صفحة 1
الكتاب: علماء الاباضية
المؤلف: ؟
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] ( الإمام جابر بن زيد الأزدي)
ولادته
ولد أبو الشعثاء الإمام جابر بن زيد الأزدي الجوفي سنة 18هـ في بلدة (فَرقْ) من أعمال ولاية نزوى ،و ينتسب إلى قبيلة اليحمد الأزدية، وقد كان من بيت علم ومعرفة.
نشأته
تعلّم الإمام جابر بن زيد القرآن ومبادئ اللغة في عمان قبل أن ينتقل إلى البصرة وهناك درس على أيدي كبار العلماء والرواة، وبدأ ينتقل بين البصرة والمدينة المنورة والحجاز بوجه عام، وقد درس على العبادلة ، عبد الله بن العباس، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر، كما درس على يد عائشة أمّ المؤمنين رضي الله عنهم أجمعين. ولقد بلغ مكانة مرموقة في العلم والتفقه قصر عن بلوغها كثير من أقرانه وقد اعتبره علماء الحديث من أئمة السنة، وأجمعوا على ضبطه وعدالته ووصفوه بأنه ثقة، كما حظي بشهادة أكابر الصحابة.
حيث قال فيه (عبد الله بن العباس): (عجبا لأهل العراق كيف يحتاجون إلينا وعندهم جابر بن زيد لو قصدوا نحوه لوسعهم علمه).
وقال عنه (ابن العباس) أيضا: (إسألوا جابر بن زيد فلو سأله أهل المشرق والمغرب لوسعهم علمه).
وفي قول ( لإياس بن معاوية): (رأيت البصرة وما فيها مفت غير جابر بن زيد).
وقال(الحصين) لما أبلغ بوفاة جابر (أدنوني من قبره) فلما أدنوه قال (اليوم مات عالم العرب).
وقال (أنس بن مالك) : (مات أعلم من على ظهر الأرض).
وقال (عمر بن دينار): (ما رأيت أحدا أعلم من جابر بن زيد).
تلاميذ جابر
من تلاميذ جابر ، أيوب بن أبي تيمية السختاني، وقد سئل ذات يوم عن جابر فقال: 'كان لبيبا لبيبا لبيبا' ، ومنهم ثابت بن أسلم البناني و صالح بن إبراهيم الدهّان، وضمّام بن السائب، والربيع بن حبيب الفراهيدي وعاتكة بنت أبي صفرة، وعمرو بن دينار، وأبوب عبيدة مسلم بن أبي كريمة.
ورعٌ وسماتٌ شخصية (1/1)
صفحة 2
وصف صالح الدهان جابرَ بن زيد بأنّه لا يجادل في ثلاث: (في الكراء إلى مكة وفي الرقبة يشتريها للعتق وفي الأضحية)وقال عنه أيضا: (خرج جابر بن زيد لوادٍ فأخذ قصبة من حائط فجعل يطرد بها الكلاب فلمّا أتى بيته وضعها في المسجد ثم قال لأهله(احتفظوا بهذه القصبة فإنني مررت بحائط قوم فانتزعتها منه) قالوا: (سبحان الله يا أبا الشعثاء ما مبلغ القصبة)، فقال: (لو كان كلمن مر بهذا الحائط أخذ قصبة لم يبق منه شيء).
ويروى عنه أنه كلما وقع في يده درهم مزيف كسره ورمى به لئلا يضر به مسلما.
وكان يقول عن نفسه(نظرت في أعمال البِرّ فإذا الصلاة تجهد الجسد ولا تجهد المال والصيام مثل ذلك، والحج يجهد البدن والمال فرأيت أن الحج أفضل عمل).
آثاره العلمية
ترك جابر كتابا ضخما يقع في عشرة أجزاء حتى قيل عنه أنّه يعجز عن حمله البعير، تعرّض فيه لمسائل الأحكام والأحاديث التي رويت عن الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولكن ضاع هذا الكتاب الجليل ولم يعثر له على أثر.
وللإمام جابر رسائل متفرقة عثر عليها في خزائن الكتب فمنها ما هو موجود في دار الكتب المصرية ومنها في وزارة التراث القومي والثقافة العمانية، وفي المكتبات البريطانية، كذلك فإن فتاويه المتداولة في بطون الكتب هي بلا شك أعظم ما تركه كخدمة للإسلام والمذهب الإباضي.
وقد انتشرت تعاليمه في مختلف الآفاق عن طريق تلاميذه الذين أخذوا عنه ينابيع الحكمة فانطلقوا بها إلى العراق وعمان وحضرموت وخراسان والصين والمغرب.
وفاة الإمام جابر (1/2)
صفحة 3
توفي الإمام جابر بن زيد سنة 93هـ في نفس الأسبوع الذي توفي فيه أنس بن مالك. ولمّا حضرته الوفاة أتاه ثابت البناني وقال له (يا أبا الشعثاء هل تشتهي شيئا ؟) ، فقال: (إني لا أشتهي إلا أن ألقى الحسن البصري قبل أن أموت)، وكان الحسن البصري مستخفيا من بطش الحجاج غير أنه غامر بنفسه وذهب لرؤية جابر، فلما دخل عليه وجده مضطجعا فانكّب عليه وهو يقول: (يا أبا الشعثاء قل لا إله إلا الله) فرفع جابر عينيه فقال: (أعوذ بالله غدوا ورواحا في النار) ثم مضى يقول: (يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفس إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا)، فقال الحسن: (هذا والله الفقيه العالم)، ثم قال جابر وهو يحتضر: (حدثني بحديث ترويه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في المؤمن إذا حضرته الوفاة)، فقال: (إن المؤمن إذا حضرته الوفاة وجد على كبده بردا)، فقال جابر: (الله أكبر إني لأجد بردا على كبدي).
رحمه الله وغفر له. (1/3)
صفحة 4
هو الشيخ العلامة المفسر هود بن مُحَكَّم بن هود الهَوَّاري (1) ، وقد اكتفت جميع المصادر التي وقفت عليها بذكر اسمه واسم أبيه وقبيلته ، إلا ما وجدته من ذكر اسم جده " هود " في مقدمة تفسير كتاب الله العزيز من قبل محققه الباحث الأستاذ بالحاج شريفي ، حيث ذكر أنه نقل ذلك عن الشيخ علي يحيى معمر في رسالة خاصة كتب بها إليه الشيخ علي معمر من دون أن يذكر المصدر الذي اعتمد عليه ، وذكر أن العهد بالشيخ علي معمر استقاءه معلوماته من مصادر موثوق بها ، وهو كذلك ، وأضاف أنه بهذا يكون الشيخ محكم الهواري سمى ابنه هودا باسم أبيه ، وهذا ما نجده كثيرا في الأنساب (2) .
وقبيلة " الهواري " التي ينتسب إليها الشيخ هود من قبائل البرانس البربرية ، وقد سكنت بطونها عدة مواطن في إفريقيا والمغرب ، حيث جاورت هوارة قبيلة نفوسة بجبل نفوسة جنوب طرابلس الغرب ، وسكنت بطون منها بلاد الجريد جنوب الحدود الجزائرية التونسية الآن ، وسكنت بطون منها جبل " أوراس " ونواحيه ، وهو الموطن الذي ينتمي إليه الشيخ هود رحمه الله (3) . (1/5)
صفحة 5
ولقد تغنى الرحالة والجغرافيون بوصف جبل " أوراس " موطن شيخنا ، ونكتفي هنا بما قاله البكري ( 5 هـ ) واصفا الطريق من مدينة " فاس " إلى " القيروان " حيث قال : " ومن أدنة إلى مدينة طبنة مرحلتان ... ثم تمشي ثلاث مراحل في مساكن العرب وهوارة ومكناسة وكبينة وورقلة ، يطل عليها وعلى ما والاها جبل أوراس ، وهو مسيرة سبعة أيام ، وفيه قلاع كثيرة يسكنها قبائل هوّارة ومكناسة ... وفي هذا الجبل كان مستقر الكاهنة إلى مدينة باغاية ، وهي حصن صخر قديم حوله ربض [ ما حول المدينة من النواحي ] كبير من ثلاث نواح ، وليس فيما يلي الناحية الغربية ربض ، إنما يتصل بها بساتين ونهر ، وفي أرباضها فنادقها وحماماتها وأسواقها ، وجامعها داخل الحصن ، وهي في بساط من الأرض عريض ، كثير المياه ، وجبل أوراس مطل عليه ... " إلى أن قال : " وأهلها كلهم اليوم على رأي الإباضية " (4) .
لم تحدد المصادر العام الذي ولد فيه الشيخ هود ، ولكن يقدر أنه ولد في العقد الأول أو الثاني من القرن الثالث الهجري ( 200- 220هـ ) (5) .
ووالد مفسرنا هو الشيخ مُحَكَّم بن هود الهَوَّاري ، وقد وقع الخلاف في ضبط اسمه ، فيذكر الأستاذ شريفي أنه سأل بعض مشايخه ، فوجدهم يروونه بإسكان الحاء وتخفيف الكاف المكسورة أو المفتوحة ( مُحْكَم أو مُحْكِم ) ، على اختلاف بينهم (6) .
ولقد قام الأستاذ شريفي بعملية استقراء في مختلف المصادر اللغوية وغيرها بحثا عن الضبط الصحيح لهذا الاسم ، فتوصل إلى أن الكاف في محكم وردت في أغلب المصادر بتشديد الكاف المفتوحة أو المكسورة ، لا بالتخفيف ، ثم رجح تشديد الكاف المفتوحة معتمدا على ما ذكره أبو عبيد البكري في كتابه " فصل المقال " وهو يشرح كلمة لمحكَّم اليمامة حيث قال : " وفي كتاب النسب للكلبي : قيل له محكَّم لأنهم جعلوه حكما وحكَّموه بينهم " (7) . (1/6)
صفحة 6
إذا فالراجح أنه مُحَكَّم بتشديد الكاف المفتوحة ، وهذا ما رجحه كذلك أصحاب المعجم بالاعتماد على ما ذهب إليه الأستاذ شريفي ، وكذلك د/ الجعبيري حيث ضبط الاسم بتشديد الكاف المفتوحة ، وكذا الأستاذ سلطان الشيباني (8) .
ولقد كان الشيخ مُحَكَّم والد الشيخ هود عالما جليلا ، وقاضيا فحلا ، عينه الإمام أفلح ( حكم الدولة الرستمية بين : 208 - 258هـ ) قاضيا على " تيهرت " عاصمة الدولة الرستمية (9) ، وسوف يأتي الحديث عنه بالتفصيل في حلقة قادمة .
هذا وقد خلط البعض بين الشيخ هود ووالده ، فنجد الشيخ الجعبيري يذكر أن هودا هو قاضي الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن (10) ، والصحيح أن محكما هو القاضي ، وليس قاضيا للإمام عبد الوهاب كما يذكر الشيخ الجعبيري بل لابنه الإمام أفلح ، ونجد الشيخ سليمان بن يوسف يذكر كذلك أنه كان قاضيا للإمام عبد الوهاب (11) ، ووقع أصحاب المعجم في هذا التناقض فنجدهم في ترجمة الشيخ هود بن محكم يذكرون أن الشيخ محكما كان قاضيا للإمام عبد الوهاب ، وفي ترجمتهم للشيخ محكم يذكرون أنه كان قاضيا للإمام أفلح ، فلعله خطأ غير مقصود (12) .
في أحضان هذا العالم الجليل والقاضي الفحل تربى مفسرنا ، فرضع لبانة العلم منذ نعومة أظافره ، فالظاهر أنه أخذ العلم أول ما أخذ على يد والده الشيخ محكم ، يقول الشيخ علي يحيى معمر : " وُلِدَ لمحكم ولدٌ سماه هودا ، رباه على الإسلام ، وأنشأه على تقوى الله ودربه على المعارف الإسلامية منذ صغره ، فاستمر في الدراسة حتى أصبح علما من الأعلام ... " (13) ، وهذا ما مال إليه الباحث شريفي حيث قال : " ... والذي يبدو لنا أنه يكون قد أخذ العلم أولا في مراتع طفولته ومرابع صباه عن والده ، بعد حفظه لكتاب الله ... " (14) ، وكذلك نجد أصحاب المعجم يذهبون إلى ذلك (15) . (1/7)
صفحة 7
والظاهر أنه استمر فترة ليست بالقصيرة في بلده - كما يرى الباحث سلطان الشيباني - يتفقه في مجالس العلم وحلقات الدروس التي كانت تعقد بالمساجد في القرى الجبلية أو في البوادي تحت الخيام (16) ، وهذا ما مال إليه كذلك الباحث شريفي (17) .
وقد ذهب الباحث شريفي إلى عدم استبعاد كون الشيخ هود هاجر إلى القيروان وتيهرت لطلب العلم ، فوجود هذين المركزين جدير بأن يشد انتباه العالم الناشئ الطموح ، وأن يستحث همته فيولي وجهه شطريهما لينهل منهما ما يشبع نهمه العلمي ، ويروي ظمأه للمعرفة (18) ، إذا فلعل الشيخ هودا تتلمذ على يد الإمام أفلح وعلماء تيهرت في أثناء وجود أبيه في منصب القضاء .
هذا وقد ذهب الباحث سلطان الشيباني كذلك إلى عدم استبعاد كون الشيخ هود في أواخر حياته قد رحل إلى الأندلس ، وقرأ على مشايخها وتتلمذ عليهم (19) ، وقد استند في ذلك إلى ما ذكره قطب الأئمة في رده على العقبي حيث قال : " وإن لم تعرف الإباضية فقد عرفهم الأندلسيون إذ قرأ فيهم الشيخ هود الهواري ، وقال له شيخه : لا يقبل الله دينا يخالف ما أنت عليه " ، وقد تفرد الإمام القطب بهذه المعلومة ولم يشر إلى مصدرها .
إذا وبعد هذه الرحلة الطويلة التي قضاها الشيخ هود في طلب العلم عاد إلى موطنه " أوراس " محملا بالعلم ، فلمع اسمه بين العلماء ، وأصبح محط الأنظار ، وكعبة يقصدها طلاب العلم خاصة ليقتبسوا جذوة من علومه ، والناس عامة ليتلقوا منه التوجيهات الرشيدة والرأي السديد والحل المرضي لمشاكلهم ، فيقضي كل من قصده مأربه وينال بغيته (20) .
