صفحة 1
الكتاب: كتاب مهرجان الصحفي الشيخ أبي اليقظان الحاج إبراهيم بن عيسى
المؤلف: جمعية التراث
دار النشر: جمعية التراث
البلد: الجزائر
الطبعة: الأولى
تاريخ الطبع: محرَّم 1432هـ / جانفي 2011م
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
[تم تنظيم المهرجان مِن طرف جمعية الحياة - القرارة - غرداية - الجزائر يومي: 24 - 25 محرّم 1424هـ / 27 - 28 مارس 2003م] كتاب مهرجان الصحفي
الشيخ أبي اليقظان
الحاج إبراهيم بن عيسى
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
تحت الرعاية السامية لفخامة رئيس الجمهورية
السيد عبد العزيز بوتفليقة
تنظيم جمعية الحياة بالقرارة
يومي: 24 – 25 محرّم 1424هـ
الموافق لـ: 27 – 28 مارس 2003م
محرَّم 1432هـ / جانفي 2011م (1/1)
صفحة 2
تقديم وتعليق:
د/محمد بن قاسم ناصر بوحجام
إعداد وإخراج:
أ/محمد بن أحمد جهلان
الطبعة الأولى
محرم 1432هـ
يناير 2011م
كل الحقوق محفوظة
موقع الناشر على الأنترنت:
www .Tourath . org
الإيداع القانوني رقم: (1/2)
صفحة 3
بسم الله الرحمن الرحيم (1/3)
صفحة 4
[صفحة بيضاء] (1/4)
صفحة 5
بسم الله الرحمن الرحيم
تقديم
أ. د. محمد بن قاسم ناصر بوحجام
حياةُ العظماء، وسيرة الزعماء، وجهاد الكبراء ... مَعين يستقي منه الناشئون ما ينعش أرواحهم، ويبني نفوسهم. ومصدر للشباب الصاعد الواعد، يلتمس فيه ما يبعث الثقة في إمكاناته ومؤهِّلاته، ليستثمرها في خدمة الصالح العام. ومرجع يأخذ منه العاملون ما يفيدهم في تسديد خطاهم، وترشيد نشاطهم. وموئل يلجأ إليه المتردِّدون لتحديد معالم تحرُّكهم، وتمهيد سبل عملهم. ومصدرٌ يقصده الدائبون في تقنين نشاطهم على الأسس الصحيحة، المنطلقة من المبادئ، والمشدودة إلى الأهداف، التي حدَّدتها للمسلمين الآية الكريمة: {وأنَّ هَذَا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ ولاَ تتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (الأنعام/153)
هي دليل للباحث عن مقوِّمات العمل المؤسَّس، وسبيل للرَّاغب في اكتساب مهارات في الدأب المنتج المثمر، وخميل لمن يرجو ويبغي التنوُّع في طرق العمل والتحرُّك، وفسيل لمن يطمح في استمداد القوَّة والأصالة في دأبه وسلوكه ...
في حياة الشيخ إبراهيم بن عيسى أبي اليقظان كثيرٌ من هذه المكاسب والفوائد. فالشيخ عاش للعمل الدؤوب، والطموح غير المحدود، عاش للأصالة يحافظ عليها ويحميها ويدعو إليها، عاش للأخلاق والخلال يبشِّر بها، ويرشد إليها، ويدرِّب عليها.
عاش للدَّهر يعجم عوده، ويحلب أشطره، عاش للخطوب يصكُّها بالصبر والجلد، ويقهرها بالتحمُّل وعدم الاكتراث بها. عاش لغيره، يذوب كالشَّمعة (1/5)
صفحة 6
ليستضيء، عاش للمصلحة العامَّة، يضحِّي بمصلحته الخاصَّة من أجلها، عاش للأهداف النبيلة، يسعى لتحقيقها، عاش للناشئة يربِّيها وينمِّيها. عاش للشباب يُعدِّه ويكوِّنه. عاش للمجتمع يرشده ويوجِّهه.
عاش يحارب الذلَّ والصغار، عاش يقاوم الجبن والوهن، عاش يناهض التعسُّف والقهر، عاش يجاهد بالكلمة المسؤولة، عاش للفكر الأصيل ينثره، عاش للتكوين الصحيح ينشرُه، عاش للألم يزحف إليه ويسير نحوه، دون وجل وتردُّد، يستسيغه ويستثمره لإنجاز أجلِّ الأعمال، وأجمل البطولات، وأجلى الأمجاد، يعصره الألم فيجد فيه تحقيقَ أمله، يستفزُّه فيجد فيه الرجلَ العنيد، يضغط عليه فيلقى فيه الشخص العميد، يُغير عليه، فيجابهه بالعزم العتيد. كان الألم في مسيرة الشيخ سبب النبوغ والإنتاج الغزير. قال الدكتور عبد الرزاق قسُّوم، وهو يقدِّم للقرَّاء الشيخ أبا اليقظان: « ... خرج بعض النقَّاد ذات يوم بفكرة في منتهى الغرابة، وهي تمنِّي الشقاء لذوي المواهب الفكريَّة، حتَّى يكون ذلك الشقاءُ مدعاةً لخصوبة الإنتاج، فتستفيد الإنسانيَّة من ذلك، وكأنَّ الإنسانيَّة طبقًا لوجهة نظر النقاد هؤلاء، ستتضاعف استفادتُها متى وُجد الحافز المتمثِّل في الألم لدى المفكِّرين والأدباء. ومن هذه الفئة القليلة المتمرِّدة على هذه المحن، يبرز إنسان جزائري، تعدَّدت جوانب العظمة في شخصيَّته، ذلك هو الشاعر والصحفي والمصلح الجزائري أبو اليقظان» (1).
كتب عن الألم كثيرًا، وحيَّا من غالب الألم وقاومَه، ففي أشعاره نجد مثلاً هذه العناوين: «السجن مجمرة تفوح بها قيم الرجال» (2)، قالها الشيخ أبو اليقظان في الشيخين: صالح بن يحي، ومحمَّد الرياحي بعد خروجهما من السجن، يوم 10
__________
(1) - محمّد ناصر بوحجام، أبو اليقظان في الدوريات العربيّة، المطبعة العربيّة، غرداية، الجزائر، 1985م، ص: 27. المقال بعنوان: أبو اليقظان أحد روّاد الإصلاح في الجزائر. نشر في مجلّة الأصالة (وزارة التعليم الأصلي والشؤون الدينيّة، الجزائر)، السنة الأولى، العدد الخامس، شوّال 1391هـ/ نوفمبر 1971م.
(2) - أبو اليقظان، الديوان، الجزء الأوّل، ط2، نشر جمعية التراث، العطف، غرداية، الجزائر، 1989م، ص:99 - 101. نشرت القصيدة في جريدة المنير التونسبة، ع: 24. (1/6)
صفحة 7
من ربيع الآخر 1336هـ. «جسر المجد والعظمة» (1) قالها الشيخ إثر خروج الشيخ عبد العزيز الثعالبي من السجن يوم 16 من رمضان 1339م. ومن مقالاته في هذا المجال: «الألم يحرِّك العزائم» (2).
عاش يدعو إلى الإقدام والإسراع إلى التضحية والبدار والنفار، وأخذ الحقوق بالمغالبة، ونيل المطالب بالمثافنة، وعدم الاستسلام للألم، وعدم الركون والرضوخ للمصاعب والمتاعب، قال مخاطبًا الساعين والسارين في درب النضال والكفاح من أجل التحرُّر من كلِّ عبودية واستبداد:
ابنِ صرحَ المجد عن أسِّ الضحايا ... وأشِدْ عرش العُلا رغم البلايا
خُض غِمَار الهول غوصًا، إنَّما ... لؤلؤُ التيجانِ في بحر المنايا
إنَّ في الموت لطلاَّب العُلا ... لحياةً، لا حياة أهل الدنايا
إنَّما الدنيا جِهادٌ، من يَنمْ ... يومَه، داسته أقدامُ الرزايا
ولنيلِ الحقِّ أدوارٌ، غدت ... خطوات، جازها كلُّ البرايا
فأنينٌ، فكلامٌ، فصياحٌ ... فَخصامٌ، فجِلادٌ، فسرايا
وَثَبات للمعالي، وَثبات ... للعوالي، وخصالٌ ومزايا
ليس حكمُ النفي والسجن، ولا ... الحكمُ بالشَّنق له إلاَّ مطايا
أيُّ شعبٍ نال ما نال، إذا ... لَمْ يقدِّم سلفًا تلك الهدايا
أيُّ شعبٍ نال حرِّيته ... وهو لم يطلع لها تلك الثنايا (3)
عاش للأمَّة الإسلامية، يكشف أدواءها، ويصف لها الدواء، وينبِّهها إلى غفلتها، ويدعوها إلى اليقظة والنهوض، ويوقفها على كبواتها، ويساعدها على القيام.
__________
(1) - المصدر السابق، ص: 101 - 103. نشرت القصيدة في جريدة المنير.
(2) - جريدة وادي ميزاب (أبو اليقظان)، ع: 62 (23/ 12/ 1927).
(3) - ديوا أبي اليقظان، الجزء الأوّل، ص: 125. نظم الشيخ أبو اليقظان، القصيدة التي منها هذه الأبيات سنة 1926م، إثر نكبة دمشق، ونشرت في جريدة المنهاج للشيخ أبي إسحاق طفيّش. (1/7)
صفحة 8
عاش يسوق الأمَّة إلى الصلاح والإصلاح، وقال: « ... ولكن لم تزل الأمَّة في شغل شاغل عن هذا كلِّه، الجاهلُ في جهله، والمنافقُ في نفاقه، والمفسِدُ في فساده، والفاسقُ في تهتُّكه، وانهماكه، بل لم نَرَ للجهل إلاَّ إمعانًا وتمكُّنًا، ولا للفساد إلاَّ شيوعًا وذيوعًا، ولا للإلحاد والزندقة إلاَّ تسرُّبًا وتغلغلاً، ولا للتهتُّك والانهماك إلاَّ فشُوًّا وانتشارًا. كأنَّ ما يبذله المصلحون مواد مفرقعة، تزيد الحريق التهابًا، والعمران خرابًا. ولا غرو في ذلك فإزاء تلك القوَّة الإصلاحيَّة الضئيلة حركةٌ أخرى لها، راسخة الأصول، متشعِّبة الفروع، تغذِّيها وتمدُّها قوَّة أخرى، وسواعد مختلفة، لا يمكن التغلُّب عليها إلاَّ بتوحيد الجهود، وجمع ما تشتَّت من القوى، وما تبدَّد من المواهب. ولن يتسنَّى هذا والمصلحون قليل، وهم أنفسُهم تنقصهم الكفاءة والمران.
إنَّ معالجة أدواء الأمَّة لا تكون إلاَّ باكتساح تلك الأصول المبيدة: الجهل، الفقر، الافتراق. وغرس بذور الحياة فيها: العلم، الثراء، الاتِّحاد. ولن يحصل شيء من هذا بالأماني والأحلام، أو بمجرَّد القول وفوار الفم، ولكنه يحصل بتوجيه العزائم، وتحريك الهمم وصدق الطلب، والإخلاص والصبر والثبات ... » (1).
من أجل ذلك كانت حياتُه كلُّها دروسًا وعبرًا، يُمتَاح منها في معركة التحدِّي والتصدِّي، يُستنجَد بها في ردِّ التعدِّي، تُستَلْهَمُ في زمن الرداءة والردّة والتردّي، تُستنطق لتصحيح المسار، تُستثمر لتغيير ما يحدث في الدار. أنَّ الجهات التي تحارب الأصالة أصبحت كثيرة، من الداخل والخارج، والجبهات التي يجب التصدِّي لها أضحت عديدة، والوسائل التي بها يتمُّ العمل، ينبغي أن تكون ناجعة، يراعى فيها القوَّة والحكمة والتناغم، ونفاذ البصيرة، وحسن الاختيار، وفهم الخصم، وإدراك حجم المؤامرات، وتقدير طبيعة المعركة، ومعرفة حقيقة العمل المنتظر ... كلُّ ذلك بمكن أن نفيده من طبيعة عمل الشيخ أبي اليقظان ( P) إذا أحسنَّا قراءة سيرته، وعرفنا كيف نفهمها، وحذقنا كيف نستلهمها.
__________
(1) - أبو اليقظان، «شعور الأمَّة نائم، فماذا ينبِّهه؟»، وادي ميزاب، ع: 42 (19/ 07/ 1927م). (1/8)
صفحة 9
رسالة الشيخ أبي اليقظان في الوجود، حدَّدها هو بنفسه وهو يخاطب الأستاذ الزبير سيف الإسلام: «أخي، أنَّ رسالتي إنسانيَّة، لا يقظانيَّة ولا مذهبيَّة، أنا إذا كتبتُ أو وَعظتُ، إنِّما أوجِّه نصائحي ووعظي وإرشادي إلى كلِّ المسلمين. فإنَّه يعلم الله كم يكون فرحي شديدًا برجوع المسلمين إلى جادَّة الحقِّ والإسلام، فكلُّ فردٍ كنتُ أنا السبب في إنقاذه من النار، كم يلحقني من فرح وسرور وبهجة، وكم يكون سروري عندما يَسلَمُ فردٌ من أفراد المسلمين من أن يُحشروا في عرض النار» (1).
إنَّ الشيخ أبا اليقظان يخاطب أبناء الأمَّة الإسلامية في عشرينيَّات القرن العشرين، ويعرض حالها في تلك الحقبة، ألا يمكن أن نَعُدَّ هذا خطابًا لنا نحن رجال القرن الواحد العشرين؟ ألا يكون هذا العرض هو ما نعيشه ونلقاه اليوم؟ فإنَّ حالنا لا تختلف عمَّا وصف، ووضعنا لا يقلُّ سوءًا عن ذلك الوضع، أفلا يجدر بنا أن نأخذ توجيهه محمل الجدِّ، ونداءَه بعين الاعتبار، فنقوم بواجبنا كما يريد ويدعو؟! فيكون لنا في سيرته وحياته ملهم ومرشد وموعظ ...
لهذا كان يرى نفسه مسؤولا عن رعيَّته، وهم المسلمون كافَّة، تفرض عليه المسؤوليَّة أن يقوم برسالته الدينية نحوهم، بل هي واجبة على كلِّ مسلم في هذه الدنيا. يقول الشيخ ( P): « أخي تصوَّر أنَّ لرجل غنمًا، كان حريصًا عليها، يصونها من الجوائح كالذِّئب والريح والمطر والعطش ونحو ذلك، وذات يوم هرولت من قفصها هائمة في طريق منحدر إلى هوَّة سحيقة، فأخذت تنقلب أكداسًا وأشتاتًا في هوَّة سحيقة، لا قعر لها (في جهنَّم)، فكيف يكون صاحب الغنم؟ أفلا يجنُّ جنونُه؟
__________
(1) - أبو اليقظان في الدوريات العربية، ص: 124، 125. من مقال للزُّبير سيف الإسلام، عنوانه: «آخر حديث لعميد الصحافيين المرحوم أبي اليقظان عن التاريخ النضالي للصّحافة الوطنيّة» نشر في مجلَّة الأصالة، (وزارة التعليم الأصلي والشؤون الدينية، الجزائر)، السنة الثالثة، العدد: الرابع عشر والخامس عشر، ربيع الثاني، جمادى الأولى، جمادى الثانية، رجب 1393هـ/ ماي، جوان، جويلية، أوت 1993م. (1/9)
صفحة 10
أنا صاحب الغنم، والغنم هم المسلمون، فكيف يكون حالي معهم، وأنا أرى مصائرهم أمام عيني؟ فهدفي كلُّه موجَّهٌ إلى صيانة الغنم من الذئاب، شياطين الإنس والجنِّ. فكلُّ ما تحمَّلت من اضطهاد وتضحية هو في هذا السبيل» (1).
ألسنا نعيش اليوم الوضع نفسه؟ فنحن نعاني من الرياح والأمطار والذئاب، التي ليست سوى الغزو الفكري، والقهر الأجنبي، والتدخُّل السافر في خصوصيَّاتنا، والعمد إلى سلبنا مقوِّماتنا وأصالتنا، بما يدبِّر لنا من الداخل والخارج، بواسطة البرامج المسطَّرة، والمناهج المزيَّفة، والمخطَّطات الموجَّهة إلى غير وجهتنا الصحيحة. ألا نشكو عطشًا إلى مبادئنا، وظمأً إلى أصولنا؟ ألا نشتكي من قحط في مناهجنا، وفراغ أو خواء في مضامينها؟ ألا نعاني أزمة في فهم هويَّتنا؟
أفلا يكون لنا في توجيه شيخنا أبي اليقظان، وفي عمله حافز لنحذو حذوه، ونسير سيره في صيانة ”غنمنا“ من الجوائح، وسطو الأعادي؟؟ ألا نضحِّي كما ضحَّى؟ ونفدي رعايانا كما كان يفعل؟ ألا نقدِّر مسؤوليَّتنا كما كان يقدِّرها؟؟؟
خاض وغاص، وجال وصال في ميادين متعدِّدة، في مجال الشعر والنثر، الفقه والتاريخ، في الاجتماع والتربية ... إلاَّ أنَّ المضمار الذي كافح فيه وناضل وجاهد، وقارع ونازع ودافع، وأبدع وأمتع وأينع، وأقضَّ به المضاجع، وأوجد المواجع، وسبَّب الفواجع، وحرَّك الضمائر، ونشَّط الفواتر، وهزَّ المنابر، ونشر فيه الفكر، وحارب به الكفر، وردَّ عن قومه القهر ... فجاوز بذلك الذرى، وجاور الثريا والسها، وحاور المجد والسنىَ. إنَّه ميدانُ الصحافة، التي كان يرى فيها روحه وحياة الأمَّة، كما قال:
إنَّ الصحافة للشعوب حياة ... والشعبُ من غير اللسانِ مَوَاتُ
فهي اللسانُ المفصحُ الذلِقُ الذي ... بِبَيانه تُتَداركُ الغاياتُ
__________
(1) - المصدر السابق، ص: 124. (1/10)
صفحة 11
فهي الوسيلةُ للسَّعادةِ والهَنَا ... وإلى الفضائلِ والعلا مِرقاةُ
ما ذُو المجاز، وما عكاظُ، ومَا ومَا ... إن ساعدَت لرواجها الأوقاتُ
الشَّعبُ طفلٌ، وهي والدُه، يرى ... لِحياتِه ما لا تراهُ رُعاةُ (1)
كما كتب عدَّة مقالات، يشيد فيها بالصحافة، ويعالج مسائلها، وينثر أفكارًا عنها، نشير إلى بعضها، ممَّا نشره في جرائده. ففي جريدته ”وادي ميزاب“ نجد العناوين الآتية: «نشوة الصحافة في العالم» (العدد الأوّل)، «تأثير الصحافة في العالم» (ع:3)، «الصّحافة والعلم» (ع:5)، «الصّحافة والدين» (ع:6)، «الاستخفاف بحقّ الجرائد» (ع:31)، «أكبر دار للصّحافة في أوروبا» (ع:52)، «شقاء الصحفي، إذا .. وإذا .. » (جريدة المغرب، ع: 24)، «ماذا يجب أن نسلكه بصحافتنا العربيّة في وادي ميزاب» (النّور، ع: 72)، «كيف يحب أن تكون العلاقة بين الجريدة الصادقة وبين الجمهور» (الأمَّة، ع: 45).
يقول الدكتور محمد ناصر: «أجل أنَّ أبا اليقظان الذي آمن برسالته الإصلاحيَّة، لم ييأس قطُّ، ولم يحنِ ظهره للمحن، والنفوس العظيمة لا يرهقها الصعود، مهما تكن الطريق وعرة، لقد بات من الواضح إذا بأنّه كان يهدف منذ التخطيط المبدئي إلى اتِّخاذ الصحافة العربيَّة أداة لإيقاظ الأمَّة الجزائريَّة بخاصَّة، والإسلامية بعامَّة، يَمُدُّ بصره إلى كلِّ أفق، ويعالج بقلمه كلِّ المشاكل: دينًا واجتماعًا وثقافة وسياسة واقتصادًا. ومن هنا فهو يعتقد بأنَّه لا وجود لحياة كاملة للأمَّة، بدون صحافة رائدة مؤمنة» (2).
__________
(1) - ديوان أبي اليقظان، الجزء الأوّل، ص: 130، 131. نشرت القصيدة التي منها هذه الأبيات في جريدة "المنير" التونسيَّة، عدد: 14، الصادر يوم: 6 من ذي القعدة 1338هـ.
(2) - أبو اليقظان في الدوريات العربية، ص: 130. من مقال عنوانه: "الشيخ أبو اليقظان ونضال الكلمة"، نشر في مجلَّة الثقافة، (وزارة الثقافة، الجزائر)، السنة الرابعة، عدد: 21، جمادى الأولى، جمادى الثانية 1394هـ/ جوان، جويلية 1994م. (1/11)
صفحة 12
مزيدًا من البحث في شخصية الشيخ إبراهيم أبي اليقظان، والكشف عن أعماق ما قام به، يضاف إلى جهود السابقين، أشرفت ”جمعية الحياة“ لمدينة القرارة على تنظيم أيَّام ثقافية بمسقط رأس المحتفى به (القرارة)؛ لتكشف فيها عن النضال الصحفي لهذه الشخصية الكبيرة، التي تعدُّ رائدة الصحافة العربيَّة الجزائريَّة, وما قدَّمته هذه الصحافة من أعمال، عالجت بها قضايا كثيرة، وناقشت موضوعات عديدة ...
قامت بهذه الندوة بالتنسيق مع هيئات وجمعيَّات من البلدة يومي الخميس والجمعة: 24 و25 من محرَّم 1424هـ / 27 و28 من مارس 2003م. هذا المهرجان أقيم إحياء للذكرى الثلاثين لوفاة عميد الصحافيِّين الجزائريِّين الشيخ إبراهيم بن عيسى أبي اليقظان. قبل ذلك بعشر سنوات أحيت جمعية ”أنغام الحياة“ لمدينة القرارة ذكرى وفاة الشيخ العشرين سنة 1413هـ/ مارس 1993م. كما أقامت ”جمعية البلابل الرستمية“ مهرحانًا للشيخ أبي اليقظان في شوَّال 1399هـ/ أوت 1979م، احتضنت أنشطته قرى وادي ميزاب السبع.
اشتمل المهرجان على محاضرات، ومعارض، تناولت نُبَذًا من حياة الشيخ أبي اليقظان ونضاله التعليمي والصحفي والسياسي، وعرضَ مجموعةِ مؤلَّفاته المطبوعة والمخطوطة، وصحفه الثماني، وصورًا فوتوغرافية، قدَّمت بيانات وتوضيحات عن حياة الشيخ أبي اليقظان، وزيَّن المعرض وثمَّنه عرضُ الطابعة اليدوية، التي كان يستخدمها الشيخ في طبع صحفه، وبعض الكتب التي تشهد على الجهد والصبر اللّذين كان يبديهما الشيخ في أثناء عمله المضني المرهق (1).
أمَّا المحاضرات فقد ركَّزت على ميدان الصحافة، وحاولت أن تلمَّ بكثير من جوانب الموضوع؛ لتبرز طبيعة العمل الذي كان يقوم به الشيخ في جهاده بهذه الوسيلة المهمَّة، وحقيقة الأهداف التي كان يطمح إلى تحقيقها بها.
كانت فاتحة الكلمات، وواسطة عقدها كلمة شيخنا المرحوم، أبينا الشيخ سعيد بن بالحاج شريفي (الشيخ عدُّون) , فباسم جمعية الحياة (وهو رئيسها): حمد
__________
(1) - هي معروضة في مركز الشيخ أبي اليقظان، بعشيرة "البلات"، القرارة. (1/12)
صفحة 13
الله وأثنى عليه بإقامة هذا الملتقى، ثمَّ رحَّب بالضُّيوف الكرام، وشكر سعيهم، واعتذر عن عجزه وكبر سنَّه، عن تقديم شيء يليق بمقام الشيخ أبي اليقظان. مع ذلك حاول إبراز جوانب من شخصيته، وعلاقته به، وتحدَّث عن إصلاحه في مجال التعليم، وعدِّه رائدًا للتعليم العصري في الجزائر، ونوَّه بدوره الكبير في ميدان الصحافة، وبإظهار موقف الميزابيِّين من الاستعمار، وكشف دسائسه. وثمَّن جهوده في تنوير العقول، ودعم الحركة الإصلاحية.
قُدِّمت في الملتقى عدَّة كلمات من عدَّة شخصيات، تمثِّل أبناء الشيخ أبي اليقظان، وتلاميذه الذين تكوَّنوا على فكره، ومسؤولين اجتماعيِّين وتربويِّين وسياسيِّين ... وأُلقيت قصائد شعرية كانت كلُّها تقديرًا للمجهودات المبذولة لإقامة هذا الملتقى الكبير، وإشادةً وإبرازًا لشخصية المحتفى به، ودعوة إلى نشر فكرها، والاستفادة منها في تنوير العقول، وتوعية النفوس، وتربية النشء، وإصلاح الأوضاع ...
أمَّا المحاضرات فكانت فاتحتها ما قدَّمه أستاذنا، الذي له الفضل الكبير في التعريف بشخصيَّة الشيخ أبي اليقظان للناشئة والدارسين، وعامَّة الناس؛ بما قدَّمه من دراسات وندوات حوله، وقراءات لفكره ومواقفه. إنَّه الدكتور محمَّد بن صالح ناصر؛ فهذه المحاضرة هي جزء ممَّا قام ويقوم به في هذا السبيل.
استهلَّ محاضرته بقوله: «إنَّ الحديث عن الشيخ أبي اليقظان ليس الهدف منه تأريخ هذه الشخصية فحسب، بل تأريخ أمَّة بأكملها في جميع مجالاتها». وممَّا ركَّز عليه الدكتور محمَّد ناصر سردُ الجهود التي كان يبذلها الشيخ أبو اليقظان في إصدار جرائده، والصعوبات التي كان يلاقيها في عمله، وتحمُّله المشقَّات، وصبره وتجلُّده في هذا المضمار. عرض - أيضًا - العلاقات الروحية القويَّة، التي ربطته بإخوانه العلماء والمثقَّفين، في المشرق والمغرب. كما أشار إلى الأهداف التي كان الشيخ أبو اليقظان يرمي إلى تحقيقها بواسطة جهاده الصحافي، وهي لم تخرج عن مجالات التربية والإصلاح وتوحيد الصفوف والكلمة ومواجهة الاستعمار ... (1/13)
صفحة 14
زكَّى هذه الشهادة الشيخ محمَّد بن إبراهيم سعيد (كعباش) في كلمة ألقاها بعد المحاضرة، تحدَّث فيها عن جهود الشيخ أبي اليقظان في المجال الصحافي، في وقت عزَّ فيه الحرف العربي، الذي أبدى فيه مصابرة على المشقَّة والعنت اللَّذين لاقاهما بسبب نضاله. ذكر أنَّ هذا يعود إلى تعلُّقه الشديد بالصحافة؛ إذ قدَّم في هذا السبيل كل ما يملك من غال ونفيس. وأشار إلى أنَّ الشيخ أبا اليقظان كان في صميم الحركة الوطنيَّة، إِنْ في الجزائر، إِنْ في تونس، نشِطًا في الحزب الدستوري، وذلك لحرارة الإيمان الذي يتدفَّق في روحه وقلبه، ممَّا جعله لا يكترث بالمصاعب والعوائق والحرب النفسية.
مع أنَّ نصفه شلَّ فإنَّه لم يتوقَّف عن العمل والجهاد بما أبقى له ربُّه من نعمتي البصر واليد. كان - دائمًا - يحمد الله تعالى، الذي أنعم عليه بذلك، إذ أبقى له يدًا يكتب بها، وعينًا تبصر، وكان يقول: «إنَّ ربِّي لطيف لما يشاء».
قدَّم الأستاذ الحاج موسى بن بكير ابن عمر محاضرة بعنوان: «تاريخ الجزائر من خلال صحف أبي اليقظان». تناول النقط الآتية: إشكالية كتابة تاريخ الجزائر, ظروف ظهور صحف أبي اليقظان. تحليل محتويات جرائد الشيخ أبي اليقظان. مميِّزات كتابات الشيخ أبي اليقظان، التي منها الصدقُ والصراحة ... ذكر أنَّ لصحفه اتّجاهات، منها ما يهتمُّ بالوقائع الآنية، ومنها ما هو إعلامي توجيهي، يعرض فيه آراءه الفقهيَّة والسياسيَّة والقانونيَّة، ومنها ما هو تاريخي، يتناول فيه تحقيقات حول مناطق ومدن تاريخيَّة، وتراجم وسير شخصيات بارزة ...
شارك الدكتور محمَّد زغينة بمحاضرة، عنوانها: «محطَّات فكريَّة في صحافة أبي اليقظان». من بين ما تناوله الأستاذ في محاضرته: ما عرضه الشيخ أبو اليقظان في صحافته من عقد مقارنات بين المجتمعات الجاهلة التي تسير وراء المشعوذين والمفسدين، الذين حاربهم الشيخ من دون هوادة، والمجتمعات التي ينتشر فيها العلماء والمصلحون. وقد أبلى الشيخ أبو اليقظان بلاء حسنًا في هذا السبيل، وذاب كالشَّمعة لينير الدروب للنَّاس؛ حتَّى يستقيموا في سيرهم، ويبتعدوا عن طريق الضالين المضلين. (1/14)
صفحة 15
أشار أيضًا إلى الأساليب التي استعملها المستعمر في القهر والبطش، وكيف فضحها الشيخ. من بين الأفكار التي جاءت في المحاضرة: أنَّ إخفاق الفكرة يؤدِّي إلى إخفاق رموزها، ومن ثمَّ يتمُّ عزل المكافح والمصلح عن ميدانه وعن العامَّة، فتصبح الأمَّة قابلة للباطل، ساكتة عن الحقِّ، وهو ما تناوله مالك بن نبي في كتاباته.
أسهم الدكتور محمد بن عمر لعساكر بمحاضرة، عنوانها: «الشيخ أبو اليقظان والحركة الوطنيَّة في تونس والبعثة العلمية بها» سرد المحاضِر ظروف إنشاء البعثة العلميَّة إلى تونس، ثمَّ إسهام الميزابيِّين في الحركة الإصلاحيَّة والوطنيَّة؛ بإنشاء مدارس عصريَّة في مدن شمال الجزائر، حيث يتمركز الميزابيُّون للتِّجارة.
في المجال السياسي أشار المحاضر إلى مشاركة الشيخ أبي اليقظان في الحركة السياسيَّة في تونس؛ بانضمامه إلى الحزب الدستوري؛ بل كان له الفضل في المشاركة في تأسيسه، وقد عُيِّن عضوًا في اللجنة التنفيذية والمالية، كما سعى إلى ربط أعضاء البعثة العلميَّة بحركة الحزب.
المحاضرة الموالية كانت من تقديم الأستاذ إبراهيم بن أحمد باحريز، عنوانها: «الشيخ أبو اليقظان وجهاده في المطبعة». استهلَّ المحاضرة بذكر الدوافع لإنشاء المطبعة، فكان منها ما هو معنوي، وهو الإيمان القويُّ بدور الصحافة في البناء الفكري والحضاري، ومحاربة الاستعمار، وكشف دسائسه. ومنها ما هو مادِّي، وهو توفير وسيلة تُخفِّف من متاعبه في طبع جرائده؛ ذلك أنَّ الشيخ أبا اليقظان كان يطبع جريدته الأولى بتونس ما بين 1926 و1929م، فتوفير مطبعة بالجزائر يقلِّل كثيرًا من المتاعب.
أمَّا عن تسمية المطبعة، فقد أريد لها في البداية أن تسمَّى بالمطبعة العصريَّة؛ لإضفاء الطابع التجاري عليها، إلاَّ أنَّ الشيخ أبا اليقظان أبى إلاَّ أن يسمِّيها «المطبعة العربيَّة»؛ ليصبغ عليها طابعًا وطنيًّا وحضاريًّا.
من بين ما ذكره المحاضر: علاقة الشيخ أبي اليقظان بعمَّال المطبعة، قال عنه: إنَّه تميَّز بعلاقته الحسنة معهم، والتواضع وحسن العشرة، وكان يقوِّي روح الألفة بينهم، بالدعابة والمرح، وكان يقوم معهم بخرجات للتنزُّه والترويح عن النفس. (1/15)
صفحة 16
من الناحية التقنية لجرائد الشيخ أبي اليقظان، أكدَّ المحاضر أنَّها كانت تتميَّز بالإخراج الجيِّد والمسحة الفنِّية والطباعة الجيِّدة، مقارنة بغيرها من الصحف، رغم الظروف المالية العسيرة التي كان يعاني منها الشيخ أبو اليقظان.
مشاركة الدكتور مصطفى بن صالح باجو، كانت عن بُعْد؛ إذ أرسل بمحاضرته من سلطنة عُمان، فألقاها نيابة عنه الأستاذ صالح بن أحمد حدبون. عنوان المحاضرة: «صحافة أبي اليقظان في عين عبد الرحمن» خصَّصها للحديث عن رأي الشيخ عبد الرحمن بن عمر بكلِّي في صحافة الشيخ أبي اليقظان.
بداية المحاضرة كانت لمحة عن حياة الشيخ أبي اليقظان الصحفيَّة والجهاديَّة في إعلاء كلمة الحقِّ، ودحض الباطل والفساد. بعدها حلَّل الظروف السياسية والاقتصادية التي برزت فيها جرائدُه. ولم ينس بيان الأسباب التي دفعت به إلى اختيار ميدان الصحافة للنشاط والعمل، فقد كان ذلك نتيجة رؤية نافذة؛ لكونها الوسيلة الأنجع للإبلاغ والإصلاح، والمنبر الأوسع، والعصا القويَّة لضرب المستعمر. تطرَّق المحاضر - أيضًا - إلى العلاقة الوطيدة التي كانت بين الشيخين أبي اليقظان وعبد الرحمن بكلِّي، وكيف تجسَّدت في محال الصحافة. ممَّا ورد في المحاضرة رسالة أرسل بها الشيخ عبد الرحمن إلى الشيخ أبي اليقظان في بيان دور الصحافة في الإصلاح.
ختام سلسلة المحاضرات محاضرة الدكتور محمَّد بن عيسى عيسى وموسى، عنوانها: «واجب العناية بالتراث، الشيخ أبو اليقظان نموذجًا». قدَّم الأستاذ بين يدي المحاضرة مجموعة من الأسئلة، منها: أنَّ للشيخ أبي اليقظان تراثًا كبيرًا، ماذا فعلنا لاستغلاله؟ إنَّه من الصعب على الباحث الوصول إلى هذا التراث. لذا فالمرجو حصر هذه الوثائق وتنظيمها.
ثمَّ سرد المحاضر مجموعة من العمليات التقنية لحفظ الوثائق، وتسهيل الوصول إلى المعلومة بطرق متعدِّدة. وأنهى محاضرته بمقترح إنجاز متحف، يحفظ مختلف الإنتاج الفكري للشيخ أبي اليقظان. (1/16)
صفحة 17
بعد هذه المحاضرة قدَّم كلمة الأسرة اليقظانية حفيدُ المحتفى به يحي بن عيسى بن إبراهيم حمدي أبو اليقظان، ممَّا جاء فيها: سردُ جوانب من الحياة الأسريَّة للشيخ أبي اليقظان، أشار فيها إلى اهتمام الشيخ الكبير بتلاوة القرآن الكريم، والعمل به، وتحفيز أبنائه على العمل والكتابة، وتسجيل الأحداث وحفظ الوثائق مهما تكن. وقال يحي: «وكان ( P) يحدِّث أبناءه عن الثورة والوطنيَّة وحبِّ الوطن، كما كان يحبِّبُهم في الطبيعة، ويحرِّضهم على القيام بالأعمال الفلاحيَّة». رجا الحفيد في نهاية كلمته أن تقام للشيخ أبي اليقظان ملتقيات أخرى داخل الوطن وخارجه؛ تتناول الجوانب المتعدِّدة لشخصيَّته. ثمَّ شكر باسم الأسرة جميع الهيئات المسهمة في إعداد هذا الملتقى وتنظيمه وإثرائه، وكذا الضيوف وكلِّ الحاضرين، والذين لم يتمكَّنوا من الحضور، وبعثوا باعتذاراتهم ورسائلهم وبرقيَّاتهم.
كان مسكُ الختام، كما كانت البداية كلمة من أبينا المغفور له فضيلة الشيخ عدُّون بن بالحاج شريفي، شكر فيها الجميع، بخاصَّة الذين تحمَّلوا مشاقَّ السفر، ورجا أن تتلوها ملتقيات أخرى، تتناول بالدِّراسة والبحث شخصيَّات فكريَّة وإصلاحيَّة.
ما قُدِّم في الملتقى كان كبيرًا، وما عُرض كان جليلاً، الأجملُ من كلِّ ذلك هو الكشفُ عن بعض الجوانب المخفيَّة أو المختفية أو الخافية في حياة الشيخ أبي اليقظان؛ ممَّا هو شهادات ورسائل مخطوطة، كانت - فقط - عند بعض الناس. وما ارتقى بهذا الملتقى إلى مستوى مقبول هو الإشكالات والأسئلة التي قُدِّمت فيه، منها ما فيه دفع للبحث في شخصيِّة الشيخ أبي اليقظان إبراهيم، تهمُّ وتخصُّ الدارسين ليواصلوا عملهم، ويتحرَّك من لا يزال متردِّدًا في العمل. ومنها ما يعني أسرة الشيخ، لتقوم بواجبها نحو تراثه، وتفيه حقَّه، وتؤدِّي له وعنه الرسالة التي كان من أجلها يضحِّي، ويشقى ويتحمَّل الأذى والمصاعب والمتاعب، فلا يمكن أن يبقى عمله سجينًا، ضنينًا به في الخزائن والرفوف. ومنها ما هو موجَّه إلى المجتمع، ليتحرَّك وفق المقترحات المقدَّمة لتحديث وسائل الإفادة من تراث الشيخ، وتوفير إمكانات العمل الجادِّ المخطَّط الممنهج. (1/17)
صفحة 18
في ختام هذا العرض نقدِّم الملاحظات الآتية:
1 - نشرنا كل ما قُدِّم في المهرجان من محاضرات وكلمات، إلاَّ ما تعذَّر علينا لأسباب متعدِّدة؛ للأمانة التاريخيَّة، ولتكون هذه الأعمال - بما أدلت به من شهادات، وما أسهمت به من أطروحات، وما أثارته من أفكار، وما قدَّمته من نقد ... - شاهدةً على فترة تاريخيَّة، من حقِّ أصحابها أن تدوّن إسهاماتها، ومن حقِّ الأجيال أن تتعرَّف على تاريخها وعلى ما حدث وحصل في المراحل السابقة على فترة وجودها ...
2 - لم نُثبِت بعض المشاركات في كتاب المهرجان؛ لأنَّنا لم نتمكَّن من الحصول عليها، أو لأنَّها لم تكن واضحة في الأشرطة المسجلة.
3 - قُمنا ببعض التصحيحات والتعديلات الضروريَّة لما جاء في بعض المحاضرات، فعذرًا لأصحابها.
4 - لم نُثبِت كلَّ ما ورد إلى إدارة المهرجان من الاعتذارات عن الحضور لكثرتها.
5 - نُعيد نشر عناوين الموضوعات التي اقتُرحت على الباحثين للكتابة فيها في المهرجان، لأنَّ بعضها لم يكتب فيها، وبعضها في حاجة إلى مزيد من البحث والدراسة، نرجو من الدارسين الكتابة فيها، لمزيد الكشف عن شخصيَّة الشيخ أبي اليقظان في مجالات متعدِّدة. هذه الموضوعات هي:
• التعريف بشخصية الشيخ أبي اليقظان (شخصيَّته العامَّة، ثمَّ الإعلاميَّة، ميوله الوطنيَّة ومكوِّناتها).
• مشاركة الشيخ أبي اليقظان في الحركة الوطنيَّة الجزائريَّة.
• دفاع الشيخ أبي اليقظان عن اللغة العربيَّة والهويَّة الوطنيَّة.
• مشاركة الشيخ أبي اليقظان في الصحافة التونسيَّة، وعلاقته بالصحفيِّين التونسيِّين.
• منهج الشيخ أبي اليقظان الصحفي وأسلوبه، وتأثيره في الصحافة الحديثة.
• (1/18)
صفحة 19
دور الشيخ أبي اليقظان في الإصلاح الاجتماعي والاقتصادي، من خلال مقالاته الصحفيَّة.
• مكانة جمعية العلماء المسلمين الجزائريِّين في صحافة الشيخ أبي اليقظان.
• فلسطين وهموم المسلمين، والوحدة الوطنيَّة والمغاربيَّة والعربيَّة والإسلامية في صحافة أبي اليقظان.
• الفكر التربوي في صحافة أبي اليقظان.
• مقاومة الاستعمار والتنصير في صحافة أبي اليقظان.
• ما قيل عن الصحافة اليقظانيَّة في الصحافة الوطنيَّة والعالميَّة.
• التقنيات الصحفيَّة في صحافة أبي اليقظان.
• دور المطبعة العربيَّة في بناء النهضة الوطنيَّة.
• البعثة العلميَّة والحركة الوطنيَّة في تونس.
وفَّقنا الله للوفاء بالعهود، وإنجاز الوعود، وتحقيق المنشود، وكسر الحواجز والسدود، لبذل المزيد من الجهود، في خدمة تراث الجدود، لإرضاء الربِّ الغفور الودود، وجعل التاريخ علينا من خير الشهود، وما ذلك على الله بعزيز، وما نحن في ذلك - إن شاء الله - من أهل القُعُود.
باتنة يوم الأحد: 05 من ذي القعدة 1427هـ
26 من نوفمبر 2006م
الدكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام (1/19)
صفحة 20
بسم الله الرحمن الرحيم
التّقرير الأدبي لمهرجان الصحفي
الشيخ الحاج إبراهيم بن عيسى أبي اليقظان ( P)
تحرير الأستاذين: يوسف بن بالحاج شريفي
قاسم بن إبراهيم العنق
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف خلق الله محمد بن عبد الله، الذي بعث بالحقِّ بشيرا ونذيرا، ولا تزال دعوة الحقِّ نورا يتلألأ بين أحضان هذه الأمَّة، التي غرس الله في تربتها الطاهرة بذورًا، تنبت أشجارا طيِّبة، أصلها ثابت وفرعها في السماء، تؤتي أكلها كلَّ حين بإذن ربِّها، وهذا ما يتجلَّى في رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدَّلوا تبديلا.
إبرازًا واحتفاء بتضحيات هؤلاء الرجال المصلحين الذين، بذلوا مُهجَهم لنفخ الروح في جسد هذه الأمَّة كلَّما خفَتَ نورها. قامت ”جمعية الحياة“ بالقرارة بإجالة النظر في سيرة وتراث شخصية بارزة، اتَّخذت من الصحافة منبرًا للإصلاح الديني والفكري، والذي عُدَّ في حينه رائدا للصحافة الوطنيَّة، ألا وهو الحاج إبراهيم بن عيسى حمدي أبو اليقظان ( P).
• أمُّه: عائشة بنت الحاج امحمد بوعروة.
• ولد بمدينة القرارة (ولاية غرداية، الجزائر) في صفر من سنة 1306هـ/ 05 نوفمبر1888 مات والده وتركه ابن عام وثلاثة أشهر فكفله عمُّه.
• تعلَّم بالكُتَّاب بالقرارة، وتتلمذ على يد الشيخ الحاج عمر بن يحيى المليكي ثمَّ على القطب الشيخ اطفيَّش بمدينة بني يزقن.
• (1/20)
صفحة 21
في سنة 1918م سافر إلى تونس والتحق بالزَّيتونة، ثم الخلدونيَّة.
• في سنة 1914م أصبح رئيسا لأوَّل بعثة علميَّة ميزابيَّة إلى تونس.
• شارك في الحياة الثقافية والسياسية بتونس مشاركة فعَّالة ما بين (1917 - 1925).
• في سنة 1920م أصبح عضوًا في الحزب الحرِّ الدستوري التونسي، وكانت بينه وبين الزعيم الثعالبي صداقة حميمة وتعاون وثيق.
• في سنة 1926م أنشأ أوَّل صحفه العربيَّة (وادي ميزاب)، فكانت تحرر بالجزائر وتطبع بتونس، وتوزَّع بالعالم الإسلامي شرقا وغربا.
• أصدر ما بين (1926 - 1938) ثماني جرائد ذات اتِّجاه وطني، صادرها الاستعمار الفرنسي كلُّها وهي على التوالي: وادي ميزاب، ميزاب، المغرب، النور، البستان، النبراس، الأمَّة، الفرقان.
• في سنة 1931م أسَّس المطبعة العربيّة بالجزائر العاصمة، وهي تعدُّ من أولى المطابع العربية بها، وقد أدَّت خدمات جُلَّى للحركة الوطنيَّة والثقافية ما بين (1931 - 1962).
• شارك في تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريِّين في سنة 1931م، وانتُخب عضوا في مجلسها الإداري سنة 1932م، وكان نائب أمين المال فيها.
• عيِّن في الثلاثينيَّات عضوًا في حلقة العزَّابة، وهي الهيئة الدينيَّة في القرارة، وكان ينوب الشيخ بيُّوض في دروس الوعظ بالمسجد الكبير، إلى أن أقعده الشلل في أفريل 1957م.
• عيِّن عضوًا في جمعية الحياة الإصلاحية سنة 1937م وكان عضوا قياديا بإدارتها، بآرائه ومواقفه وأعماله.
• نشر مقالات وبحوثا في جرائد ومجلات عربيَّة ولا سيما الجزائر وتونس مثل الفاروق، الإقدام، المنقذ، الشهاب، البصائر، المنار بالجزائر، والمنير والإرادة والصواب بتونس، والمنهاج بالقاهرة.
• (1/21)
صفحة 22
بعد 1938م تفرَّغ للتأليف، واستقرَّ بمسقط رأسه القرارة، إلى أن أصيب بالشلل النصفي في أفريل 1957م بعد أن تعرَّض ابنه عيسى للتعذيب والسجن، ولم يثنه ذلك عن الجهاد بالقلم.
• انتقل إلى رحمة الله يوم الجمعة: 25 صفر 1393هـ / 30 مارس 1973م بالقرارة ودفن بها.
• ترك حوالي ستِّين مؤلَّفًا في شتَّى العلوم الإنسانيَّة، نذكر منها على سبيل المثال:
1 - ديوان أبي اليقظان، في جزأين (مطبوع).
2 - سليمان الباروني باشا، في جزأين (مطبوع).
3 - سلّم الاستقامة: كتاب مدرسي في الفقه الإباضي (مطبوع، وهو في ثمانيَّة أجزاء).
4 - فتح نوافذ القرآن (مطبوع).
5 - إرشاد الحائرين (مطبوع).
6 - سبيل المؤمن البصير إلى رّبه (مطبوع).
7 - ملحق سِيَر الشمّاخي في ثلاث حلقات (مخطوط).
8 - الإباضية في شمال إفريقيا (مخطوط).
9 - نشأتي (مخطوط).
10 - تاريخ صُحُف أبي اليقظان (مطبوع).
وقد سبق أن أحيت جمعية أنغام الحياة بالقرارة الذكرى العشرين لوفاة الشيخ أبي اليقظان سنة 1417هـ /1993م، وبعد مضيِّ عشر سنوات أبت جمعية الحياة إلاَّ أن تبرَّ بالعهد الذي أبرمته على نفسها بتنظيم ملتقيات لعلماء الأمَّة ومصلحيها، فكان هذا المهرجان الذي يوافق الذكرى الثلاثين لوفاة عميد الصحافة الجزائريَّة، والذي دام يومين متتاليين.
في صبيحة يوم الخميس 24 محرَّم 1424هـ الموافق لـ 27 مارس 2003 هلَّ فجرٌ جديد على مدينة القرارة؛ بافتتاحها لهذه التظاهرة، فعلى الساعة الثامنة والنصف احتضنت (عشيرة آل علاهم) الجديدة (بحي إينورار) ضيوفها الكرام، (1/22)
صفحة 23
حيث جال بهم منظِّمو العرض بين محتوياته، والذي ضمَّ مختلِف مراحل حياة الشيخ أبي اليقظان ( P) بداية من نشأته وتعلُّمه، مرورًا بجهاده التعليمي والصحفي والسياسي، وانتهاء ببعض مؤلَّفاته المخطوطة والمطبوعة، بالإضافة إلى شهادات عن صحفه الثمان، وقد ازدان العرض بباقة من الصور وطابعة يدوية استخدمها الشيخ ( P) لإنجاز جرائده.
وقد عرضت بالمناسبة مجموعة معتبرة من الكتب التي ألَّفها الشيخ أبو اليقظان مثل: حكمة التشريع الإسلامي، وأخرى أُلِّفت في حقِّه مثل: تاريخ صحف أبي اليقظان، ومختارات من صحف أبي اليقظان للدكتور محمد بن صالح ناصر، مع منشورات لجمعية التراث بالقرارة.
من قاعة المعرض توجَّهت الوفود نحو قاعة المحاضرات، التي تزيَّنت بمصابيح وأعلام ولافتات، ورُصِّعت بأقوال وأشعار الشيخ المحتفى به، كما زاد القاعة رونقا ذلك الشعار الذي ثبت على خشبة المسرح؛ مبرزا صورة الشيخ أبي اليقظان ( P) وعناوين صحفه. وكان باستقبال الضيوف الشيخان يحيى بن الحاج محمَّد ألجون وبابه بن بهون أوجانه في الزيِّ الرسمي للعزَّابة. من الوفود الحاضرة السادة: ممثِّلو السلطة الوطنيَّة الدكتور أحمد بن بابه بيُّوض، مستشار لدى رئيس الحكومة، والأستاذ صالح بن عبد الله أبو بكر، عضو المجلس الوطني، وممثِّلو السلطات الولائية السادة: بوراس إبرهيم بن إسماعيل والأستاذ ابن عبد الله ناصر، وممثِّلو السلطات المحليَّة السادة: رئيس الدائرة أحمد قاسمي، ورئيس المجلس الشعبي البلدي السيد أحمد بن محمد الشيخ بالحاج، وبعض أعضاء المجلس، وجمعٌ من أعيان وادي ميزاب ووارجلان، وأساتذة وأئمة قدموا من مختلف أنحاء القطر.
في حدود الساعة التاسعة والنصف تقدَّم منشِّط الحفل الأستاذ محمد بن سليمان أبو العلاء مُعلنا الافتتاح الرسمي للمهرجان ومرحِّبا بالسَّادة الحضور، وعلى رأسهم جوهرة العقد أبونا الروحي الشيخ عدُّون - حفظه الله - رئيس الهيئة الدينيَّة العليا بوادي ميزاب ووارجلان، ورئيس مجلس العزَّابة وجمعية الحياة بالقرارة. (1/23)
صفحة 24
كلمة جمعية الحياة تفضَّل بتقديمها الشيخ عدُّون - حفظه الله - الذي حمد الله وأثنى عليه بإقامة هذا المهرجان، ثمَّ رحَّب بالضيوف الكرام وشكر سعيهم، كما اعتذر عن عجزه وكبر سنِّه، فبالرَّغم من تجاوزه المائة من العمر فلا يزال يُبدي حماسا منقطع النظير في إشرافه على هذه الملتقيات والجلسات، إلى جانب متابعته المستمرَّة لشؤون الأمَّة من تربية ووعظ وإرشاد. وقد تطرَّق الشيخ في كلمته إلى شخصيَّة الشيخ أبي اليقظان ( P) وعلاقته به، وخاصَّة ما يتعلّق بإصلاح التعليم، وأهمِّ محطَّات جهاده في هذا السبيل، حيث عدَّه رائدا للتعليم العصري في الجزائر، كما نوَّه بدوره العظيم في مجال الصحافة، بإظهار موقف الجزائريِّين من الاستعمار وكَشْفِ دسائسه، وتنوير العقول ودعم الحركة الإصلاحيَّة في كلِّ مجالاتها.
بهذه المناسبة أعلن عن التسمية الجديدة لمدرسة «الشيخ بابهون» بمدرسة الشيخ أبي اليقظان ( P)، ونوَّه بالرعاية السامية لرئيس الجمهوريَّة السيِّد عبد العزيز بوتفليقة لأشغال هذا المهرجان.
بعد هذه الكلمة الافتتاحيَّة، تتابعت سلسلة من الكلمات الرسمية أوَّلها من رئيس المجلس البلدي بالقرارة السيِّد أحمد الشيخ بالحاج، إذ رحَّب بالوفود الحاضرة، وأشار إلى الهدف من هذا المهرجان. تلا ذلك قراءة سريعة للرَّسائل الواردة، منها: رسالة رئيس الحكومة علي بن فليس، ألقاها بالنيابة أحمد بن بابه بيُّوض، وأخرى لسفير الجزائر بمصر الدكتور سليمان الشيخ، ألقاها بالنيابة منشِّط الحفل، كما قرئت رسالة المجلس البلدي بغرداية عمر فخار، واعتذار السيد الوالي عن الحضور لانشغاله بالمسيرة التضامنية مع الشعب العراقي.
كما جرت العادة في بداية هذه الملتقيات، سرد المنشِّط الأستاذ محمد بن سليمان أبو العلاء ما تضمَّنتها البطاقة التعريفيَّة للشيخ أبي اليقظان ( P) وقبل ذلك أشار إلى أنَّ هذا المهرجان سيركِّز أساسا على الجانب الصحفي للشيخ أبي اليقظان (1/24)
صفحة 25
دون الجوانب الأخرى، ذلك أنَّ الشيخ أبا اليقظان شخصيَّة ذات جوانب متعدِّدة، فله باع في الشعر والفقه والأدب والتاريخ.
الوصلة الفنيَّة الأولى تضمَّنت نشيدين لفرقة أنغام الحياة بالقرارة، الأوَّل كان جماعيًا بأداء مقطع من إلياذة الجزائر تحت عنوان «شغلنا الورى»، والثاني تحت عنوان «عهدي» للدكتور الشاعر محمد ناصر، تلحين الأستاذ محمد بوسعدة. بعدها قرأ المنشِّط مجموعة أقوال في حقِّ الشيخ أبي اليقظان ومختارات شعرية من تأليف الشيخ.
المحاضرة الأولى لليوم الأوَّل للمهرجان كانت من نصيب الدكتور محمد صالح ناصر، قدَّمه الأستاذ عمر بن حمو سليمان بوعصبانه؛ فالدكتور من مواليد 1938م بالقرارة، تدرَّج في تعلُّمه من مدرسة الحياة، ثمَّ معهد الحياة، ومنه انتقل إلى مصر لمزاولة دراسته الجامعيَّة، فحصل على شهادة الليسانس في الآداب، ومن جامعة الجزائر تحصَّل على شهادتي الدكتوراه الدرجة الثالثة ودكتوراه الدولة. يتميَّز الدكتور بإسهاماته الواسعة في مجال الشعر والنثر، فقد أنجز سبعين إنجازا ما بين أدبيَّة وتاريخيَّة وشعريَّة، وكتبا للأطفال بلغت الثمانين كتيِّبا، وهو إلى جانب ذلك له باع في التحقيقات والدراسات الأدبيَّة، وحضور مميَّز في الملتقيات الفكريَّة، كما يضطلع بمهام واسعة، فهو الرئيس العلمي لجمعية التراث، ومشرف على معجم أعلام الإباضية بالمغرب والمشرق، وعضو بمجلس العزابة وإدارة العشيرة بالقرارة، إلى جانب التأليف والبحث، درَّس الدكتور بمدرسة الحياة ومعهد الحياة بالقرارة ثم بجامعة الجزائر ومعهد القضاء الشرعي بسلطنة عُمان.
صدَّر الدكتور محمد ناصر محاضراته بكلمة فحواها: أنَّ الحديث عن الشيخ أبي اليقظان ليس الهدفُ منه التأريخ لهذه الشخصية فحسب، بل التأريخ لأمَّة بأكملها في جميع المجالات الإنسانيَّة. تطرَّق للمجهودات الجبَّارة التي كان يقوم بها الشيخ أبو اليقظان في إصدار جرائده الثماني، حيث كان يحرِّرها في الجزائر، ويطبعها في تونس، ثم يوزِّعها بالجزائر، وما لاقاه جرَّاء ذلك من صعوبات، حيث المتابعات البوليسية (1/25)
صفحة 26
للمستعمر، والتوقيفُ المستمرُّ لجرائده، مع ضعف أو انعدام للإمكانات المادية. انتقل المحاضر بالحديث إلى ظروف إنشاء المطبعة العربية بالجزائر، لأنَّ طباعة هذه الجرائد كانت من أهمِّ الصعاب التي تحدَّاها الشيخ بإرادته وقوَّة إيمانه. كما أبرز المحاضر أهميَّة جرائد الشيخ أبي اليقظان وذيوع صيتها في الآفاق؛ وتجلَّى هذا التضامن الذي تلقَّاه مشرقا ومغربا؛ حين عُطِّلت إحدى جرائده (وادي ميزاب) إذ وردت إليه حوالي أربعمائة برقية تؤازره ضدَّ قرار التعطيل. هذا بالإضافة إلى العلاقات القويَّة التي ربطته بإخوانه العلماء والمثقَّفين في المشرق والمغرب. وأنهى الدكتور محاضرته بذكر الأهداف التي كان يرمي إليها الشيخ أبو اليقظان ( P) من خلال جهاده الصحفي، إذ تتمثَّل في التربية والإصلاح، وتوحيد الصفِّ والكلمة لمواجهة الاستعمار.
وتلت المحاضرة مجموعة من الاستفسارات، أجاب المحاضر عن أهمِّها، مُجملا القول في أنَّ جرائد أبي اليقظان لأهمِّيتها كانت تتَّسع لمشاركات واسعة للكتاب المغاربة، وأنَّ الشيخ أبا اليقظان كان ذا سمعة عالية ومكانة مرموقة لدى علماء الأمَّة؛ حيث يقول فيه الشيخ عبد الحميد بن باديس: «إنَّ أبا اليقظان إلى جانب ميزابيته عربي مجاهد صادق في وطنيَّته».
عقب المحاضرة أبى الدكتور إلاَّ أن يختم مشاركته بقصيدة شعرية في موضوع الساعة، ألا وهو العدوان الأمريكي البريطاني على العراق.
تقدَّم منشِّط الحفل بقراءة برقية من السيد سعيد بركات وزير الفلاحة؛ إذ نوَّه بهذا الملتقى ثمَّ تحدَّث عن مميِّزات وأدوار الشيخ أبي اليقظان في ميدان الصحافة، وما يحمل ذلك من أهمية في تأريخ تلك المرحلة واعتبرها بمثابة سلسلة ذهبيَّة، تربط بين الماضي والحاضر، وأبلغ تمنياته للحضور، مؤكِّدا للجمهور أنَّه بينهم بقلبه وروحه.
كلمة أعيان وادي ميزاب تفضَّل بتقديمها الأستاذ الشيخ سيعد محمد بن إبراهيم كعباش، رئيس حلقة العزَّابة ورئيس جمعية النهضة بالعطف. تناول في كلمته جهاد الشيخ أبي اليقظان ( P) في المجال الصحفي، في وقت عزَّ فيه الحرفُ العربي، وما (1/26)
صفحة 27
لاقاه في ذلك السبيل من عنت ومشقَّة، وهذه المصابرة تعود إلى تعلُّقه الشديد بالصحافة، إذ قدَّم في هذا السبيل عصارة فكره، وكلّ ما يملكه من غال ونفيس. ويضيف المحاضر قائلا: إنّه كان في صميم الحركة الوطنيّة إنْ كان في الجزائر، أو في تونس نشطا في الحزب الدستوري، وذلك لحرارة الإيمان الذي يتدفّق في قلبه وروحه؛ ممَّا جعله لا يكترث بالمصاعب والعوائق والحرب النفسيَّة، على أن شلّ نصف جسده. ويعقِّب المحاضر، أنَّ الشيخ أبا اليقظان لم يكن راضيًا على قعوده، متمّنيا أن يقوم ويواصل جهاده، وكان يحمد الله على ذلك، فبلطفه أبقى له يدًا يكتب بها، وعينا تبصر، وكان يقول: «إنَّ ربِّي لطيف لما يشاء».
ختم الشيخ سعيد محمد كعباش كلمته بقصيدة شعرية مشيدًا بمناقب الشيخ المحتفى به. وفي تلك الأثناء طلب أحد الحضور المشاركة وهو الأستاذ عوض البحيصي إمام مسجد بمستغانم، فحيَّا الجموع وأشاد بمجهودات الشيخ أبي اليقظان ( P) ثمَّ قرأ قصيدته، التي تضمَّنت رسالة تنبيه وتحريض للعلماء للتوحُّد وعدم الاختلاف، وبعدها مباشرة أعلن منشِّط الحفل عن نهاية الفترة الصباحيَّة لأعمال الملتقى، موجِّها الضيوف إلى أماكن الإقامة والإكرام.
افتُتحت الفترة المسائيَّة على الساعة الخامسة والنصف، كانت البداية مع محاضرة تحت عنوان تاريخ الجزائر من خلال صُحف أبي اليقظان للأستاذ الحاج موسى بن بكير ابن عمر، قدَّمه الأستاذ موسى بن إبراهيم حريزي، فالمحاضر من مواليد سنة خمس وستِّين وتسعمائة وألف (1965م) بالقرارة، حافظ لكتاب الله، تدرَّج في مستويات التعليم الرسمي والحرِّ بميزاب، تحصَّل على شهادة الليسانس من جامعة الجزائر سنة تسعين وتسعمائة وألف (1990م)، بإعداد رسالة تحت عنوان «السياسة الفرنسيَّة في الصحراء الجزائريَّة»، ثم حصل على شهادة الماجستير سنة ألفين بإعداد رسالة تحت عنوان «السياسة النفطية الفرنسيَّة في الجزائر»، اشتغل المحاضر بالتعليم في قسم التاريخ بجامعة الجزائر، كما اشتغل بالبحث في المتحف الوطني للمجاهد، ويشتغل حاليا أستاذًا مساعدا بالمدرسة العليا للأساتذة ببوزريعة. (1/27)
صفحة 28
استهلَّ المحاضر محاضرته بطرح إشكالية كتابة التاريخ الجزائري، ثمَّ تناول ظروف ظهور صحف أبي اليقظان في فترة العشرينيَّات؛ حيث القبضة الحديديَّة للاستعمار والنشاطات الحزبيَّة والثورية كحركة الأمير خالد، وبعض الأحزاب الأخرى، ثمَّ حاول الأستاذ أن يحلِّل محتويات جرائد أبي اليقظان؛ حيث صنَّفها إلى صنفين، قسم يخصُّ مسائل تتعلَّق بخارج الوطن، وقسم آخر يخصُّ الشؤون الجزائرية وشفع كل ذلك بأمثلة. ثم درج المحاضر إلى ذكر بعض مميّزات كتابات الشيخ أبي اليقظان، التي تتميّز بالصّدق والصراحة، وأنّها تعرف عدَّة اتّجاهات: الأوّل اهتمّ بالوقائع الآنية والثّاني إعلامي توجيهي، طرح فيه آراءه الفقهيَّة والسياسية والقانونية، والآخر تاريخي تناول تحقيقات حول مدن ومناطق تاريخية وتراجم وسير شخصيات بارزة.
انتهى الوقت المحدَّد، غير أنَّ المحاضرة لم تكتمل بعد، وإجابة لبعض التدخلات كان من أهمِّها ما يتعلَّق بإنقاذ المخطوطات التي خلَّفها الشيخ، ولم تمتدَّ إليها يدٌ تخلِّصها بعدُ من الأرضة، ونفض الغبار عنها وخاصَّة كتاب السير في ثلاثة أجزاء.
في هذا الإطار طلب الأستاذ أحمد عيساوي من جامعة باتنة المشاركة بتدخُّل، كان مفاده أنَّ الشيخ أبا اليقظان شخصية متعددة الجوانب، فلا يمكن تفتيته، فينبغي أن يتناوله بالدراسة فريق من المتخصِّصين.
مشاركة أخرى كانت هذه المرة بقصيدة شعرية، ألقاها أستاذ البلاغة وعلوم القرآن بجامعة الأغواط المبروك زيد الخير، تناول فيها أوضاع المسلمين المتردِّية.
المحاضرة الثانية لهذه الأمسية كانت للدكتور محمد زغينة، قدَّمها بالنيابة عنه الدكتور مسعود فلوسي (وكلاهما من جامعة باتنة) في موضوع «محطَّات فكريَّة في صحافة أبي اليقظان»، حمل في بدايتها سلاما من مدير وأساتذة جامعة العقيد حاج لخضر بباتنة. يذكر المحاضر أنَّه من بين الأفكار التي طرحها الشيخ أبو اليقظان (1/28)
صفحة 29
في صحافته المقارنة بين المجتمعات الجاهلة التي تنساق وراء المشعوذين والمفسدين، الذين حاربهم الشيخ بكلّ ما أوتي من قوّة، وبين المجتمعات التي ينتشر فيها العلماء والمصلحون، فلا مكان فيها لأولئك المخرّبين، وهو الأمر الذي من أجله أفنى الشيخ عمره، وذاب جسده بالمرض، كما تذوب الشمعة من أثر الحرارة. ويشير المحاضر كذلك إلى الأساليب الاستعماريّة التي استخدمها المستعمر، وفضحها الشيخ أبو اليقظان ( P) منها أنَّ إخفاق الفكرة يؤدي إلى إخفاق رموزها وبالتّالي عزل المكافح والمصلح عن ميدانه وعن العامة، فتصبح الأمَّة قابلة للباطل، ساكتة عن الحقّ، وهو ما تناوله الأستاذ مالك بن بني في كتابه.
ثمَّ تعرض المحاضر إلى بيان الفكر المؤسَّساتي، الذي يدعو إليه الشيخ أبو اليقظان لتحقيق النهضة باستغلال وسائل، منها المسجد والمدرسة والجريدة والاقتصاد والرجال الأكفاء، فبمثلها يضمن سيرورة النهضة، فلا تنطفئ بمجرَّد وفاة رموزها.
مع آذان المغرب خاطب الأستاذ محمد الهادي الحسني الحضور بكلمة موجزة تضمَّنت اعتذارًا عن مشاركته في هذا المهرجان، وكذا اعتذار أخويه الأستاذين الشيخ عبد الرحمن شيبان رئيس جمعية العلماء، والدكتور عبد الرزَّاق قسُّوم.
بعد صلاة المغرب بالمسجد الكبير وقراءة ما تيسَّر من القرآن جماعيًا، كما جرت العادة ككلِّ ليلة جمعة، قدَّم الأستاذ عمر بن حمو سليمان بوعصبانه (لقمان) الشيخ رحَّال، الإمام بأحد مساجد وهران ليفيد المصلين بدرس حول العقيدة وترسيخها في الأبناء، مستنبطا من القرآن الكريم الأساليب التي دعانا الله سبحانه وتعالى لاستخدامها في تربية الأبناء وتنشئتهم تنشئة قرآنيَّة.
سهرة اليوم الأوَّل من المهرجان كانت زاخرة؛ تنوَّعت بين نشيد وقصيد شعر وكلمات؛ حيث كان العُرُسُ المتوَّجون تلك اللَّيلة محظوظين إذ شنّفت أسماعهم بباقة من الأناشيد لفرقة أنغام الحياة، تحت قيادة الأستاذ محمد بن عمر بوسعدة. فمن القصيد المنشود إلى القصيد المقروء، مع شاعر المناسبات الأستاذ صالح بن إبراهيم باجو، الذي (1/29)
صفحة 30
نظم قصيدة تحت عنوان «لولا صحافتكم بالضَّاد ناطقة» ألقى الأستاذ الأبيات الأولى، ثمَّ سلَّمها ليتمَّ قراءتها على الجمهور تلميذُه الأستاذ عبد الوهاب بن محمد حميد أوجانه، أشاد الشاعر في الافتتاحيَّة بشخصيَّة أبي اليقظان، ثمَّ أبرز دور جرائده وصحفه في تمكين الإسلام في المجتمع وإرساء قواعد اللغة العربية.
تقدَّم مُنشِّط الحفل الأستاذ محمد بن سليمان أبو العلاء بقراءة رسالة اعتذار لمديري مدارس الشيخ بيُّوض بمدينة، تضمَّنت شكرًا على الدعوة الموجَّهة إليهم، واعتذروا وتأسَّفوا عن الغياب، كما أشادوا بهذه المبادرة لجمعية الحياة.
بعد وصلة فنية، قدَّم عضو المجموعة الصوتية للأعراس سليمان بن محمد حاجي، وهو معلِّم بمدرسة الحياة حصيلة الأعراس السنوية والموسميَّة وأسماء عرس تلك الليلة، تلا ذلك نشيد إهداء لهؤلاء المتوَّجين.
وبهذه المناسبة ألقى الأستاذ صالح بن عبد الله أبو بكر عضو المجلس الوطني كلمة آزر فيها الشعب العراقي لما يتعرَّض له من تقتيل وتدمير، مقارنا بين صلابة مواقف حكَّام السلف وثبوتهم على الحقِّ ضدَّ الأعداء، بخيانة حكَّام الخلف وهوانهم على الناس.
بعد نشيد «ربي فالق النوى» الذي أدَّاه مع الفرقة العضو إدريس بن بابه باحامد، فُتح المجال للشِّعر والشعراء من جديد، ابتداء من الأستاذ أحمد بن إبراهيم موسى المال (لزعل)، بقصيدة تناول فيها الدور الفعَّال، الذي قام به الشيخ أبو اليقظان في نشر العلم وتحسيس الأمَّة بالتحرر والثورة ضدَّ المستعمر. وفي ذات الموضوع أشاد الأستاذ مبروك زيد الخير محاضر بجامعة الأغواط في قصيدة تحت عنوان «إلى منتدى الشيخ أبي اليقظان» أشاد بجهاد الشيخ في سبيل إصلاح الأمَّة ونشر اللغة العربية، ونوَّه بمواقفه الصلبة التي لا تلين أمام المستعمر الفرنسي، كما تعرَّض للظروف القاسية والأزمة التي تتخبَّط فيها الأمَّة العربية حول قضيَّة الساعة، وهي العدوان على العراق.
كلمة شكر وعرفان واحترام، أسهم بها السيد إسماعيل جريدي محافظ ولاية الجزائر بالنيَّابة عن أفواج محافظة الجزائر الكشفيَّة. (1/30)
صفحة 31
مشاركة أخرى، كانت من الأستاذ يوسف بن عمارة مجاهد، تمثَّلت في نشيد بمناسبة الاحتفال برائد الصحافة العربية، نظمه الدكتور صالح خرفي في بداية سنة 1954م بالزَّيتونة. وختام السهرة كان ابتهالاً تحت عنوان «متِّعنا برضاك»، أدَّاه الفنان محمد بن عمر بوسعدة مع المجموعة.
في اليوم الثاني للمهرجان الجمعة: 25 محرّم 1425هـ الموافق لـ 28 مارس 2003م، افتتحت أشغال المهرجان بتلاوة عطرة من سورتي الفاتحة والتين للأخ الكريم عبد الرزاق بن بكير سليمان بوعصبانه، ثمَّ استهلَّ منشِّط الحفل لهذا اليوم الأستاذ يوسف بن سليمان كرشوش أستاذ اللغة الإنجليزية بمعهد الحياة وثانوية الإمام الشيخ إبراهيم بيُّوض، استهلَّ الحفل بافتتاحيَّة ترحيبيَّة للإخوة الحضور، ثمَّ قدَّم مقتطفات عن الكيفية التي يبتدئ وينهي بها الشيخ أبو اليقظان يومه؛ إذ يستيقظ من الأذان الأوَّل ثمَّ يقرأ حزبين من القرآن الكريم، كما ينهي يومه بتلاوة أوراد وأذكار، ويخصُّ كل جماعة من المسلمين بورد: ورد لمجلس عمِّي سعيد، وآخر لفلسطين والجزائر والأمَّة الإسلامية ...
المحاضرة الأولى لهذا اليوم كانت للدكتور محمد بن عمر لعساكر تحت عنوان «الشيخ أبو اليقظان والحركة الوطنيَّة في تونس والبعثة العلميّة بها» (1)، قدَّمه للحضور الأستاذ صالح بن عبد الله أبو بكر، فالمحاضر من مواليد سنة 1928م ببريَّان، تدرَّج في تعلُّمه بين مدرسة الفتح ببريَّان ثمَّ معهد الحياة بالقرارة، منتقلا إلى جامع الزيتونة ضمن البعثات البيُّوضية، متحصِّلا على ليسانس في الحقوق من جامعة دمشق، ثمَّ ديبلوم الدراسات العليا من جامعة القاهرة، وأخيرا دكتوراه دولة في القانون من جامعة الجزائر، تقلَّد مسؤوليات عدَّة، منها رعاية شؤون البعثة البيُّوضيَّة بتونس، وكذا الطلبة الجزائريِّين خلال الثورة، كما كان ممثِّل وزير الشؤون الثقافية في
__________
(1) - لم نتمكَّن من إدراج هذه المحاضرة القيِّمة في كتاب المهرجان؛ لأنَّها لم تكن واضحة في الشريط الذي سجِّلت فيه، فعذرًا لأستاذنا، ومعذرة للقرَّاء، ولشيخنا أبي اليقظان. (1/31)
صفحة 32
الحكومة الجزائريَّة المؤقَّتة الأولى، ومسؤول الطلبة بالمنظَّمة الوطنيَّة لجبهة التحرير الوطني بتونس. اشتغل أستاذا في كلية الحقوق، وهو عضو المجلس الأعلى للقضاء والهيئة القضائيَّة لاتِّحاد المغرب العربي.
تحدَّث المحاضر في البداية عن ظروف إنشاء البعثة العلميَّة الجزائريَّة بتونس، ففي الخمسينيَّات لم يكن الطلبة متميِّزين عن غيرهم، حيث سَمَّوا أنفسهم بالبعثة الجزائريَّة المغربيَّة.
عرَّج المحاضر بعدها، وعلى لسان الشيخ أبي اليقظان إلى ذكر إسهام الميزابيِّين في الحركة الإصلاحيَّة الوطنيَّة بإنشاء مدارس عصريَّة في مدن التلِّ؛ حيث يتمركز الميزابيُّون للتجارة، إذ أنشئت أوَّل مدرسة عصريَّة بمدينة تبسة سنة 1913م، وكانت تدعى الصديقيَّة، ومن بعدها مدرسة النجاح، غير أنَّ الاستعمار كان لها ولغيرها بالمرصاد.
ومن المجال العلمي التربوي للشيخ، وجَّه المحاضر حديثه إلى المجال السياسي وذلك بانتقاله إلى تونس، وانضمامه إلى الحزب الدستوري بعد الحرب العالمية الثانية، إذ كان له الفضل في تأسيسه، حيث عيِّن عضوًا في اللجنة التنفيذية والمالية، وأبدى نشاطا وحماسة في العمل الوطني، خاصَّة في القصائد الشعرية التي كان يلقيها في العديد من المناسبات، وسعيه في ربط البعثة بالحركة، وبهذه العلاقة الوطيدة أجرى المستعمر تفتيشا واستجوابات في القرارة وغردية؛ بحثًا عن مصدر الأموال التي كانت تصل الحزب الدستوري، وكان النفي من تونس وسيلة لوضع حدٍّ لنشاط الشيخ أبي اليقظان ومن معه كالشيخ عبد العزيز الثميني والشيخ أبي إسحاق اطفيَّش.
أهم مداخلة عقبت المحاضرة كانت للدكتور أحمد عيساوي أستاذ بجامعة تبسة (1)، بيَّن ”أن مدرسة النجاح“ كانت أسبق من ”المدرسة الصديقيَّة“، كما
__________
(1) - هو من مواليد مدينة تبسّة، مدرّس في كليّة العلوم الاجتماعية والإسلامية بجامعة باتنة، درّس سنة واحدة في المركز الجامعي بتبسّة، ثمَّ عاد إلى جامعة باتنة. (م. ن. ب). (1/32)
صفحة 33
أشار إلى ضرورة دراسة شخصيَّة الشيخ أبي اليقظان بتعمُّق، وكذا نشاط الطلبة الجزائريين بتونس والحركة الوطنيَّة بها. ثمَّ استفسر عن العلاقة القائمة بين الشيخ أبي اليقظان والشيخ عبد الحميد ابن باديس.
المحاضرة الثانية لهذه الصبيحة كانت تحت عنوان «الشيخ أبو اليقظان وجهاد المطبعة» قدَّمها الأستاذ إبراهيم بن أحمد باحريز، عرَّف به للحضور الأستاذ يحيى بن عيسى حمدي أبو اليقظان على أنَّه من مواليد سنة 1942م، ثمَّ واصل دراسته بالمراسلة في المحاسبة التحليليَّة والعلوم المطبعيَّة، يشتغل حاليا مديرا فنيًّا للمطبعة العربية بغرداية.
استهلَّ المحاضر محاضرته بذكر ندرة المراجع التي تناولت بالبحث صحف أبي اليقظان، وخاصَّة ما يتعلَّق منها بالمطبعة العربية التي أسَّسها الشيخ أبو اليقظان؛ مستدلا بمثال وهو أن كتاب عواطف عبد الرحمن، الذي تضمَّن دراسة للصحف الجزائريَّة ما عدا صحف أبي اليقظان.
أمَّا عن تسمية المطبعة، فقد أريد تسميتُها بالمطبعة العصريَّة لإضفاء الجانب التجاري عليها، إلاَّ أن الشيخ أبا اليقظان أبى إلاَّ أن يسمِّيها بالمطبعة العربية ليضفي عليها بعدا وطنيًّا وحضاريًّا.
ذكر المحاضر أبرز العمَّال في هذه المطبعة، منهم الشيخ أبو اليقظان نفسُه، وعيسى بن يحي أحمد تاعموت الذي اختصَّ في شراء مواد الطباعة وفي التوزيع، وكذلك الشيخ عدُّون (سعيد بن بالحاج شريفي)، الذي انفرد في فترة معيَّنة بالمسؤولية التامة للمطبعة، كما قام بأعمال التصفيف والتصحيح والتوزيع، وجلب المواد وحاجيات المطبعة.
عن علاقة الشيخ بعُمَّاله يضيف المحاضر قائلا: إنَّه امتاز بعلاقته الحسنة بعُمَّاله؛ حيث الكلام الطيِّب والتواضع، وكان يقوِّي روح الألفة بين عُماله بالدِّعابة والمرح، بالإضافة إلى الخرجات التي كان ينظِّمها مع عمَّاله للترويح عنهم. (1/33)
صفحة 34
أمَّا من الناحية التقنية لجرائد أبي اليقظان وهو من اختصاص المحاضر، فعبَّر عن إعجابه لتميُّزها بالإخراج الجيِّد والمسحة الفنيَّة والطباعة الجيِّدة؛ مقارنة بغيرها من الصحف، رغم الظروف المالية العسيرة التي كان يعاني منها الشيخ ( P).
تدخلات عدَّة عقبت المحاضرة، أهمُّها كانت شفوية للدكتور محمد ناصر، الذي أشار إلى أهمية المحاضرة، واقترح إضافة دور المطبعة العربية في الحركة الوطنيَّة، ثم وقف وقفة في تبيان دور المطبعة العربية في خدمة اللغة العربية ولغة القرآن، وأكَّد أنَّه ينبغي أن تكون - أي المطبعة - معلمًا من معالم التراث الوطني. بعدها تحدَّث المحاضر إجابة عن سؤال عن كيفية انتقال المطبعة العربية من الجزائر إلى غرداية.
بعد طول انتظار وترقُّب، جاء دور كلمة الأستاذ محمد الهادي الحسني الذي يتميَّز حديثه الشيِّق بأسلوب صاحب الحمار الحكيم، حيث النقد المبطَّن بالنكتة الطريفة والاستشهادات الدقيقة المعبِّرة، تحدَّث في البداية عن مؤتمر جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، الذي تمخَّض منه موقف العلماء من موقف ساسة الإدماج، إذ تساهلوا - حسب قوله - في سياسة الفرنسة إلا ما يخصُّ الانتماء الإسلامي.
ما يثبت ذلك مقولة الشيخ عبد الحميد بن باديس «إنَّ التهاون والخطأ في الهويَّة والشخصية الإسلامية يُعدُّ كفرًا».كما أكَّدت جمعية العلماء المسلمين على حقِّ المقاومة وردِّ الحقوق، وما يدلُّ على ذلك مقولة الشيخ البشير الإبراهيمي: «إنَّ الحقوق التي أخذت اغتصابا لا تؤخذ إلا غلابًا».
المحاضرة الثالثة بعنوان: «صحافة أبي اليقظان في عين عبد الرحمن» للدكتور مصطفى بن صالح باجو، قرأها بالنيابة الأستاذ صالح بن أحمد حدبون (1)، الذي أعطى نبذة من حياته، فالمحاضر من مواليد 18 أوت 1964م بغرداية، زاول دراسته الابتدائيّة بالقرارة ثمَّ المتوسِّطة والثانوية بمعهد الحياة، استظهر القرآن ولم يتمَّ الثالثة عشرة سنة 1977م، وتحصَّل على شهادة الباكالوريا سنة 1983م، والتحق
__________
(1) - ابن معهد الحياة، وكاتب الشيخ بيوض ( P)، ورئيس داخليّة الحياة بالقرارة. (1/34)
صفحة 35
بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنوَّرة، ثمَّ بجامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية بقسنطينة، أين تحصَّل على شهادة الليسانس في أصول الفقه سنة 1988م، ثم تحصَّل على دبلوم الدراسات الإسلامية من معهد الدراسات الإسلامية بالقاهرة، وحصل على شهادة الماجستير برسالة موضوعها «أبو يعقوب الوارجلاني، فكره الأصولي، دراسة مقارنة بأبي حامد الغزالي» سنة 1993م، وفي سنة 1999م نال شهادة الدكتوراه في موضوع «منهج الاجتهاد عند الإباضية». انتقل الأستاذ مساعدا ثمَّ محاضرا بجامعة الأمير عبد القادر، ثم ارتحل إلى كليّة التربية بنزوى (سلطنة عُمان) مع بداية الموسم الدراسي 2002 - 2003م.
ابتدأ الدكتور محاضرته بلمحة عن حياة الشيخ أبي اليقظان الصحافيَّة والجهاديَّة في إعلاء كلمة الحقِّ، ودحض الباطل والفساد، وحلَّل الظروف السياسيَّة والاقتصادية التي برزت فيه جرائد الشيخ ( P)، كما تعرَّض للأسباب التي جعلت الشيخ يختار ميدان الصحافة، وكان ذلك نتيجة رؤية نافذة؛ لكونها الوسيلة الأنجع للإبلاغ والإصلاح؛ والمنبر الأوسع والعصا القويَّة لضرب المستعمر.
