صفحة 1
الكتاب: مقدمة معجم الأعلام قسم المغرب لجمعية التراث
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] تقديم الدكتور / محمَّد صالح ناصر
معجم أعلام الإباضية، مثل غيره من المعاجم المتخصِّصة في تراجم الرجال، وما أكثرها في مسيرة حضارتنا الإسلامية، وقد ظلَّ هذا العمل العلمي الكبير حلماً من أحلام جمعية التراث، منذ تأسيسها سنة 1983م، وبات حديثَ مسؤوليها في جلساتهم الإدارية والعلمية، حتَّى إذا منَّ الله على الجمعية بكوكبة من أبنائها الجامعيين الأكادميين، الذين أدركوا بحكم تخصُّصاتهم، وتكوينهم، وتوجيههم، أهمية هذا العمل العظيم؛ تحوَّل الحلم على يدهم إلى حقيقة، وصار الأمل بفضل حماستهم وجدِّهم عملاً، وتوالت الجلسات والسهرات العلمية، وتعدَّدت التربُّصات المغلقة، ولم يفرِّق العاملون المخلصون أثناءها بين مسؤول ومتطوِّع، وحرٍّ وقرٍّ، وانشغال وتفرُّغ، ولم يتطلَّع الشبَّان المتحمِّسون الواعون إلى جزاء من أحد، ولم يتزاحموا على الظهور أمام (الكاميرات) كما تزاحموا حول الكتب، يعملون في صمت ودأب، إذ كان رائدهم إخلاص النية لله وحده، ودافعهم إبراز التراث الإسلامي، لا دافع فوقه أو بعده.
وتنافست القرى والمدن على استضافة تلك الدورات التدريبية، بل الجلسات العلمية، من القرارة إلى الجزائر، إلى غرداية، إلى باتنة، ومن وارجلان إلى العطف، إلى بني يسقن، إلى بنورة وبريان ومليكة... وغيرها.
وكانت تلك التربُّصات المغلقة تعقد والناس في تعطُّل، ولكن الشباب كانوا يعوِّضون حرمانهم من راحة العطل، بما يجدونه من لذَّة الكشف، وحلاوة البحث، بما يستنشقونه من عطر التاريخ المجيد الذي تعبق به تلك الأوراق الصفراء، حيث تتكدَّس المصادر والمراجع، ويتحلَّق الشباب الجامعي بين محرِّر ومطالع، فلا تُسمع في ذلك الحرم إلاَّ همس استفسار أو حفيف ورق، ولا تُرى غير رؤوس خاشعة تنقِّب في الماضي الحضاري الأصيل، تتابعه بتلهُّف وعشق، وتسائله بأمل وشوق. (1/1)
صفحة 2
فجزى الله أولئك الشبان الجامعيين الذين كانوا وقود هذا العمل ومحرِّكه، وبارك في أنفاس الأساتذة والمشايخ المخلصين الذين باركوا هذا العمل، وتابعوا مسيرته كما يتابع الأب الحنون خطوات وليده بحب وحدب، ولا أحسبني في حاجة إلى تخصيص أحد بذكر لأنَّ العمل جماعي، ولا إلى توشيح صدر شخص بشكر ما دام جزاء الله أوفى من كلِّ مدحة.
وإذا كان لي من كلمة في هذا التقديم فهي كلمة أتوجَّه بها إلى القارئ الكريم، راجيا منه أن ينظر إلى هذا العمل المعجمي على أنَّه بداية وتجريب، لأنَّه من عمل طلاب شباب وهم دوما في حاجة إلى رعاية وتصويب.
ومن ثمَّ فإنَّ أحسن ما يتفضَّل به القارئ الكريم احتفاء منه بهذا الإنجاز، هو ما يفيده به من ملاحظات واستدراكات، فإنَّ عملا كهذا يظلُّ دوما في حاجة إلى رفد ومساعدة، وتأييد ومساندة.
