صفحة 1
بحث تخرج: سيرة الشيخ محمد الرقيشي لزاهر الحوسني
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] سيرة الشيخ محمد الرقيشي
إعداد: زاهر بن عبد الله بن هلال الحوسني
1423هـ/2003م
? "استحق بكل شرف وجدارة أن يُلّقَب" (1) :-
(( بأمير الشراة )) الإمام السالمي - رحمه الله –
? .... (أقول : إنه أخذ بأقوال أولئك الجهابذة الأعلام ونحن نقصر عن تتبع أقوالهم وهم القدوة ، وأفعاله كلها خارجة على وفق فتواهم ، ولم نرها خارجة من الحق ....) الإمام الخليلي – رضي الله عنه –
? ( اليوم وجدنا عالم الدماء ) الإمام الخليلي – رحمه الله –
? (... وقد تسلسل العلم في ذريته وكان مِن بين العلماء الأفذاذ الكبار المتأخرين ذلك الهزبر الضرغام الذي كان شريح زمانه في القضاء وهو الشيخ محمد بن سالم الرقيشي - رحمه الله)
سماحة الشيخ بدر الدين أحمد بن حمد الخليلي – حفظه الله –
? ينقاد للحق ولا يأ باه :. ويقمع الباطل إذ يلقاه
قد باع نفسه في مرضاة الأحد :. لا يرهب الجور أقام أو قعد
يأخذ من القوت ما أوصلا :. له إلى عبادة لذي العلى
الشيخ العلامة محمد بن شامس البطاشي – رحمه الله –
إهداء
إلى من ربياني صغيرا، وإلى كل من سعى لتربيتي كبيرا....
إلى أولئك الأشاوس الأبطال
وإلى أولئك الشهداء الأبرار.
وإلى من اقتفى سيرة أولئك الشجعان،
الذين أكرموا بنيل شهادة الرضوان في سبيل الملك الديان.
وإلى كل قطرة دم نزفت في سبيل رفع راية أهل الحق وإلى روح ذلك الشهيد الذي انتقل إلى باري نسماته وقسماته
إلى الشيخ التقي محمد بن سالم الرقيشي رضي الله عنه وأرضاه
وجعل الجنة مستقره ومأواه.
أهدي هذا العمل
زاهر الحوسني
شكر واعتذار
ورد في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من لم يشكر الناس لم يشكر الله) (2)
__________
(1) من كاتب البحث
(2) رواه الترمذي وأبو داود والبخاري في الأدب المفرد : حديث حسن صحيح، وصححه أيضا ابن حبان. (1/1)
صفحة 2
إن قلم الكاتب ليعجز عن التعبير عما تكنه نفسه من شكر وثناء وامتنان لتلك الثلة المؤمنة،والنخبة الطيبة المباركة من الإخوة البررة الكرام الذين كانوا نعم المُعينون، ونعْمَ الرفقة الصالحة الذين ضحوا بأوقاتهم وجهودهم الجبارة في إخراج هذا البحث على هذه الصورة، والذين كانوا رفقاء دربي في حلي وترحالي لإجراء المقابلات، وطباعة البحث ومراجعته.
فلهم مني جزيل الشكر والإحسان،وأخص من بينهم: أخي حمود الحوسني والأخ/خالد بن عبدالله الحوسني، وأسأل الله أن يعوضهم خيرا وأن يبارك فيهم وأن يشرح بالهدى صدورهم.
كما أنني لا أنسى أشياخي الكرام الذين كانوا سبباً في دخولي هذا الصرح العلمي الشامخ وكانوا نعْم المربون والموجهون.
وأشكر شيخنا ناصر بن سليمان السابعي الذي أحسن الظن بي في الكتابة عن الشيخ الرقيشي، فجزاه الله ألف خير. وإن أنسى فلا أنسى مشرف البحث الشيخ راشد بن علي الدغيشي الذي ما فتئ في توجيهي، وإرشادي بملاحظاته النيرة السديدة التي أعانتني على إخراجي هذا البحث.
والشكر موصول للشيخ سليمان ابن حبر علامتنا بدر الدين الخليلي-حفظه الله- على تشرفي بمناقشته لهذا البحث فجزاهم الله ألف خير.
وأشكر كل من أشار لي بيده أو لسانه ليدلني على أي معلومة عن هذا البحث، وأخص بالشكر ذرية آل الرقيشي فجزاهم الله خيراً، فثناء باهٍ باهر وشكر زاهٍ زاهر لكل هؤلاء جميعا،كما أعتذر من كل تقصير بدر مني لأولئك جميعا على أخذ جزء كبير من أوقاتهم،وعلى كل هفوة أو زلة كانت مني،فهم أهل للعفو والإحسان .
وأعتذر للمطلع على هذا البحث أن يصلح ما رآه من خطأ أو خلل أو زلل في هذا العمل .
بسم الله الرحمن الرحيم
"مقدمة"
الحمد لله الذي أكْرَمَ عباده وأولياءه بنيل شهادته ورضوانه، والصلاة والسلام على خاتم أنبياءه وعلى حزبه وأتباعه إلى يوم معاده. أما بعد (1/2)
صفحة 3
فصدق الله القائل في محكم كتابه، وبيانه { ... ولا تحسبنَّ الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياءُ عند ربهم يرزقون فرحين بما ءاتهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون (1) }
إنَّ المتتبع لسيرة سلفنا الكرام، والمستقريء لسيرتهم ليجد العجب العجاب في تضحياتهم وفدائهم، وتفانيهم في خدمة هذا الدين القويم الذي قام على أعناق رجال أبطال ورفعوا راية أهل الحق، وأخمدوا ثورات البغاة المعاندين الذين عاثوا في البلاد جوراً وخسفاً، وجعلوا أعزة أهلها أذلة؛ حتى مكَّنَ الله في كل زمن من الأزمان من انتشال هذه الأمة من الضياع على أيدي عباد مخلصين مجاهدين ضحوا بالغالي والنفيس في سبيل رب العالمين حتى نالوا الفراديس العلىعند المولى عز وجل.
« باعوا بباقية الرضوان فانيهم كأنَّ لذة هذا العيش ثعبان»
وإننا نجد أنَّ من أعظم الشخصيات التي كان لها اليد العليا والقدم الراسخة في بناء الدولة، قد نساها أو تناساها التأريخ وظلَّ الغبار متراكماً عليها، ومن ضمن هذه الشخصيات البارزة ذلكم العالم الجليل والفاضل النبيل الشيخ الشهيد محمد بن سالم الرقيشي عليه شآبيب الرحمة والرضوان- وذلك عائدٌ إلى يد الإهمال الذي أهملناه تجاه علماء هذا المذهب الشريف الذي سار عليه أصحابنا من عهد النبي صلى الله عليه وسلم.
... إنَّ ذكر سيرة أمثال هذه الشخصيات النادرة الوجود تحيي في النفوس ذكريات قد ترسبَّ عليها غبار الزمن وشرب منها الدهر وأكل، ومثل هذه الشخصيات تشجع هذا الجيل الصاعد للإقتداء بأولئك الأشاوس الشجعان والتشبه بسيرتهم.
« تشبهوا إن لم تكونوا مثلهم إن التشبه بالكرام فلاح»
__________
(1) - سورة آل عمران الأية (169ـ 170) . (1/3)
صفحة 4
وإنني لأعترف بالتقصير في استقصاء وإبراز شخصية هذا البطل الهصور، وذلك لأنّ الكاتب ليس أهلاً للكتابة عن أمثال هؤلاء الشجعان، ولقلة ما كُتبَ عن هذا العالم الشهير سوى ما بقي من ألسنة الناس الذي يتناقلونه فيما بينهم، فحاولت قدر طاقتي أنْ أجمع ما تفرق من قصص وأحداث لأحاول أن أوفي ولو بجزءٍ بسيط لحقّ هذا الشيخ الشهيد، فأسال الله القبول والتسديد.
وبقي أن أشارك من سبقني في توجيه النداء إلى أبناء هذا المذهب العزيز في إبراز أمثال هذه الشخصيات، لنعرف سيرتهم ونسير على خطواتهم.
وقد قسمت هذا البحث إلى ثلاثة فصول: وكل فصل يشتمل على مباحث والخطة كالآتي:
مقدمة
الفصل الأول:[حالة عصر الشيخ]
ويشتمل على ثلاثة مباحث:
? المبحث الأول: الحالة السياسية.
? المبحث الثاني: الحالة الاجتماعية.
? المبحث الثالث: الحالة الاقتصادية.
الفصل الثاني:[سيرته الشخصية]
وينقسم هذا الفصل إلى ستة مباحث:
? المبحث الأول: اسمه ونسبه.
? المبحث الثاني: مولده ونشأنه.
? المبحث الثالث: صفاته الخَلْقية و الخُلقية.
? المبحث الرابع: ثناء العلماء عليه.
? المبحث الخامس : أعماله.
? المبحث السادس: استشهاده.
الفصل الثالث [سيرته العلمية، وآثاره]
ويشتمل على ثلاثة مباحث:
? المبحث الأول: طلبه للعلم، وشيوخه وتلاميذه: وينقسم إلى ثلاثة مطالب :-
- المطلب الأول: طلبه للعلم.
- المطلب الثاني: شيوخه.
- المطلب الثالث: تلاميذه.
? المبحث الثاني: آثاره العلمية.
? المبحث الثالث: أحكامه التي حكم بها.
الخاتمة
وقد ذكرت في الخاتمة أبرز النقاط التي توصلت إليها من خلال هذا البحث المتواضع، وبعدها أدرجت بعض الملاحق المتعلقة بالبحث. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله ومن اقتفى أثرهم وسار على نهجهم إلى يوم الدين. وأخر دعوانا أنْ الحمد لله رب العالمين.
في ليلة الخميس الخامس من ذي الحجة 1423هـ (1/4)
صفحة 5
الموافق 6/2/2003م. في حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم الآمن زاهر بن عبد الله بن هلال الحوسني
المدينة المنورة
الفصل الأول:[حالة عصر الشيخ]وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: الحالة السياسيَّة:
إن الحالة السياسية التي سادت ذلك العصر أهلت شيخنا لأن يكون بطلاً يقتحم لجج الباطل ويدحرها بشجاعته و قوته، و كان كثيرًا ما يردد عبارته المشهورة التي تدل على الحالة التي كانت سائدة في ذلك الوقت حيث كان يقول (( ولدت في دخان الحرب )) حينما يكون متحمسًا في الغيرة لله لقمع البغاة، ولنتتبع أخي القاريء الحالة السياسية التي كانت مسيطرة على ذلك العصر منذ أن ولد الشيخ حتى استشهاده، وقد ذكرنا الحالة السياسية من أجل معرفة الظروف المحيطة لنشأة ذلك الشيخ، وصراعه في خضم تلك الأحداث التي كابدها ولقي منها مرارة الحياة، ولنرى أيضا كيف استطاع الشيخ أن يقاوم كل هذه الصعاب و التحديات التي واكبت ذلك العصر. ومما هو معلوم أن دُول الاستعمار الغربية عامة وبريطانيا خاصة سعت لتفريق هذه الأمة الإسلامية بأي صورة من الصور، وأخذت بالقاعدة المشهورة عندهم (( فرِّقْ تسُد )) فسعوا إلى التفريق بين هذه الأمة بالقوة والدسائس والمكر والرشوة، فقد قسمت عمان إلى قسمين: عمان الداخل وعمان الساحل، فالقسم الداخلي يقوده لإمام وصحبه بعدله وحكمته السياسية والشريط الساحلي يحكمه السلطان وإن هذا التقسيم الذي فرضته بريطانيا لم يكن يلقى قبولاً وموافقة من الشعب العماني إذ لم يكن ذلك التقسيم على عامل ديني أو لغوي أو عنصري أو يتصل بأماني شعب البلاد جميعه؛ لأن عمان من السهل إلى الجبل ومن الساحل إلى الصحراء أرض واحدة، وشعبها واحد، يتكلم لغة واحدة، ويدين بدين واحدٍ ويربطه تأريخ مشترك، وأمانٍ مشتركة، وأن العامل الوحيد الذي أدّى إلى هذا التقسيم للشعب الواحد و البلد الواحد هو الاستعمار البريطاني. (1/5)
صفحة 6
ولنبدأ الآن بذكر الأحدث التي وقعت في حكم السلطان فيصل بن تركي، (1305 – 1331 هـ ).
بعد موت أبيه السلطان تركي بن سعيد (1) سنة 1305 هـ ، تولى ابنه فيصل الحكم ، وكان أوسط إخوته وأحسنهم سياسة و حزمًا ، لم يرض هذا السلطان أن يقتصر حكمه على مناطق معينة بل كان يأمل أن تكون له دولة مستقلة ، ولذا حاول أن يجمع حول رايته جميع العمانيين ، فكان يتودد لرؤساء القبائل الذين كان على رأسهم العلامة الولي المحتسب صالح بن علي الحارثي (2)
__________
(1) تركي بن سعيد بن سطان البوسعيدي ( 1871 _ 1888 م ) عادت السلطنة سيرتها الأولى بعد انحلال دولة الإمامة العزانية، وفي هذه الفترة اشتعلت الحروب القبلية بين الهناوية و الغافرية وزحفت تلك القبائل إلى مسقط عدة مرات و بقي السلطان على عرش عمان إلى عام 1305 هـ. انظر: العنوان عن تاريخ عمان – سالم بن حمود السيابي – ص 339 وما بعدها. " مرجع سابق ""بتصرف "
(2) الشيخ صالح بن علي بن ناصر بن عيسى الحارثي ولد في المضيرب بولاية القابل من المنطقة الشرقية 1250 هـ. توفي والده قبل ولادته فنشأ يتيمًا في كنف جده عيسى، ودرس مع العلامة المحقق سعيد بن خلفان الخليلي في سمائل، وارتحل إلى الصومال واستفاد ممن كان هنالك من العلماء و كان يلقب – رحمه الله – بالإمام المحتسب لأنه من المحتسبين لإظهار الحق و إشهار الصدق أمرا بالمعروف ناهيًا عن المنكر. واستشهد – رحمه الله – في 6 ربيع الآخر 1314 هـ في بلد الجيلة. انظر: (السيرة الذاتية للشيخ الولي صالح بن علي) محمود بن عبد الله الصقري.." بحث تخرج " – ص 5 - 24 - 75 / 1423هـ – 2002م “ بتصرف “ (1/6)
صفحة 7
وكان هذا السلطان يطلق على نفسه لقب إمام المسلمين ولكن القبائل العمانية علمت ضعف السلطان ومحاولته انتهاج نهج أبيه في إرضاء القبائل العمانية وكسبهم إلى جانبه، وتخلى عن فكرة الهيمنة على القبائل والاستقلال بالحكم ، ولم تمض فترة طويلة على هذه السياسة حتى دبت الخلافات والنزاعات القبلية تتفاقم وتشتد ففي سنة (1309هـ / 1891م) انفجر الصراع القبلي في وادي سمائل بين الهناوية والغافرية، واستمر نطاق هذه الحرب حتى سنة (1311هـ /1893م) (1) .
__________
(1) انظر: مدرسة الإمام الخليلي _ إبراهيم الشكيلي ص: 6" مرجع سابق" بتصرف" . (1/7)
صفحة 8
ولم تقتصر هذه الثورة على وادي سمائل فقط بل شملت جعلان ، ومناطق الباطنة، ولم يستطع السلطان أن يخمد هذه الحرب وذلك لعجز موارده المالية، ومما يدل على ذلك توقفه عن دفع المخصصات المالية لشيوخ القبائل ، وبيعه السفينة المسماة ( بدار السلام ) في بمباي وفي خلال هذه الأوضاع تدخلت بريطانيا تدخلا مسلحا؛ لحماية عرش السلطان ، وفي سنة (1313هـ / 1895م) بدأ السلطان يتردد إلى زعيم آخر من زعماء الحرث، ليكون على رأس الزعامة وذلك نكاية بالشيخ صالح بن علي الحارثي، غير أن الشيخ صالح بن علي علم بذلك ووجه رسالة إلى السلطان في هذا الشأن ولم يلق ردا عليها ، وقام بعد ذلك بتوحيد القبائل لإنشاء تحالف قبلي ضد السلطان فتجمعت معه قبائل الحرث ، وبنو بطاش والعوامر، والحبوس، وبنورواحة ، وبعض القبائل المجاورة للرستاق والباطنة ، وتلقى هذا ا لتجمع دعما من السلطان حمود سلطان زنجبار، (1)
__________
(1) هو السيد حمود بن حمد بن سعيد بن سلطان البوسعيدي تولى عرش زنجبار يوم 17 من ربيع الأول عام 1314هـ وتوفي سنة 1320هـ - 1922م واستمرت سلطته ست سنين وستة أشهر سافر إلى الحج عام 1889م وجاور بيت الله الحرام ثلاث سنوات . انظر : جهينة الأخبار في تاريخ زنجبار_ سعيد بن علي المغيري ص: 401 ، ط؛ الرابعة 1422هـ الموافق 2001م وزارة التراث والثقافة سلطنة عمان .. (1/8)
صفحة 9
وذلك عندما زاره الوفد العماني المكون من عدة قبائل وأمدهم بأسلحة وذخائر، وواجه السلطان حمود تحذيرا من الحكومة البريطانية نتيجة لدعمه للقبائل العمانية ولكن كان هذا التحذير متأخرا عن وقته،وقام جيش الشيخ بالهجوم على مسقط ودخلها عبر ممر وادي سمائل فلما علم السلطان بذلك عرض عليهم التفاوض وقدم لهم الرشوة ظنا منه أنهم سيرجعون ويقبلون الرشوة ، ولكن الجيش خيب آماله واستولى على أهم المراكز في مسقط، فنجا السلطان فيصل من الموت أوالأسر بأعجوبة فكان ذلك الهجوم درسا بليغا ، وعلى إثر هذا قام السلطان بتقريب القبائل الغافرية وحرضهم على قبائل بني هناءة وحصلت مناوشات بين الجانبين ولكن لم يكن لها أثر.
بعد ذلك قضى السلطان فيصل معظم الفترة مابين سنة (1317- 1328هـ /1900-1910م) كما يبدو على تعزيز مركزه في البلاد (1) وفي سنة ( 1331 هـ- 1913م) توفي السلطان فيصل بن تركي بعد أن وهنت سلطته على مملكته وخلفه ابنه الأكبر تيمور (2) .
__________
(1) انظر : عمان 1856م مسيرا ومصيرا روبرت جيران لندن –ص: 451 وما قبلها ط؛ الرابعة _ وزارة التراث والثقافة سلطنة عمان 1409هـ 1989م بتصرف.
(2) المرجع السابق ص: 461 بتصرف. (1/9)
صفحة 10
وفي خلال فترة حكم السلطان فيصل قام ذلك المجاهد الأعمى الضرير الذي غير مجرى التأريخ ، وقاده إلى جادة الطريق حيث خرج ذلك الأعمى البصير ومن معه من التلاميذ تحفهم العناية الإلهية وتقودهم الرحمة الربانية في نفر قليل لايزيد عددهم عن اثني عشر رجلا يكمنون نهارهم ويسيرون ليلهم حتى وصلوا إلى بلدة تنوف من سفح الجبل الأخضر فقاموا بمبايعة ذلك الإمام الراشد الرضي سالم بن راشد الخروصي_رحمه الله_ في 12 من جماد ى الآخرة 1331هـ وذلك بعد أن نضب ذلك المعين وتلاشى أمر الأمة ، وعاد أمر الإمامة خبرا يذكر وتأريخا يدرس بعد أن غاب هذا المنهج عن مسرح الحياة أكثر من أربعين سنة، فإذا بهذه الشخصية القوية تعقد العزم وتعاهد الله عز وجل على المضي قدما في هذا الطريق الوعر الشاق على الرغم من قلة ما في اليد من أسباب مادية، وضعف الوسائل المتوفرة في ذلك الوقت وقلة الناصر والمعين، وكثرة التيارات المعارضة والمعاكسة لهذا الاتجاه وعدم تهيؤ المناسبات والملابسات المواتية ، ورغم تفشي الظلم والجور وبروز القيادات الغاشمة والمتناثرة على الساحة العمانية. (1)
وكانت إمامته – رضي الله عنه – تقوم على أربع نقاط كان يسعى لتحقيقها :
1- إنهاء الوجود والنفوذ البريطاني.
2- إسقاط نظام السلطنة.
3- العمل على توحيد البلاد وجمع الشمل .
4- إعادة إقامة دولة الإمامة في كل ربوع البلاد وهذا ما سعى إليه معظم الأئمة من قبل. (2)
__________
(1) انظر الدعوة الإسلامية في عمان – سالم الرواحي- ص: 199 وما بعدها (( مرجع سابق)) بتصرف.
(2) انظر: عمان الديمقراطية الإسلامية تقاليد الإمامة والتأريخ السياسي الحديث – د. حسين غانم غباش- دار الجديد ص: 278 ط؛ 1، 1997م "بتصرف". (1/10)
صفحة 11
فساد العدل في المناطق الداخلية وقمع الإمام سالم الظلم والغشم في شتى مناطق عمان وفتح البلدان وقام بشن عدة غزوات على أهل الطغيان حتى نصره الله على العدوان فكانت حياته كلها كفاح من أجل رفع راية الإصلاح والصلاح في الفيافي و البطاح ، ومن ضمن فتوحاته فتح سمائل التي انتزعها من يد ابن السلطان فيصل وفتح العوابي ومنح وإزكي ، وغيرها من البلدان حيث كانت حياته تهيئة للأوضاع لمن سيأتي من بعده، وقد هيأ الظروف والأحوال للإمام الخليلي ، وكان كل هم الإمام سالم ومبتغاه ، وغاية مطلبه ومرتجاه أن يرى هذه الدولة وقد ظهرت على مسرح الوجود وتمتلك زمام الأمر ، وبيدها الأمر والنهي والسلطان ، فأي روح تلك الروح التي كانت تتحلى بها هذه الشخصية،وأي همم عظيمة تلك الهمم التي حملها أولئك العظماء ؟ وأي تفان وأي تضحية قاموا بها وأي مساع اضطلعوا بها؟
إنها حرارة الإيمان وبرد اليقين، وإنه التفاني في ذات رب العالمين حتى استشهد ذلك الإمام الرضي سالم بن راشد الخروصي ، والأمة المحمدية راضية عنه في خضراء بني دفاع من المنطقة الشرقية عند ما قتله ذلك الأعرابي الشقي الذي كان مطلوبا للإنصاف فأغراه سفهاء قومه على قتله ، وقال له الإمام سالم قبل موته كلمته التي ظلت باقية من بعده تعبر عما تكنه نفسه حيث قال : " لقد أرحتني وأتعبت نفسك " ، وانتقل إلى رحمة مولاه وفاضت نفسه المطمئنة إلى ربها راضية مرضية في اليوم العاشر من ذي القعدة عام 1338هـ وكانت مدة إمامته سبع سنين وأربعة أشهر واثنين وعشرين يوما (1) .
__________
(1) انظر : نهضة الأعيان / محمد السالمي ، ص: 235 ، وانظر مذكرة عن سيرة الإمام سالم بن راشد الخروصي ص: 7.، وانظر : الدعوة الإسلامية في عمان في القرن الرابع عشر الهجري/ سالم الرواحي – جامعة الأزهر – كلية أصول الدين / ص: 202 وما بعدها رسالة ماجستير 1402هـ - 1982م بتصرف. (1/11)
صفحة 12
الأحداث الواقعة أثناء حكم السلطان تيمور بن فيصل(1331هـ - 1350هـ ):
كان من سوء طالع السيد تيمور بن فيصل أنه ورث عن أبيه ردود فعل الإدارة والأزمات المالية الطاحنة ، كما ترتب على الثورات والاضطرابات العنيفة التي تعرضت لها المقاطعات الداخلية والساحلية من البلاد وانتشار الفقر والمجاعات التي عانت السلطنة من وطأتها (1) وكثرة اللصوص الذين انتشروا في الباطنة وغيرها من المناطق حتى وصل الأمر إلى أن الفرد لا يستطيع الخروج من بلد إلى بلد آخر إلا بجماعة تحميه، وشهدت أيام السلطان تيمور مواجهات بينه وبين الإمام سالم بن راشد الخروصي (2) ،وعلى الرغم من أن السلطان تيمور بن فيصل كان رجلا حازما إلا إنه لم يكن إداريا من الطراز الأول فضلا عن افتقاره في الشؤون المالية ولم يكن في مقدوره وضع حد للفوضى التي كانت تضرب أطنابها في السلطنة .
أما عن أفراد أسرته فلم يكترثوا بالوقوف إلى جانبه إذ كان غالبيتهم لا يهمهم من الأمر سوى الحصول على مخصصاتهم المالية، وقام السلطان بإدخال بعض الإصلاحات الإدارية والمالية والحكومية وعلى الرغم من تلك الإصلاحات فإنها لم تؤد إلى إنقاذ الأوضاع الاقتصادية التي ترتبت على الحالة السياسية كما كانت الحكومة الأمريكية تسعى في فترة ما بين الحربين العالميتين : الأولى والثانية إلى إحياء نفوذها في مسقط بالإضافة إلى القيام بحملات تبشيرية في كل من مطرح ومسقط معتمدة على المؤسسات التعليمية والصحية (3) .
__________
(1) انظر: دولة البوسعيد في عمان وشرق افريقيا . د/ جمال زكريا قاسم، ص39، 1420هـ/2002م، مكتب زايد للتراث والتاريخ ،بتصرف.
(2) انظر: مدرسة الإمام الخليلي _ إبراهيم الشكيلي ، ص: 7 وما بعدها مرجع سابق بتصرف.
(3) انظر : دولة البوسعيد – جمال زكريا قاسم، ص: 392 "مرجع سابق ""بتصرف". (1/12)
صفحة 13
وقبل توقيع معاهدة السيب (1) بستة أشهر قام السلطان تيمور بزيارة للهند عام 1920م فلم تكن هذه الزيارة زيارة طبيعية بل كانت أشبه بالمنفى الاختياري أو بالأحرى برفض ليس للعرش فحسب بل أيضا لبلد لم يعد بلده. فقد كرر مطالبة الحكومة البريطانية بأن يتنازل عن الحكم بعد أن حكم سبع سنوات ثم رأت الحكومة البريطانية أن هذا الأمر يمثل إهانة تأريخية لمسؤولية بريطانيا الكاملة على وضع عمان وما وصلت إليه من حالة ومصير مأساوي فقد صدم هذا الأمر الحكومة البريطانية في الهند ولندن فلم يعرفوا كيف يتصرفوا . لاسيما وأن الوريث ابنه سعيد لم يتجاوز الحادية عشر من عمره ، وبعد ذلك تم إمهاله، وقاموا بتربية السلطان سعيد ليتولى زمام الأمور حسب ما خططوا ودبروا عند ما يبلغ سن الرشد ويعهد إليه شؤون عمان الداخلية والخارجية. وحاول المسؤولون البريطانيون في الهند إقناع السلطان بالعودة عن قراره، ولكن كل هذه المحاولات لم تنجح. (2)
__________
(1) معاهدة السيب هي عبارة عن صلح بين حكومة السلطان تيمور، وإمامة عمان وكان ممثل السلطان المستر " ونكيت " وقد كان نائب الإمام الخليلي هو الشيخ الأمير عيسى بن صالح الحارثي ، وكان ذلك في عام 1339هـ - 1920م . انظر: نهضة الأعيان محمد السالمي ص: 309_ 310 مرجع سابق بتصرف ، وجرت قبل ذلك بعض المراسلات بين الإمام سالم وممثل السلطان فيصل بن تركي ، وكان مفوض السلطان هو المستر
" ناكس" من الحكومة البريطانية . انظر : الملحق رقم ( 11 ) .
(2) انظر: عمان الديمقراطية – حسين عبيد غانم غباش ص: 302 "مرجع سابق" بتصرف. (1/13)
صفحة 14
وفي عام 1929م أي بعد عشر سنوات من وصول السلطان إلى الهند قرر أخيرا العودة إلى مسقط للتنازل عن الحكم لأي شخص يعينه الإنكليز وكان ابنه سعيد قد بلغ في ذلك الوقت العشرين من عمره تقريبا ؛ ولهذا كان كما رسم الإنكليز فقرر السلطان غسل يديه من شؤون بلده مسقط (1) .
حكم الأمام محمد بن عبد الله الخليلي–رحمه الله– من( 1338-1373هـ 1919- 1954م):
__________
(1) انظر: نهضة الأعيان محمد السالمي ص: 301" مرجع سابق" بتصرف. (1/14)
صفحة 15
بعد وفاة الإمام الخروصي مباشرة تمت مبايعة الإمام السعيد محمد بن عبد الله الخليلي – رحمهما الله – في جامع نزوى ، وكان أعلم أهل زمانه ومن حضر لمبايعته في الثالث عشر من ذي القعدة عام 1338هـ (1) وكانت حياته كلها سِلْم وسلام وعدل وأمان "ولقد امتاز هذا العهد بالاستقرار السياسي إذا ما قورنت بالعصور الأخرى للإمامة ، وإذا ما استثنينا الفترة الأخيرة التي تأرجح فيها الوضع السياسي في البلاد بسبب الضعف الجسدي الذي طرأ على هذا الإمام في السنوات الأخيرة لحكمه وكانت سيطرة الإمام على الوضع الداخلي للبلاد سيطرة كاملة وشاملة ، أما الأحداث التي كانت تقع في هذه الفترة والتي كان تثيرها بعض القبائل ضد بعضها ، أو ضد الدولة فإنها حتى في هذه الحالة لاتخرج الوضع السياسي عن الإطار العادي ، وذلك لأن الدولة كانت في مثل هذه الظروف سرعان ما تتصدى لمثل هذه المشاكل وتتغلب عليها بسهولة ويسر " (2) . وكان الإمام الخليلي – رضي الله عنه – رجلا بارزا وصاحب كفاءة ودهاء وسياسة خاصة في تلك الأثناء، وفي تلك المرحلة الحاسمة التي اشتد فيها الضغط الاقتصادي على أراضي الإمامة لإرغامها على قبول شروط الحكومة البريطانية المتعاونة مع السلطان ، وارتفعت الضرائب إلى أن وصلت (50%) على أراضي الإمامة مما أدى إلى تزعزع توازنها السياسي، فقرر الإمام الدخول في المفاوضات لإيجاد حل يجنب عمان والشعب العماني المآسي والدمار فعقد اجتماعا في السيب بين حكومة السلطان تيمور بن فيصل ، والشيخ عيسى بن صالح الحارثي نيابة عن العمانيين وقد ترأس وفد السلطان " المستر ونكيت باليوز"البريطاني، فكانت هنالك شروط خاصة بأراضي الإمامة وأخرى خاصة بحكومة السلطان وتم التوقيع على هذه المعاهدة من قبل الحاضرين .
__________
(1) انظر : نهضة الأعيان محمد السالمي ص: 301 "مرجع سابق" بتصرف.
(2) انظر : الدعوة الإسلامية في عمان سالم الرواحي ، ص: 126 وما بعدها ":مرجع سابق" بتصرف. (1/15)
صفحة 16
(1)
الأحداث الواقعة بعد موت الإمام الرضي محمد بن عبد الله الخليلي 1373هـ - 1954م:
قبل أن ينتقل الإمام إلى رحمة مولاه استخلف من بعده الإمام غالب بن علي الهنائي واستمر فترة في حكمه، ثم بعد ذلك اعتزل بسبب ما ظهر من أهل عمان من خيانة وخذلان ؛ ولذلك تدخل السلطان سعيد بن تيمور في داخلية عمان واستولى عليها، واجتمع بالعلماء والزعماء ويمكن القول بأن الفترة الواقعة بين ( 1930 – 1970م ) كانت دون شك أسوأ فترة عرفتها البلاد لاسيما منها الساحل ومنطقة مسقط في تأريخها الحديث فصارت عمان نحو الانحدار في هذه الفترة بسبب ما كان من معارضة السلطان على منع تطوير عمان، ومنع دخول أي جديد إليها ، ولهذا أورثها التخلف لفترة طويلة (2) .
وكان السلطان سعيد بن تيمور يحكم الساحل وما تبعه من مناطق منذ أن تولى الحكم عام 1932م " فقد سعى منذ وصوله للحكم أن يضم المقاطعات الداخلية من عمان لنفوذه الساحلي وحاول عدة محاولات من أبرزها:
1- استمالة شيوخ الداخل بحسن استقبالهم في عاصمة بلاده وأغدق عليهم بالهدايا والأموال
__________
(1) انظر : نهضة الأعيان محمد السالمي ص: 308 وما بعدها مرجع سابق بتصرف
انظر: عمان الديمقراطية الدكتور حسين عبيد غانم غباش ص: 292 وما بعدها مرجع سابق بتصرف .
(2) انظر: عمان الديمقراطية الدكتور حسين عبيد غانم غباش ص: 309 وما بعدها مرجع سابق بتصرف (1/16)
صفحة 17
2- حاول أن يجعل من نفسه إمامًا وهذا كله من أجل السيطرة على الموارد الطبيعية من أهمها البترول " (1) . " والذي دفعه إلى هذا هم الإنكليز- أعداء الله ورسوله- الذين لجئوا إلى الكذب الرخيص الذي يخجل منه ابن الشارع أن يكذبه ... فقالوا : إن الاعتداء على عمان لم يكن بدافع البترول... ثم قالوا بما هو أكثر من ذلك ، قالوا : أن البترول غير موجود في عمان ؟!! إلا أن الحقائق تدل على غير ذلك " (2) ولقد حاول الإنكليز وسلطان مسقط مرارا وتكرارا أن يوهموا العالم أن نفوذ السلطان يمتد إلى عمان الداخلية ؛ ولكن الحقيقة هي على عكس ما يدعون ، فالسلطان لا يحكم إلا جزءا ضيقا على الساحل (3) .
__________
(1) انظر: دولة البوسعيد د. جمال زكريا قاسم ص: 397 وما بعدها مرجع سابق بتصرف.
(2) انظر : المسألة العمانية بحث مفصل لقضية إمامة عمان في جميع مراحلها إسماعيل البوهلال، إصدار مكتب دولة عمان ببغداد ص:77 ، طبع مطبعة الأزهر - بغداد مرجع سابق بتصرف.
(3) انظر: عمان تأريخ يتكلم ناجي عساف ومحمد السالمي ص: 20 مرجع سابق بتصرف . (1/17)
صفحة 18
وعلى أثر السيطرة على واحات البريمي المتنازع عليها بين عمان والدولة السعودية في عام 1955م ، واصلت القوات البريطانية عملياتها العسكرية على المناطق الداخلية باسم سلطان مسقط ، فقرر السلطان إلغاء معاهدة السيب تلبية لرغبات الحكومة البريطانية وطمعا في الثروة العمانية ، ونجح السلطان من السيطرة على نزوى وسقوط الإمامة إلا أنه لم يكد يمضي أكثر من عامين حتى تمكن زعماء الداخل من إعادة بعثها في بداية عام (1376هـ/ 1957م) اعتمادا على المساعدات الخارجية التي مدت الإمامة من قبل الرئيس المصري جمال عبد الناصر والدول العربية ، وقاموا بإرسال بعض الإمدادات الحربية والأسلحة للإمام، ومن معه من أهل عمان (1) .
__________
(1) انظر : عبد الناصرو تحرير المشرق شهادة فتحي الديب ص: 228 وما بعدها مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية للأهرام القاهرة 2000م ، وانظر : دولة البوسعيد في عمان وشرق أفريقيا د. جمال زكريا قاسم ص: 403 مرجع سابق بتصرف. (1/18)
صفحة 19
وقد قامت القوات البريطانية بشن غارات جوية على المناطق الداخلية متسترة بستار السلطان وأنها تدافع عنه ، وقامت بتدمير كل شيء وخاصة مناطق الجبل الأخضر ذلك الطود الشامخ والحصن الحصين الذي تحصن به الإمام ، ولقد أثر ذلك القصف والضربات المتتالية في نفوس المقاتلين وحدت من قدرتهم على الاستمرار في مواصلة القتال ؛ ولكنهم وقفوا موقف الأبطال وصمدوا صمود الجبال الراسيات لا تلين لهم قناة وكبدوا العدو خسائر فادحة (1) ، وقد قتل من الجيش البريطاني مالا يقل عن ( 450 ) جنديا وضابطا هذا من غير الجرحى والخسائر المادية الأخرى (2) وأما عدد الذين قتلوا من جيش الإمام من بداية الحرب إلى نهايتها خمسة وعشرون رجلا . (3)
وبقي العمانيون شاكي السلاح يدافعون عن أرضهم وبلادهم ليلا ونهارا دون كلل أو ملل حتى ظهرت الخيانة وفشلت المقاومة (4) . ثم بعد ذلك خرج الإمام إلى الدمام ، وبعد ذلك رفعت قضية عمان إلى جامعة الدول العربية ، ثم بُحِثَ في القضية ونقلت إلى هيئة الأمم المتحدة عام 1961م ، وتمت المؤامرة بين الدول العظمى على عدم البت في هذه القضية بشيء وتم تأجيلها لعدة سنوات حتى انتهت الحرب والتهمت بريطانيا كل شيء (5) .
المبحث الثاني " الحالة الاجتماعية "
__________
(1) انظر عبد الناصر وتحرير المشرق شهادة فتحي الديب ص:228 وما بعدها مرجع سابق بتصرف.
(2) انظر : نهضة الأعيان ، محمد السالمي – ص : 79 مرجع سابق بتصرف.
(3) انظر : اللؤلؤ الرطب ، الشيخ سعيد بن حمد الحارثي ص: 345 مرجع سابق بتصرف .
(4) انظر : المسألة العمانية إسماعيل البوهلال ص:9 مرجع سابق بتصرف .
(5) انظر : محاضرات عن التطور السياسي الحديث لقضية عمان، ألقاها د. محمد علي الداود على طلبة الدراسات التأريخية والجغرافية في جامعة الدول العربية معهد الدراسات العربية العالمية سنة 1964م ص: 37 وما بعدها بتصرف . (1/19)
صفحة 20
مما هو معلوم أن شيخنا الرقيشي عاش في كنف والده الذي هو شيخ القبيلة وزعيمها ، وأحاطه بالعناية والرعاية ، وكان الشيخ هو السند الذي يتكئ عليه والده في المهمات الصعبة التي تواجهه في معترك الحياة . فقد تمرس شيخنا على شدائد الأمور بسبب الحالة التي عاشها في تلك الفترة.
" ولنرسم الآن صورة بسيطة عن الحالة الاجتماعية في ذلك العصر آنذاك، فقد حصل الإنقسام بين أهل عمان بين فريقين متناحرين هما : الهناوية، والغافرية فقد مزقهم هذا التقسيم إلى أشلاء ممزعة وأوصال مقطعة مع أن هذا الإنقسام كان منشؤه سياسيا إلا أنه أثر تأثيرا مباشرا على الحياة الاجتماعية، وعلى العلاقات بين قبائل الفريقين ، فتقطعت بينهم الأواصر، وانحلت الروابط وأصبح شيخ القبيلة هو الآمر الناهي الذي تتحرك القبيلة بأسرها وراءه ولو كان يسوقها إلى الباطل وحميت العصبيات لأتفه الأسباب (1) "
وهذا كان واضحا في سيرة شيخنا فقد شارك في عدد من الحروب القبلية التي كان ضحيتها أحد إخوانه (2) وكان ذلك في مقتبل عمره ، وقتل عدد كبير من أهل عمان بسبب هذه النزاعات التي لم ينزل الله بها من سلطان، وبعد أن أنعم الله على شيخنا الرقيشي بنعمة الهداية وأكرمه بالرجوع إلى مصاف العلم والتعليم سعى بكل جهده واجتهاده في القضاء على مثل تلك الحماقات والترهات الجاهلية ووضح ذلك في شعره وقصائده التي كان يرسلها للإمام الخليلي – رحمه الله –
وقال في ذم مثل هذه التعصبات الجاهلية الجهلاء ويدعو المولى لطمسها ومحوها فقال:
محا الله عنا بدعة ما أضلها لأهل عمان حين قسم أهلها
هناوية أو غافرية هل لها من الدين أصل وأنت خبيرها
__________
(1) انظر : تحقيق مقاليد التصريف – الشيخ كهلان الخروصي، ص: 10، مرجع سابق، بتصرف.
(2) واسمه حمود ، فقد لقي حتفه في إحدى الحروب التي وقعت بإزكي بسبب تلك النعرات القبلية التي لم ينزل الله بها من سلطان . مقابلة مع الشيخ زاهر بن محمد الرقيشي، مرجع سابق بتصرف. (1/20)
صفحة 21
فتبا لها من بدعة أي بدعة بها القوم سكرى في مهامة ظلمة
فقم وامحها محو النهار لظلمة فإن لك الله القوي نصير
فأدعوك يا غوث الأنام وغيثها لبكر حصان ليس يمكن طمثها
لعنَّين بل كبش الكماة وليثها له بين آساد الرجال زئير (1)
ونجده –رحمه الله -كان يسعى لإصلاح ما فسد في تلك المجتمعات، وما ساد فيها من تفشي الجهل والضلالات العمياء ، بقلمه ولسانه ويده ، فكان من ضمن الأبيات التي يرسلها للإمام الخليلي- رحمه الله – يستنهضه لكف هذه الفتن فقال:
خليفة الله إن الغرب باقية ترجوك غوثا لها قمقامها فقم
تمد لله أيديها وتبسطها رحماك رحماك ربا بارئ النسم
تشكوا لخالقها عما بها ولها دمع يفيض على الخدين كالديم
تشكو وحق لها الشكوى لما وجدت من بيع حر لها كالشائ والنعم
تشكو من الظلم فالأيتام باكية مما يحل بها من جور مغتشم
فلا صلاة ولا صوم يقام بها ولا زكاة ولا وصل لذي رحم
لم يعرفوا غير للأموال نهبتها وللدماء انسفاكا غير محتشم
أيهنؤ العيش حرا أو تلذ له بالنوم عينا فيا تعسا لمن ينم
فقم وشمر فإن الله ناصركم لاشك في وعده بالنصر أن تقم (2)
__________
(1) انظر: مخطوطة فيها هذه القصيدة واضحة و بخط جيد – وانظر البحر الفياض سالم الرقيشي ، ص: 98 ، مرجع سابق
(2) انظر البحر الفياض سالم الرقيشي ، ص: 90 ، مرجع سابق (1/21)
صفحة 22
فكانت تلك الأوضاع المتردية والأخلاق المنحلة في ذلك الأوان نتيجة لما أحدثته الأحداث السياسية، " فكانت المناطق الداخلية من عمان أشبه بالقدر الساخن المحمي الذي توفرت له وسائل الوقود، وعوامل اللهب، فهو يغلي ويثور ثم يفيض ويسيل حتى يحرق ويزهق فلا يكاد يسلم منه أحد" (1) وهذا كله في السنوات الأولى من حياة شيخنا الرقيشي، ولكن بعد أن نصب الإمام سالم بن راشد الخروصي –رحمه الله – عام 1331هـ "قام بتوحيد الأمة وجمع الصفوف ووحد الكلمة تحت قيادة واحدة نظر الجميع إليها على أنها محل الثقة، أمينة بتحمل المسؤولية والقيام بشؤون الأمة، وذلك بعد أن كانت تعيش ردحا من الزمن في تفرق وتشتت وخصام مستمر، وبعد أن سادتها موجات عارمة من الفوضى والنزعات الجاهلية. ويظهر هذا جليا بعد فتح " نزوى "عندما أخذت وفود القبائل وزعماؤها تصل إلى مقر الإمامة بنزوى لتبايع الإمام وتعلن الولاء والطاعة له ولأمر المسلمين.
كذلك قام الإمام سالم بن راشد بتنفيذ حدود الله -عز وجل – في المنتهكين لمحارمه بحيث نفذ عددا من الحدود كحد الزنا والسرقة وغيرها من العقوبات التعزيرية، وقام هذا الإمام بتأديب البغاة وقطاع الطرق وبالجملة فقد صينت في هذه الفترة معظم المحارم من أن تنتهك" (2)
"كما تم إجراء الصلح بين القبائل المتضاربة المتناحرة فيما بينها التي أكلتها الحروب، وكان بين بعضها البعض سفك دماء ونهب أموال.
__________
(1) انظر : ترجمة عن سيرة الشيخ الرقيشي – خلفان الرواحي – ص: 8، مرجع سابق، بتصرف.
(2) انظر : الدعوة الإسلامية في عمان في القرن الرابع عشر الهجري – سالم بن محمد الرواحي ص109
رسالة ماجستير – جامعة الأزهر – كلية أصول الدين – قسم الدعوة والثقافة الإسلامية- 1402هـ- 1982م بتصرف.. (1/22)
صفحة 23
فطلبت الدولة من هذه القبائل التنازل عما مضى من حروب ومنازعات كانت بينهما والتي كان سببها البغي والعدوان، وأن يبدؤوا بعهد جديد ينتصف فيه من الظالم للمظلوم ويعطي فيه كل ذي حق حقه وقد دخلت في هذا الوفاق قبائل كثيرة " (1) "وبذلك انحسم داء عضال وقضي على شر مستطير، وانمحت الخصومات القائمة وعادت الأمة إلى التآخي والتصافي ورضيت بشرع الله حكما وعدلا" (2)
"وبعد أن جاء إمام المسلمين الأعظم : أبو خليل المبجل محمد بن عبد الله الخليلي- رحمه الله - عام ( ت 1337هـ) كانت البلاد في هذا العهد لا تزال جديدة عهد بالإمامة، وكانت أحوالها مستقرة إلى حد ما .
فقام بعد توليه مباشرة إلى توطيد الأمن في أرجاء البلاد وحرص كل الحرص على إقامة العدل ونشر الاستقرار بين الشعب، فدخلت عمان في هذا العهد الفترة الذهبية إذا ما قيست بفترات الإمامة الأخرى.
فقد تحقق الأمن والاستقرار والاطمئنان في ربوع البلاد ، وانتشر العدل بين الناس، وهيمنت الشريعة الإسلامية هيمنة كاملة وشاملة وعم الرخاء وانتشر صيت هذا الإمام داخل البلاد وخارجها ، ودخلت هيبته في قلوب الناس واستقرت الثقة في أعماقهم وصار الناس كلهم يذكرونه بالخير ويذعنون له بالطاعة والولاء" (3)
__________
(1) كما حصل الصلح بين الشروج والحبوس، والحرث والمساكرة، وقد سبق ذكر بعض منها في هذا البحث.
(2) انظر : الدعوة الإسلامية في عمان ، سالم الروحي – ص: 110 ، مرجع سابق بتصرف.
(3) انظر: المرجع السابق ص110بتصرف. (1/23)
صفحة 24
والكل يعترف لهذا الإمام بالفضل والشكر من بدو وحضر." وكثيرا ما تسمع بينهم عبارة ( أطال الله عمر الإمام ) وهم يعنونها بإخلاص كلما قالوها ، وذلك لأن الإمام قد نشر الأمن والعدل بين ظهرانيهم، بما وفق إليه من حل مسائلهم، وفض الخلافات بينهم ، فهنا يستطيع الرجل أن يسير غير مسلح وأن يترك إبله بدون حراسة ودون أن يخشى عليها من النهب والتعدي" (1)
"كما أن أولئك الأشقياء وقطاع الطرق وأهل الإجرام أصبح حب الإمام متغلغلا في حناياهم مما أضفى جوا منقطع النظير من الهدوء والاستقرار، وفي هذا العهد انكمشت الفتن في جحورها وتوقفت القلاقل والاضطرابات السياسية وساد البلاد هدوءا منقطع النظير باستثناء بعض القلاقل والفتن الداخلية التي كانت تحدث متفرقة بين حين وآخر.
وملأت شخصيته الهادئة، وصفاته الحميدة ، وتصرفاته المتزنة ، وأخلاقه العالية السمع والبصر والفؤاد ، لذلك فلا عجب أن ترى الهدوء والاطمئنان يسودان معترك الحياة كلها ، ويستتب الأمن في أنحاء الدولة، ويستطيع المسافر أن يقطع المسافات الطويلة ويجوب الفيافي والقفار، ويسير ليلا ونهارا لا يخاف أبدا إلا من الله أو من سباع الفلا وحشرات الأرض.
ولقد تم هذا العهد بتطبيق شريعة الله –عز وجل- وتنفيذ أحكامه ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على أوسع نطاق، وإقامة العدل بين العباد وهي المهمة الأولى والأخيرة للأئمة في عمان." (2)
المبحث الثالث: الحالة الاقتصادية:
لا شك أن لكل دولة اقتصادا تقوم عليه فإذا كان لها اقتصاد كبير فإنه بالتالي يُؤثر على شخصية الفرد في طرق معيشته إيجابا وسلبا.
__________
(1) انظر : تقارير شركة الزيت العربية الأمريكية – عمان والشواطئ الجنوبية للخليج الفارسي – إعداد ثمانية أعضاء من قسم البحوث التابعة للشركة- طبعة " الأرشيف" ص: 109- 110 بتصرف.
(2) انظر: الدعوة الإسلامية في عمان في القرن الرابع عشر الهجري – سالم الرواحي ص:124-125 مرجع سابق بتصرف. (1/24)
صفحة 25
ولهذا كان الاقتصاد في العصر الذي عاش فيه شيخنا الرقيشي أقرب ما يكون إلى انتشار الفقر المدقع الذي كان مسيطرا على حياة الناس، وكان معظم دخلهم يقوم على مصدرين أساسيين وهما: التجارة والزارعة وبعض الصناعات اليدوية البسيطة، والرعي.
فكانت التجارة المصدر الأساسي في اقتصاد البلاد التي كانت قائمة على الإستيراد والتصدير بين الساحل والداخل، بحيث يقوم أهل الداخل بتصدير المواد المتوفرة لديهم كالتمور والمنتجات اليدوية البسيطة كالمنسوجات.
كما يقوم أهل الداخل باستيراد الأسماك المجففة من أهل الساحل المعروف عند العمانيين " العوال ،والقاشع " وكان يكفيهم لأشهر عديدة ، وكانوا يتبادلون مع أهل الساحل معظم المنتجات الزراعية والصناعية المتوافرة في ذلك الوقت.
أما بالنسبة للزراعة فكانت تقوم على زراعة بعض المحاصيل الموسمية التي تدر عليهم ربحا بسيطا وتعينهم على معيشتهم ، ومن هذه الزراعات زراعة قصب السكر والنخيل والذرة وبعض الحبوب الموسمية (1) التي تستخدم كالعلف للحيونات وللأكل.
__________
(1) مقابلة مع الشيخ نبهان بن سيف المعمري ، مرجع سابق بتصرف. (1/25)
صفحة 26
"وكانت المناطق الساحلية في عمان تتصل بغيرها من الموانئ الأخرى مثل ميناء الهند وزنجبار، وكان العمانيون يتبادلون السلع مع هذه البلدان، ومن الأشياء التي اشتهرت بها عمان في ذلك الأوان صناعة الحلوى العمانية ، وعلى الرغم من كثرة هذه السلع التي ينتجها العمانيون كان الاقتصاد العماني في تلك الفترة التي عاشها الشيخ الرقيشي ، وخاصة في عهد الإمام الخليلي – رحمه الله – أشبه ما يكون راكدا أو متدهورا " (1) ، إلا ما كان من أمر مدينة بهلاء التي لم تغير فيها الحرب العالمية الثانية شيئا وذلك عائد لفضل الله –عز وجل- على عباده ثم بفضل ذلك الليث الهصور المناضل والسياسي المحنك : أبو زيد الريامي – رحمه الله- فقد كانت بهلاء في رخاء اقتصادي "ولم يكن ليستوردوا شيئا من الخارج سوى الأرز فقد كانت بهلاء مكتفية ذاتيا بما عندها من المواد الزراعية والدليل على ذلك: أنه أثناء الحرب العالمية الثانية صار وصول المواد الغذائية من الخارج صعبا للغاية، ولذلك فقد اتخذت عملية تنظيم وتوزيع المواد الغذائية على ولايات السلطنة بحيث يخصص جزء يسير لكل ولاية ، ولكن الشيخ أبو زيد الريامي رفض ذلك مما يدل على ثقته بقدرته على الصمود دون الإعتماد على الخارج" (2)
ويعود ذلك التدهور أوالركود الاقتصادي في ذلك العصر إلى ثلاثة أسباب رئيسية:
1- الحروب القبلية التي طحنت أهل عمان ردحا من الزمان بسبب النزاعات الجاهلية والأهواء الشيطانية؛ والتي بسببها أحرقت الكثير من المزارع وأتلفت الكثير من المحاصيل الزراعية التي كان سببا في معيشة الفرد والمجتمع . (3)
__________
(1) مدرسة الإمام الخليلي وأثرها في نشر العلم – إبراهيم الشكيلي، ص: 10، مرجع سابق ، بتصرف .
(2) النظام الإداري والمالي عند الشيخ أبي زيد الريامي – أحمد المسكري ،ص: 78 ، مرجع سابق بتصرف.
(3) مدرسة الإمام الخليلي – إبراهيم الشكيلي، ص: 10 مرجع سابق بتصرف. (1/26)
صفحة 27
2- فرض الضرائب الباهظة من قبل الحكومة البريطانية التي كانت تفرض الضرائب على شواطئ الخليج وخاصة قبيل الحرب العالمية الأولى.
3- لقد تزامن قيام الحرب العالمية الأولى مع ظهور الإمامة مما أدى إلى مضاعفة التدهور الاقتصادي في البلاد ، ووصلت الضرائب المفروضة على داخلية عمان ( أي أراضي الإمامة) إلى (50%) من القيمة الأصلية، وبالتالي ارتفعت الأسعار ، وانتشرت الأمراض بسبب الفقر (1)
وبعد معاهدة السيب (2) انتعشت الحالة الاقتصادية لفترة ما ، وأصبحت التمور هي أولى الصادرات الرئيسة من عمان إلى الخارج؛ ولكن بسبب الظروف السياسية السائدة في ذلك الوقت أثرت على الحالة الاقتصادية كالحرب العالمية الثانية.
ومما زاد الحالة سوءا تعرض بعض مناطق عمان للقحط الذي جدب بالبلاد سنين عديدة ، كما منيت عمان بالجفاف الشديد وخاصة في المناطق الشرقية في السنين المتأخرة من ذلك العصر ؛ مما أدى إلى رحيل بعض الناس من مساكنهم وأخلوا بيوتهم (3) واضطر عدد كبير من المواطنين إلى السفر وخاصة إلى شرق أفريقيا من أجل الحصول على لقمة العيش . (4)
وعموما فإن لتأثير الحالة الاقتصادية دورا في إبراز الشخصيات المجاهدة الصابرة على ضنك العيش وشدته ، وهذا كان واضحا جليا في سيرة شيخنا الرقيشي- رحمه الله – ولا أدل على ذلك من صبره المتواصل ولمدة شهر كامل أو يزيد على ذلك وهو يتحمل شدة العطش في وقت الصيف الحار عندما كان محاصرا في حصن نخل حتى أتى نصر الله بالفتح المبين على يد أبي خليل .
__________
(1) حياة الشيخ المالكي – سالم السعدي – ص: 13، مرجع سابق بتصرف.
(2) سبق التعريف بها .
(3) انظر: تقارير شركة الزيت العربية الأمريكية – عمان والشواطئ الجنوبية للخليج الفارسي – إعداد ثمانية أعضاء من قسم البحوث التابعة للشركة- طبعة " الأرشيف" ص: 109- 110 بتصرف.
(4) انظر: حياة الشيخ المالكي – سالم السعدي – ص: 14، "مرجع سابق" بتصرف. (1/27)
صفحة 28
" أما من ناحية الصناعات فقد كانت الصناعات الحديدية تتمركز في المدن الكبرى ، وأما صناعة المجوهرات ، والسيوف ، والرماح، والخناجر، والبنادق، والمدافع ، فقد كانت منتشرة في معظم المناطق العمانية ، ومن ضمن الصناعات المشهورة في عمان صناعة السكر ، وأكثر البلدان اشتهارا به نزوى ومسقط " (1) ، " كما اشتهرت مدينة بهلاء بصناعة الفخار، وبعض المنسوجات اليدوية " (2) .
الفصل الثاني: سيرته الشخصية
المبحث الأول: اسمه و نسبه:
هو الشيخ العلامة الشهيد محمد بن سالم بن زاهر بن بَدْوِي بن جمعة بن أحمد (3) بن محمد ابن بشير بن الحسن بن محمد بن أبي الحسن بن خلف بن محمد بن أحمد بن عبدالله بن أحمد ابن حسن بن أبي بكر بن عثمان الرّقيشي .
و ليس الرقيشي لقبا كما يظن بعض الناس، بل هو اسم لجدهم الأول، و هم من كنده التي يتصل نسبها بالحارث بن مرة بن أدد بن زيد بن كهلان القحطاني اليمني، و لا يعرف بالضبط متى انفصلوا عن القبيلة الأم.
__________
(1) انظر: مدرسة الإمام الخليلي – إبراهيم الشكيلي، ص: 10 "مرجع سابق" بتصرف.
(2) انظر: النظام الإداري والمالي– أحمد المسكري ،ص: 72 ، مرجع سابق بتصرف.
(3) يوجد خطأ في الترجمة التي كتبها الأستاذ خلفان بن محمد الرواحي في مقدمة النور الوقاد فقد ذكر ما يلي: هو الشيخ العلامة محمد بن سالم بن زاهر بن بدوي بن جمعة بن أحمد بن جمعة الرقيشي، و اسم جمعة الأخير لا يوجد. " مقابلة مع الوالد سالم بن محمد بن سالم الرقيشي، يوم الخميس 19 من رجب الأصم 1423هـ، الموافق 26 / 9/ 2002 م، و أخبرني أنه نقل هذا النسب من مخطوطة بخط الشيخ الرقيشي، و انظر البحر الفياض لسيرة علم من أعلام عمان ممن ساروا على نهج عبدالله بن إباض –سالم بن محمد الرقيشي : ص 4. بحث غير منشور (1/28)
صفحة 29
وهذه القبيلة عريقة في إزكي وُجدت منذ القدم، و مما يدل على ذلك وجود صكوك شرعية يعود تاريخها إلى أكثر من سبعمائة سنة، و كان أحد شهود هذه الصكوك هو أحد شيوخ هذه القبيلة (1) .
و يتضمن هذا الصك فصلا شرعيا في خصام وقع بين أهالي فلج الملكي من إزكي، و أهالي فلج الأبرق من بلدة سدِّي من قرى إزكي، و كان الفصل بخط الشيخ العلامة هاشم ابن غيلان السيجاني (2) عام ( 700هـ ) (3) .
__________
(1) محمد بن سالم بن زاهر الرقيشي، كتاب النور الوقاد على علم الرشاد، سلطنة عمان، وزارة التراث القومي و الثقافة، مطبعة الألوان الحديثة، 1404هـ 1984 م الصفحة أ " بتصرف " لم أعرف اسم أحد من هؤلاء الشهود، و أخبرني الأستاذ خلفان بن محمد الرواحي، أن الذي أخبره بذلك هو الشيخ محمد بن كليب العمري، حيث أنه وجد محضراً في أيام أحد الأئمة فيه نزاع بين أهالي فلج الملكي و أهالي سدي، والذي شهد الفصل هو رقيشي. مقابلة مع الأستاذ خلفان بن محمد الرواحي يوم الاثنين 12 من رمضان 1423هـ الموافق 18/ 11/2002م.
(2) الشيخ العلامة هاشم بن غيلان السيجاني، المكنى بأبي الوليد عاش في القرن الثاني الهجري، انظر دليل أعلام عمان، جامعة السلطان قابوس، حرف الهاء ص 165.
(3) ترجمة عن سيرة الشيخ الرقيشي- الأستاذ خلفان بن محمد الرواحي نشر جزء يسير جدا منها في مقدمة كتاب النور الوقاد و بقي الجزء الكبير في الأدراج بمكتبة السيد. و قال السيد: بأنه لم يأن الأوان لنشرها، و تمكنت بحمد الله ومنته من نقل الترجمة كاملة، علما أن هذه الترجمة لا يوجد فيها رقم تصنيف بالمكتبة؛ لأنها مُحْتَفَظٌ بها في ممتلكات السيد الخاصة، و توجد معها تراجم أخرى كترجمة العلامة أبي زيد الريا مي، و الشيخ عبد الرحمن بن ناصر الريامي، و غيرهم كثير ص2. (1/29)
صفحة 30
و على أية حال فإن الحقيقة واضحة جلية للمتتبع لوقائع التأريخ في عراقة هذه القبيلة، و قدمها في العلم، و لهذا استحقوا لقب شيوخ المذهب، و جاء هذا اللقب لهذه القبيلة من قِبَلِ أهالي إزكي أنفسهم تقديرا لموقف أولئك العلماء، و توقيرا لشأنهم، و تخليدا لذكرهم، و لئن كان لبعض المسميات نصيب كبير من أسمائها و دليل قاطع على صحة مآثرهم؛ فإن اسم المحلة الناصع الساطع ( الشميسي) التي سكنتها هذه الأسرة المجيدة لأكثر من معنى و أكبر دليل (1) .
