صفحة 1
الكتاب: محاضرات البكري في العلم والعلماء إعداد مصطفى باجو
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] الشيخ عبد الرحمن بن عمر بكلي
محاضرات البِكري
في
العلم والعلماء
إعداد وتقديم وتخريج
د. مصطفى صالح باجو
نشر جمعية النهضة
العطف- غرداية - الجزائر
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
{ إنما يخشى الله من عباده العلماء }
من فضل الله على أمة الإسلام أن كانت { اقرأ } أول آية نزلت على الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، جاءت صريحة قوية تأمره برفع لواء العلم، لأنها مفتاح الخزائن، وأساس المدائن، فبالعلم قامت حجة الله على الخلق، { فاعلم أنه لا إله إلا الله } [سورة محمد:19].
وكانت { اقرأ } منطلق المسيرة، وشراع السفينة، فسار المصطفى على هديها، يدعو إلى العلم وينشر نوره في أوساط الناس. وعلى سَنَنه مضى خلفاؤه من حملة أمانة التبليغ، وروادِ مسيرة التنوير. فقامت سوق العلم رائجة في بلاد المسلمين، وأقبل الناس على درره متلهفين ، وسطعت نجوم أعلام كانوا معالم هدى في دياجير الجهالات، وسفن نجاة في محيط متلاطم الأمواج.
وفي تراث المسلمين صفحات ناصعة حوت مقامات ومواقف خالدة، تقديرا للعلم وتكريما لأهله، تأسِّيًا بتعاليم القرآن وهَدي الرسول عليه السلام. وحُقّ للأجيال أن تذكر تلك المواقف باعتزاز، وتسجلها بماء الذهب، ولا عجب، فالعلماء أهل لذلك، أَوَلَيْسوا أدرى الخلق بجلال رب العالمين، إذ كانوا في صدارة المؤمنين الخاشعين، { إنما يخشى الله من عباده العلماء } [ سورة فاطر، آية:28].
لمثل هذه الغاية السامية حث العلماء أمتهم على الاهتمام بالعلم تحصيلا، وبأهله إجلالا وتوقيرا، وتركوا لنا تراثا زاخرا، في فضل العلم ومقام العلماء. (1/1)
صفحة 2
من بين هؤلاء الأعلام، الشيخ عبد الرحمن بن عمر بكَلّي، الذي أعطى لدينه وأمته ووطنه عصارة فكره، وسلافة عمره، فكان عالما عاملا، ومجاهدا مخلصا، ووطنيا وفيا، عاش زمنا عصيبا مُنِي فيه وطنه بالنكبات القاصمة، استعمارا قام على الاستغلال والاستعباد، وجهلا قاتلا أعمى البصائر وأضل العقول عن الرشاد، وفقرا مدقعا شل الحياة وأنهك العباد.
قام الشيخ لمجابهة هذا الثالوث، فقضى حياته في خدمة الصالح العام، نشرا للعلم وأنواره، وبناء للمدارس والمساجد، وتربية للأجيال على هدى القرآن. يرشد الضال، ويرد الشَّرود إلى الحوض المورود، حتى لبّى داعي الرحمن، تاركا لنا سفرا خالدا من جهاده، وأسفارا ثرية من يراعه ومداده.
أجل، فقد أغنى الشيخ عبد الرحمن، عليه شآبيب الرضوان، المكتبةَ الإسلامية بكنوز ما خطت يمينه في مجال الفقه والأدب والتاريخ، وإن ظلّ معظم تراثه في مطاوي الظل، لم ير نور الطباعة بعدُ، ثم نشطت مساعي أنجاله –وقد مسّت الحاجة إلى التعرف على جهاده- إلى نشر ما أمكن من هذه الكنوز. وبين أيدينا اليوم هذا الفصل مما كتب، وهو غيض من فيض، كان الشيخ قد أعده ليُنشر ضمن رسائله التي اختار لها عنوان "جمهرة رسائل البكري" واستنسخها في كراسات مستقلة بلغت ثماني كراريس، خصص الثامنة منها للمحاضرات، وجعل اسمها "محاضرات البكري".
تتمحور هذه المحاضرات حول العلم والعلماء، استنهاضا للأمة أن تقتحم غماره، وبيانا لدوره وخطره في تقرير مصائر الأمم والشعوب، وتجلية لمقام بعض علماء الأمة النابهين، أمثال القطب المجتهد الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش، والصحافي الرائد الشيخ إبراهيم أبو اليقظان، والإمام المصلح الشيخ إبراهيم بيوض. ويتصدر قافلةَ العلماءَ سيدُنا محمد - صلى الله عليه وسلم - ، الذي صدق فيه وصف البوصيري:
يا أيها الأمّيّ حسبك ... رتبة ... في العلم أن دانت ... لك العلماء. (1/2)
صفحة 3
وفي ذكرى مولده يلفت الشيخ البكري نظر الأمة إلى مكامن السمو والخلق العظيم في شخصية الرسول الكريم، والحكمة من بعض أحداث سيرته الزكية.
تطوف بنا هذه المحاضرات في رياض العلم والعلماء، وفي مغانيها نقضي ساعات تزيد المؤمنين إيمانا، وتعرّف الجيل بجهاد الآباء، تستثير فيهم مكامن التشبه والاقتداء بهؤلاء العظماء، ممن وهبوا الأمة عمرهم، ونذروا لله حياتهم، وسعوا لرفع راية العلم، ونشر نوره بين الناس، تعليما للجاهل، وتنبيها للغافل، وإرشادا للحائر، وتنويرا للبصائر، حتى أفلح مسعاهم ونالوا مبتغاهم من الحياة، وأوصلوا مركب الأمة إلى مرفإ الأمن والنجاة، ولم ينتظروا جزاء من أحد إلا رضوان الله والفوز بالجنات. وتلك -لعَمرُ الحق- أسمى الأماني وأعظم الغايات.
أما عملنا في هذه المحاضرات فهو إخراجها في ثوب قشيب، يحبب عرضها للقراء، تنسيقا وتوثيقا، إضافة إلى تخريج ما ورد في ثناياها من الآيات والأحاديث، وعزو ما أمكن من الأقوال والأشعار إلى أصحابها، وما لم نهتد إلى قائله تركناه، مع شرح ما يقتضيه المقام من غريب الألفاظ، وإن كان جل ما فيها غني عن البيان.
والله نسأل أن يثيب شيخنا البكري عن جهاده في سبيل الدين والعلم، ويخلد له ذكرا عاطرا، وأجرا غير ممنون، بما سطر من أعلاق نفيسة في شتى الفنون. ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
د. مصطفى صالح باجو
قسنطينة، الخميس، الفاتح من ذي القعدة 1422هـ / الموافق لـ 14 فبراير 2002م
بسم الله الرحمن الرحيم
ذكرى مولد الرسول - صلى الله عليه وسلم -
محمد ما أحلى شمائله ... وما ألـ ... ـذّ حديثا فيه ... ذكر محمد
محمد كل الحسن ... من بعض حسنه ... وما حسن كل الحسن ... غير محمد (1/3)
صفحة 4
حياة الرسول الأعظم سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - نظام عال للبشر جمّ الأسرار، حافل بالعبر؛ لو وقف الناس على كنه ما اشتمل عليه من مزايا وحكم، وما احتواه من أنفاس عالية ومبادئ سامية، وما يهدي إليه من تعاليم بديعة وأخلاق رفيعة، لانفتح أمامهم باب السعادة على مصراعيه، ولعاشوا عيشة راضية تصفو بها الدنيا وتخلص بها الأخرى، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
لكن أبناء هذا الرسول الكريم أضاعوا ذلك التراث المقدس، وأشاحوا بوجهوهم عما فيه من نظم مفيدة وسيرة حميدة وسياسة رشيدة، فاشتغلوا بالسفاسف والقشور، واستهوتهم زخارف النظم الوضعية وبهرجتها، ومألوف العادات الفتاكة جراثيمُها بالنظم السليمة، فحُرموا التمتع بنعمة الإسلام، والاستضاءة بنور خير الأنام.
ترى كثيرا من الأجانب الذين جاؤوا من بعد سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - ، ممن يدّعون العظمة ويحلمون بالخلود، ينسبون إليهم نظريات و ينتحلون سننا ونظما، على أنهم انتهجوها ولم يسبقهم إليها سابق، لكننا إذا أمعنّا النظر قليلا، وتتبعنا دستورنا الخالد "القرآن"، وتعمقنا في فهم أسراره، وفحصناه على ضوء العلم الصحيح، لاتضح لدينا أن ما ادعاه أحد أولئك إنما هو الإسلام من جملة نتاجه، ودرة غالية سُرقت من تاجه.
ثم إذا درسنا سيرة نبينا العظيم، وتدبرنا حياته الخالدة وما فيها من إصلاح عام وتشريع ونظام، تحصحص لدينا أن كل إصلاح بعده إنما هو شعاع من أشعة شمسه الوهاجة. تلك الشمس التي أطلعها الله على هذا العالم فمحا بها آية الظلم والفساد، وطهّر بها الأرض من أمراض المجتمع المسود يومئذ بالقهر والاستبداد.
إنما هو قبس من قرآننا الساطع الذي أضاء على الدنيا قرونا بين ذلك كثيرا، ثم لا يزال يضيء عليها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين. (1/4)
صفحة 5
وكان من أبناء الإسلام الجغرافيين الذين يزعمون أنهم على شيء من الثقافة العلمية يصدق ذلك الغرّ في نسبة مزايا الإسلام إليه، لجهلهم بتاريخ عظمائه، وفي مقدمتهم سيد العظماء ومنقذ البشرية جمعاء، سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - .
ولو استنطق أحد هؤلاء الغافلين حياة رسوله الكريم لصرخت في وجهه ناقته:
بذلنا له الأموال ... من جل مالنا ... وأنفسنا عند الوغى ... والتآسيا
عنّي خذوا ... وبي اقتدوا وليَ اسمعوا ... وتحدثوا بعجائبي ... بين الورى (1)
أو استكنه كتابه المجيد لأهاب به ساخطا:
بذلنا له الأموال ... من جل مالنا ... وأنفسنا عند الوغى ... والتآسيا
نعادي ... الذي عادى من الناس كلهم ... جميعا ... وإن كان الحبيب المصافيا
فدع كل صوت ... غير صوتي فإنني ... أنا الصائح الحاكي ... وغيري هو الصدى (2)
ولو خالطت بشاشة الإسلام قلبه، وامتزج بلحمه ودمه، لانبعث من أعماق نفسه صوت الداعي يهتف به صائحا:
"إن لكل عظمة شوهدت آثارها في العصر الحاضر إنما هي من فيض عظمتي، وإن كل رقيّ قام في ناحية من الأرض إنما هو جدول من علمي الزخار!
فلولاي ما ازدهرت هذه المدنيات شرقا ومغربا، ولولاي لانمحت الإنسانية من هذا الكون، وأنت خبير أن كونا بلا إنسانية جثة هامدة، وهيكل أجوف.
ولولاي ما قام للعدل في هذا الوجود بنيان، ووجود لم يقم على أساس المعدلة جحيم أرضي لا يعيش فيه العاقل إلا معذبا.
__________
(1) – البيت لابن الفارض من قصيدة مطلعها:
زدني بفرط الحب فيك تحيُّرا ... ... وارحم حشى بلظى هواك تسعَّرا.
ونص البيت هو:
عنّي خذوا وبيَ اقتدوا وليَ اسمعوا ... وتحدثوا بصبابتي بين الورى
(2) – البيت لأبي الطيب لمتنبي من قصيدته الشهيرة في مدح سيف الدولة الحمداني، ومطلعها:
لكل امرئ من دهره ما تعوّدا ... ... وعادات سيف الدولة الطعن في العدا.
ونص البيت في ديوانه:
ودع كل صوت غير صوتي فإنني ... ... أنا الصادح المحكيّ والآخر الصدى. (1/5)
صفحة 6
ولولاي ما عرف المجتمع البشري إخاء ولا ألفة، ومجتمع لا تقوم دعائمه على الإخاء والألفة سجن مزخرف وقبر مجصص.
ولولاي ما أطلق العقل من إساره ولكان أشقى الناس في هذه الدنيا عقلاؤها.
ولولاي ما قام للعلم سلطان، ولا نَفَقَت للمعرفة سوق.
فأنا الذي أنهجت الطريق لاحبًا للسالكين، وقهرت بحجة جيوشه الباطل والمبطلين.
أنا الذي تحطمت على صخوره الصلبة شبههم الباطلة، وبددت أشعتي الوهاجة غيوم أهوائهم وأوهامهم الكثيفة، حتى عادت سماء الحق صاحية، ترى بأفقها المبين الحقائق بادية واضحة للناظرين.
وعليه، فمن أراد السعادة فليطبها مني، أو حياة فلْيَسْتَقِها من ينبوعي.
يعرف ذلك كل من أوتي عقلا راسخا ونفسا نزيهة لم يدنسها تعصب مذموم، ولا أسقمتها المنافسة الممقوتة.
ولقد حَمَلَتْ محاسني كثيرا ممن لم تنشأ آباؤهم في أحضاني على التشريف باعتناقي، والتصريح بالموجب الذي أثّر فيهم وأقنعهم بصلوحيتي معاشًا ومعادًا.
ففاخِرْ بمحاسني ياابن الإسلام، واذكرها ولا تكن من الغافلين!!
يشهد لذلك ما ورد في مذكرة لعالمة أوروبية أدّاها بحثها النزيه إلى أن الإسلام هو الدين الحق الذي يجب على كل عاقل عاشق للفضيلة راغب في السعادة، نزّاع إلى السمو أن يتحلى به ويشدّ به يديه.
وبعد أن شرحت هذه السيدة النبيلة أسباب الشقاء والتفرقة التي نالت الناس من جرّاء الكنيسة طيلة قرون عديدة إلى أن قضى على سلطانها ملك فرنسا، لويس الرابع عشر، إذ طارد الهجنوت مطاردة قضت على 200 ألف منهم بالغربة والتشتيت، قالت تلك السيدة العالمة التي أشرقت على قلبها شمس الهداية:
«ولقد حدا بي من كل ذلك (الإشارة إلى ظلم الكنيسة) إلى الظن بأن كل الأديان في هذا سواء، إلا أني تحققت بعد أن اعتنقت الدين الإسلامي أنه خير الأديان وأمتنها أساسا وبنيانا. وأنه دين الاجتماع، دين الحكمة والفلسفة، دين العلم، دين الحرية والإخاء والمساواة. (1/6)
صفحة 7
وإني على يقين الآن أن أمثال "فولتير" و"روسو" وغيرهم من قادة الفكر في أروبا لم يأتوا بنظرياتهم الفلسفية وآرائهم في الحرية والديمقراطية إلا بعد أن تشبعوا بفلسفة الإسلام واستقوا تلك المبادئ من روحه السامية، مما عثروا عليه في بطون الكتب المنهوبة من الأندلس ومصر وغيرها. وإني أتنبأ بأنه سيأتي يوم قريب تنبلج فيه أنوار هذا الدين وأسراره العالية، فتكون أوروبا وأمريكا أول من يبادر إلى اعتناقه هاشّين باشّين.
يزعمون أنه دين الجمود، وساعدهم على ذلك نفر من بنيه، ولكن أسائلهم: هل دين الجمود يأمر بالحرية والمساواة، ويقرر مبدأ مسؤولية الحاكم فيه، والمشورة ونشر الديموقراطية؟.
أوَليس عمر أول حاكم ديموقراطي أسس ملكه على العدالة ونادى بالحرية والمساواة؟
أوليس هو القائل: "ياعمرو، متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟" (1) .
أوليس هو أول من قرر مبدأ مسؤولية الحاكم أمام الأمة، حين وقف قائلا: "من رأى فيّ اعوجاجا فليقوّمه"؟. فيجيبه العربي "لو رأينا فيك اعوجاجا لقومناه بحد السيوف!!!
أوليس القرآن أول دستور نظام قرر المشورة؟. قال تعالى: { وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ } (2) . وعدم استئثار الحاكم أو الزعيم بالرأي؟
أوليس الإسلام أول من قرر مبدأ انتخاب الحاكم أو الأمير؟ ذلك أن سيدنا محمدا - صلى الله عليه وسلم - لم يوص بالخلافة لأحد من أصحابه؟
أوليس القانون المدني صورة محوّرة من نظم الشريعة الإسلامية وفلسفة ابن رشد؟
والأدلة على ذلك كثيرة، ليس هذا الموضوع محلا لذكرها. اهـ.»
__________
(1) – علق الشيخ بكلي هنا قائلا: الكلمة لأبي بكر لا لعمر. والخطب سهل، فكلاهما لسان الشرع الناطق.
(2) – سورة آل عمران، آية: 159. (1/7)
صفحة 8
هذا وقد حدا بي إلى طرق هذا الموضوع ما أراه من واجب التبشير بهذا الدين العظيم الذي جاء به سيدنا محمد، ونشر محاسنه احتسابا بين بنيه وغيرهم في كل مناسبة، حتى تنطبع نفوسهم بطابعه. لا سيما في ذكرى مولده - صلى الله عليه وسلم - ، أنسب مناسبة للقيام بهذه الدّعوَة المباركة، والإشادة بهذا النبي العظيم، الذي أطلعه الله شمسا مشرقة في سماء العالم، ترسل أشعتها المضيئة، فتنير ما احلولك من زواياه.
أجل، لا يعزب عني ولا عن أحد الباحثين العقلاء أن حياة الرسول - صلى الله عليه وسلم - بحر لجّيٌّ طام عجاجه، زخّار تياره، مترامية أطرافه، متنائية سواحله، بعيد غوره، خطير مسبحه. وإن من يحاول الأخذ بتلابيبها ولمّها من أطرافها، واستخراج كنوزها، كان كمن يحاول قطع الأقيانوس سباحة، وهيهات هيهات لسابح أن ينجح في محاولته، وإن بلغ الغاية!!، ولكاتب أن يحيط بجوانب النفس المحمدية، وإن قيل إنه النهاية.
وإذا كان اللائق بالسابح إن أراد نجاحا أن يرتاد شاطئا من شواطئه، فأجدر بالكاتب إذا أراد أن يكتب عن سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - أن يختار ناحية من نواحي حياته، فذاك أرجى له في نيل مراده وتحقيق غايته.
وبعد.
فإني ملقٍ دلوي مع الدلاء ومشارك في نشر الهداية المحمدية، والإشادة بهذا الرسول الكريم، رغم عجزي وجهلي الفاضح، وهيهات أن يتأتي مدح محمد حق مدحه، ولو من ناحية واحدة، هيهات!
ما إن مدحت محمدا ... بمقالتي ... لكن مدحت ... مقالتي بمحمد (1)
وشفيعي لدى القراء الكرام صفاء السريرة وحسن القصد، ثم إني بعد أن أقدم خلاصة في حياته العامة، أتناول موقفا من مواقفه التي قلّ عنه كلام المؤرخين وغفلوا عن استنطاق جزئياته، والقرائن الحافة به كخاتمة لتلك الخلاصة.
__________
(1) – البيت لحسان بن ثابت في مدح النبي صلى الله عليه وسلم، انظر: المثل السائر،ج2 ص 357. (1/8)
صفحة 9
أما الموقف في بعوثه وغزواته، قبل غزوة بدر الكبرى التي تُعدّ بحق أول صراع بين الحق والباطل، وأول انتصار للتوحيد على الشرك، ما ذا ينوي منها؟ هل هو إعلان الحرب على قريش والانتصاف منها؟ أم له غرض آخر غير سفك دمائهم وغنيمة أموالهم؟ وهل تحقق؟
ذلك ما سنشرحه وعسى أن يجد فيه حضرة القارئ الكريم درسا بليغا يرينا كيف يكون القائد الحكيم الذي يريد أن لا يخفق في محاولاته ولا ينتقض عليه أمره، قبل أن يأخذ أهبته ويتم تجهيزه واستعداداته، ويحصن مراكزه. ويطلعنا من جهة أخرى على ما لسيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - من المهارة الحربية. كيف لا والوحي يواكب خطواته، في حله وترحاله، وأساليب الكلام التي يلقي بها الرعب في قلوب أعدائه، فيفاجئهم بأسلحته المعنوية قبل أن يداهمهم بجيوشه الحسية. ثم لا غرو أن يقول وهو أصدق قائل: «نصرت بالرعب فهو يمشي أمامي شهرا» (1) .
سيدنا محمد
خلق الله حبيبه ورسوله محمدا - صلى الله عليه وسلم - من طينة زكية، وعنصر طاهر كريم، فجعله في أشرف نسب، متحدر من سلالة أنبياء أطهار وآباء أبرار، سلالة إسماعيل وضئضئ عدنان، وفي أعز قبيلة عرفها العرب وأمجدها، قبيلة قريش التي سادت العرب روحيا واقتصاديا.
__________
(1) – نص الحديث عند البخاري: عن «جَابِر بْن عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ وَجُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلاةُ فَلْيُصَلِّ وَأُحِلَّتْ لِي الْمَغَانِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً» البخاري، كتاب التيمم، باب قوله تعالى: فلم تجدوا ماء فتيمموا، حديث رقم328. (1/9)
صفحة 10
أما روحيا فلأنها كانت تحكم الحرم، منطقة الأمن والسلام عند العرب، وكانت بيدها سدانة البيت الذي جعله الله مثابة للناس وأمنًا. يؤمن بقداسته العرب على اختلاف قبائلها وبطونها، تهوي إليه الأفئدة ويأتونه رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق.
وأما اقتصاديا، فلمكانة مكة التجارية وكونها قلب الجزيرة العربية، توزع دماء الحياة على سائر أطرافها.
أجل لقد جعله الله من قريش في ذؤابتها في أشرف بيت انتهت إليه رئاستها، بيت هاشم الذي هشم الثريد وأهل مكة في السنين العجاف. فأنىّ التفتّ تجدْ شرفا باذخا ونسا معرفا، وسؤددا سامقا، وسموًّا متناهيا.
هو البحرمن أي ... النواحي أتيته ... فلجّته المعروف ... والجود ساحله (1)
خلقه الله على أكمل الأوصاف وأسماها وعصم نفسه الكريمة مما تدنست به نفوس أهل عصره وأرشده بفطرته السليمة إلى إدراك ما عمي على أبناء جيله،كبيرهم وصغيرهم، عالمهم وجاهلهم، غنيهم وفقيرهم، شريفهم ووضيعهم، تهيئة له - صلى الله عليه وسلم - أن يكون قائد الإنسانية إلى حيث سعادتها الأبدية. ومنقذ هذا العالم الذي يتسكع في مهامه الحيرة والضلال من الويلات والشرور، بما يهيئه على يديه من أسباب النجاة، ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه، ويهديهم إلى صراط مستقيم.
يتيم براه الله ... من نفحاته ... ورحمته، إن الكمال ... يتيم
يتمه وأميته وفقره
__________
(1) – البيت لأبي تمام في مدح المعتصم، ديوان المتنبي، ص5.
وانظر للتوسع أيضا: المستطرف من كل فن مستظرف، الأبشهلي، ج1، ص366-367 (1/10)
صفحة 11
نشأ - صلى الله عليه وسلم - يتيما أميا فقيرا، ليكون أجلى مظهر من مظاهر عظمة الله وقدرته في هذا الكون المظلم. وشاء ربك أن يصك باليتيم الأمي الفقير هذا الإنسان الذي خلقه من ماء مهين، فإذا هو خصيم مبين ليوقظه من سكرة غروره ويكفكف من غلوائه ويخفف من طيشه ونزقه. ذلك أن اليتم والأمية والفقر ليس من شأنها أن تنتج قوة وعظمة تقلب كيان العالم وتغيّر مجرى تاريخه، بل هي في الحقيقة من أسباب الضعف والانهضام. لهذا كان الإعجاز سمة محمد في كل مظاهره، حتى في يتمه وفقره وأميته. ولهذا كانت النفوس بما تمّ على يديه أعجب وأغرب، والألباب به أخلب وأسلب، مما لو صدر ذلك ممن تربى في أحضان النعيم وترعرع في حجر أب كريم.
أجل، أنشأه كذلك ليكون من أول ظهوره ملقنا للعقول الالتفات نحو الله تعالى، وملهما إياها أن المربي الحقيقي والكفيل هو الله، دون سواه، كذلك فعل ربك ليشهد العالم أن العز ليس بالآباء والأجداد، وأن السعد ليس بالثراء والمال، إنما ذلك فضل من الله يؤتيه من يشاء. ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم - : «أدبني ربي فأحسن تأديبي» (1) .
الله أكبر من أن ... تستعد له ... بحيلة أو ترجّي ... دونه سببا
وإذا اصطفاك ... لأمر هيَّأتْك له ... يد العناية حتى ... تبلغ الأرَبا (2)
__________
(1) – روي هذا الحديث عن سفيان الثوري عن الأعمش عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله أدبني فأحسن أدبي ثم أمرني بمكارم الأخلاق فقال خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين .قال الزركشي حديث أدبني ربي فأحسن تأديبي معناه صحيح لكنه لم يأت من طريق صحيح وذكره ابن الجوزي في الواهيات عن علي في ذيل حديث وضعفه.
انظر: المناوي، فيض القدير، ج1، ص225.
(2) – لم أعثر على قائل هذين البيتين. (1/11)
صفحة 12
ولئن تركه أبوه جنينا في بطن أمه ورغبت عنه حليمة السعدية، وسائر المرضعات السعديات ليتمه وفقره، فما ودّعه ربه وما قلاه، وما أهمله ولا احتواه، بل حرم على حليمة الرضعاء فكانت رغم اختيارها ظئرًا لسيد العالمين.
غمر الله بحبه قلب جده الشيخ، فأنزله منزلة أبيه، بل جعل لحبيبه في كل قلب محبة، وفي كل نفس انعطافًا، فهي تحبه ولا تدري سببا لمحبته، وتعطف عليه وهي تجهل لماذا تعطف عليه، ويحدبون وهم لا يشعرون.
على أن الفقير هو فقير الوجدان والضمير، فقير العقل والإحساس، لا فقير المال والحطام الفاني. وإن اليتيم من فقد أصغريه لا من خسر أبويه. ومن حرم من نفسه الاستعداد، وضرب بينه وبين السعادة بالاسداد. أما من يتمتع بأوفر حظ من ذلك كحبيبه محمد - صلى الله عليه وسلم - ، أما من شمله الله برعايته وأحاطه بعنايته فلا يخاف يُتْمًا ولا فقرًا.
كان من عناية الله بعبده وصفيه محمد - صلى الله عليه وسلم - أن رأى عبد المطلب في حفيده خلفا عن عزيزه عبد الله، الذي هصرت يد المنون غصن شبابه، ولما يتملَّ منه نظرا. فلوعة عبد الله التي ظت تحز بقلب الشيخ قد انقلبت عطفا غضا طريا، وحنانا على الحفيد. حتى كان المعنيَّ دون سواه بقول الشاعر:
أحفادنا من وُلدِنا ... أحبُّ ... فالوُلْد قشر، والحفيد ... اللبُّ (1)
نشأته - صلى الله عليه وسلم -
ما كاد يتفتق لسانه بالكلام وتنطلق بالسير قدماه حتى لاحت على محياه مخائل الذكاء والنجابة، وسمو النفس والقناعة يشعّان من طلعته المشرقة، وقد قصت علينا السيرة النبوية من ذلك الشيء الكثير. وكلما تقدمت به السن تمكنت من نفسه معالي الصفات فضلَ تمكُّنٍ، وزادت نورانية وإشعاعا حتى انقطت النسبة بينه وبين أترابه، وأصبح كالكوكب الدريّ يرسل أسلاكه الفضية وسط ظلام الجاهلية الدامس، دون أن يغيب عن أعين الناظرين.
__________
(1) – لم أعثر على قائله. (1/12)
صفحة 13
ثم ما كاد ييفع حتى ظهرت دلائل العظمة والعزة على مولودنا الكريم بارزة واضحة، وعرف فيه بحيرا الراهب ذلك المنقذ الذي ترجوه الإنسانية المعذبة، لينشلها (1) من وهدة الهمجية والعسف، وذلك المربّي الحكيم بسموّ أخلاقه الذي ينتظره العالم على أحر من الجمر، ليقوّم أوده ويحمله على الجادة، ينتظره ليشيد للكمال البشري دولة تخضع لسلطانها، دولة المال والجاه والغرور. لهذا أوصى عمه أن يتوارى به عن أعين اليهود، شرّاد الآفاق وطريدي الأمم، حتى لا تُفجَع الإنسانية في وحيدها، وحتى لا ترزأ العظمة في وليدها. فما كان من عمه الذي يحبه حبا دونه العبادة، إلا أن رجع به من الشام خيفة الأعداء عليه، "والمحب لا أبالك شفوق".
ثم كلّما خطا في الحياة خطوة إلا وأرانا منه ما يزيد في نباهة شأنه وإشراقة مستقبله.
ثم، فبينما تراه يعتمد على نفسه وصون ماء محياه بكده وعمله، وينهج السبيل أمام اليتامى بعده، ويفضل أن يرعى غنما لقريش على قراريط، ولا يكون كلاًّ ولا عالة على غيره، ولو كان عمه ومن لا يثقل عليه حمله وهمّه، إذا بنا نراه عاملا يشق بتجارته طول البلاد وعرضها، ساعيا كادحا ممثلا دور التاجر النشيط العفيف، والشريك المخلص الوفي، فكان حقًّا على كل مخلص أن يلقّبه بسيد العصاميين.
حياته قبل الرسالة
بينما هو كذلك إذا بنا نراه حكَمًا عدلا يحصّن بحصافة عقله، وأصالة رأيه دماء أشرف أهلها على إراقتها، ويبدي في ذلك الموقف الحرج حنكة ومهارة ينبئان عن مستقبل باهر وشأن عظيم، وأدب عال يستمد فيوضاته من لدن حكيم خبير.
__________
(1) – جاء في لسان العرب: نَشَل الشيء يَنْشُله نَشْلاً: أَسرع نَزْعَه. و نَشَلَ اللحم يَنْشُله و يَنْشِله نَشْلاً و أَنْشَله: أَخرجه من القِدْر بيده من غير مِغْرفة. ولحم نَشِيل: مُنْتَشَل. ويقال: انْتَشَلْت من القدر نَشِيلاً فأَكلتُه. نَشَلْت اللحمَ من القدر أَنْشُله، بالضم، و انْتَشَلْته إِذا انتزَعته منها. (1/13)
صفحة 14
ثم لا يلبث التاريخ أن يعرف فيه ذلك الزوج الرقيق الشعور، القوي الإحساس، المشبوب العاطفة، الضحوك السر، الذي يغمر الأسرة ببشره، بدماثة أخلاقه وكريم عشرته وألفته. ولا عجب، وهو القائل: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي» (1) .
وأن يعرف فيه بعد ذلك الأب الشفوق الذي يرحم ضعف الأنثى التي قضت عليها وحشية الجاهلية وظلم الشرك بالوأد، ويحرر الولد الذي قضي عليه وهم الخرافات وقساوة الوثنية أن يقدّم كيسه قربانا للأوثان التي لا تنفع ولا تضر. فيسنّ بإنسانيته الكاملة أسباب سعادة الأسرة وينقذ من براثن الموت شريكة الرجل وقسيمه، بل شطر العالم بأكمله.
وبالجملة فقد خصه الله بلطفه في وسط هو منبع كفر وفساد، ومستنقع أوهام وخرافات، وأتون حروب ومشاجرات، فلم يقع فيما وقع فيه غيره، لم يسجد لصنم قط، ولا أكل من قرابينها، ولا شهد لها عيدًا، ولا حضر مجلس لهو، ولا أتى فاحشة، إلى غير ذلك من المفاسد التي عمّ ضررها واستشرت عدواها، بل أدبه ربه فأحسن تأديبه، فكان بما حباه به مولاه من خلق عظيم، وطبع سليم، مثلا أعلى للكمال البشري. أرضاهم أمانةً، وأرجحهم عقلا، وأسلمهم فطرة، وأعفّهم نفسًا، وأنزههم حكما، وأمضاهم إرادة، وأكثرهم تفكيرا، وأجمعهم لمعالي الصفات، حتى لقبه قومه بالأمين، صلى الله عليه وسلم وعلى آله أجمعين.
وأحسن منك ... لم تر قط عين ... وأكمل منك ... لم تلد النساء
خلقت مبرءًا ... من كل عيب ... كأنك قد خلقت ... كما تشاء (2)
رسالته وتأثيرها العجيب
__________
(1) – أخرجه الترمذي، كتاب المناقب عن رسول الله، باب فضل أزواج النبي، حديث رقم3895.
(2) – البوصيري، الهمزية في مدح خير البرية. (1/14)
صفحة 15
أرسل الله محمدا - صلى الله عليه وسلم - والعالم أجمع في تطاحن وتناحر، أسير العسف والرهبوت، وقتيل الظلم والجبروت، يرزح تحت أثقاله وأوزاره، ويتشحّط في دمائه، والجزيرة العربية على الأخص مشتتة الأهواء والآراء، ومختلفة المنازع والميول، فمن يهودية محرفة، إلى نصرانية مزيفة، إلى صابئة منحرفة، إلى وثنية خرافية، إلى عبادة الكواكب والملائكة وغيرها.
جاء - صلى الله عليه وسلم - والجماهير في غالب الجزيرة عاكفة على عبادة الأوثان، التي لا تنفع ولا تضر، والنفوس غارقة في بحار الشهوات، مسترسلة وراء الملذات، وفاسد العبادات، يئدون بناتهم ويقتلون أبناءهم سفهًا بغير علم، خوف الفقر والعار. ينكحون بالإرث نساء آبائهم، ويَسْبُون في الحرب عقائل بعضهم، فيصبحن إماءً مَهينات، وإن كن من الشريفات النبيلات. دأبهم الغارة والنهب والفتك، وشنشنتهم البغي والظلم والسفك. هجيراهم المكر والغدر والإفك. يثيرون لأجل ناقة أو غدر في مسابقة حربًا ضروسا تأتي على الأخضر واليابس، ربما استمرت نيرانها مشتعلة ما يربو على جيل من الزمن، كحرب البسوس والداحس والغبراء. يأكلون أموال اليتامى، ويعضلون عن الزواج الأيامى. يمضون أوقاتهم في اللهو والعزف والقصف، ويفنون أموالهم في القمار والخمر والفجور بالمائة والألف. (1/15)
صفحة 16
وبالجملة قد جاءهم والفساد قد شب حريقه في أطراف الجزيرة، والدنيا على قاب قوسين أو أدنى من الدمار والاضمحلال، فانبرى - صلى الله عليه وسلم - انصياعًا لأمر ربه، وشمّر عن ساعد الجد لإصلاح هذا الفساد المتناهي، فدعاهم إلى توحيد الله - عز وجل - وعبادته وحده، وإلى خلع الأوثان والأصنام، التي هي منبع الأوهام والخرافات المنافية للفطرة السليمة، وإلى الاعتقاد بيوم البعث والنشور، وإلى ترك الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وإلى التحلّي بمكارم الأخلاق. فكان سلاحه الحاد في هذه الدّعوَة المباركة الجرئية "القرآن"، وبيانه الساحر، وحججه المقنعة، وأسلوبه الحكيم الأخاذ، وحكمته الرائعة؛ إلى ما أوتيه - صلى الله عليه وسلم - من عذوبة المنطق، ونصاعة التعبير، وذلاقة اللسان، والاقتدار على الإقناع، مع ما أوتي من قوة روحية تأسر النفوس النافرة، ويستنزل طائرَ عنادها بالحكمة والموعظة الحسنة.
ولقد تناول القرآن نواحي المجتمع البشري المتداعي فأفاض القول فيها، وكشف القناع عن مواقع الضعف ومنابع الداء، ببيان شاف هو أبين شرح لما أصبح عليه المجتمع من التدهور والانحطاط. ثم تناول بالتقريع والتشنيع أسارى التقليد الذين عطلوا عقولهم عن التفكير متشبثين بما وجدوا عليه آباءهم، وإن كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون. وأثنى باللائمة على الذين يتعامون عن الحق يجحدونه بعد أن استيقنت به أنفسهم ظلما وعلوًّا، حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق، وبغضًا للإنسانية أن تشرق عليها أنوار الهداية، حذرًا أن يفوتهم شيء من حطام الدنيا، أو يضعف جانب سلطانهم الزائف ونفوذهم الزائل.
هذا، وبعد أن حلل قضايا المجتمع بوجه عام خصّ بعض مسائله الرئيسية كمحاجّة منكري البعث ووثنيي العرب، وكوصف يوم القيامة وأهواله، والجنة والنار، وما في الأولى من عيشة راضية ونعيم سرمدي، وما في الثانية من شقاء وعذاب أليم. (1/16)
صفحة 17
تناول هذه المسائل من نواحيها المتعددة، وأدار الكلام عليها بكيفيات مختلفة، لم يعهد مثلها في الكلام العربي المبين، على ما بلغ من سمو المكانة والمنزلة.
فهو إن وصف جزاء المتقين في دار رضوانه خلت النفوس الحساسة تكاد تثب من بين ضلوعها شوقا إلى النعيم المقيم، وإذا أرسل صواعق التهديد، وشرح آيات الوعيد، وما أعدّ للكفرة المعتدين في دار عذابه، ألفيت النفوس تكاد تزهق من هول المصير، والمرائر توشك أن تنفطر إشفاقا من عذاب السعير. كل ذلك بأسلوب أخاذ جذاب يكاد يذوب رقة، ويقطر نضارة، ويرف رفيف الأزهار في عنفوان الربيع الممرع، وتخاله في حال الغضب بحرا مزبدا جاشت غواربه، واحتدت عاصفته، أو بركان ثارت ثائرته فقذف بالنار والحمم، ولكنه في حالتيه معًا يأخذ بمجامع القلوب ويمتزج بلحم الناطقين بالضاد ودمهم طوعا أو كرهًا.
فهو إن رق نسيم ... نافح ... بشاي الخلد ... وأنفاس النعيم
وإذا ثار فجمر ... لافح ... يستمد الوقد من نار الجحيم
وإن ضرب لمسألة البعث والنشور أمثلة، ووصف يومها الهائل، قهر النفوس المتمردة، وأيقظ الشعور الذي أماتته الغفلة عن التفكير في العاقبة، فأقض مضاجع أسارى التقليد الأعمى، وأقلق أفكار الذين استولى عليهم التعصب الممقوت والانتصار للقديم كيفما كانت صبغته، وأيًّا كانت صفته، فزعزع أركان العقيدة الباطلة، وزلزل بنيان العوائد الفاسدة، فأحدث في الضمائر ثورة عميقة اجتثت منها شجرة الوثنية وغرست مكانها أخلاقا زكية هي إكسير الحياة والسعادة، كالرحمة والعدل والإيثار والوفاء والشجاعة، والعفة والنجدة والرفق في المعاملة، والإحسان إلى الخلق والإخلاص لله في العمل، والإحسان بالوالدين والقرابة والجيران، والتضحية والتواصي بالحق والتواصي بالصبر، إلى غير ذلك. (1/17)
صفحة 18
أو عاب الأوثان والأصنام وسفّه أحلام العاكفين على عبادتها، صوّر لك السفاهة في أبشع صورها، وأراك كيف يرتد الإنسان –الذي شرفه الله بالجوهرة الكريمة- وفضّله على كثير من خلقه تفضيلا- إلى أسفل سافلين، فينحت حجرا أو ينجر خشبا، فيتعامى عن فعله ويعتقد في ذلك الجحر الصلد وتلك الخشبة الجامدة تأثيرا وقوة وسلطانا، ويتقرب إليه بما لا يتقرب به إلا الى الله خالق الموجودات، ورب الأرض والسماوات. وهو يعلم أنه لا يسمع ولا يبصر ولا ينفع ولا يضر، وأنه لم يكن بتلك الحالة إلا بعد أن نُقرت رأسه وقُرعت بالقَدوم، أو ملست وصقلت بالمنجرة.
