صفحة 1
الكتاب: شموس الحق
المؤلف: زاهر بن سعود بن سيف السيابي
دار النشر: جمعية التراث
البلد: الجزائر
الطبعة: الأولى
سنة النشر: ربيع الثاني 1437هـ / جانفي 2016م
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الخامس (1230 عنوان): ربيع الثاني 1438هـ / جانفي (يناير) 2017م (قرص مضغوط) شموس الحق
تأليف:
زاهر بن سعود بن سيف السيابي
تصدير الشيخ الدكتور: مُراجعة وإعداد الأستاذ:
د. إسماعيل بن صالح الأغبري محمد بن أحمد جهلان
بسم الله الرحمن الرحيم
إهداء
إلى شباب أمَّة الإسلام ...
أُهدي هذه التراجم العطِرة
لِشُموسٍ أنارت لِلعالمِ أجمَع دُرُوبَ الحقِّ
ـ زاهر ـ
M
بقلم الدكتور إسماعيل بن صالح الأغبري
الصبحُ إذا تنفَّس، والفجرُ إذا انبلج، والشمسُ اذا أشرقت تَطرُدُ سوادَ اللَّيلِ بخيوطٍ ذهبيَّةٍ تنتشر شيئًا فشيئًا ليعُمَّ نورُها الأرض.
النجمُ بهِ يَهتدي السَّالكُون، والقمرُ إذا أنار فاكتملَ في طَلعتِه، حتَّى صار من هلالٍ يترقَّبُ طلعتَه كلُّ النَّاس إلى بَدْرٍ مُكتملٍ.
الكواكبُ تتلألأ، والزَّهراتُ في جوِّ السَّماء تُعانقُ بأنوارِها الأرضَ الفسيحةَ ...
ذلك وصفٌ أردتُه لِمَا جادَت به قريحةُ الأخِ العزيزِ المتألِّق الباحثِ «زاهر بن سعود السيَّابي» وما خطَّته يمينُه، وما سطَّرهُ يراعُه من جواهرِ الكلمِ، كاشفًا عن دُرَرٍ وجواهرَ من شمُوس الحقِّ التي بلغ صداها ذاتَ يومٍ المشارقَ والمغاربَ، وعمَّ غيثُها ربوعَ العالمينَ في عُمَانَ واليمنِ وخراسانَ والحجازَ وشمالِ إفريقيا ومصرَ والعراقِ وشرقِ إفريقيا، بل والأندلس.
«شموسُ الحقِّ» عبارةٌ عن مقالاتٍ مُتسَلسِلَةٍ أضاء بها كاتبُها صُحُفًا محليَّةً، عرَضَها عرضًا مُقتضبًا لدواعي النشر، ونظرًا للمساحةِ المخصَّصةِ لكلِّ كاتبٍ وقلمٍ ومفكرٍ.
«شموسُ الحقِّ» هو العنوانُ الذي اختارهُ أخونا «الزاهرُ» لكتابه الشائِقِ الرائقِ، بلُغةٍ خاليةٍ من التقعُّرِ والتكلُّف، قريبةٍ سلِسَةٍ سهلةٍ لمن أراد الاطِّلاع، فهو يُقدِّم مفاتيحَ لمن أرادَ دُخول بوَّابة شُموسِ الحقِّ ليعرِفَ عن إنجازاتِ تلكَ الشُّموسِ في كلِّ صَقعٍ. (1/1)
صفحة 2
إنَّ كتابَ شُموسِ الحقِّ يَرسُم لنَا مسارًا سارت عليهِ تلكَ الشُّموسُ؛ منهجُها مُستمدٌّ من دستورِ الأمَّة وكتابِها الخالدِ، ومن قُدوَةِ الأمَّة، نبيُّها محمد ح.
حمل هذا الدينَ مِن كلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ، خاصَّة بعدما جرى في هذه الأمَّة ما جرى على أمَمٍ سابقةٍ من تفرُّقٍ وتشتُّت فَجَلَى «الزَّاهِرُ السيَّابيُّ» حقائقَ ــ كثيرٌ من النَّاس لم يُدرِكها ــ وأبانَ عن أقوامٍ حمَلوا الرايةَ وفقَ المنهجِ الشرعيِّ.
وقفَ عند أهلِ النَّهْرَوَانِ أو المُحَكِّمةِ؛ وهي الفئةُ المؤمنةُ المُسَلِّمةُ أمرَها لربِّها؛ وهي الرعيلُ الزَّاكي من الصحابةِ والتابعينَ يَبغُونَ إصابةَ مبدأِ الحقيقةِ وعينِ الصوابِ، يرفضُون منهجَ التحكيمِ ويرَوْنَ بأنَّ حُكمَ اللهِ قد صدَرَ ولا حاجةَ لتحكيمِ غيرِهِ في حُكمٍ قد حَكَمَ به في كتابِهِ؛ وهوَ قِتالُ الفئةِ الباغيةِ وَأْدًا للفتنةِ، وخوفًا من استفحالِ أمرِ التمرُّدِ على الدولة، ودَرْءًا لكلِّ محاولةٍ فيها تَسَوُّرٌ على الشرعيَّة، من يريدُ البابَ المشروعَ وهو الانتخابُ الحرِّ النزيهِ واختيارِ الأمَّةِ الكُفْءَ منها بِغَضِّ النظرِ عن اللَّونِ أو العِرْقِ أو الجنسِ أو القوميةِ، وهو مبدأٌ مُرحَّبٌ به مقبولٌ لدى أُمَمِ الأرضِ، نطقَ به القرآنُ الكريمُ، فلا ميزةَ للهاشميِّ أو العربيِّ أو الأمازيغيِّ أو الكُردِيِّ أو الفارسيِّ إلاَّ بميزةِ التقوى والعملِ الصالحِ.
طبَّق أهلُ النَّهرَوَانِ النظريَّة واقعًا ملموسًا فانتخَبُوا لأوَّل مرَّةٍ شخصيةً مؤمنةً من غيرِ قُريشٍ، وهو الإمامُ عبدُ الله بنِ وَهْبٍ الرَّاسبيِّ. (1/2)
صفحة 3
ولمَّا كان رأيُ الشورى مَخُوفًا عند الوراثيِّينَ والقبليِّينَ رأوا أنَّ انتشارَ هذا الرايِ يُشجّع بقيَّة الأُمَمِ والشعوبِ للمطالبةِ بحقٍّ دُستُورِيٍّ مكفولٍ بالقرآنِ الكريمِ، لذلكَ كانَ القرارُ تصفيةَ أهلِ النَّهْرَوانِ إذْ تحالَفَ عليهِمَا النقيضَانِ المتصارعانِ على الرئاسةِ والسلطةِ من البيتِ القُرَشِيِّ، فكانَ استشهادُ أهل النَّهْرَوَانِ.
توُفِّي أهلُ النهروانِ ولكنَّ الفكرَ بقِيَ، وإن فَرَضَت عليه الحربُ النفسيَّةُ والإعلاميَّةُ وكُتَّاب الفِرَقِ والمقالاتِ الانزواءَ، فإنَّه مع ذلكَ بلغَ اليمنَ، وقامت له دُوَلٌ؛ أوَّلُها دولةُ "طالبِ الحقِّ" عبدِ اللهِ بنِ يحيى الكِنْدِي، وعضُدَاهُ أبُو حمزةَ الشارِي وبَلَجُ بنُ عُقبَة.
وبلغ أمرُه واستقرَّ في طرابلسَ الغربِ «ليبيا»؛ فكانت دولةُ أبي الخطَّابِ المَعَافِرِي، وذاق الناسُ طَعْمَ العدلِ والمساواةِ بين الجميع.
وقدَّرَ اللهُ أن ينبِتَ هذا المنهجُ القويمُ في شمالِ أفريقيَا كلِّها، وخاصَّة بالجزائرِ عاصمةِ دولةِ «بني رستُم» التي أسَّسَها الإمامُ عبدُ الرحمنُ بن رُستُمٍ الفارسيِّ، فأطاعه العربُ والأمازيغُ والفرسُ تطبيقًا عمَلِيًّا لمبدأ المساواةِ في المجالِ السياسيِّ والاجتماعيِّ الذي صارَ وكأنَّه معلومٌ من الدينِ بالضرورةِ عندَ خُلفاءِ أهلِ النَّهْرَوَانِ.
لم يُغفِل الكاتبُ في سلسِلَة كتاباتهِ الذهبيَّة أن يُعرِّجَ إلى عددٍ من جواهرِ ودُرَرِ شمالِ إفريقيَا؛ فعرَّف بعَمرُوسِ بنِ فتحٍ، وهو عالمٌ لا يُشقُّ له غبارٌ، وكفاه فخرًا وفضلاً أنَّه كان سببًا في حفظِ مدوَّنة أبي غانم الخراسانيِّ التي عكفَ على نسخِها مع أختِه، وهذه المدوَّنة تعكِسُ حقيقةَ الفقهِ الإباضيِّ الخالصِ الأصيلِ، ومن أرادَ التعرُّفَ على فقهِهِم قبل امتزاجِ هذا الفقهِ بفقهِ المذاهبِ الأخرى، فالمدوَّنةُ خيرُ دليلٍ وشاهدٍ. (1/3)
صفحة 4
ومن ضمنِ هذهِ السلسلةِ التي تحدَّث عنها الباحثُ المتألِّقُ، العلاَّمةُ محمَّد بنُ بكرٍ الفُرْسُطَائِيُّ؛ وهو من القاماتِ الكبيرةِ في سماءِ العلُومِ.
وعرَّج المؤلفُ إلى شخصيةِ الفيلسوفِ والمفكِّر والعقَدِيِّ والفقيهِ أبي يَعقوبٍ الوارجلانيِّ؛ وكتابُ «الدليلِ والبرهانِ» خيرُ شاهدٍ على غزارةِ علومِهِ.
تحدَّث المؤلِّفُ عن المفسِّرِ هودٍ بنِ مُحَكَّمٍ الهوَّارِيِّ، وفي تفسيره أخذَ عن بقيَّة المدارسِ إلاَّ أنَّه كان يتميَّزُ بالمحافظةِ على هويَّتِهِ الفكريَّة والعقديَّة، فكان يُنبِّه إلى كلِّ ما يُخالِف عقيدتَهُ.
تناول المؤلِّفُ أساطينَ أهلِ السياسةِ والعلمِ من المشارقةِ وحطَّ الرحالَ عند أوَّل إمامٍ بعُمان؛ شهيد الحربةِ وأبو الاستقلالِ العُمانيِّ، وملهمُ الأجيالِ كيفية الذودِ عن الإسلامِ والوطنِ «عُمان»، فقضى شهيدًا عام 134 للهجرة، على يد قوَّات الغزوِ العبَّاسي أيَّام السفَّاح.
أبى الإمامُ الشهيدُ الجُلَنْدَى بنُ مسعودٍ تسليمَ ميراث شيبانٍ الصّفريِّ لدولة بني العبَّاس، لأنَّ مالَ الباغي المسلِمِ لا يُغنَمُ، وإنَّما هو لورثَتِه؛ وليت العالمُ الإسلاميُّ يعودُ إلى سيرة الجُلَنْدَى فيتعلَّم حرمة أموالِ المسلمِ، وهو في ذلك يقتدِي بالنَّبي المصطفى ح، وبأسلافِه كأبي عُبيدة مُسلم بنِ أبي كريمةَ التميميِّ، وأبي حمزةَ الشَّاري، وبَلَجِ بنِ عُقبة.
حطَّ المؤلِّف رِحالَه عند أعلام آل الرُّحيلِ؛ بيت علم أبي سُفيان محبوبِ بنِ الرُّحيل، ومحمَّد بن محبوب، وأبناؤُه العلماء. ومن آلِ الرُّحيلِ الإمامُ سعيدُ بنُ عبدِ اللهِ الرُّحَيلي؛ وله رسالةٌ موجَّهة إلى الباغي على عُمان يوسفُ بن وجيهٍ، وهو من أفضل ما كُتِبَ في مجالِ التزامِ حقوقِ الإنسانِ في حالِ الحربِ، لذلك حريٌّ بِطلاَّبِ الشهادات العليا الكتابةُ عن هذا الكتاب. (1/4)
صفحة 5
ولم يُغفِلِ المؤلِّفُ الكتابةَ عن السبَّاق في روايةِ الحديثِ بسلسلةٍ ذهبيَّة، وهو الإمامُ الربيعُ بن حبيبٍ، الذي وَلِيَ أمرَ الإباضيةِ بعدَ وفاةِ عميدِهِم أبي عُبيدةَ مسلمِ بنِ أبي كريمةَ التميميِّ.
لم يُكثِرِ الربيعُ من روايةِ الحديثِ، وكذلك تخيَّر السَّنَدَ الذي يَروِي عنه؛ فمعظمُ سلسلتِهِ عن أبي عُبيدَة مُسلِم بنِ أبي كريمةَ عن جابرِ بن زيدٍ عن ابنِ عبَّاسٍ. وكأنَّه تشدَّد في شروطِ قُبُول الحديثِ، ومن هذهِ الشروطِ: المعاصرةُ، واللُّقيَا، بل والتتلمُذُ، ثمَّ ضرورةُ الفقهِ.
وهناكَ سلاسلُ أخرى كَتَبَ عنها الأخُ الفاضلُ الباحثُ الزاهرُ ... زاهرُ السيابي.
ينبغي على الخلفِ أن يَقرأَ عن السلفِ، وينبغِي على أصحابِ الدراساتِ العُليا أن يَكتُبُوا عن هذهِ الشَّخصِيَاتِ.
لم يتكلَّف المؤلفُ في انتقاءِ العباراتِ، وإنَّما سعى إلى لغةٍ سهلةٍ سَلِسةٍ يَعيها كلُّ طالبٍ للحقيقَةِ.
إنَّ المؤلفَ أرشَدَنا إلى البابِ، وعلينا فتحُه، ومَنَحَنَا المفتاحَ لنفتَح القُفلَ، فإذا دخلنا وجدنًا عالمًا كبيرًا من مآثرِنَا تنتظرُ الشبيبةَ للقيامِ بالتحقيقِ والتعريفِ أكثرَ فأكثر.
4 من صفر 1437هـ
16 نوفمبر 2015م
مقدمة
الحمدُ للهِ والصلاةُ والسلامُ على رسولِ الله وعلى آلهِ وصحبِه ومن والاه .. (1/5)
صفحة 6
أمَّا بعدُ؛ فإنَّ المتأملَ في تاريخ أمَّتِنَا العريقِ، والمجد الذي بلغَ ذِروَتَهُ في شتَّى مناحي الحياةِ، يُدرِكُ جيِّداً أنَّ العنصرَ البشريَّ هو وَقُودُ هذا النَّجاحِ، وهو العاملُ الرئيسُ في بلوغِ القمَّةِ وصناعةِ المجدِ، ولقد اهتمَّ المعلِّمُ الأوَّلُ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بهذا الجانبِ اهتماماً بالغاً، وركَّز جهودَهُ في صناعةِ الرِّجالِ وتَنشِئَتِهِم النشأةَ الصالحةَ، حتَّى يستطيعُوا أن يقُودُوا الأمَّةَ ويوصِلُوا الإسلامَ إلى بِقاع الأرضِ ... ثمَّ سارَ الصحابةُ من بعدِه على هذا النهجِ القويمِ، وتبِعَهُم بعدَ ذلكَ التَّابعينَ كالإمامِ جابرِ بنِ زيدٍرضي الله عنه، فاهتمَّ أيَّما اهتمامٍ بصناعةِ الرجالِ؛ فكان أبُو عُبيدَةُ، وأبُو بلالٍ، وضمَام بنِ السائِبِ، إلى آخر هذهِ السِّلسلَةِ النُورانيَّة العظيمةِ.
في هذا الكتابِ المتواضِعِ سلسلةٌ من تراجمِ عُلماءِ أهلِ الحقِّ والاستقامةِ في المشرقِ والمغربِ، والذينَ كانَ لهم الدورُ البارزُ في صياغةِ
التاريخ الإسلاميِّ المُضِيءِ، وقد كنتُ نَشَرتُ هذهِ السلسلةَ في جريدةِ «الرُّؤية» العُمانيَّة بلُغةِ الصَّحافةِ، وبِحسَبِ ما تقتَضِيهِ قوانينُ النَّشرِ في الصُّحفِ، ولم أراعِ فيهَا التوثيقَ التاريخيَّ، إلاَّ أنَّ مَراجِعي العامَّةَ كانت من كُتُبِ التاريخ، و السِّيَر والتراجِمِ والطَّبقاتِ، وكانَ نشرُ هذهِ السلسلة على هيئةِ مقالاتٍ وتحتَ عنوان «شموس الحقِّ». ثم عرضَ عليَّ أخي العزيز الأستاذ محمَّد بن أحمد جهلان طباعتها في كتابٍ مُستقلٍّ تتولَّى جمعيةُ التراثِ بغرداية (الجزائر) نشرَه، لتعُمَّ فائدته القارئَ في المشارقِ والمغاربِ، فاستجبتُ له، شاكرًا مُمتَنًّا .. فإن أحسنتُ فمن اللهِ، وإن أسأتُ أو أخطأتُ فمن نفسِي والشيطانِ ..
زاهر بن سعود بن سيف السيابي
نفعاء – بدبد: 28 من محرم 1437هـ
10 نوفمبر 2015م (1/6)
صفحة 7
أهلُ النّهْرَوَان ِ ... محبَّتهم قُربةٌ
نَدِينُ لِوَجْهِ اللَّهِ طَوْعاً بِحُبِّهِمْ *** وَمَا شَنَآنُ المُلْحِدِينَ مُضِيرُ
يُعدُّ أهلُ النَّهروَانِ الفئةَ التي رَفَضَت قُبولَ فِكرةِ التحكيمِ الَّتي حدثَت بين الإمامِ عَليٍّ من جهةٍ وبين مُعاويةَ من جهةٍ أخرى، ولا شكَّ أنَّ هذه المكيدةَ آلت إلى النتيجةِ المُتَّفقِ عليها؛ أنْ خدَع عَمْرُو بنُ العاصِ الداهيةُ أبا موسى الأشعريّ، فجعله يصعدُ على المنبرِ فيخلعُ عَلِياً من الخلافةِ، ثمَّ انصرف عَمْرُو وأهلُ الشامِ إلى معاويةَ وسلَّموا عليه بالخلافةِ، كما تتَّفقُ كلُّ المصادرِ على ذلك.
لقد رفضَ أهلُ النَّهروانِ فكرةَ التحكيمِ، لأنَّهم رأوا أنَّ الإمامَ علِيًّا هو الإمامُ الشرعيُّ المبايَعُ بإجماعٍ من كبارِ الصحابةِ، وعليه أن يُقاتِلَ الفئةَ الباغيَةَ حتَّى تَفِيءَ إلى أمرِ اللهِ، ولهذا فإنَّ أهلَ النَّهْرَوَانِ استمسَكُوا بإمامَة الإمامِ عَليٍّ كرَّم اللهُ وجههُ، إلى أن حَكَّمَ الرجالَ في أمرِ اللهِ وقَبِلَ التَّحكيمَ.
لم يكن أهلُ النَّهْرَوَانِ هُم من رَفَضَ التحكيمَ وحَسْب، بل هنالكَ الكثيرُ من الصحابةِ مَن كانوا يَرَون أنَّ التحكيمَ خُدعَةٌ من عَمْرِو بنِ العاصِ، وعلى رأسِ هؤلاءِ الصَّحابيُّ الجليلُ «عمَّار بنُ ياسر» رضي الله عنه، الذي واصل القتالَ حتى استشهد، وصدقَت فيه نبوَّةُ الرسول ح: «ويح عمَّارٍ ستَقتُلهُ الفئةُ الباغيِةُ». ومن الصحابةِ الذينَ رفَضُوا التحكيمَ أيضًا عبدُاللهِ بنُ عبَّاسٍرضي الله عنه، فقد جاءَ في الطَّبريِّ قولَ ابنَ عبَّاسٍ: «قَبَّحَ اللهُ رأيَ أبي مُوسى! حذَّرتُه وأمرتُه بالرأيِ فما عَقِلْ». ويستمرُّ الطَّبريُّ ليرويَ قولَ أبي مُوسى نفسِهِ: «حذَّرني ابنَ عبَّاس غدْرَةَ الفاسِقِ، ولكنِّي اطمأنَنْتُ إليهِ، وظَنَنتُ أنَّه لن يُؤْثِرَ شيئاً على نَصِيحَةِ الأمَّةِ». (1/7)
صفحة 8
كما أنَّ الإمامَ عليًّا كرَّمَ الله وجهَهُ لم يرضَ بنتيجةِ التحكيمِ؛ فقد جاءَ في خُطبتِهِ: «ألاَ إنَّ هذَينِ الرَّجُلَين اللَّذينِ اخترتُمُوهُما حَكَمينِ قد نَبَذَا حُكْمَ القُرآنِ ورَاءَ ظُهورِهِما، وأحْيَيَا مَا أمَاتَ القرآنُ، واتَّبعَ كلُّ واحدٍ منهُما هَوَاهُ بغيرِ هُدًى منَ اللهِ، فحكَمَا بغيرِ حُجَّة بيِّنَةٍ، ولاَ سُنَّةٍ ماضيةٍ، واختلفَا في حُكمِهِمَا، وكِلاهُمَا لم يَرْشُد، فبَرِئَ اللهُ منهُمَا ورسُولُهُ وصالحُ المؤمنينَ».
أمَّا أهلُ النَّهروَانِ أنفسُهم فقد كانَ فيهم أحدُ قادَةِ الفَتحِ، والذي فتَحَ الأهوازَ في خلافةِ سيِّدنا عُمَر س؛ وهو «حَرقُوصُ بنُ زُهيرٍ السَّعْدِيِّ»، وفيهم أيضاً «عبدُاللهِ بنُ وَهبٍ الرَّاسِبِي» الذي بايعهُ أهلُ النهروانِ إماماً لهم. وكان الراسبيُّ ذَا علمٍ ورأيٍ وفصاحةٍ وشجاعةٍ، أدرك النبيَّ صلى الله عليه وسلم وشهِدَ فتُوحَ العراقِ مع «سَعْدِ بنِ أبي وَقَّاصٍ»، وليس كما زعم ابنُ حزمٍ!