و كما تحلى بهذا اللقب أحياؤهم، فقد لازم موتاهم أيضا، فكانت لهم مقابر خاصة عليها سمات و علامات تعرف بها - حيث عُمِلَ عليها رخام - وهذه المقابر لا تزال باقية تعرف بين الأهالي بـ"قبور شيوخ المذهب" (2) في قرية " اِمْرِيْويْح " (3) .
__________
(1) ترجمه عن سيرة الشيخ الرقيشي - خلفان بن محمد الرواحي، المرجع السابق ص3.
(2) - النور الوقاد على علم الرشاد الشيخ محمد الرقيشي ص أ من المقدمة، مرجع سابق "بتصرف".
(3) مكالمة هاتفية مع الوالد سالم بن محمد الرقيشي يوم الجمعة 27 من رجب 1423هـ، الموافق 4/10/2002م. (1/30)
صفحة 31
فشيخنا الرقيشي – رحمه الله – من سلالة آل الرقيش ، و هم أسرة علمية عريقة ، فمن بين أولئك الأعلام : الشيخ العلامة صاحب كتاب مصباح الظلام (1) . ومنهم صاحب كتاب التقييد في النحو (2) ، و غيرهم كثير ، ولهم مكانة بين أهالي إزكي (3) .
المبحث الثاني: مولده و نشأته
المطلب الأول: مولده.
__________
(1) هو الشيخ الفقيه خلف بن أحمد بن عبدالله بن أحمد الرقيشي الأزكوي، من علماء القرن الحادي عشر كان في عصر الإمام ناصر بن مرشد - رحمه الله – كان والياً على الصير و قريات و توابعها، من مؤلفاته: مصباح الظلام، و شرح دعائم الإسلام، و له قصائد و مراسلات عديدة. وفاته كانت في أيام الإمام بلعرب بن سلطان تقريبا ما بين ( 1090هـ إلى 1104 هـ ). انظر: إتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عمان، للشيخ سيف بن حمود البطاشي، الجزء الثالث، الطبعة الأولى، 1422هـ -2001م صفحة 116 و 124 " بتصرف ".
(2) هو الشيخ الفقيه النحوي: أحمد بن محمد بن بشير بن جمعة الرقيشي من علماء النصف الأول من القرن الثاني عشر، و هو من أجداد الشيخ العلامة محمد بن سالم الرقيشي، من مؤلفاته: " كتاب التقييد في معنى المهم و المفيد " مخطوط بمكتبة السيد رقم (259)، ولم أقف على تاريخ وفاته و لا على مؤلف آخر له. انظر " إتحاف الأعيان " مرجع سابق، صفحة 59 " بتصرف.
(3) مقابلة مع سعادة الشيخ أحمد بن سعود السيابي، يوم الثلاثاء 28 من ذي الحجة 1418هـ، الموافق 5/5/1997م قابله الأخ ناصر بن محمد الحجري. (1/31)
صفحة 32
ولد الشيخ – رحمه الله – في القرن الرابع عشر الهجري لخمسة أعوام خلون، سنة ( 1305هـ ) (1) في قرية من قرى إزكي اسمها حارة " بني حسين "، و تقع هذه المحلة إلى الجنوب الغربي من المحلة القديمة ( الشميسي ) الآنفة الذكر الشهيرة بالعلم و العلماء (2) ، و قد عناها الشيخ الشاعر سالم بن سليمان بن عديم البهلاني (3) في رثاء الشيخ الرقيشي :
يا حارة لبني حسين أوحشت من بعد أنس بالرغيد الناعم
شط المزار على النزار و أهلها يمن كذلك في اكتئاب داهم (4)
و توجد رواية أخرى أن مولده كان عام ( 1302هـ) (5) ،
__________
(1) البحر الفياض: سالم الرقيشي، مرجع سابق: ص 4 " بتصرف ".
(2) ترجمة عن سيرة الشيخ الرقيشي، خلفان بن محمد الرواحي مرجع سابق ص4.
(3) هو الشيخ سالم بن سليمان بن سالم بن عديم البهلاني ( 1403هـ - 1982م ) من شعراء القرن الرابع عشر الهجري، و هو ابن أخي الشيخ أبي مسلم البهلاني حاكى عمه في صنعة الشعر له مطارحة أدبية مع الشيخ عبد الرحمن بن ناصر الريامي، انظر دليل أعلام عمان ص 76، مرجع سابق.
(4) من مخطوطة في رثاء الشيخ الرقيشي من الشيخ سالم بن سليمان البهلاني ص4، و انظر البحر الفياض ص143 " مرجع سابق ".
(5) وهذه الرواية محتملة، و لكن الرواية الأولى هي الصحيحة لعدة أدلة:
أ- وجود مخطوطة بخط الشيخ الرقيشي ذكر فيها مولده و نسبه.
ب- أن رواية الابن أدق في حفظه لمولد أبيه و ما يتعلق به.
مقابلة مع الوالد سالم بن محمد الرقيشي " مرجع سابق "، و انظر " البحر الفياض " ص 4. (1/32)
صفحة 33
كما وَجَدْتُ رواية ثالثة ذكرها الشيخ سيف بن حمود البطاشي أنه ولد في عام(1303هـ ) (1) ، و لقد ولد – رحمه الله – في زمن حرج ، احلولكت فيه الظلمات ، و مليء بالحروب و النعرات القبلية بين أهل عمان ، و بغى بعضهم على بعض ، ولم يكن آنذاك من يأمر بالمعروف ، و ينهى عن المنكر إلا من رحم الله ، و إن كانت الديار لا تخلو من أخيار و أفاضل و لكن الشهرة للأشرار .
" و قد كان شيخنا الرقيشي يردد مقولته دائما فيقول: ولدت في دخان الحرب، حينما يكون متحمسا في الغيرة لله لقمع البغاة الطغاة " (2) ، كما سيأتي ذكرنا ذلك في مبحث الحالة السياسية.
المطلب الثاني: نشأته:
لقد نشا شيخنا الرقيشي في بيئة ومجتمع ضجَّ بالتحيزات والتعصبات القبلية التي فشت وانتشرت في المجتمع, وبما انقسم إليه أهل عمان إلى الطائفتين الجاهليتين التي لم ينزل الله بها من سلطان ما بين هناوي وغافري(*) فقد تأثر شيخنا بمثل هذا التقسيم في بداية حياته, وأثر عليه مما شغله عن تحصيل العلم في فترة من فترات حياته, فقد كان حاله كحال أقرانه الذين كانوا ينعقون وراء كل ناعق, وكانوا يغيرون على القبائل للنهب منها والسطو على القوافل (3) , "وذلك عائد لقلة ما في اليد ولكثرة ما تفشى في المجتمع من جهل (4) ".
فهذه الظروف القاسية وأمثالها ألجأته هو وأقرانه لمثل ذلك مما أَثرَت في نشأة شيخنا بعد هذا الزمن حيث أصبح فحلا من فحول الرجال الذين يعتبر الواحد منهم كالألف, وصدق فيه قول القائل:
__________
(1) انظر: إتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عمان، سيف بن حمود البطاشي، ج3 ص59 من التعليق " مرجع سابق ".
(2) البحر الفياض: سالم الرقيشي" مرجع سابق": ص4.
(3) مقابلة مع الشيخ سعيد بن حمد الحارثي في يوم الاثنين 29 من صفر الخير 1423ه الموافق 13/5/2002م
(4) مقابلة مع الاستاذ خلفان بن محمد الرواحي في يوم الاثنين 12 من رمضان 1423ه الموافق 18/11/2002م (1/33)
صفحة 34
"والناس ألف منهم كواحد وواحد كالألف إن أمر عنى"
حيث إن هذه النشأة عودته على تحمل المسؤوليات الجسام التي ألقيت على عاتقه بعد ذلك كتوليته نخل, ومنطقة الظاهرة فكان أهلا لذلك وقام بمهمته خير قيام (1) .
__________
(1) سيأتي ذكر أحداث توليته لمنطقة الظاهرة ونخل لاحقا إن شاء الله.
(*) الهناوي والغافري: هما حزبان متحاربان , ينسب الهناوي إلي خلف بن مبارك الهنائي, وينسب الغافري إلى محمد بن ناصر الغافري, وسبب هذا الافتراق نزاعات شيطانية, وتعصبات جاهلية من أجل مطامع دنيوية, وظل أهل عمان كل يوم في قتال واقتتال, وطعان ونزال, فاقتتلوا في كل بقعة وعلى كل مرصد وفي كل عاصمة ولم تزل الحرب تغلي في مراجلها وتوقد نيرانها ويرتفع لهبها ويعلو صوتها حتى انصهر أهل عمان في قوالبها ولم يبق فيها إلا هذان الرجلان: خلف بن مبارك ومحمد بن ناصر ولم يعرف في عهدهما اسم لغيرهما فكان القيل والقال غافري وهناوي لا ثالث لهذين الرجلين ولا راية لغيرهما فأثر ذلك الافتراق في أهل عمان تأثيرا سيئا لا يزال يسري في الجسم العربي إلى حد بعيد حتى عم العرب بعمان وما حواليها فنسأل الله أن لا يحيي هذه الذكرى. انظر العنوان عن تاريخ عمان سالم بن حمود السيابي ص210و 211 ط الأرشيف. (1/34)
صفحة 35
ونجد أن الشيخ - رحمه الله - قد تعلم بعد مرحلة مبكرة من نضوج عقله وفكره فقد ذكرت روايات متعددة في السن الذي تعلم فيه الشيخ الرقيشي منها: قيل إنه تعلم وهو ابن أربعين سنة كمثل الشيخ جاعد بن خميس الخروصي (1) .
__________
(1) مقابلة مع الشيخ سعيد بن حمد الحارثي, ومن مقابلة مع الشيخ خلف بن زاهر الشرياني "مرجع سابق" ولكن هذا غير مسلم فقد استبعد الشيخ كهلان بن نبهان الخروصي صحة هذه الرواية في أن جده الشيخ جاعد تعلم وهو ابن أربعين سنة, أو اقل من ذلك. لأدلة ذكرها في بحثه وقال: ..... ومما يؤكد تعلمه في زمن صباه وشبابه ونهله من العلم الشريف, والاغتراف من علوم الشريعة, ما أورده ابن رزيق بسنده: قال: حكى لي الشيخ الثقة القاضي مبارك بن عبد الله النزوي وكان تلميذ الشيخ حبيب بن سالم قال: لقد وفد على الشيخ العالم حبيب بن سالم الشيخ الرئيس جاعد بن خميس الخروصي أيام طلبه للعلم الشريف, وفي يد الشيخ جاعد بندقية ويسمى بالعامية "التفق" فلما سلم ورد عليه وجلس لديه وقعت يد الشيخ حبيب بن سالم في بندق الشيخ فجعل يقلبه بيده ثم قال له: هل هذا التفق لك ؟ قال نعم . فقال الشيخ حبيب: هل يصيب به الرامي الغرض إذا رمى؟ قال: فعلى ما عهدت عليه أن إصابته أكثر من خطئه, فقال له: أفلا يخطيء تارة كما يصيب تارة أخرى؟ فقال الشيخ جاعد: نعم. فقال له الشيخ حبيب إن عندي بندقا لايخطىء أبدا –إن شاء الله- فقال له الشيخ أبو نبهان في الحال: لعلك تعني كتاب بيان الشرع؟ فقال: نعم. قال الشيخ أبو نبهان: أحضروه لي, فأحضرنا له الأجزاء الموجودة الكلية. فقال: اقرؤوها علي سفرا سفرا حتى يكمل فلما أتممنا عليه قراءتهن. قال: أعيدوا قراءتهن علي ثانية كالأولى, فلما صنعنا ذلك قال: لقد حفظت ولله الحمد ما فيه من المؤتلف والمختلف. فكان بعد ذلك لم يحتج إلى قراءته عليه إذا حضر لديه. فلله دره من نبيه بصير وعالم فقيه.
ويستنتج من هذه الحادثة أنها وقعت أثناء طلب الشيخ للعلم لا كما قيل إنه كان ابن ثلاثين أو أربعين سنة.
كذلك أنها وقعت مع الشيخ سعيد بن أحمد الكندي بعد انتقاله وهذا مما لا يصح ؛ وذلك لأن الشيخ سعيد بن أحمد الكندي كان في سنة 1198هـ , مقيما في نزوى وكان الشيخ أبو نبهان قد اشتهر أمره وهو يومها ابن إحدى وخمسين سنة بدليل أن أهل نزوى وعلى رأسهم الشيخ الكندي قد استدعوا الشيخ أبا نبهان ليجد لهم مخرجا في قضية حصلت عندهم وقد فرح الناس بوصوله عندهم.
أضف إلى ذلك أن الثابت أن الشيخ الكندي لم يرجع إلى نزوى بعد انتقاله منها إلى الهجار ثم إلى نخل وتوفي فيها.
كذلك أن الشيخ أبا نبهان كان شديد الاعتناء بالأثر, وخاصة كتب الشيخ أبي سعيد الكدمي فقد نسخ الشيخ لنفسه كتاب التعليق على كتاب الإشراف لابن المنذر الذي كتب تعليقاته الشيخ أبو سعيد الكدمي, نسخه أو نسخ بعض أجزائه في مرحلة مبكرة من حياته وهو لم يتجاوز الثانية والعشرين من عمره وأثبت تاريخ الفراغ من نسخ الكتاب وقال نسخته لنفسي.
ومما يؤكد المنزلة التي وصل إليها الشيخ في العلم والفضل أنه لم ير صحة بيعة الإمام أحمد مع أن الشيخ حبيب بن سالم الأمبوسعيدي هو الذي بايعه, والشيخ الكندي هو الذي أطلق لقب " الإمامة" وقال الشيخ جاعد: إن التسمية بالإمامة تحتمل وجوها فكان عمر الشيخ جاعد يومئذ عشرين عاما.
فإذا لامناص لنا من أن نسلم أن الشيخ أبا نبهان ترقى إلى تلك المنزلة العلمية الرفيعة, وتربع على كرسي القيادة الفكرية في مرحلة مبكرة من حياته.
انظر تحقيق مقاليد التنزيل للشيخ أبي نبهان جاعد بن خميس الخروصي للشيخ كهلان بن نبهان الخروصي "بحث تخرج بمعهد القضاء الشرعي والوعظ والإرشاد ص16-18 "بتصرف" (1/35)
صفحة 36
وقيل: إنه تعلم وهو ابن خمس وثلاثين سنة (1) , وقيل: تعلم وهو ابن ثلاثين سنة (2) .
وقيل: أقل من ذلك ما بين الخمسة والعشرين, أي يحتمل الرأي الأخير لعدة أمور منها:
أن الإمام سالم بن راشد الخروصي عندما نصب للإمامة عام 1331هـ, عين الشيخ الرقيشي مستشارا له ومسؤولا عن علاية نزوى 1335هـ.ومما هو معلوم أن الإمام سالم لا يعين أحدا ليس أهلا للقيام بهذه المسؤولية و لابد للذي يتولى هذه المهمة أن يكون على درجة من العلم, وكان عمره آنذاك , لا يجاوز ثلاثين سنة كذلك لا ننسى أن شخصية الشيخ الرقيشي شخصية قيادية فذة. أضف إلى ذلك حفظ الشيخ الرقيشي وفهمه الثاقب وكان له دور في تعلمه وطلبه للعلم بحيث أعاناه على طلب العلم واستدراك ما فاته.
وأضف إلى ذلك أيضا أن الشيخ الرقيشي – رحمه الله – كان عنده اطلاع على بعض فنون العلم و منها: الأدب واللغة, ولقد أنهى حفظ القرآن الكريم في مرحلة مبكرة من حياته و كان عمره سبع سنوات وقال الشعر وهو ابن إحدى عشرة سنة,وقال قصيدته الرائية في الغزل (3) وهي موجودة عنه في مخطوطة ,والتي قال فيها:
" يا خليلي لا تماري في هوى ذات الخمار
لو براك الشوق مثلي كنت يوما في اضطرار
لو رأت عيناك غيدا لغدا دمعك جاري
غادة قد غادرتني في ثياب الاصفرار
ذات جيد من لجين وخدود من نظار"
__________
(1) مقابلة مع الأستاذ /خلفان بن محمد الرواحي "مرجع سابق"
(2) المرجع السابق "بتصرف"
(3) مقابلة مع الشيخ زاهر بن محمد بن سالم الرقيشي يوم السبت23 من ذي القعدة 1423هـ الموافق 26/1/2003م (1/36)
صفحة 37
وهذا كله يدل على أن الشيخ مطلع منذ صغره وله اهتمام بالعلم, ولكنه ابتلي بما ابتلي به أقرانه فانقطع عن طلب العلم في العقد الثاني من حياته" (1) ثم واصل وجد واجتهد في ذلك ولاشك أن الشيخ قد صبر وسهر فأيقظ ليله ووصله بنهاره, لأن الذي تركه من خير وعلم وصلاح في البلاد يدل على عمل دؤوب وجهد كبير حتى تنسم صهوة المجد, ولو أنه لم يجتهد لما نال ما ناله من علم (2) .
كذلك أن الشيخ الرقيشي بدأ يتعلم على يد العلامة أبي زيد في سنة 1328هـ في مسجد الحواري بإزكي بعد أن نهل من عند الإمام السالمي – رحمه الله – المنبع الصافي والبحر الغزير (3) , ورأى الشيخ أبو زيد الريامي من الشيخ الرقيشي إقبالا كبيرا على طلب العلم واجتهاده في ذلك, ورأى منه مخايل النباهة والذكاء , وحينها كان عمر الشيخ- رحمه الله -ثلاثا وعشرين سنة فبهذا كله يتأيد الرأي الأخير أي أن الشيخ واصل تًعلمَهُ في مطلع العقد الثالث من حياته – والله أعلم وأحكم - .
وكم للشيخ من مناقب حميدة, وخصال مجيدة في دفاعه عن أهل الحق والذب عن حياضهم بنشر كلمة الخير وسعيه الدؤب في ذلك, ومجاهدته لأهل الأهواء والتحزبات الجاهلية الشعواء بقوله وفعله وقلمه. فقد سئل –رحمه الله – من بعض الناس وقالوا له: لا نعرف هل أنت غافري أم هناوي؟! لأنك حاربت الهناوية الغافرية, فأجابهم قائلا:
__________
(1) ترجمة عن سيرة الشيخ الرقيشي - خلفان بن محمد الرواحي "مخطوط" "مرجع سابق"
(2) مقابلة مع الشيخ زاهر بن محمد الرقيشي "مرجع سابق"
(3) انظر: النظام الإداري والمالي عند الشيخ أبي زيد الريامي- الشيخ أحمد بن جابر المسكري بحث تخرج بمعهد القضاء الشرعي والوعظ والإرشاد سنة 1414ه ,1994م صفحة (7) "بتصرف" (1/37)
صفحة 38
" أنا لست من الفريقين بل أنا خادم الإمام........." (1)
وكان يسعى – رحمه الله – في إخماد هذه التحزبات القبلية بين الهناوية والغافرية فكثيرا ما يردد ويستنجد بإمام المسلمين – محمد بن عبدالله الخليلي – في مساعدته لكف هذه الفتن فمن ذلك قوله:
محا الله عنا بدعة ما أضلها لأهل عمان حين قسم أهلها
هناوية أم غافرية هل لها من الدين من أصل وأنت خبير
قتبا لها من بدعة أي بدعة بها القوم سكرى في مهامه ظلمة
فقم وامحها محو النهار لظلمة فإن لك الله القوي نصير (2)
وقال كذلك وهو يجأر إلى ربه ويذكر بني قومه أن هذه الفتن إنما هي من حبال الشيطان التي نصبها لبني الإنسان فحثهم على التخلي عنها ونبذها حيث قال:
ألا فارفضوا هذه الشفوف فإنها لمحبطة أعمالكم وتبريها
هناوية أم غافرية هل لها من الدين من أصل وأنت خبيرها
لقد نصب الشيطان بدعته لكم يطوف بها بينكم ويديرها (3)
و أخبرني ابنه الوالد سالم – حفظه الله و رعاه – أن الشيخ الرقيشي كان يحفظ منذ أن كان عمره يومًا واحداً – فسبحان من بيده ملكوت كل شيء – فيذكر أن امرأة جاءت لقص " صراره " بحرف، ثم وضعت ذلك الحرف في جدار، و عندما كبر في سنه سُئل عن ذلك الحرف فقال شيخنا الرقيشي: أنا أعرف مكانه، فأخبرهم بالمكان، فوجدوه هنالك – فلله دره من رجل - (4) .
__________
(1) انظر اللؤلؤ الرطب للشيخ سعيد بن حمد الحارثي ص12 "بتصرف" وانظر البحر الفياض سالم بن محمد الرقيشي ص11 فقد أجابهم الشيخ -رحمه الله – أنا لست من هؤلاء ولا هؤلاء وأسال الله أن يجعلني ممن يتبعون الحق فأميل حيث مال.
(2) انظر البحر الفياض ل سالم بن محمد الرقيشي ص98 , وانظر الملحق رقم ( 16 )
(3) انظر المرجع السابق ص 95 وانظر الملحق رقم ( 15 )
(4) مقابلة مع الوالد سالم بن محمد الرقيشي " مرجع سابق ". (1/38)
صفحة 39
و قد تلقى شيخنا الرقيشي – رحمه الله – علم القرآن الكريم و النحو، ومبادئ الدين في وطنه، و أتقنها في السابعة، كما أنه أجاد الشعر في الحادية عشر من عمره، و قال قصيدته المشهورة وهي أولى قصائده التي مطلعها:
يا خليلي لا تماري في هوى ذات الخمار
لو براك الشوق مثلي كنت يوما في اضطرار (1)
لقد حفظ شيخنا الرقيشي قدرا كبيرا من القرآن الكريم، و أتقنه و أجاد قراءته، فطبع في قلبه حب العلم و المعرفة، وسمو الهمة و العزيمة.
ولقد ترك القرآن الكريم أثرًا عميقًا في شخصيته بعد ذلك، و هذا يدل على شدة تعلقه بكتاب الله، و عمق علمه بأن القرآن وعاء لجميع العلوم، ففيه علم الأولين و الآخرين ويقول في ذلك الشيخ أبو مسلم البهلاني (2) :
وخذ بكتاب الله حسبك إنه دليل مبين للطريق خفير
فما ضل من كان القرآن دليله و ما خاب من سير القرآن يسير
تمسك به في حالة السخط و الرضا و طهر به الآفات فهو طهور
و حارب به الشيطان و النفس تنتصر فكافيك منه عاصم و نصير (3)
فالقرآن يوزع في النفس طمأنينة الإيمان و برد اليقين، و حلاوة الطاعة، ولذة المناجاة لرب الأرض و السماء، فتكتسب تلك النفوس شفافية و حسا مرهفا، و تشرأب للارتواء من ينبوعه الصافي.
__________
(1) سالم بن محمد الرقيشي، البحر الفياض ص 5 " بتصرف " مرجع سابق.
(2) هو العلامة ناصر بن سالم بن عديم الرواحي البهلاني نشأ في حجر والده على العلم و المعرفة، و أصبح من علماء عصره و مصره، حتى لقب بعالم الشعراء و شاعر العلماء، و لد سنة 1377هـ، و توفي في غرة صفر الخير 1339هـ، من مؤلفاته العقيدة الوهبية و نثار الجوهر في علم الشرع الأزهر، و النور المحمدي، و له ديوان شعر بارز، انظر مقدمة العقيدة الوهبية، الشيخ سالم بن ناصر الرواحي ص 5 و ما بعدها ط1 1424 هـ - 2003م مكتبة مسقط سلطنة عمان.
(3) ديوان أبي مسلم- ناصر بن سالم الرواحي "مرجع سابق" ص25. (1/39)
صفحة 40
فأمثال هؤلاء العلماء الأفذاذ يرون بنور الله ما لا يراه المبصرون فهذه السمة كانت في شيخنا الرقيشي – رحمه الله- فكم من حادثة وقعت و حكم فيها بما أتاه الله من العلم و البصيرة و النور المبين الذي يستمده من الدستور المكين ألا و هو القرآن الكريم (1) .
رغم رغبته الشديدة – رحمه الله – في طلب العلم و التعلم نجده يتوقف " عن الدراسة تماما في العقد الثاني من حياته " (2) بسبب ا لظروف السائدة في ذلك الأوان منها الحروب القبلية و الانقسام الجاهلي و ابتلي بهذا ثم بقي مساندا لوالده و مؤازرا له، لكن رغم هذا لم يتوانَ عن أخذ ما يحتاجه من الكتب الدينية، و اعتمد على نفسه في التعلم الذاتي، و أخذ نصيبا لا بأس به من العلم (3) " و بما لدى شيخنا من فطنة و ذكاء و فهم ثاقب و قوة في الحفظ إلى سابق خبرته و مبادئه التي حصل عليها من قبل و ما يحمله من إرادة و تصميم استطاع أن يجمع بين أمرين مهمين وهما العلم و العمل " (4) .
__________
(1) تحقيق مخطوط النور الوقاد، ناصر بن محمد بن عامر الحجري بحث تخرج بمعهد القضاء و الوعظ و الإرشاد 1417هـ 1997م ص27 ( مخطوط ) " بتصرف ".
(2) ترجمة عن سيرة الشيخ الرقيشي، خلفان بن محمد الرواحي، مخطوط غير منشور " مرجع سابق " ص 14 بتصرف.
(3) البحر الفياض ، سالم الرقيشي ص5 "مرجع سابق"، و من مقابلة مع الشيخ سعيد بن حمد الحارثي، يوم الاثنين 29 من صفر الخير 1423هـ، 13/5/2002م.
(4) البحر الفياض،سالم الرقيشي ص 6. (1/40)
صفحة 41
وقد عمل شيخنا في مهنة الصياغة، و جعل من عمله في الصياغة (1) مكتبة عامرة ، فوفق بين العلم و العمل ، و واصل في طلبه للعلم عن طريق اهتمامه الذاتي ،و إقباله عليه (2) ، و متى ما أشكل عليه شيء أو ا ستعصى عن فهم بعض المسائل رجع في حلها إلى المشائخ
الموجودين في إزكي (3) .
أضف إلى ذلك أن شيخنا الرقيشي تربى و نشأ في بيئة عودته على شظف العيش و شدته، وفي زمن قل فيه الطعام و الشراب فقد تعود الشيخ على مثل هذه الحياة القاسية، و ظهر ذلك جليا واضحا فيما بعد، و ذلك عندما حوصر في نخل، وقطع عنه الماء هو ومن معه، فصبروا و تجلدوا و احتسبوا أجرهم عند الله تعالى و إلا فمن ذا الذي يصبر عن الماء الذي هو شريان الحياة ؟؟!! ، و خاصة في وقت الصيف الحار، فقد قال الله تعالى: " و جعلنا من الماء كل شيء حي " (4) فهذا الصبر و التحمل، نشأ من تلك التربية التي عوَد نفسه عليها أيام شبابه فلله دره، ولهذا وجب على شباب هذه الأمة أن يعودوا أنفسهم على شدة العيش و شظفه، و أن يخشوشنوا فإن النعمة لا تدوم، فلربما أحوجهم الدهر إلى أحلك الضائقات و أشدها، و دوام الحال من المحال.
المبحث الثالث:( صفاته وأخلاقه )
"صفاته الخَلقِية والخُلقِية:"
__________
(1) صناعة الحلي الذهبية و الفضية وإصلاحها.
(2) مقابلة مع الأستاذ: يحيى بن عبدالله بن منصور الرقيشي، يوم الإثنين 6 من ربيع الثاني 1423هـ، 17/6/2002م.
(3) سالم بن محمد الرقيشي، البحر الفياض ص5 " بتصرف ".
(4) سورة الأنبياء الآية 29. (1/41)
صفحة 42
وُصِفَ الشيخ الرقيشي ـ رضوان الله عليه ـ بصفات خَلْقية وخُلُقية عديدة تحلى بها ذلك الشيخ الغيور ومن صفاته الخَلْقية أنَّهُ كان ذا هيبةٍ ووقار وذا شكيمة ، وعزيمة قوية و كان أبلج (1) العينين حمراوين (2) وأمَّا بالنسبة لجسمه فهو مربوع الجسم والقامة (3) : أي قوي وقصير في بنيته وواسع ما بين المنكبين (4) وهذا إن دل على شيء ؛ فإنما يدل على طبيعة البيئة التي ترعرع فيها حتى صقلته بذلك الحال وكان ـ رحمه الله ـ ذا لحية طويلة كثة ومخيفة ولونها ما بين السواد والبياض وكانت في آخر حياته بيضاء (5) حتى إنَّ المبشر النصراني وصفه بأنه من أشرس الناس في الجزيرة العربية وقال عنه أنّه المرعب (6) أما لون بشرته فهي أقرب إلى السمورية (7) .
__________
(1) أبلج: يقال رجل أبلج بَيِّن البلج إذا لم يكن مقروناً. وفي حديث أم معبد في صفه النبي صلى الله عليه وسلم ( أبلج الوجه ) أي مشرقة ولم ترد بلج الحاجب لأنها تَصِفَهُ بالقرن كذا قال أبو عبيد . انظر مختار الصحاح: محمد بن أبي بكر الرازي دار الكتب العلمية ط الأولى 1414 هـ ـ 1994 ص 65 ص 66 .
(2) مقابلة مع الشيخ يحيى بن سفيان الراشدي ـ يوم الأحد 14 من رجب الأصم 1423 هـ الموافق له 22 / 9/ 2002م.
(3) مقابلة مع الشيخ سالم بن حمد الحارثي يوم السبت 17 رمضان 1423 هـ الموافق له 23 / 11/ 2002 م.
(4) مقابلة الشيخ خلف بن زاهر الشرياني ـ يوم الأربعاء 6 من شوال 1423 هـ ـ الموافق له 11/ 12/ 2002 م.
(5) مقابلة مع الشيخ سالم بن حمد الحارثي ( مرجع سابق ) .
(6) مقابلة مع السيد محمد بن أحمد البوسعيدي يوم الاثنين 30 من رجب الأصم 1423 هـ ـ الموافق له 7/10/2002م .
(7) مقابلة مع الشيخ خلف بن زاهر الشرياني (مرجع سابق ) . (1/42)
صفحة 43
وكتب المبشر النصراني ( ويلفرد شيجر ) الملقب بمبارك بن لندن في معرض وصفه الشيخ الرقيشي حيث قال : (.... وبينما كنا نمر تحت قبة صخرية هائلة فاتحة اللون تشكل دعامة لجبل ( الكور ) التقينا بثلاثة رجال على نياقهم ، أحدهم كان الرقيشي المخيف محافظ عبري وهو رجل ساخط ،صغير الحجم غارق تحت عمامته الكبيرة البيضاء .....) (1) ، ولم يأب قلم ولسان هذا الكاتب إلا أن يسيل زعافاً ويسيل لعابه ليحرف ويزيف وحاول قلب الحقيقة كعادة الكتاب الغرب الأوغاد الذين لا هَمَّ لهم إلا تحقيق مأربهم ومصالحهم ؛ ولكن أنَّى له ذلك ، و أنَّى للحصى أن يشابه اللؤلؤ و المرجان ، فالحقيقة واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار لمن كان له قلب أو ألقى السمع و هو شهيد ،و انظر أخي القارئ في ما قاله ذلك الكاتب في كتابه حيث قال : (.. كنت ساعتها ممتطيا ناقتي مع (بن كبينة ) و (بن الكمام ) والعامريين ، ونمشي خلف بعضنا ، وكان الرقيشي قد التقاهم للتو ، وحذر ياسر* فورا بأن المسيحي في المنطقة وأنّه في الطريق إلى نزوى لإبلاغ الإمام بالأمر وأصيب برعب عندما علم أنني برفقتهم وتركهم من دون أن يتفوه بكلمة" (2) ، فأقول الله أعلم من الذي أصيب بالرعب أنت أم الرقيشي ؟! فقد ذُكِرَتْ لي هذه القصة من قِبَل أكثر من واحد ولكنها بخلاف ما ذكرها هذا النصراني .
__________
(1) الرمال العربية، ( ويلفرد شيجر ) الملقب بمبارك بن لندن ـ (رائع ريتشارد هولمز ) التايمز ط الخامسة طبع مطبعة راشد عجمان ـ ب م الإمارات العربية المتحدة ص 331 .
(2) المرجع السابق ص332 .
*هو الشيخ ياسر بن حمود المِجْعَلِي أحد شيوخ البادية من المنطقة الداخلية . (1/43)
صفحة 44
فعندما كان الشيخ الرقيشي في عبري ووطد الأمن فيها حرص على أن لا يدخل أحد من الخونة الغرب أرض الإمامة حتى أن البدو الذين كانوا مع مبارك بن لندن قالوا له سنوصلك إلى أي مكان شئت وندافع عنك حتى عند الإمام الخليلي ـ رحمه الله ـ أما الرقيشي فلا طاقة لنا به.
وعندما أرادوا المرور بعبري قال أحدهم: لا يمكننا دخول بلاد الدروع ؛ لأنهم حُذِّروا من استقدام المسيحيين إلى منطقتهم فاحتاروا ماذا يصنعون ؟وقال أحد المرافقين لابن لندن (إننا لم نتفق أبدا أن نحوم حول أراضي الدروع ولا أن نذهب قريبا من عبري... والله هذا جنون ألا تعرفون أن أحد حكام الإمام يدعى الرقيشي موجود هناك ؟ ألم تسمعوا بالرقيشي أبدا ؟ ماذا تعتقدون أنه سيفعل إذا سمع بوجود مسيحي في بلاده إنه يكره الكفر والكفرة.....ولا تظن أن عمان صحراء بل إنها بلاد مسكونة ويحكمها الإمام بواسطة حكامه أسوأهم هو الرقيشي واعلم أن الدروع بدو مثلنا ولكنهم أعداؤنا إننا نستطيع تهريبك عبر أراضيهم لكن التباطؤ هنا عمل جنوني وكذلك البقاء قرب عبري... هل تسمع ؟ إن أول مَنْ يَرَاك يا مبارك سوف يتوجه مباشرة لإبلاغ الرقيشي ؟ (1) .وفعلا علم الشيخ الرقيشي بوجوده فتوجه صوبه لقتله ممتطيا ركابه إليهم فوجدهم في مكان بين عبري وبهلاء يسمى (نجد المصلى) (2) وكان الوقت ليلاً وكان ـ رحمه الله ـ يوصف بحدة النظر وقوة البصر ويقال أنه كان يرى ظلة الخطام (3) في ليلة 29 فقد رزقه الله نظراً لم يُرْزَقْ به أحد من أبنائه (4) .
__________
(1) نفس المرجع السابق ص159 (بتصرف) .
(2) مقابلة مع الشيخ زاهر بن محمد بن سالم الرقيشي يوم السبت 23 من ذي القعدة 1423 هـ الموافق له 26 /1/ 2003م .
(3) الخطام :من خَطَم : وهو الزِمام . انظر مختار الصحاح " لأبي بكر الرازي " مرجع سابق " ص172.
(4) مقابلة مع الوالد عبد الله بن منصور الرقيشي يوم الاثنين 6 من ربيع الثاني 1423هـ الموافق له 17/6/2002م (1/44)
صفحة 45
فرأى المسيحي يختبي خلف ركاب البدو وكان البدو قد حذروا مبارك وقالوا له: (اختبي و لا تجعله يراك حتى يذهب وقبل وصول الشيخ قالوا لمبارك جاءك الذي كنا نحذرك منه. وعندما وصل الشيخ سَلَّمَ عليهم وقال لهم أين صاحبكم ؟ (1) ، فقام إليه ياسر بن حمود المجعلي شيخ عز وقال للشيخ : نريد أن نتفاكر فأخذه في جانب وقال له بأن الإمام قد أعطى مبارك ذمة. فرَدَّ عليه الشيخ الرقيشي وهو يتميز غيظاً وغضباً وقال له: يا ليتك لم تخبرني وإلا كنت أعرف كيف أتصرف معه؛ ولكن ما دام الإمام أعطاه ذمة فلا تصرف عندي واسمع يا ياسر إن عبري وما حولها لا أريد مبارك أن يقترب منها وإذا دخل أي منطقة فأنا أتبعك أنت و لا أتبع مبارك . فقال ياسر للشيخ : - إن شاء الله – أنني لن أَمُرَّ به من عبري .
فقاموا من ليلتهم تلك فمروا به منطقة الدريز مع بني غافر ثم صعدوا به وادي فداء ثم أخرجوه من ضنك إلى الإمارات؛ لأنَّ ياسر ومن معه من المرتزقة كانوا يعلمون أنهم لو مروا به من عبري سيحاكموا من قبل الشيخ (2) فنجى منها مبارك.
__________
(1) مقابلة مع الشيخ زاهر بن محمد الرقيشي. "مرجع سابق " . بتصرف
(2) مقابلة مع الوالد عبد الله بن منصور الرقيشي " مرجع سابق ". بتصرف (1/45)
صفحة 46
كما أن المولى عز وجل جعل المهابة في شخصه وقذف الرعب في قلوب أعدائه فهذا حال جميع من اتقى الله و خاف عقابه فصدق من قال : " إنَّ من كثر خوفه من الله هابه الناس، و من قل خوفه من الله استهان به الناس " فيذكر عنه أنه إذا تكلَّم يجعل نفسه كأنه صم لا يسمع (1) حتى يُندِر الهيبة وكان صوته جهوري. وتجد الذين يشتكون عنده يرتعدون من هيبته.هذا في حال حياته، كما أكرمه الله تعالى بالمهابة حتى بعد مماته، فعندما فجعهُ ريب المنون، ووصل أجله المحتوم، وانتقل إلى الرفيق الأعلى، وجيء به لدفنه، ظل ذلك الحارس فوق رأسه يحرسه بسلاحه خوفاً وفزعاً منه كي لا يفيق. وهو قد فارق الحياة (2) فيا سبحان الله. وصدق فيه قول الشاعر:
علو في الحياة وفي الممات ** لحق أنت إحدى المعجزات
حتى قال:
ولما ضاق بطن الأرض عن أن ** يضم علاك من بعد الوفاة
أصاروا الجو قبرك واستعاضوا ** عن الأكفان ثوب السافيات (3)
وتجلى فيه بحق قول أبي مسلم البهلاني رحمه الله:
"باعوا بباقية الرضوان فانيهم ** كأن لذة هذا العيش أوثان " (4)
وقال - رضوان الله عليه- كلمته التي بقيت خالدة مدى الدهر وحق أن تكتب بماء التبر على صفحات اللجين حيث قال في الذين ظلموه: " عجبت من قومٍ يقودونني إلى الجنة بالسلاسل" (5) . فأبشر بها و أنعم يا أبا زاهر.
__________
(1) مقابلة مع الشيخ خلف بن زاهر الشرياني "مرجع سابق" .
(2) مقابلة مع الشيخ يحيى بن سفيان الراشدي " مرجع سابق ".
(3) جواهر الأدب في أدبيات و إنشاء لغة العرب، أحمد بن إبراهيم بن مصطفى -.مؤسسة التاريخ العربي - بيروت لبنان .
ط1 1419هـ - 1999م - صفحة 313.
(4) ناصر بن سالم بن عديم الرواحي - ديوان أبي مسلم البهلاني - طَبَعَهُ صالح بن عيسى الحارثي 1406 هـ - 1986م ص.302
(5) مقابلة مع الشيخ سالم بن حمد الحارثي " مرجع سابق " . (1/46)
صفحة 47
وكان الشيخ العلامة التقي محمد بن سالم بن زاهر الرقيشي – رحمه الله تعالى - " رجلا صلبا آمراً بالمعروف، وناهيا عن المنكر ملتزما بأوامر الله مراعيا له في سره و جهره، و كان قوله و فعله لا يملان من رد المتطرفين، و دحر شوكة العاصين و المفسدين مع أنه عاش في فترات صعبة، ومع مجتمعات متعسفة عن قبول الحق" (1) .
و لكن رغم هذه الظروف و الصعوبات التي واجهته لم ينثن عن قول الحق، ونشر الخير، و البر للخلق.
فقد لاقى و عانى شيخنا من البدو القساة الأجلاف في المناطق التي تولاها بصفة عامة، و من أهل الظاهرة بصفة خاصة، و كان حمل الظاهرة على عاتقه حملا ثقيلا، و مسؤولية عظيمة، و مهمة صعبة (2) لا يقوى على حملها إلا من كان أهلا لها، لكن مع هذا كله ضحى بكل ما أوتيه من لسان قوال، و قلم سيال، وسنان فعال في سبيل رب العرش و الجلال من أجل نشر الخير، و كسر شوكة أهل الضلال، و في ذلك يقول شيخنا رحمه الله -:
طورا بإزكي و في عبري أكون بها طورا، و طورا من الأيام في أدم
أرجو من الله توفيقا لنشر هدى و طي جور، و هذا غاية الهمم
أرجو من الله إصلاح البلاد و إخماد الفساد و تبيينا لكل عمي (3)
وقد رأيت أن أجعل أخبار شيخنا الرقيشي متسلسلة حسب الصفات و الأخلاق النبيلة التي تسربل بها ذلك الهزبر الضاري من خلال حياته، مع العلم أنني أعترف بالتقصير في إحصاء مناقب ذلك العلم الشامخ،والولي الصالح ، ولكنني سأذكر ما تيسر منها و إليك أخي القارئ هذه الصفات:
أولا: شجاعته و حزمه:
إن من الأخبار و القصص عن شجاعته، و حزمه الشيء الكثير فمن ذلك: أُخْبِرَ
__________
(1) السيرة الذاتية و المنهج الفقهي للشيخ أحمد بن سعيد الخليلي خليل بن أحمد الخليلي، بحث تخرج معهد القضاء الشرعي والوعظ و الإرشاد 1418هـ - 1997م: ص77 " بتصرف".
(2) البحر الفياض: سالم الرقيشي، ص22 " مرجع سابق " بتصرف ".
(3) المرجع السابق: ص90. (1/47)
صفحة 48
شيخنا بأن جماعة من بني قتب (1) جاءوا ليقتلوه، و كان عددهم أربعة عشر رجلا، و كان الشيخ في حصن عبري فقال: لا عليكم دعوهم يأتوا، و نادى على العسكر الذين معه في الحصن، و قال لهم: لا أسمح لأي شخص منكم أن يذهب إلى أي مكان، و عندما تسمعوا أنهم قد وصلوا كونوا على أهبة الاستعداد و كل واحد يجعل سلاحه جاهزا، وغطوا على اللوز (2) حتى لا يقولوا بأن سلاحكم شابك (3) ، و جاء الأربعة عشر بسلاحهم ، و دخلوا الحصن ، و قالوا للشيخ نريد أن نتفاكر ، فقال لهم : إن شاء الله بنتفاكر ، و جاء العسكر و تحلقوا من خلفهم من كل جهة ، و كان قد أوصاهم أنكم إذا رأيتم أحدا تحرك منهم فأطلقوا عليه الرصاص ، و ما تقولوا أنني لم أقل لكم ذلك .
__________
(1) بنو قتب: في ضبة، و من النزار بعمان، و هم قوم من ضبة بن أدد بن طابخة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، و منازلهم ضند إلى رمال الأفلاج القريبة منها إلى رمال البريمي، و الصنية و ما إليها، و بنو قتب بادية شرارة في البدو و العربية من عمان نهابة. انظر: إسعاف الأعيان في أنساب أهل عمان، سالم بن حمود السيابي، منشورات المكتب الإسلامي ص65.
(2) اللوز: عبارة عن حديدة صغيرة مثل المسمار تظهر عندما يكون السلاح جاهزا على أهبة الاستعداد و لا تظهر عندما يكون غير معبأ و هذا يختص بسلاح " الصمع فقط ".
(3) شابك: أي جاهز و على أهبة الاستعداد. (1/48)
صفحة 49
ثم بدأوا في الحديث، و أخذ الشيخ أخبارهم، وما عندهم، ثم أخذوا يسترسلون في الحديث بلا فائدة، وضلوا يرددوا ويكرروا " كذا و كذا و كذا " فقال لهم ذلك الهزبر الضرغام " كذا و كذا وكذا " انتهت إذا كان عندكم شيء آخر ائتوني به، فلم ينطق أي واحد منهم ببنت شفته، و قال الشيخ للعسكر: افتحوا لهم الباب، و إن رأيتم أحدا منهم يفعل شيء نقعوا فيه و لا تبالوا، فرجع القوم من عنده أذلة صاغرين، و لم يحصل لهم ما أرادوا (1) .
و ما ذلك إلا نتيجة لتلك الشجاعة و الإخلاص الذي أكرمه الله تعالى به، فلم يكن ليخاف أحد من البشر، ما دام على الحق المستقيم و النهج القويم، و في ذلك يقول عالم الشعراء، و شاعر العلماء الشيخ أبو مسلم – رحمه الله –
وإن تجد مزية اختصاص فتلك من نتائج الإخلاص
فأخلص من الحادث بالكلية ولا تسل عن منتهى القضية (2)
ثانيا: صدعه بالحق، و عدم مبالاته في قول الصدق:-
إن المتتبع لأخبار الشيخ الرقيشي يجد الشيء العجيب في صدعه بكلمة الحق، مع من كان من الخَلْق، و نجده لا يخشى من غضب الناس و سخطهم عليه.
__________
(1) مقابلة مع الوالد علي بن سيف الفهدي ، أحد العساكر الذين كانوا عند الشيخ الرقيشي في الظاهرة ، يوم الخميس 28 من جمادى الأولى 1423هـ ، الموافق 8/8/2002م .
(2) نثار الجوهر في علم الشرع الأزهر،ناصر بن سالم الرواحي، ج2 مكتبة مسقط الطبعة الأولى 1423هـ 2001م ص214. (1/49)
صفحة 50
يقول الشيخ الرقيشي " لما دخلت على السلطان سعيد بن تيمور (1) سنة سبعين و ثلاث مائة و ألف، و رأيت منه إقبالا كبيرا علي، و كنت أنتهز الفرصة لأقول كلمة الحق (2) ، ممتثلا أمر النبي – صلى الله عليه وسلم – " أفضل الأعمال كلمة حق يقتل صاحبها عند سلطان جائر " (3) ، و ذات يوم قال لي : بم توصني ؟
فوجدت الفرصة سانحة، فقلت: " بتقوى الله "، فأوجم عني ساعة، كأنها لم تعجبه !! ، ثم قال: هذه الكلمة لم يقلها إلا الشيخ عيسى لما دخل عندي، و من مثله نحتملها، قال: فسكت عنه (4) .
و من ضمن المواقف المشرقة في حياة هذا القائد الشاري، و الهزبر الضاري التي تدل دلالة واضحة على قول الحق، ولو كان ذلك على حساب حياته أنه لما كان واليا و قاضيا في إزكي للسلطان سعيد بن تيمور و كان يعطيه سبعمائة قرش و لم يكن يعطي ذلك أحدا، إلا الشيخ الرقيشي، ولما جاء الشيخ طالب بن علي الهنائي من الدول العربية و من معه، قالوا للشيخ الرقيشي: هل أنت معنا، أما مع سعيد بن تيمور ؟ فأجابهم على الفور : أنا مع الحق !! فقالوا له : سيقطع عنك السبعمائة قرش .
__________
(1) سعيد بن تيمور بن فيصل البوسعيدي ( 1324هـ – 1906م/1392هـ -1972م)، هو السلطان الحادي عشر من سلاطين البوسعيد في عمان، تولى الحكم بعد تنازل والده له( عام 1932م إلى عام 1970م)، وقد قضى 38عاما في الحكم، وعانى أهل عمان من جوره و بطشه و تسلطه عليهم، انظر دليل أعلام عمان ص79، جامعة السلطان قابوس "بتصرف".
(2) الشيخ سعيد بن حمد الحارثي، اللؤلؤ الرطب في إبراز مستودعات القلب ص331 " بتصرف ".
(3) رواه الإمام الربيع بن حبيب في مسنده، الجامع الصحيح لمسند الإمام الربيع، دار الحكمة، بيروت، مكتبة الاستقامة سلطنة عمان ط1، 1415هـ - 1995م ص184 باب في فضل الشهادة.
(4) الشيخ سعيد بن حمد الحارثي، اللؤلؤ الرطب في إبراز مستودعات القلب ص 331 " بتصرف ". (1/50)
صفحة 51
قال الشيخ الرقيشي: "أنا ما أنخدم بفلوس " (1) .
وعندما انضم الشيخ الرقيشي إلى الإمام غالب بن علي (2) و من معه، قطع عنه سعيد بن تيمور السبعمائة قرش، و تحلّفهُ و توعده (3) ، ولكن شيخنا الرقيشي لم يثنه ذلك عن عزمه ، و كان لسان حاله يقول : " يغني الله عن بقرات زيد " (4) .
ثالثا: - ذكاؤه و حفظه و قوة ذاكرته.
__________
(1) مقابلة مع الشيخ نبهان بن سيف المعمري، يوم السبت 23 من جمادي الآخرة 1423هـ، الموافق 3/8/2002م.
(2) هو الإمام غالب بن علي بن هلال بن زاهر بن سعيد الهنائي ، ينتمي إلى قبيلة بني هناء ، انتخب في آخرشهر شعبان سنة ( 1373هـ - 1954 م ) بعد وفاة الإمام الخليلي و قبل أن يدفن ثم انتقل إلى المملكة العربية السعودية في الستينات من القرن الماضي بعد أن ضيق عليه سعيد بن تيمور الخناق هو و أسياده الإنجليز، وهو يعيش حاليا في الدمام، انظر حروف عمانية مضيئة سليمان بن علي بن سالم العبري ص 249، و انظر تاريخ عمان قديما و حديثا، محمد الزرقاء ص 239 " بتصرف ".
(3) مقابلة مع الشيخ نبهان بن سيف بن سالم المعمري " مرجع سابق".
(4) يعني أنه لا يضيره شيء لو قطع عنه المال لأنه لم يكن همه جمع حطام الدنيا، ولم يكن من عبدة الدرهم و الدينار فهذا لم يثنه عن عزمه و عن عمله الذي يعمله و إنما كان هدفه ومبتغاه الذي سعى إليه هو تبليغ رسالة الحق للخلق، و نشر الخير والهدى للعباد. (1/51)
صفحة 52
يذكر عنه ابنه الوالد سالم، بأن والده[الشيخ محمد ] أخبره أنه كان جالسا مع والده[ سالم بن زاهر ] يوما ما في أحد المجالس ، و كان معهم مجموعة من أهل البلد ،فأمر الشيخ سالم ابنه محمد بإحضار الرطب من النخلة المجاورة للمجلس ثم قال لحمد بن ماجد الرقيشي (1) : " و كان صاحب صوت جميل " أن يقرأ لهم قصيدة ، ولما رجع الشيخ محمد و معه الرطب ، و قعدوا لتناول القهوة ، قال أحد الحاضرين أنتم قرأتم القصيدة و محمد لم يكن حاضرا ،و هو ممن يحب الاستماع إلى الشعر فأجابهم : بأنني قد سمعت ما قاله حمد و حفظته ، فقال له والده : إن كنت حفظته فأسمعنا إياه ، فقرأ القصيدة التي سمعها بأكملها ، فتعجب الحاضرون من قوة ذاكرته (2) .
فهذا دليل على أن ذكاؤه، و قوة ذاكرته كانا سابقين لسنِّه، فقد كان متلهفا للعلوم حتى أنه نبغ في نظم الشعر، و سيأتي ذكر شيء من أخباره العلمية في الفصل الثالث إن شاء الله تعالى (3) .
رابعا: سياسته الفذة في توطيد الأمن، و نشر العدل:
__________
(1) حمد بن ماجد بن محمد الرقيشي، صاحب صوت جميل من ولاية إزكي كان معلما للقرآن في الولاية ثم أصبح كاتب للعدل في المحكمة و توجد صكوك شرعية بخطه عند أحفاده عاش في عصر الإمام سالم بن راشد الخروصي، معلومات هذه الترجمة من عند الطالب: سالم بن صالح بن سيف العزري.
(2) البحر الفياض ،سالم بن محمد الرقيشي، ص5"مرجع سابق".
(3) المرجع السابق ص5، و انظر: ملحق رقم ( 19 ). (1/52)
صفحة 53
كان الشيخ الرقيشي ذا سياسة فذة، و ذا بعد ثاقب، ينظر للأمور نظرة مستقبلية، من أجل نشر الأمن و الطمأنينة في قلوب الناس، و حَلَّ الأمور المستعصية، و أصلح ما فسد من أحوال البلاد، و استطاع خلالها توطيد دعائم الأرض و الاستقرار، و نشر العدل و المساواة بين الأهالي بعدما كانت شبه مفقودة و خاصة في منطقة الظاهرة حيث ظلّت ردحا من الزمن كهفا للبغاة و مرتعا للظلمة الطغاة و سوقا رائجة لبيع الأحرار من أبناء عمان الذين يخطفون من أنحائها علنا؛ و لكن الله تداركها بهذا الشيخ فأصلح فاسدها، و ردَّ شاردها و حماها من العابثين (1) ، و خلصهم من جور اللصوص ، و قطاع الطرق الذين جعلوا عباد الله خولا ، و استباحوا أموالهم أشرا و بطرا ، و لم يكن لهم هم إلا النهب و السرقة ، فقد استطاع ذلك المجاهد العظيم الذي كان موئل المسلمين في النوائب ، و مطمع كل محق و صائب من القضاء على أولئك الطغاة ، واستطاع أن يشرد بهم في البلاد ، و حارب أهل البغي و الفساد ، و نشر الأمن و العدل في البلاد .
__________
(1) ترجمة عن الشيخ الرقيشي، خلفان بن محمد الرواحي، " مرجع سابق"، ص 12 و 13 "بتصرف". (1/53)
صفحة 54
و مما يذكر عنه أنه لم يتول منطقة إلا و تزوج منها (1) ، و كان الشيخ الرقيشي يقول :" لا يصلح أن تتزوج واحدة ، أو اثنتين ، لازم تتزوج ثلاث أو أربع " (2) ، فكان من سياسته في توطيد تلك المناطق ، تزوجه من عند شيوخ تلك القبائل فتزوج العامرية بنت الركاض من عبري ، و تزوج من عند شيوخ المحاريق في أدم ، و زوجته المحروقية بنت الشيخ حارب المحروقي ، و هو من أعيان القبيلة و شيوخها (3) .
__________
(1) مقابلة مع السيد محمد بن أحمد بن سعود البوسعيدي، يوم الاثنين 30 من رجب الأصم 1423 هـ، الموافق 7/10/2002م.
(2) مقابلة مع الشيخ سعيد بن حمد الحارثي، يوم الاثنين 29 من صفر الخير 1423هـ الموافق 13/5/2002م.
(3) مقابلة مع الوالد عبدالله بن منصور الرقيشي، يوم الاثنين 6 من ربيع الثاني 1423هـ، الموافق 17/6/2002م. (1/54)
صفحة 55
و كذلك قام بتقريب شيوخ و أعيان المناطق التي تولى فيها، و عندما كان شيخنا في منطقة الظاهرة، علم بأن غثاثة البدو لا تنتهي هنالك."فكر ثم فكر ثم نظر من هي القبيلة التي لها الشأن، و لها اليد العليا في ذلك الأوان من قبائل البدو المشهورين بمنطقة الظاهرة، ثم وجد الشيخ ضالته بأن وجد القبيلة السائدة التي لها الشوكة، و تحسب لها قبائل البدو بمنطقة الظاهرة ألف حساب، ألا و هي قبيلة العوامر و يسمون "الحدارة"، فقام الشيخ بتقريب زعماء هذه القبيلة المشهورين، و منهم الشيخ سالم بن حمد بن ركاض، و أخيه محمد بن حمد بن ركاض، و كانوا آنذاك هم شيوخ هذه القبيلة فقربهم إليه، و بذل لهم العطاء، و هو يعرف أن هذا غير كاف، ولكن سياسته كانت أبعد من ذلك، هنا طلب الزواج من أختهم، فأجابوا طلبه و تحقق للشيخ مأربه، فمن هنالك ما كادت تقع حادثة من بدوي في منطقة الظاهرة بأكملها، إلا و رأيت شيوخ هذه القبيلة و رجالها قد سبقوا الشيخ في مطاردة البدو، و إلقاء القبض عليهم، قبل أن يكون للشيخ علم بذلك، و هنا قويت شوكة الشيخ، و اشتد عضده، و نالت يد العدالة ما لم تنله من قبل، و ما ذلك إلا بفضل الله، ثم بفضل حكمته و سياسته و حنكته و لله في خلقه شؤون" (1) .
و يذكر الشيخ أحمد بن سعود السيابي أن أحدا من كبار السن من منطقة الظاهرة، أخبره أن منطقة الظاهرة لم تعرف الأمن إلا عندما جاءها الشيخ الرقيشي (2) ، فهذه شهادة من أهل تلك المنطقة على عدله و فضله ، و إصلاحه بين العباد و في البلاد ، و فعلا الشيخ الرقيشي وطد الأمن بمنطقة الظاهرة بمعنى الكلمة (3) .
خامسا: أمره بالمعروف و نهيه عن المنكر بالحكمة و الموعظة الحسنة:
__________
(1) سالم بن محمد الرقيشي، البحر الفياض ص24 " مرجع السابق ".
(2) مقابلة مع الشيخ أحمد بن سعود السيابي، يوم الأحد 18 من رمضان 1423هـ، الموافق 24/11/2002م.
(3) مقابلة مع الشيخ أحمد بن سعود السيابي " مرجع سابق ". (1/55)
صفحة 56
لقد كان ذلك البطل المغوار، و الشهم الضرغام، حق أن يقال عنه أنه من بين أولئك الذين عجزت النساء أن تلد أمثالهم، فقد كان آمرا بالمعروف، و ناهيا عن المنكر بقوله و فعله متبعا في ذلك قول الحق تبارك و تعالى:" ادع إلى سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الحسنة * و جادلهم بالتي هي أحسن " (1) و مهتديا بهدي سنة الرسول – صلى الله عليه و سلم -، فكان مما يذكر عنه أن الشيخ صقر بن سلطان القاسمي (2) حاكم الشارقة جاءه زائرا في عبري، و كان لابسا خنجراََ فيها ذهب، و جلس بجنب الشيخ الرقيشي، و كان طبع الشيخ لا يغضب و لا يحمق (3) بسرعة حتى يغير المنكر و إذا لم يتغير ذلك المنكر غضب، و ظهر ذلك جليا في قوله و فعله، و سأل الشيخ الرقيشي الشيخ صقر: ماذا يقول علماؤكم في لبس الذهب ؟
__________
(1) سورة النحل، الآية 124.
(2) الشيخ صقر بن سلطان بن صقر القاسمي، هو واحد من أعمدة التراث الأدبي المتفجر في عمان في الخمسينات من هذا القرن إلى نهاية الستينات، و هو شاعر قبل أن يكون حاكما للشارقة، و هو أديب ذو ثقافة واسعة، ولد و ترعرع في بيت الإمارة، و اشتغل بالعلم أكثر من الإمارة، و أوجد له والده مكتبة، و تعلم الكتابة و القراءة في المدرسة القاسمية، و قد تسلم كرسي إمارة الشارقة بعد وفاة أبيه الشيخ سلطان القاسمي بتاريخ 17 من جمادى الثانية سنة 1370 هـ، و لكن المنصب لم يكن ليشغله عن الحياة و الشعر.انظر:أدباء من الخليج العربي، عبدالله أحمد الشباط، الدار الوطنية الجديدة للنشر و التوزيع ط1، 1406 هـ - 1986م، ص119- 126، "بتصرف".
(3) الحمق:أي لايغضب بسرعة. (1/56)
صفحة 57
فأجابه الشيخ صقر بقوله: يقولون بحرمته، و لكن نحن فينا شيء من التمرد، ثم قام و خلع الخنجر في الحال، وقال لأحد خدمه: ضعها في الخرج (1) ، و هو بذلك السؤال علم المقصود ، و فعل المحمود (2) .
فلله دره من حكيم محنك، و داعية ناجح، فليت شعري أن يقوم شباب هذا العصر بتتبع خطى أولئك الأنوار، و أن يسيروا على نهج أولئك الأقمار، في دعوتهم لله العزيز القهار.
سادسا: الحس القضائي: ( فنية القضاء حسب المصطلحات المعاصرة ) (3) أو الحدس القضائي:
يمتاز الشيخ الرقيشي بفنية القضاء إن صح التعبير، و معنى ذلك أن القاضي يستطيع أن ينتزع الاعتراف من الجاني بطريقة شرعية مقبولة (4) ، فشيخنا الرقيشي من أولئك الأفذاذ الذين و هبهم الله تعالى ذلك الحدس .
فمن بين المواقف التي استطاع انتزاع الحق لصاحبه، موقفه من ذلك الرجل الذي قتل أمه عمدا، فقد تحدث الشيخ الرقيشي بذلك فقال:
__________
(1) الخرج: المعروف ( جمعه خَرَجَة ) وعاء ذو عدلين: انظر مختار الصحاح ص 164 " مرجع سابق ".
(2) مقابلة مع الوالد عبدالله بن منصور الرقيشي، مرجع سابق، " بتصرف ".
(3) هو القدرة على توظيف الطاقات الإدارية و السلطة بتدبير من الحصيلة العلمية المختزنة لدى القاضي، مقابلة مع سعادة الشيخ زاهر بن عبدالله العبري، يوم الثلاثاء 7 من رمضان 1323هـ - الموافق 9/11/2002 م.