وكلمة أخيرة أتوجَّه بها إلى المشرفين على هذا العمل العلمي الكبير - وهو في بدايته - وهي أن لا ينتظروا الشكر من أحد لأنَّ الجزاء الأوفى لا يكون إلاَّ من عند الله وحده، وأن لا يغترُّوا بما أنجزوا فإنَّ الغرور عدوُّ العلم، وهو الذي جنى على إبليس فأضلَّه على علم. وإنَّما هي خطوة أولى في الدرب الطويل، وقطرة مبشِّرة بعدها ينهمر المسيل.
{وقُل اِعملوا فسَيرى اللهُ عملَكم ورسولُه والمومنُون وستُردُّون إلى عالم الغيب والشهادة فينبِّئكم بما كنتم تعملون}.
م.ص.ن
مسقط في 15 ذي القعدة 1414هـ
بسم الله الرحمن الرحيم
خلق الله الإنسان وأكرمه، وفضَّله على كثير من خلقه تفضيلا، وأسبغ عليه النعم، وكان الإسلام أعظم نعمة، والمسلمون أعظم أمَّة، {ومَن يبتغِ غير الإسلامِ ديناً فلن يُقبَل منه، وهوَ في الآخرة من الخاسرين}. (1/2)
صفحة 3
والدين الإسلاميُّ بشموليته منهجُ حياة، وعماد حضارة، قاد الإنسانيَّة ردحا من الزمن، بعد أن أخرجها من ظلمات الجاهليات وظلم السلاطين، فساد الإسلام وسادت الشعوب الإسلاميَّة. وكانت حضارة الإسلام من أعظم حضارات الإنسانيَّة، ولو أنصف الخلق لقالوا: هي أعظم حضارة بلا مُنازع.
وشاءت حكمة الله تعالى أن تتوزَّع البشريَّة مشارب ومذاهب، ولا تجتمع على كلمة سواء. وقد قال لرسوله مسليًّا: {ومَا أكثرُ الناسِ، ولو حرصتَ، بمومنين}. وأوضح أَنَّ الاختلاف سنَّة الله في بني الإنسان: {ولو شاء ربُّك لجعلَ الناسَ أمَّة واحدة، ولا يزالون مختلفين إلاَّ من رحِم ربُّك، ولذلك خلقهم}.
ثُمَّ علَّل الأمر بقضاء وقدر، ومصير منتظر: {وتمَّت كلمةُ ربِّك لأملأنَّ جهنَّم من الجِنَّة والناس أجمعين}.
ولقد تنوَّعت الأجناس والأعراف في بني الإنسان: {يا أيُّها الناس إنَّا خلقناكم من ذكر وأنثى، وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إنَّ أكرمكم عند الله أتقاكم}.
فالغاية من هذا التنوُّع إذن هو التعارف، ولا تمايز بين الناس إلاَّ بمعيار التقوى، إذ الأصل في النهاية واحد: «كلُّكم لآدم، وآدم من تراب».
ويأبى الإنسان إلاَّ أن يخرق هذه المبادئ، ويهدم هذه الموازين، فيجعل من الجنس والنسب والجاه أسباباً للتمييز، ومبرِّرات للتفاضل. وما ذلك إلاَّ محض وهم، وافتراء على دين الله، وميزانِه العادل.
وجاء الإسلام دين وحدة وتوحيد.
توحيد المعبود، وتوحيد المجهود.
فكلمة التوحيد: {لا إله إلاَّ أنا فاعبدون}.
وتوحيد الكلمة: {وأنَّ هذه أمَّتكم أمَّة واحدة}. (1/3)
صفحة 4
وحذَّر الرسول - صلى الله عليه وسلم - أمَّته من الافتراق، ودعاهم إلى الاعتصام بحبل الله، حتَّى لا تذهبَ ريحهم، ولكنَّهم وقعوا في المحذور، فتوزَّعت أمَّةَ الإسلام طوائفُ ومذاهبُ لا يحصيها العدد، تنوَّعت اختلافاتها وتعدَّدت؛ فمن الاختلاف ما كان في الفروع والظنيَّات، فهو محمود ومقبول؛ ومنه ما كان في الأصول والقطعيات، فهو مذموم ومردود.
والاجتهاد مفتوح أمام المقتدرين، فمن أصاب كان له أجران، ومن أخطأ فهو معذور.