وإنْ ذَكَرَ نظم العمران وسنن الله في خليقته، وذكّر بأيام الله، وما جرى للأمم الغابرة التي طغت في الأرض فسادًا، فصب الله عليها سوط عذابه، رأيت أولئك الأعراب الرعاة الجفاة الذين كانوا يدسّون بناتهم في التراب مفتخرين ، رقيقي الشعور مرهفي الحس، أحياء الوجدان، يحملون مشعل الرقيّ والحضارة إلى أمم العالم، وينشرون مبادئ العدل والرحمة والإنسانية بين أقوام الأرض ذات الطول والعرض، لا يراقبون إلا الله الذي يعلم منهم ما يخفون وما يعلنون، لا يكاد الواحد منهم يخلو بنفسه ويتفكر في حاله ومآله، حتى تفيض عيناه من خشية الله، فيدفع به الإشفاق إلى استرضاء خالقه وإطفاء غضبه بابتغاء الوسيلة إليه، وسيلة العمل الصالح، والتجافي عن موجبات سخطه ونقمته.
وبالجملة فقد أثر القرآن الكريم أعمق الأثر في نفوس أولئك القساة الذين قال شاعرهم مفتخرا:
لنحن أغلظ أكبادًا من الإبل (1) .
__________
(1) – أورد القرطبي، هذا البيت ولم ينسبه، إذ قال: «ومن ذلك قول الشاعر
يُبكَى علينا ولا نبكي على أحد ... ثم لنحن أغلظ أكبادا من الإبل.
القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج4، ص248. (1/18)
صفحة 19
فأحدث فيهم انقلابا فجائيا ردّد صداه بعض طواغيت قريش، إذ قال: «والله لقد سمعت قولا ما سمعت مثله قط. والله ما هو بالشعر، ولا الكهانة ولا السحر. يا معشر قريش، أطيعوني فاجعلوها لي، خلّوا بين الرجل وبين ما هو فيه، فاعتزِلوه، فوالله ليكونن لكلامه الذي سمعت نبأ عظيم، فإن تصبه العرب فقد كُفِيتُموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم، وعزه عزكم، وكنتم أسعد الناس به، فقالوا له: لقد سحرك محمد يا أبا الوليد بلسانه. فقال: هذا رأيي فيه، فاصنعوا ما بدا لكم» (1) .
__________
(1) – تفصيل القصة: «أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ حم فصلت حتى انتهى إلى السجدة فسجد وعُتبة مصغ يستمع قد اعتمد على يديه من وراء ظهره فلما قطع رسول الله صلى الله عليه وسلم القراءة قال له يا أبا الوليد قد سمعت الذي قرأت عليك فأنت وذاك فانصرف عتبة إلى قريش في ناديها فقالوا والله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي مضى به من عندكم ثم قالوا ما وراءك أبا الوليد قال والله لقد سمعت كلاما من محمد ما سمعت مثله قط والله ما هو بالشعر ولا بالكهانة، فأطيعوني في هذه وأنزلوها بي خلوا محمدا وشأنه واعتزلوه، فو الله ليكونن لما سمعت من كلامه نبأ فإن أصابته العرب كفيتموه بأيدي غيركم وإن كان ملكا أو نبيا كنتم أسعد الناس به لأن ملكه ملككم وشرفه شرفكم فقالوا هيهات سحرك محمد يا أبا الوليد وقال رأيي لكم فاصنعوا ما شئتم» القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج15،ص339. (1/19)
صفحة 20
كيف لا يكون كتاب الله كذلك؟ وقد قرّت شقاشق البلغاء أمام أسلوبه المعجز، بعد أن قرقرت وسكنت فحولهم إذ صال وما هدرت. ذلك أنه سجّل عجزهم على ما كانوا يتباهون به من القدرة على تصريف القول وتشقيق الكلام. فاقتاد الرسول ببلاغته النفوس الأبية النافرة، وأخضع لسلطانه القلوب الكافرة، وداوى به الأفئدة السقيمة، وهدى به الضال إلى الصراط المستقيمة. وبث في الضمائر الخاوية بذور الحياة، ونفخ فيها روح السمو ومعالي الصفات، وقرع بزواجره النفوس المتمردة عن حظيرة مولاها، النابية عن الإصغاء لداعي الهوى، الناكلة عما يسعدها، الجامحة وراء شهواتها، النافرة من ساحة الإنسانية. فجمع بذلك كلمتهم ووحّد ميولهم، وكبح جماحهم، وألان قساوتهم، وقضى على عداواتهم، وعفّى على فاسد عوائدهم، وأزال الفوضى الضاربة أطنابها بمجتمعهم، فأعاد الطمأنينة إلى النفوس، وأذهب الضغائن والأحقاد من الصدور، وأحل الوحدة والنظام والحرية في الجماعات والأُسَر، محل الفرقة والفوضى والاستعباد والأَسْر. فأصبحوا بنعمة الله إخوانا، وعلى إقرار مبادئ الإنسانية على وجه البسيطة أعوانا، متحدين وسيلة وغاية، { لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ() لِيَجْزِيَهُمْ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ } (1) .
__________
(1) – سورة النور، آية: 37-38. (1/20)
صفحة 21
ما كان يستطيع محمد صلى الله عليه وسلم أن يبلغ هذه الغاية بالقرآن لو لم يفسر لهم آياته بسيرته الشريفة، ويحمل نفسه الكريمة على متابعته بدقة وعناية، فكانت سيرته قرآنا صامتا لا سبيل لإنكار إعجازه في النفوس، وإن بلغت من السمو الإنساني شأوا بعيدا، لا يسعها إلا أن تعنو لعظمة محمد - صلى الله عليه وسلم - ، وأن تطئطئ رأسها أمامها إذعانا وتسليما.
أجل لولا ذلك لما أثر في النفوس التأثير الآنف الذكر في مدة وجيزة، الذي زلزل أركان العالم زلزالا شديدا، وتم على يديه في جيل من الزمن أو أقل، ما لم يتم لأعظم دولة من دوله في قرن أو قرون.
صبره وثباته
أما ما لاقاه في سبيل ذلك من جهد وعناء ومشقة وبلاء، فشيء يفوق حد الوصف، ترتعد لفظاعته الفرائص، وتتفتت من وحشيته الأكباد. يكفيك لتتصور شيئا من ذلك أن تعلم أن مرحلته الأولى التي خطت فيه الدّعوَة بعض خطوات متقاربة، دامت ثلاث عشرة سنة كاملة، ظل الرسول وأصحابه أثناءها أهدافا لسهام أعداء الدّعوَة، لا سيما كبراؤهم الذين يرون في انتشار دعوته ضربة قاضية على نفوذهم الوهمي، وفي انتصار مبادئه ذهابا لمكانتهم الزائفة، فأنت تراهم لذلك يبالغون في سد مجاري الحياة، وحجب أنوار الهداية التي رحم الله بها هذا الكون الذي أوشك أن يزول ويضمحل.
أجل، ما انفك هؤلاء الكبراء يؤلبون عليه وعلى أصحابه الزعانف والغوغاء، ويُغرون بهم العبيد والصبيان والرعاء، حتى اشتهرت من بينهم جماعة لُقّبوا بالمستهزئين، لشدة أذاهم وعظيم إضرارهم، منهم أبو جهل عمرو بن هشام المخزومي، وأبيّ بن خلف الجمحي، وأبو لهب عبد العزى بن عبد المطلب عمّ رسول الله، وعقبة بن أبي معيط، والوليد بن المغيرة المخزومي، والعاص بن وائل السهمي، والأسود بن عبد يغوث الزهري، والنضر بن الحارث العبدري، والأسود بن عبد المطلب الأسدي، وغيرهم. (1/21)
صفحة 22
وقد انتقم الله لرسوله والمسلمين منهم، شر انتقام، وجعلهم عبرة لأولي الأبصار، منهم من قُتل يوم بدر كأبي جهل والنضر وعقبة، ومنهم من سلط الله عليهم الأدواء القتالة فأهلكته. وإلى ذلك يشير الإمام البوصيري في همزيته، قال:
فكفاه المستهزئين ... وكم سا ... ء نبيًّا من قومه ... استهزاءُ
ورماهم بدعوة من فناء ... الـ ... بيت فيها ... للظالمين فناء
خمسة كلهم أصيبوا ... بداء ... والردى ... من جنوده الأدواء
فدهى الأسود ... بن مطلب أي ... عمى ... منيت به الأحياء
ودهى الأسود ... بن عبد يغوث ... أن سقاه ... كأس الردى استسقاء
وأصاب الوليد ... خدشة سهم ... قصرت عنها ... الحية الرقطاء
وقضت شوكة ... على مهجة العا ... ص فلله ... البقعة الشوكاء
وعلى الحارث الغيوم ... وقد سا ... ل بها ... رأسه وساء الوعاء
خمسة طهرت ... بقطعهم الأر ... ض، فكف الأذى ... بهم شلاّء (1/22)
صفحة 23
أما الرسول - صلى الله عليه وسلم - فلم ترهبه جعاجع القوم، بل مضى قدما صادعا بأمر ربه كما أوحى إليه، مبلغا رسالته مبشرا ونذيرا، مستعذبا ما يناله في سبيل ذلك، حتى عيل صبرهم، فمشوا إلى عمه أبي طالب مرة ثانية يسألونه –وهو على دينهم- أن يكلم ابن أخيه ليصرف لسانه عنهم، فإنه عاب آلهتهم، وسفّه أحلامهم، وسب آباءهم، وفرق بين جموعهم، وفتن نساءهم ومواليهم. فردّهم أبو طالب ردا جميلا في كلتا المرتين، وفي الثالثة أظهروا له تأثرهم وسخطهم، و صارحوه إن هو توانى ومالأ ابن أخيه ليغضبُّن لشرفهم ولَينتقمُنَّ لآلهتهم وآبائهم، ولَيُنازلُنّه وإياه. وإذ رأى أبو طالب أن الحالة بلغت هذا الحد كلم ابن أخيه أن يكف عن قومه، ولا يكلفه بما لا يطيق. هنالك ثارت ثائرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، وظن أن عمه قد خذله، فقال: «والله لو وضعوا الشمس على يميني والقمر على يساري على أن أترك هذا الأمر ما فعلت حتى يظهره الله أو أهلك دونه» ثم ولّى باكيًا، فقال له عمه أبوطالب: «أقبل يا ابن أخي، فأقبل، فقال له: اذهب وقل ما أحببت، فوالله لا أسلمك» (1) .
ثم إن الرسول - صلى الله عليه وسلم - استرسل في تحقيق غايته غير آبه ولا مكترث بغضب القوم، ولا حافل بما يبدونه ويضمرونه من تهديد ووعيد، واستمر القوم في غوايتهم وإذايتهم، وتسفيه الحق، وإن ضاقوا رغم ذلك وأدركوا أن العنف لا يؤثر في ذوي العزائم الصادقة، والمعاكسة لا تزيد أولى المبادئ الصحيحة إلا مضاء وتشجيعا، ففكروا في إغوائه واستمالته بالحسنى والترضية، فعرضوا عليه أمورا ثلاثة:
1. أن يصيّروه أغنى غنيّ فيهم، إن كان قصده المال.
2. أو أن يملّكوه عليهم، ولا يقطعوا رأيا دونه، بل يكون الحكَم الفصل إن كان غرضه السيطرة والسيادة.
3. أو يداووه إن كان ذلك بمس من الجن، أو أصيب باختلال توازنه العقلي.
__________
(1) – انظر تفاصيل القصة في كتب السيرة، ومنها: تاريخ الطبري، ج1، ص544-545. (1/23)
صفحة 24
أما جواب الرسول عن هذا الاقتراح فلم يزد أن تلا على رسولهم عتبة بن ربيعة العبشمي آيات من أول سورة السجدة، فلما بلغ: { فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ() إِذْ جَاءَتْهُمْ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لأََنزَلَ مَلاَئِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ } (1) . أمسلك بفيه وناشده الرحم أن يكف عن ذلك، لِما يعلم من صدق لهجته. فرجع إلى قومه متخاذل القوى، مزعزع العقيدة، حاسبًا لدعوة محمد حسابها، ولبلاغة القرآن على النفوس سلطانها، طالبًا منهم أن يتركوه وشأنه، لأن أمره ظاهر لا محالة. فقد بهره وقلب كيانه ما سمع مما لم يسمع مثله من بشر، على سعة اطلاعه وروايته للكلام العربي منظومه ومنثوره.
وفي هذا الجواب من الرسول - صلى الله عليه وسلم - سخرية من عقولهم التى لا تنظر إلى الحقائق إلا بالنظر المادي، ولا تسير إلى غايتها إلا بنفوس بهيمية تسوقها الشهوة وتحدو بها الأثرة. قال تعالى: { فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا() ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنْ الْعِلْمِ } (2) .
أجل ما كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يطمح إلى شيء يعود على خصوصيته، وقد خلقه الله رمزا للتضحية والإيثار، وبعثه رحمة للعالمين. أو تحدثه نفسه الكبيرة –التي صقلتها يد العناية- بالتسلط أو السيطرة، وقد أرسله مذكرا لا مسيطرا.
إنما جاء لإقرار مبدإ الفضيلة والمساواة على وجه البسيطة، وبتطهير الأرواح والعروج بها إلى المستوى الملائكي.
إنما جاء لتربية الخلائق بآداب القرآن ونشر السلام والوئام بين الشعوب والقبائل.
__________
(1) – سورة فصلت، آية: 13-14.
(2) – سورة النجم، آية: 29-30. (1/24)
صفحة 25
فلما أخفقوا في هذه المحاولة، واصطكت رُكَبُهم بالثبات على مبدإ الحق والشمم والتنزه عن المقاصد المادية الدنيئة، رأوا أن يلطفوا من مقترحهم، وسألوه أن يشاركوه في عبادته سنة، ويشاركهم في عبادتهم سنة. فأنزل الله قوله: { قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ() لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ() وَلاَ أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ() وَلاَ أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ() وَلاَ أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ() لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ } (1) . فأيسوا أن يجيبهم لما طلبوه من الإشراك بالله.
ثم عرضا عليه أن يحذف من القرآن ما يغيضهم من ذم الأوثان وتسفيه الأحلام، والوعيد الشديد، ويأتي بقرآن غيره، أو يبدله. فأنزل الله جوابا لهم: { قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ } (2) .
ثم إنهم لجؤوا إلى التعجيز واقتراح الآيات التي ظنوها تحديا للرسول - صلى الله عليه وسلم - ، فاجتمعوا وقالوا: يا محمد، إن كنت صادقا فأرنا آية نطلبها منك، وهي أن تشق لنا القمر فرقتين، فأعطاه الله هذه المعجزة، وانشق القمر، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «اشهدوا» (3) . وقد ذكر ذلك في القرآن في قوله تعالى: { اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ } (4) . فحينما رأى المعاندون هذه الآية الكبرى قال بعضهم: لقد سحركم ابن أبي كبشة. فأنزل الله فيهم: { وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ } (5) .
__________
(1) – سورة الكافرون كاملة.
(2) – سورة يونس، آية: 15.
(3) – الحديث أخرجه البخاري، كتاب المناقب، باب سؤال المشركين أن يريهم النبي آية فأراهم انشقاق القمر، حديث رقم:3437.
(4) – سورة القمر، آية: 1.
(5) – سورة القمر، آية: 2. (1/25)
صفحة 26
ثم إنهم سألوا بعد ذلك أيات لا يقصدون بها إلا التعنت والتعجيز، قالوا -كما في سورة الإسراء-: { وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا() أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا() أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلاَئِكَةِ قَبِيلاً() أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ } (1) . ولم يجبهم الله على لسان رسوله إلا بقوله: { قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلاَّ بَشَرًا رَسُولاً } (2) . لأن الله يعلم ما تكنه ضمائرهم من عناد وتعصب، فلا يؤمنون بما تجيئهم من البينات، كما قال جل ذكره في سورة الأنعام، { وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ } (3) . وكيف يرجى الإيمان ممن قالوا: { اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنْ السَّمَاءِ أَوْ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } (4) . ولم يقولوا إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا إليه.
ومن سنة الرسل أنهم إذا رأوا من أقوامهم أن طلبهم الآيات لا للامتناع وإنما هو للعناد والتعجيز، لا يسألونها من الله، مخافة نزول الهلاك بهم. وهذا هو المراد بقوله تعالى في سورة الإسراء: { وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلاَّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ } (5) .
إمعان قريش في العنف والإيذاء
__________
(1) – سورة الإسراء، الآيات: 90-93.
(2) – سورة الإسراء، آية: 93
(3) – سورة الأنعام، آية: 109
(4) – سورة الأنفال، آية: 32.
(5) – سورة الإسراء، آية: 59. (1/26)
صفحة 27
وإذ رأوا هذه المحاولات لا تؤثر في الرسول وأصحابه الذين استيقنت أنفسهم بأن النصر والفوز سيكونان حليفهم في النهاية، وأن الله سيمن على الذين استضعفوا في الأرض ويجعلهم أئمة ويجعلهم الوارثين. قامت قريش عن بكرة أبيها، تحدوها طواغيتها، فأنزلت بهم كل ما في طوقها من ضروب الإذاية والإهانة، والفتنة والاستهزاء، وحرمان الحقوق، والتشريد والتعذيب، حتى اضطر الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يأذن لأصحابه بالهجرة إلى الحبشة مرتين، شفقة ورأفة بهم، وإيمانًا بأن ليل البلاء لا بد أن يعقبه صبح الفرج. وقد قال لهم في المرة الأولى إذ ودّعهم: تفرّقوا فإن الله سيجمعكم!.
هجرة المسلمين إلى الحبشة
على أن قريشا المعتدية أرسلت وراءهم إلى الحبشة رسولين هما عمرو بن العاص، وعمارة بن الوليد، ليفسدوا عليهم قلب النجاشي، وتوسّلوا بالتحف والهدايا إليه وإلى رؤساء مملكته، وطلبَا منه إرجاعهم إلى قومهم، لكن رئيس المهاجرين جعفر بن أبي طالب، أحسن الدفاع عنهم، فربح المعركة، وعاد رسولا قريش بصفقة الخاسر. { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ } (1) .
مقترحهم السخيف
وأخيرا التأم لهم أن يطرقوا المسألة إذ أعوزتهم الوسائل، من ناحية عمه أبي طالب، الذي لا يزال على دينهم. ورجوا منه وهو الأحمس، أن يغضب لعقيدته، فيجيبهم لمقترحهم.
__________
(1) – سورة الأنفال، آية: 36. (1/27)
صفحة 28
ولكن، أتدري ما هو مقترحهم هذه المرة؟ إنه لسخيف. طلبوا منه أن يعطوه أنهد شاب في قريش، عمارة بن الوليد، ليتبناه، فيسلم إليهم ابن أخيه، يقتلونه، وإلا نابذوه هو ومحمد بحرب، بل وبني هاشم أجمعين. بيد أن الله سخر أبا طالب لصيانة حبيبه وحمايته، فأجابهم بقوله: عجبًا لكم، أتعطوني ابنكم لأغذُوه لكم، وأعطيكم ابني تقتلونه؟ إن هذا لشيء عجاب.
مقاطعة بني هاشم وبني المطلب
هنالك فُتَّ في عضدهم، وعلموا أن محمدا أصبح بنجوة منهم، أمنع من عُقاب الجو، ومن لهاة الأسد، لهذا صمموا العزم على العود إلى سياسة الشدة والإرهاب، فعملوا على مقاطعة بني هاشم، ومن انضم إليهم، وإخراجهم من مكة إلى الشِعب. وكتبوا بذلك صحيفة علقوها في الكعبة حتى لا يستطيع أحد بطون قريش أن يخالف. وبالفعل تم اتفاقهم وأخرجوهم وحاصروهم هناك مدة ثلاث سنوات. قطعوا عنهم الإمدادات والأقوات. وحرموهم من حقوقهم المدنية، لا ينكحون ولا ينكحون إليهم، لا يبيعون لا يبتاع منهم شيئ، تضييقًا عليهم أو يسلموا محمدا للقتل.
لكن العناية الإلهية سخّرت لنبيه ذويه مسلمهم وكافرهم، فصبروا معه على هذه الشدة التي لا تطاق، تلك المدة الطويلة، وامتنعوا من تسليمه، وإن كان جلهم على غير دينه، حميةً وعصبيةً، ففضلوا -وهم هم إباءً وأنفة- أن يأكلوا أوراق الشجر حتى تتقرح أشداقهم، ويقابلوا بنحورهم القنا المشتجِر، ولا يخذلون ابنهم، لأن ذلك عندهم عار الدهر، وقاصمة الظهر.
وإذا السعادة لاحظتك ... عيونها ... نم، فالمخاوف ... كلهن أمان
واصطد بها العنقاء ... فهي حبائل ... واقتَدْ بها الجوزاء ... فهي عنان
فكان ثباتهم مع الرسول في هذا الموقف الضنك والامتحان القاسي على اختلاف عقيدتهم من أروع المواقف التي عرفها التاريخ.
اشتدي أزمة تنفرجي (1/28)
صفحة 29
أما الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، فلم يفتأوا صابرين على هذا البلاء المبين، لم تلن قناتهم لغامز، مستصغرين عقاب المخلوق تجاه عقاب الخالق، ومستعذبين تلك المرارة في سبيل الحق وراحة الضمير، واستساغوها. هنالك قيّض الله من رجالات قريش من نقض مبرم الصحيفة، ففك عنهم الحصار، فعادوا إلى ميدان الكفاح والصراع كأول مرة. واستمروا قابضين على دينهم وسط تلك النيران المشتعلة، ما يقبض على الجمر، وعددهم يزداد رغم ذلك، وإن بِبُطء. ولم ينفك الرسول -والأصحابُ حوله- يرفع عقيرته بالدعوة، دعوة القبائل يعرض نفسه عليها حين ترد الموسم، يلتمس منها المعونة على نشر دين الله، والخلاص من الشدة التي طال أمدها، فكان بعضها يرده ردًّا جميلا، وبعضها يشترط لقبول دعوته وإعانته شروطا، يأباها عليها. وبعضها ترده أقبح ردّ، طغيانا وسفهًا، أو خوفا وتزلفا لقريش، إلى أن انبثق له من نيران الأوس والخزرج نور أضاء السبيل للدعوة، فسارت عليه إلى أن بلغت كمالها، وشاء ربك أن يجعل من ذلك الفساد صلاحا، ومن تلك العداوة والفرقة وحدة ووئاما. وهكذا لا يصلح هذا العالم إلا بالفساد الذي فيه. وما ينفع الكبد يُضرّ بالطحال.
بذا قضت الأيام ... ما بين أهلها ... مصائب قوم عند ... قوم فوائد (1/29)
صفحة 30
سنة الله في خلقه، ولن تجد لسنة الله تبديلا، فإن الأوس والخزرج لما أسرفوا في العداوة، وأباد الحديد يوم بُعاث خضراءهم (1) ، دفع حب الانتقام ببعض رؤساء الأوس فقدموا إلى مكة يلتمسون النصرة من قريش القوية، فصادفهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - في مكة، وعرض عليهم الإسلام ونصرته، وأن الإسلام خير رسالة لرفع الكابوس الجاثم على صدورهم، فأوشك بعضهم أن يسلم في تلك اللحظة، لولا أن صرفه بعض رفقائه، فلما كان الموسم القابل جاء نفر من الخزرج فتعرض لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، كعادته، ودعاهم إلى الإسلام ومعاونته في تبليغ رسالة ربه، فقال بعضهم لبعض: إنه النبي المتظر، الذي كانت تعدكم به اليهود، فلا يسبقنكم إليه. فآمنوا به وصدقوه وقالوا له: إنا تركنا قوما بيننا وبينهم من العداوة ما بينهم، فإن يجمعهم الله عليك، فلا رجل أعز منك، ووعوده المقابلة في الموسم القابل، فكانت هذه المقابلة النواة الحية، لم تزل تنمو دِراكًا إلى أن أصبحت يوم العقبة الثانية شجرة مباركة تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، إذ بايعوه على الحماية مما يحمون منه أهاليهم وأولادهم، في السراء والضراء، حال الرخاء والغضب، ولو كلفهم ذلك محاربة الأحمر والأسود.
بايعوه بقلوب ملؤها الغبطة بتلك الصفقة الرابحة، ونفوس تؤمن بحسن المصير. الأمر الذي دفع شاعرهم إلى تصوير هذا الإحساس والشعور الجياش، الذي يملأ نفوسهم. فقال:
ثوى في ... قريش بضع عشرة حجة ... يذكّر لو يلقى ... صديقا مواتيا
ويعرض في كل المواسم ... نفسه ... فلم ير من يودى ... ولم ير داعيا
فلما أتانا أظهر الله ... دينه ... فأصبح مسرورا ... بطيبة راضيا
وألفى صديقا ... واطمأن به الثوى ... وكان له عونا ... من الله باديا
__________
(1) – يوم بُعاث، من أيام العرب المشهورة في يثرب، إذ نشبت حرب بين الأوس والخزرج أتت على رؤسائهم، وأضعفت قوتهم أمام اليهود. وكان ذلك من أسباب مسارعتهم للإسلام، فلم يصدهم كبراؤهم عنه، كما فعلت صناديد قريش مع أتباعها. (1/30)
صفحة 31
يقص لنا ما قال نوح ... لقومه ... وما قال موسى ... إذ أجاب المناديا
فأصبح لا يخشى ... من الناس واحدا ... قريبا، ولا يخشى ... من الناس نائيا
بذلنا له الأموال ... من جل مالنا ... وأنفسنا عند الوغى ... والتآسيا
نعادي ... الذي عادى من الناس كلهم ... جميعا ... وإن كان الحبيب المصافيا
ونعلم أن الله لا رب ... غيره ... وأن كتاب الله ... أصبح هاديا
مؤامرة إجرامية
وإذ أحست قريش الطاغية بهذه الرابطة، استشعرت بانتصار الرسول - صلى الله عليه وسلم - عليها، وإن بعد حين، وتراءى لها من بعيد شبح الخطر الذي ينذر بزوال سلطانها وشيكا، إن لم تقض على هذه الرابطة في مهدها. فقامت وقعدت، وأبرقت وأرعدت، وحاولت حمل الأنصار على استرداد عهدهم ونكث بيعتهم، فما أفلحت، وهيهات هيهات، أن ينقض العبد ما أبرمه الرب. فمغالب الله مغلوب، ومحاربه لا محالة محروب.
فلم يسعها أزاء هذه الصدمة القاسية التي أفقدتها وعيها، وأيئستها من نجاحها إلا أن تعمد إلى أخس أنواع المقاومة فترتكبها، شأن الأراذل الأدنياء، في كل عصر، إذا قهرتهم الحجة وأعوزهم البرهان، ودمغهم الحق، نصبت حبائل المكر والكيد، ودبرت مؤامرة خبيثة غرضها اغتيال الرسول - صلى الله عليه وسلم - . وقد ألزم من تولّى كبرها كل بطن من بطون قريش أن يسهم بشاب نهد من شبابها يشترك في تنفيذ المؤامرة، يضربونه ضربة رجل واحد، فيتوزع دمه بين تلك البطون، فيذهب دمه هدرًا، لأن بني هاشم لا يمكنها حينئذ أن تأخذ بثأرها منها كلها. بيد أن
عناية الله أغنت عن ... مضاعفة ... من الدروع وعن ... عال من الأطم
وأنى ليد المتناول أن تبلغ الشمس التي مسكنها في السماء؟ وللضعيف العاجز أن ينال من هو في عصمة الله وحرزه؟
هي الشمس مسكنها ... في السما ... ءفعزِّ الفؤاد ... عزاء جميلا
فلن تستطيع ... إليها الصعود ... ولن تستطيع إليك ... النزولا (1)
محمد - صلى الله عليه وسلم - في طريق النصر
__________
(1) – البيتان للعباس بن الأحنف، ديوان العباس بن الأحنف، ص248. (1/31)
صفحة 32
هنالك، إذ بلغ السيل الزُّبَى (1) ، وتبيّن أن القوم مستكبرون لا تؤثر فيهم نصيحة الناصحين، قد أضلهم الله على علم، وختم على قلوبهم، وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة، فأضحى مكث الرسول - صلى الله عليه وسلم - بين أظهرهم –والحالة هذه- ضربا من العبث، وتضييعا للعمر الثمين سدًى -سيما وقد بلغت بهم النذالة والإذاية إلى الاغتيال بالكيفية الماكرة- أذن الله لرسوله وحبيبه أن يهاجر إلى المدينة، أرض أخواله وأنصاره، حيث تجد الدّعوَة تربة خصبة، وحيث تبسق شجرتها وتترعرع فتمتد فروعها إلى جهات الأرض، فتقيها حر الجحيم.
خرج من داره -وجيش المؤامرة مرابط ببابها- تكلؤه عين الله التي لا تنام، وقد ضرب النوم على أعينهم، فشقّ وسطهم طريقه وهم لا يبصرون، قاصدا غار ثور، صحبة رفيقه ووزيره أبي بكر - رضي الله عنه - ، ومن هناك إلى المدينة المنورة، في قصة طويلة.
فلما حلّ بالمدينة حلول الربيع الممرع، والتفّت حوله الأنصار والمهاجرون كالبدر حوله هالة، معتزين مستبشرين، كل يفديه بالأب والأم والحا ل والعمر، آخى بينهم وأَلْحَم قلوبهم بلحمة الدين، ونَظَم صفوفهم في إطار من وحدة العقيدة والمبدإ والغاية، وغذّى نفوسهم بروح الفداء والتضحية.
__________
(1) – الزُبْيَةُ: الرابِيةُ التي لا يعلوها الماء وفي المثل قد بَلَغَ السَّيْلُ الزُّبَى ؛ يضرب مثلاً للأَمر يتَفاقَم ... أَو يتَجاوَزُ الحدَّ حتى لا يُتَلافَى.
ولها معان عديدة أخرى. انظر: ابن منظور، لسان العرب، مادة: زبية. (1/32)
صفحة 33
بعد ذلك أذن الله له أن ينازل أعداء الدّعوَة، وأنزل عليه قوله تعالى: { أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ } (1) . وهنالك شمّر للقضاء على جراثيم الفساد، وتخليص المستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين تخلّفوا عن قافلة الهجرة من مخالب الفتنة وأنيابها، فاصطدم بهم في أكثر من ستين موقعة كان النصر حليفه في هذا الجهاد المقدس، يسلمه نصر إلى نصر، وينقله من فوز إلى فلج. فلا غرو أن نرى قواه تزداد ازديادا مستمرا، كلّما امتد به السير، ونفوذه يتسع اتساعا متداركا كلّما جابه عظيمة، فنجح فيها، ونرى هذا النجاح يزيده مضاء، ويملأ جوانب نفسه الكبيرة إيمانا بالنصر النهائي، فيزداد اندفاعًا في سبيل تحقيق المهمة التي لأجلها خُلق وأُرسل.
كاتب ملوك عصره يدعوهم إلى الإسلام، وأرسل الرسل إلى القبائل والشعوب يبشرون وينذرون، وكتائبَه إلى من تحدثه نفسه بالوقوف حجر عثرة، ومعاكسة سير الدّعوَة، فيُنزله من علياء جبروته، ويريح الإنسانية من شره المستطير، وهكذا حتى قهر فلول الذين يصدون عن سبيل الله، ويبغونها عوجًا، في كل ميدان. وقعد لهم في كل مرصد، ولم يزل كذلك حتى استوسق (2) له الأمر ودانت لسلطانه كامل الجزيرة، وطهّرها من رجس الوثنية والشرك، ووباء اليهودية الخبيث، واستقامت قناتها لغامز الدين كسيرة كعوبها، فأصبحت معقل الإسلام المنيع، ومصدر الإشعاع، يُفيض على أقطار الأرض الحياة والسناء، وتتدفق عليها بالغذاء والنماء.
خاتمة
__________
(1) – سورة الحج، آية: 39
(2) – استوسق استيساقا: اجتمع وانقاد. واستوسق الأمرُ: انتظم. واستوسق له الأمر: أمكنه. - واتسق الأمر: انتظم واستوى. (1/33)
صفحة 34
وما التحق سيد الوجود بالرفيق الأعلى إلا بعد أن سارت الدّعوَة سير الضياء في الأبعاد، وزلزل أقطار الأرض زلزالا شديدًا، وأدال من دولها الغاشمة، وحرر العباد من عبادة العباد، وقلب نظم العالم عاليها سافلها، وأجلس الحفاة العراة رعاء الشاء والإبل -الذين كان جل همهم شبع وريٌّ، ومدى مطمحهم خلاء يختلونه، أو مرعى ينتجعونه- على عروش الأكاسرة والقياصرة، فأصبحت العمامة تملي على التاج المرصّع نظم الحياة وقوانين المجتمع، وسياسة الملك.
وبعد أن ألّف جيشا فدائيا جرارا يحارب بكتابه وفضائله، لا بكتائبه وفصائله، ويفتح الفتوحات بروحه وقلبه، لا برمحه ونبله، رمى به في وجه العالم بعد أن هذب حواشيهم، وزكى نفوسهم، فأفرغوا في أذن الدنيا كلمة الحق داوية مجلجلة، خضعت لجلالها وجمالها رقاب الممالك والدول، فرددت جنبات الأرض صداها من فوق المآذن والصُّمَع: الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله. فأمسى شمل أمته مجتمعا، وجانبها مرهوبا، ووحدتها كاملة.
رأيي الخاص في بعوث النبي - صلى الله عليه وسلم - وغزواته قبل غزوة بدر الكبرى
ما كان محمد ليرفع سيفا في وجه أحد، وقد بعثه الله رحمة وسلاما للعالمين، لو لم تقف في وجهه صفوف الفساد، كعَقَبَة كأداء تحول بينه وبين إيصال الخير إلى بني البشر، وما كان ليدفع بالنفوس البشرية التي جاء لإحيائها إلى أنياب الموت، ويقذف بها في أعماق الهاوية، لو لم يكن هناك من يحول دون نسمات الهداية، أن تهب على الذين لفحت وجوههم نيران الكفر وسفعتهم سَموم الظلم والقهر؟
ما كان ليعمد للقتال لو لم يكن ثمة إبقاء للإنسانية في ليل بهيم، ليس له نهار، وإلقاؤها في هوة سحيقة ما لها من قرار؟ (1/34)
صفحة 35
وما كان ليُهريق دماء طالما حقنها لو لم يهدرها أهلها. بما فتنوا من مؤمن في دينه، ومن مخلص في عقيدته؟ وما كان ليستبيح أموالهم ويروعهم في ديارهم لو لم يخرجوه هو وأصحابه من ديارهم ويستبيحوا أموالهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله، ولو لم يظلموا { الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا } (1) .
لا جرم أن نره يتجافى القتال وأسبابه، ما أمكنه، ويرغب عن قتال أعدائه حرصا على اقتلاعهم، وطمعا في إيمانهم. ثم لا يدع أن نراه يعتبر القتال آخر علاج للأمم والجماعات، كما اعتبر الكيّ آخر علاج للأفراد. وهل القتل أو القتال إلا كيّ في أبلغ معانيه؟
إذا لم يكن إلا الأسنة ... مركبا ... فما يسع المضطر ... إلا ركوبها.
على هذا جرى عمل الرسول - صلى الله عليه وسلم - أول أمره، فإن من يمعن النظر في سراياه وغزواته الأولى التي سبقت غزوات بدر الكبرى، وتأملها من نواحيها المتعددة. من جهة عدد مقاتليها، ومن جهة وصاياه لها، ومن جهة إرسال البعض منها، ومن إظهار سروره وشكره لمجد بن عمرو الجهني، الذي حاجز بين المسلمين وأعدائهم، ومن التصريح أخيرا لبعض سراياه بعدم القتال، كما صرّح بذلك لعبد الله بن جحش، إذ قال له: «ما أمرتكم بالقتال في الأشهر الحرم» (2) .
__________
(1) – سورة النساء، آية: 75.
(2) – أنكر النبي - صلى الله عليه وسلم - على عبد الله بن جحش قتله لعمرو بن الحضرمي، في الأشهر الحرم. ينظر تفاصيل قصة: سرية عبد الله بن جحش في كتب السيرة والسنن، وفي كتب التفسير في قوله تعالى { يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه } الآية. وقد نزلت بهذه المناسبة. (1/35)
صفحة 36
أجل إن من يمعن النظر في ذلك كله يراها –وما على الشمس حجاب- مطبوعة بالطابع السياسي، وموسومة بميسم الإرهاب والتهويل، أتراه يقصد القتال حقيقة، وقد أرسلهم في الأشهر الحُرُم أو قريبا منها؟ وهو الحازم الذي يؤسس أعماله على أساس الاحتياط، القائل: «من حام حول الحمى يوشك أن يرتع فيه»؟ (1) . أم تراه يؤاخذ رؤساء سراياه لو لم يظن أنهم أدركواحقيقة غرضه؟
الحق أنه لو لم يكن أقام قرينة على مقصوده لما لام على ذلك عبد الله بن جحش، ولكان ذلك منه ظلماً، وحاشاه من ذلك حاشاه.
__________
(1) – لم يرد في روايات الحديث لفظ: حام بل ورد: يرعى، ونصه عند مسلم: «عَن النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ وَأَهْوَى النُّعْمَانُ بِإِصْبَعَيْهِ إِلَى أُذُنَيْهِ إِنَّ الْحَلاَلَ بَيِّنٌ وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لاَ يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ فَمَنْ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ أَلاَ وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى أَلاَ وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ أَلاَ وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلاَ وَهِيَ الْقَلْبُ» مسلم، كتاب المساقاة، باب أخذ الحلال وترك الشبهات، حديث رقم 1599. (1/36)
صفحة 37
على أننا لو استعرضنا قائمة غزواته واستنطقناها، وخذ لك "غزوة ودّان" التي يجب أن تحتوي على عناصر الظفر وموجبات النصر، وتراعىَ فيها الاعتبارات من كل الجهات، لأجابت بصوت عال: "إن المقصود مني مجرد الإرهات وإدخال الرعب على القلوب، لا القتال وسفك الدماء". فقد أثبت التاريخ أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - خرج لهذه الغزوة لاثني عشرة ليلة خلت من السنة الثانية، ومعلوم أن ذلك كان في المحرّم، والمحرم من الأشهر الحرم، وما كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - لينكر على عبد الله بن جحش ما سبق أن فعله - صلى الله عليه وسلم - قبلُ بشهور، لو أراد بغزوته القتال حقيقة. ضرورة أن سَرية عبد الله بن جحش، كانت في رجب من السنة الثانية.
ولا يقال، يحتمل أن يمضي الرسول بقية الشهر في الطريق والتحضير حتى إذا استهل صفر، نفّذ ما إليه انتقل. لكننا نقول إن هذا الاحتمال لا يتم بعد أن ثبت بالنقل الصحيح أن الرسول رجع إلى المدينة بعد مضي خمسة عشر ليلة من خروجه. هذا إذا حملنا الأمر على ظاهر ما جرى عليه المؤرخون، أما إذا حملنا خروجه من أول الأمر على ما نسبه بعضهم، كان لمصالحة بني ضمرة. أما تظاهر الرسول - صلى الله عليه وسلم - أنه يقصد معارضة عير قريش، فمحاولة لا يقصد منها ظاهرها قطعًا، وإنما اتخذها ذريعة إلى أمور:
1. تعمية الأمر على أعدائه، سيما الداخليين كاليهود والمنافقين ومشركي العرب المجاورين له في المدينة، كيلا يتقفّوا آثاره، ويقفوا على حقيقة أمره، عملاً بحكمته الخالدة «استعينوا على حوائجكم بالكتمان» (1) .
