صفحة 1
بحث تخرج: الشيخ سالم بن حمود السيابي: حياته وآثاره ... يوسف بن صالح بن عبدالله العامري ... تراجم ... 2005م
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] سلطنة عُمان
وزارة الأوقاف والشؤون الدينية
معهد العلوم الشرعية
سيرة الشيخ العلامة سالم بن حمود السيابي
حياته وبعض آثاره
(1326هـ-1908م/1414هـ-1993م)
إعداد الطالب: يوسف بن صالح بن عبد الله العامري
إشراف الشيخ: إبراهيم بن يوسف بن سيف الأغبري
السنة الدراسية
1425-1426هـ / 2004- 2005م
إهداء
إلى من ربياني صغيرًا،
وإلى كل من سعى إلى تربيتي كبيرًا،
وإلى جثمان شيخنا تحت الثرى،
وإلى مشايخي الأجلاء فوق هامات الثريا،
وإلى كل شبر من أرض عُمان الطيبة،
وإلى شباب الاستقامة
أهدي هذا العمل المبارك
يوسف العامري.
مقدمة
الحمد لله رب العالمين الحمد لله الذي شرَّف العلم والعلماء، وفضلهم على الخلق أجمعين، القائل في كتابه العزيز: { قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ } (1) ، القائل: { إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء } (2) ، والصلاة والسلام على من أول من وجه له الخطاب، وأمر بالتعلم والتعليم، وذلك في خطاب الله - عز وجل - له بقوله: { اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ } (3) محمد بن عبد الله - صلى الله عليه وسلم - شمس الحقائق وضياها، وبدر المعارف وبهاها، ولفظ الرسالة ومعناها، وعرش الأخلاق ومغزاها، وينبوع الفضائل ومجراها، ومرآة العلوم ومجلاها، وضيف السماوات وإمام مصلاَّها، صلاة ربي وسلامه عليه حيًّا وميِّتًا، وعلى أهله الأطهار، وعلى من سار على نهجهم، واستن بسنتهم ودعا بدعوتهم إلى يوم الدين، أما بعد:
علم العليم وعقل العاقل اختلفا ... من ذا الذي منهما قد أحرز الشرفا
فالعلم قال أنا أحرز غايته ... والعقل قال أنا الرحمن بي عرفا
فأومأ العلم إيماء وقال له ... بأينا الرحمن في فرقانه اتصفا
__________
(1) ـ الزمر:9
(3) فاطر:2
ـ العلق:1-3 (1/1)
صفحة 2
فبان للعقل أن العلم سيده ... فقبَّل العقل رأس العلم وانصرفا
قضية محكمة وسنة معجزة، شرَّف الله - عز وجل - بها العلم والعلماء، وجعلهم مشعل هداية في هذا الوجود، ومنار يحتذى به في كل صغيرة وكبيرة، وذلك لِمَا للعلم من فضل عظيم، وثواب عند الله جزيل، وقد عرفت عُمان وعلى مرِّ العصور عدد لا يُستهان به، شرَّقوا وغرَّبوا بنور الله - سبحانه وتعالى - ، حاملين لواء العقيدة ومشعل الهداية، فأحيوا السنن، وأماتوا البدع، وإن تنكر لهم الزمان، وعصاهم المجتمع، وطُمست حقائقهم، ونساهم القريب قبل البعيد؛ سيظلون شامة في جبين الدهر، مازال عرق ينبض من أهل العلم وطلبته، بشرى لك أمة الإسلام بشباب قادم يجلو الظلام، ويُعيد عدة الإسلام، ويا جهل خفِّف خافقيْك، فبمشيئة الله - عز وجل - عن قريب ستلحد.
ومن هذه الطائفة والثلة المباركة الشيخ الفقيه، والشاعر العلامة: سالم بن حمود السيابي، الذي تشهد له عُمان وعلى مرِّ العصور والأزمان بما قام به من دور عظيم في إحياء تراث، ونشر العلم، وإحياء السنن، وإماتة البدع، وقيامه بأمر المعروف ونهيه عن المنكر، وكان لزامًا علينا، وأمانة في أعناقنا على أن نحيي هذه الشخصيات العظيمة، لنعرف سيرتهم ونسير على خطواتهم، ويكون تشجيعًا لهذا الجيل الصاعد الذي تبدو بشارات الخير ظاهرة على ملامحهم وصفحات وجوههم، للإقتداء بؤلئك الأشاوس الشجعان، والتشبه بسيرتهم، وإن كان أحد حق له أن يتعرف بتقصيره؛ فأنا أول المعترفين بذلك، وذلك لقلة معرفتي وضعف حيلتي، وعدم الوفاء بما يحق أن يُقال لهذا الشيخ، فالشيخ سالم بحر لا ساحل له، وبئر لا قعر له، وماذا عسى أن يصنع من أمثالي في التعبير عن هؤلاء العلماء، ولكن عسى أن أكون قد وفيت ولو بالنزر اليسير.
وقد قسمت هذا البحث إلى خمسة فصول، وكل فصل يحتوي على عدة مباحث، والخطة معروضة كما يأتي:
الفصل الأول: العصر الذي عاش فيه الشيخ:
المبحث الأول: الحالة السياسية. (1/2)
صفحة 3
المبحث الثاني: الحالة الاقتصادية والاجتماعية.
المبحث الثالث: الحالة العلمية والفكرية.
الفصل الثاني: سيرته الشخصية:
المبحث الأول: اسمه ونسبه.
المبحث الثاني: ولادته ونشأته.
المبحث الثالث: صفاته الخِلقية والخُلقية.
الفصل الثالث: حياته العلمية:
المبحث الأول: نشأته العلمية.
المبحث الثاني: شيوخه.
المبحث الثالث: تلاميذه.
المبحث الرابع: مكانته العلمية.
الفصل الرابع: حياته العملية:
المبحث الأول: تدريسه.
المبحث الثاني: تولِّيه القضاء.
المبحث الثالث: إصلاحاته الاجتماعية.
الفصل الخامس: آثاره ووفاته:
المبحث الأول: مؤلفاته النثرية والنظمية.
المبحث الثاني: رسائله و فتاويه.
المبحث الثالث: وفاته.
وقد اعتمدت في هذا البحث منهج الاسترداد التاريخي، والمنهج التحليلي في تحليل الوقائع والأحداث المعروضة أمامي، واستخلاص العبر والعظات منها.
ولم توجد دراسات أكاديمية سابقة عن هذه الشخصية، إلا ما كان من أعمال قدِّمت للمنتدى الأدبي في السيب، وكذلك أحد الباحثين عند كتابتي لهذا البحث بصدد عمل أطرروحة ماجستير حول منهجه الشعري، ولم أطلع على البحث، كما توجد ترجمة مختصرة كمقدمة لكتاب: "عمان عبر التاريخ"، فالشخصية المترجم لها قدمت الكثير، ولم يُكتب عنها ما يفي بحقها، لذلك كان أكثر اعتمادي -كما ظاهر لمن تصفح هذا البحث- على المقابلات،، لأشخاص عاصروا الشيخ وعرفوه، فكانت معلوماتي مشافهة حوَّلتها إلى أسلوب علمي لتتناسب البحث العلمي، ولعلَّ هذا من صعوبات البحث، حيث استغرقت مني تلك المقابلات وقتًا ليس بالهيِّن، ثم بعد ذلك تحويل تلك المقابلات إلى كتابات علمية، فيعتبر هذا البحث بمثابة شاهد على سيرة هذا الشيخ، من أناس عاشروه وخَبِروه.
خُتم هذا البحث بخاتمة استعرضت فيها أبرز النتائج التي توصلت إليها من سيرة العلامة الشيخ سالم السيابي. (1/3)
صفحة 4
وأسأل الله - عز وجل - أن يرزقنا علمًا نافعًا مع حسن عملٍ، ويرزقنا الإقتداء بسيرة نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - ، وسلفنا الصالح، والله الموفق لكل خير.
يوسف بن صالح بن عبد الله العامري
سناو- المضيبي
صبيحة الأحد 30 ربيع الأول 1425هـ الموافق لـ 8 مايو 2005م.
الفصل الأول: العصر الذي عاش فيه الشيخ:
المبحث الأول: الحالة السياسية.
المبحث الثاني: الحالة الاقتصادية والاجتماعية.
المبحث الثالث: الحالة العلمية والفكرية.
الفصل الأول: العصر الذي عاش فيه الشيخ:
عاش الشيخ في عصر استثنائي، طبع معظم سنوات القرن العشرين الذي وُلد الشيخ في عقده الأول، وغادره في العقد الأخير، وهو عصر التحولات الكبرى في تاريخ عُمان السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وانتقالها تدريجيًّا من دولة القبائل إلى دولة المؤسسات.
وبمَا أن الشيخ حياته كانت محصورة في القرن العشرين سنبيِّن أهم الحكَّام الذين توالوا على عُمان في هذه الفترة، وما حدث من بعض التغيرات والتحولات في عهدهم:
- فيصل بن تركي: 1305- 1331هـ.
- تيمور بن فيصل: 1331-1350هـ.
- قيام دولة الإمامة في الداخلة في العهد السابق.
- سعيد بن تيمور: 1932- 1970م.
- قابوس بن سعيد: 1970م- إلى أمد بعيد.
المبحث الأول: الحالة السياسية:
كانت عُمان في بداية هذا القرن خاضعة تحت حكم السلطان فيصل الذي ارتقى عرش السلطنة قبل هذا القرن، والعقد الأول وجزء من القرن العقد الثاني من القرن العشرين، ولم تكن يومها الإمامة قائمة منذ انهيار إمامة عزان بن قيس سنة: 1871م، وقد ولد شيخنا السيابي في العقد الأول من هذا القرن. (1/4)
صفحة 5
ولم يكن السلطان فيصل يرمي إلى بناء سلطنة مستقلة فقط، بل كان متأثِّرًا أيضًا إلى درجة معينة بالنموذج الإباضي للدولة الإسلامية "الإمامة"، ولذلك أعطى نفسه لقب: إمام، بدل لقب: سلطان، وكلَّف الإمام نور الدين السالمي (1) بكتابة تاريخ عُمان، فكتب كتابه المعروف: "تحفة الأعيان" (2) .
وكانت عُمان في فترة حكم السلطان فيصل محلَّ نزاع بين أطماع العدو البريطاني والفرنسي، إذ تحولت إلى قطعة حلوى تتقاسمها فرنسا وبريطانيا.
وفي تلك الفترة لم يعترف الإنجليز بفيصل سلطانًا على مسقط حتى عام: 1307هـ، الموافق لـ: 1890م، وفي عام: 1981م عقد الفريقان معاهدة صداقة وتجارة وملاحة، حلَّت محل المعاهدة الموقعة عند والده: تركي (3) .
وفي عام: 1898م سمحت مسقط لفرنسا بإقامة مستودع فحم في منطقة الجصة، بحيث اعتبرت بريطانيا هذه المحاباة ضربة كبيرة لمصالحها وسمعتها في المنطقة، الأمر الذي أوصل الأطراف المتخاصمة إلى الحادثة المعروفة "بحادثة مسقط" (4) .
__________
(1) - هو السيد العميد المحقق المجتهد: نور الدين عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي، ولد ببلدة الحوقين، وقرأ القرآن على والده - رضي الله عنه - ، كفَّ بصره وهو ابن 12سنة، وكان في صباه حافظًا، وقد ذكر محدِّثًا بنعمة الله - عز وجل - أنه حفظ وهو ابن أربعة أشهر أو دونها تحرِّيًا، أغلب علماء عُمان من تلامذته. شيخ الشيوخ والإمام العالمي: عبد اله بن حميد السالمي، توفي سنة: 1332هـ.
(2) – عمان الديموقراطية الإسلامية (1500-1970م): د. حسن عبيد غانم غباش. (دار الجديد: بيروت، ط1، 1997م)، ص: 241، وما بعدها بتصرف.
(3) – انظر تقارير شركة الزيت الأمريكية : عمان والساحل الجنوبي للخليج الفارسي. إعداد: جورج رنس (معاصر). (مكتبة الثقافة الدبين، دط، دت). ص: 60، وما بعدها بتصرف.
(4) – عمان الديموقراطية الإسلامية. تقاليد الإمامة والتاريخ الإسلامي. مرجع سابق. ص: 251، وما بعدها بتصرف. (1/5)
صفحة 6
وفي عام: 1312هـ/1895م نشبت عداوة بين عُمان الداخل وبين السلطان في مسقط، ويرجع السبب إلى العداوة القديمة التي كانت قائمة عصورًا طويلة بين الساحل والداخل.
وكذلك ما فرضه الإنجليز من فرض رسوم جمركية، وفرض رقابة على حركة تهريب الأسلحة، وكذلك اعتراضهم على المعاهدات المعقودة مع الدول الكافرة التي منعت الحكومة من التدخل في بيع التبغ والخمر (1) .
ومع ذلك انتهت هذه الانتفاضة أخيرًا على أساس "تعهُّد بعدم الاعتداء"، وقَّعه المتحاربان: صالح بن علي الحارثي والسلطان فيصل.
حيث دفع السلطان مبلغ: 17000 إيكو لرحيل القبائل عن مسقط، وضعف بهذا التعمد نفوذ فيصل فعليًّا ضعفًا شديدًا، ولم يعد حكمه يمتد إلى خارج مسقط (2) .
وفي غضون النصف الأول من القرن العشرين ظلَّت الأحداث في عُمان تسير على نفس المنوال الذي سارت عليه ما بين سنة: 1862م وسنة: 1903م، والنجاح الأكبر الذي حقَّقه السلطان فيصل هو ما بعد: 1903م حيث استعاد بعض ما فقده من نفوذ بين قبائل عُمان الداخلية، وذلك بالعودة إلى سياسة والده السلطان تركي، وهي سياسة تقوم على إقرار السلام والوئام في ربوع السلطنة الداخلية والساحلية.
وفي عام: 1906م تمكن السلطان من إقامة علاقات ودِّية مع الشيخ عيسى بن صالح، ولهذا ساد جوٌّ من الهدوء، واستمر بعض الوقت، وكذلك حُلَّت الخلافات الإنجليزية الفرنسية القائمة على عُمان.
وفي عام:1332هـ/1913م اعتلى عرش سلطنة عٌمان السلطان تيمور بن فيصل بعد موت والده السلطان فيصل، فقام بتدبير الملك، وساس أمر الرعية، وكان محبوبًا بين أسرته ومع شعبه، جوادًا كريمًا، وعصره كان في غاية من الأمن والسلام والهدوء والاطمئنان (3) .
__________
(1) – تقارير شركة الزيت الأمريكية. مرجع سابق. ص: 246.
(2) – عمان الديموقراطية. مرجع سابق. ص: 246.
(3) – ملامح من التاريخ العماني. سليمان بن خلف الخروصي. مكتبة الضامري السيب، ط3، 1422هـ/2002م. ص: 197، وما بعدها. (1/6)
صفحة 7
وفي آخر حياة السلطان فيصل قامت دولة إمامة الشيخ سالم بن راشد الخروصي، وذلك في الساعة: (12) من يوم الاثنين 12 جمادى الثانية 1331هـ بمسجد الشرع من بلدة تنوف (1) .
وهي أول إمامة ظهرت في هذا القرن بعد انهيار إمامة عزان بن قيس، وكان الفضل يعود في قيام هذه الإمام للإمام نور الدين السالمي يرحمه الله.
وفي هذه الأثناء، وطبقًا للتقاليد أرسل الإمام الخروصي رسالة إلى السلطان يعلمه فيها قيام الإمامة، ويطلب منه إنهاء النفوذ البريطاني، وتطبيق الشريعة الإسلامية في البلاد (2) .
وخضعت جميع البلدان والقبائل للإمام إلا القليل ممَّن كانوا تحت سيادة السلطان، فنرى على أن وصول السلطان إلى الحكم على غرار أبيه في وقت كانت فيه البلاد تغرق من جديد في أزمة داخلية خطيرة ودائمة، وهذا ما جعل مصيره أكثر مأساوية من مصير والده.
ففي ما بين 1913م وسنة: 1920م تدهورت الأوضاع في كل مقاطعات عُمان الساحلية والداخلية بسبب الحرب الأهلية والتفكك الذي طرأ على منطقة الخليج، حتى أنه في سنة: 1918م ضربت عُمان أزمة تجارية خطيرة، ارتفعت فيها الأسعار ارتفاعًا مهولاً، كنتيجة للحرب العالمية الأولى، وعجزت الحكومة عن إيجاد حلٍّ لمشكلة الديون التي تراكمت على السلطان للتجار الهنود حتى وصلت رقمًا يزيد على: 7500000 روبية (3) .
وفي عام 1919م أراد الإنجليز أن يقوم ببعض الإصلاحات في مسقط، وذلك بدعوة الإمام لاستئناف مفاوضات السلام.
__________
(1) – نهضة الأعيان بحرية أهل عمان. محمد بن عبد الله السالمي. دار الجيل: بيروت، ط1، 1419هـ/1998م. ص: 135، وما بعدها بتصرف.
(2) – عمان والديموقراطية. مرجع سابق. ص: 279.
(3) – عمان مسيرًا ومصيرًاك روبرت لاندن. مرجع سابق. ص: 466. (1/7)
صفحة 8
ولكن الإمام سالم بسبب موقفه رفض دعوة المعتمد السياسي في مسقط، وحاولت حكومة السلطان تيمور تصعيد ضغطها على الإمام، فرفعت نسبة الضريبة على منتجات الإمام إلى 50%، ولكنها باءت كل هذه المحاولات بالفشل في عهد الإمام سالم (1) .
وفي عام: 1338هـ الموافق لـ:1990م لقي الإمام سالم بن راشد الخروصي مصرعه على يد رجل من قبيلة آل وهيبة، لا لسبب على ما يُقال سوى الحقد على الإمام لأنه سجنه يومًا ما.
فألهم الله - عز وجل - الأمة العمانية الصبر والجلد على الرزء الفادح والمصيبة العظمى في العلم الذي نهض بهم حتى أبلغهم مقامات الرجال، ونهج بهم طريق صاحب الرسالة - صلى الله عليه وسلم - ، فلطالما سهر في إحياء هذه الأمة الخاملة، وتعب في راحتها، وبذل نفسه الطاهرة في الذَّب عن حوزتها، وإنقاذ بلاده من الاستعمار (2) .
وبعد وفاة الإمام الخروصي وقع اختيار خليفة للإمام، وهو الشيخ محمد بن عبد الله الخليلي حفيد المحقق الخليلي.
وفي هذه الأثناء في آذار (مارس) 1919م قرَّر السلطان تيمور زيارة الهند، وكانت في الظاهر أنها زيارة رسمية إلا أن حقيقتها انكشفت لاحقًا، وفي عام: 1339هـ الموافق لـ1920م التقى طرفي الإمامة والسلطنة في السيب، وكان يمثل الإمامة الشيخ عيسى بن صالح والشيخ سعيد بن ناصر الكندي، أما الطرف الآخر فكان يمثله "وينغيت" وكان يمثل في الوقت نفسه السلطان تيمور الموجود آنذاك في الهند.
ولكن هذه المعاهدة لم تخلُ من بعض العيوب القانونية، فلم تُفرِّق حدود أراضي الطرفين، كما لم يتطرق أي بند فيها لقضية العلاقات الخارجية (3) .
__________
(1) – مرجع سابق. ص: 470.
(2) – نهضة الأعيان. مرجع سابق. ص: 235. تقارير شركة الزيت الأمريكية. ص: 96.
(3) - عمان الديموقراطية. مرجع سابق. ص: 279، وما بعدها. (1/8)
صفحة 9
وبقي السلطان تيمور الذي سافر إلى الهند إلى أن تنازل عن الملك وسلَّم زمام الأمر لولده السلطان سعيد بن تيمور سنة: 1350هـ/1931م وذلك لظروفه الصحية، وبقي بالهند بعد ذلك إلى أن وافته المنية سنة: 1383هـ/1963م (1) .
وبعد ذلك عاشت عُمان في عهد الإمام محمد في أمن وسلام ووئام، وكانت العلاقة بينه وبين السلطان سعيد علاقة يسودها السلام، فأحبه الصغير والكبير، والبدوي والحضري لعدالته ونهجه الذي سار عليه، يقول شيجر في ذلك: »على أن البدو يعترفون بالإمام سيِّدًا وكثيرًا ما تسمع بينهم عبارة "أطال الله في عمر الإمام"، وهم يعنونها بإخلاص كلما قالوها، وذلك لأن الإمام نشر العدل بين ظهرانيهم بما وُفِّق إليه من حلِّ مسائلهم، وفضِّ الخلافات بينهم (2) .
ولَمَّا ضعف الإمام ودبَّ فيه الضعف، وقبل وفاة الإمام الخليلي بويع بالإمامة غالب بن علي الهنائي، وهو الوحيد الذي تولى الإمامة في عثمان بالاستخلاف (3) .
وكانت العلاقة فيما بين الإمام الجديد والسلطان بعكس ما كانت بينه وبين سالفه، أسفرت في الأخير عن قيام حرب بين السلطنة وحلفائها وبين الإمامة، حيث قامت قوات السلطان سعيد في ديسمبر 1945م باحتلال نزوى عاصمة الإمامة، وهذا الحدث الذي لم يسبق له شبيه في تاريخ عُمان، وكان من أسبابها: نقض بريطانيا لاتفاقية السيب التي وقعت زمن الخليلي (4) .
ومحاولة السعودية فرض سيطرتهم من جديد على المناطق الداخلية من جنوب شرق الجزيرة العربية (5) ، والله أعلم بحقيقة الأمر.
__________
(1) – ملامح من التاريخ العماني. مرجع سابق. ص: 197.
(2) – تقارير شركة الزيت الأمريكية. مرجع سابق. ص: 108.
(3) – الشعاع الأخضر في ذكر ما ورد عن سيرة الإمام غالب بن علي الهنائي وحرب الجبل الأخضر. بحث مرقون.
(4) – مرجع سابق.
(5) – عمان مسيرًا ومصيرًا. مرجع سابق. ص: 466. (1/9)
صفحة 10
الأمر الذي أطاح بإمامة الإمام غالب ولجوئه إلى السعودية عشية عام: 1959م مع أن الحرب استمرت لعدة سنوات بعد ذلك.
وبعد أن صارت عُمان تحت يد السلطان سعيد عادت الحياة إلى مجاريها، فقد وضع السلطان سعيد قوانين وتشريعات مذهلة، »فقد كانت عُمان في ذلك العصر بلد الممنوعات، ممنوع بناء منازل من اللبن وممنوع وضع نظارات شمسية على العينين وممنوع التدخين، ممنوع اقتناء الكتب، وممنوع خروج النساء إلى الخارج...إلخ، بل كانت هذه الأفعال تُعدُّ جنحًا تُعاقب عليها القوانين« (1) .
وظلت عُمان على هذا الحال من الفوضى والخوف حتى أن الإنسان لا يستطيع أن يخرج من بيته إلا ومعه سلاحه وعدَّته، حتى عام 1970م عندما قيَّض الله - عز وجل - لعُمان ابنها البارَّ، والضيغم الأبيَّ قابوس بن سعيد في انقلاب أبيض واستسلام شبه سلمي للحكم كوريث شرعي.
فنرى أن الغطرسة واستخدام الناس بالقوة لا يُجدي أيَّ شيء، فدعا إلى السلام والوئام بين الناس، فصار جميع أبناء عُمان كمجتمع واحدِ، ومدَّت بقية الدول يد الصداقة لهذا الشعب الوفي، وقائده، وكأن حال لسانه يقول:
كلما ذكر اسم الله في بلد ... عددت ذاك الحمى من صلب أوطاني
في الشام أهلي وبغداد الهوى وأنا ... بالرقمتين وبالفسطاط جيراني
فرفع أبناء عُمان رؤوسهم إلى أعلى مفتخرين بذلك، ودوَّت صيحات الآذان في كل شبر، وكل جزء من أرجاء عُمان المعمورة، وتعالت صيحات الإيمان في البر والبحر والسهل والجبل، فاندكت الشيوعية في جنوب عُمان، وطمس الظلام، وانتشر العدل والأمان، وعمَّ السلام.
كيف لا يكون ذلك وهو القائل : »اليوم باستطاعة كل عماني أن يرفع رأسه عاليا دلالة على فخره واعتزازه بإنجازاته التي حققناها«.
كيف لا يكون ذلك وهو القائل: »أيها الشعب سأعمل بأسرع ما يمكن لجعلكم تعيشون سعداء لمستقبل أفضل«.
__________
(1) – عمان الديموقراطية. مرجع سابق. ص: 279. (1/10)
صفحة 11
كيف لا وهو القائل كذلك: »نريد لشبابنا أن يتسلح بالثقافة العمانية، ويعتز بتراث بلاده وتقاليده، ويحرص على دينه«.
وهو القائل كذلك:»هدفنا أن نرى عُمان وقد استعادت حضارتها الآفلة، وقامت من جديد، واحتلت مكانتها العظيمة بين شقيقاتها العربيات في النصف الثاني من القرن العشرين، وأن نرى العماني يعيش على أرضه سخيًّا كريمًا«.
كلمات حُقَّ لها أن تكتب بماء الذهب التي لو فُسِّرت لملأت الدواوين ومجلدات.
