صفحة 1
الكتاب: محاضرات مهرجان الشيخ إبراهيم بيوض [مادة خام]
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
لقد كان التاسع رجب من سنة 1400 هجري، الموافق للثالث والعشرين من ماي سنة 1980م يوما تاريخيًّا خالدًا في جبين القرارة وضميرها، بل الجزائر من شمالها وجنوبها ومن شرقها وغربها، إذ احتفلت في مهرجانٍ علمي مهيبٍ بفضيلة العلاَّمة الإمام الشيخ بيوض مختتمًا تفسير كتاب ربِّ العالمين بعد خمسين سنة من الجهاد المتواصل في رحاب القرآن الكريم، فكان من نعمة الله على الشيخ أن يقترن اسمه في الخالدين بذكر كلام ربِّ العالمين إلى يوم الدين.
ويشاء الله، وبعد مرور عشرين سنة بتمامها وكمالها، أن تلتقي الأمَّة الإسلامية في القرارة مرَّة أخرى في ملتقى بهيجٍ احتفاءً بفكره، وتنويهًا بذكره. ولئن جاء الاحتفال منجَّمًا وبعد عقدين من الزمان، فإنَّ الله أراد بذلك تذكير الأجيال التي لم تُحظ بحضور مهرجان القرآن بمآثر هذا الإمام لتقتفي أثره، وتدرس فكره، وبذلك تبقى رسالته الإصلاحية نبضًا حيًّا في القلوب يحتفي به الأجداد والأحفاد، ويتمثَّله الآباء والأبناء، ولو طال الزمن وامتدَّت الآماد.
ولقد كان من توفيق الله وفضله أن يأتي الاحتفال بذكرى الإمام مفرَّقًا على السنوات على هذا النحو ليكون الاحتفاء على قدر المحتفى به إعدادًا وتنظيمًا، وما كان ليكون كذلك لو كان عادةً نُقيمها كلَّ سنة، فإنَّ التواتر لا يُحدث المفاجأة ولا يُثير الدهشة والإعجاب، ولعلَّ الله أراد بالتذكير من حين إلى آخر لتتحرَّك الهمم بتذكير سيرة الإمام فلا تُنسى، وتَقرأ على ضوء تطورات الحياة السريعة فكره فلا تنحرف أو تغوى، وتتلمَّس على طول المسيرة نهجه، وتقفو أثره فلا تضلُّ بها بنيات الطريق فتتيه وتشقى. (1/1)
صفحة 2
وحتى تلك الضجَّة التي أثارتها بعض العناصر التي تعرف نفسها بعد عشر سنوات من وفاة الإمام مشكِّكة في وطنيَّته وجهاده إنَّما أرادها الله أن تكون تنبيهًا للغافلين، وتحريضًا للخاملين، فإنَّ الأزمة تلذ الهمَّة، والتأمُّل يعلِّم الحكمة، وبورك في الشاعر القائل:
إذا أراد الله نشر فضيلة طُويت أتاح لها لسانُ حسود
لولا اشتعال النار فيما جاورت ما كان يُعرف طيبُ عرف العود
وأكاد أقول - وبعد مرور عشرين سنة – لو علِم أولئك الحسَّاد الحانقون ما ستؤول إليه تلك الفتنة ما أشعلوا نارًا حامية، من أجل لافتةٍ أو تسمية، ولاعترفوا كارهين بأنَّ مكانة الإمام وقد أصبحت ملء الأبصار والأفئدة، لا تحتاج إلى معلَّقة فوق ثانوية في بلدة في الصحراء نائية.
ويحلُّ الملتقى الأول لفكر الأمام الشيخ بيوض يومَي الثامن والتاسع عشر محرَّم 1421هـ، الموافق للثالث عشر والرابع عشر من أبريل سنة 2000م، فإذا هو ربيع متجدِّد يستمدُّ نضارته من تنزيل ربِّ العالمين، فيُحيي النفوس ويسمو بالأرواح إلى علِّيين، وتتجلَّى القرارة عروسًا فاتنة كما ازدانت قبل عشرين سنة في مهرجان ختم تفسير القرآن الكريم، وما زادتها السنون إلاَّ نضارةً وشبابًا، وبإمامها إلاَّ محبَّة واقترابًا، فقد بُعث الإمام الميِّت حيًّا، وسُمِع صوتُه يُجلجل قويًّا، وإن نسي الناس فما كان ربُّك نسيًّا.
وليس أذكَر وأعرَف من رعاية الملتقى من فخامة رئيس الجمهورية السامية، ولا أنبل وأشرف من أن يُقام على عين الشيخ عدُّون وأُبوَّته الحانية. (1/2)
صفحة 3
وَفَدَ المُحتفون بالإمام من كلِّ حدبٍ وصوبٍ، واشترك في محتواه وبرامجه كلُّ الفئات المتنوِّرة، مشايخ، ودكاترة، وأساتذة، وطلاَّبًا، وتلامذة، وكشَّافة، وفِرق أناشيد.. وقدَّم البحوث فيه والمحاضرات مختلفُ الأعمار شبابًا في العشرين والثلاثين يتَّقدون حماسًا وحيويةً، وشيوخًا فوق الستِّين إلى التسعين يشعُّون وقارًا ونورانية، وتبارى على منصَّة الملتقى الباحثون بمحاضراتهم، والخطباء بكلماتهم، والشعراء بقصائدهم، والمتدخِّلون بتعليقاتهم، وليس وراء ذلك كلِّه سوى نشدان الحقيقة المنسيَّة، والكلمة الطيِّبة الموضوعية.
ومن ثمَّ تنوَّعت الجوانب التي تناولت فكر الإمام ومواقفه انطلاقًا من تعدُّد اهتماماته، وميادين إصلاحاته، فبرز الإمام مفسِّرًا، ومفتيًا، ومصلحًا، ومربِّيًا، وأديبًا، كما عرفت أدواره الريادية في تلك المجالات كلِّها عضوًا إداريًّا في جمعية العلماء المسلمين الجزائريِّين في الثلاثينيات، وعالمًا مصلحًا في حلقة العزابة منذ العشرينيات، وسياسيًّا محنَّكًا في الحركة الوطنية في الثلاثينيات والأربعينيات، ومجاهدًا مخلصًا في الثورة التحريرية في الخمسينيات، ومربِّيًا اجتماعيًّا قديرًا في المدرسة والمعهد والمسجد من العشرينيات إلى الثمانينيات.
وتنوَّعت المصادر التي دُرس من خلالها فكرُه ومواقفه ما بين تفسيرٍ لكتاب ربِّ العالمين إلى فتاوى في الشريعة والدين، ودروسٍ للخاصة والعامَّة للمتقدِّمين والمبتدئين، ومقالات في الصحافة الوطنية توحي بالأدب الرصين، ومراسلات داخل الوطن وخارجه سجلاًّ ناصعًا وشاهدًا أمينًا. (1/3)
صفحة 4
ومن أجل ذلك كلِّه تنوَّعت البحوث والكلمات، وتمايزت التحليلات والتفسيرات، وكانت كلَّها شاهدَ صدقٍ على حظوة الإمام ومكانته في نفوس أبنائه الذين تعرَّفوا عليه بالتلقِّي المباشر، وأولئك الذين عرفوه من خلال سماع دروسه وقراءة تفسيره، فازداد الحاضرون من هؤلاء وأولئك إكبارًا للإمام وإعظامًا، حتَّى بعض من أراد أن يُحتَفى به هو لا بشيخه، إذ لم ير سبيلاً إلى التخفيف عن غُربة نفسه إلاَّ أن يخالِف ليُعرف، وكان في حُسبانه أن يبهَر الناس بفصاحته فأثار غضبهم بوقاحته، وليس عجيبًا، فكلُّ إناءٍ بما فيه ينضح، وكلُّ قاعدة لها استثناؤها الذي يؤكِّد أنَّها الأصح.
والحقُّ إنَّّ الملتقى نجح في أن يُعرِّف الأجيال التي لم تتلقَّ عن الإمام، فعرفت فيه عالمًا عبقريًّا، ووطنيًّا متفانيًا، وداهية سياسيًّا، ومصلحًا اجتماعيًّا، وأستاذًا مربيًّا، وقبل كلِّ هذا وذاك أكبَرَته مفسِّرًا ربَّانيًّا عايش كتاب الله بحوارحه وقلبه، وبنى به مجتمعًا مسجديًّا يدين لله والرسول بحبِّه، فهل تلتفتُ إلى من زعم غير ذلك ولو كان طه حسين زمانه، وسحبان أوانه.
وكان من حسن التنظيم أن تابع سكَّان القرارة من دواخل بيوتهم فعاليَّات الملتقى من خلال شاشاتهم الصغيرة، فرفع المنظِّمون بذلك الحرج عن بعض من يودُّون معرفة ما يُلقى وما يُقال، ولكن منعهم الخجل أو الحياء أو عامل نفسي آخر. وكان من حقِّ كلِّ بيت قراري أن يأنس ولو ليومين بذلك الفيض البيُّوضي النوراني، وهي بيوت طالما استنارت بهديه، وسكنت لصوته، فكيف تُحرم من أن تشارك في الحفاوة به، وقد فَرَضَ عليها الدين الستر والحجاب؟ (1/4)
صفحة 5
وكان من وعي الإعلام أن شارك بالمقروء والمسموع والمنظور، فغطَّى وقائع الملتقى وهو بذلك مأجورٌ مشكورٌ، وتوَّج ذلك كلَّه بصفحةٍ خاصَّة بثَّتها قناة التلفزيون الوطني عن حياة الإمام وعن دوره العظيم في مختلف المجالات المُشار إليها سابقًا، وكانت بحقٍّ صفحةً أغنت عن صفحات، وساعةً خيرٌ من ساعات، ولفتةٌ كريمة من التلفزيون كفَّرت عن سيِّئات، فردَّت الطمأنينة إلى قلوب الأحباب، وأخرست ألسنة الحاقدين وأوصدت دونهم كلَّ باب. وحقَّ للجيل الصاعد ممَّن وقع ضحية الافتراء والأكاذيب أن يقول للمزوِّرين الانتهازيين: لقد بان الصبح لذي عينين، فعرفنا اليوم من ناضَل من أجل امتيازٍ دنيويٍّ أو مكسبٍ سُلطويٍّ، ومن جاهد ليتبوَّأ مقعد صدقٍ عند مليكٍ مقتدر، ولمس من اتخذ الجهاد غايةً لبناء العقول والنفوس، ومن اتخذه وسيلة لملءِ الجيوب والكؤوس.
وفي هذا كلِّه تذكير لأصدقاء الدرب من زملاء الشيخ بيوض وتلاميذه المباشرين ليُقدِّروا عِظَم المسؤولية الملقاة على عواتقهم فلا يجبنوا في الصدع بها، وفيه لأبنائه وأحفاده من الجيل الصاعد ممَّن عرف اليوم من هو الإمام ليتشبَّثوا بالراية وقد سُلِّمت لهم فلا يُسقِطوها، وبالأمانة وقد أُسندت إليهم فلا يخونوها.
ودونما إطالة فإنِّي سأترك للقارئ الكريم مع هذا السِفر القيِّم الذي يحوي فعاليَّات الملتقى ليبقى بين يديه شاهدًا في الصادقين، وذكرى للذاكرين، وعبرة للمعتبرين. فرحم الله الإمام الشيخ بيوض في الخالدين، وجزى أبناء جمعية الحياة على ما قدَّموا من فكرٍ وجُهدٍ ومالٍ سيكون لهم ذُخرًا عند ربِّ العالمين.
والحمد لله وليِّ المخلصين المتَّقين، وصلَّى الله على سيِّدنا محمَّد خاتم الأنبياء والمرسلين.
محمَّد صالح ناصر
الجزائر في: صفر 1421هـ
الموافق ل: 18 ماي 2000م
الإصلاح في إطاره الوحدوي
عند الإمام بيُّوض الإباضي
(1316 – 1401هـ/ 1899 – 1981م) (1/5)
صفحة 6
لم ينقطع التواصل الثقافي بين أجيال المغاربة عرباً وبربراً، ممّن يقطنون شمال إفريقية منذ الفتح الإسلامي الأول وحتى عصرنا الحديث، وإن كان قد انحصر مدّه إلى حدوده الدنيا إبّان الاحتلال الفرنسي للمنطقة، في أطول فتراته بين عامي 1830 و 1962 للميلاد.
كانت الذكرى المئوية الأولى، والأخيرة طبعاً، في عمر ذاك الاحتلال، عام 1930، مناسبة ملائمة ليقيم المستوطنون احتفالاً بطراً، أعلن فيه الكاردينال "لافيجري" صراحة: «إنّ عهد الهلال في الجزائر قد غبر، وإن عهد الصليب قد بدأ، وإنه سيستمر إلى الأبد... وإن علينا أن نجعل أرض الجزائر مهداً لدولة مسيحية، مضاءة أرجاؤها بنور مدنية وحيها من الإنجيل». (1)
وكان لهذا الاحتفال الاستفزازي تداعيات على نفوس الجزائريين موالين ومعارضين، وجد فيها الإمام عبد الحميد بن باديس ظرفاً مناسباً لإعلان مشروعه النهضوي، الذي خطط له بعناية وحكمة مع رفيق دربه الإمام محمد البشير الإبراهيمي منذ أن التقيا في مدينة الرسول قبل ذلك بسنين.
تقدم ابن باديس بطلب الاعتماد لجمعية العلماء المسلمين لدى الحاكم الفرنسي المسؤول عن الشؤون الدينية، فنال الموافقة على عجل؛ لحاجة المستعمر إلى خطوة تلطيفية اتجاه الشعب الذي ثارت حفيظته جراء تلك الاحتفالات. وكان من حكمة المؤسسين للجمعية إدراجهم ضمن قائمة الأعضاء أسماء تمثل كل الأطياف الدينية العاملة على الساحة الجزائرية: الزيتونيون، والطرقيون أرباب الزوايا، والإباضيون ممثّلين بكبيرين من أعلامهم: الشيخ إبراهيم أبي اليقظان، والإمام إبراهيم بن عمر بيّوض، شخصية هذه الدراسة.
__________
(1) محمد الطاهر عزوي: «الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض: عمدة من أعمدة الحركة الإصلاحية في الجزائر لمدة نصف قرن من 1931 إلى 1981»، ص 186، الملتقى الأول لفكر الإمام الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض، القرارة (8- 9محرم 1421هـ/ 13 – 14 افريل 2000م)، منشورات جمعية التراث، غرداية 2002م. (1/6)
صفحة 7
قبيل وفاة الإمام بيوض بحول، أي في عام 1980، أقيم مهرجان تكريمي بمناسبة إتمام الشيخ تفسير القرآن الكريم، الذي دامت حلقاته خمساً وأربعين سنة بالتمام والكمال. وأثناء المهرجان قام هذا الرجل خطيباً في الجموع المحتشدة مستشهداً بكلام للإمام عبد الحميد بن باديس قاله هذا الأخير أيضاً في حفل اختتام تفسير الكتاب العزيز عام 1938، والنص، الذي وجد فيها الرجلان تعبيراً عما يختلج في نفسيهما من شعور بالواجب، يعكس كذلك روح الألفة والوحدة في طريق واحد جمعهما، رغم الأعراق المتباينة، والمذاهب المختلفة: «إنني أعاهدكم على أنني سأقضي بياضي على العربية والإسلام، كما قضيت سوادي عليهما، وإنها لواجبات، هذا عهدي لكم... وأطلب منكم شيئاً واحداً، وهو أن تموتوا على الإسلام والقرآن، ولغة الإسلام والقرآن». (1)
سأحاول النفاذ عبر تاريخ الإباضية في الجزائر، لعلّي أصل في آخر المطاف إلى فهم أعمق لشخصية العلامة بيوض، وما قدمه من أعمال ومواقف رضي عنها الجميع وعُدّ بها مجدداً في قرنه، وذلك من خلال يد تتلمّس نفسه الجمعوي، وعين تتبصّر آثار جهاده على مخالفيه من عشيرته، وعلى غالبية أمته ممن تتبع مذهباً يخالفه؛ لنخلص من ذلك كله إلى تمثل حياة اصطبغ فيها صاحبها بروح الإسلام وحده، واستنكف عما يزجّ بتلك الروح في سراديب الضيق المذهبي، لتنطلق، بمريديها ومخالفيها على حدّ السواء، إلى صفاء القلب وسعة الصدر ورحابة العقل والخلق الحسن.
__________
(1) د. محمد ناصر: في رحاب القرآن للإمام الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض، القسم الأول، ص 23، منشورات جمعية التراث، غرداية (؟)، نقلاً عن الملتقى الأول لفكر الإمام، ص 186. (1/7)
صفحة 8
يننتهي مذهب الإباضية، أو الأباضية، عند التابعي الجليل جابر بن زيد (18 – 96 هـ) أحد علماء البصرة في زمانه، ونُسبوا إلى تلميذه عبدالله بن إباض لإسهامه الكبير في رفع قواعد هذا المذهب الإسلامي، الذي يعدّه أغلب الكتّاب فرعاً معتدلاً من حركة الخوارج، (1) التي يرفض الإباضيون نعتهم بها؛ لكون مدلول الخروج في الفكر الإسلامي هو المروق من الدين، لا الخروح على حاكم رأوا فيها اعوجاجاً، كما حدث، في نظرهم، مع الإمام علي (كرّم الله وجهه).
انتشرت المذاهب الكلامية في القرون الهجرية الأولى انتشار الإسلام في بقاع الدنيا، ووصل الاعتزال إلى شمال إفريقية فاعتنقه الكثيرون، كان من بينهم بنو ميزاب البرابرة، الذين لم يتبعوا مذهب عبد الله بن إباض إلاّ في بدايات القرن الخامس الهجري (422هـ/ 1031م)، بعد أن اقتنعوا بعلم أبي عبد الله محمد بن بكر النفوسي الإباضي، الذي استطاع النفاذ إلى عقول مشايخ بني ميزاب فآمنوا بدعواه، فاعتنقوا المذهب الذي دعاهم إليه، وأدخلوا معهم العشيرة بأكملها. ولم تستطع محاولات الدولة الرستمية في المغرب الأوسط (الجزائر حالياً) احتواء بني ميزاب في مذهبها الإباضي، ولا قدر مالكية الأغالبة في المغرب الأقصى، ولا الشيعة الفاطمية في مصر ـ جرّهم إلى مذاهبهم رغم المحاولات المتكررة؛ لأنّهم أتوهم بسلطان القوة، واستخدموا معهم منطق العصا، الذي لا يلين أمامه بنو مازيغ عادة، إلى أن ظهر أبو عبدالله النفوسي، فأخذهم باللين والمحاورة، فدخلوا في مذهب الإباضية أفواجاً. (2)
__________
(1) د. عمرو خليفة النامي:«دراسات عن الإباضية»، مجلة «الحياة»، تصدر عن معهد الحياة بالقرارة، ع 1، غرداية (رمضان 1418 هـ/ جانفي 1998م)، ص 113، 118.
(2) د. بحاز إبراهيم: «الميزابيون المعتزلة: قراءة جديدة لنصوص قديمة»، مجلة «الحياة»، ص 133. (1/8)
صفحة 9
ترى، هل كان بنو ميزاب سينخرطون في مذهب آخر، غير الإباضي، لو أن دعاته جاؤوهم بالحسنى كما فعل أبو عبدالله النفوسي؟ الجواب: ربما. وتلك ظاهرة تطرد في نشأة كل المذاهب تقريباً؛ فالظروف التاريخية غير الموضوعية كانت عاملاً مساعداً وأحياناً أخرى عاملاً رئيسياً في اعتناق مذهب ما أو التبدّل عنه إلى غيره. وشأن المعطيات الموضوعية – رغم أساسيتها- بسيط، إذا صفت لها النيّات وانفتحت لها القلوب. إنّ الحوار بالتي هي أحسن، في إطار القبول بالآخر على أساس الوفاق والكلمة السواء، كان وسيظل السبيل الأوحد للوصول إلى القناعات، بل إنه المفتاح السحري لكل من أراد النفاذ إلى عقول الآخرين وقلوبهم. إذا أدركنا هذا، عرفنا بوضوح كم نحن متعصبون، وكم هي الجدر سميكة عالية بيننا وبين الرعيل الأول قبل اختلاف أتباعهم. وفي مقابل ذلك أيضاً وعيناً أي واجب ينتظرنا اتجاه بعضنا، وأقلّه إلحاحاً طيّ هذه الرواسب التاريخية، وإلقاؤها عنا بعيداً، لنخلص أمّة واحدة على منهج الرسالة والوحي تسير.
قلّما تلفي أبناء ميزاب يقطنون خارج واديهم من شمال الصحراء الجزائرية، ومردّ ذلك حدث في التاريخ، عقب الهجرة الهلالية في القرن الخامس الهجري (11م)، التي زحزحت الميزابيين من المناطق الشمالية فألجأتهم إلى تخوم الكثبان الرملية، بواد غير ذي زرع، يطوف نهره موسمياً بمياه الأمطار، فيجدون فيها مورداً عذباً وكدراً. وربّ ضارّة نافعة، فلعل هذه العزلة ساهمت في المحافظة على مذهبهم الاعتزالي، علاوة على تحقيق حلمهم في الاعتزال والتميز عن غيرهم، «فكانوا في هذه الفترة اسماً على مسمّى: معتزلة منعزلون، ويظل حبّهم للتميز عن غيرهم هدفهم المنشود عبر العصور، وما انضمامهم إلى الإباضية دون غيرها من المذاهب إلاّ دليل واضح على هذا التوجّه». (1)
__________
(1) المرجع السابق، ص 126، 131. (1/9)
صفحة 10
ولم يقتصر انحصار الإباضية في شمال الصحراء فحسب، بل وجدوا حواضر لهم - بعد أفول نجم دولتهم الرستمية – في كل من جزيرة جربة بتونس، وجبل نفوسة بليبيا، وسلطنة عمان شرقي الجزيرة العربية، وفي بعض الجزر الشرقية لإفريقيا مثل زنجبار. (1)
ولئن كانت ظروف العزلة والانعزال هذه قائمة في تاريخ النشأة، فإن دواعيها منتفاة أو تكاد في هذه الأيام؛ فلم يعد للصراع الكلامي وطأته اليوم ولا للدولة القائمة مذهب تدعو إليه الآن؛ مما يتطلب هجرة معاكسة وانفتاحاً مقابلاً، تعود بمقتضاه المياه إلى مجاريها، والأمّة إلى لحمتها؛ وذلك مقصد ديني متفق عليه لدى الجميع.
__________
(1) محمد أرزقي فراد: «إبراهيم بيوض: الإباضية أو الوجه الآخر للديمقراطية»، الملتقى الأول لفكر الإمام، ص 335. (1/10)
صفحة 11
في مثل هذه الظروف التاريخية، وفي مثل تلك البيئة الصحراوية، ولد الإمام عمر بن بابه بن إبراهيم بيوض في القرارة، من مدن بني ميزاب، الواقعة جنوب العاصمة الجزائرية بحوالي ستمائة كلمتراً، حيث تدرّج في حفظ القرآن الكريم حتى استكمله ولمّا يتجاوز الثانية عشرة من عمره، ليواصل بعد ذلك بناءه الروحي والعقلي على أيدي علماء منطقته من الإباضية، كان على رأسهم الإبريكي (1329هـ/ 1911م) والمليكي (1339هـ/ 1921م) وأبو العلا (1882هـ/ 1960م) وبكير بن إبراهيم العنق (1353هـ/ 1934م). ولأن لسانه كان أعجمياً، فقد اهتم بالعربية وعلومها مدخلاً لدراسة علوم الدين، (1) فكان تأثره بالقطب الإباضي أمحمد بن يوسف اطْفيَّش (1332هـ/ 1914م) تأثراً جعله يعتبره الأصل وهو له فرع مكمل، كما أبدى تأثره بالإمام محمد عبده من خلال تفسيره وكتاباته في مجلة "العروة الوثقى"، التي كان يتلقفها تلقف الوليد ثدي مرضعته. ولعلّ بيئته الصحراوية الصافية، وعشيرته الأصيلة المحافظة، والمحيط العربي المالكي من حوله، والأسلوب المتميز في الدعوة باللسان الناصح الذي انتهجه مربّوه، والارتباط التاريخي للمنطقة بجامعي الزيتونة والأزهر، والصراع اليومي مع المستعمر الجاثم على صدر بلاده ـ لعلّ كل ذلك أسهم في بنائه الفكري والوجداني، ففتح عقله على الآخرين، وصفّى نفسه من كدر المذهبية العمياء، وجعلها تتطلع إلى وحدة الأمّة جذوراً وأصولاً، فأثرى عطاءه وأغناه، وبوَّأه رمزاً من رموز الإصلاح في شمال إفريقية بلا منازع.
__________
(1) محمد بن موسى باباعمي: الإمام الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض، ص 6و 7، منشورات الكشافة الإسلامية الجزائرية، غرداية 1417 هـ/ 1996م. (1/11)
صفحة 12
ترجم الإمام بيوض (رحمه الله) إيمانه بمفهوم الأمّة الواسع، من خلال مراسلاته مع أعلام معروفين من مذاهب مختلفة، فراسل الدكتور مصطفى الزرقاء، والإمام موسى الصدر، والشيخ أحمد الخليلي، وما ذلك إلاّ دلالة واضحة على عمق الانتماء إلى هذا البعد الأممي المتأصّل في وجدانه، فلم ينكفئ على ذاته ويغلق بابه على مذهبه ويطلب الدعوة بين ذويه وعشيرته، بل كانت مقالاته وكتاباته ومشاركاته تتحرك على مستوى الوحدة، وترقى إلى مستوى الحدث، ولو تعارض ذلك مع موروث رضع لبانه صغيراً، أو تقليد قدسته بيئته حتى كادت أن تتخذه صنماً.
توحي الكتب التي تولى تدريسها في المسجد بهذه الروح العالية، فقد درّس مسند الربيع بن حبيب مدّة ثلاثة أعوام، تلاه «شرح فتح الباري على صحيح البخاري» لابن حجر العسقلاني واستمر الأمر معه أربعة عشر عاماً أخر. وكان، علاوة على نشاطه الدعوي هذا، ينظم البعوث العلمية إلى جامع الزيتونة في تونس، وهو جامع معروف بأنه يعتمد المذاهب السّنيّة في مناهجه. وكان لتلك البعوث العلمية شأن آخر، فقد كانوا يرحلون في طلب العلم وحده، من دون أن يكون لهم همّ في الظفر بالشهادة، التي قد تخدش نقاء الإخلاص في الطلب، فيعودون بوافر المعرفة وإن لم تكن ممهورة بخاتم الإدارة. وهذا أسلوب راق في التربية والتعليم لا نعلم مدرسة انتهجته سبيلاً حتى الآن.
وما أكثر ما كان الإمام بيوض يخرج في فتواه عن المذهب الإباضي الذي تفقّه فيه، ليفتي الناس بما يراه أيسر في الدين، فقد «سأله رجل ظاهر من زوجته بأن قال لها: "أنت عليّ كأختي"، وكان في حالة غير عادية أصيب فيها بضيق في صدره حتى ظنّ أنّ به سحراً، فأفتاه بعض أهل العلم أن ذلك ليس ظهاراً، فعاد إلى زوجته ومسّها دون أن يكفّر.
« (1/12)
صفحة 13
ولكنّ الشيخ بيّن أنّّ الظهار ثابت، والكفارة واجبة قبل المسيس بنصّ القرآن، ومن أفتاه بغير ذلك فقد أضله وأخطأ في فتواه، وعمل الرجل هذا يحرِّم زوجته عند بعض أهل العلم، وذهب آخرون ومنهم الإمام مالك إلى أنه يعتزلها، ثم يكفّر ثم يستغفر الله، وأضاف الشيخ قائلاً: "ولما كان هذا الرجل لم يقع فيما وقع فيه إلاّ بعد الاستفتاء، فصار له بذلك شبهة تقتضي التخفيف عنه والترخيص له، ولذلك فإني أفتيته بما اختاره الإمام مالك أعلم علماء المدينة في عصره"». (1)
ومن ذلك أيضاً فتواه بعدم وجوب العدّة على المتوفى عنها زوجها من دون دخول، عملاً بمذهب عبدالله بن عباس، خلافاً لجمهور الإباضية القائلين بوجوب تلك العدّة. (2)
__________
(1) محمد الشيخ بلحاج: فتاوى الإمام الشيخ بيوض، ج 2 ص 436 – 438، المطبعة العربية، غرداية 1988، نقلاً عن: مصطفى بن صالح باجو:«منهج الاجتهاد عند الشيخ بيوض إبراهيم»، مجلة «الحياة»، ص 32.
(2) المرجع السابق، ج 2 ص 368، عن المرجع السابق. (1/13)
صفحة 14
وما كانت خرجاته تلك على المشهور في مذهبه لتمرّ بسلام في أوساط شانئيه ومناهضيه من أولائك الجامدين على الموروث المذهبي، فنعتوه بما لا يليق، وشنعوا عليه حتى أخرجوه من المذهب، وأوشوا به السلطات الاستعمارية وبعدها الجزائرية، وضايقوه حتى كادوا يغتالونه مرات عديدة، وكان أشدّ تلك الضروب من الأذى «إعلان البراءة منه في أغلب مساجد ميزاب في أوائل الثلاثينات، من قبل الهيئات الدينية المشرفة عليها، وهي لا تُطبّق إلاّ على المجاهرين باقتراف الكبائر من الذنوب، ومن آثارها عدم التعامل مع المحكوم عليه بها أو مجالسته أو التحادث معه، قبل أن يعلن توبته في المساجد التي أعلنت فيها البراءة منه». (1) ولكنه، رغم تلك الابتلاءات، ظل صامداً شامخاً كالطود العظيم، صابراً أمام التيار السابح ضده وضدّ ثوابت الأمّة ووحدتها، حتى استطاع كسب خصوم ناصبوه العداء إلى صفّه، وتحجّم آخرون، وفتح الله عليه ببراعم فتية أنشأها في معهد الحياة، استعان بها على تمكين الحق في النفوس، وتجديد الدين في عقول اعتزلت فكادت أن تنعزل لولا أن الله سلّم.
ومن ألطف ما صنع الشيخ ومناصروه، ما حدثني به عديله وتلميذه، فضيلة الشيخ بالحاج سعيد شريفي، من أن بعض الإباضية الجامدين من وادي ميزاب كانوا إذا سمعوا اسم الإمام عليّ (كرّم الله وجهه) لم يُرضّوا عنه، فضلاً عن أن يتخذوه إماماً، ولكن الشيخ بيوض ومدرسته أعادت له مكانته في القلوب، وحصرت الخلاف فيه حول قضية التحكيم التي قبل بها مع معاوية (رضي الله عنه)، وكان الأولى أن لا يفعل لأنه الإمام الذي بايعه المسلمون خليفة بحق واستحقاق.
__________
(1) 10) د. محمد لعساكر: «جهاد الإمام الشيخ بيوض بين الإنصاف والإجحاف»، الملتقى الأول لفكر الإمام، ص 52 و 54. (1/14)
صفحة 15
لم يكن جهاد الإمام بيوض ليبدأ مع جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، رغم أنّه كان من أعضائها المؤسسين سنة 1931م، بل إن أعماله كانت امتداداً لتراث ثقافي عظيم استمر لقرون، تلمح أعمال الإمام فيها ناصعة كالشّامة الغرّاء، زادتها نصاعة ظروف الاحتلال الفرنسي، ذي الطابعين العسكري والثقافي، الأمر الذي جعل الحياة تعرك الإمام عرك الرحى، وتنضجه بلهيب اللظى، فكان أمّة قائماً على أمّة.
بدأ الإمام حربه على الاستعمار إثر قانون التجنيد الإجباري إبّان الحرب العالمية الأولى (1914 – 1918م)، الذي كاد الإمام أن ينخرط بموجبه في صفوف الفرنسيين لمحاربة المسلمين في أكثر من موقع في هذا العالم، ولولا أن جهوداً حثيثة انتشلته من ذلك المأزق لتغيّرت محطات كثيرة من ملامح حياة هذا الرجل. (1)
اتخذ الإمام بيوض، في نضاله التنويري، التريبة والتعليم طريقاً لمكافحة الاستعمار، وهو الطريق نفسه الذي سلكته نخبة أخرى من علماء الجزائر، جمعت بينهم رسالة عالية وشعور حاد بالمسؤولية في ملتقى تقاطعت فيه الأهداف والغايات، والأسس والمنطلقات، والمشارب والثقافات، فأسسوا كياناً عزّ نظيره في العالم بشهادة ابن باديس نفسه، فاستطاعوا بوحدة الكلمة والتفاني في العمل أن ينجزوا للجزائر استقلالها في غضون ثلاثة عقود.
أسس الإمام بيوض معهد الحياة في 21/ 5/ 1925م برفقة صديقيه إبراهيم أبي اليقظان (1393هـ/ 1973م) والشيخ عدّون إمام الإباضية في الجزائر اليوم، وكان شعار هؤلاء الثلاثة مقولة للإمم محمد الغزالي (رحمه الله) قالها بعد ذلك، مفادها ألاَّخلاص لنا إلاّ الاهتمام بالمعاهد اهتمامنا بالمساجد، فلنبني بجانب كل مسجد معهداً، ولنبني بجانب كل معهد مسجداً. (2)
__________
(1) 11) محمد بن موسى باباعمي: الإمام الشيخ، ص 10، 13.
(2) 12) المرجع السابق، ص 13. (1/15)
صفحة 16
كان المنهاج التربوي في معهد الحياة شاملاً للمعارف كلها، وعمدتها القرآن الكريم وعلوم الدين، وكان يؤمّه الطلاب بربراً وعرباً، إباضية ومالكية. ولم يكن الاهتمام بالبرامج أولى من الاهتمام بالمربين، الذين كانوا ينتقون بعناية فائقة، تلحظ فيهم المسلكية والكفاءة العلمية على حد سواء، ومن أعجب ما قرأت في هذا الموضوع عن هذا الإمام المنفتح دعوته الشيخ محمد البشير الإبراهيمي السّني المالكي، رئيس الجمعية بعد وفاة مؤسسها الأول، كي يتولى التدريس في هذا المعهد، فاستجاب الشيخ وهمّ بالرحيل لولا أن السلطات الجزائرية الحاكمة أجبرته على الإقامة في بيته، وظل تحتها إلى أن وافته المنية عام 1965م. (1)
بلغت نشاطات الإمام بيوض الإباضي ذروتها عندما أسس مع ابن باديس وآخرين جمعية العلماء، فزادت إلى أعبائه المحلية أعباء وطنية، شغل فيها منصب االنائب لأمين صندوق المال، وهو تكليف له دلالته في حسّ أفراد الجمعية؛ فالأمانة التي عرف بها الإباضية الميزابيون والطابع التجاري للأعمال التي يزاولونها في أنحاء شتى من القطر الجزائري، والخصال الحميدة التي اشتهرت عنهم كالجود والتبرّع – رشّحت الإمام بيوض لأن يتولى هذا الموقع الحساس بين أفراد الجمعية.
__________
(1) 13) ابن عمور محمد: «جملة من الملاحظات والإضافات»، الملتقى الأول لفكر الإمام، ص 342. (1/16)
صفحة 17
كان قد بدأ الإمام بيوض عام 1935م تفسيراً متواصلاً لكتاب الله تعالى، لم يتمّ ختمه إلاّ بمرور خمس وأربعين سنة، أي في أواسط عام 1980م، وتبدّت روحه المتأثرة بالإمام محمد عبده على صفحات تفسيره "في رحاب القرآن"، فاتخذ شعاره في التفسير شعار الإمام محمد عبده (عليه رحمه الله): "إنّ مقصدي من هذه الدروس وغيرها هو مقصد الشيخ محمد عبده، أن أخلق عقولاً تتذوّق بلاغة القرآن، ونفوساً فيها طهر القرآن، وتلاميذ مصلحين يكونون جند القرآن". (1) وفضلاً عن هذا العمل التربوي الجليل، شارك الإمام في عمل آخر عسكري مع المجاهدين في الجبال والفيافي والقفار؛ فأمدّهم بالمال والعتاد واللباس، وآواهم ونصرهم وأرسل إليهم تلاميذه يقاتلون في الجبهات صفاً واحداً مع إخوانهم المالكية. كما وقف حجر عثرة أمام فرنسا في مشروعها لتقسيم الجزائر إلى إقليمين: صحراوي تابع لها وشمالي مستقل عنها، وناضل من أجل ذلك عام 1952م أثناء عضويته في المجلس الجزائري المشكّل من قبل الفرنسيين عام 1947م وكابد حتى انتصر؛ ما جعل المستعمر يلغي المشروع كلّه، فيعود القطر الجزائري واحداً موحداً كما دخلته جيوشها، وكما ستخرج منه بعد عشر سنين من تاريخ ذلك المشروع.
__________
(1) 14) محمدعلي دبوز: أعلام الإصلاح في الجزائر، ج 2 ص 30، مطبعة البعث، قسنطينة (1974 – 1980م)، نقلاً عن: محمد بن موسى باباعمي: الإمام الشيخ، ص 90. (1/17)
صفحة 18
ولم يقتصر جهاد الإمام أثناء الثورة التحريرية فقط، بل ساهم في الدولة المستقلة كذلك، فانتدب للشؤون الثقافية في الهيئة التنفيذية للحكومة الجزائرية المؤقتة، بعد وقف إطلاق النار في 19/ 3/ 1962م عقب اتفاقيات "إيفيان". والتقى أثناء عمله ذلك مع رفيق دربه في الجمعية الشيخ عبد اللطيف سلطاني، وتباحثا في أمر هذه الجمعية بعدما أنجزت الاستقلال بدفعها الشعب إلى الثورة على المستعمر، فكان رأي الإمام بيوض أن يكون العمل داخل مؤسسات الدولة وخارجها في الوقت نفسه؛ فدعا أبناءه إلى ولوج السلك الوظيفي، وتبوّئ مناصب رسمية، (1) ولولا أن عواصف مقصودة ابتليت بها الجميعة فهدّت كيانها وجّمدت نشاط أعضائها، لكان أثرها لا يقل أهمية عما فعلته أثناء الاحتلال.
ولا يهمّنا من تلك الابتلاءات سوى ما سلكه الإمام بيوض حيالها كي يتخطاّها من جديد، فركّز عمله خارج مؤسسات الدولة بعد أن دفع بجيل الإصلاح إلى كل مرافق الدولة الفتية، التي ضاقت ذرعاً بدعاة الإصلاح فناصبتهم الخصومة والعداء.
اقتنع الإمام بيوض (عليه رحمة الله) بأن للمجتمع حاجات ملحّة لا تسدّها معاهد التربية والتعليم وحدها، ففعلّل دور "مجلس العزّابة" لما انتخب رئيساً له بالإجماع عام 1940م، واستمر على ذلك حتى وافته المنية في 1981م. والمجلس نظام اجتماعي تميّز به بنو ميزاب عن سواهم، مهمته القيام بواجب الوعظ والإرشاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحماية أخلاق الناس من الفساد والانحراف. ولهذا المجلس سلطة أدبية نافذة في نفوس الناس. (2)
__________
(1) 15) د. محمد لعساكر: «جهاد الإمام بيوض بين الإنصاف والإجحاف»، الملتقى الأول لفكر الإمام، ص 69 و 70.
(2) 16) محمد بن موسى باباعمى: الإمام الشيخ، ص 11. (1/18)
صفحة 19
وهنالك مجلس العشيرة، مهمته الحفاظ على العلاقات النسبية بين أفراد المجتمع، فيقوِّم سلوكات التلاميذ في المدارس، ويرعى اليتامى والأيامى والسفهاء والمجانين، ويعين الأبناء البالغين على الزواج، ويسعى إلى الحدّ من البطالة بين صفوفهم.
ومن مؤسسات المجتمع المدني التي عني بها الإمام بعدما حاصرته السلطة الجزائرية الجديدة "جمعية الشباب"، التي تتكفل بتأطير الشباب في المجتمع الميزابي، وتعمل على تكوينهم تكويناً عملياً تترسخ بموجبه صفات الرجولة فيهم، فتراهم يسهرون على أمن المدينة ويراقبون الجوّ الأخلاقي فيها. وهذه الجمعية تعمل تحت إشراف "مجلس العزَّابة".
كما عني الإمام بالجمعيات الحديثة التي تهتم بالمجالات الاجتماعية والتجارية والسياسية داخل وادي ميزاب وخارجه، مستفيدين قدر مستطاعهم من الأشكال التنظيمية الحديثة.
ولم يكن الشيخ معقداً مما يتطلبه العصر وتطور العمران، بل كان يدعو طلابه والمجتمع إلى تعلّم اللغة الفرنسية، والرحلة من أجل طلب العلم الدنيوي، لأن الفرنسية لغة المستعمر ولغة الإدارة الجزائرية من بعده، وكثير من الحرف والمهن لها معاهد بعيدة عن الديار وتتطلب سفراً وشدّ الرحال. (1)
كان هذا الرجل الكبير ينظر برؤية مستقبلية ثاقبة، مفادها أن مصالح المسلمين لا تتحقق إلاّ بتولي الأكفياء المناصب والقيادات، وفق خطة شاملة يتوزعون من خلالها وفق حاجات الناس كي تتحقق لهم الكفايات؛ فمكّن لعشيرته بين الآخرين، وانفتح على باقي أبناء الحركة الإصلاحية من الجزائريين، فدعاهم بالمنطق نفسه فاستجاب لدعوته بشر كثيرون.
__________
(1) 17) نورالدين سوكحال: «منهج الشيخ بيوض في الإصلاح الاجتماعي»، الملتقى الأول لفكر الإمام، ص 148 – 164. (1/19)
صفحة 20
تلك هي شخصية الإمام إبراهيم بيوض الإباضي، وتلك هي الإباضية كما فهمها هذا الرجل الوحدوي العظيم، وذلك هو جهاده من أجل أمته في أصالتها ووحدتها. وهو بخصاله هذه، مثال يحتذى لكل من أراد أن يكون أمّة قانتاً لله حنيفاً، وما يريد أن يكون من المقصّرين.
... ... ... ... ... ... ... ... عزالدين مصطفى جلُّولي
... ... ... ... ... ... ... ... كاتب جزائري
بسم الله الرحمان الرحيم
الإمام الشيخ بيوض أديبا
بقلم: الدكتور محمد صالح ناصر
محتويات البحث
محتويات البحث ... 4
علاقة الشيخ بيوض بالأدب ... 4
معهد الحياة والأدب ... 4
الشيخ بيوض فنان ذو ذوق رفيع ... 4
الشيخ بيوض كاتبا ... 4
الخصائص النفسية ... 4
: الشعور بالمسؤولية ونكران الذات ... 4
: الإيمان بالله والتوكل عليه. ... 4
: الصدع بالحق والثبات عليه ... 4
: الجرأة والشجاعة ... 4
السمات الفنية ... 4
:التأثر بأسلوب القرآن الكريم: ... 4
: الترادف الصوتي ومراعاة التوازن بين الجمل ... 4
: التصوير والتجسيد ... 4
الخاتمة ... 4
أهم مصادر البحث ... 4
الرسائل ... 4
الكتب: ... 4
علاقة الشيخ بيوض بالأدب
إن الصورة المرتسمة في أذهان كثير من الناس عن الشيخ بيوض هي أنه عالم، مفسر، وزعيم مصلح. عاش طول عمره بين مجالات الفقه والتفسير والحديث. وإذا تجاوزها فإلى مجالات تهتم بالتربية والاجتماع والسياسة، أما أن يكون أديبا فذلك ما لا يعرفه الكثير من الناس بل كثير من الدارسين الذين اهتموا بهذه الجوانب التي اشتهر بها الإمام دون هذا الجانب، موضوع البحث. ذلك أن أغلب الناس يلتقون بالشيخ بيوض مستمعين لا قارئين، أي أنهم قد يبهرون ببيانه خطيبا أو واعظا أو مفسرا من خلال الآذان لا من خلال العيون، وعن طريق التلقي السريع لا عن طريق القراءة المتأنية الفاحصة المتذوقة. وما كانت الصورة الحقيقية عند الشيخ لتكتمل إلا عن طريق الإطلاع على كتاباته والتملي في أسلوبه وبيانه، وتذوق صوره وتعبيراته. (1/20)
صفحة 21
ولو قدر لهم الإطلاع على ما كتب من مقالات ورسائل إذا لأضافوا إلى معرفتهم، عن الشيخ جانبا نيرا باهرا، ولاكتشفوا فيه أديبا بارعا، وكاتبا حاذقا.
والواقع أن اهتمام الشيخ بيوض بالأدب وتضلعه فيه جاء من كونه عالما، يجمع في شخصيته جوانب معرفية متعددة. ولكن اهتمامه وانقطاعه لتفسير كتاب الله هما اللذان جعلا الصورة المنطبعة في أذهان الناس عنه يطغى فيها هذا الجانب على الجوانب الأخرى في حين أن هذا الانقطاع نفسه لكتاب الله محصلة لازمة لهذا الجانب الأدبي.
فالمفسر البارع لا بد أن يكون متضلعا في اللغة العربية وآدابها، متزودا بزاد وفير من شعرها ونثرها، متذوقا فقهها وبلاغتها، مستوعبا حكمها وأمثالها، بل مطلعا على تاريخها وحضارتها. ورب مفسر خانه التوفيق وجانبه التعمق لا لشيء إلا لأنه لم يتزود بهذه العلوم الضرورية لتفسير كتاب الله، على أن الفقهاء الأعلام في كل المذاهب الإسلامية كانوا متضلعين في علوم اللغة بقدر تضلعهم في علوم الشريعة. فقد كانوا يدركون بحكم ممارستهم العملية واحتكاكهم بالنصوص الشرعية أن الأداة اللازمة للفتوى هي فهم اللغة فهما صحيحا، وأن الوسيلة الضرورية للمفسر هي أن يكون بارعا في فهم أسرار اللغة العربية، متمتعا بذائقة جمالية مرهفة للوقوف على روائعها البلاغية والإعجازية. ومن ثم ندرك كيف يستحيل الفصل بين هذه العلوم كلها لعلاقة التداخل والتكامل بينها.
وكل متتبع لتفسير الشيخ بيوض، يلحظ كيف كان الشيخ يهتم بالجانب اللغوي في تفسيره، وكيف كان يتمايل طربا وهو يحلل معنى بيت شعري، أو يوضح نكتة بلاغية، وذلك ما كان يجعله يقف وقفات متأنية متذوقا ومستخرجا جانب الإعجاز اللغوي والبلاغي من كلام رب العالمين. (1/21)
صفحة 22
وكل متتبع لتفسيره لكتاب الله يلحظ بجلاء ثقافته الأدبية الواسعة حيث يستشهد بالشعر والحكم والأمثال كثيرا، مما يدل دلالة قوية على أمرين: أولهما ثقافة الشيخ التي تعتمد في جانب كبير منها على الأدب العربي وفنونه. وثانيهما: رغبته في توصيل هذه الثقافة إلى أبنائه الطلبة، قصدا منه في أن يبث في نفوسهم حب اللغة العربية وآدابها والاهتمام بدراستها والتضلع فيها لأنها أولا وقبل كل شيء أداة ضرورية لفهم كلام الله فهما سليما صحيحا، وبالتالي تغدو ضرورة لازمة في رؤيته الإصلاحية والتعليمية والتربوية. وكان الاهتمام بهذا الجانب عنصرا أساسيا في الحركة الإصلاحية التي كان مخططها ورائدها وحامل رايتها. فإن الأدوات التي كانت الحركة الإصلاحية تستخدمها وتوظفها للاتصال بالجمهور والتأثير فيهم هي الخطب والأناشيد، والمسرحيات، والمقالات الصحفية، وهي أجناس تتغذى كلها من الأدب العربي وفنونه، ومن ثم يصبح الأدب العربي في مفهوم الحركة غاية ووسيلة معا.
ويوضح لنا الشيخ بيوض نفسه لماذا اعتنى هذه العناية المثلى باللغة العربية وآدابها سواء تعلق الأمر بدروس التفسير في المسجد على العامة، أم بدروس المعهد التي كانت تلقى على الطلاب خاصة، وذلك حيث يقول:
..إن مقصدي من هذه الدروس وغيرها هو مقصد الشيخ محمد عبده، أن أخلق عقولا تتذوق بلاغة القرآن، ونفوسا فيها طهر القرآن، وتلامذة مصلحين يكونون جند القرآن.. (1) .
وقد أبان عن هذا المنهج في حفل اختتام التفسير المشهود حيث يقول:
...اخترت التفسير، وكانت في هذه الأثناء لدينا دروس أخرى كذلك، كنت أثقف بها التلاميذ في العربية حتى يتذوقوا أسلوب القرآن وإعجازه.. ومن المعلوم أننا درسنا دلائل الإعجاز للشيخ عبد القاهر الجرجاني.
ويؤكد في المناسبة نفسها قائلا:
...
__________
(1) محمد علي دبوز، نهضة الجزائر الحديثة، ج2، ص، 30 (1/22)
صفحة 23
أوليت عنايتي لعلوم البلاغة ودرّست دلائل الإعجاز، والكتب التي كانت ترد علينا من الشرق وخاصة المجلات نتخير منها كل يوم درسا للطلبة زيادة على درس الأمالي لأبي علي القالي، وشيء قليل من البيان والتبيين للجاحظ. وكنت أختار هذه المقالات وأوجهها، ودرست النظرات للمنفلوطي وتتبعتها، قضيت سنوات وأنا في هذا الميدان، أوجه الطلبة إلى اللغة الفصحى وإلى تقويم ألسنتهم بالنحو والصرف والبيان والإعجاز خاصة، وأعتني كثيرا بدلائل الإعجاز (1) ...
معهد الحياة والأدب
الواقع إن منهجية التعليم في بداية الحركة الإصلاحية إنما قامت أساسا على هذه الركيزة المتينة. فقد كانت المواد التي تدرس بالمعهد تخدم اللغة العربية، وتهدف كلها إلى تقوية الطلاب في المواد التي يستعينون بها على فهم كتاب الله والتعمق في أسراره ومعانيه، مثل النحو والصرف، والبلاغة، وتحليل النصوص الأدبية، وغيرها. وكانت هناك عناية فائقة بالأدب العربي بدراسته في أمهات كتبه مثل العقد الفريد لابن عبد ربه، والأمالي لأبي علي القالي، وعيون الأخبار لابن قتيبة، والأغاني لأبي الفرج الأصفهاني. إلى جانب متابعة الكتابات المعاصرة شعرا ونثرا، ولا سيما ما كانت تنشره المجلات الأدبية المتخصصة الشهيرة التي كانت ميدانا فسيحا لأعلام الفكر والأدب في بداية النهضة من أمثال العقاد وتوفيق الحكيم وطه حسين وزكي مبارك، والرافعي وغيرهم.
__________
(1) محمد ناصر، في رحاب القرآن، ص، 74 (1/23)
صفحة 24
وكان الشيخ بيوض هو الذي أدخل هذا التطور الجريء في منهجية التعليم لأنه كان حريصا على جعل طلاب المعهد يعيشون واقعهم الذي يربطهم بعالمهم الإسلامي العريض لا يثنيهم عن ذلك انقطاعهم في منطقة نائية من الصحراء تحت حكم عسكري استعماري استبدادي يحارب اللغة العربية وآدابها، ومع ذلك فقد كان الحرص شديدا على قراءة هذه المجلات التي تصل عن طريق تونس مع المسافرين خفية. ولم يكن الشيخ بيوض يكتفي في دروسه للطلاب بالمواد الأدبية الصرفة، بل كان يمزج، ببراعة نادرة، بين النص ذي الشكل الأدبي والمضمون الوطني، وذلك ما يقرر الشيخ عدون مدير المعهد حيث يتحدث عن فضل الشيخ بيوض في إحداث هذه الطريقة لأول مرة، قائلا:
وأحدث لهم دروسا أدبية في كتاب الأمالي لأبي علي القالي، وفي كتاب عصر المأمون للدكتور أحمد الرفاعي وغيرها من كتب الأدب، فانكشفت لهم بها كنوز الأدب العربي القديم ما ملأ عقولهم، وصقل أذواقهم، وهذب نفوسهم، وفتق ألسنتهم، وأسال أقلامهم، فكان منهم كتاب بلغاء، وشعراء مبرزون، ودعاة مرشدون... (1)
...ولم يقتصر المعهد على النظام الموضوع له عند افتتاحه بل جرى على سنة التطور فكان في تقدم مستمر على توالي الأيام، فقد أحدث فيه الشيخ بيوض دروسا اجتماعية ووطنية وسياسية ودروسا في بعض المجلات والجرائد الشرقية وأكثرها مصرية، كالفتح، والرسالة، والصرخة، وغيرها ألهبت في الطلبة الحماس الوطني، وكان لها أثر بليغ في ثقافتهم العامة، وتطورهم نفسيا وتربيتهم اجتماعيا وسياسيا صيّر منهم رجالا أكفاء برزوا في ميادين الإصلاح العام، فأبلوا البلاء الحسن... (2)
__________
(1) شريفي سعيد، نشأة المعهد وتطوره، ص، 61
(2) المصدر السابق، ص، 60 (1/24)
صفحة 25
ولعل من الأدلة المحسوسة على تأثير الشيخ ومنهجه التعليمي الناجح هذا هذه الكوكبة من المتخرجين على يديه من الشعراء والأدباء في الأربعينيات قبل أن ينشغل بالسياسة وقضايا الأمة، يكفي أن نذكر منهم الشيخ عدون والشيخ علي يحي معمر والشيخ محمد علي دبوز ومحمد الحاج الناصر والشيخ الناصر المرموري، والشيخ إبراهيم القرادي، والشيخ حمو فخار، والشيخ يوسف تربح وغيرهم ممن درسوا الأدب على يدي الشيخ بيوض فكانوا بارعين في النثر والشعر حقا، وبلغوا في ميدان الكتابة والخطابة شأوا بعيدا، وخلدوا أدبا رفيعا راقيا مفيدا.
الشيخ بيوض فنان ذو ذوق رفيع
لم يكن الشيخ بيوض أديبا -كما سنوضح- فحسب بل كان إلى جانب ذلك فنانا مرهف الحس، يتمتع بحس ذوقي رفيع، وقد أبان عن ذلك في مواقف عديدة شاهدناه فيها وهو يتابع أناشيد الطلاب في حلقاتهم وفي حفلاتهم، فكان يقف عند كلمات القصائد مصوبا ومخطئا، فيقترح حذف ما لا يليق منها، ويزن الأبيات بأذن ذات إحساس إيقاعي مرهف، فيطرب للجميل منها، ويشير إلى موضع الخلل العروضي في الأبيات أو الأنشودة، وقد رأيناه يغضب غضبا شديدا عندما يسمع صوتا نشازا أو جلبة أو ضوضاء تفسد روعة الأداء والإنشاد، وطالما سمعناه يردد بصوته الرخيم الأناشيد والأبيات الشعرية، يفعل ذلك كله بذائقة رفيعة. ولا يفوتني هنا أن أقف وقفة متأنية عند موقفه من المسرح أو التمثيل، كما كان يطلق عليه آنئذ، فقد كان يعتبر المسرح أداة ضرورية للحركة الإصلاحية تكمل مظاهرها الأخرى من مدرسة وناد، لأن التمثيليات الهادفة تبنى في ليلة واحدة ما تبنيه الوسائل الأخرى في مدة زمنية طويلة، وذلك لأن المسرح مظهر للتلاقي المباشر بين الممثل أو صاحب الفكرة والمتلقي من الجمهور دون وسيط، فقد ساعدت الحركة الإصلاحية على كسب الأنصار وكانت الوفود تأتي من قرى وادي ميزاب قصدا لمشاهدة المسرحيات ثم تعود. (1/25)
صفحة 26
وقد عثرت له على رسالة مطولة تبلغ ثماني صفحات كاملة راسل بها الشيخ أبا اليقظان سنة1939 يبين فيها دور المسرح في إحياء الامة وما للمسرحيات الهادفة من أثر في توجيه الجمهور والارتقاء بمستواه الذهني والنفسي، وهو يرد بحماسة بالغة على بعض المشايخ الذين عارضوا التمثيل والحفلات، وعدّوا ذلك بدعا وخروجا عن المألوف. وقد تحدث في رسالته تلك عن ثلاث نقاط هامة: عن المسرح ودوره في الحركة الإصلاحية، وعن الممثل البارع وأثره في إنجاح التمثيلية، وعن تجاوب الناس وإقبالهم على التمثيل. وبما أن الرسالة لها أهمية خاصة لأسبقيتها، ورقي أفكارها، وصواب نظرتها، فإننا سنقف عند بعض مقاطعها.
يقول متحدثا عن دور المسرح في الإصلاح والنهوض بالأمة:
أقول و والله، لا أبالغ ولا أزيد على ما أرى وأعتقد عن تجربة اختبار وهو على ما أقول وكيل أنني ما رأيت مظهرا من مظاهر نهضتنا ومجلى من مجالي أعمالنا أثر على الدهماء والعامة واجتذبها بقوة وعنف إلى حظيرة الإصلاح مثلما فعل التمثيل بها وأبان لها عن مدى تأثير المدرسة في تثقيف العقول وتقويم الألسنة، وتهذيب الخلق، وتربية الذوق الفني، وتنمية ملكة الابتكار والإبداع، وتمرين النفس على التكيف بما شاءت والتشرب بروح من هوت، وتقوية الذاكرة، والربط على القلب بالشجاعة حتى ليظهر الحدث في مظهر غير مألوف من مظاهر الرجال في الاتزان والاعتدال، ومزاوجة الأقوال للأعمال يضبط موقفه في القصة على طوله واختلاف أطواره كأنه حقيقة لا مثال.. (1)
ويصف وصف الخبير، وكأنه مخرج مسرحي، أولئك التلاميذ كيف كانوا يؤدون أدوارهم والواحد منهم:
..
__________
(1) رسالة بتاريخ 13 جمادى الأولى 1358/ 30جوان 1939 (1/26)
صفحة 27
لا تطرف له عين ولا يندى له جبين، ولا ترتعد له جارحة ولا تحتبس على لسانه كلمة في موقف خطير مخجل حدقت فيه الأبصار وأرهفت الآذان، قد تنفجر فيه الصدور بالآهات والأنات، وتنطلق الألسنة بعبارات الشكر والعجب والاستحسان أو بألفاظ السب والشتم والاستهجان بما يطير لب الحليم، لكن أولئك كأنّ بينهم وبين الناس سدّ ذي القرنين قد فنوا فيما هم فيه، فكأنهم غيرهم أوكأن الناس غير الناس، إلى غير ذلك مما نسمع الناس يتحدثون به ويعجبون له ويشرحونه شرحا وافيا دقيقا يحار فيه الفنان.. (1)
أما عن أثر ذلك في الناس فيقول:
.. ولقد شهدنا مجالس يتحدث فيها بحماس وحرارة لا عن أروع مناظر الرواية ذاتها ولكن ضبط الممثلين وإتقانهم وحفظهم وكل يتحمس لما يراه أعجب في نظره فيشرحه ويبالغ في وصف الإبداع فيه، وإنه مما يبعد السمو إليه فيختلفون إلا أنهم يتفقون على إكبار التلامذة وأساتذتهم واحترامهم والدعاء لهم بالحفظ والسلامة والعون والتأييد وطول البقاء والتوفيق والتسديد وعمي أعين الحساد، ويجمعون على أن هذا هو الإصلاح، وهذا هو النهوض، وهذه هي الحياة، وهكذا يجب أن تربي الناشئة من الأولاد.
ويقترح على الشيخ أبي اليقظان أن يتجه إلى هذا النوع من الكتابة ليوفر للممثلين المادة العلمية اللازمة وهي ضرورة لا تقل عن الضرورات الأخرى:
.. وحبذا لو اغتنمتم فرصة احتجاب الجريدة فاختلستم من أوقات المطبعة وقتا تؤلفون فيه بعض روايات وطنية تعالجون بها بعض أمراض الأمة الخلقية وتحاربون الآفات الاجتماعية التي بدأت تتفشى وتنتشر في أوساطنا الطاهرة، وتقوم شبيبة المدارس بتمثيلها فإن أثرها يكون في الأمة عظيما.. (2)
الشيخ بيوض كاتبا
__________
(1) المصدر السابق
(2) المصدر السابق (1/27)
صفحة 28
لكي نضع أيدينا على المجالات التي تساعدنا على إبراز هذا الجانب الأدبي عند الشيخ رأينا أن ندرس ذلك من خلال نماذج من كتاباته دون غيرها، ونعني بذلك الأجناس الأدبية الخالصة مثل المقال، والرسائل، والخطب لأن هذه الأشكال الأدبية هي التي تسمح لنا بالوقوف عند جانبي المضمون والشكل اللذين لا تكتمل الدراسة الأدبية دونهما. وبما أن مجال البحث لا يسمح بدراسة مطولة عند كل جنس أدبي بطبيعة الحال، فقد اخترنا منهجية تجمع بين الأجناس المذكورة كلها، مع الوقوف مع الأديب الشيخ بيوض عند خصائصه النفسية وسمات أسلوبه الفنية على أن ينصب الاهتمام أساسا على تلك المميزات التي نستطيع من خلالها إبراز الجانب الأدبي دون غيره.
وانطلاقا من المقولة النقدية الشائعة: الأسلوب هو الرجل، رأينا تحليل الخصائص النفسية في كتابات الشيخ بيوض. فإن من سمات النضج لدى كاتب ما، تَميُّز أسلوبه بطابع خاص بما يدل عليه ويفصح عن شخصيته وحده دون غيره، وهي درجة لا يصل إليها إلا من تمرس على الكتابة وتخرج فيها، ودلالة قوية على أن ما يكتبه الأديب إنما هو تعبير صادق عن ذاتيته العقلية، والنفسية، والتعبيرية حسبما تعودنا معرفته عند الكتاب الكبار، فنقول مثلا: هذا أسلوب الجاحظ، وهذا أسلوب العقاد، ة هذا أسلوب طه حسين، وهذا أسلوب زكي كبارك، وهذا أسلوب الرافعي، وهذا أسلوب الإبراهيمي، وهكذا، ذلك لأن الأسلوب المتميز في النهاية هو طريقة الكاتب الخاصة في رؤيته الأشياء، والطريقة الخاصة في الشعور والرؤية تفرض طريقة خاصة في استخدام اللغة.
من خلال هذا المفهوم نستعرض الخصائص النفسية في أسلوب الشيخ بيوض كما يلي:
الخصائص النفسية
: الشعور بالمسؤولية ونكران الذات (1/28)
صفحة 29
بعد الانقلاب الفكري الذي وقع في الجزائر بعد الحرب العالمية الأولى، كانت الأمة الميزابية تتطلع إلى زعيم من أبنائها ليرفع راية النهوض بها، وكان هذا التطلع بديلا لابد منه لتحويل أنظار الناس عن أدوات الاستعمار الفرنسي من قائد وباشا وقاض وحاكم عسكري إلى زعيم عجنت طينته بحب دينه وأمته مؤمن بقومه ووطنه ولا يكون بهذه الصفات إلا شخص موهوب، تربى في أحضان أمته وترعرع في أفيائها وعاش واقعها، والأجمل مع هذا أن يكون هذا الزعيم على وعي برسالته مؤمن بدوره القيادي في النهوض بقومه، وهذا ما يؤكده الشيخ بيوض، وهويتحدث إلى الشيخ أبي اليقظان عن وجوب الزعماء للنهوض بكل قرية من قرى ميزاب وكان ذلك سنة 1939م. يقول متحدثا عن قرية معينة وعن شيخ معين يفترض فيه البقاء في وطنه ليخدم قومه وبلده:
... إن قلوب القوم لتجيش بالخير، ولكن ينقصهم قائد ماهر خبير، ولواء يلوذون به وينضوون تحته ويتفيؤون ظلاله، فلقد سبرت وامتحنت ونظرت وأمعنت، فعدت مؤمنا بأن الذي يتقص البلاد المتأخرة اليوم إنما هو النواة التي تنجذب إليها ذرات الخير المبعثرة هنا وهناك وفي كل مكان، فتتماسك وتتصلب ثم تسير فلا تقع على شيء ولا يقع عليها شيء إلا تحطم، فالمصاب الأعظم اليوم إنما هو فقد الزعيم الحق، والقائد الماهر والسائس الخبير... (1)
__________
(1) رسالة بتاريخ: 12 جمادى الأولى 1358/ 30جوان 1939م (1/29)
صفحة 30
إن من سمات الزعماء الاعتداد بالنفس، وهي صفة نفسية بارزة تطالعنا من أدبيات الشيخ، تكاد تطغى على الخصائص النفسية الأخرى، بل إن هذا الاعتداد هو الذي يستتبع خصائص الزعامة والقيادة والشعور بالمسؤولية الأخرى. وهذه الخصائص النفسية لا يتجمل بها إلا من أوتي قوة في الشخصية ووضوحا في الرؤية، وثباتا في المواقف، وإيمانا عميقا برسالته في الحياة. وأحب أن أقول إن هذا الاعتداد بالنفس وليد ثقة بها وليس وليد ادعاء أو غرور كما نلحظه عند بعض الناس، إذ يتظاهرون به لتغطية نواقص أخرى، فذلك كبر وانتفاخ يغدو صفة مرضية غير محببة لا شرعا ولا خلقا.
والشيخ بيوض زعيم بحق وصدق، حباه الله كل الصفات النفسية والذهنية والخلقية التي أهلته لهذه الرسالة، وهو يعلم ذلك من نفسه ويدركه، ويحمد الله الذي وهبه هذه الخصائص وحباه إياها.
هذا الإحساس العميق بدور الزعيم في النهوض بالأمة هو الذي يفسر هذا الاعتداد بالنفس الذي نلحظه واضحا في مواقف الشيخ ورؤاه وأفكاره يطالعنا من خلال كتاباته كأجلى ما يكون، ويطبع أسلوبه فيميزه ويفرده بالقوة والجزالة.
كتب إليه الشيخ أبوإسحاق منتقدا دخوله في المجلس النيابي، خوفا من أن يكون الدافع رغبة مادية أو نزعة أنانية، فرد الشيخ بيوض بلهجة قوية قائلا:
.. أبعد أن شاب فوداي وأوفيت على الخمسين قضيتها كلها في العمل للأمة والمصلحة العامة أصبح مستخفا بالأمة غير مكترث للمصلحة العامة؟ (1/30)
صفحة 31
... أعيذك بالله أيها الشيخ أن تسيء ظنك بأخ لك جاهد وجالد في سبيل أمته وكافح الاستبداد وقاوم الاستعمار خمسة وثلاثين عاما، خمسة منها جندي بسيط مع زملائه الجنود، وثلاثة في صفوف الضباط الأمامية، وسبعة وعشرين حاملا للراية، قائدا للكتيبة، وما زالت الراية بيده ما وقعت ولا انتزعت، ولا سئم حملها فألقاها، وإنه لمقدم في كفاحه، ماض إلى غايته بنفس العزيمة الصارمة والنية الصادقة وروح الإخلاص التي اندفع بها إلى الميدان من أول يوم، وإنه ليضرع إلى الله كل يوم أن يحفظ عليه هذه المواهب اللدنية حتى يلقاه بها وما تملق لغني ولا تذلل لقوي ولا استخذى لجبار ولا فتنه بياض الدرهم ولا صفرة الدينار على فقر وحاجة شديدة، وقلة وضعف من كل جهة إلا من النفس، فإني أحس بين جنبيّ نفس جبار عزيز، وإلا من الإيمان، فإني أستشعر له قوة لا تحد ولا تضبط والحمد لله... (1)
.. وبعد فإني لم أرد بما شرحته في هذا المقام أن أتفصى من المسؤولية أو أتخلص من التبعة فإن حظي من ذلك كبير كبير، فقد حملت لواء هذه الفكرة (الانتخابات) وما ألوت في نصرتها حتى انتصرت، وإني لجد مغتبط بمقامي في هذه الفتنة وإني لأرى أن ذلك من أنفع ما عملته لأمتي ومن أرجى ما قدمت بين يدي لربي... (2)
: الإيمان بالله والتوكل عليه.
__________
(1) رسالة بتاريخ: 24/9/1948، ص، 16
(2) المصدر السابق، ص، 7 (1/31)
صفحة 32
لا تخلو رسالة أو مقالة أو خطبة من وقفة روحانية ربانية تدل على ما يحمله الشيخ الإمام بين جنبيه من إيمان عميق بالله، وتوكل عليه في حالات الشدة والرخاء، وفي مجالات الحياة كلها سياسية، واجتماعية، وتربوية، فهوفي كل ما مر به من محن وشدائد ظل واقفا بقامته المهيبة أمام العواصف والنكبات، لم تطرف له عين، ولا اختلج له قلب، بل كان كالطود الشامخ الذي يأوي إليه زملاؤه وأصدقاؤه وأبناؤه وعشيرته، والنخلة الباسقة المتجذرة الذاهبة في السماء، ومرد ذلك كله إلى هذه التربية الروحية السامية التي أصّلها فيه محكم التنزيل، وأنبتته عليها المحن والشدائد طوال عمره الطويل.
يقول في رسالة توجه بها إلى الشيخ أبي اليقظان مؤرخة يوم 30 ديسمبر 1930م وقد حرم من رخصة السفر التي انتظرها طويلا:
... تراكمت الأعمال والأشغال عليّ بصورة شديدة، وكلما قلت خفت أو نقصت ازدادت شدة وكثرة والله المعين.
... عدت من اجتماع بالعشيرة من أجل مسألة التعويض التي تعقدت هذا العام بسبب قلة الشبان فما كانوا يزيدون في السنوات الماضية عن الثلاثين وقد يتجاوزون الأربعين إلى الخمسين. أما هذه السنة فخمسة وعشرون كلهم فقراء معوزون ومن هؤلاء ابننا... وقد فرضوا عليه 800 فرنكا كاملة تدفع قبل عاشر جانفي ... فما أستطيع أن أدفعها من عندي وقد آذتني وأنقضت ظهري أثقال ما عليّ مما لا أستطيع إفشاءه ولا وصفه ولا أشكو منه إلا لله الذي هو وحده فاتح الأبواب، وفارج الكرب، وكاشف البلوى.. ماذا عساي أن أفعل وأنا المقيد المغلول الذي لا يملك من أمره شيئا إلا أن يحفه من الله لطف فيخلصه. ينعم الناس اليوم بحريتهم وأرسف في أغلال عبوديتي للواجب وللأمة وللحكومة وللأنصار وللخصوم والقريب والغريب، ودمتم لأخيكم المقيد المغلول ولكن ببلده وذلك أخف لبلواه، والحمد لله (1)
__________
(1) رسالة مؤرخة ب: 18 ذوالقعدة 1358/30ديسمبر 1939 (1/32)
صفحة 33
ويقول في رسالة إلى الشيخ أبي اليقظان يواسيه ويشد من أزره حينما لحقته محن مصادرة الجرائد وإفلاس المطبعة، لأن فشل الجريدة أو المطبعة في بدايتها فشل للحركة الإصلاحية وللنهضة الثقافية في وادي ميزاب بخاصة:
.. وبعد هذا كله فإن اعتمادنا على الله وحده لا على خبيث ولا على طيب منهم أومن غيرهم نعم المولى ونعم النصير.. أرى أن تتحمل فائض سنة فيما على المطبعة وعجزت عنه ولا يعجزنا بحول الله وقوته التخفيف عنها مرة أخرى، وقد عودنا الله الخير فهو أبدا عند ظننا به... وعلى أخيك حل المشكل أخيرا بحول الله وقوته. أما الكائدون فسيرد كيدهم في نحورهم وما هذه بأول مرة حاولوا فيها مثل ذلك فاستمسك بما أنت عليه إنك على صراط مستقيم... (1)
غير أن الأوضاع المالية لم تكن ميسرة فيما يبدو وكانت الأزمة الاقتصادية العالمية المعروفة في هذه المرحلة عائقا صعبا وتكررت العراقيل والانتكاسات مع جريدة الأمة أيضا، فكتب إلى الشيخ أبي اليقظان يقول:
ساءني أن يبلغ المرفوض من الجريدة نحو أربعين، فصبرا أخي، فلعل الله أن يعوضكم خيرا مما أخذ منكم، وإن لم يصنع أخوك اليوم شيئا في الأمر فلاشتداد الأزمة وثوران العاصفة وانهماكه في لجج الهموم والأشغال، فلعله واجد بعد ذلك فرصة ينتهزها لفائدة المشروع ومعاذ الله أن ننساه أو نتركه أو نتغاضى عنه، ولكن للضرورات أحكاما، فصبرا أخي، فقد عودنا الله انجلاء الغمرات وانكشاف الكرب عند استحكام الحلقات، حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا.. (2)
__________
(1) رسالة من قسنطينة بتاريخ26 ذي القعدة 1354/ 20جوان 1936م
(2) رسالة مؤرخة يوم 16 محرم 1355ه (1/33)
صفحة 34
لقد كانت ثقة الشيخ في كل مشاريعه بالله متوكلا عليه، لا يضع في الاعتبار رضى الناس أو سخطهم، إن أيقن أن ما يجب القيام به فيه رضى الله سبحانه وتعالى ومصلحة الأمة ونفعها، فإن حكم العامة على الأمور كثيرا ما صحبته الأغراض الآنية، وعدم التخصص وقلة التجربة وتغلب الجهل والأمية، وكانت المعارضة تعرقل الشيخ في أغلب إصلاحاته ذات الطابع التجديدي لأن الناس جبلوا على حب القديم وتعودوا على الإتباع والتقليد لا على الإبداع والتجديد، وكان الشيخ يعرف منهم ذلك ويعيه، فكان لا يولي من الاهتمام لهذه الناحية إلا بقدر ما يسمح له بالمناورة والمداورة وانتظار الفرصة السانحة ثم يمضي إلى هدفه لا يلوي على شيء، وقد توكل على الله واعتمد عليه.
كتب إليه الشيخ أبواليقظان في سنة 1940م متحفظا من إلحاق التلامذة بمدرسة معسكر خوفا على أخلاقهم، ودرءا لكلام الناس الذين انتقدوا هذا المشروع وتخوفوا منه، فأجابه قائلا:
... أما الذين بعثناهم إلى معسكر، فإنهم فيما نرى محصنون بدينهم وخلقهم والله خير حفظا وهو أرحم الراحمين، وقد زودناهم بنصائح وإرشادات ولا سيما في الناحية التي تخافون منها عليهم، وأخذنا عليهم عهودا ومواثيق، وما أظن أنه يمكننا أن نعمل غير ما عملناه بعد أن أبدى لنا الشيخ (باسعيد عدون) رغبة أكيدة في إدخال بعض من بني وطنه في المدرسة... فكيف نفوت الفرصة وقد تهيأت ولا ننتهزها ونتكل على الله أن يفتح الأبواب ويسهل الصعاب ويعيذنا مما نخاف ونحذر، وأرى أننا نخسر كثيرا ويفوتنا ربح كثير إن كان مثل هذا الخوف يصدنا عن غايتنا، ولقد قال الناس وقالوا في بعثة مدرسة بغرداية، ولكنا تصاممنا عن قولهم، وإننا اليوم نرى النجاح باديا للعيان... (1)
__________
(1) رسالة مؤرخة ب: 1 ذوالحجة 1358/ 11 جانفي 1940 (1/34)
صفحة 35
ولعل من أشد المشاهد التاريخية دلالة على هذه الروح القوية التي يتمتع بها ذلك الموقف الذي واجه به الشيخ أبا إسحاق اطفيش بعد أن انتقد موقفه السياسي من الانتخابات البرلمانية سنة 1948م، ولم أقرأ للشيخ بيوض، في هذا الصدد، كلمات أشد وأقوى منها لا في مضمونها وحسب بل وفي أسلوبها الراقي الممتاز:
... سيدي الشيخ، اسمح لي أن أقول لك في هذا المقام كلمات ما جرت على لساني قط، ولا خطها قلمي قبل، أستجيزها لنفسي اليوم لما لي عليك من الدالة، ولما أعرفه فيك من صفاء النية وسلامة الطوية. ثلاثون عاما قضيتها في كفاح مستمر في ميدان العلم والدين والسياسة والاجتماع، أصل فيه الليل بالنهار، وأبيت على الطوى أو على الخبز القفار، وقد تفتحت لي الدنيا، وتبدت لي في زينتها وفتنتها، ودعيت إليها من كل جهة وبكل لسان، وعندي لها استعداد تام كامل، فعزفت عنها وزهدت فيها وأعرضت عنها، وكأني والله في ذلك غير مختار بل أدفع إليه دفعا قويا بقوة خفية جبارة لا أستطيع لها صدا إلا أنني أحس بأني ملئت إيمانا من مفرقي إلى قدمي بأنني خلقت لإنقاذ أمتي، وأنني إذا خرجت إلى الدنيا والعمل لنفسي عاقبني الله عقابا شديدا، فاطمأنت نفسي إلى عملي، وكنت أجد في الكفاح مهما اشتد وقسا غبطة ولذة وسرورا، ولطف الله بي فأراني كرامات الإخلاص ما لن أستطيع له حدا ولا حصرا، وما لا أزال أذكره فأشكره فيضاعف قوتي ويزيد إيماني...
...كنت أرى النتائج أكبر من الأعمال بما لا يخطر على بال، وكنت أرى عقبات الطريق تندك وحفره تسوى فلا أقترب من عقبة كدت أندهش لها حتى أجدها دكاء ولا أقترب من حفرة كاد القلب ينخلع لها حتى أجدها مسواة، حتى ارتاضت نفسي، فأصبحت لا أخاف شيئا أبدا إذا اعتزمت وأخلصت، وكنت أحدث إخواني وتلاميذي بالعجيب الغريب من هذه الألطاف الربانية حتى أقوي فيهم روح الإخلاص والثقة بالله والتوكل عليه، وقد نجحت إلى مدى بعيد والحمد لله... (1)
: (1/35)
صفحة 36
الصدع بالحق والثبات عليه
من سمات الزعماء وخصائصهم النفسية والسلوكية الصدع بالحق والثبات عليه، والشجاعة في اتخاذ القرار، والاستعداد القوي الثابت للدفاع عن المبادئ والمواقف دون خوف من المعارضة ولو كانت صلبة ولا الفشل من العراقيل ولو كانت جمة، وما كان زعيم الأمة الشيخ بيوض غير ذلك في زمن تكالبت فيه حوله قوى الشر مجتمعة من مستعمر غشوم، وحاكم عسكري مستبد، وعامة جاهلة، ومعارضة عنيدة، فكان ذلك القائد الشجاع الذي يتصدر الصفوف الأمامية بمواقفه الثابتة صادعا بكلمة الحق حتى ولو كانت ضد أهله وعشيرته.
يقول من رسالة بعث بها إلى الشيخ أبي اليقظان عن تطور سير الحركة الإصلاحية بميزاب سنة 1935م وموقف الزعيم الشيخ بيوض الثابت في هذا السبيل:
... كانت لرحلتنا رجة هزت الوادي من أدناه إلى أقصاه، فزلزلت صروح الأوهام، وصدعت حصون الباطل المشبوه، فنفذ نور الحق إلى كل ناد بل إلى كل دماغ، وهيهات أن ينطفئ أو ينثني، فإما أحرق هشيم الباطل وذراه، وإما أشعل فيه قبسا إن كان اليوم وميضا فسيكون له ضرام، وما كان ذلك يكون لولا نشاط حزب المعارضة وتلقفه كل كلمة منا لنشرها وتحليلها وتأويلها، وإدمان النظر فيها وجسها رجاء أن يكون فيها ما أعيتهم الحيلة في مطلبه من مستند للحكم علينا بالكفر أو الزندقة أو الإلحاد أو الخلاف، فكان الحق يسطع لهم من خلال الكلمات، وقوة الحجة تلوح من وراء الأدلة.. إن للحق ضوءا كضوء النهار يعرف، وإن للباطل لظلمة كظلمة الليل تنكر.. (1)
__________
(1) رسالة مؤرخة ب: 15 محرم 1354 (1/36)
صفحة 37
إن كل متتبع لتطورات الحركة الإصلاحية بوادي ميزاب يدرك ما كان لمسألة الفطر والصوم بالتلفون من أثر في سير الحركة وما تركته هذه المسألة من كتابات تدل كلها على احتدام النقاش، وتوسع الجدال، وإصرار كل طرف على موقفه والدفاع عنه بكل الوسائل الممكنة. وكان الشيخ بيوض أول من حمل راية العمل بالتلفون، ودعا لفكرته بكل حماسة وثبات بالدروس والخطب والمقالات، وكان الشيخ قد نشر أربع حلقات مطولة بجريدة الأمة (1) حلل فيها هذه القضية تحليلا دقيقا، ووضح أبعادها الدينية والاجتماعية وتناول جوانبها المختلفة. كما كتب الشيخ بوإسحاق اطفيش رسالة في هذا الصدد أيضا. ويبدو أن الشيخ أبا اليقظان والشيخ عبد الرحمان، رغم وقوفهما إلى جانب الشيخ بيوض واقتناعهما بوجهة نظره، إلا انهما لم يستسيغا بعض ما جاء في تلك المقالات فاقترحا على الشيخ بعض التنقيح والحذف والتعليق. فرد عليهما برسالة عاجلة وكان وقتها في رحلة إلى مدينة بسكرة، جاء فيها:
.. وبعد: فيا سادتي، اسمحوا لي إن أنا أصررت على عدم تنقيح كلمة في الفصل من أوله إلى آخره فإنني قد راجعته فما وجدت موجبا للتنقيح، وما أدري والله ما أخافكم من تلك الأسئلة؟ تعلمون أيها السادة أن مما يفتخر به مذهبنا الحق أنه ليس فيه أثر للإكليروس الديني (سلطة رجال الدين) المستبد، وأنه ينبني على التقيد بالحجة والبرهان، ولا احترام عندنا لرجل قد خالف الحق ولو كان علي، فشرفنا عند الله وعند الناس في الصدع بالحق ونصرته وتأييده لا في مواراة العامة ولا المتزعمين. الرأي عندي عدم التعليق أصلا، فالنشر على عهدة الممضي، وإن شئتم التعليق فقولوا مثلا: ندعو علماء ميزاب إلى عقد اجتماع لبحث هذه المسألة والاتفاق على أمر فيها حسما للخلاف، أونحوذلك، وإلا فشأنكم فيما تكتبون، وشأننا فيما نرد.. (2)
__________
(1) تراجع الأمة الأعداد: 58، 60، 61، 62 ما بين 14/1/1936 و11/2/1936 (1/37)
صفحة 38
وتاريخ حياته حافل بالصراع والمقاومة لا يؤاخي سوى الحق ولا يعادي غير الباطل، وذلك ما يقرره هو بنفسه، يقول للشيخ أبي إسحاق:
...إن أخاك قد حارب آباءه وعشيرته وعمومته وخؤولته وشاقهم في سبيل الحق وما طرّ شاربه، وكان بدعا من أترابه ولداته في ذلك، في وقت كانت العنصرية فيه أغلب على النفوس، وما رأى لنفسه ولقومه الذين ظلموا حظا.. (1)
وكان هذا الاتجاه منهجا قويما، وصراطا مستقيما لم يتبعه الشيخ مع خصومه فحسب بل كان يحاول دوما أن ينشئ عليه أصدقاءه وزملاءه وتلامذته أيضا.
تلقى رسالة من بعض إخوانه من العاصمة يلومون طريقته في معالجة بعض المسائل، فأجابهم قائلا:
...أعيذكم بالله أن تسيئوا الظن بإخوانكم الذين عرفتموهم وخبرتم أحوالهم وسبرتم أخلاقهم، فما كانوا يوما من الأيام من دعاة فتنة ولا رسل شقاق ... أفإن قام بعض الحسدة المغرضين بدافع الكيد لخصومهم يتسقطون عوار الكلمات، ويتعلقون بالقشة والقذاة فيشنون الغارة ويشددون النكير ظلما وعدوانا بلا حجة ولا برهان، فوقع شيء من الشغب، ألقيت علينا نحن مسؤولية ذلك؟ اللهم إن هذا ليس من الحق في قليل ولا كثير ... حسبنا أن يكون ما ندعو إليه حقا وأن نقيم البرهان عليه ثم لا نكره أحدا علىإتباعه، فإنما هوتذكرة، فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا، ثم لا يعنينا بعد ذلك من أمر المعارضة ثارت أم سكنت قويت أم ضعفت، فالصراع بين الحق والباطل طبيعي وقديم، ولكل منهما جولة ودولة، غير أن العاقبة للحق فلا يهولنكم إخواني أمر هؤلاء، ولا تقيموا وزنا لما يهرفون.. (2)
وعندما نشب خلاف عنيف بين أميري السيف والبيان سليمان الباروني وشكيب أرسلان حول قضية الوحدة العربية واقعها وآفاقها، كتب الكاتبون، وملأت الصحف أنهرها لا لفض الخلاف القائم بين هذين الزعيمين، وكاد يصبح لكل فريقه.
يقول الدكتور شكري فيصل:
__________
(1) رسالة مؤرخة ب: 24/09/1948، ص،7
(2) رسالة بتاريخ: 4 ربيع الأول 1354 /6 جوان 1935 (1/38)
صفحة 39
وقد أثارت هذه المساجلات بين الباروني وشكيب ردود فعل مختلفة بين الناس، رأى فيهما فريق من الناس الحاقدين عليهما أنها سبيل لهتك ستر الرجلين وفضح نواياهما، ومال فريق آخر إلى الصمت المطبق ولزوم الحياد بين الطرفين إلى أن تنجلي حقيقة الصراع، بينما تدخل آخرون تعظيما لهما وإشفاقا عليهما بالمصالحة والتوفيق..) (1)
وكان الشيخ بيوض من أبرز من كتب في هذه القضية الساخنة، إذ نشر ست مقالات ضافية (2) بجريدة الأمة اليقظانية تركت صدى واسعا، ورضى من الطرفين متقبلا، وهي فيما نحسب من أروع وأجمل ما كتب الشيخ من مقالات في حياته موقفا وأسلوبا، تفكيرا وتعبيرا، وقد قال الشيخ أبواليقظان وهو يقدم تلك المقالات:
(إنه والحق يقال أماط اللثام عن وجه الحقيقة وضاح الجبين، واستخلص جوهر الحق من بين أعماق الشبه، وسلك إلى ذلك أسلوبا حكيما ينم عن مهارة فائقة، وحكمة عالية، ودقة في النظر بعيدة، ونورانية في التفكير لماعة، يجدر أن يكون أسلوب هذا في نظرنا مثلا أعلى أمام كتابنا الأفاضل عند التحبير والتحرير (3)
والحق أن الذي يبهر من تلك المقالات هو موقف الشيخ بيوض الذي وقف فيه إلى جانب الحق دون تحيز ولا موالاة، فعلى الرغم من الزمالة والصداقة التي تربطه بالشيخ سليمان الباروني فإن ذلك لم يمنعه من أن يبين ما وقع فيه الباروني من أخطاء في ردوده على الأمير شكيب أرسلان، واندفاعه ضده دون روية وإمعان، بل إنه استطاع ببعد نظره وسعة اطلاعه أن يبين مكانة الرجلين وخطرهما وحاجة الأمة إليهما، ويضع يده على الأقلام التي كانت السبب في تفجير ذلك النزاع بينهما، وكان له الفضل الكبير في أن يتصالح الرجلان، ويتسامح الزعيمان.
: الجرأة والشجاعة
__________
(1) محمد مسعود جبران، الباروني، آثاره، الدار العربية للكتاب، ليبيا، 1991، ص، 329
(2) الأمة، الاعداد، 156 (1/3/1938) إلى 161 (5/4/1938)
(3) المصدر السابق، ع، 156 (1/39)
صفحة 40
ومن صفات الزعيم القائد أن يكون شجاعا يتقدم الصفوف دون وجل، ويجابه الخصوم دون تردد. فإن اتصافه بهذه الصفات يزرع في قلوب أتباعه ومريديه الثقة بالنفس والثبات على المبدأ، وذلك خاصية نفسية أخرى طالما طالعتنا من كتابات الشيخ بيوض فطبعتها بطابع القوة والوضوح والصراحة بل والصرامة أحيانا كثيرة، هذه الصرامة التي قد تبدو لأول وهلة اندفاعا وتهورا، وقد تدفع بعض أعضاده ومناصريه إلى الاختلاف معه في أسلوب المعالجة، وهو أمر طبيعي طالما طبع الحركة بطابع الغناء الفكري والتنوع التكتيكي.
فقد كتب إليه الشيخ أبواليقظان رسالة حول مقالاته وخطبه ودروسه في مسألة التلفون سنة 1936، فرد الشيخ بيوض بما يلي:
...سيدي الكريم قلتم في كتابكم كلمة لو غيركم قالها، وما يكون لها من أثر لو لم تكن ممن تحت كل كلمة من كلماته مغزى هي قولكم يا ليت الأخ تخير لدروسه في مسألة التلفون وقتا غير هذا... عجبا يا شيخ أو تظنون أننا مختارون في ذلك مع ما بلغ إليه كلب الخصوم بنا وحملاتهم الشديدة علينا. أيبقى في قوس الصبر منزع بعد الذي رأيناه وسمعناه
... ألا يجب على الأقل شرح أدلة المسألة والدعاء إلى نقدها؟ فإلى متى هذا الصبر عن الصدع بالحق ؟ ثم إن كان في العمل بالتلفون اختلاف يصح السكوت عنه أفي البراءة العلنية من عامل يقول بأقوال المسلمين ما يصح السكوت عنه؟ لا والله إن السكوت حرام ومداهنة وجبن ليس في أخيك واحدة منهما والحمد لله وعصمه الله فيما بقي بمنه وكرمه.
... أخي خلّ بيني وبين القوم، فإما أنتصر وإما أن يظهر الحق على أيديهم فأظفر بالرجوع إليه وما أبرده على الكبد... (1)
ومواقف الشيخ الجريئة في الميدان الوطني السياسي على مستوى القطر الجزائري لا تقل شجاعة وصمودا عن مواقفه على المستوى الإقليمي المحلي، فمواقفه في مجابهة الحكم العسكري يحفظها التاريخ وتخلدها أدبيات الحركة الإصلاحية.
__________
(1) رسالة بتاريخ: 11 شوال 1354 / 6 جانفي 1936 (1/40)
صفحة 41
ففي سنة 1930 والاستعمار الفرنسي على قدم وساق استعدادا للاحتفال المئوي لاحتلاله الجزائر نشر مقالا بجريدة المغرب اليقظانية يندد فيه بالمتفرنجين والملاحدة وهواة المدنية الغربية الذين يسبحون بحمد أوروبا ويقدسونها تقديسا كاد يصل درجة العبادة حتى أدى بهم هذا التعلق المريب بأوروبا ومدنيتها إلى نكران شخصيتهم فنسبوا إلى الإسلام والعروبة -وهم عرب مسلمون- كل نقيصة وعار، ومن مظاهر هذا الخذلان والانحلال أن أصبحوا يرددون كلمات بثها الاستعمار فأصبحت مصطلحات يراد بها التوهين والإذلال، فكتب الشيخ مقالا ضافيا جاء فيه:
.. فعندما يرى أحدهم نقصا ما في شيء من مصنوعات المسلمين أو ضعفا ما في مشروع من مشاريعهم ينطلق لسانه فجأة وبدون شعور بقوله (ترافاي أراب) يعني خدمة عرب، وأصل هذه الكلمة من وضع الفرنجة يستعملونها امتهانا للعرب وحطا من كرامتهم...ويعجب الشيخ لهؤلاء المتفرنجين الذي شغلتهم أوروبا عن أنفسهم فتنكروا لها، وجهلوا تاريخهم وطعنوا فيه، ويتساءل كيف يجهل هؤلاء أنهم من نسل آباء كرام بسطوا سلطانهم على الغرب قرونا متطاولة وعلموه قواعد المدنية الصحيحة وليس للغرب في حقيقة الأمر سوى شرف الإتباع وإعلاء البناء وعار التشويه والهدم من جهة ثانية، والواقع إن هذا الموقف كان له صدى في أوساط المثقفين المتابعين لتطور الفكر الإسلامي في الجزائر، فإن أحد المؤرخين الفرنسيين المشهورين نبه إلى خطورة أمثال هذا المقال وما يدعو إليه ووضع خطا أحمر تحت كلمة يسبحون بحمد أوروبا وعدّها بمثابة دعوة صريحة إلى المسلمين الجزائريين ليحولوا وجوههم عن الأفق الغربي إلى الأفق الشرقي، وعدّ هذه الدعوة تطورا صاحَبَ الحركة الإصلاحية بعد قرن من الاحتلال الفرنسي.. (1)
__________
(1) يراجع: محمد ناصر، المقالة الصحفية، م1، ص، 224، نقلا عن المغرب ع، 30، 23/12/1930 (1/41)
صفحة 42
وبعد أسبوع من ظهور هذا المقال أردفه بمقال آخر في الاتجاه الوطني نفسه تحت عنوان ( اعتصاب الجوع أوالسلاح المغلول) دعاه إلى كتابته ما شاع في أواخر العشرينيات من لجوء بعض السياسيين في العالم العربي والعالم الثالث إلى إضراب الجوع تعبيرا عن رفضهم للاستعمار ومطالبة بحقوقهم، وهو كما لا يخفى سلاح المستضعفين المقهورين أو المسجونين والمعتقلين، فكتب الشيخ بيوض مقالا مطولا شدد فيه النكير على أولئك الذين بلجأون إلى هذه الطريقة ظنا منهم أنهم بذلك يحصلون على حقوقهم المشروعة، وهم في الحقيقة يساعدون المستعمر في القضاء على أنفسهم بأنفسهم، وبجرأة صريحة ولهجة قوية ينتهي الشيخ إلى أن استقلال الشعوب لا ينال بغير السلاح في ميادين القتال، وإن الاستعمار الظالم لا يمكن أن يفهم هذه اللغة الإنسانية وهو أساسا قد تجرد منها حين يقتل الجماعات والأفراد، يقول:
... احفظوا أيها العظماء حياتكم، فحياة أممكم منوط بها، ولو كانت الأعمار تشترى لاشترت لكم أممكم أعمارا وأعمارا، ولو كانت توهب لوهب لكم كل فرد منها من عمره شطرا، لا يضيق بكم الحال فتطلبوا الخلاص بالموت، ولا يطول بكم الأمد فتتعجلوا يومكم، احفظوا حياتكم لا جبنا ولا حبا في الحياة فقط، بل لتبذلوها في ميدان أشرف من هذا الميدان ولتبيعوها في أسواق المجد غالية، إذ تأخذون ثمنها تحرير أممكم واستقلالها، فنفوس الأبطال والعظماء تسيل على حد الظباة، وليست على غير الظباة تسيل... (1)
تلك هي مواقف الشيخ أفلح في مواجهة الباطل، وإنه لمنطق بطل عظيم، ولو أنكره كل أفاك أثيم.
السمات الفنية (1/42)
صفحة 43
المتأمل في الخصائص الأسلوبية الفنية لكتابات الشيخ بيوض يلحظ ما يتمتع به أسلوبه من خصائص جمالية ترقى به إلى درجة النثر الفني، فهو يهتم بالجانب الجمالي في الكتابة حتى ولو كانت الكتابة في موضوعات سياسية أو اجتماعية، وذائقته النقدية تدل على ذلك، كما نقرأ في تعليقه على عريضة سياسية قدمت إلى بعض السلطات الفرنسية حيث يقول:
..إنها والحق من أبدع ما كتب في موضوعها حسن سبك، وجمال تنسيق، وقوة عارضة، وصحة حجة، وسداد منطق، وحلاوة عبارة، وحسن بيان، فتح الله بها الأبواب المغلقة وألان بها القلوب القاسية.. (1)
ومن خلال النماذج يمكننا الوقوف عند أبرز سماته الفنية وهي كالتالي:
:التأثر بأسلوب القرآن الكريم:
إن هذا التأثر يبدو طبيعيا لمن أفنى عمره مع كتاب الله حفظا، ودراسة، وتفسيرا، وتأملا، وبروز هذا الأثر بهذه القوة في الأسلوب دلالة قاطعة على تشرب الشيخ للتركيبة التعبيرية للقرآن الكريم. وقد اتخذ هذا الأثر في أسلوبه عدة مستويات لا نستطيع في هذا المجال المحدود تفصيل الحديث عنها، وإنما نكتفي بإيراد بعض النماذج.
فقد نشرت جريدة النجاح مقالا ضده في مسألة التلفون بإمضاء مستعار، فرد على كاتبه ردا قويا، مستوحيا أجواء الحوار بين فرعون وموسى كما جاءت في سورة سورة طه، يقول:
... (1/43)
صفحة 44
وأخرى أتحداك بها اليوم ولن تقدر عليها، أسلم لك جدلا أني فررت وجبنت، وأنك أنت البطل المغوار، فها هي اليوم مني إليك دعوة علنية يشهدها العالم العربي ممضاة باسمي الصريح، فابرز إلى الميدان، وانشر على صفحات الجريدة أنك فلان بن فلان الغيور صاحب فصل النجاح المشهور، ثم اجعل بيننا وبينك موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا سوى، وليكن يوما مشهودا كيوم الزينة يحشر الناس إليه ضحى حتى يشهدوا الصراع بين الحق والباطل فليس في الأمر مما يكتم ويخفى وما يوم حليمة بسر... (1)
وفي خطابه إلى الشعب الميزابي النبيل نستقطع هذه الفقرات التي يبدو التأثر بالتركيبة القرآنية فيها واضحا:
... إن من ألد أعدائك أولئك الذين يعملون لإطالة أمد عبوديتك بل ويطلبون باسمك أن تبقى عبدا ذليلا مملوكا، لا يقدر على شيء فاحذرهم أن يفتنوك، هذه عرائضهم وبرقياتهم ووفودهم تتوالى إلى مختلف الإدارات يطلبون لكم الحبس في أرضكم فلن تبرحوا حتى يأذنوا لكم، ويطلبون نفي زعمائكم المخلصين وأن يحال بينكم وبين علمائكم الناصحين، يريدون غلق مدارسكم، وحل جمعياتكم، وشل حركاتكم، ثم يبتغون لكم من وراء ذلك ويطلبون في رقاعة ووقاحة أن يبقوا أبد الدهر تحت نير الحكم العسكري الذي أجمع عقلاء الناس في شرقي الأرض وغربها على استنكاره واستفظاعه، وإنه لعنة من لعنات الله يصبها على المتمردين من عباده، وأنه لا يساس به إلا عصابات الأشرار المجرمين الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا... (2)
__________
(1) إنزع البرقع إن كنت رجلا، مقال مخطوط لم ينشر بحوزة محمد ناصر ص، 6 كتب سنة 1936
(2) نداء وبيان إلى الشعب الميزابي النبيل (د.ت) ص، 6 (1/44)
صفحة 45
ففي هذا النص استيحاء للجمل القرآنية، في قوله:.. إنك ارتضيت أن تغل يداك إلى عنقك، وفي قوله: أن تبقى عبدا مملوكا لا يقدر على شيء، وفي قوله: فاحذرهم أن يفتنوك، وفي قوله: إن الحجة قامت وجاءكم من الأنباء ما فيه مزدجر. وفي قوله: فلن تبرحوا حتى يأذنوا لكم . وفي قوله: وأن يحال بينكم وبين علمائكم.
: الترادف الصوتي ومراعاة التوازن بين الجمل
عادة ما تكون الجملة عند الشيخ بيوض قصيرة، يراعي بين أجزائها الجانب الإيقاعي، بما يطلق عليه الترادف الصوتي، فإن هذا الترادف قد يكون مبعثه مراعاة السجع بين آخر الفقرات أو مراعاة المسافة الزمنية بين الجمل والعبارات بمراعاة التوازن بين فقرة وأختها على غرار ما نجده في القرآن الكريم ولا سيما في القصار المفصل. والشيخ عندما يختار هذه الطريقة يكون أيضا متأثرا بأسلوب القرآن الكريم. يقول من مقال أدبي يناجي به وادي ميزاب نشر بجريدة وادي ميزاب سنة 1926:
... احتمينا بشبكتك فكانت لنا حصنا حصينا، وحرزا منيعا، ووفدنا عليك فجمعت شملنا ووحدت كلمتنا وجبرت كسرنا. حططنا رحالنا بفنائك، وألقينا عصا التسيار تحت وارف أفنائك، فوقيتنا لفح الرمضاء، وحنوت علينا حنو المرضعات على الفطيم.