2. إرهاب قريش التي هي غرضه الوحيد.
3. تهديدهم -من وراء ذلك التظاهر- بالقوة حتى لا تسول لها نفسها مظاهرة أعدائه الخارجيين، أو القيام بحركة عدائية استقلالا في الداخل.
__________
(1) – الحديث أورده ابن عبد البر، في التمهيد، ج10، ص152. (1/37)
صفحة 38
فإذا لم يثبت بناء على هذا الوجه الأخير أنه لم يكن ناويا قصد قريش، وإنما كان قصده الحقيقي مصالحة بني ضمرة، فقد ثبت مدّعانا وهو أن غرض الرسول - صلى الله عليه وسلم - مجرد الإرهاب لا القتال حقيقة.
هذا ما كان من سراياه، أما ما كان من غزواته الثلاث الأولى التي وقعت تحت قيادته، وهي غزوات: ودّان، فبواط، فالعشيرة، فإننا إذا تأملنا أمرها نجد الرسول - صلى الله عليه وسلم - يصل إلى ملتقى العير مؤخرا، ثلاث مرات متوالية.
أرأيت لو كان محمد -اليقظ النبيه والحازم الحذر- يقصد منازلة قريش حقًّا، وقطع الطريق عليها، أتراه يمكّن العير من فواته ثلاث مرات متتابعة؟ أم تراه يأخذ حيطته في الثانية أوالثالثة إذا فاتته في الأولى؟ وعليه فهي المكيدة الحربية ينتهزها القائد العظيم، فتحدث من التأثير في بعض الأحيان ما لا تحدثه قوة المجالدة وصدق المصاع (كذا؟).
ومما يؤيّد ما تقدم، أن دولة الإسلام لا تزال في دور التأسيس، تتطلب من الهدوء والسكون أكثر ما يمكن، حتى إذا انتظمت قواتها واتسق أمرها وارتكزت على أساس مكين، أمكنها البروز إلى الميدان، سيما وهو يتوقع مصادمة قوة تفوقها عددا وعدة، وعليه فلا بد له من التريث والاستعداد، ولا بد له من إحكام التدابير وأخذ الحيطة. ولن يتم ذلك إلا مع الهدوء، وتجافي المنغصات ولو مؤقتا. (1/38)
صفحة 39
وأي مزعج أو مقلق للرسول - صلى الله عليه وسلم - أشد من قريش الباغية، قريش الطاغية، التي ناصبتهم العداء أيام كان هو وأصحابه عُزْلاً إلا من عدة الإيمان التي تذلل العقبات، وقوة اليقين التي تندكّ أمامها الرواسي الشامخات. آذتهم وطاردتهم كلصوص، في وقت لم تتوجس من جانبهم أي خيفة، ولم تخش منهم خطرًا على مركزها، فكيف تنام لها عين أو يهدأ لها خاطر، أو يطيب لها عيش، وقد أصبح من وترتهم بقوس ظلمها، وأخرجتهم ظلمًا وعدوانا -وهم هم حسبا ونسبا- من ديارهم وأموالهم، أصبحوا قوة متماسكة، ووحدة ملتئمة، وكتلة متعانقة متراصة، تسندهم قوة الأنصار العتيدة، وتفديهم بالنفس والنفيس؟
لا جرم إذا أحست قريش بشرٍّ مستطير يزحف إليها من ناحية يثرب، وإن خفي عليها وقته، وأن حب البقاء ليدعُّ بها دعًّا إلى القضاء على هؤلاء قبل أن يستفحل أمرهم ويتفاقم خطرهم. بيد أنهم لا يدرون متى وكيف يتوصلون إلى تحقيق ذلك. فلا غرو أن يدرك الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهو الألمعي الملهم، ما يدور بخلدهم، فيعمد بما أوتيه من قوة دهاء إلى أسلوب جديد غير معروف وقتئذ، يطلق عليه في عرف هذا العصر بـ "حرب الأعصاب".
وهكذا يغزو نفوسهم، ولا يترك لهذه الفئة الباغية مجالا فسيحا، تقلب فيه الرأي في هدوء وسكينة، فلا أقل أن يشوّش عليها مجرى التفكير بهذه المظاهرات، فيصرف نظرها عن الهجوم إلى الدفاع، ويشعرها بالخطر الذي يهدد كيانها، وينذر سيادتها بالزوال، وهو بعدُ تقهقرٌ، وأنت خبير أن التقهقر طليعة الانهزام، وارتجاجَ القدم -لا أبا لك- يعقبه السقوط. (1/39)
صفحة 40
فإذا كانت قريش تستضعف النبي ومن آمن به إبان قِلّتهم وقبل انضمام الأوس والخزرج إليهم، أفَيَليق بها والحالة هذه أن تستهين بهم وقد أعز الله جانبهم بهؤلاء الأبطال، الذين رضعوا لبان الحرب ودرجوا من أحضانها؟. وإن مائة وعشرين سنة في التناحر لدليل قاطع على صلابة عودهم، وشدة شكيمتهم، وأنهم لصُبُرٌ عن اللقاء، مساعير للهيجاء. لا شك وأن يزلزل كيانها هذا الاتحاد ويزعجهم أشد إزعاج. لذلك نجد الرسول - صلى الله عليه وسلم - يمكّن تلك الخوطر من نفوسهم بتلك المناورات، فيغزوهم بها قبل أن تصل إليهم جنوده، ولا غرو فقد نصر بالرعب فهو يسير أمامه شهرًا.
وعليه، فقد تحصحص أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - يقصد بسراياه وغزواته –زيادة على ما تقدم- أمورا:
1. إعداد نفوس الصحابة إلى التشمير عن ساعد الجد لنشر الدّعوَة الإسلامية وتوطينها، على أن يجهابوا في سبيل ذلك قوات تفوقهم عَددا وعُددا أضعافًا مضاعفة، وإشعارهم بدنوّ ساعة الخطر، وقرب الموعد المنتظر.
2. إشغال قريش عما عسى أن تحدّثه به نفسها من مهاجمة النبي - صلى الله عليه وسلم - في مقره الجديد على حين غفلة، وإيقافها ريثما يأخذ أهبة لدفع عدوانها وتحطيم قواتها.
3. إفهامها بأنه أصبح بحكم مركزه الجديد يتحكم في مصيرها، وأن في إمكانه أن يأخذ عليها طريق تجارتها بين مكة والشام، التي هي قوام حياتها وعماد وجودها.
4. حملها على الاعتراف بهذا المركز القوي، فعليها استنزال طائرها لعقد هدنة معه، مثلا. هذا وأنت خبير أنه إذا حصل على هذه الغاية كان قد حصل على فوز باهر وقطع خطوات في سبيل هيمنته. (1/40)
صفحة 41
من نتائج ذلك، -بل أهمها- إنقاذ المستضعفين الذين ظلوا في مكة تحت نير اضطهادهم يسومونهم سوء العذاب في سبيل عقيدتهم. وهذا من الأسباب التي استباح الله بها جانب أهل مكة، إذ حرّض المسلمين على الاستماتة في قتالهم حيث يقول في سورة النساء: { وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا } (1) .
ومنها إفساح المجال للدعوة المحمدية، فلو أن قريشا أفسحت لها المجال من قبل لكانت سارت في أوساطها سير الضياء في الأبعاد، ولرأيت كيف يحطم الإسلام حصونها، وينقص من أطرافها، ويبقيها واجمة صامتة صموت أصنامها، وذلك بأن للدعوة الإسلامية خاصية الشمس، ما فاضت على بقعة إلا أنارت جنباتها، وطردت جيوش الظلام من أقطارها، وما اعترضها شيء إلا علته وانبسطت فوقه انبساط الشمس على كف من يحاول إخفاء شعاعها. فلن تنفك أنوارها باهرة ساطعة، وبراهينها قاهرة قاطعة، حتى يذعن المعاند ويقر الجاحد، بعلوّ كلمتها وغلبة سلطانها.
لكن قريشا الكنود أبت لها جبروتها وصلفها أن تخضع لسلطان الإسلام القاهر، بل ثبتت في وجهه ثبات عظيم الدوح أمام هوج العواصف، فما عتم سلطان الله أن حطمها كما تتحطم الدوح تحت مفعول الزعازع.
ولئن كابر مكابر، فأنكر -وأنّى له- تأثير تلك المناورات في نفوس قريش، التي ترتعد لسطوتها فرائص القبائل العربية، فزعم أنها مجرد مناورات وتهديدات، لا ينبض لها منها عرق، فهل يستطيع أن ينكر ما أثمرته تلك المناورات من أسباب النصر والظفر، كاستمالة عدة عناصر من شأنها أن تسعد قريشا في شدتها، كبني ضمرة وبني مدلج.
__________
(1) – سورة النساء، آية: 75. (1/41)
صفحة 42
حقا إن هذه السياسة الحكيمة { كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ } (1) . والله يهدي رسوله إلى ما فيه نصرة دينه، وإعلاء كلمته، والله عزيز حكيم.
وهكذا استطاع سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - بدهائه السياسي وتوفيق الله تعالى أن يؤسس على أنقاض العروش الخاوية دولة عظيمة هي أم المدنيات، أساسها العدل، وسماؤها الرحمة، وأركانها الصدق والأخوة والتسامح والتعاون، امتدت فروعها إلى أطراف الأرض فأثمرت سعادة وسلاما وكمالا.
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد وآله
الدّعوَة إلى التعليم العصري. (2) .
أيها السادة، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
لا يخفى عنكم أن الأمم التي تستلذ حياة الجهل، وترضى به حظًّا له ولأجيالها الصاعدة لا تعيش إلا على هامش الحياة، ذليلة مهينة، سنة الله في خلقه، ولن تجد لسنة الله تبديلا.
وحاشانا كمسلمين يفرض عليهم دينهم طلب العلم من المهد إلى اللحد، وكأبناء لأبطال غالبوا الزمن وتقلبوا معه -عبر التاريخ- زعزعًا ورخاء، منازعة للبقاء. وطوردوا من هناك إلى هنالك، واضطُهدوا ولم يستسلموا لحوادث الدهر، بل أنشأوا وطنًا قوميا جديدا هو هذا الوطن الذي أصبحنا نعيش فيه، أن يطمئنوا بحياة الجهل والدون.
ولا يتأتى لأمة أن تحيا عزيزة مرفوعة الرأس موفورة الكرامة إلا إذا تسلحت بسلاح العلم وأنشأت أجيالها على العلم، وتتطور بهم كيفما تطور العلم، وزاحموا في ميدان أمم الأرض، وإلا عاشوا في مواطئ الأقدام، ومداس النعال.
__________
(1) – سورة البقرة، آية: 265.
(2) – عنون الشيخ عبد الرحمن هذه المحاضرة بقوله: محاضرة ألقيتها على جماعة من رجال العطف الغيورين، حثًّا لهم على إنشاء مدرسة عصرية لإبراز ما كمن في ناشئة العطف من ذكاء واستعداد. (1/42)
صفحة 43
لهذا رأيت أن ألقي عليكم محاضرة في هذا الموضوع، إيقاظًا لشعوركم، واستنهاضا لهممكم، لتقوموا بإنشاء مدرسة عصرية، تبثّ في أعصاب الأمة إحساسًا وتوقظ عيونها الغامضة، وتستخرج ما أودع الله في نفوس نشأتها من الاستعداد والذكاء الذي اشتهر به أبناء العطف قديمًا وحديثًا.
والأمل معقود فيكم أيها السادة وفي أمثالكم من أبناء الأمة الصلحاء الغيورين أن يتم ذلك على أيديكم، وتفوزوا بفخر الدنيا والآخرة. فياليت شعري مَن سواكم يقوم بذلك؟
من يسعد الأوطان ... غير بنيها ... وينيلها الآمال ... غير ذويها؟
ميزاب والغرض من سكناه
"ميزاب" بلاد في فوهة الصحراء الكبرى، قاحلة عارية من النبات، يابسة التربة بحرارة الشمس وقلة المياه.
إلى هذه الزاوية المنقطعة عن الوسط العمراني قصد أجدادنا رحمهم الله في القرن الرابع (أو الخامس) (1) الهجري بأولادهم وعائلاتهم، لما اضطهدوا في كل بقعة سكنوها من العناصر المضادة لهم، فرارًا بدينهم، وصيانةً لجامعتهم، وغيرة على أقليتهم أن تندمج في أغلبية العناصر المحيطة بهم.
انحازوا إلى هذا التنور الأرضي، لا الدنيا يقصدون، ولكن عز عليهم أن يفقدوا دينا توارثوه أبًا عن جد، هو أغلى ما يملكون، وأنفس ما يورثون أبناءهم بعدهم.
عزّ عليهم ذلك، وحقيق بمن لا تزال تزخر في شرايينهم دماء السلف الصالح الذي استضاء بنور الهداية المحمدية، وتلقّى مبادئ هذا الدين القويم عن ثقات رووه عن صاحب الرسالة، صلوات الله وسلامه عليه، وأبلغوه إلينا صافيا من شوائب البدع والخرافات.
__________
(1) – لم يتضح لي هل كتب الشيخ عبد الرحمن: الرابع والخامس، أم الرابع أو الخامس، أم الرابع وإلغاء الخامس دون تشطيب عليه. (باجو) (1/43)
صفحة 44
عمروا هذه الرقعة بعد أن كانت جزءًا من الصحراء التي لا يزال غالبها إلى اليوم قفرًا يبابًا، فأسسوا فيها شيئا فشيئا مدنًا هي :العطف، غرداية، بني يسجن، بنورة، مليكة، القرارة، بريان. وأنشأوا حولها بساتين أفنوا في تعميرها أعمارهم، وأذابوا مهجهم، وسقوها بعرق جبينهم، فأصبح ميزاب وسط الصحراء، كخال على خدٍّ مورَّد جميل.
وهكذا ظل أجدادنا على مر السنين وتعاقب الأجيال رمزًا للجهاد في الشمال الإفريقي، يكافحون الطبيعة ويناهضون طوارق الزمان، إلى أن خرجوا من هذه المعركة الحامية منتصرين، وقد استطاعت كواهلهم أن تحمل أعباء الأجيال المتطاولة.
أجل، خرجوا من هذه المعركة الطاحنة مظفرين حين استطاعوا تحقيق المطمح الذي من أجله نزح آباؤهم، ألا وهو الاحتفاظ على دينهم وأصالتهم، وعلى وطنهم وعمرانه، إلى أن أوصلوه إلينا -ونحن على قاب قوسن أو أدنى من الناسفة- كاملا غير منقوص.
نظرة خاصة على بلدة العطف من الوجهة الدينية
إذا رجعنا القهقرى قدر جيل من الزمن أو بنصف قرن، وفحصنا عن الحياة الدينية ببلدة العطف، انكشفت لنا حقيقة تنشرح لها الصدور وتطمئن إليها القلوب، ذلك أننا نرى التديّن عاما يهيمن على النفوس، والطهارة تمازج الأخلاق، وبساطة الطبيعة تبدو على كل مظهر من مظاهرهم.
نرى المساجد عامرة، وصوت الدين مسموعا ومرهوبا، وطبقات الأمة الواحدة تلو الأخرى تتسابق إلى القيام بالمشاريع الخيرية ابتغاء مرضاة الله.
نرى دور العلم مكتظة بالناس من مختلف الطبقات، أعمارًا وحالةً، حتى أنك كثيرا ما تجد الأب وابنه، وقد ضمهما مجلس واحد، ودفعتهما غاية واحدة، هي الرغبة في العلم. بيد أن الأول ينشره بين أوساط الأمة، والثاني يتلقاه في جملتهم استعدادًا لحمل الأمانة عن أبيه مخافة أن تضيع على يديه. (1/44)
صفحة 45
وهنا ظاهرة جديرة أن ينتبه لها، هي أن الشخص مهما بلغ من العمر لا يستنكف أن يجلس قدّام شيخ مهما كانت سنه، بتواضع وإخلاص ليستزيد من علم ما له وما عليه.
نرى أبناء البلدة لا يرغبون كثيرا في طلب الدنيا، خيفة أن يصدهم ذلك عن المرمى السامي الذي ضحت آباؤهم لأجله جهود قرون من السنين، بل فضّلوا أن يعيشوا عيشة بسيطة مع الاحتفاظ بدينهم، وصيانة عائلاتهم، والعمل لما يحيي مجموعتهم على الاغتراب والتقلب في أطراف البلاد سعيًا وراء الثراء والرفاه، فازدهرت لذلك الحياة الروحية بينهم، فأكسبتهم سمعة طيبة داخلا وخارجًا.
كانتت السلطة الدينية أو سلطة العزابة (التي ستنشرحها قريبا) هي المهيمنة على البلاد، المسيّرة لدواليبها على النظام الإسلامي، ضاربين على أيدي الفسقة وسماسرة السوء الختالين النصّابين، ومؤدبين المجاهرين بالمعاصي والمناكر، مناصرين لجانب العشائر، مؤيدين لسلطتها، ومخوّلين صلحاءها حق تأديب ورقابة عصاتها وسفهائها، ومتساندين مع جماعتها البلدية على إقرار الأمن وسير البلدة على خطة مستقيمة يستحسنها العقل ويرضاها الشرع، فاتسقت الأمور وسلمت الأعراض والأموال، ونامت هادئة إلا إن أزعجتها إحدى نوائب الدهر، ويا ما أولعها بالأقليات.
هيئة العزابة
كانت هيئة العزابة كما قلنا هيئة ذات سلطة روحية في الأمة، ونفوذ أدبي قاهر في حياة ميزاب، استطاعت بذلك في غالب أدوارها أن تهيمن على غيرها من هيئات البلدة بلسطانها الذي استمدته من روح الدين.
على أن صوت الدين مهما كان قارعًا، لا بد وأن تصغي له النفوس ما بقي فيها ذماء من الغيرة على وحدتها المبنية على أساس الدين، لا سيما إذا انبعث من قرارة نفس مملوؤة إيمانا، وقلب مفعم يقينا، فإن الأعضاء لا تلبث أن تتحرك و تهتز لنغمته الساحرة. والكلام إذا خرج من القلب لا يستقر إلا في القلب. (1/45)
صفحة 46
كانت العزابة فيما مضى مثالاً للتصلب في الدين، مثالا لحسن السلوك، مثالا للإباء والشمم، مثالا للصفاء والتضحية، مثالا للقيام بالواجب أتم قيام، مثالا للتضامن والأخوة الصادقة والتعاون على الإصلاح العام.
مثالاً للصلابة في الدين حيث لا يحكّمون إلا الدين في حركاتهم وسكناتهم، في أحوالهم الخاصة ومعاملاتهم العامة، رضي من رضي أو كره من كره.
مثالاً لحسن السلوك حيث لا يقولون ولا يعملون إلا ما لا يسوءهم أمام الخالق والمخلوق، لا يرتادون مواطن التهم التي تنحت من أثلتهم (1) ، بل بالعكس يعمرون مجالس العلم ويهتمون بأمور المسلمين، وينشّطون الأعمال الخيرية، فترى الواحد منهم وقد جلّل الشيب رأسه يرفع كتبه ذاهبا إلى حلقة أحد المشايخ ليستزيد علما، ويكون خير قدوة وأسوة تحتذيها أبناؤهم بعدهم.
__________
(1) – أَثل : أَثْلَةُ كل شيء: أَصله؛ قال الأَعشى:
أَلَسْتَ مُنْتَهياً عن نَحْتِ أَثْلَتِنا،ولَسْتَ ضائِرَها، ما أَطَّتِ الإِبلُ
يقال: فلان يَنْحَتُ أَثْلَتَنا إِذا قال في حَسَبِهِ قبيحاً.
و أَثَلَ يأْثِل أُثولاً و تَأَثَّل: تأَصَّل. و أَثَّل مالَه: أَصَّله. و تَأَثَّل مالاً: اكتسبه واتخذه وثَمَّره. وفي حديث النبي ، أَنه قال في وصيّ اليتيم: «إِنه يأْكل من ماله غَيْرَ مُتَأَثل» مالاً، قال: المُتأثِّلُ الجامع، فقوله غير مُتأثِّلٍ أَي غير جامع
ومجد مُؤَثَّل: قديم، ومجد أثيل أَيضاً؛ قال امرؤ القيس:
ولكِنَّما أَسْعَى لمَجْدٍ مُؤَثَّلٍ وقد يُدْرِكُ المَجْدَ المؤثَّلَ أَمثالي
انظر: ابن منظور، لسان العرب، مادة، أثل. (1/46)
صفحة 47
مثالاً للإباء والشمم، لأنهم لا يقتصرون في عبادتهم على الصلاة والصيام، وغير ذلك. لكنهم يعادون أعداء الله الفاسقين، ويوالون عباده الصالحين، الأمر الذي أعزّهم الله به. و«الحب في الله والبغض في الله أوثق عرى الإسلام» (1) . وجعل منهم رؤوسا مرفوعة، أعلتها قوة الدين التي ربطت على قلوبهم فكانوا لا يلينون جانبا إلا لمن ألان جانبه لله، ولا يعاملون بالحسنى إلا من حسنت صلته بربه، أما المتمرد العاصي والفاسق المنحرف ففي موطئ أقدامهم ومداس نعالهم.
__________
(1) – نص الحديث عند أحمد: «عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَيُّ عُرَى الْإِسْلَامِ أَوْسَطُ قَالُوا الصَّلَاةُ قَالَ حَسَنَةٌ وَمَا هِيَ بِهَا قَالُوا الزَّكَاةُ قَالَ حَسَنَةٌ وَمَا هِيَ بِهَا قَالُوا صِيَامُ رَمَضَانَ قَالَ حَسَنٌ وَمَا هُوَ بِهِ قَالُوا الْحَجُّ قَالَ حَسَنٌ وَمَا هُوَ بِهِ قَالُوا الْجِهَادُ قَالَ حَسَنٌ وَمَا هُوَ بِهِ قَالَ إِنَّ أَوْسَطَ عُرَى الْإِيمَانِ أَنْ تُحِبَّ فِي اللَّهِ وَتُبْغِضَ فِي اللَّهِ»، أول مسند الكوفيين، حديث رقم:18053. (1/47)
صفحة 48
قد يبلغ إنسان ما يبلغ من المكانة وعلو الجاه والثروة، ولكنه إذا أغواه شيطانه وغره بالله الغرور فارتكب معصية أقعدوه -ولا نعمت له عين مقعد- القصي تحت سارية من سواري المسجد، حيث يُسمِعونه صوتَ الحق قاسيا، وما كان له أن يستزلّه عَرَض زائل إلى أن يبلغ به العتو والتمرد إلى كفر نعمة الله بدل شكرها. ثم إنهم لا يطلقون سراحه أو يتوبَ من ذنبه، ويتوب إلى ربه مستغفرا، معلنا توبته وسط الجماهير التي ظهر أمامها بمظهر المتعالي المتشامخ زهوا وغرورًا، فإذا بالذي كان كبيرا في نفسه صغيرا أمام الحق، وإذا به كبيرا يعود إذا انقاد لمولاه وعاد إلى سواء السبيل. ولا أعز من المطيع ولا أذل من العاصي. { وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ } (1) .
وهكذا معاملتهم مع الجميع، لا فرق في ذلك بين الفقير والغني، وبين القريب والبعيد، والحر والعبد، والذكر والأنثى، ولا فرق حتى بالنسبة للذين حكموا من هيئة غير هيئة بلدتهم، فلو أن أحد هؤلاء العصاة كانت له مصلحة في غير البلدة التي حكم فيها، وكاتبت الهيئةُ الهيئةَ، فإنه لا يعامل معاملة الناس، بل يجانب ويحرم من حقوقه أينما حلّ، ولا يفك عنه هذا الحصار إلا إذا عاد إلى البلدة التي حكمت ببراءته وأعلن توبته أمام هيئة عزابتها. وإذا سبق أن كاتبت غيرها ببراءته فإنها تكاتبها ثانية متى تاب بأنها أصدرت عفوها عنه.
وقد يجنح مغرور غره نفوذه الموهوم فشمخ بأنفه استكبارًا واستهانة بهذا الحكم، متحمّلاً كل مضض ومرارة تحدّيًا لهذه الهيئة الموقرة، فلم يثن ذلك من عزمها، بل زادها ثباتًا على المبدإ وتشديدا على المصرين المستنكفين، حتى إذا أعياه اصطباره، وتبيّن له أن من يقاوم هذه القوة العتيدة، كان:
كناطح صخرة يوما ... ليوهنها ... فلم يَضِرْها ... وأوهى قرنه الوعل
انقاد إلى الحكم وتقدم إليهم معلنًا توبته متنصلا.
__________
(1) – سورة المنافقون، آية: 8. (1/48)
صفحة 49
هذا كله بالنسبة للرجال، أما النساء فلهن كذلك هيئة متركبة من الأمينات العاقلات يقمن بينهم بمثل وظيفة العزابة في الرجال، ولهذه الهيئة الموقرة ضلع كبير في إصلاح شأن الجنس اللطيف. وهي أيضا عامل رئيسي في استقرار الحياة بميزاب.
وأنت خبير أن المرأة هي الحجر الأساسي في بناية المجتمع، يستقر بصلاحها ويتضعضع بانحرافها وفسادها، تصدر هذه الهيئة بأمر من العزابة في أعمالها وإجراءاتها.
فبفضل هذا الشمم والصلابة في الدين كانت لهم رهبة في قلوب العصاة، فلا يتجاهرون بمعصيتهم غالبا إلا خفية، كاللصوص لا يسرقون إلا تحت جنح الظلام.
مثالاً للصلاح العام والفداء والتضحية، حيث يرصدون أوقاتهم وأعمارهم للمصلحة العامة وإصلاح ذات البين ومساعدة الضعفاء، وهداية الضال، وتعمير المساجد، والقيام بتجهيز الموتى وتوزيع الأوقاف على مستحقيها، والاشتغال بمسائل البلدة ومقاومة البدع والأمراض في الأفراح والمآتم، وقهر المتمردين عن عشائرهم التاركين للجماعة، إلى غير ذلك. غير ملتفتين إلى خاصتهم أزاء تلك الأعمال العامة، إلا بقدر ما يدفعون عنهم وعمن تعلق بهم من حاجة، ويحفظون من كرامة، أما ما عدا ذلك ففي سبيل الله والمصلحة العامة.
مثالاً للقيام بالواجب حيث نجد الذين علقت بهم هيأتهم القيام ببعض الوظائف يعملون عن إخلاص وشعور، ترى المؤذن مثلا يستيقظ مرة أو مرات في جوف الليل لمراقبة الطوالع، حتى إذا جاء السحر فارق فراشه في قرّ الشتاء واصطفاق الريح، قاصدا صومعته ومناديا إلى عبادة الواحد الأحد، وإلى تعمير المسجد، فإذا بالناس يلبون نداءه زرافات ووحدانا، فيجدونه هناك وقد أضاء الأماكن وسخّن الماء للطهارة. يفعل ذلك شتاء كما يفعله ربيعا وصيفا وخريفا، يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله، واحتفاظا بأقدس تراث ورثه من آبائه وأجداده، وخاف أن يضيع على يديه.
وكذلك الإمام والوكيل، كلٌّ وما يستلزمه وظيفه إلخ. (1/49)
صفحة 50
فبفضل هذه الجماعة المباركة التي استجمعت هذه الخصال الحميدة أيها السادة، وبفضل الروح الدينية التي تبثها في الجماهير، وبفضل رقابتها العامة باسم الدين على أخلاق الأمة، وبفضل انقطاعهم إلى أعمال الخير العمومية، لا يريدون بذلك جزاء ولا شكورا، استطاعت "العطف" أن تحافظ على حياتها ونقاء أمرها مصونة حصينة، وأنسابها سليمة كريمة طيلة الأجيال المتطاولة والقرون المتعاقبة.
وهكذا استطاعوا أن يغرسوا في نفوس أبنائهم هذه الروح العالية ويخرجوا من بينهم من يحمل الأمانة التي تلقوها عن آبائهم. وإن أفسد على هؤلاء الخلف طريق العمل أمور:
1. نشاط سفرهم إلى البلدان النائية التي تختلف عن ميزاب أخلاقا وعوائد وثقافة، واحتكاكهم بعناصرها.
2. ضعف الروح الدينية في نفوسهم، لانكبابهم على طلب المادة، "وحب الدنيا رأس كل خطيئة" (1) .
3. اندفاعهم وراء تيار تلك العناصر المختلفة دون أن يقفوا موقف المحافظ على أصالته.
4. تغريب النشء قبل أن يتلقى مبادئ دينه بكيفية تطبيقية، ويصطبغ بصبغة الله حتى يستطيع مقاومة العوارض التي تنتابه في المهجر.
5. اتساع دائرة مطامعهم وقصور وسائل العمل لديهم.
6. تطاول الفقراء لمجاراة الأغنياء.
تضافرت هذه العوامل على الأمة فأفسدت أخلاقها وأضعف فيهم قوة الشعور بالمسؤولية والغيرة على الذاتية، وصوبت وجهتهم صوب الحياة المادية المحضة، واستحكمت فيها الأنانية تقليدا للأمم التي تختلط بها في المهجر، فقست قلوبهم وكثير منهم لا تؤثر فيه الذكرى والموعظة، فأوشك نشاط الهجرة يقضي على مجهودات هذه الهيئة المحترمة.
__________
(1) – قال ابن رجب عن هذا الحديث: «ومن كلام جندب بن عبد الله الصنعاني رضي الله عنه حب الدنيا رأس كل خطيئة وروي مرفوعا وروي عن الحسن مرسلا». جامع العلوم والحكم، ج1، ص300. (1/50)
صفحة 51
أضف إلى ذلك استغلال السلطة الاستعمارية لهذه الأوضاع فأضحت على ما نشاهدها عليه الآن لا تسمع لها كلمة ولا يطاع لها أمر، كذي قبل لا تملك نقضا ولا إبراما، لا لأن الهيئة فقدت خاصيتها أو ضُيّق من دائرة نفوذها، وإنما دخلتها ما دخل سائر الهيئات من اللامبالاة بالمسؤولية، ونالتها نفحة من سموم المحسوبية التي خضعت لسلطانها السلطات العليا في الممالك العظمى، وضعف أثرها في بعض مدن ميزاب، وإن ظل على حالته الأولى في بعض مدنه الأخرى، تبعًا لقوة قيادتها وضعفها.
على أن التي ضعف سلطانها لا تزال- والحمد لله- تواصل جهودها لاسترجاع ما كان لها من سلطان روحي على القلوب.
لا تزال تدعو بالحكمة والموعظة الحسنة إلى التعليم الصحيح وإلى إخراج طائفة تحمل عنها الأمانة التي استلموها من آبائهم، وقد بحّت أصواتهم وقلّ المجيب.
لا تزال قائمةً بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حسبما أبقت لها الظروف من سلطة روحية ضئيلة.
لا تزال تقاوم العادات السيئة والمنكرات المنتشرة، والفساد الذي عمّ الوسط، واستفحلت عدواه، وياللأسف.
لا تزال تقوم بالوظائف الدينية من عمارة المساجد في سائر الأوقات، وتوزيع الأوقاف على مستحقيها، وتجهيز الموتى احتسابا، والمشاركة في المسائل العامة التي تهم المجتمع.
بربكم، قفوا معي هنيهة -أيها السادة- وانظروا إلى هؤلاء المعريّين (1) والفدائيين الذين تركوا الاغتراب مثلكم والكدح وراء المعيشة، ما أصبرهم على شظف العيش والاحتفاظ بدين الله.
بربكم، قولوا هل جعلتم لهم في تضحيتهم جراية أو مرتبا سنويا حتى يرصدوا هكذا أعمارهم وأوقاتهم، أو إن تلك الحفنات التي يتصدق بها عليهم كسائر عمَّار المسجد مرات في السنة هي التي تسد حاجتهم وحاجة عيالهم، أم ماذا؟
__________
(1) – لعله يريد نسبتهم إلى أبي العلاء المعرّي، الشهير برهين المحبسين، ولكنه كان عصاميّ التكوين والتحصيل. (1/51)
صفحة 52
يكفي هؤلاء العموميين ترضية أن تصغوا إلى ما يدعون إليه مما فيه خيركم وسعادتكم إن كنتم تعقلون، وتأتمروا بأوامرهم المرضية لفائدتكم إن كنتم مؤمنين. إنما يكفيهم ذلك جزاء منكم، بل يعدونه أعظم مرتّب وأسنى جراية، وما عند الله خير وأبقى.
لا يطلبون منكم مكافأة -أيها السادة- لأنهم احتسبوا أمرهم إلى الله وهو يجزي المحسنين، ورابطوا في هذا الثغر الذي تجب حراسته ابتغاء مرضاة الله، لأنهم يعتبرونه من الرباط.
إنما يريدون منكم أن تنفر طائفة تخلفهم في المحافظة على الثغر الوحيد، ثغر الدين وتراث الأجداد، لأنهم على وشك الرحيل إلى مقرهم الأخير، مقر المجاهدين في سبيل الله الحريصين على صيانة ترعه أن تهدم، حيث يجدون من رب رحيم ثوابهم كاملا غير منقوص.
يريدون أن لا تصبحوا بعدهم منسلخين من الدين، ممسوخي الوضعية، غير غيورين على تراث آبائكم ومصير حرماتكم.
يريدون أن لا تفقد عائلاتكم الجوهرة الكريمة التي تملكها، جوهرة الصيانة الناشئة عن الديانة.
يريدون أن لا تظل بلدتكم في ظلام الجهل الحالك، لا من يأمر فيها ولا من يأتمر، لا من يعلم ولا من يتعلم.
يريدون أن تطول حياتكم بالتمسك بأهداب الدين، وأمة بلا دين أمة ميتة، ورجالها أموات وإن كانوا يدبّون ويمرحون.
يريدون أن يبقوا أحياء وإن رحلوا من الدنيا، فإنكم إذا تلقيتم عنهم ما تصلحون به مستقبلكم، ذكرتموهم بخير، والذكر للإنسان عمر ثان.
يريدون أن لا تلعنكم أبناؤكم في الأصلاب، حيث أضعتم ميراثا مقدسا ورثتموهم من آبائكم ولم تورثوهم إياه.
ألا فلنعرف -أيها السادة- أننا غمطنا حق هؤلاء المجاهدين المتطوعين، أقول المجاهدين، لأن الجهاد لا ينحصر في حمل السيف وإشهاره في وجه العدو ونصرة الإسلام، بل من الجهاد في سبيل الله بث تعاليمه السامية، وإشراب القلوب روحه العالية، ومقاومة البدع أن تلحق به وتقام باسمه وإعداد الناشئة بعدهم لحمل الأمانة. كل ذلك جهاد في سبيل الله أي جهاد. (1/52)
صفحة 53
أجل، غمطنا هؤلاء المجاهدين لأنهم جادوا علينا بحياتهم في أعز ما يملكون، وشححنا عليهم بقبول نصائحهم، والائتمار بأوامر المشرع العزيز على ألسنتهم رغم أنها في مصلحتنا ولخيرنا وفائدتنا.
غمطنا حقوقهم إذ تركناهم يذهبون إلى حياتهم الأبدية يائسين كئيبين، ولم نسمح لهم ببعض أولادنا يكونون خلائف ينوبونهم فيما ضحوا لأجله أعمارهم وأموالهم وجهودهم.
فعارٌ –والله- علينا أن يبلغ بنا البخل هذا المبلغ، وعدم الاعتراف بالجميل إلى هذا الحد، وليسوا بأكثر منا مسؤولية أمام الله حتى يهتموا هذا الاهتمام، ويضحوا بتلك التضحيات، ونزهد نحن عن كل ذلك ونبخل كل البخل.
عار والله علينا أن نفقد الغيرة على ديننا ووحدتنا، فتكون صيانة ذلك وإضاعته عندنا على حد سواء.
انتبهوا أيها السادة، فالخطر محدق بنا ونحن نائمون، واستيقظوا فأمم الأرض بأسرها قد استيقظت وسارت أشواطا في مضمار الحياة ونحن لا نزال في سبات عميق، وفي ليل من الجهالة بطيء الكواكب.
جردوا عن ساعد الجد واعلموا أن لا شيء أغلى من الكرامة ولا شيء أشد تعريفا بها من العلم، إذن فْلنغشَ ميادين العلم ولنقتحم لجج بحاره. كفى وقوفا على الساحل، والناس كالحيتان فيها سابحون.
غير خفيٍّ عنكم -أيها السادة- أننا فقدنا كثيرا من مميزاتنا، وأضعنا جانبا كبيرا من تراثنا المقدس، ذلك لأننا أعرضنا عن العلم إعراضا كليا.
نحن نريد نهضة علمية دينية، وحياة بلا دين ليس في الحقيقة حياة، لأنها لا تضمن لنا سعادة أبدية، بل هي موت زؤام وخسران مبين.
نريد نهضة علمية دينية كي نسد فراغ مؤسساتنا الكبرى التي تقوم على أساس الدين: هيئة العزابة، الهيئة العدلية، منصب الإفتاء، جماعة بلدية صالحة تتصرف في الأمور العامة بعدل وإنصاف. (1/53)
صفحة 54
على هذه الدعامات يقوم هيكل حياتنا متى أسست على الدين، وإلا كنا من الأخسرين أعمالا، الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، نريد إصلاح الدعامات الأربع لأنها في حاجة إلى إصلاح جذري أكيد. ألا هل بلّغت !
المحضرة
وقبل أن نختم الحديث على هيئة العزابة وما كان لها من تأثير ونفوذ في الأمة، وما أصبح عليه الأمر الآن، نذكر نبذة عن "المحاضر" لأنها منها وإليها.
"المحاضر" هي دور خاصة لتخريج حُفّاظ القرآن، ملصقة وملحقة بالمساجد، وتحت تصرف عزابتها، حتى أن الذي يتولى التعليم فيها لا يكون إلا فردًا من أفراد العزابة.
نعم، قد يُستعان ببعض أفراد الطلبة غير العزابة، وقد يُسمّون رسميا، ولكنهم معينون.
كانت المحاضر قبلُ بجيلٍ تكتظ بحُفّاظ القرآن، وكانت تخرج عددا معتبرا منهم في كل سنة، ومنهم تستمد هيئة التلاميذ قوتها، وهيئة التلاميذ المعبّر عنها بـ"إِيرْوَان" هيئة دون مرتبة العزابة، يرشّح منها لهيئة العزابة، إذا شغر فيها منصب، أو أرادت استزادة في عدد أعضائها، كل من جمع إلى حفظ القرآن حسن السيرة وطيب الأحدوثة.
كانت تكتظ بالقراء من مختلف السنين والطبقات، حتى ولو انخرطوا في هيئة "إيروان" الذين يناط بهم تسيير مجالس القرآن في المساجد، تخصص لهم زاوية فيها لمدارسة القرآن منفردين وحفظ المتون في سائر الفنون. (1/54)
صفحة 55
وترى حتى الكهول والشيب يعمرونها ولا يستنكفون من مجالسة الصبيان في سن أولادهم أو أحفادهم. أولئك الشيوخ الذين لا يستطيعون الكدح وراء الخبزة الطائرة، ويربؤون بأوقاتهم أن تضيع سبهللا، فتراهم يعينون الأحداث في دراستهم ويعطونهم بذلك أمثلة تطبيقية في التواضع وتعمير أوقاتهم بالصالح المفيد. أما الكهول الذين تعلقت بهم شؤون الحياة، ونشبت الضروريات فيهم أظافرها، فلم يستطيعوا الانقطاع إلى الاستزادة من الحفظ، فإنهم يؤمّونها في أوقات فراغهم، كوقت السحر أو ما بين العشاءين لمجرد التكرار واحتساب الأجر.
