صفحة 1
الكتاب: سيرة الشيخ أحمد الشماخي لعلي معمر من الإباضية في موكب التاريخ
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] سيرة الإمام
أبي العباس أحمد الشماخي
رحمه الله تعالى
من كتاب
الإباضية في موكب التاريخ
للشيخ علي يحيى معمر
بسم الله الرحمن الرحيم
أبو العباس أحمد الشماخي أبو العباس الشماخي من أعلام العلم الذين كان لهم شأن عظيم لجدهم واجتهادهم ، وبلغوا منزلة قصوى في العلم ، كانوا بها مناراً يهتدى به ، وعلماً يعتصم ويلجأ إليه . إذا ألف وصنف كان آية، وإذا ردت إليه مشكلة كان في حلها غاية، وإذا حضر مجلساً من مجالس العلم كان فيه النهاية هو الإمام المجتهد أبو العباس بدر الدين أحمد بن أبي عثمان بن سعيد بن عبد الواحد بن سعيد بن أبي الفضل قاسم بن سليمان بن محمد بن عمر بن يحي بن ابراهيم بن موسى بن عامر جد الإمام أبي ساكن عامر بن موسى بن علي بن عامر الشماخي ، فهو يجتمع بهذا الإمام في جده فيما يتبادر توفي : رحمه الله على ماذكره العلامة ابو زكريا الباروني سنة 928 هجري (1/1)
صفحة 2
تصانيفه : له من التصانيف في عدة علوم كلها تعد من الأمهات، خصوصاً مقدمته في أصول الفقه وشرحها، اختصر المقدمة من كتاب العدل والإنصاف لشمس الدين أبي يعقوب الوارجلاني ، فكانت أجمل وأنقى متن في أصول الفقه ، وأمتن عده ، وأجدى مادة لمن يريد حفظ قواعد الأصول وإني لأراها أحسن متونها شمولاً وإيجازاً . وشرحها وإن كان مختصرا جدا ً إلا أنه على جانب كبير من النفاسة والتحقيق ، ومن مراجع تراجم الرجال وتاريخ أهل الحق والإستقامة : كتاب السير له ، يظن الذين لا حظ لهم من التاريخ ، ولاقدرة لهم على جواب مراحله ودخول ميادينه : انه كتاب غير مفيد ولكنهم لايعلمون أنه ثروة ومادة اخذت من كل ناحية بسبب واختصت بذكر اساطين العلم والدين ، وأتت منهم بعجب ، وإني لأطالع هذا الكنز المكنون، والفلك المشحون ولا أزال أكتشف فيه الأعلاق وجلائل تاريخ الأئمة ، ومفاتيح ما أغلق من تاريخ الإباضية وسط الأمة الإسلامية بشمال أقريقيا ..... تاريخ العلم والعمران ، وازدهار الدين والإيمان . وهذه حاشية على مقدمة التوحيد تبدي لك غزارة علمه ، ووفرة مادته ، وتبحره في فنون الشريعة والعربية مع صغر حجمها ، وقد وضعت لك أيها القارئ الكريم تحت بعض الجمل السامية المعنى سطراً يلفتك إليها، كأنموذج لتحقيقات هذا المصنف الجليل ونظرياته المعربة عن سلامة ذوقه وسمو نظره ، وبينها مايحدثنا عن المصنف من حيث نظره إلى الحياة الإجتماعية ، نظرا ً يباين كثيرا ً من الفقهاء الذين أضعفوا الأوساط ، وأوهنوا العزائم ومماوقفت عليه من مصنفات هذا الإمام الجليل إعراب الدعائم ، سماه " إعراب مشكل الدعائم " وهو من خزانة الشيخ محمد بن عيسى ازبار ولعل صوابه ازباره . وأظن أني رأيت له شرحا على متن الديانات نفيسا جدا ً ، واجتهدت في الحصول عليه وقت كتابة هذا الكتاب فلم أفز به . (1/2)
صفحة 3
ويحدثنا المصنف عن بعض مؤلفاته بالإحالة إليها في مهمات المسائل ، أو إلى بسط القول فيها ، فهو يقول إن له شرحاً على مرج البحرين لشمس الدين أبي يعقوب في المنطق ، والحساب ، والهندسة ، حين تكلم في خطبة شرح مقدمة الأصول على اسم الجلالة واشتقاقه فقال : قد بسطنا ذلك في شرح مرج البحرين فلينتظره الراغب . وقد تمنى ضياء الدين التميني رحمه الله أن يقف عليه فقال في شرح مرج البحرين : غير أني سمعت أن البدر علق عليه شرحا ً عجيبا ً ، ولكنه ضاع ، فياليتني كنت له مصيباً ، ثم إنه وعد في آخر شرحه على مقدمته أنه إن انسأ الله له العمر فإنه يجعل له شرحاً يستوعب جميع مباحثه ، وذلك سنة ثمانمائة وأربعة وتسعين ، وقد أنسأ الله له في العمر إلى تسعمائة وثمانية وعشرين ، ولعله وضع له شرحاً كما وعد ولم نقف عليه. ومن لطائف التاريخ أن البدر الشماخي أرخ شرحه هذا على المقدمة بحادثة تاريخية هامة حيث يقول : فرغ منه بالتاريخ أوئل شعبان سنة أربعة وتسعمائة ، وهو العام الثاني من إخراج المسلمين النصارى من " جربة " ، ويعني به إخراج الأسبانيين من الجزيرة بعد أن استولوا عليها ، كما احتلوا شطوط المملكة التونسية، وقد وقفت على تفاصيل هذه الواقعة منذ سنين ، ولم يتيسر لي قيدها ..... وبعد فإني أرى البدر الشماخي من المؤلفين المكثرين ، ويظهر أن له مصنفات في الفروع الفقهية ، بيد أنها لم تصل إلينا بل لعبت بها أيدي التلاشي ، وعبثت بها عوادي الغواشي ، فكانت أثراً بعد عين . (1/3)
