صفحة 1
بحث تخرج: عمر بن عبد العزيز حياته وآثاره لنصر العامري
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] سلطنة عمان
وزارة الأوقاف والشؤون الدّينية
معهد العلوم الشّرعيّة
عمر بن عبد العزيز
حياته وآثاره القياديّة
( 63 هـ - 101هـ)
اسم المشرف:
الشّيخ سليمان بن أحمد بن حمد الخليلي
مقدّم البحث:
نصر بن سعيد بن عامر العامري
السّنة الدراسيّة:
1425هـ - 1426هـ / 2004 م- 2005 م
إهداء
- إلى والديّ الكريمين الذين اجتهدا وتعبا في تنشئتي، وربياني فأحسنا تربتي.
- وإلى مشايخي الأجلاء " حفظهم الله تعالى" الذين لم يبخلوا في توجيهي وإرشادي ونصحي، اسأل الله أن يجزيهم الخير والثواب.
- إلى معهدي الميمون الذي نهلت من معينه العلم النافع خلال الأربع سنوات التي قضّيتها في ربوعه الزاهرة، وحلقات علمه المباركة.
إلى كلّ هؤلاء أهدي هذا العمل المتواضع
شكر
كان لزامًا عليَّ أن أقدم شكري إلى كل من قدم لي يد العون والمساعدة، وبذل جهده لرقي بهذا البحث البسيط، لم لا وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :
«من لا يشكر الناس لا يشكر الله » (1)
وأقدم شكري إلي:
- الشيخ سليمان بن أحمد الخليلي الذي أشرف على بحثي، والذي كان لي نعم الموجّه والمرشد، وأنه لمن يمن الطالع أن أكون من ضمن المستفيدين بثمرات علمه وخبرته الطويلة.
- الدكتور جمال عبد العزيز والذي أعطاني الكثير من وقته وعلمه، والذي لم يبخل علي بنصائحه القيمة، رغم مشاغله وكثرة أعماله، فكان نعم المعلم والمرشد، سائل الله جلّت قدرته أن يجزيه عنّي خير الجزاء.
- والشكر موصول لكل من ساعدني على إخراج هذا البحث.
بسم الله الرحمن الرحيم
- المقدمة -
__________
(1) _ صحيح ابن حبان، لمحمد بن حبان التميمي البستي، ت354هـ، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1414هـ، ط2، تحقيق: شعيب الأرنؤوط. كتاب الزكاة، باب المسألة والأخذ وما يتعلق به من المكافأة والثناء والشكر، 8/198، رقم الحديث:3407. (1/1)
صفحة 2
الحمدُ للهِ حمدًا كثيرًا، والصلاة والسلام على من أرسل كافّةً للناس بشيرًا ونذيرًا، وعلى آله وصحبه والتاّبعين بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أمّا بعد: كان لابد أن يقيض لهذا الدين الجامع، وهذه الرسالة العظيمة من يتعّهدها ويتولاّها بالتضحية والبذل والفداء، من بني البشر، ولكن هذه المثل وهاتك المطلوبات لا تتوافر في كل معادن الناس، أو طرازاتهم المتباينة، إنّما يتطلب ذلك نوعًا خاصًّا متميّزًا من الرجال.
... لابد من جنديٍّ قوي يتقلّد حسامًا قويًا بتارًا، ولابد من أمير أو خليفةٍ يعطي الأمل والنموذج والقدوة، في الورع والزهد والتقوى وعدم الانشغال بالدنيا، وأن يكون كل همّه الآخرة الباقية وكل ما يقرب منها ويؤدي إليها، من قول وعمل.
... ولهذا كان صحابة رسول الله "رضوان الله عليهم"، وخلفاؤه وتابعوه من زمرة الحنفاء والأبرار الصالحين، لم تثرهم الشهوات الفانية، ولم يغلبهم زيفها البراق الخدّاع.
وأين نجد من صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتابعيه، لقد تغيرت الأيام وصار كثير من الناس همهم الحصول على مرادهم من غير مبالاة بحليته وحرمته، ولعلّ هذا هو السبب فيما وصل إليه المسلمون من تخلّفٍ وتقهقرٍ وضياعٍ، ها هو سبب انتهاج الشهوات وتجافي مثال الصالحين الخلَّص، أدى بالناس يرسفون في أغلال التبعية القاتلةِ.
... فهذا هو عمر بن عبد العزيز أو ما يسمّى بخامس الخلفاء الراشدين، جاء بالأخلاق الفاضلة، والسياسة الحكيمة، والأوصاف النبيلة، فقد كان شديدًا في الله على الأشرار أهل الأهواء. لينًا حليمًا رحيمًا على المستضعفين والفقراء، وبأس على الظالمين، وخوف من الله شديد، ورأي في المعضلات سديد، فقد ملأ الأرض عدلاً وزهدًا وورعًا، وأقبل على الله سبحانه بقلب خالص عامر باليقين، حاملاً لواء السلف؛ حتّى استقام له من الأمر بجدِّه، ما لم يستقم لأحد من الخلفاء، ولاسيما في هذا الزمان الذي قلّ فيه المعتصمون بحبل الإسلام والداعون إليه. (1/2)
صفحة 3
... إنّ فجر السعد تنفس الصعداء لهذه الأمّة، الذي يتكرر طلوعه بين حينٍ وآخر كان باستخلاف عمر بن عبد العزيز، الزاهد التقي، المفرد العلم، الخليفة الصالح، نصير الفقراء والضعفاء، والمحتاجين والغارمين.
... وهذا من شأنه أن يثير انتباه كل مسلم ومسلمة، فيبتغون استزادة المعرفة بهذا الرجل العظيم، لعقد موازنة بينه وبين غيره من الرجال السابقين واللاحقين.
إنّ سيرة عمر بن عبد العزيز مثل حي واقعي لتطبيق الشريعة الإسلامية برمتها وإحياء السنة النبوية بكاملها، والتزام سيرة الخلفاء الراشدين بحذافيرها، في وقت بدا فيه البعد عن هذه السيرة تدريجيًا، بين أناس عصرهِ، ولهذا كان عمر بن عبد العزيز (رضوان الله عليه) نجيب الأمة، ومجدد دينها، ومصلح زمانها، وهو أيضًا من التابعين.
... رحم الله عمر، فقد رسم للبشرية جمعاء الخطوط العريضة للحياة الفاضلة والعيش الكريم، فعمر بما وهبه الله من سماحة التدين وعمق الإيمان، وحسن الأسوة، إنّما هو نموذج للرجل الذي أرادت له العناية مكانًا مرموقًا في ذرى الشعوب فهو ليس ملكًا للشعب، ولا تراثًا للعصر، وإنما هو ملك لجميع الشعوب.
والحقّ فإنّ عصر هذا الخليفة الزاهد الورع، على صره يمثّل فترة عظيمة الأهمية في مجال دراسة تاريخ صدر الإسلام، ذلك أنه يتيح للباحث المسلم فرصة تقسيم الفترة المحصورة بين نهاية عصر الراشدين وبينه من خلال ترابطه الوثيق بالتطبيق الشرعي، فلقد كان رأيه أن تحقيق العدالة الإسلامية منوط بالحكام يبدأون بتطبيقها وتتبعهم الرعية، وإن في ذلك حصانة للناس جميعًا، وأنّه لا طاعة لمخلوق في معصية الله سبحانه وتعالى.
أسباب كتابة البحث:
1. عدم وجود بحث تخرج في معهدنا الميمون يتحدث عن مسيرة هذا الخليفة الخامس.
2. أن عمر بن عبد العزيز واحد من السلف الصالح، وما أحوجنا إلى أن نعود بحياتنا إلى ما كان عليه عهد السلف حتّى يستقيم أمر الأمة الإسلامية، ويصفوا لها زمانها، وتستعيد أمجادها. (1/3)
صفحة 4
3. الردّ على من طعن هذا الخليفة في قضية مقتله لخبيب بن عبد الله بن الزبير (رضي الله عنه).
خطة البحث:
أ الفصل الأول: عمر بن عبد العزيز وبيئته التي نشأ بها، وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: البيئة الأموية وأثرها على عمر بن عبد العزيز (رضي الله عنه)، وفيه أربعة مطالب:
1_ المطلب الأول: الحالة السياسية.
2_ المطلب الثاني: الحالة الاجتماعية.
3_ المطلب الثالث الحالة الاقتصادية.
4_ المطلب الرابع: أثر البيئة الأموية على حياة عمر بن عبد العزيز(رضي الله عنه).
المبحث الثاني: التعريف بعمر بن عبد العزيز ( رضي الله عنه )، وفيه ثمانية مطالب:
1. المطلب الأول: نسبه.
2. المطلب الثاني: كنيته ولقبه.
3. المطلب الثالث: وصفه.
4. المطلب الرابع: تاريخ ولادته ومكانها.
5. المطلب الخامس: حياته (رضي الله عنه) قبل وبعد الخلافة.
6. المطلب السادس: ولايته على المدينة والحجاز.
7. المطلب السابع: توليه الخلافة.
8. المطلب الثامن: وفته ومدة خلافته.
المبحث الثالث: تربية وتعليم عمر بن عبد العزيز ( رضي الله عنه )، وفيه مطلبان:
1. المطلب الأول: مقومات تربية عمر بن عبد العزيز (رضي الله عنه).
2. المطلب الثاني: أثر المقومات التربوية في صقل موهبته وإغنائها.
ب الفصل الثاني: آثار عمر بن عبد العزيز ( رضي الله عنه ) القيادية:
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: إعادة بناء المبادئ الإسلامية، وفيه ثلاثة مطالب:
1. المطلب الأول: إعادة مبدأ الحاكمية لله.
2. المطلب الثاني: إعادة مبدأ الشورى.
3. المطلب الثالث: إعادة مبدأ المساواة.
المبحث الثاني: تطبيق عمر بن عبد العزيز (رضي الله عنه) لهذه المبادئ في خلافته، وفيه ثلاثة مطالب:
1. المطلب الأول: التطبيق لمبدأ الحاكمية لله.
2. المطلب الثاني: التطبيق لمبدأ الشورى.
3. المطلب الثالث: التطبيق لمبدأ المساواة. (1/4)
صفحة 5
المبحث الثالث: وظائف التي قام بها عمر بن عبد العزيز (رضي الله عنه) في ضبط خلافته، وفيه أربعة مطالب:
1. المطلب الأول: التنظيم.
2. المطلب الثاني: التوجيه.
3. المطلب الثالث: الرقابة.
4. المطلب الرابع: التخطيط.
نسأل الله العزيز أن ينفع به المسلمين، وأسأله الأجر والثواب.
الفصل الأول: عمر بن عبد العزيز وبيئته التي نشأ بها، وفيه ثلاثة مباحث:
1_ المبحث الأول: البيئة الأموية وأثرها على عمر بن عبد العزيز (رضي الله عنه).
2_المبحث الثاني: التعريف بعمر بن عبد العزيز
( رضي الله عنه).
3_المبحث الثالث: تربية وتعليم عمر بن عبد العزيز
( رضي الله عنه )
الفصل الأول : عمر بن عبد العزيز وبيئته التي نشأ بها :
المبحث الأول: البيئة الأموية وأثرها على عمر بن عبد العزيز
(رضي الله عنه)، وفيه أربعة مطالب:
أولا: مقدمة عن البيئة الأموية: (1/5)
صفحة 6
... إن الخلافة الأموية متعلقة بمظاهر الملك وبهائه ومستشعرة بسطوة الحكم وعظمته فبعد أن كان الخلفاء الراشدون للناس كافة لا يمنعهم دون الخليفة حجاب ولا يصدهم عنه باب وجد في العهد الأموي الحجاب والمقاصير في المساجد الجامعة وبعد أن كان عمر بن الخطاب يقول على منبر رسول الله (صلى الله عليه وسلم): من رأى منكم فيّ اعوجاجا فليقومه قال في مقابله عبد الملك بن مروان في خطبته بعد قتل ابن الزبير: ولا يأمرني أحد بتقوى الله بعد مقامي هذا إلا ضربت عنقه، وبعد أن كان الخليفة يختلط بالناس كأحدهم في السوق والمجامع يأمر وينهي ويربي ويأدب رأينا الوليد بن عبد الملك تصرف له الناس من المسجد النبوي حينما أراد مشاهدته وأثر الصناعة فيه وكادوا يصرفون سعيد بن المسيب شيخ الفقهاء بالمدينة لولا جلال سنه واحترام الأمير عمر بن عبد العزيز له، وبعد أن لم يكن للخليفة شارة يمتاز بها صرنا نرى الروايات عن قضيب الخلافة وخاتمها وننشد للوليد بن يزيد بن عبد الملك (1) حينما جاءه نعى عمه هشام بن عبد الملك :
طاب يومي ولذ شرب السلاف ... وأتانا نعي من بالرصافة
وأتانا البريد ينعي هشاما ... وأتانا بخاتم للخلافة
__________
(1) _ هو الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم الخليفة أبو العباس الدمشقي الأموي، ولد سنة تسعين، وقيل: سنة اثنتين وتسعين، ووقت موت أبيه، كان للوليد نيف عشرة سنة فعقد له أبوه بالعهد من بعد هشام بن عبد الملك فلما مات هشام سلمت إليه الخلافة. : سير أعلام النبلاء، مؤسسة الرسالة، بيروت، تحقيق: شعيب الأرنؤوط ومحمد نعيم،1413هـ، الطبعة العاشرة، 5/371،370، (1/6)
صفحة 7
وبعد أن كان الخلفاء الراشدون بعيدين عن مظاهر الترف ويتمنون أن يخرجوا من الدنيا كفافا، نرى بني مروان قد انغمسوا في الترف، فاختيرت لهم الألوان وتبسطوا بما لذ وطاب فسمعوا الأغاني من القيان كما يروى عن يزيد بن عبد الملك وابنه الوليد ابن يزيد، وبعد أن كانت الخلفاء تختار من بيوت متعددة رأينا الخلافة في هذه الدولة قد انحصرت في بيت واحد يختار كل خليفة منهم ولي عهده من أهل بيته إما ابنه، وإما أخاه، وإما ابن عمه شأن الملك العقيم، وبعد أن كانت الأمة تساس بوازع الدين وأثره في النفس رأيناها تساس بقوة البطش وحد السيف حتى كان عبد الملك يقول للناس: تطلبون منا أن نسير فيكم بسيرة الشيخين أبي بكر وعمر ، أو تسيروا أنتم بسيرة الناس في عهد أبي بكر وعمر؟ فكأنه يعتذر لهم عن قسوته في معاملتهم بأنهم هم الذين حملوه على ذلك بما ظهر فيهم من بدع الاختلاف، وكما تمثل يزيد بن معاوية حينما جاءه الخبر بخلع أهل المدينة له:
وإذا كنا على رأي من يقول: إن الأمة هي التي تخلق ملوكها (وهو قول حق ) ظهر لنا صدق عبد الملك ويزيد فيما قالاه:
هم بدلوا الحكم الذي في سجيتي ... فبدلت قومي غلظة بليان
وعلى الجملة فإن مظاهر الملك قد ظهرت على هذه الدولة من أول وجودها كما أن الترف قد لحقها في آخر أمرها وهو نتيجة طبيعية لا نحصار الخلافة في بيت واحد. (1)
والصحيح إن صلاح الرعية نابع من صلاح القائد فبصلاحه تصلح الأمة، وبفساده تصير الأمة في بحر لا شاطىء له، وزماننا هذا خير شاهد لمن كان له قلب يفقه به، أو أذن يسمع بها، أو عين يبصر بها.
أهم الحالات في البيئة الأموية:
1_ المطلب الأول: الحالة السياسية: وتنقسم إلى قسمين داخلي وخارجي:
__________
(1) ـ محاضرات في تاريخ الأمم الإسلامية( الدولة الأموية)، للمرحوم الشيخ محمد الخضري بك، تحقيق: الشيخ محمد العثماني، دار القلم، بيروت، ص558، 557، بتصرف. (1/7)
صفحة 8
أ- الأوضاع الداخلية: نبذه عن بعض خلفاء بني أمية من معاوية بن أبي سفيان إلى عمر بن عبد العزيز:
? معاوية بن أبي سفيان (41هـ ـ 60هـ ) :
لم تكن الحالة الداخلية للدولة الأموية على أحسن حال فقد كانت المواجهات والحروب مستمرة فهذا أول خليفة وهو معاوية بن أبي سفيان( 41هـ _ 60هـ) لما دخل الكوفة خرج عليه عبد الله بن أبي الحوساء (1) سنة 41هـ في إحدى قراها فبعث معاوية خالد بن عرفطة (2)
فاحتدم القتال فقُتِلَ عبد الله بن أبي الحوساء وغير ذلك من الأحداث (3) .
__________
(1) ـ هو عبد الله بن أبي الحوساء ويقال: عبد الله بن الحسواء خرج على معاوية بالنخيلة فبعث إليه معاوية خالد ابن عرفطة العذري حليف بني زهرة في جمع من أهل الكوفة فقتل ابن الحسواء في جمادى الأولى سنة إحدى وأربعين. انظر: الاستيعاب في معرفة الأصحاب، ليوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر،ت 463هـ،، دار الجيل، بيروت، 1412هـ، الطبعة الأولى، تحقيق: علي محمد البجاوي 2/435.
(2) ـ هو خالد بن عرفطة بن أبرهة ويقال: أبره بن سنان القضاعي العذري، روى عن النبي (صلى الله عليه وسلم) وعن عمر، وروى عنه أبو عثمان النهدي، وأبو إسحاق السبيعي، وعبد الله بن يسار الجهني، وحفيده عمارة بن يحيى بن خالد بن عرفطة، وغيرهم قال الطبراني: كان خليفة سعد بن أبي وقاص على الكوفة وقال: ابن أبي عاصم مات سنة 61هـ. انظر: تهذيب التهذيب، لأحمد بن علي بن حجر أبي الفضل العسقلاني الشافعي، ولد 773هـ، توفي 852هـ، دار صادر، بيروت، 1326هـ، الطبعة الأولى، بدون تحقيق3/106.
(3) ـ تاريخ الأمم والملوك، لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، 6/ 98، بتصرف. (1/8)
صفحة 9
ولم تكن سياسته كسياسة الخلفاء الراشدين حيث كان الناس يساسون بالقانون الشرعي يأخذ كل إنسان ماله ويعطي ما عليه ومما انتقد في سياسته التشهير بعلي ابن أبي طالب (كرم الله وجهه) وسبه على المنابر على الرغم من أنه انتقل إلى رحمة ربه، وهذا التصرف زاد غضب الشيعة ـ وفي الحقيقة لا يقتصر الغضب على شيعته بل على كل مسلم غيور ـ ولا ندري ما الذي جعله يفعل ذلك (1) وكل هذا له أثره الكبير على السياسة التي يتبعها فهو على الرغم من دهائه وسياسة التلطف بخصومه في بعض الأحيان، ومن ذلك إنه مازح عدي بن حاتم (2) مؤنبا له صحبة علي ابن أبي طالب فقال له عدي : والله إن القلوب التي بغضناك بها لفي صدورنا وإن السيوف التي قاتلناك بها لعلى عواتقنا، ولئن أدنيت إلينا من الغدر شبرا لدنينا إليك من الشبر باعا وإن خر الحلقوم، وحشرجة الحيزوم (3) ، لأهون علينا إن نسمع المساء ة في علي، فشم السيف في معاوية يبعث السيف.
__________
(1) ـ محاضرات تاريخ الأمم الإسلامية (الدولة الأموية ) ص448.
(2) _ عدي بن حاتم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج بن امرئ آلاف بن عدي الطائي أبو طريف، قدم على النبي (صلى الله عليه وسلم) في شعبان سنة سبع روى عن النبي (صلى الله عليه وسلم) وعن عمر بن الخطاب، وروى عنه بلال بن المنذر الحنفي، وتميم بن طرفة الطائي، وثابت البناني، وخيثمة بن عبد الرحمن الجعفي، انظر: تهذيب التهذيب، لابن حجر، 7/166 مصدر سابق، بتصرف.
(3) _ الحشرجة :الغرغرة عند الموت تردد النفس.انظر: لسان العرب، لأبي الفضل جمال الدين محمد بن مكرم بن منظور، ت711هـ، دار مكتب الحياة، بيروت، لبنان 2/237.
الحيزوم: وسط الصدر وما يضم عليه الحزام.انظر: المصدر السابق،12/132. (1/9)
صفحة 10
... فقال معاوية: هذه كلمات حق فكتبوها، وقبل عليه ولاطفه وتحدثا (1) .
? يزيد بن معاوية: (60هـ _64هـ )
إن ما حدث في عهد يزيد بن معاوية ومن يقرأ سيرته الداخلية يتألم ويحزن وذلك بسبب ما فعله من جرائم بحق أعظم المؤمنين وأتقاهم، و انتهاكه حرمات المسلمين، فلقد كانت سياسته ناشئة على القمع، والقتل، ونشر الباطل، ومن الجرائم التي حدثت في عهده :
1- موقعة كربلاء:
__________
(1) ـ المقدمة، تاريخ العلامة ابن خلدون، للعلامة عبد الرجمن بن خلدون المغربي، الطبعة الثالثة، مكتبة المدرسة ودار الكتاب اللبناني، 1967م،3/ 7، انظر: تاريخ الطبري تاريخ الرسل والملوك، 6/ 66،38، الجميع بتصرف. (1/10)
صفحة 11
سنة(61هـ) في يوم عاشوراء، هذه الموقعة التي قٌتِلَ فيها الحسين بن علي بن أبي طالب (1) ، وقتل عددا كبيرا من قومه في موقعة كربلاء (2) ، وقتل العباس بن علي بن أبي طالب وأمه أم البنين ابنة حزام بن أبي ربيعه بن الوحيد، وقتل جعفر بن علي بن أبي طالب وأمه أم البنين، وقتل العباس بن أبي طالب وأمه أم البنين، وقتل عثمان بن علي وأمه أم البنين، وقتل محمد بن علي وأمه ليلى بنت مسعود بن خالد ابن مالك بن ربعي وغيرهم كثير. (3)
2) موقعة الحرة:
__________
(1) ـ هو الحسين بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم الهاشمي أبو عبد الله سبط رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وريحانته قال الزبير وغيره: ولد في شعبان سنة أربع وقيل سنة ست وقيل سنة سبع وليس بشيء قال جعفر بن محمد لم يكن بين الحمل بالحسين بعد ولادة الحسن إلا طهر واحد قلت فإذا كان الحسن ولد في رمضان وولد الحسين في شعبان احتمل أن تكون ولدته لتسعة أشهر ولم تطهر من النفاس إلا بعد شهرين، وقد حفظ الحسين أيضا عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قُتِلَ في عهد يزيد بموقعة كربلاء سنة 61هـ . انظر: الإصابة لأحمد بن علي بن حجر العسقلاني، ولد773هـ، ت852هـ، دار الجيل، بيروت، 1412هـ، ط1، علي محمد البجاوي،، 2/76.
(2) _ منطقة بالعراق سكانها من الشيعة.
(3) ـ تاريخ الطبري، لابن جرير الطبري، ولد224هـ، ت310هـ، دار الكتب العلمية، بيروت،1407هـ، الطبعة الأولى، 3/343. (1/11)
صفحة 12
سنة(63هـ) هي الواقعة التي قام بها الجيش الأموي بقيادة مسلم بن عقبة المري (1) ضد أهل المدينة المنورة والتي استباح المدينة ثلاثة ليال لجنده، ففعلوا المنكرات، واستحلوا أرض رسول الله؛ لأنهم قالوا كلمة الحق ورفضوا الجور الذي كان يقوم به معظم خلفاء بني أمية.
3)حصار مكة:
... توجه السابق ـ مسلم بن عقبة ـ إلى مكة لمحاربة عبدالله بن الزبير (2) ولكن الله قضى عليه قبل أن ينال ما يريد, فجعل بدله حصين بن نمير (3) 64هـ وحصل قتالا شديدا بعد خروج ابن الزبير إليه ثم رجع إلى مكة وراحوا يرمونها بالمنجنيق إلا أن موت يزيد حال دون ذلك.
? مروان بن الحكم ( 64 ـ 65هـ):
__________
(1) ـ هو مسلم بن عقبة بن رباح المري أبو عقبة الأمير من قبل يزيد بن معاوية على الجيش الذين غزوا المدينة يوم الحرة يقال: أدرك النبي (صلى الله عليه وسلم) وشهد صفين مع معاوية ولما بلغ يزيد بن معاوية أن أهل المدينة أخرجوا عامله من المدينة وخلعوه وجه إليهم عسكرا أمر عليهم مسلم بن عقبة المري وهو يومئذ شيخ ابن بضع وقد أفحش مسلم القول والفعل بأهل المدينة وأسرف في قتل الكبير والصغير حتى سموه مسرفا وأباح المدينة ثلاثة أيام والعسكر ينهبون ويقتلون ويفجرون ثم رفع القتل وبايع من بقي على أنهم عبيد ليزيد بن معاوية وتوجه بالعسكر إلى مكة ليحارب ابن الزبير لتخلفه عن البيعة ليزيد إلا أنه مات بالطريق وذاك سنة ثلاث وستين واستمر الجيش إلى مكة فحاصروا ابن الزبير ونصبوا المنجنيق على أبي قبيس فجاءهم الخبر بموت يزيد بن معاوية وانصرفوا وكفى الله المؤمنين القتال. انظر: الإصابة،لابن حجر، 6/294، مصدر سابق، بتصرف.
(2) _ تأتي ترجمته في المبحث الثاني.
(3) ـ هو حصين بن نمير بن فاتك بن لبيد بن جعفر بن الحارث وقال إنه كان شريفا بحمص وكذا ولده يزيد وحفيده معاوية بن يزيد وليا إمرة حمص. انظر: الإصابة، 2/91، مصدر سابق، بتصرف. (1/12)
صفحة 13
كان مروان هذا ريئساً لديوان الخلافة في عهد عثمان بن عفان (رضي الله عنه)، وكان من عوامل إثارة مشاعر المسلمين على عثمان حتى أن الثوار طالبوا عثمان بتسليمه إليهم ولكن الخليفة الرحيم، كان يعرف مصيره المحتوم إذا وقع في أيديهم فرفض تسليمه.
ولمروان بن الحكم مواقف كثيرة تدمغه بالشر والبغي وتدينه بالإثم والعدوان فهو كما ذكره التاريخ ، لم يكن له من دينه ومن خلقه ما يرده أو يردعه عن الإضرار بالناس، وإذلالهم في سبيل تحقيق نفعه الذاتي ومصلحته الشخصية..... (1)
كما كان أبو الحكم طريد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ولعينه.... (2)
? عبد الملك بن مروان (65_86هـ)
لم تكن الحالة الداخلية لعبد الملك أحسن حال عن غيرها فلقد كانت الحركات والمظاهرات تواجه بالقمع وحكم السيف ويظهر جليا من محاصرة الحجاج ابن يوسف (3) مكة المكرمة وقتل عبدالله بن الزبير ومن معه ورمي الكعبة بالمنجنيق وذلك سنة 73هـ فأرعدت السماء وأبرقت وعلا صوت الرعد على الحجارة فخاف أهل الشام وتوقفوا عن الرمي وقام الحجاج بأخذ الحجر ورمي الكعبة. (4)
? الوليد بن عبد الملك (86_96هـ)
__________
(1) _ عمر بن عبد العزيز، لسعد عبد السلام، دار الفكر العربي، بيروت، ط1، بدون تحقيق، ص17،16.
(2) _ سيأتي ذكر ذلك في خطبة أبو حمزة الشاري.
(3) _ تأتي ترجمته في المبحث الثاني.
(4) _ تاريخ الأمم والملوك، 6/271. (1/13)
صفحة 14
لعله لم تكن للوليد بن عبد الملك كلمه مسموعة ففي عهده قَتَلَ الحجاج بن يوسف الثقفي سعيد بن جبير (1) وذلك؛ لأنه قاتل مع عبد الرحمن بن الأشعث (2) ولما قتل ألتبس عقل الحجاج وجعل يقول ما لا يعقل، وإذا نام يرى في منامه بن جبير يأخذ بجامع ثوبه ويقول: يا عدو الله فيم قتلتني؟ فيقول: مالي ولسعيد بن جبير مالي ولسعيد ابن جبير. (3) و في الحقيقة إن الكلام عن هؤلاء السلاطين يطول ويكثر فيه الحديث وحاولت قدر الاستطاعة أن أوجز.
__________
(1) ـ هو سعيد بن جبير بن هشام الأسدي الوالبي أبو محمد أو أبو عبد الله الكوفي كان ابن عباس إذا أتاه أهل الكوفة يستفتونه يقول ابن أم الدهماء يعنيه وقال عمرو بن ميمون عن أبيه: لقد مات سعيد بن جبير وما على ظهر الأرض أحد إلا وهو محتاج إلى علمه قتله الحجاج، وكان ذلك في شعبان سنة اثنتين وتسعين هو ابن تسع وأربعين سنة. انظر: طبقات الحفاظ، لأبي الفضل عبد الرحمن ابن أبي بكر السيوطي، 849هـ/911هـ، دار الكتب العلمية، بيروت،1403هـ، الطبعة الأولى، بدون تحقيق،1/38، بتصرف.
(2) ـ هو عبد الرحمن بن الأشعث بن قيس، وكان شريفا مطاعا وجدته أخت الصديق فالتف على مائة ألف أو يزيدون وضاقت على الحجاج الدنيا وكاد أن يزول ملكه وهزموه مرات وهو ثابت مقدام إلى أن انتصر الحجاج وتمزق جمع ابن الأشعث وقتل خلق كثير. انظر: سير أعلام النبلاء، مؤسسة الرسالة، بيروت، تحقيق: شعيب الأرنؤوط ومحمد نعيم،1413هـ، الطبعة العاشرة،4/306.
(3) ـ الكامل في التاريخ، لعلي بن أبي الكرم البياني ابن الأثير، ت630هـ، تحقيق محمد يوسف الدقاق ، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 4/281،280. (1/14)
صفحة 15
أما عهد عمر بن عبد العزيز كان خلاف ذلك فبعد توليه خلافة المسلمين سنة(99هـ) كان مثالا عظيما في معالجة المشكلات الداخلية بالروية وحسن التدبير وكل هذا يرجع إلى ورعه وتقواه، وصلاحه متبعا قول المولى جل جلاله: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين}. (1)
ب- الأوضاع الخارجية:
رغم كل ما كانت عليه الأمة الإسلامية من مشكلات داخلية وفتن ومصاعب لم تظهر الأمة بمظاهر الضعف، مع ما نالها من المصائب والفتن الداخلية، فقد قيض الله لها مجاهدين أخلصوا لله وجاهدوا في سبيله، ونشروا الإسلام فاتسع الفتح شمالا وشرقا وغربا. (2) هذا معاوية مثلا ففي سنة 42هـ غزا المسلمون في عهده الروم أيضا، وهزموهم هزيمة منكرة فيما ذكر، وقتل جماعة من بطارقتهم، وذكر أن سنة 50هـ وصل المسلمون في عهده إلى أشراف القسطنطينية فيما ذكره الوقدي. (3)
... وكذلك وصلت الفتوحات في عهده إلى جزيرة في البحر تابعة للروم نزلها المسلمون سنة 53هـ واتخذوا بها أموالا ومواشي يرعونها حولها فإذا أمسوا أدخلوها الحصن وفي سنة 54هـ فتح المسلمون جزيرة (أرْواد) وهي جزيرة قريبة من القسطنطينية (4) .
... وفي عهد عبد الملك بن مروان غزا عبدالله بن عبد الملك بن مروان أرض الروم سنة84هـ ففتح فيها (المصْبَضة) . (5)
وفي عهد يزيد بن عبد الملك في السنة التي مات فيها غزا سعيد بن عبد الملك أرض الروم سنة 105هـ . (6)
__________
(1) ـ سورة النحل/125.
(2) _ تاريخ الأمم والملوك ، لطبري ، 6/98،103، مصدر سابق، بتصرف.
(3) _ تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام للمحافظ المؤرخ محمد بن عثمان الذهبي، ت748، دار الكتاب العربي، بيروت(عهد معاوية بن أبي سفيان) تحقيق: عمر عبد السلام تدمر، ص21،22.
(4) _تاريخ الأمم والملوك، ج6/161.
(5) ـ تاريخ الطبري، تاريخ الرسل والملوك، 8/37.
(6) ـ تاريخ الطبري 7/21، مصدر سابق . (1/15)
صفحة 16
وفي عهد الوليد بن عبد الملك غزا مسلمة بن عبد الملك (1) أرض الروم سنة 86هـ . (2)
فكان لهؤلاء القادة الأثر العظيم في نشر الإسلام، وإنشاء الدول الإسلامية ومساندة الدول الأموية في مواجهة الأمم الأخرى واستقرار الأوضاع الخارجية، تلك حالة وظروف البيئة السياسية في الدولة الأموية، قبل خلافة عمر بن عبد العزيز بصورة مختصرة، والتي لم يكن عمر بمنأى عنها، بل كان كل ذلك أمام ناظريه، فنشأ متأثرا بتلك البيئة وما فيها والتي كونت لديه وعيا قياديا لما هو كائن وما يجب أن يكون.
2_ المطلب الثاني: الحالة الاجتماعية:
كان خلفاء بني أمية يسبون عليا (رضي الله عنه) من سنة إحدى وأربعين وهي السنة التي خلع الحسن فيها نفسه من الخلافة إلى أول سنة تسع وتسعين آخر أيام سليمان بن عبد الملك فلما ولي عمر بن عبد العزيز أبطل كل ذلك وكتب إلى ولاته ونوابه بإبطالها ولما خطب يوم الجمعة أبدل السب بقوله تعالى: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون} (3) فلم يسب بعد ذلك واستمرت الخطباء على قراءتها. (4)
ولا أحد يجهل ما كان عليه خلفاء بني أمية من الترف والبذخ والرفاهية مع أن المسلمين يعيشون في فقر وحاجة ماسة إلى لوازم الحياة وضروراتها، فمنهم من يعجبه نفرٌ ويرتاح إلى حديثه فيعطيه من أموال المسلمين آلاف الدنانير والدراهم، ومنهم من
تعجبه جاريته فيأمر بإعطائها من اللباس والأثواب والمجوهرات، وكل ذلك على حساب المسلمين (5)
__________
(1) _ تأتي ترجمته في المبحث الثاني.
(2) ـ تاريخ الأمم والملوك، لأبي جعفر بن محمد بن جرير الطبري، دار إحياء التراث العربي. بيروت، لبنان، 8/60.
(3) ـ سورة النحل، الآية:90
(4) ـ الكامل في التاريخ، 4/314، مصدر سابق.
(5) _ الدولة الأموية والأحداث التي سبقتها ومهدت لها ابتداء من فتنة عثمان، د. يوسف العش،ط2، 1406هـ، ص262. (1/16)
صفحة 17
ونورد هنا قول أبي حمزة الشاري (1) في خطبته على أهل المدينة المنوَّرة واصفاً حال بني أمية وهذا نص خطبته:
__________
(1) _ هو أبو حمزة المختار بن عوف بن عبد الله بن يحيى السليمي الأزدي، من أهل بلد مجز، من أعمال صحار، سار ومن معه إلى اليمن فبايع طالب الحق عبد الله بن يحيى الكندي، فجهز الإمام معه جيشاً وأرسله إلى الحجاز، فدخل مكة يوم عرفةسنة129هـ، ثم خرج منها إلى المدينة المنورة فدخلها وخطب على منبر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) خطبته البليغة المشهورة. قُتِلَ أبو حمزة بأسفل مكة سنة130هـ قَتَلَهُ عبد الملك بن محمد بن عطية السعدي قائد الجيش الشامي الأموي الذي أرسله آخر خليفة أموي مروان بن الحكم. انظر: أتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عمان،لشيخ سيف بن حمود بن حامد البطاشي، الطبعة الثانية،1419هـ، بدون تحقيق، 1/189،188. (1/17)
صفحة 18
" ..... ثم ولي معاوية بن أبي سفيان لعين رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وابن لعينه، وحِلف من الأعراب، وبقية من الأحزاب، مؤلَّف طليق، فسفك الدماء الحرام، واتَّخذ عباد الله خولاً، ومال الله دولاً، وبغى دينه عوجا ودغلاً (1) ، وأحل الفرج الحرام، وعمل بما يشتهيه؛ حتى مضى لسبيله، فعل الله به وفعل، ثمَّ ولى بعده ابنه يزيد: يزيد الخمور، ويزيد الصقور، ويزيد الفهود، ويزيد الصيود، ويزيد القرود، فخالف القرآن، واتبع الكهان، ونادم القِردَ، وعمل بما يشتهيه حتى مضى على ذلك لعنه الله، وفعل به وفعل، ثم ولي مروان بن الحكم طريدٌ لعين رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وابنُ لعينه؛ فاسق في بطنه وفرجه، فالعنوه والعنوا آباءه. ثم تداولها بنو مروان بعده؛ أهل بيت اللعنه، طرداء رسول الله (صلى الله عليه وسلم وآله) وقوم من الطلقاء ليسوا من المهاجرين والأنصار ولا التابعين لهم بإحسان، فأكلوا مال الله أكلاً، ولعبوا بدين الله لعباً، واتخذوا عباد الله عبيداً، يورَّث ذلك الأكبر منهم الأصغر.....ثمَّ ولي يزيد بن
عبد الملك، غلام ضعيف سفيه غير مأمونٍ على شيء من أمور المسلمين، لم يبلغ أشده، ولم يؤنس رشده..... مأبون (2) في بطنه وفرجه، يشرب الحرام، ويأكل الحرام،
__________
(1) _ الدغل هو خداع الناس، فقوله اتخذوا دين الله دغلا أي يخدعون به الناس. انظر: لسان العرب، 11/245، مصدر سابق.
(2) _ أي متهم ومعاب في بطنه وفرجه. انظر لسان العرب،3/13. (1/18)
صفحة 19
ويلبس الحرام، ويلبس بردتين قد حيكتا له، وقُوِّمتا على أهلهما بألف دينار أو أكثر أو أقل.....ويشرب الخمر الصُّراح المحرمة نصا بعينها، حتى إذا أخذت مأخذها فيه، وخالطت روحه ولحمه ودمه، وغلبت سورتها على عقله مزَّق حُلّيته (1) ، ثم التفت إليهما فقال: أتأذن لي أن أطير؟ نعم فطر إلى النار، إلى لعنة الله وناره حيث لا يردُّك الله".
ثم ذكر بني أمية وأعمالهم، وسيرهم،فقال:" أصابوا إمرةً ضائعةً وقوما طغاما (2) جُهَّالاً، لا يقومون لله بحق، ولا يفرقون بين الضلالة والهدى، ويرون أن بني أمية أرباب لهم، فملكوا الأمر، وتسلطوا فيه تسلط ربوبيّة، بطشهم بطش الجبابرة، يحكمون بالهوى، ويقتلون على الغضب، ويأخذون بالظن، ويعطلون الحدود بالشفاعات، ويؤمِّنون الخونة ويقصون ذوي الأمانة، ويأخذون الصدقة في غير وقتها على غير فرضها، ويضعونها في غير موضعها، فتلك الفرقة الحاكمة بغير ما أنزل الله، فالعنوهم، لعنهم الله....إلخ" (3) .
هذا هو الواقع الذي كانت عليه بنوا مروان كما وصفه أبو حمزة الشاري، ولست سوى ناقلاً.
أما في عهد عمر بن عبد العزيز فقد كانت حياته قبل الخلافة أمراً آخر حيث كان أعظم أموي ترفها، وتملكا، غذي بالملك ونشأ فيه، لا يعرف إلا وهو تعصف ريحه فتوجد رائحته في المكان الذي يمر فيه، كما كان يسقط أحد شقي ردائه عن
__________
(1) _ هو: ما إِبيضَّ من يَبِيسِ السَّبَطِ والنَّصِيِّ، واحدته حَلِيَّةٌ. انظر لسان العرب، 14/196. مصدر سابق.
(2) _ هو من لا عقل له ولا معرفة. انظر: لسان العرب،12/368.
(3) _ الأغاني، لأبي الفرج الأصفهاني، ت356هـ، دار الفكر، بيروت، الطبعة الأولى، تحقيق: الإستاذ سمير جابر، 23/254،253. (1/19)
صفحة 20
منكبه لا يرفعه، وتنقطع نعله فلا يعرج عليها، وربما يلحقه بها المملوك فيعتقه ويطبع بخاتمه فتتسخ الطينة العفيرة، فلم يزل على ذلك حتى ولي الخلافة فتغير تغيرا مطلقا. (1)
ولما كان بنو أمية يستعملون بيت مال المسلمين لإرضاء رغباتهم يعطون منه من يشاؤون، ويمنعون منه من يشاؤون، فيدخل في المنع والعطاء أمر الخليفة ورغبته أو عدم رضاه، فيزداد الأعداء الناقمون، ويزداد الطمع والشر من الأصدقاء.