... لله أنت يا وادي ميزاب ففي تربتك القاحلة وتحت سمائك الصافية الأديم وفي وسط أشعة شمسك المحرقة أخصب مرعى الدين الخالص وبسقت أشجاره وأينعت ثماره... (1)
ولا بد من الإشارة هنا إلى هذا الأسلوب الرومانسي العاطفي الذي آثر فيه مخاطبة الوطن مباشرة في مناجاة حميمة هي أبلغ كثيرا مما لو استخدم فيها أسلوبا تقريريا كما نقرأ في التحقيقات الصحفية التي تكون عادة باردة ليس فيها مسحة من عاطفة أو خيال، إنها قطعة أدبية رائعة هي إلى الشعر أقرب منها إلى النثر، على أن الشيخ بيوض ليس غريبا عن الشعر فقد حاول في بدايات حياته العلمية كتابة الشعر وكان ذلك سنة 1921.
__________
(1) أفلح، مناجاة الوطن، وادي ميزاب، ع، 7، 2/11/1929 (1/45)
صفحة 46
وحتى عندما يكون الخطاب شعبيا والمناسبة سياسية، فإن ذلك لا يكون مبررا للتخلي عن الأسلوب ذي الإيقاع والرنين والبيان الرصين، لأن الشيخ قبل أن يكون زعيما سياسيا ظل خطيبا مبينا، وقبل أن يترشح لكرسي الانتخاب كان ولا يزال أديبا يملك فصل الخطاب. ولنأخذ نموذجا لهذه المراعاة البيانية، هذا المقطع من ندائه الذي توجه به إلى الشعب الميزابي بمناسبة الانتخابات البرلمانية سنة 1948م يقول:
... عليك أن تقدر الانتخاب حق قدره، وتعرف له قيمته وخطره، وتهتم بأمره، وعليك أن تمعن النظر، وتنقد الرجال، وتطيل الاختبار وتحسن الاختيار، فليس الشأن في النيابة دفع مغرم، وأخذ جباية كما كنت تتوهم، أو كما كانوا يوهمونك، إنه يتعلق بأمانتك العظمى حقوقك وعهودك ومميزاتك، إنما نوابك أنت يجري عليك ما يقررون، وينفذ عليك ما يقبلون، وينفلت من يدك إلى غير رجعة ما عنه يسكتون..
ففي هذا المقطع نلحظ كيف كان الكاتب يراعي الإيقاع الموسيقي بين خواتم الفقرات بمراعاة السجع دون تكلف مادام ذلك لا يكون على حساب المضمون، ثم يواصل قائلا:
...إن من أفظع أنواع الظلم أن يساس شعب مثلك هادئ رصين، مسالم أمين، مقبل على عمله، كادح لعمارة أرضه سياسة عسكرية غاشمة مستبدة. ما ذا جنيت فظلموك؟ وماذا أتيت فأذلوك وأرهقوك؟ إن من أشنع الخزي والعار أن يقال عنك إنك تقبلت هذا النوع من الحكم طائعا مختارا، وإنك ارتضيت أن تغل يداك إلى عنقك وأن تقيد بالقيود الثقيلة رجلاك... (1)
هكذا الجملة في كتابات الشيخ بيوض تتميز بالقصر، هي مقاطع متتابعة أوهي جمل مترادفة يشد بعضها رقاب بعض كالحلقات في السلسلة الواحدة يشد ما بينها هذا التوازن والإيقاع الذي يراعى داخل الجمل بمسافاتها الزمنية، وخارجها بمراعاة الحرف الأخير في كل أجزائها.
يقول في رسالة مواسية للشيخ أبي اليقظان بعد احتجاب جريدة الأمة:
...
__________
(1) نداء وبيان إلى الشعب الميزابي النبيل، ص، 6 (1/46)
صفحة 47
نرجو أن الجو قد صحا والضباب قد تبدد، والطريق قد استنار، والنفوس قد استجمت، فاعتزمتهم استئناف السير نحو غايتكم المثلى، فقد آن أن تبعث الأمة من مرقدها معتزة بخلفها الجديد مختالة في ثوبها القشيب، قد اشتد أسرها واستحكمت أوصالها وأخذت من ماضيها درسا بليغا لمستقبلها، قد تنكبت إحراج السياسة وأدغالها وسلكت الطريق اللاحب لتهذيب أبنائها، فخدمة الأمة من الناحية الإجتماعية أولى بها.. (1)
ويبدوأن عناية الشيخ بالترادف والبيان، ومراعاة التوازن بين الجمل والألفاظ تظهر بجلاء في مقدمة المقالات والخطب، فعادة ما يهتم الكاتب بديباجة مقاله أو خطبته، حيث يكون ذلك أدعى للفت أنظار المتلقين، وأجلب لانتباههم قصد الإقناع والتأثير.
يقول واصفا الوحدة العربية وكيف تكون:
(الوحدة العربية السياسية، أو الجامعة الإسلامية حلم جميل، وغرض نبيل، وأمنية كل عربي أصيل، ومسلم له باع في العروبة طويل، تغنى بها الشعراء، ولهج بها الخطباء، ودعا إليها العلماء والحكماء، فانطبعت صورتها الجميلة الرائعة في كل قلب نقش فيه بأحرف من نور لا إله إلا الله محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . خافها الحكام والأمراء، وقاومها الأجانب والدخلاء، وحاربها الاستعمار الغاشم والاحتلال الظالم، إذ كانت تتمثل لهم وحشا ضاريا، وغولا رهيبا، إن لم يفترسهم قطع الطريق عنهم، طورد دعاتها في كل قطر، وجرت وراءهم العيون، ووضعت عليهم الأرصاد، وأحصيت منهم الحركات والسكنات، فعوتبوا على الفكرة والخطرة، وعوقبوا على اللفتة والنظرة ... ) (2)
: التصوير والتجسيد
__________
(1) رسالة بتاريخ 11 ربيع الأول 1354/ 13 جوان 1935
(2) الأمة، ع 156، 1/3/1938 (1/47)
صفحة 48
إن مما يفصل بين لغة النثر الصحفي العادي والنثر الأدبي الفني ما يشع في مطاويه من تشابيه واستعارات، وما يعتمده من تجسيد للمعنويات، فإذا الجملة لها دلالتان دلالة معنوية بما تحمله من مضامين ومعان، ودلالة تصويرية بما تحمله من إيحاءات وصور وظلال. وشيوع الدلالات التصويرية في ثنايا العبارات ميزة يتميز بها الأسلوب الأدبي عن الأسلوب العادي كما أوضحنا. وقد تعمد الشيخ بيوض في كثير من خطبه ومقالاته ورسائله استخدام هذا الأسلوب البليغ لأنه أكثر تأثيرا في المستمع والقارئ. وكمثال على ذلك نسوق هذه الأمثلة:
نشر الشيخ بإمضاء إياس مقالا مطولا بلغ ست حلقات في سنة 1928م تحت عنوان جلسة المخذولين (1) بأسلوب تهكمي ساخر اعتمد فيه الخيال والرمز طريقة تصوير، وبنى الحديث فيه على الحوار الذي أجراه على لسان الشخوص الذين اختار لهم أسماء ساخرة كاريكاتورية اختارها من شخصيات اشتهرت في الأدب العربي بمواقفها المضحكة على أن لها دلالتها المقصودة في عالم الواقع الذي يريد التعبير عنه مثل الأرضخ والأهوج، وأبودلامة، وهبنقة، والحطيئة، وأشعب، والأذناب إلى غير ذلك، وموضوع الحوار يتناول ما يجري في نوادي الخصوم من محاورات ومناظرات وما ينسجون من مؤامرات وافتراءات، ويقول من رسالة بعث بها إلى الشيخ أبي اليقظان في الموضوع السابق ذاته:
... ومهما دفع الناس إلى حظيرة الإصلاح فلن يدفعهم إليها مثل هذه الوسائل السخيفة التي يأتيها الجامدون للنيل منا ومن أنصار الإصلاح والتي لم يسعوا إليها إلا بعد أن دهمهم السيل وطغى عليهم، ودوى صوت موجه في آذانهم فزاغت أبصارهم وغشيت عيونهم وفقدوا رشدهم، فمدوا أيديهم تتلمس معتصما فإذا لمست قشة طافية تعلقت بها رجاء أن تكون فلك نوح، ولكن لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم ربك... (2)
__________
(1) إياس، جلسة المخذولين، وادي ميزاب، الأعداد: 61، 62، 64، 72، 79، 81
(2) رسالة بتاريخ 12 جمادى الأولى 1358/ 30 جوان 1939 (1/48)
صفحة 49
فإضافة إلى أن الكاتب هنا استوحى أجواء قصة سيدنا نوح مع ابنه وقومه حين داهمهم الطوفان كما يصفها القرآن الكريم، فإنه لجأ إلى التصوير التجسيدي حتى تبرز المعاني في الأذهان واضحة جلية ولكن بمسحة تهكمية ساخرة.
ويصف الجماعة الذين رفضوا الانتخابات البرلمانية بحجة الحفاظ على المعاهدة والحماية في رسالة إلى الشيخ إبراهيم اطفيش:
... إننا والله الذي لا إله إلا هو لا نعرف في التاريخ انخداعا بالترهات والأباطيل، ولا اغترارا بالسراب ولا زخرف القول، ولا سعيا على غير هدى وراء الخيالات والأطياف وأضغاث الأحلام مثل هذا الذي ابتليت به هذه الطائفة التي ابتليت به أمتنا العزيزة المسكينة بزعانفها وقيادتها يطربون لبريق المدى المشحذة للإجهاز عليهم، ويرقصون على نغمات أوداجهم المفرية وهي تشخب دما أسكرتهم حتى أفقدتهم الوعي والرشد كلمات الحماية والاستقلال الداخلي والتمتع بإدارة الشؤون، ألفاظ لا معاني لها، وأوهام لا حقائق لها، وإلا فأين هي الشعرة البيضاء في جلد الثور الأبيض التي بقيت بأيديهم يتصرفون فيها كما يشاؤون؟ وأين هو الميدان الذي تركه لهم مالكهم تركض فيه خيلهم حرة طليقة وقد حماه عن غيرهم؟ ... (1)
وإذا كان موضوع النقد أو الرد غير ذي شأن اختار له من الأساليب التجسيدية ما يليق به كأن يكون تصويرا كاريكاتوريا مضحكا. ففي رده على مقال هجومي نشرته النجاح بإمضاء مستعار لكاتب مجهول، كتب مقالا بعنوان له دلالته الساخرة ( انزع البرقع وارفع الحجاب إن كنت رجلا) وفيه يقول:
...
__________
(1) رسالة بتاريخ 24/9/1948 ص، 34 (1/49)
صفحة 50
وما كان ينبغي لنا أن نسف إلى حضيض هذا المعتوه، أو ندخل عليه بمارستانه فنساجله الحديث، وننقد كلامه، فما عهدنا العقلاء يفعلون ذلك، ولهو أخس من أن يلتفت إليه، وأحقر من أن يراق من أجله قطرة مداد، أويضاع في نقده دقيقة من زمن، فرِكّة مبناه، وسقوط معناه، ووهن حجته، وفساد تخيله، وإلباسه القلنسوة للرِجل، والنعل للرأس، وأخيرا كذبه في روايته أمر بادٍ للعيان يدركه العامة وصبيان المكاتب بله الخاصة والعلماء فهو كما قيل (ركبت القرد تحسبه جوادا) فلنتركه يختال على قرده ولنمض قدما على أفراسنا السابقة نحو غايتنا المثلى ونغبر في وجهه فإن ذلك حظه من الحياة وراء الناهضين السابقين...
... من أنت يا مجهول؟ وما اسمك يا نكرة؟ وما عنوانك يا مختفي؟ أفي عداد الرجال أنت أم من ربات الحجال؟ ... ثم ما صفتك؟ أمسلم يطعن في الأمة الإسلامية جمعاء؟ أم أنت في المسلمين دعي لصيق استؤجر للعبث بقواعد الإسلام والكذب على أئمة الإسلام؟ من يدري لعلك جون بول من لندره أوفيكتور من رومة... (1)
والصورة التجسيدية عند الشيخ بيوض مستخرجة من البيئة الصحراوية، هي وليدة معايشة وتمثل وليست مصطنعة أو مفتعلة من أثر التقليد أو رغبة في التنميق والتزويق، واقرأ له هذه الصورة المستخرجة من الغدير الهادر وهو يقتلع في طريقه كل العراقيل ماضيا إلى هدفه لا يلوي على شيء:
...
__________
(1) مقال مخطوط لم ينشر بحوزة المؤلف (1/50)
صفحة 51
إن التمثيل ولم يمض له من العمر سنتان ولم يتجاوز بضع روايات قد طفر بحركة الإصلاح طفرة كبيرة وخطا بها خطوة واسعة موفقة نحو غايتها تخطت بها وهادا وعقبات، وكمت أفواه المعارضة بما هيأت ضدها من ألسنة حداد وفتحت من لهوات، وقضت عليها أو كادت سيلها الجارف الآتي الذي لا تملك من وسائل دفعه أو صرفه أو وقفه إلا بما يشبه من هنات من قش وحفنات من رماد وتحاول الفينة بعد الفينة أن تلقي بها في مجراه، فإذا بها ترتد عليها فتقذي عيونها، وتشوه وجوهها وتختم على جباهها بختم الإفلاس من الحجة والبرهان.. (1)
الخاتمة
إنه مما ينبغي الأخذ به بعين الاعتبار عند النظر في كتابات الشيخ بيوض ما يلي:
__________
(1) رسالة بتاريخ 13 جمادى الأولى 1358 (1/51)
صفحة 52
... أولا: أنه لم يكن من المتفرغين للكتابة مقارنة بزملائه من مثل الشيخ أبي اسحاق، والشيخ أبي اليقظان، والشيخ عبد الرحمان، ذلك لانشغالاته الكثيرة واهتماماته المتنوعة وواجباته الاجتماعية الكثيرة الأخرى من تدريس، ووعظ، وإفتاء، وقيادة الأمة، وزعامتها، وهو طالما اشتكى في رسائله للشيخ أبي اليقظان بأنه لا يجد الوقت الضروري للتفرغ للكتابة، مما يجعله عند كتابة موضوع ما لا ينجزه دفعة واحدة وإنما هو يكتب جزءا ليعود إلى الجزء المتبقي عند الفراغ من دروسه واهتماماته الكثيرة الاخرى، ثم لأن الشيخ وهو يقرر ذلك عن نفسه كان لا يميل إلى الكتابة إلا إذا دفع إليها دفعا، أو كما قال: أدع إلى مكتبي دعا، ومع ذلك فإنه عندما يكتب، يجيد إجادة فائقة على النحو الذي رأيناه في الصفحات السابقة، بل إنه إذا كتب في قضية ذات طابع إصلاحي أو ديني أو اجتماعي أطال فكتب الرسالة التي تبلغ عشرات الصفحات، ولا سيما إذا كان مراسله من ذوي الشأن من مثل الشيخ أبي اسحاق والشيخ أبي اليقظان والباروني باشا. أما المقالات فأغلبها مما نشره ما بين 1926 و1939 فإنها تكاد تكون بحوثا مستفيضة لا مقالات صحفية تلبي حاجة عابرة. وأنوّه بصفة خاصة بجلسة المخذولين التي بلغت خمس حلقات، ومسألة الصوم والإفطار التي بلغت أربع حلقات، والفرقان بين أميري السيف والبيان الباروني باشا وشكيب أرسلان التي بلغت خمس حلقات، وكذا خطبه ومذكراته وتقاريره، مما يدل على أنه كان يحتفل بكتاباته احتفالا ويستعد لها استعدادا، ولو أدى ذلك إلى قطع الكتابة مرة بعد مرة. (1/52)
صفحة 53
... ثانيا: إن هذا البحث لم يغط سوى جانب من هذه الكتابات زمنا ونوعا، لأن البحث اعتمد على إنتاج الشيخ بيوض حتى أوائل الخمسينيات وبالتحديد بين 1926 و1950 وتناول بالدراسة من أنواع هذه الكتابات المقال والرسائل، وبعض الخطب وهي على كل حال محاولة قد يكون فيها لفت نظر للباحثين والدارسين لتناول أدب الشيخ بيوض بالدراسة والتحليل العميقين إما بدراسات أكاديمية أو تحليلات ذوقية ذاتية، فإنه موضوع جدير بالتركيز والعناية.
والله الموفق في البداية والنهاية
محمد صالح ناصر
الجزائر في 15/11/1999
أهم مصادر البحث
المقالات:
1. وادي ميزاب
? مناجاة الوطن ع، 7 (أفلح) 12/08/1926
? واجب الآباء نحوالأبناء ... 19 ... أفلح ... 11/2/27
? جلسة المخدولين ... ... 61 ... إياس ... 16/12/1927
? جلسة المخدولين ... ... 62 ... إياس ... 23/12/1927
? جلسة المخدولين ... ... 64 ... إياس ... 16/01/1928
? جلسة المخدولين ... ... 72 ... إياس ... 02/03/1928
? جلسة المخدولين ... ... 79 ... إياس ... 20/04/1928
1. المغرب
? عبرة وذكرى في الأزمة في الأزمة الوزارية الفرنسية الأخيرة ... 30 ... أفلح ... 23/12/1930
? اغتصاب الجوع أو السلاح المغلول ... 31 ... أفلح ... 06/01/1931
? معرض الصحافة الإفريقية في شمال إفريقيا32 ... أفلح ... 13/01/1931
1. النور
? 36 نظرة عامة في كتاب الجزائر وملاحظة لا بد منها بيوض إبراهيم بن عمر ... 07/06/1932
1. الأمة
? 58 مسألة الصوم والإفطار ... ... ... 14/01/1936
? 60 مسألة الصوم والإفطار ... ... ... 28/01/1936
? 61 مسألة الصوم والإفطار ... ... ... 04/02/1936
? 62 مسألة الصوم والإفطار ... ... ... 11/02/1936
? على ذكر غيث القرارة ... ... ... ع:97 ... 03/11/1936
? أعراس الصحراء في القديم والحديث ... ع،98 ... 10/11/1936
? على ذكر غيث القرارة ... ... ع،100 ... 24/11/1936
? جمعية الحياة بالقرارة ... ... ع،145 ... 23/11/1937
? في الوحدة العربية ... . بين أميري السيف والبيان ...
الباروني باشا وشكيب أرسلان ... ع،156 ... 01/03/1938
? في الوحدة العربية ... . بين أميري السيف والبيان ...
الباروني باشا وشكيب أرسلان ... ع،157 ... 01/03/1938 (1/53)
صفحة 54
? في الوحدة العربية ... . بين أميري السيف والبيان ...
الباروني باشا وشكيب أرسلان ... ع،158 ... 01/03/1938
? في الوحدة العربية ... . بين أميري السيف والبيان ...
الباروني باشا وشكيب أرسلان ... ... ... ع،159 ... 01/03/1938
? في الوحدة العربية ... . بين أميري السيف والبيان ...
الباروني باشا وشكيب أرسلان ... ... ... ع،160 ... 01/03/1938
? في الوحدة العربية ... . بين أميري السيف والبيان ...
الباروني باشا وشكيب أرسلان. ع،161 ... 01/03/1938
الفرقان . احتفال جمعية الحياة بمنسبة رأس السنة الأولى ... ... 05/07/1938 . (خطاب الشيخ بيوض)
بيوض إبراهيم، انزع البرقع وارفع الحجاب إن كنت رجلا (مقال مخطوط) د.ت (1936)
بيوض إبراهيم، نداء وبيان إلى الشعب الميزابي النبيل، المطبعة العربية، الجزائر (د.ت)
الرسائل
... مجموعة رسائل الشيخ بيوض إلى الشيخ أبي اليقظان، ما بين سنتي 1929م و1954م
الكتب:
? د/محمد ناصر، المقالة الصحفية الجزائرية، م1 م2، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1978
? د/محمد ناصر، في رحاب القرآن، نشر جمعية التراث، غرداية 1989
? محمد مسعود جبران، الباروني، آثاره، الدار العربية للكتاب، ليبيا، 1991
بسم الله الرحمن الرحيم
الشيخ إبراهيم بيوض مربيا
للدكتو ر: مصطفى صالح باجو
تمهيد:
اشتهر الشيخ إبراهيم بيوض رحمه الله بخصال عديدة، ومواهب نادرة أهّلته ليكون الزعيم الروحي، والموجه الاجتماعي، والعالم الموسوعي، والقائد السياسي لأمته، لفترة من الزمن امتدت ستين سنة كاملة.
والشيخ إبراهيم بيوض، علَم بارز من أبرز شخصيات الإصلاح الديني والوطني في الجزائر في القرن العشرين. قضى حياته ببلده القرارة بمنطقة وادي ميزاب جنوب الجزائر. فيها ولد سنة 1899م وتوفي بها سنة 1981م. وتعلم على يد مشايخ البلدة، ومن أهم أساتذته الشيخ الحاج عمر بن يحي، والشيخ الحاج إبراهيم الأبريكي. (1/54)
صفحة 55
ولم ينتقل للتعلم خارج موطنه، بل كان عصاميا بنى نفسه بنفسه، حتى بلغ في العلم درجة عالية. وأنشأ معهد الحياة ومدارس عديدة لنشر العلم والفضيلة، وحذا حذوه أهل الغيرة والفضل بميزاب وخارجها، حتى عمّ نفع هذه المدارس وانتشر نورها في مختلف مدن الجزائر شمالا وجنوبا.
ولا تسع هذه الصفحات لسرد تفاصيل جهوده في جميع المجالات. فقد كفى المؤونة في هذا مؤرخون ودارسون عديدون. وفي مقدمتهم الشيخ محمد علي دبوز في كتبه التاريخية: نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة. وأعلام الإصلاح في الجزائر (1) .
وفي هذه الدراسة رأيت تخصيص الحديث بجانب هام من تلك الجوانب، تمثل في مجال التربية.
عُرف الشيخ بيوض بتعدد الجوانب البارزة في شخصيته، فقد كان واعظا مرشدا، وفقيها مجتهدا، وزعيما قائدا، وسياسيا محنكا، ومصلحا رائدا. كما كان مربيا حكيما، ومعلما قديرا.
وكل من عاشر الشيخ تلميذا كان أم أستاذا شهد له بالكفاءة المتميزة في مجال التربية، إذ جمع إلى جوانب شخصيته العديدة كونه مربيا من الطراز الأول، أوتي القدرة على تكوين الإنسان، وتنشئة الأجيال.
ولئن كان ثمة من نازعه في خصائصه الأخرى بدافع الجهل حينا والحسد أحيانا، فإنه لم يختلف اثنان في كفاءته التربوية ومقدرته التعليمية الفريدة؛ لما استجمع من خصال المربي الناجح والمعلم القدير.
__________
(1) – حول نشأة الشيخ بيوض، ومراحل تعلمه وتكوينه، ينظر: محمد علي دبوز، نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، ج3، ط1. المطبعة العربية، الجزائر. 1389هـ/1969م. = أعلام الإصلاح في الجزائر، ج1، مطبعة البعث، قسنطينة، 1394هـ/1974م. = ج2، 1396هـ/1976م = ج3، 1398هـ/1978م. = ج4، 1400هـ/1980م. أيضا: جمعية التراث، في رحاب القرآن، المهرجان والتأبين، وفيه خطب ومقالات حول تاريخ الشيخ بيوض. (1/55)
صفحة 56
والدليل الأكبر على هذه المقدرة نجاحه في رسالته، لأن مقياس كفاءة المربّي هو تحقيقه لغايته التربوية. والنتيجة التي حققها الشيخ بيوض في المجتمع بعامة، وفي الجيل الذي أنشأه بخاصة أكبر شاهد على هذا النجاح.
مفهوم التربية:
التربية من المصطلحات التي كثر تداولها على لسان الناس عامة، ويقصد بها التنشئة والتكوين. وأصلها في اللغة من ربا الشيء إذا نما وازداد، ومنه قول الحق تبارك وتعالى: «وَتَرَى الاَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ» (1) . فمعناها تنمية الشيء ورعايته والحفاظ عليه، ولذلك يقال لمالك الشيء رب، لأنه يتولاه بالرعاية والحفظ والنماء (2) .
فالتربية اصطلاح درج عليه المحدَثون، وغلب معناه على رعاية الإنسان وتنشئته، بتفتيق مواهبه وتنمية قدراته العقلية، وتوسيع مداركه العلمية، مع تهذيب ميوله النفسية وتزكية طباعه الخلقية.
ولأجل هذه الغاية السامية والخطيرة أنشئت المؤسسات المختلفة من مدارس وثانويات وجامعات؛ لبناء الإنسان الصالح بناء يتناسق وفلسفة التوجيه الذي يقوم عليه نظام المجتمع أو الأمة أو الدولة التي أنشأت تلك المؤسسات.
__________
(1) – سورة الحج، آية5.
(2) – ينظر: ابن منظور، لسان العرب، مادة ربى. ومما جاء فيه: ربا الشيء رَبْوًا ورباء: زاد ونما. وأربيته: نمّيته. وفي التنزيل العزيز «و يُربي الصدقات» وأربى الرجل في الربا يُربي. والأصل في الربا الزيادة، من ربا المال إذا زاد وارتفع. وهو في الشرع: الزيادة على أصل المال من غير عقد تبايع. وربوت في بني فلان أربو: نشأت فيهم. وربّيت فلانا أربّيه تربية، وتربّيته، وربَبته، وربّبته:بمعنى واحد. قال الجوهري: ربّيته تربية، وتربّيته: أي غذوته. قال: هذا لكل ما ينمي كالولد والزرع ونحوه. (1/56)
صفحة 57
هذا عن المعنى العام للتربية، وفي المجتمع المسلم يتخذ المفهوم معنى أكثر تحديدا، ويتمثل في تنشئة الجيل تنشئة إسلامية قلبا وقالبا. ويتجسد ذلك في «المفاهيم التي يرتبط بعضها ببعض في إطار فكري واحد، يستند إلى المبادئ والقيم التي أتى بها الإسلام، والتي ترسم عددا من الإجراءات والطرائق العملية؛ يؤدي تنفيذها إلى أن يسلك سالكها سلوكا يتفق وعقيدة الإسلام» (1)
والتربية بهذا المفهوم تشمل بناء الإنسان من جميع جوانبه الروحية والعقلية والنفسية والخلقية والبدنية وفق تعاليم القرآن والسنة النبوية إذ هما المصدر الأساس والسليم لتحقيق هذه الغاية النبيلة.
التربية و الإصلاح:
__________
(1) – د. سعيد إسماعيل علي، الأصول الإسلامية للتربية. دار الفكر العربي، القاهرة. 1412هـ/1992م. ص11. (1/57)
صفحة 58
قد يقع بعض اللبس بين مفهوم التربية ومفهوم الإصلاح، نظرا للتداخل الحاصل بينهما في بعض المواضع، فالتربية يقصد بها بناء الإنسان السوي الفاعل الإيجابي. والإصلاح يعنى به إزالة الخلل الطارئ على هذا الإنسان ليعود إلى حالته السوية ويواصل مساره في الحياة بعمارتها ونشر الخير فيها، ومعناه في مفهومنا نحن المسلمين أن يسير الإنسان وفق منهج الله، وهو دين الإسلام. هذا الدين الذي فسره الرسول صلى الله عليه وسلم في إحدى جوامع الكلم: «قل آمنت بالله ثم استقم» (1) .
وقد كان الشيخ على قناعة تامة بأهمية التربية لإصلاح الأوضاع. وظهر موقفه جليا في مناقشة جرت بينه وبين الشيخ أبي اليقظان حول أنجع السبل للإصلاح: التربية والتعليم أم الصحافة والإعلام.
كان ذلك في سنة 1925 وكان النقاش طويلا بين الشيخين، وانتهى إلى اختيار كل واحد طريقته التي يراها ناجعة لإحداث التغيير المنشود. مع اتفاقهما على ضرورة كلا السبيلين لتحقيق نهضة الأمة، ولحاقها بمضمار الأمم المتقدمة.
__________
(1) – الحديث رواه أحمد في مسند المكيين ونصه «حَدَّثَنَا وَكِيعٌ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ قَالا حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قُلْ لِي فِي الإِسْلَامِ قَوْلاً لا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا غَيْرَكَ قَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ بَعْدَكَ قَالَ قُلْ آمَنْتُ بِاللَّهِ ثُمَّ اسْتَقِمْ» رقم 14869 ترقيم العالمية. وورد الحديث بألفاظ متقاربة عند: الترمذي، كتاب الزهد، رقم 2334ترقيم العالمية. وابن ماجه، كتاب الفتن، رقم 3962ترقيم العالمية. والدارمي، كتاب الرقاق، رقم 2594ترقيم العالمية. (1/58)
صفحة 59
ثم بيّنت الأيام جدوى اختيار الشيخ بيوض، وأولوية الخط الذي ارتضاه. مع إقراره بضرورة الاهتمام بالصحافة التي عُني بها الشيخ أبو اليقظان. وآزره فيها الشيخ بيوض ماديا ومعنويا، وأمده بالكتابة فيها بعدة مقالات.
فكان الشيخ بيوض سندا للجهود الخارقة التي بذلها أبو اليقظان فحققت صحافته ذلك الصَيْت الداوي، الذي أربك به أقدام المستعمر، ومهّد الطريق لاستنارة الفكر وإثارة الشعور للعمل الوطني. وعلى هذا العمل الوطني تضافرت جهود المخلصين من رجال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وأبطال الحركة الوطنية، حتى تُوّج بنشوب الثورة التحريرية المباركة.
وقد عمت جهود الشيخ بيوض الإصلاحية كل فئات المجتمع من براعم ناشئة وشباب صاعد، وكهول وشيوخ بلغوا من العمر عتيّا. ولم يخص برسالته ذكورا دون إناث، ولا مثقفين دون عامة الناس.
وفي كل هذه الفئات كان يربي ويصلح في نفس الوقت، إذ يبني النفوس على نهج الاستقامة ويصلح الخلل الذي تراكم في فئات المجتمع، في التصور والسلوك، من جرّاء عصور الركود العلمي والجمود الفكري في بلاد المسلمين، حتى غدوا لقمة سائغة للمستعمرين.
ولئن كان هذا التداخل واردا في الواقع الميداني، فإن التمييز بين المصطلحين يعد أمرا ضروريا تقتضيه المنهجية العلمية في جانب الدراسة والتحليل النظري.
فكان لزاما علينا التقيد بالمعنى الاصطلاحي للتربية وهي بناء الإنسان في أول مراحل نشأته. لذا فإن البحث يركزّ على عناية الشيخ بيوض بالجيل الصاعد، وكيف أخذ بيده ليحيا حياة الإسلام الصحيح, ويَنشأَ جيلا صالحا يعمر الأرض بالخير ويتفيأ الناس ظلال نفعه، ويكون كالغيث أينما وقع نفع.
معالم شخصية الشيخ بيوض التربوية: (1/59)
صفحة 60
يمكن رصد معالم شخصية الشيخ بيوض التربوية في العناصر التي استقى منها مادته متمثلة في مصادره المعرفية. كما نلمحها جليّة أيضا في مميزاته الذاتية التي تعود إلى طبيعة شخصيته، وأخيرا ما يعزى إلى طريقته في التربية والتعليم.
1. مصادره المعرفية:
أ= يتصدر القرآن الكريم والسنة النبوية قائمة المصادر التي اعتمدها الشيخ بيوض في تربيته وتكوينه للأجيال. ساعده على ذلك توليه دروس تفسير القرآن الكريم، واستمراره في هذا التفسير مدة قاربت الخمسين عاما، إذ بدأه سنة1935 حتى ختمه كاملا سنة 1980م (1) .
ب= وله اطلاع واسع على السنة والسيرة النبوية (2) ، وهما منبع غزير لمن يريد إنشاء جيل يقتدي بالرسول الكريم، ويتأسى به كما أرشد القرآن { لقد كان لكم في رسول الله إسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر } (3) .
__________
(1) – كانت بداية تفسير الشيخ بيوض للقرآن، سنة 1921، إذ فسّر جزء عم إلى سورة الناس. ثم شرع في تفسير القرآن كاملا، يوم 1محرم 1354هـ الموافق لـ6 أفريل 1935م. واستمر فيه حتى ختمه ليلة الثلاثاء 26 ربيع الأول 1400هـ الموافق لـ 13 فبراير 1980م.
ينظر: في رحاب القرآن، المهرجان والتأبين. لقاء التلفزيون الجزائري مع الشيخ بيوض. ص73. خطبة الشيخ عدون في مهرجان ختم تفسير القرآن. ص19.
(2) – تولى الشيخ بيوض تدريس كتاب فتح الباري شرح صحيح البخاري، لابن حجر العسقلاني، وختمه في احتفال أقيم له بمسجد القرارة سنة 1945م. كما شرح قبله مسند الربيع بن حبيب. ينظر: في رحاب القرآن، المهرجان والتأبين. حوار التلفزيون الجزائري مع الشيخ بيوض ص77. وكلمة الشيخ عدون في مهرجان ختم تفسير القرآن. ص17.
(3) – سورة الأحزاب، آية21. (1/60)
صفحة 61
ج= كما عني الشيخ بيوض بتاريخ الصحابة وهم الصدر الأول من أعلام الإسلام رباهم الرسول صلى الله عليه وسلم فأحسن تربيتهم، وغدوا مُثُلاً عليا للمسلمين، باعتبارهم بشرا غير معصومين، ولكنهم جسّدوا تعاليم القرآن وتوجيهات الرسول على خير وجه وأحسن مثال.
د= وللشيخ بيوض سعة اطلاع على تاريخ الإسلام عموما، وتاريخ الزعماء والمربين والصالحين خصوصا. وهو ما أمده برصيد معرفي ونماذج واقعية احتذاها سواء لتمثل خصائص المربي الناجح، أم لتكوين النشء الصالح.
هـ= ولم يغفل الاستفادة من واقع المسلمين المعيش، والذي كان في أدنى دركات التدني والبعد عن روح الإسلام، إلا التمسك ببعض القشور والمظاهر مما لا يسمن ولا يغني من جوع، ولا يمثل جوهر الدين الذي جاء به الرسول المعلم وأنشأ عليه صحابته الكرام.
و= وعني الشيخ كذلك بالتتبع المستمر لمجريات الأحداث في العالم من حوله بدءا بأرض الوطن، ومرورا بقضايا العالم الإسلامي والعربي، وانتهاء بالعالم الفسيح (1) . واستخلاص الدروس والعبر منها لتوظيفها في مجال التربية، تنبيها إلى سنن الله في الكون والمجتمعات، وتحذيرا من مغبة مخالفة أمره واتباع الشهوات.
__________
(1) – يذكر الشيخ اهتمامه واهتمام مشايخه بالصحافة العربية وتلهفهم للاطلاع على ما ينشر في المشرق العربي من مجلات فكرية وسياسية. مما مكنه من التصور الشامل والسليم لأوضاع العالم الإسلامي وجهود المصلحين للخروج به من مأزق التخلف والاستعمار إلى رحاب النهضة والتحرر. ينظر: لقاء التلفزيون مع الشيخ، في رحاب القرآن. المهرجان والتأبين. ص71. (1/61)
صفحة 62
ز= ولم تقتصر مصادر معرفته على معين اللغة العربية على سعته وغزارته، فقد كان له إلمام بلغة المستعمر ممثلا في الثقافة الفرنسية، مما أفاده في توسيع دائرة معارفه بالإطلاع على القوانين والأعراف التي تنظم سير تلك المجتمعات. واستطاع بذكائه استثمارها في مجال التربية والتكوين بعقد مقارنات بين المجتمع الفرنسي وغيره من المجتمعات الغربية وبين المجتمع الإسلامي في نمط الحياة والأعراف والعلاقات الاجتماعية، وبيان سمو التشريع الإسلامي على القوانين الوضعية مهما ادعى أصحابها من ضمان لحقوق الإنسان، وتحقيق للحرية والعدالة والسعادة التي ظل ينشدها منذ فجر التاريخ.
ح= استفادته من مدرسة الأسفار، وهي مدرسة ميدانية بليغة الأثر في تكوين الفرد العلمي والعقلي وتأهيله النفسي والاجتماعي.
وقد سنحت الفرصة للشيخ بيوض للتزود من مدرسة الأسفار منذ نعومة أظفاره، وكانت أسفاره متميزة إذ خصه شيخه الحاج عمر بن يحي بمرافقته معه في رحلاته العلمية إلى وارجلان، وفيها يمكث شهرين كاملين.
وبعد أن شب عن الطوق عقد الرحلات المختلفة إلى شمال الجزائر وشرقها، وإلى تونس، وكانت له فيها استفادات وإفادات متنوعة، فتحت أمامه آفاقا معرفية وفكرا جديدا وكوّن فيها علاقات مع كثير من المفكرين والعلماء العاملين في مجال التربية والإصلاح.
يصف الشيخ إحدى هذه الرحلات إلى تونس قائلا: «في أول فبراير عام1921م اطلعت على معاهد تونس العلمية وحضرت دروسا كثيرة في جامع الزيتونة، وتعرفت إلى علمائها البارزين في حلق دروسهم، وشاهدت تونس في عنفوان جهادها السياسي، واجتمعت بكثير من قادتها السياسيين أركان حزب الدستور التونسي وسمعت خطبهم» (1) .
مميزاته الشخصية:
__________
(1) – محمد علي دبوز ، نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة. ج2، ص 188. (1/62)
صفحة 63
حبا الله الشيخ بيوض بخصائص عقلية وفكرية ونفسية أهّلته ليكون المربي البصير والمعلم القدير، فكانت الأجيال طوع بنانه، تَرِد إليه صادية فيُرويها ويبنيها، ثم تصدر عنه وكأنما أُنشئت خلقا آخر، خلقٌ تفجرت طاقته وتفتقت مواهبه، وانطلق مشعل نور ومبعث خير أينما حل وارتحل.
والذي مكّن الشيخ من إنجاح عمليته التربوية صفات عديدة، نوجز منها:
أ= سعة أفقه العلمي في اللغة وفنونها والشريعة وعلومها، واطلاع على الجديد في العلوم الحديثة والتربية والقانون.
ب= حافظة قوية تنجده بما يشاء من معلومات وشواهد في الوقت المناسب. وتلك ولا ريب ميزة تزيد المربي منزلة في القلوب وتمد كلامه بقوة تأثير وإقناع في عقول وقلوب المستمعين.
ج= حسن استثماره لحوادث التاريخ وقضايا الواقع في مختلف المواضيع، واهتمامه بالمناسبات العادية والطارئة، الخاصة والعامة، الدينية والوطنية؛ وتوظيفها في العملية التربوية، وسواء في ذلك الدروس الخاصة بالطلبة أم العامة للقاعدة العريضة من الناس.
د= ذكاء حاد في لمح النكتة وتصيّد الخاطرة، والإشراف على حال المستمع وتفهم منزلته في الفهم وإعطائه ما يناسب حاله ومستواه الإدراكي. وكثيرا ما كان يردد في كلامه مقولة "العيون مغارف الكلام". كما كان شديد التبرم والضيق ممن لا يعير اهتماما للتحصيل ومتابعة درس الأستاذ، وقد يستوقفه أمام الملإ لتوبيخه إذا اقتضت الضرورة ذلك، ويتمثل بقولة الحكيم "العلم والوطوطة لا يجتمعان" (1) .
وهذا ما يدعو إلى توضيح طريقة الشيخ بيوض في دروسه:
طريقته في التدريس:
__________
(1) – هذه كلمة قالها أبو سليمان أيوب بن إسماعيل لتلميذه أبي عمرو خليفة السوفي المارغني. مودعا إياه بعد نهاية مرحلة التعلم "ياعثمان، العلم والوطوطة لا يجتمعان". ينظر: أبو العباس الدرجيني، طبقات المشايخ بالمغرب، تحقيق إبراهيم طلاي، دارالبعث. قسنطينة. ج2، ص 484. (1/63)
صفحة 64
أ= لم يكن الشيخ معتمدا على مجرد مواهبه وقدراته وسعة علمه لنجاح عمله. فذلك شأن من أدركه الغرور والعُجب، وهو أول مهاوي السقوط التي يتردى فيها كثير من الموهوبين.
بل كان حبل الشيخ موصولا بالله، معتمدا عليه في كل دروسه، إذ يفتتح درسه بدعائه الأثير، يقول بعد الاستعاذة والبسملة والحمدلة والتصلية:
"اللهم أكرمنا بنور الفهم وأخرجنا من ظلمات الوهم، اللهم افتح لنا حكمتك وانشر علينا رحمتك، ويسّر لنا من خزائن علمك يا ذا الجلال والإكرام. ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب يا أرحم الراحمين"
ويُشعر هذا الدعاءُ المعلمَ والمتعلمَ بالحاجة إلى عون الله وتوفيقه في عملية التعليم، وتلك من أسباب التربية الناجحة التي التزمها الأساتذة في معهد الحياة تأسيا بسير السلف الصالح (1) .
ويرى الشيخ بيوض أن لدعاء الاستفتاح هذا سرّا في التوفيق الذي يجده أثناء الدرس، وما يفتح الله عليه من معان وأسرار لم يقرأها من قبل ولا انتبه إليها (2) . وكثيرا ما يصرح بذلك في حينه بقوله: "هذه النكتة بنت اللحظة" (3) .
__________
(1) – محمد علي دبوز، نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، ج3، صفحات 50/51.
(2) – ينظر: في رحاب القرآن" مهرجان تفسير القرآن، لقاء مسجل مع الشيخ بيوض، حول طريقته في التفسير.
(3) – ينظر تفسير الشيخ بيوض "في رحاب القرآن" الأجزاء المطبوعة, وفي آخر كل جزء فهرس بالمسائل التي صرح فيها الشيخ بأنها بنت اللحظة. (1/64)
صفحة 65
ب= ومن شروط نجاح المربي إقباله على رسالته بحب وشوق. وقد كان الشيخ أثناء دروسه تغمره نشوة عارمة وغبطة كبيرة وهو يقوم بمهمة مقدسة هي تنوير العقول وتزكية النفوس. وقد صرح بهذا الشعور الذي يتملكه خلال إلقائه لدروسه، وقال بأن تلك اللحظات هي ألذ وأمتع لحظات حياته، ولا تعدلها إلا لحظات الجلوس إلى كتاب للمطالعة والبحث والاستزادة من العلم (1) .
ج= التدرج في تبيين الحقائق من البسيط إلى المعقد. ومن المسلّم به إلى المختلف فيه. ومن العام إلى الخاص.
د= الاعتماد على الأمثلة الواقعية. استثمارا لثقافته الموسوعية وإلمامه بمصادر الشريعة والأدب والتاريخ والواقع المحلي والوطني والعالمي.
فلسفة أوأسس التربية عند الشيخ بيوض:
انطلاقا من الفهم الصحيح للتربية بأنها البناء المتكامل للإنسان وفق منهج القرآن فإن الشيخ بيوض عُني عناية خاصة بهذا التكامل في عمله التربوي، إذ كانت برامج الدراسة في مدارسه التي أنشأها بنفسه أو بواسطة تلاميذه الذين آزروه في جهاده الإصلاحي، مبنية على رعاية جوانب الإنسان المختلفة، متمثلة في الهرم الكبير: العقل والروح والجسد. فأعطى كل طرف حقه من الرعاية والاهتمام، غذاء ودواء.
ونال نصيب الأسد إحياء معاني القرآن في النفوس بترسيخ العقيدة وتفعيلها، واستخلاص العبر من قصص القرآن. ومعالجة الواقع على ضوء توجيهات القرآن.
وقد تمثل الشيخ بمقولة الإمام ابن باديس «نريد أن ننشئ جيلا على القرآن من أول يوم، ونوجهه إلى القرآن في كل يوم» (2) .
__________
(1) – ينظر: في رحاب القرآن، المهرجان والتأبين. لقاء مسجل مع الشيخ بيوض، حول طريقته في التفسير. ص74/75.
(2) – المصدر السابق. (1/65)
صفحة 66
كما كتب في جريدة "وادي ميزاب" اليقظانية، ثلاث مقالات ضافية حول "واجب الآباء نحو الأبناء" أجلى فيهما حقيقة التربية ودور الأبوين في تنشئة أولادهما. وافتتح المقال بقوله: «الصبي أمانة بيد أبيه أو القيّم عليه، وهو المسؤول عنه أمام الله والناس، وعليه وحده يتوقف مستقبل ابنه؛ صحة أو سقما، علما أو جهلا، سعادة أو شقاوة. فيجب عليه في آن واحد تربية جسمه وعقله وخلقه، وبذلك تتم سعادته وسعادة أمته به، بل وسعادة الإنسانية جمعاء، وبإهمال شيء من ذلك يشقى وتشقى أمته به، بل والانسانية كلها» (1) .
وعالج واقع التربية وأخطاء الآباء في أدائهم لهذه الرسالة الخطيرة، بين المسرفين في إطلاق الحبل على الغارب، بدافع الحب الجنوني للأبناء، وبين المتنطعين في القسوة والتشديد، بسبب الجهل بخصائص النفس، والبعد عن تعاليم الدين السمحاء. وأجلى عواقب هذا التطرف وآثاره المدمرة على الفرد والمجتمع، وبيّن المنهج السديد وهو التوسط في كل الأحوال (2) .
__________
(1) – محمد علي دبوز، أعلام الإصلاح في الجزائر، ج5 ص89. والمقالات نشرت في جريدة وادي ميزاب، عدد 19 بتاريخ11فبراير 1927. عدد 20 بتاريخ 18 فبراير 1927. وعدد 21 بتاريخ 25 فبراير 1927م. وانظر مقالين كاملين في المصدر السابق، صفحات 89/97.
(2) – المصدر السابق. (1/66)
صفحة 67
وقد صرح الشيخ بهدفه من التربية بقوله كذلك: «إن غرضنا أن ننشئ لهذه الأمة في طورها الجديد جيلا كامل العدة للنضال والكفاح في شتى الميادين، فيحدث في الأمة انقلابا كبيرا. ويدفع بها خطوات واسعة إلى مطمحها الأسمى. ولن نستطيع ذلك ولن نبلغ غرضنا منه حتى نضيف إلى تنوير العقول بالعلم وتزكية النفوس بالدين، التأليفَ بين القلوب بالحب الراسخ والودّ المكين. فألفُ مثقف في أمة تنافرت قلوبهم ، وتخالفت أغراضهم، وتوزعتهم الأهواء والشهوات، لن يكونوا على الأمة إلا وبالا. ومن سعادتها ألا يكونوا. لكن مائة متعلم جمع الله شملهم وألّف بين قلوبهم، فأحبَّ بعضُهم بعضا، فاتحدت مبادئهم وغاياتهم، وإن اختلفت منازلهم وبيئاتهم، يحيي الله بهم الأمة، ويخرجها من الظلمات إلى النور....إننا بهذا وحده يمكننا أن نطمئن إلى أننا بنينا لعز الأمة ركنا قويا، ووضعنا لسعادتها دعامة متينة، وأننا قدمنا عملا سيظهر أثره قريبا أو بعيدا» (1) .
وتنوعت البرامج التعليمية لتلبي هذه المطالب وتحقق التكامل المطلوب في بناء الإنسان المتوازن السليم. ولم يغفل حتى الجوانب الفنية من مسرح وأناشيد، وجمعيات أدبية وكشفية ورياضية، ورحلات استطلاعية وحفلات ترفيهية. وكل ذلك في إطار أحكام الشرع وهدي الكتاب وسنة الرسول الكريم.
__________
(1) – محمد علي دبوز، نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، ج3، صفحات 197/198. (1/67)
صفحة 68
ويعتبر الشيخ أن إيجاد جيل من الشباب المثقف الواعي من أفضل أنواع الجهاد، فقد طُلب منه مغادرة الجزائر أيام المحنة الكبرى خلال الثورة التحريرية، فأجاب بقوله: _«أما إن كانت حكومتنا تحتاجني لعمل هناك لسدّ فراغ مثلا لا يسده غيري، فهذا واجب عليّ وسألبّي النداء، وأزمّ حقائبي من الآن. وأما إن كان لمجرد الخوف عليّ فأخرج فارًّا لأمكث في تونس أو في المغرب مع عشرات آلاف اللاجئين الذين هم كَلٌّ على الحكومة، فإني لا أرتضي لنفسي هذه المنزلة. فمكثي هنا وعملي هنا ومشاركتي إخواني الجزائريين سراءهم وضرّاءهم خير لي من الدنيا والأخرى ... ثم إن تركي لهذه المؤسسات التي هي مما تعتز به الجزائر وتفتخر به وتنتفع به، يعرّضها إلى خطر محقق. ولي بالله ثقة أن يحفظني ويحميني ويحفظني برعايته وعنايته ... وهكذا بقيت إلى اليوم سالما، وربحت من مكثي بالجزائر ربحا وفيرا لا هو درهم ولا دينار. وإنما هو العدد العديد من الشباب المثقف بالعربية المتربي بالإسلام. وكفى بهذا ربحا» (1) .
الشيخ بيوض والنخبة المثقفة:
يرى الشيخ بيوض أن المجتمع لا يقوم إلا برجال مثقفين يعضدون علماء عاملين، ويسعون لتكوين قاعدة شعبية واعية يبثون فيها روح العلم والمعرفة والخلق والفضيلة. واحتضان القاعدة الشعبية للنخبة المثقفة يعتبر الضمانة الأكيدة لاستمرار عملية التغيير والإصلاح.
فهو يؤمن بتكامل القمة مع القاعدة. وتعاون الجميع على الرقي بالأمة إلى مصاف التطور والازدهار في كنف الدين الحنيف.
وقد أوضح الشيخ نظرته إلى تكوين النخبة المثقفة باعتبارها حجر الزاوية في هذا التغيير. وبيّن أن طبيعة العلاقة بين أفرادها، ومدى وعيها بدورها هو الشرط الأول لفعاليتها وتأثيرها في الأمة.
__________
(1) – الشيخ إبراهيم بيوض، من أعمالي في الثورة. صفحات 42/43. (1/68)
صفحة 69
فقد تجلى في هذا مفهوم الشيخ بيوض لإعداد الرجل الواحد مع العناية بتوعية الجمهور العريض. والسعي لعدم الإخلال بتوازن المنهجين في مجال الدعوة والإصلاح. منهج الاعتماد على النخبة، ومنهج التعبئة الجماهيرية.
وقد زكت أحداث كثيرة في العالم صواب الجمع بين الطريقتين. وهو الخط الذي تبناه الشيخ بيوض.
يقول أحد خريجي معهد الحياة: «وقد أسهم هذا المعهد في إنارة الفكر الإسلامي وإنماء الشعور الديني، وإذكاء الحس الوطني في نفوس الشباب الذي كان إما متسكعا أعرض عن هذه الحياة وعافها، وزهد فيها، معتقدا أنها خلقت للآخرين، وأن حظه سيعظم في الآخرة بقدر زهده في الدنيا. أو متهتكا تحللت أخلاقه من طيلة احتكاكه بالأجانب الذين غزوا وطنه وحرموه نور العلم والمعرفة، واضطروه في ظروف معاشه إلى غربة وعزبة فرضت عليه. (1/69)
صفحة 70
وقد غير معهد الحياة ومربّوه نظرة الشباب إلى الحياة من نظرة استسلامية رضيت بالأمر الواقع والمصير المحتوم، تكاد تعتقد أن وجود حكم أجنبي متسلط على الجزائر قضاء من الله الذي لا مردّ لقضائه ولا معقب لحكمه، وأن ذلك لا يمكن أن يكون إلا بإرادة الله وحده. وأصبحت نظرتهم بعد تخرجهم من المعهد نظرة سليمة تعتقد أن الجزائر تعيش ظروفا وأوضاعا غير طبيعية، وأن ليل الاستعمار -مهما طال- فمصيره إلى الزوال، وأن قِصر مدته أو طولها مرهون بيد أبناء الجزائر، وأن نصر الله لا ينزل عفوا من السماء، بل هو مرهون بشروط قررها القرآن حين قال: { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّت اَقْدَامَكُمْ } (1) . وأصبحوا يفهمون فهما سليما قوله تعالى: { إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ } (2) . ويعتقدون أن الدين الصحيح لا يضيق بالعلم الصحيح، والدنيا والآخرة ليستا ضرّتين. وأن العمل لهما جميعا ممكن إذا سلمت النية وكان العمل وفق ما تأمر به الشريعة الإسلامية السليمة، وأن الزهد في الدنيا لا يكون بالهروب منها بل بامتلاكها وأخذها بقوة واستخدامها في كل ما يعود بالخير على الدين والوطن. وجعلهما وسيلة لغايات نبيلة خالدة. وأعلنوا حربا لا هوادة فيها على التحلل الخلقي الذي بدأ يدب في أوساط الجهال من الشباب، سيما المغتربين. وأعاد معهد الحياة إلى الأذهان تلك الصورة الناصعة للمسلم كما يريده الله ، ورفعوا مشاعل النور والإصلاح في مجتمع، كان كل ما فيه يدعو إلى اليأس ويبعث على القنوط، ويقتل الأمل في النفوس، وأناروا الطريق وسط ليل من الجهل وتحت حكم عسكري ظالم.
__________
(1) – سورة محمد، آية7.
(2) – سورة الرعد ، آية11. (1/70)
صفحة 71
ولن يستطيع إنسان مهما أوتي من فصاحة وبيان أن يأتي على وصف التغيير الجذري الذي أحدثه الإصلاح ومعهد الحياة في جنوب الجزائر ووادي ميزاب على الأخص. كما لا يستطيع أبناؤنا اليوم أن يقدّروا عظم ذلك المجهود إلا إذا جعلوه في إطاره التاريخي الصحيح» (1)
ميادين التربية عند الشيخ بيوض:
تعددت مجالات العمل التربوي عند الشيخ بيوض، فلم تكن قاصرة على المؤسسات التقليدية التي تعارف الناس حصر التربية فيها وهي المدارس والمعاهد. بل تعداها إلى منابر الاتصال بالناس عامة، ومن ضمن هؤلاء نجد النشء الصاعد حاضرا حيث تُوَجَّهُ إليه التعاليم ويُعنى بإرشاده ورعاية تكوينه الديني، والخلقي والاجتماعي، والعملي في كل ما يجعل منه جيلا صالحا، وشبابا مسلما عقيدة وقولا وعملا.
ومن مجالات الشيخ للتربية دروسُ المسجد، في تفسير القرآن الكريم، إذ كان حريصا على حضور الطلبة هذه الدروس، ولهم فيه مجلس الصدارة دون عامة الناس. فيوجه الخطاب إليهم أساسا، ثم تعم فائدته غيرهم من عمّار المسجد.
وقد صرّح غير ما مرة بأن من يهمّه من الحاضرين أولا وقبل كل شيء هم طلبة العلم. لأنهم معقد الأمل لإحداث التغيير المنشود ورفع راية الإصلاح وريادة المجتمع والتكفل بمشاكل الناس وتوجيههم والأخذ بأيديهم إلى سبيل الرشاد.
__________
(1) – بحث حول تاريخ داخلية الحياة. أعد بمناسبة الذكرى السبعين لنشأة معهد الحياة، من أحد خريجي المعهد. البحث مرقون بحوزتي. ص2. (1/71)
صفحة 72
كما لم يغفل الشيخ بيوض استغلال المناسبات الدينية والعلمية والوطنية، والأفراح والأعراس المحلية والاجتماعات العامة. بل كان له في المآتم والمواقف الأليمة والحرجة، فرص ثمينة للتربية والتوجيه وغرس قيم الخير والفضيلة ومحاربة الفساد والرذيلة في النفوس بعامة، ونفوس الشباب على وجه الخصوص (1) .ولكن المجال الرئيس للتربية عند الشيخ كان في معقله الشامخ "معهد الحياة". الذي تولّى التدريس فيه منذ إنشائه سنة 1925 ولم يتخل عنه إلى أواخر الأربعينيات، حين اطمأن إلى وجود خلف صالح تدرب تحت سمع الشيخ وبصره، فوجد فيه الكفاية لحمل الراية بقوة وأمانة.
وبقيت للشيخ دروس خاصة بأبنائه الذين أشرفوا على نهاية سنوات الدراسة بمعهد الحياة، حيث يزودهم بما ينفعهم من نصائح وتوجيهات تملأ قلوبهم إيمانا ويقينا بشرف الرسالة التي هم مقبلون عليها حين يخوضون غمار الحياة ويتولون مهام الإرشاد والتوجيه في بلدانهم، ويتقلدون المسؤوليات في مختلف المواقع، في التعليم والإدارة والتجارة والصناعة. فيوصي كل واحد أن يكون رسول خير وقدوة تشع بقيم الإسلام وتحببه للناس من خلال المعاملة قبل الكلام، لأن خطاب الفعل أبلغ من معسول الحديث الذي لا يصحبه عمل. بل يغدو حجة على صاحبه أمام الناس وبين يدي الخالق بوم الجزاء.
__________
(1) – يرجع إلى درس الشيخ بيوض حول فتنة وارجلان سنة 1960م. وفيه بيان دعائم الوحدة الإسلامية، والتحذير من عوامل تصدعها. والدرس كانت إثر جنازة رجل قتل ظلما بتحريض فرنسا لإيقاع الفتنة بين الجزائريين، واتخاذ الاختلاف المذهبي ذريعة لذلك. وانظر أيضا: الشيخ إبراهيم بيوض، أعمالي في الثورة. نشر جمعية التراث، ص123. (1/72)
صفحة 73
على أن صلة الشيخ بتلاميذه لم تنقطع حتى نهاية عمره، فقد ظلت دروس التفسير والمناسبات المختلفة همزة الوصل العلمية بينه وبينهم إلى آخر أيامه. أما اهتمامه بهم ومتابعته لمسيرتهم ورعايته لشؤونهم فكان شغله الشاغل على مر السنين. يفرح لنجاحهم ويحزنه ما يصيبهم، ولم ينفك عن ذلك حتى أقعده المرض في أواخر عمره.
الرسالة التربوية لمعهد الحياة:
تجلت رسالة الشيخ بيوض التربوية بوضوح من خلال إنشائه لمعهد الحياة اعتقادا منه أنه أجدى وسيلة لإحداث التغيير المنشود في المجتمع.
وقد كان التعليم في مراحله الأولى محصورا في الكتاتيب. المعروفة في ميزاب باسم "المَحاضر". ثم أدخل أنصار التحديث، -ومنهم الشيخ بيوض ورفاقه- نظامَ التعليم العصري باستحداث نظام السنوات والامتحانات وتنظيم أوقات الدراسة وتخصيص بناية للتعليم ومعلمين متفرغين، ومتابعة المناهج الحديثة في طرق التعليم (1) . ولا تزال هذه المدارس القرآنية في تطور واتساع مطرد في كل مدن ميزاب. وقد ظهر أثرها بارزا في الحياة العامة. إذ رفعت رايتها الجمعيات الخيرية واحتضنها الناس لما لمسوا من جدواها على المجتمع قاطبة.
على أن إنشاء هذه المدارس لم يكن أمرا ميسورا أول الأمر، فقد أدرك الشيخ بيوض أن إنشاء المدارس الحديثة له أثر بعيد يحقق دورها التربوي، وذلك بمتابعة التطور في الوسائل للتحصيل المعرفي مع المحافظة على الثوابت من الدين والقيم الخلقية. غير أن هذا التوجه كلف الشيخ بيوض جهادا مريرا مع خصومه ممن أوجبوا التقليد في كل شيء، ورأوا هذه المدارس خصما للدين والأصول، بل واتهم البعضُ الشيخَ بنشر الكفر والضلالات فيها. ولكنه صبر وصابر حتى اقتنع خصومه بصواب خطه فاتبعوه حذو النعل بالنعل.
__________
(1) – حول نشأة المدارس العصرية في وادي ميزاب، وتطورها ينظر: محمد علي دبوز، أعلام الإصلاح في الجزائر. ج5، صفحات20 فما بعد. (1/73)
صفحة 74
ويأتي معهد الحياة حلقة متصلة بمرحلة التعليم الأولى حيث يأخذ التلميذ في الابتدائي أسس الكتابة والقراءة ومبادئ الدين والأخلاق. يُتَوِّجُها بحفظ القرآن الكريم كاملا كشرط أساسي يسمح له بالانخراط في حلقة حفظة كتاب الله المعروفة باسم "هيئة إروان"، ثم الدخول إلى المعهد. ودون ذلك لا يسمح للطالب بنيل شرف الانتساب إلى معهد الحياة (1)
واشتراط حفظ القرآن للمنتسب للمعهد له أثر كبير على الجانب المعرفي والجانب السلوكي معا، فالقرآن مصدر المعارف وأم العلوم. وهو قبل ذلك دستور المسلم في حياته كلها، ومنبع الفضيلة والأخلاق (2) .وتتميز برامج معهد الحياة بالتكامل الذي يجسد نظرة الشيخ بيوض إلى التربية. فهي شاملة لعلوم الشريعة واللغة والعلوم العصرية المختلفة. وكانت في بداية نشأة المعهد محدودة ثم تطورت عبر السنين. وتوالي التجارب والاستفادة من مؤسسات عريقة في العالم الإسلامي كالأزهر في مصر والزيتونة بتونس. وأدخلت ضمن هذه المناهج أيضا مادة التربية وعلم النفس وفن التعليم. وغيرها (3) .
واتخذ المعهد له شعارا اختصر رسالته بإيجاز واف وهو
الدين والخلق قبل الثقافة ومصلحة الجماعة قبل مصلحة الفرد
والغاية التي يجب أن يجعلها الطالب نصب عينيه في أول خطواته بالمعهد، تنحصر في هدفين:
أولهما طلب رضوان الله تعالى، ونيل شرف العلم ونفي الجهل عن نفسه.
__________
(1) – .ينظر : في رحاب القرآن، المهرجان والتأبين. لقاء التلفزيون مع الشيخ بيوض. ص76.محمد علي دبوز، نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، ج3، ص39.
(2) – محمد علي دبوز، نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، ج3، ص39.
(3) – عن نظام معهد الحياة الدراسي، وتطور برامج التعليم ومحتوياته، ينظر: محمد علي دبوز، نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، ج3، صفحات 41 فما بعد. –شريفي سعيد، معهد الحياة نشأته وتطوره. (1/74)
صفحة 75
وثانيهما: تكوين الملكات العلمية وتثقيف العقل وتربية النفس تربية صحيحة، وإعدادها لتحمل أعباء الإصلاح، وخدمة الدين والأمة والوطن (1) .
أثر شخصية الشيخ بيوض على تلاميذ المعهد:
من المعلوم لدى علماء التربية أن لشخصية الأستاذ أثرا كبيرا على تحصيل التلاميذ للمعارف والمهارات فضلا عن الخصال والصفات، سلبا أو إيجابا. ولذلك ينصح الخبراء أن يكون الأستاذ المثل الأعلى للتلميذ في هذه الجوانب سعيا للبلوغ بالعملية التربوية إلى قمتها المنشودة.
وقد مر الشيخ بيوض بالتجربة نفسها زمن التلمذة، ويذكر أثر أستاذه الحاج إبراهيم لبريكي فيه قائلا: «إن هذه المدة في معهد شيخي الأبريكي هي أهم فترات التعلم والتكوين في حياتي، فهي التي كوّنت عقلي وضميري، ومكّنتني من أصول الشريعة ومبادئها، والنحو والتاريخ وتاريخ الصحابة رضوان الله عليهم» (2) .
وبعض خصائص الأستاذ صفات مكتسبة، وبعضها خصال موهوبة. وقد جمع الشيخ بيوض منها ما أهّله ليكون المعلم المثالي، دون مبالغة. إذ كان قوي الشخصية موفور المواهب، حاد الذكاء، دقيق الملاحظة، بليغا فصيحا، واسع الصدر، بشوش الوجه، مخلصا متفانيا في رسالته.
يصفه تلميذه الشيخ محمد علي دبوز بأنه: «كان قوي الشخصية، يشعر به التلميذ يغشاه من كل نواحيه، ويؤثر فيه في كل جهاته، وكان لشدة صفائه وحسن طريقته وعمله لله سبحانه وتعالى، وحبه لتلاميذه حبا دونه حب الوالدين البارّين لوحيدهما، ولشخصيته الأدبية الظريفة، ولحسن عشرته وبالغ لطفه؛ كان لهذه المزايا كله يحبه تلاميذه حبا جما، وصار هو مثلهم الأعلى» (3) .
__________
(1) – محمد علي دبوز، نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، ج3، ص23.
محمد علي دبوز، نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، ج3، ص23.
(2) – محمد علي دبوز ، نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة. ج2. ص 120.
(3) – محمد علي دبوز ، نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة. ج3. ص23. (1/75)
صفحة 76
وكان إلى جانب التأثير العملي بسلوكه يركز على البناء النظري للقيم الخلقية بالاهتمام بدرس الأخلاق، وكان درسا أسبوعيا. ويعتبره أحد أبرز تلامذة الشيخ من أول المكوّنات الجديرة بالاعتبار التي صاغت نفوس الطلبة على مثال مستقيم. وكان معتمد الشيخ في هذا الدرس على كتاب "عظة الناشئين" لمصطفى الغلاييني، و"طبائع الاستبداد" للكواكبي، و"الشخصية" لعطية الإبراشي، ومختارات من شعر أحمد محرم، ومحمود غنيم، وغيرهم من فحول الشعراء. «وكان لمادة الأخلاق في نفوسنا أبلغ الوقع، لأنها تصدر من مصلح خبير حلب الدهر أشطره، وموهوب قدير في استحضار الأمثال، عربية وعامية، مما ينير مراحل الدرس ويكسوه رونقا وحيوية، ويُفعمه جمالا وجلالا» (1) .
وكان لشخصية الشيخ بيوض حضور قوي في تلاميذه بالمعهد. تجلى ذلك في إنتاجهم الأدبي شعرا ونثرا، واتخذوا من مجلة الشباب ميدانا للتباري في الكتابة والإبداع. ووجدنا أثر الشيخ وتوجيهاته بارزة في هذه الكتابات. شحذا للهمم وتفجيرا للطاقات وطموحا للمعالي، وسعيا لخدمة الصالح العام، قياما بالواجب وابتغاء رضوان الله أولا وأخيرا.
بهذه الروح غرس الشيخ في طلبته الطموح والسعي بلا حدود، للاستزادة من معين العلم والمعرفة، واتخذ لهم شعارا قول الشاعر:
شباب قُنّع لا خير فيهم ... ... ... ... ... وبورك في الشباب الطامحينا
وكان يصرح أن أغلى ما يتمناه أن يثبت هذا الغرس في نفوسهم، ويذيقهم حلاوة العلم بعد حلاوة الإيمان، ثم يترك الفتى بعد ذلك ينهل من معين العلم ما يشاء.
__________
(1) – حمو بن عمر فخار، دور معهد الحياة في الإصلاح. بحث مرقون بحوزتي. ص5. (1/76)
صفحة 77
وأنجب المعهد للجزائر والعالم الإسلامي رجالات كانوا في الصدارة في مختلف مجالات الحياة، أساتذة في الجامعات، ومؤسسات التعليم بمختلف مراحلها. وأئمة في المساجد، ومسؤولين في الإدارات، وأرباب تجارة وصناعة. وأهل مهن وفلاحة. شرّفوا المعهد وشرفوا به. وكلهم برهان صدق على براعة الشيخ وعمق الأثر الذي تركه في وجدانهم وضميرهم.
ويمكن تلخيص طبيعة علاقة الشيخ بتلامذته في نقاط محددة:
1) فقد كان يحبهم حبا شديدا ويصرح بحبه لهم ويدرك مدى تأثير هذا الإعلان في نفوسهم ونتيجته العملية في حياتهم العلمية والاجتماعية.
وقد صرح بذلك في خطبته التاريخية عقب إنشاء جمعية قدماء التلاميذ سنة 1948م ومما قاله فيها: «أبنائي البررة إن سروري باجتماعكم اليوم أضعاف ما تشعرون به، لأن كل غبطتكم وانعطافكم على بعضكم كليهما منسكبان في نفسي على عدد أشخاصكم...إن القلب ليخفق للكلمة أسمعها من أحدكم في الهاتف، ويخفق للرسالة القصيرة واللقاءة الخفيفة. ولو علمتم ما أحمل من هذا الحب في نفسي لواصلتم إليّ الكتب، ولو كنتم تحسون مثلي بهذا الإحساس لخلقتم الفرص للاتصال بي بالحديث وبالكتاب وبالزيارة.
أبنائي الأعزاء إن سروري أكثر من كل سرور بميل بعضكم لبعض، والحب الشديد الذي يربط بينكم. وإني أعزو ذلك إلى أثر حبي الذي أفضته عليكم، وأعزو إليه كل ما يستقبلكم من فوز ونجاح» (1) .
2) عناية مركزة بأحوالهم الاجتماعية والمادية، وتحريض الناس على احتضانهم، حتى يتفرغوا لرسالتهم العلمية.
__________
(1) – محمد علي دبوز ، نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة. ج3. صفحات 196/197. (1/77)
صفحة 78
3) تشجيعهم على مواصلة مسيرة التعلم دون الوقوف في منتصف الطريق، أو القناعة بمستوى غير مرموق. بل كان يحفزهم على تحمل الأخطار وعدم الاكتراث بالعقبات مهما كانت كأداء. ويزودهم بدعوات الخير ليفتح الله لهم من خزائن العلوم فيبلغوا فيها شأوا بعيدا. ومما قاله لأحد تلامذته الذي توجه للدراسة العليا في إحدى الدول الغربية، وقد كان هذا الطالب مترددا في أمره، يخشى عواقب المخاطرة، فشجعه الشيخ برسالة محفزة، ضمنها هذا البيت الحكيم:
وإذا العناية لاحظتك عيونها
(لا أقول لك "نَمْ" بل أقول:) "سِرْ" فالمخاوف كلهن أمان
4) ملء قلوب أبنائه إيمانا وصبرا وتضحية لشق غمار الحياة وتبليغ الرسالة بصبر وثبات وتحمل ما فيها من أهوال وتبعات.
5) تركيز حقيقة دورهم ورسالتهم في الحياة. ومما يبين ذلك ما قاله لهم في خطابه التاريخي يوم إنشاء جمعية القدماء: «أريد من كل واحد منكم أن يكون له أثر في المركز الذي يوجد فيه. لا أريد أبدا أن يكون كمية مهملة، تمرّ الشهور والأعوام ولا يحسُّ له أثر، ولا يُسمع له صوت، ولا يظهر له عمل. المشاكل في ميدان الحياة كثيرة، والخلافات بين الأفراد والجماعات تحدث كل يوم في كل قرية ومدينة، فاقتحموا ميادين الإصلاح. فضّوا المشاكل بالحلول المُرضية، وسوّوا الخلافات بالعدل والحكمة، فإنكم بذلك تفرضون وجودكم وتعرّفون بأنفسكم. وتحملون الناس على احترامكم، وتعلمون الأمة كيف تنقاد للمثقفين، وهذا لا يكون إلا بصفاء القلب، وطهارة الضمير، وإخلاص النية في القول والعمل. وإياكم والعنصرية فإنها الداء العضال... لا تكن غايتكم أن تسودوا ولا أن تتصدروا. وإنما عليكم أن تعملوا الخير لأنه خير وكفى. فإذا حُملتم على صدارة أو رئاسة، أو سيادة فلا تدفعوها فرارا من المسؤولية إن استشعرتم الكفاءة، بل أقدموا غير هيّابين ولا وجلين» (1) .
__________
(1) – محمد علي دبوز، نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، ج3، صفحات 206/207. (1/78)
صفحة 79
6) رعاية الموهوبين من الطلبة رعاية خاصة تختصر لهم الطريق وتشجعهم لبلوغ أعلى الدرجات. وقد يكون بعض هؤلاء الموهوبين من عائلات معوزة، فيسعى بجهود أهل اليسار للتكفل بنفقات تعليمهم ودعمهم إلى آخر المطاف (1) .
ثم يرسل هؤلاء النجباء في بعثات علمية خارج بلدهم للدراسات العليا، في تونس أو القاهرة أو غيرها. يقول الدكتور صالح الخرفي: «والبعثات العلمية من وادي ميزاب إلى تونس مظهر من مظاهر التكافل الاجتماعي في العلم والمال. فالبعثة تكون عادة على نفقة جماعية تتولاها العشيرة أو القرية التي ينتسب الطلبة إليها. وقد لا يتحمّل وليّ الطالب أية نفقة في مهمة طلب العلم، كما قد يتحمل هذه النفقة ذو سعة في المال ليست له بالطالب علاقة نسب أو قرابة. ويتم اختيار المبعوثين على أسس موضوعية تعود بالأساس إلى تفوقهم في الدراسة واستعدادهم للتوسع فيه خارج الجزائر» (2) .
ثم يضيف قائلا: «وأنا أحد الذين يدينون بالفضل لهذا النموذج الفريد من التكافل الاجتماعي، وهو ما ندعو إليه اليوم على صعيد الوطن العربي ونسميه بقومية المعرفة، وهو أن تكون مسؤولية الحصول على المعرفة مسؤولية جماعية يتكافل فيها العلم والمال، ويتساند فيها الغني والفقير، والمقتدر والعاجز. لأن حصيلة المعرفة في النهاية شاملة للجميع، وفي خدمة الكل، وليست مقتصرة على صاحبها» (3) .
__________
(1) – ينظر: محمد علي دبوز، أعلام الإصلاح في الجزائر، ج5، ص32.
(2) – د. صالح الخرفي، من أعماق الصحراء، ص18. ينظر أيضا: محمد علي دبوز، أعلام الإصلاح في الجزائر، ج5، ص33.
(3) – د. صالح الخرفي، من أعماق الصحراء، ص18. (1/79)
صفحة 80
7) حرص الشيخ بيوض الشديد على بلوغ الطلبة نهاية مراحل التعليم، وعدم انقطاعهم عن المسير، مهما كانت الأسباب، وقد كانت له جلسات عديدة وطويلة مع المنقطعين وأوليائهم لدراسة العوائق التي حالت دون إكمالهم مسار التعليم، والسعي الحثيث لعودتهم إلى حظيرة العلم. كما كان يحرض عامة الناس في دروسه على أن يوفروا لأبنائهم الجو المناسب للتحصيل، ويدَعوهم متفرغين للعلم، ابتغاء الأجر الأخروي أولا، وانتظار النفع العام للأمة والوطن أخيرا (1) .
8) عناية خاصة أيضا بالمنحرفين واتخاذ كل الوسائل لاحتضانهم حتى يعودوا إلى جادة الصواب، لأن خسارتهم ليست محدودة بأسرهم فحسب، بل هي خسارة لأمتهم ووطنهم جميعا. وأثر المنحرفين وخيم العواقب على جهود المصلحين والعاملين.
الجانب العملي في تربية الشيخ بيوض:
اهتم الشيخ بيوض بالربط بين النظري والعملي في برنامجه التربوي. سواء في مجال التحصيل العلمي الصرف أم في مجال التكوين النفسي والتأهيل الاجتماعي.
والشيخ يؤمن أن الطلبة لا يتعلمون بمجرد التلقين والحفظ، بل لا بد من ممارسة ترسخ المعلومات وتوضح المبهمات. ولا أجدى للطالب لإتقان علمه من التطبيق. فقد أنشأ نظام الجمعيات الأدبية ملحقة ببرامج الدراسة النظرية بالمعهد، وفيها يتدرب الطلبة على توظيف حصيلة معارفهم النظرية في مقالات وخطب وقصائد شعرية ومساجلات أدبية ومجلات ثقافية وإذاعة مسموعة. ويتدربون على الشجاعة الأدبية التي تؤهلهم لتحمل المسؤولية والتقدم إلى مواقع الصدارة بجدارة.
وسميت هذه الجمعية بجمعية الشباب، ترأسها الشيخ عدون. وكانت في بداية أمرها سرية، نظرا للرقابة الاستعمارية المشددة على نشاط الجمعيات.
__________
(1) – ينظر: محمد علي دبوز، أعلام الإصلاح في الجزائر، ج5، صفحات 31/32. (1/80)
صفحة 81
وكانت مجلة الشباب التي يصدرها طلبة المعهد مجالا رحبا لتباري الأقلام وتدريبها على الكتابة الأدبية، تناولت بالبحث والتحليل مختلف القضايا الفكرية والاجتماعية والوطنية.
ونضجت التجربة بمرور الزمن، وأثمرت أقلاما أدبية بارزة في الساحة شعرا ونثرا، ولا يزال أرشيف مجلة الشباب شاهد صدق، وصورة ناطقة عن ذلك النشاط الذي احتضنه معهد الشيخ بيوض وصهر فيه طاقات الشباب، فصقل الألسنة وثقّف العقول وسدّد الأقلام (1) .
يصف الشيخ حمو فخار أثر الجمعيات الأدبية التي «تدربنا على صهواتها في تحرير المقالات، وجربنا الهذيان بالشعر حتى قرضناه، والتطفل على النثر إلى أن أجدناه، وحاكينا الفحول في صوغ النشيد فأسلس قياده لنا، وأتينا بالرائع المفيد. ذلك الشيء الذي حقق لنا مستقبلا مرموقا زاهرا في مجال التأليف وعالم القريض. وما الأسماء اللامعة اليوم في سماء الجزائر من خرّيجي معهد الحياة إلا وليدة مجلة الشاب، الساحة الرحيبة لتدريب الأقلام» (2) .
كما شجع النشاط الرياضي والكشفي وباركه ودفع بأبنائه إلى هذه الميادين فبلغوا فيه مراتب ونالوا فيه شهادات بارزة على مختلف المستويات.
__________
(1) – من بين أبرز الأدباء الذين أنجبهم معهد الحياة، الدكتور صالح الخرفي، الدكتور محمد ناصر، الشاعر محمد الأخضر السائحي. الشاعر صالح باجو، المؤرخ محمد علي دبوز، الكاتب الإسلامي والمؤرخ الأديب علي يحي معمر، الأستاذ حمو فخار، الأستاذ سعيد محمد (كعباش). وغيرهم كثيرون.
(2) – حمو بن عمر فخار، دور معهد الحياة في الإصلاح. بحث مرقون بحوزتي. ص7. (1/81)
صفحة 82
والمجال الأهم في التربية العملية إنشاء الشيخ لنظام البعثات العلمية التي تفد إلى القرارة من خارجها. إذ خصص لهم دارا تأويهم ومسؤولين يرعونهم ويُعنَوْن بمصالحهم. ويرى الشيخ حمو فخار أن دار البعثات أو داخلية الحياة ثكنة جنود بأتم معنى الكلمة، وأن التكوين فيها هو أهم تربية يُحظى بها طالب المعهد (1) .
كان الطلبة في فجر نشأة البعثة من الكبار البالغين، ممن أنهوا مرحلة التعليم الابتدائي، ولم يكن يسمح لمن دونهم بالالتحاق بها، والطالب في هذه السن يكون قادرا على التكفل بنفسه، وتلبية مطالبه. فكان المعتمد الأساس في قضاء حوائج الطلبة هو الاعتماد على النفس. والتعود على شظف العيش، والتدرب لتقلبات الأيام. وعدم الاستنكاف عن أي عمل يكلّف به الطالب مهما كان مهينا في نظره، اعتمادا على الشعار الحكيم "سيد القوم خادمهم".
__________
(1) – حمو بن عمر فخار، دور معهد الحياة في الإصلاح. بحث مرقون بحوزتي. ص7. (1/82)
صفحة 83
ولضمان التطبيق الصارم لهذا الأسلوب، يعلق برنامج دقيق للخدمات العامة للجماعة، فيها يتولّى الطلبة أعمالا يومية وأسبوعية وشهرية وموسمية، ويقوم كل طالب بمهمته بانتظام وتوزيع دقيق ومحكم للمسؤوليات (1) .
__________
(1) – من الأعمال اليومية للطلبة في الداخلية إعداد الطعام بالتداول، واستمر الحال على ذلك إلى سنة 1941هـ، إذ كثر عددهم فخصص لهم طباخ يتولى هذه المهمة، وتعينه مجموعة من الطلبة. وكان سقي الماء العذب أيضا من المهمات اليومية. قبل تفجير العيون الارتوازية في القرارة، سنة 1948. إضافة إلى تنظيف الدار، ونقل الأوساخ خارجها. ومن الأعمال الأسبوعية تنظيف الغرف وإخراج كل الفرش إلى سطح الدار وغسل ثياب، وكسر الحطب للوقود وهذا قبل مجيء الغاز الطبيعي. أما الأعمال الشهرية فمنها قطع جذوع النخل ونقلها من الغابة إلى مكان مخصص لتجفيفها ثم تقطيعها بعد ذلك. ومن الأعمال الموسمية تأبير نخل البعثة وقطعه، ونقله وتخزينه في موسم الجذاذ. والمشاركة في الحملات التطوعية للبلدة كلما دُعُوا إليها.
بحث حول "تاريخ داخلية الحياة" من إعداد طالب خريج معهد الحياة. (1/83)
صفحة 84
ولئن كان المعهد مركز تكوين نظري للطلبة في مختلف العلوم، فإن داخلية الحياة ميدان تطبيقي لما يتلقاه من توجيهات خلقية عالية، وتدريب لهم لخوض غمار الحياة العملية، ليجمعوا بين العلم الصحيح والعمل الجاد والدؤوب، في التعليم والإدارة والصناعة والتجارة. وهذه النظرة هي الطريق الأصوب لتحقيق النهضة المنشودة، «فنهضات الشعوب لا يمكن أن تكون فكرية وعلمية فحسب، بل لا بد أن تحميها النهضة الاجتماعية والاقتصادية، فالتكامل والشمول هو الذي يضمن لها البقاء والاستمرار والتوازن والاكتفاء. ولذلك رأيناهم رغم الحاجة الملحة للمعلم لا يضيقون بدخول بعض المتخرجين في العمل الاقتصادي إذا كانت ظروفهم العائلية تقتضي ذلك، ولم يسقطوا يوما من حسابهم أهمية الإصلاح في الميدان الاقتصادي، ولا أقول: إنهم أهملوا الجانب العملي، ولكنهم وازنوا بين الإمكانات والمطالب فقرروا الأولويات تبعا لذلك. وقد نجحوا في ذلك إلى حد بعيد، فكانت نهضة الإصلاح متوازنة ومتكاملة كما نشاهد اليوم. والحمد لله. وهذا فيما أعتقد هو الهدف الذي ترمي إليه المدرسة الجزائرية اليوم بربط التعليم بالتنمية» (1) .
وفي دار البعثة يلتزم المنتسب بالنظام الصارم في الحياة اليومية، بدءًا بالقيام لصلاة الفجر جماعة حتى آخر ساعة في المساء، ينتقل بينها من دراسة إلى مطالعة إلى أعمال جماعية إلى نوم واستراحة إلى أكل ونظافة، وهكذا دواليك. وإن كان برنامج آخرالأسبوع متميزا بالذهاب إلى البساتين للاستجمام أو غسل الثياب أو الرياضة.
وفي البعثة يتدرب الطالب أيضا على الاقتصاد في المعيشة. ويرى بأم عينيه أيادي المجتمع ومساعداتهم له ليجتهد في التحصيل، ويقدّر النعمة قدرها ويعرف لأهل الفضل فضلهم، فيسعى لرد الجميل بخدمة الناس ورعاية المحتاجين جزاء وفاقا.
__________
(1) – بحث حول تاريخ داخلية الحياة. أعد بمناسبة الذكرى السبعين لنشأة معهد الحياة، من أحد خريجي المعهد. البحث مرقون بحوزتي. ص 5. (1/84)
صفحة 85
وقد كان للبعثة العلمية أدوار مرت بها عبر تاريخها الطويل، حسب تطور الزمن وتنامي أعداد أفرادها، واستحدثت بها أنظمة تواكب هذا التطور وتسعى لتوفير الجو المناسب للطالب حتى يتفرغ لرسالته العلمية بكل طمأنينة وراحة بال.
وتولّى رئاسة البعثة خريجوها من تلامذة الشيخ المخلصين، وإن ظلت دوما تحت رعاية الشيخ بيوض واهتمامه، يوليها ما تستحق من عناية خاصة تناسب شعور الطالب البعيد عن أهله ووطنه المتفرغ لرسالته العلمية، الطموح لبلوغ أعلى المراتب والدرجات. فكان الشيخ يخص أبناء البعثة بمودة خاصة وينفحهم بزيارات متوالية، ويتابع أخبارهم ويحل مشاكلهم كلما دعت الحاجة إلى ذلك. ويزودهم بتوجيهاته في لقاء الوداع قبل العودة إلى أوطانهم آخر كل سنة دراسية (1) .
كما تميزت تركيبة أفراد البعثة من عناصر مختلفة المشارب والمواطن، ومتفاوتة النفوس والمواهب، فهم يكوّنون مجتمعا صغيرا بكل ما تحمله كلمة المجتمع من معان وخصائص. والحياة في هذا المجال فرصة ثمينة للتدرب على خوض غمار المجتمع الكبير بعد التخرج، والنزول إلى الميدان.
ولم يخل جو البعثة من النشاط الأدبي شبيها بنشاط المعهد في دروسه النظامية وجمعياته الأدبية، مما أضاف فرصة لأبناء البعثة في التكوين ورصيدا في المعرفة والتجربة. ونشطت الفرق المسرحية والمجلات الحائطية والإذاعة المحلية، وازدهرت سوق الإنتاج الفكري والمطارحات والمساجلات، فأفاد منها الطلبة فوائد لا تقدر بثمن (2) .
يصف الشيخ حمو فخار الجو الداخلي في هذه الدار إذ فيها «تعلمنا تحمل المسؤولية وخدمة الجماعة فطرقناها بابا بابا، من إماطة الأذى من المرحاض والإسطبل، إلى تلقين كلمة "لا إله إلا الله" للبالغ والطفل، ومن غسل الأواني وتسلق جذوع النخل، إلى تقلد رئاسة الداخلية، وما بين ذلك كثير ...
__________
(1) – المرجع السابق، ص 8. و ص13.
(2) – المرجع السابق، صفحات 10/11. (1/85)
صفحة 86
وفي الدار عرفنا أن الدنيا تؤخذ غلابا، وأن سيد القوم المتغابي لا الغبي ... حيث عايشنا فيها نماذج السلطة والحكم وبلوناها، من استبدادية وديمقراطية، وميكافيلية وفوضوية، وحزبية ...
فلو جاز لشاب أن يتفصى من الخدمة الوطنية –وليس ذلك من رأينا- لأبيح لمن ترعرع في مثل هذه الداخلية (1) .
لأجل هذه المميزات، كان للنظام الداخلي في دار البعثة أثر هام على نهضة ميزاب العلمية ومسيرتها الإصلاحية، وعلى الجزائر وخارج الجزائر أيضا. فقد تخرج فيها رجال تولوا مهام بارزة في حقول العمل الديني والعلمي والاجتماعي والإداري والسياسي، فكان منهم الإمام والقاضي، والوزير والسفير، والمدير والدكتور، والتاجر والصناعي، والفلاح والعامل. وكانوا جميعا رسل خير ونماذج تحتذى في مواقع عملهم وميادين جهادهم. وكلهم يعزو الفضل في نجاحه إلى أسلوب التربية الذي نشأ عليه في دار البعثة وتوجيه الشيخ بيوض وتلامذته الذين رباهم الشيخ فكانوا معه أساتذة بمعهد الحياة، وواصلوا المسير بعده في بناء الأجيال، وفق منهج القرآن ومفهومه للحياة كما عناه الحق بقوله: { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ } (2) . ولأجل ذلك سمّى الشيخ بيوض معقله الشامخ "معهد الحياة".
د. مصطفى صالح باجو. قسنطينة 25 فبراير2000
ـــــــــــــــــــــــــــــ
مصادر البحث:
1. إبراهيم بيوض، أعمالي في الثورة، نشر جمعية التراث، القرارة، غرداية.
2. أبو العباس أحمد بن سعيد الدرجيني، طبقات المشايخ بالمغرب، دار البعث، قسنطينة. د.ت.
3. ابن منظور، لسان العرب. من القرص المدمج: الموسوعة الشعرية، الإصدار 1.0. المركز الثقافي، أبو ظبي. الإمارات العربية المتحدة.
__________
(1) – حمو بن عمر فخار، دور معهد الحياة في الإصلاح. بحث مرقون بحوزتي. صفحات7/8.
(2) – سورة التوبة، آية24. (1/86)
صفحة 87
4. بكير بن سعيد أعوشت. الإمام إبراهيم بيوض وجهاده الإسلامي في الجزائر. المطبعة العربية. غرداية. 1987.
5. تاريخ داخلية الحياة . بحث من إعداد أحد خريجي معهد الحياة، عاش في داخلية الحياة بين سنتي 1937و1947م. ولم أجد اسمه في البحث.
6. جمعية التراث. في رحاب القرآن. المهرجان والتأبين. طبع المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية. الرغاية. الجزائر. 1989. وفيه خطب ومقالات حول تاريخ الشيخ بيوض.
7. حمو بن عمر فخار، دور معهد الحياة في الإصلاح. بحث مرقون بحوزتي.
8. سعيد إسماعيل على، دكتور. الأصول الإسلامية للتربية. دار الفكر العربي، القاهرة. 1412هـ/1992.
9. سعيد شريفي (الشيخ عدون)، معهد الحياة، نشأته وتطوره. المطبعة العربية، غرداية. 1989.
10. د.صالح الخرفي، من أعماق الصحراء. دار الغرب الإسلامي. بيروت .لبنان. 1992.
11. محمد علي دبوز- أعلام الإصلاح في الجزائر، - ج1، مطبعة البعث، قسنطينة، 1394هـ/1974م. - ج2، 1396هـ/1976م. - ج3، 1398هـ/1978م. - ج4، 1400هـ/1980م.
12. محمد علي دبوز، نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، ج3، ط1. المطبعة العربية، الجزائر. 1389هـ/1969م.
بسم الله الرحمن الرحيم
الإمام الشيخ بيوض إبراهيم في الوثائق السرية الفرنسية
هذه المداخلة تتعامل مع السرِّي، وتلجُ إلى أغوارِ المجهولِ والممنوع في الماضي، المعلومِ والمسموحِ به في الحاضر، وقد تتحوَّل إلى الواجب دراستُه واستخلاص العبر منه في المستقبل الدنيوي القريب، ولا مراء أنَّها ستؤُول إلى كتابٍ منشورٍ يؤمر صاحبه يوم القيامة بقراءته، فيقول له الحقُّ سبحانه: { اِقْرَأ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ اليَومَ عَلَيكَ حَسيبًا } (1) .
__________
(1) ـ سورة الإسراء: 14 (1/87)
صفحة 88
... ورجائي أن لا أُطالَب بنُسخٍ من الوثائق، إلاَّ لغرض الدراسة العلمية المنصفة، وإلاَّ فإنَّ مثل هذه الوثائق لم تُجعل للمطالعة البسيطة، وكلُّ رجائي أن تكون مداخلتي هذه - كأوَّل عملٍ في هذا المجال - من الصنف الأول.
من هو رجل الوقت..؟
سؤالٌ طرحه الأديب الشيخ حمو بن عمر فخَّار في الأربعينيات من القرن الغابر، ورصَّع صفحتين من تراثه القيِّم بجوابٍ شافٍ مقنع، يجدُر بمن يهتمُّ بمسيرة الإسلام في جزائر عهد الاحتلال الفرنسي، أن يطَّلع عليه، في الكتاب الذي صدر بهذه المناسبة، بعنوان: كان حديثًا حسنًا.
وإن جازَ لي أن أصوغ سؤالاً على منواله، يليق مدخلاً لمداخلتي هذه، فسيكون كالآتي:
من هو مجدِّد العصر..؟
وأعني بالعصر معناه الشامل الذي يستمدُّ الروح من الماضي، والصورة من الحاضر، والفكر من المستقبل... أعني بالعصر ذلكم المعنى العميق الوارد في قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - : «سيبعثُ الله على كلِّ رأس مائة سنةٍ من يجدِّد لهذه الأمَّة أمرَ دينِها».
إذن، فمن هو مجدِّد هذا العصر..؟
ليس أسهل من اختزال الجواب واستعجالِه، ذلك أنَّ الذهن ينصرف دومًا أثناء الحديث عن المُجدِّد إلى الفقيه أو المحدِّث أو المفسِّر... إلخ، حتَّى ولو كان من أسرى المكاتب والمكتبات، وأحيانًا يقصر المؤرخون سِمَة التجديد في القادة السياسيين والعسكريين، وهم بالتالي يمجِّدون ظلَّ السيوف ودِفءَ القصور...
ولعلَّ القطب الشيخ امحمَّد بن يوسف اطفيَّش، مُجدِّد هذا القرن الرابع عشر للهجرة، التاسع عشر للميلاد، قد استطاع أن يضبط مفهوم التجديد في ثلاثٍ: العلم، والعبادة، والجهاد، وفي هذا يُنشد (1) :
ولولا ثلاثٌ هنَّ: تعليمُ جاهلٍ ... ... وخدمةُ ربِّي، والجهادُ لِذِي الكُفرِ
لما كنتُ أخشَى الموتَ، والموتُ لازمٌ ... ... وإلاَّ فما الحياةُ والمرءُ في قَهرِ
__________
(1) ـ في القصيدة بدر، (مخطوطة)، ضمن مجموع، مكتبة الاستقامة (ف- 1)، 23. (1/88)
صفحة 89
وإن كانت الظروف، والوضع العامُّ للأمَّة لم يسمحَا له بمواصلة محاولته الفعلية للجهاد بالسيف، التي قمعها المستعمر في مهدها (1) ، غير أنَّه برع في الجهاد بالقلم.
أمَّا الدكتور علي عزَّت بيجوفيتش، الذي أعتبرُه مُجدِّد هذا القرن في العالم الإسلامي قاطبةً، بعد دراسةٍ متأنِّيةٍ لفكره، إذ استطاع أن يوفِّق بين العلم والعمل، وبين التنظير والتنفيذ، فيصفُ المجدِّد الأصيل بقوله: «الإسلام لا يعرِف كتاباتٍ دينيةً (لاهوتية) معيَّنة بالمعنى المفهوم في أوروبا للكلمة، كما أنَّه لا يعرف كتاباتٍ دُنيوية مجرَّدة، فكلُّ مفكِّرٍ إسلاميٍّ هو عالمُ دينٍ، كما أنَّ كلَّ حركة إسلاميةٍ صحيحةٍ، هي حركةٌ سياسية» (2) .
ولا أملك، وأنا أتناول شخصية الإمام الشيخ بيُّوض، وحركته الإصلاحية المباركة، إلاَّ أن أرسم صورةً لشخصية مجدِّدة، وحركةٍ صحيحةٍ رائدةٍ؛ وسأستقي في تحقيق هذا العمل الفنِّي، بوثائق شارك في استنساخها باحثون وتُجَّار، غيورون على التاريخ والتراث، من مكتبة أكس Aix-en-Provence بفرنسا، قرب مدينة مرسيليا، تُعرف بوثائق ما وراء البحار Outre mers، أو وثائق المستعمرات.
وقد صرَّح الباحث صالح بن ادريسو، أنَّ عملَ سنةٍ في تجميع الوثائق التي تخصُّ الشيخ بيُّوض، وتتابُع الحركة الإصلاحية، غيرُ كافٍ، لكثرتها وتنوُّعها وصعوبة ترتيبها وتصنيفها (3) .
__________
(1) ـ وانظر - مصطفى ناصر وينتن: آراء الشيخ اطفيش العقدية، تنشر جمعية التراث، القرارة، الجزائر، 1417هـ/1996م، ص 37.
(2) ـ الإسلام بين الشرق والغرب، نشر النور الكويتية، ومؤسسة بافارا، 1414 هـ/1996م، ص 37.
(3) ـ وللباحث صالح بن ادريسو، الذي تحصَّل مؤخرًا على دكتوراه من باريس، جهود مشكورة في تجميع الوثائق، وله مشاريع معتبرة، من الواجب علينا دعمها، واستثمارها. (1/89)
صفحة 90
وسأكتفي في هذه العُجالة بقراءةٍ أفقية، لوثائق مؤرَّخة ما بين 01 أكتوبر 1934م و30 جانفي 1949م، وهي عيِّنة صغيرة، تفتح الشهية، ولا تُغني من جوع.
مكتوبٌ على وجه الصفحة الأولى لكل وثيقة باللغة الفرنسية بخط غليظ: SECRET أو CONFIDENTIEL، بمعنى: سرِّي، أو سرِّي للغاية... وتحمل خواتم للإرسال والاستقبال، من وإلى هيئاتٍ عسكرية وإدارية فرنسية، من مختلف مناطق الوطن.
فالوثيقة الأولى: وقَّعها القائد بالملحق العسكري بغرداية، فيقورو Vigourous، مؤرَّخة في 01 أكتوبر 1934 مُرسَلة إلى القائد العام يُخبره فيها أنَّ الشيخ بيُّوض غادر القرارة لمدة شهرين، وهو ينتقل بين مدن التلِّ، يجمع الشباب الميزابي، وينشُر بينهم مبادئ جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، ويُحرِّضهم على الانخراط فيها، وهو –كما يقال- «حاليًا في العاصمة، يحاول أن يُنظِّم زيارةً لوفدٍ من الجمعية إلى ميزاب»، ثمَّ يردِّد فيقورو محذِّرًا: «لا يخفَى خطرُ مثل هذا العمل، الذي يجب أن يُمنع، وأوَّل خطوةٍ هي الوقوف أمام الوفد، حتى لا يذهب إلى ميزاب، ومثل هذا يسيرٌ على السلطات الفرنسية في العاصمة».
ثمَّ ينبه إلى كون الشيخ بيُّوض «عضوًا في حلقة العزابة بالقرارة، يحمل أفكارًا وروحًا معاديةً لفرنسا (a tournure d’esprit antifrancaise)».؟؟؟؟؟
أمَّا الوثيقة الثانية: فهي عبارة عن تقريرٍ أعدُّه الشرطة بمدينة باتنة، يوم 05 نوفمبر 1934م، وفيها متابعةٌ دقيقةٌ لحركة الشيخ بيُّوض في المدينة، يقول صاحبها:
«أُعلِمكم أنَّ محاضرةً وقَعَت على الساعة الثامنة والربع ليلاً (8:15) في المجمع الفرنسي الإسلامي، حضرها حوالي مائتين، أغلبهم ميزابيون، وقد ألقى المدعو مسعوداني الطاهر- إمام المسجد- كلمةً رحَّب فيها بالمحاضر، ووَصَفَه بأنَّه مسلمٌ حقًّا، وملتزمٌ بمبادئ الدين الحنيف. (1/90)
صفحة 91
الشيخ بيُّوض المحاضر، شيخُ هيئة العلماء الميزابيين، تناول الكلمة شاكرًا هو الآخر الحضور المكثَّف.
وقد شرح في كلمته الشعار المكتوب في باب نادي الإصلاح، ثُمَّ دعا الميزابيين إلى توطيد العلاقات مع سكان باتنة، والمشاركة في الجمعيات والتنظيمات بالنفس أوَّلاً، والمالِ ثانيًا، وذلك أضعفُ الإيمان.
وذكر أنَّ هؤلاء وأولئك ليسوا إلاَّ مسلمين، قرآنهُم واحد، ودينُهم واحد، لا فضل لأحدٍ على آخر إلاَّ بالتقوى.