ولقد بلغ الشيخ هود من المنزلة والرفعة شأوا بعيدا ، فهاهو الشيخ الشماخي يصفه قائلا : " ومنهم هود بن محكم الهواري ... وهو عالم متفنن غائص ، وهو صاحب التفسير المعروف ، وهو كتاب جليل في تفسير كلام الله لم يتعرض فيه للنحو والإعراب ، بل على طريقة المتقدمين " (21) . (1/8)
صفحة 8
ومما يدل على المنزلة الرفيعة التي حظي بها الشيخ هود تلك القصة التي يرويها الشيخ أبو زكرياء في سيره حيث قال : " وذكر الشيخ ميمون بن حمودي أن هود بن محكم الهواري جاءه رجل من العزابة يستعين به على مايفك كتبا له مرهونة عند رجل من النكار في خمسة دنانير ، فدعا هود بن محكم رجلا فقال له : سر مع هذا الرجل إلى مواطن " مزاتة " ، فجاءهم وأخبرهم القصة ، وتسارعوا فيما يصنعون له ، ويجمعون له من الأموال ، فبسطوا بساطا ، فطفق الرجال والنساء يرمون فيه الدنانير والدراهم وما أمكن كل واحد منهم ، فجمع من ذلك مالا كثيرا ، فلموا أطراف البساط فرفعوه ، فأتوا به هود بن محكم ، فعمد الرجل صاحب الكتب إلى الخمسة دنانير فأخذها وترك الباقي ، فقال لهود : أنت أولى به ياشيخ ، فإن المؤونة عليك كبيرة ممن يقصدونك ويعترونك " (22) ، ونجد الدرجيني يذكر نفس هذه القصة (23) .
ونستنتج من خلال هذه القصة عدة أمور ، منها فضل عالمنا وقيمته بين قومه ، ومركزه بين أفراد قبيلته " هوارة " ، وعظيم منزلته في قبيلة " مزاتة " المجاورة ، ونستنتج كذلك أنه أصبح مقصدا لكل مكروب ومهموم ليفك كربته ويزيل همه ، ونستنتج أيضا أنه يؤمه الكثير من الناس والزوار وطلاب العلم ، وذلك من قول الرجل للشيخ هود : " فإن المؤونة عليك كبيرة ممن يقصدونك ويعترونك " ، فلا يستبعد أن يكون قد أسس مدرسة عظيمة يؤمها طلاب العلم بل ويقيمون عنده يعتمدون عليه في مأكلهم ومسكنهم ، وقد كان هذا الشائع في المغرب في تلك القرون والله أعلم . (1/9)
صفحة 9
هذا وقد يتبادر إلى ذهن القارئ سؤال حول هذه القصة وهو كيف يمكن أن نعلل استخدام ميمون بن حمودي لمصطلح " العزابة " ؟! ، حيث أنه من المعلوم أن مصطلح " العزابة " و" العزابي " ظهر بعد قرن من عهد الشيخ هود ، حيث أنه ظهر في القرن الرابع الهجري ، في عهد الشيخ أبي عبد الله محمد بن بكر ( ت : 440هـ ) المؤسس لنظام العزابة (24) ، والعزابة جمع " عَزاب " بفتح العين مأخوذ من عزب عن أهله انفرد عنهم ، سموا بذلك لانقطاعهم إلى الله بالاشتغال بأمر دينه وطلب العلم والزهد في الدنيا وزخرفها ، وليس المقصود بالمصطلح عدم الزواج كما ذهب المستشرق روبانيكسي في تفسيره لهذا المصطلح ، إذ أن العزابة يتزوجون ويكونون الأسر الناجحة كما هو معلوم من سيرتهم وواقعهم (25) .
ويرى د/ إبراهيم بحاز أن مصطلح " العزابة " ظهر بعد عهد أبي بكر محمد بن عبد الله ، إذ أن هذا النظام في عهد مؤسسه كان يعرف بنظام الحلقة ، ثم تطور إلى نظام العزابة (26) ، ويرى أن ورود هذا المصطلح في بعض المصادر المتقدمة كما هو الحال مع هذه القصة عند أبي زكرياء ربما يعود إلى تصرف من قبل المؤلفين أو من قبل النساخ ؛ وهناك من يرى أن مصطلح " العزابة " كان متداولا في الوسط الإباضي قبل تقعيد أبي عبد الله لقواعده ، وكان يستخدم للتفريق بين الإباضية والنكار ، وعلى هذا الرأي الباحث سلطان الشيباني (27) ، إلا أن د/ بحاز يستبعد ذلك ويرى أن الأمر يحتاج إلى البحث والتأكد .
وفيما يخص نسبه في الدين وشيوخه الذين جلس إليهم وأخذ عنهم ، فإن المصادر لا تسعف بما يفيد أو بذكر اسم أحد منهم إذا استثنيا أباه محكما ، وكذلك الأمر بالنسبة لتلاميذه الذين تلقوا عنه العلم أو تربوا على يديه ، ولقد حاول الباحث شريفي جاهدا أن يجد إشارة إلى بعض شيوخه في ثنايا تفسيره فلم يعثر على أي واحد منهم (28) . (1/10)
صفحة 10
وفيما يتعلق بوفاته فإن المصادر كذلك صامتة حول ذلك ، ويقدر الباحث شريفي أنها كانت في العقد الثامن أو التاسع من القرن الثالث الهجري ، أي حوالي سنة 280هـ ، حيث أن كل من ذكره من المؤرخين وكتاب السير يؤكد أنه من علماء الطبقة السادسة ( 250- 300هـ ) ، فهل أدرك نهاية الدولة الرستمية سنة 296هـ ؟ يقول الأستاذ شريفي : " أنا أستبعد ذلك ، ولكن لا أستطيع أن أجزم بشيء في الموضوع " (29) ؛ وعلى العموم إن لم يكن أدرك سقوط الدولة الرستمية فإنه عاش في أواخرها والله أعلم .
هذا وقد ترك لنا الشيخ هود رحمه الله تفسيرا جليلا كاملا للقرآن الكريم ، حفظته يد القدر من الضياع والاندثار عنونه بـ " تفسير كتاب الله العزيز " ، ولقد قام الأستاذ الباحث بالحاج بن سعيد شريفي بتحقيق هذا السفر الثمين ، فظل يعمل فيه لما يقارب من عشرين سنة ، وقد طبع في أربعة مجلدات بدار الغرب الإسلامي .
ولقد ظل هذا التفسير أكثر من أحد عشر قرنا منسيا مغمورا إلى أن ظهرت مخطوطاته المتفرقة في بعض الخزائن الخاصة ، موجودة في مدن وادي ميزاب وجزيرة جربة بتونس (30) . (1/11)
صفحة 11
ونجد أن المصادر الإباضية المتقدمة أشارت إلى هذا التفسير قبل أن يتم اكتشافه ، فقد أشار إليه أبو زكرياء ( ق 5هـ ) في سيره حيث قال : " وذكر أن رجلين اختصما على تفسير هود بن محكم الهواري حتى بلغ تشاجرهما قبيلتيهما ، وحتى كادت الثورة تقوم بينهم ، وتصاف الفريقان ، وكاد الشر يقع بينهم ، فلما رأى ذلك أبو محمد جمال ، نزع المصحف ( التفسير ) من بينهم ، فقسمه نصفين ، فوافق قرطاسا بين النصفين لم يكتب ، وأعطى لكل نصفا ، وزال الشر واصطلحوا " (31) ؛ وكذلك نجد الدرجيني ( ق 7هـ ) أشار إليه ، فذكر هذه القصة وزاد بتفصيل أكثر وزاد عليها أن الشيخ أبو محمد جمال قال لهما : من شاء منكما الآن إكمال الكتاب فلينسخ النصف الذي فاته (32) ؛ وذكره البرادي ( ق 9هـ ) في جواهره حيث قال : " ومن تأليف أصحابنا أهل المغرب التفسير الذي لهود بن محكم الهواري في سفرين كبيرين " (33) ولم يذكر هل رآه أم لم يره ؛ وكذلك ذكره الشماخي ( ق 10هـ ) في سيره ، وقد ذكر القصتين اللتين ذكرهما أبو زكرياء والدرجيني ، والظاهر أن الشماخي وقف على التفسير واطلع على محتواه حيث قال كما مر علينا سابقا : " ومنهم هود بن محكم الهواري ... وهو عالم متفنن غائص ، وهو صاحب التفسير المعروف ، وهو كتاب جليل في تفسير كلام الله لم يتعرض فيه للنحو والإعراب ، بل على طريقة المتقدمين " (34) . (1/12)
صفحة 12
هذا وإن أقدم نسخه المخطوطة تعود إلى القرن 11هـ ، وللشيخ محمد بن عمر بن أبي ستة المحشي ( ق 11هـ ) حاشية على تفسير الشيخ هود لم يتمها ، ورجع إليه الشيخ إبراهيم بن بيحمان في تفاسيره ( ق 13هـ ) ، وكذلك الإمام قطب الأئمة ( ت : 1332هـ / 1914م ) في "تيسير التفسير " وفي " هيميان الزاد " وفي " شرح النيل " ، وكذلك الشيخ صالح لعلي في تفسيره " القول الوجيز " ( ق 14هـ ) (35) ، وذكره الإمام السالمي ( ت : 1332هـ / 1914م ) في " اللمعة المرضية " (36) ، وذكره الشيخ أبو إسحاق اطفيش في تقديمه لكتاب " الوضع " للشيخ الجناوني (37) ، وذكره د/ محمد حسين الذهبي ( ت : 1397هـ / 1977م ) في كتابه " التفسير والمفسرون " (38) ، وذكره الشيخ سليمان بن يوسف ( ت : 1412هـ / 1992م ) في كتابيه " حلقات من تاريخ المغرب " و" مساهمة علماء الإباضية " (39) ، وأشار إليه د/ عمرو النامي في كتابه " دراسات عن الإباضية " ، وذكره صالح باجيه في كتابه " الإباضية بالجريد " (40) ، وذكره د/ بحاز في كتابه " الدولة الرستمية " (41) ، وذكره علي أكبر ضيائي في كتابه " معجم مصادر الإباضية " (42) ، وغيرهم من الباحثين المعاصرين .
هذا ولقد حاول عدد من أهل العلم التصدي لطباعة هذا السفر الثمين بعد اكتشافه ، والظاهر أن محاولاتهم لم يكتب لها النجاح إلى أن يسر الله تعالى خروجه إلى النور على يد الأستاذ بالحاج شريفي وطبع طبعة أولى في سنة 1990م بدار الغرب الإسلامي كما ذكرنا في أربعة مجلدات ضخام . (1/13)
صفحة 13
وممن حاول طباعته الشيخ أبو إسحاق اطفيش عندما كان موجودا بمصر ، فظلت إحدى مخطوطاته معه لسنوات عديدة ، ولما تعذر تحقيقها وطباعتها رجع بها الشيخ ناصر المرموري إلى مدينة " القرارة " بميزاب سنة 1965م (43) ؛ وكذلك حاول الشيخ سليمان بن يوسف طباعته ، إلا أنه كذلك لم يوفق لذلك ، والذي يظهر أن الشيخ سليمان بن يوسف هو من اكتشف مخطوطات تفسير هود بن محكم ، أو ممن اكتشف بعض مخطوطاته ، حيث يقول : " ... والحمد لله أنني وجدت نسخة من هذا التفسير - يعني تفسير هود بن محكم - في خزانة جدي الشيخ أحمد بن أيوب كتب في آخرها " جلت في البلاد كثيرا بحثا عن التفسير فوجدت نسخة ببلد أريغ ممرشة فتعبت في نسخها ولا تزال تحتاج إلى تصحيح أرجو ممن تمكن أن يزيد أن يزيد في تصحيحها وله الأجر " فعزمت أنا على تقديم هذا التفسير الجليل للطباعة فوجدت جزءا في خزانة قطب الأئمة الشيخ اطفيش ، وجزأين في خزانة الشيخ بلحاج بالقرارة ، وجزءا بتونس ، نسأل الله أن يوفقنا لطبعه ونشره " (44) ، وهذا ليس بغريب على الشيخ سليمان بن يوسف وهو الذي كلفه رئيس جمهورية الجزائر هواري بومدين بمهمة التنقيب عن المخطوطات الجزائرية بالخارج ، فخلص في بحثه الذي عرضه على الرئاسة آنذاك إلى ثروات شاسعة من المخطوطات الجزائرية بتعيين محتواها ومؤلفيها والمكتبات الأوروبية التي توجد فيها (45) ؛ والحقيقة أن الأستاذ شريفي لم يشر إلى الشخص أو الأشخاص الذين كانت لهم اليد البيضاء في اكتشاف مخطوطات هذا السفر الجليل . (1/14)
صفحة 14
هذا وقد وهم البعض وظن أن تفسير هود بن محكم ناقص ، وممن وهم د/ محمد حسين الذهبي حيث جاء بمعلومات ناقصة جدا وأحكام مجانبة للحق والصواب في كتابه " التفسير والمفسرون " حول تفسير هود بن محكم (46) ، والعجيب أن الشيخ فرحات الجعبيري كذلك ظن أن الشيخ هودا توفي قبل أن يتم تفسير القرآن كاملا ، وأنه وصل إلى الآية ( 238 ) من سورة البقرة (47) ، والصحيح أن تفسير الشيخ هود بن محكم كامل غير ناقص ، وإنما الناقص هو الحاشية التي وضعها الشيخ أبو ستة على تفسير الشيخ هود ولم يتمها كما ذكر الأستاذ شريفي فوقع الخلط والوهم عند بعض الباحثين (48) .