ولهذا طالب عمر بن عبد العزيز من بني أمية برد المظالم، وهي الأموال والأملاك التي وضعوا أيديهم عليها بغير حق، وقطع عن بني أمية كل عطاء لا يستحقونه من بيت المال، وسوي بين الناس في العطايا، بل إنه أشرك في ديوان العطاء غير العرب من الذين دخلوا الإسلام وساروا للجهاد، واستعاد عمر الفاتحين من آسيا الصغرى إلى الثغور، فهو يعد الفتح في بلاد الروم بلاء على المسلمين، ويعد إظهار البطولة لا فائدة كبيرة ترجى من ورائه، والحصول على الغنائم والأسرى مقابل هدر كبير من دماء المسلمين، وهو كان يشفق على المسلمين ولعله كان يرتب للفتح ترتيبا آخر، فقام بإعادة أسرى المسلمين عن طريق المبادلة بأسرى الروم وهذا من الأمور التي كانت موضع اهتمامه.
وكان كذلك شفيقا رحيما على الضعفاء والمنكوبين، ويهمه أمر السجون فأصلح السجون وفرق بين سجون الرجال والنساء، وأجرى الجراية على المسجونين في أكلهم وما يحتاجون إليه؛ وأمر بألاَّ يقيد المسجون وهو في السجن وألا يقتل إنسان أو تقطع يداه ما لم يوافق الخليفة على ذلك .
وتظلم إليه أهل سمرقند على أن مدينتهم لم تفتح فتحا، وأنه ليس للمسلمين حق فيها، فأرسل عمر إلى واليه ليقيم قاضيا ينظر في دعواهم فأقام القاضي فوجد أن الحق
__________
(1) ـ سيرة عمر بن عبد العزيز على ما رواه الإمام مالك بن أنس وأصحابه، ت214هـ، لأبي محمد عبد الله ابن عبد الحكم نسخه وصححه وعلق عليه: أحمد عبيد، عالم الكتاب، بيروت، ص22. (1/20)
صفحة 21
مع أهل سمرقند، فكتب إلى الخليفة بذلك، وأشار إليه أن العدل أن يخرج العرب منها وأن يعود الأمر إلى ما كان عليه قبل دخول العرب، ومعناه أنه لا يمكن للعرب أن يدخولها أو يعودوا إليها إلا بعد أن يفتحوها ثانية، ثم وجد سكان سمرقند أنه خير لهم أن يبقى العرب محتلين لبلدتهم .
واشتكى إليه نصارى دمشق من أن الوليد نقض كنيستهم، وأقام على أنقاضها جامع دمشق، مع أنها سجلت من حقهم فأجاب مطلبهم، وقال: ننقض جامعنا ونعيد كنيستهم، غير أنه ألغى ذلك لأن المسلمين تركوا للمسيحيين كنيسة "توما" الموجودة في الجهة الشرقية من دمشق مع أنها من حق السلمين حين الفتح فعزم على أن تنقض ويُبْنَى مكانها جامع وانتهى الأمر بأن قبل المسيحيون بأن يبقى المسجد الجامع في مكانه وأن تبقى لهم كنيستهم في مكانها. (1)
وقد ظل عمر بن عبد العزيز (رضي الله عنه) في المدينة مكباً على دروس العلم، حيث قعد مع مشايخ قريش وتجنب شبابهم ولم يزل على هذه الطريقة حتى اشتهر ذكره، فلما مات أبوه أخذه عمه إلى أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان فخلطه بولده وقدمه على كثير منهم. (2)
ولهذا كله كان من عبد الملك بن مروان أن زوج ابنته فاطمة إلى عمر بن عبد العزيز، وقد صادف هذا العرض هوى في نفس عمر، التي كانت تتوق نفسه للزواج منها، وهي التي قال فيها الشاعر وضاح اليمن (3) :
بنت الخليفة والخليفة جدها أخت الخلائف والخليفة زوجها
__________
(1) _ الدولة الأموية، ص(262، 665،666)، مصدر سابق، بتصرف.
(2) ـ البداية والنهاية، لإسماعيل عمر بن كثير، تحقيق: د/ أحمد أبو ملحم وآخرين، دار الريان، القاهرة، 1408 هـ، 9/139.
(3) _ شاعر اسمه عبد الله من اليمن، انظر: نزهة الألباب في الألقاب، لأحمد بن علي بن محمد العسقلاني، ولد773هـ، ت852هـ، مكتبة الرشيد، الرياض،1989م،الطبعة الأولى، تحقيق: عبد العزيز بن محمد ابن صالح السديدي، 2/232. (1/21)
صفحة 22
ولم يعرف لامرأة غيرها أن اجتمعت لها هذه الصفات، إلى جانب ما كانت تتمتع به من حسن وجمال. (1)
ولم تكن هي الزوجة الوحيدة بل كانت هناك زوجات أخريات، منهن لميس بنت علي (2) ، وله منها عبدالله وبكر وأم عمار.
وكذلك من زوجاته أم عثمان (3) ، وله منها ولده إبراهيم. (4)
كما كان عمر (رضي الله عنه) عظيماً في علمه، عظيماً في تربية أبنائه، وتنشئتهم التنشئة الصالحة، ونستشف ذلك من طريقته في تربيتهم ومن خلال رسائله الموجهة لمن وكله بتأديبهم، ورسائله إليهم، فلم يرغب عمر أن ينشأ أولاده في نعيم وترف، فيجرفهم تيار المجون والدعة عن اكتساب العلوم، بغية مرضاة الله (عز وجل) ولهذا عمل على أن يخشوشنوا، كما عهد بتأديبهم إلى مولاه سهل بن صدقة (5) ، ولم يكتف بذلك، بل أرسل له رسالة أوضح فيها الطريقة المثلى التي يجب عليه الالتزام بها في تربيتهم ليكونوا رجال الغد الصالحين الطائعين لله في كل ما أمرهم به، فكتب إليه يقول:
__________
(1) ـ البداية والنهاية، 9/139
(2) _ هي لميس بنت علي بن الحارث بن عبد الله بن الحصين ذي الغصة زوج عمر بن عبد العزيز، وأولادها عبد الله وبكر، وأم عمار.انظر: الطبقات، لابن سعد، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان،[ 5/330.
(3) _ هي أم عثمان بنت شعيب بن زبان بن الأصبغ بن عمرو بن ثعلبة بن الحارث بن حصن بن ضمضم بن عدي ابن جناب زوج عمر بن عبد العزيز، وابنها إبراهيم. انظر: الطبقات، 5/330.
(4) ـ سيرة ومناقب عمر بن عبد العزيز، لابن الجوزي، جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن، ت597هـ، تحقيق: نعيم زرزور، دار الكتب العلمية، بيروت، 1404 هـ، ص315.
(5) ـ هو سهل بن صدقة مولى عمر بن عبد العزيز يروي عن عمر بن عبد العزيز روى ابن مبارك عن عنه، انظر: الثقات، لمحمد بن حبان بن أحمد أبو حاتم التميمي البستي، ت354هـ، دار الفكر، 1395هـ، ط1، تحيق: السيد شرف الدين أحمد، 8/291، مصدر سابق. (1/22)
صفحة 23
"من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى سهل مولاه، أما بعد فإني اخترتك على علم مني بك لتأديب ولدي فصرفتهم إليك عن غيرك من موالي وذوي الخاصة بي،
فحدثهم بالجفاء فهو أمعن لإقدامهم، وترك الصحبة، فإن عادتها تكسب الغفلة، وقلة الضحك، فإن كثرته تميت القلب، وليكن أول ما يعتقدون من أدبك بغض الملاهي التي بَدْؤُها من الشيطان و عاقبتها سخط الرحمن، فإنه بلغني عن الثقات من أهل العلم أن حضور المعازف واستماع الأغاني واللَّهج بها ينبت النفاق في القلب كما ينبت العشب الماء ولعمري لتوقي ذلك بترك حضور تلك المواطن، أيسر على الذهن من الثبوت على النفاق في قلبه وهو حين يفارقها لا يعتقد مما سمعت أذناه على شيء مما ينتفع به وليفتتح كل غلام منهم بجزء من القرآن يثبت على قراءته فإذا فرغ تناول قوسه ونبله وخرج إلى الغرض حافياً فرمى سبعة أرشاق ثم انحرف إلى القائلة، فإن ابن مسعود (1) (رضي الله عنه) كان يقول: "يا بني قيلوا فإن الشياطين لا تقيل". (2)
__________
(1) _ عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب بن شمخ الإمام الحبر فقيه الأمة أبو عبد الرحمن الهذلي المكي المهاجري البدري حليف بني زهرة، كان من السابقين الأولين ومن النجباء العالمين شهد بدرا وهاجر الهجرتين، وكان يوم اليرموك على النفل ومناقبه غزيرة، روى علما كثيرا حدث عنه أبو موسى، وأبو هريرة، وروى عنه القراءة أبو عبد الرحمن السلمي. انظر سير أعلام النبلاء، 1/462،461، مصدر سابق.
(2) _ سيرة ومناقب عمر بن عبد العزيز، لابن الجوزي، ص296، 297، مصدر سابق. (1/23)
صفحة 24
ومن هذه الرسالة يتبين لنا الأسس والمبادئ السبعة التي اعتمدها عمر بن عبد العزيز في تربية أولاده، والتي استنبطها من هدي رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وهي الأسس التي ساد بها الرعيل الأول من صحابة رسول الله، وبها فتحوا أرجاء الأرض ينشرون رسالة السماء فكان من نتاجها حضارة راقية اعترفت لها الدنيا بالسيادة قرونا من الزمن، فما أحوجنا إليها خاصة ونحن في زمن كثرة فيه الملاهي والمفاسد في تربية الأبناء، ليعيدوا مجد آبائهم وأجدادهم ولم يكتف عمر بن عبد العزيز بهذا المؤدب بل إنه عهد بتأديبهم إلى معلمه ومؤدبه صالح بن كيسان.
كما أشرف بنفسه على تلقينهم كتاب الله وأحاديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في أثناء تواجدهم معه، فيروى أنه كان يأذن لأولاده بالدخول عليه كل يوم جمعة قبل أن يأذن للناس، يتذاكر معهم كتاب الله (عز وجل)، وكذلك فإنه لا
يدع الفرصة تفوته في تنمية روح الفضيلة والتسامح عندهم فيروى أنه قال مرة لابنه عبد العزيز: " إذا سمعت كلمة من امرئ مسلم فلا تحملها على شيء من الشر ما وجدت لها محملاً على الخير".
كذلك عمد على مراقبة كل تصرف من تصرفاتهم، وقاسه بمقياس الإسلام فإن وجد فيهم اعوجاجا عن جادة الحق قومهم؛ ولهذا فإنه عندما بلغه مرة أن أحد أبنائه اتخذ خاتماً واشترى لهذا الخاتم فصاًًّ بألف درهم فكتب إليه عمر يقول: " أما بعد فقد بلغني أنك اشتريت فصاًًّ بألف درهم، فبعه وأشبع به ألف جائع واتخذ خاتماً من حديد صيني، واكتب عليه رحم الله امرءا عرف قدر نفسه ". (1)
__________
(1) ـ المصدر السابق، ص314، 315. (1/24)
صفحة 25
كما أنه حرص على المساواة بينهم في المعاملة والعدل لكي لا يثير في نفوسهم الحقد والبغضاء؛ لأنه كان مراقبا لله في نفسه وفي كل عمل يقوم به، ولم يسمح له الهوى أن يغلب عليه فيزين له أولاده في عينيه فيحابيهم ويؤثرهم على حساب الناس من غير حق ولهذا أصر على عدم توليتهم أمرا من أمور الناس لئلا يحابيهم الناس دون حق أو يلقوا منهم ظلما باسم السلطان فيروى أن عمر بن عبد العزيز قال لأولاده:" كيف أنتم إذا أنا وليت كل رجل منكم جندا فقال أحد أبنائه:لِمَ تعرض علينا أمرا لا تريد أن تفعله؟ قال: أترون بساطي هذا؟ إنه لصائر على بِلى، وإني أكره أن تدنسوه بخفافكم فكيف أرضى لنفسي أن تدنسوا عَلَيَّ ديني". (1)
كما رسم عمر بن عبد العزيز لأولاده النهج القويم ليسيروا عليه، وكان هو نفسه أسوة حسنة تأثروا به وأثروا فيه واكتسبوا من علمه وفضله وأخلاقه ما انعكس عليهم في حياتهم فيما بعد، فهذا ابنه عبد الملك قد امتلأ صدره علما وفقها ورواية عن
الرسول (صلى الله عليه وسلم) وغدا من أنسك الناس وأعبدهم، لا يخشى في الله لومة لائم.
وقد بلغ بعمر (رضي الله عنه) الزهد حتى إنه كره البقاء في داره فيروى أنه: "كانت لعمر مرقاتان يرقى من صحن داره إلى مقر بيته عليهما، فانقلعت إحدى المرقاتين فأتاها رجل من أهل بيته فأصلحها كراهية أن يشق على عمر فلما جاء عمر ونظر إليها قال: من صنع هذا؟ قالوا: فلان، قال: عَلَيَّ به.فلمَّا جاء قال: ويحك يا فلان، أنفست على عمر أن يخرج من الدنيا ولم يصنع لبنة؟ والله لولا أن يكون فساد بعد إصلاح لغيرتها إلى ما كانت عليه. (2)
__________
(1) ـ عمر بن عبد العزيز وسياسته في رد المظالم، تأليف ماجدة فيصل زكريا، مكتبة الطالب الجامعي، مكة المكرمة (العزيزة)، ص53.
(2) ـ سيرة عمر بن عبد العزيز، لابن عبد الحكم، ص136. (1/25)
صفحة 26
هذا ما كان عليه عمر بن عبد العزيز بخلاف ما كان عليه خلفاء بني أمية السابقين من الترف والبذخ وحب المال وجمعه، وما هو عليه زماننا هذا فبينما يعيش حكامنا في القصور بين الجواري والغلمان والتنعم بأرغد أنواع العيش نرى كثيرا من أبناء هذه الأمة يعيشون حياة الفقر والجوع والعطش بل إن الحكم صار موروثا أبا عن جد ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
3_ المطلب الثالث: الحالة الاقتصادية:
... كانت الحالة الاقتصادية لخلفاء بني أمية قائمة على الانحراف عن المنهج الحق؛ كأن تجبى الجزية ممن دخل في الإسلام في بعض البلدان. وأن يستعمل أحدهم المال إلى درجة الترف، ويحرم منه آخرون. وامتياز أقارب الخليفة وبعض المسؤولين في الدولة بمزايا ومخصصات مالية من خزينة الدولة، وهي ما عرف في عهد عمر _ بالمظالم _، وشراء بعض الولاة لأرض تعود ملكيتها لبيت المال، فينقطع دخلها عن خزينة الدولة. (1)
لقد قام عمر بن عبد العزيز بمعالجة كثير من المشكلات التي تعاني منها الدولة الإسلامية ومنها أنه باع أنعاما كانت للحجاج وردها إلى المسلمين، فقد كتب أمير الكوفة إلى عمر:" إن هاهنا ألف رأس كان للحجاج. فكتب إليه عمر أن بعهم واقسم أثمانهم في أهل الكوفة" (2)
وكذلك باع ما كان في سرادقات قصر الخلافة ورده في الأموال العامة. وباع مراكب الخلافة وجعل أثمانها في بيت المال ووفر على الخزينة علفها وأجرة سائسيها.
كما جاءه صاحب الرقيق يسأله أرزاقهم وكسوتهم وما يصلحهم وكانوا كذا كذا ألفا!! فوزعهم على المرضى والعميان والعاجزين لخدمتهم . (3)
__________
(1) ـ عمر بن عبد العزيز خامس الخلفاء الراشدين، لعبد الستار الشيخ، دار القلم، دمشق، ص294.
(2) ـ الطبقات الكبرى، 5/375.
(3) ـ عمر بن عبد العزيز خامس الخلفاء الراشدين، مصدر سابق، ص298. (1/26)
صفحة 27
وبلغه أن عدي بن أرطأة (1) يعشر الخمور التي عند الذميين، ويأخذ ثمن العشر، فكتب إليه:"وبلغني أنك تأخذ من الخمور العشور، فتبقيه في بيت مال الله، فإياك أن تدخل بيت مال الله إلا طيبا والسلام عليكم". (2)
وذكر أن خلفاء بني أمية يأخذون الضرائب ممن يمر على الجسور والمعابر فرأى عمر في ذلك ظلما للناس، فمنعه وإن عمر لو بقي إلى زماننا هذا لرأى الضرائب فرضت حتى على الدواء، وعلاج الضعفاء، وعبور الطرق، وحمل العربات إلخ... ثم يأتي بعد ذلك من له قرابة ومنزلة مِنْ ولي المسلمين ليأخذ ذلك المال دون أن يطبق عليه الحد أو يعاقب عقوبة تردعه.
ويذكر أن رجلاً كان جالسا عند سليمان بن عبد الملك فجاء رجلٌ وكان على جسر منبج (3) يحمل مالا مما يؤخذ على الجسر، فقال عمر بن عبد العزيز: هذا رجل مترف، يحمل مال سوء. فلما قدم عمر خلى سبيل الناس من الجسور والمعابر،
وكتب إلى أحد عماله قائلا: إني ظننته إن جعل العمال على المعابر والجسور أن يأخذوا الصدقة على وجهها، فتعدى عمال السوء غير ما أمروا به، وقد رأيت أن أجعل في كل مدينة رجلا يأخذ الزكاة، فخلوا سبل الناس في الجسور والمعابر. (4)
__________
(1) _ هو عدي بن أرطأة الفزاري أمير البصرة لعمر بن عبد العزيز، الطبقات، 5/341.
(2) ـ الطبقات، 5/380، مصدر سابق.
(3) _ بلدة بين حلب ونهر الفرات.
(4) ـ الطبقات، 5/378. (1/27)
صفحة 28
كما أنه (رضي الله عنه) ألغى الضرائب التي أرهقت كاهل الناس، ووضع عنهم المكوس (1) وأمر بتهديم البيوت التي تتخذ لجمعها متبعا في ذلك قوله تعالى: {ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها (2) } ومنه كذلك أنه كتب إلى عبدالله بن عوف (3) أن اركب إلى البيت الذي برفح، الذي يقال له بيت المكس؛ فاهدمه، ثم احمله إلى البحر، فانسفه في اليم نسفا". (4)
وعندما ألزم الحجاج الموالي ممن دخلوا في الإسلام دفع الجزية، متأولا أن إسلامهم كان للهرب من دفع الجزية، جاء عمر (رضي الله عنه) معلنا رأي الإسلام الصريح، بأن كل من يدخل في الإسلام تسقط عنه الجزية حتى ولو أسلم في آخر العام، وقد وجبت عليه الجزية، فإن إسلامه يسقطها.
وأرسل بكتبه هذه إلى الأمصار، وفيها" من شهد شهادتنا، واستقبل قبلتنا، واختتن؛ فلا تأخذوا منه الجزية". (5)
بل إنه ألغى الجزية عمَّن عجز عن دفعها، لكبر سنه أو نحو ذلك؛ اقتداء بما فعله جده العظيم ابن الخطاب.
__________
(1) _ أي الجمارك.
(2) ـ سورة الأعراف، الآية:85
(3) _ هو عبد الله بن عوف أرسل حديثا فذكره بعضهم في الصحابة، والحقيقة هو من تابعي أهل الشام في الطبقة الثالثة وكان عامل عمر بن عبد العزيز على خراج فلسطين. انظر الإصابة، 5/203، مصدر سابق.
(4) ـ حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، للحافظ أبي نعيم أحمد بن عبدالله الأصفهاني، ت430هـ، دار الفكر، بيروت، لبنان، 5/306.
(5) ـ الدولة الأموية والأحداث التي سبقتها، ص223، 270، مصدر سابق. (1/28)
صفحة 29
أما في" أراضي الخراج" فلقد وجد عمر (رضي الله عنه) بنظره الثاقب وإيمانه العميق أن يبقى هؤلاء المسلمين على هذه الأراضي، على أن يؤدوا أجرتها للدولة، وهي ليست خراجا، بل مقابل استثمار الأرض، والأجرة ترد في بيت مال المسلمين وكان من قبله قد تسامح في بيع أراضي الخراج، مما قطع عن بيت المال موردا مهما، فلما جاء الخلافة منع ذلك، إبقاءً على هذه الأراضي وما تدره على الخزينة العامة. وكان (رضي الله عنه) يصنف الأموال التي ترد على الخزينة حسب مصادرها، (1) والمصارف الشرعية التي تصرف فيها، فكان له ثلاثة بيوت للمال، حيث إنه جعل للخمس بيت مال على حدة، وللصدقة بيت مال على حدة، وللفيء بيت مال على حدة، (2) وأمر بضرب النقود ليتعامل بها الناس فضربت له فلوس، وكتبوا عليها: أمر عمر بالوفاء والعدل. فقال:" اكسروها واكتبوا: أمر الله بالوفاء والعدل". (3)
ولا ننس أنه (رضي الله عنه) فرض الأعطيات للسجناء والغائبين، وقضى الدين عن الغارمين والمدينين من بيت مال المسلمين ومنه أنه شُهِدَ على عمر بن عبد العزيز قضى عن غارم خمسة وسبعين دينارا من سهم الغارمين"، وقدم القاسم بن مخيمرة (4) على عمر ابن عبد العزيز، مسألة قضاء دينه، فقال عمر: كم دينك؟ قال: تسعون دينارا. قال: قد قضيناه عنك من سهم الغارمين.
__________
(1) ـ المصدر السابق، ص269، 272.
(2) ـ الطبقات، 5/400، مصدر سابق.
(3) ـ الحلية، 5/ 324، مصدر سابق.
(4) _ هو القاسم بن مخيمرة الإمام القدوة الحافظ أبو عروة الهمداني الكوفي نزيل دمشق حدَّث عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وأبي سعيد الخدري، وحدَّثَ عنه أبوه إسحاق السبيعي، وسلمة بن كهيل، ومات القاسم ابن مخيمرة في خلافة عمر بن عبد العزيز بدمشق، وقيل: سنة مئة وقال ابن معين: سنة مئة. انظر: سير أعلام النبلاء، 5/201 إلى204، مصدر سابق. (1/29)
صفحة 30
كما أنه فرض للمؤمنين راتبا من بيت المال، وخصص لكل أعمى قائدا يقوده ويقوم بشؤونه، ولكل اثنين من الزمنى خادما. (1)
بل إنه بلغ في العطاء والنفقات وإغناء الناس حدا لم تصل إليه دولة في الأرض من قبله ولا من بعده حتى عصرنا هذا، حيث أعلن في أقطار دولته المترامية الأطراف أن من يريد الزواج ولا يستطيع القيام بنفقاته وتبعاته المالية، فبيت مال المسلمين يكفيه. (2)
ولهذا كله عم الرخاء كل المسلمين في أطراف دولتهم العظيمة الكبيرة: ومن النصوص الدالة على ذلك: أن يحيى بن سعيد (3) قال:"بعثني عمر بن عبد العزيز على صدقات إفريقية، فاقتضتها، وطلبت فقراء نعطيها لهم، فلم نجد فقيرا، ولم نجد بأخذها مني، قد أغنى عمر بن عبد العزيز الناس، فاشتريت بها رقابا، فأعتقتهم، وولاؤهم للمسلمين".
وقدم على عمر بعض أهل المدينة، فجعل يسأله عن أهل المدينة، فقال:" ما فعل المساكين الذين كانوا يجلسون في مكان كذا وكذا؟ قال: قد قاموا منه يا أمير المؤمنين، وأغناهم الله وكان من أولئك المساكين من يبيع الحطب للمسافرين، فالتمس ذلك منهم بعد، فقالوا: قد أغنانا الله عن بيعه بما يعطينا عمر" وغيرها من النصوص كثير كثير. (4)
__________
(1) ـ الطبقات، 5/ 348،349.
(2) ـ عمر بن عبد العزيز خامس الخلفاء الراشدين، ص311، مصدر سابق.
(3) _ هو يحيى بن سعيد بن أبان بن سعيد بن العاص بن أمية الأموي أبو أيوب الكوفي الحافظ نزل بغداد لقبه جمل، روى عن أبيه، ويحيى بن سعيد، وسعيد بن سعيد الأنصاري. انظر تهذيب التهذيب، 11/187، مصدر سابق.
(4) ـ عمر بن عبد العزيز خامس الخلفاء، ص312، 313. (1/30)
صفحة 31
فإذا جئت إلى زماننا هذا وجدت الحكام يتفاخرون ويتظاهرون بالعطاء وحب إطعام الفقراء ولكن من هم هؤلاء الفقراء؟! إنهم فقراء الدول الأخرى والتي في الغالب دول غير مسلمة بينما يعيش الكثير من أبناء هذه الأمة في جوع وعطش وعري وحالة يرثى لها ونسوا قول المصطفى(صلى الله علي وسلم):" ما من مسلم يلي رعية من المسلمين وهو غاش لهم إلا كتب الله له النار وحرمه من الجنة". (1)
4_ المطلب الرابع: أثر البيئة الأموية على حياة عمر بن عبد العزيز(رضي الله عنه):
عاش عمر (رضي الله عنه) يراقب أحوال الأمراء الأمويين من ظلم وتعسف وأكل أموال الناس بالباطل، وما يقع من شكاوى وانتفاضات ضد الحكم الأموي والحال التي تردَّت إليه الأحوال الاقتصادية والسياسية والاجتماعية فلم يكن قادرا أن يحرك ساكنا وهو خارج عن الحكم إلا النصح دون غيره.
وبعد عزله عن المدينة المنورة راح يراقب الأحداث وأحوال البلاد في عهد الوليد بن عبد الملك عن كثب فالحجاج بن يوسف في العراق يرهب الناس، ويرعد ويهدد بسيفه ولسانه الشديدين، ويسجن الأبرياء، ويسفك الدماء، وكان الآخر وهو قرة بن شريك (2) في مصر يعبث ويلهو
__________
(1) ـ صحيح البخاري، لمحمد بن إسماعيل البخاري، ولد194هـ، ت256هـ، دار ابن كثير اليمامة، بيروت،1407هـ، الطبعة الثالثة، تحقيق: مصطفى ديب البغا، كتاب الأحكام، باب من استرعى رعية فلم ينصح، 6/2614، رقم الحديث:6732، بلفظ قريب.
(2) ـ هو قرة بن شريك القيسي القنسريني جبار عات مات بمصر بعد أن وليها سبعة أعوام أنشأ جامع الفسطاط وكان إذا انصرف منه الصناع دخله ودعا بالخمور والمطربين ويقول لنا الليل ولهم النهار وكان جائرا عسوفا همت الخوارج باغتياله فعلم وقتلهم وفيه يقول عمر بن عبد العزيز الوليد بالشام والحجاج بالعراق وعثمان المري بالحجاز وقرة بمصر امتلأت الدنيا والله جورا. انظر: سيرة أعلام النبلاء،4/409، مصدر سابق. (1/31)
صفحة 32
ويزيد بن أبي مسلم (1) في المغرب يجبي ويأكل المال الحرام ويسفك الدم بغير حق، ومحمد بن يوسف (2) أخو الحجاج في اليمن ينشر الظلم والتعسف وفي كل بلد أمثال هؤلاء القساة الظالمين والأجلاف. (3)
وعمر يتأمل و يتألم مما يراه ويسمعه ويدعوه قائلا:" امتلأت أرض والله جورا فأرح الناس".
أما علماء الأمة فكانوا معزولين عن المشاركة في الحياة، وأما العباد والصلحاء فمطرودون أو مفتولون أو محبوسون. (4)
ومن خلال ذلك نهج عمر بن عبد العزيز سياسة مخالفة لبني أمية ويظهر ذلك في خطبته الأولى أمام الناس حيث قال: " أيها الناس إني قد ابتليت بهذا الأمر عن غير رأي كان مني فيه، ولا طلبة له، ولا مشورة من المسلمين، وإني قد خلعت ما في أعناقكم من بيعتي، فاختاروا لأنفسكم. فصاح الناس صيحة واحدة: قد اخترناك يا أمير المؤمنين، ورضينا بك فَلِ (5) أمرنا باليمن والبركة".
__________
(1) ـ هو يزيد بن أبي مسلم أمير المغرب أبو العلاء بن دينار الثقفي مولى الحجاج وكاتبه ومشيره استخلفه الحجاج حتى قال: مثلي ومثل الحجاج وأبي العلاء كمن ضاع منه درهم فوجد دينارا ثم ولي الخلافة سليمان فطلب أبا العلاء في غل وكان قصيرا دميما كبير البطن مشوها فنظر إليه سليمان فقال لعن الله من ولاك قال لا تفعل يا أمير المؤمنين فإنك رأيتني والأمور مدبرة عني فلو رأيتني في الإقبال لاستعظمت ما استحقرت فقال: قاتله الله ما أسد عقله! ثم قال: أترى الحجاج يهوي بعد في جهنم أو بلغ قعرها. قال: لا تقل ذاك فإنه يحشر مع من ولاه. انظر: سير أعلام النبلاء، 4/594، مصدر سابق.
(2) _ هو محمد بن يوسف الثقفي أمير اليمن وهو أخو الحجاج. انظر: سير أعلام النبلاء، 5/373.
(3) ـ سير أعلام النبلاء، 5/47، مصدر سابق.
(4) ـ الخليفة الراشد العادل عمر بن عبد العزيز، للدكتور: وهبة الزحيلي، دار قتيبة لطباعة والنشر، بيروت، لبنان، 127، مصدر سابق .
(5) _ هو فعل الأمر من ولي يلي الولاية. (1/32)
صفحة 33
ويظهر ذلك جليا من قوله:" يا أيها الناس، من أطاع الله وجبت طاعته، ومن عصا الله فلا طاعة له، أطيعوني ما أطعت الله؛ فإذا عصيت الله فلا طاعة لي عليكم".
ومن خلال هذا يظهر التزامه بالكتاب والسنة، وأنه غير مستعد للاستماع لأي جدل في مسائل الشرع والدين على أساس أنه حاكم منفذ، وأن الشرع بين من حيث تحليل ما أحل الله، وتحريم ما حرم الله (1) .
ونظرا لتأثر الفتوحات الإسلامية بالأوضاع الداخلية وحدوث المجاعة اضطر عمر بن عبد العزيز أن يوجه أمره إلى مسلمة بن عبد الملك بالقفول (2) من القسطنطينية (3) .
ولا ننس أن عمر كان يحل المشكلات الداخلية بالسلم والحوار والإقناع ويظهر ذلك من خلال مناظراته وتفضيله معالجة الأمور بالحق والعدل. (4)
أما من الناحية الاقتصادية فبعد أن كانت الأوضاع الاقتصادية متردية، من جراء فرض الضرائب والأساليب القسرية في جمعها، وإرهاق الرعية، لذلك فقد منع عمر بن عبد العزيز الولاة من التجارة والأعمال الأخرى، حتى لا يستغلوا الناس بوظائفهم واتبع معهم سياسة لا مركزية فأعطاهم حرية العمل في شؤون البلاد، كما رد للمال حرمته، ولبيت المال قداسته، فالمال لا يجب (5) إلا من وجه حق، ولا يصرف إلا في وجه مشروع.
__________
(1) ـ عمر بن عبد العزيز وسياسته في رد المظالم، ماجدة فيصل زكريا، مكتبة الطالب الجامعي،مكة المكرمة، العزيزة، الطبعة الأولى،ص102/104، بتصرف.
(2) ـ الرجوع من السفر، أو رجوع الجند من الغزو، انظر: لسان العرب 11/560، مصدر سابق.
(3) ـ سيرة عمر بن عبد العزيز،لابن عبد الحكم، ص32، مصادر سابقه.
(4) ـ الخليفة الراشد العادل عمر بن عبد العزيز، ص198، مصدر سابق.
(5) _ أي يُؤْتَى به. (1/33)
صفحة 34
كما أعلن أن المال ليس لتخزين، بل لصلاح البلاد والعباد، ولما خشي أحد الولاة نفاذ المال من بيت المال، قال له عمر: " املأه زبلا" كما وضع الجزية على من أسلم، وساوى في العطاء بين العرب والموالي، وفرض الإعطيات لناس وكان مناديه في كل يوم ينادي قائلا: أين الغارمون؟ أين المساكين؟ أين اليتامى؟ حتى أغنى كل هؤلاء، فلم يبق محتاج ولا من يقبل الصدقة (1) .
واستمر (رحمه الله) في الإجراءات والقرارات الإدارية حتى جعل الرجل يأتي بالمال العظيم لينفقه فلا يبرح حتى يرجع بماله لا يجد من يأخذه، فقد أغنى الله الناس على يد عمر بن عبد العزيز (2) .
كذلك من نتائج الإجراءات والإصلاحات الاقتصادية في ظل قيادته بتوفيق من الله عز وجل. ولقد ألغى الضرائب والعشور والرسوم المجحفة، وقال:" إن الله بعث محمد داعيا إلى الإسلام، ولم يبعثه جابيا" (3) . وإلى جانب تأثر عمر بن عبد العزيز بالنواحي السياسية والاقتصادية، فقد كان للبيئة الاجتماعية والتفاوت الاجتماعي بين الناس، أثر بارز في سلوك عمر وقيادته للمجتمع المسلم فبعد أن كان انتشار الفساد واللهو والغناء والفراغ الروحي، وانتشار الحراسة والحاجب، وغير ذلك طاغيا على بني أمية فجاء عمر ابن العزيز ملغيا الحراسة والحجاب، وفتح أبوابه للناس، لرفع ظلماتهم وشكواهم، وأعلن الجوائز والمكافآت المالية لمن يدله على الخير ويخبره بحقيقة الحال، ويرشده لما فيه مصلحة للمسلمين كافة. (4)
__________
(1) ـ عمر بن عبد العزيز خامس الخلفاء الراشدين، ص11.
(2) ـ سيرة عمر بن عبد العزيز، لابن الحكم، ص110، مصدر سابق.
(3) ـ الخليفة الراشد العادل عمر بن عبد العزيز، ص203، مصدر سابق.
(4) ـ المصدر السابق، ص204. (1/34)
صفحة 35
وكتب إلى عماله يأمرهم بالمحافظة على الصلوات في وقتها، والعناية بالمدارس ونشر العلم، واتباع ما أمر الله به، واجتناب ما نهى عنه، ودعوت أهل الذمة إلى الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. (1)
وحذر في رسالة مطولة تناول مختلف أنواع الأنبذة والخمور والمسكرات، وأبان فيها مضارها وخبثها، وما أبدل الله عنها من الأشربة الطيبة المباحة من العسل واللبن والتمر غير المختمر ومنع من أخلاق الجاهلية التي تقوم على أساس قبلي، وحض على أخوة الإسلام واتحاد المسلمين. (2)
كما أن عمر بن عبد العزيز هو الخليفة الأموي الذي منع سب الخليفة الرابع علي بن أبي طالب (كرم الله وجهه) كما ذكرنا آنفا (3) .
ويمكن القول: أن ولاية عمر بن عبد العزيز وقربه من الخلفاء، ناصحا تارة، ووزيرا تارة أخرى، ومراقبته للأوضاع عن كثب كل ذلك مكنه من معرفة مظالم وأخطاء السياسة الأموية.
فاستطاع أن يصلح الحكم الأموي، وما لمس فيه مما لا يرضي الله ورسوله، فكان ذلك منطلقا لحركته الإصلاحية الكبرى في جميع البلاد الإسلامية.
المبحث الثاني : التعريف بعمر بن عبد العزيز (رضي الله عنه)، وفيه ثمانية مطالب:
1_ المطلب الأول : نسبه :
... هو عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد الشمس بن عبد مناف الأموي القرشي، ويقال له الأشج والناقص، وأمه ليلى بنت عاصم بن عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) وكنيتها أم عاصم (4) .
__________
(1) _ سيرة عمر بن عبد العزيز، لابن عبد الحكم، ص83،84.
(2) ـ المصدر السابق، ص90،89،88، بتصرف.
(3) ـ الكامل في التاريخ، 4/314، مصدر سابق.
(4) _ البداية والنهاية، 09/192، بتصرف.انظر: سيرة ومناقب عمر بن عبد العزيز، لابن الجوزي، ص 9. (1/35)
صفحة 36
فله قرابة لعمر بن الخطاب (رضي الله عنه) عن طريق جدته لأمه ـ تزوج عمر بن الخطاب جميلة بنت ثابت (1) ورزق عاصما وهو جد عمر بن عبد العزيز (2) ـ الفتاة الهلالية التي تزوجها عاصم بن عمر بن الخطاب (3) ، صاحب القصة المعلومة في اللبن (4) .
__________
(1) _ هي جميلة بنت ثابت الأنصارية أخت عاصم بن ثابت، وهي امرأة عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) وأم عاصم بن عمر تكنى أم عاصم بابنها عصام. انظر: تهذيب الأسماء، ، للعلامة الفقيه أبي زكريا محي الدين بن شرف النووي،ت676هـ، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 2 /603، مصدر سابق.
(2) _ سير أعلام النبلاء، 4/97.ولقد ورد في الإصابة5/3، بأنها بنت أبي الأفلح. واسممع شريط سماعي لسيرة عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) الشريط الأول، الوجه الثاني بعنوان: حياته بمكة والمدينة وتوليه الخلافة، بصوت الدكتور: طارق السويدان، قرطبة الإنتاج الفني.
(3) _ هو أبو عمر عاصم بن عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح القرشي العدوي، وهو تابعي مدني، وأمة جميلة بنت الأفلح، وكان اسمها عاصية فسماها الرسول (عليه الصلاة والسلام) جميلة، ولد قبل وفاة الرسول (عليه الصلاة والسلام بسنتين) كان خيرا فاضلا فصيحا طويلا، روىله البخاري ومسلم بعد أن سمع عن أبيه، وتوفي (70هـ)،انظر: تهذيب الأسماء واللغات، 01/255. انظر: الطبقات الكبرى،5 /10مصدر سابق.
(4) _ إنه ذات ليلة خرج ابن الخطاب يتفقد المدينة فإذا بامرأة تقول لابنتها : ألا تمذقين لبنك بالماء ؟ فقالت الفتاة: كيف لي أن أمذق وقد نهى أمير المؤمنين عن المذق؟ فقالت المرأة: امذقي فما يدري أمير المؤمنين، فقالت الفتاة : إن كان عمر لا يدري فربه يدري. ما كنت لأفعله وقد نهى عنه، فعلم عمر عن مقالتها وسأل عنها، فإذا بها جارية من بني هلال، فزوجها ابنه عاصم . انظر: سيرة ومناقب عمر بن عبد العزيز، لابن الجوزي، دراسة وتحقيق: السيد الجميلي، دار ومكتبة هلال، بيروت،ط1، 1405هـ، ص24،23. (1/36)
صفحة 37
أيام خلافة الفاروق عمر بن الخطاب (رضي الله عنه).
2_المطلب الثاني:كنيته ولقبه :
يكنى عمر بن عبد العزيز بـ" أبي حفص (1) . مثل عمر بن الخطاب (رضي الله عنه). ولقب ابن عبد العزيزبـ"الأشج"، إثر حادثة مأساوية حدثة له في مصر، أو في طريقه إليها من المدينة – لزيارة والده وقت ولايته على مصر- حيث سقط من دابته وقيل: رمحته (2) فشجت رأسه، وغضبت أمه على أبيه وقالت: ضيعت ابني لم تضع له خادما ولا حاضنا، وهي تمسح الدم من جبهته، فقال: اسكتي يا أم عاصم فطوبا لك إن كان أشج بني أمية، وبعد هذه الحادثه لقب بـ" أشج بني أمية" (3) . و " أشج بني مروان ". كما ذكر أيضا أنه ليست كنيته أبا حفص وإنما كنِّيَ بأبي حفض ـ بالضاد ـ خامس الخلفاء الراشدين، حيث قال سفيان الثوري: الخلفاء خمسة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي (4) وعمر بن عبد العزيز ( رضي الله عنهم) (5) .
3_ المطلب الثالث: وصفه :
أ- وصفه الخِلْقِي:
__________
(1) _ سيرة ومناقب عمر بن عبد العزيز، لابن الجوزي،جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن، ت597هـ، تحقيق: نعيم زرزور، دار الكتب العلمية، بيروت، 1404 هـ، ص9. انظر: شذرات الذهب في أخبار من ذهب، لابن العماد الإمام شهاب الدين أبي الفلاح عبد الحي بن أحمد ابن محمد العسكري الحنبلي الدمشقي، تحقيق: عبد القادر الإرنؤوط، و محمود الإرنؤوط، دار ابن كثير، دمشق، بيروت، الطبعة الأولى، 2/5، بتصرف.
(2) _ رَمَحَ الفرس والبغل والحمار وكل ذي حافر أي ضرب برجله أو برجليه معا. لسان العرب، لأبي الفضل جمال الدين محمد بن مكرم بن منظور، ت711هـ، بيروت، دار مكتب الحياة، بيروت، لبنان،(ر م ح)، ج4/254.