ثمَّ انتقل المحاضر إلى إبداء وجهة نظر الشيخ عبد الرحمن بكلِّي اللَّذين كانا زميلين أيام البعثة التونسيَّة، ثمَّ في النضال بالجزائر، وكانت علاقتهما وطيدة ولم تنقطع، حيث يقول: إن أخلاقه أخلاق السلف الصالح، مع إخلاصه وقوَّة إيمانه، بالإضافة إلى صبره وجدِّه، وإصراره الشديد على الحقِّ، كما كان مرحا بارع النكتة.
ثمَّ تناول الدكتور في محاضرته بتفصيل الأوضاع العلميَّة السائدة في تلك الفترة حيث الجهل والأميَّة وانتشار البدع والخرافات، وكذا مسيرة الشيخ التعليميَّة بالقرارة، وانتقل إلى بني يزقن ليقضي سنوات أمام الشيخ الفاضل الحاج امحمَّد بن يوسف اطفيَّش، ومنها إلى الزيتونة بتونس، مع الإشارة إلى نضاله التربوي؛ ضمن البعثات العلميَّة والنضال السياسي مع الحزب الدستوري التونسي. ومن تونس إلى الجزائر؛ حيث المعركة الكبرى والمريرة التي أعلنها الشيخ ضدَّ المستعمر، من خلال جرائده الثماني، والتي صادرها المستعمر الواحدة تلو الأخرى. (1/35)
صفحة 36
طوى الأستاذ صالح حدبون المحاضرة ليسرد الرسالة التي بعثها الشيخ عبد الرحمن بكلِّي إلى الشيخ أبي اليقظان في بيان الصحافة ودورها في الإصلاح.
مباشرة بعد المحاضرة تفضَّل الأستاذ بالحاج بن سعيد شريفي بمداخلة في دقيقتين، حيث قال: أنَّ الشيخ عدُّون له الأولوية في الحديث عن الشيخ أبي اليقظان ( P)، ثمَّ أدلى بشهادة سمَّاها: الشيخ أبو اليقظان المؤمن الصابر. اقترح أولا أن تخصَّص رسائل في الموضوع، بعد أن ابتلي بالشَّلل النصفي سنة 1957م، ثمَّ تحدَّث عن رفقته أيَّام الابتلاء حيث كان بجانبه من القرارة إلى غرداية، ثمَّ إلى الجزائر جوًّا، فتأثَّر تأثُّرا كبيرا عندما كانت الطائرة تحلِّق بين السحب، فكان يسبِّح الله ويحمده. وبعد الفحص ترجم له التقرير الطبِّي.
ثمَّ تطرَّق إلى موضوع آخر، عندما خرج مفدي زكرياء من سجن سركاجي، طلب من ابنه عيسى أن يجمعه بأبيه الشيخ أبي اليقظان والشيخ بيُّوض، فقصَّ عليهما مفدي زكريَّاء ما جرى له من التعذيب في السجن، فقال الشيخ بيُّوض: من الألطاف الإلهيَّة أن كان أبو اليقظان مبتلًى في جسده، وإلاَّ فإنَّه كان قد التحق بالثائرين في الجبل، أو كما قال.
بعد هذه المداخلة نبَّه المنشِّط إلى نهاية الفترة الصباحية والاستعداد لصلاة الجمعة، ثمَّ الصلاة بالمسجد الكبير فالغذاء للمدعوِّين.
استهلَّت الفترة المسائية لليوم الثاني للمهرجان على الساعة الخامسة والربع بوصلة فنِّية لفرقة أنغام الحياة وفرقة الرشاد لجمعية النور لمدينة بوفاريك، التي أدَّت نشيدًا رائعا للشيخ أبي اليقظان، حيث الأداء المميَّز والانسجام الجماعي، حتَّى وأنَّ المرء يظنُّ أنَّه يستمع لصوت منشد واحد. تلا ذلك مشاركة شعرية للشاعر صالح بن إبراهيم باجو، الذي جادت قريحته بمجموعة أبيات بمناسبة فتح البثِّ لبرامج إذاعة غرداية بالقرارة. وأتبع ذلك بسرد حادثة تاريخيَّة جرت بين الشيخ أبي اليقظان والحاكم الفرنسي.
وصلة فنيَّة أخرى من أداء الفرقتين، ليأتي دور المحاضرة الأخيرة لهذا الملتقى للدكتور محمد عيسى وموسى، بعنوان «واجب العناية بالتراث، الشيخ أبو اليقظان (1/36)
صفحة 37
نموذجا»، فالمحاضر كما قدَّمه الأستاذ قاسم بن عمر بوسعدة، من مواليد القرارة سنة 1939م، مستظهر لكتاب الله، تابع دراسته الابتدائيَّة والثانوية بالقرارة، تخرَّج من جامعة بغداد، قسم اللّغة العربية، تحصَّل على عدَّة شهادات: دبلوم الدراسات المعمقة ودكتوراه الحلقة الثالثة بجامعة الجزائر، ثمَّ دبلوم المكتبات بالمدرسة الوطنيَّة بفرنسا. اشتغل مديرًا عامًا للمكتبة الوطنية سابقا، وهو حاليا أستاذ بجامعة الجزائر، قسم المكتبات والتوثيق، كما يشغل عدَّة مهام، فهو نائب رئيس المكتب التنفيذي للمجمع الجزائري للغة العربية، وعضو في لمجلس الأعلى للغة العربية، ونائب رئيس مكتب مؤسَّسة مفدي زكريَّاء.
قدَّم الأستاذ بين يدي محاضرته مجموعة من الأسئلة: منها أنَّ الشيخ ترك تراثا كبيرا، ماذا فعلنا لاستغلاله؟ وإنَّه من الصعب جدًّا على الباحث الوصول إلى هذا التراث، فلذا المطلوب حصر هذه الوثائق وصيانتها وإخراجها للباحثين.
ثمَّ أخذ المحاضر في سرد مجموعة من العمليَّات التقنيَّة لحفظ الوثائق، وتسهيل الوصول إلى المعلومة بطرق متعدِّدة، وأنهى محاضرته باقتراح إنجاز متحف يحفظ مختلف الإنتاج الفكري للشيخ أبي اليقظان.
كلمة العائلة قدَّمها حفيد الشيخ، يحي بن عيسى حمدي أبو اليقظان؛ بيَّن فيها الحياة العائلية للشيخ، حيث الاهتمام البالغ بتلاوة كتب الله تعالى: تلاوة وعملا وتحفيزا لأبنائه على العمل والكتابة وتسجيل الأحداث وحفظ الوثائق، مهما كانت، وكان ( P) يحدِّث أبناءه عن الثورة والوطنيَّة وحبِّ الوطن، كما يُحبِّبهم في الطبيعة والقيام بالأعمال الفلاحيَّة، وأضاف قائلا: أنَّ الشيخ كان يتمنَّى أن لو كان له متَّسع من الوقت ليسترسل في الكتابة ... وتمنَّى المتحدِّث في النهاية أن تُقام للشيخ أبي اليقظان ملتقيات أخرى لتغطية الجوانب المتعدِّدة لشحصه الكريم، وأن تكون في أماكن أخرى داخل وخارج الوطن، ثمَّ قدَّم شكره باسم العائلة لجميع الهيئات المحضِّرة لهذا الملتقى وللضيوف ولكلِّ الحضور، وكذا للذين لم يتمكَّنوا من الحضور وبعثوا برسائلهم واعتذاراتهم بالمناسبة. (1/37)
صفحة 38
بعد هذه الكلمة كانت هناك وصلة فنية من أداء فرقة أنغام الحياة، ثمَّ قدَّم المنشِّط اعتذار الأستاذ محمد الحاج الناصر الجزائري من المغرب.
كلمة أخرى من أحد حفدة الشيخ أبي اليقظان ( P)؛ إبراهيم بن عبد الحميد بن الشيخ أبي اليقظان، حيث شكر رئيس الجمهوريَّة على رعايته السامية لهذا الملتقى، وكذا رئيس الحكومة وكلَّ المشاركين، ودعا إلى استمرار هذه الملتقيات لأخذ العبرة. وصلة فنية أخيرة مع نشيد (أنا الجيل) تأليف الدكتور محمد ناصر، تلحين الأستاذ محمد بوسعدة وأداء فرقة أنغام الحياة.
بعد هذه الوصلة الفنية قُدِّمت شهادات شرفيَّة للمشاركين. وختام الملتقى كلمة من فضيلة الشيخ عدُّون: إذ شكر جميع الحاضرين، خاصَّة الذين تحمَّلوا عناء السفر، متمنِّيا أن تتلوها ملتقيات أخرى، تتناول بالدِّراسة أعمال المفكِّرين وجهاد المصلحين. ثمَّ كان دعاؤه مسكَ الختام.
بهذا أُسدل الستار على المهرجان، وافترق الجميع مسرورين بما عرفوه من مآثر الشيخ أبي اليقظان ( P)، آملين أن تترك فيهم أثرا إيجابيًّا؛ للاقتداء والعبرة، وأن تذكر وتبرز للجيل الصاعد تراث أجدادهم وعلمائهم المصلحين، الذين رفعوا كلمة الله وحملوا مشعل الأمَّة.
نسأل الله تعالى أن يوفِّق الجميع للعمل في هذا الميدان، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين.
تحرير الأستاذين: يوسف بن بالحاج شريفي
قاسم بن إبراهيم العنق
ملاحظة: حُرِّر التقرير من محاضر الملتقى، التي قام بكتابتها مجموعة من أساتذة معهد الحياة وطلبته.
القرارة في: أوائل ربيع الثاني 1424هـ الموافق لـ جوان 2003م. (1/38)
صفحة 39
F
التعريف بشخصية الشيخ أبي اليقظان ( P)
تقديم الأستاذ: محمد بن سليمان أبو العلا (1)
إنَّ الجوانب التي تستوجب البحث والدراسة والتحليل في شخصية الشيخ أبي اليقظان عديدة فهو - كما سجَّل الدكتور محمد ناصر في إحدى كتاباته -: «هو كغيره من روَّاد الإصلاح في الجزائر، يجمع بين العلم والعمل، ويجمع إلى جانب ذلك بين كونه شاعرًا حسَّاسًا صحافيا مقتدرًا، سماه البعض رائد الصحافة الجزائرية، وسماه الآخرون عميد الصحافة الوطنية، ومؤرِّخا يقظًا سجَّل تاريخ الأمَّة الإسلامية والجزائر وميزاب والقرارة، ودافع عن المقوِّمات الأساسيَّة، وسجَّل تطوُّرات الأحداث في مذكِّراته وكونه أيضا عالمًا في الشريعة الإسلامية وناقدًا في القضايا الأدبيَّة»، فلا يمكن في هذا المهرجان القليل في أيَّامه أن نُلمَّ بهذه الجوانب كلِّها.
تقرَّر هذه المرَّة تسليط بعض الأضواء على جانب الشيخ أبي اليقظان الصحافي، دون أن نوفِّيه دراسة شاملةً، إنَّما القصد أن تكون فضاءً واسعًا للباحثين والدارسين وعونًا لهم، وما دامت موضوعات هذا المهرجان كلُّها تصبُّ في الجانب الصحفيِّ فقط -كما تجدون في البرنامج المُسطَّر وتقرؤون في عناوين المحاضرات-، فلا بدَّ إذن من تقديم نبذة تعريفية مختصرة جدًّا بهذه الشخصية، فإليكموها كما هي مكتوبة حرفيًّا في المطوية التي بين أيديكم، والغرض من قراءتها إيصالها للغائبين والبعيدين عنَّا، وتسجيلها في وقائع المهرجان وذاكرته، فتتبَّعوا هذا التعريف الموجود في المطويَّة:
هو حمدي أبو اليقظان إبراهيم بن عيسى، أمُّه عائشة بنت الحاج امحمد بوعروة، ولد بمدينة القرارة، ولاية غرداية، الجزائر، في صفر سنة 1306 هـ /
__________
(1) - أستاذ بثانويّة الإمام الشيخ إبراهيم بن عمر بيّوض (القرارة) سابقًا. (1/39)
صفحة 40
05 نوفمبر 1888م، توفِّي والده وتركه ابن عام وثلاثة أشهر فكفله عمُّه. تعلَّم بالكُتَّاب بالقرارة وتتلمذ على يد الشيخ الحاج عمر بن يحيى المليكي، ثمَّ على القطب الشيخ اطفيَّش بمدينة بني يزجن.
• في سنة 1912 م، سافر إلى تونس والتحق بالزّيتونة ثمَّ الخلدونيَّة.
• في سنة 1914 م أصبح رئيسًا لأوَّل بعثة علميَّة جزائريّة إلى تونس، شارك في الحياة الثقافيَّة والسياسيَّة بتونس مشاركة فعَّالة مابين 1917 - 1925م.
• في سنة 1920م أصبح عضوًا في الحزب الدستوري التونسي، وكانت بينه وبين الزعيم الثعالبي صداقة حميمة وتعاون وثيق.
• في سنة 1926م أنشأ أولى صُحُفه العربية: وادي ميزاب، فكانت تُحرَّر بالجزائر وتُطبع بتونس، وتُوَزَّع في العالم الإسلامي مشرقًا ومغربًا.
• أصدر ما بين 1926م و1938م، ثماني جرائد ذات اتِّجاه وطني، صادرها الاستعمار الفرنسي كلُّها وهي على التوالي: وادي ميزاب، ميزاب، المغرب، النور، البستان، النبراس، الأمَّة، والفرقان.
• في 1931م أسَّس المطبعة العربية بالجزائر العاصمة، وهي تُعَدُّ من أوائل المطابع العربية بها، وقد أدَّت خدمات جُلَّى للحركة الوطنيّة والثّقافيّة ما بين 1931 و1962م.
• شارك في تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريِّين سنة 1931م، وانتُخب عُضوًا في مجلسها الإداري سنة 1932م، وكان نائب أمين المال فيها.
• عُيِّن في الثلاثينيات عُضوًا في حلقة العزَّابة، وهي الهيئة الدينيَّة بالقرارة، وكان ينوب الشيخ بيُّوض في دروس الوعظ بالمسجد الكبير إلى أن أقعده الشلل في شهر أفريل سنة 1957م.
• عُيِّن عضوًا في جمعية الحياة الإصلاحيَّة سنة 1937م، وكان عضوًا قياديًّا بإدارتها بآرائه ومواقفه وأعماله.
• (1/40)
صفحة 41
نشر مقالاتٍ وبحوثًا في جرائد ومجلاَّتٍ عربيَّة، ولا سِيَمَا في الجزائر وتونس، مثل الفاروق والإقدام والمنقذ والشهاب والبصائر والمنار بالجزائر، والمنير والإرادة والصواب بتونس، والمنهاج بالقاهرة.
• بعد 1938م، تفرَّغ للتأليف، واستقرَّ بمسقط رأسه بالقرارة إلى أن أصيب بالشَّلل النصفي في أفريل سنة 1957م، بعد أن تعرَّض ابنه عيسى للتعذيب والسجن، ولم يُثْنِه ذلك عن الجهاد بالقلم.
• انتقل إلى رحمة الله يوم الجمعة 25 صفر 1393هـ الموافق لـ: 30 مارس 1973 م، بالقرارة ودُفن بها.
• ترك حوالي ستين (60) مؤَلَّفًا في شتَّى مجالات العلوم الإنسانيَّة، نذكر على سبيل المثال
1 - ديوان أبي اليقظان، في جزأين (مطبوع).
2 - سليمان الباروني باشا، في جزأين (مطبوع).
3 - سلَّم الاستقامة: كتاب مدرسي في الفقه الإباضي (مطبوع، وهو في ثمانيَّة أجزاء).
4 - فتح نوافذ القرآن (مطبوع).
5 - إرشاد الحائرين (مطبوع).
6 - سبيل المؤمن البصير إلى رّبه (مطبوع).
7 - ملحق سِيَر الشمّاخي في ثلاث حلقات (مخطوط).
8 - الإباضية في شمال إفريقيا (مخطوط).
9 - نشأتي (مخطوط).
10 - تاريخ صُحُف أبي اليقظان (مطبوع). (1/41)
صفحة 42
[صفحة بيضاء] (1/42)
صفحة 43
الكلمات (1/43)
صفحة 44
[صفحة بيضاء] (1/44)
صفحة 45
F
كلمة الشيخ سعيد بن بالحاج شريفي (الشيخ عدُّون) (1)
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيِّدنا محمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أيُّها المحفل الكريم، أيُّها الضيوف الكرام الطيِّبون البررة، أبنائي الأعزَّاء، إخوتي الكرام، السلام عليكم جميعا ورحمة الله تعالى وبركاته، حاولتُ أن أتملَّص من أن أقف هذا الموقف الجليل الكبير العظيم، لعجزي وقصوري وتقصيري، ولكن أبنائي الأعزَّاء أبوا إلاَّ أن أقول كلمة، لا تتكافأ مع هذا المهرجان فاعذروني، لأنِّني وقفت هذا الموقف مُكرَهًا، لا راغبًا لأن أقول كلمة في هذا المهرجان الكبير؛ لما ذكرته سابقًا.
نحن نحتفل اليوم بشخصيَّة عظيمة، لها مقامها في المجتمع، في القطر الجزائري، وفي العالم الإسلامي، له مقامُه في الإصلاح العام، الإصلاح الإسلامي الجزائري، والإصلاح في هذه المنطقة: وادي ميزاب. بذل جهودًا عظيمة في هذا المقام، في هذا الطريق الذي سلكه، وهو فاقد لكثير من الوسائل التي هي سُلَّمٌ للذين يصلون إلى الدرجة التي وصل إليها مُحتَفلُنا اليوم، فاقد لكثير من الوسائل: من حيث المادَّة، من حيث القوَّة، ولكنه اغتنى بما أغناه الله تعالى من التقوى، ومن الصلاح والإرادة والعزيمة، ومن الأخلاق الفاضلة، التي يتَّصف بها كثير من العظماء.
__________
(1) - كلمة فضيلة الشيخ عدُّون (سعيد بن بالحاج شريفي) كانت مرتجلة. هي الكلمة الرسميَّة للمهرجان، والكلمة الترحيبية بالحاضرين والمحاضرين في المهرجان. هو الشيخ سعيد بن بالحاج شريفي، المعروف (الشيخ عدُّون) رئيس جمعية قدماء التلاميذ، وجمعية الحياة، وجمعية التراث، ومدير معهد الحياة، هذه المؤسَّسات موجودة في القرارة, توفِّي في رمضان 1425هـ/ نوفمبر 2004م. (م. ن. ب). (1/45)
صفحة 46
شخصيَّة الشيخ أبي اليقظان، لا أستطيع أن أتصوَّرها، أو أن أعبِّر عنها أحسن تعبير، ولكنني أتكلَّم بشيء قليل ممَّا اتَّصلتُ به ممَّا بقي في الذاكرة.
اتِّصالي بالشيخ أبي اليقظان كان في أوائل العشرينيَّات، لَمَّا دخلتُ في سلك العلم والتعلُّم، رأيت شخصيَّة مَهيبة في منظرها، مهيبةً في مخبرها، عرفتُ أنَّ هذه الشخصيَّة لها مقام، قبل أن يبرز في كثير من الميادين، التي برز فيها، بعد ذلك اتَّصلت به مع اتِّصالي بالشيخ الحاج عمر بن يحيى ويرو ( P) وهو أبو الإصلاح في القرارة - قبل طلبته وقبل تلامذته، اتَّصلتُ بالشيخ أبي اليقظان في هذه الفترة، بعد ذلك تعرَّفت به، ثمَّ اتَّصلت به اتِّصالا وثيقًا، بالمواقف التي وقفها في سبيل إصلاح التعليم.
أعرف وتعرفون أنَّ إصلاح التعليم الذي كأنَّه انقلاب في التعليم، وقع بواسطة الشيخ أبي اليقظان، في طليعة من ضحَّى حياته في سبيل هذا التعليم في تونس، وترأَّس بعثات، سافرت إلى تونس، ابتداء من البعثة التي خرجت من تبسَّة، وتعرفون أنَّ أوَّل مدرسة عصرية، أُسِّست في القطر الجزائري هي مدرسة تبسَّة، التي تولاَّها وأشرف عليها تجَّار من بني ميزاب في تبسَّة، جلبوا لها أستاذًا من تونس وهو جزائري، فبرزت هذه المدرسة بطريقة عصريَّة، بالبرامج التي تسير فيها المدارس الرسميَّة إذ ذاك، أو المدارس الإسلامية العصرية الموجودة في العالم الإسلامي، ولكن هذه المدرسة لم تلبث أن أغلقت لمَّا وقع الاحتفال بعد شهور ... قبل تمام السنة. وقع احتفال كبير دُعي إليه أعيانُ تبَسَّة، ومن جملتهم السلطة الاستعمارية الموجودة - كانت حاضرة - فانبهروا بما وجدوا من هذا الحفل، الذي لم يعهدوه في الجزائر، وقع بهم انبهارٌ شديد، من تلك الساعة أبرقوا إلى والي ولاية قسنطينة، بما وجدوا وبما انبهروا به في الوقت نفسه، في اليوم نفسه أُغلقت المدرسة، بدعوى أن المدرِّس تونسي، وتونس - كما تعرفون- كانت تحت الاستعمار كالجزائر.
أُقفلت المدرسة، فهاجر طلبة المدرسة الموجودون هناك - وأكثرهم ميزابيُّون- إلى تونس، بواسطة الشيخ أبي اليقظان، أنقذهم وذهب بهم إلى تونس، (1/46)
صفحة 47
هذه النقطة التي تنُوسيَت، وجب أن نعرف الشيخ أبا اليقظان من هذه النقطة البارزة، حيث يُعتبر رائد التعليم العصري في الجزائر، قبل أن توجد أيّ مدرسة في الجزائر، ذهب بهؤلاء الطلبة الصغار إلى تونس؛ نحو عشرة أو أكثر أو أقل - لا أعرف عددهم - لكن بعد ذلك بسنة أو سنتين، لمَّا نشبت الحرب العظمى الأولى رجع بهم من تونس إلى ميزاب، إذ لم يتمكَّن من البقاء هناك.
استأنفت المدرسة نشاطها هنا في القرارة سنة 1915م، لكنها لم تدم إلاَّ سنة أو قليلا لظروف، إذ لم تزل البلدة غير مهيَّأة لهذه الدراسة، ثمَّ بعد ذلك ذهب برفقة زملاء له في العلم إلى تونس ببعثة أخرى، فيها كبار، منهم: الشيخ الحاج أحمد الإمام حميد أوجانه، ومنهم الشيخ الحاج عمر ناصر بوحجام، ومنهم الشيخ الملاَّلي الناصر، ومنهم كثير لا أذكرهم الآن، هؤلاء من القرارة، وهناك كذلك طلبة من ميزاب، منهم: الشيخ يوسف بن بكير حمُّو وَعْلي وآخرون، فكانت البعثة الثانية إذ ذاك.
بعد ذلك انتشر هذا التعليم، ووقعت له كذلك مصادمات ومناقشات واعتراضات، من كثير من علماء ميزاب، فكانت هناك معركة كبيرة، نشبت في الكتب والجرائد والمجلات، لمعارضة تعليم الصغار في تونس، قالوا: أنَّ الصغار لا يتعلَّمون إلاَّ في المحاضر، وفي أحضان علماء دينيِّين، ولكن الشيخ أبا اليقظان مع زملائه: الشيخ إبراهيم اطفيش والشيخ محمَّد الثميني، ومن كان هناك ... من بعثات في تونس، قضَوا على هذا واستمرَّت البعثات إلى أن نشبت الحرب العالميَّة الثانية، إلى الثورة التحريرية، إلى الاستقلال.
البعثات كانت دائما متوالية، بفضل هذه البعثات انتشر التعليم في وادي ميزاب، التعليم العصري في أواخر العشرينيَّات: مدرسة الإصلاح في غرداية تولاها الشيخ صالح بابكر ( P)، ومدرسة القرارة كانت من قبل موجودة، ولكن تبلورت وتعصرنت في أوائل الثلاثينيَّات، بواسطة أبي الحسن علي بن صالح، وبعد ذلك استمرَّ التعليم في ذاك العصر وانتظم التعليم العصري في (1/47)
صفحة 48
الابتدائي والثانوي إلى غير ذلك، الفضل في ذلك للشيخ أبي اليقظان. هذا من ناحية التعليم.
الشيخ أبو اليقظان من ناحية الإصلاح كذلك كما تعرفون، نشأ في القرارة ثمَّ بعد ذلك ذهب إلى بني يزقن، تتلمذ على يد الشيخ اطفيَّش الحاج امحمَّد، وأخذ هناك مبادئ الإصلاح، وأخذ هناك مبادئ العلوم، أو العلم الذي يحتاجه للإصلاح، ثمَّ بعد ذلك رجع إلى القرارة وأخذ علومه كذلك بواسطة الشيخ الحاج عمر بن يحيى، تتلمذ عليه، والشيخ الحاج عمر بن يحيى كما تعرفون هو تلميذ للشيخ اطفيَّش، تلميذٌ أوَّلا للشيخ بابكر الحاج مسعود في غرداية، ثمَّ ذهب إلى بن يزقن، وكان تلميذًا للشيخ اطفيَّش وهناك تلقَّوا الإصلاح الديني، والإصلاح الاجتماعي من بني يزقن من الشيخ اطفيَّش، بعد ذلك نشروه في غرداية، ونشروه في القرارة بالخصوص، وتولَّى الإصلاح هنا الشيخ الحاج عمر بن يحيى وطلبته: الشيخ أبو اليقظان، والشيخ بيُّوض، وبقيَّة المشايخ الذين سايروا هذا الإصلاح العام في البلدة: إصلاح التعليم وإصلاح الفساد، الإصلاح بمضمونه العام، لا إصلاح التعليم فقط.
كانت هناك أعمالٌ كبيرة كان فيها إيثار، كان الشيخ أبو اليقظان رائدا في هذا الإصلاح مع الشيخ بيُّوض، الرائد الأوَّل هو الشيخ الحاج عمر بن يحيى، قبل ذلك كان هناك إصلاح لا نتعرَّض له؛ لأنَّه يأخذ منَّا وقتا طويلا، وإنَّما مقصودنا الإصلاح الجاري على يدِ الشيخ أبي اليقظان ومن زامله في ذلك الطريق.
كان الشيخ بيُّوض قد تولَّى إصلاح التعليم والإصلاح العام في البلدة، وأذكر أنَّ هناك سببا لهذا الإصلاح، حيث عُقد مؤتمر - هكذا مصادفة - إذ حلَّ ضيوف من وادي ميزاب، وبالخصوص من العطف، وعلى رأسهم الشيخ يوسف بن بكير، ثمَّ بعد ذلك الشيخ محمَّد بن مسعود باباعمي، وآخرون من العطف جاؤوا، ووقع اجتماع، جمع أعيان القرارة في جلسة نحو عشرين عضوا أو أكثر، في محلِّ الشيخ الحاج عمر بن الحاج إبراهيم العنق، ووقع هناك كفاح ومفاوضات (1/48)
صفحة 49
كبيرة في طرق الإصلاح، أذكر من الحاضرين الشيخ عبد الله بن إبراهيم أبو العلا وصاحب المحل الشيخ الحاج عمر بن الحاج إبراهيم العنق، والشيخ الحاج بكير العنق ... والشيخ بيُّوض والشيخ أبو اليقظان وأنا حاضر معهم.
كذلك وقعت مناقشة كبيرة في طرق الإصلاح، هل يلتفتون إلى الإصلاح بطريق التعليم؛ تعليم الناشئة، أم بطريق الصحافة، الشيخ أبو اليقظان قال لنا: أنَّ الصحافة ضروريَّة، لابدَّ بها، لابدَّ لنا من الاعتناء بها، لابدَّ من العمل بطريق الصحافة، وهي أعمُّ من تعليم الناشئة، والشيخ بيُّوض تمسَّك بتعليم الناشئة، وقد جمع الحاضرون بين النظريَّتين، الشيخ بيُّوض اختار القيام بالتعليم، والشيخ أبو اليقظان اختار القيام بالصحافة، وفعلا كلٌّ نفَّذ طريقه، الشيخ بيُّوض ( P) تولَّى إصلاح التعليم، بفتح معهده في سنة 1925م، وكان معهد الحياة إذ ذاك يُسَمَّي معهد الشباب، بعد ذلك لما تأسَّست الجمعية سُمِّي بمعهد الحياة، والشيخ أبو اليقظان تولَّى الصحافة. في أكتوبر سنة 1926م صدر أوَّل عدد من وادي ميزاب، حتَّى بلغ نحو 119 عددا - كما أذكر- أُقفلت، وهذا موضوع سيتولَّى من يتولَّى الكلام عنه، وهو موضوع كبير، وهو مظهر للإصلاح الذي جرى للشيخ أبي اليقظان.
الشيخ بيُّوض كذلك تابع إصلاحه بالمعهد، بعد ذلك تطوَّر المعهد -خصوصا بعد إنشاء جمعية الحياة- فتطوَّر المعهد من التعليم القديم إلى التعليم الحديث، ... والمعهد اليوم في تقدُّم مطَّرد، وفي اجتهاد كبير، وفي عمل مستمر.
الشيخ أبو اليقظان ( P) انتهى عمله بوفاته، وكان طول حياته مجاهدًا عاملا مجتهدًا، قائما بجميع الواجبات. إذًا هذا الإصلاح مرتكز على شخصيَّتين بارزتين: شخصيَّة الشيخ أبي اليقظان المحتفل به اليوم، وشخصيَّة الشيخ بيُّوض، ... كانا متناسقين عاملين، يعملان بكلِّ جهد مع التشاور؛ بالمراسلات وبالجلسات، دائما يجتمعان في كلِّ أسبوع، ... دائما اجتماعُهما وأعمالهما في طرق الإصلاح، وفي سبل الإصلاح، والنظر في الفساد المنتشر، إلى غير ذلك من المواضيع التي لا (1/49)
صفحة 50
تخلو؛ إمَّا بمجالسة أو بمراسلة، مراسلات كثيرة وقعت بين الشيخ أبي اليقظان والشيخ بيُّوض.
كذلك بيني وبين الشيخ أبي اليقظان، عندي ثروة كبيرة من هذه المراسلات، وبفضل الشيخ أبي اليقظان تعلَّمتُ الإنشاء، استطعتُ أن أكتب بعض الكلمات بالعربية، وكنت قد دخلتُ سلك التعليم بعد أن تزوَّجتُ وعُمُري دون العشرين، بعد ذلك عند بلوغي عشرين سنة دخلتُ في سلك التعليم وأنا مبتدئ من حيث العربية، تلقَّيتُ دروس العربية؛ دروس الابتدائيَّة التي ترونها الآن، وأنا ابن العشرين سنة، هذه الدروس التي يتلقَّاها الطلبة الصغار في السنوات الابتدائيَّة، في السنة الثانية أو الثالثة ابتدائي.
إذًا بفضل الشيخ أبي اليقظان، وبفضل المراسلات المتوالية بيني وبينه، استطعت أن أكتب بعض الكلمات بالعربية، كان يشجِّعني دائما على الكتابة في الجرائد، فصرتُ أطمح إلى الكتابة في الجرائد، وصرت أكتب كذلك بعض الكتابات، على كلّ حال تلقّاها الناس بشيء من القَبول، على ما فيها من تقصير وقصور.
هذا ما يمكن أن يُقال في هذا المقام، وأظنُّ أنَّني أطلْتُ كثيرًا، وكان الواجب أن أقولَ أكثر من هذا، ولكن أرى أن أقف في هذا الموقف، واسمحوا لي إذا قصَّرتُ في هذا الواجب، كان الواجب أن يقوم لهذا المقام غيري، ممَّن له ذاكرة وذكاء وحافظة، والذي يستطيع أن يعطي المقام حقَّه، فأستسمحكم في هذا التقصير، والحمد لله ربِّ العالمين.
مُلحق:
هذا المهرجان كان تحت الرعاية السامية لفخامة رئيس الجمهورية السيِّد عبد العزيز بوتفليقة، يُشكر الرئيس على الرعاية، وعلى الالتفاتة لهذا المهرجان والاعتناء به، ونحن نشكره على هذه المبادرة الصادرة منه، وله الفضل في هذه الرعاية. (1/50)
صفحة 51
بعد ذلك بقيَت نقطة: اتِّصال الشيخ أبي اليقظان بجمعية العلماء، أوَّلا اتَّصل بجمعية العلماء في السنة الأولى الشيخ بيُّوض ( P) بعد ذلك لم يتمكَّن من الاستمرار لبعد الشقَّة بينهم، جاء الشيخ أبو اليقظان واتصل بجمعية العلماء، كان عضوًا إداريًّا في السنة الثانية بعد تأسيس الجمعية، وكان له ارتباط وثيق بجمعية العلماء، وخصوصا برئيسها: الشيخ عبد الحميد بن باديس وبسائر العلماء، وخصوصا الشيخ البشير الإبراهيمي والشيخ التبسِّي، والشيخ مبارك الميلي، والشيخ العقبي وغير ذلك، له اتِّصال وارتباط كبير بهؤلاء العلماء، وكان ... سنوات - أكثر من عشر سنوات تقريبا- وهو مقيم في الجزائر، وهو عضو إداري في جمعية العلماء، وكان عضوًا بارزًا بجرائده، عضوًا بارزًا بحضوره في الإدارة، بتسييره مع المديرين، إلى غير ذلك من الأعمال التي قام بها الشيخ أبو اليقظان.
كانت علاقته بالشيخ ابن باديس - رحمهم الله تعالى جميعًا- علاقة متينة وقويَّة متَّصلة، مرتبطة تمام الارتباط بفضلهم؛ بفضل جهاد الشيخ ابن باديس في الشمال، وجهاد الشيخ أبي اليقظان والشيخ بيُّوض في الجنوب، لولا جهاد الشيخ أبي اليقظان كذلك بالصَّحافة في الشمال والشيخ بيُّوض هنا في الجنوب، بفضلهم قامت الثورة، الثورة في الحقيقة عمَّت جميع الناس الذين وعوا مكايد الاستعمار وفضائح الاستعمار إلى غير ذلك، وكانت لهم غيرة كبيرة بفضل الدروس التي يتلقَّونها هنا في الجنوب، في مدرسة الحياة وفي معهد الحياة من دروس الشيخ بيوض.
كانت للطَّلبة أناشيد؛ أناشيد ناريَّة، أناشيد كلُّها حماسيَّة، تدعو إلى الثورة، وتدعو إلى الوطنيَّة وإلى الجهاد، أناشيد كثيرة، حتَّى أنهم أنشأوا نشيدًا على غرار لحن النشيد الرسمي الاستعماري، فكانوا ينشدونه إذا دُعِيَ الشيخ بيُّوض لملاقاة السلطة العسكريَّة، ينشدون هذا النشيد وهو نشيد ضدَّهم، نشيد ناري يدعو إلى الثورة، يدعو إلى الانطلاق إلى الحريَّة، ويسبُّ الاستبداد إلى غير ذلك، نشيد وطني على كلِّ حال، وكانوا ينشدونه أمام هؤلاء الضباط، فيقفون كما كنَّا نقف للنَّشيد الوطني الجزائري، ويقفون له، وهو سبٌّ وشتم لهم، هذه الأناشيد ... كانت (1/51)
صفحة 52
في كلِّ مناسبة لمعهد الحياة. يتَّخذ طلبته مهرجانا سنويًّا لإنشاد هذه الأناشيد، هذه الأناشيد انتشرت، ولا تزال تُنشد في بعض المناسبات، انتشرت في الجنوب كما انتشرت كذلك في الشمال، وكما انتشرت كذلك أناشيد أخرى لشعراء الجزائر.
إذًا هؤلاء العلماء هم الذين كوَّنوا ومهَّدوا للثورة، بعد ذلك شاركوا بما استطاعوا، بأنفسهم وأموالهم في هذه الثورة، وهذا موضوع له مقام آخر. المهمُّ أنَّ الشيخ أبا اليقظان المُحتفل به اليوم، له يد كبرى في الثورة بجرائده وبأناشيده، وبطلبته وبقلمه السيَّال في هذه المواضيع، والحمد لله ربِّ العالمين.
بقي إعلان عام وخصوصا للقراريِّين، لجمعية الحياة مدارس، مدرسة مركزيَّة معروفة، وهناك فروع لهذه المدارس في نواحي البلدة، كلُّ مدرسة لها اسمُها، ونعلن هنا أنَّ مدرسة بابهون تسمَّى باسم الشيخ أبي اليقظان ( P) من اليوم، ولا تُسمَّى مدرسة بابهون، نعم مسجد بابهون، معروف لأنَّ كلَّ مسجد بجواره مدرسة، يبقى اسمه على حاله، تبقى المدرسة تسمَّى مدرسة الشيخ أبي اليقظان، نُعلن بهذا الاسم الذي يبقى محفوظًا لدى جميع الناس، إلى الأجيال الآتية إن شاء الله. (1/52)
صفحة 53
F
كلمة الشيخ محمد بن إبراهيم سعيد (الشيخ كعباش) (1)
بسم الله الرحمن الرحيم، أستسمحكم أيُّها الإخوة الكرام، في موقفي هذا من الصوت المتهدِّج، ويدي المرتعشة ممَّا أعانيه من الإرهاق، ولكن أبيت إلا أن أشارك بهذه الكلمة المتواضعة، في هذه التظاهرة المباركة، فتقبَّلوها منِّي - على ما فيها- مشكورين.
الحمد لله الذي ينير البصائر، ويؤتي الحكمة من يشاء، ومن غيرته على دينه أن جعل العلماء ورثة الأنبياء، وشهد لهم بالهداية والتوفيق، فقال جلَّ من قائل: {إنَّمَا يخشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ}، نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنَّ سيِّدنا محمدا صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحابته، نجوم الهدى ومصابيح الظلماء، وعلى من اتَّبع هداهم إلى يوم الحساب والجزاء.
أمَّا بعد، فيا أيُّها الإخوة المؤمنون، مشايخ ومسؤولين وأساتذة وأدباء، أيُّها الإخوة المواطنون الفضلاء، أيُّها الجمع الحضور، السلام عليكم جميعا ورحمة الله تعالى وبركاته.
لقد اعترتني هزَّة لا تخلو من حيرة وتساؤل؛ وأنا أتسلَّم الإخبار بإقامة هذه التظاهرة التي تُذكِّرنا برمز من رموزنا بعد ثلاثين عاما من الغفلة والنسيان، والمتمثِّل في شخصية المرحوم الحاج إبراهيم بن عيسى أبي اليقظان، ولكني سرعان ما ثبتُ إلى
__________
(1) - رئيس حلقة العزَّابة وجمعية النهضة بالعطف. (1/53)
صفحة 54
رُشدي، بعد أن استنطقت الواقع المعيش في وطننا عامَّة، وفي منطقتنا خاصَّة، استنطقتُ الواقع المعيش لأتفحَّص وضعية الثقافة وحظَّها من العناية والحرص، وتشجيع ذويها في مجال الإنتاج والإبداع، إذ وجدت مثل الغيورين أمثالي إهمالاً وإسفافًا وتضييقًا وإعناتًا، يخنق الأنفاس ويرعش الأيدي، فلا تكاد تتصالح مع اليراع والقرطاس، لأنَّ الثقافة مثل الكائن الحيِّ، لا تكون لها صحَّتها ونضارتها إلا في البيئة النقيَّة، التي تتوفَّر على أسباب النماء والازدهار وتُتاح لها وسائل الانطلاق والانتشار.
وإلا فخبِّروني بربِّكم، خبِّروني بربِّكم أيّ قيمة اليوم في مجتمعنا للأديب المُثقَّف؟ وأيُّ مكانة للعالم الحصيف إزاء الأصناف البشريَّة الأخرى؛ ممَّن يحسن النفاق والروغان، ويتقن اللَّفَّ والدوران؟ ويخوض مع الخائضين في كلِّ ميدان، ألا ما أشقى المجتمعات التي تحابي الغشَّ والرداءة وتجفو الإبداع والإتقان.
أيُّها الإخوة الكرام، شكرا لكم وألف شكر ... ألف شكر للذين قاموا بهذه المبادرة الطيِّبة، فأنعشوا الأمل وأنصفوا التاريخ، تذكيرًا برموزه وإحياءً لتراث رجالاته، فإنَّ الذاكرة التاريخية مهما علتها رُكامات النسيان، أو احتوشتها أبخرة التخدير، فإنها تنتبه وتستفيق لألطف مَسٍّ يجسُّها، وأخفِّ مسحٍ يصقلها، فإذا بها تكشف المكنوز وتبشُّ للطَّالبين، فها نحن بأزاء عَلَمٍ من أعلام ثقافتنا، ونجم من نجوم تراثنا؛ تسامى في عليائه، فلا يكاد يظهر للأبصار لأنَّ أرقى الكواكب ما استبان ضئيلا.
إنَّه عميد الصحافة المرحوم الشيخ الحاج إبراهيم أبو اليقظان، فإذا كان القرن الماضي محطَّة الانطلاق للنهضة العلميَّة والفكريَّة في العالم العربي الإسلامي عامَّة، وفي وطننا العزيز الجزائر خاصَّة، فإنَّ الشيخ أبا اليقظان يُعدُّ في طليعة الفرسان انطلاقًا في حلَبة ذلك السباق حكمةً ورأيًا، وشجاعةً وإقداما.
لقد تحدَّى الظروف الصعبة في تلكم الحقبة التاريخية، والمستعمر الخؤون يتنمَّر ويستأسد، في مغربنا الكبير ويعتبر الجزائر بالذَّات مقاطعةً فرنسيَّة، يفصلها البحر المتوسِّط، كما يفصل نهر السين بين شطريْ باريس، وكانت الصحافة (1/54)
صفحة 55
العربية يومئذٍ أعزَّ من الكبريت الأحمر، بل هي العفريت الذي لا يُفكُّ إساره من القِمقِم إلاَّ وهو مسخٌ من الرطانة والتشويه، ولا تجد مجالاً للإبقاء على الرمق إلاَّ في الكتاتيب والزوايا بين المعلِّم والفقيه، لقد كان جهاد الكلمة يومئذٍ أشدَّ إحراقا من الشُّهب على شياطين الاستعمار، وأمضى اختراقا من الرصاص على قلوب الجبابرة الأشرار، فما طأطأ الشيخُ رأسه أمام استجوابه في كلِّ مرَّة من طرف الجلاّدين، ولا فلَّت عزيمتَه مصادرةُ مختلف العناوين، وهو يجدِّدها في كلِّ مرَّة إلى حين.
لقد شُغف حبًّا بالصحافة، حتَّى أصبحت قوام حياته مثل الهواء والماء، والإنسانُ إذا ما هام حبًّا بشيء فهو لا يبالي بما يلحقه في تحقيق مُراده من إرهاق، فلنستمع إليه يتغنَّى ويقول:
إنَّ الصحافة للشعوب حياة ... والشعبُ من غير اللسانِ مَوَاتُ
فهي اللسانُ المفصحُ الذلِقُ الذي ... بِبَيانه تُتَداركُ الغاياتُ
فهي الوسيلةُ للسَّعادةِ والهَنَا ... وإلى الفضائلِ والعلا مِرقاةُ
حقًّا لقد قدَّم شيخنا لهذا المنبر الحرِّ عُصارة فكره، وحُشاشة روحه، دونما يأس ولا قنوط في سبيل بلاده، التي أُشربها حُبًّا، لا تزحزحه التحديَّات، ولا تنال منه المغريات، ولا تحُدُّ من أفقه ضيق التصوُّرات، وهو يعبِّر عن ذلك فيقول:
إنْ خِلْتُ شمسًا قلتُ بلادي أو طَلّ بدرٌ قُلْتُ بلادي
أو لاحَ نَجْمٌ قلتُ بلادي أضنَانِي حُبِّي لبِنتِ الكرَامِ
وهو يرى كلَّ بلد عربي مسلم وطنا له، لا تعزله الحدود، يعيش واقعه، سرورًا واستبشارًا بمنجزاته وانتصاراته، أو ألما وتحسُّرًا لضوائقه وانكساراته، وقد شاءت حكمة الله أن يواكب كلَّ التطورات الكبرى، خلال القرن الماضي؛ ليصبح أحد الحُداة المرموقين في موكب الإصلاح والتغيير، على ما في الطريق من أشواك وخنادق تعرقل المسير، فآثر أن يكون في صميم الحركة الوطنيَّة تأسيسًا (1/55)
صفحة 56
ودعاية وتنظيما، إنْ في الحركة الدستوريَّة بتونس، أو في جمعية العلماء بالجزائر.
فلا عجب أن يرفضه المستعمر الخؤون أيَّام نشاط الحركة الوطنيَّة، خلال الحرب العالميَّة الثانية، ومعها وبعدها، وكم هو شديد على الأحرار ... كم هو شديد على الأحرار إلاَّ يجدوا متنفَّسا لما يعتلج في نفوسهم من العواطف والمشاعر، فكم كانت أنَّات الشيخ أليمة عندما كُمَّت الأفواه، ورُصِدت المنابر بمواقف وقرارات رسميَّة، يتفنَّن الاستعمار في كلِّ مرَّة، ويتعلَّل في إصدارها، فلنستمع إليه وهو يبدي تذمُّره من تلك الوضعية ويقول:
فلقد غدَونا في زمان، من يَرُم ... فيه الكلامَ يكن من السُّفهاء
ويُعدُّ رفعُ الصوتِ فيه تظلُّما ... هو من أخسِّ كبائر الفحشاء
ويُحاكَمُ القلمُ البريءُ به ... لِما يبدي من الإبداع في الإنشاء
إلى أن يقول:
حقًّا لكلِّ جزائريٍّ عاقل ... مُرّ البُكا بمناحة البلواء
هذي صحافته لسانُ بلاده ... ماتت شهيدةَ عِزَّةٍ وعُلاء
وبموتها موتُ الجزائر تابعٌ ... قطعًا، بدون تجاهُل ومِراء
لقد أرسلها شيخ الصحافة صرخات مدوِّية، على مسرح الأحداث، فلم تذهب مع الريح في واد، ولكنها زعزعت العمدَ والأوتاد، إرهاصًا للثَّورة التحريرية المباركة، التي قوَّضت أركان الظلم واقتلعت جذور الفساد، فيا بشراه ... يا بشراه، لقد تحقَّق لبلده المجد الذي طالما تغنَّى به، في كتاباته وأشعاره رغم ما تعرَّض له من الأزمات والضوائق، جعلته يخِرُّ صريعًا مشلول النصف خلال الثورة المباركة، وقد حزَّ في نفسه أن يبقى كالأسد الجريح، يئنُّ على وقع الأحداث، ولا يستطيع حراكًا، بل لا يجد لذلك متنفَّسًا إلاَّ في ما يقوله من شعر، فيقول:
ألا يا تُرى كيف الحياةُ؟ ولي بها ... من الجسم شِقٌّ واحدٌ مُتداعِي
تحطَّم من وقع الصراع وكم غَدَا ... سنادًا لصَمصَامِ الصراع يَراعِي
ألا في سبيل الله مَصرَعُه الذي ... أُحيط بألطافٍ وحُسن مَتَاع (1/56)
صفحة 57
نعم أيُّها الشيخ الوقور، لقد صدقت في انطباعاتك، استسلامًا ورضًا بقضاء الله وقَدَره، واحتسابا لما عنده من الأجر فيما قدَّمته من جهد، وما كابدته من ثبات وصبر، فقد كنت تردِّد على مسامعنا تلك العبارات، كلَّما زرناك في مختلف المناسبات، إذ تشكر الله على ما قدَّره لك، وتحمده بإخلاص على حُسن لطفه، إذ أبقى لك يدًا تكتب وعينا تبصر، فتقول لنا في رضا وقناعة: «حمدًا لله فقد أخذ منِّي القليل وأبقى الكثير، أنَّ ربِّي لطيف لما يشاء إنَّه هو العليم الخبير».
وحسبُك من فضل الله ومنَّته ... حسبُك من فضل الله ومنَّته عليك، أن أمدَّ في حياتك، حتَّى رأيت عجوز الاستعمار يدحرها الثوار الأحرار، فتزُمُّ الحقائب، وتولي إلى ما وراء البحار، ويرتفع العلم المُفَدَّى بنجمته وهلاله رمزًا للسيادة والمجد والفخار، ولم تتمالك إلاَّ أن تقول:
حيِّي مجد الجزائر العربيَّه ... في الأصيل بساحة البلديَّه
مهرجانٌ ترنَّحت منه روضٌ ... والقرارة كالعروس زهيَّه
نكَّسوا العلَم المثلَّث فيه ... عن رُباها فراح للأبديه
وغدا علَمُ الجزائر خفَّاقًا ... بها وهو آيةُ الوطنيَّه
أجل أيّها الشيخ الجليل، وأنت في عالم الغيب في ظلٍّ ظليل، هاهم الأبناء يناجون والأحفاد، وتهتز لذكراك الثلاثين البلاد، وهاهي القرارة العروس في ذكراك على ميعاد، فنم قرير العين، فأنت في سويداء كلِّ فؤاد، وذكرك خالدٌ على مرِّ الأزمان والآباد، فطوبى لك طوبى، في جوار ربِّ العباد. والحمد لله ربِّ العالمين.
- - - (1/57)
صفحة 58
F
أهمية قراءة فكر الشيخ أبي اليقظان (1)
الدكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام (2)
الشيخ إبراهيم بن عيسى أبو اليقظان (1888 - 1973م) شخصيَّة إسلاميَّة كبيرة، قدَّمت للإسلام والمسلمين، عصارة فكر، وخلاصة تجربة، وسلافة جهد ... عالج من خلال كلِّ ذلك أوضاع المسلمين، وحلَّل واقعهم، وقدَّم لهم الحلول المناسبة؛ بحسب ما هداه إليه عقله، وأدَّاه إليه عمله. نظم شعرا، وكتب نثرًا، نشر المقال وألَّف الكتاب. ترأَّس البعثة، وعلَّم في المدرسة. نشط في النادي، ورعى الحاضر والبادي، شارك في الجمعية، وانضمَّ إلى الهيئة. اشترك في الوعظ، وانفرد بالتوعية. تحرَّك في أكثر من صعيد، ونشط مع القريب والبعيد، جاهد بالكلمة، وناضل بالحكمة ... ترك للأمَّة الإسلامية تراثا عظيما غنيًّا، وفكرا عميقا ثريًّا.
عرضُ هذا الفكر وقراءته في هذا الوقت، وفي هذا الزمن مناسبة مواتية لترشيد المسيرة للشّباب الذي يبغي معرفة طريقة التحرّك والعمل الجادّ المنظّم، وفرصة سانحة لتقديم الرؤى للصّحيحة لطبيعة النشاط، الذي ينشده المتقدّم للنّهوض بأمّته، ومجالٌ فسيح لمن يرغب في الخروج من دائرة التيه والتردّد في القيام بواجبه، وأداء رسالته في هذا الكون، ومع من ينتظرون منه الكثير في ميدان التوجيه والتربية ...
__________
(1) - كنت مُقيما بسلطنة عُمان، ولم أتمكن من حضور فعاليات المهرجان، فكتبت بالمناسبة بعض الخواطر ونشرتُها في مجلَّة النهضة العمانيَّة عدد 1111، بتاريخ 04 ربيع الأوَّل 1424هـ/ 06 مايو 2003م. وهذا هو نصُّ المقال.
(2) - رئيس جمعية التراث (القرارة، الجزائر)، أستاذ بقسم اللغة العربية وآدابها، جامعة الحاج الأخضر، باتنة (الجزائر). (1/58)
صفحة 59
إنّ قراءة فكر أبي اليقظان يأتي في الوقت الذي ذلّ فيه العرب والمسلمون، وخضعوا للابتزاز، وتعرّضوا للهيمنة الأجنبيّة، واستسلموا لإرادة القطب الواحد؛ حتّى عجزوا عن صدّ العدوان الذي يسلّط عليهم، وردّ الغزو الذي يطالهم في عقر دارهم. والشيخ ممّن تصدّى لكلّ أنواع التعدّي على الشخصيّة الإسلامية، ولكلّ أشكال الاستلاب، مهما يكن لونه ومصدره. وهو القائل: «لا يكبر أمامي عند كتابة موضوع ما أيُّ شخصيّة لأيِّ رجل، بل اتَّخذ الحقَّ فيها رائدي، وإصابة كبد الحقيقة والواقع هدفي الأسمى. ومسلكي في ذلك هو مسلك القرآن تقريبا، الصراحة والإصداع بالحقِّ، قدر الإمكان. سيما إذا كان أمامي ما أنا أعالجه من إلحاد وخيانة، أو مروق من الدين أو فسوق، أو تهتُّك في الأعراض. ولا اتَّخذ الصراحة والشدَّة لنفسي إجابة للهوى. وأمَّا ميزاني في ذلك ميزان تلك الشخصيَّة المومأ إليها من الجحود والكنود بدون مبالاة».
هذا التوجُّه, وهذه الإرادة هي التي تنقصنا اليوم، فلنلتمسها عند فكر شيخنا، إذا أردنا الخروج من دائرة الخذلان والخنوع والتبعيَّة والشعور بالمهانة والذل والاستكانة. يضيف الشيخ قائلا: «إنَّ الدواء الناجع لا يكون ولن يكون بالدهن على الوبر، وإمراره على ظاهر الجرح، فإنّ هذا لا يزيد للمرض إلاَّ خطورة واستفحالا فهلاكا فموتا. وإنّما يكون بسبر غور الجرح وتطهيره بأنواع المطهِّرات، وإزالة ما فسد منه، ثمَّ وضع الدواء له وتضميده. والصراحة خير علاج للأمّة».
إنَّ الشيخ يعرض أحد أمراض الأمَّة، الذي أضرَّ بها وتركها تتخبَّط في المشاكل، وتتردَّى إلى الحضيض، وتعيش على الأوهام والتدجيل والخداع والخبث والغفلة والغرور ... وهو عدم التحلِّي بالصّراحة في التعامل ومعالجة القضايا، ومناقشة الأوضاع، وتبصير الناس بحقيقة ما يحيط بهم ويحدق من أخطار داخليّة وخارجيَّة؛ فتسلّط عليهم من لا يربد لهم الخير، ومن يتربَّص بهم الدوائر. فإرشاد شيخنا يأتي في وقته؛ لأنّنا نعيش فعلا هذه الكوارث؛ بسبب انعدام الصراحة، التي بها كان شيخنا يصول ويجول، ويقارع ويصارع، ويهبُّ ويذبُّ ... (1/59)
صفحة 60
قراءة فكر شيخنا يشحذ عزائمنا، التي بدأت تخور؛ بفعل ضربات العدوّ المتكرِّرة المتتالية على رؤوسنا، وعقولنا وقلوبنا، التي ران عليها ما ران. ويعرّفنا بواجباتنا التي بدأنا نتخلّى عنها، تحت ضغط من يريد أن يقنعنا أنَّ مصلحتنا في السير في ركابه، وأن لا فائدة لنا في التمسُّك بما خلَّفه الآباء والأجداد. وفيه نقرأ ونعلم كيف يجب أن نكون مع شخصيِّتنا ومقوِّماتنا وأصالتنا، وفيه نتعلَّم ما يوقفنا على مسؤولياتنا الدينيَّة والتاريخيَّة؛ لأنَّ كلَّّ ما كان يقوم به، وما كان يكتبه، وما كان يدعو إليه، وما كان قد تحمَّله من أذى وضرر، كان من أجل أداء الرسالة المقدَّسة، والوفاء للأمانة العظيمة. وهي القيام بالواجب نحو المجتمع.
يقول الشيخ أبو اليقظان: «رسالتي إنسانيَّة لا يقظانيَّة، ولا مذهبيَّة، إذا كتبت أو وعظتُ أوجِّه نصائحي ووعظي وإرشادي إلى كلِّ المسلمين، فإنَّه يعلم الله كم يكون فرحي شديدا برجوع المسلمين إلى جادَّة الحقِّ والإسلام. وكلُّ فرد كنت أنا السببُ في إنقاذه من النار، كم يلحقني من فرح وسرور وبهجة بذلك».
الاطلاع على فكره يعلِّمنا كيف نوظِّف إمكاناتنا في خدمة القضايا العامَّة، وكيف نكتب لمعالجة المسائل التي تهمُّ كلَّ الناس وكلّ البشر. من ذلك تسخير الكتابة لتحقيق الوحدة بين أبناء الأمَّة الواحدة؛ من دون المساس بالخصوصيَّة التي تميَّز جهة من جهة، أو فئة من فئة. يقول الشيخ وهو يخاطب الشعب الجزائري في افتتاحيَّة العدد الأوَّل لأولى جرائده (وادي ميزاب) سنة 1926م: «أيُّها الجزائريُّ الماجد، اعلم أنَّ القطر الجزائري مدينة واحدة تاريخيَّة، مسوَّرة بسور واحد، وهو الإسلام، وسكَّان دورها هم سكَّانه، فلا يمنع انحياز كلٍّ في داره، ومحافظته على مميِّزات عائلته فيه سائر سكَّان المدينة من التعاون والتعاضد على جلب المصلحة لها، ودرء المضرَّة عنها. فإنَّ مصلحة المدينة هي مصلحة ديَّارها، ومضرَّتها هي مضرَّتها. إذا أقبل النهار فإلى الجميع، وإذا هجم اللَّيل فعلى الجميع».
نحن في حاجة إلى فكر كهذا، فكر وَحْدِيٍّ، يدعو إلى التعاون والتآلف والتماسك، والتآزر والتكاثف. وفي الوقت نفسه ينبِّه إلى وجوب المحافظة على (1/60)
صفحة 61
الخصوصيَّة والتميُّز في بعض النواحي والمسائل بدل التناحر والتدابر، أو التميُّع والتنكُّر للخصوصيّة، بل يعلّمنا كيف نوظّف ما نملكه في التنويع في الثقافة، وفي الفكر، وأن نفرّق بين الاختلاف والخلاف. فما نمارسه نحن اليوم بعيد عن هذه النظرة وهذه التوجُّه، وهو ما جرَّأ أعداءَنا على سحقنا والهيمنة علينا؛ لأنَّنا بتنازعنا ذهبت ريحنا، وتشتَّتنا وتبدَّدت طاقاتنا، فاستغلَّها أعداؤنا فسيطروا علينا.
قراءة فكر شيخنا يطلعنا على حقيقة مسؤوليَّة الكاتب الدينيَّة والاجتماعيَّة والتاريخيَّة. ويبيِّن كيف يتعامل مع الواقع المعيش؛ وعيًا له وإدراكًا، وتحليله وتقديم حلول ناجعة لمعالجته، ورسم الطريق أمام الأجيال، باستشراف المستقبل. ويعلِّم الكاتب كيف ينشط، ولا يعير للظُّروف العصيبة مهما تشتدُّ، وللمعوقات المثبِّطة مهما تمتدُّ أيَّ اهتمام، إلاَّ بمقدار ما يحتاط لها؛ لكي يتغلَّب عليها. يقول خليل مطران:
هناك أبيحُ الشَّجوَ نفسًا منيعةً ... على الضَّيم مهما يفلُلِ الضَّيمُ من بَاسِي
مقاومة كلِّ ذلك هو ما نفيده من نشاط أبي اليقظان، وهو ما نقرؤه في فكره. يقول الشيخ عن الثابت على المبادئ, المقاوم للخذلان هو: « ... ثابت كالطَّود لا تزعزعه العواصف، ولا تضعفه القواصف، اقتنع بمبدأ أو بعقيدة، أو انحاز إلى حزب أو مذهب، فإنَّه يعضُّ عليه بالنواجذ، ويثبت عليه ثبات الرواسي، ويتفانى فيه بكلِّ ما أوتي من قوَّة مهما كلَّفه ذلك من الضحايا الغالية، ويتجلَّى ثباته في جميع أحواله، فتراه ثابت الجنان، ثابت اللِّسان، ثابت القدم، ثابت العمل، غير هلع، ولا متلجلج، ولا مضطرب ولا مرتبك، ولو أحدقت به الأخطار والأهوال.
وقد يبلغ به الثبات أحيانا إلى الغلوِّ والتطرُّف، وأحيانا إلى العشق والوله، والغرام والهيام، ولا يبالي في ذلك بما يلاقيه من قوارص اللَّوم والعتاب، ولا تثنيه عنه قوَّة المعارضة، ولا تؤثِّر فيه سعاية الوشاة وإفك الخرَّاصين، بل لا يزداد نحو ذلك إلاَّ تعصُّبا وتمسُّكا. وهذا دليل على كمال الصدق والإخلاص ومتانة الأخلاق، وهو محمود جدًّا، ما لم يخرج به إلى حدِّ الجمود والثِّقة العمياء، والتعصُّب إلى الباطل. (1/61)
صفحة 62
وهذا الصنف هو نواة الإصلاح وعمدة المصلحين، والعدَّة التي يعوِّل عليها المجاهدون، والكهف الذي يفزع إليه العاملون، ولكنه قليل جدّا في كلّ زمان ومكان، والكرام قليل».
فكر أبي اليقظان يقدِّم دليلا على أنَّ مسؤوليَّة الكلمة كبيرة، وأنَّ جهاد الكلمة عظيم، وثمرة الكلمة طيِّبة، ومستقبل الكلمة مهم ... فلينهض الكتَّاب للقيام بالواجب، وليعرف أصحاب الأقلام ماذا عليهم للنهوض بأمَّتهم، وليدرك أهل العلم دورهم في تحديد مصير الأجيال، وتوجيه مسير العيال، بعد وعي ما يدور في كلِّ مجال.
قراءة فكر أبي اليقظان يوقظ فينا المكامن التي تعيننا على الخروج من دائرة التخلُّف، وينقذنا من الرداءة والردَّة والتردِّي؛ لأنَّنا لا نجد في فكره سوى الاعتزاز بالشّخصيّة، والدفاع عن الثوابت، والصبر على الشدائد، والجرأة في الإصداح بالحقِّ، والشجاعة في اتِّخاذ المواقف, والدعوة إلى الوحدة، والنظرة الشاملة في البناء ومعالجة قضايا المجتمع، والإيمان بالرسالة وتحمُّل المسؤولية، والحرص على بناء القواعد.
يقول الشيخ: «ويعلم القارئ الكريم أنَّ هذه الطبقات كلها لا تقدر أن تقوم بوظيفتها كما يجب إلاَّ بالعلم الصحيح والتربية الصحيحة، وتزكية النفس بالأخلاق الفاضلة. وهل هذا مستحيل على المصلحين وقادة الشعب؟ كلاَّ فإنَّ هذا ممكن، وتحت دائرة مقدورهم، ولكن إذا أرادوا فالمستحيل عند قوَّة الإرادة ممكن، والممكن عند ضعفها مستحيل .... لأجل هذا يجب قبل كلَّ شيء على سراة الأمَّة وأعيانها أن يصرفوا قواهم وكلَّ ما لديهم إلى العلم والتعليم والتربية والتهذيب؛ ليجدِّدوا شباب الأمَّة بعد الهرم، ويشيدوا معالم مجدها وأركان حياتها ... »
إنَّ البناء الصحيح يتطلَّب الاهتمام بالقواعد، والنظر إلى عمق المجتمع والوقوف على ما يحتاج إليه، والسير به بخطى ثابتة مدروسة نحو التخلُّص من المعيقات، واقتراح الحلول المناسبة؛ بحسب ما يطلبه الوضع، وينشده العصر، (1/62)
صفحة 63
ويرضى به الدين. هذا ما نفيده من فكر أبي اليقظان، ونستشفُّه من عمله. فلنقرأ ولنَعِ ولتعتبر ولنُفِدْ.
في هذا الصدد يقول: «إنَّ معالجة أدواء الأمَّة لا تكون إلاَّ باكتساح تلك الأصول المبيدة: الجهل، الفقر، الافتراق. وغرس بذور الحياة فيها: العلم، الثراء، الاتِّحاد. ولن يحصل شيء من هذا بالأماني والأحلام، أو مجرَّد القول وفوار الفم، ولكنه يحصل بتوجيه العزائم وتحريك الهمم وصدق الطلب والإخلاص والصبر والثبات ... ».
من هنا يرى الشيخ أنَّ البناء والنهوض لا يكونان إلاَّ على سواعد مفتولة، وكواهل قويَّة، وعزائم صادقة. فمن أراد أن يعلي بنيانه على أسس صحيحة، وقواعد متينة، فعليه الاعتماد على ذوي النفوس القويَّة، ويبتعد عن ذوي النفوس الرخوة: « ... إذ الأمور تنعقد بالكتل الصلبة المتماسكة الأجزاء، لا بالذرَّات الرخوة المتناثرة. والمشاريع الكبرى إنَّما تؤسَّس على الصخور العظيمة الثابتة، لا على الأحجار الهشَّة القلقة (والحجر المتقلِّب لا يثبت عليه بنيان)
إنَّ أمثال هؤلاء لا يعوَّل عليهم في تأسيس النهضات، ولا يعتمد عليهم في شيء يستوجب الجلد والمثابرة والثّبات، ولا ينبغي للعاقل أن يفرح لإقبالهم، أو يحزن لإدبارهم، أو أن يطرب لهتافهم، أو يتذمَّر من صفيرهم، فهم في جميع الأحوال سواء، ما داموا في حال الضعف القلبي والوهن النفسي، لا يمكن التعويل عليهم في شيء معها».
واضح ممَّا سردناه أنَّ الشيخ ينقل تجربته في ميدان العمل والإصلاح والتربية والتكوين، ويضعها بين أيدينا، نفيد منها في مسيرتنا في إعداد النشء والأجيال، الذين نعوِّل عليهم في بناء مستقبلنا ومستقبل أمَّتنا. فهو يبيِّن العناصر التي تقوم بهذا الواجب الجليل، وتنوء بهذا العبء الثقيل، ويحدِّد لها مواصفات معيَّنة، استقاها من تجربته، ونحتها من عقله، وعصرها من فكره. (1/63)
صفحة 64
ثمَّ يضيف: « ... وإنَّما يمكنه أن يبلغ ذلك بالرجال الصابرين الثابتين، أصحاب المبادئ القارة والكلمة الواحدة، فإن انتشر دين فبهؤلاء، وإن انبثَّ مذهب فبهؤلاء، وإن اعتزَّت أمَّة فبهؤلاء، وإن حرّر شعب فبهؤلاء. فمن أراد تكوين أمَّة أو إحياء شعب فليبدأ بإعداد العدَّة، وهي هؤلاء. أمَّا إذا غفل عن هذا، وأسَّس عمله على كواهل أولئك الضعفاء، فقد بناه على أساس من الرماد، أو كتلة من الزبد، فبمجرَّد ما تهبُّ عاصفة، أو ترسل الشمس أشعَّتها المحرقة تتناثر ذرَّات الرماد في الفضاء، وتذوب كتلة الزبد في الأرض، فينهار بنيانه، ويصير عاليه سالفه.
فمن كان يؤلمه أن يحشر بين هؤلاء الوهنين الضعفاء، وتؤلمه لذعة الامتهان والازدراء، فما عليه إلاَّ أن يتجلَّد ويصبر قليلا على لذغات الأهوال والخطوب كغيره، ويتزيَّا بزيِّ الصابرين الثابتين، فلا يلبث قليلا حتَّى يطرِّز صدره بنيشان الجلد والثَّبات، ويصبح في الصفوف الأماميَّة من الرجال الكاملين».
إنَّ هذا عين ما قاله أبو مسلم البهلاني الرواحي:
صكَّ الخطوب بخطبٍ اسمه جلَدٌ ... والقَ الأمور بحلمٍ شخصُه جبلُ
تتردَّد كثيرًا - في كتابات الشيخ أبي اليقظان - كلمات (الصبر، الثبات، الجلد، المبادئ، التماسك، الصلابة، البناء، الأساس ... ) إنَّ ذلك لا يدلُّ إلاَّ على حقيقة واحدة، هي أنَّ الشيخ يركِّز على ما يؤَّسس البنيان، وينشئ الصرح، ويبعث النهضة، ويدعو إلى اتِّخاذ الأسباب الصحيحة والسليمة في هذا التشييد والنهوض؛ لأنَّه هو نفسه وزملاءه في الإصلاح عانوا من هذه النفوس الرخوة، وهذه القلوب الواجفة الراجفة المتذبذبة، التي لا تنهض بعبء، ولا تحمل كلاًّ، ولا تقوم بواجب. لذا يلحُّ على الناس أن يعرفوا القواعد الضرورية للعمل المؤسَّس المدروس.
ما أكثر ما تضمَّنه فكر الشيخ أبي اليقظان من نظرات ثاقبة، وآراء سديدة، وومضات مضيئة، وقبسات منيرة ... لمن يريد أن يأخذ العبرة والدروس، ويفيد ما يساعده على معرفة الطريق الأسلم في التوجيه والعمل الرسالِي، وبخاصَّة ما كان (1/64)
صفحة 65
ينشره في صحافته؛ لأنَّه جاء نتيجة معاناة ومكابدة، وصراع ونزال، وإصرار وإلحاح، وطول مراس، وتجربة ومخاض.
وفَّقنا الله للإفادة ممَّا يعيننا على تفقيه أنفسنا، وتنمية تجاربنا، وقراءة فكر أسلافنا قراءة واعيّة مفيدة، وهو الهادي إلى سواء الصراط، وإلى أقوم السبل.
نزوى، سلطنة عُمان، يوم الأربعاء 16 من محرَّم 1424هـ
19 من مارس 2003م
أستاذي3 (1/65)
صفحة 66
[صفحة بيضاء] (1/66)
صفحة 67
المحاضرات (1/67)
صفحة 68
[صفحة بيضاء] (1/68)
صفحة 69
F
تاريخ صحف أبي اليقظان، قراءة تحليلية
الدكتور محمد بن صالح ناصر (1)
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله.
أبانا الروحي الشيخ عدُّون - حفظه الله - إخوة الإيمان، السلام عليكم جميعًا ورحمة الله تعالى وبركاته.
مدخل:
يطيب لي بمناسبة هذه التظاهرة الثقافية بمناسبة مرور ثلاثين سنة على وفاة أحد أبرز روَّاد الصحافة العربية الجزائرية أن أعيد كلمات جاءت في مقدِّمة كتابي ”أبو اليقظان وجهاد الكلمة“ الصادر سنة 1980م، وهي:
«فثمَّة قناعة جعلتني أؤمن بأنَّ الجانب الصحفي من شخصية أبي اليقظان هو الأولى بالبحث والدراسة قبل غيره من الجوانب الأخرى، لأنَّه فيما أحسب هو الجانب الذي اتَّضحت فيه شخصيته أكثر، وبرزت في ميدانه خصائصه الفكريَّة والنفسيَّة، وهو الميدان الذي تفانى فيه، فأعطاه زهرة شبابه، وعصارة جهاده.
هذا بالنسبة لي باحثا، أمَّا بالنسبة للقارئ الكريم، فإنَّه يبدو لي هو الجانب الأجدى نفعًا أيضا، لأنَّ البحث في هذا الموضوع لا يعني التأريخ لحياة شخص، أو التعرُّض لنشأته ومرباه، بقدر ما يعني التأريخ لحياة أمَّة كاملة من خلال صحافة مجاهدة، فإنَّ صحافة أبي اليقظان التي تغطِّي فترة ما بين الحربين العالميتين (1926 - 1938م) تعدُّ من أهمِّ المصادر التي لا يمكن للباحث الجادِّ أن يستغني
__________
(1) - أستاذ بجامعة الجزائر ومعهد القضاء الشّرعي بسلطنة عمان سابقًا، حاليًا هو باحث متفرّغ. (1/69)
صفحة 70
عنها، ففي طيِّها شهادة حيَّة لفترة من أغنى فترات تاريخنا صمودا ومقاومة، وحصيلتها مادة غنيَّة متنوِّعة عن الحياة الجزائرية آنئذ في جميع مجالاتها الإنسانية دينا، واجتماعا، وثقافة، وسياسة، و اقتصادًا» (1).
و ما من شكٍّ في أنَّ الاستفادة من تلك المقالات التي كتبها أبو اليقظان طيلة اثنتي عشرة سنة لا يمكن أن تكتمل إلا بالاطِّلاع على مؤلَّفه الذي ألَّفه سنة 1961م، وسمَّاه «اقتحام الصعاب في نشوء صحف الجزائر ووادي ميزاب» ولم يُكتب له أن يرى النور إلاَّ بهذه المناسبة اليوم، أي بعد حوالي أربعين سنة، وهو أمر يوضِّح إلى أيِّ مدى نحن بعيدون كلَّ البعد عن خدمة الفكر والثقافة في بلادنا. ومهما يكن من أمر فإنَّ أهمية نشر هذا المخطوط اليوم تعود إلى كونه يجيب عن الأسئلة المهمَّة التالية:
1 - ما هي الأسباب التي دفعت بأبي اليقظان إلى اقتحام الميدان الصحفي كاتبا في الجرائد العربية المختلفة، ثم صحافيًّا مقتدرا له صحافته الخاصَّة به؟
2 - من هم أهمُّ الأعضاد الرئيسيِّين الذين آزروه في جهاده الصحفي إدارة، وتحريرًا، وتمويلا، ودعاية؟
3 - من هم أولئك الذين عرقلوا مسيرته الصحفية بالحجز، والملاحقة، والوشاية، والغرامات المالية، والنفي، والسجن؟
4 - كيف كان يواجه الأزمات المالية الخانقة التي تعترضه مع ضعف الإمكانات المادية والتقنية؟ وكيف استطاع أن يصدر جريدة (وادي ميزاب) مدَّة سنتين كاملتين دون توقُّف، وهي تحرَّر بالجزائر، وتطبع بتونس، ثمَّ توزَّع في الجزائر ... والمغرب العربي وغيرها من الأقطار الإسلامية الأخرى؟
5 - ما هي أهمُّ المقالات التي تركت صدى واسعا في الحياة الجزائرية، فبعثت روح الحميَّة والجهاد فيها، وبالتالي هزَّت الإدارة الاستعمارية الفرنسية وأرعبتها؟
6 -
__________
(1) - أبو اليقظان وجهاد الكلمة، الشركة الوطنيّة للنّشر والتوزيع، الجزائر، 1980م، ص: 6، 7. (1/70)
صفحة 71
كيف كان موقفه من الاستجوابات البوليسية، والقضائية التي تعرَّض لها، وكانت سابقة أو لاحقة لمصادرة صحفه الثماني واحدة تلو الأخرى: وادي ميزاب، ميزاب، المغرب، النور، البستان، النبراس، الأمَّة، الفرقان؟
7 - ما هي الآثار السياسية، والاجتماعيَّة، والفكريَّة التي تركتها صحافة أبي اليقظان في المجتمع الجزائري، بل المغاربي والإسلامي، وشهادات بعض المفكِّرين في العالم الإسلامي لصحافة أبي اليقظان؟
8 - ما الأسلوب والمنهج الذي اتَّبعه أبو اليقظان في كتابة مقالاته وشعره، وأهمِّ الصحف العربية والصحفيِّين الذين تعلَّم الكتابة الصحفية منهم، وانتهج نهجهم؟
لمحة وصفيَّة للمخطوط:
لا بدَّ من الإشارة هنا إلى أنَّ الشيخ انتهى من تأليفه في 14 نوفمبر سنة 1961م، وكان العنوان الأصلي لهذا المخطوط هو «اقتحام الصعاب في نشوء صحف الجزائر ووادي ميزاب»، ثمَّ في نسخة كتبت في سنة 1967م، ذكر العنوان هكذا «تاريخ صحف الجزائر العربية في الشمال والجنوب»، وبعد أن اطَّلعنا على محتويات المخطوط، وأبدينا للشيخ ما لاحظناه من عدم استجابة العنوان لمحتوياته، ولا سيما فيما يخصُّ تاريخ الصحف العربية الجزائرية الأخرى، إذ لم يحتو إلاَّ على صفحة واحدة بها معلومات مقتضبة غير دقيقة عن تاريخ بعض الصحف الجزائرية، ممَّا جعلها تفقد الدَّقة والشمولية، وحينها اقترحنا على الشيخ أن يكون العنوان «تاريخ صحف أبي اليقظان» ما دام الموضوع خاصًّا بصحفه وحدها، فاستجاب للاقتراح ( P) وقبل التعديل. وهكذا أصبح العنوان ”تاريخ صحف أبي اليقظان“، نذكر هذا للأمانة العلميَّة والتاريخيَّة معًا، حتَّى لا يختلط الأمر على الباحثين، إذ ربَّما يعثرون في قائمة مؤلَّفات الشيخ على العنوان الأوَّل أو الثاني، فيخيَّل إليهم بأنَّه كتاب آخر غير الذي نحن بصدد الحديث عنه. (1/71)
صفحة 72
بدأ تأليف كتابه هذا في جويلية 1961م، و فرغ منه في نوفمبر من السنة نفسها، كما تدلُّ على ذلك المقدِّمة المكتوبة بخطِّ يد الشيخ نفسه، وتوجد نسخة أخرى بخطِّ كاتبه عَلْواني إبراهيم، مؤرَّخة بسنة 1967م، وبها تنقيحات طفيفة، أدخلها الشيخ على هذه النسخة وأجازها. وأحسب أنَّ هذه النسخة الأخيرة أضبطُ وأصحُّ وأدقُّ، وهي التي كانت معتمدنا في طبع الكتاب.
كما ينبغي أن نلحظ أنَّ الكتاب ألَّفه الشيخ بعد إِصابته بالشَّلل النصفي سنة 1957م، ممَّا كان له تأثير مباشر أو غير مباشر على معلوماته وأسلوبه ومنهجه.
محتويات المخطوط:
قسَّم أبو اليقظان كتابه إلى مقدِّمة وتمهيد ومباحث، واشتمل التمهيد على ذكر العوامل الذاتية والموضوعية التي دفعت به إلى معترك الصحافة، رغم ضعف الإمكانات والوسائل، واستعرض أسماء بعض الصحف التي سبقت تجربته إلى الظهور، وتعرَّض إلى ذكر القانون الفرنسي تجاه الصحافة العربية الجزائرية، وهو إنَّما فعل ذلك ليوضِّح السند القانوني الذي كان معتمد السلطة الاستعمارية في مصادرة الصحافة العربية الجزائريَّة، وملاحقتها وتضييق الخناق عليها. وبعد هذا التمهيد توالت المباحث الأساسية على النحو التالي:
• تاريخ صحف الجنوب، جريدة وادي ميزاب، أسباب ونتائج.
• ما هي أسُس الجريدة؟
• مصاعبنا في إدارتها.
• مختارات من فصولها التي زعزعت الاستعمار.
• مواقفُنا الحرجة حول فصولها لدى الإدارة.
• تعطيل جريدة وادي ميزاب.
• الهزَّة العنيفة الكبرى حول تعطيلها.
• الموقف الخطير الحاسم بدار العمالة بالجزائر.
• (1/72)
صفحة 73
كيف ألغي أمر الإبعاد بعد وضع خطَّته.
• مضايقات عمَّال (بورد) للأمَّة.
• مقتطفات من أقوال الصحف الفرنسية حول تعطيل جريدة وادي ميزاب.
• مقتطفات من رسائل المراسلين.
• كلمات ذهبيَّة من أفذاذ مصر فيها وفي مديرها.
• صحفنا الأخرى.
• مقتطفات من مراسلينا حول تعطيلها.
• ماذا تركت هذه الصحف من الآثار في الأمَّة الجزائريَّة.
• أعضادنا الرئيسيُّون.
• طريقتنا في الكتابة.
هذه هي عناوين المباحث كما وردت في المخطوط، وسنحاول الوقوف وقفة متأنِّية عند أهمِّ تلك المباحث.
أهمُّ مباحث المخطوط
قسَّم أبو اليقظان مؤلَّفه إلى تمهيد وعشرين مبحثا. وقد ذكر في التمهيد العوامل الذاتية والموضوعية التي كانت الدافع إلى ولوج ميدان الصحافة؛ رغم ضعف الإمكانات وفقدان الوسائل، وعدَّد من بين هذه العوامل ما يأتي:
- أوَّلا: ميوله الغريزية الفطريَّة إلى الصحافة منذ طفولته، وشغفه العظيم بمطالعة الجرائد العربية، وكان دافعه إلى ذلك في البداية رغبة في تتبُّع مجريات الحرب الطرابلسية (1911 - 1913م)، ثمَّ أشعلت جذوة شعوره الوطني جرائد الشرق ومجلاَّته، و هو يتابع في صفحاتها أحداث حرب البلقان، وكان يقرأ فصولها على إخوانه ومشايخه، وعلى رأسهم الشيخ الحاج عمر بن يحي.
- ثانيا: الجوُّ السياسي والعلمي بتونس بعد سنة 1914م، وجد نفسه منغمسًا في أجوائها الثقافيَّة والسياسيَّة، ممَّا كان له الأثر الكبير في توجُّهه هذا، وقد وجد (1/73)
صفحة 74
في الصحافة التونسية التي كانت تتمتَّع بنوع من الحريَّة مجالا واسعا للقراءة والكتابة، وازداد انغماسا فيها عندما أصبح عضوًا فعَّالا في الهيئة التنفيذيَّة للحزب الدستوري التونسي ما بين 1917 و1920م، تحت زعامة صديقه الحميم ومربِّيه الروحي الشيخ عبد العزيز الثعالبي، الذي كان يتلقَّى منه دروسا مباشرة في السياسة.
- ثالثا: اشتداد المعارضة في وادي ميزاب ضدَّ البعثات العلميَّة الميزابيَّة من بعض المتزمِّتين الذين كادوا أن يؤثِّروا في توهين حماسة الأمَّة في هذا المجال، فأخذ بعض الآباء يسترجعون أبناءهم إلى الوطن، ومن ثمَّ كان لابدَّ من مواجهة هذه المعارضة في الصحافة التونسية والجزائريَّة.
- رابعا: الوضعية السياسيَّة التي كانت فيها الجزائر بعامة، والصحراء بخاصَّة، حيث كان المواطنون يُحكَمون بإدارة محلية فاسدة وحكَّام عسكريِّين جورة، وكان من أسوأ تلك الأحكام التي أثارت الرأي العام آنئذ التجنيد العسكري الإجباري وما نتج عن هذا من آثار سلبيَّة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية لدى فئة واسعة من الشباب.
بعد أن يستعرض أبو اليقظان هذه العوامل يحدِّد الأهداف قائلا:
«فرجعت إلى نفسي أفكِّر في السبات العميق وذلك الحكم القاسي، وبعد الإغراق في هذا البحر البعيد الغور تراءى لي أنَّ هذه الحالة في الأمَّة ليست إلا لأنَّها لم تكن لها جريدة توحِّد رأيها و توجِّه تفكيرها إلى وجهة واحدة، بما يجب من الانسجام حتَّى يتكوَّن لها رأي واحد».