وأخيرا وقبل الختام ينبغي التنبيه أن تفسير الشيخ هود بن محكم إنما هو عبارة عن اختصار لتفسير آخر سبقه بقرن من الزمان ، وهو تفسير يحيى بن سلام البصري ( ت : 200هـ ) ، وقام الشيخ هود بالزيادة عليه وإبراز آراء الإباضية في بعض القضايا ، وتذكر المصادر أن ابن سلام هاجر إلى القيروان وأخذ الناس عنه تفسيره ومنهم ابنه محمد وتلميذه أبي داود العطار ، فيذكر الأستاذ شريفي أنه ربما يكون الشيخ هود هاجر إلى القيروان وأخذ تفسير ابن سلام مباشرة عن محمد بن يحيى بن سلام ، أو ربما يكون أخذه عن أبي داود العطار (49) . (1/15)
صفحة 15
وتكمن القيمة العلمية لتفسير الشيخ هود بن محكم كما يرى الأستاذ شريفي أن الشيخ هودا تعقب ابن سلام في القضايا التي تتعارض مع العقيدة الصحيحة ، فبين الصواب ولم يأخذ تفسير ابن سلام على علاته وهناته ، وكذلك فإن تفسير الشيخ هود يعد بحق أول مختصر لتفسير ابن سلام ، وقد حاول ابن أبي زمنين ( ت : 399هـ ) اختصار تفسير ابن سلام فألف مختصرا عنونه بـ " مختصر تفسير ابن سلام " ، إلا أن الشيخ هودا متقدم عليه وأقرب إلى عهد ابن سلام ، أضف إلى ذلك أن تفسير الشيخ هود أكبر حجما وأغزر مادة وأكثر فائدة من تفسير ابن زمنين ، وكذلك فإن الشيخ هود ساهم في حفظ الصورة الكاملة أو القريبة من الكمال لتفسير ابن سلام ، حيث أن مخطوطات تفسير هذا الأخير لا تزال ناقصة (50) .
يقول د/ بحاز عن تفسير الشيخ هود : " ومما لاحظناه في هذا التفسير ، أنه يروي في بعض الحالات أسباب النزول ، ويعتمد على أحاديث نبوية ، وكثيرا ما يشير إلى مصادره كروايات ابن عباس ومولاه عكرمة ، وابن الكلبي ومجاهد وغيرهم . ولم يتبع هود في تفسيره طريقة النقل فقط ، بل كثيرا ما كان يسوق الرواية فينفيها نفيا قاطعا ، واهتم خاصة باستخراج معاني الآيات وما تضمنته من حكم وأحكام " (51) .
ولقد كنت أود تسليط الضوء أكثر على هذا التفسير الجليل إلا أن الأستاذ بالحاج شريفي محقق تفسير الشيخ هود ، والباحث سلطان الشيباني في سلسلته الرائعة " الإنتاج الإباضي في علم التفسير " والتي نشرت تباعا في جريدة الوطن ، أتيا بما لا مزيد عليه ، وكما يقال : لا عطر بعد عروس . (1/16)
صفحة 16
(العلامة الشيخ عامر بن علي الشماخي)
1- التمهيد:
في هذه الصفحات القليلة، نريد أن نحدثك أيها الطالب الكريم، عن حياة العلامة الشيخ عامر بن علي الشماخي رحمه الله، فقد كان مثلاً في الورع والتقوى والعلم فاستمسك بالأخلاق القرآنية سلوكا صالحا، قبل أن يكون قولاً، وعلينا أن نميط اللثام عن هذه الشخصية الإسلامية الخالدة في ذاكرة الإسلام من خلال سلوكه وآثاره الفكرية.
ووفاء لهؤلاء العظام، نقدم لك نبذة عامة مختصرة عن حياة هذا الشيخ الكريم لتكون لنا عبرة في حياتنا.
2- الشيخ أبو ساكن عامر بن علي الشماخي- نسبه، مولده، تعلمه:
هو أبو ساكن عامر بن علي بن عامر بن سيفاو الشماخي، نلاحظ هنا أن كلمة- سيفاو- غريبة عن اللغة العربية، فهذه الكلمة هي كلمة بربرية ومعناها النور الهادي- أما كلمة الشماخية فهي نسبة إلى جبل شماخ الواقع في أراضي جبال نفوسة بليبيا، بحيث أن العائلة الشماخية الكريمة التي خدمت التراث الإسلامي خدمة جليلة تنسب إلى هذا الجبل، وأخيرا استقرت في مدينة يفرن بليبيا.
ولد الشيخ أبو ساكن عامر بمدينة ديسير حوالي 700هـ- لقد نشأ رحمه الله في أسرة شريفة، عريقة في الدين والأخلاق العالية، إن هذه الأسرة النبيلة، قد أثرت فيه أدباً وأخلاقاً، وسلوكاً.
وكان من عادة أهل القرية يرسلون أبناءهم الصغار يمرحون ويتسابقون، تاركين أبقارهم تأكل الكلأ وما تجده أمامها، وهي بعيدة عن حراسة هؤلاء الأطفال الصغار، إلا أن الابن الصغير عامر يمسك برسن البقرة أي بحبل بقرته يحرسها كل الحرس خوفا أن تأكل من كلأ الناس فلاحظ أعرابي سلوك عامر المتخلق بأخلاق القرآن الكريم.
فقال له لماذا لا تلعب مع زملائك وتترك بقرتك وشأنها كالأبقار الأُخر؟ فقال له عامر: أخاف أن تأكل كلأ الغي، فهذا حرام في دين الله، إن هذا القول قد أثر في نفسية ذلك الأعرابي فقصد والده قائلا له: (1/18)
صفحة 17
إن ابنك الصغير عامر يصلح لدراسة العلوم الدينية لا لرعي الأبقار، لأنه متخلق بأخلاق القرآن العظيم، وتظهر عليه علامات الذكاء والإدراك الصحيح، إن هذه الحادثة قد غيرت مجرى حياة عامر، إذ أدخله أبوه الكريم في مدرسة ديسير، ولم تمض شهور قليلة حتى حفظ الابن الصغير القرآن الكريم، وشيئاً من أحاديث الرسول العظيم صلى الله عليه وسلم، ومبادئ اللغة العربية والنحو والصرف.
وبعد هذه المدرسة الابتدائية ألتحق بمدرسة أخرى وهي مدرسة الشيخ أبي موسى عيسى الطرميسي التي كانت تعد حينئذ أعظم مدرسة في جبل نفوسة، فقد تخرج منها عدة أعلام في الفكر والشريعة الإسلامية.
وعلى أية حال، فإن الشيخ عامر قد بلغ درجة كبيرة في التفقه والاجتهاد والتبحر في العلوم الدينية، وكان أستاذه أبو موسى عيسى الطرميسي يفضله ويبجله على أقرانه بفضل أخلاقه وعلو علمه، وحينما أدرك شيخه نهاية اجتهاده ونشاط فعالية علمه بسبب كبر سنه، قال له: (لقد أبلغت إليك هذا الدين سالما دون أن تشوهه الخرافة أو البدعة، فإن حافظت عليه بقي، وإن أهملته ضاع).
3- كفاحه وأخلاقه:
إن الشيخ عامر بن علي الشماخي رحمه الله لما أتم دراسته عند الشيخ أبي موسى عيسى الطرميسي بقرية طرمسية بجبل نفوسة، رجع إلى يفرن فكون مدرسة كبيرة هدفها الأول هو نشر الدين الإسلامي الصحيح والأخلاق القرآنية بين الفئات الاجتماعية وبعد هذا انتقل إلى مدرسة أبي يزيد المزغورتي، فوجد هناك صديقه الشيخ أبا عزيز حاملا لواء الإسلام، متحديا الصعاب، آمرا بالمعروف، وناهيا عن المنكر. (1/19)
صفحة 18
وبعد هذا الجهاد انتقل أبو ساكن إلى مدينة ميتيون في أرض الرحيبات، فمكث في هذه المدينة الطيبة ثلاثة عشر ( 13) سنة كاملة، مربيا ومدرسا ومرشدا، إلا أن شيخنا أحس بالحنين إلى مدرسته الأولى بيفرن فرجع إليها فاستقر في رحابها، هناك قضى بقية عمره مجاهدا مكافحاً مظاهر الفساد الخلقي والآفات الاجتماعية معتمدا في ذلك على الأخلاق القرآنية، وقدوة سيرة الرسول العظيم صلى الله عليه وسلم وسيرة الصحابة رضي الله عنه، فجاهد في سبيل الله حق جهاده حتى اختاره الله إلى جواره وذلك سنة 792هـ رحمه الله وأسكنه النعيم المقيم.
يقول العلامة الشيخ علي يحيى أمعمر عنه: (كان أبو ساكن مثلا يحتذى به في الجد والعمل والخلق الحميد، إنه من أولئك الدعاة الهداة الذين يقيم بهم الحجة على العباد في مختلف الأزمان.
لقد كان رحمه الله مؤمنا أصدق المؤمنين ومكافحا في الله من أشد المكافحين وكان متخلقا بخلق القرآن، حكيماً في الأمور وقوراً في شخصه عفيفاً لين العريكة - أي النفس- سهل الخلق يحب الناس ويحبونه، يألفهم ويألفونه إلا أن تنتهك حرمة من حرم الله فإنه لا يقر له قرار حتى يقوم فيها بأمر الله).
أيها الطالب الكريم: هذه الأخلاق نحن اليوم في أشد الحاجة إليها ولا يختلف عاقلان اليوم في غرسها وترسيخها في أمتنا الإسلامية حتى تستطيع أن تكون جيلا إسلاميا صالحا للحياة، مفيدا لوطنه والإنسانية التي تعاني أزمة أخلاقية حادة بسبب خروجها عن طريق الأنبياء والرسل ودعاة الإصلاح المسلمين.
4- آثاره وتلاميذه وآراؤه الكلامية:
أيها الطالب: في ضوء ما رأيناه نستطيع أن نقول أن الشيخ عامر الشماخي قد حارب البدع والشعوذة والخرافات الزائفة وتطهير العقيدة من مظاهر الشرك والوثنية كالتمسك والتوسط بالأولياء والقبور، بدعوى أن هؤلاء وسطاء بين الإنسان وربه، وهذا بطبيعة الحال يتناقض كل التناقض مع التوحيد الخالص ويخالف الآيات القرآنية الواضحة لقوله تعالى: (1/20)
صفحة 19
(وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ
إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) - البقرة:186-
وكان الشيخ عامر رحمه الله مرجع الفتوى في جبل نفوسة والمغرب نظرا إلى غزارة علمه وورعه، وبالتالي تخرج على يده عدد كبير من الأعلام الكبار، ومن أبرزهم ولده موسى وحفيده سليمان وأيوب الجيطالي وأبو الفضل أبو القاسم البرادي، صاحب كتاب الجواهر المنتقاة في إتمام ما أخل به كتاب الطبقات وأبو الضياء الطرميسي.
أضف إلى هذا أنه قد ترك للفكر الإسلامي الأصيل ثروة فكرية غنية بمادتها تتجلى في كتابه القيم كتاب الإيضاح الذي يعد موسوعة فقهية واضحة , عالج في هذا الكتاب فقه العبادات والأخلاق والمعاملات.
يقول رحمه الله (فإنه قد دعاني إلى إيضاح ما ألفت في هذا الكتاب من مسائل الصلاة ووظائفها بجميع الأسباب وما عليه عولت إن شاء الله وقدر سلامة وأعان على ما هداه مما قد اعتنيت به وألفته ومن أقوال أصحابنا خاصة، جمعته بدلائل مسموعات مستندات وقياسات مستنبطات ومستخرجات طلبي لمرضاة الله تعالى وابتغاء ما عنده لا لشيء سواه، لا. وأن أكون في ذلك إلا عونا للمتعلمين ومتبعاً سبيل من سلك هذه الطريقة من صالح المؤمنين، لأن الله تعالى يقول:
(وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) - المائدة:2-
وفي ضوء هذه الآية الكريمة نجد أن العلامة عامر الشماخي كان هدفه الأول والأخير هو خدمة كتاب الله عز وجل، ابتغاء فضله واحتساب أجره، أما إذا كان العالم هدفه التفاخر بعلمه أمام الملأ، أو خدمة لسلطان جائر، فإن مصيره جهنم وبئس المصير، يقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: (من تعلم علما لغير الله، أو أراد به غير الله فليتبوأ مقعده من النار) - رواه الترمذي- . (1/21)
صفحة 20
هذه هي بعض ملامح شخصيته، إلا أن هذه الصورة تبقى ناقصة ما لم نعالجها من الزاوية الفكرية الإسلامية المتجسمة في علم التوحيد الذي ألف فيه متن كتاب الديانات، وقد ترجمه إلى اللغة الإنجليزية الأستاذ الكريم عمر النامي وترجمه إلى اللغة الفرنسية القسيس الفرنسي كوربوربي.
وعلى أية حال فإن علم التوحيد أهم العلوم الدينية على الإطلاق لأنه يرتبط ارتباطا كليا بالعقيدة والإيمان وبدونه سيفقد المسلم جوهر إيمانه ودينه بحيث نجد عدة أعلام سموه بعلم أصول الدين كما عرف بعد ذلك بعلم الكلام- أما الآن فيدرس باسم العقيدة في الثانويات والمدارس- فهذه العقيدة نجدها متجلية في سورة الإخلاص قال الله تعالى:
بسم الله الرحمن الرحيم
( قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ (1/22)
صفحة 21
اللهُ الصَّمَدُ
لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ
* (1/24)
صفحة 22
)
ومن هنا يحسن بنا أن نقول ما هي القضايا التي عالجها شيخنا عامر ابن علي الشماخي من خلال كتابه متن الديانات، هناك عدة مسائل طرحت وأثريت فيه، ومن أهمها- التوحيد، والعدل والقدر والولاية والبراءة (أي الحب والبغض) والأمر والنهي، و الوعد والوعيد ( أي الجنة والنار) والمنزلة بين المنزلتين (أي أن منزلة النفاق بين منزلة الإيمان ومنزلة الشرك وأن لا منزلة بين المنزلتين- أي لا توجد منزلة بين منزلة الإيمان ومنزلة الكفر) والأسماء والأحكام ( أي أن الألفاظ تابعة للأحكام فمن حكم عليه بالإيمان سمي مؤمنا ومن حكم عليه بالكفر فهو كافر) هذه هي الأصول التسعة التي وقع فيها الاختلاف بين المذاهب الإسلامية.
