صفحة 1
الكتاب: سيرة الإمام نور الدين السالمي لـ؟؟
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] سيرة الإمام نور الدين السالمي
مقدمة
العلامة عبد الله بن حميد السالمي الذي درس سلوك المسلمين وعقائدهم دراسة شاملة موضوعية قائمة على الأدلة الشرعية والأدلة العقلية، بحيث تمكن هذا العالم الجليل من كشف الازدواجية الخطيرة بين القول والعمل، السائدة في سلوك المسلمين فهذه الظاهرة تعد خروجا عن الإيمان الصحيح.
وهكذا فإن الإيمان العملي الصالح هو الشرط الأول والضروري لبناء عقيدة المسلم وشخصيته، إن هذه القيمة الجوهرية التي عالجها الشيخ السالمي ودافع عنها بكل قوة ووضوح في كتبه وخطبه جعلتنا بالضرورة نحلل ونبين قيمته العلمية والأخلاقية والأدبية، فهذه الفكرة تعد مدخلا لدراسة وإلقاء بعض الضوء على عظمة هذا العلم الكبير الذي يعد من رواد الفكر الإسلامي الحديث بدون جدال.
أسمة ونسبة ومولدة :
وهو العلامة المحقق الشيخ نور الدين عبد الله بن حميد بن سلوم بن عبيد بن خلفان بن خميس السالمي الضبي ، أما والده فهو الشيخ حميد- رحمه الله- كان ذا فضل وعلم وتقوى، فقد ولد شيخنا عبد الله بن حميد ببلدة الحوقين من ولاية الرستاق العمانية عام 1286ه وفي بعض التراجم المكتوبة عنة تحديد ولادتة بعام (1284 ) أو (1288 ) وحفظ القرآن الكريم على والده الشيخ حميد رحمه الله.
كف بصرة وعمرة عشر سنوات أو اثنتا عشرة سنة وقد عوضة الله تعالى بقوة عجيبة في الذاكرة وشدة في الذكاء والفطنة
كنيته :
كني الإمام نور الدين السالمي بكنيتين :
أولاهما : يكنى بأبي محمد وذلك نسبة إلى أكبر أبنائه محمد بن عبدالله السالمي .
ثانيهما : يكنى بأبي شيبة نسبة إلى لقب ابنه الأكبر الذي كان يلقب بالشيبة وقد اشتهر بذلك حتى إن الإمام أبا مسلم البهلاني ناداه في إحدى مراثيه بقوله :
يا أبا شيبة من أرجو لها ** حسبي الله إذن عز وجل
يا أبا شيبة عزّ الملتقى ** وقطين الرمس مقطوع النقل
يا أبا شيبة عزّت حيلة ** دفاع الموت أو وصل الأجل
لقبه : (1/1)
صفحة 2
اشتهر الإمام السالمي بلقب (نور الدين السالمي ) وله ألقاب أخرى تدل على عظم مكانته عند الناس أعند أقرانه العلماء ، فعلى سبيل المثال : يلقب بشمس العصر ،و بوحيد الدهر ، والعلامة المحقق فخر المتأخرين
صفاتة وأخلاقة :
أ ) صفاته الخَلقية :
لما بلغ الإمام السالمي العاشرة من العمر وقيل الثانية عشر كُف بصره ،فأبدله الله تعالى ببصيرة فذة ، فكان حافظا قوي الذاكرة ، لا يكاد يسمع شيئا إلا وعاه وهي خاصية أودعها الله تعالى فيه . أما صفته فنوردها من كلام ابنه محمد حيث قال عن صفته : "كان ربع القامة ، تعلوه سمرة ، ليس بالسمين المفرط ، ولا بنحيف الجسم ‘ مكفوف البصر ، نير البصيرة ، مدور اللحية ، سبط الشعر ) .
ب ) صفاته الخُلقية :
كان –رضي الله عنه – شديد الغيرة في ذات الله تعالى ، لا تأخذة لومة لائم ، يقول الحق ، وينطق بالصدق ، مشهور بالبسالة ، والصلابة ‘ كثير الرد على من خالف ملة الإسلام ، مشغول البال بأمته ، يفرح بما ينفعها ، ويحزن لما يضرها ، وإنه ليكتئب إذا أصيب أحدج من الأمة يحدث ولو بالصين ، لا تخلو مشاهده الكريمة من فائدة دينية أو عائدة دنيوية ، أوشاردة أدبية ، مشتغلا بتدريس العلم والتأليف ، والصلح بين الخصوم بالحكم الشرعي ، كان خطيباً منطيقاً ، يرتجل الخطب الطوال في المجامع والمحافل ، حسب ما يقتضيه المقام من السعي في إصلاح الأمة وجمع الشمل ، يرغب ويرهب بأبلغ بيان وأفصح لسان .
كان جوادا سخيا ، قل ما أكل طعاما وحده ، لازدحام الضيوف بناديه وكثرة ملازميه .
كثير التفقد والتعرف على حاجة إخوانه وتلامذته ليواسيهم ، كان قد عزف نفسه عن التوسع في الدنيا والسكون إليها .
كان عظيم الهيبة لا ينطق أحد في مجلسه إلا أن يكون سائلا أو متعلما ًأو ذا حاجة جدية .
كان كثير التضرع إلى الله ، فتراه في بعض الأحيان في مجلسه أو في الطريق أوفي مصلاه ، وقد رفع يديه إلى السماء قائلا : (1/2)
صفحة 3
لبيك اللهم لبيك ثم يبسط يديه ويقول : اللهم اجمع الشمل ، وألف بين القلوب ، وأيد الكلمة ، ونحو ذلك من الأدعية .
كان كثيراً ما يقول : اختبرنا الله فوجدنا كاذبين ، يتأوه كثيرا لما يراه في الناس من الاختلاف ، وعدم الجد فيما يعود على حياتهم بالسعادة ، ولما يراه من الفساد في البلاد ، فتراه قد قطع حديثه وتنفس الصعداء قائلا : ذهب الوفاء ، ذهب الدين ، ذهبت المرؤة ، ذهبت الغيرة ، ذهبت الحمية ، طمع فينا الخصم ، طلبنا بالمكائد ، نصب لنا الحبائل فإنا لله وإنا له راجعون .