إضافة إلى هذه العوامل المباشرة وغير المباشرة كان هنالك هذا التوجُّه، الذي أصبح ينظر إلى الصحافة على أنَّها أداة ضرورية للنهضة والإصلاح، هذا التوجُّه الذي عرف عند النخب المثقَّفة آنئذ مشرقا ومغربا. فقد كانت الصحف آية من آيات ذلك العصر على حدِّ تعبير شوقي:
لكلِّ زمانٍ مضى آيةٌ ... وآيةُ هذا الزمانِ الصُّحُف (1/74)
صفحة 75
فلم يكن صدفة إذًا أن تلتقي على الصحافة خُطط المصلحين في الجزائر شمالا وجنوبا، عرفنا مثل هذا التوجُّه عند الشيخ ابن باديس والإبراهيمي، وعند الشيخ بيُّوض وأبي اليقظان، وغيرهم من رجالات الإصلاح. لقد كانت الحركة الإصلاحية عندهم مبنيَّة على وسيلتين: آجلة وهي إعداد الجيل بواسطة التعليم الإسلامي، وعاجلة وهي بثُّ الوعي القومي بواسطة الصحافة.
(جريدة وادي ميزاب) أسباب ونتائج
بعد هذا التمهيد الضروري يشرع في الحديث بالتفصيل عن تاريخ صحفه وما اكتنفها من ظروف وأحداث، بادئا بظهور أولى جرائده وادي ميزاب، إذ نجده يستعرض تحت عنوان (جريدة وادي ميزاب أسباب ونتائج)، البداية الفعليَّة لظهور جريدة وادي ميزاب باستعراض أسُس الجريدة وقواعدها وبرنامجها، وحقيقتها، وشعارها، ومبدئها، وسياستها الخاصَّة والعامَّة، ومسلكها وغايتها، يذكر كل ذلك نقلا عن الوثيقة الأصلية التي حرَّرها بمدينة تونس ليلة السادس من محرَّم 1345هـ الموافق للسابع عشر من جويلية 1926م، هو وزميلاه اللَّذان كانا ساعديه القويَّين منذ البداية في تسيير الجريدة، وهما ”الشيخ محمد بن الحاج صالح الثميني“، والأديب ”قاسم بن عيسى ابن الشيخ“، وكانت رخصة الامتياز باسم السيِّد ”قاسم العنق“، وهكذا تحقَّق أمل طالما راود أبا اليقظان، الذي يعبِّر عن هذه الفرحة العارمة بقوله:
«وفي أوَّل أكتوبر من سنة 1926م / 3 ربيع الأنور عام 1345هـ كانت جاهزة تجوب الربوات، وتروي الوهاد، وتنعش الصحراء، فاهتزَّت الأمَّة الجزائرية جمعاء جنوبا وشمالا ببروزها، وأعشت العيون الرمداء بأنوارها اللاَّمعة، واحتار الاستعمار من سياستها الغامضة، فلم يفهم أهي في جانبه أم هي في اتِّجاه آخر؟». (1/75)
صفحة 76
مصاعبنا في إدارتها
لكن هل طالت حيرة الاستعمار أم أنَّه سرعان ما تفطَّن إلى أهداف الجريدة وغاياتها؟ ذلك ما يحدِّثنا عنه في المبحث الثالث الذي عنوانه «مصاعبنا في إدارتها»، وفيه يعدّد أبو اليقظان المصاعب الجمّة التي واجهته في الميدان، وهي كثيرة ومتنوّعة، ويكتفي بذكر المصاعب الرئيسية وهي:
- أوَّلا: الاستعمار الفرنسي الذي حارب الصحافة العربية في الجزائر محاربة شديدة، ولو تظاهر بالديمقراطية وحريّة التعبير، وهو الذي قيَّد الحرية منذ البداية بذلك القانون الاستثنائي الجائر الذي يعدُّ الصحافة العربية - وهي في بلادها- صحافة أجنبيَّة، تعامل بما تعامل به أية صحافة أجنبية أخرى كالإسبانية والإيطالية، رغم ادِّعاء الإدارة الفرنسيَّة أنَّها ألغت القوانين الاستثنائية بمناسبة الاحتفالات المائوية سنة 1930م.
- ثانيا: عدم امتلاك أبي اليقظان اللغة الفرنسيَّة، و هو عائق طالما عرَّضه لمشاكل عويصة لدى الإدارة الاستعمارية، سواء أكان ذلك عند التحقيقات البوليسية أم عند ترجمة بعض مقالاته، بما لا يتماشى مع حقيقة النص وروحه، وهي قبل هذا وذاك لغة الإدارة التي يقول عنها: «لا حركة ولا سكون في هذه البلاد إلا بها، ورغم ملاحقتنا لها في مناسبات مختلفة، فإنَّها ظلَّت تتمنَّع عنَّا، كما تفعل الغادة الحسناء صاحبة الجمال والدلال، ولعلَّ الخير في ذلك، أن صقل هذا القلم بلغة القرآن، ولم يصقل بلغة الشيطان، فنحمد الله ونشكره على ذلك».
- ثالثا: أميَّة الأمَّة، التي كانت تناصر الجريدة بشعورها لا بغرامها، وهو يقصد بالغرام هنا عدم الإقبال على قراءة الجريدة والتفاعل مع محتوياتها وإمدادها بالمال اللازم، ممَّا كان له الأثر السلبي على تسيير مشاريعه، سواء أكان ذلك بالنسبة للجرائد أم المطبعة العربية، وهو أمر أذاق أبا اليقظان الأمرَّين، وظلَّ يعاني منه معاناة شديدة، وبذلك لم يستفد من الجانب المادي شيئا، على أنَّ المادَّة أو الجاه (1/76)
صفحة 77
لم يكونا ذات يوم من أهدافه إطلاقا، وكان على علم بذلك منذ البداية كما يوضِّح ذلك، حيث يقول متسائلا: «كيف تجد جريدة من أمَّة لا يقرأها غالب أبنائها قوَّة ونشاطا وذيوعا وانتشارا؟».
« .. ونكبتنا في ذلك كلِّه أن نبذل في الجريدة ما نبذل مسبقا من مُهج الحياة جهودًا مضنية، وأموالا كثيرة مدَّة تقرب من عام، ثمَّ إذا تعطَّلت وذهبنا نستخلص معلوم اشتراكها من حرفائنا توارَوْا عن الأنظار أمام وكيلنا، واعتذروا له بأنَّ الجريدة قد تعطَّلت، وأن ليس لها علينا من حقٍّ، وتجاهلوا حقوقها السابقة، فذهبت جهودنا وأموالنا المسبقة أدراج الرياح. ولا تنس النكبة التي تلحقنا في حساباتنا وميزاننا الذي ننظِّمه لضروريات ومصاريف العيال، والحرمان الذي يلحقنا نحن وإيَّاهم من ذلك، وليس لنا صندوق إحتياطيٌّ نلجأ إليه في أمثال هذه الظروف إلاَّ الصندوق الإلهي (رحمة الله)، هذا هو الذي أرهقنا وقصم ظهرنا وأصابنا في الصميم ...
ولكننا نتلقَّى ذلك بصدر رحب، وصبر جميل، وثغر باسم إزاء غايتنا العليا من إيقاظ الأمَّة الجزائريَّة العربية المسلمة، ونهضتنا شمالا وجنوبا نحو واجبها ونحو الحياة الحقَّة، وجمع كلمتها حول العمل المثمر للدّين والوطن .. »
- رابعا: فقدان الطباعة العربية، وهو ما دفع به إلى تحمُّل مشاقِّ طباعة جريدة وادي ميزاب في تونس، وهي تحرَّر وتوزَّع في الجزائر مدَّة سنتين ونصف دون توقُّف أو تأخُّر، وهذا ما دفع به إلى مغامرة تأسيس المطبعة العربية في فيفري من سنة 1931م، في ظروف اقتصاديَّة محلية وعالمية صعبة، وقد عرَّضته هذه الأزمة إلى معاناة صعبة، تجلَّت واضحة في مراسلاته ومقالاته، ولا سيما في بداية الثلاثينيَّات، حيث كان يذكِّر مساعده السيِّد تعموت عيسى دوما برأس الشهر أو ”رأس البغل“ كما كان يعبِّر عنه، ففي رسالة إلى السيِّد تعموت عيسى مؤرَّخة بـ:25/ 09/1931م: بعد البسملة والحمدلة نقرأ ما يلي: «الجزائر 25 سبتمبر، ولا ألف في الكيس لدفع نحو 10000»، ثم يقول ... «لقد كادت روحي تخرج من هذه الضائقة الشديدة». (1/77)
صفحة 78
والحق أنَّ المطبعة العربية تاريخ حافل آخر من الجهاد والنضال لا يقلُّ ثباتا وصمودا عن تاريخ صحفه.
مختارات من فصولها التي زعزعت الاستعمار:
من أهمِّ مباحث الكتاب مبحث عنوانه «مختارات من فصولها التي زعزعت الاستعمار» وفيه يستعرض عناوين المقالات المهمَّة الصادرة بجريدة وادي ميزاب، التي كان لها أثر مباشر في مصادرة الجريدة وَوَأْدِ توجُّهاتها.
من أهمِّ تلك المقالات مقالة صدرت بالعدد السابع عشر بتاريخ 21 جانفي 1927م تحت عنوان «الاعتماد على النفس»، هلعت الإدارة منه، ممَّا جعل السيد ”جان ميرانت“ مدير الشؤون الأهلية يستدعي أبا اليقظان ويجري معه تحقيقا بوليسيا دقيقا، وبحثا محرجا، يتطاير منه شرر التهديد والوعيد. ولعلَّ العبارة التي أثارت حفيظة الإدارة في ذلك المقال قوله: «هل استفاد الجزائريُّون شروى نقير من اعتمادهم على عطف فرنسا وأمومتها وحنوِّها؟ وهل أفاد المغاربة اعتمادهم على الأولياء والصالحين وسكان القبور؟ نعم استفاد أبناء الثورة الأحرار فخلَّصوا فرنسا من الحكم الفردي، لمَّا اعتمدوا على أنفسهم، واستفاد أبناء السماء فخلَّصوا جزر اليابان، واستفاد الكماليُّون فخلَّصوا البلاد العثمانيَّة من الأسد البريطاني .. »
«هذا المقال الذي هزَّ دوائر الحكومة عامَّة، وبه بدأوا يفهمون مشرب الجريدة، وإلى أين تتَّجه نزعتها، وقد كانوا من قبل في ارتياب تامٍّ من منهجها.
بدأ المدير في التحقيق وقال: ماذا تعني بهذا الفصل؟
قلت: بما أنَّ أمَّتنا ضعيفة فقيرة، ووطننا لا ينبت زرعا ولا ضرعا، فإنِّي عقدت لها هذا الفصل أحرِّضها على الاعتماد على نفسها بالتجارة، وألا تتكل على خزانة الدولة؛ لئلاَّ تكون كلاًّ عليها مثل القيَّاد والموظفين، ولا على الأولياء والطرق مثل أصحاب الزوايا. (1/78)
صفحة 79
فقال: نعم، إذا كنت تقصد بهذا هذا، لكن ما الذي ساق الكلام عن المصريِّين والسوريِّين؟
قلت: تلك أمثلة عمليَّة أضربها لهم لتقريب المعنى إلى أذهانهم.
ثم احتدَّ معي مع اتزانه، وقال متوعِّدا ومهدِّدا: عوض أن تستفهم ماذا استفاد الجزائريُّون من اعتمادهم على الأمِّ الحنون؟ أو ماذا استفاد التونسيُّون من اعتمادهم على كتلة الشمال؟ أو ماذا استفاد المغاربة من اعتمادهم على الأولياء وسكَّان القبور، عوض أن تستفهم عن ذلك كلِّه، اسأل نفسك عن جزاء من يشاقق فرنسا، هل النفي؟ أم السجن؟ أم الشنق؟
فقلت له: أنا لا يهمُّني إذا قمتُ بواجبي من النصح نحو أمتي وحكومتي النفي أو السجن أو .. قال: ليست الحكومة في حاجة إلى نصحك بل انصح نفسك».
ويذكر أبو اليقظان عناوين هذه المقالات التي نجد من بينها: ذلك الفصل الذي نشر فيه حادثة تمزيق الجواز من ضابط فرنسي، وانتقد فيه عجرفته، وكان هو السبب المباشر في تعطيل الجريدة فيما يظهر، حيث ضاق صدر الإدارة الاستعمارية ذرعا، ورأته مسًّا مباشرا بالشرف العسكري الفرنسي في الصميم، ورأته تطاولا جريئا من جريدة مسلمة عربية، وقد كبر عليها هذا التطاول إلى ذلك الحصن العالي العاجي ..
ومنها ذلك الفصل الذي هزَّ أعصاب أوروبا الاستعمارية بعنوان «الإنسانيَّة بين غضب الله وغضب أوروبا»، وقد نشر في عدد 109 (24/ 10/1928م) وقد جرى له بحث دقيق من أجله.
ومنها فصل «الإسلام يحتضر والمسلمون يهزلون» وفصل «أمَات الرجال أم رفع القرآن»، و «الإسلام بين شقَّي المقراض»، و «الشريعة الإسلامية شريعة الخلود»، و «إنَّما المؤمنون إخوة»، وغيرها من المقالات الاستنهاضيَّة.
والحق أنَّ القارئ عندما يعود إلى هذه المقالات بالقراءة المتأنيَّة، يدرك إلى أيِّ حدّ كان أبو اليقظان يركّز دوما على الصراع الحضاري بين الإسلام والمسيحية، (1/79)
صفحة 80
ويذكر أبدا بأنّه لا نهضة للدّول العربية والإسلامية إلاَّ بالرّجوع إلى القرآن والسنة النبويّة الشريفة؛ إيمانا وتطبيقا، وهي الأفكار والرؤى نفسها التي نجدها عند رجال الإصلاح آنئذ.
ولعلَّ من الطريف أن ندرك مدى أهمية تلك المقالات، ومدى التأثير الذي أحدثته في الدوائر الاستعمارية الرسمية، من تتبعنا لذلك الاستجواب الدقيق الذي أجراه معه قاضي التحقيق بدار العمالة بعد صدور قرار تعطيل جريدة وادي ميزاب، والضجَّة التي أثارها هذا التعطيل في أوساط الأمَّة الجزائرية، حيث نقرأ تتبُّعا دقيقا لكلِّ محتويات تلك المقالات، ومحاولة الغوص إلى المقاصد التي ترمي إليها، والإلحاح المستمر على توريط أبي اليقظان وإظهاره بمظهر المشوِّش الخطير، الذي ما انفكَّ يؤلِّب الرأي العامَّ ضدَّ الإدارة الاستعمارية الفرنسيَّة شمالا وجنوبا.
والذي يبدو أنَّ الصراحة والقصد اللذين اختارهما أبو اليقظان منهجا لجريدته كانا من وراء صدور قرار التعطيل، وذلك ما يوضِّحه بنفسه، حيث يقول:
«منذ بروز جريدتنا وادي ميزاب إلى عالم الصحافة في أوَّل أكتوبر 1926م، والوشاة يهرولون لتهويشها ومناوشتها والتحريش عليها بنحت النقائص، واختلاق المعايب والإرجافات لها؛ عسى أن يُسقطوها، فيريحوا أنفسهم المريضة من أدويتها الناجعة، وأبصارهم العشواء من أنوارها الساطعة. تذرَّعوا إلى غاياتهم الدنيئة بكلِّ ما لديهم من وسائل ممقوتة .. كتبوا العرائض العريضة، وذيَّلوها بمئات الإمضاءات حتَّى أنهاها بعضهم إلى 400 إمضاء. استثاروا حفائظ المبشرين والترجمان الذين كان لنا معهم مواقف، واستثمروا ضغائنهم وأحقادهم ضدَّ الوادي، فدفعوا هؤلاء إلى الميدان واختفوا وراءهم.
لعبت في رؤوس هؤلاء جميعا الحميَّة المسيحيَّة، والنشوة العسكرية فتقدَّموا تحت ستارهم تحت الظلام لتسميم جوِّ الولاية العامَّة، وإيغار صدور المسؤولين على الوادي، فلما أتموا دورهم هذا، قام أولئك الذوات بدورهم، فشكَّلوا لهذا الغرض (1/80)
صفحة 81
لجنة تركَّبت من بضع عشرة ذاتًا من الرجال العسكريين والسياسيين ومديري المصالح، فبيَّتوا فيها للوادي ما بيَّتوا، وكانت نتيجة ذلك صدور قرار من الوزارة الداخلية مؤرَّخ بـ: 18 جانفي 1929م يأمر بتعطيل "وادي ميزاب" وتحجير بيعها وطبعها وتوزيعها، وذلك لشدَّة لهجتها، كما أمر بتعطيل كلِّ ما سيصدر ممَّا يشبهها في شدَّة اللَّهجة، سواء باسم أبي اليقظان أو غيره، سواء أطبع في تونس أم في غيرها.
الهزّة العنيفة الكبرى حول تعطيل الجريدة:
يستعرض أبو اليقظان في هذا المبحث الموقف التضامني المشرِّف الذي وقفته الأمَّة ضدَّ ذلك القرار الجائر، ويبيِّن كيف واجهت ذلك بحركة واسعة من الاحتجاج بالبرقيَّات من سائر نواحي البلاد شرقا وغربا، شمالا وجنوبا، وقد تهاطلت على الولاية العامَّة بالعاصمة، والوزارة الداخلية بباريس 450 برقية في اليوم الواحد؛ احتجاجًا وتنديدًا بهذا القرار التعسُّفي، وتلا ذلك عرائض احتجاج من أصحاب المهن في العاصمة، ومن سائر المدن الأخرى، وصاحب كلَّ ذلك حملة واسعة، شاركت فيها صحف عربية على مختلف نزعاتها ومشاربها باللغة العربية والفرنسيَّة. وكان من تأثير ذلك أن قام الوالي العام (بيار بورد) بجولة في بعض المدن، ولا سيما إلى غرداية، حيث التقى بالأعيان، والتقى بالجماهير، كما استدعى عمال (بيار بورد) أعضاء الجماعة الميزابية في كل بلدة من البلدان التي شاركت في هذا الاحتجاج، مثل قسنطينة وعنابة، وباتنة، والمدية، وقالمة، وسانت أرنو، وتقرت، وغيليزان، وبسكرة، وغرداية، والقرارة. وكان من تأثير ذلك كلِّه أن استدعى قاضي التحقيق أبا اليقظان، وأجرى معه استجوابا مضيَّقا وحوارًا ساخنا، دام ساعة كاملة، حاول فيه أن يلصق به تهمة التحريض والإثارة وتعكير الأمن العام، وهدَّده بالسّجن والنفي والإبعاد. وقد أورد أبو اليقظان جزئيات وتفاصيل ذلك الحوار، وهو يعدُّ من أهمِّ مباحث الكتاب؛ لأنَّه يوضِّح رؤية حاكم مسؤول في الإدارة الاستعمارية، ويبيِّن إلى أيِّ حدٍّ كانت الإدارة الاستعمارية متخوِّفة من (1/81)
صفحة 82
الأفكار الداعية إلى الرجوع إلى الذات والاعتماد على الرصيد الحضاري دينا ولغة ... ووجودا، لأنها كانت تعلم علم اليقين أنَّ هذه الأفكار هي البدايات الحقيقية للمطالبة بالحرية والاستقلال.
مواقفنا الحرجة في شأنها لدى الإدارة
من مباحث الكتاب مبحث عنوانه: «مواقفنا الحرجة في شأنها لدى الإدارة». يفصِّل فيه الحديث عن الحوارات الساخنة التي جرت بينه وبين المسؤولين في السلطة الاستعمارية، من أمثال الوالي العام ”بيار بورد“، وقاضي التحقيق لوسيل، ومدير الشؤون الأهلية ”جان ميرانت“، وغيرهم من أعوان البوليس السرِّي، ويذكر الوشايات والمحاكمات التي جرت له، وهي تهدف كلها إلى التأثير في نفسه، و تثبيط عزيمته، وتجاوز ذلك إلى التضييق على القرَّاء، من أفراد الشعب الذين آزروه وساندوه، وكيف أصدر وزير الداخلية أمرا بتتبُّع كلِّ الذين شاركوا في الاحتجاج على مصادرة جريدة وادي ميزاب، ممَّا أدَّاه إلى قطعها عن وادي ميزاب نفسه مدَّة، ويورد ما جاء في تلك الجلسات التي كانت تجري بين عمال الوالي العام بورد وأعضاء الجماعات الميزابيَّة في مدن التل. ويورد في مؤلَّفه هذا المراسلات العديدة، التي كانت ترد عليه من داخل الوطن وخارجه، من قرَّائه والمعجبين بجرائده، نقرأ من خلالها ذلك الأثر الكبير الذي تركته جرائد أبي اليقظان في النفوس وتأثُّرهم العميق لحرمانهم منها.
الواقع أنَّ القارئ ليلمس ذلك الترابط الأخوي العميق، الذي كان بين المثقفين والعلماء ورجال الإصلاح داخل القطر وخارجه، ويحس بتلك المشاعر الإسلامية الفيّاضة التي تتفاعل مع أبسط الأحداث، وتبدي موقفها منها، كما ندرك من خلال انطباعات بعض الشخصيات الوطنيّة والمفكّرين المشهورين، من أمثال ”محمد رشيد رضا“ صاحب المنار، و”أحمد زكي باشا“ شيخ العروبة، و”محبّ الدين الخطيب“ صاحب الفتح والزهراء، و”محمد علي طاهر“ صاحب (1/82)
صفحة 83
الشورى، و”سليمان الباروني باشا“، و”شكيب أرسلان“، و”عبد العزيز الثعالبي“، و”أبو اسحاق إبراهيم اطفيَّش“، وغيرهم.
ندرك تلك المكانة التي اكتسبتها جرائد أبي اليقظان، وهي تصوِّر إلى أيِّ حدٍّ كانت الروح الدينية والقومية، تربط بروابط الصداقة والتآزر الأخوي الصادق بين أفراد الأمَّة الإسلامية مشرقا ومغربا، على الرغم من ضعف وسائل الاتصال وطغيان الاستعمار.
كلمات ذهبيّة من أفذاذ مصر فيها و في مديرها
هذا الاهتمام في حدِّ ذاته، هو الذي جعل أبا اليقظان يخصِّص لذلك مبحثا في كتابه بعنوان «كلمات ذهبيَّة من أفذاذ مصر فيها وفي مديرها».
صحُفنا الأخرى
في المبحث العاشر يتكلَّم أبو اليقظان بإيجاز شديد عن صحفه الأخرى الصادرة بعد وادي ميزاب وهي: ميزاب، المغرب، النور، البستان، النبراس، الأمَّة، الفرقان، ويمرُّ بها مَرًّا خاطفا على حدِّ تعبيره، لا يفصِّل الحديث عن أسباب مصادرة كلِّ جريدة، كما فعل مع جريدة وادي ميزاب، ويعتذر للقارئ بقوله: «وكم كنَّا نودُّ أن نشير إلى مختارات هذه الجرائد، التي كانت لها آثارها الفعَّالة في الأمَّة والحكومة، كما فعلنا في جريدتنا الأولى وادي ميزاب، ولكن لم يتَّسع لنا الوقت وظروف الحال لذلك، وحسبنا أن نحيل القارئ إلى تتبُّعها في مجموعات هذه الجرائد، وخصوصا المغرب والنور والأمَّة». ولكنه لا ينسى أن يورد انطباعات وعواطف ومساندة المراسلين المنبثِّين داخل القطر وخارجه حول تعطيل أو مصادرة تلك الصحف.
والحقّ أنَّ هذا المبحث لا يفي بما هو منتظر منه، وكأنَّه ألحق بالكتاب إلحاقا، لأنَّ التركيز الشديد إنَّما وقع على جريدة وادي ميزاب، علمًا بأنَّ تاريخ الجرائد الأخرى لا يقلُّ مقاومة وصراعا، لا سيما جريدتي المغرب والأمَّة اللّتين كان لهما (1/83)
صفحة 84
صدى واسع في المغرب الشقيق، وكان له قرَّاؤه الكثيرون ومراكز بيع كثيرة، وشارك في النور كتَّاب المغرب وشعراؤُه، حتَّى كان ملفَّ النور مملوءًا بكتاباتهم وقصائدهم غالبا، والكميَّات التي توزَّع في المغرب أكثر من الكميَّات التي توزَّع في الجزائر، ويذهب أبو اليقظان إلى أنَّها أثَّرت في الحركة الوطنية هناك؛ لما وجده من تفاعل من رجالات الفكر والسياسة فيها، وذلك ما نلمسه بحقٍّ في رسائلهم ومقالاتهم.
كما أنَّ جريدة الأمَّة رسمت تطوُّرات هامَّة في صحافة أبي اليقظان، ولا سيما في ميدان الحركة الوطنيَّة، فإنها تعدُّ من أهمِّ مصادر الحركة في هذه الفترة، إذ استقطبت كتَّابا وشعراء كثيرين، وغدت في فترة من الفترات اللسان الرسمي للأحزاب الوطنيَّة باعتراف رجالات الحزب أنفسهم، وهو ما عرَّضها للمضايقات ... والملاحقات وأخيرا المصادرة.
بما أنَّ تجربته الصحفية الأولى في جريدة وادي ميزاب، التي شهدت عنفوان نشاطه الصحفي في كلِّ الاتجاهات داخلا وخارجا، في الفترة ما بين 1926 - 1929م، وبما أنَّ المصادرة الاستعمارية الجائرة بدأت بهذه الجريدة بطبيعة الحال، فإنَّ اهتمام أبي اليقظان انصبَّ على الحديث عن هذه الجريدة، وظروف نشأتها وصراعاتها، وانجازاتها، ومكانتها، وكتَّابها، وموضوعاتها، ثمَّ ردود الأفعال الشعبية والرسمية والصحفية بعد تعطيلها.
وكان طبيعيًّا أن يكون اهتمامه بها أكثر من غيرها؛ لأنَّها البكر من صحفه، وهو ما جعل اهتمامه بصحفه الأخرى في الكتاب يبدو ضئيلا قليلا، إذا ما قيس بجريدته الأولى، ومن ثمَّ يشعر القارئ بفراغ في هذا الجانب، ويطرح أسئلة عديدة لا يجد إجابة لها، ربَّما إلاَّ بالرُّجوع إلى الجرائد المعنيَّة نفسها.
على أنَّه يجب أن نتذكَّر أمرين قد يكونان السبب في هذا النقص الملحوظ في الكتاب، وهو أنَّ الضجَّة السياسية والإعلامية والاجتماعيَّة التي أثارتها مصادرة جريدة وادي ميزاب، لا تدانيها أو تقترب منها ما تركته مصادرة جرائده الباقية، (1/84)
صفحة 85
لأنَّ حياة مثل ”البستان“ عشرة أعداد، و”النبراس“ ستَّة أعداد، و”الفرقان“ ستَّة، لم تكن حافلة طويلة، بالقدر الذي تترك به أثرا في القرَّاء، وبالتالي يتأثَّرون بمصادرتها، ويشعرون بفراغ عند احتجابها، هذا من جهة، ثمَّ لأنَّ الشيخ إنَّما ألَّفَ الكتاب بعد مرضه، وطبيعة مثل هذا المؤلَّف تستدعي منه الرجوع إلى الوثائق والمراسلات والجرائد، وهو أمر يصعب عليه كثيرا بحكم شلله النصفي، على أنَّ المادَّة العلميَّة الخاصَّة بجريدة وادي ميزاب كانت قد اجتمعت عنده من قبل لأهمية الموضوع، ولعلَّه لم يفعل مثل ذلك بالنسبة للجرائد الأخرى.
ماذا تركت هذه الصحف من الآثار في الأمَّة الجزائريّة جنوبا وشمالا؟
من أهمِّ مباحث الكتاب مبحث تحت عنوان «ماذا تركت هذه الصحف من الآثار في الأمَّة الجزائريَّة جنوبا وشمالا؟» كان لابدَّ أن يتساءل المرء بعد هذا الجهاد المرير، والصراع المتواصل على جبهات عديدة، ما الفائدة العامَّة التي تركتها هذه الصحف في الأمَّة الجزائريَّة. وبما أنَّ أبا اليقظان قد أخبرنا عن الآثار السلبية التي جناها في الجانب المادي، على النحو الذي رأيناه سابقًا، فإنَّ معنى ذلك أنَّ الآثار التي حقَّقتها صحافة أبي اليقظان لا بدَّ أن تكون معنوية، روحية، تربوية، لأنَّ الهدف منذ البداية كان مرسوما على هذا النحو، ولأنَّ أبا اليقظان كان يصرِّح، أكان ذلك في مقالاته أم في مواقفه في صراعه مع الاستعمار: أنَّه لا يبغي من وراء ذلك أيَّة منافع مادية ودنيوية، وإنَّما الهدف على حدِّ تعبيره هو خدمة الأمَّة والوطن وإعلاء كلمة الله تعالى.
ومن آثارها الملموسة يذكر ما يلي:
- أوَّلا: بثُّ الوعي الوطني، والتفكير الجمعي لدى الأمَّة الجزائريَّة بعامَّة، ولدى الميزابيِّين بخاصَّة، فقد كانوا من قبل مشتَّتين لا تجمعهم كلمة، ولا يوحِّدهم هدف، وببروز جريدتهم ”وادي ميزاب“ توحَّدت آمالهم، وعبَّرت عن آلامهم، وغدت الناطق الإصلاحي الرسمي، الذي يعبِّر عن وجهة نظر الأغلبيَّة الساحقة المنضوية تحت
- (1/85)
صفحة 86
راية الإصلاح بزعامة الشيخ بيُّوض، والعمل بحماسة ونشاط ووعي وبصيرة، في إطار مشروعه السياسي والثقافي والاجتماعي والاقتصادي، على أنَّ أبا اليقظان لا ينكر أنَّ طرفا من الميزابيِّين كانوا يعارضونه ويقفون ضدَّ جرائده وتوجُّهاتها، فإنَّ المعارضة والمحافظة أمر حاصل في كلِّ نهضة فكريَّة، والبقاء للأصلح على كلِّ حال.
- ثانيا: عرَّفت بالميزابيِّين تاريخا وفكرا، ولا سيما في الأقطار العربية النائية، وكانوا من قبل مجهولين مغمورين لعوامل معروفة، لا حاجة لذكرها، ومن هنا فقد أدَّت جرائد أبي اليقظان في ميدان الوَحدة الوطنيَّة دورا عظيما، وكان هذا من دواعي الترابط الأخوي بين المسلمين، ولا سيما في الجزائر، وذلك ما يحدِّده بقوله: « .. وبفضل الصحافة وخصوصا ”وادي ميزاب“، الذي كان يحمل اسمها تحت كلِّ كوكب، أصبحت معروفة القدر في سائر الأقطار، حيث كانت صحافتنا تغشى سائر الأقطار القريبة والبعيدة، من الخليج إلى المحيط الأطلسي. أضف إلى هذا تضاعف الترابط بين الإخوة عامَّة .. فأخذ ذلك الجفاء المتوارث والتوتُّر الحادُّ يجفُّ، ويتقلَّص شبحه، ولولا فضل الله، وفضل الصحافة لما تطوَّرت الحالة إلى ما تطوَّرت إليه من التقارب وحسن التفاهم، رغم ما يبذله الاستعمار وعملاؤه من اليهود وخريبي الذمم من المسلمين، من زرع بذور التفرقة والكيد والدسِّ والشقاق .. »
الدَّعوة إلى الوحدة الإسلامية، والتعاون الفعَّال بين أبناء الأمَّة، كان ذلك منها في الإطار الداخلي، قبل بداية جمعية العلماء المسلمين وأثناءها، وكانت تمثّل وجهة نظر الجمعية في كثير من المناسبات، بل كانت منبرا رسميًّا لنشر منشوراتها وبياناتها، إلى جانب الصحف ذات الاتّجاه الإصلاحي الأخرى، مثل ”الشهاب“، و”البصائر“، و”الإصلاح“، و”السنة“، و”الصراط“ وغيرها. أمَّا في الإطار الخارجي فطالما روَّجت للعلاقات الوثيقة بين علماء الأمَّة ومفكِّريها، من أمثال الداعية الإسلامي المعروف محبِّ الدين الخطيب، الذي كان يعترف بفضل صحف أبي اليقظان في هذا الاتجاه، والأمير شكيب أرسلان، والباروني، والثعالبي، وأبي إسحاق اطفيَّش، ممَّا كان له أكبر الأثر في التقريب بين المذاهب الإسلامية (1/86)
صفحة 87
والعمل يدًا واحدة ضدَّ أعداء الإسلام، من استعماريِّين ومبشِّرين وإلحاديِّين (حسب تعبيرات ذلك العصر).
- ثالثا: توجيه الأمَّة الميزابيَّة نحو التعلم وغشيان المدارس، وقد كانت من قبل زاهدة في طلبه كلَّ الزهد، بل كانت - على حدِّ تعبير أبي اليقظان نفسه -: «ترى الخبز قبل كلِّ شيء» فجاءت صحافة أبي اليقظان منبرًا صادعا للحثِّ على معالجة هذا النقص وتداركه، تهتمُّ به الاهتمام كلَّه، وتوليه عناية ملحوظة، ولا سيما في موسمي أكتوبر، الذي يسمِّيه موسم البذر العلمي، وجوان موسم الحصاد العلمي، وكان لابدَّ أن يكون على دراية وخبرة بهذه السبيل، وهو المربّي القدير، الذي بدأ حياته معلّما لأوَّل بعثة علميَّة إلى تونس، ومديرًا لإحدى المدارس النظاميَّة بالقرارة، فوضع المناهج، وشارك في تأسيس عدَّة مدارس، وألَّف الكتب المدرسية في الفقه والتاريخ، وكانت نتيجة هذا التوجُّه كما يقول: «تنبيه الشعور العام نحو العلم، والبذل في سبيله، والتضحية بأفلاذ أكبادها لتغذية عقولهم بنوره، وتهذيب نفوسهم بهديه، وتزكية أخلاقهم بأشعَّته، حتَّى صارت جمعيَّات تتحمَّل ميزانيات ضخمة من أجل العلم، وأصبح لها مكان مرموق في جامعات الشرق».
- رابعا: التطوُّر الاقتصادي: دأبت صحافة أبي اليقظان على تحسيس الميزابيِّين بخاصَّة والجزائريِّين بعامَّة بهذا الجانب الهامِّ في النهضة، وقد تمثَّل هذا في تلك الفصول الضافية، والمقالات المتسلسلة التي نشرتها جريدة وادي ميزاب تحت عنوان «تجارتنا وتجارتهم»، والدعوة إلى تأسيس اقتصاد إسلامي، بداية من تأسيس بنك أهلي إسلامي، وهو ما عرَّض أبا اليقظان إلى انتقادات مرَّة من بعض المسؤولين، وعدَّ ذلك منه دعوة إلى التمرُّد على سياسة الحكومة، كما اعتبر بعض الناس الحديث عن سلبيات التجارة ونقائصها فضحًا لما ينبغي ستره؛ لأنَّها كما يقول: «وقعت منهم تلك الانتقادات موقع الدواء من الجرح، ومن طبيعة العين المريضة أن تحسَّ بألم الدواء أكثر ممَّا تحسُّ به العين الصحيحة .. ».
- (1/87)
صفحة 88
خامسا: مساندة الحركات الوطنيَّة ذات الطابع الاستنهاضي المقاوم للاستعمار، أكان ذلك في الجزائر أم في العالم الاسلامي، وهذا واضح كلَّ الوضوح من مقالات أبي اليقظان بصفة خاصَّة، وقد كان هذا التوجُّه منه من أهمِّ الأسباب التي أغضبت السلطة الاستعمارية عليه، كما تدلُّ على ذلك تقارير البوليس السرِّي عن جريدة الأمَّة، التي أصبحت منبرًا لِحزب الشعب في فترة من الفترات، وكما دلَّ على ذلك صراحة التحقيق الذي أجراه معه قاضي التحقيق ”السيِّد لوسيل“ سنة 1929م، مشيرا إلى بعض الآراء والأفكار التي اعتبرت من أبي اليقظان دعوة إلى الاستقلال والانفصال عن فرنسا، واتِّهامه بالبلشفية، والشيوعية، والوهَّابية، والعمل بأوامر شكيب أرسلان، وأنَّه هو والشيخ بيُّوض كمثل هتلر ولينين بوادي ميزاب، هكذا قالت ”جريدة النجاح“. وكانت نتيجة ذلك مطاردة جريدة وادي ميزاب وغيرها من صحفه واحدة تلو الأخرى، وتهديده بالنفي والسجن والشنق. وعن هذا يقول:
«حكى لي أحد إخواننا من أعيان ميزاب التجار بالعاصمة أنَّ أحد كبار أصدقائه في الولاية العامَّة، قال له في شأن جريدة وادي ميزاب يومئذ: ”لو كان للجزائريِّين إدراك سياسي لثاروا علينا بمرور عام واحد على مثل هذه الجريدة، ولكن من حسن حظِّنا أنَّه لم يكن لهم ذلك“ أو بمعناه .. ولئن تأخَّر أمد انفجارها من سنة 1926 إلى سنة 1954م، فقد طال أمدها واتَّسع نطاقها إلى ما شاء الله، ولقد كانت في هذه الآونة تعمل عملها، وتتفاعل عناصرها في شغاف قلوب الشعب .. حتى حلَّ أجلها، ولكلِّ أجل كتاب».
أعضادنا الرئيسيّون
من أهمِّ مباحث الكتاب مبحث تحت عنوان «أعضادنا الرئيسيُّون الذين كان اعتمادنا عليهم في إدارة هذه الصحف». وفيه يذكر فضل أولئك الاعضاد الذين آزروه وساعدوه، ووقفوا إلى جانبه مخلصين عاملين؛ رغم العراقيل والأزمات الاقتصاديَّة، وينوِّه بصفة خاصَّة بالسيد ”تعموت عيسى“، و”الشيخ محمد بن (1/88)
صفحة 89
صالح الثميني“، و”الأديب قاسم بن عيسى ابن الشيخ“، وابنه السيد ”أبي اليقظان عيسى“، والسيد ”عمر بن بكير الحاج مسعود“.
على أنَّ الشيخ نسي أن ينوِّه بأولئك الذين أمدُّوه بالمادة العلمية، وهم كثر، ويمكن أن نشير بصفة خاصَّة إلى ”سعيد“ (الشيخ عدُّون)، و”البكري“ (الشيخ عبد الرحمن)، و”إيّاس“ (الشيخ بيُّوض) و”الفرقد“ (سليمان بوجناح)، وغيرهم كثير.
طريقتنا في الكتابة
- من أهمِّ مباحث الكتاب ذات الصلة الوثيقة بالموضوع مبحث عنوانه: «طريقتنا في الكتابة». يوضِّح فيه المنهجيَّة التي كان يتَّبعها في تحرير موضوعاتها، ولا سيما الافتتاحيَّات التي يراها أشقّ ما في عمله الصحفي، وعن أسلوبه في الكتاب يقول: «إنِّي كثير السخاء بتشطيب ما يجب تشطيبه، وتبديل ما يجب تبديله، ولا يهمُّني ذلك، وإنَّما يهمُّني الإجادة ومطابقة الموضوع، وجمال الأسلوب، وكمال التنسيق، وانسجام المقال .. ولا يكبر أمامي عند كتابة موضوع أيُّ شخصية لأيِّ رجل، بل أتَّخذ الحقَّ فيها رائدي، وإصابة كبد الحقيقة والواقع هدفي الأسمى.
ومسلكي في ذلك مسلك القرآن تقريبًا، الصراحةُ والصدعُ بالحقِّ قدر الإمكان، سيما إذا كان ما أعالجه متعلِّقا بإلحاد، أو خيانة، أو مروق من الدين، أو فسوق، أو تهتُّك في الأعراض، وأجانب ذكر الأسماء والألقاب قدر الإمكان، وإن اضطررت فإنِّي أكتفي بالكناية عن ذلك، ولا أتَّخذ الصرامة والشدَّة لنفسي إجابة للهوى، وإنَّما ميزاني في ذلك هو ميزان تلك الشخصية المومِئ إليها .. ».
- ينهي كتابه بكلِّ تواضع قائلا: « .. في النهاية أنا لم أتتلمذ عند صحافي فآخذ عنه أسلوبه، وإنَّما أخذت دروسا في السياسة عن الأستاذ عبد العزيز الثعالبي بتونس، ودروسا في أساليب الكتابة بإدماني على قراءة الجرائد المصريَّة، ولا سيما جريدة ”اللواء المصري“ اليوميَّة، لسان حال الحزب الوطني المصري .. ثمَّ إنِّي اتبع خطواتي الصحافية بما توحي به إليَّ فطرتي، وما تلهمني (1/89)
صفحة 90
إليه غريزتي، وإنِّي أحسُّ بنقص فادح بجهلي التام للغة الفرنسيَّة؛ رغم مغازلتي لهذه الحسناء، لأنَّها مادة أساسيَّة لمن يروم مرامي، ويطمح إلى مطامحي، ولعلَّ الله تعالى أراد خيرا لي بذلك، والله لطيف بعباده».
- وبعد، فهذا أبو اليقظان صحافيًّا مجاهدا، واحدا من هؤلاء العلماء الأعلام الذين أنجبتهم الحركة الوطنيَّة الإسلامية، بزعامة أمثال الشيخ اطفيَّش، والباروني، والثعالبي، وشكيب أرسلان، أمثال هؤلاء الذين ربَّتهم أحداث الحرب العالمية الأولى، وصهرتهم إرهاصات الحرب الثانية، ففهموا واقعهم، وتمثَّلوا تاريخهم، ... واستلهموا حضارتهم، وتشبَّثوا بحقوق أمَّتهم، ينازلون الاستعمار ولا ينبطحون، يؤمنون بعدالة قضيتهم ولا يتردَّدون، يواجهون المعتدي ولا ينهزمون، لا تنسيهم هموم دينهم وملَّتهم مشاكل عائلاتهم وأبنائهم، ولا تصرفهم انشغالاتهم بقضايا بلدانهم في أقطارها عن هموم أمَّتهم الإسلامية في أوطانها، إذا كتبوا فبلغة القرآن التي بها أعجبوا وأعجزوا، وإذا تحدَّثوا لقومهم منذرين فبلغتهم المحليَّة التي بها أفهموا فأحسنوا، وهم فوق كلِّ هذا وذاك يضعون رضى الله فوق كلِّ اعتبار، ومصلحة الوطن فوق كلِّ شعار. ومن ثمَّ فقد أصاب القول فيه صديقه وأخوه ابن باديس عن حقٍّ وصدق، حيث يقول: «وأبو اليقظان إلى جانب ميزابيَّته التي يفاخر بها وله الحقُّ، عربيٌّ يجاهد ويجالد في سبيل العروبة، ووطنيٌّ يناضل ويقارع في سبيل الوطنيَّة، ومسلمٌ أخلص لله دينه، يجعل الإسلام في الصفِّ الأوَّل من كلِّ أعماله» (1).
الدكتور محمد صالح ناصر
الجزائر، 11/ 03/2003
__________
(1) - الشهاب، ج10، م7، أكتوبر 1931م. (1/90)
صفحة 91
F
تاريخ الجزائر من خلال صحف الشيخ أبي اليقظان
الأستاذ الحاج موسى بن بكير، ابن عمر (1)
مقدمة
بداية أودُّ أن أقول: إنَّه من غير الممكن أبدًا في مقام ضيِّق كهذا أن نحيط بتاريخ الجزائر، من خلال صحف الشيخ إبراهيم أبي اليقظان ( P)، ذلك أنَّ كلَّ جملة مفيدة ممَّا تتضمَّنه صحفه الثماني، التي كانت تصدر ما بين سنتي 1926م و1938م تشكِّل جزءًا من المادَّة التاريخية الضخمة، التي تمكِّن الباحث من إنجاز أبحاث ودراسات، يصعب حصرها، ولا شكَّ أنَّ العديد منها سيسهم في كتابة تاريخ الجزائر.
أقول: هذا في وقت لا تزال إشكالية كتابة تاريخ الجزائر مطروحة:
- هل هي كتابة تحت إشراف رسمي أم هي كتابة مستقلَّة؟
- هل هو تأريخ لجزائر متوسطيَّة في منطقة أوروإفريقية، أم لجزائر عربيَّة مسلمة ذات امتداد أمازيغي؟
- ما مصير ما كتب، ولا يزال يكتب حول تاريخ الجزائر بأقلام المدرسة الاستعمارية الفرنسيَّة، الذي أصبح يعدُّ بالمئات من المؤلَّفات حول الثورة الجزائريَّة لوحدها؟
- ما هي الجهود التي تبذل حاليا - وأكاديميا - حول تأسيس مدرسة تاريخيَّة وطنيَّة جزائريَّة؟
__________
(1) - أستاذ مساعد بالمدرسة العليا للأساتدة ببوزرِّيعة (الجزائر) سابقًا، اشتغل باحثًا في المتحف الوطني للمجاهد بالجزائر العاصمة. (1/91)
صفحة 92
وحسبنا في هذا المقام أن نضع من خلال هذا المصدر التاريخي الهامِّ أهمَّ المعالم التي بها يتجلَّى تصوُّر أكثر وضوحا لتاريخ الجزائر.
1 - الظروف التي ظهرت فيها صحف الشيخ أبي اليقظان
اختلف معاصرو فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى في وصف الحالة العامَّة في الجزائر، فقد شهد بعض الكتَّاب سنة 1925 أنَّ الجزائر كانت نقطة هادئة وسط منطقة هائجة (1)، في حين أنذر آخرون بأنَّها وإن كانت تبدو في حالة ركود إلاَّ أنَّها تتحرَّك في الخفاء؛ ممَّا سيسبِّب قريبا تلاطمات على السطح (2).
لكن مراسل جريدة النيويورك تايمز، التي كانت تعتبر حينئذ من أحسن الجرائد التقاطا للأخبار قلَّل من جدِّية تلك النذر كاتبا: «رغم التقارير المنذرة التي يرسلها بعض المراسلين الصحفيِّين عن توقُّع حدوث اضطرابات ... فإن الجزائر هادئة» (3).
مهما يكن من أمر فإنَّه بالنظر من بعيد، نجد أنَّ عقد العشرينيَّات كان عقدًا حاسما في تاريخ الجزائر؛ فإذا كانت الحرب لم تأتِ بأيِّ حلٍّ للمشكلات الجزائريّة، فإنّ نتائج الحرب قد تركت بصماتها على كلّ مظهر من مظاهر الحياة تقريبا في الجزائر؛ ممَّا كان لهذه الحرب من وقع لا يصعب على الملاحظ تحسّسه. وغالبا ما يشير بعض الكتّاب إلى أنَّ ذلك راجع إلى تأثير الأحزاب الفرنسيّة الراديكالية، والنقابات العماليّة وتنقّلات الجزائريّين إلى فرنسا، إضافة إلى أحداث الشرق الأدنى، ونقاط ويلسون الأربع عشرة والثّورة البلشفية، وانتصار القوميّة في أوروبا (4).
__________
(1) - د. أبوالقاسم سعد الله، الحركة الوطنيّة الجزائرية ج2،ط 4، دار الغرب الإسلامي، بيروت 1992 ص: 283 - 298 / أرلان توينبي، مدخل، 1925،م1، ص:181.
(2) - التايمز، لندن،9، أفريل 1920، ص: 9.
(3) - نيويورك تايمز، ع: 19 أفريل 1925، القسم الثاني، ص: 3.
(4) - أ. جوليان، إفريقيا الشمالية تسير، ص: 108. / بيرنار، إفريقيا الشمالية ... ص: 77 - 79. (1/92)
صفحة 93
إنّ ممَّا يجدر التأكيد عليه، هو أنَّ الانتخابات البلديّة التي جرت بالعاصمة في ديسمبر 1919 شكّلت محطّة إقلاع جديدة في تاريخ الحركة الوطنيّة الجزائريّة، فلقد أفضت من جهة إلى انقسام النخبة إلى اندماجيّين ومناهضين للاندماج، وأدّت من جهة أخرى إلى ظهور زعيم جديد هو الأمير خالد، الذي ساعدته سمعة عائلته على الفوز في هذه الانتخابات، كما كشفت حقيقة الرأي الجزائري الرافض للاندماج.
لكن نفي السلطات الفرنسيّة للأمير خالد أفقد هذا الفريق قوّته الدافعة، وقد أخذ اللّيبراليون منه شعار المساواة في الحقوق والواجبات، بينما أخذ أفكاره الانفصالية نجم شمال إفريقيا الشمالية، الذي ظهر على الساحة سنة 1926م، بمبادرة من جماعة من المهاجرين المغاربة بفرنسا وخصوصا الجزائريّين، وكان معظم أعضائه من العمّال والجنود السابقين، الذين أقاموا بفرنسا طلبا للعمل بعد انتهاء عقودهم مع الخدمة العسكريّة، وقد كان برنامج حركة النجم مشكّلا من مرحلتين:
- ما هو فوري يبنى على أساس المساواة بين الجزائريّين والفرنسيّين- على كلّ المستويات -، وما هو ثوري يرتكز على أساس الاستقلال التام للجزائر وجلاء الجيش الفرنسي منها.
بالرّغم من أنَّ جمعية العلماء المسلمين الجزائريّين قد ولدت رسميًّا في ماي1931م، فإنّ جذورها تعود إلى مطلع القرن العشرين، أي إلى أفكار الشيوخ: الونيسي والبجاوي واطفيّش وابن سماية وابن الموهوب وغيرهم، فلقد شهدت فترة 1919 – 1930م تأسيسا فعليًّا لحركة العلماء المستقلّة؛ بإصدار الصحف وبناء المدارس وإنشاء النوادي الثقافية ونشر التاريخ الوطني إلخ ... , وبذلك فقد كانت الجمعية تنشط خلال العشرينيّات بغير اعتماد.
هكذا فإنّ المستعمرة الهادئة كانت تمرّ على تجربة حاسمة خلال هذا العقد؛ فوقوع الحرب, وظهور الأحزاب والتيّارات السياسية ودخول الأفكار الجديدة كانت مميّزات هذه الفترة (1).
__________
(1) - د. أبو القاسم سعد الله، الحركة الوطنيّة الجزائرية، ج 3، ص: 15 - 17. (1/93)
صفحة 94
لقد اعتبر الفرنسيُّون عام 1930م انطلاقة مرحلة جديدة من الانتصارات في الجزائر، حيث دخلوا القرن الثاني من احتلالها وهم في غمرة من النشوة والزهو، معتقدين بقاءهم فيها إلى الأبد، فرفع الغلاة منهم شعارات معادية للعرب والإسلام واصفين احتلالهم للجزائر؛ افتكاكا لها من الحضارة الإسلامية، وإعادتها إلى الحضارة الرومانية التي ينتسبون إليها، آخذين بقبضة من حديد أزمَّة الأمور، خانقين أنفاس كلّ من سوّلت له نفسه من الجزائريّين محاولة تنظيم سياسي؛ معتبرين ذلك إجراما، وكفرانا بنعمة فرنسا عليهم، أو خيانة وعمالة لدولة أجنبيَّة.
هكذا خنقوا حركة الأمير خالد في مهدها، وحلُّوا حركة نجم شمال إفريقيا، وأجبروا النواب المستقلّين على الانصياع، وأوجدوا من حولهم بطانة لا تعرف إلى المعارضة والرفض سبيلا.
في هذا الفراغ صفا الجوّ للمعمّرين، فغدوا هم السلطة الحقيقيّة في البلاد، يمارسون ضغوطهم على الحاكم العامّ والأجهزة الإدارية والمالية، ويؤثّرون بممثّليهم ودعايتهم وأموالهم في كواليس البرلمان الفرنسي ووسائل الإعلام، وحتّى في الحكومة الفرنسيّة المركزيّة بباريس. غير أنَّ اشتداد الأزمة يحمل بين طيّاته بشائر الانفراج، فلم يكد يسدل ستار الاحتفالات بالذّكرى المئوية للاحتلال حتّى بدأ ميزان القوى يتغيّر لصالح الحركة الوطنيّة، رغم استمرار الضغوط عليها.
فمن جهة تعرّضت فرنسا لأزمة اقتصاديّة حادّة، على غرار أوروبا وأمريكا، ساعدت كثيرا على الكشف عن نقاط ضعفها في المستعمرات، ودخلت بذلك في دوّامات عدم الاستقرار داخليا وخارجيا، ومن جهة أخرى واصلت حركة النجم نشاطها في السرّ، حتّى أعلنت عن نفسها من جديد باسم حزب الشعب الجزائري؛ ابتداء من سنة 1937م، واشتدّ عوده في كلّ من الجزائر وفرنسا، كما شكّل ميلاد جمعية العلماء سنة 1931م ظهور تحوّلات عميقة في الذهنية الوطنيّة، وهزّة عنيفة لكيان المجتمع ومستقبل الأمَّة في الجزائر، بالإضافة إلى جماعة النخبة من النواب وغيرهم، الذين نزعوا إلى الاستقلال بآرائهم تدريجيًّا والإلحاح في مطالبهم وبقوّة (1/94)
صفحة 95
أحيانا؛ لتجسيد المساواة مع الفرنسيّين، وقد تهيكلت حركتهم في أحزاب سياسيّة للضّغط على السلطات الفرنسيّة، ولقد كان لكلّ تيّار وسائله للعمل السياسي والدعائي من جمعيّات وصحافة ونواد، وهكذا تغيّرت واجهة الجزائر السياسية خلال الثلاثينيّات، بالرّغم من ثبات وضع الاستعمار على ضلاله القديم (1).
2 - تصنيف المحتوى:
بإمكاننا أن نصنّف محتوى الصحف اليقظانيّة على غرار كلّ الصحف الصادرة بالجزائر إلى صنفين اثنين:
أوّلهما: يهتمّ بالمسائل التي ليس لها صلة مباشرة بالشّأن الجزائري، وهذا القسم لا يعنينا في موضوع هذا البحث.
ثانيهما: يعنى بالمسائل والأحداث ذات الصلة المباشرة بما كان يجري بالقطر الجزائري وهذا هو موضوع بحثنا.
وينقسم هذا الصنف بدوره إلى قسمين: أحدهما إخباري صرف، يؤِدّي المهمّة الصحفية، التي من أجلها وجدت أيّة صحيفة، ويكتفي بتسجيل الوقائع والأحداث كما هي في الواقع. والغرض من ذلك إعلامي بطبيعة الحال، وذلك بإنارة الرأي العام بما هو جديد على مسرح الأحداث. ويتميّز محتوى هذا الجزء بالجدّة والمسارعة فيه إلى مصادر المعلومات للفوز بالسّبق الصحفي والاحتفاظ بالوفاء للقرّاء.
الواقع أنّه من غير الممكن- في تقديري - أن تتجرّد مادة هذا الصنف من كلّ ميل، وتلتزم الحياد التام، إذ لسنا بحاجة إلى الإشارة بأنّ مجرّد اختيار الأخبار وانتقائها من بين عدّة أخبار، إنّما يندرج ضمن خطّة تعتمدها هذه الصحيفة أو تلك، ويكون غرضها في آخر المطاف تركيز الاهتمام على جملة من القضايا تحتلّ الأولوية عند صاحب الصحيفة، فضلا عن اختيار موقع الخبر في صفحات الجريدة وطريقة عرضه شكلا ومضمونا.
__________
(1) - نفسه. (1/95)
صفحة 96
مثل ذلك مقال نشرته صحيفة (برقية الجزائر) للمسيو (باروكان)، حول موضوع الأهالي والاندماج، تعرّض فيه لمزاعم جماعة النخبة ومطالبتهم بالاندماج، وبيّن في ذلك المقال بأن «الاندماج شيء مستحيل لأنّه لا يعبّر عن رغبة الأهالي ولا الفرنسيِّين» (1) والحقّ ما شهدت به الأعداء، ولقد أعادت "وادي ميزاب" نشر هذا المقال لاتّفاقه مع خطِّها الصحفي.
تزيد الحاجة إلى هذا الأسلوب إلحاحا في ظروف يضيق فيها هامش الحريّة، وتكمّم فيها الأفواه، وتطارد فيها أجهزة الرقابة كلّ من يتجرّأ على تجاوز الهامش المسموح به، مثلما كان واقعا في عهد الاحتلال بالجزائر، وبخاصّة في فترة ما بين الحربين، وهو ما يملي على الوطنيّين اختيار سبل التعامل الحكيم.
من ذلك نذكر النقاش الذي احتدم بين بعض الصحف الفرنسيّة حول الوضع السياسي المتأزّم في الجزائر ومسألة النيابة في البرلمان الفرنسي بالخصوص، وفي مقدّمة هذه الصحف (باري ماتينال) ( Paris Matinal) التي نشرت مقالا مطوّلا حول هذه السياسة الظالمة، ومعارضة المعمّرين لكلّ إصلاح في الجزائر، وكان تحت عنوان «السياسة الأهلية»، وكان متبوعا بعنوان فرعي: «النيابة الأهليّة بالبرلمان»، يصف الحالة التي عليها أبناء البلاد وسيطرة اليهود والأوروبيّين وهم الأقلية، وحرمان الملايين من أي تمثيل في البرلمان، سوى تسعة من النواب يمثّلون في الحقيقة 14رجلا من المعمّرين الذين يسيطرون لوحدهم على ثلاثة ملايير ف. في الجزائر وفق ما جاء في المقال. ولم يكن في وسع صحيفة وادي ميزاب أكثر من نقل هذا المقال الذي يتولّى - دون ركوب الأهوال- التعبير عن موقف الصحيفة والوفاء بالغرض (2).
أمَّا القسم الثاني فهو إعلامي توجيهي يستهدف صناعة الرأي العام؛ بتبنِّي أفكار معيَّنة تندرج ضمن الخطِّ الذي التزمت به الصحيفة، وتناضل من أجله هيئة تحريرها.
__________
(1) - وادي ميزاب، عدد: 70 (12/ 02/1928).
(2) - وادي ميزاب، عدد: 66 (20/ 01 /1928). (1/96)
صفحة 97
ورغم أنَّ كِلا القسمين يشترك في مضمون المحاور الثلاثة المذكورة، إلاَّ أنَّ ذلك لا يعني أنّهما متّفقان في كيفية تناولهما لهذه المحاور، إذ يوفّر الأوّل مادة تاريخية خاما، ومصدرا مجرّدا لمعلومات يمكن أن تسهم بقسط كبير في كتابة تاريخ الجزائر المعاصر، على غرار المصادر التاريخية الأخرى. وبقدر ما تجتهد هذه الصحيفة أو تلك في التقرّب من مصادر الخبر، وتوخّي الحقيقة، وتحرّي الصدق، وتجنّب التسفّل والتشهير والقذف المغرض، واستبعاد الأقلام المرتزقة الرخيصة، بقدر ما تقترب مادّتها الإعلامية من الثقة والمصداقية التي تنشدها الأبحاث التاريخيّة.
والحقّ أنَّ الشيخ أبا اليقظان ظلّ في جميع كتاباته الصحفية شاهرًا سلاحيْ الصدق والصراحة، وكانا السبب المباشر لمنع صحفه الثماني من الصدور، وسقوطها واحدة تلو الأخرى شهيدة الواجب.
هاهو ذا يتحدَّث عن موقفه هذا بقوله: «لا يكبر أمامي عند كتابة موضوع ما أيّ شخصية لأيّ رجل، بل أتّخذ الحقّ فيها رائدي، وإصابة كبد الحقيقة والواقع هدفي الأسمى، ومسلكي في ذلك هو مسلك القرآن تقريبا، الصراحة والصدع بالحقّ قدر الإمكان، سيما إذا كان أمامي ما أنا أعالجه من إلحاد أو خيانة أو مروق من الدين، أو فسوق أو تهتّك في الأعراض ... » (1).
مثلما آلَ الشيخ أبو اليقظان على نفسه بهذا الالتزام، فإنّه كان يوصي الكتّاب في صحفه بذلك كشرط لنشر مقالاتهم. ومن ذلك وصيّته إليهم «ليتحرّوا الحكمة والنزاهة والاعتدال، وأن يتجنّبوا الأشخاص والشخصيات والمناقشات الفارغة، وأن يترفّعوا عن مواء القطط، وعواء الذئاب، وهرير الكلاب، ( ... ) فالتّسرّع في النقد والتعجل بالحكم مضرّ، وكذلك إساءة الظنّ، دون احتمال الوجوه الحسنة لها». ويؤكّد أبو اليقظان بأنّ «الإنسان قد يخطئ، وسبحانه المنزَّه
__________
(1) - صحف أبي اليقظان مخ، ص: 120 /د. محمد ناصر، أبو اليقظان وجهاد الكلمة، (ش و ن ت)، الجزائر، 1980. (1/97)
صفحة 98
عن الخطأ والزلل، إلاَّ أنَّ حسن النيّة ونبل المقصد يشفعان للصحافيين لدى أولي المروءة والإنصاف» (1).
ويعرض القسم الثاني ذو الطابع الإعلامي والتوجيهي أفكارًا مطعَّمة بآراء مدروسة تخدم خطَّ الصحيفة، وملبّسة بالتّجارب الإنسانيّة وتراكمات التراث عبر التاريخ. ويمكن جدولة محتوى هذا القسم في ثلاثة محاور أساسيَّة:
1 - عرض السياسة الفرنسيّة في الجزائر وكشف خططها الاستيطانية.
2 - الاهتمام بمسيرة الحركة الوطنيّة بألوانها وتيّاراتها وجوانبها المختلفة.
3 - وصف أحوال البلاد الجزائريّة، ومعالجة أبرز القضايا المحليّة.
إنَّ كلَّ محور من هذه المحاور الثلاثة يتضمَّن مادة تاريخيَّة غزيرة. ويتطلَّب كلّ واحد منها لوحده تحليلا مستفيضا، وتجنّبا للإطالة في هذا المقام، فإنّنا سنفرد لها - بإذن الله - دراسة خاصّة.
بوسعنا تناول مادة هذا القسم في شطرين، يتميَّز الأوَّل بتوظيف ما توصَّل إليه الفكر الإنساني من اجتهادات وآراء ونظريَّات في الفقه والفلسفة والقانون، وقد يقيِّض الله لهذه المادة الدسمة من أهل الاختصاص من يتولَّى أمرها بالدِّراسة والتحليل في مستقبل الأيَّام.
أما شطره الثاني فيعنى باستثماره تراكمات تجارب التاريخ في محطَّاته المختلفة، عبر العصور لأغراضه التوجيهية وذلك من خلال:
1 - التحليلات الصحفية للأحداث القائمة وربطها بأحداث الماضي؛ قصد المقارنة والاعتبار. فمثلا في افتتاحيّة الذكرى الأولى لصحيفة وادي ميزاب يغتنم الشيخ أبو اليقظان هذه الفرصة لإعطاء ومضة تاريخيّة، تحيي النفوس وتوقظ
__________
(1) - الأمَّة، ع: 101 ليوم 19/ 11/1935.الزّبير سيف الإسلام، تاريخ الصحافة في الجزائر، ج6، ص104 - 105. (1/98)
صفحة 99
الضمائر حين يقول: «لقد أظهرت جريدة وادي ميزاب أمّة ماجدة كانت اندثرت رسومها، وعفت معالمها بين مطاوي التاريخ، وقد كانت لعبت دورها العظيم في شمال إفريقيا» (1).
مثال ذلك أيضا في مقال في ذات الصحيفة، يتعرّض إلى انتماء الجزائر إلى الأمَّة الإسلامية، يوظّف فيه الكاتب الكبير عثمان الكعّاك التاريخ «ليؤكد بأنّها (الجزائر) كانت من أكبر الأعضاء عملا في جسد الأمَّة الإسلامية وليست هي من الأقوام الفطريّين، الذين لا يزالون يعيشون عيشة القدماء، بل أنَّ الجزائر تقلّبت في أدوار حضاريّة جديرة بكلّ اعتبار؛ أخذت الحضارة عن مصر، ومارست (التّقنين) عن الإغريق، وفحصت حضارة الرومان من البداية إلى النهاية، وكانت تحمل الرقيّ في العهد الإسلامي. فخليق بأمّة كهذه أن لا تنقاد إلى دافع اليأس، ولا تخنع لسلطان الفشل ... ». ثمَّ يسترسل الكاتب في اقتراح الحلول التي ينبغي للجزائر أن تلتمسها حتّى تنهض من كبوتها، وتعداد الشروط التي تحققّ بها نهضتها (2).
2 - التحقيقات الميدانية للمواقع التاريخية واستنطاق أطلالها: فعلى خلاف بعض المفتونين من أبناء الجزائر الذين ادّعوا غياب أيّ دليل على وجود الأمَّة الجزائرية، كان الشيخ أبو اليقظان يستنطق الأطلال والشواهد القديمة، من حضارة الجزائر لدحض دعاوى الذين يهرفون بما لا يعرفون. ومثال ذلك التحقيق الذي نشرته صحيفة الأمَّة، والذي كتبه الشيخ أبو اليقظان بقلمه، عقب رحلة قام بها إلى مدينة تيارت، رفقة بعض أصدقائه بحثا عن التاريخ: «فتلونا (يكتب الشيخ أبو اليقظان) آيات العبر والذكرى من سطور تلك الآثار الخالدة خلود الدهر، واستوحينا منها ما كان للأجداد الأبرار، أئمّة بني رستم من عظمة وخلود، وما أقاموه من عدل، وبسطوه من راحة وأمن، وشيّدوه من حضارة مدنيّة وعمران». ثمَّ يسترسل في ذكر المواقع والأطلال، مستنطقا إيّاها عن أخبار الأئمّة
__________
(1) - وادي ميزاب، ع: 52 (70/ 10/1927).
(2) - وادي ميزاب، ع: 2 (8/ 10/ 1926). (1/99)
صفحة 100
والأصحاب، لتدلي بشهادتها للتّاريخ، شاعرا تارة وناثرا تارة أخرى. وهكذا يخاطب حصن تاهرت:
ألستَ أنتَ ذائدًا عن حمى تاهرتَ رغم كلِّ أنفِ عَذُول
يرتدُّ عنها خاسئًا حاسرًا كلُّ ظلومٍ منكَ حين تصول
هل لكَ أن تحكِي مَا جَرَى فوقَ أديمِ نجدِهِم والسهول
وبمثل ذلك يستنطق الشيخ أبو اليقظان ”عين السلطان“ و”جبل سوفجَّج“ كأهمِّ معلَميْن بقيا شاهديْن على تاريخ تاهرت والحضارة الإسلامية الرستميَّة في القرن الثاني الهجري (1). وتحت عنوان «تلك آثارنا تدلُّ علينا» كانت لجريدة الأمَّة أيضا وقفة أخرى على أطلال سدراتة، التي غمرتها الرمال فكانت بذلك آثارها أوفر حظًّا وخيرًا حفظا (2).
3 - التراجم والدراسات التاريخية: لقد أولت الصحافة اليقظانية أهميَّة كبيرة لسيرة الزعماء والعظماء في العالم الإسلامي، الذين وقفوا حياتهم في خدمة الأمَّة، فرفعت نُزلهم وعرّفت بأعمالهم وإنجازاتهم، وحثّت الأمَّة على تكريمهم وإجابة دعواتهم واقتفاء آثارهم. ويتضاعف اهتمام صحف أبي اليقظان بهذه الفئة من الأمَّة عندما تفجع هذه الأخيرة بوفاة أحدهم، فتتكرّر الكتابات تلو الكتابات حوله، تعدّد مناقبه وأفضاله على الأمَّة والمجتمع.
تختلف هذه الكتابات من حيث الشكل نثرًا وشعرًا، ومن حيث المضمون رثاء وتأبينا، ومن حيث الكمّ، حيث يتراوح ذلك من مجرَّد مقال في صفحة من صفحات الجريدة، إلى تخصيص عدد كامل وأزيد، مثلما حظي به المجاهد الحاج بكير العنق (3)، ولا يخفى على الملاحظ قصد الاقتداء والائتساء في هذه المقالات من هذه النماذج التي ضربت أروع الأمثلة في التضحية والإخلاص.
__________
(1) - الزبير سيف الإسلام، المصدر السابق، ص: 171 - 174.
(2) - الأمَّة، ع: 153/ 1/2/ 38، وع: 154/ 9/2/ 38، وع: 155/ 22/2/ 38، وع: 156/ 1/3/ 1938.
(3) - الأمَّة، ع:17 (15/ 01/1935)، وع:18 (19/ 01/1935)، وع: 20 الخاصّ بتأبين الفقيد الحاج بكير العنق وغيرها. (1/100)
صفحة 101
وتنطوي صحف أبي اليقظان التي غطَّت فترة 1926 - 1938 على عديد من الأعمال والإنجازات التي حفلت بها حياة بعض العظماء والمخلصين، ومن هؤلاء نذكر بعض أعلام الجزائر أمثال الأمير خالد (1) والشيخ عبد الحميد بن باديس، والشيخ الحاج إبراهيم بن يحي (2) والشيخ الحاج يحي بن صالح (3) وغيرهم.
ومن أهمِّ ما نشرته الصحافة اليقظانيّة كذلك المقالات التي تعالج مواضيع تاريخيّة بحتة، وتتّسم بعض هذه الدراسات بالعمق والطول، حيث تعالج الموضوع معالجة علميّة منهجيّة، بعد تحليله إلى عناصره الأساسيّة، التي تستهلّها عناوين فرعية، فتتسلسل في سياق زمني ومنطقي، وغالبا ما تسترسل هذه الأبحاث على شكل حلقات تتتابع في عدّة أعداد من الصحيفة.
ولعلّ أحسن نموذج في هذا الشأن هي تلك الدراسة التي نشرتها صحيفة وادي ميزاب (4)، تناولت تاريخ الرستميِّين، وعالج فيها الكاتب عدَّة عناصر، منها تأسيس الإمامة وطبيعة نظامها الإداري، كما تعرَّض فيها إلى مقوِّمات الدولة، مثل القضاء والاقتصاد والعمران، إضافة إلى عرض سيرة الأئمّة وأخبارهم، وغيرها من العناصر المهمّة التي تضيء صفحة من صفحات تاريخ الجزائر الناصعة.
وليس من نافلة القول الإشارة في الأخير إلى أنَّ هذا الاستثمار للتّاريخ، إنّما يندرج في إطار السياسة الثقافية والتربوية التي انتهجها العلماء المسلمون الجزائريّون، منذ أواخر العقد الثاني من القرن العشرين، وذلك باعتماد عدّة وسائل لتبليغ رسالتهم الحضاريّة إلى الأمَّة، ومنها نشر التاريخ الجزائري بأسلوب تربوي هادف وواع لمواجهة أساليب التشويه والمسخ، التي انتهجتها المدرسة الاستعمارية منذ
__________
(1) - الأمَّة، ع:63 (18/ 02/1936)
(2) - الأمَّة، ع:108 (2 0/ 02/1937).
(3) - الفرقان، ع:02 (12/ 07/1938)، وع:3 (19/ 07/1938).
(4) - وادي ميزاب، ع:6 (5/ 11/1926)، وع:8 (19/ 11/26)، وع:12 (17/ 12/26)، وع:16 (14/ 1/27)، وع:20 (20/ 02/27)، وع:24 (18/ 3/1927). (1/101)
صفحة 102
بداية الاحتلال، ومن هؤلاء الكتّاب نذكر الشيخ مبارك الميلي، والشيخ توفيق المدني، والشيخ عبد الرحمن الجيلالي، والشيخ محمد علي دبّوز.
3 - مدرسة الشيخ أبي اليقظان الفكريّة
لقد شكَّلت الصحافة اليقظانيّة قناة هامّة لتواصل المهتمّين بشؤون الجزائر عامّة، والحركة الوطنيّة على وجه الخصوص، حتّى غدت منبرا داعما للأصوات المعادية للاحتلال، ونخصّ بالذّكر منها تيّارين رئيسيّين: هما الحركة الإصلاحية والحركة الراديكالية.
فبالرّغم من أنَّ الشيخ أبا اليقظان كان محسوبا في الحركة الإصلاحية الجزائريّة، حتّى قبل الثلاثينيَّات من القرن العشرين، وتأكّد ذلك وتعزّز بتعيينه عضوا في إدارة جمعية العلماء المسلمين الجزائريّين، التي تأسّست سنة1931م (1)، إلاَّ أنَّ خطّ صحفه يعتبر التيّار الوطني الإصلاحي والتيّار الوطني الراديكالي وجهين لعملة واحدة، متكاملين في برامجهما، ويشتركان في معاداتهما للوجود الاستيطاني.
ويجدر القول بأنّ الشيخ أبا اليقظان لا يراعي كثيرا بريق الأسماء ومظاهرها، بقدر ما يهتمّ بالمسمّيات ومضمونها، فالقاسم المشترك بين كلّ الجزائريّين المخلصين هي الوطنيّة الحقّة، التي لا يراها في تعديل القوام وتحسين الهندام «إنّما الوطنيّة (عنده) شرارة ناريّة، يقذفها الله في النفس، فيلتهب بها الدماغ، وترسل أشعّة نورها إلى القلب فتحرّك حرارتها الأعضاء، وتنير الأشعّة الساطعة أمامها سبيل العمل، إنّما الوطنيّة الحقّة أن يسعى الإنسان قدر جهده لجلب الخير العميم لوطنه، ودفع الضرر عنه، بمقتضى العقل والحكمة والشرع والقانون. أنَّ الوطنيّة الحقّة أن يفنى الإنسان في مصلحة العموم لا مصلحة الذات، ويضحّي بهذه لأجل تلك. إن الوطنيّة الحقّة أن يشقى الإنسان ليسعد وطنه، ويذلّ ليعزّ، ويفقر ليستغني ويموت ليحيى» (2).
__________
(1) - محمد علي دبوز، أعلام ا لإصلاح في الجزائر، ج3، دار البعث قسنطينة، ص: 159.
(2) - وادي ميزاب. (1/102)
صفحة 103
من هنا نجد الشيخ أبا اليقظان في صحفه يرافع من أجل قضايا حزب الشعب الجزائري، ذي النزعة الاستقلاليّة الصريحة، تماما مثلما يدافع عن قضايا جمعية العلماء الإصلاحيّة، حتّى أنَّ بعض الكتّاب لاحظ تحوّلا في جريدة الأمَّة «من جريدة ذات اتّجاه مناصر لجمعية العلماء المسلمين الجزائريّين إلى جريدة تدافع عن برنامج حزب الشعب» (1).
وقد أرجع ذلك إلى الموقف الذي وقفه زعماء حركة النجم - التي ستؤول فيما بعد إلى حزب الشعب الجزائري - من المؤتمر الإسلامي، الذي انعقد بالجزائر عام 1936م، ومن مطالب وفده إلى الحكومة الفرنسيّة، حيث كانت هذه الحركة تعتبر هذه المطالب إدماجا للجزائر في حظيرة الشعب الفرنسي، في حين كانت تطالب هي باستقلال البلاد. وقد حذّر الشيخ أبو اليقظان بدوره وفد المؤتمر عند ذهابه إلى باريس، في مقال له من أن ينزلقوا في هوّة الاندماج (2). بالإضافة إلى موقف صحيفته "الأمَّة" من حجز السلطات الفرنسية لجريدة "الشّعب"في عددها الأوّل، وهي لسان حال حزب الشعب الجزائري (3).
لعلَّ الأصوب في هذا الشأن، هو ما يتميّز به الشيخ أبو اليقظان من وضوح الرؤية لحقيقة النضال، الذي يتبلور من خلال ثبات المبدأ وسموّ الغاية، ولا بأس بعد ذلك من أن تختلف المناهج.
مجمل القول: فقد كان مفهوم النضال الصحفي لدى الشيخ أبي اليقظان شاملا لكلّ مجالات حياة الإنسان الجزائري، السياسية منها والتربوية والاجتماعية والاقتصادية، فهي عنده بمثابة جبهات المقاومة وما تتطلّبه من توحيد كلّ الجهود وتنسيقها للظّفر بأسمى الغايات.
__________
(1) - الزبير سيف الإسلام، تاريخ الصحافة في الجزائر، ج6، (ش و ن ت) الجزائر1985، ص: 126.
(2) - الأمَّة، ع: 82 (21/ 07/ 1936).
(3) - الأمَّة، ع: 140 ص3 (19/ 10/1937). (1/103)
صفحة 104
إضافة إلى أنّه كان يراهن من خلال نشاطه الصحفي على نشر فضائل العلم والعمل والاتّحاد والاعتماد على النفس، والوطنيّة والإخلاص للحقّ والصدق والثّبات إلخ ... (1).
بالمختصر المفيد فإنَّ الشيخ أبا اليقظان ينتسب إلى مدرسة التوحيد الفكرية: توحيد لله، فلا دجل ولا بدع ولا اختلاق، وتوحيد للأمَّة، فلا مِلَل ولا شِيَع ولا افتراق.
خاتمة
تظلُّ المادة التاريخية التي تبطنها الصحافة الوطنيّة الجزائريّة - التي كانت تصدر أثناء الاحتلال الفرنسي، ومنها على الخصوص صحافة الشيخ أبي اليقظان ( P) - هي المنهل الذي سيسهم بقسط وافر في قراءة تاريخ الجزائر قراءة جديدة، وكتابته بأقلام جزائريَّة أصيلة، وذلك بالنظر إلى تكاثر الكتابات والتآليف، التي خلَّفتها المدرسة الاستعمارية في هذا الشأن، وبالنَّظر إلى شحِّ المصادر الوطنيَّة، والصعوبات التي تقف دون استثمارها، بحكم تشتُّتها وتناثرها في عدَّة نقاط، داخل الجزائر وخارجها من جهة، وبحكم عدم تصنيفها ومعالجتها معالجة توثيقية من جهة ثانية.
ولا شكَّ أنَّ ذلك سيساعد في حلِّ العديد من الإشكاليات المطروحة على بساط البحث في الجزائر، مثل إشكالية المصطلحات والمفاهيم وإشكالية المصادر، وغيرهما ممَّا لا يزال يقف عائقا أمام تأسيس مدرسة تاريخيَّة وطنيَّة أصيلة.
وسيبقى الشيخ أبو اليقظان - بحقٍّ - عميد الصحافة الوطنيَّة؛ باستماتته وإخلاصه في نضاله الصحفي، وبأصالة روحه الإسلامية الطاهرة، وبإشعاع فكره الوحدوي البنَّاء.
__________
(1) - جريدة المنير لـ 14/ 10/ 1920. (1/104)
صفحة 105
F
محطات فكرية في صحافة الشيخ أبي اليقظان
الدكتور محمد زغينة (1)
إنَّ أبا اليقظان أديب ومفكِّر وعى حركة الفكر الحديث وصراعه في المجتمع، فدعا إلى الفعالية والاتِّحاد والتمسُّك بالأصاملة والتفتُّح على المعاصرة بأساليب الحياة؛ لتحصين الأمَّة بموروثها الحضاري الإيماني والعلمي والعملي والاتحادي؛ لأنَّه استنتج بأنَّ الرأي العام لهذه الأمَّة فاسد، والجهل فيها سائد، وسوق الرياء والكذب والمداجاة رائجة، ممَّا جعل الشرَّ متقبَّلا بينها، فإذا هذه الأمَّة تنشط فيها مشاريع الغواية والفساد والترف، ويحارب فيها كلُّ ما هو خير، وهذه النظرة التصورية العامَّة استنتجها من خلال ملاحظاته، ضاربا أمثلة على ذلك، تتمثّل في:
أ- إنَّ أمّة ينشط فيها عشرات المصلحين زمنا طويلا، ثمَّ يأتي مشعوذ واحد فترقص لشعوذته، لأُمَّة فسد رأيها.
ب- إنَّ أمَّة لا يباع فيها كتاب علمي، بينما تباع فيها قرعة الأنبياء، وقرعة الطيور، وحرز مرجانة، لأمَّة رأيها فاسد.
ج- إنَّ أمَّة لا تعيش إلاَّ على الدسائس وقلب الحقائق لأمَّة رأيها فاسد.
د- إنَّ أمَّة تسخر من مصلحيها، وتضطهدهم وتكفِّرهم، وتنسب إليهم كلَّ ما يشوِّه سمعتهم لأمَّة رأيها فاسد.
و- إنَّ أمَّة شريعتها التقلُّب لأمَّة رأيها فاسد.
ز- إنَّ أمَّة أصيبت في إيمانها الصادق، وشعورها النامي، وإحساسها الفائق، ولم يكن للحقِّ فيها كلمة مسموعة، ولا للعلم قيمة، ولا للفضل منزلة، ولا
__________
(1) - أستاذ بقسم اللّغة العربيّة وآدابها، جامعة الحاج الأخضر، باتنة, توفيّ في شهر ديسمبر 2008م. (1/105)
صفحة 106
لأصحاب الحقِّ مقام، وكان المقام الأوَّل للباطل والمكانة الرفيعة لذوي المال والوجاهة والمظاهر الخلاَّبة فهي أمَّة مريضة (1).
من خلال هذه الملاحظات طرح أبو اليقظان إشكالية كبرى للإصلاح؛ هذه الإشكالية تستلزم من المصلح فهم المجتمع، ومعرفة رأيه العام، وأهمّ عوامل انحرافه وسقوطه، لأنَّ هذا المجتمع الذي لاحظه أبو اليقظان أصبح تربة صالحة لكلِّ ما هو دخيل؛ لأنَّ أبا اليقظان رأى بأنَّ الحقَّ صعب التقبُّل، والشرَّ سريع التقبُّل من طرف المتلقِّي. يقول: «يقوم العشرات من الدعاة المصلحين في وسط يدعون إلى الخير والإصلاح عشرات السنين؛ لما أوتوا من قوَّة وبيان، ثمَّ يقوم في ذلك الوسط نفسه مشعوذٌ واحد يدعو إلى دعوة زائفة شيطانيَّة، فسرعان ما يتأثَّر به ذلك الوسط، ويتناسى كلَّ ما مرَّ على سمعه وبصره من الآيات والعبر» (2).
لذا رأى أبو اليقظان أنّه لا يمكن أن يستقيم الظلّ والعود أعوج؛ إذ يجب إعادة النظر في الطرق التي يعتمدها المصلحون وتصحيح التفكير؛ لأنّ طريقة التفكير هي الأساس، سواء بالنّسبة للدّعاة أم لأفراد الشعب. وبذلك لابدّ من تكوين رأي جديد يقف على أرض صلبة (3)، وهذا التكوين حسب رأيه يكون بغرس الفكر الصحيح في التربة الصحيحة بالتّعليم الصحيح، وإشراب النفس الأخلاق الفاضلة والتعاليم السامية، وهذا لا يكون إلاَّ إذا تحمّلت الأمَّة مرارة النصح والإرشاد وإقصاء العابثين والدجاجلة، وعدم إقرارهم على ما هم عليه من أباطيل وأراجيف (4).