فهنيئًا لك يا ابن سعيد بهذا الوطن السعيد، وهنيئًا لك بهذا الشعب رجاله ونسائه شيبه وشبابه، صغاره وكباره، وعلى نهجك يُحتذى، فحفظك الله - عز وجل - وأيَّدك بالحق، وأيَّد بك الحق، وجعلك الله - عز وجل - سيفًا مسلَّطًا في رقاب أعدائك.
فنستنتج ممَّا سبق على أن الشيخ عاش العقود الأربعة الأخيرة لدولة الإمامة التي سادت لقرون ثمَّ بادت، وعاصر التجاذب السياسي بين مسقط ونزوى، والذي توَّج باتفاقية السيب الشهيرة في العشرينيات من القرن الماضي، وشارك في تعزيز دولة الإمامة، وترسيخ أركانها العسكري بين السلطنة والإمامة ممثَّلاً في حرب الجبل الأخضر، وذلك إثر وفاة الإمام محمد بن عبد الله الخليلي، وتولي غلب بن علي الهنائي الإمامة بطريقة مثيرة للجدل، كما عايش الوحدة العمانية الوطنية بأفول نجم الإمامة، ولجوئه إلى السعودية، وعايش عصر التوترات التي طبعت عهد السلطان سعيد بن تيمور، مرورًا بحرب ظفار، وانتهاء بزوغ فجر النهضة العمانية بتولي جلالة السلطان قابوس مقاليد الحكم في عُمان خلفًا لوالده في انقلاب أبيض، واستلام شبه سلمي للحكم كوريث شرعي ووحيد للحكم، ثم انتصار جلالته على الشيوعية العالمية في جنوب عُمان التي حاولت أن تجعلها مدخلاً للسيطرة على المياه الدافئة للاستيلاء على مصادر الثروة الهامة.
المبحث الثاني: الحالة الاقتصادية والاجتماعية: (1/11)
صفحة 12
من المعروف أن البناء الاقتصادي يعد الدعامة الأساسية لأيِّ مجتمع يحدِّد أنشطة أبنائه وأسلوب حياتهم، ومستوى معيشتهم، وعلاقاتهم بغيرهم، ونوعية المشكلات التي تواجههم، وفي النهاية يحدد مكانة المجتمع داخل نسق السوق العالمي، وفي القرن العشرين أو قبله بقليل عاشت عُمان ما بين ارتفاع وانخفاض في اقتصاد ومستوى معيشتها، سواء كان في الداخل أو الساحل، وذلك ما خلَّفته الحروب التي تقوم على فترات متباينة.
وشيخنا السيابي عاش التحولات في عُمان من دولة القبائل والعمل التطوعي لدعم المجهود الحربي للإمام الذي يعتمد على بيت المال لتدبير أموال الدولة إلى دولة بترولية يمثل النفط مصدرها الرئيسي إلى جانب العائدات الأخرى التي صاحبت ولادة الدولة الحديثة.
و لقد كانت سلطنة عُمان ولا تزال تمتلك العديد من الموارد الطبيعية والمقومات التي كانت تكفل وجود نظام اقتصادي يتَّسم بالوفرة والتنوع، فقد توافرت في أرجاء عُمان الأراضي الخصبة، وموارد المياه اللازمة للرَّيِّ، والعديد من الموارد المعدنية، كالنحاس وخامات الكروم والنيكل والمنغنيز والحديد والحجر الجيري المستخدم في صناعة الاسمنت والرخام، هذا إلى جانب الموارد البحرية من الأسماك والمنتجات البحرية، فضلاً عن توافر العنصر البشري، أي قوة العمل التي تحلَّت بالانضباط وحبِّ العمل والإقبال عليه. (1/12)
صفحة 13
وفيما قبل عام: 1970م ظلَّ الاقتصاد العماني يعتمد في أساسه على الزراعة والصيد في الأودية والسهول الساحلية، وعلى الزراعة والرعي في المرتفعات الجبلية علاوة على التجارة الداخلية المحدودة، والعمل على الحرف اليدوية التقليدية، أما التجارة الخارجية فكانت تقتصر على المدن والموانئ الساحلية التي كانت تزدهر وتنشط في فترات أو عصور قوة الدولة وسيطرتها البحرية، ثم تخبو وتضمحلُّ في فترات ضعفها وانحصار سيطرتها البحرية (1) .
وبالرغم من أن تجارة السلاح في عُمان بدأت متأخرة إلا أنها فيما بعد تصاعدت إلى حدِّ خطير، فقد واصلت تصاعدها واتساعها حتى عام: 1897م، حيث بلغ عدد البنادق التي استوردت (20) ألف قطعة، وكان يتم تصريف بعضها بين قبائل عُمان الداخلية، إلا أن القسم الأكبر يُعاد تصديره إلى ساحل عُمان والبحرين، ومن حيث يتم تهريبها إلى فارس والأراضي التركية حتى أصبحت المنطقة مغطاة بأحدث أنواع الأسلحة الحربية.
واعتبارًا من سنة:1898م تركزت تجارة السلاح بشكل كلِّي في مسقط، حيث كانت تُصدَّر منه إلى فارس وإلى أفغانستان، وفي سنة: 1912م تمَّ إنشاء مستودع أسلحة في مسقط للحدِّ من تجارة الأسلحة، ولكنه لم يُؤدِّ إلى وضع نهاية حاسمة لتلك التجارة إلا أنه حدَّ منها كثيرًا، بحيث لم يُعد لها وجود الآن (2) .
__________
(1) – محاضرات في المجتمع العماني المعاصر: جامعة السلطان قابوس. كلية الآداب. 2000/2001م. ص: 28.
(2) – تاريخ الخليج: لفتنانت كولونين ووبلسون: دار الحكمة . لندن. ط1، 2001م/1422هـ. ص: 209، وما بعدها بتصرف. (1/13)
صفحة 14
ومن صادرات عُمان في ما قبل: 1970م التمر بأنواعه المتعددة والبسر المبسلي المعروف بأثمانه الوافرة سابقًا، والليمون بكميات قيمة، وأنواع من القماش وأجزاء من الجلود، وكانت سابقًا تصدر اللؤلؤ بأنواعه الكبار والصغار، وأعداد من المنسوجات اليدوية القطنية المعروفة بـ: "الخضرنج"، وأنواع من الأوزرة الملبوسة المزركشة، وأنواع من العمائم والسبعيات، وأنواع من المنسوجات الصوفية، كالخروج والشمل والمناسيل، وكميات من السمن البقري، تُصدِّره عُمان إلى الخارج في البواخر.
وكان لباس أهل عُمان من نسيج عُمان، ومعاشها من مزارعها، وبذلك صارت غنية عن بقية البلاد، ومنعزلة عن الأمم الأخرى (1) .
وكذلك صرفت الاضطرابات والصراعات الداخلية الجهود في استثمار الأموال المتاحة على النحو الأمثل، وفرضت استمرار حالة الركود التي ظلَّ الاقتصاد العماني يعاني منها حتى نهاية الستينات، وحتى بعد اكتشاف النفط والبدء في إنتاجه بكميات تجارية كبيرة عام: 1964م، وتصديره عام:1967م، وكانت سياسة "الباب المغلق" السائدة آنذاك السبب في حرمان البلاد من تطوير الأساليب الإنتاجية، والإفادة من التكنولجيا العصرية الحديثة (2) .
وبعد عام:1970م شهد الاقتصاد العماني تحوُّلاً وانطلاقًا ملحوظًا قضى على الركود القائم منذ قرن ا من الزمان في المنطقة، وبما أن الثروة حقٌّ لجميع المواطنين فقد استهدفت استراتيجيات التنمية الشاملة في البلاد وضع دعائم اقتصاد جديد يقوم على الأسس التالية:
1- إن الثروة النفطية في البلاد حق لكل الأجيال العمانية، ومن ثمَّ فهي رأس مال يجب استثماره لمصلحة الأجيال المتعاقبة.
2- إن تعدد وتنوع مصادر الدخل القومي هو أكبر ضمان للمستقبل الاقتصادي للبلاد.
__________
(1) – السيابي: سلم بن حمود. العنوان عن تاريخ عُمان. نشر على نفقة الشيخ أحمد بن محمد بن عيسى الحارثي. ص: 48، وما بعدها.
(2) – محاضرات في المجتمع العماني. مرجع سابق. ص: 29. (1/14)
صفحة 15
3- إن القطاع الخاص و الركيزة الأساسية لاقتصاد وطني حرٍّ أساسه المنافسة الحرة، بعيدًا عن الاحتكارات.
4- إن المواطن العماني المؤهل لممارسة النشاط الاقتصادي الإنتاجي هو هدف التنمية الاجتماعية.
5- ضرورة توزيع الاستثمارات فيما يكفل إزالة التفاوت في مستويات المعيشة بين مختلف مناطق السلطنة (1)
وبما أن النفط مصدر محدود سعت الدولة إلى تنويع مصادر الدخل القومي، يعني عدم الاعتماد على النفط كمصدر وحيد للدخل، وتنمية القطاعات الإنتاجية الأخرى، كالزراعة والثروة السمكية والصناعة والسياحة، وتجنيد كل القطاعات المتاحة للعمل الجاد في إطار تنافس شريف ومتكامل (2) .
أما من الناحية الاجتماعية فإن أنماط الحياة تختلف من مجتمع إلى آخر، وذلك باختلاف عاداتهم وتقاليدهم، فالمجتمع الحضري يختلف عن المجتمع البدوي، وأهل الجبال يختلفون عن أهل الساحل وهكذا، ولكن تجمعهم بعض العادات التي اتسم بها العربي عمومًا والعماني خاصة منذ القدم، ففي الفترات ما قبل: 1970م شأن المجتمع العماني كشأن غيره من المجتمعات التقليدية على أسس علاقات القرابة، بحيث كانت القبيلة مسئولة عن توفير صور الرعاية لأبنائها، ومساعدتهم في التغلب على ما يواجهونه من مشكلات أو صعوبات في العيش والحياة، ومن ثمَّ كانت مساعدة الفقراء والمعوزين من أبناء القبيلة أو المجتمع المحلي تتمُّ من خلال نظام الزكاة والصدقات (3) .
__________
(1) –المرجع سابق. ص: 29.
(2) – محاضرات المجتمع العماني. مرجع سابق. ص: 36.
(3) – مرجع سابق. ص: 85، وما بعدها، بتصرف. (1/15)
صفحة 16
ومع بداية عصر النهضة المباركة طرأت تغيرات ملحوظة على فلسفة الرعاية الاجتماعية وأسلوب تنظيمها وأشكالها، وحجم فئات المستفيدين منها، إذ لم تُعد ضربًا من ضروب البرِّ والإحسان، بل غدا توفير العيش الكريم والحياة الآمنة محور اهتمام القيادة الجديدة، وكان إنشاء وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل تأكيدًا لدور الدولة في مجالات الرعاية الاجتماعية لتتولَّى مسؤولية تنظيم وتقديم أشكال العمل الاجتماعي في السلطنة، ومن أهم صور الرعاية الاجتماعية الأولية:
1- معاشاة الضمان الاجتماعي.
2- مساعدات الحالات الطارئة.
3- مساعدات الكوارث الفردية والجماعية.
4- رعاية الفئات الخاصة.
5- رعاية مرضى الجذام.
6- رعاية تأهيل المعوقين.
7- رعاية المرأة والطفل.
8- تنمية المجتمعات المحلية (1) .
9- ولعل من محاسن ما قبل النفط أن الفرد كان يعتمد على نفسه ليعيش، وكان هو الذي يدعم الدولة كمحارب في جيشها بدون أجر، أما الآن فإن المواطن يعتمد على راتبه الحكومي، ثم ينفق من دخله كراتب للعامل الوافد الذي يعمل في مزرعته أو ورشته، أو محله التجاري، وكان الحالة الاجتماعية أكثر حميمة، وكل الناس متساوين.
المبحث الثالث: الحالة العلمية والفكرية:
__________
(1) – مرجع سابق. ص: 85، وما بعدها، بتصرف. (1/16)
صفحة 17
كما يُقال: »إن العلم باض في المدينة، وفرَّخ في العراق، وطار إلى عُمان«، فامتلأت بالعلماء، وقد شهدت عُمان وعلى مرِّ العصور من العلماء الذين لم يشهد التاريخ أمثالهم، ففي الحديث برع علماء أحيوا السنن وأماتوا البدع، كأمثال: الإمام جابر بن زيد، وفي الأدب:كالخليل بن أحمد الفراهيدي، وكذلك في الفقه والتاريخ، ولم تخلوا عُمان منهم، فانطلقوا يجوبون الآفاق هداة ومرشدين، وعلماء ومعلمين ودعاة خير وسلام ورسل وحدة ووئام، وسفراء محبة وإيمان، فاستخدموا القول للعمل، وذلَّلوا الدنيا للدين، وطوَّعوا الكون لأمر الله - عز وجل - ، فهم كما قال العلامة الكبير شاعر العرب أبو مسلم الرواحي:
سفن النجاة هداة الناس قادتهم ... طهر السرائر للإسلام حيطان
تقبلوا مدح القرآن أجمعها ... إذا استحق مديح الله إيمان
جدوا إلى الباقيات الصالحات فلم ... يفتهم في التقى سر وإعلان
أولئك القوم أنواري هديت بهم ... عقبى محبتهم عفو وغفران
أئمتي عهدتي ديني محبتهم ... غوثي إذا ضاق بي في الكون إمكان (1) .
وعُمان في القديم ليست هي عُمان الحديثة من حيث نظام التعليم، والمواد التي يسعى الإنسان إلى تحصيلها، وعدد الراغبين في التعليم والتعلم، فنجد أن المتعلمين في هذا العصر أكبر عدد من العصور الماضية، ولكن التحصيل العلمي كان أكثر عند العلماء السابقين، بحيث أن الواحد منهم ما أن يتعلم ويعكف على العلم حتى ينبغ ويتفوق في ذلك؛ لأنهم أخلصوا أعمالهم لله - عز وجل - ، بخلاف ما نراه ونشاهده اليوم (2) .
ألم تر أن الألى تقدموا ... وجاوزوا الجوزاء بما تعلموا
قد غربوا بنوره وشرقوا ... وأيمنوا وأشأموا كي يرتقوا
امتثلوا لِمَا نهى وما أمر ... وقبلوا جميع آيات السور.
__________
(1) – ديوان أبي مسلم: ناصر: ناصر بن سالم بن عديم الرواحي. ناشر: صالح بن عيسى الحارثي. 1406هـ/1986م. ص: 302.
(2) – مقابلة مع الشيخ سعيد بن حمد الحارثي في بيته. 27 شعبان 1425هـ الموافق لـ: 12/10/2004م. (1/17)
صفحة 18
ولو جئنا إلى التعليم في عُمان لوجدنا أن التعليم شبه الرسمي كان قد بدأ في عُمان في نهاية القرن الثامن عشر الميلادي، في عهد الإمام بلعرب بن سلطان (1688-1711م) الذي أسَّس أول مدرسة رسمية (1) .
وهكذا سار التعليم في عُمان بعد ذلك ما بين رقي واضمحلال، حتى جاء عصر السلطان سعيد بن تيمور حيث وضع قوانين وترتيبات مذهلة، فباستثناء بعض المدارس القرآنية، منع التعليم العام في بلده، ولم يكن في البلاد طيلة عهده سوى ثلاث مدارس ابتدائية في عُمان، بل إنه أغلق عام: 1970م هذه المدارس قائلاً لأحد مستشاريه البريطانيين: »لقد خسرتم الهند لأنكم علَّمتم الناس« (2) .
وكانت هنالك بعض المدارس التقليدية التي تتألف من معلم ومجموعة من الصبية يجلسون على شكل دائرة تحت شجرة ترافقهم أحيانًا مجموعة من الفتيات الصغيرات اللاتي يجلسن بنفس الطريقة وراء إخوانهن.
وما إن بزغ فجر النهضة المباركة عام: 1970م حتى استجابت الحكومة الجديدة مباشرة إلى رغبة السكان الجامحة للتعليم، فقامت بافتتاح عدد كبير من المدارس في كل البلاد، وقد كانت معظم هذه المدارس في البداية عبارة عن خيام مؤقتة ممَّا برهنَّ بشكل قوي على الحاجة إلى التعليم والرغبة فيه، كما تمَّ على عجل إحضار معلمين ومعلمات من مصر ودول عربية شقيقة لعدم وجود المؤهلين منهم في عُمان إلا نادرًا جدًّا (3) .
وصارت هذه المدارس النظامية تشمل جميع أفراد الشعب بنيه وبناته، وصار حق التعليم لكل فرد بلغ السادسة ، وينتهي حتى الصف الثاني عشر.
__________
(1) - عمان الديموقراطية الإسلامية. مرجع سابق. ص: 338.
(2) – مرجع سابق. نفس الصفحة.
(3) – عمان ونهضتها الحديثة. سير دونالد هولي . مؤسسة ستايس. ص: 118، وما بعدها بتصرف. (1/18)
صفحة 19
ومن ثمَّ يكون الطالب مؤهَّلاً للالتحاق بتعليم الجامعة، فنُلاحظ على أن الحالة الفكرية والعلمية في عُمان نجدها تتميَّز ببعض المفارقات، وهي أن عُمان القديمة التي كانت تفتقر للمدرسة بمعناها العصري، كانت ثرية بالعلماء.
ومن المفارقات أن عُمان التي لم تعرف المطبعة حتى السبعينات باستثناء المطبعة السلطانية المخصصة لطباعة قرطاسية الحكومة، كانت زاخرة بالمؤلفات، وحين تولَّى جلالة السلطان قابوس مقاليد الحكم وإنشاء وزارة التراث القومي والثقافة اشتغلت هذه الوزارة بطباعة حصاد أقلام الأدباء والأجداد التي بعضها زاد عن (100) مجلد للمؤلف الواحد، وهكذا كانت عُمان مجالس ومدارس للعلم، ومساجدها حلقات ذكْرٍ، وكان التواصل بين العلماء والأدباء في ذروته رغم مشقة السفر وبعد المسافات.
الفصل الثاني: سيرته الشخصية:
المبحث الأول: اسمه ونسبه.
المبحث الثاني: ولادته ونشأته.
المبحث الثالث: صفاته الخِلقية والخُلقية.
الفصل الثاني: سيرته الشخصية:-
- المبحث الأول: اسمه ونسبه:
المطلب الأول: اسمه:
هو الشيخ العلامة المؤرخ النسابة الأديب القاضي أبي محمد سالم بن حمود بن شامس بن سليم (1) بن خميس بن علي بن عبيد السيابي (2) .
المطلب الثاني: نسبه:
وآل حبس والمسيب من قبائل النزار بعمان , وهم أيضا من وائل , فهم ينتسبون إلى شهاب بن النويرة بن عمر بن الحارث بن زهير ابن أبي النويرة بن ربيعة بن مرة بن زهير ابن جشم بن بكر بن حبيب بن غنم بن تغلب بن وائل بن قاسط بن هنب بن أفضى بن دعمى بن جديلة بن أسد بن ربيعة ابن نزار بن معد بن عدنان (3) .
__________
(1) - في مقدمة عمان عبر التاريخ للخروصي سقط حيث أنه لم يذكر جده سليم.
(2) - نقلا عن مقابلة أجراها الخروصي الشيخ سليمان بن خلف مع الشيخ نفسه بتاريخ 22/12/1992م.
(3) - انظر السيابي . سالم بن حمود . إسعاف الأعيان في أنساب أهل عمان . منشورات المكتب الإسلامي ص40. (1/19)
صفحة 20
فشهاب بن النويرة التغلبي المعلم المشهور "بذي قار" الواقعة المشهورة في أيام العرب في الجاهلية , فمسيب وحبس القبيلة الشهيرة المعروفة بالشرقية في عمان إخوان ينتميان إلى شهاب بن النويرة المذكورة آنفاًً (1) .
وآل المسيب بطون عدة أهمها آل علي بن الصباح , وآل غيث بقسميهم السباعي والمطالسي, وآخر رئيس كان من فرقة آل العظم, وهو سيف بن المسيب المتوفى في بلدة نخل, ثم تولى رئاستهم نجيم ابن عبدالله من فرقة أولاد إبراهيم أيام السلطان سعيد ابن سلطان. ثم بعده ابن أخيه محسن بن سعيد ثم استمرت في أولاد محسن المذكور إلى اليوم. ومن بطونهم أيضا المرازيق وهم عدد لا يستهان به. وبقية هذه القبيلة دون من ذكرنا في العدد والعدة, وكانت رئاسة آل المسيب في وادي سمائل كبيرة ولها صوت عال بين قبائله, وهم جمرة لا تأكلها النعام ولا تطفئها الرهام. فكانوا زعماء على زعماء الوادي وإن لم يرض بهذا الكلام الآن بعض الرجال فقد رضوا به سالفا.
ومنهم أولاد خميس بن مالك، ومنهم فرقة البراطمين والكل بادية, ومنهم النهد أيضا من بدوهم. ومنهم أولاد ثاني الذين في غبرة بوشر, ومنهم عدد في وادي الطائيين، ومنهم أهل بلدة البستان بالساحل الشرقي من مسقط الذين ينتمون الآن بني وهيب, فهم بيت واحد من آل المسيب, ومنهم بطون وفرق أخرى بالسيب وبركا في خصوص حي عاصم.
ومن أطيب بلدانهم"نفعا" وقد اختصموا بها, ولم يشاركهم فيها أجنبي, ونفعا عاصمتهم في هذه العهود القريبة, وبها رئاستهم, وليست نفعا قديمة العمارة بل هي من استعمار أيام النباهنة في القرون الوسطى (2) .
ولم يكن في السيابيين علماء غير الشيخ سالم بن حمود والشيخ خلفان بن جميل، وفيهم أدباء وأعيان وأكابر.
__________
(1) - نقلا عن سليمان بن خلف في مقدمته لعمان عبر التاريخ ج1- 6 . ط5 1421 هـ - 2001م
وزارة التراث القومي والثقافة المطبعة الشرقية.
(2) - السيابي سالم بن حمود. عن تاريخ عمان بتصرف –161. (1/20)
صفحة 21
ويقول فيهم شاعر العلماء وعالم الشعراء أبو مسلم البهلاني:
وأين نار الوغى آل المسيب من ... قضاعة وزعيم القوم زهران (1) .
المبحث الثاني: ولادته ونشأته:-
المطلب الأول: الولادة:-
إن المتتبع للتاريخ ليرى على أنه يصعب تحديد زمن وقوع الشيء ومكانه على الوجه المؤكد، ولكنهم يقيسونه على ما حدث في تلك الفترة من وقائع وحوادث، وإلى عهد قريب كانوا على هذا المنوال حتى أنهم رأوا ضرورة توثيق الأشياء وضبطها لحاجتها في المستقبل؛ فشرعوا في تحديد ذلك, وما نراه ونسمعه ونقرأه من أن الحادثة الفلانية وقعت في يوم كذا وسنة كذا وفلان ولد في يوم كذا وسنة كذا لا نستطيع أن نجزم بصحتها بالتحديد ولكن نقول ما يقارب ذلك.
وإنه لمن حسن الطالع وتكريما لأولئك الرجال الذين جاوزوا الجوزاء بما تعلموا وتشريفا لنا أن نجتهد في تحديد ما نستطيع من زمان مولده ومكانه وتعليمهم وتعلمهم وعملهم وحتى وفاتهم.
أولا: زمان ولادته:-
تباينت الآراء في سنة مولده حيث أنه لم يتأكد هو بنفسه من سنة مولده عندما سئل، حيث يقول: »لا تحقيق عندي عن سنة الميلاد بالضبط والذي أؤكده أني ولدت في آخر العقد الثالث من القرن الرابع عشر الهجري في حدود عام ست وعشرين إلى سبع وعشرين« (2) .
ومن هنا نستنتج أن الشيخ يرجح على أن يكون مولده في عام 1326هـ .
ثانيا: مكانها:-
__________
(1) - الرواحي ناصر بن عديم – ديوان أبي مسلم – مطابع دار المختار – 1406هـ - 1986م. ص 309.
(2) - مقابلة الخروصي للشيخ في 22/12/1992م . (1/21)
صفحة 22
فكما تباينت الآراء في زمان مولده تباينت في مكان مولده، وذلك لعدم معرفة الشيخ بالضبط مكان ولادته حيث يقول: »لا أحققه هل كان في بلدة غلا من أعمال مسقط، إذ كان الآباء بها أو لهم فيها مساكن, ولما توفي الأجداد شامس بن سليم وأبوه سليم بن خميس وذراريهم, أو كان في بلد الغريين (1) -بلدة بوادي عندام- والله أعلم بحقيقة الأمر« (2) .
وهذا ما حدثني به ابنه الشيخ حمود حيث يقول في مكان مولده: »هناك قولان في مكان ولادة الوالد: أولهما أنه ولد في غلا، والقول الآخر أنه ولد في المنطقة الشرقية في الغريين« (3) .
وبناء على ما يذكره الشيخ نفسه عن مكان ولادته ترجح لي أنه كان في غلا، وهذا ما تذكره معظم الإصدارات، وذكره أكثر المؤرخين والباحثين.
فالشيخ الخروصي في مقدمته لكتابه: "عمان عبر التاريخ" لم يذكر أي خلاف في مكان مولده حيث قال : »ولد العلامة الشيخ سالم بن حمود في قرية "غلا" من أعمال بوشر في سنة 1326 هجريه الموافق 1908 م« (4) .