وفيهم أيضاً بقيَّةٌ نادرةٌ من أصحابِ رسولِ الله ح، كالصحابيِّ «زَيدِ بنِ حِصْنٍ» الخاشعِ الأوَّابِ، و «شجرةِ بنِ أوفَى السّلامِيِّ» وهو من أهلِ بدرٍ، و «عبدِالله بنِ شَجَرَة» و «يَزيدِ بنِ عَاصِمٍ» وإخوته الأربعة، وهم ممَّن بايعَ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم تحتَ الشجرةِ؛ أي أنَّهم من الذين رضيَ اللهُ عنهُم بنصِّ الكتابِ العزيزِ، و «هرم بنِ عَمْرٍو الأنصَاريِّ» وهو ممَّن قال الله تعالى فيهم: ژ? ? ? ? ?ژ (التوبة: 92).
جزَى اللَّهُ أهلَ النَّهرَوَانِ رِضَاءَهُ ... ومَا فَوقَ مَرْضَاةِ الإلَهِ أُجُورُ
كَمَا جَاهَدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ ... وقَامُوا بِمَا يَرْضَى وَفِيهِ أُبيرُوا
وَمَاتُوا كِرَاماً قَانِتِينَ وَكُلُّهُمْ ... عَلَى الموتِ صَبَّارٌ هُنَاكَ شَكُورُ
المعهدُ الإسلاميُّ العالميُّ الأوَّل (1/8)
صفحة 9
في الشطرِ الجنوبيِّ من العراقِ، تقعُ مدينةُ البصرةِ التاريخيَّة، تلك المدينةُ العريقةُ التي كانت تُمثِّل مركزَ الإشعاعِ الفكريِّ في العالمِ الإسلاميِّ؛ فمِنها خرَجَت المذاهبُ الإسلاميَّةُ، وفيها تكوَّنت الفرقُ الإسلاميَّةُ، وفي هذه المدينةِ أيضاً وُلِدَ الإمامُ الأكبَرُ «مُسْلِمُ بنُ أبي كَرِيمة التَّمِيمِي».
أخذَ الإمامُ أبو عُبيدةَ مُسلِم بنُ أبي كريمة العلمَ عن شيوخٍ أجلاَّء؛ مثل الصحابيِّ «صُحَار العَبْدِي»، و «جابرِ بنِ زَيد»، و «جعفر السمَّاك»، و «ضُمام بنِ السَّائِبِ» وهؤلاء هم أشهرُ علماء الإباضيَّة في مرحلةِ الكتمانِ.
اتَّصف الإمامُ أبو عبيدةَ بأخلاقٍ عاليةٍ أهَّلتهُ لأن يكونَ مِن أكبرِ دُعاةِ الإباضيةِ وأئِمَّتهم؛ فقد كان إلى جانبِ ما عُرف عنهُ من ورعٍ وتقوىً سديدَ الرَّأيِ نَيِّرَ البصيرةِ، وبهذا استطاعَ أنْ يَخلِفَ الإمامَ جابرَ بنَ زيدٍ في قيادةِ أهلِ الدَّعوةِ.
اهتمَّ الإمامُ أبو عبيدةَ بأمرِ الدَّعوةِ وبَثِّ الروحِ الإسلاميَّةِ بين المسلمينَ اهتماماً بالغاً، وجاهدَ في سبيلِ نشرِ دَعوَتِهِ جِهاداً عظيماً، ولم تزِدْهُ الضغوطُ السياسيَّةُ التي كانَ يُلاقِيها في البصرةِ إلاَّ عَزْماً وَتَمَسُّكاً بمبادئِ الإسلامِ الحنيفِ.
إنَّ الخمولَ، والعَجْزَ، والدَّعَةَ، والتَّوَاكُلَ، والعشوائيَّةَ، من العناصر الطارئةِ على أهلِ الدَّعوةِ، بل إنَّ أبَا عُبَيدَةَ – وهوَ مِنَ الأئِمَّةِ الأوائِل – كان سياسياً مُحنَّكاً، وداعيةً عَمَلِيًّا عالَمياً، ولا أدَلَّ على ذلكَ من الوسائِلِ المنهجيَّةِ المنظَّمةِ التي كانَ يَتبَعُهَا لنشرِ دَعوَتِهِ إلىَ الآفاقِ البَعِيدَةِ، تحتَ سَمْعِ الحُكُومَةِ الأمَوِيَّةِ الجَائِرَةِ. ومنَ الوَسَائِلِ التَّنظِيمِيَّةِ الَّتي استخدَمَهَا في سَبِيلِ ذَلِكَ؛ إِنشَاءُ مَعْهَدِهِ العَالَمِيِّ النُّورَانِيِّ. (1/9)
صفحة 10
إنَّ السيَاسَةَ الجائِرَةَ الَّتي كانَ يَتْبَعُها النِّظَامُ الأمَوِيُّ، والتَّضييقَ الخانقَ عَلَى أَهْلِ الدَّعْوَةِ دَفَعَا أَبا عُبَيدَةَ لأَنْ يَنْتَهجَ سِياسَةً صارمِةً في اختيارِ طَلَبةِ العِلْمِ، كما أنَّه كانَ حَذِراً مِنَ العُيُونِ والدَّسائِسِ؛ فاتَّخذَ سِرْدَاباً تحتَ الأرضِ لِيُعَلِّمَ فيه تلامِذَتَهُ وَأتبَاعَهُ شَتَّى العُلُومِ. وقد كانَ الطلبةُ يَقصِدُونَ ذَلِكُمُ "المعهدَ السِّرْدَابِيَّ" مِن شتَّى بقاعِ الأرضِ، واكتَسَبَ هذا "المعهدُ السِّرْدَابِيّ" الصِّفَةَ العالميَّةَ بسببِ التنوُّعِ الجغرافيِّ لِطُلاَّبِه.
أخذَ عَنْ أَبِي عُبَيدَةَ (عَمِيدِ المعْهَدِ) العديدُ من طلبةِ العلمِ، فمِنَ العراقِ هُناك «خَلَفُ بنُ زِيَادٍ البَحْرَانِيِّ»، و «المعتَمِرُ بنُ عمَارَةٍ»، ومن اليمنِ هُناك «طَالِبُ الحَقِّ الكِنْدِيِّ»، و «وَائِلُ بنُ أيُّوبٍ» و «عبدُ الأعلَى بنُ السَّمْحِ المَعَافِرِيِّ»، ومن الحجازِ «محمَّدُ بنُ سَلَمة المدَنِيِّ»، و «محمَّد بنُ حَبِيبٍ»، و «محبُوبُ بنُ الرُّحَيْلِ»، ومن عُمانَ هُناك «الرَّبيعُ بنُ حبِيبٍ الأَزْدِيِّ»، و «الجُلَندَى بنُ مَسعُودٍ»، ومن خُراسان «حاتمُ بنُ مَنصُورٍ»، و «هَاشِم الُخرَاسَانِيّ»، ومن مصر «عبدُالله بن عَبَّادٍ»، ومن بلاد المغرب الإسلاميِّ «محمَّدُ بنُ عبدالحميدِ الجَنَّاوْنِي» و «عَاصِمُ السَّدْرَاتِي» ... وغيرُهم كثيرٌ.
من سِردابٍ ضيِّقٍ تحت الأرضِ بدأت تَسطَعُ أنوارُ الإسلامِ الحقيقيِّ، ومن ذلِكُم المعهدِ النُّورَانِيِّ تخرَّجَ أئِمَّةُ العِلْمِ كالرَّبيعِ بنِ حبيبٍ، ومنه تخرَّجَ قادةُ الجيوشِ كأبِي حمْزَةَ الشَّارِي، ومنه أيضاً تخرَّجَ رُؤَسَاءُ الدُّولِ كطَالِبِ الحقِّ الكِنْدِي والجُلَنْدَى بنِ مَسْعُودٍ، وعَبدِ الرَّحمنِ بنِ رُسْتُم.
الإمامُ الرَّبيعُ، ومُسندُه الرَّفيعُ (1/10)
صفحة 11
وُلد الإمامُ الربيعُ بنُ حبيبٍ في "غَضَفَان"، بمنطقةِ "الباطِنَةِ" من عُمان، وذلك في النِّصفِ الثاني منَ القرنِ الأوَّلِ الهجريِّ، ونَشَأ في بيتِ علْمٍ وصَلاَحٍ؛ فقد كانَ أبُوهُ حَبيبُ بنُ عَمْرٍو رجلاً صالحًا، فاستفادَ من والده أوَّلاً في عُمَان، ثم انتقَلَ إلى البَصرَةِ، حيثُ كعبَةُ العلمِ والعُلَمَاءِ، فأخذَ عَن كبارِ التَّابِعينَ؛ «كالإمام جَابِرِ بنِ زَيدٍ»، و «أبِي عُبيدَةَ مُسْلِم بنِ أبِي كَرِيمَة»، و «أَبِي نُوحٍ صَالحِ الدَّهَّان»، و «ضُمَامِ بنِ السَّائِبِ»، وهؤلاءِ هُم رِجَالاتُ أهْلِ الدَّعوةِ الأَوَائِلُ. كما أنَّ الإمامَ الرَّبيعَ أخَذَ العلمَ عن شُيوخٍ من غيرِ الإباضية، «كمُحمَّدِ بنِ سيرِين»، و «مُجاهِدِ بنِ جَبْرٍ»، و «عَطاءِ بنِ أَبي رَبَاحٍ»، إلاَّ أنَّ الإمامَ الربيعَ يقُولُ عنْ نَفسِهِ: «إنَّما حَفَظتُ الفقهَ عن ثلاثةٍ: أبِي عُبيدَةَ، وضُمام، وأبِي نُوح».
تولَّى الإمامُ الربيعُ قيادَة أهلِ الدَّعوةِ بعد وفاةِ القائدِ الفذِّ والإمامِ الأكبرِ أبِي عُبيدَةَ مُسلِم بنِ أبِي كريمة، وصارَ المرجِعَ الأوَّل للإِبَاضِيَّةِ.
أخذ العلم َعن الإمامِ الرَّبيعِ خَلْقٌ كثيرٌ؛ فمِن عُمَانَ أخذَ عنهُ «بشيرُ بنُ المنذِرِ» و «مُوسى بنُ أبِي جَابرٍ» و «محمَّد بن المُعَلَّى» و «مُنير بنُ النيِّرِ» وغيرُهم، ومن حَضْرَمَوتَ أخذ عنه «أبُو أيُّوبٍ وائِلُ بنُ أيُّوبٍ»، ومن خوارزمَ وخراسانَ أخذ عنه «أبُو غَانِمٍ بَشْرُ بنُ غَانِمٍ الخُرَاسَانِيِّ» (صاحبِ المدوَّنَة)، و «أبو هَاشمٍ جريرُ بنُ نافِعٍ الخُرَاسَانِيِّ»، ومن مكَّةَ أخذَ عنهُ «أبُو سُفيَانَ مَحبُوبُ بنُ الرُّحَيْلِ القُرَشِيِّ»، ومن العراقِ أخذَ عنهُ الجمُّ الغفيرُ، منهم «أبُو زكَرِيَّا يَحيَى بنُ زكَرِيَّا الموْصِلِي». (1/11)
صفحة 12
يُعتَبَر الإمامُ الرَّبيعُ من أوائلِ الذين دوَّنُوا الحديثَ، ويُعتَبَرُ مُسنَدُهُ من أصحِّ كُتُبِ الحديثِ؛ لأنَّ مُعظَمَ الأحاديثِ التي رَواها الإمامُ الربيعُ عن الإمامِ أبِي عُبيدَةَ عَن جَابرِ بنِ زَيدٍ عن أحدِ الصَّحابةِ. وقد شهِدَ لَهُ «يَحيَى بنُ مَعِينٍ» في كتابه التاريخ وقال: «الرَّبيعُ بنُ حبيبٍ يَروِي عنِ الحَسَنِ وابنِ سِيرِينَ وهُوَ ثِقَةٌ». إلاَّ أنَّ المُسنَدَ لم ينَل حَظَّهُ منَ الشُّهرةِ للأسبَابِ السِّياسِيَّةِ والمذهبيَّةِ التي صَنَّفت رُوَّادَ وأعلامَ المدرسةِ الإباضِيَّةِ على أنَّهم مِنَ المُعَارِضِينَ السيَّاسِيِّين للسُّلطةِ المركزيَّةِ.
مُرَتِّبُ المسندِ هو «الإمامُ أبو يَعقُوبٍ يُوسُفُ بنُ إِبراهيم الوَارِجْلَانِيِّ»، وقد ضمَّ إليه آثارًا احتَجَّ بها الإمامُ الربيعُ على مُخالِفِيه في مَسائِلِ الاعتِقَادِ وغيرِها، وجعلَها في الجزءِ الثَّالثِ من الكتابِ. ثمَّ إنَّه ضَمَّ إلى ذلكَ رِوَاياتِ «مَحبُوبِ بنِ الرُّحَيْلِ القُرشِيِّ» عن الرَّبيعِ، ورواياتِ «الإمامِ أفْلَحَ بن عبدِ الوَهَّابِ بن عبدِ الرَّحمَنِ الرُّسْتُمِيِّ» عن «أبي غَانِمٍ الخُرَاسَانِي» ومراسيلَ «الإمامِ جابِرِ بنِ زيدٍ» وجعلها في الجزءِ الرابعِ من الكتابِ.
وأمَّا بالنسبةِ للقسمَينِ الأوَّلَين من المسندِ فإنَّهما يَضُمَّان الأحاديثَ التي تتنَاوَلُ القَضَايَا الشرعيَّة والدينيَّةَ. ووفقًا للربيع فإنَّ الأحاديثَ المرويَّة:
? عن السيدةِ عائشة: 68 حديثًا.
? وعن ابنِ عبَّاسٍ: 150 حديثًا.
? وعن أنسِ بنِ مالكٍ: 40 حديثًا.
? وعن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ: 60 حديثًا.
? وعن أبي هُريرَة: 72 حديثًا.
أمَّا الأحاديثُ المراسيلُ عن جابرِ بنِ زيدٍ فهي 180 حديثًا، وتلك التي عن أبي عُبيدَةَ فهي 88 حديثًا.
وتَرِدُ الأحاديثُ عبرَ الأسانيدِ التاليةِ:
? الربيع - أبو أيُّوب الأنصاريِّ – الرسول ح (1/12)
صفحة 13
? الربيع - ابن مسعود – الرسول ح
? الربيع - عُبادَة بنُ الصَّامت – الرسول ح
وعددُها 92، وبقيَّة الأحاديثِ التي أضافَها أبو يعقوب الوارجلانيِّ في القسمين الثالثِ والرابِع هي: 261 حديثًا.
إنَّ أهمَّ ما يُميِّز مُسندَ الإمامِ الرَّبيعِ كونُ أغلَبِ رواياتِهِ ثُلاثيَّةَ السنَدِ؛ وهذه ميزةٌ عظيمةٌ يُشِيدُ بها العلماءُ، ويؤلِّفون فيها المؤلَّفاتِ، فهذهِ الميزةُ تُقلِّلُ احتمالَ الخطأِ، وذلك لقُرْبِ الإسنادِ إلى الرَّسول صلى الله عليه وسلم وقلَّة الحلقَاتِ المُوصِلَةِ إليه. كمَا أنَّ ثلاثيَّةَ الإمامِ الربيعِ تتميَّزُ عن ثلاثيَّاتِ غيرِهِ من المُحَدِّثين بميزاتٍ هي كونُ رُواةِ هذه السِّلسِلَة الذهبيَّة في أعلى درجاتِ العَدَالةِ والضَّبْطِ، وطول ملازمةِ كلِّ راوٍ لشيخِهِ. وقد عُنِي علماءُ الإباضيةِ بمُسنَدِ الأمامِ الرَّبيعِ شرحًا ودراسةً وترتيبًا؛ فمِن الشُّروحِ والدراساتِ نذكُر ما يلي:
1. ترتيبُ مُسنَدِ الإمامِ الرَّبيعِ: للإمامِ «أبي يعقُوب يُوسُفُ الوارجلانيِّ».
2. حاشيةُ التَّرتِيبِ على المسند الصَّحيح: تأليف الشيخ «أبي ستَّة محمد بن عَمْرٍو» المعروف "بالمُحَشِّي".
3. مُختَصَرُ حَوَاشِي ترتيبِ مُسنَدِ الرَّبيعِ بنِ حَبِيبٍ: تأليف الشيخ «ضياءِ الدِّين عبدالعزيز الثَّمِينِي».
4. ترتيبُ التَّرتيبِ: للإمام القُطبِ «امحمَّد بن يُوسف اطفيَّش».
5. حاشيةُ الجامعِ الصَّحيحِ للربيعِ بنِ حَبِيبٍ الفراهيدي: للإمام «نورالدِّين السَّالِمِيِّ».
6. شرحُ الجامعِ الصحيحِ: «للإمامِ نُور الدِّين السالميِّ».
7. حاشيةٌ على مُسنَدِ الأمامِ الرَّبيعِ «لصالح بن عمر بن داود».
08 في رِحَابِ السُّنَّةِ، شرحُ الجامِعِ الصَّحِيحِ للإمَام الرَّبيع بنِ حَبِيبٍ: للشَّيخ «النَّاصرِ بنِ محمَّد المَرْمُورِي».
الإمامُ طالبُ الحقِّ الكِنْدِي ...
عدلٌ ومُساوَاةٌ (1/13)
صفحة 14
عاش الإمامُ «طالبُ الحقِّ عبدُاللَّهِ بنِ يحيَى الكِنْدِيِّ» في أواخرِ القرنِ الأوَّلِ والثُّلُثِ الأوَّلِ منَ القرنِ الثانيِ الهجريِّ، وهو من حَضْرَمَوت مِن بلادِ اليمنِ.
قال الدَّرْجِينِيُّ: «الإمامُ طالبُ الحقِّ عبداللَّه بنِ يحيى نِعْمَ الإمامُ الدَّاعِي إلى نُصرةِ الإسلامِ، غيَّر مَا كانَ حدثَ من الجورِ، حتَّى عادَ به العدلُ إلى الكَوْرِ بعدَ الحَوْرِ، فانمحت به ظُلَمُ الظُّلْمِ، فلم يبقَ حولَه إِلاَّ داعٍ إلى الإسلامِ والسَّلْمِ»، كما أثنى عليه الأصفهانيُّ فقال: «الإمامُ عبدُاللَّه بنِ يحيَى الكِنْدِيِّ أحدُ بني عَمرِو بنِ مُعاوية، كان في حَضْرَمَوْت، وكان مُجتهداً عابداً».
انتقلَ إلى البصرةِ مع أبي الخطَّابِ عبد الأعلى بن السمح المعَافِرِيِّ ليأخذ العلمَ عن أبي عُبيدَةَ مُسلِم بنِ أبِي كَرِيمَة، وضُمَامِ بنِ السَّائِبِ، ثم عادَ إلى اليَمَنِ وتولَّى مَنْصِبَ القَضَاءِ لإبراهيم بنِ جبلةَ الكنديِّ عاملِ القويسِم على حَضْرَمَوْت، إلاَّ أنَّه رأى الجورَ والطُّغيانَ من الأمويِّين، فقال لأصحابِهِ: «ما يَحِلُّ لنَا المُقَامُ على مَا نَرَى، ولاَ يَسَعُنَا الصَّبْرُ عَلَيهِ!»، فكتبَ إلى أبي عُبَيدَةَ مُسلِم يَستَفتِيه في الأمرِ، فجاءَ الجوابُ: «إذَا استَطَعْتَ فلا تَبقَ يوماً واحِداً»، وأمدَّهُ «بأبِي حمزَة المختَارِ بنِ عَوْفٍ السُّلَيمِي»، وصاحبِه «بَلَجِ بنِ عُقْبَةَ»، وكتَبَ إليهِ: «إنَّا بعَثْنَا لكَ اثنَيْ عَشَرَ رَجُلاً وألفًا!»؛ (يعني «بالأَلْفِ» بلَجَ بنَ عُقبةَ).
إنَّ أبَا عُبيدَةَ قد وَضَّح لأصحابِهِ المنهجَ السَّوِيَّ، وبيَّنَ لهم مَعَالِمَ الطَّريقِ في رسالتِهِ الَّتي بَعَثَها إليهِم، فقال: «إذَا خَرجْتُم فلاَ تَغْلُوا ولاَ تَغْدُرُوا، واقتَدُوا بِسَلَفِكُم الصَّالِحِينَ، وسِيرُوا سِيرَتَهُم، (1/14)
صفحة 15
فقَد عَلِمتُم أنَّ الذي أخرَجَهُم علَى السُّلطَانِ العَيْبُ لأَعْمَالِهِم»، ولقد عبَّر أيضًا عبدُاللهِ بنُ إباضٍ عن مَوقِفِ الإباضيَّةِ تُجَاهَ علاقتِهِم ببقيَّة الأمَّة الإسلاميَّة بقولهِ الشهيرِ: «لاَ نَقُولُ فيمَنْ خالَفَنَا إنَّه مُشْرِكٌ؛ لأَنَّ مَعَهُم التَّوحِيدُ والإِقْرَارُ بالكِتَابِ والرَّسُولِ، وَإنَّما هُمْ كُفَّارٌ بِالنِّعَمِ؛ ومَوَارِيثُهُم، وَمَنَاكِيحُهُم، والإقامَةُ مَعهُم حِلٌّ، وَدَعْوَةُ الإِسْلاَمِ تَجمعُهُم».
لقد سارَ الإمامُ طالبُ الحقِّ الكِنْديِّ على نهجِ أسلافِهِ الأوائلِ، واتَّبَع تعليماتِ قائدِه الفَذِّ، ويتَّضحُ ذلكَ من خلالِ الرسالةِ التي بعثَها إلى عامِلِهِ عبدِالرَّحمنِ بنِ محمَّد، والتي جَاءِ فيها: «إِنَّنَا لاَ نَقطَعُ الطَّرِيقَ علَى النَّاسِ ونقتُلُهُم لمجرَّدِ رُؤيَتِهم، مِن غَيرِ أنْ ندعُوَهُم أوَّلاً إلى إِدرَاكِ الحقِيقَةِ، إنَّنا نَدعُوهُم إلى الحقِيقَةِ» إنَّ ذلكَ الذِي يَقْبَلُ بِهَا يَتَمتَّع بجميعِ الحقوقِ التي يَتَمتَّع بِهَا
المسلمُونَ، وهو خاضِعٌ لِجميعِ التزامَاتِهِم، «أمَّا ذلكَ الَّذِي يُنكِرُ الحقِيقَةَ ويُقاتِلُنا فنُقاتِلُهُ ونَسأَلُ اللهَ أن يُؤَيِّدَنا ضِدَّهُ».
