقاصده..
يقول "الباروني" في ردّه: "ليكن في علمكم أني لست متقلبا، ولا غدارا، ولا محبا للمال، ولا معاديا للإصلاح والمدنية.. ولكني رجل عرف قيمة الوطن، ومعنى الدين, ولذة الحرية، وفضيلة الشرف. فأنا أكثر الناس شوقا إلى رؤية بلادنا رافلة في حلل الترقي... على شرط حفظ كرامة سكانها، وبقاء استقلالها المشروع.
وإني لاستسهل، في جنب حرية النفس، كلّ صعب... وها أنا الآن أكل من الطعام أخشنه، وأنام على الأرض متوسدا سرج جوادي، واشرب الماء المملح تارة والمر أخرى، وأسير في الليل المظلم الممطر، ولا أرى هذا إلا ألذ من الشهد، ولا يزيد جأشي إلا ثباتاً..
فحافظوا، يا حضرة الوالي، على شرفنا وشرفكم، وأشيروا على دولتكم بالموافقة على استقلالنا حسب الفرمان السلطاني، وتعالوا نستعن بكم على تعمير هذه البلاد كما كان أجداده من قبل... ".
ردٌّ حكيم، يضطرم عاطفة وطنية أصيلة، وكرامة إنسانية نابعة من الأعماق، وذلك كله قد صيغ بأسلوب أدبي رفيع.. (1/17)
صفحة 18
ولكن هل يتأثر به الاستعمار الإيطالي، الذي أخذ على عاتقه – قبل أن يُدنس أرض ليبيا العربية – أن يفتك بالأهلين، ويشردهم في الصحراء ليحل محلهم أناسا من أبناء جلدته يأتي بهم من الجانب الآخر من البحر!
ولقد حاول الطليانُ استدراجَ "سليمان الباروني" بالأساليب السلمية للإيقاع به، ولكنهم لم يفلحوا في ذلك.. فأيقنوا أن الحل هو حشدُ كافة قواتهم لضرب هذه الجبهة المعارضة التي ما تزال متماسكة صامدة.
واستعدوا.
والمجاهدون تسلحوا بالصبر والثبات.
واستعرت حُميّا المعركة طوالّ النهار...فكان لا يسمع إلا أزيزُ الرصاص ودوي المدافع... كما ظهرت بشاعة الحرب في الأشلاء الممزقة والأعضاء المتناثرة، ولكن شعب ليبيا البطل كان عليه أن يدافع بسخاء عظيم ضريبة الجهاد وقد فعل، وضرب لأمته العربية من بعد مثالا في التضحية من أجل شرف الوطن.
معركة "الأصابعة"
في صبيحة يوم 23 مارس 1913 ، زحف جيش الطليان، على المجاهدين الذين كانوا قد تجمعوا تحت قيادة "سليمان الباروني"، في مجموعات كبيرة اتخذت مواقعها ما بين "الاصابعة" و"الرابطة "، للوقوف في وجه الزحف الإيطالي نحو الجبل.
تحرَّك العدو من موقع "تبودات" في ثلاث تشكيلات، وسرعان ما اشتبك مع المجاهدين عند مرتفعات "الاصابعة".
وقد قام المجاهدون بهجوم تطويقي في بداية المعركة.
إلا أن تحُّرك العدو بتشكيلاته المتعددة فوَّت إمكانية سيطرتهم على الموقف، فقد كان يقذف بالكتائب إلى المعركة كلما فنيت كتائب.
وكانت خطة العدو أن يوجه قوة من "تبودات" نحو "وادي جندرمة" باتجاه "الاصابعة"... على أن تتحرك قوته الأخرى من "العزيزية"... وذلك في محاولة لتطويق مواقع المجاهدين والقضاء عليهم، فتتم لهم بذلك السيطرة على الجبل، تمهيدا للتوغل في دواخل البلاد.
واستعرت حميا المعركة طوال النهار، وكان لا يسمع إلا أزيز الرصاص ودوي المدافع... كما ظهرت بشاعة الحرب في الأشلاء الممزقة والأعضاء المتناثرة. (1/18)
صفحة 19
وقد ثبت المجاهدون لهذه الجيوش المتدفقة من كل مكان، ورجحت كفتهم في "الرابطة"، وأن رجحت كفة العدو في "جندرمة". وكانوا جديرين، رغم كل شيء، بالصمود والثبات، لولا أن نفد ما معهم من ذخيرة. فلما حل الظلام قاموا يدفنون شهداءهم، وينقلون الجرحى إلى "يفرن"..
تكبد العدو، في هذه المعركة، خسائر فادحة، ولكن بدا أنه قد حسب حسابها بدليل ما هيا للمعركة من كتائب وافرة العدة والعدد.
ولقد أبلى المجاهدون أحسن البلاء، وكانوا يقاتلون تحت قيادة كبار رجالات الحركة الوطنية، مثل "الشيخ محمد سوف" و"محمد بن عبد الله البوسيفي" الذي أظهر في هذه المعركة بطولة نادرة.
وانسحب المجاهدون، وعلى رأسهم "سليمان الباروني"، من ساحة المعركة تحت جنح الظلام، بعد أن انكسروا في حرب استعد لها عدوهم أعظم الاستعداد، على حين أنهم لم يكونوا يملكون ذخيرة ولا مالا... انكسروا، أجل، وهم يدافعون عن الوطن وعن قيم الحق والشرف والدين، بينما كان العدو يحمل راية الباطل الجهير والاغتصاب المر والقسوة والقتل والتدمير.
وسميت هذه المعركة "معركة الاصابعة"، ويطلق عليها أيضا "معركة جندرمة".
------------
انسحب المجاهدون إلى "يفرن"، ليضمدوا جراحهم. ولكن العدو لم يمهلهم، فاقتفى أثرهم، وصبحهم بجيوشه.