لبناء هذه الأمَّة بمثل هذا التصوّر استلزم منه أن يقف وقفات فكرية هامّة، يمكن أن نختصر أهمّها في هذه المحطات:
__________
(1) - ينظر: أبو اليقظان، وادي ميزاب، ع: 87 (15/ 6/ 1928).
(2) - أبو اليقظان، وادي ميزاب، ع: 87 (15/ 6/ 1928).
(3) - ينظر: المصدر نفسه.
(4) - ينظر: المصدر نفسه. (1/106)
صفحة 107
1 - إخفاق الفكرة يؤدي إلى إخفاق رموزها:
إنَّ سقوط المسلمين ميدانيا أدّى بهم إلى الانهزام حضاريا؛ بحيث أصبحوا رهينة لمدارس الغرب المخابراتية التي قولبت أبناءهم وفق المخطّط الصهيوني الصليبي. يقول أبو اليقظان: فكانت «تلك التي تقذفها المدارس والكليّات والجامعات الأوروبيّة من أبناء المسلمين ... يلعنون الإسلام ويتبرّؤون من القرآن وينتقصون تشريعه وأحكامه» (1).
بذلك أصبحوا أعداء لوطنهم، وتخلّقوا بأخلاق الغرب مدّعين لأنفسهم الحريّة المطلقة في التهتّك والخلاعة والمجون، فيجاهرون بالفسوق ويعاقرون الخمور ويلازمون موائد القمار (2). وبذلك تجذّرت الأفكار الغربية في العالم العربي الإسلامي وضرب الاستعمار بجيرانه في الأرض عن طريق غسل الأمخاخ بتعليم «قوامه إعلاء مجد أوروبا وإحياء عظمتها ونشر لغتها وإتقان آدابها» (3). وبخاصّة من «أغرار الشباب من المسلمين الذين كانت ترنو إليهم بلادهم بعين الأمل والرجاء، ... فأصبحوا رسلا وطلائع لنشر ثقافتها ومزرعة حصينة لبذر بذورها» (4).
بل تعدّى الأمر إلى أنّهم «يسخرون من تاريخ الإسلام وعظماء الإسلام وأزياء الإسلام، ويعافون اللّغة العربية ويهجرونها ويخجلون من التخاطب بها ويأنفون من واجبات الإسلام وبكلّ ما له علاقة بالدّين» (5)، وبذلك نشر هؤلاء كلّ مذمّة في بلاد الإسلام، وأعلنوا الحرب على كلّ شعارات الإسلام وأزياء المسلمين، وتلك قمّة الحرب النفسيّة التي أعلنت على الأمَّة الإسلامية من قبل أبناء الأمَّة نفسها.
__________
(1) - أبو اليقظان، الأمَّة، ع: 119 (27/ 04 /1937).
(2) - ينظر: المصدر نفسه.
(3) - المصدر نفسه.
(4) - أبو اليقظان، وادي ميزاب، ع: 17 (21/ 01/ 1927).
(5) - أبو اليقظان، وادي ميزاب، ع: 119 (01/ 02/1929). (1/107)
صفحة 108
يقول أبو اليقظان عن هذه الفكرة: «ألم أقل لك: دع كلّ ذا برنوس، دع عنك المسلم ... ترافاي آراب» (1).
الملاحظ أنَّ هذه الفكرة من أهمِّ أفكار أبي اليقظان التي آمن بها، وحلَّلها في معظم مقالاته السياسيَّة والاجتماعيَّة، والتي تتمثّل في أنَّ إخفاق الفكرة، يؤدّي إلى إخفاق رموزها، وهي من الأفكار التي ناقشها مالك بن نبي بعد ذلك في كتبه الحضاريَّة (2).
فإخفاق الفكرة أدَّى بالمستعمر إلى إرسال هؤلاء «إلى قلب التشريع الإسلامي، وتحوير نظمه باسم التمدّن، ومقتضيات الحضارة» (3). وبذلك يرى أبو اليقظان بأنَّ إخفاق الفكرة أدَّى أيضا إلى خراب الأمَّة الإسلامية وانحطاطها. يقول: «هل تجد لتلك الأسقام من سبب غير المسلم الذي هو العين والمعين، وهو اليد وهو الرجل، وهو الظهر وهو وهو ... وهل البلاء النازل على عموم المسلمين والمصائب المتساقطة على رؤوسهم، كانت من غير عين مسلمة ويد مسلمة، ونفس مسلمة» (4).
فإخفاق الفكرة أدَّى إلى تقويض الأمَّة لنفسها بنفسها. وهذه الفكرة طبَّقها على معظم ما كتب.
2 - عزل المكافح وتحويله عن مبادئه:
هذا مبدأ من أهمِّ المبادئ النفسيَّة التي يستخدمها الاستعمار وأذنابه من المشعوذين والقابلين للاستعمار: «فهم كالّلصوص لا يعيشون إلاَّ في الظلام،
__________
(1) - ينظر: مالك بن نبي، وجهة العالم الإسلامي، تر: عبد الصبور شاهين، دار الفكر، لبنان، 1981.
(2) - ينظر أبو اليقظان، وادي ميزاب، ع: 88 (22/ 06/1928).
(3) - ينظر أبو اليقظان، وادي ميزاب، ع: 88 (22/ 06/1928).
(4) - ينظر أبو اليقظان، البستان " علّة الفولة من جنبها "، ع: (10/ 11/1933). (1/108)
صفحة 109
يستشعرون فيه بساطة القوم وسذاجتهم، فيكذبون ويقلبون الحقائق ويقاطعون طرق الإصلاح، ويشوِّهون سمعة المصلحين، كلُّ ذلك بعنوان الصدق وقصد الخير والصلاح وقمع الفساد، فيصدّقهم أولئك المساكين ويهرولون وراءهم؛ ظانّين أنّهم إنّما يجرون إلى مثلهم الأعلى» (1).
وبذلك يستطيعون أن يبعدوا المناضل والمجاهد الحقيقي عن الساحة، ومن ثمَّ يتباهون باقتراف الجرائم والموبقات، فآل الأمر إلى أن كان العفيف المنكِر لذلك كأنَّما هو الجاني، وأنَّ ذلك الجاني الفاجر هو الرجل المصلح الشجاع، وأنَّ الصمت عن هذه الفعلة الشنعاء هو من السياسة والكياسة (2).
ويروح أبو اليقظان مبيّنا كيفية عزل المكافح عن ميدانه، وما ينجرّ عنه من الصمت، وبخاصَّة من قبل علماء السلطة، يقول: «يناقش العلماء ويتبارى الخطباء في فنون الكلام وشتَّى المواضيع، ولكنهم غالبا لا يحومون حول هذا الموضوع كأنَّهم يرونه أمرًا عاديا، والدخول فيه فضولا ومصادمة للرّأي العام (3). ولذلك يقول متهكّمًا على لسان هؤلاء الجَهَلة: «إنّك تعلم يا أخي فساد هذا الزمان، وفساد نيّات أهله وخبث نفوسهم وفساد قلوبهم ومرض ضمائرهم، فيجب عليك أن تأخذ حِذرك منهم، وأن تتوارى عن عيونهم ولا ترى وجوههم ولا يروا وجهك» (4).
بل إنَّ الأمر يتعدّى إلى مناصرة المفسدين وأعوان الاستعمار وأذنابهم. يقول أبو اليقظان: «تقع الخصومة بين مُحقّ ومبطل، وقد ظهر فيها الحقّ من الباطل عيانا، وعوض أن يناصروا المحقّ على المبطل، فإنّهم بالعكس يتحامون على المحقّ،
__________
(1) - أبو اليقظان، وادي ميزاب، ع: 94 (03/ 08/1928).
(2) - أبو اليقظان، وادي ميزاب، ع: 93 (27/ 07/1928).
(3) - المصدر السابق.
(4) - أبو اليقظان، البستان، ع: 7 (13/ 06/1933). (1/109)
صفحة 110
ويناصرون المبطل ما وجدوا لذلك سبيلا، وإلاَّ أنزلوهما في مستوى واحد وسوَّوا بينهما؛ أمَّا أن يقولوا للمبطل مبطلا، ويكفُّوه عن باطله فهذا ممَّا ليس في عرفهم» (1).
هكذا يبيِّن أبو اليقظان بأنَّ الأمَّة أصبحت قابلة للباطل وهذا من أكبر ما وصل إليه السقوط الحضاري من المسخ والانحراف، وكلُّ ذلك لأنَّ العدوَّ عزل المصلح بكل الوسائل وأصبح في نظر المجتمع مفسدا. يقول: «ومن العار الفظيع أن يهيم المبطل في أودية أباطيله، ولا تتحرَّك منكم شفة، ولا ينبض منكم عرق، ولا يفور منكم إحساس، وإذا قام أحد لدحض باطله وإحياء الحقِّ قمتم في وجهه قومة عنتر أمام أخصامه، لعرقلة أعماله، وإبطال مساعيه فكممتم فمه، وكسرتم قلمه، وقيّدتم يده، وأمسكتم عنه كلَّ قوَّة» (2).
هكذا استطاع المستعمر عن طريق عزل المكافح عن ميدانه، وعن طريق القصف والمسخ وسياسة التجويع والتطويع وإيجاد الأذناب إلى إسكات بعض العلماء، فأغرى من أغرى وكمَّم فم من حاول أن يجهر بالحقِّ، وأن يقف أمام هذا المخطَّط الجهنَّمي. يقول أبو اليقظان: «وعلماء المسلمين يلجمون بلجام الصمت والسكوت، ينزوون في قعر بيوتهم مرتدين رداء الجمود والخمول؛ جُبنا أو طمعا في لقب أو مرتّب أو وظيف» (3). بهذا استطاع المستعمر أن يعزل المصلحين المكافحين، ويمكِّنَ لقيادات مفبركة، فغرس فيها ما لا يمكن قلعه قبل قرون.
هذه الحرب الاستبدادية أدّت بالعامّة إلى الانزواء والانكماش والجمود وفساد الرأي، ممَّا قيّد الألسنة، وأبكم الأفواه وجفّف الرؤوس، فامتلأت الأمخاخ هَوَسًا ووسوسة، فأصبح المجتمع مشلولا جامدا، شعاره الجبن والخوَر،
__________
(1) - أبو اليقظان، وادي ميزاب، ع: 87 (15/ 06/1928).
(2) - أبو اليقظان، وادي ميزاب، ع: 32 (20/ 05/1927).
(3) - أبو اليقظان، وادي ميزاب، ع: 17 (21/ 01/1927). (1/110)
صفحة 111
ودثاره السكوت والصمت، ورائده الإياس والقنوط، وسار بعض العلماء على منواله، فاتّخذهم معظم الناس حجّة على أحقيّة تلك الحالة المحزنة فماتوا لموته (1).
نتيجة لهذه الحرب النفسيّة، فقد أخرجت لنا الأمَّة «صفوفا وصفوفا من المخنَّثين والخلعاء الماجنين، ولم تزدها نارها إلاَّ ميوعة» (2). وكانت النتيجة أن باع هؤلاء «قوميتهم وبلادهم ويرضون لها بحياة العبودية والذلّ والسقوط، ولأعدائها بحياة العزَّة والسيادة، ويقتنع لنفسه معيشة الذلِّ» (3).
3 - الفكر المؤسَّساتي:
آمن أبو اليقظان بالفكر المؤسَّساتي، وكتب عنه يقول: «نحن معاشر المسلمين قد أصبنا بمرض التواكل والاعتماد في جليل أحوالنا وحقيرها على الغير، نحيا حياة الأفراد، ولا نكترث بالحياة العموميّة والمؤسّسات العامّة، حتّى إذا مات أحدنا ماتت مؤسّساته معه، واكتفينا في فقدانه بقولنا: ثغرة لا تسدُّ إلى يوم القيامة» (4).
إنَّ الفكر المؤسّساتي عند أبي اليقظان سبيل من سبل تربية الأمة، ووسيلة لإيجاد رأسمال جزائري ليكون ذخرا للأمَّة، وقوّة دافعة لها نحو التقدُّم، وحافظا لها من طوارئ الزمن، وذلك وفق قواعدِ علمَيْ الاجتماع والاقتصاد؛ لأنَّ المشاريع التي تؤسَّس على الأفراد تبقى مرهونة بمدى صدق هؤلاء الأفراد، ومدى نجاعة الأسلوب الذي يتوخَّونه، بل أنَّ خطر الأفراد قد يعرِّض هذه المؤسَّسات إلى الإفلاس، يقول عنها: «وهذه معرَّضة على الدوام للتّبديل والتغير بالمرض الحسّي والمعنوي، والموت الجسمي أو النفسي، وإنّما بقاؤُه ببقائهم وذهابه بذهابهم؛ إذ لا
__________
(1) - ينظر أبو اليقظان، وادي ميزاب، ع: 65 (13/ 01/1928).
(2) - ينظر أبو اليقظان، الأمَّة، ع: 35 (30/ 07/1935).
(3) - ينظر: أبا اليقظان، وادي ميزاب، ع: 109 (22/ 11/1928).
(4) - أبو اليقظان، الأمَّة، ع: 41 (10/ 09/1935). (1/111)
صفحة 112
ضمانة هنالك تحفظ وجوده وحياته بعد انقراضهم، وهل يسوغ عقل أن يبقى البناء صحيحا وأساسه مهدوم؟» (1).
إنَّ الكاتب يحلّل حركة المجتمع والتاريخ، ويحاول أن يستفيد من سنن الكون، ونظامات الوجود، لبعث هذه الأمَّة من سباتها العميق، عن طريق المشاريع التي سترفع هذه الأمَّة إلى مستوى التحدّي، وهذا ما يقوله عن قاعدة الاعتماد على المؤسّسات: «هذه قاعدة كليّة انتزعها علماء الاجتماع من كثير من المشاريع العموميّة التي في ذمّة التاريخ، فإذا استعرضنا أمامنا نماذج منها، دامت واستمرّت حتّى أثمرت، وأخرى ذبلت أوراقها وذويت أغصانها؛ نجد أن السبب في بقاء الأولى هو غرسها في أرض قارّة، موطّدة بأوتاد من القواعد، مُسَيَّجة بسياج من النظام، والسبب في ذهاب الثانية إنّما غرسها في أرض مترجرجة موضوعة على رؤوس أشخاص، لا ضمانة للعالم حملهم لها إلا بمقدار ما تقتضيه الصدفة والاتّفاق، وهذه عقيمة فلا تلد الأبطال والعبقريّين، اللّهمّ إلاَّ بعد خراب البصرة!!» (2).
بمثل هذا التفكير العميق، والبحث الدقيق، والغوص في الأمور كان أبو اليقظان يعالج قضايا الأمَّة، وينظر إليها ويعود إلى التاريخ ويستخرج منه العبر والدروس، ولكنه لم يجد أمامه إلاَّ أولئك الذين يقدّسون الأفراد، ولذا يقول: «وقد حاد غالب المسلمين عن العمل بهذه القاعدة – المؤسّساتية - حسن ظنّهم بعواقب الدهر، وقصور نظرهم عمّا سيلده الغد، وتقديس للأشخاص إلى درجة العصمة» (3).
فأبو اليقظان من المصلحين الذين يؤمنون بمؤسَّسات المشاريع العامَّة المنظَّمة، والتي توحَّد الأمَّة، وتوجِّهها وترسي قواعدها، وليس من أولئك الذين يؤمنون
__________
(1) - أبو اليقظان، الأمَّة، ع: 01 (08/ 09/1933).
(2) - المصدر السابق.
(3) - أبو اليقظان، وادي ميزاب، ع: 31 (13/ 05/1927). (1/112)
صفحة 113
بالأفراد، لأنَّ أبا اليقظان يحاول تحرير العقل العربي الإسلامي عموما، والجزائري خصوصا من بعض الأفكار التي سادت قرونا، لأنّه مفكّر واع لمسؤوليته فهو يدعو إلى تجديد فكر هذه الأمَّة وطرق معاشها، فهو أبعد ما يكون عن الترقيع، ولذلك يقول: «أو ليس من أوكد الواجبات وأوجب المفروضات السهر على الحياة المهدّدة من كلّ جانب؟ ... فلماذا لا تتعاضد قوّات البناء على الحقّ» (1).
في حقيقة الأمر أنَّ أبا اليقظان يعتبر من المحلّلين للواقع الاجتماعي كابن خلدون ومالك بن نبي وغيرهما؛ لأنّه يؤمن بالمؤسّسات الحديثة، «إذا لم تقفوا أمامهم مواقف مشرّفة بتنظيم جموعكم وتشكيل هيئاتكم على النظم الحديثة والوقوف إزاءهم وقف البصير الحازم» (2). لن تتقدّموا، وهذه الفكرة ركّز فيها على تأسيس النقابات الاجتماعية والمؤسّسات والجمعيّات الخيريّة والإسلامية عموما.
4 - وسائل النهضة:
وسائل النهضة حسب رأيه تتمثَّل في عدّة مسائل؛ إذ تبتدئ بإصلاح المصلح نفسه أوَّلا، ووضع نفسه على محكِّ الإيمان والصبر وتقبَّل الأذى ومعاملة الناس معاملةً حسنةً، لكي يستطيع أن يؤثّر فيهم، ومن هنا فإنَّ الأسلوب الأنجح هو أسلوب الأنبياء الذين أخذوا بقلوب الناس، وسلبوا عقولهم بالكلمة الطيِّبة التي تبقى تَرِنُّ في آذانهم وقلوبهم، لا بالتّشويش والتهويش، وبالكلام الذي لا يجني صاحبه إلاَّ شوكه، وكلّ ذلك لأنّ أبا اليقظان قد حلّل المجتمع الجزائري، وبيّن سماته وخصائص مشكلاته، واهتدى إلى وسائل رآها أنّها يمكن أن تنبّهه وتوقظه، إذا عمل بها أناس مؤمنون حقًّا، وهذه الوسائل بناها على أساس العلم، والمال، والأدب، في إطار الدين، ولعلّ أبا اليقظان في ذلك يرى مسايرة العصر هي الأهمّ؛ لأنّ الأمَّة لا تزال من الناحية الدينيّة متمسّكة بدينها، ولو داخله شيء من الشعوذة،
__________
(1) - أبو اليقظان، الأمَّة، ع: 01 (08/ 09/1933).
(2) - أبو اليقظان، النور، ع: 23 (01/ 03/1932). (1/113)
صفحة 114
ولذلك كان العامل الأوّل هو المدرسة ثمَّ الجريدة التي تنشر ما تبثّه هذه المدرسة، ثمَّ يلي ذلك الناحية الاقتصادية، إذ العلم لا يكفي لوحده؛ لأنّه لا بدّ له من مال، والمال لا يكفي مع العلم فقط، إذ لا بدّ له من أدباء وكتَّاب وعلماء، أي الأخلاق، وبذلك تبدو هذه العوامل التي اقترحها أبو اليقظان لإحياء هذه الأمَّة عبارة عن «علم + رجال + أخلاق + اتِّحاد». وبذلك أعطانا تصوّره الحقيقي الذي يعتبر مفتاح شخصيّته المجدّدة المؤمنة بالتّوازن بين الروح والمادة، كرجل ثوري في إطار المبادئ الإسلامية، كما أنّه يؤمن بالتّحرّر المرحلي الذي يقتضي ربط الماضي بالحاضر (1) والعلم بالمال والأخلاق، لأنّ العلم هو الجناح الأدبي للنّهضة، والمال هو الجناح المادي له، والدين هو المهيمن عليهما والمسيّر لهما معا، دون الميل نحو اليمين أو اليسار.
إنَّ النهضة لا تكون إلاَّ إذا وجد الرجال المخلصون الأكفاء: «والعلم والثّراء والاتّحاد، ولن يحصل شيء من هذا بالأماني والأحلام، وبمجرّد القول، وفوار الفم، ولكنه يحصل بتوجيه العزائم وتحريك الهمم، وصدق الطلب، والإخلاص، والصبر، والثّبات» (2).
هذه الشروط لا يمكن أن تحقّق النهضة، ما دامت الأمَّة قعيدة الجهل، مسلوبة الإرادة لأنّها: «حاولت تأسيس الشركات فأخفقت، وعقد الجمعيّات فخابت، وفتح المدارس فلم تفلح، وفتح النوادي ولم تنجح، وإنشاء الصحف ولم تصلح، فضاعت أثناء ذلك أموال وأوقات، وذهبت ضحيّة التجربة والاختبار» (3)، وكلّ ذلك لأنّ الأمَّة تقف أمام أعتى الأعداء الذين تحصّنوا بكلّ ما يمكن أن
__________
(1) - ينظر أبو اليقظان في حوارياته، وبخاصّة بين شابّ وشيخ، المغرب، ع: 03 (10/ 06/1930). وذلك بين الماضي والحاضر في النور، ع:02 (22/ 09/1931). وينظر أيضا: بين العلم والمال في النور، ع:3، 4 (29/ 09/1931)، (13/ 10/1931).
(2) - أبو اليقظان، وادي ميزاب، ع: 4 (22/ 10/1926).
(3) - المصدر نفسه. (1/114)
صفحة 115
يتحصّن به عدوّ؛ إنّها الحركة المضادّة للإصلاح، حركة الطرقيّين والانتهازيّين، وأعوان الاستعمار. فهذه الحركة المضادّة «راسخة الأصول، متشعّبة الفروع، تغذّيها وتمدّها قوّة أخرى وسواعد مختلفة، لا يمكن التغلّب عليها، إلاَّ بتوحيد الجهود، وجمع ما تشتّت من القوى، وما بذر من المواهب، وأنّى يتمنّى هذا والمصلحون قليل وهم أنفسهم تنقصهم الكفاءة والمران؟» (1).
فتلك الوسائل لا يمكن نجاحها إلاَّ إذا عملت الأمَّة على توحيد صفوفها، ورصّ جهودها في سبيل القضاء على العدوّ الداخلي، الذي ينبع من هذا الشعب، هذا من جهة، ومن جهة أخرى لابدّ للأمّة، وبخاصّة علماؤُها أن يتآزروا ويتآخوا ويكونوا صفًّا واحدا وكتلة متينة؛ لعلّهم يستطيعون انتشال الأمَّة من هذا الاضمحلال الذي يتهدّدها، ومن الافتراق الذي يدقّ مساميره في ظهرها، ومن العبوديّة التي أسدلت ستائر الجهل والفقر على الجميع. وأهمّ ركيزة لكلِّ العوامل السابقة هي المال، ولذا يضيف قائلا: «إنَّ بذل المال هو مقياس الرجال، فإذا أردت أن تسبر غور فرد أو أمَّة فلا تسبره من ناحية الشقاشق وهدر الكلام، ولكن أسبره من ناحية بذل المال وكرم النفس» (2). فالمال أساس الرجولة وأساس تكوين الأمم؛ ولذلك يردف قائلا: «من الغرابة بمكان أن يجعل الإسلام بذل المال دعامة من دعائمه الأوليَّة، التي يقوم عليها بنيانه، فتأخذ عنه أوروبا وأمريكا هذه الدعامة، وتبني عليها عظمتها وعزَّتها، فيظهر من بين أبنائها من يبذل لها مئات الآلاف، ثمَّ لا يجد الإسلام اليوم من بين أبنائه من يعمل بمبدئه لتشييد صرحه إلاَّ القليل النادر، فهل انعكست القصّة وصار الإسلام كفرا، والكفر إسلاما، معاذ الله معاذه؟» (3).
__________
(1) - المصدر نفسه.
(2) - أبو اليقظان، وادي ميزاب، ع: 42 (22/ 10/1926).
(3) - أبو اليقظان، الأمَّة، ع: 19 (05/ 02/1935). (1/115)
صفحة 116
فالمال دعامة كبرى لهذه الوسائل يشدُّ أزرها، ويرفع من قيمتها، ولا يمكن أن تنجح كلُّ تلك العوامل إلاَّ متعاضدة - كما يذهب إلى ذلك أبو اليقظان - إذ يربطها جميعا بالمدرسة، كما يؤمن بنظريَّة الإفراغ والإملاء، إذ لا يمكن إصلاح المجتمع وهو فاسد، إذ لا بدَّ له من حملة واسعة لغسله من أدرانه أوَّلا، ثمَّ إعادة تربيته من جديد؛ وفق المقاييس العصرية والتقليدية معا، فلا يمكن أن يقوم فيه الإصلاح ورأيه الاجتماعي العام فاسد، ومن هنا كان لزاما على المصلح والأديب معرفة المجتمع وأسباب مرضه ثم مداواته. وهو في كلّ ذلك متأثّر بالكاتب الفرنسي ”غوستاف لوبون“ وبخاصّة في تحليله النفسي للمجتمع، كما هو متأثّر بِـ ”عبد الرحمن الكواكبي“ وبخاصّة في كتابه ”طبائع الاستبداد“.
على العموم أنَّ أبا اليقظان استطاع أن يلج المجتمع الجزائري العربي الإسلامي وأن يعالجه وفق رؤيته الاجتماعيّة النفسيّة الإسلامية، ويعطينا أهمّ العوامل التي رآها صالحة لإنهاضه وتنبيهه.
5 - الإيمان بمبدأ القوّة:
إنَّ القوّة من المبادئ التي آمن بها أبو اليقظان يقول: «يا قوم ليس الوقت وقت الجدال والمراء، ولا هو زمن الكَلّ والخمود والانزواء، وقد أصبح العالم مرتبطا بعضه ببعض ارتباطا متينًا، بحيث صارت الأمم كالعائلة الواحدة في مكان واحد؛ فالواجب علينا أن نسير والأمم جنبا لجنب، والله يريد أن نكون كذلك وإلاَّ داستنا الأرجل، إذ الحياة لا تكون إلاَّ للقويِّ، أمَّا الضعيف فحظُّه الموت» (1).
إنَّ أبا اليقظان يقرّر حقيقة كبرى، تتمثَّل في حقيقة القوَّة، وأنَّ الحياة للأقوى، فهذه الفكرة تسيطر على ذهن أبي اليقظان وتقضُّ مضجعه، فلا يملك إلاَّ أن يقول عن هؤلاء الذين نسوا كلَّ ما كرَّمهم به الله تعالى به، وصار الضعف
__________
(1) - أبو اليقظان، وادي ميزاب، ع: 06 (05/ 11/1926). (1/116)
صفحة 117
خاصيَّة من خصائصهم، يقول: «إنَّ الضعيف جرثومة تلد آلافا من الجراثيم فيسري الضعف في المال إلى الدين، والأخلاق، والمدارك والعقول والنفوس، ويصبح صاحبه ضعيفا في كلّ ذلك، إلى أن يصير وهو يردِّد الأنفاس في حكم الميّت، تتقاذفه القوَّة من هنا وهنالك» (1).
هكذا يبرز لنا أبو اليقظان الصراع الفكري الحضاري بين الإنسان وأخيه الإنسان؛ لأنَّ الواقعيّة الفكريَّة عند أبي اليقظان واقعيَّة العمق الفكري، والصدق الفنِّي، وشمول التصوُّر، ووضوح الهدف، ولذلك يصف القويّ المتمثّل في الغرب بقوله الاستشرافي «يخدم القويُّ كلّ شيء، ويؤاتيه كلُّ حظّ، ويلائمه كلّ ريح؛ البرّ يرتجف منه، والبحر يخضع له، والجوُّ يمدُّ إليه بساطه، والأرض تنبت لملء مطاميره، والسحاب يمطر لسقي زروعه، والمعادن تفيض بالتّبر لخزائنه، والبحار تجود بالجواهر واللاّلئ لترصيع تاجه وتحلية جيده، البخار يذلّل شمَّ الصعاب، والكهرباء تسخِّر له ما عجز عنه أولو الألباب» (2).
فهذه واقعيَّة التصوُّر الإنساني حين يتجبَّر، منذ فرعون، مرورًا بهامان وقارون، ووصولا إلى عصرنا؛ عصر النظام العالمي الجديد؛ إنّه التصوّر الإنساني لحركة التاريخ السياسي والاجتماعي للقوّة، وعلاقة القويّ بالحياة، واكتشاف واقع الضعيف، واقع الذل والهوان، الذي يقول عنه الشيخ: «أمَّا الضعيف، فإنَّه يخونه كلُّ حظ، ويعثر به كل جدّ، ويعاكسه كلّ ريح، وتقف في سبيله كلّ عقبة، وينغلق أمامه كلّ باب، إن نهض قعد به فقره، وإن سعى أخَّره ضعفه، وإن طرق بابا أو صده دونه وهنُه، وإن استغاث خانه خفوت صوته، حسنته سيِّئة، وصلاحُه فساد، وصوابه خطأ، وحقُّه باطل، جماله دمامة، وعبقريّته طيش وتجاوز لطوره، إن تكلَّم الحقَّ سُفِّه، وإن صدق القول كُذِّب، وإن أبدى رأيا سديدا لغا فيه» (3).
__________
(1) - أبو اليقظان، وادي ميزاب، ع: 09 (29/ 11/1928).
(2) - أبو اليقظان، وادي ميزاب، ع: 109 (22/ 11/1928).
(3) - المصدر نفسه. (1/117)
صفحة 118
إنَّ القوّة من أهمِّ مبادئ أبي اليقظان؛ لأسباب اجتماعية سياسية تصويرية؛ نتيجة لظروف كثيرة تاريخيَّة تارة، ودينيَّة أخرى، وهذا نتيجة تحليله للمجتمع فوجد أنَّ الناس منقسمون إلى ثلاث فئات:
أ - «من يموت كمدًا أو يهجر العالم بأسره، كما تموت الطيور الحرَّة في أقفاصها» (1) وهي فئة الأحرار الذين حاولوا المقاومة ولكنهم ماتوا كمدًا؛ لأنَّ الأمَّة لا تستجيب لهم؛ ولأنَّ وضعهم لا يسمح لهم بالمقاومة أو الاستكانة للاستعمار، فكانت مقاومتهم مقاومة سلبيَّة، أو ما يمكن أن نسمِّيه بالانتحار الإرادي البطيء.
ب - ومنهم من يكدُّ ويكدح ويتلمَّس أسباب الخلاص على غير طائل (2). وهؤلاء هم المقاومون أصحاب الثورات الذين استبسلوا في مقاومة الاستعمار الأوروبي؛ لكن دون جدوى وهم فئة قليلة جدًّا، ولذلك فشلوا لأسباب سياسيَّة واقتصاديَّة وعسكريَّة؛ لأنَّ موازين القوى لم تكن بجانبهم، بل كانت مع الأقوى.
ج - ومنهم من يرضى بالذُّلِّ والهوان «والخنوع، ويستسيغ منه لُقَمًا ملوَّثة بصديد المنِّ والإهانة، ويرى السعادة كلَّ السعادة في استرضاء سيِّده وابتسامة مولاه، والعزَّ كلَّ العزِّ في التمجُّد به، والاعتزاز بقوله» (3).
إنَّ هذا الصنف الأكبر من الأمَّة، ضعفت ثقته بنفسه، ولم يقدِّر قيمتها حقَّ قدرها، فهان عليه أمره، ورضي بكلّ صغار واحتقار، وأصبح لا يبالي أصفعه زيْد أم داسه بَكر؟ وعاش معيشة الحشرات في مستنقعات الخِسَّة والمهانة (4)، لأنَّ القابلية للاستعمار تمكَّنت منه، واستولى عليه الوهن؛ ممَّا حوّله إلى ”لا شيء“ لا أمل له ولا رجاء ولا غاية، وكلُّ غايته: «استحصال شعاع من ابتسامة سيِّده، أو كلمة
__________
(1) - أبو اليقظان، القويّ والضعيف، وادي ميزاب، ع: (109/ 22/11/ 1928).
(2) - المصدر السابق.
(3) - المصدر نفسه.
(4) - أبو اليقظان، وادي ميزاب، ع: 17 (21/ 01/1927). (1/118)
صفحة 119
معسولة من ثنائه، كلَّفهم ذلك ما كلَّفهم؛ من بيع أعزِّ ما لهم من ذمَّة، أو عرض أو شرف أو وطن أو قوميَّة أو دين، إنَّ هذه كلّها لا تساوي عندهم جناح بعوضة ما دامت لا تكفل لهم ابتسامة ذلك من نيل شهوة، وقضاء لبانة، ولهذا يمعنون في الهدم، والتخريب ويتنافسون في ذلك، وينظرون أيُّهم أسبق منهم فيه؛ وأيّهم أنجح في نيل بغيته من سيِّده، وأكثر حظًّا وأوفر نصيبا، إذ كلَّما كان أقلَّ حيلة وأضعف أثرا في الهدم كان أقلّ حظا من أخيه» (1).
هذا الضعف الأخير هو الذي أرسى دعائم الاستعمار الحديث - بخاصَّة - وقوّض الوحدة الوطنيّة، وكان نقمة على الأمَّة في جميع أطوارها، لأنَّ أصحابه هم العدوُّ الحقيقي للأمَّة، فهم لا يمثِّلون إلاَّ التبعيّة للمستعمر، ولا يتَّصفون إلاَّ بالخيانة، فهم جرثومة يجب القضاء عليها، لأنَّ هذه الفئة لا تقف موقفا سكونيا حياديا، وإنّما هي طاقة هدم لأنّها تتناسل؛ إنّها النموذج الذي وقف ضدَّ الأنبياء والرسل؛ إنَّهم أتباع أبي جهل، ورعايا أبرهة الحبشي.
6 - الحوار:
إنَّ الحوار وسيلة حضاريّة فكريّة تكشف لنا الواقع المعيش من جهة، وتقنع الناس بالمنطق والعقل من جهة أخرى، وتبعث في نفوس المتلقِّين نكهة خاصَّة، كما أنَّ الحوار يحمل قيما تربويَّة إيمانيَّة، ولذا كان الحوار رؤية المصلحين والعلماء والمثقَّفين بعد الأنبياء والرسل عليهم أفضل الصلاة والسلام، لأنَّه قبسة نور تحرّك الهمم، وتفتح العيون على الحكمة وحسن الإقناع، وقد كتب أبو اليقظان محاورات كثيرة ربط فيها بين الماضي والأصالة والمعاصرة، لأنّه يؤمن بقناعة الماضي وتقنية الحاضر، وهو في حوارياته هذه يحاول التوفيق بين الثنائيات الشهيرة: الروح والمادة، العلم والمال، ... (2) لأنَّ المجتمع جعل إحداهما
__________
(1) - أبو اليقظان، وادي ميزاب، ع: 109 (22/ 11/1928).
(2) - ينظر أبو اليقظان، النور، ع: 02 (22/ 09/1931). ع: 54 (25/ 10/1932). ع: 55 (01/ 11/1932). ع: 57 (15/ 11/1932).إلخ ... (1/119)
صفحة 120
أحسن وأفضل من الأخرى، وبهذه المحاورات استطاع أبو اليقظان أن يعيد القِيَم إلى نصابها، ويعطي لكلّ هذه الثنائيات حقّها الطبيعي.
هذه الحواريات منهج، وعاه أبو اليقظان واختاره عن دراية؛ لأنَّ الأمَّة انقلبت فيها المفاهيم، وشاعت فيها الازدواجيَّة واختلط فيها الفساد بالصَّلاح.
7 - إشكالية القوّة والاستضعاف:
يرى أبو اليقظان بأنَّ القويَّ المستعبد سيستعبد هذا العالم، وسيكوِّن نظاما عالميا جديدا، يجعل الإنسانيَّة قاطبة تابعة له، ولن يمكن لأيِّ نظام أن يقف أمامه: «يغتصب القويُّ أمما، ويبتلع شعوبا ويقتل عشرات ومئات الآلاف، فقال له مرحى، وإذا ما تطاول الضعيف فمدَّ يده إلى رغيف أو قام في وجه القويِّ لمطالبته بجزء قليل من حقِّه، قامت الدنيا في وجهه صخبا وصراخا وضجيجا، وسلقوه بألسنة حداد؛ ووصموه بجميع الوصمات، وانهالوا عليه بوابل من السباب واللَّعنات، وأرمقوه بجمرات النظرات؛ كأنَّه طلعة أو رأس من رؤوس الشياطين، وليس له من جرم غير أنَّه ضعيف الحال، يائس البال» (1).
بهذا الفكر السياسي المحنَّك، المدقِّق في الأمور؛ كان أبو اليقظان يلج المجال السياسي، وبهذه النظرة العميقة كان يفتّق قضايا عصره؛ وكأنّه يعيش بيننا، وبهذه الشجاعة يكتب في العشرينيّات من هذا القرن، وكأنّي به يرى بمنظار إلهي، وإلاّ ما معنى هذا الكلام؟: «يخدم القويّ كلّ جدّ ويؤاتيه كلّ حظّ، ويلائمه كلّ ربح، البرّ يرتجف منه، والبحر يخضع له، والجوّ يمدّ إليه بساطه، والأرض تنبت لملء مطاميره، والسحاب يمطر لسقي زروعه، والمعادن تفيض بالتّبر لخزائنه، والبحار تجود بالجواهر واللآلئ لترصيع وتحلية جيده، البخار يذلّل له شمّ الصعاب، والكهرباء تسخّر له ما عجز عنه أولو الألباب؛ نتاج الحيوان مادته، والضعيف من
__________
(1) - أبو اليقظان، " القويّ والضعيف "، وادي ميزاب، ع: 109 (22/ 11/1928). (1/120)
صفحة 121
الإنسان عبده، وكلّ ما في الأرض حقّ له وملك في يده، يعطي منه ما يشاء لمن يشاء، ويقبض منه ما يشاء عمّن يشاء» (1).
إنَّ أبا اليقظان يصف هذا النظام العالمي الجديد الذي سيتمكّن من رقاب سكّان الأرض، إن لم يتحرّك الضعفاء – وهو ما رأيناه رأي العين فعلا بعده بسنوات طوال- ولا عجب إذن أن يكمل أبو اليقظان تصوّره هذا قائلا: «يرى أنَّه لا قوَّة غير قوَّته، ولا دين غير دينه، ولا شريعة غير شريعته، ولا عقلية غير عقليته، والمرضيُّ من رضي عنه، والمغضوب منه من غضب هو عليه، ويرى بموجب ذلك أنّه يجب عزل الله - تعالى الله- من أرضه ومزاحمته في ملكوته؛ يجب نسخ دينه وشريعته، ويجب فسخ نظامه في الكون، وتأسيس نظام عصري جديد على أنقاض نظامه. هكذا القويُّ وهكذا آثار القوَّة العمياء» (2).
هذا ما جعل الضعيف - حسب رأي أبي اليقظان - عبدا لهذا المستعمر الجديد أفرادا وجماعات؛ لأنَّ الإنسان يخضع دائما للقوَّة؛ وهذا التصوُّر الذي حوَّل الضعفاء إلى عبيد، جعلهم لا يفكِّرون إلاَّ في إرضاء هذه القوَّة الاستعمارية العمياء؛ فباعوا دينهم، وتخلَّوا عن اعتقادهم، ورهنوا أوطانهم، ويتسارعون كما يقول: «إلى بيع أعزِّ ما لهم من ذمَّة، أو عرض، أو شرف، أو وطن أو قومية أو دين، إنَّ هذه كلُّها لا تساوي جناح بعوضة» (3).
إنَّ أهمَّ ما جعل الأقوياء أقوياء هو هذا الضعف، وهذه الاستكانة من سكّان الأرض الضعفاء الذين أصابهم الوهن، واعتراهم الخوف، وسرت قابلية الاستعمار في نفوسهم، ولذلك فهم لا يستطيعون أن يفعلوا شيئا: «فأمَّا الضعيف فإنّه يخونه كلّ حظّ، ويعثر به كلّ جدّ، ويعاكسه كلّ ربح، وتقف في سبيله كلّ عقبة،
__________
(1) - المصدر نفسه.
(2) - المصدر نفسه.
(3) - المصدر نفسه. (1/121)
صفحة 122
وينغلق أمامه كلّ باب، إن نهض قعد به فقره، وإن سعى أخّره ضعفه، وإن طرق بابا أوصده دونه وهنه، وإن استغاث خانه خفوت صوته، حسنته سيّئة، وصلاحه فساد وصوابه خطأ، وحقّه باطل، جماله دمامه، وعبقريّته طيش وتجاوز لطوره، إن تكلّم الحقّ سُفّه، وإن صدق القول كُذّب، وإن أبدى رأيا سديدًا لغا فيه» (1).
إنَّ هذا الصنف الأكبر من الأمَّة ضعفت ثقته بنفسه ولم يقدر قيمته حقّ قدرها، فهان عليه أمره، ورضى بكلّ صغار واحتقار، وأصبح لا يبالي أصفعه زيد أم داسه بكر؟ وعاش معيشة الحشرات في مستنقعات الخسة والمهانة (2)، لأنّ القابلية للاستعمار تمكّنت منه، واستولى عليه الوهن مما حوّله إلى ”لا شيء“، لا أمل له ولا رجاء، ولا غاية وكلّ غايته: «استحصال شعاع من ابتسامة سيّده أو كلمة معسولة من ثنائه، كلّفهم ذلك ما كلّفهم من بيع أعزّ ما لهم من ذمّة أو عرض أو شرف أو وطن أو قومية أو دين؛ أنَّ هذه كلّها لا تساوي عندهم جناح بعوضة، ما دامت لا تكفل لهم ابتسامة ذلك، من نيل شهوة وقضاء لبانة، ولهذا تراهم يمعنون في الهدم والتخريب ويتنافسون في ذلك، وينظرون أيّهم أسبق منهم فيه، وأيّهم أنجح في نيل بغيته من سيّده، وأكثر حظّا وأوفر نصيبا، إذ كلّما كان أقلّ حيلة وأضعف أثرا في الهدم كان أقلّ حظا من أخيه» (3).
هذا الضعف الأخير هو الذي أرسى دعائم الاستعمار الحديث وقوّض الوحدة الوطنيّة، وكان نقمة على الأمَّة في جميع أطوارها، لأنّ الضعف لا يقف موقفا سكونيا حياديا، إنّما هو طاقة هدم لأنّها تتناسل.
هكذا يحلِّل أبو اليقظان هذه الظاهرة تحليلا تتوالد وتتناسل فيه هذه الأفكار، وهذه نظرة حضارية تدلّ على أنَّ أبا اليقظان قرأ التاريخ قراءة واعية وفهم ظواهره ما استطاع، ولذلك يستشرف المستقبل قائلا: «هذه الحالة لا تبشّر براحة العالم
__________
(1) - المصدر نفسه.
(2) - أبو اليقظان، وادي ميزاب، ع: 17 (21/ 01/1927).
(3) - أبو اليقظان، وادي ميزاب، ع: 109 (22/ 11/1928). (1/122)
صفحة 123
وسلامة البشر، ولكنها تنذر بالهول والويل والخراب، وليس في مستطاع البشر - مهما بلغ من العقل وسموّ المدارك - أن يعالج المشاكل العالميّة الكبرى معالجة تامّة حكيمة بمثل ما وضع الله لها من النظام والتشريع، وكلّ دواء يستحضر في غير معمل الشريعة فهو دواء قتّال، إن لم يظهر ضرره اليوم فإنّه سيظهر غدا» (1).
لذلك تطوَّرت ثنائية القويّ والضعيف عند أبي اليقظان، من المجال الأفقي إلى المجال العمودي، إذ أنَّ القويّ يريد امتلاك السماء، والفقير يخدمه في الأرض، فإذا بالإشكاليّة تتحوّل إلى إشكالية الألوهيّة والعبوديّة.
إنَّ أبا اليقظان حين يحلّل مسألة الشرق والغرب، لا يحلّلها كما حلّلها بعض الإصلاحيّين المعاصرين له، بل تراه يغوص في عمق المأساة ويحلّل خوافيها وظواهرها بكلّ أبعادها، لأنّه صاحب الفكر الرسالي، لذا تراه يمسك الكرة الأرضيّة بين أنامله، ويقلّبها ذات اليمين وذات اليسار، لأنّه يؤمن بأنّ هذه الأمَّة التي يحاول أن ينهضها تعيش على هذه الكرة، ولا يمكن لها أن تعالج أمورها السياسية إلاَّ في هذا المجال: «الكرة الأرضيّة تدور بما فيها ومن فيها، تحت تأثير المدنيّة الحاضرة؛ غثّها وسمينها، فما لم يصل اليوم فسيصل غدا، وما لا يصل غدا فسيصل بعد الغد، هذا رغما عن كلّ أحد، بل حتّى عمّن لهم ضلع كبير في تكوين هذه المدنيّة» (2).
كلّ ذلك لأنَّ أبا اليقظان آمن بأنّ الغرب القويّ، أصبحت المدنيّة بيده، يفعل ما يشاء ومتى يشاء «كلّ ما في الأرض حقّ له وملك في يده، يعطي منه ما يشاء لمن يشاء، ويقبض منه ما يشاء عمّن يشاء» (3) وبذلك لا يمكن لأيّ كان أن ينجو من قبضة الغرب، ومن آثار حضارته، ولا يمكن له أن يسدّ منافذه أمام هذه الحضارة الغازية من الاّتجاهات الستّة يقول: «وأصبح البشر وكأنّه يمشي في ظلام حالك، لا يدري من أين وإلى أين؟» (4).
__________
(1) - المصدر نفسه.
(2) - أبو اليقظان، " التليفون بوادي ميزاب "، وادي ميزاب، ع: 69 (10/ 02/1928).
(3) - أبو اليقظان،" القويّ والضعيف "، وادي ميزاب، ع: 109 (22/ 11/1928).
(4) - المصدر نفسه، ع: 69 (10/ 02/1928). (1/123)
صفحة 124
هذا هو واقع الفكر الاستلابي والاستعلائي والاستكباري في الأرض، ولكن ما موقف العالم الإسلامي من هذه الحضارة الغربية؟ يجيب أبو اليقظان بقوله: «وبناء على ما تقدّم، فماذا تدبير المسلم، وما هي حيلته اتّجاه هذا التيّار الجارف؟ فهل يقف موقف المتفرّج ... فيجرفه التيّار بما معه؟ فيخسر سعادته في الحياتين معا، أو يحتال بقدر الإمكان للسّلامة والنجاة من خطره الداهم، ويعمل فكره للاستفادة منه أكثر ممَّا يمكن؟» (1).
إذن فما على المسلمين - حسب رأي أبي اليقظان - إلاَّ أن يحتالوا على الأقلِّ ليحافظوا على أنفسهم، وذلك بإعمال الفكر؛ ممَّا يؤهّلهم إلى المحافظة على كيانهم.
على العموم، هذه هي شخصيَّة أبي اليقظان، وهذه بعض مواقفه الفكريَّة التي منحها كلّ البقاء، لأنَّه غذَّاها من نبضه، حين أعطى لكلِّ القضايا قيمة ومعنى. وهو في كلِّ ذلك مفكِّر واقعي النظرة، بعيد التحليل، عميق التعليل، حَسَن الإقناع؛ باستقراء الحوادث والوقائع، وتبيان السنن الإلهيَّة فيها؛ ممَّا جعلنا نقف أمام أفكار شاملة الرؤية؛ يتكامل فيها الماضي والحاضر والمستقبل.
مهما يكن فإنَّنا نقف أمام رجل، كرَّس حياته لإضاءة أبناء وطنه، وكشف أنواع الزيف والنفاق؛ فكان معلِّما تهتدي به الهداة في حيرتها؛ وأضواء كاشفة لسبل الرشاد، ومحرِّرا من قيود الجمود، وعالما طويل النفَس، يناقش الموضوع الواحد من جميع الجوانب والرؤى، ويستعرض الآراء الخاصّة به ويقلّبها على وجوهها، ويتقمّص جزئياتها، ويسهب في تفاصيلها تحليلا وتعليلا؛ بتدرّج منطقي؛ حيث تتوالد أفكاره، وتتوالى نتائجه من الأسباب، فلا يشعر القارئ بالضّجر منها أو الملل، ممَّا جعل الطول سمة من أهمّ سمات مقالاته؛ لعمق تحليله وإيمانه برسالته الصحفية الإصلاحية، وقوّة إرادته، ورسوخه على مبادئه وقوَّة صبره.
__________
(1) - المصدر نفسه. (1/124)
صفحة 125
F
الشيخ أبو اليقظان والمطبعة العربية
الأستاذ إبراهيم بن أحمد باحريز (1)
مقدمة:
1 - الغرض من البحث:
إنَّ الكتابة عن الشيخ أبي اليقظان ( P) أمر عظيم ليس باليسير، وما ذلك إلاَّ للأثر الذي يذكر به في الآخرين، فقد تركه الشيخ ساميًا شامخًا خالدًا، قلَّ أن يكون له مثيل، وهذا في كلِّ ميادين حياته وفروعها المختلفة المتعدِّدة، والتي يعييك إحصاؤها عددا، رغم البحث فيها مددا، ولا غرو (إنَّ إبراهيم كان أمَّة)، فإنَّك تجده في كلِّ ميادين الخير ماثلا، وفي جميعها رائدا أوَّلا.
لكن إذا أردت الكتابة عنه فقدت الكلمات لعظمة الرجل أوَّلا، ثمَّ لقلَّة المصادر والمراجع ثانيا، فقد غفل عن ذكره كثير من المؤلّفين الجزائريّين والباحثين، انظر - مثلا - كتاب الصحافة العربية في الجزائر للدكتور عواطف عبد الرحمن، تناول بحثه الصحف الجزائريَّة، ولم يذكر صحف الشيخ أبي اليقظان.
إذا كان البحث مختصَّا مركِّزا على مطبعته ”العربية“، فالأمر أصعب وأشدُّ، لندرة المصادر المدوَّنة، أو وفرة (2) من عايشه، إلاَّ من بلغ في العظمة عتيًّا، فكان التاريخ عنده نسيا منسيًّا.
__________
(1) - المدير الفنّي للمطبعة العربيّة بغرداية.
(2) - يبدو أنَّ في الكلمة خطأ مطبعيًّا، فالكلمة المناسبة هي: (وفاة) (م. ن. ب). (1/125)
صفحة 126
هذه بعض مشاكل البحث، ولكن رغم هذا تجشَّمت الصعاب الجمَّة، ولعلَّ أكبرها على الإطلاق المحاولات العديدة والمريرة المتكرِّرة علَّني أحظى بالوصول إلى مخطوطاته، وهي تزيد عن السبعين، ولا بدَّ وأن يكون فيها من الخير الكثير، والنهر العذب الخرير، ما يطفئ حرقة الظمآن في الهجير، بالماء الصافي الغدير، وكيف لا والساقي هو الشيخ الكريم القدير، ولكن- والأسى والأسف يحرق الوجدان - لم أُحظَ بالمطلوب المرغوب، وكوفئت من الغنيمة بإياب المحبَط المكروب، وهل تدرون العدد الإجمالي من الصفحات لهذه المخطوطات إنه أكثر من 2536 صفحة كراس تقريبا، عدا المطبوع من الكتب وعدا مذكِّراته الخاصَّة.
على كلٍّ دوَّنتُ أحداثا ووقائع بعد توثيقها شفهيا من أناس عاشروا ”الرجل العصامي“ الشيخ أبا اليقظان إبراهيم ( P)، أو من مراجع نادرة في الموضوع، لعلَّنا نفي بحقِّه علينا؛ فله حقُّ الأبوَّة الحنونة على المطبعة العربية الموجودة حاليا، فإنَّنا - بحول الله - على دربه سائرون ومن مُثُله العليا ناهلون مقتفون.
2 - أهداف البحث:
إنَّ الغرض هو استنهاض همم المثقّفين للبحث والتدوين، وبعده الطبع والتبيين، لتعيَ التاريخَ الأجيالُ، فتقتدي بعظمة الرجال، وإنَّ هذه الثمرات اليانعة من مدارس ومعاهد وقيم، لم تنبت من الأرض كمأة رخيصة بلا سبب ونسب وتعب ( champignon batard)، إنَّما هي حصيلة دم غال، وعرق ثمين وعال، سُقيت به هذه المشاريع فأنبتت وأينعت، ولن ينهض خلف جهل مناقب السلف، ولا يبنى البنيان بلا أساس مكين، ولن تشاد حضارة بلا تاريخ مبين؛ يسجِّل الصفحات الذهبية للخالدين، ليقتدي بهم الصاعد من الناشئين، شعارهم ودأبهم:
نبنِي كما كانت أوائلُنا تَبنِي، ونفعلُ فوقَ ما فَعَلُوا (1/126)
صفحة 127
أولا- الدوافع لإنشاء المطبعة؛ الماديَّة منها والمعنوية:
أ - الدوافع المعنويّة:
هي أوَّلا المنارات الذاتية من الشجاعة والإقدام والبطولة وجلال التضحية وكمال الإخلاص، تلكم الأخلاق التي جعلت من قلب الشيخ، يؤمن أنَّ الكلمة الصريحة الصحيحة، واللفظة الواضحة الهادفة الحرَّة، هي التي تنمِّي في الجمهور الجزائري جذوة النار الحارقة للمستعمر القابع على الأراضي والأفكار، وأنَّها تحدث من الأفاعيل ما لا يحدثه أيُّ سلاح ناري متطوِّر، ولا يمكن تحقّق هذا الهدف النبيل السامي إلا بإنشاء صحافة حرّة «تثبِّت في الأمَّة هذه الروح العالية روح الاعتناء بالمعنويات وتكوين شعور حيّ عام فيها، تبرز به شخصيتها في عالم الأمم الحيَّة» (1) وترقى بالشعب الجزائري إلى مصافِّ الدول الإسلامية المثالية في الشموخ الأخلاقي والسموِّ الاجتماعي، موازيا للتّقدّم العلمي والاقتصادي، فتكون أمَّة في مصافِّ الانتعاش تفتخر، بعد ما كانت ترزح تحت نير الاستعمار في غرفة الإنعاش تحتضر.
يقول الشيخ أبو اليقظان: «وأمَّا إنشاء المطبعة العربية، فهي كذلك غايتنا، هي غاية الصحافة، وهي غاية أدبيَّة صرفة لا ماديَّة، وهي وسيلة واسعة للنشر، لا للصَّحافة فقط، ولكن لها وللكتب أيضا، وللوسائل حكم المقاصد» (عن مجلَّة الثقافة مستقاة من نشأتي للشيخ أبي اليقظان).
ب - الدوافع المادية:
اقتحم شيخنا المرحوم العقبة وأصدر جريدته الأولى ”وادي ميزاب“ في أوَّل أكتوبر 1926،كان يطبعها في تونس لأنَّه لا وجود لمطبعة تصفِّف بالعربية في الجزائر، إلاَّ مطبعة المصحف ”ردوسي قدُّور بن مراد التركي“، أو المطابع المسايرة
__________
(1) - عبد الرحمن بن عمر (البكري)، " الأمَّة والصحافة "، جريدة ميزاب، عدد: 1، (25/ 01/ 1930م). (1/127)
صفحة 128
لروح الاستعمار. كان يطبعها بالمطبعة التونسية ”نهج سوق البلاط رقم 57“، وكانت إدارة الجريدة في ”نهج لالير، رقم 39 بالجزائر العاصمة“. وكان الشيخ أبو اليقظان يدير الجريدة من الجزائر، ومن مقرِّ هذه الإدارة.
حتَّى استقدامها من تونس كان يستلزم شيخنا تصرُّفات خاصَّة؛ للتمويه على المستعمر الحقود، مثل لفِّها داخل جرائد ”النهضة“ و”الزهرة“ التونسيتين. ولنتصوَّر ولندرك الصعاب المثقلة للكاهل، من نقل مادة الجريدة من الجزائر إلى تونس، ثمَّ تلقِّيها من جديد في ظرف أسبوع، وإن كانت بين أيدٍ أمينة، مثل الشيخ محمَّد الثميني وابن الشيخ قاسم بن عيسى. يبعثها الشيخ مجيئا وذهابا مع القطار الرابط ليلا بين الجزائر وتونس. ودام الشيخ أبو اليقظان على هذه الحالة من سنة 1926 إلى سنة 1929.
لَمَّا أنشئت ”المطبعة العلوية“ في الجزائر ابتدأ الشيخ يطبع فيها جرائده، ولكن أتعبه التصحيح والمتابعة، ثمَّ غلب عليه الامتعاض من الغلطات الفادحة، التي قد لا تفي بالرسالة الصحفية، بله الحذف المتعمَّد، وفي الأخير انتقلت المطبعة العلوية إلى مستغانم. كلُّ هذا جعله يفكِّر جديًّا في إنشاء مطبعة خاصَّة به.
في الحقيقة كانت هنالك إرهاصات متتالية في صحفه لإنجاز المشروع، فهذا ”الفرقد“ (سليمان بوجناح) - مثلا - يكتب مقالا مطوَّلا في جريدة ”وادي ميزاب“ فيما يقرب ثلاثة أعمدة كاملة، في العدد 71، الصادر يوم الجمعة 2 رمضان 1346هـ، الموافق لـ 25 فيفري 1928م تحت عنوان «تأسيس المطابع». نلاحظ بادئ ذي بدءٍ العنوان: تأسيس المطابع، هكذا بالجمع لا المطبعة. هذا دليل على الطموح الذي كان آنذاك سائدًا في أسرة المطبعة العربية، وممَّا ورد في المقال: «إنَّ المطابع بمثابة معمل، يبرز نتائج أدمغة الرجال على تفاوتهم العلمي والفكري واستعدادهم العقلي. وكلَّما كثرت المطابع في بلاد إلا وانتشر الأدب فيها بسرعة، ونمت الحركة الفكريَّة والعلميَّة فيها. فإذا كانت الجرائد هي الروح الباعثة إلى التفكير والنهوض، فالمطابع هي السبب في ذلك الباعث، والحركة الأدبيَّة تستلزم (1/128)
صفحة 129
ميدانا فسيحا للانتشار كالعقل، كلَّما درَّبته على البحث والتنقيب نما ووسعت [هكذا ”وسعت“ بدل ”اتَّسعت“ وهي من الغلطات التي كان الشيخ يتجرَّعها في مطبعة غير مطبعته] دائرة التفكير به، وظهرت نتائج منه لم تخطر بالبال قبل».
إنَّ المطابع هي أعظم وسيلة لا لتنشيط الصحافة فقط، بل حتّى التآليف. ثمَّ يزيد ”الفرقد“ قائلا: «على أنَّه ليس من المعقول ولا من الصواب أن توجد صحيفة بدون مطبعة، بل أرى من الشروط الضرورية الإسراع بتأسيس مطبعة قبل إنشاء جريدة أو مجلَّة، والذي يُنشئ جريدة قبل تأسيس مطبعة كالذي يتسارع للبناء قبل إعداد معدَّاته».
ثمَّ إنَّ الفرقد يحرِّك النزعة المادية فيقول: «وأمَّا ما يتعلَّق بالتأسيس فلنا فكرتنا الخاصَّة فيه وهي:
أن يعقد بعض الأغنياء شركة تتركَّب من عشرة أعضاء مثلا، يدفع كلُّ عضو مبلغا، قدره خمسة آلاف فرنك، ويشترون مطبعة كاملة العدَّة تفي بالمقصود، وإنِّي أؤكِّد لهم إن أحسنوا التصرُّف، فإنَّ الأموال التي يوفِّرونها من طبع نوع واحد من الأوراق التجارية فقط لكفيل بجمع عدد يفوق 50 ألف فرنك». انتهى.
ثانيا- إنشاء المطبعة: (محلُّها - تسميتُها - السِّجل التجاري)
أبت همَّة الشيخ أبو اليقظان أمام كلِّ هذه العوامل إلاَّ إنشاء مطبعة خاصَّة به وبجريدته، وذلك في أوائل سنة 1931م. اشترى المحل الكائن بِـ ”70 نهج روفقو“ (ذبيح الشريف حاليا) وكان محلاًّ ضيِّقا جدًّا، فهو لا يتجاوز 40 مترًا مربَّعا؛ رغم أنَّ فيه طابقا أرضيًّا، ينزل إليه بسلَّم خشبي، يكاد يكون واقفا، وكانت طاولات تصفيف الحروف وتوابعها ثمَّ آلات الطباعة في الدهليز (1).
__________
(1) - ينظر الدكتور محمد ناصر، الشيخ أبو اليقظان هكذا عرفته، ص: 38. (1/129)
صفحة 130
لقد أُريدَ تسميتها بالمطبعة العصرية؛ لأنَّ هذا الاسم يعطيها طابعا تجاريًّا محضا، فيه نوع من الإشهار التجاري، إلاَّ أنَّ الشيخ أبا اليقظان قرَّر تسميتها ”المطبعة العربية“؛ لما في هذه التسمية من رؤى وطنيَّة وقوميَّة، فتلقَّى كلُّ عمَّالها هذه التسمية بالترحيب.
أُنشئت المطبعة رسميًّا بسجلِّها التجاري رقم: 314، بتاريخ فاتح فيفري 1931م.
ثالثا- الآلات:
اشترى الشيخ آلة طباعة صغيرة قديمة ( occasion) من نوع ( Platine Heidelberg)، وكان مستشاره الفنِّي آنذاك المرحوم الفاضل تاعموت عيسى، الذي كان في بادئ الأمر تلميذه بالقرارة، فاستقدمه للعمل معه .. ثمَّ اشترى الشيخ آلة طباعة جديدة وحديثة ( Presto-Match)، ثمَّ آلة طبع كبيرة من نوع ( Marinoni) حجم 120/ 70، ومثلها موجودة معروضة في مطبعة ردُّوسي قدُّور حاليا، وهي تعمل بمحرِّك كهربائي، مع المقبض ( embrayage) بالرِّجل في الابتداء، وبعد كلِّ توقُّف.
لقد أخذت آلة مطبعية نصيبا من إبهام الشيخ أبي اليقظان، لكن هذا لم يزده إلاَّ عزيمة وإرادة فولاذية للتحدي وبلوغ النجاح والهدف الأسمى.
رابعا - العمَّال:
أبرز عمَّال المطبعة - على الإطلاق - هو أبونا الشيخ عدُّون - حفظه الله ورعاه - فقد وهب نفسه للتحرير كامل فترة النشاط الصحفي للشيخ أبي اليقظان، الذي انتدبه كذلك للتسيير والإدارة والتصحيح، فانفرد بمسؤولية المطبعة كليَّة من شهر جوان 1936 إلى شهر جوان 1937؛ حيث طُلِب الشيخ أبو اليقظان إلى الالتحاق بصفوف عزَّابة القرارة، ودُعِيَ إلى مسؤوليَّات اجتماعيَّة مثل رئاسة ”عشيرة البلات“ (1).
__________
(1) - يُتأكَّد من هذه المعلومة، في حدود علمي، أنَّ الشيخ أبا اليقظان لم يترأّس عشيرة البلات. (م. ن. ب). (1/130)
صفحة 131
ومن أبرز عمَّال المطبعة ومساندي الشيخ في المطبعة السيِّد المرحوم ”عيسى تاعموت“، الذي كان من تلاميذه المخلصين والمعجبين به، خاطبه الشيخ لمَّا اتَّصل به في خنشلة سنة 1926: «إنِّي عازم على مشروع صُحفي عظيم، وقد اخترتُك من بين تلاميذي وأصدقائي لتكون ساعدي الأيمن ورفيق الدرب، غير أنَّني سأكون معك صريحا منذ البداية، وهو أنَّ هذا المشروع لا يدرُّ مالا، ولا يُكسب ثراء، فإن كانت بُغيتك من الحياة أن تكسب صفوف النخل، وتملك القصور والدور فابق حيث أنت، وإن كانت بغيتك أن تنال رضا الله وثواب ما عنده؛ بخدمة هذه الأمَّة، فتوكَّل على الله، وشمِّر عن ساعديك للكفاح» (مجلَّة الموافقات).
استعمله الشيخ عاملا مصفِّفا بالعربية، ومسؤولا عن الأشغال الخارجيَّة للمطبعة؛ من شراء مواد الطباعة، واختصَّ في متابعة بيع الجريدة وتوزيعها في كامل القطر، فكان الممثِّل التجاري الفعلي للمطبعة، وترقَّى إلى التوقيع رئيسًا للتحرير، لمَّا أوقفت بعض جرائده باسم الشيخ فاستبدل اسمه باسمه.
تعلَّم التصفيف في تونس ومهر في”العربية“، كمثيله السيِّد الفاضل ”عمر بن بكير الحاج مسعود“، الذي كان هو كذلك مصفِّفا لمدَّة خمس سنوات كاملة.
يقول السيِّد عمر بن بكير: «جعل الله لي البركة فيما كنتُ آخذه أجرة من الشيخ، ولما انفصلتُ عنه أخذتُ ما كنت أودعه من أجرتي في صندوق التوفير، وذهبت قافلا الى ميزاب، ولكنني بتُّ الليلة في البليدة، وفي الصباح وأنا أتجوَّل في البلدة وجدت حانوتا للبيع، وفي الغد حضرتُ إلى المزاد العلني فاشتريتها بثمنها الذي عُرض علي ضعفُه مباشرة بعد الصفقة، وكانت هذه أوَّل بركة من الشيخ، الذي كان ما يعطيني من أجرة السبب المباشر- بعد الله تعالى - على ما أجدني فيه من الخير الكثير».
من العمَّال كذلك المغنِّي المشهور ”عبد الحميد عبابسة“، يحكي عنه السيِّد عمر بن بكير: إنَّه في أثناء عمله يملأ الجوَّ أُنسا؛ بما تطلق حنجرته من الغناء والألحان. (1/131)
صفحة 132
من البقيَّة الصالحة لعمَّال الشيخ أبي اليقظان السيِّد الفاضل المعمِّر حاليا بحوالي 80 سنة: ”بدر الدين صاري بن يوسف“ (1) كان يعمل سابقا في مطبعة ( Typo-Lytho) وعمره 15 عاما، تعلَّم فيها التصفيف بالعربية والفرنسيَّة، وكان الوحيد المسلم ضمن عمَّال المطبعة المذكورة، إلى أن انتقل إلى مطبعة الشيخ أبي اليقظان، فكان سندًا قويًّا للعمل وتعليم عمَّال الشيخ التصفيف، ثمَّ تسيير الآلات وقد اضطرَّ الشيخ إلى استخدام رجل فنِّي أوروبي، أخذ منه عمَّالُه التقنيات الخاصَّة بالطَّباعة، وخاصَّة تسيير آلات الطبع.
وقد عمل في المطبعة غير هؤلاء كثيرون، وبرز فيهم ابنه المرحوم عيسى الذي أخذ بزمام المطبعة كليَّة، بعد أبيه أثناء الحرب العالمية الثانية ولعلَّ ذلك كان سنة 1941م.
خامسا- علاقة الشيخ بعمَّاله:
أمَّا ماديًّا فكان ربُّ العمل يريد إفادة عمَّاله بكلِّ ربح ممكن؛ عملا بمبادئ المعاملات الإسلامية السمحاء، فكان يمنحهم الأجر الذي يقبلونه مراعاة لظروف المطبعة - حسب تقرير الأحياء منهم- وهذا رغم الظروف الصعبة للمطبعة وكان يعاملهم معاملة عادلة، كلٌّ على حسب نشاطه ولا دخل لغيرها لتقدير الأجرة؛ أخبرني السيِّد بدر الدين صاري أنَّه ترقَّى، فصار الشيخ يمنحه نسبة 30 في المائة من الفائدة، بعد أن كان يعمل بقيمة 31 فرنك شهريًّا.
وكان عمليًّا يستشيرهم في تقنيات الطباعة لحسن الإنتاج، غير مستبدٍّ برأيه، فكان عمله جماعيًّا وفق ما تقتضيه قواعد ”المانجمات“ العصري الحالي.
أما معنويًّا وروحيًّا فحدِّث ولا حرج، فقد كان مرحا مع عمَّاله؛ حتَّى أنَّهم لا يجدون حرجا من المزاح معه، بل هو الذي كان ينمِّي روح المرح في عمَّاله؛ إذ
__________
(1) - يسكن حاليا بحيِّ بوزريعة (الجزائر العاصمة). (1/132)
صفحة 133
كان مولعا بالمناظر الطبيعيَّة الخلاَّبة، يقضي أوقاتا في تملِّيها ومناجاتها، ولعلَّ من أبدع مناجاته ”ساعة في الشريعة“:
أيُّها المغرمُ حقًّا بِمُناجاة الطبِيعَه
خُذ "تُومُوبِيلَ" واصعَدْ نحو غابات ”الشريعه“
ترَ منها ضمن سِفْرِ الكونِ آياتٍ بَديعَه
من جلالٍ وجمالٍ ومقاماتٍ رَفيعه
بين ظلٍّ وظِلال حول ساحاتٍ منيعَه
في هواها غذِّ رُوحًا هي بالأنسِ رَضيعَه
وتنفَّسْ من نسيمٍ لم تُسمِّمْهُ الخديعه
زيادة على جبال ”الشريعة“ قرب ”البليدة“، كان الشيخ مغرما بخرجات الأنس مع عمَّاله، وأحبابه إلى كلِّ المعالم الطبيعيَّة حول الجزائر، وأخصُّ بالذّكر منها ”حمَّام ملوان“. ومرَّة ألحَّ عليهم بالخروج، فخرجوا جميعهم، إلاَّ السيِّد تاعموت الذي كان لا يحب الخروج كثيرًا فهجاه الشيخ ولم يبال:
ويرى أعمُودُ عيسى بيتَه الروضَ الحزين
ونرى ذلك منه كجُنونٍ من فنُون (1)
مع الملاحظة أنَّ الأعمود في الميزابية ”فْلاَنْ دَعْمُودْ“ يعني أنه منعدم الروح والشعور.
هذه بعض معاملات الشيخ أبي اليقظان مع عمَّاله، وجوِّ الأنس السائد في المطبعة، من جدٍّ في وقته للعمل المنتج الممتاز، ثمَّ المرح والترفيه لمواصلة المسيرة الشريفة.
__________
(1) - ليستقيم الوزن يجب كتابة البيت المنقول هكذا:
ويرى أعمود عيسى ... بيته الروض الحزين
ونرى ذلك منه ... كجنون من فنون (م. ن. ب) (1/133)
صفحة 134
أمَّا الدرجة الفنيَّة للطباعة فهي درجة رفيعة جدًّا - بالنّسبة لوقتها - وخاصَّة طباعة الجريدة، ويمكن إدراك هذا بوضوح اذا قارنَّا جرائد الشيخ أبي اليقظان ببعض صحفنا اليوم، وهي مطبوعة بالأوفست، وحتَّى الصور التي تكون في بعض جرائد الشيخ، فيها مسحةٌ من الفن بديعةٌ؛ انظر - مثلا - صورة المرحوم الشيخ سليمان باشا الباروني في جريدة الأمَّة (1)، ثمَّ صورة الباخرة التي تتبع الإعلان عن السفر الى البقاع المقدَّسة، وقد أعيد نشرها مرارًا، ومنها جريدة الأمَّة (2).
سادسا- مقارنات اقتصادية:
إذا جئنا إلى مقارنة بين بيع جرائد الشيخ وسعر التكلفة فإننا نجد العجب العجاب؛ ولإدراك قيمة الفرنك في ذلك الوقت نبيِّن ما يلي:
(الفرنك هو الوحدة العددية للتسعيرة في ذلك الوقت وهي تمثِّل: 1سنتم من الفرنك الثقيل ( le franc lourd)، التي صارت العملة الرسمية في الجزائر، بعد مجيء الرئيس ديقول إلى الجمهوريَّة الفرنسيَّة، هذا من الناحية العدديه البحتة، أمَّا من ناحية القيمة النقدية في وقت ما، فلا يمكن تصوُّرها إلاَّ تقريبيا؛ حيث لم أتمكَّن من بلوغ المصادر لذلك؛ رغم المجهودات المتتالية، والبحوث المتتابعة في مؤسَّسات الوطن، وفي المؤسَّسات المالية في فرنسا، وطبعا الكثير منها عبر الشبكة العالميَّة للانترنت؛ حتَّى تمكن المقارنة. وقد أخَّرت بحثي علَّني أجد ضالَّتي في بعض مطابع الجزائر، وعلقت كثير أمل بمخطوطات الشيخ أبي اليقظان؛ لعلَّني أجد فيها بغيتي، وخاصَّة فاتورات شراء المواد المطبعيَّة الداخلة في تكلفة الجريدة, من ورق جريدة ( Papier Journal)، وحبر أسود ( Encre noire)، ولكن قدَّر الله فكان. فالأسعار بقيمتها النقديَّة تقدَّر في كلِّ تاريخ بمقاييس مؤثِّرة مباشرة في سعر المادة
__________
(1) - الأمَّة، عدد: 51، (21 شعبان 1354هـ / 19 نوفمبر 1935م).
(2) - الأمَّة، عدد: (9 شوال 1353هـ/ 15 جانفي 1935م). (1/134)
صفحة 135
المرادِ مقارنتُها في زمن متأخِّر بزمن آخر بعده. ولا تكون المقارنة حقيقيَّة إلاَّ بفاتورة، بتاريخ الزمن المتأخِّر المرادِ تقديرُ القيمة فيه. ولو كانت قيمة الذهب معلومة؛ رغم أنَّ الذهب قد يكون مؤشِّرا معينا على العمليَّة. وإذْ لم أصل الى هذا المصدر الدقيق من فاتورات، أو مثلها فإنِّي لم أتمكَّن من التقدير إلاَّ تقريبيا. فانظر معي مثلا قيمة دارٍ، بنيت بناء عصريا، فيها الطابق الأوَّل والثاني، وفيها جنان كبير تقدَّر كليَّة مساحتها الإجمالية بـ 250م2، اشتراها صاحبها بقيمة 30 ألف فرنك، سنة 1930م. وصاحبها قدَّرها في هذه الأيَّام بثلاثة ملايين دينار جزائري، أي 300 مليون سنتم قديمة. فيكون إذا: 30.000 ألف فرنك في عام 1930 مضروبة في 10.000 مرَّة = 300 مليون سنتم حاليا. فإذا أخذنا هذا المقياس إذا تكون القيمة النقدية للرَّاتب الشهري للعامل المذكور أعلاه (أي 30 فرنك في سنة 1930م) مضروبة في 10.000= 30.000 دج حاليا.
أظنُّ أنَّ هذا لا يستقيم مع الواقع، وخاصَّة إذا علمنا أنَّ الجريدة تكلفتها عالية، وبيعها يكون دون تكلفتها؛ لهذا كان الشيخ أبو اليقظان ومن معه من العمَّال يقبلون كثيرًا من التضحيات في الموضوع. كما هو معترف به من الجميع. وتدلُّ عليه بوضوح كتاباته المتواترة. وميدانيا تصرخ به حالة المطبعة.
وقد يتبَّين هذا جليًّا إذا كان انطلاق التقدير من قيمة الذهب في ذلك الوقت أو غيره من المواد، مثل الزيت الذي تمكَّنت من معرفة قيمته في الثلاثينيَّات، وهي 0.36 للتر الواحد، أو القهوة 0.825، أو السميد 0.135 (1). وقيمة الشاة حوالي: 0.20 سنتم (2).
لكن رغم هذا حاولت تقدير تكلفة الجريدة في ذلك الوقت؛ مستعينا بخبير في التاريخ وآخر في الاقتصاد، هما الأستاذان الفاضلان: حواش عبد الرحمن وبكلِّي عبد الوهّاب بن عبد الرحمن، فوصلت إلى الأسعار التالية بالمعطيات الآتية:
__________
(1) - ينظر "الانتحار التجاري"، جريدة الأمَّة، عدد: (22 أكتوبر 1935م).
(2) - يلاحظ أنَّ القهوة أغلى من الشاة في ذلك الوقت. (1/135)
صفحة 136
قيمة كاغد الجريدة في الثلاثينيات: رامة بحجم 56×90 تساوي 0.020 سنتيمًا. وفي سنة 1970م كان سعر الرامة: 220.00دج، وبعد مرور 30 سنة صار سعرها 1.200دج، أي في سنة 2000م. أي بمضاعفته 60 مرَّة تقريبا، فيكون إذا في سنة 1930م، أي قبل 40 سنة حوالي: 1200دج مقسومًا على 60، فيساوي حوالي 0.20 سنتمًا، أي 1200 مقسومًا على 60 (وإذا قسِّم على سبعين، أي بالفارق الحقيقي بين عام 2000 وعام 1930م، يكون الفارق مع الواقع هو 0.17 سنتمًا). وقل مثل هذا في الحبر تقريبا.
ولا يفوتكم مشكلة التصفيف وصعوبته، فقد كان وقتها مائة في المائة يدويًّا، هذا التصفيف اليدوي الذي عمَّر حوالي 500 سنة. والذي يتمُّ التصفيف به في الساعة ما مقداره - حسب الضوابط العالميَّة- ما بين 1200 و1500 حرف. وإن التصفيف بالعربية أقلُّ من ذلك عددًا، وأكثر جهدًا، وخاصَّة إذا علمنا أنَّ التصفيف بالآلة ( Monotype) يصفِّف من 6.000 إلى 9.000 حرف. وهذا حسب الضوابط العالميَّة كذلك (1).
أمَّا التصفيف بالتّصوير ( Photocomposition)، فحدِّث ولا حرج، فالسُّرعة موكولة لدرجة سرعة الراقن، وإتقان التحكُّم في الكومبيوتر، ويصل بعضهم إلى 16 صفحة بسهولة في الساعتين. (وحسب المصدر السابق فإنَّ الضابط العالمي يقول يصفِّف بها 500.000 حرف في الساعة).
لهذا قدَّرت حوالي 80 ساعة، أي حوالي عشرة أيام لمصفِّف واحد لإتمام تصفيف الجريدة. يقدَّر لتصفيف صفحة حجم 12×19 حوالي 5 ساعات مع تفكيك الحروف بعد التصفيف بحروف بنط 16.
أمَّا السحب في الآلة فيستدعي على الأقلِّ 30 ساعة، إذا علمنا أنَّ الورق يقدَّم إلى الآلة يدويا. هذا إذا كان عدد النسخ المسحوبة لكلِّ جريدة يساوي 1.500 نسخة (2).
__________
(1) - ينظر: Universalis P._842 tome 9 –1985
(2) - معلومة أفادنا بها أبونا الشيخ عدُّون (حفظه الله) وأكَّدها الأستاذ يحي بن عيسى حفيد الشيخ أبي اليقظان. (1/136)
صفحة 137
أمَّا طي الجريدة وتهيئتها لبعثها للمشتركين، فغالبا ما تقام له حملات تطوعيَّة في محلِّ السيِّد الكريم بكلِّي صالح بن الحاج بكير بنهج لالير الجزائر (1).
وقدَّرنا قيمة ما يقتنيه العامل شهريا مقارنة بالقيمة النقدية حاليا بحوالي 10.000دج.
لهذا وبعد الدراسة والتمحيص أرى أنَّ الجريدة سعر تكلفتها حوالي (0.061) سنتم، وأنتم تعلمون أنَّها تباع بِـ 0.050 سنتم.
سابعا - المطبعة من المنظور المادي: الزبائن - بيع جرائدها
هكذا ندرك حقائق ملموسة في سير المطبعة، فهي لم تكن للرِّبح، لا من قريب ولا من بعيد، فإنَّ الشيخ أبا اليقظان كان غرضُه أسمى، وهدفه أرقى، وقد صرَّح للسيِّد تاعموت بذلك صراحة، لمَّا استقدمه لمساندته؛ بالعمل معه، وإلاَّ كيف يعقل أن يباع منتوج بقيمة تكلفته، أو بأقلِّ من ذلك؟ إن لم يكن الغرض أشياء أخرى غير الربح المادي البحت.
إنَّ المرء لينبهر من أمثال هذه المواقف، وخاصَّة إذا علمنا أنَّ الشيخ أبا اليقظان كان في كثير من الأحوال لا يتحصَّل حتَّى على هذا المردود الضئيل، إلاَّ بعد جولات له أو لعمَّاله. وكانوا يقابلون في كثير من الأحوال بالاستخفاف المشين، فمن قائل لهم: إذا أردتم استرجاع جرائدكم فخذوها، وهذا بعد أن أفنوها قراءة وطالت مدَّة عدم التسديد.
لكن الشيخ ظلَّ صامدا مجاهدا؛ رغم الظروف الماديَّة الصعبة، التي لازمته دوما، وكان يقول - رواية عن الشيخ عبد الرحمن بالميزابية -: «يرظيي لمراوغيك راس الشهر» وكان يسميه ( P) « راس البغل». ولسان حاله يقول:
لقد كان القريضُ سميرَ قلبي ... فألهتني القرُوضُ عن القريضِ
__________
(1) - معلومة أفادنا بها الشيخ عدُّون. (1/137)
صفحة 138
من يتصفَّح جرائد الشيخ يجد فيها إعلانات متكرِّرة، مطالبة المشتركين بدفع ديونهم، حتَّى كانت في بعض الأحايين نداءات للاستغاثة.
إنَّ هذا ما يفسِّر بوضوح تخصيص الصفحة الرابعة من جرائده للإعلانات، ومنها لما هو خاصٌّ بأشياء غير ذات قيمة؛ بسبب الاحتياج الكبير لعائدات الإعلان لتغطية المصاريف.
ثامنا - مداهمات المطبعة العربية من طرف السلطات الاستعماريّة:
كانت السلطات الاستعمارية تستمع إلى الوشايات المغرضة، وكانت تشتكي من أنَّ الشيخ أبا اليقظان يتَّصل بالشيخ عبد الحميد بن باديس، وأن مطبعته تطبع انتاجاته، وتطبع المطبوعات الوطنيَّة والثوريَّة، من نشيد ومنشورات ( PPA) وإشاعات غيرها، فصبَّت جام غضبها على الشيخ أبي اليقظان، بإيقاف جرائده الواحدة تلو الأخرى. وإنَّ المرء ليعجب من صلابة الشيخ، وطول نفسه من عدم الاستسلام للقهر والضغوط في كلِّ الأحوال، فاضطرَّ إلى إخفاء اسمه وراء أشخاص آخرين؛ جنديًّا مجهولا، لمواصلة المسيرة والجهاد، ممَّا أدَّى بالاستعمار إلى مداهمة المطبعة مرارًا.
فمرَّة – يحكي السيِّد عمر بن بكير – داهموا المطبعة، وفي يدهم وثيقة في يد كبيرهم، يبحث عن الحروف التي طبعت بها، وما ترك مكانا إلاَّ مكانها، وكانت أمامه مباشرة، ولكن الله تعالى حفظ، فهو يدافع عن الذين آمنوا، وكان الشيخ في مكتبه هادئا راضيا بقضاء الله، داعيا الله اللطف والحفظ ..