ثمَّ أعلن القاضي عبد القادر بعد نهاية المحاضرة أنَّ الدكتور سعدان سيكون في باتنة من يوم السبت المقبل، وهدفُ زيارته شكرُ منتخبيه.
ولقد تمَّ هذا اللقاء على الساعة التاسعة والنصف (9:30) دون أيِّ حادث يُسجَّل».
والوثيقة الثالثة: والمؤرخة بـ 05 جانفي 1935م، وقعها فيقورو Vigourous، من الملحق العسكري بغرداية، يذكر فيها أنَّ الشيخ بيُّوض هو شيخٌ وعضوٌ في حلقة العزابة بالقرارة، ثمَّ يقول عنه: «إنَّه متعنِّت، ومتشبثٌ بأفكاره الجديدة، وهو يحاول أن يحقِّق الانسجام والتنسيق بين الميزابيين والحركات الجزائرية الأخرى».
ثمَّ يضيف: «الشيخ بيُّوض مثقَّفٌ ذكيٌّ، وصديقٌ حميم لأبي اليقظان – مدير جريدة الأمَّة (1) - وهو عضو نشيط ومحرِّك في جمعية العلماء، والذي ربطه بهذه الجمعية هو أبواليقظان، بطريقة خفيَّة تُبعد أعيُن المراقبة عنه.
له في القرارة نفوذ وأثرٌ كبيرٌ، وهو يحاول بكلِّ وسيلةٍ تحطيم أتباعنا الذين يناهضون هيئة العلم...».
__________
(1) ـ يلاحَظ أنَّ جريدة الأمَّة للشيخ أبي اليقظان كانت تحت الرقابة الدقيقة، وتوجد الكثير من الوثائق، تحمل ترجمةً إلى اللغة الفرنسية، للنصوص والأخبار المعادية لمصالح فرنسا. (1/91)
صفحة 92
والوثيقة الرابعة: يوقِّعها القائد العام، في 18 جانفي 1935م، عنوانها الأساس: «الطلبة الإباضية الأجانب»، يقول فيها: «جاء القرارةَ طالبان إباضيان، لغرض متابعة الدراسات القرآنية، ويجب أن نتنبَّه إلى خطورة العلاقة التي تربط إباضية ليبيا بإباضية ميزاب.
وحسب المعلومات التي وصلتني، فإنَّ الشيخ بيُّوض هو الذي سيتكفَّل بهما، ماديًّا ومعنويًّا ... هذا المشاغبُ الذي اقترحنا مُسبقًا أن يُدرج اسمُه في الدفتر ( B)، ويجب أن يُتابَع متابعةً سرِّية، ولكن متواصلة، لسبب مواقفه التي لا تخدم مصالح فرنسا، ورغبتِه الأكيدة في وحدة المسلمين...
ومن جهةٍ أخرى فإنَّ كلَّ الشباب الذين يَفِدون إلى القرارة، يُتخذُّون وسيلةً لربط أواصر العلاقة بين ميزاب وليبيا...».
والوثيقة الخامسة: عبارةٌ عن ملفًّ في ثماني صفحات حول قضية «المحراب» ببريان، والتي كانت أحداثها في شهر ماي سنة 1935م.
وفيها اتُّهم الشيخ بيُّوض بالتحريش والفوضى باسم الدين والقِيَم، واتُّهم طلبتُه وأتباعه بالطيش، وخُصَّ من بينهم بالذكر: محمد بن محمد بن الحاج داود، وبودي عمر بن سليمان، ودبوز محمد بن الحاج علي، ومرموري محمد بن الحاج إبراهيم.
ذكَرَت الوثيقة أسماءَ الشهود الذين اتَّهموا الشيخ وتلاميذه، وفصَّلت في عرض موقعهم الاجتماعي، كما خصِّصت للتلاميذ – المشاغبين – عُروضًا دقيقة كُلاَّ باسمه، بعدما تَمَّ استجوابهم واحدًا واحدًا.
وتعود بنا الوثيقة السادسة إلى باتنة، في رحلةٍ قام بها الشيخ بيُّوض يومي 27 و 28 فيفري 1936م، واستُقبِل عند المدعو أزقاو عمر، ومسعود بن حمو، عضوا مكتب الميزابين بباتنة. (1/92)
صفحة 93
وفي هذه الرحلة سعى الشيخ لإقناع الميزابين بأنَّ قواعد الشريعة الإسلامية لا تمنع ممارسة السياسة، ومثَّل بالشيخ عبد الحميد بن باديس رئيس جمعية العلماء المسلمين الذي يأخذ من الدين بطرف متينٍ، ولم يمنعه من إدارة الجمعية التي تعمل في حقل السياسة، وِفقَ المبادئ الدينية.
وقد جُمع في اللقاءين مبلغُ أربعمائة فرنك فرنسي تبرُّعا، لدعم الحملة التي يقودها الشيخ بيُّوض في الشرق الجزائري».
وأبدى صاحب التقرير تعجُّبه من كون الجلسة الثانية، التي جرت في سرِّية تامَّة، بدأت يوم 28 فيفري على الساعة العاشرة ليلا، ولم تتمَّ إلاَّ على الساعة الثانية زوالا من يوم غد» (1) .
ونقرأ في الوثيقة السابعة تقريرًا مفصَّلاً عن جمعية الإصلاح بغرداية، التي جدَّدت مكتبَها يوم 15 مارس 1936م، وِفق المادة 07 و08 من قانون الجمعيات، وفيها تعيين للمكتب الجديد على النحو الآتي:
بابكر صالح بن قاسم ... ... ... رئيسا.
بغباغة أحمد بن حمو ... ... ... نائبا للرئيس.
حدبون الحاج صالح بن إبراهيم ... ... أمينا للمال.
دادي واعمر الحاج إبراهيم ... ... كاتبا.
أعوشت سعيد بن بكير ... ... ... نائبا للكاتب.
دادي واعمر محمد، وبوكرموش بكير، ورمضان صالح، وحواش إبراهيم بن الحاج بكير، وعوف يوسف ... ... ... ... أعضاء إضافيين.
ثمَّ عرض التقرير معلوماتٍ مفصَّلة عن كلِّ عضو: نشأته، ودراسته، وانتمائه الحركي...
ولعلَّ الفكر الإصلاحي هو السِّمة المشتركة بين جميع الأعضاء، ولا يَفوتُ الكاتب أن يصف جمعية الإصلاح بأنها «تهتمُّ بالقضايا السياسية، مع ميولٍ معادية لفرنسا، وتبعيَّةٍ واضحةٍ للشيخ بيوض، ولذا ينبغي وضعُها تحت الرقابة الخاصَّة».
__________
(1) ـ أي دام الاجتماع حوالي: ست عشرة ساعة. (1/93)
صفحة 94
وآخر وثيقة في هذه المداخلة، بمثابة كلمةٍ وقَّعها الشيخ بيُّوض ، بصفته نائبًا في المجلس الوطني بتاريخ 30 جانفي 1949م، ويبدو أنَّه ألقاها في الدورة. يذكر فيها أنَّ برقياتٍ عديدة وردت إليه تشتكي من التواطؤ بين رئيس الملحق العسكري بغرداية والسلطات المدنية في ميزاب، ثمَّ يطالب بالعدل وأخذِ الحقِّ للمواطنين، ثمَّ يُلمِّح إلى قضيَّة الآبار في ميزاب التي وصفَها بالمشكل الخطير للغاية.
ولا نملك في الأخير إلاَّ أن ندعو الطلبة والباحثين إلى إعداد بحوثٍ معمَّقة في تاريخ الحركة الإصلاحية، وبخاصة تاريخ العلاَّمة المجدِّد: الشيخ بيُّوض، بناءً على الوثائق الفرنسية، لأنَّها أصدَقُ شاهدٍ للشَّيخ وللحركة الإصلاحية، وأجرَأُ مسكتٍ لشانِئِيه من الزعانف، الذين يقرؤون التاريخ بنظرة ضيِّقة.
ثمَّ ندعو القرارة قاطبةً إلى تجنيد الإمكانات اللاَّئقة بمقام الشيخ بيُّوض، في محاولة لبناء صرح الدراسات البيُّوضية التي ستكون -ولا شكَّ- فتحًا مبينًا للجزائر في نهضتها الحديثة.
محمد بن موسى بابا عمي
الجزائر 05 ذو الحجة، 1420هـ/ 10 مارس، 2000م
بسم الله الرحمن الرحيم
الإمام إبراهيم بيوض من خلال رسائله
إعداد الأستاذ بالحاج بن سعيد شريفي
كان أستاذنا الإمام الشيخ بيوض رحمه الله عالما فقيها، متضلِّعا في علوم الشريعة، كما كان أديبا ألمعِيًّا وخطيبا مصقعا، متفنِّنا في مجالات الفصاحة والبيان. وكان معلِّما مربِّيا ومرشدا حكيما، كما كان إماما في الإصلاح العام وفي إعداد الرجال لحياة طيِّبة كريمة. لم يحبس نفسَه لتأليف مطوَّلات الكتب مثل بعض العلماء الذين خلَّفوا تراثا ضخما مكتوبا، بل نذر نفسه لتربية النشء وإصلاح المجتمع. وكان يقول: إنَّ جهودي وأعمالي وآثاري أقيمها وأبقيها في الرؤوس لا في الطروس. (1/94)
صفحة 95
وإذا أردنا أن نعرف الإمام حقَّ معرفته فإنَّنا نجد ذلك في دراسة مآثره الحسنة، فيما أقامه من مؤسسات دينيَّة وتربويَّة واجتماعيَّة، وفيما قام به تلاميذه من بعده في اقتفاء مناهج عمله في الحياة وترقية مشاريعه التي كان يؤسِّسها على تقوى من الله ورضوان. ونجدها أيضا فيما خلَّفه من تراث علميٍّ وأدبيٍّ في دروس التفسير المسجَّلة، وفي فتاواه ومقالاته المنشورة، وفي رسائله التي كتبها بقلمه البليغ، وهي تُبرِز بحقٍّ فِكره، وتجلو بصدق شخصيته وفلسفته في الحياة.
وأحاول في هذا العرض أن أنتقي من بعض رسائله التي بين يديَّ ما يتعلَّق بترجمته الذاتيَّة وما يكشف عن بعض مبادئه وآرائه في ميدان التربية والتعليم وعلاقاته بأبنائه من تلاميذه، وعن أساليب جهاده في ميدان الإصلاح الدينيِّ والاجتماعيِّ والسياسيِّ ومعاملته لإخوانه ورفقائه في دروب الكفاح.
ففي رسالة موجَّهة في مارس 1965 إلى مسؤول، بأسلوب إداري بسيط، لخَّص في فقرة موجزة حياته وكتب يقول:
« (1/95)
صفحة 96
... أمَّا من حيث الوطنية فإنَّ كفاحي للاستعمار في الصحراء المضاعف بالحكم العسكريّ طوال خمسين عاما بدون هوادة، في سبيل نشر الدين الإسلامي، وكتابه الكريم، ولغته الفصحى طوال هذه المدَّة، وعملي لإصلاح ذات البين، ومحو آثار العصبيَّة البغيضة، ظاهرة ليست بحاجة إلى دليل. كان كلُّ ذلك مع ما ألاقيه في طريقي دائما من متاعب ومصاعب ومكائد تعرَّضتُ فيها مرارا كثيرة للموت، فقد تكرَّرت محاولة اغتيالي من خصوم أدنياء مرَّات عديدة، حفَّت بي عناية الله ورعايته فيها أنقذتني إلاَّ من إصابات خفيفة، لم يكن لها كبير خطر. ولم يكن لي قطُّ في هذه الدنيا خصوم على مال ولا نشب، ولا درهم ولا دينار، فقد تركتُ الدنيا لأهلها. وإنَّما عملي كان منذ نعومة أظفاري لإعلاء كلمة الله وبثِّ مبادئ الدين الصحيحة ومحاربة البدع والخرافات، والظلم والاستبداد، والفسوق والفجور والتحلُّل والتفسُّخ بتقليد الغرب في رذائله ومخازيه. هذا هو ميدان كفاحي وجهادي، وفيه فقط تكوَّنت لي العداوات والخصومات من طرف الحكَّام العسكريِّين وأذنابهم، وصنائعهم من الموظَّفين الذين يعيشون على فُتات موائدهم، ومن بعض الخرافيِّين المنتسبين للدين، فلم يألوني كيدا ومكرا، ولكنَّ الله سلَّم، فلله الحمد والمنَّة...».
ومن رسالة للإمام إبراهيم بيوض بتاريخ 8 أكتوبر 1947 أجاب بها طالبا تغرَّب للدراسة في بلد أجنبيٍّ، وكان الطالب كتب إلى أستاذه الإمام يشكو حاله وضيق نفسه من وحشة الغربة، ومرارة العيش، وبقائه وحيدا غريبا بعيدا عن أهله وأصدقائه. فكتب إليه الإمام قائلا:
« (1/96)
صفحة 97
أي بُنيَّ، سرَّني قوَّة أسلوبك بقدر ما ساءني ضعف نفسك ورقَّة قلبك، واستسلامك للأوهام تُجسِّم لك الخيال، وتصوِّر لك من الحبَّة قبَّة، ومن العصا حيَّة، ومن الحبل أرقمًا. لست معك ولن أكون معك، ولا مع من آزرك على هذه الفلسفة الصبيانية: الإهانة، الكرامة، ضياع الوقت والتعب المضني، والكلمة الجارحة، وإلى آخره. (1/97)
صفحة 98
أنا واقعي، فلسفتي واقعية، أُجَابِه حقائق الحياة، وأقدِّر الظروف قدرها، وأَلبِس الأيَّام على عِلاَّتها، ولا أكلِّفها ضدَّ طباعها، وآخذ العفو وأعرض عن الجاهلين. أمتطي الصعاب إلى غايتي، وأركب الأسنَّة إلى غرضي، وأتجرَّع الصبِر لشفاء علَّتي. ضحوك السنِّ مَرِح الفؤاد، طَلْقَ المحيَّا كيفما كانت الأوزار التي تُنقِض ظهري، مؤمن بأنَّ السعادة من النفس، لا ممَّا أحاط بالنفس، مطمئنَّ القلب أبدا بذكر الله، ألا بذكر الله تطمئن القلوب. كذلك أرجو أن تكونوا، يا من أَبَوْتُهُ زمنا، وحضنته أمدا، أهذِّبه وأزكِّيه وأعلِّمه الكتاب والحكمة. أسكب من سماحة نفسي في نفسه، وأفرغ من إيمان قلبي في قلبه، وأريه الصبر والجَلَدَ والحِلمَ والاحتمال في مختلف صورها وأشكالها. فما لنفوسكم لا تتشرَّب هذه المبادئ الساميَّة، وهي كلُّ العُدَّة في هذه الحياة، وقد رأيتم رأي العين أثرها في مغالبة الصعاب وتذليل العِقاب وفتح موصد الأبواب؟ وما لحاسَّة حسن التقدير فيكم ضعفت هذا الضعف المشين، وقد رأيتم عين اليقين نجاح من مُنحها، وخيبة من حُرِمها في كلِّ ميدان من ميادين الحياة. لقد ظننتم أنَّ المعرفة هي كلُّ العُدَّة في هذه الحياة. ألا فلتعلموا أنَّها أضعف العُدَّتين. فإنَّ أقواهما الخلق المتين. لقد غرَّكم سبق رجال في ميادين العرفان ظننتم أنَّهم المعدن الكريم والذهب الثمين، وأنَّهم الفائزون بالحسنيين. وما يدريكم عمَّ تتكشَّف فتنتُهم إذا فُتِنوا في ميادين الأعمال. إنَّهم، والله، أوَّل الساقطين وطليعة المنهزمين وإن لم يكونوا على خلق عظيم. ولا أجدى على المتعلِّم من رياضة النفس المبكرِّة المتمشِّية مع أطوار الدراسة ومراحل العمر، ولا أنفي للزغل والخَبَث عن معدنه، إن كان كريما، من فتنة العيش والعشرة يصلى نارَها ويذوق أُوَارَها والنفسُ رطبة لَدْنة. (1/98)
صفحة 99
إنَّ التمرّس بالأحداث والتمرُّغ على أشواك الحوادث في أطوار العمر الأولى هو الذي يخلق حاسَّة التقدير، ويربِّي مَلَكَةَ دقَّة الملاحظة، وهو الذي يحفظ على النفس مرونتها، ويقيها شرَّ الجمود والصلابة، ويجعل من صاحبه الخرَّاجَ الولاَّج، الحُوَّلَ القُلَّب، الرفيق في الأمر كلِّه، الذي لو كانت بينه وبين الناس شعرة ما انقطعت، إذا أرخوها مدَّها، وإذا مدُّوها أرخاها. ولن يكون حاله بعدُ مع نفسه ومع زَمَنه مع كلِّ شيء آخر إلاَّ على نحو من ذلك. آهٍ من لي بأن تفهم عنِّي ما أريد، وأن تأخذ به نفسك حتَّى تكون كما يجب أن تكون...
... ألهمك الله رشدك، وزكَّى نفسك وربط على قلبك، وثبَّت قدمك ووقاك شرَّ نفسك، ويسَّر لنا أسباب معونتك، وجمع بك شملنا، ووصل بك جناحنا، إنَّه وليُّ الهداية والتوفيق، نعم المولى ونعم النصير. دمت محفوظا وبالرعاية ملحوظا لأبيك بيُّوض إبراهيم بن عمر.
لعلَّ من أهمِّ رسائل الإمام إبراهيم بيُّوض تلك التي بعث بها إلى الشيخ الجليل أبي إسحاق إبراهيم أطفيَّش، وهو في القاهرة في شهر سبتمبر 1948، جوابا عن ملاحظات حول موقف الإصلاح من قضية سياسيَّة ودينيَّة واجتماعيَّة، هي قضية مشاركة الميزابييِّن في المجلس الجزائري سنة 1948 وكان بعض خصوم الإصلاح دعوا إلى عدم المشاركة في هذا المجلس، فكتب بعض منهم إلى الشيخ أبي إسحاق - وكان بعيدا عن بعض ما يجري في المحيط السياسيِّ والاجتماعيِّ بميزاب - كتبوا إليه ببعض آرائهم فأوهموه بما أوهموه. فكتب الشيخ أبو إسحاق إلى صديقه الشيخ أبي اليقظان رسالة في الموضوع، فأطلع الشيخ أبو اليقظان صديقه الشيخ بيُّوض على الرسالة، فكان ردُّ الشيخ بيُّوض على الملاحظات في خمسة مقامات، نقتطف منها ما يتعلَّق بالترجمة الذاتيَّة للإمام وجهاده في ميدان التربيَّة والتعليم، وما يتعلَّق بإصلاحه الدينيِّ والاجتماعيِّ، ومكافحته للحكَّام العسكرييِّن بميزاب، كتب رحمه الله يقول:
« (1/99)
صفحة 100
وبعد فقد رأيت عين اليقين موقف الإدارة والإداريين وأذنابهم من المستخدمين والموظَّفين، ما كانوا لنا ولا معنا في حالة ولا في ساعة، ولا في قضيَّة، فأين محلُّ أسطورة الانخداع.
المقام الثالث
هل «أُشبِع بيُّوض بروح الأنانيَّة فاستخفَّ بالمصلحة العامَّة، ولم يكترث بانهزام الأمَّة؟ وهل رسَّخ في ذهنه أن يكون عضوا في برلمان فضحَّى من أجل ذلك بأمَّته» (1) .
اللهمَّ إنَّك تعلم أنْ "لا" فيما مضى، فاعصمني في ما بقى، إنَّ النفس لأمَّارة بالسوء إلاَّ ما رحم ربِّي، فارحمني أي ربِّي، أنت حسبي وكفى.
أعيذك بالله أيُّها الشيخ أن تُسِيء ظنَّك بأخ لك جالد وجاهد في سبيل أمَّته، وكافح الاستبداد، وقاوم الاستعمار خمسة وثلاثين عاما؛ خمسة منها كجنديٍّ بسيط مع زملائه الجنود، وثلاثة في صفوف الضبَّاط الأماميَّة، وسبعة وعشرين حاملا للرَّاية، قائد للكتيبة، وما زالت الراية بيده، ما وقعت ولا انتُزِعت ولا سئم حملها فألقاها. وإنَّه لمقدم في كفاحه، ماض إلى غايته بنفس العزيمة الصارمة والنيَّة الصادقة، وروح الإخلاص التي اندفع بها إلى الميدان من أوَّل يوم، وإنَّه ليضرع إلى الله كلَّ يوم أن يحفظ عليه هذه المواهب اللدُنيَّة حتَّى يلقاه بها. ما تملَّق لغنيٍّ، ولا تذلَّل لقويٍّ، ولا استخذى لجبَّار، ولا فتنه بياض الدرهم ولا صفرة الدينار، على فقر وحاجة شديدة، وقلَّة وضعف من كلِّ جهة، إلاَّ من النفس، فإنِّي أحسُّ بين جنبيَّ نفس جبَّار عزيز، وإلاَّ من الإيمان فإنِّي أستشعر له قوَّة لا تُحَدُّ ولا تُضبط والحمد لله.
سيِّدي الشيخ، اسمح لي أن أقول لك في هذا المقام كلمات ما جرت على لساني قطُّ، ولا خطَّها قلمي قبل، أستجيزها لنفس اليوم، لما لي عليك من الدالَّة، ولما أعرفه فيك من صفاء النيَّة وسلامة الطويَّة.
__________
(1) ـ هذه عبارات الشيخ أبي إسحاق في رسالته إلى الشيخ أبي اليقظان. (1/100)
صفحة 101
ثلاثون عاما قضيتُها في كفاح مستمرٍّ في ميدان العلم والدين والسياسة والاجتماع، أصل فيها الليل بالنهار، وأبيت على الطوى أو على الخبز القِفار؛ وقد تفتَّحت ليَ الدنيا وتبدَّت ليَ في زينتها وفتنتها، ودُعِيتُ إليها من كلِّ جهة وبكلِّ لسان، وعندي لها استعداد تامٌّ كامل، فعزفت عنها وزهدت فيها وأعرضت عنها. وكأنِّي – والله – في ذلك غير مختار، بل أُدفَع إليه دفعا قويًّا بقوَّة خفيَّة جبَّارة لا أستطيع لها حدًّا. إلاَّ أنَّني أُحسُّ بأنِّي مُلِئت إيمانًا من مِفرقِي إلى قدميَّ، بأنِّي خُلِقت لإنقاذ أمَّتي، وأنَّني إذا خرجت إلى الدنيا والعمل لنفسي عاقبني الله عقابا شديدا، فاطمأنَّت نفسي إلى عملي، وكنت أجد في الكفاح مهما اشتدَّ وقسا غبطةً ولذَّةً وسرورًا. ولطف الله بي فأراني من كرامات الإخلاص ما لم أستطع له حدًّا ولا حصرًا، وما لا أزال أذكره فأشكوه، فيضاعف قوَّتي ويزيد إيماني. وكنت أرى النتائج أكبر من الأعمال بما لا يخطر على بال. وكنت أرى عقبات الطريق تندكُّ، وحفره تُسوَّى، فلا أقترب من عقبة كنت أندهش لها، حتَّى أجدها دكًّا، ولا أقترب من حفرة كاد القلب ينهلع لها حتَّى أجدها مسوَّاة، حتَّى ارتاضت نفسي فأصبحت لا أخاف شيئا أبدا إذا اعتزمت وأخلصت، وكنت أحدِّث إخواني وتلاميذي بالعجيب الغريب من هذه الألطاف الربَّانيَّة حتَّى أقوِّي فيهم روح الإخلاص والثقة بالله والتوكُّل عليه، وقد نجحت إلى حدٍّ بعيد والحمد لله. أَبعدَ هذا الذي بلوته من أثر الإخلاص في هذا الزمن الطويل، حتَّى أصبح طبيعة لي لا أستطيع التخلُّص منها، أنبذ الإخلاص وأطرحه؟ أبعد أن شاب فؤادي وأوفيت على الخمسين، قضيتها كلُّها في العمل للأمَّة وللمصلحة العامَّة، أصبح مستخفًّا بالأمَّة غير مُكترث بالمصلحة العامَّة؟ لا أظنُّك واجدا من إخوانك من ضحَّى بعمره كلِّه في سبيل أمَّته غيرك، ومثل الكاتب والشيخ أبي اليقظان. (1/101)
صفحة 102
أمَّا بقيَّة الإخوان فما منهم إلاَّ من مزج للعمل الكسب؟، وإن كانوا كلُّهم للإصلاح سواعد وأعضادا وقوادم وخوافي، ما نسوا أمَّتهم في عملهم، حفظ الله الجميع.
إنَّ أخاك هذا قد حارب آباءه وعشيرته، وعمومته وخؤولته، وشاقَّهم في سبيل الحقِّ وما طرَّ شَاربُه، وكان بدعا من أترابه ولداته في ذلك، في وقت كانت العنصريَّة فيه أغلب على النفوس، ما رأى لنفسه ولا لقومه الذين ظُلموا حقًّا، أفلمَّا أقام للعدل قُسطاسه وقوَّم للحقِّ قناته يصبح أنانيًّا يقدِّم حظَّ نفسه، أو عنصريًّا يتعصَّب في الباطل لقومه؟ (1/102)
صفحة 103
سيِّدي الشيخ، ثلاثون عاما – إي وربِّي، ثلاثون عاما كاملة غير منقوصة – قضيتُها في مكافحة الاستعمار الغاشم في عقر داره، وأنا بين مخالبه وأنيابه، أقاوم جبروت أفظع حكم عرفه تاريخ الإنسان، وأنا تحت سلطانه وبين ماضغيه. ما رميته بسهم من بلد قصيٍّ، ولا قاتلته في قرية محصَّنة، أو من وراء جدار. أقمت بين ظهراني أمَّتي أبعث فيها الحياة وأشيع النور، وأدفع بها دفعا نحو المُثُلِ العليا، وأذود عنها الأعداء، وأدفع عنها العوادي، وأصنع الحجب، وأحوك الأستار، لأخفي حركتها عن الأنظار، حتَّى إذا نَمَّت عين أو وشى لسان لجأت إلى التأويل وانتحلت الأعذار، وأرخيتُ الشعرة وداورتُ العاصفة وداريتُها، ثمَّ أمضي قُدُمًا في سبيلي لا أعرف توقُّفا ولا سكونا، كذلك كنت أصنع طوال هذه المدَّة، حتَّى رأيتَ من الأثر ما رأيتَ - وما أقلَّه - وشهدتَ له وباركتَه (1) .
__________
(1) ـ كان الشيخ أبو إسحاق رحمه الله قد عاد بعد الحرب العالميَّة الأولى من منفاه بالقاهرة إلى الجزائر، ولمَّا زار القرارة في ربيع 1946 استقبله الشيخ بيُّوض ومشايخ القرارة وأعيانها استقبالا رائعا بساحة " النوادر "، والكشَّافة الإسلاميَّة الجزائريَّة، من أبناء مدرسة الحياة ومعهدها ترفع أعلامها وتترنَّم بأناشيدها الوطنيَّة الحماسيَّة. ثمَّ أقيمت الحفلات احتفاء بالشيخ الجليل وتكريما له ؛ فألقيت الدروس، وعقدت الجلسات الخاصَّة والعامَّة، فاطَّلع الشيخ الزائر عن كثب على الحركة العلميَّة والثقافيَّة والاجتماعيَّة في القرارة، فأعجب بتلك الحركة الإصلاحيَّة النشيطة، وباركها ودعا للقائمين عليها بالتوفيق والسداد. (1/103)
صفحة 104
ثلاثون عاما مضت منذ بدأت اتِّصالاتنا بالحكَّام، لا أُفتن في كلِّ عام مرَّة أو مرَّتين، بل المرار العديدة. فما وُلِّيَ حاكم في الإدارة العليا لهذه المناطق ولا في إدارة غرداية خاصة، طوال هذه المدَّة إلاَّ وكانت لي معه مقابلات فيها مناقشات ومجادلات وتهديدات واتِّهام ودفاع، يُحَلُّ بعضها هنا في مكاتبهم، ويُرفَع البعض إلى المراجع العليا في الجزائر، وأحيانا إلى باريس؛ فاضطرُّ على الدفاع هناك. وما منهم إلاَّ من قدَّم تقارير سوداء ضدِّي، تكدَّست رزما فوق رزم في مكاتب الولاية، وما زِلتُ وما زالوا حتَّى كتابة هذه الأسطر. ووالله الذي لا ربَّ غيره ما نالوا منِّي شيئا بفضل الله ولطفه، ولقد نلت منهم لأمَّتي الشيء الكثير. وإنَّهم ليرونني أخطر شخص على نفوذ فرنسا في هذه الديار، وينعتونني بالمهيِّج الخطر. وكتبت بعض جرائدهم مرَّة بأحرف بارزة في صفحتها الأولى (لينين بوادي ميزاب)، ومرَّة أخرى عند تبدُّل السياسة (هتلر بوادي ميزاب)، وهكذا ممَّا لا يُحصى، وغُرِّمت مرارا وهُدِّدت بالنفي، وعُزِل قائد مصلح، وسبب عزله في تقرير رسميٍّ قُدِّم إلى مجلس الدولة عند رفع القضيَّة إليه أنَّه صديق مناصر للمهيِّج الخطير، عدوِّ فرنسا المسمَّى بيُّوض. وكان ممَّا لو ذهبت أعدِّده لكتبت سفرا كبيرا ولقرأتَ فيه قصَّة طريفة عجيبة. ولو شِئتُ لما ذهبتُ بك بعيدا ولقصصت أطرف قصَّة في كفاح للاستعمار الماكر الخادع الذي ظاهره رحمة وإنسانيَّة وباطنه عذاب ووحشيَّة. (1/104)
صفحة 105
بدأت مناوراته ومقدِّماته منذ ثلاث سنوات، ودخلَت المعركة طورها الحاسم منذ بضعة أشهر، الآن وأنا أكتب إليك هذه الرسالة حين حمي الوطيس، وإنَّ بشائر الانتصار قد بدت لنا، لكنَّ الخصم لا يزال قويًّا عنيدا لم يستسلم بعد، القضيَّة هي قضيَّة احتكار المياه العميقة بجنوب الجزائر بما فيه ميزاب التي هي أخطر على الأمم من الحكم العسكريّ ومن الجنديَّة الإجباريَّة، لأنَّها استعباد مؤبَّد للشعب، واحتكار دائم لموارد حياته وأسباب عيشه...».
كانت سنة 1944 أوَّل فرصة يغتنمها أستاذنا الإمام الشيخ بيُّوض، بعد أن رُفعت عنه الإقامة الجبرية بالقرارة، وحين دُعي لتقديم مطالب الميزابيين إلى لجنة الإصلاحات الإسلامية التي عيَّنتها فرنسا للنظر في مطالب الجزائريين.
وقد قدَّم فيه الأستاذ الشيخ بيُّوض مطالبه تلك يوم 3 جانفي 1944 في نفس اليوم الذي قدَّم فيه الأستاذ الشيخ محمد البشير الإبراهيمي مطالب الجزائريين بصفته رئيسا لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وقد التقى الشيخان في قاعة الانتظار بمقر الولاية العامَّة قبل أن يُستقبل كلٌّ منهما من طرف أعضاء اللجنة.
وبعد ذلك أقام الشيخ بيُّوض نحوا من ثلاثة أشهر في الشمال الجزائري يطوف بين مدنها واعظًا مرشدًا، يدرس قضايا الناس ويستنهض الهمم، ويتَّصل بالعلماء أمثال: الشيخ الإبراهيمي والشيخ الطيِّب العقبي بالجزائر، والشيخين خير الدين ونعيم النعيمي والشاعر محمد العيد آل خليفة ببسكرة، والشيخ أحمد التيجاني بتماسين، وغيرهم من العلماء والأدباء وسَراة الأمَّة الجزائرية. (1/105)
صفحة 106
وفي صيف سنة 1945 عقد رحلة إلى مدن وادي ميزاب خاصَّة يلقي دروس الوعظ والإرشاد ويتَّصل بأعيان قرى الوادي، وكانت يومئذ قرًى، يعالج قضاياهم الدينية والاجتماعية. وكان لما كان يُدعى يومئذ حزبَ الإصلاح تألقٌ في مختلف الأوساط ونشاط منقطع النظير. وكان والدنا العزيز الشيخ عدون رفيقَه في تلك الرحلة الميمونة، وقد لخَّص الدروس القيِّمة التي كان يلقيها الإمام الشيخ بيُّوض في مختلف المساجد والنوادي ودور العشائر. وكانت مدينة بريان نهاية المطاف لتلك الرحلة المفيدة المباركة. ولمَّا استقر الشيخ بالقرارة في خريف 1945 بعث برسائل شكر إلى جمعيات الإصلاح المبثوثة في قرى الوادي.
وممَّا جاء في رسالته إلى آل بريان – بعد شكرهم على حرارة ملاقاته وحفاوة إكرامه وإشادته بالحفل البهيج الذي أقاموه له - بعض الحديث عن جهاده في سبيل الأمَّة وتضحياته الجسام وما يلاقيه في ذلك قال: «... وإنِّي لأرسم لها الخطط وأضع التصاميم لمشاريع تشفي الأمَّة من آلامها وتقيلها من آمالها. ثمَّ أنظر فإذا بي لا أملك لنفسي من وسائل تحقيقها قليلا ولا كثيرا، فأرتدُّ عن العمل خاسئا حسيرا. ثمَّ أنشط إليه من جديد وأعيد النظر فيه مرَّة بعد مرَّة، فأقدِّم وأؤخِّر، وأبدِّل وأغيِّر، فإذا الوسائل طوع يميني بيد أنَّ الغاية لا ترضيني.
ولو أنَّ ما أسعى لأدنى معيشةٍ ... كفاني - ولم أطلب - قليل من المال
ولكنَّما أسعى لمجد مؤثَّلٍ ... وقد يُدرِك المجد الموثَّل أمثالي (1)
__________
(1) ـ البيتان من قصيدة مشهورة لامرئ القيس مطلعها:
ألا عم صباحا أيها الطلل البالي ... وهل يعمن من كان في العُصُر الخالي
... انظر ديوانه ص: 378 (1/106)
صفحة 107
رفعتني أمَّتي مكانا عليًّا، وقلَّدتني مننا لم تقلِّدها أحدا من قبلي، ففتحت لي القلوب والعقول والجيوب، وأقامت البيِّنات على شدَّة تعلُّقها بي، وعظم أملها فيَّ ورضاها بمشروعي وعملي. فبأيِّ وسيلة أشكر هذه النعمة، وبأيِّ ثواب أكافئ هذا الإحسان، إلاَّ أن أحقِّق أملها وأصدِّق ظنَّها، وما تعلَّقت بي لعَرَض حاضر ولا لغرض دنيٍّ، ولا أمَّلت من خير مغنم عاجل ولا دفع مغرم دنيوي، وما كان الذي أرضاها منِّي شخصي ولا نسبي ولا مالي ولا بدني، وإنَّما تريد منِّي عِلمًا أنشره، وعَلمًا أرفعه، ومجدًا أبنيه وتُراثا مقبورا أستثيره، وحقًّا مغصوبًا أستردُّه، وحريَّة مسلوبة أرجعها، وشبابًا حيران استهوته الشياطين أرشده، وقافلة حائرة أضلَّتها البُنيَّات أهديها السبيل. وإنَّ الذي رضِيَته منِّي دبيبٌ في هذا السبيل تخيَّلَته خببا، وحبوٌ على الرَّكب ظنَّته طيرانا بالأجنحة. هذا الذي ظنَّته فَرَضِيَته، وذاك الذي رغبت فيه فأرادته. ومن لي بأن أحقِّق لها الظنَّ وأبلغ بها المراد؟ ذاك هو شكر نعمتها، وثواب إحسانها، لا كلمة يتلفَّظ بها لسان أو تخطُّها بنان. ذلك الذي أعمل له ولا آلو جهدًا، وأسعى فيه ولا أدَّخر وُسعًا. فإذا كانت الوسائل التي أملكها لا ترضيني فإنَّ التي أرضاها لا تواتيني، فحسبي أن أقطع على نفسي عهدا لا أخيس به، وأعطيتها ميثاقًا غليظا لا أكِلُّ منه أن أقف حياتي وأحبس عليها نشاطي وأفدِّيها بنفسي ونفيسي، وأخدمها ما نبض منِّي عِرق وخفق قلب وطرفت عين، حاملا للكَلِّ، صابرا على الأذى، عافيا عن المسيء، معرضا عن السفيه، مُقيلا للعثرات. (1/107)
صفحة 108
ذلك مبلغ جهدي وغاية وسعي ونهاية أمري، وما أملك وراء ذلك إلاَّ أن أتضرَّع إلى الله تبارك وتعالى أن يُمدَّني بعونه وتوفيقه وأن يزكِّيَ نفسي ويملأ بالإخلاص قلبي وأن يبارك في عملي ويقدِّر لي النجح فيه، ويجعلنا من الذين يستمعون القول فيتَّبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب».
وهذا نموذج من رسائل الإمام إلى تلاميذه الذين ربَّاهم وزكَّى نفوسهم ونشَّأهم على حبِّ الوطن وخدمة الصالح العامِّ قبل أن يدفع بهم إلى مختلف ميادين الحياة لإصلاح مجتمعاتهم وإعلاء كلمة الله بتأسيس المساجد على التقوى وعمارتها بدروس الوعظ والإرشاد، وتشييد المدارس والمعاهد الحرَّة، وتأسيس الجمعيات الثقافية والاجتماعية.
كان الشيخ علي معمَّر رحمه الله من خيرة الطلبة الذين تغرَّبوا عن أوطانهم ورحلوا في طلب العلم؛ فقصد القرارة بوادي ميزاب سنة 1937 مع زميلين له من جبل نفوسة بليبيا لينهلوا من منابع العلم الصحيح والتفقُّه في الدِّين على يد الإمام إبراهيم بيُّوض، إلى أن استكمل دراسته بمعهد الشباب آنذاك، وقد تصدَّى لتأليف الروايات الأدبية ونظم القصائد والأناشيد إلى أن صار أستاذا بمعهد الحياة. وبعد سبع سنوات من إقامته بالقرارة دراسة وتدريسا ضمن البعثة البيوضية بها رجع إلى مسقط رأسه بنالوت جنوب ليبيا، بعد أن مكث بتونس بضعة أشهر. فكتب إليه أستاذنا الإمام هذه الرسالة في أواسط ربيع الأنوار سنة 1364 هـ، أوائل مارس 1945.
« (1/108)
صفحة 109
ولدي العزيز الأستاذ علي يحي معمَّر، أعلى الله مقامه، وأحيى به أمَّته، وعمَّر به وطنه، سعودٌ ثلاثة حواها نسبك ولقبك فحقِّقْها، بورك فيك عزيزي، سلَّمك الله، أنت أحقُّ من عذر في التأخر، وعفا عن التقصير، لأنَّك أعرف بالحقيقة وأدرى بالسرِّ، ولقد زاد الشغل عمَّا كنت تعلم بكثير، فلقد تحقَّقت نبوءة خطاب الباب يوم اللقاء (1) .
__________
(1) ـ كان الإمام الشيخ بيُّوض قد استُقبل في ربيع سنة 1944 بباب مدينة القرارة بعد عودته من رحلته التاريخيَّة إلى مدن الشمال الجزائري، وسط حشود من تلاميذه وإخوانه وأحبَّائه، وكان الاستقبال مهيبا، ألقى أثناءه والدنا الشيخ عدُّون ـ أمدَّ الله في أنفاسه ـ خطابا رائعا بمناسبة العودة الميمونة.
فأجابه الأستاذ الإمام بخطاب بليغ قبل أن يأوي إلى منزله، وقد هرعت وفود المصلحين من مدن ميزاب للتسليم على الشيخ الإمام، ولتهنئته بالإفراج عنه بعد الإقامة الجبرية، وبنجاح رحلته، وأثارها الطيِّبة في مدن الشمال. وأقيمت في القرارة الولائم والأفراح والبيوت، وارتجَّت جنبات مسجد القرارة في حفلات ليليَّة بهيجة تبارى فيها الخطباء والشعراء والمنشدون، وعاشت القرارة أسبوعا من أسعد أيَّام حياتها، وقد شهر تلك الأيام الخالدة ونشط فيها الشيخ: علي معمَّر بقصائده وأناشيده. (1/109)
صفحة 110
فاتَّسعت دائرة الأعمال واطَّردت الدروس وتواترت الوفود، وارتجَّت الأمَّة برحلة الشتاء والصيف فتحيَّر المُبصر، وارتدَّ المرتاب، إذ أضرم اللهيب في ثغر النفاق، وحُرِّق الخمود، وقضى على الجمود. فكان ما لا تزال تسمع آثاره وتتنطَّس أخباره من زملائك الأصفياء وإخوانك الأوفياء الذين لا يهنأ لهم بال، أو يكتبوا إليك بالجليل والحقير، ولا يقرُّ لك قرار أو تكتب إليهم في النقير والقطمير. وتلك - والحمد لله - إحدى غاياتي بلَّغني الله إليها، وقبضت بكلتا يديَّ عليها، فخلَّفت بين أبنائي هذا الودَّ المتين والحبَّ المكين، وأوجدت بين شباب القطرين الشقيقين صلة لا تنفصم عُراها، قوامها الصدق والصفاء، وعمادها الإخلاص والوفاء، وغايتها مجد الأمَّة والبلاد في العلم والأدب والخلق والدين. فهل لك يا عزيزي أن تكون صقرها (1) ، وهل لك أن تكون عَرابتها؛ (2) تسمو إلى العلياء منقطع القرين، وتتلقَّى راية المجد باليمين. إنِّي لا أرضى لك - والله - دون ذلك غاية. وإنِّي لأرجو أن يقضي بك ميزاب دَيْن الجبل عليه.
__________
(1) ـ تشبيها بالأموي عبد الرحمن بن معاوية الداخل بالأندلس، وكان المؤرخون يدعونه بصقر قريش.
(2) ـ هو عَرابة بن أوس بن قيظيّ الذي مدح الشمَّاخ بن ضرار بقوله:
رأيت عَرابة الأوسيّ يسمو ... ... إلى الخيرات منقطع القرين
إذا ما راية رُفعت لمجدٍ ... ... تلقَّاها عَرابة باليمين (1/110)
صفحة 111
عزيزي، ما خُدعت عن نفسي قطُّ، ما خُدعت في قضية ارتحالك. فلقد يسَّره عليَّ وسهَّل أمره. وخفَّف أثره تلك الدمعة المترقرقة في عينك، وتلك النبرة المتهدِّجة في صوتك، وذلك الشحوب البادي على وجهك، الدالَّة على وحشة غريبة في غربتك وشوق شديد إلى أبويك، وحنين متلهِّب إلى مسقط رأسك، كلَّما جئت تستأذن في الرحيل أو تسائل عن السبيل، فأعطف عليك وأحنو وأشفق. ثمَّ أذكر شيخيك الجليلين وكيف تتلظَّى منهما الأكباد وتتقرَّح الجفون إشفاقا على وحيدهما، وحنينا إليه وشوقا إلى رؤيته، وهما يدلفان إلى الغاية المحتومة ويخافان - وقد بنت الحرب بين الأقطار سدودا منيعة - أن يحول الجريض دون القريض، وأن لا يتمتَّعا مرَّة برؤية من أنجبا، بطلا مغوارا يصول في الميدان بعد أن تمتَّعا به صبيا مرحا طروبا يلعب في الفناء مع أبناء الجيران، وغلاما يافعا يحمل الكتاب إلى الكُتاب، ذاهبا آئبا يتخطَّى إلى النجاح رقاب الأقران. أذكر ذلك فيحنُّ القلب ويرقُّ ويلين فآذن وأستجيب، ثمَّ أسعف وأسعد وأعين، وما أدري أنِّي سأُمتحَن امتحانا قاسيا بثكل الوالد وحرقة كبده.
أي ولدي، إنِّي لأذكرك في كلِّ مجلس ولكلِّ حقير من المناسبة وجليل، فأحسُّ بلذعة الشوق وحرقة الفراق. بيد أنِّي أكفكف الدمعة وأطفئ اللوعة بذكرى أنَّك لهذا خُلقت، وله وحده تقحَّمت أخطار الأسفار وتحمَّلت أثقال المشاقِّ حتَّى كان ما كان بيننا من تلاق، لا يظهر أثره، ولا يعلو خطره، ولا يستعلن خبره، ولا تبدو ثمرته، ولا تحمد مغبَّته، ولا تدرك غايته إلاَّ بالفراق. فأنت والله كدينار الحريري، أو أبي زيد السروجي. فأعنِّي على مغالبة أشجاني بأخبارك السارَّة وأنبائك الممتعة الهامَّة. (1/111)
صفحة 112
أي عزيزي، لستَ كأحد من زملائك الذين نرجو أوبتهم بعد قليل، فإنَّ الشعور ببُعد الشقَّة وطول الغيبة وتوهُّم التعذُّر في الزيارة وانقطاع الرجاء من اللقاء لتمزُّق الأكباد، وتقطع نياط القلوب، فواتر إليَّ كتبك فإنَّ عليك من واجب الكتاب أضعاف ما عليَّ. ولا تُخل كتابا منها من تفاصيل ما يعرض لك من ذي بال في كلِّ ميدان وإن صغر، فإن ذلك أحبُّ إليَّ وأنفع وأمتع من الإسراف في الخيال. ولقد يهمُّني أن أدرس طرائقك في معالجة المشكلات وحكمتك في حلِّّ المعقَّدات، وحسن تصريفك للأمور، ونفاذ بصرك إلى الأسرار ولطف تدبيرك في الجمع والتفريق والإقصاء والتقريب، ومرونتك في الاقتحام والتخلُّص، ولباقتك في الإقدام والتملُّص. ولقد أعجبتُ أيَّما إعجاب ببراعتك في مسرحيتك الثمينة وبالدور الهام الذي كان من نصيبك فيها، وبلغت الغاية من اتقان تمثيله وصَحِبَك التوفيق فيه إلى نهايته، لم تتخاذل في موقف، ولم تخطئ في حديث بارك الله فيك وبارك عليك. بيد أنَّ الرواية لم تكشف عن جديد في جوانب نفس البطل من حيث النوع. وإن كان عندك جديدا. وأمَّا من حيث المقدار فإنَّها حوت جديدًا حقَّا. ومن حسن الحظِّ أن صادف وصولها زيارة الشيخ عبد الرحمن فكانت أكبر جائزة أكرمه بها امتثالا لأمره - صلى الله عليه وسلم - بإجازة الوفود. ولقد كان لها في نفسه وقعٌ حسن، فما قرأها إلاَّ هو والشيخان عدون وأبو اليقظان واثنان آخران أحدهما لقمان. ثمَّ لم تزل محجوبة ممنوعة عن التلاميذ رفقا بالقوارير، وإنَّ يوم جلوتها لقريب.
أي عزيزي، لم يصلني كتاب غيرها من تونس إلاَّ كتابك ذو الأربعين، ومن الجزائر غير كتاب واحد وبضعة أسطر في كتاب أحد الإخوان. ولقد أسمع من بعض زملائك إشارات إلى كتب أخرى لم أقف لها على أثر، ولعلَّها واصلة بعدُ، فلا يمنعنَّك ذلك من مواصلة الكتب إليَّ وإلى إخوانك فإنَّ لهم بكتبك ولوعًا شديدًا. (1/112)
صفحة 113
ولقد أرضيت عنك قلب ربٍّ مثواك الأخ عبد الرحمن (1) ، وما كان يحمل عنك موجدة فقد جبلت قلوبنا جميعا - والحمد لله - على الطيب والطهر والسماح والتماس العذر، إنَّ ممَّا ملأ قلوبنا غبطة ومدَّ في آفاق آمالنا ما قصصته من نهضة نفوسة الحديثة وتأليفها الجمعيات وتأسيسها المدارس وشعورها بالحاجة إلى أبنائها الذين نزحوا عنها من أجلها ليمتاروا لها ويتزودوا. إنِّي والله لجدُّ مغتبط أن تدعوك الجمعية الخيرية الفتيَّة إليها حتَّى تنتفع بمواهبك، وأن يشخص إليك رجالات الجبل يرجون عونك وتأييدك. وأودُّ أن تسرع الإجابة، وإن كنت أفضّل مكثك بتونس سنة على الأقل حتَّى تتمكن من دراسة الأحوال والظروف عن كثب وتستحكم عرى الصلة وتتمكن بينك وبين إخوانك الطلبة هناك، وتظهر شخصيتك وتبدو آثارك، وتسبقك إلى الوطن أخبارك وتتسع الفرصة لرجالاته لدراستك فيكون اللقاء بعد ذلك أروع والمقام أرفع والقيمة أغلى، وتتمتع بنفوذ يكون لك خير عون على اقتحام سبيلك إلى غايتك من تدعيم النهضة وتوجيهها واستحثاث ركبها، أو تُولَّى قيادتها، وإنك لتكسب بمهلك وطول لبثك هناك ودراستك نورًا هاديا تقطع على ضوءه مراحلك الأولى في أناة وحكمةٍ وتبصُّر. وإنَّ لسداد الخطوات الأولى ورصانتها وتمكُّنها وحسن توجُّهها، لأثرًا عظيمًا بعيدًا في التغلّب على المصاعب العارضة وامتلاك زمام الأمر والتمكُّن من ناصيته تمكُّنًا يؤدي حتمًا إلى الغاية ويضمن النجاح بإذن الله.
__________
(1) ـ هو السيد الفاضل الكريم: عبد الرحمن بن الحاج إبراهيم المليكي الذي منح للشيخ علي معمَّر قسمًا من دويرته لينفرد عن البعثة البيُّوضية في إقامته ومرقده، فكان مكتبه ومجلس أصدقائه في دهليز الدويرة. وكان السيد عبد الرحمن المليكي يعطف عليه ويكرمه لسنوات، وكأنِّي بالشيخ علي معمَّر غادر القرارة فجأة ولم يخبر السيد عبد الرحمن بذلك، ورحم الله الجميع. (1/113)
صفحة 114
أي عزيزي، ما بي - على شدَّة حرصي عليك - حاجة إلى أن أزوّدك بنصائح جديدة أبعث بها إليك عبر هذه الفيافي والقفار، وقد قضيت في جمع العتاد والزاد والتمرّن على الجلاد سبع سنين وسبعة أيام، إن لم يغنِك ما جمعتَ فيها لم يكفِك شيءٌ في هذه الحياة. وقد استودعتُ الله يوم وداعك دينك وأمانتك وخواتم عملك، وما ضيَّع لي وديعة، ولا خفر لي ذمَّة، ولا أخزى ليَ ابنًا بارًا، ولا أخزاني به، فلله الحمد والمنَّة والشكر. وإنَّ لي من حسن الظن بالله ثمَّ من الثقة بك وبزملائك من أبنائي البررة المخلصين الذين أرضعتهم لبنًا خالصًا صافيًا ما يملأ قلبي طمأنينة عليكم أن يستزلَّكم الشيطان أو تميل بهم الأهواء أو تلبِس أموركَم عليكم الشبُهات أو تفسد أعمالَكم عليكم الشهواتُ. وإن قُدِّرت منكم عثرة كانت لكم عبرة، وإن زلَّت القدم مرَّة كانت حكمة وتبصرة، وإن أحدثتم ذنبًا أحدثتم له توبة، بيد أنه لا يجمل بي أن أُخلي كتابي من التذكير بوصية الله للعالمين:
{ والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلاَّ الله ولم يصرُّوا على ما فعلوا وهم يعلمون أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين } (1) ، وبأوجز وصية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «قل ربي الله ثمَّ استقم»، ذلك ذكرى للذاكرين.
__________
(1) ـ آل عمران: 135 – 136. (1/114)
صفحة 115
ولدي العزيز، عند ما وصلت هنا جاءني الشيخ عدون بكتابك إلى سعيد (1) فقرأت فيما قرأت فيه خبر ابن أختك ووفادته وعزمك على استجابة دعوته قريبًا، وعدولك عن اللحوق بـ: "الوحش"، فعظم سروري وبلغت بي الغبطة أقصاها. وما أدري بأيِّ الأمرين كنت أشدّ اغتباطا، أمن قدر قومك لك واعترافهم بمواهبك واستشعارهم الحاجة إليك؟ أم من شعورك بواجبك وحسن تقديرك لمسئوليتك وعزمك المصمِّم على الاضطلاع بأعبائها، عازبًا عن هواك، تاركا لمشتهاك، مضحِّيا بأحلى وأجمل مُناك؟ لقد هُديتَ - والله - صراطا سويَّا. فامض قُدمًا، وسر على بركة الله، فإنَّ ما بأمَّتك من ظمأ وحاجة إليك أعظم مما بك من ظمأ إلى النيل وحاجة إلى التحصيل.
__________
(1) ـ هو الشيخ سعيد بن عبد الله الشيخ دحمان ـ أمدَّ الله في عمره. كان زميلا لشيخ علي معمَّر ومن أعزِّ أصدقائه مع ثلةٍ من «إخوان الصفاء» جمع بينهما المحبَّةُ في الله والصداقةُ المخلصة مع دماثة أخلاق، وأنس وصفاء، وطموح إلى المعالي. (1/115)
صفحة 116
ولقد علمت من خبري أني - وأنا أضعف منك الآن - قد تعرَّضت لي الدنيا بمفاتنها ومباهجها وزينتها تغريني وتغويني، وتفتَّحت بين يديَّ أبواب الخضراء والقاهرة التي كانت ألذَّ أحلامي وأحلى آمالي تسبيني وتصبيني، ولي - بفضل الله - من الاستعداد ما يضمن لي الفوز والنجاح، ومن الوسائل ما يبلِّغني المراد وينيلني المرام. لكني أعرضت عن ذلك كله وعدلت، إذ شعرت بحاجة أمتي إليَّ، وأدركت واجبها عليَّ، ولم تشعر هي بعدُ بشيء من ذلك، وإذ رأيتُ رايتها طريحةً تسفي عليها الرياح التراب، ومشعلها الوهَّاج خابيًا قد استحال وهجه إلى شعاع ضئيل لا ينير سبيلا ولا يهدي سالكًا، وعلمتُ - وما أدري كيف علمتُ - علمًا ملأ جوانب نفسي ورسخ في أعماق قلبي، أني خُلقت للإنقاذ بحمل الراية ورفع المشعل فتقدَّمت - على ضعف وذلَّة، وفقر وقلَّة - معتمدًا على الله وحده، متذرِّعا بالصبر والإخلاص، فما أسلمني عملي إلى ندم، وما قادني رأيي ولا عزمي إلى خيبة أو خسار. ولقد حمدت غبَّ سُراي والحمد والمنَّة لله وحده. فهل لك أن تكون لأمَّتك كذلك أو خيرًا من ذلك؟ (1/116)
صفحة 117
أي عزيزي، لقد عدوتَ طور التلمذة والتحصيل ودخلتَ دور العمل، وحاجة الأمَّة إلى أمثالك شديدة، ملحَّة أكيدة، ولم يبق في الوقت للتربُّص والانتظار والتسويف متَّسع. وإنَّ في تربُّصٍ قليل ضياع لجيل كامل، فلا تُرجِئ العمل لأمَّتك بسبب الرغبة في زيادة التحصيل، فما خدم الأمم جهابذة العلماء، وإنَّما خدمها العاملون المجدُّون ذوو القلوب الطيِّبة، والنوايا الحسنة والإخلاص النادر والصبر الجميل، ولو لم تكن بالأمَّة حاجة لكان لك بعض العذر، أمَّا والحاجة قائمةٌ فالعذر منقطعٌ، على أنَّ لك - والحمد لله - من العلم ما إن تعهَّدته وعملت به بارك الله لك فيه وأنار لك به السبيل وجعله لك إلى السعادة خير دليل. فاقتحم غير مبالٍ، وادفع بسفينتك إلى اللُّجج وإن كانت أمواجه كالجبال، وادَّرِع بالإيمان الصحيح والنيَّة الحسنة والإخلاص الصافي تر من عناية الله ما لم يخطر لك على البال.
أي عزيزي، ليست كتبُك عندي الآن فاذكُر مسائلك لأجيبك عنها، وإنَّها عند التلاميذ يتداولونها، ولعلِّي مفرد للأجوبة كتابًا إن شاء الله إن قريبًا وإن بعيدًا، أمَّا النسخة التي تركتها هنا فقد غلبني عليها الشيخ عبد الرحمان لبريان، وأظنُّك معترفا بأنَّه أحقُّ بها. (1/117)
صفحة 118
ليت شعري هل ألقاك هناك قبل أن تبعد الشقَّة بك؟ ذلك ما أتمنَّاه، ولقد عملت له وعملت من حيث لا يدري أحد، ولكن لم يُقدَّر لي النجاح فيه، وذلك من أسباب إبطائي عن الكتاب إليكم جميعا. (همسة في أذنك لا تعدوك وزملاءك الثلاثة (1) بأي حال إنِّي لأرجو أن يؤذن لي فلا تعجل بالرحيل في أوَّل أفريل حتَّى يأتيك من عندي الكتاب)، وليت شعري هل يخفق قبلك شوقا إلينا كما يخفق قلبنا شوقًا إليك؟ وهل تذكرنا كما نذكُرك؟ ولقد خلَّدت اسمك وصورتك بأناشيدك التي لا تنفكُّ الحلوق والحناجر تترنَّم بها، ولا تزال أصداؤها تتجاوب في الأجواء والآفاق في جنبات أوديَّة ميزاب ولا سيما زقرير.
وهل تضطرب نفسُك بين جنبيك حنينًا إلى مسارحك ومغانيك؟ ثمَّ ليت شعري أتعتزم الزيارة مرَّة أخرى وتراها دينا عليك يجب قضاؤه؟ إنِّي لو علمت ذلك لخفَّ بعض ما بي من الوجد، ولوجدت من برد المنى طمأنينة وسكونا، فهل لك أن تطمئنني بذلك وتعدني به وإن طال المطال؟ اكتب إليَّ بكلِّ شيء وعند كلِّ مناسبة وأسرف في الكتاب ولا تقتِّر تقتيرًا وسأجتهد وأجيبك عن كلِّ كتاب إن شاء الله.
__________
(1) ـ هؤلاء الثلاثة هم من أوائل من رحل إلى تونس للاستزادة من العلوم بجامع الزيتونة والخلدونيَّة بعد تخرُّجهم من معهد الحياة في أوائل الأربعينيات، وهم: ناصر بوحجام عيسى بن الحاج عمر، عبد اللاوي مرموري محمَّد بن إبراهيم، وحميد أوجانه محمَّد بن الناصر ملاَّلي رحمهم الله، وكانت علاقة الزمالة والصداقة قد توطَّدت بينهم وبين الشيخ علي معمَّر من قبلُ في القرارة، ولا تسل عن فرحهم بقدومه إلى الخضراء، وأُنسِه بهم لمَّا أقام معهم مدَّة بتونس قبل أن يغادرها نهائيًّا إلى ليبيا. (1/118)
صفحة 119
إنَّنا على استعداد لقبول كلِّ من تبعث به إلينا لطلب العلم بشرط أن يكون ذا استعداد تام للتحصيل، ومن أدرى منك بالصفات التي يجب أن تتوفَّر في التلميذ الذي يلتحق بالمعهد ويلتحم بهيئة البعثة، فأذِّن في الناس أن لا يأتي أحدٌ إلاَّ بعد امتحانك وموافقتك، ومن ارتضيتَه وقبلته فقد قبلناه.
... إنَّ الحوادث بعدك كبيرةٌ عظيمة وأثرها كذلك عظيم كبير، وحالة الإصلاح والتعليم يطَّرد نموُّها وتحسُّنها اطِّرادًا يبشِّر بمستقبل جميل لا أستطيع أن أفصِّل لك شيئا، وأظنُّك مُلِمًّا بكلِّ شيء. أسأل الله أن يمنُّ باللقاء فنشفي العلَّة وننقع الغلَّة. سلامي إلى أبنائي الثلاثة وإلى تلامذة الجبل وجربة، وإلى الشيخ الثميني وتلامذته وإلى الواهج والزيتون وعمِّي أحمد بن عمر، وكلِّ سائلٍ عنَّا. يسلِّم عليك العزَّابة والتلامذة والمدرسة والنادي والحوش والجماعة والجنان (1) وكلُّ من عرفت ولا أخصُّ غير الشيخ عدُّون والشيخ أبا اليقظان، سلَّمك الله وحفظك لأبيك بيُّوض إبراهيم بن عمر».
__________
(1) ـ المدرسة هي مدرسة الحياة، والنادي هو نادي الحياة بالسوق قرب المسجد الكبير، والحوش هو حوش صغير بجانب دار البعثة البيُّوضيَّة الأولى، والجماعة هي دار الجماعة التي كانت مقرًّا لمشايخ البلد وأعيانها يجتمعون فيها كلَّ صباح لتدبير شؤون البلاد والإصلاح العام، والجنان هو جنان السيد خبزي عيسى بن عمارة، وكانت به دار تأوي طلبة البعثة البيُّوضيَّة لمَّا ضاقت بهم الدار الأولى، وهذه كلُّها مواطن كان الشيخ على معمَّر يتردَّد عليها وله فيها ذكريات وآثار طيِّبة. (1/119)
صفحة 120
... هذه مقتطفات من بعض رسائل أستاذِنا الإمام الشيخ بيُّوض بأسلوبه العربي المبين رأيت من المفيد أن أشارك به في هذا الملتقى الأوَّل لفكر الإمام إبراهيم بيُّوض، وهي كما ترون تقدِّم لنا الصورة الحقيقيَّة لجوانب من شخصيته ومواقفه، ولفكره ومبادئه، وعسى الله أن يوفِّقنا نحن أبناءه ومعاشريه لنجمع تراثه ونقدِّمه للفكر الإسلامي عامَّة وللأجيال الصاعدة من شبابنا خاصَّة حتَّى يقتفوا آثار سلفنا الصالح الذين كانوا يجاهدون بحقٍّ في سبيل إعلاء كلمة الله ونشر الوعي الإسلامي واللسان العربي بإخلاصٍ لا يريدون بذلك إلاَّ وجهه الكريم وما عند الله خير وأبقى.
بالحاج بن سعيد شريفي
أستاذ بكلية أصول الدين جامعة الجزائر
باب الزوار - الجزائر - 05 محرَّم الحرام 1421 هـ
10 أفريل 2000م ...
إبراهيم بيوض .. الإباضية أو الوجه الآخر للديمقراطية
شرَّفتني جمعيةُ الحياة بالقرارة (غرداية) بدعوتي لحضور الملتقى الأول لفكرِ الإمام إبراهيم بيُّوض وهو من أقطاب الحركة الإصلاحيَّة طيلةَ عقودِ القرن العشرين، واعتبارًا لظروفي الخاصَّة التي حالت دون حضوري لهذا الملتقى الكريم فقد ظلَّ الموضوع يعتمل في نفسي، حتى اختمرت الفكرة وتجسَّدت في هذا المقال المتواضع حول الإباضيَّة والديمقراطية.
وقد يتساءلُ البعضُ عن العلاقة بين المذهب الإباضي والديمقراطية، أو قد يبدو الأمر للبعض غريبًا. وفي الحقيقة هناك علاقةٌ بارزةٌ بينهما.
وفي البداية لابُدَّ من التذكير بأن «السياسة» هي التي قسَّمت المسلمين إلى ثلاث اتجاهاتٍ: (1/120)
صفحة 121
حزبُ معاوية، حزبُ عليٍّ، و«المحكِّمةُ» وهي الجماعة الرافضة للتحكيم، وقد خرج الإباضيون من صُلب هذه الجماعة الأخيرة، وشهد لهم التاريخ بوضع حجر الزاوية للفكر الجمهوري عند المسلمين، ففي الوقت الذي حصر فيه حزبُ معاوية أمر الحكم في آل قريش، وحزب عليٍّ (الشيعة) في آل علي بن أبي طالب، فقد فتح الإباضيون باب الحكم على مصراعيه أمام كل الناس الذين تتوفَّر فيهم شروط الحكم، ونظرًا لصواب رأيهم هذا ولما لاقاه من الاستحسان لدى الرعيَّة فقد اعتبره الأمويون خطرًا على أطماعهم في الاستئثار بالحكم لاعتبارات عرقية، لذلك استغلُّوا وجودهم على سُدة الحكم لاتهام أهل المحكّمة بالخروج عن الدين، وهكذا يُعتبر الحكم الأموي أول من «سَيَّسَ» الدين خاصة وأنهم اعتبروا أنفسهم من أهل السنَّة دون غيرهم، وعليه فقد صار الأمويون يمثِّلون الإسلام الرسمي، واتهموا الفرق السياسية الأخرى التي تنافسهم وتعارض حكمهم بالزيغ والمروق من الدين، وهكذا فإن معظم ما وصل إلينا من الكتب التاريخية قد تأثر بهذه الخلفية السياسية التي جعلت الكثير من المؤرخين يدوِّنون الأحداث بطريقة شبه رسمية تُرضي الحكَّام على حساب موضوعية التأريخ ونزاهته، ومازال المذهب الإباضي يُعاني من هذا النوع من الكتابة التاريخية المُسَيَّسَة المنحازة إلى صف القَويِّ إلى يومنا هذا. وخير مثال على ذلك الاستمرارُ في اعتبار الإباضية خوارج، وتحميلهم مسؤولية جرائم الفرق الخارجية المتطرفة التي لا صلة لها بالإباضية إلاَّ «رفض مبدأ التحكيم» بين الخليفة الراشد علي والوالي المتمرد عليه معاوية. إذ لم يستسيغوا تنازُل الخليفة علي إلى المفاوضة مع الوالي المتمرد، خاصة وأن موازين القوى العسكرية كانت لصالحه، ومهما يكن من أمر فقد انقسم أهلُ المحكّمة على أنفسهم إلى فرق متطرفة وأخرى معتدلة. (1/121)
صفحة 122
وعليه فليس من الصواب وضع الأزارقة المتطرفين في كفَّة واحدة مع الإباضيين المعتدلين، فقد أُسست فرقة الأزارقة (نسبة إلى نافع بن الأزرق) على الأفكار التالية:
- اعتبار المخالفين لهم دار شرك وأجازوا سبيَ أموالهم وأولادهم.
- إقرار مبدأ قتل من خالفهم صغيرًا كان أو كبيرًا.
- اعتبار القعود عن الحرب شركا يستوجب مقاتلة أصحابه وسبيهم.
وهكذا يتجلى واضحًا أن فرق الأزارقة غارقة في التطرُّف إلى درجة المروق من الدين، والتعاليم الإسلامية السمحة مبنيةٌ على الرحمة والتسامح والإحسان.
أما الإباضيون الذين أسَّس عبد الله بن إباض حركتهم السياسية على أفكار أستاذه جابر بن زيد الذي يُعدُّ أوَّل من وضع نواة مدرسة فقهية في تاريخ المسلمين، فإنهم قد رفضوا العنف والحرب، فكانوا قعودًا، واكتفَوا في معارضة النظام الأموي (بالإنكار القولي) أي أنهم تبنَّوا ما نسمِّيه اليوم بالنضال السياسي السلمي الديمقراطي المبني على استعمال الكلمة المؤثرة كسلاح، وتثقيف وتعليم الدعاة قبل إرسالهم إلى الأمصار لمعارضة الحكم الجائر.
وهكذا يتجلى واضحًا أنَّ الفكر السياسي الإباضي قد أثرى الفكر السياسي الإسلامي بمجموعة من المبادئ السياسية الديمقراطية على قدر كبير من الأهمية وهي:
- مبدأ الجمهورية.
- المعارضة السياسية بطريقة سليمة.
- التثقيف السياسي.
ولما عجز الحكم الأموي عن مقارعة هذا الفكر السياسي بقوة الحُجَّة، فقد التجأ إلى منطق المغالطة الدينية عن طريق اتهامهم ”بالخارجية“ لتأليب العامَّة عليهم، علمًا بأنَّ الأمويين قد دأبوا على اتهام خصومهم بهذه التهمة لتشويه سمعتهم، ثم التخلُّص من شوكتهم. (1/122)
صفحة 123
مهما يكن من أمرٍ فقد استطاع الفكر الإباضي أن ينتشر في أماكن كثيرة، خاصة في شمال إفريقيا حيث أسَّس الدولة الرستميَّة في القرن التاسع ميلادي، ووصل بفضلها المذهب الإباضي إلى الأندلس وإفريقيا السوداء، ورغم سقوط الدولة الرستمية فقد استطاع الفكر الإباضيُّ أن يحافظ على مواقع عديدة كوادي ميزاب بالجزائر وجزيرة جربة بتونس، وجبل نفوسة بليبيا، وسلطنة عمان، وبعض الجزر الشرقية لإفريقيا مثل زنجبار.
وبالنسبة لعصرنا الحالي، فإنَّ الموضوعيَّة تُلزمني الإقرار بأنَّ الإباضية قد انفردت بالنجاح في المحافظة على توازن أتباعها بفضل قوَّة التنظيم (وخاصة مجلس العزابة) والتمسك بمكارم الأخلاق وقيم التضامن والتآزر والتسامح، وجمعت بين الأمازيغية والعربية في بوتقة الإسلام حتى صارت قدوةً حسنة تشرئبُّ إليها الأعناق.
ورغم هذه المكانة السامية التي يحتلها المذهب الإباضي فما زال يعاني من التهميش في المؤسسات التربوية والإعلاميَّة، بل وأخطرُ من ذلك، فهناك بعضُ المسؤولين من يعتبره فكرًا منغلقا يحول دون اندماج أتباعه في روح العصر، لذلك نراهُم يبذلون قصارى جهدهم للقضاء عليه. (1/123)
صفحة 124
فمن لي برفع الغبن عن الإباضية وعلمائها أمثال: محمد بن يوسف اطفيش، وعبد العزيز الثميني، وإبراهيم بيُّوض، والقائمة طويلة، من الذين لم يُنزَلوا منزلتَهم السامية، إذ لم يشرَّفوا حتَّى بتسمية المؤسسات التعليمية والثقافية بأسمائهم على المستوى الوطني والمحلِّي أسوةً بإخوانهم المصلحين الآخرين، كعبد الحميد ابن باديس، ومبارك الميلي، والبشير الإبراهيمي، وغيرهم؛ فالشيخ إبراهيم بيُّوض مثلا جاهد بالقلم، والكلمة الطيبة وذلك من أجل الإسلام والجزائر، فأسَّس المدارس وألقى الدروس، فتكوَّنت على يديه أجيال عديدة، ونظَّم صفوف إخوانه في الجنوب لتدعيم صفوف الثورة، ومن دواعي الألم أنَّ بعض كبار قومِنا قد أذاقوه الأمرَّين في عزِّ الاستقلال الذي ساهم في صنعِه عن إيمانٍ راسخٍ ودون أن ينتظر جزاءً ولا شكورا؛ ويبدو أنَّ الحصار ما زال قائما بحيث لم يُكرَّم بتسمية إحدى المؤسَّسات التربويَّة باسمه المبارك.
فهل من (مولود قاسم نايت بلقاسم) جديدٍ لنا ينفض عن إبراهيم بيُّوض وغيرهم من العلماء غبار التهميش والنسيان، فما تحتاجه الجزائر التعدُّديَّة، هو حوار هادئ بين المذاهب المعتدلة عندنا، من أجل إذابة التشنُّج والأفكار المسبَّقة المبثوثة هنا وهناك، وتدعيم التواصل مع الجميع، ومن المؤكّد أنَّ مثل هذا الحوار سيدعِّم الديمقراطيَّة المبنيَّة على احترام الآخر في دينه ولغته ومذهبه وأفكاره ولونه، فقوَّةُ الجزائر في تعدُّديَّة طبيعتها وثقافتها.
محمد أرزقي فراد
نائب بالمجلس الشعبي الوطني
الإمام الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض
وتفسيره «في رحاب
القرآن»
إعداد: أ/ مسعود فلوسي
أستاذ مساعد مكلَّف بالدروس مدرِّس الأصول والمقاصد والفقه المقارن
بقسم الشريعة ـ كلية العلوم الاجتماعية والعلوم الإسلامية ـ جامعة باتنة.
عضو وحدة البحث
تمهيد: (1/124)
صفحة 125
يهدف هذا البحث إلى دراسة جهود الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض في تفسير القرآن الكريم، هذه الجهود التي كان لها تأثيرها المحقَّق في الواقع يوم كان الشيخ يُلقي دروس التفسير في بلدة القرارة، بمنطقة وادي ميزاب بالجنوب الجزائري، على مدى زمنيٍّ تطاول حتَّى وصل إلى قريب من خمسين سنة كاملة.
وقد كان الدافع إلى خوض هذا البحث، ما رأيناه من تجاهلٍ كاملٍ لجهود هذا الرجل وعدم توجه الباحثين إليها بالدراسة، في ما عدا بعض الجهود القليلة التي تظلُّ دون الاهتمام المستحقِّ.
كما دفعنا إليه أيضًا أنَّ تفسير الشيخ بيوض يضارع أو يفوق الكثير من الجهود التفسيريَّة في العالم الإسلامي التي ظهرت خلال هذا القرن، ومع ذلك فقد بقي مغمورًا لا يُلتفت إليه، وقد زاد من حدَّة تجاهله بقاؤه مسجَّلاً على الأشرطة ثمَّ مخطوطًا بجهدٍ فرديٍّ، وهو لا يكاد يَرى جزءٌ منه النور إلاَّ كلَّ عام على الأقل، ممَّا يعني أنَّنا ربَّما نحتاج إلى أزيد من ثلاثين سنة حتَّى نرى الكتاب مطبوعًا في شكله الكامل.
ثمَّ إنَّه، حتَّى الشيخ بيوض نفسه، يعتبر من العلماء المجهولين لدى جيل الاستقلال في الجزائر والعالم العربي والإسلامي، على الرغم من الدور البارز الذي أدَّاه خلال ثورة التحرير الوطني، والتأثير الكبير الذي كان له في منطقة الجنوب الجزائري قبل وبعد الاستقلال حتَّى وفاته رحمه الله.
وعلى كلِّ حال، فنحن نطمح من وراء هذا البحث إلى إزالة الغبار عن هذه الشخصية المغمورة، والتعريف بواحد من جهوده العلمية الضخمة، ألا وهو تفسير القرآن الكريم.
وستتمحور دراستنا في هذا البحث حول المحاور الآتية:
أ ـ التعريف بالشيخ بيوض.. حياته وآثاره.
ب ـ علاقة الشيخ بيوض بالتفسير وتطور اشتغاله به.
ج ـ طريقة الشيخ بيوض في التفسير.
د ـ مصادر الشيخ بيوض في التفسير.
هـ ـ اهتمامات وقضايا التفسير عند الشيخ بيوض.
و ـ مزايا تفسير الشيخ بيوض وخصائصُه.
المبحث الأول (1/125)
صفحة 126
إبراهيم بن عمر بيوض.. حياته وآثاره
أـ نشأته ودراسته:
هو إبراهيم بن عمر بيوض، وبيوض هو اللقب العائلي لأسرته.
ولد يوم الاثنين الثاني عشر من ذي الحجة سنة 1326هـ، الموافق للسادس والعشرين من أبريل عام 1899م، من أبٍ هو عمر بن بابه بن إبراهيم، وأمه هي عائشة بنت كاسي بنت بهون.
اعتنى به والده منذ صغره، وكان صارمًا في تربيته وتأديبه، راغبًا في تعليمه وتخليصه للعلم، وذلك ما دفع به إلى أن ينتقل من مسكنه إلى مسكنٍ آخر بجوار المسجد، حتَّى يقرِّبه من بيت الله، ويُبعده عن مواطن اللهو.
وقد أدخله ـ حين بلغ ستَّ سنوات ونصف ـ الكُتَّاب لحفظ القرآن الكريم، حيث درس على يد الشيخ محمد بن الحاج يوسف العطفاوي مدَّة سنتين تقريبًا، وقد بلغ في حفظه خلال هذه المدَّة سورة القصص.
ثم انتقل بعد ذلك إلى معهد الشيخ الإبريكي، حيث تلقَّى المبادئ والقواعد في العلوم العربية والشريعة الإسلامية.
وقد استفاد من تواجده بهذا المعهد استفادة جلَّى، كانت لها آثارها الواضحة في حياته بعد ذلك.. حيث إنَّ شيخ هذا المعهد وهو الشيخ الإبريكي كان يحرص على ربط تلاميذه بأصول الإسلام كتابًا وسنَّة، وكما كان حريصًا على توجيههم إلى المطالعة في كتب السُنَّة ويلزمهم بحفظ أحاديث يترك لهم الحرية في اختيارها.
وفي سنة 1913م انتقل إبراهيم بن عمر بيوض إلى معهد الشيخ الحاج عمر بن يحي، الذي كان شبيها بنظام معهد الإبريكي، فدرس به نحوًا من سنتين، مستزيدًا من علوم العربية والشريعة.
وقد استفاد من شيخه في هذا المعهد، حيث تكوَّن على يده في الجانب الاجتماعي والسياسي والثقافي العام، إذ كان شيخه يصطحبه معه إلى المجالس التي تُناقَش فيها قضايا البلد، كما كان يحضر معه المآدب التي تقام على شرف المصلحين ويستمع إلى ما يدور فيها، ممَّا أكسبه وعيًا اجتماعيًا وسياسيًّا مبكِّرًا. (1/126)
صفحة 127
ولمَّا فتح الشيخ عمر بن يحي والشيخ بكير العنق ناديًا يلتقي فيه المصلحون لقراءة ما يصلهم من كتبٍ ومجلاَّت وجرائد، كان الشيخ بيوض من الملازمين لهذا النادي، وفيه طالع الكثير من الكتب وقرأ العديد من الجرائد والمجلاَّت، ممَّا مكَّنه من مواكبة العصر وتغيُّراته السريعة.
وكما استفاد إبراهيم بيوض من شيوخه ومطالعاته، استفاد أيضًا من أسفاره، حيث كان...
ب ـ اشتغاله بالتعليم والعمل الإصلاحي:
بدأ الشيخ إبراهيم بيُّوض التعليم في معهد الشيخ الحاج عمر بن يحي، ولم يكن قد تجاوز سبعة عشر سنة من العمر، وبقي مدرِّسًا في هذا المعهد إلى غاية سنة 1925م، حيث افتتح معهده الخاص الذي سمَّاه «معهد الشباب»، ثمَّ سمِّي بعد ذلك «معهد الحياة» وتولَّى التدريس فيه، وأقبل الطلبة إليه من كلِّ حدبٍ وصوب.
ولم ينقطع عن التدريس في هذا المعهد حتَّى عام 1947م، حيث دخل ميدان العمل السياسي، وتفرَّغ للعمل الإصلاحي العام، وترك الإشراف على المعهد لتلاميذه الكبار وعلى رأسهم الشيخ عدون سعيد شريفي.
في سنة 1922م، أصبح الشيخ إبراهيم بيوض عضوًا في مجلس العزابة، ثمَّ عُيِّن للتدريس والوعظ بالمسجد، فدرَّس كُتبًا كثيرة من روائع التراث الإسلامي.
ولم ينحصر عمل الشيخ بيوض في القرارة وحدها، بل كان ينتقل بين مدن ميزاب، ومدن الشمال لنشر الوعي وتوسيع دائرة العمل الإصلاحي.
ولما أُنشِئت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين عام 1931م، شارك في وضع قانونها الأساسي وعُيِّن نائبًا لأمين مالها.
وللحدِّ من نشاطه، فرضت عليه سلطات الاحتلال إقامة جبريَّة مدَّة ثلاث سنوات وخمسة أشهر، من عام 1940م، إلى عام 1944م. كما كان قد تعرَّض قبل ذلك وبعده إلى خمس محاولات اغتيال، أولاها سنة 1938م، وآخرها سنة 1946م. (1/127)
صفحة 128
وقد رشَّح نفسه كنائب عن منطقة ميزاب في المجلس الجزائري عام 1948م، ثمَّ أُعيد ترشيحه وانتخابه لذات المنصب سنة 1951م، فكان له البلاء الحسن، وكان له دوره في إبطال مشاريع فصل الصحراء عن بقية الجزائر.
وعندما اندلعت ثورة نوفمبر، شارك فيها بالتموين، وتجنيد تلاميذه، ورفض أن يخرج من الجزائر إلى تونس سنة 1957م، حيث رأى أنَّ بقاءه أجدى للثورة في منطقة الجنوب الجزائري.
وقد عُيِّن غداة الاستقلال مسؤولاً عن مندوبية الشؤون الثقافية في الهيئة التنفيذية المؤقتة من مارس إلى سبتمبر سنة 1962م.
وفي سنة 1963 أعاد بعث مجلس عمي سعيد، الهيئة العليا لمجالس عزابة وادي ميزاب ووارجلان. وانتُخب رئيسًا له، وظلَّ كذلك إلى أن وافته المنيَّة.
وقد استمرَّ بعد الاستقلال في جهاده الإصلاحي، وتعرَّض لمضايقات من قِبل المعارضين لحركة الإصلاح، منها إدخاله السجن مدَّة ثمانين يومًا سنة 1965م.
كما استطاع في عام 1970م أن يُحيي فريضة الجمعة في منطقة ميزاب، بعد أن تُرك إبَّان العهد الاستعماري.
وفي سنة 1980م، أقيم حفلٌ كبير في القرارة بمناسبة تفسير القرآن الكريم. ولم يلبث أن وافته المنيَّة يوم الإربعاء 08 ربيع الأول 1401هـ، الموافق لـ 14 يناير 1981م، عن عُمرٍ يناهز ثلاثًا وثمانين عامًا قمرية.
وشُيِّع جثمانه في حشدٍ عظيم بمسقط رأسه القرارة، صبيحة يوم الجمعة 10 ربيع الأول 1401هـ، الموافق لـ 16 يناير 1981م.
كما تمَّ تأبينه بحفلٍ كبير يوم الجمعة 21 جمادى الأولى 1401هـ، الموافق لـ 27 مارس 1981م.
جـ آثارُه: (1/128)
صفحة 129
لم يشتغل الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض رحمه الله بتأليف الكتب، وإنَّما كان كلُّ همِّه الاشتغال بتأليف الرجال، كما كان ديدنُ زملائه في الإصلاح من أعضاء جمعية العلماء المسلمين الجزائريين.. ومع ذلك فقد استطاع تلاميذ الشيخ بيوض أن يجمعوا الكثير من تراثه الفكري من خلال دروسه المسجَّلة في الأشرطة والتي تمَّ استفراغها بعد ذلك في شكل كُتبٍ منشورة، وبعضها لا يزال مخطوطًا، ومن أهم هذه الكتب:
1 ـ تفسير للقرآن الكريم، بعنوان «في رحاب القرآن»، وهو مسجَّل على الأشرطة بداية من الآية سبعين من سورة الإسراء إلى سورة الناس. وقد طُبعت من هذا التفسير لحدِّ الآن ستة أجزاء، بتحرير وعناية الأستاذ عيسى بن محمد الشيخ بالحاج.
2 ـ فتاوى الشيخ بيوض: في جزئين، وهي عبارة عن أسئلة وأجوبة تعالج مختلف شؤون الحياة، وقد كان الشيخ يكتب كلَّ فتوى ويحتفظ بنسخة منها، وقد جمعها الشيخ بكير بن محمد الشيخ بالحاج.
3 ـ بلاد ميزاب: بحث يتعلَّق بإيضاح بعض الجوانب الغامضة من تاريخ ميزاب، ونشأة المدن السبعة، وكذلك النظام الداخلي للمجتمع الإباضي، وهو ما يزال مخطوطًا.
4 ـ المجتمع المسجدي: وهو مجموعة دروس مسجَّلة جمعها ونشرها الدكتور محمد ناصر بوحجام، وهي تدور في مجملها حول المجتمع الميزابي وأسباب تدهوره، ونظام العشائر في الإسلام...
5 ـ أجوبة وفتاوى، منشور في ليبيا، وهو يدور حول عدد من المحاور ممَّا يتعلَّق ببعض الآراء الخاصَّة بالإباضية، منها: الإباضية ليسوا خوارج، الصلاة وراء المخالفين في المذهب، الإحرام من جدَّة للحجاج المغاربة.
6 ـ الأجوبة الشفاهيَّة.
7 ـ نظام العزابة والعشائر ومجلس عمِّي سعيد: وهو أجوبة عن أسئلة متعلِّقة بهذا الموضوع.
8 ـ من إجابات الشيخ بيوض، في خمس حلقات: أجاب فيها عن بعض الأسئلة المختلفة، وتدور في أغلبها حول أحكام الشريعة الإسلامية في المسائل التي تواجه السائلين. (1/129)
صفحة 130
9 ـ حديث الشيخ الإمام: وهي مجموعة دروس للإمام بيوض جمعها ونشرها تلميذه الشيخ سعيد كعباش.
10 ـ أعمالي في الثورة: مذكِّرات للشيخ بيوض تحدَّث فيها عن أعماله في الثورة التحريريَّة، وقد طبعت في كتاب بتقديم الدكتور محمد ناصر.
11 ـ مقالات عديدة كتبها الشيخ بيوض في مواضيع مختلفة في صحف أبي اليقظان، وفي مجلَّة الشباب لمعهد الحياة، ومجلَّة الفكر الإسلامي.
12 ـ خُطب الشيخ ودروسه التي كان يُلقيها في زياراته لمدن ميزاب. وقد قيَّدها ساعدها الأيمن الشيخ سعيد شريفي (الشيخ عدُّون)، ونشرها الأستاذ محمَّد علي دبوز في كتابَيه: «أعلام الإصلاح في الجزائر»، و«نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة».
المبحث الثاني
علاقة الشيخ بيوض بالتفسير
وتطوّر اشتغاله به
أـ البدايات:
ترجع علاقة الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض بالتفسير إلى سنة 1921، وكان لا يزال في العشرين من عمره، حين جلس إلى الناس يفسِّر القرآن، معتمدًا في ذلك على تفسير البيضاوي، ثمَّ انتقل في أواخر العشرينيات إلى تفسير الشيخ محمَّد عبده الذي كان يُعجَب بمنهجه الإصلاحي إعجابًا كبيرًا، فاعتمد تفسيره لجزء «عمَّ يتساءلون»، ولم تكن طريقته عندئذ واضحة متسلسلة إذ كان مشغولاً بالعمل الإصلاحي وبالتعليم وإعداد الجيل لتحمُّل رسالته الإصلاحية.
ولم يكن تدريسه مقتصرًا على التفسير فسحب، بل كان يدرس كذلك بقيَّة العلوم الشرعيَّة من خلال كتبٍ يختارها، إذ درس إلى جانب تفسير الشيخ محمَّد عبده كلاًّ من: «مسند الإمام الربيع بن حبيب» في الحديث، «فتح الباري شرح صحيح البخاري» لابن حجر العسقلاني، «طلعة الشمس» في الأصول للسالمي، «كتاب النيل وشفاء العليل» في الفقه لعبد العزيز الثميني، «مغني اللبيب عن كتب الأعاريب» في اللغة لابن هشام الأنصاري، «دلائل الإعجاز في البلاغة» لعبد القاهر الجرجاني، «الأمالي» في الأدب العربي لأبي عليٍّ القالي.
ب ـ انطلاق العمل في التفسير: (1/130)
صفحة 131
ابتداءً من يوم السبت فاتح المحرم الحرام من سنة 1353هـ، الموافق للسادس من ماي سنة 1935م، قرَّ من الشيخ بيوض العزمُ على بداية التفسير من أوَّل سورة البقرة بطريقة متسلسلة منتظمة متتابعة.
وكان تفسيره عبارة عن دروسٍ عامَّة تُلقى في مسجد القرارة أمام عامَّة الناس أساتذة وطلاَّبًا، مثقَّفين وأمِّيين، رجالاً ونساء، صغارًا وكبارًا.
وكان الوقت المخصَّص لهذه الدروس ما بين الظهر والعصر صيفًا، وبعد صلاة الفجر إلى شروق الشمس شتاءً وربيعًا. ثمَّ صار في مراحل التفسير الأخيرة بعد صلاة العشاء، يلقيها بالعربية الفصحى مع شروح تداخلها الميزابية المحليَّة أو اللغة العربيَّة الدارجة.
ج ـ المراحل التي مرَّ بها تفسير الشيخ بيوض:
سبق أن قلنا إنَّ الشيخ بيوض ابتدأ التفسير يوم أوَّل محرم سنة 1353هـ، وقد ظلَّ يفسِّر كتاب الله عزَّ وجلَّ بصورة متتابعة، مجتهدًا ألاَّ تنقطع دروسه، ومع ذلك فإنَّ الظروف التي كان يمرُّ بها المجتمع الجزائري وطبيعة الأنشطة التي كان الشيخ بيُّوض ينوء بحملها كانت تجعله أحيانًا ينقطع عن الدرس، ولا يعود إليه إلاَّ بعد مدَّة قد تطول أو تقصر، وقد كان هذا يحصل سواء في مرحلة الاحتلال وحتَّى في مرحلة الاستقلال.
ونظرًا إلى أنَّ دروس الشيخ الأولى في التفسير والتي ألقاها خلال الفترة الزمنية الممتدَّة بين سنة 1935 وسنة 1961م لم يتمَّ تسجيلها، ولا تسجيل تواريخها، فمن الصعب جدًّا معرفة الفترات التي كان يتوقَّف خلالها عن التفسير.
أمَّا بعد أن دخلت الكهرباء منطقة القرارة، فقد شُرع في تسجيل دروس الشيخ مباشرة على الآلات اللاقطة للصوت ابتداءً من يوم السبت 23 صفر 1381هـ، الموافق للخامس من شهر أوت سنة 1961م، وهكذا ابتدأ التسجيل من تفسيره للآية 17 من سورة الإسراء إلى غاية سورة الناس. وقد استفرغ هذه التسجيلات في دفاتر خاصَّة الأستاذ عيسى بن محمد الشيخ بلحاج، وهو يوالي نشرها تباعًا منذ سنوات. (1/131)
صفحة 132
هذه الدروس حدثت فيها انقطاعات من جهة تواصلها الزمني، ففي 12 أكتوبر من سنة 1964 تمَّ اعتقال الشيخ بيوض مدَّة ثمانين يومًا، وأودع السجن في الجزائر العاصمة، ولم يتسنَّ له استكمال دروس التفسير إلاَّ بعد هذه المدَّة.
كما أنَّه بعد 22 جوان من سنة 1975 توقَّف مدَّة خمسة أشهرٍ كاملة، ولم يستمر في التفسير إلاَّ في نوفمبر من العام نفسه، لأسباب قاهرة، أهمُّها تفرُّق الطلبة للعطلة.
وبعد انتهائه من تفسير سورة الطارق في ليلة الثلاثاء 06 فبراير من سنة 1979، توقَّف عن التفسير مدَّة أربعين يومًا، نتيجة مرضٍ ألمَّ به، ثمَّ رجع بعد ذلك وشرع في تفسير سورة الأعلى ليلة الأحد 17 مارس.
وبعد خمسة دروس متوالية في تفسير سورة الأعلى، اضطُرَّ الشيخ إلى الغياب عن درس التفسير مرَّة أخرى نتيجة ازدياد وطأة المرض، ولم يعد إليه إلاَّ بعد أسبوعين، وذلك يوم 20 أبريل، ثمَّ بعد ذلك استمرَّ في التفسير مدَّة أربعة أشهرٍ ختم بعدها تفسير القرآن الكريم كاملاً، وكان ذلك ليلة الإربعاء 26 ربيع الأول 1400هـ، الموافق 13 فبراير 1980م، على الساعة الثامنة وعشر دقائق.
وفي يوم الجمعة 08 رجب 1400هـ، الموافق 23 ماي 1980م، أقيم في مدينة القرارة مهرجان ضخمٌ احتُفل فيه بمناسبة ختم الشيخ بيوض لدروس تفسير كتاب الله عزَّ وجلَّ، بحضور أركان الدولة الجزائرية، وجمعٌ كبيرٌ من العلماء من مختلف أنحاء القطر، إضافة إلى تلاميذ الشيخ وأبناء المنطقة، وكان المهرجان مشهدًا عظيمًا يُكرَّم فيه كتاب الله وحملة كتاب الله ومفسِّر كتاب الله.
وهكذا فقد دام تفسير الشيخ بيوض لكلام الله عزَّ وجلَّ مدَّة تقترب من نصف قرن، كان خلالها صوت الشيخ يُدوِّي في مسجد القرارة مرتلاً آيات الله ومُتبِعًا الترتيل بالشرح والتفصيل. (1/132)
صفحة 133
والآن، وبعد هذا العرض لتاريخ تفسير الشيخ بيوض ومراحله، آن لنا أن نتناول هذا التفسير بالدراسة التحليلية، منطلقين في ذلك من الأجزاء الستَّة التي نُشرت منه إلى الآن، ومع إقرارنا بأنَّ هذه الدراسة لا يمكنها أن تحيط بالتفسير بصورة صادقة نظرًا لغياب بقية أجزائه، إلاَّ أنَّها تحاول أن تعطي على الأقل صورة تقريبية له.
المبحث الثالث
طريقة التفسير
ففيما يتعلَّق بطريقة التفسير أوَّلا نجدها طريقة ثابتة مستقرَّة، سواء في تفسيره للسورة أو تفسيره للآيات التي تتضمَّنها كلُّ سورة.
أـ بالنسبة للسورة:
ففي تفسيره للسورة، تقوم طريقة الشيخ بيوض على الخطوات الآتية:
1 ـ التعريف بالسورة تعريفًا مفصَّلاً من جهة تاريخ النزول وعدد الآيات وبيان المكِّيِّ والمدنيِّ منها.
سورة الكهف (2/ 7)، سورة مريم (3/5)، سورة طه (3/ 211، 219 ـ 220)، سورة الأنبياء (4/5)، سورة النور (6/5).
من ذلك مثلاً تعريفُه بسورة طه، حيث قال في أوَّلها:
«سورة كريمة من سور القرآن الكريم.
تسمَّى سورة طه، بهذين الحرفين، اللذين بدأ الله تعالى بهما السورة، والمدُّ في الهاء كالمدِّ في الطاء مدٌّ واحدٌ.
وتسمَّى سورة الكليم، نسبة إلى سيِّدنا موسى عليه السلام في قصَّته.
وآيات السورة 135 آية منها 90 آية في قصَّة موسى عليه السلام بداية من قوله تعالى { وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى } (09)، إلى قوله تعالى { كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَد آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا } (99).
ولسورة طه جرسٌ خاص، وفاصلة جميلة حلوة، لذيذة جدًّا، بالألف المقصورة، كما اختار الله تعالى لها حرفين بُدئت بهما يتَّفقان مع فاصلتها. ولو أنَّ حرف الطاء والهاء لا يُنطق بهما إلاَّ بهمزة في آخرهما، إلاَّ أنَّه لم يرِد التلفُّظُ بهما إلاَّ مقصورين، ليوافق الفاصلة، ويتَّسق هذا النظم في روعة المعنى وجمال الإيقاع.» (4/ 211 ـ 212). (1/133)
صفحة 134
2 ـ ذكر ما ورد في فضل السورة من أحاديث وآثار:
سورة الكهف (2/7ـ 8)، سورة طه (3/ 212)، سورة النور (6/ 17ـ 18).
ففي بداية تفسير سورة النور مثلاً، وبعد أن عرض لما تتضمنه السورة من معانٍ قال: «وبعدُ؛ فالسورة حقًّا عظيمة لأنه لم يُجمع في غيرها من سور القرآن ما جُمع فيها من الآداب والأحكام، والحدود التي تربَّينا أفرادًا وعائلات ومجتمعات، وقد نبَّهنا الله تعالى إلى هذا بهذه المقدمة التي وضعها، حتى نهتمَّ بالسورة فنقرأَها ونحفظها، ونطبِّقَ ما فيها، وقد ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: ”حفِّظوا نساءَكم سورة النور“، وفي رواية: ”علِّموهنَّ المغزل وسورة النور“، وفي حديثٍ آخر ”علِّموا رجالَكم سورة المائدة ونساءَكم سورة النور“، وورد عن عمر رضي الله عنه أنَّه كان يكتُب لعُمَّاله في أطراف الدولة أن يأمروا الناس: ”من لم يستطع حفظ القرآن كلِّه فليحفظ سورةَ النساء والنور والأحزاب“، وهذا من نباهة عمر وبُعد نظرِه...». (6/17 ـ 18).
3 ـ بيانُ وجهِ المناسبة بينها وبين السورة السابقة عليها:
سورة الكهف وسورة الإسراء (2/9 ـ17).
سورة الأنبياء مع سورة طه (4/5 ـ 6).
سورة المؤمنون مع سورة الحج (5/5).
يقول مثلاً في بداية تفسيره لسورة الحج، بعد انتهائه من تفسير سورة الأنبياء:
«المناسبة بين أوَّل هذه السورة وبين آخر سورة الأنبياء ظاهرةٌ.
ففي آخر سورة الأنبياء ذكرَ الله تعالى الساعة، وصرَّح بها وذكر بعض أشراطها مبتدئًا بياجوج وماجوج: { حَتَى إِذَا فُتِحَتْ يَاجُوجُ وَمَاجُوج وهُم مِّن كُلِّ حَدبٍ يَنسِلُون وَاقتَرَبَ الوَعدُ الحقُّ } (الأنبياء/ 96). إذا اقترب الوعد الحقُّ يتحقق الإفناء بنفخة الصعق، ثم تكون الإعادة بنفخة البعث، وبعده الحساب والثواب والعقاب، ثم ذكر وعيده للكفرة والمنافقين، وبشارته للمؤمنين الصالحين. (1/134)
صفحة 135
وفي أول سورة الحج يقول: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ إِنَّ زّلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ } ، فهذا الوعد قد ظهرت أماراتُ اقترابِه بدكِّ سدِّ ياجوج وماجوج، والذي عبَّر عنه في هذه السورة بزلزلة الساعة» (4/ 290).
4 ـ تلخيص محتوى السورة قبل البدء في تحليل آياتها، كما هو الحال بالنسبة لسورة النور (6/ 8-17)، أو عند الانتهاء من تفسيرها، كما فعل مع سورة الكهف، (2/ 456).
ب ـ بالنسبة للآية أو الآيات:
وأمَّا في تفسير الآية الواحدة أو مجموعة من الآيات، فتقوم طريقة الشيخ بيوض كذلك على الخطوات الآتية:
1 ـ بيان مناسبة الآية أو الآيات لسياق الآيات السابقة عليها:
(1/35)، (1/66)، (1/141)، (2/110)، (2/124-126)، (2/151)، (3/153)، (3/172).
فمثلاً عند تفسيره لقوله تعالى من سورة مريم: { وَيَقُولُ الاِنْسَانُ أَئذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا } ، (الآية: 66)، قال معلِّقًا:
«مناسبة الآية لما قبلها ظاهرة واضحةٌ، ذلك أنَّ الله تعالى ذكر قبلها وعده للأبرار، وأنَّهم يدخلون الجنة ولا يُظلمون شيئًا، وذكر وعيد الكفار الذين أضاعوا الصلاة واتَّبعوا الشهوات، وأنهم سيَلقَون غيًّا، والوعد والوعيد لا يتحقَّقان إلاَّ في الآخرة، فكان من المناسب جدًّا أن يقرِّر عقيدة البعث» (3/ 153).