أو هي موهبة أعطي العبد إياها للتعرف على الأحكام و يعرف كيف يحلل المسألة، و ملابساتها وما تحيط بها من القرائن ثم يصدر الحكم على ذلك، مقابلة مع الشيخ أحمد بن سعود " مرجع سابق ".
(4) مقابلة مع الشيخ أحمد بن سعود السيابي " مرجع سابق ". (1/57)
صفحة 58
" لما كنت واليا على عبري قبضت على رجل قتل أمه، فوضعناه في خشبة مقيدًا عليها، فبقي مدة طويلة، حتى صار الدود يدخل و يخرج تحته، لما أكلت الأرض من مقعدته و ظهره، مع الأوساخ التي كانت تخرج منه. قلت:فتحرجت من طول عقابه، و كان على طريقي حين أدخل الحصن فواطأت واحدا يدخل معي حين أدخل، و يسألني أمام السجين لم سجن هذا ؟ قلت: هذا قتل أمه و هو وليها، و هو المسؤول عنها، ولو اعترف لأراح نفسه من هذا العذاب، و من سيناقشه في أمه ؟ لكن أردنا أن نعرف القاتل فقط.
وكان هو يسمع الكلام، فما كدت أن أصل إلى مجلسي حتى أرسل إلي أنه معترف بالقتل، فخرجت إليه و سألته عن اعترافه، و هو ما كنت أطلبه قال: إن أمه كان عندها "عجلة " (1) فطلبتها منها لأبيعها.
قالت : و ما يغني ثمن هذه العجلة ؟
فما رضيت، فسكت عنها حتى نسيت.
فجئتها يوما فقلت لها: أتريدين حشيشا للعجلة ؟
قالت : نعم .
قلت: خذي معك حبلا و اتبعيني، فأدخلتها في شاغ (2) بين الجبال، حيث لا صائح و لا موحي (3) ، فربطتها بالحبل و جمعت رجليها إلى عنقها ، و ربطت يديها من خلفها و هي تقول : لأي شيء يا حبيبي تفعل بي هكذا ؟ و ما ذنبي ؟ و أنا لم أصغ إليها و لم أرق لها، و رجعت حالا إلى البيت و بعت العجلة، أظنه قال: بنصف قرش، و في وقت العصر صحت على أهل البلدة: أن أمي لم ترجع فخرج أهل البلد يبحثون عنها حسب العادة، فيمن يغيب عنهم، و بنفسي قدتهم إلى الشاغي الذي هي فيه، فوجدناها قد تيبست في الحبل، فدفنت هكذا، لأن رجليها المجموعتين إلى عنقها لم تتراجعا و على كل حال فهي أمي و أنا أولى بها.
__________
(1) العجل: ولد البقرة و كذا العجول و الجمع عجاجيل و الأنثى عجلة. انظر مختار الصحاح ص375 "مرجع سابق".
(2) شاغ: هي قمة بين جبلين هكذا معروف في " اللهجة العمانية ".
(3) أي لا مجيب و لا سامع لها. (1/58)
صفحة 59
قال الشيخ: فأمرت به فحل وثاقه، و أمرت أن يقتل، فقال جماعته: نقتله بأنفسنا خوفا من أن يعترض أحد على العسكر، فوافقتهم، و أرسلت معهم من أصحابي من شهد قتله (1) .
فبهذا الذكاء الحاد، وبهذه الفطنة النادرة، استطاع الشيخ الرقيشي أن يتوصل إلى الحق بفضل الله تعالى الذي يؤتيه من يشاء، و لهذا يقال أن القاضي إلى نظره أحوج منه إلى أثره، و من أمثال هؤلاء قرين الشيخ الرقيشي، و هو الشيخ سيف بن حمد الأغبري (2) ، و الشيخ عامر بن خميس المالكي (3)
__________
(1) اللؤلؤ الرطب الشيخ سعيد الحارثي" مرجع سابق ص ( 8-10)، و انظر البحر الفياض: سالم الرقيشي ص25 " مرجع سابق ".
(2) هو الشيخ العلامة سيف بن حمد بن شيخان الأغبري، ولد في اليوم الثامن و العشرين من شهر ذي القعدة 1309 هـ، في بلد سفالة سيما بني رواحة، إحدى البلدان المعروفة من أعمال إزكي من عمان الداخل، نشأ في أسرة أولته اهتماما بالغا على الرغم من وفاة والده، و هو لا= = يزال ابن أربع سنين قام بتربيته و كفالته عمه أحمد بن شيخان الأغبري لأنه لم يكن له أولاد، فانصبت رعايته عليه، حفظ القرآن وهو في سن مبكرة فقد كان الشيخ الأغبري على علاقة وثيقة مع أهل العلم، ومن بينهم الإمام محمد بن عبدالله الخليلي و الإمام السالمي، و له العديد من المؤلفات منها:عقد الدر المنظوم في الفقه و الأدب و العلوم وغيرها من الكتب، و كانت وفاة الشيخ صباح يوم الاثنين الثاني و العشرين من شهر ذي القعدة سنة 1380هـ، وعمره واحد و سبعون عاما، و قبره لا يزال شاهدا للعيان بمنطقة الزبادية بولاية مطرح – انظر: سيرة الشيخ العلامة القاضي سيف بن حمد الأغبري: تأليف سيف بن يوسف بن سيف الأغبري ص17 - 18، ص 141 / الطبعة الأولي 1421هـ 2001م، المطابع العالمية، روي، سلطنة عمان.
(3) ستأتي الترجمة عن الشيخ المالكي في المبحث الأول من الفصل الثالث – إن شاء الله تعالى -.. (1/59)
صفحة 60
– رحمه الله – و مما يذكر عن الشيخ الأغبري أنه لما كان واليا على وادي بني خالد جاءه رجل يشتكي من أخيه ، أنه سرق عليه جراب تمر ، و كان المسروق غنيا بخيلا ، و السارق فقيرا كريما ، فأنكر السرقة ، فقال الشيخ للمسروق : هذا أخوك سرق هذا الجراب ليكرم به الناس ، و أنت ليس فيك منفعة لأحد .فانتصرالسارق و قال: صدق الشيخ، أنا أكرمت به الناس، و لم أكل منه حتى تمرة، و اعترف فأمر الشيخ بإلزامه (1) .
سابعا : بلاغته ، و حكمته في التخلص من المواقف المحرجة :
إن المتأمل في قصائد الشيخ الرقيشي، وفي عباراته التي يستخدمها سواء كان ذلك في الشعر أو النثر، ليندهش من جزالة ألفاظه وقوة معانيه، و سلاسة تعبيره، فيحدث أحد الذين عاصروا الشيخ الرقيشي، وهو الشيخ نبهان بن سيف بن سالم المعمري (2) ، فيقول : سألت الشيخ الرقيشي في يوم ما عن القهوة ؟ فأجابني قائلا: " هي العيش الحاضر، وفيها مندوحة للشريف " فقلت له:أنا سيء الفهم و قليل العلم، فأرجو منك أن تبين لي معنى هذه الكلمات.
__________
(1) اللؤلؤ الرطب الشيخ سعيد الحارثي " المرجع السابق " ص379 " بتصرف ".
(2) هو الشيخ نبهان بن سيف بن سالم المعمري ولد في حاجر بني عمر من أعمال الرستاق 1344هـ نشأ و أقام في بلدة الحيلين من وادي الجهاور إلى عام 1367هـ، ثم غادر في طلب العلم إلى نزوى فكان من شيوخه: الشيخ منصور بن ناصر بن محمد الفارسي، والشيخ حمود بن هاشل الكندي، و كان جابيا للزكاة في أماكن متفرقة في عهد الإمام الخليلي، و في عهد السلطان قابوس بن سعيد عين مدرسا في مدرسة الصلت بن مالك ـ ثم نقل إلى مدرسة محمد بن خنبش و بعدها أحيل إلى التقاعد. انظر " مدرسة الإمام الخليلي و أثرها في نشر العلم إبراهيم بن محمد التشكيلي ص596 "بتصرف" (1/60)
صفحة 61
فقال: " العيش الحاضر " عندما تريد أن تذهب إلى مكان باعد، و أنت فوق ركابك فأردت أن تأكل لا بد لك من أن تنزل و تطبخ و تنفخ، و أنت تكون عادة على عجلة من أمرك، فإن ذلك يأخذ منك وقتًا طويلا ولكن خذلك هبشة (1) قهوة، و احمسها و خذلك عاروك (2) تمر كُل و اشرب قهوة و سيزول عنك الصوع (3) ، أما معنى " مندوحة الشريف " هي أن الإنسان الشريف عندما يكون مسافرا ، و نفد عليه الزاد ، ولم يجد ما يأكله ثم تقرب إلى محلة ما ، فعليه أن لا يقول لهم أنني جائع ، و أريد أكل ، و إنما يقول لهم " متصوعين " (4) نبا (5) قهوة فهم بالتالي سيكرمونه بما يستحق و أكثر (6) .
فلله در رجال كانوا محنكين بسياسة فذة في التعامل مع أصناف البشر المتباينة.
ولو تأملنا قصائده- رحمه الله- لوجدنها غاية في البلاغة و قمة في التشبيه فمن ضمن الأبيات التي قالها للإمام الخليلي و مدى تمسكه ببيعته حيث قال:
وهذه بيعة الرضوان في عنقي قد طوقتني و لا تطويق ذي العصم* .
فقد شبه تلك البيعة بسوار العنق و ليست كسوار المعصم من شدة تمسكه ببيعة الإمام.
ثامنا : تواضعه :
و تظهر هذه السمة العالية الرفيعة في كيان شيخنا واضحة جلية في أقوله و أفعاله، والتي ظهرت في أشعاره، و في أجوبته النثرية و النظمية و منها ما أجاب عنه لسائل يسأله بقوله (7) :
مالي و شعر القدما مالي فيه قدما
يا من إليه قدما جدد إلى ما قدما
حتى قال:
لأنني عبد ضعيف لست من ذي العلما
__________
(1) هبشة: الهبش: الجمع و الكسب: يقال هو " يهبش لعياله. انظر مختار الصحاح ص612.
(2) عاروك :كمية بسيطة من التمر.
(3) هو أن الإنسان إذا ضل فترة من الزمن لم يشرب القهوة يصاب بشيء من الصداع.
(4) حسب اللهجة: أي أنهم مصابين بصداع لعدم شربهم القهوة.
(5) بنا: أي نريد.
(6) مقابلة مع الشيخ نبهان بن سيف بن سالم المعمري " مرجع سابق ".
(7) السائل هو الشيخ الأديب محمد بن راشد بن عزيز الخصيبي. (1/61)
صفحة 62
إياك بل إياك أن تستسمنن الورما
لكنه رد جوا ب واجبا محتما (1)
وقال في جواب عَِلمَ كيف يربي نفسه على التواضع ويزكيها على أشرف خصال النفس، فقد قال لسائل:
أقول ولست من أهل المقال إذا بليت بالرحم المقال
فصله يصلك بالرحمى رحيم أتى خبر لذا بالاتصال
حتى قال:
فخذ حق الجواب و كن عذيري فلا يغررك مثلي للسؤال
صلاة الله يردفها سلام على خير الورى بدر الكمال (2)
فنجد صفة التواضع طاهرة جلية في شعره، و ذلك دليل على تزكيته لنفسه، و ترويضها على ما تكره أن تفعله، فلله در من كان على هذا الحال، و ارتقى بنفسه إلى مدارج الكمال، وسار بها على هذا المنوال.
و أجاب متواضعا لسائل سأله:
و لا يغرنك من مثلي تسأله فإنني لست أهلا للسؤال و لا
لكن على ضعف علمي هاك أجوبتي خذ حقها واتركن منها الذي بطلا (3)
__________
(1) شقائق النعمان على سموط الجمان في أسماء شعراء عمان، الشيخ محمد بن راشد بن عزيز الخصيبي ج3، ط3 ( 1415هـ - 1995م ) وزارة التراث، سلطنة عمان، ص262 و ص263. (*) انظر: البحر الفياض سالم الرقيشي، ص88، "مرجع سابق".
(2) البحر الفياض سالم الرقيشي: ص122-" مرجع سابق".
(3) انظر: البحر الفياض سالم الرقيشي: ص122 " مرجع سابق ". (1/62)
صفحة 63
و كان – رحمه الله – كثيرا ما يهضم حق نفسه، فمن ذلك جوابه للإمام الخليلي – رضي الله عنه – عندما سأله ليرى رأيه في قضية ما (1) ، فأجابه ذلك الشيخ الوقور بكل أدب و التواضع بقوله " ... بعد الحمد على المولى و الصلاة على النبي المصطفى – صلى الله عليه وسلم – أما بعد: فسلام على إمام المسلين محمد بن عبدالله و رحمة الله و بركاته ـ من محبه محمد بن سالم بيده، أقول إني نظرت في كتابك لي، و قولك حقق المسألة، فاعلم أيها الإمام أني ضعيف عن التحقيق و النظر و لكني أرفع لك ما فهمته من معاني الأثر، و ما من موضوعه و فحواه ظهر، و أعرف أني لست من أهل الرأي، و لو مثلا كنت أهله، فلا يحل لأحد من أهل الرأي ينصب رأيه دينا، و لا يضل أحد من إخوانه إذا خالفه في الرأي بل على كل مكلف أن يجتهد فيما بان له من الصواب..." (2) .
و صدق قول القائل:
إن التواضع من خصال المتقي ... و به التقي إلى المعالي يرتقي
و من شرف تواضعه و نبل احترامه لإمام المسلمين و معرفة مقامه جوابه على سؤال سأله الشيخ سعيد بن ناصر السيفي، فأجابه قائلا – رضوان الله عليه -:
سل سبيل أم سؤال سل و لا تسل من بالجهل قد تسلسلا
طالع الكتب و ما استشكلته فإمام العصر يجلي المشكلا (3)
__________
(1) : ملخصها كالتالي: أن جماعة من بني هناءة بغوا على شخص ناصري و أخذوا أغنامه من أرضه ثم ذهبوا إليه في اليوم الثاني في جماعة كبيرة، و أطلق أحدهم رصاصة عليه أودت بالناصري قتيلا..... التفصيل : انظر الملحق رقم(8).
(2) جواب مخطوط بخط الشيخ الرقيشي للإمام الخليلي مخطوطة،يعرض رأيه في مسألة ( قضية ) الناصري و الرجل من بني هناءة.انظر المحلق رقم ( 8) و توجد عندي نسخة من المخطوطة .
(3) مقابلة مع الشيخ جابر بن علي المسكري، يوم السبت 17من رمضان 1423هـ، الموافق 23/11/2002م. (1/63)
صفحة 64
فطوبى لمن كان هذا شأنه، و طوبى لمن تواضع في غير مسكنه و صدق أبو بكر الصديق – رضي الله عنه – حين قال: " و جدنا الشرف في التواضع، والكرم في التقوى، والغنى في اليقين، نسأل الله الكريم حسن التوفيق " (1) .
فما أشرفها من خصال تسربل بها ذلك الأسد الضاري الذي آتاه الله من الخصال و المحامد الرفيعة الشيء الكثير ما لا يحصى و لا يعد.
تاسعا: تأنيبه لنفسه، و محاسبتها:
عَلِمَ - رحمه الله- أن أعدى عدو للمرء هي نفسه التي بين جنبيه إذ وصفت بأنها خلقت أمارة بالسوء، ميالة إلى الشر، نافرة عن الخير (2) ، فكان كثيرا ما يلوم و يعاتب نفسه ، و يوبخها على ما فرطت في جنب أولياء الله تعالى و أصفيائه عامة ، و في حق إمام المسلمين محمد بن عبدالله الخليلي خاصة ، فكان يقول عندما كان في السجن "نحن لم يسجنا سعيد بن
تيمور ، و إنما سجننا تقصيرنا في الإمام الخليلي ، فعلينا أن نحاسب أنفسنا على ذلك " (3)
وأعدى عدو المرء لا شك نفسه فأفلح من زكى و خاب المسامح
و كان- رحمه الله- لا يفتر عن محاسبة نفسه و معاتبتها فمن ذلك أنه عندما كان في السجن كان يقول: " كنا في السابق نقيد الناس، والآن الله سبحانه يرينا و يخبرنا أنكم مثل ما كنتم تُقَيدون غيركم الآن أنتم مقيدون، فسبحان الله مغير الأحوال من حال إلى حال (4) .
عاشرا:-طيب معاملته وملاطفته للناس :
__________
(1) : المستخلص في تزكية الأنفس، سعيد حوى دار عمار، بيروت عمان ص162 " بتصرف ".
(2) قناطر الخيرات: أبو طاهر إسماعيل بن موسى الجيطالي النفوسي، ج 3، دار النهضة للنشر والتوزيع، سلطنة عمان ص 522.
(3) مقابلة مع الشيخ خالد بن مهنا البطاشي، يوم الأربعاء 30 من شعبان 1423هـ - 6/11/2002م " بتصرف "."المقابلة الأولى"
(4) مقابلة مع الشيخ سالم بن حمد الحارثي، يوم السبت 17 من رمضان 1423هـ - الموافق 23/11/2002م " مرجع سابق " "بتصرف". (1/64)
صفحة 65
إن الشيخ- رحمه الله-كثيرا ما يذكر عنه الشدة و القوة,و الحزم,و العزم,ولكن ليس معنى هذا أنه كان رجلا عسكريا - إن صح التعبير –لاهم له إلا البطش و الضرب, و إنما كان ورعا تقيا حليما, وكان يستخدم تلك الشجاعة و القوة في الحق لدحر الباطل, فمثله كأمثال أصحاب رسول الله - صلى الله عليه و سلم - فقد كانوا شجعان لنصرة الحق,وفيهم من الحلم و دماثة الخلق الشيء الكثير لإخوانهم المسلمين فصدق الله القائل في محكم كتابه"محمد رسول الله و الذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم " (1) .
" فقد كان شيخنا حليما رؤفا وكريما في نفس الوقت,و تجده ينظر إلى نفسه أنه من أقل الناس، مع ما عنده من علم ومال وجاه وخير وفير" (2)
و مما يدل على طيب معاملته " أنه سأل العلامة الشيخ خلفان بن جميل السيابي: فيمن له أربع زوجات, و أراد أن يخطب امرأة على أساس إن تمت له الخطبة أن يطلق واحدة من زوجاته فهل هذا جائز في الشرع ؟ فقال له الشيخ خلفان: كأنك صاحب المسألة ؟!فابتسم الشيخ الرقيشي فقال: نعم.فقال الشيخ خلفان يجوز ذلك في الشرع, ولا مانع من ذلك (3) .
الحادية عشر:" غضبه لله إذا ما انتهكت محارمه :
كان شيخنا الرقيشي لا يغضب إلا إذا ما انتهكت محارم الله فقد كان إنسانا حليما و متواضعا لجميع الناس ؛ و لكنك ترى أن نار الغضب يتأجج من عينية إذا انتهكت محارم الله.
__________
(1) 3 سورة محمد الآية (29)
(2) 4 مقابلة مع الشيخ أحمد بن سعيد بن أحمد الكندي في يوم الأربعاء 6 من شوال 1423 الموافق 11/12/2002م .
(3) 5 الزمرد الفائق في الأدب الرائق، محمد بن راشد بن عزيز الخصيبي ،وزارة التراث، سلطنة عمان ص22 ،ج4، 1409- 1989م. (1/65)
صفحة 66
و سأذكر هنا بعض موافقه التي تبين للقاري في ماذا كانت تكمن شدة الشيخ الرقيشي و شجاعته, فمن ذلك أنه عندما كان واليا في عبري كان لبيت مال المسلمين أموالا من الماء في منطقة "العينين " من ولاية عبري و كان هذا المال لعامة المسلمين منذ زمن بعيد,وكان شيخ هذه المنطقة علي بن سعيد الغافري و استغل هذا المال لأمواله الخاصة فقط ,و في تلك الفترة اشتد المحل بالمسلمين,و كان الشيخ الرقيشي, بحاجة ماسة إلى استغلال هذا الماء لمصالح عباد الله فأرسل الشيخ الرقيشي إلى زعيم الغافرية يطلب منه أن يشتري ذلك الماء لاستغلاله لصالح المسلمين. فرد الشيخ الغافري على الشيخ الرقيشي قائلا:"لن يقعَّد (1) هذا الماء حتى و لو جاء الخليلي (2) " فقال له الشيخ الرقيشي من الأفضل لك أن تتراجع عن كلامك وأن تبيع هذا الماء فلم يستجيب ذلك الزعيم للنصح و أعارهم آذانًا صماً. فقال له الشيخ الرقيشي إذن نلتقي يوم الجمعة في سوق العينين. فقام الشيخ الرقيشي ومعه أبناؤه و عسكره, و أتى علي بن سعيد ومعه جُلَّ جماعته، فقال الشيخ الرقيشي للدلال نادي على هذا الماء, و كان الجميع على مرأى و مسمع مما قاله الشيخ الرقيشي و الشيخ الغافري يسمع ما يقال, و يرى ما يفعل؛ فلم يحر جوابا, ولم ينطق بشيء, و علم أن لو فعل شيئا لفتك به (3) .
فبهذا تعلو كلمة الحق خفاقة على الباطل من رجال مخلصين, لا يداهنون و لا يبالون في الصدع بقول الحق." و قل جاء الحق و زهق الباطل إن الباطل كان زهوقا" (4)
الثانية عشر: " مسارعته لإصلاح ذات البين و رأبه لصدع صفوف المسلمين"
__________
(1) 1 نقعد الماء: المقصود به أي اشتري الماء حسب ما هو متعارف عند العمانين.
(2) 2 يقصد بالخليلي: هو الإمام محمد بن عبد الله الخليلي - رحمه الله -
(3) 3 مقابلة مع الشيخ خالد بن مهنا البطاشي"مرجع سابق""بتصرف"
(4) 4 سورة الإسراء الآية (81). (1/66)
صفحة 67
ومن مواقف شيخنا الحافلة التي تدل على مسارعته في كف النعرات وقمع التحزبات, و الفتن التي ظهرت بين العمانين في تلك الفترة.
ما قام به شيخنا في وادي بني رواحة (1) سنة 1374 هجرية في 23 من شعبان عندما اقتتل أشياخهم وهما : ناصر بن محمد بن حارث الهشامي و سيف بن أحمد بن حامد الرواحي, و عظمت الفتنة بينهما, و كانت حصيلة القتال في مسجد "الصوار" أكثر من ثلاثة عشر رجلا ما بين قتيل و جريح لا بسبب بل كلها أهواء شيطانية وفي ذلك قال الشاعر سالم بن سليمان البهلاني (2) :
ملئوا مسجد الصوار نجيعا مارعو فيه حرمة الإسلام
بطرة المال هزة الأنفس كبرا فتعاطت بانهدام
فهنا ركض الشيطان بخيله، ورجله و في هذا المجال فحزب الرجال , و حرضهم على القتال فصار كل حزب بما لديهم فرحون , وكادت أن تكون حربا لا تحمد عقباها لولا رحمة الله تعالى.
__________
(1) 1 بنو رواحة : في عبس و هم من القبائل المعدودة في الكثرة و البأس, و الصبر على حوادث الدهر, و هم نزار يون و منازلهم بالأودية المسماه وادي بني رواحة و يطلقون على وادي محرم الوادي الشرقي , و هذا الوادي هو حصنهم المنيع , و غابهم الرفيع, و ذلك لأن بلدانهم تحيط به , فهو عندهم الحرم المقدس و المحل المجلل تحيط به الجبال و تحف به من جميع جهاته الرجال, و هم الجمهرة المعروفة قديما في العرب, و الرمح الأزرق في نضال الحرب و فيهم شدة و صبر بحكم موقع أمكنتهم الطبيعية , و رئاسة بني رواحة ترجع إلى أحفاد العلامة الرباني سعيد بن خلفان الخليلي الخروصي سابقاَُ – انظر : العنوان عن تاريخ أهل عمان- سالم بن حمود السيابي- صـ144-146 " مرجع سابق" "بتصرف"
(2) 2 سبق الترجمة عنه. (1/67)
صفحة 68
فما أن تلقى الشيخ هذا النبأ المؤلم الذي قض مضجعه ,حتى هب مسرعا ملبيا داعي الله ، مؤديا واجبه الذي كلف به ممتثلا قول الحق تبارك وتعالى : " وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما " (1) ومعه نخبة من أهل إزكي ،فأرسل الشيخ الخيالة يسبقونهم بالمسير فلما وصل عساكر الشيخ رأوا تبادل إطلاق النار من البيوت ،ومن فوق البروج ،والجبال ومن كل حدب وصوب ،فأخبروهم بمقدم الشيخ الرقيشي ، وأنه يطلب منهم إيقاف إطلاق النار فاستجابوا لذلك .
فلما وصل الشيخ قام باستدعاء أشياخ أهل الوادي من بني هشام وبني رواحة،والتقى بهم ،فطلب منهم كف الفتنة وإنزال رجالهم من البروج والجبال ،فأجابوا دعوته ، فحدد لهم موعدا في اليوم الثاني للاجتماع به ليفصل بينهم بحكم كتاب الله وسنة نبيه ،فأذعنوا وانقادوا لحكم الشرع ،فما كان يحتاج إلى دية حكم له بالدية ،وما كان مهدورا فهو مهدور ،وما يحتاج إلى إرش حكم له بما تحتاجه تلك الأروش ، فصار كل منهم راضيا بحكم الشيخ لما عرفوا من مكانته وإخلاصه ،وسجن بعضهم كفافا للفتنة (2) "وكفى الله المؤمنين القتال".
إن مناقب شيخنا الشهيد كثيرة جدا في مسارعته للإصلاح بين عباد الله الذين فرق بينهم الشيطان ،وكدر ما بين صفوة الإخوان والخلان ،حتى أورثهم الحقد والأضغان؛ولكن الله يمن على عبادة ما يوحد جمعهم ويرأب صدعهم.
__________
(1) 3 سورة الحجرات الآية رقم (9)
(2) 1 انظر: البحر الفياض سالم الرقيشي "مرجع سابق "ص11،12 "بتصرف " (1/68)
صفحة 69
لقد قام نزاع في قرية "خضراء بني دفاع " (1) بين الشروج (2) ،والحبوس (3) وكان الشيخ واليا على إزكي في زمن السلطان سعيد بن تيمور،وأخذ الخصام ذروته حتى عظمت الفتنه ، وتأججت نار العصبية القبلية- التي لم ينزل الله بها سلطان – في نفوس القبيلتين ،وكادت أن تقع حربا قبلية لا يعلم عاقبتها إلا الله .
فما إن سمع ذلك الهزبر الضرغام هذه الأخبار حتى ثار ملبيا لداعي الحق من أجل نشر الخير بين الخلق ،فرأى أن عليه واجبا دينيا أن يقوم بالإصلاح بين القبيلتين " الشروج والحبوس "رغم أن هذه القرية تقع خارج ولايته (4)
__________
(1) 2 قرية تقع في المنطقة الشرقية من ولاية المضيبي تبعد عن العاصمة مسقط (140)كم2 تقريبا ، استشهد فيها الإمام الراشد سالم بن راشد الخروصي وقبره لايزال موجودا هنالك شاهدا للعيان.
(2) 3 الشروج : هي قبيلة عمانية يسكن أغلب أهلها في خضراء بني دفاع من المنطقة الشرقية.
(3) 4 آل حبس : هي من القبائل المهمة التي لا يغطيها الغبار ، ولا تهمها هيشات الأشرار ، فهي قبيلة باسلة مهمة لها زعامة مرموقة ، ولآل حبس شنشنة عربية معروفة في طليعة أهل المجد والشرف ، ومن أهم بلدانهم المضيبي التي هي الحمى الحبسي وهي كرسي هذه القبيلة ، وآل حبس بطون عديدة ، وأفخاذ مجيدة ويتولا رئاستهم أولاد رشيد ،وهم كما هو معروف قوم من وائل ،ومن أشهر بطون حبس الغساسنة والمشهور عنهم أنهم يمانيون من الأزد فيهم :جوابر وسوالم وأخرون غيرهم .انظر:العنوان عن تاريخ أهل عمان- سالم ابن حمود السيابي – صـ(159-160)"مرجع سابق" بتصرف.
(4) 5 وإن تعجب فعجب من هذا الشيخ-رحمه الله – الذي لم يكن متقوقعا في جهة عمله التي كلف بها فقط كما يفعل بعض الناس في زماننا هذا –نسأل الله السلامة والعافية – بل كان سابقا للخير مسارعا لنيل الفضل والأجر . (1/69)
صفحة 70
التي هو فيها وهي إزكي ،ولكن الشيخ لم يثنه ذلك عن مبادرته للصلح فيما بينهم ،فبادر الشيخ ومن معه من أهل إزكي بالمسير إلى هذه القرية المتأججة بالفتن .
فقام الشيخ الرقيشي بالنصح للشيخ عبدالله بن علي الخليلي (1) ، ومن معه من جماعته من أهل سمائل ،ووادي محرم بأن يرجعوا إلى بلدهم كفافا للفتنة ، وأما الشيخ أحمد بن محمد بن عيسى الحارثي (2) لما سمع بقدوم الشيخ الرقيشي إلى قرية الخضراء رجع بمن معه من أصحابه.
هنا بادر الشيخ بترتيب الإصلاح ما بين الشروج والحبوس فقبل الفريقان صلحه فعمل مكاتبة في الإصلاح الذي وافق عليه الفريقان ، وأبلغ السلطان سعيد بن تيمور بذلك في 23 من شعبان 1376هـ . فرد السلطان على شيخنا برسالة يخبره أنه لا مانع من تحرير الصلح (3) .
الثالثة عشر :"حلمه ،وصفحه ،ورحمته بغيره ممن يعانون البؤس والحرمان "
__________
(1) 1 هو الشيخ الأديب عبدالله بن علي بن عبدالله الخليلي ولد سنة 1342هـ -الموافق 1922م في ولاية سمائل .نشأ هذا الشيخ بين أحضان أسرة عريقة اشتهرت بالعلم والتدين فقد درس القران الكريم على يد الأستاذ زاهر بن مسعود الرحبي ،وجالس الشيخ الضرير حمد بن عبيد السليمي والشيخ سالم بن حمود السيابي والشيخ خلفان بن جميل السيابي وكانت بينه وبين الشيخ الرقيشي مراسلات ، ويعتبر الشيخ الخليلي أفضل شاعر عماني معاصر ،وله قصائد كثيرة جدا في السلوك وفي المدح النبوي وغيرها .وله مؤلفات عديدة منها :"وحي العبقرية،وعلى ركاب الجمهور ،وبين الحقيقة والخيال ،ومن نافذة الخيال ،وديوان الضاد ،مخطوط" وغيرها من المؤلفات وتوفي سنة 2001م .انظر أمير البيان
(2) 2 أحمد بن محمد بن عيسى بن صالح الحارثي هو من أحفاد المحتسب العلامة الشيخ صالح بن علي الحارثي توفي سنة 1423هـ 2002م.
(3) 3 البحر الفياض –سالم بن محمد الرقيشي- صـ12و13 "مرجع سابق بتصرف " وانظر الملحق رقم ( 4 ) فيها رسالة السلطان سعيد بن تيمور . (1/70)
صفحة 71
عندما كان الشيخ واليا على نخل كان له صاحب (1) بإزكي ،فاصطحبه معه إلى نخل ، وعينه عسكريا (2) له ، وذات يوم كان الشيخ في البرزة (3) ،فعاين الشيخ هذا الرجل يحمل ظرفا من "خوص " (4) وهو ما عتاده العمانيون أن يضعوا فيه الحلوى ،فسكت الشيخ ولم يقل شيئا وفي اليوم الثاني رآه مرة أخرى يحمل الظرف الذي توضع فيه الحلوى فناداه الشيخ وأخذه بعيدا عن الناس ، وقال له : يا هذا جئت معي من إزكي لتكون عسكريا وتأخذ أربعة قروش لتعيل بها أهلك، وتستعين بها على زمانك ، وأنت رجل متزوج ولك عيال ،رأيتك بالأمس تحمل الحلوى فسكت ولم أقل شيئا ،ورأيتك اليوم جئت بالحلوى مرة أخرى ،فهل يا ترى جئت إلى نخل لتأكل الحلوى ؟ وفي إزكي لك ضيعة أنت مسؤول عنها . فقال له الرجل : شيخي أنا لم أشتري الحلوى ؛ وإنما أحمل هذا الظرف فيه بعض التميرات وقاشع أتعشى به ، ففتح الظرف ،فلما رآه الشيخ تحدرت عيناه بالدموع شفقة ورحمة به ، وأمر له بزيادة قرش كل شهر،وقال له :طالما أنا هنا فغداؤك وعشاؤك من الحصن (5) .
فما أجمل وما أروع وصف أبي مسلم البهلاني في أولياء الله وأصفيائه الذين هم رحمة الله في أرضه وسمائه حيث قال :-
"بهم يقتدى في العلم والهدي والهدى وعن خلقهم تروي النجوم السواطع
عليهم وقار الرسل أرست حباله وهم لكمالات النفس مطالع
تجلت لهم من باطن الشرع حكمة ولو أظهروها ناقضتها الشرائع
ألحوا على الإخلاص حتى تفجرت على لسنهم بالحكمتين ينابع
__________
(1) 4 اسمه :سالم بن حمود البهلاني من ولاية إزكي.
(2) 5 عسكري : أي كان جنديا بوضع إما للحراسة أو للدفاع عن الشخص .
(3) 6 البرزة :هي عبارة عن مجلس يجتمع فيه أعيان القوم وعموم الناس لمناقشة أمورهم وحل قضاياهم ويكون فيه العام والخاص
(4) 7 خوص:عبارة عن وعاء مصنوع من سعف النخيل يستخدمه العمانيون في وضع بعض الأشياء البسيطة .
(5) 1 انظر :البحر الفياض –سالم الرقيشي –ص10 "مرجع سابق " (1/71)
صفحة 72
ولو أظهروا من حكمة السر ذرة لكانوا بحكم الظاهر الشرك واقعوا
أولئك أهل الله رحمة أرضه بهم تمطر الأرض السحاب الهوامع
أولئك أوتاد الوجود وغوثه وأحوالهم في الاعتبار شوا فع
أولئك أهل الحق ماضل مقتف هداهم ولا يغوي عليهم متابع
أولئك أهل الفهم ماجار فهمهم عن الله ما يقضي وماهو شارع
أولئك أهل الخير أما حياتهم فغنم وأما ذكرهم فذرائع
أولئك أهل الفضل حتى ولو فنوا لهم بركات في الدنيا ومنافع
أولئك أشياخي فجئني بمثلهم (إذا جمعتنا يا جرير المجامع )
ولست بجاء في الوجود بمثلهم وللقوم شأن في الولاية شاسع" (1)
المبحث الرابع : ( ثناء العلماء عليه ):
إن الكتابة عن أمثال هؤلاء الأطهار, و عن حياتهم وأخلاقهم ليس أمرا هينا لأنه حديث يقصر فيه الكاتب مهما حاول أن يكون عمله متكاملا فهذا العلم هو أحد الأعلام الذين نعتز بآثارهم و أمجادهم , وتأريخهم وما قام به وما قدمه للأمة الإسلامية من خير ورشد ذلك العلم الشامخ و الولي الصالح التقي محمد بن سالم الرقيشي رحمه الله .
وإن لهذه الشخصية مكانة غالية في القلوب ,و دور كبير في هذه الحياة , و خاصة في عهد الأئمة الثلاثة المتأخرين , فقد ضحى بماله و حياته , و جهده , ووقته في سبيل ربه , و في سبيل رفع لواء الحق والصدق ودحر شوكة أهل البغي والفسق . وماذا عسى أن أكتب عن هذه الشخصية العظيمة , وأقرانها تحدثت عنها بإكبار وإجلال (2)
__________
(1) 2 انظر :ديوان أبي مسلم البهلاني "صـ232 "مرجع سابق "
(2) 1- بعض هذه العبارات مقتبسة من محاضرة لسماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي- حفظة الله – عن سيرة الشيخ أبي زيد الريا مي .في الجبل الأخضر في يوم الخميس 7/9/2001 م "بتصرف"
2-انظر: البحر الفياض ،سالم بن محمد الرقيشي "ص30 "مرجع سابق بتصرف"
3- الشراة جمع شاري : هو من باع نفسه لله ,وفرغها للقتال في سبيل الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وانقطع عن الدنيا إلى الآخرة . انظر: مسلك الشراء عند الاباضية – سلطان بن سعيد بن سليم الهنائي.ص38 "بحث تخرج " بمعهد العلوم الشرعية
1422 /2001 م.
4- انظر: ترجمة عن سيرة الشيخ الرقيشي /خلفان بن محمد الرواحي ص9"مرجع سابق " "بتصرف". (1/72)
صفحة 73
"ويكفي فيه وصف الإمام السالمي - رحمه الله – عندما جاءوا إلى تنوف لمبايعة الإمام الراشد سالم بن راشد فقد وافاه الشيخ أبو زيد الريا مي بستين شاريا باعوا أنفسهم لله تعالى" (1) ، "فقد حصل أولئك الأبطال على وسام الشرف ، وحزام البطولة حيث أطلق عليهم الإمام السالمي – رحمه الله – لقب "الشراة " (2) وخص شيخنا الرقيشي بلقب أخر هو " أمير الشراة" ويصبح هذا اللقب علما لشيخنا الجليل ،كما لقب الرسول صلى الله علية وسلم خالد بن الوليد "بسيف الله المسلول " فكان له علما ومنارا" (3) فهذه شهادة ليس بعدها شهادة.
و لو لم يكن إلا وصف و ثناء الإمام السالمي في شيخنا الرقيشي لكفى .فما بالك بمن أثنى عليه بعد الإمام السالمي , فقد وصفه إمام المسلمين محمد بن عبدالله الخليلي –رضي الله عنه –
بقوله:"اليوم وجدنا عالم الدماء " (4)
__________
(4) 1 وسبب هذه المقولة التي قالها الإمام الخليلي - رحمه الله – أنه كان عند أهل نخل عرس , وكعادة أهل عمان سابقا يطلقون الرصاص في الأعراس , و كان من قضاء الله و قدره أن جاءت رصاصة طائشة فأصابت رجلا كان فوق نخلة فسقط قتيلا.
فرفع الأمر إلى الشيخ الرقيشي والي الإمام فقام بمعاينة القتيل فورا, وكان الشيخ فارسا في نوعية الرصاص, فرأى أن القتيل قد أصيب برصاصة فلسي (بوعشر). و احتدم الخصام بين أهل المقتول و أهل البلد الذين شاركوا في العرس, و كادت أن تكون فتنة, فعمل الشيخ على تهدئتهم , و رفع أمرهم إلى الإمام .
نظر الإمام في القضية و شاور فيها مشايخ العلم, و طلب منهم أن يحكموا بما أراهم الله في القضية, فوضع كل واحد منهم حكمه : فمنهم من حكم أن تكون دية المقتول من أصحاب العرس, وبعضهم قال : دية المقتول على أهل البلد, و بعضهم كان له رأي أخر. نظر الإمام في حكم العلماء و المشايخ الذين لا تخفى مكانتهم في العلم ولكنه أحب أن يرى رأي واليه في ذلك فأرسل إليه رسالة يطلب منه فيها بأن يحكم براية في القضية, بدون أن يعلمه بما حكم به العلماء الآخرون؛ لإن المعروف عن الشيخ الرقيشي أنه إذا عرف أن المشايخ و العلماء قد حكموا في القضية لم يتجرأ بقول حكم أخر.
و قام الشيخ بالرد على الإمام في رسالة أوضح فيها ملابسات القضية وأن القتيل قد أصيب برصاصة " فلسي" و قال للإمام :كيف أحكم وأنت جدير بالأحكام ؟,و لكن أن كنت تريد رأي , فإني أرى أن الدية تكون على من حملوا سلاح "بوعشر" و هو النوع الذي أصيب فيه القتيل بالرصاصة . ولما وصلت الرسالة إلى الإمام ورأى حكم واليه تهلل بشرى وقال مقولته الخالدة: "اليوم وجدنا عالم الدماء" انظر: البحر الفياض سالم الرقيشي ص20 "بتصرف"مرجح سابق. (1/73)
صفحة 74
وكان الإمام الخليلي رحمه الله يتحدث عن فحول الرجال وقال : " إذا نالوا نبذة من العلم زادتهم فحولية، فكيف إذا نالوا سعة فيه وعدَّ منهم الشيخين عامر بن خميس المالكي ومحمد بن سالم الرقيشي" (1) .
وقال عنه الإمام الخليلي - رحمه الله- أيضا " أنَّ جلست الشيخ الرقيشي عن ألف رجل و لحيته (2) عن ألف" (3) .
و قال الشيخ العلامة سعيد بن حمد الحارثي في وصفه:"...هو فحل من الفحول, و يكفي أن الإمام الخليلي- رحمه الله- قال فيه :"أن لحيته وحدها عن جيش*" (4)
__________
(1) 2 انظر الزمرد الفائق في الأدب الرائق ، الشيخ محمد بن راشد الخصيبي، ص 68 جـ 4 وزارة التراث والثقافة،ط 1410هـ 1990م.
(2) 3 قصد بذلك أن هيئته و بنية جسمه تدل على الهيبة و تبث في قلوب الخصم الرعب و الفزع من شكله , و هكذا هو حال أولياء الله الذين يخافونه و يخشون عقابه تجد المهابة على أجسامهم ,و فوق هامتهم
(3) 4 مقابلة مع الشيخ جابر بن علي المسكري يوم السبت 17 من رمضان 1423 الموافق 23/11/2002م "بتصرف"
(4) 5 مقابلة مع الشيخ سعيد بن حمد الحارثي يوم الاثنين 29 من صفر الخير 1423هالموافق 23/5/2002م"بتصرف"
*لعل الإمام يقصد بذلك : تعظيم و توقير الشيخ الرقيشي لهيبته,و قوة شكيمته, و يحث على الاقتداء به. (1/74)
صفحة 75
إن الثناء والتبجيل لهذا الشيخ الجليل كثير جدا يدل على عظيم شأنه و مكانته بين العلماء خاصة و مع الأمة عامة. ومن هذا الثناء ما ذكره علامة عصره, ووحيد دهره سماحة شيخنا العلامة أحمد بن حمد الخليلي – حفظة الله ورعاه – فقد قال في معرض حديثه عن قبيلة آل الرقيش و علمائهم ".... و قد تسلسل العلم في ذريته , و كان من بين العلماء الأفذاذ الكبار المتأخرين ذلك الهزبر الضرغام الذي كان شُريح (1) زمانه في القضاء و هو الشيخ محمد بن سالم الرقيشي عليه رحمة الله ..." (2) .
__________
(1) 1 المقصود به :"القاضي أبو أمية شريح بن الحارث بن قيس بن الجهم و هو من كندة , كان من كبار التابعين و أدرك الجاهلية , و استقضاه عمر بن الخطاب - رضي الله عنه- على الكوفة فأقام قاضيا خمسا و سبعين سنة و كان أعلم الناس بالقضاء ,و ذا فطنة و ذكاء و معرفة و عقل و رصانة, و كانت وفاته سنة سبع وثمانين للهجرة, وقيل غير ذلك," و لهذا استحق شيخنا الرقيشي و بكل جدارة أن يطلق علية شريح زمانه و عصره لما اتصف به من فطنة و سرعة بديهة . انظر : و فيات الأعيان و أنباء أبناء الزمان، أبو العباس أحمد بن محمد بن أبي بكر بن خلكان، ص409-410،دار إحياء التراث العربي –بيروت –لبنان ط1، 1417هـ-1997م"بتصرف".
(2) 2 محاضرة لسماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي - إزكي و مكانتها العلمية والتاريخية – إصدار مكتبة و تسجيلات مشارق الأنوار (1/75)
صفحة 76
لقد كان شيخنا المجاهد, المناضل من أرباب السيف و القلم الذين يشار إليهم بالبنان, و قد نوقش في مسائل كثيرة خالف فيها أقوال الأئمة المتقدمين , فأجاب عنها بالحجة النيرة, و عضد أقواله بالأدلة الواضحة و حسبك أنه كان عالما عاملا و لذا صدق عليه لقب الأسد الهزبر (1) * و قال الشيخ الأديب الأريب عبدالله بن علي الخليلي في ثنائه على الشيخ الرقيشي بقوله :
"جزت المسيرة بين العلم و العلم فاسبق مداك إلى العلياء تغتنم
فما لشيخ كريم الخيم ذا صلة بالله فحلا إذا ما هيج يقتحم
و قل له يا رقيش الإصالة يا محمد الحمد أيقظ ناشط الهمم
و أنت تدأب إيجافا لنازلة يصطك بين يديها صدر كل كمي
وسرقه الدهر في مسراه عن بصر عال حديد وصبر غير محتدم
فالله يرعى عليك الآي تجمعها تحتج فيها بهذا حجة بدم" (2)
__________
(1) 3 سلطان بن مبارك بن حمد الشيباني – تقرير مادة فقه الجنايات بعنوان: نماذج من التطبيقات العملية لعقوبات القصاص والحد و التعزيز في عهود الإمامة بعمان 1421-2000م صفحة 15 في التعليق.
(2) 4 ديوان شعر الخليلي مخطوط بمكتبة السيد للشيخ عبدلله بن علي الخليلي, في قصيدة بعنوان:"الأعلام الذين حملوا العلم إلى عمان فادوا أمانته , و بلغوا رسالته, و العلماء الذين خدموا العلم و استخدموا به الكون. ص18 رقم المخطوط (1878) ق.
(*)و ليس أدل على هذا اللقب إلا تلك الحجج التي عضدها بأقوال الجهابذة الأعلام و ذوي الأفهام في قضية السليف عندما حكم ببغيهم و تمردهم حتى أذعنوا للحق وانقادوا له بعد معارضة من علماء عصره ومصره ، وسيأتي ذكر هذه القضية بالتفصيل في الملحق رقم( 2 ) (1/76)
صفحة 77
و ما أجمل وصف التلميذ لشيخه , و ثنائه عليه، فقد كتب الأستاذ / خلفان بن محمد الرواحي كلمات جميلة و رائعة في حق هذا الشيخ الشهيد فقال في معرض الحديث عنه:"...فقد كان عالما مسددا , و فقيها مجتهدا, وعارفا مرشدا, وفحلا من فحول العلماء منجدا,شهد له برسوخ الفهم, و غزارة العلم وطول الباع ، وسعة الإطلاع أقرانه من حملة العلم ..."، حتى قال: "...وكان ذا جرأة نادرة في مسائل البغاة و المفسدين و الضرب على أيديهم و أخذهم, و قطع شأفتهم على غره عندما يستدعي الأمر ذلك.
وكان- رحمه الله – عالما عاملا تقيا فاضلا جريئا مناضلا بطلا باسلا, سيدا هماما, و فحلا مقداما,و ليثا ضرغاما, غيورا على محارم الله أن تنتهك, وعلى حدود الله أن تقتحم, حريصا على أحكامه و شريعته أن تنفذ وتسود, شديدا على الباطل وحزبه،بعيدا عن الدنايا مرضيا في عمله , محمودا في سيرته, لا يهاب أحدا في سبيل الحق, و لا تأخذه في حقوق الله لومة لائم , آمرا بالمعروف وناهيا عن المنكر, اتصف بمكارم الأخلاق, و محامد الأفعال, و شيم الرجال, وشهامة الأبطال و تحلى بالصدق و الوفاء و الكرم و السخاء, و البذل و العطاء, والأناة و الحلم و الإرادة و العزم, و اليقظة و الحزم.. (1) " و حقا فإن الخلق شهود الحق".
__________
(1) 1 انظر : ترجمة عن سيرة الشيخ الرقيشي /خلفان الرواحي ص13 -14 "بتصرف " مرجع سابق (1/77)
صفحة 78
" وقد كان شيخنا – رحمه الله – أحد الرجال الذين قامت على أكتافهم دولة الإمام الرضي سالم بن راشد الخروصي ثم دولة الإمام الخليلي وهو من جهابذة العلماء،ومن ذوي الشهامة والشجاعة ، وأهل الرأي والسياسة وخلاصة الأمر أن هذا الشيخ خدم الإسلام بلسانه وقلمه ويده خدمة تامة بذل نفسه ووسعه في جهاد الأعداء والبغاة حتى قضى عليهم ونُوظِرَ ونوقش في بعض قضاياه وأحكامه التي أنفذها في ولايته فكانت خارجة على ما جاء في الآثار عن الجهابذة الأخيار فلله دره من عالم مجتهد مطلع على ما دق ، وجل من أثار العلماء الأمجاد .
والرقيشي نجل سالم العلا ... مة الشهم خائض اللزبات
المسمى محمدا لوذعي ... شمري سم العدا والبغاة
شنف السمع من طرائف نظم ... عنه قد جاء باهر الفقرات (1)
وقال شيخ البيان في ثنائه على الشيخ الرقيشي وما فعله في حرب نخل من بطولة ،وبسالة أعربت عن شجاعته وصبره وإقدامه،كما سيأتي ذكره في الملحق الأول - بإذن الله –
حيث قال :
"لله يومك يا سلالة (سالم ) ... فلقد أذقت الجور ثكل الثاكل
ابني (رقيش ) أنتم أهل الهدى ... وفنا العدا وبنو الوغى والنائل
و قال :
أحسبتم أن الرقيشي اجترى ... جهلا بكم هيهات ليس بجاهل
أو ليسه والي الإمام و فعله ... عن أمر حق و ليس بباطل (2)
وعموما فقد كانت حياته في سلمه وحربه في حله وترحاله ،في داره وبين رجاله ،كلها تشهد بما شهدت له أقرانه من حسن خلقه وكريم فضله وإحسانه.
المبحث الخامس : أعماله
__________
(1) 2 شقائق النعمان على سموط الجمان في أسماء شعراء عمان، محمد بن راشد بن عزيز الخصيبي- ط2 وزارة التراث والثقافة، سلطنة عمان، ص254 وص255 "بتصرف " "مرجع سابق "
(2) 1 انظر :ديوان ابن شيخان السالمي "شيخ البيان أبي نذير"محمد بن شيخان السالمي ط الأولى 1399 /1979م. شركة المطابع النموذجية – المساهمة المحدودة - عمان الأردن- راجعه ووضع فهارسه د.عبد الستار أبو غدة ص195و ص196 (1/78)
صفحة 79
كانت حياة شيخنا حافلة بالكفاح ، مليئة بمختلف الصور والأعمال فقد عاش فصوله الأولى في كنف والده الذي منحه عطفه ورعايته الأبوية ، مع أنه وجد في وسط مجتمع مليء بالخصومات القبلية متخبط في مهاوي الجهل ، منجرف في منحدر الباطل ، تائه في مجاهل النزعات العرقية ، والخصومات المحلية ، حيث كانت بلدة إزكي وما حولها من مناطق آنذاك أشبه بقدر ساخن محمي توفرت له وسائل الوقود وعامل اللهب ، فهو يغلي ويثور ، ثم يفيض ويسيل فيغرق ويزهق ويحرق فلا يكاد يسلم منه أحد .
وفي هذا الجو القاتم وفي تلك الظروف القاسية ، ومن خلال هاتيك المواقف الصعبة ، تتبلور المواهب وتظهر الجواهر وتتباهى الأقران ، وتبرز الفرسان في الميدان ، فقد كانت تلك التربة التي عاش فيها الشيخ وتلك الظروف الصعبة أهلته لئن يكون جديرا بالقيادة بصيرا بالمنعطفات والمفترقات ، وهيأت أمامه أنواع الوسائل ومختلف العوامل وجعلت منه رجلا خبيرا بمعترك الحياة ، ونظرا لمكانته هذه ومؤهلاته العديدة حيث سطع بدره ، ولمع ذكره وارتفع قدره فبرز على الساحتين العلمية والسياسية فأصبح علما منظورا وبطلا مشهورا (1) فكان أهلا لتلك المهمات ، وكفى بشهادة الإمام الخليلي _ رحمه الله _ شهادة على أهلية الشيخ الرقيشي في تحمل الأمور العظام فلما كثرت الوشايات ضد الشيخ عندما كان واليا على نخل ، طلب من طلب عزله فأجابهم أبو خليل منصف الحق ببيت أبي العتاهية ولم يزدهم غيره حيث قال :
فلم تك تصلح إلا له ولم يك يصلح إلا لها
فهدأت الحركات و الإرجافات في تلك المنطقة (2) .
__________
(1) أنظر : ترجمة عن سيرة الشيخ الرقيشي ، خلفان بن محمد الرواحي ، ص10، مرجع سابق بتصرف
(2) 2 انظر : الزمرد الفائق في الأدب الرائق، محمد بن راشد الخصيبي ، 1/39 ، الناشر : وزارة التراث والثقافة ، 1409هـ -1989م ( بتصرف ) وهذه الأبيات لأبي العتاهية وكان الإمام يجيب سائليه بما يلائم تلك الأحوال ، وهي كالتالي :
أتته الخلافة منقادة إليه تجرر أذيالها
فلم تك تصلح إلا له ولم يك يصلح إلا لها
ولو رامها أحد غيره لزلزلت الأرض زلزالها
انظر : ديوان أبي العتاهية ص375 ، دار صادر للطباعة والنشر، بيروت ، 1384 هـ 1964م . (1/79)
صفحة 80
ولنتجول بك أخي القاريء الآن بعد هذا التمهيد إلى أعمال شيخنا الإدارية والسياسية في زمن الإمامة فقد تسلم شيخنا زمام المجد وامتطى صهوات العز ، وقاد الجند ونشر العدل وقمع الظلم ، وإليك أخي القارئ أعماله التي تولاها حسب تسلسلها التأريخي وهي كالآتي :
1) كان قائدا لجيش الشراة عند مبايعة الإمام سالم بن راشد الخروصي في تنوف ، ولقبه الإمام السالمي ب" أمير الشراة " (1)
2) في سنة 1331هـ عينه الإمام سالم بن راشد مستشارا له ، ومسؤولا عن علاية نزوى وبقي بنزوى أربعة أعوام (2) .
3) وفي عام 1335هـ تم تعيينه واليا على إزكي خليفة لشيخه أبي زيد الريامي ، وهي أول تجربة عملية يشهدها فيقوم بها خير قيام ، ويجابه مشاكلها وصعابها بتؤدة وحزم فحالفه التوفيق في ذلك (3) .
4) وبعد رحيل الإمام الراشد سالم بن راشد خلفه من بعده الإمام الخليلي _ رحمه الله _ فكان شيخنا من ضمن المبايعين للإمام الخليلي فأقره الإمام على ولاية إزكي فبقي بها حتى عام 1339هـ (4) .
5) وفي 15 من شوال سنة 1339هـ ولي هذا الشيخ على نخل نظرا لما تلك الولاية من أهمية في ذلك الوقت ، ولما فيها من ظلم وفساد ، فأرسل الإمام من يسد به تلك الثغور وكلفه بمهمات الأمور فأحسن اختيار ذلكم الرسول فبقي بها حتى عام 1352هـ (5) .
__________
(1) * مقابلة مع سماحة الشيخ / أحمد بن حمد الخليلي ، يوم الجمعة 16/ صفر /1424هـ الموافق له 18/4/2003م ، بتصرف
(2) 1 انظر البحر الفياض ، سالم الرقيشي ص9 ، مرجع سابق .
(3) 2 انظر ترجمة عن سيرة الشيخ الرقيشي ، خلفان بن محمد الرواحي ص 9-10 ، مرجع سابق .
(4) 3 المرجع السابق ص10.
(5) 4 انظر البحر الفياض ، سالم الرقيشي ، ص15 ، مرجع سابق ( بتصرف ) (1/80)
صفحة 81
6) وفي أواخر عام 1325هـ أصدر الإمام قرارا بنقله إلى إزكي ولم يطل مكثه هناك سوى بضعة أشهر ، ثم بعدها نقل إلى نزوى قريبا من إمامه وهناك أسندت إليه مهام النظر والفصل في الأحكام القضائية ، وكان مرجعا للفتوى وحل المسائل الفقهية . وسكن في قرية العقر من سفالة نزوى وبقي في منصبه هذا حتى عام 1356هـ (1) .
7) وفي عام 1356هـ تقرر نقله إلى إزكي مرة أخرى ليكون واليا وقاضيا فمكث بها آمرا ناهيا ، مقسطا مصلحا ، قائما بواجبه خير قيام ، وبقي بها لمدة ثلاث سنوات أي حتى عام 1359هـ (2) .
__________
(1) 5 المرجع السابق ص21 ، وانظر : ترجمة سيرة الشيخ الرقيشي ، خلفا ن الرواحي ص12 ، مرجع سابق ( بتصرف )
(2) 1 ترجمة عن سيرة الشيخ الرقيشي ، خلفان بن محمد الرواحي ، ص12، مرجع سابق . (1/81)
صفحة 82
8) وفي عام 1359هـ عين الشيخ قاضيا وواليا على عبري وأسندت إليه مسؤولية الظاهرة كاملة (1) ، وبقي بها حتى عام 1363هـ ، ثم اقتضى الأمر نقله إلى إزكي ولم يلبث طويلا فقد رأى الإمام عزل الشيخ الرقيشي من عمله ، واستبدل عنه الشيخ العلامة زاهر بن سيف الفهدي (2) من بني ريام ، وكان رجلا ورعا ولكنه لم يمارس العظائم من الأمور ، وأهل الظاهرة كما هو معروف بداة أجلاف ، فلم يكن في استطاعته حملهم على الجادة ، فبقي بها سبعة أشهر واستعفى من القيام بها ، حتى صدر الأمر بإعادة الشيخ الرقيشي مرة ثانية إلى ولاية عبري وفي هذه الفترة أسندت إليه أمر ولاية أدم وإزكي مع بعض ، وكان يتنقل فيما بينها،فبقي بها حتى عفاه الإمام في شهر صفر من عام 1372هـ أي قبل وفاة الإمام الخليلي – رحمه الله - بعام واحد وكانت مدة ولايته الأولى والثانية اثني عشر عاما وأربعة أشهر (3) .
9) وقبل وفاة الإمام بعام واحد تم نقله إلى وطنه إزكي أي في عام 1372هـ وبه استقر مطاف أعماله (4) .
__________
(1) 2 ذكر الوالد سالم بن محمد الرقيشي أن كثيرا من الناس يظنون أن الشيخ الرقيشي كانت ولايته مقتصرة على عبري فقط ، بل الصحيح أنها كانت تشمل الظاهرة حتى حدود البريمي . جواب مكتوب من الأستاذ يحيي بن عبد الله الرقيشي للأسئلة التي وجهتها إليه ، وانظر البحر الفياض ، سالم الرقيشي ص22 ، مرجع سابق " بتصرف ".
(2) 3 الشيخ زاهر بن سيف الفهدي ، عالم و فقيه عاش في القرن الرابع الهجري من قبيلة بني ريام في الجبل الأخضر ، ولاه الإمام الخليلي على عبري بعد أن عزل الشيخ الرقيشي سنة 1363هـ . انظر نهضة الأعيان ، محمد السالمي ص332، مرجع سابق ( بتصرف )
(3) 4 انظر : نهضة الأعيان محمد السالمي ، 332 ، مرجع سابق " بتصرف " ، وانظر البحر الفياض ، سالم الرقيشي ص29 ، مرجع سابق .
(4) انظر : ترجمة عن سيرة الشيخ الرقيشي ، خلفان الرواحي ص13، مرجع سابق . (1/82)
صفحة 83
10) عينه الإمام غالب بن علي الهنائي واليا وقاضيا على إزكي وبقي في منصبه طوال إمامة الإمام غالب وهي سنة وستة أشهر (1) .
11) طلب منه السلطان سعيد بن تيمور أن يكون قاضيا ومفتيا في مسقط ، فرفض الشيخ الرقيشي ذلك . وقال إن كان لا بد فإنني أفضل البقاء في إزكي حيث كنت سابقا . وظل هنالك قاضيا وواليا في إزكي في فترة اعتزال الإمام غالب بن علي للسلطان سعيد بن تيمور سنة 1375هـ ، واستمرت ولايته حتى سنة 1376هـ (2) .
المبحث السادس: " استشهاده"
هو الأجل المقضي فاصبر إذا بدت تباشيره يوماً فقد جاءت النذر
وأنى لنا الصبر الجميل تأسياً وقد مات شيخ المسلمين الفتى الذمر
محمد الطود الرقيشي ابن سالم توفى فَحلَّ الخطب واستفحل الشر
وليُّ رضيُّ مؤمن القلب صالح شجاعٌ كميُّ في الوغى بطل حر (3)
استشهد شيخنا الرقيشي - عليه من الله واسع الرحمات - في سبيل العقيدة، والدين وبعد حياة مليئة بالنضال، والكفاح، والجد والمثابرة، والعلم والعمل، قضاها كلها في سبيل الله ،ورفع راية الدين، وحماية الوطن ذاباً عنه بالمال والولد والحال.
استشهد ذلك الشيخ التقي، وانتقل إلى الرفيق الأعلى في مساء (4) يوم الأربعاء 30 من شوال سنة 1387 هجرية بعد أن ضحى بكل ما لديه في سبيل الله عز وجل. (5)
سبب استشهاده:
__________
(1) انظر: البحر الفياض ، سالم الرقيشي ص34 ، "مرجع سابق" " بتصرف "
(2) انظر: البحر الفياض ، سالم الرقيشي ص34 ، "مرجع سابق" " بتصرف "
(3) البحر الفياض سالم الرقيشي: ص137 "مرجع سابق"
(4) مقابلة مع الوالد عبد الله بن منصور الرقيشي ومن مقابلة مع الشيخ زاهر بن محمد الرقيشي " مرجع سابق" وقال إنه فارق الحياة قبل أن تغرب شمس ذلك اليوم ".
