صفحة 1
الكتاب: قصة إمام الشيخ عمروس لمهنا السعدي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] قصة إمام:
الشيخ عمروس بن فتح النفوسي
بقلم
مهنا بن راشد بن حمد السعدي
3 من رجب 1424هـ - 29/ 9 / 2003م
سلطنة عمان - ولاية السويق
abujaifar@hotmail.com
بسم الله الرحمن الرحيم
((قصة إمام))
إمام جليل من أئمة الدين، وعلم عظيم من أعلام الإسلام، نشأ وترعرع في مكان بعيد ناء، رضع العلم منذ نعومة أظفاره فبز أقرانه حتى أصبح أعلم أهل زمانه بشهادة علماء عصره، بلغت شهرته الآفاق، وترك العديد من المؤلفات، كان فارسا في ميدان العلم لا يشق له غبار وكذا كان في ميدان الجهاد، جاهد في سبيل ربه حتى نال ما يتمناه كل مسلم، كان مناظرا بارعا نافح عن عقيدة الإسلام، وكان قاضيا عادلا حكم بشرع الله، كان مؤمنا بالله حق الإيمان واثقا به حق الثقة لا يخاف في جنب الله لومة لائم ...
فمن هو هذا الإمام الفارس؟ وأين نشأ؟ وكيف كانت سيرته؟
إنه الشيخ العالم العلامة إمام عصره وأعلم أهل زمانه عمروس بن فتح المساكني النفوسي، ويكنى بأبي حفص، ولقب بالمساكني لأنه من أهل " مساكن " الواقعة بجبل نفوسة، ولقب بالنفوسي لأن نسبه ينتمي إلى قبيلة " نفوسة " البربرية، التي نسب الجبل الغربي لطرابلس إليها في ليبيا.
ذكر بعض الباحثين أن الشيخ عمروس ولد في قافلة كانت متوجهة إلى الديار المقدسة لأداء مناسك الحج، مما اضطر أمه إلى العودة به وعدم مواصلة الطريق، وقد ولد الشيخ عمروس في سنة 190هـ تقريبا. (1/1)
صفحة 2
نشأ الشيخ عمروس في قرية " قطرس " من جبل نفوسة ، والظاهر أن الشيخ عمروس نشأ يتيما ، وذلك أن أمه لما حضرتها الوفاة ، كتبت وصيتها وأشهدت عليها ، ولما سئلت عمن وكلته لإنفاذها ، أشارت إلى الشيخ عمروس وهو في المهد لإنفاذها ، فلو كان أبوه حيا لأوكلت تنفيذ الوصية إليه بدلا من طفل لا يزال في المهد ، ولكن في المقابل قد يكون والده حيا في تلك الفترة ، حيث أنه يصح أن يستخلف الطفل لإنفاذ الوصية مع وجود أبيه أو خليفته ، جاء في شرح النيل : " ولا ينفذها - أي الوصية - أبو الطفل أو خليفته إن استخلف ... " .
ولكن الظاهر أن أبا الشيخ عمروس توفي قبل أن يصل الشيخ عمروس إلى سن الإدراك ، وذلك أن الشيخ عمروس لما بلغ مبلغ الرجال - ولنقل ثمانية عشر سنة - أراد أن ينفذ وصية أمه ، ويؤدي عنها الحج ، فلم يجد أحدا يعلم بصلاحها ويشهد بذلك ، إلا امرأة واحدة شهدت بصلاحها ، فأدى الحج عنها بشهادة تلك المرأة .
فلو لم يكن أبو الشيخ عمروس قد توفي والشيخ عمروس لا يزال طفلا لم يدرك ، لسأل أباه عن أمه وصفاتها وصلاحها من عدمه ، ولأخبره أبوه عنها .
والظاهر أن الشيخ عمروس بدأ بتلقي العلم في قريته " قطرس " التي نشأ وترعرع فيها ، فلعله التحق بشيء من الكتاتيب الموجودة في قريته ، فحفظ القرآن الكريم ، وتعلم الآداب ، وبعض قواعد النحو والأحكام الفقهية المبدئية ، وقد أشار الشيخ علي يحيى معمر- ولو من بعيد - إلى ذلك حين قال : " نشأ في " قطرس " - يقصد الشيخ عمروس - ... وفيها درس ، وبلغ هذه المرتبة السامقة من العلم " إهـ . (1/2)
صفحة 3
وللأسف الشديد فإن المصادر تبخل في ذكر أسماء شيوخه ، الذين تلقى عنهم العلم في هذه المرحلة الأولى من تعليمه فلم أجد حسب المصادر التي توفرت بين يدي إشارة إلى ذلك ، وهذه المشكلة نفسها عانى منها الباحث أحمد كروم ، فقال : " هذا ما كتبته المصادر عن تعلمه بصفة إجمالية دون التعرض لأي تفصيل يشير إلى مشائخه ورفقائه في الدراسة أو العلوم التي درسها أكثر من الأخرى ... " إهـ .