وكان قد أنهكهم التعب والانكسار ونفاذ الذخيرة. والعدو جاءهم بآلياته وعتاده وأعداده.
فاضطروا إلى الانسحاب من "يفرن"، وقصدوا "نالوت" طلباً لاجتياز الحدود إلى تونس.
والتجأ "سليمان الباروني" إلى تونس، هو والمجاهد الكبير "الشيخ محمد سوف" وعدد من أعيان المجاهدين.
وما أن تجمعوا في الأراضي التونسية، حتى طلبت منهم السلطة الفرنسية التي تحكم تونس، تسليم سلاحهم قبل كل شيء. فأجابوا بأنهم فاعلون متى ابتعدوا عن الحدود مسافة يأمنون معها على أنفسهم من ملاحقة الطليان وغدرهم! فلما سلموا سلاحهم، قالت لهم السلطات: - إن الأراضي التونسية لا تتسع لكم! هيا ارحلوا!! (1/19)
صفحة 20
ذلك أن الاستعمار هو في كل مكان وزمان، وإن اختلفت هوية السادة فيه والزبانية.
وقد آثر بعضهم الرجوع إلى طرابلس، وفضّل آخرون الالتحاق بالمجاهد الكبير "محمد بن عبد الله البوسيفي" في "فزان"، ورغب "سليمان الباروني" السفر إلى الآستانة، واختار "الشيخ محمد سوف" الهجرة إلى بلاد الشام (حلب) ... فأمهلتهم السلطات أياما ريثما يتهيّأون للسفر( 1).
ولما وصل "سليمان الباروني" إلى الآستانة، أكرم السلطان "محمد رشاد" وفادته، وأنعم عليه برتبة "الباشوية".
------------
ولقد كتب "سليمان الباروني" الأديب، بعد عشرين عاماً، يصف هذه المعركة الدامية وكيف أن: "الإيطاليين زحفوا بقواتهم العظيمة، التي اشتغلوا بجمعها وتنظيمها شهوراً، على قوات المجاهدين المرابطة حدود غريان فوق الجبل وفي سفحه. وكانت سقطة عظيمة سقط فيها من الرجال – خصوصاً الإيطاليين – ما " جعل الميدان مغطى بجثث القتلى والمجروحين، وتقدموا إلى أن أحاطوا بمراكزنا من ثلاث جهات قبل الغروب، ونظموا حركتهم لتطويقنا من الصبح وأسرِنا كلنا، وبقيت الجهة الرابعة – وهي الغربية – مفتوحة لنا ...
"فبعد أن جمعنا المجروحين ودفنَّا بعض الشهداء، ارتحلنا في الليل تاركين المكان..." "وعند مبارحتنا المكان، أوقد المجاهدون النار في الخيام وما فيها وما حولها، فعلا لهيبُها، حتى شوهد ضوءها ودخانها من بعيد.
فعلم العدو أننا انتقلنا، ونجونا من الوقوع في شبكتهم التي نسجوها لأسْرنا." ( 1) راجع في تفاصيل هذه المعركة: "جهاد الأبطال في طرابلس الغرب" تأليف الطاهر أحمد الزاوي،صفحة 170 وما يليها، وانظر "معجم معارك الجهاد في ليبيا" تأليف خليفة محمد التليسي، صفحة 108 و 109 . (1/20)
صفحة 21
43 42 "وقاسينا أعظم المشاق، في تلك الليلة كلها، في نقل المجروحين على الأكتاف، وصعود الجبل من غير طرقه السهلة... " "ولما وجدنا أن العدو زاحف علينا لا محالة، اضطررنا إلى التشتت، فقصد البعض حدود تونس، والبعض قصد فزّان، فلحقته القوة الإيطالية قبل أن يضم شتاته.."( 1).
وأصدر السلطان العثماني فرمانا بإلحاق طرابلس الغرب بالدولة العثمانية من جديد، وفرمانا آخر بتعيين "سليمان باشا الباروني" واليا على طرابلس وقومندانا عاما لها.
( 1) "سليمان الباروني باشا في أطوار حياته" تأليف أبي اليقظان الحاج إبراهيم، الجزء الأول، صفحة 113 و 114 .
الباروني باشا واليا على طرابلس إن الزعماء المخلصين هم هِبةٌ من الله للأمة، فهم عقلها المفكر ودرعها الحصين في أوقات الشدّة والأهوال.
و"سليمان باشا الباروني" زعيم قد امتلك من العزم المكين والصبر والمثابرة والعناد، ما يجعله جديراً لأن ينهض بالعبء الذي ألقاه على عاتقه شعبٌ شاءت الظروف أن يُبْتلى بمستعمر لا يرحم.
لبث"الباروني باشا" في الآستانة، منذ وصوله إليها في ربيع 1913 . ولكنه ظلّ يتحين الفرص للرجوع إلى طرابلس الغرب لمعاودة الجهاد من جديد.
ثم إن ظروف السياسة الدولية أتاحت للدولة العثمانية أن تُعيد النظر في علاقتها بطرابلس الغرب. فكلَّفت أخا "سليمان الباروني" في الآستانة: "يحيى الباروني"، فسافر إلى طرابلس في أوائل عام 1916 ، لينظر في حال البلاد ويختبر وضعها ويرى شعور السكان، فنزل في "مصراته"، واتصل بزعيمها "رمضان السويحلي"، وأخبره بما تنويه الحكومة العثمانية من الاتصال بحركة الجهاد.
وعاد "يحيى الباروني" إلى الآستانة، ليبلغهم بما رآه من عزم الطرابلسيين على مداومة الجهاد. فكان ذلك مما قوى الأسباب لدى أولياء الأمر في الآستانة لإلحاق "طرابلس الغرب" بالدولة العثمانية من جديد. (1/21)
صفحة 22
وهكذا أصدر السلطان "محمد رشاد" فرماناً بذلك، وفرماناً آخر بتعيين "سليمان باشا الباروني": والياً على طرابلس الغرب وقومندانا عاما لها.