وبالجملة فإن هذه المحاضر بإيوائها متعلمي القرآن على اختلاف درجاتهم سنًّا ومستوى، قد نشرت في البلدة حفظ كتاب الله بصفة عامة، وأعانت على محو الأمية إعانة ذات بال.
ومما سمعته من مؤدبي المرحوم الحاج داود بن عبد العزيز باعزيز. الذي استمر معلما في إحدى هذه المحاضر (محضرة المسجد الأول) عقودا من السنين، أنه التفت ذات مرة إلى زاوية من زوايا المحضرة إذا بها غاصة مكتظة لا تكاد العين تقع على بقعة فارغة فيها، واتفق أن عدّ سبعة عشر شخصا كلهم يُسمَّون "محمدا"، لم يفصل بينهم شخص يحمل اسما آخر.
كانت العزابة تتفقد يوميا هذه المعاهد التحضيرية، وكانوا يتخولونهم بالموعظة الحسنة من وقت لآخر، والدروس الإرشادية، فتنفخ في الناشئة روح الدين، وتغرس فيهم حب العلم والاستعداد لتحمل الأمانة التي تنتظرهم بعد وقت قصير.
وهكذا تظافرت المحاضر والمساجد، هذه بدروسها العلمية العامة، وتلك بتحفيظ القرآن وعرس الطموح في النشء، فانتشرت في الوسط ثقافة علمية عامة، واعتز جانب الدين، وعمت الفضيلة، وأخصبت القلوب إيمانا، فأصبح غير المتدين تقتحمه العين بنظر إليه شزرًا ما بقي كذلك، حتى إذا رجع إلى حظيرة الدين واستقامت سيرته أصبح من المعتبرين. (1/55)
صفحة 56
هذا ما كان عليه الأمر سابقا، أما الآن- وقد تبدلت المراسم وتنكرت المعالم، وانعكست القضايا، فقد أصبح البعض منها مغلق الأبواب لا يوجد من ينتصب للتعليم فيها، ولو بأجرة معتبرة، كما لا توجد صبيان يعمرونها، والبعض الآخر لا ترى إلا أفرادا كسالى قليلين يواظبون على عمارتها، كما لا رقابة هناك ولا إلزام لأولياء الأحداث، بل ترك الأمر لإرادة الصبيان ضرورة أنهم لا يحاسَبون. هل ذهبوا فعلاً؟ ولا على ما تعلّموه، وأين أمضوا أوقاتهم؟ عكس ما كان عليه الأمر سابقا.
كان الواحد لا يهمل أمر ولده، بل يحاسبه من حين لآخر ويسأل معلمه عن اطراد ذهابه إلى المحضرة في الميعاد المحدد بلا تأخير ولا غيبة، كما تجده يعينه على الحفظ ويلزمه بتكرار سوره، ويعتني بإيقاظه وقت السحر، وكثيرا ما يصحبه إلى المحضرة حتى إذا ما أوصله عاد هو إلى المسجد للتهجد واستماع الذكر الحكيم، وحضور الصلاة جماعة.
أما الآن فغالب هؤلاء قد شردتهم الغربة وأشغلت أفكارهم اتساع الضروريات والتوسع في الدنيا، فضاع النشء بين ذلك.
هذا إذا لم يصحب ولده معه إلى المهجر، حيث يودعه المطبخ أو يرسله إلى مكتب فرنسي حتى إذا تعلم كتابة اسمه وعنوان جوابه، أو إن أمهله فإلى أن يتعلم قراءة جوابه أو كشفه (فاطورته) أو تيليغرافه، فهناك يزج به في بحر المادة يعمل بجانبه، فيظل يركض ويكدح وراء الخبزة الطائرة، وهي لا تزداد عنه إلا نفورا وابتعادا، وإذا حاول مضاعفة سيره التوت السبل أمامه، لأنه دخل الميدان بدون علم ولا خبرة، وهكذا يظل متعثرا في حياته حسيرا كئيبا. (1/56)
صفحة 57
هذا واقعنا الحاضر، ومن هنا قلّ فينا حفّاظ كتاب الله، ففرغت المساجد من عُمّارها، وهيئة التلاميذ من جيشها الذي تستمد منه هيئة العزابة أعضاءها، فاستشرت الأمية فينا، إذ تعطلت هذه المعاهد التحضيرية، فجفّ مَعين الدين الذي كان يرطب القلوب ويغرس قابلية تلقي مباديه؛ إذ لا شيء ينعش في النفوس الحياة الدينية أقوى من كلام الله العزيز، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.
أصبحت هذه المحاضر خاوية على عروشها تقريبا، فتسرب الضعف والوهن إلى الدين، فإن لم يُتدارَك الأمر كان الخراب لا محالة، وأصبح ميزاب الذي كان مضرب المثل في التدين، في خبر كان.
ولقد أفضى بنا اندفاعنا وراء تيار المادة اعتناقنا لمبدإ الاغتراب جملة واشتداد الأزمة الاقتصادية في هذه الظروف الأخيرة، أفضى بنا ذلك إلى أن أصبحت مساجدنا خالية وأعضاء عزابتها لا يكادون يجدون من يستخلفون ليحفظ الأمانة بعدهم، وقلَّ التلاميذ الذين كانت حلقات القرآن لا تعمر إلا بحُفّاظهم.
على أنها هي نفسها أضحت لا تكاد تجد من يتولى تسييرها وتعليم النشء فيها، فضلا أن ندخل عليها تحسينات، فيضاف فيها إلى حفظ القرآن تدريس علوم القرآن وشيء من علوم العصر التي تفتح عيون التلميذ إلى ما أودع الله في هذا العالم العجيب الأدوار، الغريب الأطوار، من عجايب وأسرار، ويكوّن في نفسه الطموح عساه يبلغ بشعبه الدرجة التي بلغتها الأمم المتزاحمة على الأرض واستغلال خيراتها.
هذه حالة محاضرنا، وهذا خذلاننا لها ونكوصنا عن تعميرها، وعدم اهتمامنا بها اهتمامًا يليق بمقامها، وهو بعدُ- نذير انقراضها من تلك الزاوية لا قدّر الله، أومبدأ مسخ وضعيتنا إن لم نتدارك الأمر سريعًا، قبل أن يستفحل الداء ويعطل ويعز العلاج، وينادي لسان الحال: لا سبيل إلى العلاج.
الهيئة العدلية أو المحكمة (1/57)
صفحة 58
أما مسألة المحكمة والقضاء، فكلنا يعلم ما كانت عليه في السابق وما آلت إليه حالتها الآن، كلنا يعلم أن هذه الميزة هي أقوى وسيلة نستطيع بها إيصال الحقوق إلى أربابها، وإصلاحات مهمة يكون لها خطرها في حياة الأسرة. كيف لا وهي تعبر عن كرامة الأمة واستقلالها عدليًّا؟
كانت هذه الميزة معتنًى بها غاية الاعتناء قبل أن تصاب الأمة بداء الاغتراب، وتنساق عن بكرة أبيها وراء حب الدنيا، معرضَة عن حياة الروح والشرف.
كان معتنًى بها، لذلك كنت تجد البلدة تعمد إلى أبرز شخصية فيها علمًا وتقوى واتصافًا بأسنى الفضائل وأجمل الصفات، فترشحه لهذا المنصب السامي، فتلقى مسؤوليته على غاربه، فلا يسعه والحالة هذه إلا أن يحسر عن ساعد الجد، ويضاعف جهوده لتأدية مأموريته أحسن أداء، لعلمه بأهمية ما يناط به، وبما ينجرّ وراءها من فائدة للإسلام عموما ولأمته خصوصا ولبلدته على الأخص.
ذلك أن كفاءته ونزاهته تأبيان عليه أن يعبث بشرف هذا المركز الخطير في الإسلام، وتأبيان عليه إلا أن يتحرى كل التحري في أحكامه، ويجتنب إحداث ثغور يستطيع العدو التسرب منها إلى انتهاك حمى حرمه الأمين.
فخذ لك مدينة العطف مثلا، فإن محكمتها إبان ازدهار حياتها العلمية والدينية كانت على جانب عظيم من تحرّي أوامر الشرع العزيز وسلوك محجة الاستقامة، صالحة من الداخل، مرموقة بعين الإجلال والاحترام من الخارج، حتى انحطت حالتها. وأقوى عوامل انحطاطها فيما أرى إهمال جانب التعليم، وخلوها من رجال الكفاءة الذين ينهضون بعبئها الثقيل.
تناولت هذه المؤسسة المقدسة أيدى سماسرة السوء من الجهلة الأغبياء، وأصحاب الغايات الذاتية، فكانوا لا يعملون عملا إلا حط من قيمتها وزاد مسخًا لوضعيتها. (1/58)
صفحة 59
مرت على المحكمة بعد دورها الأول أدوار يلعن بعضها بعضا، وكلها لطخة سوداء في حياة العدالة، أو بالأحرى في تاريخ العطف؛ تلك البلدة التي كانت تمتاز برجالها العالمين العاملين بنزاهة وإخلاص، حتى حازت قصب السبق على قرى الوادي، ومدحها شاعر ميزاب حينذاك، الشيخ الحاج إبراهيم بن عبد الرحمن (بِيحْمَانْ) إذ يقول: "حازت الفضل عليهم تجنينات"، ومعلوم أن "تجنينات" اسم لبلدة العطف كما لا يخفى.
أجل، بإهمالنا جانب العلم وعدم إعدادنا الرجال الأكفاء الذين يضطلعون بأعباء الأمة، وإشغال مناصبها الرئيسية، أصبح هذا المركز الهام أحبولة ومصيدة بأيدي السفلة يوقعون فيها الجهلة الأغبياء وذوي الغايات، ولعبوا أدوارا مضحكة مبكية، اتخذتها سلطة الاستعمار حجة على عدم أهليتنا ولياقتنا للحياة العدلية، فدفعت البلدة بله الأمة ثمن ذلك باهظا.
أي وربك، دفعت ثمنه غاليا، إذ انتزع استقلالها منا وأَجرت فيه عملية الضم والإدماج، فأضحت ذنَبًا بعد أن كانت رأسًا، تتكفف مصالحها من غيرها، وتستمطر رحمته إن صادفت رحيما.
وهكذا انتزع منا هذا المركز الهام، رغم أنفنا جزاء تهاوننا بالعلم وزهدنا في إعداد ما استطعنا من قوة، إلى هذه الدركة بلغت حالتنا إلى أن أضحت المرأة منا لا تتصل بحقها إلا إذا خرجت من بلدتها وقطعت إليها مسافة بعيدة، ونحن لا نزال نستمرئ طعاما ونستسيغ شرابا، ونستطيب فراشا، ونمشي -بلا خجل- مشية الرجل الفحل؟
وما أراد ربك – رغم هذه الضربات النازلة على رؤوسنا أن نستيقظ من سباتنا ونهبّ من ركودنا لاتخاذ الوسائل التي تمكننا من استرجاع ما فات وحفظ ما بقي.
شاء ربك، -وما يشاء لعباده شرا ولا ضرًّا- أن نتحمل هذه الصفعة وغيرها من الصفعات، دون أن نعمل على اتقاء غيرها مما هو أقسى وأخزى.
اخترنا لأنفسنا هذه الحياة المهينة، وما كان ينبغي لنا أن نرضى بغير حياة العز بديلا. (1/59)
صفحة 60
أما آن أن نستدرك -أيها السادة- ما فات، ونتدارك الخطر قبل أن يستفحل فيمتد إلى سائر مميزاتنا المعتبرة، من عزابة وجماعة ومحكمة وغيرها، التي يجب علينا حفظها وتحسين أمرها.
وها هي ثلة ممن بقي فيهم بقية من الغيرة لا تزال تطالب باستراداد استقلال محكمتكم. فإذا كللت مساعيهم بالنجاح فيجدون من أبناء جلدتهم من يشغل هذا الوظيف عن كفاءة وأمانة وإخلاص وديانة، ويقوم بمسؤوليته حق القيام، كما كانت آباؤهم وأجدادهم من قبل.
على أن الظروف قد تغيرت وعظمت مسؤولية هذا الوظيف، لكني متشائم ومستاء من حالتنا التي لا تصلح لهذا الزمان، التي قضت الحكمة الإلهية أن نكون من أبنائه، وأحزنني التدهور الذي فشت فينا عوامله، وقلت موانعه، المؤذن بالزوال والاضمحلال.
وأعظم من ذلك عدم اهتمامنا واتخاذ الوسائل المعقولة لإصلاح هذه الحالة، على أن الإنسان مهما استحكمت عليه حلقات الخطوب، وتداعت عليه جيوش البلايا والمحن، لا ييأس من روح الله، ولا يقنط من انفتاح أبواب الفرج، فانتظار اليسر بعد العسر عبادة مع تعاطي الأسباب.
فالأمل فيكم أيها السادة وطيد أن نعمل متساندين لهذا الغرض بغير ما فتور ولا توانٍ ولا انثناء، حتى يكشف الله بنا عن سمائنا هذه الدجنة السوداء، التي جعلت نهارنا ليلا، ولعلنا نكون القدوة الحسنة في إيقاظ الأمة إلى ما هو جدير بحاضرها ومستقبلها.
الجماعة
كما وقع الانحطاط في الهيئات السالفة، كذلك وقع في هذا الركن الركين المقابل لركن العزابة على خط مستقيم.
كانت جماعة العطف متركبة من أناس وإن لم يتخرجوا من المدارس ولا من هيئة العزابة ولا من الطلبة، غير أنهم من أناس حنكتهم التجارب، ذوي خبرة بالأمور وبصيرة نيّرة بما يصلح بزمانهم، تتوفر فيهم غالبا شروط أساسية كالماضي النقي والاستقامة في السلوك، وأن يكون صاحب الكلمة في قومه، وشروط كمالية كأن يكون متزوجا وذا مال وذا أولاد. (1/60)
صفحة 61
ويكون زيادة على ذلك ذا غيرة، والغيرة هي الباعث الوحيد على جلب النفع، والحاجز الحصين الذي يحول دون الضرر أن يتطرق إلى الجامعة.
وهذه الخصلة هي بمثابة رقابة حريصة أمينة، ضرورة أنها وجدانية لا تخيس بواجبها ما دام ذلك الشخص حيا غالبا. خصلة تقوم في هذا الوظيف على الأخص بأكثر من العلم مجردا منها لأن الإنسان وإن كان عالما بالنفع والضر غير أنه مسلوب الغيرة على أمته لا يعطف على حقوقها ولا يرحم أبناءها، أفترى علمه يجديها شروى نقير؟ وإنما صاحب الغيرة مجردا من العلم إلا تجاربَ حنكته، وفكرًا طبيعيا يميز بين الخبيث والطيب، أفضل لأمته من ذلك العالم المحروم من الغيرة. وربما يقول قائل: ليس هذا المنصب منصب إفتاء أو قضاء أو تدريس، حتى تلزمنا فيه الكفاءة العلمية، قلنا المراد بالعلم هنا ما ينير السبيل لصاحبه في المهمة التي يزاولها أو بالأحرى سلوك محجة يستصوبها العقل السليم. فإذا استطاع إنسان أن يحصل على نتيجة لعمل مسلوك إليه طريقة يستحسنها العقل، قيل إنه عالم بذلك العمل. ولكن لما كانت للوظائف أنظمة وقواعد مقررة، وجب على الجماعة أن تكون عارفة بها، حتى لا تُمنَى بالخيبة في تأدية مأموريتها، سيما ونحن في ارتباط متين مع أمة أشرفت علينا بحكمها وسيطرتها، هي على جانب عظيم من الخبرة والدهاء، فإذا لم نتترس بمثل الأسباب التي اتخذتها وقاية لها، كنا أخسر الناس صفقة. (1/61)
صفحة 62
كان أحد أعضاء الجماعة إذا رأى فسادا أنكره ولو جرّ إليه هذا الإنكار ضررا في بدنه أو ماله، كما إذا رأى وجه إصلاح لاحظه على جماعته وطلب منهم أن يشاطروه رأيه ويسعفوه في تحقيقه، لا يرى منهم إذا اقتنعوا بسداد رأيه إلا تأييدا. أما الآن فقد فسدت منهم النيات إلا من رحم ربك، وانعدمت فيهم الكفاءة وتجردوا -إلا قليلا منهم- من الغيرة تماما، فأصبحوا مسيرين لا مخيّرين. كل يدفع عنه المسؤولية، ويترك النصائح بما يحسه، حتى لا ينسب إليه الأمر الذي تمشئز منه الأسياد. والحق أن كلمة الصواب المرتكزة على القانون والمشتملة على المنفعة العامة لا يشمئز منه عاقل تنطوي جوانحه على حب الإنسانية والشفقة على خلق الله رئيسا كان أو مرؤوسا.
هذا ولا شك أن جانبا عظيما من التبعة تلقى على عموم أهالي البلدة، ذلك أنهم متى قدموا أحدا إلى هذا الميدان ملتزمين تأييده، فما هو إلا أن تتم تسميته الرسمية ويستقر في منصبه، حتى ينفضّوا من حوله ويلقوا حبله على غاربه، فيبقى وحيدًا لا يستطيع حيلة ولا يهتدي سبيلا، وإدا التفت إلى جانبيه ليرى إخوانه الذين دفعوا به ووعدوه تأييدهم، وجد الميدان خاليا منهم، ووجد نفسه كريشة في مهبّ الرياح.
هنالك تدب الخيبة إلى نفسه، ويظن بهم الظنون، فتخمد فيه جذوة الشجاعة التي تستمد قوتها من التفاف أقرانه به واعتماده على نصرتهم.
أضف إلى ذلك عدم تعقيب طائفة من خواص البلدة لأعمالهم، والإشارة عليهم بما ينير السبيل أمامهم، كما هو شأن الصحافة في البلاد الراقية، وتأييدهم بخدمة الرأي العام، وتسهيل الوسائل الخارجية. (1/62)
صفحة 63
ضمن هذه العوامل العديدة وقع الإخلال بهذا الوظيف كغيره من الوظائف، على أنه بالرغم من الانحطاط الذي نال هذا الوظيف، فإننا إذا استمررنا على حالتنا هذه لا نكاد نجد من يسد فراغ هذا الوظيف على ما هو عليه من الخلل والنقص، سيما إذا تطورت الحياة النيابية كما يستشف من اقتراح م. فيوليت، باستبدال الحكم العسكري بالمختلط في الصيف الماضي، هنالك نظهر -لا قدّر الله- في مظهر يخجل منه حنى من لم يركّب الله فيه قوة الإحساس والشعور بالمسؤولية. وهنالك يرتفع الستار عن نقصنا الفاضح، ويبدو عوارنا الكبير لكل عين، رغم أنفنا، ويضحك منا أعداؤنا ملء أشداقهم، ويصفقون طربا باليد لسوء حالنا ومغبتنا.
هناك وهناك تلعننا أولادنا من الأصلاب والترائب على ما أضعنا عنهم من تراث مقدس ومجد شامخ، وجررنا عليهم من ويلات وضربنا عليه من أروقة الذل وسرادق الهوان. ألا فلْنتق لعنات الأحفاد إن كنا حقا ذوي ضمائر حية وشعور وإحساس.
مجمل القول
وبعد، فإن حالتنا الحاضرة حالة تؤذن بالخطر، والشر يحدق بنا من كل جانب، وجماعاتنا توزعتها أيدي الاغتراب، وتفرقت في أنحاء البلاد، سعيًا وراء الخبزة الطائرة، فبقي وطننا خاليا من رؤوس التفكير ورجال العمل، يسير إلى هوّة ما لها من قرار، يسير كعربة مشحونة أخذت في الانحدار بسرعة فتقطعت قيودها وغلبت سائقها، فلم يعد يملك أمرها ولا يستطيع إيقافها، مهما بذل من جهد. فأصبحت بين أمرين لا مناص من أحدهما، إما أن تقع في هوة فتذهب بمن فيها، وإما أن تعترضها شجرة قوية أو صخرة عظيمة فتوقفها وتكتب لها السلامة، ولكن أي شجرة أو أي صخرة توقف وتحفظ عربة البلاد؟
إن هذه الدوحة العظيمة لا تكون إلا مسألة التعليم التي تحفظ عربة البلاد من العطب، مسألة التعليم عندنا -أيها السادة- هي علة العلل، وأعقد العقد، وأشكل المشاكل. (1/63)
صفحة 64
التعليم وما أدراك ما هو. هو إن تخيل إلينا أنه الشبح الأسود، والبعبع الذي ترتعد منه فرايص الجبان، إلا أنه في الحقيقة شمس ساطعة الضياء، قاهرة اللألاء، ما بزغت على بقعة إلا أضاءت جنباتها وامتصت عفوناتها، وطعمتها بإكسير الحياة، وغذت تربتها بأشعتها الدافئة التي تضمن لها الخصب والنماء.
التعليم هو الوسيلة التي نستطيع أن ندفع بها عنا عاديات الأيام وتهجات الأعداء، وتمنح مستقبلنا عيشة هنيئة وتسعد بها الأجيال، ويحمدها التاريخ، ونستطيع بها وحدها الاحتفاظ بديانتنا وجامعتنا، ونستطيع بها وحدها إعداد الرجال الذين يخلفون أسلافهم ويحافظون على صيانة الأسرة التي قامت عليها حياة ميزاب، ويربطون بين الماضي والمستقبل.
نستطيع بها وحدها أن نكوّن لنا خلائف يشيدون بذكرنا ويتداركون ما أغفلنا القيام به مما توجبه الحياة والمروءة والذمة.
فإذا توانينا مدة قصيرة وتلاهينا عن القيام بهذا الواجب، وتعامينا عن الخطر المحدق بنا، وتشاغلنا عن دفعه، فكبِّر على وطننا المنكود أربعًا، وبشره بالويل الذي تزحف إليه جيوشه صباح مساء.
أيها السادة:
إن لم تكن لنا الغيرة على أنفسنا، فلتكن على أحاريمنا، تلك الأحاريم التي تظل معتصمة بدينها، محافظة مدة غيبة زوجها عنها، ولو مرت عليها أعوام عديدة، إلى أن يعود فيجد عرضا مصونا وكرامة موفورة وسمعة طيبة، وأولاده لم يفارقوا دينهم ولا قوميتهم. (1/64)
صفحة 65
لِنعملْ أيها السادة غيرةً على هذه الحياة الشريفة الماجدة، ولنتيقنْ أن لا يكون لنا حياة إذا أهلمنا جانب التعليم، فتعطلت المساجد وغاض الينبوع الذي تستمد منه العائلة حياتها الدينية. سيما وقد فاض الفساد وتسربت إلينا عوامله مما يأتي به أبناؤنا من قبيح الأخلاق التي نالتهم عدواها أثناء اغترابهم واختلاطهم بالعناصر الموبوءة فيه، فإن لم توجد عندنا قوات عتيدة تسهر على الأخلاق وتحارب المفاسد وتمنع انتشارها في أوساطنا الطاهرة، وتحافظ على حياة الطهارة والعفاف والفطرة السليمة في الأسرة كان خراب الوطن لا قدّر الله.
لنعمل أيها السادة صيانةً لكرامتنا مما يحفظه التاريخ عنا من سوء الأحدوثة، خشية أن تلعننا أحفادنا بعدنا إذ أضعنا عنهم ميراثا غاليا ورثناه من آبائنا ولم نورثهم إياه. أما نحن فإن متنا على هذه الحالة الأسيفة فمتحتم علينا أن تكون لنا وجوه بشرية مستعارة، لأنا لا نستطيع أن نقابل بوجوهنا الحقيقية أولئك الأجداد الأمجاد، الذين اضطُهدوا في كل بقعة نزلوها، وقاوموا التيارات المختلفة حتى تغلبوا عليها، فأنشؤوا وطنا أسسوه على دعائم الدين وسلامة العقيدة ، فلم نستطع نحن الاحتفاظ به، وإلا أنكروا نسبنا منهم، لأن وجوهنا حينئذ تكون عليها غبرة، ترهقها قَتَرَة التضييع في الواجب الذي أوجبه علينا الدين وألزمتنا به الذمة والمروؤة.
وعليه، فلْنعمل ما دامت لنا فسحة في الأجل، وما دامت الوسائل ميسورة، وما دامت بقية من الغيرة في النفوس، لما يبيّض لنا وجها يوم تبيضّ الوجوه، وحتى نقابل أولئك الأجداد العظماء بوجوه تترقرق عليها أنوار القيام بالواجب، أنوار المحافظة على دين الله، وعدم التعريض بمصير الأجيال إلى الخطر. (1/65)
صفحة 66
عار علينا -والله- ونحن أبناء الذين حافظوا على بقائهم على قلة عددهم وضعف أسبابهم، أكثر من ألف سنة، حتى أوصلوا الأمانة إلينا سالمة، أن نستهين من العار الذي يلحقنا من جراء هذا التهاون أمام الله والملائكة والناس أجمعين.
عار أن لا يوجد في البلدة بأسرها شخص واحد يستطيع تحرير عريضة تعرب عن آمالها وآلامها إعرابا كافيا في باب الإقناع.
شخص واحد، إنه لَموتٌ زؤام، إن استطاع تحبير بعض سطور بالعربية، لكنه لا يقدر على تحريرها باللسان الفرنسي، لسان الحكومة التي ترسل إليها تلك العريضة. أجل، لا يوجد فرد واحد يرفع عن البلدة هذه الكلفة، فأسندت مطالبها إلى التراجمة الرسميين الذين لا ناقة لهم ولا جمل في باب العربية، يصوغونها كما شاؤوا وشاءت لهم عنجهيتهم، فتصل تلك العرائض التي أفرغتها الأمة آلامها وضمنها آمالها النبيلة خالية من الشعور وروح التأثير، ولهذا لم تكن مطالبنا تجد آذانا صاغية، ولم نفز في كل ما حولناه من هذا السبيل بطائل.
حرام علينا الأكل، حرام علينا الشرب، حرام علينا مضاجعة نسائنا ومداعبتهن، بل و حرام علينا الضحك وأنواع المتع والمسرّات، حيث بلغ بنا قلة الإحساس والشعور وعدم الغيرة على مستقبلنا إلى حد أن لا يوجد فينا واحد، آه واحد فقط، يمكننا أن نبث بواسطته شكوانا ونخفف به من بلوانا ولو بجرة من قلمه.
لا يحق لنا أن نبرز إلا مقنّعين -إن بقي فينا ذماء من حياء- أمام الأمم التي سارت في سبيل العلم أشواطا، حتى أصبحت أبناؤها تتلاعب به فتجعل الباطل حقا والظلام نورا، والانتحار فداء وتضحية، والبخل اقتصادا، والبهيمية رقيا وحضارة.
يجب علينا أن لا نمشي أمام الناس مشية الرجل الفحل، ونساء عيرنا لا ترضى بحالتنا حالة، ولا ترى ما نحن عليه من الحياة شيئا مذكورا يستلزم إضاعة الأعمار لأجله. (1/66)
صفحة 67
أيوجد مكتب فرنسي عندنا في البلدة يستمر نحو خمسين سنة مفتح الأبواب نصرف عليه سنويا من جيوبنا المصاريف الباهظة ونرهن فيه العشرات بل المئات من زهرات أبنائنا في فجر حياتهم السنين، ولم يتخرج منه ولو فرد واحد يحمل شهادة ابتدائية، ثم لا نبدي حراكا ولا نتألم لذلك؟
أتبلغ بنا الاستهانة برجال المستقبل إلى هذا ولا نرفع عقيرتنا، ولا نهتم بذلك غاية الاهتمام؟ فضلا أن نضحي بقليل من المادة في سبيل إصلاح هذا الوضع؟
إننا –أيها السادة- نيام نومة السكران لا نستفيق إلا بين جدران السجن، فهلاّ يجمل بنا أن نلقي نظرة عامة على العالم وإلى الأمم التي كانت مبتلاة بمثل دائنا فأصبحت في عداد الأمم الحية، بماذا استطاعت أن تعالج به حالتها، وما انتهجت من مناهج، وادرعت من وسائل حتى وصلت إلى الحياة الراهنة التي عليها اليوم، لعلنا نجد هاديا ودليلا يأخذ بأيدينا إلى سبيل حياة العزة والفخار؟.
إذا أمعنّا النظر في أحوال الأمم وبحثنا عن الدعائم التي ارتكزت عليها حياتها الحقيقية فاستطاعت أن تعيش في هذا العالم المتماوج فتنًا ومحنًا، وتأتَّى لها فوق ذلك أن تحكم وتستولي على أمم أكثر منها عددا وأوسع أرضا وأكثر أموالا، وجدناها ثلاثا:
1. الدعامة الأولى: الحياة الدينية.
2. الدعامة الثانية: الحياة الفكرية.
3. الدعامة الثالثة: الحياة الاقتصادية.
الحياة الدينية:
أما الحياة الدينية في الأمم والشعوب فبمثابة العمود الفقري في حياة الإنسان، فصلاح هذه الناحية من الأمة كسلامة النخاع الشوكي في العمود الفقري، وبسلامته تنتظم حركات الجسم وتؤدي الأعضاء وظيفتها، فتحصل النتيجة المطلوبة من الإنسان، الذي جعله الله خليفته في الأرض والمتصرف في قوى العالم، فضلا من الله ونعمة. (1/67)
صفحة 68
الحياة الدينية ما انتشرت في أمة وعمت أفرادها وعناصرها إلا أصلحت من شأنها ومدت عليها رواق الأخوة والصفاء، فأثمرت فيهم سجايا حميدة كلها ترمي إلى صيانة الوحدة وحفظ الذاتية. ومن أبرز تلك السجايا وأعلاها "الغيرة".
الغيرة أيها السادة، كلمة بسيطة، ولكن مغزاها عظيم، إنها إكسير الحياة، إنها سور حصين وسياج شائك، لا يقي وحدة الأمة من التفكك والاضمحلال فحسب، ولكن يدفع بها إلى مواطن المجادة، ويدفع بها إلى ميادين الشرف، ويحملها على مزاحمة الشعوب والعيش معها في مستواها العالي جنبا إلى جنب.
الغيرة سيف قاطع، بيد بطل شجاع، يتقن أساليب الدفاع والمصاع؟ (كذا). أفيموت هذا البطل وفي يده هذا السلاح الفتاك؟ ولهذا السر أرسل - صلى الله عليه وسلم - لعنته على من تجرد من هذه الخصلة الحميدة فقال: «لعن الله من لا يغار» (1) .
ذلك أن عدم الغيرة كان ولا يزال منبع الشرور، وأصل البلايا والمحن، ومعول هدم يدمر الأسر وينسف الشعوب والأمم، فإذا كان عدم الغيرة بهذه المثابة، فالغيرة بعكسها. وبضدها تتميز الأشياء (2) .
هذه الخصلة التي تتولد عنها ما ذكرناه وما لم نذكره، إن هي إلا شرارة وسقَطٌ من الحياة الدينية.
__________
(1) – لم أجده بهذا اللفظ، ولكن وردت أحاديث في لعن الديوث وهو الذي لا غيرة له، ويرضى الفاحشة في أهله: « عن عبد الله بن عمر رحمة الله عليه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ثلاثة قد حرم الله تبارك وتعالى عليهم الجنة مدمن الخمر والعاق والديوث الذي يقر في أهله الخبث رواه أحمد» انظر: الهيثمي، مجمع الزوائد، ج4، ص327.
(2) – هذا عجُز بيت للمتنبي، وتمامه:
ونَذيمُهُمْ وبهِمْ عَرَفْنَا فَضْلَهُ ... وبِضِدّها تَتَبَيّنُ الأشْياءُ
من قصيدة يمدح بها أبا علي مروان بن عبد العزيز الأوراجي، ديوان المتنبي، ص125. (1/68)
صفحة 69
الحياة الدينية –أيها السادة- هي أس سعادة الأمم وسر بقائها، فإذا أراد الله بأمة بقاءً وخيرا أرشدها إلى سلوك محجتها البيضاء، وتأييد العاملين على بقائها، والساهرين على حمايتها وإعزازها.
ولكن بماذا تكون هذه الحياة في الأمم؟ وبماذا تتغذى حتى تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها؟ الجواب عن ذلك سهل جدا، هو أن الشيء الوحيد الذي يبعث الحياة في الأمم بعد أن اندثر في النفوس بطغيان الإلحاد والكفر المغذي لها هو العلم. فإذا انعدم العلم انعدم الدين، كيف لا وهو لا يسير إلا على ضوء ناره، أم كيف يرونه والله يقول: { إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ } (1) .
فالخشية نتيجة التعظيم، والتعظيم لا يصدر إلا عن العلم بالشيء ومعرفته.
فإذا انسلخت أمة من الدين ودخلت في ظلمات الإلحاد والإباحية جاء إليها الشر يزحف إليها، بل يسرع الخطى ويطوي المسافات الشاسعة دون أن يوقفه شيء.
الدين ضروري لبقاء وحدة الأمة، لأن الجماعة التي تعمل عن عقيدة واحدة ولغاية واحدة لا شك وأن تكون أصدق الأمم مبدءا وألحجها غاية، وأن القوة الروحية التي يغذيها الدين في نفس صاحبه لهي القوة العتيدة التي تندك أمامها الجبال الشامخات.
إنه لقوة روحية تدفع بصاحبها أن يكون له الصدر بين العالمين أو القبر (2) . وبفضل هذه القوة الهائلة انتشر الإسلام بتلك السرعة المدهشة التي لم يعهدها التاريخ البشري، فضرب سرادقه في مناكب البسيطة في مدة وجيزة، ولولا خمود شعلتها في نفوس أبنائه اليوم بانحرافهم عن جادته وتمردهم على تعاليمه الغالية، لكان لهم شأن غير شأنهم هذا، ولكانوا سادة العالم، كما كان آباؤهم من قبل، لما كادت جذوة هذه القوة الجبارة متقدة بين جوانحهم.
__________
(1) – سورة فاطر، آية: 28.
(2) – إشارة إلى بيت أبي فراس الحمداني الشهير:
ونحن أناس لا توسط ... بيننا ... لنا الصدر ... دون العالمين أو القبر. (1/69)
صفحة 70
وبالجملة، فالقوة الروحية التي تدفع بالأمم إلى الاحتفاظ بذاتيتها والعمل على بسط حيويتها، إنما هي وليدة الحياة الدينية.
وإليكم نبذة نقلتها عن العلامة رشيد رضا من تفسير المنار، ج9، ص78، قال: «ولدينا مِن نُقول التاريخ القديم والحديث ما يؤيد ذلك، وقد صرح الذين كتبوا أخبار الحروب الأخيرة بعللها وفلسفتها، أن المؤمنين بالله واليوم الآخر من جميع الملل أعظم شجاعة وأشد على مشاق الحرب من غيرهم، ولذلك يحرص أوسع علمًا بسنن الخلق وأشدهم عناية بفنون الحرب كالشعب الألماني، بالمحافظة على الدين في جيشهم، وللبرنس (غير واضح) بسمارك، مؤسس وحدتهم ووزيرهم الأعظم، بل أكبر ساسة أروبا في عصره. (1/70)
صفحة 71
كلمة في هذا المعنى أثبتناها في المجلد الأول من المنار، من ترجمة الأستاذ الشيخ رحمه الله، عن كتاب "وقائع بسمارك ومذكراته" التي نشرها م. بوسة كاتم سره بعد موته، نكتفي هنا بقوله: "جلس البرنس بسمارك؟ على مائدة الطعام، فرأى بقعة من الدهن على غطاء المائدة، فقال لأصحابه: كما تنتشر هذه البقعة في النسيج شيئا فشيئا، كذلك ينفذ الشعور باستحسان الموت في سبيل الدفاع عن الوطن في أعماق الشعب، ولو لم يكن هناك أمل في المجازاة والمكافأة (أي في الدنيا) ذلك لما استكن في الضمائر من بقايا الإيمان، ذلك لما يشعر به كل أحد من أن واحدا مهيمنا يراه وهو يجالد ويموت، وإن لم يكن قائده يراه" فقال بعض المرتابين: أتظن سعادتكم أن العسكر يلاحظون في أعمالهم تلك الملاحظة؟ فأجابه البرنس: ليس هذا من قبيل الملاحظات، وإنما هو شعور ووجدان، هو بوادر تسبق الفكر، هو ميل في النفس وهوي فيها، كأنه غريزة لها، ولو لاحظوا لفقدوا ذلك الميل، وأضلوا ذلك الوجدان، فهل تعلمون أنني لا أفهم كيف يعيش قوم، وكيف يمكن لهم أن يقوموا بتأدية ما عليهم من الواجبات، وكيف يحملون غيرهم على أداءها، ما يجب عليه إن لم يكن لهم إيمان جاء به وحي سماوي أو اعتقاد بإله يحب الخير، وحاكم ينتهي إليه الفصل في الأعمال في حياة غير هذه الحياة. ثم أطال في ذلك بأسلوب آخر صرح فيه بأنه لولا عقيدته الدينية لما خدم سلطانه وعامله (الإمبراطور) ساعة من الزمن، إلى ما قاله...».
فأنتم ترون –أيها السادة- كيف يستغرب هذا الداهية أن تنتظم معيشته بين أقوام، أو يستطيعون القيام بواجبهم، فضلا أن يحملوا غيرهم على تأديته وليس لهم دين يهمن عليهم ويرغم كل واحد منهم أن يقوم بما يرجو منه المثوبة عند حاكم تنتهي إليه الأعمال في حياة غير هذه الحياة. ألا فليعتبر المعتبرون وليستيقظ الملحدون.
الحياة الفكرية: (1/71)
صفحة 72
أما الحياة الفكرية فهي روح نهضة الأمم وإكسير حياتها، هي الرابطة التي تربط الشعوب ببعضها، والصلة المتينة التي بين عموم بني الإنسان، فكلما ترقت عقلية أمة كلّما اتسعت دائرة اتصالها بشعوب الأرض، وكلما كثر اتصالها بالأمم ذات الحضارة والحياة، إلا وتقدمت نحو الكمال أشواطا، ثم لا مناص لها من الانفعال لكثرة الاختلاط، سيما إذا اشتد إعجابها بأمة أخرى، فإنها تندفع كمال الاندفاع، وراء محاكاتها وتقليدها، فلا تلبث أن تصبح في مستوى أعلى من المستوى الذي كانت تشغله. وهكذا دواليك، فبكثرة الاطلاع والإمعان في التقليد والمسايرة جنبا لجنب، ينبُه شأنها وتصبح بحيث يُعرَف لها مركزها ومقامها بين أمم العالم، وهنا يتأتى لها أن تعيش في أنس وسعادة.
وهناك إذ تكون في المستوى المعترف به، تكون كالشخص الذي له أصدقاء أوُدّاء وعشراء أصفياء، لا شك وأن يكون أسعد حظا كلّما ازداد عدد هؤلاء الأصفياء، بخلاف الأمة المجهولة من العالم، الخمولة الذكر، فإنها كالشخص الذي عدم الأصدقاء والخلان، لا يعيش إلا كئيبا كاسف البال، لا يستلذ طعاما ولا يستسيغ شرابا طول حياته.
الحياة الفكرية هي القوة التي تحفز الأمم إلى مراتب العلا، وبها تتدارك نقصانها فتتلافاه، هي التي يقارن بها بين الأمم في سائر نواحي الحياة ومقوماتها، فتهبّ بعد ركود وتتحرك بعد جمود، وترتقي بعد سقوط وانحطاط.