(3) _ تهذيب الأسماء واللغات، للنووي، 02/19، مرجع سبق ذكره.
(4) _ تأتي ترجمتهم في الفصل الثاني.
(5) ـ تاريخ الخلفاء، تأليف الإمام الحافظ جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، ت911هـ، تحقيق: محمد محي الدين عبد الحميد، دار الجيل، بيروت، ص273، بتصرف. (1/37)
صفحة 38
كان عمر بن عبد العزيز (رضي الله عنه) رقيق الوجه ذا حسن، أسمر اللون، نحيف الجسم غائر العينين، حسن اللحية، وكان يخضبها حين شاب، و بجبهته أثر الشجة التي تعرض لها وهو صغير (1) .
ب- وصفه الخُلُقِي: ونذكر بعض منه:
1- زهده( رضي الله عنه):
"قال رجل لعمر بن عبد العزيز: ألا نصنع لك دواءً يشهيك الطعام؟ قال: وما أصنع به؟! فوالله إني لأدخل المخرج فيؤذيني ما يخرج مني. قيل: أفلا نصنع لك دواءً يشهيك النساء؟ قال: وما أصنع به؟ فوالله فلربما كان ذلك فأجد لذلك غفلةً وشرة" (2) .
وعندما ولي ّ (رضي الله عنه) الخلافة زهد في الدنيا، ورفض ما فيها، وترك أن يخدم، ترك ألوان المأكولات فكان إذا صُنِعَ له طعامه هيئ على شيء وغطي حتى إذا دخل اجتذبه فأكله (3) .
تلك حاله وهذه حاله:
كان عمر بن عبد العزيز يطيل ثيابه، ويكثر من العطر، وزاد في طيبه حمل القرنفل حتى صار العنبر يرى على لحيته كالملح، ولما أفضت إليه الخلافة ترك ذلك وتبدل.
وكان تاجرا من أهل البصرة يعامل عمر بن عبد العزيز فيأمره وهو بالمدينة أن يشتري له جبة خز. قال التاجر: فاشتريتها بعشرة دنانير، ثم أتيته بها فمسها، قال: إني لأستخشنها. فلما ولي الخلافة أمرني فاشتريت له جبة صوف بدينار، فأتيته بها فجعل يدخل يده فيها ويقول: ما ألينها. فقلت: عجبا! تستخشن الخز أمس وتستلين الصوف اليوم؟ قال: تلك حال وهذه حال (4) .
وذكر أنه يأكل ثوما بدقة وزيت وهو أمير المؤمنين.
قال عمر بن عبد العزيز: "ما تركت من الدنيا شيئاً إلا عقبني في قلبي ما هو أفضل منه (5) وما أنعم الله عليَّ في ديني أفضل". (6)
__________
(1) _ البداية والنهاية، لابن كثير، 09/212، بتصرف.
(2) _ سيرة ومناقب عمر بن عبد العزيز، لابن الجوزي، ص179، مصدر سابق.
(3) _ سيرة عمر بن عبد العزيز، لابن عبد الحكم، ص43.
(4) _ سيرة ومناقب عمر بن عبد العزيز، دراسة السيد الجميلي، ص198، مصدر سابق.
(5) _ أي الزهد.
(6) _ المصدر السابق، ص200. (1/38)
صفحة 39
2- تواضعه (رضي الله عنه):
لمّا ولي عمر بن عبد العزيز، دخل عليه أخ له فقال: إن شئت كلمتك وأنت عمر فيما تكره اليوم وتحب غدا، وإن شئت كلمتك وأنت أمير المؤمنين، فيما تحبه اليوم وتكرهه غدا. قال عمر بن عبد العزيز: بل كلمني وأنا عمر فيما أكره اليوم وأحب غدا. (1)
ولمّا مات سليمان (2) ودفن جِيء بالمراكب الخِلافية، (3) فقال عمر: ما هذه؟ قالوا: هذه مراكب تجعل لكل خليفة يلي أمر المسلمين. فقال (رضي الله عنه): ردُّوها إلى بيت مال المسلمين (4) .
وكان عنده قوم ذات ليلةٍ في بعض ما يحتاج إليه فغشي سراجه فقالوا له: يا أمير المؤمنين نكفيك. فقام وأصلحه، وقال : قمت وأنا عمر بن عبد العزيز ورجعت وأنا عمر بن عبد العزيز (5) .
3- شدة ورعه( رضي الله عنه):
أُتي لعمر بن عبد العزيز ذات يوم بعنبر فأخذها بيده فمسحها ثم أمر بها فرفعت حتى تباع، ثم أمرَّها على أنفه فوجد ريحها فدعا بوضوء فتوضأ فقال كاتبه: ما هذا الذي أصبت حتى تتوضأ؟ قال عمر: عجبا لك وهل ينتفع بها إلا بالذي وجدت؟ أتؤكل أو تشرب؟ (6) .
وسأل عمر بن عبد العزيز غلاماً عن حاله فقال: الناس كلهم بخيرٍ إلا أنا وأنت. قال عمر: اذهب فأنت حُرٌّ.
__________
(1) _ المصدر السابق، ص225.
(2) _ هو سليمان بن عبد الملك بن مروان القرشي الشامي، روى عن سقط، وروى عنه الزهري. انظر: الجرح والتعديل، 4/130، مصدر سابق.
(3) _ هي بغال و خيول لم تركب مسبقاً تجعل لكل خليفة يلي أمر المسلمين.
(4) _ سيرة ومناقب عمر بن عبد العزيز، لابن الجوزي، ص62.
(5) _ سيرة عمر بن عبد العزيز، لابن عبد الحكم، ص44. انظر: خامس الخلفاء عمر بن عبد العزيز ، لعبد الرحمن الشرقاوي، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الأولى، 1407هـ، ص180، بتصرف.
(6) _ سيرة عمر بن عبد العزيز، لابن عبد الحكم، ص45. (1/39)
صفحة 40
وسُئلت زوجته فاطمة (1) عن عبادته فقالت: والله ما كان أكثر الناس صلاة، ولا أكثرهم صياما، ولكن والله ما رأيت أحدا أخوف لله من عمر. لقد كان يذكر الله في فراشه فينتفض انتفاضة العصفور من شد الخوف حتى نقول: لَيُصْبحنَّ الناس ولا خليفة لهم (2) .
كما كان عمر بن عبد العزيز (رضي الله عنه) لا يحمل على البريد إلا في حاجة المسلمين، فكتب إلى عامله ليشتري له عسلا. فحمل العامل العسل على مركب البريد. فلما أتى عمرُ قال: على ما حمله؟ قالوا على البريد. فأمر بذلك العسل فبيع، وأرسل ثمنه إلى بيت مال المسلمين. (3)
وبُعِثَ إلى عمرَ بن عبد العزيز بسلتي رطب حُمِلَتْ على البريد فأمر ببيعهما فاشتراهما رجلا من بني مروان فأهاداهما إلى عمر، فلمّا أُتي بهما إليه قال: كأنهما السلتان اللتان أمرت ببيعهما. فقيل له: نعم. فوضع إحداهما بين أيديهم فأكلوا منها، وبعث الأخرى إلى امرأته وألقى ثمنها إلى بيت المال. (4)
وذكر مِمّا يدل على شدة خوفه من النار أنه قرأ بالناس ذات ليلة { والليل إذا يغشى} (5) فلما بلغ {فأنذرتكم ناراً تلظى} (6) خنقته العبرة فلم يستطع أن يصلها فرجع مرةً أخرى فلمّا بلغها خنقته العبرة فلم يستطع أن يصلها فتركها وقرأ سورة غيرها. (7)
__________
(1) _ فاطمة بنت عبد الملك امرأة عمر بن عبد العزيز وأخت مسلمة بن عبد الملك. انظر حلية الأولياء، لأبي نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني، ت430هـ، دار الكتاب العربي، بيروت، 1405هـ، الطبعة الرابعة، بدون تحقيق، 5/258.
(2) ـ سيرة عمر بن عبد العزيز، لابن عبد الحكم، ص47.
(3) _ سيرة ومناقب عمر بن عبد العزيز، دراسة الجميلي، ص210.
(4) _ المصدر السابق، ص209.
(5) _ سورة الليل، الآية(1)
(6) _ سورة الليل، الآية(14)
(7) _ سيرة عمر بن عبد العزيز، لابن عبد الحكم، ص47. (1/40)
صفحة 41
كما بكى عمر بن عبد العزيز يوما، فقيل: ما الذي يبكيك؟ قال: تلومني أن أبكي؟! ولو أن سخلة هلكت على شاطىء الفرات؛ لأخذ بها عمر يوم القيامة. (1)
4- حلمه وصفحه (رضي الله عنه):
روي أن غلاماً شجَّ رأس أحد أبناء عمر بن عبد العزيز وهو خارجا يلعب، فاحتملوا ابن عمر والذي شجه فأدخلوهما على فاطمة، فسمع عمر الجلبة وهو في بيت آخر، فخرج وجاءت أم الغلام فقالت: هو ابني، وهو يتيم، فقال عمر: هل له
عطاء؟ قالت أم الغلام: لا. قال: اكتبوه في الذرية. قالت فاطمة. فعل الله به وفعل، إن لم يشجه مرة أخرى. قال: إنكم أفزعتموه. (2)
ومنه أن عمر غضب غضبا شديدا على رجل، فبعث إليه فجرده ومده في الحبل، ثم عاد بالسياط، ثم قال: خلوا سبيله، أما أني لولا أني غضبان لسؤتك، وقرأ:{والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين (3) } (4) . وغير ذلك كثير كثير.
4_ المطلب الرابع: تاريخ ولادته ومكانها:
... اختلف المؤرخون في مكان وتاريخ ولادة عمر بن عبد العزيز (رضي الله عنه)، وقال أكثر المؤرخين بأنه: ولد سنة إحدى وستين للهجرة (5) .
... ومما يرجح هذا التاريخ على غيره، ما يمكن استنتاجه من تواتر الأخبار أنه توفي (رضي الله عنه) سنة إحدى ومائة عن عمر يقل عن الأربعين بأشهر، ويزيد عن التسع والثلاثين وعند إضافة سني عمره التسع والثلاثين وما زاد عليها من الأشهر إلى إحدى وستين تبلغ المائة، وتتعدى بأشهر إلى إحدى ومائة، وهي السنة التي أجمع المؤرخون على وفاته فيها .
وفي ذكر مولده:
__________
(1) _ سيرة ومناقب عمر بن عبد العزيز، لابن الجوزي، ص226.
(2) _ سيرة ومناقب عمر بن عبد العزيز، لابن الجوزي، ص207.
(3) _ سورة آل عمران، الآية(134).
(4) _ سيرة ومناقب عمر بن عبد العزيز، ص207
(5) _ البداية والنهاية، 09/192. (1/41)
صفحة 42
"حدثنا محمد بن سعد (1) ، قال: ولد عمر بن عبد العزيز سنة ثلاث وستين.
وهي السنة التي ماتت فيها ميمونة (2) زوج النبي (صلى الله عليه وسلم)" (3) .
__________
(1) ـ مُحمدُ بنُ سَعد بن منيع، الحافِظُ العلاَّمةُ الحجَّةُ، أبو عَبد الله البَغدادي، ومُصنِّف «الطبقات الكَبير» في بضعة عشر مجلّداً و «الطبقات الصَّغير» وغير ذلك. وُلِد بعد السِّتّين ومائة، فقيل: مَولده في سَنة ثمانٍ وسِتين، وطَلَب العلم في صِباه، ولَحق الكِبار، سَمِعَ من: هُشَيم بن بَشير، وابن عُيَيْنة، وأبي مُعاوية، وابن أبي فُدَيْك، ووَكيعٍ، والوليد بن مُسْلم. تُوفِّي ببغَداد في يومِ الأحد لأربعٍ خَلونَ من جمادى الآخرة، سنة ثلاثين ومائتين، وهو ابنُ اثنتَين وسِتين سَنة. وكان كثيرَ العِلم، كثيرَ الحديث والرِّواية، كَثيرَ الكُتبِ، كَتب الحديثَ والفِقه والغَريب. انظر: سير أعلام النبلاء،، للإمام الحافظ شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي،ت748هـ، 1374هـ، مؤسسة الرسالة، 7/213،212، مصدر سابق، بتصرف.
(2) _ أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث بن حزن الهلالية، زوج النبي (صلى الله عليه وسلم) وأخت أم الفضل زوجة العباس، وخالة خالد بن الوليد، كانت من سادات النساء روة عدة أحاديث، حدَّث عنها ابن عباس وابن أختها الآخر عبد الله بن شداد وعبيد بن السباق وعبد الرحمن بن السائب. سير أعلام النبلاء، 2/240،239،238، مصدر سابق
(3) _ الطبقات الكبرى، 5/10. انظر: سيرة ومناقب عمر بن عبد العزيز، لابن الجوزي، ص9. مصادر سابقة. (1/42)
صفحة 43
... وكان ولادته (رضي الله عنه) في المدينة (1) .وقيل: بمصر في الإسكندرية (2) أثناء ولاية والده عليها، والراجح أنه ولد في المدينة لأن عبد العزيز لم يتولَّ إمارة مصر إلا في سنة خمسٍ وستين للهجرة (3) .
5_ المطلب الخامس: حياته (رضي الله عنه)، قبل وبعد الخلافة:
ذكر عن عمر (رضي الله عنه) قبل خلافته روايات وأخبار كثيرة منها ما ورد على لسان رجاء بن حيوة _ سيأتي ذكره إن شاء الله _ قال: كان عمر بن عبد العزيز من أعطر الناس، وألبس الناس، وأخيلهم في مشيته .
كما دخل على عمر بن عبد العزيز وعليه ثياب غسيلة، فقومت ستين درهما.
ولكن أليس من البديهي أن يلبس المرؤ ثيابا غسيلة؟! ولعله أراد بأنها ثياب ذات قماش راق.
__________
(1) _ الخليفة الراشد العادل عمر بن عبد العزيز، د. وهبة الزحيلي، ص15، بتصرف.
(2) _ سيرة عمر بن عبد العزيز، لابن عبد الحكم، ص19.
(3) _ نهاية الأرب في فنون الأدب، لشهاب الدين أحمد بن عبد الوهاب النويري، ت733هـ، تحقيق: علي محمد البجاوي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1396هـ، 21/94 . (1/43)
صفحة 44
قال حنبل بن إسحاق (1) : عن عيسى بن سنان (2) ، قال: كان عمر بن عبد العزيز لايبني بناء . ويقول: سنة رسول الله (عليه الصلاة والسلام)، خرج من الدنيا ولم يضع لبنة على لبنة، ولا قصبة على قصبة. (3)
__________
(1) ـ هو حنبل بن إسحاق بن حنبل بن هلال بن أسد، الإمام الحافظ، المحدث الصدوق، المصنف، أبو علي الشيباني، ابن عم الإمام أحمد، وتلميذه ولد قبل المائتين، سمع أباه، والحميدي، وأباسلمة، وعاصم بن علي، وغيرهم كثير.قال الخطيب: كان ثقة ثبتا. انظر: سير أعلام النبلاء،51/13.
(2) ـ هو عيسى بن سنان أبو سنان القسملي الشامي من أهل فلسطين قدم البصرة روى عن الضحاك بن عبد الرحمن بن عرزب ووهب بن منبه وعلى بن عبد الله، روى عنه حماد بن سلمة وحماد بن زيد وجعفر بن سليمان ونصف بن يونس سمعت أبى يقول ذلك حدثنا عبد الرحمن انبأنا على بن أبى طاهر فيما كتب قال: قلت لأبي عبد الله يعنى احمد بن حنبل أبو سنان عيسى بن سنان فضعفه حدثنا عبد الرحمن. انظر: الجرح والتعديل،لعبد الرحمن بن أبي حاتم محمد بن إدريس أبو محمد الرازي التميمي،ت327، دار إحياء التراث العربي، بيروت،سنة النشر:1271هـ، 1952م، الطبعة الأولى6/277.
(3) ـ سيرة ومناقب عمر بن عبد العزيز الخليفة الزاهد،دراسة وتحقيق الدكتور: السيد الجميلي، دار ومكتبة الهلال، بيروت، 1405هـ،ص199، بتصرف. (1/44)
صفحة 45
وروى يعقوب بن سفيان (1) أن عمر بن عبد العزيز تأخر عن صلاة الجماعة فقال صالح ابن كيسان (2) : ما أخرك؟ فقال عمر أمرت جلتي (3) تسكن شعري، فكتب صالح إلى أبيه وهو على مصر يعلمه بذلك، فبعث أبوه رسولا فلم يكلمه حتى حلق شعره. (4)
وذكر أنه لما ولي خلافة المدينة كان حسن السيرة فيها، وكان رائحته تعصف، ويرخي شعره، ويسبل إزاره، ويتبختر في مشيته، وهو مع ذلك لايغمص (5) عليه في بطن، ولا فرج، ولا حكم.
__________
(1) __ هو الإمام الحجة أبو يوسف يعقوب بن سفيان، صاحب التاريخ الكبير والمشيخة سمع أبا عاصم والأنصاري وعبيد الله بن موسى، وحبان بن هلال، وسعيد بن أبي مريم، وطبقتهم وعنه الترمذي، والنسائي، وابن خزيمة، وأبو عوانة، وابن أبي حاتم، ومحمد بن حمزة بن عمارة، وعبد الله بن جعفر وآخرون وبقى في الرحلة ثلاثين سنة قال أبو زرعة الدمشقي: قدم علينا من نبلاء الرجال يعقوب بن سفيان يعجز أهل العراق أن يروا مثله والثاني حرب بن إسماعيل وهو ممن كتب عني، وقيل كان يتكلم في عثمان رضي الله عنه ولم يصح مات قبل أبي حاتم الرازي بشهر في سنة سبع وسبعين، انظر: تذكرة الحفاظ، لمحمد بن طاهر بن القيسراني، ت 748هـ، دار إحياء التراث العربي، بيروت، من الطبعة الأولى إلى الطبعة السابعة، بدون محقق، 2/582، بتصرف.
(2) _ يأتي ذكره إن شاء الله.
(3) ـ يقال: جَلَّ فلان في عَيني أَي عَظُمَ، فأراد من لها إجلالا واحتراما وعظمةً ومنه قول أَبي النجم: الحمدُ للَّه العلِيِّ الأَجْلَلِ أَعْطى فلم يَبْخَلْ ولم يُبَخَّلِ يريد الأَجَلّ فأَظهر التضعيف ضرورة. انظر: لسان العرب، لابن منظور،11/116، مصدر سابق.
(4) ـ البداية والنهاية، لابن كثير، 9/193.
(5) ـ غمص: غمَصَهُ وغَمِصَهُ أي: حقَّره، وستصغره، ولم يره شيئا، فكان (رضي الله عنه) لا يستصغر أحدا ولا يستحقره. انظر: لسان العرب،لابن منظور،7/61. (1/45)
صفحة 46
أما في قتله لخبيب بن عبد الله بن الزبير (1) أن الوليد بن عبد الملك كتب إلى عمر بن عبد العزيز، إذ كان واليا على المدينة المنورة بأمره بجلد خبيب مائة سوط وبحبسه،
والسبب في ذلك أن خبيبا قد حدث عن النبي (صلى الله عليه وسلم) فقال:" إذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثين رجلا اتخذوا عباد الله خولا ومال الله دولا".
__________
(1) ـ هو خبيب بن عبد الله بن الزبير بن العوام الأسدي روى عن أبيه وعائشة وكعب الأحبار وعنه ابنه الزبير ويحيى ابن عبد الله بن مالك والزهري وسليمان بن عطاء وغيرهم قال الزبير: كان أسن ولد عبد الله وقال أيضا حدثني عمي قال: لقي كعب الأحبار ولقي العلماء وقرأ الكتب وكان من النساك قال الزبير: وأدركت= =أصحابنا وغيرهم يذكرون أنه كان علما كثيرا لا يعرفون وجهة ولا مذهبه، سأل قليلا وأعطى كثيرا وسأل كثيرا فأعطى قليلا فطعنه فأرداه فقتله ثم أقبل علي فقال قتل عمرو بن سعيد الساعة ثم مضى فكان كذلك وله أشباه هذا وكان عالما في الصلاة قليل الكلام كان الوليد بن عبد الملك قد كتب إلى عمر بن عبد العزيز وهو عامله على المدينة يأمره أن يجلده مائة سوط فجلده عمر فمات بعد ذلك وندم عمر على ما صنع واستعفى من المدينة وامتنع من الولاية، وقال مات سنة 93 روى له النسائي حديثا واحدا في صبغ الثياب بالزعفران ولم يسمه في روايته بل قال: عن ابن عبد الله. انظر: تهذيب التهذيب، لأحمد بن علي بن حجر العسقلاني،ولد773، ت852، دار صادر، بيروت، سنة النشر:1404هـ، 1984م، الطبعة الأولى، 3/135. (1/46)
صفحة 47
فجلده عمر بن عبد العزيز مائة سوط وبرد له ماء في جره ثم صبه في غداة باردة، ثم حمل إلى آل الزبير واجتمعوا عنده حتى مات، فبينما هم جلوس جاءهم رسول من بني أمية يستأذن عليهم، وخبيب مغطى بثوبه، فقال عبد الله بن الزبير (1) : ائذنوا له، فلمارأى ذلك الحال انصرف إلى أن وصل إلى دار بني أمية، فقال: رأيت عمر بن عبد العزيز كالمرأة الماخض قائما وقاعدا، فقال لي: ما وراءك؟ فقلت: مات الرجل. فسقط إلى الأرض فزعا، ثم رفع رأسه يسترجع فاستعفى وامتنع من الولاية، وكان يقال له: إنك صنعت كذا فأبشر. فيقول: كيف بخبيب. (2)
__________
(1) _ هو عبد الله بن الزبير بن العوام أبو بكر القرشي ويقال له أبو خبيب القرشي الأسدي سمع من النبي (صلى الله عليه وسلم) وهو أول مولود ولد في الإسلام مكي، روى عنه أخوه عروة بن الزبير، وابناه عامر وعباد، وعبيدة السلماني، وعمرو بن دينار، ويحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، ووهب بن كيسان وغيرهم. انظر: الجرح والتعديل،5/56، بتصرف.
(2) _ سيرة ومناقب عمر بن عبد العزيز الخليفة الزاهد، ص60،59،مرجع سابق. (1/47)
صفحة 48
وكان عمر بن عبد العزيز من أعظم بني أمية ترفها وتملكا، ويمشي مشية تسمى العمرية وكان الجواري يتعلمنها من حسنها وتبختره فيها، وقد ترك كل شيء عندما صار خليفة للمسلمين عدا مشيته، فإنه لم يستطع تركها فربما قال لمزاحم (1) : ذكرني إذا رأيتني أمشي تلك المشية، وكان يذكره فيخلطها ثم لا يستطيع إلا تلك المشية، وكان يسبل إزاره حتى ربما دخلت نعاله فيه فيتحامل عليه فيشقه ولا يخلعها، ويسقط أحد شقي ردائه عن منكبه فلا يرفعه، كما ينقطع نعله فلا يعرج عليها (2) وربما يلحقه بها المملوك فيعنفه، ويطبع بخاتمة فتتسخ الطينة التي من العنبر فلم يزل على ذلك حتى ولي الخلافة فأصبح مثالا يحتذى به في الزهد (3) .
أما بعد خلافته فالكلام فيها كثير ونوجزه في الآتي:
ذكر أن عمر لما رجع من جنازة سليمان أتي له بمراكب الخلافة فامتنع من ذلك وراح يقول:
فلولا التقى ثم النهى خشية الردى ... لعاصيت في حب الصبا كل زاجر
قضى ما قضى فيما مضى ثم لا ترى ... له صبوة أخرى الليالي الغوابر
ثم قال : ما شاء الله قدموا إلي بغلتي، ثم أمر ببيع تلك المراكب الخليفية ـ التابعة للخلافة ـ فيمن يزيد .
ويقال: إنه لما ولي الخلافة أدخل رأسه في ركبتيه وبكى بكاء شديدا، فقال الناس: يبكي فرحا للخلافة. ثم رفع رأسه ومسح عينيه وقال: اللهم ارزقني عقلا ينفعني، واجعل ما أصير إليه أهم مما يزول عني، ثم دخل منزله فألقى تلك الثياب عنه، وغسل ذلك الطيب، ودعا الحجام، ثم دعا بعدة الكتابة وكتب بيديه؛ قائلاً:
__________
(1) _ هو مزاحم بن أبي مزاحم المكي مولى عمر بن عبد العزيز ويقال مولى طلحة مقبول، مزاحم بن أبي مزاحم يقال: هو بن زفر. انظر: تقريب التهذيب، لأبي الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، ولد 773هـ، ت852هـ، مكتبة القرآن، القاهرة، 1406هـ، ط1، تحقيق: مسعد عبد الحميد السعدني، 2/186، بتصرف.
(2) _ أي يعود.
(3) ـ سيرة عمر بن عبد العزيز على ما رواه الإمام مالك بن أنس وأصحابه، ص26. (1/48)
صفحة 49
من عبد الله ـ عمر بن عبد العزيز ـ إلى الحسن البصري (1) ، ومطرف بن عبد الله بن الشخير (2) (سلام عليكما) فإني أحمد الله إليكما الذي لا إله إلا هو، وأسأله أن يصلي على محمد عبده ورسوله، أما بعد فإني أوصيكما بتقوى الله، فإن من يقولها كثير، ومن يعمل بها قليل، فإذا أتاكما كتابي فعظاني، ولا تزكياني والسلام. (3)
__________
(1) _ هو الإمام المشهور المجمع على جلالته في كل فن أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن يسار التابعي البَِصري (بفتح الباء وكسرها) الأنصاري مولى زيد بن ثابت وقيل: جميل بن قطبة، وأمة أسمها خيرة مولاة لأم سلمة أم المؤمنين (رضي الله عنها)، رأى طلحة بن عبيد الله، وعائشة (رضي الله عنها) ولم يصح له سماع منها، وقيل: إنه لقي علي بن أبي طالب (رضي الله عنه)، ولم يصح له سماع منه، وسمع ابن عمر، وأنسا، وسمرة، وجندب ابن عبد الله، وعبد الرحمن بن سمرة، وسمع خلائق كثيرين. انظر: تهذيب الأسماء واللغات ، 1/161، مصدر سابق.
(2) ـ هو مطرف بضم الميم وفتح الطاء وكسر الراء المشددة ، هو أبو أيوب مطرف بن مازن الكناني، قال ابن أبي حاتم في كتابه "الجرح والتعديل" هو أبو أيوب مطرف بن مازن الكناني ولي القضاء بصنعاء روى عن معمر ويعلى بن مقسم روى عنه بقية بن الوليد وإبراهيم بن موسى وغيرهم، قال يحيى بن معين: مطرف هذا كذاب. والصحيح أنه مطرف بن مازن ومن قال: إنه مطرف بن عبد الله بن الشخير فإنه غلط فاحش وجهالة عظيمة. انظر: تهذيب الأسماء واللغات، 2/97، مصدر سابق.
(3) ـ سيرة عمر بن عبد العزيز على ما رواه الإمام مالك بن أنس وأصحابه، ص127، 128، بتصرف (1/49)
صفحة 50
وذكر ابن عساكر في تاريخه أن عمر بن عبد العزيز كان يعجبه جارية من جواري زوجته فاطمة بنت عبد الملك، وعندما ولي الخلافة ألبستها وطيبتها وأهدتها إليه، فأعرض عنها فتعرضت له فصدف عنها، فقالت له أين إعجابك بي يا سيدي؟ فقال: لقد جاءني أمر شغلني عنك وعن غيرك. ودخلت عليه زوجته فاطمة يوما فرأته حزينا يبكي فقالت: مالك؟ قال: ويحك قد وليت من أمر هذه الأمة ما وليت فتفكرت في الفقير الجائع وفي المريض الضائع، والعاري المجهود، واليتيم المكسور، والأرملة الوحيدة، والمظلوم المقهور......إلخ، فعلمت أن ربي سيسألني عنهم يوم القيامة .
وذكر أنه (رضي الله عنه) دخل على امرأته يوما فسألها أن تقرضه درهما يشتري له بها عنبا، فلم يجد عندها شيئا، فقالت: أنت أمير المؤمنين وليس عندك شيء؟ فقال: هذا أيسر من معالجة الأغلال والأنكال غدا في نار جهنم.
ويحكى أن رجاء بن حيوة قد جلس عند عمر ذات ليلة فَعَشَا السراج فقلت: يا أمير المؤمنين ألا أنبه هذا الغلام يصلحه؟ فقال: لا دعه ينام، لا أحب أن أجمع عليه عملين. فقال رجاء: ألا أقوم لأصلحه؟ فقال:لا ليس من المروءة استخدام الضيف، ثم قام فأصلحه بنفسه، وقال: قمت وأنا عمر بن عبد العزيز، وجلست وأنا عمر بن عبد العزيز (1) .
__________
(1) ـ البداية والنهاية، لابن كثير، مصدر سابق، 9/201، 203،بتصرف. (1/50)
صفحة 51
قال: أبو حارثة أحمد بن إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني (1) ، في كتابه إلى أحد الأشخاص، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن جده، قال: دخلت على عمر بن عبد العزيز أعوده في مرضه، فإذا عليه قميص وسخ، فقلت لفاطمة بنت عبد الملك : اغسلي قميص أمير المؤمنين، قالت: نفعل،إن شاء الله، فذهب ثم عاد بعد ذلك فرأى القميص على حاله، فقال: ألم أقل لك أن تغسليه؟ فإن الناس يعودونه. قالت:" والله ماله قميص غيره". (2) وغير ذلك الكثير الكثير الذي يدل على زهده (رضي الله عنه).
6_ المطلب السادس: ولايته على المدينة والحجاز:
... مما يذكر عن الوليد بن عبد الملك أنه بعد أن عزل هشام بن إسماعيل (3) عن المدينة، وكان ذلك في ليلة الأحد لسبع ليال خلون من شهر ربيع الأول سنة سبع وثمانين للهجرة ثم أمر عمر بن عبد العزيز عليها، وعمره آنذاك خمس وعشرون سنة، وكان ذلك في ربيع الأول سنة سبع وثمانين. ثم اتسعت ولايته سنة تسعين، حيث شملت مكة والطائف (4) .
__________
(1) __ هو أبو حارثة أحمد بن إبراهيم بن هشام بن يحيى بن يحيى، وهو ابن اثنتين وسبعين سنة قلت، وقال أبو زكريا الأزدي في تاريخ الموصل: كان محدثا متقنا فصيحا بليغا وروى عنه وقال: وَلاَّنِي عمر الموصل فوجدتها من أكبر بلاد الله ( تعالى) سرقا ونهبا فكتبت إليه أسأله آخذ بالظنة فكتب أن خذهم بالبينة وبالسنة فإن لم يصلحوا فلا أصلحهم الله (تعالى)، انظر: تهذيب التهذيب، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، ولد773هـ، 852هـ، دار الفكر، بيروت، سنة النشر: 1404هـ، 1984م، الطبعة الأولى، دون تحقيق، 11/261.
(2) ـ سيرة ومناقب عمر بن عبد العزيز، دراسة الجميلي، مصدر سابق، ص200،201.
(3) ـ هو هشام بن إسماعيل بن الوليد بن المغيرة المخزومي، روى عن أبى الدرداء مرسلا، روى عنه محمد بن يحيى بن حبان، ومحمد بن إبراهيم التيمي، انظر: الجرح والتعديل، 9/ 52،بتصرف.
(4) _ تاريخ الأمم والملوك، بدون تاريخ، 08/61،60 ، بتصرف . (1/51)
صفحة 52
كان (رضي الله عنه) مثالا عظيما في كل شيء، وجعل الناس يشهدون بحسن سيرته وعدله، والتزامه بما جاء في كتاب الله وسنة المصطفى (عليه الصلاة والسلام).
ولقد قام (رضي الله عنه) بأعمال في المدينة المنورة وذلك بأمر من الوليد بن عبد الملك ومن هذه الأعمال تسهيل الثنايا بالمدينة وعمل الفَوَّارَة (1) . وأجرى ماءها لسقيا أهل المسجد (2) كما أنه وسع المسجد النبوي إذ أبلغه مائتي ذراع في مائتي ذراع، وحفر الآبار، وأقام خانات لراحة الحُجَّاج خلال ولايته عليها (3) .
ولقد استمر عمر في ولايته للمدينة ست سنوات إلى أن عزله عنها الوليد بن عبد الملك سنة ثلاث وتسعين، وكان ذلك برأي ومشورة من الحجاج بن يوسف الثقفي (4) بعد أن أخبر عمرُ الوليدَ عن تعسف الحجاج على أهل العراق وظلمه لهم بغير حق فبلغ ذلك الحجاج، فأرسل إلى الوليد يخبره أن عمر قام بإيواء الفارين من العراق إلى المدينة، وأن ذلك وَهْنٌ في الحكم .
__________
(1) _ الفوارة: هي الأعين والآبار الجائشة بالماء المتدفق. (لسان العرب/ لابن منظور ( ف و ر ) ج5، ص67).
(2) _ الكامل في التاريخ، 4/ 278.
(3) _ المصدر السابق، بتصرف.
(4) ـ هو أبو محمد الحجاج بن يوسف بن الحكم بن أبي عقيل الثقفي قال ابن قتيبة: هو من الأجلاف، وكان أخفش دقيق الصوت، تولى قتال ابن الزبير (رضي الله عنه) فقهره على مكة والحجاز وقتل ابن الزبير وصلبه بمكة سنة ثلاث وسبعين، فولاه عبد الملك الحجاز ثلاث سنين، وكان يصلي بالناس ويقيم لهم الموسم ثم ولاه العراق وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة فوليها عشرين سنة، وحطم أهلها، وفعل ما فعل، وتوفي بواسط ودفن بها، وكان موته سنة خمس وتسعين، تهذيب الأسماء واللغات،1/158، مصدر سابق ، بتصرف. (1/52)
صفحة 53
فأشار الوليد بن عبد الملك إلي الحجاج أن يحدد من يقوم عليها فقال: خالد ابن عبد الله (1) ، أو عثمان بن حيان (2) ، فاقتنع الوليد بما أشاره الحجاج فولى خالدا مكة، وولى عثمان المدينة، وعزل عمر بن عبد العزيز عنها (3) .
... قال الإمام مالك (4) : لما عزل عمر بن عبد العزيز عن المدينة، خرج منها والتفت إليها وهو يبكي ويقول لمولاه: يا مزاحم نخشى أن نكون ممن نفت المدينة ـ أي أن "المدينة تنفي خبثها كما ينفي الكير خبث الحديد". (5)
7_ المطلب السابع: توليه الخلافة:
__________
(1) _ هو خالد بن عبد الله القسري الدمشقي البجلي الأمير عن أبيه عن جده صدوق لكنه ناصبي بغيض ظلوم قال ابن معين: رجل سوء يقع في علي، انظر: ميزان الإعتدال في نقد الرجال،لشمس الدين محمد بن أحمد الذهبي، ت748هـ، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، تحقيق: الشيخ علي محمد معوض، والشيخ عادل أحمد عبد الموجود،2/415.
(2) _ هو عثمان بن حيان المري، عينه الحجاج واليا على المدينة بموافقة الوليد وقد وليها فيما قيل في شعبان سنة ثلاث وتسعين، وأما الواقدي فإنه قال: قدم عثمان المدينة لليلتين بقيتا من شوال سنة أربع وتسعين وقال: بعضهم شخص عمر بن عبد العزيز عن المدينة معزولا في شعبان من سنة ثلاث وتسعين وغزا فيها واستخلف عليها حين شخص عنها أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري، وقدم عثمان بن حيان المدينة لليلتين بقيتا من شوال. انظر: تاريخ الطبري، 4/20، بتصرف.
(3) _ المصدر السابق ،4/40، وما بعدها، بتصرف .
(4) ـ هو مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو الأصبحي أبو عبد الله المدني الفقيه، رأس المتقنين وكبير المتثبتين، حتى قال البخاري: أصح الأسانيد كلها مالك عن نافع عن بن عمر من السابعة مات سنة تسع وسبعين وكان مولده سنة ثلاث وتسعين وقال الواقدي بلغ تسعين سنة. انظر: تقريب التهذيب، 2/173، مصدر سابق.
(5) ـ البداية والنهاية، لابن كثير، 9/ 195. (1/53)
صفحة 54
ولي عمر بن عبد العزيز خلافة المسلمين بعد وفاة الخليفة سليمان بن عبد الملك، وكان ذلك في يوم الجمعة لعشر مضين، وقيل: لعشر بقين من صفر سنة تسع وتسعين (1) .
وذكر أنه لما ولي الخلافة، بسط العدل الذي ما سمع به إلا في عهد الخلفاء الراشدين حتى قال الشافعي (2) (رضي الله عنه): الخلفاء الراشدون خمسة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعمر بن عبد العزيز( رضي الله عنهم أجمعين ) (3) .
... وكما هو معروف فإن فترة حكم بني أمية كانت وراثية، ولقد قدر الله أن يكون أبناء سليمان بن عبد الملك صغاراً في السن، بعد وفاة ابنه أيوب الذي كان يريده خليفة فاتخذ قرارا باستخلاف عمر بن عبد العزيز، بعد أن طلب من أبنائه الصغار أن يعرضوا عليه، مرة في القمص والأردية، وأخرى متقلدين بالسيوف، فرآهم يسحبون القمص والأردية، ويجرون السيوف، فغير صغرهم رأيه، فحدث نفسه بولاية عمر بن
__________
(1) _ البداية والنهاية، لابن كثير، 9/ 192.
(2) _ تأتي ترجمته الفصل الثاني بإذن الله.
(3) _ كتاب دول الإسلام، للإمام الحافظ شمس الدين الذهبي، طبعه ونشره: عبد الله بن إبراهيم الأنصاري، دار إحياء التراث، قطر، 1/69، بتصرف. (1/54)
صفحة 55
عبد العزيز، وشاور رجاء بن حيوة الكندي (1) فأشار عليه بعمر بن عبد العزيز وسدد رأيه فيه، فوافق رَأْيَ سليمانَ بنِ عبد الملك، وقال: " لأعقدن عقدا لا يكون للشيطان فيه نصيب". ويقال في ذكر موت سليمان: أنه سمع عبيد الله بن محمد التيمي (2) يقول:
كان سليمان بن عبد الملك جالسا، فنظر في المرآة إلى وجهه، ـ وكان حسنا ـ فأعجبه ما رآه من جماله، فقال: أنا الملك الشاب، فرأى شفتي جاريته تتحركان عندما قال قوله، فقال: ما قلت؟ قالت: خيرا، قال: فتخبريني ـ وأعاد عليها ـ قالت: قلت:
أنت نِعْمَ المتاعُ لو كنت تبقى ... غير أَنْ لا بقاء للإنسان
وزاد غيرهم:
أنت خلو من العيوب، ومما ... يكره الناس، غير أنك فان
__________
(1) _ هو أبو المقدام رجاء بن حيوة بن جندل الكندي التابعي الإمام، روى عن معاذ بن جبل وغيرهم من الصحابة (رضوان الله عليهم) كان ينزل الأردن، وكان ثقة عالما فاضلا، كما انه كان قاضيا، وقد اجمعوا على جلالته وعظم فضله في نفسه وعلمه، ت112هـ. تهذيب الأسماء واللغات للنووي، 1/ 190بتصرف.
(2) ـ هو الإمام العلامة الثقة أبو عبد الرحمن عبيد الله بن محمد بن حفص بن عمر بن موسى بن عبيد الله بن معمر القرشي التيمي البصري الأخباري الصادق، ويعرف بابن عائشة وبالعيشي؛ لأنه من ولد عائشة بنت طلحة بن عبيد الله، سمع حماد بن سلمة، وجويرية بنت أسماء ومهدي بن ميمون، وأبا هلال الراسبي، ووهيب ابن خالد وعبد العزيز بن مسلم، وهشام بن زياد، وابن المبارك، حدث عنه أبو داود، والنسائي، وأحمد بن حنبل، وأبو زرعة، وابن أبي الدنيا، وإبراهيم الحربي، وأبو عبد الله البوشنجي، وأبو القاسم البغوي، وخلق كثير. انظر: سير أعلام النبلاء، ط9،10/564، مصدر سابق. (1/55)
صفحة 56
ثم خرج إلى المسجد، فسمع أقصى مَنْ في المسجد صوته، ثم لم يزل يضعف، حتى أصيب بالحمى التي كان بها منيته فتوفي سليمان بن عبد الملك بِدَا بِق، من أرض قنسرين، يوم الجمعة لعشر خلون من صفر سنة تسع وتسعين. واستخلف عمر بعده في ذلك اليوم، وعهد إلى عمر قائلا:
ِ " بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من عبد الله سليمان أمير المؤمنين لعمر بن عبد العزيز.