وهذا ما ذكره لي الشيخ أحمد بن سعود السيابي (5) .
__________
(1) - بلدة الغريين : بفتح العين المعجمة وكسر الراء المهملة وبعدها ياءان أولاهما مشددة بعدهما نون ـ بلدة بوادي عندام ـ وهي بلدة من بلدان بني رواحة التابعة لولاية المضيبي وهي بلدة قديمة تقدر أن تكون من العمران الجاهلي فإن اسم فلجها الجاهلي , وفي أعلاها بناء قديم يدعى حصن كركر بكافين وراءين مهملتين , وكركر في عمان من ملوك بني الجلندى في الجاهلية.
(2) - مقابلة الخروصي للشيخ في 22/12/1992م
(3) - مقابلة مع سعادة الشيخ حمود بن سالم بن حمود السيابي .عضو مجلس الدولة في يوم الأثنين 30من شوال 1425هـ الذي يوافقه 13/12/2004م
(4) - نقلا عن الخروصي سليمان بن خلف في مقدمته لعمان عبر التاريخ مصدر سابق.
(5) - مقابلة مع سعادة الشيخ أحمد بن سعود السيابي – أمين مكتب الإفتاء في 3رمضان 1425هـ الذي يوافقه 18/10/2004م. (1/22)
صفحة 23
المطلب الثاني: نشأته:-
وينشأ ناشي الفتيان فينا ... على ما كان عوده أبوه
إن نشأة وتربية أخرجت مثل الشيخ السيابي ليعجز القلم عن وصفها، ويحار الذهن أن يوفي بحقها, ويعجز اللسان من أن يدلي بشيء من جوانبها, وأنا عندما أتحدث هنا عن النشأة فلا أقصد بها النشأة العلمية، فالنشأة العلمية قد أفردت لها باب سيأتينا لاحقا في الفصل الثالث عندما أتحدث عن حياته العلمية, وإنما المقصود بها النشأة التربوية، وحياته التي سار عليها في مقتبل عمره، وتنقله من بلاد إلى أخرى.
»والأصل أن آباءه كانوا في بلدة الغريين من بلدان بني رواحة التابعة لولاية المضيبي، وآباءه أو أجداده الذين انتقلوا من الغريين إلى بلدة غلا في ولاية بوشر، ثم أخذوا يتنقلون بين سمائل من بلدان السيابيين وبين بلدة غلا, وطبعا والده الشيخ حمود بن شامس من ضمن المتنقلين، فتربى الشيخ سالم بداية أمره في بلدة غلا، وهي بلدة معروفة في ولاية بوشر, ولا يزال هنالك مجموعة من السيابيين يعيشون في غلا« (1) .
فكل هذا لابد أن يكون له الأثر الواضح في شخصية الشيخ السيابي, فتجده متمسكا بالعادات والتقاليد العمانية القديمة التي تربى عليها, الأمر الذي جعل منه رجلاً فيه شيء من الحدة والجراءة والعصامية، بحيث لا تأخذه في الله لومة لائم، وهو ما سيأتي لاحقا.
المطلب الثالث: أهله وأقاربه:-
تربى الشيخ وترعرع في كنف والديه وربى نفسه بنفسه، حتى بلغ سن الزواج.
ولم تسعفني المصادر في معرفة المزيد عن حياته في هذه الفترة.
ولقد تزوج الشيخ خمس زوجات، وعندما توفي كانت على ذمته اثنتان، وما زلن على قيد الحياة.
__________
(1) - مقابلة مع سعادة الشيخ أحمد بن سعود السيابي 3من رمضان 1425هـ يوافقه 18/10/2004م (1/23)
صفحة 24
وعدد أولاد الشيخ اثنا عشر ولداً وست بنات لديه من الزوجة الأولى ولدان هما شامس ومحمد، ومن الزوجة الثانية ابنة واحدة، والثالثة لم تنجب أحدا، ومن الزوجة الرابعة خمسة ذكور وأربع بنات هم: هلال وبدر وحمود و ناصر وعبد الملك.
والزوجة الخامسة لديها خمسة أولاد وبنت هم: يعقوب وإبراهيم وإسحاق وأحمد وعبد العزيز وجميعهم أحياء ولله الحمد« (1) .
وسنقوم بالترجمة لبعضهم إن شاء الله كما سيأتي لاحقا في هذا البحث .
وأولاده منهم الشاعر ومنهم الأديب ومنهم الباحث وليس ذلك بالأمر العجيب فمن شابه أباه فما ظلم , الأمر الذي جعلهم يرتقون المناصب العليا في الدولة فمنهم من يتفيأ ظلال بحبوحة السفارة ومنهم رجال الدولة وأعضاء في مجلسها ووزاراتها ومنهم الكاتب بالعدل وغير ذلك .
ولقد صاهر الشيخ سالم أثناء توليه القضاء في نخل الشيخ خلف بن محمد الخروصي والد الشيخين سعيد بن خلف وسليمان بن خلف , فلقد تزوج ابنته وهي التي رزق منها بهلال وبدر و حمود و ناصر وعبد الملك .
المبحث الثالث:شخصيته:-
المطلب الأول:صفاته:-
وصف الشيخ السيابي –رحمه الله- بصفات خلقية وخلقية, الأمر الذي أوصله إلى هذه المكانة, فقد عرف بحدة الذكاء منذ صغره, واشتهر بقوة الحافظة وبعد النظر, فكانت حياته منذ نشأتها شعلة تتأجج, وجهوده أنوار تتقد, لا يفوته حفظ شيء سمعه، ولا يغيب عن باله شيء أبصره.
»وهو فيصل في الأحكام, شهم شجاع, أبي الضيم, ماضي العزيمة, صعب الشكيمة, منيع الجانب, ألف مألوف, محبوب عند الناس, يحب الوحدة وجمع الشمل, ومن الدعاة إلى التمسك بكتاب الله العظيم وسنة رسوله الكريم« (2) .
المطلب الثاني: هيئته:-
__________
(1) - أجري اللقاء مع حرم الشيخ سالم بتاريخ 14/11/2004م الذي يوافقه 2 من شوال 1425هـ بإشراف الأخ المعتصم بن خالد الخروصي .
(2) - نقلا عن الخروصي في مقدمته لعمان عبر التاريخ / مصدر سابق (1/24)
صفحة 25
»إن هيئته وشخصيته شكلت منه رجلا مهابا, يهابه الكبير والصغير, والصعلوك والوزير, فيصفه الشيخ سليمان الخروصي بأنه كان : »رجلا طويلا، جهوري الصوت، قوي البنية، وكان رجلا جريئا جسورا، يتكلم بصراحة ولا يبالي« (1) .
ويصفه لي ابنه الشيخ حمود: »يتميز بقوة شخصية، والله تعالى منحه طولا فارعا، وقامة قوية، ولذلك جمع بين مجموعة خصال, جمع بين تواضع العالم وخشونة المحارب« (2) .
وكان رحمه الله قوي البصر حتى أنه كان يرى ما لم يتوقع أن يرى .
المطلب الثالث : فطنته ونجابته :
فطنته ونجابته تنبئك عن نفسها، فقد عرف رحمه الله بحدة الذكاء منذ صغره، واشتهر بقوة الحافظة وبعد النظر، لا يفوته شيء سمعه، ولا يغيب عن باله شئ أبصره.
فكان رحمه الله آية في الحفظ والذكاء وحضور البديهة، وليس أدل من ذلك ما قيل أنه حفظ القرآن وهو ابن سبع سنين (3) .
ومما حدثني به ابنه الشيخ حمود : »حفظ القرآن وهو صغير، وحفظ الحديث، وتربى على أشعار العرب« (4) . وكذلك مما يدل على رجاحة عقله وقوة حفظه ما حدثني به الشيخ سليمان الخروصي: »أن الإمام محمد بن عبدالله الخليلي سأل الشيخ سالم كم تحفظ من أبيات العرب؟ فقال له: أحفظ مائة ألف بيت« (5) ، ويقول هذا سمعته من الشيخ سالم بنفسه.
__________
(1) - مقابلة مع الشيخ سليمان بن خلف الخروصي / مصدر سابق.
(2) - مقابلة مع الشيخ المكرم حمود بن سالم السيابي.
(3) – نقلاً عن سليمان بن خلف الخروصي. في مقدمته لـ: عمان عبر التاريخ.
(4) – مقابلة مع سعادة الشيخ حمود السيابي. مرجع سابق.
(5) – مقابلة مع الشيخ سليمان الخروصي. مرجع سابق. (1/25)
صفحة 26
وكذلك مما يدل على ذلك أيضا »أنه كان ذات مرة يمشي، فسمع صوتا في بيت من البيوت، وكان في تلك الأيام قد جلبت أجهزة (السنطور) (1) ، وكان عمره تقريبا اثنا عشر سنة، فكان الصوت الذي يسمعه عبارة عن قصيدة تلقى عبر هذا الجهاز، فمجرد ما سمعه شدَّه الصوت، فرجع البيت وهو قد حفظ تلك القصيدة، ولَمَّا كبر علم أن تلك القصيدة لأحد مشاهير الشعراء« (2) ، وذُكر لي أنه حفظ في الطريق عشرة آلاف بيت أثناء ذهابه وإيابه للحج (3) .
وكذلك يردد قصص الذين عايشهم، مثل: الإمام محمد بن عبد الله الخليلي، والسلطان سعيد بن تيمور، ومشايخه : خلفان بن جميل السيابي، ومحمد بن سالم الرقيشي، وسعيد بن ناصر الكندي، وأمثالهم.
وكان يحكي لك القصة بفصها وفصيصها، وكأنه يقرأها من ورق، وهو يقرأها عن ظهر قلب (4) .
والمتتبع لكتاب "اللؤلؤ الرطب" للشيخ سعيد بن حمد الحارثي يرى أن بعض القصص التي أوردها قد نقلها عن الشيخ سالم بن حمود، فللَّه درَّهما:
من يلاقي النار بالنار يزدها ... لهبًا إطفاؤها يبدو محالاً
وكان يرحمه الله لا يحضره شيء من الأفكار أو المسائل إلا وسجَّلها، وأخُبْرت أنه كان يكتب حتى على فواتير الكهرباء التي كانت تأتيه، وكذلك كان يكتب ما يحضره على الكتب التي بين يديه، وكما يأتي في الملاحق تقريضا لكتاب "نيل الأوطار" الذي أُهدي إليه، وبه بعض المسائل التي حضرته؛ فكتبها على وجه هذا الكتاب، وهذا إن دلَّ على شيء فإنما يدلُّ على سرعة البديهة وانقداح الأفكار وإعمال ذهنه فيما بين يديه، وكل هذا مواهب كان يتمتع بها شيخنا (5) .
__________
(1) – السنطور في اللهجة العمانية: جهاز التسجيل للأشرطة الأسطوانية القديمة.
(2) – مقابلة مع الشيخ حمود السيابي. مرجع سابق.
(3) – مقابلة مع الشيخ أحمد بن محمد بن عمير الهنائي في مكتبه يوم الأربعاء .
(5) – مقابلة (معاصر). سعادة الشيخ: هلال بن حمود السيابي، سفير سلطنة عُمان بالجمهورية السورية. (1/26)
صفحة 27
المطلب الرابع : شجاعته:-
المتأمل لحياة الشيخ السيابي – رحمه الله- يجده أنه رجل بمعنى الكلمة, فقد كان رجلا شجاعا أبيا باسلا مغوارا, فبشهامته وقوته أنجز ما لم يتوقع وحقق أمورا لا يستهان بها.
فقد وصفه الإمام الخليلي: »أنه ممن تسد به الثغور, وتوكل إليه مهمات الأمور«.
ومما يدل على شجاعته أنه كان رجلا فارسا، وقد حدثت »أن الشيخ كان محاربا في جيش الإمام، وكان فارسا وله أربع خيول ذات شهرة, و يُقال أنه في ذات مرة من المرات كان يصعد حصن نخل بالخيل، وقد كان الباب الرئيسي مغلق, وكانت مفتوحة الفرخة (1) ، في باب القلعة، فأدخل الخيل من تلك الفتحة الضيقة، وكذلك ما حدث في حصن "العينين" بعبري، كان الشيخ حينئذ في جيش الإمام، وكان هناك مجموعة من الناس خارجين عن الإمام، وقد تحصنوا بهذا الحصن, فذهب الجيش، وكان من بينهم وأبرزهم الشيخ سالم, فالمتحصنون في الحصن قالوا: نحن نريد أن نتفاوض، نريد سالم بن حمود، لنعطيه رسالة إلى الإمام. فالشيخ هنا وقع بين أمرين: فإما أن يرفض ويتراجع؛ فيقال: إنه جبان وخائف, أو أن يذهب ويسلم رقبته لهم. فاختار الأمر الثاني، وقال: أنا قادم إليكم، وهو يدخل ماسكا مرجام القلعة، ففتح الباب، فدخل هو والجيش فباغتهم. فالشيخ غامر بنفسه ولم يتردد ولم يخف« (2) .
__________
(1) – الفرخة في اللهجة العمانية: فتحة في أبواب القلاع والحصون كالمحراب وتعتبر بوابة صغيرة على الباب الكبير ولا يمكن الدخول منها إلا بانحناء. نقلاً عن الشيخ سعيد بن حمد الحارثي.
(2) - مقابلة مع الشيخ حمود السيابي – مصدر سابق، ووصف الشيخ الخليلي كان عبر رسالة ذكرت لي من قبل الكثير ممن تقابلت معهم ولم أتمكن من الوصول إلى أصل الرسالة. (1/27)
صفحة 28
فهنا تظهر شجاعته وقوة شخصيته، وما يتمتع به من بنية قوية، وأيضا مما يدل على قوته وصحته البدنية أنه -يرحمه الله- مات وعمره ناهز التسعين، ولم يشكو من سوء سمع أو ضعف بصر، ولم يشكو من أمراض هذا العصر من ضغط أو سكر.
»وكان يحب قصص الأبطال والشجعان، مثل: عمر بن الخطاب وخالد بن الوليد, ويذكرهم كثيرا، ويتفاعل معهم بشدة، وكان رحمه الله متأثرا بالإمام نور الدين السالمي والإمام سالم بن راشد« (1) .
المطلب الخامس : جرأته وتواضعه:
إن ما تتمتّع به شخصية الشيخ سالم رحمه الله من شجاعة وفطنة ونجابة جعلت منه رجلاً عصاميًّا جريئًا حازمًا، لا تأخذه في الله لومة لائم، وهذا ما يظهر من خلال مواقفه وأحكامه عند تولِّيه القضاء، وسنذكر بعضًا منها عند الحديث عن حياته العملية، وتولِّيه سلك القضاء في الفصل الرابع إن شاء الله.
__________
(1) - مقابلة مع عبد الملك السيابي ابن الشيخ سالم.يوم الثلاثاء 7/12/2004م. (1/28)
صفحة 29
وممَّا حدثني به الشيخ سليمان الخروصي قوله: »عندما كنت كاتبًا في المحكمة الشرعية أيام السلطان سعيد بن تيمور، وكان الشيخ سالم بن حمود قاضيًا آنذاك، وكان الشيخ العلامة إبراهيم بن سعيد العبري (1) والشيخ محمد بن عزيز الخصيبي والشيخ هاشم بن عيسى الطائي كانا موجودين في المحكمة، فممَّا أحفظ أن الشيخ إبراهيم العبري يقول للشيخ سالم: الله أكبر ما وجدت أحدًا أجرأ منك يا شيخ سالم، لك جراءة فائقة، تأمر بقتل الشيخ حافظ العبري، ونحن العبريين خمسمائة مقاتل، وتأمر بقتله ونحن حاضرين عندك! فقال له الشيخ: لا أبالي« (2) .
دلالة هذه القصة أن الإنسان عند تولِّيه مثل هذه المناصب وبالأخص سلك القضاء عليه أن يتصف بمثل هذه الخصال من الجرأة في الحق والثبات في مثل هذه المواقف التي يمتحن فيها معدن المسلم صاحب المبدأ.
__________
(1) – هو الشيخ إبراهيم العبري بن سعيد بن محسن بن زهران بن محمد العبري، ولد في ولاية الحمراء بالمنطقة الداخلية في السابع من شهر رجب 1314هـ، عُيِّن واليًا على عبري في زمن الإمام: محمد بن عبد الله الخليلي، وبعد وفاته أصبح قاضيًا في مسقط، إلى أن تولى صاحب الجلالة السلطان قابوس مقاليد الحكم فعيِّن مفتيًا عامًّا للسلطنة سنة 1393هـ، واستمرَّ في هذا المنصب إلى أن استشهد سنة 1395هـ إثر حادث مرور أليم في حي الوطية بمحافظة مسقط، وهو في الثانية والثمانين من عمره. ينظر: الحارثي؛ عبد الله بن سالم بن حمد: أضواء على بعض أعلام عُمان قديمًا وحديثًا، المطابع العالمية، سلطنة عُمان. ص: 115 بتصرف.
(2) – مقابلة مع الشيخ سليمان بن خلف الخروصي، مرجع سابق. (1/29)
صفحة 30
فالشيخ سالم رحمه الله على اتصافه بالجرأة والشجاعة والحزم فلم تخرجه هذه الصفات عن حدِّ الاعتدال، فقد كان رجلاً متواضعًا سمْحًا، يحبُّ الناس ويحبونه، إلفًا يألف ويُؤلف، فلم تزده المناصب التي تقلَّدها إلا تواضعًا، وهذا كان ديدنه منذ أن كان صغيرًا في سلك التربية والتعليم.
والذي يدلُّ على ذلك مارُوي أنه بينما كان ذاهبًا إلى الإمام الخليلي، وكان هذا الأخير موجودًا في ذلك اليوم في مسجد بولاية "سمائل"، وعلى يمين الإمام ومن حوله شيوخ القبائل، وكان الشيخ آنذاك في درجة المتعلمين، فدخل الشيخ وسلَّم على الإمام وعلى المشايخ الموجودين في المجلس، وجلس حيث انتهى به المجلس، فنادى الإمام الخليلي: أين الشيخ سالم؟ فأجاب، فقال له: تعال إلى جواري،فأجلسه بجنبه؛ ليُعلِّم لمن كان في المجلس هل الشيوخ أكبر أم العلماء؟! (1) .
فأكرمْ به من إمام، وعلى حذوه نتمنى أن يحذو أولي الأمر في المسلمين، ويجعلوا من العلماء حاشيتهم وبطانتهم التي تعينهم على الخير وتدلَّهم عليه، إذ أن علماء الأمة هم أساس الأمة ورعاتها، وهم تاج عزَّتها وكرامتها، فبمثل هؤلاء العلماء المتواضعين لا بالتعالي الزائف والتبختر والتكبر، وفي الحقيقة لا هم في العير ولا في النفير، إذ هي نفثات شيطان ينفخها في جنبات النفس:
تواضع تكن كالنجم لاح لناظر ... على صفحات الماء وهو رفيع
ولا تك كالدخان يعلو بنفسه ... إلى طبقات الجو وهو وضيع
فعلى الإنسان سواء كان عالمًا أو متعلِّمًا، حاكمًا أو محكومًا، صغيرًا أو كبيرًا أن يكون معتدلاً في تصرفاته وأفعاله، لا شديدًا فيكسر، ولا لينًا فيعصر.
المطلب السادس : غيرته:
__________
(1) – مقابلة مع الشيخ سليمان الخروصي، مرجع سابق. (1/30)
صفحة 31
إن الأيام دول، فزمن مضى وانقضى بما فيه، وزمن حاضر نعاين ما فيه، وزمن قادم الله أعلم بما فيه، فما نراه في وقتنا الحاضر ونشاهده من زيف الحضارة وزخرفها، وكم مرَّت بنا من أزمان وتمرُّ علينا باسم هذه الحضارة والتغني بها نستسيغ الذُّل والهوان، وما كنا نحسب لهذه المواقف حسابها، وسنة التغيير في هذه الأرض من حال إلى حال، ومن طور إلى طور، هي سنة الله في خلقه، فدوام الحال من المحال.
الشيخ سالم رحمه الله عاش الفترة التي كانت نقلة في التقدم والتطور المذهل، وما استجدَّ في العالم، ولم يتغيَّر عن مبادئه التي نشأ عليها من أصالة المسلم العربي، وكأن حال شيخنا يقول معتبرًا:
لقد نظرت إلى الماضي فأضحكني ... وقد نظرت إلى يومي فأبكاني
كان الشيخ السيابي غيورًا على دينه أن يمتهن وأمته من أن تقع في براثن الحداثة التي صار الناس لا يفرقون فيها بين الصالح من الطالح والحق من الباطل، لاهثين وراء هذا التقدم مخدوعين ببهرجه من غير روية وبصيرة وحكمة.
و سدًّا للذريعة، وحتى لا يقع الناس فيما لا تحمد عقباه كان الشيخ رحمه الله شديدًا في ذلك، فممَّا حُكي لي أن بعض المظاهر التي ظهرت في زمنه كغزوي فكري دخيل على المجتمع المسلم كان يستنكرها بشدة، داعيًا في نفس الوقت إلى تعاليم الإسلام السمحة المستمدة من الفطرة، من ذلك عادة التقبيل في الوجنات عند اللقاء، هذه العادة التي ظهرت في غير العمانيين بالخصوص، فممَّا يُروى أنه كان أحد الوجهاء من غير عُمان كان يسمع عنه، أتى عُمان، وأراد أن يُقابله، فالتقى به في مكتبه، وأراد أن يقبله كعادة قومه، فغضب الشيخ لذلك غضبًا شديدًا، واستنكر عليه ذلك بقوله: إن هذا شأن بين الأزواج لا بين الرجال والرجال!!
وكان رحمه الله عندما يرى بعض الأشخاص من غير العمانيين لابسًا "الكرفته" يمسكه منه، ويقول: هذا غير مناسب، فكان رحمه الله يميل إلى الأصالة الإسلامية في المظهر والمخبر. (1/31)
صفحة 32
وممَّا يُذكر أن إحدى الشركات المغربية قامت بترميم إحدى قلاع عُمان، ودعي لافتتاحها كثير من المشايخ وأصحاب المناصب، وكان من بينهم السفير المغربي، وكان الشيخ سالم أحد المدعوين، فرأى هذا السفير المغربي لابسًا للزي الإفرنجي مسكه من "الكرفته"، فأخذه بشدة، قائلاً له: أنت مسلم، وأخذ يكرر تلك الكلمة، فما كان من السفير إلا أن أقام الدنيا ولم يقعدها، حتى قام أحد أبناء الشيخ، فأخبره عن موقف الشيخ، وحاول أن يهدِّئ من الموقف (1) .
وهذا ليس غريبًا على أمثال الشيخ السيابي أن يقفوا هذا الموقف، وهم يرون أبناء نحلتهم وأبناء جلدتهم مقلِّدين للغرب في كل صغيرة وكبيرة، منبهرين بالمظاهر التي عنده، في المسكن والملبس والمأكل، ويا ليتهم قلَّدوهم في الصناعات والتطور العلمي وما يعود عليهم بالنفع، بل وللأسف في سفافف الأمور ومستنقعاتها القذرة.
والتبعية للغرب شيئًا فشيئًا ولأعداء الإسلام وموالاتهم يؤدي إلى ما لا تحمد عقباه، يقول سماحة الشيخ الخليلي في هذا الصدد: »فهذه التبعية التي تقع إنما هي تجسيد لهذه الموالاة المحرمة، وهي التي لا تقف بصاحبها عند حدٍّ عندما يسترسل فيها حتى يقع في المحذور الأكبر، وهو النفي من الإسلام نهائيًّا، والوقوع في الارتداد والعياذ بالله« (2) .
__________
(1) – مقابلة مع الشيخ سليمان بن أحمد بن حمد الخليلي , يوم السبت 1من صفر 1426 هـ - 12/3/2005 في مكتبه بإدارة المعهد.
(2) – فتاوى الزينة والأعراس: سماحة الشيخ الخليلي (معاصر). (مكتبة الجيل الواعد: مسقط، دت، ط:1). ص: 132. (1/32)
صفحة 33
وأعداء الإسلام لن يرضوا عنَّا مهما تنازلنا عن مبادئنا وعاداتنا، ومهما قدمنا لهم من تنازلات حتى نرتدَّ عن ديننا، وهو مصداق قوله - سبحانه وتعالى - : { وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ } (البقرة:120).
ولنعد إلى الشيخ السيابي؛ فليس غريبًا عليه أن يقف مثل هذا الموقف، وهم بقوا أصيلين لمبادئهم، بعدما تفسخ غيرهم، وصار هذا من موضة العصر وغير خافِ على الصغير والكبير.
هم أسمع الناس في حق وأبصرهم ... وفي سواه هم صمٌّ وعميان
لم تلههم زهرة الحياة الدنيا وزخرفها ... إذ همهم صالح يتلوه رضوان (1) .