الحياة الفكرية تضاعف جهود الأمم وتكهرب عناصرها فينبرون لاستخراج كنوزهم الدفينة، واسثمار مواهبهم المستكنة، وتكشف الغطاء عما لآبائهم من المآثر، وأجدادهم من المفاخر، فيجدون أنفسهم مضطرين أن يعلو هيكل مجدهم على أسس الأجداد المتينة، وبذلك يكونون قد أدوا حق الجدود، وقاموا بترضية ضميرهم. وفي ذلك من الراحة التامة والسعادة المنشودة ما لا يستطيع أن يعبر عنه قلم كاتب. (1/72)
صفحة 73
الحياة الفكرية هي التي تعرّف الأمة بعظمائها، وتوجب عليهم الإشادة بذكرهم والاعتراف بجميلهم، ومن هنا نجد الأمم الراسخة القدم في الحياة الفكرية تشيد بعظمائها ونبغائها، تلقينا للأبناء وزجًّا بهم إلى ميادين العظمة والنبوغ، فإن قديم النبوغ يبعثهم على التأسي والطموح إلى المرتبة العالية التي ينالها العبقري في أمته.
وإذا سرت هذه الروح في الأمة أصبحت لا محالة غنية برجالها. والدول إنما تقوم وتدوم بما تملك من رؤوس التفكير ورجال الأعمال.
الحياة الاقتصادية:
وأما الحياة الاقتصادية فإنها للأمم كما للأفراد بمثابة الأجنحة للطيور، وهل يمكن الطائر أن يحلق في أجواز الفضاء بلا جناح أو مقصوصه؟
وهذا البازي سيد الطيور لا يستطيع بدونه نهوضا، فكيف بزغب الحواصل التي لا تكاد تنتفش؟
الحياة الاقتصادية للأمم هي الأيدي التي تتناول بها الأشياء، والأرجل التي تنتقل عليها. والأمة بلا حياة اقتصادية كساقط الحرب الذي قطعت يداه ورجلاه، لايستطيع حماية نفسه ولو بشربة ماء، إلا إذا قيّض الله له رحيما يرقّ عليه ويسعفه بما يدفع عنه العطب، ولكن هل لهذا الرحيم أن يلازمه صباح مساء، أو يرصد حياته لخصوص خدمته؟
حسبه أن يعطف عليه مرة أو مرارا معدودة، ثم يتركه وشأنه فيبقى كالمصباح في مهب الرياح لا يلبث أن ينطفئ.
الأمة المحرومة من الحياة الاقتصادية -أيها السادة- كهذا الساقط تكون عرضة لطوارق الدهر، والدهر جبار لا يرحم إلا من رحم نفسه واتقى عادياته بما يقيمه من الحواجز المنيعة والأسلاك الشائكة. والدهر كالبحر لا يبقي على ظهره إلا من يحسن السباحة، أما الغمر الذي يلقي بنفسه كما تلقى الحجارة فلا يكون مصيرة إلا قرارته حيث يصبح نهبا مقسما بين حيتانه. (1/73)
صفحة 74
الحياة الاقتصادية هي العضلات التي يتسنى بها للأيدي أن تبطش، وللأرجل أن تثبت. والإنسان لا ينفك في معترك الحياة، فإذا لم تكن له سواعد قوية للبطش، وأرجل متينة للثبات والوثوب كان ولا ريب من ضحايا المعركة.
وبالجملة
فالأمة بلا حياة اقتصادية أمة شلاّء بتراء، لا تستطيع الوصول إلى ما تطمح إليه نفسها من العزة والمناعة، اللهم إلا تكففا واستجداء. وأَخسِسْ بحياة التكفف والاستجداء لمن له شعور وإحساس وغيرة على مركزه الأدبي.
على أن هذه الحياة كسائر فروع الحياة الأخرى لا تقوم إلا على دعائم العلم الصحيح، فإذا انعدم انعدمت.
وللحياة الاقتصادية أسس وقوانين قررها العلم، يجب أن تُعلَم وتُتَّبع، وإلا كان عمله ضائعا قليل الجدوى إن لم يكن وبالا عليه.
إن من يغشى ميادين الاقتصاد وهو أعزل من سلاح العلم كساع إلى الهيجاء بغير سلاح، أو كمن يغشى موائد القمار ويحاول وهو غرّ أن يلعب مع أمهر المقامرين، أفتُرى هذا المقامر المغامر بعرضه يخرج من هذه المحاولة رابحا، أم لا يخرج إلا خاوي الوفاض بادي الأنقاض؟ وهل يحمد له هذه المحاولة عقل أو يستحسنها طبع؟ كلا. كذلك حالة من يغشى ميادين الاقتصاد بدون أن يدرس السنن التي ناط بها الله تعالى طلب الرزق وتسهيل سبل المعاملات. يظل حياته يكدّ ويكدح ثم لا يزال حليف الفاقة أو متوسط الحال، يملك مالاً يسمّى به فقيرا، يستحق به عطف المحسنين.
ولو كانت تلك الجهود التي صرفها في حياته والتضحيات التي ضحاها وراء جمع الثروة كانت من إنسان عليم بقواعد الاقتصاد خبير بطرق الاكتساب ومناهج الإثراء، لكانت ثروة تذهل العقول وتحيّر الألباب.
وما تركنا أبناء هذه الأمة المسكينة قاب قوسين أو أدنى من الفقر إلا دخولنا ميدان الاقتصاد عُزْلاً من العلم، إلا تجارب تقليدية لا تسمن ولا تغني، ما تركنا في أخريات الأمم إلا ذاك، في حين أننا نشاهد عِبرًا لو كنا نعتبر، وذكريات لو أننا ندّكر. (1/74)
صفحة 75
يتعامل أحدنا مع شخص دخل هذا الميدان عن علم فيولد لهذا الشخص ولد، ولا تزال المعاملات جارية بينهما حتى يكبر ذلك الولد، ويُتم دراسته ثم يدخل مع والده معترك الحياة وقد تزود بما يؤهله أن يضرب في هذا المضمار بسهم صائب، وينال فيه حظا وافرا في أقرب وقت، وإذا بأخينا وقد نجم ابن صديقه وأصبح يتعامل معه كما كان يتعامل مع والده، وإذا بذلك الشاب يصبح ذا ثروة واسعة وصيت، وإذا بأخينا لا يزال يطرق أعتابه طالبا بعض الإمداد والمساعدة، وهكذا يمر عمر أخينا وقد استهلك عقودا من السنين في هذه العملية الشاقة دون أن يحصل على طائل، وإذا بذلك الشاب الذي كان يداعبه في صغره يتكلم معه في شموخ وكبرياء، وما كان له أن يبلغ هذا المستوى لو اقتحم غمرات ذلك الخضم المتماوج عن جهل وغباوة، أو استقر على ما نقتصر عليه نحن من تقفي بعضنا آثار بعض، ولو كان المقفّى على ضلال في سيره وخطإ في سعيه.
وبالجملة فقد أخطأنا الغاية إذ جهلنا الوسيلة. والأمل وطيد فيكم أيها السادة بأن نسعى سعيًا حثيثا، ونتدارك نقصنا، فنتجافى الأسباب التي سببته لنا في المستقبل.
هذا، والنقطة المهمة التي تجب ملاحظتها في هذا المقام هي أن الأمم لا يعترف لها بحيويتها ولا بانتظامها في سلك الأمم إلا إذا شيدت حياتها على الدعامات الثلاث، على أنها لا يمكنها إقامتها عليها إلا إذا وجهت عنايتها إلى التعليم الصحيح، وصدقت نيتها في طلبه.
وإليكم شاهدا تاريخيا فيه عبرة لكل أمة طال عليها أمد الموت الاجتماعي، وأرادت رقيا ونهوضا كيف تسلك إلى غايتها؟ (1/75)
صفحة 76
إن دولة بولونيا كانت أمة ذات سيادة ووحدة استقلالية، ثم قلب لها الدهر ظهر المجن، فجعلها من بعض حوادثه، ودارت عليها رحى الأيام فأدمجتها في غيرها، ولم يسعها إلا أن تنزل على حكم الدهر، فلما أراد الله إحياءها نفخ في بعض أبنائها روح التعطش إلى العلم، فنفرت منهم طائفة اعتصمت بشغال الجبال، وآوت إلى المغاور والكهوف، منكبة على تحصيل العلم، منقطعة عن كل ما يصرف عنه. جاعلة نصب عينيها غاية، وهي أن تحرير أمتها من نير الاستعباد، وانتشالها من حفرة الموت. أجل، لما نالت منه بغيتها واتخذت منه عدتها، نظمت أمرها وشكلت إدارتها، ووقفت على أهبة الاستعداد، مظهرة لمن عقدت عليه العزم ليمد لها يد المساعدة في استرجاع ذاتيتها، أنها جديرة بذلك وأهل. هنالك أرسلت من تلك المرتفعات صرختها الداوية إلى الأمم القوية التي علقت عليها آمالها، طالبة نصرتها، وهناك إذ رأت استعدادها العلمي بلغ بها إلى تلك الدرجة لم تتردد في نصرتها، فأصبحت بعد أن ذاقت مرارة الذل والهوان دولة مستقلة تميس وتمرح في مطارف العز والحرية.
وها هي اليوم من الدول التي لها في العالم صوت يُسمع، وحق يُحترَم، ومكانة لا تُنكَر.
فهل يمكنها وقد ضربت عليها الأجيال المتطاولة عناكب الإدماج، أن تعود إلى الحياة الاستقلالية لو لم تنهج منهج العلم؟ لا والله، ولو استجاهت بأمم الدنيا قاطبة.
وعليه، فالحجر الأساسي في بناية الأمة هو العلم الصحيح، فإلى العلم الصحيح أيها السادة ! (1/76)
صفحة 77
وما قيل في بلونيا يقال في دولة اليابان، هذه الدولة الشرقية من أعظم دول العالم الذي يخاف جانبها، وفي الرعيل الأول في الرقي العلمي والمدنية الزاهرة، وناهيك بدولة روسيا القيصرية، التي كانت ترتعد من خوفها فرائص العالم، ومع ذلك فقد فرت هذه الدولة الشرقية جلدها في الحرب المشهورة التي نشبت بينهما سنة 1904م، لم تكن هذه الدولة قبل ذلك بجيل شيئا مذكورا، ولا كان جانبها مرهوبا، فلما أحست ضعفها وأدركت الخطر الذي يحدق بها، إن دامت على حالتها العتيقة، ولم تقتحم غمرات الاستعداد بالوسائل الحديثة ارتمت في أحضان العلم مرة واحدة، وأرسلت بعثاتها إلى مختلف الدول الأروبية العظيمة، فعادت من هناك ملأى الحقيبة بأساليب الحياة ووسائل الدفاع، وانبرت لإصلاح داخليتها ماديا وأدبيا، وظلت معتمدة على نفسها حتى بلغت إلى ما عليه الآن من المكانة الرفيعة والقوة المنيعة.
هذا ولا أزال أكرر وأقول: إن الأمم لا تتم لها سيادة إلا إذا أمست حياتها على دعائم ثلاث: الحياة الدينية والحياة الفكرية والحياة الاقتصادية. فبالحياة الدينية يكون لها وجدان حي، وبالحياة الفكرية تستطيع أن تفكر فيما يمليه عليها وجدانها، وبالحياة الاقتصادية يتسنى لها تنفيذ فكرتها، فإذا أضحت حساسة مفكرة عاملة كانت حقا كاملة، ولكن كيف تقوم بنهضة علمية تستكمل شروط الحيوية، وأمتنا غارقة في سباتها العميق؟ هل نوزع عليها منشورات ندعوها إلى العلم وتأسيس المدارس، وجعل التعليم إجباريا، إلى غير ذلك مما هو من مخططات الحكومات النظامية، أم ماذا؟
وهل إذا أهبنا بأمتنا تصغي لأوامرنا فتصبح خائضة غمار التعليم؟ وهي على ما نعلمها عليه زهدًا في العلم وما تصرَّف منه، وتصامما عن سماع صوت داعيه؟ (1/77)
صفحة 78
لا هذا ولا ذاك، وإنما الحكمة أن نسير معها حسب المثل السائر "إذا أردت أن تطاع فامر بما يستطاع". نلمّ شعثها أولاً نحن أعيان العطف، ونضرب لأهل القطر منَّا مثلاً. فمتى أقنعناهم بصلوحية الفكرية، وأبرزنا عمليا دعونا غيرنا من مدن ميزاب إلى مثل علمنا الذي تتعلق به -على ما نعتقده- حياة الوطن. وهنا لا شك أن نجد منهم آذانا صاغية. أما أن نكثر من الشقاشق والهذيان وبسط النظريات المختلفة دون أن نبرز عملا تمكن مشاهدة ثماره، فضرب في حديد بارد، وإضاعة للأعمار فيما لا ينبغي.
نريد أيها السادة أن نقوم بعمل جدي يكون لنا إن شاء الله فخرًا في الأولين وشرفا في الآخرين، إنشاء جيل موحد الثقافة موحد الميول والأهداف، منسجم مع بعضه من منذ الصغر، سيقضي إن شاء الله على ما يهدد بلوتنا من التفرقة العنصرية، ومسخ الوضعية والانسلاخ من القومية.
هذا العمل هو تأسيس مدرسة علمية عصرية تتولّون أنتم أيها السادة القيام بأعبائها وحدكم لمدة معينة، كما سنفصل في البرنامج.
نعم، أنتم وحدكم مطلوبون بذلك، لأن اختيارنا وقع عليكم، لما نعهده فيكم من الغيرة والتضحية والروح الوطنية. وبهذه المعاني تناط الأعمال الوطنية.
بدا لنا نحن الداعين إلى تحقيق الفكرة أن الأمر لا يتم في وضعنا الحالي إلا إذا كان محصورا في دائرة أفراد قليلين ذوي نفوس سخية، عالمين بقيمة الثمرة التي ترجى من هذا المشروع العظيم، وإنما اخترنا الحصر خشية أن يقضى على الفكرة في مهدها. وحرمان البلدة بأسرها من شجرة طيبة في مقدورنا أن لا نحرمها منها. وقد جاء في المثل: "لنعمل وإن قليلا، ولكن في إتقان". يعني إذا استطاع الإنسان أن يتقن قليلا من العلم فلا يتطاول إلى أكثر منه، وهو غير قادر على إتقانه. (1/78)
صفحة 79
ولأننا إذا فتحنا الباب على مصراعيه في مسألتنا دخل فيها من يقدر المشروع قميته، ومن دفع به تيار المحاكاة، وبالطبع لا تكون مشاركة هذا الصنف الأخير بدافع وجداني، فلربما كان ضرره أكثر من نفعه، فلمجرد أن يلاحظ بعض فتور في المشروع، لا يسلتزم سوى مجرد ملاحظة أو تنبيه، اتخذه ذريعة فنفخ في بوق الهدم، تفصيا من المسؤولية، انساق إليها بدافع من المحاكاة انسياقا، فيفتّ في عضد الباقين ويمسي أداة تعطيل وتثبيط، بعد أن أشرك في الأمر ليكون ساعدا قويا وعضدا متينا.
لهذا اخترنا هذه الجماعة القليلة في العدد الكبير بعملها، فبمساندتهم وعقدهم الخناصر على أن لا يتأخروا إلا إذا تحقق المشروع وأخذ طريقه نحو غايته، وظهرت طلائعه وسط المجتمع بادية للعيان. وبذلك أيها السادة تكونون قد أديتهم واجبكم نحو الأحياء والأموات، وكنتم بتشييدكم هيكل النهضة العلمية بعد أن سكنت ريحها مدة غير قصيرة، أسوة حسنة للأجيال القادمة. وسجلتم في سفر التاريخ أسماءكم بأحرف من نور، تزداد إشعاعا على مر الأيام. أكثر الله في الأمة من أمثالكم، وسدد خطاكم إلى ما فيه سعادة الجميع.
برنامج المشروع
المادة1: المالية: تجمع ميزانية المشروع، ويقدر عددها بثلاثين ألف فرنك سنويا.
المادة 2: تصرف هذه المالية في مصلحة التعليم، وذلك:
أ= أجرة معلم ذي كفاءة، وتقدّر بنظر المتصرفين المشرفين عليه.
ب= أجرة معين ذي كفاءة، وتقدّر بنظر المتصرفين المشرفين عليه.
ج= تجهيز القسم بالمقاعد والأدوات المدرسية.
المادة3: يعهد إلى أربعة أو خمسة أشخاص ثقات بتسيير المشروع كهيئة إدارة. وهم السادة: الحاج امحمد عمر بن عيسى بن إبراهيم، بكلي عبد الرحمن بن عمر، ابن لولو صالح بن محمد، سماوي حمو بن صالح، الحاج عيسى إبراهيم بن الحاج محمد بن صالح. (1/79)
صفحة 80
المادة4: أولئك الأشخاص يتحملون مسؤولية تسيير المشروع، فيتولى واحد منهم الكيس، والثاني خليفته، والثالث يتفقد المشروع، والرابع والخامس معينان له.
المادة5: الذين يلتزمون القيام بميزانية المشروع لا يقبلون دخول غيرهم معهم، إلا إذا دار على المشروع سنتان على الأقل.
المادة6: لا تقبل تبرعات المحسنين قبل الأجل المتفق عليه.
المادة7: يلتزم المتعاهدون على القيام بالمشروع أن يدفع كل واحد منهم منابه، وهو عدد ألفي فرنك (200) نقدا حاضرا في أول كل سنة، مدة ثلاث سنوات، سواء دخلت في كيس المشروع تبرعات أو لم تدخل.
المادة8: إن مات واحد منهم لا قدّر الله، فسيُبحث عن خليفة له، وإن لم يوجد (ولا نظن ذلك) فإن قسطه تتحمله الجماعة.
المادة9: يعاد النظر في هذا البرنامج بعد مضي ثلاث سنوات.
المادة10: التعليم يكون مجانا لا فرق بين غني وفقير وحرّ وعبد.
المادة11: يلتزم أب الطفل أن لا يسحب ولده من المدرسة قبل مضي ثلاث سنوات، على الأقل من يوم دخوله في التعليم.
المادة12: المتعاهدون على القيام بالمشروع، هم السادة:
? الحاج عدون بن بكلي.
? الحاج مسعود بن إبراهيم بزباز (هيبة)
? سليمان بن الحاج عيسى، اسماوي
? بهون بن بعيسى (الحاج إسماعيل).
? حمو بن صالح، اسماوي.
? محمد بن الحاج بكير، بكلي.
? داود بن بالحاج، بكلي.
? إبراهيم بن الحاج محمد، الحاج عيسى.
? يحي بن باحمد بن اسماعيل، اسماوي.
? الحاج امحمد بن إبراهيم، الحاج عيسى.
كما توجد إمضاءاتهم في رسم الاتفاق.
المادة13: أول سنة للمشروع يبتدئ من أول السنة الهجرية 1351.
وقع يوم 15 مارس 1932م.
تعليق (1/80)
صفحة 81
1- لإبراز المشروع إلى حيز الوجود فعلاً اتفقنا مع جماعة العزابة أن تكون المدرسة تابعة للمسجد احتماء ببيت الله الذي له حرمته وقداسته، ولو في نظر فرنسا المستعمرة، لأن إنشاء مدرسة حديثة في تلك الظروف يعتبر كفتح مستودع للمفرقعات أو أشد خطرًا. حرام التفكير فيه، حرام طلبه، سيما وقد ازدهاها الغرور بعد العيد المئوي للجزائر. وأصبحت تعتقد أن لا قوة في الدنيا تنازعها البقاء فيها، فهي تأخذ احتياطاتها للاحتفاظ بهذا العلق النفيس، وتسخّر أبناء الوطن عبيدا لها.
وإن إقبال الأمة على التعليم ألغام لها، وإن بعد حين، لهذا يتسنى لطالب فتح حانة أو ماخور، أن يحصل عليه بكل سهولة، بين عشية وضحاها. أما التعليم فجريمة لا تغتفر، وإساءة إلى السلطة الحاكمة، يكتب اسم صاحبها بالحبر الأحمر على راس قائمة المجرمين، تعقّب حركاته وسكناته، وتبدل حسناته سيئات، ثم لا يلبث أن يقع في فخ ينصب له قهرا وظلما، ثم لا تتورع أن تنتقم منه وتريح نفوذها من شره، لذلك احتمينا بالمسجد وأسندنا التعليم إليه، فانطلت الحيلة وضحكنا على ذقن الإدارة العسكرية، فأصبح المدرسة مفتحة الأبواب تعج بالتلاميذ تشق طريقها إلى غايتها، رغم أنف المستعمر الكنود.
2- بعد أخذ الحيطة قررنا أن يكون افتتاح المدرسة ابتداء من أول العام الهجري لسنة 1351، ففتحت فعلا في الميعاد المحدد، في مهرجان رائع حضره العموم، وعلى رأسه جماعة العزابة، وهكذا سارت سفينتنا باسم الله مجراها ومرساها، فأصبحت هذه المدرسة اللبنة الأولى للنهضة العلمية الحديثة في العطف. ورغم أن قضت عليها في مهدها الظروف القاسية، فقد بارك الله في نواتها فأصبح الذين تلقوا فيها معلوماتهم الأولى على رأس الحركة العلمية بعد جيل من الزمن، ولله الأمر من قبل ومن بعد. (1/81)
صفحة 82
3- ربطنا المدرسة بمحضرة المسجد، كما سبق، وبما أن للمسجد محضرة يقتصر فيها على تحفيظ القرآن، وفقيهها وقتئذ الشاب الحافظ الحاج عيسى الحاج عيسى بن الحاج صالح، وللمدرسة قاعة واحدة كبيرة، يتولى التعليم فيها الأستاذ بكلي أحمد بن الحاج يحي. فقد نسقنا بينها وبين المدرسة، ووحّدنا برنامجهما على الكيفية الآتية:
تتوارد على المدرسة من التلاميذ المجتمعين في المحضرة طبقة أو طبقات بالتعاقب، وكلما أتمت طبقة حصتها أتبعتها الأخرى وهكذا دواليك.
4- ولتكوين الوعي بوجوب الإقبال على التعليم، أحطنا المشروع بدعاية واسعة، فكلما وصل فوج من السفر دعوناه إلى المدرسة فأجرى معلمها أمامهم شبه اختبار لتلاميذه، وقد كان حفَّظهم بعض قصائد وخطب، فيلقونها بحماس، الأمر الذي ألهب نفوس الجمهور حماسًا، لأنه لم يكن لهم عهد بذلك، وأدركوا أن في ناشئتنا استعدادا لا يقل عما لغيرنا، وإنما الفرق بينهما أن الغير أدرك ذلك قبلنا، فسار أشواطا في التعليم، وركدنا نحن فأهملنا أبناءنا، فتخلفنا عن القافلة، فلم تكد احتفالاتها تنقطع عندما بدت بواكيرها، ولم نقصرها علىالجمهور بل كنا نقيمها أيضا لرجال الدين الذين يوجد من بينهم من لا يرتاح للتعليم المدرسي ويراه شعبة من التعليم الأجنبي، قد ينطوي على ما لا يوافق مبادئ الدين، فنستعرض الدروس سيما الدينية بحكم المألوف أمامهم، فيُسألون أخيرا: هل عثروا فيما سمعوا على ما يخالف الدين؟ وهنا لم يسعهم إلا أن ألقوا السلم، فأظهوراستحسانا وتشجيعا، وباركوا المشروع, ودعوا بنجاحه. الأمر الذي أفسح الطريق للمشروع أن يشق طريقه نحوغايته، وإن لم تهادنه الأزمة الاقتصادية التي نالت رجال البذل في الأمة غب العيد المئوي. (1/82)
صفحة 83
اشتهرت أخبار المدرسة فأصبحت الوفود من مختلف قرى الوادي تتوارد عليها للاطلاع، فيُحتفّل بهم، تلقى الخطب وتنشر الفكرة، فيعودون متأثرين لاهجين. الأمر الذي أوحى إلى بعضها أن تقتفي أثر العطف في هذا الميدان، وهنا أخذت فكرة إنشاء المداس على الطراز الحديث تتوطد ويسري تيارها في الأمة كسريان الكهرباء في الأسلاك، فتطور التعليم على وجه الإجمال فتلاحقت بقية المدن، وإن بعد أمة.
5- اشتدت الأزمة الاقتصادية بعد العيد المئوي كما هو معلوم فتضعضعت حالة بعض الذين قاموا بالمشروع وعجزوا عن الوفاء بعهدهم، فتوقفت المدرسة، ثم جمعنا جماعة معتبرة من أعيان مختلف عشائر البلدة رجاء أن يتبنوا المشروع ويخف حمله على الرقاب، نظرا لوفرة عددهم، فاستجابوا للدعوة، ولكنهم وياللأسف ما كادوا يسيرون به شهورا حتى ألقوا السلاح هم أيضا، فأقفلت المدرسة أبوابها نهائيا، وعادت الحالة بعد هذا التطور المحمود إلى ما كانت عليه قبله من الاقتصار على فقيه المحضرة، والتفرغ لحفظ القرآن. والأمر لله.!!.
الحركة الثقافية في ميزاب قبل استقلال الجزائر (1) .
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله .
أيها السادة، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
لقد اقتُرح عليّ أن أحاضر في هذا الموضوع الواسع الأطراف المجهول المعالم، الجدير أن يُبحث باهتمام واستقصاء، الأمر الذي يحتاج معه إلى وقت فسيح يتسنى فيه للباحث أن يلم بأطرافه، بيد أن ما لا يدرك كله لا يترك قُلّه، وعليه فأنا أتقدم إليكم بخلاصة مجملة في الموضوع بالنسبة لما يجب أن يقال فيه، نزولا على حكم المفترحين، مشاركة في هذا الأسبوع الثقافي الأول من نوعه في بريان، وتشجيعا لأبنائنا المثقفين، وإلفاتا لنظرهم، عساهم يجعلون هذا الموضوع الحيوي نصب أعينهم فيولونه ما يستحق من عناية وبحث ودراسة.
__________
(1) – محاضرة ألقيتها بمناسبة أسبوع بريان الثقافي الأول. (1/83)
صفحة 84
هذا، وقبل الشروع فيه لا بد لي من التنبيه على نقطتين:
الأولى: قد ترد في محاضرتي هذه بعض كلمات ككلمة الجمود مثلا، ربما يعتبرها البعض نبزا منّي وطعنًا، وأنا -علم الله- لا أقصد بها ذلك، فلسنا في حاجة إلى التنابز، وإنما أقصد بها -لا غير- التمييز بين فكرتين كانتا تتصارعان في وطننا حقبة غير قصيرة من الزمن، ولولا المحافظة على أمانة التاريخ ما كنا في حاجة إلى إيرادها.
الثانية: أن مدلول الثقافة في عصرنا أوسع نطاقا منه في أي زمن سبق، بل يكاد يكون في الماضي منحصرا في العلم والتعليم والعمل بمقتضى ذلك. لذلك لا أتناول في كلمتي إلا جانب العلم والتعليم بقسميه العربي والفرنسي.
ويمكن حصر موضوعنا في النقاط الآتية:
1. التعليم قبل مجيء فرنسا إلى ميزاب.
2. التعليم في عهدها، وتطوره بميزاب من العشرينيات إلى الاستقلال، بما في ذلك من العراقيل التي كانت تبثها إدارة الاستعمار الهادفة إلى استدامة حياة الجهل في الأمة.
3. كلمة عن حياة التعليم في بريان خاصة.
التعليم قبل مجيء فرنسا إلى ميزاب
أما التعليم قبل مجيء فرنسا فقد كان عربيا محضا، ودينيا في الغالب، يدور حول فلك الكتاب والسنة والإجماع، من تفسير وحديث وسيرة وتاريخ وأصول الدين والفقه، ومن نحو وصرف وبلاغة إلى غير ذلك. وكان على الطريقة المعهودة في ذلك العصر، لا في ميزاب والجزائر فحسب، بل حتى في العالم العربي؛ حاشا بعض دوله العريقة في الحضارة والثقافة كمصر مثلاً.
غالبه يهدف إلى نشر الثقافة الدينية، وإلى المحافظة على اللغة العربية، التي هي لغة الدين، وإلى غرس الأخلاق الإسلامية في الأمة وحملها على السمت القويم علميا، على غرار ما كان عليه الرعيل الأول من سالف الأمة، وإلى نشر تاريخ الإسلام مكتوبا بالدماء والدموع، غرسًا للروح المِلِّيّة في ناشئة البلاد، ومحافظةً على مآثر الآباء والأجداد، وتلقينًا للخلف بطولات السلف. (1/84)
صفحة 85
هذا وقد جرت سيرة ميزاب أن العلماء الذين يتصدون لنشر الثقافة في عموم الأمة، تكون للبارزين منهم ديار للعلم خاصة هي مدارسهم على التحقيق، زيادة على منابر المساجد التي يرسلون من عليائها أصواتهم الداوية، ويقتصرون في دروس المسجد على الوعظ والإرشاد، وتلقين العقيدة وفقه العبادات بما يلائم مستوى جماهير الأمة. أما الدروس العلمية التي تستدعي تعمقا في البحث من تفسير وحديث وأصول وعلوم العربية، فيدرسونها في دور العلم للطلبة الذين يبتغون التحصيل، ولهم استعداد لحمل الأمانة.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى كان هؤلاء الدعاة الذين يحملون مشعل الثقافة لينشروه بمختلف المناسبات في الأمة، كالأفراح والمآتم وجلسات العشائر والولائم الخاصة، فيتخذونها مناسبة لنفخ روح الدين والوطنية والإرشاد إلى ما ينفع معاشًا ومعادًا.
ولقد تعاقبت على كل قرية من قرى ميزاب شيوخ وعلماء أجلة عبر القرون، لم يألوا جهدا في نشر العلم وإصلاح مجتمعهم، وتوجيه الأمة الوجهة الصالحة؛ يشرفون على حياة المجتمع وإدارة دواليبه عمليا، وبذلك استقامت أموره وحافظ على حياته طوال القرون.
هذا ولا بأس أن نذكر بهذه المناسبة بعض العلماء في كل قرية من قراه، كنموذج، تفقيهًا لشبيبتنا التي تجهل تاريخ أمجادها كل الجهل.
فمن غرداية
1. الشيخ أبو القاسم بن يحي، مجدد نظام العزابة في غرداية، فقد وضع نظاما محكما لعزابة غرداية، سُجّل لنفاسته في المحكمة الشرعية، ولا يزال العمل به جاريا فيها إلى الآن.
2. ابنه الشيخ حمو والحاج بلقاسم، شارح الأجرومية، وإليه ينسب نظام الري العجيب في غابة غرداية، ولا يزال موضع إعجاب المهندسين الأجانب الذين يزورون الوطن للاستطلاع.
3. الشيخ الحاج مسعود الذي نشر العلم في كل من مليكة وغرداية، وإليه تنسب العشيرة المشهورة في غرداية "عشيرة الحاج مسعود". (1/85)
صفحة 86
4. الشيخ بابا بن محمد، فالشيخ بابا بن يونس اللذان جهادا في القرن 12 و13 جهاد الأبطال في إقرار الأمن وإصلاح مجتمع غرداية المضطرب في أيامهم.
5. الشيخ عمي سعيد بن علي الجربي، أحد الثلاثة الذين أوفدتهم جربة لإحياء العلم في ميزاب، فكان من نصيب غرداية، فقام بمهمته أحسن قيام، واستوطن ميزاب وبارك الله في ذريته وأعماله، ولو لم يكن له من آثاره العلمية إلا مجلسه الذي أسسه ولا يزال رمز الوحدة الميزابية لكفاه فخرا وشرفا.
6. ابنه الشيخ صالح بن عمي سعيد الذي كان من شيوخ غرداية المشاهير.
7. الشيخ عمر بن صالح قاضي قضاة ميزاب في محكمة غرداية.
8. الشيخ صالح بن محمد بومعقل الذي اجتهد في طلب العلم باللغتين حتى بلغ درجة المحاماة، وبفضل مساعيه تأسست المحاكم الشرعية الإباضية بالشمال الجزائري.
9. وأخيرا الشيخ حمو بن باحمد بابا وموسى حامل لواء الجمود في عهدنا الأخير.
وفي بني يسجن
1. الشيخ يحي بن صالح مجدد النهضة العلمية في ميزاب.
2. الشيخ عبد العزيز الثميني، صاحب النيل، وشهرته تغني عن التعريف به.
3. الشيخ الحاج يوسف بن حمو، من آل دادي عدون في بريان.
4. الشيخ الحاج امحمد بن يوسف اطفيش، الذي بلغت مؤلفاته عدة مئين، وناهيك به فقد ازدهرت في عهده الحياة العلمية بميزاب، تدريسا وتأليفا، وتخرج من مدرسته علماء أجلاء من مختلف قرى الوادي، انتشروا في الجنوب والشمال، وكانت لهم الصدارة العلمية.
5. الشيخ الحاج صالح بن عمر، الذي ترك تآليف ومكتبة غنية، لكنها لا تزال محجوبة عن القراء، من منذ وفاته سنة 1927م إلى اليوم، تعصبا واحتكارا من قيّميه حتى عن أبرز تلاميذه الذين جرى تنظيمها على أيديهم (1) .
6. الشيخ أبو إسحاق إبراهيم اطفيش، نزيل القاهرة ودفينها.
__________
(1) – لقد تم فتح المكتبة للباحثين في سنة 1988، وهي فعلا مكتبة غنية جدا بكنوز المخطوطات النادرة ومصادر الشريعة والتاريخ. (باجو). (1/86)
صفحة 87
كل هؤلاء تركوا تآليف علمية قيّمة، لاسيما القطب اطفيش إلى كثير غيرهم، ممن تزخر وتفخر بهم بلدة يزجن، التي كانت ولا تزال مصدر الإشعاع العلمي بميزاب، إلى حوالي منتصف القرن العشرين للميلاد.
ومن العطف:
1. الشيخ يحي بن موسى الشهير بالشيخ باحيو وموسى، صاحب القصيدة المشهورة، في وصف حرب جربة مع الإسبان. ويؤثر عنه أنه ذهب على رأس كوكبة من مجاهدي العطف لنجدتهم.
2. الشيخ أبوب بن قاسم والشيخ باحمد بن عبد الله.
3. الشيخ أبو بكر بن الشيخ داود بن يوسف، الملقب بالشيخ الحديث السن.
4. الشيخ بابا دادي الذي وضع نظاما محكما للري في ناحية ميزاب ضاية بالعطف.
5. الشيخ حمو بن باحمد بكلي، الذي اتفقت عليه كلمة ميزاب فنصبوه إمام دفاع في حادث هجوم بوشوشة على ميزاب، سنة 1874م.
6. الشيخ الحاج عمر بن حمو (ابنه) الذي كان شيخا لمسجدي العطف، ورئيسا لمجلس عمي سعيد.
7. الشيخ يوسف بن بكير وعلي، خريج الزيتونة، وآخر تلاميذ القطب اطفيش الباقي على قيد الحياة.
وكان كل من الشيخ الحاج عمر، ويوسف شيخًا لي.
ومن مليكة:
1. الشيخ أبو مهدي عيسى ابن إسماعيل المؤلف أحد الثلاثة الذين تعقد في روضهم مجالس ميزاب.
2. الشيخ يحي بن داود المشهور بـ "بحيّو ندودو"، وإليه نُسب أحد فروع أولاد عبد الله ببنورة.
3. الشيخ سعيد أبوبكر الذي جعل حدًّا للعداوة والحروب التي كانت قائمة بين أهل مليكة والشعانبة، بتبادل السكان بينهما، بأن أسكن جماعة من مليكة في متليلي، وجماعة من متليلي في مليكة، ولا تزال ذريتهما باقية إلى الآن.
4. الشيخ يوسف بن محمد المصعبي الذي هاجر إلى جربة واستقر بها، وانتهت إليه الرئاسة العلمية بها، وهو شيخ مجدد النهضة العلمية بميزاب الشيخ يحي بن صالح. وللشيخ يوسف تآليف جمة قيمة في مختلف العلوم.
5. ابنه الشيخ محد بن يوسف المصعبي، كان هو كذلك مؤلفا جليلا وخليفة أبيه في الرئاسة العلمية بجربة. (1/87)
صفحة 88
6. الشيخ الحاج يحي بن صالح باعمارة، أول قاض بمليكة عند إنشاء المحاكم الشرعية بميزاب، بعد مجيئ فرنسا إليه. وكان خاتمه يحمل لقب "شيخ العزابة". إلى كثير غيرهم.
هذا وقد مرت حقبة من الزمن على مليكة هيمنت فيها على الحياة العلمية بميزاب. والدنيا دول.
ومن بنورة:
1. الشيخ دحمان، أحد الثلاثة الذين أوفدتهم جربة لإحياء العلم في ميزاب. وذريته لا تزال تحمل لقب الشيخ دحمان، فيها وفي القرارة.
2. الشيخ حمو بن موسى، والشيخ الحاج أحمد بن الحاج أحمد.
3. ابنه الشيخ الحاج صالح بن الحاج أحمد في هذا العهد الأخير، وأول قاض ببنورة عند إنشاء المحاكم الشرعية في ميزاب.
ومن القرارة:
1. الشيخ بالحاج بن كاسي، جد أسرة آل الشيخ بالحاج نزيل العطف، ودفينها.
2. الشيخ قاسم، ابنه، العالم الزاهد الورّاق.
3. الشيخ الحاج محمد بن الحاج قاسم القاضي الشهيد، دفين العطف، الذي كاد يحيي بسيرته وعدله الإمامة الكبرى بالقرارة.
4. الشيخ الحاج إبراهيم بن عيسى البريكي، والشيخ الحاج عمر بن يحي، وكلاهما كان شيخا للشيخ أبي اليقظان رحمه الله، المحتفل بذكراه هذا الأسبوع. والشيخ بيوض إبراهيم الذائع الصيت، خاتمة المحققين ورافع لواء الحركة العلمية في عصرنا بالجنوب الجزائري، أبقاه الله.
5. الشيخ إبراهيم بن بكير حفار الذي قام بنشاط علمي حقبة من الزمن في القرارة، ثم انتقل إلى يزجن فكان شيخا للمعهد الجابري.
أما بريان:
فسنفرده بفصل خاص، سيأتيك قريبا بحول الله.
تظافرت جهود هؤلاء العلماء وأضرابهم عبر التاريخ والعصور، على تكوين شعب مؤمن حافظ على أصالته قرونا كثيرة، واستعانوا على هذا التكوين بالوسائل الآتية:
1. دور العلم المفتحة الأبواب في وجه أبناء الأمة، المنتشرة في كل قرية من قرى الوادي. (1/88)
صفحة 89
2. مجالس الأمة الثلاثة التي تحتضن هذه الحياة: مجلس أبي عبد الرحمن الكرثي بمليكة، وهو أقدمها الذي يشرف على الحياة العلمية ويراقبها. مجلس عمي سعيد بغرداية، الذي يعتبر رمز الوحدة الميزابية، ومحكمة استئناف تعقب أحكام القضاة. ومجلس أبي مهدي عيسى بمليكة تعقد فيه اتفاقات الأمة الهادفة لإصلاح المجتمع الميزابي.
3. مجتمعات الأمة على اختلافها (الأفراح، المآتم، مجالس العشائر، الولائم العامة والخاصة)، فللمشايخ ورجال التفكير في الأمة مجال واسع في توجيهها الوجهة الصالحة معاشًا ومعادًا.
4. منابر المساجد.
5. اعتبارهم التلقين العلمي وحملهم عليه من مدلول الثقافة.