رحلاتة العلمية وتفوقة :
بدأ الشيخ حياته في بلده الحوقين التابعة لأعمال الرستاق ، وفي هذه القرية بدأ الشيخ يتعلم على يد والده القرآن الكريم ومبادئ الدين الحنيف ، كما هي العادة ، ثم نشبت نار الخلاف بين قبيلته السوالم وقبيلة الخضور فهاجرت قبيلة الشيخ تاركة الحوقين إلى بلدة (الخبة) من بلدان الباطنة فلبث بها الشيخ إلى ما شاء الله من الزمان ، وما هي إلا أيام من الدهر حتى هاجر الشيخ منها إلى الرستاق حيث منبع العلم والعلماء حينئذ وهناك وجد الشيخ ضالته وبدأ ينتقل بين مشائخها الكبار كالشيخ راشد بن سيف اللمكي الذي كان يدرس في مسجد قصرى .
لما كان الشيخ ابن اثنى عشر عاما فقد بصره ولكن الله عوضه ببصيرة تدرك الأشياء وحافظة جبارة تحفظ كل ما تسمع . وتمر الأيام على الشيخ وهو يدرس بالرستاق وبدأت تظهر علامات النبوغ لمشائخه ، فلاحظ الشيخ اللمكي في تلميذه سرعة الفهم وقوة الذكاء ، والحفظ الغريب ، فأعجب به الشيخ وبدأ يقدمه على زملائه ، ومن ذلك أنه رآه مرة يقرأ في كتاب لامية الأفعال فأخذ الإستغراب من الشيخ مأخذه وقال له كيف تقرأ ما لا تفهمه ؟ فقال : إنني أفهمه وأستطيع أن أشرح ما قرأت فلما شرح له استغرب أكثر من قبل (1/3)
صفحة 4
وهكذا أخذ الإمام النور السالمي ينتقل بين جنبات الرستاق العامرة بالعلماء وأهل العلم حتى أصبح ممن يشار إليهم بالبنان وهناك بدأ بالتأليف وهو ابن سبعة عشر عاما فقد نظم منظومة في النحو أسمها ( بلوغ الامل ) وكان ذاك عام 1305ه ويقول في أحد تأليفاته :
وإذا العناية لاحظتك عيونها ** نم فالمخاوف كلهن أمان
رحلته إلى الشرقية :
كان الإمام نور الدين السالمي وهو بالرستاق يسمع عن الشيخ المحتسب المجاهد صالح ابن علي الحارثي ( رحمه الله ) أحد أقطاب عمان في ذلك العصر الذي كان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فأعجب بسيرته فشد رحله إليه سنة 1308 ه ، وكان أول ما وصل إلى الشرقية أقام عند الشيخ سلطان بن محمد الحبسي في بلد المضيبي من شرقية عمان ، ومنها ذهب ليزور الإمام المحتسب صالح بن علي الحارثي ، وفي أثناء الجلسات معه أعجب الإمام المحتسب بنور الدين السالمي وأغراة باستيطان القابل فأصبح مدار الفتيا ومورد الوفود والتلاميذ لتلقى العلم عنة كانت له دروس في أصول الدين والتفسير والحديث وأصول الفقة والنحو والمعاني والبيان والنطق .
كان مولعا بجمع الكتب النادرة والعكوف على الاطلاع عليها .
فوجد الشيخ ضالته وهناك أقام متعلما ثم مدرّسا فألف وعلّم وخرج على يديه أفذاذ عمان الذين ذاع صيتهم وما زالت بركاتهم تنهمر على عماننا إلى يومنا هذا . (1/4)
صفحة 5
وفي سنة 1314ه توفي الشيخ المحتسب صالح بن علي الحارثي (رحمه الله) فكان لوفاته الأثر الكبير على النور السالمي ، فأصبح الحمل عليه أثقل من قبل والمعاناة في أمور المسلمين أكثر من ما مضى ، وتمر الأيام وتتعاقب الشهور والأعوام والنور السالمي قائم بدور رائد الإصلاح معلما ومنبها حتى عام 1323ه ففكر في الذهاب إلى أداء فريضة الحج عام 1332ه وهناك إلتقى بعلماء الإسلام من مختلف المذاهب وتناقش معهم فيما يخص المسلمين فاطلع على كثير مما يحيكه أعداء الإسلام ضد المسلمين وخاصة ضد رواد الإصلاح ، وفي رحلته هذه اطلع على كثير من علوم الحديث واقتنى كثيرا من كتبها ثم عاد أدراجه إلى عمان لمواصلة مشوار نشر العلم والقيام بالإصلاح السياسي فبدأ بالاتصال بالأعيان في مختلف الأماكن من عمان للقيام بأمر الإمامة حتى وفقه الله .
فعقدت الإمامة لإمام العدل والإحسان سالم بن راشد الخروصي ( رحمه الله ) .
وقد قسم محقق ( روضة البيان ) حياتة إلى ثلاث مراحل
( المرحلة الاولى ): منذ ولادتة إلى أخر إقامتة بالرستاق عام 1307ه .
( المرحلة الثانية ) : مابين 1308- 1314 للهجرة زمن هجرتة إلى الرشرقية والتحاقة بشيخة صالح بن علي الحارثي لما سمع عن مسعاة في اعادتة الاماة وخلال تلك المرحلة تهيأ له الجو العلمي المناسب للتدريس والتأليف ببلدة القابل .
( المرحلة الثالثة ): مابين 1315- 1332 ه أي بعد وفاة شيخة الحارثي وقد قام بدور أساسي في نشر العلم والدعوة لتوحيد الصف وإعادة الامامة بعد أن برز التدخل الاجنبي .