وأما مراحل تعليمه التي تلت المرحلة الأولى أو الابتدائية ، فقد ذكرت بعض المصادر أن الشيخ عمروس هاجر إلى المغرب لطلب العلم ، وانقطع لمدة عشرين سنة في المغرب طلبا للعلم ، وقد ذكر الباحث أحمد كروم أن المقصود بالمغرب هو " تيهرت " العاصمة الرستمية ، معللا استنتاجه هذا بأن الاستعمال السائد آنذاك عند الإباضية لهذه الكلمة هو " تيهرت " عاصمة الدولة الرستمية ، إذ كانت كعبة الطلاب والعلماء والمتكلمين حينا من الدهر ، حتى غدت تعرف " ببغداد المغرب " ، كما أنها جاءت في غرب جبل نفوسة ؛ ولكن في المقابل فإن الشيخ فرحات الجعبيري ذهب إلى أن المقصود بالمغرب هو " بلاد الجريد " حاليا ؛ ولا يستبعد أن يكون المقصود بالمغرب هو " تيهرت " ، حيث أن تيهرت - كما ذكر الباحث أحمد كروم - كانت مقصد طلاب العلم ومريديه ، وذلك لوجود الأئمة وكبار العلماء فيها .
فالظاهر أنه أخذ العلم في تيهرت على يد الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن والإمام أفلح بن عبد الوهاب وعلى يد بعض علماء تيهرت كمزور بن عمران الهواري - وزير الإمام عبد الوهاب - ، ومحكم الهواري - قاضي الإمام أفلح - ، وأبي الربيع سليمان الهواري ، الذي يعد من كبار علماء " تيهرت " ، وأبي عبيدة الأعرج التيهرتي ، الذي كان عالما بالفقه والكلام والوثائق والنحو واللغة ... وغيرهم من العلماء . (1/3)
صفحة 4
أما أهم العلوم التي من الممكن أن يكون درسها في أثناء وجوده في " تيهرت " ، علم التفسير فقد يكون تلقاه على يد الإمام عبد الوهاب والإمام أفلح ، والعلامة محكم الهواري ، وعلم الحديث لعله أخذه عن الإمام أفلح - الذي كان مهتما بعلم الحديث - ، وأبي عبيدة الأعرج الذي أخذ عنه ابن الصغير كتاب " إصلاح الغلط في غريب الحديث " لابن قتيبة ، واللغة والفقه والعقيدة وعلم الكلام ، عن الإمام عبد الوهاب ، والإمام أفلح ، وقد يكون أخذها كذلك عن العلماء الذين ذكرتهم قبل قليل ، أو عن غيرهم والله أعلم .
وإذا كان درس العشرين سنة في " وارجلان " فإنه من المحتمل أن يكون أخذ العلم فيها عن بعض علماء وارجلان ، ولقد تتبعت تراجم علماء وارجلان جميعا في معجم أعلام الإباضية ، فوجدت أقرب الشخصيات إلى عصر الشيخ عمروس شخصيتان ، اشتهرت بالعلم في وارجلان في القرن الثالث الهجري ، وهو القرن الذي عاش فيه الشيخ عمروس رحمه الله ، وهاتان الشخصيتان هما : أبو سهل الفارسي النفوسي ، وأبو يوسف يعقوب بن سليوس الطرفي السدراتي .
إذا بعد عشرين سنة - من الغربة والترحال طلبا للعلم - أنهى الشيخ عمروس دراسته في " تيهرت " أو " وارجلان " ، فعاد إلى جبل نفوسة عالما متضلعا في مختلف فنون العلم ، ليصبح أعلم أهل زمانه كم وصفه أهل العلم .