إني وليته الخلافة بعدي، ومن بعده يزيد بن عبد الملك، فاسمعوا له وأطيعوا، واتقوا الله ولا تختلفوا فيطمع فيكم ". (1) وختم الكتاب، وأرسل إلى صاحب شرطته أن:
مُرْ أهل بيتي أن يجتمعوا. ثم قال سليمان لرجاء بن حيوة: بعد اجتماعهم اذهب بكتابي هذا، فأخبرهم أنه كتابي، ومرهم فليبايعوا من وليت، ففِعل رجاء، فقالوا: سمعنا وأطعنا، وقالوا: ندخل ونسلم على أمير المؤمنين؟ قال: نعم، فقال لهم سليمان: هذا الكتاب ـ وهو يشير إليهم وهم ينظرون إليه في يد رجاء ـ هذا عهدي فاسمعوا له وأطيعوا، وبايعوا لمن سميت في هذا الكتاب، فلما تفرقوا جاء عمر بن عبد العزيز إلى رجاء وقال: يا أبا المقدام، إن سليمان كانت لي به حرمة ومودة، وكان بي برا وملطفا، وأخشى أن يكون قد أسند إليَّ من هذا الأمر شيئا، فأنشدك الله أن تعلمني إن كان ذلك حتى استعفيه الآن، فقال رجاء: لا والله ما أنا مخبرك حرفا واحدا. فذهب
__________
(1) ـ سيرة ومناقب عمر بن عبد العزيز الخليفة الزاهد، دراسة الجميلي، ص79،78،77 . انظر: سيرة عمر ابن عبد العزيز، لابن الجوزي، مصدر سابق، ص60، وانظر: تاريخ الأمم والملوك،للطبري، 8/129،مصدر سابق، انظر: البداية والنهاية، لابن كثير، مصدر سابق، 9/182، الجميع بتصرف. (1/56)
صفحة 57
غضبان. ولقي هشام بن عبد الملك (1) رجاء فقال: إن كان ذلك الأمر اسند إلي فأخبرني ولك الله ألاََّ أذكرك، فإن كان إليََّ عَلِمْتُ، وإن كان إلى غيري تكلمت، فليس مثلي قصر به فقال رجاء: والله لا أخبرك حرفا واحدا. فانصرف هشام وهو مؤيس ويضرب كفيه ويقول: أتخرج الخلافة من بني عبد الملك. قال رجاء: فدخلت على سليمان وهو يموت، وكانت روحه تخرج من جسده، فوجهته إلى القبلة، ففعلت ذلك مرتين، فلما كانت الثالثة قال: من الآن يا رجاء، إن كنت تريد شيئا أشهد أن لا إله
إلا الله، وأشهد أن محمد عبده ورسوله، فحرفته ومات . فلما غمضته، سجيته بقطيفة خضراء، وأغلقت الباب، وأرسلت إلي زوجته: كيف أصبح ؟ فقلت: نام وقد تغطى، فنظر الرسول إليه، فرجع فأخبرها فقبلت. (2)
وهكذا انتقلت الخلافة إلى عمر بن عبد العزيز، وهو زاهد فيها، وكان لرجاء في ذلك فضل لن ينساه المسلمون.
8_ المطلب الثامن: وفاته ومدة خلافته:
__________
(1) _هو أبو الوليد هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم، بويع له بالخلافة بعد أخيه يزيد بن عبد الملك، يوم الجمعة لخمس بقين من شوال سنة خمس ومائة، ولد بدمشق قتل مصعب بن الزبير، وتوفي هشام بالرصافة من أرض قنسرين في شهر ربيع الآخر سنة خمس وعشرين ومائة، قال ابن قتيبة: وكانت ولايته عشرين سنة إلا شهرا وبلغ من السن ستا وخمسين. انظر: تهذيب الأسماء، 2/436، مصدر سابق، بتصرف.
(2) _ سيرة ومناقب عمر بن عد العزيز الخليفة الزاهد، ص80،79 ، مرجع سابق ، بتصرف. انظر: سيرة عمر ابن عبد العزيز، لابن الجوزي، مصدر سابق، ص60وما بعدها، وانظر: تاريخ الأمم والملوك، للطبري، 8/129،مصدر سابق. انظر: البداية والنهاية، لابن كثير، مصدر سابق، 9/182وما بعدها. (1/57)
صفحة 58
توفى عمر بن عبد العزيز (رضي الله عنه) يوم الجمعة لخمس بقين من رجب سنة إحدى ومائة بخناصرة، (1) عن عمر يناهز التسع والثلاثين بأشهر، (2) وبه قال أكثر المؤرخين.
وقيل: لعشر ليال بقين من رجب وصلى عليه ابن عمه يزيد بن عبد الملك (3) وقيل: مسلمة بن عبد الملك (4) .
ولم تطل خلافة عمر بن عبد العزيز، الذي يعد خامس الخلفاء الراشدين، والخليفة الثامن من خلفاء بني أمية، فقد مات (رضي الله عنه) فيما ذكر أغلب
المؤرخين في خلافة دامت سنتين وخمسة أشهر وأربعة أيام (5) .كما أن قبره موجود لم يتعرض لنبش كما تعرضت قبور بني أمية (6) . فقد كان لخلافته (رحمه الله) أثر عظيم في مجريات وأحداث التاريخ الإسلامي، رغم هذه الفترة القصيرة من خلافته، فهي كخلافة أبي بكر الصديق (رضي الله عنه) سنتان وبضعة أشهر.
... ولهذا كله فقد أعاد عمر بن عبد العزيز الدولة الأموية التي كانت تعاني من ترف حكامها ورفاهيتهم بخلاف عامة المسلمين، أعادها إلى سيرة الخلفاء الراشدين (رضي الله عنهم) وأثبت أن الإسلام بتعاليمه السمحة، وشريعته الغراء، صالح ومصلح لكل زمان ومكان، ولكل مجتمع كان صغر أم كبر وأن الأمر يعود على التزام البشر به.
__________
(1) ـ هي من دير سمعان بين حلب وحماة .
(2) ـ البداية والنهاية، لابن كثير، 9/200، مصدر سابق، بتصرف.
(3) _ هو يزيد بن عبد الملك الخليفة أبو خالد القرشي الأموي الدمشقي، وأمه هي عاتكة بنت يزيد بن معاوية ولد سنة إحدى وسبعين وكان أبيض جسيما جميلا مدور الوجه. انظر: سير أعلام النبلاء، 5/150، مصدر سابق.
(4) _ هو مسلمة بن عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبى العاص، روى عنه معاوية بن خديج وعبيد الله بن قزعة الحرشي. انظر: الجرح والتعديل، 8/266، بتصرف.
(5) _ تاريخ الأمم والملوك، 08/137، بتصرف .
(6) _ مروج الذهب و معادن الجوهر، لأبي الحسن علي بن الحسين المسعودي ت346هـ، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الفكر، بيروت، 3/ 192، بتصرف. (1/58)
صفحة 59
... كما ذكر في وفاته (رضي الله عنه) أنه مات بسبب السل، وقيل: إنه مات بسبب أن مولى له سمه في طعام أو شراب، وأعطِي على ذلك ألف دينار، فحصل له بسببه مرض، فأُعلِم أنه مسموم ، فقال: لقد علمت ذلك، واستدعى مولاه، وقال: ويحك ما حملك على ما فعلت، فقال المولى: ألف دينار، فقال: هاتها، فأحضرها فوضعها في بيت مال المسلمين، ثم قال له: اذهب حيث لا يراك أحد، ثم مات (رضي الله عنه). (1)
ويذكر أنه (رضي الله عنه) بعث غلاما له ليشتري بدينارين أرضا لقبره، وقال: بيعوني موضع قبري وإلا تحولت عنكم، فقالوا: لولا أنا نكره أن يتحول عنا ما قبلناه. (2)
وكان آخر ما تكلم به (رحمه الله) قوله تعالى" { تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فسادا والعقبة للمتقين (3) } (4)
وقد رثاه الكثير من الشعراء ومنهم الفرزدق (5) حيث راح يقول:
1. ... أقول لما نعى الناعون لي عمرا ... لقد نعيتم قوام الحق والدين
2. ... قد غيب الرامسون اليوم إذ رمسوا ... بدير سمعان قسطاس الموازين
3. ... لم يلهمه عمره عين يفجرها ... ولا النخيل ولا ركض البراذين (6)
__________
(1) ـ البداية والنهاية، لابن كثير، 9\209، 210 بتصرف.
(2) ـ الحلية، 5/ 259.
(3) _ سورة القصص، الآية: 83
(4) 2 _ سيرة عمر بن عبد العزيز، لابن عبد الحكم، ص102.
(5) _ هو همام بن غالب بن صعصعة بن ناجية التميمي، أبو فراس المعروف بالفرزدق الشاعر المشهور تحدَّث أبو عبد الله محمد بن سلاَّم الجمحي، وأبو حاتم السجستاني في شعر الفرزدق وقوته، قال ابن سلام: كان الفرزدق أكثرهم بيتا مقلدا ـ أي مستغني عن غيره ـ مات في مرضه سنة 110هـ.انظر: معجم الأدباء، لياقوت الحموي، دار المستشرق، بيروت، بدون تحقيق ولا طبعة، 19/297 إلى 302.
(6) _ مروج الذهب ومعادن الجوهر، 3/205. (1/59)
صفحة 60
يبين الشاعر هنا حال الناس وهم ينعون إليه عمر بن عبد العزيز في أسى وألم وحزن على فراقه قائلا لهم: بأنكم نعيتم القائم على الحق والمدافع عنه، فصار الناس من بعده بلا عدل يرجعون إليه ولا ميزان يزنون به الحق.
المبحث الثاني: تربية وتعليم عمر بن عبد العزيز (رضي الله عنه)، وفي مطلبان:
1- المطلب الأول: مقومات تربية عمر بن عبد العزيز (رضي الله عنه):
... كانت هناك عدة مقومات كونت لعمر بن عبد العزيز اتجاها تربويا سليما، جعل منه شخصية مميزة يحتذى بها في أخلاقه وتواضعه وزهده وغيرها فأصبحت دولة بني أمية تشع شعاعا في خلافته. ومن هذه المقومات:
? الفرع الأول: تربيته الأسرية:
نشأ عمر بن عبد العزيز (رضي الله عنه) طالبا للعلم ساعياً له (1) متبعاً قول المصطفى (صلى الله عليه وسلم): " اطلبوا العلم ولو بالصين ". (2)
كان أبوه عبد العزيز بن مروان الذي ولد ونشأ بالمدينة المنورة فتطبع على الخير والحق، وكانت المدينة في تلك الفترة قريبة العهد برسول (الله صلى الله عليه وسلم) وفيها لا يزال يعيش الكثير من الصحابة، فتلقى منهم وروى عنهم، وروى عن أبيه المروان بن الحكم. (3)
وقد أتقن اللغة العربية فكان من أفصح الناس، وكان من خيار الأمراء كريما جوادا (4) ، وكان ذا نية طيبة، وعلى قدر من الورع والتقوى، يميز الخبيث من الطيب والحلال من الحرام (5) .
__________
(1) _ مروج الذهب و معادن الجوهر، 3/ 205.
(2) _ مسند الربيع، للربيع بن حبيب بن عمر الأزدي البصري، تحقيق: محمد إدريس، عاشور بن يوسف، 1415هـ، الطبعة الأولى، مكتبة الاستقامة، سلطنة عمان، باب في العلم وطلبه وفضله، ص27، رقم الحديث:(18).
(3) ـ البداية والنهاية، لابن كثير، 9/61، مصدر سابق، بتصرف.
(4) ـ البداية والنهاية، لابن كثير، 9/62، مصدر سابق.
(5) ـ الخليفة الزاهد عمر بن عبد العزيز، للأهل عبد العزيز سيد، دار العلم للملايين، بيروت، ص21،بتصرف. (1/60)
صفحة 61
قال عنه ابن سعد: ثقة قليل الحديث، وكان من حرصه على أحاديث الرسول أنه من أوائل الجامعين له، فقد أرسل إلى كثير بن مرة الحضرمي (1) ـ وكان قد لقي بمدينة حمص سبعين بدريا ـ أن يكتب إليه ما سمعه من أحاديث رسول الله عدا حديث أبي هريرة لأنه موجود لديه (2) .
... ومنه أن أباه عبد العزيز بن مروان بعث ابنه عمر إلى المدينة ليتأدب بها، وكتب إلى صالح بن كيسان (3) يتعهده.
__________
(1) _ هو كثير بن مرة الحضرمي أبو شجرة الحمصي، روى عن معاذ بن جبل، وعمرو بن عبسة، وعقبة بن عامر، وروى يزيد بن أبى حبيب أنه قال: أدرك كثير سبعين بدريا، وروى عنه خالد بن معدان، ومكحول وأبو الزاهرية، والحسن بن عبد الرحمن، وغيرهم، انظر: الجرح والتعديل، دون تحقيق، 7 /157.
(2) ـ الطبقات الكبرى، 5/236.
(3) _ هو الإمام الحافظ الثقة، أبو محمد، ويقال: أبو الحارث المدني المؤدب، مؤدب ولد عمر بن عبد العزيز، يقال: مولى بني غافر، ويقال: مولى بني عامر، ويقال: مولى آل مُعَيْقب الدوسي. رأى عبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمر، وقد حدّث عن عبيد الله بن عبد الله، وعروة بن الزبير، وسالم بن عبد الله، وغيرهم، وحدّث عنه عمرو بن دينار، وموسى بن عقبة، وابن عجلان، وابن إسحاق، ومعمر وغيرهم، قال يعقوب: صالح ثقة ثبت. انظر: سير أعلام النبلاء، 13/455،454. (1/61)
صفحة 62
... وكان عمر بن عبد العزيز يختلف إلى عبيد الله بن عبد الله (1) يسمع منه العلم، وقد تأخر عن إحدى الصلوات فقال له ابن كيسان: ماذا أخرك؟ قال: كانت جلتي تسكن شعري، فقال ابن كيسان أبلغ بك حبك تسكين شعرك أن تؤثره على الصلاة،
فبعث ابن كيسان إلى أبي عمر وكان واليا على مصر يخبره فأرسل رسولا لم يكلمه حتى حلق شعره (2) .
وكان الأولى من ابن كيسان أن يعالج تصرف عمر بن عبد العزيز علاجا تربويا، ولا أرى أن هناك ضرورة لِيُخْبرَ والده ومن ثم يأمر بحلق شعر رأسه، ولكن عليه توجيهه بالنصح والإرشاد.
قال عمر بن عبد العزيز واصفا نفسه في حبه للعلم: لقد رأيتني وأنا بالمدينة، غلاما مع الغلمان، ثم تاقت نفسي إلى العلم، إلى العربية، إلى الشعر، فأصبت منه حاجتي .
وقال عمر: ما بقي أعلم بحديث عائشة مني، وكان عمر يسألها، وقال: كنت أصحب من الناس سراتهم (3) وأطلب من العلم شريفه، فلما وليت أمر الناس احتجت إلى أن أعلم سفساف العلم (4) فتعلموا من العلم جيده ورديئه وسفسافه (5) .
__________
(1) _ هو عبيد الله بن عبد الله بن عتبة الإمام الفقيه مفتي المدينة وعالمها وأحد الفقهاء السبعة أبو عبد الله الهذلي المدني الأعمى، وهو أخو المحدث عون وجدهما عتبة هو أخو (رضي الله عنهما)، ولد في خلافة عمر أو بعيدها، وحدث عن عائشة، وأبي هريرة، وأبي واقد الليثي، وابن عباس، وعنه عمار بن ياسر، وعثمان بن= =حنيف، وغيرهم مرسلا، والزهري، وضمرة بن سعيد المازني، وعراك بن مالك، وموسى بن أبي عائشة، وصالح ابن كيسان، انظر: سير أعلام النبلاء، 4/475، مصدر سابق، بتصرف.
(2) _ البداية والنهاية،لابن كثير، 9/193، مصدر سابق.
(3) _ أي السادة الكرام.
(4) _ أي الوضيع.
(5) ـ سيرة ومناقب عمر بن عبد العزيز الخليفة الزاهد، ص26، 27، مصدر سابق، بتصرف. (1/62)
صفحة 63
ولا أدري لِمَ قال عمر: بسفساف العلم مع أنه ليس في العلم شيء وضيع، ولقد ذكر الله (تعالى) أن أهل العلماء أشد خشية وخوف من الله عن غيرهم فكيف يقول: تعلموا من العلم جيده ورديئه وسفسافه. وإن كان هناك علماً رديئاً فلم يُتَعلَّم إذاً؟!.
كان لنشأته الأسرية أثر في زهده، وتقواه، وورعه، وتروى في ذلك روايات، ومنها:
ذكر أنه رُئِيَ في يوم من الأيام كان يأكل ثوما بدقة وزيت وهو خليفة المؤمنين، وقال مالك بن دينار (1) : يقول عمر بن عبد العزيز: ما تركت شيئا من الدنيا إلا عقبني في قلبي ما هو أفضل منه (2) وما أنعم الله علي في ديني أفضل. (3)
كما أن لورعة وتقواه من آثار تربيته الأسرية (رضي الله عنه) ومنها:
__________
(1) ـ هو مالك بن دينار أبو يحيى البصري مولى امرأة من بنى ناجية بن سامة بن لؤي بن غالب القرشي روى عن أنس، وسعيد بن جبير، والحسن، وخلاس بن عمرو، وروى عنه همام بن يحيى، وجعفر بن سليمان الضبعي، وعبد الله بن شوذب، وعبد العزيز بن عبد الصمد، وعبد السلام بن حرب، والسرى بن يحيى. انظر: الجرح والتعديل، 8/208، مصدر سابق.
(2) _ يعني من الزهد.
(3) ـ سيرة ومناقب عمر بن عبد العزيز الخليفة الزاهد،لابن الجوزي، ص181،180، مصدر سابق، بتصرف. (1/63)
صفحة 64
ذكر عنه أنه قال ـ أي عمر بن عبد العزيز ـ : وددت لو أن عندي عسلا من عسل (سنير) أو (لبنان)، فسمعت فاطمة بنت عبد الملك ـ زوجة عمر بن عبد العزيز ـ فأرسلت بعض مواليها إلى ابن معدي كرب (1) ، وهو يعمل بذلك المكان، إن أمير المؤمنين اشتهى من عسل سنير، فأرسل بعسل كثير، فلما وصل أرسلت إلى عمر، وقالت: هذا الذي اشتهيت، فقال: كأنك يا فاطمة أرسلت بعض مواليك إلى ابن معدي كرب، قالت: نعم، فأمر به ليباع ويدخل ثمنه إلى بيت مال المسلمين، وأرسل إلى ابن معدي كرب ، وقال: إن فاطمة بعثت تخبرك أني تشهيت عسلا من سنير أو لبنان، فبعثت إليها، وأيم الله، لئن عدت إلى مثلها لا تعمل لي عملا أبدا، ولا أنظر إلى وجهك.
ومن الجميل أن تكون الزوجة المسلمة ساعية إلى راحة زوجها؛ مطيعة، ومواسية، وموجهة، وملبية أمره فيما ليس فيه عصيانا للخالق.
ومنه أن عمر بن عبد العزيز كان يعجبه أن يتأدم بالعسل، فطلب من أهله يوما عسلا فلم يكن عنده، ثم أتوا بعد ذلك بعسل فأعجبه، فقال لأهله: من أين لك هذا؟ فقالت امرأته: بعثت مولاي بدينارين على بغل البريد فاشتراه لي. فقال: أقسمت عليك لما أتيتني به. فأتته بعكة فيها عسل، فباعها بثمن يزيد، ورَدَّ عليها رأس المال ورَدَّ البقية إلى بيت مال المسلمين، وقال: نُصِبَتْ دوابُّ المسلمين في شهوةِ عمرَ؟! (2) .
__________
(1) _ لم أعرفه هل هو عفيف بن معدي كرب أم المقداد بن معدي كرب، ولا أظنه عمراً أو المقدام؛ لأنهما من الصحابة كما هو موجود في معجم الصحابة.
(2) ـ سيرة ومناقب عمر بن عبد العزيز الخليفة الزاهد، للدكتور السيد الجميلي، ص209، 210، مرجع سابق. (1/64)
صفحة 65
وقال جسر القصاب (1) : كنت أحلب الغنم في خلافة عمر بن عبد العزيز فمررت براع وفي غنمه ما يقرب من ثلاثين ذئبا، فحسبتها كلابا ولم أكن رأيت الذئاب قبل ذلك، فقلت للراعي: ماذا تريد بهذه الكلاب؟ فقال: يابني إنها ليست كلابا إنما هي ذئاب . فقلت سبحان الله ذئب في غنم ولا تضرها؟!، فقال : يابني إذا صلح الرأس فليس هناك على الجسد بأس، وكان ذلك في خلافة عمر بن عبد العزيز (2) . وكل هذا من أسباب التربية الفاضلة التي نشأ عليها (رضي الله عنه). ... ...
وقد ذكرنا سابقا إن أبا عمر بن عبد العزيز أرسله من الشام إلى المدينة ليتأدب ويتعلم على أيدي كبار الفقهاء فيها حيث كتب إلى صالح بن كيسان يطلب منه أن يتعهد ولده ويربيه التربية العلمية، ويوافيه بأخباره. (3)
? الفرع الثاني: تربيته على أيدي كبار العلماء والفقهاء :
وقد كان ابن كيسان تابعيا من رواة الحديث الثقات قال عنه ابن حبان: أنه من الثقات من فقهاء المدينة، والجامعين للحديث والفقه، من ذوي الهيئة والمروة. (4)
كما أنه (رضي الله عنه) أخذ العلم عن كثير من الفقهاء فروى عن عدد من الصحابة (رضوان الله عليهم)، ولذلك فقد أسند عمر بن عبد العزيز، عن جماعة من الصحابة وعن جماعة من كبار التابعين إلا أنه كان مشغولا عن الرواية ولهذا قل حديثه.
__________
(1) _ هو جسر بن فرقد القصاب كنيته أبو جعفر من أهل البصرة يروي عن الحسن وابن سيرين وحدث عنه البصريون كان ممن غلب عليه التقشف حتى أغضى عن تعهد الحديث فأخذ يخطيء إذا حدّث حتى خرج عن حد العدالة سُئِل يحيى بن معين عن جسر القصاب فقال ليس بشيء انظر: المجروحين، أبو حاتم محمد بن حبان البستي، ت354هـ، دار الوعي، حلب، تحقيق: محمد ابراهيم زايد، 1/217.
(2) ـ الحلية، 5/255، بتصرف.
(3) ـ سيرة ومناقب عمر بن عبد العزيز، لابن عبد الحكم، ص21، مصدر سابق، بتصرف.
(4) ـ تهذيب التهذيب، لأحمد بن علي بن حجر العسقلاني، ت852هـ، دار صادر، بيروت، 4/400. (1/65)
صفحة 66
حيث روى عمر بن عبد العزيز عن أبيه، وأنس (1) ، وعبدالله بن جعفر (2) ، ويوسف بن عبد الله بن سلام (3) ، وعامر بن سعد (4) ، وسعيد بن المسيب (5) ، وغيرهم.
أما من روى عنه فهم: يحيى بن سعيد الأنصاري (6) ، ورجاء بن حيوة، وكثيرون.
__________
(1) _ هو أنس بن مالك بن أبى عامر مولى التيميين، وروى عن أبيه روى عنه الزهرى وابنه مالك بن أنس. انظر: الجرح والتعديل، 2/ 286، مصدر سابق.
(2) _ هو عبد الله بن جعفر بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم الهاشمي أبو محمد وأبو جعفر وهي أشهر و أمه أسماء بنت عميس الخثعمية أخت ميمونة بنت الحارث لأمها ولد بأرض الحبشة لما هاجر أبواه إليها وهو أول من ولد بها من المسلمين وحفظ عن النبي (صلى الله عليه وسلم) وروى عنه وعن أبويه وعمه علي وأبو بكر وعثمان وعمار بن ياسر، روى عنه بنوه إسماعيل وإسحاق ومعاوية وأبو جعفر الباقر والقاسم بن محمد وغيرهم، انظر: الإصابة، 4/40، مصدر سابق، بتصرف.
(3) _ هو يوسف بن عبد الله بن سلام المديني أبو يعقوب رأى النبي صلى الله عليه، روى عن عثمان (رضي الله عنه) روى عنه بن المنكدر وعمر بن عبد العزيز. انظر: الجرح والتعديل، 9/225.
(4) _ هو عامر بن سعد بن أبى وقاص سمع أباه، وروى عنه سعيد بن المسيب، ومجاهد، والزهري، وسعد بن أبى إبراهيم، وأشعث بن إسحاق، وسالم أبو النضر، وشريك بن عبد الله بن أبى نمر، وهاشم بن هاشم بن عتبة، والحسن بن عثمان. أو عامر بن سعد البجلي الكوفي سمع جرير بن عبد الله. انظر الجرح والتعديل، 6/321، مصدر سابق.
(5) _ سبقت ترجمته.
(6) _ هو يحيى بن سعيد الأنصاري، وهو بن سعيد بن قيس، ويقال: بن قيس بن عمرو بن سهل، روى عن أنس بن مالك والسائب بن يزيد وسعيد بن المسيب وسالم بن عبد الله والقاسم بن محمد وعروة بن الزبير= =روى عنه سفيان الثوري، وشعبة، ومالك بن أنس، والليث بن سعد، مات بالهاشمية سنة ثلاث وأربعين ومائة. انظر: الجرح والتعديل،9/148،147، مصدر سابق، بتصرف. (1/66)
صفحة 67
ومن كبار الصحابة الذين روى عنهم أنس بن مالك فقد رآه عمر، وصلى أنس بن مالك خلفه، ومما أسند عن أنس ما أخبرنا به أبو الحسن قال: حدثنا ـ أو قال: حدثني ـ إسماعيل بن أبي حكيم (1) ، عن عمر بن عبد العزيز، عن أنس بن مالك، قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: " والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم ". (2)
ومنهم عبد الله بن عمر (3) :
__________
(1) ـ هو إسماعيل بن أبي حكيم مولى عثمان بن عفان مدني قرشي روى عن سعيد بن المسيب، وعبيدة بن سفيان، وروى عنه مالك، و محمد بن إسحاق.قال محمد بن سلمة: إسماعيل بن حكيم ، وقال أبو عبدالله ، وقال لنا المكي، قال: حدثنا عبد الله بن سعيد عن إسماعيل بن أبي حكيم مولى آل الزبير وسمع عمر بن عبد العزيز. انظر: التاريخ الكبير،لمحمد بن إسماعيل بن إبراهيم أبو عبد الله البخاري الجعفي،ت256، تحقيق: السيد هاشم الندوي، 1/350، دار الفكر، بيروت،. انظر: الإصابة، 1/231،232،.
(2) _ سنن الترمذي، لأبي عيسى محمد بن عيسى الترمذي، ولد209هـ،ت279هـ، دار إحياء التراث العربي، بيروت، تحقيق: أحمد محمد شاكروآخرون،،كتاب الفتن عن رسول الله، باب ما جاء في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،4/468، رقم الحديث: 2169، بلفظه.
(3) _ هو عبد الله بن عمر بن الخطاب بن نفيل القرشي العدوى يأتي نسبه في ترجمة أخيه أبي عبد الرحمن أمه زينب بنت مظعون الجمحية ولد سنة ثلاث من المبعث النبوي، وهاجر ابنَ عشر سنين، ومات سنة أربع وثمانين. انظر: 4/181، مصدر سابق. (1/67)
صفحة 68
عن عمر بن عبد العزيز عن ابن عمر، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) :" إن الله تبارك وتعالى يحب الشاب الذي يفني شبابه في عبادة الله، ويحب الإمام المقسط، وأجره أجر من يقوم ستين عاما يصوم نهاره ويقوم ليله" (1) .
روايته عن عبدالله بن جعفر (2) :
ومنه كذلك عن عمر بن عبد العزيز عن عبدالله بن جعفر، قال: علمتني أمي أسماء بنت عميس (3) ، شيئا أمرها به الرسول (صلى الله عليه وسلم) أن تقول عند الكرب: " الله الله ربي لا أشرك به شيئا " (4) . وهذا وغيرهم كثير من الصحابة،
أما التابعون فكثيرون، ومنهم:
__________
(1) _ شعب الإيمان، لأبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي، ت 458هـ، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، تحقيق: محمد السعيد بسيوني زغلول، باب في طاعة ولي الأمر،6/19، رقم الحديث:7379، بلفظ مخالف.
(2) _ سبقت ترجمته.
(3) _ هي أسماء بنت عميس بن معبد بن الحارث الخثعمية أم عبد الله من المهاجرات الأوئل قيل أسلمت قبل دخول رسول (الله صلى الله عليه) وسلم دار الأرقم، وهاجر بها زوجها جعفر الطيار إلى الحبشة فولدت له هناك عبد الله ومحمدا، فلما هاجرت معه إلى المدينة سنة سبع واستشهد يوم مؤتة تزوج بها أبو بكر الصديق وبعد وفاته تزوجها علي بن أبي طالب. انظر: سير أعلام النبلاء 2/282.
(4) _ صحيح ابن حبان، لأبي حاتم محمد بن حبان بن أحمد التميمي البستي، ت 354هـ، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الثانية، تحقيق: شعيب الأرنؤوط،باب قرآءة القرآن،3/145، رقم الحديث:864 ، بلفظه. (1/68)
صفحة 69
روايته لسعيد بن المسيب (1) ، وعبدالله بن إبراهيم بن قارظ (2) أنهما حدثاه أن أبا هريرة قال: سمعت رسول الله( صلى الله عليه وسلم) يقول: " إذا قلت لصاحبك أنصت والإمام يخطب يوم الجمعة، فقد لغوت (3) " (4) .
__________
(1) ـ هو سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم القرشي المخزومي أحد العلماء الأثبات الفقهاء الكبار من كبار الثانية اتفقوا على أن مرسلاته أصح المراسيل وقال ابن المديني لا أعلم في التابعين أوسع علما منه مات بعد التسعين وقد ناهز الثمانين، انظر: تقريب التهذيب، لابن حجر العسقلاني، 1/241.
(2) _ هو عبد الله بن إبراهيم بن قارظ الكناني حليف بني زهرة، روى عن جابر بن عبد الله، وأبي هريرة، ومعاوية بن أبي سفيان، والسائب بن يزيد، وغيرهم، ورأى عمر، وعليا، وروى عنه أبو عبد الله الأغر، وأبو صالح السمان، وعمر بن عبد العزيز، ويحيى بن أبي كثير، وغيرهم. انظر: تهذيب التهذيب، 1/117.
(3) _ السقط في الكلام.
(4) _ صحيح مسلم، لمسلم بن الحجاج النيسابوري، ت261هـ، دار إحياء التراث العربي، بيروت، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، كتاب الجمعة، باب في الإنصات يوم الجمعة في الخطبة، 2/583،رقم الحديث:(851) بلفظه. (1/69)
صفحة 70
ومن رواياته عن التابعين (رضي الله عنهم)كثير، ومن الذين روى عنهم سالم ابن عبد الله بن عمر (1) ، و عروة (2) ، وعبد الله بن عتبة (3) ، وخارجة بن زيد بن ثابت (4) وغيرهم. (5)
ولتحقيق ذلك فقد كان يتنقل من بلد إلى آخر لتلقي العلم عن مختلف الصحابة؛ لأن عند الصحابي من العلم في الفقة والحديث مالا يوجد عند الآخر. (6)
__________
(1) _ هو سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب أبو عمر روى عن أبيه، وأبي هريرة، وعائشة، روى عنه الزهري ونافع. انظر: الجرح والتعديل، 4/184، مصدر سابق.
(2) _ هو عروة بن الزبير بن العوام، أبو عبد الله القرشي رأى أباه، ورأى حكيم بن حزام، وسمع من أبى حميد الساعدي، وابن عباس، وأبى هريرة، والمغيرة بن شعبة، وعائشة، روى عنه الزهري، ويزيد بن رومان، وهشام، وعثمان، ويحيى، وغيرهم. انظر: الجرح والتعديل، 6/395.
(3) _ هو عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي، ويقال: أبو عبيد الله بالتصغير كان صغيرا على عهد النبي (صلى الله عليه وسلم) وقد حفظ عنه يسيرا قال أبو عمر ذكره إنه في الصحابة وغلط إنما هو تابعي، مات أبوه في حياة النبي (صلى الله عليه وسلم). انظر: الإصابة، 4/166.
(4) _ هو خارجة بن زيد بن ثابت الأنصاري النجاري أبو زيد المدني أدرك عثمان، روى عن أبيه، وعمه يزيد، وأسامة بن زيد، وسهيل بن سعد، وعبد الرحمن بن أبي عمرة، وأمه أم سعد بن الربيع، وأم العلاء الأنصارية، وعنه ابنه سليمان، وابنا أخويه سعيد بن سليمان بن زيد بن ثابت، وهو مدني تابعي ثقة، قال ابن المديني وغيره: مات سنة مائة. انظر: تهذيب التهذيب، 3/66،65.
(5) ـ سيرة ومناقب عمر بن عبد العزيز الخليفة الزاهد، ص18إلى27.
(6) ـ فجر الإسلام، لأحمد أمين، دار الكتاب العربي، بيروت، 1969م، ص192. (1/70)
صفحة 71
كما حثَّ على العلم فقال: إن استطعت فكن عالما، فإن لم تستطع فكن متعلما، فإن لم تستطع فأحبهم، فإن لم تستطع فلا تبغضهم، وقال: لقد جعل الله لهم مخرجا إن قبل (1) .
جمع القرآن وهو صغير ولذلك كله صنع من عمر رجلا عالما، وصدق قول ميمون بن مهران (2) : "كانت العلماء مع عمر بن عبد العزيز تلامذة " (3) .
? الفرع الثالث: صلة عمر بن عبد العزيز بعمر بن الخطاب
(رضي الله عنهما):
إن التقوى والورع الذي نشأ عليه عمر بن عبد العزيز لم يكن عبثا فقد كان هناك من هو قدوة له في ذلك من أقربائه، وهو عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) حيث كانت أم عمر ابن عبد العزيز أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب. (4)
ولقد كانت سبب صلته بعمر بن الخطاب وذلك أن عمر خرج طائفًا ذات ليلة فسمع امرأةً تقول لِبُنَيَّةٍ لها: اخلطي الماء في اللبن ليزيد الربح، فقالت:أما سمعت منادي عمر بالأمس ينهي عنه؟ فقالت: إن عمر لا يدري عنك، فقالت البنية: والله ما كنت لأطيعه علانية وأعصيه سراً ، فأعجب عمر عقلها، فزوجها ابنه عاصما ، فهي جدة عمر بن عبد العزيز (5) .
__________
(1) ـ سيرة عمر بن عبد العزيز على ما رواه الإمام مالك بن أنس وأصحابه، ص118، مرجع سابق.
(2) ـ هو ميمون بن مهران الجزري أبو أيوب مولى لبنى أسد، روى عن ابن عمر، وابن عباس، وأم الدرداء، والضحاك، ابن قيس، وعمر بن عبد العزيز، وعمرو بن عثمان بن عفان، روى عنه الحكم بن عتيبة، وأبو بشر جعفر ابن أبى وحشية.انظر: الجرح والتعديل، 8/233، مصدر سابق.
(3) ـ تاريخ الخلفاء، ص275، مصدر سابق.
(4) ـ الكامل في التاريخ، لابن الأثير، 4/326. انظر: البداية والنهاية، لابن كثير، 9/192، مصادر سابقه.
(5) ـ شذرات الذهب في أخبار من ذهب، لشهاب الدين، 2/ 6، مصدر سابق . (1/71)
صفحة 72
قال:بلغنا أن عمر بن الخطاب قال: إن من ولدى رجلا بوجهه شجان يلي فيملأ الأرض عدلاً . قال نافع من قبله: ولا أحسبه إلا عمر بن عبد العزيز (1) .
و ذكر أن عمر بن عبدالعزيز أراد السير في الناس بسيرة عمر بن الخطاب، فأرسل رسالة إلى سالم بن عبد الله بن عمر يقول فيها:
"أما بعد؛ فإن الله، (تبارك اسمه وتعالى جده) ابتلاني بما ابتلاني به من أمركم من غير مشورة مني فيه ولاطلب، إلا قضاء من الرحمن الرحيم، فأسأل الذي ابتلاني بما ابتلاني به من أمر عباده وبلاده أن يحسن عوني وعاقبتي، وعاقبة من ولاني أمره. وقد رأيت أن أسير في الناس بسيرة عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) ......إلخ.
__________
(1) ـ البداية والنهاية، الحافظ ابن كثير9/196، مصدر سابق. (1/72)
صفحة 73
فأجابه سالم قائلا: " أما بعد، فإن الله (عز وجل) خلق الدنيا لما أراد أن يخلقها له فجعل لها مدة قصيرة كأن ما بين أولها وآخرها ساعة من النهار، ثم قضى عليها وعلى أهلها الفناء فقال: {كل شيْءٍ هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون (1) }لا يقدر أهلها منها، يا عمر، على شيْءٍ حتى تفارقهم ويفارقوها، بعث بذلك رسوله، وأنزل كتابه، ضرب في ذلك الأمثلة وضرب فيه الوعيد، جعل دينه في الأولين والآخرين دينا واحدا، فلم يختلف رسله ولم يبدل قوله.ثم إنك، يا عمر لست تعدو أن تكون رجلا من بني آدم، يكفيك ما يكفي لرجل منهم ـ أوقال رجلا منهم ـ من الطعام والشراب، فأجعل فضل ذلك فيما بينك وبين الرب الذي توجه إليه شكر النعم، فإنك قد(وليت) أمرا عظيما ليس يلي عليك أحد دون الله (عز وجل)، إن استطعت ألاَّ تخسر نفسك وأهلك يوم القيامة فافعل، فإنه قد كان قبلك رجال عملوا ماعملوا، وأحيوا ما أحيوا وأتوا ما أتوا حتى ولد في ذلك......إلى قوله: " وإن عمر (رضي الله عنه)، عمل في غير زمانك، وعمل بغير رجالك، وإنك إن عملت في زمانك على النحو الذي عمل عمر بن الخطاب في زمانه، بعد الذي رأيت وبلوت، رجوت أن تكون أفضل منزلة من عمر بن الخطاب فقل كما قال العبد الصالح:
{ وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب (2) } (3) .
__________
(1) _ سورة القصص، الآية:(88).
(2) ـ سورة هود، رقم الآية: 88 .
(3) _ سيرة ومناقب عمر بن عبد العزيز الخليفة الزاهد، لابن الجوزي، ص149، 150انظر: حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، لأصفهاني5/284،285، مصادر سابقه. (1/73)
صفحة 74
كما أنه روى عن ابن عمر، ولهذا كان لزاما على ابن عبد العزيز أن يكون إماما صالحا، وورعا، وتقيا، وزاهدا، ولذلك فقد صدق سفيان الثوري (1) عندما قال الخلفاء خمسةأبوبكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعمر بن عبد العزيز. (2)
2- المطلب الثاني: أثر المقومات التربوية في صقل موهبته وإغنائها:
بعد أن تربى عمر بن عبد العزيز (رضي الله عنه) هذه التربية الفاضلة من العلم والتعليم، ومصاحبة العلماء والفقهاء، وقرابته من عمر بن الخطاب (رضي الله عنه)، كان لزاما عليه أن يكون إماما وخليفة صادقا يحتذى به، ويؤتسى بفعاله، وكل ذلك أنشأ فيه حب العلم، والتقوى، والزهد،و الورع،وغيرها والتي كانت الخلافة الأموية تفتقدها أشد افتقادا وتحتاج إليها أيما احتياج لنشر العدل، والحكم بالقسط بين الناس.
لم يكن عمر بن عبد العزيز رجلا تولى زمام الخلافة عبثا، أوجهلا وإنما بلغ من العلم مبلغا عظيما، فلم تبق ثغرة أو لبنة من البناء التربوي مفتوحة إلا سدها وأكمل بناءها.
__________
(1) ـ هو أبو عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق بن حبيب بن رافع بن عبد الله الثوري الكوفي الإمام الجامع لأنواع المحاسن، وهو تابعي من التابعين، ولد سنة سبع وتسعين، سمع أبا إسحاق السبيعي، وعبد الملك بن عمير وخلائق من كبار التابعين، وروى عنه محمد بن عجلان، والأعمش، وابن عيينه، وغيرهم كثير قال عنه أبو عاصم الثوري: أمير المؤمنين في الحديث، وقال ابن المهدي: ما رأيت أحفظ للحديث من الثوري ، قال محمد ابن سعد: أجمعوا أنه توفي بالبصرة سنة احدى وستين ومائه (رضي الله عنه). انظر: تهذيب الأسماء واللغات، 1/215 إلى 223، مصدر سابق.