ثم حملت الوالي الجديد غوَّاصة... نزل منها في "مصراته" في يوم من أيام أبريل 1916 .
------------
كان أهل طرابلس، إذ ذاك، منقسمين إلى زعامات محلية متنافسة. ومنها ذلك العداء بين "مصراته" وجارتها "ترهونة".
فلما وطئت قدم "سليمان الباروني" أرض مصراته، وقد نهض لاستقباله أهلها، وفي مقدمتهم زعيمهم "رمضان السويحلي"، أقسم المحتفي به ألا يذوق طعامهم قبل أن يعاهدوه على مصالحة ترهونة... وفي نشوة اللقاء، عاهدوه على قبول كل صلح يقترحه بينهم وبين ترهونة.
ثم سار موكبه حتى ترهونة. وهناك استقبله أهلها، وفي مقدمتهم زعيمهم "أحمد المريِّض" ... فجدد المحتفي به قسمه ذاك، بالا يذوق طعامهم قبل أن يعاهدوه على مصالحة مصراته.
وتصالح الفريقان.
وأرسل "الباروني باشا"، والي طرابلس، كتابا إلى كبار المجاهدين والأعيان والمشايخ، يخبرهم بأمره، ويقول: "... وقد تفضل أمير المؤمنين فأمر حكومته بإلحاق طرابلس الغرب بالولايات العثمانية ، واقتضت إرادته إرسالي لإجراء الترتيبات اللازمة ، و تعهد أن يوالي المدد إلى النهاية ...
وسنعرفكم بالمكان و اليوم الذي يصير فيه الاجتماع العمومي إن شاء الله . فانتظروا جوابنا " .
ثم إن " الباروني " اجتمع بأعيان البلاد . وتلي فرمان الإلحاق ، وفرمان التعيين ... وذلك بحضور جمع غفير من الطرابلسيين ورجال القبائل . وكان الناس ما زالوا قريبي عهد بدولة الخلافة ، ونفوسهم متأثرة بتبعيتهم لدولة مسلمة تدين بدينهم وتعتقد ما يعتقدون ، فلم يجدوا غضاضة من إلحاق بلادهم بدولة الخلافة مرة ثانية ، بل وجدوا في ذلك راحة لهم وقوة على ما هم في سبيله من الجهاد . (1/22)
صفحة 23
واتخذ " الباروني " من مدينة " الزاوية " مركزا له . ورفع فيها العلم العثماني ، في يوم مشهود ، بين دوي المدافع ، وإنشاد القصائد ، وهتاف الهاتفين .
ثم راح الوالي يبذل الجهود في مصالحة الزعماء ، الذين أضناهم التنافس، ويوحد بين القلوب ، وولى كل زعيم المنطقة التابعة له ، على أن ينفذ تعليمات الحكومة المركزية و أوامرها .
و تفرّغ إلى تنظيم القوات الطرابلسية كلها في جبهة واحدة ، تمتد من حدود مصراته شرقا إلى مركز " زوارة " على الحدود التونسية .
ومما جاء في رسالة من " سليمان الباروني " إلى أحد كبار زعماء البلاد : " إننا نحمد الله ، وأحوالنا في غاية ما يرام ، وقد عمرت كافة المناطق الحربية بالعساكر وكثرت الخيرات : جبخانة وخرطوش وسلاح ودراهم وكسوة وماكينات لخدمة الجبخانة والبارود . وكل ذلك يأتينا بواسطة الغواصات التي لازالت ترد تلو بعضها البعض، ولا تزال تحاصر مدن :طرابلس والخمس وزوارة ( المحتلة من الطليان)، حتى قُطعت الطرق على الأعداء وأصبحوا في قحط وحصر، براً وبحراً، والحمد لله".
------------
وانطلقت كتائب المجاهدين تشنّ الغارات المنظّمة على القوات الإيطالية.
"أُقسم بالله العظيم أن أجعل نفسي ومالي فداء لوطني وحكومتي الجمهورية الطرابلسية، وأن أكون لعدوِّها عدوّاً، ولصديقها صديقاً، ولقانونها الشرعي مطيعاً" الجمهورية الطرابلسية استمرّت الحالُ على ذلك عاماً، ثم عاماً آخر.. وكانت الحرب العالمية الأولى، التي اشتركت فيها الدولة العثمانية، قد نشبت، وهاهي ذي تنتهي بانكسارها هي ومن معها من حلفاء، وضياع ولاياتها، فلم تعد منها طرابلس الغرب.
وفكر "الباروني باشا"، والمجاهد الكبير "رمضان السويحلي"، في تأسيس دولة مستقلة، تكون جمهورية طرابلسية لا علاقة لها بالدولة العثمانية( 1).
وسرعان ما تمت الاتصالات في هذا الشأن بين زعماء البلد، ودُعي الأعيان للاجتماع في "مسلاتة"، فتوافدوا إليها من كل صوب. (1/23)
صفحة 24
وفي يوم السبت 13 من صفر سنة 1337 هجرية ( 16 نوفمبر 1918 )، تمَّ الاجتماع في "جامع المجابرة" في مسلاتة، ونودي بإنشاء "الجمهورية الطرابلسية".. و انتخب أربعة من رجالات البلاد أعضاء في "مجلس الحكومة"، وهم:سليمان الباروني ورمضان السويحلي و وأحمد المريّض وعبد النبي بن الخير، مؤجلين انتخاب رئيس للجمهورية حتى ينجليّ الموقف وتستقر الأمور.
(1) كانت ليبيا في ذلك الوقت، مؤلفة – في العهد العثماني – من ولايتين هما:طرابلس الغرب وبرقة، وقد نهضت كل منهما تناضل ضد الغزو الإيطالي، على حدة بادئ الأمر، ثم توحّد نضالهما تحت راية واحدة، وانتهى إلى قيام الدولة الفتية: "الجمهورية الليبية المتحدة".