2 ـ العناية بشرح الألفاظ ذات الأهمية والتي يتوقَّف عليها الفهم الصحيح للآية. وفي هذا الإطار تناول الشيخ الكثير من الألفاظ التي شرحها شرحًا مستفيضًا في مواضع ورودها، وأيضًا بإيراد ما ورد فيها من آياتٍ أخرى تزيد في شرحها وتوضيحها. من ذلك مثلاً: (1/135)
صفحة 136
الآية (1/138)، الباطل(1/222)، الشاكلة (1/147)، الغسق (1/95)، الوكيل (1/166)، الإرهاق (2/303)، الإمر (2/301)، الجُرُز (2/55)، الحمد (2/77)، الخراج (2/378)، الرقيم (2/75)، الوصيد (2/108)، الإدُّ (3/185)، الخُفوت (3/12)، السلوى (3/346)، الحسرة (3/97)، الضلال (3/290)، العصمة (3/455)، الاعتصام (3/232- 233)، الإلحاد
(4/395)، التأويب (4/123)، التسخير (4/458)، التقوى (4/291)، السجِل (4/274)، النذير (4/506)، الغرانيق (4/517)، العكوف (4/49)، الأحدوثة (5/147)، الخشوع (5/24-25)، الصِّبغ (5/116)، الملكوت (5/245)، الملأ (5/124- 125)، الإحصان (6/112-114)، الإفك (6/152)، البَرَد (6/343)، البَعل (6/247)، المشكاة (6/301)، الودق (6/464)، وغيرها كثيرٌ.
3 ـ بيان سبب النزول إن وُجد واعتمادُه في تفسير الآية:
(1/67)، (2/154)، (3/145- 146)، (3/173)، (3/191).
من ذلك مثلاً ما أورده عند تفسيره لقوله تعالى: { وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالغَدَاةِ وَالعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَلاَ تُطِعْ مَنَ اَغْفَلْناَ قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُه فُرُطَا } (الكهف/28).
حيث قال:
«أما سبب نزول الآية فهو أنَّ كفَّار قريش، خاصَّة أكابرهم والمعتدِّين بنفوسهم من رؤساء القبائل، قالوا للنبيِّ عليه السلام: إن شئتَ أن نؤمن بك فاطرُد مِن حولك هؤلاء الفقراء... وقال آخرون: إن شئتَ اتخذ لهم مجلسًا خاصًّا في وقت خاصٍّ، أمَّا أن يجمعنا وإيَّاهُم مجلسٌ واحدٌ فهذا ما لا نرضاه. فأنزل الله في شأن هؤلاء آيات.. منها هذه الآية»
(2/154-155).
4 ـ تحليل عناصر الآيات وتناوُلها بالشرح المستفيض في أكثر الأحيان. وبالشرح الموجز في أحيانٍ قلَّة.
المبحث الرابع
مصادر التفسير (1/136)
صفحة 137
وإذا كان لا بدَّ لكلِّ مفسِّر من مصادرَ يعتمدها في تفسيره، فإنَّ الشيخ بيوض اعتمد في تفسير القرآن على جملة من المصادر، هي:
1 ـ تفسير القرآن بالقرآن:
يؤكِّد الشيخ بيوض رحمه الله على أنَّ «القرآن يُفسِّر بعضُه بعضًا» (1/145)، وأنَّه «ما فسَّر القرآنَ غيرُ القرآنِ» (3/291).
ولذلك حرص على الاستفادة من بقيَّة الآيات القرآنية القريبة من جهة المعنى إلى الآية التي يكون بصدد تفسيرها.
من ذلك مثلاً تفسيره لمعنى الضلال في قوله تعالى: { لاَ يَضِلُّ ربِّي } من سورة طه، حيث أكَّد على أنَّ تفسير الضلال بالمعنى الشائع، وهو التنكُّب عن الصراط المستقيم لا يستقيم في هذا السياق، ولذلك فقد أشكل عليه المعنى هنا، حتىَّ وقف على قوله تعالى:
{ ... أًنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الاُخْرَى } ، فعرف أنَّ المراد في الآية الأخرى هو المعنى المراد في هذه الآية، وهو الخطأُ في التعبير أو الذهول والنسيان، فالله لا يُخطئ في التعبير ولا يذهل عن شيءٍ مهما كان (3/290).
وهناك نماذجُ أخرى كثيرةٌ منها:
معنى حشر الكفار عُميًا (1/64).
معنى كلمة الفجر (1/85).
معنى قوله تعالى تسع آياتٍ (1/205-209).
معنى الظهور (2/114).
حول قوله تعالى { وَازْدَادُوا تِسْعًا } (2/145-146).
معنى التمكين (2/348-349).
معنى شرح الصدر (3/267).
2 ـ تفسير القرآن بالسنة:
السنَّة النبويَّة الشريفة هي بيان القرآن، فقد فصَّلَت مجمَله وخصَّصت عامَّه وقيَّدت مطلقَه، وبيَّنت بالقول والفعل والتقرير ما ورد فيه. ولذلك لا بدَّ لأيِّ مفسِّرٍ من اطلاعٍ واسعٍ على السنَّة حتى يستطيع في ضوئِها فهم الكثير من معاني الكلمات والتراكيب القرآنية. (1/137)
صفحة 138
من ذلك مثلاًَ ما أكَّد عليه الشيخ بيوض من أنَّ الإنذار هو الوظيفة الأولى في حياة الرسل دون غيرها من الوظائف، حيث استشهد بقوله تعالى: { وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الاَقْرَبِينَ } من سورة الشعراء، ثم استشهد بقول النبي عليه الصلاة والسلام لعشيرته يوم جمعهم حين الصدع بالدعوة: { إِنِّي لِكُمْ نَذِيرٌ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ } (صحيح البخاري، ج:6، تفسير سورة الشعراء)، (2/32).
وهناك نماذجُ أخرى كثيرة منها:
معنى كون قرآن الفجر مشهودًا (1/83).
حول شفاعة النبي للناس يوم القيامة (1/96-101).
تعُّرف الله في الرخاء (1/143).
الخير والشر (1/145).
رأس العلم (1/167).
ذاك صريح الإيمان (2/40).
في اليمين والاستثناء منها أو النكول عنها (2/138).
معنى الحسرة يوم القيامة (3/97).
معنى الودِّ (3/191).
معنى الكلمات (3/427).
3 ـ توظيف السيرة النبوية:
السيرة النبوية الشريفة هي التطبيق العمليُّ للقرآن الكريم، ولذلك كان لا بدَّ من الاطلاع على السيرة اطِّلاعًا جيِّدًا حتى يمكن فهم الكثير من السياقات القرآنية المتعلقة بتلك الأحداث التي عاصرها الرسول - صلى الله عليه وسلم - وتفاعل معها.
لذلك كان اهتمام الشيخ بيوض بهذه السيرة بارزًا، وتوظيفه لها في فهم آيات القرآن واضحًا، من ذلك:
ما أورده الشيخ بيوض من حادثة من السيرة تشبه في أحداثها ونتائجها حادثة وقعت لسيِّدنا موسى عليه السلام.
يقول الشيخ بيوض في سياق الحديث عن موسى عليه السلام في سورة طه:
« (1/138)
صفحة 139
مما يذكره الرواة أنَّ سيدَنا موسى عليه السلام لمَّا خرج من مصرَ مع قومه حمل معه رفات النبي يوسف عليه السلام الذي مات قبله بعدة قرون، وكان يوسف وبإلهامٍ وإخبارٍ من الله تعالى قد أوصى قومَه بني إسرائيل بأن يحملوا جثمانه معهم إذا خرجوا من مصر ويدفنوه في الأرض المقدَّسة، ولما حان موعد خروج موسى عليه السلام بحث عن قبر يوسف ولم يهتد إليه إلاَّ بفضل عجوزٍ كبيرة دلَّته عليه، وقال موسى لهذه العجوز: ”تمنَّي عليَّ ما شئتِ، فقالت: اسألِ الله تعالى أن أكون معك في الجنة. فقال لها: لك ذلك.“، وفي سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - وفي هجرته إلى المدينة المنورة رفقة صاحبه أبي بكرٍ رضي الله عنه نزلا ضيفَين على عجوزٍٍ وهما متنكِّرَين، فقامت العجوز إلى عنزةٍ هي كلُّ ما تملك فذبحتها إكرامًا لهما، لما شاهدت على وجهَيهما من سمات الجلال والهيبة. ولمَّا همَّا بالانصراف قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لهذه العجوز: إذا سمعتِ برجلٍ ظهر بيثرب وكان له شأنٌ فاقصديه، وإنَّه سيجازيك على إحسانِك وكرمِك. ولمَّا شاع أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - وظهر، جاءت العجوز مع زوجها وقصدت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال لها، وهو يعرفُها: أأنت التي ذبحتِ لنا يوم مرَرنا عليك في البادية؟ قالت: نعم، قال لها: وماذا تريدين جزاءً على صنيعك؟ قالت: أريد ثمانين نعجة، فأعطاها ما طلبت، وقال لها: عجوزُ بني إسرائيل خيرٌ منكِ، لأنَّها سألت موسى أن تكون معه في الجنة، وأنت سألت ثمانين نعجة»، (3/341-342).
من النماذج أيضًا:
تدرُّج النبيِّ في الدعوة، وموقف المشركين منها في كلِّ مرحلة (1/181).
بيانُ حال النبي مع المشركين واليهود الذي مهَّد لنزول سورة الكهف (2/59-66).
4 ـ استثمار واقع النزول: (1/139)
صفحة 140
الكثير من آيات القرآن جاءت تحمل أصداء الواقع الاجتماعي الذي نزلت فيه، وتُعبِّر بأساليب يعرفها العرب الذين نزلت فيهم، وهناك آيات من القرآن لا يمكن فهمها على حقيقتها إلاَّ بالرجوع إلى واقع النزول.
ومن هنا وجدنا الشيخ بيوض رحمه الله يستثمر عادات العرب وواقع نزول القرآن ومألوف العرب في الخطاب في تفسير آيات القرآن وتحليل معانيه.
من ذلك مثلاً، بيان السرِّ في جمع الجنِّ مع الإنس في التحدِّي بالقرآن في قوله تعالى من سورة الإسراء: { قُلْ لَّئِنِ اِجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالجِنُّ عَلَى أَنْ يَّاتُوا بِمِثْلِ هَذَا القُرْآنِ لاَ يَأتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا } .
قال الشيخ بيوض: «ذكَر الجنَّ، لأنَّ العرب كانت تزعم أنَّ لكلِّ فصيحٍ ـ خاصَّة الشعراء ـ رئيًا من الجنِّ يوحي إليه ببليغ القول... فكأنَّ الآية جاءت لتُقيم عليهم الحجَّة بما يعتقدون، فهم يعتقدون أنَّ لهم جنًّا يوحون إليهم، لكن لو اجتمع الإنسُ والجنُّ كلُّهم فلن يستطيعوا أن يأتوا بمثل هذا القرآن، والمثليَّة في فصاحته وبلاغته، وأحكامه وحُكمه». (1/172).
وهناك نماذج أخرى من هذا القبيل، منها:
عادة العرب مع أصنامهم (1/72).
معنى خفقان القلب (2/97).
معنى قوله تعالى: { وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلاَّ أَن يَّشَاءَ اللهُ } (2/127-128).
عادة العرب في التعبير عن السعادة والشقاوة (3/13-14).
5 ـ استثمار التاريخ:
للتاريخ أهميَّة بالغة في فهم الأحداث وربط المقدِّمات بالنتائج، ولا شكَّ أنًَّ أحداث التاريخ تتشابه فيما بينها ويُفسِّر بعضها بعضًا. ومن الطبيعي أن تكون أحداث التاريخ من بين الوسائل التي تُفهم بواسطتها النصوص القرآنية، خاصَّة تلك الأحداث التي كان وقوعها قريبًا من زمن نزول القرآن. (1/140)
صفحة 141
وقد وظَّف الشيخ بيوض الأحداث التاريخية ومعرفته بها في تفسير العديد من الآيات القرآنية، من ذلك ما أورده عند تفسيره لقوله تعالى: { وَلَقَد أَنزلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُم } ، من سورة الأنبياء، حيث شرح معنى الذكر في الآية انطلاقًا ممَّا كان عليه حال العرب قبل نزول القرآن فيهم، وأكَّد الشيخ المفسِّر أنَّ العرب كانوا بدوًا لا ذِكر لهم ولا أثر في التاريخ والحضارة، وما سادوا العالم ودانت لهم الأمم إلاَّ بهذا القرآن، فكأنَّ الله عزَّ وجلَّ يقول لهم: ما أنتم قبل نزول القرآن..؟ هل كان لكم ذِكرٌ في الدنيا..؟ وهل عرفكم أحدٌ في التاريخ..؟ (4/24-27).
وهناك نماذج أخرى لتوظيف الشيخ التاريخ في التفسير من ذلك:
في قصَّة موسى مع فرعون بالوقائع المتتابعة (1/212-218)، قصَّة أبي جعفر المنصور (2/136-137).
في معنى قوله تعالى { وَاضْرِبْ لَهُمْ مَّثَلاً رَجُلَيْنِ } (2/180).
المقارنة بين بلوغ عُقبة المحيط الأطلسي وبلوغ ذي القرنين إلى المكان الذي يعتقد بغروب الشمس فيه (2/353-354).
حال المسلمين بعد وفاة الرسول وما مرَّ عليهم من شرور وأهوال (2/393-399).
في قصة قوم إبراهيم حين خرجوا ورجع هو إلى الأصنام (4/60).
6 ـ الرجوع إلى أقوال المفسِّرين:
كان الشيخ بيوض رحمه الله يرجع في تفسيره إلى عدد من كتب هذا الفنِّ، ومنها خاصَّة تفاسير الرازي، والبيضاوي، والقرطبي قديمًا، ومحمد رشيد رضا، وسيّد قطب، ومحمَّد شكري الألوسي، ومحمد بن يوسف اطفيَّش حديثًا.
وكان الشيخ يهضم مادَّة هذه التفاسير ويعيد صياغتها في نفسه ثمَّ يضيف إليها ما يتبيَّن له من فهم، ويُلقي بكلِّ ذلك تفسيرا نقيًّا مُصفَّى، يلمع بالاستقلاليَّة الفكريَّة ولا يظهر عليه التأثُّر بالغير.
في معنى مُدخَل صدقٍ (1/101).
نقل كلام الرازي أو البيضاوي (1/192).
كلام لبعض المفسِّرين (1/194).
7 ـ توظيف الواقع المحلِّي في التفسير: (1/141)
صفحة 142
يُوظِّف الشيخ بيوض أحيانًا بعض الوقائع الحادثة في زمن التفسير لشرح بعض ما تنطوي عليه الآيات من معانٍ، تقريبًا لتلك المعاني إلى الأذهان.
من ذلك مثلاً ما أورده في بيان معنى السرادق في قوله تعالى من سورة الكهف: { أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا } ، حيث يقول الشيخ بيوض:
«السُرادق في اللغة؛ حائطٌ أو حاجزٌ حول الخيم والبيوت، والعرب يتَّخذون حول مضاربهم في الصحراء حواجز، وهذه الطريقة معروفة إلى اليوم، كالأسلاك الشائكة التي ترونها اليوم في المعسكرات، إذا اتَّخذ الجنود معسكرًا أحاطوا خيامهم بالأسلاك أو بأكياس الرمل أو بالحجارة، هذا شيءٌ معروفٌ، وفي هذا الظرف العصيب أيَّام هذه الثورة شاهدتم كلَّ شيءٍ من هذه الأنواع» (2/167).
وهناك نماذج أخرى، منها:
«وإذا نحن نظرنا إلى واقعنا...» (1/86).
مقارنة الذين يُنكرون بناء المساجد، بحال المشركين زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - (1/185).
معنى المرفق (2/172).
8 ـ توظيف التجربة الإنسانية في فهم القرآن:
للتجربة الإنسانية التي يكتسبها المفسِّر في حياته دورٌ كبير في إدراكه للكثير من معاني آيات القرآن الكريم وقدرته على فقهها والإحاطة الدقيقة بمعانيها، وهذا ما نجده عند الشيخ بيوض الذي كان كثيرًا ما يوظِّف رصيده من التجارب في الحياة في فهم معاني آيات القرآن الكريم وشرحها للناس، مساعدة لهم على إدراكها وتفهُّمها.
من ذلك مثلاً ما أورده عند تفسير قوله تعالى: { فَمَنْ اُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَؤُونَ كِتَابَهُمْ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً } من سورة الإسراء.
حيث بيَّن كيف يأخذ الإنسان كتابه بيمينه إذا كان ما فيه سارًّا، وكيف يأخذه بشماله إذا كان يتضمَّن رصيدا سيِّئا، فقال:
« (1/142)
صفحة 143
الإنسان يأخذ بيمينه ما كانت له قيمة، ويصافح بها، وأمَّا ما احتقره وازدراه وأهانه فلا يأخذه إلاَّ بشماله. فلو أعطاك إنسان عطيَّة وكنت تكبر تلك العطيَّة وتستعظمها لتقدَّمت إليها بيمينك أو بكلتا يديك، لكن إذا استصغرتها وأهنتها مددت إليها شمالك...
ومن المعروف في معاملات الناس في الدنيا؛ أنَّه إذا أعطي أحد كتابا أو دفترا حساباته وعرف أنَّ الربح وفير فإنَّه يأخذ بشغف ونهم بيمينه ويتبجَّح به على الآخرين. ولكن إذا عرف أنَّ فيه خسارة فإنَّه لا يأخذ ولا ينظر فيه ولا يرغب أن يطَّلع عليه أحد» (1/62 ـ 63).
وهناك نماذج أخرى من هذا القبيل، منها:
بيان تكريم آدم مقارنة مع حياة الحيوان (1/36 ـ 41).
حول أمراض الإنسان وحاجته إلى النبوَّة لشفائها في قوله تعالى: { وَنُنزلُ مِنَ القُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ } ، درس رائع في تحليل طبيعة السلوك الإنساني ونوع الأمراض التي تصيب الحضارات الإنسانية، بما يَنمُّ عن فكر متفلسف متمكِّن، وعلى إطلاع واسع بطبائع الكائنات (10/106 ـ 115).
حول طبيعة الناس في الوقوف أمام الدعاة ومحاولة ثَنيِهم عمَّا يدعون إليه بالترغيب والترهيب (1/178 ـ 179).
معنى كلمة الرقيم (2/ 57 ـ 77).
في معنى الأساور (2/174 ـ 175).
في معنى سنَّة الأوَّلين (2/240).
المقارنة بين الذين يكرهون سماع الحقِّ من المسلمين وبين المشركين السابقين (2/412 ـ 413).
تسلُّط الشيطان على آدم من خلال حوَّاء، ومدى قدرة المرأة على التسلُّط على الرجل (3/416).
في تفسير قوله تعالى: { قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالحَقِّ أَمَ أَنْتَ مِنَ اللاَّعِبِينَ } (4/53).
9- توظيف اللغة العربيَّة في الفهم الصحيح للقرآن:
معنى الركون (1/73)
معنى كلمة الرقيم (2/76)
10- توظيف الشعر العربي:
في معنى وقت السحر (1/84)
في معنى عدم نوم قلب النبي - صلى الله عليه وسلم - (1/94)،....(1/115)،....(1/137). في تفسير معنى العبودية (2/19)،....(2/34). (1/143)
صفحة 144
معنى الربط على القلب (2/98)،...(3/380).
11-توظيف بعض الأمثال العربية و العامية و المحلِّية :
وتوظيف الأمثال كتوظيف التاريخ والوقائع، يفيد في إيضاح المعاني وإدراك دقائقها، وهذا ما جرى عليه الشيخ بيُّوض حيث نقف في تفسيره على حشد كبير من الحكم والأمثال العربيَّة و العاميَّة و المحليَّة.
ـ فمن الأمثال العربيَّة الفصيحة:
أحبُّ شيء إلى الإنسان ما مُنِعَ (1/130).
الطريق إذا دارت طالت (1/243).
كذَّاب ربيعة خير من صادق مضر (3/203).
ـ ومن الأمثال العامِّية الجزائرية:
مَعْزَة وَلَوْ طَارَتْ (1/186).
يَا امْزَوَّقْ مَنْ بَرَّا وَاشْ حَالَكْ مَنْ دَاخَلْ (2/33).
لَمْعَايْرَةُ تَنَوَّضْ قْلُوبْ الحَايْرَاتْ (1/171).
أَخْسَرْ تَرْبَحْ (2/327).
زَلْقَة ابْفَلْقَةُ (2/251).
لاَ تَطْلَق مَا فِي يْدَكْ وَاتَّبَّع مَا فِي الغَارْ (2/49).
ـ ومن الأمثال الميزابية المحلية :
ألبُّوز أُولِتَّمْلِيقِي مْعَ أُلَبُّوز (6/267).
أُلْتَدْجِنْ لاَ أُسْتُ وَلاَ إِيغَرْسَانْ، كُلْ شِي يَقِّيمَدْ دِنِّي (6/62).
المبحث الخامس
الاهتمامات
أما الاهتمامات التي عُنِيَ الشيخ بيُّوض في تفسيره بمعالجتها، فهي:
1-العناية بإصلاح الواقع:
لقد عاش الشيخ إبراهيم بيُّوض بن عمر بيُّوض في ظلِّ واقع متردٍّ على جميع المستويات، حيث إنَّ الاستعمار الذي ناء بكلكله على الجزائر قد كانت له تأثيراته العميقة في البنية النفسية والاجتماعية للمجتمع الجزائري، وساهم في انتشار الفقر والمرض والجهل، ممَّا تسبَّب في ظهور الآفات الاجتماعية واستفحالها.
وقد حارب الشيخ وغيره من المصلحين هذه الآفات وعملوا على القضاء عليها أو التقليل من حِدَّتها على الأقلِّ.
ولهذا نجد صدى هذا الكفاح واضحًا في تفسير الشيخ بيوض، باعتبار أنَّ هذا التفسير هو ذاته وسيلة من وسائل محاربة الآفات الاجتماعية. (1/144)
صفحة 145
ونكتفي هنا بإيراد مثال واحد في هذا الصدد، وهو يمسُّ واقع المجتمع الجزائري بعد الاستقلال، حيث خفَّ وقع الدِّين في نفوس الناس، وأصبح التديُّن عملاً فرديًا خاصًا، بل عاد عملاً مستهجنًا في نفوس الكثيرين ممَّن تشبَّعوا بالثقافة الغربية وابتعدوا عن الثقافة الإسلامية. يقول الشيخ في تفسير قوله تعالى: { فخلفَ مِنْ بَعْدِهِمَ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاَةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ } من سورة مريم:
«اتِّباع الشهوات يدخل فيها كلُّ ما يصدُّ عن ذكر الله حتَّى الألعاب التي يقال فيها إنَّها جائزة، ولكنَّها تقام وقت الصلاة، فتحول بين الناس وصلاتهم، كالذهاب إلى السينما والمسارح وملاعب الكرة، إلى غير ذلك من الأشياء التي لا يمكن أن نقول فيها أنَّها حرام، ولكن بما أنَّها تصدُّ عن ذكر الله وعن الصلاة فهي حرام, أغلب هذه الألعاب وهذه الحفلات لا تقام إلاَّ في أوقات الصلوات، والصلاة لا تخطر على البال أبدًا...
ولقد أصبحت الصلاة اليوم من أسخف وأحقر الأشياء، حتَّى إنَّ الواحد إذا اعتذر لزملائه عن الذهاب إلى ملعب أو مقهى أو ملهى بالذهاب إلى الصلاة التي تمنعك؟...هذا أقلُّ شيء، فدعك من الخمر والميسر، والمغازلات والمداعبات والفسوق والفجور على اختلاف أشكاله وأنواعه.
وأصبحت الصلاة ممَّا يستحي الإنسان من ذكرها أو إقامتها، حتَّى لكأنَّ مقيمها يرتكب عارا، بينما لا يستحي من طلب سيجارة أو كأس من الخمر» (3/119-120).
ويخلص الشيخ بعد هذا العرض للواقع إلى الهدف الذي يبتغيه وهو إصلاح هذا الواقع، فيقول موجهًا حديثه إلى الشباب:
... «فاعتبروا أيُّها الشباب بهذه الآية، وليقرأها كلُّ واحد منكم، وليتفهَّمها جيدًا».
(3/126).
ومن نماذج معالجة الواقع أيضًا في تفسير الشيخ بيُّوض:
انتقاد مظاهر السفور والعري الذي ظهر في الناس (1/131).
النهي عن الخوض في القضاء والقدر «هذا بحر خضم» (1/191). (1/145)
صفحة 146
التشنيع على الواقع الذي أصبح يستحسن الفجور ويستهجن البرَّ والخير (2/429).
-التشنيع على المنكرات التي أصبحت مستشرية في المجتمع (124-127).
-التشنيع على تقليد الغرب في تأخير سنِّ الزواج الذي يفضي إلى شيوع الرذيلة والفساد في المجتمع (3/133-136).
2-العناية بإبراز الأسلوب القرآني:
يقول الشيخ بيوض في التعليق على قوله تعالى: { انظرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ } :
«لمجموع القرآن أسلوب خاص, أسلوبه الخاص ضرب من ضروب إعجازه، لا يستطيع أحد أن يأتي بمثله، لكنَّ أسلوبه متنوِّع تنوُّعًا غريبًا. فترى في الآية الواحدة الانتقال من الغيبة، إلى التكلُّم، إلى الخطاب، ومن الخطاب إلى الغيبة والتكلُّم، ومن الجمع إلى الإفراد، ومن نوع إلى نوع من فنون الكلام. كلُّ هذا تفيده كلمة التصريف. تُرى لماذا هذا التصريف؟
لأنَّ طباع الناس مختلفة، وما يتأثَّر به البعض غير ما يتأثَّر البعض الآخر، فالله تعالى تفنَّن في كلامه وفي قوله في كتابه حتَّى يجد فيه كلُّ ذي حاجة حاجته، حتَّى يتأثَّر به كلُّ طبع، وكلُّ ذي استعداد.
ونجد المعنى الواحد في القرآن يُورَد بصور مختلفة، ويُفرَغ في قوالب متنوِّعة، وفي عبارات متعدِّدة، هذا معنى التصريف» (1/173-174).
فـ«من روعة القرآن وبلاغته، أنَّه يستعمل في كلِّ مكان كلمة تليق، بحيث لا تليق كلمة غيرها مكانها» (2/116).
قدَّم الشيخ بيوض وصفًا لأسلوب القرآن وروعته في مواضيع عديدة، انظر : (2/25-28).
من نماذج العناية ببيان الأسلوب القرآني :
تصوير حال الناس يوم القيامة (1/61).
حول التعبير في دعاء النبيِّ أن يُدخِله الله مُدخَل صدق (1/102)، انظروا إلى هذا التعبير (1/117)، انظروا إلى هذا التصوير البديع (1/143).
سرُّ التعبير بكلمة عبده (2/18-19).
سرُّ الحديث عن شرك معيَّن دون غيره (2/35-37).
سرُّ إضافة الكهف إلى الفتيان (2/139-140).
سرُّ استعمال كلمة العظام في قصَّة زكريا (3/21-24). (1/146)
صفحة 147
3- العناية بالقصص القرآني:
يفرِّق الشيخ بيوض بين طريقة القرآن في القصَّة، وطرق البشر فيها (2/78-79)، (3/282).
قصص القرآن الغرض منه ليس مجرَّد سرد الأحداث، وإنَّما الذكر والاعتبار (2/105).
يقول الشيخ في موضع آخر: «قصص القرآن لا تُقصُّ لتضييع الوقت، وإنَّما للحِكم التي فيها، ففي كلِّ حرف وكلِّ كلمة معانٍ، وربَّما في بعض الكلمات معان أكثر من عدد حروفها» (2/285).
قصَّة موسى مع فرعون وسحرته (1/212-218)، وفي التعليق على هذه القصَّة يقول:
«إنَّ في قصص بني إسرائيل لموعظة كبرى للناس، فيها تسلية للنبي - صلى الله عليه وسلم - ، وكأنَّ الله تعالى يقول له: ما بلغ قومك ممَّا بلغه فرعون وقومه وبنو إسرائيل مع موسى، فاعتبر بمن مضى قبلك من الرسل، سُنَّة الله ولن تجد لسُنَّة الله تبديلا» (1/220).
قصَّة أصحاب الكهف مرتَّبة متسلسلة حسب وقائعها (2/79-94).
قصَّة خلق آدم، ومناسبة إيرادها في سورة الكهف (2/215-218).
قصَّة موسى مع الخضر، والعبرة من سوقها (2/259 وما بعدها).
إعادة تفصيل وتعريف بموسى عليه السلام وبقصته منذ ميلاده (2/285-290).
قصَّة ذي القرنين (2/336-347).
قصَّة موسى مع السامري (3/353-370).
قصَّة موسى (3/230-239).
قصَّة سليمان مع الجنِّ والعبرة منها (4/142-149).
قصَّة أيُّوب والعبر المستفادة منها (4/151-170).
قصَّة يونس والعبر المستفادة منها (4/171-181)...
4-العناية بتصحيح المفاهيم الدينيَّة:
تنتشر بين المسلمين مفاهيم كثيرة مغلوطة عن دينهم، وهذه المفاهيم أضرَّت بالتزامهم بهذا الدين، ومنعت من تواصلهم الصادق معه.
وينتقد الشيخ بيُّوض هذه المفاهيم، ومن ذلك بيانه خطأ الذين يتقرَّبون إلى الله بترك أطايب الخيرات.
يقول الشيخ رحمه الله في تفسير قوله تعالى من سورة الإسراء: { يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا الله إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونُ } :
« (1/147)
صفحة 148
أمر الله تعالى المؤمنين بالأكل من الطيِّبات والانتفاع بها لأنَّها خُلِقت لهم، فإن لم يأكلوها فلمن هي؟ وهي لم تخلق للبهائم. ولهذا لا يكون ترك أطايب الطعام تقرُّبا إلى الله تعالى، وإنَّما التقرب إليه يكون بالأكل مع الشكر, لا بالترك.
والذين يعتقدون أنَّهم يتقرَّبون إلى الله عزَّ وجلَّ بترك أطايب الطعام مخطئون في هذا، لأنَّ الله تعالى خلقها لنا، وإنَّما اشترط علينا الشكر، ولا يشكرها حقَّ شكرها إلاَّ من ذاقها واستلذَّها، وعرف قدرها وعلى قدر تذوُّقك النعمة يكون إدراكك لقيمة وقدر المنعم، الذي أكرمك بهذا الطعام وهذا الشراب اللذيذ» (1/45).
5- استخلاص الدروس والعبر:
الفائدة الأولى من دراسة القرآن الكريم وتفسيره هي: استخلاص الدروس والعبر والمواعظ منه، لالتزامها في الحياة واتِّخاذها منهجا للقول والعمل وأيِّ دراسة للتفسير خارج نطاق هذه الغاية إنَّما هي لهو ولعب لا غير.
ومن هنا عُنِيَ الشيخ بيُّوض باستخلاص الدروس والعبر في أثناء التفسير، من ذلك مثلا:
الحكمة من المثل الذي ضربه الله بداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث، حيث قال الشيخ بيُّوض في التعليق على هذا المثل:
«حكم سليمان أحقُّ، لأنَّه بحكم داود يبقى صاحب الغنم صفر الكفَّين من أوَّل يوم، بينما صاحب الجنان يبقى له جنانه - الذي لم يذهب إلاَّ ثمره - مع الغنم ربحا آخر يضاف إليه.
هذا هو الفرق بين القضاة والحكام في دقَّة الملاحظة، فسليمان نظر نظرة أعمق وأبعد من داود، فحكم بحكم يرتضيان به، بحيث يأخذ كلُّ واحد حقَّه ولا يخسر أحدهما أبدا.
والله تعالى أعطانا هذا المثال ليوجِّه عقولنا وأعيننا إلى النظر والتفكير والتعمُّق في مثل هذه المسائل، لأنَّها ليست بالأمر السهل، فبقدر ما يقرأ أحد أحكام الفقه ويطَّلع عليها ويدرسها، فإنَّه بحاجة إلى عقل كامل ليفرِّق بين صورة وصورة، وحالة وحالة» (4/118). (1/148)
صفحة 149
وهناك نماذج كثيرة للعبر والدروس التي يستخلصها الشيخ أثناء التفسير، منها:
بيان أصناف الدعاة من جهة الإخلاص (1/71).
خطر الركون إلى الكفار«فعلى المؤمنين...» (1/74).
حول تسمية صلاة الفجر بالقرآن (1/83).
حول أهمِّية صلاة الفجر في حياة المؤمن (1/87).
حول الصلة بالله (1/145).
تفصيل الحديث في معنى كلمة الروح لغرض تفتيق الأذهان إلى إبصار آيات الله (1/163).
حول الأدب المستفاد من إحدى الآيات (1/186).
ما يجب على المؤمن في مواجهة الوساوس (1/40).
عبرة من كلمة { وَهَيِّئْ لَنَا مِن أَمْرِنَا رَشَدًا } (2/74).
المستفاد من التوجيه في قوله تعالى : { وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ الله } (2/131-132).
ضرورة لزوم جانب المؤمنين وإن كانوا فقراء أو مستضعفين (2/159).
فائدة من قوله تعالى: { وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا } (2/161).
فائدة من قوله تعالى: { فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ } (2/162-164).
المستفاد في أدب الحمد والإعجاب (2/190-191).
المستفاد من قوله تعالى: { المالُ وَالبَنُونُ زِينَةُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ ... } (2/201-206).
العبر المستفادة من قصَّة موسى مع الخضر (2/291-339).
العبر المستفادة من قصَّة ذي القرنين (2/320-372)، المستفاد من حمد ذي القرنين لله بعد بناء السدِّ (2/384).
المستفاد من معرفة مدى سعة علم الله (2/438-444).
المستفاد من قصَّة كلٍّ من مريم وزكريا (3/31-48)،
المستفاد من اختيار الله تعالى لساعة ولادة مريم وتوجيهها إلى أن تأكل الرُّطَب (3/70)، الحكمة في تجاهل مريم لأقوال الناس (3/73-74).
المستفاد من قوله تعالى: { فخلفَ مِنْ بَعْدِهُم خَلْفٌ ... } (3/122-123).
المستفاد من كلمة رئيا (3/168).
المال والبنون ليست من الباقيات الصالحات (3/171).
ما يجب على المؤمن (3/181). (1/149)
صفحة 150
الاتِّعاظ بموت من كان قبلنا (3/206-207).
ضرورة لزوم طريق الحقِّ وإن سار الناس جميعا في طريق الضلال (3/228).
عادة الطغاة في اعتراض سبيل الدعاة (3/302).
قيمة هداية الله إذا أنزلها على القلب (3/323-324).
ضرورة النظر إلى عواقب الأمور لا إلى أوَّلها أو أوسطها (3/373-374).
العبرة من قصَّة آدم وحواء في سورة طه (3/423).
تحليل معنى الضنك في حياة الإنسان (3/430-435).
العبرة من قوله تعالى: { أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمَ أَهْلَكْنَا... } (3/440-444).
ينبغي للمؤمن إذا نزلت به مصيبةٌ أن يستشعر الصبر دائما (3/450).
معنى فتنة المال (3/454-459).
من واجب المسلم في بيته الأمرُ بالصلاة (3/459-465).
الحِكم المستفادة من قصة إبراهيم (4/81-91).
6- إبراز الحكمة من التشريعات القرآنية:
يحرص الشيخ بيُّوض على إبراز الحكمة من التشريعات الواردة في القرآن، وبيانِ أهميَّتها في حياة الإنسان، وأنَّها كلَّها إمَّا مجلبَة لمصالحه أو مدفعة للمفاسد أن تلحق به أو تصيبه في جانب من جوانب حياته.
من ذلك مثلاً بيانُه للحكمة من تفريق الصلوات على اليوم. إذ يقول:
«ما حكمة تفريق الصلوات على اليوم؟ لماذا لم يجمعها الله في وقتٍ واحد كما يتمنى كل واحد منَّا؟ وكثيرًا ما قال الناس لو جمع الله الصلوات كلَّها في وقت واحد ولو بزيادةٍ في عدد الركعات. الإنسان يتمنى هذا لفائدته ولمصلحته الظاهرية العاجلة، لأنَّه يجهل الحكمة.
الله تعالى يريد بتقسيمه الصلوات على كامل اليوم ليكون الإنسان دائمًا في جوِّ الصلاة، إمَّا أن يكون فيها، أو ينتظرها، أو خارجًا منها، وليكون عهده بالوقوف بين يديه قريبًا... (1/150)
صفحة 151
ونحن نرى الواقع الذي يخضع للتجربة أنَّ الإنسان رغم هذه الفترات القصيرة بين صلاةٍ و أخرى، والتي يقف فيها أمام ربه خاضعًا ذليلا، فإنَّ قلبه لا يزال قاسيًا صدِئًا، فما بالكم إذا كانت الصلاة مرَّة واحدة في اليوم، وطالت المسافة بين صلاةٍ وأخرى، ألا يكون ذلك أدعى لقساوة القلب وأبعد للإنسان عن هذا الجو اللطيف، جوِّ الرحمة وجوِّ الخشية والخشوع...» (1/89).
من نماذج عناية الشيخ بيوض بإبراز حكمة التشريعات القرآنية أيضًا:
الحكمة من أوقات الصلوات (1/80-81).
الحكمة من تحريم نكاح المحرمات (1/127).
الحكمة من تنجيم القرآن و التدرُّج في التشريع (1/236).
7- الكشف عن السنن الإلهية من خلال القرآن:
ممَّا اعتنى به الشيخ بيوض في تفسيره كذلك، إبرازُ السنن الإلهية التي تحكم الأمم و الحضارات، تلك القوانين التي لا تتخلف ولا تتحوَّل ولا تتبدَّل، ولا يحابى فيها أحدٌ.
من ذلك مثلا:
سنَّة الله في أنَّه لا قيام للباطل (1/104).
سنَّة الله في علاقة الأنبياء بأقوامهم (1/204).
سنَّة الله في معاقبة الأمم الماضية (2/246).
المبحث السادس
المزايا و الخصائص
إذا كان الشيخ بيوض في طريقة التفسير لم يخرج عمَّا سار عليه علماء الأمَّة عبر القرون في تفسير كتاب الله تعالى، فإن إبداعه في ميدان التفسير يبدو واضحًا في الخصائص والميزات التي انفرد بها، وأهمها:
1-الجِدَّة:
فالشيخ بيوض جدَّد في كثيرٍ من مواقع التفسير، إذ أضاف معانٍ جديدة لم يُسبق إليها، واستنبط معان من خلال سياقات لم يسبق أن فُهمت منها هذه المعاني:
ملاحظةٌ حول سبب إخراج قريش للنبي (1/77).
حول الحق و الباطل (1/104).
تفصيل الحديث في معنى كون القرآن شفاء للناس (1/118-140).
من الغريب أن ينقدح لي في هذه اللحظة خاطرٌ (1/144).
في تفسير قوله تعالى: { وبالحقِّ أَنزلْنَاهُ وَبِالحَقِّ نزلَ } إبرازٌ لروعة ما تتضمنه هذه الآية من وصف للقرآن ودوره في حياة الإنسان (1/221 ـ232). (1/151)
صفحة 152
التحقيق في معنى النذارة (2/30-31).
معنى كون الإنسان عبدًا لله (2/43-44).
معنى { وَتَحْسِبُهُمُ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ } (2/107).
معنى الاتِّكاء (2/178).
معنى النسيان (2/273).
معنى دكِّ سدِّ ذي القرنين (2/403).
2- الواقعية:
تفسير الشيخ بيوض تردَّدت فيه أصداء كثيرٍ من الأحداث التي عاصرها الشيخ، من ذلك:
ـ حادثة مقتل كنيدي الرئيس الأمريكي (2/363).
ـ وصف حال المسلمين وما انتهى إليه أمرُهم من ضلال في الحكم والاجتماع
(2/369).
ـ وصف السدِّ الذي بناه ذو القرنين من خلال ما يعرف من جبال في الجزائر
(2/377).
ـ استثمار الواقع في تفسير قوله تعالى { وَتَرَى بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ } (2/400-403).
ـ ذكر الشيخ للحروب التي شهدها القرن العشرين (2/401-402).
ـ ذكر الشيخ لحادثة دوران أوَّل فضائي حول الأرض (2/410).
ـ ذكر ما ذهب إليه الزيَّات حين ضل في تفسير إحدى الآيات (3/158).
ـ تفسير ما وقع لآدم من النسيان بمثال من واقع حياة الشيخ (3/407) .
ـ التمثيل بالحربين العالميتين على العذاب الموضعي الذي يسلِّطه الله على بعض القرى أو المدن (4/15).
ـ حكاية الحادثة التي وقعت للشيخ حين تمَّ اعتقاله، وتوافقها مع بدء الحديث عن سيدنا إبراهيم عليه السلام (4/36-43).
ـ إيراد نموذج واقعي لطيران الطائرة لتقريب الفهم لقدرة الله وعظمته سبحانه (4/138).
3 ـ الاستقلالية:
استقلالية الشيخ بيوض وعدم تأثره بغيره من المفسرين والعلماء واضحةٌ بارزة في تفسيره، فلم يكن هذا التفسير صدًى لأيِّ فكرة سابقة أو مذهب معيَّن، بل كان فيه المفسِّر حرَّ الفكر منطلق الرأي لا ينتهي إلاَّ إلى ما يطمئن إليه عقله وضميره.
ونماذج التفسير التي تبدو فيها استقلالية الشيخ بيوض كثيرة منها:
حول معنى كلمة الإمام (1/58-59).
حول معنى دلوك الشمس (1/79) .
والذي يبدو لي (196).
أنا أرى أنَّ "قالوا" معطوف (1/198). (1/152)
صفحة 153
في تحديد الآيات التسعة التي جاء بها موسى (1/209-211).
تفسير صعيدًا جُرُزًا (2/54).
حول قوله تعالى: { وَازْدَادُوا تِسْعًا } (2/142).
تفسير معنى كلمة الاتِّباع (3/366).
4- النقدية:
إضافة إلى الاستقلالية التي تميَّز بها تفسير الشيخ بيوض، تميَّز كذلك بالنقدية، فهو لا يني ينتقد الآراء التي سبق أن قدَّمها المفسرون في شرح الآيات القرآنية، تلك الآراء التي لا تربطها بالآيات التي سيقت معها أي روابط، إلا روابط التمحُّل والتكلف.
وهذا ماجعل الشيخ يصف الكثير من تلك الآراء بالغرابة والبعد عن إصابة الحق.
وقد كان هذا النقد يبلغ أحيانًا مبلغ التشنيع والإنكار الشديد، من ذلك مثلا نقده لبعض المفسرين في قوله تعالى: { فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا } (مريم/17)، حيث قال الشيخ بيوض في نقده:
«إنَّ بعض المفسرين حقيقة يسفُّون إلى أحطِّ دركات الإسفاف ومن أسخف ما قيل- ولا أجد عبارة إلا السخافة والركَّة والبلادة – في قوله تعالى: { فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوْحَنَا } قالوا: روحنا هو اسمُ شخصٍ.
وأسخف من هذا وأغرب ... قال بعضٌ ممَّن أشكل عليهم قول مريم: { إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا } قالوا: تقيًّا هو رجل فاجر يعاكس النساء وظنَّت مريم إنَّه هو.
أعوذ بالله، أستعيذُ بالله من هذه السخافات، من أين لمريم العذراء المربَّاة في محرابها أن تعلم بهذا ؟» (3/59-60).
من نماذج نقذ آراء المفسرين أيضًا:
حول رأيٍ غريب في تفسير كلمة الإمام (1/59-60).
حول رأيٍ في عصمة الأنبياء (1/75).
حول رأيٍ غريب في الشفاعة (1/96).
حول رأيٍ غريب في معنى مُدخل ومُخرج صدق (1/103).
حول آراء غريبة في معنى كلمة الروح (1/151).
اضطراب المفسرين (1/205)، اضطراب المفسرين في تفسير كلمة على آثارهم (2/41-42).
تكلُّف المفسرين في بيان المناسبة بين آيتين (2/56).
اضطراب المفسرين في تفسير { قَامُوا فَقَالُوا } (2/99). (1/153)
صفحة 154
نقد ما ذهب إليه المفسرون في تفسير قوله تعالى: { وَقُلْ عَسَى أَنْ يَّهْدِيَنِي رَبِّي لأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا } (2/132).
حول قوله تعالى: { وَازْدَادُوا تِسْعًا } (2/142-145).
من الغريب أن يقول بعض المفسرين (3/287-288) .
مصادر ومراجع البحث
1- في رحاب القرآن، ج1: تفسير سورة الإسراء، تأليف الإمام الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض، تحرير: عيسى بن محمد الشيخ بالحاج، تقديم: د. محمد ناصر، ط:2، جمعية التراث- القرارة، د.ت.
2- في رحاب القرآن، ج2: تفسير سورة الكهف، تأليف الإمام الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض، تحرير عيسى بن محمد الشيخ بالحاج، ط:1، جمعية التراث-القرارة، 1994م.
3- في رحاب القرآن، ج3: تفسير سورتي مريم وطه، تأليف الإمام الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض، تحرير عيسى بن محمد الشيخ بالحاج، ط:1، جمعية التراث-القرارة،1416هـ- 1995م.
4- في رحاب القرآن، ج4: تفسير سورتي الأنبياء والحج، تأليف الإمام الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض، تحرير عيسى بن محمد الشيخ بالحاج، ط:1، جمعية التراث-القرارة،1417هـ - 1997م.
5- في رحاب القرآن، ج5: تفسير سورة المؤمنون، تأليف الإمام الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض، تحرير عيسى بن محمد الشيخ بالحاج، ط:1، جمعية التراث-القرارة، 1419 هـ - 1998م.
6- في رحاب القرآن، ج6: تفسير سورة النور، تأليف الإمام الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض، تحرير عيسى بن محمد الشيخ بالحاج، ط:1، جمعية التراث-القرارة، 1419 هـ - 1998م.
7- الإمام إبراهيم بيوض..رائد الحركة الإصلاحية في الجنوب الجزائري، رسالة دكتوراه دولة غير منشورة، إعداد: عيسى قرقب. معهد العلوم الاجتماعية - جامعة قسنطينة، 1995- 1996م.
8- الشيخ إبراهيم بيوض ومنهجه في الاصلاح، رسالة ماجستير غير منشورة. إعداد: نور الدين سكحال. قسم الدعوة والإعلام، معهد أصول الدين، جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية – قسنطينة، 1994- 1995م. (1/154)
صفحة 155
9- أعلام الإصلاح في الجزائر، ج3، للشيخ محمد علي دبوز. ط:1، مطبعة البعث- قسنطينة، 1398هـ - 1978م.
10- حياة مع القرآن(القسم الأول)، مقال للأستاذ صالح بن أحمد حدبون، مجلة الحياة، ع1، رمضان 1418هـ/ يناير 1998م، نشر: جمعية التراث ـ القرارة.
11- التجديد في فهم القرآن الكريم عند الشيخ بيوض، مقال للأستاذ محمد بن موسى بابا عمي، ضمن نفس العدد المذكور سابقًا من مجلة الحياة.
الإمامُ إبراهيم بيُّوض
ودورُه في الحركة الوطنَّية الحضاريَّة
قلت في مناسبة سابقة: إنَّ مَثَل العلماء العاملين المخلصين كمثل الماء المعين، هذا يسوقه الله عزَّ وجلَّ إلى الأرض الجرُز، فتهتزُّ بعد همود، وتَربُو بعد جمودٍ، فتُنبِت ما تشتهيه الأنفس وتلَذُّ الأعين، وأولئك يبعثُهم الله سبحانه وتعالى في أُممهم فيؤذنون فيها، فتستيقظ بعد رقود، وتتحرك بعد ركود، وتنهَض بعد قعود، وتنشَط بعد خمود، وترشَد بعد غواية، وتتآلف بعد تخالف، وتتعارف بعد تناكر، وتتصالح بعد تبادُر، وتتماسك بعد تنافُر، وتتوحَّد بعد تمزُّق، وتتخلَّق بعد انحلال، وتصِحَّ بعد اعتلال، وتهتدي بعد ضلال.
... لقد كان الناظر إلى الشعب الجزائري - قبل أن يؤذّن فيه العلماء العاملون المصلحون - يحسبه يقظًا وهو راقد، متحركًا وهو هامد، نشطًا وهو خامد، متَّحدًا وهو متفرِّق، مهتديًا وهو ضال، ذاكرًا وهو ناسٍ، واعيًا وهو غافل، شاهدًا وهو غائب. (1/155)
صفحة 156
... وقد استمرَّ الشعب على تلك الحال حينًا من الدهر، حتَّى بعث الله - عزَّ وجلَّ - فيه أئمة منه، راسخين في العلم، مخلصين في العمل، فدعَوه إلى ما يحييه فاستجاب لهم، بعد تأكُّده من صدقهم، فعلَّمُوه ما لم يكن يعلم من حقائق الدنيا والدين، فنهض يجادل باللسان، ويجاهد بالسنان لاسترداد حقِّه، فأعزَّه الله بعد ذلَّة، وأكرمه بعد إهانة. فالعلماء المصلحون «هم الذين أيقظوا الرأيَ العامَّ من سُباته» (1) ، و«إنَّ مُجدِّدي فكرة الوطن الجزائري هم بالأحرى هؤلاء الذين أسَّسوا جمعية العلماء» (2) ، و«إنَّ ما قدَّمه العلماء لإثارة إحساس الجزائريين بالوعي الديني والقومي يفوق ما قدَّمه غيرهم» (3) ، حيث «يلعب هؤلاء العلماء دورًا كبيرًا في إشعال الروح الدينيَّة لدى الشعب، وفي دفعه من الناحية الدينيَّة إلى الثورة ضدَّ المستعمرين» (4) .
... لن نستطيع أن نقدِّر علماءنا العاملين - وفي مقدِّمتهم الإمام إبراهيم بيُّوض - حقَّ قدرهم، حتَّى نعلم المخطَّط الفرنسيَّ الصليبيَّ الذي أفشلوه رغم إحكام تخطيطه، ورغم ما حُشر له من جُند، وما أُعِدَّ له من عدد، وما بُذل في سبيله من جهد، وما رُصد له من أموال.
كان لفرنسا في الجزائر هدفان: عاجل وآجل.
__________
(1) ـ جوليان، شارل أندري: «إفريقيا الشمالية تسير ... » الجزائر - تونس 1976. ص 133.
(2) ـ قاسم، محمود: «الإمام عبد الحميد بن باديس، الزعيم الروحي لحرب التحرير الجزائريَّة». القاهرة، دار المعارف 1968. ص 28، وهو ينقل عن La couture في كتابه: «5 Hommes».
(3) ـ Horne, Alistair : »Histoire de la guerre d’Algérie«. Paris, Albin Michel
(4) ـ شميتز، باول: «الإسلام قوَّة الغد العالميَّة». تعريب: محَّمد شامة. القاهرة مكتبة الوهبة. 1974. ص 145. (1/156)
صفحة 157
فأمَّا الهدف العاجل فهو إسقاط الدولة الجزائريَّة، أي الكيان السياسي بتنظيماته ومؤسَّساته، وقد حقَّقت فرنسا هذا الهدف سنة 1830م، بسقوط مدينة الجزائر، حيث سقطت - لسقوطها - الدولة الجزائرية، التي حاول الجزائريون بجهادهم إعادتها آنذاك ولم يتمكَّنوا.
وأمَّا الهدف الآجل، فهو محو الأمَّة الجزائريَّة، وذلك بمحو خصائصها، ونسخ مميِّزاتها من دين ولغة وتاريخ وعادات وقيم.
وبما أنَّ هذا الهدف كبيرٌ، ويتوقَّف على تحقيقه استمرار الوجود الفرنسي في الجزائر، ويحتاج تنفيذُه وتحقيقه إلى عمل نوعي ومكر كُبَّار، فقد عهدت به فرنسا إلى جهابذتها في الفكر، وأكابرها في المكر وأساطينها في الخُبْر، بينما تولَّى إنجاز هدفها العاجل بادي الرأي، محدودي العلم من أبنائها.
لقد قام «الإسلام الوراثي» ـ كما يقول الإمام عبد الحميد بن باديس ـ في بداية تنفيذ هذا المخطَّط بدوره في المقاومة المعنويَّة، وتحصين الشعب الجزائري، ومحافظته على خصائصه، ولكن مع طول الأمد، وقوَّة التدمير المسلَّطة على تلك الخصائص، بدأ ذلك المخطَّط يحقِّق بعض النتائج لأنَّ ذلك «الإسلام الوراثي» لا يستطيع الصمود أمام تلبيس الملبِّسين، وتشكيك المشكِّكين، وتضليل المضلِّلين، فكان لا بدَّ من نفور طائفة من العلماء لمواجهة ذلك المخطَّط على بصيرة، وإفشاله عن علم. «فانظروا إلى الاستعمار واعرفوا الطرق التي سلكها لقتل أمتهم فاسلكوا ضدَّها لإحيائها، وادرسوا الوسائل التي تدرَّع بها لاستعباد أمَّتهم فاستخرجوا منها وسائل تحريرها» (1)
مواقف علماء الجزائر من ذلك المخطَّط الفرنسي:
يمكننا تقسيم علماء الجزائر في مواقفهم من ذلك المخطَّط الفرنسي إلى أربعة أقسام:
__________
(1) ـ الإبراهيمي، محمَّد البشير: «آثار الإمام محمَّد البشير الإبراهيمي»، بيروت، دار المغرب الإسلامي، 1997، ج 2، ص 116. (1/157)
صفحة 158
1. فريق منهم، لم نجد لهم عزما، ولم يستطيعوا صبرا، فهاجروا ـ طوعا أو كرها ، إلى البلدان الإسلاميَّة، (المغرب، تونس، ليبيا، مصر، الحجاز، الشام تركيا)، وهؤلاء العلماء إن لم ينفعوا وطنهم بصورة مباشرة، فقد خدموا إخوانهم المسلمين في البلدان التي آووا إليها، واستقرُّوا بها، وأسهموا بنصيب يذكر فيشكر في نهضة تلك البلدان، وفي جهادها السياسي والحربي، فضلا عن نشاطهم العلمي المتميِّز.
2. وفريق انعزلوا عن الناس، وابتعدوا عن المجتمع، وراحوا يراقبون - في سلبيَّة- محنة وطنهم، ويلاحظون مأساة شعبهم، فتضيق صدورهم ولا تنطلق ألسنتهم، فكانوا كاليد الشلاَّء يُثبتها الوجود وينفيها العمل، وقد كان لبعضهم نشاط تعليميٌّ محدود.
3. وفريق غلبت عليهم شقوتهم، وضلُّوا عن علم، وانسلخوا من آيات الله التي آتاهم، واشتروا بها ثمنًا قليلاً، واستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير، فاستحوذ عليهم الفرنسيون، واتَّخذوهم سُخريًّا، واستخدموهم ضدَّ الإسلام، واللغة العربية، والجزائر، فكانوا قومًا بورًا، وكانوا على دينهم ولغتهم ووطنهم كأشقى ثمود، فضلَّ سعيُهم في الحياة الدنيا، وكانوا من الأخسرين أعمالاً، فإلى الله إيابهم، وعليه حسابهم، يغفر لمن يشاء ويعذِّب من يشاء. (1/158)
صفحة 159
4. وفريق فقهوا دين الله، وقبضوا قبضة من أثر الرسول - صلى الله عليه وسلم - في الدفاع عن الحقِّ، والاستمساك بالصدق، فبلَّغوا ما حُمِّلوا من أمانة العلم، ووقفوا إلى جانب شعبهم، يثبِّتونه بالقول الثابت، ويربطون على قلبه، ويرابطون على ثغره، وكانوا له معقِّبات يحفظونه من أمر الله، ويصونون خصائصه أن تزول، ويثبِّتون مميِّزاته أن تحول، ويعدُّونه ليوم الفصل الذي كانوا يرونه قريبًا ويراه غيرهم بعيدًا، حيث «كان لهم هدفان هامَّان: أحدهما فوري، والثاني طويل المدى؛ فالأول يتمثَّل في تجميع القوى المثقَّفة بما في ذلك المحافظون، تحت راية الإصلاح الاجتماعي، أمَّا الثاني فكان يتمثَّل في فصل الجزائريين عن فرنسا تحت عَلَم الوطنية» (1) .
ومن هذا الفريق تلك النجوم الزاهرة التي أنارت ليل الجزائر، وأضاءت ما حولها، فاهتدى الشعب بنورها، وسار على ضوئها، فاستردَّ الفصَّ من اللصِّ، وأعاد من مجده ما قد ذهب.
وقد كان الإمام إبراهيم بيُّوض - رحمه الله ورضي عنه- نجمًا ثاقبًا، وشهابًا رصدًا، وكوكبًا درِّيًا توقَّد من نور القرآن الكريم، في تلك المجموعة المباركة من علمائنا، وقد أنسأ الله له في عمُره، فامتدَّ جهاده ستِّين سنة.
__________
(1) ـ سعد الله، أبو القاسم: «الحركة الوطنية الجزائرية». ج2. ط3. الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر 1983. ص 420. وهو ينقل عن المجلة الجديدة الفرنسية لما وراء البحار، ع جويلية 1955. (1/159)
صفحة 160
قد يتساءل بعض الناس عن معنى «الحركة الوطنية الحضارية» الواردة في عنوان هذه الكلمة، فأقول إنَّ معناها الحركة التي عملت لاستعادة الاستقلال، بكلِّ ما تعنيه كلمة الاستقلال، الذي كانت تعيشه الجزائر قبل نكبة الاحتلال، حيث كانت الجزائر مستقلَّة عن فرنسا - وعن غيرها من الدول - لغةً، ودينًا، وقيَمًا، وعاداتٍ... ومعنى هذا أنَّ هناك حركة وطنية كان مفهومها للاستقلال أبتر. ونستطيع هنا أن نميِّز بين أربعة تيارات عُنيت بالقضية الجزائرية، وهذه التيارات الأربعة هي:
أولاً: تيارٌ لائكيٌّ تغريبيٌّ، وكان يعتبر فرنسا مثلُه الأعلى، ويسعى لاسترضائها، ويعمل لإدماج الشعب الجزائري العربي المسلم فيها، وإن تطلَّب هذا الاندماج الانسلاخ من كلِّ الخصائص الذاتية، والمميِّزات الحضارية للشعب الجزائري، وقد وصل الأمر بأحد رموز هذا التيار أن كتب مقالاً في فبراير 1936، عنوانه «أنا فرنسا» أنكر فيه وجود شخصية جزائرية، وبعد أن ساءل عنها الأحياء والأموات، وزار المقابر بحثًا عنها.
ثانيًا: تيَّارٌ شيوعيٌّ، كان يدعو هو الآخر إلى الاندماج في فرنسا أخرى، كان يحلم بها، هي فرنسا الشيوعية، ولذلك كان أكبر همِّه وأكثرُ سعيه هو انتصار الشيوعية في فرنسا، فإن انتصرت هناك سوَّت بين صدفَي البحر المتوسِّط، وأصبحت الجزائر جزءًا من فرنسا التقدُّميَّة. بل لقد شطح الخيال ببعض أفراد هذا التيَّار، فكتبوا مقالاً عنوانه: «كيف ستكون الجزائر سنة 1950»؛ تنبَّأوا فيه أنَّ الجزائر لن تكون –في سنة 1950- لا فرنسيَّة ولا عربيَّة، ولكنَّها ستكون جزءاً من الاتحاد السوفياتي. (1)
__________
(1) ـ انظر جريدة «الكفاح الاجتماعي» (La Lutte Sociale)، الناطقة باسمهم، والصادرة بمدينة سيدي بلعباس، في 12 يناير 1923. (1/160)
صفحة 161
ثالثًا: تيارٌ وطنيٌّ يدعو إلى استقلال الجزائر وتحريرها، ولكن كثيرًا من أفراد هذا التيَّار لم يكونوا يدركون جميع أبعاد الاستقلال ومضامينه الحضارية من دين، ولغة، وقيم، وعادات، فمنهم من يؤمن بها بلسانه ولمَّا تدخل قلبه، ومنهم من لا يؤمن بها، ويعاكسها بأقواله وأعماله.
إنَّ أغلب أفراد هذا التيَّار كانوا في مرحلته الأولى - 1926/1946 - من العمَّال البسطاء؛ فلم يكن مبلغهم من العلم والوعي كبيرًا، ولم يكونوا قادرين على أن يتصوَّروا معنى الاستقلال الحقيقي، وبالتالي لم يعطوا هذا المعنى ما يستحقُّه من الاهتمام والعناية، وقد يضرُّ الجاهل من حيث يريد أن ينفع.
وأمَّا في المرحلة الثانية - أي بعد الحرب العالمية الثانية- فقد كان كثير من قادة هذا التيَّار ممَّن تعلَّموا في المدرسة الفرنسية، وهي مدرسة مهمَّتها تنفيذ الهدف الآجل من هدفَي فرنسا في الجزائر، أي سلخ الجزائريين من ذاتيَّتهم، وفصلهم عن جذورهم، ولذلك فقد تركت هذه المدرسة فيهم آثارًا سيِّئة، تجلَّت في مواقفهم من الدين الإسلامي واللغة العربية؛ عندما تسلَّموا المسؤوليات الكبرى في الدولة الجزائرية. وأقصى ما أوصلنا إليه هذا التيَّار هو مرحلة «الاحْتِقَال» كما سمَّاه الدكتور أحمد بن نعمان، أي نصف احتلال ونصف استقلال، فلا نحن مُحتلُّون احتلالاً مباشرًا، ولا نحن مستقلُّون استقلالاً حقيقيًّا. (1/161)
صفحة 162
إنَّ الحقيقة التي يجب الصدعُ بها؛ هي أنَّ من الفرنسيين أنفسهم من كانوا مساعدين لهذه التيارات الثلاثة، لأنَّهم أدركوا أنَّ عناصر التيارين الأوَّلين وبعض عناصر التيار الثالث لم يكونوا يُعادون من فرنسا إلاَّ أعمالها الظاهرية من تعسُّف، واحتقارٍ، واستغلال.. أمَّا من حيث المبادئ والأفكار والتوجهات الحضارية فهم لفرنسا أقرب منهم للجزائر، وقد كانت زوجات بعض قادة هذه التيارات الثلاثة «فرنسيات لهنَّ ضلعٌ في توجيه وبناء شخصيات أزواجهنَّ» (1) ، ممَّا فسح المجال ليهودي فرنسيٍّ ليقول «متعجِّبًا وبخبث: كم من الوطنيِّين الجزائريين يدركون أنَّ صانعة عَلَمِهم هي امرأة فرنسيَّة» (2) .
__________
(1) ـ سعد الله، أبو القاسم: «في الجدل الثقافي». تونس. دار المعارف للطباعة والنشر.1993، ص 104.
(2) ـ المرجع نفسه، والصفحة نفسها، والمرأة الفرنسية المُشار إليها هي زوجة ميصالي الحاج، التي كانت شيوعية. (1/162)
صفحة 163
رابعًا: تيَّار وطني يدعو إلى استقلال الجزائر، ويعمل على تحريرها، ويتمَّيز ويمتاز هذا التيَّار عن سابقه بإدراكه لهدف فرنسا الآجل في الجزائر؛ وبإدراكه لجميع أبعاد الاستقلال ومضامينه، ويبرز هذا الإدراك، ويتجلَّى ذلك الفهم في الشعار الخالد لهذا التيَّار وهو: «الإسلام دينُنا - العربيَّة لغتنا - الجزائر وطنُنا» (1) ، فخطَّة هذا التيَّار تتمثَّل في «إحياءُ المقوِّمات التي ماتت أو ضعُفت، أو تراخت من دينٍ ولغةٍ وجنسٍ وأخلاقٍ وتاريخٍ وتقاليد، وتصحيح قواعدها في النفوس، ثمَّ المطالبة بالحقوق الضائعة في منطقٍ وإيمان، ثمَّ الإصرار على المطالبة في قوَّةٍ وشدَّة، ثمَّ التصلُّب في الإصرار في استماتة وتضحية، مع اختيار الفُرص الملائمة لكلِّ حالة» (2) ، «فالحريَّة عند قادة هذا التيَّار ورموزه، جزءٌ لا يتجزَّأ؛ فإمَّا أن يكون كلُّه وإمَّا أن يذهب كلُّه، وهي بطبيعتها تؤخذ ولا تُعطى... وهي كالشمس لا بدَّ منها للحياة» (3) .
__________
(1) ـ شهد الإمام الشيخ بيُّوض أنَّ صاحب هذا الشعار هو أخوه في الجهاد الإمام عبد الحميد بن باديس، فقطع بذلك ادِّعاء الذين يحبُّون أن يُحمدوا بما لم يفعلوا، ويحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله، وقد أدلى الإمام بيُّوض بهذه الشهادة أمام ألوفٍ من جميع أنحاء الجزائر، وذلك في المهرجان الضخم الذي أقيم بمدينة القرارة بمناسبة ختم الإمام تفسير القرآن الكريم في شهر ماي 1980. وقد كان في مقدِّمة أولئك الألوف العلماء، والمؤرِّخون، وأساتذة الجامعات، ومناضلوا الحركة الوطنية بشقَّيها - السياسي والحضاري-. انظر: د/ محمد ناصر: «في رحاب القرآن». نشر جمعية التراث. العطف. غرداية. 1989. ص29.
(2) ـ الإبراهيمي، محمد البشير: «الآثار..» بيروت، دار الغرب الإسلامي، 1997، ج3.
ص60.
(3) ـ أبو اليقظان. إبراهيم: «جريدة وادي ميزاب» عدد 26. بتاريخ 29 أفريل 1927. (1/163)
صفحة 164
أدركت فرنسا أنَّ العلماء – قادة هذا التيَّار ورادَتَه - «بدأوا يُعدِّون من أجل ”معركة فاصلة“ بينهم وبين الفرنسيِّين» (1) ، واستيقنت أنَّ مشروعهم يمثِّل «أكبر الخطر على الفكرة الفرنسية في الجزائر» (2) ؛ لأنَّ «مدارسهم عبارة عن خلايا سياسيَّة، والإسلام الذي يمارسونه هو مدرسة حقيقيَّة للوطنيِّة» (3) .
من أجل ذلك راحت فرنسا تسطِّر الخطَّة تلو الأخرى، وتنفِّذ المكر بعد الآخر للقضاء على هذا التيَّار تنظيمًا وأفرادًا، ومن ذلك:
1. إنشاء جمعياتُ ضرارٍ تُضارُّ بها جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، ومن هذه الجمعيات الضرار التي صُنعت على عينَي مدير الشؤون الأهلية في الولاية العامَّة، «جمعية علماء السنَّة»، و«جمعية الزوايا»، وغيرهما.
2. السعي والضغط لتغيير قيادة ”العلماء“، مرَّة بمحاولة إخراج الإمام ابن باديس منها (4) ؛ ومرَّة بمحاولة فرض شخصٍ لقيادة الجمعية بُعيد وفاة الإمام ابن باديس (5) .
وتجدر الإشارة إلى أنَّ فرنسا لم تحاول التدخُّل لفرض رئيسٍِ لأيِّ تنظيمٍ في الجزائر أو إبعاده عنه، إلاَّ بالنسبة لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين.
3. منع ”العلماء“ من الوعظ والإرشاد في المساجد التي كانت تحت إشرافها وسيطرتها.
__________
(1) ـ سعد الله. أبو القاسم: «الحركة الوطنيَّة الجزائرية». الجزائر. الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، 1983، ط3، ج2، ص 408، وهو ينقل عن المؤرِّخ الفرنسي ديبارمي.
(2) ـ سعد الله. أبو القاسم: «الحركة الوطنيَّة الجزائرية». الجزائر. المؤسَّسة الوطنية للكتاب، 1986. ط3. ج3، ص 101. وهو ينقل عن تقريرٍ للأمن الفرنسي كُتب في أوائل الخمسينيات بعنوان «الجزائر في نصف قرن».
(3) ـ المرجع نفسه، الصفحة نفسها.
(4) ـ انظر تفاصيل ذلك في: محمد الصالح بن عتيق: «أحداث ومواقف...» الجزائر، منشورات دحلب، 1990، ص173، 175.
(5) ـ خير الدين، محمد: «مذكِّرات...» الجزائر، المؤسسة الوطنية للكتاب. (د.ت)، ج1، ص 345. (1/164)
صفحة 165
4. منع ”العلماء“ من التجوُّل في الجنوب الجزائري الخاضع للحكم العسكري (1) .
5. منع جرائد ”العلماء“ من الصدور، ابتداءً بجرائد المجاهد أبي اليقظان الثمانية، إلى جرائد ”السنَّة“ و”الشريعة“ و”الصراط“.
6. فرض الإقامة الجبرية على ”العلماء“، مثل ابن باديس، الإبراهيمي، بيُّوض، التبسِّي.. وغيرهم.
7. إغلاق مدارس ”العلماء“، ورمز هذه المدارس «مدرسة الحديث» بتلمسان، ولم تكتف فرنسا بغلق المدارس؛ وإنَّما سجنت العلماء والمدرِّسين. وإذا كان هؤلاء قد ”أجرموا“ فما ذنب التلاميذ حتى يُحرموا من التعليم بغلق المدارس.
8. ارتكاب جرائم قتل واتِّهام ”العلماء“ بالتحريض عليها، ومن ذلك اغتيال الشيخ كحول، واتِّهام الشيخ الطيَّب العقبي، وإطلاق النار على الشيخ أحمد الحبيباتي، لاتِّهام الإمام ابن باديس بالتحريض على اغتياله، وذلك في شهر أوت سنة 1936، بعد أسبوع من اغتيال الشيخ كحُّول.
9. تدبير محاولات اغتيال قادة هذا التيَّار قبل تأسيس «الجمعية»، كما وقع للإمام ابن باديس، وبعد تأسيسها كما وقع مع الإمام إبراهيم بيُّوض (2) .
__________
(1) ـ المرجع السابق. ص 273.
(2) ـ ذكر الشيخ إبراهيم قرادي، أنَّ الإمام بيُّوضا تعرَّض إلى ثلاث محاولات اغتيال، انظر «في رحاب القرآن»، مرجع سابق، ص 142. إحداها وقعت في 18 ماي 1942. انظر محمد علي دبُّوز: «أعلام الإصلاح في الجزائر»، قسنطينة، مطبعة البعث. 1976. ج2. ص 197. (1/165)
صفحة 166
إنَّنا - من غير أن نستنقص أعمال الرجال، ومن غير أن نبخسهم أشياءهم- نقول بكلِّ تجرُّد وموضوعيَّة: إنَّ المهمَّة التي اضطلع بها العلماء، والتي لا يقدر عليها غيرهم، وهي بعث مفهوم ”الأمَّة“ وإحياء مقوِّماتها في الجزائر، وهذه الأمَّة هي التي استرجعت ”الدولة“، فلو زالت ”الأمَّة“ لما أمكن استرجاع ”الدولة“، ولو استُرجعت هذه ”الدولة“ بدون مقوِّمات ”الأمَّة“ وخصائصها؛ لكانت صورة ”شوهاء“ من الدولة التي انفصلت عنها، فالبقاء للأمم، أمَّا الدول فقد تزول، ولكنَّها إذا حافظت على مقوِّماتها فلا شكَّ أنَّها ستعود، وإنَّ أوضح دليل على ذلك هو دولة إسرائيل، التي مُحيت من الخريطة السياسية حينًا من الدهر، ولكن اليهود الذين جعلوا من دينهم ولغتهم وطنًا معنويًّا، وبقوا بفضلها ”أمَّة“؛ استطاعوا - بعد ثلاثة آلاف سنة أو تزيد- أن يؤسِّسوا دولتهم على ما اعتبروه موطن أمَّتهم.
بعض منجزات الإمام بيُّوض وأعماله الخالدة:
كان لعلمائنا - عليهم الرحمة والرضوان – ذوقٌ خاصٌّ في اختيار أسماء المشروعات والمؤسَّسات وشعاراتها، لما في تلك الكلمات والشعارات من معانٍ سامية، ومُثلٍ عالية، وقِيَم غالية؛ يصِلون بها إلى عقول الناس وقلوبهم فيحرِّكونهم لعمل الصالحات، ويدفعونهم لتحقيق المكرمات. (1/166)
صفحة 167
وكان الشعار الذي ألهم الله الإمامَ بيُّوضا إليه هو «الحياة»، والحياة الحقيقية لا تكون إلاَّ في ظلِّ الكرامة والحريَّة. فأسَّس «معهد الحياة»، وكوَّن «جمعية الحياة»، وأحيا الأمَّة بما لا حياة لها إلاَّ بهما، كتاب الله عزَّ وجلَّ، وسنَّة حبيبه - صلى الله عليه وسلم - مصداقًا لقوله سبحانه وتعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا استَجِيبُوا للهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُم»، فسقاها -أي الأمَّة- بهما ماءا غدقًا ، وشرابًا طهورًا، حيث شرح لها كتاب الله لفظًا وغاية، وما ضاق عن آيٍ به وعِظاتٍ، وبيَّن لها سُنن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاتَّخذها إلى المجد سَنَنًا، وأسهم مع إخوانه البررة وأصفيائه الخِيرَة في تأسيس جمعية أُخرِجت للناس، ودبَّج مقالات جعلت الكفَّار في أمرٍ مريجٍ، وجعلت المؤمنين في حالٍ بهيجٍ، وألقى دروسًا كانت قواصم على المضلِّلين؛ وعواصمَ للمتوسِّمين، ومدَّ عينيه إلى خارج وطنه، إلى فلسطين، حيث يعاني إخوانه المكر اليهودي، والحقد الصليبي، والاستكبار المادِّي، فسعى مع الكرام من خلاَّنه إلى تأسيس لجنة لمساندة فلسطين ومساعدتها رغم قلَّة ذات اليد، فكان بيُّوض وإخوانه كالأنصار «يُؤثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ»، وجاء أمرُ ربِّك، وأعلن الشعب الجزائريُّ الجهاد، فكان ”العلماء“ -ومنهم الإمام بيُّوض- أوَّل المؤيِّدين له، ولم يضعوا أصابعهم في آذانهم كما فعل بعض «أدعياء الوطنية»، الذين ملأوا الدنيا ضجيجًا بكلمة ”الاستقلال“، فلمَّما وقع القول ولُّوا مدبرين، ويا ليتهم اكتفَوا بالإدبار؛ ولكنَّهم كانوا آلاتٍ مسخَّرة ومكائد في أيدي الأعداء، ضدَّ وطنهم وإخوانهم. (1/167)
صفحة 168
لقد شهد الذين لا يرقبون في ”العلماء“ إلاًّ ولا ذمَّة؛ أنَّ الإمام إبراهيم بيُّوض كان صادق الوطنيَّة، وقد ظهر هذا الصدق في ساعة العسرة، حيث بقي مع شعبه يقاسمه السبع الشِّداد، ويثبِّته بالقول الثابت، ويُحرِّضه على الجهاد، ويجمع الأموال، ولم يمنُنْ يستكثر.
أمَّا المنقَبَة التي لا يقدر عليها إلاَّ أولو العزم، ولا يأتيها إلاَّ أولو الحزم؛ فهي وقوفُه كالطود الطمَّاح، الذي لا تنكسر له هامة، ولا تنثني له قامة، في وجه ذلك الهامَةِ، الذي مكر بالليل، وسعى بالويل، وإن كان مكرُه لِتَزُولَ منه الجزائر؛ وهو فصل الصفراء عن الخضراء، فقال الإمام قولةً بُهت لها الذي كفر، وصعق لها الذي خبُث، وهي: «لن نستبدل الشِّمَال بالشَّمال، ولن نبيعَ جَنُوبَنا بالمال».
إنَّ عمل الإمام بيُّوض لم ينقطع بوفاته، فهاهو تفسيرُه يُقرأ، وعلمُه يُنشر، ومعهدُه يُثمر، وأولادُه - ونحن كلُّنا أولادُه – يدعون له بالخير.
فبيَّض الله وجهك يا إمامنا بيُّوضًا، يومَ تَسوَدُّ وجوه الخونة، وشياطين الإنس الذين يفرِّقون بين الإخوة، وجعلك ”أمَّة“ كأبيك إبراهيم الذي سمَّانا مسلمين، ونقول لك ما قاله في تأبينك ابنُك الصالح؛ أخونا محمد ناصر بن صالح:
نَمْ هَانِئًا حَفِظَت عهُودَك أمَّةٌ ... يَسرِي بطلعتِها دمُ الفُرقانِ
ونقول لك ما قاله تلميذُك؛ أستاذنا محمد الأخضر السائحي، شفاه الله وأطال عمره:
المعهد الحرُّ ما زالت تراوحُه ... هذي الشجون وما انفكَّت تغادينا
وما تزال على أبوابه حِلَقٌ ... تشدُّ حاضرنا في عمقِ ماضينَا
تُحدِّثُ الجيلَ عن ماضٍ يشرِّفُه ... ما كان لولاه في صفِّ المجلِّينَا
كلُّ المواضيعِ في أسفارِ نهضته ... خطَّت لها يدُ بيُّوض العناوينَا
الأستاذ محمد الهادي الحسني
أستاذ بكلية أصول الدين. جامعة الجزائر
جهاد الإمام الشيخ بيوض بين الإنصاف والإجحاف (1/168)
صفحة 169
إذا كان من المعروف عن الإمام الشيخ إبراهيم بيوض رحمه الله أنه قد بدأ نشاطه الإصلاحي منذ أوائل العقد الثالث من القرن الماضي، وأنه من مؤسسي جمعية العلماء المسلمين الجزائريين سنة 1931. وأنه مَن انتُخب في أول مجلس إداري لها مع كبار مصلحي الجزائر، المشايخ ابن باديس والإبراهيمي والعقبي والميلي، فإنه يكون من نافلة القول التعرض في هذه المذكرة إلى أفكاره ومسيرته الإصلاحية، ضرورة أنها لا تختلف في جوهرها عن أفكار ومسيرة زملائه، سواء في المبادئ أو الأهداف أو المنهج. ومن ثم فإن النتائج والآثار والمنجزات تكون واحدة.
إلا أنه قد يكون من المفيد لتقييم مسيرة الرجل تقييما موضوعيا ومنصفا، التعرض ولو بإيجاز شديد ـ ونرجو أن لا يكون مخلا ـ إلى الظروف الخاصة المحيطة بمسيرته الإصلاحية والمتمثلة في الظروف الطبيعية والاجتماعية والسياسية للمنطقة، والتي قد يكون لها تأثير على أسلوبه في نشاطه، وبخاصة تعامله مع النوعين الأخيرين من الظروف، أي الظروف الطبيعية والاجتماعية. فالمنطقة بدأ مسيرته بها، وأقام بها حتى نهايتها، صحراوية بعيدة عن العمران، محرومة من وسائل المواصلات والاتصالات في العقود الثلاثة من مسيرته. وأغلب سكانها متميزون بالتمسك الشديد بالقيم والتقاليد الإسلامية الموروثة عن الأجداد، بإشراف هيئات عرفية تسهر على احترامها والمحافظة عليها كما ورثها، خوفا من ذوبان المجتمع في عادات وتقاليد أجنبية دخيلة تحاول السلطة الاستعمارية والأجنبية الغاشمة فرضها عليه بكل وسيلة. وهذا ما أدى بها في تلك الفترة إلى مقاومة الأفكار الإصلاحية والمناهج الحديثة التي كان يدعو إليها رجال الإصلاح بالشدة التي كانت تقاوم بها الأفكار الدخيلة. (1/169)
صفحة 170
وإذا كان هذا التمسك الشديد قد ساهم في حماية المقومات الأساسية للمجتمع، وأعاق تسرب سموم الاستعمار في جسمه، فإنه قد عرقل كثيرا المسيرة الإصلاحية عن تحقيق أهدافها، وكلّف القائمين بها عنتا شديدا، واضطرهم إلى صرف كثير من جهودهم وأوقاتهم لتجنب تلك
العراقيل والعقبات وتخطيها، وساعد بطريقة غير مباشرة ـ وبدون قصد أحيانا ـ سياسة الحكم العسكري.
الظروف السياسية
نعني بالظروف السياسية هنا نظام الحكم العسكري المطبق في الصحراء الجزائرية وبخاصة وادي ميزاب، وسياسته تجاه حركة الإصلاح وبخاصة زعيمها الإمام الشيخ بيوض.
ولعل أصدق وصف لهذا الحكم، وفي الفترة التي بدأ الشيخ بيوض فيها نشاطه، هو العبارة التي أوردها الأمير خالد في محاضرة ألقاها بباريس يوم 23 جويلية 1924، بعنوان "وضعية المسلمين في الجزائر" : «إن سكان الأقاليم الذين يخضعون لهذا الحكم يعيشون تحت رحمة رؤسائهم ذوي السلطة المطلقة... ومسكين الأهلي الذي لا يحيّي الحاكم، فكل صواعق السماء ستسقط على رأسه... ثم استشهد بعبارة وردت في مقال لضابط أهلي ومستشار بلدي بمدينة الأغواط: إن الإقليم العسكري عبارة عن ثكنة واسعة، وإن الذي يسكن فيه وما يملك مملوك لرئيس المكتب العربي، وهو يتصرف فيه كما يتصرف في ملكيته الخاصة، وليس للوالي العام إلا الموافقة على ما يطلبه أو يقوله رئيس الملحقة»
وإذا كانت هذه معاملة الحكام العسكريين للأهلي البسيط، فكيف حال من يتمرّد عليهم في هذه الثكنة ويقاومهم، سيما إذا كانت صغيرة في مستوى ملحقة؟
الحكم العسكري وسياسته تجاه الحركة، وبخاصة تجاه زعيمها الشيخ بيوض (1/170)
صفحة 171
من المعلوم أنه لم يكن يُسمح خلال العشرينيات حتى أواخر الأربعينيات بالقيام بأي نشاط سياسي في أقاليم الجنوب الخاضعة للحكم العسكري، بل إنه لم يكن يسمح لجمعية العلماء المعترف بها بالقيام بنشاطها الإصلاحي طبقا لقانون الجمعيات. وحتى إذا سُمح به في بعض المناطق أو في بعض الفترات فإن القيود التي تفرض على القائمين به لا تختلف عن القيود المفروضة على القائمين بالنشاط السياسي. ويؤكد هذا انتقال رجال الإصلاح من سكان الجنوب البارزين إلى الشمال، مع أن حاجة الجنوب إليهم كانت أشد، مثل الشيخ الطيب العقبي، وخير الدين، والباجوري، وأبي اليقظان والزاهري وغيرهم، كما تؤكده محاكمة الشيخ عبد العزيز الهاشمي، والباجوري وعلي بن سعد، والحكم عليهم بالحبس «دون أن يثوروا على السلطة ولا تدخلوا في أوضاعها الإدارية، وإنما قاموا بواجبهم الديني في بلادهم، سوف وقراها، ينشرون الإسلام ولغة الإسلام» (عمار طالبي، ابن باديس حياته وآثاره، ج ... 3، ص178).
إلا أن الشيخ بيوض لم يبرح الجنوب سواء في وقت السلم أم في وقت الحرب، وإن كان إقليم الجنوب يخضع لحالة الحرب في كل الظروف.
وقد يتساءل البعض: كيف استطاع الشيخ بيوض ممارسة نشاطه في هذا الإقليم والاستمرار فيه دون غيره من علماء الإصلاح البارزين؟ وقد يعلَّل ذلك بمحدودية نشاطه في منطقة ميزاب ، أو بتمعته بنوع من المهادنة مع الحكام العسكريين، إلا أن التدابير الزجرية المختلفة التي كانت تُفرض عليه في جميع تحركاته، والحصار المضروب على هذه المنطقة يفند هذا الزعم، كما سنبينه فيما يلي:
القيود المفروضة على الشيخ:
ليس من اليسير تعداد هذه التدابير إذ هي متعددة ومختلفة وغير محدودة في الزمن، فنكتفي بذكر بعض صورها.
أول هذه التدابير وأخطرها: تقييد حرية التنقل، وحرمانه منه في وقت الحرب العالمية الثانية. (1/171)
صفحة 172
إن الشيخ بيوض قد قُيّدت حريته في التنقل منذ منتصف العشرينيات، ولو إلى قرى ميزاب. وقد شُددت الرقابة عليه أكثر خلال سنة 1935. بحيث لم يكن يُسمح له بمغادرة القرارة إلا بترخيص من حاكم الإقليم بالأغواط، وبعد موافقة قائد البلدة وحاكم الملحقة بغرداية، وأحيانا الوالي العام بالجزائر. وقد أصدر هذا الأخير قرارا بتاريخ 23 جانفي 1935 بتسجيله في دفتر ب B Son inscription au carnet بعد ما تأكد من خطورته على النظام العام ومعارضته السافرة للسلطة:
En raison des agissements défavorables au mantien de l’ordre et de l'oposition manifestée envers l’autorité du nommé Bayoud.
وهذا الإجراء لا يطبق إلا على المشبوهين الخطرين، وبمقتضاه لا ينتقل إلا بموافقة الوالي العام، ويخضع في جميع تنقلاته لسلطات البلدة التي يحل بها. وإثر مغادرته لها تكتب تقريرا مفصلا عنه إلى سلطات الإقليم العسكري وإلى مديرية شؤون الأهالي بالولاية العامة، حيث تجمع تلك التقارير ثم تستغل.
والملاحظ أنه لم يكن في تنقلاته سائحا بل كان يمارس نشاطه فيها داعيا وواعظا في مختلف مساجد الجزائر ونواديها، ومجددا صلته بزملائه العلماء، ومتفقدا المدارس التابعة للحركة الإصلاحية بميزاب.
وفي 5 جوان 1935 وجه وزير الحرب مذكرة سرية إلى الجنرال قائد الفيلق التاسع عشر، وإلى قواد فرق الجيش بتونس والمغرب ورد في مطلعها: «إن النشاط الديني والسياسي للشيخ بيوض في ملحقة غرداية، بالإضافة إلى أحدث مَدنين ومقاطعة الإسرائليين بملحقة تقرت، قد كشفت أن غليان الأفكار L’agitation des ésprits قد أدرك الأقاليم العسكرية التي كانت الأكثر هدوءا في شمال إفريقيا» ثم وجه إليهم تعليمات صارمة لمقوامة تسربها مع توبيخهم على غفلتهم وتقصيرهم. (1/172)
صفحة 173
أما أهم الإجراءات والتدابير الأخرى المعتادة فهي الاستجوابات والاستفسارات عن دروس أو خطب يلقيها، أو عن اتصالات يجريها مع بعض زواره، أو في البلاد التي ينتقل إليها، وتفتيش معهده ومنزله وحجز مراسلاته وفرض الغرامات عليه.
ومنها ما لا يرتكز على مبرر قانوني، كالغرامة التي فرضت عليه سنة 1931 بمناسبة سفره للمشاركة في الجلسة التأسيسية لجمعية العلماء، بدعوى "سفره بدون رخصة"، مع أنه كان حائزا لها، إلا أنها كانت قديمة ولم تنته صلاحيتها، فاستغلها للمشاركة في الجلسة المذكورة. ويبدو أن هذا التغريم لم يفرض على أي مشارك فيها عدا الشيخ بيوض ومرافقه الشيخ محمد الطرابلسي من مدينة بريان، رغم أنه كان مقيما ببسكرة، يكشف ـ مثل غيره من الإجراءات ـ لفرض العزلة على أهل وعلماء ميزاب والحيلولة بينهم وبين مساهمتهم في المشاريع القومية. وقد بذلت سلطات الإقليم العسكري مجهودات لمنع أي ميزابي من المشاركة في الجمعية التأسيسية المذكورة، وقد تلقى الشيخ بيوض رسالتين تتضمنان تحذيره من عواقب السفر إليها، ومصدرها قريب جدا من تلك السلطات، مما يفسر فرض الغرامة عليه.
ومن الجدير بالملاحظة أن تطبيق هذه التدابير لم يقتصر على الشيخ وحده، بل طبق بعضها على أنصاره وعلى طلبته، وخاصة الاستجوابات والإنذارات والتغريمات، بل وحتى الحبس دون ارتكاب أية مخالفة للقانون العام.
أسلوب تعامل الإمام الشيخ مع الحكام:
قد يتساءل البعض: كيف استطاع الشيخ بيوض البقاء في الإقليم الذي يعتبره الموالون للحكام ثكنة، ومواصلة نشاطه فيه وتحقيق كثير من أهدافه التي سطرها؟
إن الذين يعرفون الشيخ حق المعرفة يشهدون له بمجموعة من المواهب والصفات، من ذكاء وحكمة وهدوء أعصاب وضبط للنفس وشجاعة، ومعرفة بنفسية الحكام مع الثقة بالنفس وشدة الإيمان بالله والتوكل عليه. (1/173)
صفحة 174
فهذه الصفات هي التي مكنته من المناورة والتحايل والإفلات من أكثر هذه الأحابيل والفخاخ التي نصبت لإيقاعه فيها، فضلا عن اعتماده على كثير من أنصاره في مدن الشمال، والذين يستغلون علاقاتهم ببعض الديمقراطيين الفرنسيين أو بعض الشخصيات الجزائرية المعتدلة التي لها علاقة بالحكام وتعرف الشيخ حق المعرفة.
ونورد هنا فقرات من رسالة يتبين منها أسلوبه مع الحكام، كتبها بتاريخ 24 سبتمبر 1948 لصديقه الشيخ أبي إسحاق اطفيش، وهو من المصلحين الأوائل الذي نفته السلطات من تونس بإيعاز من الحكام العسكريين بالجزائر، ردا على تساؤلاته حول ما أشاع عنه خصومه بمناسبة دعوته إلى المشاركة في انتخابات المجلس الجزائري الذي عهد إليه الفصل في موضوع إلغاء الأقاليم العسكرية بالجنوب وإلحاقها بالشمال. (1/174)
صفحة 175
يقول الشيخ في رسالته: «شتان بين من يعيش بعيدا عن وطنه وبين من قضى عمره في بؤرة الاستعمار والاستعباد وليس عائشا فيها عيشة فرد عادي، قد لا تكتحل عينه بحاكم من حكامه أعواما طوالا، ولا عيشة النكرات من الناس، بل يعيش عيشة قائم بأعمال لها خطرها، تجعله مراقَباً في كل لحظة، محاسَبا على كل حركة، مضروبة حوله الأرصاد والعيون، وتخلق له من بين بني جلدته أعداء وحسدة وخصوما لا يفتؤون يمكرون به يسعون ويشون، ويتهمونه لدى ذوي السلطان الظلمة بما يوغر صدورهم عليه، مما كان وما لا يكون. وذلك بطبيعته يقتضي أن يجرّ إلى مواقف الاتهام أمام السادة الحكام، ويعيش عيشة مطالب بحقوق مغتصبة مدافع لمظالم واقعة أو متوقعة، وهذا يقتضي الاختلاف إلى مكاتبهم والكتابة والرد على كتبهم ودحض شبههم، مع اتقاء شرورهم وتجنب إثارة سخطهم وإيغار صدورهم. وفي كلتا الحالتين، إما أن ينجيه حذقه وبصره بأساليبهم في الخطاب والجواب، ولطفه في المدخل والمخرج، ومرونته السياسية، وإما أن يُردي به جهله وتهوره وخرقه. ومن عالج هذا في ثلاثين عاما أدرك فيها مبتغاه ونال مراده ومتمناه، أو لم يزل ماضيا في سبيله صحيح الدين متين الخلق قوي الإرادة، صارم العزم حاملا راية الدفاع عن أمته ضد الظلمة من ذوي السلطان وأذنابهم من حُمر الاستعمار». (1/175)
صفحة 176
وفي موضع آخر يصف أسلوبه في مناورة الحكام: «ثلاثون عاما قضيتها في مكافحة الاستعمار الغاشم في عقر داره، وأنا بين مخالبه وأنيابه أقاوم جبروت أفظع حكم عرفه التاريخ الإنساني، وأنا تحت سلطانه وبين ماضغيه، ما رميت بسهم من بلد قصيّ ولا قابلته في قرية محصنة، ومن وراء جدر... أقمت بين ظهراني أمتي أبعث فيها الحياة وأشيع فيها النور، وأدفع بها دفعا نحو المثل العليا، وأذود عنها الأعداء، وأدفع عنها العوادي، وأصنع الحجب وأحوك الأستار، لأخفي حركتها عن الأنظار، حتى إذا نمّت عين أو وشى لسان لجأت إلى التأويل وانتحلت الأعذار وأرخيت الشعرة وداورت العاصفة وداريتها، ثم أمضي قدما في سبيلى لا أعرف توقفا ولا سكوتا. كذلك كنت طوال هذه المدة...»
معاناته مع معارضي أفكاره الإصلاحية:
لقد أشرنا سابقا إلى أن الشيخ قد أبتلي بمعارضين أشداء من أذناب الحكام أو المتعاملين معهم أو من بعض الوعاظ الذين يتمسكون بالقديم ويرفضون كل جديد، ينكرون على الشيخ اجتهاداته في فتاويه، وعدم تقيده بفتاوى من سبقوه، ودعوته إلى تعلم العلوم الحديثة واستعمال الأساليب الحديثة في التعليم، وتعلم اللغة الأجنبية وإلهاء طلبته بممارسة التمثيل والرياضة والكشافة ونَظم الشعر وإنشاد الأناشيد التي توغر الحكام. فشنوا عليه حربا شعواء بالوشاية إلى الحكام والمطالبة بمنعه من الذهاب إلى قرى ميزاب، وبنفيه إلى مكان قصي، وبإعلان البراءة منه في المساجد، واتهامه بالمروق من الدين.
وخلال سنة 1937 أنشأ معارضوه جريدة متخصصة للهجوم عليه وعلى الشيخ أبي اليقظان، بل وحتى على رجال جمعية العلماء المتحالفين معهما.
ولم يكتفوا بهذا، بل حاولوا اغتياله قصدا وعن سبق إصرار بالترصد أربع مرات، أواخر الثلاثينيات وأوائل الأربعينيات. ولكن الله أنجاه منهم. ولم تتخذ السلطات الحاكمة أي إجراء جدّي للتحقيق مع الأشخاص المتهمين، ومتابعتهم قضائيا، مما يؤكد تواطؤها معهم أو تحريضها لهم. (1/176)
صفحة 177
مهاجمته للحكم العسكري والمطالبة والعمل على إلغائه:
لم يكتف الشيخ بمراوغته للحكم العسكري لضمان استمرار مسيرته، بل لقد انتهز بعض الفرص للهجوم عليه والمطالبة والعمل على إلغائه. ومن هذه الفرص قدوم لجنة برلمانية من باريس خلال سنة 1937 إلى الجزائر والتحقيق في وضعية الجزائريين والاستماع إلى شكاويهم ومطالبهم، برئاسة نائب المارتنيك. وقد كانت أقاليم الجنوب ضمن برنامج زيارة الوفد، إلا أن حكام هذه الأقاليم حاولوا عرقلتها بل منعها من هذه الزيارة. ولما سمع المصلحون بذلك بذلوا جهودا كبيرة في الشمال لاستقدامها، وقد قدم الشيخ بيوض لها باسم مدينة القرارة مذكرة بالمطالب التي تهم المنطقة، منها: إلغاء الحكم العسكري.
كما انتهز فرصة انتهاء الحرب، وبالضبط بتاريخ 24/4/1946 فأصدر نداء بيانا في شكل منشور مطبوع، هاجم فيه الحكم العسكري وأذنابه، ودعا الشعب إلى المطالبة بحقوقه، منها حرية الانتخاب، ومن جملة ما ورد فيه:
«إن الظروف قد ساعدت، وإن الأحوال قد سنحت، وإنه قد تهيّأ لك من بنيك من يضطلع بأعباء الأمانة ويحمل الألوية ويسد الثغور ويعمر المناصب بجدارة واستحقاق، فهيّا إلى العمل المنظم والخطط المحكمة والجهاد المتواصل في سبيل قضيتك المقدسة. ولتعلم موقفنا أن عدوك الأكبر ومذلك ومخزيك هو هذا الكابوس "الحكم العسكري" الآخذ بخناقك والقابض على مجرى أنفاسك. إنه سبب كل ضيم لحقك، وأصل كل بلاء حلّ بك، وعلة العلل وجرثومة الأمراض، فاعمل على إزالته والتحرر من قيوده. وإن من أفظع أنواع الظلم أن يساس شعب مثلك هادئ رصين... وإن من أشنع أنواع الخزي والعار أن يقال عنك إنك تقبلت هذا النوع من الحكم طائعا مختارا، وأنك ارتضيت أن تغل يدك إلى عنقك وأن تقيد بالقيود الثقيلة رجلاك... وإن من ألد أعدائك أولئك الذين يعملون لإطالة أمد عبوديتك، بل ويطلبون باسمك أن تبقى عبدا ذليلا مملوكا لا يقدر على شيء، فاحذرهم أن يفتنوك...» (1/177)
صفحة 178
أما الفرصة الأهم والتي كان يراها كفيلة بالإجهاز على الحكم العسكري نهائيا، وتحطيم الستار الحديدي الذي كان يضعه الحكام لفصل أقاليم الجنوب عن الجزائر قوميا وسياسيا، فهي صدور القانون الأساسي للجزائر Statut de l’Algerie الذي نص على إحداث "مجلس جزائري" منتخب نصفه من الفرنسيين ونصفه الآخر من الجزائريين، وتنص المادة خمسون 50 منه على إلغاء الحكم العسكري على أن يعهد لهذا المجلس بعد تأسيسه بوضع مشروع قانون يحدد كيفية تطبيق هذه المادة، يعرض على البرلمان الفرنسي.
وقد كان هذا القانون الأساسي صدمة كبرى للحكام العسكريين، فبذلوا جهودا كبرى لدى السلطات العليا في الجزائر وباريس لعدم تطبيقه في الجنوب أو على قسم كبير منه.
أما حكام غرداية فقد كانوا أكثر حماسا ونشاطا، إذ استغلوا الظروف التاريخية للمنطقة والتي أحدثوها لدعوة الميزابين إلى المطالبة بعدم تطبيق هذا القانون عليهم، بدعوى أن مشاركتهم وهم أقلية في هذا المجلس سيؤدي إلى تطبيق قراراته عليهم، كما سيؤدي إلى نقضهم بأنفسهم معاهدة الحماية التي عقدها أجدادهم مع فرنسا، وعلى الاستقلال الداخلي الذي يتمتعون به دون غيرهم من الجزائريين، وغير ذلك من الأقاويل والترهات التي ينخدع لها الكثير من السذج، بل وحتى الذين لا يُشك في وطنيتهم وعملهم وإخلاصهم للجزائر، وبخاصة من كان يستند منهم إلى تلك المعاهدة، ومنهم الشيخ بيوض، لمطالبة السلطات باحترام التزاماتها بعدم التدخل في شؤون ميزاب الداخلية. كما أن هذه السلطات كانت تعتبر في العقود الأربعة من القرن الماضي من يتمسك بهذه المعاهدة مشوشا وعدوا لفرنسا. (1/178)
صفحة 179
أما الشيخ بيوض وأنصاره ممن خَبَر هؤلاء الحكام وألاعيبهم، فقد انتهزوها فرصة لعقد الاجتماعات والمؤتمرات لدراسة الوضع الجديد، وقد اتصل الشيخ بيوض شخصيا بالزعماء السياسيين ومنهم مصالي الحاج، لمعرفة موقف الحزب من الترشح للمجلس، بعد ما قرأ نقده المرّ للدستور الذي أنشأه، وقد أجابه بأن الإدارة العليا للحزب لم تتخذ بعدُ قرارها، بيد أنه يرى أن لا تقرر إلا المشاركة، لأن من الخطإ أن تبقى خارجه، ما دامت قراراته تصدر باسم الأمة الجزائرية.
وبعد إتمام المشاورات والمناقشات تقرر تجنيد المصلحين لتوعية المواطنين وتحذيرهم من الانخداع بترهات الإدارة ومن شايعها، وتقديم مترشح يضمن النجاح، وإفشال خطة الإدارة. وقد رشحت إطارات الحركة الإصلاحية الشيخ لثقتها فيه واقتناعها بأنه الأجدر بهذه المهمة "لاستكماله شرائط القيادة"، حسب تعبير البشير الإبراهيمي.