وقال عنة أحد مترجمية : أجابات الشيخ على الاسإلة تبين أن فكره يستجيب إلى الامه في مجملها وأنه لايحصر اهتمامه بطائفة دون أخرى وذلك يؤكد اندراجة في طبقة زعماء الاصلاح التي عرفها العالم الاسلامي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر والرابع عشر والربع الاول من القرن العشرين ( ندوة المنتدى الادبي : قراءات في فكر السالمي صفحة 117) . (1/5)
صفحة 6
وقد أثنى علية علماء عصرة ووصفوه بالتعمق في العلم والتدقيق في مسائلة من ذلك قول الاستاذ عزالدين التنوخي ( عضو المجمع العلمي العربي بدمشق ) رحمه الله في مقدمة تحقيقة لشرح الجامع الصحيح للشيخ نور الدين السالمي )) انتهت إلية رئاسة العلم بعمان وظهر ذلك في تآليفة الجامعة في مختلف الفنون الشرعية والعربية مع التحقيق في مسائلها والاجادة في تأليف كتبة ورسائلة ..)).
وقال عنة الشيخ أبو إسحاق إبراهيم اطفيش ( مراجع دار الكتب المصرية ) رحمه الله في تقديمة لكتاب جوهر النظام للشيخ نور الدين السالمي : كان معروفا بغزارة العلم والاجتهاد إلية انتهت رئاسة العلم – فيما بلغنا – بعمان وظهر ذلك في تأليفة الجامعة في مختلف الفنون .
وفي الندوة التي عقدت تكريما للشيخ نور الدين السالمي آرء العلماءالمعاصرين الذين كتبوا عنه وعلى رأسهم سماحة الشيخ أحمد الخليلي ( عضو مجمع الفقة الاسلامي بجدة ).
مشايخه
من كانت هذه صفاته فلا بد وأن يكون قد مر بمراحل متعددة وأخذ من مشائخ متعددين واستنار بنورهم وأخذ من علمهم وفكرهم وللإمام نورالدين السالمي مشائخ كثيرون يصعب حصرهم ، وإنما نذكر أهمهم فإليكهم :-
(1) الشيخ المحتسب الأمير صالح بن علي الحارثي 1250-1314ه ولد بولاية القابل عام 1250ه ، توفي عنه أبوه وهو صغير فزاده ذلك رغبة في طلب العلم فرحل إلى علامة عصره الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي فأخذ عنه إلى أن أصبح ممن يشار إليهم بالبنان فرجع إلى بلده ومسقط رأسه معلما ، وآمرا بالمعروف وناهيا عن المنكر مصلحا لما اعوجّ من الأمور ، وكان ممن تتلمذ على يديه النور السالمي فقها وفكرا وسلوكا وهكذا مرت أيامه إلى أن توفاه الله سنة 1314ه .
( (1/6)
صفحة 7
2) الشيخ راشد بن سيف بن سعيد اللمكي 1262-1333ه ولد بمحلة قصرى من الرستاق وترعرع هناك إلى أن أصبح قاضيا ومعلما وممن تتلمذ على يديه النور السالمي وكان مناصرا للحق وناصحا للمسلمين إلى أن توفاه الله في الرستاق سنة 1333ه .
(3) الشيخ ماجد بن خميس بن راشد العبري 1252-1346ه ولد هذا الشيخ سنة 1252ه بالحمراء فرحل إلى الرستاق لأخذ العلم عن علمائها حينئذ ، وبعد أن أخذ قسطا وفيرا من العلم استقر هنالك وبدأ يدرّس وكان ممن درس على يديه الإمام نور الدين السالمي وخاصة في علوم اللغة والأدب إلى أن هاجر كل منهما فالسالمي هاجر إلى الشرقية والشيخ ماجد رجع إلى مسقط رأسه الحمراء مدرّسا ومعلّما إلى أن توفاه الله سنة 1346ه .
(4) عبدالله بن محمد الهاشمي وهو من شيوخ الرستاق .
تلاميذته :
بعد أن وفق الله الإمام السالمي لنيل حظ وافر من العلم والمعرفة في اللغة والفقه وأصوله بفضل مشائخه الذين أخذ عنهم وجهوده المتواصلة في الحفظ والإطلاع على مختلف الكتب صغيرها وكبيرها أنشأ مدرسة لتخريج الأجيال فجاء إليها الطلبة من مختلف أنحاء عمان ضاربين أكباد الإبل في سبيل الوصول إليه والنهل من بحره المتلاطم وتخرج على يديه رجال يشار إليهم بالبنان عرفهم البعيد قبل القريب وسجل لهم التأريخ مآثر تعجز الأقلام عن وصفهم بما لهم من محامد وما أحسن ما قاله أحد العلماء المغاربة في مقدمة ترجمته للنور السالمي في كتاب جوهر النظام " تلاميذه كثير لا نبالغ إذا قلنا إن رجال العلم اليوم بعمان جلهم من تلاميذه وقد نبغ منهم كثير " . (1/7)
صفحة 8
نعم لقد نبغ منهم كثير وتولوا أعمالا عظمى وقادوا هداية الأمة في ميادين شتى فمنهم من تولى الإمامة العظمى وضرب أروع الأمثلة في العدل والورع والزهد كالإمام سالم بن راشد الخروصي ( رحمه الله) والإمام محمد بن عبدالله الخليلي (رحمه الله) ومنهم من تولى ولاية بعض الأقاليم قضاء وتدريسا وبناء ، فضرب أعلى أمثلة للوالي المسلم وما ينبغي أن يكون عليه من زهد وورع وخدمة للناس ، ومن هؤلاء الصنف أبو زيد الريامي الذي تولى إدارة بهلاء .
وبحق كان تلاميذ الإمام النور السالمي شعلة اتقدت في ذلك الزمان ولا تزال تنير في سماء عمان إلى يومنا هذا وإلى أن تقوم قيامة الناس إلى رب العباد ، وعلى كل فأنا لست بصدد حصر تلاميذ النور السالمي وإنما أذكر بعضا منهم :-
(1) الإمام العادل سالم بن راشد الخروصي 1301ه- 1338ه لازم النور السالمي منذ بلغ الحلم إلى أن عقدت له الإمامة العظمى في الثاني عشر من جمادى الثانية سنة 1331ه وكانت له منزلة خاصة عند النور السالمي حتى إنه زوّجه ابنته وبقي في إمامة المسلمين آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر منفذا لحدود الله حتى توفي شهيدا في سبيل الله فقتل ليلة الخامس من شهر ذي القعدة 1338ه .