ويقولُ أيضاً: «هذِهِ سِيرَتُنا؛ نحنُ لاَ نُرَوِّعُ المُسلِمِينَ أو نَكْمُنُ لَهُم، نحنُ لا نُعَاقِبُ الأبرياءَ عنِ المُجرِمينَ، ولا الطَّيِّبِينَ عنِ الأشْرَارِ، ولاَ المرأةَ عنِ الرَّجُلِ، ولاَ الصَّغِيرَ عنِ الكَبِيرِ، نحنُ لاَ نقتُلُ النَّاسَ لِمُجَرَّدِ الرُّؤيَةِ بدُونِ دَعوَتِهِمْ إِلَى الحَقِيقَةِ أوَّلاً وإيضَاحِهَا لَهُم». (1/15)
صفحة 16
ويقول في الرسالةِ نفسِها: «إنَّ مَن يُقَاتِلُنا نُقَاتِلُهُ ونَبْحَثُ في مُمْتلَكَاتِهِ لِنَرُدَّ إلى أَصحَابِهَا تِلْكَ الحُقُوقَ الَّتي استَولَى عَلَيهَا، ونُعِيدُ إِلَيه مَا هُو حقٌّ لَهُ، مِنْ غَيرِ أنْ يَكُونَ قَدْ آذَى بِسَبَبِهَا أيَّ إِنسَانٍ آخَرَ، وَنُسَلِّمُهَا إلى أبنائِهِ وَوَرَثَتِهِ، لاَ غَنِيمَةَ وَلاَ أَسْرَى يُمكنُ أنْ تُؤْخَذَ مِنْ أَهْلِ القِبْلَةِ لأنَّهُمْ لَيْسُوا بِالمُشْرِكِينَ».
هذه هي سياسةُ الإمامِ طالبِ الحقِّ الكِنْدِيِّ ورِفَاقِه، بل إنَّ المبادئَ الَّتي تحدَّث عنها الإمامُ (:) في رسالتهِ هي نفسُها المبادئُ الَّتي تَسِيرُ عليها هذِهِ المنظومَةُ الفكريَّةُ الأصيلةُ؛ لذلكَ نجدُ أنَّ الإمامَ طالبَ الحقِّ عندمَا فتَحَ صَنعَاءَ أتَتْهُ أمَوالُ بَنِي أميَّة فقَسَّمَها في فقراءِ اليمنِ، ولم يَأخُذ منها شيئاً لنفسِهِ أو لأصْحَابِهِ. وأقامَ الإمامُ عبدُاللهِ بصنعاءَ أشهراً يُحسِنُ السيرةَ وَيُلِينُ الجانِبَ لِلرَّعِيَّة، فلمَّا كانَ وقتُ الحجِّ وجَّه «أبَا حَمْزَةَ الشَّارِي» و «بَلَجَ بنَ عُقْبَةَ» و «أَبْرَهَة بنَ الصَّباح الحِمْيَرِيِّ» إلى مكَّة، ثم أمره أن يُقِيم بمكَّة ويُوَجِّه بَلَجاً إلى الشَّام، وأقبل أبو حمزة المختَارُ إلى مكَّة فقدِمَها يومَ التَّرْوِيَة، ولمَّا انقضت أيَّامُ الحجِّ استولَى عليها، وتوجَّه منها إلى المدينةِ فخرجَ أهلُهَا لقتالِه، فالتقَوا في قريةِ قَدِيدٍ، وأمر جيشَه أن لا يتَعَرَّض إليهم، إلاَّ أنَّ أهلَ المدينةِ
بدَأوا بالقتالِ، ودخلَ أبو حمزَةَ المدينةَ، وخطَبَ خُطْبَتَهُ الشهيرةَ على مِنبَرِ رَسُولِ اللهِ ح. (1/16)
صفحة 17
صُدم «مُروانُ بنُ الحَكَمِ» بهذهِ الأنباءِ، وأرسَل «عبدَالمَلِكِ بنِ محمَّدٍ السَّعْدِيِّ» لمقاتلةِ أبي حمزةَ، وتقابلَ الجمعَانِ في وادِي القُرَى، وهُزِمَ الجيشُ الإباضيُّ، ممَّا جعلَ عبدَالملِكِ السَّعدِيِّ يتشَّجَعُ في السيرِ إلى اليمنِ لمقاتلةِ الإمامِ طالبِ الحقِّ الكِنْدِيِّ، والتقى الطَّرفانِ في منطقةِ "صَعْدَة"، وجرَتْ معاركُ عنيفةٌ، حتَّى قُتِلَ الإمامُ طالبُ الحقِّ الكِنْدِي (:).
الإمامُ الجُلَندَى بنُ مسعُود ...
مبادئُ وتضحيات
الجُلَنْدَى بنُ مَسعُودٍ، هو أحدُ بَنِي الجُلَنْدَى بنِ المسْتَكْبِرِ بنِ مَسعُودِ بنِ الجرَّارِ بنِ عَبدِ عِزِّ بنِ مَعُولَةَ بنِ شَمْسٍ، وهو أحدُ التلاميذِ النُّجبَاءِ الذين تخرَّجُوا من مدرسةِ أبي عُبيدَةَ. وقد بُويع بالإمَامَةِ سنَة 132للهجرة؛ فهو أوَّل من أرسى دعائمَ دولةِ الإمامةِ في عُمانَ، وسارَ بالدولةِ سِيرةً إسلاميَّة عادلةً نزيهةً.
إنَّ المنظومةَ الفكريَّةَ الإباضيَّةَ تُنَادِي بضرورةِ التَّعايُشِ السِّلْمِيِّ بينَ المسلِمِينَ، وتاريخُ هذهِ المدرسةِ حافلٌ بالنماذجِ العمَلِيَّة لذلك، ففي هذهِ السيرةِ العَطِرَةِ الَّتي سجَّلَها لنَا التاريخُ تتجلَّى المبادئُ الإسلاميَّةُ الأصيلةُ، وتَظهرُ لنا عرَاقَةُ هذا الفكرِ الذِي تربَّى عليهِ أولئِكُم الجهابِذَةُ الأفذَاذُ، فالمتأمِّلُ في تاريخ دولةِ الإمامِ الجُلندَى يجدُ (1/17)
صفحة 18
أنَّ الإمامَ تصدَّى بجيشِه للفكر التكفيرِيِّ الإقصائيِّ الذي حاولَ «شَيبَانُ الصُّفرِيُّ الخارجيُّ» أن يُدخِلَه إلى عُمَانَ، فدارت المعركةُ بين جيشِ الإمامِ وبينِ جيشِ شَيبَانَ، وانتهت بمقتلِ شَيبَان وهزيمةِ جيشِه. ثم جاء الجيشُ العبَّاسيُّ بقيادةِ «خَازِمِ بنِ خُزَيمَةَ التَّميمِيِّ» الذي أُرسِل لِمُحاربةِ شيبانَ الصفريِّ ولمحاربةِ دولةِ الإمامِ الجُلَندَى، فلمَّا علِمَ بهزيمَةِ شيبَان أرادَ أن يُكمِلَ مُهمَّتَه بإخضاعِ عُمَان للطَّاعةِ العبَّاسيَّةِ، والمطالبةِ بميراثِ شيبَان الصُّفرِي، الأمرَ الذِي رَفَضَهُ العمانيُّون لأنَّ أموالَ شيبَان لوَرَثتِهِ وليست غنيمةً تُستَحَلُّ، ولا يجوزُ الاعتداءُ على مالِهِ.
إنَّ هذا المبدأَ الذي تمسَّكَ به الجُلَندى وأصحابُه كلَّفهُم كثيراً، فقد وقعت معركةٌ بين الإمامِ الجُلَنْدَى وجيشِهِ والجيشِ العبَّاسِيِّ بقيادة خازمِ بنِ خُزَيمَةَ، انتهَت باستشهادِ الإمامِ الجُلَنْدَى وأصحابِهِ، وسقوطِ دَولَتِهِم، وحَرْقِ عاصمتِهِم والإطاحةِ بنظامِهِم.
وتذكُر لنا كتُبُ السِّيَر أنَّ جيشَ الإمامِ الجُلَنْدى قُتِلَ ولم يبقَ إلاَّ الإمامُ و «هِلالُ بنُ عَطِيَّةَ الخُرَاسَانِيِّ» فقال الجُلَنْدى لهلالٍ: «احمِلْ يا هلالُ! قال له: أنتَ إِمَامِي فكُنْ أمَامِي، ولك عليَّ أنْ لا أبقى بعدَكَ!»، فقاتَلَ الإمامُ وهلالُ بنُ عطيَّةَ حتَّى استَشهَدَا.
موقفٌ آخرُ في سيرةِ الإمَامِ الجُلَنْدَى يتجلَّى فيه العدلُ والمساواةُ؛ فقد ثبتَ أنَّ أبناءَ عمِّ الإمامِ قاموا بالتخابُرِ ضدَّ الدولةِ، فطُبِّقت عليهم عقُوبَةُ الخيانةِ العُظمَى، إلاَّ أنَّ أهلَ الحلِّ والعقدِ مِنَ العلماءِ رَأوا الإمامَ وقد دَمَعَت عينَاهُ، فظنُّوا أنَّ ذلك تَعَصُّباً لأبناءِ عمَّه فعزلُوه، فلما سألُوه عن ذلك قال: هيَ الرأفةُ والرحمةُ، فأعادُوهُ للإمامةِ. (1/18)
صفحة 19
لقد وصفَ العلاَّمةُ «المنيرُ بنُ النَّيِّرِ الجَعْلاَنِيِّ» الإمامَ الجُلَنْدَى وأصحابَه، وأحسنَ الوصفَ وأجادَ حين قال: «هُم أنوارٌ في الأرضِ،
وغُرَبَاءُ في النَّاس، يُعرَفُون بسِيمَاهُم، وكيف لا يكونُ كذلكَ مَن باعَ نفسَهُ ينتظرُ حَتْفَهَا صباحاً ومساءً، ليس له في شيءٍ من الأمورِ ولاَ لأحدٍ من النَّاس، دَنَتْ رَحِمُهُ أو بَعُدَت، أو عَظُمَ خَطَرُهُ أو صَغُر، أو ارتَفَعَ شأنُهُ أو تَوَاضَع، هَوىً، إلاَّ ما وافقَ الحقَّ، مع ما لا يُحصَى من أخلاقِهِم الحسنَةِ الجميلةِ الَّتي زيَّنَهم اللهُ بها في الدنيا، وترَكَ عليهم الثَّناءَ الحسنَ الجميلَ فيمن خَلَفَ بأعقابِهِم».
رحِمَ اللهُ تلكَ الأبدان، وأسْكَنَ أروَاحَهُم الجِنَان.
الإمامُ المَعَافِرِيُّ
أوَّل من لبَّى الاستغاثة
أبُو الخطَّاب عبدُ الأعلَى بنُ السَّمْحِ المَعَافِرِي الحِمْيَرِي اليَمَنِي؛ مِن عُلماءِ اليمنِ في القرنِ الثاني الهجريِّ، أخذَ علمَه عنِ الإمامِ أبي عُبيدَة مُسلِم بنِ أبِي كَريمَة في البصرةِ وهناكَ التَقَى بطلبَةِ بلاد المغرِبِ الإسلاميِّ الذين وَفَدُوا إلى أبِي عُبَيدَة لِطَلَبِ العِلْم.
بعد خمسةِ أعوامٍ من الدِّراسةِ في سِردَابِ أبي عُبيدَةَ انضمَّ أبو الخطَّاب المعافِرِيِّ إلى الوفدِ المغربِيِّ لمواصلةِ الدَّعوة هناك، وقبل أن يُغادِرُوا جامِعَتَهم، ويُفَارِقُوا شيخَهَم ومُربِّيهم قال أبو عُبيدَة لأبي الخطَّابِ المعافري: «أفْتِ بما سَمِعْتَ منِّي، وقال للجميع: إذا أَنَسْتُم مِن أنفُسِكُم قوَّةً فأعلنُوا دَولَتَكُم»؛ وأشارَ عليهِم بِعَقْدِها لأبي الخطَّاب المعافِرِي.
بعد أن بُويِعَ الإمامُ المعافريُّ بالإمامةِ توجَّه بجيشِه إلى طرابلس فخيَّرُوا والِيَها بين البقاءِ تحت لوائهِم أو الخروج حيث شاءَ. في هذه الأثناء تمكَّنت (1/19)
صفحة 20
وَرَفْجُومَةُ ـ القبيلةُ الصُّفريَّة ـ من هزيمة دولة «عبدِالرَّحمنِ بنِ حَبيبٍ» و «إلياسَ بن حبيبٍ» وسيطرت هذه القبيلةُ على القيروان ـ عاصمةُ الإقليمِ الأفريقيِّ ـ، إلاَّ أنَّ تلك القبيلةَ ظهر منها بعضُ المظالمِ من هَتْكٍ للأعراضِ، وسَلْبٍ للأموالِ، فاستغاثت امرأةٌ من القيروانِ بالإمامِ أبي الخطَّابِ المعافريِّ بعدمَا سمِعَت عن عدلِهِ، واستقامَتِهِ، ونَزاهَتِه، وإِنصافِهِ للنَّاسِ.
لم يَتَوَانَ الإمامُ المعافريُّ في تلبِيَةِ النداءِ؛ فقال: «لَبَّيكِ يا أُختَاهُ» ثلاثاً وبَكَى، ثم كسَرَ غِمْدَ سَيفِهِ، إشارةً واضحةُ منهُرضي الله عنه إلى عزْمِهِ على الجهادِ وتخليصِ القيروانِ مِنْ جورِ وَرَفْجُومَة، كما أنَّه نادى أنَّ الصلاةَ جامعةً، وجمع النَّاسَ في طرابلس وخَطَبَ فيهِم، وعرَضَ عليهم استغاثَةَ المرأةِ، ورغَّبَ الجميعَ في الجهادِ.
من هذه الحادثةِ العظيمةِ يتَّضح أنَّ الإمامَ المعافريَّ هو أوَّلُ من لبَّى نداءَ الاستغاثَةِ مِنَ الحُكَّامِ، إلاَّ أنَّ الأتباع نَسَوا تاريخَ أسلافِهِم، وتجاهَلُوا ماضِيَهُم المُشرِقَ، وتنكَّرُوا لتُراثِهِم الأصيل وزَهِدُوا فِيهِ. (1/20)
صفحة 21
قبلَ أن تبدَأ المعركةُ مع قبيلةِ وَرَفْجُومَة الصُّفريَّة خطبَ الإمامُ المعافريُّ خطبةً في أصحابهِ بيَّن فيها الاشتراطاتِ والمواصفاتِ الَّتي يجبُ أن يتحلَّى بها كلُّ مَن يُريدُ أن يُجاهِدَ معه، فقالَ لهم: «اطمَعُ لِمن ماتَ في هذِهِ الغَزْوَةِ الجنَّةَ، إلاَّ مَنْ فِيهِ إِحدَى ثَلَاثِ خِصَالٍ: قَاتِلُ نَفْسٍ ظُلْماً، وَقَاعِدٌ عَلَى فِرَاشٍ حَرَامٍ، وَمَنْ فِي يَدِهِ أَرْضٌ مَغْصُوبَةٌ، وَالمَخْرَجُ مِنهَا أنْ يَتَبَرَّأ مِنَ المرأةِ وَيَتُوبَ إِلَى اللهِ، وَلْيَتَبَرَّأ مِنَ الأرضِ وَلْيُشْهِدْ عَلَى تَرْكِهَا، وَلْيُقَدِّمِ القَاتِلُ نَفْسَهُ لأَوْلِيَاءِ المقْتُولِ، فإِنْ لَم يَجِدْهُم فَلْيَدْفَعْ نَفسْهُ فِي سَبِيلِ اللهِ».
إنَّها تصفيةٌ ذاتيةٌ للجيش كي يكونَ أُنموذجاً رائعاً للمجاهدينَ المخلِصِينَ الذينَ لن يَمَسُّوا الدمَ إلاَّ بوجهِ حَقٍّ، فضلاً أنْ يَمَسُّوا العِرْضَ والحقُوقَ. لذلكَ فَإِنَّه عندمَا وَقَعَ القِتالُ وانهزمَ جيشُ الصُّفريةِ وَوَلَّوا مُدبِرينَ، خَرَجَ أهلُ المدينةِ إلى مَوضِعِ القَتلَى فإذَا هُم بثيابِهِم لم يُسلَبْ أحدٌ مِنهُم، فقالت امرأةٌ: «كأنَّهُم رُقُودٌ!»، وسُمِّي الموضِعُ «رَقَّادَة». وخرجُوا إلى زُرُوعِهِم، فإذَا هي كما كانت لم يَقَع فيها فسادٌ ولاَ مَضَرَّةٌ.
الإمامُ عبدُالرَّحمنِ بن رُسْتُم
مؤسِّسُ الدَّولةِ الرُّستُمِيَّة
عبدُالرَّحمَنِ بن رُستُم بن بَهْرَامٍ، وُلد بالعراقِ في العقدِ الأوَّلِ منَ القرنِ الثَّانِي الهجريِّ، ويرجِعُ نَسَبُهُ إلى الأكاسرةِ مُلُوكِ الفُرسِ. سافرت عائلتُه إلى الحجازِ لأداءِ فريضةِ الحجِّ، إلاَّ أنَّ أباهُ وافاهُ الأجلُ، وتركَ عبدَالرحمن يَتِيماً، ثم تزوَّجت أمُّهُ برجلٍ مَغرِبِيٍّ وذهبَ بها وابنَها إلى القَيرَوَانِ. (1/21)
صفحة 22
أخذ عبدُالرحمنِ مبادئَ العلومِ في مدينةِ القيروانِ، وفي تلكَ الأثناءِ كانت الدَّعوةُ الإباضيَّةُ قد بدَأت تنتَشِرُ، فنَصحَهُ أحدُ الدُّعاةِ أن يُسَافِرَ إلى المشرِقِ إنْ أرَادَ الاستزادةَ من تعاليمِ المذهبِ الإباضيِّ، فانتَقلَ عبدُالرحمنِ إلى البصرةِ معَ جُملةٍ من طلبةِ العلمِ، وَقَضَوا خَمسَ سنِينَ في مدرسةِ أبي عُبيدَةَ مُسلِم بنِ أبي كريمة بالبصرةِ، ثم عادُوا إلى المغربِ وأقامُوا دولةَ الإمامِ المعافريِّ بِطرابلُس.
في دولةِ الإمامِ المعافريِّ كانَ عبدُالرحمنِ بن رُستُم والياً وقاضياً على القيروانِ، وفي معركةِ «تَاوَرْغَا» قادَ عبدُالرحمنِ بن رُستُم جيشاً يتكوَّن من إباضيَّة القيروانِ لمساندةِ الإمامِ المعَافريِّ، إلاَّ أنه فُوجِئَ بخَبَرِ انهزامِ الإمامِ قبلَ أن يَصِلَ إليهِ، فولَّى راجعاً إلى القيروانِ، ومن ثَمَّ ذَهبَ إلى جبَالِ «سُوفَجَّجْ»، وبعد أن استقرَّت الأمورُ قرَّر عبدُالرحمن بن رُستم بناءَ مدينةٍ تأوِيه وتَأوِي أتباعَهُ الإباضيَّة فأسَّسُوا مدينَة «تِيهَرْتَ» وهي في غرب الجزائر حاليًّا، واختيرَ عبدُالرحمن بن رُستُم إماماً لأوَّل دولةٍ إسلاميَّة مستَقِلَّةٍ بالمغربِ، وبهذا حقَّقَ عبدُالرحمن بن رُستُم ما كان يَطمَحُ إليه أئِمَّةُ المذهَبِ.
على الرَّغم أنَّ المذهبَ الرسميَّ في الدَّولةِ الرُّستُمِيَّة كانَ هو المذهبُ الإباضيُّ، إلاَّ أنَّ باقي المذاهبِ عاشَت في أمانٍ ووئامٍ وسلامٍ تحتَ
سُلطانِ الدَّولةِ الرُّستُمِيَّةِ؛ فقد اشتهرَت هذهِ الدولةُ بنظامِ الشُّورَى، والعدالةِ، والأمنِ، وقد عَرَفت مَساجِدُها وأسواقُها مناظراتٍ مَفتوحَةً بينَ العُلَماءِ وأهلِ الكلاَمِ. (1/22)
صفحة 23
وَصفَ «ابنُ الصَّغيرِ» الإمامَ في الدَّولةِ الرستميَّة بقوله: «فَسَارَ بِهِمْ سِيرَةً حَمِيدَةً، أوَّلُهُم وآخِرُهُم، ولم يَنْقِمُوا عليهِ في أحكامِهِ حُكمًا، وَلاَ في سَيْرِهِ سِيرَةً؛ وَسَارَت بِذَلِكَ الرُّكبَانُ إِلَى كُلِّ البُلْدَانِ».
وقالَ عن الدولةِ نفسِها: «قَوِيَ الضَّعِيفُ، واغتَنَى الفَقِيرُ، وَحَسُنَت أحوَالُهُم، وخَافَهُم جَمِيعُ مَن اتَّصَلَ بِهِ خَبَرُهُم، وَأَمِنُوا مِمَّن كانَ يَغزُوهُم، ثمَّ شَرَعُوا فِي العِمَارَةِ والبِنَاءِ وَإِحيَاءِ المَوَاتِ وَغَرْسِ البَسَاتِينِ».