كما انتخبوا، في هذا الاجتماع التاريخي: "مجلساً للشورى": مؤلفا من ثلاثة وعشرين عضواً.
وقد أقسم الحاضرون جميعا يمين الولاء والإخلاص للجمهورية: "أقسم بالله العظيم، قابضاً بيدي على هذا القرآن الكريم، أن أجعل نفسي ومالي فداء لوطني وحكومتي الجمهورية الطرابلسية، وأن أكون لعدوها عدواً، ولصديقها صديقاً، ولقانونها الشرعي مطيعاً".
وأصدر مجلسُ الحكومة الرباعي بلاغاتٍ، وجّه أحدها إلى المواطنين بإعلان قيام الجمهورية الطرابلسية، ويدعو البلاغ الثاني الضباط الوطنيين إلى تقديم الطاعة للحكومة الجمهورية الجديدة والدفاع عن شرف الوطن، وأما الثالث فقد وُجِّه إلى رئيس الحكومة الإيطالية: "تفتخر الأمة الطرابلسية بتتويج استقلالها بإعلان الحكم الجمهوري، وانتخاب نواب عنها من كافة أنحاء القطر، لمجلسي الحكومة والشورى، ولا هدف لها إلا ضمان وحدتها وحريتها داخل حدودها السياسية المعروفة، ولا تقصد إلا أن تعيش عيشة هنيئة مسالمة لجميع الأمم التي لا تحاول غصب حقوقها.
لذلك فالحكومة الجمهورية الطرابلسية تدعو الحكومة الإيطالية إلى الاعتراف بها، وسدِّ كل باب يضطر الحكومة الطرابلسية إلى مداومة الحرب إلى أن تحقق أملها المشروع". (1/24)
صفحة 25
وقد أضيف إلى هذا البلاغ ملحقٌ، نصَّ على أنه إذا اعترفت إيطاليا بحكومة الجمهورية، فإنها مستعدة للبحث في عقد هدنة تنتهي إلى الصلح بين الدولتين.
كما أرسلت الحكومة بلاغات أخرى إلى كلّ من: رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، ورئيس الوزراء الإنكليزي، ورئيس الحكومة الفرنسية.
------------
ولكن لم يكن لأعداء حريات الشعوب أن يمنحوا رضاهم لمثل هذا النظام الذي جدَّ في البلاد، وهم الذين ما يزالون يمنون النفس بالتهام المدن والريف والصحراء ولا يقدرون على أن يحققوا من ذلك شيئاً مذكوراً.
لذلك رفضوا التفاهم مع الحكم الليبي الجديد، وأكدوا- أن حكومتهم لا تعترف بالجمهورية الطرابلسية، وأنها مستعدة للحرب حتى النهاية! وزادت بأن ألقت طائراتها على الأهالي منشورا طويلا يطفح بالتهديد والوعيد!
والحق، لقد أحدث إعلان تأسيس الجمهورية الطرابلسية أحسن الأثر في نفوس الشعب الطرابلسي، الذي دافع طوال سنوات سبع عن وطنه، وبذل المهج والأرواح، وتدفقت الآمال في الصدور بأن يطرد العدو، في ظل هذه الجمهورية الفتية ورجالاتها المجاهدين المخلصين، وأن يجلى عما احتله من مدن.
------------
على أن الطليان ما لبثوا إن بعثوا، يوم 8 فبراير 1919 ، إلى حكومة الجمهورية الطرابلسية بكتاب عجيب ... جاء فيه: "... نظرا لأن حضرة سليمان الباروني قد عين، قبل نشوب الحرب الأوربية (أي العالمية الأولى)، عضوا في مجلس أعيان الدولة العثمانية، لذلك لا تصير له صعوبة إذا ركب على سفينة وتوجه إلى الآستانة العلية وأقام بتركيا، مع كونه من أبناء القطر الطرابلسي"!
وكان موقِّع الكتاب، "الجنرال تارديتي" رئيس دائرة السياسة العسكرية، يريد أن يقول للباروني: "ارحل عنا غير مطرود!"، وقد رأى فيه العقل المفكر والجهاز المحرك لما يجري في الجمهورية الطرابلسية الفتية. (1/25)
صفحة 26
ولكن هذا "الترفق" الذي بدا في كتاب الجنرال، كان يُخفي وراءه عجزا... ولم لا نقول: استسلاما، أمام صمود المجاهدين الصابرين الواثقين الشجعان؟
لقد بذل الطليان جهدا ومالا وأرواحا، في سعيهم لاحتلال إقليمي طرابلس وبرقة... فماذا نالوا بعد حرب سبع سنين– بل ثماني – تعاقب فيها الكرُّ والفر ؟ بضع مدن فقط، على البحر، لم تكن تستطيع أن تمنح الأمن ولا الطمأنينة للقوات المحتلة إلا تحت حماية الأسطول الرأسي على السواحل!! فأي انتصار عسكري؟ أم أنه خذلان مريع، أوْلى بإيطاليا أن تدفن من أجله وجهها في التراب، خجلا من العسكرية الأوربية؟!!..
وقام، يوم 26 فبراير نفسه، قائد إيطالي آخر يجدد الكتابة إلى أعضاء مجلس الحكومة... قال: "... إن الحكومة الإيطالية بيدها سلاحُها، وجيشُها حاضر، وهي تعلم كذلك أنكم حاضرون. ولكن قبل انصباب الطرفين في المعارك رأت واجباً عليها وعليكم حسم كل شيء سلما، لكي لا تسفك الدماء... ولأجل هذا كل شيء سلما، لكي لا تسفك الدماء... ولأجل هذا فإننا نسألكم الاجتماع، ونظن أن رجالاً مثلكم – عقلاءَ ومدربين – لا يمتنعون عن الاستجابة إليه.. وإننا ننتظر إشعاركم: أين، وكيف، ومتى تكون الملاقاة؟..".