(5) البحر الفياض ص7 "مرجع سابق". (1/83)
صفحة 84
قبل احتضار الإمام الخليلي - رحمه الله- بثلاثة أيام استدعى العلماء للحضور عنده يوصيهم بخير، ويحرضهم على قيام العدل، وأن يتفقوا، ولا يتفرقوا حرصاً منه وتأسياً بفعل الخلفاء الراشدين وكان في مقدمة العلماء الشيخ خلفان بن جميل السيابي (1) وشيخنا الرقيشي والشيخ سفيان الراشدي (2) ،
__________
(1) الشيخ خلفان بن جميل السيابي ولد في بلدة سيما في ولاية إزكي سنة 1308هـ، مات عنه والده وهو لا يزال طفلاً فكفلته أمه واعتمد على نفسه. شغل منصب القضاء في الرستاق ثم في صور ثم في سمائل سنة 1395هـ، وبعدها أحيل إلى التقاعد، درس مع الإمام السالمي، ومع الإمام الخليلي،ومع الشيخ حمد بن عبيد السليمي وتتلمذ على يديه جملة من طلبة العلم منهم الشيخ سعيد بن خلف الخروصي والشيخ سالم بن حمد الحارثي وغيرهم ،وله مؤلفات عديدة منها فصول الأصول، وسلك الدرر الحاوي غرر الأثر. وافاه الأجل في 15 من جمادى الآخرة عام 1392هـ، ودفن في سمائل. انظر أضواء على بعض أعلام عمان،عبدالله الحارثي ص94- 97-96 بتصرف "مرجع سابق"
(2) هو الشيخ سفيان بن محمد بن عبدالله الراشدي،ولد عام 1331هـ ، وفي السنة التاسعة من عمره لازم الشيخ عبدالله بن عامر العزري في نزوى فاستفاد منه ، ولازم الإمام الخليلي في حله وترحاله وتولى القضاء في ولاية جعلان ، وله مؤلفات عديدة طبع بعض منها مثل: كشف الغوامض في فن الفرائض، والاعتقاد في الإسلام ،والمنتخب من الأحاديث النبوية وغيرها من المؤلفات، توفي شهيداً في الكوت كأقرانه بمسقط عام 1377هـ انظر: المنتخب من الأحاديث النبوية. لأبي الحسن الشيخ سفيان بن محمد= =الراشدي، ص (ط) وما بعدها الناشر: مكتبة الاستقامة مسقط 1408هـ- 1988م طـ القاهرة الحديثة للطباعة بتصرف وانظر نزهة المتأملين يحيي البهلاني ص112 "مرجع سابق" بتصرف.. (1/84)
صفحة 85
والشيخ غالب بن علي الهنائي، وجملة من العارفين، فأجابوا الإمام على كلمة واحدة بأن يستخلف أحداً ممن يرى فيه الكفاية للأمر، وأنَّ رأيه فيه البركة، فأجابهم -رحمة الله عليه-أنَّه يثقل عليه أمر الاستخلاف، وعرفهم عن حالة أهل عمان بكلام طويل، ثم قال: "أتحرى ذلك في الشيخ غالب بن علي الهنائي القدرة على تحمل الإمامة لعلمه ورهطه، وهمته العالية".
فكُتِبَ الاستخلاف للإمام غالب، ووقع عليه الحاضرون.
وبعد تغسيل الإمام الخليلي، وتكفينه (1) ، أبى الشيخ سليمان بن حمير الموافقة في ذلك الوقت فحذره أصدقائه ورغبوه وخوفوه من العاقبة وما كان قبوله عن رغبة إلا أنه حاذر أن يتهدم السور فيخرب زرعه، وأنَّ المغرضين لعبوا بالدولة لعبا فاضحا. (2)
ثم قام الشيخ سليمان يطلب من الحاضرين العقد بالإمامة على الشيخ غالب بن علي الهنائي قائلا لهم: "بأنَّ الإمام محمد أمر بأن يستخلفه الشيخ غالب بن علي فمدَّ الشيخ سليمان بن حمير يده بالبيعة، ثم بايعه آل خليل ثم شيخنا الرقيشي، ثم الشيخ سفيان الراشدي، وهكذا كل من الحاضرين بايعوه على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى القيام بالعدل والقسط بين الناس، وعلى ما كان عليه الإمام الخليلي من أمر الزكاة، وقبض بيت المال، ونشر العدل والأمن في الرعية، ثم بعد ذلك قام الإمام غالب فصلى على الإمام صلاة الوفاة، وذهب الناس يتبادلون الأيدي لحمل نعشه إلى مثواه الأخير (3) بعد أن أضرم المريخ ناره وانتقل إلى باري قسماته ونسماته.
__________
(1) مذكرة عن الإمام الخليلي والإمام غالب بن علي الهنائي، الشيخ سيف بن سالم بن سيف اللمكي "مخطوط" ص17.
(2) نهضة الأعيان للشيخ محمد بن عبدالله السالمي, ص385 بتصرف "مرجع سابق".
(3) مذكرة عن الإمام الخليلي والإمام غالب بن علي الهنائي، الشيخ سالم اللمكي "مرجع سابق"ص17. (1/85)
صفحة 86
وبعد هذه البيعة قام الإمام غالب بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأقام صلاة الجمعة ، وأنفذ حكم الله في أرضه ،واستعمل الولاة والقضاة على الأمصار ،وعين الإمام غالب الشيخ الرقيشي والياً وقاضياً على إزكي ، وبقي في منصبه طوال إمامة الإمام غالب ،وهي سنة وستة أشهر. (1) وتوطد أمر الشرقية إلا ما كان من أمر أحمد بن محمد الحارثي الذي خرج مراغماً إلى السلطان سعيد بن تيمور والله أعلم بما جرى بينهما من تواطؤ على زوال الإمامة. (2)
"فاستقامة دولة الإمام غالب في بداية الأمر ،واستمر الحال هكذا يصلح من جهة ويفسد من جهات حتى نجم النفاق في الرؤساء ،وظهر ما كان مكتوماً ، وركض الشيطان بخيله ورجله ،وجدوا واجتهدوا ليكونوا مع الغالب على المغلوب،ويتنادون: ألا انفروا إلى السلطان فإن عنده المطلوب ،وهنالك الدرهم المحبوب ،والعيش المرغوب ،واتركوا غالباً فإنه مغلوب " (3)
وفعلاً اتجه معظم أهل عمان من الزعماء ومن يشار إليهم بالبنان إلى السلطان وقد دعاهم إلى ذلك أمور منه :-
*1/ الطمع والجشع :الذي حدثتهم أنفسهم به، وأنهم سينالون من السلطان ما لا ينالونه من الإمام ؛لأن الإمام غالب لم يسلك في بذل المال طريقة الإمام محمد الخليلي -رحمه الله-.
*2/ العدل : الذي طالت أيامه فمله أهل عمان ،وضجروا منه فكانت العاقبة الخسران بعد أن سيطر عليهم السلطان .
*3/ الرشا: الذي كثر في أصحاب الإمام من قِبَل السلطان ،وفاض عليهم بالدرهم والدينار. (4)
__________
(1) انظر البحر الفياض سالم بن محمد الرقيشي ،ص34 "مرجع سابق"
(2) اللؤلؤ الرطب ، الشيخ سعيد بن حمد الحارثي ،ص301"مرجع سابق"
(3) المرجع السابق ،ص314
(4) اللؤلؤ الرطب الشيخ سعيد بن حمد الحارثي "مرجع سابق" ص314 و ص 315 وص 316. (1/86)
صفحة 87
وعندما دخل جيش السلطان سعيد بن تيمور لاحتلال نزوى في ذي القعدة سنة (1374هـ – يوليو 1955م ) قام الإمام يستنجد شيوخ القبائل، وتبين له أن هؤلاء الزعماء والشيوخ قد خذلوه وخانوه (1) ، ورأى أنه لامعين له ولا ناصر من القوم، ولم يبق معه أحد إلا الشيخ الرقيشي، ولم يكن الشيخ الرقيشي على اطلاع بما تحاك خلفه من مؤامرات على زوال الإمامة، فقال الإمام للشيخ: إنَّ الرعية قد خذلتني فماذا ترى؟! فقال له: "لا أرى شيئاً إلا أن نقاتل هؤلاء المعتدين حتى نلحق بالله، وبيعتك ثابتة إلى يوم القيامة" (2) .
وبعد ما رأى الإمام ما رأى من الرعية قرر أن يعتزل أمر المسلمين، لِمَا أحس منهم الخيانة التي دبت في نفوسهم، ورجع إلى بلاده فسيطر السلطان سعيد بن تيمور على قلعة نزوى دون أدنى مقاومة، بل وبادر أهل نزوى برفع العلم الأحمر فوق القلعة بعد أن خرج الإمام منها (3) ، فبهذا ظهر ما كان مستوراً ومخفياَ من غدر وخيانة للإمامة.
فَهَّم الشيخ الرقيشي بالمقاومة ومعه الشيخ سالم بن محمد الحارثي، ومن تبقى معهم من العساكر، وهم لا يزيدون عن خمسين عسكرياً (4) . ورغم هذا كان الشيخ شجاعاً مقداماً يقود هذه الكتيبة وقد بلغ من العمر ما يقارب السبعين، (5) وما إن وصل إلى منطقة سعال لم يتبق معه أحد فيما عدا أولاده الأربعة (6) .
__________
(1) المرجع السابق ص320.
(2) البحر الفياض سالم بن محمد الرقيشي ص33 "مرجع سابق".
(3) اللؤلؤ الرطب الشيخ سعيد بن حمد الحارثي ص320 "مرجع سابق".
(4) البحر الفياض سالم بن محمد الرقيشي ص33 "مرجع سابق"، اللؤلؤ الرطب ص321.
(5) مقابلة مع الشيخ نبهان المعمري، ومن مقابلة مع الوالد سالم بن محمد الرقيشي "مرجع سابق".
(6) وهم: ( زاهر و أحمد ويحيي و إبراهيم)، مقابلة مع الوالد سالم بن محمد "المرجع السابق". (1/87)
صفحة 88
ورغم هذا كله لم ينثن شيخنا عن المسير، ولكنه فوجئ برسول من الإمام يخبره أن الإمام قد خرج من الحصن وترك القلعة، وتوجه إلى بلده " الغافات" هنا صاح الشيخ فقال: "هذه مصيبة في الدين إنا لله وإنا إليه راجعون".
فلم يسع الشيخ إلا الرجوع إلى وطنه، فرجع إلى بلده إزكي، وعند وصوله تلقى رسالة من السلطان سعيد بن تيمور يدعوه للحضور إليه في مسقط فلبى الشيخ الدعوة؛ ليعرف ما الذي عنده (1) .
__________
(1) البحر الفياض ص 33 وما بعدها " المرجع السابق" "بتصرف". (1/88)
صفحة 89
وقد اجتمع السلطان بالشيخ وجملة من العلماء والزعماء، فرحب بهم، وقام فيهم خطيبا، وقد تضمنت كلمته ما يلي: " أيها العلماء الأجلاء ، إني أعاهدكم أن أسير على سيرة الإمام، و أقيم الحدود، وأكون آمراً بالمعروف وناهياً عن المنكر!! كما أنني أناشدكم أن يبقى كل واحد في المنصب الذي كان فيه من قبل، غير أني أطلب من الشيخ الرقيشي أن يبقى معي هنا في مسقط مرجعاً للفتوى والأحكام". وما إن انتهى السلطان من كلمته حتى قام ذلك الهزبر الضرغام وحمد الله وصلى على خير الأنام، ثم شكر السلطان على كلمته وحسن استقباله لهم ورد عليه قائلا:"أما طلبك بأن أبقى في مسقط فأنا لا أصلح لهذا؛لأنني قد كبرت في السن، وإن كان لابد فإنني أفضل البقاء بإزكي حيث كنت سابقاً ،ومعذرة أيها السلطان أن أقول لك إننا نريد أن نرى تلك الوعود منك أفعالاً لا أقوالاً، وأناشدك بالله أن تمنع التدخين من الدوائر الحكومية (1) وخصوصاً من القصر".أُعجِبَ السلطان بشجاعة وجرأة الشيخ – كيف لا وهو الليث الضاري والكمي الباسل الشاري – فأصدر السلطان أوامره حالاً بمنع التدخين من الدوائر الحكومية، ومن الطرقات والأسواق، وكل من سولت له نفسه بأن يدخن يجلد عشرين جلدة مع السجن ثلاثة أيام.
وبقي الحال هكذا طوال مدة حكم السلطان لا تكاد تشم رائحة الدخان في جميع الطرقات (2) .
__________
(1) لأن الشيخ الرقيشي عندما دخل مع السلطان وجد جميع الخدم والحشم يدخنون فساءه ذلك المنظر فسارع لتغييره بما استطاع فلم يطق صبراً إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر-فلله دره-. مقابلة مع الوالد سالم بن محمد الرقيشي، "مرجع سابق" " بتصرف"
(2) البحر الفياض ص33 (بتصرف). (1/89)
صفحة 90
وقبل اعتزال الإمام غالب الإمامة غادر شقيقه الشيخ طالب بن علي إلى البلاد العربية (مصر والسعودية ) وغيرها من البلدان ، فطلب من الملك السعودي أن يسمح له بالقيام لتدريب جيش من العمانيين الذين هاجروا لطلب الرزق والذين كانوا مقيمين في السعودية والبحرين ، والكويت فتحصل على عدد دون المائة ، فدربوا في الطائف ، وكان المدرب ضابطاً من إحدى الكتائب السعودية (1) . وتوجه الشيخ طالب إلى القاهرة والعراق والكويت معلنا أن الإمامة لا تزال قائمة في عمان ، وأن دولة عمان مستقلة بجيشها - غير أن المادة ، والأسلحة الثقيلة لا توجد ، فتحصل الشيخ على أسلحة من نوع (سو جرى)*أربعمائة بندقية ، وحصل على ستمائة (خديوي كندة )**غير أنها مستعملة ،ومن الذخيرة قدرها عشرين ألف رمية *** أغلبها فاسدة كاسدة منتهية مدة فعاليتها ، ومدفع ميداني (2) .
وفي شهر ذي القعدة من السنة1376 للهجرة . وصل الشيخ طالب بن علي إلى عمان
__________
(1) وكانت المخابرات البريطانية تعرف أفراد هذه الكتيبة واحداً واحداً ، وعن رتبتهم العسكرية والأسلحة التي تدربوا عليها . انظر مذكرة حياتي للشيخ سيف ابن محمد الفارسي أعرب فيها صاحبها عما سمعه أو رآه في حياته ط1 1421- 2001.ص64(بتصرف)
(2) المرجع السابق ص19-20(بتصرف)
* سو جرى :نوع من الأسلحة المستخدمة للقتال .
** خديوي وكندة :نوع من أنواع الأسلحة المستخدمة سابقاً للقتال .
*** رمية : أي رصاصة أو ذخيرة لتعبئة السلاح (1/90)
صفحة 91
وبوصوله أعلنوها ثورة بقصد ظهور الإمامة، فقاموا أول شيء على بُهلاء فطردوا والي السلطان، ثم توجهوا إلى نزوى، وما أن سمع السلطان بوصول طالب، حتى جند في وجهه جنوداً بقيادة أخيه طارق (1) ، فرابطوا بالقرب من "بلاد سيت" فجاءه الأمر أن يتلقى الأمير سليمان بن حمير فيقتله ، أو يأسره، وقد اجتمع مع الشيخ سليمان أقوام كثيرة بعد أن هرب من عند السلطان وهو يشطاط غضباً، وحقداً عليه بعد أن حاول المكيدة والغدر به، ولكن الأمير انتهز الفرصة وتمكن من الفرار، مع العلم أنه لا يمكن الخروج من مسقط إلا بتصريح ، فأعطى الأمير الحارس شيئاً من المال فسمح له بالخروج. ومر الشيخ سليمان على جماعته من أهل القاروت فأمرهم إذا مر عليهم أحد من جنود السلطان أن يضربوه وبالفعل مرت سيارة لشركة النفط وبها ثلاثة من الجنود فقتل أهل " قاروت " (2) اثنين ونجا الثالث فرارا.
وأصبح الأمير الحميري وسط قومه وعشيرته، وكان مقبلاً إلى بلده، وكان من الإتفاق أن قام تلك الليلة الشيخ طالب بن علي ومن معه على نزوى، فأمسى طارق بين الفريقين سليمان أمامه،وطالب خلفه، فأصبح كالجمل المحرنجم إن تقدم نحر وإن تأخر عقر.
فأصبح لايدري وإن كان حازماً أقدامه خيرا له أم وراءه.
فاجتمعوا بالقرب من تنوف: سليمان، وطارق، وطالب، ومن معهم من الجنود فصارت معركة عظيمة قتل فيها ما لا يقل عن مائة وخمسين جندي من الجميع (3) .
__________
(1) السيد طارق بن تيمور بن فيصل بن تركي آل سعيد ولد 1341هـ – 1922م . عرف بالشجاعة تلقى علومه في اسطنبول بتركيا وعاد إلى عمان عام 1937م، وتلقى علوماً عسكرية إضافية بكلية الشرطة بالهند، ودرس العلوم الإدارية وعين عام 1970م رئيسا للوزراء ثم مستشارا للشؤون السياسية، ومات عام 1401هـ – 1980م انظر دليل أعلام عمان ص103 " مرجع سابق
(2) قرية من قرى إزكي بالداخلية تبعد عن العاصمة مسقط ( 135 ) كلم تقريبا
(3) اللؤلؤ الرطب ص392 " مرجع سابق ". (1/91)
صفحة 92
وفقد طارق من جنوده ثلاثمائة وستة عشر رجلا، لا يدري أين هم؟ لأنهم غرباء، لا يعرفون هذه الأرض،وقتل من قتل منهم وهام من هام على وجهه. ثم وجدوا بعد ذلك موتى من العطش والويل (1) . " قتلت أرض جاهلها " وتوجه طارق بن تيمور على وجهه، لا يلوي على شيء حتى وصل فهود* مركز شركة النفط فحملوه في طائرة إلى مسقط.
أما الشيخ طالب وأصحابه فإنهم وصلوا إلى نزوى ووجدوا الحصن مفتوحاً كما فتح لسالفهم من قبل، وكان قصدهم أن يقاوموا في الجبال، حتى يفتح الله لهم ولكن فتح لهم بلا عناء. (2)
ولكن كما هو معروف عن العمانيين التقلب، فها هم الذين خذلوا إمامهم بالأمس نراهم اليوم قد عادوا لمناصرة إمامهم بعد عودة شقيقه الشيخ طالب بعد أن توفر له المال والسلاح ، وقام هؤلاء الأشياخ والزعماء الذين يميلون حيث ما وجدت المادة، وبذل لهم العطاء.
هنالك عاد الإمام غالب مرة ثانية إلى نزوى (3) ،فجدد العلماء والزعماء له البيعة على الجهاد في سبيل الله وعلى رأس العلماء الموجودين شيخنا الرقيشي فقد خطب خطبة في الجامع حث فيها على الجهاد والتضامن، وضمنها قول الشاعر:
الموت لا يكون إلا مرة والموت أحلى من حياة مرة (4)
فقد كان شيخنا الرقيشي – رحمه الله – والياً وقاضياً للسلطان في إزكي.
__________
(1) الويل: كلمة مثل ويح إلا أنها كلمة عذاب يقال ويله وويلك وويلي. انظر مختار الصحاح للرازي ص656 " مرجع سابق
(*) فهود: منطقة صحراوية يكثر فيها النفط تقع في المنطقة الداخلية .
(2) اللؤلؤ الرطب للشيخ سعيد بن حمد الحارثي ص329 – ص331 "مرجع سابق" " بتصرف ".
(3) البحر الفياض ، سالم بن محمد الرقيشي ص34 "مرجع سابق
(4) اللؤلؤ الرطب للشيخ سعيد بن حمد الحارثي ص 332 "مرجع سابق". (1/92)
صفحة 93
بعد اعتزال الإمام (1) وبعد عودته سئل شيخنا الرقيشي هل أنت معنا؟ أم مع سعيد بن تيمور فقال: أنا مع الحق (2) .
واجتمع العلماء والأشياخ على النظر في صحة رجوع الإمام إلى إمامته، هل صحيحة ؟ أم لا؟ فكتب الشيخ الرقيشي، والشيخ سفيان بن محمد الراشدي والشيخ الأغبري فأجمعوا
بصحة عودة الإمام،وأن إمامته باقية (3) ،وتم نشر هذه الفتوى بين أهل عمان وإبلاغ الناس بها (4) .
هنالك انقسم زعماء عمان منهم من انضم إلى الإمام غالب ومنهم من بقي مواليا للسلطان سعيد، ولكن السلطان لم يكتفِ بمن تبقى معه من القبائل بل استنجد بالإنجليز، فلبوه مسرعين، لأنهم وجدوها فرصة سانحة للدخول في شؤون العمانيين (5) .
"ولم تمض إلا أيام حتى زحفت القوات الإنجليزية بكامل قواتها إلى العاصمة نزوى بدون سابق إنذار، وبصورة مفاجئة، غادرة مستخدمين في هجومهم الصواريخ، والطائرات، وجميع آلات الدمار، فاحتلوها بعد مقاومة بطولية أبداها الشعب الباسل.
لقد كان الزحف العدواني المفاجئ عاما في وقت واحد فقد هاجم الإنجليز عمان من خمس جهات ليبلبلوا الإمامة، وليشتتوا أنصارهم, ولكي يربكوا خط دفاعهم. وجعلوا لهم حاميات في كل منطقة، ليحموا ظهور القوات ، العسكرية الأساسية، وليمكنوا موظفي الشركة من تنفيذ أعمالها (6) .
__________
(1) البحر الفياض ، سالم بن محمد الرقيشي "مرجع سابق
(2) مقابلة مع الشيخ نبهان المعمري"مرجع سابق" وقد سبق ذكر هذه القصة في مبحث صفاته الخلقية.
(3) مقابلة مع الشيخ يحيى بن سفيان بن محمد الراشدي يوم الأحد 22 من ذي الحجة 1423هـ الموافق 23/2/2003م "بتصرف" المقابلة الثانية
(4) توجد نسخة من هذه الفتوى وكان أول من وقع عليها شيخنا الرقيشي انظر الملحق رقم( 5و7 ) .
(5) البحر الفياض ، سالم بن محمد الرقيشي ص35 "مرجع سابق" "بتصرف"
(6) تاريخ عمان حديثا وقديما ، محمد علي الزرقاء دمشق 1959م ص254 "بتصرف" (1/93)
صفحة 94
وما توانت جنود السلطان في الهجوم على المواطنين العزل، ولم يستطع هؤلاء الجنود أن يفعلوا في العمانيين شيئا حتى عززتهم هذه الطائرات، وضربت القلاع والحصون والمنازل (1) .واستعملوا كل الوسائل الإجرامية، فجندوا ما لا يقل عن مائة وخمسين ألف جندي مزودين بأحدث الأسلحة، وبأشد الحقد والتعصب وأفلتوا كالوحوش الضارية على المدن والقرى الآمنة، والعزلاء فأخذ الوحوش يقتلون ويدمرون ويحرقون ويقتلعون الزروع ويعيثون في الأرض فسادا وأهلكوا الحرث والنسل, وأطمروا أقنية الري(*) وكأنهم ريح الموت تشيع اليبس أينما هبت.
ولكن الشعب العماني الباسل كان وما يزال مزودا بأكبر قدر من الصلابة، وعمق الإيمان بالملك الديان فساروا كالفدائيين تحت لواء إمامهم البطل المغوار (غالب بن علي) وأخذوا يكيلون بالمستعمرين الخسائر الفادحة، وأرعبوا المستعمرين وبلبلوا صفوفهم، وأفقدوهم الثقة بأنفسهم، وإذا بالبلاد التي زعموا أنهم سيخضعونها في ثلاث أيام تحاربهم أكثر من أربع سنوات دأباً دون أن تلين لهم قناة (2) .
__________
(1) اللؤلؤ الرطب، الشيخ سعيد بن حمد الحارثي ص332 "مرجع سابق"
(*) أي هدموها وعطلوها عن الري
(2) محمد علي الزرقاء تاريخ عمان قديما وحديثا "مرجع سابق" ص247 "بتصرف" (1/94)
صفحة 95
ولما وصل الإمام إلى بلدة " إمطي " (1) هاجمتهم الطائرات والدبابات من الجو و الأرض، فرمت إحدى الطائرات في وسط جماعة قنبلة قضت على اثني عشر رجلا وأربع نسوة في وقت واحد، فأوهنت شوكتهم ولما رأى الإمام وصحبه أنه لا قبل لهم بما يلاقونه قرروا الالتجاء بالجبل الأخضر لما عرف عنه من شهرته ومنعته (2) فهو عظيم الارتفاع وصعب الامتناع في وسط عمان عاش أهله في رفاهة، وأمان لا يخافون جور شيطان, ولا سطوة سلطان ... (3) وصعد الإمام ومعه الأمير الحميري، وأرسلوا إلى الشيخ طالب أن يصعد الجبل فوجدوه قد تفرق أصحابه، ونفدت عنهم الذخيرة ، فصعدوا كل من جهة فالإمام والأمير الحميري صعدا من جهة المناخر (*) والشيخ طالب صعد من جهة كمة(**)، وكان شيخنا الرقيشي ملازما للإمام والأمير الحميري، حتى وقت صعودهم الجبل (4) ولكن قدر الله أن لا يصعد شيخنا إلى الجبل لأسباب عديدة منها:
1- كبر سنه فقد بلغ شيخنا من العمر اثنين وسبعين عاماً.
2- كان يتمنى من الإمام أن يبقى قي القلعة وأن يقاتل أعداء الله ورسوله حتى يظفر بإحدى الحسنيين (5) ولكل رأيه، فقد قال شيخنا كلمة تحتمل وجوها عديدة، حيث قال بعد عودة الإمام: " إنا لله وإنا إليه راجعون، إن هذه فتنة يجب الوقوف عنها " وفي حقيقة الأمر أن الشيخ لم يكن موافقا على صعود الإمام وفضل الوقوف (6) .
__________
(1) إمطي" قرية من قرى إزكي تقع بداخلية عمان تبعد عن العاصمة مسقط ( 135) كم2
(2) اللؤلؤ الرطب الشيخ سعيد بن حمد الحارثي ص335"مرجع سابق".
(3) تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان ، عبدالله بن حميد بن سلوم السالمي –– الجزء الأول الناشر مكتبة الإمام السالمي – مسقط سلطنة عمان1995 م ص8 "بتصرف"
(4) اللؤلؤ الرطب الشيخ سعيد الحارثي ص336 -337 "بتصرف"
(5) مقابلة مع الشيخ يحيى بن سفيان الراشدي. "مرجع سابق" المقابلة الثانية
(6) مقابلة مع الوالد سالم بن محمد الرقيشي "مرجع سابق"
(*) المناخر: قرية من قرى الجبل الأخضر .
(
**) كمة: قرية من قرى الجبل الأخضر بالمنطقة الداخلية . (1/95)
صفحة 96
3- ولعل هناك ملابسات أخرى في هذه المسألة لم نقف عليها، وفي تلك الأثناء كان ناظر الشؤون الداخلية السيد أحمد بن إبراهيم البوسعيدي (1) يترقب من بعد, ويتحسس الأخبار عن كثب وما يدور هناك حتى صفا له الجو وخلت الديار من الرماة، والثوار.... وكان مقيما في سمائل ثم قصد نزوى، ومرَّ بإزكي، ولما أراد أن يمكر بالشيخ الرقيشي، دعاه وقال له إننا لا نستغني عن رأيك، فأصبحنا إلى نزوى. وكان عند الشيخ ابنه إبراهيم ،وأسر إليه بشفقة شديدة، وقال له اصحب والدك لأنه ثقيل السمع قال إبراهيم: فهمت أنه لا يريد بنا خيرا ونصحت الوالد بأنه يريد بنا كيدا، ولكن الوالد أصَّر على المسير فقلت له ليس من المروءة أن اترك والدي.
فلما وصلنا نزوى، وقام السيد أحمد من المجلس الخارجي جاءنا بعض العسكر وقال:" يدعوكم السيد في القلعة. فلما دخلنا لم نجده، بل وجدنا قيودا في أرجلنا، وبعد يومين حملنا إلى قلعة الجلالي. وهكذا حشر سائر العلماء والزعماء وكل من أشار إلى دولة السلطان بيد أو لسان (2) .
__________
(1) هو السيد أحمد بن إبراهيم بن قيس آل بوسعيدي أحد كبار الأسرة المالكة ولد عام 1895م في الرستاق وعندما كبر عين واليا عليها ثم انتقل إلى السويق فالمصنعة فبركاء، وفي عهد السلطان سعيد بن تيمور أقام في مسقط وكان ناظرا للداخلية توفي سنة 1981. انظر مجلة الوحي – العدد الخامس – جماد الأول 1396هـ مايو 1976م. تصدرها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية ص18 – 19 ... .مطرح بيت الفلج رئيس التحرير/ خلفان بن محمد بن سالم الروحي.وانظر دليل أعلام عمان "مرجع سابق" ..
(2) اللؤلؤ الرطب الشيخ سعيد بن حمد الحارثي "مرجع سابق" "بتصرف" (1/96)
صفحة 97
فقد أودعوا جميعا في الكوت (1) وامتلأت قلعة الجلالي بهؤلاء العلماء والأشياخ بدون محاكمة (2) وبلغ عدد السجناء ما لا يقل عن ألف سجين وبعضهم فر هاربا إلى حيثما أمكنه الوصول ومنهم من ذهب إلى القاهرة, ومنهم من ذهب إلىدول الخليج المجاورة وغيرها (3) .
حياته في السجن:
__________
(1) الكوت" مصطلح عماني يراد به الحصن الذي يسجن فيه الناس .
(2) البحر الفياض سالم الرقيشي ص35 "مرجع سابق" "بتصرف"
(3) مذكرة الشيخ سيف اللمكي ص23 "مرجع سابق" "بتصرف" (1/97)
صفحة 98
لاقى شيخنا عليه من الله واسع الرحمات شتى أنواع الذل والإهانة وتجرع غصص ومرارة الحرمان والسخرية والاستهزاء في ذلك المكان الذي لو أراد الشخص أن يصفه لما وجد غير كلمة ظلم وظلام، وضعوا جميعا في حجرة مظلمة، ويغلق عليهم الباب، ويخرجون مرتين فقط في كل يوم لقضاء الحاجة وكانوا يخرجون فردا فردا، وكلما خرج فرد يليه عسكري إلى مكان الأدب، وكبتت حرياتهم،وضيقت عليهم معائشهم، وحركاتهم ، وأهينوا أشد الإهانات (1) فمن ضمنها: كان الشيخ الرقيشي يتوضأ ذات مرة وقال له أحد البلوش: بلهجته الدارجة السقيمة "روحي داخل" فلم يشتغل الشيخ بالرد عليه. فما كان من ذلك الوقح إلا أن دفع الشيخ الرقيشي وضربه بحزامه، فبكى شيخنا من شدة القهر، فصرخ ابنه على ما فعل بأبيه حيث أنه لا يستطيع أن يفعل شيئا سوى مؤاساة أبيه، ورفض شيخنا أن يدخل غرفته في السجن، وقد قام المسؤول عن السجن بالإتصال بالسيد شهاب فقال السيد: لا أرضي أن تمدوا أيديكم على أحد من المساجين، وان فعلتم فستلقون ما لقيه صاحبكم ". ذلك أن السيد شهاب ضرب هذا البلوشي واقفا ثم جالسا ثم راقدا ثم أمر برميه في المطمرة" (2) .
__________
(1) البحر الفياض سالم الرقيشي ص35-36 "مرجع سابق" "بتصرف"
(2) جواب لأسئلة وجهتها للوالد / سعيد بن جميل بن علي الهاشمي فأجاب عنها: وهو أحد الذين ذاقوا مرارة السجن مع الشيخ الرقيشي وهو من نزوى أمدني بهذه الأجوبة ابنه الطالب أحمد بن سعيد الهاشمي. (1/98)
صفحة 99
وكانوا موزعين على مجموعات في حجرة ضيقة لا تكاد الواحدة منها تتسع لأربعة أفراد، ورغم ذلك ملئت كل حجرة بأكثر من ثلاثين فردا (1) . وكان في الغرفة التي فيها الشيخ ثمانية أفراد وهم الشيخ الرقيشي وابنه إبراهيم والشيخ سعود بن سليمان الكندي، والشيخ محمود بن زاهر الهنائي وسلطان بن سليمان النبهاني والشيخ سيف بن راشد المعولي والشيخ سعيد بن حمد العبادي والشيخ سعيد بن حمد الحارثي (2) وفي تلك الحالة التي هم عليها ما فتيء شيخنا عن مواصلة علمه وتعليمه لأولئك النفر الذين عنده، وانتشرت حلقات العلم والتعليم فيما بينهم، وكثيراً ما كانوا ملازمين للقراءة حتى قال عنهم الشيخ سعود بن سليمان الكندي، إني أعرف اثنين سيخرجون من السجن علماء, قيل له مثل من؟ قال: إبراهيم بن محمد الرقيشي، ومحمود بن زاهر بن غصن الهنائي (3) .
وكانت الكتب تصل للمشائخ عن طريق التهريب (4) لأنه لا يسمح لأي أحد بالدخول ولا بالخروج حتى أن ابن (5) الشيخ الرقيشي استأذن السيد شهاب بإدخال شيئا من الذكرى لوالده في السجن. فسأله السيد شهاب هل اشتكوا لك؟ قلت :حشى لله. فرد عليه السيد: أنت ما تفهم حياة السجن كلها ذل وإهانة. قلت له: كل شيء بيد الله....... ولن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا (6) .
__________
(1) البحر الفياض ، سالم الرقيشي ،ص35"مرجع سابق" "بتصرف"
(2) مقابلة مع الشيخ سعيد بن حمد الحارثي "مرجع سابق" ومن جواب للوالد سعيد بن جميل الهاشمي "مرجع سابق" "بتصرف"
(3) مقابلة مع الشيخ زاهر بن سالم الرقيشي "مرجع سابق" "بتصرف"
(4) مقابلة مع الشيخ سعيد بن حمد الحارثي "مرجع سابق"
(5) هو الشيخ زاهر بن محمد الرقيشي
(6) مقابلة مع الشيخ زاهر بن محمد الرقيشي "مرجع سابق" "بتصرف" (1/99)
صفحة 100
أما عن الحالة الصحية فحدث ولا حرج فلم تكن هنالك عناية صحية على الإطلاق فهذا نجل شيخنا الرقيشي عانى من صداع في رأسه. وأخذ يعاوده يوميا فطلب أن يعرض على الطبيب فرفض طلبه ثم طلب أقراص "الإسبر"* فرفض أيضا ثم انفجرت عينه وأصبح أعورا (1) " فسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون"** وبعضهم مات هنالك، وبعضهم ظلت الأوجاع والأسقام تدب في جسده حتى بعد خروجه من السجن إلى أن مات.
أما عن التغذية فلم تكن هنالك إلا وجبة واحدة في اليوم، وكان يقدم لهم "مرقة دال وخبز لبناني" (2) وهي عن الإفطار والغداء والعشاء وكذلك بالنسبة للماء فلا يحصلون إلا على شربة أو شربتين في اليوم (3) .
فيا الله ما أعظم صبرهم وما أشقى عدوهم فقد أراحوهم من هذه الحياة وأتعبوا أنفسهم !
ويذكر عن الشيخ إبراهيم بن محمد الرقيشي _ رحمه الله _ وهو يصف المعيشة والطعام هنالك أنهم كانوا في رمضان يعطون للإفطار عشر تمرات هو ومن معه، هذا لكونهم شيوخا _ فهذا من باب الاحترام والتقدير لهم !! وقال رحمه الله: أكلت في رمضان كل يوم تمرة واحدة عند الإفطار، وما تبقى من نصيبي من التمرات أوزعه للمتضررين من السجناء (4) .
فلله دركم يا آل الرقيش.
__________
(1) عبدالله بن محمد الطائي ملائكة الجبل الأخضر – مطابع الوفاء – لبنان ص69 "بتصرف"
(2) مقابلة مع الشيخ سعيد بن حمد الحارثي "مرجع سابق" المقصود به يقدم لهم خبز ومعه شيء من المرق
(3) البحر الفياض ، سالم الرقيشي "مرجع سابق"
(*) الإسبر: عبارة عن أقراص من الأدوية مسكنة للألم.
(**) سورة الشعراء الآية (227).
(4) البحر الفياض سالم الرقيشي ص36 "مرجع سابق" (1/100)
صفحة 101
وبقي شيخنا الرقيشي _ كغيره _ مكبلا بالقيود، وقد بلغ من العمر اثنين وثمانين عاما فحلت به الأسقام وبددت صحته الأمراض والأوجاع ونحل جسمه، وضعف حاله، فاصبح بحالة يرثى عليها وبقي في ذلك الابتلاء والامتحان عشر سنوات عاشها كلها في لوعة وحرمان، وسوء وأحزان حتى انتقل إلى الملك الديان.
"ليحتكمن الله أخذا بثأره ويعجز عن الاحتكام المقاوم
فلا تحسبوا أن الدماء مضاعة إذا سفكتها في هواها المظالم
وإن ضيعتها أهلها فحقوقها يغار لها للعدل بالقسط قائم
خذي يا خيول الله في كل مرصد بحملة غيظ تتقيها الصلادم" (1)
__________
(1) ديوان أبي مسلم البهلاني ص 322 مرجع سابق (1/101)
صفحة 102
ومن حقد السلطان أنه منع أن يزال منه القيد حتى ينزل من القلعة. وطُلب من السلطان أن يدفن في إزكي موطن آبائه وأجداده (1) فرفض الطلب حسدا وبغضا في نفسه (2) .فكان شيخنا على موعد مع القدر في مساء الأربعاء ثلاثون من شهر شوال 1387هـ ليصعد بروحه الطاهرة إلى جوار ربها ويرجع بنفسه المطمئنة راضية مرضية لتعانق أرواح النبيين والصديقين ، والشهداء والصالحين (3) فدفن في الحمرية في منطقة اسمها "العدية" (4) يسكن بها آل وهيب وقبره معروف هنالك، وتقع هذه المقبرة في الجانب الشرقي من جامع روي،"أي في روي القديمة (5) وهذه المقبرة لا يدفن فيها الآن أحد وقام بتغسيل جثمانه الشريف الشيخ إبراهيم بن سعيد العبري، والشيخ سعيد ابن أحمد الكندي،وعدد من قضاة مسقط (6) .
فلبس الكون ثوب حداده، وترك طيبه وزينته، وكيف لا يحزن الدهر وقد وجد من فقيده ما لم يجده من غيره، وكيف لا تسعد السماء فتفتح أبوابها، وتلبس حليها وتصطف أملاكها لتحتضن روح ولي من أولياء الله هديه الإيمان وروحه القرآن، ألا فلتهنأ يا أبا زاهر في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر (7)
"فرحم الله تلك الأوصال وأحلها دار الخلد والجلال"
آمين
الفصل الثالث (مسيرته العلمية وآثاره)
__________
(1) مقابلة مع الشيخ سالم الرقيشي "مرجع سابق" ومن مقابلة مع الوالد عبدالله بن منصور الرقيشي "مرجع سابق"
(2) اللؤلؤ الرطب الشيخ سعيد الحارثي "مرجع سابق"" بتصرف"
(3) تحقيق مقاليد التنزيل للشيخ كهلان الخروصي ص19 "مرجع سابق" "بتصرف"
(4) مقابلة مع الشيخ سعيد بن حمد الحارثي "مرجع سابق"
(5) مقابلة مع سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي يوم الجمعة 16 من صفر الخير 1324هـ الموافق له 18/4/2003م
(6) مقابلة مع الشيخ زاهر بن محمد الرقيشي "مرجع سابق" "بتصرف"
(7) تحقيق مقاليد التنزيل ، الشيخ كهلان الخروصي ، ص19 "مرجع سابق" "بتصرف" (1/102)
صفحة 103
... إن المتأمل في سيرة العلماء المصلحين الأجلاء، ليعرف مدى مكانتهم في قلوب الناس من خلال تضحياتهم وجهودهم التي يبذلونها من أجل خدمة الأمة الإسلامية بكل وسيلة من الوسائل التي مكنهم الله تعالى من استغلالها في مصالح عباد الله فالعالم يصلح ما فسد في هذه الأمة بقلمه ولسانه ويده.
... ولا شك أن تعاقب العلماء على هذه الأمة الإسلامية عالماً بعد عالم يدل دلالة واضحة على أن الله سبحانه تعالى يريد لهذه البشرية الحائرة الخير والرشاد والفلاح بعد أن ظلت طريق الجادة ردحاً من الزمان.فشيخنا الرقيشي من أولئك الذين كانوا فلتة من فلتات زمانه، فسعى وكافح لردّ تلك القطعان البشرية إلى جادة الصواب.
كما سعى شيخنا في الاجتهاد لتحصيل العلم فجد واجتهد، ولكل مجتهد نصيب. فالطالب الذي يجد ويجتهد يتحصّل على العلم والمعرفة حسب اجتهاده الذي اجتهده. فهيا بنا نتتبع سيرة شيخنا الرقيشي العلمية واجتهاده في طلب العلم، فإلى المبحث الأول: طلبه للعلم وشيوخه.
المبحث الأول: "طلبه للعلم وشيوخه ،وتلاميذه"
إن المولى عز وجل أكرم عباده بنعم عديدة لا تعد ولا تحصى، فقد أكرمهم بنعمة عظيمة ألا وهي نعمة العلم والعلماء الذين هم رحمة الله في أرضه، وهم الذين أرشدوا هذه الأمة وانتشلوها من الضياع ونشروا فيها العدل والصلاح، وضحوا بالغالي والنفيس في سبيل الله عز وجل، وهم قبل ذلك جدوا واجتهدوا وشمروا عن سواعد الجد وجاهدوا في طلب العلم حتى وصلوا إلى مراتب أهل الفضل والعلم. وإن شيخنا الرقيشي- رحمه الله – جاهد في طلبه للعلم، فأحيا ليله وأسهر عينه من أجل ذلك. فقد كان يقطع المسافات الطِوال من أجل الاستفادة من الشيخ المالكي - رحمه الله – عندما كان بنزوى، حتى ارتوى من علمه الغزير واستفاد منه الكثير ، كما سيتبين لك أخي القارئ ذلك من خلال طلبه للعلم، فإلى المطلب الأول: طلبه للعلم:-
المطلب الأول: (طلبه للعلم): (1/103)
صفحة 104
لعل المستقريء لسيرة شيخنا المجاهد الغيور؛ يجد أنه قد تربى على حب العلم والمطالعة لولا أنّ مشيئة الله وحكمته اقتضت أن ينقطع عن التعليم في فترة من فترات حياته. وذلك عائد إلى أسباب كثيرة قد سبق ذكرها في الفصل الأول، وشاءت حكمة المولى عز وجل أن تنتشل شيخنا من الضياع، ومن تلك الفتن الهوجاء التي عصفت بأهل عُمان ردحاً من الزمان ، حتى قيضّ الله لهذه الأمة الإسلامية علماء عاملين مُصلحين سعوا إلى التشمير عن ساعد الجِد ؛ لتجديد هذا الدين، وأحيوا ما اندرس فيه من معالم الحق.
ولنبدأ أخي القارئ معاً بتتبع سيرة شيخنا في طلبه للعلم وهمته فيه:-
في حقيقة الأمر إنني لم أجد في المصادر أو المراجع أيَّ إشارة تحدد أسماء المشايخ الذين دَرَس الشيخ الرقيشي معهم في مرحلة صباه، ومما هو معلوم أن عادة أهل عُمان قديماً - وحسب ما هو متعارف عندهم – أنهم كانوا يرسلون أبنائهم إلى الكتاتيب لحفظ القرآن الكريم، وتعلم بعض أحكام الدين. فقد أُرسِل شيخنا الرقيشي لتعلم القرآن مع أحد المدرسين في ولاية إزكي، ولا يُعرف على وجه التحديد من الذي تَعَلم معه في مرحلة صباه، ولكن يُذكر عن شيخنا أنه حفظ القرآن الكريم وأجاده وهو في سن السابعة من عمره؛ رغم ما كان في تلك الفترة من الفتن والفوضى التي تعيشها البلاد (1) .
"ويُذكر عنه أنه كان ذا همة عالية وذا عزيمة قوية أعانتاه على تحصيل العلم، فقد روي أنه كان لا يعرف للنوم وقت وخاصة في وقت الظهيرة، الذي تعودّ الناس أن يناموا فيه، إنما كان همه المطالعة والقراءة وتحصيل العلم، وتجريد الهمة والعزم لذلك" (2) .
__________
(1) مقابلة مع الشيخ زاهر بن محمد الرقيشي، مرجع سابق"بتصرف".
(2) مقابلة مع الشيخ أحمد بن سعيد بن أحمد الكندي يوم الأربعاء 6 من شوال 1423هـ الموافق 11/12/2002م بنزوى. (1/104)
صفحة 105
... " وكان الشيخ لا يجلس في مجلس إلا وكتابه في يده يطالع فيه ويقرأ منه، ولقد انكب على طلب العلم وكرس جهده واجتهاده لذلك حتى بلغ اسمى مراتب العلم، كما يروى عنه أنه كان كثيراً ما يقرأ في الآثار، وهذا معروفٌ عنه عند عامة الناس على الرغم من تلك الشواغل والأعمال التي كانت ملقاة على كاهله". (1) وأكثر ما كان يقرأ شيخنا في تلك الفترة كتاب القواعد للإمام الجيطالي (2) وكتاب شرح النيل للإمام القطب – رحمهم الله -." ويروى عنه أنه عندما كان في عبري سقط وتأثر في ظهره من إثر ذلك السقوط؛ فلازم كتاب شرح النيل حتى أنهاه كله وهو على تلك الحالة من مرضه فنٍعم الجد ونٍعم المثابرة، وكثيراً ما كان يطالع كتاب بيان الشرع، فقرأه عدة مرات، وحقاً إنه اجتهد وسهر، ولو أنه لم يجتهد لما نال ما نال. (3)
... وعموماً فإن قراءة الشيخ أكثر ما تكون في علم الدماء؛ لأنه ابتُلي بأمور الناس، وبما يتعلق بأحكام الأروش والديات" (4) .
__________
(1) مقابلة مع الشيخ أحمد بن سعيد بن أحمد الكندي يوم الأربعاء 6 من شوال 1423هـ الموافق له 11/12/2002م "بتصرف".
(2) مقابلة مع سعادة الشيخ أحمد بن سعود السيابي، يوم الأحد 18 من رمضان 1423هـ الموافق له 24/11/2002م.
(3) مقابلة مع الشيخ زاهر بن محمد الرقيشي، مرجع سابق"بتصرف".
(4) المرجع السابق"بتصرف". (1/105)
صفحة 106
... وكان - رحمه الله- يستغل وقته في العلم النافع والعمل الصالح، وكان حريصاً كل الحرص على احترامه للعلم والعلماء وتقديره لمكانتهم، فيُذكر عنه عندما كان في سجن الجلالي؛ رأى رجلاً (1) يقرأ كتاباً (2) فقال له ماذا تقرأ يا فلان؟ فردّ عليه ذلك الرجل: أقرأ هذا الكتيب. فقال الشيخ: لا تقل كتيب؛ ولكن قل كتاب؛ لأن صاحبه أتعَبَ نفسه وسهر الليالي حتى ألفه. (3)
ليسوا رجالاً لا نطيق فعلهم ( لكنهم جدوا وقصرنا الخُطى
هَلُم فلنحذوا حذوا سعيهم ( فليس للإنسان إلا ما سعى (4)
__________
(1) وهو الوالد سعيد بن جميل بن علي الهاشمي.
(2) واسم الكتاب "أبو معشر الفلك"
(3) من جواب مكتوب لأسئلة وجهتها للوالد سعيد بن جميل الهاشمي، فيه معلومات عن سيرة الشيخ الرقيشي"مرجع سابق"بتصرف".
(4) ديوان أبي مسلم البهلاني، ص 283،"مرجع سابق". (1/106)
صفحة 107
ويشير بعض الباحثين (1) إلى أنه من المحتمل أن يكون الشيخ الرقيشي قد درس في مدرسة إبراء التي أقامها بعض الأهالي الأثرياء لتعليم أبنائهم، حيث كان معلمهم الشيخ عبدالله بن راشد الحبسي (2) ، وكانت هذه المدرسة على ضفاف وادي إبراء، وتتلمذ فيه أقرانه كالشيخ أبي الوليد (3) والشيخ أبي زيد الريامي (4) ، وقد تركوا على جدرانها كتابات قبل أن تهدم (5) ،
__________
(1) وهو الأستاذ/ يعقوب بن سعيد بن يحيى البرواني، من جواب مكتوب أرسله لي فيه معلومات عن حياة الشيخ الرقيشي
(2) لقب بأبي سهل ولم أجد له ترجمة، وهو أخو الشيخ الفقيه:مسعود بن راشد بن حميد الحبسي"أبو جبل" فقيه وأديب عاش في القرن الرابع عشر الهجري، ولد سنة 1295هـ في المضيبي وتوفي سنة 1370هـ. انظر معجم أعلام الشعراء الإباضية، فهد السعدي، نسخة تجريبية.
(3) هو الشيخ القاضي أبو الوليد سعود بن حميد بن خليفين توفي ببلدة المضيبي 24 من ربيع الأول سنة 1373هـ، وكان عاملاً عليها وأعمالها لمدة 35 سنة للإمامين الخروصي والخليلي،ودرس على يد الإمام السالمي وعدد من المشايخ، وكان قارئاً حسن النغمة لقبه الإمام الخليل بشمس القراء وداهية العلماء. أصيب قبل موته بمرض في مخه؛ فكان سبباً في وفاته. وله رسائل وأجوبة جمة نثراً ونظماً، ورتب أجوبة الشيخ صالح بن علي الحارثي، انظر: نهضة الأعيان محمد السالمي ، ص389.
(4) سيأتي التعريف به في الفصل الثالث من المطلب الثاني.
(5) مقابلة مع الأستاذ/ يعقوب بن سعيد بن يحيى البرواني يوم السبت 17 من رمضان 1423هـ الموافق 23/11/2002م. (1/107)
صفحة 108
وعموماً فإن هذا الاحتمال وارد حتى يُعضد بأدلة واضحة تدل على أن الشيخ كان من ضمن الذين تعلموا بهذه المدرسة. ولكنني من خلال تتبعي لسيرة الشيخ الرقيشي؛ لم أجد أحداً يشير إلى أنه انتقل خارج بلده إزكي للتعلم والدراسة في مرحلة صباه، والله أعلم بالصواب، وقال سماحة الشيخ – حفظه الله تعالى – " أن الشيخ الرقيشي لم ينتقل إلى القابل للدراسة مع الإمام السالمي ولكنه استفاد منه وربما تكون بينهما مراسلات" (1) .
__________
(1) 1 مقابله مع سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي ، يوم الجمعة 16 / من صفر الخير / 1424هـ الموافق له 18/ 4 / 2003م . (1/108)
صفحة 109
ومما هو واضح أن شيخنا الرقيشي قد أُوتي من الحفظ والفهم والذكاء ما الله به عليم، مما أعانه على استدراك ما فاته في السنوات العشر التي انقطع فيها عن التعليم، وقد أكرمه الله تعالى برؤيا عندما كان يدرس مع شيخه أبى زيد الريامي"فقد رأى في منامه كأن وادياً يهبط في بطنه" فأخذت تلك الرؤيا تختلج في نفسه، حتى قام مشمراً عن ساعد الجد، وأخذ بالأسباب ؛حتى نال مبتغاه من العلم (1) .وما أشبه هذه الرؤيا برؤيا الإمام السالمي- رحمة الله عليه - عندما كان يتعلم في الرستاق مع الشيخ العلامة راشد بن سيف اللمكي (2) وكان الإمام السالمي نائماً في مسجد البياضة (3) وجاءه أستاذه فوجده متعباً في نومه، فأيقظه فانتبه مرعوباً، فسأله الأستاذ عما طرأ عليه، فقال: كنت أرى في نومي أن هذين الواديين كانا يسيلان ماءاً صافياً يغمرهما معاً، وهما يصبان في فمي، وكنت أجد لذلك شدة؛ فأعجب به شيخه. وقال ما معناه: بخ بخ لك يا بني ذلك العلم وأنت مصبه" (4) .
__________
(1) 2مقابلة مع الوالد/ علي بن سيف الفهدي "مرجع سابق".
(2) 3هو الشيخ راشد بن سيف اللمكي الرستاقي، ولد بمحلة قصرى من الرستاق عام 1262هـ/1845م،فقيه وقاض نشأ وتعلم في الرستاق، ولازم الشيخ الزاهد فيصل بن حمود، والشيخ العلامة ماجد بن خميس العبري، وأصبح مدار الفتوى في الرستاق ونواحيها، وعين رئيساً للقضاة، تخرج من مدرسته كثيرا من أهل العلم؛ من أشهرهم الإمام السالمي. له مؤلفات كثيرة منها:"المسالك في علم المناسك" وله قصائد عديدة، توفي سنة 1333هـ/1914م. انظر:دليل أعلام عُمان،ص67. مجموعة باحثين"مرجع سابق".
(3) 4مسجد يقع في قلعة الرستاق التي يعود بناؤها إلى عام 1123هـ/1702م
(4) 5انظر: الحقيقة عبدالله بن علي الخليلي "مخطوط" ص 64 (1/109)
صفحة 110
وكان الشيخ الرقيشي قوي الذاكرة، تجده لا ينسى شيئا مما حفظه في أيام حياته؛ فيُذكر عنه أنه لما كان في سجن الجلالي، كانت تقام هنالك حلقات العلم والتدريس، وكان الشيخ سعود بن سليمان الكندي يُدرس الطلاب علم النحو من كتاب شرح ابن عقيل، فأشكل عليهم بيت من الشعر، وقال الطلاب للشيخ سعود لمن هذا البيت، فقال: لا أعرف ولكنني أظنه لأبي الطيب المتنبي، ثم قام وتقرب من الشيخ الرقيشي (1) فسأله عن هذا البيت فأجابه الشيخ الرقيشي أن هذا البيت للمتنبي من القصيدة الفلانية التي مطلعها كذا، وأخذ يسترسل في ذكر القصيدة حتى قرأ عليهم من حفظه ما يقارب من سبعين بيتاً. فلله درك يا أبا زاهر، مع أنه قد جاوز الثمانين سنة، وهو على تلك الحالة التي عليها، وفي ذلك السجن الرهيب حتى أن بعض من كان معهم (2) في السجن أخذ يبتعد عن الحلقة، وسأله الشيخ إبراهيم بن محمد الرقيشي، فقال: ما بالك تبتعد عن الحلقة؟ فقال: "حرام مثلنا نتعلم، ولا أحد منا يحفظ هذا البيت الذي سألناه الشيخ الرقيشي، وهو يذكر لنا القصيدة كاملاً، وقال: نحن الآن ثمانية، هل منا أحد حافظ لهذا البيت؟ !" (3) .
__________
(1) لأن الله سبحانه وتعالى ابتلى شيخنا الرقيشي بثقل السمع في آخر حياته. مقابلة مع الشيخ سعيد بن حمد الحارثي، قابله الأخ: ناصر بن محمد بن عامر الحجري سنة 1418هـ/1997م.
(2) وهو الشيخ محمود بن زاهر بن غصن الهنائي.
(3) مقابلة مع الوالد سالم بن محمد بن سالم الرقيشي" مرجع سابق". (1/110)
صفحة 111
فقد تعلم شيخنا في مرحلة شبابه مع جملة من العلماء واستفاد من ملازمة بعضهم، فكان من ضمن مشايخه الذين درس على يديهم ،وهم : الشيخ أبي زيد عبدالله بن محمد الريامي، والشيخ عامر بن خميس المالكي، والشيخ علي بن ناصر الريامي، والشيخ سليمان بن محمد الكندي، والشيخ سعيد بن ناصر الكندي، وكما أنه اغترف من اليم الغزير الإمام محمد بن عبدالله الخليلي، واستفاد من العلامة عبدالله بن عامر بن مهيل العزري. والآن لننتقل للمطلب الثاني، لنأخذ نبذة مختصرة عن حياة كل عالم من هؤلاء العلماء.
المطلب الثاني: شيوخه:-
أولاً: الشيخ العلامة العارف بالله: أبو زيد عبدالله بن محمد الريامي الأزكوي:-
... من قبيلة بني ريام من أكثر القبائل العُمانية عدداً، وينتمي هذا الشيخ إلى أولاد راشد إحدى فخائذ قبيلة بني ريام، ولقد كني بأبي زيد، ولد الشيخ أبو زيد في مدينة إزكي بمنطقة النزار في ليلة الجمعة الخامس عشر من شهر رمضان 1301هـ. (1)
وقد ذكرنا الشيخ أبا زيد الريامي أولاً؛ لأنه كانت له اليد البيضاء والباع الطويل في عودة الشيخ الرقيشي إلى مصاف العلم والتعليم، وكانت له صفحات ناصعة في تربية رجال اتكأ عليهم في قيام دول أهل الحق.
__________
(1) انظر: سيرة أبي زيد الريامي، أحمد بن ناصر بن سعيد البيماني، ص 7، ط 1411هـ/1990م " بتصرف". (1/111)
صفحة 112
وروى الشيخ-رحمه الله- أن أباه مات وتركه وأخاه سليمان بن محمد وكانا في سن المراهقة، وكنت أنا (1) وأخي نخرج من منزلنا في الصباح ولا نعود إلى المساء، نذهب داخل البلد(إزكي) فإن وجدنا حمارة أو شيئاً من الحيوان التي تركب طلقناها، وقمنا نتجول بها داخل البلد، ومن ثم نتركها وتذهب إلى مكان صاحبها، أو قد نتركها تعبث في أموال الناس.ولم يكن لنا آمر أو ناه يستطيع ردعنا، وذات يوم أمسكني أحد الأعيان من إزكي، قائلاً لي: عبدالله لك أحد الأمرين، فاختر أحدهما، الأول: إما أن تذهب إلى بلدة القابل بالمنطقة الشرقية لتتلقى العلم من الشيخ العلامة نور الدين السالمي- رحمه الله- وإما أن تذهب غداً إلى فلان الصايغ لتتعلم مهنة صياغة الحلي الفضية؛ وذلك لأجل كسب المعيشة ، وهذه الأمور التي تعملها حالياً غير مساغة ، بل فيها من سوء الأخلاق.
... يقول الشيخ:"امتثلت للأمر وذهبت في اليوم الثاني إلى الصايغ، فطلبت منه أن ألازمه لأتعلم تلك المهنة، فرحبّ بي ومكثت ملازما ًله مدة ثلاثة أيام، فرأيت هذه المهنة لا تصلح لي؛ لأن بها إحراجات خصوصاً تأتي النساء إلى الصايغ ليعمل لها أنواعاً من الحلي، ويقوم بأخذ المقاسات لبعض أعضاء الجسم، وهذا ربما أحصل منه إثماً.
... فكرت في الامتثال للأمر الثاني وهو أن أذهب لطلب العلم عند نور الدين السالمي –رحمه الله- ولم يكن لديّ من المال ما يعينني لذلك، ولكني توكلت على الخالق الرازق، ورأيت في نفسي أنه لا كنز أنفع من العلم ولا مال أربح من الحلم ولا حسب أرفع من الأدب. (2)
ولم يكن شظف العيش، وقلة ما في اليد؛ ليصرفا أبا زيد عن غايته التي يصبوا إليها وأمنيته التي يحلم بها، بل كابد وصبر ممتثلاً قول الشاعر:
... يا طالب العلم باشر الورعا ( وجانب النوع و احذر الشبعا
__________
(1) 2 أي الشيخ أبي زيد الريامي .
(2) انظر: المرجع السابق، ص 8، " بتصرف". (1/112)
صفحة 113
ثم تحسنت الحال قليلاً بعد ذلك، فقد جاء رجل إلى الشيخ السالمي-رحمه الله- وقال له: نريد أن نعطي الطالب الذي جاء من إزكي طعاماً معنا. قال الشيخ: من أين كان يأكل سابقاً؟ فنادوا عليه، فقال له الشيخ: من أين كنت تأكل؟ قال: من رزق الله. فأجابه معلوم، كلنا نأكل من رزق الله ؛ لكن أين كنت تأوي، قال: كنت آوي في المسجد. ولكن من أين كان يأكل يا ترى؟ وماذا كان يأكل؟ لقد استمر طيلة شهر واحد مقيماً في المسجد، يشرب منه، ويرقط الخلال منه ويأكله.
فلله دره كم كابد وصبر وجاهد من أجل طلب العلم! وبعد أن علم الشيخ السالمي بهذه الحادثة، قربه إليه حتى أصبح من كبار الكتّاب عند الشيخ، وكان من ضمن الركب الذين رافقوا الشيخ السالمي إلى حج بيت الله الحرام، ولا شك أنه استفاد من هذه الرحلة أكبر استفادة.