المطلب السابع: برنامجه اليومي:
إن المتأمل لكيفية قضاء الشيخ لسحابة يومه ليجد أن الشيخ كان حريصًا على استغلال الوقت الاستغلال الأمثل، فكل وقته كان فيما يقربه إلى الله - سبحانه وتعالى - ، وكأن لسان حاله يقول:
يا نفسي ما أمسى من أيام عمرك إذ ... خلت فلا تحسبي ما كان عنك خلا
يا نفسي إن غدًا لا تعلمين به ... لمن يكون لعلَّ الحبل ما وصلا
يا نفس ما هو إلا اليوم فاجتهدي ... قبل الغروب و إلا فات وارتحلا (2)
__________
(1) – الرواحي , الشيخ ناصر بن سالم بن عديم , ديوان أبي مسلم , عني بطبعه ونشره صالح بن عيسى الحارثي , حققه عبدالرحمن الخذندار , صـ302
(2) – انظر: السيابي؛ خلفان بن جميل. بهجة المجالس. وزارة التراث القومي والثقافة، عُمان.ط2، 1409هـ/1989م. ص: 120. (1/33)
صفحة 34
فوقته كاد أن يكون كله عبادة، فقد كان مواضبًا على قراءة القرآن يوميًّا من بعد صلاة العصر إلى صلاة المغرب، وكان صوته يهز كل أرجاء المنزل وهو يرتل القرآن ترتيلا بعد ذلك يذهب للمسجد لصلاة المغرب ويلازمه إلى ما بعد العشاء بعدها ينام ساعات قليلة أول الليل بعد صلاة العشاء مباشرة، ثم يقضي أكثر من ثلث الليل في الصلاة والقيام راكعًا ساجدًا:
تراهم في ضمير الليل صيَّرهم ... مثل الخيالات تسبيح وقرآن
ويستمر بعد ذلك في العبادة إلى ما بعد الشروق (1) .
وبعد ذلك كان يشتغل بالعلم والمطالعة يقرأ ويكتب، وفي نفس تلك الأوقات كان يستقبل الناس ويُجالسهم، فإذا زاره شخص تفرَّغ له، وأكرمه، كما يُكرم العماني ضيفه، ثم يذهب إلى العمل (2) .
وقد كان وقته رحمه الله مقسَّمًا بين البيت واحتياجات أسرته، والتكفل بهم، وبين احتياجات الناس من إفتاء وحلِّ للمشاكل ، وأمور القضاء والصلح بين الناس، وكان ارتباطه ببلدة "سمائل" وثيقًا، فقد كان يزور أهلها مرتين أو ثلاث في كلِّ أسبوع (3) .
خلاصة القول أن الشيخ جمع بين غذاء العقل إلى جانب غذاء الروح، وبين اهتمامه بأهله والمجتمع من حوله، وبين التفرغ للعبادة والاختلاء إلى ربه، والاتجاه إلى التأليف والبحث، ولعل الأمر العظيم في هذا هو استطاعته التوفيق بين كل هذه المجالات دون أن يضيع مجالاًَ على حساب آخر، فقد كانت لحظات حياته سلاسل ذهبية ثمينة، بل لا تقدر بثمن، وأغلى منه بكثير.
الفصل الثالث: حياته العلمية:
المبحث الأول: نشأته العلمية.
المبحث الثاني: شيوخه.
المبحث الثالث: تلاميذه.
المبحث الرابع: مكانته العلمية.
الفصل الثالث: حياته العلمية:
المبحث الأول: نشأته العلمية:
__________
(1) – أجرى اللقاء مع حرم الشيخ سالم بتاريخ 2 من شوال 1425هـ - 14/11/2004م، بإشراف الأخ: المعتصم الخروصي.
(2) – لقاء الباحث مع الشيخ أحمد بن سعود السيابي، مرجع سابق.
(3) – حوار مع حرم الشيخ، مرجع سابق. (1/34)
صفحة 35
نشأ الشيخ سالم كما ينشأ غيره من العمانيين من حب للعلم والعمل والبحث عن لقمة العيش التي كان من الصعب الحصول عليها في بداية أيامه، ولكن بِمَا أن أباه كان رجلاً وجيهًا معروفًا في سمائل، وكان رجلاً ثريًّا بمقاييس ذلك الزمان، وكان له تجارة وله عقارات ومزارع، الأمر الذي جعل اهتمامه بالعلم أكثر وتفرغه للتحصيل أكبر، فالشيخ لم يحمل همَّ العيش وتكاليفه والبحث عن لقمة العيش، فقد كُفي المؤونة في هذا الجانب، والحمد لله.
فترى أن الأسرة والبيئة التي كان يعيش فيها الشيخ ساعدته على بناء نفسه بنفسه، والاهتمام بالعلم وعدم الانشغال بغيره من الأمور والجوانب الأخرى التي قد تشغل الكثيرين وتصرفهم عن الاهتمام بالعلم إذا لم يجدوا فرصة سانحة ومتوفرة في تحصيله.
»ولكن يبقى أن الشيخ سالم كان بنفسه محبًّا للعلم، وهذا الدافع الرئيسي لحياته العلمية أنه عنده الرغبة في العلم، وهذه الرغبة حقيقة لو أن إنسانًا يحلل شخصيته لوجد أنها صاحبته إلى آخر لحظة في حياته« (1) .
وبعد أن وجد الشيخ سالم البيئة الملائمة والفرصة قد أتيحت له، ولِمَا يتمتع به الشيخ من عزيمة صلبة في تحصيله كان هذا دافعًا له ليتجاوز أي عقبة أو مشغلة تشغله عن هدفه، وهذه الرغبة، وقدراته الذهنية كذلك من قوة حفظ ونباهة ونجابة وذكاء وبديهة منذ صغره، بدأ كأي عماني بتعلم القرآن، فتعلم القرآن، وحفظه وهو لا يزال صغيرًا وفي وقت مبكر.
__________
(1) – مقابلة مع الشيخ أحمد السيابي، مرجع سابق. (1/35)
صفحة 36
ثم بمداخلته العلماء والمشايخ الموجودين آنذاك أخذ منهم الكثير من العلوم والتفقه في أمور الدين، فعلى الرغم من الثراء الذي عاشه في مقتبل العمر إلا أنه لم يشغله عن التعليم والتعلم، فعلم أن العلم هو سلاح الإنسان في كل وقت وفي أي مكان، بل جعل ثراء والده وغناه عونًا له على المضي قدمًا والتعليم أكثر فأكثر، وإبقاء مرضاة الله - عز وجل - الغاية التي كانت تطمح إليها نفسه الزكية، فلله درُّه طلب الأخرى فجاءته الدنيا ذليلة.
وتلك الفترة كان الشيخ رحمه الله يأخذ الكتب، ويقتني المخطوطات من مشايخه ومن الناس، وكتب أخرى كانت مطبوعة، وكتب غير المذهب، يشتريها ويقرأها فكان يعتكف على قراءتها وهكذا نشأ عصامي التكوين، يُطوِّر نفسه بنفسه.
المبحث الثاني: شيوخه:
إنه ما من عالم من العلماء أو طالب علم إلا وله أشياخ درس على أيديهم وتلقى منهم مفاتيح العلوم في شتى الأصناف، و إلا ماذا عسى أن يكون علمه الذي تعلمه، حتى ولو بلغ في الذكاء وقوة الحفظ والفطانة ما بلغ، فشيخنا على الرغم من ذكائه وفطنته التي تمتع بها إلا أنه لم يكتف بذلك بل اعتمد على مشايخ تتلمذ على أيديهم، وكان من شيوخه الرئسيين والذين أخذ منهم حظًّا وافرًا من العلم هم:
أولا: الشيخ العلامة أبي عبيد حمد بن عبيد السليمي:
ولد شيخنا العلامة الكبير الضرير أبي عبيد حمد بن عبيد السليمي الأزدي -رحمه الله وعامله بواسع كرمه- في الثمانينات بعد ألف ومائتين للهجرة النبوية بقرية من قرى إزكي بعُمان، تسمى: شيدي، وشبَّ بها في أحضان أبيه الرجل الصالح.
وكان يتخلف إلى الكتاتيب يتلقى فيها القرآن، ومبادئ الكتابة إلى الرسم وفي باكورة شبابه انتقل إلى مدينة سمائل ليسمو بمواهبه، ويترقى بمؤهلاته إلى الحياة الأفضل.
أساتذته: (1/36)
صفحة 37
نزل في ساحة العلامة المجتهد الإمام المحتسب أحمد بن سعيد بن خلفان الخليلي، فنشأ في فنائه، وعاش في كنفه كبعض أسرته، فأخذ عنه الكثير، ودرس العربية عند الشيخ عبيد بن فرحان الذي كان سيبويه زمانه، فأخذ عنه الكثير من الفقه، وأخذ علم الفرائض من الشيخ الفرضي موسى بن سالم القرني.
أعماله:
لَمَّا فتح الله على الإمام سالم بن راشد الخروصي جعله قاضيًا على ولاية بدبد، فاشتهر بالحنكة وحسن الإدارة، فكان يمثل دور القاضي والوالي، ثم جعله الإمام الخليلي رحمه الله على ولاية سمائل، وبعد ذلك كان مرجع الفتوى في ولاية سمائل، وتصدى للتدريس بها، ثم انتقل إلى السلطان سعيد بن تيمور، فكان مدرسًا بمسجد الخور بمسقط، فأدى أعماله كما يحتِّمه الواجب، ثم أُحيل إلى التقاعد، حتى أتته رسل الله - عز وجل - لتنقله من هذه الدار إلى دار القرار، فتوفي رحمه الله في اليوم الثامن والعشرين من شهر ذي الحجة الحرام عام ألف وثلاثمائة وتسعين للهجرة.
تلاميذه:
منهم الشيخ هاشم بن عيسى بن صالح الطيواني الذي تولى القضاء بمسقط، والشيخ محمد بن راشد بن عزيِّز الخصيببي ومحمد بن سيف بن سليمان الرواحي الذي عُيِّن قاضيًا بولاية إزكي، ثم ولاية السيب، وحميد بن عبد الله بن حميد أبو سرور وغسان بن سليمان بن سعود المزورعي، ومن حملة الأدب عيسى بن ثاني بن خلفان البكري وحمدان بن خميس بن سالم البوسفي وسعد بن سالم بن سعيد وعلي بن حمد الناعبي وموسى بن عيسى البكري. (1/37)
صفحة 38
ومن مؤلفات الشيخ السليمي: الشمس الشارقة في علم التوحيد في جزء واحد، وهداية الحكام إلى منهج الأحكام جزء واحد، وخزانة الجواهر في الفقه جزآن، والعقد الثمين في الدعوى واليمين جزء واحد، وبهجة الجنان في وصف الجنان جزء واحد، وقلائد النور، وهو السفر الحاوي للأجوبة النظمية، ولكن ويا للأسف فإن يد الإهمال طالت هذه الكتب وقضت عليها بالحيلولة دون نشرها، ولعل ذلك نتيجة عزلة المجتمع سياسيًّا (1) .
ثانيًا: خلفان بن جميل بن حرمل السيابي (1308هـ/1889م- 1392هـ/1972م):
ولد أبو يحي في بلدة سيما من ولاية إزكي، جدَّ في طلب العلم وحرص على ذلك أعظم الحرص، ودرس في بلدة سيما على يد الشيخ محمد بن مسعود الصارمي، ومن ثمَّ انتقل إلى علاية سمائل، ودرس على يد الشيخ أحمد بن سعيد، وبقي ملازمًا له فترة من الوقت (2) .
ودرس على يد أساتذته أجلاء وعلماء أفاضل من أمثال: المعلم سليم بن ناصر العلوي والإمام محمد بن عبد الله الخليلي والشيخ حمد بن عبيد السليمي (3) .
__________
(1) – انظر: الخليلي: عبد الله بن علي في مقدمته لقلائد المرجان في أجوبة الشيخ أبي عبيد السليمي، سلطنة عُمان، وزارة التراث القومي والثقافة، 1403هـ/1983م. ص: 2، بتصرف.
(2) - انظر: الخليلي؛ خليل بن أحمد بن حمد في السيرة الذاتية والمنهج الفقهي للشيخ أحمد بن سعيد الخليلي، بحث تخرج بمعهد العلوم الشرعية، تحت رقم: 65/223. ص: 109.
(3) – الصوافي؛ سعيد بن حمدان: سيرة العلامة الأصولي خلفان بن جميل السيابي حياته وآثاره. بحث تخرج من معهد العلوم الشرعية، مسقط. رقم: 514-223. (1/38)
صفحة 39
وممن تتلمذ على يديه الشيخ سعيد بن خلف الخروصي والشيخ محمد بن راشد بن عزيز الخصيبي والشيخ غسان بن سليمان المزروعي والشيخ عبد الله بن ماجد الحضرمي والشيخ الأديب عيسى بن ثاني البكري والشيخ عبد الله الخليلي والشيخ سالم بن حمد الحارثي والشيخ سالم بن حمود السيابي الذي درس على يديه أصول الفقه والدين والفرئض، ولازمه ليلاً ونهارًا، وغيرهم كثير (1) .
كان كثيرًا ما يقرأ في شبيبته كتاب: إحياء علوم الدين فهذَّبه ورقَّاه، اشتهر بين أقرانه بسعة علمه، تولى القضاء في عدة مناطق من عُمان، بعد مدة تخلى عن القضاء في عدة مناطق من عُمان، بعد مدة تخلَّى عن القضاء، وبقي في بلده مرجعًا في الفتاوى وفي الأحكام الشرعية (2) .
وكان يرتاد مجلسه الكثيرون من طلبة العلم والباحثين عن المعرفة، وكان بيته رحمه الله كعبة الرواد والقصاد ممن وجدوا في حضرته نور المعرفة والفقه والدين والعلم والأدب.
وعُرِف عنه دماثة الخلق والأريحية وتواضعه الجمَّ وسعة صدره وغزارة علمه وآدابه ومداركه.
أدى فريضة الحج عام: 1372هـ (3) وهي السنة التي توفي بها الإمام الخليلي، وزار كذلك بلاد زنجبار.
وله العديد من المؤلفات الجليلة نذكر منها:
__________
(1) – الحارثي؛ عبد الله بن سالم بن حمد: أضواء على بعض أعلام عُمان قديمًا وحديثًا، المطابع العالمية، سلطنة عُمان. ص: 94.
انظر: الصوافي؛ سعيد بن حمدان: بحث تخرج بمعهد العلوم الشريعة، بعنوان: سيرة العلامة الأصولي خلفان بن ميل السيابي حياته وآثاره ، تحت رقم: 514/223 بمكتبة المعهد، ص: 65-71.وانظر مقدمة عمان عبر التاريخ , مرجع سابق
(2) - انظر: البوسعيد: حميد بن محمد: منهج السليمي العقدي من خلال كتابه: الشمس الشارقة، (ت: 1390هـ). رسالة ماجستير، جامعة الزيتونة، تونس، 1423-1424هـ/2002-2003م. ص: 52.
(3) – انظر: السيابي؛ خلفان بن جميل: بهجة المجالس. وزارة التراث القومي والثقافة، عُمان، 1412هـ/1989م. ص: 8. (1/39)
صفحة 40
1- فصول الأصول: كتاب في أصول الفقه، وهو العلم بالقواعد الكلية التي توصل إلى استنباط الأحكام الشرعية الفرعية من الأدلة التفصيلية.
2- سلك الدرر الحاوي غرر الأثر: نظم كتاب: شرح النيل، وزاد عليه التحقيقات من أقوال العلماء وآراءه في المسائل المدرجة إذا كان لديه رأي، ويعتبر الكتاب من أعظم مؤلفاته، وقد بلغت أبيات سلك الدرر: 28 ألف بيت.
3- بهجة المجالس المشتملة على فنون كثيرة من العلوم والحكم والمواعظ، ومحتواها على شكل نظم، حتى أن الشيخ سالم بن حمود كان يسأله أسئلة على شكل نظم؛ فيجيبه.
وتوفي رحمه الله في الخامس من جمادى الأخرة من سنة ألف وثلاثمائة واثنين وتسعين (1392هـ)، ودفن في مكان عيَّنه من حائطه، وفيه دفن، تغمَّده الله برحمته وأسكنه فسيح جناته، ولقد رثاه الشيخ سالم بن حمود السيابي في قصيدة مطلعها:
أرى الفيحاء قد لبست حدادا ... وألبس وجهها الزاهي سوادا
أراها لا تجيب على سؤال ... كأن بها عن الوعي ابتعادا
وهذه المرثية أكثر من ثلاثين بيتًا إلا أنها ضاعت، وللأسف مع ما ضاع من شعر الشيخ سالم بن حمود في حياته (1) .
ثالثًا: الشيخ سعيد بن ناصر الكندي:
ولد الشيخ الزاهد سعيد بن ناصر بن عبد الله بن أحمد بن محمد الكندي سنة: 1268هـ في بلدة سمد الشان من ولاية نزوى بالمنطقة الداخلية (2) .
__________
(1) – الصوافي: سعيد بن حمدان، مرجع سابق. ص:: 123.
(2) – انظر: الحارثي؛ عبد الله بن سالم، مرجع سابق. ص: 73. (1/40)
صفحة 41
وهو علامة جليل ومرجع كبير، حفظ القرآن وهو ابن عشر سنين (1) ، في بداية أمره أخذ مبادئ العلوم من مشايخ عقر نزوى، وفي عام: 1280هـ أُزعج الشيخ من وطنه وابن عمه الشيخ الزاهد محمد بن أحمد فأخرجهما الشيخ سيف بن سليمان النبهاني ظلمًا وعدوانًا بنميمة أهداها فاسق إليه، فلم يرع حق الله فيهما، وخرج من نزوى وقلوبهما تنفطر لفراق الأهل والوطن، فنزلا مسقط ونزلا عند السيد محمد بن هلال وأكرم مثواهم.
أخذ علوم الآلة كالنحو والمعاني والبيان من الشيخين: محمد بن صالح على مذهب الإمام الشافعي، وحبيب بن يوسف الفارسي، وأخذ علوم الفقه وما يتعلق من الشيخ المحقق سعيد بن خلفان الخليلي، وواصل طلبه في رصد العلوم مدة عمره بمسجد الخور من مسقط حتى كان من أفاضل عصره، وأقطاب مصره، عاش سعيدًا موقَّرًا محترمًا إلى حد الشيخوخة تؤخذ عنه العلوم ويرجع إليه في حل المشكلات بالعاصمة السلطانية، ولقد لازمه شيخنا عندما كان في العاصمة (2) .
في سنة: 1299هـ خرج لحج بيت الله الحرام، أدرك هذا الشيخ الإمام عزان بن قيس والإمام سالم بن راشد الخروصي والإمام محمد بن عبد الله الخليلي وبايعهم، فقام بما يجب عليه في حقهم (3) .
__________
(1) – انظر: موسوعة السلطان قابوس لأسماء العرب، دليل أعلام عُمان، إشراف: محمد بن الزبير، مجموعة باحثين، جامعة السلطان قابوس، المطابع العالمية، مسقط، ط1، 1412هـ/1991م. ص: 81.
(2) – مكالمة هاتفية للباحث مع الشيخ سعيد بن خلف الخروصي، يوم الثلاثاء 5 صفر 1426هـ.
(3) – انظر: السالمي: ابن بشير محمد شيبة: نهضة الأعيان بحرية أهل عُمان. دار الجيل: بيروت، ط1، 1419هـ/1998م. ص: 363.
(87)- المتهدمات هي العامرات حاليا تقع في الجنوب من العاصمة مسقط وهي يابعة للمحافظة وقد حظيت بجانب كبير من التطور والازدهار (1/41)
صفحة 42
عندما كان يضطلع بدور التدريس استقطب اهتمام الصالحين الذين يرغبون في دعم انتشار العلم والتدريس، وممن كتب إليه السيدة الصالحة جوخة بنت محمد البوسعيدية، وكانت من الأثرياء، فكتبت إليه ليشتري مالاً ويوقفه للمتعلمين، وعندما أخبرها بأنه اشترى من بلدة المتهدمات (1) مالاً يبلغ قيمته ثلاثين ألف قرش ردَّت عليه بأن المال له، وأشارت عليه بأن يشتري مالاً آخر من بوشر لأن المتهدات يصيبها الجفاف (2) .
سعى إلى إصلاح ذات البين ورأب الصدع بين السلطان تيمور بن فيصل والإمام محمد بن عبد الله الخليلي (3) ، وقد تحقق هذا المطلب على يد الشيخ عيسى بن صالح الحارثي، في معاهدة السيب والتي حضر مراسمها الشيخ الكندي.
كان كثير التهجد وقيام الليل، وكان لا يخاف في الله لومة لائم، وكان واحدًا من العباد والزهاد الذين استفادوا من العلم لخدمة العمل.
في سنة: 1355هـ توفي الشيخ سعيد بن ناصر الكندي ببلدة المتهدمات من وادي حطاط المعروفة حاليًا بالعامرات، بعد حياة دامت ثلاثًا وثمانين عامًا (4) .
رابعًا: الإمام محمد بن عبد الله الخليلي:
أشبع شيخنا طموحه العلمي بمجالسة الإمام الرضي: محمد بن عبد الله بن سعيد بن خلفان الخليلي رحمه الله (5) الذي ولد بقرية سمائل في سنة: 1299هـ، ونشأ في حجر أبيه عبد الله بن سعيد، قرأ النحو على الشيخ محمد بن عامر الطيواني، ودرس فنون العلم على عمِّه الشيخ العلامة أحمد بن سعيد وأبيه الشيخ عبد الله بن سعيد آل الخليل، ثم هاجر إلى شرقية عُمان لدراسة العلوم، فقرأ على نور الدين السالمي التفسير والحديث والأصول، وفنون العلم، فصار علَمًا من الأعلام، وحجة في المعقول والمنقول والمنثور والمنظوم.
__________
(2) – الحارثي: عبد الله بن سالم، مرجع سابق. ص: 74.
(3) – دليل أعلام عُمان، مرجع سابق. @
(4) – الحارثي: مرجع سابق. ص: 74 وما بعدها.
(5) – الخروصي: في مقدمته لعمان عبر التاريخ، مرجع سابق. ص: 7. (1/42)
صفحة 43
كان رحمه الله بعيد الغضب، لا يرى غضبان أبدًا إلا إذا انتهكت محارم الله، دائم الفكر حمولاً للأذى واسع الصدر أكثر دهره صامتًا، فإذا تكلم تكلم بعلمٍ، وإذا سكت فعن أدبٍ، أعطاه الله - عز وجل - التوسم، فإذا دخل عليه الزائر وجَّه نحوه شُعاعًا قويًّا من عينيه، فاستخرج بتوسمه ما أمكنه بين يديه، فعبر له عن فكره قبل أن يتفوَّه بمراده، بعبارة وجيزة، لا يحسنها الزائر، وأعرب له عن قصده.
وليس ذلك بعيد عنه قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - : »اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله « (1) .
لا يرد سائلاً ولا مسترفدًا (2) ، ولا يملك ما بيده، أكرم أهل زمانه، كأنما عناه القائل:
ولو لم يكن في كفِّه غير نفسه ... لجاد بها فليتق الله سائله
لا يأنف من أحد، يقضي حاجاتهم، ويرجع إلى مجلسه، ويتولى كل أمور المسلمين حتى بروات الطعام لدواب الضيوف ودواب الدولة، ملك روح الشعب بالمحبة والسياسة واللين، لا بالقوة والجبروت، عظَّمه الناس لصغر الدنيا في عينيه، فلا يرى لها قدرًا.
والحق ما شهدت به الأعداء، فهذا نسيجير الأنجليزي المسمى عند رحلته لعُمان "مبارك بن لندن" يقول: »إن البدو يعترفون بالإمام سيدًّا لهم، وكثيرًا ما تسمع بينهم عبارة: "أطال الله عمر الإمام"، وهم يعنوها بإخلاص كلما قالوها، وذلك لأن الإمام نشر الأمن والعدل بين ظهرانيهم« (3) .
__________
(1) – رواه الترمذي، كتاب التفسير، باب: »ومن سورة الحجر«، 5/287.، حديث: 3127، دار الكتب العلمية بيروت. قال أبو عيسى: »هذا حديث غريب، إنما نعرفه من هذا الوجه، وقد رُوي عن بعض أهل العلم«.
(2) – لاسترفاد: هو الاستغاثة، انظر: ابن منظور: لسان العرب، دار صادر: بيروت، ط1، 2000م. ج: 6، ص: 189.
(3) – تقارير شركة الزيت الأمريكية (1/43)
صفحة 44
كان يرحمه الله قبل ارتقائه عرش الإمامة في رغد من العيش، وتأنق في الملبس؛ لأنه كان غنيًّا، فلما ولي أمور المسلمين رغب عن ذلك مع كثرة غناه، فكان يطوي الأيام والليالي، ويفطر على التمر والعوال (1) .
كان لا يلوم أبدًا على ما يكون العذر في مثله، يلتمس العذر لإخوانه، والتخلص له من العشرة، كثير صيام التطوع، حتى ابتلي بنقصان في بصره لكثرة صيامه وتقشفه في المعيشة، بقي خمسة أشهر مكفوفًا، فاحتاج إلى علاج الطبيب، فأرسل إلى "تومس الأمريكي" من مسقط، فلبَّى دعوته، فعالجه، فأبصر من إحدى عينيه.
لَمَّا أدركته المنية جمع إخوانه من العلماء والفضلاء، فقال لهم في جملة ما قال بعد الشهادتين:
»إن ديني الإسلام، ورأيي رأي المسلمين، ومذهبي مذهبهم«، ثم قال: »لا بل مذهبي محمدي«.