ويولد المسلم فيجد نفسه موسوما بوصف زائد على الإسلام، فيقال: حنفي، أو شافعي، أو إباضي، أو مالكي، أو حنبلي، أو أشعري، أو معتزلي، أو شيعي، أو ظاهري...
وقد يكون الوصف مدحا أو قدحا، فنسمع عبارات: سنِّي وبدعي، ومن أهل السنَّة ومن أهل الأهواء، وهذا شيعي وذاك خارجي...
والإنسان في الغالب لا يختار موطنه ولا مذهبه، كما لا يختار اسمه ولا أبويه.
وهذه النسب تحكم توجُّه الفرد، وتصوُّره وسلوكه في الحياة، وعلاقاته بالآخرين؛ إذ قد تكون علاقات مودَّة وسلام، أو علاقات عداوة وخصام، تفضي إلى صراع وحروب على الدوام.
ولو حكَّم الإنسان هدي الشرع، ومنطق العقل، ما عاش إلاَّ سعيداً هانئ البال، ضالَّته كلمة الحقِّ.
لقد ابتليت الأديان بظاهرة الاختراق، وأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بهذا المصير لأمَّته، فالمذهبيَّة ضاربة جذورها في عمق المجتمع المسلم، وفكره ووجدانه، وهي واقع بارز لا ينكره إلاَّ غافل أو مغفَّل. ولئن تشدَّق بعض بالترفُّع عنها أو بمحاربتها، فإنَّ الواقع غير ذلك، فدعاة اللامذهبيَّة دعاة إلى إلى مذهبية جديدة (1) .
وقد وضع المرحوم علي يحيى معمَّر مثلثاً فكريا لعلاج سلبيات المذهبية وتوجيهها في خطٍّ إيجابيٍّ يبني ولا يدمِّر، وجعله في ثلاثة مصطلحات:
المعرف والتعارف والاعتراف
__________
(1) - ... ينظر كتاب الدكتور محمَّد سعيد رمضان البوطي: اللامذهبية أخطر بدعة في الإسلام. (1/4)
صفحة 5
يقول: «وأنا على يقين في نفسي أنَّ المذهبيَّة في الأمَّة الإسلاميَّة لا تتحطَّم بالقوَّة، ولا تتحطَّم بالحجَّة، ولا تتحطَّم بالقانون.
فإنَّ هذه الوسائل لا تزيدها إلاَّ شدَّة في التعصُّب، وقوَّة في ردِّ الفعل، وإنَّما تتحطَّم المذهبية بالمعرفة والتعارف والاعتراف.
( فبالمعرفة يفهم كلُّ واحد ما يتمسَّك به الآخرون، ولماذا يتمسَّكون به.
( وبالتعارف يشتركون في السلوك والأداء الجماعيِّ للعبادات.
( وبالاعتراف يتقبَّل كلُّ واحد منهم مسلك الآخر برضى، ويعطيه مثل الحقِّ الذي يعطيه لنفسه، اجتهد فأصاب أو اجتهد فأخطأ.
وفي ظلِّ الأخوَّة والتسامح تغيب التحديات، وتجد القلوب نفسها تحاول أن تصحِّح عقيدتها وعملها بالأصل الثابت في الكتاب والسنَّة، غير خائفة أن يقال عنها: تركت مذهبا، أو اعتنقت مذهبا
ولن نصل إلى هذه الدرجة حتَّى يعترف اليوم أتباع جابر وأبي حنيفة ومالك والشافعي وزيد وجعفر وأحمد... وغيرهم ممَّن يقلِّدهم الناس أَنَّ أيمَّتهم أيضا يقفون في صعيد واحد، لا مزية لواحد على الآخرين إلاَّ بمقدار ما قدَّم من عمل خالص» (1) .
من هذا المنظور العميق تولَّدت فكرة إنشاء معجم أعلام الإباضيَّة، يكون منطلقا للمعرفة الحقيقيَّة، وجسراً للتعارف الصادق، ونموذجا للاعتراف المنصف.