ثم بعد ذلك ظلّ الشيخ أبو زيد الريامي يتردد ما بين إزكي والقابل لمدة لا تقل عن ثلاثة عشر عاماً، ولعل هنالك ما يستدعي الذهاب إلى إزكي . (1)
__________
(1) انظر: ، النظام الإداري والمالي للشيخ أبي زيد الريامي، أحمد بن جابر بن علي المسكري ، بحث تخرج بمعهد القضاء الشرعي والوعظ والإرشاد، ص(4-6) 1414هـ/1994م "بتصرف". (1/113)
صفحة 114
" وبعد هذه الرحلات التعليمية التي قضاها الشيخ أبو زيد الريامي، استقر به المطاف في وطنه إزكي عام ثمانية وعشرين وثلاثمائة وألف (1328هـ)، بعد أن اغترف من البحر الزاخر واليم الغزير الإمام السالمي-رحمه الله-" (1) وأول ما قام به هو تجديد مسجد الحواري في بلدة النزار من إزكي، بعد أن تراكمت عليه الرمال والأتربة من أثر عوارض الزمن، ثم قام بجمع نخبة من طلبة العلم (2) ،فأخذ عنه جمّ غفير، أكبرهم علماً شيخنا المغوار محمد بن سالم الرقيشي-رحمه الله-الذي رأى منه الشيخ أبو زيد الريامي إقباله الكبير على طلب العلم وحبه له، حتى قربّه إليه، واستفاد شيخنا من الشيخ الريامي استفادة عظيمة، فقد أخذ جُلّ معارفه وعلومه منه.
"واستمرت تلك الأشعة تسطع من إزكي ما لا يقل عن ست سنوات كاملة، وبعد ذلك عيّنه الإمام سالم بن راشد الخروصي والياً وقاضيا على بهلاء، وكان ذلك في شهر شعبان عام أربعة وثلاثين وثلاثمائة وألف،فقام بنشر العلم وإصلاح البلاد، وإخماد ما فيها من فساد،حتى أصبحت بهلاء من أزهر البلدان في الزراعة والتجارة،فقد فعل فيها ما لم يفعله أحد قبله. وانتقل الشيخ أبو زيد الريامي إلى رحمة مولاه في يوم الجمعة في اليوم الثالث من شهر رجب الأصم سنة (1364هـ)،بعد أن أصيب بجروح في ساقه؛فكانت سبباً في وفاته،وفقد المسلمون ذلك النور الوقاد،وتلك البصيرة السديدة،ودفن في بهلاء (3) ،بعد أن ترك لنا شيئًا مؤلفاته القيمة،منها كتاب حل المشكلات،وكتاب في مناسك الحج، وآخر في النحو (4) .
__________
(1) انظر: المرجع السابق، ص 8، " بتصرف".
(2) انظر: محاضرة سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي، مكانة إزكي العلمية والتاريخية،" مرجع سابق".
(3) انظر: النظام الإداري والمالي عند الشيخ أبي زيد الريامي، أحمد المسكري ، ص (7-12) مرجع سابق "بتصرف".
(4) انظر: أضواء على بعض أعلام عُمان، عبدالله بن سالم الحارثي، ص 93 مرجع سابق "بتصرف". (1/114)
صفحة 115
ثانياً: الشيخ العلامة الجليل: عامر بن خميس بن مسعود المالكي الشرياني:-
ولد هذا الشيخ في سيح الحيل بوادي بني خالد من المنطقة الشرقية بين عامي (1280- 1282هـ) الموافق(1864-1866م)، وذلك قبل قيام إمامة الإمام عزان بن قيس بخمس سنوات تقريباً، فقد درس الشيخ المالكي مع الشيخ سعيد بن علي الصقري الريامي، والشيخ صالح بن علي الحارثي، والشيخ نور الدين السالمي-رحمهم الله- فقد قال عنه الإمام السالمي وهو في فراش الموت:"لا أخاف عليكم من جهل وفيكم عامر بن خميس، ولا من وهن وفيكم سالم بن راشد" تعظيماً وتقديراً لمكانتهما (1) .
__________
(1) انظر: حياة الشيخ المالكي ومنهجه الفقهي من خلال الفتوى النثرية، سالم بن سعيد بن أحمد السعدي، بحث تخرج بمعهد العلوم الشرعية، ص 15، 16،سنة 1421هـ/2001م"بتصرف". (1/115)
صفحة 116
... كما كان للشيخ عامر الفضل الكبير في تدريس الشيخ الرقيشي، فقد تعلم منه علم الدماء حيث برع فيه، وأصبح عالم عصره ومصره في علم الدماء، الذي قال عنه ابن محبوب (1) :"إن أمر الدماء أمر عظيم لا يميزه إلا العلماء الكبار (2) " فكان الشيخ المالكي يُعد في ذلك الوقت من جهابذة العلماء الفطاحل، وكان مرجعاً للفتوى والأمور السياسية، وللرأي والمشورة، لما عُرف عنه من رجاحة العقل والدهاء والحنكة (3) .
__________
(1) العلامة شيخ المسلمين محمد بن محبوب بن الرحيل بن سيف بن هبيرة القرشي المخزومي، كان مرجع الرأي والفتوى في زمانه، وكان مضرب المثل في العلم والزهد والتقوى، عاصر الإمام المهنا بن جيفر، وكان على رأس المبايعين للإمام الصلت بن مالك سنة 237هـ، وتقلد القضاء في صحار وتوابعها. من شيوخه العلامة موسى بن علي الإزكوي-رحمه الله-ومن تلامذته: ابناه العلامتان: بشير بن محمد بن محبوب، وعبدالله بن محمد بن محبوب، والعلامة عزان بن الصقر، وأبو المؤثر الصلت بن خميس الخروصي،وغيرهم.انظر:إتحاف الأعيان للشيخ سيف بن حمود البطاشي،ج1،ص192 وما بعدها، مرجع سابق"بتصرف"
(2) انظر: صدقة السائل في كنز المسائل، للشيخ القاضي عيسى بن سالم بن فريش الشامسي، مخطوط بمكتبة السيد أحمد برقم (1637) ص277، وانظر: خلاصة الوسائل في ترتيب المسائل للشيخ عيسى بن صالح بن علي الحارثي، دمشق، المطبعة العمومية، 1291هـ/1956م، ج2، ص 420من رسالة له اسمها بغية الطالب في الحكم بين آل حجر وبني راسب
(3) انظر: حياة الشيخ المالكي، سالم بن أحمد السعدي،ص30،"مرجع سابق (1/116)
صفحة 117
"وعندما عُين الشيخ الرقيشي مستشاراً ومسؤولاً عن علاية نزوى في زمن الإمام الراشد سالم بن راشد الخروصي-رحمه الله- اغتنم فرصة وجوده هنالك فيما بين عام 1331هـ إلى عام 1335هـ. واغترف من العلامة المالكي، فكان في كل يوم يأتي من سمد مشياً على الأقدام إلى سفالة نزوى ليواصل تعليمه، فاستطاع –رحمه الله- أن يؤدي عمله بإخلاص وإتقان، وبكل جدارة، مع أنه نال حظاً وافراً من العلم والمعرفة" (1) .وكانت بينه وبين شيخه المالكي مراسلات نظمية جُمعت في كتاب"الدر النظيم من أجوبة أبي مالك بالمناظيم" وهو كتاب مطبوع ، طبعته وزارة التراث والثقافة.
... وكانت استفادة شيخنا الرقيشي من الشيخ المالكي، استفادة عظيمة جداً فهو شيخه على الإطلاق وخاصة في علم الدماء (2) فقد تضلعّ الشيخ الرقيشي في هذا العلم، وشهد له بذلك الإمام الخليلي-رحمه الله- وكفى به حجة حيث قال عنه: "اليوم وجدنا عالم الدماء" (3) .
... ومما هو معروف عن الشيخ المالكي شدته وشجاعته، فلا غروا أن يكون الشيخ الرقيشي قد اكتسب تلك الشجاعة والشهامة من أشياخه كالشيخ المالكي، والشيخ أبي زيد الريامي؛ لأن الطالب متأثر بمنهج أشياخه.
... " وانتقل الشيخ المالكي إلى رحمة الله تعالى في الربع الأخير من الليلة الخامسة من شهر رمضان المبارك في عام 1346هـ/1928م، وله من العمر ما يقارب ستاً وستين سنة، ودُفن في نزوى، وترك مؤلفات عديدة وقيمة منها:-
- غاية المرام في الأديان والأحكام . – غاية التحقيق في أحكام الانتصار والتغريق
__________
(1) انظر: البحر الفياض، سالم الرقيشي، ص9، مرجع سابق،"بتصرف
(2) جواب من الشيخ سالم بن حمد الحارثي لأسئلة وجهتها له عن سيرة الشيخ الرقيشي
(3) انظر: البحر الفياض، سالم الرقيشي، ص 20، مرجع سابق،وقد ذكرنا هذه القصة في المبحث الرابع من الفصل الأول"ثناء العلماء عليه". (1/117)
صفحة 118
- غاية المطلوب في الأثر والمنسوب. وغيرها من الفتاوى والأشعار النثرية، جُمعت في كتاب اسمه" الدر النظيم من أجوبة أبي مالك بالمناظيم" وفيه أسئلة من الشيخ الرقيشي إلى الشيخ المالكي (1) . فرحم الله تعالى الأوصال وأحلها دار الخلد والجلال.
ثالثاً: الشيخ القاضي سليمان بن محمد بن أحمد الكندي:-
... ولد هذا العالم الجليل في بيت من بيوت العلم والفضل سنة 1298هـ بمسقط، وقد تربى في أحضان والده الشيخ الفاضل محمد بن أحمد الكندي{وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتهُ بِإذْنِ رَبّهِِِِِ} (2) ، فأخذ من أخلاقه وتربى في كنفه، ومن شيوخ شيخنا الكندي الشيخ العلامة الزاهد سعيد بن ناصر بن عبدالله الكندي (3) ، وكان من ضمن مؤلفات الشيخ سليمان كتاب "بداية الإمداد على غاية المراد"، وكتاب"التحفة السنية على متن الأجرومية في علم العربية" وله منظومة في علم الفرائض اسمها "عقد أصول الفرائض"، وله شرح عليها كما توجد له مسائل فقهية وقصائد شعرية . وكان –رحمه الله- زاهداً ورعاً تقياً لا يطلب من الدنيا إلا القليل، وما يوصله إلى دار البقاء، وهذه هي صفة العلماء العاملين ، فلا يركنون إلى هذه الدنيا ولا ينظرون إلى زينتها نظرة المعجب بها، قال تعالى{وَلَا تمُدنّ عَيْنَيك إلى مَا متّعْنَا به أزواجاً منْهُم زَهرَة الحياةِ الدُّنيا لِنفتنهم فِيه} (4) .
__________
(1) انظر: حياة الشيخ المالكي ، سالم بن سعيد السعدي، ص6، 35 وما بعدها، مرجع سابق"بتصرف".
(2) سورة الأعراف الآية رقم 58.
(3) سيأتي التعريف بهذه الشخصية لاحقاً بعونه تعالى
(4) سورة طه، الآية رقم 131. (1/118)
صفحة 119
... وكان –رحمه الله- يُدرس في مسجد الخور بمسقط، حيث كان يعلم القرآن الكريم وأصول الدين وعلوم اللغة، واستمر في التدريس حتى أوائل عهد السلطان فيصل بن تركي، ثم بعد ذلك انتقل إلى بيضة الإسلام، وانضم إلى معسكر الإمام سالم بن راشد الخروصي، فجعله الإمام قاضياً على نزوى وما حولها (1) ، "وأخذ عنه شيخنا الرقيشي علوم الفقه والحديث" (2) .وقد قال عنه سماحة شيخنا العلامة بدر الدين أحمد بن حمد الخليلي-حفظه الله-:"أنه وصل إلى مراتب العلماء"، وقد انتقل إلى رحمة الله تعالى في الرابع من صفر عام 1337هـ، وقد بلغ من العمر تسع وثلاثين سنة، وكان سبب وفاته مرض الطاعون، ودفن في نزوى (3) .
رابعاً: الشيخ عبدالله بن عامر بن مهيل العزري:-
__________
(1) انظر: تحقيق بداية الإمداد على غاية المراد، حميد بن حمد بن سلطان الجحافي، بحث تخرج بمعهد القضاء الشرعي والوعظ والإرشاد، ص39 وما بعدها، 1417هـ/1997م،"بتصرف
(2) انظر: البحر الفياض، سالم بن محمد الرقيشي، ص 6، مرجع سابق، "بتصرف"
(3) انظر: تحقيق بداية الإمداد على غاية المراد، حميد بن حمد الجحافي، ص39 وما بعدها، مرجع سابق"بتصرف". (1/119)
صفحة 120
ومن ضمن الذين تعلم الشيخ الرقيشي على يديهم الشيخ عبدالله بن عامر العزري (1) ولد في قرية الخشبة من أعمال ولاية المضيبي، فقد درس على يد الإمام نور الدين السالمي، ثم أكمل تعليمه على يد الشيخ الأديب محمد بن شيخان السالمي (2) ، وقد انقطع في دراسة اللغة في المسجد المعروف بمسجد "الصوار".ثم عاد إلى بلدته واشتغل بالتدريس، ثم سافر إلى شرق أفريقيا فبقى بها حوالي أربعة عشر سنة، ثم عاد إلى عُمان؛ فولاه الإمام سالم بن راشد على إبراء ثم نقله إلى نزوى ،وكان من بين تلاميذه أيضاً الشيخ سفيان بن محمد الراشدي (3) والإمام غالب بن علي الهنائي (4) ، وكان الشيخ العزري شاعراً لا يستهان به في ميدان الشعر، فقد كانت بينه وبين الشيخ عبدالرحمن بن ناصر الريامي" (5)
__________
(1) مقابلة مع السيد محمد بن أحمد البوسعيدي"مرجع سابق
(2) هومحمد بن شيخان بن خلفان بن مانع السالمي، يكنى بأبي نذير، ولقّبه قطب الأئمة بشيخ البيان، من شيوخه الشيخ راشد بن سيف اللمكي، وابن عمه الإمام نورالدين السالمي. ونبغ ابن شيخان في علم اللسان والكلام، فقد كان ذكياً متوقد الذكاء، سريع الجواب، حاضر الاستشهاد، حافظ للأشعار. وكان من بين تلامذته الشيخ عبدالله بن عامر العزري، والشيخ محمد بن حمد الزاملي المعولي وكلاهما وليّ القضاء في عهد الإمام الخليلي وكانا مكفوفين. توفي ابن شيخان ليلة الجمعة الثامن عشر من شهر ربيع الأول سنة 1346هـ ببيت القرن بالرستاق. انظر: ديوان ابن شيخان السالمي،ص 13-16، مرجع سابق"بتصرف"
(3) سبق الترجمة عنه.
(4) سبق الترجمة عنه.
(5) هو الشيخ الوجيه عبدالرحمن بن ناصر بن عامر الريامي، نسبة إلى ريام القبيلة المشهورة،ولد في عام 1301هـ ببلدة النزار من ولاية إزكي، ونشأ وترعرع في بيت علم وعرفان وفضل وإحسان، فقد كان والده الشيخ ناصر بن عامر فقيهاً نابهاً، ومن أشياخه الشيخ أبو زيد الريامي الذي استفاد منه جُلّ علومه..وتحلى هذا الشيخ بصفات النبل والكرم والصدق والوفاء، فكان الشيخ أديباً بارعاً اعترف له أقرانه بذلك، ولازم الإمامين الجليلين الخروصي والخليلي فوافته المنية في 17 من ربيع الأول عام 1374هـ عن عمر بلغ ثلاثاً وسبعين عاماً. ومن مؤلفاته: ديوان شعري حافل بقصائد في غاية الجمال والروعة، وله كتاب اسمه نفحة الأزهر من رياض زنجبار ولكنه مفقود، وتوجد له أسئلة وأجوبة أدبية لم يعتن أحد بجمعها. انظر: ترجمة عن سيرة الشيخ عبدالرحمن بن ناصر الريامي خلفان بن محمد الرواحي ، مخطوط بدون رقم تصنيف في مكتبة السيد (1/120)
صفحة 121
مطارحات أدبية، كما رثاه تلميذه الشيخ الرقيشي بقصيدة (1) وفي اليوم السادس عشر من شهر شوال سنة 1358هـ (2) انتقل إلى رحمة الله تعالى، ولا أعرف على وجه التحديد ما العلوم التي درسها الشيخ الرقيشي عنده، ولكن لعله درس علوم اللغة والأدب؛ لأن الشيخ العزري كان بارعاً في تلك العلوم.
.
خامساً: الشيخ سعيد بن ناصر الكندي:-
ولد الشيخ الزاهد سعيد بن ناصر بن عبدالله الكندي في بلدة سمد من علاية نزوى بالمنطقة الداخلية سنة (1268هـ).و حفظ القرآن الكريم عن ظهر قلب وهو في سن العاشرة، وفي نزوى أخذ مبادئ العلوم على يد مشايخ أجلاء ، ثم انتقل إلى مسقط؛ بعد أن حصلت منازعات بين عائلته وبين مشايخ نزوى، وتتلمذ على يد الشيخ محمد بن هلال البوسعيدي، والشيخ محمد بن صالح، كما أنه أخذ علوم الفقه عن العلامة المحقق سعيد بن خلفان الخليلي-رضي الله عنه- ثم واصل تعليمه في مسجد الخور بمسقط حتى أصبح من أفاضل علماء عصره، وكان يبذل الغالي والثمين من أجل إفادة تلاميذه.
وتميز الشيخ سعيد بكثرة التهجد، وقيام الليل، وكان لا يخاف في الله لومة لائم، وكان بيته بيت شرف ومجد، وترك بعده سلالة طيبة صالحة، وفي سنة 1355هـ توفي الشيخ سعيد بن ناصر الكندي ببلدة المتهدمات من وادي حطاط (المعروفة حالياً بالعامرات) بعد حياة دامت ثلاث وثمانين عاماً، وكانت له جهود إصلاحية في البلاد (3) .
سادساً: الشيخ علي بن ناصر بن عامر الريامي:-
__________
(1) مقابلة مع السيد محمد بن أحمد البوسعيدي؛ ولكن للأسف لم أعثر على هذه القصيدة، ويقول السيد إنها موجودة في مكتبته.
(2) انظر: أضواء على بعض أعلام عُمان، عبدالله الحارثي، مرجع سابق، ص88، 89، "بتصرف".
(3) انظر: أضواء على بعض أعلام عُمان، عبدالله الحارثي، ص 73 وما بعدها ، مرجع سابق، "بتصرف (1/121)
صفحة 122
أخذ شيخنا الرقيشي عنه مبادئ اللغة العربية وما يتعلق بها من الفنون اللغوية، وأخذ عنه مبادئ التوحيد، وأصول الدين وبعض الواجبات (1) .
وهذا الشيخ يعتبر حفيد الشيخ عامر بن سليمان الريامي، نشأ في منزل مصحوب بالعلم والحكمة، وهو من المشايخ الأجلاء، عاش في القرن الرابع عشر (2) .
سابعاً: الإمام الرضي محمد بن عبدالله الخليلي-رحمه الله- ]1299-1373هـ [
__________
(1) انظر: ترجمة عن سيرة الشيخ الرقيشي، خلفان بن محمد الرواحي، ص7، مرجع سابق.
(2) انظر: رسالة الشيخ عامر بن سليمان الريامي للشيخة العالمة بنت مسعود العامرية(القرن 13)، اعتنى بها سلطان بن مبارك الشيباني 1421هـ/2000م،ص20 بتصرف،وانظر: نزهة المتأملين، يحي البهلاني،ص120، مرجع سابق، ولم أجد معلومات أخرى عن هذا الشيخ. (1/122)
صفحة 123
يُعتبر الإمام الخليلي - رحمه الله- من أعلم أهل زمانه في ذلك الأوان، فقد لازم شيخنا التقي محمد بن سالم الرقيشي ذلكم الإمام الرضي ما لا يقل عن سبع سنوات- أي بعد توليته نخل عام 1352هـ إلى عام 1359هـ (1) - فنهل من مكنون علمه وخزائن معارفه، وأخذ بنصيب وافر من ذلك النبع الصافي واليم الحاوي لجميع فنون العلم الشافي. فبعد أن رُزأ المسلمون بوفاة الشيخ المالكي؛ استدعى الإمام الخليلي الشيخ الرقيشي من أجل مساندته ومساعدته في أمور دولته، وأن يكون خليفة لشيخه المالكي، فبقي هذا الشيخ الذراع الأيمن للإمام الخليلي شاداً لعضده ومساعداً له في إقامة دولته والنهوض بها.وكان الشيخ الرقيشي مرجعاً للاستئناف والأحكام المستعصية، وكان الإمام الخليلي لا يستغني عنه ولا عن آرائه الفذة النيرة (2)
__________
(1) انظر: البحر الفياض، سالم الرقيشي،ص21، مرجع سابق،"بتصرف
(2) ولا أدل على ذلك من أن الإمام الخليلي-رحمه الله- جاءه رجل وقد ارتكب شيء من الموبقات وأراد الاعتراف، فتفرس فيه الإمام قبل أن يتكلم، فقال له الإمام: إن كنت فعلت شيء فاستر نفسك بستر الله. فقال: لا لابد أن أعترف، فاعترف بأنه قد زنى. فأمره الإمام بالذهاب في ذلك الوقت، حتى يسأل عن أحواله العقلية والنفسية، وعلم بأنه صحيح العقل ليس فيه شيء. ثم قال الإمام للشيخ الرقيشي: احكم عليه، فسأل الشيخ ذلك الرجل عما فعل، فأقرّ واعترف بزناه. فقال الشيخ: احكم بقتله رجماً.فبقي الإمام يتململ ويغير جلسته لشدة هول قتل النفس، ثم بعد ذلك أنفذ فيه حد الزنى، وكان ذلك الحكم آخر حُكم حَكَم به الإمام في حياته. شريط سمعي مسجل للقاضي حمود بن عبدالله الراشدي عن حياة الإمام الخليلي وسيرته، في سناو سنة 1423هـ/2002م" بتصرف". (1/123)
صفحة 124
التي كان يصدرها عن علم وخبرة أصقلته الحياة في التعامل معها. وكان الإمام حريصاً كل الحرص على أن يبقي الشيخ الرقيشي معه وأن لا يفارقه. وفي يوم من الأيام جاء وفد من الناس إلى الإمام الخليلي يريدون الذهاب إلى بيت الله الحرام لأداء فريضة الحج، وطلبوا من الإمام أن يكون معهم أحدٌ يقوم بمهمة الإفتاء، وحل المسائل التي تشكل عليه في حجهم، فَعَلم الإمام ماذا يقصدون. فقال لهم: إن هذه المهمة، لا يصلح لها إلا شخص واحد وهو الشيخ الرقيشي، ولكننا لا نستغني عنه، ونحن بحاجة ماسة إليه، فهو يرد عنا شر البدو والحضر" (1) .
كما لا ننسى أن حياة الإمام الخليلي-رحمه الله- كلها علم وتعلم وإفادة واستفادة في حله وترحاله؛ أكسبت شيخنا الرقيشي علم ومعرفة مكنته من خوض الصعاب وتحمل المشاق. وتلك الملازمة وذلك الاحتكاك بالإمام هو الذي يوَلد ويربي الرجال على الارتقاء بهم لمصاف العلماء ويغرس فيهم روح الإيمان والإحسان، ويشجعهم على الإقتداء بسير الأبطال الشجعان.
فقد عاش الإمام الخليلي-رضي الله عنه - حياة حافلة بالمواقف المشرقة، ومليئة بالأحداث المبهجة للنفس، فلقد قضى كل حياته في خدمة عباد الله في مشارق الأرض ومغاربها، وسعى بكل جهده لنشر العدل في البلاد، بعد أن انطمست معالم الخير والرشاد، فأحيا السنن وأمات البدع ، وقضى على أهل الجور، وحارب البغاة، وقتل الذين يسعون في الأرض فسادا، وساوى بين الناس بالسوية لا فضل لغني على فقير، ولا أعمى على بصير، واشتهرت سيرته في كل أصقاع الأرض، فسيرته كسيرة الخلفاء الراشدين، وحقيقة الأمر أن حياته لم تعط حقها في الكتابات التي كُتبت عنه حتى الآن.
__________
(1) مقابلة مع الشيخ يحيى بن أحمد بن سليمان الكندي، يوم الخميس 19 من رجب الأصم 1423هـ الموافق له 26/1/2002م بنزوى، "بتصرف". وانظر: البحر الفياض، ص 30، مرجع سابق. (1/124)
صفحة 125
وكان الإمام الخليلي-رحمه الله- ذا ثروة عظيمة من المال ورثها عن أبيه، ولكنه أنفقها جميعاً في سبيل الله من أجل إقامة دولة أهل الحق، ورفع راية الحق عالية خفاقة. فقد أنفق الإمام تلك الأموال كلها، ولم تلهه هذه الحياة الزائلة وزخرفها ، وكان أكرم أهل زمانه (1) .
ولو لم يكن في كفه غيرُ نفسه ( لجاد بها فليتق الله سائله
__________
(1) انظر: سيرة الإمامين الرضيين: محمد بن عبد الله الخليلي،والإمام غالب بن علي الهنائي، للشيخ سيف بن سالم بن سيف اللمكي، ص1-2 ، "بتصرف" مخطوط. (1/125)
صفحة 126
وأما عن حلمه ،و تواضعه (1) فحدث ولا حرج، فقد كان حليماً متواضعاً، يجلس إلى الناس: الخاصة والعامة، يباسطهم ويعلمهم أمور دينهم ودنياهم، يقضي نهاره في خدمة المسلمين،ويحترم المرأة والخادم، والصغير والكبير، والقوي والضعيف، ولا يأنف من أحد، وكان يتولى علاج المرضى بنفسه (2) .
... فقد ملك روح الشعب بالمحبة واللين والسياسة، لا بالقوة والقهر والجبروت، عظّمَهُ الناس لصغر الدنيا في عينيه، فلا يَرى لها قدراً (3) .
وصدق قول أبي مسلم البهلاني فيه وفي أمثاله :
رمى عرض الدنيا وراء يقينه ( بأن وراء الحد شأنا يسارع
__________
(1) ومن حلم الإمام وتواضعه: كان الشيخ يحيى بن سفيان وأخوه سيف بن سفيان أمرهم جدهم بأن يجلسوا في الحصن وأن لا يفتحوا لأي أحد أياً كان حتى يأتي هو بنفسه، وبعد فترة من الوقت جاء العسكر وقالوا لهم: افتحوا الباب لأن الإمام يريد أن يدخل الحصن، فلم يفتحوا لهم، والإمام جلس فوق "رفصة" الباب ينتظر منهم أن يفتحوا فلم يفتحوا له، حتى جاء الشيخ محمد الراشدي ثم فتحوا لهم الباب، ففرح الإمام بما فعلوه؛ فكافأهم على حزمهم بأن أعطاهم قرشا من النقود. فيا سبحان الله من تواضع هذا الإمام الذي يجلس ينتظر على الباب، وهو من هو وكأنه كأي من الناس، فما أعظمك من إنسان وما أحلمك من إمام.مقابلة مع الشيخ يحيى بن سفيان الراشدي، يوم الأحد 22 من ذي الحجة 1423هـ الموفق له 23/2/2003م"بتصرف".المقابلة 2
(2) ومن جملة ذلك أن أحد الطلاب أصيب برمد في عينه، وكان يتألم كثيرا من ذلك ، فسمعه الإمام يبكي فنزل من غرفته مسرعاً، فسأله: ماذا يشتكي ؟ فأخبره أنه مصاب برمد، فقام الإمام إلى بيته، وعمل له بعض الأدوية البسيطة، ثم أعطاه إياه فشفي ذلك الطالب من حينها – بإذن الله- فلله درك يا أبا خليل. شريط مسجل للقاضي حمود بن عبدالله الراشدي، مرجع سابق، "بتصرف".
(3) انظر: نهضة الأعيان، محمد بن عبدالله السالمي، ص289، "مرجع سابق"،"بتصرف". (1/126)
صفحة 127
يحرر نفساً من عبودة مطمع ( سوى رغب فيه إلى الله طامع
به أنف الأملاك في نضرة الغنى ( وما نال منه ما تقل الأصابع
كفته لقيمات يقومن صلبه ( وطمرٌ من الإنهاج يأباه راقع
يَلذ فطام النفس عن كل لذةٍ ( ولذات هذا العيش بئس المراضع
يبيت وللأحزان جمرة قلبه ( تشب إذا سالت عليه المدامع
إذا ذكر الأخرى تضاءل جازعاً ( كأن ْ راعه من هادم العمر رائع
وإن ذكر الدنيا تفانى وأصعقت ( مشاعرهُ تلك الصعاب القوارع
على وحشة في السجن من بغتة الفنا ( وما خلف يوم الموت كيف المفازع
وما زخرف الدنيا وإن راق رونقاً ( على عينه إلا العَنا والفجائع
أحال على أنفاسه البر والتقى ( فللبر والتقوى عليها طوابع
على الأرض منكورٌ ويُعرف في السما ( له مخبر بين الملائك شايع
تراه متى ما الليل عَمدّ بيته ( عموداً على محرابه وهو راكع
يشعشع بالقرآن أنوارُ قلبه( فعنهن شقت للعيون المدارع
يُرّجع في الديجور رنّة ثاكل (نحيباً كما ناح الحمام السواجع (1)
ويذكر عن الإمام الخليلي أنه لم يقل الشعر سوى هذا البيت:-
كلٌ يُفضلُ ما اشتهته نفسه ( وأنا أفضل من النخيل المنزفاء (2)
وفي الساعة الأولى من يوم الاثنين التاسع والعشرين من شهر شعبان سنة 1373هـ هاجرت إلى ميقات ربها الروح التي عكفت على الإرشاد في نصرة الدين الحنيف، وانتقل عميد العلم والدين والإسلام إلى مولاه، وإلى دار كرامته ومثواه، وجعل الله الجنة مستقره ومأواه.
أصيب الإمام –رحمه الله- بوعكة بسيطة ألمت به أعقبها بعد ذلك حملات المرض؛ فكانت سبباً لوفاته (3) ، فرحم الله تلك الأوصال ،وأحلها دار الخلد والجلال.
المطلب الثالث : ( تلاميذه ) :
__________
(1) انظر: ديوان أبي مسلم البهلاني، ص 333-334، "مرجع سابق".
(2) مقابلة مع الشيخ خالد بن مهنا البطاشي، يوم الخميس 26من ذي الحجة 1423هـ الموافق له 27/2/2003م.المقابلة الثانية
(3) انظر: نهضة الأعيان، محمد بن عبدالله السالمي، ص390،"مرجع سابق"،"بتصرف". (1/127)
صفحة 128
إن سيرة علمائنا الأطهار سيرة عطرة لا تزال آثارهم باقية وأعمالهم خالدة وألسن المدح والثناء شاهدة وشاكرة على ما قدموه لهذه الأمة من ماقب وأعمال ظاهرة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها .
وعندما أراد الله تعالى الخير والصلاح لبهلاء وأهلها قيض الله لهم الشيخ العلامة الغيور أبو زيد عبدالله ابن محمد الريامي بأن جعله الإمام الراشد سالم بن راشد والياً وقاضياً عليها وبقي ذلك المعهد الميمون الذي أقامه بمسجد الحواري بإزكي لتدريس الطلاب أن تكون به فرجة لولا أن هَبَّ الشيخ الرقيشي مسرعاً لسد ذلك الخلل الذي حدث بخروج الشيخ أبي زيد وتصدى شيخنا الرقيشي للتعليم ومواصلة مشوار شيخه والسير على نهجه وقد حذا حذو شيخه (1) ،حيث رأى أن ذلك الأمر عليه واجب ديني عليه لا بد من تأديته ، وفعلاً قام بالواجب وخرّج الرجال والأبطال الذين قامت أكتافهم دولة أهل الحق ، وقاموا بتحمل المهام التي نيطت على عاتقهم خير قيام .
فكان من أولئك الرجال الأفذاذ الذين درسوا على يد شيخنا الرقيشي ابناه علي وإبراهيم بن محمد بن سالم الرقيشي ، والشيخ القاضي سعيد بن هاشل الناعبي والشيخ محمد بن كليب العمري والشيخان سعيد بن ناصر وأخوه سليمان بن ناصر السرحنيان ، والشيخ حميد بن عامر الغانمي والشيخ الأديب خلفان ابن محمد الرواحي كما استفاد منه جملة من المشايخ أمثال العلامة سالم بن حمود السيابي والشيخ الفهامة سعيد بن حمد الحارثي -حفظه الله ورعاه- وغيرهم كثير .
ولننتقل بك أخي إلى أخذ نبذة ولنقتطف زهرة من سيرة أولئك النخبة من العلماء والأدباء الذين تربوا في مدرسة الشيخ الرقيشي – رحمه الله –
__________
(1) ذكر بعض الباحثين أن الشيخ الرقيشي لم تكن له مدرسة لهتمامه بالولايات والقضاء وإنما كان يقيم حلقات بسيطة تعلم معه جملة من علماء وأدباء إزكي ... مقابلة مع الأستاذ / يحيى بن محمد بن سليمان البهلاني يوم الثلاثاء 29 من محرم 1424هـ الموافق له 1/4/2003م. (1/128)
صفحة 129
أولاً: الشيخ القاضي علي بن محمد بن سالم الرقيشي (1) :
كان هذا الشيخ من كبار المتعلمين الذين استفادوا من علم ذلكم الهزبر فلا غرو أن يكون كمثله فذلك الشبل من ذلكم الأسد فقد تولى منصب القضاء فترة طويلة في ولاية عبري . فقد ولد هذا الشيخ عام 1329هـ بولاية إزكي ونشأ وترعرع في كنف والده ، كما استفاد من العلماء الموجودين بإزكي في ذلك الوقت ثم انتقل إلى نزوى مع أبيه واستكمل تعليمه مع مجموعة من العلماء الذين تزخر بهم ولاية نزوى في الثلاثينيات في القرن الماضي ، وانتقل مع والده إلى ولاية نخل عام 1339هـ .
__________
(1) انظر البحر الفياض - سالم الرقيشي جـ6 مرجع سابق (1/129)
صفحة 130
كما تولى القضاء في ولاية عبري أثناء تولي السيد سعود بن حارب في بداية الثمانينات من القرن الهجري الماضي واستمر بها أكثر من ثمان سنوات وكان يمارس أعمال القضاء وكتابة الصكوك وأهالي منطقة عبري يذكرونه ببساطته في الحياة وحزمه في تنفيذ الأحكام الشرعية وسعة صده وحفظه للأحداث والقضايا التي تمر عليه – كما اشتغل في عهد الإمام الرضى محمد بن عبدالله الخليلي – رحمه الله – في القضاء ثم واصل مشواره في هذه المهنة الصعبة في عهد النهضة المباركة وتقضى في عدة ولايات منها ولاية صور وأدم ومنح وضنك وعبري ثم أحيل إلى التقاعد عام (1984م) وقد قضى بقية عمره في مدينة عبري الواعدة ، وكان مرجعاً لطلبة العلم وكان مرجعاً للأهالي الذين كانوا يرجعون إليه في أمور كثيرة تتعلق بأسئلتهم عن أحكام العبادات المواريث ولقد وافته المنية في غرة شهر رمضان المبارك عام 1418هـ (1) الموافق له 30 من ديسمبر 1997م ودفن في عبري عن عمر يناهز (89 عاماً ) ولم يذكر عنه أنه خلف شيء من المؤلفات (2) .
ثانياً : الشيخ إبراهيم بن محمد بن سالم الرقيشي :
__________
(1) زهر الربيع في السعي لإرضاء الجميع – الشيخ سعيد بن حمد الحارثي صـ158.
(2) انظر : منطقة الظاهرة 29 عاماً من الإنجازات الشامخة – عدد خاص يصدر عن مؤسسة عمان لصحافة والأنباء والنشر والإعلانات بمناسبة احتضان ولاية عبري احتفالات العيد الوطني التاسع والعشرين - الخميس 10 من شعبان 1420هـ - الموافق له 8/11/1999م صفحة (90) " بتصرف " (1/130)
صفحة 131
كان الشيخ إبراهيم لا يقل درجة عن أخيه في العلم والشجاعة فقد كان كثير الملازمة لوالده وهو معه في معظم أوقاته واستفاد منه غالب علومه واغترف من مكنون فنونه من شجاعة وبسالة وإقدام ، وبقى ملازماً والده في سجن الجلالي ما لا يقل عن عشرِ سنوات . فقد ذكر بعض القضاة عن الشيخ إبراهيم أنه قال : إنني لأعلم أن رجلين سيخرجان من السجن علماء وعد منهم الشيخ إبراهيم بن محمد الرقيشي والشيخ محمود بن زاهر الهنائي. (1)
ولد هذا الشيخ سنة( 1335هـ) وتوفي سنة (1402هـ) للهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام إثر حادث سير أليم عندما كان خارجاً لصلاة الجمعة . ويعد الشيخ إبراهيم من الفقهاء والنحويين في ولاية إزكي كما كان مدرساً في الفقه والأصول الدينية ، أخذ عنه معظم شباب بلدتي اليمن والنزار في ذلك الوقت (2) وكان من بين الذين درسوا معه أخوه / سالم بن محمد الرقيشي (3) وغيرهم من أبناء إزكي .
ولم يترك لنا الشيخ شيء من المؤلفات ولم يذكر عنه أنه ألف شيئاً من الكتب ولعل ذلك راجعاً إلى أنه كان رهن الابتلاء مع أبيه .
وقد عثرت على تخميس له لبيتين وهما :
تنبه خليلي للعلى وابغ منصباً بتنزيه نفس للهداية طالباً
وحاذر قرين السوء والسر مجنباً أفق لا تجالس من إذا صار مغضباً عليك لشأن شمته لك هاجيا
ألا فالتزم أهل الهدى والمعاليا بصحبتهم ترقى رفيع المعانيا
فإن عدو المرء من هو داهياً ومن كوب فيه لم يزل لك ساقياً
سلافة أفك إن غدا عنك راضياً (4)
__________
(1) مقابلة مع الشيخ زاهر بن محمد الرقيشي – مرجع سابق – وقد سبق ذكر هذه القصة.
(2) انظر: نزهة المتأملين – يحيى البهلاني صـ120 – مرجع سابق – " بتصريف “.
(3) مقابلة مع الوالد سالم بن محمد الرقيشي – مرجع سابق – " بتصريف “.
(4) انظر مخطوطة بمكتبة السيد تحت رقم (1646) " مجموعة قصائد صـ107. (1/131)
صفحة 132
وكانت بينه وبين الإمام غالب بن علي الهنائي مراسلات ، وقد أدرجتها في الملحق ملخصها يسأله عن حالته وعن صحته ويطمئن عليه (1) .
وكان الشيخ إبراهيم ليس بأقل درجة من أبيه في الفطنة والذكاء وسرعة البديهية وحسن اختيار الجواب بما يوافق الصواب ويحير ذوي الألباب فكان من بين أخباره، والتي يرويها عن نفسه " أن الظاهرة كانت في السابق جحيماً لا يطاق يباع فيها الأحرار ، ويقتل فيها الأبرياء وتسبى فيها النساء والأطفال وتنهب فيها الأموال ، فكان لا يستطيع الواحد والإثنان أن يسافرا من بلد إلى بلد إلا مغامرة وقليل السالم . فمن ضمن القصص التي وقعت له أنه خرج ذات يوم من دبي قاصداً الظاهرة مغامراً فقطع له اللصوص ؛ ولكن لما أسعده الحظ : جاءه اللص على هيئة جائع يطلب منه زاداً ، يقول : كان ينتظرني أنزل عن ناقتي ، فيدعو أصحابه فيأسرني ، ولكن بالبديهة قلت له : إني متأسف كل الزاد مع أصحابي وهم في القافلة خلفي ، وأنا سبقتهم أرتادُ لهم مقيلاً ، فطمع في الأكثر وتركني ، وكانوا من عادتهم لا يتعرضون للقتل إذا حصل المال إلا إن دفعوا (2) فلله درك يا نجل محمد فصدق فيك .
قول القائل :
بأبه اقتدى عدي في الكرم ... ... ومن يشابه أبه فما ظلم
وقول القائل :
وينشأ ناشي الفتيان فينا على ما كان عوده أبوه
ثالثاً : الشيخ سعيد بن هاشل الناعبي (3) :
__________
(1) انظر الملحق رقم (4).
(2) اللؤلؤ الرطب الشيخ سعيد ببن حمد الحارثي – صـ57.
(3) مقابلة مع سعادة الشيخ أحمد بن سعود السيابي " مرجع سابق “. (1/132)
صفحة 133
عاش في القرن الرابع عشر الهجري ، وهو من المشايخ الفقهاء ولد هذا الشيخ في بلدة النزار لولاية إزكي (1) ونال حظاً وافراً من العلم والمعرفة مما أهله ليكون قاضياً على أزكي في عهد الإمام الخليلي رحمه الله (2) -وكان ينوب عن الشيخ الرقيشي في القضاء عندما يكون الشيخ خارجا منها (3) .
ويعتبر الشيخ الناعبي مرجعاً في المسائل الفقهية ، كما درس - رحمه الله -علم النحو والفقه والقواعد ويذكر أن مدرسة كانت في مسجد الحواري المعروف ببلدة النزار التي أقامها عام (1340هـ - 1375هـ ) فكان من بين تلاميذه الشيخ محمد بن كليب العمري والشيخ خلفان بن محمد الرواحي والشيخ سالم بن محمد الرواحي (4) .
رابعاً : الشيخ محمد بن كليب العمري :
ومن ضمن الذين درسوا على يد الشيخ الرقيشي الشيخ الأديب محمد بن كليب العمري (5) ولد سنة 1332هـ - 1912م . نشأ في بلدة النزار فتلقى بها حياته العلمية الأولى ثم شق طريقه الذاتي ليزداد علماً ومعرفة فثرى نفسه بعلم اللغة والنحو وعلم الأديان .
وبعد أن تمكن من الرسوخ في علم اللغة والأدب و عين مدرساً للقرآن الكريم ومبادئ الدين الحنيف واللغة في حصن إزكي، وأخذ عنه الكثير من جيل النهضة عام (1970م) .
وللشيخ العمري ديوان شعر أودع فيه جل قصائده الشعرية التي نظمها منذ صغره ومنها هذه القصيدة وهي في التوسل والدعاء بسور القرآن فقد ذكر الشيخ جميع السور راجياً من الله كشف كربته وهي من بحر الرجز والتي مطلعها .
__________
(1) انظر: نزهة المتأملين يحيى البهلاني صـ " مرجع سابق “.
(2) انظر: البحر الفياض – سالم الرقيشي صـ7 - مرجع سابق.
(3) مقابلة مع الوالد: عبدالله بن منصور الرقيشي – مرجع سابق – " بتصريف "
(4) انظر الحياة العلمية في إزكي – يحيى البهلاني صـ121 " مرجع سابق “.
(5) مقابلة مع سعادة الشيخ: أحمد بن سعود السيابي: مرجع سابق " وقال بأن الشيخ محمد بن كليب هو أخبره بأنه درس مع الشيخ الرقيشي بإزكي " بتصرف “. (1/133)
صفحة 134
أدعو ببسم الله أول ابتداء أدعوك يا رحمن خوفاً ورجاء
أدعوك يا رحيم في رفع البلاء أدعوك يا رباه سامع الدعا
أدعو بآيات المثاني إنني عبد ضعيف ضعفت مني القوى
إلى أن قال في نهايتها :
بسور القرآن أدعو بها فإن تجيبني فحسبي وكفى
وإن رددتني بسوء عملي أسألك اللهم غفران الخطا
إني توسلت بما أنزلته على نبيك الرسول المجتبى
وأن يكون شافعاً في محشري في يوم لا ينفعني مال ولا
يارب بلغه صلاة وكذا مني السلام دائماً طول المدى
والآل والصحب جميعاً كل من قفا لأثرهم وكل من وفى
وامتد هذا قلمي لنظمها ثاني الليالي ثم عشر ما مضى
ربيعنا الآخر في شغف القلب مني حبه الهدى
وافته المنية في عام 1416هـ - الموافق له سنة 1996م (1) .
خامساً : الأستاذ الأديب / خلفان بن محمد بن سالم الرواحي :
ولد ونشأ هذا الأديب في بلدة اليمن عام 1349هـ الموافق له 1928م ، فقد قضى حياته العلمية في هذه البلدة العريقة متنقلاً بين مدارسها العلمية في تلك الحقبة من الزمن التي كانت منتشرة كمثل مدرسة الشيخ سالم بن سليمان البهلاني ، ومدرسة الشيخ سعود بن سليمان الكندي (2) " وكان يأتي مشياً على الأقدام من بلدة اليمن إلى النزار سعياً لطلب العلم والاستفادة من الشيخ الرقيشي وكانت بينهما مراسلات وأسئلة وأجوبة نظمية (3) ثم انتقل بعد ذلك إلى نزوى فأخذ عن الإمام الخليلي ومن مدارسة التي كان يقيمها العلماء والقضاة هنالك .
__________
(1) انظر: الحياة العلمية في إزكي يحيى بن محمد البهلاني –صـ80- 82 بتصريف الناشر مكتبة أبي مسلم ط الأولى 1421هـ - 2000م.
(2) انظر الحياة العلمية في إزكي – يحيى البهلاني صـ83 " مرجع سابق " بتصرف".
(3) انظر البحر الفياض – سالم الرقيشي – صـ 7 – مرجع سابق " بتصرف:” (1/134)
صفحة 135
وقد نبغ الشيخ خلفان بن محمد الرواحي وتوفق في دراسته وعلمه وعُينَّ مدرساً في إبراء لتدريس مبادئ الدين الحنيف ، واللغة العربية وفي عصر النهضة المباركة ، واصل الأديب رسالته فتصدى لتحرير مجلة " الوحي " التي كانت تصدرها وزارة العدل والأوقاف والشؤون الإسلامية آنذاك ؛ ولكن للأسف أوقفت هذه المجلة عن الإصدار بعد أن صدرت منها أعداد بسيطة وكان الشيخ خلفان هو رئيس التحرير لهذه المجلة وله مقالات قوية جداً تعرب عن مكانة كاتبها فأظهر في هذه المجلة أعاجيب بيانه وقوة أسلوبه ، فقد جمع في كتابته بين النثر والشعر (1) .
وخمس الشيخ خلفان الرواحي قصيدة البردة في مدح خير البرية صلى الله عليه وسلم وكتب مقدمة لسبب تخميس هذه القصيدة تدل على روعة بيانه ورصانة أسلوبه وجزالة لفظه . وإليك أخي القارئ جزء من هذه القصيدة الرائعة :
أمن تفكر قلب بات في ندم ... أمن تكثر ذنب نيط بالألم
أمن تحسر صب سيط بالسقم أمن تذكر جيران بذي سلم
مزجت دمعاً جرى من مقلة بدم
أم حنت العيس تعدو إثر واكفة بصيب المزن تروي لفح ضامئة
أم غنت الورق تشدو فوق وارفة أم هبت الريح من تلقاء كاظمة
وأومض البرق في الظلماء من إضم
فما لوجهك يبدو شاحباً بهتا وما لجسمك أوهاه الضنا فنتا
وما لنطقك مشدودا وقد خفتا وما لعينيك إن قلت أكففا همتا
وما لقلبك إن قلت استفق يهم
وما حال حبك يخفى أيها الفهم ... أليس يبديه دمع منك منتظم
ونار وجدك بالأحشاء تحتدم أيحسب الصب أن الحب منكتم
ما بين منسجم منه ومضطرم
لولا الهوى عاش هذا الناس في جذل ولا ستراحوا من الأحزان والعلل
وما دروا كيف طعم الصاب والعسل ولا الهوى لم ترق دمعا على طلل
ولا أرقت لذكر البان والعلم
ظللت تستر حالا منك حيث غدت شهود وجدك تتلو حجة وردت
في نصها بينات كالنهار بدت فكيف تنكر حبا بعد ما شهدت
__________
(1) انظر الحياة العلمية – يحيى البهلاني صـ83 – مرجع سابق – " بتصرف “. (1/135)
صفحة 136
به عليك عدول الدمع والسقم (1) ...
ولم يقتصر الشيخ خلفان على هذا بل كان له نتاج فقهي شرع في تأليفه أثناء زيارته للديار المقدسة؛ ولكنه فقده ولم يعد كتابته .وله قصيدتان طويلتان في ذكر علماء إزكي وهما ملحمتان تاريخيتان صب فيهما أبدع المعاني وأفخم الألفاظ وجاءت متوافقة ومتسلسلة حسب الأحداث التاريخية. (2) ...
كما نظم الشيخ قصيدة قوية طنانة رنانة ،قالها في قيام ثورة عبد الناصر ولكنه فقدها مع جملة من القصائد الأخرى (3) .
سادسا:الشيخ العلامة الوقور / سعيد بن حمد بن سليمان الحارثي :
__________
(1) انظر : الحياة العلمية – يحيى البهلاني – صـ85-87 – مرجع سابق – " بتصرف "
(2) ا انظر : المرجع سابق ص87 – " بتصرف "
(3) مقابلة مع الأستاذ خلفان بن محمد الرواحي "مرجع سابق” (1/136)
صفحة 137
ولد الشيخ في المضيرب يوم الاثنين 13 من رجب الأصم سنة 1346هـ فقد ختم القرآن الكريم وهو ابن ست سنين كما حفظ كثيرا من الحكم والأشعار والأراجيز وأول من درس على يديهم الشيخ يزيد بن خالد بن الوليد البوسعيدي (1) من بلدة منح ،وبدأ بدراسة علم الفرائض مع الشيخ ناصر بن سيف البطاشي (2) وقد بقى معه مدة طويلة ويقول الشيخ سعيد – حفظه الله – أن أكثر من لازمت من المشايخ هو الشيخ ناصر بن سعيد النعماني (3) "فقد لازمته عشرين سنة " (4) .
__________
(1) هو الشيخ الفقيه القاضي يزيد بن خالد بن الوليد البوسعيدي نشأ في بلدة الفيقين من ولاية منح ولد عام ( 1301هـ ) وأخذ حظا وافرا من العلم عن خاله محمد بن مسعود البو سعيدي وكان ذكيا لبقا سريع الحفظ والفهم ، وعين قاضيا للسلطان سعيد بن تيمور كما عينه الإمام الخليلي- رحمه الله – قاضيا على منح كما توجد له قصائد جمة ومات سنة 1376هـ . انظر مطالع السعود في سيرة الشيخ محمد بن مسعود البوسعيدي – خلفان بن سالم بن علي البوسعيدي - بحث غير منشور.
(2) لم أجد له ترجمة.
(3) هو الشيخ ناصر بن سعيد النعماني ولد في بلدة " الخبة" من ولاية السويق في العاشر من ذي الحجة سنة 1330هـ، رحل إلى نزوى عام 1351هـ فالتقى بطلبة العلم والتحق بمدرسة الإمام الخليلي –رحمه الله – ودرس على يد الشيخ عبدالله بن عامر العزري، وكلفه الإمام بالإنتقال إلى الشرقية وكان ذلك عام 1356هـ فبقي بصحبة الشيخ عيسى بن صالح الحارثي تميز بالسخاء والكرم ودماثة الخلق وكان شغوفا بالسفر والترحال. انظر أضواء على بعض أعلام عمان، عبدالله الحارثي ص118 – 119 مرجع سابق بتصرف
(4) مقابلة مع الشيخ سعيد بن حمد الحارثي – مرجع سابق (1/137)
صفحة 138
وتولى الشيخ سعيد عدة مناصب في الدولة منها عين والياً على المنطقة الشرقية ، ثم نقل والياً على الرستاق عام 1391هـ . والتحق بوزارة التربية والتعليم عام 1975م . كما عين مديراً لمعهد القضاء والإمامة والخطابة عام 1400هـ وفي هذا المعهد الميمون ربى جيلاً عرف بالتقوى والزهد والصلاح والورع وحملوا مشعل الهداية لنشره للخلق في أرجاء الأرض وأحيل شيخنا الحارثي للتقاعد بعد سنة 1406هـ (1) .
ويقول الشيخ سعيد لقد لازمت الشيخ الرقيشي سنة كاملة في الكوت ، واستفدت منه كثيراً (2) فيلاحظ أن معظم الروايات التي ذكرها الشيخ سعيد في اللؤلؤ الرطب يرويها عن الشيخ الرقيشي (3) .
وللشيخ الحارثي مؤلفات عديدة طبع بعض منها وبقى الكثير متداول بين الناس والمتتبع لكتب الشيخ يجد فيها الحس المرهف والقلم السيال المبدع ويتبين للقارئ مدى براعة الشيخ في تصوير المواقف كأنه يرى تلك المواقف أو المشاهد فما أعظمها من نعمة وماأكرمها من خصلة وموهبة فمن ضمن مؤلفاته التي طبعت :
1-كتاب غرس الصواب في قلوب الأحباب.
2-وكتاب نتائج الأقوال على معالج الآمال.
3- وكتاب عبر وذكريات من أدب الرحلات.
4- وله كتاب " حياتي " كتب فيه أطوار حياته وقال بأنه سيظهر بعد وفاتي (4) .
5- اللؤلؤ الرطب في إبراز مستودعات القلب " متداول “.
6- زهر الربيع في السعي لإرضاء الجميع " متداول أيضاً “.
7- وكتاب إزاحة الأغيان عن لغة أهل عمان " متداول أيضاً "
8- ألف حدث وحدث عماني " متداول “.
__________
(1) انظر أضواء على بعض أعلام عمان – عبدالله الحارثي – صـ134 – مرجع سابق – " بتصرف “.
(2) مقابلة مع الشيخ سعيد بن حمد الحارثي – مرجع سابق -.
(3) فقد ذكر فيها قصص وأخبار عن الشيخ الرقيشي في اللؤلؤ الرطب تدل على عظيم استفادته منه وخاصة الأخبار التأريخية والقصص عن العلماء والزعماء.
(4) مقابلة مع الشيخ سعيد بن حمد الحارثي – مرجع سابق – " بتصرف “. (1/138)
صفحة 139
9- وله بعض الكتيبات البسيطة مثل: الصيب من حكم أبي الطيب. وغزوات الرسول صلى الله عليه وسلم ، وله قصائد وأراجيز كثيرة (1) وعمره الآن ما يقارب 78 سنة فنسأل المولى عز وجل أن يمد في عمره وأن ينفعنا بعلمه ويمتعنا بحياته .
سابعا:الشيخ العلامة / سالم بن حمود السيابي :
كان من بين الذين استفادوا من علم شيخنا الرقيشي – رحمه الله – الشيخ سالم بن حمود بن شامس بن خميس السيابي من قبيلة آل المسيب ولد هذا الشيخ بقرية " غلا " من أعمال بوشر في سنة 1326 هـ الموافق له 1908م وحفظ القرآن في سن مبكرة من حياته، ودرس النحو بنفسه ثم انتقل إلى سمائل ، واستوطنها وكانت آنذاك تزخر بالعلماء الأكابر فدرس على يد الشيخ العلامة خلفان بن جميل السيابي أصول الدين والفقه وأصوله والفرائض . ولازمه ليلاً ونهاراً ، كما أنه أشبع طموحه بمجالسته للإمام الخليلي – رحمه الله – ومذكراته لشيخنا الرقيشي والشيخ سعيد بن ناصر الكندي ، والشيخ عبدالله بن عامر العزري ، حتى صار فحلاً من فحول العلماء الذين يشار إليهم بالبنان ، ولقد وصفه الإمام الخليلي – رضي الله عنه بأنه ممن تسد به الثغور ، ويوجه في مهمات الأمور (2) .
طلب منه الشيخ عبدالله بن علي الخليلي بأن يدرس أولاده وكان ذلك في عام 1350هـ . وقام بأمر التدريس خير قيام وتأدب عليه حوالي (40) طالباً ، وعين في سنة 1352هـ قاضياً على بوشر وبقي بها حتى عام 1359هـ كما عُين في عدد من مناطق السلطنة كالكامل والوافي وتوابعها وولاية نخل وغيرها .
__________
(1) انظر: أضواء على بعض أعلام عمان – عبد الله الحارثي صـ134 وما بعدها – مرجع سابق – " بتصرف “.
(2) انظر: عمان عبر التاريخ سالم بن حمود السيابي –– ج1 صـ6- 8 ط5 1421هـ - 2001 سلطنة عمان – وزارة التراث – كتب الترجمة الشيخ سليمان بن خلف الخروصي. (1/139)
صفحة 140
ثم استدعاه السلطان سعيد بن تيمور فعينه قاضياً في المحكمة الشرعية بالعاصمة ، ولما بزغت شمس النهضة الزاهرة نقلت خدماته من وزارة العدل إلى وزارة التراث والثقافة ليتفرغ لتحقيق الكتب العلمية والتاريخية .
كما ألف الشيخ مؤلفات تربو على الخمسين مؤلف . خَدَمَ بها المكتبة الإسلامية فطبع بعضها وبقي جزء كبير منها ينتظر من يخرجه إلى النور فمن ضمن كتبه كتاب العنوان عن تاريخ أهل عمان . وكتاب إسعاف الأعيان عن أنساب أهل عمان . وعمان عبر التاريخ وطلقات المعهد الرياضي في حلقات المذهب الأباضي وغيرها من الكتب ولقد وافته المنية في أخر يوم من عام 1993م وقد دفن في سمائل بداخلية عمان (1) .
المبحث الثالث ( آثاره العلمية ، وأحكامه )
وقد قسمت هذا المبحث إلى مطلبين :-
المطلب الأول : آثاره العلمية ، والمطلب الثاني : الأحكام التي أنفذها:
المطلب الأول : آثاره العلمية :
إنّ المرء ليحار عقله ، ويطير لبه ، عندما يقرأ أو يسمع سيرة أولئك الرجال الأبطال الذين لا يشق لهم غبار ، والذين جاهدوا في الله حق الجهاد ، وأفنوا حياتهم كلها في خدمة عباد الله ، وحل مشكلاتهم ومعضلاتهم ، وكف غوغائهم وارتباشهم ، وسعيهم الدائب للإرشاد والتوجيه .
__________
(1) انظر أضواء على بعض أعلام عمان – عبدالله بن سالم الحارثي – صـ122 وما بعدها – مرجع سابق – " بتصرف “. (1/140)
صفحة 141
ولعل عذر بعض علمائنا – رحمهم الله – عن التأليف هي تلك العوامل والحواجز التي تعترض سبيلهم عن أداء هذه المهمة التي تحتاج إلى كثير من الجهد ، والفراغ ، وراحة البال ، واستقرار الحال ، وجمع المعلومات الكافية حيث لم ينعموا غالبا بقسط من الراحة والاطمئنان – بل كانت حياتهم حركة دائبة لا يكادون يستقرون ويحطون عصى الترحال حتى يفاجئوا بنازلة من نوازل الزمان تستدعي من يهب للقيام بأعبائها ، فتذهب حياتهم كفاح لا وقت فيه للكتابة والتأليف ، ولكن فوق هذا وذاك نجدهم قد خدموا المكتبة الإسلامية بالعديد من المؤلفات التي طبع بعضها ، وبقي الكثير منها رهينة الأرفف ، وحبيسة الأدراج لم ترى النور بعد .
وإنّ شيخنا الكمي الباسل ، والشهم المغوار ، رغم مشاغله الجمة وأعماله التي كانت منوطة على عاتقه إلاّ أنّه قد ألفّ العديد من الكتب والقصائد التي تدل على ما يمتلكه من قلم عذب سيال يعبر عما تجيش به نفسه من أحاسيس ، ومشاعر تفصح عن ما لاقاه وعاناه من بني قومه .
فقد صال وجال شيخنا في ميدان البأس والحماس ، وحاز على إعجاب الناس ، ودهته طوارق الحدثان ، ومصائب فقد الأهل والإخوان ، وذوي الفضل والإحسان ، فأثارت رسيس شجونه وإخوانه وآلامه ، فأبان عن مكنون جمانه ، ووقف على منابع العلم والحكم ، واكتشف كنوز الفضائل والقيم – ولو تفرغ لألف الكثير للأمة وللمكتبة الإسلامية – ولكن هذه قسمة الله في العباد .
فإلى مؤلفات الشيخ – رحمه الله - وإلى ما تركه للمكتبة الإسلامية من علم .
الفرع الأول : لنبدأ بالكتب النثرية : (1/141)
صفحة 142
1) كتاب النور الوقاد على علم الرشاد . " مطبوع " طبعته وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان عام 1404 هـ ـ 1984م وانتهى الشيخ من تأليفه عام 1370هـ عندما كان بولاية عبري من منطقة الظاهرة ، ولما كان عليه الشيخ الرقيشي من سعة الإطلاع وغزارة العلم ، ولما كان يعايشه من أحوال البغاة والمفسدين كان كتابه هذا موافقا لما كانت عليه حياته الجهادية ، وقد نوقش في مسائل أوردها في كتابه هذا وخالف فيها أقوال الأئمة المتقدمين فأجاب عنها بالحجة النيرة ، وعضّد أقواله بالأدلة الواضحة (1) ، ولكن للأسف الشديد أنّ الكتاب لم يطبع كاملا فقد حذفت مسائل ، وأبواب كثيرة جدا تتعلق بأحكام البغاة ، وتوجد عدة نسخ من مخطوط الكتاب بمكتبة السيد محمد بن أحمد البوسعيدي ، والنسخة المكتملة تحت رقم ( 475 ) وتوجد نسختين فيهن نقص.