وفي الساعة الأولى من يوم الاثنين التاسع والعشرين من شهر شعبان من سنة: 1373هـ هاجرت إلى ميقات ربها الروحُ التي عكفت على الإرشاد في نصرة الدين الحنيف، الروح الجامعة بين الحقيقة والشريعة، عميد العلم والدين والإسلام، حامي حمى الحوزة العمانية، العلامة المجتهد المطلق محمد بن عبد الله الخليلي، دعاه ربه - عز وجل - إلى سعة رحمته وواسع كرامته (2) .
ويُذكر عن الإمام الخليلي أنه لم يقرض الشعر في حياته سوى هذا البيت:
كل يفضل ما اشتهته نفسه ... وأنا أفضل من النحيل المترفاء (3) .
ومن أشياخه ، والذين أشبع طموحه العلمي وذاكرته معهم:
__________
(1) – سمك يابس يدخره العمانيون.
(2) – انظر: نهضة الأعيان: لمحمد بن عبد الله السالمي، مرجع سابق. ص: 287، بتصرف.
(3) – مقابلة الأخ زاهر بن عبد الله الحوسني، مع الشيخ خالد بن مهنا البطاشي رحمه الله، يوم الخميس 26 من ذي الحجة 1423هـ، الموافق لـ 27/2/2002م. (1/44)
صفحة 45
1- محمد بن سالم بن زاهر الرقيشي (1) : (و:1302هـ/1884م- 1387هـ/1967م):هو عالم، قاضي، شاعر، قرض الشعر في فنونه المختلفة، كان من كبار رجال الإمام محمد بن عبد الله الخليلي، يعد من العلماء وأهل الرأي والسياسة، تولى القضاء في عدة ولايات، وتوفي في عهد السلطان سعيد بن تيمور.
2- العلامة الزاهد عبد الله بن عامر العزري (2) :ولد بقرية الأخشبة من أعمال المضيبي، حفظ القرآن في بلده، تتلمذ على أيدي مشايخ كبار من بينهم: الإمام السالمي كان عالمًا زاهدًا ناسكًا عابدًا صلبًا في دينه، كان الإمام يجله ويعظمه، ويعتمد على كثير من آرائه، توفي سنة: 1358هـ بعد صلاة الفجر من يوم الاثنين السادس من شهر شوال.
3- ومن أشياخه كذلك: الشيخ الأمير عيسى بن صالح بن علي الحارثي (3) :، ولد سنة: 1290هـ، ونشأ في حجر أبيه وتتلمذ على الإمام السالمي ومشايخ آخرين، عُيِّن الأمير عيسى بالإمارة بعد وفاة أبيه الشهيد، وسار في الناس سيرة أبيه الرضي، كان كريمًا مضيافًا لا يفقد بساطه الضيف، يقدم له خير مراتبه، توفي بعد وعكة صحية أصابته بحمى سنة: 1265هـ، ودفن في الظاهرة.
4- والشيخ إبراهيم بن سعيد العبري (4) .
المبحث الثالث: تلاميذه:
تخرج على يد هذا الشيخ الجليل أفواج من العلماء والمشايخ كانوا منارات لمن جاء بعدهم، وهنا نورد أهم هؤلاء المشايخ:
أولاً: الشيخ سعيد بن خلف الخروصي:
__________
(1) - دليل أعلام عُمان، ص: 146.
(2) - انظر: السالمي: نهضة الأعيان، ص: 271.
(3) - انظر: السالمي: نهضة الأعيان، ص: 66-67.
(4) - سبق الترجمة عنه. (1/45)
صفحة 46
ولد فضيلة الفقيه الجليل والتقي النبيل الشيخ سعيد بن خلف بن محمد بن نصير بن خلفان بن محمد الخروصي في سنة: 1344هـ بمدينة نخل (1) .
كان مجلس والده ملتقى للعديد من العلماء الذين يزورون نخل، مما يجعله مدرسة عليا، وليس مجرد مجلس عادي.
عندما وافى العاشرة من عمره كان قد ختم القرآن الكريم وبدأ دراسة اللغة العربية على يد الشيخ الأستاذ النحوي الضرير حمود بن زاهر الكندي، فقرأ ملحة الإعراب للعلامة الحريري، ثم انكب على دراسة ألفية ابن مالك بشرح ابن عقيل.
وبعد هذا التحصيل أصبح مهيَّئًا للالتحاق بجامع نزوى، وكان يغصُّ يومئذ بالعلماء الكبار برئاسة الإمام الرضي أبي خليل محمد بن عبد الله الخليلي رحمه الله وبرَّد مضجعه، فاغترف من ذلك اليم العباب أهم المسائل والعلوم، وأخذ دراية بحلِّ أصعب المشاكل في أصول الدين والفقه والتفسير والفروع، وبعد أن أصبح زاده وفيرًا من العلم والمعرفة عاد إلى مسقط رأسه بلدة نخل، وفي نخل أصبح أكثر قسوة على نفسه في الجد والتحصيل ومواصلة الليل بالنهار.
وعندما تولى شيخنا السيابي ولاية وقضاء نخل في الفترة من 63هـ إلى 69هـ لازمه ملازمة خاصة، فقرأ عليه "أنوار العقول وشرحها"، كما قرأ عليه كتابه المسمى "إرشاد الأنام في الأديان والأحكام"، فهؤلاء بعض شيوخه وغيرهم كثير.
__________
(1) – بلدة جميلة رابضة على سفح الجبل الأخضر من جهته الشمالية الغربية، والتي سخت عليها الطبيعة بأجمل الوشي وأروع السمات الساحرة، وهي إحدى الحواضر العمانية التي خرَّجت العديد من العلماء والأخيار والصلحاء ورجال الفقه والأدب، كالعلامة ابن عمر النخلي ومحمد بن المختار ونجدة بن الفضل. (1/46)
صفحة 47
وبعد ذلك ونظرًا لشهرته بالعلم والفقه وصلابة عوده إيمانًا وفضلاً فقد تمَّ اختياره في المحرم من سنة: 1381هـ للقضاء بمدينة سمائل الشهيرة بكثرة علمائها وأدبائها وشعرائها (1) ، واختيار الخروصي قبل واحد وعشرين عامًا لقضاء هذه الولاية المهمة مع وجود تلك النخبة من العلماء لدليل على رجاحة عقله وما تميَّز به من علمٍ وفطنة وذكاء، وقد ظلَّ قاضيًا ماضيًا محبوبًا من جميع أفرادها على مدى سبعة عشر عامًا، حيث تقرر نقله في سنة: 1396هـ إلى مدينة الرستاق (2) ، المدينة ذات الأهمية المماثلة لمدينة سمائل في مكانتها العلمية والتاريخية، وبعد مضيِّ ثلاث سنين تقرر نقله إلى ولاية البريمي (3) ،
__________
(1) – ومن هؤلاء الشيخ خلفان بن جميل السيابي والشيخ حمد بن عبيد السليمي والشيخ سالم بن حمود السيابي وعدد أخر من رجال العلم والقضاء السمائليين.
(2) – هي كورة تشتمل على بلدان جمة، من أفخر بلاد عُمان، بسفح الجبل الأخضر من جهة الشرق، احتوشتها الجبال من كل الجهات، وتتخللها الأودية، بحيث تجتمع إلى أن يظهر واديها ممتدًّا إلى الباطنة، ولها توابع وسوقها كبيرة، وأنهارها غزيرة، فمنها حمامات لا يُستطاع دخولها، ومنها باردة مثلها، ومنها متوسطة، تجلب إليها الفواكه البرية والبحرية والجبلية في كل غداة، تتصل بها السيارات من ساحل دبي والعاصمة مسقط.
(3) – قاعدة أرض الجو، وتسمى في القديم: توام، ويسميها الإنجليز: الجنة الصغيرة والواحة الغناء، وتحتوي واحة البريمي على قرى وبساتين، فمن قراها: البريمي، حماسا، صعرا، العين، المعترض، العتيمي، القطارة، هيلي، ويحد البريمي من جهة الشمال ديار بني كعب وبني فتب، وزعيمها الأكبر صقر بن سلطان النعيمي، وكانت تستخدم كقاعدة لصد الغزو الأجنبي لعُمان.. (1/47)
صفحة 48
وفوق ذلك كان عضوًا دائمًا في لجنة قضاة الاستئناف لحل المشاكل المستعصية والقضايا المستأنفة، »وبعد ذلك نُقل إلى محكمة الاستئناف في مسقط، ومن بعد أراحه الله من القضاء، وجُعل مساعدًا لسماحة الشيخ الخليلي في الإفتاء« (1) .
من إنتاجه: 1- نظم كتاب الوضع للشيخ الجناوني.
2- دليل السالك شرح على قصيدته المسماة "إحكام المسالك في أحكام المناسك".
3- إحكام الصنعة في أحكام الشفعة.
4- معالم التبيين في الإقرار والبيان واليمين.
5- الدر المنتخب في الفقه والأدب (2) .
ثانيًا: الشيخ عبد الله بن علي الخليلي:
ولد الشيخ عبد الله بن علي بن عبد الله بن سعيد بن خلفان الخليلي في مدينة سمائل بوسط عُمان في منطقة العلاية في "بيت السبحية"، وكان ذلك كما يقول هو بنفسه في السابع من محرم من عام: 1340هـ أو 1341هـ، فهو غير متيقن من السنة، ويعد بذلك من مواليد ما بعد الحرب العالمية الأولى، فيكون بذلك قد عايش الحرب العالمية الثانية.
قرأ القرآن الكريم على يد مقرئه الحاذق زاهر بن مسعود الرحبي، ثم انتقل إلى أستاذ العربية الفاضل النحوي الكبير حمدان بن خميس بن سالم اليوسفي، ومن ثم قرأ على الشيخ العلامة الضرير حمد بن عبيد السليمي والشيخ سالم بن حمود السيابي.
نشأ الشيخ عبد الله نشأة دينية في جو ملؤه الصلاح والتقوى، ويعمره الدين وتعاليمه السمحة، مما أذكى في شاعرنا الشعور الديني والفهم العام للدين الإسلامي وأموره وقضاياه وأسسه.
كانت نشأته مزيجًا من العلم والصلاح وفضائل الأعمال وحميد الأخلاق إلى جانب الحكمة والصبر والشجاعة التي انعكست كلها على شعره مشكِّلة ثمرة يانعة آتت أكلها فيما بعد.
__________
(1) – مكالمة هاتفية للباحث مع الشيخ سعيد بن خلف الخروصي، يوم الأحد 16 صفر 1426هـ الموافق لـ 27/3/2005م.
(2) – السيابي: هلال بن سالم، في مقدمته للدر المنتخب، وزارة التراث القومي والثقافة، عُمان، 1402هـ/1981م، ص: 15 وما بعدها، بتصرف. (1/48)
صفحة 49
أهم اهتماماته الشعر والأدب، ولكنه كان يهوى الخيل ويمارس ركوبها في شبابه، ولذلك احتلت الخيل والفروسية مكانًا بارزًا في شعره.
ولا شك أن موهبته الشعرية موروثة، فجده عبد الله بن سعيد الخليلي (1) ، شاعر فذٌّ، وجده لأمه أحمد بن سعيد بن خلفان الخليلي (2) ،
__________
(1) – هو والد الإمام محمد بن عبد الله الخليلي، ذكر عنه الشيخ نور الدين السالمي أنه عالم جليل كثير الاطلاع على فنون العلم وعبقريته الشعرية غير مستنكرة، وله ديوان ضخم في الحماسة والفخر والغزل والنسيب، ولكن ابنه مزَّقه، ولعل ذلك لِمَا فيه من الغزل، وكان الشيخ عبد الله يلي زمام الزعامة في بني رواحة من غير منازع، وكان يتمتع بدهاء وفطنة وحنكة سياسية، وخاض بهم الحروب حتى صارت قبيلته من أقوى القبائل العمانية، توفي في جمادى الآخر 1332هـ بسبب رصاصة طائشة أصابته في بلدان الحوسنة، ولم يترك إلا الإمام محمد وأخاه عليًّا. انظر الخليلي –خليل بن أحمد , السيرة الذاتية للشيخ أحمد بن سعيد , مرجع سابق صـ104 أ
(2) – هو الشيخ أحمد بن المحقق سعيد بن خلفان الخليلي، ولد سنة: 1280هـ في بلدة بوشر، نشأ في بداية أمره في حجر أبيه المحقق الخليلي، فاستقى منه أعذب الأخلاق، وسمو الأمور، قال فيه شيخنا السيابي: أنه نشأ في مهد الإيمان، وتربى =في أحضان التقوى، ومشى في ربوع العدل، استشهد أبوه بامتداد يد الجور إليه، وهو في السابعة من عمره، كان آمرًا بالمعروف وناهيًا عن المنكر، ولا يُحابي أحدًا، توفي في 11 من ذي الحجة 1423هـ بعد حياة كلها علم وعطاء، وكان عمره يناهز الأربع والأربعين عامًا.. (1/49)
صفحة 50
شاعر قصر شعره على الحكمة والسلوك؛ لأنه كان عالمًا ومرجعًا للفتوى، أما والده العلامة الرباني المحقق سعيد بن خلفان الخليلي (1) ، فشعره لا يشق له غبار، خاصة في التصوف والروحانيات وتزكية النفس.
ومما ساعده كذلك ما تمتاز به مدينة سمائل وطبيعتها الخلابة من مياه وخضرة وجمال وتاريخ حافل ومجالسها الأدبية العديدة، حيث كان الشعراء يعرضون قصائدهم فيها، فتتعرض بالنقد لغويًّا ونحويًّا وبلاغيًّا على أيدي كبار أدبائها (2) .
يقول فيه شيخنا السيابي: »حامل لواء شعر الأمراء، القائم على منبر دولة الشعراء«، ويقول عن شعره: »شعر وضع على أعمدة البلاغة وألبس حلي الجمال بإتقان الصياغة«.
ومن إنتاجه: وحي العبقرية – على ركاب الجمهور – بين الحقيقة والخيال – من نافذة الحياة –و المقامات (3) .
وقد صاهر سماحة شيخنا الخليلي الشيخ عبد الله، وأنجب أغلب أبنائه من ابنته، توفي في 28 ربيع الثاني 1421هـ الموافق لـ 30 يوليو 2000م (4) .
__________
(1) –العلامة المحقق سعيد بن خلفان الخليلي , ولد في بوشر عام 1231 هـ وتوفي شهيدا عام 1287 هـ كان مرجع عصره وعلامة زمانه وهو رائد النهضة الإسلامية وكان من العلماء الذين أسهموا في التأليف و أخذوا منه سهما وافرا , فقد شرع في التأليف وهو ابن ستة عشر عاما فصار من أكثر العلماء العمانيين إثراء للمكتبة العمانية الإسلامية .خليل بن احمد , مرجع سابق صـ13 .
(2) – وممن كان يحضر هذه المجالس الشيخ خلفان بن جميل السيابي والشيخ حمد بن عبيد السليمي والشيخ سالم بن حمود وعلي بن منصور وأبو سرور الجامعي، ومن الأدباء محمد بن راشد والقاضي غسان بن سليمان والشيخ هلال بن سالم السيابي.
(3) – النعماني؛ سعيد بن سالم: أمير البيان الشيخ عبد الله في ذكراه. إشراف: عبد الرزاق الربيعي، مطابع النهضة، ط1، 2001م. ص: 33، وما بعدها، بتصرف.
(4) – رسالة عبر الجوال من محمد بن سعود الخليلي، الأحد 16 صفر 1426هـ. (1/50)
صفحة 51
ثالثًا: هلال بن علي الخليلي:
»وهو الابن الأكبر للشيخ علي بن عبد الله الخليلي، وكان يكبر أخاه عبد الله بسنتين، ولذلك تكون ولادته في سنة: 1338هـ، وأخواله من بني هناءة« (1) .
كان والده يرسله في مهمات تلزم الحكومة في الداخل، وقد قضى معظم عمره في بوشر واليًا عليها، حيث أنه خلَّف والده بعد وفاته في سنة: 1362هـ، تعلم القرآن وعلوم اللغة العربية والفقه، ولازم عمه الإمام محمد الخليلي.
ودرس على شيخنا السيابي حتى أكمل جانبًا من التعليم في النحو والصرف وغيرها من العلوم.
فيما بعد وفي حكم جلالة السلطان قابوس أُرسِل سفيرًا للسلطنة في المملكة العربية السعودبة، وظل ما يُقارب خمس أو ست سنوات قبل أن يتقاعد، وكان ذلك في بداية 1972م، وبعدما رجع مرض ولم يستطع أن يمارس أعماله.
من أبنائه سالم بن هلال الخليلي وزير الزراعة والثروة السمكية، اشتهر بعقل راجح ورأي ثاقب وبعد نظر، توفي في: 23/11/1985م (2) .
رابعًا: هلال بن سالم السابي:
الشاعر هلال بن سالم السيابي، ولد في أربعينيات القرن الماضي 1974م في قلعة نخل (3) أيام كان والده قاضيًا وواليًا عليها للإمام الخليلي، وهذا على خلاف ما ذُكر في كتاب القراءة والنصوص من أنه ولد في سمائل الفيحاء (4) ، ومن الغريب مصدر هذا التعريف بالشاعر.
__________
(1) – النعماني؛ سعيد بن سالم: أمير البيان الشيخ عبد الله في ذكراه. إشراف: عبد الرزاق الربيعي، مطابع النهضة، ط1، 2001م. ص: 24 وما بعدها، بتصرف.
(2) – مقابلة مع الشيخ سعود بن علي الخليلي، يوم الاثنين 3 صفر 1426هـ الموافق لـ 14 مارس 2005م، في مكتبه بالقرم.
(3) – أخبرني بنفسه في مكالمة هاتفية دمشق –مسقط، الثلاثاء 18 صفر 1426هـ.
(4) – الأدب والنصوص، للصف الثاني عشر من التعليم العام، وزارة التربية والتعليم، 1425هـ/2004م. ج:2، ص: 69، الدرس العاشر. (1/51)
صفحة 52
عاش سعادته في بيئة فقه وأدب، فوالده شيخنا المترجم له عالم رباني موسوعي المعارف، يتجلى هذا في عشرات المؤلفات التي أهداها للأجيال في شتى المعارف الدينية والإنسانية، وخاله الشيخ سعيد بن خلف الخروصي القاضي و الفقيه والأديب، وخاله الشيخ سليمان بن خلف الخروصي الشاعر المجيد والمؤرخ العتيد، انتقل إلى سمائل في سنوات طفولته الأولى، وسمائل وقتها تضج بالأدباء، وجاور قممها والده الشيخ سالم بن حمود والعالم الجليل خلفان بن جميل السيابي والقاضي سعيد بن خلف الخروصي الذي كان قاضيًا في سمائل، والشيخ عبد الخليلي والشاعر الصوفي المجيزي والشاعر البكري والشاعر أبي سرور والقاضي والشاعر محمد بن راشد بن عزيز الخصيبي وغيرهم.
كان في همة النحل ينتقل من رحيق زهرة إلى أزهار أخرى، ليجتني الشهد في سهول سمائل الفيحاء، عمل في بداية حياته في حصن سمائل مرافقًا لخاله القاضي، ومع انتقال والده إلى مسقط قاضيًا التحق بمسجد الخور الذي كان مدرسة فقهية يرأسها سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي، وتتلمذ على يديه.
ومع فجر النهضة المباركة عمل مدرِّسًا بالمدرسة السعيدية بمسقط، ثم مساعدًا للمستشار الصحفي لجلالة السلطان، ثم التحق بوزارة الإعلام، وعمل مديرًا عامًّا للمطبوعات، ثم مديرًا عامًّا للإذاعة، انتقل بعد ذلك إلى وزارة الداخلية ثم وزارة الإسكان، ثم عمل عضوًا بالمجلس الاستشاري للدولة، وفي أواخر الثمانينات عمل سفيرًا للسلطنة في الكويت، ثم سفيرًا لها في الجزائر، فسفيرًا للسلطنة في سوريا، ولا يزال على رأس عمله (1) .
من إنتاجه الأدبي:
أوَّلاً: القلادة:
قصيدة في كبرى قبائل ومدن عُمان، طبعت مرة واحدة للشاعر ليضعها في مكتبته الخاصة سنة: 2003م.
__________
(1) – نقلاً عن الأديب حمود بن سالم السيابي. (1/52)
صفحة 53
أهداها الشاعر إلى روح والده العلامة الجليل سالم بن حمود السيابي لتسمو إليه في منازل السعادة بعد أن وقف القدر في طريقها عن ملامسة يديه والاكتحال برؤية عينيه، ومطلعها:
يا شادي الأيك لا رندٌ ولا بانٌ ... نبا المكان وعز اليوم إمكان
فما صداحك بالأفنان مضطربًا ... وللنوى فيك -يا ابن الأيك- أفنان
فيا له من زمان زف مؤتلقا ... تقاصرت عن مداه اليوم أزمان
فهل إلى نسمة أشفي بها كبدي ... من "الغبيراء" حيث الرند والبان
يمسي فؤادي و"نزوى وجه قبلته ... و"نخل" شاذان حسب المجد شاذان
إلى أن قال:
وفي "سناو" (1) لصواف معالمهم ... وكلهم بأثيل الفضل دهقان
وللرواشد فيها للهدى علم ... عال إذا أم نحو القوم حيران
وللبراشد أهل الفضل فخرهم ... إذا تنورهم في الدجن لهفان
وامدح بني عامر واذكر وقائعهم ... فإنها في جبين الدهر عنوان
الرافعين بسمر الخط مجدهم ... على الذرى وكفاك الفخر عيلان
والقصيدة موجودة بكاملها.
ثانيًا: "طائر السعد": عبارة عن قصيدة طويلة قريبة إلى حد ما من القلادة، تحدث فيها عن الأحداث التاريخية منذ افتراق الأمة، ثم يعرج في حديثه عن القبائل العمانية مذكِّرًا الأبناء بما كان لأجدادهم من مجد وقوة، وقبل الختام عرض لوالده معتذرًا له عن رحيله عنه، وكل ذلك من أجل وطنه.
ثالثًا: حصاد السنين:
__________
(1) - سناو: نيابة من نيابات ولا ية المضيبي، وسَناو: بقتح السين المهملة بعدها نون فألف فواو، وأصلها سنا، فزيدت الواو بالهجة المحلية، ولفظة سنا مشتقة من سناء البرق وضوء النار وبالمجد والرفعة والعلو، وسناو بلدة تاريخية قائمة من قبل الإسلام، وهي بلدة ممتازة معشوقة السكنى رحبة المثوى ذات رياض أنيقة وحدائق ذات بهجة مما يروق للناظر ويعجب الخاطر، وقد شهدت هذه البلاد معارك عديدة، وفي عهد الإمام مهنا بن جيفر جُعلت كقاعدة بحرية. (1/53)
صفحة 54
وهو عبارة عن ديوان شعري، جمع فيه الشاعر جميع ما حصده وقاله من شعر، ومنها: "يا بلبل الشرق" التي أرسلها للشيخ عبد الله بن علي الخليلي إثر إعلانه ما سماه بـ "الاستقالة" من الشعر.
المبحث الرابع: مكانته العلمية:
إن مكانة العلم والعلماء سواء بين أسرهم أو في مجتمعاتهم وأوطانهم أو في العالم كله مكانة لا تخفى على من عرف قدر العلم والعلماء من صغير وكبير وحاكم ومحكوم، كيف لا وهم الغيث ينزل على الأرض الجدباء القاحلة، فيخرج بسببه أشجار ونبات مختلفة في أشكالها وألوانها تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، والشيخ سالم السيابي »يعدُّ من جيل العمالقة الذين صاغوا ملامح القرن العشرين في عُمان، وكان من الكتاب الموسوعين الذين تعددت مؤلفاتهم، وتنوعت مواضيع هذه المؤلفات بين الكتابة في الفقه إلى الكتابة عن الخيل والإبل، وبين الإبحار العميق في لجة اللغة والكشف عن كنوزها إلى الرصد الفوتغرافي المبين لأحداث التاريخ وبين العلوم الشرعية إلى الأدب (1) .
فمكانته تنبيك عن نفسها، فكان قاضيًا وكان معلمًا، فمما سبق نرى أنه كان يجمع العلوم فهو في التاريخ وفي الأنساب وفي الشعر وفي الأدب وفي روايات وقصص العرب وفي الفقه والعقيدة وفي التفسير وفي أصول الفقه، فله مؤلفات كثيرة في هذه العلوم (2) ، فهذا مما عرف عن الشيخ سالم بتنوع معارفه واهتماماته، وقد أطالت هذه الكنوز التي صاغها قامته لترفعه في الصدارة بين أقرانه العلماء، فكان العالم الفقيه وكان المؤرخ الثقة، وكان العالم اللغوي وكان الشاعر الجزل، وكان العالم بأسرار العربية المتمكن من ناصيتها:
فالعلم يرفع بيتًا لا عماد له ... والجهل يهدم بيت العز والشرف
__________
(1) – مخطوط بحوزة الباحث للشيخ حمود السيابي.مرجع سابق
(2) – مقابلة مع الشيخ أحمد بن سعود السيابي. مرجع سابق (1/54)
صفحة 55
وبفضل هذه الشمائل أسندت إليه المسؤوليات الجسام في تاريخ عُمان السياسي طوال القرن العشرين، وقد وصفه الإمام الخليلي بأنه ممن تسد به الثغور، وتسند إليه مهمات الأمور، وأغدق عليه الأوصاف كل الحكام الذين تعاقبوا على عُمان أئمة وسلاطين وفي عهد جلالة السلطان قابوس نال وسام التعاون الخليجي في احتفال حضره قادة دول المجلس، حيث تسلمه وسط عاصفة من التهاني والتبريكات ثناء على استحقاقه، وأقام المنتدى الأدبي أسبوعًا ثقافيًّا للحديث عن مكانة الشيخ العلمية، حيث تناوب الباحثون (1) إلقاء البحوث متحدثين عن مكانة الشيخ العلمية، وفي ختام المنتدى تمَّ تكريمه بتسليمه درع المنتدى (2) .