ومن هنا، فإن البحث المستفيض فيها قد يأخذ مجلدات كبيرة كما وقع في الماضي ولكن نرى أن نبدأ بالقاعدة الأساسية الجوهرية في الإسلام وهي التوحيد وعلى هذا يمكننا أن نشير إلى رأي شيخنا عامر بن علي رحمه الله- يقول في هذه المسألة: (التوحيد: تدين بأن الله واحد ليس كمثله شيء في صفة ولا في ذات ولا في فعل وتدين بأنه لا يُرى في الدنيا ولا في الآخرة
( لاّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) - الأنعام:103-
وتدين بأنه استوى على العرش وعلى كل شيء استواء غير معقول والاستواء صفة له لم ينزل ربنا موصوفا بها وندين بأنه في كل مكان بالحفظ والقدرة وبكونه في الأشياء ومع الأشياء بالاحاطة لها وبالزيادة والنقصان لا على الحلول والتمكن والاجتنان (أي الاختفاء) وندين بأن أسماءه هو وبأن صفاته هو وندين بأن ليس ثم شي غيره لا يجري عليه العدو والتغاير والاختلاف).
وهكذا نجد أن شيخنا الكريم عامر بن علي الشماخي قد ركّز على عقيدة التوحيد الخالص الثابت الذي يؤثر بقوة وعمق في سلوك المسلم في كل لحظة، فهذه العقيدة يجب أن تكون مبنية على العلم الثابت والتصديق الجازم الذي لا يتطرق إليه أي شك. (1/30)
صفحة 23
من خلال هذا النص نلاحظ أنه قد كرر عدة مرات كلمة ندين ويقصد بها نتعبد ونتقرب نحن معاشر المسلمين إلى الله تعالى بإذعاننا وإقرارنا بالتوحيد وهو الإقرار والاعتقاد الجازم بأن لا إله إلا الله ، فالله عز وجل هو المالك الوحيد الخالق لهذا الكون وهو المنفرد بالوحدانية فصفات الله عي عين ذاته والله قادر بذاته أي أ، ذاته كافية في التأثير في جميع المقدورات، فالله قديم وصفة القديم مثله في القدم.
ولا يجوز اعتبار الصفات مستقلة محدثة وبالتالي يصبح الله تعالى في حاجة إلى أعراض وأجزاء، ويغدو مركبا ومتغيرا في صفاته بحيث يكون في وقت على صفة وفي أخرى على خلافها، ويلزم عن هذا أن لا جنس له، ولا فصل له ولا حد له ولا ند له، ولا يشاركه في الكمال المطلق اللانهائي أي شيء.
أي بالنسبة إلى الصفات فما هي إلا معاني عقلية تدل على القدرة والعلم والإرادة والحياة فالله كائن في كل مكان ومحيط بكل شيء وفي كل مكان وزمان ولا على الاجتنان أو الاختفاء والتستر تعالى الله عن ذلك عُلواًّ كبيرا الله عز وجل لن يُرى في الدنيا ولا في الآخرة بحيث لو أمكن رؤية الله لكان جسما متحيزا موجودا في مكان ما وهذا تجسيم وتجزئة لصفات الله عز وجل.
والجدير بالذكر أن علماء الإسلام قد حللوا وناقشوا علم التوحيد في مباحثهم العامة لأنه ركن أصيل وجوهري في الإسلام، إلا أن الشيخ عامر بن علي الشماخي قد عالج موضوعا آخر في دراسته الفكرية وهو موضوع الأخلاق لاسيما الحقوق المتبادلة بين الناس وعلى هذا يمكننا أن نسلط الأضواء على رؤيته في هذا الموضوع.
5- آراؤه الأخلاقية: (1/31)
صفحة 24
قبل تحليل دلالة الحقوق أخلاقيا، نقول أن الإنسان هو كائن أخلاقي، فالغاية من وجوده ليس المحافظة على حياته المادية، وإشباع غرائزه الطبيعية كالجوع، والعطش والنوم والجنس فقط، بل يسعى لتحقيق المثل الأخلاقية العليا، كالتضحية، والإيثار لأنه يتميز بالعقل والغريزة، هذه هي الحقيقة جعلته في صراع دائم بين الحق والباطل وبين الخير والشر.
على انه يجب أن نذكر هنا أن الأخلاق الإسلامية قد عالجت جميع القضايا التي يطرحها الإنسان اليوم، سواء أكانت مادية أو نفسية، ذاتية أو اجتماعية- دينية أو سياسية أما بالنسبة إلى مفهوم الحق فيقصد به الأمر الثابت الذي لا يجوز منعه وتجوز المطالبة به كحق العباد وحق العيش، وحق الرعاية والاحترام.
ولعل من المفيد أن نذكر هنا أن شيخنا عامر رحمه الله قد ركّز على عدة حقوق أخلاقية مبتدئا بحقوق الوالدين على أولادهما يقول رحمه الله: (وحقوق الوالدين فريضة على أولادهما لقوله تعالى:
( وَاعْبُدُواْ اللهَ وَلا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدْينِ إِحْسَانًا) - النساء:36-
وقال أيضا: ( وَوَصَّيْنَا الإِنَسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا) - العنكبوت:8-
روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( من أسخطهما فقد أسخط الرحمن ومن أغضبهما فقد أغضب الرحمن)، وروي أن جبريل قال للنبي عليه الصلاة والسلام: (من أدرك والديه فدخل النار أبعده الله قل يا محمد آمين فقال النبي صلى الله عليه وسلم: آمين) - رواه مسلم-.
فهذه الآيات والأحاديث كلها تدل على وجوب الإحسان إليهما بنفسه وماله إن استطاع ذلك، وتحريم الإساءة لهما فمن لم يحسن لهما فقد أساء إليهما ولم يبرهما فقد قطعهما. (1/32)
صفحة 25
وهكذا نرى أن الإحسان يمثل في أمهات الأخلاق الإسلامية لبنة الإيمان وروحه الذي يندمج مع عواطفنا الصادقة المؤمنة بعظمة الله عز وجل، يقول الرسول الكريم (أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقاً وخياركم خياركم لنسائهم) - رواه الترمذي- وعن النواس بن سمعان رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البر والإثم فقال: (البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في نفسه، وكرهت أن يطلع عليه الناس) - رواه مسلم-.
وهكذا يظهر لنا جليا، أن فضيلة الإحسان في حقيقة أمرها تمس العقيدة وفرعها من حيث أن هذه الفروع تمثل سلوكنا وتصرفاتنا المتصلة بذاتنا وكذلك مع غيرنا، خاصة بين المسلمين.
وعلى المسلم أن يطهر نفسه من الأخلاق السيئة كالكذب والحسد والنفاق لأن إصلاح الباطن أساس لكل سلوك ظاهري وأن يلزم نفسه بالأخلاق الفاضلة ولعل من المفيد، أن نذكر هنا رأي شيخنا الشماخي إذ يقول: (ومن حقوق المسلم على المسلم أن يسلم عليه إذا لقيه، ويشمته إذا عطس ويجيبه إذا دعاه ويزحزح له في الجلس، ويحفظه في أولاده بعده ويصله بما قدر عليه).
وروي أنه قال عليه الصلاة والسلام: المشي لأخ مسلم في حاجة أحب إليّ من اعتكاف شهرين) - رواه مسلم وأبو داؤد-.
وفي الأثر روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أوصى المسلمين بعضهم بعضا، ولا يهتكوا ستر إخوانهم عند هفواتهم وزلاتهم وندبهم إلى الستر عليهم وفي الرواية عنه عليه الصلاة والسلام عم طريق أبي هريرة أنه قال: (من نفّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفّس الله عنه كربة من كرب الآخرة، ومن ستر على مؤمن في الدنيا ستر الله عليه في الآخرة والله تعالى في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه) - رواه مسلم وأبو داود-.
فالواجب على المسلمين مراعاة هذه السنة وإتباعها في إخوانهم المسلمين عند هفواتهم وزلاتهم، وإذا سقط أحدهم أخذوا بيده وستروا عليه. (1/33)
صفحة 26
وروي أنه قال صلى الله عليه وسلم: (المؤمن مرآة أخيه المؤمن ينصحه إذا غاب ويميط عنه ما يكره إذا شهد، ويوسع له في المجلس) - متفق عليه- وروي أنه قال صلى الله عليه وسلم (والذي نفسي بيده لا تؤمنوا حتى تحابوا).
وهكذا نصل إلى المعطيات الأخلاقية التي انطلق منها العلامة الشيخ الشماخي إذ كانت إسلامية خالصة تميزت بالواقعية الإنسانية لأنها تعكس فطرة الإنسان السليم الذي لا يتغير جوهره، ضمن حدوده الطبيعية الفطرية.
ونحن نشاطر رأي العلامة الشيخ الشماخي في الإحسان بين أفراد الأمة الإسلامية، لتوطيد وترسيخ دعائم المحبة والتواصل غير أن هناك حدودا معقولة لهذا الإحسان وإلا أصبح مجتمعنا تسيطر عليه العواطف والمحاباة، وهذا يتعارض مع العدالة الإسلامية.
وعلى أية حال فإن فضيلة الإحسان تقوم على المحبة الخالصة، إلا أن حب الله هو ذروة الحب عند الإنسان فهذا الحب يتجلى في عبادتنا لله عز وجل، لاسيما الصلاة وهكذا فإن الصلاة تجعلنا نربط أنفسنا بالقوة العظمى التي تسيطر على العالم الأكبر والعالم الأصغر سائلين الله أن يمنحنا حبه وعلمه وهدايته.
وعلى ضوء هذا، نجد أن شيخنا الجليل قد كتب مجلدا كاملا في حق الصلاة وبعدها الروحي حيث يقول: (اعلم أن الصلاة ركن من أركان الدين وقاعدة من قواعد الإسلام بدليل قوله صلى الله عليه وسلم (الصلاة عماد الدين فمن ترك الصلاة فقد هدم الإيمان فهي واجبة على كل بالغ صحيح العقل، ولا خلاف في ذلك أجده بين أحد من المسلمين).
لا جدال في أنه من ترك الصلاة فقد كفر بالله الذي خلقه وحرره من الأوهام والأوثان وعبادة البشر، فالصلاة هي قبل كل سيء قوة روحية، تمد المسلم بطاقة روحية فياضة تحرره من متاعب الحياة المادية، فمن لم يكن معبوده في صلاته، فلابد أن يجعل معبودا آخر إما السلطة وإما المال وإما الجاه فهذا يعد انحطاطا بكرامة الإنسان وحريته. (1/34)
صفحة 27
وعلى أية حال فقد كان الشيخ الشماخي من أولئك العلماء الذين تحرروا من الحياة المادية وزخرفها وجاهدوا في الله حق جهاده لنشر رسالة الإسلام من خلال آثارهم وتربيتهم لمجتمعهم بالحكمة والموعظة الحسنة، معتمدين على القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة.
بهذه اللمحة المختصرة يمكننا أن نقول أننا قد وضعنا لبنة جديدة في مكتبة القارئ ليستفيد منها وتكون نافذة على أعلام الإسلام العظام إن شاء الله. (1/35)
صفحة 28
( العلامة الرباني جاعد بن خميس الخروصي )
ولادته
هو الشيخ الرباني جاعد بن خميس بن مبارك بن يحيى حفيد الإمام الصلت بن مالك الخروصي اليحمدي، ولد سنة 1147هـ في قرية العليا بولاية العوابي، ولقبه الرئيس المدقق.
نشأته
نشأ هذا الشيخ في بيت علم وتقوى، وتعلم القرآن الكريم في بلده العلياء من ولاية العوابي، كما تلقى العلوم الدينية والأدبية على يد والده وكذلك (الشيخ سعيد بن أحمد الكندي) كما درس على يد (العلامة حبيب بن سالم إمبوسعيدي.
مؤلفاته
ألّف العديد من الكتب حيث ترك ما يربو على عشرين كتابا، ومؤلفاته في مختلف المجالات، حيث كتب في النحو والبديع والقوافي والسلوك والصوف وعلم الأخلاق وفي الصنعة الإلهية والتراكيب الكيميائية والأجساد المعدنية والفلك وأسرار الحروف والرياضة الروحية والروحانية، ومن بين كتبه:
1- ( الدقائق لأعناق أهل النفاق): في القضايا السلوكية المتعلقة برجال الحكم والسياسة.
2- (إيضاح البيان فيما يحل ويحرم من الحيوان).
3- (الموسوعة في أصول التوحيد وفقه الدين).
4- (شرح حياة المهج): في السلوك ويدعو فيه إلى تهذيب النفس وبيان صفاتها وأخلاقها.
5- له عدة (مراسلات أدبية وسياسية وعلمية) في داخل عمان وخارجها.
6- له العديد من (القصائد) في مختلف المجالات.
ونستشهد في هذا المقام بالقصيدة التالية (في السلوك):
أرى العدل عن لوم العذول هو العدل وقصد الفتى وصل الحبيب هو الدخل
وحق الهوى ما صادق في الهوى فتى تحلى به عن خلة اللوم والعذلُ
ويصغي إلى قول الوشاة فينثني صدودا على هجر وفي صدره ثقل
العلماء الذين استفادوا منه
في مقدمة هؤلاء أولاده وخصوصا (ناصر وخميس)، كما استفاد منه أيضا الشيخ (منصور بن محمد بن ناصر الخروصي) والشيخ الشاعر (سعيد بن محمد بن راشد الخروصي) المعروف بالشاعر الغشري، والشيخ (أبو محمد عبد الله بن محمد بن ناصر الخروصي)، والسيد (مهنا بن خلفان البوسعيدي) وغيرهم من العلماء. (1/37)
صفحة 29
شهادات العلماء والشعراء
أشاد الكثير من الكتاب والمؤرخين بمناقبه وسيرته الحافلة بالعطاء والإنتاج الفكري، ومن بين هؤلاء المؤرخين الشيخ السالمي في كتابه تحفة الأعيان الذي قال عنه (إنّ أبا نبهان كان المتقدم على أهل زمانه بالعلم والفضل والشرف واتخذه الناس قدوة في مراشد دينهم ومصالح دنياهم، وقلّده الأفاضل أمرهم لما علموا من علمه وورعه) كما ذكره الشيخ ابن رزيق في مؤلفاته والشيخ السيفي في كتابه (النصوص في أئمة بني خروص) كما ازدانت كتب المتأخرين بفتاويه ككتاب (اللباب) و (بيان المشكل).