لقد نشأت علاقةٌ وثيقةٌ بين الدَّولة الأمويَّة في الأندلس وبين الدَّولة الرُّستُميَّة، فقبلَ تأسيسِ دولةِ الأندلسِ كانَ «عبدُالرحمن الدَّاخِلِ» مُؤَسِّسُ دَولَةِ الأندَلُسِ مُقِيمًا بين بِنِي رُسْتُم الإباضيَّة في
المغربِ الأوسَط، وقد حافظُوا عليهِ وأجَارُوهُ، وبعد تأسيسِ الدولةِ الأمويَّة في الأندلسِ لم يَعُد أمَامَ هذهِ الدولةِ من منفذٍ سوى المغربِ الأوسَطِ، والذي كانَ تحتَ نُفوذِ الدولةِ الرُّستُمِيَّةِ الإباضيَّةِ، لذَا أصبحت الدولةُ الرُّستميَّةُ هي الشريانُ الوحيدُ الذي يستطيعُ أن يُغذِّيَ تلكَ الإمارةَ النَّاشِئَةَ بالحياةِ، ويتعاوَنَ معهَا سياسيًّا واقتصاديًّا وثقافيًّا.
هذه العلاقةُ، وهذا المنفذُ الوحيدُ، ضَمِنَ استمرارَ التدفُّقِ الحضاريِّ من المشرقِ إلى بلادِ الأندلسِ، واستطاعَ أمراءُ الأندلسِ أن يَحصُلُوا على ما يحتَاجُون إليهِ من كُنوزِ المشرقِ العربيِّ ومؤلَّفاتِه ومَخطُوطاتِه.
هكذا حرَصَت الدُّولُ الإباضيَّةُ التي قامت في المشرقِ والمغربِ على مبدأِ التعايُشِ السِّلمِيِّ بينَ جميعِ الطوائفِ الإسلاميَّةِ، واتَّخذَتهُ منهجاً في تعَامُلِهَا مع الغيرِ.
أبو عُبَيدَة الصَّغِير البِسْيَوِيُّ
"جِنِرَالُ الأخلاقِ الطيِّبةِ" (1/23)
صفحة 24
نشأ في "بِسْيَا" من أعمال ولاية "بَهلاَ" بعُمان. رحل إلى البصرةِ لأخذِ العلمِ عن الإمامِ أبي عُبيدةَ مُسلم بنِ أبي كريمة.
إنَّه العالمُ والفقيهُ والداعيةُ الكبيرُ عبدُاللهِ بنُ القاسمِ البِسْيَويّ الملقَّبُ "بأبي عُبيدَةَ الصغيرُ".
كان أبو عبيدة رجلاً وقوراً زاهداً، وصَفَهُ البدرُ الشمَّاخيُّ بقوله: «كانَ ممَّن حَازَ السَّبقَ في حلقةِ الرَّهنِ عِلماً وعَمَلاً، وغاصَ في بحورِ الزّهدِ والتقوى شاباً وكهلاً».
درسَ عبدُاللهِ بنُ القاسمِ في معهدِ أبي عُبيدةَ مُسلمِ بنِ أبي كريمةٍ بالبصرةِ، ذلكم المعهدُ الذي خرَّج أئمةَ العلمِ كالربيعِ بنِ حبيبٍ، وخرَّجَ أئمَّة الدُّول كالإمامِ طالبِ الحقِّ الكِنْدِي، وخرَّج قادةَ الجيوشِ كأبي حمزةَ الشَّاري، وخرَّجَ أيضاً الدعاةَ كسَلَمةِ بنِ سعدٍ، وأبي عُبيدَة الصغير عبداللهِ بنِ القاسمِ.
عملَ عبدُاللهِ بنُ القاسمِ في التجارةِ، وكان مثالاً يُحتذَى به في الأخلاقِ والأمانةِ والصِّدقِ، ولقد أشارتْ الوثائقُ التاريخيَّة الصينيَّة على أنَّ تاجراً يُدعى الشيخَ عبدَاللهِ قَدِمَ إلى ميناءِ «كانتُون». وفي البحثِ الذي كتبه «تشان زُون يان» أستاذُ التاريخ بجامعة بكين بعنوان «الاتصالاتُ الودِّية بين الصينِ وعُمان عبر التاريخ» ورد كتابٌ بعنوان «موجزُ تسجيلِ الأمورِ الهامَّةِ المختلفةِ في عهدِ أسرة سُون» وبصورة صريحة إنَّ المبعوثَ لدولة «ووشيون» (صحار) التابعةِ «لتاشي» (العرب) قد جاء لتقديم الهدايا إلى الإمبراطور الصيني.
لقد كان عبدُالله بن القاسمِ رئيساً لمنطقةِ سُكنى العرب والأجانب في مدينة «قوانشو» ولقد تحلَّى هذا الداعيةُ الكبيرُ بالأخلاقِ الطيِّبةِ، والصِّفاتِ العاليةِ، والسلوكِ المتميِّزِ، فلا غروَ فالمنهجُ القويمُ الذي يتبعُه هو الذي يستمِدُّ منه هذه التعاليم والصفاتِ المحمودةِ. (1/24)
صفحة 25
لما رأى الإمبراطورُ الصينيُّ (سُونْ زُون) هذه المعاملةَ النبيلةَ والأخلاقَ الفاضلةَ التي يتمتَّع بها ذلكم التاجرُ العُمانيُّ أصدر مرسوماً
يقضي بمنح عبدِاللهِ بنِ القاسمِ لقبَ «جِنِرالِ الأخلاقِ الطيِّبةِ» وهذا المرسومُ لا يزال محفوظاً ضمنَ مجموعةِ الشؤونِ الخارجيَّةِ للأديبِ الصينيِّ السياسيِّ (سُوشِي).
إنَّ هذهِ الأخلاقَ الإسلاميَّةَ الفاضلةَ التي تمتَّع بها عبدُالله بن القاسِمِ كانت سبباً رئيساً في نجاحِهِ التجاريِّ الكبيرِ، فقد أشارَ أحدُ الأدباءِ في عهدِ الأمبراطورِ (سُونْ زُون) أنَّ ممتلكاتِ عبدِاللهِ بنِ القاسمِ قد بلغت قيمتُها عدَّة ملايين (مِينْ)، في حين أنَّ التجارةَ الخارجيَّةَ الصينيَّةَ في عهدِ الإمبراطورِ (سُونْ) ـ وفي قمَّة ازدهارِها ـ فإنَّ الدخل السنويَّ للحكومةِ كان لا يتجاوزُ مليونَي (مِينْ)، هذا يعني أنَّ ممتلكاتِ عبدِاللهِ بنِ القاسمِ قد تجاوزت دخل التجارةِ الخارجيَّةِ السنويَّ لحكومةِ الصينِ آنذاك!
هكذا استطاعَ أبو عبيدةَ الصغير البِسيَوِي من خلال ممارستِه للتجارةِ وأخلاقِه الإسلاميَّةِ الرفيعةِ أن يدعوَ إلى دينِ الله، وينشُرَ الإسلامَ.
آلُ الرُّحَيْلِ ... مَناراتُ هُدىً
تُعد أسرةُ آلِ الرُّحَيلِ منَ الأسَرِ العلميَّةِ العريقةِ، وقد تسلسلَ فيها العلمُ، وتعاقبَ فيها العلماءُ، وترجعُ نسبةُ هذهِ الأسرةِ إلى الإمامِ العظيمِ محبُوبِ بنِ الرُّحيلِ بنِ سيفِ بنِ هبيرةِ القرشيِّ المخزُوميِّ؛ وهو عالمٌ فقيهٌ عاش في القرنِ الثالثِ الهجريِّ. (1/25)
صفحة 26
وُلِد أبو سفيان محبُوبُ بن الرُّحَيْلِ في البصرةِ في أوائلِ القرنِ الثاني الهجريِّ، وأصلُه من مكَّة المكرَّمة. تُوفِّي والدُه عنهُ وهو صغيرٌ، فتزوَّج الإمامُ الربيعُ بنُ حبيبٍ والدتَهُ، وهكذَا نشأ مَحبُوبُ في كنفِ الإمامِ الربيعِ وأخذ عنهُ العلمَ، وعن غيرِهِ من أئمَّةِ وعلماءِ ذلكَ الزمانِ؛ كالإمامِ الكبيرِ أبي عُبيدَة مُسلِم بن أبي كريمة، وكان من رُؤساءِ أهلِ الدَّعوةِ البارزينَ زمنَ الإمامِ الرَّبيعِ بنِ حبيبٍ. انتقلت إليهِ رئاسةُ المذهبِ الإباضيِّ بعدَ وفاةِ أبِي أيُّوب وائلِ بنِ أيُّوب.
أنجب أبو سُفيانَ ذريَّةً مُباركةً؛ ومن أشهرهِم أولادُه محمد وسفيان والمحبر، وحفيدَاهُ عبدُاللهِ وبشير أبناء محمَّد بنِ محبُوب، والإمام سعيد بن عبدِاللهِ بن محمَّد بن محبوب. أمَّا محمَّدُ بنُ محبوبٍ فهو عالمٌ فقيهٌ، وقاضٍ نزيهٌ عاش في آخرِ القرنِ الثاني وأكثر القرن الثالثِ، حفِظَ عن الشيخِ مُوسى بنِ عليٍّ وأبي صُفْرَةَ عبدِالملكِ بنِ صُفْرَة، وسمعَ عن هاشمِ بنِ عبدِاللَّهِ الخُرَاسَانِيِّ، ونقلَ عن المهلَّبِ بنِ سُليمانَ، وسعيدِ بنِ مَحرَز. وأخذَ العلمَ عنهُ كثيرُونَ؛ منهم أبو المؤثر الصَّلتُ بنُ خَمِيسٍ، وأبو مُعاويَةَ عزَّانُ بنُ الصَّقرِ، والفضلُ بنُ الحوارِي.
أمَّا سُفيانُ بنُ محبوبٍ، فقد كان فقيهاً عالماً ورِعاً، سكنَ مكَّة المكرَّمة موطن أجدادِه، وله من الآثارِ العلميَّةِ مراسلاتٌ مع أبي صفرةَ في خَلقِ القُرآنِ.
أمَّا محبَرُ بنُ مَحبُوب، فقد كان يُلقَّب «بالثِّقَةِ»، ففي بيَانِ الشَّرعِ: «حفِظَ محمَّدُ بنُ محبُوبٍ عن أبي صُفرَةَ قال: سألتُ وائلاً عن الأَمَةِ أشتَرِيهَا منَ الرَّجُلِ فيقولُ إنَّه استبرَأهَا بحيضَتَينِ؟ فقال: قال وائلُ ومحبرٌ معهَ في المحمَلِ إذَا كان مثْلَ مَحْبرٍ فنَعَم». (اهـ). (1/26)
صفحة 27
أمَّا عبدُاللهِ بنُ محمَّد بن محبُوبٍ، ففقيهٌ عالمٌ عاشَ في القرنِ الثالثِ الهجريِّ في صُحَار، أخذ العلمَ عن والدِه محمَّد بنِ محبوبٍ، وأبي مُعاويةَ عَزَّان بنِ الصَّقرِ. عاصر أحداثَ الفتنةِ وكان يبرَأُ من مُوسَى بنِ مُوسَى ورَاشِدِ بنِ النَّضْرِ.
أمَّا بشيرُ بنُ محمَّد بن محبُوبٍ، فهو كذلك فقيهٌ وعالمٌ عاش في القرنِ الثالث الهجريِّ. أخذَ العلمَ عن والدِه وعن أبي مُعاويَةَ عزَّان بنِ الصَّقر. كانَ مَرجِعَ عَصْرِه في العلمِ والقضاءِ وعلمِ الأحكامِ. عاصَر الفتنةَ آخرَ أيَّامِ الإمامِ الصَّلْتِ، كما عاصر الأحداثَ بعد ذلكَ في عهدِ الإمامِ عزَّان بنِ تميمٍ. عاش آخرَ عُمرِه في مكَّةَ حتَّى ماتَ، ولهُ العديدُ من الآثارِ العلميَّة؛ كموسوعةِ «الخزانةِ» الذي يقعُ في سبعينَ سِفْرًا.
أمَّا الإمامُ سعيدُ بنُ عبداللهِ بن محمَّد، فإمامٌ شَارٍ، وعالمٌ فقيهٌ، عاش في آخر القرنِ الثالثِ والثلثِ الأوَّل من القرن الرابعِ الهجريِّ. أخذَ العلمَ عن الحواري بنِ عثمانَ، وأبي إبراهيمَ محمَّد بن سعيدِ بنِ أبي بكرٍ، وأخذ عنه الجمُّ الغفيرُ مِنَ الطلبةِ؛ منهم العلاَّمةُ أبو محمَّد عبدُاللهِ بنُ محمَّد بن بَرَكَةَ البهلويُّ. بُويع بالإمامةِ سنة 320 هجري.
أبو غانمٍ الخُرَاسانيُّ ومدوَّنتُه
الإمامُ العالمُ الحافظُ أبُو غانم بِشْرُ بنُ غانمٍ الخُرَاسَاني مِن أهلِ خُرَاسَان، قدِمَ إلى البصرةِ لتلقِّي العلمِ على يدِ عُلماءِ الإباضيَّةِ وخاصَّةً أبي عبيدةَ، وإن كانَ لم يُدرِك مِن حياتِهِ إلاَّ قليلاً، إلاَّ أنَّه أخذَ العلمَ عن تلامِذَتِهِ، وعنهم دوَّنَ كتُبَه وأهمّها «المدوَّنةُ».
ذكرَ الخراسانيُّ في مدوَّنتِهِ العديدَ من العلماءِ الذينَ تلقَّى عنهُم العلمَ، ومنهم: الربيعُ بنُ حبيبٍ الفراهِيدِيِّ، ووائلُ بنُ أيُّوبٍ الحضرَمِي، ومحبُوبُ بنُ الرُّحَيْلِ، وعَمْرُو بنُ محمَّد القُدَمي. (1/27)
صفحة 28
كان أبُو غَانم الخُرَاسانِي متواضعاً أميناً، حافظاً للعلمِ، ساعياً في تدوينِهِ، كما عُرِفَ عنهُ كثرةُ مسْألَتِهِ لأشياخِهِ واستجوابِهِم، والتحرِّي في النقلِ، كما كانَ مُطَّلعاً على مُجريَاتِ التاريخ.
يُعتَبر كتابُ المدوَّنةِ لأبي غانم الخراسانيِّ كتابَ روايةٍ في الفقهِ، قيَّد فيه أبو غانم ما وصَل إليهِ من أقوالِ علماءِ المذهبِ الإباضيِّ الذينَ لَقِيَهُم وشافَهَهُم أو سمِعَ ممَّن شافَهَهم. وتتألَّفُ المدوَّنةُ من اثنَي عَشَر كتاباً في مُختَلِفِ فُروعِ الشريعةِ.
لا تنحصِرُ مادَّةُ المدوَّنةِ في أقوالِ العلماءِ فحسب؛ كما أنَّه لم يُرتِّب تلك الأقوالَ باعتبارِ قائِلِها لوجودِ أكثرِ من قولٍ في كثيرٍ من المسائلِ، ممَّا يضطرُّه إلى تكرارِ المسألةِ أكثرَ من مرَّةٍ، فضمُّ الأقوالِ مع بعضِها أفضلُ وأيسرُ من تفريقِها.
لقد كانَ الهدفُ الرئيسُ لتأليفِ أبي غانم هوَ خوفُهُ على الثروةِ العلميَّةِ من آراءِ وأقوالِ أئِمَّتِهِ وشيوخِهِ التي لم تُدَوَّن، وخشيتُه عليها مِن الضياعِ، ولهذا قَلَّ أن تَجِدَ رأياً لهُ في مسألةٍ مَا، وَمصدَرُه في الحصولِ على الأقوالِ إمَّا بسؤالٍ مُباشرٍ، وهو الأكثرُ، وإمَّا بسؤالِ أحدٍ في حَضرَتِه، وإمَّا بنقلِ شخصٍ ثالثٍ. وقد ضمَّت المدونةُ في ثناياهَا الكثيرَ من أحاديثِ الرسولِ ح، وأقوالِ الصحابةِ، وفقهاءِ المذهبِ الإباضيِّ والمذاهبِ
الأخرى، وقد أحصى أحدُ الباحثينَ عددَ كلٍّ منها فكانَ عددُ الأحاديثِ 140 حديثاً، وعدُد أقوالِ الصحابةِ 245 قولاً لعشرين صحَابِيًّا، وعددُ أقوالِ فقهاءِ المذهبِ الإباضيِّ 1907 أقوالٍ لستَّة عشرَ فقِيهاً من فُقَهائِه، وعددُ أقوالِ فقهاءِ المذاهبِ الأخرى 40 قولاً لعَشَرةٍ منهم. (1/28)
صفحة 29
خرجَ الخراسانيُّ إلى «تاهرت» مُروراً بمصرَ في عهد الإمامِ عبدِالوهَّابِ بنِ عبدالرحمن بنِ رُستم، فأضاف إلى مدوَّنتِه آراءَ الإمامِ ابنِ عبَّاد بروايةِ بعضِ إباضيَّة مصرَ عنُهُ. ثم إنَّ أبا غانم جازَ على «جبلِ نفوسَةَ»، فالتقى بعَمرُوسِ بنِ فَتِحٍ المَسَاكِنِي فتركَ عندهُ نسخةً من المدوَّنة، ثم مضى إلى الإمامِ عبدِالوهَّابِ، فعرضَ عليه مدوَّنتَه، ثم إنَّه مرَّ على عُمرُوس ليأخذَ منه نسختَه فوجدَهُ قد نسَخَها بدُونِ إذنِه فغَضِبَ عليه.
تُعدُّ المدوَّنةُ من أهمِّ كُتبِ الإباضيَّةِ، لأنَّها قدَّمت الكثيرَ من آراءِ الإباضيَّةِ في كثيرٍ من المسائلِ الخلافيَّة في المذهبِ نفسِه، وبينَهُ وبينَ المذاهبِ الأخرى.
الخليلُ بنُ أحمد الفَرَاهِيدِي
مَفخرةُ الإنسانيَّةِ
«منْ أرادَ أن ينظُرَ إلى رَجُلٍ مِن ذَهَبٍ وَمِسْكٍ فليَنظُر إِلى الخَليلِ». ... (المحدِّثُ سُفيانُ بنُ عَيينَة)
بهذه الكلماتِ البسيطةِ المعبِّرةِ استطاعَ المحدِّثُ المشهورُ سفيانُ بنُ عُيَيْنَةَ أن يَصِفَ الخليلَ بنَ أحمدٍ الفَرَاهِيدِيِّ، أحدَ كبارِ رجالاتِ الاستقامةِ والعلمِ ...
الخليلُ بنُ أحمد بن عَمْرو بن تميمٍ الفراهيدِيّ الأزْدِي. وُلد بقرية «ودَام السَّاحِل» في عُمانَ وذلك في العامِ المتمِّ 100 من الهجرةِ النبويَّةِ. نشأَ بها وتعلَّم، ثم انتقلَ مع أهلِهِ إلى البصرةِ، وفي البصرةِ عاشَ، وتوُفِّي، ودُفِنَ. (1/29)
صفحة 30
جاءَ في ترجمتِه في كتابِ «نور القبسِ» لأبي المحاسنِ يوسف المغموريِّ: لم نجد في نسبِهِ زيادةً على أسمِ أبيهِ، ويقول البصريُّون: لا يُعرَفُ أحدٌ سُمِّيَ بأحمدَ بعد النبي صلى الله عليه وسلم قبل أبيهِ، وهو من الأزدِ من حيٍّ يُقالُ لهمُ الفَرَاهِيدُ. وسُئِلَ: من أيِّ العربِ أنتَ؟ فقال: "فَرْهِيدِيٌّ"، ثمَّ سُئِلَ، فقال: "فَرْهُودِيٌّ". قال أبُو العبَّاس: قولُه "فراهيديٌّ" انتسب إلى فراهيدِ بنِ مالكِ بنِ فَهْمِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ مالكِ بنِ نَصْرِ بنِ الأزْدِ، وكان من أنفَسِهِم؛ صحيحَ النَّسبِ معروفَ الأهلِ؛ وقوله "فرهُودِيٌّ" انتسَب إلى واحدِ الفراهيدِ وهو "فرهُودٌ"، والفراهيدُ صغارُ الغنم. وكان من أهلِ عُمَان من قريةٍ من قُراها. ثم انتقلَ إلى البصرةِ. وكان مِن أزهدِ النَّاسِ وأعلاهُم نفسًا؛ وكان يعيشُ من بُستانٍ له «بالخريبة» خلَّفه لهُ أبوه. وكان يحجُّ سنةً ويغزُو سنةً إلى أن مَات.
إلاَّ أنَّ هناك من يَنسِبُ الخليلَ بن أحمد على أنَّه بصريٌ، وهذا ناتجٌ من أنَّ قبيلةَ الأزدِ التي تنتمي إليها قبيلةُ الفراهيدِ كانت قد سيطرت منذُ زمنٍ بعيدٍ في البصرةِ، فطبَعُوا البصرةَ بِطَابَعِهِم حتَّى قيلَ «بَصرَةُ الأزْدِ» تعبيرًا عن انتشارِهِم بهَا، وغَلَبتِهم عليها، وتأثيرِهِم في حياتِها الاقتصاديَّةِ والثقافيَّةِ والاجتماعيَّةِ. (1/30)
صفحة 31
كان الخليلُ بنُ أحمد رجلاً صالحًا، وَقُورًا، مُفرِطَ الذكاءِ، زاهداً، مُتقلِّلاً من الدنيا جدًّا، مُتقشِّفًا مُتعبدًا، صبورًا على خشونةِ العيشِ وضيقِه، وكان يقول: «إنِّي لأغلِقُ عليَّ بَابِي فمَا يُجاوزُه هَمِّي». وقد ذهبَ البعضُ على أنَّ الخليلَ بنَ أحمدٍ تركَ مذهبَهُ، ولم يُقدِّمُوا دليلاً واحداً على ذلكَ، سِوَى أنَّ الخليلَ تتلمذَ على أبي أيُّوب السختِيَانِي، وهذا الدليلُ مردودٌ عليه بأنَّ السخْتِيَاني نفسُه ممَّن تتلمذَ على الإمامِ جَابرِ بنِ زَيدٍ مؤسِّسِ المذهبِ الإباضيِّ.