هذا ومن المعلوم أن في كل قرية هيئة دينية (العزابة) تسندها قوتان: هيئة التلاميذ (إيراوان)، وهيئة إمسطوردان، على رأس هذه المجموعة من المؤسسات التابعة للمسجد عالم أو عالمان يشيعون الثقافة فيهم، اللهم في بعض أطوارها إذ يضعف سلطان المسجد فيطغى على البلاد طوفان العامية والطائفية، فتسير سيرة عرجاء، ثم لا تلبث أن تستدرك حالتها الأولى. وهكذا دواليك، والملك لله يورثه من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين.
التعليم في عهد فرنسا
ويتناول التعليم بقسميه العربي والفرنسي
حياة الأمة بعد مجيء فرنسا إلى ميزاب سنة 1882 لم تختلف كثيرا عن حياتها بعد مجيئها، وإن زادتها بلبلة وعرقلة، بما أنشأت في مختلف مدنه من مكاتب لتعليم الفرنسية، تضايق بها الثقافة العربية والدينية على الأخص.
ومما زاد الطين بلة أن جعلت هذا التعليم إجباريا مدة سبع سنوات، وأطلقت يد أعوانها (القُيّاد) تحمل الناس قهرا عليه، علمًا منها أن الميزابيين شعب ديني لا يركن إلى تعاليمها بسهولة، سيما وبرنامج تعليمها هزيل اتخذ وسيلة لقتل أعمار الناشئة وصرفها عن التعليم العربي، فقام من جراء ذلك عراك عنيف بين السلطة الدينية والشعب، أشغل الناس عن سيرهم الثقافي أجيالا، كما سيأتيك بعض تفصيله إن شاء الله. (1/89)
صفحة 90
ظل الأمر كذلك تقريبا إلىحدود العيد المئوي لاحتلال الجزائر سنة 1930، إذ أصبحت للأمة صحافة وطنية تدافع عن حقوقها وترشدها إلى المطالبة بها، من ذلك إصلاح برنامج التعليم الفرنسي، ثم لما استفاق الناس على زعقات الحرب العالمية الثانية، أخذت تعدل نظام تعليمها نوعا. حسبك شاهدا أن مكاتبها في بعض مدن ميزاب مضى عليها أكثر من خمسين سنة لم يتخرج منها ولو تلميذ واحد يحمل شهادة ابتدائية، ولو على ا لطريقة الأهلية (titre indigéne)
أما التعليم العربي
فرغم أن زرعت الإدارة الفرنسية ألغامها في طريقه استدامة لجهل الأمة، وقتلاً لروح الدين والوطنية في نفوسها، فإن الشعب الميزابي الذي نشأ في طبيعة الصحراء القاسية، ومرن على الكفاح والنضال، في مختلف ميادين الحياة، قد أبت عليه همته إلا أن ينازع البقاء ويغالب مكايد الاستعمار المباشرة وغير المباشرة، بحيث يستغرب منه أن يهبّ هذا الهبوب الذي يشاهد عليه مع ما يجره وراءه من ميراث الأجيال الثقيل.
ويمكننا أن نتصور حقيقة هذا الميراث الذي زاده جمود بعض رجال الدين أثقالا مع أثقاله، إذا قررنا الحقائق التالية:
1. كان – إلى ما بعد الحرب الكبرى 1914- كل من ينتمي إلى مؤسسة علمية في ميزاب، تعتبره الإدارة العسكرية كمن يعمل ضد أمن الدولة، يطارد من كل أعوانها، ويراقَب في حله وترحاله، كأنه مادة مفرقعة يمنع استيرادها، ويحذر من الاقتراب منها، ولسان حاله ينشد دائما قول الشاعر:
أحقا عباد الله ... لست واردا ... ولا صادرا إلا عليّ ... رقيب.
وحسبك ما جاء في بعض رابور (1) قياد ميزاب سنة 1904 من نعته القطب اطفيش رحمه الله بالمشوش، وهو إمام عصره وحجة الله البالغة على خلقه.
__________
(1) – استعمل الشيخ كلمة "رابور" بدل كلمة التقرير، وهي لفظة فرنسية الأصل، لدلالتها التاريخية والنفسية. (باجو) (1/90)
صفحة 91
2. لا تزال الأفكار الرجعية سائدة حتى بين الذين اغتربوا وخاضوا معارك التجارة، واحتكوا بالعناصر الخارجية التي سارت في أوساطها، دعوة العلم في بزته القشيبة، وما ذاك إلا لتأصل عوامل الازورار عن غير المألوف وشدة تأثير دعاية الجامدين فيهم.
3. لا ينفك وحي الإدارة العسكرية يتنزل على أوليائها لمحاربة المعرفة والعنصر الحي في الأمة طمسا لمعالم الحياة فيها، وحيلولةً دونها ودون اليقظة، هذه هي الحقيقة الواقعية الناصعة، وإن تظاهرت بخلافها، وأعلنت للعالم أجمع أنها الحاملة للواء المعرفة والثقافة أنّى ركزت علمها المثلث الألوان.
4. لصوت المساجد التي تسيطر عليها طائفة من غلاة المتعصبين للقديم، في أي شكل ظهر تأثيرٌ أي تأثير على سواد الأمة، فهم يعتقدون من جهة ويلقنون السواد الأعظم من جهة أخرى، أن في استعمال هذه الأساليب الحديثة تأسيًا بالكفار، وأن في مقاومتها المحافظة على الأخلاق الملّّية، والتقرب إلى الله بمخالفة المشركين.
5. إلى حدود العيد المئوي للقطر الجزائري، كان ولا يزال صوت المسجد في أغلب قرى الوادي على أعنفه ضد المدارس النظامية، لأن جمود رؤسائها صورها لهم في صورة ضرائر الحرائر، إن لم نقل خلائل الحلائل. لذلك استساغوا محاربتها والتنديد على أصحابها نهارا جهارا، دون أن يترددوا، أو يتأثموا، أو يستشعروا إساءة نحو الأمة ونحو جيل مستقبلها.
6. يوجد من بين عزابة المساجد من يعطف على الفكرة، ولا يرى بأسا بها في الشكل والأسلوب، ما دام ما يُعلّم في تلك المدارس غير منتقد ولا خارج عن دائرة الدين. (1/91)
صفحة 92
7. فكرة إنشاء المدارس النظامية أول الأمر متصلة بالمساجد، وتحت رقابتها الصورية، ترمي إلى غايتين مهمتين، ألهم الله إليها دعاة الإصلاح إلهامًا: 1: استدراج غلاة العزابة الذين كانوا حجر عثرة في سبيل اعتناق الفكرة. 2: اللياذ بحمى الله الحصين، وملجئه الأمين، الذي يقي دون سواه هذه الأمة في نجوة أن تمتد إليها يد الإدارة مهما قست إجراءاتها. فأنت ترى كيف اتقى الإصلاح بهذه الفكرة إبان ضعفه غائلة الجمود والجحود في آن واحد. { وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم }
على أنني لا أغمط حق مساجد ميزاب وإن وجد فيها بعض أولئك المتعصبين للقديم، وعارضوا التطور الثقافي، فقد قامت بدورها في ميدان الوعظ والإرشاد، ونشرت مبادئ الدين والعلوم الشرعية بين مختلف طبقات الأمة، ووجهت الجماهير إلى طريق الاستقامة، فكانت ولا تزال مصدرا من مصادر الثقافة على كل حال.
هذا، وبعد كل ذلك لم تكن في ميزاب إلى انتها الحرب الكبرى –1914/1918- مدارس نظامية على الطراز الحديث، اللهم إلا في العشرينيات إذ أخذت تبدو واحدة واحدة هنا وهناك، كمدرسة الإصلاح بغرداية، وكمدرستي غيليزان والأصنام، فلما أهابت صحافة الشيخ أبي اليقظان الوطنية بالأمة انتبهت مدن ميزاب في الثلاثينيات على صرخاتها، فأخذت الواحدة تلو الأخرى تنشئ مدرسة عصرية تشرف عليها، وتضمن استمرارها جمعية محلية.
وهكذا أخذت دائرتها تتسع في الشمال والجنوب، حتى عمت كل بلدة توجد فيها ناشئة في سن التعليم. ثم انضمت هذه المدارس تحت لواء وحدة التعليم لمدارس الإصلاح، تخضع لرقابة واحدة وتطبع فيها جيل المستقبل على غرار واحد، وتلك هي الغاية من توحيد التعليم في الأمة.
كلمة عن بريان وحياتها الثقافية (1/92)
صفحة 93
كان بريان في مستهل القرن العشرين حتى الحرب الكبرى (14-18) -بله ما قبل ذلك- يعيش عيشة أقرب ما يكون إلى البادية منها إلى حياة الحضر: جود وشجاعة في بساطة وسذاجة، وسلامة فطرة في أمية عريقة، بحيث لا تكاد تجد من بينهم مثقفا لامعا، خلافًا لمجموعة قرى الوادي، اللهم إلا ما كان من بعض الشيوخ في فترات متقطعة من تاريخها، كالشيخ الطالب بن باحمد بن يحي، والشيخ عيسى بن باحمد بن عفاري، وإلا ما كان من زيارة بعض مشائخ ميزاب البارزين كالفطب اطفيش، والشيخ صالح الغرداوي، فإنهم لما رأوا انعزال بريان عن مجموعة الوادي، ما فتئوا –سيما القطب- يعقدون رحلاتهم إليها بتلاميذهم يقضون في بريان الليالي ذوات العدد، يفقهونهم في الدين ويتخولونهم بالموعظة الحسنة، ويوجهونهم إلى تكوين من يحمل أمانة الله منهم، وكذلك سار تلاميذ القطب النابهين، كالشيخ بكلي سليمان بن حاجو، الذي ظل قاضيا ببريان ما يقرب من عشرين سنة، قام فيها بالوعظ والإرشاد على رأس المسجد، وإن له لتلاميذ لا يزال بعضهم على قيد الحياة. وكالسيد ذواق داود بن إبراهيم الذي كان قاضيا بها كذلك.
ثم ارتحل بعض أبنائها الطلبة إلى ميزاب فلازموا حلقة القطب رحمه الله، تخرج منهم أمثال السادة الداغور الحاج الناصر بن الحاج إبراهيم الذي تولى منصب القضاء فيها، واعمارة بن صالح موسى المال، الذي حسر عن ذراعيه لنشر العلم، لولا أن عاجلته منيته، وقرقر الحاج إبراهيم بن صالح الذي تولى فيها منصب العدالة فالقضاء، وكان على رأس هيئة العزابة واعظًا.
وما قيل في حق هؤلاء يقال في حق الأديب الألمعي الداغور حمو بن الحاج الناصر الذي تلقى دراسته بتونس، وكان يتمتع بقسط وافر من الذكاء والتحصيل والجد، وكان له عزم صادق أن ينهض ببريان علميا،لولا أن عاجله ريب المنون في ريعان شبابه. والأمر لله. (1/93)
صفحة 94
حاول هؤلاء المتخرجون أن يخلقوا في بريان جوا علميا، أو يسايروا مستوى ميزاب على الأقل، لكنهم أخفقوا وما استطاعوا أن يلطفوا من جو الأمية، لأسباب:
1. أقواها فقر البلدة وعراقتها في الأمية.
2. عزوفهم عن الناحية الأدبية عزوفا كليا إلى الناحية المادية الصرفة. فتراهم منغمسين في الفلاحة والغراسة والزراعة وتربية المواشي، بعيدين عن الاغتراب والمساهمة في التجارة والاحتكاك بالعناصر الخارجية، كدأب غيرهم من الميزابيين، اللهم إلا بادرًا في العصور الأخيرة.
على أنني لا أغمط حق الفقيه ابن يامي حمو بن موسى الذي عاد من تونس، وكان يحترف الوراقة، وله خط مغربي جميل، فقد فتح كُتّابا لتحفيظ القرآن وتعليم الرسم، ضم طائفة من أبناء بريان –ميزابيين وعربًا-، فتخرج من هؤلاء وهؤلاء أفراد حفظوا ما تيسر من كتاب الله، وتعلموا القراءة والكتابة، فلطّفوا من جو الأمية، وسدّوا ثغرة المراسلة نوعًا. ولا يزال البعض منهم إلى أيامنا على قيد الحياة معروفين بخطهم الجميل.
كما قام أحد أعيانها وقتئذ، السيد قلو قاسم بن باحمد ففتح كُتّابا لتحفيظ القرآن، وذلك حوالي سنة 1914، وجعل على رأسه الشيخ محمد بن الحاج إبراهيم قرقر، المشهور بالطرابلسي، فلم يلبث طويلا حتى انتقل إلى القرارة للقيام بنفس المهمة، وكان ذلك أنفع للأمة، فقد تخرج عليه أفواج من الحفاظ واصلوا رسالته، واستمر بهم حفظ كتاب الله فكانوا الخميرة –نعمت الخميرة- للأفواج بعدهم، والحمد لله.
ثم انبرى بعض أعيانها، وفي مقدمتهم السيد يحي بن يحي الطال باحمد فارسل ولديه المرحوم عيسى بن يحي، فالشيخ صالح إمام بريان الحالي، إلى معهد الشيخ الحاج عمر بن يحي بالقرارة، وأرسل كذلك السيد قلوا موسى بن باحمد إلى نفس المعهد، وأخاه يونس بن باحمد، وابن أخيه عمر بن قاسم، وأرسل كذلك السيد عبود عيسى بن الحاج إبراهيم ابنه إبراهيم بن عيسى إليه، وغيرهم. (1/94)
صفحة 95
وهكذا انتبه في آل بريان الشعور بالحاجة إلى نهضة علمية صادقة، تلحقهم بركب الثقافة، فاستشاروا الشيخ أبا اليقظان، وكان وقتئذ بالجزائر، فشجعهم ووجههم إلى الشيخ بيوض حفظه الله، فذهب منهم سنة 1924 وفد إلى القرارة يتركب من 14 شخصا تحت رئاسة قائد البلدة يومئذ السيد العساكر سليمان بن باحمد، فمكثوا هناك أكثر من عشرة أيام، درسوا أثناءها مع الشيخ بيوض مسألة التعليم في بريان، والتمسوا منه أن يمدهم بمعلم لائق، يعلم أبناءهم معلما منتجا، فوعدهم بإجابة رغبتهم، فلما عادوا إلى بريان أخذوا يعملون بجد لإبراز المشروع إلى حيز الوجود.
وفي هذه الأثناء جاء الشيخ إبراهيم بن بكير القراري إلى بريان فحث وجهاءها على فتح مدرسة لتعليم أبنائهم وتكفل لهم بإرسال الشيخ أداود عمر بن صالح، يتولى التعليم فيهم، وذلك سنة1926، فقامت الجماعتان: العزابة والضُمّان (1) بدورها، واستنهضوا أعيان البلدة، فهبت حركة مباركة، وفتحوا مدرسة فعلاًًًً، عيّنوا سبعة منهم وهم السادة: سليمان بن الحاج أحمد دبوز، محمد بن عيسى تربح، محمد بن صالح باحميدة، موسى بن بالحاج ابن يامي، محمد بن بسعيد بن بابا بسعيد، حمو بن عبد الله العساكر، باحمد بن يوسف الزيطاني. أسندوا إليهم إدارتها باسم البلدة، وفتحوا اكتتابا عامّا لها، وأضافوا إلى الشيخ أداود عمر كلاًّ من السيدين قرقر الحاج إبراهيم بن صالح، وفخار إسماعيل بن عمر، كمعينين له لأنه ضرير، ولا يمكنه تسيير المشروع بمفرده، ولا مراقبته. فهبّت البلدة هبّة ناشطة، لولا أن انفرط عقدها لسنتها.
__________
(1) – الضُّمّان، جامع ضامن، وهو المسؤول الأول عن العشيرة في النظام الاجتماعي بميزاب. (1/95)
صفحة 96
ويظهر من هذا الانهيار السريع بعد ذلك الإقبال الصادق، أنهم لم يجدوا فيها إجابة لرغبتهم، وأن الجهود أكثر من النتيجة، لذلك صمموا العزم على العودة إلى الخطة الأولى نهائيا، فعقدوا بينهم اتفاقية 18 جوان 1927 أشرك الأعضاء المؤسسون رجالَ البلدة الذين لهم صغار في سن التعليم ليكونوا نواة المشروع الجديد، هناك أرسلوا إلى القرارة وفدا يتركب من السادة: قلوا موسى بن باحمد، حَسني سليمان بن الناصر، دبّوز الناصر بن الحاج عيسى، لإتيان المعلم، وذلك في جويلية 1927، خاطبوا الشيخ بيوض واستنجزوه الموعد، فأرسل معهم الشيخ صالح بن يوسف لبسيس، وكان السيد بكير بن الحاج إبراهيم العنق -أسد الإصلاح- حاضرا وقتئذ، وكان ممن أيد الوفد في مأموريته فقال لهم أخيرا: «اعلموا يا آل بريان أنا كنا نبصر بعينين هما الشيخ لبسيس ورفيقه، فآثرناكم على أنفسنا بالشيخ لبسيس، فأصبحنا لأجلكم نبصر بعين واحدة، فحافظوا على العين التي آثرناكم بها، واستغلوها إلى أقصى حدود الاستغلال، وإلا كانت الخسارة علينا وعليكم عظيمة، ونعيذكم بالله من ذلك...!».
فما كان من الجماعة التي تلهفت إلى حياة العلم إلا أن احتفت بالشيخ لبسيس ووسعت عليه ليهنأ باله، ويتفرغ كل التفرغ لينشئ لهم جيلا جديدا، يكون أساسًا لحياة أدبية زخارة في مستقبلها قريبا إن شاء الله.
ففتحوا له -كمدرسة يعلم فيها طائفة من نابتة البلاد- دارًا هي دار دبوز حمو بن الحاج عيسى الآن، وكان أول المنخرطين فيها الآتية أسماؤهم: قلّو باحمد بن موسى، بودي عمر بن سليمان، دبوز محمد بن الحاج علي، فخار إسماعيل بن الحاج سليمان، ابن يامي صالح بن عيسى، أوراغ باحمد بن عمر، الطالب باحمد قاسم وسعيد أبناء يحي بن يحي، باحميدة سليمان بن حمو، لبسيس محمد بن صالح. (1/96)
صفحة 97
ثم انتقلوا منها إلى دار ورثة قرقر عيسى بن سليمان، ثم إلى علوّ فخار الحاج سليمان بن الحاج إسماعيل الآيل الآن إلى السعودي باحمد بن عمر، ثم إلى دار الزعباطي عيسى بن باحمد على زاوية زقاق زغموم. ثم انتقلوا أخيرا إلى المدرسة الحالية بعد أن تم بناؤها أول السنة الدراسية 1933-34.
ومن المؤسسين لمشروع المدرسة الذين واصلوا رعايتهم له، على تفاوت طبعا: قلو الحاج إبراهيم بن سليمان، العساكر سليمان بن باحمد، الدبوز الحاج علي بن عيسى، بودي سليمان بن عمر، ابن يامي موسى بن بالحاج، قلو موسى بن باحمد، أوراغ عمر بن سليمان، العساكر الحاج حمو بن عبد الله، حسني سليمان بن الناصر.
وكان يطلق عليها اسم "المدرسة القرآنية" ورخصتها كانت على اسم الشيخ صالح بن يوسف لبسيس، إلى أن تأسست سنة 1946 جمعية الفتح، فأصبحت تدعى "مدرسة الفتح".
ظلت تسير بالبرنامج المسطر، إلا ما يستخلصه الأستاذ من دروس وخلاصات، إلى سنة 1945 إذ وُضع لمدارس الإصلاح نظام موحد، فخضعت له كغيرها من مدارس الإصلاح، وكانت ذات قسم واحد بمعلم واحد، ثم زيدت أقسامها بمعلميها تدريجيا، إلى أن بلغت سبعة مكررة.
وهذه الأقسام قد اشتريت بقاعها على اسم بعض أعضائها فحبسوها عليها، ثم بنيت من مال المحسنين، من أبناء الأمة بارك الله لها في أبنائها.
أرسلت أول بعثة منها سنة 1934 إلى المعهد الثانوي، معهد الشيخ بيوض بالقرارة، ثم تواترت بعثاتها إليها حتى سنة 1947، إذ انتخب من بين خريجيها بعثة ذهبت إلى تونس، وعكفوا فيها على تكميل دراستهم، فعادوا إليها –في تفاوت- معلمين مكوّنين، فرحبت بهم، وكان أول المتخرجين في سلك معلميها الأستاذ ابن زايط يوسف بن حمو، سنة 1953.
وهكذا دواليك واحدا بعد واحد، إلى أن كمل نصاب المدرسة فأخذت طريقها في سير مطرد نحو هدفها الأسمى. (1/97)
صفحة 98
ثم لما فتح الأستاذ العساكر إبراهيم بن باعلي منزله لتعليم البنات، سنة 1947، وأخذ اتجاها حسنا، وأقبل الناس ببناتهم إقبالا عاما، غاض ذلك بعضَ الذين أكل الحسد شراسيفهم، فوشى به –بدعوى أنه لا رخصة له- إلى إدارة الحكم العسكري، التي تتربص أمثال هذه الفرص، تنتهزها لسدّ أبواب الحياة في وجه الأمة، فأصدرت أمرها بتاريخ 13 أبريل 1953 بإيقافه، حتى يتخذ الإجراءات اللازمة، ولكن كيفما حاول فك هذا الحصار لم يفلح، أعيته الإدارة بكثرة التواءاتها وبشروطها المرهقة، فلم يسَعْ جمعية الفتح أزاء ذلك إلا أن تتبنى المشروع، وتضم الأستاذ العساكر إلى سلك معلميها، وبذلك سُقط في أيدي إدارة الاستعمار، وخادمي ركابها، ولم تقتصر المدرسة على شكلها الضيق الذي كان يسير عليه العساكر، بل وسعته وأضافته إلى برنامجها العام، في شرح يطول.
سارت المدرسة أول أمرها سيرا سرطانيا للدعاية الفاجرة التي تعصف من حولها، تنفيرا لعموم الأمة عنها داخلا وخارجا، أما من الخارج فبمعاكسة الإدارة الاستعمارية ومكايدها، وأما في الداخل فمن تُحُوت الاستعمار وطرق الجامدين المتعصبين. لكن المشرفين على المشروع ظلوا ثابتين قابضين عليه كما يقبض على الجمر، صامدين أمام العواصف الهوج والعراقيل المقلقة، حتى هدأت العاصفة فواصلت طريقها وعين الله تكلؤها من شر كائد وحاسد. إلى أن خضعت ناشئة البلاد بأسرها، وقطعت الطريق على الأمية في المجتمع البرياني. (1/98)
صفحة 99
هذا وممن أعان على نشر الثقافة في بريان نادي الشباب الرياضي الذي اتخذ مثابة لحركة الإصلاح، فقد قاوم الانحراف الذي انتشر حريقه في أوساط الشباب، إذ قيض الله من شباب النادي ثلة من ذوي الغيرة الوطنية تآزروا على إطفاء ذلك الحريق، وصرف وجهة المنحرفين إلى الوحدة الوطنية الصالحة. نذكر –حفظا للتاريخ- من هذه الثلة، السادة: باسليمان إبراهيم لمنوّر، محرزي حمو بن محمد، موسى المال سليمان بن قاسم لزعل، السوفي حمو بن محمد، قراس قاسم بن باحمد، ابن عبد الله عبد الله بن صالح، إلى غيرهم كثير. تحدُو هذه القافلة جماعة المعلمين، برواياتهم (1) الأدبية، ومحاضراتهم القيمة، وأناشيدهم الحماسية، فانبثق عن هذا النادي جمعية الرياضة، وشعبة الإسعاف الشعبي، والكشافة الوطنية.
وهكذا تجاوبت الأصداء وتلاقحت الأفكار، وانصرف الشباب عن أعشاش القمار وأوكار الخنا، واقتلعت جذور البغاء من وسط البلدة، فأخذت القافلة طريقها نحو الصلاح والفلاح.
ولولا الثورة الجزائرية التي شلت الحركات وأضرت الاستعمار على قمع الروح الوطنية، بل أصابه منها كلها، فأصبح كالذي يتخبطه الشيطان من المس، ولولا الظروف الاستثنائية التي اكتنفتها، فشلّت الحركات في كامل البلاد، لولا ذلك لكان بريان قد خطا خطوات فسيحة في مضمار الثقافة. والأمر لله.
__________
(1) – المقصود بالروايات المسرحيات في عرف الاستعمال المحلي. (1/99)
صفحة 100
هكذا سارت المدرسة التي كانت ولا تزال مصدر الثقافة العربية في بريان، فبعد أن احتضنتها جمعية الفتح، وبعد أن قررت لها برنامج وحدة التعليم، واستكملت أقسامها المتكررة عددها، وبعد أن أضافت تعليم البنات إلى تعليم البنين، وبعد أن أنشأت مدرسة جديدة واسعة متنفسا للمدرسة الأصلية، وامتدادا لها، وبعد أن قررت التعليم الصيفي للذين فاتهم التعليم وأدركهم سن التكليف، وخصص من معلميها كل سنة من يلقن لتلاميذها المراهقين أداء الصلاة، تنشئة لهم على إقامة شعائر الإسلام، وبعد أن كونت فيها قسما تكميليا لتحفيظ القرآن، وبعد أن ألحقت بها فرعا للصناعة التقليدية خاصا بالبنات تشرف عليه معلمات حاذقات. بعد كل هذا سارت قافلة الثقافة على رجلين، وستبلغ غايتها بحول الله وقوته.
هذا وإن التعليم الفرنسي، وإن لعب دورا في عرقلة الثقافة العربية، لكنه لما وسع نطاقه أخيرا وعدّل برامجه، أعان في الجملة على نشر الثقافة وكان ردءًا للمدرسة على كل حال.
أيها الإخوان الحاضرون
هذه نقطة من بحر مما قاساه بريان لإنعاش حالته الأدبية والالتحاق بركب الثقافة بصفة إجمالية، ولقد قام هذا الكفاح على الأمة غالبا، سقط في ميدانه أبطال، ورُوّعت نفوس، وأُنفقت أموال طائلة، واستُنزفت جهود وأعمار، مما لو فصلنا فيه القول لقرأنا صفحة من تاريخ هذه البلدة في آن واحدة قاتمة من جهة، وناصعة من جهة أخرى، قاتمة بآلامها وأشجانها، ناصعة بعاقبتها ونتائجها. كذلك تكون حياة الكفاح، وتنازع البقاء. وهل تكون عاقبة الثبات والصبر إلا جميلة؟. (1/100)
صفحة 101
فإذا افتخرت مدرسة الفتح أنها الفاعل الأكبر الذي أشاع الثقافة والمعرفة في طبقات الأمة ببريان، أو ادعت أنه لا يوجد من منذ ثلاثين سنة أو تزيد مثقف في بريان إلا وقد صدر من مشرعها، أقر دعواها التاريخ وصدقها الواقع، فأبناء بريان اليوم وشبابها مطالبون بصيانة هذا الميراث الغالي وتنميته، واستغلال هذه المنحة الربانية التي ساقتها الأقدار إليهم لقمة سائغة، لم يوجفوا عليها بخيل ولا ركاب.
وإياهم أن يذهب عنهم رخيصا ما قام على آبائهم غاليا، بل الواجب أن ينشروه للأجيال الصاعدة، ويُفردوه بتأليف يجمع كل شاردة وواردة من تاريخها، ما دامت مصادره موجودة وميسورة.
وإياهم ثم إياهم أن يغفلوا أو يتهاونوا فتضحك الأيام على أذقانهم، ثم يحاسبهم الله على تضييع الأمانة، أمانة التاريخ والأجيال حسابًا عسيرا. وحاشا شباب الأمة وهم الآن يعدون بالمئات ويحمل أعلى الشهادات أن يتهاونوا أو يقصروا.
هذا، ولنسأل الله رب العرش الكريم لآبائنا المجاهدين الذي ذللوا أمامنا العقبات، وهيئوا هذا الوضع الكريم، أن يجازيهم الجزاء الأوفى، وأن لا يخزيهم يوم يُبعثون يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، إنه جواد كريم غفور رحيم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
بكلي عبد الرحمن بن عمر.
قطب الأئمة وأثره في المجتمع الميزابي (1)
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه إلى يوم الدين.
أيها المحفل المبارك، سادتي الكرام، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
__________
(1) – محاضرة ألقيت في مهرجان القطب، بمناسبة الذكرى السابعة والستين لوفاة قطب الأئمة الشيخ الحاج امحمد بن يوسف اطفيش رحمه الله. (1/101)
صفحة 102
شاءت همة أبناءنا "جمعية البلابل الرستمية" (1) ، أن يقيموا ذكرى لإمامنا العظيم، قطب الأئمة الشيخ الحاج امحمد بن يوسف اطفيش، رحمه الله، بمناسبة مرور سبع وستين سنة على وفاته، إحياء لذكراه الخالدة، واعترافا بجميله وخدماته الجُلّى للدين والوطن، وتعريفا بأمجادنا الأبطال، الذين كرسوا حياتهم لحمل أمانة الله حتى أبلغوها إلينا مشرقة وضاءة أجزل الله مثوبتهم.
ونحن، -وكل من له غيرة على تراث الإسلام- لا يسعفنا أزاء هذه المبادرة الطيبة والإحساس العميق نحو أعلام الأمة الذين عبّدوا السبيل للأجيال الصاعدة إلا أن نلبي نداءهم ونشجعهم بالمشاركة في تحقيق هذه الخطوة الجريئة، أملاً أن يستمروا في هذه السبيل حتى تنشر صفحات خالدة من تاريخ أسلافنا الصالحين، كما سبق أن أقاموا –وما بالعهد من قدم- للشيخ أبي اليقظان، شيخ الصحافة الجزائرية، وأحد رواد النهضة الحديثة مثل هذا المهرجان. حياهم الله وشكر سعيهم وأنار بصائرهم وسدد خطاهم، وهكذا شأن الأبناء البررة نحو آبائهم العاملين المحسنين.
الإمام قطب الأئمة اطفيش
1236/1332هـ
إن من يحاول الإلمام بحياة قطب الأئمة الشيخ الحاج امحمد بن يوسف اطفيش، الحافلة بجلائل الأعمال، ويتتبع جوانبها الواسعة، ويستقرئ إنجازاتها العظيمة لخير الإسلام والمسلمين، إنما يرتقي مرتقى وعرا، ويحاول عسيرا أو شططا، ويتحمل ما لا طاقة له به، وإن بذل المجهود الكبير، وادعى القوة والاستطاعة على ذلك.
هو البحر من أي النواحي ... أتيته ... فلجّته الإصلاح ... والعلم ساحله (2)
__________
(1) – جمعية فنية ثقافية أنشئت بولاية غرداية، في أواسط السبعينيات، لرعاية وتنشيط الفن الأصيل، وقد أقامت حفلات ومهرجانات عديدة في مختلف المناسبات الدينية والوطنية، وفي كثير من مدن القطر الجزائري.
(2) – أصل البيت للمتنبي في مدح المعتصم، وفيه تحوير يناسب المقام. (1/102)
صفحة 103
أطلعه الله شمسا مشرقة في سماء الإسلام من مطلع ميزاب المنحصرة في زاوية ضيقة محرقة من صحراء الجزائر، على فترة من العلماء الأعلام المجتهدين، فكان بدعا من بني عصره، وآية من آيات الله، شرّف بها وادي ميزاب تربته التي أنبتته، وترعرع فوق أديمها، واكترع من مناهل علمها الضيق بالنسبة لأفقه الواسع.
ولقد كان ابن نفسه في حياته العلمية، فبعد أن حصل على مبادئه الأولية من أخيه وشيخه الشيخ الحاج إبراهيم بن يوسف رحمه الله، لم يطلبه بعد ذلك من غير بلده، ولا أضنى الرواحل إلى المشرق والمغرب، كما هو شأن غيره من النبغاء، وكانت عدته في هذا الجهاد العلمي الذي بلغ فيه مستوى لم يبلغه أبناء جيله،ولا أجيال كثيرة قبله.
أجل، كانت عدته ما حباه الله به من مواهب وفضائل ذاتية، حافظة قوية تغنيه عن كثرة المراجعة، وتسعده باستحضار ما كان مخزونا فيها عند الحاجة، وذكاء وقّاد يهتك أستار الغموض، ويريه كثيرا مما يغيب عن أقرانه، إلى فقر جعله الله بالنسبة إليه كشوك القنفذ يحميه من إضاعة حياته فيما هو فان زائل، ويصرفها إلى ما هو باق خالد. وبصر لا يعوقه عن البحث وكثرة المطالعة، في اعتدال مزاج وسلامة حواس، وانكباب كلي على التحصيل والتحرير، إلى اقتصاد في أوقاته، إلى عمر طويل يتسنى له أن يبلغ فيه اليوم ما فاته بالأمس، يحدو هذه المزايا وغيرها توفيق من الله يواكب أعماله ويثمر أسبابه، ويفيض عليها إشراقة من نور الإيمان والإخلاص. والله أعلم حيث يجعل رسالاته.
لا نكون مبالغين -والله يعلم أني لم أقل فندا (1)
__________
(1) – إشارة إلى قول الشاعر:
ما أكثر الناس ... بل ما أقلهمُ ... الله يعلم أني لم أقل ... فندا (1/103)
صفحة 104
- إذا قلنا إنه لم يُتح للمذهب الإباضي من منذ عصر التابعين إلى أيامه في المغرب العربي الكبير مثله، إنتاجا وتبييا للشريعة وتأثيرا في محيطه، كما سنبينه بعدُ عن هذ المجتهد المطلق، الذي يعتبر بحق مجدد القرن الرابع عشر الهجري، وقد أشار هو نفسه إلى بلوغ هذه المرتبة تحدُّثًا بنعمة الله في مناسبات، آخرها لما ألّف كتابه "شامل الأصل والفرع"، فقد صرّح أنه ألّفه بعد أن بلغ درجة الاجتهاد، وكتب ذلك على ظهر الكتاب. ثم لا عجب أن نراه يراجع شيخه وقد قرأ عليه ذات مرة وهو في مرحلته الابتدائية، قوله تعالى: { إِنَّ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ } (1) ، يراجعه قائلا: ما بال إن لم تعمل عملها، لم تنصب الاسم؟ لِم لا نقرأ: إن هذين لساحران؟ هنا يتفرس الشيخ في هذا التلميذ الفقير المغمور ما سيبلغه في العلم من أبعاد واسعة، فيمسح على رأسه قائلا: "لله أعلم أي علم يخرج من هذا الرأس!".
فأنت ترى فراسة الشيخ، فراسة المؤمن بنور الله يبصر. فقد تحقق في القطب أكثر مما تفرس فيه شيخه. { ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ } (2) .
أو نراه كذلك يعتز بمقامه العلمي، ويتعالى عمن دون مستواه، فهذا مؤتمر المستشرقين يدعوه مرة لحضور جلساته والمشاركة في أعماله، فيجيبهم بكل شمم: "خبروني هل من بينكم ابن عباس وجابر بن زيد وأضرابهما، أو لا، فإني لا أجالس ولا أساجل سواهم". وهكذا بهذه النفس الكبيرة يقابل العلماء غير المسلمين.
__________
(1) – سورة طه، آية: 63.
(2) – سورة الجمعة، آية: 4. (1/104)
صفحة 105
ثم لاعجب أن يمُدّ المكتبة الإسلامية بمدد قوي وثروة أدبية طائلة، بزهاء ثلاثمائة مؤلف أو تزيد، نثرية ونظمية، بين مطولة ومتوسطة ومختصرة، في مختلف العلوم من تفسير وحديث وأصول الدين، وفقه الإسلام والمعاني والبيان والعروض، والوضع والرسم والسيرة، والنحو والصرف، والفلك والحساب وغيرها. حسبك أن بعض هذه المؤلفات يعتبر موسوعة في بابها، فخذ لك مثلا: "شرح النيل" في سبعة عشر مجلدا، و"هميان الزاد" في ستة عشر مجلدا، و"بيان البيان" في ستة مجلدات، و"تيسير التفسير" في ست مجلدات، إلى كثير غيرها.
ولقد تبلورت في عهده وازدهرت النهضة العلمية التي أحياها الشيخ أبو زكرياء يحي بن صالح، واستقرت على دعائم ثابتة، ومعالم واضحة، ودفع بعجلتها بتآليفه القيمة، بيّن فيها ما كان مبهما، وفصل ما كان، وكشف عما كان مدفونا في بطون الجزائر من ذخائر العلم، فتم على يديه ما قصر عنه غيره، وإن البركة لتظهر على أعماله جلية، متى علمنا عزة الكتب وقتئذ، وصعوبة الاطلاع والحصول عليها، وقلة المطابع، إلى استعراض آراء العلماء من مختلف المذاهب الإسلامية، وفي مختلف العصور.
وما كتب بيده من آلاف الصحفات مما لو جهز له جيش من الكتاب، وكان بعضهم لبعض ظهيرا لعجزوا أن يحققوا ما حققه بمفرده، أي والله، إنها بركة العمر، فياليت شعري متى عثر على تلك المصادر ومتى طالعها وحققها وحررها وصنّفها، وألفها فأبقاها ذخيرة للأجيال بعده، تسير على هداها، وتقيم الحجة عليهم فيما لهم أو عليهم؟. (1/105)
صفحة 106
أين هذا الجد وهذه الهمة في العلم منا أبناء اليوم؟ الذين يتبرمون من ضيق الوقت، ويرغبون عن المطولات التي تشبع نهم الطالب وتكوّن فيه الملكة العلمية التي تمكنه من القول عن علم لا عن حدس وتخمين، ويفضلون أن تكون مؤلفات العصر مؤلفات جيبية، يوفقون بها على زعمهم بين طلب المعرفة وضيق الوقت. وعليه، أنكون مبالغين إذا قلنا: إنه لم يتح للمذهب الإباضي من منذ عصر التابعين إلى يومنا قبله في المغرب العربي إنتاجا وتبيينا للشريعة وتأثيرا على محيطه... إلى آخر ما ذكرت آنفا؟.
هذا، وإن الأثر الحميد والتطور المفيد الذي تمّ في المجتمع الميزابي على يد القطب اطفيش رحمه الله، إنما جاء من عدة وجوه:
1. من إعداده الرؤوس وصياغتها صياغة دينية تهيئهم لسد ثغور المجتمع الديني، والاضطلاع بأمانة الأجيال في مختلف مدن الوادي لتتجاوب أصواتهم وتتفق آراؤهم وتتحد خطة العمل بينهم لخير الدين وصلاح المجتمع.
2. نشره التآليف العلمية النافعة، أفرغها روحَ الإسلام القوية، للقضاء على الطائفية التي مزقت المجتمع أيامئذ شر ممزق، ولنسف أعشاش الفتنة وأوكار البدعة على اختلاف مظاهرها.
3. عقده الرحلات من حين لآخر إلى أطراف المجتمع الميزابي يتفقد حياتهم الروحية، يثبتهم على المبدإ الحق، ويدفع بعجلتهم في طريق العلم والنهوض والتقدم والصلاح.