__________
(1) - ... علي يحيى معمَّر: الإباضيَّة بين الفرق الإسلاميَّة. (1/5)
صفحة 6
إنَّ الإباضيَّة أحد مذاهب الإسلام، تتراءى لنا أنَّها المذهب الأكثر غموضا وعدم معرفة عند خاصَّة المسلمين، فضلا عن عامَّتهم؛ فقد عرفت في التاريخ منذ صدر الإسلام، وكانت تسمِّي نفسها: «أهل الحقِّ»، أو «أهل الدعوة»، أو «أهل الاستقامة». ولم تختر لنفسها اسم «الإباضيَّة»، بل دعاها به غيرها، نسبة إلى عبد الله بن إباض (1) ، ثمَّ قبلته نزولا على الأمر الواقع. فكان الإباضية ينسبون أنفسهم إلى الفكرة لا إلى زعيم أو إمام، لأن الإمام الحق هو محمَّد - صلى الله عليه وسلم - .
ويعتقد الإباضية أَنَّ منهجهم هو الفهم الصحيح للإسلام، كما أوضحته مصادره الأساسيَّة من الكتاب والسنَّة، وسيرة الخلفاء الراشدين.
وقد أسهم الإباضيَّة بدور هامٍّ في مسار الفكر الإسلاميِّ، وأغنوا المكتبة الإسلاميَّة بنَتاج ثريٍّ وأصيل من المؤلَّفات في مختلف فروع المعرفة، لا يزال أغلبها دفين خزائن المخطوطات (2) ، بالرغم من تلف قسم هامٍّ منها في خضمِّ الفتن التي عرفتها مواطن شتَّى من بلاد المسلمين عبر تاريخهم الطويل، ونال الإباضيَّةَ منها بلاءٌ كبير، بفعل الجهل والتعصُّب والابتعاد عن نهج المعرفة التعارف والاعتراف.
وكان للإباضيَّة أعلام بارزون في الحضارة الإسلاميَّة، نذكر منهم على سبيل المثال:
1. الإمام جابر بن زيد: التابعيُّ الجليل، المفسِّر المحدِّث الفقيه، واضع قواعد المذهب في الفقه والاجتهاد.
__________
(1) - ... وانظر ترجمة اباض بن عمر رقم /صفحة. وترجمة عبد الله بن إباض رقم/صفحة.
(2) - ... لعلَّ أهمَّ محاولة في الحفاظ على هذه المخطوطات، وترتيبها، وتحقيقها...هي محاولة جمعية التراث: دليل مخطوطات وادي ميزاب. فقد فهرسَتْ أكثر من خمسة آلاف مخطوط، وطبعت سبعة أجزاء طباعة محدودة، ثُمَّ أنجزت برنامج كمبيوتر Logiciel لتسيير الدليل.
... ومع كلِّ ذلك فإنَّ هذا الجهد يبقى مقلاًّ بسبب الحجم الهائل للمخطوطات، وقلَّة الإمكانيات لمثل هذه المشاريع الضخمة. (1/6)
صفحة 7
2. عبد الرحمن بن رستم: مؤسِّس أوِّل دولة مسلمة مستقلَّة في بلاد المغرب، الدولة الرستمية، سنة160هـ.
3. الخليل بن أحمد الفراهيدي: واضع علم العروض، ومعجمَ اللغة العربيَّة "كتاب العين".
4. المبرِّد: الأديب المفكِّر.
5. محمَّد بن بكر الفرسطائي: واضع نظام حلقة العزَّابة في التربية والتعليم.
6. أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني: الفيلسوف الموسوعي، والرحالة الجغرافي.
7. أبو عمَّار عبد الكافي: المتكلِّم القدير.
8. قطب الأيمة محمَّد بن يوسف اطفيَّش: صاحب التصانيف الكثيرة في شَتَّى علوم الشريعة.
9. إبراهيم بن عمر بيوض: رائد الحركة الإصلاحية في جنوب الجزائر، في العصر الحديث.
10. مفدي زكرياء: شارع الثورة الجزائرية، وصاحب الإليادة الخالدة.