(2) ـ تاريخ الخلفاء، ص273، مصدر سابق. (1/74)
صفحة 75
حيث صقلت موهبته منذ صغره وذلك أن أباه عبد العزيز بن مروان الذي ولد ونشأ بالمدينة المنورة تطبع على خيرها، وكانت المدينة تلك الفترة قريبة العهد برسول (الله صلى الله عليه وسلم)، وفيها كان لا يزال يعيش الكثير من الصحابة، فتلقى منهم ورَوَى عنهم، وروى عن أبيه مروان بن الحكم. (1) كما تعلم اللغة العربية فكان من
أفصح الناس، وكان من خيار الأمراء كريما جوادا (2) ، كما أنه كان لطلب عمر ابن عبد العزيز النصح من العلماء أثر كبير في صقل موهبته إغنائها .
... ومنه أنه لما ولي الخلافة دعا سالم بن عبد الله، ومحمد بن كعب، ورجاء بن حيوة فقال: "إني قد ابتليت بهذا الأمر فأشيروا علي" .
فقال له سالم: إن أردت النجاة من عذاب الله فصم عن الدنيا، وليكن إفطارك منها الموت.
وقال له محمد بن كعب (3) : إن أردت النجاة من عذاب الله فليكن كبير المسلمين عندك أبا، وأوسطهم عندك أخا، وأصغرهم عندك ولدا، فأقر أباك، وأكرم أخاك، وتحنن على ولدك.
وقال له رجاء بن حيوة: إن أردت النجاة غدا من عذاب الله، فأحب للمسلمين ما تحب لنفسك، ثم مت إذا شئت. (4)
__________
(1) ـ البداية والنهاية، لابن كثير، 9/61، مصدر سابق.
(2) ـ البداية والنهاية، لابن كثير، 9/62، مصدر سابق .
(3) ـ هو محمد بن كعب بن سليم القرظي، وقال ابن سعد: محمد بن كعب بن حيان بن سليم الإمام العلامة الصادق أبو حمزة وقيل: أبو عبد الله القرظي المدني من حلفاء الأوس، وكان أبوه كعب من سبي بني قريظة سكن الكوفة ثم المدينة وقيل: ولد محمد بن كعب في حياة النبي (صلى الله عليه وسلم) ولم يصح ذلك، ومات سنة108هـ وقال الواقدي: 127هـ، انظر: سير أعلام النبلاء،5/65، مصدر سابق .
(4) ـ سيرة ومناقب عمر بن عبد العزيز الخليفة الزاهد، ص16، مرجع سبق ذكره، (1/75)
صفحة 76
ثم إن قراره أن يسير في الناس بسيرة عمر بن الخطاب دليل على إعجابه وحبه بقيادة جده، ذلك الإعجاب الذي نجمت عنه القناعة بضرورة اقتفاء أثر الفاروق في خلافته للأمة الإسلامية بعد أن أرسل الرسالة إلى سالم بن عبدالله كما سبق الحديث عنها (1) .
أما صلة عمر ببيت آل عمر بن الخطاب (رضي الله عنهم)، فإلى جانب السمات الوراثية، فقد اكتسب عمر من هذه الصلة الزهد في الدنيا وخصوصا بعد تولية الخلافة حتى قيل: إنه أزهد من أويس القرني. (2)
وهذا كله أكسب عمر بن عبد العزيز تقوى الله في خلافته، والعدل والإنصاف في معاملاته، وكذلك إدراك الأمور على حقيقتها، وكيف ينبغي لها أن تكون، وضرورة المراقبة ودوام اليقظة، وتحري المظالم، وإجارة المظلوم.
كما أن حفظ عمر بن عبد العزيز القران الكريم وهو صغير، (3) وتعلم تفسيره ومعانيه، وخوضه في الفقه وأصوله، وإتقانه علم الحديث وروايته عن بعض الصحابة وكبار التابعين، أعانه على فهم أمور القضاء، والأحوال الشخصية، ورد المظالم،
__________
(1) ـ المصدر السابق، 149، بتصرف.
(2) ـ هو أويس بن عامر القرني التميمي، أحد أولياء الله الصادقين، وهو من التابعين وليس له من الرواية شيء، يقول الذهبي : هو ثقة صدوق. قال فيه الرسول (صلى الله عليه وسلم) :" خير التابعين رجلا يقال له: أويس ابن عامر ، كان له بياض، فدعا الله فأذهبه عنه إلى موضع الدرهم في سرته" رواه مسلم.
استشهد أويس يوم صفين. انظر: ميزان الاعتدال في نقد الرجال، لأبي عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، ت748هـ، تحقيق: علي محمد البجاوي، بيروت، دار المعرفة، 1382هـ، 1/ 278إلى 282، بتصرف.
(3) ـ البداية والنهاية، 9/192، مصدر سابق. (1/76)
صفحة 77
والإصلاحات في خلافته وكان لكل ذلك الأثر الكبير في إثراء مواهبه ليصير خليفة عادلا وتقيا مما جعل الإمام أحمد بن حنبل (1) يقول: " لا أدري قول أحد من التابعين حجة إلا قول عمر بن عبد العزيز" .
وجاءت التربية والتعليم لتجعل عمر فيما بعد لا يتخذ قرارا، إلا عن علم ودراية بغية تطبيق ما جاءت به التعاليم الإسلامية بقدر الإمكان.
فوصل إلى درجة بعيدة من العلم والثقة حتى قال عنه ميمون بن مهران: " عمر بن عبد العزيز معلِّم العلماء".
كما يظهر ذلك من روعة خطبة والتي تشتمل في مضمونها على القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة والتي حكّمها في جميع شؤون الدولة فنجده بعد توليه أمر الخلافة يقول: "أيها الناس أصلحوا سرائركم، تصلح علانيتكم واعملوا لآخرتكم تكفوا دنياكم، واعلموا أن رجلاً ليس بينه وبين آدم أب حي لمغرق له في الموت والسلام عليكم". (2)
__________
(1) ـ هو الإمام البارع المجمع على براعته، وجلالته، وإمامته، وورعه، وزهادته، وحفظه، ووفور علمه، وسيادته، هو أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد بن إدريس الشيباني المروزي ثم البغدادي، ولد ببغداد ونشأ فيها إلى أن توفي بها ودخل مكة، والمدينة، والشام، واليمن، وغيرها سمع سفيان بن عيينه وإبراهيم بن سعد ويحيى القطان، وغيرهم، روى عنه شيخه عبد الرزاق، ويحيى بن آدم، وأبو الوليد، وابن المهدي، وغيرهم، قال عنه أبو زرعه: ما رأيت أحدا أجمع من أحمد بن حنبل وما رأيت أحدا أكمل منه اجتمع فيه زهد وفقه وفضل وأشياء كثيرة. انظر: تهذيب الأسماء واللغات، 1/111، مصدر سابق.
(2) ـ حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، للحافظ أبي نعيم أحمد بن عبد الله الأصفهاني،ت430هـ، 5/265، انظر: البداية والنهاية، 9/149، مصادر سابق. (1/77)
صفحة 78
وقد تعلم عمر بن عبد العزيز اللغة العربية فأحبها وأتقنها ومنه قوله: " ثم تاقت نفسي إلى علم العربية فالشعر، فأصبت منه حاجتي ". (1) ويظهر ذلك جليا في مناظراته وردوده.
وبذلك كله ازدانت شخصية عمر بن عبد العزيز بجوانب العلم، وتكاملت بمقومات التربية، فامتاز بأنه جمع بين العلم والعمل، وبين المعرفة والتطبيق، والاطلاع الواسع على سيرة السلف الصالح، بغية التأسي بهم، فصار بذلك إماماً عادلاً وخليفةً قائداً.
الفصل الثاني: آثار عمر بن عبد العزيز
( رضي الله عنه ) القيادية، وفيه ثلاثة مباحث:
1_ المبحث الأول: إعادة بناء المبادئ الإسلامية.
2_ المبحث الثاني: تطبيق عمر بن عبد العزيز (رضي الله عنه) لهذه المبادئ في خلافته.
3_ المبحث الثالث: وظائف التي قام بها عمر بن عبد العزيز (رضي الله عنه) في ضبط خلافته
الفصل الثاني: آثار عمر بن عبد العزيز (رضي الله عنه) القيادية:
تعريف القيادة:
القيادة لغة: القَوْدُ: نقيض السَّوْق، يَقُودُ الدابَّة من أَمامِها ويَسُوقُها من خَلْفِها، فالقَوْدُ من أَمام والسَّوْقُ من خَلْف. و المِقْوَدُ و القِيادُ: الحبل الذي تقود به.
والانقيادُ: الخُضوعُ. تقول: قُدْتُهُ فانقادَ و استقادَ لي إِذا أَعطاك مَقادتَه، وفي حديث عليّ: قُرَيْشٌ قادَة ذادَة أَي يَقُودونَ الجُيُوشَ، وهو جمع قائِدٍ. (2)
القيادة اصطلاحا: لها تعريفات عدة:
? هي منطقة تحت قيادة شخص مفرد (3) .
? هي عملية تحريك الناس نحو الهدف (4) .
__________
(1) ـ سيرة ومناقب عمر بن عبد العزيز، لابن الجوزي، ص35، مرجع سابق.
(2) ـ لسان العرب (ق و د)، 3/370، مصدر سابق، بتصرف.
(3) _ قاموس المصطلحات العسكرية، تأليف الفريق الركن محمد فتحي أمين، ص409.
(4) _ موقع على الإنترِنتislammemo.cc (1/78)
صفحة 79
? صفة تدل على أهلية وقدرة وموهبة لتسيير عمل جماعي، واستقطاب مجموعة من الناس في سبيل السير نحو تحقيق غاية مشتركة. (1)
وسوف أتحدث في الصفحات التالية عن المبادىء التي سنها عمر بن عبد العزيز فيما يتعلق بالقيادة وفق ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: إعادة بناء المبادىء الإسلامية، وفيه ثلاثة مطالب:
1. المطلب الأول: إعادة مبدأ الحاكمية لله.
2. المطلب الثاني: إعادة مبدأ الشورى.
3. المطلب الثالث: إعادة مبدأ المساواة.
وقبل ذلك نعرف أولاً المطلب الأول: مبدأ الحاكمة لله:
المبدأ لغة: مأخوذ من بدأ، والبَدْءُ في أَسماءِ الله عزَّ وجل المُبْدىء: يعني أنه هو الذي أَنْشأَ الأَشْياءَ واخْتَرَعَها ابْتِداءً من غيرِ سابقِ مثال. و البَدْءُ: فِعْلُ الشيءِ أَوَّلُ. (2)
أما اصطلاحا: هي التي يتوقف عليها مسائل العلم، كتحرير المباحث وتقرير المذاهب، فللبحث مثلاً أجزاء ثلاثة مرتّبة بعضها على بعض، وهي المبادىء، والأواسط، والمقاطع، وهي المقدمات التي تنتهي الأدلة والحجج إليها من الضروريات والمسلّمات؛ ومثل الدور والتسلسل.وهي التي لا تحتاج إلى البرهان، بخلاف المسائل، فإنها تثبت بالبرهان القطع. (3)
1_ المطلب الأول: إعادة مبدأ الحاكمية لله:
من المعلوم أن كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) هي من أولى خصائص الألوهية التي يتفرد بها (جل جلاله) وليس لأحد من البشر كائنا من كان أن يدعيها؛ لأن الله (سبحانه) هو المشرع والمحلل والمحرم، كما أنّ مضمون الشريعة الإسلامية يتحتم أن
__________
(1) _ موسوعة السياسة، لعبد الوهاب الكيالي، مدير التحرير: ماجد نعمة، شارك في التحرير: د. محمد عمارة، ود. عمر بشير، وآخرون، ط1، 1986م، 4/833.
(2) ـ لسان العرب(ب د أ)، 1/26،30، مصدر سابق، بتصرف.
(3) _ كتاب التعريفات، لعلي بن محمد بن علي الجرجاني، ولد740هـ ، ت816هـ، تحقيق: إبراهيم الابياري، دار الكتاب العربي، ص252. (1/79)
صفحة 80
تكون شريعة الله هي منتهى حكمة، وأن يكون الدين كله لله بلا تجزئة ولن يتحقق ذلك إلا بتطبيق قواعد الإسلام على مختلف نواحي الحياة، ويتحقق التكامل والارتباط بين مختلف الأنظمة في الإسلام.
ذلك أن القواعد التي تحكم جانبا من جوانب الحياة لا يمكن أن تؤدي دورها المرسوم لها والغاية المقصودة إلا إذا تساندت مع الأنظمة الأخرى، ولا تتحقق حاكمية
الشريعة وسيادتها على كل ما في الكون إلا إذا كانت شريعة الله هي العليا لا شريعة معها ولا فوقها (1) .
تعريف الحكم لغة واصطلاحًا:
ورد تعريف الحكم في اللغة على عدة معانٍ: منها:
1. الصرف والمنع للإصلاح.
2. الفصل والبت والقطع على الإطلاق ومنه قوله( تعالى): { آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ } (2)
3. حَكَمَ بمعنى قضى، يقال: حكم بينهم أي قضى. (3)
أمّا في الاصطلاح فقد ورد على عدة معانٍ، ومنها:
? الحكم عند أصحاب الأصول: هو خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير..
? الحكم عند أصحاب المعقول: يطلق ويراد به القضية إطلاقًا لاسم الجزء على كُلِّه وهناك عدة تعريفات أخرى (4) .
من الأدلة على ضرورة الحاكمية لله من القرآن الكريم:
وهناك نصوص كثيرة ومتعددة في القرآن الكريم تدلّ جميعًا على وجوب الحاكمية لله، وسوف نذكر جزءًا يسيرًا من هذه النصوص، ومنها:
__________
(1) ـ مبادئ نظام الحكم في الإسلام، د/ محمد فؤاد النامي، أستاذ القانون بجامعة الأزهر، والأستاذ الزائر بكلية الشرطة بدبي، ط1، ص(63،64).
(2) ـ سورة آل عمران، الآية:7.
(3) ـ الكليات معجم في المصطلحات والفروق اللغوية، لأبي البقاء أيوب بن موسى الحسيني الكفوي، (ت 1094هـ) أعده للطبع ووضع فهارسه، د. عدنان درويش، ومحمد المصري، مؤسسة الرسالة، بيروت، ص380.
(4) ـ المصدر السابق، ص381. (1/80)
صفحة 81
أ قوله (تعالى): { وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم } (1)
ب قوله (تعالى): { فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ } (2) .
ت قوله (تعالى): { إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ } (3)
ث قوله (تعالى): { أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ } (4)
ج قوله (تعالى): { إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُون (5) }. (6)
من الأدلّة على وجوب الحاكمية لله من السنة المطهّرة:
أ قوله (صلى الله عليه وسلم): «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» (7) .
ب قوله (صلى الله عليه وسلم): «أيّها الناس إني تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدًا كتاب الله وسنة نبيّه (8) » (9) .
__________
(1) _ سورة البقرة، الآية: 213.
(2) _ سورة المائدة، الآية: 48.
(3) _ سورة الأنعام، الآية:57.
(4) _ سورة الأنعام، الآية: 62.
(5) _ سورة يوسف، الآية:67.
(6) _ مبادئ نظام الحكم في الإسلام، ص55، 56، مصدر سابق.
(7) _ رواه مسلم، كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور، 3/1343، رقم الحديث: 1718. مصدر سابق.
(8) _ رواه الربيع، باب في العلم وطلبه، ص33، رقم الحديث: 30، مصدر سابق.
(9) _ مبادئ نظام الحكم في الإسلام، ص61. (1/81)
صفحة 82
ومن أجل ذلك عزم عمر بن عبد العزيز (رضي الله عنه) على إعادة هذا المفهوم امتثالاً بالنبي (صلى الله عليه وسلم) والخلفاء الراشدين (رضوان الله عليهم) من بعده؛ حيث خطب في الناس قائلاً:سنّ رسول الله وولاة الأمر من بعده سنناً الأخذ بها اعتصام بالكتاب وقوة على دين الله ليس لشخص وتبديلها أو تغييرها ولا النظر في أمر خالفها من اهتدى بها فهو مهتد ومن تركها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنّم وساءت مصيرًا.
كما خطب (رضي الله عنه) قائلاً في الناس: ما حرم الله على لسان نبيه فهو حرام إلى يوم القيامة، أيها الناس لست بقاضٍ وإنما منفذ لله ولست بمبتدع ولكنّي متبع ليس لمخلوقٍ طاعة في معصية الخالق، لست بخيركم وإنما أنا رجل منكم، أيها الناس إنَّ أفضل العبادة أداء الفرائض واجتناب المحارم (1) .
فيتضح من حديث عمر (رضي الله عنه) أنه فهم فهما دقيقًا مبدأ الحاكمية لله؛ حيث جعل الأمر كله لله في تطبيق هذا المبدأ، وأنفذ قانون الله على خلقهِ في قيادته للدولة الإسلامية، وصبغ أوامره وإجراءاته في كافة شؤون الدولة بصبغة الله (تبارك وتعالى).
ومن أجل هذا عمل عمر بن عبد العزيز جاهدَا على إحياء السنة وإماتة البدعة؛ لأنها ـ أي السنة ـ تمثل القرآن، وترشد إليه، وتدور في فلكه، ومحوره،
دخل عليه أحد أبنائه يومًا فقال: يا أمير المؤمنين، ما أنت قائل لربّك إذا سألك؟ فقال: رأيت بدعة فلم تمتها، أو سنة فلم تحيها؟
__________
(1) _ سيرة عمر بن عبد العزيز، لابن عبد الحكم، ص40. (1/82)
صفحة 83
فقال: "رحمك الله وجزاك من ولد خيرًا، يا بني إنّ قومك قد شدوا هذا الأمر عقدة عقدةً، وعروةً عروةً، ومتى أردت مكابرتهم على انتزاع ما في أيديهم لم آمن أن يفتقوا عليَّ فتقًا تكثر فيه الدماء، والله لزوال الدنيا أهون علي من أن يراق في سببي محجمة من دم، أو ما ترضى إلا أن يأتي على أبيك يوم من أيام الدنيا إلا وهو يميت في بدعة ويحيي في سنة"؟ (1) .
ولقد كانت خطبته تلك (رضي الله عنه) مثل افتتاحيات خطب النبي (صلى الله عليه وسلم) تبدأ بالحمد لله، والاستعانة بالله، وتوابعها (2) .
ومما يدل دلالة قاطعةً على أنه جعل وسيجعل الحاكمية لله، ولسنة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وأنها قاعدة ينطلق منها في قيادة دولته، قوله:« يا ليتني قد عملت فيكم بكتاب الله، وعملت به، فكلما عملت فيكم بسنة وقع مني عضو، حتى يكون آخر شيء منها خروج نفسي» (3) ، فهو حريص كما نرى على العمل بالكتاب والسنة ولو أصابه في سبيل ذلك كل مكروه وتحمل في سبيل ربه أي ابتلاء.
وأوضح عمر للناس سياسته ونهجه، فقال لهم: «أما بعد فإني أوصيكم بتقوى الله ولزوم كتابه، والاقتداء بسنة نبيّه، وهديه، فإن الله بين لكم ما تأتون وما تتقون، وأعذر إليكم الوصية، وأخذ عليكم الحجة حين أنزل عليكم كتابه الحفيظ الذي { لا يَأْتِيه الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ } (4) ، قال: { وَبِالْحَقِّ
__________
(1) _ تاريخ الخلفاء، ص40.انظر: وحلية الأولياء، 5/282، مصادر سابقة.
(2) _ الخليفة الراشد، وهبة الزحيلي، ص84، مصدر سابق.
(3) _ سيرة عبد العزيز، لابن عبد الحكم، ص130.
(4) _ سورة فصلت، الآية:42. (1/83)
صفحة 84
أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّراً وَنَذِيراً } (1) ، وقال: { وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } (2) .
فأقيموا فرائضه، واتبعوا سنته، واعملوا بمحكمه، واصبروا أنفسكم عليه، وآمنوا بمتشابهه، فإن الله علمكم منه ما علمكم، وأوّلكم يومئذ أقل الناس شوكة، وأوهنه قوة، وأشد فرقة، وأحقر عند من سواهم من الناس مَحْقْرة... إلخ» (3) .
ولقد أخرج عمر بن عبد العزيز بتطبيقه هذا المبدأ الإجراء القيادي من الرأي الشخصي إلى الحكم الإلهي، الذي ارتضاه الله (عز وجل) فيكون ذلك مرضيًّا؛ لأنه لم يتخذ القرار بحقّه؛ وإنما هو منفذ لأمر الله تنفذا صحيحا ودقيقا دون ابتداع.
ولهذا كان مبدأ الحاكمية لله الذي أعاد عمر بن عبد العزيز بناءه هو الأساس والركيزة التي تنبني عليه المبادئ الأخرى، وتتفرع تحته فهو جذر وتلك فروع وأغصان، وإن لم نقل ذلك خرج حكم الله عن إطاره الصحيح؛ لأن قانون الله يحكم العامل، والمعلم، والتاجر، والموظف، ويحكم الميادين جميعًا حتّى المدرسة والمنزل والأسرة والسوق، والدوائر والهيئات كلها، ومن أجل ذلك فقد حقق عمر بن عبد العزيز بتطبيق هذا المبدأ تطبيق المبادئ الأخرى، والتي أسهمت بدورها في نجاح قيادته بعون الله.
2_ المطلب الثاني: مبدأ الشورى تعريفه، وتفسيره، ومن ثم تطبيقه:
الشورى لغة: من قولم : شارَ العسلَ و شُرْت العسل و اشْتَرْته اجْتَنَيْته وأَخذته من موضعه. يقال: أَشِرْني على العسل أَي أَعِنِّي، كما يقال: أَعْكِمْني، فالمراد المعونة والتوجيه. (4)
__________
(1) _ سورة الإسراء، الآية:105.
(2) _ سورة الأعراف، الآية:52.
(3) _ سيرة عمر بن عبد العزيز، لابن عبد الحكم، ص67.
(4) ـ لسان العرب، 4/434، مصدر سابق. (1/84)
صفحة 85
والشورى مصدر كالفتيا، بمعنى التشاور. (1)
أمّا اصطلاحا:
1. "استطلاع الرأي من ذوي الخبرة فيه للتوصل إلى أقرب الأمور للحق".
وهذا عند القدماء والعلماء المعاصرين.
2. استطلاع رأي الأمة أو من ينوب عنها في الأمور العامة المتعلقة بها
وهذا المتعلق بمصالح الأمة في الأمور العامة (2)
ومعنى هذا أن من حق الأمة في أخذ رأيها في اختيار الحاكم الذي ترتضيه، وأخذ رأيها في كل الأمور الهامة، وأن تحكم الأمة وفقاً لإرادتها ومن أجل مصلحتها، وحق الأمة مكفولٌ في الرقابة والمعارضة والنقد والتقويم. (3)
ولقد ورد النص على الشورى في آيتين عظيمتين من القرآن الكريم:
الأولى: سورة آل عمران والثانية: سورة الشورى (4) .
1- سورة آل عمران:
نجد النص على الشورى في هذه السورة في قوله تعالى:
{ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظاً غَلِيْظَ الْقَلْبِ لَاْنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاْعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتغْفِرْ لَهُمْ وَشَاْوِرْهُمْ فِيْ الأَمْرِ فَإِذَاْ عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَىْ اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُ المُتَوَكِّلِينَ} (5) .
__________
(1) ـ الكليات( معجم في المصطلحات والفروق اللغوية)، لأبي البقاء أيوب بن موسى الحسيني الكفوي، ت1094هـ، وضع فهارسه: د. عدنان درويش، ومحمد المضري، مؤسسة الرسالة،ص541.
(2) ـ الشورى وأثرها في الديمقراطية( دراسة مقارنة)، للدكتور: عبد الحميد إسماعيل الأنصاري، كلية الشريعة والقانون والدراسات الإسلامية، جامعة قطر، دار الفكر العربي، ص4.
(3) ـ المصدر السابق، ص4.
(4) ـ مبادىء نظام الحكم في الإسلام مع المقارنة بالمبادىء الدستورية الحديثة، لعبد الحميد متولي، الإسكندرية، منشأة المعارف، 1977م، ص659.
(5) ـ سورة آل عمران، آية:159. (1/85)
صفحة 86
وشاورهم في الأمر فيها تدرج تشريعي حيث أمر الله تعالى نبيه (صلى الله عليه وسلم) بهذه الأوامر التي هي بتدريج بليغ، وذلك أنه أمره بأن يعفو عنهم ماله في خاصته عليهم من تبعة فلما صاروا في هذه الدرجة أمره أن يستغفر فيما لله عليهم من تبعة أيضا فإذا صاروا في هذه الدرجة صاروا أهلا للاستشارة في الأمور، والشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام ومن لا يستشير فعزله واجب، هذا مالا خلاف فيه، وقد مدح الله المؤمنين بقوله: وأمرهم شورى بينهم، وواجب على الولاة مشاورة العلماء فيما لا يعلمون وفيما أشكل عليهم من أمور الدين ووجوه الجيش فيما يتعلق بالحرب ووجوه الناس فيما يتعلق بالمصالح ووجوه الكتاب والوزراء والعمال فيما يتعلق بمصالح البلاد وعمارتها، وكان يقال: ما ندم من استشار، ويقال أيضاً: من أعجب برأيه ضل.
إن قوله (تعالى): {وشاورهم في الأمر} يدل على جواز الاجتهاد في الأمور، والأخذ بالظنون مع إمكان الوحي فإن الله أذن لرسوله (صلى الله عليه وسلم) في ذلك واختلف أهل التأويل في المعنى الذي أمر الله نبيه (عليه السلام) أن يشاور فيه أصحابه فقالت طائفة: ذلك في مكائد الحروب، وعند لقاء العدو، وتطيبا لنفوسهم، ورفعا لأقدارهم، وتألفا على دينهم، وإن كان الله (تعالى) قد أغناه عن رأيهم، وكانت سادات العرب إذا لم يشاوروا في الأمر شق عليهم فأمر الله (تعالى) نبيه (عليه الصلاة و السلام) أن يشاورهم في الأمر فإن ذلك أعطف لهم عليه وأذهب لأضغانهم وأطيب
لنفوسهم فإذا شاورهم عرفوا إكرامه لهم وقال آخرون: ذلك فيما لم يأته فيه وحي وروي ذلك عن الحسن البصري وغبره قولهم: ما أمر الله (تعالى) نبيه بالمشاورة لحاجة منه إلى رأيهم وإنما أراد أن يعلمهم ما في المشاورة من الفضل ولتقتدي به أمته من بعده، كما أنه إذا استشير من هو أهل للاستشارة واجتهد في الصلاح وبذل جهده فوقعت الإشارة خطأ فلا غرامة عليه وبه قال بعض الفقهاء. (1/86)
صفحة 87
والشورى بركة وقال (عليه الصلاة والسلام): "ما ندم من استشار ولا خاب من استخار" (1) وقال بعضهم: شاور من جرب الأمور فإنه يعطيك من رأيه ما وقع عليه غالياً وأنت تأخذه مجانا، وقد جعل عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) الخلافة وهي أعظم النوازل شورى، وكانت الأئمة بعد النبي (صلى الله عليه وسلم) يستشيرون الأمناء من أهل العلم في الأمور المباحة ليأخذوا بأسهلها، وقال سفيان الثوري: ليكن أهل مشورتك أهل التقوى والأمانة ومن يخشى الله (تعالى) وقال الحسن: "والله ما تشاور قوم بينهم إلا هداهم لأفضل ما يحضر بهم".
والشورى مبنية على اختلاف الآراء والمستشير ينظر في ذلك الخلاف وينظر أقربها قولا إلى الكتاب والسنة إن أمكنه فإذا أرشده الله (تعالى) إلى ما شاء منه عزم عليه وأنفذه متوكلا عليه إذ هذه غاية الاجتهاد المطلوب وبهذا أمر الله (تعالى) نبيه في هذه الآية قوله (تعالى): {فإذا عزمت فتوكل على الله}. (2)
2- في سورة الشورى:
نجد في هذه السورة دليلا ثانيا على حجية الشورى وثبوت النص عليها في القرآن الكريم والسورة نفسها حملت اسم" الشورى" وهي قوله تعالى:{والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون} (3) .
__________
(1) ـ مسند الشهاب، لأبي عبد الله محمد بن سلامة بن جعفر القضاعي، ت454هـ، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1407هـ، ط2، تحقيق: حمدي بن عبد المجيد السلفي،2/7، بلفظ مخالف.
(2) ـ تفسير القرطبي، لأبي عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر القرطبي، ت671هـ، دار الشعب، القاهرة، 1372هـ، ط2، تحقيق: أحمد عبد العليم البروني، 4/294وما بعدها، بتصرف. وانظر تفسير الطبري، لمحمد بن جرير الطبري، ولد224هـ، ت310هـ، دار الفكر، بيروت، 1405هـ، 4/151 وما بعدها، بتصرف.
(3) ـ سورة الشورى، آية: 38. انظر: مبادىء الشورى في الإسلام مع المقارنة بمبادىء الديمقراطيات الغربية ص97. (1/87)
صفحة 88
وذكر في تفسيرها أنهم لا يبرمون أمرا حتى يتشاوروا فيه ليتساعدوا بآرائهم في مثل الحروب وما جرى مجراها كما قال تبارك وتعالى: {وشاورهم في الأمر} الآية ولهذا كان (صلى الله عليه وسلم) يشاورهم في الحروب ونحوها ليطيب بذلك قلوبهم (1) .
... وكان هذا المبدأ من المبادىء الإسلامية التي طبقها المصطفى (عليه الصلاة والسلام) والصحابة(رضوان الله عليهم) ثم التابعون، والسيرة النبوية العطرة مملوءة بالمواقف والشواهد العظيمة عن إعادة هذا المبدأ.
ذلك المبدأ الذي أعاد له أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز (رضي الله عنه) أهميته، وضرورة تطبيقه، وانتفاع المسلمين به، ولهذا كان أحد المبادىء القيادية التي قامت عليها دولته الإسلامية.
فقد أدرك (رضي الله عنه) أهميته على مستوى الفرد والأمة، فكان للمشورة في نظره تصور فكري ناجم عن إدراكه لفضل المشورة، إذ يقول: " إن المشورة والمناظرة باب رحمة، ومفتاح بركة، لا يضل معها رأي، ولا يفقد معها حزم". (2)
__________
(1) ـ تفسير ابن كثير، لأبي الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي، ت774هـ، دار الفكر، بيروت، 1401هـ، 4/119، بتصرف.
(2) _ أدب الدنيا والدين، لأبي الحسن علي بن محمد بن حبيب البصري الماوردي، ت450هـ، تحقيق: مصطفى السقا، دار الكتب العلمية، بيروت، دون تاريخ نشر، ص289. (1/88)
صفحة 89
فهو يرى أن الشورى باب من أبواب الرحمة للعباد، وبولي الأمر، وأنها مدخل للبركة؛ لأنه بها نصل إلى الرأي الراجح غالباً. ومن جهة أخرى فإن عمر بن عبد العزيز (رضي الله عنه) ينفي عن خبرة وإدراك أن الآراء لا تضل مع المشورة؛ لأن المستشير يجمع إلى عقله عقول من استشار، كما أن الحزم لا يُفْقَدُ عند المشاورة، كما يعتقد بعض الناس، بل إنه من الحزم أن لا يبرم أمرا، ولا يمضى عزما إلا بمشورة ذي العزم الناصح، ومطالعة ذي العقل الراجح؛ (1) لأجل ذلك دعا عمر (رضي الله عنه) بعشرة من فقهاء المدينة وكبار علمائها، وجعل منهم مجلسا استشاريا دائما حيث قال: " إني دعوتكم لأمر تؤجرون عليه، وتكونون فيه أعوانا على الحق، ما أريد أن أقطع أمرا إلا برأيكم، أو برأي من حضر منكم، فإن رأيتم أحدا يتعدى، أو بلغكم عن عامل لي ظلامة فأُحرج بالله على أحدٍ بلغه ذلك إلا بلغني، فجزوه خيرا وافترقوا". (2)
وللشورى أهمية عظيمة أدركها عمر بن عبد العزيز (رضي الله عنه) ومنها:
? أن الشورى ألفة للجماعة، ومسبار للعقول، وسبب في الصواب، وفيها الخير والبركة.
? أن الشورى فضيلة إنسانية، والطريق الصحيح لمعرف أصوب الآراء، والوصول إلى الحقيقة وجلاء الأمر؛ لأن العقول كالمصابيح إذا اجتمعت ازداد النور ووضح السبيل.
? الشورى أثر طبيعي لاحترام الإسلام للعقل، وأنها من مقتضى تكريم الله للإنسان، ودليل ذلك قوله (تعالى): {إني جاعل في الأرض خليفة (3) }.
? الشورى طريق إلى وحدة الأمة الإسلامية، ووحدة المشاعر الجماعية من خلال عرض المشكلات العامة وتبادل الآراء والحوارات لحلها.
? كما أن الشورى تربية للفرد على أداء وظيفته الاجتماعية عن طريق تهيئة الفرص له لأن يبرز في المجتمع وبذلك يربي ملكاته، وينمي قدراته حتى يكون أهلا للمشورة، وهذا فيه نماء لعلمه ومعارفه.
__________
(1) _ المصدر السابق، ص289.
(2) _ الطبقات، 5/334.
(3) ـ سورة البقرة، آية:30 (1/89)
صفحة 90
? ومن الناحية الأخلاقية فقد أدرك عمر أن الأخذ برأي شخص واحد وعدم الأخذ بالشورى فيه ظلم وإجحاف وتعسف في الرأي في غالب الأمر، وفيه نوع من تعظيم النفس واحتقار الآخرين.
? كما أن عدم الأخذ بهذا المبدأ العظيم فيه خيانة للأمانة والمسؤولية؛ لأن المرْء الذي يخشى الله لا مفر له من أن يشاور الناس فيما يتعلق بهم من أمور (1) .
ولهذا كله فإن من أسباب تخلف الأمة في أيامنا هذه هو ابتعادها عن الأخذ بمبدأ الشورى ذلك المبدأ القيادي العظيم الذي جاء به الإسلام وتشريعاته الحكمية.
3_ المطلب الثالث: التطبيق لمبدأ المساواة:
المساواة لغة: أصلها من قولهم: ساواه مساواة بمعنى ماثله، وعادله قدرا أو قيمة، ومنه قولهم: هذا يساوي درهما: أي تعادل قيمته درهما، وفي لغة قليلة سَوِيَ درهما من باب تعب ومنعها البعض، فقالوا: يقال: يساويه ولا يقال يسواه، قال بعض علماء اللغة: وقولهم: لا يسوى ليس عربيا صحيحا، واستوى الطعام أي: نضج. واستوى القوم في المال بمعنى لم يفضّل أحدهم على الآخر، واستوى على الفرس استقر، واستوى المكان اعتدل وسوّيته عدّلته (2) .
وفي الاصطلاح: اتفاقهما في الكمية. (3)
__________
(1) ـ تلخيص وتصرف من كتاب: الشورى وأثرها في الديمقراطية( دراسة مقارنة)، ص5، 6 ،7.وتفسير آيتي الشورى (سورة آل عمران،وسورة الشورى).و مبادىء الشورى في الإسلام مع المقارنة بمبادىء الديمقراطيات الغربية والنظم القديمة والمعاصرة، للدكتور: يعقوب المليجي، المكتب الجامعي الحديث، الإسكندرية، ص97، وما بعدها.
(2) ـ المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، للعلامة أحمد بن محمد بن علي المقري الفيومي، ت770هـ، دار القلم، بيروت، لبنان، 1/404، بتصرف.
(3) ـ الكليات ( معجم في المصطلحات والفروق اللغوية )، لأبي البقاء أيوب بن موسى الحسيني الكوفي، ت1094هـ، قام على تنظيمه وترتيبه: عدنان درويش، ومحمد المضري، مؤسسة الرسالة، ص843. (1/90)
صفحة 91
وأما مبدأ المساواة الإنسانية الذي جاء به الإسلام ونادى به، فأساسه: أن الإسلام يحترم الإنسان ويكرمه من حيث هو إنسان، لا من أي حيثية أخرى، الإنسان من أي سلالة كان، ومن أي لون كان، من غير تفرقة بين عنصر وعنصر، وبين قوم وقوم، وبين لون ولون، جاء مسقطاً لكل أنواع التفرقة القبلية والعنصرية والقومية واللونية. (1) فلا فضل لأبيض على أسود ولا لعربي على أعجمي إلا بالتقوى، والآيات القرآنية والأحاديث النبوية مملوءة بالشواهد والأدلة، فقوله تعالى:{يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم}. (2)
فليس التفاضل بالأنساب والقبائل و إنما التفاضل الحقيقي بالأمور الدينية وهي طاعة الله تعالى ومتابعة رسوله (صلى الله عليه وسلم)، ولهذا قال (تعالى) بعد النهي عن الغيبة واحتقار بعض الناس بعضا منبها على تساويهم في البشرية: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا} أي ليحصل التعارف بينهم كل يرجع إلى قبيلته وقوله تعالى: {إن أكرمكم} أي إنما تتفاضلون بالتقوى لا بالأحساب. (3)
__________
(1) ـ الخصائص العامة للإسلام، للدكتور: يوسف القرضاوي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ص94، بتصرف.
(2) ـ سورة الحجرات، الآية:13
(3) ـ تفسير ابن كثير، 4/218. (1/91)
صفحة 92
ومن السنة المطهرة قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) " أيها الناس ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى" (1) . وقال (عليه الصلاة والسلام): "كونوا عباد الله إخوانا لا تعادوا ولا تباغضوا سددوا وقاربوا وأبشروا" (2) ، وأنه (صلى الله عليه وسلم) قال:" إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ولا تحسسوا ولا تجسسوا ولا تنافسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا" (3) ففي هذه الأحاديث أطلق المصطفى عليه (الصلاة والسلام) على المسلمين لفظ الأخوة فهم متساوون في كل الحقوق، ومن أقوال الأئمة مثلا: قول الشافعي (4) : (رحمه الله) من أظهر العصبية بالكلام وتألف عليها ودعا إليها فهو مردود الشهادة ؛ لأنه أتى محرما لا اختلاف فيه بين علماء المسلمين، واحتج بأدلة من القران الكريم
ومن السنة المطهرة. (5)
__________
(1) ـ مسند الإمام أحمد، 5/411. بلفظه.
(2) ـ المصدر نفسه، 2/446، بلفظه.
(3) ـ رواه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظن والتجسس والتنافس، 4/1985 رقم الحديث: 2563، بلفظ مقارب، مصدر سابق.
(4) ـ هو أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي (رضي الله تعالى عنه) شرف العلم العمل به وشرف الحسب قربه من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فشرفه في العلم ما خصه الله (تعالى) به من تصرفه في وجوه العلم وتبسطه في فنون الحكم فاستنبط خفيات المعاني وشرح بفهمه الأصول والمباني. انظر: حلية الأولياء، 9/63وما بعدها، بتصرف.
(5) ـ سنن البيهقي الكبرى، لأحمد بن الحسين بن علي البيهقي، ولد348هـ ت 458هـ، مكتبة دار الباز، مكة المكرمة، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، 10/231، بتصرف. (1/92)
صفحة 93
ولقد شدد النبي (صلى الله عليه وسلم) في تطبيق الأحكام الشرعية، ومنع من المحاباة بين الحسيب والنسيب، ويظلم الضعيف غير النسيب، وإنه يروى في هذا أن امرأة من قريش سرقت عقب فتح مكة، فأهم قريشاً أن محمدا سيقطع يدها، فدفعوا إلى الرسول (صلى الله عليه وسلم) أسامة بن زيد (1) ، وكان حِبَّهُ، مع أنه ابن عبده الذي أعتقه، فذهب إلى النبي يستشفع لها فقال له: أتشفع في حد من حدود الله؟! ثم وقف بين الناس خطيبا، يقول: " ما بال أقوام يشفعون في حد من حدود الله، إنما هلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه، وإذا سرق الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها" (2) .
كما أنه لم يحصر المساواة في العقوبة بين القوي والضعيف، بل نظر نظرة أخرى لم يسبق إليها نظام، وذلك أنه بالنسبة للعقوبة قرر أن الجريمة تكبر من المجرم الكبير، والعقوبة تناسب الجريمة، فيجب أن تكبر مع كبر المجرم. (3)
__________
(1) ـ هو أسامة بن زيد بن حارثة بن أبو محمد ويقال أبو زيد ذلك كنيته الحب بن الحب مولى رسول لله (صلى الله عليه وسلم) وأمه أم أيمن حاضنة النبي (صلى الله عليه وسلم)، روى عن النبي (صلى الله عليه وسلم)، وعن أبيه، وأم سلمة، وروى عنه أبناه الحسن، ومحمد، وابن عباس، وأبو هريرة، استعمله رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على جيش فيه أبو بكر وعمر فلم ينفذ حتى توفي النبي (صلى الله عليه وسلم) فبعثه أبو بكر إلى الشام، وسكن المزة مدة ثم انتقل إلى المدينة فمات بها سنة 54هـ، وهو ابن 75. انظر: تهذيب التهذيب، 1/182، مصدر سابق، بتصرف.