كان غريبا، حقا، أن ينشد الطليان "الحل السلمي"، ولهم – في تلك الآونة – "ثمانون ألف جندي" في طرابلس، كما يعترف سفّاح ليبيا "الجنرال غراتسياني" في كتابه المشهور "نحو فزان"، قبل أن يقول بمرارة: "كان يجب أن نسيطر على المستعمرة (يقصد ولاية طرابلس) عن طريق استعمال المعدات الحربية وانتصار الجيش، لا عن طريق السياسة الواهية، وهي المفاوضات والصلح، في بلد علمنا من تقاليده أن السيطرة عليه لا تكون إلا بالقوة "! (1/26)
صفحة 27
أجل، إن أبناء طرابلس – ومثلها برقة – الليبيتين، لا يسعهم أن يرضخوا للاستعمار إلا قسرا وقهرا، وعلى أشلاء المجاهدين الأباة، فهذا ما تمليه عليهم الشجاعة والمروءة والدين، فكان غباء من مثل هذا الجنرال المتغطرس أن يتوقع من البواسل الأباة الأحرار أن يطأطئوا أمام جيوشه الغازية رغم معداته الحربية الفتاكة!!
------------
ولقد تم الاجتماع الأول، وتلته اجتماعات أخرى، حاول فيها الطليان إحداث انشقاق في صفوف المفاوضين من المجاهدين دون جدوى.
وما بين قطع مفاوضات، واستئناف حرب ثم، عودة إلى المفاوضات – وذلك ابتداء من شهر مارس 1919 – اتفق الليبيين والطليان على قاعدة للصلح، وهي: " منح الشعب الطرابلسي دستورا يخوله مباشرة حقوقه المدنية والسياسية، ويعطيه الحق في القيام بجميع واجباته الكبرى، مثل الشعوب المتمدنة...".
وتمّ، في الأول من مايو 1919 ، وضع "القانون الأساسي" (أي الدستور)، وعين بموجبه أعضاء مجلس حكومة القطر الطرابلسي، وهم ثمانية، ولم يكن بينهم "سليمان الباروني"، الذي اعتذر عن الدخول في المجلس، وأصر على الاعتذار رغم الإلحاح عليه، وحجته في ذلك أنه "عثماني، ويريد الاحتفاظ بعثمانيته وبوظيفته في مجلس الشيوخ العثماني".
وسمِّي هذا الصلح "صلح بنيادم".
وما لبث"الباروني" أن غادر، في 6 نوفمبر 1919 ، طرابلس إلى الآستانة... ولكن صادف قدومه إليها الانقلاب الذي قام به "مصطفى كمال"، فخابت آماله، وعاد أدراجه إلى طرابلس في مطالع العام التالي، بعد أن لبث في تركيا أشهرا ثلاثة..عاد وصورة الوطن في قلبه.
وألقى عصا التسيار في باريس، عاصمة النور ومهد الحرية، كما يقولون... ولكنه وجد نفسه فيها أسيرا! بدا لنفسه كما لو أنه دخل إلى قفص! (1/27)
صفحة 28
ليل فرنسا الطويل عاش"سليمان باشا الباروني" – بعد عودته إلى طرابلس – منعزلاً، بعيداً عن السياسة وأضوائها، وهو يرى فرحة مواطنيه بما أخذوا يتمتّعون به من الأمن والسلم، مما حققه لهم "صلح بنيادم" بعد حرب دامية استمرّت سنوات.
ولكن الطليان ما كانوا يريدون لهذا الأمن أن يدوم، وهم يتطلَّعون إلى أن يجعلوا من طرابلس وبرقة مستعمرتين لهم، فسعوا إلى بذر بذور التفرقة من جديد... فتوالت الدسائسُ ضد "الباروني" الوطني الغيور، واتُّهم بإحداث الفتنة...
فلم تلبثْ السلطات الإيطالية، أن طلبت إليه، في عام 1922 ، مغادرة البلاد، بعد أن أطلعته على "مضابط" زعمت أنها موقعة من أبناء وطنه، ومنهم أحبابه وحتى أقاربه، ادعت أنهم تقدموا بها راجين إبعاده حتى تهدأ الحالة... وقالت له السلطات: - وسنأذن لك بالعودة، بعد خمسة عشرة يوماً!
فغادر الوطن دون أن يودع أهله وأولاده!
وقد حدَّث ابنته "زعيمة" – فيما بعد – يصف لها شعوره يوم كان على ظهر الباخرة في مياه طرابلس: "... وقد خالجني شعور عميق بأني لن أراها مرة أخرى، فكادت جفوني تمتنع عن الحركة حتى أشبع من منظرها الحبيب. ولم أنتبه إلى نفسي إلا بعد حين عندما توارت وراء الأفق وغابت الأنظار"، وما أشبه الليلة البارحة... فكأن ما قاله "الباروني" لابنته هو نفس الكلام الذي قاله الأمير المناضل عبد القادر الجزائري وهو يودع مدينة الجزائر بعدما أجبره الاستعمار الفرنسي على مغادرة الوطن.
حملته ريح الاغتراب مجدداً إلى الآستانة، ثم إلى أنقرة.
ولكنه وجد الانقلاب "الكمالي" قد أتى على كل شيء!
فحاول السفر إلى الشام، أو مصر أو تونس... ولكن حالت دون تحقيق أي من هذه الرغبات كل من فرنسا وبريطانيا!