فبالرغم من هذه المكانة التي تبوأها إلا أنه لم يفرط في حقوق الناس والاهتمام بشؤونهم وحل مشاكلهم، فجعل من نفسه واحدًا منهم، ولم يتعال عليهم، وكيف لا وهو المقتبس من النبي - صلى الله عليه وسلم - جذوة والمقتفي أثره، وأثر صحابته الكرام رضوان الله عليهم، فطوبى لهم وحسن مآب.
الفصل الرابع: حياته العملية:
المبحث الأول: تدريسه.
المبحث الثاني: تولِّيه القضاء.
المبحث الثالث: إصلاحاته الاجتماعية.
الفصل الرابع: حياته العملية:
المبحث الأول: تدريسه:
__________
(1) – وممن ألقى البحوث: د. محمد صابر إبراهيم عرب: أستاذ مساعد في التاريخ العربي الحديث بجامع السلطان قابوس تحت عنوان: المنهج التاريخي في كتابات سالم بن حمود السيابي، وألقى البحث في المنتدى تحت رعاية صاحب السمو: فيصل بن علي آل سعيد وزير التراث القومي والثقافة سابقًا، والرسالة موجودة في : حصاد المنتدى لعام: 1989-1990م.
(2) – رسالة خطية بحوزة الباحث، المؤلف سعادة الشيخ حمود السيابي. (1/55)
صفحة 56
لم أستطع أن أقف على أول بداية الشيخ في سلك التدريس، وذلك لعدم توفر المصادر الدالة على ذلك، ولعله يكون أول ما عمل مدرِّسًا عندما استدعاه الشيخ علي بن عبد الله الخليلي لكي يدرس أبنائه، وذلك عندما كان موجودًا في بوشر، وكان ذلك في عام: 1350هـ، وفي عام: 1352هـ عُيِّن قاضيًا على بوشر (1) ، وبالتالي كانت فترة تدريسه في الفترة التي سبقت تعيينه قاضيًا عندما استدعاه الشيخ الخليلي، فقام بأمر التدريس خير قيام، وتعلم عليه حوالي أربعين طالبًا (2) .
وبدايته في سلك التدريس في هذه السنة كوظيفة وعمل يقوم به ويتقاضى عليه راتبًا، أما كونه مدرِّسًا فمجلس الشيخ سواء كان في هذه الفترة أو بعدها وفي كل الحالات عامر بالتدريس لا يعتبر التدريس في تقاضي الراتب (3) ، فهو لم ينقطع عن التدريس حتى وإن كان يشتغل بوظائف أخرى كالقضاء وغيرها، ومن ذلك إقامته حلقة علم بين العشائين في مسجد عبد الرضا سلطان، حيث كان يحضره الكثير من المشايخ ورجال الدولة وأبنائهم (4) .
__________
(1) – الحارثي: أضواء على بعض أعلام عُمان. مرجع سابق. ص: 122.
(2) – الحوسني؛ زاهر بن عبد الله بن هلال: سيرة العلامة محمد بن سالم الرقيشي، حياته وآثاره. بحث تخرج من معهد العلوم الشرعية: مسقط. ص: 104.
(3) – اتصال هاتفي مع سعادة الشيخ حمود بن سالم السيابي، يوم الأحد 18 محرم 1426هـ الموافق لـ 27/2/2005م.
(4) – مقابلة مع سعادة الشيخ أحمد بن محمد بن عمير الهنائي يوم الاربعاء @. (1/56)
صفحة 57
حيث يقول ابنه حمود: »إن الوالد طوال سنين عمره سواء كان بدون عمل أو كان واليًا أو قاضيًا؛ فهو كان رجل علم، ومجلسه كان مدرسة بنفسه، فالقضاء في تلك الفترة ليس كوقتنا الحالي، فيمكن أن تمر على القاضي في تلك الفترة قضية أو قضيتان، والجلسة مع القاضي جلسة علم تتلى فيها الكتب، وتتداول فيها الأخبار، كانت نهضة عُمان من خلال هذه المجالس، فهذه المجالس غطَّت الحاجة إلى وجود مدارس نظامية بالمراحل العصرية التي عليها الآن، فكان كل مجلس قضاء عبارة عن مجلس علم قبل ذلك، حيث أن 90% من الحاضرين لم يأتوا للتقاضي وإنما زوار أو من أبناء الدولة جاؤوا للاستفادة، فصارت هذه المجالس مجالس علم، والوالد إلى آخر عمره وهو على هذا المنوال« (1) .
المبحث الثاني: توليِه القضاء:
كان القضاء على مدى العصور السابقة من أصعب الأمور والوظائف التي يخشاها العلماء الأتقياء الأنقياء، الذين أدركوا مسؤولية الملقاة على عاتقهم من القضاء بين الناس، مدركين مراقبة الله - سبحانه وتعالى - في كل لحظة من حياتهم.
__________
(1) – مقابلة ع الشيخ حمود، مرجع سابق. (1/57)
صفحة 58
وعرفت عُمان من هؤلاء الذين ارتقوا إلى سلك القضاء نخبة عُرفت بالعدل والأمانة والحكم بما أنزل الله - عز وجل - ، فكانوا لا يُحابون أحدًا في الحق، ولا يخافون في الله لومة لائم، بعيدين عن الهوى وحظوظ النفس، فالفيصل في أحكامهم كتاب الله - سبحانه وتعالى - وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وآثار صحابة رسوله - صلى الله عليه وسلم - الذين ما فتئوا يحكمون بما أنزل الله - عز وجل - ، وهدي الفاروق خير شاهد على ذلك، فسار العمانيون على هذا النهج أئمتهم وسلاطينهم، وما فتئ الزمان يدور بأهله بين ارتفاع وانخفاض وإقدام وإحجام حتى صار الإنسان لا يفكر إلا في مطامعه الدنيوية وتحقيق مطامحه الدنية ، فضعف الإيمان في القلوب وتسلط الهوى على النفوس، فصار المسلمون لقمة سائغة في يد عدوهم الذي هجم عليهم من كل حدب وصوب، قاسوا الأحكام الشرعية بقوانينهم وعقولهم القاصرة ومصالحهم الدنيوية مستعيضين عن ذلك الحكم بما أنزل الله - عز وجل - :
قضاة زماننا ضلوا ... وقد بانت خيانتهم
وباعوا الدين بالدنيا ... فما ربحت تجارتهم
وكلُّ ذلك:
هراشا على الدنيا وطيشا على الهوى ... وذلك سم في الحقيقة ناقع (1) .
ولكن بذرة الخير والقائمين على الحق لا يخلوا منهم أي مجتمع من المجتمعات في أي مكان أو زمان.
وشيخنا السيابي كان ممن انخرط في سلك القضاء على الرغم من محاولاته المطالبة بإعفائه من هذه الوظيفة، فقام إليها مكرهًا مستشعرًا عظمة المسؤولية، وقام بها بما أمر الله - عز وجل - ورسوله - صلى الله عليه وسلم - ، لا تأخذه في الله - عز وجل - لومة لائم، والأدلة على ذلك واضحة من أحكامه وسيرته في القضاء، وشهادة من عاينوه أثناء فترة قضائه.
لكن متى كانت بداية شيخنا في مهنة القضاء متى كان ذلك؟ ومن كلَّفه بها.، ونماذج من الأحكام التي حكم بها؛ هو ما سنتحدث عنه.
أوَّلا: شيخنا السيابي قاضيًا وواليًا:
__________
(1) – أبو مسلم البهلاني، مرجع سابق. ص: 329. (1/58)
صفحة 59
لما توفي الشيخ العلامة سعيد بن ناصر الكندي قاضي محافظة بوشر ومفتيها - رضي الله عنه - عُيِّن قاضيًا خليفة له، وذلك في سنة: 1352هـ، وبقي بها قاضيًا حتى سنة: 1359هـ، فانتقل من العمل لظروف خاصة، ورجع إلى سمائل التي استوطنها، وفي سنة: 1360هـ عُيِّن واليًا وقاضيًا على نخل ومتعلقاتها، فتحمل المسؤولية وهو أهل لها، وكان الحاكم القدير المقتدر الإداري المحنك الخبير، والقاضي الحكيم (1) .
يقول ابنه حمود: »في الأربعينات من القرن الماضي حدثت نوع من التوترات في ولاية نخل، وكانت نخل منشقة، تأتي كل قبيلة وتحدث مشكلة، فيعيِّن الإمام جيشًا يقضي على أسباب الفتنة، وفي تلك الفترة في الأربعينات من القرن الماضي جيَّش الإمام جيشًا إلى نخل، وكان الوالد يرحمه الله من بين المحاربين في جيش الإمام، فلما هدأت الأمور في نخل واستقرت للإمام، طلب الإمام من الوالد البقاء في نخل، فقال: عقدت لك لواء القضاء على أن تكون في نخل، فالوالد كان هذا له مفاجئ، وهو مازال شابًّا في مقتبل عمره، ومهمة القضاء كان يستصعبها كثير من العمانيين؛ فهي مسؤولية دينية ودنيوية، وهم خوفهم أكثر من كونها مسؤولية دينية لِمَا يترتب عليه من حقوق ومن دما، فكان القاضي في تلك الفترة يُقيم الحدود من قتل ورجم وجلد، ولكن كانت بيعة الإمام مقدسة، وما على الشيخ إلا أن يُلبِّي و إلا كان خائنًا لهذه البيعة حاول طبعًا أن يعتذر، ولكن الإمام أجابه بأنك أهل لهذه المسؤولية« (2) .
__________
(1) – الخروصي في مقدمته لعمان عبر التاريخ، مرجع سابق. ص: 9.
(2) – مقابلة مع ابنه الشيخ حمود السيابي، مرجع سابق. (1/59)
صفحة 60
وما هي إلا فترة قصيرة من تولِّيه القضاء في نخل حتى أسندت إليه مهمة أخرى، وهي الولاية؛ فصار قاضيًا وواليًا في نفس الوقت، ولم يكن للوالي والقاضي مرتَّب يتقاضاه على عمله إلا ما كان من جباية الزكاة يكون له نصيب منها، وفي تلك الفترة صاهر شيخنا السيابي خلف بن محمد الخروصي، وكان والدهم مقتدرًا ومن أعيان نخل وتجارها، ولم يكن هناك ميزانية إلا ما كان من جباية الزكاة، وجزء منه كمصروفات للمراكز الحكومية، كالقضاء والولاة، فلم تكن هنالك خدمات تقدم كالمدارس الحكومية والمستشفيات والطرق، فالوظيفة الرفيعة كانت تتمثل في القاضي والوالي والعسكر، وإذا ولاية من الولايات ثارت على الحكومة يطلب الإمام من والي الولايات أن يجيِّش لها الجيوش؛ فالجيش كان عملاً تطوُّعيًّا.
وعندما كان الشيخ قاضي في نخل، وكان بحاجة إلى المؤونة التي تعينه، ويتقوت بها طلب من الإمام ما يُعينه على ذلك.
يقول ابنه حمود: »قال الإمام للوالد: بما أن حصن نخل وأنت مسؤول عنه، خذ هذه الورقة وفيها أن الإمام يفترض أن يُوفر لقاضينا فلان الفلاني الحد الأدنى مما يحتاجه من القهوة والأرز، وهذه الأشياء التي تعينه على أموره في هذه الفترة« (1) .
فترى أن الشيخ كان ما يحصل عليه ويعينه على إكمال مهمته ما كان يأتيه من الزكاة وصدقات المحسنين التي تؤول إلى بيت المال، ولم يكن له مرتب يعينه على ذلك، وكان يصرفها فيمن يجب أن تصرف له.
وبقي شيخنا في نخل سنوات آمرًا بالمعروف وناهيًا عن المنكر مطبِّقًا لأحكام الله - عز وجل - لا تأخذه فيه لومة لائم.
__________
(1) – مرجع سابق. (1/60)
صفحة 61
وبعد ذلك حدثت نزاعات قبلية وقلاقل بين القبائل والولايات سواء كانت من الولايات التابعة لنخل أو المجاورة لها، وخوفًا من أن تؤول الأمور إلى ما لا يحمد عقباه؛ طلب الشيخ السيابي من الإمام أن يعفيه من القضاء والولاية في نخل، فوافق الإمام على ذلك، فكتب إلى أعيان ومشايخ نخل ما نصه: »من إمام المسلمين محمد بن عبد الله الخليلي إلى الأخوة الأعزة: محمد بن نصير الخروصي ومحمد بن أحمد السلامي ومحمد بن سعيد السلام عليكم ورحمته الله وبركاته، وبعد:
فإنا قد عزلنا عنكم الشيخ الولد سالم بن حمود السيابي لا عن ضعف ولا عن وهن ولا خيانة، وولَّيته جعلان بني بوحسن، إذ هو ممن تسد به الثغور، ويُوجه في مهمات الأمور، وولَّينا عليكم عبد الله بن الإمام سالم الخروصي« (1) .
وبعد أن انتقل من نخل عمل قاضيًا وواليًا للإمام في جعلان وذلك في سنة: 1369هـ.
ثم انتقل للعمل مع السلطان سعيد بن تيمور، فعيَّنه رئيسًا لمحكمة الاستئناف، ثم عين قاضيًا وواليًا للسيب، ثم قاضيًا في جعلان من جديد (2) ، ثم قاضيًا في الخمسينات في مسقط، ثم قاضيًا للسلطان من جديد في الستينات، ثم لفترة قصيرة في صحار، عاد بعدها بدبد.
ثم قاضيًا في مسقط من جديد، ، ولمَّا أشرق فجر النهضة المباركة أو الحركة التصحيحية المجيدة بقيادة جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم حفظه الله كان هو من مقدمة القضاة بالمحكمة الشرعية بالعاصمة مسقط، ومن أبرز العلماء المرموقين لحكومة صاحب الجلالة المعظم.
ثم عُيِّن قاضيًا في مطرح (3) وكانت مطرح هي آخر محطة له ليعمل فيها في سلك القضاء، ثم أراحه الله منه قبيل وفاته بأشهر.
__________
(1) – نقلاً عن: سليمان بن خلف في مقابلة شخصية معه، مرجع سابق.
(2) – والصحيح أنه كان في الكامل والوافي كما ذكر ذلك الخروصي في مقدمته، لصاحب كتاب عمان عبر التاريخ. وهو ما قاله الشيخ أحمد السيابي في مقابلة معه.
(3) –رسالة بحوزة الباحث كتبها له ابنه حمود. (1/61)
صفحة 62
في أول عام: 1982م نقلت خدماته من وزارة العدل إلى وزارة التراث القومي والثقافة ليتفرغ في تحقيق الكتب العلمية والتاريخية، التي تطبعها وزارته لِمَا له من باع طويل وسعة إدراك في كل الفنون (1) .
وأثناء عمله في وزارة التراث القومي والثقافة قام بتحقيق وطبع كثير من كتب التراث الإباضي، التي رأت النور أو في طريق أن ترى النور.
ولسائل أن يسأل: لماذا كان الشيخ قاضيًا عند الإمام، ثم بعد ذلك انتقل إلى القضاء عند السلطان، والجواب كما سيأتي:
ويقول سعادة الشيخ أحمد بن سعود السيابي: »كان المشايخ هكذا يعملون مع الإمام، ثم يعملون مع السلطان كقضاة، فالسلطان حكومته بحاجة إلى قضاة، وبحاجة إلى ولاة، فالمشايخ كانوا ينتقلون بين الإمام والسلطنة، فكلاهما دولتان تنتميان إلى المذهب الإباضي، فلا بد أن يكون القضاة من المذهب الإباضي، فتجد المشايخ أحيانًا يكونون مع الإمامة وأحيانًا أخرى يكونون في السلطنة« (2) .
يقول ابنه حمود: »في تلك الفترة (3) كان النزاع بين الإمام والسلطنة في أوجه، وكان الإمام الخليلي بدأ الوهن والضعف والشيخوخة إليه لكبر السن، فنجحت السلطنة في مسقط أن تستميل كبار رموز الإمام من بينهم الوالد والشيخ إبراهيم بن سعيد العبري والشيخ خلفان بن جميل السيابي، فاستطاعت السلطنة أن تجذبهم، ويكونوا من ضمن رجالها« (4) .
وهذا القول الأول هو الذي يترجح لي وأميل إليه، ويليق بمقام هؤلاء العلماء، وذلك لِمَا بين الإمامة والسلطنة من علاقات سياسية.
ثانيًا: بعض من أحكامه:
__________
(1) – الخروصي: مقدمة عمان عبر التاريخ، مرجع سابق.
(2) – مقابلة مع الشيخ أحمد بن سعود السيابي، مرجع سابق.
(3) – أي عندما كان قاضي للإمام في جعلان.
(4) – مقابلة مع الشيخ حمود السيابي، مرجع سابق. (1/62)
صفحة 63
عندما كان شيخنا السيابي يعمل قاضيًا عند الإمام أقام الحدود وطبَّق الأحكام في بعض القضايا التي كانت تأتيه، وذلك لِمَا كانت تتمتع به دولة الإمامة من تطبيق الأحكام وإقامة الحدود في الجنايات التي تحدث.
وحدث في هذا العهد أن كان ذاهبًا شيخنا إلى السعودية، وبعض الذين ختم الله على قلوبهم عن حقيقة المذهب، يقول للشيخ: إن الإباضية لا يطبقون الحدود، فقال له الشيخ: كيف تقول هذا؟! وأنا بنفسي رجمت امرأتين، فلم يستطع أن يتفوه هذا الشخص بأي كلمة بعدها (1) .
وكان رحمه الله لا يحكم في القضية إلا بالحجة والدليل والبرهان القاطع، فالبينة على المدعي واليمين على المنكر إذا وصل الأمر إلى ذلك، وهذا ما نلاحظه من أحكامه التي سنذكرها.
1- عندما كان في نخل ضبط البلاد بشكل قوي حازم، حتى أنه سجن مجموعة تنتمي إلى الشيخ سليمان بن حمير (2) ، حتى أن الناس كانوا متعجبين من استطاعته أن يسجن أحد أعوان سليمان بن حمير.
2- كذلك عندما كان في نخل أقام الحد في نساء محصنات ارتكبن فاحشة الزنا، فكانت أول أول حجرة ترمى أول من يرميها.
3- عندما كان في نخل سجن أحد أصهاره بسبب بعض الملاحظات التي رآها فيه (3) ، فكان لا تأخذه في الله لومة لائم، ويقيم الحق حتى في أقرب مقربيه، فصار بسبب هذا مناوشات عليه، إلا أنه استطاع بصرامته أن يتحكم في الوضع.
__________
(1) – مقابلة مع ابنه عبد الملك بن سالم السيابي، الثلاثاء 3 ربيع الأول 1426هـ الموافق لـ 12/4/2005م.
(2) – الشيخ سليمان بن حمير النبهاني شيخ قبيلة بني ريام وأمير الجبل الاخضر وهو نجل حمير بن ناصر الزعيم الغافري كان له الفضل العظيم في إنشاء الإمامة سنة 1331 هـ
(3) – مقابلة مع ابنه حمود، مرجع سابق. (1/63)
صفحة 64
4- عندما كان في السيب قدمت له قضية وقع فيها الخلاف بينه وبين الشيخ محمد بن شامس البطاشي (1) وهي قضية وقف أولاد المعلم مذار، حيث أنه وقف طوي (بئر) في السيب لأولاده وأولاد الأولاد، فعرض حكم التوقيف على الشيخ سالم بن حمود، فحكم على أنه للأولاد وأولاد الأولاد دون الإناث، واستدل بقول الشاعر:
بنون بنو أبنائنا وبناتنا ... بنوهن أبناء الرجال الأباعد
والشيخ محمد بن شامس البطاشي قال: »الموصي لم يستثن، فالأولاد يطلق على المذكر والمؤنث، وأولاد الأولاد معناه الذكور والإناث، فالله - سبحانه وتعالى - ذكر الأولاد وعمَّهم بين الذكور والإناث إلا في آية واحدة في آخر النساء«.
__________
(1) – هو الشيخ محمد بن شامس البطاشي , ولد في قرية المسفاة في قريات سنة 1330 هـ وحفظ القرآن منذ صغره ودرس على علماء نزوى من أمثال الشيخ حامد بن ناصر وعبد الله بن عامر العزري , تنقل في القضاء في عدة ولايات وفي العهد الجديد قاضيا للاستئناف توفي سنة 1998 م أثناء خطبته لصلاة عيد الفطر . (1/64)
صفحة 65
5- قضية في شخص يُدعى: يعقوب البلوشي ادعى على امرأة أنه قرضها مائتي (200) ريال، وكان راوي القصة عنده، فحضرت المرأة وقالت: أنا هذا الشخص لا أعرفه، ولم أستقرض منه شيئًا، وكان موجودًا في الجلسة أحد أقارب يعقوب، فقال للشيخ سالم: يا شيخ، إن هذا يعقوب يدَّعي على الناس، وإلا من أين ليعقوب أن يُقرض هذه المرأة وهي مليئة، ويعقوب حلتوت ملتوت (1) ، فقال الشيخ سالم: »أنا لا أذهب إلى حلتوت ملتوت، أنا أركز على العدل، والبينة على المدعي واليمين على من أنكر، يا حرمة (2) أنت عليك يمين بالله«، أي: إذا أديت اليمين على عدم استقراضك منه سقط حقه، فحلف يعقوب على أنه أقرض المرأة، فلما حلف أعطته المرأة المظلومة المال الذي ادعاه، فما أن وصل عتبة بيته، ودخل من باب الحائط إلا وهو يخرُّ صريعًا في جانب وأمواله التي أخذها زورًا وبهتانًا في جانب آخر، فهذه كانت خاتمته خاتمة سوء وهي خاتمة كل من لا يرعى حقوق الآخرين، ويجعل الله عرضة لأيمانه، وما يُلاقيه في الآخرة أشد وأنكى من ذلك.
__________
(1) – أي ليس عنده ما يقرضه غيره.
(2) – أي امرأة. (1/65)
صفحة 66
6- عندما كان شيخنا قاضيًا في مطرح، كان أحد التجار اسمه: داود بن سليمان اللواتي ادعى عليه رجل من اهل إزكي اسمه: جابر العذري أنه اشترى من عنده أربع وستون (64) جونية، حمل منها اثنان وثلاثون (32) والنصف الآخر أخرهن ليأتي في اليوم التالي، ولما وصل جابر ولم يستطع أن يأتيه، وبعد خمسة عشر يومًا (15) أتاه، فقال له داود: ليس بيني وبينك شيء، فأنكر داود النصف الآخر المتبقي لجابر، فقدِّمت القضية للمحكمة، وكان الشيخ سالم هو القاضي آنذاك في مطرح، وطلب الجالسون عند القاضي من داود أن يدفع (16) ستة عشر جونية، ويُسامح جابر عن (16) ستة عشر جونية المتبقية، ولكن داود رفض، وأمره الشيخ القاضي أن يحلف يمينًا أنه لم يبق له شيئًا لجابر، فحلف التاجر زورًا وبهتانًا، وعندما خرج من المحكمة، وقبل أن يصل مطرح أصابه ألم في قلبه أرداه قتيلاً (1) .
فأين هؤلاء من قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - : »التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء يوم القيامة« (2) ، بل أين هم في قوله - صلى الله عليه وسلم - : »اتقوا دعوة المظلوم« (3) .
__________
(1) – القضايا: الرابعة والخامسة والسادسة من مرويات الشيخ سليمان بن مهنا الكندي، مقابلة شخصية في بيته، يوم السبت 9 ربيع الأول 1226هـ الموافق لـ 24 مار س 2005م.
(2) – أخرجه الترمذي –كتاب البيوع –باب ما جاء في التجار وتسمية النبي صلى اله عليه وسلم إياهم صـ316 رقم 1209 , قال أبو عيسى : هذا حديث حسن لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث الثوري عن أبي حمزة
وأخرجه الدارقطني في كتاب البيوع ج3 صـ573 برقم 2776
(3) –أخرجه البخاري في كتاب الزكاة باب أخذ الصدقة من الأغنياء وترد في الفقراء حيث كانوا صـ203 برقم 1496 , وأخرجه مسلم , كتاب الإيمان , باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام صـ33 برقم 29 (1/66)
صفحة 67
هذه بعض أحكامه التي كانت له فيها وجهة نظر قوية في الأحكام والقضايا التي تعرض عليه، ويدل عليه حصافة رأيه وذكاؤه ونباهته، وكان صلبًا لا يُحابي أحدًا، ولو كان من كان في الحسب والنسب والمال، ولو أقرب أقربائه كما رأينا.
له مؤلفات خاصة في الأحكام: هدي الفاروق ـ وهب السماء في أحكام الدماء، وغيرها بعضها طبع وبعضها لم يطبع بعد.