إلا أن الشيخ لم يقبل هذه المهمة إلا على مضض وبعد ضغوط من أنصاره وأغلبية المواطنين، لأنه يرى التفرغ للإصلاح الديني والعلمي. ولما سمع مسؤولو الحركة الوطنية بترشحه قرروا عدم تقديم ممثل لها في دائرة ميزاب. احترامًا له وتعبيرا عن ثقتهم فيه. وقد أخبروه بهذا القرار. وهذا بشهادة السيد بن يوسف ين خدة، والسيد محمد العربي دماغ العتروس.
أما خصوم المشاركة فإنهم قدموا في آخر الأمر مرشحين منهم لمنافسة الشيخ بيوض، على أن يعلن أحدهم - في حال نجاحه، والذي كانوا مطمئنين إليه لمساعدة الإدارة العسكرية لهم - في المجلس مقاطعته المجلس، ويبقى الكرسي شاغرا.
إلا أنهم بعد فشلهم استأنفوا معارضتهم ومطالبتهم بإلغاء الانتخاب وإلغاء الكرسي الخاص بميزاب، بدعوى أن أغلبية السكان تؤيد وجهة نظرهم وتعتبرهم الممثلين الحقيقيين لسكان الدائرة. (1/179)
صفحة 180
ونظرا للعرائض والمذكرات التي كانوا يقدمونها سواء في باريس أو الجزائر، وللحملات الصحفية، وتوالي وفودهم إليهما فقد قرر البرلمان الفرنسي إيفاد لجنتين للتحقيق لمعرفة وجهة النظر الحقيقية للسكان، فأقيمت المسيرات ورفعت اللافتات عند زيارة اللجنة الثانية، سنة 1952 من الفريقين المؤيد والمعارض للإلحاق.
ومن الهتافات التي كان ينادي بها الفريق المؤيد للإلحاق والمسجلة في إحدى اللافتات:
- مع بيوض،
- تحيا الإلحاق،
- تحيا الحرية،
- نريد إلحاق ميزاب بالشمال،
- لا للستار الحديدي بين ميزاب والجزائر،
- نحن ميزابيون وجزائريون.
والذي يلاحظ على هذه اللافتات أنها تؤكد جزائرية الميزابيين، وعلى إلحاق ميزاب بالجزائر، وعلى أن مفهوم هذا الإلحاق ليس مفهوما إداريا أي أن يستبدل بنظام إداري عسكري، بظام إداري آخر مدني، بل هو مفهوم قومي وسياسي، ردا على مقولة الحكام العسكريين ومن انخدع بهم، والتي تردد أن الميزابيين هم مجموعة متميزة من الجزائريين، لأنهم لوكانوا فقط يريدون استبدال نظام بنظام، لركزوا على المطالبة بإحلال النظام المدني محل النظام العسكري.
كما أن الشيخ بيوض قد خطب أمام اللجنة خطابا هاما يؤكد فيه وجهة نظر الإصلاح، وقد استهله بالعبارة التالية:
«لا نخفي عنكم اندهاشنا العظيم مما رأيناه في مشروع مسيو فيوليت VIOLETTE الكبير، من اقتطاع ميزاب عن الجزائر، وضمه إلى الصحراء التي تريدون جعلها مستعمرة مستقلة...».
وهذا يخالف الرأي السائد الذي يكاد يتفق عليه الباحثون حول فصل الصحراء عن الجزائر، وهو أن الفصل بهذا المفهوم، أي التام، لم يفكر فيه ولم يخطط له إلا خلال الثورة ابتداء من سنة 1957.
فهل كان تصريح الشيخ بيوض نابعا من فهمه لنوايا الفرنسيين، وبناء على معلومات أو تصريحات أو تلميحات منهم، علمها أو سمعها منهم؟ أم كان ملهما في ذلك ومستكشفا للمستقبل؟ (1/180)
صفحة 181
والشيء المعروف عن الشيخ رحمه الله أنه كان يزن كلماته ولا يطلقها على عواهنها خاصة أمام السلطات.
ومهما يكن من أمر فإنه يبدو أن معرفة الشيخ لنوايا الفرنسيين كانت وراء قراره الشجاع بعدم مغادرة الجزائر خلال الثورة، لمواصلة كفاحه في إفشال خطة الفرنسيين، وهو ما صرّح به لأقرب مساعديه سنة 1956 ووافقوه عليه.
ومساعيه المكثفة في هذا المجال قد سجلها في مذكراته، وقد شهد له بها كتابيا من المسيرين المكلفين بهذا الملف السادة: بن طوبال، ودحلب، وبن خدة، ومهري.
فالشيخ رحمه الله لم يركب قطار وحدة الجزائر قوميا وسياسيا من المحطة ما قبل الأخيرة، كما فعل كثيرون، بل كان من ربّان هذا القطار منذ انطلاقته الأولى، فضلا عن جهوده وعمله لوحدة الجزائر الشاملة دينيا ولغة وقوميا، منذ انطلاق مسيرته الإصلاحية.
معاناة الشيخ بيوض بعد الاستقلال:
لم نتعرض لظروف الشيخ خلال الثورة ولا لتركيز السلطة عليه وعلى المنطقة بمحاولة تحقيق أحلامها ومشاريعها القديمة بفصلها عن الجزائر، مكتفين بالإشارة إلى مساعيه الوحدوية أما مساهماته الأخرى في الثورة وهي مسيرة (حافلة ومتعددة الجوانب) فقد سجلها الشيخ في مذكراته بعنوان "أعمالي في الثورة" والمنشورة بعد وفاته سنة 1990، وسنقتصر فيما يلي على عرض أهم نشاطاته وما سببته له من مضايقات ومعاناة. (1/181)
صفحة 182
إثر تعيين الشيخ في الهيئة التنفيذية المؤقتة بعد إيقاف إطلاق النار استدعى الشيخ عبد اللطيف سلطاني إلى مكتبه من رجال جمعية العلماء الذين لم يغادروا الجزائر خلال الثورة، فسأله عن رأيه في استئناف الحركة الإصلاحية نشاطها بعد الاستقلال، فأجابه بأنه يرى أن العمل يجب أن يكون ضمن مؤسسات الدولة التابعة لوزارتي الشؤون الدينية والتربية، فرد عليه الشيخ بأن العمل ضمن مؤسسات الدولة واجب وضروري، لكن دون أن توقف الحركة نشاطها خارجها، لأن الدولة لا تستطيع القيام وحدها بجميع ميادين الإصلاح، وهو ما فعله الشيخ إثر انتهاء مهمته بالهيئة المؤقتة، فقد حث المتخرجين من المدارس الإصلاحية ومن المعهد مباشرة، أو من الذين واصلوا –بعد تخرجهم منه- دراستهم بجامع الزيتونة أو بكليات المشرق العربي، ثم تخرجوا منها بعد الاستقلال بالمساهمة في المؤسسات التربوية للدولة من الابتدائي إلى الجامعة، ومنهم من تولّى مسؤوليته الإدارية فيها بصفتهم مديرين أو مفتشين أو عمداء، إضافة إلى من التحقوا بالقضاء، والذين ارتقوا في مؤسساته إلى أعلى الرتب بالمحكمة العليا. (1/182)
صفحة 183
أما ما يتعلق بالمعهد والمدارس الخاصة وفروعها، والتي فتر نشاطها نوعا ما، أو أُوقف، فقد صمم وعمل على مواصلة سيرها وتطويرها بما يتلاءم مع الوضع الجديد، والمقصود بفروع تلك المؤسسات هي النوادي والجمعيات الثقافية والكشفية والرياضية وقدماء التلاميذ ووحدة التعليم التي تضم مؤتمرات دورية. ولكن مع الأسف فإن هذه المؤسسات بمجرد استئناف اجتماعاتها للتفكير في تجديد نشاطها واجهها مسؤولو الحزب المحليين بالمعارضة الشديدة، وبمحاولة إخضاع أي نشاط لها أو اجتماع بترخيص مسبق، بل كانوا يطالبون بالمشاركة فيه.. ولم يقتصر تدخلهم على هذه المؤسسات، بل تعداه إلى المساجد بمحاولتهم تعيين وعاظ من مناضلين في الحزب أو من يرضون عنه في الهيئات الدينية، أو استبعاد من يشتمّ منه المعارضة، مع أن وزارتي الأوقاف والتربية، قد وافقتا بعد اتصال الشيخ بها على استئناف هذه المؤسسات نشاطها بكل حرية في إطار القانون، وهو ما تعهد به الشيخ ولم يَحِد عنه.
= ومن الإنجازات التي حققها الشيخ ومساعدوه إثر الاستقلال لتدعيم النشاط الإصلاحي إنشاء مؤسسة جديدة باسم دار الفكر الإسلامي للنشر والتوزيع، وأول باكورة لنشاطها إصدار مجلة بعنوان "الفكر الإسلامي" وقد صدر أول عدد لها في جانفي 1964. متضمنا عدة مقالات وبحوث تَصدّرها مقال للشيخ بيوض بعنوان «ومن يبتغ غير الإسلام دينا...» إلا أنها توقفت بعد ذلك أو أُوقفت لأسباب مجهولة...
= ومن النشاطات الأخرى التي كان يقوم بها الشيخ شخصيا:
= مواصلة دروس تفسير القرآن بالمسجد، ودروسه العامة في المواضيع الاجتماعية والثقافية والتاريخية بما يتلاءم مع الوضع الجديد. (1/183)
صفحة 184
= مكاتبة مسؤولي وزارة التربية فيما يتعلق بشؤون التعليم والتربية، ومكاتبة وزراء الشؤون الدينية في الأمور المتعلقة بالدين كالفتاوى التي تطلبها منه، مثل التأمينات وتوحيد الصوم والإفطار وغيرها، أو بمبادرة منه مثل مكاتبة السيد مولود قاسم بمناسبة بعض الأحداث كحرق المصاحف الشريفة بالجامعة المركزية مستنكرا هذا العمل ومطالبا باتخاذ إجراءات صارمة لكي لا تتكرر مثل هذه الأحداث، أو مكاتبته للسيد بوعلام باقي؟؟ مطالبا الوزارة «بمضاعفة نشاطها لحماية الدين من محاولة التجنيس والتذويب، هذا الدين الذي حافظ على وحدة الشعب بعد تداعي أسباب التفريق والتمزيق، والقادر اليوم على أن يعصمه بإذن الله أمام تيارات الإلحاد والتحلل الخلقي، وبوادر التفرقة والشتات، وإذا كنا حريصين الحرص الشديد على الاحتفاظ بمكاسب الثورة فنحن نرى كما يرى كل مسلم أن في طليعة هذه المكاسب الدين الإسلامي الذي ذهب ضحيته ما يزيد على المليون شهيد»
والملاحظ أن الشيخ شعار السلطة (مكاسب الثورة) فوظفه في دعوته الإصلاحية، كما استغل شعار الثورات الثلاث فطالب الرئيس بومدين بإعلان الثورة الأخلاقية، وذلك في خطاب أعده لإلقائه بمناسبة زيارته المقررة سنة 1970 لغرداية.
- استقبال الوفود التي تقاطرت بعد الاستقلال على ميزاب، من سياسيين وباحثين وأساتذة جامعيين، ومن الشخصيات التي زارت القرارة واستقبلها أحسن استقبال يليق بجهادها ونضالها مما أثار شبهات حوله: محمد شعباني، والرئيس فرحات عباس، سنة 1964.
من صور المعاناة والحصار
أشرنا -فيما سبق- إلى أن الشيخ قد ووجه بمجرد الاستعداد لاستئناف نشاطه بمضايقات وتعسفات، ولم تكن مقصورة عليه وحده، بل طالت أيضا المؤسسات التربوية والدينية والثقافية التي يشرف عليها. (1/184)
صفحة 185
وسنتعرض –فيما يلي- إلى التدابير التي سُلّطت عليه شخصيا، وإن كان المقصود منها تلك المؤسسات، مع الاقتصار على ما اتُّخذ منه خلال ثلاث سنوات فحسب، منقولة من مذكرة خطية له، والتي قررت السلطة المركزية على إثرها إيفاد لجنة تحقيق نظرا لما أثارته من ردود فعل واحتجاجات وتقارير من طرف المواطنين.
أهم التدابير المتخذة من 30سبتمبر1963 إلى ديسمبر1965
نورد هنا أهم هذه التدابير كما سجلها الشيخ بقلمه:
1. - في 30 سبتمبر 1964 وضعت ممتلكاتي تحت حماية الدولة بقرار من عامل عمالة الواحات، ولم يذكر لي أي سبب، ولا تزال.
2. - في13 أكتوبر 1964 اعتُقلت.
3. - في 31 ديسامبر 1964 أُطلق سراحي، ولم أعلم إلى اليوم ما هي التهمة التي وُجّهت إليّ.
4. - في 9 ديسامبر 1966 استدعاني السيد عامل العمالة وأمرني مشافهة أن لا أخرج من القرارة مطلقا، وأن لا أستقبل أي شخصية تزور القرارة سواء كانت جزائرية أم أجنبية. ولم يذكر لي أي سبب لذلك، كما لم يؤكد لي الأمر كتابة إلى اليوم.
5. في8أوت 1967 دعاني رئيس قسمة الحزب في القرارة وأمرني بإيقاف درس الوعظ والإرشاد الذي ألقيه في المسجد في تفسير كتاب الله العزيز. ثم قال: وكذلك لا تَعقدْ أي اجتماع ولا تتكلم في أي مجتمع، وأن "البسبورت" الذي طلبته قبل اليوم لا يُعطى لك، (وقد كنت طلبت جواز سفر منذ عام)، فسألته: وما السبب في هذا؟ وما ذنبي وما التهمة التي وُجّهت إليّ؟ فقال: لا علم لي بشيء، وإنما تلقيت أمرا من الاتحادية لأبلغه لك، وقد بلغت. فقلت له: هل تعطيني كتابة في الأمر؟ فقال: لم أتلق أنا كتابة، ولا أعطيك كتابة. تلقيت الأمر مشافهة وأبلغه مشافهة، وإذا كانت عندك رخصة من وزارة الأوقاف فأظهرها. فقلت: إنك تعلم أن هذا الأمر قديم، وأنني واعظ ومعلم في المسجد منذ ما يقرب من خمسين عاما، ولم تُطلب مني رخصة. (1/185)
صفحة 186
امتثلت للأمر فوقّفت دروسي منذ تلك اللحظة صابرا محتسبا والبلدة في شبه حداد، ولله الأمر من قبل ومن بعد...
لجنة التحقيق والمحاكمة ونتائجها:
تشكت هذه اللجنة باتفاق بين الرئاسة ووزارة الشؤون الأهلية برئاسة الشيخ محمد خير الدين، وقد وصلت غرداية بتاريخ 17 سبتمبر 1967، وبعد اتصالاتها بنائب عامل العمالة في غرداية والعامل وقائد الناحية العسكرية بورقلة، تقرر عقد اجتماع بتاريخ 20/9/1967 يضم هؤلاء المسؤولين ومحافظ الحزب بدار العمالة واستدعاء الشيخ بيوض لتعرض عليه الاتهامات الموجهة إليه وإلى الميزابيين من خلاله وللاستماع إلى رده عليها.
الاتهامات:
1. انتهاك الميزابيين وعلى رأسهم الشيخ بيوض لسياسة الدولة باتصالات مستمرة بينه وبين بعض القناصل الأجنبية كفرنسا وأمريكا.
2. وجود شرطة محلية عوض الأمن الوطني.
3. وجود محاكم للحكم بين المواطنين، مما يدل على عدم اعترافهم بالمحاكم الوطنية الرسمية.
4. التعدي على الحكومة باتصاله بدولة "عُمان" واستقدامه (أي الشيخ بيوض) لأبناء هذا البلد للدراسة في مدارسه في الوقت الذي لا يقبل أبناء المالكية فيها.
والملاحظة: أن مصدر هذه الاتهامات تقارير الحزب، ولم يحضر الجلسة مسؤوله لإثبات هذه الاتهامات، رغم استدعائه من ممثلي السلطة المركزية.
ردود الشيخ بيوض:
استمر حديثه حول ساعتين، وفيما يتعلق بردوده على هذه الاتهامات:
1. فيما يخص المساجد وأنظمتها: هي داخلة في نطاق وزارة الأوقاف، تتبع تعليماتها وإرشاداتها، وناظر الأوقاف بغرداية هو الواسطة بين المشرفين على هذه المساجد بميزاب والوزارة.
2. فيما يخص المحاكم الخاصة: لعلهم يقصدون بها المجالس العائلية التي تتولى إصلاح ذات البين ورعاية الأيتام والأرامل. وهو نظام اجتماعي موجود منذ القديم. وهو موجود في بعض مناطق الجزائر، وليس فيه أي مس بالعدالة أو سيادة الدولة. (1/186)
صفحة 187
3. فيما يخص الأمن الوطني: لا توجد شرطة خاصة، بل هو نظام قديم يحرس بمقتضاه أفراد متطوعون داخل القرى ليلا ونهارا، وبالتناوب للمحافظة على عائلات المغتربين، وليس لهم إلا المراقبة، ولا حقّ لهم في معاقبة أيٍّ كان. وتفاديا لكل التباس فقد حصل الاتفاق مع إدارة الأمن والعامل على تقديم أسماء هؤلاء كل يوم وليلة إلى إدارة الأمن، وهم مسؤولون أمامها عن كل ما يتعلق بأمن القرية.
4. البعثة الأجنبية من طلبة عمان: وهم طلبة جاؤوا من عمان للدارسة والتفقه في المذهب الإباضي، وهذه البعثات كانت تقصد معاهد ميزاب منذ القديم، وهذه البعثة دخلت الجزائر بالطرق القانونية، ووصولها لميزاب تمّ على يد ممثل مكتب دولة عمان بعاصمة الجزائر، وعلى يد اللجنة المركزية للحزب، وليس في هذا أي تعدّ عل القانون أو سيادة الدولة.
أما عدم قبول أبناء المالكية فليس له أي أساس من الصحة لأن مدارسنا مفتوحة للجميع منذ تأسيسها في العشرينيات، ومدرسة القرارة وحدها يوجد فيها ما يربو على مائة تلميذ منهم.
5. أما التهمة الأخيرة التي ردّ عليها والتي كانت الأولى التي وُجّهت إليه، وهي الاتصال ببعض القناصل الأجنبية، فقد ردّ عليه باستنكار شديد واحتجاج قوي على المساس بشرفه ووطنيته، وأسف شديد من رواج مثل هذه الإشاعات على المسؤولين في الحزب والحكومة.
وقد استمرت الجلسة ست ساعات، منها ساعتان لكلمة الشيخ.
الخلاصة التي انتهت إليها اللجنة:
« (1/187)
صفحة 188
لقد ثبت لدينا بعد الاطلاع والدرس أن أغلب ما أثير هناك (في ميزاب) من المشاكل والمنازعات، إنما كان منشؤها أمور شخصية وحزازات نفسية هي من مخلفات الماضي، وهي نتيجة لتصرفات بعض المنتسبين للحزب الذين يريدون باسمه أن يستولوا على كل نفوذ في وادي ميزاب، بما في ذلك النفوذ الديني، وبدعوى تطبيق ما يدعو إليه الحزب أرادوا القضاء على كل العادات والشعائر الدينية... وتبيّن لنا أن في تصرفات بعض أولئك المسؤولين كثيرا من الغطرسة وعدم المرونة وعدم تقدير العواقب... ومما زاد للطين بلة السلوك الشخصي الأخلاقي الذي يتسم به بعض أولئك المسؤولين...»
أما ما يتعلق بالشيخ بيوض، فقد تقرر -بعد اقتناع اللجنة بعدم وجود أية شبهة حول تصرفاته، وأنها كلها أكاذيب واختلاقات_ أن ترافقه إلى القرارة لحضور أول درس في التفسير يستأنف فيه دروسه بعد إيقافه من ممثل الحزب، وقد قدمه رئيس اللجنة الشيخ محمد خير الدين، منوّها بجهاده ونضاله، ومهنئا المواطنين باستئناف الشيخ لدروسه ونشاطه.
ولكن هل انتهت المعاناة ورُفع الحصار بعد ذلك؟ (1/188)
صفحة 189
لم يتوقف مع الأسف، بل قد اشتد بعد انتقال الشيخ إلى جوار ربه. إلا أن ذلك لم يفلّ من عزيمته ولم يضعف من إيمانه، لأنه قد ألف المحن واعتادها وراض نفسه عليها منذ شبابه. وكان يسمّي هذه المحن مِنَحا. وكان يقول في تفسير الحديث «العلماء ورثة الأنبياء» بأن العلماء لا يرثون علمهم وهدايتهم فحسب، بل والمحن والابتلاءات التي ابتُلوا بها. ولما تلقى من الشيخ الصديق السعدي رسالة تسلية قبيل ذهاب الوفد إلى ميزاب، أجابه بقوله: «...إننا والله لنخجل من أن نعدّ أنفسنا من الذين امتحنهم الله فصبروا إذا ذكرنا ما امتُحن به سلفنا الصالح من الصحابة والتابعين، فمن بعدهم من أئمة الدين رضي الله عنهم... _ثم أضاف_ لقد مررت في بعض مطالعاتي في هذه الأيام بمحنة سعيد بن جبير والإمام أحمد فتضاءلت نفسي وتصاغرت وهان عليها أمرها وضعف حملها، حتى لم أعد إلا بنعم الله السابغة التي أرتع في بحبوحتها من صحة بدن وعقل وسلامة قلب ودين. ومن ذكر الله في كل حين ورضى وطمأنينة بما اختاره الله لي ورجاء في عفوه ورضاه،
وما ضرني ما فاتني من نعيمها ... ... إذا نعمت عيني غدًا وعُفّي عني
مهرجان ختم القرآن:
لقد كتب للشيخ أن يختم تفسير القرآن الكريم بتاريخ21/5/1980 وعمره إذ ذاك تجاوز الثمانين، وأقيم له مهرجان كبير بمدينة القرارة يليق بعظمة القرآن وجلاله، حضره جمع غفير وشخصيات علمية ووطنية، (سياسية)، وممثل رئيس الجمهورية ووزراء، وألقيت فيه خطب وقصائد وكلمات، تنوّه بهذا الحدث العظيم وتشيد بفضل الشيخ وفضائله وجهاده في سبيل نشر الدين والعلم ونهضة الوطن ووحدته.
وقد كان هذا المهرجان أول مناسبة بعد الاستقلال لسَراة الأمة ورجال الدولة لكي يعبروا عن تقديرهم لهذا الرجل، إما بحضورهم أو بالكلمات أو بالخطب أو القصائد التي ألقيت، وإما بالبرقيات أو الرسائل لمن تعذّر عليه الحضور.
مهرجان تأبين الشيخ: (1/189)
صفحة 190
بتاريخ 14/2/1981. وبعد ثمانية أشهر من المهرجان السابق ختمت أنفاس الشيخ بيوض، وأقيم له مهرجان تأبين حضرته كذلك شخصيات سياسية وعلمية وإدارية ووزراء، وبعض الإطارات العليا للدولة والحزب. ومن الشخصيات العلمية الشيخ أحمد حماني، عبد اللطيف سلطاني، إبراهيم مزهودي، عبد الرحمن شيبان، ومن الشخصيات السياسية: ابن يوسف بن خدة، سعد دحلب، ومن الذين تعذر عليهم الحضور وبعثوا برقياتهم إلى العائلة أو المهرجان: رئيس الدولة عبد الحميد مهري، والشيخان محمد خير الدين، وأحمد توفيق المدني، وبلعيد عبد السلام، والأمين الوطني للمجاهدين، والعقداء محمد أو عمران، وعبد الحميد هجرس، وابن الشريف. وحضرته عشرات الآلاف من المواطنين، من شرق البلاد وغربها.
وألقيت فيه كذلك كلمات وقصائد جُمعت مع ما ألقي في المهرجان الأول في كتاب ونشرته جمعية التراث سنة 1989.
ومن الكلمات المعبّرة التي ألقيت في المهرجان كلمة الأستاذ مولود قاسم وزير الشؤون الدينية، والتي جاء فيها: «...إننا لا نزكي على الله أحدا ولكننا نهتدي بهدي القرآن، وفي العمل بسنة نبينا في تزكية الرجل بشهادة الأمة، فقد جاء في الحديث الصحيح أن جنازة مرت برسول الله وهو في ملإ من أصحابه فأثنوا عليها خيرا، فقال وجبت، ومرّ بجنازة فأثنى أصحابها فقال وجبت، فلما استوضحوا الرسول في قوله، أجاب: لقد وجبت الأول للأولى والنار للثانية، أنتم شهداء الله في الأرض، ثم قرأ قوله تعالى:«وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس...» الآية. وإننا لنضرع إلى الله سبحانه وتعالى أن يجعل الفقيد مع الذين أوجب الله لهم الجنة بشهادتكم وشهادة الأمة الجزائرية كلها بملايينها لهذا الرجل العظيم... أجمعت أمته على الثناء له بالخير وشهدت له أعماله في خدمة دينه وأمته بالخير...»
التماس من فخامة السيد رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة (1/190)
صفحة 191
لقد عرضنا عليكم بإيجاز –ونرجو أن لا يكون مخلا- جانبا مجهولا من كثيرين عن مسيرة الشيخ بيوض والمتمثل في الظروف الشديدة التي كان يعمل فيها الشيخ مدة تزيد على ستين سنة.
وإن إغفال الظروف المحيطة بأقوال أو تصرفات الأفراد أو المحيطة بالجماعات لا يؤدي إلى تقييمهم تقييما موضوعيا ومنصفا، بل قد يؤدي إلى أبشع أنواع الظلم وأقبح أشكال الجحود.
سيدي الرئيس هل بلغكم _ ولا نظن ذلك_ أن أشكال الحصار الظالم لا تزال مضروبة وهو بين يدي ربه، وأن أبشع صورة وأقبح أشكاله منع إطلاق اسمه على أية مؤسسة من مؤسسات الدولة التربوية، ومن الغريب أن يصدر قرار وزير التربية بتاريخ ؟ بإطلاق اسمه على ثانوية بالقرارة، وهو المختص، وبناء على ملف كامل، طبقا للقانون فتتجرأ جهة أخرى (دنيا) وهي غير مختصة، فتمنع تطبيقه، لا بقرار، ولكن بالفعل.
لقد قلتم في إحدى رسائلكم مؤخرا: إن من واجب العرفان ومن السنن الحميدة تكريم العلماء والمثقفين، والرفع من شأنهم، ومن مكارم الأخلاق اعتراف الخلف بآثار السلف الصالح، بفضله وفضائله.
وقد سجل المرحوم مولود قاسم شهادة الأمة الجزائرية للشيخ في حفل تأبينه، كما أوضحناه في المذكرة. وهل هناك من هو أهل وجدير بأن يعلن باسم الأمة هذه الأمة هذه الشهادة وما تستلزمه من رفع الحجر والظلم عنه غير سيادتكم بصفتكم رجل الوئام كما رفعتموه مؤخرا على من كان ضحية الظروف التي مرت بها البلاد بعد الاستقلال، والتي لم يسلم منها شخصكم الكريم، أو ضحية "فتنة السياسة" كما عبّر عن ذلك الإمام المرحوم محمد أبو زهرة حين سمع ما عاناه العلامة الحجوي بالمغرب الأقصى، قبل وفاته بمصادرة أمواله كلها، واتهامه بالخيانة وبإخراج جثمانه من قبره، ونقله إلى مقبرة أخرى، فقال: «إنها فتنة السياسة التي لا تقدر الإنسان، ولا فضل للعلماء والسابقات المكرمات التي تعفو الهنات بل السيئات». (1/191)
صفحة 192
ولو ثبت للشيخ هنات أو سيئات فهلاَّ قوبلت بها الحسنات والمكرمات، ولتسمحوا لنا أن نورد كلمة للشيخ بيوض، ضمّنها مقالا له منشورا في صحيفة الأمة سنة 1938، انتقد فيه من هاجم الأمير شكيب أرسلان، بسبب دعوته إلى تحقيق وحدة عربية من دول المشرق مع تأجيل ضم بلاد الشمال الإفريقي إلى ما بعد تحررها، قائلا له مدافعا عن الأمير:
«إن جهاد نيّف وخمسين عاما لا تهدمه خطبة في مجلس عُرض فيه رأي قابل للنقد والتمحيص، وليس يصح في الأذهان شيء إذا لم تكن الجهود الكبرى والأعمار الطويلة هي الأصل المعتدّ به والمعوّل عليه أو الذي يؤوّل ما يخالفه بما يوافقه، ما وسع الاحتمال وانسدت أبواب التأويل»
سيدي الرئيس، نحن لا نطلب منكم إعادة الاعتبار للشيخ والعفو عنه، لأن هذين الإجراءين لا يطبقان –كما لايخفى عنكم- إلا على المجرمين المدانين، وإنما نطلب منكم مبادرة ترفع الحجر عن الشيخ، وتنصف التاريخ مع الرجل لأنه قد أصبح جزءا منه، وبذا تحققون أمنية قديمة لدى عارفي فضله، وأنتم المعترفون بفضل الرجال، ولا تزال عبارات العرفان نحو الشيخ بيوض والتي أعلنتم عنها عند زيارتكم الأخيرة لمدينة يزجن، تتردد في الأسماع وفي البقاع.
بسم الله الرحمن الرحيم
بقلم: أ. محمد الطاهر عزوي ... ... ... باتنة: 09 صفر 1417هـ.
... ... ... ... ... ... الموافق لـ: 25 جوان 1996م.د
الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض
عمدة من أعمدة الحركة الإصلاحية في الجزائر
لمدة نصف قرن، من 1931 ـ 1981م
محاور الموضوع:
1ـ المقدمة.
2 ـ من أسباب ظهور حركة «جمعية العلماء المسلمين الجزائريين»
3 ـ المنهج العلمي للحركة الإصلاحية في الجزائر.
4 ـ موقف جمعية العلماء كحركة إصلاحية نهضوية في الدفاع عن الثوابت.
5 ـ التعتيم على تاريخ جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وتشويه بعضٍ من شخصياتها التي هي من أعمدتها.
6 ـ يعتبر نضال الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض امتدادًا لنضال جمعية العلماء في عهد الاستقلال. (1/192)
صفحة 193
7ـ المنهج العلمي الذي اتَّبعه الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض.
8 ـ تقدير الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض في إطار الحركة الإصلاحية والتنشئة والمنهج.
9 ـ آثاره.
10 ـ تجديد حركة الإصلاح في الجزائر أصبح من الضرورة بمكان.
11 ـ هوامش الموضوع.
ملاحظة:
هذا الموضوع أعِدَّ ليُلقى كمحاضرة أو مداخلة في مهرجان الإمام الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض، وذلك في أيام: 15 – 16 –17 صفر 1417هـ الموافق لـ: 1 –2 –3 جويلية 1996م، في قاعة ابن خلدون بالعاصمة. وأُجِّل لظروف قاهرة لم تسمح بانعقاده في الأيام المحددة أعلاه.
بسم الله الرحمن الرحيم
1 ـ المقدمة:
يفرض علينا المقام من جهة، والواقع المرُّ من جهة أخرى، أن نضع الشيخ العلاَّمة «إبراهيم بن عمر بيوض» في المكان اللائق به، وبمستواه الفكري والثقافي، ونجعل له إطارًا يناسب مكانته في حركة الإصلاح والنهضة الجزائرية، بعد مرور نصف قرن على تأسيسها، من 05 ماي 1931 إلى 1981م. فهو لا يُدرس وحده، وإذا افتُرض أن يسلَّط عليه الضوء بمفرده فربَّما يُظلم ويشوّه كالحلقة التي تُستلُّ من السلسلة، تتعرض للتناول والتداول فلا يبقى لها من القيمة لو أنها بقيت في السلسلة المتكاملة الحلقات.
ومن ثم فالتغريبيون و بسيطرتهم ونفادهم إلى القرار السياسي و الإعلامي والمنهج التربوي يركزون و باستمرار على تشويه شخصيات حركة الإصلاح والنهضة، مما مكَّنهم أن يتوصَّلوا، وبالنتيجة أن يفصلوا بين هذه الشخصيات وبين منهجهم في مسيرة الحركة وينتهوا في آخر المطاف إلى نزع الروح منها، وذلك كالفصل بين الأمة وتاريخها أو بين الأمة و ثوابتها.
و هذا ما وقع لحركة ”جمعية العلماء المسلمين“ بعد استرجاع الاستقلال وإلى يومنا هذا.
وترون بأم أعينكم كيف قُضي على شعارها :
”الجزائر وطننا، والعربية لغتنا، والإسلام ديننا“، وحل محله ثالوث المزاد العلني بدون إضافةٍ أو نسبة كشعارٍِ مطلق :”الإسلام و العروبة و الأمازيغية“. (1/193)
صفحة 194
وحينما ندرس نصاً أدبياً أو تاريخياً نراعي فيه الزمان، و المكان، والأسلوب، واللغة، والهدف من صيغته على هذا النحو أو ذلك، ومن ثمَّ نتمكن من استخراج الأفكار الرئيسية التي يدور حولها النص.
وقد سُئل أحد المؤرخين المعاصرين عن التاريخ، فقال بالحرف الواحد: ”التاريخ هو فهم النص“.
وهكذا من هو الشيخ بيوض؟ فهو ليس جسماً فقط، والأجسام ترجع في النهاية إلى أصلها الترابي؛ { منها خلقناكم وفيها نعيدكم } (طه55)، وإنما الشيخ بيوض فِكر وذِكر ومعاملة وتأثير و تأثُّر وطولُ نفسٍ وإصرار على المبدأ ووفاء بالعهد وقيمة وعمدة من أعمدة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين.
ونتساءل في"براعة الاستهلال" كما يقال قديما.
لماذا ظهرت جمعية العلماء؟
وما هو منهجها في العمل؟
وما هي الخطورة التي تمثلها بالنسبة لفرنسا في الدفاع عن الثوابت؟
ولماذا تُشوه بعض شخصياتنا بعد استرجاع الاستقلال؟
وماهي أعمال الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض في أثناء الاستقلال؟
وهل من الواجب تجديد حركة الإصلاح؟ لأن مقومات الجزائر في خطر، وبالأخص بعد طرح الثوابت في المزاد العلني لنهشها. وتصغيرها وجعل الإسلام في مستوى اللهجات المحلية كأنه ليس دينًا عالميا وليس لكافة الناس جميعاً.
وقد قُزِّم في نظر المستغربين، وحُوصر في العبادات فقط على مقولة : "صل اصلاتك وارفع صباطك" على عكس ما ينادي به: { يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله و للرسول إذا دعاكم لما يحييكم } . (سورة الأنفال الآية 24).
2- من أسباب ظهور حركة "جمعية العلماء المسلمين الجزائريين": (1/194)
صفحة 195
ظهور حركة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين يعتبر رد فعل على ما كان يعتقده العدو الفرنسي من موت الجزائر، لأن التغيرات التي أحدثها الاحتلال في الجزائر أتت أُكلها في تغير الدهنيات والأفكار والثقافة بصفة عامة حيث تحولت الزوايا التي تمثل الكيان الثقافي من قيادة الثورات في القرن 19م، إلى تبنِّي الخرافات، وقد لقيت تأييداً من العدو الفرنسي مادام البعض منها يشوه الإسلام منذ بداية القرن العشرين.
وصاحَب هذا الانقلاب في المسار بروزُ جيل متغرب متأثر بالحضارة الفرنسية ينادي بالمساواة و بالاندماج و بالجنسية الفرنسية، وهو ما يتنافى مع العادات و التقاليد و السلوك العام للإسلام.
ولم يكتف العدو الفرنسي بهذا التغير على المستوى الذهني والانقلاب الفكري والثقافي، فها هو يحاول أن يضرب الإسلام واللغة والوحدة من جديد، بإصدار الظهير البربري في عام 1930م متوخيا بذلك إقصاء الشريعة الإسلامية من الاحتكام إليها، ومعوضاً إياها بالأعراف و التقاليد النوميدية، بالإضافة إلى إحياء اللهجات المحلية على حساب اللغة العربية.
وتُوِّج هذا المشروع بتنظيم احتفال كذكرى مرور قرن على احتلال الجزائر في 1930م، جمع فيه بين مرور نصف قرن على احتلال تونس، وثمانية عشر سنة على احتلال المغرب.
وإذا نظرنا إلى هذه الأسباب مجتمعةً، نجدها تفرض بالضرورة الحتمية أن تظهر حركة الإصلاح والنهضة في الجزائر، ممثلة في جمعية العلماء المسلمين الجزائريين (1) . تشترك فيها الشخصيات الإصلاحية على المستوى الوطني على غرار ما هو موجود في التيارات السياسية، وما حصل بالفعل أيضًا في الإعداد العسكري لثورة نوفمبر 1954م، التي أنهت بقيامها عهد الثورات الجهوية أو الإقليمية أو المحليَّة. ولو أنَّ التجاوب بينها على المستوى العاطفي كان عاماً وشاملاً.
__________
(1) ـ مجلة الثقافة: السنة العشرون ـ العدد 108 ـ ماي، جوان، 1995. ص: 70، 73. (1/195)
صفحة 196
وهذه الظاهرة تتسم بالشمول سواء في الحركة الإصلاحية أو الأحزاب السياسية أو في الإعداد للثورة، لم يتوقَّعها العدو قبل الحرب العالمية الثانية )1939 - 1945م( أو بعدها، وغاب عنه أنه هيَّأ لها بالمجازر التي ارتكبها في ماي 1945م، ظنًا منه أنه بذلك يقضي على البقية الباقية من الإحساس الوطني، ومن الانتماء الحضاري، وقد سعى في حتفه بظلفه كما يقال في المثل.
3 ـ المنهج العلمي للحركة الإصلاحية في الجزائر:
اعتمدت الحركة الإصلاحية في الجزائر العمل الجمعوي كما يقال اليوم، والتزمت في الظاهر بالعمل الإصلاحي التربوي الخيري، ولكنها في الحقيقة توخَّت الإصلاح التربوي والاجتماعي والثقافي والسياسي، وهو ما جاء به الإسلام: «دينٌ ودنيا»، وذلك على خلاف منهج علماء المشرق العربي.
لأنَّ الشيخ ”محمد عبده“ كان ينادي بالتربية والتعليم فقط، وهو محقٌّ في ذلك، لأنه يقف ضد منهج ”دنلوب“ الإنجليزي في التربية والتعليم في مصر.
وكان ”جمال الدين الأفغاني“ ينادي بالجامعة الإسلامية، وبالثورة على الاحتلال الأجنبي في كامل أنحاء العالم الإسلامي.
وهذا مع وجود الجامع الأزهر الشريف بمصر، وجامع الزيتونة المعمور بتونس، وجامع القرويين بالمغرب.
وتوجد في الجزائر بعض الزوايا التي تؤدي دور جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، كزاوية ”الهامل“ غربي مدينة بوسعادة، والزاوية ”العثمانية“ في طولقة، وزاوية ”بلحملاوي“ في العثمانية غربي مدينة قسنطينة، وغيرها في بلاد القبائل وفي غربي الجزائر وفي الصحراء. ومهما يكن فقد حافظت على الكيان الثقافي، ولكن بالأسلوب القديم في التعليم التقليدي. (1/196)
صفحة 197
أمَّا جمعية العلماء فقد رفعت شعار التجديد، وحملت لواء العصرنة في الأسلوب، وفي التوعية وفي الأخذ من تجارب الغير، بالمحافظة والمنافسة. واقتحمت الميدان برجال أكفاء أمثال المشايخ: عبد الحميد بن باديس، ومحمد البشير الإبراهيمي، والعربي التبسي، والطيب العقبي، ومحمد خير الدين، وإبراهيم بن عمر بيوض، ومبارك الميلي، وغيرهم من المخلصين.
وهم بحقٍّ يُعتبرون من أعمدة جمعية العلماء في الجزائر. ويصدق عليهم ما قاله «أبو اليقظان» في هذا البيت من الشعر:
فللميادين أبطالٌ لها خُلقوا ... ... وللدواوين كُتَّابٌ وحُسَّابُ (1)
وكان يسود بينهم الانسجام في التفكير، وفي العمل اليومي، وتراهم جميعًا يلتزمون بنهج الشيخ الإمام عبد الحميد بن باديس، وهو ما نستشفُّه من الخطاب الذي ألقاه في الجامع الأخضر بقسنطينة عام 1938م بمناسبة اختتامه لتفسير القرآن.
وقد استشهد بخطابه هذا شيخنا العلاَّمة إبراهيم بن عمر بيوض بمناسبة المهرجان الذي أُقيم له أيضًا في فيفري من سنة 1980م حين ختم تفسير القرآن في مدينة ”القرارة“.
وكان من جملة ما قاله من خطاب الشيخ عبد الحميد بن باديس: «بسم الله الرحمن الرحيم: إنَّنا والحمد لله نُربِّي تلاميذنا على القرآن من أوَّل يوم، ونُوجِّه نفوسهم إلى القرآن في كلِّ يوم، وغايتنا التي ستتحقَّق إن شاء الله أن يكوِّن القرآن منهم رجالاً كرجال سلفهم، وعلى هؤلاء الرجال القرآنيين تُعلِّق الأمة آمالها، وفي سبيل تكوينهم تلتقي جهودنا وجهودهم، وإنَّ أعزَّ ما وصلنا إليه هو تبيين الغاية، وتلاقي الجهود والحمد لله».
__________
(1) ـ محمد ناصر بوحجام: أبو اليقظان في الدوريات العربية. المطبعة العربية. غرداية. 1985. ص: 40. (1/197)
صفحة 198
ثم قال في آخر خطابه كما جاء في العدد الخاص بالتفسير من مجلته الغرَّاء: ”الشهاب“: «إنَّني أعاهدكم على أنَّني سأقضي بياضي على العربية والإسلام، كما قضيت سوادي عليهما، وإنَّها لواجبات، هذا عهدي لكم..، وأطلب منكم شيئًا واحدًا، وهو أن تموتوا على الإسلام والقرآن، ولغة الإسلام والقرآن..» (1) .
4 ـ موقف جمعية العلماء كحركة إصلاحية ونهضوية في الدفاع عن الثوابت:
وبما لا يدع مجالاً للشكِّ، هو أنَّ الجمعية نذرت نفسها للدفاع عن الثوابت، وعن الشخصية الجزائرية بكلِّ مقوِّماتها، سيما بعد طرح شعار الكاردينال ”لافيجري“ في احتفالات 1930م، والذي يقول فيه:
«إنَّ عهد الهلال في الجزائر قد غبر، وإنَّ عهد الصليب قد بدأ، وإنَّه سيستمرُّ إلى الأبد... وإنَّ علينا أن نجعل أرض الجزائر مهدًا لدولة مسيحية، مُضاءة أرجاؤها بنور مدنية منبع وحيها من الإنجيل».
ومن خلال منهجها في العمل وردودها على مثل هذه الشعارات، لخَّص فكرتها وتصوراتها المستقبلية أحد الساسة الفرنسيين بقوله:
«إنَّ مجددي فكرة الوطن الجزائري هم هؤلاء الذين أسسوا جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، لقد ربطوا محاولتهم لتجديد الإسلام وللقضاء على الطرق الصوفية بمحاولة تجديد الوطن الجزائري... وهم ينتظرون أن يتقدَّم رجال آخرون لاستعمال السلاح الذي يصقلونه الآن بأيديهم ويُعدُّونه...».
وعلى اعتبار قيمتها، وعلى ما يراه العدو فإنها لم تلبث أن أخذت ترد وتسترسل في ذلك، فلا تترك صغيرة ولا كبيرة في المدارس، وفي المساجد وفي النوادي، وفي المحاضرات وفي المساجلات، حيث تتصدَّى على لسان رئيسها، بالرَّد على مقولة ”لافيجري“ التي هي شعار الاحتفال:
«
__________
(1) ـ الدكتور محمد ناصر: في رحاب القرآن ـ الإمام الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض. القسم الأول. نشر (جمعية التراث). العطف. (غرداية). ص: 23. (1/198)
صفحة 199
إنَّ الجزائر بلدٌ عربي... ومن ذا الذي يفكر في إنكار هذه الحقيقة..؟ وهي أرض إسلامية أصيلة، وذلك حقٌ أيضًا.. ومهما يكن من إرادة إمبريالية في الماضي والحاضر، ومهما يكن من قوَّة حرابها، فإنَّ هذه الظاهرة التاريخية صادقة تمام الصدق».
وزاد فردّ أيضًا باسم الجمعية على محاولة تحويل القومية الجزائرية إلى قومية فرنسية بواسطة اللغة الفرنسية التي حلَّت محلَّ اللغة العربية فقال:
«إنَّنا نعتصم بالحق، ونعتصم بالتواضع، عندما نقول: إنَّنا شعبٌ خالدٌ ككثير من الشعوب، ولكننا نُنصف التاريخ إذا قلنا: إنَّنا سبقناها بهدايتنا، وسبقنا هذه الأمم في نشر الحق أيام كانت في ظلمات الجهل، ذلك ما كنَّا فيه، وما سنعود إليه».
وإنَّما علينا أن نعرف تاريخنا ومن عرف تاريخه جديرٌ بأن يتخذ لنفسه منزلة لائقة في هذا الوجود.
ولا رابطة تربط ماضينا المجيد بحاضرنا الأعز، والمستقبل السعيد إلاَّ هذا الحبل المتين، اللغة العربية، لغة الدين، ولغة الجنس، لغة القومية، لغة الوطنية المحروسة، إنَّها وحدها الرابطة بيننا، وبين ماضينا، وأجدادنا الغر الميامين، تربط أرواحهم بأرواحنا؛ وهي وحدة اللسان الذي نعتز به، وهي الترجمان عمَّا في القلب من عقائد، وما في العقل من أفكار، وما في النفس من آمال وآلام» (1) .
وهذه النصوص تُصور الردود وتؤكد على عروبة الجزائر، وعلى انتمائها الحضاري، وعلى اعتزازها بما فيها، وإنَّ أرضها أرضٌ إسلامية أصيلة لا تقبل المساومة، ولا الاندماج، ولا الجنسية..، حتى لو نادى بعض الأحزاب التي تتخذ من هذه الشعارات مطية.
__________
(1) ـ المصدر رقم 1 في التسلسل. ص: 74، 76. (1/199)
صفحة 200
وما يميِّز جمعية العلماء المسلمين الجزائريين هو تمسُّكها بالأصالة وارتباطها بالمناهج التربوية في المغرب العربي، وإرسال بعثاتها الطلابية إلى مراكز الإشعاع في كلٍّ من تونس والمشرق العربي، وبذلك فوَّتت الفرصة على العدو الفرنسي في محاولاته فصل الجزائر عن مناخها الطبيعي، بالإلحاق السياسي والإداري والهوية والجغرافيا والآثار.
5-التعتيم على تاريخ جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وتشويه بعض من شخصياتها التي هي من أعمدتها:
تبعاً لموجة الاشتراكية التي كثر الصراخ حولها، بعد استرجاع الاستقلال، ألغيت الأحزاب وسُلط القمع على من يفكر في إنشائها من جديد، كمعارضة تقاوم انحراف السلطة.
وهنا حاولت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين أن تجدد حركتها باسم "جمعية القيم"، نظراً لتعميم اللغة الفرنسية على المستوى الوطني وفي جميع المجالات مع استبعاد شعار جمعية العلماء: "الجزائر وطننا والعربية لغتنا والإسلام ديننا" من التطبيق الذي نادى به بيان أول نوفمبر 1954م.
لكن الحكومة الوطنية منعت تجديد الجمعية ولم تسمح لها بممارسة النشاط الإصلاحي و التربوي و الاجتماعي.
ومن ثمَّ انتهز التغريبيون هذه الفرصة لأنهم توغلوا في أجهزة الحكم منذ 19 مارس 1962م، وفي أجهزة الثورة منذ 1956م. وأعدُّوا مخططا يهيل التراب على ماضي الجمعية جملةً وتفصيلاً، كما يقال اليوم في شعار "اللاَّحدث"، ولا يبقى لها في الرصيد التاريخي إلا ما أرادوا التلويح به في بعض المناسبات حفظا لماء الوجه، أمام الشعب و أمام الدول الأجنبية.
ولإفادتكم أكثر نحاول طرحه بالمنهجية لكي تتضح الصورة : (1/200)
صفحة 201
1-إحداث الهوَّة بين أبناء الوطن الواحد على مستوى اللغة، وذلك برفع شعار "المعرَّبون والمفرنسون". فالذين التحقوا بالثورة ومن البداية من المعرَّبين لا يحتفل بصعودهم إلى الجبل، والذين التحقوا بالثورة من المفرنسين في 19 ماي 1956م يحتفل بانضمامهم إلى الثورة، ويبقى ذلك عيداً وطنياً في كلِّ سنة.
ويبدو من هذا الشرح أنَّ جمعية العلماء وبعض الزوايا والمدارس الحرَّة بدأت تدفع الثمن على دفع طلبتها إلى الالتحاق بالثورة منذ انطلاق الرصاصة الأولى، وكما يقال: «الجزاء من جنس العمل». والذي غرس الثنائية اللعينة في هذا الوطن المنكوب هي اللغة الفرنسية المستمرَّة في كلِّ المجالات.
ولذلك أصبح الجزائريون يتميَّزون عن غيرهم بازدواج الشخصية، إلى أن انتهوا اليوم إلى التثليث في شخصيتهم، ممَّا يهدِّد وحدتهم الوطنية، إن عاجلاً أو آجلاً. ولا تغرُّنا المساحيق الظرفيَّة الآنيَّة التي تُعمِّق الخلاف بدون وعي وبدون قراءة حساب للمستقبل على مستوى الأجيال القادمة، انطلاقاً من كارثة التثليث ومن فرض التنويع الثقافي وصبغه بصبغة الثوابت الوطنية الجديدة.
ونستلهم ذلك من التاريخ القريب البعيد، ومن تجارب بعض الأمم المعاصرة، التي تعاني من التلويث وليِّ الأعناق، فلا هي أصيلة ولا هي معاصرة، وقد أضاعت جذورها بإدخال الخبث في جآذيرها. وعوض أن تتقدَّم ضلَّت تصارع بإرضاء الفرقاء، كالدوران بأسلوب المصالحة في جميع القمم العربية منذ 1964م. بينما الاتحاد الأروبِّي يشارف الوصول إلى توحيد الصرف واللغة، ونحن بين التثليث والمصالحة دوما، والمصانعة في معاركنا التربوية والسياسية والثقافية. (1/201)
صفحة 202
2- استبعاد شعار جمعية العلماء بالتقطيع و الاستنقاص من المجال السياسي و الثقافي والتربوي والاجتماعي، وأضحى من يتمسَّك به أو ينادي إليه، أو إلى جزء منه كمن يقبض على الجمر، ويُوصَف بشتَّى النعوت والأوصاف، وتُلصَق به مصطلحات التشويه والخيانة والعمالة، وهو أسلوب شيوعي محض، فلا يلبث مع دوامها في الإعلام أن ينزوي على نفسه، يشعر بِمُركَّب النقص فلا يقدر على التصدِّي للواقع المرِّ.
وتواصلت العملية بمساعدة الظروف السياسية إلى تأميم التعليم الأصلي في 1976-1977م. وتتوَّجت اليوم بطرح الثوابت في المزاد العلني لكي يناقشها كلُّ من هبَّ ودبَّ بدون مراعاة لقداستها على الأقل من المنظور الحضاري.
3 ـ القيام بتشويه بعض هذه الشخصيات بقصد الانتقام من الجمعية:
حاول بعض السياسيين الذين امتلأت قلوبهم بالإحن، وبالأحقاد وبالانتقام أن يشوِّهوا بعضًا من أعمدة جمعية العلماء المسلمين الجزائرين. وكان البدء بالشيخ عبد الحميد بن باديس، حيث يحتفلون بيوم وفاته إلى أن أصبح سُنَّة وتقليدًا في الجزائر، على عكس ما تحتفل به الأمم الحيَّة بِعُظمائها، وحتَّى على فرض التقليد كمسلمين، ها هو يحتفل في التاريخ الإسلامي بميلاد الرسول وهجرته، ولا يُحتَفل بوفاته ما عدا في الجزائر فَيُحتَفل بموت عظمائها.
وزادوا كما يقال "على الطين بلَّة "، فنسبوا إليه القبول بالاندماج، واجتازوا إلى الشيخ البشير الإبراهيمي فوصموه بالماسونيَّة وشوَّهوا الشيخ الطيِّب العقبي بارتمائه في أحضان فرنسا واتَّهموا الشيخ محمد خير الدين بالمداهنة والعمالة للمغرب.
وفي نهاية المطاف أرادوا أن يُجرِّدوا الشيخ إبراهيم بن عمر بيُّوض من كلِّ ما يتَّصف به أيُّ مصلح من المواقف ومن الأفكار. (1/202)
صفحة 203
وهؤلاء جميعًا من أعمدة الحركة الإصلاحية في الجزائر، وغيرهم كثير اتَّخذهم أغلب الشباب قدوة في السلوك وفي الفكر وفي الإصلاح، فما بالك بالصحافة وبالبلاغة وبالمقال وبالمحاضرة وبالخطابة وبالشعر التي كانوا يتداولونها فيما بينهم، وفي الدفاع عن شخصية هذه الأمة.
وبهذه الوسائل ـ في تقديرنا ـ تُخدَم الثوابت ويُدافَع عنها أمام ما يهبُّ عليها من الرياح العاتية التي يقودها الغزو الثقافي والفكري اليوم على أديم الجزائر. والمقصود بالدرجة الأولى هو استئصال الثوابت من ذاكرة الشعب بدءًا بتشويه الشخصيات الوطنية في الإعلام بالخصوص، ثمَّ في المنهج التربوي.
4- اضطهاد عظماء جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بعد استرجاع الاستقلال :
... وبدافع الغيرة على المقوِّمات الأساسيَّة لهذه الأمَّة عارض هؤلاء العظماء النظام الاشتراكي الذي يُراد تطبيقه في الجزائر بعد استرجاع الاستقلال، وكان ذلك بإصدار منشورات تبيِّن مساوئ النظام الاشتراكي كيف يتنافى مع مقاصد الشريعة الإسلامية.
وحينئذ أعلن النظام حربه ضدَّهم على شاكلة لا رادَّ لأوامره وأهدافه، مخالفا بذلك عنوان السيادة الذي يتمثَّل في "الديمقراطية الشعبية".
وقد لجأ إلى فرض الإقامة الجبرية على الشيخ البشير الإبراهيمي إلى أن وافته المنيَّة في ماي 1965م .
واستعملوها أيضا مع الشيخ محمَّد خير الدين، بالإضافة إلى تأميم أملاكه، وتدهور صحَّته من جرَّاء ذلك حتَّى توفِّي في أوائل التسعين .
وأُلزِم الشيخ إبراهيم بن عمر بيُّوض الإقامة الجبريَّة في القرارة وأُمِّمَت أمواله في عام 1964م.
كما قام بسجن الشيخ إبراهيم مزهودي، وبنفي الشيخ مصباح.
ولم يكتف بذلك وقد انتقل إلى تطبيق هذا الأسلوب على بن يوسف بن خدَّة لأنَّه تعاطف مع رجال جمعية العلماء الذين ينادون على مَلأ من الناس بتطبيق شعارها وتطبيق بيان أوَّل نوفمبر، وما يزال متواصلا إلى اليوم. (1/203)
صفحة 204
لأنَّ الجهاد ماض إلى يوم القيامة، كما يقول صلى الله عليه وسلم وهو لا ينطق عن الهوى .
6 ـ يعتبر نضال الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض امتدادا لنضال جمعية العلماء في عهد الاستقلال :
... ما يمكن أن يوصف به الشيخ إبراهيم بن عمر بيُّوض في هذا المقام هو أنَّ عمله في عهد الاستقلال يُعَدُّ امتدادا لنضال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وتقدَّر هذه المسافة بخمسين سنة من 1931 م إلى 1981م .
وهي مسافة شارك فيها الشيخ بيُّوض وغطَّاها بجلائل أعماله التي لا يُنكِرها من كان في قلبه ذرَّة من الوطنية.
وقبل الوصول إلى تقديره كعظيم من عظماء هذه الأمَّة فلا بُدَّ من أن نستعرض نشأته بالتدرُّج، ومنهجه الذي خلَّده في التاريخ، كما نلقي ضوءا على آثاره، ومن ثَمَّ نرى هل من الضرورة تجديد الحركة الإصلاحية.
1 ـ نشأته تدرُّجا وصعودا :
1 ـ ولد بالقرارة يوم 12 ذي الحجة 1316هـ الموافق لـ 22 أفريل 1899م.
2 ـ ولمَّا كبر درس على المشائخ :
? محمد بن الحاج يوسف العطفاوي .
? الحاج إبراهيم بن عيسى الأبريكي 1908م
? عبد الله بن إبراهيم أبو العلا 1911م
3 ـ درَّس مع بن يحي المليكي في معهده.
4 ـ درَّس في دار أوقفها أبوه للتعليم، وتعتبر نواة لمعهد الحياة الذي تأسَّس بافتتاح الدروس يوم الجمعة 28 شوال 1343هـ الموافق لـ 21 ماي 1925م
5 ـ انخرط في حلقة "العزَّابة " سنة 1922م بعد انتهائه من تفسير جزء "عمَّ".
6 ـ درَّس صحيح "الربيع بن الحبيب".
7ـ شرع في تفسير "فتح الباري في شرح صحيح البخاري" من 1931م وأتمَّه بحفل عظيم يوم 22 ربيع الأوَّل 1365هـ، الموافق لـ 06 أفريل 1935م، واختتمه يوم 25 ربيع الثاني 1400هـ، الموافق 23 ماي 1980م.
10 ـ شارك في وضع القانون الأساسي لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين.
11 ـ عُيِّن مساعدا لأمين صندوق الجمعية منذ تأسيسها في 05 ماي 1931م.
12 ـ أسَّس في مدينة القرارة جمعية الحياة في عام 1937م. (1/204)
صفحة 205
13 ـ ترأَّس حلقة "العزابة" في عام 1940م.
14 ـ وُضع تحت الإقامة الجبريَّة من طرف فرنسا في مدينة القرارة مدَّة أربع سنوات من 1940م إلى 1944م.
15 ـ قدَّم مطالب الأمَّة أمام لجنة الإصلاحات الإسلاميَّة في أواخر الحرب العالمية الثانية.
16 ـ انتُخب نائبًا عن منطقة غرداية في المجلس الجزائري، من (1948 إلى 1951م).
17 ـ عُيِّن عضوًا في الحكومة الانتقالية ببومرداس (روشي نوار)، باتِّفاق مع جبهة التحرير الوطني (1) .
18 ـ أدَّى دورًا كبيرًا في إحباط عمليَّة فصل الصحراء عن شمال الجزائر.
19 ـ استقال من عضويَّة المجلس الجزائري بعد معركة الجرف في أواخر سبتمبر 1955م، تأييدًا للثورة كاحتجاجٍ ضدَّ إلقاء قنابل "النابالم" على المجاهدين في هذه المعركة التي دامت ثمانية أيَّام، من 22 سبتمبر إلى 29 من نفس الشهر سنة 1955م (2) .
20 ـ أُسندت إليه في عام 1956م مهمة تكوين العمل الثوري، ولذلك اتَّصل بالعقيد الحوَّاس قائد الولاية السادسة في أواخر 1956م.
21 ـ كان عضوًا في اللجنة الإدارية المؤقتَّة لعمالة الواحات لدائرة الأغواط، سنة 1958م.
22 ـ عمل على بعث مجلس «عمي سعيد» سنة 1963م الهيأة العليا لعزَّابة مساجد ميزاب. وانتُخِب رئيسًا له إلى يوم وفاته في 14 جانفي 1981م. (3) .
7 ـ المنهج العملي الذي اتَّبعه الشيخ إبراهيم بن عُمر بيُّوض:
__________
(1) ـ يوسف بن بكير الحاج سعيد: تاريخ بني ميزاب ونضالهم من أجل الحقِّ في التباين. المطبعة العربية. غرداية. 1992. ص: 228.
(2) ـ جمعية أوَّل نوفمبر لتخليد وحماية مآثر الثورة في الأوراس: معالم بارزة في ثورة نوفمبر 1954م، 1374هـ، في الملتقى الأول بباتنة سنة 1989م. ص: 120.
(3) ـ المصدر رقم خمسة في التسلسل. ص: 228 ـ 229. (1/205)
صفحة 206
الطريق إلى الخلود يختلف باختلاف المنهج المتَّبع في الحياة، فهنالك من يلتزم بالأصالة، ويتمسَّك بها، وهناك من يتَّخذ التقليد سلوكًا بدون تروٍّ، وهناك من يجمع بين الأصالة كمبدأ، وبين التجديد كتطوُّرٍ بالمنافسة.
وينطبق هذا في اعتقادنا وتصوُّرنا على الشيخ العلاَّمة «بيُّوض»، وقد استنتجنا ذلك من منهجه ومن الشعارات التي يحملها، رغم المذهبية التي ينتمي إليها، وهي على الأقل تتميَّز بالمشروع الحضاري إذا ما قورنت بغيرها في الجزائر، ومنذ آمادٍ بعيدة مكَّنها من المحافظة على تماسك هذا المجتمع، وبفضلها برز كثير من المفكِّرين وفي مجالاتٍ شتَّى، وكان أقواهم جرأة، وأوسعهم علمًا ومعاملةً الشيخ بيُّوض، وإذ بصراحته تحطِّم الحاجز النفسي بين المذاهب، ويفوق غيره فيما يتصوَّر تطبيقًا وسلوكًا ومنهجًا يُعرَف به في الحركة الإصلاحية، حتَّى ولو بعد ذهاب جمعية العلماء كمؤسسَّة رسميَّة تتَّسم بمواصفات خاصَّة:
1 ـ فالإسلام عند العلاَّمة بيُّوض أعلى من جميع المذاهب، لأنَّه شعار الأنبياء { إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الاِسْلاَمُ } .
2 ـ الأخلاق عنده قبل العلم، ومن لا أخلاق له فلا فائدة في علمه، بدليل أنَّ القنابل التي جُرِّبت في اليابان وفي الجزائر، لم يلتزم أصحابها بالأخلاق، ولذلك جرُّوا الويل والثبور والهلاك على البشر.
3 ـ وكانت المصلحة العامَّة عنده قبل مصلحة الفرد، وهنا نقول بأنَّه لو لم يلتزم بها سلوكًا لفرَّ من الجزائر، كما فرَّ الكثير منها في أثناء الثورة التحريرية، وفضَّل أن يقود الأمَّة بسلوكه، ويسوسها بالقدوة، وبالبقاء بين أحضانها ليذوق ما يذوقه الشعب من الآلام والأحزان. وهذا هو مفهوم تفضيل المصلحة العامَّة على المصلحة الخاصَّة عند الشيخ بيُّوض. (1/206)
صفحة 207
4 ـ تعهَّد أمام الله وأمام الحركة الإصلاحيَّة أن يتوخَّى الوعظ والإرشاد منهجًا ووسيلةً وأسلوبًا، به يحارب الخرافات والفساد السائد في المجتمع الجاهل، لأنَّ العدوَّ كان يُراهن على بقائها، وهي بقدر ما تتأصَّل مع الجهل بقدر ما يبقى ويستمرُّ الاحتلال في الجزائر، يضاف إليها ما تستعمله من التفرقة بين أبناء الوطن الواحد كإثارة النعرات، ومحاولة الفصل بين المذاهب والقبائل المتساكنة مع بعضها منذ مئات السنين (1) .
وكيف يزول هذا إذا لم يتَّبع أسلوب { أُدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ وَالمَوعِظَةِ الحَسَنَةِ } ، وهذا ما التزم به الشيخ بيُّوض في محاربة الفساد والجهل.
5 ـ يدرك الشيخ تمام الإدراك بأنَّ الشعوب لا تتقدَّم ولا تتحكَّم في زمام أمورها إلاَّ بالعلم، وقد عمل من أجل ذلك ما عمل، فأسس «معهد الحياة»، وبه يستقطب الشباب، ويجمع الأمَّة حول هذا المركز الإشعاعي الذي يضاهي جامع الزيتونة، والجامع الأزهر وجامع القرويين بالمغرب، وهو سلوكٌ عامٌّ تتسم به الحركة الإصلاحية في الجزائر.
6 ـ يمتاز الشيخ بيوض على زملائه في الحركة الإصلاحية – زيادة على تأسيس المؤسسات التربوية والمساجد – يمتاز بممارسة أسلوب الوعظ والإرشاد في الأعراس وفي منتدى الأفراح (2) .
وما أحوجنا اليوم إلى مثل هذا الأسلوب لأنَّ الانحراف أصبح طاغيًا على إعلامنا ومنهجنا، وبالأخصِّ بعد ظهور التعددية..، وما يسمَّى بالديمقراطية...
8 ـ تقدير الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض في إطار الحركة الإصلاحية والتنشئة والمنهج:
__________
(1) ـ مصطفى إبراهيم رمضان: خواطر حول الوضعية الاجتماعية والعلاقات الإنسانية في غرداية. ص: 56.
(2) ـ المصدر رقم ثلاثة في التسلسل. ص: 07. (1/207)
صفحة 208
تعمَّدنا استعراض الأسباب التي أدَّت إلى ظهور الحركة الإصلاحية في الجزائر، وتناولنا تجربتها في التوعية، ومشاركتها في النهضة، بجانب التيارات السياسية المتواجدة معها في الميدان، وأفضنا في تنشئة الشيخ إبراهيم بن عمر بيُّوض، لأنَّ المناسبة تقتضي ذلك، ولا يمكن أن نركِّز عليه وحده في البداية، وهو جزءٌ من الكلِّ، والكلُّ يستلزم وضع الإطار العام، وهو ما قصدنا إليه في وضع الشيخ بيوض في إطاره الصحيح.
لأنَّ العظمة تنطلق من التنشئة، ومن الظروف العامة، ولا يمكن أن تأتي من فراغٍ، وهي أشبه ما تكون بالصورة داخل الإطار، وهو الذي يعطيها الجمال إن أُحسِنَ وضْعُه ونقْشُه ودهنُه ولونُه وإخراجُه في النهاية.
وهكذا فالشيخ إبراهيم بن عمر بيُّوض يُدرَس كعمدة من أعمدة الحركة الإصلاحية في الجزائر على المستوى الوطني أو الشمولي، كما يُقال في شأن ثورة نوفمبر 1954م حينما تُقاس بثورات القرن 19م.
ويُدرس من جهة أخرى بالسيرة الذاتية، وبالبيئة التي نشأ فيها، ويُصوَّر كقمَّة من قمم الجزائر في التاريخ الفكري، والثقافي، والسياسي، والتربوي، في مواصلة النضال بعد استرجاع الاستقلال.
لأنَّ كثيرًا من زملائه في الحركة الإصلاحية، وفي مستواه الفكري، أو دون مستواه، ركنوا إلى الراحة، أو إلى الانزواء على النفس، وتوقَّف طموحُهم باسترجاع الاستقلال، دون استمرار في الدفاع عن الثوابت، لأنَّ النضال والصراع أصبح يُفرض من الخارج بسبب الغزو الثقافي، كما أنَّ الشباب يُقاد في هذه المرحلة بما بدا لنا:
1 ـ بالاستمرار في الدفاع عن الثوابت.
2 ـ بالسلوك الحسن وبالقدوة الصالحة، وهو ما يتمثل في مثل هذه الشخصيات.
3 ـ يُقاد بما تتركه هذه الشخصيات من الآثار في المجال الفكري والثقافي.
4 ـ وبالتوجُّه الهادف، انطلاقًا من القرآن، كما فعل ابن باديس، وبيُّوض في هذا المجال (1) .
__________
(1) ـ المصدر نفسه. ص: 07. (1/208)
صفحة 209
وهذه الخصال، أو هذه الصفات، تمثَّلها الشيخ إبراهيم بن عمر بيُّوض بجدارة، وبسببها لا بسواها - وهو في هذا الصراع الحضاري – ارتأى ”التغريبيون“ منَّا والذين تلوَّثوا بالغزو الثقافي والفكري؛ أن يستعملوا ضدَّه مصطلحات تتنافى ومسيرة الثورة التحريرية.
وكم من رجالٍ مخلصين، أردَوهُم قتلى بالتشويه، وهو أسلوبٌ أو سلاحٌ يُشهره الحاقدون على الحضارة الإسلامية، تطبيقًا لتوصيات مؤتمرات التبشير والاستشراق، وساعدهم على ذلك ما يحطِّم من ألفاظ العمالة والخيانة ابتداءً من تاريخ الثورة. (1) .
وهذا الطود الأشم الذي نحن بصدد ذكر شمائله ومناقبه، وحاول أهل الإحن أن ينفردوا به لكي يُجهِزوا عليه كآخر عمدةٍ من أعمدة الحركة الإصلاحية في الجزائر.
ولهذا نقول لهم وبهذه المناسبة ما قاله المهندس الفرنسي ”ديليسيس“ لخصومه في تدشين قناة السويس سنة 1889م:
«إنَّني أشكُر خصومي على أنهَّم يعطونني دروسًا بدون مقابل»
ومن هنا يمكننا أن نقول أيضًا: لولا استمرار الخصوم في محاربة الثوابت، ما نظَّمنا مثل هذا الملتقى، ولا حاولنا أن نستخرج الذهب الخالص من التاريخ، لأنَّ الصراع أحيانًا يوقظ من الغفلة، ويُنبِّهنا إلى إبراز مآثرنا مرة أخرى وهي سُنَّة الحياة.
ومن هنا يقتضي الصراع المتواصل، والذي هو مفروض علينا، أن نتنادى من جديد، ومن خلال هذه الذكرى، حيث نستعرض ما تتميَّز به شخصيات حركة الإصلاح فيما بينها.
فالبعض منهم ترك آثارًا على المستوى الفكري، يستحق أن يسترشِد به الشباب.
والبعض الآخر منهم من ترك آثارًا فقط، وهو له تأثيرٌ إذا ما قورن بغيره، والذي لم يترُك شيئًا، وهم الأغلبية.
__________
(1) ـ جريدة السلام اليومية: العدد 995، 4 رمضان 1415هـ الموافق لـ: 04 فيفري 1995. ص: 12. تحت عنوان الغزو الثقافي والفكري للعالم الإسلامي. (1/209)
صفحة 210
فالجزائريون بصفة عامة يصنعون التاريخ، ولا يسجِّلونه، وهو عيبٌ يشترك فيه المثقفون والسياسيون والإصلاحيُّون والثوريون.. (1) .
ويمكن - على ما يظهر لنا - أن نستثني القليل ومنهم الشيخ إبراهيم بن عمر بيُّوض، فهو يتميَّز عنهم بما سجَّلناه أو لاحظناه في الآتي:
أ ـ شارك جمعية العلماء في الإصلاح وفي النهضة بالتوعية والتربية.
ب ـ واصل العمل في نفس الاتجاه بعد استرجاع الاستقلال.
ج ـ ترك آثارًا لا تُمحى في تفسير القرآن، مما يفرض علينا الواجب والاعتراف أن نُنوِّه بها على نحوٍ يكاد أن يستأثر بها دون سواه:
1 ـ يلاحظ عليه التأثُّر بالأسلوب القرآني في استعمال الأفعال.
2 ـ الدقة في التصوير، كالذي كان من أمر ”عقبة بن أبي معيط“، و”النضر بن الحارث“ في سفَرِهما إلى اليهود بالمدينة المنورة، كمبعوثَين لكفَّار قريش، حيث كانوا السبب جميعًا في نزول سورة الكهف جملةً كسورة الأنعام.
3 ـ نراه يفسِّر القرآن بالقرآن.
4 ـ يستشهد على التفسير بشواهد من الشعر.
5 ـ يستعمل المقارنة في التفسير على قاعدة : «بالضدِّ تُدرك الأشياء».
6 ـ لا يشرح المفردات بالانفراد، بقدر ما يشرحها ضمن السياق.
7 ـ وبما يملك من البيان والبلاغة والسهولة في التعبير، يشدُّ انتباهك أن تقرأ تفسيره بدون انقطاع، فهو كالسلسة لا تكتمل إلاَّ بارتباط حلقاتها.
8 ـ يشرح على قدره، ويُفيد السامعين على قدرهم أيضًا، لأنَّه يعيش في مجتمعٍ نوعي، يتفوَّق بالمحافظة على المشروع الحضاري، وليس في مجتمع الناسخ والمنسوخ.
9 ـ يُكثر في تفسيره من ذكر الأمثلة، لأنه كما يقال «بالمثال يتَّضح المقال».
10 ـ يستنبط من القرآن ما يناسب الهداية والرشد والشفاء، لأنَّ القرآن يورد القصة للعبرة، ولا يراعي فيها التسلسل، وهكذا يفسِّر شيخنا القرآن.
__________
(1) ـ جمعية أول نوفمبر المصدر رقم ستة: المرحلة الانتقالية للثورة الجزائرية من 19 مارس 1962م، 1382هـ إلى سبتمبر 1962، 1382هـ. ص: 242. (1/210)
صفحة 211
11 ـ يعتبر النكتة من غرائب القرآن.
12 ـ يستعمل أسلوب الدكتور طه حسين في تجديد المعنى بتكرار الألفاظ والمترادفات لتأدية نفس المعنى في التجديد. (1) .
9 ـ آثاره:
آثار الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض ليست من النوع الكمِّي بقدر ما هي من الآثار النوعية. وتدخل في باب القلَّة بالنسبة لما تركه أعضاء حركة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وهم من النوع الذي يكوِّن الرجال بالتوعية والتربية، إلاَّ قليلاً منهم، فآثارهم تُجمع من المتفرقات، وكان الشيخ بيوض من هذا الصنف:
1 ـ أعمالي في الثورة: نشرتها جمعية التراث (القرارة - غرداية).
2 ـ فتاوى الإمام الشيخ بيوض: جزآن، رتبها وقدم لها وأخرجها بكير محمد الشيخ بالحاج، أستاذ بـ«معهد الحياة»، بالقرارة، ولاية غرداية. وهو هنا يلتقي بالشيخ أحمد حمَّاني في إصدار جزئين من فتاويه.
3 ـ تفسير سورة النور تحت عنوان في رحاب القرآن.
4 ـ تفسير سورة الكهف في نسخة تحت نفس العنوان.
5 ـ تفسير سورتي مريم وطه، في نسخة تحت نفس العنوان.
6 ـ وما تزال جمعية التراث بالقرارة تستنسخ تفسيره من الشريط، بعدما تحذِف منه ما كان باللهجة الميزابية، ثم تُخرِج ذلك تِباعًا على غرار هذه السور الثلاث المذكورة (2) .
10 ـ تجديد حركة الإصلاح في الجزائر أصبح من الضرورة بمكان:
__________
(1) ـ المصدر رقم ثلاثة في التسلسل: وهو عبارة عن ملاحظات استخرجت من نفس المصدر.
(2) ـ المصدر رقم خمسة. ص: 229. (1/211)
صفحة 212
ولو يقوم المتفحص النزيه اليوم باستقصاء ما لحق بالثوابت، ويعقد مقارنة بسيطة بما أصابها قبل ظهور حركة الإصلاح في 1931م، وما لحق بها اليوم من التهميش والإقصاء يدرك بالضرورة أن لا بدَّ من تجديد حركة الإصلاح، بعد التعددية، والديمقراطية. وهي عوض أن تكون لصالح الثوابت، أصبحت تعمل ضدَّها في الحال والمآل، وعلى أيدي أبنائها الذين يمثِّلون الغزو الثقافي من الداخل، فبلغ السيل الزبى، وطفح الكيل، وظهر ما لم يكن في الحسبان، ووصلنا في النهاية إلى المقولة التي تقول: «لا يصلح آخر هذه الأمَّة إلاَّ بما صلح به أوَّلُها»، وهو منهج القرآن في تقويم الأمَّة بذكر مناقب الأولين ومثالب مُنَاوِئيهم.
وكان الأحرى بنا أن نكشف عن مآثر رجال الحركة الإصلاحية بالدرجة الأولى، لأنَّهم القدوة، وتركوا ما يكفي لإصلاح المعوَجِّ لو قُدَّموا في الإعلام بهدف الإصلاح، وفي المناهج التربوية بهدف السلوك والقدوة الحسنة.
ولو فحصنا منهجهم لوجدناه متنوِّعًا في الأسلوب؛ بينَ العمقِ في التفكير عند مالك بن نبي، وبينَ العلاجِ بالتاريخ عند مبارك الميلي ومحمد علي دبوز، وبينَ الإصلاحِ والتربية والتقويمِ بالقرآن عند عبد الحميد بن باديس وإبراهيم بن عمر بيُّوض.
وبينَ ما يقوم به محمد البشير الإبراهيمي والطيب العقبي في إلقاء المحاضرات والخُطب، وبينَ ما يُعرض في الصحف أو يُثير الأشجان عند محمد العيد آل خليفة، ومفدي زكرياء، وأبو اليقظان، والسعيد الزاهري والأمين العمودي، وغيرهم من فطاحل القلم واللسان والحُجَّة والبرهان.
وإذا تمكَّنا من إخراج آثارهم نكون بدأنا بالتجديد وهو المطلوب في ربط الشباب بأمجادهم، وإقناعهم بما يتسامى مع طموحاتهم؛ التي ترنو إلى المستقبل بسرعة كسرعة الاتصال الذي حوَّل العالم إلى قرية صغيرة. (1/212)
صفحة 213
وعلى هذا الأساس نقترح في مقامنا هذا أن نغيِّر في إحياء ذكريات عظمائنا، فلا يجب أن تقتصر على واحد في المناسبة من كل سنة، لأن الثوابت أضحت تحارَب بمجموعة من الوسائل الجهنَّمية كالإعلام والمنهج والإقصاء.
ولِمَ نحنُ لا ندافع عليها بادئ ذي بدءٍ بإحياء مآثر رجالها، ويكون تقديمُهم في كل ذكرى بمميزاتهم وبتعاونهم وبتضامنهم في المواقف، وفي الصحافة وفي التربية، وفي الشعر وفي التاريخ وفي الفكر وفي الدعوة وفي النقد وما إلى ذلك, ممَّا كانوا يمارسونه في حركة الإصلاح واليقظة والنهضة والتوعية.
وحتى إذا كانت هناك بعض النقائص لبعضٍ منهم - وهذا شيء طبيعي- فلا يسمح المقام بالنبش في ذلك.
وكان المفروض أن نهتدي بالقرآن، انظروا كيف يقصُّ علينا أنباء مجموعة من الأنبياء في كتابٍ واحدٍ، بدون الاقتصار على آدم أو إبراهيم أو محمد، وذلك لأنَّ المعاناة وأسلوب الدعوة يختلف من نبيٍّ إلى نبي، ولو أنَّ الهدف واحد، فهل من مذَّكر..؟
وترَون اليوم - وعلى قِلَّة الذكريات أو عدم اجتماعها، كما نقترح وحتى المشهورة منها – كيف يُسدَل عليها الستار إعلاميًا..؟ وكيف تُقزَّم وتُحصر في بلديَّاتها فقط..؟ وكيف يُتصدَّى لجلائل أعمالها بالتشويه.. وبالنقد الهدَّام..؟ وكيف تُعرَض في الصحافة بأسلوب التهكُّم والسخرية..؟ تماشيًا مع الاستنقاص من تاريخ هذه الأمَّة وتقطيعه، بدون تسلسل كما هو الشأن في أوربا، وفي فرنسا قدوتنا بالخصوص.
ويُشاد من جهة أخرى بشخصيات تُعدُّ بأفعالها القريبة والبعيدة في الجزائر من معاول الهدم، وبخاصة إذا شهَّر بها الإعلام الغربي، على مستوى الرواية الهابطة والمسرحية الساقطة.
وذلك كالفرق في الطرح بين طه حسين، ومصطفى صادق الرافعي في مصر، وكالفرق في الطرح أيضًا بين الشيخ البشير الإبراهيمي والشيخ إبراهيم بن عمر بيوض، وبين كاتب يسين ورشيد ميموني في الجزائر. (1/213)
صفحة 214
والفرق بين هؤلاء جميعًا ناتجٌ عن الصراع الحضاري، وهو كالفرق بين السماء والأرض، وبين اللغة العربية واللغة الفرنسية في الجزائر.
وقد وصلنا اليوم - وبكلِّ أسفٍ واستغراب - أن نشُكَّ في الثوابت، ونطرحها في المزاد العلني، ونعوِّض الوطن الجزائري باللهجات المحلية، ونسوِّي بين الإسلام كدينٍ عالمي، وبين اللهجة المحلِّية أيضًا، والتي ما كانت لغةً منذ فجر التاريخ، ونجعلَ لغةَ القرآن، في مستوى اللهجات البائدة، ونَعكس التاريخ منذ العهد الفينيقي وإلى اليوم، ونرفع اصطلاح: «إعادة الاعتبار للأمازيغية» ضربًا للإسلام ولغتِه وللوحدة الوطنية.
وننسى كيف توحَّدت الدول العظمى بلُغة واحدة، ولم يعفُها ذلك من أن تكون في قاعدتها لهجات، وهذا شيءٌ طبيعيٌّ عند جميع الدول، ومنذ أن خلق الله الإنسان، وهنا نقول لولا القرآن - بالنسبة للُّغة العربية - لكانت في عداد اللهجات المحلية، ولربَّما تضمحلُّ نهائيًا، وبما أنَّها لغة الإسلام قبل كلِّ شيءٍ فهاهم إخواننا في وادي ميزاب يعضُّون عليها بالنواجذ، لأنَّها لغة الدين والوحدة الوطنية، ولم يمنعهم ذلك من استعمال لهجتهم المحلِّية، وحاول العدوُّ أن يفصِلَهم عن إخوانهم في الدين فلم يَقدِر، وحاول أن يُحيي لهجتهُم على حساب لغة القرآن والوحدة الوطنية، فلم يقدِر أيضًا وفشَلَ فشلاً ذريعًا سواء بالإعلام أو بالإغراء، فلِمَ لا يُؤخذ بموقفِهِم في هذا المجال كمثال؟ ولِمَ لا يؤخذون قدوةً في محافظتِهم على المشروع الحضاري الإسلامي وإلى اليوم وفي الغد؟
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
إعداد/ أ. محمد الطاهر عزوي
الاحتفال والمقارنة بين الشخصيات المعاصرة في الإصلاح واليقظة بالجزائر
1ـ الشيخ العربي التبسي، يمتاز بالوعظ وبالصلابة في المواقف.
2 ـ مالك بن نبي، يمتاز بعمق التفكير على مستوى العالم الإسلامي. (1/214)
صفحة 215
3 ـ الشيخ عبد الحميد بن باديس، يمتاز بريادته في ميدان الصحافة والإصلاح والسياسة والتفسير.
4 ـ الشيخ البشير الإبراهيمي، يمتاز بالمحاضرات وبالبلاغة وبالأدب وبكتابة المقال.
5 ـ الشيخ محمد خير الدين يمتاز بالدهاء السياسي، وبالمراوغة في المفاوضات.
6 ـ الشيخ مبارك الميلي يمتاز بالتربية وبالتاريخ.
7 ـ الشيخ فضيل الورتلاني، يمتاز بالسياسة وبكتابة المقالات.
8 ـ الشيخ باعزيز بن اعمر يمتاز بالإصلاح والتربية والسياسة والتفسير مثل ابن باديس.
9 ـ الشيخ بيُّوض إبراهيم بن عمر، يمتاز بالإصلاح والتربية والسياسة والتفسير مثل بن باديس.
10 ـ الشيخ أبو اليقظان يمتاز بالسياسة وبالصحافة.
11 ـ الشيخ الزاهري يمتاز بالشعر.
12 ـ الشيخ عبد القادر الياجوري، يمتاز بالتربية وبالمواقف السياسية.
13 ـ الشيخ محمد العيد آل خليفة يمتاز بالشعر الإصلاحي والتربوي والاجتماعي وهو شاعر الجمعية.
14 ـ مفدي زكرياء يمتاز بكونه شاعر المقاومة السياسية والإصلاحية.
15 ـ الشيخ فارس الجيلالي يمتاز بمواقفه الوطنية.
16 ـ الشيخ محمد المجاجي يمتاز بمواقفه الوطنية.
17 ـ الشيخ الأمين العمودي، يمتاز بالسياسة وبالقضاء وبالترجمة.
18 ـ الشيخ أحمد قصيبة يمتاز بالوعظ والإرشاد والتربية.
19 ـ الشيخ المهدي البوعبدلي يمتاز بسعة الاطلاع والترجمة.
20 ـ الشيخ عبد اللطيف سلطاني، يمتاز بالخطابة وبالنقد السياسي.
21 ـ الشيخ الطيب العقبي، يمتاز بالخطابة وبالنقد الإصلاحي والاجتماعي.
22 ـ الشيخ محمد علي دبوز، يمتاز بالتربية وبالكتابة في التاريخ كالشيخ مبارك الميلي.
بسم الله الرحمن الرحيم
جمعية الحياة
القرارة – غرداية ... ... ... ... ... ... القرارة في: 12 محرم 1421هـ
الهاتف: .85.31.44 (09) ... ... ... ... ... ... ... 17 أفريل 2000 م
الفاكس: 85.31.02 (09) ...
إلى إدارة الملتقى الدولي الأول لفكر الإمام ابن باديس
ـ قسنطينة ـ
ـ بيان ـ (1/215)
صفحة 216
بمناسبة انعقاد الملتقى الدولي الأول لفكر الإمام الشيخ ابن باديس رحمه الله بقسنطينة يسرُّ إدارة الملتقى الأول لفكر الإمام الشيخ إبراهيم بيوض رحمه الله المنعقد بالقرارة ولاية غرداية في اليومين 8 - 9 محرم 1421 الموافق لـ 13 - 14 أفريل 2000 أن ترفع إلى الملتقى الجليل إدارةً ومشاركين، تقديرها الكبير، وأملَها العظيم في نجاحه بما يخدم الدين ويقوّي شوكته على أعدائه، ويرفع رايته خفاقة في سماء الوطن وربوع البلاد الإسلامية.
لقد شاء الله أن يجمع بين العالمين الجليلين والإمامين الصديقين: الشيخ ابن باديس، والشيخ إبراهيم بيوض في وحدة العمل ووحدة الهدف، ويلتقيا معًا على درب الحياة جاهدين مع زملائهم الأوفياء في سبيل تحقيق أسمى المبادئ على أرض الجزائر الطاهرة: الإسلام ديننا، العربية لغتنا، الجزائر وطننا. فلم يحيدا على ما تعاهدا عليه حتى لقيا ربَّهما راضيين مرضيَّين.
كما شاء الله أن يجمع في هذه الأيام بين الملتقييَن لفكر كلٍّ من هذين العظيمين، أحدُهما في القرارة والآخر في قسنطينة، لِما علم الله من صدق النوايا ووحدة الكلمة، فكان الملتقيان توأمين لأبٍ واحد هو الإسلام وأم واحدة هي الوطنية.
إن إدارة ملتقى فكر الإمام الشيخ بيوض لَتُساند بكل قواها ملتقى فكر الإمام الشيخ ابن باديس متعاونة معه على البر والتقوى، راجية من المولى القدير أن يسدّد خطى الجميع ويحقق أهداف العاملين في سبيل الحق وإعلاء كلمة الله، وينصر فخامة رئيسنا السيد عبد العزيز بوتفليقة في جهاده الإصلاحي الوطني تحت راية الإسلام.
ولنكُن جميعًا يدًا واحدة وصفًّا واحدًا ضدّ زعزعة ثوابت الأمة ومقوماتها دينًا ولغةً ووطنًا.
كلَّل الله ملتقاكم بالنجاح والفلاح والسلام عليكم ورحمة الله.
رئيس جمعية الحياة وإدارة الملتقى.
سعيد شريفي. (الشيخ عدون)
جمعية الحياة
بلدية القرارة
ولاية غرداية ... ... ... ... ... إلى فخامة رئيس الجمهورية (1/216)
صفحة 217
... ... ... ... ... ... ... السيد : عبد العزيز بوتفليقة
الموضوع : ... ... الشكر على تلبية الطلب و المشا ركة
المرجع:1 ـ رسالة فخامة السيد: رئيس الجمهورية المؤرخة يوم: 12/04/2000
2 ـ رسالة معالي السيد: مدير الديوان المؤرخة يوم: 08/04/2000، رقم 628.
فخامة السيد رئيس الجمهورية:
... لقد تلقينا بمزيد من السعادة والحبور خبر موافقتكم على تنظيمنا الملتقى الأول لفكر الإمام: الشيخ بيوض إبراهيم يومي 08 ـ 09 محرم 1421هـ، الموافق لـ
13 ـ 14 أفريل 2000م تحت رعايتكم السامية ثم رسالتكم المتضمنة كلمتكم القيمة التي قرئت في افتتاح الملتقى.
... إنَّنا نقدر هذه اللفتة الكريمة التي رفعت مقام الشيخ بيوض إبراهيم ـ رحمه الله ـ مقاما عليَّا، وأعلت ملتقانا مكانة سامية. فنرفع إلى مقامكم العالي أجزل آيات الشكر والامتنان. فإن دلَّ هذا على شيء فإنما يدلُّ على حرصكم الشديد على إعلاء كلمة الحق ونصرة الإسلام، ورفع مكانة علمائنا الأجلاء في مختلف جهات جزائرنا الحبيبة، وتخليد مآثرهم ونشر أعمالهم وتراثهم، ليكونوا خير قدوة
للأجيال الصاعدة.
... فأنتم ـ بلا شك ـ جاهدون على تطبيق المبادئ التي أكدها أئمتنا وعلى رأسهم الشيخ: ابن باديس والشيخ بيوض رحمهما الله وهي: الإسلام ديننا والعربية لغتنا والجزائر وطننا. وهذا ما عاهدتم عليه في برنامجكم وخطاباتكم..
... ولقد كان لكلمتكم القيمة المتوّجة لأعمال ملتقانا ومشاركتكم المعنوية الأثر الكبير في نفوس الحاضرين جميعا، وفي قيمة الملتقى والمحتفل بذكراه، وذلك لما عبَّرت عن خالص تأييدكم وتقديركم ومودَّتكم للشيخ بيوض إبراهيم، وكافة العلماء، حماة الدين والوطن.
شكر الله سعيكم وسدَّد خطاكم وأعانكم لما فيه صلاح ديننا ووطننا
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
القرارة في: 14 محرم 1421هـ ... ...
19 أفريل 2000 م ... ...
رئيس الجمعية:
... ... سعيد شريفي (الشيخ عدون)
جمعية الحياة
بلدية القرارة ... ... ... ... ... ... القرارة في: 14 محرم 1421هـ (1/217)
صفحة 218
ولاية غرداية ... ... ... ... ... ... ... ... 19 أفريل 2000 م
إلى معالي السيد: مدير ديوان رئاسة الجمهورية
الأستاذ المحترم: علي بن فليس
سلام الله عليكم ورحمته تعالى وبركاته. أمَّا بعد:
يسرُّنا جدًّا ـ بعد أن عقدنا الملتقى الأول لفكر الإمام الشيخ بيوض إبراهيم، يومي 8/9 محرَّم 1421هـ الموافق لـ 13/14 أفريل 2000م، وكان في مستوى جيِّد ـ أن نرفع إلى سيادتكم أسمى عبارات الشكر والتقدير لما بذلتموه من مساعٍ مشكورة ليُحظى ملتقانا بالرعاية السامية للسيد رئيس الجمهورية، التي رفعت معنويات الملتقى والمُحتفَل بذكراه عاليًا.
كما نشكركم جزيل الشكر على حسن استقبالكم لنا عند زيارتكم، واهتمامكم الكبير بطلبِنا وإسراعكم في تلبية رغبتنا.
ونتأسَّف كثيرًا على عدم حضوركُم ملتقانا بسبب التزاماتكم التي تمنعكم من ذلك، وأنتم متأسفون. وقد تلقَّينا اعتذاركم والتفاتتكم الكريمة في رسالتكم المؤرَّخة يوم:
12 أفريل 2000، وعذركم عندنا مقبول.
شكر الله سعيكم، وسدَّد خطاكم، وجزاكم خير الجزاء.
رئيس الجمعية:
شريفي سعيد (الشيخ عدون)
ملاحظة: يوجد في آخر البحث التماس من رئيس الجمهورية، هل يبقى مع البحث أم يحذف؟ باجو.
جهاد الإمام الشيخ بيوض بين الإنصاف والإجحاف
الدكتور: محمد لعساكر
إذا كان من المعروف عن الإمام الشيخ إبراهيم بيوض رحمه الله أنَّه قد بدأ نشاطه الإصلاحي منذ أوائل العقد الثالث من القرن الماضي، وأنَّه من مؤسِّسي جمعية العلماء المسلمين الجزائريين سنة 1931. وأنَّه ممَن انتُخب في أوَّل مجلس إداريٍّ لها مع كبار مصلحي الجزائر، المشايخ: ابن باديس، والإبراهيمي، والعقبي، والميلي، فإنَّه يكون من نافلة القول التعرُّض في هذه المذكِّرة إلى أفكاره ومسيرته الإصلاحيَّة، ضرورة أنَّها لا تختلف في جوهرها عن أفكار ومسيرة زملائه، سواء في المبادئ أو الأهداف أو المنهج. ومن ثمَّ فإنَّ النتائج والآثار والمنجزات تكون واحدة. (1/218)
صفحة 219
إلا أنه قد يكون من المفيد - لتقييم مسيرة الرجل تقييمًا موضوعيًّا ومنصفًا- التعرض للظروف الطبيعية و الاجتماعية والسياسية التي كانت تحيط بمسيرته الإصلاحية، والتي أثَّرت -ولاشك- في أسلوب نشاطه وتعامله مع هذه الظروف ممَّا قد يُضفي على هذه المسيرة نوعًا من الخصوصية.
وسنتعرض فيما يلي إلى الظروف الطبيعية والاجتماعية بنوعٍ من الإيجاز، مع بعض التوسُّع فيما يتعلق بالظروف السياسية التي يجهلُها أو يغفل عنها الكثيرون:
- أولا: الظروف الطبيعية: (1/219)
صفحة 220
ولد الشيخ بيوض بالقرارة في الجنوب الجزائري، وتلقَّى دراسته، وبدأ مسيرته الإصلاحية فيها، وهي تبعد عن العاصمة بحوالي ستمائة كيلومتر، شديدة الحرِّ صيفًا، قارصة البرد شتاء، بعيدة عن العمران، ومحرومة من وسائل الاتصال والمواصلات في العقود الثلاثة من مسيرته: فالبريد لم يكن يصل إليها من غرداية مقر الحاكم العسكري إلا مرَّة في الأسبوع أوفي الأسبوعين وبدون انتظام، وكانت وسائل النقل العموميَّة منها وإليها آنذاك هي الدواب، وكان الشيخ يعتمدها في أسفاره لنشر دعوته الإصلاحية خارج القرارة أو لتلبية استدعاءات الحكَّام العسكريين من غرداية أو الأغواط لاستجوابه أو التحقيق معه أو محاكمته. ومن الأمثلة على ذلك أنَّه في أوائل العشرينيات تسرَّب إليه وهو في قرية العطف التي تبعد عن القرارة بحوالي 120 كلم خبرُ اعتزام حاكم غرداية السفر إلى القرارة ظهر الغد لاستجوابه وبعض زملائه من أعضاء العزابة، والتحقيق معهم حول تدخُّلهم في شؤون القضاء، وهي ليست من اختصاصهم، وتترتب على هذه المخالفة عقوباتٌ شديدة، فاستأجر في الحال دابةً مع صاحبها، فانطلقت به عشيَّةً وأسرت به كامل الليل وجزءًا من النهار، وبِذا استطاع أن يتَّفق مع زملائه على الخطَّة التي يواجهون بها الحاكم (1) .
__________
(1) ـ محادثة مع الأستاذ الشيخ عدون تلميذ الشيخ بيوض، ثم رفيقه في مسيرته الإصلاحية منذ انطلاقها في أوئل العشرينات، ومدير معهد الحياة منذ تأسيسه سنة 1925 ولا يزال. (1/220)
صفحة 221
وفي فترة لاحقة أصبحت الشاحنات الوسيلة العمومية الرئيسية لنقل الأشخاص مع البضائع، وقد روى الشيخ في مذكرته ليوم: 24 / 12 / 1943 أنه بينما كان يفكر في وسيلة للنقل يستقلها من القرارة إلى غرداية تلبيةً لاستدعاء الحاكم (وهذا في الفترة التي كان يُحكم عليه فيها بالإقامة الجبرية بالقرارة) إذا بسيارة خاصَّة قادمة من «توقرت» في اتجاه غرداية فسعى له بعض انصاره لدى صاحبها لنقله معه، فعلَّق الشيخ على ذلك بقوله وهو مسرور: « لولاها لحُشرت في "الكاميون" مع الغوغاء، أو امتطيت دابَّة لضيق الوقت».
ولا أزال أتذكَّر مشهد صعود الشيخ بَكلِّي عبد الرحمان (1) ، يساعده بعض أنصاره - نظرًا لبدانته رحمه الله - إلى شاحنة قادمة من الأغواط في اتِّجاه غرداية، ملأى بأكياس الدقيق والحبوب والبضائع وعليها عدد كبيرٌ من المسافرين، وبصعوبة وجدوا له فسحةً بينهم (وكان ذلك ببريان في أوائل الأربعينيات) بمناسبة استدعائه بصفة استعجاليَّة ليستقبل الحاكم العسكري لاستجوابه عن نشاطاته...).
ثانيا: الظروف الاجتماعية:
__________
(1) ـ من قدماء البعثة الميزابية بتونس، عالم جليل ومن رجال الإصلاح البارزين، كان يساعد الشيخ أبي اليقظان في نشاطه الصحفي مع نشره لمقالات عديدة في صحفه، وخلال سنة 1939 انتقل إلى مدينة بريان ميزاب وتولى التدريس بمدرستها الحرة ة وإدارته، والوعظ بمسجدها، وكان العضد الأيمن للشيخ بيوض، كما شارك في الجلسة التأسيسية لجمعية العلماء، وفي مناقشة قانونها الأساسي، وكان عضوا بأول مجلس إسلامي أعلى في الجزائر. (1/221)
صفحة 222
إن سكان هذه الناحية التي انطلقت منها مسيرة الشيخ معروفون مثل سكان باقي المناطق الجزائرية بالتمسُّك الشديد بالقيم والتقاليد الإسلاميَّة، إلاَّ أنَّ هذه المنطقة تتميَّز بوجود هيئاتٍ دينيةً وعرفيَّة عريقة، ومتجذِّرة في المجتمع نظرًا لقِدَمها، تسهر على احترام تلك القيم والتقاليد، وتدعو المواطنين للمحافظة عليها كما ورثتها من الأسلاف خوفًا من الذوبان في قيم وتقاليد أجنبيَّة دخيلة، تحاول السلطة الاستعمارية فرضَها عليه بشتى الوسائل، وهذا ما أدَّى بأغلب تلك الهيئات في تلك الفترة إلى مقاومة الأفكار الإصلاحيَّة التي كان يدعو إليها الشيخ بيُّوض، وإنكار الفتاوى التي يُفتي بها في المسائل المستحدثة والوقائع المستجدَّة، بالشدَّة التي كانت تقاوم بها الأفكار الدخيلة، وكانت تجد لها صدى لدى السكان لأنَّها كانت تتكلَّم باسم الدين المقدَّس لديهم، ولذا فهي تتمتَّع باحترامهم وبنفوذٍ أدبيٍّ قويٍّ بينهم. (1/222)
صفحة 223
ومن الأفكار الإصلاحيَّة التي كان يُنكرها عليه خصومُه، دعوتُه إلى تعلُّم العلوم الحديثة، أو استعمال الأساليب الجديدة في التربية والتعليم، وتعلُّم لغة الأعداء لأمن مكرهم. ومن الفتاوى الأولى التي أنكروها عليه، في أواخر العشرينيات وأوائل الثلاثينيات فتواه بجواز شراء مكس الأسواق الذي فرضته الإدارة واستغلَّه اليهود ممَّا أدَّى برفع أثمان السلع والمواد الأساسية ارتفاعًا فاحشًا أضرَّ بالمواطنين. وإجازة اتخاذ قُرى ميزاب كلها حوزة تتمُّ فيها الصلاة دون قصر، وقد كان المسافر قبل ذلك من غرداية إلى بريان التي تبعد عنها بحوالي: 40 كلم، أو القرارة بحوالي: 80 كلم، يعتبر نفسه مسافرًا ويقصر صلاته. ووُجُوب الصوم والإفطار بخبر التليفون، وعدم جوازِ الإيصاء بقراءة القرآن على الموتى بأجر...، وبصفة عامة كانوا يعيبون عليه مخالفة فتاوى وآراء من سبقه، ويرونه غير أهل للاجتهاد لأنَّه لم يدرُس على علماء مجتهدين (1) (2) .