2) كتاب في علم الرسم " مطبوع " طبعته وزارة التراث القومي والثقافة بالسلطنة في سلسلة من " تراثنا "
محتوى هذه الرسالة : يتضمن شرحا لكيفية كتابة الكلمات ، والأفعال العربية بصورة صحيحة ، وهو مقسم إلى أبواب مثل : الفعل والممدود والمقصور ، والمهموز ، والوصل ، والحرف ، والبدل . والمخطوط موجود بمكتبة التراث والثقافة تحت رقم ( 2680 ) ، وتوجد نسخة بمكتبة السيد تحت رقم (65) ، ونسخه سالم بن سعيد بن حمود الغاوي عام 1371هـ .
3) كتاب البحر الفياض في الطهارات (2) ولكن للأسف فإنه فقد مع جملة كبيرة من كتب الشيخ عندما كان في منطقة الظاهرة ، وتهدم عليها المنزل هنالك فلم تجد من يعتني بها حتى تلاشت وضاعت (3) .
__________
(1) تقرير في" مادة فقه الجنايات بعنوان من التطبيقات العلمية لعقوبات القصاص والحد والتعزير في عهود الإمامة بعمان سلطان بن مبارك الشيباني " " مرجع سابق " ص 15 .
(2) مقابلة مع الوالد سالم بن محمد الرقيشي " مرجع سابق "
(3) مقابلة مع الشيخ زاهر بن محمد الرقيشي " مرجع سابق " . (1/142)
صفحة 143
4) كتاب في علم الفرائض (1) " مفقود " ولعله فقد من ضمن الكتب التي فقدت بعبري بعد عودة الشيخ منها .
5) لشيخنا – رحمه الله – ترتيب جميل لجوابات الإمام نور الدين السالمي – رحمه الله – فكان أول من اعتنى بترتيبهن قبل أن تجمع في كتاب العقد الثمين الذي جمعه الشيخ سالم بن حمد الحارثي (2) . وجاء ترتيب الشيخ ترتيبا جميلا منسقا فقد قسم مسائل الطهارات وجعلها في قسم مستقل ، وكذلك مسائل الطلاق جعلها مرتبة بعد باب النكاح ، وفي باب النكاح مسائل شتى إلى أن وصل إلى حقوق المعاشرة الزوجية ثم انتقل إلى أحكام الولد وأحكام الرضاع . وعموما توجد فهرسة لجميع المسائل في مقدمة كل جزء . فهذا ملخص الجزء الثالث من جوابات الإمام نور الدين السالمي بترتيب الشيخ محمد بن سالم الرقيشي . والمخطوط بحالة جيدة جدا بخط حمد بن مهنأ بن سيف النبهاني بيده 29 من شعبان 1354هـ وزاهر بن عبدالله الكندي . رقم المخطوط (987) ج3 بمكتبة السيد محمد بن أحمد (3) .
? الجزء الرابع من فتاوى الإمام نور الدين السالمي بترتيب الشيخ محمد بن سالم الرقيشي . المخطوط بحالة جيدة . ومفهرس لجميع المسائل بالقلم الأسود والأحمر ، وعدد صفحات هذه المخطوطة 479 صفحة . رتبّ كالآتي : على شكل أبواب .
1) باب في الأفلاج ص1 وفيه مسائل متفرقة .
2) باب في الطرق ص33 وفيه مسائل متفرقة .
__________
(1) مقابلة مع الشيخ سعيد بن حمد الحارثي ، وقال" بأنه لم يطّلع عليه وأخبره بذلك الشيخ الرقيشي – رحمه الله –" " مرجع سابق "
(2) العقد الثمين من أجوبة نور الدين السالمي الشيخ سالم بن حمد الحارثي –– الجزء الأول ص 5 . في المقدمة . طبع على نفقة جلالة السلطان قابوس بن سعيد . ومن محاضرة مسجلة عن حياة الإمام السالمي – للشيخ إبراهيم بن سعيد العبري بدون تاريخ.
(3) مخطوط بمكتبة السيد محمد بن أحمد . رقم المخطوط (987) جوابات الإمام السالمي بترتيب الشيخ محمد بن سالم الرقيشي . (1/143)
صفحة 144
3) باب في الوقف ص67 وفيه مسائل متفرقة .
4) باب في العتق ص130 وفيه مسائل متفرقة .
إلى أن وصل إلى مسائل الضمان والمسائل الأخرى ص 398 رقم المخطوط (985) ج4 بمكتبة السيد محمد بن أحمد .
? الجزء الخامس من فتاوى الإمام نور الدين السالمي بترتيب الشيخ الرقيشي . لم يذكر اسم المرتب ولكن الناسخ هو زاهر بن عبدالله الكندي . 11رمضان 1310هـ ولا أستبعد أن يكون من ترتيب الشيخ الرقيشي – رحمه الله – لأنه بنفس النسق السابق للأجزاء الأخرى ، وكذلك هذا الناسخ قد سبق وأن نسخ الجزء الثالث للشيخ الرقيشي ورتبه على أبواب :
1) باب في الوكالة ص1 .
2) باب في الدعاوى والأحكام وفيه مسائل شتى ص7 .
3) باب في الديون وفيه مسائل شتى ص93 .
4) باب في البيوع وفيه مسائل شتى ص101 .
5) باب في السلف وفيه مسائل شتى ص210 .
ثم توالت بعده أبواب المضاربة والقرض والأكرية إلى أن وصل إلى الأروش وما فيها من مسائل ص407 . يقع المخطوط في 583 صفحة وهو بحالة جيدة وفيه فهرسة شاملة جميلة بخط مقروء . كتبه زاهر بن عبدالله الكندي بيده. رقم المخطوط (1138) ج5 بمكتبة السيد .
وهذا ما وجدته في مكتبة السيد من هذه الجوابات ، وذكر لي الشيخ زاهر بن محمد الرقيشي أنّ والده أنهى ترتيب هذه الجوابات جميعها وهي موجودة عنده جمعها في سبعة أو ثمانية مجلدات (1) .
(
__________
(1) مقابلة مع الشيخ زاهر بن محمد بن سالم الرقيشي " مرجع سابق " . (1/144)
صفحة 145
6) للشيخ – رحمه الله – فتاوى نثرية وصكوك شرعية كثيرة جدا مبثوثة في الكتب والمخطوطات فحاولت تجميعها قدر استطاعتي – القاصرة – ودونت بعضها نقلا من مخطوطات بمكتبة السيد ولم استطع تصوير أي شيء منها بسبب شروط المكتبة (1) . فيعد شيخنا مفتي الديار التي يكون بها في إزكي ونخل وعبري وغيرها فكان هو مرجع الفتوى والأحكام ولذلك جعله الإمام مفوضا في قضاء الحدود وتنفيذ الأحكام دون الرجوع إليه ولم يعط الإمام هذه الميزة لأحد من ولاته أو قضاته إلا نادرا .
حتى أنّ الإمام – رحمه الله – سأله أحد العلماء عن الشيخ الرقيشي هل هو أعلمنا ؟! فقال : بل هو أحكمكم (2) .
فالشيخ – رحمه الله – كان يجيب على أسئلة كثيرة جدا تصله من أماكن شتى ولكن للأسف لم تجد من يعتني بها ويجمعها فضاعت وتلاشت كما تلاشت مكتبته العامرة بشتى أنواع الكتب ، وله فتاوى توجد في كتاب الفتح الجليل من أجوبة أبي خليل (3) .
وله - رحمه الله – أجوبة للإخوة من أهل المغرب الأصحاب من أهالي وادي ميزاب والعزابة تتضمن خمسة مباحث ملخصها ما يلي :
1) حكم العمل بنداء السلطان في الوقوف بعرفة .
2) إذا أجبرهم السلطان على الوقوف أيصح حجهم أم لا ؟
3) هل يعد ذلك الخبر إخلالا بالأمان الذي هو شرط من شروط الحج ؟
4) هل يعمل بخبر الواحد الناقل عن جملة رأو الهلال ؟
__________
(1) لم يسمح لي بتصوير أي ورقة من المكتبة لتعليمات السيد بذلك فاضطررت إلى الكتابة وتدوين ما أجده متعلق بالشيخ وآثاره والحمد لله على نعمائه
(2) البحر الفياض ص29و30 " مرجع سابق " .
(3) أنظر الفتح الجليل من أجوبة أبي خليل الصفحات الآتية ( 359 ، 370 ، 374 ، 405 ، 448 ، 450 ، 610 ، 641 ، 731) . (1/145)
صفحة 146
5) هل يعد هذا الخبر من باب الرواية أم من باب الشهادة ؟ (1) .
فأجاب الشيخ الرقيشي ، وأطال وأفاض الشيخ خلفان بن جميل السيابي ، وأجاب عنه الشيخ إبراهيم بن سعيد العبري فنقلت جواب الشيخ الرقيشي فقط (2) .
ووجدت له جواباً مطوّلاً ومفصّلاَ سئل فيه ما ملخصه " عن حروب وقعت بين قبيلتين لا يعلم أصل الباغية منها على الأخرى وذلك لطول المدة ، وكثرة العسف من أهل عمان يقتل الرجل فتحميه قبيلته ، ولا يحتج ولي المقتول على تلك القبيلة بل يسارع فيقتل من وجده من قبيلة القاتل ، وهكذا تصنع القبيلة الأخرى وهلّم جرى كل يدعي أنه قتل صاحبه أخذا لثأره ، وهكذا إلى مالا نهاية له وإن وقعت هدنة ثم انقضت ثارت الحرب على الأساس الأول . هل ترى للحاكم هدم ما مضى بينهم من الدماء والأموال أو ماذا يفعل ؟ (3) .
فأجاب الشيخ الرقيشي عن هذه المسائل اعتمادا على أقوال الأئمة المتقدمين واستدل بكتاب الله المتين وبسنة نبينا خاتم المرسلين. وقد عقّب أحد العلماء على جواب الشيخ الرقيشي
في هذه المسائل وأطال في التعقيب على الشيخ فمن شاء فليرجع إليه (4) وتركته خوف الإطالة .
وذكر الوالد سالم بن محمد الرقيشي مسألتين نثريتين عن والده
المسألة الأولى : عمن وجد شيئا من الدراهم في المسجد النبوي هل يحل له أخذها ؟
__________
(1) " روض الأزهار في الخطب والأشعار " ( مخطوط ) لعبدالله بن مهنأ بن حمد العبري . جمع فيه أشعار وخطب الشيخ إبراهيم بن سعيد العبري وغيره من العلماء . رقم المخطوط (70) آخر الصفحات بدون ترقيم .
(2) انظر الجواب و الأسئلة في الملحق رقم ( 24 ) .
(3) صدقة السائل من كنز المسائل ،الشيخ القاضي عيسى سالم بن فريش الشامسي ، ( مخطوط ) بمكتبة السيد رقم المخطوط ( 1637 ) ص 287- 289 .
(4) انظر التعقيب نفس المخطوط السابق ص296 – 303 . (1/146)
صفحة 147
المسألة الثانية : إذا تزوج رجل امرأة من غير بلده ، وجاء بها إلى بلده وأتى منها بأولاد ثم طلقها ، والأولاد بحال من يتبع أمهم فهل لها أن تخرج بأولادها من بلدها إذا طلقها وعليه هو نفقتهم ؟ (1) .
وله مراسلات كثيرة مع الأئمة الثلاثة المتأخرين بصفة عامّة ، ومع الإمام الخليلي بصفة خاصة ، وتوجد صكوك وأحكام شرعية كتبها للإمام الخليلي منها صك يختص بفلج العين من وادي بني رواحة بتاريخ 6 من جمادى الأولى 1359هـ (2) .
كما يوجد حكم حكم به الشيخ الرقيشي في قضية بني هناءة والناصري ، وقد أشرنا إلى هذا الحكم سابقا في المطلب الثاني من المبحث الثالث (3) .
وله مراسلات مع أقرانه من العلماء كالشيخ سيف بن حمد الأغبري (4) كما توجد له مراسلات من قبل السلطان سعيد بن تيمور عندما كان الشيخ قاضيا وواليا على إزكي – كما تقدم ذكره - .
هذا جملة ما ظفرت به من الأجوبة النثرية ، والمراسلات بين الأئمة . ولننتقل بك أخي القاري إلى الأجوبة النظمية ، والقصائد الاستنهاضية التي تعّبر عما فيها من أهمية.
الفرع الثاني : القصائد والأجوبة النظمية
__________
(1) انظر : البحر الفياض ص131 .
(2) انظر الملحق رقم ( 4 ) .
(3) ا نظر الملحق رقم ( 1) .
(4) انظر : سيرة الشيخ سيف بن حمد الأغبري " مرجع سابق " ص 180 وما بعدها من الملحق الثالث . (1/147)
صفحة 148
ففي حقيقة الأمر استوقفتني عبارة كتبها أحد الأخوة الباحثين (1) عن أشعار الشيخ الرقيشي فقال : " لو جمعت أشعاره لكانت ديوانا " فظلت صامتا ، ونظرت باهتا حتى رأيت الدفين ، وعرفت اليقين ، وكنت أظنها صيغة مبالغة ؛ ولكنها هي الحقيقة بعينها ، وقد وفقني المولى عز وجل في جمع بعضها من المخطوطات ، وخاصة التي بمكتبة السيد محمد بن أحمد ، وبعض منها بمكتبة وزارة التراث – كما وجدت من تكفلّ بجمع أغلبها ، وطبعها (2) – ولكنها للأسف لم يتم نشرها ، فوددت هنا أن أقسم تلك القصائد وهاتيك الخرائد حسب مواضيعها فجعلتها مرتبة كالآتي :
1) القصائد الفقهية ، والعقدية ، والأسئلة التي أجاب عنها الشيخ الرقيشي ومراسلاته وأسئلته لشيخه المالكي – رحمهم الله - .
2) القصائد الاستنهاضية .
3) القصائد الغزلية .
4) تخميسات الشيخ لبعض الشعراء .
5) الرثاء .
6) قصيدة في أئمة العلم وعلماء إزكي .
7) قصيدته الموسومة بـ " الدرة النقية في الرحلة إلى الشرقية " .
أولا : القصائد الفقهية والعقدية :
... للشيخ – رحمه الله – قصائد فقهية كثيرة منها :
__________
(1) وهو الأخ / محمد بن ناصر بن عامر الحجري ذكرها في بحث تخرج بمعهد القضاء " مرجع سابق " ص33 .
(2) وهو / الوالد سالم بن محمد الرقيشي – جزاه الله خيرا-. (1/148)
صفحة 149
? تخميس قصيدة ابن النضر (1) في الطهارات ، وقد وضع لها المؤلف مقدمة أعرب فيها عن سبب تأليف هذا التخميس بعد أن فقد النظم السابق بسبب اشتغاله بأمور أهم من ذلك ثم أعاد تخميسها مرة أخرى (2) .
? وله منظومة في حرب أهل الملل وأحكامهم . فيها عدة أبواب ، وفصول : فهي كما يلي : مقدمة – ثم الباب الأول ، وبعده فصول :-
- فصل في معرفة المسلم .
- فصل في نواقض أهل الجملة .
*باب في تقسيم أهل التوحيد : موّف وغيره .
- فصل في حقوق الموفي .
- فصل في حقوق غير الموفي .
*باب في أحكام أهل الكتاب :
- فصل في حربهم : ( حكم المجوس – الحكم في عبدة الأصنام ) .
__________
(1) هو العّلامة الفقيه الشيخ أبو بكر أحمد بن سليمان بن عبدالله بن الخضر بن سليمان بن النضر السمؤلي العماني المحبوبي الإباضي ، وكان يسكن في سمائل وبيته بالجابية الفوقية شرقي الجامع ، والنضر بالضاد لا بالظاد ، وقال سماحة الشيخ إبراهيم بن سعيد العبري : " وقد تواطأ أهل عمان على كتابة النضر والد الشيخ أحمد بن النضر بالظاء المشالة ، والصواب كتابته بالضاد الساقطة لأن اشتقاقه من النضار لا من النظر ، وينتمي إلى بيت عريق من بيوت العلم والشرف ، ولد في النصف الأول من القرن السادس الهجري تقريبا ، وقد قتله خردلة الفاسق وهو ابن خمس وثلاثين . من شيوخه الشيخ فاضل بن عبدالله القلهاتي والشيخ مبارك بن سليمان بن ذهل ، وله مؤلفات عديدة منها كتاب الدعائم ، وكتاب مرآة البصر في مجمع المختلف من الأثر . أنظر ابن النضر عمره حياته مكانته العلمية فهد بن عامر بن سالم السعيدي . ص 48 و50 و55 و56 و60 1423هـ / 200م .
(2) أنظر : البحر الفياض . سالم الرقيشي ص55-75 "مرجع سابق " وتوجد عندي نسخة من المخطوطة بخط الشيخ زاهر بن محمد الرقيشي . أمدني بها الأستاذ / يحيي بن عبدالله الرقيشي . انظر البحر الفياض ص55 وتوجد هذه القصيدة في مكتبة السيد برقم ( 333 ) (1/149)
صفحة 150
- فصل في معرفة البغاة إلى قسمين : - حكم الباغي بتدين .
- حكم الباغي الموافق .
- فصل في أسباب البغي ، وعدد أبيات هذه المنظومة (175) بيت (1) .
? سؤال من الشيخ الأديب : عبدالله بن علي الخليلي للشيخ الرقيشي سؤال فقهي مطّول فيه مقدمة غزلية (2) .
? وللشيخ - رحمه الله – أسئلة نظمية لشيخه المالكي – رحمه الله – يستفتيه في عدة مسائل تتعلق بأحكام الدماء جمعت في كتاب " الدر النظيم من أجوبة أبي مالك بالمناظيم " مطبوع بوزارة التراث عام 1402هـ - 1982م ذكر للشيخ تسعة أسئلة نظمية أجابه شيخه المالكي (3) .
? وله أجوبة على أسئلة مرسلة من تلميذه / الأستاذ خلفان بن محمد الرواحي أجاب عنها الشيخ الرقيشي (4) .
? وله جواب آخر للشيخ الأديب سعيد بن حبيب الغطريفي النزوي (5)
? ويوجد جواب آخر للشيخ يحيى بن ربيعة بن ماجد بن سليمان الكندي . وتوجد هنالك بعض الأسئلة والأجوبة النظمية المتبعثرة لا يعلم سائلها أجاب عنها الشيخ وهي مقصودة له (6) .
__________
(1) انظر : البحر الفياض سالم الرقيشي ص76-84 " مرجع سابق " . وانظر الملحق رقم ( 12 ) .
(2) المرجع السابق ص115-120 ويوجد السؤال والجواب في مخطوطة بمكتبة السيد عنوان المخطوط " الأسئلة الفقهية الموجهة من الشيخ عبدالله بن علي الخليلي إلى العلماء رقم المخطوط (265) ص10-15 ، ويوجد في مخطوط رقم (1646) "مجموعة أشعار" ص70-73 .
(3) انظر : الدر النظيم من أجوبة أبي مالك بالمناظيم – للشيخ عامر بن خميس المالكي ط وزارة التراث – سلطنة عمان الصفحات الآتية ( 15 و22 و35 و63 و87 و120 و139 و155 و165 ) .
(4) انظر : البحر الفياض سالم الرقيشي ص124- 127 "مرجع سابق " . وانظر " شقائق النعمان " ج3 ص 259-263 "مرجع سابق"
(5) انظر : البحر الفياض سالم الرقيشي ص124- 127 "مرجع سابق " . وانظر " شقائق النعمان " ج3 ص 259-263 "مرجع سابق"
(6) انظر : البحر الفياض سالم الرقيشي ص129 "مرجع سابق " . (1/150)
صفحة 151
ثانيا : القصائد الاستنهاضية :
... للشيخ – رحمه الله – قصائد استنهاضية غاية في البلاغة ، وكثيرا ما نجده يرسلها إلى شيخه وإمامه الإمام محمد بن عبدالله الخليلي – عليهما شآبيب الرحمة والرضوان _ يستنجده ، ويستصرخه ، ويستنهضه من شدة ما ضجّ به ضجيجه ، وهول ما لاقاه من رعيته .
... وإنّ هذه القصائد لتشرح وتعبر عن مشاعر جياشة في نفسه وحقّ لها أن تكتب بماء على أوراق اللجين . وهذه القصيدة الميمية التي بين أيدينا قالها عندما كان واليا وقاضيا في الظاهرة استنجد بها إمامه الخليلي فأحببت أن أكتبها هنا لقوتها ورصانتها ، وجمال تعبيرها ومعها قصائد أخرى ، والبعض الآخر أدرجتها في الملاحق (1) .
فقال :
بالعزم والحزم والآساد في الظلم ... والطعن والضرب بالهندية الخذم
رقا الألى درجات المجد واتخذوا ... معاقلا صهوات العز والكرم
تفيؤوا ظلل القرآن واقتبسوا ... من سنة المصطفى نورا لهديهم
لسيرة الخلفاء الراشدين هم ... جدوا المسير على أثار أثرهم
عضوا نواجذهم فيها وما وهنوا ... مما أصابهم من كيد خصمهم
وصية من رسول الله بالغة ... ما قدموا قدما إلا على قدم
طالع عقائدهم تنبيك عن خبر ... فيها ترى الحق حقا غير منبهم
سائل وقائعهم عنهم بما فعلت ... في كل معترك فيها ومصطدم
طالع لهم سيرا في الأرض مشرقة ... بنور عدل يجلي حالك الظلم
من كان يصدق في دعواه منتسبا ... إليهم يتبعهم في مسيرهم
لا تحسبن شرف الآباء مكرمة ... إن أنت في قصر عن طول مجدهم
حسن الرجال بحسناهم وطولهم ... بطولهم في المعالي لا بطولهم
أقول ما لست فعالا له ولقد ... علمت مني قصورا غير منبهم
استغفر الله من قول بلا عمل ... لقد نسبت له نسلا لذي عقم
وهذه بيعة الرضوان في عنقي ... قد طوقتني ولا تطويق ذي العصم
لكن على المرء ما يستطيع من عمل ... حسب اجتهاد بصدق الفعل والكلم
__________
(1) توجد هذه القصيدة في مخطوطة بمكتبة السيد برقم (1646) ص2و3 . أنظر : البحر الفياض سالم الرقيشي ص89-91 "مرجع سابق " . (1/151)
صفحة 152
وذو دعاء لوجه الله اذخره ... ليوم يظهر فيه كل مكتتم
أدعو إلى الله والرحمن بعلمه ... بالله لله ما قدمت من قدم
أطوي الفيافي بعلكوم مذكرة ... تخال في سيرها نوعا من اللمم
تخوض بحر سراب حينما سريت ... وجيدها فارغ جلبابه الظلم
طورا بإزكي وفي عبري أكون بها ... طورا وطورا من الأيام في أدم
أرجوا من الله توفيقا لنشر هدى ... وطي جور وهذا غاية الهمم
أرجوا من الله إصلاح البلاد وإخماد ... الفساد وتبيينا لكل عمي
قل للخطوب اقصري عنا فإن لنا ... جارا له صولة الآساد في الأجم
أبو خليلي ضياء لامع وهدى ... يمحي به ظلمات الجور والغشم
من عترة كم لهم في المجد من قدم ... رساخة لقوام الدين من قدم
إن رمت مجتهدا تحصي مناقبهم ... عدا لأفنيت للقرطاس والقلم
مناقب لو تولى كتبها هرم ... لكل حتى يرى في غاية الهرم
لقد نشرت أمام المسلمين لنا ... عدلا يؤلف بين الذئب والغنم
إمام حق له تدبير معتصم ... بالله بل في الأعادي بطش منتقم
خليفة الله جازى الله سعيك في ... حماية الدين في الجنات والنعم
فتحت عينا إليها غير نائمة ... قامت رعية من مستيقظ الهمم
خليفة الله إن الغرب باقية ... ترجوك غوثا لها قمقامها فقم
تمد لله أيديها وتبسطها ... رحماك رحماك ربا بارئ النسم
تشكو لخالقها عما بها ولها ... دمع يفيض على الخدين كالديم
تشكو وحق لها الشكوى لما وجدت ... من بيع حر لها كالشائ والنعم
تشكو من الظلم فالأيتام باكية ... مما يحل بها من جور مغتشم
فلا صلاة ولا صوم يقام بها ... ولا زكاة ولا وصل لذي رحم
لم يعرفوا غير للأموال نهبتها ... وللدماء انسفاكا غير محتشم
أيهنؤ العيش حرا او تلذ له ... بالنوم عينا فيا تعسا لمن ينم
فقم وشمر فإن الله ناصركم ... لا شك في وعده بالنصر إن تقم
عهدي بهم ورجال المسلمين لهم ... عزم يقض الصخر من غير ما كئم
كأنني بأسود الله تزئر في ... مقدم الجيش بالعزمات تلتثم
كأنني بخيول الله ضابحة ... مكسوة بنسيج النقع بالقتم
كأنني ببروق السيف تلمع في ... سحايب الجيش لما سيق بالهمم (1/152)
صفحة 153
كأنني برعود الصمع صاعقة ... على الرؤوس ودم الخصم كالديم
هناك تسمع للأبطال غمغمة ... متى تخر على الأذقان والقمم
هناك تطهر أرض من نجاستها ... بوابل من دماء البغي منسجم
هناك تشرق أرض أنت تنزلها ... بنور عدل فيا طوبى لمن يقم
هناك قام لميزان الشريعة قوام ... يقوم به السيف والقلم
تقر عيني إذا الإسلام قد نصبت ... بسنة المصطفى بالعرب والعجم
مني عليه صلاة الله دائمة ... تترى لدية مع التسليم مختتم
والآل والصاحب ما قامت هدى ... تهدي إلى الحق بالهندية الخذم
وله قصيدة عينية قوية جدا وجدتها بمكتبة السيد في مخطوطة وإليكموها حسب ما كتبت ، وإذا كان هنالك خطأ أو سقط فإنه مني لأنني كتبتها بيدي ، ولم يسمح لي بتصوير شيء منها – كما ذكرنا سابقا – وهذه القصيدة موجهة للإمام الخليلي – رحمه الله – وعدد أبياتها (29) بيت .
سائق الوجناء قف بالأربع سايلا أم سايقا من أدمعي
ناشدا قلبا بها أظللته في ضلال الضال عند الأجرع
لك يا أربع مني= (1) أر= بع ليس تعفو بالرياح الأربع
جيت قفراء وأني أهل بل تحت المنحنى من أضلعي
يا لأيام بها قضيتها هل لأيام مضت من مرجعي
يا رعى الله ربوعا بالحمى وسقاها بالغوادي اللمعي
غاديات رايحات بالحيا حانيات كحني الموضعي
مسبلات واجمات ودقها سانيات بالبروق اللمع
رازمات برعود رجع كحنين الوالهات الفجع
لا كما سمحت عليه مأها رزمت أخرى لذاك لموضع
لا تضحك الأرض متى تبكي السماء رحمة يا رحمة اشو= عي
مثل ما تضحك أرض بشرت بقدوم للإمام الأورع
هذه الأطراف يشي جذلا واسجدي لله شكرا واركعي
ونشوي الرايات بالضر فئد جأك الغوث بل الغوث اسمعي
راجعتك الروح من بعد الشقاء وشفاك الله مما تجزعي
وكساك البر بردا حاكه بيد الشرع كريم ألمعي
يا إمام العدل خذ مني فلي نظر في أهل هذا الموضع
لا أن يكون غيري لهم ذاق فلي فيهم أكل الجمال الجوعّ
__________
(1) في الحقيقة لم أفهم معنى هذه الإشارة وقد تكررت عدة مرات في هذه القصيدة ولعل هنالك سقط والله (1/153)
صفحة 154
لا تغرنكّ منهم هيئة العباد في نطق الخطيب المصقعّ
أنت أحرى أنت أدرى بهم أنا مثلك من لا يخدع
ركب الأدهم قوما منهم وتخوم الأرض قوما ودع
ورجال أينعت رؤوسهم آن في الوقت لها أن تقطع
ورجالا يستحقون العطا ورجالا حقها أن تمنع
فضع الكل علي موضعه في رضاء الله قصدا وأسرع
حد كتاب الله بالمنى كذا سنة المختار بالسوي ضع
إنما الحق منير واضـ=ح ليس تعفوه رياح المدع
أفلح القوم إذا ما أخذوا بيدي أهل السفاهات فعي
لا يعوم الحق في الأرض بلا قطع رؤس وأنوف تجدع
لا يقوم الدين في الأرض بلا باترات ورماح شرع (1)
وله هذه القصيدة قالها بعد قيامه بحرب السليف ، وهي تعبر عما أحدث فيها من فساد وخراب ، وقتل العباد وبيع الأحرار ، وترك العبادة ، وتفشي الجهالة بسبب تفرق أهل عمان وتنكبهم عن طريق الهداية . فحاول شيخنا رأب الصدع وجمع الشمل على كلمة الحق من خلال قصيدته التي أرسلها للإمام الخليلي – رحمه الله - ، وعدد أبياتها (51) بيتا وإليكموها كما هي :
" هائية "
ألا هل لعيني نومة استعيرها ... وهل نار وجد منك يطفي سعيرها
وهل من سمير يمحض الود ناصحا ... إذا نام عن بعض النفوس سميرها
وهل لي بطلاب المعالي مشمرا ... تساوى لديه سهلها ووعرها
وهل لي بمن يحمي الثغور مرابطا ... له جلد في النائبات صبورها
وهل لي بمن لا يطبيه الهوى ولا ... يميل إذا هب الصبا أو دبورها
وهل لي بمن أيمانه راسخ القوى ... وهمته فوق السماك يديرها
وهل لي بمن لا تثنيه عن عزيمة ... خواطر يبدو للعذول خطورها
وهل لي بشخص ورده الماء صافيا ... إذا ما كفا وردا سواه كدورها
وهل لي بشخص ذاب من غضب إذا ... محارم ربي يهتكن ستورها
__________
(1) انظر مخطوطة بمكتبة السيد بعنوان قصائد لابن زياد وابن مداد وللخليلي والرقيشي وغيرهم .كتبها محمد بن سيف الأغبري في21 من صفر 1355هوكتب في مقدمة القصيدة ( وهذه القصيدة تنسب للشيخ محمد بن سالم الرقيشي –أبقاه الله-. رقم المخطوط(306) ص65 و 66. (1/154)
صفحة 155
وهل لي بشخص لا تلين قناته ... إذا غمزت والغمز ليس يضيرها
وهل لي بمن يلقى العدا متهللا ... إذا ما نياب الموت يبدو كشورها
وهل لي بذي صدر رحيب وواسع ... إذا ما رجال الحرب ضاقت صدروها
وهل مبلغ عني عمان وأهلها ... نصائح تبدو كالشموس سفورها
وهل مبلغ عني الإمام بانما ... عمان أراها قد تلاشت أمورها
وهل مبلغ أنصاره وجنوده ... بأن نعمة الإسلام قل شكورها
ألا فليتوبوا مخلصين لربهم ... فإن الهي للذنوب غفورها
ألا فليسيروا سيرة قدمت لهم ... بصدر زمان كان إذ هم صدروها
ألا يربطوا بالشكر نعمة رهم ... فكم نعمة ولت وزاد نفورها
ألا فأصلحوا ما بينكم ذات بينكم ... ترو نعما تترى لديكم حبورها
إذا ما صفت منكم سرائركم صفت ... لكم سيرة الزهراء يبدو سفورها
وفيكم إمام المسلمين يسوسكم ... بسيرة خير الخلق يشرق نورها
لقد سار فيكم سيرة نبوية ... ألا فانصحوا بل فاحذروا ما يضيرها
الا فارفضوا هذي الشفوف فإنها ... محبطة أعمالكم وتبيرها
هناوية أو غافرية هل لها ... من الدين من أصل وأنت خبيرها
لقد نصب الشيطان بدعته لكم ... يطوف بها ما بينكم ويديرها
حبائل شيطان تصيدكم بها ... كما صيد من وحش الفلاة نفورها
ألا فاقرؤوا القرآن واسمعوا له ... ألا فافهموا الآيات أين مسيرها
ألا فاتبعوا ما سنة علم الهدى ... نبي الورى بدر الدجى ومنيرها
ألا فاقرؤوا تاريخ أسلافكم ترو ... لهم همما منها الأجل حقيرها
هم سلف إن كنتم خلف لهم ... على حذوهم فليحذ منكم بصيرها
ألا فأصلحوا بنيان آبائكم لكم ... وإلا فمنكم يبغ هدم يبيرها
إذا لم تكن نفس النسيب كأصله ... فما زدا بالأنساب إلا خؤورها
ألا طالعوا آثارهم تجدونها ... لكم أسوة كتمانها وظهورها
أما هذه الآثار تنبئكم ... بما جرى قدما منهم وفيكم خبيرها
أم القول كاف في ديانة ربكم ... بلا عمل منكم فأين ظهورها
ولو كان كاف يكفي محمدا ... ولكنه بالسيف كان ظهورها
أمرنا باتباع النبي وصحبه ... وسيرته ما بيننا نستديرها
وعضو عليها بالنواجذ إنها ... لكم شرف الدارين يا من يسيرها (1/155)
صفحة 156
ألا فاسمعوا أمر الإمام ونهيه ... فطاعته في آية ضاء نورها
ألا فانصحوا سرا وجهرا فإنما ... ديانتنا في النصح صح حصورها
أمرنا بتسليم الأمور لأهلها ... ألا سلموها للإمام يديرها
وجدوا لإحياء الشريعة جهدكم ... برايات عدل سوف يرجى نشورها
كأني بخيل الله نافرة بكم ... صباحا وأسد الله يعلو زئيرها
كأني بها تحت العجاج عوابسا ... كساها غبار النقع ثوبا يعيرها
خفافا بكم تجري ثقالا على العدى ... أيا ويل قوم صبحتها نفيرها
تضاهي دوي الرعد منها حوافر ... إذا وقعت صارت رمالا صخورها
أيا غارة الله اركبي واغضبي ولا ... يغرك من دنياك يوما غرورها
فليس حياة المرء في طول عمره ... تساوي خطا نحو الجاهد يسيرها
عسى نفحة من رحمة الله ترتجى ... تظللنا الرايات يوما هجيرها
أيا رب فاظهر دينك الحق كاملا ... وتمم لنا النعماء ختما سرورها
وصل على من قام بالحق صادعا ... نبي الهدى مهديها ونذيرها (1)
... وله قصيدة رابعة استنهاضية ، وكانت من ضمن قصائده التي كان يرسلها للإمام الخليلي – رحمه الله – يستنجده بها أثناء إقامته بالظاهرة ، وداعيا لبني قومه لنتهاج سبل الهدى وسنة المصطفى عليه وعلى آله الكرماء . فأجاد شيخنا وأفاد ، وحلقَ في سماء الفخر وعليائه ملوحا بأمجاد ومآثر سلفه وأجداده (2) .
ثالثا :القصائد الغزلية:
كان شيخنا مولعا بالشعر ، والأدب ففاضت قريحته بما جادت من شعر الغزل ، وكان عمره إحدى عشر سنة فسالت تلك الكلمات العذبة كالماء الصافي الزلال .
__________
(1) انظر : البحر الفياض ، سالم الرقيشي ص 94-96 " مرجع سابق "
(2) انظر :المرجع السابق ,ص98. (1/156)
صفحة 157
... وعاج وشيكا على دمنة الغزل والنسيب لرغبة صديق ، ومجاراة أديب برخيم ألحانه فوق أغصانه ؛ فأزرى بالهزار العندليب ، فأوجز في إحداها وأطنب في أخراها ، وعموما فقد طرق شيخنا للأدب أكثر أبوابه ، وسلك في الشعر جلَ طرقه وشعابه فإليك أخي القاري هذه القصيدة لتريك ما فيها من أحاسيس ووجدان تدل على عمق البيان ووضوح المعاني والألفاظ وعدد أبياتها (27) بيتا .
حادي العيس تغنى ... ... وترفق وتأنى
أنّ بالركب فؤادي ... ... نهبته القوم منا
فكفى زجرك مني ... ... زفرات تتثنى
وكفى سقيك مني ... ... عبرات تسكبنا
آه لو أجدت لشيء ... ... قلتها فردا ومثنى
ليت تلك العيس يوماً ... ... للنوى لم تخلقنا
يا رعى الله جمالا ... ... تحمل الظبي الأغنا
حملته وزماني ... ... باللقا لم يسمحنا
فكأنما هي كانت ... ... فوق أجفاني أنخنا
فمتى ثرنا جرى الدمع ... ... انهما لا يذرفنا
قف بها ا أيها الحادي ... ... عساها تنظرنا
نظرة تغرم ما قد ... ... أتلفته قبل منا
أن من أتلف شيئاً ... ... حكمه أن يغرمنا
يا أحبابي عودوا ... ... مثل ما كنتم وكنا
واذكروا أيام وصل ... ... كن بالعيش المهنا
يوم تغدو في سرور ... ... وحبور يشملنا
يوم ريق الثغر ترياقي ومنه نسكرنا
وجنى الجنة دان ... ... نجتنيه كيف شئنا
نلثم الورد ولا ورد ... ... رياض يشبهنا
بل رياض الحسن من ماء شباب يسقينا
ذلك التقبيل يذويه ... ... وذا يزداد حسنا
يا ليالي الوصل عودي ... ... ليعود الخير منا
كف عني يا عذولي ... ... فأنا الصب المعنا
لست أصغى لملام ... ... فيهم أو أسمعنا
فإذا كنت محباً ... ... فعلى الوصل أعنا
أو فدعني أتقلى ... ... فلهيب الشوق أغنى (1)
... وله قصائد أخرى في الغزل قام بتشطير أحد هذه القصائد مع الشيخ الرقيشي الكاتب الأديب سالم بن سعيد الغاوي ما عدا بيتين لم يتم تشطيرهما (2) .
__________
(1) انظر : مخطوطة بمكتبة السيد بعنوان مجموعة قصائد برقم (1646) ص90 ، وانظر : البحر الفياض ص 105و106 " مرجع سابق "
(2) انظر : المرجع السابق ص 107 و108 ، وانظر المخطوطة رقم (1646) ص89-93 ، وانظر الملحق رقم ( 19 ) . (1/157)
صفحة 158
... وله قصيدة أخرى في الوصف قالها – رحمه الله – وهو يصف بستان بعبري وذلك في شهر رمضان وكان الوقت في فصل الصيف فأعجب – رحمه الله – بظلال هذا البستان وبنهريه الباردين " المفجور ، والمبعوث " وهذا البستان لحميد بن راشد بن خلفان الوائلي ، وتحتوي هذه القصيدة على (17) بيت (1) .
رابعا : تخميسات الشيخ الرقيشي :
... لقد خمسَ شيخنا – رحمه الله – أبياتا كثيرة لعدد من الشعراء الفطاحل وهذا إنّ دل على شيء فإنما يدل على مكانته في الشعر ، وذلك لأن التخميس أصعب من النظم نفسه فقد خمسَ الشيخ بيتين لعبد المطلب (2) .
- وخمس الشيخ خمسة أبيات لأبي تمام في الغزل (3) .
- كما خمسَ بيت واحد لأبي الطيب المتنبي ، وخمسَ الباقي شيخ البيان محمد بن شيخان والشيخ خلفان بن جميل السيابي (4) .
- وخمسَ بيتان لم أعرفهما لمن ؟ (5) .
- وخمس ثلاثة أبيات لأبي نواس (6) .
وله تخميس آخر لأبيات عددها (15 بيتا ) لم أعرفها لمن ؟ (7) .
خامسا : الرثاء :
... لقد قال شيخنا قصيدته المشهورة في رثاء شيخه ومعلمه الشيخ أبي زيد عبدالله بن محمد بن رزيق الريامي عندما فجعه ريب المنون في 4 رجب 1364هـ ففجع الدين بموت ولي من أوليائه الصالحين فجاشت قريحة شيخنا الرقيشي بهذه القصيدة التي مطلعها:-
رزء فادح وخطب خطير زلزل الأرض والسماء تمور
كاد راد الضحى يكون ظلاما مذ أصبناه والجبال تسير
__________
(1) انظر : المخطوطة السابقة ص3 و4 ، وأنظر : البحر الفياض ص 111 " مرجع سابق " .
(2) انظر : المخطوطة برقم (1646) ص118 ، وانظر : البحر الفياض ص106 " مرجع سابق " ، وانظر الملحق رقم ( 18 ) .
(3) انظر : المخطوطة السابقة ص 104 و105 ، وانظر الملحق رقم ( 18) .
(4) انظر : المرجع السابق ص101 ، وانظر الملحق رقم ( 18 ) .
(5) انظر : المرجع السابق ص106 ، وانظر الملحق رقم ( 18) .
(6) انظر : المرجع السابق ص106 ، وانظر الملحق رقم (18 ) .
(7) انظر : المرجع السابق ص104 و105 ، وانظر الملحق رقم ( 18 ) . (1/158)
صفحة 159
وعدد أبياتها (27) بيتا ، ولم أعثر على أي قصيدة أخرى في الرثاء غير هذه القصيدة (1) .
سادسا : وله قصيدة في ذكر أئمة العلم ، وعلماء إزكي ، وهي مشهورة متداولة ومطبوعة (2)
سابعا : له قصيدة أسماها " الدرة النقية* في الرحلة إلى الشرقية " فقد طلبه الشيخ سليمان بن حمير أن يرافقه لزيارة الشيخ عيسى بن صالح الحارثي وبلدان الشرقية فقال هذه القصيدة واصفا جميع البلدان التي مروا بها بعبارات بليغة واضحة جدا وفيها مقدمة غزلية ، وعدد أبياتها (94) بيتا (3) .
... ولا شك أن للشيخ قصائد أخرى لأنه كثيرا ما يسترسل في قول قصائده بدون أن تدون ، كذلك لقلة النساخ ، واهتمام الشيخ بأمور المسلمين .
... وإن تعجب فعجب أنَ الشيخ لم يكن بذلك العالم الذي يقعد في زاوية بيته على محابره ، وأوراقه لا همَ له إلا الكتابة ، والتأليف لا يهمه ما يجري من أحداث ، وما ينزل بأمته من كوارث ؛ كلا بل إنه – رحمه الله – ثار على الدهر ونازله كما هو واضح من سيرته فبينما كان يكتب ويؤلف ، كان يتحين الفرصة ، ويتابع ويراقب بل ويشارك بكل ما في وسعه من جهد .
__________
(1) توجد عندي نسخة مخطوطة بخط الشيخ زاهر بن محمد الرقيشي حصلت عليها من الأستاذ / يحي بن عبد الله الرقيشي . انظر البحر الفياض ص112 و113 "مرجع سابق" . انظر الملحق رقم ( 22 ) .
(2) انظر : شقائق النعمان ج3 ص256-258 . ونزهة المتأملين 126 و127 . والبحر الفياض ص92 و93 ولم أدرجها في الملحق لأنها مطبوعة ومتداولة ويوجد اختلاف في بعض الأبيات .
(3) انظر ديوان شعر لعدد من الشعراء في مكتبة التراث برقم (2895) ص95-100 . وتوجد عندي نسخة من هذه المخطوطة . وتوجد بمكتبة السيد في قصائد لابن زياد وغيره برقم (306) ص68-72 كتبها محمد بن سيف الأغبري 21صفر 1355هـ . وأنظر البحر الفياض ص100-103 . انظر الملحق رقم ( 17 )
* وفي بعض النسخ اسمها " الدرة البهية في الرحلة إلى الشرقية (1/159)
صفحة 160
على المرء أن يسعى إلى الخير جهده وليس عليه أن تتم المطالب
... وكان – رحمه الله – كثيرا ما يكون مزحوما بالأعمال ، ويتضح ذلك من خلال أجوبته النظمية والنثرية فنجده يقول :
فهذا بما قد يسر الله فتحه جوابا لاشتغال تزاحمني به
ومني صلاة الله وسلامه على المصطفى مع آله وصحبه (1)
عموما هذا كل ما جمعته من آثار علمية لذلك الضرغام المقْدام – وإن كنت أعلم بأني مقصر في ذلك وما هو إلا جهد مقلْ – وأسأل الله العلي القدير من يهب لطباعة هذه الآثار للاستفادة مما تركه سلفنا الأخيار .
المطلب الثاني : الأحكام التي أنفذها:
أنفذ شيخنا الرقيشي أحكاما كثيرة جدا وله آراء عديدة تدل على رسوخ قدمه في علم الدماء ،" كما أنه كان ينفذ الأحكام دون علم الإمام لأنه موكل من قبله فلا يلزم مشورة الإمام في كل قضية" (2) كما أقام شيخنا الحدود التعزيرية أثناء ولايته على المناطق التي تولاها . وفي هذا المبحث سوف نستعرض الأحكام والحدود والعقوبات التي أصدرها الشيخ وحكم بها من خلال تتبع تسلل الولايات التي كان فيها:
? الفرع الأول :أحكامه التي أقامها بنخل :
1-أقام الحدود على زانية اعترفت بالزنا فأمر الشيخ بجلدها تنفيذا لحكم كتاب الله فيها ، وقد أمر الشيخ عشرة من العساكر بضربها ، وجعل لكل عسكري عشر ضربات فزاد أحد العسكريين ضربة فوق العشر، ففطن لها الشيخ ولم يقل شيئا ؛ ولكن المرأة قالت : هذا زادني ضربة فأمر الشيخ العسكري الآخر بضربها تسعا . (3)
__________
(1) انظر البحر الفياض . سالم الرقيشي ص120 " مرجع سابق " .
(2) مقابلة مع سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي، يوم الجمعة 16 من صفر الخير 1424هـ – 18/ 4/ 2003م .
(3) انظر: البحر الفياض سالم الرقيشي ، ص: 19 ، مرجع سابق بتصرف. (1/160)
صفحة 161
2-كان عند أهل نخل عرس وكعادة أهل عمان كانوا يطلقون الرصاص في الأعراس ، فجاءت ضربة طائشة وأصابت رجلا كان فوق نخلة فسقط قتيلا فحكم الشيخ الرقيشي على الذين حملوا السلاح من نوع " أبو عشر" عليهم الضمان والدية ، (1) وقد سبق ذكر هذه القصة في المبحث الرابع من الفصل الأول.
3- نفذ المكيدة المدبرة لقتل الباغي خلفان بن ثنيان في مجلسه وأمام قومه بأمر من الإمام (2) وسيأتي تفصيل هذه القضية في الملحق رقم ( 1 )
الفرع الثاني: أحكامه التي حكم بها في إزكي:
الفرع الثاني: أحكامه التي حكم بها في إزكي:-
1 أقام الحد على زانية اعترفت بالزنى رجما بالحجارة حتى الموت تنفيذا لحكم كتاب الله وسنة نبيه – صلى الله عليه وسلم – وبأمر الإمام له بذلك (3) .
2-أقام صلحا بين أهالي وادي بني رواحة عندما اقتتل أشياخهم وعظمت الفتنة بينهم وهما : الشيخ ناصر بن محمد بن حارث الهشامي، والشيخ سيف بن أحمد بن حامد الرواحي وقام باستدعاء الشيخين وأصلح ما بينهما بكتاب الله وسنة نبيه عليه السلام، وحكم بما أمر الله فما كان يحتاج إلى دية حكم له بالدية ،وما كان مهدورا فهو مهدور، وما كان يحتاج إلى أرش (4) حكم له بما تحتاجه تلك الأروش،وانقاد الجميع لحكم الشرع وأذعنوا له فرضي الجميع بما حكم الشيخ (5) .
__________
(1) انظر: المرحع السابق ص: 19- 20، بتصرف.
(2) انظر: ترجمة الشيخ الرقيشي - خلفان الرواحي ،ص:10، بتصرف.
(3) انظر البحر الفياض ، سالم الرقيشي – ص 11 ، مرجع سابق .
(4) الأرش : أرش : الجراحة ديتها والجمع أروش مثل فلس وفلوس ،وأصله الفساد ، يقال أرّشت بين القوم تأريشا إذا أفسدت ، ثم استعمل في نقصان الأعيان لأنه فساد فيها ،ويقال أصله هوّش ، أنظر المصباح المنير – للعلامة أحمد بن محمد الفيومي – ص 50 ،مكتبة لبنان ،1978م .
(5) انظر البحر الفياض المرجع السابق ، ص12 ،بتصرف ،وقد سبق ذكر هذه الواقعة وهذا الصلح في المبحث الثالث من الفصل الأول. (1/161)
صفحة 162
3-أصلح ما بين الشروج والحبوس لخلاف وقع بينهم في زمن السلطان سعيد بن تيمور، وكان الشيخ واليا وقاضيا على إزكي، فقبل الفريقان بهذا الصلح وحرر الشيخ مكاتبة أرسلها للسلطان فرد عليه ببيان وكان ذلك في شهر شعبان من سنة 1376هـ (1) ،وتوجد هذه الرسالة في الملحق رقم ( 3).
? الفرع الثالث: أحكامه التي أنفذها وحكم بها في نزوى :
1- حكم بقتل الزاني المحصن الذي أقرّ على نفسه بالزنى، فحكم بما أنزل الله وأنفذ الإمام ذلك الحكم (2) .
*رأي الشيخ الرقيشي في هدم بيت الزامة :
__________
(1) انظر المرجع السابق ،ص 12، 13 بتصرف ،وقد سبق ذكر هذه القضية في المبحث الثالث من الفصل الأول .
(2) شريط مسجل عن سيرة الإمام الخليلي للقاضي حمود بن عبد الله الراشدي في سناو ، مرجع سابق ،بتصرف ، وقد سبق ذكر هذه القضية .
** هو الشيخ هلال بن زاهر بن سعيد بن محمد الهنائي ، ينتمي إلى مالك بن فهم ، كان هلال في أيامه قد فاق الأقران، وطار صيته في البلدان وكانت له حروب لاقى فيها الأهوال ، وزاحم بها الأبطال ووقعت بينه وبين جيرانه حروب ضارية وانتزع الشيخ هلال قلعة نزوى من يد السيد حمد ابن سيف البوسعيدي ،وبقي حاكما بها لمدة أربعة عشر عاما ، وكانت له أعمال عظيمة منها : عمّر الحصون وأجرى الأنهار ، وغرس الأشجار وبنى الأفلاج والأبراج ، ووافته المنية بالقتل في نزوى عام ( 1312هـ ) على يد سيف بن حمد البوسعيدي . انظر نهضة الأعيان - محمد السالمي - ص86- 89 ، مرجع سابق ، بتصرف . (1/162)
صفحة 163
بنى الشيخ هلال بن زاهر الهنائي** بيت الزامة في بهلاء على الفلج وسبب ذلك البناء ضررا بالمسلمين. ثم بعد ذلك وقعت فتنة بين بني شكيل و بني هناءة ، فقال الإمام الخليلي رحمه الله لن تسكن هذه الفتنة إلا بهدم بيت الزامة وسنهدمه إن شاء الله ولن نتأخر عن هدمه، فغضب أحد الزعماء وعمل ضجة كبيرة عندما علم بما قاله الإمام. فقام أحد المشايخ يستشفع عند الشيخ هلال ابن علي الخليلي حتى يؤخر الإمام عن عزمه الذي هم به وقال له إننا كنا مع هذه الدولة منذ أن قامت وكنا عند الإمام سالم بن راشد من قبل وحرصنا على قيام هذه الدولة . والآن يأتي هذا اليوم الذي ننقلب فيه على دولتنا فهذا أمر صعب علينا ،وكذلك هدم بيت الزامة الذي نعتبره رمز عزتنا ومجدنا ، ويهدم أمام أعيننا فهذا أمر أصعب من سابقه فما نرى منك إلا أن تكلم الإمام الخليلي في هذا الأمر . فقال الشيخ هلال بن علي: نحن لا نستطيع أن نخاطب الإمام ولكن الشرع هو الذي سيخاطبه، فكلم الشيخ الرقيشي على أن يخاطب الإمام الخليلي فدخل الشيخ على الإمام وكلمه ،وقال له : مرّ من قبلك الإمام سالم ولم يهدم هذا البيت ،وكانت دولته قائمة والأمر واسع لك ، وأرى كفافا للفتنة ورأبا للصدع السكوت عنه كما وسع من قبلك السكوت فقال له الإمام : هل ترى ذلك ؟ قال : نعم . ولم ينفذ حكم الهدم إلا بعد عشرين عاما من موت الإمام الخليلي –رحمه الله- فقد هدم في عهد السلطان قابوس بن سعيد المعظم وكفى الله المؤمنين القتال (1) .
2-جيء بامرأة أنجبت جنينا من سفاح والعياذ بالله فقال الإمام الخليلي للشيخ الرقيشي بم تحكم عليها، فحكم الشيخ بغرة عبد، وفدوه بستين قرشا في تلك الأيام. (2)
__________
(1) مقابلة مع سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي –حفظه الله- يوم الخميس 10 من ذي القعدة 1423هـ الموافق 09/01/2003م. قابله الأخ محمود بن عبد الله الصقري .
(2) مقابلة مع الشيخ نبهان بن سيف المعمري ، مرجع سابق ،بتصرف . (1/163)
صفحة 164
? الفرع الرابع: الحدود والأحكام التي أنفذها بعبري:
1-في عام 1360هـ حكم ببغي أهل السليف (1) وهدم حصنهم وبيوتهم .
2-رجم امرأة محصنة أقرت بالزنا . (2)
3-جلد امرأة بكر أقرت بالزنا. (3)
4-قتل رجلا معمريا من عبري سولت له نفسه قتل أمه (4) وقد سبق ذكر هذه الحادثة في المبحث الثالث من الفصل الأول.
5-حكم بتغريق مال الشيخ عبد الله بن راشد اليعقوبي، وأنه مستغرق في المظالم وإدخالها في بيت مال المسلمين . (5)
__________
(1) تفصيل هذه القضية في الملحق رقم (2)
(2) انظر نهضة الأعيان – محمد السالمي – ص: 332، مرجع سابق .
(3) انظر المرجع السابق ص: 332.
(4) انظر : اللؤلؤ الرطب الشيخ سعيد الحارثي ص: 8- 10 وانظر البحر سالم الرقيشي ص: 24 ، مرجع سابق.
(5) انظر نهضة الأعيان – محمد السالمي – ص: 333، مرجع سابق . (1/164)
صفحة 165
6-حكم بقتل الباغي سويدان بن علي بن حامد وهو أحد زعماء عبري، وكان هذا الباغي في قائمة المطلوبين للمحاكمة الشرعية ، وشاءت الأقدار أن يأتي هذا الباغي إلى سوق عبري فقام العساكر بإبلاغ الشيخ أن الرجل المطلوب موجود بالسوق، فسأل الشيخ العساكر : هل معه أحد من جماعته ؟ فأجابوه : يوجد بالسوق أكثر من مائتين من جماعته ، هنا قام الشيخ باستدعاء زعيم القبيلة فطلب منه إخراج جماعته من السوق إلا الشخص المذكور ، فبذل الشيخ للزعيم الدرعي المال كفافا للقتال، وحتى لاتكبر الفتنة، وكان ذلك من دهاء الشيخ الرقيشي " وبالتبر يكسر ناب الضيغم الضاري "، فاستجاب شيخ الدروع لطلب الشيخ ، فلما خرج القوم من السوق أصدر الشيخ أوامره للعسكر بإلقاء القبض على الباغي، ولكنه حاول الفرار والهرب من السوق، فوجد نفسه محاصرا من جميع الجهات، فاعتصم بدكان رجمه على نفسه (1) من الداخل.فأمر الشيخ بحطب ألقي على الباب، وصب عليه حل التراب (2) ، وأشعل فيه النار، فاحترق الباب وما في الدكان، وكان فيه ذخيرة (3) كثيرة، فتفجرت، فلما أحس هذا الباغي أن النار تحاصره من كل حدب وصوب، رمى بنفسه إلى خارج الدكان وبندقيته تنقع (4) في عساكر الشيخ، لكن ما كاد يتجاوز باب الدكان حتى نقعت فيه بنادق العسكر فأردته قتيلا، وأراح الله منه البلاد والعباد.
وهدأت الأمور بعد هذه القضية، وأحدثت هيبة للدولة وكسرت شوكة البغاة بعد ذلك. (5)
__________
(1) - اعتصم بدكان رجمه على نفسه : أي تحصن بحانوت، وأغلق على نفسه الباب.
(2) - حل التراب: مادة سائلة تستخدم لإشعال النار.
(3) - ذخيرة أي رصاص عدة الحرب .
(4) - تنقع: تنفجر وتطلق النار.
(5) - انظر: اللؤلؤ الرطب- الشيخ سعيد بن حمد الحارثي ص10، وانظر: البحر الفياض- سالم الرقيشي ص23-24 ، وانظر: نهضة الأعيان – محمد السالمي ص330 " مراجع سابقة " " بتصرف " . (1/165)
صفحة 166
ومن كرامة هذا الشيخ – رحمه الله – أنه بعد أن احترق الدكان، جاءه رجل تاجر سعودي الجنسية يقول إنه ترك في هذا المكان ثلاثين ألف ربية، وكانت هي العملة المتداولة في ذلك الوقت، وقال له الشيخ: إن شاء الله ستجدونها في مكانها ، فالتمسها فوجدها في وعاءها كما هي, ولم يبق في الدكان شيء لم يحترق سواها. وغرم الإمام –رحمه الله – الدكان والمال الذي فيه من بيت مال المسلمين لأن صاحبه وهو رجل قمشوعي لم يرض بتحصن الباغي فيه (1) .
*ومن أحكامه أيضا : قتل عدد من الأشخاص فروا هاربين من قبضة العدالة بعدما قتلوا رجلا كان بينه وبينهم ثأر جاهلي ، فتحصنوا بالجبال ولحق بهم عسكر الشيخ فقتلوهم (2) .
__________
(1) - انظر اللؤلؤ الرطب – الشيخ سعيد الحارثي ص10- مرجع سابق "بتصرف" ومن مقابلة مع الشيخ خلف بن زاهر الشرياني مرجع سابق.
(2) - وتفصيل هذه القضية كما يلي:”كان هلال بن اللويطي الحرسوسي ذات يوم نازلا إلى سوق عبري وكان الرجل بينه وبين بني علي ثأر جاهلي، فسمع ناصر بن محمد العلوي، وصاحبه البادي أن الرجل موجود بسوق عبري ، فسولت لهم أنفسهم أن يأخذوا بالثأر جهلا منهم أن يد العدل قد امتدت قبضتها، فوضعوا له كمينا خارج السوق فقتلوه .
فما إن سمع الشيخ الخبر حتى أرسل العسكر لإلقاء القبض على القتلة فهربوا وتحصنوا في جبل الشحشاح ، فأحاط بهم عساكر الشيخ ومعهم مجموعة من أهل البلد، وتوقفوا قليلا حتى يبلغوا الشيخ بما حدث فأصدر أوامره للعساكر أن يلقوا عليهم النصح وأن ينزلوا وينقادوا للشرع لكنهم أبوا واستكبروا وأخذتهم العزة بالإثم، وابتدؤا بإطلاق النار على العسكر، فبقوا يتبادلون إطلاق النار مع العساكر وأهل البلد حتى قتل الأشخاص المطلوببن للعدالة وقتل معهم رجل جنيبي أصابته رصاصة طائشة". انظر البحر الفياض – سالم الرقيشي ص 26،27" مرجع سابق " "بتصرف". (1/166)
صفحة 167
*ومن أحكامه أيضا: أن امرأة جاءت مصطحبة ابنها، فأخبرت الشيخ أن ولدها هذا قد توفي أبوه وله إخوة قد قسموا ميراث أبيهم ولم يعطوا ولدي شيئا من حقه وهو أخوهم فقال لها : لا يمكن هذا ؟ أهو أخوهم حقا ؟ والهالك هل تزوجك زواجا شرعيا ؟
ومن يثبت لنا ذلك؟ فقالت له: بل أنا خادمة له في بيته وهذا الابن ابنه . فقال الشيخ : فأنت إذن زانية. قالت : نعم . فأقام عليها الحد فنالت جزاءها بدل أن تحصل على نصيبها من الميراث، حصلت على الحد الذي افترضه الله عليها (1)
*كما أنفذ الشيخ عدد كبير من الأحكام التعزيرية سواء بالجلد أو الحبس أو الزجر والنصح حتى استتب الأمن وانتشر الخير ومن ذلك (2)
__________
(1) - انظر : المرجع السابق ص28 "بتصرف".
(2) - كما حكم الشيخ بالتعزير والسجن لبعض زعماء أهل الباطنة المشهورين فقد تجرأت بعض القبائل على نهب قافلة لأهل عبري؛ لأنها كانت قادمة من الخابورة وصحم وهي تمر على تلك الديار، وربما كانت بينهم حزازات قبلية كما هو معروف آنذاك بين القبائل العمانية، وجهلوا أن والي الإمام موجود بالظاهرة وأن يد العدل قد امتدت إلى كل مكان.