فاجتاز رومانيا في طريقه إلى أوربا، وهو يحمل جواز سفر باسم مستعار: "سليمان بن عبد الله العثماني"... إلى أن ألقى عصا التسيار في باريس، عاصمة النور ومهد الحرية، كما يقولون! (1/28)
صفحة 29
ولكنه لم يجدها كذلك... وجد نفسه فيها أسيرا! البدا لنفسه كما لو أنه دخل – باختياره إلى قفص! فقد منعته السلطات من مغادرة فرنسا، بمجرد أن عرفته أنه "سليمان الباروني"!
وذلك سجين ... لم يكن يحسب له حسابا!
------------
وتنقل، وهو في فرنسا، بين العاصمة باريس ومرسيليا. وكان يرنو بناظريه – وهو في الثغر الفرنسي المطل على البحر الأبيض المتوسط: مرسيليا – إلى ما وراء الأفق، نحو وطنه الحبيب ليبيا ... ثم يكتب إلى مختلف الجهات المسؤولة، راجيا السماح له بالمغادرة، فلا يجد أذنا تصغي!
ولكنه وفق، ذات يوم، إلى أن يتحصل، باسمه المنتحل، على جواز سفر من بعض المراجع في مرسيليا، فأبحر في الحال إلى تونس، فوصلها في سبتمبر 1923 .
ولم يكد أصدقاؤه وأحبابه في تونس يتسامعون بخبر وصوله، حتى هرعوا إلى الفندق الذي نزل فيه، للتسليم عليه والاحتفاء به.
ثم إنه كلف أحدهم أن يذهب إلى رئيس قسم الشرطة الذي يقع الفندق في دائرته، ليعلمه بوجوده، أملا في أن يلقى رضى من السلطة، فيستقرّ في تونس هو وأسرته، وتلك أمنية طالما حلم بها.
فلما أُنبئ "الكوميسير" بذلك، هتف في اندهاش: - الباروني هنا؟!
أجاب الصديق: - أجل! وإنما جئت أطلب الإذن له بالإقامة عندي ضيفا كريما، وقد كان صديقا لوالدي من قبل!
فقال "الكوميسير": - اسمع! إن كنت تريد أن تبقى صديقا لنا كما كان أبوك، فانزع يدك من "الباروني"!!
ثم كانت مخابرة بين "الكوميسير" وبين المراجع العليا ... فإذا رجال الأمن يطوقون الفندق، ويحولون بين الضيف المشتاق وبين لقاء أحبابه على نحو ما يشتهي...
ثم غادر تونس على أول باخرة أبحرت إلى مرسيليا.
------------
واشتدت عليه المحنة، وهو في فرنسا، وضاقت به الأحوال... (1/29)
صفحة 30
ولكنه ظل ذلك الحر الأبي الذي يشكو - إن شكا – دون أن يفارقه إحساسه بعظمته الشخصية وإيمانه بالله: كتب في رسالة مطولة، بعث بها من باريس إلى صديقه "أبي اليقظان الحاج إبراهيم"، بتاريخ 1924 / 1/ 17 يشكو صروف الزمان، ويقول عن رسم له (أي صورة): "... إن صاحب الرسم هو على ما تعلمونه، وبناته اللواتي لبسن أفخر الثياب وأكلن ألذَّ الطعام، وسكنَّ أعظم قصر في أجمل موقع في الأرض، يأكلن (اليوم) الخبز والشعير، ويلبسن الصوف، ويغزلنه بالأجرة لمن كان يتلقى إحسانهن صباحاً ومساء – وتلك حال لا تدوم بإذن الله– ويسكنّ دويرات بين كثبان رمل زوارة... ولو مدَّ صاح بالرسم يده، أو ألان جانبه، لكان أغنى من قارون! ومع ذلك كله لم يتأثر حزناً، ولم يسهر أسى وأسفا، بل هو هو لم ييأس، ولم يزل يقول: يودون موتي، ولكنني على رُغم أنفهم لا أموت
------------
وعاد "الباروني " يطرق أبواب قناصل الدول في "عاصمة النور" ... وهو يؤكد لهم أنه قد اعتزل السياسة ولن يقوم بأي نشاط سياسي مهما كان شأنه، وإنما يريد أن يغادر هذا المنفى الذي دفعته إليه الأقدار دفعاً، ليعيش في تونس، أو الجزائر، أو سورية، أو مصر...قصد أن يجتمع بعائلته، التي تعيش بين كثبان "زوارة" في صحراء طرابلس.
فأما السلطات الفرنسية، فإنها ما تزال على إصرارها من منعه من دخول تونس والجزائر وسورية!
وأما السفارة البريطانية، فنها ترفض أن يقترب من ... الشرق العربي، وبخاصة مصر!
وأما السفارة الإيطالية، فهل يرحمه الذين أخرجوه من بلاده دون أن يتيحوا له أن يودع أهله، وهم يقولون له: "سنأذن لك بالعودة بعد خمسة عشر يوماً"؟
وأما تركيا فانه هو نفسه لا يريد العيش في ظل العهد "الكمالي".
------------
ثم جاء الفرج، بعد هذا الليل الفرنسي الطويل: كتب إلى "الشريف حسن" – وقد كان يعرفه في الأستانة – يطلب منه تسهيل السفر له إلى مكة لأداء فريضة الحج (سنة 1342 هجرية). (1/30)
صفحة 31
وكان قد كتب يوماً – وهو العثماني النزعة – مقالا في جريدة "الصواب " التونسية، ينتقد المعاهدة الإنكليزية الحسينية، فلم يَفُتْه أن يبعث الآن بالعدد الذي نُشِر فيه المقال، إلى "الشريف حسين" ليطلع عليه، فيكون على علم من أمره وبينة، وذلك تصرفٌ منه يتَّسم بالاعتزاز بالرأي- رغم ليل محنته المدلهم – مع الحرص على أن تتم معرفة الطرف الآخر به معرفة صحيحة لا تشوبها شائبة.
وقد اّطلع "الشريف حسين" على المقال، وقال معلّقاً: - إن الباروني ما كتب إلا عن حسن نية ونصيحة.