__________
(1) ـ إن مجموع ما كان يعاب على الشيخ قد صدر في كتاب بعنوان: الحجج الدامغة لبدع الفئة الزائغة، ومن هذا العنوان يفهم بعض ما كان يُنعت به وهو الابتداع والزيغ.
(2) ـ لم يدرس الشيخ بيوض على عالمٍ مجتهد، ولم يُحظ بالتَّتلمذ على يد قُطب الأئمَّة الشيخ امحمد بن يوسف اطفيَّش بمعهده ببني يسجن، مثلما حُظي به فقهاء ميزاب في القرن الماضي مثل الشيخ أبي إسحاق اطفيَّش والشيخ أبي اليقظان نظرًا لصغر سنِّه، كما لم يحظ مثلهما بمواصلة الدراسة في جامع الزيتونة، ولكنه كان عصاميا بنى نفسه بنفسه، فكان نموذجا فريدا للإرادة والطموح. (1/223)
صفحة 224
ولم يقتصر المعارضون لأفكاره الإصلاحية وفتاواه الدينية على نقدها أو إنكارها، أو التشنيع عليه بسببها، بل تجاوزوا ذلك إلى ما يمكن وصفُه بفرض ضروبٍ من الحصار عليه. وأشدُّها وأخطرُها: إعلان البراءة منه في أغلب مساجد ميزاب في أوائل الثلاثينيات من قبل الهيئات الدينية المشرفة عليها، وهي لا تُطبَّق إلاَّ على المجاهرين باقتراف الكبائر من الذنوب، ومن آثارها: عدمُ التعامل مع المحكوم عليه بها أو مجالستِه أو التحادثِ معه قبل أن يُعلن توبته في المساجد التي أُعلنَت فيها البراءة منه.
ولم يقتصر تطبيق هذا الإجراء على الشيخ بيُّوض وحدَه، بل طُبِّق على أهمِّ مساعديه مثل: الشيخ أبي اليقظان، وطُبِّق أيضًا على من وفد إليه أو استقبله أو استضافه في أسفاره، كما طُبِّق على بعض تلامذته.
وخلال سنة 1937 أنشأ بعض خصومه جريدة باسم «الروح» متخصِّصة للهجوم عليه وعلى الشيخ أبي اليقظان تضمَّنت مقالاتٍ وقصائدَ تُحاكي قصائد الفرزدق وجرير إن لم تكن أقذع منها.
ولم يكتف خصومه بهذا بل حاول بعضُهم اغتياله أربع مرَّات في أواخر الثلاثينيات وأوائل الأربعينيات، مع سبق الإصرار والترصُّد، ولم تتَّخذ السلطات الحاكمة أيَّ إجراءٍ جِدِّي للتحقيق مع الأشخاص المتَّهمين ومتابعتهم قضائيًّا، ممَّا يدلُّ على تواطُئها معهم أو تحريضها ومساعدتها لهم.
ثالثا: الظروف السياسية:
نعني بالظروف السياسية هنا نظام الحكم العسكري المطبَّق في الصحراء الجزائرية وبخاصَّة وادي ميزاب، وسياسته تجاه حركة الإصلاح وبخاصة زعيمها الإمام الشيخ بيوض. (1/224)
صفحة 225
ولعلَّ أصدق وصف لهذا الحكم، وفي الفترة التي بدأ الشيخ بيوض فيها نشاطه، هو العبارة التي أوردها الأمير خالد في محاضرة ألقاها بباريس يوم: 23 جويلية 1924، بعنوان "وضعية المسلمين في الجزائر" : «إنَّ سكَّان الأقاليم الذين يخضعون لهذا الحكم يعيشون تحت رحمة رؤسائهم ذوي السلطة المطلقة... ومسكين الأهلي الذي لا يحيِّي الحاكم، فكلُّ صواعق السماء ستسقط على رأسه...» ثمَّ استشهد بعبارة وردت في مقال لضابط أهليّ ومستشار بلديّ بمدينة الأغواط: «إنَّ الإقليم العسكري عبارة عن ثكنة واسعة، وإنَّ الذي يسكن فيه وما يملك مملوك لرئيس المكتب العربيّ، وهو يتصرَّف فيه كما يتصرَّف في ملكيَّته الخاصَّة، وليس للوالي العام إلاَّ الموافقة على ما يطلبه أو يقوله رئيس الملحقة».
وإذا كانت هذه معاملة الحكَّام العسكريِّين للأهلي البسيط، فكيف حال من يتمرَّد عليهم في هذه الثكنة ويقاومهم، سيما إذا كانت صغيرة في مستوى ملحقة؟
الحكم العسكري وسياسته تجاه الحركة، وبخاصَّة تجاه زعيمها الشيخ بيوض: (1/225)
صفحة 226
من المعلوم أنَّه لم يكن يُسمح خلال العشرينيات حتَّى أواخر الأربعينيات بالقيام بأيِّ نشاط سياسيّ في أقاليم الجنوب الخاضعة للحكم العسكري، بل إنَّه لم يكن يُسمح لجمعية العلماء المعترف بها بالقيام بنشاطها الإصلاحيّ طبقا لقانون الجمعيات. وحتَّى إذا سُمح به في بعض المناطق أو في بعض الفترات فإنَّ القيود التي تفرض على القائمين به لا تختلف عن القيود المفروضة على القائمين بالنشاط السياسي. ويؤكِّد هذا انتقال رجال الإصلاح من سكان الجنوب البارزين إلى الشمال، مع أنَّ حاجة الجنوب إليهم كانت أشدُّ، مثل الشيخ الطيِّب العقبي، وخير الدين، والياجوري، وأبي اليقظان، والزاهري وغيرهم، كما تؤكِّده محاكمة الشيخ عبد العزيز الهاشمي، والياجوري وعلي بن سعد، والحكم عليهم بالحبس «دون أن يثوروا على السلطة ولا تدخَّلوا في أوضاعها الإداريَّة، وإنَّما قاموا بواجبهم الدينيِّ في بلادهم، سُوف وقُرَاها، ينشرون الإسلام ولغة الإسلام» (عمار طالبي، ابن باديس حياته وآثاره، ج3، ص 178).
إلاَّ أنَّ الشيخ بيوض لم يبرح الجنوب سواء في وقت السِّلمِ أم في وقت الحرب، وإن كان إقليم الجنوب يخضع لحالة الحرب في كلِّ الظروف.
وقد يتساءل البعض كيف استطاع الشيخ بيُّوض ممارسة نشاطه الإصلاحي في هذا الإقليم والاستمرار فيه دون غيره من زعماء الإصلاح البارزين؟؟
وقد يعلَّل ذلك بمحدوديَّة نشاطه في منطقة ميزاب، أو بتمتُّعه بنوع من المهادنة مع الحكَّام العسكريين!! والحقيقة أنَّه لا هذا ولا ذاك، ونُعلِّق فيما يلي على هذين التعليلين ثم نُجيب على ذلك التساؤل.
أ- فيما يتعلق بزعم محدوديَّة نشاطه:
لم يعتمد الشيخ بيوض منبرًا واحدًا لنشر دعوته الإصلاحيَّة، بل استعان لها بعدَّة منابر، وهي المسجد والمدرسة والدروس والخُطب العامَّة في النوادي والمحافل العامَّة والصحافة. (1/226)
صفحة 227
وإذا كانت لمنطقة ميزاب حصَّة الأسَد في إنشاء الشيخ بيوض للمدارس فيها، ومعهد الحياة الثانوي، وفي استفادتها من دروسه العامَّة بمساجدها ونواديها، فإنَّ لنواحي القطر الأخرى نصيبًا غير منقوصٍ:
ـ فقد أسَّس مع مساعديه عدَّة مدراس في أهمِّ مدن الجزائر جنوبًا وشمالا وشرقًا وغربًا، أبرزها في مدن توقرت وبسكرة وباتنة والعاصمة والبليدة وتيارت وغليزان ووهران وقسنطينة والعلمة وباتنة، وكانت تخضع لنفس النظام المقرَّر لمدارس ميزاب، ولم تكن مقصورة - كما قد يظنُّ - على أبناء المنطقة المقيمين في هذه المدن، بل كانت مفتوحة لكلِّ راغبٍ من الجزائريين، وبين هذه المدارس ومدارس جمعية العلماء اتصالٌ وتبادلٌ، مثل مدرسَتَي غليزان (1) وتلمسان، ومنها ما اندمج فيها مثلما حصل في بسكرة، فقد شهد بهذا الاندماج الأستاذ: محمد المراوي (2) ،
__________
(1) ـ في رسالة بتاريخ 12 جمادى الأولى سنة 1354هـ، من الأستاذ: محمد بن بهون، المعلِّم بالمدرسة الإصلاحيَّة بغليزان إلى أستاذه الشيخ بيُّوض يخبره فيها عن نشاط الشيخ البشير بمدينة مستغانم وإلقائه محاضرتين بها، وعن دعوة مدرسة تلمسان اثنين من تلامذة المدرسة الإصلاحيَّة لمشاركة تلامذتها في تمثيل مسرحيَّة بعنوان « ابن وائل».
(2) ـ الأستاذ: محمد المراوي تولى القضاء بعد الاستقلال في محكمة ورقلة، ثمَّ في مجلس باتنة، وبعد تقاعده مارس المحاماة [الفاكس غير واضح].. (1/227)
صفحة 228
وهو من مواطني بسكرة، «بأنَّه كان يدرِّس في مدرسة للميزابيين ببسكرة مثل غيره من البسكريين، فلمَّا تأسَّست مدرسة الإخاء سنة 1931 انتقل إليها جميع تلاميذ تلك المدرسة مع معلِّمهم الأستاذ محمد الطرابلسي»، كما ساهم في مجلس إدارة المدرسة الجديدة أعضاءٌ من مجلس الإدارة القديم، وكلُّهم من أعضاء الحركة الإصلاحيَّة بميزاب، ومنهم السيد: خبزي عيسى، الرئيس الشرفي لجمعية الحياة بالقرارة، الذي عُيِّن أمين مال المدرسة الجديدة»، وقد نوَّه الشيخ ابن باديس بهذه المدرسة أثناء زيارته لها سنة 1932، وكتب في مجلَّة الشهاب مقالا جاء فيه: «من أعظم ما يُدخِل السرور في قلب المسلم أن يرى إخوانه المسلمين يمثِّلون معنى الأخوَّة تمثيلاً عمليًا مثلما شاهدته ببسكرة من مالكيَّتها وإباضيَّتها، فجماعتهم واحدة ورأيهم واحد، وشوراهم في المصالح العامَّة واحدة... واهتداء البسكريين مالكيتهم وإباضيتهم إلى تسمية مدرستهم بمدرسة «الإخاء» هو أثرٌ لما تنطوي عليه قلوبهم من معنى الأخوَّة الصحيح التي ربطها بها الإسلام».
- لقد قام الشيخ رحمه الله بِعدَّة رحلات في عديدٍ من مدن الجزائر رغم القيود المفروضة عليه -التي سنُشير إليها فيما بعد- يلقي أثنائها دروسا في مساجدها (1) ومحاضرات في نواديها (2) ، يدعو فيها إلى مبادئ الإصلاح والوحدة بين المسلمين.
__________
(1) ـ في أغلب مدن الجزائر التي يزورها.
(2) ـ من هذه النوادي نادي الترقِّي بالعاصمة، والإصلاح بباتنة، والنهضة بالبليدة. (1/228)
صفحة 229
وكانت جرائد الشيخ أبي اليقظان تنشر خلاصات عنها، من ذلك ما نشرته «جريدة النور» بتاريخ: 02 أوت 1932 عن رحلته إلى عمالة وهران من تحرير تلميذه: سعيد (الشيخ عدون)، ونقتصر هنا على بعض مِمَّا كتبه عن نشاطه في مدينة غليزان: «وأمَّا في غليزان فقد لقينا من أهلها كلَّ حفاوةٍ وإكبار، فقد أقامت جماعة الميزابيين في مدرستهم حفلةً بديعةً استدعوا إليها عشرات من أعيان البلدة وسراتها البارزة وشبابها المتنوِّر. خطب فيها خُطباء متعدِّدون، وبعدها ألقى الأستاذ خطابًا بليغًا ضمَّنه عظات وعبرًا تاريخية وأدلَّة وبراهين على وجوب الاتِّحاد وقد استمرَّ ساعةً ونصفًا... وبعد مأدبة الغذاء تلى أحد المجوِّدين قوله تعالى: «وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا»، فاقترح على الأستاذ شرحها فلبَّى طلبه... وفي الليل أَدَبَ إخوانَنَا أهلُ المدينة مأدبة فاخرة كانت مثالاً للكرم الحاتمي العربي البدويِّ في سرادق بديع ... وعلى إثرها ألقى الأستاذ درسًا شرح فيه حديثا يتضمَّن حقوق المسلم على المسلم... ثمَّ جوَّد مجوِّد الصباح قوله تعالى: «مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ ...»، فطلب من الأستاذ شرحها؛ وبعد الدرس أُلقيت عليه أسئلة عن بعض الآيات وعن مسائل مختلفة.
واستمرَّ الحفل بعد منتصف الليل ساعةً ونصفًا، ومن الجدير بالملاحظة أنَّ الشيخ بيُّوض قد وصل المدينة بعد يومين من مغادرة الشيخ ابن باديس، وقد أبدى كاتب المقال أسف الشيخ بيُّوض على عدم لقاء الشيخ ابن باديس فيها.
- أمَّا منبر الصحافة: (1/229)
صفحة 230
فإنَّ جرائد الشيخ أبي اليقظان وهي لسان حركة الإصلاح بميزاب عمومًا وميزاب خصوصًا، كانت تنشر أهمَّ نشاطاته وإنجازاته وخلاصةً عن دروسه في المناسبات العامَّة، وعن رحلاته ونشاطاته خلالها كما نشرت له عدَّة افتتاحيات في مواضيع دينية وتربويَّة وسياسيَّة، وله مقالات في جرائد أخرى منها مقالة في جريدة المنار للأستاذ بوزوزو حول ضرورة الاتحاد. ج/ المنار عدد 18 في 27 / 02 / 1953.
ب - فيما يتعلَّق بمهادنته للحكم العسكري:
إنَّ الحكم العسكري الذي استمرَّ طوال العهد الاستعماري في الجنوب، وإن أُلغي نظريًّا في بعض المناطق ومنها ميزاب في أوَّل الخمسينيات، لم يهادن الشيخ ولم يغمد سيف رقابته عنه خلال هذه المدَّة، ونُورد هنا شهادة للشيخ عدون حفظه الله رفيقه ومساعده من أوَّل خطوة له في مسيرته الإصلاحيَّة في حفل تأبين الشيخ بالقرارة بتاريخ: 27 / 03 / 1981، «...نعرفه في مواقفه المشهورة ومعاركه الحاسمة ضدَّ الحكم العسكري الغاشم الذي أعلن على الشيخ حربًا شعواء لم يهادنه فيها طول وجوده في الجنوب الجزائري الذي لم يأل جهدًا في المكر به بجميع أنواع المكر، من استدعائه لاستنطاقه لأتفه الأسباب مع صعوبة المواصلات وانقطاعها تقريبًا، ومن عقد مجالس تأديبية له، ومن تهديده مرَّات بالسجن والنفي وحمله على الإقامة الجبرية سنوات، أو من تسلط أذنابه وعملائه على مشاغبته وتنغيص حياته بأنواع المنغِّصات، وبلغت القمَّة في محاولة اغتياله عدَّة مرَّات في حوادث تاريخية كبرى» (1) .
القيود المفروضة على الشيخ:
ليس من اليسير تعداد هذه التدابير إذ هي متعدِّدة ومختلفة وغير محدودة في الزمن، فنكتفي بذكر بعض صورها.
أوَّل هذه التدابير وأخطرها: تقييد حرِّية التنقُّل، وحرمانه منه في وقت الحرب العالمية الثانية.
__________
(1) ـ في رحاب القرآن، جمعية التراث، العطف، غرداية، المؤسَّسة الوطنيَّة للطبع، الجزائر 1989، ص 98. (1/230)
صفحة 231
إنَّ الشيخ بيوض قد قُيِّدت حرِّيته في التنقُّل منذ منتصف العشرينيات، ولو إلى قرى ميزاب. وقد شُدِّدت الرقابة عليه أكثر خلال سنة 1935. بحيث لم يكن يُسمَح له بمغادرة القرارة إلاَّ بترخيص من حاكم الإقليم بالأغواط، وبعد موافقة قائد البلدة وحاكم الملحقة بغرداية، وأحيانا الوالي العام بالجزائر. وقد أصدر هذا الأخير قرارا بتاريخ 23 جانفي 1935 بتسجيله في دفتر ب B Son inscription au carnet بعد ما تأكد من خطورته على النظام العام ومعارضته السافرة للسلطة:
En raison des agissements défavorables au mantien de l’ordre et de l'oposition manifestée envers l’autorité du nommé Bayoud.
وهذا الإجراء لا يطبَّق إلاَّ على المشبوهين الخطرين، وبمقتضاه لا ينتقل إلاَّ بموافقة الواليّ العام، ويخضع في جميع تنقُّلاته لسلطات البلدة التي يَحلُّ بها. وإثر مغادرته لها تكتب تقريرًا مفصَّلا عنه إلى سلطات الإقليم العسكري وإلى مديرية شؤون الأهالي بالولاية العامَّة، حيث تجمع تلك التقارير ثمَّ تستغل.
والملاحظ أنه لم يكن في تنقُّلاته سائحا بل كان يمارس نشاطه فيها داعيا وواعظا في مختلف مساجد الجزائر ونواديها، ومجدِّدا صلته بزملائه العلماء، ومتفقِّدا المدارس التابعة للحركة الإصلاحية بميزاب.
وفي 5 جوان 1935 وجَّه وزير الحرب مذكِّرة سريَّة إلى الجنرال قائد الفيلق التاسع عشر، وإلى قواد فرق الجيش بتونس والمغرب ورد في مطلعها: «إنَّ النشاط الديني والسياسي للشيخ بيوض في ملحقة غرداية، بالإضافة إلى أحدث مَدْنِين ومقاطعة الإسرائليِّين بملحقة تقُّرت، قد كشفت أنَّ غليان الأفكار L’agitation des ésprits قد أدرك الأقاليم العسكرية التي كانت الأكثر هدوءا في شمال إفريقيا» ثمَّ وجَّه إليهم تعليمات صارمة لمقاومة تسرُّبها مع توبيخهم على غفلتهم وتقصيرهم. (1/231)
صفحة 232
أمَّا أهمُّ الإجراءات والتدابير الأخرى المعتادة فهي الاستجوابات والاستفسارات عن دروس أو خطب يلقيها، أو عن اتِّصالات يجريها مع بعض زواره، أو في البلاد التي ينتقَّل إليها، وتفتيش معهده ومنزله وحجز مراسلاته وفرض الغرامات عليه.
ومنها ما لا يرتكز على مبرِّر قانوني، كالغرامة التي فرضت عليه سنة 1931 بمناسبة سفره للمشاركة في الجلسة التأسيسية لجمعية العلماء، بدعوى "سفره بدون رخصة"، مع أنَّه كان حائزا لها، إلاَّ أنَّها كانت قديمة ولم تنته صلاحيتها، فاستغلَّها للمشاركة في الجلسة المذكورة. ويبدو أنَّ هذا التغريم لم يفرض على أيِّ مشارك فيها عدا الشيخ بيوض ومرافقه الشيخ محمد الطرابلسي من مدينة بريان، رغم أنَّه كان مقيما ببسكرة، يكشف ـ مثل غيره من الإجراءات ـ لفرض العزلة على أهل وعلماء ميزاب والحيلولة بينهم وبين مساهمتهم في المشاريع القومية. وقد بذلت سلطات الإقليم العسكري مجهودات لمنع أيِّ ميزابيّ من المشاركة في الجمعية التأسيسيَّة المذكورة، وقد تلقَّى الشيخ بيوض رسالتين تتضمنان تحذيره من عواقب السفر إليها، ومصدرها قريب جدًّا من تلك السلطات، ممَّا يفسِّر فرض الغرامة عليه.
ومن الجدير بالملاحظة أن تطبيق هذه التدابير لم يقتصر على الشيخ وحده، بل طبَّق بعضها على أنصاره وعلى طلبته، وخاصَّة الاستجوابات والإنذارات والتغريمات، بل وحتَّى الحبس دون ارتكاب أيَّة مخالفة للقانون العام.
أسلوب تعامل الإمام الشيخ مع الحكَّام:
قد يتساءل البعض: كيف استطاع الشيخ بيوض البقاء في الإقليم الذي يعتبره الموالون للحكام ثكنة، ومواصلة نشاطه فيه وتحقيق كثير من أهدافه التي سطَّرها؟
إنَّ الذين يعرفون الشيخ حقَّ المعرفة يشهدون له بمجموعة من المواهب والصفات، من ذكاء وحكمة وهدوء أعصاب وضبط للنفس وشجاعة، ومعرفة بنفسيَّة الحكَّام مع الثقة بالنفس وشدَّة الإيمان بالله والتوكُّل عليه. (1/232)
صفحة 233
فهذه الصفات هي التي مكَّنته من المناورة والتحايل والإفلات من أكثر هذه الأحابيل والفخاخ التي نُصِّبت لإيقاعه فيها، فضلا عن اعتماده على كثير من أنصاره في مدن الشمال، والذين يستغلُّون علاقاتهم ببعض الديمقراطيين الفرنسيين أو بعض الشخصيات الجزائرية المعتدلة التي لها علاقة بالحكَّام وتعرف الشيخ حقَّ المعرفة.
ونورد هنا فقرات من رسالة يتبيَّن منها أسلوبه مع الحكَّام، كتبها بتاريخ 24 سبتمبر 1948 لصديقه الشيخ أبي إسحاق اطفيش، وهو من المصلحين الأوائل الذي نفته السلطات من تونس بإيعاز من الحكام العسكريين بالجزائر، ردًّا على تساؤلاته حول ما أشاع عنه خصومه بمناسبة دعوته إلى المشاركة في انتخابات المجلس الجزائري الذي عهد إليه الفصل في موضوع إلغاء الأقاليم العسكرية بالجنوب وإلحاقها بالشمال. (1/233)
صفحة 234
يقول الشيخ في رسالته: «شتَّان بين من يعيش بعيدا عن وطنه وبين من قضى عمره في بؤرة الاستعمار والاستعباد وليس عائشا فيها عيشة فرد عاديّ، قد لا تكتحل عينه بحاكم من حكَّامه أعواما طوالا، ولا عيشة النكرات من الناس، بل يعيش عيشة قائم بأعمال لها خطرها، تجعله مراقَباً في كلِّ لحظة، محاسَبًا على كل حركة، مضروبة حوله الأرصاد والعيون، وتخلق له من بين بني جلدته أعداء وحسدة وخصوما لا يفتؤون يمكرون به يسعون ويشون، ويتَّهمونه لدى ذوي السلطان الظلمة بما يوغر صدورهم عليه، ممَّا كان وما لا يكون. وذلك بطبيعته يقتضي أن يجرَّ إلى مواقف الاتِّهام أمام السادة الحكَّام، ويعيش عيشة مطالِبٍ بحقوق مغتصبة مدافِعٍ لمظالم واقعة أو مُتوقَّعة، وهذا يقتضي الاختلاف إلى مكاتبهم والكتابة والردِّ على كتبهم ودحض شبههم، مع اتِّقاء شرورهم وتجنُّب إثارة سخطهم وإيغار صدورهم. وفي كلتا الحالتين، إمَّا أن ينجيه حذقه وبصره بأساليبهم في الخطاب والجواب، ولطفه في المدخل والمخرج، ومرونته السياسية، وإمَّا أن يُردي به جهله وتهوُّره وخرقه. ومن عالج هذا في ثلاثين عاما أدرك فيها مبتغاه ونال مراده ومُتمنَّاه، أو لم يزل ماضيا في سبيله صحيح الدين متين الخلق قوي الإرادة، صارم العزم حاملا راية الدفاع عن أمَّته ضدَّ الظلمة من ذوي السلطان وأذنابهم من حُمر الاستعمار». (1/234)
صفحة 235
وفي موضع آخر يصف أسلوبه في مناورة الحكام: «ثلاثون عاما قضيتها في مكافحة الاستعمار الغاشم في عُقر داره، وأنا بين مخالبه وأنيابه أقاوم جبروت أفظع حكم عرفه التاريخ الإنساني، وأنا تحت سلطانه وبين ماضِغَيْه، ما رميت بسهم من بلد قصيٍّ ولا قابلته في قرية محصَّنة، ومن وراء جدر... أقمت بين ظهراني أمَّتي أبعث فيها الحياة وأشيع فيها النور، وأدفع بها دفعا نحو المثل العليا، وأذود عنها الأعداء، وأدفع عنها العوادي، وأصنع الحجب وأحوك الأستار، لأخفي حركتها عن الأنظار، حتَّى إذا نمت عين أو وشى لسان لجأت إلى التأويل وانتحلت الأعذار وأرخيت الشعرة وداورت العاصفة وداريتها، ثمَّ أمضي قدما في سبيلى لا أعرف توقُّفا ولا سكوتا. كذلك كنت طوال هذه المدة...».
معاناته مع معارضي أفكاره الإصلاحية:
لقد أشرنا سابقا إلى أنَّ الشيخ قد ابتُلِي بمعارضين أشدَّاء من أذناب الحكَّام أو المتعاملين معهم أو من بعض الوعَّاظ الذين يتمسَّكون بالقديم ويرفضون كلَّ جديد، ينكرون على الشيخ اجتهاداته في فتاويه، وعدم تقيده بفتاوى من سبقوه، ودعوته إلى تعلُّم العلوم الحديثة واستعمال الأساليب الحديثة في التعليم، وتعلُّم اللغة الأجنبيَّة وإلهاء طلبته بممارسة التمثيل والرياضة والكشَّافة ونَظم الشعر وإنشاد الأناشيد التي توغر الحكَّام. فشنُّوا عليه حربا شعواء بالوشاية إلى الحكَّام والمطالبة بمنعه من الذهاب إلى قرى ميزاب، وبنفيه إلى مكان قصيٍّ، وبإعلان البراءة منه في المساجد، واتِّهامه بالمروق من الدين.
وخلال سنة 1937 أنشأ معارضوه جريدة متخصِّصة للهجوم عليه وعلى الشيخ أبي اليقظان، بل وحتَّى على رجال جمعية العلماء المتحالفين معهما. (1/235)
صفحة 236
ولم يكتفوا بهذا، بل حاولوا اغتياله قصدا وعن سبق إصرار بالترصُّد أربع مرَّات، أواخر الثلاثينيات وأوائل الأربعينيات. ولكن الله أنجاه منهم. ولم تتَّخذ السلطات الحاكمة أيَّ إجراء جدِّيٍّ للتحقيق مع الأشخاص المتَّهمِين، ومتابعتهم قضائيا، ممَّا يؤكِّد تواطؤها معهم أو تحريضها لهم.
مهاجمته للحكم العسكري والمطالبة والعمل على إلغائه:
لم يكتف الشيخ بمراوغته للحكم العسكري لضمان استمرار مسيرته، بل لقد انتهز بعض الفرص للهجوم عليه والمطالبة والعمل على إلغائه. ومن هذه الفرص قدوم لجنة برلمانية من باريس خلال سنة 1937 إلى الجزائر والتحقيق في وضعية الجزائريِّين والاستماع إلى شكاويهم ومطالبهم، برئاسة نائب المارتنيك. وقد كانت أقاليم الجنوب ضمن برنامج زيارة الوفد، إلاَّ أنَّ حكَّام هذه الأقاليم حاولوا عرقلتها بل منعها من هذه الزيارة. ولمَّا سمع المصلحون بذلك بذلوا جهودا كبيرة في الشمال لاستقدامها، وقد قدم الشيخ بيوض لها باسم مدينة القرارة مذكِّرة بالمطالب التي تهمُّ المنطقة، منها: إلغاء الحكم العسكري.
كما انتهز فرصة انتهاء الحرب، وبالضبط بتاريخ: 24/4/1946 فأصدر نداء بيانا في شكل منشور مطبوع، هاجم فيه الحكم العسكري وأذنابه، ودعا الشعب إلى المطالبة بحقوقه، منها حريَّة الانتخاب، ومن جملة ما ورد فيه:
« (1/236)
صفحة 237
إنَّ الظروف قد ساعدت، وإنَّ الأحوال قد سنحت، وإنَّه قد تهيّأ لك من بنيك من يضطلع بأعباء الأمانة ويحمل الألويَّة ويسدُّ الثغور ويعمِّر المناصب بجدارة واستحقاق، فهيَّا إلى العمل المنظَّم والخطط المحكمة والجهاد المتواصل في سبيل قضيَّتك المقدَّسة. ولتعلم موقفنا أنَّ عدوَّك الأكبر ومُذلَّك ومخزيك هو هذا الكابوس "الحكم العسكري" الآخذ بخناقك والقابض على مجرى أنفاسك. إنَّه سبب كلِّ ضيم لحقِّك، وأصل كلِّ بلاء حلَّ بك، وعلَّة العلل وجرثومة الأمراض، فاعمل على إزالته والتحرُّر من قيوده. وإنَّ من أفظع أنواع الظلم أن ُيسَاس شعب مثلك هادئ رصين... وإنَّ من أشنع أنواع الخزي والعار أن يُقال عنك إنَّك تقبَّلت هذا النوع من الحكم طائعا مختارا، وأنَّك ارتضيت أن تُغلَّ يدك إلى عنقك وأن تُقيَّد بالقيود الثقيلة رجلاك... وإنَّ من ألدِّ أعدائك أولئك الذين يعملون لإطالة أمد عبوديَّتك، بل ويطلبون باسمك أن تبقى عبدا ذليلا مملوكا لا يقدر على شيء، فاحذرهم أن يفتنوك...»
أمَّا الفرصة الأهمُّ والتي كان يراها كفيلة بالإجهاز على الحكم العسكري نهائيا، وتحطيم الستار الحديدي الذي كان يضعه الحكام لفصل أقاليم الجنوب عن الجزائر قوميًّا وسياسيًّا، فهي صدور القانون الأساسي للجزائر Statut de l’Algerie الذي نصَّ على إحداث "مجلس جزائري" منتخب نصفه من الفرنسيين ونصفه الآخر من الجزائريين، وتنصًّ المادة خمسون (50) منه على إلغاء الحكم العسكري على أن يعهد لهذا المجلس بعد تأسيسه بوضع مشروع قانون يحدِّد كيفية تطبيق هذه المادَّة، يعرض على البرلمان الفرنسي.
وقد كان هذا القانون الأساسي صدمة كبرى للحكام العسكريين، فبذلوا جهودا كبرى لدى السلطات العليا في الجزائر وباريس لعدم تطبيقه في الجنوب أو على قسم كبير منه. (1/237)
صفحة 238
أما حكام غرداية فقد كانوا أكثر حماسا ونشاطا، إذ استغلوا الظروف التاريخية للمنطقة والتي أحدثوها لدعوة الميزابين إلى المطالبة بعدم تطبيق هذا القانون عليهم، بدعوى أن مشاركتهم وهم أقلية في هذا المجلس سيؤدي إلى تطبيق قراراته عليهم، كما سيؤدي إلى نقضهم بأنفسهم معاهدة الحماية التي عقدها أجدادهم مع فرنسا، وعلى الاستقلال الداخلي الذي يتمتعون به دون غيرهم من الجزائريين، وغير ذلك من الأقاويل والترهات التي ينخدع لها الكثير من السذج، بل وحتى الذين لا يُشك في وطنيتهم وعملهم وإخلاصهم للجزائر، وبخاصة من كان يستند منهم إلى تلك المعاهدة، ومنهم الشيخ بيوض، لمطالبة السلطات باحترام التزاماتها بعدم التدخل في شؤون ميزاب الداخلية. كما أن هذه السلطات كانت تعتبر في العقود الأربعة من القرن الماضي من يتمسك بهذه المعاهدة مشوشا وعدوا لفرنسا.
أما الشيخ بيوض وأنصاره ممن خَبَر هؤلاء الحكام وألاعيبهم، فقد انتهزوها فرصة لعقد الاجتماعات والمؤتمرات لدراسة الوضع الجديد، وقد اتصل الشيخ بيوض شخصيا بالزعماء السياسيين ومنهم مصالي الحاج، لمعرفة موقف الحزب من الترشح للمجلس، بعد ما قرأ نقده المرّ للدستور الذي أنشأه، وقد أجابه بأن الإدارة العليا للحزب لم تتخذ بعدُ قرارها، بيد أنه يرى أن لا تقرر إلا المشاركة، لأن من الخطإ أن تبقى خارجه، ما دامت قراراته تصدر باسم الأمة الجزائرية.
وبعد إتمام المشاورات والمناقشات تقرر تجنيد المصلحين لتوعية المواطنين وتحذيرهم من الانخداع بترهات الإدارة ومن شايعها، وتقديم مترشح يضمن النجاح، وإفشال خطة الإدارة. وقد رشحت إطارات الحركة الإصلاحية الشيخ لثقتها فيه واقتناعها بأنه الأجدر بهذه المهمة "لاستكماله شرائط القيادة"، حسب تعبير البشير الإبراهيمي. (1/238)
صفحة 239
إلا أن الشيخ لم يقبل هذه المهمة إلا على مضضٍ وبعد ضغوطٍ من أنصاره وأغلبية المواطنين، لأنه يرى التفرغ للإصلاح الديني والعلمي. ولما سمع مسؤولو الحركة الوطنية بترشحه قرروا عدم تقديم ممثل لها في دائرة ميزاب. احترامًا له وتعبيرا عن ثقتهم فيه. وقد أخبروه بهذا القرار. وهذا بشهادة السيد بن يوسف ين خدة، والسيد محمد العربي دماغ العتروس.
أما خصوم المشاركة فإنهم قدموا في آخر الأمر مرشحين منهم لمنافسة الشيخ بيوض، على أن يعلن أحدهم - في حال نجاحه، والذي كانوا مطمئنين إليه لمساعدة الإدارة العسكرية لهم - في المجلس مقاطعته المجلس، ويبقى الكرسي شاغرا.
إلا أنهم بعد فشلهم استأنفوا معارضتهم ومطالبتهم بإلغاء الانتخاب وإلغاء الكرسي الخاص بميزاب، بدعوى أن أغلبية السكان تؤيد وجهة نظرهم وتعتبرهم الممثلين الحقيقيين لسكان الدائرة.
ونظرا للعرائض والمذكرات التي كانوا يقدمونها سواء في باريس أو الجزائر، وللحملات الصحفية، وتوالي وفودهم إليهما فقد قرر البرلمان الفرنسي إيفاد لجنتين للتحقيق لمعرفة وجهة النظر الحقيقية للسكان، فأقيمت المسيرات ورفعت اللافتات عند زيارة اللجنة الثانية، سنة 1952 من الفريقين المؤيد والمعارض للإلحاق.
ومن الهتافات التي كان ينادي بها الفريق المؤيد للإلحاق والمسجلة في إحدى اللافتات:
- مع بيوض.
- تحيا الإلحاق.
- تحيا الحرية.
- نريد إلحاق ميزاب بالشمال.
- لا للستار الحديدي بين ميزاب والجزائر.
- نحن ميزابيون وجزائريون. (1/239)
صفحة 240
والذي يلاحظ على هذه اللافتات أنها تؤكد جزائرية الميزابيين، وعلى إلحاق ميزاب بالجزائر، وعلى أن مفهوم هذا الإلحاق ليس مفهوما إداريا أي أن يستبدل بنظام إداري عسكري، بظام إداري آخر مدني، بل هو مفهوم قومي وسياسي، ردا على مقولة الحكام العسكريين ومن انخدع بهم، والتي تردد أن الميزابيين هم مجموعة متميزة من الجزائريين، لأنهم لوكانوا فقط يريدون استبدال نظام بنظام، لركزوا على المطالبة بإحلال النظام المدني محل النظام العسكري.
كما أن الشيخ بيوض قد خطب أمام اللجنة خطابا هاما يؤكد فيه وجهة نظر الإصلاح، وقد استهله بالعبارة التالية:
«لا نخفي عنكم اندهاشنا العظيم مما رأيناه في مشروع مسيو فيوليت VIOLETTE الكبير، من اقتطاع ميزاب عن الجزائر، وضمه إلى الصحراء التي تريدون جعلها مستعمرة مستقلة...».
وهذا يخالف الرأي السائد الذي يكاد يتفق عليه الباحثون حول فصل الصحراء عن الجزائر، وهو أن الفصل بهذا المفهوم، أي التام، لم يفكر فيه ولم يخطط له إلا خلال الثورة ابتداء من سنة 1957.
فهل كان تصريح الشيخ بيوض نابعا من فهمه لنوايا الفرنسيين، وبناء على معلومات أو تصريحات أو تلميحات منهم، علمها أو سمعها منهم؟ أم كان ملهما في ذلك ومستكشفا للمستقبل؟
والشيء المعروف عن الشيخ رحمه الله أنه كان يزن كلماته ولا يطلقها على عواهنها خاصة أمام السلطات.
ومهما يكن من أمر فإنه يبدو أن معرفة الشيخ لنوايا الفرنسيين كانت وراء قراره الشجاع بعدم مغادرة الجزائر خلال الثورة، لمواصلة كفاحه في إفشال خطة الفرنسيين، وهو ما صرّح به لأقرب مساعديه سنة 1956 ووافقوه عليه.
ومساعيه المكثفة في هذا المجال قد سجلها في مذكراته، وقد شهد له بها كتابيا من المسيرين المكلفين بهذا الملف السادة: بن طوبال، ودحلب، وبن خدة، ومهري. (1/240)
صفحة 241
فالشيخ رحمه الله لم يركب قطار وحدة الجزائر قوميا وسياسيا من المحطة ما قبل الأخيرة، كما فعل كثيرون، بل كان من ربّان هذا القطار منذ انطلاقته الأولى، فضلا عن جهوده وعمله لوحدة الجزائر الشاملة دينيا ولغة وقوميا، منذ انطلاق مسيرته الإصلاحية.
معاناة الشيخ بيوض بعد الاستقلال:
لم نتعرض لظروف الشيخ خلال الثورة ولا لتركيز السلطة عليه وعلى المنطقة بمحاولة تحقيق أحلامها ومشاريعها القديمة بفصلها عن الجزائر، مكتفين بالإشارة إلى مساعيه الوحدوية أما مساهماته الأخرى في الثورة -وهي مسيرة حافلة ومتعددة الجوانب- فقد سجلها الشيخ في مذكراته بعنوان "أعمالي في الثورة" والمنشورة بعد وفاته سنة 1990، وسنقتصر فيما يلي على عرض أهم نشاطاته وما سببته له من مضايقات ومعاناة.
إثر تعيين الشيخ في الهيئة التنفيذية المؤقتة بعد إيقاف إطلاق النار استدعى الشيخ عبد اللطيف سلطاني إلى مكتبه من رجال جمعية العلماء الذين لم يغادروا الجزائر خلال الثورة، فسأله عن رأيه في استئناف الحركة الإصلاحية نشاطها بعد الاستقلال، فأجابه بأنه يرى أن العمل يجب أن يكون ضمن مؤسسات الدولة التابعة لوزارتي الشؤون الدينية والتربية، فرد عليه الشيخ بأن العمل ضمن مؤسسات الدولة واجب وضروري، لكن دون أن توقف الحركة نشاطها خارجها، لأن الدولة لا تستطيع القيام وحدها بجميع ميادين الإصلاح، وهو ما فعله الشيخ إثر انتهاء مهمته بالهيئة المؤقتة، فقد حث المتخرجين من المدارس الإصلاحية ومن المعهد مباشرة، أو من الذين واصلوا –بعد تخرجهم منه- دراستهم بجامع الزيتونة أو بكليات المشرق العربي، ثم تخرجوا منها بعد الاستقلال بالمساهمة في المؤسسات التربوية للدولة من الابتدائي إلى الجامعة، ومنهم من تولّى مسؤوليته الإدارية فيها بصفتهم مديرين أو مفتشين أو عمداء، إضافة إلى من التحقوا بالقضاء، والذين ارتقوا في مؤسساته إلى أعلى الرتب بالمحكمة العليا. (1/241)
صفحة 242
أما ما يتعلق بالمعهد والمدارس الخاصة وفروعها، والتي فتر نشاطها نوعا ما، أو أُوقف، فقد صمم وعمل على مواصلة سيرها وتطويرها بما يتلاءم مع الوضع الجديد، والمقصود بفروع تلك المؤسسات هي النوادي والجمعيات الثقافية والكشفية والرياضية وقدماء التلاميذ ووحدة التعليم التي تضم مؤتمرات دورية. ولكن مع الأسف فإن هذه المؤسسات بمجرد استئناف اجتماعاتها للتفكير في تجديد نشاطها واجهها مسؤولو الحزب المحليين بالمعارضة الشديدة، وبمحاولة إخضاع أي نشاط لها أو اجتماع بترخيص مسبق، بل كانوا يطالبون بالمشاركة فيه.. ولم يقتصر تدخلهم على هذه المؤسسات، بل تعداه إلى المساجد بمحاولتهم تعيين وعاظ من مناضلين في الحزب أو من يرضون عنه في الهيئات الدينية، أو استبعاد من يشتمّ منه المعارضة، مع أن وزارتي الأوقاف والتربية، قد وافقتا بعد اتصال الشيخ بها على استئناف هذه المؤسسات نشاطها بكل حرية في إطار القانون، وهو ما تعهد به الشيخ ولم يَحِد عنه.
= ومن الإنجازات التي حققها الشيخ ومساعدوه إثر الاستقلال لتدعيم النشاط الإصلاحي إنشاء مؤسسة جديدة باسم دار الفكر الإسلامي للنشر والتوزيع، وأول باكورة لنشاطها إصدار مجلة بعنوان ”الفكر الإسلامي“ وقد صدر أول عدد لها في جانفي 1964. متضمنا عدة مقالات وبحوث تَصدّرها مقال للشيخ بيُّوض بعنوان «ومن يبتغ غير الإسلام دينًا...» إلا أنها توقفت بعد ذلك أو أُوقفت لأسباب مجهولة...
= ومن النشاطات الأخرى التي كان يقوم بها الشيخ شخصيا:
1- مواصلة دروس تفسير القرآن بالمسجد، ودروسه العامة في المواضيع الاجتماعية والثقافية والتاريخية بما يتلاءم مع الوضع الجديد. (1/242)
صفحة 243
2- مكاتبة مسؤولي وزارة التربية فيما يتعلق بشؤون التعليم والتربية، ومكاتبة وزراء الشؤون الدينية في الأمور المتعلقة بالدين كالفتاوى التي تطلبها منه، مثل التأمينات وتوحيد الصوم والإفطار وغيرها، أو بمبادرة منه مثل مكاتبة السيد مولود قاسم بمناسبة بعض الأحداث كحرق المصاحف الشريفة بالجامعة المركزية مستنكرا هذا العمل ومطالبا باتخاذ إجراءات صارمة لكي لا تتكرر مثل هذه الأحداث، أو مكاتبته للسيد بوعلام باقي، مطالبا الوزارة «بمضاعفة نشاطها لحماية الدين من محاولة التجنيس والتذويب، هذا الدين الذي حافظ على وحدة الشعب بعد تداعي أسباب التفريق والتمزيق، والقادر اليوم على أن يعصمه بإذن الله أمام تيارات الإلحاد والتحلل الخلقي، وبوادر التفرقة والشتات، وإذا كنا حريصين الحرص الشديد على الاحتفاظ بمكاسب الثورة فنحن نرى كما يرى كل مسلم أن في طليعة هذه المكاسب الدين الإسلامي الذي ذهب ضحيته ما يزيد على المليون شهيد»
والملاحظ أن الشيخ استغلَّ شعار السلطة «مكاسبُ الثورة» فوظفه في دعوته الإصلاحية، كما استغل شعار «الثورات الثلاث» فطالب الرئيس بومدين بإعلان الثورة الأخلاقية، وذلك في خطابٍ أعدَّه لإلقائه بمناسبة زيارته المقررة سنة 1970 لغرداية.
3- استقبال الوفود التي تقاطرت بعد الاستقلال على ميزاب، من سياسيين وباحثين وأساتذة جامعيين، ومن الشخصيات التي زارت القرارة واستقبلها أحسن استقبال يليق بجهادها ونضالها مما أثار شبهات حوله: محمد شعباني، والرئيس فرحات عبَّاس، سنة 1964.
من صور المعاناة والحصار:
أشرنا - فيما سبق - إلى أنَّ الشيخ قد وُوجِه بمجرد الاستعداد لاستئناف نشاطه بمضايقات وتعسُّفات، ولم تكن مقصورة عليه وحده، بل طالت أيضًا المؤسسات التربوية والدينية والثقافية التي يشرف عليها. (1/243)
صفحة 244
وسنتعرض - فيما يلي - إلى التدابير التي سُلِّطت عليه شخصيًّا، وإن كان المقصود منها تلك المؤسسات، مع الاقتصار على ما اتُّخذ منه خلال ثلاث سنوات فحسب، منقولة من مذكرة خطِّية له، والتي قرَّرت السلطة المركزية على إثرها إيفاد لجنة تحقيقٍ نظرًا لما أثارته من ردود فعل واحتجاجات وتقارير من طرف المواطنين.
أهم التدابير المتخذة من 30 سبتمبر 1963 إلى ديسمبر 1965
نورد هنا أهم هذه التدابير كما سجَّلها الشيخ بقلمه:
1) - في 30 سبتمبر 1964 وضعت ممتلكاتي تحت حماية الدولة بقرار من عامل عمالة الواحات، ولم يذكر لي أي سبب، ولا تزال.
2) - في13 أكتوبر 1964 اعتُقلت.
3) - في 31 ديسامبر 1964 أُطلق سراحي، ولم أعلم إلى اليوم ما هي التهمة التي وُجّهت إليّ.
4) - في 9 ديسامبر 1966 استدعاني السيد عامل العمالة وأمرني مشافهة أن لا أخرج من القرارة مطلقا، وأن لا أستقبل أي شخصية تزور القرارة سواء كانت جزائرية أم أجنبية. ولم يذكر لي أي سبب لذلك، كما لم يؤكد لي الأمر كتابة إلى اليوم.
5) – في 8 أوت 1967 دعاني رئيس قسمة الحزب في القرارة وأمرني بإيقاف درس الوعظ والإرشاد الذي ألقيه في المسجد في تفسير كتاب الله العزيز. ثم قال: وكذلك لا تَعقدْ أي اجتماع ولا تتكلم في أي مجتمع، وأن "البسبورت" الذي طلبته قبل اليوم لا يُعطى لك، (وقد كنت طلبت جواز سفر منذ عام)، فسألته: وما السبب في هذا؟ وما ذنبي وما التهمة التي وُجّهت إليّ؟ فقال: لا علم لي بشيء، وإنما تلقيت أمرا من الاتحادية لأبلغه لك، وقد بلغت. فقلت له: هل تعطيني كتابة في الأمر؟ فقال: لم أتلق أنا كتابة، ولا أعطيك كتابة. تلقيت الأمر مشافهة وأبلغه مشافهة، وإذا كانت عندك رخصة من وزارة الأوقاف فأظهرها. فقلت: إنك تعلم أن هذا الأمر قديم، وأنني واعظ ومعلم في المسجد منذ ما يقرب من خمسين عاما، ولم تُطلب مني رخصة. (1/244)
صفحة 245
امتثلت للأمر فوقّفت دروسي منذ تلك اللحظة صابرا محتسبا والبلدة في شبه حداد، ولله الأمر من قبل ومن بعد...
لجنة التحقيق والمحاكمة ونتائجها:
تشكلت هذه اللجنة باتفاق بين الرئاسة ووزارة الشؤون الدينية برئاسة الشيخ محمد خير الدين، وقد وصلت غرداية بتاريخ 17 سبتمبر 1967، وبعد اتصالاتها بنائب عامل العمالة في غرداية والعامل وقائد الناحية العسكرية بورقلة، تقرر عقد اجتماع بتاريخ 20/9/1967 يضم هؤلاء المسؤولين ومحافظ الحزب بدار العمالة واستدعاء الشيخ بيوض لتعرض عليه الاتهامات الموجهة إليه وإلى الميزابيين من خلاله وللاستماع إلى رده عليها.
الاتهامات:
5. انتهاك الميزابيين وعلى رأسهم الشيخ بيوض لسيادة الدولة باتصالات مستمرة بينه وبين بعض القناصل الأجنبية كفرنسا وأمريكا.
6. وجود شرطة محلية عوض الأمن الوطني.
7. وجود محاكم للحكم بين المواطنين، مما يدل على عدم اعترافهم بالمحاكم الوطنية الرسمية.
8. التعدي على الحكومة باتصاله بدولة "عُمان" واستقدامه (أي الشيخ بيوض) لأبناء هذا البلد للدراسة في مدارسه في الوقت الذي لا يقبل أبناء المالكية فيها.
والملاحظة: أن مصدر هذه الاتهامات تقارير الحزب، ولم يحضر الجلسة مسؤوله لإثبات هذه الاتهامات، رغم استدعائه من ممثلي السلطة المركزية.
ردود الشيخ بيوض:
استمر حديثه حول ساعتين، وفيما يتعلق بردوده على هذه الاتهامات:
6. فيما يخص المساجد وأنظمتها: هي داخلة في نطاق وزارة الأوقاف، تتبع تعليماتها وإرشاداتها، وناظر الأوقاف بغرداية هو الواسطة بين المشرفين على هذه المساجد بميزاب والوزارة.
7. فيما يخص المحاكم الخاصة: لعلهم يقصدون بها المجالس العائلية التي تتولى إصلاح ذات البين ورعاية الأيتام والأرامل. وهو نظام اجتماعي موجود منذ القديم. وهو موجود في بعض مناطق الجزائر، وليس فيه أي مس بالعدالة أو سيادة الدولة. (1/245)
صفحة 246
8. فيما يخص الأمن الوطني: لا توجد شرطة خاصة، بل هو نظام قديم يحرس بمقتضاه أفراد متطوعون داخل القرى ليلا ونهارا، وبالتناوب للمحافظة على عائلات المغتربين، وليس لهم إلا المراقبة، ولا حقّ لهم في معاقبة أيٍّ كان. وتفاديا لكل التباس فقد حصل الاتفاق مع إدارة الأمن والعامل على تقديم أسماء هؤلاء كل يوم وليلة إلى إدارة الأمن، وهم مسؤولون أمامها عن كل ما يتعلق بأمن القرية.
9. البعثة الأجنبية من طلبة عمان: وهم طلبة جاؤوا من عمان للدارسة والتفقه في المذهب الإباضي، وهذه البعثات كانت تقصد معاهد ميزاب منذ القديم، وهذه البعثة دخلت الجزائر بالطرق القانونية، ووصولها لميزاب تمّ على يد ممثل مكتب دولة عمان بعاصمة الجزائر، وعلى يد اللجنة المركزية للحزب، وليس في هذا أي تعدّ عل القانون أو سيادة الدولة.
أما عدم قبول أبناء المالكية فليس له أي أساس من الصحة لأن مدارسنا مفتوحة للجميع منذ تأسيسها في العشرينيات، ومدرسة القرارة وحدها يوجد فيها ما يربو على مائة تلميذ منهم.
10. أما التهمة الأخيرة التي ردّ عليها والتي كانت الأولى التي وُجّهت إليه، وهي الاتصال ببعض القناصل الأجنبية، فقد ردّ عليه باستنكار شديد واحتجاج قوي على المساس بشرفه ووطنيته، وأسف شديد من رواج مثل هذه الإشاعات على المسؤولين في الحزب والحكومة.
وقد استمرت الجلسة ست ساعات، منها ساعتان لكلمة الشيخ.
الخلاصة التي انتهت إليها اللجنة:
« (1/246)
صفحة 247
لقد ثبت لدينا بعد الاطلاع والدرس أن أغلب ما أثير هناك (في ميزاب) من المشاكل والمنازعات، إنما كان منشؤها أمور شخصية وحزازات نفسية هي من مخلفات الماضي، وهي نتيجة لتصرفات بعض المنتسبين للحزب الذين يريدون باسمه أن يستولوا على كل نفوذ في وادي ميزاب، بما في ذلك النفوذ الديني، وبدعوى تطبيق ما يدعو إليه الحزب أرادوا القضاء على كل العادات والشعائر الدينية... وتبيّن لنا أن في تصرفات بعض أولئك المسؤولين كثيرا من الغطرسة وعدم المرونة وعدم تقدير العواقب... ومما زاد للطين بلة السلوك الشخصي الأخلاقي الذي يتسم به بعض أولئك المسؤولين...»
أما ما يتعلق بالشيخ بيوض، فقد تقرر -بعد اقتناع اللجنة بعدم وجود أية شبهة حول تصرفاته، وأنها كلها أكاذيب واختلاقات_ أن ترافقه إلى القرارة لحضور أول درس في التفسير يستأنف فيه دروسه بعد إيقافه من ممثل الحزب، وقد قدمه رئيس اللجنة الشيخ محمد خير الدين، منوّها بجهاده ونضاله، ومهنئا المواطنين باستئناف الشيخ لدروسه ونشاطه.
ولكن هل انتهت المعاناة ورُفع الحصار بعد ذلك؟ (1/247)
صفحة 248
لم يتوقف مع الأسف، بل قد اشتد بصورة أكثر، وخاصة بعد انتقال الشيخ إلى جوار ربه. إلا أن ذلك لم يفلّ من عزيمته ولم يضعف من إيمانه، لأنه قد ألف المحن واعتادها وراض نفسه عليها منذ شبابه. وكان يسمّي هذه المحن مِنَحا. وكان يقول في تفسير الحديث «العلماء ورثة الأنبياء» بأن العلماء لا يرثون علمهم وهدايتهم فحسب، بل والمحن والابتلاءات التي ابتُلوا بها. ولما تلقى من الشيخ الصديق السعدي رسالة تسلية قبيل ذهاب الوفد إلى ميزاب، أجابه بقوله: «...إننا والله لنخجل من أن نعدّ أنفسنا من الذين امتحنهم الله فصبروا إذا ذكرنا ما امتُحن به سلفنا الصالح من الصحابة والتابعين، فمن بعدهم من أئمة الدين رضي الله عنهم... _ثم أضاف_ لقد مررت في بعض مطالعاتي في هذه الأيام بمحنة سعيد بن جبير والإمام أحمد فتضاءلت نفسي وتصاغرت وهان عليها أمرها وضعف حملها، حتى لم أعد إلا بنعم الله السابغة التي أرتع في بحبوحتها من صحة بدن وعقل وسلامة قلب ودين. ومن ذكر الله في كل حين ورضى وطمأنينة بما اختاره الله لي ورجاء في عفوه ورضاه،
وما ضرني ما فاتني من نعيمها ... ... إذا نعمت عيني غدًا وعُفّي عني
مهرجان ختم القرآن:
لقد كتب للشيخ أن يختم تفسير القرآن الكريم بتاريخ 12/2/1980 وعمره إذ ذاك تجاوز الثمانين، وأقيم له يوم 21/5/1980 مهرجان كبير بمدينة القرارة يليق بعظمة القرآن وجلاله، حضره جمع غفير وشخصيات علمية ووطنية، وسياسية، وممثل رئيس الجمهورية ووزراء، وألقيت فيه خطب وقصائد وكلمات، تنوّه بهذا الحدث العظيم وتشيد بفضل الشيخ وفضائله وجهاده في سبيل نشر الدين والعلم ونهضة الوطن ووحدته.
وقد كان هذا المهرجان أول مناسبة بعد الاستقلال أتيحت لسَراة الأمة ورجال الدولة لكي يُعبروا عن تقديرهم لهذا الرجل، إما بحضورهم أو بالكلمات أو بالخطب أو القصائد التي ألقيت، وإما بالبرقيات أو الرسائل لمن تعذّر عليه الحضور.
مهرجان تأبين الشيخ: (1/248)
صفحة 249
بتاريخ 14/1/1981. وبعد ثمانية أشهر من المهرجان السابق ختمت أنفاس الشيخ بيوض، وأقيم له مهرجان تأبين حضرته كذلك شخصيات سياسية وعلمية وإدارية ووزراء، وبعض الإطارات العليا للدولة والحزب. ومن الشخصيات العلمية الشيخ أحمد حماني، عبد اللطيف سلطاني، إبراهيم مزهودي، عبد الرحمن شيبان، ومن الشخصيات السياسية: ابن يوسف بن خدة، سعد دحلب، ومن الذين تعذر عليهم الحضور وبعثوا برقياتهم إلى العائلة أو المهرجان: الوزير الأول عبد الحميد الإبراهيمي، والشيخان محمد خير الدين، وأحمد توفيق المدني، وبلعيد عبد السلام، والأمين الوطني للمجاهدين، والعقداء محمد أو عمران، وعبد الحميد هجرس، وابن الشريف. وحضرته عشرات الآلاف من المواطنين، من شرق البلاد وغربها.
وألقيت فيه كذلك كلمات وقصائد جُمعت مع ما ألقي في المهرجان الأول في كتاب ونشرته جمعية التراث سنة 1989.
ومن الكلمات المعبّرة التي ألقيت في المهرجان كلمة الأستاذ مولود قاسم وزير الشؤون الدينية، والتي جاء فيها: «...إننا لا نزكي على الله أحدا ولكننا نهتدي بهدي القرآن، وفي العمل بسنة نبينا في تزكية الرجل بشهادة الأمة، فقد جاء في الحديث الصحيح أن جنازة مرت برسول الله وهو في ملإ من أصحابه فأثنوا عليها خيرا، فقال وجبت، ومرّ بجنازة فأثنى أصحابها فقال وجبت، فلما استوضحوا الرسول في قوله، أجاب: لقد وجبت الجنة للأولى والنار للثانية، أنتم شهداء الله في الأرض، ثم قرأ قوله تعالى:«وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس...» الآية. وإننا لنضرع إلى الله سبحانه وتعالى أن يجعل الفقيد مع الذين أوجب الله لهم الجنة بشهادتكم وشهادة الأمة الجزائرية كلها بملايينها لهذا الرجل العظيم... أجمعت أمته على الثناء له بالخير وشهدت له أعماله في خدمة دينه وأمته بالخير...» (1/249)
صفحة 250
وختامًا فهذه نبذة موجزة عن الظروف التي كانت تُحيط بمسيرة الشيخ بيُّوض خلال العهد الاستعماري، والتي كانت تحاصرها وتحاصره سواء منها الطبيعيَّة أو الاجتماعيَّة أو السياسيَّة، وقد كان بإمكانه الانتقال على أقاليم الحكم المدني كما فعل الكثيرون من دعاة الإصلاح حيث ميدان العمل أفسح، ومجال الحرِّيات أوسع، وقيود الرقابة أخفُّ، والاستعدادُ لتقبُّل الأفكار الإصلاحيَّة أكثر، ولكنَّه آثرَ البقاء في إقليمٍ صحراوي متحمِّلا المرابطة فيه والاستمرار في جهاده، وهو بين ماضغي الحكم العسكري وأنيابه ووسط أحابيل خصوم التجديد والإصلاح وأشراكهم، واثقا بالله وحِفظِه ونصرِه، ومقتنعا بأنَّه سيحمد غبَّ سراه ما دام عمله قد كان لوجه الله ولنصرة دينه.
ولم تتوقَّف مسيرته خلال الثورة لأنَّه كان يرى أنَّ الثورة لا تقتضي بالضرورة إيقاف المسيرة الإصلاحيَّة أو تعوق دعمها أو المساهمة فيها كما أنَّها لم تتوقَّف بعد الاستقال، لأنَّه كان يرى أنَّ استمرار المسيرة هو الجهاد الأكبر الذي عناه الرسول - صلى الله عليه وسلم - بعد رجوعه من غزوة بدر، وقد كلَّفه هذا الاختيار ضُروبًا من الحصار الذي كان مضروبًا عليه وعلى مسيرته خلال العهد الاستعماري، بل كانت أشدَّ قسوة ومضاضة، فما ضعف واستكان بل واجهها بنفس العزيمة والجلَد، متأسِّيا في ذلك برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وصحابته الكرام، والأئمَّة العظام.
وقد أمدَّ الله في عمره حتَّى شاهد ثمار غرسِه يانعةً وقطوفها دانية؛ من مساجد عامرة، ومدراس زاهرة ومعهد عامر وأجيالٍ تُساهم في مواصلة المسيرة بدون توقَّف أو كلل، وبهذا فإنَّ مسيرته لم تنقطع بموته لاشتمالها على الأعمال التي عناها - صلى الله عليه وسلم - بقوله إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلاَّ من ثلاث...
رحمه الله وأثابه جزاء صبره وجهاده، وأسكنه فراديس جنانه بجوار الصدِّيقين والشهداء والصالحين وحسُن أولئك رفيقا. (1/250)
صفحة 251
د. محمد لعساكر. أستاذ بجامعة الجزائر. كلية الحقوق
القرارة في 22 مارس2000
التماس من فخامة السيد رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة
لقد عرضنا عليكم بإيجاز –ونرجو أن لا يكون مخلا- جانبا مجهولا من كثيرين عن مسيرة الشيخ بيوض والمتمثل في الظروف الشديدة التي كان يعمل فيها الشيخ مدة تزيد على ستين سنة.
وإن إغفال الظروف المحيطة بأقوال أو تصرفات الأفراد أو المحيطة بالجماعات لا يؤدي إلى تقييمهم تقييما موضوعيا ومنصفا، بل قد يؤدي إلى أبشع أنواع الظلم وأقبح أشكال الجحود.
سيدي الرئيس هل بلغكم _ ولا نظن ذلك_ أن أشكال الحصار الظالم لا تزال مضروبة وهو بين يدي ربه، وأن أبشع صورة وأقبح أشكاله منع إطلاق اسمه على أية مؤسسة من مؤسسات الدولة التربوية، ومن الغريب أن يصدر قرار وزير التربية بتاريخ ؟ بإطلاق اسمه على ثانوية بالقرارة، وهو المختص، وبناء على ملف كامل، طبقا للقانون فتتجرأ جهة أخرى (دنيا) وهي غير مختصة، فتمنع تطبيقه، لا بقرار، ولكن بالفعل.
لقد قلتم في إحدى رسائلكم مؤخرا: إن من واجب العرفان ومن السنن الحميدة تكريم العلماء والمثقفين، والرفع من شأنهم، ومن مكارم الأخلاق اعتراف الخلف بآثار السلف الصالح، بفضله وفضائله. (1/251)
صفحة 252
وقد سجل المرحوم مولود قاسم شهادة الأمة الجزائرية للشيخ في حفل تأبينه، كما أوضحناه في المذكرة. وهل هناك من هو أهل وجدير بأن يعلن باسم الأمة هذه الأمة هذه الشهادة وما تستلزمه من رفع الحجر والظلم عنه غير سيادتكم بصفتكم رجل الوئام كما رفعتموه مؤخرا على من كان ضحية الظروف التي مرت بها البلاد بعد الاستقلال، والتي لم يسلم منها شخصكم الكريم، أو ضحية "فتنة السياسة" كما عبّر عن ذلك الإمام المرحوم محمد أبو زهرة حين سمع ما عاناه العلامة الحجوي بالمغرب الأقصى، قبل وفاته بمصادرة أمواله كلها، واتهامه بالخيانة وبإخراج جثمانه من قبره، ونقله إلى مقبرة أخرى، فقال: «إنها فتنة السياسة التي لا تقدر الإنسان، ولا فضل للعلماء والسابقات المكرمات التي تعفو الهنات بل السيئات».
ولو ثبت للشيخ هنات أو سيئات فهلاَّ قوبلت بها الحسنات والمكرمات، ولتسمحوا لنا أن نورد كلمة للشيخ بيوض، ضمّنها مقالا له منشورا في صحيفة الأمة سنة 1938، انتقد فيه من هاجم الأمير شكيب أرسلان، بسبب دعوته إلى تحقيق وحدة عربية من دول المشرق مع تأجيل ضم بلاد الشمال الإفريقي إلى ما بعد تحررها، قائلا له مدافعا عن الأمير:
«إن جهاد نيّف وخمسين عاما لا تهدمه خطبة في مجلس عُرض فيه رأي قابل للنقد والتمحيص، وليس يصح في الأذهان شيء إذا لم تكن الجهود الكبرى والأعمار الطويلة هي الأصل المعتدّ به والمعوّل عليه أو الذي يؤوّل ما يخالفه بما يوافقه، ما وسع الاحتمال وانسدت أبواب التأويل» (1/252)
صفحة 253
سيدي الرئيس، نحن لا نطلب منكم إعادة الاعتبار للشيخ والعفو عنه، لأن هذين الإجراءين لا يطبقان –كما لايخفى عنكم- إلا على المجرمين المدانين، وإنما نطلب منكم مبادرة ترفع الحجر عن الشيخ، وتنصف التاريخ مع الرجل لأنه قد أصبح جزءا منه، وبذا تحققون أمنية قديمة لدى عارفي فضله، وأنتم المعترفون بفضل الرجال، ولا تزال عبارات العرفان نحو الشيخ بيوض والتي أعلنتم عنها عند زيارتكم الأخيرة لمدينة يزجن، تتردد في الأسماع وفي البقاع.
دور الشيخ بيُّوض في الحركة الإصلاحيَّة وجمعية لسادة العلماء
تمهيد:
هذا العنوان اقترحته جمعية الحياة العاملة الجادَّة ليكون إطارا لمداخلتي في ملتقى حول فكر الشيخ بيُّوض بمناسبة الذكرى العشرين لختمه القرآن الكريم، التي استدعتني – مشكورة – للمساهمة فيها.
... وإنَّه لعنوان دالّ متماسك يربط حلقاته الثلاث منطق علمي، ويشدُّ أجزاءه الطبيعيَّة ذوق فنِّي، ولكن من الصعب على الدارس أن يوفِّيه حقَّه في المدَّة المحدَّدة له، عشرين دقيقة. لأنَّ كلَّ حلقة من حلقاته تتطلَّب استقراء وتأمُّل واستنتاجا.
1. عالم عامل: ما أقلَّ أمثاله في فترة ظهوره نبوغه، أنعم الله عليه بمواهب نادرة، وقدرات متعدِّدة وضعها تحت تصرُّف إرادة حرَّة قويَّة حدِّدت غايتها، وهي إعادة الرواء لوجه الإسلام الصحيح الذي نكَّرته الخرفات والبدع، والتزمت برفض أنصاف الحلول التي يناور بها أعداء الدين والوطن.
2. حركة مقاومة قويَّة وصلت بين ريح المكر والغدر، وبين ظلام الحقد والدهاء وعاصفة القهر والاضطهاد فأسالت أنهار حبر على أعمدة الصحف وصفحات الكتب والمجلاَّت، وملأت آفاق الأوطان بالدعوات إلى الوعي والنهضة والانطلاق بأسلوب يتَّزن بالحكمة ويجادل بالحسنى.
3. جمعية سليمة المبادئ متراصَّة الصفوف ظهرت في فترة تاريخيَّة اصطلح فيها على الوطن حقد الحكَّام، وجهل المحكوم، وانعدام الوسيلة التي تفصل بينهما، وتجعل التعاون صعب المنال. (1/253)
صفحة 254
ومع عسر القيام بالواجب على الدارس الساعي لإرضاء الضمير، وعرض أجزاء الحقيقة في إطار يجمع بين الوضوح والشموليَّة.
«فإنَّ ما لا يقال كلُّه لا يُترك جلُّه».
فلأقتصر إذن ولأكتف بالتماسات تبرز الخطوط الهيكليَّة للموضوع، وعلى الراغب في اكتناه الصور الكاملة أن يعود إلى المراجع.
الحركة الإصلاحيَّة في الجزائر:
إنَّ الحديث عن الحركة الإصلاحيَّة في الجزائر يفرض الرجوع إلى الفترة التي سيقت ظهورها، لما يتوفَّر فيها من عوامل ومقدِّمات ساهمت في تحقيقها، وإبراز الضوابط المساعدة على تشكيل مبادئ وتصوُّر الغابات التي تسعى لإدراكها، وجعل تلك الغايات واقعا مفروضا على المحبِّدين والمناوئين معا، ولا يقتصر الرجوع لهذه الفترة على رقعة الجزائر المعرفة بحدودها الجغرافية بل يتجاوزها إلى أقطار عربيَّة أخرى انبعثت منها أشعَّة الحركة الإصلاحيَّة القائمة على أساس فكريَّة أصيلة، ومبادئ فطريَّة سليمة، وفي مقدِّمة تلك الأقطار مصر.
لقد كان الجزائريُّون في بداية القرن العشرين محرومين ثقافيا من الاتِّصال بأيِّ تيَّار يمكن أن يلتمس في ذاتهم مكامن الحسِّ بشخصيتهم، ومناطق الوعي بما يحيط بهم من واقع أليم أُعدَّت له كلُّ وسائل الحصر لدفعهم في خطٍّ واحد ينتهى بهم إلى الانفصال عن حضارتهم العربيَّة الإسلاميَّة، والابتعاد عن مختلف الروافد التي تصبُّ فيها من دين ولغة وتاريخ وتقاليد، إلاَّ ما حُرِّف منها وأعيدت صياغته ليصبح عامل إفساد وتضليل. (1/254)
صفحة 255
إنَّ ما كانت تتمتَّع به الجزائر من حماية ذاتيَّة جعلها تتطلَّع إلى استشفاف ما وراء حدود القانونيَّة الفرنسيَّة المتعسِّفة التي كانت تعتبرها من الوجهة النظريَّة جزءا لا يتجزَّأ من الوطن الفرنسي ولذلك كان المدركون لخطورة الوضع يبحثون بدافع غريزي عمَّا يعوِّضهم عن الحرمان الثقافي فوجدوه في تلك النسمات التي يحمِّلها إليهم بريد المشرق العربي من كتب علمائه وأدبائه، ومجلاَّتهم التي تنشر مقالات مصطفى كامل، ومحمَّد فريد وعبد العزيز جويش، وعبد الله النديم، ومحمَّد عبده، وأحمد شوقي، وحافظ إبراهيم، وغيرهم.
رياح النهضة:
إنَّ تلك الأفكار التي تحملها الكتب والمجلاَّت الواردة من المشرق العربي تتحوَّل إلى رياح لواقح تحيي الهمم وتبعث العزائم وتعيد إلى النفوس ما فقدت أو كادت تفقد طاقات الأمل وموجات التفاؤل والحزم.
وأدركت فئة من المثقَّفين على قلَّتها أن ما أفسدته عواصف التفقير والتجهيل والاضطهاد يمكن أن تصلحه محاولات الإصلاح والتربية والاتِّحاد.
إنَّ الوصول بمحاولات الإصلاح إلى مرحلة النضوج يتطلَّب إعداد وسائل القوَّة والدعاية الشاملة والارتواء من مناهل العرفان، والرسوخ في مكارم الأخلاق والعمل على تحقيق الوحدة بين الأفراد والجماعات.
هذه العوامل كلُّها ضروريَّة من أجل القيام بحركة إصلاحيَّة، ووجود أفراد هذه الفئة المهتدية آيات في القرآن الكريم تدعو إلى الإصلاح، وتشيد به وترشد إلى النظام وتحثُّ عليه فأخذ كلُِّ واحد منهم ينادي بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عملا بكتاب الله وسنَّة رسوله، ويجتهد في نشر العلم والمعرفة للقضاء على الجهل والأميَّة، والخروج من دائرة التخلف والبحث عن دروب تُحقِّق اللحاق بمواكب النهضة، وتضمن مسايرة طلاَّب الرقيِّ والتقدُّم. (1/255)
صفحة 256
اشتهر من أعلام هذه الفئة المؤمنة في الشمال: عبد القادر المجَّاوي، عبد الحليم بن سماية، حمدان بن الونيسي، كما اشتهر في الجنوب: القطب امحمَّد اطفيَّش، ويحي بن صالح، وعبد العزيز الثميني، فكانوا رواد إصلاح المجتمع عن طريق التعليم، ودعاة نشر الأخلاق الإسلاميَّة الحسنة عن طريق الالتزام بالاستقامة، وإعطاء القدوة بسلوكهم لمن يتولَّون أمر تعليمهم وإعدادهم لخوض المعارك مع أعداء الدين والوطن، وممثِّلي الاستكبار والاستدمار والاستهتار.
زيارة الإمام للجزائر:
كانت زيارة الإمام محمَّد عبد الجزائر سنة 1905م ، أوَّل فرصة جمعت تلك الشخصيات حول الزائر العظيم، وسمحت بحوارات صريحة جادَّة عمَّا يجب القيام به نحو الإسلام المحاصر بالبدع والمتناقضات التي أخفت قسمات وجهه السمح، وغيَّبت الوسائل التي عالج بها الأمراض الاجتماعيَّة في فترة ظهوره، فقضى عليها، وأراح المجتمعات من أضرارها...
ووقع الإجماع على أنَّ تحقيق الإصلاح في المجتمعات الإسلامية الأخيرة لا يتمُّ إلاَّ بما تمَّ به في المجتمعات الإسلامية الأولى، من نشر التعليم المفيد الذي يهدف إلى تكوين الفرد الصالح المحصَّن من أخطار الانحراف، وتعميم التربية الجادَّة التي تحمي الجماعات من أخطار التمزُّق والانقسام.. وليس كالجهل والانحراف عائقًا عن النهوض، ولا مانعًا من الرقي، وما أقول أصدق قول الشاعر:
والله ما عاق النهوض بأمَّة ... تبغي النهوض كملحدٍ وإباحي (1/256)
صفحة 257
انطلقت حركة التعليم تنشر إشعاعها تلك الشخصيات المؤمنة بها وسيلة تنوير وتحرير، وظهرت وسيلة أخرى تساهم في بعث اليقظة وتدعيم الإصلاح هي الصحافة القومية التي اقتحمت الميدان بروحٍ مؤمنة وإرادة صلبة مستلهمة صحافة الشرق العربي ومتتبعة خطاها في مجال الدعوة للإصلاح ومحاربة الجمود والابتداع، فقد أنشأ الرسام الكبير الأستاذ عمر راسم جريدة «الجزائر» سنة 1908 فسارعت السلطة الاستعمارية إلى إيقافها بعد صدور عددين منها فقط، ثمَّ عادت إلى الصدور سنة 1911، وكان هدفها توعية الجزائريين وتثقيفهم وإطلاعهم على ما يجري في الخارج.
وأنشأ الأستاذ عمر بن قدُّور جريدة الفاروق سنة 1913، وكان هدفها مقاومة البِدَع والخرافات، وجعل شعارها هذا البيت:
قلمي لسانُ ثلاثةٍ بفؤادي ... ديني ووجداني وحبُّ بلادي
جمعية العلماء: إنَّ مظاهر حركة التعليم التي قام بها رجال الإصلاح في شمال الوطن وجنوبه،وظهور الصحافة الوطنية التي تعالج مختلف الأمراض في المجتمع، مؤشِّران لظهور تنظيم يجمع الطاقات، ويوحِّد التوجهات، ويحدد هدف المرحلة الأولى من ذلك النضال الذي بدت بواكر ثماره، إنَّه تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين. (1/257)
صفحة 258
فمن صاحب الفكرة وكيف تمَّ تطبيقها؟ اختلفت الروايات في ذلك والأرجح عندنا أنَّها للإمام ابن باديس، إذ كان يؤمن بالعمل الجماعي المنظَّم وطالما دعا إليه بحرارة، وكان في دعواته يقرن القول بالعمل. طرح فكرته على أخيه الشيخ البشير الإبراهيمي في الحجاز سنة 1913 وناقشاها من جميع الجوانب فانتهيا إلى أنَّها المخرج الوحيد للجزائر ممَّا تعاني،والوسيلة الوحيدة للعودة بها إلى صفاء الإسلام وسماحته وسموِّه.. وطرحها عليه مرَّة ثانية حين زاره بسطيف سنة 1924 في شكل اقتراح تأسيس جمعية باسم الإخاء العلمي، ويرى الدكتور علي مراد أنَّ الفكرة الأساسية لجمعية العلماء يعود الفضل فيها لابن باديس... وأنَّ برنامجها جاء نتيجة مناقشات استمرَّت خمس سنوات ونصف من نوفمبر 1925 إلى ماي 1931.
الاجتماع التأسيسي: حصل الاجتماع في الساعة الثامنة من يوم الثلاثاء 17 ذي الحجة 1319 الخامس من ماي 1931 في نادي الترقي بعاصمة الجزائر وعدد المجتمعين 72من علماء الجزائر و حملة العلم فيه... وكان اجتماعهم بصفة جمعية عمومية لوضع القانون الأساسي للجمعية وعينوا لرئاسة الجلسة الشيخ أبا يعلي الزواوي وللكتابة الأستاذ محمد الأمين العمودي، وتلا كاتب الجلسة القانون على الحاضرين فأقرته الجمعية العمومية بالإجماع...
عقد اجتماع ثان على الساعة الثانية بعد الزوال بقصد انتخاب الهيئة الإدارية فاقترحت
جماعة فوقع الإجماع على اختيارها وانتفضت الجلسة في الساعة 5 مساء.
توسيع المهام على الأعضاء: ثمَّ اجتمع المجلس الإداري المنتخب بغياب اثنين من أعضائه هما: ابن باديس, وحسن الطرابلسي عند الساعة الثامنة من مساء اليوم نفسه بقصد انتخاب الرئيس وتوزيع المهام على الأعضاء, وتشكل المجلس على النحو التالي:
1- عبد الحميد بن باديس ... ... رئيسًا
2- محمد البشير الإبراهيمي ... ... نائبا للرئيس
3- محمد الأمين العمودي ... ... كاتبا عاما
4- الطيب العقبي ... ... ... نائبا (1/258)
صفحة 259
5- مبارك الميلي ... ... ... ... أمين المال
6- ابراهيم بيوض ... ... ... نائب أمين المال
7- المولود الحافظي ... ... ... عضوا مستشارا
8- الطيب المهاجي ... ... ... عضوا مستشارا
9- مولاي بن شريف ... ... " "
10- السعيد اليجري ... ... ... " "
11- حسن الطرابلسي ... ... " "
12- عبد القادر القاسمي ... ... " "
13- محمد الفضيل اليراتيني ... ... " "
تقدمت الجمعية حسب قانون بطلب الترخيص إلى دار العمالة وجاءت الموافقة بصورة سريعة ومفاجئة يوم 22 ماي وبتاريخ 31 ماي 1931 أعلن التصريح بالجريدة الرسمية الفرنسية...
يتساءل المرء في دهشة: كيف سمحت الإدارة الاستعمارية بمنح تصريح لجمعية من العلماء الجزائريين للقيام بعمل إصلاحي, ديني, اجتماعي, وهي التي تعارض وتحارب كل عمل يؤدي إلى توعية المجتمع عن طريق فهم دينه فهما صحيحا يتماشى ومقتضيات المنطق السليم؟!
والجواب حسب رأي الباحثين أنَّ هناك ثلاثة عوامل سهَّلت الترخيص للجمعية:
الأول: مناسبة الاحتفال المئوي لاحتلال الجزائر، وما رافقه من استهتار، وتعريض، واستفزاز للجزائريين في عقيدتهم، وكرامتهم، ومشاعرهم.. ممَّا حمل الشعب كلَّه بجميع فئاته -حتَّى المحسوبين على الإدارة الاستعمارية- على الاحتجاج، فكان الترخيص للجمعية مبادرة للتخفيف من آثار الإساءة وتحدِّي المشاعر.
الثاني: وجود شخصية فرنسية معتدلة (جان ميرانط) على إدراة الشؤون الإسلامية، وهو معروف بالتسامح مع الحركة الإصلاحية والكُره غير المعلن للطرقية والمرابطين استجابة لطبيعة المثقف المنصف، العالم بالعربية علمًا كوّن فيه عطفًا على أبنائها غير المخلصين..
الثالث: إنَّ تكوين الجمعية شمل جميع القطاعات الدينية من مصلحين وطرقيين وأصحاب الزوايا المستقلَّة، والموظَّفين الدينين في الإدارة، والعلماء المستقلِّين، ممَّا يشير إلى نفي أيِّ معارضة يمكن للإدارة أن تحتجَّ بها. (1/259)
صفحة 260
وتجدَّد انتخاب المجلس الإداري بعد سنة، وانتصر العلماء المصلحون على خصومهم الذين انفصلوا عن الجمعية وأسَّسوا جمعية أخرى تحت عنوان -جمعية علماء السنَّة-، وتفرَّغ أعضاء الجمعية لتبليغ رسالتهم في الشمال والجنوب، وركَّزوا على التعليم، فكانت دروس ابن باديس في الجامع الأخضر وفروعه، وكانت دروس الشيخ بيوض في معهد الحياة ومساجد واحة ميزاب، جناحين قويَّين انطلقت بهما النهضة الإصلاحية في الجزائر تخترق أجواء المعرفة وترمي شياطين المكر والتضليل بشهبٍ حارقة تنطلق من دروس التفسير والحديث وروائع الأدب العربي الرفيع...
وكانت البصائر والشهاب في الشمال وصحف أبي اليقظان في الجنوب مدافع تدكُّ بقذائفها قلاع الشرك والبدع والجمود، ومعاقل الظلم والخيانة والعمالة.
الشيخ بيوض العالم العامل:
إنَّ حركة الإصلاح المباركة اخترقت نجومها جدار الظلام منذ بداية القرن الماضي، ثم ما فتئت أن تشكَّلت موجة نورٍ، وعامل تنظيمٍ أثناء النصف الأول من سنة إحدى وثلاثين، في تنظيمِ جمعية العلماء المسلمين الجزائريين.. وما كانت لتُحقِّق ما عُلِّق عليها من آمال لولا وجود رجال آمنوا بربهم فزادهم هدى، وحاربوا بألسنتهم وأقلامهم فحقَّقوا نصرًا... { رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدَّلوا تبديلا } ، وأحدهم العلامة الإمام الشيخ إبراهيم بيوض الذي عقدت جمعية الحياة هذا الملتقى حول فكرِه، بمناسبة الذكرى العشرين لختمه تفسير القرآن الكريم.
فمن هو هذا الرجل؟ وما هو دوره الإصلاحي في حماية المجتمع الجزائري الذي فشلت كلُّ وسائل المحتلِّين في القضاء على شخصيته. بفضل هذا العالم المجاهد وإخوانه من قادة النهضة، يسهل القول إنَّه القائد العظيم في ميدان الجهاد العلمي، والمخطِّط الماهر في مجال الفكر النهضوي، ويصعب التحديد، فهو ممَّن طال عمرهُ وحسُن عملُه وأثمرت جهودُه، رحمه الله. (1/260)
صفحة 261
ولِد في أواخر القرن التاسع عشر بواحة ميزاب، وتوفَّرت له في أسرته ووسطه وبيئته عوامل العناية والرعاية وأسباب النبوغ والامتياز، ومعطيات المقاومة والمناورة...
كانت بداية تعلُّمه في كُتَّاب الشيخ محمد بن الحاج يوسف، الذي كان على دراية تامَّة بأساليب التربية الإسلامية الرامية إلى تكوين المتعلِّم في جوانبه الثلاثة المتكاملة (الجسم، العقل، النفس).
ثم انتقل إلى معهد البطل المجاهد والمربِّي الحكيم الحاج إبراهيم الأبريكي، الذي تخرَّج عليه رجالُ دفاعٍ عن الدين والوطن، وأصبحوا عينًا يقظة وجنَّة واقية.. ثمًّ انتقل إلى معهد الشيخ الحاج عمر بن يحي ففتِّحت مواهبه على يده، وكان من المفروض أن ينتقل إلى تونس شأن الكثير من طلاَّب العلم بميزاب، ولكنَّ أستاذه لم يأذن له فبقي معه يستفيد ويُفيد، إلى أن وافاه الأجل، فخلفه وكان مثال الجدِّ والوفاء والمثابرة، وما زال يتقدَّم ويتطوَّر حتَّى توَّجه أعمال تلك المرحلة بتأسيس معهد الحياة، الذي ساهم في نشر العلم وحماية القيم والتكيُّف مع المستجدَّات في إطار معتدل يحافظ على الماضي، ويتطلَّع إلى المستقبل.. فكان دوره في الحركة الإصلاحيَّة دور الرائد الباني، كما كان دوره في جمعية العلماء دور القائد الحكيم الذي يماثل دوره في الجنوب دور ابن باديس في الشمال، رحمهما الله وجازاهما عمَّا قدَّما للإسلام والعربيَّة والجزائر من أعمال جليلة لم يريدا بها جزاء ولا شكورا.
الخلاصة:
وبعد، فإنَّ ما قامت به مختلف الهيئات والجماعات في الجزائر – من أعمال ساهمت في تحديد مسار التحرير، وأعدَّت لتحقيقه – لم يكن شيئا مذكورا بالمقارنة إذا ما قامت به الحركة الإصلاحيَّة وجمعية العلماء، لأنَّه صرخة إعادة الوعي، وأرضية إقامة البناء، وسياج حماية الشخصية...
وما ملتقانا هذا إلاَّ شهادة وفاء، ووثيقة التزام، ووسيلة تواصل، والله وليُّ التوفيق والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
المصادر والمراجع: (1/261)
صفحة 262
1. سجل مؤتمر جمعية العلماء ... ... الشيخ محمَّد البشير الإبراهيمي.
2. الحركة الوطنيَّة، ج3، ... ... ... الدكتور سعد الله.
3. حياة كفاح، ج2 ، ... ... ... الأستاذ أحمد توفيق المدني.
4. أعلام الإصلاح في الجزائر ج2، 3 ... الأستاذ محمَّد على دبُّوز.
5. جمعية العلماء المسلمين ودورها في تطوُّر الحركة الوطنيَّة الجزائريَّة ... عبد الكريم بوصفصاف.
6. جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وأثرها الإصلاحي في الجزائر ... ... الدكتور أحمد الخطيب.
7. الكفاح القومي السياسي ج2، ... ... الأستاذ عبد الرحمان بلعقون.
8. الإصلاح الإسلامي في الجزائر من سنة 40 إلى 55 ... ... ... الأستاذ علي مرَّاد.
الأستاذ أحمد شغار الثعالبي ...
بسم الله الرحمن الرحيم
الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية
الرئيس
جمعية الحياة القرارة – غرداية
بدايةً، أشكر جمعية الحياة بالقرارة على أن وجَّهت لي الدعوة لحضور هذا الملتقى المخصَّص للإمام المغفور له: الشيخ بيوض إبراهيم بن عمر في إطار التعريف بروَّاد الحركة الإصلاحية الوطنية، وباعثي نهضتها، وما تركوه من آثارٍ في نهضة الجزائر.
إنَّنا نحمل مودَّة وتقديرًا خاصَّين لجنوبنا العزيز من بلادنا الغالية، ولرجاله الأباة، وفي مقدِّمتهم كوكبة من خيرة رجالات الإصلاح علمًا وهمَّة، ممَّن أثَّروا المسيرة النضاليَّة لشعبنا طيلة النصف الأوَّل من القرن العشرين، واستمسكوا بالعُروة الوثقى للمعرفة ونصاعة الإسلام، ورفعوا لواء النضال الفكريّ والإصلاحيّ، وما أجدر بنا اليوم ونحن نستعرض مآثرهم الخالدة،ونستذكر أعمالهم الجليلة، ونستحضر مواقفهم الإصلاحية أن نقتفي خُطاهم في هذا الظرف بالذات، الذي يتطلَّب منَّا العمل الجادَّ لِلَمِّ شمل الأمَّة، ورأب الصدع، وجمع الكلمة، وإجراء المصالحة الوطنية، ويضع أبناؤنا دون محاباة ولا تمييز كلُّ أبنائنا اليد في اليد لترميم ما هُدِم، وإصلاح ما أُفسِد، والمُضيِّ في خُطى ثابتة وفي جوٍّ من الأمن والوئام والاستقرار. (1/262)
صفحة 263
وإذا أردنا أن نتحدَّث عن الشيخ بيوض فإنَّما نتحدَّث عن رؤيته الاستشرافية، في مجال التربية والتعليم، والنهوض بالنشء، وعلى قدرته على تمثُّل حضارة العصر من خلال دعوته الثائرة إلى الأخذ بمجامع معارف الآخرين، وتخيُّر فضائلهم الإيجابية، لاستلهامها في بناء ذاتنا الحضارية.
إنَّ الشيخ بيوض الذي شبَّ وترعرع في بيئته المحافظة، والتي لم يبرحها لا قبل الثورة ولا أثناءها يستشعر اللمسات الخفيَّة والبادية في الحضارات الأخرى، ويدعو إلى الأخذ بعلوم العصر النافعة، دون أن يُفرِّق بين الجنسين، وهو في هذا كان مجدِّدًا، ويُعَدُّ من أهمِّ العارفين بحقيقة عقيدتهم، خاصَّة عندما شدَّد على أنَّ الخلاف في العَرض لا في الجوهر، وفي الفروع لا في الأصول، ومن ثمَّ زاد في توحيد صفوف الأمَّة.
إنَّ الرجال تخلِّدهم أعمالهم، وتمجِّدهم آثارهم، والمغفور له الشيخ بيوض الذي تلتقون اليوم للتعريف به، والذي اختصَّ بتربية النشء، وتكوين جيلٍ مثقَّفٍ مستنير، ومحاربة الفساد بكلِّ أنواعه، وتنقية العقيدة من كلِّ ما شابها من شعوذة وخرافات، وكانت له مواقف مشهودة في الدعوة إلى التآخي والتلاحم والتعاون بين أبناء هذه المنطقة، كان من الرعيل الأول الذي تشهد عليه أعماله التربوية، ورسالته الخالدة التي ورَّثها لهذا الجيل الذي يواصلها الآن بإخلاصٍ ووفاء، ويقيم له هذا الملتقى عِرفانًا منه بفضله، وتقديرًا لمكانته.
وليست هذه الوجوه الكريمة التي حضرت هذا الملتقى، وهذه الأعداد الكبيرة من خرِّيجي معهد الحياة التي تتعهَّده إلاَّ إثباتًا حيًّا لقيمة هذا الرجل ولعمله الجادّ والمثمر.
نرجو الله أن يعجل الفوز والصلاح لأمَّتنا، وندعوه أن يوفِّقنا جميعًا للخير، وأن يسدِّد خطانا في خدمة وطننا العزيز.
أخوكم
عبد العزيز بوتفليقة
حُرر بالجزائر في 07 محرَّم 1421 هـ، الموافق 12 أفريل 2000م
قراءة مالكي لفتاوى الشيخ بيوض (1/263)
صفحة 264
بقلم : الأستاذ الدكتور عبد الرزاق قسوم
جامعة الجزائر
تمهيد
ينبغي التنبيه منذ البداية إلى أنّي أنطلق في قراءتي كمالكي لفتاوى الشيخ بيوض، من التسليم بحقيقة علمية، وهي : محاولة تجاوز العقبة المنهجية المتمثلة في فقدان الأدوات المعرفية ، المؤهلة لتناول مثل هذا الموضوع.
فإضافة إلى أني لست إباضيّ النزعة مما يجعلني سطحي المعلومات في فقه المذهب الإباضيّ، فإني بالرغم من مذهبيتي المالكية، لست أيضا متضلعا في الفقه المالكي، لمختلف المدارس المشرقية و المغربية ...
ولعل ما يشفع لي في الإقدام على تناول هذا البحث التخصصي المقارن، نشدان الحقيقة العلمية الدينية، كباحث زادُه الموضوعية، ومنهجه تجاوز المذهبية المتعصبة، حيثما وجدت، وغايته إيجاد حلقة وصل علمية داخل الإيديولوجية العقدية الكبرى، وهي: الإسلام.
ولعلّ السؤال الذي يطرح نفسه بداهةً، في هذا المستوى من التمهيد هو البحث عن سبب إقدامي ـ وأنا المهتمُّ بالقضايا الفلسفية ـ على المسائل الفقهية، ممثَّلة على الخصوص في الفتوى والاجتهاد.
وما يشفع لي في كلِّ هذا، هو أنَّ الفقه عند المسلمين كالعقل، أعدل قسمة بينهم، فمن (يرِدِ الله بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ). وإذا علمنا أنَّ الفقه هو الفهم، فإنه يصبح لونًا من الإدراك العقليِّ، لقضايا الإنسان والمجتمع.
من هنا أمكن القول بأنَّ الفتوى، التي هي المصباح الفقهي الذي يستضيء به المسلم في جميع مجالات حياته، هي الأخذ بيد المسلم المتأزِّم، من أجل طمأنة قلبه بالدين، وحلِّ مشكله الفقهي بما يتماشى ونصوص الكتاب والسنة، وما يقنع العقل، ويطمئن القلب.
ونعتقد أنَّ لابد للفتوى من أسانيد تتَّكئ عليها، وأولى هذه الأسانيد الاجتهاد... فالاجتهاد الذي هو بذل الجهد العقلي والنقلي لاستنباط الحكم الشرعي، هو دعامة كلِّ فتوى تعي بُعْدَ النتائج المترتبة عن هذه الجهود. (1/264)
صفحة 265
وثاني الدعائم للفتوى التَضَلُّعُ في الفقه المذهبي، مع الثقافة الموسوعية في فقه المذاهب، وهذا دون إغفال الإلمام الكافي لقواعد اللغة وما يتبعها من مجازٍ ومتشابه، وذلك هو مفتاح تأويل النصوص ولا سيما نصوص الكتاب والسنة.
وإذن، فمن لم يكن من أهل الاجتهاد، لا يجوز له الإفتاء في عصرنا ـ اليوم ـ، ولذلك تصبح المعادلة كالتالي : كلُّ مجتهدٍ مفتٍ، وليس كلُّ مفتٍ مجتهدا.
على أنَّ هناك عاملاً آخر مهمًّا، لا يمكن إغفاله في علم الفتوى، ونعني به: علم المقاصد. فلا بدَّ للمفتي من الاجتهاد في فهم مقاصد الشريعة، كي تكون أحكامه الفقهية مستجيبة لنصوص الكتاب والسنة.
في ضوء هذه المعطيات كلِّها، يمكننا الإقدام على فتاوى الشيخ بيوض، من منظور مالكي، لنسأل: ما هي أهمُّ المميِّزات التي تطبع هذه الفتاوي، كما تبدو لي كباحث مالكيٍّ؟
المقومات الثقافية لشخصية المفتي:
إنَّ المحلل لشخصية الإمام بيوض، يكتشف فيه شخصية العالم بالمعنى العلمي الإسلامي القديم لمدلول العالم، القائم على الموسوعية المعرفية.
فالشيخ بيوض حافظٌ لكتاب الله، متضلِّعٌ في فهمه، مدرك للمتشابه من آياته، والمنسوخ من أحكامه، ومن ذلك جاء إقباله على التفسير، وعلى الفتوى، وهو واسع الاطلاع في علم الحديث، ملمٌّ بمصطلحه، مصنِّفٌ لصحيحه وحَسَنِهِ وضعيفه.
كما أنه محيط بفقه السيرة النبوية، وتاريخ السلف الصالح، يستنجد بهما في أحكامه، وهو ما أهَّله للفقه والاجتهاد، والفتوى...
من هنا ندرك أنَّ الفقه مهمة العلماء، فلا يسمح للجهلة بتعاطي الفقه والإفتاء، لأنهم يَضِلون ويُضِلون.
فقد قيل:
إنَّ الجاهل بالدين يفسد الأديان
والجاهل بالطب يفسد الأبدان
والجاهل بالسياسة يفسد الأوطان
ويقول الإمام عليٌّ كرم الله وجهه: " ألا أخبركم بالفقيه كلَّ الفقه ! إنه من لم يُيئس الناس من رحمة الله، ولم يرخِّص لهم في معصية الله". (1/265)
صفحة 266
إنَّ هذه المقاييس العلمية نجدها مجتمعة في فتاوى الشيخ بيوض، وهي متطلَّبات كلِّ فقيه ومجتهدٍ، ومفتٍ.
لكن ما اختصَّ به الشيخ بيوض في فتاواه كإباضي، هو أدوات معرفية خاصة غدت بمثابة المصطلحات تلازم أحكامه في الفتوى، وهي المفاتيح بالنسبة لمن أراد غوص مذهبيته من خلال الفتاوى.
فهو يلحُّ كثيرًا على استعمال مصطلحات مثل: " علماء الإباضية"، و"المذهب"، و"ومذهبنا"، والعلماء الموافقون والمخالفون، والأئمة الأعلام من الخلف والسلف... وهي كلُّها مصطلحات مذهبية، تحيل دائمًا إلى المذهب الإباضي.
هذا من حيث المنهج، أو الشكل، أمَّا من حيث المضمون فإنَّنا نجد مجموعة من الخصائص التي ميَّزت فتاواه، وأحكامه الفقهية، وأهمُّها:
الواقعية في التشخيص:
إنَّ فتاوى الشيخ بيوض كتاب مفتوح على قضايا الإنسان والمجتمع، ولا أقول المجتمع الميزابي أو الإباضي فحسب، بل المجتمع الجزائري بكلِّ طبقاته وأقاليمه. (1/266)
صفحة 267
وما يبعث على الإعجاب في هذه الفتاوى هو الجرأة والشجاعة في عرض القضايا داخل مجتمع محافظ كالمجتمع الإباضي... فالفتاوى تتناول مختلف أسئلة الناس على تباين غرابتها بل شذوذها، سواء تعلَّق الأمر بالعلاقات العائلية، أو الاجتماعية، أو الاقتصادية، أو الصحية، في محاولة لمعالجة أدواء الناس بروح علمية، دينية، دعوية، أخلاقية... وهو ما يماثل استبطانًا لحقيقة الإنسان والمجتمع، فسيَّان عنده أن يكون السائل رجلاً أو امرأة، أو كان السؤال عاديًا أو شاذًا، أو كان مألوفًا، أو خارجًا عن عادات الناس وتقاليدهم، فهو يعمد إلى غمس إبرة معالجته في صمم الجرح المجتمعي، ليقدِّم للناس، بعد التشخيص والبحث عن أصل الدَّاء، العلاج الشافي والكافي، غير مجُدٍ في منهجه تجاوز حدود المألوف، أو الكشف عمَّا هو مغطى وملفوف، فالشيخ بيوض هنا، يبدو بمثابة الطبيب المعالج الذي هاجسه الوحيد هو الكشف عن الداء، والبحث عن الدواء، ولا يهمُّه بعد ذلك إن كان فيما يقدِّمه أحداثا لألمٍ، أو إلحاقٌ لأذى بالسائل، فالأعمال بالنيات والنتائج.
ب – العقلانية في الأحكام:
لم تعد الفتوى في عالمنا اليوم، وفي مجتمع تزداد مشكلاته تعقيدًا بسبب التخلّف التنموي، والتقدم العلمي والتكنولوجي، لم تعد هذه الفتوى، تصاغ في قالب نقلي محشو بالنصوص، بل إنَّها تتطلب التحليل والنقاش، والإقناع، إضافة إلى الانفتاح على مشاكل العصر، والاطلاع على تقدُّم العلم.