(2) الشيخ أبو مالك عامر بن خميس المالكي 1280-1346ه كان أبوه فقيرا وأراد أن يمنعه من الدراسة حتى يتفرغ لكسب المعيشة ولكنه لم يستسلم للواقع ، فلازم حلقات النور السالمي حتى أصبح ممن يشار إليهم بالبنان ، وتولى القضاء والتدريس والتأليف ، ومن تآليفه (غاية المرام في الأديان والأحكام ) كتاب منظوم في الأحكام وغيره ، توفي إلى رحمة الله في الخامس من رمضان 1346ه.
( (1/8)
صفحة 9
3) الشيخ العلامة عبدالله بن عامر العزري المتوفى سنة 1358ه نشأ مكفوف البصر ولكن الله (سبحانه وتعالى) وهبه ذكاء وحفظا ، وأصبح من تلاميذ النور السالمي العباقرة وبعد حين سافر إلى زنجبار واستفاد منه الناس هنالك ثم رجع أدراجه إلى موطنه فتولى منصب القضاء في إبراء و نزوى إلى أن توفاه الله يوم الاثنين السادس عشر من شوال سنة 1358ه فرحمة الله عليه .
(4) الشيخ الوالي العامل أبو زيد عبدالله بن محمد الريامي 1301-1364ه هاجر أبو زيد من بلده ازكي بداخلية عمان إلى النور السالمي بها للشرقية قصدا لتحصيل العلم والعمل حتى أصبح من أخص تلاميذ النور السالمي بل إنه اتخذه كاتبا خاصا له فأكثر مؤلفات النور السالمي مكتوبة بخطه وعينه الإمام سالم واليا له على بهلا وبعد وفاته مدد إليه الإمام محمد بن عبدالله الخليلي حتى وافته منيته والمسلمون عنه راضون ولسعيه شاكرون فتوفي في الثالث من رجب سنة 1364ه .
(5) الشيخ الأمير عيسى بن صالح بن علي الحارثي 1290-1365ه.وهو ممن لازم الشيخ السالمي وخاصة بعد وفاة والده ، فأخذ عنه العلم وكان مضرب المثل في التقوى والعمل الصالح ، وكان رجلا شجاعا مقداما نصر الحق وأهله ، وله مؤلفات منها : رسالة في منع الإسقاط بالجوائح وغيرها .
(6) الشيخ أبو الوليد سعود بن حميد بن خليفين المتوفى سنة 1373ه لازم الشيخ السالمي منذ مراحله الاولى ، حتى إن الشيخ السالمي اختاره كاتبا وقارئا نظرا لحسن خطه وجودة صوته ، فأصبح بعد ذلك ممن يشار إليهم بالبنان حتى لقبه الإمام الخليلي" بشمس القراء وداهية العلماء" تولى مناصب القضاء للإمام سالم بن راشد الخروصي والامام محمد ابن عبدالله الخليلي اكثر من خمس وثلاثين سنة توفي (رحمه الله) لست بقين من أشهر الربيعين سنة 1373ه .
( (1/9)
صفحة 10
7) الإمام العادل الولي محمد بن عبدالله بن سعيد بن خلفان الخليلي 1299-1373ه كان من بيت شرف وعلم أخذ مبادئ العلم عن والده وعمه أحمد بن سعيد الخليلي ثم هاجر لطلب العلم ، فتتلمذ على يدي الشيخ السالمي وعنه أخذ الفقه وأصوله ، وبعد وفاة الإمام سالم بن راشد الخروصي بويع له بالإمامة في يوم الجمعة الثالث عشر من ذي القعدة 1338ه فسار في المسلمين سيرة حسنة وعرف بالزهد والورع والعدل والعلم والشجاعة حتى توفاه الله يوم الاثنين ليومين بقين من شهر شعبان سنة 1373ه فرحمة الله عليه .
مؤلفاته :
قد يستغرب الإنسان ويأخذه العجب عندما يطلع على مؤلفات الإمام السالمي وإنها بلغت من الكم والكيف مبلغا يعجز اللسان عن وصفه والقلم من مده والتعريف به ، إذا عرفنا أن الإمام السالمي قد شغل بالإصلاح الاجتماعي والسياسي فأين الوقت للتأليف وخاصة في الفقه وأصوله والحديث وعلومه والتي تحتاج إلى عناء وإطلاع واسع وتفريغ للوقت والجهد ولكن الله يبارك في الوقت ويوسعه لمن شاء
فيعمل الإنسان في الوقت القصير العمل الكثير وهكذا كان الإمام نور الدين السالمي فالمكتبة الإسلامية زاخرة بكتبه الكثيرة وتآليفه المفيدة والتي جاوزت الثلاثين في عددها في مختلف العلوم اللغوية والفقهية والحديثية وهي ما بين بطولات ضخمة تصل إلى مجلدات ورسائل صغيرة ، وها أنا ذا أذكر مؤلفاته مع التعريف بكل منها بشيء من الإختصار : -
(أ) في الحديث وعلومه :
(1) شرح الجامع الصحيح من مسند الإمام الربيع بن حبيب في ثلاثة أجزاء سلك فيه المؤلف سبيل أهل الحديث في الشرح والتخريج وهو يدل على علمه الغزير وسعة إطلاعه وقد طبع الكتاب عدة مرات .
(ب) في أصول الدين ( العقيدة ) :
1- غاية المراد في الإعتقاد قصيدة لامية في بضع وسبعين بيتا شرحت عدة مرات وآخر من شرحها سماحة شيخنا العلامة الخليلي ( حفظه الله ) ولا تزال مخطوطة بيد مؤلفها . (1/10)
صفحة 11
2- أنوار العقول أرجوزة في علم الكلام تزيد على ثلاثمائة بيت طبعت عدة مرات .