(2) ـ صحيح البخاري، كتاب الحدود، باب كراهية الشفاعة في الحد إذا رفع إلى السلطان، 6/2491، رقم الحديث:(4606)، بلفظ قريب.
(3) _ تنظيم الإسلام للمجتمع، لشيخ محمد أبو زهرة، دار الفكر العربي،33،32. (1/93)
صفحة 94
ولقد وضح ذلك وضوحا تاما بما يتعلق بعقوبة العبيد وعقوبة الأحرار، فإنه جعل عقوبة العبد بالنسبة للعقوبات التي تقبل القسمة، على النصف من عقوبة الحر، ولذا فإذا زنا الحر جلد مئة جلدة، وإذا زنا العبد جلد خمسين جلدة، وإذا شرب الحر
خمرا جلد ثمانين جلدة، والعبد يجلد أربعين، وكذلك الأمة على النصف من عقوبة الحرة، ولقد قال (تعالى) في هذا:{ فإذا أحصن، فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب} (1)
ولكن نرى القانون الروماني خلاف ذلك تماما، فالزنا من العبد يوجب القتل، والزنا من عضو الشيخ يوجب غرامة مالية، ولهذا فإن الحكم الروماني ظالم لاعدل فيه، وحكم الإسلام هو الحكم الحقيقي. (2)
كما أن أكثر القوانين الحاضرة لا تجعل الجريمة من رئيس الدولة لها عقوبة؛ حيث إنها تعتبر ذات رئيس الدولة مصونة لا تمس، فمنزلتهم كمنزلة المقدسين.
ولقد برىء الإسلام من كل هذا؛ حيث أجمع الفقهاء تقريباً على أن الولاة والأمراء والقادة مؤاخذون في القضية كسائر الناس، فإذا قتلوا إنسانا كان عليهم القتل إن كان بغير حق، وإن أخذوا مالا بالباطل وجب أخذه منهم، وإن قيامه بشؤون الدولة لا يعفيه من العقاب. (3) وقد يختلف الناس في أنسابهم، وأحسابهم فيكون منهم من ينتهي إلى أسرة عريقة في المجد، ومنهم من ينتهي إلى أسرة صغيرة مغمورة في الناس.وقد يختلفون في أجناسهم وعناصرهم فيكون منهم الآري، والعربي، والعجمي، والحامي، والسامي.وقد يتفاوتون في ثرواتهم فيكون منهم الغني، ومنهم الفقير، ومنهم المتوسط الحال.
كما أنهم قد يتفاوتون في أعمالهم، ومناصبهم، فيكون منهم الحاكم، ومنهم المحكوم، ومنهم المهندس، ومنهم العامل الصغير، ومنهم المدرس، ومنهم الحارس ببابها.
__________
(1) ـ سورة النساء: الآية: 25.
(2) ـ تنظيم الإسلام للمجتمع، لشيخ محمد أبو زهرة، بدون تحقيق ولا طبعة، ص34،33، بتصرف.
(3) ـ المصدر السابق،ص35،34، بتصرف. (1/94)
صفحة 95
ولكن هذا الاختلاف أو ذلك التفاوت لا يجعل للإنسان قيمة أكبر من الآخر، بسبب جنسه، أو حسبه، أو ثروته، أو طبقته، أو عمله، أو أي اعتبار آخر.
إن القيمة الإنسانية واحدة للجميع. فالعجمي إنسان، والعربي إنسان، والحاكم إنسان، والمحكوم إنسان، والأبيض إنسان، والأسود إنسان، والغني إنسان، والفقير إنسان، ورب العمل إنسان، والعامل إنسان، والرجل إنسان، والمرأة إنسان، والحر إنسان، والعبد إنسان، ومادام كلهم إناسيَّ فهم سواسية كأسنان المشط الواحد.
ولهذا فقد اعتبر الإسلام الاعتداء على نفس أي إنسان اعتداء على الإنسانية كلها كما جعل إنقاذ أي نفس إنقاذا للجميع، فقد قال (تعالى): {أنّه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا (1) }. (2)
هذا المبدأ الذي تركه خلفاء بني أمية ولم يعلموا ما هو القصد والغاية منه فلم يسووا بين الرعية ولم يعدلوا بين المسلمين العرب وبين المسلمين غير العرب ومنه قيام ثورة البربر في المغرب الإسلامي على الأمويين بسبب السياسة الرعناء التي تعملوا بها فكانوا يعاملون البربر كأنهم عبيدٌ وهم أسيادٌ. (3)
إلا أن عمر بن عبد العزيز (رضي الله عنه) أدرك مبدأ المساواة لأمرين: أولهما: أنه أحد المبادىء التي دعا إليها الإسلام، وثانيهما: يقينه بحاجة المسؤول لتطبيق ذلك المبدأ، كبرت مسؤوليته أم صغرت، واقتناعه بجدوى بل بضرورة التطبيق في وقت اتسعت فيه رقعة البلاد الإسلامية وكثرت فيه الرعية من المسلمين، وغير المسلمين.
وللدلالة على اهتمام عمر بن عبد العزيز (رضي الله عنه) بهذا المبدأ نورد بعض المواقف التي تدل على إعادته لهذا المبدأ العظيم الذي تغافل عنه أغلب حكام بني أمية.
__________
(1) _ سورة المائدة: الآية32.
(2) ـ الخصائص العامة للإسلام، ص96،95، مصدر سبق ذكره، بتصرف.
(3) _ الكامل، 5/59، مصدر سابق. (1/95)
صفحة 96
فقد كان أول مؤشر على رغبته في تطبيق مبدأ المساواة، حين أقسم أنه يود أن يساوي في المعيشة بين نفسه ولحمته حيث خطب الناس قائلاً:"..... أم والله لو وددت أنه بدىء بي وبلحمتي التي أنا منها، حتى يستوي عيشنا وعيشكم أم والله لو
أردت غير هذا من الكلام لكان اللسان به مني منبسطاً، ولكنت بأسبابه عارفا، ثم وضع طرف ردائه على وجهه فبكى وبكى الناس معه" (1) .
ومنه أنه ساوى بين أمراء وأشراف بني أمية وبين الناس عامة فمنع عنهم العطايا والأرزاق الخاصة وقال لهم حين كلموه في ذلك:" لن يتسع مالي لكم، وأما هذا المال (2) فإنما حقكم فيه كحق رجل، بأقصى برك الغماد". (3)
وعندما رأى خلفاء بني أمية قد استحوذوا على أراضٍ واسعة كانت حقا للمسلمين أعلن قائلا: نرى أن الحمى يباح للمسلمين عامة، وقد كانت تحمى فتجعل فيها نعم الصدقات، فيكون في ذلك قوة ونفع لأهل فرائض الصدقات وأدخل فيها وطعن فيها طاعن من الناس ترك حماها والتنزَّه عنها خيرا إذا كان ذلك من أمرها، وإنما الإمام فيها كرجل من المسلمين، إنما هو الغيث ينزله الله لعباده فهم فيه سواء (4) .
كما أنه ساوى بين المسلمين ومن أسلم من النصارى واليهود حيث قال:" فمن أسلم من نصرانيٍّ أو يهوديٍّ أو مجوسيٍّ من أهل الجزية اليوم فخالط عمَّ المسلمين في دارهم، وفارق داره التي كان بها، فإن له ما للمسلمين وعليه ما عليهم، وعليهم أن يخالطوه وأن يواسوه، غير أن أرضه وداره إنما هي من فيء الله على المسلمين عامة (5) .
__________
(1) _ سيرة عمر بن عبد العزيز، لابن عبد الحكم، ص117،116.
(2) _ أي المال الذي في بيت مال المسلمين.
(3) _ تاريخ الخلفاء، لجلال الدين عبد الرحمن السيوطي، ت911هـ، دار الفكر، بيروت، ص 237،236.
(4) _ سيرة عمر، لابن عبد الحكم، ص86.
(5) _ المصدر السابق، ص84. (1/96)
صفحة 97
لقد أكد عمر (رضي الله عنه) على الأخذ بمبدأ المساواة حيث نهى ولاته من أن يقدسوا الملوك قائلا:"أما بعد؛ فإن ناساً من الناس قد التمسوا بعمل الآخرة الدنيا، وإنَّما مصيرهم ومرجعهم إلى الله بعد الموت. وقد بلغني أن ناسا من القُصَّاص قد أحدثوا الصلاة على أمرائهم، عدل ما يصلون على النبي (صلى الله عليه وسلم)، فإذا جاءك كتابي هذا فمر القصاص فليجعلوا صلاتهم على النبي (صلى الله عليه وسلم)، خاصة، وليكن دعاؤهم للمؤمنين والمسلمين عامة، وليدعوا ما سوى ذلك. والسلام" (1) .
ولم يكن عمر مكتفيا بالأخذ بمبدأ المساواة بنفسه فحسب بل كان يأمر عماله وولاته بذلك، فقد كتب إلى عامله على المدينة يقول له:" اخرج للناس فآس بينهم في المجلس والمنظر. ولا يكن أحد الناس آثر عندك من أحد، ولا تقولنَّ هؤلاء من أهل بيت أمير المؤمنين، فإن أهل بيت أمير المؤمنين وغيرهم عندي اليوم سواء بل أنا أحرى أن أظن بأهل بيت أمير المؤمنين أنهم يقهرون من نازعهم" (2) . وغيرها كثير كثير.
ولذا يتضح لنا جلياً إعادة عمر بن عبد العزيز (رضوان الله عليه) لهذا المبدأ العظيم في قيادته للأمة الإسلامية.
المبحث الثاني: تطبيق عمر بن عبد العزيز لهذه المبادىء في خلافته، وفيه ثلاثة مطالب:
1- المطلب الأول: التطبيق لمبدأ الحاكمية لله:
تمهيد:
خلقَ الله سبحانه وتعالى الناس كلّهم موحدين، إلاّ أن التغير الذي طرأ على المرء غيره وأبدله من التوحيد إلى اليهوديةِ أو النصرانية أو المجوسية؛ حيث قال المصطفى: «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانهِ أو يمجسانه» (3) .
__________
(1) _ سيرة ومناقب عمر بن عبد العزيز، لابن الجوزي، ص273.
(2) _ الطبقات، لابن سعد، 5/343.
(3) _ رواه مسلم، كتاب القدر، باب كل مولود يولد على الفطرة، وحكم موت أطفال الكفار وأطفال المسلمين، 4/2047، رقم الحديث: 2658، بلفظ قريب، مصدر سابق. (1/97)
صفحة 98
فالإنسان منذ ولادته خُلقَ وهو موحّد لله إلا أنّ أبويهِ أبدلاه؛ ولهذا فالكافر قبل المسلم يعلم علم اليقينِ أن الله (سبحانه وتعالى) هو الخالق لكل شيءٍ، وهو المالك لكل ما خلق، وهو المدبّر لأمر هذا الكون وما فيه، وعند التسليم بهذه الحقائق نعلم ويعلم كلُّ إنسان أن الله جعل القرآن الكريم دستورًا يسيرُ على نهجه المسلمونَ، ويحتكمون إليهِ، في حين نرى كثيرًا من الدول تسعى جاهدةً لسن القوانين، والأحكام الوضعية، والتي مهما بذل فيها من الجهود فهي قاصرة عن الإيفاء بما يصلح البشر، بخلاف المسلمين، فإنّ الله أغناهم بالكتاب الكريم والسنة المطهّرة. هذا الكتاب الذي تكفل الله بحفظه، والذي لا يأتيه الباطل من أيّ طريقٍ، ولو حاول الأعداء وبذلوا الجهود للغزو الفكري؛ لأجل هذا فإن تطبيق مبدأ الحاكمية لله وحده أمر تعبدي، أقرته شهادة أنه (لا إله إلا الله)، والتي تعني في مدلولها أنه لا خالق، ولا رازق، ولا محيي، ولا مميت، ولا نافع، ولا ضار، ولا شرعَ، ولا محلِّل ولا محرّم إلا الله (1) .
ومن هذا المنطلقِ، وفي إطارِ تطبيقات عمر بن عبد العزيز (رضي الله عنه)لهذا المبدأ فإنّه خليفة يحكم بلادًا لا تكادُ تغرب عنها الشمس فإذا ضعف أو تراخى فإنّها تَفْلت من بين يديه وتنفصل عنه مستغلّة وهنه وعجزه، فتحصل الثورات وتكثر الفتن، وهو أمرٌ لم يفكر بها أحدٌ طول فترة خلافته؛ حتى بني أميّة على الرّغم من إنصافه بينهم، وبين عامّة الناس لم يخطر ببال أحدهم أن ينشق أو يرفع عصا العصيان، أو يدبّر تقسيمًا للإمبراطورية الواسعة الرجاء، والمترامية الأطرافِ (2) .
__________
(1) _ النظام السياسي في الإسلام، للدكتور، لأبي فارس محمد عبد القادر، الاتحاد الإسلامي العالمي للمنظمات الطلابية بالكويت تسلسل (61)، دار القرآن الكريم، بيروت، 1404هـ، ص23.
(2) _ سيرة عمر بن عبد العزيز خامس الخلفاء الراشدين، لعفت وصال حمزة، دار ابن حزم، بيروت، الطبعة الأولى، ص211. (1/98)
صفحة 99
فهو يعلم (رضي الله عنه) أنّه لا يمكن تطبيق مبدأ الحاكمية لله إلا بالعمل بالكتاب والسنة، ولهذا كان عاملاً بها، وبسيرة الخلفاء الراشدين؛ حيث تمكّن في قلبه حبّ الصحابة والسلف الصالح من الأمّة، استجابة لدافع الإيمانِ، وتقديرًا لرابطةِ أخوّة المؤمنين، وقال مما يدلّ على اتباعه للكتاب والسنّة: «سنَّ رسول الله وخلفاؤه بعده سننًا، الأخذ بها تصديق بكتاب الله واستعمال لطاعة الله، ليس لأحدٍ تغييرها ولا تبديلها...» (1) .
لقد كان لا يعرف (رضي الله عنه) مصدرًا للعلم والعمل إلا الالتزام بالكتاب والسنة، مع الاهتداء بسيرة الخلفاء الراشدين منبعًا في ذلك قول رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «تركت فيكم شيئين، لن تضلّوا بعدهما: كتاب الله وسنّتي، ولن يتفرّقا حتّى يردا عليّ الحوض (2) » (3) .
إن في التزام عمر بن عبد العزيز بالكتاب والسنة أثر عظيم في تكوينه، فمنذ أن تولى الخلافة احتجب عن الناس ثلاثة أيام لا يدخل عليه أحد، ووجوه بني أمية وأشراف الجنود والعرب والقادة على بابه ينظرون، فجلس للناس بعد ثلاث وحملهم على شريعة من الحق فعرفوها، فردَّ المظالم و أحيا الكتاب والسنة، وسار
بالعدل، ورفض مغريات الدنيا، وتجرّد لإحياء أمر الله فلم يزل على ذلك حتّى قبضه الله (عزّ وجل) (4) .
__________
(1) _ عمر بن عبد العزيز خامس الخلفاء الراشدين، للعبد الستار، ص203.
(2) _ رواه أحمد، 5/181، رقم الحديث: 21618، بلفظ بعيد.
(3) _ الخليفة الراشد العادل عمر بن عبد العزيز، للدكتور: وهبة الزحيلي، ص144، 145، مصدر سابق.
(4) _ سيرة عمر بن عبد العزيز، لابن عبد الحكم، ص39، مصدر سابق. (1/99)
صفحة 100
لقد ظهر واضحًا في سياسة عمر (رضي الله عنه)أنّه قام بتطبيق مبدأ الحاكمية لله وحده، فها هو ما كاد يستلم زمام الأمور حتّى كشف للناس سياسته عندما قال بعد حمد الله والثناء عليه: أيّها الناس إنّه لا كتاب بعد القرآن الكريم، ولا نبي بعد محمد (صلى الله عليه وسلم) ألا إنّي لست بفارض ولكنّي منفذ، ولست بمبتدع ولكني متبع (1) .
وكان يقول مما يدل على ورعه وتواضعه واتباعه لما أمر الله: يا ليتني قد عملت فيكم بكتاب الله، وعملتم به، فكلما عملت فيكم بسنة وقع مني عضو؛ حتّى يكون آخر شيء منها خروج نفسي» (2) .
ومرّ عمر (رضي الله عنه) يومًا على رجلٍ بيده حصاة يلعب بها، ويقول: اللهم زوجني من الحور العين، فسمعه عمر فقال له: بئس الخاطب أنت ! ألا ألقيْت الحصاة، وأخلصت الدعاء لله؟ (3) .
ولزامًا على عمر بن عبد العزيز وهو متبعًا للكتاب الكريم، والسنة المطهّرة، ومستمعًا لنصائح الصادقين، ومواعظ الزاهدين، واجتماعه بالعلماء العاملين لتذكر الموت، والوقوف بين يدي الله، وتذكر الجنّة والنار، والخشية والخوف من الله؛ حيث بدت أمارات التقوى، وعلامات الإحسان، وهو لا يزال صغيرًا، فأخذ يترقّى في منازل الخشية، ويزداد صعودًا في مدارجها (4) .
__________
(1) _ سيرة عمر بن عبد العزيز، للعفت وصال حمزة، ص211، 212، مصدر سابق، وانظر: الخليفة الراشد العادل عمر بن عبد العزيز، للزحيلي، ص145، مصدر سابق.
(2) _ الخليفة الراشد العادل عمر، للزحيلي، ص145.
(3) _ سيرة ومناقب عمر بن عبد العزيز، لابن الجوزي، ص79.
(4) _ عمر بن عبد العزيز خامس الخلفاء الراشدين، للعبد الستار، ص109، 110، مصدر سابق. (1/100)
صفحة 101
ونتيجة لهذا الخوف الذي طبعه الحكم بالله كذلك في عمر بن عبد العزيز ها هو يقول لزوجته فاطمة: «يا فاطمة إنّي أخاف النار، يا فاطمة { إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (1) } (2) ؛ لأجل ذلك اجتهد عمر بن عبد العزيز (رضي الله عنه) لإنشاء دولة إسلامية قائمة على الحق، فأرسل إلى عماله حاثًّا لهم باتباع ما أمره الله، واجتناب ما نهى عنه (3) .
كما دعاهم إلى الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وكل هذا بسبب اتباعه لمبدأ الحاكمية لله، فها هو يقول: «... وإن مما على أنفسنا، وأنفس أولئك مما أمر الله به من الأمر بالمعروف، والنهي عن النكر، فلا يظهرون محرماً إلا انتقموا ممن فعله منهم من كنتم ومن كانوا، وقول ما قال: إن لنا في أنفسنا شغلاً ولسنا من الناس في شيء، ولو أن أهل طاعة الله رجع رأيهم إلى ذلك ما عمل لله بطاعة ولا تناهوا له عن معصية، ولقهر المبطلون المحقين، فصار الناس كالأنعام أو أضل سبيلاً» (4) .
ولقد جاء بنو مروان من عشيرته يوماً، وأخذوا في المزاح، فقال لهم: «لهذا أجمعتم لأخسِّ الحديث وما يورث الضغائن؟! إذا اجتمعتم فأفيضوا في كتاب الله تعالى، فإن تعديتم ذلك ففي السنة عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم)فإن تعديتم ذلك فعليكم بمعاني الحديث» (5) .
__________
(1) _ سورة الأنعام، الآية:15.
(2) _ سيرة عمر بن عبد العزيز، لابن عبد الحكيم، ص48، وانظر: عمر بن عبد العزيز، للسعد عبد السلام حبيب، دار الفكر العربي، بيروت، الطبعة الأولى، ص97.
(3) _ سيرة عمر بن عبد العزيز، لابن عبد الحكم، ص81.
(4) _ المصدر السابق ص142، 143، 144.
(5) _ عمر بن عبد العزيز خامس الخلفاء الراشدين، للعبد الستار الشيخ، ص204. (1/101)
صفحة 102
ولهذا فعلى المربين من آباءٍ ومعلمين أن يغرسوا تطبيق هذا المبدأ في نفوس الناشئة والمتعلمين ليخرج لنا جيلاً قادرًا على الدفاع عن هذا الدين العظيم الذي دارت عليه الأعداء، ونظرت إليه العيون حاملة في ملامحها الحقد والكراهية، ومتربصة غفلة هذه الأمة.
ولذا فعلينا كمسلمين أن نعي هذا المبدأ ونطبقه في سائر حياتنا؛ إذ ليس الإسلام كلمات رنّانة تقال في الخطب والمحاظرات بدون عمل؛ بل هو عمل وقول فقد قال (تعالى): { أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ } (1) .
2- المطلب الثاني: التطبيق لمبدأ الشورى: وفيه نذكر بإيجاز التطبيقات لهذا المبدأ في عهد المصطفى (صلى الله عليه وسلم)، وبعض الخلفاء الراشدين، ثم نذكر الخليفة الخامس عمر بن عبد العزيز (رضي الله عنهم جميعا):
? عهد القدوة المصطفى (صلى الله عليه وسلم):
... عندما أتاه (صلى الله عليه وسلم) في غزوة بدر الخبر عن قريش بمسيرهم ليمنعوا عيرهم استشار النبي (صلى الله عليه وسلم) الناس وأخبرهم عن قريش فقام أبو بكر (رضي الله عنه) فقال: فأحسن، ثم قام عمر بن الخطاب فقال: فأحسن، ثم قام المقداد بن عمرو (2) فقال يا رسول الله: امض لما أراك الله فنحن معك والله لا نقول
كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك
__________
(1) _ سورة البقرة، الآية: 85.
(2) _ هو صاحب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وأحد السابقين الأولين، وهو المقداد بن عمرو بن ثعلبة بن مالك بن ربيعة، ويقال له: المقداد بن الأسود؛ لأنه ربي في حجر الأسود بن عبد، شهد المقداد بدرا والمشاهد وثبت أنه كان يوم بدر فارسا عاش نحو سبعين سنة مات في سنة ثلاث وثلاثين، وصلى عليه عثمان بن عفان وقبره بالبقيع (رضي الله عنه). انظر: سير أعلام النبلاء، 1/385، مصدر سابق. (1/102)
صفحة 103
الغماد يعني مدينة الحبشة لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه فقال له رسول (الله صلى الله عليه وسلم): خيرا ودعا له بخير" (1)
وفي غزوة أحد جمع أهل الكفر الجموع حتى نزلوا في وادي مما يلي المدينة فلما سمع بهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) والمسلمون قد نزلوا حيث نزلوا قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) للمسلمين: إني قد رأيت بقراً فأولتها خيرا ورأيت في ذباب
__________
(1) ـ تاريخ الطبري، 2/31، مصدر سابق. (1/103)
صفحة 104
سيفي ثلما، ورأيت أني أدخلت يدي في درع حصينة فأولتها المدينة فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم حيث نزلوا فإن أقاموا، أقاموا بشر مقام، وإن هم دخلوا علينا قاتلناهم فيها، ونزلت قريش منزلها من أحد يوم الأربعاء فأقاموا به ذلك اليوم ويوم الخميس، ويوم الجمعة وراح رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حين صلى الجمعة فأصبح بالشعب من أحد فالتقوا يوم السبت للنصف من شوال وكان رأيُ عبدالله بن أبي سلول (1)
__________
(1) _ هو عبد الله بن أبي سلول يكنى بأبي الحباب بابنه الحباب، وكان رأس المنافقين، وممن تولى كبر الإفك في عائشة، كان عبد الله بن أبى سلول من أشراف الخزرج، وكانت الخزرج قد اجتمعت على أن يتوجوه ويسندوا أمرهم إليه قبل مبعث النبي (صلى الله عليه وسلم) فلما جاء الله بالإسلام نفس على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) النبوة، وأخذته العزة فلم يخلص للإسلام، وأضمر النفاق حسدا وبغيا، وهو الذي قال في غزوة تبوك: ليخرجن الأعز منها الأذل. انظر: الاستيعاب، 3/940، مصدر سابق.. (1/104)
صفحة 105
مع رأي رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في ذلك ألا يخرج إليهم وكان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يكره الخروج من المدينة فقال رجال من المسلمين ممن أكرمه الله بالشهادة يوم أحد وغيرهم ممن كان فاته بدر وحضوره: يا رسول الله اخرج بنا إلى أعدائنا أنَّا جبنا عنهم وضعفنا، فقال عبدالله بن أبي سلول: يا رسول الله أقم بالمدينة، ولا تخرج إليهم فوالله ما خرجنا منها إلى عدو لنا قط إلا أصاب منا ولا دخلها علينا إلا أصبنا منه فدعهم يا رسول الله فإن أقاموا، أقاموا بشر مجلس، وإن دخلوا قاتلهم الرجال في وجوههم ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم، وإن رجعوا، رجعوا خائبين كما جاؤوا فلم يزل الناس برسول الله (صلى الله عليه وسلم) الذين كان من أمرهم حب لقاء القوم حتى دخل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فلبس عدته وذلك يوم الجمعة، ثم خرج عليهم وقد ندم الناس وقالوا: استكرهنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ولم يكن ذلك لنا (1) . والأمثلة في ذلك كثيرة جدا.
? وفي مرض أبي بكر الصديق (رضي الله عنه) استشار أصحابه في عمر بن الخطاب ولما أراد العقد له دعا عبد الرحمن بن عوف (2) ، فقال: أخبرني عن عمر، فقال: يا خليفة رسول الله، هو والله أفضل من رأيك فيه من رجل، ولكن فيه غلظه. فقال أبو بكر: ذلك؛ لأنه يراني رقيقا، ولو أفضى الأمر إليه لترك كثيرا مما هو عليه.
... ... ثم دعا عثمان بن عفان (3) فقال: يا أبا عبد الله أخبرني عن عمر قال: أنت أخبر به، فقال أبو بكر: علي ذلك يا أبا عبد الرحمن، قال: اللهم علمي به أنّ سريرته خير من علانيته وأن ليس فينا مثله. وشاور غيرهم من الصحابة (4) .
__________
(1) ـ المصدر السابق، 2/59، وما بعدها، بتصرف.
(2) _ تأتي ترجمته.
(3) _ تأتي ترجمته.
(4) ـ أبو بكر الصديق الأول وصاحب الرفقة في الغار، لخير الله طلفاح، دون تحقيق ولا طبعة، 12/ 140،149. (1/105)
صفحة 106
? أما في عهد عمر الفاروق (رضي الله عنه) فنذكر فيه مثالا عظيما على تطبيق هذا المبدأ العظيم، وهو أن عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) حين طُعِنَ وحضرته الوفاة جعل الأمر بعده شورى في ستة نفر وهم عثمان (1)
__________
(1) ـ هو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي أبو عمرو وأبو عبد الله ويقال: أبو ليلى أمير المؤمنين ذو النورين (رضي الله عنه) ويقال: أمه أروى وأمها أم حكيم بنت عبد المطلب أسلم قديما وهاجر الهجرتين وتزوج ابنتي رسول الله (صلى الله عليه وسلم) واحدة بعد أخرى روى عن النبي (صلى الله عليه وسلم) وعن أبي بكر وعمر (رضي الله عنهما) روى عنه أولاده أبان، وسعيد، وعمرو، ومواليه حمران، وهانئ وآخرون، ولد بعد الفيل بست سنين، وهو أول من هاجر إلى أرض الحبشة ولم يشهد بدرا لتخلفه على تمريض زوجته رقية بنت رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة وأحد الستة أصحاب الشورى الذين أخبر عمر أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مات وهو عنهم راض حمل عثمان في جيش العسرة على ألف بعير وسبعين فرسا، وكان ربعة حسن الوجه رقيق البشرة عظيم اللحية أسمر اللون، وقالت عائشة: لقد قتلوه وإنه لمن أوصلهم للرحم، وأتقاهم لربه بويع له بالخلافة بعد دفن عمر بثلاثة أيام، وذلك غرة المحرم سنة 24، وقتل في وسط أيام التشريق سنة 35، وقيل: يوم التروية ذلك ومناقبه وفضائله كثيرة شهيرة (رضي الله عنه). انظر: تهذيب التهذيب، 7/127، مصدر سابق ، بتصرف.. (1/106)
صفحة 107
وعلي (1)
__________
(1) ـ هو علي بن أبي طالب بن عبد مناف بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف أبو الحسن الهاشمي أمير المؤمنين كناه رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وأمه فاطمة بنت أسد، روى عن أبي بكر وعمر والمقداد بن= =الأسود، وزوجته فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وروى عنه أولاده الحسن والحسين المعروف بابن الحنفية، وعمر وفاطمة، أسلم علي وهو ابن خمس عشرة سنة شهد بدرا وأحدا وسائر المشاهد وأنه أبلى ببدر، وأحد، والخندق، وخيبر البلاء العظيم، وكان لواء رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بيده في مواطن كثيرة، ولم يتخلف إلا في تبوك خلَّفه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على المدينة، قتله عبد الرحمن بن ملجم في ليلة الجمعة لثلاث عشرة خلت من رمضان سنة 4، وقيل: في أول ليلة في العشر الأواخر، انظر: تهذيب التهذيب، 7/294، مصدر سابق. (1/107)
صفحة 108
وطلحة (1) والزبير (2) وسعد (3) وعبد الرحمن بن عوف (4) (رضي الله عنهم جميعا).
فاجتمع رأي الصحابة كلهم (رضي الله عنهم) على تقديم عثمان عليهم (رضي الله عنهم). (5)
__________
(1) ـ هو طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب القرشي التيمي المكي أبو محمد أحد العشرة المشهود لهم بالجنة له عدة أحاديث عن النبي (صلى الله عليه وسلم). انظر: سير أعلام النبلاء، 1/23، وما بعدها، مصدر سابق.
(2) ـ هو الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد أبو عبد الله القرشي الأسدي، روى عنه عبد الله بن الزبير، وغيرهم، انظر: الجرح والتعديل، 3/578، مصدر سابق.
(3) ـ هو سعد بن أبي وقاص واسمه مالك بن أهيب ويقال: وهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب الزهري أبو إسحاق أسلم قديما وهاجر قبل رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وهو أول من رمى بسهم في سبيل الله وشهد بدرا والمشاهد كلها، روى عن النبي (صلى الله عليه وسلم)، وعن خولة بنت حكيم، وروى عنه= =أولاده إبراهيم ، وقد تولى قتال فارس وفتح الله على يديه القادسية، ودفن بالبقيع واختلف في تاريخ وفاته فقيل: مات سنة إحدى وخمسين. انظر: تهذيب التهذيب،3/419، مصدر سابق.
(4) ـ هو عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف الزهري أبو محمد القرشي شهد بدرا، وروى عنه بنوه إبراهيم وحميد وأبو سلمة ومصعب وعمر بنو عبد الرحمن بن عوف وغيرهم. انظر: الجرح والتعديل، 5/247، مصدر سابق.
(5) _ قصة وفاة عمر بن الخطاب(رضي الله عنه)، مكتبة دبولي، القاهرة، تحقيق: عمر زينهم محمد عزب، ط1، 1410هـ، ص42. (1/108)
صفحة 109
? ومن تطبيق مبدأ الشورى في عهد علي بن أبي طالب (كرم الله) وجهه أنه عندما قتل عثمان (رضي الله عنه) قام علي بن أبي طالب، ودخل منزله فأتاه أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقالوا: إن هذا الرجل قد قتل ولا بد للناس من إمام ولا نجد اليوم أحدا أحق بهذا الأمر منك لا أقدم سابقة ولا أقرب من رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فقال: لا تفعلوا فإني أكون وزيرا خير من أكون أميرا فقالوا: لا والله ما
نحن بفاعلين حتى نبايعك قال: ففي المسجد فإن بيعتي لا تكون خفيا ولا تكون إلا عن رضا المسلمين فلما دخل، دخل المهاجرون والأنصار فبايعوه ثم بايعه الناس. (1)
والذين بايعوا علي (كرم الله وجهه) هم خيرة المسلمين وأعلمهم بأمور الدين.
? أما في عهد عمر بن عبد العزيز فقد أعيد تطبيق هذا المبدأ الإسلامي بعد أن تناساه أغلب حكام بني أمية فقد أدرك أهميته، وضرورة تطبيقه، فقد كان يقول: إن المشورة والمناظرة باب رحمة، ومفتاح بركة، لا يضل معهما رأي، ولا يفقد معهما حزم.
__________
(1) ـ تاريخ الطبري، 2/697، مصدر سبق ذكره، بتصرف. (1/109)
صفحة 110
ولقد كان (رضي الله عنه) دائما في طلبه المشورة والنصح من العلماء والفقهاء في خلافته لدولة الإسلامية، ومنه قول محمد بن كعب القرظي (1) لعمر بن عبد العزيز: لا تصحب من الأصحاب من خطرك عنده على قدر قضاء حاجته، فإذا انقطعت حاجته انقطعت أسباب مودته، اصحب من الأصحاب: ذا العلى في الخير، والأناة في الحق، يعينك على نفسك، ويكفيك مؤنته (2) .
كما كان (رضي الله عنه) يرى أن الشورى واجبة على من يلي القضاء، وكان يقول: " خَمْس إذا أخطأ القاضي منهن خصلة (3) كانت فيه وصمة (4) : أن يكون فهماً، حكيماً، عفيفاً، صليباً، عالماً، سؤولاً عن العلم".
__________
(1) ـ هو محمد بن كعب القرظي أبو حمزة سكن الكوفة ثم تحول الى المدينة، روى عن أبي هريرة، وأنس بن مالك، وزيد بن أرقم، وابن عباس، وروى عنه محمد بن المنكدر، وزيد بن أسلم، والحكم بن عتيبة، وعاصم ابن كليب، وعثمان بن حكيم، وأبو معشر، وموسى بن عبيدة، وأبو صخر. سُئِلَ أبو زرعة عن محمد بن كعب القرظي، فقال: مدينى ثقة. انظر: الجرح والتعديل،8/67، مصدر سابق، بتصرف.
(2) ـ سيرة ومناقب عمر بن عبد العزيز الخليفة الزاهد، ص17،16 مصدر سابق، بتصرف.
(3) _ أي الصفة.
(4) ـ وصم : الوَصْمُ: العيب في الحَسَب؛ وجمعه وُصومٌ، قال: أَرى المالَ يَغْشى ذا الوُصوم فلا تُرى ويُدْعى من الأَشْراف أَن كان غانيا، ورجل مَوْصومُ الحسَب إِذا كان مَعيباً. ووَصَمَ الشيءَ: عابه. انظر: لسان العرب، 12/639، مصدر سابق، بتصرف. (1/110)
صفحة 111
... وسُئِلَ (رحمه الله) عن القاضي، فقال: القاضي لا ينبغي أن يكون قاضيا حتى يكون فيه خمس خصال: "عفيف، حكيم، عالم بما كان قبله، يستشير أولي اللباب (1) ، لا يبالي بملامة الناس". (2)
وكان كثير الأخذ بالشورى، كما كان (رحمه الله) لا يقضي في قضيةٍ حتى يسأل سعيد بن المسيب. وكان أول ما عمله حين قدم المدينة المنورة أميرا عليها، أن عين مجلس الشورى من كبار علماء المدينة، بعد أن جمع علماءها ومنهم: عروة
__________
(1) ـ لبب : لُبُّ: كلِّ شيءٍ، ولُبابُه: خالِصُه وخِيارُه، وقد غَلَبَ اللُّبُّ على ما يؤكل داخلُه، ويُرْمى خارجُه من الثَّمر، والمراد هنا خلاص الشيء وخياره. انظر: لسان العرب، 1/729.
(2) ـ موسوعة فقه عمر بن عبد العزيز، أ.د: محمد رواس قلعه جي، ( قسم الفقه وأصول الفقه ـ كلية الشريعة والدراسة الإسلامية، جامعة الكويت، مجلس النشر العلمي، الكويت)، ص527. (1/111)
صفحة 112
ابن الزبير (1) ، وسالم بن عبد الله بن عمر (2) ، وعبد الله بن عبد الله بن عمر (3) وغيرهم، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: إني دعوتكم لأمر تؤجرون عليه، وتكونون فيه أعوانا على الحق، وما أريد أن أقطع أمرا إلا برأي من حضر منكم، فإن رأيتم أحدا يتعدى، أو بلغكم من عامل لي ظلاَمه فأُحرج بالله على أحد بلغ ذلك إلا أبلغني، فجْزوه خيرا وافترقوا. (4)
ولذلك فإن هناك عدة نقاط علينا العمل بها عند تطبيق مبدأ الشورى وعيها عمر بن عبد العزيز(رضي الله عنه) وعمل بها:
? أن تكون النية هي امتثال أمر الله عز وجل، واحتساب الأجر عند الله بتبني هذا المبدأ.
? تجنب المشاورة في الأمور المنصوص عليها شرعا، والتي ليست مجالا للاجتهاد وإبداء الرأي.
__________
(1) ـ هو عروة بن الزبير بن العوام القرشي من أهل المدينة كنيته أبو عبد الله أخو عبد الله بن الزبير أمهما أسماء بنت أبي بكر الصديق، روى عن عائشة، وأبيه، وعبد الله بن عمرو، وروى عنه الزهري، وكان من أفاضل أهل المدينة وعلمائهم ويقرأ كل يوم ربع القرآن في المصحف، قطعت رجله وذلك أن الأكلة وقعت فيها فنشرها فما زاد على أن قال: الحمد لله، واختلف فمنهم من قال: إنه مات سنة تسع وتسعين، ومنهم من قال: سنة إحدى ومائة، وقيل: سنة خمس وتسعين. انظر: الثقات، 5/194، مصدر سابق، بتصرف.
(2) ـ سبقت ترجمته.
(3) ـ هو عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي أبو عبد الرحمن المدني، روى عن أبيه، وأبي هريرة، وأسماء بنت زيد بن الخطاب، وعنه ابنه عبد العزيز، وابن أخيه عبد الله بن واقد، والقاسم بن محمد، ومحمد بن جعفر بن الزبير، ونافع مولى ابن عمر، وغيرهم، كان ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: مات سنة خمس ومائة وقيل: مات أول خلافة هشام. انظر: تهذيب التهذيب، 5/250، مصدر سابق، بتصرف.
(4) ـ موسوعة فقه عمر بن عبد العزيز، مصدر سابق، ص528، بتصرف. (1/112)
صفحة 113
? أن تكون المشاورة في أهل العلم، والصلاح، والأمانة، والتقى، والمعنيين بهذا الأمر والمتخصصين به.
? تشكيل لجان للقيام بمبدأ الشورى، ومناقشة ما قد يطرأ من مستجدات.
? الأخذ بالنقد البناء من أفراد القرية أو المدينة أو الدولة أو الأمة الإسلامية بأسرها والذي يعمل على إصلاح ما يلمسونه من ثغرات في تطبيق المبدأ.
? الاهتمام بآراء الناشئة والمتعلمين، وتشجيعهم على العمل بهذا المبدأ في الأيام والسنين القادمة وغير ذلك.
وخلاصة الحديث فعلى الأمة الإسلامية الأخذ بهذا المبدأ لتعود إلى أمجادها وكرامتها، وعزتها، التي صارت في زماننا أمجادا منسية، وكرامة زائفة، وعزة ضائعة، ومع هذا كله فإن الله ناصر لهذه الأمة (1) مهما وصل أهل الكفر من تقدم علمي؛ حيث قال تعالى: { لا يغرنَّك تقلب الذين كفروا في البلاد } (2)
3ـ المطلب الثالث: التطبيق لمبدأ المساواة:
بعد أن جاء مفهوم المساواة الإنسانية بين الناس في كتاب الله، وسنة رسول (الله صلى الله عليه وسلم) أمرا جليا واضحا، فقد طبقه الخلفاء الراشدون، والأئمة الثقاة من بعد المصطفى (صلى الله عليه وسلم).
وقبل البدأ في الحديث عن عمر بن عبد العزيز نذكر تطبيق جده الفاروق حتى تكون الصورة ظاهرة.
ومنه أنه قال (رضي الله عنه):" القوي منكم ضعيف حتى آخذ الحق منه، والضعيف قوي، حتى أخذ الحق له".
__________
(1) _ تلخيص وتصرف من الكتب الآتية: موسوعة فقه عمر بن عبد العزيز، ص528،527،526. انظر: سيرة ومناقب عمر بن عبد العزيز، ص18،17،16. انظر: تنظيم الإسلام للمجتمع، ص40،32. انظر: تفسير ابن كثير، 4/ 218.
(2) _ سورة آل عمران، الآية:196. (1/113)
صفحة 114
وقد نفذ ذلك القول تنفيذا دقيقا، وكان يخشى أن يتطاول بنوه وأقرباؤه على الناس لصلتهم به، فكان إذا أمر أمرا، أو نهى عن أمر أحضر بنيه وقال لهم: " لقد أمرت الناس اليوم بكذا، والله لو أوتي بمخالف منكم غلا ضاعفت له العقاب، ولقد قال لأبي موسى الأشعري (1) عندما ولاّه القضاء:" سوِّ بين الخصمين في مجلسك وإشارتك وإقبالك".