تاسعا - المطبعة وآثارها الاجتماعيّة والوطنيّة:
لا شكَّ أنَّ الشيخ بمطبعته أسهم إسهامًا فعَّالاً في نشر أخلاق السلم والسلام، ومعاني الصلاح والإصلاح في المجتمع، فقد ساندت الأعمال المنتجة في المطبعة، من جرائد وكتب كلَّ نشاط وطني، وكانت رافدا من الروافد المهمَّة التي (1/138)
صفحة 139
تصبُّ مباشرة في بعث الروح العلميَّة والثقافية، ثمَّ الروح الوطنيَّة والثورية في كامل طبقات الشعب الجزائري.
ممَّا يجدر بالتنويه أنَّ الشيخ أثَّر في عمَّاله بروحه النضاليَّة الجهاديَّة. فهذا أحد عمَّاله السيد ”روان عبد الحميد بن يوسف“ يتأثَّر بروح الشيخ، فيكون فدائيًّا في جبهة التحرير، وقت محاربة الاستعمار، فأودع السجن، ولكن روح عدم الاستسلام للرزايا تنبض في جانبيه؛ جذوةً أوقدها فيه الشيخ، فأبى إلاَّ أن يحاول الفرار لمواصلة الجهاد، إذ طلى يديه بالصابون في السجن ليسهل عليه جذبهما من الرباط، لما نُقل إلى المقصلة في ساحة الشهداء بالجزائر العاصمة.
كما أنَّ الروح الإسلامية للشيخ برزت عيانا في عمَّاله. مثل عامله السيِّد ”بدر الدين صاري بن يوسف“، الذي بلغ من الكبر عتيًّا، ولكنه بلغ كذلك من الدرجات أعلاها رقيًّا، فقد ابتنى من حرِّ ماله بيتا لله عامرا، في حيِّ بوزريعة مطلاًّ على غابة باينام في الجزائر العاصمة حاليا.
فإن كان العمَّال مع شيخهم ضعاف الأجسام نحافا، فقد أذابوها في خدمة الله ونصرة العلم سنينَ متتاليات عجافا، واعتبروا المادة وجمعها من سقط المتاع استخفافا.
وإذا كانت النُّفوسُ عِظامًا تعِبَت في مِراسِها الأجسادُ
خاتمة: مجمل البحث إنّما هو للادّكار والاعتبار:
لئن كانت هذه بعض أحداث، سجَّلت بماء الذهب اسم الشيخ في سجلِّ الخالدين المجاهدين، فإنِّي لا أرجو بسردها إلاَّ الاقتداء به، والاهتداء بهديه، في كلِّ المجالات، التي تعلو بالإنسان، وتبلغ بالمجتمع الثريَّا، ثمَّ الدرجات العلا، عند الله. وإنِّي لأرجو الاقتداء بالشيخ أبي اليقظان في الالتزام بالمبادرات الجدِّية الجديدة، والمدروسة دراسة علمية دقيقة، فقد كان إنشاء المطبعة من طرف الشيخ طموحا كبيرا ومبادرة عظيمة، وخطوة لم يسبقه إليها في الجزائر الكثير، فإنَّهم لا يتجاوزون نصف عدد الأصابع في اليد الواحدة، وخاصَّة في التصفيف العربي. (1/139)
صفحة 140
فواجب علينا نحن الجزائريِّين، أن لا نبقى في المؤخِّرة، فاغرين أفواهنا أمام القطارات المارَّة علينا مصفِّرة سريعة، ونحن مشدوهون مبهورون، لا نحرِّك ساكنا في الإبداع، وخاصَّة وأنَّ لنا من وسائل العصر ما يجعل الأمر العسير يسيرا، فلم يبق سرٌّ غير مكشوف للباحث في المجالات الاقتصاديَّة الرائدة المدرَّة، وذلك بالرجوع إلى وسائل الإعلام العصريَّة، وإنَّ المؤسَّسات لا تتنافس الآن في التقنيات، فالمعلومات متوفِّرة للجميع، وإنَّما تتنافس في الميدان الاجتماعي والأخلاقي والمعاملات، حتَّى أصبح هذا الفرع في العالم هو الماناجمانت الجديد، الفائز فيه هو الناجح السعيد، وإنَّ لنا في أوفر التسيير الأخلاقي أعلى رصيد، من طرف الأجداد، فلنضف إلى مجدهم أمجادًا، والى نجاحاتهم أمدادا. والله وليُّ التوفيق والسداد، وإنَّه لهادي المسلمين إلى سبيل الخير والرشاد. والحمد لله ربِّ العالمين.
المراجع والمصادر
أولا- اللِّقاءات:
1 - مع أبينا الروحي الشيخ عدون (حفظه الله) يوم 25 فيفري 2003 بالقرارة.
2 - مع السيِّد الفاضل عمر بن بكير الحاج مسعود.
3 - لقاءات متعدِّدة وبالهاتف مع أستاذنا الفاضل د. محمد ناصر، الذي له الفضل كلُّه عليَّ في هذه المداخلة.
4 - لقاءات متعدِّدة مع الأستاذ الفاضل حفيد الشيخ أبي اليقظان يحي.
5 - ولا أنس أن أشكر المجهودات المضنية للأستاذ الفاضل الشيخ بكوش قاسم بن موسى، الذي وقف معي؛ مصمِّما على تلبية طلبي، باذلاً كلَّ ما في وسعه لأصل إلى مخطوطات الشيخ. وقد تجاوزت في هذا حتى العرف الميزابي فاتصلت هاتفيا - مرارًا - بالسيدة الفاضلة، التي علمتُ أنَّها دلَّت على مكان المخطوطات، ولكن محاولاتي كلَّها ارتطمت بالخيبة؛ رغم أنِّي لم أقطع الأمل إلا في هذه الأيَّام الأخيرة، ما جعلني أنتظر من هذه المخطوطات معلومات أبني عليها بحثي وتقديراتي - المادية خصوصا - ولله الأمر من قبل ومن بعد. (1/140)
صفحة 141
6 – لقاءات مع بعض من بقى على قيد الحياة من عمَّال الشيخ الأفاضل: مثل السيِّد بدر الدين صاري بن يوسف بمنزله ببوزريعة بالجزائر العاصمة يوم 3 فيفري 2003، بواسطة الفاضل حفيد الشيخ، الأستاذ يحي، والسيِّد بشير قاسمي، الذي عمل مصفِّفا بالمطبعة، ولكن بعد فترة الشيخ، وهذا ابتداء من سنة 1953.
ثانيا - مخطوطات من المكاتب التالية:
مكتبة الحاج إبراهيم أوزكري، وخزانة الشيخ الحاج عمر، وقد فتحت لي أبوابهما على مصراعيها بواسطة الأستاذ الفاضل ابن دريسو مصطفى.
مكتبة جمعية الشيخ أبي إسحاق، وقد ساعدني الأستاذ الحاج سعيد محمد في جمع المعلومات أكبر وأكرم مساعدة.
ثالثا - بعض المراجع والمصادر
• أبو اليقظان وجهاد الكلمة للدّكتور محمد ناصر.
• الشيخ ابو اليقظان هكذا عرفته للدّكتور محمد ناصر.
• أبو اليقظان في الدوريّات العربية الدكتور محمد ناصر بوحجام.
• مجلة الموافقات العدد الخامس جوان 1996.
ثمَّ لا أنسى اللقاءات الهاتفية المتعدِّدة والمتكرِّرة والمتوالية بالأساتذة والمشائخ أمثال: حواش عبد الرحمن، وعيسى وموسى محمد بالجزائر، بكلي يحي بن بكير بن الشيخ ( Cerist –Alger)، والأستاذ الوزير السابق بكلي عبد الوهاب بن الشيخ عبد الرحمن، الذي سلَّم لي مخطوطات مهمَّة لوالده المرحوم الشيخ عبد الرحمن، ثمَّ الأستاذ حوَّاش بكير بن إبراهيم، بمدينة ليل بفرنسا، والأستاذ بن دريسو صالح بمرسيليا، وغيرهم.
وهنالك مجهودات بحث في الشبكة العالميَّة للإنترنت أثبتُّها مع البحث علَّها تمهِّد الطريق وتقرِّبه للباحث بعدي (1).
__________
(1) - لم نتمكّن من إثباتها مع البحث لظروف استلزمتها قواعد النشر. (م. ن. ب). (1/141)
صفحة 142
F
صحافة أبي اليقظان في عين الشيخ عبد الرحمن
الدكتور مصطفى بن صالح باجو (1)
ترى الرَّجُل النحيفَ فتزدريه ... وفي أثوابِه أسَدٌ هَصُورُ
كلمةٌ صادقةٌ على علَم بارز دوَّى فأسمع الصمَّ والمتصاممين، وهزَّ فأيقظ السكارى والنائمين.
أبو اليقظان، كلمةٌ دخلت قاموس الحركة الوطنيَّة، والحركة الإصلاحيَّة، وعالم الصحافة العربية من أبوابها العريضة، وركزت لها بندا خفَّاقا، وأعلت صرحا باذخا، وغدت معلما شامخا، لما تحمله كلمات الوطنيَّة والإصلاح والصحافة من معانٍ ودلالات.
لا يسع الباحث المنصف إلاَّ الاعتراف بالعجز عن إيفاء هذا الرجل العظيم حقَّه من الإنصاف، أزاء ما قدَّم وأعطى لدينه وأمَّته ووطنه، باعتبار الظروف الزمانيَّة والمكانيَّة التي حاصرته حصارًا شديدا، لا يثبت فيها إلاَّ أولو العزم وراسخو الإيمان.
استعمار عسكريٌّ متسلِّط، وفقرٌ ماديٌّ مدقع، وجهل مستشرٍ في كلِّ الأوساط، وإخلادٌ لحياة الموت والفناء، في عالم يمور بالأحداث المزلزلة، تهزُّ أركانه في كلِّ المجالات، وتسعى كلِّ أمَّة لتحتلَّ صدارة الدنيا، وإلاَّ سحقتها مطاحن الزمان.
من رحم هذا الثالوث الأسود ولد أبو اليقظان الصحفي، وقام يهزُّ الرقود ويحيي الموات، يبعث في الأمَّة صرخة الإنذار، ويقارع وحيدًا أعزل جبروت الاستعمار.
__________
(1) - أستاذ بجامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية بقسنطينة (الجزائر)، وكليّة التربية بنزوى (سلطنة عمان). (1/142)
صفحة 143
يدفعه إيمان بقضيَّة أمَّته ووطنه، ويقين بمعيَّة الله، وثقة بصواب الوسيلة، وإصرار على مواصلة المسير، وأمل بنجاح المهمَّة وبلوغ المرام.
لماذا اختار أبو اليقظان ميدان الصحافة مجالا للجهاد المقدَّس، بالكلمة الطيّبة، والنصيحة لله ورسوله والمسلمين، ومقارعة للظّلم وجنوده المبطلين، ودفعًا للفساد وفضحًا للكائدين؟
لم يكن اختيار أبي اليقظان لمجال الصحافة قرارا ارتجاليًّا، ولا نزوة تبتغي شيئا من مطامع الحياة وإشباعا لغريزة الظهور والزعامة.
بل كان ذلك نتيجة فكر مستبصر، ورؤية نافذة، تستكشف البواطن، وتسبر العلل والأسباب، وترى في الصحافة الوسيلة الأنجع، والكلمة الأسمع، والعصا الأقرع، والمنبر الأوسع، للوصول إلى كلِّ إنسان، من وليٍّ وعدوٍّ، وقريب وبعيد. وإبلاغ المطالب لكلِّ مسؤول، مهما علا به المقدار، وتحصَّن بالحجب والأسوار.
ومن نافلة القول التذكير بمولده، وأنَّه كان بالقرارة، (ميزاب)، يوم 29 صفر 1306هـ الموافق ليوم 5 نوفمبر 1888م. وبها وافاه أجله المحتوم يوم الجمعة 30 مارس 1973 الموافق ليوم 25 صفر 1393هـ على الساعة العاشرة ليلا، وبلغ من العمر سبعًا وثمانين سنة قمريَّة، إلاَّ أربعة أيَّام.
نشأ يتيم الأب، فقده قبل أن يتمَّ رضاعه (1307هـ)، فكفلته أمُّه المسلمة البارَّة، وإن في عيشٍ ضيِّق، وشاء الله ربُّنا أن يثمر غرسها، ويبارك في هذا اليتيم الفقير، فيجعل منه علما من أعلام الإصلاح في زمانه.
أمَّا صورة الرجل في معترك الصحافة وأتونها، فندعها للشيخ عبد الرحمن بكلِّي (1) يتولَّى بيانها، وليس كالأقران الأصفياء مرآة صادقة في تصوير أنفس العظماء.
__________
(1) - الشيخ عبد الرحمن بن عمر بكلِّي، الشهير بالبكري؛ عالم جليل من علماء الجزائر، ولد بالعطف يوم الخميس 20 جمادى الثانية 1319هـ الموافق لـ 3 أكتوبر1901م. بدأ التعليم على مشايخ بلدته، ثمَّ انتقل إلى تونس في أواخر سنة 1922م، والتحق بالبعثة العلميَّة الميزابيّة، التي كان يشرف عليها الشيخ أبو اليقظان إبراهيم، ودرس في تونس على مشايخ جامع الزيتونة والمدرسة الخلدونيّة ما بين 1926م و1929م.
كان وثيق الاتّصال بطلائع الحزب الحرّ الدستوري: الشيخ عبد العزيز الثعالبي، والشيخ أبي إسحاق إبراهيم اطفيش، والشيخ توفيق المدني ..
في سنة 1931م شارك الشيخ في الجلسة التأسيسية لجمعية العلماء المسلمين الجزائريّين، وعيِّن عضواً في لجنة صياغة قانونها الأساسي.
دخل ميدان التجارة لعدَّة سنوات، وكان ساعدا لأبيه فيها، وظلّ موصولا بالحركة الفكريّة والأدبيّة، كما كان نعم المعين للشيخ أبي اليقظان في نضاله الصحفي، وكان أيضا عضوا بارزا في جماعة الإباضيّة بالجزائر، ومتّصلا بحركة الإصلاح بالعطف. عيِّن عضوا في حلقة العزَّابة بالعطف سنة 1934. وفي سنة 1939م ترك ميدان التجارة نهائيًّا، وانتقل إلى بريّان بدعوة من أعيانها ليتفرَّغ للتّعليم، فأدار مدرستها، وعُيِّن واعظا ومرشدا في مسجدها، فعضوا في حلقة عزَّابة بريان، ثمَّ رئيسا للحلقة. وفي 1945م شارك في تأسيس جمعية النهضة بالعطف، وعيِّن رئيسا شرفيًّا لها. وفي تأسيس جمعية الفتح ببريان سنة 1946.
سجن في السجن العسكري بالأغواط سنة 1957 لمشاركته في الثرة الجزائريّة.
وفي سنة 1966م عيِّن عضوا بالمجلس الإسلامي الأعلى عند تأسيسه، وعضوا في لجنة الإفتاء فيه.
تولَّى رئاسة مجلس عمِّي سعيد بعد عجز الشيخ بيوض إبراهيم عن حضور جلساته، ومَرضِ نائبه الشيخ يوسف بن بكير حمو وَعلي.
أنشأ في أواخر السبعينيات - ندوة أسبوعيّة يوم الأَربعاء، في منزله، يحضرها نخبة من الأساتذة والمرشدين، استمرَّت إلى آخر يوم في حياته، ولا تزال تعقد إلى اليوم بمسجد بريان، وتعرف بـ: ندوة الأربعاء، أو ندوة الشيخ عبد الرحمن.
من أعماله المطبوعة:
- تحقيق «كتاب النيل» للشيخ ضياء الدين عبد العزيز الثميني
- تحقيق كتاب «قواعد الإسلام» للشيخ إسماعيل الجيطالي.
- «فتاوى البكري» في جزأين.
- «وصيّة البكري».
- له آثار مخطوطة عديدة في الفقه والتاريخ والأدب والاجتماع.
وفاته:
انتقل إلى رحمة الله مساء الإثنين 3 جمادى الأولى 1406هـ /13 جانفي 1986م. وشيِّعت جنازته يوم الأربعاء 5 جمادى الأولى 1406هـ/15 جانفي 1986م.
ينظر ترجمته مفصَّلة في:
جمعية التراث، معجم أعلام الإباضية، ترجمة رقم:548. طبع دار الغرب الإسلامي، بيروت.
مصطفى باجو، الشيخ عبد الرحمن بكلّي، معالم جهاد وومضات فكر. طبع مطبعة تقنية الألوان، الجزائر. (1/143)
صفحة 144
وإليكم صورة أبي اليقظان وتحليل دور صحافته التاريخي في مجال الوطنيّة (1/144)
صفحة 145
والإصلاح، رسم ملامحها وألوانها وشكّل ظلالها الشيخ عبد الرحمن، ثمَّ نتبعها برسالة بعث بها إلى رفيقه وصديقه أبي اليقظان، يستحثّه لمواصلة المسير، بعد انقطاع عن الصحافة، أربى على عشر سنين. علّه يعاود الكرّة، وينازل الأعداء، بعد أن نجم قرنهم واستأسدوا حين آوت الأسود إلى عرينها.
كلا اللوحتين صادقة رائعة، دبّجهما الشيخ عبد الرحمن بأسلوبه الطليّ، وأدبه النديّ، وهما منجم غنيّ ومادة ثمينة للدّارسين والباحثين.
يذكر الشيخ عبد الرحمن بواكير صلته بأبي اليقظان قائلا: «وأنا كمعاشر ملاصق له سنين عديدة يضمّنا منزل واحد في تونس أيّام البعثة العلميّة الميزابيّة، وفي الجزائر أثناء خوض معركة الصحافة، وتأسيس المطبعة العربية في دوره العصيب، بل وحتّى بعد أن انصرف عن الصحافة إلى التأليف، كنت بجانبه ولم أفارقه، مساعدا له ومناصرا، أبادله الرأي وأشاطره المعونة» (1).
يصف خصائصه النفسيّة والخلقيّة والإيمانيّة، وصفا يحمل في مطاويه الإعجاب والتقدير مع التحليل والتفسير. يقول الشيخ عبد الرحمن: «عاشرته مدَّة طويلة، وتمرَّست به في شتّى حالاته، وخبرت نفسه بما يفضي إليّ به من حين لآخر، فكان الرفيق في عشرته، النزيه في معاملته، ضحوك السنّ، بارع النكتة، مرحًا إلاَّ إذا حزبه أمر يسيء، فيتحمّله صابرا راضيا بقضاء الله تعالى وحكمه محتسبا، متواضعا، كثير الاحتمال لأصدقائه، منصفا إذا أخطأ، يقبل الحق ولا يكابر، سليم الصدر لا يضغن ولا يحقد ولا يغضب، إلاَّ إذا انتهكت حرمة من حرمات الله.
وبالجملة فقد كانت أخلاقه أخلاق السلف الصالح، وعشرته عشرة المسلم الذي سلم الناس من لسانه ويده، والمؤمن الذي أمّنه الناس على دمائهم وأموالهم.
__________
(1) - الشيخ عبد الرحمن بكلّي، محاضرات البكري في العلم والعلماء رتَّبها وأعدَّها للطبع، مصطفى باجو. (1/145)
صفحة 146
عرفت فيه المسلم الصحيح العقيدة، المخبت دينه لله، الذي لا يفتر عن تلاوة كتاب الله، اتَّخذه ورده الراتب، يستهلُّ به يومه، متنسّكا خاشعا لله، يوحي منظره بالخشوع والتقوى والاستقامة. لم يأل جهدا في بثّ هذه الروح الطاهرة في نفوس معاشريه من أبناء البعثة التي كان يشرف عليها، زيادة على الدروس الدينيّة التي كان يلقيها عليهم دراكًا، يطعّم بها نفوسهم ويثبّتهم بها على نهج الاستقامة.
عرفت فيه المؤمن القويّ: قويّ في إيمانه، قويّ في أخلاقه وإخلاصه، قويّ في موقف الحقّ لا يحيد عنه ولا ينثني، قويّ على أعداء الله، لا ترهبه قوّتهم ولا كثرتهم، معتصم بالله الذي كتب لنفسه العزّة ولرسوله وللمؤمنين. غيور على الإسلام ومؤسّساته ووحدته، ويسوؤه أن يرى المسلمين أنّى كانوا مضطهدين مختلفين جاهلين.
• هذه النفسية الكبرى هي التي حملته على الهجرة إلى يسجن ليتلقَّى معلوماته عن مجتهد الأمَّة الشيخ امحمد اطفيَّش ( P).
• وإلى تونس سنة 1912، و1916 لملازمة حلقات الزيتونة.
• وإلى تأسيسه مدرسة قرآنية على الطراز الحديث بالقرارة سنة 1915.
• وإلى الإشراف على البعثة العلميّة في تونس من سنة 1914 إلى 1926.
• وإلى المشاركة في تأسيس الحزب الدستوري بها في سنة 1917، وبلائه الحسن في نصرة زعيمه يومئذ الشيخ عبد العزيز الثعالبي، إسعادًا لأمّة مسلمة شقيقة في قضيَّتها المصيرية.
• وإلى المشاركة في تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريّين سنة 1931، فانتخابه عضوا في إدارتها نائبا لأمين ماليتها.
• وإلى إنشاء المطبعة العربية على حين فقد الطباعة الوطنيّة بالجزائر، سنة 1931.
هكذا نجد سرَّ ما حقَّقه من أعمال، وبلغه من أهداف يكمن في هذه الروح القويَّة التي تقمَّصها ذلك البدن الضعيف. ولم يكن فقيدنا ( P) أغزر أهل مجتمعه علما، ولا أقواهم بنية، ولا أغناهم مالا، ولا أكثرهم أنصارًا، ولكنه كان (1/146)
صفحة 147
من أصحِّهم عقيدة، وأكثرهم إخلاصا، وأبعدهم همَّة، وأصفاهم نيَّة، وأشدِّهم غيرة على الإسلام والمسلمين.
«ما فضلكم أبو بكر بكثرة الصلاة والصيام، ولكن بشيء وقر في صدره» (1).
وما إن فازَ أغزَرُنا علومًا ... ولكن فازَ أسلمُنا ضميرَا (2)».
«ساءه أن يرى أمَّته تسام خسفا، وتساق سوق الأنعام إلى المجازر، وهاله الجور المطبق الذي عمَّ طبقاتها، ورأى إدارة الاستعمار الغاشمة، وقد استعانت على إذلال الأمَّة بِخَوَنة وتحُوتٍ من أبنائها، منحتهم وظائف خياليّة (قياد، وأغوات، وبشغاوات) أوهمتهم أنّهم الحكَّام بأمرهم، تجب طاعتهم على كلِّ حال، ويحرم عصيان أمرهم وإن بلغوا ملمس العفّة والحياء، فسلَّطَتهم على بني جلدتهم كلابًا مسعورة، وقذائف يحرقون ويدمّرون، فأشغلت البعض بالبعض وتفرّغت لإذلال الكلّ.
لا مدارس صالحة تنشئ جيل المستقبل، اللهمَّ إلاَّ على شبه خرافات ”الصوالح“ و”ابن سيدوه“ و”قصص جحا“ تذهب أعمارهم سدًى، وتحبّب إليهم المستعمر وحياة الذلّ والاستعباد. ولا هيئات ودعاة ملّيّة أو أحزابا سياسيّة، توقظ الشعور في الأمة، وتدعوها إلى الحياة، ولا صحافة نزيهة، تعبّر عن آلامها وآمالها، وقد توثق المستعمر لإدامة موت الأمَّة، بسدّ منافذ الحياة، وغلق معاهد العلم في وجه أبناء البلاد، اللّهمّ إلاَّ أبناء بعض عملائها المدلّلين، ثم أغرقتهم فوق ذلك بسيل من أبنائها الغلاة، فمكّنتهم من خيرات البلاد يمتصّونها، ويسخّرون أربابها عبيدا، فحرمت الإدارة العسكريّة بغطرستها وظلمها الأمَّة الجزائريّة أدبيا، وأبناءه النازحين إليها بامتصاصهم خيراتها ماديا، فأصبح أبناء البلاد كالغثاء يُرمى على الشاطئ.
__________
(1) - لم أجده في كتب الصحاح ولا السنن. وقد أورده ابن رجب الحنبلي غير منسوب لأحد. انظر: جامع العلوم والحكم. ج،1 ص30.
(2) - البيت من قصيدة لمعروف الرصافي مطلعها:
كفى بالعلم في الظلماتِ نوراً ... يُبيِّن في الحياة لنا الأمورَا (1/147)
صفحة 148
أزاء هذه الحالة الأسيفة تحرَّكت دماء الغيرة في عروق أبي اليقظان، فدفعت به إلى ميدان الصحافة، يخوض غمارها ببسالة وشجاعة القائد الماهر، واستطاع بفضل إخلاصه ابتغاء وجه الله بعمله أن يبلغ بعض أهدافه، ومن الأمَّة بعض ما يريد منها، فتظافرت صحافته وصحافة العلاَّمة ابن باديس ( P) على حياة الأمَّة، فاستيقظ نائم وانتبه غافل، وانبعث عامل، فسرت الحياة في منابت عودها، وشقّت طريقها نحو غايتها، الأمر الذي أقلق المستعمر الطاغية، رغم اعتزازه بقوَّته ... » (1).
لم يكن حديث البكري عن صحافة أبي اليقظان كحالنا في هذا الزمان، نصوّر المشهد من مدرّجات المتفرّجين، غير مدركين لما يكابده المتنافسون أو المتصارعون. بل كان البكري مع صاحبه في خندق واحد، وإن تشرَّف أبو اليقظان بحمل اللواء وتصدُّر المعركة.
أجل لقد ظلَّ الشيخ عبد الرحمن نعم المعين للشيخ أبي اليقظان في نضاله الصحفي، سيما ما يتعلَّق بتعريب المهمِّ من المقالات، التي تصدر في الصحف الفرنسيّة بالجزائر وبفرنسا، لتضلُّعه في اللّسانين؛ وقد نشرت له العديد من المقالات، وكانت ممضاة غالبا باسم «البكري»، أو باسم «عبد الرحمن بن عمر».
من وحي هذه المعاناة يسجّل البكري «بمداد الفخر والإعجاب جهاد أبي اليقظان العظيم في ميدان الصحافة، وبطولته النادرة في مضمار الوطنيّة، والثّبات على مبدإ الحقّ والتصريح به. فلقد رفع عقيرته بالحقّ، ونعى على الاستعمار ظلمه، وعلى الطغيان عتوّه، وعلى التبشير تضليله، وعلى الجمود خموله وتنطّعه، بكيفية أكسبته إعجاب الصديق والعدوّ، في وقت استحكمت فيه حلقات الاستبداد، وأَصْلَتَ الجبروت سيفه على رؤوس العباد، وخنقت فيه أنفاس الحريّة: حريّة الصحافة والنشر، وأصبح من يخوض غمارها من الأهالي كمن يقطع مسبح التماسيح، فهو معرّض للخطر في كلّ لحظة وحين، لا يدري أيّ داهية تُصَبِّحه أو تمُسِّيه.
__________
(1) - الشيخ عبد الرحمن بكلي، «محاضرات البكري في العلم والعلماء». (1/148)
صفحة 149
أبرز جرائدَ ثمانيَ في فترة تتراوح من سنة 1926 إلى 1938، هي: وادي ميزاب، ميزاب، المغرب، النور، البستان، النبراس، الأمَّة، الفرقان.
سقطت الواحدة تلو الأخرى في ميدان الكفاح، وكانت كلَّما تمكَّنت الواحدة منها في السير وأتيح لها النشر والرواج، وأَدتها إدارة الاستعمار الجزائريّة التي تقوم أبدا سدًّا منيعا دون تقدّم المسلمين ويقظتهم» (1).
لقد آزرتُه في جهاده هذا نخبة صالحة من علية كُتَّاب الأمَّة، أبلوا معه البلاء الحسن، منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدَّلوا تبديلا؛ كالأستاذ الجليل زعيم الإصلاح الشيخ بيُّوض، والشيخ الثميني، والشيخ ابن الشيخ قاسم بن الحاج عيسى، والشيخ عدُّون بن بالحاج شريفي، والشعراء: مفدي زكريَّاء، ورمضان حمُّود، ورستمي بكير، والبكري كاتب هذه السطور، والأديب المخلص تاعموت عيسى، بدعايته وتوزيعه، وغيرهم كثير ممَّن لا تزال أسماؤهم مسجَّلة على صفحاتها.
هزهزت هذه الصحف أقطار الأمَّة ورجَّتْها رجًّا عنيفا، ورفعت من قيمة الإصلاح الذي يعتبر صاحبها أحد أعلامه، وذلَّلت العقبات ومهَّدت الصعوبات أمام العاملين، وشدخت رؤوسا عالية أعلاها الطغيان، فأطارت من أنوفها غنزوانتها، وجفَّفت دموعا كاذبة كان يتَّخذها الجامدون سلاحا يُغرون به بسطاء الأمَّة وساذَجيها. وربطت صلات الأمَّة الميزابيَّة بالمجتمع الإسلامي، فعرفها كثير من قرَّاء العربية، بعد أن كانت مجهولة لديهم تماما. ورفعت للجزائر رأسا في عالم الشرق والغرب، وشقَّت طريق الصحافة الوطنيَّة أمام الأمَّة الجزائريَّة. وحلَّت مشاكل اجتماعيَّة وعلميَّة كانت أعقد من ذنب الضبِّ. يستمسك بها خصوم الإصلاح، ويتَّخذونها ذريعة لاصطياد العامَّة. فاستبانت الأمَّة طريق الرشد، ونزع الكثير رقبته من ربقة الذين يصطادون في الماء العكر، فزاد ذلك في الإصلاح بقدر ما نقص من جانب خصومهم.
__________
(1) - ينظر تفاصيل تاريخ هذه الجرائد في: د. محمد ناصر، أبواليقظان وجهاد الكلمة. المؤسسة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر. 1980. (1/149)
صفحة 150
بالجملة فقد نزعت الصحافة التي أشرف على تحريرها الشيخ أبو اليقظان أشواكا كثيرة من طريق الإصلاح، وصاولت دونه حتّى تأتّى له أن يتقدّم تقدّما لولا الصحافة ما كان يتقدّمه.
ودونك أبرز المواضيع التي طرحتها وأعطتها كامل عنايتها، فأتت بثمرات لا يجحدها إلاَّ كافر النعمة، ولا ينكرها إلا ناكر الجميل:
1 - صرخت في الأمَّة صرختها الداوية إلى العلم، فاستفاقت من سباتها نوعا، وسار تيَّار هذه الدعوة في أوساطها فأقبلت على مناهله، وإن كان إقبالا في فتور، وشربت وإن كان شرابها ارتشافا، وشفًّا لا اشتفافا، ولا عبًّا ولا اكتراعا.
2 - نازلت بعض طواغيت الحكَّام، الذين يظنون أنَّهم بنجوة عن القانون، ويخيَّل إليهم أنّهم الحاكمون بأمرهم، لا معقب لحكمهم ولا رادّ لأمرهم، فكشفت القناع عن مخالفاتهم، وأسمعتهم كلمة الحقّ قاسية، وناقشتهم الحساب في عدّة مواقف، الأمر الذي قيّد اندفاعهم وتركهم يتفكّرون قبل أن ينبعثوا، ويرتدّون أحيانا مخافة التعقيب والمناقشة والتشهير.
3 - تناولت بالّنقد بعض الأغنياء الذين بطرتهم النعمة، فتعدّوا حدود ما أنزل الله على رسوله، وحاولوا إذلال أمّتهم، وتسخيرها لمصالحهم وأغراضهم الخاصّة، وتسليط بعضهم على البعض الآخر إشغالا للطّرفين، وتأسيًّا بالاستعمار في أساليب استغلاله، شأن من تربّى في أحضانه وعاش تحت ظلاله. فأرسلت عليهم صواعقها المحرقة، وأنزلتهم من صياصيهم، وقذفت في قلوبهم الرعب، ولفتت نظر الأمَّة إليهم، حتَّى عرفهم الخاصُّ والعامُّ، ليهلك من هلك عن بيّنة ويحيى من حيي عن بيِّنة.
4 - خاضت معارك الاقتصاد فعقدت الفصول الضافية في مختلف مباحثه، وشرحت مسألة التجارة، التي انغمست فيها أمتنا على اختلاف طبقاتها إلى الناصية، شرحا أوضح غامضها، وشخص أدواءها، وأبان فائدتها والغاية منها. ولفتت نظر الأمَّة إلى المحتكرين اليهود الذين يريدون أن يتّخذوها بقر نمل يمتصّون (1/150)
صفحة 151
دماءها، ويستنزفون جهودها، ويعقّدون مشاكلها، ثمَّ يضحكون على أذقانهم. فأيقظت فيهم الشعور بالذّاتية، ودعتهم إلى الاعتماد على النفس، والاستغناء عن هذه الوسائط الطفيليّة، وفتحت عيونهم إلى ما يراد بهم، وإلى الأساليب التي تنقذهم وتنعشهم.
5 - عالجت كثيرا من المسائل العلميّة الهامّة، فأفسحت المجال لأقلام الباحثين التي نفت الشبه وبدّدت الأوهام، وأوضحت المحجّة، فمكّنتهم من ركوب ظهر سماسرة العلم وأدعيائه، الذين يحاولون احتكاره لأنفسهم، وتحجير عرائسه عن غيرهم بالحجّة والبرهان، والإيضاح والتبيان. حتّى اختال الحقّ بين أعمدتها اتّضاحا، وتضاءل الباطل افتضاحا.
6 - نافحت عن هذا الوطن كثيرا من خصومه الطاعنين فيه خبثا وبغضا، وأَصْلَتْهُم بما أظهرت من باطلهم نارا حامية، وتركتهم مضغة في فم التاريخ، تلوكها الأجيال، ثمَّ تلفظها لأنّها ميّتة لا تستساغ.
7 - بالغت في تربية الأمَّة، وغرس مكارم الأخلاق فيها، وتنفيرها عن الأخلاق المدنّسة، والعود بها إلى هدي القرآن وسيرة السلف الصالح، والرجوع إلى حظيرة الدين الذي لا تدرك السعادة إلاَّ من سبيله.
8 - انتقدت سلوك بعض الإدارات التي قصّرت في أداء مهمَّتها، بكيفية أعادتها إلى رشدها.
9 - أثارت ماضي تاريخ الأمَّة وأشعرتها بسابق عزّها وسالف مجدها، لتبعث الأبناء على الاقتداء بالآباء في الجلائل والعظائم.
10 - رفعت مطالب الأمَّة إلى الحكومة في شتّى المناسبات، فشخّصت الداء ووصفت الدواء، وشرحت حال الأمَّة شرحا تامّا، فكانت بذلك لسانها المبين وترجمانها الأمين.
11 - أطلعت الأمَّة على اللّجان التي كانت ترسلها الحكومة لدراسة الوطن ومعالجة أزماته، فحفزّتها إلى مقابلتها وبسط حالتها أمامها، وتقديم مطالبها عساها تصادف على يد بعضها إسعافًا أو إسعادًا.
12 - (1/151)
صفحة 152
وبالجملة فقد شرّفَت الأمَّة بأسرها، إذ أصبحت بها أمّة ذات لسان يعبّر عن آمالها وآلامها، وينافح دون حقيقتها. وينشر بين سمع الدنيا وبصرها صحائف خالدة من تاريخها وصورا رائعة من مظاهرها.
إلى غير ذلك ممَّا لم نأت له على بيان.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنّ صراحة الشيخ أبي اليقظان النادرة، وانتقاداته اللّاذعة، وإيمانه القويّ الذي يدفع به إلى بحبوحة المعمعة، قد أثارت سخط صحافة الاستعمار في الشمال الإفريقي، وفي فرنسا معا، إذ أخذت تلمس في الأمَّة أثر دعوته، وتحسب لمستقبل صرخاته ألف حساب. لذلك رأت من واجبها أن تلفت إلى خطره نظر أولي الأمر، وتنعته إليهم بالعدوِّ رقم 1، ليسكتوا هذا الصوت النديّ. أو بعبارة أصرح، ليقضوا على هذا العدوّ اللّدود.
ودونك شاهدا ما نشرته الجريدة الكبرى الباريسيّة ”لكسيون افرنسيز“ في عددها الصادر تاريخ 18 أبريل سنة 1933، بقلم ”فرناند غويه“ تحت عنوان ”الوطنيَّة الإسلامية في القطر الجزائري“ قالت في معرض الكلام عن المزابيّين، ما تعريبه باختصار:
«أنَّ الميزابيّين كتلة ممتازة بين العنصر العربي والبربري، وغالبهم أغنياء مثقّفون عاملون، فقد استطاعوا أن يصيّروا بجهودهم رقعة ميزاب الجرداء جنّة غنّاء وارفة الظلال، وإنّهم يعتبرون أنفسهم أهدى سبيلا من بقيّة الطوائف الإسلامية، ومنهم عدد وافر يشتغلون تجّارا في مدن الشمال، يحترفون القصابة والعطارة والبزازة، لكنهم مع تزمّتهم وتشدّدهم في الدين لا يبغضون النقود الأروبيّة!!! ثمَّ قال:
لا يزال الميزابيُّون من زمان بعيد يشهرون ضدَّنا على أعمدة صحفهم حملات الكذب والطعن في سياستنا، ومن جهة أخرى فإنّهم يعتزّون ويفخرون بأنّهم يمتازون بدائرة عن غيرهم، وخصّصوا بعدد من الجنود معيّن سنويًّا، وإنَّهم يستطيعون أن يمنعوا غير المسلم أن يبيت في بني يسجن ”البلدة المقدَّسة“، بل حتَّى (1/152)
صفحة 153
المكتب الفرنسي فقد بنوه خارج أسوارها، الأمر الذي جعلهم يرون في إغضائنا وتسامحنا معهم ضعفا، لذلك تراهم يهاجموننا بكلِّ وسائل الهجوم ... إلى أن قال:
ومن المقرر الثابت أنَّ الميزابيِّين هم المهيِّجون الحقيقيُّون والمنسِّقون لمظاهرات الشوارع، وقد شهد بعض من يوثق به أنَّه رأى وسمع أحد هؤلاء الميزابيِّين يقول للعمَّال العرب: ”لا تبرحوا الميدان، (البطحاء) ولكن جولوا فيه حتَّى لا يستطيع أعوان البوليس طردكم“ ... إلى أن قال:
”وهو محل الشاهد“ وهنا لصٌّ رابع ”لص عقول“ ميزابي الأصل، مشهور لدى مكاتب الأمن العام، هو إبراهيم بن الحاج عيسى أبو اليقظان، وهو بلا شكٍّ من ضمن هذه العصابة (يريد بالعصابة الزعماء الذين تصدَّوا لإيقاظ الشعب أمثال العقبي وابن باديس والإبراهيمي المتكلِّم عنهم في الأصل) وهو ألد أعدائنا. تلقَّى دروسه في تونس، وأنشأ هناك مدرسة لتعليم الناشئة الميزابيَّة، ثمَّ استقرَّ بالجزائر، فأبرز جريدته ”وادي ميزاب“ التي لم تلبث الإدارة أن عطَّلتها، كما عطَّلت لاحقتَيْها ”ميزاب“، و”المغرب“، وأنَّه الآن بصدد إبراز جريدة ”النّور“ التي هي لسان حال الوطنيِّين، فهي تنتقد السلطات العامَّة انتقادا مُرًّا لاذعا، وقد أخذ المسلمون الذين يتَّصلون بهؤلاء يقلقون المسلمين الذين لا يزالون يحافظون على مودَّتنا ... إلخ إلخ“.
نشرت كلّ ذلك تحريشا وإغراء للسّلطات العامّة لتضرب على يد الشيخ أبي اليقظان، ولكن كلَّما حاولت هذه إسكاته بوأد جريدة من جرائده، طلع عليهم بنغمة جديدة، وأفهمهم بالبرهان المحسوس أنَّ صوت الحقِّ لا يخنق، وروحه لا تُكبت، وأنّ العمل إذا قصد به وجه الله لا يعطَّل، أو تستقرّ معانيه بِحبّات القلوب، ثمَّ لا تلبث تلك البذور أن تنبت، فتثمر ثمراتها المطلوبة في المجتمع.
هذا ولا أدلَّ على نفسيّة الشيخ أبي اليقظان من محادثة، دارت بينه وبين ”م. مِرانت“، مدير الأمور الأهليَّة، الذي استطاع بمكره ودهائه أن يخمد في الأمَّة الجزائريّة الروح الوطنيّة جيلا أو يزيد، ويضرب بعضها ببعض، فيهدم هذا ما بناه (1/153)
صفحة 154
ذاك، ويطلع بواسطة الواحد على ما يُبَيِّتُه ويدبّره الآخر في الخفاء، فيَبِيتَ هنيء البال قرير العين من الاثنين.
أما عن الشيخ أبي اليقظان فإنّه لمَّا عجم عوده وأبلى عقيدته وجده أصلب نبعا وأسمى عقيدة ممَّا كان يظنّه ويقدّره، ولقد طالما حاول أن يدرك منه ما أدركه من غيره فلم يفلح. لم يستفزّه وعده، ولا ينهنهه وعيده، فلمّا أعياه أمره حاول مساومته جهارا، فجرت بينهما شبه المحاورة الآتية:
مِرانت: ماذا تطلب من وراء مهاجمتك سياستنا، وسعيك في إيقاظ من لا يطلب منك إيقاظه؟
إن كنت تريد بذلك مالا أو وظيفا أو نيشانا أعطيناكه، وكُفَّ عنك من هذا التعب المضني الذي لا يفيدك شيئا، ولا يجرُّ لك سوى سخط الحكومة ونقمتها، ففي إمكانها أن تبطش بك وتشمت بك الأعداء.
أبو اليقظان: أنا لا أطلب مالا ولا نيشانا ولا وظيفا، وإنَّما أطلب رضاء ربِّي وراحة ضميري، بالقيام بما أراه فرضا حتما عليّ، وشيئا من حريّة العمل. وحاشا الحكومة أن تؤذي من لا يتعدّى حدود الحقّ والقانون.
مِرانت: ولكن لابد وأنَّك ترمي من وراء ذلك إلى غاية مادية، فما هي هذه الغاية التي ترجوها؟
أبو اليقظان: أرجو أن يدخلني الله جنَّة رضوانه في دار جزائه. فهل يمكنك أن تمنحنيها لأترك عملي؟ {فَبُهِتَ الذِي كَفَرَ، وَالله لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظَّالمينَ}.
بهذه الروح الجبَّارة كان يقابل الشيخ أبو اليقظان ( P)، طواغيت زمانه، وجلّادي عصره، فكم نصبوا له من حبائل مكر، ليقع في شبكتها، فأنجاه الله منها، وكم أجَّجوا نيران كيد ليلقوه فيها فكانت بردا وسلاما على إبراهيم.
وهكذا استرسل في طريقه، لم تثن عزمه العراقيل، ولا عطّلت سيره العقبات، حتّى بلغ عدد الجرائد التي أغلقت له ثمانيَ، هنالك رأى أنَّ الإصرار على هذه الخطّة، رّبما كان ضرره أكبر من نفعه، وليس من المصلحة العامّة التمادي على ذلك. ورجا أن يكون قد فتح له بهذه الأعلاق أبواب الجنّة الثمانية، والله ذو فضل عظيم. (1/154)
صفحة 155
وإذ تبيَّن له أنَّ الاستمرار في ميدان الصحافة لا يفيد الأمَّة كثيرا فقد أصاب إدارة الاستعمار نقرس منها، وكلَب من الظروف العصيبة التي تنذر بنشوب حرب عالميّة، فالاستمرار والحالة هذه إلقاء بالأمَّة إلى التهلكة، إثمه أكبر من نفعه، فانكبَّ ( P) على التأليف، فأبقى لنا ثروة نفيسة أمدّ بها المكتبة الإسلامية، أبقى عشرات المؤلّفات من كتب ورسائل نثرية وشعرية، أفرغها أحاسيسه وأفكاره، نصحًا للأمّة وإرشادًا لها إلى تدبير سلوكها معاشًا ومعادًا، ودعا فيها إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، لا سيما بعد أن أقعده الشلل الذي أصاب شقّه الأيسر، سنة 1957، وأشعره بدنوّ الأجل، فقد أرسل صرخات من أعماقه وعظات بالغات، ذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
لم تفتر له همَّة، ولا انقطع عن العمل رغم ملازمته الفراش، ومعاناة المرض الذي يسري في مفاصله ويشتفّ معين حياته شيئا فشيئا، مثال المؤمن الصميم الذي يرجو من الله حسن الخاتمة.
وهكذا ظلّ ملتزما متقرّبا إلى الله، حتى وافاه أجله المحتوم بالقرارة يوم الجمعة 30 مارس 1973م الموافق ليوم 25 صفر 1393ه على الساعة العاشرة ليلا، وكان عمره سبعا وثمانين سنة قمريّة، إلاَّ أربعة أيّام. ولكلّ بداية نهاية.
رسالة إلى الشيخ أبي اليقظان: الصّحافة ودورها في يقظة الأمَّة
لقد كان البكري صحفيًّا لامعا، اقتحم ميدان الصحافة اقتناعا بخطورة الموقف، وقدسيّة الرسالة، وأمانة الكلمة، وكان ساعدا قويّا لأبي اليقظان في جهاده الصحافي.
آزر أبا اليقظان وشدَّ عضده بمقالات غزيرة، تعدُّ من عيون الأدب العربي الحديث بالجزائر. سموًّا في الفكر، وبعدا في النظر، ودقّة في الوصف، وعمقا في التحليل، في أسلوب أدبيّ طليّ، زاوج بين حجّة العقل وصدق العاطفة، وكأنّه قبس من التنزيل.
ولما مُنيت صحف أبي اليقظان بالإعدام تباعا، من قبل الحكم العسكري الاستعماري، كان آخرها سنة 1938م؛ وبعد مضيِّ فترة من الزمن، بعث الشيخ (1/155)
صفحة 156
عبد الرحمن برسالة إلى عميد الصحافة الجزائريّة؛ تحفيزا له على بعثها من جديد، والاستمرار في دكّ معاقل الاستعمار، والعمل لنسف معاهدة الحماية مع فرنسا، التي تتشبّث بها هي وأذنابها لتتمادى في الاستبداد والاستغلال.
في هذه الرسالة بيان لمفهوم الصحافة ودورها الحيوي في بعث الأمَّة، وتفجير طاقتها للّحاق بركب الأمم المتطوّرة. وممّا جاء فيها:
تمهيد البكري للرّسالة:
«لمَّا وضعت الحرب العالمية أوزارها واستيقظت الأمم على دويّ مدافعها، فهبّت تتواثب لاسترداد حقوقها الضائعة، بل لاكتساب ما أمكنها من حقوق؛ استغلالا للظّروف وانتهازا لفرصة هذه الرجّة العالميّة، التي طأطأت رؤوسا مرتفعة، وخزمت أنوفا شامخة، وذلّلت نفوسا جامحة، إذا بطغمة من أبناء أمّتنا العاقّين الانتفاعيّين تحوت الاستعمار وسماسرة الاستبداد، يحاولون العودة بها إلى العهد البائد، والاستمساك بحبل الحكم العسكري الغاشم، إبقاء لها تحت وطأته أغنامًا للجزّ والحلب والسلخ. فكان حقًّا لزاما على كلّ غيور أن يعمل وسعه لإنقاذ البلاد من ويلاتهم وشرورهم، ويهيب بجموعها إلى المطالبة بحياة سامية، تستستيغها ظروف الزمان والمكان، ويحمدها العقلاء الأحرار.
فرأيت من واجبي أن أرسل صيحة داوية لشيخ الصحافة الوطنيَّة، الأستاذ أبي اليقظان، ليستأنف حركتها ويصرخ في الأمَّة مغيثا، عساها تستيقظ من غفوتها، وتنتبه لما يراد لها، لتعمل لخيرها وسعادتها. والله الموفّق».
نصّ الرسالة:
«بسم الله الرحمن الرحيم، وصلَّى الله على سيِّدنا محمَّد وآله.
سعادة الأستاذ الجليل صاحب المواقف الخطيرة، الأستاذ سيِّدي أبي اليقظان الحاج إبراهيم، أبقاه الله وأحياه للدِّين والأمَّة، بإحياء صحيفة "الأمَّة" وكشف عنها بنفثات يراعه كلَّ بؤسٍ وغمَّة. (1/156)
صفحة 157
تلقَّيت رسالتك الكريمة، وأنا إليها عطشان حرَّان، كما يرحب اللّهفان بالبارد الزلال في حمّارة القيظ، فأضحكت وأبكت، وأحزنت وسرّت، شأن أعراض الدنيا. أمّا السرور المحض والنعيم الخالص، ففي مقعد صدق عند مليك مقتدر، بعد عمر مديد إن شاء الله في استيفاء العمل وإنجاز المأمورية بتوفيقه وكرمه.
سيِّدي! لقد أصبحنا في وقت يتحتَّم فيه على كلّ غيور أن لا يقطع حبل اتِّصاله بإخوانه، الذين تجمعهم وإيَّاه رابطة وحدة المبدإ والغاية، ولا يألو جهدا في التكاتف معهم لما يضمن الغاية ويحقّق الأمل، سيما ونحن في مفترق الطرق، وفي أوّل مرحلة لحياة جديدة، يستقبلها العالم أجمع، بنفوس تطفح آمالا، وببرامج واسعة تستوجب أعمالا وأعمالا.
أفيليق بي وقد أعاد الله إلى عاصمة الحركة أخا عزيزا، وبطلا عاملا ورأسا مفكّرا، بل محرّكا عتيدا، يحرّك دواليب الحركة الوطنيّة، أن أقف واجما مكتّف اليدين، ساكنا ساكتا، ولا نتجاذب أطراف الحديث ونتبادل الآراء والأخبار، عسانا نستخلص منها ما يفيد الأمَّة والدين؟ فلنُعِدْ لعهد المراسلة شبابه، ولْنبعثْ رابطتنا المقدّسة من جديد، باسم الله مجراها ومرساها أنَّ ربّي لغفور رحيم.
سِّيدي!
إنّ ما يتراءى لنا من تقلّب أحوال العالم وتمخّضه بما سيسفر عنه وشيكا، من حوادث رهيبة ليبدو لنا من بين سطور الصحف على قلّتها بين أيدينا. ولكن لا نَسْتَكْنِهُ له سرًّا، ولا نفقه له مغزى على التحقيق، لقلّة بصرنا بالحقائق، وبعدنا عن مصادر الأنباء، ومنابع الأخبار، كما يشاهد الأجهر تعاقب الصور على الشاشة، ولا يستبين حقيقتها لضعف الباصرة، وفقدان المكبّرة.
وماذا على الأستاذ - صانه الله – لو نفح إخوانه المحرومين من الصحف الدوريّة إلاَّ الصدى، ومن الإذاعة العالميّة تماما، بخلاصة تجعلنا على اتّصال بالدّنيا وحوادثها، سيما ما يتّصل منّا بسبب أو نسب، أو يلزّنا معه الزمن في قَرَن، فإنا جدّ متأخّرين عن قافلة الحياة، عراة من وسائلها، بعيدين عن فقه لغتها، في وسط (1/157)
صفحة 158
يسيطر عليه الاستبداد والأثرة واللّجاج والجهل المطبق، في برودة الدم واستئساد الأفدام، وكذلك الوحدة وانعدام القاطرة التي تجرّ العربات.
وإلاَّ فكيف يتصوَّر عاقل، أو من له ذماء من إحساس، أو رمق من حياة، الدركةَ التي انحطَّ إليها شعبنا في هذه الظروف الأخيرة، ذلك الشعب الذي يُظَنّ فيه بباطل أنَّه أحد العناصر الحيّة في الشمال الإفريقي.
أتدري بماذا يطالب، ويطلب من فرنسا؟، أن تبقيه تحت ضغط الحكم العسكري. لا يريد بقيّاده ولا بشيوخه الحاليّين، ولا برؤسائه العسكريّين بديلا!. فهو في هناء وعافية لا ينقصه خير ولا يطلب مزيدا!. ومن طلب تبديل هذه الحالة فإنّما يطلب تبديل الدين والانسلاخ من القوميّة، ومسخ الوضعيّة. إنّما يريد أن يكون كالذين انسلخوا من جنسيّتهم وديانتهم، فأصبحوا من المخالفين.
فمن كان ذا غيرة دينيَّة، ذا وطنيَّة ميزابيَّة، ذا محافظة على ميزابيّته القوميّة، فلا يوافق العصريّين أنصار الشيوعيّين، الذين يريدون أن يوصلونا إلى ما وصل إليه غيرنا، وأن يصبّحوا أعوان البوليس، مرابطين في أبواب مساكننا، ونساؤنا يسرن سافرات يطالبن بحقوقهنّ كالرّجال، وأعوان المراقبة يعطّلون حركاتنا، والبوليس السرّي يغشى أوساطنا، ويكشف أسرارنا .. إلخ إلخ ...
إلى هذا الحضيض بلغنا، وفوق ذلك، فإنّ الدعاة إلى هذه الفكرة يعتبرون أنفسهم، أو يعتبرهم فريق من بني عمومتهم أقطاب الوطن، وقد استغاثوا بقوّات الجمود، والجمود أيّها الأستاذ أخ الإلحاد، وصنو المروق، كلاهما يهدم الشرف، ويمسّ بالدّين، ويضرّ بالوحدة، ويجعل للكافرين على المؤمنين سبيلا. فيا ويل أمّة هذه عقلية من يزعم أنّه الرأس المفكّر فيها، والعرق النابض، ومذياع الدين والقيّم على الوطن القاصر.
والحقّ أنَّ هؤلاء ليسوا بزعمائها الحقيقيّين، ولا برؤسائها الشرعيّين، إنمّا هم حيوانات طفيليّة، ترتع في جسمها، وانتفاعيّون يوحون بهذه الوساوس إلى سواد الأمَّة الساذج، ويلقون إلى أبواقهم حججا مموّهة، ليقفوا حجر عثرة في سبيل يقظة الأمَّة، التي تجعل حدّا لاستغلالهم، وتحول دون امتصاص دمائها. (1/158)
صفحة 159
أجل، خافوا أن يغرز الثدي الذي كانوا يمتصّون، وينقطع الرسل الذي طالما غذّى مطامعهم، وحقّق فظائعهم، وأحسّوا أنَّ الأمَّة أوشكت أن تشعر أن تقويتهم إنمّا هي تقوية لبلائها، واستفحال لوبائها، شأن الميكروب الذي يعيث في جسم المريض، كلّما قوي واهتاج اشتدّ الخطر على ذلك المريض ودنا من حفرة القبر فتوجّسوا خيفة من ردّ فعلها.
وبعد؛
فلا بدّ من القضاء على ذلك الميكروب الفتّاك لأنَّ بذلك تتعلَّق سلامة الأمَّة وحياتها.
نعم، لا بدَّ من زلزلة تفيق النائمين، ورجّة تزعج الذاهلين، وصيحة تنبّه الغافلين، الذين لا يزالون يعتقدون فيهم الكمال، وسلامة النيّة، وإنّ ما يفعلونه إنّما هو غيرة على الدين، ومحافظة على القوميّة.
أجل، لا بدَّ من كشف الغطاء عن مساوئ الحكم العسكري، وويلاته وسدّه منافذ الحياة في وجه الأمَّة، وعرقلة مساعيها، وقتله أسباب الرجولة والأنفة فيها، وأخذ الأبرياء بالظّنّة، وإذلال سراتها، وتشجيعه عناصر الفساد، وتغاضيه عن الكائدين الهادمين لشرفها، العابثين بكرامتها، واستنزاف مواردها، وإبقائها مكبّلة بسلاسل من الفقر الطبيعي. إلى غير ذلك ممَّا يطول شرحه.
هذه المرامي كلُّها لا تتحقَّق إلاَّ بواسطة الصحافة، والصحافة وحدها تستطيع أن تبلّغ صوت الداعي إلى كلّ أذن، وتقيم الحجّة على كلّ عاقل، فقد آن أوان إصدار جريدة تتّبع مخازي القوم وتكشف الغطاء عمّا يمثّل وراء أستار مطامعهم. فكفى عبثا بالأمَّة، وكفى استهانة بحقوقها، وكفى سكوتا على هذه المهازل التي صيّرتنا مضغة في الأفواه، وسخريّة حتى عند الذين يستغلوننا.
ولقد آن أن نعمل بجدّ وصرامة، وأن نغامر كما يغامر الرجال، أوّلا فحقّنا أن نهاجر هذا الوطن الموبوء، ونتركه للكلاب النابحة والذئاب العاوية، تأكل رأسه، إلى وطن يجد فيه الحرّ راحة ضميره، ويكون له مضطربا واسعا للعمل. فبلاد الإسلام كلّها مهد للمسلم. أمّا أن نبقى كالمناديل تسمح فيها حثالة الناس أوساخها، وتتّخذها الكلاب مبالة عند شغارها، فلا. (1/159)
صفحة 160
لقد حان وقت العمل أيّها الأستاذ! فإمّا حياة وإمّا موتا، فلقد استشعر الطواغيت بما يهدّد كيانهم، فانصاعوا للعمل مستبسلين منازعةً للبقاء، وخيفة القضاء على سلطانهم الموهوم، وإنّهم ليستيقنون أنّها المعركة الحاسمة، فإمّا أن يفلتوا من براثن الانقلاب مؤقّتًا، ويُنسَؤوا في أجلهم مدّة، وإمّا أن يمَزّقوا أشلاء مبعثرة جزر السباع وكلّ ليث قشعم.
أجل وأحسّوا بحركة انتقالكما معًا: إبراهيم وإبراهيم، فتوجّسوا وراءها خيفة، وشرًّا مستطيرا على نفوذهم ومكانتهم المزلزلة، فهل تحقّقان الظنّ وتصيّرانه يقينا؟
أرادوا أن يعملوا قبل أن يبدُوَ منكم عمل، أو يصدر منكم للأمّة إنذار، قبل أن يصل أوان الانتخاب، ويصبحوا أمام أمر واقع ما له من دافع. ففَكَّروا وقرَّروا وحرَّروا واستنفروا من استطاعوا، واسترفدوهم تواقيعهم. كلّ ذلك لأجل ماذا؟ لأجل إبقاء أمّتهم في ليل دامس، واستغلالها تحت ذيل الظلام.
لماذا؟ لأنّهم يزعمون أنَّ إبقاءهم الأمَّة الميزابيّة تحت الحكم العسكري إنمّا هو تحرير لها من السلخ والمسخ، وبقاء نفوذهم فيها بقاء للاستقامة في هذه الدنيا، وعربون لحيويّة الدين الإسلامي في هذا القطر!
أجل، لابدَّ من العمل، أوَكلَّما حان وقت للوثوب وقطع مرحلة في الحياة، وقفت هذه التماثيل المعبودة في وجهنا، فأرهبت الرعاع بترييمها، واستهوت الغوغاء بزخرف قولها، فأعْمَلوا معاولهم في بيوتهم وهم لا يشعرون؟ فمتى تُجعل جذاذا، ولدينا إبراهيم وإبراهيم؟
إنّ الزمان قد استدار، وهبّ كلّ من في الوجود يطلب صيدا أو مكانا أو قسطا من نسيم الحريّة، غير شعبنا البليد الرعديد، فإنّه ترك لحيته بأيدي الانتفاعيّين يعبثون بها لاهين، ويحلقونها هازئين.
أفي هذا الوقت الذي تأبى فيه الحجارة أن تبقى مداس أقدام في مجرى الوادي، ولا ترضى إلاَّ أن تكون جزءا من بناية شامخة عالية الشرفات، يطوف بها (1/160)
صفحة 161
نسيم شباب، أو شعاع جمال، نترك مقاليد الأمَّة بأيدي هذه الكتلة الأثيمة، تتحكّم في مصيرها حسب ما يمليه عليها هواها، ووفق ما تتطلّبه مصلحتها؟
أفي هذا الوقت العصيب الذي يتمخَّض عن عصر، يزدهر بأنوار ابنة الشعاع (القنبلة الذريَّة) ويخفُّ فيه كلُّ أحد لاقتضاء حقِّه، وأخذ قسطه من الغنيمة، يطلب باسم أمَّتنا - وأنفُ صَفوَتِها رَاغِم - تضييق خناقها، وتشديد الضغط عليها، ومصادرة حريّتها؟ أفي هذا الوقت تجدنا نستحبّ العمى على الهدى، والظلام على الضياء، والاستبداد على الحريّة؟ أرأيت أعمى يسأل دوام العمى؟ إن كان في عالم العمى عُمي فنحن عُمي العُمي! {فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الاَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} (الحجّ:46).
إنّ لدينا أقلاما توقظ بصريرها النيّام، وترشد الحيران، وتترك العابث الهازئ خزيان؟ وإنّ لدينا رؤوسا مفكّرة تحذق أساليب الكفاح، وتعلم كيف تنافح عن كرامتها، وتعرّف بآلامها وآمالها، وإنّ لدينا شبابا وثَّابًا يتدفّق حيويّة ويفيض قوّة، سئم حياة الذلّ والمهانة، ويتمنّى مكانا أسمى ممَّا يريده عليه أولئك الانتفاعيّون. فلنُوَحّد خطّة العمل، ولنوقظ الأمَّة بكيفية صريحة لا مواربة فيها، وسديدة لا نخشى معها انتقاما من حاكم، ولا عرقلة من طاغية، ولنشكّل هيأتين رسميتين، واحدة بميزاب، وأخرى بالجزائر لتسيير دولاب الحركة، والإشراف على حراستها من لصوص الحقوق والعقول، الذين يحاولون إبقاءها كبقر نمل، لا تصلح إلا للاستغلال والامتصاص.
وبعد! فالانتفاعيّون يريدون تضليل الأمَّة في مصيرها، وصرفها عمّا فيه خيرها، وإبقاءَها تحت كلاكل الضغط، لحاجة في نفوسهم، فلا بدّ من إيقاف سيلهم، وجعل كيدهم في تضليل. وذلك:
بإفهام الرأي العام، ونشر مناشير تنير السبيل أمامهم، وتطلعهم على ما يراد بهم. وعلى كيفية العمل للتّحرّر من الرقّ المهين. (1/161)
صفحة 162
إبراز جريدة راقية صادقة اللّهجة، تتولّى إرشاد الأمَّة وتفهيمها ما لها وما عليها، كما تفهم الحكومة ما يجب وما لا ينبغي.
تشكيل هيأتين رسميتين واحدة بميزاب، وأخرى بالجزائر، تتولّيان الإشراف على سير الأمَّة عمليّا، وتوحيد خطّة العمل، تحت رئاسة زعيم الأمَّة المحبوب، الشيخ بيّوض.
تنظيم جموع الشباب في التلّ على الأخصّ، وإعداده لأن يكون ظهيرا لحركة الحياة. وحصره في إطار من الوحدة المليّة، حتّى لا يحرم الوطن جناه، ولا يستغلّه سواه.
أرجو سيّدي أن توافيني بتفاصيل رحلة الأستاذ، وتجعلوني على اتّصال بكم فيما تقرّرون من برامج، وتسطّرون من خطط، وإنّي لجوابك الطويل العريض في أسرع من لمح البصر من المنتظرين.
سلام الإخوان كافَّة، من ألفهم إلى يائهم، إلى سائر المحبِّين العاملين.
تحريرًا، ببريان 12/ 4/1946.
لأخيك دائما: بكلِّي عبد الرحمن بن عمر (1).
تعليق:
هذه الرسالة وثيقة مهمَّة تحمل دلالات عديدة، وإشارات مركَّزة لأحداث تاريخيَّة، ومعارك حاسمة، خاضها رجال الإصلاح على مختلف الجبهات، وربَّما لم يحن الوقت لتفصيل كلِّ ذلك. ولكلِّ أجل كتاب.
والحمد لله ربِّ العالمين
__________
(1) - تاريخ الرسالة: 12/ 4/1946، جمهرة رسائل البكري، ج1، ص: 61 - 67. (1/162)
صفحة 163
F
واجب العناية بالتراث؛ الشيخ أبو اليقظان نموذجا
الدكتور محمد بن عيسى، عيسى وموسى (1)
مدخل
إنَّ أساس الفكرة يرتكز على عرض مشروع خطَّة عمل، أتمنَّى أن تجدوها واقعية وواضحة وبعيدة عن كونها مجرَّد أحلام بعيدة عن واقعنا وإمكاناتنا؛ فإنَّ الطموح الذي يكون أساسُه الحماس فقط، يصطدم عادة عند الشروع في إنجازه بعوائق تعمل على إفشاله في المهد، ومن أجل هذا سيقع التأكيد على الحاجة إلى قاعدة متينة، تبنى عليها أسس هذه الفكرة.
أهدافها:
• خدمة علميَّة متواصلة لتراث الشيخ أبي اليقظان.
• وضع الترتيبات الضروريَّة لتوفير المعلومات.
• تبنِّي نظام يركِّز على التعاون بين أطراف متعدِّدة.
• ضرورة الإحاطة بالموضوع بعد دراسة الجدوى والإمكانات (الماديّة والبشريَّة والعلميّة).
• إنجاز نتائج وإن كانت متواضعة شرط دوامها وعدم انقطاعها.
تكون البداية من استطلاع آراء الباحثين والدارسين والطلبة عن طريق تبادل للتجارب، يعود بالفائدة على الانجاز ويساعد على النجاح.
__________
(1) - مدير المكتبة الوطنيَّة الجزائريَّة سابقًا، عضو المجمع الجزائري للُّغة العربيَّة. (1/163)
صفحة 164
الدافع:
• القناعة بواجب الوفاء للشيخ أبي اليقظان.
• واجب الحفظ من الضياع لجزء من الذاكرة الجماعيّة.
• إنماء الوعي من أجل تقبّل التعامل الأمثل مع المعلومة.
• الحاجة إلى استرجاع مقوّماتنا، في وقت تعقّدت فيه الحياة المعاصرة إلى درجة وجد المرء فيه كيانه مهدّدا، وأصبح قلقا حائرا يقلّب وجهه في السماء، مع كلّ صباح، يَجٍدُّ جديدٌ في مجال اقتصادي، أو اجتماعي، أو ثقافي، أو علمي، وحتّى سياسي، تحمله إلينا التكنولوجيا المعاصرة في سرعة البرق، في الوقت الذي تعطّلت فيه وسائل الوصول إلى تراثنا.
تعتمد الفكرة على السند المعنوي من طرف المجتمع ثمَّ الدعم بالوسائل المادية، تستثمر في العمل من أجل خدمة تراث الشيخ أبي اليقظان، الذي كان في حياته شامخا وعالما بارزا. إلاَّ أنَّ معرفتنا به أصبحت بعد مماته في تناقص مطَّرد اطِّراد تعاقب الأجيال التي صارت تجهل عنه كلَّ شيء بفعل إهمالنا.
العملية الأولى: وصف لمصادر الضبط الببليوغرافي
أ- مواد من آثار الشيخ:
1 - الانتاج الفكري المطبوع.
2 - الوثائق القديمة (الأرشيف الخاص، الرسائل "صادرة وواردة"، الصور).
3 - المصادر الأوليَّة: آثاره المخطوطة (المذكِّرات، الكتب ... إلخ).
4 - المواد السمعيَّة والمواد السمعية المرئية (أشرطة صوتية - أفلام - أقراص مضغوطة – أشرطة فيديو).
5 - الببليوغرفيا: من إنتاج الشيخ.
6 - بنوك المعلومات: ما توفَّر منها. (1/164)
صفحة 165
ب- مواد من آثار الباحثين:
1 - المصادر والمراجع (الدّراسات، الرسائل الجامعيّة، المخطوطات).
2 - الببليوغرافيا (علاقة مباشرة أو غير مباشرة بالشيخ).
\\ Celeron\c\My Documents\abou\aran.tif3 - بنوك المعلومات (باختلاف مصادرها ومواقعها).
4 - الوثائق القديمة (الأرشيف الخاصّ والعام).
1 - مصادر الضبط الببليوغرافي
يقال في المجتمعات ذات التقاليد الشفوية: كلّما تُوفِّى شخص طاعن في السنِّ، إلاَّ واحترقت في شخصه مكتبة، يعني هذا القول أيضا التحذير من الاكتفاء بالذَّاكرة المكتوبة، والاعتناء أيضا بالذَّاكرة الشفوية، وجمعها على أنَّ جزءًا من تلك المكتبة التي احترقت بالوفاة يمكن تداركها وجمع بعض محتوياتها من الأحياء الذين رافقوا أو عاصروا الشيخ في حياته. لذلك لابدَّ من نظرة شموليَّة في تراث الشيخ أبي اليقظان، والتفكير في أسلوب تعاملنا (كمجموعات أو كأفراد) مع إنتاج أمثال هؤلاء المفكِّرين الذين فارقونا.
إنَّ الخلل الملحوظ ناتج من غموض وعدم وضوح الأهداف؛ بسبب غياب خطَّة منهجيَّة مع غياب الدافع الذاتي الجماعي. لذلك لابدّ من طرح السؤال التالي على أنفسنا: الآن وقد مرَّت ثلاثون سنة من رحيل الشيخ عنَّا: هل توصَّلنا إلى جمع شامل لتراثه؟ إنَّ السؤال بيِّن والجواب بيِّن.
إنَّ جمع الانتاج بصفة شاملة هي أهمِّ العمليَّات، ولن تتحقَّق إلاَّ بحصر تامٍّ، وبتكفّل كامل بهذا الجانب، يضمن لنا مصدرا موثوقا، يلجأ إليه كلُّ طالب معرفة، يريد البحث في قضايا ذات الصلة بالشيخ. إنَّ سعة الحقل المعرفي عنده وضخامة انتاجه الفكري وتراثه المخطوط يصعِّب من مهمَّة العاملين والراغبين في دراسته والتعمُّق في آثاره وأفكاره، وأعمال من درسوه على قلتها. (1/165)
صفحة 166
العمليّة الثانية: وصف لعمليّات الضبط الببليوغرافي
1 - الضبط الببليوغرافي: وصف الوثائق وضبطها بحيث تكون كل واحدة متميِّزة عن الأخرى بعد عملية الوصف.
2 - التكشيف: تنظيم المحتوى بجزئياته للوصول إلى كلِّ جزئيّات الموضوع داخل الوثيقة.
3 - الاستخلاص: تقريب مفهوم الوثيقة بعرض مستخلص له في فقرات محدودة.
4 - التخزين الآلي: يكون بواسطة الحاسوب حسب أساليب محكمة تضبط مسبقا.
5 - الاسترجاع الآلي: استخراج المعلومات من قاعدة للبيانات.
6 - الترجمة: نقل المعلومات من اللّغة العربية إلى لغات أخرى، للتّعريف بالانتاج في ثقافات أخرى.
7 - التصوير أو الاستنساخ: الحصول على نسخ ثانويَّة للمحافظة على الأصل وهو بعدَّة أشكال (التصوير الرقمي - التصوير المصغّر - الاستنساخ العادي ... إلخ).
8 - البحث الببليوغرافي: هو حصاد العمليّات المذكورة. (1/166)
صفحة 167
2 - عمليات الضبط الببليوغرافي:
بعد إنهاء عمليَّات الحصر، تأتي مرحلة العمليّات الفنّيّة، وهي معروفة عند المتخصّصين، ليست موضوع الحديث اليوم إلاَّ عمليّة واحدة، تنبغي الإشارة إليها باختصار، وتخصّ عمليّة التجميع بعد الفرز للرّصيد، ويتمّ حسب أوجه عدّة من ذلك:
• التجميع حسب التخصّص.
• التجميع حسب الأوعية.
• التجميع حسب الفترة الزمنية.
• تجميع انتقائي.
• تجميع شامل.
ويمكن الجمع بين أكثر من وجه في آن واحد. وتجدر الإشارة هنا إلى أنَّ هذه العمليَّات في حاجة إلى تنظيم دقيق، وإلى وضع خطَّة واضحة تضيء معالم الطريق الذي يحقِّق الوصول إلى الهدف المنشود، ولابدَّ من التمييز بين هذا الأسلوب العملي وبين المحاولات والاجتهادات الفرديَّة، التي تحاول سدَّ الفراغ، ولكنها تفتقر إلى التنسيق بينها، ولذلك بقيت عاجزة، ولم ترتقِ إلى مستوى الشيخ أبي اليقظان. فإنَّ رصيده يحمل في طيَّاته كلَّ العوامل التي تساعد على البحث، وتدفع إلى حبِّ الاطِّلاع، في مجالات عديدة يمكن أن يتناولها الدارسون؛ حسب ميادين تخصُّصهم فرادى أو جماعات، في شبه ورشات أو فرق بحث، تهتمُّ كلُّ واحدة منها بكافة الجوانب. ويسمح هذا التعامل مع التراث باكتساب معرفة أوسع، وباكتشافات جديدة تسدُّ الثغرات، وتقدِّم إجابات عن أسئلة لا تزال عالقة. وسيتحقَّق لنا ذلك إذا أخضعنا الرصيد كلَّه للعمليَّات الفنّية، التي تعمل بمقاييس علميَّة تقرّبه من الباحثين، وتسهِّل الوصول إليه بتطبيق الاجراءات الخاصَّة بعمليَّات الضبط الببليواغرافي. (1/167)
صفحة 168
العملية الثالثة: الاتاحة والارشاد
1 - المطبوعات بكلّ أشكالها مثل:
• كتب التاريخ.
• القواميس والمعاجم.
• التراجم والسير.
• الببليوغرافيات بكلِّ أنواعها (متخصِّصة، عامَّة، وطنيَّة، إقليميَّة، دوليَّة ... ).
• الفهارس المطبوعة.
• الرسائل الجامعيَّة.
• منشورات الهيئات والجمعيَّات والمنظّمات المحليّة والوطنيّة.
• الدوريّات (الصّحف والمجلّات).
• أعمال المؤتمرات والمهرجانات والندوات العلميّة.
• الكتب السنويّة.
• الأدلّة.
2 - الأنترنيت:
• قواعد معلومات ببليوغرافية: الببليوغرافييات بكلِّ أنواعها عن طريق الإعلام الآلي.
• قواعد معلومات نصية: معلومات مخزَّنة بنصها.
• الفهارس والقوائم: فهارس المكتبات ومراكز التوثيق.
• الأقراص المضغوطة: نصية وفيديو.
• (1/168)
صفحة 169
المصغَّرات: ميكرو فليم - ميكرو فيش.
• المواد السمعيَّة: أشرطة سمعيَّة - أقراص سمعيَّة.
• المواد السمعيّة المرئية: فيديو - أفلام.
• الرسوم والصور واللوحات والملصقات والجداول البيانية.
(نماذج من هذا المعرض)
3 - الإتاحة والإرشاد أو مفاتيح الوصول إلى المعلومات
بعد كلِّ عمليَّة جمع وفرز وتخزين يجتمع عندنا رصيد من المعلومات، يحتاج إلى عمليَّة أخيرة هامَّة، نستغلُّ فيها ما تراكم ليصبح صالحا للاستهلاك. ففي هذه المرحلة نقدِّم حصاد ما جمعناه ونعلن للقرَّاء عن النتائج في صيغ وأشكال كثيرة، يصعب حصرها، وهي في الواقع مفاتيح لبوَّابات، نصل إليها عبر مسالك مختلفة، فكلَّما تعدَّدت المسالك والمداخل كان حظُّ الباحث من المعلومات أوفر، وعندما تميل للنقص وتقل تتضاءل فرص الوصول إلى نتائج مقنعة.
قديما وإلى وقت ليس بالبعيد كانت الفهارس هي المفتاح الرئيسي للدخول إلى عالم الكتب والمعلومات، يعتمد عليها للتعريف بها، ووصفها وتحديد أماكن وجودها، وتساعد على جمع المواد نفسها، وقد تحوَّل الآن الاهتمام من الجمع إلى البحث عن المعلومة نفسها، وأصبحت المعلومات اليوم سلعة يتمُّ توزيعها حسب قوانين وأعراف السوق التجاريَّة، فالمعلومات ليست الآن في متناول الناس بالتساوي، إنَّها توزُّع حسب مقياس من يستطيع ومن لا يستطيع، فهناك أغنياء المعلومات، وفقراء المعلومات وهم الذين لا يملكون بنوكا وقواعد للبيانات، لأنها أصبحت حكرا على إمكانات، تتحكَّم في قدرات بشريَّة لديها قوَّة التكنولوجيا وقوّة العلم وقوَّة المال.
قد يقول أحدنا وما دخلنا في كلِّ هذا؟ إنَّها معركة ومنافسة بين الكبار، والهوَّة شاسعة بيننا لا تهمُّنا تلك المواجهات. (1/169)
صفحة 170
يمكن أن نجد الردَّ عند الشيخ أبي اليقظان نفسه، الذي كان بطلا من أبطال معركة الإعلام والمعلومات في تلك الفترة الحرجة بين الحربين، أدرك بوعيه وقوَّة بصيرته أهمية المعلومات، بلغ في ذلك مبلغا لم نقدره حقَّ قدره، بدليل قويٍّ هو: إنَّنا لم نستطع الإحاطة بما أنجزه، فتراثه يعاني من الإهمال وتعاني معه ذاكرتنا، ليته كشف قبل أن يرحل عنَّا عن سرَّه المهني، الذي أصبح يتحدَّانا دون قصد منه، وكشف عن عجزنا تواضعه الذي حسبناه ضعفا.
قد تسمح لنا هذه الأدوات الحديثة ولم تكن متوفِّرة عنده، بتدارك ما فات، وقد قامت الحجَّة بعد ثلاثين سنة من الإعراض وبإمكاننا الآن أن نقدِّم الشيخ أبا اليقظان للباحثين في أشكال متعدِّدة وصيغ مختلفة.
كلمة أخيرة:
أنَّ أعمال هذه الذكرى مؤشِّر مشجِّع، وبادرة تدلُّ على صحوة نرجو أن تكون بداية مسيرة ثابتة ودائمة.
وقع التركيز على الدور الكبير للشيخ، الذي كان بين الحربين منارة للصَّحافة، إنَّها مناسبة أعادت لتراثه رونقه، ودلالة حضاريَّة تهدف إلى البحث عن كلِّ نادر ونفيس، يكون همزة وصل الماضي بالحاضر، وزادًا نستلهمه بما يفيد مستقبلنا. (1/170)
صفحة 171
على أنَّه لا بدَّ من التنبيه بهذا الصدد إلى أنَّ ما وقع التطرُّق إليه يبقى حبرًا على ورق، إذا لم تتحوَّل الأفكار من مجالها النظري إلى أعمال يلمسها المجتمع في الميدان. إنَّه من المؤلم أن نكتفي بالبكاء على الأطلال، إلاَّ أن يكون ذلك البكاء عاملا مساعدًا وحافزا على الإنجاز الفعلي.
لذلك أودُّ أن أنهي هذا العرض حول أهمية تراث الشيخ بالدعوة إلى أن يتبنَّى المجتمع مسؤوليَّة رعاية إنتاجه؛ بالاعلان عن مشروع ثقافي، يكون في مستوى عظمة الشيخ وإحداث صرح حضاري، يشعُّ بالعلم، يحققِّه أحفاده - والكل هنا أحفاده- ليبقى ذخيرة للأجيال, ورسالة ناطقة تذكِّرهم بواجبهم. يكون المشروع ملتقى لتبادل الأفكار، كما كانت صحافته، ومركزا للباحثين المهتمِّين بالتراث، يلتقون فيه لتنمية معارفهم، يستمعون إلى محاضرات، ويقيمون المعارض، ويتدارسون تراثه، تتحوَّل الفكرة بالتدريج إلى متحف يحفظ آثاره، ومركزا للعلم يشعُّ بالمعرفة يخلِّد الشيخ في أذهاننا، ويجعله حاضرًا معنا في كلِّ وقت وحين، يرصد الانتاج الفكري عنه وينمِّيه ويحيي في ربوعنا أمجاد الماضي.
إنَّها مجرَّد فكرة من وحي الملتقى، من يدري قد تصبح يوما حقيقة، وبذلك نكون قد بدأنا بمبادرة جديدة في تعاملنا مع آثار مفكِّرينا إحياء للتاريخ، وإرجاعا لأمجاد مضت لا غنى لنا عنها في بناء حاضرنا.
قد تبدو الفكرة للكثيرين خيالا، ولكن إذا نظرنا إلى الموضوع من وجهة نظر الباحثين ومعاناتهم في طريق الوصول إلى آثار الشيخ، والفراغ الرهيب الذي يواجههم، يتَّضح بأنَّ الفكرة انطلقت من واقع، واعتمدت على إحساس بضرورة ردِّ الاعتبار للرمز الذي وهب كلَّ شيء، وهل جزاء الإحسان إلاَّ الإحسان. (1/171)
صفحة 172
F
قراءة اقتصادية في صحف الشيخ أبي اليقظان
الأستاذ محمد بن صالح حمدي (1)
إنَّ الصحافة مرآةٌ للأوضاع الدينيَّة والاجتماعيَّة والاقتصاديَّة للأمم والشعوب، فهي تعكس الحياة الواقعيَّة في مختلف المجالات. كما أنَّها أداة لإصلاح هذه الأوضاع نحو الأحسن والأمثل، إن قامت عليها أقلام أمينة ملتزمة واعية لرسالتها، وذلك بإبراز المحاسن وتنميتها, والتنبيه إلى المثالب وبيان عِللِها والسعي نحو تلافيها والحدِّ منها.
وصحافة الشيخ أبي اليقظان منذ نشأتها سنة، 1926 وهي تسعى جاهدة نحو إصلاح المجتمع والنهوض بالأمَّة، وقد ركّزت على جانبين مهمّين:
(أ): مقاومة المستعمر الفرنسي الذي جثم على أرض الجزائر؛ ببيان خطره وضرورة الانعتاق والتحرر، والتصدِّي لمحاولاته اليائسة للمسخ والذوبان والتقصير للشَّعب الجزائري، فكانت غصَّة في حلقة ممَّا جعل الشيخ يتعرَّض للاستنطاق، وصحفه للتَّوقيف الواحدة بعد الأخرى.
(ب): النهوض بالأمَّة واتِّخاذ أسباب القوَّة المادية والمعنوية، ونفض غبار الجهل والجمود والمحافظة على المقوِّمات الدينيَّة والوطنيَّة.
إنَّ أبا اليقظان لم يكن يفرِّق بين قضيَّة ذات اتجاه اقتصادي وأخرى ذات اتجاه اجتماعي أو ديني، فقد كان ينظر إليهما جميعاً من زاوية واحدة هي الزاوية الوطنية.