كما مدحه الشعراء في قصائدهم نذكر منهم ( الشيخ منصور بن ناصر الخروصي) و (الشيخ ناصر بن محمد الحاجري) و (الشيخ سعيد بن حسن الخروصي) وقد جمعت القصائد التي قيلت في حقه على شكل ديوان تحت عنوان (قلائد المرجان في مدح الشيخ أبي نبهان).
مكتبته
توجد مكتبته في (بيت الرأس) في قرية العلياء من وادي بني خروص وكانت تعد من أضخم المكتبات العمانية حتى ليقال أن محتوياتها بلغت ثمانية آلاف كتاب.
أولاده
ترك ثلاثة عشر ولدا وهم نبهان وعبد الله وسعيد ومحمد وماجد وسليمان وخلفان وناصر وسالم وخميس وشيخة وآسية ونصرا.
وفاته
توفي يوم الخميس الثالث من شهر الحج سنة 1237هـ وكان سنه تسعين عاما، وقد دفن على رأس فلج الحيل بولاية العوابي، وقد حزن لوفاته العلماء وطلبة العلم ورثوه بقصائد حارة ومن بين هؤلاء (ابن رزيق النخلي) و (ثنيان بن خلف المعولي) و (الشاعر علي بن خميس الحبري) الذي قال:
لك في البسيطة سيدي شرف وفي السبع السموات العلا إجلال
قد شرفتك معا ملوك قد مضت والعلم والأمجاد والأعمال
لك همة في العلم عالية وتأثيره لم تلهك الأشغال
كما قال راشد بن سعيد بِلّحسن:
صنع الخروصي الصلا ووصفه بصوابه لم يحصه إحصاء
طام الفطانة والطباع تعطفا للطائعين وطاعة وعطاء (1/38)
صفحة 30
* (1/39)
صفحة 31
الشيخ ابراهيم بن عمر بيوض
علامة، زعيم، مربي.
1313هـ/1899م - 1401هـ/1981م
بقلم د. محمد صالح ناصر
هو الشيخ ابراهيم بن عمر بيوض، ولد سنة 1313هـ/1899م في أحضان والدة من عائلة الحكم بالقرارة، و والده يعد من أعيان البلد.
دخل كتاب القرية فاستظهر القرآن قبل سن البلوغ. ثم أخذ مبادئ العلوم الشرعية و اللغوية على يد مشايخ القرارة المشهورين آنئذ الحاج ابراهيم لبريكي (ت:1911م)، الحاج عمر بن يحي أمليكي (ت:1921م)، أبو العلا عبد الله (ت:1960م).
حباه الله منذ الصغر مواهب جمة منها الذكاء الوقاد، و الحافظة القوية، و الفصاحة و البيان، و هو ما أهله رغم صغر سنه ليخلف شيخه الحاج عمر بن يحي في التدريس، و يتبنى الحركة العلمية، و النهضة الإصلاحية في القرارة.
أصبح عضوا في حلقة العزابة، و هي الهيئة الدينية العليا في القرارة، و ما لبث أن اعتلى منبر الوعظ بمسجدها. ثم انتحب رئيسا لحلقتها و هو في الأربعين من عمره.
في 18 شوال 1343هـ/ 21 ماي 1925م أسس معهد الشباب للتعليم الثانوي، و هو المعروف بمعهد الحياة، و اتخذ له شعارا "الدين و الخلق قبل الثقافة، و مصلحة الجماعة قبل مصلحة الفرد" و أصبح قبلة للطلاب من داخل الجزائر و خارجها تخرج منه المئات من طلاب العلم. المتخصصين في العلوم الشرعية و اللغوية.
في سنة 1931م شارك في تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، و ساهم في صياغة قانونها الأساسي، و انتخب عضوا في إدارتها الأولى، إذ أسندت إليه نيابة أمين المال.
في سنة 1937م أسس جمعية الحياة بالقرارة المشرفة على التعليم الابتدائي و الثانوي، و المنتظمة والمشرفة على الحركة الفنية و الرياضية، و الجمعيات الأدبية بها، و ما تزال تؤدي رسالتها تلك حتى يومنا هذا. (1/40)
صفحة 32
في سنة 1940م حكمت عليه الإدارة الاستعمارية بالإقامة الجبرية داخل القرارة لا يبرحها، لمدة أربع سنوات، تفرغ خلالها لتكوين ثلة من الطلاب المتفوقين، أصبحوا من رجالات الأمة المحليين، و قادة الحركة الإصلاحية بالجنوب الجزائري.
في سنة 1947م دخل معترك الحياة السياسية، فطالب برفع حكم الإدارة العسكرية عن الصحراء و إلحاقها بالشمال.
انتخب بالأغلبية الساحقة يوم 20 أبريل ممثلا لوادي ميزاب في المجلس الجزائري، و أعيد انتخابه سنة 1951م، فكان الصوت المدوي دفاعا عن مقومات الشخصية الجزائرية دينا و لغة.
أصبح ما بين 1954 و 1962م محور النشاط الثوري في ميزاب بعامة، و القرارة بخاصة، يعاونه في ذلك زملاؤه في الحركة الإصلاحية، و أبناؤه الطلبة. و قد وقف وقفة بطولية ضد مؤامرة فصل الصحراء عن الجزائر.
في مارس 1962م عين عضوا في اللجنة التنفيذية المؤقتة، و أسندت إليه مهمة الشؤون الثقافية إلى يوم تسليم السلطة لأول حكومة جزائرية في سبتمبر من سنة 1962م
في سنة 1963م أحيى نشاط (مجلس عمي سعيد) الهيئة العليا لمجالس عزابة وادي ميزاب و وارجلان، فانتخب رئيسا له إلى يوم وفاته.
الشيخ بيوض مصلحا
في الميدان الاجتماعي :
كان المجتمع الميزابي في أوائل القرن العشرين يعيش تحت وطأة الحكم الاستعماري العسكري، ووطأة الفقهاء الجامدين أولئك يرهقونه بحكم مستبد وهؤلاء يعرقلون مسيرته بفكر متزمت ،مما أدى إلى ظهور سلبيات عديدة في جميع مجالات الحياة . (1/41)
صفحة 33
وكان على العالم المصلح أن يواجه كل ذلك بحكمة وصبر ،فالناس أو بالأحرى العامة غير مؤهلة لتقاوم الحاكم الاستعماري ،ولا أن تجابه النفوذ الديني، وكان الشيخ بيوض، العالم اليقظ، المتفتح على العالم الإسلامي من حوله يتابع بحرص دعوات الإصلاح التي أخذت ترتفع من هنا وهناك من أطراف العالم العربي ولا سيما حركة العلماء المصلحين في الشرق من أمثال الشيخ محمد عبده ،وجمال الدين الأفغاني، ورشيد رضا ،والكواكبي ، وشكيب أرسلان، وغيرهم ممن أعجب الشيخ بيوض بمنهجهم، وتشرب أفكارهم من خلال آثارهم وكتبهم وقد جمعته الصدف ببعضهم مثل شكيب أرسلان الذي التقى به في الحج سنة (1929)فكان دائم الإشادة بفكره ومواقفه.
وكان قد أحكم الصلات بينه وبين العلماء المصلحين الآخرين في محيط القطر الجزائري من أمثال المشايخ عبد الحميد بن باديس، والبشير الإبراهيمي، والطيب العقبي، وغيرهم.
وكانت خطته في هذا السبيل واضحة وهي التعاون الجاد لإحياء اللغة العربية لغة القرآن، وتربية الناشئة الجزائرية تربية إسلامية صحيحة والوقوف صفا واحداً أمام مخططات الاستعمار الفرنسي الرامية إلى تفريق الشعب الجزائري على أساس المذهبية ،أو الطائفية ،أو الجهوية .
وقد برز هذا التعاون في إطار جمعية العلماء مدارس تنتشر في كل أنحاء القطر الجزائري وتجلى دروس وعظ وإرشاد ،وخطط تفكير وتوجيه خطى المصلحين حولها كلما دعت الضرورة إلى ذلك .
في الميدان السياسي :
نشأ الشيخ بيوض في عهد كانت الصحراء الجزائرية فيه تخضع لنير حكم عسكري فرنسي عتيد يعرقل أو يقضي علنا على كل ما من شأنه تقوية روح الدين الإسلامي ،ومقومات حضارته في النفوس . (1/42)
صفحة 34
وباعتباره عضوا في الحلقة الدينية ثم رئيسا لها ،وباعتباره رئيس الحركة العلمية الرافعة راية لغة القرآن ،كان لابد أن تكثر بينه وبين الحكام العسكريين المواجهات والاستجوابات والمضايقات، وسجل في تقارير أولئك الحكام أن هذا الشاب مشاغب. ثم تطورت الأحداث ليصبح عندهم عدواً لدوداً بل أصبح أثناء الحرب العالمية الثانية وما قبلها وما بعدها العدو رقم واحد لفرنسا ،هكذا كان يسمى لديهم.
نشاطه الثوري :
شارك الشيخ بيوض مشاركة فعالة في الثورة التحريرية ،بما قام به من خدمات جليلة سواء في إطار الحركة في الصحراء أم في اتصالاته المباشرة مع الحكومة المؤقتة في المنفى بواسطة تلامذته وإخوانه .
أما المجال الذي برز فيه الشيخ بيوض سياسيا محنكا، ومفاوضا لبقا، ووطنيا ثابتا فهو موقفه الذي يشهد به الخاص والعام من القضية الصحراوية إذ حاولت فرنسا حين علمت أن الجزائر مستقلة لا محالة أن تمكر بالجزائريين بفصل الصحراء عن الشمال لما في الصحراء من خيرات أهمها البترول والغاز الطبيعي ،وقد حاولت السلطات الفرنسية سواء على مستوى الجزائر أم على مستوى فرنسا أن تستميل الشيخ بيوض لعلمها بمنزلته العظيمة ولتيقنها بالدور العظيم الذي يقوم به الميزابيون في الاقتصاد الجزائري ،ولكن الشيخ بيوض الذي رفض هذه المحاولات، وأفشل هذه الخطط قبل الثورة ،ما كان له أن يتلجلج أو يتردد في قول كلمة لا قوية صارخة في وجه الاستعمار الفرنسي إيمانا منه بأن الصحراء أرض جزائرية، وجزأ لا يتجزأ منها.
وكان الشيخ بيوض على صلة وثيقة بالحكومة المؤقتة في تونس ينسق معها الخطط ويطلعها على مؤامرات الفرنسيين أولا بأول ،ويتبادل مع بعض أعضاء الحكومة الرسائل والمعلومات.
آثاره الفكرية (1/43)
صفحة 35
إن الشيخ مثل غيره من رجال الإصلاح الذين كان أغلب وقتهم ينقضي في تكوين الرجال، والاعتناء بمشاكل المجتمع مما لا يبقى معه وقت كثير للانكباب على الكتابة والتأليف، ومع ذلك فقد كتب بعض المقالات الاجتماعية ذات الطابع التحليلي في العشرينيات والثلاثينيات نشرت في صحافة أبي اليقظان، كما ترك فتاوى كثيرة ،ومراسلات ذات أهمية قصوى طبع بعضها ونشر وبعضها الآخر ما يزال مخطوطا .
غير أن أهم ما ترك الشيخ بيوض هو تفسيره القيم لكتاب الله مستخدما المنهج الإصلاحي الذي عرفت به المدرسة الإصلاحية العبدوية فكان يعرض المجتمع على كتاب الله تربية وتوجيها، وقد استمر مواظبا حريصا على تلك الدروس لا يتخلف عنها إلا لمرض أو سفر .
وكانت الآثار التي تركتها دروسه التي غطت قرابة خمسين سنة عميقة عظيمة، فبفضلها عمت الثقافة الإسلامية البيوت وعرف المجتمع وجه الإسلام الحقيقي ،وبفضل دروس الشيخ التي تمتاز بالتحليل والتبسيط في آن واحد ،وتملك المستمع بما فيها من فصاحة، وعقل، وأدب وتراث، ومعاصرة .
فمن آثاره الفكرية:
· تفسير كامل للقرآن الكريم، المسجل منه يبدأ من سورة الإسراء إلى سورة الناس، يقع في حوالي 1500 ساعة، حررت في 12497 صفحة.
· مئات الأشرطة لدروس في الدين، و التربية، و الاجتماع، و السياسة، و الثقافة، و كان يلقيها في المسجد أو في المناسبات و الحفلات، و قد نشر بعض منها بعد تحريرها و تحقيقها، من ذلك:
· المجتمع المسجدي، من تحرير الدكتور محمد ناصر بوحجام، صدرت الطبعة الثانية عن دار أبي الشعتاء، عمان، 1409هـ/ 1988م (المقدمة)
· حديث الشيخ الإمام، في جزأين، من تحرير الشيخ محمد سعيد كعباش، المطبعة العربية، غرداية، الجزائر، 1996م.
· البدعة مفهومها و أنواعها و شروطها، تحرير الطالب ابراهيم أبو الأرواح، (مرقون) معهد الحياة، 1998م.
· "فضل الصحابة و الرضا عنهم"، تحرير الطالب بهون حميد أوجانة، مطبوع، المطبعة العربية، غرداية، 2000م. (1/44)
صفحة 36
· "فتاوى الإمام الشيخ بيوض"، يقع في جزأين، جمعه و حققه و قدم له الأستاذ الشيخ بالحاج بكير، طبع مرتين في كل من الجزائر و عمان، ينظر دار الضامري للنشر و التوزيع، سلطنة عمان، 1990م
· "ثبوت الهلال بين الرؤية البصرية و المراصد الفلكية"، حرره عمر اسماعيل، و قدم له د.محمد ناصر، صدر عن مكتبة معالي السيد محمد بن أحمد، سلطنة عمان، 1992م.