4. ربطه بين الأقطار الإباضية كعمان وزنجبار وليبيا وجربة، بواسطة المراسلة والانتماء، وتبادل الثقافة وتخريج بعض أبنائهم من معهده، الأمر الذي أذاع صيته شرقا وغربا، وشوقهم إلى الإقبال على تآليفه القيمة، حتى أصبح المرجع الذي ينتهون عنده، فإذا قيل لهم: قال القطب، أذعنوا واستسلموا، سيما في عمان مرتع الشريعة الخصب، وإنما يعرف الفضل ذَوُوه. (1/106)
صفحة 107
أجل كان القطب يعقد رحلاته إلى بريان والقرارة ووارجلان، لانعزالها عن مجموعة الوادي، وبُعدها عن مصدر الإشعاع، وإرسال الحرارة الدينية والوطنية، فيقضي بين أظهرهم الأيام العديدة يتصل بهيئاتها الدينية، يصحح أوضاعها ويزودها بتوجيهاته السديدة، ويغذي في نفوسهم الروح الدينية بدروسه المنورة، ويعالج مشاكلهم عن طريق الإفتاء الذي ينير أمامهم السبل. كما يتصل بالهيئة الدينية الخاصة بالنساء فيغذي فيهن العاطفة الدينية، وينفخ فيهن روح العفة والوفاء والصلاح، ويجيبهن عن أسئلتهن التي تتناول عبادتهن وشؤونهن الحيوية، ويتصل كذلك بأعيان البلد ووجوه العشائر فيرشدهم إلى ما يصلح بهم معاشا ومعادا، وينفخ فيهم روح التضحية والذياد عن حقيقتهم وما به كيان الوطن، ويُبَغّض إليهم الكفر والفسوق والعصيان، ويحثهم على مقاومة الاستعمار والسعي في إبعاده والتخلص من سيطرته. كما يشيع تلاميذه الذين يصطحبهم معه روح المرح والحياة الأدبية، في البلدة، بما يعقدون من ندوات علمية ومجالس فنية تحبب للشعب حياة العلم وتبث في أعصابه روح الطموح، ومسايرة ركب الحياة.
تعتبر هذه الرحلات التي يعقدها القطب رحمه الله، كالوسميّ إثر عهادة، يحيي الموات، ويعشب الفلاة، وينشر الحياة والنشاط في أطراف البلاد، ويستقبلها أهلها كما يستقبلون هلال العيد، بالزينة وكرم الضيافة وسرور عام متبادل. (1/107)
صفحة 108
والعجب من القطب أنك تجده في أمثال هذه المواسم التي من شأنها أن تنتهز فرصتها للاستجمام وأخذ الراحة من عناء العمل اليومي المتعب، بدل ذلك نجده بالعكس لا يترك عادته من الانكباب على التآليف والعمل الراتب، حرصا أن تضيع لحظة من حياته الغالية سدًى، حتى أنه ذات مرة وهو ببريان، وقد نزلت الأمطار وحملت الأودية، وتدافعت مياهها إلى وادي البئر، ودوت طلقات البنادق وارتفعت الزغاريد من هنا وهناك، إيذانا بحمل الأودية، وامتلاء السدود، وعمّ البلدة سرور عام كاد يفقدها وعيها فرحًا، فلما قيل للقطب: تفضّل أيها الشيخ انظر إلى رحمة الله التي منّ بها علينا بمناسبة زيارتك، أملا أن يتضاعف سرورهم بمشاركته. – ومنزل إقامته على الوادي-، فلم يزد أن رفع إبريقا مملوءا ماءً كان بجبنه فأماله وساء الماء من أنبوبه، وجرى على الأرض منحدرا، فقال لهم:"هكذا يجري الماء". ثم وضع الإبريق وعاد إلى عمله، ولم يسمح له جِدّه أن يوقف عمله لحادث عادي، وإن كان حادث سرور.
بهذا الجد -أيها السادة- أدرك ما أدرك، وترك للأجيال ما ترك مما إن تمسكوا به لن يضلوا. فأين محصولنا أبناءَ اليوم الذين يفنون شطرا من أعمارهم وأموالهم فيما يشبه العبث بدعوى التفسح والاستطلاع وقتل الوقت -مع تيسر الأسباب ووفرة الإمكانيات ورغد العيش- من عصور سلفنا الصالح الذين ينظرون إلى الحياة بعين الاعتبار، على قلة الإمكانيات وضعف الأسباب وكلب الزمان.؟
تلاميذ القطب
لا يمكن الباحث أن يحصي تلاميذ القطب باستقصاء، وإن أفنى شطرا من عمره في البحث. والحق أن الجيل المثقف بميزاب على عمومه سواء في عصره أو بعد عصره، إلى أيامنا، من تلاميذه إما مباشرة وإما بواسطة. فقد هيمنت شخصيته على الحياة العلمية هيمنة لم تتح لأحد قبله من علمائه، وصاغه صياغة جديدة، وطبعه بطابعه الخاص، ولا منازع. ذلك ما قرره التاريخ الحق، وأقره الواقع، وأثبتته الإحصائيات. (1/108)
صفحة 109
ولا بأس بهذه المناسبة أن نذكر طائفة من العلماء الذين تخرجوا من مدرسته على يده، أسندوا ظهره وشدوا أزره في جهاده العلمي، سدّ بهم الثغور المختلفة في الحقلين الديني والاجتماعي، لا سيما ثغرة القضاء الشرعي عند إنشاء المحاكم الشرعية بميزاب، الذي أحدثه الزحف الأجنبي على الوطن، فتردد أبناء البلاد أول الأمر أن يتولوها، لا جهلا ولا هروبا، من تحمل المسؤولية، ولكن تحرجا أن يكون في ذلك إعانة للمستعمر الظالم، وتثبيت لقدمه في أرض الوطن، لكن القطب رحمه الله، لبعد نظره رأى في ذلك التحفظ إفساح المجال في وجه الأجنبي الغاشم وتمكينه من تعيين أشخاص على مزاجه، يتخذهم آلة في يده، يوجههم أنى شاء، ومعاول هدامة لصرح المجتمع بها يعقّدون من مشاكلها، ويأرّثون من خصومات وعداوات بينها، فأوعز إلى هيئات العزابة في مدن ميزاب أن ترشح من بينها من يضطلع بهذا الحمل الثقيل ليرسموا قضاة في محاكمها، وكان طابعهم أول الأمر يحمل شعار "شيخ العزابة"، أما الذين رشحوا فعلا للقضاء فقد كانوا من تلاميذ القطب مباشرة. وإليكم أسماءهم:
? الشيخ بابكر بن الحاج مسعود ... قاضي غرداية.
? الشيخ وينتن الحاج عيسى بن الحاج سعيد ... قاضي بني يسجن
? الشيخ بكلي سليان بن حاجو ... قاضي العطف.
? الشيخ الحاج يحي بن صالح باعمارة ... قاضي مليكة.
? الشيخ الحاج صالح بن الحاج أحمد الداودي ... قاضي بنورة.
? الشيخ الحاج محمد بن الحاج قاسم ... قاضي القرارة.
? الشيخ الحاج الناصر بن الحاج إبراهيم الداغور ... قاضي بريان.
وبعد هذا الرعيل جاء دور محاكم الشمال، فسدّ تلاميذ القطب ثغرتها. ودونكم أسماء بعضهم:
? الشيخ الحاج بكير بن الحاج قاسم ... قاضي قسنطينة.
? الشيخ داود بن إبراهيم ذوّاق ... قاضي معسكر، فبريان.
? الشيخ داود بن الحاج بكير "ابن يوسف". ... قاضي غرداية.
? الشيخ بوفارة محمد بن إبراهيم ... قاضي يزجن فغرداية.
? الشيخ قرقر الحاج إبراهيم بن صالح ... باشعدل محكمة بريان. (1/109)
صفحة 110
? الشيخ سماوي عمر بن الحاج أحمد ... عدل محكمة العطف.
وهناك غير هؤلاء شيوخ تخرجوا من معهد القطب من مختلف مدن ميزاب، لعبوا أدوارا هامة في الحياة العلمية:
? منهم المؤلفون،
? ومنهم الدعاة القائمون بالوعظ والإرشاد في الشمال والجنوب،
? ومنهم إلى ذلك من له مدرسة خاصة "دار العلم".
? ومنهم من تولى رئاسة مجلس عمي سعيد، الذي كان له الفضل الأكبر في حفظ كيان الوطن،
? ومنهم من احتضن بعثات الأمة إلى خارج ميزاب، وأشرف على سيرها، حتى جنت الأمة ثمارها يانعة، وسدّوا ثغور مدارسها، سيما بعد أن كثر إنشاؤها في الشمال والجنوب، مما يطول نظرهم ويصعب حصرهم،
? ومنهم من تصدى لمعالجة مشاكل الأمة والدفاع عنها، ورفع مطالبها وبسطها أمام دوائر الحكومة.
? ومنهم من انخرط في سلك هيئات العزابة فأسندت إليه إمامة الصلاة بالإضافة إلى الوعظ والتدريس.
? ومنهم من تصدى لطبع الكتب الدينية، سيما التي لها اتصال بالقطب، أو قام بنسخها على الأقل.
? ومنهم، ومنهم، إلخ...
وإليك أيها المستمع نماذج لهؤلاء الأصناف البارزين، حفظا للتاريخ، ونشرا لصفحات خالدة من جهاد السلف، الذين عبّدوا الطريق لمن جاء بعدهم فأعلى بنيانه على أسسه المتين، رحمهم الله وجازاهم عن الإسلام خيرا,
أسماء شخصيات قام عليها كيان المجتمع الميزابي من تلاميذ القطب مباشرة
? الشيخ بابكر بن الحاج مسعود. تولى القضاء ورئاسة مجلس عمي سعيد.
? الشيخ بكلي الحاج عمر بن حمو. له دار علم، تولّى التدريس والإفتاء، ورئاسة مجلس عمي سعيد، مستشار القطب الخاص، ومحاميه في كثير من قضاياه.
? الشيخ الحاج مسعود بن إبراهيم قباض: له دار علم، تولى الإمامة والتدريس، مستشار القطب.
? الشيخ يوسف بن بكير حمو وعلي، مدرس، نائب رئيس عمي سعيد. رئيس عزابة العطف. (1/110)
صفحة 111
? الطالب بكير بن إبراهيم "الحاج اسماعيل"، مدرس، إمام مسجد أبي سالم بإلزام من القطب، قائلا له: تحمل مسؤولية كل شعرة تبيضّ في لحيتي إن لم تقبل الإمامة، فامتثل.
? الحاج عيسى الحاج عمر بن بالحاج، تولى طبع كتب القطب على نفقته، كتفسير التيسير، وشرح الدعائم، وشرح التوحيد.
? الشيخ حمو بن باحمد بابا وموسى، شيخ غرداية،ورئيس عزابتها وفقيهها، له دار علم.
? الشيخ سليمان بن الحاج إبراهيم بنوح، مدير مدرسة، كاتب مجلس عمي سعيد، جندي مجهول، تحمل مسؤولية مصالح الأمة في ظروف الاستعمار الحالكة.
? الشيخ بهون بن إبراهيم فخار، واعظ، مفت، راوية أخبار القطب.
? الشيخ الحاج صالح بن عمر لَعْلِي، مؤلف جليل، له مدرسة "دار علم"، تخرج منها خلق كثير.
? الشيخ أبو إسحاق إبراهيم اطفيش، مؤلف، داعية إلى الله، سفير أهل الاستقامة في الشرق، صحافي جليل، رئيس بعثة علمية.
? الشيخ محمد بن الحاج صالح الثميني، رئيس البعثة العلمية بتونس، طبع كتبا علمية وحققها، صاحب مكتبة علمية كبرى.
? الشيخ بومعقل الحاج صالح بن الحاج محمد، الداعية إلى الله في الشمال والجنوب، القائم بمصالح الأمة لدى الحكومة وبمساعيه أنشئت المحاكم الشرعية الإباضية بالتل.
? الشيخ إبراهيم بن بنوح متياز، مدير مدرسة، مدرس وواعظ.
? الشيخ امحمد بن سليمان بن دريسو، مؤلف، عالم.
? الشيخ إبراهيم بن امحمد بن دريسو، له دار علم.
? الشيخ سليمان بن امحمد بن دريسو، له دار علم.
? الشيخ محمد بن صالح عشو، قام بطبع عدة كتب للقطب.
? الشيخ إسماعيل زرقون، عالم، له دار علم، مساعد للقطب في التدريس.
? الشيخ صالح بن يحي بن الشيخ، عضو بارز في الحزب الحر التونسي، العضد الأيمن للزعيم الثعالبي التونسي.
? الشيخ نوح عبد الرحمن بن عمر، فرضي جليل، رحالة، مات بعمان بعد القطب بثلاث سنوات.
? الشيخ عيسى بن قاسم، الداعية المدافع عن مذهب الاستقامة في الشمال، واعظ ومدرس، وله اعتناء بنسخ كتب القطب. (1/111)
صفحة 112
? الشيخ اعمارة بن صالح موسى المال، واعظ ومدرس في بريان، متأثر بجد القطب وحبه للعلم، وكانت له آمال واسعة في إنهاض بريان وإلحاقه بركب المعرفة، لكن المنية عاجلته لسوء الحظ فذهب بغُصّة.
? الشيخ أبو اليقظان إبراهيم، شيخ الصحافة الجزائرية ، رئيس البعثة العلمية بتونس، مؤلف جليل، شاعر فحل، أحد رواد النهضة الحديثة.
? الشيخ إبراهيم بن بكير حفار، عالم ومؤلف جليل، له دار علم بالقرارة، كانت مثابة بعثة ميزاب، تولى رئاسة المعهد الجابري، وتخرج عليه أفواج من الطلبة سدّوا مراكز علمية في الشمال والجنوب.
? الشيخ الحاج عمر بن يحي، والشيخ الحاج إبراهيم بن عيسى لبريكي، والشيخ أبو العلا عبد الله بن إبراهيم: هؤلاء الثلاثة كانت لهم ديار علم، تولوا التدريس في مسجد القرارة، تخرج عليهم أفواج من الطلبة، حسبهم أنهم الثلاثة شيوخ الإمام بيوض إبراهيم بن عمر.
? الحاج عمر العنق، بطل من أبطال الوطنية، مدير مدرسة الهدى بقسنطينة.
? الحاج بكير العنق، بطل من أبطال الوطنية، دماغ الإصلاح المفكر بالقرارة.
? الشيخ سليمان الباروني، الزعيم الإسلامي الليبي، شاعر، مؤلف، صحافي جليل. سياسي محنك، صاحب المطبعة البارونية التي أخرجت كتبا قيّمة بمصر.
? الشيخ الحاج عمر العوّام الجربي، والشيخ رمضان الليني الجربي، كلاهما نشر العلم بجربة، وكان لهما تلاميذ شغلوا المراكز العلمية، حسبك أن الليني كان من شيوخ أبي اليقظان.
هؤلاء بعض تلاميذ القطب البارزين، الذين نشروا علمه في أوساطهم، وأثروا فيها الأثر الحسن دينيا واجتماعيا، ودفعوا بعجلة النهضة العلمية الإصلاحية إلى الأمام، بقوة فكانوا امتدادا لحياته. وهم -بعدُ- جزء من مجموع من تخرج من مدرسته رحمه الله، وإن في من لم نذكر لأبطالاً مغاوير لعبوا أدوارا في حياة الأمة، وساهموا في نهضتها مساهمة يدخر لهم أجرها عند الله الذي لا تضيع عنده الودائع. (1/112)
صفحة 113
هذا بعض الأثر الحميد الذي تركه القطب في مجتمعه، وإنها لبركة العمر، وسعادة الأبدان إن شاء الله. { قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ } (1) .
وبعد.
فلا يليق بنا أن نختم هذه المحاضرة دون أن نتعرض بكلمة عن بلدة "يزجن"، منبت القطب ومهد النهضة العلمية التي انبثقت منها، فكان القطب تاج مفرقها، ومبعث فخرها على مر الأجيال، وعن التسلسل العلمي الذي تم بها، حتى لا يصدق فينا قول الشاعر:
ولم أر في عيوب ... الناس شيئا ... كنقص القادرين ... على التمام
كانت "يزجن" البلدة الحاملة للواء النهضة العلمية في ميزاب، باطراد من منذ القرن الثاني عشر الهجري، وكانت تعج بفطاحل العلماء، إلا أنها تفتخر على الأجيال في المغرب العربي أنها منبت القطب اطفيش، ومرتع صباه، ومضطرب جهاده العلمي، مدة ثمانين سنة من الزمن أو تزيد.
أجل، ظلت ترسل أشعتها إلى مختلف جهات القطر، فتضيء زواياه المظلمة فتفتح عيونها على ضوء نهضة حديثة جددت ما أبادته أحداث القرون، وأحيت ما أماته الجهل وعدم الاستقرار.
أما عن التسلسل العلمي فنحن نقتصر اليوم على ذكر الأشياخ الذين تربعوا على كرسي المشيخة (لبست لهم العمامة على تعبير العامة)، في يزجن من عهد الشيخ أبي زكرياء بن يحي بن صالح، مجدد النهضة الحديثة، وإن لم يتربع هو نفسه على كرسي المشيخة العرفية.
وهؤلاء: هم
الشيخ عبد العزيز صاحب النيل، وتلميذ الشيخ يحي بن صالح، أب النهضة. والشيخ الحاج يوسف بن حمو، والشيخ سليمان بن عيسى جد آل الشيخ بيزجن، والشيخ الحاج محمد أزبار، والشيخ الحاج صالح بن عمر.
__________
(1) – سورة يونس، آية: 58. (1/113)
صفحة 114
وهنا أنبه على ظاهرة كانت تخيم على الجو العلمي يزمئذ بميزاب، ذلك أنه كان يشترط لتولي المشيخة العرفية في البلدة إلى التضلع في العلم، أن يكون مرضيا عنه من السلطة الزمنية، وإلا فكيف لا يكون الشيخ اطفيش وهو مجتهد الأمة ومجدد القرن الرابع عشر، ومن بلغت مؤلفاته في مختلف العلوم المئات. كيف لا يكون شيخا عرفيا؟ كما قلت في حق الشيخ يحي بن صالح مجدد النهضة الحديثة؟ أيتولاها تلميذاهما، ولا يتوليانها هما ذاتهما، لولا ما قلنا. ثم أينفى الشيخ اطفيش في عنفوان ازدهار معهده هو وتلاميذه من مسقط رأسه إلى بنورة، لولا ذلك؟
كان إلى جانب كل شيخ من أولئك المشايخ شيوخ وشيوخ، ينشرون العلم بين طبقات الأمة ويعممون الثقافة، تأتيهم الطلبة من هنا وهناك وهنالك. فتهتز بهم شجرة العلم بميزاب وتزدهر، وإنما عطل هذه الحركة القوية أن تنعكس أشعتها إلى خارج القطر استحكام حلقات الفتن الداخلية والتعصب القبلي يومئذ بميزاب، فقد كانت حالته الاجتماعية يومئذ مريجة إلى أبعد حد. وكان يقض أولئك العلماء الأعلام -رغم مقاومتهم وجهادهم- تحت رحمة العوام الذين يحكّمون في أمثال هذه المواقف النزعة الطائفية، ويسيطرون على حالة المجتمع، رغم استنكار علماء الأمة لسيرتهم وتصرفاتهم. وما ظنك بحالة كهذه؟ أفلا تشتد محنة العلماء من سيطرة الجهال عليهم؟
لم يبل ذو العقل ... الذي ... جارت عليه صروف ... دهره
أشجى له من ... جاهل ... يزري بقيمته ... وقدره
يمضي حكومته ... عليـ ... ـه بجهله وجواز ... أمره
... ويعلم الله لو ساوقت الحالة الاجتماعية بميزاب نهضتها العلمية إذن لبلغ في الحياة مكانا عليا، ولكان النموذج المثالي في الجزائر، والأمر لله. (1/114)
صفحة 115
ظلت النهضة العلمية رغم هذا الجو المخنق تشق طريقها بقوة، وبلغت أوج ازدهارها أيام القطب اطفيش، رحمه الله، فقد ازدحمت على مشرعه أفواج الطلبة من الداخل والخارج، كجبل نفوسة وجربة، فتخرج جلهم عليه، فكانت لكلٍّ الصدارة في ناحيته، واحتضن حركاتها العلمية والاجتماعية.
أما السياسية فعن قلة، لأن الأوضاع السياسية كانت حينئذ ساذجة لا تستدعي كبير اهتمام، فبرز في الميدان أمثال الشيخ بكلي الحاج عمر بن حمو، والقاضي الشيخ بكلي سليمان بن حاجو في العطف، والشيخ الحاج صالح بن الحاج أحمد الداودي في بنورة، والقاضي الشيخ الحاج عمر بن صالح باعمارة في مليكة، والقاضي الشيخ محمد بن الحاج قاسم في القرارة، والشيخ الحاج عمر بن يحي في القرارة، والشيخ داود بن الحاج بكير والشيخ حمو بن باحمد في غرداية. والشيخ الحاج بكير بن الحاج قاسم في قسنطينة، والشيخ بومعقل الحاج صالح بن محمد في المعسكر، والقاضي الشيخ الحاج الناصر بن الحاج إبراهيم الداغور في بريان.
وقد التف حول هؤلاء طوائف من زملائهم من طلبة القطب إما مباشرة وإما بواسطة، لعبوا أدوارا هامة في حياة الوطن، وكانوا يصدرون عن رأي القطب في المهمات، وبذلك توحدت خطة العمل في كامل ميزاب، وتأتّى لهم أن ينظموا حملاتهم الصادقة ضد البدع والعنصرية، وأسمعوا من أعلى منابر المساجد التي ارتقوها صوت الحق داويا، حتى أثروا في مجموع الحالة، وقضوا على بواعث الفتنة وعلى أعشاش الطائفية، وأوكار الفساد إلا قليلا. (1/115)
صفحة 116
ولولا أن نجم قرن الشيخ الحاج صالح بن عمر اليسجني أحد تلاميذ القطب القدامى، فخالفه في بعض المسائل –ليس هنا محل بسطها- واحتدم الخلاف بينهما سنين، الأمر الذي عرقل سير النهضة نوعا، وأخرها مراحل. وانقسم المجتمع الميزابي بوجه عام من جراء ذلك قسمين: قسم يناصر القطب، وهي الأغلبية الساحقة، من أسرة العلم، وعلى رأسهم تلاميذه المنتشرون هنا وهناك، وقسم يناصر الشيخ الحاج صالح ومن ورائهم أصابع خفية تحرك الشريط وراء الأستار. ولا تزال عقابيل هذه الخلافات على شفاه الأمة إلى اليوم، لكانت الحالة غير الحالة, والأمر لله.
أما النهضة الاجتماعية والسياسية، وإن نالتا المجتمع الميزابي، لكن النهضة العلمية الدينية كانت المهيمنة من منذ أواخر القرن الثالث عشر في عنفوان حركة القطب. وإن زعماءها هم الذين سيطروا على الموقف أخيرا، واحتضنوا مسائلها العامة الهامة في الجملة.
أجل اشتهرت شخصيات في كل بلدة اضطلعوا بالعبء الاجتماعي والسياسي، وكان لهم الأثر الحميد في مجموع الأمة، بيد أنهم في كل حركاتهم خاضعون لسلطان الهيئة الروحية في الوطن "مجلس العزابة"، الذي يوجد على رأسها غالبا في كل بلدة حامل لواء نهضتها. (1/116)
صفحة 117
وعليه فالنهضات الثلاث في ميزاب كانت متداخلة، ذلك أن ميزاب كان يحكم الدين في كل قضاياه، علمية كانت أو اجتماعية أو سياسية، لذلك نرى السلطة الدينية تشرف في الغالب على جميع المواقف، ولم يفصل بعدُ في ميزاب سلطة الدين عن الحكومة، وإن من خصائص الشعب الميزابي أن لا يخضع ويستجيب إلا لـ:"قال الله، قال رسوله"، أما غيرهما من الدعوات فقلما تصادف بينه إصغاء ونجاحا، وعليه فاطراد سير نهضاتها وازدهارها يكون تابعا لكفاءة زعمائها الدينيين، ولذلك نراها في عهدها الأخير إذ تلقف الراية الشيخ بيوض تطوي المراحل طيا، وتسجل تقدما محسوسا وباهرا، في كل الميادين، رغم العراقيل والمعاكسات وتحكمات السياسة، داخلا وخارجا. وإن الأمل وطيد أن يصفو الجو وتزال العقبات وتشق طريقها نحو الكمال بحول الله وقوته.
كلمة لشباب الأمة على ضوء حياة القطب
يا شباب الأمة ويا أمل البلاد، هذا هو القطب، وهذه آثاره الخالدة.
والناس ألف منهم ... كواحد ... وواحد كألف إن ... أمر عنا
بل الواحد منهم كآلاف لا كألف واحد، وأين نحن أبناء اليوم من هذه المهمة القعساء، والعمل المتواصل والتفاني في خدمة العلم ونصرة الدين، فقد استطاع بمفرده أن يسيطر على أوضاع المجتمع بأكمله، بقوة روحه لا بقوة مادته. فهل آن لنا أن نصحح وضعنا على ضوءه؟ أليس من المؤسف أن لا يكون لنا إمام في الشريعة كالقطب، أو كالإمام بيوض بعده تنتهي إليه الأنظار، يجعل حدا للفوضى العلمية؟ أيجمل بنا ونحن في عصر العلم، عصر التقنيات والندوات والجامعات أن نظل في فوضى علمية، كل يدعي في العلم معرفة، ويعتبر نفسه الإمام الذي ترد إليه الآراء والمشاكل. (1/117)
صفحة 118
وويل لأمة كل فرد فيها إمام. إنما الإمام المنشود من يرشحه الانتخاب الطبيعي بغزارة علمه وبعد نظره وحكيم سياسته، ويعنو لسلطانه الروحي الكل طوعا أو كرها، ذلك ما سنتوجه به إلى شبابنا المثقف الذي تعج به البلاد ويحمل أعلى الشهادات العلمية، عساهم يعيرون التفاتة لهذه الناحية، ويتداركون الأمر قبل فوات الأوان.
لقد ازورّ شعبنا عن حياة الروح في هذا العهد الأخير بعد استقلال الجزائر، إذ انفتحت في وجهه وجوه المكاسب، فاندفعوا بلهف وراء الخبزة الطائرة، وهيهات هيهات أن يلحقوها. واستولى عليهم حب الدينا، و«حب الدنيا رأس كل خطيئة» (1) . من شرب منها جرعة ازداد عطشا، ولو أعطي ابن آدم واديا من ذهب لتمنى أن يكون له ثالث (2) .
أقبلوا بأولادهم على علم الرغيف والوظيف، وأما الدين وعلومه، والشريعة ودراستها، أما الأخلاق ومدارسها، والاستقامة وسننها، والأصالة والرجوع إليها والاستمساك بها، أما إرشاد الخلق إلى طريق الخالق، أما الإقبال على الله بالروح، وأنت بالروح لا بالجسم إنسان (3) . وهو الإرث الحقيقي للمسلم، ومناط سعادته دنيا وأخرى، أما هذه الجوانب كلها، فقد ذهبت ضحية البطن والمعدة.
__________
(1) – سبق تخريجه.
(2) – نص الحديث عند الترمذي: «عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ كَانَ لابْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ ذَهَبٍ لأَحَبَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ ثَالِثٌ وَلا يَمْلأُ فَاهُ إِلاَّ التُّرَابُ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ»، سنن الترمذي، كتاب الزهد، باب ما جاء لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى ثالثا، حديث رقم2337.
(3) – إشارة إلى قول الشاعر (1/118)
صفحة 119
ولو أنهم توزعوا الحمل الثقيل، بعضهم اشتغل بجانب الدنيا، وبعضهم اشتغل بجانب الآخرة، لكان خيرا، لهم وأقوم، ولأسعد الواحد الآخر، وكمل به وجوده، قال تعالى: { فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ } (1) . وقال صلى الله عليه وسلم: «ليس بخيركم من ترك دنياه لآخرته، ولا آخرته لدنياه،حتى يصيب منهما جميعا، فإن الدنيا بلاغ الآخرة، ولاتكونوا كلاًّ على الناس» (2) .
يا شباب اليوم ويا رجال الغد
انتبهوا من غفلتكم ونظموا صفوفكم، وخططوا لمستقبل حياة أمتكم، فالدهر جبار لا يرحم إلا من رحم نفسه.
اقتسموا أعباء الحياة، فلا جانب الدنيا تتركون، ولا جانب الدين تهملون، هناك تسير أمتكم على رجلين معتدلين، من علم ومال، وهناك لا غير، يتأتى لها أن تدرك ركب الحياة وتسايره، وتدرك نصيبها من شمس السعادة المشرقة على هذا الوجود.
بالأمس كانت أمتنا منقطعة إلى الجانب الروحي، إلا بعض التفات منها إلى الجانب المادي، فانعكست القضية في أيامنا تماما، وكلا طرفي قصد الأمور ذميم (3) .
__________
(1) أقبل على النفس ... واستكمل فضائلها ... فأنت بالروح ... لا بالجسم إنسان
) – سورة التوبة، آية: 122.
(2) – لم أجده في الصحاح ولا في السنن.
(3) – ذكر هذا البيت دون نسبة لأحد:
فسامح ولا تستوف ... حقك كله ... وأبق، فلم يستوف ... قطّ كريم
ولا تعد في شيء ... من الأمر واقتصد ... كلا طرفي ... قصد الأمور ذميم
انظر: كشف الخفاء، للعجلوني، ج2، ص284. (1/119)
صفحة 120
ألا إن حياتنا بالأمس -وإن لم تكن معتدلة- لكنها في مجموعها أقرب إلى السلامة منها اليوم، ذلك أننا لو تأملنا في سر بقاء شعبنا الميزابي الصغير على قيد الوجود في هذه الزاوية الضيقة من الصحراء القاحلة، أكثر من ألف سنة، لوجدناه يكمن في استمساكه بدينه ومحافظته على أخلاقه وأصالته، وإن جرد من الأسباب المادية، وعليه، إما أن نعدّل سلوكنا في المستقبل ونعتني بجانبنا الروحي الذي يضمن لنا سعادة الأبد، وإما أن تجعلنا رحى الأيام من جملة طحينها.
أنا المنذر العريان ... ينبذ ثوبه ... ولا الصدق لا ينبذ لك ... الثوب كاذب
وأخيرا
نجدد شكرنا العميق لأبنائنا جمعية البلابل الرستمية التي تبنت مهرجان إمامنا العظيم، قطب الأئمة اطفيش، نوّر الله ضريحه، وكانت السبب الباعث للكاتبين أن يتناولوا جوانب من حياته الكريمة، وإن بقيت منها جوانب وجوانب، تنتظر نصيبها.
أمد الله في أنفاسها ووفقها لمواصلة رسالتها، حياها الله وبيّاها.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
بريان 17 ذو القعدة 1401هـ/ 16 سبتمبر 1981م.
بكلي عبد الرحمن بن عمر.
الشيخ أبو اليقظان كما أعرفه (1) .
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين
والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين ،
سيدنا محمد وآله وأصحابه أجمعين.
أيها السادة، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
يسرني جدا أن أشارك في هذا المهرجان العظيم الذي شاءت همة "البلابل الرستمية" أن تقيمه في هذا الأسبوع إحياءً لذكرى عالم جليل من علمائنا العاملين، وبطل من أبطال النهضة الوطنية الحديثة في الجزائر، عزيزي الشيخ أبي اليقظان الحاج إبراهيم بن الحاج عيسى رحمه الله.
__________
(1) – محاضرة ألقيتها بمناسبة أسبوع بريان الثقافي 1979م. (1/120)
صفحة 121
شكر الله سعيهم، وأحيى قلوبهم يوم تموت القلوب، وعسى الله أن يوفقني بهذه المشاركة أن أكون في هذه النهضة المباركة من الذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل، فأبلّ رحمًا ماسة، وأؤدي لصديق حميم وأخ وفيّ كريم بعض ما له عليّ من حق الصلة المتينة التي كانت تربطني به مدة طويلة في حياته.
والصلة -أيها السادة- صلتان: صلة قربة، وصلة قرابة، ولا ريب أن الأولى أقوى ومقدمة على الثانية.
من هو أبو اليقظان؟
هو الشيخ حمدي أبواليقظان الحاج إبراهيم بن الحاج عيسى بن يحي، رائد كبير من رواد الوطنية في عصرنا الحاضر، وصحافي جليل جريء بعيد الأهداف، موفق المواقف، شق الطريق أمام الصحافة الوطنية بالجزائر في دور من أدوارها العصيبة، فسارت على ضوء هداه قافلة الأمة نحو غايتها المثلى.
ولد رحمه الله بالقرارة، (ميزاب)، يوم 29 صفر 1306هـ الموافق ليوم 5 نوفمبر 1888م.
نشأ يتيم الأب فقده قبل أن يتم رضاعه (1307هـ)، فكفلته أمه المسلمة البارة، وإن في عيش ضيق، وشاء الله ربنا أن يثمر غرسها، ويبارك في هذا اليتيم الفقير، فيجعل منه علما من أعلام الإصلاح في زمانه.
وأنا كمعاشر ملاصق له سنين عديدة، يضمّنا منزل واحد في تونس أيام البعثة العلمية الميزابية، وفي الجزائر أثناء خوض معركة الصحافة، وتأسيس المطبعة العربية في دوره العصيب، بل وحتى بعد أن انصرف عن الصحافة إلى التأليف، كنت بجانبه ولم أفارقه، مساعدا له ومناصرا، أبادله الرأي وأشاطره المعونة. تقبل الله.
أيها السادة- لا تنتظروا مني أن أتتبع أدوار حياة الفقيد رحمه الله، أو أعدد مواقفه واحدا واحدا، فقد كفاني مؤونة ذلك كُتّاب أجلاء، كالدكتور محمد ناصر، والأستاذ الزبير سيف الإسلام، والدكتور صالح الخرفي، والأستاذ محمد علي دبوز، والأستاذ أنور الجندي، وأخيرا الأستاذ محمد قاسم ناصر بوحجام. (1/121)
صفحة 122
فقد تناول هؤلاء وغيرهم حياة فقيدنا بتفصيل واستقصاء، وأشبعوا القول بما لا مزيد عليه، وحسبي من ذلك في هذا الموقف أن أقول كلمتين مجملتين: الأولى عن عقيدته وأخلاقه وحسن عشرته. والثانية عن خوضه معركة الصحافة.
الكلمة الأولى
عاشرته مدة طويلة، وتمرست به في شتى حالاته، وخبرت نفسه بما يفضي إليّ به من حين لآخر، فكان الرفيق في عشرته، النزيه في معاملته، ضحوك السن، بارع النكتة، مرحًا إلا إذا حزبه أمر يسيء، فيتحمله صابرا راضيا بقضاء الله تعالى وحكمه محتسبا، متواضعا، كثير الاحتمال لأصدقائه، منصفا إذا أخطأ، يقبل الحق ولا يكابر، سليم الصدر لا يضغن ولا يحقد ولا يغضب، إلا إذا انتهكت حرمة من حرمات الله.
وبالجملة فقد كانت أخلاقه أخلاق السلف الصالح، وعشرته عشرة المسلم الذي سلم الناس من لسانه ويده، والمؤمن الذي أمنه الناس على دمائهم وأموالهم.
عرفت فيه المسلم الصحيح العقيدة، المخبت دينه لله، الذي لا يفتر عن تلاوة كتاب الله، اتخذه ورده الراتب، يستهل به يومه، متنسكا خاشعا لله، يوحي منظره الخشوع والتقوى والاستقامة. لم يأل جهدا في بث هذه الروح الطاهرة في نفوس معاشريه من أبناء البعثة التي كان يشرف عليها، زيادة على الدروس الدينية التي كان يلقيها عليهم دراكًا، يطعّم بها نفوسهم ويثبتهم بها على نهج الاستقامة.
عرفت فيه المؤمن القوي: قوي في إيمانه، قوي في أخلاقه وإخلاصه، قوي في موقف الحق لا يحيد عنه ولا ينثني، قوي على أعداء الله، لا ترهبه قوتهم ولا كثرتهم، معتصما بالله الذي كتب لنفسه العزة ولرسوله وللمؤمنين. غيور على الإسلام ومؤسساته ووحدته، ويسوءه أن يرى المسلمين أنىّ كانوا مضطهدين مختلفين جاهلين.
- هذه النفسية الكبرى هي التي حملته على الهجرة إلى يسجن ليتلقى معلوماته عن مجتهد الأمة الشيخ امحمد اطفيش رحمه الله.
- وإلى تونس سنة 1912، و1916 لملازمة حلقات الزيتونة. (1/122)
صفحة 123
- وإلى تأسيسه مدرسة قرآنية على الطراز الحديث بالقرارة سنة 1915.
- وإلى الإشراف على البعثة العلمية في تونس من سنة 1916 إلى 1926.
- وإلى المشاركة في تأسيس الحزب الدستوري بها في سنة 1917، وبلائه الحسن في نصرة زعيمه يومئذ الشيخ عبد العزيز الثعالبي، إسعادًا لأمة مسلمة شقيقة في قضيتها المصيرية.
- وإلى المشاركة في تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين سنة 1931، فانتخابه عضوا في إدارتها نائبا لأمين ماليتها.
- و إلى إنشاء المطبعة العربية على حين فقد الطباعة الوطنية بالجزائر، سنة 1931.
وهكذا نجد سر ما حققه من أعمال، وبلغه من أهداف يكمن في هذه الروح القوية التي تقمصها ذلك البدن الضعيف. ولم يكن فقيدنا رحمه الله أغزر أهل مجتمعه علما، ولا أقواهم بنية، ولا أغناهم مالا، ولا أكثرهم أنصارا، ولكنه كان من أصحهم عقيدة ، وأكثرهم إخلاصا، وأبعدهم همة، وأصفاهم نية، وأشدهم غيرة على الإسلام والمسلمين.
«ما فضلكم أبوبكر بكثرة الصلاة والصيام، ولكن بشيء وقر في صدره» (1) .
وما إن فاز أغزنا ... علوما ... ولكن فازأسلمنا ... ضميرا (2)
الكلمة الثانية
ساءه أن يرى أمته تسام خسفا، وتساق سوق الأنعام إلى المجازر، وهاله الجور المطبق الذي عمّ طبقاتها، ورأى إدارة الاستعمار الغاشمة، وقد استعانت على إذلال الأمة بخِوَنة وتحُوتٍ من أبنائها منحتهم وظائف خيالية (قياد، وأغوات، وبشغاوات) أوهمتهم أنهم الحكام بأمرهم، تجب طاعتهم على كل حال، ويحرم عصيان أمرهم وإن بلغوا ملمس العفة والحياء، فسلَّطَتهم على بني جلدتهم كلابًا مسعورة، ، وقذائف يحرقون ويدمرون، فأشغلت البعض بالبعض وتفرغت لإذلال الكل.
__________
(1) – لم أجده في كتب الصحاح ولا السنن. وقد أورده ابن رجب الحنبلي غير منسوب لأحد. انظر: جامع العلوم والحكم. ج،1 ص30.
(2) – البيت من قصيدة لمعروف الرصافي مطلعها:
كفى بالعلم في الظلمات نوراً ... ... ... يبين في الحياة لنا الأمورا (1/123)
صفحة 124
لا مدارس صالحة تنشئ جيل المستقبل، اللهم إلا على شبه خرافات "الصوالح" و"ابن سيدوه" و"قصص جحا" تذهب أعمارهم سدًى، وتحبب إليهم المستعمر وحياة الذل والاستعباد. ولا هيئات ودعاة ملّيّة أو أحزابا سياسية توقظ الشعور في الأمة وتدعوها إلى الحياة، ولا صحافة نزيهة تعبر عن آلامها وآمالها، وقد توثق المستعمر لإدامة موت الأمة، بسدّ منافذ الحياة، وغلق معاهد العلم في وجه أبناء البلاد، اللهم إلا أبناء بعض عملائها المدللين، ثم أغرقتهم فوق ذلك بسيل من أبنائها الغلاة، فمكنتهم من خيرات البلاد يمتصونها، ويسخرون أربابها عبيدا، فحرمت الإدارة العسكرية بغطرستها وظلمها الأمةَ الجزائرية أدبيا، وأبناءه النازحون إليها بامتصاصهم خيراتها ماديا، فأصبح أبناء البلاد كالغثاء يُرمى على الشاطئ.