فالسائل اليوم والطالب للفتوى تحكمه مجموعة من العوامل لعلَّ أهمَّها، هذا الشلال الإعلامي المحتوي لعقول الناس، والذي يغزو الإنسان حتى في بيت نومه، فيُقدِّم له الغث والسمين... ويتميَّز في جانبه الفقهي الديني ، بتعددية الفتاوى والمفتين، وتنوُّع المذاهب والمذهبيين، ومن هنا لا بدَّ من انتقاء ما يقدَّم لطالب الفتوى من أحكام مقنعةٍ، وإجابات لا تكون على هامش قضايا عصره.
العقيدة: (1/267)
صفحة 268
ففي مجال العقيدة مثلاً نجد الشيخ بيوض معتمدًا على مذهبه، يلجأ في قضية الصفات الإلهية وأفعال الإنسان والتكفير إلى العقل، فيُحلِّلها تحليلا عقلانيًا يجعلك ـ وأنت من مذهب مخالف ـ تقتنع بمنطقيتها.
فالصفات الإلهية "ذاتية في اعتقاد الإباضية وجمهور الأئمة، لكنها عند معشر الإباضية ليست زائدة على الذات، لأننا نؤمن بأنَّ الله تبارك وتعالى واحد في ذاته، وواحد في صفاته، لا شريك له، وإن تشابهت الألفاظ فهناك فرق من سمع المخلوق وسمع الله. "ج1 ص 33.
أما بالنسبة لأفعال العبد ورؤية الله تعالى، فقد اتخذ الإباضية ـ كما يقول الشيخ بيوض ـ موقفاً وسطًا بين المعتزلة والجبرية، أساسه العدل، فقالوا: الخلق للأفعال من الله، والاكتساب من العبد، واستدلَّ على ذلك بقول العالم الإباضي الشيخ أبي نصرٍ النفوسي، من قصيدته النونية:
"فأفعالنا خلق من الله كلُّها ... ومنا اكتساب بالتحرُّك للبدن" "ج1 ص: 39"
وأطرف ما في هذا أنَّ الشيخ بيوض وهو يحلل هذا الموضوع، ليسوق فعلاً مخالفًا في العقيدة، والحكم، وهو قول الوجوديين: كجون بول سارتر، وجماعته، مما يدلُّ على تفتُّحه حتى على المذاهب الهدامة. كما أنَّ الشيخ بيوض عندما يتناول قضية تكفير البغاة، يقدَّم لها تعليلا عقلانيًا، فيقول بنوعين من الكفر هما: كفر الشرك، وكفر النفاق...ويقول بأن كفر البغاة هو كفر نفاق، لا كفر شرك. ويدخل في هذا النوع مرتكب الزنى، وعدم الصيام، وتارك الصلاة...إلخ، وهو تشديد القصد منه حسب فهمنا توعية العاصي بخطورة ما أقدم عليه.
أما بخصوص رؤية الله تعالى يوم القيامة، فإنَّ الإباضية يقفون موقفًا عقليًّا تنزيهيًّا لله كالمعتزلة، فيقولون بعدم الرؤية، لأنَّ العين حاسة لا تقع إلاَّ على الجسم، والله ليس مجسمًا فإبطال الرؤية أولى، تنزيهًا لذات الله تعالى. (1/268)
صفحة 269
ووجه التعليل هنا، للخروج من هذا الإشكال، أنَّ الله قد يخلق فينا يوم القيامة ـ وهو القادر على كلِّ شيءٍ ـ حاسة خاصة، تمكِّننا من رؤيته، دون الإخلال بجلاله، ونكون بذلك قد انسجمنا عقليًّا ونقليًّا مع النصوص.
العبادات:
إنَّ المنهج العقلي الإقناعي الذي وجدناه عند الشيخ بيوض في تقديمه لمسائل العقيدة، هو الذي نجده هنا في مجال العبادات، فتأصيل النصوص، مع تعليل عقليٍّ، واطلاع على المذاهب الأخرى دون انغلاق، أو غلوٍ، أو تزمُّت، هو ما يصبح تحليله.
على أنَّّ هذا لا يمنع من وجود اختلاف بين الإباضية والمالكية، في بعض قضايا العبادات، ولكنه اختلاف لا يفسد للدين قضية، وكلاهما في سبيل الله مجتهد.
فمثلاً قصر الصلاة، موضوع تباين فيه مواقف الإباضية والمالكية، فالإقامة مشروطة عند الإباضية بالزواج أو الملكية، فمن تزوَّج وملك في بلدٍ ما، أتمَّ الصلاة؛ ومن لم يتزوج ولم يملك اعتبر في عداد غير المُقيم، ويمكنه قصر الصلاة، إضافة إلى تجاوز حدِّ عمران وطنه، وهو ميزاب، إلى أي جهة كانت، فمن فعل ذلك أصبح مسافرًا، وطبقت عليه أحكام المسافر.
أمَّا المالكية فإنهم يحددون قصر الصلاة بالمسافة، والزمن، والنية... ومن جهة نظري، فإنَّ المالكية هنا يقولون بتحديد المسافة بما يعادل 80 كلم فما فوق، والمدَّة الزمنية بأقلَّ من أربعة أيام، والنية بأن يكون السفر لمقصدٍ مباح، ذلك أنَّ تحديد الملكية والزواج مع تعليل المسافة وإطلاق المدَّة، أخشى أن يُتخذ ذريعة من البعض للقصر الدائم للصلاة، وفي ذلك ما فيه من التسيُّب.
كما أنَّ ما قد نختلف فيه مع الشيخ الإمام إجابته عن سؤال بجواز الصلاة خلف المخالف في المذهب، ما لم يكن في الصلاة ما يفسدها، مما سمَّاه الإمام بـ "العبث"، والعبث كما فسَّره الإمام الشيخ بيوض هو رفع الأيدي، في الدخول إلى الصلاة، والقبض أو تحريك السبَّابة أو القنوت. "ج1، ص: 123". (1/269)
صفحة 270
كما أنَّ من المواضع التي اختلف فيها المالكية والإباضية، حسب فتاوى الشيخ بيوض، صوم المجنب في رمضان، ويعلل الشيخ بيوض ذلك تعليلاً اجتهاديا قياسيًا، فيقول بأن الجنابة حدثٌ لا تصحُّ معه عبادة أصلاً، فإن الجُنب لا يصلِّي، ولا يدخل المسجد، ولا يقرأ القرآن، ولا يلمس المصحف، ولا يحمله، ولا يطوف بالبيت الحرام، حتى يغسل. وبما أنَّ الصوم من أعظم العبادات، ووقت عبادته من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، بنصِّ القرآن، وجب أن لا يدخل المسلم هذه العبادة من كلِّ حدثٍ كالجنابة، وأجمع علماء الإباضية على أنَّ من أصبح جُنُبًا بتضييع أو تقصير، أو احتلم في النهار، ولم يبادر إلى الغسل، أوَّل وقت الإمكان، فسد صومه، ووجب عليه القضاء "ج1، ص: 286".
أمَّا المالكية فهم أقلُّ تشدُّدًا في هذا الحكم، والمصبح مجنبًا عندهم يدخل في باب الكراهية، ولا يلزمه القضاء، ويقول الناظم ابن عاشر في هذا:
وكرهوا ذوق كقدر وهدرٍ ... ... غالب قيءٍ وذباب مغتفر
غبار صانع وطرق وسواك ... ... يابسٍ، إصباح جنابة كذاك
أمَّا بالنسبة لرؤية هلال رمضان، فإن الشيخ بيوض يتخذ موقفًا في منتهى الاجتهاد الديني والعقلي معًا، وبالرغم من جمعه بين الرؤية والحساب لإثبات الأهلة في الصوم والحج، فإنه سلَّم أنَّ الحساب الفلكي اليوم قطعيٌُّ والشهادة ظنية، فلا تُقبل مطلقًا الشهادة إذا عارضت القطعي، وهو الحساب الفلكي "ج1، ص269".
ويدلل الشيخ بيوض على حكمه هذا، بأنَّ من القواعد الفقهية أنَّ الشهادة تردُّ إذا استُريبت "ج1، ص:271"، فإذا شهد شهود برؤية الهلال والعلم يُثبت أنَّه لم يولد، ضرب بشهادته عرض الحائط (ص 271) ، أمَّا لو أثبت العلم ولادة الهلال، وإمكان رؤيته بعد غروب الشمس ، ولكنَّه لم ير في أيِّ جهة من جهات الوطن مطلقاً، فإنَّ هذا لا يُعمل به، بل يكمِّل الثلاثين. (1/270)
صفحة 271
إنَّ هذا التعليل يعتبر من أحسن أنواع التعاليل الفقهية، ولم نعثر له بمثل هذه الدِّقة، عند المالكية، فيما نعلم.
المعاملات :
يمكن القول بأنَّ فتاوى الشيخ بيوض قد جاءت حسب فهمي الخاصِّ، أكثر شجاعة وحداثة في مسألة المعاملات، مما يدلُّ على انفتاح الشيخ على علوم عصره، فسواء تعلق الأمر بالقضايا الاقتصادية، أو العائلية أو الاجتماعية، أو العلمية،أو الصحية ...فإننا نلمس اطلاعا واسعاً للشيخ بعلوم عصره، كالفلسفة في قضية أصل الإنسان، و الاقتصاد في قضية المصارف و البنوك، و العائلية و الاجتماعية في قضايا الهوائيات و عواقبها، والصحية في قضايا تحديد النسل أو زرع الأعضاء، وما إلى ذلك. و الأهمُّ من ذلك أنَّه تناول هذه المسائل كلِّها من جانبها الديني أولا، ثم يحيل القضية بعد ذلك إلى الخبراء من أهل الاختصاص، ليعطوا رأي العلم الذي ينبغي أن لايخالف الأساس الديني الذي وضعه.
إننا نلمس هذا في قضية منع الحمل، أو تحديد النسل، و بالنسبة للخفاض عند الأنثى، وزرع الأعضاء ...الخ
فعلى سبيل المثال، عندما سئل عن تطعيم المرأة بدم أجنبيِّ عنها، هل ينزل هذا منزلة حكم الرضاع ؟
يجيب الشيخ بلا، و يضيف بأنَّ التداوي بالدم جائز، ولا فرق في ذلك بين دم المسلم و غير المسلم، مستندا على قول الله تعالى: (فمن أضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه) (ج2/ص652).
و كذلك الحال بالنسبة للشعر الاصطناعي الذي تضعه المرأة للتزيين به، فإنَّه يوطئ بقوله : (إنَّ الشعر الاصطناعي منهيُّ عنه شرعا، إلاَّ إذا لبسته المرأة للتزيُّن به في بيتها، فإنه لا بأس به، أماَّ إذَّا كان لغير ذلك، فإنه لا يجوز، وخاصَّة إذا كانت غير متزوِّجة، لأنها تخدع به الخاطبين) (ج2/ص637). (1/271)
صفحة 272
آخر ما يمكن أن يساق في قضية التعامل و العلاقات الاجتماعية، مسالة التصوير، والغناء و الموسيقى، فهنا ايضا نجد للشيخ بيوض موقفاً في منتهى الواقعية، فهو يقول بإباحة التصوير ليلتقي مع الشيخ أحمد حمَّاني المالكي، حتى في تفاصيل المسألة، كمنع التماثيل و النصب.
وفي قضية الغناء، فإنه يضعه موضع باقي الكلام، حلاله حلال، وحرامه حرام، بحسب المعنى.
وهو هنا يلتقي مع الشيخ محمد الغزالي الشافعي، إذ يقول بأن الغناء ليس جائز مطلقاً، وليس ممنوعاً مطلقاً. و يسوق الشيخ محمد الغزالي مثالاً حياً، مفاده كلمات الأغنية لنفس المؤلِّف و نفس الملحِّن، قد تعدو حلالاً وقد تعدو حراماً، و يضرب مثالاً بالشاعر علي محمود طه، و الموسيقار محمد عبد الوهاب، فيقول بأن نشيد فلسطين:
أخي جاوز الظالمون المدى فحقَّ الجهادُ و حقَّ الفِدَا
هذا مما يجب سماعه لأنه يبعث النخوة و الوعي في قلوب السامعين.
و لكن أغنية لنفس المؤلف و الملحِّن، وهي أغنية كليوبترا، فهذه يحرم سماعها، لما فيها من عبث ومجون، فالأغنية إذن كما قال الشيخ بيوض لكلماتها و معانيها.
استنتاج:
ماذا يمكن استنتاجه في خاتمة هذا العرض لفتاوى الشيخ بيوض:
إنَّ ممَّا لا جدال فيه أنَّ ما قدِّم لا يعدو أن يكون انطباعاً، أكثر منه قراءة علمية و تحليلية متأنية.
كما أنَّ ما سقته، إن هو إلاَّ عيِّنة و نماذج، قد لا تعكس بدقَّة وعمق مضمون هذه الفتاوى، بجميع أبوابها و مجالاتها.
و قد نجانب الصواب إن قلنا بأنَّ المذهبين المالكي و الإباضي، يلتقيان أو يتقاطعان في كثير من المسائل و الغايات، و لاسيما الكليات من القضايا الفقهية.
على أنَّ التماس قد يحدث في بعض الفروع، كالتي أشرنا إلى بعضها، وهي يمكن أن نضيف أمثلة أخرى ضمنها، كقضية التدخين، واللحية، والقنوت، ورفع اليدين، ونكاح المزنية، و الظهار ...وغيرها. (1/272)
صفحة 273
ولا يعني هذا التماس تفضيل مذهب على آخر، ففي كل قضية نجد جوانب قوَّة مع مذهب من المذاهب.
فتحريم التدخين في المذهب الإباضي مسألة قياسية، ولا يوجد بها تنصيص صريح بالحرمة، من الكتاب و السنَّة.
ولكنها قياسياً أدخلها علماء المذهب الإباضي، وفي مقدِّمتهم الشيخ بيوض، في عموم الخبائث، وطبَّقوا عليه الآية ( ويحرِّم عليهم الخبائث) ويأتي العلم الطبي الحديث ليؤكد صحة المنع كما ذهب إليه أصحاب المذهب الإباضي، وليضيفوا إلى أدلتهم نقطة قوة لاسبيل إلى دحضها، ولعل هذا ما حدا ببعض المالكية المعاصرين كالشيخ أحمد حماني، إلى ترجيح كفة المنع مع فقدان النصوص الدالة على ذلك.
أما مسألة اللحية و إعفاؤها، فإن إخواننا في المذهب الإباضي، يعتبرون حلق اللحية حراماً، كما تثبث بذلك الأحاديث(ج2ص643) و بالتالي فإعفاؤها واجب. وهي عند المالكية مندوب، يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه.
فيقول الشيخ حماني:( وحتى النهي فيها، أي اللحية ينبغي أن يحمل على الكراهة لا على الحرمة، فاللحية إذن من خصال الفطرة، فإرسالها مندوب، وحلقها مكروه، ولا يخرج حلقها عن الدين) (فتاوى الشيخ أحمد حماني، ج2/ص 468).
ويعتمد الشيخ أحمد حماني في قوله بخصوص حلق اللحية، على عالمين مالكيين جليلين هما: القاضي عياض، و الشيخ النووي.
والمثال الذي يمكن أن نختم به في هذا الخصوص نسوقه من مسألة اللباس، فيقول الشيخ بيوض بشأنه:( وأما الذي يصف العورات و ينم عنها، لشدة ضيقه، فإن كثيراً من العلماء ينهي عنه، ولا نرى في ذلك معصية)(ج2/ص646)
بينما للمالكية في قضية اللباس قاعدة هامة وهي أن لا يصف ولا يشف، وهي قاعدة ذات معنى دقيق و عميق. (1/273)
صفحة 274
وبعد فإن قراءة فتاوى الشيخ بيوض تبعث على المنفعة النفسية، وعلى الطمأنينة الدينية و العقلية، وهي ولا شك إضافة هامة للبحث الديني في الجزائر، بغض النظر عن الاختلاف المذهبي، بل إن هذا الاختلاف عامل قوة، لا عامل ضعف وما هذا اللقاء الذي نجتمع اليوم فيه، في ذكرى الشيخ بيوض، إلا تأكيد لحقيقة الوحدة الدينية، والوحدة الوطنية، بين الشمال و الجنوب، و بين الإباضية و المالكية، (إنَّ هذه أمتكم أمة واحدة).
ذكراك يا إمام
ذكراك يا ... إمام ... لمن هنا ... تقام؟
فأنت يا ... إمام ... حي على ... الدوام
ونحن يا ... إمام ... لم تُنْسِنا ... الأيام
ذكراك يا إمام
بصوتك ... الندي ... يشيعه ... القرآن
ونورٍ ... أحمديْ ... تخلد في الوجدان
بالروح ... نفتدي ... وليشهد ... الرحمان
ذكراك يا إمام
ترنيمة ... المعاهد ... تعانق ... الصباح
وهبّة ... المساجد ... تدعو إلى ... الفلاح
شهادة ... المشاهد ... عن نهجك ... الوضاح
ذكراك يا إمام
دستورنا ... القرآن ... لساننا ... البيان
فليلنا ... رهبان ... نهارنا ... فرسان
و إخوة ... الإيمان ... هم لنا ... إخوان
ذكراك يا إمام
عهدك يا ... أبانا ... تسري به ... دمانا
فمن رعى ... وصانا ... نسكنه ... الجَنَانَا
ومن بغى ... وخانا ... نمقته ... عيانا
... ذكراك يا إمام
ذكراك يا ... إمام ... لم تُبلهَا ... الأيام
ونحن ... للإسلام ... بالعهد ... والذِّمَامِ
فديننا ... السلام ... ونهجنا ... الوئام
... ذكراك يا إمام
... ... شعر الدكتور: محمد صالح ناصر
... ... الجزائر: فجر الجمعة 01/10/1999
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
قد يولد الرجل عظيما فيقزم أمام أمَّة طالحة، وقد يولد الرجل قزما فيعظم أمام أمَّة صالحة؛ ولكن ماذا لو وُلِد الرجل عظيماً فصادف أمَّة عزيزة صالحة؟
فليكن الرجل العظيم: العلاَّمة الإمام إبراهيم بن عمر بيوض.
ولتكن الأمَّة الصالحة: أمَّة الإسلام عامة، والجزائر خاصَّة.
ولا يمكن أن يختلف اثنان في صلاح أمَّتنا، كما يستحيل أن يخطئ عاقل منصف في عظمة علَمنا. (1/274)
صفحة 275
ومثَل الحقِّ والباطل - في هذه الحياة - كمثل الزبد والماء: فالباطل يطفو ويَهيج ويبدو رابيا، ولكنَّه في آخر المطاف خبثٌ؛ أمَّا الحقُّ قيظلُّ هادئاً ساكنا، وربَّما يحسبه بعضهم قد خنس وانزوى، أو مات وانطوى، ولكنَّه دوما هو المنتصر، وهو الباقي فوق سطح الأرض كالماء المستمدِّ حياته من عظمة الحقِّ تبارك وتعالى: {فأمَّا الزبدُ فيذهبُ جُفآءً وأمَّا مَا ينفعُ الناسَ فيمكُثُ في الاَرضِ كذلكَ يضرِبُ اللهُ الاَمثالَ} (سورة الرعد: 19).
ولطالما مرَّت على أمَّتنا ساعات ضبابية قزِّم فيها رموزها، واحتُفل فيها بالزعانيف من خُدَّاعها، ولكن سرعان ما يصفو الجوُّ بعد كدر، وتعود المياه إلى مجاريها: {بل نقذف بالحقِّ على الباطِل فيدمغُه فإذا هو زاهقٌ} (سورة).
وقد ابتُليت الجزائر بمثل هذه الظروف، فشَكَّك دعاةُ التغريب (المجاهدين، المغرضون...) وأذيالُ الصليب في حقيقة أعلام، صنعوا لهذه الأمَّة العزيزة مجدها، من أمثال: الأمير عبد القادر، والإمام ابن باديس، والشيخ أبي اليقظان، والشيخ الإبراهيمي، والشاعر مفدي زكرياء، والشيخ العقبي... وغيرهِم من العظماء كثير.
ولا ريب فقد نال الرسلُ - قبل هؤلاء - من الإجحاف والجحود والتكذيب ما لم ينله غيرهم، فاسمعوا إلى ربِّ العزَّة وهو يخاطب محمَّدا خير الرسل T قائلا: {فإن كذَّبوكَ فقد كُذِّب رسلٌ من قبلِكَ، جآؤوا بالبيِّنات والزبر والكتاب المنير}(سورة آل عمران: 184) ويقول: {ولقد كذِّبت رسل من قبلِكَ فصبروا على ما كُذِّبوا وأوذُوا حتَّى أتاهُم نصرُنا، ولاَ مُبدِّل لكلماتِ اللهِ}(سورة الأنعام: 34).
ولقد نال الشيخ بيوض - كغيره - نصيبه من هذا التعتيم الحاقد، والعداء السافر - ولا يزال -، غير أنَّ التاريخ لن يعدم لحظاتٍ - هي المنعرج لصناعة الحضارات - تعود فيها الأمم إلى رموزها، عودة العطشان إلى الورود بعد الصدور، وعودة الحياة إلى الأنفس بعد الممات. (1/275)
صفحة 276
وفي مثل هذه النفحات الربَّانية، يجدر بكلِّ مسلم غيور، وجزائريٍّ أصيل أن يطَّلع على معالم حياة رمز من رموز وطنه، وصانع من صنَّاع مجده: الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض.
فمن هو هذا العلَم؟ وما هي إنجازاته؟ وماذا خلَّف من آثار؟ وما هي مصادر دراسة شخصيته؟...
كلُّ هذه تساؤلات يحاول هذا الكتاب التعرُّضَ إليها باختصار شديد، وتركيز أكيد، فما هو إلاَّ مدخل إلى شخصية رجل كان لوحده أمَّة:
وليس على الله بمستنكر ... أن يجمع العالَم في واحد
ولعلَّ المناسبة (1) هي التي أوحت إليَّ هذا النوع من التعريف، والحقُّ أنَّ شخصية في حجم عالم الإسلام الشيخ بيوض في حاجة إلى دراسات عميقة، وأبحاث مستفيضة، واستجلاء حقائق ناصعة؛ وإن تمكَّنت هذه المناسبة من بلوغ هذا الهدف فقد تحقَّق ما يصبو إليه كلُّ منصفٍ نزيه: ولا يدرك قيمةَ الرجال إلاَّ الرجال.
والله الموفِّق للصواب، وهو الهادي إلى سواء السبيل.
القرارة
الجمعة: 29. ذو الحجة 1417/ 17. ماي 1996
نسب الشيخ بيوض ومولده
هو إبراهيم بن عمر بن بابه بن إبراهيم بيوض، من مواليد القرارة (2) في يوم 11 من ذي الحجَّة 1316هـ / 21 أفريل 1899م.
وأمُّه عائشة بنت كاسي؟
مراحل دراسته
__________
(1) - المناسبة هي الملتقى الوطني لإحياء ذكرى الشيخ بيوض، إعداد الكشافة الإسلامية الجزائرية، مكتب القيادة العامة بالتنسيق مع المحافظة الولائية لغرداية، بتاريخ 1، 2، 3 جويلية 1996م، بقاعة ابن خلدون بالجزائر العاصمة.
(2) - القرارة هي إحدى مدن وادي ميزاب السبع، تقع جنوب الجزائر، وتبعد عن غرداية عاصمة ميزاب ومقرُّ الولاية بـ 116 كلم؛ ويذكر المؤرِّخون أنَّ تاريخ نشأة القرارة يعود إلى سنة 1040هـ.
... أمَّا المدن الأخرى فهي: العطف، مليكة، غرداية، بني يسجن، بنورة، بريان. (1/276)
صفحة 277
دخل المدرسة القرآنية منذ صغره، واستظهر القرآن الكريم وعمره لم يتجاوز اثني عشر (12) سنة عند شيخه: الحاج محمَّد بن يوسف بهون بن علي. والتحق بعد ذلك بحلقة (إِيرْوَان) (1) . ثمَّ تدرَّج في طلب علوم اللغة العربية، وعلوم الشريعة الإسلامية.
مشايخه
من أبرز مشايخه في مختلف مراحل تكوّنه، وفي شتَّى فنون العلم والحياة: الشيخ إبراهيم بن عيسى الابريكي (1273-1329هـ/1857-1911م)، والشيخ الحاج عمر بن يحي المليكي (2) (1274-1339هـ/1858-1921م)، والشيخ عبد الله بن إبراهيم أبو العلا (1882-1960م)، والشيخ بكير (بن؟؟؟) العنق (1285-1353هـ/1868-1934م) (3) .
فنون العلم التي نبغ فيها
اهتمَّ الشيخ بيوض كثيرا بعلوم اللغة العربيَّة - باعتبارها أداة ومفتاحا للعلوم الأخرى -، ودرس العقيدة، والأصول، والفقه، والسيرة النبوية، والميراث،...
ولم يقتصر على العلم النظري، بل بملازمة شيوخه وحبِّهم الشديد له، حُظي بتكوين تطبيقي يعنى بتربية النفس وتهذيبها، وشحذ القدرات العقلية وصقلها، والاعتناء بالأبدان وتنميتها... فجمع بذلك المنهجِ السليم الأسسَ الثلاثة للتربية الحقَّة: الروح، والعقل، والجسد.
أثر المطالعة ومجالس الإصلاح في صقل شخصيته
__________
(1) - حلقة إيروان: هيئة دينية، تندرج ضمن نظام العزَّابة، وهي هيئة الطلبة والمشتغلين بالعلم، بشرط أن يكونوا من حفظة القرآن الكريم.
(2) - للتوسُّع في ترجمة الشيخين، المليكي والحاج عمر بن يحي، انظر كتاب الدكتور محمَّد ناصر بوحجام تحت عنوان: «حياة الشيخين؟؟؟».
(3) - وانظر معجم أعلام الإباضيَّة (النسخة المصوَّرة)، التراجم رقم: 041، 752، 641، 227. (1/277)
صفحة 278
العصامية وحبُّ المطالعة هي من أبرز سمات الشيخ بيوض، وقد كان من روَّاد نادٍ لشيخه الحاج بكير العنق، يجتمع فيه سراة القوم لمطالعة ما يصلهم من كتب ومجلاَّت من المشرق خاصَّة، ومتابعة أحداث العالم الإسلامي، وعنها يقول: «هذه المجالس التي كانت تناقش فيها كلُّ مشاكل البلد، وتُشرح فيها كلّ سياسته، فعرفت ما لم أكن أعرف من أسرار المجتمع والإصلاح؛ فثقف عقلي ما أسمع وما أرى، وعلَّمني أساليب النضال، وأرهف حسِّي، وربَّاني تربية اجتماعية ممتازة» (1) .
شخصياتٌ علمية تأثَّر بها...
لا شكَّ أنَّ أبرز شخصية علمية تأثَّر بها الشيخ هي شخصية القطب (2) الشيخ امحمَّد بن يوسف اطفيَّش (1273-1332هـ/1818-1914م)، فكان يعدُّه آية في التحقيق، ويعتبر العمل التربوي والإصلاحي الذي قام به مكمِّلا لِمسيرته.
وقد تأثَّر كذلك بالإمام محمَّد عبده، وتبنَّى منهجه في التفكير والتفسير، وعن ذلك يقول: «إنَّ مقصدي من هذه الدروس [دروس التفسير] وغيرها هو مقصد الشيخ محمَّد عبده، أنْ أخلُق عقولا تتذوَّق بلاغة القرآن، ونفوساً فيها طهر القرآن، وتلاميذَ مصلحين يكونون جند القرآن» (3) .
وشخصياتٌ أخرى راسلها
__________
(1) - محمَّد علي دبوز: أعلام الإصلاح في الجزائر، ج2/ص154.
(2) - زار الشيخ بيوض القطب مع والده في سنة 1911م، وقد حضر في الأيَّام التي أقامها ببني يسجن كلَّ دروسه.
... وللتوسُّع في دراسة حياة القطب وفكره، انظر البحوث التالية: - الفكر السياسي عند الإباضيَّة من خلال آراء الشيخ اطفيَّش لجهلان عدُّون، نشر جمعية التراث -الشيخ اطفيش ومذهبه في تفسير القرآن ليحي بوتردين -منهج التفسير عند القطب لعكّي علواني -آراء الشيخ اطفيَّش العقدية لمصطفى وينتن. وكلُّها رسائل ماجستير.
... وانظر معجم أعلام الإباضيَّة (النسخة المصوَّرة)، الترجمة رقم 1147.
(3) - المصدر (1/278)
صفحة 279
لم تنقطع مراسلات الشيخ بالشخصيات المحلية والوطنية والإسلامية التي تربطه وإيَّاهم روابط علمية وسياسية وفكرية.
فقد يراسل علماء في العالم الإسلامي منهم: الشيخ عزَّ وجلَّ الدين بليق (لبنان) ، والشيخ مصطفى الزرقاء (مصر)، والشيخ موسى الصدر (إيران)، والشيخ علي يحي معمر (ليبيا)، والشيخ حمزة الرفاعي (المدينة المنوَّرة)، والشيخ أحمد حمد الخليلي (سلطنة عمان)، والزعيم سليمان باشا الباروني... وغيرهم.
وقد راسل مجموعة من علماء جمعية العلماء المسلمين مثل رئيسها الشيخ عبد الحميد بن باديس، والشيخ الطيب العقبي، والشيخ البشير الإبراهيمي؛ كما كانت له علاقات حميمة بالمفكر الراحل مولود قاسم نايت بلقاسم.
أمَّا في مستوى ميزاب فأكثر مراسلاته كانت بالشيخ عدُّون (شريفي سعيد)، والشيخ أبي اليقظان، والشيخ محمَّد علي دبوز، والشيخ عبد الرحمن بكلي، وشاعر الثورة مفدي زكرياء، وكاتبه الذي أحبَّه حبَّ الوالد لابنه الوفي حدبون صالح...
شدائدُ سبرته... فرشَّحته
بعد الحرب العالمية الأولى (1914-1918م) أخذته فرنسا - مع من أخذت من الشباب الجزائري - للخدمة العسكرية الإجبارية، وبعد مساعي حثيثة انتشل من براثن الظلم انتشالا... وبعد ذلك مباشرة جنَّد نفسه لمحاربة الاستعمار، وندَّد بالتجنيد الإجباري في صفوف العدوِّ لمحاربة المسلمين - رفقة جماعة من الوطنيين - فأثمر سعيهم إلغاء فرنسا لهذا القانون في ميزاب.
وفي سنة 1921م نجا من وباء (التيفيس) الذي حصد المئات من الناس في القرارة، وقضى نخبة من العلماء والأعيان، فكان من بينهم والده عمر، وشيخه الحاج عمر بن يحي.
وهكذا أنجاه الله مرَّتين، وخصَّه بعنايته وفضله، بعد أن رزقه مواهب جليلة وصفات حميدة. فما كان من ابن العشرين ربيعا إلاَّ أن تحمَّل بعدهم الأمانة بإخلاص، وتلقَّف الراية بجدارة.
بروزه في حلقة العزَّابة (1/279)
صفحة 280
في سنة 1922م دخل عضوا في حلقة العزَّابة (1) ، وهو أصغرهم عمراً، ولكنَّ قدراتِه العلمية، مكَّنته من التفوُّق والنبوغ، فكُلِّف بالتدريس والوعظ والإرشاد بالمسجد بعد سنتين.
وفي سنة 1940م انتُخب بالإجماع رئيسًا لمجلس العزَّابة.
إنَّ إبراهيم كان أمَّة...
حبا الله تعالى الشيخ بمزايا كثيرة، جمعها البكري في قوله: «خلقٌ كريم، وعلمٌ واسع، وعقلٌ متَّزن، وفكرٌ وقَّاد، وحافظةٌ قوية، إلى لسانٍ فصيح معبِّر، وقلمٍ بليغ مقرِّر، إلى ألمعيةٍ تُرِيهِ العواقب في أثناء فكرته، إلى حظٍّ يدني البون الشاسع، ويفتح له كلَّ باب مغلق» (2) .
المسجد يَتحوَّل إلى "جامعة شعبية"
يقول الدكتور محمَّد ناصر عن الإمام الزعيم: «أدرك بحسِّه الإصلاحي، واطِّلاعه على الحركات الإصلاحية في العالم الإسلامي، أنَّه لا بدَّ من وضع خطَّة عملية طويلة النفس، تحوِّل المسجد إلى منارة إشعاع، تمدُّ الناس بالنور في جميع مناحي حياتهم، الدنيويَّة منها والأخروية. فما كان منه إلاَّ أن حوَّل المسجد إلى جامعة شعبية، لا يقتصر فيها على الوعظ والإرشاد وحدهما، وإنَّما يقدِّم فيه أطايب المعرفة الإسلامية مبسوطة على مائدة القرآن الكريم وسنَّة النبيء محمَّد (ص)» (3) .
«نبني بجانب كلّ مسجد معهدا...»
__________
(1) - المصدر......
(2) - المصدر (1/280)
صفحة 281
منهج التغيير عند الإمام منهجٌ كامل متكامل، يغذِّي الروح، كما يُعنى بالعقل، ولذلك حرص الشيخ على إنشاء حركة تربوية تجمع إلى أصالة المبادئ والأهداف حداثةَ الوسائل والتقنيات، فأسَّس معهدَ الشباب - معهد الحياة - بتاريخ: 18 شوال 1343هـ / 21 ماي 1925م، رفقة أعلام مخلصين، وهبوا الموت فمُنحت لهم الحياة (1) ، ومَحضوا الإخلاص فمُنحوا الخلاص، من أمثال: الشيخ أبي اليقظان إبراهيم (1306-1393هـ/1888-1973م) - أب الصحافة الوطنية (2) -، والشيخ شريفي سعيد بن بلحاج "الشيخ عدُّون" (و:1319هـ/1902م) - الساعد الأيمن للشيخ (3) -.
وقد علَّق الشيخ بيوض على مقولة الإمام محمَّد الغزالي: «لا خلاص لنا إلاَّ أن نهتمَّ بالمعاهد اهتامنا بالمساجد، وأن نبني بجانب كلّ مسجد معهدا، ونبني بجانب كلّ معهد معبداً» بقوله: «وقد سبقت لنا - بحمد الله - دعوات في هذا المجال منذ سنين، وهو ما طبَّقناه عمليا بعد مجهودات جبَّارة، فقامت هذه المؤسَّسة العتيدة لمعهد الحياة إلى جانب المسجد، صرحا شامخاً للتربية المحمَّدية، ومنارا للإسلام، وتلك هي قناعتنا منذ أن خطونا خطواتنا الأولى في الإصلاح الديني والاجتماعي» (4) .
__________
(1) - أعدَّ الطالب ابن ادريسو صالح دراسة أكاديمية خاصة بالمعهد، تحت عنوان: «معهد الحياة: نموذج لمدرسة إصلاحية بوادي ميزاب» (وانظر: البيبليوغرافيا).
(2) - حول شخصية أبي اليقظان طالع الدراسات العديدة التي أنجزها الدكتور محمَّد ناصر، مثل: - المقالة الصحفية (رسالة ماجستير)، أبو اليقظان وجهاد الكلمة (نشر التراث)... وراجع: من أعماق الصحراء للدكتور صالح الخرفي، وبيبليوغرافية أبي اليقظان للدكتور محمَّد ناصر بوحجام، والشيخ أبو اليقظان حياته وآثاره لمحمد موسى باباعمي...
(3) - هو مدير المعهد حاليا، ورئيس مجلس عمِّي سعيد، وقد أعدَّ مؤلَّفا حول معهد الحياة (انظر: البيبليوغرافيا).
(4) - المصدر (1/281)
صفحة 282
إنَّ هذه المؤسَّسة المباركة لا تزال قائمة رغم عوادي الزمان، والأمَّة الإسلامية - وهي في مشارف القرن الواحد والعشرين - تنتظر منها المواصلة المسير على الدرب والبذل من المجهود المزيد، لتستعيد مجدها وعزَّتها، وتتبوّأ المكانة التي رشَّحها الله لها.
وغذَّى هذا المعهد بمأوى للطلبة يتمتَّعون بالنظام الداخلي للوافدين من الآفاق، قصد لمِّ شتات الأمَّة في شبابها، وتوحيد الأفكار - بمنهج تربوي اجتماعي مترابط - تحت رعايته. (1)
وكان من ثمرات هذا المعهد أن تخرَّج فيه «أفواج متعاقبة من نبهاء الطلبة، فيهم المعلّم المربِّي، والمؤلّف، وفيهم الواعظ الداعية إلى الله، وفيهم الكاتب والشاعر، وفيهم المصلح الاجتماعي الذي تدور على محوره شؤون قومه» (2) .
الإمام مصلح اجتماعي
إنَّ المصلح الاجتماعي الناجح هو الذي يقصد الناس في مواطن أفراحهم وأطراحهم، ولا ينتظرهم في قسمه ومنبره؛ وقد كان الشيخ رحمه الله لا يترك فرصة إلاَّ وزرع فيها أفكاره الإصلاحية، وأرشد فيها الرعية... معتمدا في ذلك على بداهة فائقة، وذكاء حادٍّ، وأسلوب مقنع، يفهمه الصغير ويدرك مغزاه الكبير، ويعيه الأميُّ كما يتأثر به المثقَّف...
فهو يستغلُّ مناسبات الأعراس، والجنائز، والزيارات، والأسفار، والتجمُعات العامَّة أيّما استغلال، وقد خلَّف العشرات من الدروس، لو جمعت تحت عنوان واحد، لكان بلا ريب: دروس المناسبات.
كتبٌ درَّسها في المسجد والمعهد
في سنة 1931م شرع بمسجد القرارة في تدريسِ كتاب فتح الباري شرح صحيح البخاري، واختتمه بحفل علمي بهيج سنة 1953م. وكذلك درَّس مسند الربيع بن حبيب في الحديث.
__________
(1) - الإحالة إلى كتاب الشيخ القرادي
(2) - من كلمة الشيخ عبد الرحمن بكلّي رحمه الله ()، بمناسبة حفل ختم تفسير القرآن الكريم. (المصدر) (1/282)
صفحة 283
وكتاب النيل للثميني في الفقه، وطلعة الشمس في أصول الفقه للسالمي، وعقيدة التوحيد لمحمد عبده، وتهذيب المنطق في علم الميزان، وعظة الناشئين في الاجتماع، ودلائل الإعجاز في البلاغة، وأمالي القالي في الأدب... وغيرها كثير.
وكان في مقدِّمة هذا كلِّه: تفسيره للقرآنُ الكريم.
في رحاب القرآن...
للشيخ - رحمه الله - رحلة روحانية مع القرآن الكريم، فقد حفظه وهو في سنِّ الثانية عشر، وجلس للناس يفسِّره معتمداً على تفسير البيضاوي وهو ابن عشرين ربيعاً، وفي أواخر العشرينيات آثر تفسير الإمام محمَّد عبده "جزء عمَّ"، ففسَّره في مراحل متقطَّعة إلى أن أتمَّه؛ وفي غرَّة محرَّم 1353هـ / 6 ماي 1935م افتتح - بعد تهيُّب وتردُّد طويلين، وإلحاح من الناس شديد - أوَّل درس لتفسير القرآن الكريم بطريقة متسلسلة، منتظمة، متتابعة... واستمرَّت هذه الدروس تغذِّي المسيرة الإصلاحية للأمَّة، وتسجِّل في جبين الأمَّة الإسلامية عامة والجزائرية خاصَّة صفحة من عزٍّ ونور، إلى غاية 25 ربيع الثاني 1400هـ / 12 فيفري 1980م (1) .
وقد حرَّر الأستاذ عيسى بن محمَّد الشيخ بلحاج الجزء الذي سجِّل من هذه الدروس (2) ، من سورة الإسراء إلى الخاتمة.
__________
(1) - أقيم له مهرجان مشهود في يوم 23 ماي 1980م. وقد طبعت جمعية التراث كتابا يحوي بين دفَّتيه الكلمات التي أُلقيت بالمناسبة، تحت عنوان: «في رحاب القرآن»، إعداد الدكتور محمَّد ناصر.
(2) - انظر قائمة آثاره، رقم 1. (1/283)
صفحة 284
أمَّا عن مميزَّات تفسيره، فنترك قلم أعرفِ الناس به - فضيلة الشيخ عدُّون - يعبِّر عنها بقوله: «وطريقته أنَّه بعد افتتاح الدرس بالدعاء المأثور، يتولَّى أحدُ التلاميذ تجويد الآية أو الآيات التي يفسِّرها، يتولَّى سردَها ثمَّ يذكر سبب النزول إن كان، ويربط السورة أو الآية بما قبلها بذكر المناسبة، ثمَّ يشرح معاني الألفاظ اللغوية، والمعنى الإجمالي، ثمَّ التفصيلي للآية، فيستخرج ما فيها من أسرار بيانية ولطائف بلاغية ونكت عجيبة، وكثيرا ما يلهم بها أثناء الدرس فيقول: هي بنت اللحظة، يبدي ما فيها من إعجاز يفوت تناول البشر، ويذكر مناسبتها لعصر النزول، ومطابقتها لهذا العصر ونوازله، فتحسب أنَّ الآية نزلت بهذه القضية أو تلك، أو على هؤلاء الأقوام أو أولئك، ويستعرض عليها قضايا الإنسان الاجتماعية والسياسية والاقتصادية...
بهذا المنهج القويم وهذه الروح القوية فسَّر القرآن إمامنا الكبير في مدى سبعة وأربعين عاما» (1) .
الإمام يشارك في تأسيس جمعية العلماء
تعدَّدت دوائر نشاط الشيخ، وقد كانت له مشاركات فعَّالة في مستوى وادي ميزاب - عشيرته الأقربون -، والجزائر - وطنه العزيز -، والعالم الإسلامي - جماع المصير المشترك -.
ففي إطار الجزائر، شارك الشيخ في عدَّة إنجازات، ولعلَّ من أبرزها تأسيسُ جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، التي أسندت إليه مهمَّة نيابة أمين المال، وذلك في سنة 1931م.
ويؤسِّس جمعية الحياة...
يساير الإصلاحَ التربوي والديني إصلاحٌ اجتماعي على أسسٍ متينة، وقد أسَّس الشيخ لذلك جمعية الحياة، التي تعتبر رائدة النهضة الحديثة في القرارة، وكان ذلك سنة 1937م.
الشيخ بيوض وقضية فلسطين
__________
(1) - الأستاذ الشيخ أحمد ناصر في صدد إعداد رسالة ماجستير في منهج التفسير عند الإمام الشيخ بيوض. (1/284)
صفحة 285
في سنة 1948م كان من بين الأربعة (من هم؟؟؟) الممضين على برقيات ورسائل التأييد، باسم اللجنة الجزائرية الفلسطينية، لقضية فلسطين في الجامعة العربية.
المعترك السياسي
أشرِب الشيخ منذ نعومة أظفاره عقيدة الولاية والبراءة، فأحبَّ المسلمين في كلّ بقاع المعمورة، وكره الكفَّار كرها شديدا، وعاداهم عداء مريرا...
ففي سنة 1940م، وإثر تحريضات شديدة اللهجة ضدَّ الظلم والظالمين، حكم عليه المستعمرُ بالإقامة الجبرية لمدَّة أربع سنوات، لا يغادر فيها أسوار القرارة.
وقد طَرحت الحكومة الفرنسية مشروعا يقضي بفصل الصحراء عن الشمال، مستعينة في تحقيق هذا الهدف بعصبة من أذيالها، غير أنَّ الشيخ بيوض وقف معارضا لهذا المقترح، رغم الإغراءات ورغم التهديدات، وإليه يعود الفضل في الإبقاء على وحدة التراب الوطني، وفي المحافظة على عزَّة الشعب الجزائري.
وقد أجمل الدكتور محمَّد ناصر بوحجام مرتكزات الشيخ بيوض في العمل السياسي في النقاط التالية:
*الاهتمام بالشباب إعدادا وتوجيها.
*المرونة في التحرُّك السياسي.
*الدعوة في التحكُّم في المجال الاقتصادي، وولوج أجهزة الحكومة. (1)
الشيخ بيوض في المجلس الجزائري
«إني وقَفت حياتي فيما مضى على أمَّتي، وإنَّني أقف عليها ما بقي من أيامي، والله حسبي» (2) ، هذه الكلمات قالها الشيخ بعد أن رُشِّح - رغم رفضه الشديد - لمهمَّة تمثيل الأمَّة في المجلس الجزائري، وذلك سنة 1948م وأعيد ترشيحه في سنة 1951م، فعمل بجدٍّ وإخلاص، واستغلَّ هذا المنصب للدفاع عن قضايا الإسلام والمسلمين، وللذود عن حوض الجزائر والجزائريين... فوفِّق في ذلك أيّما توفيق.
وللشيخ يد في الثورة التحريرية المباركة
«والبحر أنت سياسة، كالموج آونةً، وأخرى في السكون سماء
وإذا الزعانف أرجفوا، فالبحر هولٌ في اللقاء، وفي السماء علاء
البلبل الصدَّاح أنت، وشانئٌ لك «كالغراب» فِعاله سوداء (1/285)
صفحة 286
يكفي الغراب نعيقه، أو دمنة يقضي بها الأيَّام وهي خلاء»
هذا ملخَّص حال الشيخ بيوض - رحمه الله تعالى - من الثورة التحريرية المباركة، وحالِ شانئيه أصحاب الساعات الأخيرة، والمواقف المتلوِّنة... فقد شارك الشيخ في الثورة قبل أن تبدأ بعقود، لا بمفهوم قصار النظر، وإنَّما بالمفهوم الحضاري العميق، فأعدَّ العدَّة، وحارب الجهل، ونشر الفضيلة، وحارب الرذيلة... وهو واثق أنَّ عدوّ النفس أعتى من أي عدوٍّ آخر...
وأثناء الثورة شارك بأعمال عديدة منها: الاتِّصالات والمراسلات السرية بقادة جبهة التحرير الوطني؛ وتموين المجاهدين بالمال والعتاد واللباس؛ وإرسال تلاميذه الشباب إلى واجهة القتال بأعالي الجبال؛ وإيواء كبار الثوَّار... وخاصَّة بتربيته لجيل من الوطنيين لا نجد ضمنهم خائنا واحدا، في وقت عزَّ فيه الوفاء للوطن، ورخصت فيه القيم والمقوِّمات (1) ...
الشيخ بيوض في الحكومة المؤقَّتة
بعد اتفاقيات إيفيان التاريخية (2) وإيقاف القتال في 19 مارس 1962م، نال الشعب الجزائري كرامته، وأخذ استقلاله ليُنهي كابوس 130 سنة من الاستعمار الغاشم,، شُكِّلت لجنة تنفيذية مؤقَّتة، وأسندت إلي الشيخ مهامَّ وزارة التربية إلى غاية تسليم السلطة عند الاستقلاق للحكومة الجزائرية الأولى في سبتمبر 1962م.
ويعيَّن رئيسا لمجلس عمِّي سعيد...
__________
(1) - للتوسُّع في جهاد الشيخ في الثورة التحريرية، ينظر: «أعمالي في الثورة» من تأليفه، إعداد الدكتور محمَّد ناصر. وكذلك «الشيخ بيوض والعمل السياسي» للدكتور محمَّد ناصر بوحجام.
... وتوجد رسالة ماجستير للطالب هناي بشير، هو في طور إعدادها حول هذا الموضوع.
(2) - المصدر (1/286)
صفحة 287
مجلس عمِّي سعيد يمثِّل أكبر هيئة دينية واجتماعية في وادي ميزاب، يجتمع فيه ممثِّلو مدن وادي ميزاب ووارجلان للنظر في مستجدَّات الناس، وللإفتاء في النوازل... فبعد مرحلة من الانقطاع بُعث سنة 1963م، وانتُخب الشيخ بيوض رئيساً له إلى غاية وفاته، فكانت له مواقف ومبرَّات أثرى بها الفكر الإسلامي، وفتاوى أطبقت شهرتها العالم الإسلامي.
وقد اعتمدته وزارة التعليم الأصليِّ والشؤون الدينية في الفتوى بالعمل بالحساب الفلكي في إثبات المواسم، وفي اعتبار جدَّة ميقاتا للحجَّاج القادمين إلى الحجاز من ناحية المغرب... وفي غيرها.
آثاره...
1. في رحاب القرآن (تفسير للقرآن الكريم): الجزء المسجَّل منه من آية {ولقد كرَّمنا بني آدم...} (سورة الإسراء)، إلى خاتمة القرآن؛ في 1127 شريطا، كلّ شريط حوالي 60 دقيقة؛ دوَّنه الشيخ بلحاج عيسى في أربعين مجلَّداً من الحجم الكبير، بمجموع 12500 ص؛ وقد طبعت منه جمعية التراث تباعا أربعة أجزاء:
(تفسير سورة الإسراء:
... ... ط1: دار النهضة للنشر والتوزيع، سلطنة عمان؛ 1412هـ/1992م.
... ... ط2: نشر جمعية الترث، القرارة، غرداية؛ مطبعة النخلة، الجزائر؛ 1413هـ/1993م.
(تفسير سورة الكهف: نشر جمعية التراث، القرارة، غرداية؛ مطبعة النخلة، الجزائر؛ 1414هـ/1994م.
(تفسير سورتي مريم وطه: نشر جمعية الترث؛ القرارة، غرداية؛ المطبعة العربية، غرداية؛ 1416هـ/1995م.
(تفسير سورتي الأنبياء والحج: نشر جمعية التراث، القرار، غرداية؛ المطبعة العربية، غرداية؛ 1417هـ/1996م.
2. في رحاب القرآن (تفسير سورة النور): أعدَّه للطيع الشيخ ناصر بن محمَّد المرموري؛ المطبعة العربية، غرداية، الجزائر؛ ط1: 1400هـ/1980م.
3. فتاوى الإمام الشيخ بيوض: إعداد الشيخ بكير بن محمَّد الشيخ بلحاج؛
ط1: المطبعة العربية، غرداية، الجزائر؛ 1408هـ/1988م؛ جزآن.
ط2: مكتبة أبي الشعثاء، السيب، سلطنة عمان؛ 1411هـ / 1990م. (1/287)
صفحة 288
4. أجوبة وفتاوى: بالاشتراك مع الشيخ إبراهيم بن سعيد العبري؛ منشورات دار الدعوة، نالوت، ليبيا؛ ط1: 1971م.
5. مسلم لكنَّه يحلق ويدخِّن: بالاشتراك مع تلميذه الشيخ عليِّ يحي معمَّر؛ مكتبة الاستقامة، روي، سلطنة عمان؛ ط1: 1400هـ/1980م.
6. أعمالي في الثورة: إعداد الدكتور محمَّد ناصر؛ نشر جمعية التراث، القرارة، غرداية؛ طبع الزيتونة للإعلام والنشر، باتنة؛ ط1: 1410هـ/1990م؛ 164ص.
7. حديث الشيخ الإمام: إعداد الأستاذ محمَّد سعيد كعباش؛ المطبعة العربية، غرداية؛ ط1: .
المجتمع المسجدي: إعداد الدكتور محمَّد ناصر بوحجام؛
... ... ط1: ؛
... ... ط2: مكتبة أبي الشعثاء، السيب، سلطنة عمان؛ 1411هـ/1990م؛ 168ص.
8. ثبوث الهلال بين الرؤية البصرية وحساب المراصد الفلكية: نقله من الأشرطة عمر قلاع الضروس؛ راجعه الدكتور محمَّد ناصر؛ مطبعة الألوان الحديثة، سلطنة عمان؛ ط1: 1413هـ/1992م؛ 86ص.
9. مقالات في صحف أبي اليقظان إبراهيم: حوالي 30 مقالا في مختلف المواضيع، لو جمعت لكوَّنت كتابا قيما؛ بين 1926 و 1938م.
10. مقالات وفتاوى متفرِّقة في مجلَّة الشباب: مجلَّة معهد الحياة، مخطوطة، مكتبة معهد الحياة.
11. نظام حلقة العزَّابة بميزاب (مخ): مكتبة الشيخ بيوض بالقرارة، م1 رقم 18.
12. بلاد ميزاب - بحث مختصر في تاريخ ميزاب - (مخ): مكتبة الشيخ بيوض بالقرارة، م2 رقم 62.
13. نبذة في حرمة المساجد وبيوت العبادة في الإسلام: مكتبة الشيخ بيوض بالقرارة، م3 رقم 161.
14. روح الشريعة الإسلامية وواقع التشريع اليوم في العالم الإسلامي: محاضرة ألقاها في الملتقى السابع للفكر الإسلامي، تيزي وزو؛ 1393هـ/1973م؛ نشرت في المجلَّد الثاني من أعمال الملتقى؛ منشورات وزارة التعليم الأصلي والشؤون الدينية، الجزائر؛ 1973م.
15. دروس ومحاضرات في مختلف المواضيع: وهي مسجَّلة في أشرطة تعدُّ بالمآت، تطلب من مكتبة معهد الحياة، أو جمعية الرسالة، القرارة. (1/288)
صفحة 289
16. البدعة عند الإباضيَّة من خلال آراء الشيخ بيوض: مذكِّرة التخرُّج من معهد الحياة، قسم الشريعة الإسلامية؛ إعداد وتحقيق الطالب بولرواح إبراهيم؛ 1417هـ/1996م. (مصفَّفة).
17. الصحابة: فضلهم وحكم الترضِّي عليهم من خلال آراء الشيخ بيوض: مذكِّرة التخرُّج من معهد الحياة، قسم الشريعة الإسلامية؛ إعداد وتحقيق الطالب بهون إبراهيم؛ 1417هـ/1996م. (مصفَّفة).
ما كتب عنه... (1)
1. أبو اليقظان إبراهيم: ملحق سير الإباضيَّة (مخ)؛ 3كراسات؛ د.ت.ن؛ مكتبة الدكتور محمَّد ناصر.
2. أبو اليقظان إبراهيم: أفذاذ الإباضيَّة (مخ)، مكتبة أبناء الشيخ أبي اليقظان.
3. محمَّد علي دبوز: أعلام الإصلاح في الجزائر
4. محمَّد علي دبوز: نهضة الجزائر الحديثة، مطبعة البعث، قسنطينة، الجزائر؛ ج1، 2، 3، 4، 5؛ بين 1975 و 1982م.
5. شريفي سعيد (الشيخ عدُّون): معهد الحياة نشأته وتطوُّره؛ المطبعة العربية، غرداية، الجزائر؛ ط1: 1409هـ/1989م.
6. محمَّد ناصر (الدكتور): في رحاب القرآن: القسم الأوَّل: أحداث مهرجان ختم تفسير القرآن، القسم الثاني: التأبين؛ نشر جمعية التراث، العطف، غرداية؛ المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية، الجزائر؛ ط1: 1989م.
7. محمَّد ناصر (الدكتور): المقالة الصحفية الجزائرية (1903-1931م)؛ الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر؛ مج2؛ ط1: 1978م.
8. محمَّد ناصر بوحجام (الدكتور): الشيخ بيوض والعمل السياسي؛ المطبعة العربية، غرداية، الجزائر؛ ط1: 1412هـ/1991م.
9. صالح خرفي (الدكتور): من أعماق الصحراء؛ دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان؛ ط1: 1991م.
__________
(1) - اقتصرت في هذه البيبليوغرافيا على أهمِّ ما كُتب عنه، وكذلك في قائمة آثاره، وللتوسُّع انظر: بيبليوفرافيا الشيخ بيوض للدكتور محمَّد ناصر بوحجام، مرقونة، 17ص، د.ت. وقد أخبرني أنَّه في طور إعداد بيبليوغرافيا أشمل لِما كتب وما كُتب عنه. (1/289)
صفحة 290
10. أعوشت بكير: الإمام إبراهيم بيوض وجهاده الإسلامي في الجزائر؛ المطبعة العربية، غرداية، الجزائر؛ ط1: 1987م.
11. سوكحال نور الدين: الشيخ إبراهيم بيوض ومنهجه في الإصلاح؛ بحث مقدَّم لنيل شهادة الماجستير، معهد أصول الدين، جامعة الأمير عبد القادر؛ إشراف الدكتور بشير بوجنانة؛ السنة الجامعية 1994-1995م. (مصفَّف)
12. صالح ابن ادريسو: معهد الحياة (نموذج لمعهد إصلاحي بميزاب) - بالفرنسية-؛ دبلوم الدراسات المعمَّقة، السربون، فرنسا؛ نوقشت سنة 1994م.
بحوث ينبغي إعدادها
*
(الاستشهاد بكلمات أخرى لأعلام غير ميزابيين)
(1)
الإمام الشيخ
إبراهيم بن عمر بيوض
1316 - 1401 هـ / 1899 - 1981 م
(إنَّنا نحن الميزابيين جزائريون، منحدرون من أصل جزائريٍّ، ولنا في قلب الجزائر الشمالية آثار عميقة، وتاريخ مجيد، وذكريات لا تُنسى، ومن ذا الذي ينسى الدولة الرستمية في تيهرت.
لكنَّ تقلُّبات الدهر دفعتنا إلى هذه الزاوية من جنوب الجزائر على أبواب الصحراء، فاستوطناها، ولم تنقطع علاقاتنا بالشمال أبداً... ويستحيل أن تتغيَّر هذه الحالة فيما يستقبل من الزمان.
... الشيخ بيوض (من خطاب ألقاه أمام اللجنة البرلمانية)
( لقد شكَّل «معهد الحياة» تجربة تربويَّة رائدة، لا في الجزائر وحدها، وإنَّما في الوطن العربي الإسلامي. وهي تجربة تستحقُّ كلَّ الاهتمام والبحث والتطوير؛ وإذا كان الاتحاد السوفييتي يفخر برائد تربيته «ماكارنكو»، وإذا كان الأمريكيون يباهون بروَّاد تربيتهم من أمثال «جون ديوي»، فإنَّ للجزائر، وللعالم العربي والإسلامي أن يفاخر بهذه التجربة التربوية التي يعود الفضل الأساسيُّ فيها للشيخ: «إبراهيم بن عمر بيوض».
... بسَّام العسلي
( (1/290)
صفحة 291
إنَّ الفضل يعود إلى الشيخ بيوض في إنقاذ وحدة التراب الوطني، وبقاء الصحراء بكلِّ خيراتها جزائرية، وبدونه كان يمكن أن تستمرَّ الثورة التحريرية عقداً آخر، ومرَّة أخرى أقول: إنَّ دور غرداية (المنطقة) هو الذي كان حاسماً في الموضوع، وغرداية تعني: «الشيخ بيوض».
... عبد الله بن طوبال
(1)
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، تحيَّة من عند الله مباركة طيبة.
أهلاً بكم وسهلاً ومرحبًا، أنتم في دياركم الرحبة، أنتم بين آبائكم الأكرمين وأمَّهاتكم الحانيات وأبنائكم البررة وإخوانكم الأوفياء. أنتم مِمَّن استجابوا لله ولرسوله إذا دعاهم لِما يُحييهم، ومِمَّن أجابوا داعيَ الله وآمنوا به، أنتم ممن قال فيهم الرسول في حديثٍ قدسيٍّ: «وجبت محبَّتي للمتحابِّين فيَّ، والمتزاورين فيَّ، والمتجالسين فيَّ»، فأهلاً وسهلاً ومرحبًا مرَّة ثانية ومرَّات.
أبنائي الأعزَّاء البررة إخواني الطيِّبين الأوفياء، يشرِّفني أن أقوم أمامكم هذا المقام المبارك الذي قمتُه منذ عشرين عامًا في مثل هذه المناسبة العزيزة، مناسبة ختم تفسير كتاب الله العزيز لفضيلة الشيخ بيوض إبراهيم –رحمه الله- في مهرجان كبيرٍ لا يقلُّ عظمة وروعة عن هذا المهرجان المُقام اليوم لنفس هذه المناسبة كذكرى واعتبار، وإحياءً لذلك اليوم التاريخي المشهود، وتمجيدًا لعظمة رجالٍ صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدَّلوا تبديلاً. أتيتم ذلك الحفل التاريخي القليل النظير والإمام بيننا حيٌّ يُرزق يتصدَّر الحفل ويُرصِّعه بكلامه الطيِّب كعادته –في سائر المقامات-، واليوم نقيمه وهو في جوار ربِّه ينعم عنده ويُجازى بما قدَّم بين يديه من خيرٍ عميمٍ في حياته الحافلة بالجلائل والمآثر والمبرَّات. (1/291)
صفحة 292
نُقيمه إكرامًا وتعظيمًا وإكبارًا وذكرى لعظيمٍ كرَّس حياته كلَّها وضحى بها في سبيل الإصلاح العام في أكثر جوانبه البارزة وبجميع وسائله المتاحة.
أزعم أنَّني الوحيد الذي طالت به عشرته التي تزيد على الستِّين عامًا كتلميذٍ مخلص، ومُريدٍ وفيٍّ، ومؤيِّدٍ بما استطاعه وقدر عليه من أعمالٍ متواضعةٍ في الإصلاح، وأعمالٍ متواصلة ومحتشمة أيضًا في التربية والتعليم. وكنت أشدَّ الناس التصاقًا به أكثر الأوقات، وأعرفَ الناس بسرائره ومسيرته الإصلاحية سواء أكُنَّا مُقيمين في البلدة أو خارجين عنها في جولات متعدِّدة الاتجاهات. أستفيد من الدروس التي يُلقيها في المساجد العامة والخاصة وفي المحافل والمآدب التي تُقام له ومن الفتاوى التي يُفتي بها للسائلين ومن التوجيهات التي يسدِّد بها خطى السائرين.
عرفتُ منه في هذه العِشرة الطويلة ومنذ أوَّل عهده بالإصلاح القائد المحنَّك والمرشد الخبير والمصلح الكبير، تلقَّى راية الإصلاح عن أشياخه المدرَّبين فخاض بها ميادينه الإصلاحية، فبدأ جهاده بالتربية والتعليم اللَّذين هما أساسُ كلِّ إصلاحٍ، ففتح لذلك «معهد الحياة» العتيد، هذا المعهد الذي له مفاخره ومآثره وصيته الذائع، والذي أصبح قبلةً للوافدين إليه من كلِّ صوبٍ من ربوع الوطن العزيز ومن العالم الإسلامي، فكان منهم أينما حلُّوا وارتحلوا قادة محنَّكون، ورؤساء أوفياء، وعلماء مرشدون، وأساتذة معلِّمون، وخطباء في المساجد والمحافل، ومسيِّرون للمصالح المختلفة من إدارة وتجارة وصناعة. (1/292)
صفحة 293
وله أثناء ذلك منبره في المسجد الكبير يُلقي مِن عليه دروسَه الواعية داعيًا إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة والحجَّة المقنعة، فقضى على البِدع الزائفة والتقاليد البالية التي لا تمتُّ إلى الإسلام بِصِلة، وحارب الآفاتِ الاجتماعيةَ والمناكرَ الفاشية ودعا بكلِّ قوَّة إلى الأخذ بأسباب الحياة المتطوِّرة وإلى مسايرة العصر في كلِّ جديد يصلح البلاد والعباد ويدعو إليه الدين الحنيف، وأشرب في قلوب الناس من طلبة وعامَّة حبَّ الوطن وخدمته والتفاني فيه والدفاع عنه بكلِّ وسيلة مستطاعة.
وقاوم الاستعمار والحكم العسكري بالخصوص وأوسعه تنديدًا وتشنيعًا بما أُوتيَ من ذكاءٍ ودهاءٍ وحنكة بأسلوب «إيَّاك أعني واسمعي يا جارة» وبأكثر وضوحًا، ممَّا أثار عليه حفيظة هذه السلطة الغاشمة وحقدها الصليبي فاعتبرته العدوَّ اللدود، وفتحت عليه حربًا شعواء نيِّفًا وثلاثين عامًا، مظهرُها ما لقيَ منها من تحذيرٍ وتهديدٍ وتغريمٍ وحصار، مستعينة في هذه الحرب ببعض أتباعها الذين ناصبوه العداء بدورهم وقاوموه أشنع مقاومةٍ باسم الدين والابتداع فيه، منكرين عليه كلَّ ما يصدر من آراء واجتهاد وفتاوى، وإصلاحات ومنشآت علمية واجتماعية واقتصاديَّة، وقابلوه بما يُقابَلُ به كلُّ مصلحٍ رشيدٍ، فما زاده ذلك إلاَّ إيمانًا وتثبيتًا وإقدامًا على الجهاد، وإمعانًا في الكفاح. (1/293)
صفحة 294
فكم من جهود بذلها وكم من أوقات سخرها، وكم من هموم عاناها في هذا السبيل، فما ضعف وما استكان وما فرَّ من الزحف وما ولَّى الدبر، فكان الصبرُ أليفَه وكان النصرُ حليفَه، وكانت العاقبة للمتَّقين، وتبدَّل الزمان غير الزمان وتغيَّرت الحالات وتطوَّرت الحياة وجاء بعد هؤلاء المنكرين والمندِّدين خلفٌ صالح - وقد هُدوا إلى الحقِّ وإلى صراط الحميد -، فخلفوا أسلافهم واتَّبعوا خطوةً بخطوة ما كان الإمام يدعو إليه منذ أن اعتلى منبر المسجد من إصلاحٍ وتطوُّر وأخذٍ بأسباب الحياة الراشدة، فنِعم الخلف ونِعم ما هُدوا إليه، ونِعم ما يسلكون ويتَّبعون، ورحم الله الإمام.
كان أكبر مبرَّة في حياة الإمام ما تصدَّى إليه من دروس في التفسير التي مارسها مدى نصف القرن، يستمدُّ من كتاب الله الذي هو نورٌ وهدى للناس ما ينير العقول ويطهِّر القلوب ويزكِّي النفوس ويملؤها إيمانا وتقوى ممَّا يترتَّب عليه العمل الصالح والسلوك الطيِّب والسعادة في الدارين.
انتشرت هذه الدروس ولا تزال في المنطقة وخارجها، فكان لها الأثر العميق في نفوس متلقِّيها، وكان لها الفضلُ الأكبر في انتشار الإصلاح ومحاربة الفساد، على الرغم من تفاقُمه وطغيانه وانفتاح أبوابه لِما يُرضي الشيطان ويُسخط الرحمان، وأصبحت هذه الدروس هدىً للسالكين، ومرجعًا للباحثين الدارسين في الجامعات والمنتديات. (1/294)
صفحة 295
هذه بعض جوانب من مآثر الإمام ومناقبه ومن جهاده الكبير الذي لا يتصوَّره ويقدِّره حقَّ قدره إلاَّ من عاصره وعاش ظروفَه وملابساته، ورأى رأيَ العين ما يُحيط به ويثيره من بواعث وتحدِّياتٍ يشيب لها الوِلدان، تاركًا الكثير منها - ومنها الجانب السياسي - لمن يتقدَّم لهذا المقام من الخطباء والمحاضرين والمتدخِّلين. هذا الجهاد الأكبر الذي ينكره الحاقدون ويجحده الحاسدون ويريدون أن يطفئوا نورَ الله بأفواهِهم، ندعُه للتاريخ الذي يُنصف المظلومين إن عاجلاً أو آجلاً، ونكِلُه إلى الله الذي يُجازي الذين أساءُوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى ولله عاقبة الأمور.
وأختم أخيرًا هذه الكلمات المختصرة بشكر فخامة رئيس الجمهورية السيد عبد العزيز بوتفليقة حفظه الله ورعاه وسدَّد خطاه ووفَّقه إلى كلِّ عملٍ صالح يُفيد الدين والوطن، ونشكره على رعايته السامية لهذا الملتقى المبارك كما نشكر السيد والي ولاية غرداية ومساعيه الحسنة، ونشكر كلَّ من ساهم في إنجاح هذا الملتقى من العلماء والمسؤولين والضيوف والمنظِّمين، وخاصَّة الوافدين الذين تكبَّدوا مشاق السفر وضحَّوا بنفيس أوقاتهم وعاجل مصالحهم، شكر الله سعيهم وجازاهم الله عنَّا كريم الجزاء.
بارك الله في الجميع وسدَّد خطاهم لما فيه الخير والصلاح.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
سعيد شريفي (الشيخ عدون)
بسم الله الرحمن الرحيم
تبارك الذي جَعَل في السَّمَاءِ بروجًا وَجَعَل فيهَا سِراجًا وقَمرًا منيرًا، "الآية".
نشهد أن لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له، وأنَّ محمَّدًا عبده ورسوله القائل: «فضلُ العالم على العابِد كفضلي على أدناكم»، وقال: «موتُ العالِم ثلمَةٌ في الإسلام». صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وصحابته أجمعين، وبعد: (1/295)
صفحة 296
فها هي ذكرى وفاة الشيخ الإمام بيوض –رحمه الله- بعد عشرين حِجَّة، فتثير أشجانَنا حين تعود علينا في موعدها الزمنيِّ من كلِّ عام، تعود علينا ونحن أزاء الوفاء بحقِّها غير مرتاحين أكُنَّا لها من الأوفياء، أم أنَّنا ببعض حقِّها بُخلاء !، فقد انطوت عشرون سنة من عمر الزمان حين لبَّى إمامُنا نداء ربِّه والتحق بالرفيق الأعلى مكرَّم الوِفادة رفيع الدرجات -بإذن الله-، ولا شكَّ أنَّ له في قلوبنا الحبّ الذي لا يبلى، وفي أوساط مجتمعنا الذكر الذي لا يُنسى، وذلك أضعفُ الإيمان، وأقلُّ ما يتحمَّله المستضعَفون من الرجال والنساء والوِلدان، وإلاَّ فأيُّ جدوى لاستعادة الذكرى إذا نحن أغضينا على القذى، واقتنعنا بالصور الباهتة لشيوخنا ورموزنا؟، وماذا يُحقِّقه الرجاء والأماني حين نتخلَّى عن مواقعنا وننطوي على أنفُسنا نلوم الدهر ونلعن الخيانة والغدر؟؟.
أُصارحكم –أيُّها الإخوة- بأنَّني أحمل في حنايا صدري غمًّا لا أجد له متنفَّسًا في حديثٍ أُنمِّقه ولا في سطورٍ أحبِّرها كلَّما مرَّت بذاكرتي أحداث المهرجان الموؤود في عاصمة البلاد، وأنا أتمثَّل في هذه الحالة النفسية الكئيبة بقول شاعر المهجر «إيليا أبي ماضي»:
ألا ليت قلبًا بين جنبتَي داميًا ... ... أصابَ سلوًا أو أصاب الأمانيَا
أجُنّ الأسى حتَّى إذا ضاق بالأسى ... ... تدفَّق من عينيَّ أحمر قانيَا
تهيج بي الذكرى البروق ضواحكًا ... ... وتغري بي الوجد الطيور شواديَا
يشَقُّ على الإنسان خدعُ فؤاده ... ... وإن خادع الدنيا وداجى المداجيَا
تمرُّ الليالي ليلةً إثر ليلةٍ ... ... وأحزان قلبي باقياتٌ كما هيَا (1/296)
صفحة 297
أجل -أيُّها الإخوة- لقد غصَّت كلماتي في حنجرتي يومَها لهول الفاجعة، ولم يُكتب لها أن تتلقَّاها الأسماع، إذ انفضَّ الجمعُ وانسحب المُحِبُّون والأشياع. واسمحوا لي –أيُّها الإخوة- إن ردَّدت على مسامعكم بعض الفقرات التي حبَّرتها قبل خمس سنوات لأنَّني أعتقد أنَّ الذي كنت أتوقَّعه لبلادي وقومي من عودة الوعي ويقظة الضمير قد بدأ يتحقَّق بفضل الله، ونرجو منه المزيد.
قلت –أيها الإخوة الكرام- إنَّنا تداعينا اليوم لنقف مليًّا أمام معلَمٍ رمزٍ في تاريخ هذا الوطن المفدَّى، إنَّه شيخُنا وإمامُنا العلاَّمة الحاج إبراهيم بن عمر بيوض –رحمه الله-، ذلك الذي شاءت قدرة الله تعالى أن يكون في عداد الأفذاذ من علماء هذه الأمَّة، ممَّن صنعهم الله على عينه، فأنبتهم نباتًا حسنًا وصبغهم بصبغته، وآتاهم من علمه وحكمته، ليكوِّن منهم جهاز المناعة في جسم هذه الأمَّة، وقد أحاطت به جراثيم الوباء لتنفذ إليه من كلِّ بابٍ. ولا شكَّ أنَّ هؤلاء العلماء الأعلام تصدُق في وجودهم تنبُّؤات الرسول حين قال: «سيبعث الله على رأس كلِّ قرن من يجدِّد لهذا الدين أمره»، أو كما قال. وليس بدعًا لأمَّةٍ في أيَّام ذهولها ومحنتها أن تذهل عن بعض رموز مجدها مختارةً أو مُكرهة، لأنَّ الحالات المرضيَّة في فردٍ أو جماعة لا تستقيم معها معايير التقييم لأصول طبيعتها وحقيقة معدنها. فالشيخ الإمام بيوض –رحمه الله- في شخصيته الفذَّة وجهاده المرير لم يندّ عن هذه القاعدة في حياة الأُمم، بما تعرَّض له من أنواع الإذاية والمكر ومن الإجحاف والتنكُّر في حياته وبعد مماته.
قد تُنكِر العينُ ضوءَ الشمس من رمدٍ ... ... ويُنكِرُ الفمُ طَعمَ الماءِ مِن سَقَمِ (1/297)
صفحة 298
فإذا كانت للحالات المرَضيَّة هذه فتراتُها، وكان لها وسائلُها من العلاج حين يُقيَّض لها من الأطباء المهرة من يتمُّ على أيديهم الشفاء -بإذن الله- فإنَّنا نعتقد أنَّ أمَّتنا أصبحت تتماثل للشِّفاء، وأنَّ منعشات العافية أخذت تدبُّ في أوصالها، لأنَّها –بفضل الله- وإن أوهنتها أوجاع الداء، وتجرَّعت مرارة الدواء، فإنَّها لم تفقد الأمل ولم تقطع حبل الرجاء به.
أيها الإخوة الأعزاء، ذلك ما قلتُه يومئذ، ولكنه بقيَ حبيس السطور واختنق تنهُّداتٍ وزفراتٍ في حنايَا الصدور، فهل آن الأوان لهذا العفريت أن ينطلق، ولصوت الحقِّ أن يجد المنبر الحرَّ ليرفع عقيرته بالنداء، وليكشف الحقيقة بدون نفاقٍ ولا رياء. خمسُ سنواتٍ تمرُّ بحلوها ومُرِّها، عاش فيها هذا الشعب الكريم أحداثًا رهيبة، وشاهد في مجالات ثقافته وسياسته أطوارًا عجيبة، فكم من شجيٍّ مكظومٍ ابتسم له الدهر فانتعش وصاح، وكم من سميٍّ مهموم ذهبت جهوده أدراج الرياح..! وكم من رمزٍ للثورة وضليعٍ في البناء والتشييد أصبح اليوم محلاًّ للشكِّ والارتياب!، وكم من مخوَّنٍ متروكٍ رُد إليه الاعتبار واستُقبل بالترحاب!، إنَّها المفارقات العجيبة يحار في فهمها اللبيب، ويصبح منها الحليم في شكٍّ مُريب!، ولكنَّنا -بفضل الله- لا نقنط من رحمة الله، ولا نرتاب في عزَّة وطننا ولا نخوة شعبنا.
لَكَم وددنا أن يكون هذا الفاصل الزمنيُّ لوفاة الشيخ الإمام، والذي يُقدَّر بعقدين من الزمن، وددناه أن يكون محكًّا قويمًا لمعادن الرجال، وميزانًا طريسًا لتقويم الجهود والأعمال، ومنارًا هاديًا لمسيرة الأجيال، ومحطَّة استشفاء تستردُّ فيها النفوس عافيتها بما تتعلَّمه من مفاجآت الأقدار، وما تتَّعظ به من تقلُّبات الليل والنهار. (1/298)
صفحة 299
أيُّها الإخوة الكرام، إنَّه ليحزنني في مقامي هذا أن أتغنَّى بأمجاد الشيخ الإمام لأناسٍ كانوا من صُنع يديه، وفي مغاني كانت مربَع طفولته وشيخوخته، فهُم وإن تناسَوا يومًا ذكره في زحمة الحياة ولأوائها، فلا يستطيعون أن يجحدوا فضل الأبوة الكريمة، ولا أدنى من ذلك في حقِّ الأرحام، أجل إنَّه ليحزنني أن تُحيى ذكرى الإمام في مستوى هذا الإطار الضيِّق -على ما له في نفسي من تقدير واحترام- بينما يقتضي منَّا الوفاء بحقه أن نُوسِّع من هذا الفضاء، ونمدُّ أصواتنا لتنطلق في كلِّ الأرجاء، غير آبهين بما يفتعله المغرضون من لغوٍ وهراء. فإنَّ الشيخ الإمام لم يعش للقرارة ولا لميزاب وحدهما، بل حمل هموم وطنه وعاش آلام شعبه وأمَّته في الجزائر، وفي الوطن العربي والإسلامي، كما يُقرُّ بذلك الأساتذة والباحثون المخلصون الذين تناولوا جوانب من شخصيته بالنقد والتحليل.
وبعد؛ فهل من نهاية لهذا التعتيم والتضليل؟؟، أم ما نزال على حال ما عبَّر عنه أمير الشعراء بقوله:
أَحَرامٌ على بلابِلِه الدَّو ... ... حُ حلالٌ للطَّير مِن كلِّ جنسِ (1/299)
صفحة 300
كلاَّ - أيُّها السادة الكرام - إنَّنا كما لا نريد أن نُخادِع أنفسنا، فإنَّنا لا نرضى أن يُخادعنا أحدٌ ليحطَّ من كرامتنا أو ينتقص من رموزنا، أو يساومنا في أصالتنا ومقوِّمات شخصيَّتنا، فلنتَّق صفعة التاريخ ولعنة الأجيال إن نحن رضينا بالدُّون في مقامنا أو بالدنيَّة في شرفنا وديننا، فإنَّ الوفاء للشيخ الإمام لا يتحقَّق بتنميق الأحاديث ولا بتنسيق الخُطب والمحاضرات، لأنَّ حبَّه في سويداء قلوبنا، وذكراه العطرة ملء جوانحنا، بل لا يكون وفاؤنا له إلاَّ بالمصابرة والمرابطة في اقتفاء آثار جهاده، ومتابعة المسيرة الإصلاحية وفق المعالم التي رسمها على الطريق جمعًا بين الأصالة والعصرنة، وتكاملاً بين العلمِ والدين، وتسامحًا وتعاونًا بين المذاهب الإسلامية المختلفة، وتجاوبًا واحترامًا بين القمَّة والقاعدة. فكلُّ إخلالٍ بهذا التوازن، وكلُّ فيروسٍ يشوِّش هذه المعادلة، فإنَّه يُلقي بنا -لا قدَّر الله- إلى متاهات أخرى لا أدلاَّء فيها، ولا مسالك للنجاة. (1/300)
صفحة 301
أيُّها الإخوة الكرام، اعذروني إن تأثَّرت في الخطاب، أو عبَّرتُ بشيءٍ من الأسى والاكتآب، لأنَّني بحكم تربيتي على يد الشيخ الإمام –رحمه الله- ضنينٌ بكرامة هذا الشعب أن تُداس، وبرموزه أن يكونوا أضحوكة بين الناس. وإنَّ من العجيب أن نسمع في مثل هذه الظروف التي ما نزال فيها نتفَّس في جوِّ مغبرِّ الأديم، وننطوي من جرَّاء الفتنة العمياء على غيظٍ مكظوم، من العجيب أن نسمع من بعض مثَّقفينا وإطاراتنا بأنَّ بني ميزاب خوارج، ويلزُّونهم في قرنٍ واحدٍ مع الغلاة المتطرِّفين من الذين يكِّفرون مخالفيهم ويستحلُّون دماءهم وأموالهم ... أفي مثل هذه الظروف من الوئام المدني والمصالحة الوطنية نسمع هذه النغمة النَّشاز، ونحاول أن نلقِّنها للأجيال الصاعدة في مدارسنا..؟؟ بينما يتغنَّى شاعرنا الشعبي الأصيل الأخ رابح درياسة –لا فُضَّ فوه- ويقول: «أنت تقولِّي شرقي انت تقولِّي غربي، وانت تقولِّي قبلي وانت تقولِّي بحري، وانا انقولَّك أنا جزايري..»، فلله درُّ هؤلاء الناس المغرضين: ألم يعلموا - هداهم الله- أنَّ الشيخ الإمام بيوض كان ممَّن ركَّز نفوذ جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وعلى رأسها الإمام الرمز الشيخ بن باديس -رحمه الله- والذي نعتزُّ بذكراه في يوم العلم، ألم يعلموا أنَّهما صنوان متكاملان في الإصلاح الديني والاجتماعي، وفي إعداد الرجال ليوم الكريهة والنزال، ألم يعلموا أنَّ شاعر الثورة –مفدي زكرياء- رحمه الله هو الذي ألهب الحماس بأناشيده وقصائده في صفوف حزب الشعب أيَّام الكفاح السياسي والثوري، إنَّنا -أبناء هذا الوادي الأمين- لا عيب فينا –بفضل الله- غير أنَّنا عميَّةٌ عن الباطل أعيُنُنا، بطيئةٌ عن الشرِّ أرجلُنا، فاللهم اهدِ قومي فإنَّهم لا يعلمون. (1/301)
صفحة 302
فيا سراة الوطن ويا حُماة عرينه، يامن حرَّرتم ترابه من دنس الكفر، وعاهدتم الشهداء على الوفاء والمثابرة والتواصي بالحقِّ والتواصي بالصبر إنَّ أمانة التاريخ في أعناقكم فلا تخونوها، وعزَّةَ الوطن رهن مسؤوليتكم فلا تنسَوها. ربَّنا ظلمنا أنفسنا "الآية" ربَّنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقِّ وأنت خير الفاتحين.
الأستاذ: محمَّد سعيد كعباش
لمحة عن منهج الشيخ بيوض في التفسير
بسم الله الرحمان الرحيم, والصلاة والسلام على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :
أحييكم أيها السادة، أيها الإخوان الكرام: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
إنِّي سعيد بهذه الفرصة التي أتاحت لي الحضور إلى هذا الملتقى المبارك حول «فكر الشيخ بيُّوض» رحمه الله، وزيارة هذه الربوع العزيزة من بلادنا.
أوَّل الخواطر التي ترِدُ إلى ذهني في هذه الأجواء المتميِّزة بالتاريخ العريق, والأصالة, هي التقديرُ الكامل لجهود أهل ميزاب الميامين على نشر العمران والتمدُّن بهذه المنطقة, والإعجابُ التام بكل ما وُفِّقوا إليه من نظام شامل لجوانب حياتهم الاقتصادية والاجتماعية، نظام يستحقُّ أن يكون مثالا يقتدى به من طرف جميع المواطنين.
وفي الواقع, يكفيهم فخرًا, وحسبُهم أصالة, أن يكون السلام الوطني (قسمًا..) من إبداع واحدٍ من أبناء هذا الوادي البررة, مفدي زكرياء طيب الله ثراه, قَسمٌ يردد صداه مدى الدهر, رمزًا لعزة الجزائر, وتخليدًا لسيادتها, وقوَّتها الحضارية ووحدتها المتماسكة.
كما أبدع مفدي «الإلياذة»، الملحمة التي تُسجل تاريخ الجزائر عبر القرون وتخلد تراثها ومآثرها. فكان مقطع:
تَقَدَّس واديك منبتَ عِزِّي ... ... ومسقطَ رأسي و إلهامَ حسِّي
وَريضَ أبي..ومرابِعَ أُمِّي ... ... ومغنى صِبَايَ وأحلامَ عُرسِي.
من أروع مقاطع هذه الملحمة سجَّل فيه عواطفه الجيَّاشة وعزفه بألحان شبابه, تصوِّر حبه لمدارج صباه كحُبِّه لوطنه الكبير الذي يفتخر به ويحمله في قلبه: (1/302)
صفحة 303
وكرَّمتُ بِاسمِ المفاخِر قَومي ... ... وشرَّفت بِاسمِ الجزائر جِنسِي
الجزائر المشرقة بعزَّة أبنائها، القوية بوحدتها... هذه الوحدة الوطنيَّة التي تتجسَّد في عناصر مشتركة أساسيِّة, ثابتة. فإن كانت عبارة «الثوابت» هذه الأيّام لم تعد كافية, فلنسمها «المبادئ الراسخات» كالجبال الراسيات! حتَّى لا يرقى إليها شكٌّ, أو يطمع في المساس بها أو النيل من قوَّتها المتحذلق السِّياسي، أو متفلسف متهافت، أو متسرع خفيف الوزن.
أهل ميزاب لا أظنهم يطرحون إشكالية الثوابت؛ في الدين أو اللغة، أو الأصالة الجزائرية.
إنهم, طوّعوا صخور الوادي و«حمادته», ورمال الصحراء وحولوها إلى حدائق يانعات, وجنان خضراء فإنهم امتلكوا ناصية لغة الضاد و أتقنوها وأحسنو التصرف في علومها و آدابها وأبدعوا في ذلك شعرا و نثرا دون لكنة, أوعيّ, حتَّى لا تظن أبدا وأنت تصغي إلى فصاحتهم, أنهم يستعملون في المنزل وفي مجالسهم الخاصة لغة خاصة, هي اللغة الأم, الأمازيغية.
فقد عرفوا كيف يمنحون لكل واحدة حقها, ويضعونها في موضعها دون أي عقدة, ودون أي انزلاق أو إسفاف في شعاب العصبية المقيتة.
وأما العناية بالدين الإسلامي, فهي أولى الأولويات, ومبتدأ ومنتهى أسرار المنظومة الاجتماعية لديهم. ويكفي برهانا على ذلك حرصهم على تحفيظ القرآن الكريم للناشئة, والأجيال الصاعدة .يظهر لك ذلك في إيقاظ الأطفال,في عز الشتاء, قبل الفجر ليتجهوا إلى «المحضرة» لحفظ الآيات الكريمة ولتلقي أوليات الفقه في الدين, وكيفية أداء الواجبات المفروضة وفي مقدمتها الصلاة. (1/303)
صفحة 304
ثمَّ تتجسد هذه العناية, في تطبيق نظام «العزابة» الفريد من نوعه, بواسطة مجلس يتكون من العلماء العاملين ورجال من أهل الصلاح والتقوى، والسمعة والقدر بين السكَّان، يقوم بإرشاد الناس وتوجيههم، وتسيير شؤون المجتمع، في مختلف قضاياه وحاجياته، انطلاقًا من تعاليم الإسلام وقواعد الشريعة السمحة، مبسَّطة، مقنَّنة فيما يشبه دستورًا يقف الكلُّ عند حدوده، مراعين سنن التطوُّر ومواكبة ظروف الحياة المتغيِّرة، ومستجدَّات المجتمع في كلِّ عصرٍ، ومجتهدين في إيجاد حلول صحيحة لكلِّ مشكلة تُطرح، دون اللجوء - ما أمكن - إلى الحكَّام الأجانب في الفترات المضطربة التي مرَّت بها البلاد.
وكذلك الهيئة المشهورة «بمجلس عمِّي سعيد»، وهو عبارة عن «هيئة مدنية» أو مجلس «تنظيم» جهوي يضمُّ ممثِّلين عن كلِّ قرية.
«يبثون في المشاكل الطارئة أو يَسعَون إلى الصلح بين قبائل متنازعة، أو ينظرون فيما يصلح بالحياة الاجتماعية» (1) .
إنَّ الحفاظ على الثقافة الجزائرية وعناصر شخصيتها الموحِّدة، إنَّما كان، وتحقق بفضل رجالٍ فضلاء،ومشايخ أجلاَّء، نذروا أنفسهم لخدمة المجتمع،والنهوض به، واستعادة مكانته بين الشعوب الإسلامية.
__________
(1) ـ إبراهيم محمد طلاَّي. «ميزاب بلد كفاح». ص: 50. (1/304)
صفحة 305
فكما سعى وكافح، في الشمال، عبد الحميد بن باديس وصحبه الكرام، وأنصاره أولو الهمَّة، كذلك في الجنوب قام الشيخ المرحوم إبراهيم بيوض ورفاقه من شيوخ «معهد الحياة» بالسعي والعمل لنفس الغاية وفي ذات الاتجاه: النهضة بالمجتمع وتربيته عن طريق نشر المعرفة الصحيحة، وفي مقدِّمة ذلك الفهم السليم لتعاليم الدين الحنيف، سواءً من العبادات أو المعاملات أي في شؤون الدنيا والآخرة هؤلاء الرجال الأعلام، لهم علينا فضلٌ كبيرٌ، وندين لهم ببقاء ثقافتنا مشعَّة وهادية، نتحصَّن بها في الملمَّات، ونتَّخذها إطارًا روحيًّا لتربية أجيالنا المتعاقبة (مهما تكن نسبة نجاحنا في ذلك)، ونصنع منها لِحامًا يضمن تماسك مجتمعنا وانسجامه أمام الهزَّات والأعاصير التي يتعرَّض لها.
وبعيدًا عن الادِّعاء باطِّلاعٍ كافٍ على أعمال وجهود العالِمَين الجليلَين: عبد الحميد ابن باديس، والشيخ إبراهيم بيوض، فإنِّي أجد في كفاح الرجلين قاسمًا مشتركًا بارزًا ألا وهو تفسير القرآن الكريم، وختم هذا التفسير في فترة ليست بالقصيرة لكلِّ منهما.
فكان ختمُ ابن باديس لتفسير القرآن في صيف 1938 في احتفال حاشدٍ، ومناسبة شعبية عظيمة فاقت كلَّ الأعياد.
وكان ختمُ الشيخ بيوض لتفسير كتاب الله كذلك في جوٍّ مهيبٍ لا يقلُّ قدرًا وجلالاً وعبرة.....
ولا غرابة - في اعتقادي – أن يحصل هذا التلاقي:
فالقرآن الكريم مصدر الإسلام (التشريع الإسلامي) الأول ومرجعه الأساسي. ودراسته وفهمُه أولى الواجبات على المسلم المتعلِّم، كما هي أوجب الواجبات على المسلم المعلِّم أو رجل الإصلاح المربِّي (الداعية).
وأعتقد أنَّ هذا التلاقي أو التشابه لا يقتصر على عمليَّة التفسير في حدِّ ذاتها، بل في تشابه منهج الرجُلين وطريقتهما في التفسير؛ طريقة عمليَّة تتَّسم بالوضوح وسهولة التبليغ، والفائدة العميمة. (1/305)
صفحة 306
فهو (أي المفسِّر) يستعرض ما يتعلَّق بظروف وأسباب نزول الآية القرآنية، والغاية التي تهدف إليها، ثمَّ يتطرَّق - بعد ذلك - إلى جوانب متعدِّدة من مقاصد الآية القريبة والبعيدة، يتناولها بالشرح والتوضيح، والاستنتاج والتحليل، بكيفية تجعل مضمون الآية ودلالتها، وكأنها تعني (أو تخاطب) المعاصرين مباشرة بحيث يتلاشى عامل الزمن فيصبح كلُّ مسلم معنيًّا شخصيًّا بمدلول الآية، موضوع التفسير.
وذلك كلُّه دون الخوض في التعقيدات اللغوية، أو الخلافات (والتأويلات) المذهبية.
وإنَّما المقصود هو بلورة المعنى ليصبح فكرًا نيِّرًا في الأذهان، ويتحوَّل إلى سلوك مستقيم في الواقع.
مثال:
ويمكن أن نتناول مثالاً على هذه الطريقة لدى الشيخ بيوض، في تفسيره للآية الكريمة: { أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهَ ثُمَّ يُردُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُه عَذَابًا نُكُرًا، وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمَلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءُ الحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ اَمْرِنَا يُسْرَا } . سورة الكهف: 87/88.
ورغم أنَّ الآية جاءت في سياق قصَّة ذي القرنين الواردة في سورة الكهف، والتي تبدأ من قوله تعالى: { وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا } 83، إلى آخر الآيات، فإنَّ الشيخ تصدَّى لتفسيرها بتوسُّع ملحوظ استغرق 12 صفحة من الكتاب، واستخرج منها محاور عديدة، وقضايا مختلفة قد لا تخطر على بال القارئ للتفسير (أو الذي كان يسمع للدرس...) من ذلك:
1. مسلة التداول على السلطة، أو الملك والجاه والمال في هذه الدنيا. { وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ } . آل عمران: 140.
2. كيف بيَّن القرآن الكريم وهو يشرِّع للمسلمين في كلِّ صغيرة وكبيرة الطريقة الصحيحة للحكم، ويضع قواعد أساسيَّة لسياسة الشعوب أو حكم الرعيَّة. (1/306)
صفحة 307
3. الإشارة إلى استبداد الحكَّام بالأمر، وطعيانهم على الناس والتحكُّم في رقابهم، وتجاوزهم الحدود... كما ورد في سورة النمل: { إنَّ المُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرِْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً } كفرعون موسى ومن على شاكلته منذ غابر الأزمان إلى اليوم.
4. وأفاض في شرح مظاهر الحكم الفاسد، وما يسوده من تمييز عنصري، أو جنسي، أو طبقي ...إلخ.
وربط ذلك بأمثلة عصريَّة من الواقع كالتمييز العنصري بسبب اللون من الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة، الأمر الذي أدَّى حسبَهُ إلى مقتل الرئيس السابق جون كنيدي في 1963 لأنَّه كان يؤيِّد المساواة بين الأبيض والأسود.
5. كما أعطى أمثلة للحكَّام الصالحين بدء من ذي القرنين والنبيِّ سليمان إلى سيِّدنا محمَّد - صلى الله عليه وسلم - .
فالشيخ رحمه الله لم يقتصر على شرح معنى الآية في إطار القصَّة التي وردت ضمَّنها، بل جعل منها مناسبة لاستخلاص كلِّ العبر الممكنة والمحتملة في أبعاد النصّ التي تتَّسع إلى آفاق تصعب الإحاطة بها.
وركَّز اهتمامه بالخصوص على إبراز فضائل ومزايا الحكم العادل وصفاته، والتنديد بالحكم الجائر ومفاسده وما ينتج عنه من خراب وفوضى، تجعل الناس يملُّون وتفتر هممهم وعزائمهم.
ليصل في الأخير إلى خلاصة تبيِّن «السياسة الحكيمة التي شرعها الله في كتابه.. وأمر الناس أن يتبعوها»، في قوله تعالى: { الَّذين إنْ مكَّنَّاهم فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالمَعْرُوفِ ونَهَوا عَنْ المُنْكَر } سورة الحج:41.
ثُمَّ يتساءل: إن كان ملوك ورؤساء الدول الإسلاميَّة من أصغرها إلى أكبرها، يعتبرون بأحكام هذه الآية؟؟. (1/307)
صفحة 308
وكما قلت سابقًا، فإننا نجد عند الشيخ عبد الحميد بن باديس نفس المنهج في التفسير عند ما نتصفَّح كتاب «مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير»، في وضوح العبارة والأسلوب العملي المفيد، وربط معاني الآية ومقاصدها بواقع الناس في حياتهم المعاصرة، انطلاقًا من المبدإ التشريعي القائل: «العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب»، واستحضارًا للأهداف العامَّة التي ترمي إليها الشريعة الإسلامية في مختلف قطاعات المجتمع، وليس الوقوف عند حالات منفردة، محدودة.
وتحقيق هذه الأهداف إنَّما يكون طبعًا بفضل الفهم الصحيح للنصوص، من طرف العلماء المختصِّين، وبواسطة الاجتهاد مِمَّن هو مؤهَّل لذلك.
وكنموذج لتوضيح هذه المقارنة،نلقي نظرة على تفيسر ابن باديس للآية:
{ إِنَّّ اللهَ يُدَافِعُ عَنِ الذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ } الآية: 38.
فهو بعد الشرح اللغوي يحلِّل معاني الآية في ستِّ فقرات يضع لكلِّ فقرة عنوانا يضمِّنها معنًى جديدا لا ينتبه إليه إلاَّ أمثاله من العلماء العاملين، ويستخلص من خلال ذلك:
1. وعد الله حقٌّ وصدق في نُصرة المؤمنين، وأن يدفع عنهم كيد عدوِّهم.
2. ذلك الوعد إنَّما يتحقَّق عندما يلتزم المؤمنون بالصفات التي نسبت إليهم: الأمانة والإيمان والشكر لنعم الله.
3. فإذا عُدِمت هذه الصفة، أو خانوا الأمانة ولم يأخذوا بالأسباب استوجبوا غضب الله وعذابه.
4. توضيح معنى الخيانة في الأعمال وفي العقيدة، وأنه كلُّ عمل لا يحلُّ فهو خيانة حتَّى فيما نحقِّر من الأمور والأفعال ...إلخ.
وهكذا فإنَّه لا يترك شاردة ولا واردة يمكن أن تتضمَّنها معاني الآية إلاَّ أوضحها ونبَّه إليها، فينتج عن ذلك ثراء عظيم لعملية التفسير ودروسه، يزوِّد القرَّاء والذين كانوا يحضرون الدروس بثروة كبيرة من الأفكار والمعاني النبيلة، ويزوِّدهم بثقافة غنيَّة حقًّا. (1/308)
صفحة 309
في الحقيقة ما أغراني بهذه المقارنة السريعة ليس المفاضلة بين العالمين الجليلن، فهذا غير وارد إطلاقا، وإنَّما هي فكرة تراودني كلَّما رجعت إلى الإنتاج الجيِّد وذي الطابع الخاص، لأبناء مغربنا العربي من عهد ابن خلدون إلى اليوم.. فإنِّي أزعُمُ أنَّ هذا الإنتاج من الروعة والغنى والعمق بما يجعلنا نفتخر بمساهماتنا الثقافيَّة والحضاريَّة عبر القرون، حتَّى ولو أراد البعض أن يغمطونا حقَّنا في ذلك..!
خاتمة:
وختاما فإنَّ العبرة التي يمكن أن نستخلصها من هذا الملتقى هي:
إنَّ الفهم الصحيح للدين الإسلامي الحنيف كما نتعلَّمه من تفسير الشيخ بيُّوض وابن باديس للقرآن الكريم، هو الذي يضمن لنا التمسُّك بقيم الحضارة الإسلاميَّة، وفي مقدِّمتها حبُّ المعرفة ونشر العلم والتعاون على الخير.
هذه القيم التي حفظت وتحفظ دائما شخصيَّة الأمَّة وتحميها من مختلف الآفات والمكاره والأزمات.
وأملنا أن تبقى لرموز الوطن من رجال العلم والفكر والشهداء مكانتهم الوطنيَّة يعتزُّ بهم الجميع، وأن لا يصبحوا موضوع ممارسات ضيِّقة الأفق من خلال منظَّمات وجمعيات أو ما يسمَّى "مؤسَّسات" تنشا هنا وهناك قد تؤدِّي إلى تقليص دور هؤلاء الرجال وتقزيم شخصياتهم من مستوى وطني شامل إلى مستوى جهوي أو عائلي.
باتنة في: 09 / 04 / 2000.
علي عزوزي ... ...
مداخلات من طرف بن عمور محمد
في ملتقى فكر الإمام الشيخ بيوض
13- 14 أفريل 2000
نظرًا للدقائق المحدودة للمداخلات بعد عرض كلِّ محاضرة، آثرتُ غيري للمداخلة وأنا أشَدُّ شوقًا للمشاركة في الملتقى.
ارتأيتُ أن أقدِّم مداخلاتي كتابة لمن يقرأ عن الملتقى لكي أُفيد وأستفيد في الأولى، وأستفيد فقط إن شاء الله في الأخرى.
ذلك وبحكم تَلمذتِنا على الشيخ الإمام، واهتمامه بنا إلى أن اختارنا للكتابة والمطالعة له، في الفترة ما بين 1960 و1963 وقت أن كنَّا نُعلِّمُ في مدرسة الحياة الابتدائية بالقرارة.