المبحث الثالث: إصلاحاته الاجتماعية:
كان اهتمام شيخنا السيابي بالجانب العلمي أكثر من اهتمامه بالجانب الاجتماعي، إلا ما كان من حسم أموال الناس ونصرة المظلوم، وقيامه بالحق كما رأينا ذلك أثناء توليه القضاء.
يقول الشيخ أحمد السيابي: »هو في الناحية العلمية كان أكثر من الناحية الاجتماعية، طبعًا في الناحية الإصلاحية كان أكثرها في إطار القبيلة عندما يكون هناك خلاف بين أفراد القبيلة فهو يتجه حقيقة إلى إصلاحهم وإصلاح ذات بينهم، فأكثر إصلاحاته الاجتماعية في إطار القبيلة لأنه يعتبر من علمائها وأعيانها، فلما يحتدم الخلاف بين أفرادها وفخائذها وعشائرها كان الشيخ سالم في مقدمة الذين يطفئون لهيب هذه الفتن ويسدون الخلل بين المتخاصمين ويصلحون بينهم (1) ، وكان الناس يزورونه ويزورهم، ويُشارك الناس في أفراحهم وأتراحهم وبابه مفتوح، ويعزيهم ويقف بجانبهم في أتراحهم، ويعقد القران بين كثير من الناس، ويزورهم زيارات أخوية.
الفصل الخامس: آثاره ووفاته:
المبحث الأول: مؤلفاته النثرية والنظمية.
المبحث الثاني: رسائله وفتاويه.
المبحث الثالث: وفاته.
الفصل الخامس: آثاره ومؤلفاته:
المبحث الأول: مؤلفاته النثرية والنظمية:
مؤلفاتك أحيت كل عارفة ... ما بين فقه وتأريخ عن الأمم
سارت سير ذكا في الأفق نيرة ... ونوَّرت لمداها حالك الظلم (2) .
__________
(1) – مقابلة مع الشيخ أحمد السيابي، مرجع سابق.
(2) – من قصيدة للشيخ سليمان الخروصي، في رثاء الشيخ سالم السيابي. (1/67)
صفحة 68
إن جانب التأليف لهو الجانب الأهم في حياة شيخنا السيابي، حيث قضى جُلَّ عمره في التأليف وتنقيح الكتب وتحقيقها، وكأن لسان حاله يقول:
سهري لتنقيح العلوم ألذ لي ... من وصل غانية وطول عناق
ومؤلفاته التي تزيد على الستين مؤلَّفًا لخير دليل على غزارة علمه، وسعة اطلاعه، وبالتالي تدل على خلق عظيم ونفس عالية وهمة سامية، بالإضافة إلى أنه شاعر كبير، وأديب بارع، فهو في الأدب والشعر قد ضرب بسهم بعيد المرمى، ولكن للأسف الشديد أن أغلب هذه المؤلفات لم تطبع، وبعضها ألقت عليها يد الإهمال حتى ضاعت، فأين أهل العلم وطلبته، أمَا آن لهم أن يظهروا كنوز وتراث مذهبهم الذي عبثت به يد الزمن وأخذت الأرضة تجتثه بين دفاته.
وشيخنا السيابي وعلى الرغم من الأعمال التي أسندت إليه إلا أنه لم يفتر عن التأليف والتعليم والتعلم حتى آخر لحظة من حياته، يقول د. أحمد شلبي: »ومن العجب أن الشيخ باشر كثيرًا من الأعمال العلمية والإدارية والقضائية، ولكن هذه الأعمال لم تشغل وقت عالمنا عن مواصلة الجهد للإنتاج والتأليف، فمن المعروف أنه تولى التدريس في "بوشر"، ثم عُيِّن قاضيًا بها مدة سبع سنوات 1352-1359هـ، ثم عُيِّن قاضيًا وواليًا على "نخل" ومتعلقاتها ابتداء من سنة 1336هـ، وفي سنة: 1369هـ عُيِّن واليًا على جعلان، ثم عُيِّن رئيسًا لمحكمة الاستئناف، فواليًا للسيب. (1/68)
صفحة 69
هذه مجموعة خطرة من المسؤوليات التي تقلدها والالتزامات التي تكفل بها، ولكنها لم تصرفه عن القراءة والكتابة والتأليف، وهو شيء يندر أن يحصل، فالمعروف أن الوظائف الإدارية هي عدو لدود للدراسة والتأليف، ويوم يتحمل الإنسان مسؤولية إدارية يطوي مراجعه ويضم أوراقه، ويتسلم لأعماله الجديدة، فعبد الملك بن مروان عندما آلت إليه الخلافة طوى ما كان أمامه من كتب، وقال: هذا آخر العهد بك، ولكن شيخنا تولى هذه المناصب، وأدى واجبه فيها تمام الأداء، ولكنه لم يطْوِ صفائحه، وأحسن تقسيم وقته بين العمل من جانب والمطالعة والتأليف من جانب آخر (1) .
وكنَّا عزمنا على أن نُقسم هذا المبحث إلى قسمين: عن مؤلفاته النثرية في مبحث ومؤلفاته النظمية في مبحث آخر، ولكن بعض هذه الكتب إن لم يكن غالبها قد فقدت، ويصعب التمييز فيما بينها بين النظم والنثر، وسنذكر بعض هذه المؤلفات التي استطعنا أن نتحصل على بعض العناوين، والتي اعتمدت على غالبها من المخطوط الموجودة بوزارة التراث تحت رقم: (1874) للشيخ سليمان بن خلف الخروصي، ونصفها جمعتها من هنا هناك، وأسأل الله أن أكون قد وفقت في ذلك، مع اعترافي أني لم أستطع أن نذكر بعضها؛ وذلك لعدم إسعافي بأي مصادر تذكر هذه الكتب، وإليك أيها القارئ الكريم أسماء بعض مؤلفاته:
أ في الفقه والأصول:
وفقيه مؤرخ وهو علا ... مة هذا الزمان ذو المكرمات
السيابي سالم بن حمود ... فأراجيزه من الرائعات
سيما نظمه المسمى بإرشاد ... الأنام المتبين الخافيات (2) .
__________
(1) – مجموعة باحثين: حصاد أنشطة المنتدى الأدبي لعام: 1989-1990م. (وزارة التراث القومي والثقافة، عُمان، ط1، 1990م). ص: 369.
(2) - الخصيبي ؛ محمد بن راشد. شقائق النعمان. (وزارة التراث القومي والثقافة، عُمان، ط2، 1989م). ج:3، ص: 75. (1/69)
صفحة 70
1- إرشاد الأنام في الأديان والأحكام: (1) وهو أول مؤلف للشيخ، ويقع في خمسة مجلدات نظمًا، وأي مجلد يفرغ منه يذكر الوقت الذي فرغ فيه من تأليفه ونسخه وعدد أبياته.
يقول الشيخ: »كنت أردت أن أجعله عشرة مجلدات، وأول ابتدائي فيه نظم حديث: »أيما إهاب دبغ فقد طهر«، فرأيت النظم منقادًا سهلاً غير معقد واضحًا، وللنفس سبيل إليه فوفقت« (2) .
ويشمل هذا الكتاب على جميع فروع وأبواب الفقه من معاملات وجنايات وفقه أسرة وفقه عبادات، وهو رجز مائة ألف بيت، وفوقها عشرون ألف بيت، وهذا أوله:
2- العقود المفصلة في الأحكام المؤصلة:
هذي العقود عقود الفقه والأثر ... ليست عقودًا لنا قدت من الحجر
عقود دين وإيمان منظمة ... وفق القوافي تباري خالص الدرر
كأنها الأنجم الزهر التي لمعت ... في أفقها أشرقت تحكي ضيا القمر
كأن أسطرها شهب السماء بدت ... أو هاله جمعت للأنجم الزهر (3) .
وهو نظم رجزي، ويعتبر من أحسن المؤلفات في وقتنا، ويتكون من ثلاث مجلدات، وقد شرع في تأليفه في 17 رمضان 1391هـ في أبو ظبي إذ كان قاصدًا لعلاج بعض الأمراض، وكاد أن يعجزه هذا المرض عن التأليف، ولكن همته فاقت ذلك، وحال لسانه يلهج بدعاء:
يا رب يلغني كمال النظم ... وأولني منه مزيد علمي
وقد استجاب الله دعاء عبده، وانتهى من تأليفه في 5 رجب سنة: 1393هـ بمطرح (4) .
وقد تمَّ نسخه في 22 رمضان عام: 1397هـ، والكتاب مطبوع ومتداول، ويشمل العديد من أبواب الفقه من عبادات ومعاملات وغيرها.
__________
(1) – الخصيبي؛ محمد بن راشد. شقائق النعمان. (وزارة التراث القومي والثقافة، عُمان، ط2، 1989م). ج:3، ص: 75.
(2) - الخصيبي ؛ محمد بن راشد. شقائق النعمان. (وزارة التراث القومي والثقافة، عُمان، ط2، 1989م). ج:3، ص: 75.
(4) – السيابي؛ سالم بن حمود. العقود المفصلة في الأحكام المؤصلة. (وزارة التراث القومي والثقافة، عُمان، 1402هـ/1982م، ط1). ج:3، ص: 240، وما بعدها. (1/70)
صفحة 71
3- القول المعتبر في أحكام صلاة السفر: وهو كتاب مطبوع متداول، ويتكون هذا الكتاب من جزئين فيه كل ما يحتاجه الباحث في مجال أحكام السفر.
4- فصل الخطاب في السؤال والجواب: قوافي في عدة فنون من الفقه سئل عنها، فأجاب على وزنها، وهي مخطوطة.
5- معلم الإسلام في الأديان والأحكام: قصائد مطولات حوالي 20 ألف بيت، وهو عبارة عن بحوث فقهية، في قصائد طوال، كل قصيدة منها لها بحر من البحور، ولها قافية دائمة في القصيدة كلها، فهذا الكتاب لا يتبع الأراجيز، وهو كتاب مطبوع.
6- تثقيف العقول من معاني الأصول في أصول الفقه وهو غير مطبوع.
7- إرشاد الجهول في قواعد الأصول: غير مطبوع
8- توضيح المراد من معاني الاجتهاد: غير مطبوع.
9- إزالة الالتباس عن حقائق الإجماع والقياس: في الدعاء
10- منهاج أو عنوان الوفا في الحج وزيارة المصطفى
11- إعانة الحكام بقواعد الأحكام: نظم رجزي يبلغ خمسة ألف بيت، موجود عند الشيخ الخزرجي ليطبعه في أبو ظبي.
12- وهب السماء في أحكام الدما: رجز في أحكام الدماء، يشمل على قريب من ألف بيت.
13- كشف العمى شرح ميمية الدما: على قافية الميم المنصوب، هذا مطلعها:
من فيوض الغيوب أصبحت ترمي وبسيف القضاء هيولاك تدمى.
14- مقاصد الأبرار على مطالع الأنوار: وهذه الدراسة تقع في مجلد واحد، وهو عبارة عن شرح لمنظومة في أقسام الوصية وأحكامها، وهي مطبوعة عن وزارة التراث القومي والثقافة، عُمان، 1404هـ، وتتكون من 295 صفحة، ومطالع الأنوار الفقهية من تأليف العلامة أحمد بن سعيد الخليلي المتوفي سنة: 1334هـ.
15- هدي الفاروق: وهذا الكتاب يشمل نص كتاب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب إلى عبد الله بن قبس في أمور القضاء، ويشمل نقل النص إلى قصيدة رائية، ثم شرح هذه القصيدة مع تقديم تعليقات مهمة عن التزامات لقاضي وشروط الشهود وغيرها من المواضيع المتصلة بالقضاء. (1/71)
صفحة 72
16- الديوان الكبير المسمى: "معارف الإسلام" المشتمل على القصائد الطوال في الفقه، يحتوي على أكثر من عشرين ألف بيت، كله أو جله في فقه الشريعة.
17- وفي أصول الفقه: "منتهى الوطر في أصول الفقه والأثر" نظم رجز يتكون من (720) بيت، ولكنه لم يطبع.
19- طلعة القمر في أصول الفقه: قصيدة رائية طويلة تتكون من أكثر من (686) بيت، غير مطبوعة.
20- في الميراث: قصيدة سماها: "الغيث الفائض في علم الفرائض"، تتكون من (145) بيت، ومطلعها:
إليكم بحمد الله عقدًا مكلَّلاً بجوهر علم الفرض جاء مفصَّلاً
21- قصيدة يائية في الفرائض أيضًا على قافية الباء، وهي غير مطبوعة.
22- الأصول المتبعة في أحكام صلاة الجمعة: ويحتوي على خطبه التي كان يكتبها، حتى ترك كتابتها وصار يرتجلها، والمكتوب أكثر من مائتي خطبة.
23- تيسير الوصول على شمس الأصول: مختصر شرح طلعة الشمس المسمى شمس الأصول.
ب ب - أصول الدين: قصيدة في قواعده ولوازمه، تتكون من (266) بيت، ومطلعها:
الحمد لله الذي قد أصَّلا لنا الهدى في شرعه وفصَّلا
ت ج- في التاريخ:
1- العنوان عن تاريخ عُمان: طبع في الشام على نفقة الشيخ الأمير أحمد بن محمد الحارثي (1) ، وانتشر وهو في مقدمة التاريخ، وهو كتاب فيه تعبير للحقائق وتحرير للوثائق، وإعلامًا للأمم العربية التي طالما سمعنا بجهلها لعمان، وكشفًا في الزاوية الشرقية من الجزيرة العربية، عن العرب عامة وعن شرف الإسلام أيضًا.
__________
(1) – هو الشيخ الهمام أحمد بن محمد بن عيس الحارثي، فهو غصن من تلك الأغصان الوارفة، وغير بدع إذ قربه السلطان وأدنى مجلسه منه، مخصصا عن بقية أهل عُمان، كان كريمًا بحيث لا يلحق به أحد من الزعماء في أيامه، مبذالاً في المصالح، رئيسًا عامًّا للشرقية بأمر السلطان. (1/72)
صفحة 73
2- عمان عبر التاريخ: الذي نُشر لأول مرة في بداية الستينات، ثم نشرته وزارة التراث القومي والثقافة عام: 1986م، ويتكون من أربع مجلدات، واستخدم الشيخ فيه قدراته النقدية في التحليل والربط والاستعانة للوصول إلى رؤية واضحة للتاريخ العماني معالجًا بصفة خاصة عوامل التفكك والوحدة التي مرَّ بها هذا التاريخ.
وقد اشتمل الجزء الأول من كتابه هذا بمقدمة في علم التاريخ وفائدته ورؤيته للتاريخ باعتباره داعية الأمم الآتية لسلوك طريق الأجيال الماضية، وأنه يعين على الاقتداء بالصالحين، ويرى أن علم التاريخ ينبغي أن يتضمن انتقادًا للقضايا ووزنًا للأعمال، وأنه لا غنى عنه في جميع الأحوال الدنيوية والدينية ويربأ به أن يكون أقصوصة من الأقاصيص اللاهية، ويتفق مع ما يراه ابن خلدون في أن التاريخ في باطنه نظر وتحقيق وتحليل الكائنات وميادنها.
ويبدو أن شيخنا السيابي قصد لبَّ الحقيقة حين قال: »إن المسلمين اليوم كما رأيناهم يدرسون التاريخ لكي يعرفوا أن فلان كان أشجع وأعظم بأسًا بأساليب الحرب، أو أنه أفضل من فلان، لا يزيدون على ذلك، بدلاً من أن الأفرنج يدرسون التاريخ تحليلاً للمقاصد والتفاتًا إلى المراصد، واهتمامًا بالمقاصد، لا يدرسونه أقاصيص أو خرافات أو حكايات كتسليات، بل هم الباحثون فيه المتعمقون في معانيه، والآخذون بأركان مبانيه، لا كمن إذا سمع أقاصيص الماضي يهزُّ رأسه، ويهمهم أو يدمدم، وربما يعجب من شجاع يخوض المعامع فنجا وهكذا، بل يحاولون بالتاريخ تثقيف العقول بما في التاريخ عظات بالغات وعبر صالحات« (1) .
__________
(1) – السيابي: عمان عبر التاريخ. مرجع سابق. ص: 21. (1/73)
صفحة 74
ثم يضرب لذلك مثالاً حيث يقول: »فتراهم يدرسون تاريخ سير أفراد من الرجال فتحوا الممالك، ووضحوا المسالك وبينوا الناجي من الهالك إلا أنهم لا يفهمون عنهم إلا أن فلانًا مات شهيدًا ليتنا كنَّا معه، أو أن فلانًا مات فاسقًا والعياذ بالله منه، وهم في كلا الوجهين كاذبون أو مخادعون أو مارقون أو على الأقل لا تفكير لهم في شيء إلا مجرد أحدوثة وأنه كان رجل كثير البكاء على أحد الشهداء، وكلما ذُكر ذلك الشهيد يكاد أن يتمزق أو يحترق عليه، إذ قُتل تلك القتلة الشنعاء، ومثَّل به العدو، وهكذا حتى شاء القدر، ورأى ذلك الشهيد في النوم والجنود محيطة به والسيوف تنتاشه، ويرشح دمه، وهو يجالد العدو صابرًا، وهذا الرجل البكَّاء ينظر على الحال التي عليها ذلك الشهيد، وإذا به يتقاعس ويختفي شيئًا فشيئًا، ويودُّ ان يتوارى بسرعه حتى لا يرى الشهيد فيستنصره على عدوه ,حتى هم بالهرب فقدر الله أن رآه الشهيد في أخريات الناس فدعاه، فخجل ان لا يجيبه، فأجابه من غير قلبه، فقال له: ترى الحال الذي أنا فيه، وهؤلاء الأعداء من حولي، فخذ هذا السيف الترس، وقاتلْ معي عسى الله أن يفرج عنا بك، فأخذ السيف والترس واختفى عن نظر الشهيد، ثم هرب بهما وباعهما، وأكل ثمنهما، وراح، فأين بكاؤه الذي يبكيه وأسفه الذي يتأسفه، وأين غيظه على العدو الذي يزعمه، فقد هرب حتى بالسلاح، ولم يرده لصاحبه، وإن قيل هذه رؤيا منامية، فالواقع هي برهان على ما في اليقظة، وإن أحوال الناس أغلبها هكذا (1) ، والله المستعان، ونبشرك يا شيخنا السيابي »إن يقظة المسلمين اليوم هي خير منها بالأمس، مهما كانت الأحوال سابقًا،...فهذه الصحوة الإسلامية إنما هي تباشير صبح مقبل بمشيئة الله، وإنا لننتظر وصوله عمَّا قريب إن شاء الله« (2) .
__________
(1) – السيابي: عمان عبر التاريخ. مرجع سابق. ص: 31، وما بعدها.
(2) – الخليلي؛ أحمد بن حمد (معاصر). الطريق إلى الأقصى , محاضرة. ج: 1 (1/74)
صفحة 75
4- إسعاف الأعيان في أنساب أهل عُمان: من منشورات المكتب الإسلامي، طُبع في قطر على نفقة أحمد بن علي، وهو أول كتاب طُبع للشيخ، والكتاب طُبع قبل عهد جلالة السلطان قابوس، أي قبل العهد الجديد (1) ، والكتاب تظافر عليه مؤلفات المؤلف الأصلي، وهو الشيخ سالم بن حمود السيابي، وانتهى منه في 25 شوال 1382هـ ثم الشيخ إبراهيم بن سعيد العبري الذي كان يقوم بتصحيح بعض الألفاظ وإضافة بعض الشروح والعبارات في طلب المؤلف الأصلي حينًا وعلى هامشه حينًا آخر (2) .
وقد قام بالإشراف على تصحيح الكتاب ووضع حواشيه وفهارسه الأستاذ محمد سعيد الطنطاوي يساعده بعض الأساتذة المصححين، الذين أعطوا مثل هذا الكتاب وهم على غير اطلاع عن الإباضية وتراثهم أصلاً، ويظهر هذا من تعصبهم وعدم الموضوعية والعلمية في تحقيق مثل هذا السفر النفيس.
5- الانتصاف في الرد على محشي الإسعاف: وهو رد على الذي قام بتحقيق الكتاب، فقد أغضب البحر حتى هاجت واضطربت أمواجه.
6- رعاية الأحساب بحماية الأنساب: جامع لأنساب أغلب الأمم إجمالاً وتفصيلاً، وهو أوسع من سالفه لِمَا يحتويه، وما أضاف إليه من بعض القبائل التي لم تُذكر في الإسعاف.
__________
(1) – مقابلة مع ابنه حمود، مرجع سابق.
(2) – مقدمة الناشر، إسعاف الأعيان. ص: و. (1/75)
صفحة 76
7- إيضاح المعالم في تاريخ القواسم: وهو كتاب مطبوع، وكان عازمًا على أن يجعله في جملة التاريخ العماني، حيث يقول شيخنا السيابي: »لقد كنت عازمًا على وضع تاريخ القواسم في جملة التاريخ العماني، وأن أعطيه حقه كما هو اللازم؛ لأن القواسم عمانيون رغم كل راغم، حتى جاءني من تعزُّ مخالفته، وتجمل بي موافقته أن أفصِّل تاريخ القواسم في كتاب مستقل ذلك الأمير الأجل الشيخ صقر بن محمد بن سالم القاسمي حاكم رأس الخيمة في هذا القطر العربي المجيد، فاعتذرت له أولاً بأعذار صحيحة الإسناد، ثم رأيت بعد ذلك موافقته إحياءً لمآثر الأمجاد العمانية (1) .
وبدأ فيه شيخنا أولاً بتعريف نسب القواسم، ثم بدء تاريخهم العملي ومواقفهم من القطر العماني، ثم قوتهم العسكرية، ثم الأحوال لتي حاولوا بها الزعامة الكبرى وأعمالهم العظمى، ثم أعمالهم مع الإيرانيين، ثم أعمالهم مع الدول الأفرنجية ومن بينهم الإنجليز، وأخيرًا عن أعمالهم مع الوهابيين، وهذا الكتاب اهتم به حكام رأس الخيمة وقاموا بطبعه.
8- رفع الالتباس عن حقيقة تاريخ بني ياس: وقصة هذا الكتب أنه عندما ألف عن تاريخ القواسم رأى أنه من المناسب أن يُؤلف عن تاريخ بني ياس؛ لأن بني ياس يميلون إلى الجناح الهناوي من حيث التقسيم القبلي، والقواسم يميلون إلى الجناح الغافري، وحتى لا يُقال متعصب لأحد دون الآخر رأى أنه من المناسب أن يُؤلف عن بني ياس (2) .
ولكن هذا الكتاب وللأسف فُقِد لأنه أعطاه لأحد المهتمين بذلك ليبلغه وزير داخلية أبو ظبي ولم يعلم عنه شيئًا حتى الآن.
9- إزالة الوعثاء عن أتباع أبي الشعثاء: ويحتوي هذا الكتاب على ترجمة أبي الشعثاء جابر بن زيد إمام المذهب رحمه الله، والربيع بن حبيب وحملة العلم الخمسة إلى عُمان مختومًا بترجمة عبد الله بن إباض.
__________
(1) – السيابي: إيضاح المعالم في تاريخ القواسم. المقدمة.
(2) – مقابلة مع الشيخ أحمد السيابي، مرجع سابق. (1/76)
صفحة 77
ومخطوط هذا الكتاب عبارة عن (96) صفحة، وهي مكتوبة بخط النسخ الجيد، وإن كانت تخلو من اسم ناسخها، والوقت الذي فرغ من نسخها، وفي كل ورقة من المخطوط الكتابة على صفحتيها، وعرض الورقة (32.5) سم، وطولها (20) سم، أما المكتوب في كل صفحة فهو: (12) سم، و(14) سم طولاً تقريبًا.
وقد قام بتحقيق وشرح الكتاب الدكتورة سيدة إسماعيل كاشف أستاذة التاريخ الإسلامي بكلية البنات جامعة عين شمس القاهرة سنة: 1979م، ولقد أنصفت في ذلك حيث تقول في مقدمتها لهذا الكتاب: »إن هذا الكتاب من أفضل الكتب التي تقدمها عُمان لتصحيح ما أخطأ فيه القدامى والمحدثون في فهم الإباضية، ونشأتها الأولى، ولتوضيح دور العمانيين الرئيسي في إرساء الفقه الإباضي والفكر الإباضي، وربطهم العمل بالعلم والإيمان« (1) ، فنجد الفرق شاسع بينها وبين محشي الإسعاف، فأنصفت امرأة ولم يُنصف محقق الإسعاف، فجزاها الله عن الإسلام خير الجزاء.
10- أصدق المناهج في تمييز الإباضية من الخوارج: يعرب فيه عن رجال المذهب وأعلام الدين الذين حفظ الله - عز وجل - بهم شريعته في عُمان، وهو كتاب مطبوع.
11- الحقيقة والمجاز في تاريخ الإباضية باليمن والحجاز: مطبوع.
12- طلقات المعهد الرياضي في حلقات المذهب الإباضي: مطبوع.
وهذه الكتب توضح أن الإباضية ليسوا من الخوارج، وتوضح اتجاهاتهم التي تنبع من القرآن والسنة.
وقد كلَّفت الدولة ابنه الشيخ هلال أن يجمع هذه المؤلفات الأربعة في كتاب واحد (2) .
__________
(1) – سيدة إسماعيل كاشف (معاصر). إزالة الوعثاء عن إتباع أبي الشعثاء. (وزارة التراث القومي والثقافة، عُمان، ط1، دت). ص:7.