أزاء هذه الحالة الأسيفة تحركت دماء الغيرة في عروق أبي اليقظان، فدفعت به إلى ميدان الصحافة يخوض غمارها ببسالة وشجاعة القائد الماهر، واستطاع بفضل إخلاصه ابتغاء وجه الله بعمله أن يبلغ بعض أهدافه، ومن الأمة بعض ما يريد منها، فتظافرت صحافته وصحافة العلامة ابن باديس رحمه الله على حياة الأمة، فاستيقظ نائم وانتبه غافل، وانبعث عامل، فسرت الحياة في منابت عودها، وشقت طريقها نحو غايتها، الأمر الذي أقلق المستعمر الطاغية، رغم اعتزازه بقوته، حتى اعترف بذلك هو نفسه في مناسبات كما سيأتيك بعضها إن شاء الله. (1/124)
صفحة 125
وهنا نسجل بمداد الفخر والإعجاب جهاد أبي اليقظان العظيم في ميدان الصحافة، وبطولته النادرة في مضمار الوطنية، والثبات على مبدإ الحق والتصريح به. فلقد رفع عقيرته بالحق ونعى على الاستعمار ظلمه، وعلى الطغيان عتوه، وعلى التبشير تضليله، وعلى الجمود خموله وتنطعه، بكيفية أكسبته إعجاب الصديق والعدو، في وقت استحكمت فيه حلقات الاستبداد، وأَصْلَتَ الجبروت سيفه على رؤوس العباد، وخنقت فيه أنفاس الحرية: حرية الصحافة والنشر، وأصبح من يخوض غمارها من الأهالي كمن يقطع مسبح التماسيح، فهو معرّض للخطر في كل لحظة وحين، لا يدري أي داهية تُصَبِّحه أو تمُسِّيه.
أبرز جرائد ثمانية في فترة تتراوح من سنة 1926 إلى 1938، هي: وادي ميزاب، ميزاب، المغرب، النور، البستان، النبراس، الأمة، الفرقان.
سقطت الواحدة تلو الأخرى في ميدان الكفاح، وكانت كلّما تمكنت الواحدة منها في السير وأتيح لها النشر والرواج، وأدتها إدارة الاستعمار الجزائرية التي تقوم أبدا سدًّا منيعا دون تقدم المسلمين ويقظتهم.
ولقد آزرته في جهاده هذا نخبة صالحة من علية كُتّاب الأمة، أبلوا معه البلاء الحسن، منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدّلوا تبديلا. كالأستاذ الجليل زعيم الإصلاح الشيخ بيوض، والشيخ الثميني، والشيخ ابن الشيخ قاسم بن الحاج عيسى، والشيخ عدون بن بالحاج شريفي، والشعراء: مفدي زكرياء، ورمضان حمود، ورستمي بكير، والبكري كاتب هذه السطور، والأديب المخلص تاعموت عيسى، بدعايته وتوزيعه، وغيرهم كثير ممن لا تزال أسماؤهم مسجلة على صفحاتها. (1/125)
صفحة 126
هزهزت هذه الصحف أقطار الأمة ورجَّتْها رجًّا عنيفا، ورفعت من قيمة الإصلاح الذي يعتبر صاحبها أحد أعلامه، وذللت العقبات ومهدت الصعوبات أمام العاملين، وشدخت رؤوسا عالية أعلاها الطغيان، فأطارت من أنوفها غنزوانتها، وجففت دموعا كاذبة كان يتخذها الجامدون سلاحا يُغرون به بسطاء الأمة، وساذجيها. وربطت صلات الأمة الميزابية بالمجتمع الإسلامي، فعرفها كثير من قراء العربية بعد أن كانت مجهولة لديهم تماما. ورفعت للجزائر رأسا في عالم الشرق والغرب، وشقت طريق الصحافة الوطنية أمام الأمة الجزائرية. وحلت مشاكل اجتماعية وعلمية كانت أعقد من ذنب الضب. يستمسك بها خصوم الإصلاح، ويتخذونها ذريعة لاصطياد العامة. فاستبانت الأمة طريق الرشد، ونزع الكثير رقبته من ربقة الذين يصطادون في الماء العكر، فزاد ذلك في الإصلاح بقدر ما نقص من جانب خصومهم.
وبالجملة فقد نزعت الصحافة التي أشرف على تحريرها الشيخ أبو اليقظان أشواكا كثيرة من طريق الإصلاح، وصاولت دونه حتى تأتّى له أن يتقدم تقدما لولا الصحافة ما كان يتقدمه.
ودونك أبرز المواضيع التي طرحتها وأعطتها كامل عنايتها، فأتت بثمرات لا يجحدها إلا كافر النعمة ولا ينكرها إلا ناكر الجميل:
1. صرخت في الأمة صرختها الداوية إلى العلم، فاستفاقت من سباتها نوعا، وسار تيار هذه الدعوة في أوساطها فأقبلت على مناهله، وإن كان إقبالا في فتور، وشربت وإن كان شرابها ارتشافا، وشفًّا لا اشتفافا، ولا عبًّا ولا اكتراعا.
2. نازلت بعض طواغيت الحكام، الذين يظنون أنهم بنجوة عن القانون، ويخيل إليهم أنهم الحاكمون بأمرهم، لا معقب لحكمهم ولا راد لأمرهم، فكشفت القناع عن مخالفاتهم، وأسمعتهم كلمة الحق قاسية، وناقشتهم الحساب في عدة مواقف، الأمر الذي قيد اندفاعهم وتركهم يتفكرون قبل أن ينبعثوا، ويرتدون أحيانا مخافة التعقيب والمناقشة والتشهير. (1/126)
صفحة 127
3. تناولت بالنقد بعض الأغنياء الذين بطرتهم النعمة، فتعدوا حدود ما أنزل الله على رسوله، وحاولوا إذلال أمتهم، وتسخيرها لمصالحهم وأغراضهم الخاصة، وتسليط بعضهم على البعض الآخر إشغالا للطرفين، وتأسيا بالاستعمار في أساليب استغلاله، شأن من تربى في أحضانه وعاش تحت ظلاله. فأرسلت عليهم صواعقها المحرقة، وأنزلتهم من صياصيهم، وقذفت في قلوبهم الرعب، وألفتت نظر الأمة إليهم، حتى عرفهم الخاص والعام، ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيي عن بينة.
4. خاضت معارك الاقتصاد فعقدت الفصول الضافية في مختلف مباحثه، وشرحت مسألة التجارة، التي انغمست فيها أمتنا على اختلاف طبقاتها إلى الناصية، شرحا أوضح غامضها، وشخص أدواءها، وأبان فائدتها والغاية منها. وألفتت نظر الأمة إلى المحتكرين اليهود الذين يريدون أن يتخذوها بقر نمل يمتصون دماءها، ويستنزفون جهودها، ويعقّدون مشاكلها، ثم يضحكون على أذقانهم. فأيقظت فيهم الشعور بالذاتية، ودعتهم إلى الاعتماد على النفس، والاستغناء عن هذه الوسائط الطفيلية، وفتحت عيونهم إلى ما يراد بهم، وإلى الأساليب التي تنقذهم وتنعشهم.
5. عالجت كثيرا من المسائل العلمية الهامة، فأفسحت المجال لأقلام الباحثين التي نفت الشبه وبددت الأوهام، وأوضحت المحجة، فمكنتهم من ركوب ظهر سماسرة العلم وأدعيائه، الذين يحاولون احتكاره لأنفسهم، وتحجير عرائسه عن غيرهم بالحجة والبرهان، والإيضاح والتبيان. حتى اختال الحق بين أعمدتها اتضاحا، وتضاءل الباطل افتضاحا.
6. نافحت عن هذا الوطن كثيرا من خصومه الطاعنين فيه خبثا وبغضا، وأَصْلَتْهُم بما أظهرت من باطلهم نارا حامية، وتركتهم مضغة في فم التاريخ، تلوكها الأجيال، ثم تلفظها لأنها ميتة لا تستساغ. (1/127)
صفحة 128
7. بالغت في تربية الأمة وغرس مكارم الأخلاق فيها، وتنفيرها عن الأخلاق المدنسة، والعود بها إلى هدي القرآن وسيرة السلف الصالح، والرجوع إلى حظيرة الدين الذي لا تدرك السعادة إلا من سبيله.
8. انتقدت سلوك بعض الإدارات التي قصرت في أداء مهمتها، بكيفية أعادتها إلى رشدها.
9. أثارت ماضي تاريخ الأمة وأشعرتها بسابق عزها وسالف مجدها، لتبعث الأبناء على الاقتداء بالآباء في الجلائل والعظائم.
10. رفعت مطالب الأمة إلى الحكومة في شتى المناسبات، فشخصت الداء ووصفت الدواء، وشرحت حال الأمة شرحا تاما، فكانت بذلك لسانها المبين وترجمانها الأمين.
11. أطلعت الأمة على اللجان التي كانت ترسلها الحكومة لدراسة الوطن ومعالجة أزماته، فحفزتها إلى مقابلتها وبسط حالتها أمامها، وتقديم مطالبها عساها تصادف على يد بعضها إسعافا أو إسعادا.
12. وبالجملة فقد شرّفَت الأمة بأسرها، إذ أصبحت بها أمة ذات لسان يعبر عن آمالها وآلامها، وينافح دون حقيقتها. وينشر بين سمع الدنيا وبصرها صحائف خالدة من تاريخها وصورا رائعة من مظاهرها.
إلى غير ذلك مما لم نأت له على بيان.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن صراحة الشيخ أبي اليقظان النادرة، وانتقاداته اللاذعة، وإيمانه القوي الذي يدفع به إلى بحبوحة المعمعة، قد أثارت سخط صحافة الاستعمار في الشمال الإفريقي، وفي فرنسا معا، إذ أخذت تلمس في الأمة أثر دعوته، وتحسب لمستقبل صرخاته ألف حساب. لذلك رأت من واجبها أن تلفت إلى خطره نظر أولي الأمر، وتنعته إليهم بالعدو رقم 1، ليسكتوا هذا الصوت الندي. أو بعبارة أصرح، ليقضوا على هذا العدو اللدود.
ودونك شاهدا ما نشرته الجريدة الكبرى الباريسية "لكسيون افرنسيز" في عددها الصادر تاريخ 18 أبريل سنة 1933، بقلم "فرناند غويه" تحت عنوان "الوطنية الإسلامية في القطر الجزائري" قالت في معرض الكلام عن المزابيين، ما تعريبه باختصار:
« (1/128)
صفحة 129
إن الميزابيين كتلة ممتازة بين العنصر العربي والبربري، وغالبهم أغنياء مثقفون عاملون، فقد استطاعوا أن يصيّروا بجهودهم رقعة ميزاب الجرداء جنة غناء وارفة الظلال، وإنهم يعتبرون أنفسهم أهدى سبيلا من بقية الطوائف الإسلامية، ومنهم عدد وافر يشتغلون تجارا في مدن الشمال، يحترفون القصابة والعطارة والبزازة، لكنهم مع تزمتهم وتشددهم في الدين لا يبغضون النقود الأروبية !!! ثم قال:
لا يزال الميزابيون من زمان بعيد يشهرون ضدنا على أعمدة صحفهم حملات الكذب والطعن في سياستنا، ومن جهة أخرى فإنهم يعتزون ويفخرون بأنهم يمتازون بدائرة عن غيرهم، وخصصوا بعدد من الجنود معيّن سنويا، وإنهم يستطيعون أن يمنعوا غير المسلم أن يبيت في بني يسجن "البلدة المقدسة"، بل حتى المكتب الفرنسي فقد بنوه خارج أسوارها، الأمر الذي جعلهم يرون في إغضائنا وتسامحنا معهم ضعفا، لذلك تراهم يهاجموننا بكل وسائل الهجوم. .. ..– إلى أن قال:
ومن المقرر الثابت أن الميزابيين هم المهيّجون الحقيقيون والمنسقون لمظاهرات الشوارع، وقد شهد بعض من يوثق به أنه رأى وسمع أحد هؤلاء الميزابيين يقول للعمال العرب: "لا تبرحوا الميدان، (البطحاء) ولكن جولوا فيه حتى لا يستطيع أعوان البوليس طردكم".. .. . – إلى أن قال:
"وهو محل الشاهد" (1/129)
صفحة 130
وهنا لص رابع "لص عقول" ميزابي الأصل، مشهور لدى مكاتب الأمن العام، هو إبراهيم بن الحاج عيسى أبو اليقظان، وهو بلا شك من ضمن هذه العصابة (يريد بالعصابة الزعماء الذين تصدوا لإيقاظ الشعب أمثال العقبي وابن باديس والإبراهيم المتكلم عنهم في الأصل) وهو ألد أعدائنا. تلقى دروسه في تونس، وأنشأ هناك مدرسة لتعليم الناشئة الميزابية، ثم استقر بالجزائر، فأبرز جريدته "وادي ميزاب" التي لم تلبث الإدارة أن عطلتها كما عطلت لاحقتيها "ميزاب، والمغرب". وأنه الآن بصدد إبراز جريدة "النور" التي هي لسان حال الوطنيين، فهي تنتقد السلطات العامة انتقادا مُرًّا لاذعا، وقد أخذ المسلمون الذين يتصلون بهؤلاء يقلقون المسلمين الذين لا يزالون يحافظون على مودتنا ... إلخ إلخ»
نشرت كل ذلك تحريشا وإغراء للسلطات العامة لتضرب على يد الشيخ أبي اليقظان، ولكن كلما حاولت هذه إسكاته بوأد جريدة من جرائده، طلع عليهم بنغمة جديدة، وأفهمهم بالبرهان المحسوس أن صوت الحق لا يخنق، وروحه لا تكبت. وأن العمل إذا قصد به وجه الله لا يعطل، أو تستقر معانيه بحبات القلوب، ثم لا تلبث تلك البذور أن تنبت فتثمر ثمراتها المطلوبة في المجتمع.
هذا ولا أدل على نفسية الشيخ أبي اليقظان من محادثة دارت بينه وبين م. مرانت، مدير الأمور الأهلية الذي استطاع بمكره ودهائه أن يخمد في الأمة الجزائرية الروح الوطنية جيلا أو يزيد. ويضرب بعضها ببعض، فيهدم هذا ما بناه ذاك، ويطلع بواسطة الواحد على ما يُبَيِّتُه ويدبّره الآخر في الخفاء، فيَبِيتَ هنيئ البال قرير العين من الاثنين.
أما عن الشيخ أبي اليقظان فإنه لما عجم عوده وأبلى عقيدته وجده أصلب نبعا وأسمى عقيدة، مما كان يظنه ويقدره، ولقد طالما حاول أن يدرك منه ما أدركه من غيره فلم يفلح. لم يستفزه وعده ولا نهنهه وعيده، فلما أعياه أمره حاول مساومته جهارا فجرت بينهما شبه المحاورة الآتية: (1/130)
صفحة 131
مرانت: ماذا تطلب من وراء مهاجمتكم سياستنا، وسعيك في إيقاظ من لا يطلب منك إيقاظه؟
إن كنت تريد بذلك مالا أو وظيفا أو نيشانا أعطيناكه، وكُفّ عنك من هذا التعب المضني الذي لا يفيدك شيئا، ولا يجرّ لك سوى سخط الحكومة ونقمتها، ففي إمكانها أن تبطش بك وتشمت بك الأعداء.
أبو اليقظان: أنا لا أطلب مالا ولا نيشانا ولا وظيفا، وإنما أطلب رضاء ربي وراحة ضميري، بالقيام بما أراه فرضا حتما عليّ، وشيئا من حرية العمل. وحاشا الحكومة أن تؤذي من لا يتعدى حدود الحق والقانون.
مرانت: ولكن لابد وأنك ترمي من وراء ذلك إلى غاية مادية، فما هي هذه الغاية التي ترجوها؟
أبو اليقظان: أرجو أن يدخلني الله جنة رضوانه في دار جزائه. فهل يمكنك أن تمنحنيها لأترك عملي؟
{ فبهت الذي كفر، والله لا يهدي القوم الظالمين } (1) .
بهذه الروح الجبارة كان يقابل الشيخ أبو اليقظان أبقاه الله، طواغيت زمانه، وجلادي عصره، فكم نصبوا له من حبائل مكر، ليقع في شبكتها، فأنجاه الله منها، وكم أججوا نيران كيد ليلقوه فيها فكانت بردا وسلاما على إبراهيم.
وهكذا استرسل في طريقه لم تثن عزمه العراقيل، ولا عطلت سيره العقبات، حتى بلغ عدد الجرائد التي أغلقت له ثمانية، هنالك رأى أن الإصرار على هذه الخطة ربما كان ضرره أكبر من نفعه، وليس من المصلحة العامة التمادي على ذلك. ورجا أن يكون قد فتح له بهذه الأعلاق أبواب الجنة الثمانية، والله ذو فضل عظيم.
__________
(1) – محاضرة ألقيتها بمناسبة أسبوع بريان الثقافي 1979م. (1/131)
صفحة 132
وإذ تبيّن له أن الاستمرار في ميدان الصحافة لا يفيد الأمة كثيرا فقد أصاب إدارة الاستعمار نقرس منها، وكلَب من الظروف العصيبة التي تنذر بنشوب حرب عالمية، فالاستمرار والحالة هذه إلقاء بالأمة إلى التهلكة، إثمه أكبر من نفعه، فانكبّ رحمه الله على التأليف، فأبقى لنا ثروة نفيسة أمدّ بها المكتبة الإسلامية، أبقى عشرات المؤلفات من كتب ورسائل نثرية وشعرية، أفرغها أحاسيسه وأفكاره، نصحًا للأمة وإرشادًا لها إلى تدبير سلوكها معاشًا ومعادًا، ودعا فيها إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، لا سيما بعد أن أقعده الشلل الذي أصاب شقه الأيسر، سنة 1957، وأشعره بدنوّ الأجل، فقد أرسل صرخات من أعماقه وعظات بالغات، ذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
لم تقر له همة، ولا انقطع عن العمل رغم ملازمته الفراش، ومعاناة المرض الذي يسري في مفاصله ويشتف معين حياته شيئا فشيئا، مثال المؤمن الصميم الذي يرجو من الله حسن الخاتمة.
وهكذا ظل ملتزما متقربا إلى الله حتى وافاه أجله المحتوم بالقرارة يوم الجمعة 30 مارس 1973 الموافق ليوم 25 صفر 1393 على الساعة العاشرة ليلا، وكان عمره سبعا وثمانين سنة قمرية، إلا أربعة أيام. ولكل بداية نهاية.
أسكنه الله فسيح جنانه وتغمده برحمته ورضوانه، إنه هو الغفور الرحيم.
كلمة ختام ونصح لا بد منها
وقبل أن أنهي محاضرتي هذه أرى من واجبي وفاء لفقيدنا العزيز أن أتقدم بالنصيحة الآتية، تبصرة وذكرى لأبنائي، أبناء أبي اليقظان وحفدته ممن تزخر في عروقهم دماء التقوى والبطولة المنحدرة إليهم من أبيهم الراحل، عساهم أن لا يجهلوا من هم ومنزلهم في قلوب صالحي الأمة وكرامها، وما يجب عليهم القيام به مقابل ذلك، فأقول: (1/132)
صفحة 133
1. إن من نعم الله عليكم أبنائي انحدار من صلب عالم سلفي، وبطل من أبطال الوطنية، وتلك هبة من الله لا تتاح لكل واحد، فاحمدوا الله عليها واشكروه. وإنما شكرها أن تبرهنوا بأعمالكم واستقامة سننكم وعلوّ همتكم، وغيرتكم أنكم الغصون المثمرة لتلك الدوحة المباركة، وأحرياء بالانتساب إلى ذلك الأصل الكريم، وإن فيكم لروحًا طاهرة وحيوية فياضة، وثقافة عالية تؤهلكم أن تكونوا خير خلف لخير سلف، فقولوا بلسان الفعال لا بلسان المقال فقط:
نبنى كما كانت ... أوائلنا ... تبني ونفعل مثلما فعلوا
بل فوق ما فعلوا
2. ومن حق والدكم عليكم أبنائي الأعزاء أن تحافظوا على ميراثه الثمين، وأن تعلوا ما أرسى قواعده، وتنشروا ما أبقى بعده من أثر، فهو حصيلة حياته، وعصارة جهوده، تلك هي تآليفه ومخطوطاته، التي نطالبكم بتنسيقها وتصحيحها ونشرها لتستفيد منها الأمة قاطبة، فإن لسان حالها يهيب بكم : أن لا تتركوني في زاوية النسيان تنسج العنكبوت عليّ خيوطها، فأنا تجارتكم التي لن تبور، وأنا عزكم الذي يقربكم إلى الله زلفى، ، وأنا ميراثكم الخالد، وشرفكم عبر الأجيال"
إذا قمتم أبنائي بذلك كنتم أتممتم ما ظل بصدد تحقيقه طيلة حياته، من دعوة الأمة إلى الله، فتُدخلون عليه بذلك أطباقا من نور وهو في مرقده الأخير، بعد أن طويت صحيفته وانتهى سعيه، وهو بعدُ، دور الأبناء البررة، ودليل وفائهم لآبائهم الصالحين، الذين أنجبوهم وأنزلوهم منازل الكرامة. (1/133)
صفحة 134
إن أباكم عاش لدينه وأمته، لا لنفسه وأسرته، واختار ما عند الله { وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى } (1) . على ما يفنى ولا يبقى، فلا تشغلنكم أبنائي الحياة الدنيا فتنصرفوا إليها بالكلية، وتتسابقوا إلى الإثراء تسابق غيركم من أهل الغفلات، فإنما الغنى غنى النفس لا غنى الكيس، وإن أبيتم إلا ذلك، فلا أقل من أن تسخروه لخدمة دينكم، وإعلاء مجدكم، وإبراز مآثر أسلافكم، أليس كذلك يا أحمد؟ (2) .
3. لقد ألان رحمه الله لكم قلوبا، وأبقى لكم ذكرا في الصالحين، وإن له لأصدقاءَ أوفياء غيورين على آثاره الأدبية، يتقربون إلى الله بإسعادكم ماديا وأدبيا، في إبرازها وإدخال الأجر عليه بعد وفاته، فاستعينوا بهم –ولا غضاضة- فالمستعين والمستعان به مأجور، وليس بكثير أن يخدمه البعض، فقد خدم في حياته الكل.
والناس للناس من بدو ... وحاضرة ... بعض لبعض ... وإن لم يشعروا خدم
فالاحتفال الحقيقي بذكرى أبي اليقظان، إنما يكمل يوم أن تبرز مخطوطاته مطبوعة لعالم الظهور، فتصبح في متناول الخاص والعام، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله. وما ذلك على الذين يزخر دم أبي اليقظان في شرايينهم ببعيد. { وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } (3) .
هذا، وأتقدم آخرا بتشكراتي الحارة وثنائي الجميل للذين شاركونا في هذه الذكرى العزيزة والمهرجان العظيم سواء بأقلامهم أو بحضورهم.
شكر الله سعيهم وأطال بقاءهم للصالحات، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
تحريرا، بريان يوم 20 رمضان 1399هـ الموافق لـ14 أوت 1979.
بكلي عبد الرحمن بن عمر.
كلمة تأبين في ذكرى السبعين للإمام بيوض إبراهيم بن عمر رحمه الله
__________
(1) – سورة القصص، آية: 60.
(2) – هو ولد الشيخ أبي اليقظان.
(3) – سورة التوبة، آية: 105. (1/134)
صفحة 135
بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن سلك هداه.
أيها المحفل المبارك، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
بالأمس القريب بأقل من سنة، كان عزيزنا الراحل بيننا يبادلنا الأنس، ويطارحنا الآراء والنظريات، فها نحن أولاء اليوم وقد استجاب لنداء خالقه الكريم، نتأهب لإحياء ذكرى السبعين من وفاته، ولا حول ولا قوة إلا بالله. { وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ } (1) .
إيه يا دنيا اعبسي ... أو فابسمي ... لا أرى برقك إلا ... خلّبا (2)
وحياة الإنسان، أيها السادة، لولا ما يحقق فيها من أعمال صالحة ويبقيه بعده من آثار خالدة، أحلام نائم، وسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء، فينخدع به المغرور، وتستهوي الغافل اللاهي زينة الحياة الدنيا، فينتشي بخمرتها، فلا يصحو إلا بين صفائح القبر، وهناك يندم ولات ساعة مندم، أما العاقل الموفق فيتخذها مطية إلى مقره الدائم. وذلك هو الفوز المبين.
في هذه اللحظة الرهيبة أقف أمامكم وأنا كئيب النفس مكلوم الفؤاد، لأشارك إخواني الكرام في إحياء ذكرى عزيزة، ذكرى أحد أفذاذ القرون الذين أطلعهم الله في هذا الكون شموسا تضيء سبيل الله للسالكين، يحيون ما أماته الجهل، ويجددون ما انطمس من معالم الحق، ويقيم الله بهم الحجة على الخلق أجمعين، ذكرى عالم الإسلام، الإمام بيوض إبراهيم بن عمر، تغمده الله برحمته وأسكنه فسيح جناته.
__________
(1) – سورة آل عمران، آية: 185.
(2) – البيت لحافظ إبراهيم من قصيدة يشيد فيها باليابان التي أظهرت استبسالا في مقاومة روسيا، بعنوان: غادة اليابان، ومطلعها:
لا تلم كفي إذا السيف نبا ... صحّ مني العزم والدهر أبى
ديوان حافظ، ص282. (1/135)
صفحة 136
كان فقيدنا من مواليد القرارة لسنة 1899، نشأ في بيت فضل ونبل، وبدت عليه مخايل النجابة من أول نشأته، فأُدخل الكُتّاب "المحضرة" وحفظ القرآن الكريم واستظهره ولما يبلغ الحلم، تلقى معلوماته الأولى على شيوخ القرارة يومئذ: الحاج إبراهيم بن عيسى الأبريكي، أبي العلا عبد الله بن إبراهيم، الحاج عمر بن يحي، في فترة تمتد من سنة 1910 إلى 1921، قضى معظم هذه المدة جنب شيخه الأخير الحاج عمر بن يحي، وفي مدته بدت بواكيره، فتنسم فيه شيخه أنه سيكون الإمام المنتظر، الذي تنتهي إليه رئاسة العلم. لذلك أسند إليه بعض الدروس وهو بعدُ في دور التلمذة.
أدرك فيه زملاؤه هذه المزية فالتفّوا حوله يوم وفاة شيخهم، وفور عودتهم من جنازته جمعهم وقام فيهم خطيبا، وحثهم على مواصلة السير كأن شيخهم لم يمت. هناك تلقى الراية باليمين، وواصل عمل شيخه بجد وكفاءة، فأخذت شخصيته العلمية تظهر شيئا فشيئا، حتى أصبح إمام الجيل حقا، كما تفرس فيه شيخه.
ومما يدل على مكانته لدى شيخه واعتباره كالعمود الفقري في معهده، أنه لما حاول أبوه إرساله إلى الخارج لطلب العلم، اعترض شيخه قائلا: إما أن تبقي معي إبراهيم، وإما أن أغلق معهدي، ولا منزلة بين المنزلتين. فعدل عن إرساله نزولا على حكم الشيخ.
حباه الله بشتى المزايا، خلق كريم، وعلم واسع، وعقل متزن، وفكر وقاد، وحافظة قوية، إلى لسان فصيح معبر، وقلم بليغ مقتدر، إلى ألمعية تريه العواقب في أثناء فكرته، إلى حفظ يدني البون الشاسع، ويفتح له كل باب مغلق.
وليس على الله بمستكثر ... ... أن يجمع العالم في واحد (1/136)
صفحة 137
سخر هذه المزايا في تحصيل العلم ونشره، وغرس الفضيلة وتربية الجيل، وخدمة الأمة في مختلف ميادين الحياة، ما يزيد على ستين سنة، في جهاد مستمر وعناء لا يشبهه عناء، لم تفتر له كلمة ولا نكست له راية، ولا انغلقت في وجهه وجوه المطالب، بل ظل يشق طريقه مندفعا نحو هدفه الأسمى، من نصرة الدين والسعي بالأمة إلى حسن المصير.
لقد كان -رحمه الله- عصاميا في تكوين شخصيته العلمية، لم يفارق مسقط رأسه في طلب العلم، ولم يرحل ككثير من زملائه وطلبته إلى الخارج، كتونس ومصر وسوريا والعراق، لكن الله بارك له في القليل الذي ورثه عن أشياخه بمسقط رأسه، وساعده استعداده وعبقريته فبلغ من العلم مكانة سامية لم يبلغها كثير ممن عقدوا إليه الرحلات، ولازموا سنين مجالس العلماء في هاتيك الأقطار، فضلا من الله ونعمة.
درّس أمهات الكتب في شتى العلوم: كصحيح البخاري بشرح ابن حجر في الحديث. ودلائل الإعجاز في البلاغة، وأمالي القالي في الأدب، ومغني اللبيب في النحو، وتهذيب المنطق في علم الميزان، وعظة الناشئين في الاجتماع، وكتاب النيل في الفقه، وطلعة الشمس للسالمي في أصول الفقه، ورسالة الشيخ محمد عبده في التوحيد، درّسها بأسلوب جذاب وتحقيق في عمق، واستدراك وتعقيب في اتزان، فكان بدعا في أسلوبه وعمق تفكيره، وفتح مغلقاتها وبيان أسرارها. وعلى رأس هذه الكتب كتاب الله العزيز، فقد أولى لتفسيره عنايته الكاملة، ما يقرب من نصف قرن، فأبقى لنا ثروة أدبية غالية، وذخيرة علمية مسجلة لا تقدر قيمتها، ستكون مفخرة للجيل، وذكرا للجزائر وأبنائها، متى أتيح لها طائفة من أبنائه الروحيين يدونونه وينشرونه، وإنهم لفاعلون إن شاء الله. { وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ } (1) .
__________
(1) – سورة الروم، آيتان: 4-5. (1/137)
صفحة 138
ومما دفع بعجلته إلى الأمام أن توارد عليه أفواج من أذكياء الطلبة كانوا له بذكائهم ومحاوراتهم نعم المحفز، ومن أكبر العوامل في إبراز ما كمن فيه من نبوغ وعبقرية.
رابط في ثغر العلم وصبر وصابر، حتى تخرج عليه أفواج من نبهاء الطلبة، فيهم المعلم المربي، والمؤلف، وفيهم الواعظ الداعية إلى الله، وفيهم الكاتب والشاعر، والمصلح الاجتماعي، الذي تدور على محوره شؤون قومه، سدّ بهم مراكز الحياة في الأمة، وأمدّ بهم معاهد العلم هنا وهنالك، كانوا امتدادا لحياته العلمية، ومددا لحركته الوطنية، يرددون صداه وينصرون فكرته الإصلاحية، وعونا له في أداء رسالة الجيل.
طعّم نفوسهم بمبادئ الوطنية الحقة وصقلها بآداب الإسلام العالية، فكان ينتخب لهم المواضيع الحية من المجلات الإسلامية المعتبرة، كمجلة الفتح ومجلة المنار ومجلة الرسالة، فيشرحها لهم بأسلوبه البليغ وتحليله الفلسفي، فيحدث في نفوسهم ثورة، الأمر الذي أخرج فيهم جندا محمديا صحيحا في عقيدته، ثابتا في مبدئه، نبيلا في مقصده، دفع بهم إلى غمار المجتمع يصولون ويجولون ويشيعون الحياة في الأوساط، ويحدون ركب الحياة بخطبهم الوطنية، وأناشيدهم الحماسية، وأفكارهم الثورية، شارك الجنوب بهم وبمن نشأ على أيديهم في ثورة حرب التحرير التي انبثق عنها استقلال الجزائر.
هذا، ولا يزال سيله في اشتداد، وغرسه في ازدياد، وناهيك به حرثا وعملا، يدخل عليه بفضل الله وبرحمته أطباقا من نور بعد أن انتهت حياته وصار إلى جوار ربه. قال صلى الله عليه وسلم: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، وعلم ينتفع به، وولد صالح يدعو له».
وبالجملة فقد واجه فقيدنا رحمه الله واجهات ثلاثا:
1. الواجهة العلمية، وقد أسلفنا كلمة موجزة عنها. (1/138)
صفحة 139
2. واجهة المجتمع. وقد خاض غمارها معظم حياته، لم يسالم ولم يهادن، بل ما فتئ جيش خصومه المؤلف من أنصار التقليد، وخادمي ركاب الاستعمار، وذوي الغايات الشخصية، يتألب عليه بغيا وحسدا، مستعينا بالعامة الساذجة الذين أفسدوا قلوبهم عليه، وعلى أنصاره بدعاياتهم الفاجرة، وانساقوا وراءهم، فكانوا ضغثا على إبّالة.
فانبرى يقاوم الكل، وكانت له معهم معارك حامية، عدته في كفاحه الحجة البالغة، والأسلوب المقنع، وتحرّي الصدق، والصبر على ما يناله من مكروه في الله، ظل ثابتا في الميدان يكافح وينافح دون مبدئه الحق، ونظراته الصادقة في الحياة، إلى أن خرج من الميدان منتصرا مرفوع الرأس موفور الكرامة، وأخذت النفوس تقتنع شيئا فشيئا، وتطور الحياة يؤيده بواقعه. وأخذ صوته يعلو، وصوت خصومه يخفت، وهكذا العاقبة تكون للأصلح، { فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ } (1) .
أجل، أصبح نجمه يزداد تألقًا كلما جدّ به المسير، وجيشه ذيوعا، وأعماله ترغم الضد على الاعتراف بالحقيقة وهو في كل ذلك يتأدب بأدب القرآن، { ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ } (2) . لا يتكبر ولا يتعالى ولا يقابل السيئة بالسيئة، واستطاع أن يبلغ بنبله وتسامحه ما لايبلغ بنباله وسلاحه.
لا جرم أن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه.
__________
(1) – سورة الرعد، آية: 17.
(2) – سورة فصلت، آية: 34. (1/139)
صفحة 140
3. أما الواجهة السياسية، فتتجلى في الصراع الذي ظل ناشبا بينه وبين الاستعمار العسكري، الذي يرى في فقيدنا وفي أمثاله الخطر الذي يهدد كيانه، لذلك لم يفتأ الاستعمار ينصب له الحبائل، ويحوك له الدسائس على يد أعوانه للإيقاع به، وإن أخفق في مسعاه، وكانت ناره { يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلاَمًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَخْسَرِينَ } (1) .
يتشخص هذا الصراع في البيانات والاحتجاجات والمحاورات والاستجوابات التي تجري لدى كل قضية وطنية عامة غالبا. وناهيك بظلم الاستعمار العسكري، وتحكماته ومحاولاته تجريد الأمة من مميزاته وخصائصها، بمناسبة وغير مناسبة، حسبما تمليه عليه مطامعه، وتسوغه له عجرفته.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى غيرة الأمة على كيانها، واعتزازها بميزة المعاهدة المبرمة بينها وبين فرنسا قديما، والتي التزمت بمقتضاها احترام الشعب الميزابي في استقلاله الداخلي، فنكثت. وبسبب ذلك ظل الصراع بين فقيدنا باسم الأمة وبين الاستعمار العسكري مديدا، وظل كالشجا الذي يعترض مدارج أنفاسه، وكان سبب ارتجاج قدمه الذي يعقبه السقوط. وفعلا، أزفت آزفته، وسقط من عرشه، ولم تنفعه قوته نتيجة مساعي فقيدنا وغيره ممن احترقوا بناره، ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله.
أما مظاهر هذا الصراع فيمكننا أن نستشف بعضها من المواقف الآتية:
1. موقفه يوم أن قدم مطالب الأمة الميزابية أمام لجنة الإصلاحات الإسلامية في عهد الجنرال كاترو في أواخر الحرب العالمية الثانية.
2. انتخابه نائبا عن منطقة غرداية في المجلس الجزائري، والأدوار التي لعبها على منبره، وفي معابره للقضاء على شركة استغلال مياه ما تحت أراضي الجنوب الجزائري، وللقضاء على الحكم العسكري، ولربط الصحراء بشمال الجزائر.
__________
(1) – سورة الأنبياء، آية: 69-70. (1/140)
صفحة 141
3. تعيينه ببومرداس عضوا في الحكومة الانتقالية باتفاق من جبهة التحرير وفرنسا معًا، ومواقفه هناك التي انتهت بتسلم مقاليد الحكم من البلاد من فرنسا، وتسليمها إلى حكومة البلاد الوطنية.
4. الأدوار التي لعبها في إحباط قضية فصل الصحراء عن الجزائر.
5. استقالته من عضوية المجلس الجزائري كغيره من النواب الوطنيين تأييدا للثورة التحريرية.
6. مواقفه أزاء الثورة التحريرية التي جمعها في عرض حاله "أعمالي في الثورة".
7. مواقفه التي لا تكاد تُعدّ كلما حاولت إدارة الاستعمار هضم حق من حقوق الشعب أو إلغاء مؤسسة جديدة، أو فرض غرامة عامة، أو إحداث ما يضر بكيان الأمة. وإن في البيانات والاحتجاجات، وملفات الشيخ الوطنية العامة الكثيرة التي حرّرها الخبر اليقين.
هذه كلمة مقتضبة عن عزيزنا الراحل، أما الشروح والتفاصيل فلا يفي بجوانبها العديدة سوى المجلدات الضخمة، وهو بعدُ- دَيْن على أبنائه الروحيين وعلى أبنائه من صلبه، أولاده بالذات: محمد وعلي، فإن فيهما لاستعدادا قويا للاضطلاع بذلك، وإن دماء أبيهما الإمام لتسري في شرايينهما، وإن فيهما لشعاعا من نبوغ والدهم وعبقريته، وقبسا من إرادته وإقدامه، فلْيعملا وإخوانهم الروحيون على صيانه هذا الإرث الثمين، واستغلاله متوكلين على الله، وإن ، وإن إخوانهم الروحيون لكثيرون ومستعدون للقيام بهذا العمل الجليل بكل نشاط وإخلاص، بِرًّا بأبيهم الروحي ووفاء، { وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ } (1) .
__________
(1) – سورة التوبة، آية:105. (1/141)
صفحة 142
وبعد. فلا يسعنا في هذا المقام إلا أن نتأسى برسول الله صلى الله عليه وسلم، يوم مات ولده إبراهيم، ونقول كما قال: «العين تدمع، والقلب يجزع، ولا نقول إلا ما يرضي الرب، وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون» (1) .
وسلام عليك يوم ولدت ويوم تموت ويوم تبعث حيا.
برّد الله ثراك وجعل أعلى عليين مثواك، وجمعنا وإياك في مستقر رحمته، بمحض عفوه وكرمه وفضله ورحمته، إنه هو البر الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
بريان 21 جمادى الأولى 1401هـ
27 مارس 1981م.
بكلي عبد الرحمن بن عمر.
فهرس المحتويات
المقدمة ...
ذكرى مولد الرسول صلى الله عليه وسلم. ...
الدعوة إلى التعليم العصري ...
الحركة الثقافية في ميزاب قبل استقلال الجزائر ...
قطب الأئمة وأثره في المجتمع الميزابي ...
الشيخ أبو اليقظان كما أعرفه ...
الذكرى السبعين لتأبين الشيخ بيوض إبراهيم ...
__________
(1) – نص ا لحديث عند البخاري: «إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ وَلاَ نَقُولُ إِلاَّ مَا يَرْضَى رَبُّنَا وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ رَوَاهُ مُوسَى عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ المُغِيرَةِ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ».
البخاري، كتاب الجنائز، باب قول النبي إنا بك لمحزونون، حديث رقم1241. (1/142)