صفحة 4
شيوخه : وأما شيوخه فقد ذكر في تاريخه بعضا منهم : ذكر أنه أخذ العلم بتونس المؤنسة عن الشيخ البيدموري ، وعن العلامة الشيخ أبي عفيف صالح بن نوح زكريا التندميرتي النفوسي ، قال البدر الشماخي : عنه أخذت بعض العلوم ، وكان عهد الشماخي مزدهراً بالعلم ازدهاراً من كل نواحي الثقافة الإسلامية والدين ، ظهر فيه أعلام فخام ، مثل أبي القاسم البرادي وأبي يوسف يعقوب بن أحمد بن موسى آية من آيات الله في جميع العلوم الشرعية والعربية والفلسفية والتاريخ ، وكان أعلم رجل بتونس في النحو بشهادة علمائها ، وكثير من تلاميذ الإمام أبي ساكن عامر الشماخي ، فإنه نبغ منهم جمع كل منهم بلغ الذروة العليا : وعلما وعملاً يشار إليه بالبنان ، فرحم الله ورضي الله عنه " حول كتابة التاريخ : انتهى إلى هنا ماقاله الإمام العلامة أبو اسحاق طفيش في ترجمة العلامة الشماخي ، وإذا قال أبو إسحاق فليس لقائل بعده أن يقول ، ولكنني مع ذلك أستسمحه أن أزيد كلمة ، وهو أن العلامة البدر الشماخي يعد في نظري أحد الأعلام الذين قامت عليهم حركة التأليف منذ الإتجاه الجديد الذي اتجهه طلاب أبي موسى عيسى بن الطرميسي . وإذا كانت تلك الحركة المباركة آتت ثمارها طيبة وتركت لنا تراثا مجيدا ً تفتخر به المكتبة الإسلامية ، فإن طريقة أبي العباس في كتابه القديم " السير " طريقة ليس لها مثيل فيما عرفناه من كتب التاريخ فإن المظاهر الخادعة من حوادث الإنقلابات والمعارك العسكرية وسير الملوك والحكام ، ويعتقدون أنهم بذلك قد أرخوا للشعوب والأمم ، والواقع هو أنهم قد أرخوا لعدد قليل من الناس ، وثبتوا كراسي الحكم وتصرفوا في عباد الله وأموال الأمة دون حق ..... (1/4)
صفحة 5
وقد ادرك أبو العباس الشماخي هذه الحقيقة فلم ينجرف مع تيار السياسة إلابمقدار ، وإنما لنا الصورة الحقيقة لجانب من الأمة المسلمة ، هذه الأمة التي تسكن مابين " سرت " والمغرب الأقصى ، وهو يقدم لنا المادة الحقيقة لتاريخ هذه الأمة في صورة العالم الذي يلقي دروس الوعظ والإرشاد ، وفي صورة الرجل الذي يحمل الفأس ويذهب إلى البستان ليقلب الأرض ، وفي الشيخ العالم القدوة الذي يسوق بقرته بعد أن ينزل المطر ليقوم بعملية الحرث ، وفي المجالس العلمية التي تنعقد في هذا المجلس أو ذاك وفي المبالغ التي تجمع لينفق منها على الأقسام الداخلية في المدارس المنتشرة ، وفي صورة النصيحة التي تقدمها المرأة المخلصة لزوجها أو لصديقها ، وفي سلوكها عندما يتخذ عليها الزوج ضرة أو يقسو عليها في الحياة ، وفي نقاش البنت المتعلمة لأبيها وإدلالها عليه وفي كفاح المرأة من أجل العلم ، وفي صورة الأحاديث والمشاورات والآراء والفتاوى والأعمال ، وكل المظاهر التي يعيشهل الشعب عيشة تعكس حقيقة المجتمع والأسرة والفرد ..... لقد قرأت كثيراً من كتب التاريخ ، وقرأت كثيرا ً من كتب الإجتماع ، فلم أجد مايستهويني ، كما أجد ذلك في كتابه " السير " هذا الكتاب الذي يجعلني أعيش حياة واقعية تمتد عشرة قرون . أرأيت القصصي الموفق الذي يستطيع أن يبعث الحياة في شخوص أبطاله ، ويجعلك معجبا بهم مهتما بأعمالهم ؟ إنه أبو العباس الشماخي ، وقصته هذه هي قصة حياة امة خلال عشرة قرون ، وأبطالها أبطال الحقيقة لا الخيال . حقيقة الحياة بما فيها من متعة ، بما فيها من فقر ، بما فيها من حركة وصراع ونضال ، بما فيها من عمل فردي وجماعي ، والأمة الإسلامية في حاجة كبرى إلى كتاب من هذا الطراز يصورون الواقع كما هو ، وكما تشهد به الحياة بعيدا ً عن توجيه السياسة المغرضة ، والأطماع الزائفة ، والمؤثرات الخارجية ، مقصودة وغير مقصودة . (1/5)
صفحة 6
وفاته : توفي رحمه الله ببلدة " يفرن " من جبل نفوسة سنة 928 هجري ، وعده العلامة أبوعبدالله محمد بن زكريا الباروني في الطبقة الثامنة عشر حسب ترتيبه : كل خمسين سنة طبقة . هذه نبذة عن العالم أبو العباس الشماخي مقتبس من كتاب الإباضية في موكب التاريخ للشيخ علي يحى معمر (1/6)