· مقالات كثيرة في موضوعات مختلفة نشرت بصحف الشيخ أبي اليقظان، ينظر د.محمد ناصر، المقالة الصحفية الجزائرية، جزءان، نشر ش،و،ن،ت الجزائر، 1398هـ/ 1978
· مذكرات الشيخ بيوض (مخ)، صدر منها "أعمالي في الثورة" إعداد و تقديم د.محمد ناصر، نشر جمعية التراث، القرارة، 1990م (1/45)
صفحة 37
(أبو مسلم ناصر بن سالم بن عديم الرواحي)
مولد الشاعر:
ولد شاعرنا الكبير أبو مسلم ناصر بن سالم بن عديم الرواحي سنة 1277هـ، في قرية محرم من أعمال سمائل.
نشأته ودراسته
نشأ الشاعر في بلدة محرم مسقط رأسه وفي بيت له مكانة مرموقة وحظ وافر من العلم والأدب، فقد كان جده عبد الله بن محمد قاضيا أيام اليعاربة وكذلك والده سالم بن عديم كان قاضيا للإمام عزان بن قيس إمام عمان الذي نُصب عام 1285هـ.
وفي بلدة محرم بدأ الشاعر دراسته، وهناك رافقه في الدراسة صديقه العلاّمة أحمد بن سعيد بن خلفان الخليلي وهو الذي ذكر الشاعر صحبته في نونيته التي مطلعها:
تلك البوارق حاديهنّ مرنان فمل لطرفك يا ذا الشجو وسنان
جمعت بين الصديقين علاقات وثيقة مبعثها الحب في الله والتعلق بالعلم والانقطاع إليه والإلتزام بآداب الصوفية في ممارسة أمور الدنيا ومناهج السلوك.
الشاعر ورحلاته
لم يطل مقام الشاعر في عمان إذ رحل إلى أفريقيا الشرقية وهو في العشرين من عمره وقد استقر به المقام هناك في عهد السلطان برغش بن سعيد، كما رحل والده أيضا إلى هناك بعد إمامة عزّان بن قيس وبقي الشاعر في زنجبار خمس سنين ثمّ عاد إلى عمان فمكث فيها خمسا ثم عاد بعدها إلى زنجبار.
حظي شاعرنا بثقة حكّام زنجبار ونال مرموق المكانة وسامي المنزلة لديهم لاسيما لدى السيد حمود بن محمد بن سعيد بن سلطان والسيد حمود بن ثويني بن سعيد، وقد تولّى قضاء زنجبار.
أستاذه
يعتبر الشيخ محمد بن مسلم الرواحي أستاذه الذي لم يعرف له أستاذ سواه، لأنه اعتمد بعد ذلك على نفسه في تحصيل العلم حيث لجأ إلى أمهات الكتب ونفائس المصنّفات يستقي منها ما يريد، وظل يقرأ ويطالع حتى حظي بثروة علمية وأدبية ولغوية عظيمة استطاع بواسطتها أن يسهم إسهاما فعّالا في علوم الشرع والأدب واللغة، ولكنه نبغ في الشعر وسما فيه إلى أعظم مكانة. (/)
صفحة 38
كان الشاعر رحمه الله ثريا في إنتاجه غزيرا في مؤلفاته، فقد ترك لنا:
1- النشأة المحمدية
2- النور المحمدي
3- النفس الرحماني لأبي مسلم
4- نثار الجوهر
5- السؤالات المحمدية
6- ديوان أبي مسلم
7- كتاب في التوحيد
8- ألواح الأنوار وأرواح الأسرار
9- كتاب في السياسة
10- العقيدة الوهبية.
11- شرح البكلفيه قصيدة للشيخ سعيد بن خلفان الخليلي في رؤية الباريء.
وتعتبر قصيدته النونية من أشهر القصائد التي قالها أبو مسلم والتي جاء فيها:
تلك البوارق حاديهن مرنان فما لطرفك يا ذا الشجو وسنان
شقت صوارمها الأرجاء واهتزعت تزجي خميسا له في الجو ميدان
تبجست بهزيم الودق منبعقا حتى تساوت به أكم وقيعان
سقى الشواجن من رضوى وغص به سر وجوف وغصت منه جرنان
وجلل السهل والأوعار معتمدا ربوع ما ضم عندام وجعلان
يريق في الجو منه ريق هطل في لوحة من سناء البرق ألوان
إن هيج البرق ذا شجو فقد سهرت عيني وشبّت لشجو النفس نيران
وصير البرق جفني من سحائبه يا برق حسبك ما في الأرض ظمآن
ولا تقل القصيدة (النهروانية) قوة في البلاغة وجزالة الأسلوب عن (النونية)، ومما قال:
سميري وهل للمستهام سمير تنام وبرق الأبرقين سهير
تمزق أحشاء الرباب نصاله وقلبي بهاتيك النصال فطير
تطاير مرفض الصحائف في الملا لهن انطواء دائم ونشور
يهلهل في الآفاق ريطا موردا طوال الحواشي، مكثهن قصير
وفاته رحمه الله
منذ نشأة أبي مسلم الرواحي الأولى وهو محب للعلم شغوف بتحصيله، وظلّ كذلك حتى وافته المنية في زنجبار وذلك في غرّة صفر من عام 119هـ عن سن تتجاوز السبعين عاما وبقدر محبته في نفوس الأمة الإسلامية كان الحزن والأسف على وفاته.
رثاه المرحوم سالم بن سليمان بن عمير الرواحي بقصيدة قال فيها:
إليك إليك عني يا دفار فإنك لست لي أبدا بدار
مزجت السمّ في عسل مصفّى لكل أخي حنو واغترار
أتيت محاسنا وطويت كشحا على كل الضياع مع الخسار
ثم قال: (1/48)
صفحة 39
لقد منت المرزأ والمرجى إذا ضنّ الغيوث عن انحدار
رحلت لدعوة الرحمن عنا وأبنا بالتحقق والأوار
فيا رحم المهيمن خير حبر ولقّانا به في خير دار (1/49)
صفحة 40
* (1/50)
صفحة 41
( الشيخ سعيد بن حمد الحارثي )
ولادته
ولد في المضيرب يوم الاثنين 13 من رجب سنة 1346هـ وترتيبه بين إخوته الثالث، ختم القرآن الكريم في السادسة من عمره وحفظ أغلبه عن ظهر قلب، كما حفظ الأراجيز والأشعار الكثيرة والمغازي.
نشأته
وأول من درس على يديهم الشيخ يزيد بن خالد بن الوليد البوسعيدي من بلدة منح ثم الشيخ سعود بن سليمان بن جمعة الكندي من مدينة نزوى ثم الشيخ سعيد بن راشد بن سيف الحارثي من المضيرب.
وبعد ذلك بدأ يدرس الفرائض وقد كان أستاذه في هذا الفن الشيخ ناصر بن سيف البطاشي وقد بقي معه مدة طويلة، أما أغلب ما حصله من العلم فكان حسب قوله من الشيخ ناصر بن سعيد النعماني حيث لازمه عشرين عاما، كما تتلمذ على يدي الشيخ ناصر بن حميد الراشدي من سمد الشأن وقد اكتسب الكثير من العلم والخبرة من كلا الشيخين والشيخ محمد بن سالم الحارثي.
أعماله
بعد ستة شهور من بدء العهد الجديد للسلطنة، وتولى حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس مقاليد الحكم في البلاد عين واليا على المنطقة الشرقية وكانت تشمل آنذاك توابع المضيرب وإبرا ووادي نام.
ثم نقل واليا على الرستاق وكان ذلك سنة 1391هـ فبقي تسعة عشر شهرا ثم التحق بوزارة التربية والتعليم وعين مشرفا على الجوامع التعليمية وذلك سنة 1975م ثم انتقل ليتولى رئاسة جهاز التربية الإسلامية في نفس الوزارة ثم انتقل إلى وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية وعين مساعدا لمدير الشؤون الإسلامية، وفي ذلك العام عام 1396هـ ترأس بعثة الحج العمانية كما ترأسها في الأعوام التالية حتى عام 1400هـ.
وفي سنة 1398 عين مديرا للشؤون الإسلامية وفي سنة 1400هـ عين مديرا لمعهد القضاء والإمامة والخطابة، وفي هذا المعهد ربى جيلا عرف بالتقوى والزهد والورع وفي سنة 1406هـ أحيل للتقاعد بعد سنوات من الجد والاجتهاد.
أسفاره (1/51)
صفحة 42
عشق السفر وقد وفق لزيارة معظم دول العالم، وكان لا يزور بلدا إلا ويتحدث عنه بالنثر والشعر وقد ضم هذه الزيارات في كتابه (حياتي).
إنتاجه العلمي
له دور بارز في مجال التأليف وقد أثرى المكتبة العربية بأكثر من عشرة مؤلفات - أطال الله في عمره -، ولا يزال يكتب ويؤلف، ويتسم أسلوبه بالبساطة وعدم التكلف كما يتخلله بعض النوادر والطرف، ونذكر فيما يلي أسماء بعض مؤلفاته الشهيرة:
1- (إزاحة الأغيان عن لغة أهل عمان).
2- (غرس الصواب في قلوب الأحباب).
3- سيرة ذاتية بعنوان (حياتي).
4- تلخيص كتابي نتائج الأقوال والمعارج للشيخ نور الدين السالمي رحمه الله.
5- (الصيب من حكم أبي الطيب).
6- له بعض (الرسائل الصغيرة عن غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم).
كما أنه ينشد الشعر وأسلوبه عذب للغاية ومما قاله في وصف البيئة والطبيعة هذه الأبيات:
أرقت خليلي لشيء خطر على القلب غبّ مضى السمر
غزال أهيم إلى وجهه وأفنى حظوظي في وجهه
ومالي وجه سوى وجهه لمن مطلع الشمس من وجهه
ومن فمه قد يريك الدرر
وصفه صاحب كتاب (شقائق النعمان) الشيخ محمد بن راشد بن عزيز) بقوله: (ترقى بفطنته وحسن ذكائه حتى استطاع أن ينظم الشعر، وهو مع ذلك كريم النفس والطبع، كثير الانبساط للإخوان، سخي سمح ولا غرو فإنه من بيت شرف ونجابة فكل آبائه وأعمامه طار صيتهم في مكارمهم ومعالي أمورهم، ولو لم يكن إلا الشيخ سليمان بن حميد فارس الشرفاء لكفى، ولا ننسى أخاه القاضي سالم بن حمد بن سليمان فهو وإن كان بعيد الهمة عن نظم الشعر ولكنه عظيم الاهتمام بالآثار وجمعها وتصحيحها من المخطوطات). (1/52)
صفحة 43
* (1/53)
صفحة 44
الخليل بن احمد الفراهيدى
الحديث عن العالم الجليل ، الخليل بن احمد الفراهيدى يثير فى النفس مشاعر العبقرية الفريدة من نوعها فقد كان الخليل يقف عند ظواهر الاشياء وقفة المتعمق ويغوص فى مكامنها غوص الواعى الحريص على استنباط كنهها واستخلاص النتائج مما غمض على عامة الدارسين من اسرارها فيبرزها فى صورة جلية واضحة سرعان ما تغدو قواعد يحتذيها كل سائر على درب الفكر والعقل .
كانت عقلية الخليل بن احمد من ذات النوع الدؤوب الذي تشغله القضايا حتى تملك عليه كيانه فيظل يصارعها وتصارعه حتى يجليها الجلاء الحسن ويطرحها للناس الطرح المفيد فيفيدون منها ويحتلبون مزايدها ويطورون فيها ان استطاعوا الى ذلك سبيلا ولقد شغل الخليل نفسه بعلوم اللغة العربية وتراكبيها واوزانها واستنبط لنفسه وسائله و ادواته الخاصة شأن كل صانع ماهر وعالم حصيف يعكف على تطوير ادوات العمل التي بين يديه حتى تستجيب لتطلعاته العلمية المتشوقة الى الاستنباط والوصول الى النتائج الافضل للبحث الطويل المتعمق .
ولعل الدارسين يعرفون من اعمال الخليل عملين اشتهر بهما أيما شهرة وذاع ميته فى الأفاق تأسيسا على قدرته الابداعية الفذة التي بدت معالمها فى العملين كليهما اكثر من اعماله الاخرى التي لاتقل اهمية ولكن طالت يد الحدثان منها الكثير.
وكم كان يتبرم الخليل ويضيق صدرا بعجز الناس عن فهم ما يريد وعن ادراك ما يضع من اصول وقواعد، ولما كان يبلغ به اليأس مبلغه كان يلجأ الى صرف الناس عما يشغله من هموم العلم وابحاثه نظرا لما لمسه فى هؤلاء الناس المحيطين من قصور لا رجاء فيه وتقاعس لايشفى غلته الظامئة الى مواصلة البحث والتطلع الى بناء اركان علوم ثابتة الد عائم تعزز وجود اللغة العربية وتبقيها صحيحة وسالمة وطيعة الحرف لمن اراد قرض الشعر المنظوم او نطق الكلام المنثور نطقا صحيحا مستقيما يؤدى المعنى المراد فى سلاسة ويسر. (1/54)
صفحة 45
حدث ذات مرة ان شعر الناس من حول الخليل بصعوبة ما يضع من قواعد واوزان فقصده رجل ينوى الاقامة معه فى داره يتعلم عنه علم العروض لعله باقامته وملازمته للخليل ينجح فى فهم ذلك العلم الذي ابتكره الخليل لضبط اوزان الشعر العربي.
ولما اقام الرجل ردحا من الزمن ملازما استاذه دون ان يبلغ مراده، شعر الخليل بعجز الرجل عن ادراك مكامن ذلك العلم الوليد فأراد الخليل بأدب العالم ان يصرف تلميذه صرفا حميدا عن دراسة ما تورط فى دراسته دون رغبة صادقة فى الوقوف على اسراره ، فأعجزه عدم الرغبة عن تحصيل ما رافق استاذه من اجله، فأتى له الخليل ببيت من الشعر على انه مثال على احدى قواعد العروض لكن البيت كان فى الحقيقة يتضمن نصيحة الى التلميذ غير المتحمس ان ينصرف عن دراسة علم العروض الى شي آخر اكثر نفعا له او يكون الرجل اكثر قدرة على الاستيعاب .