فما أن بلغ الأمر الشيخ الرقيشي حتى أرسل عساكره يبحثون، هل يوجد أحد من أصحاب هذه القبيلة في السوق فوجدوا اثنين منهم فجاءوا بهم إلى الحصن فأودعهم الشيخ السجن. وفي اليوم الثاني جاء شيوخ وزعماء تلك القبيلة يسألون الشيخ عن أصحابهم ولماذا سجنوا؟ ولأي سبب؟ وقالوا : إذا كانوا مطلوبين لحق فنحن نتكفل عنهم، فقال لهم الشيخ أنا كنت أترقب مجيئكم إلى عندي فأمر لهم بالسجن، وقال لهم: خروجكم من السجن مرهون بإرجاع القافلة وما بها من متاع لأهل عبري. فأذعنوا لكلامه وأرجعت القافلة، وما بها من متاع لإهل عبري الذين أخذت عليهم القافلة. وقام بإعطاء كل ذي حق حقه، فأخذوا جميعا متاعهم وبقي رجل واحد قال يا أيها الشيخ : أنا افتقدت منقاشا من محزمي وهاهو محزمي قد أرجع ولكن المنقاش لم يكن بداخله - وكما هو معروف أن المنقاش لا يساوي إلا شيئاً يسيرا - فأبقى الشيخ أولئك الزعماء مكانهم في السجن حتى يرجعوا منقاش ذلك الرجل. فقالوا للشيخ : يا شيخنا أتسجننا على منقاش وهي حاجة لا تستحق الذكر؟ فغضب الشيخ غضبا شديدا وقال: ألا تعلمون أن أموال المسلمين حرام؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال في حرمة أموال المسلمين: أنها تحرم عليهم الجنة وتوجب عليهم النار، قيل يا رسول الله: وإن كانا شيئا يسيرا. قال: وإن كان قضيبا من أراك. فلله درك من رجل ويا لها من عدالة. انظر المرجع السابق ص27-28 بتصرف (1/167)
صفحة 168
"أن شخصين اشتكيا إلى الشيخ أحدهما شعيلي رفض حكم الشيخ فيما قضى بينهما، وقال بلسان الساخط والمتكبر على هذا الحكم: أنا لا يجري علي حكم الرقيشي. فأمر الشيخ بوضع خشبة على جدارين وعلق هذا الرجل من قدميه وما هي إلا دقائق حتى صرخ بأعلى صوته فقال الشيخ اسألوه هل جرى عليه حكم الرقيشي أم لا؟ فقال: جرى ونصف عليَّ وعلى غيري" (1) وهنالك أحكام كثيرة جدا حكم بها الشيخ الرقيشي وكانت أحكامه لا تتوقف في كل وقت وحين، وخفي علينا الكثير منها وأختم هذا المطلب بقول نور الدين السالمي – رحمه الله- " وإنكار المنكر لا يتوقف على حال واحد، بل لا بد من مراعاة الزمان والأحوال، فيستعمل في كل وقت ما يليق به، والناظرون بنور الله هم أطباء العالم الساعون في قطع المفاسد بالأدوية الشافية كالطبيب الماهر المعالج للعلة الواحدة بالأدوية المختلفة مراعاة للحال والزمان والجهات من المكان" (2)
الخاتمة
وفي ختام هذا البحث لا بد من ذكر النتائج المهمة التي كانت في سيرة الشيخ الرقيشي – رحمه الله – وآثاره العلمية وإليك أخي القارئ هذه النتائج:
1) اتصال نسب الشيخ الرقيشي بصاحب كتاب التقييد وهو الشيخ أحمد ابن محمد بن بشير الرقيشي ، ويعتبر جده المباشر .
2) تعلم الشيخ منذ صباه وكان آية في الفطنة والذكاء ولكنه انقطع عن التعلم للظروف والأحوال القبلية السائدة في ذلك العصر ثم بعد ذلك واصل تعليمه في العقد الثالث من حياته .
3) ظهرت شخصية الشيخ الرقيشي عندما لقبه الإمام السالمي – رحمه الله – (بأمير الشراة ) فكان أحد المبايعين للإمام الراشد سالم بن راشد الخروصي – رضي الله عنه - .
__________
(1) - مقابلة مع الوالد علي بن سيف الفهدي مرجع سابق بتصرف.
(2) - انظر: جوابات الإمام السالمي – للشيخ العلامة نور الدين عبدالله بن حميد السالمي – ج5 ص184 الطبعة الأولى 1417هـ - 1997م. (1/168)
صفحة 169
4) لمع وبرق نجم شيخنا الرقيشي أثناء توليته نخل وتجلت مواقفه المشرقة في تلك المعركة التي أهلته لأن يكون ذا مكانة في قلوب الناس عامة وفي قلب الإمام الخليلي – رحمه الله – خاصة .
5) توطيد الأمن وظهور العدل في منطقة الظاهرة بوجود الشيخ الرقيشي وبفضل حنكته السياسية في التعامل مع أهل الظاهرة الأجلاف .
6) قلة تأليف الشيخ الرقيشي راجع إلى أنه لم يتفرغ لذلك بل كان جل وقته في القضاء والولايات ، واشتغاله بأمور الناس .
7) وجود قصائد استنهاضية تعبر عن مشاعر من يحترق قلبه ألما وحسرة على حال المسلمين وجهل الناس وتفرقهم وتمزقهم أشلاء ممزعة ، وأكثر ما كان يستنهض ويستصرخ بها إمام المسلمين محمد بن عبدالله الخليلي – رحمه الله – وخاصة عندما كان في الظاهرة .
8) ارتجال الشيخ الرقيشي في قصائده ، وعدم كتابتها أدى ذلك إلى فقدان الكثير منها .
9) يوجد له كتاب في علم الفرائض وكتاب آخر اسمه البحر الفياض ولكنها للأسف ضاعت تلك الكتب مع جملة كبيرة من كتبه التي ضاعت أثناء قيامه في الظاهرة .
10) وجود مراسلات عديدة بينه وبين الأئمة الثلاثة المتأخرين ، وله مراسلات مع السلطان سعيد بن تيمور .
11) كان قيام دولة الإمام غالب بن علي الهنائي ، على كتف شيخنا الرقيشي فقد تحمل المشاق والصعاب ، وكان هو مفتي تلك الديار في ذلك الزمان .
12) تعتبر شخصية شيخنا الرقيشي شخصية قيادية فذة تمرست على مصائب الدهر ونوازله، كما أن شخصيته تعتبر نموذجًا حيًا للجيل الواعد في قولهم الصدق، وعدم خوفهم إلا من رب الخلق وصدعهم بكلمة الحق مع من كان ،وفي كل محفل ومكان.
13) يظهر من سيرة ذلك الشهيد مدى صبره الشديد على ما حل به من مصائب الزمان ،وطوارقه وأحداثه من خلال سيرته وحياته ،ولهذا وجب علينا أن نترسم خطى أولئك الأبرار حتى نظفر بمحبة الملك الغفار . (1/169)
صفحة 170
14) توفيق الله سبحانه وتعالى لشيخنا الرقيشي في تمكنه من الجمع بين العلم والعمل مع كثرة المشاغل والأعمال ولا ننسى أنه تولى مهام الولاية والقضاء ،وكف الفتن والأهواء ،واستطاع أن يؤلف بعض المؤلفات .
15) تمكن ذلك الرجل بعد تخرجه من مدرسة العلامة أبي زيد الريا مي التي رضع منها لبانة العلم والدعوة من النزول في ميادين الحياة للعمل من أجل الإسلام ،ومن أجل نشر الدعوة ،وإقامة العدل ،والصدع بين الناس بالحق ،والمجاهرة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومعارضة الباطل ،والوقوف ضد الجبابرة والمعتدين ،
16) تعلم واستفاد من شيخنا نخبة من أهل العلم الذين سعوا لنشره ، وجابوا الأرض وكانوا قادة للأمة من بعده فكانوا نعم الرجال الأبطال الذين رباهم ذلك البطل المغوار والشهم الضرغام .
17) بقي شيخنا الرقيشي – رحمه الله – ردحا من الزمن ما لا يقل عن عشر سنين دأباً في ذل وقهر ، وفي سجن كله ظلم وظلام ، وعاش في لوعة وحرمان عن مؤانسة الأهل والخلان وذاق وتجرع غصص الوحشة والشدة من قبل السلطان ، حتى انتقل إلى جوار الرحمان وفاز بنعيم الجنة والرضوان – فنسأل الله أن ينعم علينا وعليهم شآبيب الرحمة والغفران –
18) وفي نهاية المطاف يتبين لكل باحث أن تأريخنا العماني العريق يزخر بشخصيات فذة قامت بأعمال جليلة ، وخلدت مآثر عظيمة أهلتهم لأن يكونوا من كبار القادة المجاهدين في مسيرة تاريخنا المضيء،كما أتوجه بطلبي لمعهدنا الميمون معهد العلوم الشرعية المعطاء بأن يواصل مسيرته في هذا المشوار لإبراز هذه الشخصيات العظيمة لكل المتعطشين في العالم الإسلامي عامة وللقطر العماني خاصة ،لتكون هذه الشخصيات منارة مضيئة يهتدي بها الجيل الصاعد ليصلوا للسعادة في الدارين ويفوزوا بنعيم الأجرين في الدنيا والآخرة .
وأسأل الله العلي القدير أن يوفقنا جميعًا لقول الحق والعمل به وأن يجنبنا كبوات الأفهام (1/170)
صفحة 171
ومزلات الأقدام وعثرات الألسن والأقلام وصلى الله على مسك الختام
و بدر التمام محمد بن عبدالله خير الأنام وآله
ومن تبعهم بإحسان
إلى يوم القيام .
زاهر بن عبدالله بن هلال الحوسني
معهد العلوم الشرعية
روي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ملحق رقم ( 1 )
واقعة نخل : (1/171)
صفحة 172
في سنة 1339هـ تم نقل شيخنا من إزكي إلى ولاية نخل ليكون والياً وقاضيا ؛ نظرا لما لتلك الولاية من أهمية في ذلك الوقت ، ولما لها من مواقف صعبة وسلبية أحيانا، تحتاج إلى والٍ قدير وخبير يستطيع قيادتها ،والأخذ بيدها إلى الجادة وبعد أن استقر بحصنها الشامخ قام بتدبير شؤونها وأحياء معالم الإسلام وطهر البلاد من الطغام وأصلح أهلها وجمعهم على كلمة الحق والعمل بشريعة الله ولكن للباطل جولة ولأهله نخوة ،وشموخ أنف،ويشاء الله جلت قدرته أن يمتحن هذا الشيخ الشاب الطموح ويختبر جدارته ومدى كفاء ته،ويظهر مواهبه القيادية،ومواقفه البطولية فيبتله الله بالباغي خلفان بن ثنيان ، وأمير منطقة نخل كلها تقريبا عدا بلدان المعاول،فيقوم هذا الزعيم بأعمال إجرامية من قتل ونهب واعتداء على الأموال والأنفس والأعراض، ويعيث هو وأعوانه في البلاد جورا وفسادا ضاربا بأحكام الله وحدوده عرض الحائط (1) ، وقام شيخنا بنهيه مبدئيا وبذل في ردعه ،ومنعه قصارى جهده ،فما زادته تلك النصائح إلا علوا واستكبارا ففشلت جميع المحاولات. وفي ذلك يقول شيخ البيان:
ولقد فشا من شيخكم خلفان ما ضاقت به نخل بخمل الكاهل
تغير أحوال ونصب ومكائد وتلاف أموال وقتل أفاضل
__________
(1) وكان السبب في ضراوة خلفان أن أخاه احمد بن ثنيان تزوج امرأة سليمية وكان لها ابن عم خفيف العقل ، فعيره بعض الناس أن ابنة عمه تزوجها أجنبي ، ولم يترك له رأي ، فتحين الفرصة فأطلق عليه النار فقتله فقام أخوه هذا فقتل خيار أهل نخل ومن بني خروص . ومن الذين قتلهم الشيخ سيف بن أحمد الكندي ، وسعيد بن سالم العرفاتي وغيرهم كثير يصل عددهم إلي (65) رجل وامرأة وكان أن يفنيهم جميعا . مقابلة مع الوالد : خميس بن منصور الخروصي . قابله الأخ احمد بن نبهان الخروصي ليلة الاثنين 2من رجب الأصم الموافق له 9/9/2002م وانظر اللؤلؤ الرطب للشيخ سعبد بن حمد الحارثي ص14 " مرجع سابق ""بتصرف " (1/172)
صفحة 173
وأمور نخل لا تزال كثيرة ما بين والدة وأخرى حامل
وتمضي الأيام ويطفح الكيل, ويفيض الغيض ،وتتقد جذوه الغيرة والغضب لله في نفس هذا الشيخ وتثور في داخله ثائرة الحمية لحدوده.
وحرماته فيقضى شؤونه وشجونه عن ذلك المحادد المعاند إلى إمامه، وهو أعرف الناس به حيث شاع بين الجميع بغيه وضرره، فكتب إليه الإمام التوجيه والنصح ، فشمخ وأنف، وبطر واستخف، وما درى أن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها، وجعلوا أعزة أهلها أذلة. فاستثار الإمام غيظاً وغضباً عندما علم بذلك، وقرر على الفور بعث سرية مكونة من بضعة أشخاص يقدمهم الباسل الفاتك سيف بن حمود الرواحي بطل عبس وعنترتها الثاني ، وقبل أن تغادر تلك السرية نزوى أصدر الإمام إلى قائد السرية أمرا بالفتك بذلك الباغي وقتله ، وكتب لواليه أن تكون السرية وقائدها تحت تصرفه ليدبروا الرأي، ويفكروا في طريقة إعدامه ،وإراحة الناس من شره حسبما يرونه سائغاً حيث أصبح في نظر الشرع حلال الدم، وتذهب السرية تحدوها العناية، ويقدمها اليمن والتوفيق، وتصل مقر الشيخ بنخل، فلما وصلوا انزعج خلفان وأعوانه، وظنوا سوءاً فاخذوا بالحزم، وقال الشيخ: لسيف لا نستطيع قتله لا يتم غلا جهراً.
فكانت سياسة قتله كما يذكرها الشيخ الرقيشي كما يلي: حيث يقول: اتفقت مع سيف بان نخرج من البلد لنوهم الناس أننا راجعون إلى نزوى، ثم رجعنا في الليل بعد أن هدأت العيون ودخلنا الحصن، وفي الصباح أرسلنا إلى خلفان بن ثنيان أننا سنصل عنده للسلام عليه، فواحد منا يصافحه، والآخر يطلق عليه الرصاص ويفعل الله بعد ذلك ما يشاء، ولم نخبر أصحابنا بذلك وكان هذا بيني وبين سيف فقط.
قال الشيخ الرقيشي: أردت أن يصافحه سيف وأنقع أنا فيه، ولكن سيف قال: إذا تقدمتك أنكرنا؛ ولكن تقدم أنت فصافحه، وأنا أطلق عليه الرصاص. (1/173)
صفحة 174
فدخلنا فوجدناه في مجلس يضم قدر مائة من جماعته كلهم مدججون بالسلاح ،فشك خلفان في الأمر وحاول الفرار والهرب، ولكن أخذته النخوة والشنشنة (1) العربية فمددتُ يدي فصافحته وكانت عينه منذ أن دخلنا في تفق سيف بن حمود فبدل أن يقول: كيف حالكم؟ ينعق (2) على سيف (تفقك خاشع) (3) قال سيف: (نعم في كبدك) فأطلق عليه رصاصة لم تخطئ فؤاده فأمسك بكل فيه على نجاد تفقي ولم أستطع إطلاقه من يده، وتفرق عنا بعد النقع من كان معه ومن كان معنا ،ولم يبق إلا نحن الثلاثة في المجلس، وأنا أصارعه على التفق فقال سيف: اترك التفق له، وننجوا بأنفسنا فتركه في يده،وما كدنا أن نصل الحصن حتى أحيط بنا من كل حدب وصوب، فرجمنا الباب على أنفسنا شهراً كاملاً ،وكان قتله في اليوم العاشر من ذي القعدة سنة 1340هـ.
وما كان يشيع خبر قتل هذا الباغي حتى جاشت جاشية البغي بقيادة ابن أخ المقتول حمود بن سالم بن ثنيان الحراصي، وشب سعيرها وضرامها ،فتنادى قومه وحزبه ومن شايعهم جميعاً للحرب، وضيقوا المسالك ،وأحكموا الفجاج والروابي ،وقطعوا المدد من كل شيء، وكسروا الفلج الذي يمر بالحصن،ويبست البئر، وكان يقوم بنفسه على العمل بتعميقها ،وكلما حصل على دلو من الطين قام بعصره في عمامته، فيحصل عل قدر وهيد من الماء فيقوم بتقسيمه بين أهل الحصن بالتساوي، ويكون نصيب كل واحد لا يزيد عن ملئ فنجان قهوة كل يوم.
__________
(1) الشنشنة : الخلق والطبيعة . أنظر مختار الصحاح للرازي ص317 " مرجع سابق ""بتصرف ".
(2) ينعق،أي : يصرخ بأعلى صوته.
(3) أي: هل سلاحك جاهز للرمي وإطلاق النار؟؟!. (1/174)
صفحة 175
وقام ابن أخ المقتول يدعو إلى الثأر وزحف في جيشه على شيخنا الباسل في حصنه، وأحاطوا به إحاطة السوار بالمعصم، ولم يكن عنده بالحصن سوى عدد قليل من الجنود المدنيين لا يزيد عددهم عن عشرين شخصا تقريبا ، لا يمكن غالبا أن يقابلوا ذلك الزحف الكبير والعدد الحاشد ،فقابل زحفهم بمن معه ،وأبدى من ضروب البسالة ،وفنون القتال ما أرغمهم على التقهقر ،وأفشل خططهم المتكررة وهجماتهم المتعاقبة عن اقتحام الحصن ،وطال حصارهم له ،وبذلوا في سبيل اقتحام حصنه، والوصول إليه لنيل الثأر منه شتى المحاولات وقصارى الجهود، ولكنه صمد لهم صمود الأبطال ،وأمطرهم من وابل البنادق ،وسحب اللهب جحيما لا يطاق ،ولما أعياهم الاقتحام عمدوا إلى حفر خندق تحت جدران الحصن لوضع البارود بداخله وتفجيره لنسف الحصن ،ولكن الرجل كان أدهى وأعظم منهم ،فقضى على محاولتهم تلك بفطنته ،وغنم البارود لضربهم به، فقام بنفسه من الجدار الآخر فأخذ ما فيه وملأه ماءا .وفي ذلك يقول ابن شيخان :
(واستقرحوا نفقا له وتطاولت فيهم لحصرهم غواية جاهل) (1)
ويستمر حصارهم ذلك في حدود أربعين يوما أو تزيد، وشيخنا لا يزال كالطود الشامخ لا يتزعزع ، وقد أعجزهم عن الاقتراب من الحصن ،علما أن جميع البلاد وقلاعها وأبراجها وطوقها ومداخلها كانت بين أيدي أعدائه ،وفي تلك الفترة من الحصار يصل الخبر إلى الإمام بنزوى داعيا له لإنقاذ واليه بل لإنقاذ البلاد كلها من بغي البغاة، فيقوم الإمام فورا ،ويثب إليهم وثبة الأسد الهصورمصلتا سيفه الذي لا يقهر في جحفل لجب وخميس جرار .
__________
(1) انظر : ديوان ابن شيخان _محمد السالمي _ ص199 ." مرجع سابق " (1/175)
صفحة 176
وأقبل جيش الإمام بقضهم وقضيضهم ،وخيلهم ورجلهم ،ويصلوا بسلامة الله ،ويحطوا رحالهم بوادي المعاول ،ثم أرسل للبغاة أن يكفوا عن الحرب ويذعنوا لأمر الحق ويلقوا بأيديهم إلى الطاعة فأعاروا الإمام أذانا صما وقلوبا عميا ،فرفضوا وشمخوا بأنوفهم وبعد الإياس منهم ، تقرر الزحف عليهم فجر يوم عيد الأضحى المبارك عام 1341هـ فانقض عليهم الجيش المسلم انقضاض النسور، فترعد البنادق وتبرق ،ثم تحرق وتفرق ،وتشرق السيوف ،فترهق وتنطق فتصدق، فلا تكاد تطلع أو ترفع شمس ذلك اليوم، حتى يحين حين البغاة ،وتأتي ساعة النصر، ويحق الله الحق بكلماته، ويقطع دابر الكافرين ،فيهزم جمعهم ويحصد عددهم ، فهم بين أسير وجريح، فتعلو كلمة الحق ،وترتفع راية الصدق ، وينشر العدل وتعود الطمأنينة.
وكان من دهاء الشيخ الرقيشي وفطنته وخبرته بالحروب لما رأى الجيشان في خضم المعركة ومعتركها قام بإشعال النيران في جبل (العاقوم) الذي تحصن فيه البغاة ،وعندما رأى البغاة تلك النيران قد شب سعيرها في كل مكان أخذتهم الرجفة وظنوا أن جيش الإمام قد دخل من كل جهة، فتركوا أماكنهم وفروا هاربين .
وبعد فترة وجيزة قضاها الإمام في تلك الولاية ؛لإنصاف المظلوم ،ورد الحقوق إلى أهلها ،وتهدئة الأحوال يعود إلى نزوى مع جيشه الظافر ،ويقر شيخنا على حال ولايته ، وقد برز على مسرح الأحداث عالما جليلا ، وفيصلا صقيلا ، لا يشق له غبار ، ولا تأخذه في سبيل الحق لومة لائم فبقي بنخل حتى أواخر عام 1352 هـ (1) .
__________
(1) ... انظر : ترجمة عن سيرة الشيخ الرقيشي _ خلفان الرواحي ص10-12. وانظر : البحر الفياض – سالم الرقيشي
ص15-18 . وانظر نهضة الاعيان محمد السالمي . ص316-318 . وانظر مقابلة مع سعادة الشيخ أحمد بن سعود السيابي " مراجع سابقة " " بتصرف". (1/176)
صفحة 177
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ملحق رقم ( 2)
...
قضية السليف:
بعد أن برز ذلك الأسد الضاري على مسرح الوقائع و الأحداث و ما قام به في واقعة نخل حيث أبلى فيها بلاءً حسنا ، ودافع دفاعا يتكعكع عنه الأبطال ، كان أهلا لتوليه منطقة الظاهرة التي انتشر فيها الظلم و الفساد و الجور و الطغيان ، حتى قيض الله لها أن بُعِثَ إليها شيخنا الرقيشي فأقام فسادها ورد شاردها ، وحماها من العابثين .
و في هذه الولاية شهد مواقف حرجة قام فيها بمغامرات بطولية نادرة من أهمها مهاجمته لمحلة المناذرة ببلد السليف بسبب ما قاموا به من أعمال خارجة عن الشرع الحنيف فحكم عليهم بالبغي وهاجمهم في عقر دارهم بعدد قليل من العسكر لا يتجاوز ( 60 ) عسكريا و تفصيل هذه القضية كما يلي:
" ... عندما أوكل إلى الشيخ الرقيشي مهمة الولاية و القضاء في منطقة الظاهرة و عبري قام بإبلاغ القبائل بمهمته التي ابتعثه بها الإمام الخليلي فجاءه شيوخ القبائل مذعنين للحق إلا المناذرة من أهل السليف ، لم يطيعوا أمر الإمام وتمردوا عليه.
فقام الوالي بإبلاغ الإمام والنظر في قضاياهم ، فأرجع الإمام الأمر إلى واليه و أرسل إليه رسالة كتب فيها نصائح دينيه ؛ ليقرأها عليهم ، واختار الشيخ الرقيشي ابنه إبراهيم لحمل هذا الكتاب فعسى أن يهديهم إلى الصراط المستقيم ، فلم يحصل منهم على وفاق ، ونسوا ما كانوا فيه من الاضطهاد و الإرهاق ، لكنه لم يجد منهم آذانا صاغية فردوا أمره وتعسفوا ، وبنبذهم أحكامه على أنفسهم تمردوا ، فعزم العامل على إنفاذ أمره بالقوة لا بالين فحكم عليهم بالبغي و العناد ، وعاملهم معاملة أهل الفساد ، وانقض انقضاض الشهب للرجم ، ووقفوا في وجه وقوف القرم للقرم ، وكانت بينهم ملحمة عظيمة وقعت قبل فجر ليلة الخامس من ذي القعدة عام 1360هـ (1/177)
صفحة 178
حيث قام عسكر الشيخ بتسلق الحصن بالحبال ودخلوا من النوافذ و الأبواب و كان القائد إبراهيم ابن شيخنا الرقيشي ، و ظن العسكر أن لن يخرج أحد منهم وهو حي ؛ ولكن بفضل الله ثم بكرامة الإمام الخليلي والشيخ الرقيشي لم يصب أحد منهم بسوء .
وأسفرت المعركة عن قتل أربعة من الدروع من أصحاب الشيخ الرقيشي ، وقتل من المناذرة عشرة أشخاص و امرأة ، و جرح عدد من أنصارهم . (1/178)
صفحة 179
فدخل الشيخ بلادهم و هدم حصونهم ، وحاراتهم و كسر جناحهم ، وأهوى قوتهم فسقطت إمارتهم ، وسجن أكثرهم ، وبذلك دانوا للمسلمين ، ورضخوا للأحكام الشرعية ،فبهذه الحادثة أضرم المريخ ناره وكادت تشتعل ،وقطب زحل وجهه ،وبقي الأنصار في وجل فكان من لطف الله في القضية أن نزعوا إلى حكم ربهم ، وقبلوا المراشد القرآنية فثارت ثائرة أشياخ بني هنائه فتقدموا إلى إمامهم أن يحضر الشيخ الرقيشي للمناقشة فيما جناه تحرجا من دخولهم في البلوى ، وأن يجمع قضاته للنظر في هذه الدعوى ؛ لأن بعضهم يقول : إنها حاجة في نفس يعقوب قضاها ، وإرادة للشيخ أنفذها وأمضاها فجمع الخصوم بجامع نزوى ، وعلت الأصوات وأسروا النجوى ، وكتبت الدعوى والمهج تتميز من الغيظ وجيء بالرقيشي وهو يزفر زفرات الغيظ فقدم حججه المنيرة التي أسند عمله عليها من الأثر وبررها بقوله : ( .. إنه لم يكن له فيهم أرب ولا وطر ، وما حمله عليهم إلا الكبر والبطر حتى ثار الهزبران (1) في وجه بعضهم البعض بالحديد ، وكان كل واحد واضع يده على رأس خنجره يزأر زئير الأسد في وجه الآخر ، فنظر الفقهاء في جواب الشيخ الرقيشي وحققوا ثم دققوا ، وبعد الاجتهاد والتنقيح رفعت المحاكمة إلى الإمام وهو المرجع في المشاكل والترجيح ، فحكم الإمام بثبوت ما فعله واليه وغرم بعض الأشياء من بيت مال المسلمين ، واقتنع الزعيم الهنائي فسكت ؛ لأنه الألمعي المحنك الذي لا يدخل في أمر حتى يعرف المخرج منه ، فكتب الإمام بخطه : ( ... أقول : قد نظرت في جواب الشيخ الرقيشي ، وأقول : إنه أخذ بأقوال أولئك الجهابذة الأعلام ، ونحن نقصر عن تتبع أقوالهم ، وهم القدوة ، وأفعاله كلها خارجة على وفق فتواهم ولم نرها خارجة عن الحق والله سبحانه وتعالى أعلم )
__________
(1) وهما : الزعيم الهنائي : الشيخ زاهر بن غصن الهنائي ، والشيخ محمد بن سالم الرقيشي . (1/179)
صفحة 180
وبعد أن عوض الإمام ما أتلف من الأموال خطب في صلاة الجمعة ليكرر ما حكم به على رؤوس الملأ بحضور العلماء والزعماء ، وقال : ( .. أيها المسلمون إن ما أمضاه محمد بن سالم في السليف فمن أمري وهو هدر إلا ما استثني من ذلك ..) وبذلك اقتنع الجميع وكفى الله المؤمنين القتال ، وهكذا تمضي حياة شيخنا الجليل على هذا المنوال ، حرب مريرة وأعمال كثيرة ومهام كبيرة (1) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ملحق رقم ( 3 )
...
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد الله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
__________
(1) انظر : نهضة الأعيان ، محمد السالمي ، ص330، وانظر ترجمة الشيخ الرقيشي ، خلفان الرواحي ص13، وانظر : اللؤلؤ الرطب ، سعيد الحارثي ، ص12، وانظر: البحر الفياض سالم الرقيشي ص22-23 ، ( مراجع سابقة بتصرف ) (1/180)
صفحة 181
أما بعد فسلام على إمام المسلمين محمد بن عبدالله ورحمة الله وبركاته، من محبه وصفيه محمد بن سالم بيده أقول إني نظرتفي كتابك لي وقولك حقق المسألة فاعلم أيها الإمام أني ضعيف عن التحقيق والنظر ولكني أرفع لك ما فهمته من معاني الأثر وما من موضوعه وفحواه ظهر وأعترف أني لست من أهل الرأي ولو مثلا كنت من أهله فلا يحل لأحد من أهل الرأي أن ينصب رأيه دينا ولا يضلل أحدا من إخوانه إذا خالفه في الرأي بل على كل مكلف أن يجتهد في ما بان له من الصواب ويتبع ما هو أقرب إلى الحق وعليه المناصحة لله والاجتهاد في دينه ولا يلزم ترك ما ظهر له حقه ويتبع رأي غيره بل عليه أن يتمسك بعلمه وعليه أن يتبع ما فرض الله عليه في طاعته أولي الأمر فإذا حكم الإمام برأي فعلى الناس أن يطيعوا ويسمعوا لأمره وينقادون لحكمه قال أبو عبيدة:" إذا اختلف الناس وذو الأمر إلى الإمام وليس لأحد أن ينزع يده عن حكم الإمام ولو خالف علمه علم الإمام مالم يخرج كَلِمُ الإمام عن الكتاب والسنة والإجماع ودائرة الرأي فإن خرج فلا طاعة له وفي بيان الشرع ثم إني أقول إن مسألة بني هناءة والناصري على ما ظهر لي فيها من كتابك وعلى قياد ما قلته فيه اعلم أخذ أغنام الناصري من الفلاة هو أول بغي ظهر ومسيرهم إلى الرجل في اليوم الثاني هو بغي ثان مؤكد للبغي الأول لأنه يمكنهم إرسال رجل منهم أو من غيرهم له ليعتذروا إليه فإن امتنع وأخر فليرفعوا أمره إلى القوام بالأمر الإمام وعماله وقد صرح العلماء بأنه ليس لهم إخراج الحق لأنفسهم حتى قال الشيخ السالمي إن عُدم القوام فليصبر وليحتسب أجره على الله والبغي الثالث مسيرهم إليه جملة ولا لوم عليه إن تخوف منهم وقد صرح القطب أنه ليس له أن يلقي نفسه إليهم إن جاءوه لإخراج الحق منه لهم وعليه الدفاع عن نفسه وماله وترك الدفاع كبيرة ولا يعذر الجاهل العارف وأما قولك إن هرب إلى أصحابه وكان الرمي من الفريقين فهذا بغي فوق الأول ، (1/181)
صفحة 182
وأما قولك إنه لما انكشفت الفتنة وجد الناصري قتيلا وقول بني هناءة أنهم لا يعلمون أنه من رميهم أو رمي غيرهم فهذا قول لا يدفع عنهم الدية بل يدفع عنهم القود وهو حد يدرأ بالشبهة وفي الأثر من خرج عند قوم البغاة يريدون قوما غيرهم فوقع بينهم رمي ولما انكشف القتال وجد قتيل أو أكثر في الفئة الثانية وهو لا يدري أصيب برمية أحد أم لا فهو شريك في القتل وعليه دية الكل في قول أو منابه على عدد أصحابه في قول فافهم أيها الإمام ما صرح به الأثر وهو الحق لأن دم الباغي هدر وهذا ما عندي ظهر مع أني لا أظنك في عمل أو حل برأي أو حلم برأي إلا إن خالف الكتاب والسنة والإجماع فتفطن لما كتبته لك وخذ حقه وعليك السلام حرر في يوم 8 من جمادى الأولى سنة 1368هـ.
وأقول كما قال ابن محبوب للمهنا اعلم أنك إمام وعنك تؤخذ الآثار ويعمل بها من بعدك فاحذر كل أثر لا أصل له في كتاب الله ولافي سنة رسول الله ولا في آثار الصالحين انتهى قلت وكتبت على وجه النصح والشفقة لا على طريق المعارضة والجدال والله عند لسان كل قائل بلسانه وكل ما ظهر لكم مخالفا للحق فبينوه لنا لنرجع عنه إلى الحق قال عمر بن الخطاب ويل لنا إذا لم نتق الله وويل لنا إذا خافنا الناس أن يأمرونا بتقوى الله وبذلك تجب المعاونة والمناصحة والله ولي التوفيق. (1/182)
صفحة 183
وفي بيان الشرع ما نصه ليس لأحد من المسلمين أن يحكم لنفسه على أحد برأي من الآراء ولا بحكم مجتمع عليه ولو كان إمام المسلمين ما جاز له أن يحكم بنفسه على خصمه إلا أن يحكم له غيره ولما كان المجتمع عليه في قول المسلمين أن ليس لأحد أن يحكم لنفسه على خصمه كان هذا الذي يأخذ بيده على خصمه ويحكم لنفسه متعديا لأنه لو حكم على خصمه لنفسه بحكم مجتمع عليه كان متعديا فكيف لو حكم برأي من الآراء التي خالف فيها الفقهاء وعلى القوام بالأمر أن يأخذوا بالحق على المتعدي فافهم ما صرح به الأثر أن ليس لبني هناءة أخذ حقهم من الناصري ولامد أيديهم عليه بل عليهم أن يرفعوا أمرهم إلى القوام بالأمر وقد تقدم ما رفعته عن الأشياخ القطب وعبد العزيز والسالمي وصالح بن علي وما صرحوا به نسأل الله أن يهدينا طريقة مرضية له .
________________________________________________________ملحق رقم( 4 )
بسم الله الرحمن الرحيم
من إمام المسلمين غالب بن علي بيده إلى الشيخ المكرم الأخ العزيز إبراهيم بن محمد بن سالم الرقيشي سلام عليكم ورحمة الله وبركاته ............. الأعلام............... وكتابك وصلني وما ذكرته من الإرجافات فهاذا دأب الزمان وأبنائه والأمر لله عز وجل يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد وعلى المسلمين القيام بأمره والإخلاص والتوكل وعلينا النظر بالسعي............. إليه إن شاء الله هذا ومن علم بالشأن الشيخ عبدالله بن الإمام ومن سيصلكم ليقبضكم الأمانة ............ وعلى المشايخ على محمد والأعيان............ المشايخ والأخوة محرر في 4/7/1374هـ. (1)
______________________________________________________ملحق رقم ( 5 )
بسم الله الرحمن الرحيم
من سعيد بن تيمور:
إلى جناب المكرم الفاضل الشيخ العالم محمد بن سالم الرقيشي دام بعافية.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
__________
(1) - بعض العبارات غير واضحة فلم أكتبها. (1/183)
صفحة 184
وبعد فكتابك المؤرخ في 23 شعبان بخصوص المكاتبة ما بين الحبوس والشروج وصل وفهمنا ما ذكرت فيه إلى آخره. ولا مانع من تحرير مكاتبة الصلح الذي أجريتموه وبعد التحرير وتوقيع الطرفين على ذلك والأشخاص الذين حضروا الصلح سنجتمع بك إن شاء الله. ولا شك أنك ستدعوا الطرفين بالوصول معك للمكاتبة ونعني الحبوس والشروج. ونقول ليتكم أخبرتمونا عن ذلك قبل اجتماعكم في مسألة الصلح. وزيادة الحديث عند المقابلة بإذن الله والسلام.
تحريرا في 24 شعبان سنة 1276
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ملحق رقم ( 6 )
بسم الله الرحمن الرحيم
في يوم سادس من شهر جمادى الأولى من سنة(1359هـ) حكم إمام المسلمين محمد بن عبدالله بن سعيد الخليلي بأن كل عمارة أحدثت على فلج العين من وادي بني رواحة لم يكن لذلك الحدث شرب من هذه العين من قديم الزمان فهو مزال ممنوع من الشرب شرعا لأن الماء شركة بين أهل العمارة القديمة وأن البئرين الكائنين في بيت ناصر بن منصور والأخرى التي هي وسط المحلة هما بيرا ورد ممنوع منهما الزجر للزراعة وأن لا يحدث أهل العين حدثا من آبار في محلة العين ما عدا هاتين البئرين القديمتين وذلك بتاريخ ما تقدم وكتبته وأنا محمد بن سالم بن زاهر الرقيشي بيدي.
والحدث هو في المكان المسمى البدايع وتعينه عند حضور الحكم الذي يصح حدثه فهو ممنوع والذي لا يصح وادعى أهل السقو أنه حدث فعلى أصحابه اليمين إن لم يجد أهل السقو بينة .كتبه إمام المسلمين محمد بن عبد الله بيده .
____________________________________ ملحق رقم ( 5 )
بسم الله الرحمن الرحيم
« نص وثيقة بيعة الإمام غالب وصحة عودته» (1/184)
صفحة 185
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد فليعلم المطلّع على كتابنا هذا من اخواننا أهل الشرقية الحبوس والحرث والمساكرة والحجريين وأهل جعلان وغيرهم، علماءهم ورؤساءهم وعامتهم بأن إمامة الإمام غالب بن علي منعقدة ثابتة باستخلاف الإمام له ورضى العلماء بذلك ولم ينكر عليه في إمامته حدثاً أحدثه، ولا كبيرة ارتكبها، واستمر على ذلك حتى صحّ عنده خذلان الرعية له، وصح عندنا كما صحّ عنده فترك أمر المسلمين أخذاً بالرخصة وفي مدته تلك ملتمساً للنصرة على إعزاز الدين وأهله فلما وجدها قام بها وصدع بما أمره الله به فهو إمام محق تجب على الرعية إجابته إذا دعاهم، ونصرته ومؤازرته وإعانته حسب الاستطاعة وتحرم عليهم معاداته وخذلانه وغشه ظاهراً وباطناً ومن يتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا. هذا ما نخبركم به لئلا يشك شاك في ثبوت إمامته وهذا من النصح لإمام المسلمين وخاصتهم وعامتهم كما هو واجب على كل مسلم ...
والسلام عليكم من أخوانكم محمد بن سالم ومن معه من إخوانه
وكتبه بإملائه وعن سفيان بن محمد بيده
يوم العشرين من شهر الحج سنة 1376. صحيح هذا وكتبه محمد بن سالم الرقيشي
صحيح هذا مني وعني كتبه سيف بن حمد الأغبري بيده
صحيح سعود بن سليمان الكندي بيده
صحيح منصور بن ناصر بن محمد
سلمنا بما رآه الأشياخ والإخوان من ثبوت إمامة الإمام غالب بن علي الهنائي
وكتب ذلك وصححه سالم بن سيف البوسعيدي
________________________________________ ملحق رقم ( 6 )
نص وثيقة حصن السليف
(1) مما وجد بخط الشيخ عمر بن مسعود بن ساعد المنذري رحمه الله
بتاريخ يوم الجمعة الزهراء لعشر ليال خلون من شهر رجب من سنة ثماني وثلاثين ومائة سنة وألف سنة منذ الهجرة، وكتبه الفقير لله عمر بن مسعود بن ساعد بيده. غيره. (1/185)
صفحة 186
ليعلم من يقف على كتابي هذا من المسلمين وأنا الفقير لله عمر بن مسعود بن ساعد المنذري بأن هذا الحصن المذكور هنا قد بناه الإمام العادل سلطان بن سيف بن مالك اليعربي رضي الله عنه لحدامه المشايخ: صالح بن عبدالله، وجدي ساعد بن مسعود، وجدي عبدالله بن مسعود، وابن عمهما مبارك بن خميس المنذريّين، ولذريتهم من بعدهم، ولمن معهم قبل كتابي هذا لا لغيرهم من القبائل، وأن الربع الذي فيه بيوت أولاد الشيخ صالح بن عبدالله فالرأي فيه لهم دون غيرهم من الجماعة، والربع الذي فيه بيوت أولاد مبارك بن خميس فالرأي فيه لسليم بن ناصر ومحمد بن خميس وسليمان بن سعيد دون غيرهم من الجماعة، والربع الذي بيوت أولاد عبدالله بن مسعود فالرأي فيه لعامر بن عبدالله دون غيره من الجماعة، والربع الذي فيه بيوت أولاد ساعد فالرأي فيه لهم دون غيرهم من الجماعة، وأن كل من له راي في ربع من أرباع هذا الحصن فغير محجور عليه إدخال مَن يشاء ويريد من الجماعة الجائز لهم الدخول فيه ببيع أو هبة، وقد عاهدوا الله تعالى على القيام في هذا الحص بطاعة الله وطاعة رسوله، وطاعة أهل الحول والعَدْل، وطاعة أولي الأمر، والاجتماع على ما فيه الصلاح من سلامة الدين والدنيا، والاقتداء فيه بصالحي أسلافهم.
نسأل الله تعالى لهم التوفيق لطاعته ومرضاته، والثبات على الوفا والصفا إنه سميعٌ مجيب. كتبه عمر بن مسعود بيده بتاريخ ما تقدم.
نقلتُ هذه الورقة من خط الشيخ العالم عمر بن مسعود بن ساعد المنذري السليفي، وأنا الفقير لله بدر بن سالم بن سعيد بن مسلم المنذري السليفي نقلتُها في يوم الجمعة الزهراء لأربعة عشر ليلة خلت من شهر شعبان منْ سنة 1310من الهجرة، نقلتها للوالد محمد بن عبدالله العزري السليفي. (1/186)
صفحة 187
أقول: إني نظرت في هذه العريضة المكتوبة التي نقلها بدر بن سالم وهي فيما عندي موافقة للحق، مطابقة للشرع، ولا يجوز تبديلها لأنها ثابتة الأساس. وكتبه عامل الإمام محمد بن سالم بن زاهر الرقيشي في يوم 19 رجب سنة 13هـ.
صحيح ما كتبه الشيخ محمّد بن سالم في هذه القرطاسة، وهي ثابتة في الشرع.اهـ. وكتبه عامل الإمام عبدالله بن محمّد بيده.
ما سطّره الأشياخ محمّد بن سالم وعبدالله بن محمّد فعليه العَمَل. كتبه إمام المسلمين محمّد بيده. (1)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ملحق رقم ( 7)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــملحق رقم (8)
ومن مؤلفاته : " منظومة في حرب أهل الملل وأحكامهم (1):ــــــــــــــــ ملحق رقم ( 9 )
هو الجد في كسب المكارم فالزم ... طريق الهدى والهزل فاحذره تسلم
وكن قاصدا لله في الفعل والنوى ... وكن صادقا في القول ثم التكلم
ورتل كتاب الله وافهم لفحوه ... ووضع معاني لفظه المنتظم
وكن واقفا مستوقفا في حدوده ... ولا تتعداها عنادا فتندم
فحسبك ما فيه إذا ما فهمته ... فما العلم إلا الفهم للمتعلم
وخذ سنة المختار يوما بقوة ... وكن تابعا منها الصحاح لتعلم
ولكن تتبعها ولا تقتصر لها ... ففيها بيان المجملات ومبهم
وخذ أثر الأصحاب وأتبعه تهتدي ... ترى الحق فيه واضحا يبصر العمي
وكن حامدا لله بل شاكرا له ... وصل على خير البرايا وسلم
الباب الأول:
فأول شيء بعد توحيد ربنا ... وجوبا عليك الحكم في المال والدم
ولا تعلمن الحكم فيه سوى بأن ... تغوص بحور العلم بعد التعلم
ومعرفة المحكوم فيهم بأنهم ... هم أهل ذا التكليف من نسل آدم
__________
(1) 1 بعض العبارات غير واضحة في المخطوطة فلم تطبع (1/187)
صفحة 188
هم الملل الست الذي جاء ذكرهم ... ... بنص كتاب الله غير مجمجم
يهود نصارى صائبون مجوسهم ... وخامسهم في الشرك عباد أصنم
وسادسهم أهل الصلاة جميعهم ... هم ملة عمت على كل مسلم
وهل يسعن الجهل أو لا أتى به ... الخلاف لأهل العلم فيهم فافهم
وإني أرى التوسيع أحرى لأنه هو الحق إن دنا بحرم المحرم
لمن لم يقارف منهم قدر محجم ... من الدم أو من مالهم قدر درهم
ولا يسع الإقدام إلا بواضح ... من العلم لا إشكال فيه لمقدم
كذلك ذو الإقدام بالجهل لو يكن ... مباحا يوافقه لأجل التغشم
ولكن إذا ما تاب لا يلزمنه ... ضمان ويمحو توبه كل مأثم
(1) نقلها الوالد سالم بن محمد الرقيشي من قراطيس مبعثرة بخط الشيخ الرقيشي رحمه الله تعالى وقال : ما كان من تقديم أو تأخير أو تحريف فإنه مني.