المداخلة الأولى: (1/309)
صفحة 310
كانت بيني وبين الدكتور قسُّوم بعد خروجنا من القاعة:
قلتُ له كان من الواجب أن تنقُل النصَّ كاملاً، وتقرأه علينا في فتوى جواز صلاة الإباضي خلف غيره، ولسان الحال يقول كأنَّ الدكتور اكتفى بقوله تعالى: { ويلٌ للمصلين } ، قال «أنا وجدتُ كتابة فناقشتها أو بعبارة تفيد ذلك المعنى، قلتُ أردت أن توصلنا إلى فتوى الإمام الباز مُفتي الديار السعودية، وهل علمت قصَّتها؟ قال نعم، قلت أوَ تريد أن نقول في القضيَّة مثلما قال الإمام الغزالي للإمام ابن رشد في كتاب تهافت الفلاسفة (لم أذكر الكتاب للدكتور) فأومأ بالموافقة، وعقَّب وهو منفعلاً (إذا لم تكن في المحاضرة هزَّةٌ فلا فائدة أن تكون هادئة)».
والدكتور لا شكَّ أنَّه يعلم أنَّ الإباضية يصلُّون خلف الإمام المالكي في كلِّ مكان بدءًا من الحرمين الشريفين، وصاحب الفتوى أصدقُ مثال على ذلك.
وأريد هنا أن أسجِّل أنَّ بعض فتاوى الشيخ التي كنتُ أكتبها عنه أو يمليها عليَّ أكتبُ معها التاريخ. وكان الشيخ رحمه الله يُجهِد بصره ليتثبَّت من سلامة الكتابة في شكلها ورسمها ومعناها، فيُنبِّهني إلى النقطة إذا لم تظهر على حرفها، وإلى الحرف إذا لم يكن واضحًا في مكانه، خاصَّة في بداية الكتابة له. فأصبحت أتثبَّت من الكتابة حتى لا يخطئ القارئ في فهمها، وإن كنتُ لم أكتب الفتوى التي عليها النقاش.
المداخلة الثانية:
عندما ذكر الدكتور نورالدين سكحال أنَّ الإمام كان يدعو قومه للتعلُّم والدخول في المناصب الحكومية، ردًّا على من كان يتحرَّج من ذلك.
بادر إلى ذهني حكاية الشيخ لنا عن ترشُّحه للقضاء، وقد ذكرها الشيخ عدون حفظه الله في الملتقى، فلا داعي لتكرارها. ولكن أضيف فقط أنَّ الشيخ الإمام أجاب عن موضوع الدولة الرستمية بجدارة لأنَّه درسه ويدرِّسه في تلك الأيام لطلبته. (1/310)
صفحة 311
والذي دعاه للترشُّح للمنصب الذي كان يتهيَّب منه كثيرٌ من العلماء هو استئناسه بقوة شخصيته وقوَّته في إحقاق الحقِّ وإبطال الباطل، من جهة، ومن جهة أخرى ليكون عملاً إضافيًّا لمهام التدريس والإصلاح الاجتماعي حسب رأيي.
المداخلة الثالثة:
أريد أن أضيف ميزةً أخلاقية نبيلة، وهي من أغرب البراهين التي قدَّمها الإمام للصداقة والمؤازرة والمواساة والأثرة ونكران الذات أمام الواجب، نُلخِّصه في مثالين اثنين:
ـ المثال الأول: ما حكاه الشيخ هو عن نفسه حيث قال: «لمَّا سمعت بقدوم الشيخ أبي إسحاق اطفيَّش إلى يزقن من منفاه في مصر، وقد سمح له الاستعمار بزيارة أسرته لمدةٍ قصيرة إثر وفاة قريبٍ له (لم أتذكَّر من هو) ولكن شريطة أن لا يتَّصل بأحدٍ، ولا يتَّصل به أحدٌ، هكذا كان "البرَّاح" ينبِّه الناس، ويضيف إنَّ الحاكم يقول من خالف ذلك فإنَّه سيُعرِّض نفسه لأقصى العقوبات».
وقد كان أبو إسحاق قد نُفيَ مرَّتين الأولى من الجزائر إلى تونس والثانية من تونس إلى مصر، وكتب عن ذلك صديقُه أبو اليقظان قصيدة تحت عنوان "نفي النفي إثبات" وذلك لمواساته ورفع معنوياته في المنفى، وجعله مثلاً في الوطنية والفداء، فما كان أيضًا من الإمام بيوض إلاَّ أن ضرب بتهديدات الحاكم عرض الحائط فنزع قيد الإقامة الجبرية في القرراة عن قدمه، فانطلق في سيارة جنديِّه المرحوم الحاج صالح الخياط، من القرارة إلى يزقن في جنح الظلام، وكانت الطريق آنذاك غير معبَّدة.
حتى إذا ما وصل مع طلوع الشمس أمام باب يزقن وجد الإمام صديقه واقفًا وحده فريدًا فقط بمعيَّة أحد أقاربه، كانا ينتظران ركوب حافلة النقل بين يزقن وغرداية، قدر ذلك الانتظار الشيخ بيوض ورفيقه فوفَّقهما الله لذلك.
فإذا بالشيخ بيوض ينادي صديقه ويختطفه منطلقًا عائدًا بمعيَّته إلى القرارة، والناس لا يزالون في منازلهم إلاَّ ما ندر. (1/311)
صفحة 312
أعلن الشيخ عن احتفال كبيرٍ يُقام الليلة في المسجد، وحضر الاحتفال جمعٌ غفيرٌ لاستقبال البطل أبي إسحاق مع صاحبه بيوض.
أطلق بيوض الإمام عنان بيانه خاصَّة وقد ظفر بصديقه الذي انتزعه ولو لبعض الوقت من قيود الاستعمار أو الاستدمار، فليكن بعد ذلك ما يكون. فحَسبُ الشيخ أنَّه أدى ما عليه ومؤمنٌ بقوله تعالى: { قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلاّ مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا } .
وبعد أن أكمل الإمام خطابه قال لصاحبه، قم يا شيخ وأفصح عمَّا يجيش في خاطرك وقلبك؛ همس أبو إسحاق للإمام وقال: «إنِّي أُشفِق عليك»، قال الإمام «قل ما بدا لك ولا عليك (رَاسِي تَحْمَلْ)».
وبعد نهاية الحفل أُعيد أبو إسحاق إلى بيته في يزقن ليُكمل ليلته فيه كأن لم يكن شيئ، وقد قدَّم الإمام عربونًا صادقًا ومثالاً حيًّا في الصداقة والوفاء لا بكتابةٍ معسولة فقط ولا بحديثٍ رنَّان فقط، بل أيضًا بعمل بطوليٍّ مجسَّم يتحدَّى كلَّ المخاطر وكلَّ التهديدات، والتوعُّدات. أعتقد أنَّ ذلك كان في سنة 1946م. ولكن في الصباح أُبلغت فرنسا من طرف عيونها وأذنابها أنَّ المنفي المقيَّد جال وصال الليلة في القرارة، ولكن كيف؟ لقد جنَّ جنون فرنسا، فوجَّه الحكَّام العسكريون التهمة مباشرة إلى الشيخ بيوض، واستُدعي للمحاكمة في غرداية.
قال الشيخ الإمام «جعلوني واقفًا وحولي مجموعة من الضبَّاط العسكريين، قال كبيرُهم: أنت متَّهم مرَّتين بالاعتداء على أوامر فرنسا ونواهيها:
التهمة الأولى، خرجتَ من القرارة وقد فرضنا عليك الإقامة الجبرية فيها.
التهمة الثانية، اتصلتَ بأبي إسحاق وقد حرَّمنا على الناس الاقتراب منه، والاتصال به - أو في معنى هذا الحديث- ».
لقد سرد لنا الشيخ الإمام من مذكِّرته الجيبية -التي أخرجها من صندوق له في دار عمله- المحاكمة التي مطلعها ما يلي: (1/312)
صفحة 313
كما قال الشيخ قلتُ في شجاعة وشموخ وعزَّة، «نحن العلماء يفرض علينا الواجب أن نتزاور». ثمَّ استرسل الحاكم في الأسئلة، واسترسل الشيخ في الأجوبة، حتى قال الشيخ «إنَّ الحاكم أُعجب بأجوبتي وأخذ يستمتع بها، إلى أن كاد ينسى المحاكمة، ومن لطائف الله عليه أطلق سراحي والحمد لله».
ـ المثال الثاني هو ما يلي:
من المعلوم أنَّ بين بيوض والإبراهيمي صداقةٌ قديمةٌ وطيدة انصهرت هذه الصداقة في بوتقة جمعية العلماء، فالأول نائبُ أمين المال والثاني نائب للرئيس.
ضاقت بالشيخ البشير يومًا ظروف الزمن فأسرَّ إلى صديقه الإمام بالحديث التالي: «دَرْت مدرسة ففلستْ فيها، ودَرْت تجارة وفلَسْتْ فيها»، فما كان من الإمام بيوض إلاَّ أن عمل لإنقاذ صديقه فقال إن أردتَ أن تأتي للقرارة فإنَّك تجد مُبتغاك في التعليم، وفعلاً أخذ الشيخ في ترتيب الإجراءات لذلك، وبعد الاستقلال وضعت حكومة بن بلَّة الإبراهيمي في الإقامة الجبرية في منزله وهو مريضٌ، فلمَّا وافته المنيَّة ذهب الشيخ الإمام من القرارة إلى الجزائر ليتبع جنازة صديقه إلى مثواه الأخير، ويُقدِّم واجب التعزية لأسرة الفقيد، في الوقت الذي لم يحضُر الجنازة من موظَّفي الحكومة أحدٌ، ما عدا أفراد الأسرة حسب علمي، فكأنَّما الشيخ الإمام كسر حصار الحكومة للفقيد حتى ولو بعد موته، ولكن الإمام لم يهتمّ لذلك فحسبُه أنَّه أدى واجبه. فرجع إلى القرارة فإذا بالحكومة تنقله مرَّة ثانية إلى الجزائر، ولكن إلى سجن الحراش، إذ أصبح مثل صديقه البشير من المغضوب عليهم.
فكان سجنُه ومحنتُه نعمَةً للأربعين مسجونًا قبلَه، قال الشيخ «دخلتُ السجن ولا أحدَ من المسجونين الأربعين يعرف القِبلة، وخرجتُ (بعد ثلاثة أشهر) وتركتهم كلُّّهم يصلون للقِبلة»، وكان ذلك سنة 1964م، فقد أدركته عناية الخالق في السجن وبعده، فخرج دون إلصاق تهمةٍ أو محاكمة.
المداخلة الرابعة: (1/313)
صفحة 314
وددتُ أن يتعرَّض المحاضرون إلى العناصر التي أثَّرت في شخصية الإمام وقد بيَّنوا المميزات التي يؤثر بها، فربَّما كان ذلك راجعا لضيق الوقت.
فمن أهمَّ هذه العناصر (المرتَّبة حسب رأيي)، والمؤثرة في شخصية الإمام ما يلي:
أ- الموهبة الفذَّة التي اختصَّ بها الله الشيخ.
ب- كتاب الله العظيم الذي استظهره عن ظهر قلبٍ، وهو لا يتجاوز الثانية عشر من عمره.
ج- سنَّة الرسول الأعظم عليه الصلاة والسلام، وسِيَر السلف الصالح.
د- الشخصيات التي أُعجب بها وتأثَّر بها:
1ـ في ميدان التربية والأخلاق، مشايخه خاصَّة الشيخ الأبريكي، وبالأخصِّ الشيخ عمر بن يحي الذي كان يتفانى في خدمته، ولازمه ليل نهار، حتى قالت لي عنه خالة أمِّي التي هي زوجة ولد الشيخ الحاج عمر «إني كنت أسميه بِالمَلْصَقْ» لأنَّه كان يلازم الشيخ من دون بقية الطلبة.
2 ـ الشخصيات التي تأثر بها الشيخ في مختلف مجالات الحياة:
... أ- في مجال الإصلاح والتعليم؛ الشيخ جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، ورشيد رضا، وقد أُعجب بمحمد عبده أيَّما إعجاب، فكانت تأتيه مجلَّة «العروة الوثقى» وغيرها من المجلاَّت المحظورة، عن طريق تونس، فكان جدِّي من أمي الحيَّة بحمودة [كذا] (الطبيب العرفي) في القرارة له ضلعٌ في مساعدة الشيخ بالمجلاَّت.
... ب- في مجال الحِنكة السياسية وبُعد النظر؛ تأثر الشيخ بالسيد عيسى بن عمارة خبزي فكان الإمام يسمِّيه «مُعلِّمي في السياسة».
... ج- في مجال الوطنية والتفاني فيها والذوذ عن الوطن؛ قال الشيخ أُعجبت بالجنرال دوغول الذي أنقذ بلده من مخالب هتلر وهو في المنفى، ومن شدَّة إعجابي به وضعتُ صورته في غلاف حافظة النقود الجيبية.
المداخلة الخامسة: (1/314)
صفحة 315
نشكر مجهودات الدكتور بابا عمي محمد في البحث والتنقيب على وثائق مهمَّة جدًّا وكانت سرِّية، ونقول إنَّه إذا كانت لفرنسا مجموعة من الأعوان والأذناب تترصَّد حركات الإمام وتكتب ضدَّه التقارير الجهنَّمية ووثائق التملُّق والموالاة، فإنَّ الشيخ الإمام كان له أعوان موالون لمنهجه الإصلاحي، لا يبخلون عليه بأية وثيقة تكشف للشيخ ما يُحاك ضدَّه في الكواليس، فجمع بذلك كثيرًا من الوثائق، والدليل على ذلك أنَّه أخرج لنا خلال جلستنا معه وثيقةً كتبها مُوالٍ للحاكم يتملَّق له فيها، وهي نفسها التي قرأها أمام الحاكم. أبدينا إعجابنا لذلك، وطلبنا منه أن يقول كيف وصلت إليه الوثيقة..، فقال ذلك سرٌّ من الأسرار.
بيوض أنت إمام
يا شيخنا بيُّوض أنت إمام ... ... مهما نأت برحيلك ... الأعوام
لك في القلوب محبَّة ... مكنونة ... ما دام في عمر الزمان ... دوام
دانت لك الأجيال إذ ... ربَّيتها ... وعلى عماد الدين قد ... أعليتها
طوبى فتلك أمانة ... أدَّيتها ... لك في الجنان الخالدات ... مقام
باسم «الحياة» لقد بنيت ... المعهدا ... للعلم والإصلاح أعليت ... الندا
فأتاك من كلِّ الحمى رجع ... الصدى ... فانحاز عنه تخلُّف ... وظلام
لك في البداهة والدهاء ... روائع ... لك في الفصاحة والبيان ... بدائع
بفؤاده يصغي إليك ... السامع ... يودُّ لو يمتدُّ منك ... كلام
كم جُلتَ في روض «الكتاب» ... مفسِّرا ... ووعيتَ أحكام الإله ... مُنظِّرَا
وجلوتَها للسائلين ... ميسِّرا ... فتفتَّقت ببيانك ... الأفهام
كم صُلتَ في رحب «الصحيح» ... مُنازلا ... وسموتَ في قمم الشروح ... مَنازلا
وعن الثوابت لم تكن ... متنازلا ... فتوثَّقت بثباتك ... الأحكام
إنَّا على العهد الوثيق ... إمَامنا ... والفوز والهدف النبيل ... أمامنا
والله يكلأ بالهنا ... أيَّامنا ... وعلى الجميع تحيَّة ... وسلام
كلمات: صالح خباشة
الجزائر ـ شعبان 1420 هـ نوفمبر 1999م
ياوافدين على القر ارة مرحبا
يا وافدين على القرارة ... مرحبا ... بكمو غدت مزدانة ... فيحاء
يحكي الرياضَ السندسية ... ثغرُها ... كذلكم نافست بدلالها ... الحسناء (1/315)
صفحة 316
فجمالها اقتبسته من ... بسماتكم ... ومن الوجوه المشرقات ... سناء
فلتنزلوها مكْرمين، ... قلوبنا ... فرشت لنسل الأكرمين ... وطاء
فلتنزلوها بالسلام ... فأنتمو ... رُسلُ السلام، بروضة ... غناء
أرجاؤها بالوحي تعبق، ... والهدى ... يضفي عليها بهجة ... ورواء
في كلِّ عام مهرجانات ... تُقَام ... لحامليه مبرَّة ... ووفاء
الله أكرمهم بخير ... هديَّة ... تشفي الصدور وتسحق ... الأدواء
في آيه كنزُ الفضائل ... جمَّةٌ ... خُلُقٌ عظيم يبلغ ... العلياء
في آيه نبذ الرذائل ... كلِّها ... لا ظلم، لا شحناء، ... لا بغضاء
لا فضل للأعراب دون ... أعاجم ... أضحَوا به متكافئين ... سواء
وبه استنار المسلمون ... وبيَّنوا ... للمدلجين المنهج ... الوضَّاء
وبه انتصرنا والعداة ... أكاثرٌ ... واليوم قد صرنا بكثرتنا ... غثاء
لا شيء في الدنيا أجلُّ من ... الكتاب ... به سمونا العزَّة ... القعساء
ولدي وهبتك للكتاب فكُن ... له ... واحفظه تلق من الإله ... جزاء
جنات عدن خالدات ... حورُها ... تَسبِي العيون ملاحة ... وبهاء
آياته تهديك للنهج القويم ... فلن ... تضلَّ عن الهدى ... إغواء
إنَّ الغَرُور عن الهدى ... متنكِّبٌ ... ومنكِّبٌ لك، فاحذر ... الإغراء
حصِّن فؤادك بالكتاب ففي ... هداه ... حصانة لك، تكبت ... الأعداء
واسلكه في أعماق قلبك ... إنَّه ... يسري فينعش بالتُّقى ... الأعضاء
يسري فتنطلق النفوس ... زكيَّة ... تسمو لبارئها، هدًى ... وتقاء
يا رب نوِّر بالكتاب ... شبابنا ... وأزل به عن نهجه ... الظلماء
ما العلم؟ بل ما الفلسفات إذا ... غدت ... عورًا ـ عن الإيمان بل ... عمياء
قد يعلمون من الحياة ... مظاهرا ... وهمو عن الأخرى أشدُّ ... عماء
كشفوا خبايا الأرض في ... أعماقها ... بل طاولوا المريخ ... والجوزاء
كم دوَّخت أقمارهم قمر ... السما ... خرقوا (الأزون) ولوثوا ... الأجواء
صنعوا القنابل للدمار ... وشوَّهوا ... وجه الحضارة، دنَّسوا ... الغبراء
لا خير في علم إذا ما لم ... يكن ... خلق يقيه البغي ... والفحشاء
في كلِّ منطقة حروب ... طاحنات ... تحصد البرآء ... والضعفاء
لا تنشر الموت الزؤام فحسب، ... بل ... تذر الديار بلاقعا ... جرداء
بيُّوض يا عالم الهدى ... أحللتنا ... في العالمين مكانة ... علياء (1/316)
صفحة 317
بالعلم تنشره وترسم ... نهجه ... للسالكين، محجَّة ... بيضاء
أمَّا الكتاب، ففي رحاب الله ... عشـ ... ـتَ به حياة رغدة ... سَعْداءَ
قد شمت في هدي الكتاب ... خلاصنا ... من بؤسنا، والعصمة ... العصماء
فدعوت جمع المسلمين ... لهديه ... وملأت أرجاء البلاد ... نداءَا:
يا قوم لا نصر يلوح ... بأفقنا ... ما لم نكن في ديننا ... صلحاء
لا الغرب لا المريكان في ... مقدوره ... بِدُلاَرِهِ، أن يحمي ... الأمراء (1)
لا لا يغير ما بنا من ... ذلَّة ... حتَّى نغيِّر سيرة ... نكراء
عودوا إلى نهج الكتاب ... وطبِّقوا ... أحكامه والسنَّة ... الغرَّاء
يُمدِدكمو ربُّ السماء ... بنصره ... إن كنتموا لكتابه ... نصراء
الأستاذ: باجو صالح
... ... ... أستاذ بمعهد الحياة ـ القرارة
تقرير حول الملتقى الأول لفكر الإمام الشيخ بيوض
يقول الشاعر الدكتور محمد صالح ناصر، شاعر الكلمة الموزونة الصادقة في وصف بلدة القرارة؛ مدينةِ العلم والقرآن:
يا واحةَ الإسلام ضُمِّينَا ... ... نخيلاً، عانَقَتها في الإباءِ سماءُ
ثَبَتَت لهزَّات العواصفِ، أصلُها ... ... مُتمكنٌ، وفروعُها شمَّاءُ
تَهبُ الربيعَ هديلَ ورقاءَ، فإن ... ... جاءَ الخريفُ فكفُّهَا مِعطاءُ
يا واحة الإسلام، حُبُّكِ دافقٌ ... ... بدمي، يُنمِّيه هوىً وَوَفاءُ (2)
هذه مدينة القرارة في قلب الشعراء، مدينةٌ لا كغيرها من المدن والقرى، هذه القلعة المعطاءُ، التي ضربت جذورها في التاريخ، لتُجسِّد صرح الحضارة الإسلامية، ولتُعطي مثالا حيًّا بارزًا للأصالة، بتمسُّكها بالمبادئ السامية لديننا الحنيف، وبالتفتُّح على علوم العصر ووسائل التقدُّم والتطوُّر.
__________
(1) ـ إشارة إلى تدخُّل الغرب والماريكان في إنقاذ الكويت من مخالب العراق.
(2) ـ قصيدة ألقاها الأستاذ الدكتور محمد صالح ناصر بمناسبة مهرجان ختم تفسير الشيخ بيُّوض للقرآن الكريم. انظر كتاب «في رحاب القرآن»، ص 61. (1/317)
صفحة 318
كفاها فخرًا، أن تُدعى مدينة العلم والقرآن، وإنَّها لكذلك إلى ما شاء الله تعالى، فمنذ وقتٍ غير بعيد، وقفت هذه البلدة الوفيَّة، وقفة إجلال واعتبار، لتُحيِيَ ذكرى علَمٍ من أعلام ميزاب والجزائر، بل العالم الإسلامي، بوصفه مفسِّرًا لكتاب الله العزيز، ومُصلحًا ومجاهدًا؛ إنَّه الإمام الشيخ إبراهيم بن عمر بيُّوض رحمه الله تعالى.
تَجَسَّد هذا الحدث التاريخي من خلال الملتقى الأول لفكر الإمام الشيخ بيُّوض، وهو من مواليد الحادي عشر من شهر ذي الحجَّة سنة ستة عشر وثلاثمائة وألف، الموافق لاثنين وعشرين من شهر أفريل سنة تسع وتسعين وثمانمائة وألف، بالقرارة ولاية غرداية، وكان أبوه من أعيان الإصلاح في البلدة حيث نشأ ابنه في أسرة ملتزمة؛ عُرف بالنبوغ والذكاء، وحسن الحافظة، وذلاقة اللسان منذ صباه. درسَ القرآن الكريم واستظهره وعُمره اثنا عشرة سنة، كما أخذ مبادئ الفقه واللغة العربية عن مشايخَ أجلاَّء.
استلم الشيخ رحمه الله راية الإصلاح صغيراً، عن عمرٍ يناهز الثانية والعشرين، لِمَا أظهره من استعدادٍ ومقدرة؛ وكان ذلك بعد وفاة شيخه الحاج عمر بن يحي رحمه الله، وبعدها بسنة التحق عضوًا بحلقة العزَّابة، وهي هيئةٌ تشرف على الشؤون الدينية والاجتماعية في البلدة، وسرعان ما عُيِّن رئيسًا لها سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة وألف للهجرة الموافق لأربعين وتسعمائة وألف ميلادية، إلى وفاته رحمه الله.
من أبرز الأنشطة التي تولاَّها في مجال الإصلاح الاجتماعي؛ الوعظُ والتدريس بالمسجد الكبير بالقرارة، وافتتاحه لدرس الحديث من كتاب: «فتح الباري شرح صحيح البخاري» سنة تسع وأربعين وثلاثمائة وألف للهجرة، الموافق لواحد وثلاثين وتسعمائة وألف ميلاية، ثُمَّ افتتاحُه لدروس تفسير القرآن الكريم في غرَّة محرم ثلاث وخمسين وثلاثمائة وألف للهجرة، الموافق لشهر ماي خمس وثلاثين وتسعمائة وألف ميلادية، واستمر فيه زهاء خمسين سنة (1/318)
صفحة 319
هذا بالإضافة إلى تأسيسه لـ«معهد الحياة» سنة ثلاثٍ وأربعين وثلاثمائة وألف للهجرة الموافق لسنة خمس وعشرين وتسعمائة وألف للميلاد، كما أسَّس «جمعية الحياة» بالقرارة، التي دعَّمت النهضة العلمية والإصلاحية في وادي ميزاب، ولا تزال تؤدِّي رسالتها في التربية والتعليم، كما شارك في وضع القانون الأساسي لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وكان عضوًا في إدارتها الأولى نائبًا لأمين المال. وفي سنة ستّ وستين وثمانمائة وألف للهجرة الموافق لثمانٍ وأربعين وتسعمائةٍ وألف للميلاد، كان عضوًا في لجنة إعانة فلسطين، وكان من الأربعة الممضين على برقيَّات ورسائل التأييد باسم اللجنة وهم: الشيخ البشير الإبراهيمي، الشيخ بيُّوض، الشيخ الطيّب العقبي، فرحات عبَّاس.
بالإضافة إلى جهاده الوطني ضدَّ الاستعمار، إذ كان محور النشاط الثوري بميزاب عامَّة والقرارة خاصة، حيث كوَّن أوَّل خليَّة ثورية بالقرارة أواخر سنة خمس وخمسين وتسعمائة وألف. وكان عضوًا في اللجنة الإدارية المؤقَّتة لعمالة الواحات، ممثلا لدائرة الأغواط سنة ثمان وخمسين تسعمائة وألف؛ وأدَّى دورًا رئيسيًا في إحباط مؤامرة فصل الصحراء عن شمال الجزائر؛ وفي مارس اثنين وستين وتسعمائة وألف، عُيِّن عضوًا في الهيئة التنفيذية المؤقَّتة مكلَّفا بالشؤون الثقافية بموافقة الحكومة المؤقَّتة.
وللشيخ بيُّوض رحمه الله تعالى أنشطةٌ عديدة وأدوارٌ جليلة لا يمكن حصرُها في هذا المقام.
لقد رحل الشيخ بيُّوض مخلِّفا وراءه تراثا قيِّما، تنوع ما بين تفسيرٍ مُسجَّل لنصف القرآن الكريم، ومئات الدروس والخطب المسجَّلة، وفتاوى مطبوعة في جزأين، وأجيالٍ من الرجال، مشايخ ودكاترة وأساتذة ومسؤولين في مختلف المستويات والمهام والهيئات الاجتماعية، بالإضافة إلى عشرات المؤسَّسات التربوية القائمة في القرارة وفي غيرها من مدن القطر الجزائري. (1/319)
صفحة 320
وفي أواخر حياته ونهاية تفسيره لكتاب الله العزيز كُرِّم بمهرجان عظيم، شهدته الوفود من كل حدبٍ وصوب، من ميزاب ومن شتى أنحاء الوطن الجزائري، وممثَّلين من السلطات الرسميَّة.
وبهذه المناسبة، يقول في حقِّه الشاعر الحاج امحمد أطفيش، خرِّيج معهد الحياة وأستاذ متقاعد:
بيُّوض، أدَّيت الأمانة مُخلصًا، ... وقضيت دهرًا كلُّه حركاتُ
بيُّوض، بالتفسير قامت دعوةٌ، ... يبقى لها طول الزمان حُماةُ
أدَّيت للقرآن حقًا وافيًا، ... وحملت جهدًا، كلُّه خدماتُ
فانعم بحبٍ في القلوب مجدَّد، ... مادامت الأزمانُ والسنواتُ
وأبشِر بخيرٍ في السماء مهيأٍ ... فرضى الإلهِ عليكَ والآياتُ
فإليك من خير العباد تحيَّةٌ ... وعليك من ربِّ العباد صلاةُ (1)
وإيمانًا بأهميَّة التاريخ في حياة الشعوب، وبدور الرجال في إحياء الأمم والجماعات، وتعريفا للأجيال بقدر ومكانة عظمائها، لحسن الاقتداء والتأسِّي والاعتبار، قامت جمعية الحياة بالقرارة، هذه الشجرة الطيبة التي كان للشيخ - رحمه الله - فضلُ غرسِها، أصلُها ثابت وفرعُها في السماء، تؤتي أكلَها كلَّ حين بإذن ربها، قامت بتنظيم الملتقى الأول لفكر الإمام الشيخ إبراهيم بن عمر بيُّوض.
__________
(1) ـ قصيدة ألقاها الأستاذ الحاج امحمَّد اطفيَّش بمناسبة مهرجان ختم تفسير الشيخ بيُّوض للقرآن الكريم. انظر كتاب «في رحاب القرآن»، ص 69. (1/320)
صفحة 321
لاحت تباشير هذا الصباح الجميل، من يوم الخميس الثامن من شهر محرَّم سنة واحد وعشرين وأربعمائة وألف للهجرة، الموافق للثالث عشر من شهر أفريل سنة ألفين للميلاد، في جوٍ ربيعيٍّ ساحرٍ ويوم مشهودٍ، بقدوم ضيوفٍ كرام على بلدٍ أمين، بلدة القرارة، في يوم فرحِها وعيدِها، بعد عشرين عامًا من مهرجان ختم الشيخ بيُّوض لتفسير كتاب الله العزيز، فكان الملتقى الموعود في عشيرة «آل علاهم» العامرة بساحة «إينورار»، حيث الجموع تتوافد، وكلُّهم شوقٌ لشهود هذا الملتقى الفكري، ومما زاد المكان بهجة، تلك اللافتات المعلَّقة، والمدخل المزيَّن بالشعارات والأعلام، ودقَّات الطبول، التي تعزفها الفرقة الكشفية التابعة لأفواج المقاطعة، مستقبلةً ومرحِّبة بضيوفها الكرام التي يتصدرها الوفد الرسميُّ من السيد باعزيزي محمود والي ولاية غرداية، وممثِّل رئيس الجمهورية، وممثِّلين من مجلس الأمَّة، والبرلمان، والمجلس الإسلامي الأعلى، وجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وأعضاء من المجلس الولائي، ومدير نظارة الشؤون الدينية والأوقاف بالولاية، وأعضاء من مجلس عمِّي سعيد ومشايخ وادي ميزاب، وأعيانُه من حلقات العزابة وغيرها؛ دكاترة وأساتذة وأئمَّة بعض المساجد من مختلف أنحاء القطر الجزائري، بالإضافة إلى بعثة التلفزة الوطنيَّة وممثِّلي الصحافة الوطنية وممثِّلي القناة الثانية.
وقد استلهم الأستاذ الشاعر صالح إبراهيم باجو هذا الموقف فقال:
هذه بلدةُ القرارة جَذلى ... تتهادَى تِيهًا بكُم ودلالا (1)
قد كساها الربيع أبهى حُلاهُ ... فَغَدَت كالعروس تزهُو اختيَالا
كيف لا تزدهي، وقد بَلَغَت في ... العلم والذكر، منزلاً لن يُنَالا
في رحابِ القرآن عاشَت ولازالَت ... تُنشي على الهُدى أجيَالا
__________
(1) ـ قصيدة ألقاها الأستاذ صالح بن إبراهيم باجو بمناسبة مهرجان ختم تفسير الشيخ بيُّوض للقرآن الكريم. انظر كتاب «في رحاب القرآن»، ص 63. (1/321)
صفحة 322
وبعد هذا الاستقبال الحافل، توجَّهت الجموع لزيارة المعرض الذي أُقيم بالمناسبة، وقد نظَّمته الأفواج الكشفية؛ حيث ضمَّ بين جنباته مجموعةً من المواضيع والصور، تُبرز بعض جوانبَ من حياة الشيخ الإمام إبراهيم بيُّوض، بدايةً من نشأته ودراسته ثمَّ جهاده الإصلاحي والديني والاجتماعي والتعليمي والسياسي. كما كان دور الشيخ بارزًا في بعث الحركة الكشفيَّة بالقرارة ووادي ميزاب، إذ كان مشرفًا عامًّا لها.
وقد تولَّى بعض قادة الكشافة تقديم الشروحات والتوضيحات للسادة الضيوف، الذين أبدَوا إعجابهم بمحتوى هذا المعرض، الذي قُدِّم بشكلٍ فنِّي رائع، حيث الخطوط والرسومات التي أبرزت مواهب الطاقات الكشفية الشابَّة
كما كان هناك معرضٌ لبيع مجموعة من الكتب في مواضيع أُلِّفت في حقِّ الشيخ بيُّوض، خاصَّة تفسيره لكتاب الله العزيز، الذي حرَّره الأستاذ عيسى بن محمد الشيخ بالحاج، وكتب أخرى عن المذهب الإباضي، ومجلاَّت يُصدرها طلبة معهد الحياة.
وبعدها توجَّهت الوفود إلى قاعة المحاضرات، هذا الصرحُ الهائل الموشَّى بالمصابيح المتدلية والأعلام. وفي صدر القاعة، كانت اللوحاتُ الفنيَّة، خاصةً شعار الملتقى، الذي رصَّع خشبة المسرح وزادها رونقًا وجمالا.
وممَّا يبعث على الارتياح والإعجاب، تلك الحركة النشطة للجان التنظيم والإشراف على الملتقى، من إطاراتٍ وأساتذة وإعلاميِّين وكشَّافة وفرق الهلال الأحمر وجمعية اليقظة والأمن والإسعاف.
في حدود الساعة التاسعة والنصف صباحًا، الموعدُ الرسميُّ لافتتاح أشغال هذا الملتقى المبارك، يُعلن مسيِّر الحفل، الأستاذ عيسى بن محمد الشيخ بالحاج انطلاق فعاليات الملتقى، والتي بُدئت بآيات بيِّنات من القرآن الحكيم من أواخر سورة الصَّف، تلاها الأستاذ المقرئ بكير بن عمر فخَّار. ثمَّ تقدَّمت فرقةٌ كشفية لأداء النشيد الوطني الرسمي والجميع في وقفة استعداديَّة. (1/322)
صفحة 323
تلا ذلك الكلمة الترحيبية للأستاذ عيسى بن محمد الشيخ بالحاج، وهو خرِّيج معهد الحياة وأستاذ مادَّتي النحو والتاريخ الإسلامي، والذي له الفضل في إخراج الكنز العظيم، دروسُ التفسير للشيخ بيُّوض من أشرطة مسجَّلة إلى كتبٍ مطبوعة؛ وقد تمكَّن من إنجاز سبعة أجزاء.
رحَّب في كلمته بالوفود الكريمة، وعلى رأسهم ممثِّل رئيس الجمهورية، السيد باعزيزي محمود والي ولاية غرداية، ثمَّ قدَّم خلاصةً عن فقرات برنامج الملتقى، منوِّهًا بأهميته، مذكِّرًا بالمهرجان الذي أُقيم منذ عشرين سنة، بمناسبة ختم الشيخ بيُّوض لتفسير كتاب الله العزيز؛ ومنبِّها إلى أنَّ هذا الملتقى، قد جمع مناسبتين عظيمتين، أولاهُما، الاحتفاء بالشيخ بيُّوض، والاحتفاء بحفظة كتاب الله، الذي بلغ عددُهم هذه السنة أربعة وأربعين بين طالب وطالبة.
أنشدُوا، قولوا لضيوفنا أهلاً مرحبًا قد نزلتُم الرَّبع سهلا
كانت هذه لازمة النشيد الذي أدَّته الفرقة الكشفية.
وللتعريف بالشيخ بيُّوض لدى الحضور الكريم، استُمع إلى شريط سمعيٍّ بصوت الإمام - رحمه الله - في درسٍ عن المسؤوليَّة الدينية والواجب الاجتماعي الذي أُنيط بالشيخ، متحدِّثا أثناءه عن بعض أعماله وجهاده الإصلاحي والسياسي، والعراقيل التي اعترضته في هذا السبيل.
ثمَّ تقدَّمت جمعية أنغام الحياة، لتُشنِّف المسامع بنشيدين، أوَّلُهما تحت عنوان: «إهنأ يا قادم...»، والثاني بعنوان: «نمدُّ اليمين نشدُّ اليدا...». (1/323)
صفحة 324
بعد هذه الوصلة الفنية، تقدَّم الأستاذ الشيخ سعيد بن بالحاج شريفي المعروف بالشيخ عدُّون، رئيس جمعية الحياة ورفيق درب الشيخ بيُّوض، ليُلقي كلمةً باسم هذه الجمعيَّة المشرفة على الملتقى، رحَّب فيها بالسيِّد باعزيزي محمود والي ولاية غرداية وممثِّل رئيس الجمهورية السيد عبد العزيز بوتفليقة، وبجميع الحضور من مشايخ ودكاترة وأساتذة وغيرهم، مستذكرًا مثل هذا الموقف الذي وقفه منذ عشرين سنة في مهرجان ختم التفسير للشيخ بيوض الذي كان يتصدَّر الحفل؛ ويُضيف الشيخ عدُّون منوِّها بعِشرته للشيخ مدَّة ستين سنة تلميذًا ثمَّ مساعدًا له في مختلف مجالات كفاحه، وهو بذلك يزعم أنَّه الرفيق الأطول التصاقًا واحتكاكًا بالشيخ بيُّوض.
ثمَّ تطرَّق إلى أهميَّة هذه الشخصيَّة الفذَّة، التي عرف فيها الرجل المحنَّك، والمرشد الكبير، والقائد الأمثل، الذي خاض مختلف المجالات، وعلى رأسها مجال التربية والتعليم في معهد الحياة؛ ومن منبر المسجد حارب الآفات الاجتماعية والبِدع، واعظًا ومرشدًا ومصلحًا، مع معاناته من العراقيل والمعارضات التي قاومها - رحمه الله - بكلِّ ما أُوتي من قوَّة، مستعينًا أوَّلاً وأخيرًا بالله تبارك وتعالى.
ويؤكِّد الشيخ عدُّون في نهاية كلمته، على أنَّه لن يعرف قدر ومكانة الشيخ بيُّوض إلاَّ من لازمه وواكب مسار جهاده العظيم. كما شكر فخامة رئيس الجمهورية السيِّد عبد العزيز بوتفليقة على رعايته السامية لهذا الملتقى، والسيِّد الوالي باعزيزي محمود الذي أبدى اهتمامًا كبيرًا لإقامة هذا الملتقى، وكلَّ من تكبَّد مشاقَّ السفر ليُفيد ويستفيد. (1/324)
صفحة 325
الكلمة المقدَّمة باسم العائلة تفضَّل بها ابن الشيخ بيُّوض، السيد محمد إبراهيم بيُّوض، خرِّيج معهد الحياة وأستاذ الشريعة بمدرسة الحياة وخطيب الجُمعة بالمسجد الكبير بالقرارة. شكر باسم العائلة الحضور المكثَّف، والذي يدلُّ على مدى وعيهم وحبِّهم للعلم والعلماء والعاملين المصلحين. ثمَّ تحدَّث عن أسلوب الشيخ في تربية أبنائه، الذي يتميَّز بالاعتدال، بين المودَّة والحنان، والحزم والصرامة. كما نوَّه ببعض مناقب الإمام ومزاياه، وأهمِّ أعماله وجهاده.
وألَحَّ أخيرًا، على كل غيورٍ من مُخلصي هذه الأمَّة وأبنائه البررة بالتصدي لتصفية التاريخ، وتنقيته ممَّا شابهُ من تزييفٍ وتحريفٍ.
ومن شعر الدكتور محمد صالح ناصر، وتلحين الأستاذ محمد بوسعدة، أدَّت جمعية أنغام الحياة، نشيدًا تحت عنوان: «ذكراك يا إمام...»
مباشرة كانت كلمةُ رئيس الجمهوريَّة، السيد عبد العزيز بوتفليقة، التي ألقاها نيابة عنه السيد باعزيزي محمود والي ولاية غرداية، الذي قدَّم اعتذار فخامة الرئيس، عن عدم تمكُّنه من الحضور نظرًا لانشغالاته المتعدِّدة؛ ثمَّ تلا رسالة شكرٍ لجمعية الحياة، التي وجَّهت إليه الدعوة بالحضور، ثمَّ نوَّه برائد الحركة الإصلاحية بالجنوب الإمام الشيخ بيُّوض، ودوره في نهضة الجزائر. مركِّزًا بعدها على نضال الشيخ العلمي والتربوي والإصلاحي.
وتوالت الكلمات، حيث تقدَّم الدكتور أحمد بن بابا بيُّوض، عضو المجلس الوطني الشعبي، ليُدلي باعتذار رئيس المجلس الوطني السيد عبد القادر بن صالح، والنواب المدعوِّيين.
ثمَّ تحدَّث عن أهميَّة هذا الملتقى الذي يتمثَّل في الاحتفاء بعلمائنا، وهو ما يُثبِّت ويؤكِّد الحفاظ على الشخصية الإسلامية الوطنيَّة.
كما تعرَّض لبعض مجالات جهاد الشيخ وعدَّه منارةً هذه الأمَّة كغيره من علماء هذا الوطن. (1/325)
صفحة 326
ثمَّ قدَّم اعتذار السيد علي بن فليس، مدير ديوان الرئاسة، وتلا كلمته بالنيابة، والتي أشاد فيها بالإمام الشيخ بيُّوض.
كلمة المجلس الإسلامي الأعلى، قدَّمها بالنيابة أحدُ الأعضاء، الأستاذ الشيخ محمد بن بابا الشيخ بالحاج، خرِّيج معهد الحياة وأستاذ العلوم الشرعيَّة، قدَّم في البداية اعتذار رئيس المجلس، السيد عبد المجيد مزيان، ثمَّ عبَّر عن وجهة نظر المجلس الذي يعتبر أنَّ الشيخ بيُّوض والشيخ عبد الحميد بن باديس تجمعهُما وجهةٌ ومنطقٌ وهدفٌ واحد، ألا وهو الجهاد في سبيل الله لإصلاح المجتمع وخدمة الإسلام والمسلمين.
ثمَّ أكَّد الأستاذ الشيخ محمد بن بابا الشيخ بالحاج، على أن يكون هذا الملتقى عبرة وذكرى، وبدايةً للرجوع إلى نهج الأئمة وصراطهم، وأن لا يكون جاريًا بموضة العصر، أعمالٌ دون أهداف، وتوصياتٌ وأفكارٌ دون تطبيق، ثمَّ سرد الأستاذ أخيرًا بعض شهادات تاريخيَّة عن مواقف حاسمة للشيخ ونضاله السياسي إبان الثورة التحريرية المباركة.
اعتذار آخر من معالي وزير الشؤون الدينية، السيد عبد الله غلام الله، ألقاها بالنيابة ناظر الشؤون الدينية بالولاية السيد بوتاسونة الذي ألقى بدوره كذلك كلمة بالمناسبة.
أما كلمةُ جمعية العلماء المسلمين فقدَّمها نيابة عن رئيسها السيِّد عبد الرحمان شيبان، الأستاذ محمد الهادي الحسني، الذي بدأها باعتذار عدم الحضور لأسباب صحيَّة قاهرة، ثمَّ تحدَّث عن معرفته بالشيخ بيُّوض حينما كان طالبًا بجامع الزيتونة بتونس، إذ وقف الشيخ بيُّوض موقف المصلح اللبيب ليُزيل نقطة الخلاف التي كانت بين الشيخين عبد الحميد بن باديس والطيَّب العقبي، محذِّرًا إياهما من التفرُّق، ومنوِّهًا بقدريهما، تاليًا عليهما هذين البيتين:
خصمَان فيما يفيد الأمَّة اختَصَمَا ... إيَّاك أن تُنقص الخصمَين إيَّاكَا
كلاهُما في سبيل الحقِّ مجتهدٌ ... فلا تذُمَّنَّ لا هذا ولا ذاكَا.
« (1/326)
صفحة 327
يا شيخنا بيُّوض»، نشيدٌ من تأليف الأستاذ صالح خبَّاشة، تلحين الأستاذ محمد بوسعدة، أدَّاه مع فرقة أنغام الحياة.
وكان من حُسن حظِّ المستظهرين لكتاب الله في هذه السنة أن يُكرَّموا في مثل هذه المناسبات العظيمة، التي يقلُّ حدوثها في هذا الجمع الكبير القادم من الآفاق، بالتحاقهم بـ"حلقة إيروان". وبعد أن سرد منشِّط الحفل قائمة المستظهرين الذين بلغ عددُهم أربعة وأربعين مستظهرًا قبل نهاية الموسم الدراسي بشهرين؛ وفي هذه الأثناء تقدَّم فضيلة الشيخ الناصر بن محمد المرموري خرِّيج وأستاذ بمعهد الحياة للعلوم الشرعية، وعضوُ حلقة العزابة، فحمد الله وأثنى عليه، ثمَّ تحدَّث عن هذه العادة الحميدة، ألا وهي الاحتفاء بحفظة كتاب الله، هذا النظام الذي أقامه الشيخ أبو عبد الله محمد بن بكر الفرسطائي، منذ ألف سنة، ثمَّ ذكر أنَّ آخر حفلٍ حضره الشيخ بيُّوض كان في نهاية السبعينيات، تأسَّف فيه على قلَّة العدد الذي بلغ سبعة من المستظهرين، فأقام درسًا كان بمثابة صرخة قويَّة أتت أُكلها في السنوات الموالية، إذ ارتفع العدد إلى واحدٍ وعشرين ثمَّ تضاعف إلى ثلاثٍ ثمَّ إلى عشر مرَّات.
وأخيرًا، نصح الشيخ الناصر الحفظة بالمحافظة على القرآن الكريم بالمُدارسة والفهم والتفقُّه في الدين، وتجسيده في واقعهم قولاً وعملاً.
وبعدها تلا مسيِّر الحفل جملة من الاعتذارات، منها اعتذار الشيخ أحمد سحنون لعجزه ومرضه.
وعلى الساعة الثانية عشرة وخمس دقائق، وبعد جملة من التوصيات حول سير الأشغال، كان موعد المحاضرة الأولى لهذا الملتقى، للأستاذ الدكتور محمد الهادي الحسني. قدَّمه الأستاذ محمد بن سليمان أبو العلا، خرِّيج معهد الحياة وأستاذ الأدب العربي بثانوية القرارة، فالمحاضر أستاذ بمعهد أصول الدين جامعة الجزائر متخصِّصٌ في التاريخ والسيرة النبوية، وعضو جمعية العلماء المسلمين. (1/327)
صفحة 328
كان عنوان المحاضرة: «الإمام إبراهيم بيُّوض ودوره في الحركة الوطنية الحضارية»، مهَّد لها بتقديم نبذة عن جمعية العلماء المسلمين، ودورها في إذكاء الروح الدينية لدى الشعب، ثمَّ تطرَّق إلى أهداف فرنسا الاستعمارية وموقف العلماء من مخطَّطاتها؛ وذلك بالتعرُّض لمواقف التيارات الوطنية ومن بينها التيار الوطني الذي يدعو إلى الاستقلال ويعمل على تحرير الجزائر، لإدراكه هدف فرنسا الآجل، وإدراكه جميع أبعاد الاستقلال ومضامينه، وإلى هذا التيار - يقول المحاضر- ينتمي العلماء المسلمون، ومن بينهم الشيخ بيُّوض رحمه الله.
ولخطر هذا التيار - يؤكِّد المحاضر - فإنَّ فرنسا وضعت مخطَّطات للقضاء عليه تنظيمًا وأفرادًا، وهذا ما تجلَّى في المتابعات والعراقيل التي تعقَّبت به السلطات الاستعمارية تحرُّكات الشيخ، بما في ذلك الإقامة الجبرية التي فُرضت عليه أثناء الحرب العالمية الثانية.
وتطرَّق المحاضر في النهاية إلى بعض أعمال ومنجزات الشيخ بيُّوض الخالدة، كالاهتمام بالقرآن الكريم، تفسيرًا وتطبيقًا، وبالإصلاح من منبر المعهد والمسجد، ومساندة إخوانه في جمعية العلماء المسلمين، الذين كانوا أوَّل من ساند الجهاد ضدَّ الاستعمار. ثم موقف الشيخ بيُّوض في قضية فصل الصحراء عن الشمال، متجسِّدًا في مقولته: «لن نستبدل الشمال بالشِّمال، ولن نستبدل الجنوب بالمال».
وتلا هذه المحاضرة مداخلتان، الأولى من فضيلة الأستاذ الشيخ محمد بن بابا الشيخ بالحاج، الذي نوَّه بموقف الشيخ بيُّوض فيما يتعلَّق بالتجنيد الإجباري، ثم تحدَّث عن أساليب الاستعمار الفرنسي. أمَّا المداخلة الثانية فكانت للأستاذ محمد بن موسى بابا عمِّي التي كانت عبارة عن استفسارات عن هذه الوثائق إن كانت في متناول الدارسين، وعن آثار الحركات واستمراريَّتها. (1/328)
صفحة 329
بعد انتهاء المحاضرة، رُفعت الجلسة الصباحية الأولى، على أن يتحوَّل الضيوف لزيارة مَعلَمين من معالم الشيخ بيُّوض. كانت البداية من مدرسة الحياة، حيث كان مديرها الأستاذ قاسم بن موسى بكُّوش، خرِّيج معهد الحياة، في الاستقبال مع مجموعة من المعلِّمين، فبعد كلمة الترحيب، قدَّم السيد المدير شروحًا حول المستويات التعليمية والبرامج، مركِّزًا على تعليم البنت، وما تُحظى به من عناية؛ وقد كانت القاعة حافلة بنماذج من أشغالٍ أبدعتها أنامل فتيات متوسِّطة وثانوية الحياة؛ تلا ذلك أجوبة للاستفسارات التي طرحها السادة الضيوف.
بعد وليمة الغذاء، التي أكرَمَت بها جمعية الحياة ضيوفَها الكرام، وفترة الاستراحة، التقى الضيوف مجدَّدًا قبل صلاة العصر، لزيارة مَعلَمٍ آخر من معالم الشيخ بيُّوض، ألا وهو معهد الحياة؛ كان في استقبالهم نائب المدير الأستاذ محمد بن بالحاج العايب وطاقم من الأساتذة. بعد أناشيد وكلمات ترحيب من أداء المجموعة الفنية لطلبة المعهد، تفضَّل الأستاذ يوسف بن أحمد الشيخ بالحاج بمعيَّة الضيوف بجولة عبر أجنحة المعرض، التي تناولت نشأة معهد الحياة وأنشطته، ونماذج من أعمال الطلبة من مجلاَّت ومذكرات التخرُّج، بالإضافة إلى مؤلَّفات الأساتذة المتخرِّجين من معهد الحياة، وكذا نبذة تعريفية عن داخليَّة الحياة وأنشطتها، ومواضيع أخرى... (1/329)
صفحة 330
وبعد صلاة العصر مباشرة، توجَّه الضيوف لزيارة مكتبة الشيخ بيُّوض بمنزله، برفقة الأستاذ بالحاج بن سعيد شريفي، أحدُ كُتَّابه، وكان في استقبالهم ابنُ الشيخ، محمد بن إبراهيم بيُّوض؛ حيث قدَّم الأستاذ بالحاج بن سعيد شريفي توضيحاتٍ عامَّة، بداية من التعريف بالشيخ -رحمه الله تعالى-، ونبذة عن الدار التي كانت مقرًّا لدراسة الطلبة، وخلاصةً عن دروس التفسير للشيخ. وفي إحدى زوايا دهليز المنزل، وقف الضيوف وقفة إجلال لمعاينة المكان الذي لفظ فيه الشيخ أنفاسه، والتحق بالرفيق الأعلى، عليه رحمة الله تعالى. وكذلك المكان الذي أحرق فيه الشيخ بيُّوض وثائق سرِّية أيام الحصار الاستعماري لمدينة القرارة.
بعدها تفضَّل ابن الشيخ؛ محمد بن إبراهيم بيُّوض بتقديم توضيحاتٍ عن مكتبة والده الثريَّة، وعن مطالعاته المتنوعَّة، والضيوف الذين كانوا يفِدون إلى دار الشيخ من شتى أنحاء الوطن.
ثم التحق السادة الحضور بقاعة المحاضرات لمتابعة أشغال الملتقى، وذلك على الساعة الخامسة والنصف مساءً.
استُهلَّت أمسية اليوم الأول، بنشيد للدكتور محمد صالح ناصر، من أداء جمعية أنغام الحياة، ومطلعُه:
... ... يا خاتم القرآن أيَّة رحلةٍ ... ختمتَ، تودُّ لو أنَّها إبداءُ
وأثناء ذلك، كانت الجموع تتوافد إلى قاعة المحاضرات، حيث كانت المحاضرة الثانية تحت عنوان «قراءة مالكي لفتاوى الشيخ بيُّوض» من تقديم الدكتور عبد الرزاق قسُّوم، أستاذ الفلسفة الإسلامية ومدير معهد أصول الدين بجامعة الجزائر، قدَّمه المنشِّط، الأستاذ بكير بن محمد الشيخ بالحاج، خرِّيج وأستاذ الشريعة الإسلامية بمعهد الحياة، بإعطاء نبذة موجزة عن حياته العلمية... (1/330)
صفحة 331
تفضَّل الأستاذ المحاضر بتمهيدٍ حول تعريف الفقه والفتوى وشروط المجتهد، ثمَّ تطرَّق إلى المقوِّمات الثقافية الشخصيَّة للمفتي، إذ حلَّل من خلالها شخصيَّة الشيخ بيُّوض؛ وخلص إلى نتيجة مفادُها أنَّ الشيخ رحمه الله تعالى، عالمٌ بالمعنى العلمي الإسلامي القديم لمدلول العالم، القائم على الموسوعيَّة المعرفية، بحفظه لكتاب الله، وسعة اطِّلاعه بعلم الحديث ومصطلحه، وإحاطته بفقه السيرة النبويَّة وتاريخ السلف الصالح...
وينتقل الأستاذ المحاضر إلى ذكر بعض مميِّزات كتاب فتاوى الشيخ بيُّوض، حيث عبَّر عن إعجابه بها قائلاً: «إنَّ فتاوى الشيخ بيُّوض كتابٌ مفتوح على قضايا الإنسان والمجتمع، ليس في المجتمع الميزابي أو الإباضي فحسب، بل المجتمع الجزائري بكلِّ طبقاته وأقاليمه..».
وفي النهاية، يدخل الأستاذ في سلسلة من المقارنات بين فتاوى الشيخ والفقه المالكي، معبِّرًا عن وجهة نظره، ومستحضرًا بعض الأمثلة في جانب العقيدة والعبادات والمعاملات...
تلا ذلك تعقيبٌ تفضَّل به الأستاذ بكير بن محمد الشيخ بالحاج، لتوضيح بعض النقاط التي وردت في المحاضرة.
المحاضرة الثالثة لهذا اليوم، كانت من تقديم الدكتور ”محمد لعساكر“ تحت عنوان: «الإمام الشيخ بيُّوض والوحدة الوطنية»، قدَّمه للحضور الأستاذ عمر بن حمُّو سليمان بوعصبانة، خرِّيج معهد الحياة وأستاذ التاريخ بجامعة وهران، فالأستاذ المحاضر خرِّيج معهد الحياة وأستاذ في كلِّية الحقوق بابن عكنون جامعة الجزائر، وعضو المجلس الأعلى للقضاء.
تناول في محاضرته الظروف السياسيَّة التي عايشها الشيخ بيُّوض، وموقفُ الاستعمار تجاه الحركة الإصلاحية، ويتجلَّى ذلك في الإقامة الجبرية التي جمَّدت نشاط الشيخ، بالإضافة إلى فرض غرامة ماليَّة بدعوى سفره واتِّصاله بأعضاء جمعية العلماء بدون رخصة. (1/331)
صفحة 332
ثمَّ تطرَّق المحاضر إلى العراقيل التي تعرَّض لها الشيخ في مسيرته الإصلاحية، كتحرُّش بعض المغرضين له، مستعينين بالسلطات الاستعمارية، ثمَّ بيَّن أخيرًا بعض المواقف الحاسمة التي واجه بها الشيخ فرنسا وأذنابها، بإلغائه التجنيد الإجباري في ميزاب، وإصراره على عدم إلحاق الصحراء بفرنسا، رغم المحاولات والإغراءات.
بعد انتهاء المحاضرة تدخَّل الأستاذ بالحاج بن سعيد شريفي بسرد رسالةٍ تتضمَّن اجتماع الشيخ بيُّوض بالشيخين البشير الإبراهيمي والعربي التبسي في باريس.
اختُتِمت أمسية اليوم الأول ليتوجَّه الحضور بعدها إلى المسجد الكبير لأداء صلاة المغرب، وحضور درسٍ يُلقيه الأستاذ محمد الهادي الحسني.
قبل ابتداء الدرس أُقيمت ختمة للقرآن الكريم، وكان ذلك على الساعة الثامنة وخمس دقائق، ثمَّ تفضَّل الأستاذ محمد الهادي الحسني بإلقاء درسه الذي كان في موضوع الهجرة النبوية وما لاقاه الرسول - صلى الله عليه وسلم - في دعوته من أنواع الأذى، وقد أوجزناه في نوعين: مادِّي ومعنوي، وكان الهدف منها تشكيك الرسول - صلى الله عليه وسلم - في نفسه، وفي دعوته، والتهوينُ من قيمة ما أنزل الله إليه، والحدُّ من إسلام الضعفاء منهم خاصَّة. ثمَّ خلص الأستاذ في نهاية دراسته إلى إبراز بعض العِظات، منها على حدِّ قوله، أنَّنا لسنا مطالَبين بالاقتداء بالأمور التعجيزية كالإسراء، بل مطالَبون بالاقتداء بالتي لا صورة للإعجاز فيها كالهجرة النبويَّة، التي برز فيها خُلُقان عظيمان، أولُهما: التضحيةُ بجميع أنواعها، وثانيهما: الإيثارُ والأخوَّة الإسلامية. وأخيرًا ختم الدرس بدعاءٍ صالحٍ. (1/332)
صفحة 333
بعد صلاة العشاء ومأدبة العشاء، تواصلت أشغال الملتقى في حدود العاشرة ليلاً بوصلةٍ فنيَّة من أداء جمعية أنغام الحياة؛ ثم كان موعد المحاضرة الرابعة مع الأستاذ محمد الحاج الناصر، نشَّط المحاضرة الأستاذ بكير بن يحي الشيخ بالحاج، خرِّيج معهد الحياة وأستاذ العلوم الشرعية بكلِّية الحقوق جامعة الجزائر. قدَّم المُحاضر الذي كان تلميذًا للشيخ بيُّوض، وهو حاليًّا مستشارُ البلاط الملكي بالمغرب، استهلَّ الأستاذ محاضرته – التي هي تحت عنوان: «الشيخ بيُّوض والتفسير» بالتحدُّث عن علاقته بالشيخ، ثمَّ بيَّن منهج الشيخ في التفسير، حيث كان يعتمد على ما ينقله من تفسير الشيخ رشيد رضا، ثمَّ يُعقِّب على ذلك بما أُوتي من فكرٍ مُسقطًا كلَّ ذلك على الأوضاع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.
ثمَّ يستدرك المحاضر قائلاً بأنَّ الشيخ بيُّوض كان يتميَّز بذكاءٍ خارق، استطاع به أن ينسلَّ من مآزق خلافيَّة في تفسير بعض الآيات. وبعد تحليل طويلٍ، يخلُص الأستاذ في ختام محاضرته إلى أنَّ همَّ الشيخ الأكبر هو الإصلاح الاجتماعي، وذلك بتوجيه دروسه لمختلف الشرائح بما في ذلك الطلبة؛ فكان يُقدِّم للجميع ما يمكِّنهم الاستفادة، وهو بذلك يستجيب ويساير قدرات الفهم المتباينة، ممَّن كان يؤمُّ المسجد الكبير، ويستمع بشغفٍ لدروسه، وهذا يتطلَّب قدرة فائقة، وهو ما يُعتبر من المميِّزات الأساسية لمنهج الشيخ في التفسير.
من بحر التفسير إلى بحور الشعر، مع القصيدة الأولى تحت عنوان: «الشيخ بيُّوض الراحل المُقيم»، للأستاذ حاج صالح الحاج عيسى، أستاذ اللغة العربية بإكمالية الشيخ القرادي بالعطف. ثم مع الأستاذ الشاعر صالح بن إبراهيم باجو، خرِّيج وأستاذ الأدب العربي بمعهد الحياة، بقصيدة تحت عنوان «في مهرجان القرآن»، ألقاها بالنيابة عنه ابنُه الدكتور مصطفى بن صالح باجو. (1/333)
صفحة 334
ثم أخيرًا، ختام هذه السهرة، تلاوة عطِرة للمقرئ الأستاذ بكير بن عمر فخَّار خرِّيج معهد الحياة، وأستاذ بمدرسة الحياة.
مضى يومٌ كاملٌ حافلٌ بالأعمال والأشغال إلى وقتٍ متأخِّرٍ من الليل، ليستقبلنا يومٌ جديدٌ مبارك، إنَّه يوم الجمعة، عيدٌ في الأرض وعيدٌ في السماء. إنَّها الساعة الثامنة صباحًا، إذ افتتحت الأشغال على بركة الله، بتلاوة زكيَّة من الأستاذ المُقرئ سليمان بن الناصر حميد أوجانة، خرِّيج معهد الحياة، ونائب المدير للدراسات بثانوية القرارة، بعدها تقدَّم الأستاذ يوسف بن سليمان كرشوش، عضو حلقة العزَّابة، أستاذ اللغة الإنجليزية بمعهد الحياة وثانوية القرارة، بإلقاء كلمة ترحيبية، مستعرضًا فقرات البرنامج الذي كانت بدايته مع الأستاذ الدكتور محمد صالح ناصر، خرِّيج معهد الحياة، وأستاذ الأدب العربي الحديث بجامعة الجزائر، وهو حاليًّا متفرِّغٌ للتأليف. قدَّم محاضرة تحت عنوان «الشيخ بيُّوض أديبًا». وتولَّى تقديم المحاضر الأستاذ عيسى بن محمد الشيخ بالحاج خرِّيج معهد الحياة وأستاذ مادَّة النحو به، قدَّم بطاقة تعريفيَّة للأستاذ المحاضر الذي يُعتبر غنيًّا عن التعريف بإنتاجه الأدبي والفكري الذي يناهز الخمسين مؤلَّفًا.
تناول المُحاضر الكلمة مرحِّبًا بالحضور، ورأى أن يبدأ بقراءة قصيدةٍ شعرية في حقِّ الشيخ بيُّوض، معقِّبًا على أنَّ المهرجان غمط حقَّ الشعر والشعراء، ثمَّ طاف بنا عبر محطَّاتٍ عِدَّة، أبرز فيها علاقة الشيخ بالأدب؛ إذ كان متضلِّعًا متزوِّدًا بشتى فنونه، وذلك ما يُلمَس أثرُه في تفسيره لكتاب الله، بتمكُّنه في اللغة واستشهاده بالشعر والحِكم والأمثال. (1/334)
صفحة 335
ويُضيف المحاضر أنَّ الشيخ كان فنَّانًا ذا حسٍّ وذوقٍ رفيعين، ويتجلَّى ذلك في متابعته للأناشيد الملقاة من طرف الطلبة، ففي بعض الأحيان يستوقف النشيد ليُصحِّح بعض الأبيات، كما كان يُبدي انزعاجه إذا سمع صوتًا نشازًا، ثمَّ يُعرِّج بنا الأستاذ على دراسة الخصائص النفسيَّة للشيخ بيُّوض، المتمثِّلة في تحمُّل المسؤولية ونُكران الذات، والإيمان بالله والتوكُّل عليه، والجرأة والشجاعة، وميله للحقِّ مهما كانت الظروف والمواقف السياسية والاجتماعية، وقد تجلَّى ذلك في المقالات الأدبية السِّت التي نشرها الشيخ رحمه الله للإصلاح ورأب الصدع بين عالِمَين بارزين؛ الشيخ سليمان الباروني، والشيخ شكيب أرسلان.
ويؤكِّد المُحاضر قائلاً بأنَّه لا تخلو رسالة من رسائله، أو أيُّ كتابة من كتاباته من هذه الخصائص النفسية القوية في كلِّ الظروف خاصَّة في المواقف الحالكة والخطيرة.
إنَّ الدكتور محمد ناصر، قد أسَر القلوب بسحر حديثه، واسترساله في لغةٍ جميلة، وأسلوبٍ متينٍ، لولا أنَّ الوقت كان هو الفيصل مستوقفًا إيَّاه عن إتمام هذه المحاضرة القيِّمة.
نظرًا لضيق الوقت كان هناك تدخُّلٌ واحد تقدَّم به الأستاذ الدكتور محمد لعساكر الذي افتتح كلامه معلِّقًا على المُحاضر، بأنَّ من شيمة التلميذ أن يقلِّد شيخه؛ وقد كان للشيخ طلبةٌ ”أساتذة“ بارعون في الأدب، مؤكِّدًا على بعض النقاط الواردة في المحاضرة.
بعدها، أُعطيت الفرصة للمحاضر ليُعقِّب قائلاً، بأنَّ للشيخ كتابات مسرحيَّة، وهي من أمتع ما يقرأ الإنسان، كما أنَّه كتب شعرًا.
وقد وُجدت بعض أعماله هذه منشورة في جريدة ”النجاح“، وهي من الصحف التي ينشر فيها أعداء الإصلاح مقالاتهم. (1/335)
صفحة 336
وفي هذه الأثناء بدأ أعضاء فرقة التثقيف الشعبي لبني يزجن يتقاطرون على قاعة المحاضرات، في حين تقدَّم الأستاذ سليمان ذوَّاق -الشاعر الموهوب- الذي يتدفَّق شاعريَّة وإحساسًا مرهفًا، ليُمتِّع الحضور بقصيدة في موضوع إنصاف الشيخ، أهداها إلى روح الإمام ومنصفيه. وقد تحدَّث فيها عن مناقب الشيخ وأعماله الإصلاحية، ومواقفه السياسية المجيدة.
من الاستراحة الأدبية مع الشعر إلى الاستراحة الفنيَّة مع المجموعة الصوتية لجمعية التثقيف الشعبي لبني يزجن التي أدَّت نشيدين؛ أوَّلهما ترحيبي من تأليف الشاعر سليمان ذواق وتلحين الفنان جابر بليدي وثانيهما تحت عنوان «ذكراك يا إمام» من تأليف الدكتور محمد صالح ناصر.
المحاضرة الثانية لهذا اليوم كانت للأستاذ محمد بن موسى بابا عمِّي، تفضل بتقديمه الأستاذ عبد الوهاب بن محمد حميد أوجانه خرِّيج وأستاذ الأدب العربي بمعهد الحياة؛ فالمحاضر متحصل على شهادة الماجستير من معهد أصول الدين جامعة الجزائر، وهو الآن الكاتب العام لجمعية التراث بالقرارة، وعضو المكتب الدائم لجمعية العلماء المسلمين وله تحقيقات عدَّة.
والمحاضرة التي هي تحت عنوان: «الشيخ بيُّوض من خلال الوثائق السريَّة الفرنسية»، قدَّمها المنشِّط على أنَّها تحمل ميزة خاصَّة لأنَّها عبارة عن وثائق وإحصائيات، وليست خُطبًا تختصُّ بالمدح أو القدح.
تعرَّض المحاضر في البداية للمنهج المُتَّبع في دراسة الشخصيات واقترح منهج الاستثارة بدل منهج الإثارة، ثمَّ عرَّف بأهميَّة هذه الوثائق، - السريَّة للغاية - التي استنسخها باحثون وتُجار غيورون على التاريخ والتراث من مكتبة بفرنسا، وتُعرف بوثائق ما وراء البحار أو بوثائق المستعمرات... (1/336)
صفحة 337
لقد اكتفى المحاضر بقراءةٍ أفقية لوثائق مؤرَّخة ما بين 01 أكتوبر 1934 و 30 جانفي 1949، نظرًا لضيق الوقت. ثمَّ تلا بعض الفقرات من تقارير لعملاء فرنسيِّين تتحدَّث عن متابعاتٍ دقيقة لتحرُّكات الشيخ بيُّوض، حيث يُحرِّض المواطنين في جمعيات الإصلاح وتنظيماتها وتدعيمها بالمال والأعمال؛ ويضيف المحاضر بأنَّ هذه التقارير تصف الشيخ بأنَّه شخص متعنِّت ومتشبِّثٌ بأفكاره الجديدة في دعم العلاقات بين الميزابيين والجمعيات الإصلاحية الأخرى، وبأنَّه مشاغبٌ، ويجب أن يوضع في دفتر « B» الذي تَستَدعي المسجَّلِين به متابعةٌ مستمرَّة. كما اتُّهم الشيخ بيُّوض بالتحريش والفوضى باسم الدين، واتُّهم تلاميذُه بالطيش، وكان ذلك في حادثة القباب ”ببريان“، حيث كان الشيخ يحارب هذه البدع.
ويختم الأستاذ المحاضر بقوله بأنَّ عملَ سنة من البحث لا يكفي لاستقراء جميع الوثائق التي تخصُّ الشيخ بيُّوض رحمه الله. بعد تدخُّلات مهمَّة أثرت المحاضرة، والتي تفضَّل بها على التوالي الدكتور محمد ناصر منبِّها إلى أنَّ هذه المعلومات الموجودة في الوثائق الفرنسية تؤكِّدها الرسائل التي كانت بين زعماء الإصلاح؛ وعلى الدارس أن يُقارن بين هذه المعلومات قبل أن يخلص إلى قرارٍ أو نتيجة معيَّنة.
تلا ذلك مداخلة الأستاذ محمد الهادي الحسني، الذي نبَّه كذلك إلى شيءٍ مهمٍّ، وهو أنَّه إذا أردنا أن نعرف أفكار وأهداف زعماء الإصلاح فلا نعتمد على ما نقرأه ممَّا يكتب عنهم في الجرائد، بل بما يقولونه في المساجد والتجمُّعات.
بعد ذلك عقَّب الأستاذ محمَّد بابا عمِّي في النهاية إلى أمرٍ هامٍّ وخطير، ويتمثَّل في دعوته كلَّ غيورٍ خاصَّة الذين عاصروا الشيخ بيُّوض لكتابة التاريخ حتَّى تستفيد الأجيال ولا تتخبَّط خبطَ عشواء، ولا يترك المجال بذلك للمتشدِّقين الذين يدَّعون كتابة التاريخ وهو منهم براء. (1/337)
صفحة 338
الوقت المستقطع بين هذه الفترة والفترة الموالية أُحيي بوصلة فنِّية لجمعية التثقيف الشعبي يتمثَّل في نشيد: «ذكرك اليوم لعمري».
المحاضرة الثالثة نشطَّها الأستاذ صالح بن محمَّد حاج عاشور، خرِّيج معهد الحياة ومدير إكمالية الشيخ محمَّد علي دبوز بالقرارة، والتي كانت تحت عنوان «الشيخ بيُّوض والإصلاح الاجتماعي». عرَّف الأستاذ بالمحاضر السيد نور الدين سكحال، أستاذ مساعد بجامعة الأمير عبد القادر، حائز على شهادة الماجستير حول موضوع حركة الشيخ بيُّوض الإصلاحية. وهو بصدد تحضير شهادة دكتوراه في «منهج الإصلاح، مقارنة بين الشيخ بيُّوض والشيخ عبد الحميد بن باديس».
افتتح الأستاذ محاضرته قائلا بأنَّ الشيخ بيُّوض، رحمه الله، اختار منهج الإصلاح وفق واقع مجتمعه بمختلف جوانبه، ثمَّ سرد فقرة للشيخ محمَّد علي دبُّوز على لسان شيخه الشيخ بيُّوض، يوضِّح فيها وضع المجتمع في ذلك الوقت، من ضُعفٍ ديني وتفشِّي الجهل والعادات الذميمة.
ثمَّ درج المحاضر بعد ذكر أهداف الحركة الإصلاحيَّة إلى الأُطر المعتمدة، انطلاقًا من تحويل الفكرة المجرَّدة إلى واقع ملموس، حيث المؤسسات التعليميَّة وصولاً إلى الأطر الاجتماعيَّة.
فالحركة الإصلاحيَّة حسب الشيخ بيُّوض - يضيف المحاضر - لا يمكنها أن تُحظى بالنجاح، بالبقاء داخل الأطر التعليميَّة، بل يجب أن تتعدَّاها إلى البحث عن أُطر اجتماعيَّة، تنشر من خلالها هذا الوعي الإصلاحي، حتَّى يتجسَّد فعليًا؛ ومن بينها مجلس العزابة، مجلس العشيرة، المجلس النسوي، جمعيات الشباب، وغيرها...
ويؤكِّد الأستاذ سُكحال أخيرًا، أنَّ الميزة الأساسيَّة للشيخ بيُّوض أنَّه قد جدَّد طريقة تسيِير هذه المجالس، خاصَّة مجلس العزَّابة، حيث جسَّد مبدأ الشورى كأساسٍ لإصدار القرارات، على خلاف ما كان عليه سابقًا، وأضاف أنَّ الشيخ رحمه الله، صرَّح مرارًا، أنَّه لن يستنكف عن الاستفادة من آراء وتجارب الحركات الأخرى. (1/338)
صفحة 339
وبعد انتهاء المحاضرة، تقدَّم القائد الكشفي أحمد سبعي ليتحدَّث عن دور الشيخ بيُّوض في مجال الكشافة الإسلاميَّة، حيث كان يُشرف على المخيَّمات الكشفيَّة ويجد في ذلك فرصةً لتوجيه الشباب، تلاه تدخل ثانٍ تفضَّل به الأستاذ محمَّد الحاج الناصر في نقطة تتعلَّق بدعوة الشيخ إلى تعلُّم اللغة الفرنسيَّة، ونبَّه إلى أنَّه لا يكون ذلك دعوةً للبعض إلى التمسُّك بهذه اللغات على حساب اللُّغة العربيَّة، وذلك ما فعله الرسول - صلى الله عليه وسلم - حينما كان في يثرب بدعوة صحابته لتعلُّم العبريَّة والفارسيَّة ليكون ذلك في صالح الدعوة والاتصال بهذه الأجناس.
بعدها ينتقل بنا مسيِّر الحفل الأستاذ يوسف بن سليمان كرشوش إلى الخطاب القيِّم الذي وجَّهه الشيخ محمَّد سعيد كعباش تحت عنوان «جهاد الشيخ بيُّوض في الإصلاح الديني والاجتماعي»، والمحاضر أستاذ الأدب العربي ورئيس حلقة العزَّابة لمدينة العطف. افتتح خطابه بأمنية أن يكون لهذا المهرجان آثارٌ إيجابيَّةٌ في تفعيل الوعي في المجتمع، وأنَّه بدأت تُلمَس مثل هذه الاستفاقة. ثمَّ عبَّر عن حزنه أن أقيمت هذه الذكرى في هذا الإطار المحلِّي الضيِّق؛ لأنَّ الشيخ رحمه الله لم يعش للقرارة وميزاب وحدَهما، بل عاش وجاهد في سبيل وطنه؛ فهل من نهاية لهذا التعتيم والتضييق، ذلك أنَّ الوفاء للشيخ الإمام، لا يفيه تنميقُ العبارات، إنَّما المثابرةُ في مواصلة الطريق الذي سطَّره، وتحقيق ما كان يهدف إلى تجسيده؛ والمصابرة والمرابطةُ في اقتفاء آثار جهاده، ومتابعة المسيرة الإصلاحيَّة، وفق المعالم التي رسمها على الطريق، جمعًا بين الأصالة والعصرنة، وتكاملاً بين العلم والدين، وتسامحًا وتعاونًا بين المذاهب الإسلاميَّة المختلفة. (1/339)
صفحة 340
ثمَّ يوجِّه الخطيب نداءه إلى سَرَاة الوطن وحماة عرينه، أولئك الذين حرَّروا ترابه من دنس الكفر وعاهدوا الشهداء على الوفاء والمثابرة والتواصي بالحقِّ والتواصي بالصبر، فيقول: «إنَّها أمانةُ التاريخ في أعناقكم فلا تخونوها، عزَّةُ الوطن رهن مسؤوليتكم فلا تُدنِّسوها»، ويختم خطابه بالآية: «رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الفَاتِحِين».
«نشيد الإمام الشيخ بيوض »، وصلةٌ فنيَّة للاستراحة من تقديم جمعية التثقيف الشعبي، الكلمات من شعر الأستاذ صالح خباشة وألحان الفرقة.
تلا ذلك تقديم المحاضرة الخامسة للأستاذ أحمد شقار الثعالبي، قدَّمه للحضور الأستاذ أحمد بن إبراهيم أولاد بهون، خرِّيج وأستاذ العلوم الاجتماعية بمعهد الحياة وثانوية القرارة، المحاضر عضوٌ نشيط في جمعية العلماء المسلمين، مكلَّف بالتربية والتعليم، وهو أستاذ الأدب العربي متخصِّص في النقد الأدبي، من مدينة برج بوعرريج.
المحاضرة كانت بعنوان: «الشيخ بيُّوض وجمعية العلماء»، حيث ركَّز فيها على الاجتماعات والعلاقات التي كانت تربط بين حركة الإصلاح بالجنوب بزعامة الشيخ بيُّوض، وأختها بالشمال بزعامة الشيخ ابن باديس. ويبيِّن المحاضر بأنَّ هذه العلاقة تمثَّلت في المبادئ والأُطر والوسائل المتَّبعة، وكان معظم فقرات المحاضرة عبارة عن سردٍ تاريخي لأنشطة أعضاء جمعية العلماء وعن ظروف تأسيسها.
ثمَّ في النهاية انتقل المحاضر إلى سرد تاريخي لحياة الشيخ بيُّوض إلى أن يقول: «إنَّ دوره في الحركة الإصلاحيَّة دور الرائد الباني، كما كان دوره في جمعية العلماء دور القائد الحكيم الذي يماثل دوره في الجنوب دور ابن باديس في الشمال». (1/340)
صفحة 341
وفي مداخلة للأستاذ د/محمد العيد مطمر، متحصِّل على دكتوراه في علم الاجتماع، وهو أستاذ بجامعة بسكرة، مهتمٌّ بالتاريخ الجزائري المعاصر. افتتح حديثه بدعوة الجميع إلى إحياء مآثر الشيخ بيُّوض، ثمَّ ركَّز على العلاقة التي كانت بين رجالات الإصلاح، وخاصة بين الشيخ بيُّوض ومشايخ من مدينة باتنة، سعيًا منهم إلى توحيد الصفِّ الإسلامي. ويعقِّب الأستاذ قائلا بأنَّه «قد تبيَّن من خلال هذه اللقاءات والاستشارات، أنَّ الشيخ بيُّوض كان الأدرى بخبايا الأمور ومكائد السلطات الاستعماريَّة، وكان رحمه الله يسعى لتوحيد الجهود لمحاربة الاستعمار».
ثمَّ تحدَّث في نهاية مداخلته عن المكيدة التي دبَّرها الاستعمار للتفرقة بين الإخوان المالكية والميزابيين المقيمين في التل وخاصَّة في باتنة، بالإعراض عن متاجرتهم ومعاملتهم إلى أن أعلنت قيادة الثورة عن إيقاف هذه المقاطعة.
وبانتهاء المداخلة افترق الجميع من قاعة المحاضرات، لتجمعهم صلاة الجمعة بالمسجد الكبير.
وفي أمسية يوم الجمعة واليوم الثاني لأشغال الملتقى، أعطى مسيِّر الحفل، الأستاذ يوسف بن سليمان كرشوش إشارة الانطلاق بتقديم مجموعة من الأناشيد، أدَّتها أفواج وادي ميزاب ووارجلان للكشَّافة الإسلاميَّة الجزائريَّة.
بعدها جاء دور المحاضرة السادسة لهذا اليوم قدَّمها الدكتور محمَّد الطاهر عزوي، تحت عنوان: «الشيخ بيُّوض عمدة من أعمدة الإصلاح في الجزائر لمدَّة نصف قرن»، كما عرَّفه الأستاذ المنشِّط محمَّد بن صالح حمدي، خرِّيج معهد الحياة وأستاذ بجامعة باتنة، فالمحاضر من مواليد الأوراس، حافظٌ لكتاب الله، متحصِّل على شهادة دكتوراه من جامعة الجزائر، وله إسهامات ومؤلَّفات عدَّة. (1/341)
صفحة 342
قدَّم المحاضر بين يدي محاضرته ملاحظات هامَّة تتعلَّق بالتنظيم، مقترحًا تقديم نبذة عن حياة الشيخ بيُّوض في الافتتاح تُتَّخذ إطارًا لكلِّ المحاضرات، وأن تقام دراسة مقارنة بين الشيخ بيُّوض والشيخ ابن باديس وغيره من العلماء، كما يقام الاحتفاء به وطنيًّا، كما هو الحال بالنسبة لابن باديس دون تقزيمٍ لدوره.
يبتدئ الأستاذ محاضرته بقوله بأنَّ الشيخ بيُّوض عمدة من أعمدة الإصلاح وامتداد للحركة الإصلاحيَّة في الوطن الجزائري ككلٍّ. ثمَّ ينتقل إلى تحديد المنهج العملي للشيخ مبرزًا أهمَّ مميِّزاته؛ منها أنَّ المنهج الإصلاحي للشيخ كان يتميَّز بالمشروع الحضاري الإسلامي، وذلك باتِّخاذ الإرشاد والإصلاح أسلوبًا وطريقةً للقضاء على الخرافات، وتوحيد شمل الأمَّة، وإنشاء مؤسَّسات تربويَّة، تعتبر قاعدةً إصلاحيَّة لا بدَّ منها لضمان التواصل بين الأجيال، واتِّخاذ المسجد منبرًا لنشر الإصلاح واغتنام الفرص والمناسبات الاجتماعيَّة للوعظ والإرشاد، وتثبيت أفكاره ونهجه الإصلاحي.
ومن الشهادات الناصعة في حقِّ الشيخ بيُّوض والتي تمخَّض عنها هذا الملتقى من خلال النتائج التي خلُص إليها الدكتور محمَّد عزوي، أنَّ الشيخ بيُّوض من أوسع أنداده في جمعية العلماء المسلمين علمًا وجرأة، الأمر الذي مكَّنه من تحطيم الحاجز النفسي للمذاهب؛ ”فالإسلام في نظره فوق كلِّ مذهبيَّة“، ومن مبادئه الخالدة: الأخلاق قبل العلم، والمصلحة العامَّة قبل مصلحة الفرد؛ وقد التزم بذلك سلوكا وعملا.
وأكَّد المحاضر على أنَّ الشيخ كان متشبِّثا بمبادئه إلى النهاية، واستمرَّ بالدفاع عن الثوابت في حين أنَّ البعض فضَّل الانزواء ريثما تنجلي الأمور.
ويضيف المحاضر قائلا، بأنَّ الشيخ قد وُصِم بالعمالة والخيانة كغيره من الأبطال المخلصين، الذين صمدوا أمام التحدِّيات والمخاطر. (1/342)
صفحة 343
وفي نهاية المطاف انتهى المحاضر إلى نتيجة مفادها أنَّ تجديد حركة الإصلاح في الجزائر أصبح من الضرورة بمكان.
وأُثريت هذه المحاضرة بمداخلات، أوَّلها تقدَّم بها الأستاذ الشيخ الناصر المرموري، الذي أضاف للمحاضرة وجهين من أوجه التفسير عند الشيخ بيُّوض، وهُما: أنَّ الشيخ يعتمد في تفسيره على قاعدة التأسيس أولى من التأكيد، وربط المناسبات بين آخر السورة وأوَّل السورة التي تليها.
المداخلة الثانية تفضَّل بها الأستاذ صالح بن أحمد حدبون الذي بيَّن أنَّ الشيخ بيُّوض يركِّز أساسًا على التربية الإسلاميَّة والخلُقية، منوِّها بقلعةٍ من قلاع العلم التي أنشأها الشيخ بيُّوض رحمه الله ألا وهي دار البعثات العلمية البيُّوضيَّة.
المداخلة الثالثة كانت للأستاذ الدكتور محمَّد لعساكر الذي أكَّد على بعض النقاط التي وردت أثناء المحاضرة، كاستمرار الشيخ بيُّوض في الدفاع عن الثوابت ممثِّلا ببعض الشواهد التاريخيَّة.
انتقل بنا مسير الحفل إلى مجال الشعر مع قصيدة مدحٍ في حقِّ الشيخ بيُّوض، ألقاها أحد حفدته الأستاذ عمر بن حمو أوجانه، خرِّيج وأستاذ الأدب العربي بمعهد الحياة، أشاد فيها بخصال الشيخ التربويَّة والاجتماعيَّة والنضاليَّة في مجال الثورة والإصلاح.
وبعدها تقدَّم فضيلة الأستاذ الشيخ الناصر المرموري بإلقاء كلمة شكرٍ باسم جمعية الحياة، في حقِّ عشيرة أولاد علاهم - عشيرة الشيخ بيُّوض -، وهذا الصرح الشامخ الذي شارف على الاكتمال والذي كان له الفضل في احتضان هذا الملتقى المبارك. (1/343)
صفحة 344
تلا ذلك محاضرة الأستاذ بالحاج بن سعيد شريفي قدَّمه الأستاذ يوسف بن أحمد الشيخ بالحاج، أستاذ الشريعة الإسلاميَّة بمعهد الحياة، فالمحاضر خرِّيج معهد الحياة وأستاذ اللغة العربيَّة بكليَّة أصول الدين بجامعة الجزائر، وكانت المحاضرة عبارة عن قراءة لرسائل الشيخ بيُّوض مع أصدقائه في جمعية العلماء، كالشيخ ابن باديس والشيخ الإبراهيمي، ومع علماء ميزاب، كالشيخ أبي إسحاق اطفيَّش، وكذا مع طلبته كالشيخ علي يحي معمَّر بليبيا.
من جوِّ المراسلات إلى جوِّ المسرح والتمثيل مع فرقة كشفيَّة للبراعم، جسَّدت للجمهور شخص الشيخ في ملامحه ونبراتِ صوته وأقواله، وذلك من خلال حوارٍ شيِّق بينه وبين طلبته في أسئلةٍ تعريفيَّة عن حياته، وعن أهمِّ سؤال جاء في هذا الحوار، يُستفسَر الشيخ عن عدم اهتمامه بالتأليف، فكان الجواب بأنَّ انشغاله بتكوين الرجال كفاه عن التأليف.
وكانت آخر محاضرة في هذه الأمسية للدكتور مصطفى بن صالح باجو، عرَّف به الأستاذ محمَّد بن قاسم ابن عيسى، أستاذ اللغة الفرنسية وعلم النفس بمعهد الحياة ومدرسة الحياة، فالمحاضر خرِّيج معهد الحياة وأستاذ مادَّة أصول الفقه بجامعة الأمير عبد القادر بقسنطينة.
بدأ محاضرته -التي كانت بعنوان «الشيخ بيوض مربِّيًا»- بتمهيد في مفهوم التربية والإصلاح قائلاً بأنَّ الشيخ كان على وعيٍ تام بدور التربية في عملية الإصلاح، وأنَّها عماد التغيير المستمر والمستديم، ثمَّ عرَّج إلى تحديد معالم الشيخ التربويَّة التي تتلخَّص في استقاء مصادره المعرفية من القرآن الكريم والسنَّة النبويَّة، ومن سيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وصحابته، وتاريخ الزعماء، وعنايته بمجريات الأحداث واستثمارها في واقعه. كما يتَّسم الشيخ بسعة أفقه العلمي وبحافظته القوية التي تعينه على إيراد الشواهد، وحسن استثماره لحوادث التاريخ وتوظيفها في العمليَّة التربويَّة. (1/344)
صفحة 345
ثمَّ تحدَّث المحاضر عن طريقة الشيخ في التدريس؛ وتتمثَّل في افتتاحه الدرس بالدعاء واختتامه كذلك، وإقباله على الدرس بقوَّة ونشوةٍ كبيرتين، ثمَّ التدرُّج في تبيين الحقائق من الصعب إلى السهل، ويسعى جاهدًا لإحياء معاني القرآن في النفوس.
وعن علاقته بالنخبة المثقَّفة، يضيف المحاضر قائلا: إنَّ الشيخ كان يعدُّها حجر الزاوية في التغيير، لذلك سعى إلى تكوين رجال للوقوف بجانبه، كما كان يؤمن بتكامل القمَّة مع القاعدة، ويدرك أنَّ استمرار العمليَّة الإصلاحيَّة لا يكون إلاَّ بإعداد النخبة المثقَّفة، ثمَّ الاعتماد على التعبئة الجماهيريَّة.
ويقدِّم المحاضر في نهاية المطاف جملة من النقاط، تصف علاقة الشيخ بطلبته، إذ كان حبُّه لهم شديدًا، وكانت عنايته بهم كعناية الأب بأبنائه، ممَّا جعل الطلبة يتأثَّرون به ويتَّخذونه مثلهم الأعلى في الحياة، كما كانت رعايته للموهوبين منهم كبيرة، بتحريضهم على الاستزادة والتفوُّق، دون إقصاء للعازفين عن التعلم والمنحرفين بإرشادهم وتوجيههم.
بعد نهاية المحاضرة، كانت تدخُّلات الأساتذة محمَّد بن موسى بابا عمِّي، والشيخ الناصر المرموري الذي عقَّب وصوَّب الملاحظة التي تقدَّم بها الأستاذ بابا عمِّي فيما يخصُّ موضوع اختيار الشيخ بيُّوض للتربية، والشيخ أبي اليقظان للصحافة، ثمَّ نبَّه الأستاذ بالحاج بن سعيد شريفي عن خطأٍ سابقٍ يتعلَّق بتعيين الشيخ بيُّوض في الهيئة التنفيذيَّة وليس في الحكومة المؤقَّتة.
تلا ذلك تدخُّل الأستاذ عيسى بن محمَّد الشيخ بالحاج ليُشير إلى نقطة مهمَّة تبيِّن أسلوب الشيخ بيُّوض في التربية، وهو أسلوبُ الأسوة الحسنة، فقد كان المثل الأعلى. (1/345)
صفحة 346
أمَّا الدكتور محمَّد ناصر فعقَّب على نقطة سابقة في اختيار الشيخين بيُّوض وأبي اليقظان للتربية والصحافة، وأكَّد على أنَّها خطَّة معتمدة، وهو الشيء الذي أكَّده كذلك فضيلة الشيخ عدُّون، وكان ذلك في نقاشٍ طويلٍ، وانتهى الأمر بينهما إلى أن يتكفَّل الشيخ أبو اليقظان بالصحافة والشيخ بيُّوض بالتدريس والتوجيه. فلم يكن بين الشيخين اختلاف، بل اتفاق على توزيع الأدوار ليتكامل الجميع.
وفي نهاية الأمسية تفضَّل الأستاذ علي بن إبراهيم بيُّوض بكلمةٍ دعاه إليها واجبان
- كما ذكر في حديثه - واجب البنوَّة، فهو سادس أولاد الشيخ - رحمه الله -، وواجبٌ رسميٌّ كرئيس للمجلس الشعبي البلدي، حيث شكر جمعية الحياة التي أحيت هذا العرس الثقافي، ثمَّ شكر الضيوف على تلبيتهم الدعوة، ودعا الجمعيات إلى الاحتفال بأمثال هذه الشخصيات، إحياءً لأمجاد هذه الأمَّة.
وختام هذا الملتقى تمثَّل في سهرة تاريخيَّة، في حوار مع الأستاذ الشيخ سعيد بن بالحاج شريفي (الشيخ عدُّون)، كان ذلك بعد مجموعة من الأناشيد شنَّفت بها أسماع الحضور جمعية التثقيف الشعبي، ثمَّ كان التعقيب الذي أدلى به الأستاذ صالح سماوي حول نقاط هامَّة في حياة الشيخ، لم يتعرَّض لها المحاضرون ولا المتدخِّلون، مثل قضيَّة المرأة وتنشِئتها وتربيتها، وتأثُّره بالأدباء أمثال أحمد أمين وأحمد الزيات والشيخ محمَّد عبده، ثمَّ أفاض في سردٍ تاريخيٍّ عن علاقته بالشيخ بيُّوض حينما كان طالبا بالمعهد وداخليَّة الحياة. (1/346)
صفحة 347
مباشرةً كان الحوار الشيِّق الذي كان ينتظره الجميع، والذي ضمَّ فضيلة الشيخ عدُّون وابنه الأستاذ بالحاج بن سعيد شريفي. نشَّط اللقاء الأستاذ صالح بن أحمد حدبون، خرِّيج معهد الحياة ومدير داخلية الحياة، حيث تناول في البداية علاقة الشيخ عدُّون بالشيخ بيُّوض في مرحلة الطفولة، حيث اللقاءات العفويَّة ثمَّ ميدان العمل الإصلاحي، بداية من لقائه كتلميذ عند شيخيهما الحاج عمر بن يحي إلى عملِهما جنبًا إلى جنب في تكوين الأجيال في معهد الحياة العامر ثمَّ في جمعية الحياة؛ هذا الأسُّ المتين الذي بسط جناحه على روافد الحركة الإصلاحيَّة ومجالاتها المتعدِّدة، خلال ذلك يشير الشيخ عدُّون إلى موقفٍ هامٍّ اتَّخذه الشيخ بيُّوض حينما جمع الطلبة بعد جنازة شيخهم الحاج عمر بن يحي، إثر الوباء الذي أصاب البلدة سنة 1921م والذي حصد حوالي مائتي شخص، حيث قال في موقف حازم: «من كان يعبدُ محمَّدًا فإنَّ محمَّدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإنَّ الله حيٌّ لا يموت».
ومن المواقف الحاسمة كذلك للشيخ - يضيف الشيخ عدُّون - مطالبتُه من الحاكم العسكري أن يكون القاضي من القرارة ومن ميزاب، فتمَّ له ما أراد.
توجَّه بنا الحوار إلى الأستاذ بالحاج بن سعيد شريفي ليسلِّط الضوء على علاقته بالشيخ، إذ كان كاتبًا له إذَّاك، حيث اصطحبه الشيخ رحمه الله في بعض أسفاره المهمَّة التي استفاد منها كثيرًا، كتعرُّفه على العديد من الشخصيات الإسلاميَّة داخل الوطن وخارجه.
وفي نهاية المطاف جاء دور المنشِّط الأستاذ صالح بن أحمد حدبون ليُبرز فترة هامَّة من حياة الشيخ، خاصَّة في العشر الأواخر منها إذ حُظي فيها بشرف الكتابة والمطالعة له، وما كان بينهما من رسائل تعبِّر بصدق عن الرابطة القويَّة التي وثَّقت أواصر محبَّة الشيخ بطلبته. (1/347)
صفحة 348
بعد هذه الومضات التاريخيَّة الهامَّة التي تفضَّل بها الأساتذة، فُتح المجال للتدخُّلات، إذ عقَّب الأستاذ الشيخ محمَّد بن بابا الشيخ بالحاج على محاضرة الأستاذ الدكتور عبد الرزاق قسُّوم، موضِّحا بعض النقاط، ثمَّ نوَّه بتفتُّح الشيخ بيُّوض على المذاهب الأخرى.
بعد هذه الجولة التاريخية الممتعة والتي صاحبنا فيها الشيخ عدُّون - حفظه الله - إلى معالمها الخالدة، وما يزيد في النفس إعجابًا، أنَّ الشيخ عدُّون لا يزال يحتفظ بكثيرٍ من التفاصيل والدقائق البعيدة في التاريخ، وهو في هذه السن من العمر، والتي تجاوز فيها القرن، ولا يمكن أن نقول إلاَّ أنَّه أفضلُ شاهدٍ على العصر.
من الشهادات الطبيَّة التي نعتزُّ بها، ولا نظنُّ في صاحبها إلاَّ خيرًا، وأنَّه لا يكون بإذن الله تعالى إلاَّ صادقًا مخلصًا فيها، ما أدلى به إمام مسجد جعفر بن أبي طالب بباتنة، الأستاذ «عظَّاب عثماني»، من إشادة لهذا الملتقى ولسلوكات الإباضية والميزابيين عمومًا. كما أكَّد ”أنَّ الخلافات الفرعية لا تؤثِّر في وحدة وتكامل المذاهب الإسلاميَّة“، وتمنَّى أن لو تعرَّض الملتقى إلى مشايخ الشيخ بيُّوض ودراستِه وفقهِه، حتَّى يتسنَّى لغير العارفين به الاطِّلاع على فكره وقُدراته العلميَّة.
من مدح الخطباء إلى مدح الشعراء، مع قصيدة بالميزابيَّة، قدَّمها الأستاذ الشاعر
عبد الوهاب بن الحاج حمو فخَّار، خرِّيج معهد الحياة وأستاذ بمعهد الإصلاح بغرداية، والتي كانت حول القرآن والشيخ بيُّوض رحمه الله. (1/348)
صفحة 349
أتت الرحلة إلى نهايتها عبر محطَّات مختلفة، من حياة الشيخ بيُّوض وجهاده الإصلاحي، لترسوَ بنا السفينة بحمد الله إلى شاطئ الأمان، وكنهاية كلِّ رحلةٍ تنطلق الألسنة بالشكر لله سبحانه وتعالى على حُسن عونه وتوفيقه، ثمَّ لكلِّ من ساهم من قريبٍ أو بعيد، بقليلٍ أو كثير في إنجاح هذا الملتقى، ذلكم هو موضوع كلمة الشكر التي تقدَّم بها ابن الشيخ الأستاذ محمَّد بن إبراهيم بيُّوض، كما شكر سعي الدكاترة والأساتذة والضيوف الذين تكبَّدوا مشاقَّ السفر، فالله لا يضيع أجر المحسنين.
وتقدّم منظِّم الحفل الأستاذ محمَّد بن سليمان أبو العلا، يتقدَّم بتوزيع هدايا رمزيَّة وشهادات تكريم للمحاضرين والضيوف، وبالمناسبة تعرَّف الحضور على مصمِّم شعار الملتقى السيِّد الحاج امحمَّد بن الحاج عيسى ابن الشيخ، الذي أهدى بمعيَّة السيِّد الناصر بن بكير حميد أوجانه نُسخًا من هذا الشعار إلى فضيلة الشيخ عدُّون، ولدار عشيرة أولاد علاهم، وبعض مؤسَّسات «جمعية الحياة» التربويَّة.
اللمسة الأخيرة لهذا الملتقى كانت من نصيب الشيخ عدُّون - حفظه الله - الذي عبَّر عن امتنانه وشكره لكلِّ العاملين ولكلِّ السادة المشاركين، من مشايخ ودكاترة وأساتذة، كما نوَّه بالمجهودات الجبَّارة التي بُذلت لإنجاح هذا الملتقى الأوَّل لفكر الإمام الشيخ بيُّوض - رحمه الله -.
ومسكُ الختام آياتٌ بيِّناتٌ من أواخر سورة النحل، بدايةً من الآية الكريمة:
«إنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً... » تلاها على مسامع الحضور الأستاذ بابا بن بهون أوجانه، المقرئُ الذي كان يتقدَّم بتلاوة الآيات التي يريد الشيخ بيُّوض تفسيرها في رحاب القرآن في أوَّل عهده. (1/349)
صفحة 350
وبهذا افترق السادة الحضور يكتنفهم السرور بما سمعوه من خلال هذا الملتقى المبارك من آثار الشيخ بيُّوض وجهوده المغمورة، على أمل اللقاء - إن شاء الله تعالى - في ملتقيات أُخر تدقِّق البحثَ في مجالات الشيخ المتعدِّدة، وآخرُ دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين.
ملاحظة:
حرر المحضر :
الأستاذ يوسف بن بالحاج شريفي
والأستاذ قاسم بن إبراهيم العنق
انطلاقًا من محاضر الملتقى التي قام بكتابتها مجموعة من أساتذة وطلبة معهد الحياة أواخر محرَّم 1421 هـ أوائل ماي 2000م (1/350)