ففال له الخليل :
قطع هذا البيت تقطيعا عروضيا
اذا لم تستطع شينا خدعه
وجاوزه الى ما تستطيع
ولعلنا نحاول ان نستوضح فى عجالة ملامح العملين اللذين اشتهر بهما الخليل وهما «علم العروض» الذي عنى بضبط اوزان الشعر العربي، و" كتاب العين " الذي وضعا الخليل قاموسا لغويا صوتيا يستند الى مخارج الاصوات فى وضعه وهى خاصية ميزت "قاموس العين " عن غيره من مختلف القواميس والمعاجم .
اولا علم العروض
الشعر فن جميل يمتلك قدرات خاصة فى تحريك الوجدان واستمالة القلوب الى الغرض الشعري الذي يخوض فيه ، ومرد ذلك الى خاصية الموسيقى اللفظية التي تتولد عن تواتر النغمات وتتابع المقاطع فى جرس موسيقى شيق تتفتح له نفس المتلقى وتقلقاه المسامع فى انسيابية تميزه عن النثر الذي لايتمتن بتلك الخاصية الموسيقية التي ينفرد بها الشعر. (1/55)
صفحة 46
ولقد كان الشعراء فيما قبل عصر الخليل يمتلكون ناصية اللغة امتلاكا فطريا اعانهم على التعبير عن دخائل انفسهم فى قالب شعري رصين ، وفى سليقة مطبوعة على النظم الصحيح من حيث ضبط الاوزان ونظم القصائد.
إلا ان مرور الايام وتغاير الازمان ، وتفاوت النبوغ الفنى لدى الشعراء المتأخرين اقعد عديدا من الشعراء عن الالتزام بضوابط القرض الشعرى مما ادى الى الاخلال بأوزان الشعر نتيجة ضعف ا لملكات الشعرية وهو الامر الذي ازعج الخليل بصفته محا لما من علماء العربية المرهفي الحس ، فكان ان تفاعلت حساسيته الشديدة مع غيرته على اللغة العربية وتوقد عبقريته الاصلاحية التواقة الى الخلق والابداع ونهض ليضع امر الوزن الشعري فى نصابه ويوفر له اسانيد الاستقامة والانضباط النغمى فشرع فى تأسيس علم جديد على اللغة العربية بل ربما جديد على كل العلوم قاطبة فى مجاله وهو علم "العروض " الذي يضع القواعد الحاكمة لميزان الشعر وموسيقاه ويقوم ما اعوج من اوزان ونغمات ، وقد اعتمد فى وضع هذا العلم على مصطلحات لغوية كان العرب يستخدمونها فى حياتهم اليومية كما استمد من اسماء بعض الادوات المألوفة وبخاصة تلك الادوات التي كانت تشد بها الخيمة كالأوتاد والحبال والاسباب وغيرها ليكون قريبا من اذهان المتلقين فيتقبلون العلم الجديد بقبول حسن ويفيدون منه خير افادة وحتى يقبل عليا اولئك الذين نسجوا اشعارهم على اوزان وقوالب لم يعرفها العرب، وبذلك يحتفظ الشعر العربي بخصوصياته الفريدة . (1/56)
صفحة 47
وتذكر كتب تاريخ الادب فى مناسبة اقدام الخليل على وضع علم العروض انه لما ازعجه خروج الشعراء عن المألوف من الاوزان طاف بالكعبة ودعا الله ان يلهمه كلما لم يسبقه اليه احد من السابقين ، ثم اعتزل الناس واغلق عليه بابه ، واخذ يقضى الساعات الطوال يجمع اشعار العرب ويرنها على انغامها ويجانس بينها حتى حصر كل الاوزان الشعرية المألوفة وضبطها وحداد قوافيها فيما عرف بـ "عروض الشعر".
وبعد رحيل الخليل صار علم العروض مادة يتدارسها طلاب العربية حتى يومنا هذا دون اضافات تذكر اللهم إلا بعض الشروح والتفاسير والاوزان التي ظن اللاحقون ان الخليل قد اغفلها بالرغم من انها لم ترتق الى مصاف البحور الاصلية التي وضعها الخليل رغم احتفاظها بميزة الاجتهاد والابتكار.
وما يزال علماء اللغة والادب فى جلهم ينكرون الخروج على اوزان الخليل ويعتبرون الشعر الذي يتحرر من الوزن والقافية خارجا عن اطار الشعر ويلحقونه بالنثر نظرا لخلوه من اهم ما يميز الشعر عن النثر وهو ا لموسيقى النابهة عن الاوزان التي عرفت بـ "بحور الشعر" تلك التي وضعها الخليل بن احمد الفراهيدى.
وقد دعا احد الباحثين المعاصرين فى "موسيقى الشعر" الى مزيد من المحاولات لاكتشاف اخيله شعرية واستعارات وتشبيهات ومجازات ، وان يؤلفوا من ذلك علما وفنا لجمهور المتلقين مع الوضع فى الاعتبار القيمة الاسمي لموسيقى الشعر، واكد الباحث على ان الشعر يفقد قيمته اذا خلا من موسيقاه التي تنفعل لها النفرس وتتأثر بها القلوب "موسيقى الشعر - د. "إبراهيم انيس" ومما يجدر ذكره ان بعض علماء اللغة لجأ الى استخدام عروض الشعر كوسيلة لتسهيل حفظ قواعد اللغة العربية والدين والقراءات فعمدوا ال نظم تلك القواعد على اوزان خليلية وبذلك افادت علوما أخرى غير الشعر من علم العروض الذي وضعه الخليل فى الاصل ليكون اداة للحفاظ على موسيقى الشعر العربي وصيانة اوزانه . (1/57)
صفحة 48
ومن أشهر ما ورد من نظم فى ذلك المجال الفية ابن مالك الشهيرة فى قواعد اللغة العربية التي تبدأ بقوله :
كلامنا لفظ مفيد كاستقم
واسم وفعل نم حرف الكلم
وعلى نفس المنوال نسج واضعو احكام القراءات القرآنية ليسهلوا على الطلاب حفظ تلك الاحكام اذ ان الوزن الموسيقى للقواعد يعين على استظهارها كما هو معروف وبخاصة منها ما كان صعب الاستظهار لتداخل القوانين وتشابك الاحكام، وقد تناقل الناس قصة طريفة عن طلاب الازهر الذين لجأرا الى نظم كل دروسهم نظما عروضيا حتى مادة اللغة الانجليزية وضعوها فى قالب شعري كي يسهل عليهم حفظها ولم يكونوا يقبلون عليها لحداثة اقرارها كمادة من مواد الدراسة فى الازهر واخذ بعضهم يردد:
القط "كات" والفأر "رات"
والنهر بدعى عندهم "ريفر"
وينهض علم العروض على بحور الشعر التي وضعها الخليل وعددها خمسة عشر بحرا يتكون كل بحر منها من "تفعيلات " هي بدورها اشتقاقات من الوزن الصرفى المعروف فى النحو والمكون من الغاء والعين واللام "فعل ".
والتفعيلة فى العروض هي مقطع صوتي يشبه المقطع الموسيقى فى عدم ارتباط نهايته بنهاية الكلمة ، فاذا انتهى المقطع الموسيقى قبل ان تنتهي الكلمة فصلت حروف الكلمة عند انتهاء المقطع الموسيقى واذا تطابقت نهاية المقطع الموسيقى مع نهاية الكلمة فلا حاجة اذن الى تفتيت حروف الكلمة اما اذا تجاوزت المقطع الموسيقى الكلمة الى التي تليها لحقت بعض حروف الكلمة الثانية بالكلمة التي تسبقها لتكوين المقطع الموسيقى المتكامل الذي تحدده حروف "التفعيلة" ويقتضى تركيب التفعيلة ايضا فك التضعيف فى الكلمة الى حرفين وفك المد الى همزتين وتجاهل حروف العلة الممدودة التي يليها حرف ساكن واستبدال التنوين بحرف النون وغير ذلك من الضرورات التي يقتضيها ضبط الوزن الشعري القائم على التفاعيل وهو ما يتضح فى التقطيع العروضي للبيت التالي :
سلوا قلبي غداة سلا وتابا
لعل على الجمال له عنابا (1/58)
صفحة 49
وقد جرى تقطيعه عروضيا على النحو التالي :
سلوا قلبي غداة سلا وتابا
لعلل علل جمال لهو عتابا
هنا نلاحظ توافقا بين كلمات الشطر الاول والمقاطع الموسيقية للتفعيلة ومن ثم لم يكن هناك داع لتجزئة الكلمات او لحاق بعض منها بالبعض الأخر.
اما فى الشطر الثاني فقد استلزم الامر فك التضعيف فى " لعل " فصارت لعلل اي صارت اربعة احرف الاول متحرك والثاني متحرك والثالث ساكن والرابع متحرك ، كما تطلب الامر ايضا حذف حرف العلة من " علي " والحاق اداة التعريف في الكلمة التي تليه به بعد حذف الفها لانه ساكن بعد ساكن فصارت الكلمة الجديدة " علل " وكونت مع الكلمة السابقة عليها مقطعا صوتيا يقابله فى البحر تفعيلة " مفاعلتن " وهى مقطع موسيقى متكامل فيكون وزنها هكذا " ل ع ل ل ع ل ل = م في ا ع ل ت ن ".
وعلى ذلك يكون تقطيع البيت كاملا على النحو الذي اشرنا اليه ويقابله التفاعيل التالية :
مفاعلتن مفاعلتن فعولن
مفاعلتن مفاعلتن فعولن
وهذا الوزن العروضي يقتضى شكلا من اشكال الكتابة واعادة ترتيب الحروف فيما يسمى بـ "الكتابة العروضية " وقد اشرنا الى بعض مقتضياتها من خلال تقطيع البيت السابق .
وينقل احد الباحثين فى علم العروض عن علما؟ رسم الحروف فى العربية قولهم : خطان لا يقاس عليهما: خط المصحف العثماني لانه يرتبط بالقراءات القرآنية و خط الكتابة عند العروضيين اذا ارادوا تقطيع بيت من الشعر، لان الكتابة العروضية تقتضي ان كل ما ينطق به يرسم ، سواء أوافق ذلك القواعد الهجائية ام لا، وكل ما تنطق به لا يرسم وان اقتضت قواعد الهجاء كتابته .
(فى علمي العروض والقافية د. امين علي السيد) .
وقد لاحظنا تلك القاعدة مطبقة فى تقطيع البيت السابق كما نلاحظ زيادة حرف واو فى "لهو" واصلها فى البيت أدله " وهو ما يسمى بـ "الاشباع " اي زيادة حرف علة للضمير ومثله "بهي" اي "به " وهكذا. (1/59)
صفحة 50
وهكذا اقتضى وضع اصول علم العروض الكثير من الاجتهاد فى التخريج والضبط والتوصيف لكل حالة من حالات الاعراب والرسم والاشتقاق فى اللغة وهنا عمل الخليل واضع هذا العلم الى استخدام الكثير من المصطلحات التي تحدد كل حالة وكل خروج على المألوف فى الاوزان او تباين فى التفعيلات .
ونظرا لان الخليل شبه بيت الشعر "بكسر الشين " ببيت الشعر "بفتح الشين " اي الخيمة فقد استخدم اسماء الادوات التي تشد بها الخيمة فى تثبيت اركان العروض الشعري فهناك الاسباب اي الحبال والاوتاد التي تشد اليها الحبال ولكل منها ايضا اقسام وانواع استخدمت فى تبرير الخروج على القاعدة العروضية التي وضعها مما لايتسع له المقام هنا، فقط نذكر بعض تلك المصطلحات وهى على سبيل المثال : القصر - القطع - القطف - القضب - البتر - الخبن - القبض - الشكل - العطب - الكف - الحذف .. . الخ
ولكل مصطلح من المصطلحات السابقة مدلول وتفسير وتعريف ودور يقوم به فى علم العروض .
تقوم البحور عند الخليل على خمسة عشر وزنا تسمى "بحرا" وهى:
الوافر - الهزج - المتقارب - الكامل - الوجز - السريع - الرمل - الطويل -
البسيط - الخفيف - المجتث - المنسرح - المديد - المضارع - المقتضب .
وقد ظلت بحور واوزان الخليل مثار بحث ودراسة من بعده ، وقد زاد عليه الاخفش بحرا اسماه : "المتدارك " كما ظهر لعروض الخليل الكثير من التفاسير والشروح والاجتهادات جريا على عادة الكتاب والباحثين فى الادب الحربي قديما وحديثا وقد دأبت على ان تجعل من علم العروض علما ميسورا للدارسين والراغبين فى قرض الشعر ونظمه نظما سهلا وعذبا محببا ومنضبطا فى آن واحد ومن ثم تبرز مقدرة الشاعر وتمكنه من ملكاته من .خلال الجمع بين ضبط اوزان الشعر وتضمين القصيدة المعانى والاخيلة والصور التي تتناسب والغرض الشعري المراد. (1/60)
صفحة 51
وقد ظلت اوزان الخليل أحد اهم المقاييس لبيان حسن الشعر من رديئة من حيث الموسيقى والتنغيم ، كما تحفل المكتبة العربية بالعديد والعديد من المؤلفات المتعلقة بذلك العلم القديم الجديد "علم العروض " الذي يعود الفضل فى وضع اسسه واركانه للعالم العماني الخليل بن احمد الفراهيدى الذي اعجزت عبقريته من عاهره ومن جاء بعده على السواء حيث لم يجاريه فى علمه احد خلال عمره المديد الذي دام خمسا وسبعين سنة يضع القواعد والقوانين ويبتكر العلوم النافعة ويفسر ما غمض منها ويأتي بما لم يسبقه اليه سابق كما كان فطنا ذكيا لماحا زاهدا فى الدنيا وبهرجها متسما بتواضع العلماء وبلاغتهم وقد أثر عنه البيت التالي :
اعمل بعلمي ولا ننظر الى عملي
ينفعك علمي ولا يضررك تقصيري
وهو القائل : تربع الجهل بين الحياء والكبر فى العلم وقال ايضا زلة العالم مضروب بها الطبل.