وأمر بالإذن له بالحج نورا.
وعندئذ أتيح "للباروني" أن يغادر مرسيليا، في شهر يوليو 1924 ، متحررا من أغلال الأسر – بعد أن أمضى فيه عامين اثنين – متوجها إلى الديار المقدّسة ... وكان يوماً سعيداً، لا يَعْدِ له إلا يوم تحرره من السجن في عهد "السلطان عبد الحميد".
وعندما توقفت به الباخرة في الإسكندرية، مُنع من النزول إلى البر.
ولكنه ما إن وصل "جدة"، يوم 28 ذي القعدة، ووطئت قدمه رصيف الميناء، حتى رأى جماعة يسألون الحجاج لدى رصيف الميناء، حتى رأى جماعة يسألون الحجاج لدى مغادرتهم الباخرة: - هل فيكم "سليمان باشا الباروني" ؟
فأومأ أحدهم إليه، فأقبل عليه السائلون، وسلموا مرحبين، وقال رئيسهم: 63 62 - أنا معتمد صاحب الجلالة، وقد أمرني باستقبالكم والقيام بما فيه راحتكم.
" وفي الحال أمر "المعتمد" أعوانه بإخراج أشيائي – والحديث هنا "للباروني" – وأشياء من معي من أشراف الشام: من الجمرك بدون تفتيش. وذهبنا إلى بيته الذي خصصه لنزولي، وهو مفروش منظَّم فوق ما يتصور".
وقد كتب"الباروني "، في اليوم التالي من وصوله جدة، رسالة إلى أحد أصدقائه،ضمنها مشاهداته وما طفح فيصدره من أحاسيس البهجة والفرح.
ثم إن الملك أكرمه، واحتفى به، وقلّده نيشان "الاستقلال"...
ومع ذلك، يقول "الباروني" في إحدى رسائله: "لم أقدم بيعة الخلافة كما بايع غيري"! (1/31)
صفحة 32
وذلك ثبات منه على المبدأ، يُذكر له.
--------------
لقد عانى من أوصاب الحياة كثيراً.
وأما داء الملاريا، فقد هدَّ جسمه هدَّا، وهو صابر – كعهده – متجلِّد.
نهاية المطاف كانت زيارة "سليمان الباروني" للديار المقدسة للحج أولا، وللتخلص من الأسر والنفي الطويل الثقيل. فلما آن له لأن يغادر، توَّسطتْ له الحكومة العربية – حسب رغبته – لدى السلطات الإنكليزية ليزور "مَسْقَط" و"عُمَان". فوافقت السلطات الإنكليزية على ذلك، ورحبت به الأسرة الحاكمة.
وفي رُسُوِّ الباخرة في ميناء مسقط،صعد إليها وزراء حكومتها لملاقاته والترحيب به. وكان "السلطان تيمور" غائباً في الهند، فأرسل إليه من هناك، برقية ترحيب: "قدومٌ مبارك لبلادنا. أرجو أن يكون شعبي قد استقبلكم بكل احترام".
فكانت هذه اللفتة الكريمة جديرة بأن تنسيه كثيراً مما عانى من آلام النفي والاغتراب.
------------
وأقام "الباروني" في مسقط.
وكان همه الدعوة إلى جمع الكلمة، والاتحاد، والنهوض بالمجتمع لمجاراة الأمم الحية. فلما مضى عليه عامان، وهو فيها، كان قد كسب محبة الحاكم والمحكومين وإذا بلاغ يصدره الإمام، فينطلق المنادون بإعلانه في الأسواق: "من إمام المسلمين محمد بن عبد الله الخليلي إلى جماعة المسلمين.
ليعلم الحاضر الغائب... أني فوضت الأمر في تنظيم المملكة تنظيما صالحا... للشيخ سليمان الباروني فبيده الملكية والعسكرية والمالية والسياسة الداخلية والخارجية... فمن يخالفه أو يقف في سبيل أعماله الإصلاحية يعاقب... ولا يلوم إلا نفسه..."
------------
على أن "الباروني"، القوي الجسم المتين البنية، الذي ما شكا من مرض في طول ما خاض من معارك وما لقي من عناء الإبعاد وشظف العيش، أخذت حُمَّى الملاريا بتلابيبه منذ دخل بلاد عُمان، فهو يغلبها تارة وتغلبه. (1/32)
صفحة 33
وما كان لهذا العقل المفكر أن يهدأ ولهذا الجسم أن يَكِلَّ، فظل يعمل، ويتنقل بين دول الخليج، ويقرأ، ويفكر، ويكتب المقالات والرسائل المطوَّلات دون ملال...
ولم يكن له أن يغفل عن مشكلة فلسطين، وهي إذ ذاك في احتدامها، فكتب في عام 1932 إلى "لجنة نزع السلاح في عصبة الأمم": "وبمناسبة ما يجري من الفظائع المؤلمة في فلسطين المظلومة، المنكوبة بالصهيونية، تلك الفجائع التي هزّت العالم الإسلامي أجمع، أرجو – باسم السلم العام – من مجلسكم الموقر، إعادة النظر في رسائلي المقدمة إليكم في تاريخ.." "وكل محب للسلم يؤمل أن توفقوا بحكمتكم إلى أن تعاد لفلسطين حقوقها المهضومة، فتسكن العاصفة، فأن الصهيونيين – ولو بلغوا الملايين– لا يستطيعون أن يحموا أنفسهم في فلسطين، فضلا عن أن يحموا السكة الحديدية، والمطارات، وأنابيب البترول، إذا انفجر بركان حرب عامة...".
------------
وداء الملاريا، لم يصطلح على "الباروني" الأب وحده، بل تعداه إلى ابنه الشاب "إبراهيم" – ذلك الذي كان قد تلقى منه تلك الرسالة التي أشرنا إليها في مطلع هذا الكتاب – وقد التحق به في مسقط هو وأفراد الأسرة.