يُعدُّ الخليلُ بنُ أحمد أحدَ أهمِّ أئمَّة اللُّغةِ والأدبِ، وسيِّدَ أهلِ الأدبِ قاطبةً في علمِهِ وزُهدِهِ، ومن أساطينِ العلمِ ونوابِغِ العالَمِ، ويرجعُ إليه الفضلُ في تأسيسِ علمِ العَرُوضِ، وَوَضعِ مُعجمِ «العَينِ» الذي يُعتَبرُ أوَّلَ مُعجَمٍ في اللُّغةِ العربيَّة.
والخليلُ هو الذي وضعَ شكلَ علاماتِ التَّشكيلِ في اللُّغة العربيَّة: (الضمَّةُ والفتحةُ والكسرةُ)، وكانت قبلَه نُقَطًا، يُفرَّقُ بينها وبينَ نقاطِ الأعجامِ بالألوانِ عندَ الكتابةِ.
تلقَّى العلمَ على يَدَيهِ العديدُ من العلماءِ الذين أصبحَ لهم شأنٌ عظيمٌ في اللغةِ؛ منهم سيبويهُ، والأصمعيُّ، والكِسَائيُّ، والنضرُ بن شُمَيلٍ، وهارونُ بنُ مُوسى النَّحويُّ، ووهبُ بنُ جريرٍ، وعليّ بن نَصرٍ الجَهضَميُّ.
الإمامُ عمروسُ بنُ فتحٍ المَسَاكِنِيُّ
الشيخُ العالمُ العلاَّمةُ عمروسُ بنُ فتحٍ المساكنيُّ النَّفوسيُّ؛ ويكنَّى «بِأبي حَفْصٍ» والمساكنيُّ نسبة لمنطقة «مَسَاكِن» الواقعةِ في «جَبلِ نفُوسةَ». وتذكُر كُتبُ السيَرِ أنَّه وُلِد في قافلةٍ كانت متوِّجهةً إلى الديارِ المقدَّسةِ لأداءِ مناسكِ الحجِّ سنة 190هـ تقريباً.
وعن نشأتهِ يقولُ الشيخُ علي يحيَى معمَّر: «نشأ في "قطرس" وفيها درسَ، وبلغَ هذه المرتبةَ السامقةَ من العلم». (1/31)
صفحة 32
لم تذكر المصادرُ الَّتي تحدَّثت عن العلاَّمةِ عمرُوسِ بنِ فتحٍ أسماءَ الشيوخِ الذينَ تلقَّى عنهُم العلمَ في المرحلةِ الأولى، أمَّا المراحل المتقدِّمة فقد ذكرت بعضُ المصادرِ أنَّ الشيخَ عمرُوس هاجرَ إلى المغربِ لِطلبِ العلمِ، وانقطعَ لمدَّةِ عشرين سنةً في المغربِ طلباً للعلمِ، وقد ذهبَ الباحثُ «أحمد كرَّوم» إلى أنَّ المقصودَ بالمغربِ
هو "تيهرتُ" عاصمةُ الدَّولةِ الرُّستُميَّة؛ إذْ كانت كعبةَ العلمِ والعلماءِ. في حينِ أنَّ الشيخَ الدكتورَ فرحات الجعبيريِّ يرى أنَّ المقصودَ بالمغربِ هوُ "بلادُ الجريدِ".
ومنَ المشايخِ الذينَ ثَبَتَ أنَّ الشيخَ عمرُوس تلقَّى العلمَ عنهم والْتَقَى بهم، عالمانِ جليلانِ وهُما العلاَّمةُ أبو غانمٍ بِشْر بنُ غانٍم الخُرَسَانِيّ، صاحبُ «المُدَوَّنةِ» المشهورةِ، والعلاَّمة أبو عبدِ اللهِ محمَّد بنِ محبوبِ بنِ الرُّحَيْلِ القُرَشِيِّ.
فالعلاَّمةُ أبو غانمِ الخُرَسَانِيّ التقى به الشيخُ عمرُوسُ عندَ خروجِ الأوَّلِ من المشرقِ إلى المغربِ للِقاءِ الإمامِ عبدِ الوهَّابِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ رُستُم، حاملاً معهُ مدوَّنتَهُ المشهورةَ ليَهدِيَها للإمامِ عبد الوهَّاب، فمرَّ في طريقِهِ بالشيخِ عمرُوس بجَبَلِ نَفُوسَة، وتركَ عندهُ نسخةً من المدوَّنةِ، وذهبَ بالأخرى إلى «تيهرت»، فقام الشيخُ عمرُوس ـ بمساعدةِ أختِه العالمةِ ـ بنسخِ المدوَّنةِ، فكانَ لهُ الفضلُ في المحافظةِ على هذَا السِّفْرِ الثمينِ. وأمَّا الشيخُ العلاَّمةُ محمَّد بنُ محبوبٍ فإنَّ الشيخَ عمرُوس التقى بهِ عندَ ذهابِهِ إلى المشرقِ لأداءِ مناسِكِ الحجِّ. (1/32)
صفحة 33
تولَّى الشيخُ عمرُوسُ القضاءَ بجبلِ نَفُوسَةَ في عَهْدِ الإمامِ محمَّد بن أفلح، وفي عهدِ الإمامِ يُوسُف بن محمَّد بن أفلَح. وممَّا يُؤثَر عنهُ أنَّه قال لأبي منصورٍ إلياس: «إنِ لم تَأذَنْ لِي بِقَتْلِ ثَلاَثَةٍ فَخُذْ خَاتَمَكَ: قَتْلُ مانعِ الحقِّ، والطَّاعنِ فِي دِينِ اللهِ، والدَّالُّ علَى عَوَرَاتِ المُسلِمِينَ».
في سنةِ 283هـ وقعت بين دولة الأغالبةِ وبينَ أهل نَفُوسَةَ معركةُ «مانُو» العنيفةُ، وقد شاركَ فيها الشيخُ عمرُوس، وكان قد بَلَغَ من العُمُرِ عتِيًّا، حيثُ أنَّ عُمُرَه كانَ في حدودِ الثالثةِ والتِّسعينَ، على فرضِ أنَّه وُلِد في سنة 190هـ كما تقولُ المصادِرُ.
لقد كانَ في آخرِ المعركةِ يحمي الجيشَ، ويذودُ عنهم، وكان على فَرَسٍ سابقٍ، فلم يَقدِر عليه الأغالبةُ، وعندما عجزَ عنهُ فُرسَانُ
الأغالبةِ، لجؤوا إلى الحيلةِ، فنصبُوا حبالاً في طريقِهِ، فعثرَ بِها فرَسُهُ، فأخذُوه أسيرًا، ومَضَوا بهِ إلى إبراهِيم بنِ الأغلبِ، فأراد «ابنُ الأغلبِ» أن يشمَتَ بهِ، فقالَ لهُ: «سَلْنِي العَفْوَ فَأعْفُ عَنكَ»، فأجابَ الشيخُ عمرُوس: «إنَّ الأَعْمَارَ بِيَدِ اللهِ، وَتِلْكَ كَلِمَةٌ لَنْ تَسْمَعَهَا مِنِّيَ أَبَدًا، وَلَكِنْ أَسْأَلُكَ فِي سَرَاوِيلِي هَذِهِ، لاَ تَكْشِفُونِي منهُ»، فحاولَ أن يَفتِنَهُ في دينِهِ وعقيدَتِهِ، فقالَ لَهُ: «إذَا فارْجَعْ عَمَّا أنتَ عَلَيهِ لِنترُكَكَ»، عندَ ذلِكَ انتَفَضَ الشيخُ عمرُوس، فقال بملءِ فِيهِ: «تِلْكَ كَلِمَةٌ لاَ أَقُولُها حَتَّى ألْحَقَ بِاللهِ»، فأمرَ ابنُ الأغلبِ بِقَرْضِهِ بِمَقَارِيضَ مِن حَديدٍ، فبدَؤُوا يَقرِضُونَ يَدَيْهِ، فلمَّا بلغُوا عَضُدَيهِ ـ بعدَ أن ظَلُّوا طَويلاً يَقطَعُونَ يَدَيهِ، ودِمَاؤُهُ تَسيلُ ـ فاضَت رُوحُهُ الطاهرةُ إلى بارئها. رَحِمَهُ اللهُ وَرفَعَهُ درجاتٍ في الجنَّةِ.
الإمامُ الوارثُ بنُ كعبٍ الخَرُوصِيُّ (1/33)
صفحة 34
الإمامُ الوارثُ بنُ كَعبٍ الخرُوصيُّ، من أهلِ بلدةِ «هجارٍ» من وادِي بنِي خَرُوصٍ بعُمان، يعدُّ الإمامُ الوارثُ أوَّلَ إمامٍ من بَنِي خَرُوصٍ مَعْدِنِ الدِّينِ والإيمانِ والعلمِ والعملِ.
ساهمَ الإمامُ الوارثُ قبلَ مُبايَعتهِ بالإمامةِ مساهمةً فعَّالةً في إزالةِ الإمامِ محمَّد بنِ عبدِ اللهِ بنِ أبي عَفَّانَ عن منصِبِه، وفي روايةٍ للإمامِ السَّالميِّ (:) يقول: «وقد خَرَجَ وارثٌ يُريدُ العسكرَ مناظرًا محتجًّا لابنِ أبي عَفَّانَ، إذ أرَادُوا عزلَهُ، فقالوا لِمُوسى: "مَن إِمَامُنَا؟ " فقال مُوسى بنُ جابرٍ الأَزْكَوِيّ: "أنَا إمَامُكمُ" فلمَّا وصلَ وارثُ إلى نزوَى أخذَ مُوسَى بيَدِهِ فقدَّمَهُ إِمَامًا».
وقال أبو الحسن: «بايَعُوا وارثَ بنَ كعبٍ علَى ما بُويِعَ به أئمَّةُ العدلِ، وعلى الأمرِ بالمعروفِ والنهيِ عنِ المنكرِ، والشراءِ في سبيلِ اللهِ،
وإظهارِ الحقِّ وإخمادِ الباطلِ، والجهادِ في سبيلِ اللهِ، وقتالِ الفئةِ الباغيةِ، وكلِّ فرقةٍ امتَنَعَت مِنَ الحقِّ حتَّى تفِيءَ إلى أمرِ اللهِ، لاَ يَستَحِلُّونَ منهُم غنيمَةَ مالٍ، ولا سَبْيَ عيالٍ، وانتحال هجرةٍ بعدَ النَّبيِّ ح، ولا يَسِمُونَ بالشِّركِ أهلَ القِبْلَةِ ما بَيَّنُوا الشهَادَتَينِ».
هذه هي المبادئُ التي سارَت عليها المدرسةُ الإباضيَّةُ منذُ نشأتِها، فالمنظومةُ الفكريَّةُ عند أهلِ الاستقامةِ تُنادي بعدمِ استحلالِ مالِ الفئةِ الباغيةِ، وعدمِ جوازِ سبيِ عيالهِم، فالتوحيدُ عاصمٌ لدمِ الموّحِدِ ومالِهِ وسَبيِهِ، ومَن أحَلَّ مالَ الموحِّدِ أو سَلَبَهُ أَشْرَكَ.
يقولُ الأزكَوِيُّ في كتابه «كشفُ الغُمَّةِ الجامعُ لأخبارِ الأمَّة»: «فوَطَأ الوارثُ أثرَ السَّلَفِ الصالحِ منَ المسلمينَ، وسارَ بالحقِّ وأظهرَ دعوةَ المسلمينَ، وأعزَّ الحقَّ وأهلَهُ، وأخمدَ الكُفْرَ ودَفَع اللهُ الجبَابِرَةَ ... » (1/34)
صفحة 35
ولقد حاولت الدولةُ العبَّاسيَّةُ في زمنِ الخليفةِ هارُون أن تضُمَّ عُمَانَ إلى مَملكَتِها وتحتَ سيطرتِها، فجهَّز هارونُ جيشًا كبيرًا بقيادةِ
ابنِ عمِّه عيسى بنِ جعفر بنِ المنصور، وعقَد لهُ لواءَ ستَّةِ آلافِ مُقاتِلٍ، فكتبَ والي صُحَار مقَارِش بن محمَّد اليَحمدِيُّ إلى الإمامِ يُخبِره بهذه الحملةِ، فكتبَ الإمامُ إلى واليهِ مقارش أن يُقاتِلَ الجيشَ العباسيَّ، فبعثَ إليهِ ثلاثَة آلافِ مُقاتِلٍ، فالتقى الجيشانِ العباسيَّ والعُمَانِيَّ في منطقةِ «حتا» شمالَ صُحَار، وانهزمَ عيسى ابنُ جعفَر، وأُسِرَ أغلبُ جنُودِهِ، وتمكَّن أبو حميد بن فليح الحدَّاني السَلُوتي ومعه عَمرُو بن عُمَر وجماعةً أخرى أن يأخُذ ثلاثةَ مراكبَ فهاجمُوا عيسى ابنَ جعفرَ ابنَ منصورٍ في البحرِ، فأُسِرَ وخرجَ به إلى صحارٍ فحُبِسَ هُناكَ.
ولما خرجَ الإمامُ الوارثُ بن كعبٍ من نَزْوَى للقاءِ عيسى بنِ جعفرَ بنِ منصورٍ أخبر بأنَّه قد سُجِنَ في صُحَار وأنَّ جيشَه قد هُزِم. بعد هذا النصرِ قامَ الإمامُ الوارثُ في النَّاسِ خَطِيباً فقال: «يَا أيَّها النَّاسُ إنِّي قاتِلٌ عيسى بنَ جَعفَر، فمن كانَ مَعَهُ قَولٌ فليَقُل»، فقالَ الفَقِيهُ عَلِيُّ بنُ عزرَةَ: «إنَّ قتَلتَهُ فوَاسِعٌ لَكَ، وإنِ ترَكْتَهُ فَوَاسِعُ لَكَ» غير أنَّ الإمامَ الوارثَ بنَ كعبٍ قد تركَه في السِّجنِ.
وفي الثالثِ من جُمادى الأولى سنة 192 للهجرة حلَّ بِعُمانَ سيلٌ جارفٌ، وطالت السيُّول السِّجنَ، فأصبَحت حياةُ السجناءِ مهدَّدةً، ولما عجَزَ الناسُّ عن إطلاقِ سراحِهِم، قال الإمامُ الوارثُ بنُ كعبٍ الخروصيِّ: «رعيَّتي أمانَتِي!»، فتوجَّه إليهم ليُنقِذَهم بنفسِهِ، فحملت الأوديةُ الإمامَ الوارثَ بنَ كعبٍ الخروصيَّ ومعهُ المساجينُ، فلمَّا توقَّفتِ السُّيولُ وهدأتِ الأوضاعُ وَجَد الناسُّ جثَّة الإمامِ على ضفَّة الوادي، فدُفِن الإمامُ (:) حيثُ وُجِدَ. (1/35)
صفحة 36
الإِمام ُهُودُ بنُ مُحَكَّم الهُوَّارِيِّ
الشَّيخُ العلاَّمةُ المفسِّرُ هودُ بنُ محكَّم بن هودٍ الهوَّارِيّ، من علماءِ القرنِ الثالثِ الهجريِّ، وهو مِن جِبالِ الأَورَاسِ بالجزائرِ، ويَنتسبُ الشيخُ إلى قبيلةِ "هُوَّارَة" التي سكنت في مواطنَ عدَّة كجبلِ نفُوسَةَ وبلادِ الجريدِ وغيرِها.
نشأ الشيخُ هودُ في بيئةٍ علميَّةٍ خصبَةٍ، فقد كان والدُهُ الشيخُ مُحكَّمُ بنُ هُودٍ الهوَّاريُّ عالِماً جليلاً، عيَّنه الإمامُ أفلحُ قاضيًا على "تِيهَرت" عاصمة الدَّولةِ الرُّستمُيَّة. يقولُ الأستاذُ "بالحاج بن سعيد شريفي": «والَّذِي يبدُو لنا أنَّه يكونُ قد أخذَ العلمَ أوَّلاً في مَراتِعِ طفولتِه ومرابِع صِباهُ عن والدِهِ، بعد حفظِهِ لكتابِ اللهِ».
تركَ لنَا الشيخُ هودُ (:) تفسيراً جليلاً كاملاً للقرآنِ الكريمِ، وهو "تفسيرُ كتابِ اللهِ العزيزِ"، ولقد ظلَّ هذَا التفسيرُ أكثرَ مِن أحَدَ عشَرَ
قرناً مَنسيًّا، إلى أن اكتُشِفت مخطوطاتهِ المتفرِّقة في بعضِ المكتباتِ الخاصَّةِ في مِيزَابَ وجِربَة، وانبرى لمهمَّة تحقيقِها الشيخ الأستاذُ بالحاجُ بنُ سعيدٍ شَرِيفي، فظلَّ يعملُ في خدمةِ هذهِ المكنوناتِ ما يُقارِبُ من عِشرينَ سنةً، حتى طُبع التفسيرُ بدارِ الغربِ الإسلاميِّ بلبنان. (1/36)
صفحة 37
أشارَ البرَّادِيُّ في كتابه "الجواهرُ المنتقاةُ" إلى هذَا التفسيرِ بقولهِ: «وكتابُ تفسيرِ القرآنِ الذي لِهُودِ بنِ مُحكَّم الهوَّاريِّ مُكوَّنٌ من سِفْرَينِ، ومُؤلِّفُه هودُ بنُ محكَّم الهوَّارِي له دورٌ في تثبيتِ العقائدِ الإباضيَّة والتصدِّي للدَّولةِ العبَّاسيَّة» (اهـ). وجاءَ أيضاً في "طبقاتِ المشَايِخ": «أنَّ رجلاً من "مَزَاتَة" قارضَ رَجُلاً بمالٍ فكان يتجَرُ بهِ، فبينمَا هو ذاتَ يومٍ في بعضِ شؤُونِه، إذَا بكتابِ تَفسيرِ القُرآنِ لِهُودِ بنِ محكَّم الهوَّارِي يُعرَضُ للبيعِ، فاشتراهُ وجاءَ بهِ إلى رَبِّ المالِ، فقال له: إنِّي اشتريتُ هذَا الكتابَ وهو لي دَونَكَ، وإنَّما لكَ رأسُ المالِ، فقالَ لهُ رَبُّ المالِ: بل هو لي دُونَكَ، وإنَّما لكَ نَصيبكَ من الربحِ، إن كانَ في مَتجَرِكَ رِبحٌ.
فتخاصمَا وتشاتمَا، حتَّى قامت معَ كُلِّ واحدٍ عشيرتُه مُتَعصِّبةً، وتآمرُوا على القتالِ، وتواقَف الفريقانِ وقد أشرفُوا على أنْ يتفَانَوا. فبلغَ ذلكَ أبا محمَّد جمَّالاً، فجاءَ مُبادِراً، فقال: إيتُوني بالكتابِ الذي أراكمُ تُريدُونَ أن تقتَتِلُوا عليهِ، فأتَوهُ بهِ ففتحَ وقصدَ مَوضِعًا منهُ، فإذا بينَ النِّصفَينِ وَرَقتَان بيضَاوَانِ، ففصلَ ما بين النِّصفَينِ، وضَمَّ إلى كُلِّ نصفٍ ورقةً بيضاءَ، وقطعَهُ بسكِّينٍ، وأعطى لِكلِّ واحدٍ منَ الخصمَينِ نصفًا، وقال: من شاءَ منكُما الآنَ إكمالَ الكتابِ المذكورِ فلينسَخ النصفَ الذي فاتَه .. فاصطَلَحَ الفريقانِ، وافترقَا على خيرٍ». (1/37)
صفحة 38
تميَّز تفسيرُ هُودِ بنِ محكَّم بسلاسةِ الأسلوبِ، وسهولةِ العبارةِ، وبالابتعادِ عن استخدامِ المُبهَماتِ، ويُعبِّر عن المعنى المرادِ بعبارةٍ مُوجَزةٍ قصيرةٍ رصينةٍ. يُعدُّ تفسيرُ كتابِ اللهِ العزيزِ لهودِ بنِ محكَّم من أوائلِ كتبِ التفسيرِ التي حَفَظَت للمدرسةِ الإباضيةِ تُراثَها العظيمَ، كما أنَّ تفسيرَ هُودِ بنِ محكمَّ اشتملَ في طيَّاتِه كتابَ تفسيرٍ يُعدُّ من أوائل كتُب التفسيرِ التي
ظهرت، وهو "تفسيرُ يحيى بنُ سلاَّم" والذي لا تزالُ مخطوطاتِه ناقصةً إلى يومِنا هذَا، كما ذكر الأستاذُ شريفي عند مقارنة مخطوطاتِ تفسيرِ هودِ بنِ محكَّم بمخطوطاتِ تفسيرِ يحيى بنِ سلاَّم، حيث يقول: «واليومَ وبعدَ أكثرَ مِن عشرِ سنواتٍ من التحقيقِ والمقارنةِ والاستقراءِ، أستطيعُ أن أقولَ بدونِ تَردُّدٍ: إنَّ الشيخَ هُودَ الهوَّاريَّ اعتمدَ اعتماداً كَثيراً إن لَم أقُل اعتماداً كُلياً على تفسيرِ ابنِ سَلاَّمٍ البَصرِي، ولو جازَ لي أن أضَعَ للكتابِ عُنواناً غيرَ الذِي وجدتُهُ في المخطُوطاتِ لكانَ العنوان هكذا: "تفسيرُ هودِ بنِ محكَّم الهواري – مُختصرُ تفسيرِ ابنِ سلاَّمٍ البَصرِي–" لأنَّ تفسيرَ ابنَ سلاَّمٍ أصلٌ لِتفسيرِ الشيخِ هُودٍ الهوَّاري، ما في ذلك شَكٌ. وهذَا هو عينُ الحقيقةِ والصوابِ، والأمانةُ العلميَّة تقتضي مني أن أجلُوَ هذا وأبيِّنه في تقديمي للكتابِ».