ولم يكتف بما تلقاه من العلم في المغرب ، بل استمر في طلب العلم في جبل نفوسة ، ولا يستبعد أن يكون من أوائل طلاب العلم الذين التحقوا بحلق العلم التي كان يقيمها الإمام عبد الوهاب في جبل نفوسة حين زاره ، وروي عنه كذلك أنه كان يتردد برفقة مهدي الويغوي ، على موضع يسمى " تنين أزدرشل " يجتمع فيه جماعة لطلب العلم ، والمفتي فيهم أبو نصر التمصمصي . (1/4)
صفحة 5
ومن مشايخ الشيخ عمروس الذين ثبت عنه تلقيه العلم عنهم ، والتقائه بهم عالمان جليلان من علماء أهل الحق والاستقامة ، وهما العلامة أبو غانم بشر بن غانم الخرساني ، صاحب المدونة المشهورة ، والعلامة أبو عبد الله محمد بن محبوب بن الرحيل القرشي .
فالعلامة أبو غانم الخرساني التقى به الشيخ عمروس عند خروج الأول من المشرق إلى المغرب للقاء الإمام عبد الوهاب ، حاملا معه مدونته المشهورة ليهديها للإمام عبد الوهاب ، فمر في طريقه على الشيخ عمروس بجبل نفوسه ، وترك عنده نسخة من المدونة ، وذهب بالأخرى إلى تيهرت ، فقام الشيخ عمروس بمساعدة أخته العالمة بنسخ المدونة ، فكان له الفضل في المحافظة على هذا السفر الثمين ، حيث أن النسخة الثانية احترقت مع ما احترق من المخطوطات العظيمة عندما قام الفاطميون بحرق مكتبة المعصومة عند هجومهم على تيهرت .
وأما الشيخ العلامة محمد بن محبوب فإن الشيخ عمروس التقى به عند ذهابه إلى المشرق لأداء مناسك الحج ، فسأله عن الكثير من المسائل ، حتى قال ابن محبوب : " هذا من مكنون العلم لا يعلن به في قوم جهال " ، والقصة في ذلك مشهورة .
والظاهر أن الشيخ عمروس اشتغل بالتدريس ونشر العلم ويستشف ذلك من بعض النصوص مع غموضها وعدم تصريحها بذلك وليس هنا مقام عرضها والله أعلم .
وقد اشتغل الشيخ عمروس بالتأليف ، فذكرت المصادر وجود بعض المؤلفات التي تنسب إلى الشيخ عمروس ، فمن مؤلفاته : كتاب " العمروسي " ، وكتاب " أصول الدينونة الصافية " ، وكتاب " الحكم والمعارف " ، وكتاب " أعلام الملة " ، وكتاب " عمروس بن فتح " ، وكتابان في الأصول والفقه ، وكتاب في " الرد على الناكثة وأحمد بن الحسين " ، وقد أراد الشيخ عمروس - رحمه الله - أن يؤلف كتابا يقسمه على ثلاثة أوجه : التنزيل والسنة والرأي ، مضمنا كل قسم ما يتعلق به من مسائل ، إلا أن المنية داهمته قبل إتمام مشروعه . (1/5)
صفحة 6
هذه هي المؤلفات التي تركها الشيخ عمروس ، حسب ما ذكرته المصادر ، وقد ذهب د/ النامي إلى الجزم بأنه لم يبق من تراث الشيخ عمروس غير رسالتين ، هما " الدينونة الصافية " و " الرد على الناكثة وأحمد بن الحسين " ، وذهب الشيخ فرحات الجعبيري إلى الجزم بوجود الدينونة الصافية فقط ، وأنه وجد مخطوطته في دار التلاميذ بمدينة العطف بوادي ميزاب ، وذكر أن كتاب " الدينونة الصافية " هو القسم الأول من كتاب في الفقه حسب المخطوطة التي وجدها في دار التلاميذ ، والحقيقة أن الباحث أحمد كروم لم يشر إلى ما ذكره الشيخ الجعبيري عند تحقيقه للدينونة ، ولكن أصحاب معجم أعلام الإباضية ذكروا وجود كتاب " الرد على الناكثة وأحمد بن الحسين " ، وأنه لا يزال مخطوطا .
هذا وللشيخ عمروس فتاوى في مختلف المسائل مبثوثة في بطون الكتب والمؤلفات كالطبقات وغيره ، وقد كان رحمه الله متمكنا من علم الكلام ومناظرا فحلا تصدى لقمع أصحاب العقائد الفاسدة فأفحم حججهم ببراهينه الساطعة وقد ذكرت المصادر له مناظرات مختلفة كمناظرته لنفاث وغيره .