(2) – اتصال هاتفي مع الشيخ هلال السيابي، مسقط- دمشق (1/77)
صفحة 78
13- العقود أو الجواهر المنظومة في الخيل الموسومة: سبب تأليف الكتاب إشارة في الكلمة التي وجَّهها إليه صاحب اليد البيضاء جلالة السلطان قابوس بن سعيد حفظه الله قائلاً له وهو بحضرة العائلة المالكة والوزراء في حضيرة العاديات بالسيب، وهو يطوف على الخيل رواح يوم العيد العاشر من ذي الحجة سنة: 1395هـ، قال جلالته له: »ألا تكتب لنا كتيبًا في الخيل«، أي كتابًا صغير الحجم في صفات الخيل وأصولها، والممدوح منها وغيره، فيقول الشيخ السيابي واصفًا ردَّه على جلالة السلطان: »أجبته بجواب ما كنت له أهلاً لجهلي بعلم الخيل، وما يمدح منها وما يذم، ولكني رأيت لو تعذَّرت كنت قاطعًا لرغبة سلطاننا المؤيد، حيث أحسن ظنه هو بي في هذا الصدد، وذلك كله أو جب تأييد رغبة مولانا صاحب الجلالة السلطان« (1) .
وقد قام فيه بتعريف الخيل، وأول خلق الخيل، ومما كان خلق الخيل، ثم تطرق بعد ذلك إلى الممدوح منها ومشاهير خيل العرب وركوب السلطان للفرجة والنزهة، وفي الأخير عن الخيل في نظر الشارع، وملحقات عن الإبل.
14- تنوير الأذهان بخصال أهل عُمان: لم يطبع.
د/ في العقيدة:
1- العرى الوثيقة شرح كشف الحقيقة للإمام السالمي رحمه الله.
2- نبذة يسيرة في التوحيد: نشرية طبعها وزير داخلية دبي في مبادئ التوحيد، منذ سبع عشرة سنة.
ث هـ/ في اللغة والأدب وفنونهما:
2- مفحم الأقران في المعاني والبيان: لم يطبع.
3- السر المنيع في علم البديع.
4- في النحو والصرف: كذلك قصائد على قوافي متنوعة.
5- في البديع قصيدتان في مدح النبي - صلى الله عليه وسلم - وفي المنطق قصيدة أيضا فيهما.
6- القول الحكيم في رسم القلم: نظم يحتوي على الكثر من قواعد العربية.
7- زهر الخمايل في ذكر شعراء سمائل.
8- روح الأدب العربي: قصائد مخصوصة في السلوك وفي الأئمة أولي العزم في عُمان، وفي معاني أخرى لم يسبق لها في عُمان.
__________
(1) – السيابي: العقود المنظومة في الخيل الموسومة. المقدمة. (1/78)
صفحة 79
9- قصيدة في نظم أسماء الله الحسنى، هذا مطلعها:
هو الله أنت الله ذو العز والمعلى لك الحمد والشكر الجزيل مكمَّلا
10- أغلى التحف في أصول الشرف.
ج و/ في الحديث وسيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - :
1- في الحديث: حجة المسلمين في الصحيح من حديث سيد المرسلين: جمعت فيه مراسيل الإمام جابر بن زيد والربيع بن حبيب وأفلح بن عبد الوهاب وبشير بن غانم، وشرح منه، ولكنه ضاع، إذ طلبه بعض الإخوان ليطبعه، ويقول إنه ضاع منه، والله أعلم بحقيقة الأمر.
2- مائة حديث: انتخبها من أمهات كتب الحديث، وشرحها إملاء من غير مراجعة امتحانًا للذاكرة والقريحة.
3- في السيرة: ضياء الفجر في وقعة بدر خاص بالقضية وماجاء فيها.
4- جوهر التاريخ المحمدي: يحتوي على المهم من سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - بحذف ما يقرب من الخرافات في المذهب.
هذا ما استطعنا جمعه من كتب الشيخ واستقينا هذه العناوين من بعض المخطوطات وأوراق العمل التي قدمت في المنتديات، وما ذكر كذلك في تتمة الأعلام، وغير ذلك مما ذكر لنا وورد لنا مكتوبًا.
ونتقدم بالشكر الجزيل لوزارة التراث التي أمدَّتني بالعديد من كتب الشيخ، وفي مقدمتهم السيد هيثم بن طارق آل سعيد وزير التراث والثقافة، ونسأل الله أن يجعل سعيهم مشكورًا وعملهم متقبلاً، ويجعلهم عونًا لهذا الدين.
وفي ختام هذا المبحث نذكر بعض هذه المؤلفات بعض التعليقات، نسجلها كما أوردها د. أحمد شلبي أستاذ التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية بكلية دار العلوم جامعة القاهرة، وفي ورقة العمل التي قدمها لمنتدى لعام: 1989- 1990م تحت عنوان "عُمان الأرض الطيبة ونموذج لواحد من عباقرتها"
أولاً: إن هذا الإنتاج زاخرٌ حقًّا ومتنوع وهادف. (1/79)
صفحة 80
ثانيًا: كثيرون من الناس كتبوا مؤلفات متعددة، وكانت كتاباتهم نثرية، ولكن عالمنا اتجه في أغلب مؤلفاته للشعر ليدون مؤلفاته، وهذا يدل على قدرة شعرية فائقة، فالشعر عنده وسيلة سهلة لتسجيل أفكاره، وقد كشف عن ذلك عندما ذكر في كتابه "العقود المفصلة في الأحكام المؤصلة" أن هذا الجزء يتكون من (240) صفحة يحتوي على حوالي سبعة آلاف بيت من الشعر، قدا ستغرق منه أقل من سنتين، من 17 رمضان سنة: 1391هـ إلى 5رجب سنة: 1393هـ، مع أنه كان مريضًا تحت العلاج.
ثالثًا: نلاحظ السهولة في شعر الشيخ سالم، ونلاحظ عدم التكلف، ولذلك فالقارئ لا يجد مشقة في أخذ الأحكام من هذه المنظومات.
رابعًا: التعليق الرابع هو ما كتبه عن مذهب الإباضية، فقد جلَّى هذا العلامة الشيخ سالم بن حمود هذا الموضوع، وأزال الضباب عنه، فوضَّح الفرق بين الخوارج والإباضية، وشرح الحكم عند الإباضية، ودورهم في خدمة الإسلام.
ووضَّح الإيمان عند الإباضية والفرق بين الإباضية وغيرهم في المواريث وغيرها من فروع الفقه، وذكر أنها فروق ضئيلة لا تصل إلى الأسس، كالخلاف في ميراث ذوي الأرحام وميراث المولي المعتق.
ووضح الشيخ سالم تاريخ كبير من علماء الإباضية وهو الإمام جابر بن زيد المكنى بأبي الشعثاء، كما تابع تاريخ الإباضية باليمن والحجاز، فوضَّح فيه ما كان خافيًا.
خامسًا: دراسة أحكام السفر والمسافر، وهذا الموضوع مهم للجميع، ولكن يبدو أن أهميته كانت شديدة في بلاد عُمان بوجه خاص، وفي الجزيرة العربية بوجه عام، وذلك لاتساع المسافات وطول الرحلات وكثرة الانتقالات؛ لهذا فإن الكتاب بقيمته وضح هذا الموضوع أعظم إيضاح. (1/80)
صفحة 81
وبعد هذا فإن تحليل كتب العلامة سالم بن حمود واجب ينبغي أن يتفرغ له باحثون عمانيون بإشراف رشيد، وسيجدون في هذه الكتب أجمل الثمرات وأنظر الزهرات (1)
المبحث الثاني: رسائله وبعض آرائه:
كان للشيخ مراسلات فيما بينه وبين أشياخه عندما كان طالبًا ومتعلِّمًا أو بينه وبين الناس عندما كان قاضيًا وواليًا، حيث يقول: »أغلب من عاصرناهم بيني وإياهم مراسلات طويلة نظمًا ونثرًا، لو جمعت بلغت ديوانًا متوسط الحجم« (2) ، ولكن للأسف الشديد إن القائمين بذلك لم يهتموا بها حتى تلفت وفُقدت، ولم أستطع الحصول على أي من هذه الرسائل، حتى نثبتها في بحثنا هذا.
كما أن للشيخ السيابي باعًا طويلاً في الفتيا، حتى أنه في الثمانينات من القرن الماضي كانت معظم المسائل الفقهية الموجودة في الصفحة الدينية بجريدة "عُمان" يجيب عنها فضيلته.
وكان يرحمه الله له بعض الآراء في المسائل الفقهية (3) ، وكان يعتمد في فتاويه على أقوال علماء المذهب وبعض المشايخ المعاصرين (4) .
ومن ذلك أنه كان يذهب إلى أن خطبة الجمعة خطبة واحدة حتى إنه لما أم الناس في مسجد الخور لصلاة الجمعة بعد وفاة الشيخ العبري واعتذار الشيخ سعيد بن خلف, كان يخطب بخطبة واحدة (5) .
__________
(1) – شلبي؛ د. أحمد (معاصر). حصاد أنشطة المنتدى الأدبي لعام: 1989-1999م، مرجع سابق. ص: 371، وما بعدها.
(2) – مخطوط بوزارة التراث والثقافة، عُمان، مرجع سابق.
(3) – ومن ذلك قوله في العملات النقدية في عصرنا هذا تحل محل الذهب والفضة أم لا؟ وكقوله في خطبة الجمعة بخطبة واحدة ورأيه في التبرع بالدم.
(4) – مقابلة مع الشيخ أحمد بن حمد الخليلي في جامع السلطان قابوس بروي، يوم الأحد@.
( ) مقابلة مع الشيخ سعيد بن خلف الخروصي 29 / ربيع الأول /1426 هـ - 8/5/2005 , أجرى المقابلة الأخ المعتصم بن خالد الخروصي . (1/81)
صفحة 82
واختلاف العلماء رحمة بالعباد، وعلى الإنسان أن يتَّبع الحق ويتمحَّصه، ويكون على مبدأ لا يزعزعه عنه شيء إذا وجد الحق فيه، ولنذكر بعض هذه الفتاوى التي كانت تتبادل بينه وبين المشايخ، سواء كان هو المفتي أو المستفتي، سنوردها في الملاحق.
المبحث الثالث: وفاته:
وبعد حياة مليئة بالإنجازات والمآثر والعبر جاء اليوم الذي لا بدَّ منه ليدبَّ السكون إلى تلك الشعلة الوقادة ويًسلم الروح إلى بارئها، مصير كل مخلوق على وجه الأرض، { كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ } (الرحمن:26-27):
فكل ابن آدم ولو طالت سلامته يومًا على آلة حدباء محمول.
والإنسان المحظوظ من خُتم له بخير، مثل ما كانت خاتمة شيخنا رحمه الله - عز وجل - ، بوفاته انفرطت لؤلؤة ثمينة من عقد العلماء، ووفاة أمثاله ليس بالشيء الهيِّن للأمة إذ رُزئت في فقده، فهو المصاب الجلل للأمة والخطب العظيم للذين عرفوا قدر هذا العالم ومن في مثله:
لو كان يشترك البقاء لغادرت ... غيل المنية أنفس الأبرار
يا صرعة الموت انتقيت خيارنا ... وتركت أمتنا بغير خيار
ناهيك من إطفاء أنوار الهدى ... غشى الظلام وضلَّ فيه الساري
ناهيك من إعدام أحبار التقى ... فالدين لا يبقى بلا أحبار
ناهيك من قعص السراة فإنهم ... سور لدين المصطفى وسواري
ناهيك من هلك الكرام فما بقي ... رسم الكرام ولا حماة الجار
ويلاه أوحشت الديارى من الألى ... كانوا خلائف سنة المختار
أو كلما نجمت فضيلة سيد ... قدَّرتها وترًا من الأوتار
أسرعت في الأغواث والأقطاب ... والأعلام والأبدال والأخيار
ويلاه أين سماؤها ونجومها ... وشموسها ذهبوا كأمس الجاري (1) .
__________
(1) –مرثية الإمام السالمي , ديوان أبي مسلم مرجع سابق صـ400 (1/82)
صفحة 83
قد كانت وفاة شيخنا العلامة سالم بن حمود السيابي وفاة المجاهدين المرابطين، لقد توفي رحمه الله وهو جالس على الكرسي وبين يديه كتاب، وكان ذلك في بيته في أفضل أيام الأسبوع عيد المسلمين يوم الجمعة 18 من رجب الأصم سنة 1414هـ الموافق لـ 31 من ديسمبر (كانون الأول) سنة 1993م (1) ، وكان ذلك قبيل صلاة العصر.
ذهب إليه بلحظات قبل موته أحد النساء الموجودات في البيت حاملة معها شيئًا من الفاكهة، فلما كلَّمته، لم يردَّ عليها، إذ بروحه قد فارقت الحياة، وفاضت إلى بارئها (2) ،
قد كان موته صدمة كبرى وخطبًا جللاً للذين عرفوا الشيخ وتعلموا على يديه، وقد رثاه كبار شعراء عُمان.
ونُعيت وفاته في وسائل الإعلام تقديرًا لمكانته، وأبرق المقام السامي لجلالة السلطان قابوس المعظم معزِّيًا في وفاته عائلة الفقيد وكل من عرفوه (3) .
فمات الشيخ وهو سليم لا يشكو من أيِّ مرضٍ، حتى أنه كان قبل وفاته بيوم واحدٍ يتفقد مزارعه وأمواله، فمات وهو سليم عقلاً وحواسًا وجسمًا، ولله الحمد، ودُفن رحمه الله بسمائل، ببستانه بالقرب من قبر الشيخ خلفان بن جميل السيابي، يفصل بينهما جدار (4) .
فضمَّت تلكم الأرض أجساد هؤلاء الأبطال العمالقة الذين أتوا على الدنيا فلم يتركوها كما وجودها، بل بذلوا ما في وسعهم لخدمة الدين وإنقاذ الأمة من براثن الجهل، فطيَّب الله مثواهم وأدخلهم فسيح جناته.
خاتمة
وبعد أن منَّ اللهU علينا بكتابة هذا البحث الذي نسأل اللهI جلَّت قدرته أن يجعله في ميزان حسناتنا، وأن ينفع به الأمة، وان يكون فاتحة إلى كل خير.
أذكر أهم ما استنتجته من هذا البحث، عن سيرة شيخنا سالم السيابي رحمه اللهI.
1- ينسب الشيخ إلى قبيلة آل المسيب، وهي قبيلة مشهورة في عُمان، ولم يكن في هذه القبيلة علماء آنذاك، إلا الشيخ خلفان بن جميل السيابي.
2- الذي يترجح أ الشيخ ولد في غلا سنة: 1326هـ.
3- كان رجلاً جسورًا يتكلم بصراحة ولا يُبالي.
4- جمع بين تواضع العالم، وخشونة المحارب.
5- في بداية الأمر اهتم بنفسه، فنشأ عصاميًّا في تكوين نفسه، وكان آية في الحفظ والذكاء.
كان رجلاً شُجاعًا، وقد وصفه الإمام الخليلي بأنه ممن شهد له الشهود، ويوكل في مهمات الأمور.
6- كان الشيخ غيورًا على الدين من أن يمتهن، وإن تقع الأمة في براثن الحداثة التي صار الناس لا يُفرقون فيها بين الحق والباطل.
7- نشأ الشيخ في حب العلم والعمل، والذي جعل اهتمامه بالعلم أكثر ثراء والده، إذ أراحه من العمل والبحث عن لقمة العيش الصعبة آنذاك.
8- لم يعتمد الشيخ على فطنته ونجابته فحسب؛ بل تتلمذ على أيدي مشايخ أجلاء.
9- كانت للشيخ مكانة علمية مكان العالم الفقيه، وكان المؤرخ النقاد، وكان العالم اللغوي، والشاعر الجزل، والعالم بأسرار العربية.
10- في سن مبكر، ولِمَا تميز من فطنة ونجابة أُختير كمدرس في بوشر لأولاد الخليلي.
11- تولى القضاء في عدة أماكن، فكان لا تأخذه في الحق لومة لائم.
12- تنوعت مؤلفات الشيخ ما بين كتابة في الفقه أو في التاريخ والحديث إلى الكتابة في الشعر والأدب.
13- هنالك بعض الفتاوى للشيخ ذكرنا بعضها، وبعضًا لم نذكرها حرصًا منا وإشفاقًا على الغير.
14- المتتبع لحياة الشيخ العلمية يرى أن الشيخ لم يُفارق الحياة العلمية حتى في آخر لحظات حياته، إذ توفي وأمامه الكتاب، ولم يشكو من أيِّ مرض.
15- وأخيرًا نرى أن الشيخ عاش عصرًا استثنائي، طبع معظم سنوات القرن العشرين الذي وُلد الشيخ في عقده الأول، وغادره في عقده الأخير، وهو عصر التحولات الكبرى في تاريخ عمان، وانتقالها تدريجيًّا من دولة القبائل إلى دولة المؤسسات.
هذه أهم النتائج المستخلصة من البحث.
وبعد أن رأينا أن عُمان قد ربَّت أمثال هؤلاء، أَمَا آن لنا أن نظهرهم إلى الوجود، ونحيي ما خلفوه لنا من تراث عظيم ومؤلفات تثري مكتباتنا الإسلامية عمومًا والعمانية خصوصًا، وأن نسير على ما ساروا عليه من حب الدين والعلم، والدفاع عنهما، والتقدم لهذا الأمة، ورفع راتها.
في الختام أسأل اللهU العلي القدير أن يوفقنا جميعًا لقول الحق والعمل به، وأن يجعل عملنا خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينجينا من كبوات الأجسام وزلات الأقدام، وعثرات الألسن والأقلام، وأن يفرج كرب المكروبين، ويطلق سراح مشايخنا المسجونين، وينصرنا على أعداء الدين، وصلى الله على مسك الختام وبدر التمام محمد بن عبد اللهe خير الأنام وآله ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الحشر والميعاد.
يوسف بن صالح بن عبد الله العامري
معهد العلوم الشرعية: روي- مسقط.
الملاحق
1- أسئلة من الشيخ سالم بن حمود إلى شيخه حمد بن عبيد يستفتيه.
2- سؤال من الشيخ سيلمان بن خلف الخروصي.
3- سؤال من الشيخ سيف بن محمد الفارسي إلى الشيخ سالم.
__________
(1) - مخطوط بحوزة الباحث ملك: محمد بن زهران الرواحي.@
(2) - مقابلة مع الشيخ حمود السيابي، مرجع سابق.
(3) - مخطوط بحوزة الباحث لسعادة الشيخ حمود بن سالم السيابي.
(4) - مقابلة مع عبد الملك بن سالم ابن الشيخ. يوم الثلاثاء 7/12/2004م، في بيته. (1/83)
صفحة 84
4- سؤال من ناصر بن سليمان البوسعيدي إلى الشيخ سالم السيابي.
5- تقريض من الشيخ سالم السيابي على كتاب نيل الأوطار الذي أهدي إليه.
6- مرثية الشيخ سعيد بن خلف الخروصي في الشيخ سالم السابي.
7- مرثية الشيخ سليمان بن خلف الخروصي.
8- مرثية ابنه سعادة الشيخ هلال بن سلم بن حمود السيابي.
9- مرثية الشيخ سليمان بن مهنا الكندي.
10- صورة لحكام دول مجلس التعاون الخليجي يكرمون العلماء.
11- صورة الأولى: الشيخ سالم وبجانبه أصدقاؤه من المشايخ.
12- الصورة الثانية: يظهر الشيخ سالم مع بعثة الحج العمانية.
13- الصورة الأولى: بيت الشيخ سالم في سمائل.
والصورة الثانية: قبر الشيخ سالم في بستانه بسمائل.
14-
سؤال من ناصر بن سليمان البوسعيدي إلى الشيخ سالم السيابي (1) .
وهذا السؤال حصلنا عليه مع أنه لم يخط بخط، ولا أحد يحفظه إلا شخص واحد (2) ، وقد ذكر الشيخ حمد بن سيف السؤال، ولكنه لم يذكر الجواب، وأراد أن يستدرك ذلك، ولكن المنية عاجلته قبل كتابته، والسؤال وجوابه كما يلي:
صن النفس واحملها على غير ما تهوى ... فطاعتها لا شك كره لك البلوى
وإياك والدنيا ولذة عيشها ... فإن غذاها السم لو طعمها حلوى
وإياك ومال المسلمين فإنه ... لمثقال ذرٍّ منه أثقل من رضوى
واصبر فإن الصبر عزٌّ لأهله ... عواقبه أحلى من المن والسلوى
فعمرك مقبوض ومالك نهبة ... وسعيك مكتوب وخردلة تهوى
وفي رجل أوصى لأولاد أخته ... بمثل نصيب أمهم فاسمع الدعوى
وكان له أختان غير خلائص ... كذلك زوجات ثلاث خذ الفتوى
وأولاد عم من أب عصباته ... ثلاثة أشخاص أخ الفضل والتقوى
أيا سالم إن المكارم والأولى ... تكون بنيل العلم قد صح ما يروي
فإني لولا ضعف حالي وقوتي ... لما جرت فوق اليعبلات (3) إلى نزوى
__________
(1) – أستاذ السيد حمود بن علي البوسعيدي.
(2) – هو الشيخ سليمان بن مهنا الكندي، حيث أخذ القصيدة من الشيخ سالم، ومكثت عنده ثلاثة أيام، فحفظها، وقد أملانيها شفهيًّا. (1/84)
صفحة 85
هناك إمام المسلمين وعزهم ... رخى شرفًا فوق السماكيْن واللعوى
ندين على رغم الحسود بدينه ... إذا سلَّ سيف الحق كنَّا له عضوى
لقد ملأ الآفاق عدلاً وهيبة ... وجندل بصمصام من ركب العشوى
إليك سؤالاً في الفرئض قلته ... وإن كان من باب العويص فلا غروى
أفدني جوابًا يا أخا العلم والنهى ... بما قد أراك عالم السر والنجوى
فهذا وصلِّ الله ما بارق بدا ... على أحمد هادي الورى معدن التقوى
وعلى الآل والأصحاب مافاه ناطق ... صن النفس واحملها على غير ماتهوى
الجواب للشيخ سالم بن حمود السيابي
هو العلم للباقي الأولى الغاية القصوى ... فقم لاكتساب العلم واصحب التقوى
ولا تبقي بعد العلم سعيًا ومكسبًا ... فما بعده إلا مطاوعة الأهواء
هو العلم وهب الله للمرتضى له ... فأعظم به شأنًا وأصدق به دعوى
هو العلم نور الله في الكون يهتدي ... به كل حيران إذا خشي الفعوى@
وللعلم قوم تطمح تعيش نحوهم ... وتركض سيرًا لا تهاب به الرحوى
فخلي المعيدي الذي يذكرونه ... وهل أثر كالعين عند أولي الدعوى
ولا تغترر يومًا بمثلي ومل إلى ... أولي العلم واطلب المهم للفتى الألوى
وعرج على حرٍّ فقيه مهذب ... خبير بفصل الأمر قد عرف الأدوى
وإن رمت مثلي رمت خلوا معطلا ... يضن بك الناس ضنون النفس التي تروى
وكيف وعن الدهر ترنو إليك في ... سبيلك فانظر من به تبلغ الجوى
ولولا الجفاء لم أبدي شيئًا وحالتي ... عن الجهل لم تخرج ولم تنطق الخزوى
ولكنني أبدي الذي أنا أهله ... دليل على فهمي لمن فهم الفتوى
واسأل وهاب الهداية رشد ... فافهم رمز القوم تكتبها القذوى
ومن كان أحيا سهم وارثه فقل ... أراه إليه مدَّ في قصده الصبوى
إذا قبل الباقون فلا مهيمنين ... قواعد أهل العم أنضارها كفوا
فريق إلى أصل الحديث يرده ... إلى الثلث حكمًا عنهم هكذا يروي
فما زاد مرفوض وباقيه ثابت ... على ذلك الأصل الذي يدفع الشكوى
فيا ابن الكرام الغر والسادة الألى ... لهم شرف يسموا على زحل شأوا
رميت بسهم يفلق الهام طعنه ... وجربت عظمًا يحسم اللعب واللهوا (1/85)
صفحة 86
وحركت مني ساكنًا في جموده ... وخيرت من أوكاره ذلك الصعوا
وحقك ما أسا اللائي في أصولها ... وما أشرف الآمال إن وجهت نزوى
لك الله من عبد أطاع وليه ... فأنزله عرشًا سما النثر والعبوا
ولله قوم لله تجردوا ... وهاموا بمجد النور واستغراوا الطاوا
ولم يبرحوا عن سيرة الصفوة اللائي ... أناروا دياجي الكون بل أخجلوا النوا
عليهم سلام الله في كل مركز ... أقاموا به عدلاً لهم حفظة سألوا
ونادوا رجال الله كونوا بجنبنا ... وعن راية الإسلام لا تقيلوا الصمدا
بمثلهم تحيى البلاد ويسعد العباد ... ويرتاح الذي رامهم حذوا
بمثلهم الأيام تذخر للورى ... فيعلوا منار الحق يتسع المثوى
فهذا وصل الله ما بارق جدا ... على أحمد الهادي الورى معدن التقوى
ومع الآل والأصحاب ننجوا برحمة ... إلى أبد الآباد يوم السماء تطوى (1/86)