فصل في معرفة المسلم :
مقر بتوحيد الإله منزه ... ... له عن شبيه أو صفات التقدم
مصدق بالرسل الكرام جميعهم ... ... وبالأنبياء بالقول والنطق بالفم
وبالكتب إن الكتب من عند ربنا ... ... كلام وتنزيل بوحي لملهم
ويؤمن أن تلك الملائك جملة ... ... عباد ولكن غير لحم ولا دم
وليس ذكورا أو إناثا وإنما ... ... الخلف في اسم الرجال لتعلم
مطيعون رب العرش قد طبعوا على طباع الذي من ليس يعصى ويأثم
ويؤمن أن الجن لله جملة ... ... وسوى جملتي الإنس والملك فاعلم
نواقض هذه الجملة :
وينقضها ماكان بالنطق قادحا بذات الإله أو صفات التعظم
ومن رد حرفا من كتاب منزل فذلك أيضا مشرك أي مجرم
ومن رد أي الأنبياء فإنه يكون كفرعون اللعين المؤثم
ومن صادم النصوص أيضا فمشرك بلا أن يؤوله لو ضل فاهم
كذلك من لم يفرزن كباير النفاق من الشرك الخبيث المذمم
و إن كان لم يفرز لذاك تأولا فليس بشرك بل نفاق لذا العم
كنجديه ضلوا كذلك أزرقية بتأويلهم لم يجعلوا كفر أنعم
ومنكر إجماع فذلك مشرك إذا كان قطعيا سوى الظن يابن م
ومرتكب المنهى إن كان مجمعا ... عليه فأيضا مشرك للتغشم
إذا عد ذاك الارتكاب تقربا ... إلى الله فانظر دقة الفرق تفهم (1/188)
صفحة 189
باب في القسم أهل التوحيد إلى موف وغيره :
موف إذا لم يرتكب نهي ربه ... ولاترك المفروض في كل موسم
يسارع في فرض الخيرات فرضا وطاعة ... ... ويخاف عقاب الله عند التأثم
ولم يبتدع في دينه بضلالة ... يدين بها في فعل شيء محرم
يوافق أهل الاستقامة قالبا ... وقلبا وبالدين الحنيفي قيم
فصل في حقوق الموفي:-
فنحن بنو الإسلام وهو أب لنا ... علينا حقوق للأخوة تعلم
كبنيان طين شد بعضا لبعضه ... وعند اختلال الشد فليتهدم
أو الجسد العافي تألم بعضه ... تألم باقيه لذلك التألم
أتى عن رسول الله أن لا تجسسوا ... حديثا صحيحا وهو يروي لمسلم
وحرم فيه غيبه وتدبرا ... وبحثا عن العورات قطعا لمسلم
ونفسك معيار عليك فكل ما ... تحب لها فأحبب له بالتلزم
تعنه تواسيه تزره مواصلا ... تعده لأمراض به بالترحم
وتردع مقتا ناله بغلاضة ... ولا تقبلن فيه كلام المنمنم
تحييه بالتسليم مهما لقيته ... ببشر وإطلاق له وتبسم
تعنه إذا ما سامه الخسف ظالم ... وتدفع عنه سورة المتغشم
ومهما بدت من زلة فاسترنها ... وإلا تطق فاهجر ثلاثا وسلم
تصافحه عند ابتدا لقائه ... ويزيل لوغر الصدر أو للتسخم
وأما الإمام العدل يحسن فيه أن ... تقبل يمناه لأجل التعظم
كذا الوالدين المعلم حقهم ... عظيم على الأولاد والمتعلم
تواليه حبا بالدعا في محله ... وتنصره بالصارم المستخدم
فهذا حرام الدم والمال حكمه ... ... وللعرض منه حرمة لاتثلم
حق غير الموفي :
وأما الذي ليست عليك ولاية ... له لاتولاه ولا تترحم
وذاك على صنفين منهم محرم ... تجده انتهاكا راكبا للمحرم
وناصب دين بدعة وضلالة ... فيا حسرة للدين بل يا تندم
أحكام أهل الكتاب :
وأما الكتابيون إن شئت حربهم ... ... فقدم إليهم حجة الله وأقدم
بإسلامهم أو جزية يدفعونها ... ... أو الحرب ما اختاروه من ذاك الزم
لهم مالنا إن أسلموا لا نخصهم ... ... بشئ من الشرع الشريف المعظم
وإن هم أرادوا جزية فأداؤها ... ... يكون على رأي الإمام المكرم
وأموالهم إلا بطيبة أنفس ... ... حرام كمال المسلمين المحرم (1/189)
صفحة 190
وحل لنا منهم نكاح نسائهم ... ... ... بحالة صلح والطعام لمطعم
وقيل ولو حربا بحلهما معا ... ... أتى الحل في القران بالنص محكم
وذلك أمر ظاهر وهو سائغ ... ... لدى العقل بالنقل الصريح المعمم
وقيل مرادا بالطعام ذباحاهم ... ... فكن ناظرا أين الدليل لتعلم
ومن يدعي التخصيص فهو مطالب ... ... ببرهانه والمدعا لم يسلم
وقيل الذي في دينهم جاز ذبحه ... ... ... حلال لنا والحرم عند المحرم
فإن يهودا حرم الإبل دينهم ... ... فلا تأكلنها من ذباحهم اعلم
وبعض رأى اسم الله شرط ذباحهم ... ... يحل به والعكس بالعكس فاحكم
فصل في حربهم :
وإن هم أبوا عن ترك دين وجزية ... ... فعجل عليهم باللهام العرمرم
وصبحهم وقت الصباح بغارة ... ... بها من أسود الله كل غشمشم
وأمر عليهم حازما ذا نباهة ... ... بصيرا بأمر الحرب ليس بأكلهم
شجاعا إذا ما الحرب شب ضرامها ... ... يرى الموت في الهيجا جنى النحل في الفم
ولا تقتل الرهبان إن لم يقاتلوا ... ... ولا الزمنا إن لم يعينوا لمعظم
ولا الغيد إلا أن تقاتل هكذا ... ... قتالك للأطفال نوع محرم
وإن قدر الله الهزيمة فيهم ... ... فاسبي الذراري والعيال واغنم
فأموالهم حل لنا في حروبهم ... ... إذا أخذت بالصارم المتخذم
وأما بحال الاصطدام فقاتل ... ... القتيل يحوز السلب لا تتغشم
كما حكم المختار يوم هوزان ... ... فكن تابعا خير البرايا وسلم
كذا جاز علف الخيل والإبل قبلها ... ... واكل طعام ما يجوز لمطعم
ونار شنار ما يغل عقيبها ... ... حرام حرام حرمة الميت والدم
وجاز لنا من صلحهم ما نظنه ... ... صلاحا وأخذ المال غير محرم
وهل ذاك مال حكمه واقتسامه يرد إلى حكم الإمام كمغنم
أم ذاك مال للغزو وإنني ... ... أرى القول بالتفصيل في ذاك فافهم
إذا الصلح حوليا يؤدي فإنه ... ... غنيمة كل المسلمين به احكم
وأن دفعوه للغزاة بيومهم ... ... فذلك مال للغزاة لتعلم
ولا ينقضن صلح الأمير اعتزاله ... ... ولا موته ما عقده الصلح الزم
لمن بعده يأتي ولو طال دهره ... ... لأن يد الإسلام لم تتغشم
بذمتهم يسعى الدني كعظيمهم ... ... حديث صحيح جاء يروى لمسلم
حكم المجوس (1/190)
صفحة 191
وألحق بهم تلك المجوس مخرجا ... ... نكاح العذاري والطعام فحرم
كما جاء عن خير البرايا مخرجا ... ... لهاتين من أحكامهم لا تعمم
وفي الفتح قول بالعموم ويدعي ... ... بإدراج ما استثني فغير مسلم
الحكم في عبدة الأصنام
ومن عبد الأصنام يدعى لتركها ... ... ويدخل في الإسلام طوعا ليسلم
وإلا فحد السيف لأجربه هنا ... ... ولا صلح بل حد الحسام فحكم
وإن عربا كانوا فيغنم مالهم ... ... وفي السبي جاء الخلف فافهم وفهم
فقيل يسبي الكل واستثنى بعضهم ... ... قريشا ومنع السبي قول لتعلم
فهذا له حق الموحد لا سوى ... ... ترى البسط في الجوامع تغنم
معرفة البغاة إلى قسمين :
ألا إنما قتل البغاة فريضة ... ... على قادر بالنص في الذكر محكم
وذلك إن كانوا كنصف عدوهم ... ... رجالا وركبانا وعدة مطعم
وإن نقصوا عن نصفهم فوسيلة ... ... لصاحبها نيل الثنا بالتقدم
يقاتل ذو بغي يدين ببدعة ... ... على تركها حتى يفئ فيندم
إذا سل سيف البغي يوما مقاتلا ... ... ويدعو إليها بالدخول وينتمي
وأما إذا مالم يقاتل فدعه في ... ... ضلالته لا كره في الدين فأعلم
إذا كان للأحكام يسلم معلنا ... ... فدعه وباقي غيه فيه يرتمي
ومنتهك الحرمات مرتكب لما ... ... نهى الله عنه فاعل للمحرم
يوافقنا في الاعتقاد ديانة ... ... يخالفنا في فعله بالتغشم
فذلك باغ عندنا ومنافق ... ... يرد عن البغي القبيح المذمم
بقول إذا يكفي والضرب بالعصا ... ... أو القيد أو بالسجن يا صاح فافهم
وان كان لا يكفيه وهو مكابر ... ... عنادا لأهل الحق فاقتله تغنم
حكم الباغي بتدين :
ويقتل باغ بالديانة وهو إن ... ... على خطأ التأويل قاتل يا ابن م
بلا غاية حتى يفئ لقد أتى ... ... به الذكر نصا فاقرأن وتفهم
ويحرم منه السبي والمال كله ... ... حرام حرام لا يحل لمغنم
ولا تقتل الجرحى إذا أثخنوا ولا ... ... تتبع مول منهم للتكرم
ولا تقتلن شيخا ولا غادة ولا ... ... صبيا فحاذر قتلهم للتأثم
وليس عليهم غرم مال ولا دم ... ... إذا رجعوا عن غيهم بالتندم
وإن مثلا كان الإمام مقاتلا ... ... على خطأ فهو الخليع لتعلم (1/191)
صفحة 192
فإن تاب والأعلام قدم غيره ... ... عليه إتباع للإمام المقدم
وإن تاب من قبل التقدم فهو في ... ... إمامته الأولى لأجل التقدم
وما جاز في الباغي الموافق جاز ... ... في المخالف يأتي بحثه فتفهم
وخارج أيضا عن إمام وداعيا إلى طاعة الفساق يوما ومنتمي
أتى عن رسول الله في خارج وفي ... ... مفارق أهل الحق بالقتل يحكم
كمانع حق مدع ليس ماله ... ... وممتنع بالحد غير مسلم
ومدعيا أمر الإمامة داعيا ... ... إليها لو أن كان وقت التكتم
حكم الباغي الموافق :
ومرتكب للنهي وهو موافق ... ... لنا في اعتقاد الحل ثم المحرم
فيدعى بترك الارتكاب فإن يطع ... ... فذاك وإلا فهو بالبغي مستمي
فينظر فيه الاقتدار لردعه ... ... بما كفه عن بغيه والتغشم
يناجز قبل الابتداء لحربه ... ... ويجعل حدا كالعلامة تعلم
فإن جاوزوه حل حربهم به ... ... ويحكم بالأدنى كمثل المعظم
كما هي جاءت سنة نبوية ... ... بذمتهم يسعى الدني كالمكرم
وينقضها أقصاهم فافهمنها ... ... وكن ذا اختبار في الحروب لتسلم
يدافع ذو بغي ويقصر دونه ... ... ويترك مهما كف لو بالتهزم
وجوز مهما خيف منه إعادة ... ... تتبعه أو ملجأ فيه يحتمي
كذي شره إن خيف منه كرشوة ... ... أو الكذب الساعي به كالمنمنم
كذلك إذا كانت له شوكة متى ... ... استراح أعاد الكر فلقتله تغنم
لأمر عن المختار جاء مصرحا ... ... بقتل ذوي التفريق للحق فافهم
وهل جاز منهم نزع ما أخذوه بالتدين ... ... بعد القبض من مال مسلم
إذا كان عين المال باقية وهل ... ... نقاتلهم فيه أتى الخلف فافهم
وجاز لنا أن نستعين بخليهم ... ... لحربهم أو بالسلاح المسمم
وما تلفت في حالة الحرب لم تكن ... ... ضمانا وبعد الحرب خلف لتعلم
ويمسك للوارث وهو أمانة ... ... لهم تحت أيدينا إلى أن تسلم
وقيل ببيت المال تستودعنه ... ... وجوز قوم بيعه بالتقوم
وننفق في الإسلام قيمته ولا ... ... أراه وعندي لا يكون كمغنم
نعم إن يكن مجهول رب فإن ذا ... ... به الحكم جار باطراد معم
وجاز قتال بالموصل كله ... ... إلى قتلهم لو بالحريق المضرم
ورميهم بالمنجنيق وغيره ... ... وبالمدفع ادفعهم وكل مؤلم (1/192)
صفحة 193
ورد معين الماء عنهم وقطعن ... ... لأشجارهم والنخل يوما وصرم
وهدم عليهم حصنهم وبيوتهم ... ... ولو ليتيم لا تخف من تأثم
فإن البغاة الضامنون له بذا ... ... أتى أثر الأصحاب أكرم به أكرم
وقيل ببيت المال هذا ضمانة ... ... وليس سواء جاء في مال مسلم
وقطع لهم أوصالهم ووصوالهم ... ... وما مدهم مما يقوى كمطعم
كذلك فاعقر خيلهم وركابهم ... ... وسفنهم في البحر غرق وحطم
وافسد عليهم آلة الحرب كلها ... ... ولا تخشى في إفسادها لوم لوم
وما أفسدوه في حالة الحرب ضعه لا ... ... تؤاخذهم في كل ذاك بمغرم
سوى ما هم قد حاربوا بدء أمرهم ... ... عليه على رغم الأنواف فغرم
وقيل بوضع الكل عنهم فكن فتى ... ... فقيها إذا ما قدموك لتحكم
وقيل بغرم الكل فانظر ولا تكن ... ... كذي الحيرة الغاوي على الشوك يغشم
وإن قدر الله الهزيمة فيهم ... ... وطهر وجه الأرض من واكف الدم
فقوادهم إن شيت جز رؤوسهم ... ... وعن شئت فامنن عافيا للتكرم
وإن شيت فاسجنهم إذا خيف شرهم ... ... وما كان أرضي للإله فقدم
وإياك إياك الهوادة لا تهن ... ... فإن بهم ما فيكم من تألم
أسباب البغي :
وأسبابه منع العقوق ادعائها ... ... وممتع بالجد غير مسلم
ويثبت بالإفساد في المال كله ... ... أو النفس بالإضرار أو بمؤلم
وبالفحش أيضا كالزنا ونحوه ... ... أو النظر الداعي لشئ محرم
وساع بتفريق الجماعة والذي ... ... يحرشهم في فتنة ولمنمنم
ومؤو ذو الأحداث أيضا ومحدث ... ... فهم عندنا سيان في الحكم فاعلم
وجاز قتال للبغاة بمثلهم ... ... إذا لم تجد إلا هم فتقدم
على نية أن لا تعين لظالم ... ... على ظلمة بل لا تقويه فافهم
ولو كان ذاك الدفع أدى لمنعه ... ... فرتب على نياتك الفعل تغنم
وقيل إذا لم تكن لك قدرة ... ... على منعهم عن ظلمهم لا تقدم
وقوم رأوا منع الخروج جميعه ... ... فلا تصحب الباغي ولاذي التغشم
قصيدة بائية في الحرب ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ملحق رقم ( 10)
وهذه قصيدة قالها – رحمه الله – في الحرب وصفه فيها بتاريخ 1372 هجرية : (1/193)
صفحة 194
أرى الدهر يأتي مسرعا بالعجائب ... ... ترى صدقه إن عشت كذبة كاذب
فطورا يعاطيك القياد ملاينا ... ... وطورا ترى منه أشد التصاعب
وأيامه تجرى مداولة كما ... ... ترى أمرها من فعلها المتعاقب
ترى عيد هذا عند آخر مأتما ... ... وفرحة هذا عند ذا من المصائب
فلاتحسبن الخير لا شر بعده ... ... ولا تحسبن الشر ضربة لازب
وكن رجلا عند الشدائد صابرا ... ... جلودا لكي ترقى أجل المراتب
كصخرة واد لا تزعزع لا ولا ... ... تزول إذا ما زوحمت بالمناكب
وإياك ما يكسيك عارا ووصمة ... ... فلا شك ان العار شر المكاسب
ولا شك ان الموت مر مذاقه ... ... ولكنه في العز حلو المشارب
فما الجبن آجال الرجال مؤخر ... ... ولا قدم الإقدام عمر المحارب
ولا أخر الرحمن مننسمة إذا ... ... أتى حينها عن وقتها المتقارب
ولا تغترر أن الرجال كثيرة ... ... ولكنها قل غداة التجارب
إذا نطقوا في السلم يوما تشجعوا ... ... وأن قاتلوا كانوا كنار الحباحب
وإن شئت تنقيح الرجال فألقهم ... ... بنار تذيب الغش وقت التحارب
هنالك يبد صافيا من مزيف ... ... ويظهر منهم من ستير المعائب
صفه الحرب :
وما الحرب إلا مرة في مذاقها ... ... إذا شمرت عن ساقها في النوائب
تكون فتاة عند أول أمرها ... ... تزين في حلي لغمر مطالب
فإن حميت يوما وشب ضرامها ... ... ودارت رحاها من جميع الجوانب
تصير عجوزا شوشة جز رأسها ... ... بأنيابها قد كشرت كالكلايب
كريهة تقبيل وشم كأنما ... ... هي الضبع لا بل جيفة لا تقارب
فصل في أمراء الجيوش :
فإن شئت حربا فاستعد له التقى ... ... لتقوى على حرب العدو المشاغب
وأمر على الأحرار كل غشمشم ... ... له همة فوق النجوم الثواقب
لقد شب في نار الحروب وحرها ... ... وشاب وفي هماته غير شائب
له وثبات في ثبات ونجدة ... ... تعود في الهيجاء قرع الكتائب
فلا يكشف الغماء إلا ابن حرة ... ... يخوض المنايا ثابتا غير هايب
فألف إذا عددتهم مثل واحد ... ... وواحدهم ألف ولست بكاذب
وإياك تأمير الجبان وألقه ... ... بعيدا وعن رأي الجبان فجانب
فألف من الآساد قيدت بثعلب ... ... فلا حرج إن سميت بثعالب (1/194)
صفحة 195
وبالعكس إن قاد الثعالب ضيغم ... ... فكلهم أسد دوام المخالب
يكون أمير القوم أكثرهم ندا ... ... وأوسعهم صدرا وألين جانب
يسير بهم سيرا رفيقا لأنه ... ... هو السائل المسؤول عن كل واجب
يحوطهم عن كل ما فيه ضرهم ... ... شفيقا رؤوفا بل وأحسن صاحب
ويختار وقتا للمسير موافقا ... ... وطرقا بها ماء غزير المشارب
يطيعونه في الأمر والنهي كله ... ... بغير نزاع منهم وتشاغب
وينهاهم عن كثرة الزعقات في ... ... مقارنة الأعداء وقت التقارب
ولكن سكوتا كالأفاعي تلمضت ... ... بحمر عيون كالنجوم الثواقب
ويدرعون الليل إن كان جمعهم ... ... قيلل إذا أرخى ذيول الجلابب
صفة العمل في الحرب :
تدرع من الصبر بلامة ... ... ترد سيوف الخصم كهم الضرايب
وجرد حسام الحزم غير مفلل ... ... تقد به هام العدو المحارب
وخذ حذرا بالحزم تلقى سلامة ... ... من اللوم بالتقصير غير معاتب
وقال علي ما تشجع من له انتظار ... ... لما قد يرتجي في العواقب
وثب وثبة الضرغام في نيل فرصة ... ... وقف عند رأس الأمر وقفة راهب
وأقدم ففي الإقدام للنفس ملجأ ... ... نتيجة محمودة في العواقب
تجنب مضيقا ما له ثم مخرج ... ... وحاذر هجوم القوم يوما وراقب
فلا درع مثل الصبر فهو ملاكها ... ... ولا حصن يوما كاليقين المصاحب
تيقن بأن الاجتهاد مدارها ... ... يدور على قطب من المكر راسب
وقال رسول الله الحرب خدعة ... ... فكن حاذقا في كيد كل محارب
إذا أنت عاديت الرجال فأشجهم ... ... بما يكرهوا وأرصد لهم كل جانب
اجتهد توفق ثم كن متثبتا ... ... لتظفر فيما تبتغي من مطالب
لأولاده أوصى المهلب قائلا ... ... أكيد العدى قبل اللقا بالنكائب
وأبلغ ما فيها عيون نواظر ... ... تبث لك الأخبار عن كل غايب
وكتمان ما فيه بلاء وشدة ... ... وإظهار ما فيه سرور المصاحب
وإخفاء سر والحراسة لا تدع ... ... ووضع كمين للعدو بلاحب
واقبل لنصح الناصحين فإنه ... ... معين لجمع الرأي عند المصاحب
وحاذر من الغارات من كان باعدا ومن وثبات للعدو المقارب
وحاذر كمينا من عدوك مدبر ... ... فكم مقبل قد صار في زي هارب (1/195)
صفحة 196
وقابل رماتا بالرمات كمثلهم ... ... وأهل المطايا بالمطايا النجايب وأهل الجبال الشامخات بمن يكن ... ... تربى على رؤوس الجبال الشناخب
في الصبر والإقدام
لقد جمع الباري سياسة حربنا ... ... على آيتين استحوذا كل عازب
تدبرهما تستغن عما سواهما ... ... تجد فيهما الكافي لكل محارب
وللعرب الجهلا كلام فخذ به ... ... تجد فيه ما فيه الشفاء لطالب
شجاعتنا فهي الوقاية لا سوى ... ... وذا الجبن فاطرحه بجانب
أجل إن في استقبالك الموت مفخر ... ... وعار إذا استدبرته في العواقب
ومصداقه القرآن فيمن يولهم ... ... له النار وعدا إن يمت غير تائب
وقال علي لم أبل أنا ساقط على الموت أم ذا الموت يسقط جانب
ولسنا على الأعقاب تدمي كلومنا ... ... كلام لحسان سليل الأطائب
محرمة أكفال خيلي على القنا ... ... محللة لباتها في التحارب
وتندق قدما في الصدور صدورها ... ... كلام بليغ من كلام الأعارب
وصلي على المختار ما ذر شارق ... ... من الشمس في أشراقها والمغارب
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ملحق رقم ( 11)
القصائد الإستنهاضية:
وله هذه القصيدة التي هي من ضمن قصائده – رحمه الله – التي كان يرسلها للإمام الخليلي – رحمه الله – يستنجده فيها أثناء إقامته بالظاهرة :
شجاني وميض البرق من نحو يثرب ... ... فمن ومضه لما سنا بالمغيرب
بكيت على سرب القطا إذ مررن بي ... ... ... فقلت ومثلي بالبكاء جدير
كتمت الهوى سرا ودمعي أباحه ... ... فناديت جهرا حين أبدى صراحه
أطيرَ القطا هل من يعير جناحه ... ... لعلي إلى من قد هويت أطير
لعلي أرى أرضاً بها الأمن راتع ... ... لعلي أرى أرضاً بها المجد رافع
لواء الهدى والعدل بالحق ساطع ... ... ويشرق فيها للشريعة نور
موازينها بالشرع ترخي وترفع ... ... لها من كتاب الله أصل وموضع
ومن سنة المختار نور تتشعشع وطائرها فوق السماك يطير
وأسياف أهل الحق للبطل تقطع ... بها ظلمات الظلم تمحي وترفع (1/196)
صفحة 197
وأعناق أهل الجبر والجور تخضع وترتج أرضيهم بها وتمور
فيا أيها الحادي نهاراً وليله ... ... وأرقل وأن أبدي قلوصك كله
ترى الحق فيما قلته لك كله ... ... إذا أرض نزوى واجهتك تنور
وسبح وهلل معلنا ومكبراً ... ... فقم واخلع النعلين وامشي على الثرى
كذلك فاسجد شاكراً نعماً ترى ... ... لقد قل من هذا الأنام شكور
وقبل يميناً للإمام المطهر ... ... إمام همام لوذعي مشمر
مجد لنشر العدل غير مقصر ... ... ولا تطَّبيه روضة وقصور
سمي رسول الله بالذات والأب ... ... حذا حذوه في كل أمر ومطلب
بأوصافه أوصافه حذو منكب ... ... بسيرته الزهراء تم سرور
فقم يا إماماً منجداً ومشمراً ... ... لنشر الهدى والعدل أرجوك مظهرا
إذا أنت لم تسمع داعائي فمن ترى ... ... أسكان بطن الأرض وهي قبور
إمام الهدى إن المظالم ظاهره ... ... ... تنادي أيا للمسلمين لظاهره
وأيديكم إن تنصروا الله قاهره ... ... ... وأنت بهذاك الدعاء جدير
لقد غبت الغبي وزاد هيامها ... ... وقد طمست أعلامها وخيامها
تنادي بصوت أين عنها إمامها ... ... ... فقلت لها إن الإله قدير
عسى نفحة من رحمة الله تنفح ... ... تظللك الرايات والخيل تضبح
وقوام هذا الأمر لله تنصح ... ... فيسقيك بالماء المعين نمير
وضنك تناديكم لضنك معاشها ... ... وكثرة غوغاها بها وارتباشها
وكدر ظلم البدو صفو معاشها ... ... ... فهل لكتاب الله ثم نظير
فشمر إمام المسلمين لساعد ... ... ولا تسمع التثبيط من كل قاعد
فلا يبلغ العلياء غير مجاهد ... ... له همة وسط الجنان تطير
يقيناً بأن الله للدين ناصر ... ... وإن قل أعوان له ومناصر
إذا صدقت نيات قوم تظاهروا ... ... فإن قليل المؤمنين كثير
وإياك من قوم لقد قلدوا الهوى ... ... نفوسهم يقتادها أين ما هوى
وذلكم في هوة الجهل قد هوى ... ... إلى دركات النار وهي سعير
محا الله عنا بدعة ما أضلها لأهل عمان حين قسمت أهلها
هناوية أو غافرية هل لها ... ... من الدين من أصل وأنت خبير
فتباً لها من بدعة أي بدعة ... ... بها القوم سكرى في مهامه ظلمة
فقم وامحها محو النهار لظلمة ... ... فإن لك الله القوي نصير (1/197)
صفحة 198
فأدعوك يا غوث الأنام وغيثها ... ... لبكر حصان ليس يمكن طمثها
لعنين بل كبش الكماة وليثها ... ... له بين أساد الرجال زئير
يدير رحا الهيجاء في كل موطن ... ... ويصلى لظاها قادماً غير منثني
غليظ على أعدائه غير هين ... ... بصير بأحوال الحروب خبير
لقد حنكته في الأمور تجاربه ... ... وصفته نار الحرب واشتد جانبه
تهلل وجها إن دعاه محاربه ... ... وكلح ناب الموت وهو كشير
أب الحق أم العكس قمنا فقل لنا ... ... فأي بلاد إن قعدنا تقلنا
وأي سماء إن سكتنا تظلنا ... ... ... وذو الجو فينا منجد ومغير (1)
الدرة النقية في الرحلة إلى الشرقية ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ملحق رقم (12)
وله أيضاً هذه القصيدة المسماة " الدرة النقية في رحلة الشرقية " (2) :
أغالب فيك الشوق والشوق غالبي ... ... غزال ولكن من لؤي بن غالب
رمى سهمه الهدبي عن قوس حاجب ... ... إذا لم تصن عنه القلوب بحاجب
تمايل من سكر الصبا مترنحا ... ... كان وليست فيه نشوة شارب
يهز قضيبا من لجين ويثني ... ... كأن رنين الحلى نغمة طارب
كأن فؤادي طائر فوق غصنه ... ... يرفرف للأثمار مثل المطارب
بدا وجهه من برقع الحسن لائحاً ... ... كشمس تجلت من خلال السحائب
خذا عللاني عن أحاديث جيرة ... ... أصاروا فؤادي نهبة للربارب
فليس رحيلي عنهمو عن قلا ولا ... ... لأخلاقهم ما دمت حيا بعاتب
ولكن نفس الحر تطلب العلا ... ... وتأبى قعودا بين خود كواعب
يقولون لي لما شددت مطيتي ... ... إلى أين تصلى حر نار اللواهب
فقلت صبحت السيد البطل الذي ... ... نمته ملوك من كرام المناصب
سليمان سلطان الورى أسد الشرى ... ... مبيد العدا بالباترات القواضب
رحلنا المطايا في عشية سادس ... ... ربيع الأولى نرجو حميد العواقب
فلما توسطنا باكوارها غدت ... ... تهاوي بنا مثل الصقور الشواغب
على بركات الله قد بركت بنا ... ... ببركة بتنا عندها للرغائب
__________
(1) انظر :مخطوطة بمكتبة السيد بعنوان مجموعة أشعار برقم ( 1646) .وانظر البحر الفياض ،سالم الرقيشي ص97
(2) وتسمى أيضا الدرة البهية في الرحلة إلى الشرقية (1/198)
صفحة 199
وثارت بنا وقت الصباح كأنها ... ... ظبا ورأت قناصها في تقارب
إلى أن أنخناها ببلدان عامر ... ... صميم نزار كم لهم من مناقب
أقلنا بها حتى المساء ومذ بدا ... ... لنا الظل رحنا في متون الركائب
فغيمت الأرجا وأمطرت السما ... ... بودق يروي كل ظام وشارب
إذا ما اشتهينا الماء أعرض نفسه ... ... علينا شئابيبا لدى كل طالب
إلى أن بدت أعلى مدار لعزرة ... ... بوقت دنو الشمس عند المغارب
أحاطت بنا من دار غزوة أوجه ... ... بها البشر يبدو بالسرور المصاحب
أنخنا ويا نعم النزيل نزيلهم ... ... فقاموا بحق الضيف من غير واجب
فبتنا بها حتى الصباح ومذ بدا ... ... لنا الفجر أعجلنا لشد القتائب
فثارت بنا مثل القطا شفها الظما ... ... تريد ديار للحبوس الأطائب
فلما بدت أعلامها فكأنها ... ... وأبراجها يلمعن من كل جانب
تخال المضيبي والبلادين حولها ... ... هي البدر حفت حولها بالكواكب
أنخنا بها والقوم في حين غفلة ... ... ولكن أتوا حالاً بسرعة واثب
أحاطت بنا شبانها وكهولها ... ... سروراً بنا يبدوا بهم غير كاذب
أضاءت لنا أخلاقهم نور منصب ... ... إلى نسب لابن النويرة ثاقب
أنخنا على الإكرام والرحب عندهم يلاحظنا عين الرضا بالمواهب
وبالعصر هيئنا الركاب ولم يكن ... ... رضا منهمو بل كان بعد التجاذب
فقالت رويداً كيف هذا إلى متى ... ... صباحا رواحا قطعنا للسباسب
أما تنظروا كل السرى لسراتنا ... ... أريحوا لنا هل فيكمو لين جانب
فقلت لها سيرى لحضرة سيد ... ... نمته ملوك من ذؤابة غالب
فسلت سيوفا من رقاب وقطعت ... ... ذرى الليل تطويه بمثل القواضب
إذا ما تذاكرنا اسم عيسى تراقصت ... ... بنا طرباً ترجوا جزيل المواهب
فباتت وبتنا يذرع البيد فوقها ... ... كأن نجوم الليل أعين راقب
فلاحت نجوم السعد بالفلج الذي ... ... لمسعود أسعدنا بوصل مقارب
وقفنا نحييه هناك هنيهة ... ... ونسأله ماء لذيذ المشارب
فقمنا ولاح النور من قابل لنا ... ... وأعلامها يشبهن مصباح راهب
فسرنا قليلاً ثم لاحت غبارة ... ... تسد ضياء الشمس منها بحاجب
فجاءت كراديس من الخيل ترتمي ... ... عليها أسود حنكت بالتحارب (1/199)
صفحة 200
صناديد صيد يصدع الصلد عزمهم ليوث الوغى إن كان وقت تحارب
ويقدمهم نجل الأمير محمد ... ... وأخوته حفته من كل جانب
وسرنا رويداً والهناء يحفنا ... ... وتقدمنا الفرسان فوق السلاهب
وعن لنا صف من الأزد بارز ... ... وإن قلت من أسد فلست بكاذب
على رأسهم شمس الهدى أسد الشرى ... ... مغيث الورى سم العدو المحارب
أمير بشرق الأرض أشرق نوره ... ... ومد ضياء ساطعاً للمغارب
أبو صالح عيسى سلالة صالح ... ... سلالة سادت كرام المناصب
نزلنا عن الأكوار نمشي كرامة ... ... فجاء إلينا ساعيا سعي راغب
فثم رأيت السيدين تصافحا ... ... كأنهما بدارن تحت الغياهب
هما أسد لولا الندا في أكفهم ... ... أعزا نحاء من خطوط الرواجب
مشينا وما ندري أنحن على الثرى ... ... أم نحن في هام النجوم الثواقب
ومدت لساناً بالتهاني مدافع ... ... كهمهام رعد في متون السحائب
وأطلقت الخيل الجياد كأنها ... ... نجوم تهاوي نحو عفريت هارب
أنخنا وفي دار الضيافة لم نزل ... ... تساق لنا خيراتها بالمواهب
أقمنا ثلاثاً بالتمام وبعدها ... ... رحلنا إلى نحو الدريز المقارب
أقمنا بها يوما وعند صباحنا ... ... قصدنا لدار الأكرمين الأطائب
إلى فارس الشرفا سليمان وابنه ... ... وحمدون محمود اللقا في الكتائب
وصالح نجل الصالحين ابن أحمد ... ... الخطيب ألا أكرم بهم من مناقب
أنخنا وفي دار المضيرب لم نزل ... ... ثلاثا يحينا الهنا بالرغائب
ومنها انتقلنا نبتغي العز منزلا ... ... رحيباً وسيعا بالسرور المصاحب
ومنها إلى أولاد عيسى مسيرنا أنخنا بها بالواصل المتقارب
أقمنا بها حتى المساء وعنده ... ... شددنا على الأكوار أكرم بجانب
فأشرق نور الشارق البلدة التي ... ... شرقنا بماها عند ذكر الحبائب
فبتنا بها والخيل تمرح حولنا ... ... وقلب الأعادي بين واج وواجب
ولما بدا قرن الغزالة طالعا ... ... بدية أبدت من عجاب العجائب
فسرنا رويدا والرجال تحفنا ... ... صفوفاً كصفين أوان التحارب
بأيديهم بيض خفاف كأنها ... ... بروق أضاءت في ظلام الغياهب
تخال دوي الرعد صوت مدافع ... ... سرورا بنا أطلقن من كل جانب (1/200)
صفحة 201
كأن الصحاري من بدية أبحر ... ... تموج بأبطال الرجال الأناجب
ترى ظلل البارود فوق رؤوسنا ... ... ظلال علينا مثل ظل السحائب
إلى أن تلقينا رجالاً وجوهها ... ... شهدن بأنساب كرام المناصب
تلوح لنا أخلاقهم عن وجوههم ... ... وشاهدها ينبيك عن كل غائب
بنو حِجْر أعلى الناس قدرا وهمة ... ... بنو حِجر لا تحصى لكم من مناقب
نزلنا على الإكرام والرحب عندهم ... ... نزولاً كريماً في أجل المراتب
أقمنا بها تسع الليالي كواملاً ... ... بأحسن ذكر من دهور الشبائب
ومنها رجعنا للأمير ابن صالح ... ... نودعه توديع عجلان آيب
ومنها إلى إبرا رحلنا مطينا ... ... لنا أبو رحلين بعد المغارب
وبعد طلوع الشمس كان وصولنا ... ... سفالة إبرا عند قوم أطائب
بنو اليحمد شمّ الكرام نزيلهم بأوطانه ينسى بحسن الرعائب (1)
أقمنا بها يومين ثم بثالث ... ... رحلنا المطايا للعلاية صاحب
هناك تلقتنا أسود عرينة ... ... بنو أسود يا نعم هم من أناجب
نزلنا بسيف بقطع الهام والطلى ... ... كريم السجايا بل جزيل المواهب
أقمنا على الإجلال يومين عندهم ... ... ومنها لدار اليحمدي المقارب
فقمنا بها يوماً وعند رواحها ... ... شددنا المطايا زينت بالملاعب
فبتنا بأعلى روضة الغنة التي ... ... سقاها الحيا بعد السنين الجوادب
ومنها إلى الدار التي أخضر سوحها ... ... هي الأخضر الخضراء بيض المناقب
ومنها نقلنا العيس عصر رواحنا ... ... نقطع غيضان الفلا والسباسب
إلى أن عقلناها ببلدان عامر ... ... لنقضي فروضاً واجباً أي واجب
ومنها أثرناها إثارة معجل ... ... ورد إلى أوطانه كل غائب
لك الحمد ربي وافراً كاملاً كما ... ... له أنت أهل فاسترلي معائبي
وصل على المختار من نسل هاشم ... ... صلاة وتسليماً له بتعاقب (2)
__________
(1) هذا البيت من مخطوطة للدرة البهية من وزارة التراث ،ص 100 ،رقم المخطوط (2895) ديوان شعر عدد من الشعراء .
(2) انظر :مخطوطة بمكتبة السيد .وانظر مخطوطة بمكتبة وزارة التراث .ديوان أشعار لمجموعة الشعراء رقم المخطوط (2895) . (1/201)
صفحة 202
تخميسات الشيخ الرقيشي ـ رحمه الله تعالى ـ:ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــملحق رقم(13)
وهذا تخميس وجد عنه – رحمه الله - :
سلام سلام كلما هبت الصبا ... ... سلام على من في فؤادي طنبا
سلام وفي طي السلام لهم نبا ... ... سلام على عهد الشبيبة والصبا
وأهلاً وسهلاً بالمشيب ومرحبا
ويا حبذا نور المشيب تبسما ... ... ويا حبذا نور تجلى به العمى
ويا حبذا ضيف أناخ وسلما ... ... ويا راحلا عني رحلت مكرما
ويا نازلا عندي نزلت مقربا
أحبائنا إني إليكم تنازع ... ... أحبائنا ردوا الوصال وسارعوا
أحبائنا إن الخطوب قوارع ... ... أحبائنا إن المشيب لشارع
لينسخ جلباب الصبابة والصبا
أحن إليكم كما ذر شارق ... ... أحن إليكم كما ساق سائق
أحن إليكم والدموع سوابق ... ... أحن إليكم كلما لاح بارق
وأسأل عنكم كلما هبت الصبا
وفيَّ غرام واشتياق ولوعة ... ... وفيَّ من الطبع العزيز محبة
وفيَّ وفاء للعهود وذمة ... ... وفيَّ من الشيب الملم بقية
تجدد عندي هزة وتطربا
ولازال قلبي عنكم وولاكم ... ... ولا زال قلبي شاخصاً للقاكم
ولا زال جسمي راتعاً في حماكم ... ... ولا زال وجهي أبيضاً في هواكم
إلى أن سرى ذاك البيضاض فشيبا
وليس بياضا ضائري ومناقضي ... ... وليس أراكم جاهلين بغامضي
وليس فؤادي عن هواكم بعارض ... ... وليس مشيبا ما ترون بعارضي
ولا تمنعوني أن أهيم وأطربا
فما هو إلا سر نور عزمته ... ... فما هو إلا نور سر كتمته
فما هو إلا نور زهر فتحته ... ... فما هو إلا نور ثغر لثمته
تعلق في أطراف شعري فألهبا
وبيضاء مثل الشمس نوراً إذا بدت ... ... وعيناء لكن سحرها روت كحلت
وغيداء رامت مقلتي حين ما رمت ... ... وهيفاء بيضاء الترائب أبصرت
مشيبا فأبدت لوعة وتعجبا
جنت وأنا الجاني عليّ بما جنت ... ... جنت وهي ما تدري على مقلتي جنت
جنت لي ذئبا وهي بالقتل أعلنت ... ... جنت لي هذا الشيب ثم تجنبت
فوا عجباً بمن جنى وتجنبا
فأعجبني تلوينه غير أنه ... ... وأعجبني تشبيهه باكأنه
وأعجبني مذ حيث كان وأينه ... ... وأعجبني التخميثن بيني وبينه
فلما تبدا أشنبا رجت أشيبا (1/202)
صفحة 203
تناسب ودي في الغرام ووجدها ... ... تناسب عدي في الكرام وعدها
تناسب وجدي في المعالي وودها ... ... تناسب خدي في البياض وخدها
ولو دام مسود لقد كان أنسبا
وإني لمشهور بحسن المواقف ... ... وإني لمعروف بأني فتى وفيّ
وإني لمحيي مجد قومي وسالف ... ... وإني وإن هز الغرام معاطفي
لأبىُ الدنايا وتجنبا
فإن قلتم زورا فقولكم نبا ... ... وإن قلتم ظنا فيخلفه النبا
وإن قلتم ذنبا فمن ليس أذنبا وإن قلتم أهوى الرباب وزينبا
صدقتم سلو عني الرباب وزينبا
ولكن فتى راض العلوم بآلة ولكن فتى لا ينثني عن ملالة
ولكن فتى قد نال فضل بلاغة ... ... ولكن فتى ذا فطنة ونباهة
تقلب فيها بالكلام تلقباً
قال الشيخ محمد بن سالم الرقيشي مخمساً لهذين البيتين لعبد المطلب :
لنا المكارم بالإيجاب سالبة ... ... عن غيرنا كل فخر وهي راغبة
وهمة لسما العليا ثاقبة ... ... لنا نفوس لنيل المجد طالبة
ولو تسلت أسلناها على الأسل
لا يرهب الموت إلا من مناصلنا ... ... لا يعرف الفضل إلا من فضائلنا
لا يطلب الرزق إلا من مناهلنا ... ... لا يدرك المجد إلا في منازلنا
كالنوم ليس له مأوى سوى المقلِ
وللشيخ – رحمه الله – عدد كبير جدا من التخميسات لعدد من الشعراء فمنها: تخميس أبيات لأبي تمام:-
غزال حقف حليف قصر كحيل طرف له بسحر
أشم أنف فليد درّ ثقيل ردف دقيق خصر
شقيق شمس نتيح بدر
يجر تيها ذيول برد يقتل للحب ليس يودي
سهام عينيه حشو كبدي بديع حزن رشيق قد
مليح خد نقي ثغر
كلامه والثنايات در قسمان منظومهما ونثر
يميد سكرا وليس خمر قضيب بان عليه بدر
بمثال حسن عروس خدر
له خدود من النظار أو قلت وردا أو جلنار
معقرب الصدغ أو العذار يا خصر قد كنت ذا استتار
في الحب حتى هتكت ستري
يا نار وحدي على حشائي تسنى ضراما فمن بكائي
أخاف غرقا لسفح مائي نمت دموعي على عزائي
إذا غاب عني جميل صبري
كما خمس الشيخ هذين البيتين :
خليلي هل من نظرة لأحبة رموني غداة البين منهم بجفوة
خليلي هلا تتحفاني بنظرة خليلي هل من نظرة بعد توبة (1/203)
صفحة 204
أداوي بها قلبي على فجور
إلى بهكنات تخجل الشمس نورها إلى ظبيات قد عراها نفورها
إلى قاصرات الطرف شم قصورها إلى رجح الأكفال هيف خصورها
عذاب الثنايا ريقهن طهور
وقال أيضا مخمسا أبيات لأبي نواس:
برزت إذا رمت العيس لنا يوم الرحيل غادة تمرح في سكر الصبا تيها تميل
كقضيب في كثيب عانق الريح أصيل تمسح الطل على الورد فيجري ويسيل
دمعة كاللؤلؤ الرطب على الخد الأسيل
فأشارت ببنان الكف أمهلنا قليل فعساها نظرة تشفي غليلا من غليل
فوقفنا حائرين ما إلى النطق سبيل بل هي الأنفس تجري من أما قينا تسيل
قطرت في ساعة البين من الطرف الكحيل
كم قتيل بظبي الإلحاظ فتكا كم قتيل كم دم طل على الأطلال في هذا السبيل
عاذلي مهلا فلا أسمع منك اليوم قيل كم كتمت الحب لكن شاهد العذر كفيل
إنما يفتضح العاشق في يوم الرحيل
كما وجدت تخميس أبيات من قصيدة أبي الطيب المتنبي لشيخ البيان محمد بن شيخان السالمي ،إلا أن ثلاثة أبيات لم توجد مخمسة عنه، فبيت المطلع، والذي يليه خمسها الشيخ الفاضل خلفان بن جميل السيابي ، والبيت الثالث خمسه الشيخ العلامة محمد بن سالم الرقيشي، وهذا هو التخميس :
من الشمسوس بدت تحت الغياهب من البدور انتضت سيوف الحواجيب
من الربارب في حلي وتطييب من الجآء ذر في ذي الأعاريب
حمرا الحلي والمطايا والجلابيب
تلك الغواني تثنت في مطارفها تجر أذيال خز من رفارفها
فواتك اللحظ حتفي في معاطفها إن كنت تنكر شكا في معارفها
فمن بلاك بشهيد وتعذيب
(لا تلحني بملام ما له أثر لا أسمع اللوم بي عن سمعه وقر
لا ينكر الشمس من في عينيه بصر لا تجزني بضني بي بعدها بقر
تجزي دموعي مسكوبا بمسكوب )
ملحق بالقصائد الغزلية:- ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــملحق رقم(14)
وله أيضاً هذه القصيدة : حادي العيس
حادي العيس تغنى ... ... وترفق وتأنى
إن بالركب فؤادي ... ... نهبته القوم منا
فكفى زجرك مني ... ... زفرات تتثنى (1/204)
صفحة 205
وكفى سقيك مني ... ... عبرات تسكبنا
آه لو أجدت لشيء ... ... قلتها فردا ومثنى
ليت تلك العيس يوماً ... ... للنوى لم تخلقنا
يا رعى الله جمالا ... ... تحمل الظبي الأغنا
حملته وزماني ... ... باللقا لم يسمحنا
فكأنما هي كانت ... ... فوق أجفاني أنخنا
فمتى ثرنا جرى الدمع ... ... انهما لا يذرفنا
قف بها ا أيها الحادي ... ... عساها تنظرنا
نظرة تغرم ما قد ... ... أتلفته قبل منا
أن من أتلف شيئاً ... ... حكمه أن يغرمنا
يا أحبابي عودوا ... ... مثل ما كنتم وكنا
واذكروا أيام وصل ... ... كن بالعيش المهنا
يوم تغدو في سرور ... ... وحبور يشملنا
يوم ريق الثغر ترياقي ومنه نسكرنا
وجنى الجنة دان ... ... نجتنيه كيف شئنا
نلثم الورد ولا ورد ... ... رياض يشبهنا
بل رياض الحسن من ماء شباب يسقينا
ذلك التقبيل يذويه ... ... وذا يزداد حسنا
يا ليالي الوصل عودي ... ... ليعود الخير منا
كف عني يا عذولي ... ... فأنا الصب المعنا
لست أصغى لملام ... ... فيهم أو أسمعنا
فإذا كنت محباً ... ... فعلى الوصل أعنا
أو فدعني أتقلى ... ... فلهيب الشوق أغنى
قصيدة يا خليلي :-ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ملحق رقم ( 14)
(2) وله أيضاً هذه القصيدة التي قالها وله من العمر 11 عاماً ، وهي أول قصائده :-
يا خليلي لا تماري ... ... في هوى ذات الخمار
لو براك الشوق مثلي ... ... كنت يوماً في اضطرار
لو رأت عيناك غيدا ... ... لغدا دمعك جاري
غادة قد غادرتني ... ... في ثياب الإصفرار
ذات جيد من لجين ... ... وخدود من نظار
وعيون راميات ... ... بنبال من شفار
ذات تغنيج ولين ... ... صار منهن انكساري
مرحت تهتز تيها ... ... سبحت ذيل الفخار
ذات خلخال وشنف ... ... وخدام وسوار
هزها ريح التصابي ... ... فتثنت بانهصار
كشحها المهضوم يشكوا ... ... ظلم ما تحت الإزار
ولها ردف ظلوم ... ... حكمة بالجور جاري
غصن بان في كثيب ... ... مثمر شمس النهار
رمتها والليل يرخي ... ... ذيله بالاستتار
فتقارضنا حديثا ... ... بيننا والليل ساري
وتعاطينا كؤوس الحب لا كأس العقار
فسقتني من لماها ... ... حين ما غنى القماري
قهوة شيبت بأري ... ... من عبير وضوار (1/205)
صفحة 206
يا لأيام التصابي ... ... للييلات قصار
بت في روضة حسن ... ... بين جنات ونار
أقطف الورد وأجني ... ... ينع رمان صغار
قبلت ثغر بثغر ... ... ويمينا بيسار
يا عذولي لا تلمني ... ... إن قلبي في أوار
نار وجدي قد تلظت ... ... ودموعي بانهمار
لا يزال الدهر حبي ... ... في هوى ذات الخمار
(3)قصيدة :سائق الضغن مجدا ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ملحق رقم (14 )
وللشيخ محمد بن سالم الرقيشي أبياتاً شطرها الأديب الكاتب سالم بن سعيد الغاوي إلا بيتين لم يتم تشطيرهما وسنذكرهما إن شاء الله :
سائق الظعن مجدا ... ... سق نياق الود جدا
وأثر عيسى غرامي ... ... بعصى الشوق مجدا
فلها الحادي أنيني ... ... عن حداء الغير أجدا
أتبع العيس ودمعي ... ... خلفها مثنى وفردا
ولها الهادي نسيم ... ... هب باللطف وأهدي
أرجا في طي عرف ... ... وقشره يعبق ندا
فإذا ما جزت وادي العضا لقبت رشدا
وتبدي لك وادي ... ... المنحنى إذا رمت نجدا
وبدا وادي الصفا فانزل وسل عن حي سعدى
إن روح الصبا قد تاهت به لا تتعدى
وبه ظل فؤادي ... ... إذا بهم قد همت وجدا
وبه فارقت عقلي ... ... نهبته القوم عمدا
سلهموهم فعساهم ... ... لا يردونك جحدا
وتلطف علهم أن ... ... يهبوه لك ردا
قل لهم رفقا بصب ... ... وأسير ليس يفدى
ذاب وجدا وغراما ... ... بهواكم مات صدا
فهو مذ فارقتموه ... ... لم يطق صبرا وجلدا
إن سلوتم فهو عندكم ... ... لسلوّ ما تصدى
كتم الحب ولكن ... هزله قد صار جدا
كيف كتمان لصب دمعه للسر أبدى
بات يرعى النجم لكن الحشا يزداد وقدا
قرحت أجفانه إذ ... ... كحل العينين سهدا
جن شوقاً وإذا ما ... ... عذل العاذل صدا
من لمهيوم إذا ما الليل جَنَّ ازداد وجدا
رحم الله أناساً ... ... أوثقوا في الحب عقدا
مارسوا الحب إلى أن ... ... بلغوا في الحب رشدا
حفظوا فيه ذماما ... ... بوثيق الصبر شدا
لست أسلوهم حياتي ... ... إذا رعوا للوصل عهدا
عذب التعذيب فيهم ... ... ولو إن الحب أودى
شان أرباب الهوى أن ... ... قد يرون الصب شهدا
يا ملوكا حسنهم قد ... ... فاق كل الحسن فردا
حكموا بالجور لما ... ... صيروا السيد عبدا (1/206)
صفحة 207
اذكروا أيام وصل ... ... بيننا والعيش رغدا
يوم نلهو في سرور ... ... والصبا يحسب بردا
وردى الخد وترياقي ... ... رخيم اللفظ يبدى
ومدامي بل ورى العذب ريق الثغر وردا
عاذلي كف فشوقي ... ... لازم غير معدى
لا تطل لومي فإني ... ... بطريق الحب أهدى
وهذين البيتين لم يتم تشطيرهما :
أنت في وادي وقلبي ... ... هام في وادي وأحدا
برفيع الصوت نادى ... ... سق نياق الود جدا
قصيد في رثاء شيخه العلامة أبي زيد الريامي:ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ملحق رقم ( 15)
وله أيضاً هذه القصيدة – رحمة الله – رثاء لشيخه أبي زيد عبدالله بن محمد بن رزيق الريامي الأزكوي المتوفى 4 رجب سنة 1364 هجرية :
رزء فادحٌ وخطب خطير ... ... زلزل الأرض والسماء تمور
كاد راد الضحى يكون ظلاماً ... ... مذ أصبناه والجبال تسير
إن خيل المنون في كل يوم ... ... مسرجات على الأنام تغير
راميات بأسهم قاتلات ... ... ضاربات لبترهن صرير
قاسمات نفوسنا قسمة الفيء عدلا ولا هناك غرور
ناهبات أرواحنا قاطعات ... ... سبل العمر ليس عنها خفير
ليس عنها عساكر وجنود ... ... حاميات ولا بروج وسور
فهلما يا خليلي نبكي ... ... مصرع العلم فهم أمر كبير
بل هلما لمصرع البأس والحلم ... ... نبكي والوفا المشهور
بل هلما لمصرع الفضل طرا ... ... وهو بالأمس ها هنا مقبور
فجعتنا الأيام بالصادق النطق حقا والشجاع الشهير
فجعتنا بل شاركتنا برزء ... ... وهي لا شك دمعها منثور
فجعتنا بأبي زيد شخص ... ... لا يدانيه في الأنام نظير
يا أبا زيد من تركت لحفظ العهد والأمانات أين أين تصير
يا أبا زيد من تركت لحرب ... ... أضرمت حر بأسها مستطير
فأجبنى من للثغور محامي ... ... لا جواب ولا محام هصور
من يلب الإمام طوعا سريعا ... ... من يغيث الملهوف إذ يستجير
من به يتقي صروف زمان ... ... نابه بارز ويوم عسير
ليس إلاك يا أبا زيد يرجى ... ... لمهم ويومه قمطرير
ويك يا موت لو رأيت اقتحاما ... ... في الوغى منه كنت أنت النصير
طالما أشعل الحروب وأطفى ... ... جمرها بالدماء وهي سعير
طالما كشف الكروب برأي ... ... يصدع الصلد ليس فيه قصور (1/207)
صفحة 208
حامل العبأ في المهمات عنا ... ... جامع الرأي بحره مسجور
عمّ ثكلا مصابه كل شيء ... ... لك خصت سيوفه والثغور
ويك يا دهر من تركت حمولا ... ... للمهمات إذ بدت عن فقير
يا لقبر علوه قيد شبر ... ... شيدت فيه للمعالي قصور
زينت بالكمال لما توافت ... ... فإلى الحشر ذكرها منشور (1)
المصادر والمراجع :
1-القرآن الكريم .
2- النور الوقاد على علم الرشاد – الشيخ محمد بن سالم الرقيشي – سلطنة عمان وزارة التراث والثقافة – مطبعة الألوان الحديثة .
3- ترجمة عن سيرة الشيخ الرقيشي – خلفان بن محمد الرواحي – (مخطوط) مكتبة السيد بدون رقم تصنيف .
4- إتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عمان – للشيخ سيف بن حمود البطاشي ج3 – الطبعة الأولى 1422هـ / 2001م .
5- دليل أعلام عمان – مجموعة مؤلفين جامعة السلطان قابوس – مكتبة لبنان – الطبعة الأولى1412هـ-1991م .
6- البحر الفياض لسيرة علم من أعلام عمان ممن ساروا على نهج عبدالله بن إباض – سالم بن محمد بن سالم الرقيشي – بحث غير منشور .
7- قصيدة في رثاء الشيخ محمد بن سالم الرقيشي ( مخطوط) للشيخ سالم بن سليمان البهلاني – من مكتبة الأستاذ يحيى بن محمد بن سليمان البهلاني .
8- العنوان عن تاريخ عمان – الشيخ سالم بن حمود السيابي – ط الأرشيف .
9- تحقيق مقاليد التنزيل – الشيخ كهلان بن نبهان الخروصي – بحث تخرج بمعهد القضاء الشرعي والوعظ والإرشاد .
10- النظام الإداري والمالي عند الشيخ أبي زيد الريامي – أحمد بن جابر المسكري – بحث تخرج بمعهد القضاءالشرعي والوعظ والإرشاد – 1414هـ - 1994 .
11- اللؤلؤ الرطب في إبراز مستودعات القلب الشيخ سعيد بن حمد الحارثي .
__________
(1) انظر : مخطوطة بخط الشيخ زاهر بن محمد بن سالم الرقيشي ، وتوجد عنده نسخة من المخطوطة.
وانظر : البحر الفياض سالم الرقيشي ص
وانظر : مخطوطة بمكتبة السيد برقم ( 1646) مجموعة أشعار. (1/208)
صفحة 209
12- العقيدة الوهبية – للشيخ ناصر بن سالم بن عديم الرواحي - ط الأولى 1424هـ - 2003م مكتبة مسقط - سلطنة عمان .
13- تحقيق " مخطوط " النور والوقاد – ناصر بن محمد بن عامر الحجري – بحث تخرج بمعهد القضاء الشرعي الوعظ والإرشاد – 1417 هـ- 1997م .
15- مختار الصحاح – للإمام محمد بن أبي ببكر الرازي – دار الكتب العلمية – الطبعة الأولى 1414هـ - 1994م .
16- جواهر الأدب في أبيات وإنشاء لغة العرب – أحمد بن إبراهيم بن مصطفى الهاشمي – مؤسسة التاريخ العربي – بيروت – لبنان الطبعة الأولى 1419هـ - 1999م .
17- ديوان أبي مسلم البهلاني – للشيخ ناصر بن سالم بن عديم الرواحي – طَبعه صالح بن عيسى الحارثي 1406هـ - 1986م .
18- السيرة الذاتية والمنهج الفقهي للشيخ أحمد بن سعيد الخليلي – خليل بن أحمد بن حمد الخليلي – بحث تخرج معهد القضاء الشرعي الوعظ والإرشاد – 1418هـ - 1997م .
19- إسعاف الأعيان في أنساب أهل عمان – الشيخ سالم بن حمود السيابي منشورات المكتب الإسلامي .
20- نثار الجوهر في علم الشرع الأزهر – للشيخ ناصر بن سالم بن حمود – ج2 مكتبة مسقط الطبعة الأولى 1423هـ - 2001م .
21- الجامع الصحيح لمسند الإمام الربيع بن حبيب – دار الحكمة – بيروت – مكتبة الاستقامة – سلطنة عمان الطبعة 1415هـ - 1995م .
22- حروف عمانية مضيئة – سليمان بن علي بن سالم العبري – الناشر مكتبة الاستقامة – مطابع النهضة – الطبعة الأولى 1422هـ- 2002م .
23- معلومات شفهية من الطالب سالم بن سيف بن صالح العزري – عن ترجمة حمد بن ماجد الرقيشي .
24- أدباء من الخليج العربي – عبدالله بن أحمد الشباط – الدار الوطنية الجديدة للنشر والتوزيع – الطبعة الأولى 1406هـ- 1986م .
25- سيرة العلامة القاضي سيف بن حمد الأغبري – سيف بن يوسف بن سيف الأغبري – الطبعة الأولى 1421هـ- 2001م – المطابع العالمية – روي سلطنة عمان . (1/209)
صفحة 210
26- مدرسة الإمام الخليلي وأثرها في نشر العلم – إبراهيم محمد الشكيلي بحث تخرج بمعهد العلوم الشرعية 1423هـ- 2002م .
27- شقائق النعمان على سموط الجمان في أسماء شعراء عمان – الشيخ محمد بن راشد الخصيبي ج3- الطبعة الثالثة 1315هـ - 1995م .
28- المستخلص في تزكية الأنفس –سعيد حوى – دار عمار – بيروت عمان .
29- قناطر الخيرات-للإمام أبوطاهر إسماعيل الجيطالي ج3 – دار النهضة للنشر والتوزيع – سلطنة عمان .
30- الزمرد الفائق في الأدب الرائق – الشيخ محمد بن راشد الخصيبي – وزارة التراث – سلطنة عمان ج4 – 1409هـ- 1989م .
31- أمير البيان الشيخ عبدالله بن علي الخليلي في الذاكره –إعداد سعيد بن سالم النعماني مطابع النهضة الأولى – 2001م .
32- محاضرة" القدوة الصالحة الشيخ أبو زيد الريامي" لسماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي في الجبل الأخضر 7/9/2001م .
33- مسلك الشراة عند الأباضية – سلطان بن سعيد بن سليم الهنائي – بحث تخرج بمعهد العلوم الشرعية 1422هـ- 2001م .
34- وفيات الأعيان وأبناء أبناء الزمان – أحمد بن محمد بن أبي بكر بن خلكان – دار التراث العربي – بيروت – لبنان الطبعة الأولى 1417هـ- 1997م .
35- محاضرة " اذكي ومكانتها العلمية والتأريخية – لسماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي . إصدار مكتبة وتسجيلات مشارق الأنوار .
36- نماذج من التطبيقات العلمية لعقوبات القصاص والحد والتعزير في عهود الإمامة بعمان : سلطان بن مبارك الشيباني – 1421هـ - 2000م م .
37- ديوان شعر الخليلي للشيخ عبدالله بن علي الخليلي " مخطوط " بمكتبة السيد تحت رقم ( 1878 ) ق .
38- ديوان ابن شيخان السالمي – شيخ البيان أبي نذير – محمد بن شيخان السالمي الطبعة الأولى 1399هـ - 1979م – شركة المطابع النموذجية المساهمة المحدودة – عمان الأردن .
39- ديوان أبي العتاهية – دار صادر للطباعة والنشر – بيروت 1384هـ - 1964م . (1/210)
صفحة 211
40- جواب مكتوب الأسئلة وجهتها للأستاذ يحيى بن عبدالله الرقيشي عن سيرة الشيخ الرقيشي .
41- نهضة الأعيان بحرية عمان –محمد بن عبدالله السالمي – دار الجيل بيروت – ط الأولى 1417 هـ- 1997م .
42- أضواء على بعض أعلام عمان قديما وحديثا – عبدالله بن سالم بن حمد الحارثي –روي سلطنة عمان المطابع العالمية .
43- المنتخب من الأحاديث النبوية – لأبي الحسن الشيخ سفيان بن محمد الراشدي – مكتبة الاستقامة – مسقط – الراشدي – مكتبة الاستقامة – مسقط 1408هـ - 1988 – القاهرة الحديثة للطباعة .
44- نزهة المتأملين في معالم الأزكويين – يحيى بن محمد بن سليمان البهلاني الطبعة الأولى 1413هـ - 1993م – مطابع النهضة .
45- مذكرة عن سيرة الإمام محمد الخليلي والإمام غالب بن علي الهنائي للشيخ سيف بن سالم اللمكي " مخطوط " .
46- مذكرة حياتي للشيخ سيف بن محمد الفارسي أعرب فيها صاحبها عما سمعه أو رآه في حياته – الطبعة الأولى 1421هـ - 2001م .
47- تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان – للشيخ عبدالله بن حميد بن سلوم السالمي – مكتبة الإمام السالمي – مسقط – سلطنة عمان – 1995م – الجزء الأول .
49- جواب مكتوب لأسئلة وجهتها للوالد : سعيد بن جميل بن علي الهاشمي .
50- ملائكة الجبل الأخضر – عبدالله بن محمد الطائي – مطابع الوفاء – لبنان .
51- السيرة الذاتية للشيخ الوالي صالح بن علي – محمود بن عبدالله الصقري – بحث تخرج بمعهد العلوم الشرعية -1423هـ - 2002م .
52- جهينة الأخبار في تاريخ زنجبار – سعيد بن علي المغيري – الطبعة الرابعة 1422هـ/ 2001م وزارة التراث والثقافة سلطنة عمان .
54- الدعوة الإسلامية في عمان في القرن الرابع عشر الهجري – سالم بن محمد الرواحي – جامعة الأزهر – كلية أصول الدين – رسالة ماجستير – 1402هـ/1982م .
55- دولة البوسعيد في عمان وشرق أفريقيا – د. جمال زكريا قاسم – الطبعة الأولى 1420هـ/ 2000م – مركز زايد للتراث والتاريخ . (1/211)
صفحة 212
56- عمان الديمقراطية الإسلامية تقاليد الإمامة والتاريخ السياسي والحديث – د. حسين عبيد غانم غباش – دار الجديد – ط الأولى 1997م .
57- المسألة العمانية بحث مفصل لقضية عمان في جميع مراحلها – إسماعيل البوهلال – إصدار مكتب دولة عمان ببغداد طبع بمطبعة الأزهر- دولة بغداد .
58- عمان تاريخ يتكلم – ناجي عساف ومحمد السالمي – المطبعة العمومية – دمشق 1383هـ/ 1963م .
59- عبد الناصر وتحرير المشرق – شهادة فتحي الديب – مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية – الأهرام – القاهرة 2000 م .
60- محاضرات عن التطور السياسي الحديث لقضية عمان – د. محمد علي الداود على طلبة الدراسات التاريخية والجغرافية في جامعة الدول العربية – معهد الدراسات العربية العالمية سنة 1964م .
61- تقارير شركة الزيت العربية الأمريكية – عمان والشواطئ الجنوبية للخليج الفارسي – إعداد ثمانية أعضاء من قسم البحوث التابعة للشركة – طبعة الأرشيف .
62- حياة الشيخ المالكي ومنهجه الفقهي من خلال الفتاوى النثرية – سالم بن سعيد السعدي – بحث تخرج معهد العلوم الشرعية 1421هـ- 2001م .
63- معجم أعلام الشعراء الأباضية – فهد بن علي السعدي – نسخة تجريبية .
64- الحقيقية – الشيخ عبدالله بن علي الخليلي " مخطوط "
66- صدقة السائل في كنز المسائل – جمعه القاضي عيسى بن سالم بن فريش الشامسي " مخطوط " بمكتبة السيد تحت رقم ( 1637) .
67- خلاصة الوسائل في ترتيب المسائل لشيخ بن صالح بن علي الحارثي – دمشق – المطبعة العمومية – 1291هـ- 1956م ج2 .
68- جواب مكتوب لأسئلة وجهتها للشيخ سالم بن حمد الحارثي عن سيرة الشيخ الرقيشي .
69- تحقيق بداية الإمداد على غاية المراد – حميد بن حمد بن سلطان الجحافي – بحث تخرج بمعهد القضاء الشرعي والوعظ والإرشاد 1417هـ/ 1997م .
70- ترجمة عن سيرة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر الريامي – خلفان بن محمد الرواحي بمكتبة السيد – بدون رقم تصنيف . (1/212)
صفحة 213
71- رسالة الشيخ عامر بن سليمان الريامي للشيخة العالمة بنت مسعود العامرية في القرن الثالث عشر – سلطان بن مبارك الشيباني 1421هـ- 2000م .
72- شريط سمعي عن سيرة الإمام الخليلي – للقاضي حمود بن عبدالله الراشدي في سناو 1423هـ- 2002م .
73- زهر الربيع في السعي لإرضاء الجميع – الشيخ سعيد بن حميد الحارثي .
76- الحياة العلمية في إزكي – يحي بن محمد بن سليمان البهلاني – الناشر مكتبة أبي مسلم الطبعة الأولى 1421هـ- 2000م .
77- مطالع السعود في سيرة الشيخ محمد بن مسعود البوسعيدي – خلفان بن سالم بن علي البوسعيدي – بحث غير منشور .
78- عمان عبر التاريخ – الشيخ سالم بن حمود السيابي ج1 الطبعة الخامسة 1421هـ/ 2001م – سلطنة عمان وزارة التراث والثقافة .
79- العقد الثمين من أجوبة نور الدين السالمي ج1 طبع على نفقة جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم .
80- محاضرة لسماحة الشيخ إبراهيم بن سعيد العبري عن حياة الإمام السالمي بدون تاريخ .
81- جوابات الإمام السالمي بترتيب الشيخ الرقيشي : " مخطوط " بمكتبة السيد تحت رقم ( 987) ج3 .
82- جوابات الإمام السالمي بترتيب الشيخ الرقيشي : " مخطوط " بمكتبة السيد تحت رقم (985) ج4 .
83- جوابات الإمام السالمي بترتيب الشيخ الرقيشي " مخطوط " السيد تحت رقم ( 1138 ) ج5
84- الفتح الجليل من أجوبةالإمام أبي خليل-المطبعة العمومية- دمشق 1385هـ1965م طبع على نفقة الشيخ سالم بن حمد الحارثي .
85- روض الأزهار في الخطب والأشعار – عبدالله بن مهنا بن حمد العبري " مخطوط " بمكتبة السيد تحت رقم (70) .
86- ابن النضر عصره – حياته ومكانتة العلمية – فهد بن عامر السعيدي .
87- الدر النظيم من أجوبة أبي مالك بالمناظيم – للشيخ عامر بن خميس المالكي طبعة وزارة التراث والثقافة – سلطنة عمان 1402هـ/1982م. (1/213)
صفحة 214
88- الأسئلة الفقهية الموجهة من الشيخ عبدا لله بن علي الخليلي إلى العلماء مخطوط تحت رقم ( 265 ) بمكتبة السيد .
89- قصائد لإبن زياد وابن مداد والخليلي و الرقيشي وغيرهم مخطوط بمكتبة السيد تحت رقم ( 306 ) .
90- ديوان شعر لعدد من الشعراء في مكتبة التراث والثقافة مخطوط تحت رقم ( 2895) .
91- المصباح المنير – للعلامة أحمد بن محمد الفيومي - مكتبة للبنان 1978م .
92- جوا بات الإمام السالمي – للإمام نور الدين السالمي ج5 الطبعة الأولى 1417هـ- 1997م
93- مجلة الوحي – العدد الخامس – جمادى الأولى 1396هـ - 1976م – تصدرها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية –مطرح –رئيس التحرير /خلفان بن محمد الرواحي.
94- تاريخ عمان قديماً وحديثاً – محمد الزرقا – دمشق 1959م .
95- عمان مسيرا ومصيرا منذ 1856م – روربرت جيران لندن – الطبعة الرابعة وزارة التراث والثقافة سلطنة عمان 1409هـ/ 1989م .
96- سيرة أبي زيد الريامي – أحمد بن ناصر بن سعيد البيماني – 1411هـ- 1990م .
97- منطقة الظاهرة 29 عاما من الإنجازات الشامخة – عدد خاص يصدر عن مؤسسة عمان للصحافة والأنباء والنشر والإعلان بمناسبة احتضان ولاية عبري احتفالات العيد الوطني التاسع والعشرين – الخميس 10من شعبان 1420هـ الموافق له 8/11/1999م .
98- مجموعة قصائد – مخطوطة بمكتبة السيد تحت رقم ( 1646 ) .
(*) المقابلات الشخصية
1- مقابلة مع سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي يوم الجمعة 16من صفر الخير 1423 هـ. الموافق 18/4/2002م.
2- مقابلة مع سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي يوم الخميس10 من ذي القعدة 1423هـ. الموافق 9/1/ 2003م.قابله الأخ محمود بن عبدالله الصقري
3- مقابلة مع الأستاذ يحيى بن عبدالله بن منصور الرقيشي ، يوم الأثنين 6من ربيع الثاني 1423هـ . الموافق 17/6/2002م .
4- مقابلة مع الوالد عبدالله بن منصور الرقيشي ، يوم الأثنين 6 من ربيع الثاني 1423هـ . الموافق 17/6/2002م . (1/214)
صفحة 215
5- مقابلة مع الشيخ نبهان بن سيف بن سالم المعمري ، يوم السبت 23 من جمادى الآخرة 1423 هـ . الموافق 3/8/2002م .
6- مقابلة مع الوالد علي بن سيف الفهدي يوم الخميس 28 من جمادى الأولى 1423 هـ . الموافق 8/8/2002 م .
7- مقابلة مع الشيخ سعيد بن حمد الحارثي قابله الأخ /ناصر بن محمد الحجري سنة 1418هـ الموافق له1997م.
8- مقابلة مع الشيخ يحيى بن سفيان بن محمد الراشدي يوم الأحد 14 من رجب الحرام 1423 هـ الموافق 22/9/2002 م ."المقابلة الأولى"
9- مقابلة مع الشيخ أحمد بن سعود السيابي قابله الأخ/ ناصر بن محمد الحجري يوم الثلاثاء 28 من ذي الحجة 1418 هـ الموافق 5/5/1997 م .
10- مقابلة مع السيد محمد بن أحمد بن سعود البوسعيدي يوم الأثنين 30 من رجب الأصم 1423هـ الموافق 7/10/2002 م .
11- مقابلة مع الشيخ خالد بن مهنا البطاشي يوم الأربعاء 30 من شعبان 1423 هـ . الموافق 6/11/2002 م ."المقابلة الأولى".
12- مقابلة مع الأستاذ الأديب خلفان بن محمد الرواحي يوم الأثنين 12 من رمضان 1423هـ . الموافق 18/11/2002م .
13- مقابلة مع الشيخ جابر بن علي المسكري يوم السبت 17 من رمضان 1423 هـ . الموافق 23/11/2002 م .
14- مقابلة مع الشيخ سالم بن حمد الحارثي يوم السبت 17 من رمضان 1423 هـ . الموافق 23/11/2002م.
15- مقابلة مع الشيخ أحمد بن سعود السيابي يوم الأحد 18من رمضان 1423هـ الموافق له 24/11/2002م.
16- مقابلة مع الأستاذ يعقوب بن سعيد البرواني يوم السبت 17 من رمضان 1423 هـ . الموافق 23/11/2002 م .
17- مقابلة مع الشيخ أحمد بن سعيد بن أحمد الكندي يوم الأربعاء 6 من شوال 1423 هـ. الموافق 11/12/2002 م .
18- مقابلة مع الشيخ خلف بن زاهر الشرياني يوم الأربعاء 6 من شوال 1423 هـ . الموافق 11/12/2002 م.
19- مقابلة مع الشيخ زاهر بن محمد بن سالم الرقيشي يوم السبت 23 من ذي القعدة 1423 هـ . الموافق 26/1/2002 م . (1/215)
صفحة 216
20- مقابلة مع الوالد سالم بن محمد سالم الرقيشي يوم الخميس 19 من رجب الأصم 1423 هـ . الموافق 26/9/2002 م.
21- -مقابلة مع الشيخ سعيد بن حمد الحارثي يوم الأثنين 29 من صفر الخير 1423 هـ . الموافق23/5/2002 م .
22- مقابلة مع الشيخ خالد بن مهنا البطاشي يوم الخميس26من ذي الحجة 1423هـ الموافق 27/2/2003م ."المقابلة الثانية".
23-مقابلة مع الأستاذ يحيى بن محمد بن سليمان البهلاني يوم الثلاثاء 29 من محرم 1423هـ. الموافق1/4/2003م.
24-مقابلة مع الشيخ يحيى بن سفيان بن محمد الراشدي يوم الأحد 22من ذي الحجة 1423هـ. الموافق23/2/2003م."المقابلة الثانية."
25-مقابلة مع الوالد خميس بن منصور الخروصي ،قابله الأخ/ أحمد بن نبهان الخروصي ليلة الأثنين 2 من رجب الأصم 1423هـ الموافق 9/9/2002م.
26- مقابلة مع سعادة الشيخ زاهر بن عبدالله العبري يوم الثلاثاء 7من رمضان 1323هـ الموافق 9/11/2002م.
27-مقابلة مع الشيخ يحيى بن أحمد الكندي يوم الخميس 19 من رجب الأصم 1423هـ. الموافق26/9/2002م.
28- مكالمة هاتفية مع الوالد سالم بن محمد الرقيشي يوم الجمعة 27 من رجب الأصم 1423 هـ الموافق 4/10/2002م
الفهرس
الموضوع رقم الصفحة
مقدمة ___________________________________4
الفصل الأول:[حالة عصر الشيخ]____________________7
ويشتمل على ثلاثة مباحث:
? المبحث الأول: الحالة السياسية.___________7
? المبحث الثاني: الحالة الاجتماعية.____________16
? المبحث الثالث: الحالة الاقتصادية.____________20
الفصل الثاني:[سيرته الشخصية]_______________________23
وينقسم هذا الفصل إلى ستة مباحث:
? المبحث الأول: اسمه ونسبه.________________23
? المبحث الثاني: مولده ونشأنه._______________24
? المبحث الثالث: صفاته الخَلْقية و الخُلقية.________33
? المبحث الرابع: ثناء العلماء عليه.____________57
? المبحث الخامس : أعماله.______________61 (1/216)
صفحة 217
? المبحث السادس: استشهاده.______________66
الفصل الثالث [سيرته العلمية، وآثاره]___________________80
ويشتمل على ثلاثة مباحث:
? المبحث الأول: طلبه للعلم، وشيوخه وتلاميذه: وينقسم إلى ثلاثة مطالب :-
- المطلب الأول: طلبه للعلم.____________81
- المطلب الثاني: شيوخه._____________86
- المطلب الثالث: تلاميذه._____________97
الموضوع رقم الصفحة
? المبحث الثاني: آثاره العلمية._______________106
? المبحث الثالث: أحكامه التي حكم بها._________124
الخاتمةـ129
الملاحق ـــــــــــــــــــــــــــــــ132
المصادر والمراجع ــــــــــــــــــــــــــ186
فهرس الموضوعات ــــــــــــــــــــــــــ191 (1/217)