وإطلالة عجلى على تاريخ الإباضيَّة، تكشف لنا عن مدى إسهامهم ونشاطهم في خدمة الإسلام وعلومه، وبناء حضارته وأمجاده. تجلَّى ذلك دعوةً إلى الإسلام ونشره في إفريقيا الشرقيَّة والغربيَّة، وخدمة لعلوم الإسلام،تفسيرا للقرآن، وحفظا للسنَّة، ومساهمة في علم الكلام، والفلسفة، واللغة، والأدب. ومشاركة في ميادين الحياة، قيادة، وإمامة، وقضاء، ووزارة، وفلاحة، وصناعة، وتجارة، وتربية وتعليما...
فالإباضيَّة ظلُّوا ولا يزالون يصنعون التاريخ مع غيرهم، ولم يكونوا يوما ما في جزيرة معزولة عن مجريات الوقائع في العالم الإسلاميِّ.
وتراجم أعلامهم جزء من تراجم غيرهم، وتاريخ أحداثهم جزء من تاريخ غيرهم.
ولم ينحصر الفكر الإباضيُّ في بلد محدود، أو جنس مخصوص، فحضورهم كان في مواطن شتَّى من بلاد الإسلام مشرقا ومغربا، من خراسان إلى الجزيرة العربيَّة، إلى مصر، إلى بلاد المغرب، إلى إفريقيا السوداء. كما يشمل الجنس العربيَّ في جزيرة العرب، والأمازيغ ببلاد المغرب، والزنزج بإفريقيا السوداء. (1/7)
صفحة 8
وامتزجوا جميعا في بوتقة هذه المدرسة، وتبادلوا التأثُّر والتأثير في النتاج والتفكير، فظهرت مميِّزات كلِّ بيئة بنمط حياتها، ولغة أهلها، في النتاج العلميِّ لأصحابها. وهذا من التنوُّع والثراء الذي طبع حضارة الإسلام على العموم.
هذا المسار الحافل بالأحداث، الغني بالعبر، جدير بالتناول والدراسة، لأنَّ التاريخ ذاكرة الأمم، وموقظ الهمم، وموجِّه المستقبل. فتجارب الماضي منبع خصب للاستفادة والاعتبار، وتلك هي غاية القرآن من ذكر قصص الأنبياء والجبابرة، وأخبارَ القرون الغابرة، وبيان أسباب النصر والإخفاق، وفق سنن الله في الأنفس والآفاق.
وبهذا كلِّه ولهذا كلِّه، تأتي ضرورة وضع معجم منهجيٍّ، يعتبر مدخلا أساسيًّا لمعرفة تاريخ الإباضيَّة، من خلال أعلامها، وما تركوه من بصمات في ملحمة تاريخ الإسلام.
اخترنا لهذا المعجم عنوان:
معجم أعلام الإباضيَّة
قسم المغرب
- منذ نشأة المذهب إلى العصر الحاضر -
وتقتضي الضرورة المنهجيَّة تحديد مصطلحات العنوان، لتسهيل التعامل مع هذا العمل.
تحديد المصطلحات
معجم:
ذكر ابن منظور نقلا عن ابن الأثير أنَّ «حروف المعجم أ، ب، ت، ث... سمِّيت بذلك من التعجيم، وهو إزالة العجمة بالنقط» (1) .
والمقصود في تأليفنا هذا ترتيب أعلام الإباضيَّة ترتيبا معجميًّا، أو وفق حروف المعجم، التي تعرف بالحروف الألفبائية.
وهذا منهج سبق إليه اللغويون، ثمَّ شاع استعماله في مختلف فروع المعرفة، والغاية منه تسهيل الوصول إلى العَلَم المرغوب بأيسر طريق، وأقصر وقت.
أعلام:
جاء في لسان العرب: «العلَم: المنار، قال ابن سيدة: والعلامة والعلم، الفصل بين الأرضين، والعلامة والعلم شيء ينصب في الفلوات، تهتدي به الضالَّة... وقوله تعالى: {وله الجوار المنشئات في البحر كالأعلام}، قالوا: الأعلام الجبال. والعلَم: العلامة» (2) .
__________
(1) - ... ابن منظور: لسان العرب؛ مَادَّة عجم، ؟؟؟.