__________
(1) - أستاذ في كلية العلوم الاجتماعية والإسلامية، جامعة باتنة. (1/172)
صفحة 173
لهذا لا نجده يخصِّص صفحة خاصة بالاقتصاد أو السياسة، كما هو شأن صحف اليوم، وإنَّما ينطلق في طرحه لجميع القضايا من حقيقة واحدة، وهي صراع بين مستعمر صليبي دخيل وأمَّة عربيَّة مسلمة.
وإذا كان هدف الشيخ هو نهضة الأمَّة الجزائريَّة عامّة، حيث عالج مشاكلها بكلّ أبعادها، وأظهر واقعها المعيشي المسيرّ بالحسرة والأسى واقترح الحلول، وحث ّرجال الإصلاح والمفكّرين بالنّهوض بها، إلاَّ أنّه خصّص حيّزا هامًا من صحافته لمشاكل وهموم موطنه الأصلي ميزاب، كما أنّه لم ينس واقع الأمَّة العربية والإسلامية، التي ترزح تحت نير الاستعمار الذي يستنزف خيراتها ويتّخذها سوقاً لتصريف فائض إنتاجه، مستعيناً بما تكتبه الصحافة العربية المشرقيّة، وحتّى الأقليّات الإسلامية كان لها نصيب من اهتمام الشيخ أبي اليقظان.
هكذا فإنَّ صحافته لها أبعاد ثلاثة: ميزابي - جزائري - إسلامي.
وقد ساعد الشيخ في الكتابة في الجانب الاقتصادي قلم، له باع طويل في التجارة والاقتصاد، حيث مارس التجارة في شبابه، ويتقن اللّغة الفرنسيَّة؛ ممَّا سمح له الاطّلاع على ما يكتب في الصحف والنشرات العالميّة، وهو الشيخ بكلّي عبد الرحمن بن عمر، ويلقَّب ”بالبكري“. وساهم بدرجة أقلّ كلٌّ من ”لقمان“: الشيخ حمو بن عمر سليمان بوعصبانه والشيخ: ابن يوسف سليمان بن داود الذي يحمل لقب ”عباس“.
عايشت صحف أبي اليقظان الأزمة الاقتصاديَّة العالمية سنة 1929، فخصَّصت أعمدة ومقالات لتحليل هذه الأزمة وتأثيرها على الاقتصاد الجزائري، فقد عَمَّ الركود والكساد؛ ممَّا أدَّى إلى إفلاس الكثير من المؤسَّسات التجارية والصناعية، وسبَّبت مشاكل اقتصاديَّة واجتماعيَّة عميقة. (1/173)
صفحة 174
أهمُّ القضايا الاقتصاديَّة التي تناولتها صحافة أبي اليقظان:
1) - القضايا العالميّة والعربية:
خصَّص البكري عدَّة حلقات في صحيفة ”وادي ميزاب“ للتعريف بعلم الاقتصاد وعلاقته بالعلوم الأخرى، كما حلَّل عوامل الإنتاج من أرض ورأس المال وعمل، فيقول في تعريف علم الاقتصاد: «علم يضمُّ بين دفََّتيه جميع السنن العامَّة التي يجري عليها إنتاج الأرزاق وتوزيعها و استهلاكها».
هذا التعريف من أشمل التعاريف لعلم الاقتصاد، إذ يضمُّ أبعاده الثلاثة: الإنتاج والتوزيع والاستهلاك.
ويبيِّن أهميَّة الاقتصاد في حياة الأمم والأفراد فيقول «لا يستغرب إذا قلنا: إنَّ حياة كلِّ أمَّة منوطة بحياة حركتها الاقتصاديَّة ومماتها بمماتها، فالمال قوام الأعمال». ويصل إلى نتيجة هامَّة وحتميَّة بأنَّ الاستعمار هو نتيجة من نتائج الاقتصاد، أي إنَّه لا يمكن لأيَّة دولة أن تُستَعمر إلاَّ إذا انهار اقتصادها ووهنت قوّتها، وتاريخ الاستعمار الحديث خير دليل على ذلك.
ثمَّ راح يشرح في حلقة أخرى عوامل الإنتاج التي حصرها في ثلاث هي: الطبيعة ورأس المال والعمل، ولم يورد العنصر الرابع وهو التنظيم، وهو العنصر المكمِّل للعناصر الأخرى، خاصَّة بعد اتساع المؤسَّسات والمقاولات، فغدا التنظيم مهمًّا في تسيير هذه الشركات، ويستحقُّ جزءاً من عوائد الإنتاج المتمثِّل في الربح، وقد أورد تعريفاً لكلِّ عنصر فيقول:
(1) الطبيعة: «هي القوَّة غير العاقلة، والمادة العامَّة التي يسقيها الإنسان بعرق جبينه، ويشغلها بالآلات من اختراع فكره».
(2) رأس المال: «هو عبارة عن مصنوعات يحدثها الإنسان، وإن كانت لا تفي بحاجاته، إلاَّ أنَّها تسهِّل له اقتناء أشياء أخرى، تحصل له بها الكفاية، وذلك من أبسطها كالقوس والمحراث إلى أعجبها صنعاً وأدقها تركيباً». (1/174)
صفحة 175
(3) العمل: «هي قوَّة الإنسان التي يسخِّرها لاستغلال الطبيعة؛ باكتشاف سننها وقوانينها مستعيناً بالأدوات والآلات.
ويبيِّن أهميَّة تكامل هذه العناصر للقيام بالعمليَّة الإنتاجيَّة، فالطبيعة تفتقر في أداء وظيفتها إلى شيئين لازمين هما العمل ورأس المال.
ومن خلال هذه المقتطفات من المقالات الاقتصادية يتجلَّى لنا مدى اهتمام الكاتب بهذا العلم الذي هو حديث النشأة، جديد على وطن كالجزائر، ما يزال في تخلّف شامل وجهل مطابق، فهو يحاول أن يقرّب مفاهيمه ومصطلحاته إلى قرّائه، كما تظهر لنا سعة اطّلاعه ودقّة تحليلاته.
وعن اهتمام صحف أبي اليقظان بالشّأن الاقتصادي العربي يورد مقالاً بصحيفة النور، عدد:41 سنة 1932 تحت عنوان: «كنز تحت رمال الصحراء»، يتحدَّث فيه عن تكالب الشركات النفطيَّة البريطانية والأمريكية على الحصول على الامتيازات للتنقيب عن البترول في الخليج العربي، ويعلَّق على ذلك بقوله: «وقبل أن تنشأ قصَّة المصالح النفطيَّة والتنافس على هذه البقعة من رمال الصحراء، لم يكن أحد يفكِّر فيها، وقد أضحت الآن موضوع نزاع دولي خطير، ثمَّ يعرض لموقف حكَّام الخليج إزاء هذا الوضع، واستسلامهم لنفوذ الغرب، فلا طاقة لهم في الوقوف في وجه الدول العظمى».
وعن الأزمة الاقتصاديَّة العالميَّة وتداعياتها وانعكاسها على اقتصاديات الدول الكبرى، قبل الدول الصغرى والمستعمرة، تناولها البكري في عدَّة حلقات من صحيفة النور؛ مبيّنًا حالة الكساد التي أصابت التجارة، وتسريح العمَّال من المصانع، وإفلاس المؤسَّسات، وأثر ذلك على الوضعية الاجتماعيَّة والأخلاقيَّة.
كما يورد ”لقمان“ سليمان بو عصبانه حمُّو، في نفس السياق مقالاً بصحيفة النور، عدد: 18، سنة 1932، يصف فيه الحالة التجارية، إثر الأزمة العالميّة التي تسبَّبت في إغلاق المعامل والمتاجر وتسريح آلاف العمَّال، فحلَّ البؤس والانتحار، وارتفعت درجة الإفلاس إلى حدِّ أنَّنا نعدُّ السالمين ولا نعدُّ المفلسين. (1/175)
صفحة 176
ثم يتعرَّض إلى أسباب ذلك، ويرى أنَّ السبب الرئيسي هو الأزمة العالميَّة التي أدَّت إلى الكساد التجاري، وبالتالي إلى انخفاض الأسعار، ثمَّ يورد بقيَّة الأسباب: منها البيع المؤجَّل، وارتفاع الفوائد الربويَّة على الديون.
2) - القضايا الوطنية:
تناولت صحافة الشيخ عدَّة قضايا اقتصادية وطنيَّة، فقد كان همُّ الشيخ أبي اليقظان المقيم المقعد نهضة بلده ورقيّه، فهو لا يكتفي بعرض الأوضاع المزرية التي يعيشها المواطن الجزائري، بل يحاول وضع الحلول، ويضرب أمثلة من الأمم المتقدّمة التي قامت بأسباب الرقيّ والحضارة، ويحثُّ على تعلم مختلف العلوم والفنون، فهي مفتاح كلّ تقدّم ونهوض.
من أهمِّ القضايا، وهذه عناوينها كما وردت في صحف الشيخ:
(1) الحياة الصناعيّة والزراعيّة في القطر الجزائري، بقلم البكري، صحيفة: وادي ميزاب، عدد: 74 سنة 1928.
(2) حاجة الجزائري إلى مصرف أهلي، بقلم الشيخ أبي اليقظان، صحيفة: وادي ميزاب، عدد: 89، سنة: 1928.
(3) إحصائيات سكان الجزائر، عن جريدة: ”إيكود الجي“ صحيفة: وادي ميزاب، عدد 95 سنة: 1928.
(4) في بلاد المجاعة، صحيفة النور، عدد: 64، سنة: 1933.
(5) نظرة عامّة على الحياة الاقتصاديّة وموقف الأمَّة منها، بقلم البكري، عدّة حلقات، من صحيفة: النور، من عدد: 55 إلى 59 سنة: 1932.
ولا يمكننا أن نتناول كلَّ هذه القضايا، وإنَّما نكتفي بنموذجين أو ثلاث تمثيلا للجانب الاقتصادي في صحافة الشيخ أبي اليقظان. (1/176)
صفحة 177
(أ) حاجة الجزائر إلى مصرف أهلي:
يستهلُّ المؤلف المقال بعرض التحوُّلات الاقتصاديَّة التي يعيشها العالم، واتّساع نطاق الحياة، والتطوُّر المذهل للمدنيَّة الأوروبيَّة، وتدفُّق الإنتاج وغزارته، وتطوُّر أساليب الحياة ونمط المعيشة، والتقدُّم العلمي والتكنولوجي، بينما نحن في الجزائر نعيش في تخلّف وجهل وخلافات هامشيّة. ثمَّ يبيِّن أهميَّة تكامل العلم والمال، وتسخيرهما للقيام بنهضة حقيقيَّة، وبناء المؤسَّسات العلميَّة الاقتصاديَّة.
وإذا كانت أوروبا قد قدَّمت لنا هذه المدينة، وهذا التطوُّر المتنوِّع في مختلف المجالات، إلاَّ أنَّ كثيراً من نظمها وأساليب إنتاجها تتصادم مع النصوص الشرعيَّة، وتتنافى مع روح التشريع الإسلامي، وأهمُّها التعامل الربوي الذي يعدُّ محور النظام المصرفي الغربي.
فهنا يقف المسلم حائراً في أمره، بين الارتماء في حمأة الربا، والانسلاخ من دينه وعقيدته، أو البقاء في ذيل القافلة على مستوى الفردي ومستوى الأمَّة والمجتمع، ويقول الشيخ مقدِّماً حلاًّ للخروج من هذا المأزق: «إنَّ وجه الحلِّ لهذه المشكلة هو أن يقوم بعض متنوِّري الأمَّة بفتح مصرف أهلي، يؤسَّس على القواعد الإسلامية المقرَّرة في الفقه الإسلامي، ويُسيَّر بأساليب البنوك العصرية». فالشيخ بإيمانه الراسخ بعقيدته ودينه لم ينصح بالإقدام على تعاطي الربا، الذي هو في نظره حريق إذا شبَّ في ثروة تركها رماداً، كما فعل ويفعل كثير من الفقهاء التبريريِّين، ولذا نادي إلى إقامة مصرف إسلامي نظيف خال من شوائب الربا، كما أنَّه من ناحية أخرى لم يدع إلى الانزواء والانكفاء على الذات، ما دامت المؤسَّسات الاقتصادية تقوم على الربا المحرم شرعياً.
وكلمة مصرف أهلي لها جانب سياسي أيضاً، فهو يدعو المجتمع الجزائري إلى الاعتماد على النفس وتدبير شؤونه بنفسه، والاستقلال في تصرُّفاته وقضاياه الاقتصاديَّة. (1/177)
صفحة 178
وقد سبّب هذا المقال متاعب للشيخ، إذ استدعاه محافظ شرطة الجزائر لاستنطاقه في فحوى أفكاره وأرائه الخطيرة على السياسة الفرنسية في الجزائر.
ويقدِّر الشيخ صعوبة هذا الأمر، فهو يتطلَّب عزيمة، وإدارة قوية، فيحثُّ أرباب المال على تخطيط وتنفيذ هذا الأمر فيقول: «وهذا الأمر، وإن كان يتراءى بادئ الأمر شاقاً، فهو يسير على من يسَّره الله تعالى من آهل العزم والصدق والإخلاص وقوة الإرادة». كما أنَّ إقامة مصرف أهلي إسلامي هو مقدِّمة وتمهيد لتأسيس الشركات، وإنشاء المعامل وإقامة المشاريع الكبرى، التي تحتاج إلى تمويل من هذه المؤسَّسة المصرفية».
(ب): في بلاد المجاعة:
هذا عنوان مقال لكاتب فرنسي يدعى: (م، ج، جير) نشره في جريدة ”لا بريس ليبر“ (الصحافة الحرَّة)، وقام بترجمته إلى العربية الكاتب ”الفرقد“: بوجناح سليمان، ويصف فيه الحالة المعيشية المأسوية للأهالي الجزائريِّين، ويهيب بالحكَّام الفرنسيِّين بالاعتناء والرفع من مستوى معيشتهم، بدلاً من الإسراف في حفلات الذكرى المئوية للاحتلال فيقول: «السواد الأعظم منهم يقاسون - بكل جلد - من مرارة العيش والبؤس والشقاء، بما لا يرضاه حتَّى الكلاب»، ثمَّ يعقد مقارنة بين ما يستهلكه الأوروبيُّون والأهالي، فيقول: «فالأوروبيُّون الذين يبلغ عددهم المليون يستهلكون 73?، والأهالي الذين يبلغ عددهم ستَّة ملايين لا يستهلكون سوى 27?». ثمَّ وصف حالتهم وثيابهم الرثَّة، ومساكنهم الخشبية التي تفقد أدنى مقوِّمات الحياة، كما أنَّ الحالة الصحيَّة متدنية لسوء التغذية، ففي سنة 1927 أحضر لخدمة الجندية 125 ألف شاب، وعند الفحص الطبِّي أسقط منهم النصف؛ بسبب إصابتهم بالأمراض المختلفة، وهم في زهرة شبابهم.
ثم يعقِّب صاحب الترجمة: «هذا موقف رجل فرنسي حرٍّ منصف أمام قضية الجزائريِّين، فما يجب أن يكون موقف الأهلي الجزائري إزاء قضية وطنه يا ترى؟؟؟ (1/178)
صفحة 179
(جـ) الحياة الصناعية والزراعية في القطر الجزائري:
يبيِّن صاحب المقال وضعية الشباب الجزائري، وهو يرزح في البطالة والجهل، ويحثَّه على العمل واقتحام مدارس التكوين المهني لضمان حرفة شريفة تؤمِّن له مستقبله، ويعيب عليه استساغة الربح السريع بالسّطو والسرقة، وقارن بين نسبة الجزائريّين والمستعمرين في اليد العاملة الفنِّية، فهناك واحد وثمانون ألف عامل فنِّي من الأهالي، مقابل خمسة وسبعين ألف من الأوروبيِّين، في حين أنَّ نسبة المستعمرين لا تتجاوز واحدًا إلى سبعة.
ثمَّ تساءل لِمَ ترى غالب الذين يزاولون المهن أُجراء؟ ولا نراهم أرباب مستودعات كبرى في مختلف الصنائع والمهن؟ مع توفُّر إمكانات الالتحاق بمدارس التكوين.
وما يقال عن الصناعة، ينسحب على الزراعة أيضاً، فيدعو إلى الاعتناء بعمل الأرض، فهي الكنز الذي لا يفنى، «أعطوها القليل من جهدكم تعطِكم الكثير من خيراتها».
وفي النهاية يورد مقالاً مقتبساً من جريدة ”لاديباش ألجيريان“ يتحدَّث عن تاريخ التعليم التقني بالجزائر ومدارسه المنتشرة عبر العمالات الثلاثة: الجزائر وقسنطينه ووهران، ويحثُّ الشبان على الالتحاق بها، والتزوُّد بالعلوم والتقنيات الحديثة، حتَّى يتمكَّن أبناء الجزائر من تسيير دواليب اقتصادهم بأيديهم.
ولا ينسى في مقاله الجانب النسوي، فهو يدعو إلى تكوين العاملات المدرَّبات في مختلف فروع الحركة النسائيَّة: من طرز وفصاله وخياطة على النمط العصري.
3) - القضايا المحلية، الميزابيّة:
قلنا إنَّ صحافة الشيخ أبي اليقظان تجمع بين الأبعاد الثلاثة المحلية والوطنية والإسلامية، فقد أولى الاهتمام البالغ بالقضايا المحليَّة؛ لأنَّه ابن المنطقة، ويحتلُّ ميزاب مكانة خاصَّة في قلبه، ويتطلَّع إلى مستقبل أفضل لهذا الجزء من وطنه العزيز، كما أنَّ قرَّاءه يشكّلون جزءاً كبيراً من أبناء الوادي المنتشرين عبر التراب الوطني. (1/179)
صفحة 180
وأهمُّ القضايا الاقتصادية المحلية التي عالجتها صحفه، وأسهب بقلمه في شرحها وبيانها هي:
1) مشروع توليد الكهرباء لمنطقة ميزاب، صحيفة وادي ميزاب، سنة 1928.
2) زراعة النخيل ونتائجها العجيبة، تجربة من أميركا نقلاً عن مجلة: مصر الحديثة المصوَّرة، صحيفة ”وادي ميزاب“، العدد: 102، سنة: 1928.
3) التجارة الميزابية مهدّدة بالإعدام، لقمان، صحيفة ”النور“، العدد: 18، سنة 1932.
4) خطورة الهجرة على مستقبل ميزاب في حلقتين، صحيفة ”النور“، العدد: 74، 77، سنة:1935.
5) هل لتجارتنا من نهوض، بقلم: (م. م. ب)، صحيفة ”الأمَّة“، العدد: 7، سنة 1934.
وسنعرض نماذج من هذه القضايا:
(أ) مشروع توليد الكهربائي:
«إنَّه مشروع عظيم الفائدة جزيل النفع؛ لما يمتد منه إلى الشعب من أشعَّة المياه، فإنَّ الروح الكهربائية إلى الشعب بمثابة الروح إلى الجسد، فبامتداد أسلاك الكهرباء تمتدُّ الحركة في كافة فروع الحياة من الأضواء، وإدارة المعامل والمصانع، وضخِّ المياه وطحن الزرع، وجرِّ الأثقال وتلطيف الحرارة والبرودة، وإجراء العمليَّات الجراحية إلى غير ذلك من الفوائد العظيمة».
هكذا يبيِّن الكاتب أهمية المشروع الاقتصادية، وأثره في الحياة الكريمة للمواطن، وعن كيفية تمويله تعرّض لمختلف الآراء، فهناك من يرى أنَّ تكاليف التجهيز يدفعها المواطنون بزيادة رسم الضريبة - البزرة - وهناك من يرى أن تتحمّل الدولة ثلث التكاليف والثلثان يبذلهما المواطنون. ويتقدَّم الكاتب باقتراح تأسيس شركة محلية للقيام بالمشروع ورفض إسناده إلى شركة أجنبية لما فيه من أضرار، ثمَّ أورد تفاصيل عن هذه الشركة وكيفية تمويلها وتسييرها، كما تسيَّر سائر الشركات التجارية، وأن يستعان بالخبراء في الميدان. (1/180)
صفحة 181
وعن ثمار هذا المشروع ونتائجه يقول الكاتب:
«وبمثل هذا ينفتح أمام الشعب باب من الحياة جديد، يفضي إلى ميدان من العمل، يستثمر فيه المموِّل رأس ماله، والذكيُّ ذكاءه ونبوغه، والعامل جدَّه وكدَّه، والوطن يستثمر مجموع هذه الفوائد الجمَّة، فتبقى الثروة المادية في جيوب أبناء البلاد، بخلاف ما إذا أسند إلى غيرهم، فإنَّ ثروة الشعب تتسرَّب إلى جيوب الأجانب».
ثمَّ يحمِل الكاتب على المثبِّطين الذين يقولون: «لا قِبَل لنا بمثل هذه المشاريع، فهي فوق طاقتنا وقدرتنا، فالمشروع يستحقُّ نواة من الإرادة، وذرَّة من الحزم وصدق العزيمة والثبات، ولا يتطلَّب من المال أكثر ممَّا يستحقُّ أحدكم دكَّانه، فكفانا عاراً وشناراً ما سلف معنا من الانزواء والانكماش والتأخُّر والانحطاط». ويأمل الكاتب في نهاية المقال أن تؤسَّس في مدة قريبة شركة منظَّمة ذات، رأس مال كبير وتسيَّر المشروع على الطراز الحديث، وعلى رأسها بعض أدمغة ميزاب الكبيرة، يسرجون للبلاد سبل الحياة.
2) - زراعة النخيل ونتائجها العجيبة في أميركا:
بما أنَّ ميزاب خاصَّة، والجنوب الجزائري عامَّة يقوم اقتصاده على زراعة النخيل عبر الواحات، ويشكِّل التمرُ الغذاء الرئيسي لمعظم سكَّان المنطقة آنذاك، فقد ارتأى الكاتب أن يورد مقالاً نشر في مجلَّة ”مصر الحديثة المصوَّرة“، يتحدَّث فيه عن التجربة الأميريكية في زراعة النخيل في صحراء كاليفورنيا، لكي يستفيد الفلاحون من هذه التجربة، ومن التقنيات الجديدة التي ترفع من إنتاجية هذا النوع من الأشجار.
يستهلُّ مقاله لدواعي الكتابة في هذا الموضوع، وإلى تاريخ زراعة النخيل الذي يعود إلى ستَّة آلاف سنة، وأنَّ مهدها هو وادى الفرات، ثمَّ انتقلت إلى بقية العالم، ثمَّ يتعرَّض لإحصائيَّات النخيل عبر العالم، حيث يتصدَّر العراق القائمة بثلاثين مليون نخلة، ثمَّ الدول المصدِّرة لهذا المنتوج وهي: العراق والجزائر وتونس. أمَّا عن تجربة أميركا فيقول: «إنَّ أوَّل من أهتمَّ بهذه الشجرة، (1/181)
صفحة 182
وقام بالبحث والدراسة الدكتور ”سونجل“؛ فقام بجولة إلى الجزائر، ودرس تربتها ومناخها، ومن ثمَّ قارنها ببعض مناطق بلاده، فنجح في اختياره، واختار منطقتين، إحداهما في كاليفورنيا، وأوجد حقلين للتجارب، وشرع في اختيار الأنواع التي تتلاءم مع المناخ الأميركي، فقام بزرع البذور في جهة، وجلب الشتول من جهة أخرى، لكنه أقلع في النهاية عن طريقة البذور، واعتمد على الشتول لأنَّها الطريقة الوحيدة للحصول على أنواع ثابتة.
وأهمُّ العقبات التي كانت تعترض هذا الخبير مع فريقه التقني، هي مسألة الشتول واستجلابها من الخارج، لأنَّ القسم الأعظم كان يموت بسبب جهلهم لأصول العناية بالفسائل أثناء فصلها عن الأمِّ، وبعد التجارب عرفوا كيف يعالجون هذه العلَّة.
أمَّا عملية تلقيح النخلة، فتجري هناك على الطريقة التي اقتبسوها من بلادنا بدون أقلِّ تغيير، غير أنَّهم يعنون جدًّا في أمرها، فلا يجهلون البستان في زمن الأزهار، وقد أجروا تجارب بهذا الصدد لمعرفة تأثير لقاح الذكر على الأثمار، فاستنتجوا منها إمكان تصغير النوى أو تكبيرها، وإمكان تقديم موسم النضج أسبوعين أو تأخيره.
وممَّا يفاخرون به أن بستان النخيل عندهم يثمر بعد خمس أو ستِّ سنوات من زرعه، على حين أنَّ المعروف في بلادنا أنَّه لا يمكن الحصول على التمر، إلاَّ بعد مضيِّ عشر أو اثنتي عشرة سنة.
ثمَّ تحدَّث عن أهمية ترك سعف النخل، وعدم قطعه حتَّى يجفَّ، فالنَّخلة تخزِّن النسغ الذي تمتصُّه من التراب في الأوراق (السعف)، كما أنَّهم لا يسمحون بكلِّ العناقيد التي تظهر وتنمو، بل يقطعون منها ما هو زائد عن العدد؛ للحصول على ثمرة ذات حجم كبير. وهو ما يفعله الفلاحون عندنا في عملية تسمَّى باللَّهجة الميزابية (أَفْرَاق). (1/182)
صفحة 183
كما أنَّ جميع العناقيد تُغطَّى لحفظها من الطيور أو عوارض المطر، وأثناء عملية الجني يوضع التمر في صناديق ويرسل إلى بيوت التعبئة، حيث تُبخَّر لإلقائها بويضات الحشرات، التي قد تفرِّخ داخل التمرة، فتتلف المحصول، وبعد عملية التبخير توضع في غرف، حيث تمسح، إذا كانت من النوع الجافِّ، أو تغسل إذا كانت من النوع الرطب، ومن ثمَّ ترسل للتصنيف حسب جودتها، وإذا كانت نسبة الماء فيها كبيرة توضع في صوان في غرف، يتخلَّلها الهواء الجاف فتزول نسبة الماء الزائد، ثم ترسل أخيراً إلى الأسواق». ثمَّ تحدث عن عملية التسويق وأسعار التمر في العالم؛ مبيِّنًا ومؤكدًا على أهمية التمر كمورد اقتصادي مهم.
3) - خطورة الهجرة على مستقبل ميزاب:
إنَّ ما يتميَّز به الميزابي ارتباطُه بموطنه الأصلي، فمهما سافر وتنقَّل واغترب فهو دائماً متعلِّق بموطنه، ويفكِّر في العودة إليه والاستقرار النهائي فيه، فمنه يستلهم تاريخه وأصالته وأصوله ومميِّزاته، ويأخذ منه تقاليده وعاداته، ورغم أنَّ الطبيعة شحيحة بمواردها، إلاّ أنَّ إرادة الميزابيِّين، وبإيمانهم بحبِّ الوطن استطاعوا أن يحوِّلوا قراهم إلى واحات غنَّاء، تتوفَّر على أنواع مختلفة من الأشجار والأثمار.
كما أنَّ مفهوم الارتباط بالأرض له مدلول سياسي مهمٌّ، إذ يساعد الدول والحكومات على إقامة التوازن الجهوي، ويحدُّ من الهجرة من الأرياف نحو المدن، هذه الهجرة التي تسبِّب مشاكل اقتصادية واجتماعية تستعصى على الحلِّ.
ومن هذا المنطلق يحاول الكاتب دراسة هذه الظاهرة وتاريخها ومستقبلها وأثرها على ميزاب، فهو لا يدعو إلى إيقافها لأنَّ ميزاب جزء من الوطن الجزائري، وإنّما يدعو إلى تنظيمها، بحيث لا تؤدِّي إلى الاختلال العمراني والانسلاخ من الأصالة، ومن رقابة المجتمع لسلوك الفرد وتصرُّفاته. (1/183)
صفحة 184
بعد استعراض تاريخها وأطوارها وغاياتها يقدِّم جملة من الاقتراحات والحلول:
1) دراسة الظاهرة من جميع نواحيها، ومن مختلف هيئات المجتمع.
2) الاعتناء الخاصُّ بتثقيف الصبيان والشبان بالثقافة الدينية، وتزويدُهم بالعدَّة الكاملة منها؛ حتَّى يتَّخذوا منها حصانه ومناعة من الطوارئ.
3) لفتُ نظر المفكِّرين والمصلحين نحو أبنائهم الموجودين في الشمال والاعتناء بهم، ودراسة أحوالهم وحلِّ مشاكلهم.
4) التقصير قدر الإمكان من مدَّة الاغتراب، وهذا قد كان فيما سلف متعذِّرًا لبعد الشقَّة وصعوبة المواصلات، أمَّا الآن فقد توفَّرت وسائل النقل والمواصلات في السرعة والراحة.
5) إمعان النظر من جديد في دراسة الفلاحة ووسائلها بميزاب، وإزاحة أكثر ما يمكن من عقباتها، وإدخال أكبر ما يمكن من التسهيلات والتحسينات، فقد أضحت الفلاحة الآن أكثر أهمية، والفلاح أسعد حظًّا من التاجر أضعاف المرَّات، وكذلك دراسة حالة الصنائع الأهلية بميزاب، وانعاشها بما يكفل حياتها ودوامها.
6) اقناع أبنائنا بعدم الانخراط في سلك العمالة في المعامل التي يملكها الأوروبيُّون؛ لأنَّ في ذلك خطرًا على دينهم وسلوكهم. وملازمة مهنة الفلاحة وترغيبهم فيها بتحسين أجورهم وترقية معاشهم.
7) التقليلُ من رغبات النفس وشهواتها، فإنَّ النفس لا حدَّ لمطامعها ولذَّاتها، فما دامت لم تجد وازعًا من العقل ورادعًا من الدين، فهي لا تزال تطمح وتثب وتقول: هل من مزيد.
هذه الاقتراحات والحلول قدمها الشيخ أبو اليقظان لتنظيم هجرة الميزابيِّين نحو الشمال منذ ما يربو عن سبعين عامًا، حيث كانت الجزائر تحت وطأة الاستعمار. (1/184)
صفحة 185
والحركات الإسلامية لا تزال في طور نشأتها، أمّا الآن فإنّنا ننعم بالاستقلال الوطني، والحمد لله ـ كما أنَّ الميزابيّين الموجودين في الشمال تأثّروا بالحركة الإصلاحية، فقاموا بفتح المدارس الخاصّة للتّربية الدينية والخلقية، وأنشؤوا نظام الجماعات للتكفُّل بأبنائهم، والاعتناء بالجانب الاجتماعي والثّقافي والديني، ومن ناحية أخرى فإنّ ميزاب شهد نهضة عمرانية واقتصادية وثقافية متنوِّعة، لهذه المعطيات كلِّها، فإنَّ تنقل الميزابيِّين واستقرارهم في مدن الشمال ننظر إليهما الآن بنظرة جديدة واستراتيجية أخرى.
خاتمة:
هذه إطلالةٌ سريعة على بعض ما كُتب في صحافة الشيخ أبي اليقظان في الجانب الاقتصادي، هذه الصحافة التي تشكِّل جزءاً من تاريخ الأمَّة في حقبة مهمَّة من تاريخ الجزائر المعاصر. رجائي من الباحثين دراستها من مختلف جوانبها.
وأنوِّه ببعد نظر الشيخ في تعامله مع الأحداث وتحليلاته ونظراته المستقبلية، كما أنَّ الشيخ يتميَّز بروح التفاؤل والتطلُّع نحو مستقبل وغد أفضل؛ حتَّى في ظلِّ الظروف الصعبة والحالكة.
وأمنيتي الغالية أن يحقِّق الجيل الحاضر حُلم الشيخ، واقتراحَه بإنشاء مصرف إسلاميٍّ؛ وفق قواعد الفقه الإسلامي، ويسير بأسلوب البنوك العصرية، خاصَّة وأنَّ الظروف القانونية والاقتصادية الآن متاحة، وتبقى فقط همَّة وإرادة وعزيمة الرجال.
المصادر والمراجع:
1: صحف الشيخ أبي اليقظان: ”وادي ميزاب“- ”النور“ - ”الأمَّة“.
2: أبو اليقظان وجهاد الكلمة، د. محمد صالح ناصر. (1/185)
صفحة 186
F
الشيخ حمدي أبو اليقظان إبراهيم بن عيسى
رجلُ الإصرار والتحدِّي
الأستاذ محمد الطاهر عزوي (1)
مقدمة:
إذا أردنا أن نكتب عن أي شخصية من الشخصيَّات الفكرية أو الأدبية، أو الإصلاحية أو الجهادية، كشخصية حمدي إبراهيم بن عيسى، المعروف بأبي اليقظان في وادي ميزاب بالجزائر. لا بدَّ أن تكون عن طريق المعاشرة أو الصحبة، فهي من أقوى المؤهِّلات المساعدة على الكتابة. وإلاَّ عن طريق الدراسة الأمينة. ويكون ذلك عن طريق الاقتدار على البيان والتعبير وبالدقَّة والأمانة والشعور بالمسؤولية.
هنا يشير الإمام المفكِّر الداعية الأديب «أبو الحسن علي الندوي» إلى صعوبة الكتابة عن الشخصيات ودقَّتها. وهذه حقيقة واضحة لمن جرَّب وعانى مشاقَّها، خاصَّة إذا كانت الشخصية المكتوب عنها ذات جهود كبيرة، ومآثر جليلة في مجالات متنوِّعة: نظرية وعلمية، مثل الشخصية المحتفل بها ”أبو اليقظان“، عميد الصحافة الجزائرية. وتعرف قيمته بادئ ذي بدء من حوليَّاته، التي تصوِّر معاناته، كما تصوِّر ما يتمتّع به من التحدّي والإصرار والثّبات على المقوّمات الأساسية. فهو جدير بأن تقدّم حياته للنّاشئة لاتّخاذها قدوة حسنة. سيما ما يتعلّق بكتاباته وتجديد صحافته. ويعتبر في اعتقادنا موسوعيًا، يقارن بالونشريسي والمقَّرِي. ولو أنَّ شهرة الأخيرين جاءت مما ّأبرزه المغرب ومصر ولم تأت من الجزائر لأبناء الجزائر. في المجال الفكري والثقافي.
__________
(1) - مدير ثانويّة صلاح الدين الأيّوبي، بباتنة سابقًا، وعضو جمعية روَّاد مسيرة الثورة في منطقة الأوراس بباتنة. توفِّي سنة 2004 أو سنة 2005م، في حادث مرور. (1/186)
صفحة 187
وقيمته تدرك عظمتها ممَّا تركه من الآثار، إذا ما قورن بغيره من معاصريه، حيث لم يترك أغلبهم شيئا يذكر. وأعمال أبي اليقظان في ميدان العلوم الإنسانية، تحتاج أن تقدَّم للأجيال الصاعدة كنبراس، ونرى من جانبنا -في عهد الاستقلال - أنَّه أُسدل الستار على حياته، وعلى كثير من أمثاله، فلا يعرفهم جيل الاستقلال ولا يُذكرون إلاَّ لماما وفي إقليمية محدودة.
من عرض حوليته نعرف عصاميته:
• ولد حمدي إبراهيم بن عيسى المعروف بأبي اليقظان في مدينة القرارة، ليلة الإثنين 29 صفر 1306هـ الموافق لـ 05 نوفمبر 1888م.
• فقد أباه (كأوَّل محنة له) في شهر رجب 1307هـ.
• زاول التعليم الابتدائي في القرارة.
• حفظ القرآن واستظهره أمام الشيخ الحاج إبراهيم إمام المسجد سنة 1323هـ الموافق لـ 1905م.
• انتقل إلى مدينة بني يزقن ليتعلَّم على القطب (اطفيِّش) سنة1325هـ الموافق لـ 1907م.
• سافر إلى تونس سنة 1331هـ الموافق لـ 1912م. ومكث فيها حتَّى عام 1344هـ الموافق لـ 1925م. حيث أخذ العلم عن الشيخ عبد العزيز جعيط والشيخ محمَّد الطاهر ابن عاشور وغيرهما في جامع الزيتونة والمدرسة الخلدونية. وفيها تأثر بعالم الصحافة وتعلق به.
• كتب أولى مقالاته الصحفية في جريدة ”الفاروق“ لصاحبها عمر بن قدُّور سنة 1332/ 1333هـ الموافق لـ 1913/ 1914م.
• ترأَّس الشيخ أبو اليقظان أوَّل بعثة علمية جزائرية إلى تونس سنة 1333هـ الموافق لـ 1914م.
• (1/187)
صفحة 188
أصبح عضوا بارزًا في الحزب الحرّ الدستوري التونسي سنة 1339هـ الموافق لـ 1920م، وذلك بسبب صداقته لزعيم الحزب عبد العزيز الثعالبي الجزائري.
• عاد أبو اليقظان إلى الجزائر سنة 1344هـ الموافق لـ 1925م، كما فعل كذلك الشيخ محمد خير الدين في بسكرة.
• أصدر أوَّل جريدة، سمّاها ”وادي ميزاب“ في 1345هـ الموافق لـ الفاتح أكتوبر 1926م، وهي ما يوافق تأسيس ”نجم إفريقيا“ وظهوره. تصدر في الجزائر، وتطبع في تونس، ويبعث بها إلى الجزائر لتوزَّع فيها كل أسبوع.
• أنشأ أبو اليقظان المطبعة العربية بالجزائر العاصمة سنة 1350هـ الموافق لـ 1931م.
• انتخب الشيخ أبو اليقظان عضوًا في مجلس إدارة جمعية العلماء المسلمين الجزائريِّين نائبًا لأمين المال، وذلك عام 1351هـ الموافق لـ 1932م.
• انخرط الشيخ أبو اليقظان في حلقة العزَّابة بالقرارة سنة 1355هـ الموافق لـ 1936م.
• أصيب الشيخ أبو اليقظان بشلل في جنبه الأيسر في رمضان سنة 1376هـ الموافق لـ أفريل 1957م.
• توفِّي بالقرارة يوم 25 صفر 1393هـ الموافق لـ 30مارس 1973 (1).
من صحافته نعرف ما يتمتع به من التحدي والإصرار:
حيث يشهد له الشيخ عبد الحميد بن باديس في سنة 1350هـ/1931م بمناسبة صدور أوَّل ديوان لأبي اليقظان. إذ يوقفنا على قيمة أبي اليقظان الصحفية، بكلِّ دقَّة وإخلاص، فيقول: «وأبو اليقظان إلى جانب ميزابيَّته التي يفاخر بها وله الحقُّ، عربيٌّ يجاهد ويجالد في سبيل العروبة، ووطنيٌّ يناضل ويقارع في سبيل الوطنية، ومسلمٌ أخلص لله ولدينه، يجعل الإسلام في الصفِّ الأوَّل من كلِّ أعماله» (2).
__________
(1) - يوسف بن بكير الحاج سعيد. تاريخ بني ميزاب (دراسة تحليلية اجتماعية واقتصادية). ص189 - 192.
(2) - د. محمد ناصر. «أبو اليقظان وجهاد الكلمة» ص300. ”الشهاب“ ج 10، م 7، أكتوبر1931. (1/188)
صفحة 189
وقد أصدر ثماني جرائد، وكان بمجرَّد أن يعطِّل له العدوُّ الفرنسي جريدة إلاَّ وتراه يبادر إلى إصدار جريدة أخرى بدلها بنفس الأسلوب والعزم والصمود والمثابرة والتحدّي، وباسم جديد. وقد التقى به الشيخ محمد الحسن فضلاء في قسنطينة، وقال له: «أراك يا سيِّدي قاسيت كثيرا في سبيل الصحافة والكلمة فأجابني ( P): هم عوَّدونا التعطيل، ونحن عوَّدناهم التجديد، والحرب بيننا وبينهم سجال، وسينتصر الحقُّ على الباطل لا محالة».
وسنعرض أمامكم الجرائد حسب أسمائها وتاريخ صدورها وأعدادها:
1. وادي ميزاب: صدرت في 01/ 10/1926م/ 1345هـ (119) عددًا.
2. ميزاب: صدرت في 25/ 01/1930م/ 1349هـ عدد واحد.
3. المغرب: صدرت في 26/ 05/1930م/ 1349هـ (38) عددًا.
4. النّور: صدرت في 15/ 09/1931م /1350هـ (78) عددا
5. البستان: صدرت في27/ 04/1932م/1351هـ (10) أعداد.
6. النبّراس: صدرت في 21/ 07/1932م/ 1352هـ (6) أعداد.
7. الأمَّة: صدرت في 08/ 90/1933م/ 1352هـ (170) عددا.
8. الفرقان: صدرت في 05/ 70/1938م/1357هـ (6) أعداد (1).
من كتابات أبي اليقظان الواسعة تُعرف موسوعيته:
عظمة هذا الرجل وموسوعيَّته التي تشبه عظمة وموسوعية الونشريسي في معياره. يعجبني فيها برنامجه اليومي، كما رواه لنا الأستاذ أحمد محمد فرصوص في كتابه: «الشيخ أبو اليقظان كما عرفته»، وهو أنَّه ينهض ( P) من فراشه عند
__________
(1) - الأستاذ محمد الحسن فضلاء. «من أعلام الإصلاح في الجزائر». ج 1، ص: 88 - 89. (1/189)
صفحة 190
الأذان الأوَّل، قبل الفجر للتطهُّر والاستعداد لصلاة الفجر، بمساعدة زوجته، ثمَّ ينصرف إلى عبادة الله بالذكر والتسبيح والنوافل إلى غاية الأذان الثاني لصلاة الصبح، يؤدِّي صلاته ويتبعها مباشرة بتلاوة حزبين من القرآن الكريم، وهي عادة - ذكر لي ( P)- أنَّه بقي محافظا عليها منذ أن حفظ القرآن الكريم قبل البلوغ، فاستمرَّ عليها حتَّى وفاته.
ويضيف قائلا: إنِّي أحبُّ أن ألقى الله تعالى، وجوارحي تشهد عليَّ بما كانت تزاوله من قراءة واستماع، وتقليب للصَّفحات، وتبيين لحروف كتاب الله عزّ وجلّ ... لأنّ القراءة من المصحف أدعى إلى تركيز الذهن واشتغاله بالتّمعّن في آيات الله تعالى.
ممّا اشتهر به ( P) هو أنَّه لا يتساهل أبدا في التأخُّر عن الموعد، وكان ممَّا يقوله في ذلك: «الدقيقة في المذلَّة عام».
كان يخصِّص الساعات الأولى من الفترة الصباحية للأعمال الجادَّة، مثل التفسير لكتاب الله وللردِّ على الرسائل ...
كان يستلهم كتاباته من الخرجات إلى أجنَّة القرارة ... وكان يقول لزملائه: إذا افتقدتموني فلا تبحثوا عنِّي في متجر أو مكتب أو مرفق عام، وإنَّما تجدونني وروحي حبيسين في جنان أو حديقة.
ويقول: إذا هممت بكتابة أو تأليف، تصوَّرت نفسي في رياض من رياض نضرة في أرياف بعيدة عن الناس. وكان يعبِّر عن هذه الخرجات بقوله: أخرج لأملأ بطَّارياتي بالأشعَّة الشمسية، وأكحِّل عينيَّ بجمال الغابة، وأملأ صدري بالهواء الطلق. وكان يُحمَل في عربته مع بعض الكتب، من تاريخ وأدب وبعض الأشرطة من فنِّ الموشحات الجميلة» (1).
__________
(1) - أ. أحمد فرصوص «الشيخ أبو اليقظان كما عرفته» ص: 38 - 40. (1/190)
صفحة 191
بهذه الصفات الخالدة له، ولمن على شاكلته، فلا نستغرب منه أن يكون من الموسوعيِّين في القرن العشرين، وكجزائري ومسلم أصيل كالونشريسي والمقّري ومالك بن نبي وسعد الله، أن يترك ما يقرب من ستِّين مؤلَّفا، أحصى لنا الشيخ يوسف بن بكير الحاج سعيد حوالي 44 كتابا بين مطبوع ومخطوط، تدلُّ بحقٍّ أنَّ الرجل موسوعيٌّ بأتمِّ معنى الكلمة، إذ صوَّر في مختلف عناوينها صراع المجتمع الجزائري ضدَّ الاحتلال الفرنسي، في المنتصف الأوَّل من القرن العشرين. ستَّة منها تهتمُّ بتفسير القرآن الكريم، وسبعة منها تناولت الترجمات وهذا كمثال.
تراه من جهة أخرى يهتمُّ بقضايا المسلمين عموما في كتاباته ومؤلَّفاته. ويُعتبر من السبَّاقين في الردِّ على ترَّهات جريدة ”صدى الجزائر“ (إكو دالجي) وهو نفس المنهج الذي سلكته ”صدى وهران“ (إكو دورون) في عهد الاستقلال؛ شتما للرسول - صلى الله عليه وسلم -، واستنقاصا من الإسلام (1).
ومما يدلُّ على تمكنه من اللّغة العربية، ومن التبحُّر في العلوم الإنسانية هو أنَّه ألَّف للصغار وللمرحلة الابتدائية والإكمالية، على غرار ما قام به مصطفى أمين وعلي الجارم في النحو الواضح والبلاغة الواضحة.
تذكِّرنا هذه المقارنة بتوجيه الدكتور محمد الهادي شعيرة ( P)، حيث يؤكِّد ويقول لنا في جامعة الجزائر في بحر السنوات الأولى من الاستقلال: يجب عليكم أن تقرؤوا الكتب الصغيرة التي استخرجت من الأمَّهات. ذلك لكي تكتسبوا التركيز على الأفكار الرئيسية من المراجع الكبيرة وعرضها بالبساطة والوضوح.
عمل كهذا، لا يقوم به إلاَّ الموسوعيُّون من أمثال أبي اليقظان. أمَّا الكتابة بالإطناب وبالمترادفات وبالوصف، ربَّما يسهل على الكثيرين ممن يحترفون الكتابة. أمَّا التركيز والدقة والمنهجية، وعرضها بأسلوب يناسب العقول والأفهام فصعب، لا يقدر عليه إلاَّ القلَّة القليلة.
__________
(1) - يوسف بن بكير الحاج سعيد. «تاريخ بني ميزاب» ص: 190، 191. (1/191)
صفحة 192
لهذا يمكننا أن نأخذ المثال من كتابه «سلَّم الاستقامة»، وهو في ثلاثة أجزاء للأقسام الابتدائية مطبوعة، وأربعة أجزاء للمرحلة الثانوية. حيث بسط الشيخ أبو اليقظان في مقدِّمة الجزء الأوَّل، وبقلمه ما يلي:
هذه عصور تتجدَّد، وأمم تتطوَّر، ونهضة عامَّة، تشمل سائر مناحي الحياة، وأساليب الكتابة تترقَّى إلى أوج الكمال، ومعاهد العلوم تخرج للعالم كلّ يوم عجائب ومدهشات، ومدارس العصر الجديد تبرز كلّ حين آيات العبقرية والنبوغ، ما يملك نواصي الدنيا بأسرها، ويأخذ عن السالكين طريق الآخرة.
إزاء هذه الحركة الزاخرة، نرى الهمم عندنا فاترة، والأدمغة خامدة، حركة التأليف وقفت ببلداننا منذ زمان، ومن أُتيح له الحظُّ للكتابة، وكأنما بقلم العصور الغابرة يكتب، ولزمان غير زمانه يدوِّن ويرتّب. مع أنَّ لكلِّ عصر طابعا، ولكلِّ زمان أسلوبا، لأجل هذا نرى أبناءنا قد قعدت بهم قافلتهم، بين أساليب العصور الماضية الملتوية، وعن لحاق قافلة عصر البخار، والكهرباء، والراديو في أساليب الكتابة والتحبير، وهم في جمهرة الأميِّين والبسطاء بين تيَّارين:
تيَّار الجمود، وتيار الجحود، يتطلَّعون فرارا من أخطارها للصّعود إلى ربوة الاستقامة، ولا سلَّم، ويفزعون طلبا للنّجاة من بلائها إلى روضة الدين القويم، ولا معراج.
كلُّ هذه العوامل حفَّزتني، سدًّا لهذا الخلل، لوضع سلسلة في أركان الدين - العبادات - في أركان الدنيا - المعاملات - على الأسلوب المدرسي؛ لتكون عمدة معلِّمينا الأفاضل في هذا العصر، لتوجيه أبناء المدارس الابتدائية وجهة الدين الصحيح بأسلوب جديد. يقرِّب من أفهامهم مُتَنَاوَلَ الفقه الديني، وفقه المعاملات، معتمدا في ذلك على نباهة المعلِّم واقتداره وتجاربه وقوَّة ابتكاره لأساليب التفهيم (1/192)
صفحة 193
والتطبيق، وسمّيتها ”سلَّم الاستقامة“، وذلك رجاء أن تكون لأبنائنا سلّمًا للصّعود إلى ربوة الاستقامة، والتنعم بروضة الدين القويم.
فيلتحق الأواخر بالأوائل علمًا وعملا وثقافة وتهذيبا وتقوى، حتّى يصلوا وينالوا كما نالوا سعادة الدارين، وعلى الله الاعتماد والاتّكال، ومنه نسأل القوّة والتوفيق وتسديد الخطى في مواقع الخطأ في الحال والمآل» (1).
نستنتج من هذه المقدمة أنَّ الشيخ أبا اليقظان اهتمَّ بالشّباب، الذين هم الخميرة الأولى في المجتمع. ولا بدَّ من الاهتمام بها، ويبدأ ذلك بإعداد الكتاب المدرسي الجيِّد. على المثل القائل:”التعليم في الصغر كالنّقش على الحجر“. وموقفه من هذا التأليف، ولهذه الفئة من المجتمع يذكِّرنا بما يقوم به المنصِّرون في البلاد الإسلامية، وبما يقوم به الاستئصاليُّون في حذف الإسلام من المنظومة التربوية في الجزائر، وبما قام الاحتلال الأوروبي في تغيير المناهج التربوية، وقد آتت أكلها في ردَّة حكَّام الإسلام ابتداء من مصر عام 1987م يوم كان ”فتحي سرور“ وزيرًا للتربية في مصر. وهو وأمثاله يدافعون عن العولمة وعن الاحتلال الأمريكي للعالم الإسلامي من جديد، ويتعاونون معه في ضرب المقوِّمات الأساسية للعالم الإسلامي، ابتداء من الإصرار على تغير المناهج التربوية. وقد تفطَّن إلى هذا الخطر كلٌّ من المودودي والندوي وأبو اليقظان ومالك بن نبي. وهذا هو السبب في إسدال الستار على مجهود مالك بن نبي وأبي اليقظان. ويكفي أنَّه منع حفيده من الدراسة في مدرسة المنصِّرين بوادي ميزاب، بينما أبناء نخبنا في الجزائر قبيل الثورة، وفي عهد الاستقلال يودعون أبناءهم في مدارس المنصِّرين بالجزائر وفرنسا. كما أنَّهم يضعون أبناءهم في الأقسام المزدوجة، بدل الأقسام المعرَّبة قبل تعريب التعليم الثانوي في الجزائر.
__________
(1) - أ. أحمد محمد فرصوص. «الشيخ أبو اليقظان كما عرفته» ص: 54 - 58. (1/193)
صفحة 194
مقارنتُه برجال عصره تعرف قيمته:
أبدأ بما قالته العرب:
إنَّ الفتى من يقول ها أنذا ... ليس الفتى من يقول كان أبي
وهنا يقول أبو الحسن علي الحسني الندوي: «فإذا اجتمع العلم والأدب مع الحسب والنسب فتلك الغاية التي لا غاية بعدها». لأنَّ ما كتبه الشيخ أبو اليقظان يعدُّ تاريخا وأدبا ووصفا لصراع المجتمع الجزائري بالاحتلال. ووصفا كذلك لعادات الجزائر وأوضاعها. ممَّا يعتبر تقرُّبا إلى الله. لقد سبق غيره من رجال عصره في وصف ما تعانيه الجزائر من سحق المقوِّمات الأساسية. ومن الاستعداد للثورة المباركة (1374هـ/ 1954م) بالوعي والإعداد الفكري والمادي. وَتَلْمَسُ ذلك من التفنُّن في مواضيع كتبه ورسائله وترجماته. فتراه يجمع بين أصالة المذهب وعراقة النسب والأدب. ”أمسك كما يقال الخيرين باليدين فما أضاع القديم، ولا أهمل الانتفاع بالجديد“. وقد جمع في مدينة القرارة بين الظلِّ والماء وصحبة العلماء. وهو أشهر من بلده، حتى وإنَّها لَتُعرَف به قبل أن يُعرَف بها. «ولأنَّ المثل العليا التي يطمح إليها البشر للوصول إليها والدنوّ منها من قديم الأزمان إلى الآن هي الحقُّ والخير والجمال، والثلاثة فيها الجمال في موقعها، والخير في أهلها، والحقُّ في الغاية التي تعمل لها، وتسعى إليها» (1).
وإذا أردنا أن نقارنه برجال عصره من الجزائريِّين فلا نجد له مثيلا في الكتابة المتنوِّعة، وفي التآليف المختلفة. فهي تجمع بين الدقة في الوصف، وتناول ما استعصى على غيره. فهو من هذا الباب يعتبر موسوعيًّا.
إذا تصفَّحنا الجزء الأوَّل من كتاب «من أعلام الإصلاح في الجزائر» للأستاذ محمَّد حسن فضلاء نجده يشتمل على ثمانٍ وستِّين ترجمة من ص: 07 إلى
__________
(1) - أبو الحسن علي الندْوي. «في مسيرة الحياة» ج 1، ص: 5 - 8. (1/194)
صفحة 195
103، فلا تكاد تعثر على أحد منهم ترك من المآثر ما تركه الشيخ أبو اليقظان بقلمه، منذ أن كتب أوَّل مقالة له في الصحافة سنة 1332هـ/ 1913م.
مع ذلك لا نبخس الناس أشياءهم، ولكن هناك قلَّة قليلة تركت آثارا لا تمحى، كعبد الحميد بن باديس والإبراهيمي والميلي وتوفيق المدني ومحمد علي دبوز.
إذا انتقلت إلى الجزء الثاني للأستاذ فضلاء فلا تعثر سوى على مذكِّرات الشيخ خير الدين، ومنتوج مفدي زكرياء، وتاريخ الشيخ عبد الرحمن الجيلالي، وفتاوى الشيخ أحمد حمَّاني، وبعض الأدبيَّات لمحمد الصالح رمضان، وابن ذيَّاب. يضاهيه بعض الشيء في الصحافة محمد السعيد الزاهري، وفي المخطوطات الشيخ عبد الحميد حبَّه العقبي.
مع شهرة أبي اليقظان التي طبقت الآفاق، فإنَّه لم يذكر إطلاقا عند الصحفي سعدي بزيان في كتابه «شخصيَّات بارزة في كفاح الجزائر من 1890 - 1962م».
وبعد أن قارنَّا بينه وبين الكثير من الجزائريِّين، نجد أنَّه فاتهم في تسجيل نشأته وسيرته، فهو في هذا المجال يشبه أبا الحسن علي الحسني الندوي في كتابه: «في مسيرة الحياة» المتكوِّن من ثلاثة أجزاء، تناول فيها حياته كلَّها. وكم تمنَّينا أن تكتب سيرة عظمائنا وعلمائنا ومصلحينا.
وعلى غرار ما كتبه الندوي نجد أنَّ الشيخ محمد عبده كتب حياته وقد تعرَّض لها طاهر الطناحي تحت عنوان: «مذكِّرات الإمام محمد عبده»، وذلك بالعرض والتحقيق والتعليق.
كان ذلك بإيعاز ممَّن زاره من الغربيِّين؛ إذ سأله أن يكتب ما يعرفه من نسبه وما كان عليه بيته ومنزلة أهله من قومه. فقال الشيخ محمد عبده: سبحان الله لو كانوا من المسلمين لقلت: إنَّهم أخذوا بقوله صلى الله عليه وسلم: ”لا تحقِرنَّ من المعروف شيئا“. (1/195)
صفحة 196
ويقول: ”أولئك قوم يعرفون الأقدار ويقدِّرون الآثار، لا يبخسون شيئا حقّه. ولا ينكرون عليه ما استحقَّه، ويطلبون المنفعة في كلِّ شيء، حتَّى فيما لا قيمة له في نظرنا، وفيما نعدُّه من الضائعات بيننا. فهذا الذي دعاهم لتحرير سيرتي ... إنَّه إن لم ينتفع به أهل عصرنا، انتفع به من يأتي بعدنا» (1).
بناء على هذا الاستشهاد يفرض علينا الواجب - وبكلِّ أسف - أن نسجِّل ملاحظات ربَّما تكفي لاستنهاض الهمم في المستقبل.
1 - كتب الأستاذ محمد حسن فضلاء كتابا من جزأين. فالجزء الأوَّل يتضمَّن حياة ثمانٍ وستِّين شخصية. لم يكتب أيُّ واحد منهم نشأته وسيرته وحياته، باستثناء الشيخ أبي اليقظان.
أمَّا الجزء الثاني فيتضمَّن حياة ثلاثٍ وأربعين شخصية. لم يكتب أيُّ واحد منهم سيرته وحياته، ماعدا الشيخ محمد الصالح بن عتيق؛ حيث كتب حياته في المعتقلات أثناء الثورة.
2 - كتب الأستاذ فوزي مصمودي كتابا تحت عنوان: ”أعلام من بسكرة (تراجم لشخصيَّات علمية وثقافية ونضالية وثوريّة) “. يبلغ عددهم خمس عشرة شخصية، لم يترك أيُّ واحد منهم كتابا عن سيرته وشخصيَّته وحياته.
3 - كتب كذلك الصحفي سعدي بزيان كتابا تحت عنوان: ”شخصيّات بارزة في كفاح الجزائر من 1830 - 1962م“. يبلغ عدد من كتب عنهم ثلاث عشرة شخصية ولم يكتب أيُّ واحد منهم عن حياته وسيرته.
4 - صدر كتاب من منشورات المتحف الوطني للمجاهد تحت عنوان: ”اتّحاد الكتَّاب الجزائريِّين الأدباء والشهداء، وقائع الملتقى الأوَّل للكتّاب الشهداء“، إذ وردت فيه حياة ثمانية من الأدباء الشهداء. ومع ذلك لم يترك أيُّ واحد شيئا عن حياته.
__________
(1) - الطاهر الطانجي بالتقديم والتعليق، «مذكرات الإمام محمد عبده» ص: 16،17. (1/196)
صفحة 197
إسدال الستار على جهاد أبي اليقظان وعلى بعضٍ من أمثاله يُعتبر نُكرانا للجميل:
أسدل الاحتلال الفرنسي ظلاما على الجزائر، مدَّة قرن وثلث القرن، حتَّى أصبح إخواننا في تونس والمغرب يعتبروننا فرنسيِّين، ولا يصلِّي بعضهم وراء إمام من الجزائريِّين على اعتبار أنَّهم فرنسيُّون.
استمرَّ هذا التعتيم على كلِّ مثقَّف، ومؤمن بالعربية والإسلام، سواء في الثورة أم في عهد الاستقلال. إذ يحتفل بذكرى من التحقوا بالثورة من المدارس الفرنسية. ولا يحتفل بالذين التحقوا بالثورة منذ البداية، سواء من المدارس الحرَّة أم من مدارس جمعية العلماء الجزائريِّين، أم من الزوايا. كما ضرب التعتيم على قادة الولاية الأولى، لأنَّ لهم فضل السبق في الثبات بالثورة، وفضل السبق في الإيمان بالعربية والإسلام.
لهذا فلا نستغرب إذا ضرب التعتيم على عميد الصحافة الجزائرية أبو اليقظان، وعلى عميد الفكر الإسلامي مالك بن نبي؛ رغم أنَّهما موسوعيَّان فيما تركا من آثار خالدة خلود الجزائر. (1/197)
صفحة 198
F
الشيخ أبو اليقظان صبرٌ ومصابرةٌ ومرابطةٌ
في جهاده الصحفي
إبراهيم بن أحمد ألجون (1)
إذا كان لأمَّة تاريخ فتاريخها يكمن من خلال ما خلَّفته من آثار، ومن خلال ما سطَّرته أنامل شعبها من مواضيع في مختلف المجالات الفكرية والاجتماعية والاقتصادية.
من خلال هذا المبدأ وهذه النظرة كان شيخنا الجليل ”الشيخ أبو اليقظان إبراهيم بن عيسى“ قد رفع راية الجهاد، وذلك من خلال صحفه وجرائده، وكتاباته ومقالاته؛ لأنَّه كان يؤمن إيمانا راسخا بالدور الذي تلعبه الصحافة في النهضة بالأمَّة الجزائرية، فقد كان إيمانه بالصحافة إيمانا راسخا لا يتزعزع، وتضحيته في سبيلها تضحيَّات جساما، وإرادته في استنهاض الأمم إرادة قوية، وطموحه في ذلك طموحا كبيرًا، ونلمس ذلك واضحا من خلال الأبيات التي نظمها في هذا الشأن إذ يقول:
إنَّ الصحافة للشعوب حياة ... والشعبُ من غير اللسانِ مَوَاتُ
فهي اللسانُ المفصحُ الذلِقُ الذي ... بِبَيانه تُتَداركُ الغاياتُ
فهي الوسيلةُ للسَّعادةِ والهَنَا ... وإلى الفضائلِ والعلا مِرقاةُ
ما ذُو المجاز، وما عكاظُ، ومَا ومَا ... إن ساعدَت لرواجها الأوقاتُ
الشَّعبُ طفلٌ، وهي والدُه، يرى ... لِحياتِه ما لا تراهُ رُعاةُ
__________
(1) - معلِّم في مدرسة الحياة، القرارة. (1/198)
صفحة 199
من خلال هذا كان يتصوَّر أنَّ الصحافة هي بمثابة القائد الذي ينتظره الشعب ليأخذ بيده، وينشر الوعي في نفسه لأنَّ الشعب الجزائري، وهو يرزح تحت نير الاستعمار الغاشم، هو أشبه ما يكون بالطّفل الذي يحتاج إلى من يأخذ بيده ويوجّهه، ويقوده إلى ما فيه صلاحه، وهدايته وإلى ما فيه رشده ونفعه، وكان ( P) لا يثنيه عن نفعه شيء، دون إيقاظ الأحاسيس الوطنية في نفوس المضطهدين، ودون استنهاض الهمم في حنايا أضلع المقهورين، وذلك بإرادة قوية وصبر دؤوب؛ رغم ما واجهه من عقبات من طرف المستعمر الصليبي الحاقد، الذي كان يوقف الصحافة العربية، وكلُّ صحافة تصدر بغير اللغة الفرنسية في جميع أنحاء القطر الجزائري. وقد صدر قانون عن وزير الداخلية الفرنسي آنذاك بمصادرة وتعطيل كلِّ صحافة صادرة باللغة العربية. يقول الدكتور محمد ناصر في كتابه ”أبو اليقظان وجهاد الكلمة“: «وممَّا زاد لهذا القانون حيفا ما وجده من حرص التطبيق من طرف الوالي العام ”بيار (1/199)
صفحة 200
بورد“، وهو معروف بنزعته الاستعمارية الحاقدة ضدَّ الأهالي الجزائريِّين، وقد حارب الصحف العربية ذات الاتِّجاه الوطني عامَّة، وصحف أبي اليقظان خاصَّة».
لم تقف وزارة الداخلية الفرنسية عند هذا الحدِّ، بل تعدَّته إلى أكثر من هذا، فأصدرت قرارًا جائرًا في حقِّ جريدة أبي اليقظان ”وادي ميزاب“، فمنعت صدورها وحجرت طبعها وبيعها وتوزيعها، فما كان من الشيخ أبي اليقظان الشهم البطل أن يرضخ لهذا القرار وأن يذلّ ويخضع، فاضطر إلى إصدار جريدة ”المغرب“ في سنة 1930م (1) باسم السيِّد ”تعموت عيسى“، أحد تلامذته تستُّرا، لكن ما كان لهذه الجريدة أن تنعم بنور الحرية فعطِّلت كسابقتها. وكان ردُّ فعل الجزائريِّين أزاء هذا التعطيل المجحف قويًّا، زعزع أركان البيت الصليبي الحقود، وقوَّض دعائم كيان الإدارة الاستعمارية الجائرة، وزلزلت الأرض تحت أقدام الوالي العام ”بير بورد“، فتهاطلت على وزارة الداخلية الفرنسية برقيات الاحتجاج، بشكل جماعي وبإمضاءات جماعية، إذ بعثت القرارة وحدها تلغرافا يشتمل على 800 كلمة، وبإمضاء 150 شخصا (حسب المصدر المذكور سابقا) (2)؛ ممَّا جعل الوالي العام ”بيار بورد“ يترك العاصمة ويتوجَّه للتوّ إلى وادي ميزاب، وهو في حالة غضب شديد؛ ليوقف هذا الاحتجاج الجماهيري، ويسكِّن هذا الهيجان الشعبي الجارف، وعند وصوله إلى عاصمة الميزابيِّين (غرداية) ثار ثورانا شديدا بكلِّ مشاعر السخط والعنصرية والغطرسة والجبروت، حيث قال متحدثا عن سبب توقيفه جريدة ”وادي ميزاب“: «أنا حجزتها لأنَّها مسَّت كرامتي وحتَّى كرامة أولادي. ولم تقف عند هذا الحدِّ، بل تطاولت وتكلَّمت في الحكَّام وآذتهم، ونحن لا نريد من يتكلَّم فينا، وأنا الذي أصدرت قرارًا بتعطيلها ومن الذي يردُّ قولي؟ إن الذي يردُّ قولي لم يخلق بعد».
أثناء هذه القلاقل والأعاصير التي جاءت نتيجة لمصادرة هذه الصحيفة، استدعي الشيخ أبو اليقظان من طرف السلطات الاستعمارية لإجراء تحقيق دقيق معه، بشأن هذه الجريدة ويُستجوب في مصدر هذا السيل العارم من برقيَّات الاحتجاج، التي تهاطلت على الإدارة الفرنسية من ميزاب وسائر أنحاء القطر. وقد أبدت السلطات الاستعمارية تعجّبها من هذا السيل المتهاطل؛ محاولة إلصاق تهمة تحريض المواطنين على القيام بمظاهرات عارمة، أو عمل جماهيري انتقامي ضدَّ أمن الدولة الفرنسيَّة؛ حتَّى يجدوا للشيخ أبا اليقظان مبرِّرا لإبعاده أو نفيه، أو الزجِّ به في السجن أو إعدامه، والاستراحة من الصحافة المضلِّلة للرَّأي العام في نظر الإدارة الفرنسية.
لكن موقف أبي اليقظان كان شجاعا رصينا ثابتا، فكان يجيب بكلِّ رباطة وجأش، مدافعا عن آرائه ومبادئه وأفكاره؛ مادامت كلُّ جرائده لم تكن خارجة عن القانون، أو مشتملة على أية مخالفة قضائية، توجب المصادرة أو التعطيل أو
__________
(1) - قبل ذلك أصدر جريدة ”ميزاب“ يوم: 25 جانفي 1930م. (م. ن. ب).
(2) - حدث هذا بعد تعطيل جريدة وادي ميزاب. (م. ن. ب). (1/200)
صفحة 201
الحجز. ومع كلِّ ذلك لم يهنأ للسلطات الاستعمارية بال، فسعت بكلِّ ما أوتيت من قوَّة إلى كبت جرائده في المهد قبل أن تمتدَّ وتنتشر؛ لأنّها كانت تخاف العصيان المدني والتمرُّد الجماعي، فأصبحت الإدارة الاستعمارية تتفنَّن في فرضِ فُرَصِ التضييق والكبت والقمع الصحفي، وإسكات قلمه السيَّال، ولكن كلما كانت المصادرة من طرف المستعمر كان الإصدار من طرف أبي اليقظان، دون كلل أو ملل، ودون يأس أو استكانة، فلم يُحن للمحن ظهرا، ولا أولى للمستعمر أمرا.
أورد الدكتور محمد ناصر في كتابه «أبو اليقظان وجهاد الكلمة» ما صادر المستعمر من الجرائد اليقظانية فقال: «لقد صادر له المستعمر خلال ثلاث عشرة سنة ثماني جرائد تساقطت كلُّها في ميدان الشرف، إذ أصدر جريدة "وادي ميزاب" سنة 1926م وعطّلت في 1929م، بعد صدور 119 عددا منها، وأصدر "ميزاب" سنة 1930م فوُئدت في المهد بعد صدور عددها الأوَّل، ثمَّ أصدر "المغرب" سنة 1930م باسم تاعموت عيسى -كما أسلفنا- فأوقفت بعد عام واحد فقط، وأصدر "النّور" في 1931م فكبتت بعد عامين، وأصدرت "البستان" باسم نفس الشخص ولكن لم تسلم هي الأخرى من الكبت، إذ توقَّفت في تلك السنة، ولم تدم سوى شهرين فقط، فظهرت "النبراس" ولم تَرَ النور منها سوى ستَّة أعداد فقط، وأطول جرائده عمرا هي جريدة "الأمَّة"، التي دامت خمس سنوات، ولكن نهايتها كانت كسابقاتها، وآخر ما صدر له جريدة "الفرقان"، ولكنها لقيت نفس مصير زميلاتها، إذ لم يصدر منها سوى ستَّة أعداد فقط».
لقد كان الشيخ أبو اليقظان بقابل هذه المصادرات والتعطيلات بنفس أبية مطمئنَّة، لأنَّه كان ذا إيمان قويٍّ بوطنيَّته وقوميَّته، وكرهه للظّلم والاستعمار منذ الصغر، وكان موقفه عجيبا في إصراره وصبره، لا يحني ظهرا ولا يطأطئ رأسا، فقد اتَّسم بالتحدِّي والمقاومة، بروح صادقة وبوطنية ثائرة، غذَّاها منذ نعومة أظفاره باحتكاكه بالعالم الخارجي. (1/201)
صفحة 202
والحقّ أنَّ ذهابه إلى تونس، على رأس البعثة العلمية الميزابية، كان له الفضل في إيقاظ الحسِّ النضالي في نفسيَّته، فقد كان ينشط في حزبها الحرّ الدستوري، وكان ينشر آراءه الوطنية وتطّلعاته الثورية في جريدة ذلك الحزب، وكان يهتمُّ بالقضية التونسية، إلى جانب اهتمامه بالقضية الجزائرية، وكان يولي أهمية بالغة للواقع الجزائري المرِّ، الذي كان يرزح تحت نير الاستعمار الغاشم، فسعى بما جاد به قلمه إلى إيقاظ الحسِّ المدني والوعي السياسي في نفس الشعب الجزائري، وإيقاظه من سباته العميق، وإخراجه من ظلمات الاستعمار البغيض.
هكذا اتَّخذ من تونس منطلقا، ومن صحافته منبرا، ومن مخاطبته الشعبين التونسي والجزائري بداية لوحدة المغرب العربي؛ لما يربط هذه الأقطار من عوامل مشتركة: كالدِّين واللُّغة والمصير المشترك، وكانت كتاباته حول كلِّ القضايا، لا يفرِّق بين الناحية السياسية أو الدينية أو الاجتماعية، فالدين والوطن واللغة عوامل مشتركة، لا يمكن الفصل بينها. ومن القضايا الوطنية المهمَّة التي كتب فيها:
قضية التجنيد الإجباري:
لقد هاجم الشيخ أبو اليقظان قضية التجنيد الإجباري، وبيَّن الآثار الخطرة الناجمة عنه في حياة الأمَّة المسلمة: دينيًّا واجتماعيًّا واقتصاديًّا، وأبدى إصرارا قويًّا لرفض هذا المشروع، الذي كان يطلق عليه ”مشروع الإعدام“. وقد صبَّ جام غضبه في مقالات نارية في جريدتي ”وادي ميزاب“ و”الأمة“، حتَّى كاد أن يعرِّض حياته للخطر، فحياة أبي اليقظان مليئة بمثل هذه المواقف الشجاعة والوطنية الصادقة، وجرائده زاخرة بما يشعل جذوه الوطنية ويؤجِّج نار الثورة.
كان أحيانا يصل في كتاباته إلى المواجهة العلنية بينه وبين الاستعمار، ويتحوَّل من أسلوب الرمز إلى الأسلوب المباشر، ومن التلميح إلى التصريح دون خوف. وقد يُخيَّل إلى البعض أن مثل هذا الأسلوب ضربٌ من التهوُّر ونقص التصوُّر؛ لأنَّ المطلوب من الصحافي - حسب زعمهم - أن يحسن اللفَّ والتفلُّت، ويجيد التملُّص (1/202)
صفحة 203
والتخلُّص. ولكن هذا السلوك - حسب نظر الشيخ أبي اليقظان - لمن ينظر إلى القضايا من جهتها المادية ولغرض دنيوي عاجل، أمَّا من ينطق عن إيمان قويٍّ، ووطنية حارَّة، وعن صدق عميق، ونية خالصة لله والدين والوطن، فإنَّه يقدِّم المصلحة العليا للوطن على مصلحته الشخصيَّة؛ رجاء الأجر الأخروي قبل النفع الدنيوي.
هكذا نرى أنَّ شيخنا يفيض وطنية صادقة حارَّة، لا يبالي بمن يعارضه من المتخاذلين الخانعين، الذين لا يعرفون من كلمة الوطنية سوى فخامة المبنى ورنين النغمة، فهذه ليست هي الوطنية التي يعيش بها الشيخ أبو اليقظان حتَّى النخاع، فالوطنية في نظره، كما وصفها في مقال له هي: «شرارة نارية، يقذفها الله في النفس، فيلتهب بها الدماغ، ويرسل أشعَّة نورها إلى القلب، فتحرّك حرارتها الأعضاء، وتنير الأشعّة الساطعة أمامها طريق العمل».
يضيف الشيخ أبو اليقظان قائلا: «إنَّ الوطنية الحقَّة أن يشقى الإنسان ليسعد وطنه، ويذل ليعزَّ، ويفقر ليغنى، ويموت ليحيى» (1).
إنَّه التفاني الكامل ونكران الذات نكرانًا تامًّا، لا مجال للاختيار، إذا دعا داعي الوطن، ولا للتردُّد أو الخوف أو المداراة أو النفاق، إذا تطلَّبت القضية الوطنية موقفا جادًّا كالمساس بالدِّين أو اللغة أو الوطن.
إنَّ مفهوم الوطنية عند الشيخ أبي اليقظان واسع، فهو يشبِّهها كأنها نسيج واحد، تتشابك فيه جميع القضايا: سياسية كانت أو اجتماعية أو دينية أو ثقافية أو اقتصادية، فكلُّ مساس بقضية من هذه القضايا هو مساس بالشخصية الوطنية، وحتَّى الدين الذي يخيَّل للبعض أنَّه لا صلة له بالسّياسة، هو عند الشيخ أبي اليقظان شيئان متلازمان، لا نستطيع الفصل بينهما كالظل وصاحبه، ومتى كان فصل الدين عن الدولة؟ فهو معتقد اخترعه المستعمر وبعض الجهلة من الشعب.
__________
(1) - جريدة وادي ميزاب، عدد: 26، (10/ 04/1927م). (1/203)
صفحة 204
قضية التجنيس:
لقد رفع الشيخ أبو اليقظان قلمه مندِّدا بالمشروع، الذي أغري به بعض الجزائريِّين، مقابل الحصول على بعض الامتيازات. وفضح بمقالاته النارية النوايا الخبيثة التي دبِّرت للجزائريِّين ضدَّ أصالتهم، وكتب عدَّة مقالات في هذا الشأن دون خبف أو جبن رغم؛ ما في القضية من مخاطر، ورغم سكوت بعض المفكِّرين والعلماء، لا عن جهل، بل خوفا من الاستعمار. واعتبر الشيخ أبو اليقظان التجنيس ارتدادًا عن الإسلام وانحرافا عن الدين.
قضية الوحدة الوطنيَّة:
كان الاستعمار يذكي نار الحمية والعصبية والقبلية في مجتمع مريض كالمجتمع الجزائري، الذي مزَّقه الجهل والفقر، فأدرك أبو اليقظان، مثل غيره من رجال الإصلاح، كالشيخ بيُّوض وغيره بأنَّ التماسك القويَّ بين أفراد الوطن الواحد، هو الدافع القويُّ لسدِّ الثغرة التي يطمح إليها الاستعمار لزعزعة الصفوف، فيصيبها الوهن والضعف، وزرع بذور الحقد والبغض والشقاق، فتصدَّى أبو اليقظان بكلِّ يقظة، وتفطّن لهذه الخديعة، ولم تنطل عليه الحيلة؛ إيمانا منه بأنَّ المؤمنين إخوة، فحرَّر مقالات في هذا الشأن، وكتب في أوَّل جريدة أنشأها ما يأتي:
«أيها الشعب الجزائري: اعلم أنَّ القطر الجزائري مدينة واحدة، مسوّرة بسور واحد، هو الإسلام، وسكّان دورها هم سكّانه، فلا يمنع انحياز كلّ في داره، ومحافظته على عائلته من التعاون والتعاضد على جلب المصلحة لكلِّ سكَّان المدينة الواحدة، ودرء المضرَّة عنها، فإنَّ مصلحة المدينة هي مصلحة ديارها، وإنَّ مضرَّتها هي مضرَّتها، فإذا أقبل النهار (أي الخير) فإلى الجميع، وإذا هجم اللَّيل (أي الشرُّ) فعلى الجميع». (1/204)
صفحة 205
مقاومة النزعات الفردية:
وفقا لمبادئه السياسية والوطنية، نراه من خلال كتاباته كثير التنديد بالمظاهر السلبية، ذات الحبِّ الذاتي، شديد المقت للنفوس الوهنة، ذات الاتجاه الأناني.
كتب كثيرًا حول الصفات الذميمة التي تصيب الأمَّة، وتنخر جذعها، وتضعف من قوتها مثل: الأنانية والغرور والإعجاب بالنفس، والشحناء والبغضاء، والوشاية والحسد.
هكذا من خلال العرض نرى أنَّ الشيخ أبا اليقظان وطنيٌّ بحقٍّ، دافع عن القضايا الوطنية، التي يتعلَّق بها مصير الأمَّة الجزائرية. وإذا جئنا لنحصي ما كتبه الشيخ في هذا المجال فلن تفي الصفحات بحقِّه في ذلك، وحسبنا أنَّنا ألممنا بجانب منه، وسلَّطنا الضوء على بعض منها، علَّنا نكون قد وضَّحنا للأجيال هذه الشخصية العظيمة لتقتدي به وبأمثاله من الوطنيِّين الغيورين المخلصين، الذين ثبتوا على مبادئهم، ولم يحيدوا عنها، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدَّلوا تبديلا.
رحم الله شيخنا وأسكنه فسيح جنانه مع النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.
القرارة يوم: 24 محرّم 1424هـ
27 مارس 2003م. (1/205)
صفحة 206
F
تعاون العلماء والوحدة الوطنية
(صورة مما كتبه الشيخ أبو اليقظان ومفدي زكرياء في جريدة البصائر)
الأستاذ علي عزُّوزي (1)
لما رغبت في المشاركة في الملتقى الخاصِّ بالذكرى الثلاثين لوفاة الشيخ أبي اليقظان ( P)، خطر ببالي أن أرجع إلى مجموعة جريدة البصائر (من ديسمبر 1935م إلى جانفي1937م) (2) المتوفِّرة لديَّ؛ لأبحث عن أيِّ شيء له علاقة بموطن هذا الشيخ الموقَّر وأهله في وادي ميزاب. وكان في ذهني صورة لما يمكن أن أسمِّيه ”صورة وادي ميزاب في مرآة جريدة البصائر“، فعثرت على معلمين لهذه الرابطة، أو نموذجين ممَّا تنشره الجريدة يومئذ، وهما:
1 - مقال للشيخ أبي اليقظان إبراهيم بن عيسى، بعنوان «موجة الإصلاح العلمي بالقطر الجزائري»، بتاريخ 27/ 12/1935 عدد 1، من البصائر.
2 - رسالة كتبها مفدي زكرياء ( P) إلى الجريدة عدد 27 بتاريخ 10/ 07/1936، بعنوان «رأي جديد في تأسيس جمعية باسم جمعية التوحيد».
وقفتُ عند هذين النموذجين، لأنِّي أرى قراءة ما كان يكتب يومئذ، بتمعُّن، له مذاق خاصٌّ؛ نكتشف من خلاله حياة الجزائريِّين آنذاك؛ مشاكل المجتمع المتنوِّعة، والآراء المطروحة لمواجهتها، والروح القوية أو العزيمة التي يتحلَّى بها المصلحون في ذلك العهد ... وغيرها من المعاني؛ التي نعتبرها غذاء روحيا لنا باستمرار.
__________
(1) - أستاذ بجامعة باتنة.
(2) - دار البعث للطّباعة والنشر، قسنطينة، 1404هـ /1984م. (1/206)
صفحة 207
المقال الأوّل:
المقال الأوَّل كتبه الشيخ أبو اليقظان، بصفته عضوًا في جمعية العلماء المسلمين الجزائريِّين، حيث كان في منصب أمين المال. ومضمونه شبيه بما كان يكتبه بقية زملائه من شيوخ الجمعية، أو يتناولونه في خطبهم ودروسه. فهو يتناول موضوع الإصلاح عموما:
أ- يستهلُّ حديثه بذكر أمراض المجتمع الجزائري، وأنَّه عاش فترة من الجهل، استغلّها الأمراء والرؤساء الروحيُّون، فسادت الفوضى، وما انجرَّ عنها من شرور وفتن ... (كما يقول).
ب- ثم فتح الله على هذه الأمَّة، وقيَّض لها رجالا، علماء حكماء، ظهروا كنور يزيح الظلمات. درسوا علل الأمَّة، وفحصوا حالتها بمعيار العقل، ومنطق العلم، فوجدوا المرض ناجما عن أمرين اثنين هما:
1 - الجهل أو التخلُّف في ميدان العلم.
2 - انتشار الخرافة والوهم، أو التخلُّف الاجتماعي.
ج- فواجهوا هذه العلل بالدَّواء المناسب:
بدؤوا إصلاحهم بتطهير النفوس من أدران الجهل والخرافة، وتنقيتها من الزيغ والمعتقدات الفاسدة. ولم يكن ذلك سهلا، بل قامت في سبيل هذه الغاية صراعات شديدة بين أنصار الحقِّ والضلال. وانتهت بنصرة الحقّ على الباطل.
د- ثم التفت المصلحون إلى الجانب العلمي؛ ودرسوا أسباب الجهل ومآتيه، أو مساربه، وكيفية التعليم الصحيح. وقد رأوا حاجة الأمَّة إلى (الفنون الحديثة)، أي العلوم العصرية. وكيف يمكن جلبها أو تحصيلها ... فساروا في ذلك خطوات موفَّقة. فاستطاعوا أن يقلِّصوا ظلام الجهل، وينشروا نور المعرفة. ففتحوا المدارس في مختلف أنحاء البلاد، وهذَّبوا (نقَّحوا) أساليب التعليم. فحقَّقوا نهضة علمية مباركة، ضمَّت بين أبنائها ثلَّة من العلماء الفطاحل، والخطباء المصاقع، والكتَّاب المجيدين، والشعراء الفحول. (1/207)
صفحة 208
ثمَّ يتحدَّث الشيخ عن تأسيس جمعية العلماء، بفضل مساعي رجال أفذاذ، استطاعت أن تتولَّى قيادة المسيرة، مسيرة الإصلاح الديني والعلمي. فحقَّقت الكثير من النجاح في فترة وجيزة. وعمَّت موجة الإصلاح البلاد من أقصاها إلى أقصاها.