ويقول المحقِّقُ: «لقد أخذَ المتأخِّرُ كثيراً من المتقدِّمِ، ونقلَ عنهُ، ولكلٍّ منهُما فضلٌ وأجرٌ. واستفادةُ المتأخِّر من المتقدِّم لا غَضَاضَةَ في ذلك، فقد جَرَت سنَّةُ الله تعالى بين المؤلِّفينَ عموماً أن يأخُذَ اللاحقُ من السابقِ، وأن يستفيدَ المتأخرُ من المتقدِّم، ولكلٍّ منهُم طريقتُهُ وأسلوبُهُ، ولمَساتُه وإضافاتُه ... » (اهـ). (1/38)
صفحة 39
نعم، لقد استفادَ الشيخُ هودُ بنُ محكَّمٍ من تفسيرِ ابنِ سلاَّمٍ، ونقل منه ما يُوافِقُه عليه فقط، أمَّا الذي اختلَفَ معهُ فيهِ ولم ينسجِم مع عقيدتِه فقد عارضَهُ في ذلكَ ولم يُسلِّم له، بل إنَّ الشيخَ هودًا أضافَ ما يراهُ صحيحاً. وقد اتَّبع الشيخُ هودُ في تفسيرِه منهجَ تتبُّع الآياتِ آيةً آيةً، فيذكُرُ سببَ نزولِ الآيةِ إنْ وجدَ، ثم يذكُرُ إنْ وجدَ ما يناسبُ هذهِ الآية، وما لهُ صلةٌ بها من الآيةِ أو الآياتِ المشابِهةِ. وهو بهذا يعتمدُ القاعدةَ الأساسيَّةَ وهي "تفسيرُ القرآنِ بالقرآنِ".
الإمامُ أبو سعيدٍ الكُدَمِيُّ
هو الإمامُ محمَّدُ بنُ سعيد بنِ محمَّد بن سعيدٍ النَّاعِبِي، المعروف «بأبي سعيدٍ الكُدَمِي».
عاشَ في القرنِ الرابعِ الهجريِّ، وينتمِي إلى الطَّبقةِ الخامسةِ من عُلماءِ عُمانَ.
كان واحداً من كبارِ علماءِ عُمان المحقِّقين، إلى درجةِ أنَّه إذَا أطْلِقَ اسمُ «أبو سعيدٍ» قُصِدَ بِهِ هُو دُونَ غيرِهِ.
تلقَّى العلمَ على أشهرِ علماءِ زمانِه؛ أمثالَ الشيخِ محمَّد بن رَوْحٍ الكِنْدِي، والشيخِ رمشقي بنِ راشِدٍ، وأبي الحسن بنِ محمَّد النَّزْويِّ.
تتلمذَ عليهِ جماعةٌ من نجباءِ التلاميذِ الذين أصبحُوا بعدَ ذلكَ علماءَ، منهُم ابنُه سعيدُ بنُ محمَّد.
عاصرَ من العلماءِ أبَا إبراهيمَ محمَّد بن سعيدٍ الأزكوِيِّ، وعبد الله بن محمَّد بن أبي المؤثر ... ، وعاصر الإمامَينِ العادِلَين سعيدَ بن عبدِ الله القُرَشِيِّ، وراشِد بن الوليدِ الكِنْدِيّ السَّمَدِي النَّزوِي. (1/39)
صفحة 40
وقد ذكر الكُدَمِيّ من عاصرَهُ من الأئمَّةِ وهو الإمامُ سعيدُ بنُ عبدِ الله، وأثنى عليهِ ثناءً حسنًا، وحفظَ لنا سيرتَهُ وما جرى في إمامتِهِ من أحداثٍ، وذكرَ حميدَ خِصالِه، وأنَّه «كان (:) لرعيته هيِّنًا رفيقًا، بارًّا بهم شفيقًا، غضِيضًا عن عَوْرَاتِهم، مُقِيلاً لِعَثراتِهِم، بعيدَ الغضبِ عن مُسِيئِهِم، قريبَ الرِّضَا عن مُحسِنِهِم، مُساوِيًا في الحقِّ بينَ شريفِهِم ودنِيِّهم، وفقيرِهِم وغنيِّهِم، وبَعيدِهِم وعَشيرِهِم، مُنزِلاً لهم مَنازِلَهُم، مُتفقِّدًا لأمورهِم وأحوالِهم، ومُشاورًا لمن هُو دُونَه ... ». وعاصر أيضاً الإمامَ راشدَ بنَ الوليدِ الكِنْدِيِّ كما أسلفنا.
نشأ فقيرًا مِن زُخرُف الحياةِ يقتاتُ من نخلةٍ واحدةٍ يأكُل تمرَها، وكرمةٍ واحدةٍ يبيعُ ثمرَتَها لما يلزِمُه من كِسوَتِه. وقد تزوَّج نساءً مُوسراتٍ رغبنَ في علمِه وزَهَدَ في مالِهِنَّ، واغتَنَى بالقناعةِ، وتفرَّغَ للعلمِ تحصيلاً، ثم تدريسًا، وتأليفًا.
وصَفَهُ سماحةُ الشيخِ أحمَد الخليليّ بقولِه: «كانَ عالماً جليلاً، وكان شُجاعًا مِقدامًا، وبذلك كانت آراؤُه تتَّفِقُ مع شجاعتِه، وممَّا يُروى عنه قولُه: "من تشجَّعَ بعلِمِه كمن تورَّع بِه". وهو بعيدٌ كلّ البُعدِ عن التنطّعِ والجُبنِ، وقد قال بنفسِه: "ليسَ العالمُ من حَمَلَ الناسَ على وَرَعِهِ، وإنَّما العالمُ من أفتَى النَّاسَ بما يَسَعُهُم في الدِّينِ"».
ونظرًا لمكانتهِ العلميَّة فقد تولَّى الرّدودَ على الأسئلةِ التي كانت تَرِدُ إلى الإمامِ حَفصِ بنِ راشدٍ في قضايَا الإفتاءِ، وأصبحَ مَرجِعَ الإمامةِ في هذا الميدانِ. كما عُدَّ الكُدَمِيُّ إمامَ المذهبِ، واصطلح الإمام السالمي على تسميتهِ «الإمام» في كتابِهِ «مَشارق أنوارِ العقولِ».
مِن أبرزِ مؤلَّفاتِه: (1/40)
صفحة 41
«كتابُ الاستقَامةِ»: وقد ذكَر بنفسهِ سببَ تأليفِ كتابِ الاستقامةِ، بقوله: «فإنَّه لمَّا امتُحِنَ الضعفاءُ من المسلمينَ بفَقْدِ علمائِهم في الدِّين، عظُمَت عندَ ذلكَ المحنةُ، وانفتحَت عليهم أبوابُ
الفتنةِ، وانطلقَت عليهِم ألسنةٌ كانت مَحجُوزَةٌ، وظهرت ضغائنُ كانت مستورةٌ، ... وكثُرَ المدَّعُون للعلمِ بعدَ أن كانَ العلمُ قليلاً، ... غير أنَّا نُكنِّي عن ذكرِ كَثيرٍ من تلكَ الأسبابِ التي يَكثُر بذِكرِها الخطابُ، ويطولُ بوصفِها الكتابُ، ويُورِثُ بينَنَا الإِحَنَ والأعتابَ، ولا يبلُغُ بنا إلى فائدةٍ ولا شِفاءٍ».
نعم، لقد كان السببُ الرئيسُ لوضعِ كتابِ الاستقامةِ هو رأبُ الصدعِ وإطفاءُ نارِ الفتنةِ، وتوحيدُ الصفِّ الممزَّق بعد حادثةِ عزلِ مُوسى بنِ مُوسى للإمامِ الصلتِ بنِ مالكٍ، وتوليتِهِ راشدَ بنَ النَّضْرِ.
يُعدُّ كتابُ الاستقامةِ مَصدَراً تاريخيًّا هامًّا لتلكَ الحقبةِ التي عاشتها عُمَانُ، وما توَالى فيهَا من أحداثٍ تتعلَّقُ بالجانبِ السياسيِّ والدينيِّ والاجتماعيِّ.
«كتاب المُعتَبَر»: وهذا الكتابُ كان شرحاً لجامِعِ ابنِ جعفرَ الأزكَوِيِّ، أحد كُتبِ الفقهِ المعتمدةِ في الفتوى والقضاءِ بِعُمَانَ، تَعَقَّبهُ الإمامُ الكُدَمِيّ بالإيضاحِ، إلاَّ أنَّ أغلبَ أجزاءِ الكتابِ فُقِدَت، ولم ينجُ منها سوى جزآنِ.
كتابُ «زياداتُ الإشرافِ»: يقولُ عنه الشيخُ السالميُّ: «كتابُ زياداتِ الإشرافِ لأبي سَعيدٍ أيضًا، وذلكَ أنَّه تعقَّب كتابَ "الإشرافِ على مَذَاهبِ العُلماءِ" لأبي بكرٍ محمَّد بنَ إبراهيم المشهورِ بابنِ المنذِرِ النِّيسَابُورِيِّ المتوفَّى في سنة 317هـ، جمعَ فيهِ مذاهبَ الأمَّةِ، وتعقَّبَهُ أبُو سَعيدٍ في كُلِّ مسألةٍ ذكرَهَا، فصحَّحَ وضعَّفَ، وقرَّب وبعَّدَ». وقد طبعتهُ وزارةُ الأوقافِ والشؤونِ الدينيَّة بعُمان مؤخَّراً في حُلَّة قشيبةٍ. (1/41)
صفحة 42
«الجامِعُ المفيدُ مِن أحكامِ أبي سَعيدٍ»: وهو كتابٌ جُمِعَت فيهِ فتاوَى الإمامِ الكُدَمِيِّ. وقد طبعتهُ وزارةُ التّراثِ والثقافةِ في أربعةِ مجلَّدات.
الإمَامُ ابنُ بَرَكَة
هو الشيخُ العلاَّمةُ الأصوليُّ أبُو محمَّد عبدُالله بنُ محمَّد بن بَرَكَة السلِيمِيّ البَهْلَوِيّ، من عُلماءِ القرنِ الرابعِ الهجرِيِّ، وقد تتلمذَ على الإمامِ سعيدِ بنِ عبدِاللهِ بنِ محمَّد بنِ محبُوبٍ، والعلاَّمةِ أبي مالكٍ غسَّان بنِ الخَضِرِ الصَّلاَنِيِّ؛ وهو أكثرُهُم ملازمةً له، وكما تتلمذَ على يدِ العلاَّمةِ أبي مُروَان سُليمَان بن محمَّد بنِ حبيبٍ.
لقد غادر الشيخُ ابنُ بركة "بَهْلاَ" إلى "صُحَارَ" لتلقِّي العلمِ على يدِ أستاذِهِ الشيخِ أبي مالكٍ الصَّلاَنِيِّ الذي يقولُ عنهُ الشيخُ أحمد بن حمَد الخليليِّ: «إنَّه أيضًا من بَهلاَ وانتقلَ إلى صَلاَنَ بِصُحَارَ، ثم نُسِبَ بالصَّلاَنِي نسبةً إلى وادي صَلاَن حيثُ كانَ يسكُنُ جدُّهُ الخَضِرُ».
بعد أن رجعَ الشيخُ ابنُ بركةَ من صُحارَ وتلقِّيه العلمَ الغزيرَ على يدِ شيخهِ أبي مالكٍ الصَّلاَنِيِّ وغيرِهِ من العلماءِ؛ قامَ ببناءِ مدرسةٍ
خاصَّةٍ للتدريسِ فيها، فبنَى مدرسةَ ابنَ بركةٍ بمنطقةِ "الضَّرْحِ" من سفالة "بَهلاَ"، ويقالُ إنَّه تخرَّجَ منها ثمانُون عالماً من أصحابِنَا المَغَارِبَة، خِلافَ الطُلاَّب العُمانيِّين. لقد كانَ للشيخِ ابنِ بَركَةَ أموالٌ وبساتينُ كثيرةٌ وَقَفَها كلّها لِطلبةِ العلمِ، وكان لهؤلاءِ الطلبةِ مَسْكَنٌ داخليٌّ خاصٌّ بِهِم يشملُ التغذيَةَ والنومَ وممَّا شابَه ذلكَ من نظامِ الرَّاحةِ المتوفِّرة في ذلك الوقتِ.
ومِن أشهرِ تلامِذَتِه الشيخُ أبُو الحسَنِ البِسْيَوِيِّ، الذي نَهَجَ نهْجَ شيخِهِ أبي محمَّد بنِ بَركَة في البراءةِ من مُوسى بنِ مُوسى وراشدِ بنِ النَّظرِ في مسألةِ عزلِ الصلتِ بنِ مالكٍ الخرُوصِيِّ. (1/42)
صفحة 43
تزعَّم الإمامُ ابنُ بركةَ الفريقَ الذِي وقَفَ إلى جانِبِ الصَّلْتِ بنِ مالكٍ واعتبرُوا مُوسى وراشدًا بُغاةً ويجبُ البراءَةُ منهُمَا، وسُمِّيت هذه الفرقةُ «بالرُّستَاقِيَّة»، وهناك فريقٌ قام بالردِّ على هذهِ الفرقةِ وذلك بزعامةِ الشَّيخِ أبي سَعيدٍ الكُدَمِيِّ والشيخِ أبي عبدِاللهِ محمَّد بن رَوْحٍ،
وسُمِّيت هذه الفرقةُ بالفرقةِ «النَّزْوَانِيَّةِ»، وقد ألَّف الشيخُ أبو سعيدٍ الكُدَمِي كتابَ «الاستقامةِ» في ثلاثةِ أجزاءٍ، وذلك في الردِّ على الفرقةِ الرُّستَاقِيَّةِ، وكانت المدرسةُ النزوانيَّةُ تقفُ موقِفَ المحايِدِ من مُوسى بنِ مُوسى وراشدِ بنِ النظرِ.
كذلكَ هُناكَ فريقٌ ثالثٌ كان يقفُ مَوقِفَ المؤيِّد لموسَى ورَاشدٍ، إلاَّ أنَّ هذا الفريقَ لم يلبَث أن اِختَفَى بعدَ فترةٍ قصيرةٍ، وذلكَ بعدَ تفوُّق الفرقَتَينِ النَّزوَانيَّة والرستَاقيَّة.
وهكذا نجدُ أنَّ هاتين الفِرقَتَين النزوانيَّة والرستاقيَّة قد مثَّلتا تطوُّرًا فكريًا في عُمانَ؛ فكلُّ مدرسةٍ تُحاوِلُ أن تؤلِّف في علاقةِ الحاكمِ بالمحكومِ، ونظامِ الحكمِ في الإسلامِ، وما يتعلَّقُ بأمورِ اختيارِ الحاكم وسيرتِهِ تِجاهَ شعبِه.
مُؤلفاته:
ومِن أبرزِ مؤلَّفاتِ الإمامِ ابنِ بَركَةَ نذكُرُ ما يلي:
«كتابُ الجامِعِ» وهو الذي يُعتبَر من أوائِلِ الكتُبِ التي ألِّفَت في أصولِ الفقهِ في عُمَان، و «كتابُ التقييدِ»، و «كتابُ الموازنةِ» الذي ألِّف في موازنةِ أقوالِ من خَالفَهُ بأقوالِ من ضَلَّ مِنَ الأممِ.
ومما يُروَى عن الشيخِ ابنِ بَركَةَ أنَّه قال: «إنَّ القائمينَ بِعُمَانَ تركُوا ثلاثةَ أشياءٍ لا ينبغِي لهُم تركُها:
الأوَّلُ الوزارةُ: ينبغي أن يكونَ للإمامِ وُزَرَاءُ مأمُونُونَ تُقَاة، يُشِيرُون عليهِ بالأمرِ، فقد تَرَكُوا ذلكَ. (1/43)
صفحة 44
والثاني المنبَرُ: لا ينبغِي أن يَرفَعَ عليهِ إلاَّ رَجُلاً ثقةً مأمُونًا، يُؤمِّنُون على دعائِهِ، فقد تُرِك، ولعلَّهم يرفعُون عليهِ غيرَ ثقةٍ ولاَ مأمونٍ فيتكلَّم على النَّاس.
والثالثُ التعدِيلُ: فقد صارَ وِارَثَةً، لا ينظرُون لهُ أهلَ الفضلِ والوَرَعِ والصالحينَ. فهذِه الأشياءُ ممَّا تُرِكَت بِعُمَان .. » (اه).
لم تُسعِفْنا المصادرُ في تحديدِ تاريخِ وفاةِ الإمامِ ابنِ بَركَة إلاَّ أنَّ الشيخَ أحمَد بنَ سعُودٍ السِّيَابِيَّ يرى أنَّ وفاتَه بعدَ مُنتَصفِ القرنِ الرَّابِع الهجريِّ.
الإمامُ محمَّد ُبنُ بَكْرٍ الفُرْسُطَائِيُّ
أبُو عبدِاللهِ محمَّد بنُ بَكْرِ بن أبي بَكْرِ بن يُوسف الفُرْسُطَائِيُّ النَّفُوسِيّ، وُلد في النصفِ الثاني من القرنِ الرَّابعِ الهجريِّ، بمدينةِ "فُرْسُطَاء" بجبلِ نَفُوسَة، وصَفَهُ الدَّرْجِينِيُّ بقوله: «هُوَ الطَّوْدُ الذِي تَضَاءَلَتْ دُونَهُ الأَطْوَادُ، والبَحْرُ الذِي لا تُقَاسُ بِهِ الثِّمَادُ»، ويُعَدُّ أحدَ أعلامِ إباضيةِ المغربِ، وهو الذي أسَّس نظامَ العزَّابةِ.
أخذَ مبادئَ العلومِ في مَسقَطِ رأسِه "فُرْسُطَاء"، ثم تنقَّل بين عدَّة مُدُنٍ للاستزادةِ من الفنُونِ على يدِ أكابِرِ العلماءِ في زمانِهِ كالقيروانِ، وجربَةَ، والحامَّةِ؛ ففي القيروانِ أخذَ علومَ اللّغةِ العربيَّة وعلومَ الآلةِ، وفي جربةَ أخذَ علومَ الشريعةِ عندَ الشيخِ أبي زكريَّاءَ فَصِيل بنِ أبي مِسْوَرٍ بالجامع، وفي الحامَّةِ أخذَ العلمَ عن شيخهِ أبي نُوحٍ سَعيدِ بنِ زَنْغِيلٍ، فكانَ من تلاميذِه المتقدِّمين، كما جاءَ في «سِيَرِ الوَسيَانِيِّ». (1/44)
صفحة 45
فكَّر الشيخُ فَصِيلُ بنُ أبِي مِسْوَرٍ اليَهْرَاسِنِيُّ في تأسيسِ نظامٍ يحفظُ أمانَ وبقاءَ الإباضيَّة، فاختارَ لتجسيدِ الفكرةِ تلميذَه محمَّد بنَ بَكْرٍ، الذي قام بتقنينِ هذا النِّظامِ وتأسيسِهِ؛ فأطلقَ عليه تسمية «نِظَام العَزَّابَةِ»، وذلك بمساعدة وَلَدَيْ فَصِيلٍ: زكرياءَ ويُونُس، وبذلك يُعتَبَر فَصِيلُ صاحبَ الفكرةِ الأساسيَّة لنشأةِ نظامِ العَزَّابةِ، ومن ثمَّ سُمِّي النظامُ بـ: «السِّيرَةِ المِسْوَرِيَّةِ البَكْرِيَّةِ» نسبةً إلى فَصِيلِ بنِ أبي مِسْوَرٍ، ومحمَّد بنِ بَكْرٍ.
وفي «مُعجَمِ مُصطَلَحاتِ الإِباضيَّةِ» نقرأ: «"نظامُ العَزَّابِةِ" و"حَلَقَةُ العَزَّابةِ" و"هيئةُ العَزَّابةِ" و"مَجلِسُ العَزَّابةِ" كُلُّها مُصطلحاتٌ تُستَعمَلُ في المراجعِ مُترَادِفَات، وهي أصلُها تُمثِّل مراحلَ تَطوُّرِ النظامِ»، «والحلقةُ بدأت تربويَّة علميَّةً محضَة، بحيثُ يجلسُ التلاميذُ إلى شيخهِم في شكلِ حَلَقَةٍ دائريَّة، ويبدُو أنَّ هذا النِّظامَ سُرعانَ ما تطوَّر ليُصبِحَ بمثابةِ نِظامٍ اجتماعيٍّ سِياسيٍّ للجماعاتِ الإباضيَّةِ في مَناطِقِها ببلادِ المغربِ الأدنَى والأوسَطِ (في تلك الأزمنةِ)، أمَّا مُصطَلَحُ "العَزَّابةِ" فأطْلِقَ على تلاميذِ الحلقةِ، ثمَّ اقتصَرَ على شيوخِ الحلقةِ بعد ذلكَ».
إذن فهذا النظامُ بدأَ نظامًا تعليميًا دينيًّا بحتًا، ثم تطوَّر بعدَ انتقالِهِ من منطقة "وادي ريغ" إلى منطقةِ "وادِي مِيزاب"، ليُصبِح نظامًا شاملاً، يهتمُّ بكلِّ نواحي الحياةِ الفرديَّةِ والجماعيَّةِ، دينًا، واجتماعًا، واقتصادًا، وسياسةً شرعيَّة. (1/45)
صفحة 46
ويُصوِّرُ الشيخُ الوسيانيُّ تفاصيلَ نظامِ التعليمِ في حلقةِ العزَّابةِ بقوله: «وكان أبو يَعقُوبُ محمَّد بنُ يَدَّر الزَّنْزَفِي في "أَمَسْنَانْ" بجبَلِ نفُوسَةَ عادتُهُ يجلِبُ العزَّابَةَ المبتدئينَ من أهَالِيهِم، ويعلِّمُهم الأدبَ والسِّيَرَ، فإذَا وَصلُوا الشيخَ محمَّد بنَ سُدْرِين الوَسْيَاِني أقرأَهُم القرآنَ والإعرابَ والنحوَ، وإذَا وصلُوا الشيخَ أبا عبدِاللهِ محمَّد بنَ بَكْرٍ علَّمهم الدينَ والعلمَ والأصولَ؛ فمثَّلوا هؤلاءِ الثلاثة في "أَرِيغ" وقالوا: أبُو يعقوبَ القاطعُ للأعوادِ من الجبلِ حَزْمَاتٍ، والنجَّارُ أبو عبداللِّه محمَّد بنُ سُدْرِين يقطَعُ الحُزْمَاتِ ألواحًا، ويركِّبُها الشيخُ أبُو عبدِاللهِ محمَّد بنُ بَكْرٍ – رحمةُ اللهِ عليهِ – وَيُصْلِحُها ويُسنِّيها». (اهـ).