ومنه أن أميرا من أمراء الغساسنة كان يطوف بالبيت فوطأ إزاره شابا من فزاره، فلطمه الأمير فجدع أنفه، فذهب الفزاري إلى عمر بن الخطاب، وشكا الأمر لديه، فقال عمر: له القصاص أو يعفوا عنك. فقال: كيف وأنا أمير وهو سوقه؟!. فقال عمر: لقد سوى الإسلام بينكما، فلا تفضيل إلا بتقوى والعافية، فأخذ الأمير يسترضي الشاب العربي فأبى إلا القصاص فما كان من ذلك إلا أن فر إلى الروم، وما أهم عمر ذلك فإنه خير للإسلام أن يخرج منه ألوف لم يعمر الإيمان قلوبهم من أن يقر
ظالما، أو يأخذ بالهوادة ظالما، فالظلم ينفر أهل الحق، والعدل يقرب ذو القلوب الطاهرة التي تتجه إلى الحق تبتغيه، وهؤلاء مهما قل عددهم أوقر خيرا وأعظم أجرا. (2)
__________
(1) _ هو أبو موسى الأشعري عبد الله بن قيس بن سليم ين حضار بن حرب الإمام الكبير صاحب رسول لله (صلىالله عليه وسلم)، حدث عنه بريدة بن الحصيب، وأبو أمامة الباهلي، وأبو سعيد الخدري، وأنس بن مالك، أسلم أبو موسى بمكة، وهاجر إلى الحبشة، وأول مشاهده خيبر مات سنة اثنتين وأربعين على قول. انظر: سير أعلام النبلاء، 2/380، 382.
(2) _ تنظيم الإسلام للمجتمع، للشيخ محمد أبو زهرة، ص35،33. (1/114)
صفحة 115
فلهذا كان عمر بن عبد العزيز مطبقا كذلك لهذا المبدأ وكيف وهو الذي يريد التأسي بجده الفاروق، ومنه كان (رضي الله عنه) ينهى سليمان بن عبد الملك عن قتل الحرورية (1) ، ويقول: ضمنهم الحبوس حتى يحدثوا توبة، فأتى سليمان بحروري مستقتل، فقال سليمان: عليّ بعمر بن عبد العزيز.
فلما أتاه عمر، عاود سليمان الحروري فقال: ماذا تقول؟ فقال: ماذا أقول يا فاسق ابن الفسق؟! فقال سليمان لعمر: ماذا ترى عليّ يا أبا حفص؟ فسكت. فقال: عزمت عليك لتخبرني ماذا ترى عليه؟ قال: أرى عليك أن تشتمه كما شتمك، وتشتم أباه كما شتم أباك. فقال سليمان: أليس إلا؟ قال: ليس إلا. فلم يرجع سليمان إلى قوله، فأمر بضرب عنقه. (2)
ولا أدري بصحة هذه الرواية؛ لأنه من الصعب أن يطلب عمر بن عبد العزيز من سليمان أن يسب أباه، ولكن الأولى أن يتصرف تصرفاً غير هذا.
ومنه (رضي الله عنه) خطبته في التذكير بالموت، وحبه المساواة بالرعية، حيث قال:" يا أيها الناس، ثم خنقته العبرة ثم سكت، فقال: يا أيها الناس! ثم خنقته العبرة فسكت، ثم قال: يا أيها الناس! إن امرءاً أصبح ليس بينه وبين آدم أب حي لمعرق له في الموت. أيها الناس ألا ترون أنكم في أسلاب الهالكين، وفي بيوت الميتين، وفي دور الظاعنين جيرانا كانوا معكم بالأمس، أصبحوا في دور الخامدين، بين آمنٍ روحه إلى
__________
(1) _ الحرورية: المراد بهم الخوارج الذين خالفوا علي بن أبي طالب (كرم الله وجهه)، وسموا بذلك نسبة إلى حروراء وهي قرية بظاهر الكوفة، وقيل: موضع ميلين نزل به الخوارج الذين خالفوه. انظر: معجم البلدان، لشهاب الدين أبي عبد الله ياقوت الحموي، دار صادر، بيروت، دون طبعة ولا تحقيق، 2/245.
(2) ـ سيرة ومناقب عمر بن عبد العزيز، ص49، مصدر سابق ، بتصرف. (1/115)
صفحة 116
يوم القيامة، وبين معذب روحه إلى يوم القيامة، ثم تحملونه على أعناقكم، ثم تضعونه في بطن من الأرض، بعد غضارة من العيش، وتلذذ في الدنيا، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون، أمَ والله لوَددِتُ أنه بُدىء بي وبلحمتي التي أنا منها، حتى يستوي عيشنا وعيشكم، أمَ والله لو أردت غير هذا من الكلام لكان اللسان به مني منبسطا، ولكنت بأسبابه عارفا، ثم وضع طرف ردائه على وجهه فبكى وبكى الناس معه" (1) .
المبحث الثالث: من الوظائف التي قام بها عمر بن عبد العزيز في ضبط خلافته، وفيه أربعة مطالب:
1_ المطلب الأول: التنظيم :
يعرف التنظيم بأنه الترتيب ووضع الأشخاص أو الأشياء في الأماكن بحيث تصلح للعمل والإنتاج.
وهذا تعريف عام أما التعريف العلمي :
توزيع العمل إلى جزيئات ثم توزيع ذلك على العاملين، وبذلك ينتظم العمل ويعرف كل واحد مسؤولياته وصلاحياته.
والتنظيم موهبة وفطرة يهبها الله لمخلوقاته، من إنسان، وحيوان، وحشرات، وسائر المخلوقات ففي البشر يمكن لكل واحد منا أن يلاحظ من حوله الاستعداد الفطري للتنظيم من عدمه. (2)
ومن مظاهر التنظيم لعمر بن عبد العزيز (رضي الله عنه) أنه ترك مظاهر البذخ والإسراف التي سادت قبله فقد طغت عليه مظاهر الورع والزهد والدين والصيانة والتقشف منذ استخلافه . (3)
لذا من غير الممكن أن يقوم القائد بتنظيم أمته وتوجيهها وقيادتها القيادة الناجحة؛ حتى يكون هو القدوة لها والمثل الأعلى الذي يحتذى به؛ من أجل هذا فقد بدأ عمر بن عبد العزيز (رضي الله عنه) بنفسه قبل أن يبدأ بالناس فنظمها، وأصلحها، وطهرها ثم بدأ بغيره فها هو يقول:
__________
(1) _ سيرة عمر بن عبد العزيز، لابن عبد الحكم، ص116، 117.
(2) 1_ الإدارة في الإسلام الفكر والتطبيق، لدكتور: عبد الرحمن الضحيان، الطبعة الثانية، دار عالم الكتب لنشر و التوزيع، الرياض، ص90.
(3) 2_ عمر بن عبد العزيز وسياسته في رد المظالم، ص115. (1/116)
صفحة 117
" لقد سن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وخلفائه من بعده سننا ... الأخذ بها اعتصام كتاب الله، وقوة لدين الله ليس لأحد تبديلها ولا تغيرها ولا الركون لأمر خالفها.... فمن اهتدى بها، فهو المهتد ... ومن استنصر بها، فهو المنصور... ومن تركها واتبع غير سبيل المؤمنين، ولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم وساءت مصيرا...". (1)
فقد بين (رضي الله عنه) أن العمل لطاعة الله لا يكون بالهوى واتباع النفس أو على رأي الخليفة وما يسنه ويشرعه وإنما ما شرعه الله وسنه. لذلك كان عمر بن عبد العزيز (رضي الله عنه) أهلاً بأن يكون قدوة للتنظيم. (2)
وعندما ولي الخلافة كتب ثلاثة كتب ولم يؤخرها؛ حيث رأى أنه محاسب على تأخيرها فأمضاها وهذا بيان على تنظيمه. (3) ومن أعظم تنظيماته (رضي الله عنه) والتي نعود ونذكرها دائما هو نهيه من سب الإمام علي (كرم الله وجهه) والتي كانت تثير الحقد، والبغضاء، والشحناء بين المسلمين، وتثير ما كمن في النفوس من ذكريات مؤلمة. وبدلها بقوله تعالى: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون} (4) ، وقيل إنه أمر بقراءة الآية (5) : {ربنا اغفر لنا وإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم} (6) .
__________
(1) _ عمر بن عبد العزيز، سعد عبد السلام، ص105.
(2) _ سيرة عمر بن عبد العزيز، لابن عبد الحكم، ص36
(3) _ المصدر السابق، ص36.
(4) _ سورة النحل، الآية (90).
(5) _ سيرة عمر بن عبد العزيز، لعفت وصال حمزة، ص258.
(6) _ سورة الحشر، الآية (10). (1/117)
صفحة 118
ولا ننس أنه (رضي الله عنه) قام بإصلاحات كل ما رآه فاسدا، أو فيه ضرر بالأمة. فبسط يمينه بالإنجازات العظيمة، والأعمال المتنوعة الجليلة، والتي أعادت بالفائدة على العباد والبلاد؛ (1) حيث كان الولاة قبله يجرون على إجمار مسجد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) للجُمَع، وتطييبه في شهر رمضان من العُشْر والصدقة، فعندما ولي عمر (رضي الله عنه) كتب بقطع ذلك، وبمحو آثار ذلك الطيب عن المسجد (2) .
كما كان (رضي الله عنه) يتحرى وضع الأموال العامة في مواضعها الصحيحة، ورد لها كرامتها وحرمتها، وأخذ يبحث عن الفقراء، والمساكين، والمحتاجين؛ ليرفع عنهم المسغبة، ويسد جوعهم، ويدخل الفرحة إلى بيوتهم، ويعيد البسمة إلى أطفالهم، كما أنه قام بتعبيد الطرقات، وتسهيل الثنايا، والمعابر للناس، وحفر الآبار بالمدينة، وأنشأ الخانات (3) على طريق الحجاج الوافدين إلى الحرمين الشريفين؛ لتسهيل قيامهم بالمناسك كما أنه (رضي الله عنه) اهتم اهتماما كبيراً بالمسجد النبوي الشريف (4) فوسعه وضم حجر أمهات المؤمنين إليه. وقام بهدم السقوف القصيرة، وسائر حجر أزواج النبي (صلى الله عليه وسلم) حيث ضمها إلى المسجد، ما عدا حجرة السيدة عائشة (رضي الله عنها) فأدخلها فيه، فدخل القبر في المسجد. وشرَع في بنائه، وشمَّر عن إزاره، وجاءته الفعلة والبناءون من الشام فبنى، ووسع وزخرف، وجوف المحراب، ورفع المنارة، فكان أول من أحدث تجويف المحاريب في المساجد وحين بنى المئذنة انتشرت المآذن ببلاد المسلمين تشبها بمآذن الشام. (5)
__________
(1) _ عمر بن عبد العزيز خامس الخلفاء الراشدين، عبد الستار الشيخ، ص336 بتصرف .
(2) _ الطبقات، لابن سعد، 5/399.
(3) _ أماكن يرتاح بها الناس كالفنادق.
(4) _ سيرة عمر بن عبد العزيز، لعفت وصال حمزة، ص168.
(5) _ الخليفة الراشد العادل عمر بن عبد العزيز، وهبة الزحيلي، ص124،125، بتصرف. (1/118)
صفحة 119
فليس بغريب أن يقوم عمر (رضي الله عنه) بهذه الإصلاحات؛ حيث كان جده عمر ابن الخطاب يتفقد أحوال الرعية في النهار، ويعيش في شوارع المدينة؛ ليكشف عن الكروب المخبوءة، ويحارب الرذائل والمجون، ولكن لا يهتك أستار البيوت؛ بل يحارب ما أُعْلِنت فيه المعاصي فأصدر الأوامر بإلغاء المراقص والملاهي، وأماكن المجون والشراب، التي تنشر مفاسدها على الناس ويرتادها الساقطون من الذين يستمعون إلى الجواري والقانيات وغنائهن. (1)
ومن القصص العجيبة التي ذكرها بعض الكُتَّاب مخالفةً لنزاهة عمر وورعه وتقواه وهي أنه اشْتُهِر بجارية ذات حسن وظرف وغناء في المدينة، وكانت مع القاضي أبي بكر بن حزم (2) ولم يكن يعلم أنها تغني فعلم بذلك من شاب جاء المدينة طالبا لها، فطلب القاضي منها الغناء فغنت، فَسُرَّ القاضي بغنائها، واستخفَّهُ الطرب، وطلب منها أن تغني مرة أخرى، فغشيه من الطرب أمر عظيم، فجثا على ركبتيه، وعلَّق نعله على أذنه وشدَّها والنعل معلقة فيها حتى أدماها ومشى على ركبتيه، وهو يقول:" اهدوني إلى البيت الحرام فأنا بدنه (3) . فعلم عمر بذلك. فقال: "قاتله الله! لقد استرقه الطرب!"، وعزله، فلما علم القاضي بذلك قال: " لو سمعها عمر لقال: اركبوني فأنا مطية" فعَلِمَ عمر بن عبد العزيز بذلك فطلب القاضي والجارية وسأله عما قاله، فأعاد، وقال مؤكدا: " نسائي طوالق إن لم يحدث لك هذا" فلما سمِع عمر غناءها اضطرب وقد فاضت عيونه من الدمع حتى اخضلت لحيته، وعذر القاضي وأرجعه. (4)
__________
(1) _ سيرة عمر بن عبد العزيز، لعفت وصال حمزة، ص167.
(2) _ تأتي ترجمته.
(3) _ ما يذبح في الحج.
(4) _ عمر بن عبد العزيز خامس الخلفاء الراشدين، لعبد الرحمن الشرقاوي، ص60،61. (1/119)
صفحة 120
ومن الغريب أن يقال عن عمر بن عبد العزيز هذه المقولة التي فيها من الافتراء والظلم العظيمين ما فيها، وهو الذي زهد من هذه الدنيا، ولم تلهه ملهياتها، فكيف بعبد الرحمن الشرقاوي يؤمن بذلك ؟! ثم كيف يعيد عمر القاضي مرة أخرى إلى
منصب القضاء؟ ولقد كان أبو بكر بن حزم من العلماء الثقات الأجلاء فكيف يقال فيه هذا؟! وأراه كلام واهٍ وحديثاً لا مستند ولا دليل ولا حجة فيه.
ولقد كانت خلافة بني أمية تسودها المذاهب السياسية والطوائف المتناحرة، من تفضيل أهل الشام والثقة بهم أو الاهتمام بأهل العراق والاعتماد عليهم، ومنهم من
ينادي بسيادة أهل الحضر، ومنهم من ينادي بسيادة الأعراب، وأهل البادية. وبنو هاشم كانوا مهضومي الحقوق. ولا تقام لهم المكانة التي تليق بهم ....
فقام عمر بن عبد العزيز (رضي الله عنه) يعالج هذه التركة القاتلة، والمجتمع الممزق؛ بالحكمة والمنطق والبرهان القويم والتنظيم متبعا المناظرة، والمجادلة، والمحاورة، والمكاتبة، والمراسلة، والموعظة، وكل أسلوب يوحد الصف، ولا تراق قطرة دم فنفخ فيهم من روحه الطاهرة العُمَرية نفخةً طهرت المجتمع من أوضارة فبعث فيهم روحا جديدة تتواءم مع روح الخليفة، فتعايشت مع بعضها في وئام وإخاء وثيق متراحم، فأخذ كل حقه، وأخذ كل بحقه، وكلُ هذا نابع من تنظيمه وتعديله (1) .
كما أنه (رضي الله عنه) حرم السخرة بأنواعها، وألغى الحجابة والحراسة والحُجَّاب، وأمر بفتح الأبواب للناس والمظلومين.
__________
(1) _ عمر بن عبد العزيز خامس الخلفاء الراشدين لعبد الستار الشيخ، ص338، بتصرف (1/120)
صفحة 121
وأعلن العمل بمبدأ حرية الملاحة في البحار والتجارة لكل شخص عدا الإمام والولاة وموظفي الدولة؛ لكي لا يستغلوا مناصبهم فيدخل عليهم الكسب الحرام، ومن تنظيماته أنه عمل على مراقبة الأسعار لمنع الطمع والجشع والغش، ووحد المكيال في جميع أمصار الدولة، وشجع على استصلاح الأراضي، وإحياء الأموات، وزراعة البور، وإعطائها الأكفأ الذي يعمل فيها، ويصلحها فينتفع، وينفع الناس أجمعين (1) .
وكذلك فإن من شدة تنظيمه وخوفه على أموال المسلمين بأن كتب إلى عماله أن لا يكتبن في طومار (2) ، ولا يمد فيه (3) كما أنه وحد المكيال والميزان. (4)
ومن تنظيماته أنه اهتم اهتماما كبيرا نحو القضاء، باعتباره سبيلا إلى حماية حقوق الناس، وصيانتها من الضياع في خضم المنازعات التي كثيرا ما تقع بينهم، ولا يخلو منها أي مجتمع، ولا ريب في أن القاضي بشخصيته ذات الصفات من النزاهة، والعدالة، والعلم، والذكاء، وقوة الشخصية، هي عماد كل إصلاح، وأساس كل نجاح. (5)
كما أنه اهتم بإصلاح السجون، ورعاية المسجونين، وأمر ولاته بتفقد أحوال المساجين أسبوعيا، وأن لا يسجنوا أحدا لا يستطيع بسبب الوثاق من تمام الصلاة، كما أمر بكسائهم صيفا وشتاء (6) .
__________
(1) _ المصدر السابق، ص337.
(2) _ أي صحيفة.
(3) _ سيرة ومناقب عمر بن عبد العزيز الخليفة الزاهد، لابن الجوزي، ص88.
(4) _ سيرة عمر بن عبد العزيز، لابن عبد الحكم، ص87.
(5) _ عمر بن عبد العزيز وسياسته في رد المظالم، ص123، بتصرف.
(6) _ المصدر السابق، ص 132. (1/121)
صفحة 122
كما ظهر ورعه وتقواه (رضي الله عنه) عندما هدم كل ما لسلطة من استعلاء وظلم ويظهر ذلك عندما جيء بمراكب الخلافة (1) ، فقال: ما هذه؟ فأخبروه فقال: (رضي الله عنه) مالي ولها أبعدوها عني دابتي أوفق لي! فجاؤا له ببغلته ....! وصرفت الدواب بعد أن أمر عمر بن عبد العزيز (رضي الله عنه) ببيعها، وضم ثمنها إلى بيت مال المسلمين (2) .
فكان نتيجة تنظيمه (رضي الله عنه) بأن تدفقه إلى خزينة الدولة من الزكاة وغيرها من الموارد الأخرى ما هو كفيل بأن يقوم بكل هذه الأعباء والتكاليف فوجدت الأيدي الأمينة، والعقل السليم في تصريفها (3) .
والعجيب أن الموارد التي تملكها الدول الإسلامية بكافة أنواعها وأقصد بذلك الموارد الطبيعية ( النفط – المعادن – الأراضي الزراعية ) ما هو كفيل بسد حاجات هذه الأمة من جميع الاحتياجات، وعيش الفرد المسلم عيشا فيه من الكرامة والعزة والراحة ما فيه، إلا أن سوء الاستغلال، وعدم التنظيم ما جعل هذه الأمة هي أشد الأمم احتياجا وفقرا، فبينما هؤلاء الزعماء والقادة في حياة مترفة يعيش كثيرا من أبناء هذه الأمة في فقر مدقع والله المستعان.
2_ المطلب الثاني: التوجيه:
تمهيد:
__________
(1) _ هي: الخيول والبغال والبراذن التي لم تركب قط وتجعل لكل خليفة.
(2) _ عمر بن عبد العزيز، لعبد السلام، ص53.
(3) _ عمر بن عبد العزيز، عبد الستار الشيخ، ص329، مصدر سابق، بتصرف. (1/122)
صفحة 123
التوجيه أحد مبادئ والوظائف، أو ما تسمى بالعمليات القيادية أو الإدارية لأي قائد أو مدير في أي مستوى. وهذه الوظيفة لها في الفكر الإسلامي ومصادره الأساسية ( القرآن الكريم والسنة النبوية ) رصيدا كبيرا من الآيات القرآنية الكريمة، والأحاديث النبوية الشريفة، والتي توجه البشر بصفة خاصة إلى سلوك الطريق القويم, طريق الله المستقيم الذي يوجد ويهدي إلى الجنة، والبعد عن طريق الشيطان الذي يوجه إلى الجحيم. لذلك فإن هذه العملية لها رصيد كبير في مصادرنا الأساسية، بل جُلَّ القرآن الكريم والسنة النبوية. إن التوجيه هداية إلى سلوك الطريق القويم في القول والعمل، مع إشاعة روح التعاون والرضا للوصول إلى الهدف المطلوب من الجميع تحقيقه، ولا ننس تأكيد حسن القدوة في التوجيه .
تعريف التوجيه:
هو فن وقدرة المدير على السير الصحيح بمن تحت إمرته، وهدايتهم وتوجيههم، مع إشاعة روح الود، والحب، والرضا، والتفاني، والانتماء للعمل؛ حتى يتحقق الهدف المطلوب تحقيقه .
*من طرق التوجيه ووسائلة:
1- القول المباشر بين القائد أو الزعيم أو المدير ومن هو تحت إمرته.
2- الكتابة من القائد أو الزعيم إلى الرعية بتوجيهه لهم وإرشاده.
3- الأسلوب العملي عن طريق نزول القائد إلى ميدان العمل.
* من الآيات القرآنية الكريمة الدالة على التوجيه والإرشاد :-
قوله تعالى: { ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن}. (1)
يبين الله سبحانه في هذه الآية أن التوجيه والإرشاد والدعوة إلى سبيله لا تكون إلاّ بالكلمات الطيبة الحسنة القائمة على النصيحة والموعظة، والتفاهم والتشاور بين القائد والمقاد والزعيم والمزعوم والعامل ورب العمل وبذلك يتحقق الهدف النافع للطرفين.
__________
(1) _ سورة النمل، الآية:125. (1/123)
صفحة 124
وقوله تعالى: {فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك، فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله} (1)
فالآية توجيه للقائد والداعية والزعيم المسلم بأن يكون لينا هينا في تعامله مع البعد عن القسوة والغلظة، فيكون شديدا بلا عنف ولينا من غير ضعف، فيحصل ما يريده الجميع من خير وحسن إنتاج . (2)
إن عمر بن عبد العزيز بشخصيته الفذة لم يترك مجالا فيه صلاح الأمة ورفعتها في الدنيا والآخرة، إلا وأقبل عليه، وبذل لهم جسمه ووقته وجهده وراحته. برحمة وشفقة وحنان نبيل، كالأم تحنو على وليدها! فتراه (رضي الله عنه) يحضر صلواتهم ومساجدهم، ويخطبهم فيهم بالجمع والأعياد وغيرها، ويجلس معهم في حلقات العلم ويحضر جنائزهم، ويستغفر الله معهم ويدعوا لهم ويناصحهم، ويدلهم على الخيرات، ويرشدهم إلى الفضائل والمكرمات. فانغمس مع عامة المؤمنين فأصبح لا يعرف أين هو منهم ؟!.
ومنه أن عمر بن عبد العزيز شهد جنازة في يوم ماطر، فكبر أربعاً، فأقبل رجلٌ فأجلسه بجنبه وغطاه، ثم بدأ يحمل الجنازة فجعل يمين الجنازة على شقه الأيسر، ثم حمل مؤخر السرير على شقه الأيمن، ثم مشى أمام الجنازة والناس يمشون خلف الجنازة. فحين فرغ من القبر مسح يده عليه، وأشار بإصبعيه اللهم اغفر وارحم، واعف عمَّا تعلم. ويقوم (رضي الله عنه) من هذه الحلقة، فيجلس مع هذه الحلقة، فربما جاء الغريب الذي لا يعرفه, فيسأل عن أمير المؤمنين وفي أي حلقة هو, ويقف ولا يدري أين هو حتى يشار إليه : هذا أمير المؤمنين. (3)
__________
(1) _ سورة آل عمران، الآية: 159.
(2) _ الإدارة في الإسلام، ص113، ص114، مصدر سابق، بتصرف.
(3) _ عمر بن عبد العزيز خامس الخلفاء الراشدين، لعبد الستار الشيخ، ص 334، 335 . (1/124)
صفحة 125
وسوف نعرض بعض من توجيهاته وإرشاداته (1) التي ملأ بها رعيته فذكرمن اهتمامه بالتوجيه والإرشاد أنه عزم (رضي الله عنه) على تعليم الرعية وحملهم على الشريعة، وقال (رضي الله عنه): إن للإسلام حدود وشرائع وسننا، فمن عمل بها استكمل الإيمان، ومن لم يعمل بها لم يستكمل الإيمان فإن أعش أعلمكموها وأحملكم عليها، وإن متُّ فما أنا على صحبتكم بحريص. (2)
وخطب خطبة لم يخطب مثلها حتى مات (رضي الله عنه) ناصحاً لهذه الرعية موجهاً لها حيث قال:
" أيها الناس، إنكم لم تخلقوا عبثا، ولم تتركوا سدى، وإن لكم معادا يحكم الله فيه بينكم، فخاب وخسر من خرج من رحمة الله التي وسعت كل شيء، وحُرِمَ الجنة التي عرضها السماوات والأرض، واعلموا أن الأمان غداً لمن خاف ربه وباع قليلاً بكثير، وفانياً بباقٍ، ألا ترون أنكم في أسلاب الهالكين وسيخلفها من بعدكم الباقون، كذلك حتى تردوا إلى خير الوارثين.ثم أنتم في كل يوم تشيعون غادياً ورائحاً إلى الله، قد قضى نحب وبلغ أجله، ثم تغيبون في صدع من الأرض، ثم تدعون غير موسد ولا ممهد، قد خلع الأسباب، وفارق الأحباب، وواجه الحساب، غنياً عما ترك فقيراً إلى ما قدم. وايم الله، إني لا أقول لكم هذه المقالة، وما أعلم عند أحد منكم من
الذنوب أكثر مما عندي، فأستغفر الله لي ولكم. وما تبلغنا حاجة يتسع لها ما عندنا إلاّ سددناها، ولا أحد منكم إلاّ وددت أن يده مع يدي، ويحمي الذين يلونني حتى يستوي عيشنا وعيشكم .
وايم الله، أن لو أردت غير هذا من عيش أو غضارة لكن اللسان مني ناطقا ذلولا عالماً بأسبابه، لكنه مضى من الله كتاب ناطق وسنة عادلة، دل فيها على طاعته، ونهى فيها عن معصيته (3) ".
__________
(1) _ سبق ذكر توجيهاته لأبنائه يرجع الفصل الأول.
(2) _ سيرة عمر بن عبد العزيز، لابن عبد الحكم، ص60
(3) _ الخليفة الراشد العادل عمر بن عبدالعزيز، د. وهبة الرحيلي، ص 16، 75 (1/125)
صفحة 126
فهذه الخطبة العظيمة تضمنت التنويه بقيمة الإنسان وكونه ذا رسالة عظمى في هذه الحياة، فما عليه إلاّ تعمير دنياه بالعمل الصالح، استعداد للأخرة؛ لأن الدنيا دار فناء والآخرة دار بقاء، والموت المنتظر مصير الكائنات جميعها، والآجال محتومة، ولا ينفع أحداً بعد موته إلاّ عمله وإحسانه، وكل امرئ بحاجة إلى رحمة الله وغفران ذنوبه، والحساب أمامه عسير ودقيق على كل ما قدم وأخر . (1)
ومن توجيهاته (رضي الله عنه) ومناصحتهم لهم، قوله :
" أيها الناس، من ألم بذنب فليستغفر الله (عز وجل) وليتب. فإن عاد فليستغفر وليتب. فإن عاد فليستغفر الله وليتب، فإنما هي خطايا مطوقه في أعناق الرجال وإن الهلاك كل الهلاك، الأحرار عليها ". (2)
"ألا إن أفضل العبادة أداء الفرائض واجتناب المحارم، أيها الناس، اتقوا الله وأجملوا في الطلب، فإنه إن كان لأحدكم رزق في رأس جبل أو حضيض أرض يأتيه قيدوا نعمة الله بالشكر لله عز وجل ليس تقوى الله بصيام النهار، وقيان الليل، والتخليط فيما بين ذلك، ولكن تقوى الله : ترك ما حرم الله، وأداء ما افترض الله. فمن رزق بعد ذلك خيرا ً، فهو خير إلى خير ". (3)
ولقد قال إلى أحد عماله على خراسان ناصحاً مرشداً موجهاً إياه في أداء عمله فقال : إن العمل والعلم قريبان، فكن عالماً بالله عاملاً له، فإن أقواماً علموا ولم يعملوا، فكان عليهم وبالا . (4)
__________
(1) _ المصدر السابق، ص 76.
(2) _عمر بن عبد العزيز خامس الخلفاء الراشدين، لعبد الستار الشيخ، ص335
(3) _ المصدر السابق ص 335،336
(4) _ تاريخ الأمم والملوك، لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري، تحقيق : محمد بن أبي الفضل إبراهيم، دار سويدان، بيروت، بدون تاريخ نشر، 6/ 567. (1/126)
صفحة 127
كما كتب أبو بكر محمد بن عمرو بن حزم (1) إلى عمر بن عبد العزيز وكان عامله على المدينة المنورة : " سلام عليك. أما بعد، فإن أشياخنا من الأنصار قد بلغوا أسناناً ولم يبلغوا الشرف من العطاء، فإن رأى أمسر المؤمنين أن يبلغ لهم الشرف من العطاء، فليفعل "
وكتب إليه في صحيفة أخرى: " سلام عليك. أما بعد، فإن من كان قبلي من أمراء المدينة يجرى عليهم برزق في شمعته، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأمر لي برزق شمعة فليفعل".
وكتب إليه في صحيفة أخرى: " سلام عليك. أما بعد، فإن بني عدي بن النجار، أخوال رسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - )، انهدم مسجدهم فإن رأى أمير المؤمنين، أن يأمر لهم ببنائه فليفعل ".
فأجابه عمر بن عبد العزيز (رضي الله عنه) في صحيفة واحدة قائلاً:
" سلام عليك. أما بعد، جاءني كتابك تذكر أن أشياخا من الأنصار قد بلغوا أسنانا، ولم يبلغوا الشرف من العطاء، وإنما الشرف شرف الآخرة، فلا أعرفن ما كتبت به إليَّ في نحو هذا .
وجاءني كتابك تذكر أن من كان قبلك من أمراء المدينة كان يجري عليهم رزق من شمعه، ولعمري يا ابن أم حزم لطالما مشيت إلى مسجد رسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) في الظلمة لا يمشي بين يديك بالشمع، ولا يوجف خلفك أبناء المهاجرين والأنصار، فارض لنفسك اليوم ترضى به قبل اليوم.
__________
(1) _ أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري الخزرجي القاضي، قيل اسمه: أبو بكر وكنيته أبو محمد، وقيل: اسمه كنيته، روى عن أبيه وأرسل عن جده، وروى عن خالته عمرة بنت عبد الرحمن، وأبي حية البدري، وخالدة بنت أنس، والسائب بن يزيد، وعباد بن تميم، قال الواقدي وابن المديني وغيرهما: مات سنة عشرين. انظر: تهذيب التهذيب، 12/40، مصدر سابق. (1/127)
صفحة 128
وجاءني كتابك تذكر أن بني عدي بن النجار أخوال رسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - )، انهدم مسجدهم، وقد كنت أُحِبُ أن أخرج من الدنيا لم أضع حجراً على حجر، ولا لبنة على لبنة، فإن أتاك كتابي هذا فابنه لهم باليدين بناء قاصداً والسلام عليك". (1)
ولم يقتصر توجيهه على ضعفاء المسلمين حتى كبارهم حيث وجه الموعظة والإرشاد والنصيحة قائلاً :
أما ترى كثرة الناس بالموسم ؟ قال: خصماؤكم يا أمير المؤمنين. (2)
وكتب إلى أحد عماله قائلاً:" إن للإيمان فرائض وشرائع وحدودا وسننا، فمن استكملها استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان، فإن أعش فسأبنيها لكم حتى تعملوا بها، وإن مت فما أنا على صحبتكم بحريص ".
فحارب الخمر، وأمر بإهامتها، ومنع الذميين من إدخالها إلى بلاد المسلمين، كما أنه وجه أوامره إلى الأئمة في المساجد أن يؤدوا الصلاة كما كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يؤديها. (3)
لهذا كله فقد حمل (رضي الله عنه) نفسه وجميع رعيته على التزام ما جاء في الكتاب والسنة المطهرة، وكان يتابع ذلك بنفسه، ويوجه كتبه ويصدر أوامره و ويسهر على تنفيذه وبقي على هذا حق وافاه الأجل (رضي الله عنه) . (4)
ولقد انقلبت الأحداث فبينما كان الخليفة هو الموحد، وهو الناصح، وهو المرشد، وهو الذي يتقبّل التوجيهات والتصويب والتقويم، صار زعماؤنا في أيامنا هذه لا يرضون من أحد النصح فكيف يكونون هم أهلاً له، فضاعت الحقوق، وكثر الظلم، وانتشر الفساد، وعمت المصائب، والله المستعان.
3_ المطلب الثالث: الرقابة:
__________
(1) _ سيرة ومناقب عمر بن عبد العزيز الخليفة الزاهد، دراسة الجميلي، ص122،123.
(2) _ سيرة عمر بن عبد العزيز، لابن عبد الحكم، ص134.
(3) _عمر بن عبد العزيز خامس الخلفاء الراشدين، لعبد الستار الشيخ، ص 208،209.
(4) _ المصدر السابق، ص208. (1/128)
صفحة 129
هي التأكد والتحقق من أن تنفيذ الأهداف المطلوب تحقيقها في العملية الإدارية تسير سيرا صحيحاً حسب الخطة، والتنظيم، والتوجيه المرسوم لها....
كما تعرف الرقابة بالتفتيش أو المراقبة على سير العمل. ولعل القيادي المسلم المؤمن المصدق بكتاب الله والمدرك حق الإدراك حقيقة الرقابة والعمل هو الذي يطبقها على إنفاذها سواء على نفسه أو على غيره.
ومن الآيات القرآنية الكريمة الدالة على الرقابة:
?? { اعملوا فسير الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون } . (1)
?? { وهو معكم أينما كنتم } . (2) أي معكم بعلمه.
?? { إن ربك لبالمرصاد } . (3) أي مراقب للإنسان.
?? { ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد } . (4)
?? { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره } . (5)
ولهذا فقد قرأ عمر بن عبد العزيز الآيات الكريمات ففهم معناها ووعيها فعلم علما جازماً أنه مسؤول عن تصرفات الولاة في الولايات الإسلامية المختلفة فراح يراقبهم، ويلاحظ كل تصرفاتهم وتحركاتهم، والأحداث التي ستأتي خير دلالة على ذلك.
ومن الأحاديث النبوية الشريفة الدالة على الرقابة:
? ورد عن عمر بن الخطاب أنه قال: طلع علينا رجل ـ جبريل ـ حتى جلس إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) فسأل........فأخبرني عن الإحسان.
قال (صلى الله عليه وسلم): " أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك...." (6) وهذا أعظم أنواع الرقابة الذاتية.
__________
(1) _ سورة التوبة، الآية(105).
(2) _ سورة الحديد، الآية(4).
(3) _ سورة الفجر، الآية(14).
(4) _ سورة ق، الآية(18).
(5) _ سورة الزلزلة، الآية( 8،7).
(6) _ رواه مسلم، كتاب الإيمان، باب الإيمان والإسلام والإحسان ووجوب الإيمان بإثبات قدر الله سبحانه،1/37، رقم الحديث:8. مصدر سابق. (1/129)
صفحة 130
? وقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):" الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني" (1) . فمراقبة النفس، والهوى، يستطيع عن طريقها القيادي المسلم أن يصل إلى بر الأمان، ويقتدي به من تحت إِمْرته.
وبذلك يراقب كل إنسان نفسه في عمله، فيحسن الأداء، ويزداد الإنتاج نظير الشعور بالمسؤولية، والخوف من الرقابة من الله قبل رقابة المدير أو الإدارة (2) .
وكان عمر بن عبد العزيز( رضي الله عنه) قدوة لعماله، فإنهم سلكوا جميعا طريقته في تطبيق الحق والعدل كما أنه لا يتورع عن عزل من ولاه إذا لم يلتزم بمبادئه؛ حيث كان (رضي الله عنه) يراقبهم مراقبة شديدة وتأتيه أخبارهم تباعاً ، ومنه أنه عزل الجراح بن عبد الله (3) عن خراسان وولى عبد الرحمن بن نعيم (4) ، بعد أن ولِيَ الجراحُ سنة
وخمسة أشهر. وكان الجراح لما قدم خراسان كتب إلى عمر: إني قدمت خراسان فوجدت قوما قد أبطرتهم الفتنة فهم ينزون فيها نزوا أحب الأمور إليهم إذا لم يمنعوا
__________
(1) _ سنن ابن ماجه، لأبي عبد الله محمد بن يزيد القزويني، ولد207هـ، ت 275هـ، دار الفكر، بيروت، بدون طبعة، وسنة نشر، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي. انظر: كتاب الزهد، باب ذكر التوبة، 3/1423، رقم الحديث: 4260. بلفظ غريب.
(2) _ الإدارة في الإسلام الفكر والتطبيق، لدكتور عبد الرحمن الضحيان، الطبعة الثانية، دار عالم الكتب للنشر والتوزيع، السعودية، الرياض، ص122،121.
(3) _ هو الجراح بن عبد الله الحكمى وهو من سعد العشيرة أبو عقبة من اليمن شامي الأصل، كان واليا على خراسان والبصرة ولاه يزيد بن المهلب، روى عن ابن سيرين، وروى عنه يحيى بن عطية، وصفوان بن عمرو. انظر: الجرح والتعديل، 2/522، مصدر سابق.
(4) _ هو عبد الرحمن بن نعيم النخعي أبو نعيم روى عن عبد الرحمن بن الأسود والحكم بن عتيبة، وروى عنه زيد بن الحباب، وأبو نعيم. انظر الجرح والتعديل، 5/293، مصدر سابق. (1/130)
صفحة 131
حق الله عليهم فليس يكفهم إلا السيف والسوط وكرهت الإقدام على ذلك إلا بإذنك فكتب إليه عمر قائلاً:
"يا ابن أم الجراح أنت أحرص على الفتنة منهم لا تضربن مؤمنا ولا معاهدا سوطا إلا في حق، واحذر القصاص فإنك صائرٌ إلى من يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور وتقرأ كتابا لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها".
وسبب عزله أن مولى حضر إلى عمر بن عبد العزيز وقال له: يا أمير المؤمنين عشرون ألفاً يغزون بلا عطاء، ولا رزق، ومثلهم قد أسلموا من أهل الذمة يأخذون بالخراج (1) وأميرنا الجراح بن عبد الله عصبي جاف، يقوم على منبرنا، فيقول:" أتيتكم حافيا وأن اليوم عصبي، والله لرجل من قومي أحب إليَّ من مئة غيرهم" (2) ، فأسرع عمر ابن عبد العزيز فكتب إلى الجراح قائلاً: " انظر من حلى من قبلك إلى القبلة فضع عنه الجزية". ثم يسأل أهل العلم، ويقول لهم: دلوني على رجل صادق أوليه خراسان، فأشاروا عليه بمجموعة من الأسماء فيقع اختياره على عبد الرحمن بن نعيم للحرب، وعبد الرحمن بن عبد الله القشيري على الخراج ويكتب إلى أهل خراسان قائلاً: " إني استعملت عبد الرحمن بن نعيم على حربكم وصلاتكم، وعبد الرحمن بن عبد الله القشيري (3) على خراجكم، من غير معرفة مني ولا اختبار إلا ما أخبرت عنهما، فإن كانا على ما تحبون فاحمدوا الله وإن كانا على غير ذلك فاستعينوا بالله" (4) .
__________
(1) _ أي الجزية.
(2) _ تاريخ الطبري، 6/558. مصدر سابق.
(3) _ هو عبد الرحمن بن عبد الله القشيري جعله عمر بن عبد العزيز على خراج خراسان بعد أن أخبر عن فعل الجراح بن عبد الله. انظر: تاريخ الطبري، 8/135.
(4) _ تاريخ الطبري، 8/135، مصدر سابق. (1/131)
صفحة 132
كل هذا مع أن الجراح بن عبد الله لم يستخدم منصبه يوما لمصلحته الخاصة، ولم ينتهز فرصة ولايته لأطماع شخصية، بل كان يعمل قدر استطاعته على تطبيق أوامر الخليفة، لذلك فقد خطب في أهل خراسان عندما عزل عنها قائلاً: " يا أهل خراسان جئتكم في ثيابي هذه التي عليّ وعلى فرسي، لم أصب من مالكم إلا حلية سيفي".