جمعية التوحيد:
أمَّا الرسالة التي كتبها مفدي زكرياء ( P) إلى جريدة البصائر، ونُشرت بتاريخ 10/ 07/1937 كما قلت، فقد استقبلتها هيئة التحرير بحفاوة خاصَّة. ورئيس التحرير يومئذ هو الشيخ الطيِّب العقبي. فقدَّمت للمقال بعبارات مشجِّعة «للشَّاب النابغ، الأديب والشاعر العبقريِّ المجيد، السيِّد مفدي زكريَّاء ... من شباب بني ميزاب المتنوِّرين الشاعرين بآلام هذه الأمَّة الجزائرية ... والمتطلِّبين لها العلاج السريع والدواء الناجع ... من يوم عرفوها بحالتها الراهنة ... وعرفوا أنَّهم من هذه الأمَّة، لا يسعد الواحد منهم إلاَّ بسعادتها ... الخ».
ومفدي زكريَّاء الشاب يومئذ، كان في 28 من عمره (باعتبار مولده سنة 1908م). وعقَّبت الجريدة على طلب مفدي (تأسيس جمعية التوحيد) بأنَّ جمعية العلماء الجزائريِّين هي جمعية الموحِّدين (بالمعنى الديني والاجتماعي). وأعضاؤُها كلُّهم مؤمنون موحِّدون. والتوحيد هنا يعني الإيمان وعدم الإشراك، ويعني أيضا خلاف الفرقة، أي جمع كلمة المؤمنين الجزائريِّين.
خلاصة الرسالة، التي تحمل حماس الشباب، الموجَّهة إلى رئيس تحرير الجريدة:
1 - تلفت النظر إلى حالة الشعب الجزائري: «الذي يتحفَّز نحو حياة جديدة، ملأى بالمغامرات، مفعمة بالأماني والآمال ... » مدفوعا في ذلك بعاملين أساسيَّين:
- عامل النشوء والارتقاء، أي سنَّة التطوُّر، أو الشعور بذاتيته، والتي تغذِّيها توجيهات الجمعية في قلوب الأمَّة ...
- عامل، أو دافع الاستعمار، المسلَّط على الشعب (بعصاه الغليظة) الذي أثخن هيكل الأمَّة بالجراح، وتركه أشلاء ممزَّقة. (1/208)
صفحة 209
2 - حتَّى ينهض الشعب لمواجهة هذا التحدِّي، كان لزاما عليه أن يقوم مجتمع الأجزاء ملتئم الشمل، قويّ البنية. ليستطيع الثبات أمام الأعاصير والزعازع الاستعمارية، التي تنتظره في الميدان العصيب. فلا نهضة تقوم بين ألغام الفوارق، وفي ظلِّ انتشار الشيع والطوائف ... الخ.
3 - ثم يُذكِّر صاحب الرسالة بالأوبئة الفتَّاكة المنتشرة بين صفوف الأمَّة، كما يقول: «شقاق مبنيٌّ على فوارق طبيعية، وخصومات (نصف دينيَّة)؛ هذا يعتزُّ بحضريته وهذا يعتزُّ بزواويته، وذاك بقبائليته، والآخر بميزابيته ... والاستعمارُ في ذلك يعتزُّ بهذه الفوارق كلِّها على محقنا جميعا» (1).
4 - وبعد أن يثني على أعمال جمعية العلماء، وأنَّها استطاعت أن تقوم مقام الأبوَّة المقرَّة من هذا الشعب المسلم (الكئيب) ينبِّه إلى بعض الجهات، كالإدارة الاستعمارية، التي تسعى إلى تشجيع الفرقة وتزيد الخرق اتِّساعا، وتسعى على أن تكون لكل طائفة جمعية خاصَّة بها، اعتزازا بالقومية وإحياء للشعوبية المقيتة ...
5 - بعد هذا يلتمس من جمعية العلماء، أو الجمعية ممثَّلة في هيئة تحرير جريدة البصائر، أن تقبل رئاسة الجمعية التي ينوي مع كتلة صالحة من العاملين، على تأسيسها تحت اسم «جمعية التوحيد» وغاية هذه الجمعية: القيام بإزالة الفوارق بين الطوائف الإسلامية الساكنة بهذه البلاد، وتوحيد الرغبات والأعمال تحت دائرة التوحيد.
ويقترح الكاتب - مفدي زكريَّاء – مجموعة وسائل لعمل هذه الجمعية منها:
- تنظيم محاضراتٍ ومسامرات كلَّ أسبوع، في نواحٍ مختلفة من الوطن بالتداول.
- عقد مؤتمر سنوي بإحدى العمالات (الولايات) الثلاث، بالتناوب أيضا.
- إصدار رسائل ونشريات تدعو للوحدة والوفاق.
- تشكيل (تنظيم) قافلة سنوية من الدعاة، والمبشِّرين بالتوحيد.
وفي الأخير، يرجو - من هيئة الجريدة - التأييد والدعم؛ لأنَّ التوحيد سلاح يدرك الجميع قيمته وفعاليته.
__________
(1) - حافظت على الكثير من ألفاظ وتعابير الكاتب في هذا التلخيص. (1/209)
صفحة 210
التعقيب:
أكرِّر القول بأنَّ الرجوع لإحياء هذه النصوص، إنمَّا يدفعنا إليه التشبُّث بمجموعة القيم الحضارية والوطنية، التي تجعلنا مجتمعا منسجما له شخصية بين الأمم، نفزع إليها عندما تلمُّ بنا الملمَّات والشدائد.، أو نشعر بالأمواج الصاخبة الهوجاء، وهي تضرب سفينة الوطن ذات اليمين وذات الشمال.
1 - فنحن نرى - مثلا - من خلال مقال أبي اليقظان (المشار إليه) تعاوُن العلماء، علماء الجزائر من أقصاها إلى أقصاها لإصلاح حال البلاد، رغم المشاقِّ والأهوال التي كانت تعترض سبيلهم. لذلك فهو يشغل حينذاك منصب نائب أمين المال في مكتب جمعية العلماء (المكتب الإداري الثاني سنة 1932م).
كما كان الشيخ إبراهيم بيُّوض يشغل نفس المنصب في المكتب الأوَّل للجمعية (1)، هذا التعاون بين العلماء، بين المثقَّفين ورجال الفكر له معناه، ولا يزال.
2 - كما نستنتج من رسالة مفدي زكريَّاء المذكورة، الكثير من المعاني:
أ) فمع أنَّنا لا ندرك بالضبط الدوافع المباشرة التي جعلته يكتب هذه الرسالة، ولكننا نتصوَّر أنَّها بالتأكيد [تكشف عن] مظاهر وسلوكات لم يرض عنها، فأنكرها بجرأة الشباب. وقد ورد في أعداد من مجموعة البصائر تلك، مراسلات وملاحظات أخرى حول (تعدُّد الجمعيَّات) ... تذكر محاسنها ومساوئها. وهو الأمر الذي لا نزال - رغم اختلاف الأوضاع – نلاحظه ونعاني منه.
ب) نستنتج أن مفدي زكريَّاء - الغني عن كلِّ تعريف – كان مهتمًّا بشؤون البلاد، ويشارك المصلحين جهودهم؛ ولم يكن شاعرًا فحسب. نفس الشيء نعرفه عن محمد العيد آل خليفة ... مثلا.
ج) نلاحظ أن الانشغال بتوحيد الأمَّة في رأيها، وفي جهودها، ومسيرتها نحو النهوض. كانت هاجسا يؤرِّق الرجال المخلصين بالأمس، كما هو الحال اليوم.
باتنة في: 25مارس 2003
__________
(1) - أمين المال كان: مبارك الميلي. وبيُّوض مساعد أمين المال (مذكِّرات الشيخ خير الدين) ج1، ص: 108، 109. (1/210)
صفحة 211
F
مداخلة: الأستاذ محمد الهادي الحسني (1)
في الحقيقة ربَّما كلام اليوم متعلّق بالأمس، أو هو تعليقٌ على كلمة أخي الأستاذ الحاج موسى ابن عمر البارحة حول: «التاريخ في صحف الشيخ أبي اليقظان»، وتعرَّض بسرعة إلى قضية المؤتمر الإسلامي.
هذا المؤتمر الإسلامي - كما يقال في أمثالنا الشعبية -: «عْجُوزه وحَكْمَتْ فَارْ»، خصومُ الحركة الإصلاحية لا يجدون ثغرة يسيئون منها القول إلى الحركة الإصلاحية إلاَّ هذه النقطة؛ التي هي المؤتمر الإسلامي، ولهذا أردت أن يفهم الشباب هذه الحقيقة التي دائمًا يُلبس فيها الحقُّ بالباطل.
كان عندي نوع من الغموض في أسباب دعوة الشيخ عبد الحميد بن باديس إلى هذا المؤتمر؛ حتَّى أعارني الأخ الدكتور محمد ناصر - جازاه الله - جريدة الأمَّة للشيخ أبي اليقظان، فوجدتُ فيها تصريحين؛ أحدهما لمحمَّد الصالح بن جلُّول، والآخر لفرحات عباس - غفر الله لهما- بمناسبة زيارة وزير الداخلية الفرنسي ”روني“ في 1935م، يقول صاحبا التصريح: «إنَّنا نريد أن نصبح فرنسيِّين ولو تُورْنَا، ولو تخلَّينا عن الإسلام».
هذا الشرط الذي كانت فرنسا تضعه لمن تعطيه جنسيَّتها، لكي تأخذ الجنسية الفرنسية يجب أن ترتدَّ عن الإسلام، فالناس كانوا مستعجلين ليصبحوا فرنسيِّين، هذا الكلام جعلني أفهم دعوة الشيخ عبد الحميد بن باديس للمؤتمر الإسلامي، وكأنَّه استباق لهذا النوع من الزعماء الذين يقرِّرون مصير الشعب الجزائري، لأنَّ الشيخ عبد الحميد، لم تكن الظروف تسمح له ليعارض فكرة
__________
(1) - أستاذ بالمعهد الوطني العالي لأصول الدين، جامعة الجزائر. (1/211)
صفحة 212
التطوُّر مع فرنسا ... إلخ، ولكن المسمار الذي كان يضعه دائما في المشروع الفرنسي هو أنَّنا لا بأس أن نتحوَّل إلى فرنسيِّين، لكن لابدَّ لنا من البقاء مسلمين، وهذا ما كانت فرنسا أيضا تعارضه.
إذًا ابن باديس دعا إلى هذا المؤتمر لينتشل .. ليُنقذ؛ - وطبعا - ابن باديس وغيره كانوا أناسا واقعيِّين، كانوا يعرفون قيمة ابن جلول وقيمة فرحات في أمَّة الأميَّة فيها 98%، حينما تفقد الطبيب، وتفقد الصيدلي، فليس أمرًا يسيرًا، الآن البطَّالون عندنا هم الأطبَّاء والصيادلة؛ بسبب كثرتهم والحمد لله، ولكن في 1936م طوبى لمن كسب شهادة طبية.
فحتَّى يُفلح هؤلاء الناس ينقذهم، وهذا مبدأ الإسلام لقوله عليه الصلاة والسلام: «لأن يهدي الله بك رجلا خير لك ممَّا طلعت عليه الشمس» أو «خير لك من حُمْر النعَم ... إلخ» (أو كما قال - صلى الله عليه وسلم -). إذًا إمَّا أن ينقذهم فيستجيبوا، فإن لم يستجيبوا، يكون قد أفسد خطَّتهم، ولعلَّه قد أوحي إليهما بهذه الفكرة. (1/212)
صفحة 213
القصائد الشعرية (1/213)
صفحة 214
[صفحة بيضاء] (1/214)
صفحة 215
F
قصيدة: لولا صحافتُكم بالضاد ناطقة
الشاعر الأستاذ صالح بن إبراهيم باجو (1)
أيها المحفل الكريم، شيوخًا ودكاترة وأساتذة، وطلابا وعُرُسًا، وكلَّ الحاضرين، السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، في هذه المناسبة السعيدة يسرُّني أن أرجع بكم إلى بعض الذكريات، أرجع بكم إلى سنة 1955م، بالضَّبط في شهر جانفي، حيث زارنا فضيلة الشيخ أبي اليقظان ( P)، زار البعثة العلمية الميزابيَّة بتونس، فأقامت له البعثة حفلا أدبيًّا شيّقًا، شارك فيه معظم الطلبة، وكنتُ من بينهم، فشاركتُ بهذه القصيدة التي أقدِّمها بين أيديكم، نظرًا لأنِّي حاولت أن أكتب قصيدة جديدة، فوجدتني عاجزًا؛ لأنَّ هذه القصيدة كانت من مستوحى الشيخ ( P)، الذي كان حاضرًا معنا في البعثة، وهي تصوِّر حياتنا معه، وانطباعاتنا نحوه، ولهذا اكتفيْتُ بهذه القصيدة، والتي هي تحت عنوان:
لولا صحافتكم بالضاد ناطقة
يا بلبل الروض (2) هاتِ الشعر، واشْدُ به ... فللقصيد كما للكأس سلطانُ
عساكَ تُحيِي عُهودًا، قد مضَتْ حُلُما ... فينتشي من جميل العهد وُجْدانُ
عسايَ أرقص من إنشادكم طَرَبًا ... والشِّعرُ عند ذوي الإحساس ألحانُ
فالشعرُ منك نشيدُ الخُلد في أُذُني ... أو باقةٌ زانها ورْدٌ وريحانُ
هذي قصائدُكم بالحقِّ ناطقةٌ ... إذا انْبرت يمَّحي بغْيٌ وبُطلانُ
ألفاظُها كشُواظِ النار مُلهِبةٌ ... تجتاحُهم وجزاءُ الكفر نيرانُ
__________
(1) - أستاذ بمعهد الحياة، القرارة.
(2) - مخاطبا الشيخ أبا اليقظان ( P). (1/215)
صفحة 216
إذا تصدَّت لأهل الظلم تحسبها ... قذائف الموت، لا بل هي بركانُ
هذي صحافتُكم كالشمس ساطعةٌ ... حروفُها فوق هامِ الضادِ تيجانُ
كأنَّها حين تنقضُّ هاوِيَةً ... على الطغاةِ (هِمَالايَا) (1) و (ثَهْلانُ) (2)
كأنَّكم بفم الأوطان ألسنةٌ ... أو فوق مِنبرها للذّوْد سُحبانُ
لم يُرْضكم أن تروْا دِينًا يُهانُ، ولا ... شعبًا يُضامُ، وهم للكفر عُبدانُ
كأنَّهم حينما سيقوا لمجزرة التـ ... ـجنيدِ، تحت لواء الكفر خِرْفانُ (3)
الجهلُ مزَّقهم، والكُفر هدَّهُمُ ... لا، بل أذلَّهُمُ، والفقر كُفرانُ
إذا انْبريتَ لهم بالعلم تنقذهُم ... بالشعر توقظهم، إذ أنتَ يَقْظَانُ
أعلنتها حملةً شَعْواءَ ضارِيةً ... حتَّى انْجلى عنهمُ ظُلمٌ وعُدوانُ
بـ (الأمَّة) (4) انطلقتْ في القطر ألسنةٌ ... للذَّوْدِ عنه، لها نورٌ ونيرانُ
بِـ (النور) قد ظهرتْ بالأفْقِ بارِقَةٌ ... غَرَّاء، ومصدر هذا النور (فرقانُ)
صدى جرائدكم في أُذْنهم صممٌ ... وكلُّهم من سنا (النبراس) عميانُ
كم حاولوا لصدى (الوادي) بطيشهمُ ... إسكاتَهُ وصِياحُ الحقِّ رنَّانُ
كم حاولوا صَلَفًا إخْراصَ صَوتكمُ ... وهل تُطيقُ سماعَ الحقِّ آذانُ؟
إنْ يأْسِروا (أُمّةً) يحتجُّ (مغربُها) ... أو يُقفرُوا (واديًا) يخضلُّ (بُستانُ)
بحرُ الحياةِ خِضَمٌّ، والجرائدُ كالـ ... أُسطُول، من فوقه (اليَقْظَانُ) رُبَّانُ
فما انْثَنيتَ أبا اليقظانِ قطُّ، ولا ... تقاعَسَتْ بكَ دون الشأْوِ ركبانُ
مضيتَ كاللّيثِ في آجامه قُدُمًا ... وللمعامعٍ أبطالٌ وشُجعانُ
غدتْ جزائرُنا - دهرًا – مُفَرنسةً ... أبناؤُها، ويحهُم للغرب غِربانُ
__________
(1) - أضخم وأعلى سلسلة جبليّة في العالم، وفيها قمَّة (إفريست)، التي تمتدُّ بين باكستان والهند وكشمير، والنيبال والتبت وبوتان.
(2) - جبل بِنجد في الحجاز (المملكة العربيَّة السعوديّة).
(3) - إشارة إلى التجنيد الإجباري الذي فرضته فرنسا على الشعب الجزائري.
(4) - إشارة إلى جريدة الأمَّة. وما وضع بين قوسين, فيما جاء بعد هذه الإشارة هي أسماء جرائده الأخرى. وهي: المغرب، وادي ميزاب، ميزاب، النور، النبراس، البستان، الفرقان (1/216)
صفحة 217
لولا صحافتُكم بالضَّادِ ناطقةٌ ... لَمَا علا لبُناةِ الضادِ بُنيانُ
إنَّ الصحافةَ للأوطانِ ألسنةٌ ... بدونها لن تبينَ النطقَ أوْطانُ
إنَّ الصحافة للأقلام مُعترَكٌ ... للذّوْدِ عن مُثُلٍ عُلْيا وميدانُ
إنَّ الصحافة مِرقاةُ الشعوبِ بها ... تُقاسُ نهضتُها دوْمًا وتزْدانُ
وهي السبيلُ إلى إنقاذِ أُمَّتنا ... من وَهْدةٍ كلُّها ظلمٌ وطغيانُ (1/217)
صفحة 218
F
قصيدة: أبو الصحافة الوطنية
الشاعر الأستاذ صالح بن بابه خباشة (1)
ضيوفنا الكرام، مشايخنا الأعزَّاء، إخواني الحاضرين، السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، قبل أن أبدأ في مشاركتي المتواضعة هذه، لابدّ من ثلاث نقط:
أوَّلا: من حسن الصدف، أو من عجيب الصدف أن تتَّفق قصيدتانا: أنا والأخ الأستاذ صالح باجو، في البحر (بحر البسيط) وفي القافية، مع اختلاف بين الرفع والنصب.
ثانيا: هناك تضمين لأهمِّ صحف الشيخ أبي اليقظان ( P) في القصيدتين.
ثالثا: أعتذر عن رداءة الإلقاءِ، ممكن لسببٍ موضوعيٍّ أشترك فيه مع الأخ باجو إلى حدٍّ بعيد.
ما للقريض حداني اليوم نشوانا ... وكان يعصف كالثُّوار غضبانا؟
حفلتَ بالنصر ألحانًا توقّعُهُ ... أم انتصبتَ بهذا العرس فنَّانَا؟
أم ابتدرتَ إلى الميدان مستبقًا ... هل اتَّخذتَ من اليقظانِ ميدانا؟
تخوضُ بحْرًا، تناءى عنك شاطئه ... فهل علمتَ لهذا البحر شُطآنا؟
أرى الصحافة في (البيضا) (2) إذا انتسبت ... تردَّد: الوالد المشهور (يقظانا)
رأى القلوب على جهل مُغلَّفةً ... فلاَحَ في جهلها (النّبراسُ) (3) بُرهانَا
رأى الدروبَ ظلامًا يستبدُّ بها ... فشعَّ في ليلها (نورًا) و (فرقانا)
__________
(1) - أستاذ في المعهد التكنولوجي لتكوين الأساتذة ببوزرّيعة بالجزائر العاصمة, (سابقًا).
(2) 2 - الجزائر البيضا، كما يقال: تونس الخضرا، ومرَّاكش الحمرا، (بإثبات الهمزة أو تخفيفها).
(3) - النبراس، والنور، والفرقان، ووادي ميزاب، والمغرب، والأمَّة، وميزاب، والبستان، هي الصحف التي أصدرها الشيخ أبو اليقظان ما بين سنتي 1926 و1938م. (1/218)
صفحة 219
و (وادي ميزابَ) ثنَّاه بِـ (مغربه) ... فكان في عاشقي الأوطان عنوانا
وأغدق الأمَّة العطشى بِـ (أمَّته) ... فمدَّ في دوحة الأمجاد أفنانا
صحائفٌ بزغت في الغرب نيِّرةً ... والغربُ يشرقُ بالأنوار أحيانا
فصفَّق الشرقُ إعجابًا ومدَّ يدًا ... من شكَّ فليسأل (الفيحا) و (عُومانَا)
صحائفٌ صبَّها اليقظانُ ماحقةً ... على الطغاة زرافاتٍ ووُحدانَا
وإن أرادوا به سحرًا وشعْوذةً ... رمى بهم سحرَهم (حِرزًا ومرجانا) (1)
كالشُّهْب راجمةً من رامَ شيْطنةً ... ولم أر الدهرَ كالإنسان شيطانا
أرى الجزائر في التاريخ ملحمةً ... لا إنسَ يجهلها مجدًا ولا جانا (2)
فهل تكون لها (إفيانُ) خاتمةً (3) ... أم سوف نشهد بعد اليوم (إفيانا)؟
على المنابر جناتٌ مزخرفةٌ ... من المواعيد، هل ميعادها حانَا؟
لا نرتضي الجدل الهدَّامَ ينخرنا ... قد كان من صخَب الأحزاب ما كانا
بل نبتغي العمل البنَّاءَ عُدَّتَنا ... لقد هدمنا لنبني اليوم بنيانا
وفي الجزائر أخشابٌ مُسنَّدةٌ ... تروم للشّعب خِذلانًا وخُسرانا
لا تسقها الماءَ، لا ظلٌّ ولا شجرٌ ... أضرِمْ بها يا سعير الشعب نيرانا
أرى الجزائر شعبًا مسلمًا أبدًا ... ما بالُ بعض بنيها كذَّبوا الآنا؟
من رام إلحادنا، أو رام فُرقتنا ... قمنا إليه من الصحراء إخوانا
توهَّج الدينُ من صحراءَ قاحلةٍ ... واليومَ تبعثه للكون صحرانا
لقد نزلنا من (الأوراس) صاعقةً ... نباغتُ الكفر أربابًا وأعوانا
أمَا أحاطوا بنا مسخًا وفرنَسَةً ... وللمآذن أجراسًا وصُلبانا؟
__________
(1) - لما استشعر الشيخ أبو اليقظان الخطر على إحدى صحفه، وهي (المغرب)، عمد إلى حرزٍ يسمَّى (حرز المرجانة)، فطبع به كلَّ صفحات الجريدة، فلمَّا صبَّحتها السلطة الاستعمارية بالحجز كانت ألذع سخريَّة تصادفها في طريق محاربتها للصحافة الوطنية.
(2) - جان: تخفيف جانّ للضّرورة الشعرية.
(3) - (إيفيان) هي القرية الموجودة على الحدود السويسريَّة الفرنسيَّة، التي تمّت فيها المفاوضات لوقف القتال بين الجزائر وفرنسا، في 19 مارس 1962م. (1/219)
صفحة 220
وحرَّفوا أحمدًا (موريسَ) تسميةً ... لكنه دكَّ (موريسًا) و (بيتانا)
كان الجهاد لنا عنوان ثورتنا ... وفي صحافتنا اخترناه عُنوانا (1)
مجاهدون على الإسلام مصرعُنا ... لن نهدم اليومَ ما شادَت ضحايانا
وهذه قطعةٌ من قصيدة بمناسبة غزو العراق الشقيق:
جهنَّم العصر في بغداد تلتهب ... ووابل الدم في أرجائها قِرَبُ
وغضبةُ الخلق في الدنيا مدوِّيةٌ ... وفي الخليج تمادى اللَّهو والطربُ
وكلُّهم قد أصمَّتْ عن شعوبهمُ ... فليس يدفعها شِعرٌ ولا خُطَبُ
إن أصدرت أمريكا الأمر في صَلَفٍ ... إذًا تبصبص من عُرباننا الذنبُ
كأنَّما العربُ الأجدادُ من ذهبٍ ... وهؤلاء الرعاةُ القشُّ والحطبُ
وكلُّهم برداء البيت معتلقٌ ... وكلُّهم لرسول الله ينتسبُ
وفي المزاد حِمى الإسلامِ مُرتخصٌ ... ووجه كعبتنا بالهول مكتئبُ
مرابع الوحي قد ديستْ كرامتُها ... بمن نهى الله أن يدنوا ويقتربوا
من كلِّ فجٍّ سعى الحمَّالُ محتطبًا ... سيصطلي باللَّظى الحمَّالُ والحطبُ
وفي الجوار حكوماتٌ، خيانتُها ... عن سردها، تعجز الأقلام والكتبُ
أين المروءةُ يا عَمَّانُ؟ أين حجا ... زُ الفاتحين؟ وأين العجز يا حَلَبُ؟
وفي العراق لهيبٌ دكَّ ظاهرَه ... وباطنًا، كلُّ ما في الأرض ملتهبُ
إلاَّ عزيمةَ شعبٍٍ صامِدٍ أبدًا ... وإن توالى عليه البطشُ والرهَبُ
صمودُك النصرُ يا عملاقُ، تنقشُه ... في صخرة الدهْر، تتلو سِفرك الحِقَبُ
سيُهزمُ الجمع مذمومًا وإن كثُرت ... أحزابُهُ، وتنامى الجيشُ والجَلَبُ
فموْجَةٌ تنقضي في إثْرِ سالفها ... إلى التلاشي، وطوْدُ الحقِّ مُنتَصِبُ
سيعلمُ الظالم الجبَّارُ مصرَعَهُ ... وأيَّ مُنقَلَبٍ يومًا سينقَلبُ
__________
(1) - هي جريدة ”المجاهد“: لسان جبهة التحرير الوطني أثناء الثورة التحريرية الجزائريَّة وبعدها. (1/220)
صفحة 221
F
قصيدة: أبو اليقظان في الماضين رمزُ
الشاعر الأستاذ سليمان بن عمر دواق (1)
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على رسول الله؛
أيَّها المجمع المبارك، سلامُ الله عليكم ورحمةٌ منه وبركات، شرَّفتني جمعية الحياة بالدعوة إلى حضور هذا الملتقى، وإن لم تمكِّنِّي من إعداد ما يناسب عظمةُ المُحتفى بهِ، لأنَّ أمثال الشيخ أبي اليقظان ( P) جدير بحوليَّات لا بمُرتَجلات ويوميَّات، ومهما كانت مشاركتي متواضعة فهي تُشرِّفني، ولا تُخِلُّ بشأن المحتفى به؛ لأنَّ العظماء لا يحتاجون إلى إشادة الشعراء.
جميلٌ منكمُ هذا الوفاءُ ... لمن قد كان رائدَه الوفاءُ
(أأنغامَ الحياةِ) عذُبْتِ لَحنًا ... وطابَ لنا بحضرتك الغناءُ
لَكَم وُفِّقتِ في تكريم شهمٍ ... له مِنَّا الترحُّم والولاءُ
وهل في الناس أوْلى من كريمٍ ... حرِيٍّ أن يُصاغَ له الثناءُ
أبو اليقظان في الماضينَ رمزٌ ... لكلِّ فضِيلةٍ بلْهُ الضياءُ
أضاءَ ربوعَنا دينًا ودنيا ... فكانَ لنا بومْضتهِ اهتداءُ
أراد حياته وقْفًا لشعْبٍ ... فقدَّمها، وقد عزَّ الفداءُ
يسائلني صغار النشءِ عمَّن ... يُخلِّدُ ذكرَهُ هذا العطاءُ
وهل يخْفى على الرائينَ شمسٌ ... تطولُ الدهرَ، ليس لها انطفاءُ
متى كانت شموسُ العلم تفنى ... وهل للفضل في الناسِ اخْتفاءُ
__________
(1) - أستاذ بثانويَّة مفدي زكريَّاء، (بني يسجن، ولاية غرداية) (سابقًا). (1/221)
صفحة 222
كِرامُ الناس حتَّى لو تواروْا ... عن الأنظارِ، دامَ لهم بقاءُ
أبا اليقظان، عِشْتَ وأنت باقٍٍ ... تُكَرَّمُ في القلوب كما تشاءُ
فمثلك حبُّه في الله دين ... ودين الله ليس له انقضاءُ
ستحظى بالمحبَّة ما توالى ... صباحٌ في البرية أو مساءُ
يطيب لشاعرٍ مثلي مديحٌ ... من الأعماق، ليس به رياءُ
ولكن كيف أنصف ذا مزايا ... له من كل مكرُمةٍ بهاءُ
هو الإخلاص يمشي فوق أرضٍ ... هو التقوى، هو الورَع العَلاءُ
مثالٌ للتّواضع في اعتزازٍ ... تُزَيِّنهُ البساطةُ والإباءُ
تحدَّى من صباهُ صُرُوفَ دَهْرٍ ... ولم يضعُفْ، وإن جلَّ البلاءُ
يتيمٌ ذاق مأساةَ اليتامى ... ربيبٌ، والربيبُ هو العناءُ
أصابته المنايا في بَنيهِ ... وفي أمِّ البنين له ابتلاءُ
فما وجد البلاءُ سوى صَبُورٍٍ ... عظيمِ النفسِ، مَلجؤُه الدعاءُ
لقد عاش الحياةَ قليلَ مالٍ ... ولكن في عقيدته ثراءُ
فما أثناه عن طلب المعالي ... بريقُ المال، أو ذاك الرُّوَاءُ
بل اشتدَّت عزيمتُه فأضحى ... ربيعَ العلم، ليس له ارتواءُ
حوى في صدره علمًا وخُلْقًا ... فكان له مع القَدَر ارتقاءُ
تربَّع فوق هاماتِ المعالي ... وما استعصت عليه ولا سماءُ
فلا عجَبٌ إذا ما اختيرَ عضوًا ... من العلماء، كان لهم بلاءُ
أديبٌ، فضَّ أبكارَ المعاني ... بليغٌ، لا يضيقُ به فضاءُ
له في الشعر ديوانٌ رصينٌ ... ونثرٌ من خصائصه الجَلاَءُ
صحافيٌّ قديرٌ لا يُبارى ... متى حان التسابقُ والعَداءُ
له قلمٌ جريءٌ ليس يُخشى ... عليه، وإن أحاط به العِداءُ
فكم صحفٍ له قد قيَّدتْها ... فِرنسا، والقُيود له مَضَاءُ
ورُبَّ صحيفةٍ وُئِدتْ، ولكن ... له من مثلها يعلو النداءُ
جهادٌ في الصحافة مستميتٌ ... لوجه الله طاب له الشراءُ (1/222)
صفحة 223
شراءُ النفس إرضاءً لربٍّ ... يطيبُ لراغبٍ فيه الرجاءُ
أأربابَ الصحافةِ هل علمتم ... وما في قولِ ذا أبدًا مِراءُ
متى انتسبت صحافتنا فحقًّا ... إلى (اليقظان)، يحلو لها انتماءُ
مؤسِّسها، وإن جحد الأعادي ... ورائدُها، وإن حصلَ ادِّعاءُ
وليس بضائرٍ شمسَ المعالي ... إذا الخُفَّاشُ أعياهُ العَمَاءُ
ستبقى يا (أبا اليقظان) فخْرًا ... ورمزًا للمُرادِ به اقتداءُ
حياتُك كلها كُرَبٌ وبلْوى ... وآخر عهدها عجزٌ وداءُ
ورغم الداءِ كنت حليف شُغلٍ ... كأنَّ الشغل للعاني دواءُ
كذا العُظماءُ، شيمتهُم تَحَدٍّ ... بكلِّ بليَّة لهمُ ازدراءُ
(أأنغامَ الحياةِ)، أقمْتِ ذكرى ... أمام جلالها وجب انْحناءُ
فلو أنَّ الجزائر قد أقيمتْ ... على الإنصافِ كان لها احتفاءُ
بمن لم يدَّخر في البذل وسعًا ... ليُسعدها وغايته البِناءُ
ولكن الجزائر يا لَعمْري ... تُكرِّم بالعواطف من تشاءُ
فإن ضلَّت تُفاضِلُ أو تُحابي ... ولم تُنْصفْ، على الدنيا العفاءُ
ففي الأخرى يسودُ العدلُ حتْمًا ... وتُستَوفَى المثوبة والجزاءُ
كأني بالفقيد وهو راضٍ ... وفي الجنَّات طاب له الجَنَاءُ
هنيئًا يا أبا اليقظانِ فاسعدْ ... بمن جاورْتَ حقَّ لك الهناءُ (1/223)
صفحة 224
F
قصيدة: اليومَ يومُ العبقري الزاخر
الشاعر الأستاذ أحمد بن إبراهيم لزعل موسلمال (1)
بسم الله الرحمن الرحيم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
كان بوُدِّي من المقدِّم أن يبدأ بالتلاميذ في الشعر قبل الأساتذة، فكثير ممَّن سبقوني أساتذتي، فلو كان الأمر بالمعكوس لربَّما كان أحسن -كما يقال- ختامها مِسك، هذه ملاحظة أولى.
الملاحظة الثانية: بودِّي أن أشير إلى أنَّي كنت مذبذبا بين أن أكتب شيئا عن الجوِّ المؤلم الذي يعيشه إخواننا في العراق، ولكن قلت في نفسي: لعلَّ هذا يكون خارجا عن الموضوع، فأخذتُ الجانب الآخر، فكتبت فيه محاولةً، والأحسن لو اقتديْتُ بأساتذتي فجمعت بينهما، ولكن هذا يتعذَّر عليَّ؛ فمعذرة.
اليومَ يومُ العبقريِّ الزاخر ... بمواهبٍ وفضائلٍ ومآثر
هو آيةٌ في الجدِّ، جدّ عَصِيَّةٍ ... هو أُمّةٌ (2) كَسَميِّه في الغابر
هو دوْحةٌ، أمُّ الجمال ندِيّةٌ ... نبع الظلال تقيك لفْحَ هواجر
ذاتُ الغُصون الحُبْلَيَاتُ بخيرها ... ما شئتَ فاقطِفْ من جَناهُ الباهر
طَوْدٌ أشَمُّ، يهابُهُ من أدركوا ... ما في عَطاهُ من نفيسِ جواهر
انظُرْ إلى آثاره مهما تَكُن ... للجيل، فهي المُعْشِياتُ الناظر
أكرِمْ بشَهْمٍ مورثٍ أبناءَه ... سِتِّينَ من تُحَفِ اليَراعِ الساحِر
أنا قاصرٌ عن أن أغوصَ بيَمِّهِ ... أنا خائرٌ، إن أنتَ لستَ بخائر
__________
(1) - أستاذ بمدرسة المكفوفين ببريَّان، ولاية غرداية. نظمت القصيدة ببريَّان يوم: 22 محرَّم 1424هـ الموافق: 25 مارس 2003م.
(2) - {أنَّ إبرَاهِيمَ كَانَ أُمّةً قانتًا لله حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ المشْرِكِينَ} - سورة النحل- (1/224)
صفحة 225
الخلقُ والإبداعُ ديْدنُ شيخنا ... والسَّبقُ نحوَ طلائع وبواكر
ما كان إبراهيمُ قَطُّ مُزاحِمًا ... في منصَبٍ بين الكراسي عَامِرٍ
إن لم تكن أرض الإلهِ فسيحةً ... لتَكَدُّسِ المتقدِّمينِ فهاجِر
هذا أبو اليقظانَ في دُستوره ... ما احْتُلَّ، دعْهُ والْتفِتْ للشَّاغر
أَلْقَى على أرض الجزائر نظرةً ... فإذا المدارس هنَّ شبهُ زواهر
وإذا المساجد هنَّ معقل أفْلح ... أفْصحْ به عند اعْتلاء منابر
وإذا الفلاحة بين أيدي أهلِها ... وكذاك سَدٌّ للكُوَى بمتاجر
لكنَّ أمْرًا هاله وأقضَّهُ ... أنَّ الصحافة بنت حظٍّ عاثر
لم تدْرِ أيَّ تنفُّسٍ، فخِناقُها ... في قَبْضَةٍ للمُسْتَبدِّ الجائر
ما كان من صُحُفٍ لأهلِ جزائرٍ ... حُظِرتْ سِوى ذنَبٍ له مُسْتاجَر
فَدَعُوا الأهاليَ في سُباتِ كُهوفهمْ ... وزراعةٌ للوعي شرُّ جرائر
لا ضادَ، لا إسلامَ، لا وطنيَّةً ... للعُرْبِ لا جِذْرٌ هنا، وبَرَابر
هذا هو القانون، من لبَّى نجا ... أمَّا الذي يأبى فشَرُّ مُصَادَر
إنَّ الجرائدَ عالَمٌ قد خاضَهُ ... فذًّا، وهذا دأب كلِّ مُثابر
كم من عناوينٍ، هنا تحبيرُها ... ثمَّ اختراقُ مدائن ودساكر
مُتَجشِّمًا حتَّى مطابع تونُسَ ... قبل الرجوع لنشرها بجزائر
رام الطغاةُ ليُطفئوا أنواره ... والله يأبى العيشَ وسْطَ دَياجِر
كم جولةٍ كانت سِجالاً بينه ... والغاصبين، فآب أوْبةَ ظافر
ما أكثر الفجواتِ بين ربوعِنَا ... في لهفةٍ، تبكي بفيها الفاغر
إنَّ الأساسي يشتكي والثَّانوي ... ”أنِمْيَا“ تَجُرُّ شرَّ مَخاطر
وإليهما أنَّ الإدارة حقُّها ... منَّا حظوظُ تقاعُسٍ وتدابر
حُرُّ النشاط طغى على نُبغائنا ... ولو أنَّهم عُدُّوا خِيارَ كَوادر
كم من شهائدَ جامِعيَّاتٍ لهم ... نالوا، وهاهم في طريقٍ آخَر
مَنْ لي بِرِيحٍ في البلاد تهبُّ يقـ ... ـظانية تجتثُّ صُمَّ مَقابر (1/225)
صفحة 226
F
قصيدة: عَجَب .. !
الشاعر الأستاذ مبروك زيد الخير (1)
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين.
قصيدتي هاته أُنجِزتْ في أجواءِ المعاناة التي أصبحت كابوسًا يجثِمُ على كل صدر، ولعنةً تلاحق كل عربي ومسلم، كتبتُها في لحظات الاستراحة، على هامش ملتقانا المُوَقَّرِ هذا، على أن أترك القصيدة التي كتبتُها خصيصا للملتقى لتُلقى في سهرة هذه العشية، نزولاً عند رغبة الأستاذ الكريم.
عجبٌ يؤرِّقُنا عجب ... غضبٌ يؤجِّجُنا غضبْ
ولَبُوسُ بهجتنا أسى ... وسماءُ موعدنا سُحُبْ
ورحيقُ زهرتنا ذوى ... وسفينُ نهضتنا رسبْ
ونشيدُ يقْظَتنا أُواءْ ... ونتاجُ نصرتنا غلبْ
وسَفاهُ حكمتِنا رَجَا ... ونزيفُ نومتنا دأبْ
وجِماعُ قُوَّتنا ونى ... وعطاءُ لحظتنا سلبْ
وسبيلُ فكرتنا عسى ... ومسارُ آلتنا عطَبْ
ونُكوصُ رايتِنا مُنى ... وكلامُنا أبدًا خُطَبْ
وغناؤنا أبدًا هوى ... وعويلُنا أبَدًا طَرَبْ
وأديبُنا مَذَغَ القذى ... وحكى الأديبَ ولا أدَبْ
وقديمُنا كرِه الفنا ... وجديدُنا ألِفَ الصخَبْ
__________
(1) - أستاذ بجامعة الأغواط. (1/226)
صفحة 227
والكوْنُ يزحفُ حولَنا ... وثَبَ الوُجُودُ ولم نثِبْ
والرَّبْعُ أقْفَرَ والمُنَى ... ونعيش في الربْعِ الخَرِبْ
ونكاد نُزهَقُ ذِلَّةً ... ونغُوصُ في طَيِّ الحُجُبْ
ونذوبُ في رَشْحِ الندَى ... وتَظَلُّ ترجُمُنا الشهُبْ
والضَّعْفُ يَنْخَرُ جسمَنا ... والقَلْبُ مُزِّقَ والعَصَبْ
والوَهْمُ يأْسَرُ فكرَنا ... والاسمُ يُمسَخُ واللَّقبْ
ونهوضُنا بتأرجُحٍ ... أربًا، نريدُ ولا أَرَبْ
في ساحَة الزمن العتِيِّ ... تبَّت يدا زمني وتبْ
في مدخلِ القُدس السليب ... نبكي العروبة والعربْ
ودموعُنا أبدًا مُنى ... وكلامُنا أبدًا خَشَبْ
ونريدُ نصر زماننا ... وزماننا لبِسَ الكذبْ
والنّاسُ يجذبها الوجودْ ... وأُمَّتي لا تنجذب
والمجمعون على الدمار ... يبغون تقليص الحِقَبْ
والهاجمون على العراق ... من الأعاجِمِ والعربْ
مَاضُونَ صَوْبَ السحْـ ... ـق في أقصى الدأَبْ
يُحْيُون ما فعل التتا ... ر من الإراقةِ والرَّهبْ
ممَّا تموجُ به الروا ... ية في تلافيف الكتُبْ
ونعود نُجْلَد جهرةً ... ونَهُون، لا ندري السببْ
والعالَمُ المسعورُ يفـ ... ـتِكُ بالقَريب ومن نُحبْ
ونعود ُنلبس صمتَنا ... ونَجِدُّ في صُنعِ اللّعبْ
ونلوك مَضغَ حرُوفِنا ... ونعيدُ تأليهَ النصُبْ
ونلُزُّ في الوهْمِ المُنَى ... ونُجيدُ تأليفَ الخُطَبْ
ونُضيءُ نَخْبَ زمانِنَا ... بين السفَاسفِ والرُّتَبْ
والرَّاكعون همُ الأُلَى ... زرعوا المهانَةَ والعَطَبْ
وارْتَضَى ”بُوشٌ“ مُتونَهُم ... يثِبونَ إنْ بُوشُ وَثَبْ (1/227)
صفحة 228
وسُجُودُهُم فوق السرَابْ ... من أرض طنجةَ للنَّقبْ
ولباسُهُم من نفطهمْ ... يَنْأَى بعَارٍ ينسَكبْ
وإلههم هو الدولارُ ... والانخفاض المرتقَبْ
وهناك ينفجر القضا ... بين السواري والقِببْ
والتمرُ يقْطُرُ بالأسى ... والنُّوقُ ترقص للقَتَبْ
والقَصْفُ أرْجحَ وَضْعَنا ... فاعجبْ لأرْجحَةِ العَجَبْ
والنخلُ يصْرُخُ في الضميرْ ... من المَلامَة والعَتَبْ
نحن الكثيرُ عديدُنا ... ونغوضُ في جِذْرِ النسَبْ
مليارُنا مثلُ الفُقَا ... هبَّ الزمانُ ولم يَهِبْ
مليارنا سَيْلٌ غُثاءْ ... يسْتَفُّ صَوْمًا في رَجَبْ
ويُطِلُّ إنْ سكنَ الغُبارْ ... وإذا تَقَصَّده هَرَبْ
فاصمُد عراقَ المجْد لا ... تَخْشَ العَطَبْ
حضِّرْ لنَخْبِ النصْرِ ... ـضُرْ لا تَغِبْ ... واحْـ
فلَرُبَّما انْتَصَر القَليـ ... ـلُ وكان للأدنى الغَلَبْ
واصْدَحْ بسعْدك ... ـدُ وخُضَّ نصركَ في دَأَبْ ... والرشيـ
وارْفعْ دُعاءَك للإلـ ... ـه، ولا تملَّ من الطلبْ
فاللهُ خيرٌ حافظًا ... والنصرُ ليس سوى سببْ (1/228)
صفحة 229
F
قصيدة: أبو اليقظان رمز المعالي
الشيخ عوض البحيصي (1)
الحمد لله، الحمد لله الأبدي الأبد الواحد الأحد، الذي رفع السماء بلا عمد، الذي بسط الأرض على ماء فجمد، الذي خلق الخلق وأحصاهم عددا، الذي قسَّم الرزق ولم ينس من فضله أحدَا، الذي لم يتّخذ صاحبة ولا ولدَا، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفؤا أحد.
وأشهد أن لا إله إلاَّ الله، أولٌ بلا ابتداء، آخرٌ بلا انتهاء، أوَّلٌ له الخلق والأمر، آخرٌ له الرجوع والحشر، ظاهرٌ له الحكم والقهر، باطنٌ يعلم السر والجهر.
أيُّها السادة الأفاضل؛ بعد الصلاة على مولانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، صاحب المقام المحمود والحوض المورود، والشافع في اليوم الموعود، نبيّ الثقلين وصاحب قاب قوسين، أقول باسم ”جمعية الشيخ العلاوي للتربية والثقافة الصوفية“: نشكر القائمين على هذا المنتدى، وقد جئت بانطباعات أحمل ثورة ... غيرة على ما خلَّفه لنا الأستاذ الفاضل الكبير أبو اليقظان.
كنت خائفا على تراثه، فلمَّا وصلتُ إلى هنا ودخلت في هذه القاعة، ورأيت المعرض، ألغيْتُ الانطباعات، ولم يبق لي إلاَّ هذه القصيدة البسيطة، تحية لأبي اليقظان:
أبا اليقظان يا رمز المعالي ... ويا تاجًا على هام الرجال
سبقتَ السابقين فكنت بدرًا ... أنار بضوئه سُودَ اللّيالي
__________
(1) - إمام مسجد بمدينة مستغانم. (1/229)
صفحة 230
ودبَّجْتَ الجرائد خالداتٍ ... من الأفكار، تدعو للنضال
وأرسيْتَ المقالةَ في بناءٍ ... زهَتْ فيه على شُمِّ الرجال
ونظَّمْتَ (1) القصائدَ سائراتٍ ... تنادينا بحزمٍ وانفعال
أَلاَ هُبُّوا بني وطني لنبني ... جزائرَنَا على حُسْن الفِعال
أقولُ: تمسَّكُوا بالذِّكرِ دوْمًا ... هُدى الرحمن من فيْضِ ... الجلال
أفيقوا سادتي العُلما، أفيقوا ... فهذا عصْرُ غَدْرٍ واحْتِيَال
إلى ما الخُلفُ بينكُمُ تَفَشَّى ... وذو الشنَئَانِ يمشي باخْتِيال
تنازعتم فَسَادَ البَيْنُ فيكم ... وأضْحى الحُبُّ في طَيِّ المُحال
فبشِّرْ يا رفيقي كُلَّ حيٍّ ... ونادِ إخوتي أهل الكمال
ألا فلْتعْلموا والعِلمُ خيرٌ ... بأنَّ المجْدَ لا يُشْرَى بِمَال
فجِدُّوا، ثمَّ جِدُّوا، ثمَّ جِدُّوا ... سواءٌ في حُلولٍ وارتِحال
وقولوا: ديننا للنَّاس هدْيٌ ... وبالتحقيق، لا وهمِ الخيال
وهذا قُدْوةٌ لكمُ جميعًا ... (أبو اليقظان) يا خيْرَ المثال
فأنتَ حلَلْتَ في قلبي مكانًا ... بمنزلة اليمين من الشمال
سلامًا يا أبا عيسى سلامًا ... ففُزْتَ على الأواخرِ والأوال
سلامًا يا أبا عيسى سلامًا ... على وجهٍ تكفَّنَ بالجمال
__________
(1) - الصحيح (وَنَظَمْتَ القصائد ... ) (م. ن. ب). (1/230)
صفحة 231
F
قصيدة: رسالة مفتوحة إلى بدر شاكر السياب! (1)
الشاعر الدكتور محمد صالح ناصر (2)
يا بدرُ إن عطِش العراق
وتاه في حُمى التفرُّق والشقاق ..
أبشر فقد عاد العراق
عادت به الأبطال والشهداء فجرًا وانعتاق
أبشر فقد عاد العراق
سحابةً وَطْفَاءَ يُزجيها البُراق
تسري إلى البيت المقدَّس في جناحيها اشتياق
سيفًا حُسينيًّا تضمِّخه الشهادة بالعناق
وجهًا صحابيًّا تحنُّ له الفوارسُ والعتاق
يا بدرُ ما عطش العراق
وإنَّما خذلته آبار النفاق
- - -
__________
(1) - نظم الدكتور القصيدة بمناسبة العدوان على العراق سنة 1991، أو ما يعرف بحرب الخليج الأولى، وألقيت في المهرجان بمناسبة غزو العراق سنة 2003م. أمَّا بدر شاكر السيَّاب فهوشاعر عراقيٌّ مشهور، له قصيدة مشهورة اسمها: «أنشودة المطر».
(2) - سبق التعريف به. (1/231)
صفحة 232
يا بدرُ لن تنأى غريبًا، لست وحدك في الخليج
البحر يزْبِد، والنوارس هاجرت ...
مُذ فاضت الغربان تملؤه ضجيج
والشّاطئُ الهادي بكى، والصمتُ يقطعه النشيج
ورمالُ صحراء الطهارة زُلزِلتْ ...
مذ دنَّستها نعلُ (بوشٍ) والعلوج
نزلوا كأسراب الجراد ...
فأوغلت في الحزن أزهارُ المروج
يا بدرُ لا تنأى غريبًا، لن يصافحك الخليج
فحمَام مكَّة هاجرت مُذ لاذَ بالصَّمْتِ الحجيج
- - -
يا بدرُ مات الحرفُ، وانتحر الغناءُ، فلا صهيل ولا هزارْ
نعق الغُراب رطانةً، فخَبَت مُعلَّقَةُ الفخَارْ
وأبو الفوارسِ باعَ سيفًا للنَّصارَى، واليهود بكلِّ دارْ
وضعوا الصليبَ ونجمةً فوقَ المصاحفِ والمنارْ
فبكَى الرسولُ بقبره، وبكَى معَ الليلٍ النهارْ
وتَجَرَّدتْ نخلُ الجزيرة حين راح السيْلُ يرتادُ البحارْ
سجدوا لأصنام التحرُّر في كنائسهمْ ...
وهم تحتَ المساجد يدفنون الساجدين بها جهارْ
ذرفُوا الدموعَ لطائرٍ يحبُو ...
وهم كبتُوا صراخَ الطفلِ، نادَى أمَّه تحتَ الدمارْ (1/232)
صفحة 233
والخيلُ تلهث دون ركضٍ، والديار بدون نار
خسئ (ابن شدَّاد) يسلِّم سيفَه غازي الديار
خانَ القبيلةَ والصليبُ على المصاحف، أيُّ عار؟!
فبكى الرسول بقبره وبكى مع اللّيل النهار
- - -
يا بدرُ لا مطرٌ يروي النخل في أرض الشهادة ...
إن قَضَتْ عطَشًا مساجدُ كربلاء
لا نهر في الدنيا يروِّي نخل (بغداد) العطاء
(فالبصرةُ) الفيحاءُ نخلٌ، رأسُه يسقي السماء
و (الحِلَّة) الشمَّاء شمسٌ عانقت قِمَم الإباء
(والعامريَّة) كبرياءٌ، يكتب التاريخَ نهرًا من دماءْ
يا بدرُ، هذا النخل في أرض العراق
مواكبُ الأطفال قد وُلدوا صواريخًا فماتوا أنبياءْ ..
رضعوا حليبَ الموت، وانطلقوا إلى الآفاق ...
فاحتضنتهم حورُ السماءْ
- - -
النخل في أرض العراق، تعيش في مُقَل الصغارْ
قد تظمأ الأنهار، وهي بصبرها تهَبُ الربيعَ الاخضرارْ
حتَّى وإن صام دجلةُ، وماءُ دجلةَ جفَّ من حممٍ ونارْ ...
لن تظمأ النخلاتُ في أرض الشهادة والفَخَارْ ...
فهي وحدها أم السحائب ... تُبدع الأمطار، تنجبها وتختصر البحار (1/233)
صفحة 234
النخل في بغداد، تعلو كالمآذن شامخاتٍ لا يدانيها انكسارْ
صمدت لليل الكفر نازفةً ليولد من حناياها النهارْ
صُعِقت فما بُحَّ الأذان بصدرها
فالله أكبر لن يطاوله الدمار
بيعت منابرُ في المزاد؟ إلى اليهود ...
فما انحنت للقهر، تستجدي الفتاوي من أذلاَّء الدُّلار
- - -
يا بدرُ هذا النخلُ في أرض العراق
كمثل أفراس العراق، فليس يقعدها العثارْ
للمجد يحدوها الصهيل، وليس يدركها الغبارْ
في عينها شمم الإباء، فلا تساوَمُ أو تُعار
النخلُ في أرض العراق
عرائسٌ بيضاء، حورٌ تُزَيَّن للشهيد، فليس يُقلقُها انتظارْ
هي تعشق الحنَّاء، تخضِّبها دماء الذائدين عن الديَار
وتعطَّلت شوقًا لروضته، وبدَّلت القنابل بالنُّضار
ومن الشظايا القاتلات تصوغ وردًا أو محارْ
تهديه عقْدًا للحبيب، وقد أتى يومُ الفخارْ
الجزائر يوم: 20/ 02/1991م (1/234)
صفحة 235
الرسائل (1/235)
صفحة 236
[صفحة بيضاء] (1/236)
صفحة 237
F
رسالة رعاية رئيس الجمهورية السيد عبد العزيز بوتفليقة لفعاليات المهرجان (1)
رئاسة الجمهورية
مدير الديوان
رقم: 109 /رج / م د ... الجزائر في: 19 مارس 2003
السيِّد شريفي سعيد (الشيخ عدون)
جمعية الحياة القرارة، غرداية
الموضوع: بخصوص وضع تظاهرة تحت الرعاية السامية
للسيد رئيس الجمهورية
المرجع: مراسلتكم المؤرخة في 20 فبراير 2003
ردًّا على مراسلتكم المشار إليها بالمرجع أعلاه المتضمنة طلب الترخيص لكم بوضع المهرجان المتعلق بإحياء الذكرى الثلاثين لوفاة المرحوم الشيخ أبي اليقظان الحاج إبراهيم بن عيسى تحت الرعاية السامية للسيد رئيس الجمهورية، وهو المهرجان الذي تعتزم جمعيتُكم تنظيمه بمدينة القرارة، يومي 27 و28 مارس 2003، يشرِّفني أن أخبركم بأن السيد رئيس الجمهورية أعطى موافقته على وضع هذه التظاهرة تحت رعايته السامية، دون أن يترتَّب عن ذلك، بالنسبة لمصالح رئاسةالجمهورية، أي التزام مالي أو مادي.
مع تمنياتي لكم بالتوفيق والنجاح.
مدير ديوان رئاسة الجمهورية
العربي بلخير
__________
(1) - انظر نسخة مصورة للرسالة في الصفحة الموالية. (1/237)
صفحة 238
B07A2887 (1/238)
صفحة 239
F
رسالة من رئيس الحكومة السيد علي بن فليس (1)
السيِّد شريفي سعيد (الشيخ عدون) حفظه الله
رئيس جمعية الحياة بالقرارة، ولاية غرداية
بسم الله وبعد،
وإذ أمني بفخر وعزَّة بدعوة من لدنكم، فإن نفسي ستفرح بما ستغنم من فسحة للتذكُّر والارتحال، إلى معارج تجربة رائدة، لرجل رائد في مجال الإصلاح الديني، والخلقي، والاجتماعي، وقلم دامغ الحجَّة في الحق، سليط على الاستعمار وأذنابه، إنَّه شيخُنا الألمعيُّ ”أبو اليقظان“ تغمَّده الديَّان بواسع رحمته وأخلده بجنَّات الفردوس، فهو الذي قضى العمر قائمًا، يفتدي الجزائر بما أوتي وبما ملك، من علم وعمل وجهد، وبُعد بصيرة، مخلِّفا وراءه تراثا فكريًا، وإصلاحيًا، وإعلاميًا، قلَّما حقَّقه غيرُه في العصر الحاضر.
وإنَّه لحريٌّ بنا اليوم، أن نقيم له منتديات للتذكير والتعريف بتراثه، وتراث مجتهدي الأمَّة من العلماء العاملين، حتَّى تتَّعظ بها الأجيال المتلاحقة، فتؤصِّل ذاتها الحضارية في منابع الأصالة المتجدِّدة، وتُقدِم على المستقبل بحداثة متأصِّلة.
وإني لفي شوق لمثل هذه المأدبة المعرفية الصافية النبع، لولا ثقل المسؤولية، وتعدُّد المشاغل، فلله درُّكم من إخوة أعزَّة، حظيتُ لديكم بشرف الدعوة الكريمة، التي لا أملك إلاَّ أن أرفع إليكم بشأنها بالغ تقديري، وخالص مودَّتي، وامتناني لكم جميعًا، والله أسأل أن يبرَّ بأعمالكم، ويشكر لكم سعيكم، وينفع بصالح أعمالكم جزائرَنا العزيزة وشعبنا المفدَّى. إنَّه وليُّ الصالحين. والسلام عليكم ورحمة الله.
أخوكم علي بن فليس
__________
(1) - انظر نسخة مصورة للرسالة في الصفحة الموالية. (1/239)
صفحة 240
65 D6AB2D (1/241)
صفحة 241
F
رسالة من رئيس لجنة الشؤون الخارجية والتعاون الدولي
والجالية الجزائرية في الخارج في مجلس الأمَّة (الجزائر) (1)
السيّد شريفي سعيد الشيخ عدُّون
رئيس جمعية الحياة
أستاذنا الكريم، بعد التحيَّة؛ سلام الله عليكم ورحمته وبعد؛
إشارة إلى رسالتكم المتضمِّنة الدعوة لحضور المهرجان الذي تنظِّمه جمعيَّتكم يومي 27 و28 مارس2003 لإحياء الذكرى الثلاثين لوفاة الشيخ أبي اليقظان الحاج إبراهيم بن عيسى، يؤسفني أن أعتذر عن عدم الحضور معكم لالتزامات طارئة، مع اعتذاري وأسفي.
وفَّقكم الله وتقبلوا خالص تقديري.
الدكتور. محي الدين عميمور
رئيس لجنة الشؤون الخارجية والتعاون الدولي والجالية الجزائرية في الخارج في مجلس الأمَّة (الجزائر)
الجزائر يوم/ 15مارس 2003
__________
(1) - انظر نسخة مصورة للرسالة في الصفحة الموالية. (1/242)
صفحة 242
F
رسالة من رئيس المجلس الشعبي الوطني السيد كريم يونس (1)
السيِّد الفاصل شريفي سعيد (الشيخ عدُّون)
رئيس جمعية الحياة- القرارة، غرداية ... الجزائر يوم: 24 مارس 2003
تحية طيّبة وبعد:
تلقَّيتُ دعوتكم الكريمة لحضور المهرجان الذي تنظِّمه جمعية الحياة يومي 24 و25 محرَّم 1424هـ الموافق لـ27 و28 مارس 2003م، لإحياء الذكرى الثلاثين لوفاة العالم الأديب والفقيه والمؤرِّخ الشيخ أبي اليقظان الحاج إبراهيم بن عيسى.
وإذا أشكرُكم على مبادرتكم الرامية إلى تجذير روح التواصل بين الأجيال، والاعتناء برموز الثقافة الوطنيَّة، ممَّن تفانوا في خدمة الأمَّة بجهودهم العلمية والثقافية، فإنِّي أعتذر من عدم تمكُّني من الحضور معكم، بالنظر إلى التزامات جمَّة، تحول دون مشاركتكم إحياء ذكرى علَم من أعلام الثقافة الوطنيَّة؛ بقيت آثاره شاهدة على عمق وعيه، ونضج مداركه، و تجذُّر رؤاه في واقع الأمَّة، وإسهامه بكلِّ ما يملك في سبيل رقيِّها وتقدُّمها.
ولا يفوتني الثناء على ما تقومون به من جهود، من أجل إعلاء صرح ثقافة أمَّتنا ومجدها، وأتمنَّى لأشغال ملتقاكم النجاح والتوفيق، ودمتم في خدمة الأمَّة والوطنية.
كريم يونس
رئيس المجلس الشعبي الوطني
__________
(1) - انظر نسخة مصورة للرسالة في الصفحة الموالية. (1/244)
صفحة 243
2 A6D8951 (1/245)
صفحة 244
F
رسالة من والي ولاية تيسمسيلت، السيد عثماني مختار
السيِّد: شريفي سعيد رئيس جمعية الحياة بالقرارة، غرداية
تشكّرات
تلقَّيت بمزيد من الغبطة والسرور دعوتكم الكريمة التي وجَّهتموها إليَّ لحضور المهرجان الذي تنوي جمعيَّتكم الموقَّرة تنظيمَه، بمناسبة إحياء الذكرى الثلاثين لوفاة العالم الفقيه والأديب والمؤرِّخ وعميد الصحافة الوطنية الشيخ أبي اليقظان الحاج إبراهيم بن عيسى طيَّب الله ثراه.
وإنِّي، إذ أشكركم جزيل الشكر على هذه الدعوة الرائعة، مقدِّما لكم اعتذاري عن عدم المشاركة؛ وذلك لارتباطات والتزامات عدَّة، كانت مبرمجة مسبقًا، والتي حالت دون حضوري بينكم، آملا أن تكونوا أحسن ممثِّل لي في هذا الحدث العظيم، الذي نتذكًّر فيه الرجال العظماء، الذين ضحَّوا تضحيات جسامًا في سبيل الجزائر وإسلامها وعروبتها وحريَّتها وانعتاقها، والذين قال فيهم الله سبحانه وتعالى {من المؤمنينَ رجالٌ صدَقُوا ما عاهَدُوا الله عليهِ فمنهُم من قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم من يَّنْتَظِر وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاَ} صدق الله العظيم.
تقبَّل الله خطواتكم الخيِّرة، وشكر سعيكم، وسدَّد خطاكم، وجزاكم عنَّا خير الجزاء.
عثماني مختار والي ولاية تيسمسيلت
يوم: 11 مارس 2003م (1/246)
صفحة 245
F
رسالة من والي ولاية مستغانم
إلى السيد شريفي سعيد الشيخ عدُّون
رئيس جمعية الحياة القرارة
الموضوع: عن دعوتكم لحضور المهرجان
لقد سررت كثيرا لمَّا تلقَّيت دعوتكم لحضور المهرجان، المقرَّر تنظيمه بمدينتكم المضيافة، وذلك يومي27 و28 مارس 2003، بمناسبة إحياء الذكرى الثلاثين لوفاة العالم والأديب والمؤرِّخ عميد الصحافة الوطنية الشيخ أبي اليقظان الحاج ابراهيم بن عيسى.
ومن خلال هذه اللَّفتة الطيِّبة والمشاعر النبيلة، لا يسعني إلاَّ أن أتوجَّه إليكم بالشِّكر الجزيل، ملتمسًا في ذات الوقت العذر لغيابي عن هذا المقام الكريم، الذي كان بودِّي حضوره لولا تعدُّد انشغالاتي.
كما أغتنمُ الفرصة السعيدة لأقدِّم لكم بدوري أصدق تمنيَّاتي بموفور الصحة والعافية، سائلا المولى عزَّ وجلَّ أن يكلِّل ملتقاكم هذا بالتوفيق والنجاح.
والي ولاية مستغانم
مستغانم، يوم: 01 أفريل 2003 (1/247)
صفحة 246
F
رسالة من رئيس مؤسسة مفدي زكرياء السيد سليمان الشيخ
بسم الله الرحمن الرحيم
السّيّد الجليل شريفي سعيد (الشيخ عدّون) المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته, وبعد,
تلقَّيت ببالغ الغبطة والسرور دعوتكم الكريمة لي، لحضور المهرجان الذي ستنظِّمه جمعية الحياة بالقرارة يومي 24 و25 محرم 1424هـ الموافق لـ 27 و28 مارس 2003م، إحياء للذِّكرى الثلاثين لوفاة العالم الأديب والفقيه والمؤرِّخ عميد الصحافة الوطنيَّة، شيخنا أبي اليقظان الحاج إبراهيم بن عيسى. وقد سعدتُ أيَّما سعادة بهذه الالتفاتة الكريمة من جانبكم، ومن جانب إخوتي الكرام في جمعية الحياة نحو شخصي، وكم وددتُ أن أشارككم أشغال ملتقاكم الهامِّ هذا، ولكن الظروف التي تمرُّ بها منطقة الشرق الأوسط هذه الأيَّام تحتِّم عليَّ البقاء في القاهرة، وتحولُ بيني وبين تلبية دعوتكم الميمونة ورغبتي الملحَّة في أن أكون بينكم. ولذا أعتذر لكم عن عدم تمكُّني من حضور هذا المهرجان القيِّم، وأطلب منكم أن تنوبوا عنِّي للاعتذار لدى كلِّ الإخوة الكرام بجمعيَّتكم، وجمعيَّتنا العريقة، ولدى أسرة شيخنا الجليل أبي اليقظان, متمنِّيا لأشغال ملتقاكم هذا النجاح والتوفيق، داعيا المولى جلَّ جلاله أن يعينكم ويسدِّد خطاكم للمساهمة في التعريف بالشخصيات الوطنية، التي نذرت نفسها ووقتها لخدمة الجزائر ودينها ولغتها واستقلالها، خاصَّة في هذا الوقت الذي نحن فيه أحوج إلى إبراز مرجعيَّاتنا الأصلية وعظمائنا الذين يجب أن نقتدي بهم.
وفي الختام، أجدِّد لكم شكري الجزيل، وتفضَّلوا كلُّكم، بقبول فائق احترامي وتقديري وتحيَّاتي الأخوية الصادقة. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ابنكم سليمان الشيخ
رئيس مؤسَّسة مفدي زكريّاء (1/248)
صفحة 247
F
رسالة من الشيخ الأخضر الدهمة (متليلي -غرداية)
بسم الله الرحمن الرحيم
إلى شيخنا الفاضل شريفي سعيد، الذي نكبُر فيه دماثة الخلُق وصفاء القلب، ورجاحة الفكر. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد:
فقد تشرَّفت بتسلُّم رسالتكم الكريمة التي حملت إليَّ دعوتكم الغالية لحضور المهرجان، الذي تنظِّمه جمعية الحياة، حيَّاها الله، بمناسبة الذكرى الثلاثين لوفاة العالم الكبير، الذي هو أشهر من نار على علم، ألا وهو أبو اليقظان الحاج ابراهيم بن عيسى، الذي كلَّما ذُكر اسمه ارتسمت في الأذهان صورٌ مجيدة عن وطنيَّته ومنافحته عن عقيدة الأمَّة، وتاريخها وتراثها مكاتبة ومشافهة.
وإذ سعدتُ برغبتكم في حضوري حفل التكريم، أسفتُ لعجزي عن السفر إليكم؛ جرَّاء الوهن الصحِّي الذي يحرمني أحيانا من الالتقاء بإخوان نحبِّهم ويحبُّوننا ... وعليه فإنَّني أعتذر إليكم, راجيا القبول, آملا لحركتكم الطيِّبة النجاح المعهود.
ولا أحطُّ القلم عن هذه العجالة دون أن أعلن عن تأييدي التام لتلك الالتفاتات المجيدة نحو أهل الفضل لتكريمهم أحياء وأمواتا, ولا يعرف الفضل لأهل الفضل إلاَّ ذووه.
فاللَّهم اجعلنا من الأوفياء لديننا ووطننا، والمخلصين لعلمائنا. إنَّك سميع مجيب.
الأخضر الدهمة
متليلي يوم: 20 محرّم 1424 هـ (1/249)
صفحة 248
F
رسالة من مديري مدارس الشيخ بيُّوض (الجزائر العاصمة)
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على أشرف المرسلين.
شيخنا الفاضل: شريفي سعيد, رئيس جمعية الحياة حفظه الله.
عن الممضين أسفله: مديري المدارس التي تحمل اسم رائد الإصلاح في وادي ميزاب, العلامة: الشيخ إبراهيم بيُّوض.
لقد تلقينا بمزيد من الغبطة والسرور دعوتكم الكريمة لنا بحضور أشغال: ”مهرجان الصحافي الشيخ أبي اليقظان رائد الصحافة الجزائريَّة“, فألف شكر على هذه الدعوة, يعزُّ علينا كثيرًا عدم تمكُّننا من الحضور لانشغالات إدارية, ومهام اضطرارية. أخذ الله بأيديكم لخدمة التراث الذي تركه علماء الجزائر. فمزيدًا من التوفيق والنجاح في هذا المهرجان، كما كان الحال بالنّسبة لمهرجان الشيخ في سنوات خلت.
وبه إخوانكم:
بهيح مسعود (مدرسة الشيخ بيُّوض، رقم1)
زبيري صالح (مدرسة الشيخ بيُّوض، رقم2)
شلي صالح (مدرسة الشيخ بيُّوض، رقم3) (1/250)
صفحة 249
F
ر سالة من نائب المحافظ الولائي لكشافة العاصمة،
السيد إسماعيل جريدي
بسم الله الرحمن الرحيم
تتشرَّف محافظة الكشَّافة الإسلامية الجزائرية لولاية الجزائر العاصمة بأفواجها المائة والخمسة (105)، وباسم كلِّ منخرطيها المقدَّر عددهم بعشرة آلاف (10.000)، أن تحضر مراسيم إحياء الذكرى الثلاثين لوفاة رائد الصحافة الوطنية العلاَّمة ”أبي اليقظان إبراهيم الحاج بن عيسى“؛ عرفانا للمحروم بجهوده الجليلة في محاربة الجهل، الذي سعى المستعمر لنشره في أوساط الشعب الجزائري, كما تتوجَّه بالشُّكر والعرفان للشيخ سعيد شريفي ”الشيخ عدُّون“ حفظه الله، وأطال عمره ونفع الأمَّة بعلمه، وكذا لكلِّ المشايخ والعلماء الذين جعلهم الله ذخرا لهذه الأمَّة، وحملة ألوية محاربة الفساد فيها. شاكرين لأهل وسلطات ”القرارة“ كرمهم المنقطع النظير، دون أن ننسى جميع أفواج الكشافة الموجودة بالبلدة، ونخصُّ بالذِّكر قادة وكشَّافي فوج أبي اليقظان، وعلى رأسهم المحافظ المحلي: محمدي صالح.
إسماعيل جريدي
نائب المحافظ الولائي لكشافة العاصمة (1/251)
صفحة 250
[صفحة بيضاء] (1/252)
صفحة 251
الانطباعات والتعليقات (1/253)
صفحة 252
[صفحة بيضاء] (1/254)
صفحة 253
F
أيام في " قرارة " وادي ميزاب الأثيل
لمباركية نوَّار - (باتنة)
تُحرِّك رغبة السفر إلى القرارة عروس مدن وادي ميزاب، ومنذ وهلتها الأولى، لواعج الشوق إليها من مراقدها. وكم يتمنَّى قاصدُها لو تقصر المسافة وتختزل الخطوات، فالقرارة تستهوي زائرها، وتأخذ بأطراف شغاف قلبه، حتَّى وإن كان من المكثرين في التردُّد عليها. ورغم تتالي السنين والقرون، وتدافع الأجيال، فما تزال ”دعجاء العيون“ تحمل في سحنات وجهها ندى التاريخ، وينبعث من أرجائها عبير الأصالة المحصَّنة بخيوط الوفاء الحريرية الرفيعة، تشدُّها إلى الماضي السحيق. والقرارة وإن لم تتدثَّر بلفوف الزينة المذهبية، فهي دوما رمز للسرِّ النفاذ والسحر الأخَّاذ. وكلَّما استأنست بك، وشرعت أمامك بابا من أبوابها على مصراعيه، أغراك صنيعُها بمزيد التساؤل والإلحاح في الطلب والاستزادة، وفي جنباتها يرفض مرور الكرام الرشيق. وإن جمعت أوجه الشبه (القرارة) مع أية مدينة من مدن وادي ميزاب العامر، فإنَّها زادت عنها في كلِّ مضمار درجة أو درجات، وقد غالبت شقيقاتها الأنيقات في العلم والتربية؛ حتَّى غدت حاضرتها التي تُنشَد، وقلعتَها التي تُقصد. وعلى أميال الطريق التي تقودك إلى القرارة يرافقك هدوء الصحراء المترعة بمناظر خلاَّبة، تسرق النظر وتسرُّه وتفتنه، ولكم تستمتع العين برمالها المنبسطة التي ترسم لوحات تعجز أمامها أنامل أحذق الرسامين. وقد تكون محظوظا، فترى الرياح تداعبه، فتنهض حبيباتها تتسابق كمن يلهو، ثمَّ تتصادم وتتساقط متزاحمة، ولا تلبث أن يسمق بنيانها مشكِّلا كثابين، لا ترسو على صورة. وتدفعها الجرأة لقطع الطريق أمامك أحيانا، دون أن تتزعزع رأفة بك من مشاق السفر التي تكبدتها. وعلى مسافات (1/255)
صفحة 254
متقطِّعة، تظهر أشجار النخيل الفارعة رافعة هاماتها الطولى بتيجانها الخضر، غير آبهة بما يجري تحت جذوعها المتورِّمة.
عندما وطئتُ أرض القرارة الحالمة، وجدتُها ما تزال غارقة في قيلولتها الربيعية التي ألفتها، والحركة في دروبها وشوارعها شبه منقطعة، لولا بعض السابلة الذين يطوفون شارعها الطويل ذهابا وجيئة، سعيا وراء قضاء حاجة ملزمة ترفض التأجيل. وتسلَّلتُ في إحدى أزقَّتها الضيِّقة والصاعدة، التي ألقت بي في ساحة السوق القديمة، التي تتوسَّط القصر العتيق، بعد أن نشَّطت شهيقي وزفيري ونبض قلبي. وجاد عليَّ التمعُّن باكتشاف مزايا أخرى لم ينفتح ذهني أمامها من قبل. ومن هناك قصدت منزل الأخ الكريم أحمد بن قاسم الراعي، الذي ينتمي إلى عائلة ذات الشأن الرفيع في العلم والجهاد والوجاهة. فالجدُّ عمر بن عيسى بن قاسم باحماني الراعي تولَّى زعامة عشيرة «آل مليكة» ردحًا من الزمن. وأمَّا الأب قاسم بن عمر بن عيسى، فهو صاحب ذكر حميد في التربية والإصلاح والجهاد والأعمال الخيرية، وهو قراري المولد والمنبت والنشأة، إذ أبصر النور في القرارة سنة 1925م، وزاول دراسته الابتدائية «بمدرسة الحياة»، التي ما تزال تواصل رسالتها التربوية بتصميم وعزم. وبعد استظهار القرآن الكريم في يوم 12 محرَّم 1362هـ/ 19 جانفي 1943م، رشِّح للانضمام إلى «معهد الحياة»، أين واصل تعليمه على أيدي شيوخ أجلاَّء، ومنهم: الشيخ إبراهيم بن عمر بيُّوض ( P)، والشيخ عدُّون، والشيخ بيُّوض بكير بن عمر. وما إن غادره متخرّجًا منه سنة 1948م، حتَّى انتسب إلى هيئة التعليم بمدرسة الحياة الابتدائية، وأصبح عضوا نشطا في حلقتها، يتصدَّى لتعليم الصغار وتلقينهم علوما مختلفة. وتقديرًا لإخلاصه ومثابرته، أوكلت له سنة 1959م مهمَّة الإشراف على هذه المدرسة، وإدارة شؤونها، وظلَّ محتفظا بهذا المنصب حتَّى وافته المنية وهو في قمَّة العطاء.
ومع اندلاع الثورة التحريرية، ووصول لهيبها إلى الجنوب الجزائري، شارك مؤدِّبَه الشيخ إبراهيم بيُّوض في الترويج لها، وتجنيد المتطوِّعين للجهاد في (1/256)
صفحة 255
صفوفها، وأسهم في جمع التبرُّعات والاشتراكات والهبات، وفي شراء الأسلحة وجلبها وصيانتها، وفي إيواء المجاهدين وتأمين حركتهم من مخبأ لآخر، وتوفير الألبسة والطعام لهم. وخلال سنواتها كان يحمل اسما ثوريا، يستتر به من الملاحقة والترصُّد وهو ”الرويعي“.
وبعد استرجاع الجزائر استقلالها المسلوب، أسهم في تأسيس فرع الهلال الأحمر الجزائري بمدينة القرارة، وخدمه بكلِّ ما أوتي من قوَّة وجهد حتَّى آخر رمق في حياته.
وحلَّت خاتمة عمره المبارك فيه إثر حادث مرور مروّع ومفجع، وقع في الطريق الرابطة بين القرارة وبريَّان، بعد عودته من حضور اجتماع لمَّ شمل أعضاء الهلال الأحمر الجزائري بتلك النواحي؛ لتداول مشكلة توزيع الألبان على المدارس، بغرض تحضير وجبات إفطار التلاميذ الفقراء. وصادفت وفاته ( P) ليلة 28 رجب 1348ه/ 15 ديسمبر 1963م، وهو ابن ثمانٍ وثلاثين سنة من العمر.
عرف المربِّي قاسم بن عمر بن عيسى بخصال أخلاقية واجتماعية فريدة ونادرة، ومنها الإيثار وحبِّ مساعدة الآخرين من الضعفاء وأصحاب الحاجات والمساكين، ومناصرتهم في مظالمهم، والوقوف إلى جانبهم في أوقات الشدَّة والمضايقة. وكم من مرَّة أرجأ أموره الخاصَّة، وخلَّفها إلى ما بعد إفراغ يديه من شؤون غيره. ولا يلمس في صدر أحد لوجاء ولا حوجاء -كما يقولون - إلاَّ قضاها له. وكان ميَّالا للاشتغال اليدوي في شتَّى مجالات الحياة، وشغوفا بالممارسة والتجريب، وقد مكَّنته محاولاته من الاهتداء إلى سرِّ صناعة الصابون، وباع ما صنعه في أوقات الندرة والفراغ.
أحدث موته المفاجئ فتقا وشرخا في شبكة العلاقات الاجتماعية في بلدته القرارة، وتأثَّر لفراقه المحزن كلُّ من عرفه أو عاشره. ويروي الشيخ إبراهيم بيُّوض ( P) لمَّا بلغه نعيه، قصد والده للتوِّ في بيته مسرعا ومعزيًّا، وبمجرَّد (1/257)
صفحة 256
أن التقاه صارحه متحسِّرا ومتأثِّرا بقوله: «إنَّك لم تفقد قاسما فلذة كبدك، وإنَّما أنا الذي رُزِئتُ في عضدٍ مساند، وسند معاضد ... » ولعلَّ ما يؤسف له - وفيما علمت - أنَّ صفحة هذا الرجل قد طُويت تماما بمجرَّد موته، ولم يعد يأتي عليه ذكر في حديث، أو ضمن سطور كتاب إلاَّ نادرًا. ويا حبَّذا لو يُنفض الغبار عن سيرته الذاتية، في مناسبة من المناسبات التي تشهدها مدينة القرارة دوريًّا، وما أكثرها.
وما إن أبصرني الأخ أحمد الراعي وأنجاله الصغار، وأبناء أخيه ”عمِّي عيسى“ حتَّى غمروني كعادتهم بعبارات الترحاب والاستقبال، التي رمت عنِّي آصار السفر جانبًا، وجعلتني أتذكَّر قول الإمام الشافعي: «سافر تجد عِوضًا عمَّن تفارقه». وبعد استراحة دامت بضعا من ساعة، جاءني الأخ قاسم (الأكبر سنًّا) بخوان الغذاء. ولم تمض عن نزولي بيتَهم سوى ساعات قليلة، حتَّى فاجأهم عودة قاسم «أمَزْيَانْ» (أي الأصغر) بعد غياب دام شهورًا، ففرحوا فرحتين، واعتبروا قدومي فأل خير على العائلة التي ظلَّت ترقب زيارة غائبها. وأشير إلى أن تكرار اسم ”قاسم“ بين أفراد العائلة، يرجع منبعه إلى تعلُّق الأخوين عيسى وأحمد بوالدهم ”قاسم“ الأكبر، الذي شاءت له إرادة الله التي لا تقاوم أن يفارقهم ويتركهم صغارًا على ضعف وكلال، ولذا دعا كلاهما ابنه البكر باسمه وفاء حبًّا وتبرُّكا.
في الغد، وبعد أن تناهى إلى مسمع الأخ أحمد - شفاه الله - هاتفًا حلول موعد مقابلة طبيب، يعالجه في مستشفى ”الدويرة“ قرب العاصمة، جاءني متأسِّفا ومتحرِّجا ليعتذر لي، وتمنَّى لقائي في فرصة أخرى أقرب وأنسب، ودعوت له من جانبي بالشِّفاء العاجل والعودة إلى ذويه معافى. ولا أستطيع أن أخفي استفادتي الجمَّة في الزيارة السابقة من الأخ أحمد، فهو صاحب ثقافة اجتماعية غنية وغزيرة. وكانت تجمعنا بعد صلاة الصبح كلَّ يوم مناقشات وحوارات رائعة، نتعرَّض فيها لمواضيع عديدة. ولم أشاهده ولو مرَّة يتضايق أو يشمئزُّ من أسئلتي، ولم يكن يتهرَّب من الإجابة عن كلِّ ما يشغل بالي عن المجتمع الإباضي، الذي يشكِّل في نظري منوالا (1/258)
صفحة 257
حريًّا بالاقتداء والاحتذاء. وهو محدِّث بارع، وبفضل عذوبة كلامه يشدُّ أذن مستمعه، ولا يسجنه في أية نقطة تثار في رأي واحد، أو تفسير محدَّد. وقد علَّمته التجارة التي زاولها منذ نعومة أظافره، مع جدِّه من أبيه جنبا إلى جنب الدقَّة وحسن التقدير، فهو يعطيك في ختام كلِّ محاورة الحكم السديد، الذي لا تشعر معه بأية سطحية أو ابتسار. وأمَّا طيبة الجنان ورطوبة اللِّسان وسخاء اليد، فحدِّث واسترسل ولا حرج. وللأخ أحمد مقدرة فائقة على صناعة النكتة المهذَّبة. وأذكر أنَّنا جلسنا ذات مرَّة حول مائدة الطعام في الزيارة السالفة، ولما نفذت شرائح الخبز البلدي التي كانت أمامي، سألته: أين طبق الخبز ”يا عمِّي أحمد؟ “، فأجابني مازحا ومبتسما: أما صادفته في القرارة. ومدَّ يده إلى أسفل المائدة ليسحبه.