وقد نَظَّمَ الشيخُ أبو عبدِاللهِ مجلسًا للنساءِ، يتعَلَّمنَ منه، ومن العالماتِ اللائي تخرَّجن على يديه: أمُّ البختِ وأختُها.
ولم يكتفِ الشيخُ بالجانبِ العلميِّ، فقد كانَ بمثابةِ الإمامِ في جميعِ الأمورِ والأحكامِ، وفي أخصِّ الأحوالِ الشخصيَّةِ والعائليَّة والاجتماعيَّةِ، فعلَّمَ تلاميذَه الاعتناءَ بشؤونِ المجتمَعِ، وتبعُوهُ في سيرتِهِ، وورَثُوا مبادئَ هذا النِّظامِ المحكمَ وورَّثُوه للأجيالِ من بَعدِهِم؛ ولا يزالُ هذا النظامُ قائمًا إلى اليوم في قُرى "وادي ميزاب" و"وَارجلان"؛ يُديرُ شؤونَ المجتمعِ الدينيَّةَ، والأخلاقيَّةَ، والثقافيَّةَ، والاقتصاديَّةَ، والسياسيَّة ...
توفي الشيخ عام 440هـ، وقبرُه يُوجد في مقبرةٍ أمام غار بمنطقة تُدعى "آجْلُو"، وتُعرف اليوم باسم "بلِيدَةْ اعْمَرْ" بجنوب شرق الجزائر.
عائلةُ الإمامِ البَرَّادِيِّ
أبُو الفضلِ، أبو القاسم بن إبراهيم البرَّادِي الدُّمَّرِي، من «جَبَل دُمَّر» بالجنوبِ التُّونسيِّ، أو بما يُعرفُ اليومَ «بجبلِ الحوَايَة». (1/46)
صفحة 47
درَسَ في «دُمَّر» ثم انتقلَ إلى جزيرةِ جربة وتلقَّى العلمَ على مَشايِخَ مدرسةِ "وادِي الزبيبِ" بحومة «جَعْبِيرَة» وانتقل بعد ذلك إلى "يَفْرَنْ" بجبل نفوسة وتتلمذَ على أبي ساكن الشمَّاخي.
من أشهرِ مؤلَّفاتِهِ «الجواهرُ المُنتَقاةُ» والذي يُعتبر من أهمِّ الكتبِ التاريخيَّة عند الإباضيَّة، وتكمُن أهمِّيتُه في تسليطِ الضوءِ على أحداثِ الفتنةِ منذُ مقتلِ الخليفةِ عثمانَ، وما تلاها من فتنةِ مقتَلِهِ، ثم مَوقِعَةِ الجملِ، ثم معركةِ "صِفِّين"، وحادثةِ التحكيمِ، وانتهاءً بمعركةِ "النهرَوَانِ".
ومن عائلةِ المؤرِّخ البرَّادِي هناك أيضًا محمَّد بنُ أبي الفضلِ أبي القاسِم بن إبراهيمَ البرَّادِي؛ وهو نجلُ المؤرِّخِ صاحبِ الجواهرِ، وقد تتلمذَ محمَّد بنُ أبي الفضلِ على أبيهِ بجربةَ، وكانَ من المشايخِ المُشارِ إليهِم، وقد ساهمَ في تنشيطِ الحركةِ العلميَّة في الجزيرةِ الإباضيَّة.
? وهناك أيضًا ابنُهُ ا?خرُ عبدُاللهِ بنُ أبي الفضلِ أبي القاسم البرَّادِي، وقد تولَّى التدريسَ والإفتاءَ في مَوطِنِه الأصلِ «جَبَلِ دُمَّر».
? ومن هذه العائلةِ أيضًا الحفيدُ سليمانُ بنُ أبراهيمَ بن أبي القاسمِ بن إبراهيمَ البرَّادِي، وهو ممَّن تصدَّر حلقاتِ الإفتاءِ من العزَّابةِ، وقد أخذَ عن جدِّه صاحبِ الجواهرِ، كما درَسَ أيضًا بمسجد وادي الزبيبِ. وكان من أبرزِ الأعضاء في مجلسِ الشُّورى عند زكريا الصَّدَغْيَانيِّ.
? وهناك أيضًا يحيى بنُ عبدِاللهِ بن أبي الفضلِ أبي القاسِم بن إبراهيم البرَّادي؛ وهو أحدُ أحفادِ صاحبِ الجواهرِ، وقد تتلمذَ بجامع وادي الزبيبِ.
الإمامُ العلاَّمةُ أبُو يعقُوبٍ الوَارَجْلاَنِيُّ
الإمامُ العلاَّمةُ أبو يعقوب يُوسُفُ بنُ إبراهيمَ بنُ مَيَّادٍ السَّدْرَاتي الوارَجْلاَنيّ؛ من قريةِ "سَدْرَاتَه" بمنطقةٍ وارجلانَ بالجزائر. من عُلماءِ القرنِ السادسِ الهجريِّ. (1/47)
صفحة 48
جعلهُ الدَّرجينيُّ ضمنَ الطبقةِ الثانية عشرةَ (550 إلي 600 هجري). بينما عدَّه البارونيُّ من ضمنَ رجالاتِ الطبقةِ (500 إلي 550 هجري).
نشأ في موطنِه سَدْرَاتَه، وأخذ مبادئَ العلومِ علي عُلماءِ ورجلانَ، ومن شيُوخِه بها أبو سليمان أيُّوبُ بنُ إسماعيلَ، وأبو زكريَّا يحيى بنُ أبي زكريَّا، وتذكرُ المراجعُ أيضًا أنَّه تتلمذَ علي أبي عمَّار عبد الكافي التنَاوْتِي.
يقولُ أبو العبَّاس الدَّرجِيني عن جِدِّه واجتهادِه في العلم: «أقامَ سبعةَ أعوامٍ ملازماً دارَهُ لا ينصرفُ، فكان متى زارَهُ أحدٌ من الزوَّار
وجَدَهُ إمَّا ينسَخُ، وإمَّا يدرُسُ، وإمَّا يُقابِلُ، وإمَّا يبري الأقلامَ، وإمَّا يَطبخُ الحِبرَ، وإمَّا يُسفِّر كتاباً ... لا يَعدِلُ عن هذا الفَنِّ إلى ما سواهُ إلاَّ إِنْ قامَ إلى الفريضةِ، وكانَ إذَا اعتَمَدَ تأليفًا أو نَسخَ ديوانًا لا يهولهُ ولا يستعظِمُ منهُ صعوبةً ولا كثرةً فإنَّ لهُ على ذلك قُدرةٌ».
لمَّا استوعبَ أبُو يعقوبُ ثقافةَ وطنِهِ وتاقَت نفسُهُ للاستزادةِ منَ العلومِ فشدَّ الرحالَ إلى الأندلسِ، وأقامَ بقرطُبةَ، وحصلَ منهَا من مُختلِفِ العلُومِ، حتَّى كان الأندلُسيّونَ يلقِّبُونهُ «بالجاحظِ». ثمَّ عادَ لموطنِهِ، ولم يستقِرَّ طويلاً فسافرَ إلي إفريقيا، حتَّى وصلَ إلى قريبٍ من خطِّ الاستواءِ. ورحل أيضاً إلى الحجِّ، والتقى بعلماءِ الأمَّةِ .. كان لا يعرفُ لَه الكسلُ طريقًا، ولا النومُ سريراً.
لا شكَّ أنَّ هذه الرحلاتِ أثَّرت في تكوينِ شخصيتِهِ الفذَّةِ، فجعلت منهُ العالِمَ الموسوعيَّ؛ فكان الدرجينِيُّ يصفُه «بِبَحرِ العلمِ الزَّاخِرِ، المسخَّرِ للنَّفعِ، فتَرَى الفُلْكَ فيهِ مواخِرَ، الرَّفيعُ القَدرِ والهمَّة، الجامعُ لفضائِلِ كُلِّ أمَّة، المحتوِي على عُلُومٍ جمَّة ... ». (1/48)
صفحة 49
ويقولُ: «كان لهُ في كلِّ جوٍّ مُتنفَّس، ومِن كُلِّ نارٍ مُقتَبَس، لهُ يدٌ في علمِ القُرآنِ، وفي علمِ اللِّسانِ، وفي الحديثِ والأخبارِ، وفي روايةِ السِّيَرِ والآثارِ، وعلمِ النَّظرِ والكلامِ، والعلومِ الشرعيَّةِ؛ عِباداتِهَا والأحكامِ، وعلمِ فرائضِ المواريثِ، ومعرفةِ رجالِ الأحاديثِ، ولم يَخْلُ مِن اطِّلاعٍ في عُلومِ الأقدَمِينَ، بل حَصلَ معَ ملازمةِ السنَّةِ قطعةً من علمِ الحُكَماءِ المنجِّمينَ».
أسهمَ إسهامًا كبيرًا في إثراءِ المكتبةِ الإسلاميَّةِ بشكلٍ عامٍّ؛ والمكتبةِ الإباضيَّةِ بشكلٍ خاصٍّ، فقد تركَ آثارًا علميَّة في مُختَلِفِ العُلومِ؛ منها مَا هُو مطبوعٌ، ومنها مَا هُو مخطُوطٌ، ومنها مَا ضاعَ معَ حوادثِ الزَّمانِ. فمن مُؤَلَّفاتِهِ:
? «العدلُ والإنصافُ» في أصولِ الفقهِ؛ في ثلاثةِ أجزاءٍ، طبعته وزارةُ التراثِ القوميِّ والثقافةِ بعُمان.
? «الدليلُ والبرهانُ»؛ في ثلاثة أجزاءٍ، طُبع قديماً بالمطبعةِ البارونيَّة بمصر، ثم طُبع بوزارةِ التراث القومي والثقافة عام 1983م، ويعدُّ هذا الكتابُ من مراجعِ أصولِ الدِّين في المذهبِ الإباضيِّ.
? «تفسيرُ القرآنِ الكريمِ»؛ في سبعينَ جزءًا، ولكن للأسفِ الشَّديدِ مازالَ مفقُوداً إلى هذَا الوقتِ.
? «الجامعُ الصحيحُ»؛ قام الشيخ رضيَ اللهُ عنهُ بترتيبِ مُسنَدِ الإمامِ الرَّبيعِ بنِ حبيبٍ؛ فسمَّاه الجامعَ الصحيحَ.
? «رسالةٌ في تراجِمِ رجالِ المُسنَدِ» اعتُبِرت مَفقُودةً ثم عَثرَت جمعيةُ التراثِ بالجزائر على قسمٍ منها.
الشيخُ أبُو ساكِن عَامِر الشَّمَّاخِي (1/49)
صفحة 50
هوَ أبُو سَاكِن عَامِرُ بنُ عليّ بنِ عامِر بنِ يَسِّفَاوْ الشَّمَّاخِي. وُلِد عام 700 هجري، نشأ الشيخُ عامرُ في أسرةٍ شريفةٍ، عريقةٍ في الدِّينِ والأخلاقِ العاليةِ، وكانَ أبوهُ مشهورًا بالصلاحِ مُستجابَ الدَّعاءِ، وكانَ يُعَدِّي القَوافِلَ منَ اللُّصوصِ والمحاربين، وإذَا أبصرُوهُ معَ عِيرٍ رَجَعُوا هيبَةً.
يقولُ عنهُ بدرُ الدِّينِ أحمَدُ بنُ سَعيدٍ الشَّمَاخِي، مؤلِّفُ كتابِ «سِيَر المشَايِخ»: «واسطةُ العقدِ ومُنتَهى القصدِ»، و «إذَا أُطْلِقَ الشيخُ في عُرفِ زَمانِنَا فهوَ المعنِيُّ، وما يُذكَرُ عن اجتهادِهِ في الإقراءِ والعبادةِ والحزمِ والتزامِ الطريقةِ وإحياءِ السِّيَرِ أمرٌ كبيرٌ». كان أبُو ساكن أيضًا واسطةً بين مَن بَعدَهُ ومن قَبلَهُ، وقد اتَّصَفَ بالحِلْمِ والوقارِ وعدمِ الحدَّة.
درسَ الشيخُ عامِرُ بمدرسةِ الشيخِ أبِي مُوسى عِيسى بنِ عِيسى الطَّرْمِيسِي "بِطَرْمِيسَة" في "جَادُو" بجبلِ "نَفُوسَة"؛ وقد كانت أعظَمَ مدرسةٍ في الجبلِ الأشمِّ في وقتِهَا، وكانَ الشيخُ الطَّرمِيِسِيُّ يحرصُ على توجيهِ طلاَّبِه إلى تأليفِ الكُتُبِ. وقد تخرَّجَ منهَا العديدُ من العلماءِ.
أنشَأَ الشيخُ عامرُ مدرسةً كبيرةً في "يَفْرَنْ" وذلكَ بعدَ عودتِهِ من "طَرْمِيسَة". وبعدَها انتقلَ إلى "مَزْغُورَة" ثمَّ "الرّحِيبَات"، واستقرَّ بها يُقرِئُ العلومَ ويُرشِدُ الناسَ للخيرِ، ثم قفَلَ عائدًا إلى "يَفْرَنْ" عام 756هـ، وأقامَ بالمسجدِ الكبيرِ إلى أن ماتَ.
لاشكَّ أنَّ مِن أشهرِ مؤَلَّفاتِ الشيخِ عامِر الشَّمَّاخِيِّ هوُ كتابُ «الإيضاحِ»؛ فهو موسوعةٌ فقهيَّةٌ واضحةٌ، عالجَ فيها فقه العباداتِ والأخلاقِ والمعاملاتِ. (1/50)
صفحة 51
يقول عنه البدرُ الشمَّاخي: «ألَّفَ دِيوَانَهُ في عَشَرَةِ الثلاثينَ بعدَ موتِ عمِّنا عيسىَ، وقبلَ موتِ عمِّنا أبي عَزيزٍ، ولم يُكمِلْهُ لأمرٍ عَرَضَ لهُ، فالكتابُ الأوَّلُ في الصلاةِ سِفْرٌ مُستقِلّ، والثاني في الزَّكاةِ والصومِ والحجِّ والنّذُورِ والإيمانِ والحقوقِ، وهو سفرٌ ضخمٌ، والثالثُ في البيوعِ والقسمةِ والرَّهنِ سِفْرٌ مُستقِلّ، والرابعُ في الوصايَا والهباتِ، ثم امتَنَعَ من تكمِيلِ الفقهِ. وهذا التأليفُ مَا أظنُّ أُلِّف في المذهبِ مِثلُهُ جمعًا وتعليلاً واختصارًا غيرَ مُخِلٍّ، وتطويلاً غَيرَ مُمِلٍّ ولاَ مُكرَّرٍ».
الإِمامُ محمَّد بنُ عُمَر القَصبِي السَّدْوِيكْشِيُّ ... المُحَشِّي
«المُحَشِّي» هُو من أشهر عُلماءِ الإباضيةِ في القُطرِ التُّونُسِيِّ، واسمُه محمَّد بنُ عُمَر بن أحمد بن أبي القاسِمِ بن أبي ستَّة القَصبِي السَّدْوِيكْشِيُّ، وهوَ مِن جهابذةِ العلمِ والعملِ.
وُلِد في جِرْبَة الخيرِ، فالأرضُ الطيِّبةُ لا تُنبِتُ إلاَّ طَيِّبًا، وتَرعرعَ بها، وهو سليلُ بيتِ علمٍ وفضلٍ، يُنسبُ إلى حَومَةِ "القَصْبِيِّين" شمالَ غَرْبِ "قلاَّلة" بجزيرة جِرْبَة.
جدُّهُ هو العالمُ الجليلُ أحمدُ بنُ أبي القاسِمِ مِن أفَاضِلِ علماءِ جِربةَ، وكانَ فقيهًا وعالماً ورِعًا.
وعمُّهُ أحمدُ بنُ محمَّد بنُ أحمَد بن القاسمِ بن أبي ستَّة القَصْبِي السَّدْوِيكْشِيُّ الجِرْبِيُّ .. وهو مِمَّن تتلمَذَ على علماءِ الأزهرِ في قاهرةِ المُعِزِّ، ولهُ من المؤلفاتِ - أي العمُّ - المجموعُ المعوَّلُ لما عليهِ السَّلَفُ الأوَّلُ.
لاشكَّ أنَّ هذهِ العائلةَ العلميَّة العريقةَ والبيئةَ المحيطةَ بالشيخِ المحشِّي، ساهمت إسهامًا كبيرًا في تكوينِ شخصيتِه العلميَّة، فقد دَرَس على والدِهِ وعمِّهِ الشيخ أحمد بن محمَّد، وبعدَ ذلك توجَّه هو أيضًا إلى الأزهرِ الشريفِ ومكثَ هناك أكثرَ من عشرين سنةً. (1/51)
صفحة 52
تنقَّل بين تحصيلِ العلومِ مِن عُلماءِ الأزهرِ، ثم أصبحَ مُعلِّما بالمدرسةِ الإباضيَّةِ في القاهرةِ، ثم أصبحَ مدرِّسًا في الجامعِ الأزهَرِ. تركَ الكثرَ من الآثارِ العلميَّة في مُختلِفِ العلومِ، وله حواشٍ عدَّة على أمَّهاتِ الكُتُبِ الإباضيَّة، بلغَ عددُها عشرينَ حاشيةً، ولذلكَ سُمِّي "بالمحشِّي". ومن بينها:
«حاشيةٌ على كِتابِ القَوَاعِدِ»، و «حاشيةٌ على كتابِ الوَضْعِ»، و «حاشيةٌ على شَرحِ مُختَصَرِ العدلِ والإنصافِ» و «حاشيةٌ على كتابِ النِّكاحِ» و «حاشيةٌ على كتابِ شرحِ الجهالاتِ».
لقَّبهُ علماءُ الأزهرِ "بالبَدْرِ" فكانَ بدرًا لامعًا في سماواتِ العلمِ وقمرًا مُنيرًا أنارَ للناسِ طُرُقَ الحقِّ والرّشدِ، وقد كان أسيفًا، مُتوَاضِعًا وشديدًا في الحقِّ.
بعدَ وفاةِ شيخِه عبدِاللَّه السَّدْوِيكْشِي آلت إليهِ رئَاسَةُ الحلقةِ في جِربَة، وتنقَّل بينَ مساجدِ جِربَة يُعلِّم في شتَّى الفنونِ.
أبُو طاهِر إسماعيلُ بنُ مُوسى الجِيطَالِي
"فيلَسُوفُ الإسلامِ"
عالمٌ من علماءِ "جبلِ نفُوسَةَ" الأشمِّ، نشأ بمدينة "جِيطَالْ"، وتعلَّم فيها المرحلةَ الأولىَ من مَراحِل التعلّم، ثمَّ يَمَّم خُطاهُ نحو قبلةِ العلمِ في زمانهِ إلى أبِي مُوسى عِيسَى بنِ عِيسى الطَّرْمِيسِي، ورافقَهُ في طلبِ العلمِ الشيخُ عامرُ الشَّمَّاخِي صاحبُ «الإيضَاحِ»، فكانَا كفَرَسَي رِهَانٍ في الذَّكاءِ وتحصيلِ العلمِ والمعرفةِ، بل حتَّى في التدريسِ والتأليفِ وخدمةِ الدينِ. (1/52)
صفحة 53
عُرِفَ عن الإمامِ الجِيطَالِي حافظتُهُ القويَّةُ العجيبَةُ، وكان شديدًا في الأمرِ بالمعروفِ والنهيِ عن المنكرِ، وهذه الشِّدَّةُ والجُرأةُ في الحقِّ هي التي دفعت أميرَ طرابلُس للزجِّ بهِ في السجنِ، فقضى في سجنِ طَرابلُس مدَّةً ليست بالقصيرةِ، ثم أطلِقَ سراحُه بواسطةِ ابن مكِّي والي "قابس". يقولُ الشَّمَّاخيُّ: «إنَّ أبناءَ الشيخِ أبيِ زكريَّا فَصِيلِ بنِ أبي مِسْوَر، هُم الذينَ عمَلُوا على إِطلاقِ سَراحِهِ من السِّجنِ، وتحمَّلوا معهُ مالاً في سبيلِ الله».
بعد خُروجِه من سجنِ طرَابلُس رحلَ إلى جزيرةِ جِربَة الخيرِ، ونزلَ بها فاستقبلهُ العلماءُ هناكَ بالكرمِ والحَفَاوةِ، واجتمعَ حولَهُ الطلبةُ في حلقاتٍ للعلمِ، وكان يُدرِّسُ ويُصنِّفُ في المجلسِ الواحدِ. وقد درَّسَ الفقهَ والآدابَ والشعرَ في "مَزْغُورَةَ" بجربة.
ومن أشهرِ مُصنَّفاتِ الشيخِ الِجيطَالِيِّ:
? الموسوعةُ الفقهيَّةُ الشهيرةُ «قناطِرُ الخيرَاتِ» وهي في ثلاثةِ أجزاءٍ، يحوي الجزءُ الأوَّل على قَنطَرَتَي العلمِ والإيمانِ، وقد حقَّقه المصلحُ الدكتُور عمرو خليفة النَّامي.
? «قواعدُ الإسلامِ»، وقد حقَّقه الشيخُ عبدُالرحمنِ بن عُمر بَكَلِّي.
? «الحجُّ والمناسكُ».
? «عقيدةُ الشيخِ إسماعيلِ».
? «تذكرةُ النسيانِ وأمانُ حوادِثِ الزَّمانِ»، وهي عبارةٌ عن وصيَّته الماديَّة والأدبيَّة، غير أنَّها تحملُ الكثيرَ من المعلوماتِ التاريخيَّة والجغرافيَّة. منها نسخةٌ مَخطُوطةٌ وحيدةٌ بمكتبةِ "إِرْوَانْ" "بالعطفِ" بميزاب، وقد طُبعت في مُلحَقِ دليلِ مكتبةِ "إِرْوَانْ".