وقد تولى الشيخ عمروس القضاء على جبل نفوسة في عهد إمامين من أئمة الدولة الرستمية ، وهما الإمام أبو اليقظان محمد بن أفلح ، والإمام أبو حاتم يوسف بن محمد بن أفلح ، حيث كلفه أبو منصور - الوالي على جبل نفوسة - بتولي منصب القضاء ، ومما يؤثر عنه أنه قال لأبي منصور إلياس : " إن لم تأذن لي بقتل ثلاثة فخذ خاتمك ، قتل مانع الحق ، والطاعن في دين الله ، والدال على عورات المسلمين " . (1/6)
صفحة 7
في سنة 283هـ تعرض الدولة الرستمية لهجوم من قبل إبراهيم بن الأغلب الذي كان متوجها إلى تيهرت للقضاء عليها ، فعندما علم أهل نفوسة بذلك انبروا للدفاع عن دولتهم وحوزتها ، فوقعت معركة عنيفة بين الطرفين في مكان يسمى " مانو " ، وقد شارك الشيخ عمروس في هذه المعركة وقد بلغ من الكبر عتيا ، حيث أن عمره كان في حدود الثالثة والتسعين ، على فرض أنه ولد في سنة 190هـ .
كان الشيخ عمروس في آخر المعركة يحمي الجيش ، ويذود عنهم ، وكان على فرس سابق ، فلم يقدر عليه الأغالبة ، وأعياهم أمره ، وعندما عجز عنه فرسان الأغالبة ، لجئوا إلى الحيلة ، فنصبوا حبالا في طريقه ، فعثر بها فرسه ، فأخذوه أسيرا ، ومضوا به إلى الظالم إبراهيم بن الأغلب ، مسرورين جذلين بما حققوه من أسر الشيخ عمروس ، ولكنهم أين سيفرون من عذاب الله وشديد انتقامه ، وعندما وصلوا به إلى ابن الأغلب ، أراد عدو الله أن يشمت بالمجاهد المؤمن ، فقال له : " سلني العفو فأعف عنك " ، فأجاب الشيخ عمروس - رحمه الله - إجابة المؤمن بالله حق الإيمان ، الواثق به وبوعده حق الثقة : " إن الأعمار بيد الله ، وتلك كلمة لن تسمعها مني أبدا ، ولكن أسألك في سراويلي هذه ، لا تكشفوني منه " . (1/7)
صفحة 8
فحاول أن يفتنه في دينه وعقيدته ، فقال له : " إذن فارجع عما أنت عليه لنتركك " ، عند ذلك انتفض الشيخ عمروس انتفاضة الأسد الهصور في أسره ، فقال - بملء فيه - : " تلك كلمة لا أقولها حتى ألحق بالله " عند ذلك عندما رأى ابن الأغلب هذه القوة من الشيخ عمروس ، بدأ يسلك معه مسلك العنف والقمع - الذي يجيده أمثاله من الظلمة والجائرين - ، فأمر بقرضه بمقاريض من حديد ، فبدءوا يقرضون يديه فلما بلغوا عضديه ، بعد أن ظلوا طويلا يقطعون يديه ، ودماءه تسيل ، فاضت روحه الطاهرة إلى بارئها ، نعم فاضت روح البطل ، فاضت روح المجاهد ، لتفوز بوعد مولاها { وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ - فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ } .
وهكذا طويت صفحة هذا الإمام الجليل ، بعد أن سطرها بعظائم الإنجازات ، فقضى سنوات عمره الطويلة ، بين طلب العلم وحلقه ، وبين الأوراق قراءة وتأليفا وتصحيحا ، وفي مجالس المناظرة ، رادا على الفرق الضالة ، وعلى أرض المعارك رافعا راية الإسلام ذابا عن حياض العقيدة ، حتى كلل جهده بالظفر بما يطمع به كل مؤمن ، وهو الفوز بالشهادة ، فكانت حسن خاتمة له رحمه الله تعالى ، وأسكنه أعالي فراديس الجنان .
( مصدر هذا المقال هو مقتطفات وخلاصة من بحث قدمته كمشروع تخرج من معهد العلوم الشرعية بسلطنة عمان ، تحت عنوان : الشيخ عمروس ومنهجه الفقهي والعقائدي من خلال كتاب أصول الدينونة الصافية ) . (1/8)