واتتني الفرصة في هذه الزيارة لحضور فعاليات ملتقى الصحافي الموسوعي المرحوم الشيخ أبي اليقظان الحاج إبراهيم بن عيسى في الذكرى الثلاثين لوفاته (1973 - 2003م) والذي جاءه مدعوُّون بعدد محدود من عدَّة جهات من الوطن. وكان في مقدِّمة الحاضرين الشيخ سعيد شريفي (الشيخ عدُّون) - حفظه الله -، وهو بعمره المديد الذي ينيِّف عن قرن بالتقويم الميلادي (من مواليد 1902م)، يعدُّ شاهدًا على أحداث وتقلُّبات وانعطافات قرن من الزمن. وقبيل انطلاق أشغال الملتقى، لمحته منهمكا في حديث مع ابنه الروحي الدكتور محمَّد ناصر، وأبصرتُ هذا الأخير يستمع إليه بلطف وأدب، كما يصغي المتعلِّم المبتدئ إلى مؤدِّبه في لحظات النصح، ولا يقوى حياءً على تركيز بصره في وجهه النيِّر إلاَّ بشكل عابر.
كان الشيخ عدُّون - أطال الله عمره - أوَّل المتكلِّمين في الملتقى المذكور. وعلى امتداد حديثه لم يركض خلف التحليل والتفسير والاستنتاجات، وإنَّما سرد واستعرض شهادة حيَّة عن أبي اليقظان، أحد زملائه في معركة الإصلاح في الجنوب الجزائري، ورغم أنَّ المجالات التي برز وتفوَّق المحتفى بذكرى وفاته متنوِّعة ومتعدِّدة، إلاَّ أنَّ عنوان الملتقى اقتصر على أبي اليقظان الصحافي حصرًا وتحديدًا. وبعد التوطئة، شرع الشيخ عدُّون في تقليب صفحات ذاكرته، التي ما تزال تحتفظ بقوَّتها وصفائها (1/259)
صفحة 258
ووهجها، واسترسل في الكلام بطلاقة كمن يقرأ من ورقة مكتوبة. وأَسْتَلُّ ممَّا قال ما يلي: «لقد حاولتُ جاهدا أن أتملَّص من هذا الموقف لعجزي وقصوري، إلاَّ أنَّ أبنائي الأعزَّاء ألزموني الوقوف أمامكم مُكرها ... إنَّ أبا اليقظان شخصية عظيمة، لها مقامها في الجزائر، وتنفرد بمكانة متميِّزة في العالم الإسلامي، ومن الصعب الإحاطة بجلائل أعماله في موكب الإصلاح، وبين جموع الإصلاحيِّين. فلقد بذل جهودًا عظيمة في هذا المسلك المضني الذي سلكه، دون أن تفتر عزيمتُه الفولاذية، وهو فاقد للكثير من الوسائل التي تعتبر سلالم للوصول إلى الأهداف المنشودة. فمع افتقار للمادة، هناك ضعف في القوَّة التي تحميه، وقد تحدَّى كلَّ هذه العراقيل بفضل ما قسم الله له من التقوى والعزيمة والأخلاق الصالحة.
إنَّ كثيرا من معلومات الذاكرة تلاشت وتبخَّرت، وحسب ما بقي مدوَّنا فيها، فإنَّ اتِّصالاتي الأولى به ترجع إلى العشرينيَّات من القرن الماضي. ففي هذه الفترة اتَّصلتُ به، وحصل التعارف بيننا، ثمَّ توطَّدت علاقات الأخوَّة التي جمعتنا شيئًا فشيئًا، وفي أوَّل لقاء به رأيتُ فيه شخصا مهيبًا منظرًا ومخبرًا، فذَّ العزيمة، دائب الحركة والنشاط، وشديد الحرص على إصلاح أحوال التعليم.
وفضلا عن اعتباره رائد الصحافة العربية في الجزائر، فإنَّه فاز كذلك وعن استحقاق بريادة التعليم العربي في الجزائر. ومن أجل تحقيق أهدافه في هذا الجانب الأخير، اندفع لتأسيس مدرسة ”النجاح“ (1) في مدينة تبسّة، غير محترس من فداحة المخاطر وكيد الكائدين. وهي أوَّل مدرسة عربية عصرية في بلادنا، وجلب لها مدرِّسا من تونس لتأديب كوكبة من المتعلِّمين. وبعد احتفال نهاية سنتها الدراسية الأولى، أقدمت الإدارة الفرنسية على غلق أبوابها، بعد أن نسجت لها تهمة باطلة، فحواها أن المدرِّس الذي يعلِّم فيها تونسي الجنسية، ولا يملك رخصة التعليم في الجزائر.
__________
(1) - المدرسة التي أسهم الميزابيُّون المقيمون بمدينة تبسَّة في إنشائها هي المدرسة «الصدّيقيّة» وليست مدرسة «النّجاح»، والشيخ عدُّون في كلمته لم يذكر مدرسة النجاح، وكما أنّه لم يذكر أنَّ الشيخ أبا اليقظان هو الذي أسَّسها. (م. ن. ب). (1/260)
صفحة 259
وبمساعدة أبي اليقظان الذي لا ينتهر ولا يزجر، تسلَّل تلامذة هذه المدرسة إلى تونس لإكمال دراستهم. ولم تنطفئ نيران الحرب الكونية الأولى، حتَّى عاد بهم أدراجهم إلى مدينة القرارة.
لقد تعلَّمتُ من أبي اليقظان ( P) دروسا كثيرة، وبفضله أصبحت قادرًا على كتابة أولى الكلمات بالعربية، لأنَّكم وكما تعلمون، بدأتُ التعلُّم في غير سنِّ أترابي، وباشرتُه متأخِّرا بعد زواجي ... ».
عندما كان الشيخ عدُّون يتكلَّم، ساد الهدوء القاعة الكبرى التي ضاقت عن آخرها بالحاضرين، إذ لا ضوضاء ولا فوضى، وكان المنظِّمون يتواصلون فيما بينهم همسًا أو بالإشارات.
على مدار يومين كاملين تناوب المحاضرون المتدخِّلون على منصَّة الإلقاء؛ وبعيدًا عن كلِّ صنوف المجاملات والمدح، فلقد كان الدكتور محمَّد ناصر طائرًا متميِّزًا عن السرب في تحليقه وتغريده. وبالإضافة إلى التزامه الحديث في إطار عنوان المحاضرة المحدَّد له، فإنَّ منهجيَّته الرصينة في تعقُّب مناقب ومواقف الشيخ أبي اليقظان في مضمار العمل الصحفي، بوَّأت مداخلته مصافَّ الأعمال الأكاديمية الموغلة في التحليل والاستشراف. وقد استطاع أن يلهب أذهان المتقَّفين ويشحذها بأسئلته الجريئة والصميمية، التي طرحها لمقاربة نصوص وفقرات من كتابات الشيخ أبي اليقظان الصحفية، والتي امتنع في حوصلة إجاباتها عن إطالة الوقوف أمام الهامشيَّات. وإنَّ الاطِّلاع العميق للدُّكتور محمد ناصر على آثار الشيخ أبي اليقظان في الصحف التي أصدرها، جعله يحسن انتخاب الاستشهادات، وخاصَّة تلك التي تتوافق مع الظرف العصيب، الذي يمرُّ به العراق في هذه الأيَّام، ويتراءى لي بأنَّ شخصية علميَّة ومرموقة وكثيرة الأنفاق، كشخصية أبي اليقظان، لا يمكن سبر غورها، والسير بين صخور دهاليزها إلاَّ لأمثال الدكتور محمد ناصر. (1/261)
صفحة 260
لم يغادر الدكتور المنصَّة إلاَّ بعد أن شنَّف أسماع الملتقين، وزلزل عواطفهم بقصيدة ملهبة و”سفودية“، يدور موضوعها حول العراق المكلوم. ولئن كانت القصيدة قد كتبت سابقا، إلاَّ أنَّ مبرِّر إلقائها يعزى إلى تشابه وتواتر أحداث التاريخ، واستنساخ المآسي النكدة، وتكرار العدوان الغشوم الظلوم على حرمة عاصمة الرشيد المنيعة، ومدن العراق الأخرى التي أبيحت حرمتها، وانتُهكت أعراض شعبه الأبيِّ. وتمور القصيدة بوهج التأسُّف والاغتياظ والإشفاق، وتفضح كلماتها خذلان وانبطاح القريب والجار، وهمود النخوة العربية في النفس الرخوة. ومن سطور التقديم والإهداء، يدرك تأثر الدكتور محمد ناصر بقصيدة: ”أنشودة المطر“ لشاعر العراق الكبير بدر شاكر السيَّاب، والتي لفظ مقطوعاتها حمما هائجة ومائجة، من فرط شوقه وتوقه إلى الحرية والانعتاق، ولكنه تأثَّرٌ عاطفي خالص، دون بصمة اقتباس أو أثارة تناص. وتعبِّر نغمة التشاؤم ”الفوبيا“، أي حالة الخوف من المستقبل ومضموراته في قصيدة الشاعر بدر شاكر السيَّاب عن انقباض نفسيٍّ ممزوج بالحنوِّ، ومدغم بالأمل، في حين أنَّها عند الدكتور محمد ناصر مقرونة بالثورة على التخاذل والخنوع أمام غطرسة إبادية، في نطاق حتمية مغشوشة وجبرية مزيَّفة. ويروى أنَّه في اليوم الذي مات فيه الشاعر بدر شاكر السيَّاب سنة 1964م، تواصل انهمار المطر مدرارًا ورقراقًا، على غير المألوف في تلك الأحواز منذ أمد بعيد. وكان المطر خير مشيِّع له إلى مثواه الأخير.
ولئن نجا عراق الحضارة والتاريخ من طوفان مياه المطر، في شهر مارس الكئيب من سنة 2003م، فإنَّه لم ينج من الاكتواء بشظايا القنابل التي دكَّت مدنه غدرًا، وملأت سماءه دخانا أسود وضبابا كثيفا. وفي مقاطع من قصيدة ”أنشودة المطر“ ينفث الشاعر بدر شاكر السيَّاب زفراته الشعرية، من كلِّ خلية من خلايا جسمه، فيقول:
مطر ... مطر ... مطر
وفي العراق جوعٌ
وينثر الغلال فيه موسم الحصاد
لتشبع الغربان والجراد (1/262)
صفحة 261
مطر ... مطر ... مطر
في كلِّ قطرة من المطر
حمراءُ أم صفراءُ من أحنَّة الزهر
وكلُّ دمعة من الجياع والعراة
وكلُّ قطرة تُراق من دم العبيد
فهي ابتسامٌ في انتظار مَبسَم جديد
أو حلمةٌ تورَّدت على فم الوليد
في عالم الغد انتهى، وأصحب الحياة!
مطر ... مطر ... مطر
سيعيش العراق بالمطر (1).
وأما قصيدة الدكتور محمد ناصر، التي وقَّعها رسالة مفتوحة إلى روح الشاعر بدر شاكر السيَّاب، فلا يجدي معها الانتقاء والبتر والتقليم (2).
تنحب القصيدتان العراق مهد الحضارة الإنسانيَّة، ومنبع الثقافة الزاخرة بالمزارات والمواقع السياحية والأثرية، والشواهد التراثية الثمينة. ولا شكَّ أنَّ الحزن لفَّ كلَّ شيء في العراق البئيس، من أسماك نهر دجلة الفريدة، إلى الحجارة المبلِّطة لشارع الرشيد، وإلى عشرات الآلاف من أشجار وفسائل نخيل البصرة الصامدة، والتي تربو أصنافها عن مائة صنف. وقد كانت قبل خمسين عاما عرضة للسَّرقة والسلب والنهب، لما أرسلت إسرائيل اثنين من جواسيسها وهما ”ياني أبيدوف“ و”تيسيون يسرائيلي“ إلى البصرة، وقد عملا متستِّرين هناك على أنَّهما باحثان من ”إيسلندا“، وكانت مهمَّتهما سرقة فسائل نادرة من النخيل العراقي، ونقلها إلى
__________
(1) - تليلاتي أحسن، أناشيد العراق تحت الحصار، جريدة ”الشروق اليومي“ – الأحد: 30 مارس 2003م العدد: 732، ص5.
(2) - نعتذر للمؤلف عن عدم إيراد نص القصيدة مراعاة لقواعد النشر، كما أنها مثبتة كاملة في قسم القصائد من هذا الكتاب. (1/263)
صفحة 262
فلسطين السليبة لزرعها هناك. وقد نجحا فيما خطَّطَا له. ومعظم نخيل البلح المزروع في الأرض المغتصبة جيء به مسروقا من أرض العراق (1).
أمَّا بقية المحاضرات، فهي في تقديري الصريح، لم ترق إلى بلوغ المأمول منها في معظمها. وهي غالبها كتابات انطباعيَّة، أُعدَّت في استعجال. وقد رأيتُ من المحاضرين من يقرأ من أوراق مسوَّدة مليئة بالتشطيب، وتفرض عليه فوضى السطور التوقُّف بين الحين والآخر، إلى درجة أن ينقطع تواصل حبل الجمل في ذهن الملتقِّي، وترتبك أفكارُه، فلا يكاد يستطيع جمع فكرة ويتمِّمها، حتَّى يجد نفسه مطاردًا بأخرى، لا صلة لها بسابقتها. ومن المحاضرين من قدَّم مداخلة غارقة في المناظير البحثية الشمولية، التي لا يحصل معها أيُّ نفع. وفي لحظة شرود ذهني، كنتُ أسائل نفسي، أين حزم وجدِّية هؤلاء من حزم وجدِّية وصرامة الشيخ أبي اليقظان ( P) رحمة واسعة؟ وكيفما تعاظمت التحجُّجات والتبريرات التي سمعنا بعضا منها، فإنَّها لا تطمع في تسويغ ما لا يقبل التسويغ. ولو كانت همم وعزائم الرجال تقاس بالمظاهر، لرأينا في مثال أبي اليقظان تناقضًا مثيرًا للجدل. ففي كلِّ صوره الأكثر رواجًا، يبدو ضعيف البنية، هزيل الجسم ونحيفا، وإيهابه يستر عظاما من غير لحم أو شحم، ويكاد لا يزن سوى أرطال معدودات، إلاَّ أنَّه أنجز أعمالا جليلة وعظيمة في مشوار حياته. وهنا يكمن وجه المفارقة والعجب؟ وكلَّما زدتُ إمعانا وتحديقا في صورته التي تعلو المنصَّة، وتواجه الملتقين من الجهة اليسرى، إلاَّ وتذكرت قول ”شاستري“: «ليس العجيب في أن يكون الإنسان ضعيف البنية، وإنما العيب في أن يكون ضعيف الإرادة».
وأوَّل درس يستجلى من جهاد الشيخ أبي اليقظان ( P) يدور مغزاه في كون استفاقة الأمم من غفوتها، ونهوضها من كبواتها وعثراتها، لا يحصل إلاَّ باستنهاض إرادات أبنائها، وتحرُّرها من أغلال التكبيل، وأن أبشع الهزائم التي تبلى
__________
(1) - الأهرام الدولي ”جريدة“، 05 ماي 2003م عدد: 425418 ص: 6. (1/264)
صفحة 263
بها الشعوب هي هزيمة الإرادة وخذلانها ونكوصها. حتَّى داء الفالج (والعرب قالت قديما: داء الفالج لا يعالَج) - الذي عاشره معاشرة ثقيلة لمدَّة ستّ عشرة سنة، أقعده عن الحركة، إلاَّ أنَّه لم يستطع تقويض كبرياء عزيمته، التي يغذِّيها إيمانه العميق. واستمرَّ يزاول نشاطاته الحياتية على نفس منوالها المألوف تقريبا، دون أن تتراجع أو يجدب مردودها. ومثل هؤلاء الأبشار ينتزعون الاعترافات والإرشادات من غيرهم انتزاعا، ويستحقُّون توشيح صدورهم بنياشين التبجيل والتقدير. ولا غرابة أن نجد أحمد توفيق المدني يقول في حقِّه: «والشيخ أبو اليقظان لا يتكلَّم إلاَّ عن عقيدة، ولا يكتب إلاَّ عن إيمان، ولا يجاهد إلاَّ في سبيل الإسلام وبلاد الإسلام، وقد أظهرت الأيَّام بعد أنَّه مقارع مجاهد، ومقاوم معاند، صرع الاستعمار ولم يصرعه الاستعمار، ضرب بسهم في الجهاد الصحفي والفكري، ما لم يبلغ في الجزائر أحد شأوه» (1).
أمَّا الباحث الزبير سيف الإسلام، فينتهي بعد الاطِّلاع على صحافة أبي اليقظان إلى القول: «والمؤكَّد أنَّه عندما يطالع القارئ هذه الصحف وأخبارها، ويعرف البطولات الصحفية التي كان يقفها الأستاذ المرحوم إبراهيم أبو اليقظان ... لا يسعه إلاَّ أن يقف وينحني إجلالا واحتراما لهذا البطل الصلب، والمجاهد المؤمن الذي لم يستسلم لضربات الإدارة الاستعمارية المتتالية عليه، والتي كانت في كلِّ مرة تعتبر ضربتها قاتلة، ولكنه كان يحتمل الضربة بكلِّ بسالة وصبر، ويكرُّ ثانية على الظالمين ... » (2).
أمَّا الدرس الثاني الذي يفترض استخلاصه من سيرته - سقى الله قبره -، فيدور مضمونُه حول زهده وعزوفه عن مغريات ومشهيات الحياة. فالصَّحافة،
__________
(1) - ناصر محمد: أبو اليقظان وجهاد الكلمة - مطبعة أحمد زبانة- الشركة الوطنيَّة للنّشر والتوزيع - الجزائر - 1980م، ص: 299.
(2) - المرجع نفسه. (1/265)
صفحة 264
على سبيل المثال، التي أصبحت تؤسَّس في أيَّامنا من أجل الكسب المادي العريض، أرادها هو لتكون أداة دعوية وتربوية، ووسيلة إصلاح في مختلف المناحي الدينية والتربوية والاجتماعية والتعليمية ... الخ. ويُذكر أنَّه سار عفو ربِّه، وهو لا يملك دارًا باسمه يسكنها.
قد تفصح استماتتُه وتضحيتُه عن درس ثالث في الصبر والمغالبة وطول النفس في عناد الاستبداد، فخلال اثنتي عشرة سنة أصدر ثمانية عناوين صحفية، ذات اتِّجاهات وطنية نبيلة. وكان كلَّما ضايقه الاستعمار، وأقدم على تعليق أو توقيف صدور صحيفة من صحفه، فاجأه ومن حيث لا يدري ببعث بديل معوِّض لها في لمح البصر، غير معتدٍّ ببطشه أو بعقبة الضيق المادي. وكان يروى عنه شدَّة انزعاجه من قدوم مطلع كلِّ شهر، وخوفُه من كشوف الديون التي يحتمل تجاوزها مداخيل مبيعات أعداد الصحيفة أحيانا، ولذا كان يدعوه تذمُّرا «رأس البغل»، بدل «رأس الشهر».
نصادف في قوَّة إيمانه بأثر مفعول الكلمة المكتوبة درسا آخر، لا غنى عنه. فلمَّا أنشأ في سنة 1926م أوَّل صحفه العربية، وهي ”وادي ميزاب“، قاسى الأمرَّين، إذ كان يحرِّر موادها وأبوابها في الجزائر، ويدفع بها للطِّباعة إلى بلاد تونس، ويجتهد في توزيعها على طبقات القرَّاء في كلِّ بلاد العالم الإسلامي الشاسع. وفي سنة 1931م أسَّس المطبعة العربية في الجزائر العاصمة، وهي باكورة المطابع بالحرف العربي في بلادنا. ولعبت هذه المطبعة دورها في نشر وتبليغ رسالة الحركة الوطنية والثقافية ما بين سنتي 1931 و1962م.
كانت تتخلَّل محاضرات الملتقى فترات للاستراحة، ولتجديد أنفاس المتابعة، تُقدَّم فيها أناشيد وطنية ودينية وقومية، منتقاة من بين أجود الأشعار كلمة ونغمة، وكانت كثيرًا ما تجمع موضوعاتها بين غرضي العبرة والحماسة. ومن اللحظات التي لا تُنسى سويعة من مساء اليوم الثاني من الملتقى، حيث اشترك عناصر فرقة أناشيد شبانية من مدينة بوفاريك مع عناصر فرقة محلِّية، وردَّد جميعُهم ترانيم، أبدعوا في (1/266)
صفحة 265
تلحين مقاطعها، وأجبروا القاعة الفسيحة على التجاوب مع أصوات حناجرهم الشجية لما أنشدوا إحدى قصائد الشيخ أبي اليقظان الرائعة - جزاه الله خيرًا ونعيمًا عن الجزائر - والتي تقول بعض أبياتها:
يا من يحنُّ إليك فؤادي ... هل تذكرين عُهودَ ودادي
يا من يعزُّ عليَّ منامي ... في حبِّه منذ حان فطامي
هل تشعرين أنَّ هُيامي ... فيكِ وعِشقِي وفَرْطَ غَرامي
- - -
إن خِلْتُ شمسًا قلتُ بلادي أو طلَّ بدرٌ قلتُ بلادي
أو لاح نجمٌ قلتُ بلادي أضناني حبِّي لبنتِ الكرامِ
- - -
هل تعلمين أنَّ الخؤونَ ... يومًا يوفِّي الحقَّ المصون
هلاَّ تدبَّرتِ هذا يقينَا ... كي تَرفُلِي تحت ظلِّ السلام (1)
سجَّل الشعر حضوره بدوره؛ إذ ألقيت قصائد تباينت أغراضها، وغلبت عليها نكبة العراق، الذي أراد أعداء الإنسانية إبادة بصماتها ومحوها من الوجود. وما تجدر الإشارة إليه هو أنَّ القرارة خزَّان سخيٌّ بالشعراء ومن كل الأجيال، وأكاد أجزم أنَّه لا يخلو بيت من بيوتها من شاعرٍ واحد، على أدنى تقدير، وأوصي من ضاقت بهم السبل في كنفها، لا أراها تضيق أبدًا، ولم يعرف لنفسه ملجأ أو مأوى، أن يدقَّ باب أقرب مسكن يقابله، ويتظاهر بالتساؤل عن الشاعر الذي يسكنه، فسيخرج إليه من يستقبله بالأحضان والأشعار معًا. ولا أستبعد أن بكون أحد أبرز عوامل نبوغ شاعرنا الكبير ”محمد الأخضر السائحي“ مستصدر من عيشه فترة في القرارة طالبا للعلم، أين تتلمذ على يد الشيخ إبراهيم بيُّوض ( P)، وقد يتعلَّم المرء من بيئته أضعاف ما يتعلَّمه من المدرسة النظامية.
__________
(1) - فرصوص يونس محمد (جمع وتنسيق) نفحات من الحياة ”أناشيد“، طبع المطبعة العربيّة، غرداية 2003م، ص: 97 - 99. (1/267)
صفحة 266
وفي فرع مدرسة الحياة الابتدائية التي أصبحت تحمل الآن اسم مدرسة: ”الشيخ أبي اليقظان“، جمعتني جلسةٌ حوارية بمدير مدرسة الحياة (الأمِّ) الشيخ بكُّوش قاسم بن موسى، وهو رجلٌ هادئ ووقور، ومن صنف الرجال الذين يسهل عليك أن تنسج معهم وشيجة علاقة في طرفة عين؛ لأنَّك تأنس به بسرعة، وترتاح له. ومثلما هو محبٌّ للمناقشة الهادئة، ومتفتِّح على قبول الرأي الآخر، وإن كان مناقضا لرأيه، فإنَّه يقبل النقد البنَّاء، ولا يتبرَّم منه، ويحسن الإصغاء إلى جليسه، ولا ينفر من أسئلته.
خضتُ معه في البداية مناقشة حول دور التعليم في المحافظة على تراث الأمم ونقل خبرات الشعوب، وانعطف بنا الحديث إلى السبل التي تضمن ترشيد وتجويد مردوده في الفصول الدراسية. وركَّزت في الفرص الممنوحة لي للكلام على مساوئ ومعايب التلقين السلبي، وعلى عرقلة الإلقاء تطويرَ قدرات المتعلِّمين لما يكون الهدف الأسمى للعملية التربوية النظامية هو تكوين المواطن الصالح، وإعداده لتحمُّل مسؤولياته في المستقبل، والتفاعل في تساوق وانسجام مع محيطه الاجتماعي، وإعداد العدَّة للتعايش مع المستجدَّات التي قد تطرأ، والنهل من مفرزاتها عن تبصُّر ونظر. وكنت كلَّما أسهبتُ في شرح أية نقطة أثيرها، إلاَّ وطالبني الشيخ قاسم بكّوش بوجهه البشوش استعراض أمثلة من أرض الواقع، توضِّح ما تضمَّنته آرائي. ورغم أنَّ الاستطراد في الحديث في مثل هذه المواضيع شيِّق ومفيد، إلاَّ أن ضيق الوقت حتَّم العدول عن مواصلته.
ولما كنت على علم مسبق بأنَّ الشيخ بكوش قاسم قد تربَّى مكفولا من طرف الشيخ أبي اليقظان ( P)، والذي دفعته الظروف إلى الزواج ثانية من والدته، تحمّلَتْ معه نصيبا من مشاق جهاده الطويل، استأذنتُه ولوج هذا الركن المغلَّف بطابع الخصوصية. فرحَّب كالعادة، ولم تكن أسئلتي بعدئذ إلاَّ لفتح شهية الكلام.
حدَّثني الشيخ بكُّوش بنبرة هادئة قائلا: «توفِّي والدي ( P) وأنا لم أُفطم بعد، ولم يتجاوز عمري السنتين. ولما كتب لوالدتي - طيَّب الله ثراها - أن تتزوَّج (1/268)
صفحة 267
أبا اليقظان، صادفتُ فيه من استخلفني في والدي، وعوَّضني فقدانه، وكنت متعلِّقا به وأدعوه أبي. وكان يغمرني بعطفه وحنُوِّه، ويشفق عليَّ. ولم يبخل في تأديبي وتربيتي تربية صالحة، وتنشئتي تنشئة مستقيمة وفاضلة على هدي الأدب الإسلامي الرفيع.
وممَّا استرجع في اللحظة الراهنة، من مواقفه التي تعكس صرامته، أنَّه كلَّفني ذات مساء بإنجاز شغل، لم أعد أتذكَّره بالتحديد الآن لطول العهد الفاصل بين الزمنين، وبتفكير الصبيان، فضَّلت تأجيله إلى الغد. وعندما حان موعد تناول وجبة العشاء، ونحن جلوس حول المائدة، فاتحني في الموضوع مشيرًا إلى تقصيري وإخلالي بالتزامي حياله، ولامني في لطف وحكمة دون تقريع. وحين حاولت والدتي التدخُّل محامية ودافعة عنِّي، طالبها بالسكوت؛ طالما أنَّ الأمر لا يعنيها مباشرة، فالتزمت الحياد دون تملمُل. وأذكر أنَّه قال لي في خاتمة نصيحته الغالية: «من أنبأك بخلوِّ غدك من التزام آخر، يزاحم عمل يومك الذي أخَّرته؟ فقد تتلاحق شواغل غدك تترى، وتشغلك طول ساعاته فما الحلُّ حينئذ؟ وتعلَّمت من هذه الواقعة درسًا مفيدًا ما نسيته إلى يومنا هذا».
وواصل يقول: إنَّ حزم الشيخ أبي اليقظان مبطَّن بعاطفة جيَّاشة ورقَّة قلبية، ولو لم يكن له حظٌّ من هذه وتلك فأنَّى له أن يكون شاعرًا، يقطر نظمه حنانا وعذوبة. وكان من عاداته الراسخة التي واظب عليها إلى آخر مشوار عمره الزكيِّ ارتشافُ كوب شاي معطَّر بالنّعناع بعد صلاة عصر كلِّ يوم، وكوب ثان بعد تناول العشاء. وكان ذوَّاقا مرهفا للشَّاي، إلى درجة أنَّه يُميِّز بين أحسنه وحسنه، ورديئه وأردئه.
وكان من اهتماماته اليومية متابعة وتقصِّي أخبار وأنباء المسلمين والمظلومين في كلِّ أصقاع المعمورة، إذ تظلُّ أذناه موصولتين بإذاعتي ”لندن“ و”صوت العرب“، كلَّما حلَّت مواعيد نشرات الأخبار، ومن طبعه إعادة قراءة ما يسمعه قراءة متأنية وتحليلية، تبرز ما تحفظت عن قوله عمدًا وقصدًا أو نسيانا. ولم أَرَ التأثر بلغ مبلغه الأقصى كتلك المرَّة التي علم فيها، عن طريق (1/269)
صفحة 268
المذياع إلقاء الاستعمار الفرنسي أثناء الثورة القبضَ على الزعماء الخمسة؛ إثر اختطاف وتحويل الطائرة التي كانوا على متنها بعد مكيدة مخطَّطة. فقد انغلق على نفسه سويعات، ولما زاره الشيخ إبراهيم بيُّوض صباحًا، سارعه بالقول: «لقد أرسلتُ البارحة قنابل حارقة على فرنسا الطاغيَّة»؛ وهو يقصد الدعاء عليها بأقسى الأدعية وأعنفها؛ جزاء شنيع عملها بعد قرصنتها الجوية.
ومثلما أعفاني مؤدِّبي أبو اليقظان من مسؤولية تربية أهلي، الذين وجدوا فيه قدوة حقيقية بالتأسِّي والاتِّباع في السلوك والمعاملة والمعاشرة، فإنَّه كان ( P) يحوِّل اجتماعات الأسرة إلى حلقات علم. وكان يصطفي لكلِّ مناسبة ما يوافقها من دروس التاريخ الإسلامي مستهدفا الاتِّعاظ والاعتبار.
وقد تركت جناية ترويعه في ابنه عيسى من طرف الجيش الفرنسي سنة: 1957م جرحًا عميقا في نفسه. وبسبب ذلك أصيب بداء الفالج، أي الشلل النصفي. ورغم هذا المرض المقعد، إلاَّ أنَّه ظلَّ صابرًا محتسبا لقضاء الله وقدره، وكان يردِّد على الدوام بلسان حامد شكور: «أحمد الله الذي أخذ منِّي القليل، وتركني أتمتَّع بالكثير».
ومن صفاته ( P) أنَّه يضع التواصل الأخوي في رُتب السلوكات الحضارية الراقية، ويفرح كلَّمَا رمى له البريد رسالة إخوانية، وكان لا يكلُّ من استقبال رسائل الأصدقاء والخلاَّن والردِّ عليها دون تماطل أو إبطاء. وكان قليلا ما ينجو من عتابه وعذله كلّ من أمسك رسالة وفدت إليه، وتأخَّر في تسليمها له. وهو من الذين لا ترضيهم الاعتذارات في مثل هذه المواقف مهما كانت قوَّتها. وحجَّته التي يتدرَّع بها في تشدُّده إزاء المتباطئين في تبليغ أمانة الرسائل إلى أهلها في حينها، أنَّه لا داعي لقبضها وحجزها لتصل متأخَّرة إلى صاحبها؛ فلربَّما يكون في جوف غمدها ما يستدعي التعجيل.
وكان الشيخ أبو اليقظان واحدا من المقرَّبين الأصفياء من الشيخ إبراهيم بيُّوض - رحمهما الله - وكان هذا الأخير لا يتردّد في استشارته في كلّ صغيرة أو كبيرة لتيقّنه من سداد رأيه، ورشاد حكمته، وحسن قراءته لعواقب الأمور. (1/270)
صفحة 269
وفي آخر أيَّام عمره المتخم بالعطاء والبذل، داهمه مرضٌ مفاجئ من أعراضه ضيق واختناق في التنفُّس وحشرجة في الصدر، وتوهَّمت العائلة أنَّه زكام موسمي عابر، وأعدَّ له علاج تقليدي بوصفة من وصفات الطبِّ الشعبي، أدمج فيها شهد وعصير ليمون. وذات يوم يقول قاسم بكُّوش: «جاءني مسرعًا من يستعجلني العودة إلى المنزل، ورحتُ ألاحق الخطى، فألفيتُه شبه مغمى عليه، ووالدتي قابعة إلى جانبه، وتمكَّنت وإيَّاها من تلقينه الشهادة الخالدة في اللَّحظة التي يتمنَّاها كلُّ مؤمن صادق، وقبل أن يغمض عينيه إلى الأبد».
ودفن في عتمة الليلة الأولى، والمطر يتهاطل كثيرًا وباردًا، وتناوب على تأبينه عدَّة شيوخ، وما زالت عبارة قالها أحد المؤبِّنين ترنُّ في أذني حتَّى هذه اللّحظة، ومضمونها: « ... حتَّى السماء أدمعت عيونُها وهاجت، وشاركتنا البكاء على فقيدنا الغالي، المرحوم الشيخ أبي اليقظان ... ».
وذات ليلة أقامت عائلة آل باحماني الراعي حفلا تكريميًّا لابنها محمد بن عيسى، الذي وفَّقه الله لحفظ كتاب الله، واستظهاره أمام شيخ من شيوخ المسجد. ومثل هذه المناسبات يعتزُّ بها أهل القرارة أيَّما اعتزاز؛ فأمنية كلِّ قراري أن يستظهر ابنه أو أبناؤه القرآن الكريم، حتَّى وإن تقدَّم بهم العمر قليلا. ولهذه الأمنية العزيزة مغزاها، إذ لا شيء حافظ لأصالة المجتمع الإباضي على امتداد قرون، سوى القرآن الكريم الذي تعلَّقوا به حفظا وفهما وتطبيقا. واستمرَّ الحفل الذي أحيته فرقة ”المعصومة“ حتَّى منتصف الليل، وقُدِّمت فيه أناشيد حسنة الكلمات وبُلبلية الألحان، بعضها باللّهجة المحلية، وتخلّلتها محطَّات للتّذكير وجني العبر، وأخرى للتّنكيت الظريف والهادف، ومُثّلت فيها مسرحية، عالجت عواقب أمراض الطمع والجشع والسطو على ممتلكات الغير من دون حقٍّ، وأبرزت النتائج الوخيمة التي تنجرُّ عنها. وسُقي المدعوُّون الذين كانوا من مختلف الأعمار شايا متبَّلا، ووزِّعت عليهم أكياس الحلوى والفول السوداني. (1/271)
صفحة 270
وفي انطلاقة الحفل، وبعد الاستماع إلى آيات من القرآن الكريم، نودي على محمَّد وألبس لباسا محليًّا أبيض، يشبه البرنوس وما هو بالبرنوس، لَفَّ كلَّ جسمه من رأسه إلى أسفل قدميه، ماعدا وجهيه وكفَّيه. وبدت على محيَّاه الصبوح مسحة نور، امتزجت مع سحابة حياء، فعلت فعلها التحريضي في الغدد العرقية، فأندت وجهه بطبقة عرق خفيف. ويبدو أنَّ حظَّ محمد من الحياء - والحياء طبع فطريٌ في بني الإنسان - موفور. ومحمَّد هذا شابٌّ ميسون وظريف، خفيف الظلِّ، هادئ الطباع، لا تغادر الابتسامة الطلقة شفتيه. وهو ودود إلى أبعد الحدود؛ حيث يسبقك بالتحية والمصافحة والسؤال عن الأحوال قبل أن تفعل. وكم رأيته يسارع لتلبية رغبات عمِّه أحمد، ويسبق غيره لإتمامها دون تردُّد، فبارك الله فيه.
وفي الغد شرَّفنا الأخ عيسى بن إبراهيم الراعي، ابن عمِّ الأخ أحمد مضيِّفي، وهو تاجر معروف في مدينة باتنة، وفي الحميز بالجزائر العاصمة، شرَّفنا بزيارة مزرعة آل الخرفي التي تنأى إلى الجهة الشرقية من مدينة القرارة؛ بما يربو قليلا عن الثلاثين من الكيلومترات. وهي مزرعة أنجزت على الطراز الحديث، واستصلحت أراضيها الرملية الشرهة لتشرب المياه فغدت جنَّة خضراء وسط صفرة رملية لا يحدُّها البصر، واستقبلنا مسيِّرها الأخ ناصر بن إبراهيم الخرفي، الذي ما إن رآني حتى تذكَّر لقاءنا في المرَّة السابقة.
تسقى أراضي المزرعة الشاسعة من بئر أرتوازية، يندفع الماء من جوفها ساخنا لا يحتمل بسبب قوَّتي الدفع والاحتكاك، التي ترافقانه من مسافات مئات الأمتار صعودًا. وفيها من الخيرات النباتية أنواع وأصناف كثيرة: من الحبوب والخضر والفواكه وفسائل أشجار النخيل، وخصِّص جزءٌ منها لزراعة النباتات العلفية، كالبرسيم (الفصَّة)، وغيرها. ويَنْبَتُّ في ضاحيتها الجنوبية الشرقية حظائر وزرائب، خُصِّصت لتربية الأبقار والأغنام المنتقاة من أجود السلالات إدرارا للألبان واكتنازا للحوم. (1/272)
صفحة 271
رافقنا الأخ ناصر للتَّجوال في أرجاء المزرعة الغنَّاء التي جبناها راكبين، واستفدنا من شروحه التي لم تكن تشحُّ عن غوص في التفسيرات والتعليلات العلمية. فلمَّا حدَّثنا - على سبيل المثال - عن التلقيح الصناعي، الذي أصبح يفتن فيه مع أبقار المزرعة، أفصح عن إلمام الخبير، ودراية العارف عن الكثير من مصطلحات علم الوراثة، الذي يسمّونه ”بالعلم السهل الممتنع“. وكلَّمنا عن ”الانتخاب“ و”الانتقاء“ و”الانعزال“ و”التهجين“ و”الصفات الوراثية“ ... وقبل أن نبارح المزرعة قضينا سويعة جالسين فوق الأرض المكسوَّة ببساط أخضر طبيعي، نريح الأنفس ونمتِّع العيون، وأطعمنا تمرًا عسليًا وسقانا لبنا لذيذ النكهة، وأشربنا شايا. وبدورنا لم نبخل عليه بالدعوات المباركة.
مع اقتراب حلول منتصف النهار من نفس اليوم، توجَّهنا إلى مدينة مليكة، وهي قصر ميزابي مُحاذٍ للعاصمة غرداية، وبها وجدنا من يترقَّب زيارتنا. وفي منزله الذي جدَّد بناءه، وحافظ على مقاييس طابعه التقليدي تناولنا غذاءنا، وأكلنا بشراهة كُسْكُسًا، قدِّم لنا في مَثْرَدٍ خشبي، وتزاحمت حوافه بأكوام لحم ضأن، وعناقيد ”كرداس“ شهيَّيْن. و”الكرداس“ هي أحشاء الخروف وكبده، مربوطة إلى بعضها بخيط، بعد أن تقطع إلى إرب مربَّعة صغيرة، وتضاف إلى الطبيخ لتغلي مع مرقه. وأمَّا صحن التحلية فقد زادت حمولته عن طاقته، وتنوَّعت لتجمع العديد من فواكه الموسم الطازجة. ورافقت جلستنا التي طالت نسبيًّا أكواب الشاي، التي أبدع الأخ قاسم الراعي في إعدادها، والذي سبق له وأن حدَّثني عن التزكية الشفوية التي حازها في هذا الشأن من أحد الشيوخ الذوَّاقين للشَّاي، والذي لا يمدُّ يده لتناول كأس من الشاي إلاَّ إذا أعدَّ أمام عينيه.
وبعد أداء صلاة العصر في مسجد مليكة، لم يبق أمامنا متَّسع من الوقت للتجوال في دروبها الضيِّقة، وقصدنا منزل أحد الإخوان في مدينة غرداية، التي لا تفصلها عن مدينة مليكة سوى بعض أميال. وبعد استراحة في منزله الأثير، يمَّمنا صوب مسجد الغفران لأداء صلاة المغرب، وأردفناها بصلاة العشاء، بعد أن حان (1/273)
صفحة 272
وقتها. ومسجد الغفران مسجدٌ حديث اختزن بناؤه بعض ملامح فنِّ العمارة الإباضية كشكل المئذنة المتميَّز، ونال منه التجديد المظهري في بقية أجزائه. وزوِّد بمكتبة عصرية متنوِّعة الموارد والوسائل، التي يراد بها مواكبة مستحدثات التقدُّم التكنولوجي، وتسخيره في المجال السمعي البصري بوجه أخص. وقد تعتبر مثل هذه المساعي طفرات في المجتمع الإباضي المتماسك، الذي صانت وحدة كلمته شبكة نظمه الاجتماعية المتينة، وحافظت على انسجام تفكيره ووحدة ورصِّ صفوفه. ولسائل أن يسأل ببراءة: ما حظوظ التكامل التواصلي، التي يضمِّنها التجديد في نطاق صيرورة التاريخ وحتميَّاته، بالنسبة لمجتمع متشبِّثٍ بماضيه، وشادٍّ عليه بنواجده؟ ... ولماذا لا يكتب لقافلة التجديد والتحديث أن تمرَّ عبر مضايق الطريق التي عبّدت شطرًا شطرًا بجهاد ومثابرة وصبر الأجداد والآباء، وعلى مسار دورات قرون من دورات الزمن؟. وإن كان لجولات الماضي في تلك الربوع تاريخ مرصَّع بالزّمرُّد والياقوت، وموشًّى بكلِّ ما هو جميل، فكيف يكون المستقبل يا ترى؟
ومع تفاقم حلكة الظلام، دخلنا مدينة العطف أو ”تاجْنِينْتْ“، ونزلنا ضيوفا عند عائلة أقامت وليمة بمناسبة انقضاء أسبوع من تزويج ابنيها الشقيقين. وبعد تناول طعام العشاء، أقاموا حفلا أحيته فرقة هاوية من مدينة مليكة، التي يقال عنها: إنَّها منجم لا ينضب للمواهب والمبتدعين، وشاركها منشد من مدينة بني يزقن. ونشَّط الحفل شيخٌ يتقن الفكاهة الظريفة لم أعد أذكر اسمه، ولم تشغله مهمَّة تكليفه بإعداد الشاي، عن ملء مجلسنا ضحكا وقهقهات بنكته ودردشاته وفرقعاته، التي لم تخرج عن طريق الأدب. وكانت إشارات تحريضه على الكلام تأتيه من كلِّ ركن. وفي هذه الأجواء الممتعة قضينا بين أهل العطف الكرام، وفي أحضان إحدى عائلاتها المضيافة ليلة ستظلُّ منقوشة في أخاديد الذاكرة.
ومع ساعات فجر تلك الليلة الطويلة، كنت في طريقي آيبًا إلى مدينتي باتنة، وفي قلبي رجاء لا ينام ولا يقاوم، وهو العودة إلى القرارة مرَّة أخرى بل مرَّات .. (1/274)
صفحة 273
F
القرارة تحيي الذكرى الثلاثين لوفاة أبي اليقظان (1)
عاشت مدينة القرارة (ولاية غرداية) يومي 24 - 25 محرَّم 1424هـ (27 - 28 مارس 2003م) نشاطا علميا كبيرًا, وذلك إحياء للذكرى الثلاثين لوفاة عميد الصحفيين الجزائريين, مجاهد الكلمة الصلب الشيخ أبي اليقظان إبراهيم (1888 - 1973). وقد تشرَّفت بإحياء هذه الذكرى ”جمعية الحياة“ بمدينة القرارة, التي دعت لإحيائها نخبة من أهل الفكر وثلَّة من أهل الذكر, من أساتذة الجامعات, وعلماء الدين, ومن شتَّى أنحاء الجزائر (وهران, مستغانم, البليدة, مدينة الجزائر, الأغواط, قسنطينة, باتنة, تبسة) إضافة إلى علماء وأساتذة وادي ميزاب العامر.
نشاطات اليوم الأول:
افتتح المهرجان بقراءة سورة الفاتحة ترحُّما على أرواح شهداء العراق الأشمِّ, الذين استشهدوا في أثناء مواجهتهم للعدوان الأمريكي-البريطاني على أرض العراق الطاهرة, ثمَّ تليت آيات من آي الذكر الحكيم, أعقبها النشيد الوطني, وكلمة ”جمعية الحياة“ التي أشرفت على تنظيم هذا المهرجان, وكلمة عرَّفت بشخصية الشيخ المجاهد أبي اليقظان, وكلمات المسؤولين, ومنها رسالة السيِّد علي بن فليس رئيس الحكومة.
لقد استهلَّ الأستاذ الدكتور محمَّد ناصر سلسلة المحاضرات, فألقى محاضرة قيِّمة تناول فيها بتحليل علمي عميق, ومنهج أكاديمي دقيق, صحف أبي اليقظان,
__________
(1) - مقال نشر في جريدة ”البصائر“ بقلم الأستاذ محمد الهادي الحسني. (1/275)
صفحة 274
حيث سلَّط الضوء على الظروف المادية والمعنوية والأوضاع الإدارية والسياسية التي عمل فيها الشيخ أبو اليقظان, وهي ظروف لا يقهرها إلاَّ أولو العزم الشديد, وأوضاع لا يصمد في وجهها إلاَّ ذوو الإرادة الصلبة, حيث كلَّفت الشيخ أبا اليقظان عنَتًا شديدا, ونصبًا كبيرا, وخسائر مادية جسيمة.
وكانت كلمة فضيلة الشيخ محمد سعيد كعباش سامية المعاني, عالية المباني, صادقة المشاعر.
وتناول الأستاذ الحاج موسى، ابن عمر”تاريخ الجزائر من خلال صحف أبي اليقظان“, حيث بيَّن بالأمثلة اهتمام الشيخ أبي اليقظان بتاريخ الجزائر وإبرازه عصور ازدهاره وعهود انحطاطه, سواء فيما دبَّجه بيراعه, أم فيما نشره لغيره, وكان هدف أبي اليقظان من ذلك هو محاربة اليأس الذي استولى على الجزائريِّين, وبعث الحمية في نفوسهم, ودفعهم إلى العمل المثمر الهادف, حتَّى يعيدوا من مجدهم ما قد ذهب, ويصمدوا - قبل ذلك - في وجه الدعاية الفرنسية التي تزعم أنَّ الجزائريِّين لم يؤسِّسوا دولة, ولم ينتجوا فكرًا, ولم يبنوا حضارة, وإنَّما كانت أرضُهم مِلكا مشاعا يناله مَنْ غلب مِنَ الأمم.
لقد شدَّت هذه المحاضرات اهتمام الحاضرين, وقد تجلَّى ذلك الاهتمام في تعقيباتهم وأسئلتهم.
وقبيل المغرب انتقل الجميع إلى المسجد العتيق, الذي ضاقت مساحته على المصلِّين بما رحبت, فأقيمت صلاة المغرب, ثمَّ ”مجالس القرآن الكريم“، وهي عبارة عن حلقات لتلاوة القرآن الكريم جماعيًا, ثمَّ ألقى ”الشيخ رحالي“, أحد أئمة وهران, درسا قيِّمًا.
بعد صلاة العشاء, وطعام العَشاء, أقيم حفل أنشد فيه فتية أناشيد دينية ووطنية أنعشت الأرواح, وأروت النفوس. (1/276)
صفحة 275
نشاطات اليوم الثاني:
تواصل إلقاء المحاضرات العلميَّة, فاستمع الحاضرون إلى محاضرة الدكتور محمد لعساكر عن ”الشيخ أبي اليقظان والحركة الوطنية بتونس, والبعثة العلمية بها“, حيث ألقى المحاضر الضوء على ظروف إرسال الطلبة إلى تونس قبيل الحرب العالمية الأولى, وإشراف الشيخ أبي اليقظان عليهم, وعلاقته هناك بالحركة الوطنية التونسية بقيادة المجاهد عبد العزيز الثعالبي, الجزائري الأصل, وقد كان إلى جانب الشيخ أبي اليقظان في ذلك النشاط الوطني مجموعة من الجزائريِّين، منهم الشيخ أبو إسحاق طفيش, والشيخ أحمد توفيق المدني, والشيخ عبد الرحمن اليعلاوي ...
ثمَّ ألقى الدكتور مسعود فلوسي محاضرة الدكتور محمد زغينة, الذي منعته ظروف طارئة من الحضور, وتناولت المحاضرة ”محطَّات فكرية في صحافة أبي اليقظان“, فأبرز المحاضر اهتمامات الشيخ الفكريَّة, وتفاعله مع قضايا وطنه وأمَّته. واستعرض الأستاذ إبراهيم باحريز في محاضرته المجهودات الجبّارة التي بذلها الشيخ أبو اليقظان في إنشاء ”المطبعة العربية“, التي قدَّمت خدمات جليلة في طبع ونشر كثير من الكتب القيِّمة, وفي طبع المنشورات السياسية لجمعية العلماء وللحركة الوطنيَّة, ممَّا جعلها هدفا للاستعمار الفرنسي, حيث كان أعوانه يفاجئون العاملين بها للتفتيش والمراقبة. واختتمت الجلسة الصباحية بالاستماع إلى محاضرة الدكتور مصطفى باجو عن ”صحافة أبي اليقظان في عين الشيخ عبد الرحمن“ (بكلِّي) , وقد ألقى المحاضرة أحد الأساتذة (1) لعدم تمكُّن الدكتور باجو من الحضور, ثمَّ رفعت الجلسة ليتهيّأَ الحاضرون لصلاة الجمعة ...
وفي المساء ألقى الدكتور محمد عيسى أو موسى محاضرة عن وجوب العناية بالتّراث, الذي ضرب له مثلا بآثار الشيخ أبي اليقظان, التي لم يعرف أكثرها طريقه
__________
(1) - ألقى المحاضرة الأستاذ صالح بن أحمد حدبون رئيس داخليّة الحياة بالقرارة. (1/277)
صفحة 276
إلى القرَّاء, لعدم وجود الأموال الكافية لطبعها, ولعدم إقبال طلابنا على إعداد دراسات عنها, واهتمامهم بغيرها.
اختتمت الجلسة بتوزيع الهدايا التذكارية على المشاركين والمنظِّمين, وبإلقاء كلمة من أحد أفراد عائلة الشيخ أبي اليقظان, شكر فيها المحاضرين والمنظِّمين والحاضرين على الاهتمام بهذه الشخصية العلمية والوطنيَّة, لينتقل الجمع بعد ذلك إلى المسجد العتيق, فحضروا ”مجالس القرآن الكريم“, واستمعوا إلى كلمة لكاتب هذه الأسطر حول بعض معاني حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم, القائل: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدُّ بعضه بعضا».
مهرجان علمٍ, وأدبٍ, وفنٍ, ونظام:
لقد كان مهرجان الشيخ أبي اليقظان مهرجانا علميًّا, تميَّز بمستواه العلمي الرفيع, ومنهجيَّته الأكاديمية الصارمة, ومناقشاته الجديَّة, وأسئلته النوعيَّة, وتمَّ ذلك كلُّه بلغة عربية راقية, وأسلوب عال, تفتقدهما كثير من ملتقياتنا هنا وهناك.
ولم يغب الشعر عن المهرجان, وكيف لا يحضر الشعر, والمحتفل بذكراه كان شاعراً أصيلا, فقد استمع واستمتع الحاضرون بعدَّة قصائد ألقاها كلٌّ من الأساتذة زيد الخير مبروك, وصالح باجو, وصالح خباشة وغيرهم, وهي قصائد من الشعر الأصيل, الذي يلهب المشاعر, ويوقظ العقول, ويحثُّ على العمل, ويبثُّ في النفوس الأمل.
وقد كانت فعاليَّات المهرجان تفتتح وتختتم بأناشيد جميلة للشيخ أبي اليقظان ولغيره, تشدو بها حناجر نديَّة, وتعلو بها أصوات شجية.
وقد تمَّ ذلك كلُّه في نظام وهدوء وحسن إنصات, وذلك كلُّه عنوان تحضُّر أصيل, وخلق نبيل, فقد كانت الجلسات تبتدئ في وقتها, وتنتهي في وقتها, وأُلْزم - من لم يلتزم - من المحاضرين باحترام الوقت المخصَّص للمحاضرة, وكذلك بالنسبة للمعقِّبين والسائلين. (1/278)
صفحة 277
وقد نظم على هامش المهرجان معرضٌ اشتمل على صور، تبرز جوانب من نشاط الشيخ أبي اليقظان, كما عُرض فيه بعض أشيائه الخاصَّة, وجزء من ”المطبعة العربية“ التي أسَّسها الشيخ أبو اليقظان.
وقد أقيمت دائرة تلفزية مغلقة تابعت من خلالها أمَّهاتنا وأخواتنا في بيوتهنَّ فعاليَّات المهرجان من محاضرات, ومناقشات, وأناشيد ...
لقد جرت فعاليات هذا المهرجان تحت رعاية وإشراف عميد الجزائر والجزائريِّين, فضيلة الشيخ عدون -حفظه الله -، الذي لم تمنعه سنُّه العالية (أكثر من قرن) من حضور جميع فعاليَّات هذا المهرجان, وأداء الصلاة مع المؤمنين في المسجد, والاستماع إلى الدروس, فقد كان مثالا للجدية والصبر يغبطه عليهما كثير من الشبان.
إنَّ الأمر الذي يحزُّ في النفس, هو أن يقام هذا المهرجان في بلدة نائية, حيث كان من الواجب أن يقام في عاصمة البلاد, وأن يُحظى بتغطية إعلامية كبيرة. فالشيخ أبو اليقظان وأمثاله, لم يكونوا رجال مناطق محدَّدة, بل كانوا رجال وطن, بل رجال أمَّة.
اقتراح:
أغتنم هذه الفرصة لأذكِّر بما كنتُ قد اقترحته منذ عقدين تقريبا؛ وهو إنشاء جائزة سنوية تسمَّى «جائزة الشيخ أبي اليقظان الصحافيَّة»، تعطى لصحافيِّين أنجزوا أعمالا متميِّزة وأصيلة. (1/279)
صفحة 278
F
القرارة تتذكر عميد الصحافة الوطنية
الشيخ أبا اليقظان رجل إعلام وفكر وإصلاح (1)
احتضنت جمعية الحياة بالقرارة بولاية غرداية نهاية الأسبوع الماضي، وخلال يومين، مهرجان عميد الصحافة الوطنية، الأديب والفقيه الشيخ أبي اليقظان الحاج ابراهيم بن عيسى في ذكراه الثلاثين لوفاته. وتميَّز المهرجان بمشاركة عدَّة دكاترة وأساتذة جامعيِّين، قدَّموا محاضرات ومداخلات، سلَّطت الضوء على الجوانب المضيئة من حياة وشخصية الشيخ أبي اليقظان وجهاده النضالي والفكري، عبر نشاطه الصحفي و الإصلاحي.
هذه التظاهرة التي تمَّت تحت رعاية رئيس الجمهورية، لم تشهد حضورا رسميًّا، كما كان متوقَّعا لتزامن الحدث مع تنظيم مسيرات تضامن مع العراق حسب المنظِّمين. وتماشيًا مع هذه الظروف استهلَّ المهرجان بقراءة الفاتحة ترحُّما على ضحايا الشعب العراقي، ثمَّ اتبعت بكلمة ”جمعية الحياة“ بالتعريف بشخصية الشيخ أبي اليقظان، قبل أن يتوجَّه المشاركون إلى المعرض الوثائقي، الذي استعرض الأعمال الصحفية والأدبية، التي خلَّدها رائد الصحافة الوطنية في مشواره الذي دام خمسًا وثمانين سنة، كانت مليئة بالعطاء الفكري وبالجهد الإصلاحي اللَّذين سخَّرهما في خدمة وطنه وأمَّته.
وأبرزت اللوحات الإعلامية للمعرض أنَّ حمدي أبا اليقظان ابراهيم بن عيسى، وهو اسمه الكامل، ولد في 5 نوفمبر 1888 بمدينة القرارة بمنطقة ميزاب،
__________
(1) - جريدة اليوم، عدد يوم الأحد: 30 مارس 2003م. انظر صورة المقال في الصفحات الموالية. (1/280)
صفحة 279
مات والده وتركه ابن عام وثلاثة أشهر فكفله عمُّه. دخل الكتَّاب في سنِّ الثامنة، وحفظ القرآن الكريم على يد أستاذه الشيخ الحاج عمر بن يحي الأَمِليكي. ثمَّ التحق بمعهد قطب الأئمَّة الشيخ الحاج محمد طفيَّش ببني يزقن، وفي سنة 1912 سافر إلى تونس حيث تابع دراسته العليا في جامع الزيتونة أوَّل الأمر، ثمَّ انتقل إلى معهد الخلدونية رغبة منه في اكتساب العلوم العصرية، التي يفتقر إليها جامع الزيتونة، وخلال وجوده في تونس كان مكلَّفا بالإشراف على البعثات الطلابية الميزابية، وشارك مشاركة فعَّالة في الحياة الثقافية بتونس، ومارس العمل السياسي ليصبح عضوًا بارزًا في الحزب الحرِّ الدستوري التونسي، وتربطه بزعيمه عبد العزيز الثعالبي صداقة شخصية وتعاون وثيق.
في الجانب العلمي للمهرجان، افتتح الدكتور محمَّد ناصر سلسلة المحاضرات بقراءة تحليلية لصحف أبي اليقظان، وأهمِّ المقالات التي تركت صدى واسعا في الحياة الجزائرية، فبعثت روح الحمية والجهاد فيها، وهزَّت بالتالي الإدارة الفرنسية وأرعبتها، واستقرأ الأستاذ الحاج موسى ابن عمر تاريخ الجزائر من خلال صحف أبي اليقظان. فيما استوقفت محاضرة الدكتور محمد زغينة الحاضرين عند محطَّات فكرية في صحافة أبي اليقظان. وعرَّج باقي المحاضرين على الجوانب الأخرى المتعلِّقة بتضحيات أبي اليقظان؛ كرجل إعلام وإصلاح مستلهمين من الصحافة اليقظانية، ومن كتاباته المختلفة عدَّة وقفات من تاريخه الحافل، على غرار ما قدَّمه الدكتور محمد لعساكر في محاضرته حول مشاركة أبي اليقظان الفاعلة في الحركة الوطنية التونسية، وفي بعث النشاط الفكري، وتحفيز الهمم في أوساط البعثة العلمية للطَّلبة الجزائريّين من أبناء ميزاب، الذين زاولوا دراستهم بتونس. وأوضح من جهته الأستاذ محمد الهادي الحسني مكانة جمعية العلماء في صحافة أبي اليقظان. وتناولت محاضرة الدكتور مصطفى باجو رؤية الشيخ عبد الرحمن بكلي (البكري) لصحافة أبي اليقظان. وتحدَّث الدكتور محمد عيسى وموسى عن واجب العناية بالتراث، واتَّخذ الشيخ أبا اليقظان نموذجا في تحليله، وأشار الأستاذ ابراهيم باحريز إلى أهمية (1/281)
صفحة 280
إسهام أبي اليقظان في تأسيس أوَّل مطبعة عربية حديثة في الجزائر، ودورها في بناء النهضة الوطنية.
وقد تابع سكان بلدية القرارة وقائع هذه الفعاليات مباشرة على شاشاتهم الصغيرة في منازلهم؛ بفضل بعض الوسائل التقنية البسيطة التي سخَّرها المنظِّمون.
وتشير المعلومات المستقاة من هذا المهرجان أنَّ الشيخ أبا اليقظان وبعد عودته من تونس عام 1926م احتلَّ مركزه في واجهة النضال الوطني الإصلاحي؛ بفضل نشاطه في مجال الصحافة العربية، وأصدر أولى جرائده ”وادي ميزاب“ في أوَّل أكتوبر من نفس السنة، وعانى في إصدارها صعوبات كبيرة؛ بحيث كان يقوم بجمع المادة الإعلامية وتحليلها في الجزائر، ثمَّ ينقلها إلى تونس ليطبعها هناك، ثمَّ يوزعها في الجزائر وفى كافة العالم الإسلامي مشرقا ومغربا، واستمرَّ على هذا المنوال حتَّى سنة 1929 تاريخ توقيفها من قبل الإدارة الاستعمارية، بعد أن أصدر منها 119 عددا، وبعد توقُّف هذه الصحيفة أسرع أبو اليقظان إلى إنشاء جريدة ”ميزاب“، غير أنَّها لم تَرَ النور، بعد أن حجزت السلطات الفرنسية العدد الأوَّل منها ومنعتها، ولم يتوان أبو اليقظان في تأسيس جرائد أخرى تباعا في الفترة الممتدَّة من ماي 1930 إلى أوت 1938، تارة باسمه ومرَّتين باسم تعموت عيسى، الذي كان العضد العامل الأيمن لأبي اليقظان وقد اختار اسم رفيقه بغرض تضليل الإدارة، واتّخاذ الحيطة كما أوضح في مذكِّراته، وتمكَّن أبو اليقظان خلال هذه الفترة، ورغم كلِّ المضايقات من إصدار ستَّة جرائد، هي: المغرب، النور، البستان، النبراس، الأمَّة التي أصدر منها 170 عددا، ثمَّ الفرقان التي صدر منها ستَّة أعداد، قبل أن تعطِّلها الإدارة الإستعمارية، وقد تعرَّض أبو اليقظان بسبب جرائده إلى مختلف وسائل القمع، من حجز وملاحقة ووشاية إلى جانب الغرامات المالية والنفي والسحب. وكانت لأبي اليقظان رغم تلك المعاناة رباطة جأش كبيرة، ونفس طويل لا يتوقَّف، فأسهم بمقالاته في جرائد ومجلات عربية أخرى منها ”المنير“، الإرادة والصواب التي تصدر بتونس (1) و”المنهاج“ في القاهرة، وقد عمل أبو اليقظان على تمكين النشاط الصحفي في الجزائر، وتدليل صعوبات الطبع عندما أسَّس في سنة 1931 المطبعة العربية بالجزائر العاصمة، التي تعدُّ من أوائل المطابع العربية بها، والتي أدَّت خدمة جليلة أيضا للحركة الوطنية، وللفعل الثقافي بصفة عامَّة، في فترة الاحتلال، بالإضافة إلى عمله الشاق في الصحافة الذي استنفد منه جلَّ وقته.
انضمَّ أبو اليقظان إلى صفوف جمعية العلماء المسلمين الجزائريِّين في سنة 1934 (2)، وشغل منصب نائب أمين المال فيها، واستمرَّ يشدُّ أزر الجمعية ويدافع عن أهدافها الإصلاحية من على صفحات جرائده وجرائد جمعية العلماء، مثل ”الشهاب“ و”البصائر“، حتَّى بداية الحرب العالمية الثانية، عندما توقَّفت كافة الجرائد الوطنية عن الصدور.
بعد اعتزاله ميدان الصحافة استقرَّ في القرارة، حيث تفرَّغ للدعوة الإصلاحية والتأليف، وترك للمكتبة العربية والإسلامية أكثر من ستِّين مؤلَّفا في شتّى مجالات العلوم الإنسانيَّة: بين كتاب ورسالة، عدا المقالات والأشعار والمذكِّرات، ومن بين هذه المؤلَّفات التي لا زال بعضها مخطوطًا: «وحي الوجدان في ديوان أبي اليقظان» و «الجزائر بين عهدين: الاستغلال والاستقلال» و «الإباضية في شمال افريقيا» و «سبيل المؤمن البصير إلى ربه» و «تاريخ صحف أبي يقظان»، وهو الكتاب الذي قدَّمه وعلَّق عليه د. محمد صالح ناصر، وعرض للبيع لأوَّل مرَّة على هامش المهرجان، فضلا عن إصدار جديد لنفس المؤلف عنوانه «مختارات من صحف أبي اليقظان»، يشتمل على بعض من مقالاته، التي
__________
(1) - مشاركته في الصحافة التونسيّة كانت قبل أن يصدر جرائده. (م. ن. ب)
(2) - كان الشيخ أبو اليقظان في صفوف جمعية العلماء المسلمين الجزائريِّين منذ تأسيسها، وأصبح عضوًا في إدارتها سنة 1932م، خلفًا للإمام الشيخ إبراهيم بن عمر بيّوض، وشغل منصب نائب أمين المال فيها، كما كان الشيخ بيُّوض. (م. ن. ب). (1/282)
صفحة 281
نشرها بجريدة وادي ميزاب سنة 1926 و1929، ومن بينها المقالة التي نشرها أبو اليقظان في العدد الأوَّل، يخاطب فيها الجزائري المسلم بقوله: «إنَّك أخو الجزائري المسلم دينا ولغة وجنسا ووطنا ... ألم تر أنَّ التداعي بالقبائل والطوائف لم يجرَّ على البلاد والعباد غير الهلاك والخراب والدمار؟».
وكانت لأبي اليقظان أفق نظر واسعة، وتناول في كثير من مقالاته قضايا الوطن العربي والأمَّة الإسلامية في تلك الفترة، وممَّا كتبه في العدد 46 من نفس الجريدة الصادر بتاريخ 26 أوت 1927 «جزيرة العرب من بلاد الإسلام كالقلب النابض من الجسد، فهو أوَّل ما ينفخ فيه الروح وآخر ما ينزع منه، وبقدر سلامته وقوَّته يسلم الجسد وتقوى أعضاؤه والعكس. وتجتهد الدول الغربية بكلِّ ما لها أن لا تمسَّ ذلك اللُّغم (يقصد جزيرة العرب)، وإنَّما تتذرَّع بذرائع أخرى لتتحكَّم فيها، من ضرب نطاق الحصار عليها من الخارج، واستعمال خونة أبنائها من الداخل للتحكُّم في الجزيرة والاحتفاظ بمودَّة المسلمين قدر الإمكان».
أبو اليقظان كان أيضا ابن بيئته، ولم يبخلها بجهده وعمله الفكري التنويري، حيث عيِّن في الثلاثينيات عضوًا في حلقة العزابة، وهي الهيئة الدينية العليا بالقرارة، وكان ينوب الشيخ بيُّوض في دروس الوعظ بالمسجد الكبير، كما عيِّن عضوًا في جمعية الحياة سنة 1937، وبرز عضوًا قياديًا فيها بحسن إدارته وبآرائه ومواقفه وأعماله الإصلاحية الجليلة.
واصل أبو اليقظان جهاده بالقلم إلى آخر عمره، رغم إصابته بشلل جزئي في أفريل من سنة 1957، حتَّى وفاته يوم 30 مارس 1973 بالقرارة حيث دفن.
عبد المجيد رمضان (1/283)
صفحة 282
F
القرارة تتذكر عميد الصحافة الوطنية المكافحة العلامة أبا اليقظان
عيد لإعلامي مغمور .. غاب عنه الإعلاميون .. ! (1)
ما تزال آثار يقظة الشيخ أبي اليقظان الفقهية والأدبية والإبداعية في عالم الصحافة والصحف تشغل بال العديد من الدارسين والباحثين والمهتمِّين .. ذلك لأنَّ الرجل لم يكن قلمًا رائدًا مقتدرًا في عالم الصحافة الجزائرية فحسب، بل كان مجاهدًا إعلاميًّا بكلِّ ما تحمله كلمة الجهاد من دلائل ومعانٍ.
على الرغم من التفاف اليتم وإحاطته به صبيًّا، وهو الذي لم يناهز شهره الخامس عشر، إلاَّ أن الشيخ حمدي أبا اليقظان ابراهيم بن عيسى استطاع أن يشقَّ له وسط المعاناة والعدم سبيلا حافلا بالانجازات العلمية الباهرة، والذكريات الخالدة التي كثيرًا ما أدارت ظهرها لمن عانوا الحرمان وعاطفة الأبوين من أمثاله.
تكريما لهذا الرجل الذي أبى أن تكون رسالته في الحياة يقظانية أو مذهبية، بل إنسانية اهتدت جمعية الحياة بالقرارة إلى الوقوف على مآثر الرجل وتراثه الإعلامي الحافل؛ بغية إماطة اللِّثام عن الجوانب الخفية والمحطَّات المستترة، وذلك ضمن مهرجان الصحافي الشيخ أبي اليقظان الحاج ابراهيم بن عيسى في الذكرى الثلاثين لوفاته.
القراءة الأولية في برنامج المحاضرات تلقي بالرَّاغب إلى فضاءات التشوُّق واللهفة، وتسيل لعاب العطشى معرفيًا وإعلاميًا، بالنظر إلى رونق العناوين ووزن المشاركين الثقيل، كالدكتور محمد ناصر، والدكتور عبد الرزاق قسُّوم، والدكتور
__________
(1) - جريدة الواحة (غرداية، الجزائر)، عدد: 212، الثلاثاء: 7 صفر 1424هـ/ 8 أفريل 2003م. انظر صورة المقال في الصفحات الموالية. (1/285)
صفحة 283
محمد لعساكر، والدكتور محمد زغينة، والدكتور مصطفى باجو، والأستاذ محمد الهادي الحسيني، والأستاذ الحاج موسى ابن عمر، والأستاذ ابراهيم باحريز وغيرهم.
بيد أن غياب نسبة معتبرة من المشاركين، وتقديم بعض المحاضرات دون أصحابها حال دون تحقيق إشباع ذاك النهم، وشفاء غليل العطشى وروَّاد القاعة المخصَّصة لذلك، رغم التنظيم المحكم ومستوى المحاضرات المقدَّمة.
معروف عن الشيخ أبي اليقظان ولعُه الفائق بالإعلام، في زمن كان الإعلامي فيه يقلِّب العدم ليخرج منه شيئًا مفيدًا، ولعلَّ مطبعة الشيخ شاهد حيٌّ وصادق على معاناة الرجل، ومكابدته في سبيل إخراج عدد، يريح به ضميره ويقدِّمه براحة وقناعة.
أبو اليقظان أو عميد الصحافة الجزائرية كما يلقَّب، ورغم تأسيسه لثماني صحف؛ ابتداء من وادي ميزاب سنة 1926، فميزاب والمغرب سنة 1930، ثمَّ النور سنة1931، والبستان والنبراس والأمَّة سنة 1933، وأخيرا الفرقان سنة 1938، إلاَّ أنَّ كلَّ مشاريعه وعناوينه وَأَدها المستعمر الفرنسي بذريعة التحريض وتأليب المجتمع ضدَّ الواقع الاستعماري، ولأنَّ اغتيال الحلم الواقع يعدُّ تجنّيًا، فقد تفرَّغ الشيخ أبو اليقظان بعد سنة 1938 للتأليف متَّخذا من مسقط رأسه (القرارة) مستقرًّا له.
مكث بها إلى أن وافته المنية في: 30/ 03/1973، بعد أن ألزمه الشلل النصفي الفراش منذ 1957، ومع ذلك فقد ترك إرثا زاخرا، وكنزا وافرا من العلوم والمعارف، ترجمها في كتبه العديدة كـ”ديوان أبي اليقظان“ في جزأين، و”سليمان الباروني“ في جزأين أيضا، و”سلَّم الاستقامة“، وهو كتاب مدرسي في الفقه الإباضي، و”فتح نوافد القرآن“، و”سبيل المؤمن البصير إلى ربِّه“ ... كما ترك مؤلَّفات مخطوطة، لم تطبع إلى حدِّ الآن.
الشاعر أبو اليقظان لم يستطع كبت حبِّه الشديد وكبح جماح قريحته الفائضة شعرا نحو عشقه السرمدي (الصحافة) الذي خصَّه بقصيدة جاء فيها: (1/286)
صفحة 284
إنَّ الصحافة للشعوب حياة ... والشعبُ من غير اللسانِ مَوَاتُ
فهي اللسانُ المفصحُ الذلِقُ الذي ... بِبَيانه تُتَداركُ الغاياتُ
فهي الوسيلةُ للسَّعادةِ والهَنَا ... وإلى الفضائلِ والعلا مِرقاةُ
ولعلَّ المعرض المقام بالمناسبة، والحافل بالشَّهادات الصادقة لأمثال الشيخ عبد الحميد، ابن باديس، وأحمد توفيق المدني، وعبد الرزاق قسُّوم، وأحمد ابن ذياب ... يبرز مكانة الرجل بين العلماء، ويدعو صارخًا من جهة كافَّة المهتمِّين إلى بسط يد التواصل، وتعريف الناشئة بواحد من أبرز قادة الإعلام الجزائري، في زمن كان فيه كلُّ شيء محفوفا بالخطر والتعذيب.
عرَّج باقي المحاضرين على الجوانب الأخرى، المتعلِّقة بتضحيات عميد الصحافة الوطنية، مستلهمين من كتاباته عدَّة وقفات من تاريخه الحافل، على غرار ما قدَّمه الدكتور محمد لعساكر في محاضرته حول مشاركة أبي اليقظان الفاعلة في الحركة الوطنية التونسية، وفي بعث النشاط الفكري، وتحفيز الهمم في أوساط البعثة العلمية للطَّلبة الجزائريِّين، الذين زاولوا دراستهم بتونس. وركَّز من جهته الأستاذ محمد الهادي الحسني على مكانة العلماء المسلمين في صحافة أبي اليقظان، وفي مقاومة تيَّار التغريب والمستدمر الغاشم. أمَّا الدكتور مصطفى باجو فقد تناول في مداخلته رؤية المرحوم الشيخ بكلِّي عبد الرحمن في صحافة الشيخ أبي اليقظان، وتعرَّض الأستاذ باحريز إبراهيم إلى أهمية إسهام أبي اليقظان في تأسيس أوَّل مطبعة عربية حديثة في الجزائر ودورها في بناء النهضة الوطنية. واختتم اللِّقاء بمداخلة الدكتور محمد عيسى وموسى عن واجب العناية بالتراث واتَّخذ الشيخ أبا اليقظان نموذجا في تحليله. وقد تابع سكَّان القرارة وقائع هذه الفعاليَّات مباشرة على شاشاتهم الصغيرة في منازلهم، بفضل الوسائل التقنية البسيطة التي سخَّرها المنظِّمون. (1/287)
صفحة 285
المهرجان الذي حضرته فعاليات مختلفة المناطق والتخصُّصات والجامعات بدا وكأنَّه غير ذي صلة بمفهوم الإعلام، ذلك أنَّه كان يفترض أن يحضره ويشارك في تأطيره مسؤولو المؤسَّسات الإعلامية، التي حملت المشعل من بعد فترة أبي اليقظان، بيد أنَّ القاعة كانت خاوية من هؤلاء وأمثالهم؛ إذ حتَّى أساتذة الإعلام وطلبتهم لم يكن حضورهم، لا شكليًّا ولا فعليًّا في هذا المهرجان المخصَّص لعميد الصحافة الجزائرية، الذي أسَّس لوحده ثماني جرائد، صادرها المستعمر، كما كان أوَّل مؤسِّس للمطبعة العربية بالجزائر.
انطباعات المشاركين:
- الدكتور محمد بن صالح ناصر:
أنا لا أدَّعي بأنِّي كتبتُ الكثير، فقد صدر كتابي الأوَّل عنه بعنوان ”أبو اليقظان وجهاد الكلمة“ سنة 1980م، وركَّزت فيه كثيرًا على صحفه، وكتبتُ أيضا بعض الدراسات الشعرية عن شعره، لكن هناك جوانب كثيرة جدًّا ينبغي أن نهتمَّ بها، متعلِّقة بشخصية الشيخ أبي اليقظان؛ لأنَّه كان فقيها، وكان أديبا وكان مؤرِّخا، ولا ينبغي أن نفهم أبا اليقظان بالمفهوم الحديث للكلمة، بمعنى ذلك الإنسان الذي ينشر جريدة من أجل الخبر، فالكتابة الصحفية كانت تمثِّل المبدأ والرأي والفكر، فكان غرض الشيخ من الصحافة تربية الأمَّة، لا الغرض المادي! وعلينا أن نبحث كيف يمكن أن نبرز هذه الجرائد التي صدرت بين 1926 إلى 1938 وما تزال مغمورة ولا توجد إلاَّ في المكتبة الوطنية بفرنسا.
- الأستاذ محمد الهادي الحسني:
مهما عملنا ومهما بذلنا من جهد وملتقيات، ففي رأيي أنَّنا لن نوفِّيَ هذا الرجل وأمثاله حقَّه وحقوقهم؛ لأنَّهم أعطوا كلَّ حياتهم، وكلَّ ما يملكون إلى الجزائر، التي في رأيي لم تكافئهم، ولم تبادلهم إحسانا بإحسان. (1/288)
صفحة 286
- الأستاذ يحي بن عيسى بن ابراهيم أبو اليقظان (حفيد الشيخ):
هذه المرَّة الرابعة تقريبا، التي تقام فيها مثل هذه الذكريات، ولكن المطلوب أن تكون هذه الآن بمثابة التعريف في نواح أخرى في الجزائر وباتنة ووهران وتلمسان ومستغانم وأدرار وورقلة، حتَّى يعمَّ النفع والفائدة؛ لأنَّ كثيرا من الناس لا يمكنهم الحضور خصوصا في هذا الوقت العصيب؛ حيث كلُّ النوادي مشغولة في العطل ببرامج خاصَّة، والمدن مشتغلة بالأفراح والأعراس وما يدور في العراق، ونتمنَّى أن تنظَّم مستقبلا هاته التظاهرة خارج مسقط رأسه؛ حتَّى يُعرَف أكثر، لأنَّ مظاهر الشيخ أبي اليقظان وطنية وعالمية، أكثر منها محلية، لذلك أتمنَّى أن تستقطب إحدى الجامعات كجامعة باتنة، أو الجزائر مثلا.
- الشاعر مبروك زيد الخير:
هذا الملتقى يدخل ضمن مفهوم الأصالة، التي تحاول أن تنفض الغبار عمَّا كان يمكن أن يحجب كثيرا من علمائنا وأصحاب التأثير والكلمة الفاعلة في المجتمع، عبر الأحقاب الصعبة التي كان المستعمرون فيها يسومون الجزائريّين سوء العذاب.
فجمعية الحياة مشكورة؛ لأنَّها حاولت أن تُسهم بما تقدر في سبيل مواكبة هذا الإشعاع الكبير، الذي جمع نخبة من هذا الوطن لدراسة جوانب متعدِّدة من حياة أبي اليقظان وشعره وإسهامه في الصحافة الوطنية.
مهدي خليلي
- - - (1/289)
صفحة 287
تم بحمد الله (1/291)
صفحة 288
o
تقديم 05
التقرير الأدبي للمهرجان 20
التعريف بشخصية الشيخ أبي اليقظان ( P) 39
الكلمات 43
?- كلمة الشيخ سعيد بن بالحاج شريفي (الشيخ عدُّون) 45
?- كلمة الشيخ محمَّد بن إبراهيم سعيد (الشيخ كعباش) 53
?- أهمية قراءة فكر الشيخ أبي اليقظان (محمد بن قاسم ناصر بوحجام) 58
المحاضرات 67
?- تاريخ صحف أبي اليقظان، قراءة تحليلية
الدكتور محمد صالح ناصر 69
?- تاريخ الجزائر من خلال صحف الشيخ أبي اليقظان
الأستاذ الحاج موسى بن بكير، ابن عمر 91
?- محطات فكرية في صحافة الشيخ أبي اليقظان
الدكتور محمد زغينة 105
4- الشيخ أبو اليقظان والمطبعة العربية
الأستاذ إبراهيم بن أحمد باحريز 125
?- صحافة الشيخ أبي اليقظان في عين الشيخ عبد الرحمن
الدكتور مصطفى بن صالح باجو 142
6- واجب العناية بالتراث، الشيخ أبو اليقظان نموذجا
الدكتور محمد بن عيسى، عيسى وموسى 163 (1/292)
صفحة 289
?- قراءة اقتصادية في صحف الشيخ أبي اليقظان
الأستاذ محمد بن صالح حمدي 172
?- الشيخ حمدي أبو اليقظان إبراهيم بن عيسى رجل الإصرار والتحدي
الأستاذ محمد الطاهر عزوي 186
?- الشيخ أبو اليقظان صبرٌ ومصابرةٌ ومرابطةٌ في جهاده الصحفي
الأستاذ إبراهيم بن أحمد ألجون 198
??- تعاون العلماء والوحدة الوطنية ...
الأستاذ علي عزُّوزي 206
??- مداخلة الأستاذ محمد الهادي الحسني 211
القصائد الشعرية 213
?- قصيدة: لولا صحافتكم بالضاد ناطقة
الشاعر الأستاذ صالح بن إبراهيم باجو 215
?- قصيدة: أبو الصحافة الوطنية
الشاعر الأستاذ صالح بن بابه خباشة 218
?- قصيدة: أبو اليقظان في الماضين رمز
الشاعر الأستاذ سليمان بن عمر دواق 221
4- قصيدة: اليوم يوم العبقري الزاخر
الشاعر الأستاذ أحمد بن إبراهيم لزعل موسلمال 224
?- قصيدة: عَجَب .. !
الشاعر الأستاذ مبروك زيد الخير 226
6- قصيدة: أبو اليقظان رمز المعالي
الشيخ عوض البحيصي 229
7- قصيدة: رسالة مفتوحة إلى بدر شاكر السياب
الشاعر الدكتور محمد صالح ناصر 231 (1/293)
صفحة 290
الرسائل 235
?- رسالة رعاية رئيس الجمهورية لفعاليات المهرجان 237
?- رسالة من رئيس الحكومة السيد علي بن فليس 239
?- رسالة من رئيس لجنة الشؤون الخارجية والتعاون الدولي
والجالية الجزائرية في الخارج في مجلس الأمَّة (السيد محي الدين عميمور) 242
4- رسالة من رئيس المجلس الشعبي الوطني
السيد كريم يونس 244
?- رسالة من والي ولاية تيسمسيلت السيد عثماني مختار 246
6- رسالة من والي ولاية مستغانم 247
7- رسالة من رئيس مؤسسة مفدي زكرياء السيد سليمان الشيخ 248
?- رسالة من الشيخ الأخضر الدهمة (متليلي، غرداية) 249
?- رسالة من مديري مدارس الشيخ بيوض بالجزائر العاصمة 250
??- رسالة من نائب المحافظ الولائي لكشافة العاصمة 251
الانطباعات والتعليقات 253
?- أيام في «قرارة» وادي ميزاب الأثيل
الأستاذ لمباركية نوار 255
?- القرارة تحيي الذكرى الثلاثين لوفاة أبي اليقظان
الأستاذ محمد الهادي الحسني (جريدة البصائر) 275
?- القرارة تتذكر عميد الصحافة الوطنية ...
عبد المجيد رمضان (جريدة اليوم) 280
4- عيد لإعلامي مغمور .. غاب عنه الإعلاميون .. !
مهدي خليلي (جريدة الواحة) 286
محتويات الكتاب 293 (1/294)