وغير ذلك من الامثال والحكم المأثورة التي تدل على علم واسع وادب وفير وتواضع جم حتى قال عنه ابن المقنع حين لقيه رأيت رجلا عقله اكثر من علمه .
فهل يلقى الخليل وعلومه القيمة مزيدا من البحث والتأصيل والتنقيب عما ضاع من علوم اختص بوضعها الخليل عن غيره وبعد عنها تلاميذه حتى لم يبق منها شىء؟
واذا كان عملان فقط مما وضع الخليل قد اجتذبا كل هذا الاهتمام من العلماء والباحثين وهما "العروض والقافية " وكتاب "العين" فماذا لو طالت الايدي كل او جل ما صنعت يداه وعبقريته؟
اننا جد مطالبين بملاحقة الماضي واسترداد بعض اعمال الخليل ونفض ما تراكم عليها من سحائب النسيان. (1/61)
صفحة 52
* (1/63)
صفحة 53
ثانيا الخليل ومعجم العين
لست اجد اي غضاضة او مبالغة فى وصف معاصري الخليل بن احمد الفراهيدى الازدي له بأنه رجل خلقه من الذهب والعنبر كذلك وصف سفيان بن عيينه الخليل فهما مادتان نفسيتان فى حياة البشر لا يضارع نفاستهما هادة أخرى ومن ثم اكتسبا هذه القيمة فى اعراف الناس وتقديراتهم.
اما وصف المعاصرين بأنه كان يمثل بأعماله "نهضة" متكاملة الاركان فهو ايضا وصف لا مبالغة فيه - فى رأيي - اذ انه نهض بانجاز اعمال علمية وتأليف كتب انهضت العقل العربي ونقلته من مستوى معين فى صياغة فكره الى مستوى آخر، وقد طالعنا فى صدر هذا المقال كيف انه بذل جهدا محمودا ليحفظ لـ"موسيقى" الشعراء اركانها ويضبط معالم الطريق لمن اراد ان يلج هذا المضمار الذي يعد ميدانا يتفرد فيه العرب بميزات شعرية خاصة بهم .
اما في الجانب اللغوى من تراث الخليل الخالد فهو الجانب اللغوى واقصد به على وجه التحديد "كتاب العين ".
وجرى بنا ان نبذل الجهد لنقف على مزيد من جوانب شخصية الرجل الذي التف حوله التلاميذ المخلصون ينهلون من علمه ويسعون الى مواصلة الابداع الفكري الذي بدأه ويحفظون مسيرة الفكر العربي ناصعة متألقة فقد اصبح تلاميذه من بعده علماء مخلصين ظهرت عليهم معالم النبوغ فتوسدوا أعلى المراكز العلمية ثم التف من حولهم تلاميذ لهم يأخذون عنه ويطورون ما اخذوا وينشرون نتاج فبكرهم فى مختلف الاعصار العربية والاسلامية المعنية عناية قصوى بالكتب وحصائد الفكر النابه حتى جاء يوم يوزن فيه الكتاب بالذهب.
ولما كان تلاميذ الخليل قد بهروا بعلمه وفطنته لذا صار منهجه فى البحث نبراسا لهم وسنة يقتدون بها.
وكشأن كل العظماء عبر التاريخ ظلت شخصية الخليل ، كما ظلت اعماله - وبخاصة كتاب العين - مثار جدل طويل ما بين اتفاق تارة واختلاف تارات . (1/64)
صفحة 54
فهناك من شككك في نسبة كتاب العين الى الخليل وراح ينسبه الى مؤلف اخر وذلك على الرغم من وجود الشواهد التاريخية الثابتة على الاجماع على ان العالم الفذ الخليل بن احمد الفراهيدي وهو صاحب مؤلفاته وواضعها دون ادنى شك او مراء.
كما لم يسلم كتاب العين ذاته - من حيث مادته - من بعض الافتراءات حتى فى عباراته فكثرت عليه التصحيفات والحواشي ونال منه توالي الايام والسنين .
وقد اقام الخليل ردحا من الزمن فى مدينة البصرة بالعراق حيث كانت يوما حاضرة للثقافة العربية والادب والفكر مثلما كانت ملتقى طرق برية وبحرية عديدة مما الفه تجار ذلك الزمن الذين كان لعمان منهم الحظ الوافر ولقد جاب الخليل اصقاعا كثيرة من العالم المعروف لديه آنذاك شأن كل الكثير من العمانيين الذين احترفوا الرحلة وعشقوا الإبحار.
وعلى كتاب العين بنى بعض المؤلفين القداس كتبا بكاملها مثل نص "البارع " لابي على القالي الذي يقول محققه فى صدر تحقيقه ما يثبت تلك المقولة اذ نواه يؤكد قائلا: "ولكننى بعد ان حققت النص اي نص البارع للقالي - وقعت على حقيقة طريفة جديرة بالاعلان وهى ان "البارع " ما هو إلا كتاب العين للخليل بن احمد الفراهيدى" الخليل وكتاب العين - د. هادى حسن حمودي". (1/65)
صفحة 55
كما ينقل المصدر ذاته عن أبى بكر بن أريد مؤلف كتاب الجمهرة وهو ايضا تلميذ الخليل بن احمد -قوله "ولم اجر فى انشاء هذا الكتاب الى الازراء بعلمائنا ولا الطعن فى اسلافنا، وأنى يكون ذلك، وانما على مثالهم نحتذي وبسبلهم نقتدي، وعلى ما أصلوا نبتني وقد الف ابو عبدالرحمن الخليل بن احمد "الفراهيدى" رضوان الله عليه كتاب العين ، فأتعب من تصدى لغايته وعنى من سما الى نهايته ، فالمنصف له بالغلب معترف ، والمعاند متكلف وكل من بعده تبع، اقر بذلك أم جحد،" وفى معرض دفاعه عن نسبة كتاب العين الى الخليل بن احمد الفراهيدى يقول د. هادى حسن حمودي ان ابن أريد وهو صاحب ثاني معجم فى العربية بعد كتاب العين ، تاريخيا كان فى وسعه ان ينكر كتاب الخليل ، وان يشن قوارع الكلام ، ليجعل من كتابه هو "الجمهرة " ابتداعا جديدا لم يسبق اليه ولكن ابن دريد كان يتمتع بذلك الخلق العلمي الرصين الذي يعترف بفضل من سبق وينزل الناس منازلهم التي يستحقونها.
ومثلما اورد الباحث نفسه مقولة ابن دريد راح فى دأب الباحث الحصيف يفند الاقوال ويجمع الحجج الثابتة والشهادات الموثقة من الكتب وعلي لسان العلماء الثقات على ان كتاب العين هو للخليل بن احمد بعينه وانه من صنعه ونتاج فكره إلا ما وقع فيه بعض النساخين والوراقين والشارحين من هفوات اثناء نسخهم للكتاب او تعرضهم له بالشرح والتعليق والتصحيف مما يتسامى عنه عقل الخليل وفطنته بصفته مؤلف الكتاب وواضعه حسب تأكيدات الباحثين الرواة والمستشرقين من امثال " ليتمان ". (1/66)
صفحة 56
ولما اكثر القارئون للقرآن من الا غلاط واللحن فى القراءات قرر ابو الاسود الدؤلى ان يضع النقاط على الحروف لضبط مخارج الالفاظ ولكن الخليل هو الذي ابتكر الفتحة والضمة والكسرة كعلامات اعرابية وبذلك زال اللبس بين النقاط التي تميز الحروف عن بعضها وبين العلامات الإعرابية التي تختلف فى مهمتها عن النقاط التي على الحروف وانتقلت ابتكارات الخليل النحوية الى مختلف مدارس القرآن واللغة العربية عموما مما ازال الغموض عن اللغة لدى جمهور المتأخرين من العرب ومن دخل فى حوزتهم من المسلمين اذ ان العرب الاقدمين لم يكونوا بحاجة ال نقاط على الحروف او علامات اعرابية لكي يجيدوا النطق بلغتهم التي كانوا يمتلكون ناصيتها امتلاكا ودونما جهد او عناء.
وهكذا صار الخليل منعطفا هاما وضروريا فى تاريخ النطق باللغة العربية وصار بمثابة نهاية عصر وبداية عصر جديد فى التعامل مع اللغة العربية بشكل سليم من خلال الضوابط التي وضعها بنتاج فكره الوقاد. ولكن ندرك مدى اهمية ما صنع الخليل علينا ان ننزع العلامات والهمزات عن الحرف ثم نقرأ اللغة العربية . . فهل لنا الى ذلك من إمكانية او سبيل ؟ بل لى ان اقول ان ما نعانيه من عثرات لغوية فى عصرنا هو بسبب تجاهل ضوابط علماء اللغة كالخليل وأبى الاسود وتلاميذهما. (1/67)
صفحة 57
* (1/68)
صفحة 58
كيف وضع الخليل معجم العين ؟
قام منهج تأليف " العين " على نظرية صوتية وضعها الخليل وهى الاخذ بالمخرج الصوتى لترتيب الحروف فى المعجم ترتيبا يبدأ من الحروف التي تخرج من الحلق ثم يتقدم شيئا فشيئا حتى ينتهى بالحروف التي تخرج من الشفة ثم بعد ذلك حروف العلة ثم الهمزة .
وقد جعل الخليل لكل حرف من تلك الحروف كتابا خاصا به وقسم كل كتاب بدوره الى ابواب اسماها:
باب المضاعف ، باب الثلاثي الصحيح ، باب الثلاثي المعتل ، باب اللفيف ، باب الرباعي، باب الخماسي .
ثم يأخذ فى كل باب يركب الحرف الذي يبدأ به الباب مع ما يأتي بعده من حروف متناولا كل حرف على حدة وكان اول الكتب هو كتاب " العين " الذي اختير ليكون عنوان المعجم بكامله والذي يبدأ به ترتيب الحروف ترتيبا صوتيا كما يرده الخليل ويأتي على ذلك ترتيب الحروف الهجائية بكاملها على النحو التالي :
ع -ح -هـ- -غ -ق -ك -ج -ش -ض -ص -س -ز-ط -د-ت -ظ - ذ-ن -ر-ز-ن - ب -م -و-أ-ى ثم الهمزة .
وهكذا نلاحظ ان الترتيب الموتى عند الخليل بدأ بحرف العين الذي يخرج من اعماق الحلق ثم انتهى بحرف الميم الذي يخرج من طرف الشفة وبعده حروف العلة الواو والالف والياء ثم الهمزة .
ثم من هنا يبدأ الترتيب المعتاد للمعاجم الاخرى المعروفة فى العربية لكن على الطريقة الخليلية وحسب ترتيب الحروف وتواليها عند الخليل ، فإذا كانت المعاجم الاخرى تبدأ بحرف الالف ثم الباء وهكذا فإن معجم العين يبدأ بحرف العين ثم الحاه غلى طريق الكشف فى المعاجم التي يدرسها الطلاب فى قاعات الدرس . (1/69)
صفحة 59
* (1/70)
صفحة 60
رأي
حين يشذ عقل عن المطروق من اللغة المتداولة فيبدأ فى التعامل مع اللغة على قدر نبوغه وتفرده ، يعجز الناس عن مجاراة ذلك العقل ويتقاصرون عن فهم مراميه ومراداته ، ومن ثم ينفرون من التجاوب معه ، قعودا وتقاهرا، والتماسا للدعة وأخذا للمياة من مآخذها الهينة البسيطة فلقد شهد التاريخ العربي قديمه وحديثه علماء وادباء فاقوا أترابهم ومعاصريهم فى القدرات العلمية والعقلية فأثاروا حولهم الاقاويل والنقد والانتقاد وقد نال الخليل من ذلك قسطا وافرا على قدر وفرة التميز العقلي التي اتسم بها، واذا كان ذلك شأن الخليل فى مجال اللغة فإن هناك ابا تمام فى الشعر وقصته الشهيرة مع الرجل الذي بادره بقوله : لم لا تقول ما يفهم ؟ فعاجله ابو تمام برد صار مثلا يحتذى حين قال له : ولم لاتفهم ما يقال ؟
اذا فالذنب ليس ذنب العقل المبدع ان تقاصر الناس عن فهمه ، وانما من اراد من الناس ان يجهد عقله ويشحذ عزيمته ليجاري العالم فى علمه حتى يرتقى الى مستواه فيأخذ عنه ويواصل المسيرة من بعده وما بغير هذا تبنى الحضارات وتسمو مروح العلم والمعرفة ، وقد شهد تاريخ الادب الحديث أمثلة لذلك تمثلت فى شخصيات اتهمت من جانب الكثيرين بالالغاز والغموض فى التأليف مثل العقاد فإذا ادركنا ان الرجل الذي اعجز الناس عن فهم نتاج عقله لم ينل من التعليم إلا شهادة الابتدائية لادركنا كم من جهد بذل ليقف على ثقافته العربية وثقافات الامم الاخرى دون معلم او مدارس ، فلماذا نستغرب اذن ان يسبق الخليل ابناء عصره ويضع من صفوف العلوم والمؤلفات ما يعجز معاصروه عن فهمه ومن ثم يتقاصرون عن الاستمرار فى رفع راية الابتكارات العلمية واللغوية لتنضج وتستوي على سوقها، وقد اتضح من رواية الليث ان الخليل وضع كتاب العين وهو على فراش مرض ربما كان الاخير اي انه كان فى اخريات حياته فلم يسعفه العمر لكي يوضح ما غمض ويشرح ما أجمل . (1/71)
صفحة 61
بل تركت هذه المهمة لمن جاء بعده فأخطأ من أخطأ واصاب من اصاب وحمل الخليل من ذلك كله الأوزار الثقال .
لقد توقفت مسيرة الخليل العلمية برفاته إلا اننا ما نزال ننعم بنتاج عقله وابداعات فكره التي طالتها ايدينا بعد رحلة الزمن الطويلة بين عصر الخليل وعصرنا، تلك الرحلة التي تزيد على الالف عام بكثير. (1/72)