3 - بهجة الأنوار شرح مختصر للأرجوزة السابقة وقد طبعها المعهد المبارك .
4 - مشارق أنوار العقول شرح مطول واف لأرجوزة أنوار العقول علقه وصححه سماحة شيخنا العلامة الخليلي (حفظه الله ) وقد طبع عدة مرات .
5- رسالة في التوحيد وهي مختصرة في العقيدة وهي لا تزال مخطوطة .
6 - الشرف التام في شرح دعائم الإسلام لابن النظر العماني من علماء القرن الخامس الهجري وهذا الكتاب لا يعرف مكانه وقد ألفه أول عمره ولعله لم يحب إخراجه .
7 - كشف الحقيقة لمن جهل الطريقة أرجوزة وضح فيها عقيدة الاباضية وسيرتهم في مختلف العصور والأزمنة.
8 - روض البيان على فيض المنان في الرد على من ادعى قدم القرآن وهو شرح قصيدة للشيخ سعيد بن حمد الراشدي أحد تلامذته المتوفى سنة 1314ه .
(ج) الفقه وأصوله :
1- شمس الأصول أرجوزة في أصول الفقه تقع في ألف بيت تقريبا طبعت مع شرحه وكتبها بعض إخواننا بخطه مستقلة .
2- طلعة الشمس ( وهو كتابنا هذا الذي نحن بصدده ) وهو شرح للأرجوزة السابقة .
3- جوهر النظام في علمي الأديان والأحكام أرجوزة سهلة المأخذ في العقيدة والفقه والحكم تقع في ستة عشر ألف بيت تقريبا مطبوع ومتداول ومعروف عند العامة قبل الخاصة .
4- مدارج الكمال في نظم مختصر الخصال أرجوزة تربو على ألفي بيت في الفقه نظم فيها مختصر الخصال للعلامة ابراهيم بن قيس من علماء الاباضية في القرن الخامس الهجري .
5- معارج الآمال على مدارج الكمال شرح الأرجوزة السابقة ولكنه لم يتمه فعاجله ريب المنون والكتاب ط
بع من قبل وزارة التراث العمانية في ثمانية عشر جزءا وهو من أوسع مؤلفاته وأغزرها مادة وعلما .
6- حل المشكلات وهو كتاب حل فيه ما أشكل على تلميذه أبي زيد في بعض مختلف العلوم الشرعية وقد طبعته وزارة التراث بعمان . (1/11)
صفحة 12
7- سواطع البرهان رسالة في تطورات العصر في اللباس وهو جواب لسؤال موجه إليه من بعض أهل زنجبار .
8- إيضاح البيان في نكاح الصبيان وهي رسالة صغيرة بين فيها حكم نكاح الصبيان وقد طبع أخيرا .
9- الحجج المقنعة في أحكام صلاة الجمعة وهو واضح من عنوانه وقد طبع مؤخرا .
10 - تلقين الصبيان فيما يلزم الإنسان وهي رسالة صغيرة مختصرة في أصول الدين والفقه الاباضي وهذا الكتاب أورد ما يدرس للناشئة في عمان وقد طبع مرات لاتحصى .
11- الحجج الواضحة في الرد على التلفيقات الفاضحة رسالة رد فيها على من ادعى العلم والإجتهاد من أهل زمانه .
12- رسالة في نجاسة الدم المسفوح وضعها إجابة لبعض إخوانه حين طلب منه ذلك .
13- طريق السواد إلى علم الرشاد في الدفاع والجهاد شرح لمنظومة علم الرشاد لتلميذه الشيخ سعيد بن حمد الراشدي ولكنه لم يكتمل .
14- العقد الثمين نماذج من فتاوى نور الدين قام بإخراجه سالم بن حمد الحارثي وطبع منقحا ومزادا عليه بعض الأجوبة الأخرى تحت عنوان ( جوابات الإمام السالمي).
(د) في اللغة والأدب والفكر والعروض
1- بذل المجهود في الرد على النصارى واليهود رسالة مهمة كثيرة الفوائد عظيمة المعاني أوضح فيها الشيخ ما يقوم به المستعمرون من مشاكل واضعاف للمسلمين بطرق مختلفة وقد طبع الكتاب أخيرا .
2- بلوغ الأمل في المفردات والجمل منظومة في المفردات والجمل في علم النحو (300) بيت وهو أول مؤلفاته وشرحه وقد طبع الكتاب مع شرحه من قبل وزارة التراث بعمان .
3- المنهل الصافي في العروض والقوافي أرجوزة في (300) بيت وشرحه وقد طبع الكتاب من قبل وزارة التراث القومي بعمان .
(4) المواهب السنية وهو شرح لطيف على كتاب الدرة البهية نظم الأجرومية ، للشيخ شرف الدين العمريطي وطبع هذا الكتاب من قبل وزارة التراث بعمان . (1/12)
صفحة 13
5- مناظرة الوهابي وهو رسالة ألفها عندما ذهب لمناظر الوهابية يوم الرابع من محرم 1312ه وقد بين فيها الشيخ بعض الحجج وكيفية المناظرة وكتب أخيرا بالآلة الكاتبة لكنه لم يطبع في كتاب يباع .
6- ديوان شعر يحتوي على كثير من غرر القصائد والمقطوعات التي قالها في مختلف الأمور وخاصة في مواضع الحث على الجهاد وقد حققه عيسى بن محمد بن عبدالله السلماني لنيل درجة ماجستير بالسودان 1417ه -1996م
(ه) التأريخ وما يتعلق به
1- تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان وهو كتاب يتعلق بتأريخ عمان منذ عصر الجاهلية وحتى أحداث سنة 1328ه الموافقة 1910م ويعتبر هذا الكتاب من أهم المراجع في التأريخ العماني وقد طبع الكتاب عدة مرات .
2- الحق الجلي في سيرة الشيخ صالح بن علي يتناول الإمام النور السالمي في هذا الكتاب سيرة وفضل شيخه الأمير صالح بن علي وفي الكتاب فوائد علميه أخرى وقد طبع منذ زمن في بلاد الشام .