? كتابُ «الحساب وقسم الفرائضِ».
? «شرحُ نونيَّة أبي نصرٍ في أصُولِ الدِّينِ»، في ثلاثة أجزاءٍ. (1/53)
صفحة 54
ولمزيدٍ من الفائدةِ، أُلحِقُ مع هذه الترجمةِ المختصرةِ ما قاله الشيخ سعيد بن بالحاج شريفي "الشيخُ عدُّون" (:) في حقِّ الإمامِ الجيطاَلِي، وذلك في مقالٍ نشرَه بجريدةِ الأمَّة، للشيخِ إبراهيم أبي اليقظان (:)، السنة الرابعة، عدد 163، الصادر بتاريخ: الثلاثاء 17 صفر 1357هـ / 19 أفريل 1938م. وننقل بتصرُّف ما قاله الشيخ عدُّون عن الشيخ الجيطالي، في الحلقةِ الثانية من هذا المقال:
«يدلُّ على غزارةِ علمِهِ واتساعِ مداركِه وسعةِ اطِّلاعِه تآليفُه البديعةُ في فنونٍ كثيرةٍ؛ التي سنذكُر شيئًا منها فيمَا بعدُ؛ كان كثيرَ الحفظِ للمتونِ فنِّيةً وأدبيةً، فمن محفُوظاتِهِ كتاب «العدلِ والإنصافِ» في أصولِ الفقهِ للعلاَّمة الكبيرِ الرياضيِّ الشهيرِ الشيخِ أبي يَعقُوب يوسُف بنُ إبراهيم الوارجلانيِّ، و «جُمَل الزجَّاجِ» و «مقاماتُ الحريريِّ»، وذكرَ الشمَّاخي منها الأشعارَ الستَّة، ولا نعلمُ مقصودَهُ من الأشعارِ الستَّة، ولعلَّه يريدُ المعلَّقات السبعَ، فإن كانَ ذلكَ وإلاَّ فالمرجوُّ من إخوانِنا القرَّاءِ أن يُرشِدُونا عليها ولهم الشكرُ والفضلُ. وما كان حفظُهُ لذلكَ سطحيًّا كما نراهُ من بعضِ الحفَظَةِ اليومَ، بل كان حفظَ فِقْهٍ وفهمٍ ونفوذٍ إلى أعماقِ المعاني، ويظهرُ أثرُ هذا الحفظِ جليًّا في أسلوبِهِ البليغِ الذي يلتزِمُه في كتاباتِه، فهي كتابةً أديبٍ مارسَ كلامَ العربِ البليغِ وتمكَّن من ناصيتِه، لا كتابةَ فقيهٍ من الفقهاءِ الذين لم يأخُذُوا من فنونِ العربيَّة وآدابِها بحظٍّ وافرٍ، كما يظهرُ ذلكَ في كثرةِ استشهادِهِ في كلِّ مُناسبةٍ بهذا الكلامِ الذي رصَّعَ به ـ منثورًا ومنظومًا ـ كتابَه «القَنَاطِر».
فلسفتُه: (1/54)
صفحة 55
هو ككِبَارِ فلاسفةِ الإسلامِ الموفَّقينَ، يستوحي نظرياتِهِ الفلسفيَّةَ من سماءِ الدينِ الحنيفِ، فيأتي بآياتٍ بيِّناتٍ ومُعجزاتٍ باهراتٍ، ويغوصُ إلى أعماقِ الشريعةِ فيعودُ ببديعِ الأسرارِ ورائعِ الحِكَمِ، وينفُذُ إلى سرِّ الحياةِ فيصوِّرُها أبدَعَ تصويرٍ ويُقدِّرُها أعدلَ تقديرٍ، يتجلَّى كلّ ذلكَ في الطريقةِ التي سَلَكهَا في وضعِ كتابهِ «القناطِرِ»، وفي كيفيةِ ترتيبِه، ويتَّضحُ في غضُونِ الكتابِ وبين مَطَاويه، فإنَّه شبَّهَ الحياةَ بمفازةٍ يقطَعُهَا الحيّ؛ أوَّلُ منازلِه فيها المهدُ وآخرُها اللَّحدُ؛ الذي ينتهي إلى الموطِنِ الدائِم: الجنَّةُ أو النَّارُ، مفازةٌ صعبةُ المسالكِ، مُخيفَة المَهَالِكِ كثيرةُ العوائِقِ، ذاتُ شِعابٍ وأوديةٍ .. لذلك رتَّبَ عليها "قناطرَ" إذَا عبَرَ عليها السالكُ أفضَت بهِ إلى الغايةِ وهيَ السعادةُ الأخرويَّة.
وهذه القناطرُ هيَ: العلمُ، والتوحيدُ، والفرائضُ، والتوبةُ. ومنها العوائقُ: كالدّنيا والخَلْقُ، والشيطانُ، والنفسُ، والعوارضُ: كالرزقِ والأخطارِ، والمصائِبِ. ومنها البواعث، والعبادةُ، والقوادِحُ، والحمدُ والشكرُ وخوفُ الخاتمةِ والموتِ، وكلُّ قنطرةٍ من هذه القناطرِ تشتَمِلُ على أبوابٍ، وكلّ بابٍ على فصولٍ، وفي هذهِ الأبوابِ والفصولِ تتجلَّى عبقريَّتُهُ وفلسفتُه وأبحاثُه وبعدُ غَوْرِهِ وسعةُ اطِّلاعِهِ.
ويا ليتَ علماءَنا كتبًوا في فلسفتِهِ ببحثٍ دقيقٍ مُستفيضٍ، إذن لَظهر نجمًا لمَّاعًا في سماءِ التاريخِ.
قطبُ الأئِمَّةِ
الشيخُ امْحَمَّد بنُ يُوسُف اطْفَيَّش (1/55)
صفحة 56
« ... إنَّ الشيخَ اطفيَّش (:) من الأفذاذِ الذينَ يَقِلُّ نظراؤُهم عبرَ التاريخِ؛ فهو يجمعُ إلى سَعَةِ العلمِ، دقَّةَ النظرِ وصدقَ الحُكْمِ. وهبَهُ اللهُ عمرًا طويلاً في خدمةِ العلمِ، ورزقَهُ التوفيقَ وحلاَّهُ بالورعِ والتواضعِ والاستقامةِ، وقد حدَّثنا مشايخُنا الذين تتلمذُوا عليهِ الشيءَ الكثيرَ عن استقامتِهِ ووَرَعِه وقيامهِ بواجبِ الأمرِ بالمعروفِ والنهيِ عنِ المنكرِ وجِدِّه في خدمة العلم».
بهذه الكلماتِ النورانيَّاتِ استطاعَ الشيخُ ناصرُ المرمورِيُّ (:) أن يصِفَ لنا بإيجازٍ سيرةَ «قُطبِ الأئمَّةِ» الحافلةَ بالعلمِ والعملِ والجدِّ والاجتهادِ ... فمن هُو قُطبُ الأئمَّة؟
هو الشيخُ العلاَّمة امحمَّد بن يُوسُف بن عيسى بن صَالِح بن عبدِ الرَّحمن بن عيسى بن إسماعيل اطْفَيَّشْ، المشهور ُ «بقُطبِ الأئمَّة»، ولُقِّبَ بذلك لكونِه قُطبًا في المعارفِ، ومَرجَعًا لعلماءِ الإباضيَّة.
يرجع نسبُ الشيخِ اطفيَّش إلى عائلةٍ علميَّة من "بني يَسجَن"، بميزاب، وينتهي نسبُهُ إلى عمر بن حفصٍ الهنتاتي، من العائلة الحفصيَّة المالكة بتونس بين (625 - 983هـ/ 1229 - 1574م). وَفي بَعضِ كتُبِه يُنهِي الشيخُ اطفيَّش نسبَهُ إلى أبي حَفصٍ عُمَر بنِ الخطَّاب س.
انتقلَ والدُه إلى "غَردَايةَ" وهناكَ وُلِدَ القطبُ، وعاشَ بها طفولَتَه الأولى، وبعد عودةِ الأسرةِ إلى "بني يَسْجَن" توُفِّي والدُه وعُمرُ القطبِ آنذاكَ أربعُ سنواتٍ، وتركهُ يتيمًا تحت كفالةِ والدَتِه. توسَّمت فيه بوادرَ النبوغِ، فعهَدَت به إلى أحدِ المربِّينَ لِحِفظِ القُرْآنِ، فختمهُ وحفظَه وَهوَ ابنَ ثمانِ سنواتٍ، ففتحَ لهُ مجالَ العلمِ، وسارعَ إلى دورِ العُلماءِ وحِلَقِ الدروسِ بالمسجدِ، فحفظَ على أيدي عُلماءِ عصرِهِ مُسنَدَ الإمامِ الربيعِ، والألفيَّة، وعقيدةِ العزَّابةِ. (1/56)
صفحة 57
وبعد عودةِ أخيهِ إبراهيم من رحلتِهِ الدراسيَّة في المشرق، جلسَ إليهِ لينهلَ من علمهِ ويتعلَّم منهُ ما لم يجِدْهُ مع غيرهِ من العلماءِ إلى أن قوِيَ عودُه واستطاعَ القطبُ أن يعتمدَ على نفسِه في التحصيلِ والتعلّمِ، فأقبلَ على المكتباتِ الموجودةِ بوادي ميزابَ يلتهمُ ما في بطونِها، فاستفادَ من مكتبةِ شيخهِ «محمَّد ازْبَارْ» بعد أن تزوَّج ابنتَهُ، كما تحصَّل على خزانةِ خالِه «عُمر نَتْمُوسْنِي» بعد أن تزوَّج ابنتَه أيضًا، إضافةً إلى مكتباتٍ أخرى، كمكتبةِ أخيهِ إبراهيمَ، ومكتبةِ «عبدِ العزيزِ الثَّمِينِي»، التي جعلهَا نجلُه تحتَ تصرُّفِ القُطبِ.
جلس القطبُ مع أخيهِ إبراهيم ليُعلّمَ الناسَ وينوِّرُهم في أمور دينهِم ودنياهُم وهو في سنِّ الخامسةَ عشرَةَ، واستمرَّ بهِ الحالُ في جهادِهِ طيلةَ عُمُرِه، ولما بلَغَ العشرينَ أصبحَ هوَ المرجع العلميَّ في وادي ميزاب، ففتحَ معهدًا للتدريسِ في دارِهِ، فكانَ أوَّلَ معهدٍ أنشِئَ في وادي ميزاب تُدرَّسُ فيهِ جميعُ الفنونِ، ويؤُمُّه أكبرُ عددٍ من
الطلبةِ، من ميزابَ وغيرِه، ومن تلامذته نذكر: «أبُو اليقظان إبراهيمُ بنُ عيسى»، و «أبو إسحاق إبراهيم اطْفَيَّش»، و «سعيدُ بنُ عليٍّ الصَّدْغيَانِيُّ الجربيّ ابنُ تَعارِيتْ» وغيرهُم كثيرٌ.
تركَ الشيخُ القطبُ إرثا علميًّا عظيمًا أغنى به المكتبةَ الإسلاميَّة كمًّا ونوعاً، فقد عَدَّ البعضُ مؤلفاتِ الشيخِ وقال: إنَّها تبلغُ ثلاثمائةِ مؤلَّف ما بينَ كتابٍ ورسالةٍ. ولا شكَّ أنَّ هذه التآليفَ كانت في شتَّى العلومِ والفنونِ.
ساهمَ القطبُ مساهمةً عظيمةً في محاربةِ المحتلِّ الفرنسيِّ للجزائرِ؛ فأبدى معارضةً شديدةً لمعاهدةِ الحمايةِ التي أبرمَها قومُه مع السلطاتِ الاستعماريَّة سنة1853م؛ حتَّى أعلنَ البراءةَ ممَّن تولَّوا عقدَ المعاهدَةِ، ودعَا إلى محاربةِ الاستعمارِ، الذي اعتبَرهُ مظهرًا من مظاهرِ الشركِ. (1/57)
صفحة 58
إنَّ القُطبَ (:) كان مجاهداً عظيماً في خدمةِ دينِ اللهِ ونُصرَتِهِ بالعلمِ والمعرفةِ والدفاعِ عنهُ والذبِّ عن حِمَى الوطنِ الغالي.
تُوفِّي الشيخُ القطبُ في يومِ السبتِ 23ربيع الثاني 1332هـ الموافقِ لشهر مارس 1914م، فرحمه الله رحمة واسعة.
العلاَّمةُ المحقِّقُ الإِمامُ
نور ُالدِّينِ عبدُاللهِ بن حُمَيدٍ السَّالمي
هو العلاَّمةُ المحقِّقُ الشيخُ نُورُ الدِّينِ عبدُاللَّهِ بنِ حُمَيدٍ السَّالِمي، وُلدَ ببلدةِ "الحُوقِين" من أعمالِ ولايةِ "الرُّستاقِ" عام 1286هـ، وفيها بدأ مشوارَ حياتهِ العلميَّةِ، فتعلَّم اللغةَ العربيَّةَ وحفظَ القرآنَ، ولمَّا بلغَ الثانيةَ عشرةَ من عُمرِه كفَّ بصَرُه، إلاَّ أنَّ السالميَّ لم يركَن للخمولِ والدَّعةِ، ولم يستسلِم كما يستَسلِمُ البعضُ عندَ نزولِ هذهِ المِحَنِ، فقد شمَّرَ عن ساعدِ الجدِّ والعملِ، ووهبَهُ اللهُ البصيرةَ المُفعَمَةَ بالإيمانِ الراسِخِ.
هاجرَ السالميُّ إلى مدينةِ الرُّستاقِ وهناكَ التقى بالعلاَّمةِ راشِدِ بنِ سيفٍ اللَّمْكِيِّ؛ فنَهَلَ من مناهلِهِ العذبَةِ، ثم إنَّ نفسَهُ التوَّاقَةُ للعلمِ تاقت لنيلِ المزيدِ فيمَّم شطرَ "الشَّرقِيَّة" ليحُطُّ رحالَهُ عندَ العلاَّمةِ الشيخِ صالحِ بنِ عليٍّ الحارثيِّ فرحل إليها سنة 1308هـ، واستقر ببلدة "القابِلِ" بالمنطقة الشرقيَّة.
يقولُ الشيخُ السَّالمي واصفًا أستاذَهُ: «لقَد كانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ أعلمَ أهلِ زمَانِهِ في الحَلاَلِ والحرَامِ، وَأشَدَّهُم حِرْصًا علَى قَوَامِ الإِسلاَمِ، وأَكثَرَهُم خِصَالاً فيِ صِفَاتِ الكِرَامِ».
وجَدَ السالميُّ ضالَّته عندَ الشيخِ صالح، وهناك أقامَ متعلِّماً ثمَّ مدرِّسا، فألَّفَ وعلَّم وتخرَّج على يديهِ الكثيرُ من علماءِ عُمانَ الذينَ ذاعَ صِيتُهُم. (1/58)
صفحة 59
وفي سنة 1314هـ تُوفِّي الشيخُ المحتسبُ صالحُ بنُ عليّ الحارثي (:) فكانَ لوفاتِه الأثرَ الكبيرَ على الشَّيخِ السَّالمي، فأصبحَ الحملُ عليهِ أثقلَ من قبلُ، والمعاناةُ في أمورِ المسلمينَ أكثرَ ممَّا مضى، فقد أصبحَ في صدارةِ الحركةِ الإصلاحيَّةِ في عُمانَ. وفي عام 1323هـ فكرَّ في الذهابِ إلى أداءِ فريضةِ الحجِّ، وهناك التقى بعلماءِ الإسلامِ من مُختلِفِ المذاهِب، وتناقَشَ معهم فيما يخصُّ المسلمينَ، وبعدَ عودتِه من الدِّيارِ المقدَّسة، استمرَّ مجتهدًا في مشوارِ نشرِ العلمِ والقيامِ بالإصلاحِ السياسيِّ؛ فبدأ بالاتصالِ بالأعيانِ في مُختَلِفِ الأماكنِ من عُمانَ للقيامِ بأمرِ الإمامَةِ حتَّى وفَّقه اللهُ؛ فعُقدت الإمامةُ للإمامِ سالمِ بنِ راشدٍ الخرُوصيِّ (:).
كانَ الإمامُ نُورُ الدِّينِ السَّالِمِي مُبَاركًا له في عُمُرِهِ، فمعَ قِصَر أمَدِهِ في هذهِ الحياةِ، ومَعَ كثرةِ أشغالِهِ من اهتمامٍ بأمرِ إصلاحِ الأمَّةِ، وتدريسِ العلومِ، وإفتاءِ الناسِ .. معَ كُلِّ ذلكَ نجدُ الشيخَ قد ألَّفَ في مجالاتٍ شتَّى، وكانَ يجمَعُ في كتاباتِهِ بينَ العقلِ والنقلِ، ويلحَظُ الاتجاهاتِ المختلِفَةَ في عصرِهِ، ويستمدُّ من كُتُبِ الفِرَقِ المتعدِّدَةِ، وقد ساعدَهُ على ذلكَ إتقانُهُ لأصولِ الفقهِ الذي تُمزَجُ فيه أقوالُ شتَّى المذاهِبِ والاتجاهاتِ.
فمن مُؤلَّفاتِه:
? «أنوارُ العقولِ»، أرجوزةٌ في علمِ الكلامِ.
? «بهجةُ الأنوارِ»، شرحٌ مختصرٌ لأرجوزتِهِ "أنوار العقول".
? «مشارقُ أنوارِ العقولِ»، شرحٌ مطوَّلٌ وافٍ لأرجوزته "أنوار العقول".
? «اللّمعَةُ المَرْضِيَّة في أشعَّةِ الإباضيَّة».
? «غايةُ المُرَادِ في الاعتِقَادِ»، قصيدةٌ في العقيدةِ.
? «كشفُ الحقيقةِ في الردِّ على مَن جَهَل الطَّريقةَ»، أرجوزةٌ في حقيقةِ المذهبِ.
? «شمسُ الأصولِ»، منظومةٌ في أصولِ الفقهِ تتألَّفُ من ألفِ بيتٍ. (1/59)
صفحة 60
? «طلعةُ الشَّمسِ»، شرحُ منظومةِ «شمس الأصولِ».
? «شرحُ الجامعِ الصَّحيحِ»، وهو شرحٌ لمُسندِ الإمامِ الرَّبيعِ بنِ حبيبٍ في ثلاثةِ أجزاءٍ.
? جواباتٌ وفتاوَى بعُنوان: «جواباتُ الإمامِ السَّالمي».
? «جوهرُ النِّظامِ»، أرجوزةٌ تزيدُ عن (14000) بيت.
? «تلقينُ الصبيَان ما يلزمُ الإنسَان»، رسالةٌ مختصرةٌ فيما يجبُ على الإنسانِ.
? «تحفةُ الأعيانِ بسيرةِ أهلِ عُمان».
? «مَدَارِجُ الكَمَالِ»، أرجوزةٌ نظمَ فيها «مُختصرَ الخصالِ».
? «مَعَارِجُ الآمَالِ»، شرحُ «مَدارِجِ الكمالِ».
تُوُفِّي رحمهُ اللهُ في اليومِ الثامنِ عشرَ مِن شهرِ صَفَر سنة اثنتينِ وثلاثينَ وثلاثُمَائةٍ وألفٍ (1332هـ)، وقُبِرَ ببلدةِ "تَنُوف" تحتَ سفحِ الجبلِ الأخضَرِ، وقد صلَّى عليهِ تلميذُهُ أبُو زَيدٍ عبدُ اللهِ بنُ محمَّدِ بنِ رُزَيقٍ الرِّيامِيُّ.
k
إهداء 04
تصدير 05
مُقدِّمة 13
أهلُ النَّهرَوانِ ... محبَّتهُم قُربَةٌ 15
المعهدُ الإسلاميّ العالميّ الأوَّل 19
الإمامُ الربيعُ، ومسندُه الرَّفيعُ 23
الإمامُ طالبُ الحقِّ الكِندِي .. عدلٌ ومُساواةٌ 29
الإمامُ الجُلَندَى بنُ مسعودٍ .. مَبادِئُ وتضحياتٌ 35
الإمامُ المَعَافِريُّ .. أوَّل من لبَّى الاستغاثَةَ 39
الإمامُ عبدُ الرَّحمن بن رُستُم، مؤسِّس الدولةِ الرُّستمُيَّة 42
أبو عبيدَة الصَّغير البِسْيَوي، "جِنرَالُ الأخلاقِ الطيَّبة" 46
آل الرُّحَيلِ .. مَنَارَاتُ هُدًى 49
أبو غانِم الخُراسَانِي ومُدوَّنتُه 52
الخليلُ بنُ أحمد الفَرَاهِيدِي .. مَفخَرَةُ الإنسانيَّةِ 55
الإمامُ عمرُوسُ بنُ فتحٍ المسَاكِنِي 59
الإمامُ الوارثُ بنُ كعبٍ الخرُوصِي 63
الإمامُ هودُ بنُ مُحَكَّم الهُوَّارِي 67
الإمامُ أبو سَعيدٍ الكُدَمِي 72
الإمامُ ابنُ بَركَة البَهْلَوِي 77
الإمامُ محمَّد بنُ بَكرٍ الفُرْسُطَائِي 81
عائلةُ الإمامِ البَرَّادِي 85 (1/60)
صفحة 61
الإمامُ العَلاَّمةُ أبو يعقُوب الوارَجْلاَنِي 78
الشيخُ أبو سَاكِنْ عَامر الشَّمَّاخِي 91
الإمامُ محمَّد بن عُمَر القَصْبِي السَّدْوِيكْشِي .. "المُحَشِّي" 93
أبو طَاهِر إسمَاعِيل بنُ مُوسَى الجيطَالِي .. فيلسوفُ الإسلامِ 95
قُطبُ الأئمةِ، الشيخُ امحمَّد بنُ يُوسُف اطْفَيَّشْ 101
العلاَّمةُ المحقِّقُ، نورُالدِينِ عبدُ اللهِ بن حُمَيْدٍ السَّالمي 105
مُحتويَاتُ الكتاب: 109 (1/61)