توظف"إبراهيم الباروني" في القصر الملكي في العراق عام 1943 ، بغية الابتعاد عن بيئة مسقط الراشحة بحمى الملاريا، ولكي يتاح له أن يدرس الحقوق في الجامعة ببغداد.
ولكن أحوال الأب المادية- وقد أضاعت الفتن الداخلية في طرابلس، ثم الاغتراب، كل ما كانت تملكه يمينه – ظلت على غير ما يرام.
وهنا نراه يكتب إلى أصحابه في الوطن الحبيب، يحدِّثهم فيقول إن له نحو عشرة آلاف نسخة من الكتب التي كان قد طبعها في "مطبعة البارونية" بالقاهرة، وهي ما تزال مخزونة هناك، متطلعا إلى بيعها إن أمكن بطريقة اقترحها... (1/33)
صفحة 34
وقام أصدقاؤه البررة باستيراد كمية من هذه الكتب، المخزونة بالقاهرة منذ عام 1908 ، بعد تجليدها، وعمدوا إلى "ترويجها بين الإخوان بأثمانها المناسبة، وكلما جمعنا منها مبلغاً أرسلناه إليه للترفيه عنه"، كما قال أصدقاؤه فيما بعد.
------------
لقد عانى "سليمان الباروني" من أوصاب الحياة كثيراً، وعب من المرّ والعلقم... وأما داء الملاريا، فقد هدّ جسمه هدَّا وهو صابرٌ – كعهده – متجلّد.
ثم رأى، في عام 1940 ، أن يسافر مع "السلطان سعيد" إلى الهند، بقصد المعالجة من هذا الداء العضال.
ولكنه – كما تقول ابنته "زعيمة" – كان يُبَيّت أمرا آخر هو السفر إلى إحدى الجهات في تونس أو مصر ليجتمع بمواطنيه، آملا العودة إلى أرض الوطن.
قالت ابنته، يوم الوداع، وهي تشير إلى حفيديه (ابني إبراهيم): - أوَ تترك "طارقا" و "عز الدين"، يا والدي؟
فوقفت لقاءها، في مشيبه، وقال: - وماذا على طارق وعز الدين، وأنتم في رفقتهما؟ وإن أخي السلطان يرعى صوالحكم جميعاً، وهو منكم بمنزلة الوالد والوصي!
واغرورقت عيناه.
لكأنما كان يحس أن هذا آخر موقف له بين أولاده وأحفاده.
كان ذلك صبيحة عيد المولد النبوي ( 12 ربيع الأول 1359 ).
فلم يكد يصل "بمباي"، يوم 23 مايو 1940 ، حتى سقط مغشياً عليه. فحُمِل إلى المستشفى.
فلما أفاق كان قد فقد القدرة على الحركة والنطق معاً.
وأخذ يردد دون طائل حرفين اثنين: - ز ... م...
ولم يكن لإخوانه العُمانيين الذين يرافقونه، أن يفهموا من ذلك شيئاً. ولعله كان يريد أن يلفظ اسم ابنته "زعيمة" ليوصيها بحفيديه، فيعسر عليه النطق.
واغرورقت عيناه بالدموع، وفاضت روحه إلى بارئها( 1).
وفي الغربة، أيضا، مات "سليمان الباروني" رحمه الله.
------------ (1/34)
صفحة 35
الخاتمة وهكذا انطفأت حياةُ رجل كان مثالا حيا للتقي والورع، وحب الوطن، وكراهية الأعداء، والثبات على المبدأ، والعناد في سبيل الحق، والاعتزاز بالنفس، والصبر على المكاره، والجرأة، والشجاعة، فضلاً عن تَغنِّيه بالوحدة الإسلامية...
وشاهدٌ صغير على بعض ذلك: هو العهد الذي قطعه على نفسه – يوم الغزو الإيطالي – أمام إخوانه، بأن لا يحلق شعر رأسه ما لم يتطهر وطنه من دنس المستعمرين!
وقد برَّ بعهده، فلم تمس شعره يدُ حلاق، من يوم إعلان احتلال طرابلس(عام 1911 ) حتى وفاته ( 1940 )... وكم أرهقه هذا الشعر الطويل، بتلك "الجلدية" التي كان يضطر إلى إخفائها تحت قميصه! وكم سبب له المضايقات، في أثناء تنقله في تركيا، فقد كان يُظن أنه راهب مبشر قد جاء البلاد ليحوك مؤامرة أو مكيدة!
وبعد، أليس عجيباً أن يعيش رجلٌ – هذه صفاته – مُبعدا عن وطنه الحبيب: عامين في فرنسا، وستة عشر عاما كاملة في أطراف الجزيرة العربية ... يهزه الشوق والحنين إلى مسقط رأسه، فلا يُسمح له بأن يستظل سماءه، أو ينهل من مائه، أو يستنشق عبير أرضه؟!!... ثم تشاء الأقدار أن يُغمض عينيه ( 1) "سليمان الباروني باشا في أطوار حياته"، تأليف أبي اليقظان الحاج الإغماضة الأخيرة، وهو أكثر بعدا: عن وطنه الصغير ليبيا!
إبراهيم، الجزء الثاني، صفحة 243 و 244 .
قصارى القول: كان "سليمان الباروني" يستجمع عديدا من الصفات الحميدة والخلال النادرة، وكان مثالاً رائعاً للرجال الذين يحملون في قلوبهم وعقولهم الوطن، ويعملون من اجله، ويضحون في سبيله، وما أنبله وهو يقاتل بلا هوادة، ويقضي شبابه وكل أيامه في سبيل الوطن وشرف الوطن وما أروع أن يتوج نضاله بخاتمة طيبة عبر الأجيال اللاحقة فتستقل ليبيا، مما يؤكد أن تواصل النضال لابد أن يحقق معجزة النصر (1/35)