3- اللمعة المرضية من أشعة الإباضية رسالة مختصرة في التأريخ الإباضي وأماكن وجوده وانتشاره وقد طبع الكتاب من قبل وزارة التراث القومي .
هذه أهم مؤلفاته (رحمه الله) وإن الناظر فيها بعين الإعتبار لتأخذه الدهشة ويستحوذ عليه الاستغراب من ملكته وقوة حافظته وفكره الثاقب فهو قد أحدث نقلة كبيرة في عمان فأكثر علماء بلده كانوا مهتمين بالفقه ولكنه خرج بهم من هذا المجال إلى مجال أوسع وأرحب وأراد أن يوسع مدارك الناس وعقولهم فكتب في التاريخ لأنه يبين أخبار الماضين فيعبر بهم وقوف هذا وذاك فهو قد ألف لمختلف السنين والأعمار فألف للأطفال تلقين الصبيان في الفقه وغاية المراد في الإعتقاد وألف الجوهر للعامة وألف شرح الجامع للمعنيين بالحديث وعلومه وألف في أصول الفقه ليبينه على أهمية هذا العلم . (1/13)
صفحة 14
وهناك مؤلفات من الكتب أخرى يمكننا أن نشير إليها دون تحليل مخافة من الوقوع في الإطالة فهذه الكتب هي: العقد الثمين لأجوبة نور الدين، تلقين الصبيان فيما يلزم الإنسان، غاية المراد، قصيدة لامية في الاعتقاد، المنهل الصافي في العروض والقوافي، معارج الآمال على مدارج الكمال.
وله كذلك ديوان شعري في غاية البلاغة والفصاحة، وشعره يتميز بصدق العاطفة فهي نابعة من إيمان عميق بما يقوله فامتزج شعره بالعقيدة الإسلامية امتزاجا كليا متأثرا بالقرآن الكريم أسلوبا ومعنى وأخلاقا وقال رحمه الله يرثي أبا عيسى ونجله وحميد سيف ابن سعيد البوسعيدي وسعيد الراشدي ووالده حميد بن سلوم :
صبرا على مضض المصارع** فالدهر للأعمار قاطع
هون فإن العمر** في الإ نسان من بعض الودائع
كف المدامع أن تسيل فما** عسى تجدي المدامع
فاصبر وإن مضت الأفا ضل **في التراب وفي البلاقع
وقال رحمه الله في إحياء الدين الإسلامي:
هو المجد فاطلبه وإن عز طالبه وجد وإن ضاقت عليك مذاهبه
وسارع إلى تشييد أركانه فلا فرار لنا والعدل هدت جوانبه
أليس الهدى إيثار سنة أحمد أما بزغت في المجد شمسا مناقبه
أليس سبيل العز أولى بذي النهى و إن كدرت للواردين مشاربه
هذه هي عينة صغيرة جدا من شعره استعرضناها بحيث أن الشعر في نظره وسيلة لغاية إسلامية رفيعة التزم بها ولم يحيد عنها وكان الصدق والالتزام بالأخلاق القرآنية مبدأ وسلوكا في آن واحد لا فصل بينهما، فقد غرس رحمه الله هذه الأخلاق في طلابه الذين تتلمذوا عليه فهم كثيرون، إذ أن الذين حملوا لواء النهضة العمانية الحديثة قد تخرجوا من مدرسته.
أخلاقه ودعوته إلى الوحدة الإسلامية :
يقول أحمد شوقي:
وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن هموا ذهبت أخلاقهم ذهبوا
نقول هنا إن الأخلاق الفاضلة كالتقوى والعدالة والإحسان والرحمة هي عناصر أساسية في بناء الأمة القوية. (1/14)
صفحة 15
و بدون هذه الأخلاق تكون الأمة عرضة للزوال والزلازل في مسيرتها اليومية بحيث أن هناك عدة حضارات قديمة وحديثة انهارت بسبب انغماس شعبها في الأخلاق الرذيلة، كالشرك بالله، وعدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والرشوة والنفاق.
إن الشعوب اليوم في أشد حاجة إلى الأخلاق الفاضلة المتمثلة في القدوة الحسنة والمثابرة على فعل الخير، هذه هي الحقيقة قد جسمها شيخنا السالمي رحمه الله إذ يقول فيه نجله: أبو بشير محمد شيبة بن نور الدين عبد الله بن حميد السالمي: (كان رضي الله عنه شديد الغيرة على محارم الله تعالى، يقول الحق وينطق بالصدق مشهوراً بالبسالة والصلابة، كثير الرد على من خالف ملة الإسلام، مشغول البال بأمته يفرح بما ينفعها، ويحزن لما يضرها وإنه ليكتئب إذا أصيب أحد من الأمة بحدث ولو بالصين وهو في ذلك ممثل بآداب الرسول صلى الله عليه وسلم وهي آداب القرآن الكريم.
ويقول أيضا كان جوادا سخيا قل ما أكل طعاما وحده لازدحام الضيوف بناديه وكثرة ملازميه المغترفين من فيض أياديه، يقدم للضيف ما حضره بلا تكلف ولا بطر، كثير التفقد والتعرف على حاجة إخوانه وتلاميذه ليواسيهم.
إن أخلاق الشيخ السالمي رحمه الله لم تكن نظرية صورية بعيدة عن الواقع الذي يعيشه الإنسان، بل إن أخلاقه كانت خيرة خالصة مرتبطة بالحياة التي يعيشها هذه هي الأخلاق القرآنية التي يجب أن تسود كل تصرفاتنا، بحيث تكون بعيدة كل البعد عن مظاهر الرياء والسمعة بين الناس، وإلا كانت تلك الأعمال عند الله هباء منثورا عبارة عن ذرات ترابية لا ترى إلا تحت أشعة الشمس بصعوبة، يقول الله عز وجل:
( وَقَدِمْنَآ إلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُوراً) - الفرقان:23- (1/15)
صفحة 16
وفوق هذا فإن الشيخ السالمي رحمه الله كان من دعاة الوحدة الإسلامية ما دام الإسلام دينها، ومحمد رسولها، والقرآن إمامها ونهجها في الحياة وأن الاختلاف الحاصل اليوم بين أبناء الأمة الإسلامية يعود أساسا إلى المطامع السياسية التي ظهر أثرها السلبي في الإسلام.