وكان ذنبه أنه تعصب لقومه، ولم يعط الموالي حقهم من بيت المال، لهذا كان عمر (رضي الله عنه) يريد أن يعزل كل والٍ اشتبه به، فكيف بمن ظهر ظلمه، وانتشر خبره، وعاقب عقوبات؛ ما أنزل الله بها من سلطان؟. (1)
ومن رقابته أنه بلغه (رضي الله عنه) أن بعض النساء ينحن على أقربائهن ويفعلن كفعل أهل الجاهلية، فوجه أوامره الصارمة إلى عماله في الأمصار حيث قال: بلغني أن نساء من أهل السفه يخرجن عند موت الميت منهن ناشرات شعورهن، ينحن كفعل أهل الجاهلية! وما رخص لنساء في وضع خمرهن منذ أمرن أن يضربن بخمرهن على جيوبهن؛ فتقدموا في هذه الناحية تقدماً شديداً. فازجر من قبلك من المسلمين عن ذلك، فلعمري آن لهم أن يتركوا ذلك مع ما يقرؤون من كتاب الله، فازجر عن ذلك الباطل واللهو من الغناء وما أشبهه، فإن لم ينتهوا فنكل من أتى ذلك منهم غير متعدٍ في النكال. (2)
ذلك هو منهج عمر بن عبد العزيز (رضي الله عنه) في إقامة الحق يتمثل في الالتزام بالكتاب، والسنة، وسيرة الخلفاء الراشدين وحمل الناس على الاتباع ونهاهم عن الابتداع، والعمل بكل أمور الإسلام، صغيرها، وكبيرها كل هذا بمراقباته، وتوجيهاته فكان يوجه كتبه، ويتابع تنفيذ ذلك بنفسه، ويأمر ولاته بالسهر على إنفاذها، ومن قصّر أخذ بذنبه، لا يجد من أمير المؤمنين تهاوناً ولا هوادة. (3)
__________
(1) _ سيرة عمر بن عبد العزيز، لعفت وصال حمزة، ص241، بتصرف.
(2) _ سيرة عمر بن عبد العزيز، لابن عبد الحكم، ص93. انظر الطبقات، 5/391، مصادر سابقة.
(3) _ عمر بن عبد العزيز خامس الخلفاء الراشدين، ص210، مصدر سابق. (1/132)
صفحة 133
ومن مراقباته (رضي الله عنه) أنه بلغه عن أسامة بن زيد التنوخي (1) وكان على خراج مصر بأنه كان غاشماً ظلوماً معتدياً في العقوبات بغير ما أنزل الله، يقطع الأيدي في خلاف ما يؤمر به، ويشق أجواف الدواب فيدخل فيه القطاع ويطرحهم للتماسيح.
فحبس بمصر سنة ثم نقل إلى أرض فحبس بها سنة، وبعد موت عمر بن عبد العزيز وتولية يزيد بن عبد الملك رُدَّ أسامة على مصر. (2)
وذكر أن عامله على البصرة استأذنه في تعذيب العمّال على خيانتهم، فقال له عمر بن عبد العزيز: كأنك ترى أ ني لك جنة من دون الله، فإذا جاءك كتابي هذا فإن قات عليهم بينة فخذهم بذلك، وإلا فأحلفهم دبر صلاة العصر بالله الذي لا إله إلا هو ما اختانوا من مال المسلمين شيئا، فإن حلفوا فخلِّ سبيلهم، فإنما هو مال المسلمين، وليس لشحيح منهم إلا جهة إيمانهم ولا عمري بأن يلقوا الله بخيانتهم أحب إليَّ من أن ألقى الله بدمائهم، والسلام. (3)
كما بلغه (رضي الله عنه) كثرة الحلف فأرسل رسالةً مطولةً موجزها:
__________
(1) _ هو أسامة بن زيد التنوخي، اتصف بالظلم والعدوان، عزله عمر بن عبد العزيز بعد ما رأى منه ذلك فلمَّا مات عمر بن عبد العزيز وتولى يزيد بن عبد الملك ردَّ أسامة على مصر. انظر: سيرة عمر بن عبد العزيز،لابن الحكم، ص37.
(2) _ سيرة عمر بن عبد العزيز، لابن عبد الحكم، ص36،37 مصدر سابق.
(3) _ المصدر السابق، ص36. (1/133)
صفحة 134
وقد ذكر لي مع ذلك أنَّ رجالاً يتداعون إلى الحلف، وقد نهى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عن الحلف فقال: لا حلف في الإسلام، قال: وما كان من حلف في الجاهلية فلم يزده الإسلام إلا شدة فكان يرجو أحد من الفريقين حفظ حلفه الفاجر الآثم، الذي فيه معصية الله، ومعصية الرسول وقد ترك الإسلام حين انخلع منه، وأنا أحذر كل من سمع كتابي هذا، ومن بلغه أن يتخذ غير الإسلام حصنا، أو دون الله، ودون رسوله، ودون المؤمنين وليجة، تحذيراً بعد تحذير، وأذكرهم تذكيراً بعد تذكير، وأشهد عليهم الذي هو آخذ بناصية كل دابة، والذي هو أقرب إلى كل عبد
من حبل الوريد، وإني لم آلكم بالذي كتبت به إليكم نصحاً، مع أني لو أعلم أنَّ أحدا من الناس يحرك شيئا ليؤخذ له به، أو ليدفع عنه، أحرص، ـ والله المستعان ـ على مذلته من كان: رجلاً أو عشيرةً أو قبيلةً أو أكثر من ذلك، فادفع إلى نصيحتي وما تقدمت إليكم به فإنه هو الرشد، ليس له خفاء، ثم ليكون أهل البر، وأهل الإيمان عوناً بألسنتهم، وإن كثيرا من الناس لا يعلمون. نسأل الله أن يخلف فيما بيننا بخير خلافة في ديننا، وألفتنا، وذات بيننا والسلام. (1)
... كما أنه (رضي الله عنه) أرسل إلى عماله جميعا عند اتساع الفتوحات وخاف من صدور تصرفات لدى القادة تخل بالمبادئ الإسلامية فقال:
"إنه بلغني أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إذا بعث جيشا أو سرية، قال: اغزوا باسم الله وفي سبيل الله تقاتلون من كفر بالله. لا تعنوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا امرأة، ولا وليدا.فإذا بعثت جيشا أو سرية فمرهم بذلك. (2)
__________
(1) _ سيرة عمر بن عبد العزيز، لابن عبد الحكم، ص93.
(2) _ العقد الفريد، تحقيق: أحمد أمين وآخرون، الطبعة الثالثة ،القاهرة لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1965م، 1/128. (1/134)
صفحة 135
ولم يكتف عمر (رضي الله عنه) بهذا بل كان يتحسس الأخبار ويتابع أحوالهم، والسؤال عليهم وعلى أوضاعهم وسياسة الولاة فيهم، وخرج يوما إلى الشام مع مولاه مزاحم (1) ، وكان كثيرا ما يركب ليتحسس الأخبار عن القرى، فلقيهما راكب من أهل المدينة، وسألاه عن الناس وما وراءه، وهو السبب الذي خرجا لأجله، فقال لهما: "إن شئتما جمعت لكما خبري، وإن شئتما بعضته تبعيضا. فقالا: بل اجمعه. فقال: إني تركت المدينة والظالم بها مقهور، والمظلوم بها منصور، والغني موفور، والعائل مجبور. فسُرَ بذلك عمر، وقال: والله لأن تكون البلدان كلها على هذه الصفة أحب إليَّ مما طلعت عليه الشمس" (2)
ولقد أرسل إلى محمد بن كعب القرظي يوصيه بمعاملة الناس المعاملة الحسنة فقال: كن لصغيرهم أباً، ولكبيرهم ابناً، وللمثل منهم أخاً، وعاقب الناس بقدر ذنوبهم على قدر أجسامهم لا تضربن لغضبك سوطاً واحداً فتتعدى، فتكون عند الله عز وجل من العادِينَ. (3)
كما كان (رضي الله عنه) قائماً على مراقبة الولاة، والعمّال ومحاسبتهم على تفريطهم وتقصيره فيكتب إلى أحدهم قائلاً : " لقد كثر شاكوك، وقل شاكروك! فإما عدلت، وإما اعتزلت! والسلام"
وبعث إلى خراسان ثلاثة مفتشين ليبحثوا في ظلمات الناس من نظام خراجها، وأرسل مفتشاً إلى العراق ليأتيه بأخبار الولاة والناس فيها. (4)
__________
(1) _ سبقت ترجمته.
(2) _ عمر بن عبد العزيز، لعبد الستار، ص331، 332.
(3) _ عمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد العادل، ص181، نقلاً عن: أخبار عمر، ص65.
(4) _ عمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد العادل، ص182. (1/135)
صفحة 136
فهذا عمر بن عبد العزيز إن أمسك بأمور الرعية والمسلمين حتى راح يراقب سير الولاة والعمال باذلاً قصارى جهده، فأزال الولاة الظالمين والقاسطين وجاء بولاة عادلين ومقسطين، فأصبحت الأمة الإسلامية قائمة على الأسس والمبادئ الإسلامية الحقه؛ حيث إنه لم يجعل جهده لمعاقبة المسلمين على ما يقولونه في الخلافة من ذم وشتم، بل سعى لنشر العدل؛ حتى ارتاح الناس أيما راحة، بخلاف المراقبات التي تحدث في عصرنا لرصد كل كلمة حق في طعن القيادة.
4_ المطلب الرابع: التخطيط:
تمهيد:
عزم عمر بن عبد العزيز (رضي الله عنه)منذ اللحظة الأولى لتوليه السلطة أن يسلك طريق العدل كل العدل. كان قبل الخلافة رجلاً صالحاً عدلاً، لكنه بعد الخلافة أصبح هو العدل مجسماً، ولم يكن عدلاً لما يراه أمامه وبين يديه فقط؛ بل كان عادلاً في الساحة التي سبقته أي لمن كان خلفه وقبله: نظر حوله فوجد أنه وبني أميةَ ثانياً، قد اغتنوا جميعاً مما اغتصب من أموال الشعب.
فكر عمر(رضي الله عنه) أن يعيد الحق إلى نصابه، وانحراف السبيل إلى استقامته، فخطط لذلك حسب الطريقة التي قالها لابنه عندما كان متحمساً متسرعاً: لا تعجل يا بني فإن الله (تعالى) ذم الخمر في القرآن مرتين وحرمهما في الثالثة. وأخاف أن أحمل الناس على الحق جملة فيدفعوا فتكون فتنه. وتتلخص خطته(رضي الله عنه) في دائرة مركزها عمر، دائرة تتسع كي تصل إلى النهاية؛ حتى يكون الحق قد عاد والأمن قد استقر والحياة قد هدأت.
التخطيط:
من التعريفات العامة والمخصرة للتخطيط أنه "جسر بين الحاضر والمستقبل" ونقتبس من هذا التعريف العام تعريفاً وهو: أن التخطيط في الإسلام هو الاستعداد في الحاضر لما يواجه الإنسان في عمله أو حياته في المستقبل، وعلى هذا فإن القيادي المسلم يكون قد عرف التخطيط؛ لأن الله تبارك وتعالى قد وجه إلى ذلك في آيات كثيرات ومنها :- (1/136)
صفحة 137
? قوله (تعالى): { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل } (1) .
فهذه الآية العظيمة تدعو إلى التخطيط والاستعداد بالقوة لمواجهة أمر مستقبلي قد يحدث لدار الإسلام وأمته.
والقوة هنا قوة السلاح بكل أنواعه، وفق ما تخرجه المصانع من أنواع الأسلحة، وذلك بصناعة الأسلحة المختلفة، وحمايتها من ضرب الأعداء لها، وكل ذلك لإرهاب أعداء الإسلام والإنسانية، وحماية الأمة، ودار الإسلام من الأعداء.
? قوله (تعالى): { وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا } (2) فالآية الكريمة فيها الحث على التخطيط في هذه الدنيا لمقابلة مصير الآخرة. (3)
ولقد أثر التخطيط عن النبي (صلى الله عليه وسلم)، والخلفاء الراشدين من بعده، وأمر المسلمين ومنهم عمر بن عبد العزيز (رضي الله عنه).
إن عمر بن عبد العزيز(رضي الله عنه) لم يكن ليتخذ قراراً دون تخطيط، وتوخ لعواقب الأمور، وأخذ كل ما يمر عليه بعين الاعتبار والنظر والتفكير. ومن أهم الدلائل على التخطيط والتفكير في أمور المسلمين قوله (رضي الله عنه) لرجاء بن حيوة: " يا رجاء إن لي عقلاً أخاف أن يعذبني الله عليه".
كما بكى عمر بن عبد العزيز يوما، فقيل: ما الذي يبكيك؟ قال: تلومني أن أبكي؟! ولو أن سخلة هلكت على شاطىء الفرات؛ لأخذ بها عمر يوم القيامة. (4)
ومن تخطيطه(رضي الله عنه)، أنه فرض عطاء لمن يريد الحج من المسلمين، وليس له عطاء، ولم يقدر على نفقات السفر، وأمر بإنشاء مراكز على كل الطرقات التي يمر
عليها الحجيج، بحيث يوجد بها بعض الأمناء الأقوياء، يعينون الضعيف، ويعطون الفقير. فكتب بذلك إلى عماله:
__________
(1) _ سورة الأنفال، الآية(60).
(2) _ سورة القصاص، (77).
(3) _ الإدارة في الإسلام الفكر والتطبيق، د. عبد الرحمن الضحيان، الطبعة 2، دار عالم الكتب للنشر والتوزيع، الرياض، السعودية العربية ص66.
(4) _ سيرة ومناقب عمر بن عبد العزيز، لابن الجوزي، ص226. (1/137)
صفحة 138
" .... وانظر من أراد من الذرية (1) الحج، فاجعل له مائة يتجهز بها. والسلام عليك".
وكتب: " أقْعِدْ على طريق الحجاج والمسافرين قوماً ترضاهم، وترضى دينهم وأمانتهم؛ يقوون الضعيف ويغنون الفقير" (2) .
ومن تخطيطه (رضي الله عنه) كذلك أنه كتب إلى أحد عماله قائلاً: " أنِ اعمل خانات (3) في بلادك، فمن مر بك من المسلمين فاقروهم يوما وليلة، وتعدوا دوابهم، فمن كانت به علة فاقروهم يومين وليلتين، فإن كان منقطعاً به فقووه بما يصل به إلى بلده". (4)
وبلغ اهتمامه بالتخطيط أنه اعتبر نفسه مسؤولاً عن أنعامهم وسوائمهم، فمن واجبه أن يذلل للدواب طريقها في أطراف دولته، تماماً كما فعل جده ابن الخطاب. (5)
كما ذكر أنه عندما كان يقف بعرفة وهو يدعو قائلاً: " اللهم احْسن أمة محمد احساناً وارجع مسيئهم إلى التوبة، اللهم وحط من أوزارهم برحمتك. اللهم أصلح من كان في صلاحه صلاح أمة محمد، اللهم أهلك من كان في هلاكه هلاك أمة محمد" (6)
لقد كان عمر (رضي الله عنه) عارفاً بقدر المسؤولية التي وضعت على عاتقه ـ الخلافة ـ فحدد لتنفيذ هذه السياسة منذ اللقاء الأول مع الأمة عندما وضع شروطاً لصحبته ونص صحبته في الخطبة يقول فيه:
... " أيها الناس! من صحبنا فليصحبنا بخمس، وإلا فلا يقربنا: يرفع إلينا حاجة من لا يستطيع رفعها، ويعيننا على الخير بجهده، ويدلنا من الخير على ما لا نهتدي إليه، ولا يغتابنَّ عندنا الرعية، ولا يعترض فيما لا يعنيه".
__________
(1) _ أي ما كان ليس من أهل الديوان.
(2) _ عمر بن عبد العزيز خامس الخلفاء الراشدين، ص330, 331.
(3) _ هي المطاعم أو الاستراحات.
(4) _ الطبقات، لابن سعد، 5/345. انظر: تاريخ الطبري، 7/472.
(5) _ عمر بن عبد العزيز خامس الخلفاء الراشدين، ص331.
(6) _ تاريخ الطبري، 7/338،333. (1/138)
صفحة 139
فانقشع عنه الشعراء والخطباء، وثبت أهل الزهد والفقه، وقالوا: ما يسعنا أن نفارق هذا الرجل؛ حتى يخاف فعله قوله. (1)
ونستنتج من هذه الخطبة الآتي:
1- أن يكون الصاحب، أو كل من يريد أن يتصل به همزة وصل بين عمر ومن لا يستطيع الوصول إليه فيرفع إليه حاجة من لا يقدر على الوصول إلى عمر فيعرف بذلك الحوائج، وينظر إلى قضائها.
صفر ذو القعدة أن يكون معينا على الخير بقدر استطاعته.
ربيع أول ذو القعدة أن يكون دالاًًّ على الخير مرشداً إليه مساعداً على الوصول إليه.
ربيع ثان ذو القعدة ألاَّ يغتب من أراد صحبته، والقرب منه أحداً من الرعية عنده.
جمادى أول ذو القعدة ألاَّ يتدخل الصاحب في أي أمر لا يعنيه سواء أكان عاماً أم خاصاً.
كما أن المقياس الذي كان يتبعه( رضي الله عنه) في تخطيطه عند اختيار الولاة هو: التقوى، والكفاءة. تقوى الله في كل ما يخطط وينفذ، وقدرته على تنفيذ أوامر الله في الحق والعدل، ولهذا فقد عَرَضَ الولاةَ على ميزان ذلك، فمن رجحة كفته أبقاه ومن مالت كفته صرفه عن الولاية. (2)
كما اختار( رضي الله عنه) في سياسته التخطيط في قيادته الحديثة؛ حيث ظهر ذلك في تطبيقاته للتخطيط القيادي، والدليل على ذلك اعتصامه بالكتاب القويم
__________
(1) _ سيرة ومناقب عمر بن عبد العزيز، لابن الجوزي، ص231.
(2) _ سيرة عمر بن عبد العزيز خامس الخلفاء الرشدين، لعفت وصال حمزة، دار ابن حزم، بيروت، الطبعة الأولى، ص239. (1/139)
صفحة 140
والسنة المطهرة. (1) فهو غير مستعد للاستماع إلى أي جدل أو نزاع في مسائل الشرع والدين على اعتبار أنه القائد المنفذ، وأن الشرع بين ما للمسلم وما عليه فألزم نفسه أولاً بالدين وألزم رعيته بعد ذلك. (2) لأجل هذا كان يقول(رضي الله عنه): " من عمل على غير علم، كان ما يفسد أكثر مما يصلح، ومن لم يعد كلامه من عمله، كثرت ذنوبه، والرضا قليل، ومعول المؤمن الصبر". (3)
فحديثه يدل على أن من اتخذ قراراً، أو أي نوع من الإجراءات والأوامر على قَدْرٍ غير كافٍ من المعلومات والحقائقَ فإن أعماله وقراراته ستكون سباباً في الإفساد أكثر من الإصلاح.
ولهذا كله فإنه عندما صار خليفة للمؤمنين خطب فيهم قائلاً:
" أيها الناس إنه ليس بعد نبيكم نبي، وليس بعد الكتاب الذي أنزل عليكم كتاب. فما أحل الله على لسان نبيه فهو حلال إلى يوم القيامة، وما حرم الله على لسان نبيه فهو حرام إلى يوم القيامة، ألا إني لست بقاضٍ وإنما أنا منفذ ولست بمبتدعٍ ولكني متبع ألا إنه ليس لأحد أن يطاع في معصية الله عز وجل، لست بخيركم، وإنما أنا رجل منكم، ألا وإني أثقلكم حملاً. يا أيها الناس إن أفضل العبادة أداء الفرائض، واجتناب المحارم...." (4)
خطط عمر بن عبد العزيز(رضي الله عنه) ورسم لهم المبادئ التي سوف ينهجها، وهي الطريقة التي سار عليها المصطفى(صلى الله عليه وسلم) وأصحابه من بعده، هذه الطريقة التي تمرد عليها حكام بني أمية، وتجاهلوها أيما تجاهل.
كان تخطيطه في أغلب النواحي الحياتية: السياسة، والاقتصادية, والاجتماعية، هذا التخطيط الذي رسم له الطريق واضحا مضيئاً، فجعل حياته مثالاً يحتذى، وسيرته نموذجاً يقتدى، (رضي الله عنه وأرضاه).
الخاتمة
__________
(1) _ عمر بن عبد العزيز، لابن عبد الحكم، ص35.
(2) _ عمر بن عبد العزيز وسياسته في رد المظالم، ص104.
(3) _ سيرة ومناقب عمر بن عبد العزيز، لابن الجوزي، ص250.
(4) _ سيرة عمر بن عبد العزيز، لابن عبد الحكم، ص40. (1/140)
صفحة 141
يلتمس الباحث من سيرة عمر بن عبد العزيز (رضي الله عنه) قوة خفية في هذا الخليفة العظيم، والمصلح الكبير، هي أرفع في معناها الدافع من القوى فيه كعبقرية فذ من أساطير عباقرة الإسلام الكبار.
ومن أهم النتائج التي توصلت إليها في البحث الآتي:
1) استطاع عمر بن عبد العزيز (رضي الله عنه) أن ينتقل بالخلافة الأموية من حياة الترف والبذخ والتنعم بأرغد أنواع العيش إلى الحياة التي يعيشها الخلفاء الراشدون والبعيدة كل البعد عن مظاهر الترف والمجون.
2) نجح عمر بن عبد العزيز (رضي الله عنه) بالمحاورة والمناقشة والموعظة الحسنة أن يكسب الأطراف المعادية، والتي كانت ترهق كاهل الدولة الأموية بالثوارث، وتقابل كذلك بالقمع والقتل والتشريد وسفك الدماء
المصادر
و
المراجع
المصادر والمراجع
01_ أبو بكر الصديق الأول وصاحب الرفقة في الغار، لخير الله طلفاح، بدون تحقيق ولا طبعة.
02_ أتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عمان، للشيخ سيف بن حمود بن حامد البطاشي، الطبعة الثانية، 1419هـ، دون تحقيق.
03_ الإدارة في الإسلام الفكر والتطبيق، لدكتور: عبد الرحمن الضحيان، الطبعة الثانية، دار عالم الكتب لنشر و التوزيع، الرياض.
04_ أدب الدنيا والدين، لأبي الحسن علي بن محمد بن حبيب البصري الماوردي، ت450هـ، تحقيق: مصطفى السقا، دار الكتب العلمية، بيروت، بدون تاريخ نشر.
05_ الإستيعاب في معرفة الأصحاب، ليوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر،ت 463هـ،، دار الجيل، بيروت، 1412هـ، الطبعة الأولى.
06_ الإصابة، لأحمد بن علي بن حجر العسقلاني، ولد773هـ، ت852هـ، دار الجيل، بيروت، 1412هـ، ط1، علي محمد البجاوي.
07_ الأغاني، لأبي الفرج الأصفهاني، ت356هـ، دار الفكر، بيروت، الطبعة الأولى، تحقيق: الإستاذ سمير جابر.
08_ البداية والنهاية، لإسماعيل عمر بن كثير، تحقيق: د/ أحمد أبو ملحم وآخرين، دار الريان، القاهرة، 1408 هـ. (1/141)
صفحة 142
09_ تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام للمحافظ المؤرخ محمد بن عثمان الذهبي، ت748، دار الكتاب العربي، بيروت(عهد معاوية بن أبي سفيان) تحقيق: عمر عبد السلام تدمر.
10_ تاريخ الأمم والملوك، لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان.
11_ تاريخ الخلفاء، تأليف الإمام الحافظ جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، ت911هـ، تحقيق: محمد محي الدين عبد الحميد، دار الجيل، بيروت.
12_ تاريخ الرسل والملوك، لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري، ولد221هـ، ت310هـ، تحقيق محمد الفضل إبراهيم، دار المعارف القاهرة.
13_ التاريخ الكبير، لمحمد بن إسماعيل بن إبراهيم أبو عبد الله البخاري الجعفي، ت256، تحقيق: السيد هاشم الندوي، 1/350، دار الفكر، بيروت.
14_ تذكرة الحفاظ، لمحمد بن طاهر بن القيسراني، ت 748هـ، دار إحياء التراث العربي، بيروت، من الطبعة الأولى إلى الطبعة السابعة، بدون محقق.
15_تفسير ابن كثير، لأبي الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي، ت774هـ، دار الفكر، بيروت، 1401هـ.
16_تفسير الطبري، لمحمد ابن جرير الطبري، ولد224هـ،ت310هـ، دار الفكر، بيروت، 1405هـ.
17_تفسير القرطبي، لأبي عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر القرطبي، ت671هـ، دار الشعب، القاهرة، 1372هـ، ط2، تحقيق: أحمد عبد العليم البروني.
18_ تقريب التهذيب، لأبي الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، ولد 773هـ، ت852هـ، مكتبة القرآن، القاهرة، 1406هـ، ط1، تحقيق: مسعد عبد الحميد السعدني.
19_ تنظيم الإسلام للمجتمع، لشيخ محمد أبو زهرة، دون تحقيق ولا طبعة.
تهذيب الأسماء، للعلامة الفقيه أبي زكريا محي الدين بن شرف النووي، ت676هـ، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.
20_ تهذيب التهذيب، لأحمد بن علي بن حجر أبي الفضل العسقلاني الشافعي، ولد 773هـ، توفي 852هـ، دار صادر، بيروت، 1326هـ، الطبعة الأولى، بدون تحقيق. (1/142)
صفحة 143
21_ الثقات، لمحمد بن حبان بن أحمد أبو حاتم التميمي البستي، ت354هـ، دار الفكر، 1395هـ، ط1، تحيق: السيد شرف الدين أحمد.
22_ الجرح والتعديل، لعبد الرحمن بن أبي حاتم محمد بن إدريس أبو محمد الرازي التميمي، ت327، دار إحياء التراث العربي، بيروت،سنة النشر:1271هـ، 1952م، الطبعة الأولى.
23_ حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، للحافظ أبي نعيم أحمد بن عبدالله الأصفهاني، ت430هـ، دار الفكر، بيروت، لبنان.
24_ خامس الخلفاء عمر بن عبد العزيز، لعبد الرحمن الشرقاوي، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الأولى، 1407هـ.
25_ الخصائص العامة للإسلام، لدكتور: يوسف القرضاوي، مؤسسة الرسالة، بيروت.
26_ الخليفة الراشد العادل عمر بن عبد العزيز، للدكتور: وهبة الزحيلي، دار قتيبة لطباعة والنشر، بيروت، لبنان.
27_ الخليفة الزاهد عمر بن عبد العزيز، للأهل عبد العزيز سيد، دار العلم للملايين، بيروت.
28_ الدولة الأموية والأحداث التي سبقتها ومهدت لها ابتداء من فتنة عثمان، د. يوسف العش، ط2، 1406هـ، تحقيق:
29_ سنن ابن ماجه، لأبي عبد الله محمد بن يزيد القزويني، ولد207هـ، ت 275هـ، دار الفكر، بيروت، بدون طبعة، وسنة نشر، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي.
30_ سنن البيهقي الكبرى، لأحمد بن الحسين بن علي البيهقي، ولد348هـ ت 458هـ، مكتبة دار الباز، مكة المكرمة، تحقيق: محمد عبد القادر عطا.
31_ سنن الترمذي، لأبي عيسى محمد بن عيسى الترمذي، ولد209هـ، ت279هـ، دار إحياء التراث العربي، بيروت، تحقيق: أحمد محمد شاكر وآخرون.
32_ سير أعلام النبلاء، الامام الحافظ شمس الدين محمد بن احمد بن عثمان الذهبي، ت748هـ، مؤسسة الرسالة، بيروت، تحقيق: شعيب الأرنؤوط ومحمد نعيم، 1413هـ، الطبعة العاشرة.
33_ سيرة عمر بن عبد العزيز خامس الخلفاء الراشدين، لعفت وصال حمزة، دار ابن حزم، بيروت، الطبعة الأولى. (1/143)
صفحة 144
34_ سيرة عمر بن عبد العزيز على ما رواه الإمام مالك بن أنس وأصحابه، ت214هـ، لأبي محمد عبد الله ابن عبد الحكم نسخه وصححه وعلق عليه: أحمد عبيد، عالم الكتاب، بيروت.
35_ سيرة ومناقب عمر بن عبد العزيز الخليفة الزاهد،دراسة وتحقيق الدكتور: السيد الجميلي، دار ومكتبة الهلال، بيروت، 1405هـ.
36_ سيرة ومناقب عمر بن عبد العزيز، لابن الجوزي، جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن، ت597هـ، تحقيق: نعيم زرزور، دار الكتب العلمية، بيروت، 1404 هـ.
37_ شذرات الذهب في أخبار من ذهب، لشهاب الدين أبي الفلاح عبد الحي بن أحمد بن محمد العسكري الحنبلي الدمشقي، تحقيق: عبد القادر الأرنؤوط، ومحمود الأرنؤوط، دار ابن كثير، دمشق، بيروت،ط1، 1406هـ.
38_ شعب الإيمان، لأبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي، ت 458هـ، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، تحقيق: محمد السعيد بسيوني زغلول.
39_ الشورى وأثرها في الديمقراطية( دراسة مقارنة)، لدكتور: عبد الحميد إسماعيل الأنصاري، كلية الشريعة والقانون والدراسات الإسلامية، جامعة قطر، دار الفكر العربي.
40_ صحيح ابن حبان، لأبي حاتم محمد بن حبان بن أحمد التميمي البستي، ت 354هـ، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الثانية، تحقيق: شعيب الأرنؤوط.
41_ صحيح البخاري، لمحمد بن إسماعيل البخاري، ولد194هـ، ت256هـ، دار ابن كثير اليمامة، بيروت، 1407هـ، الطبعة الثالثة، تحقيق: مصطفى ديب البغا.
42_ صحيح مسلم، لمسلم بن الحجاج النيسابوري، ت261هـ، دار إحياء التراث العربي، بيروت، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي.
43_ طبقات الحفاظ، لأبي الفضل عبد الرحمن ابن أبي بكر السيوطي، 849هـ/911هـ، دار الكتب العلمية، بيروت،1403هـ، الطبعة الأولى، بدون تحقيق.
44_ الطبقات الكبرى، لابن سعد، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان. (1/144)
صفحة 145
45_ العقد الفريد، تحقيق: أحمد أمين وآخرون، الطبعة الثالثة ،القاهرة لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1965م.
46_ عمر بن عبد العزيز خامس الخلفاء الراشدين، لعبد الستار الشيخ، دار القلم، دمشق.
47_ عمر بن عبد العزيز وسياسته في رد المظالم، تأليف ماجدة فيصل زكريا، مكتبة الطالب الجامعي، مكة المكرمة (العزيزة).
48_ عمر بن عبد العزيز وسياسته في رد المظالم، ماجدة فيصل زكريا، مكتبة طالب الجامعي، مكة المكرمة، ط1، 1407هـ.
49_ عمر بن عبد العزيز، لسعد عبد السلام، دار الفكر العربي، بيروت، ط1، دون تحقيق.
50_ فجر الإسلام، لأحمد أمين، دار الكتاب العربي، بيروت، 1969م.
51_ قاموس المصطلحات العسكرية، تأليف الفريق الركن محمد فتحي أمين.
52_ قصة وفاة عمر بن الخطاب(رضي الله عنه)، مكتبة دبولي، القاهرة، تحقيق: عمر زينهم محمد عزب، ط1، 1410هـ.
53_ الكامل في التاريخ، لعلي بن أبي الكرم البياني ابن الأثير، ت630هـ، تحقيق محمد يوسف الدقاق ، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى.
54_ كتاب التعريفات، لعلي بن محمد بن علي الجرجاني، ولد740هـ ، ت816هـ، تحقيق: إبراهيم الابياري، دار الكتاب العربي.
55_ كتاب دول الإسلام، للإمام الحافظ شمس الدين الذهبي، طبعه ونشره: عبد الله ابن إبراهيم الأنصاري، دار إحياء التراث، قطر.
56_ الكليات معجم في المصطلحات والفروق اللغوية، لأبي البقاء أيوب بن موسى الحسيني الكفوي، (ت 1094هـ) أعده للطبع ووضع فهارسه ، د. عدنان درويش، ومحمد المصري، مؤسسة الرسالة، بيروت.
57_لسان العرب، لأبي الفضل جمال الدين محمد بن مكرم بن منظور، ت711هـ، دار مكتب الحياة، بيروت، لبنان.
58_ مبادئ نظام الحكم في الإسلام، د/ محمد فؤاد النامي، أستاذ القانون بجامعة الأزهر، والأستاذ الزائر بكلية الشرطة بدبي، ط1. (1/145)
صفحة 146
59_ مبادىء الشورى في الإسلام مع المقارنة بمبادىء الديمقراطيات الغربية والنظم القديمة والمعاصرة، لدكتور: يعقوب المليجي، المكتب الجامعي الحديث، الإسكندرية.
60_ مبادىء نظام الحكم في الإسلام مع المقارنة بالمبادىء الدستورية الحديثة، لعبد الحميد متولي، الإسكندرية، منشأة المعارف، 1977م.
61_ المجروحين، أبو حاتم محمد بن حبان البستي، ت354هـ، دار الوعي، حلب، تحقيق: محمد ابراهيم زايد
62_ محاضرات في تاريخ الأمم الإسلامية( الدولة الأموية)، للمرحوم الشيخ محمد الخضري بك، تحقيق: الشيخ محمد العثماني، دار القلم، بيروت.
63_ مر وج الذهب و معادن الجوهر، لأبي الحسن علي بن الحسين المسعودي ت346هـ، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الفكر، بيروت.
64_ مسند الربيع، للربيع بن حبيب بن عمر الأزدي البصري، تحقيق: محمد إدريس، عاشور بن يوسف، 1415هـ، الطبعة الأولى، مكتبة الاستقامة، سلطنة عمان.
65_ مسند الشهاب، لأبي عبد الله محمد بن سلامة بن جعفر القضاعي، ت454هـ، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1407هـ، ط2، تحقيق: حمدي بن عبد المجيد السلفي.
66_ المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، للعلامة أحمد بن محمد بن علي المقري الفيومي، ت770هـ، دار القلم، بيروت، لبنان.
67_ معجم الأدباء، لياقوت الحموي، دار المستشرق، بيروت، دون تحقيق ولا طبعة.
68_ معجم البلدان، لشهاب الدين أبي عبد الله ياقوت الحموي، دار صادر، بيروت، دون تحقيق ولا طبعة.
79_ مقدمة، تاريخ العلامة ابن خلدون، للعلامة عبد الرجمن بن خلدون المغربي، الطبعة الثالثة، مكتبة المدرسة ودار الكتاب اللبناني.
70_ موسوعة السياسة، لعبد الوهاب الكيالي، مدير التحرير: ماجد نعمة، شارك في التحرير: د. محمد عمارة، ود. عمر بشير، وآخرون، ط1، 1986م. (1/146)
صفحة 147
71_موسوعة فقه عمر بن عبد العزيز، أ.د: محمد رواس قلعه جي، ( قسم الفقه وأصول الفقه ـ كلية الشريعة والدراسة الإسلامية، جامعة الكويت، مجلس النشر العلمي، الكويت).
72_ موقع على الإنترت: ِislammemo.cc.
73_ ميزان الإعتدال في نقد الرجال، لشمس الدين محمد بن أحمد الذهبي، ت748هـ، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، تحقيق: الشيخ علي محمد معوض، والشيخ عادل أحمد عبد الموجود.
74_ نزهة الألباب في الألقاب، لأحمد بن علي بن محمد العسقلاني، ولد773هـ، ت852هـ، مكتبة الرشيد، الرياض، 1989م، الطبعة الأولى، تحقيق: عبد العزيز بن محمد بن صالح السديدي.
75_ النظام السياسي في الإسلام، للدكتور، لأبي فارس محمد عبد القادر، الاتحاد الإسلامي العالمي للمنظمات الطلابية بالكويت تسلسل (61)، دار القرآن الكريم، بيروت.
76_ نهاية الأرب في فنون الأدب، لشهاب الدين أحمد بن عبد الوهاب النويري، ت733هـ، تحقيق: علي محمد البجاوي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1396هـ.
الفهارس
العامة
فهارس الآيات
السورة ... الآية ... رقم الآية ... الصفحة
النحل ... {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين} ... 125 ... 16
النحل ... {إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون} ... 90 ... 18
الأعراف ... {ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها} ... 85 ... 28
الليل ... { والليل إذا يغشى} ... 1
الليل ... {فأنذرتكم ناراً تلظى} ... 14
آل العمران ... {والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين} ... 134
القصص ... {كل شيْءٍ هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون} ... 88
هود ... { وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإلي أنيب} ... 88
آل عمران ... { آيَاتٌ مُحْكَمَات } ... 7 (1/147)
صفحة 148
البقرة ... { وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم } ... 213 ... 78
البقرة
المائدة ... { فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ } ... 48 ... 78
الأنعام ... { إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ } ... 57
الأنعام ... { أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ } ... 62
يوسف ... { إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُون (1) } ... 67
فصلت ... { لا يَأْتِيه الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ } ... 42
الإسراء ... { وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّراً وَنَذِيراً } ... 105 ... _ 81
الأعراف ... { لَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } ... 52
الشورى ... {والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون} ... 38
الحجرات ... {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم} ... 13
المائدة ... {أنّه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا} ... 32
الأنعام ... { إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } ... 15
البقرة ... { أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ } ... 85
آل عمران ... { لا يغرنَّك تقلب الذين كفروا في البلاد } ... 196
النحل ... {إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون} ... 90 (1/148)
صفحة 149
الحشر ... {ربنا اغفر لنا وإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم} ... 10
النحل ... { ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن} ... 125
آل عمران ... {فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك، فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في ... 159
الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله}
التوبة ... { اعملوا فسير الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون } ... 105
الحديد ... { وهو معكم أينما كنتم } ... 4
الفجر ... { إن ربك لبالمرصاد } ... 14
ق ... { ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد } ... 18
الزلزلة ... { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره } ... 7ـ 8
الأنفال ... { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل } ... 60
القصص ... { وابتغ فيما أتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا } ... 77
فهارس الأحاديث
الحديث ... الصفحة
فهارس الأعلام
الأسماء ... الصفحة
الوليد بن يزيد
عبد الله بن أبي الحوساء
خالد بن عرفطة
عدي بن حاتم
الحسين بن علي بن أبي طالب
مسلم بن عقبة بن رباح
حصين بن نمير بن فاتك
سعيد بن جبير بن هشام
عبد الرحمن بن الأشعث بن قيس
المختار بن عوف بن عبد الله
وضاح اليمن
لميس بنت علي بن الحارث
أم عثمان بنت شعيب
سهل بن صدقة
عبد الله بن مسعود
عبد الله بن عوف
القاسم بن مخيمرة
يحيى بن سعيد بن أبان
قرة بن شريك القيسي
يزيد بن أبي مسلم
سليمان بن عبد الملك
فاطمة بنت عبد الملك
محمد بن سعد بن منيع
أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث
حنبل بن إسحاق بن حنبل
عيسى بن سنان القسملي الشامي
يعقوب بن سفيان
خبيب بن عبد الله بن الزبير
عبد الله بن الزبير بن العوام
مزاحم بن أبي مزاحم
الحسن البصري
مطرف بن عبد الله
أحمد بن إبراهيم بن هشام
هشام بن إسماعيل بن الوليد
الحجاج بن يوسف
خالد بن عبد الله القسري
عثمان بن حيان المري
مالك بن أنس
رجاء بن حيوة الكندي (1/149)
صفحة 150
عبيد الله بن محمد بن حفص
هشام بن عبد الملك
يزيد بن عبد الملك
مسلمة بن عبد الملك
همام بن غالب التميمي
كثير بن مرة الحضرمي
صالح بن كيسان
عبيد الله بن عبد الله
جسر بن فرقد القصاب
أنس بن مالك
عبد الله بن جعفر
يوسف بن عبد الله المديني
عامر بن سعد
يحيى بن سعيد الأنصاري
مالك بن دينار
إسماعيل بن أبي حكيم
عبد الله بن عمر
أسماء بنت عميس
سعيد بن المسيب
عبد الله بن إبراهيم الكناني
سالم بن عبد الله
عروة بن الزبير
عبد الله بن عتبة الهذلي
خارجة بن زيد الأنصاري
ميمون بن مهران الجزري
سفيان الثوري
محمد بن كعب القرظي
أويس بن عامر القرني
أحمد بن حنبل
الشافعي
أسامة بن زيد مولى الرسول
المقداد بن عمرو
عبد الله بن أبي سلول
عثمان بن عفان
علي بن أبي طالب
طلحة بن عبيد الله
الزبير بن العوام
سعد بن أبي وقاص
عبد الرحمن بن عوف
عبد الله بن عبد الله بن عمر
أبو موسى الأشعري
أبو بكر بن محمد
الجراح بن عبد الله
عبد الرحمن بن نعيم
عبد الرحمن بن عبد الله القشيري
أسامة بن زيد التنوخي (1/150)