لقد بعث إليه الشيخ سليمان بن عبد الله الباروني رسالة منه أن يضع الحلول الجذرية لوحدة الأمة الإسلامية مبينا المرض وإعطاء الدواء الشافي.
يقول الشيخ السالمي رحمه الله (قد نظرنا في الجامعة الإسلامية فإذا فيها كشف الغطاء من حقيقة الواقع فلله ذلك الفكر المهدي لتلك الحقائق، نعم نوافق على أن منشأ التشتت هو اختلاف المذاهب وتشعب الآراء وهو السبب الأعظم في افتراق الأمة كما اقتضاه نظرك الواسع في بيان لجامعة الإسلامية منها: التحاسد، والتباغض والتكالب على الحظوظ العاجلة ومنها: طلب الرئاسة والاستبداد بالأمر، وهذا هو السبب الذي نشأ عنه افتراق الصحابة في أول الأمر في أيام علي ومعاوية.
ثم نشأ عنه الاختلاف في المذاهب وجمع الأمة بعد تشعب الخلاف ممكن عقلا مستحيل عادة والساعي ي الجمع مصلح لا محالة، وأقرب الطرق له أ، يدعو الناس إلى ترك الألقاب المذهبية ويحثهم على التسمي بالإسلام.
(إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلامُ) - آل عمران:19-
فإذا استجاب الناس إلى هذه الخصلة العظيمة ذهبت عنهم العصبية المذهبية، فيبقى المرء يلتمس الحق لنفسه، ويكون الحق أولا عند آحاده من الرجال ثم يظهر شيئا فشيئا فيصير الناس إخوانا.
وهكذا تدرك كل الإدراك أن الشيخ السالمي رحمه الله كان مثالا لحب الخير والدفاع عن مصير الأمة الإسلامية ووحدتها الجوهرية المقدسة يقول الله عز وجل :
(وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ) - المؤمنون:52-
فهذه الوحدة قائمة على وحدة العقيدة والعبادة.
( (1/16)
صفحة 17
إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) - الأنبياء:92-
(وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنَسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ) - الذاريات-
ومن هنا يتضح لنا أن الاختلاف الموجود بين هذه المذاهب يعود أساسا إلى المصالح الدنيوية، حب الزعامة والتحاسد والتباغض، وكل فرقة تدعي أنها على حق وصواب وغيرها في ضلال، فهذا الاختلاف هو النتيجة للفتنة الكبرى التي وقعت بعد ذلك بين المسلمين إلى يومنا هذا.
وكثيرا ما يتأوه قائلا: ذهب الوفاء ذهب الدين، ذهبت المرؤة، ذهبت الغيرة ذهبت الحمية طمع فينا الخصم- طلبنا بالمكائد، نصب لنا الحبائل وكان رحمه الله يقول:
حرب النصارى اليوم بالدواهي والكل منا غافل ولاهي
فيأخذون الدار بالخدائع وإنها أقوى من المدافع
إن هذه الحقيقة قد تجسمت في تاريخ أمتنا الإسلامية بسبب الاختلاف وعدم احترام رؤية الآخرين، فاستغل الخصم هذه الحلة فاستغلها وترك المسلمون الأصول الواضحة في القرآن الكريم، واستمسكوا ببعض الجزئيات وأدى بهم الأمر إلى تكفير بعضهم وهذا هو بعينه الخروج عن جادة الإسلام الصحيح.
وهكذا ندرك أن الدعوة المذهبية لا قيمة لها دون عمل إسلامي صالح كأن يقول المسلم: أنا إباضي، وأنا مالكي، وأنا حنبلي، وأنا شافعي وأنا شيعي.
إن الانتساب إلى هذه المذاهب كما يرى الشيخ السالمي، لا قيمة له ما ادم الإنسان لم يكن مسلما، ورعا تقيا، صالحا، لأن كل المذاهب الإسلامية تفقد قيمتها بدون أن تتمسك بالأصل الثابت وهو القرآن الكريم والسنة الشريفة، وهذا الأصل لا يجيز الفصل بأية حال من الأحوال بين القول والعمل، نحن لا نستطيع أن نقول لأي إنسان بأنك كريم جواد حتى يخرج ما يلزمه من المال الذي يملكه وبدون هذا فإن صفة الكرم ستفقد دلالتها ومعناها الحقيقي. (1/17)
صفحة 18
إن هذه الحقيقة تدرك بداهة ومن هنا نجد شيخنا الجليل الشيخ السالمي قد ركز في آثاره الفكرية على الربط بين القول والعمل الصالح يقول رحمه الله في كتابه القيم- جوهر النظام-:
وإنما الإيمان قول وعمل ونية فهو على هذا استقل
وفاته :
بعد رحلة طويلة مفعمة بالجد والاجتهاد والإخلاص والعمل الجاد في خدمة الإسلام والمسلمين علما وعملا قيادة وإصلاحا بناء وتأليفا ، وبعد أن وفقه الله لما يصبو إليه ويتطلع له أصيب في طريقه إلى بلد الحمراء حين ذهب لمناقشة علمية مع شيخه ماجد بن خميس العبري أثر اصطدامه بغصن شجرة أمبا ( مانجو ) ونقل إلى بلدة تنوف من أعمال نزوى وبعدها بأيام فارق الحياة ذاهبا إلى ربه وصلى عليه تلميذه أبو زيد محمد بن عبدالله الرامي وذلك بعد العتمة من ليلة الخامس من أغر الربيعين سنة 1332ه ، وقبره لا يزال موجودا ومعروفا ببلدة تنوف على سفح الجبل الأخضر ( فرحم الله نور الدين السالمي وأسكنه فسيح جناته ونفعنا بعلمه وسيرته وقيض لنا من أمثاله ).
رثاه أعظم شعراء عمان وقال عن نور الدين السالمي الشاعر الكبير أبو مسلم ناصر بن سلم الرواحي في قصيده المشهور:
نكسي الأعلام يا خير الملل رزىء الإسلام بالخطب الجلل
ثناء العلماء عليه : (1/18)
صفحة 19
إن للإمام السالمي (رحمه الله) المنزلة العظمى في قلوب العمانيين وغيرهم العامة قبل الخاصة فقد كان مهاب الجانب عظيم المنزلة في القلوب وأثنى عليه العلماء من عمان وخارجها من المذهب وغير المذهب يقول الشيخ عز الدين التنوخي عضو المجمع العربي بدمشق سابقا في مقدمته لشرح الجامع الصحيح للإمام نور الدين السالمي " .. وإذا اطلع المصنف على هذا الشرح وجد الشارح واسع الإطلاع وألفى شرحه واضحا مبينا وتعابيره صحيحة فصيحة أسلوبها المساواة فلا هي مسهبة مملة ولا مفرطة الإيجاز مخلة ، وأما أبحاثه فيها فإنها تدل على اعتدال في التحقيق وبعد عن التعصب " ويقول في موضع آخر " وإن الإنسان ليعجب كيف استطاع أن يؤلف تلك المكتبة في عمره القصير وهو لم يبلغ الخمسين " ويقول عنه الشيخ أبو إسحاق إبراهيم اطفيش الجزائري في مقدمة جوهر النظام " كان محبوبا معظما عند الأمة كلها كما إليه انتهت رئاسة العلم وقوله الفصل ولا فرق في ذلك بين أمير وملك وعالم وبين سائر الأمة "
ويقول عنه شيخنا المحقق أحمد بن حمد الخليلي عند كلامه في الندوة التي أحياها المنتدى الأدبي تكريما له " .. وإنني أؤكد بأن حياة هذا الإمام مهما تحدث عنها المتحدثون ، وألف فيها المؤلفون لما أوفوها حقها فحياته (رحمه الله) حافلة بجليل الأعمال وإنني لا أجد جملة موجزة تتحدث عن مقام هذا الإمام كما وجدتها في شطر بيت قاله شاعر العرب الشاعر الإسلامي الكبير أبو مسلم في قصيدة رثاه فيها عندما قال"جمع العالم في حيزومه "
وكفى بها وصفا لهذا الإمام لجليل كما أنني لا أنسى كلمات عذبة قالها شاعر عمان الكبير الشيخ عبدالله بن علي الخليلي في وصف هذا الإمام وإرادته عندما قال الذي هم فضاقت عن هممه همم الدهر وأراد فعجزت عن نفي إرادته إرادة الزمن "
رثاؤه : (1/19)
صفحة 20
رثي الإمام السالمي بمراثي عديدة من الشعراء وخاصة العمانيين ، وأشهر تلك المراثي قصيدتان للشاعر الإسلامي الكبير أبي مسلم ناصر بن سالم بن عديم الرواحي المتوفى سنة 1339ه فلم يترك لقائل بعده مقالا ولا لشاعر بعده مجالا، وأنا أقتطف بعض الدرر منها:-
أ - قال أبو مسلم في اللامية:
نكسي الأعلام يا خير الملل **رزئ الإسلام بالخطب الجلل
وانتثر يا دمع أجفان التقى** قد أصيب العلم واغتيل العمل
وانفطر يا قلب واستقصي الأسى** إن حبل الدين بالأمس انبتل
يا رجال العلم أودى قطبكم بل** جميع العلم أودى والعمل
فتكت بالسالمي المرتضى**غارة شعواء ما عنها حول
....................... ........................
عجبا من نعشه تحمله فتية** وهو على الكون اشتمل
جمع العالم في حيزومه** أترى العالم في القبر نزل
ب - وقال في الرائية :
مهلا همام الاستقامة ما الذي **غادرت من هول ومن اذعار
تمضى وترسلها العراك مروعة** والليل داج والذئاب ضواري
قومتها فتقومت فهجرتها** ياهجرة طالت على السفار
ارجع إليها حيث قل حماتها** ارجع فديتك يا غريب الدار
ارجع إلى الإسلام تمم نصره**فالعز تحت عمائم الأنصار
ارجع فان الاستقامة أرملت **ارحم يتيمك وهو دين الباري
ارجع تشاهد كيف دمع السيف** والعسال والأقلام والأسفار
........................ ........................
هيهات يا أسفاه لا رجعى وقد** جثمت عليك صفائح الأحجار
يثلون بالأثار بعد صحابها** ومثار حزني فيك بالأثار
يا طلعة الشمس استري عنا الضيا** وخذي الحداد مشارق الأنوار
سفران إن هدي لرشد أرشدا **من فجعتي لغير وقار
المراجع :
- الامام نور الدين السالمي ، جوابات الامام نور السالمي ، الجزء الاول ، الطبعه الثانية ،1999م
- قراءات في فكر السالمي – ( حصاد الندوة التي ألقامها المنتدى الادبي في الفترة من 4-5 ربيع الاخر 1413ه ) (1/20)
صفحة 21
- تحقيق. مشارق أنوار العقول، تأليف/إبراهيم بن ناصر الصوافي و أسعد بن حمود الصوافي ، و أحمد بن درويش السيابي ، و صالح بن سعيد المعمري
1419ه-1998م معهد العلوم الشرعية ص2،1 .
-نهضة الأعيان بحرية عمان / تأليف ،أبي البشير محمد شيبه بن نور الدين عبد الله بن حميد السالمي مكتبة التراث (لم تذكر الطبعة ولا سنة الطبع )
www.omania2.net
الفهرس
الصفحة ... الموضوع
1 ... المقدمة
2 ... اسمة ونسبة ومولدة
2 ... كنيتة
2 ... لقبة
2 ... صفاتة وأخلاقة
3 ... رحلاتة العلمية وتفوقة
5 ... مشايخه
5 ... تلامذتة
7 ... مؤلفاته
10 ... أخلاقه ودعوته إلى الوحدة الإسلامية :
12 ... وفاته :
12 ... ثناء العلماء علية
12 ... رثاؤة
14 ... المراجع (1/21)