(2) - ... نفسه، مادة. (1/8)
صفحة 9
ويتبين بهذا أَنَّ العلم شيء مرتفع يهتدى به في الأسفار، وهذا هو المعنى المقصود من تسميات الشخصيات البارزة بالأعلام، فقد جاء في الأعلام للزركلي ما يلي: «وجعلتُ ميزان الاختيار أن يكون لصاحب الترجمة عِلم تشهد به تصانيفه، أو خلافة، أو ملك، أو إمارة، أو منصب رفيع كوزارة أو قضاء، أو رئاسة اتِّجاه في المذهب، أو فنٍّ تميَّز به، أو أثر في العمران يذكر له، أو شعر، أو مكانة يتردَّد بها اسمه، أو رواية كثيرة، أو أن يكون ممَّن يتردَّد ذكرهم ويُسأل عنهم» (1) .
بناء على هذا الميزان الواضح، فإنَّنا نريد بأعلام المذهب الإباضيِّ – في هذا المعجم - علماءَه وفقهاءه ومفكِّريه ومؤرِّخيه...، وسياسييه وحكَّامه، وأبطاله، وعباقرته، وصنَّاعه، وكلَّ من ارتفع عن العامَّة بعمل جليل قدَّمه، فأصبح يشار إليه بالبنان، في زمانه أو بعد عصره، في موطنه أو خارج مصره.
__________
(1) - ... الزركلي: الأعلام؛ 1/13. (1/9)
صفحة 10
ويقودنا هذا المعجم للتعرُّف على هؤلاء الأعلام من الرجال والنساء، والشيوخ والشباب، ممَّن تركوا بصمات بارزة في التاريخ، فكانوا هداة في الطريق، ودعاة في السلم، وقادة في الحرب؛ وكان منهم: الفقهاء، والزهَّاد، والمشايخ الذين تولَّوا مشيخة بلد من البلدان، والعزَّابة الذين تلقَّبوا بهذا اللقب المغربي (1) ، والعلماء الذين جازت عليهم سلسلة نسب الدين (2) ، ومنهم كذلك الحكَّام الذين ساسوا الدول الإباضيَّة في مراحل الظهور، أو الجماعات الإباضيَّة في مراحل الكتمان، والقادة العسكريون أو المدنيون الذين قادوا الثورات في مراحل الدفاع، فكانوا بذلك شراة نصِّبوا في مناصب القيادة في الفترات العصيبة بالمغرب الإسلاميَّ، وبخاصَّة إبان العهد الاستعماريِّ. ومنهم العلماء في مختلف فنون العلم والمعرفة، والصنَّاع والمبتكرون، والمخطِّطون المعماريون الذين شهدت لهم آثار عمرانية وحضارية خالدة، ويندرج معهم الفلاَّحون المهرة والأجواد الذين أسهموا بما أوتوا من مال لأعلاء كلمة الله.
الإباضية:
والإباضية مذهب إسلاميٌّ أصيل، تصدَّر المذاهب الإسلاميَّة في نشأته، وكان ذلك على يد الإمام التابعيِّ جابر بن زيد الأزدي (ت: 93هـ/) (3) ، ولكنَّه نسب إلى عبد الله بن إباض التميمي (4) ، نسبة غير قياسية، بسبب ما اشتهر به ابن إباض من مراسلات علميَّة مع عبد الملك بن مروان، ونقده لسلوك الحكم الإمويِّ، الذي ابتعد عن نهج الخلفاء الراشدين، ودعا الحكَّام الأمويين للعودة إلى سيرة الرسول (ص) وخلفائه (ض)، أو اعتزال أمور المسلمين؛ كما عُرف بمواقفه الحازمة ومواجهته الصارمة لانحراف الخوارج عن الفهم السليم لأحكام الإسلام، وظهر عند الناس بمظهر الزعيم، وعرف أصحابه بأتباع ابن إباض أو الإباضيَّة.
المغرب (الحدُّ المكانيُّ):
__________
(1) - ... .
(2) - ... .
(3) - ... .
(4) - ... . (1/10)
صفحة 11
كان العزم أَوَّل الأمر على جمع المادَّة العلميَّة لكلِّ أعلام الإباضيَّة، سواء أكانوا مغاربة أم مشارقة، غير أنَّ التجربة الميدانيَّة أظهرت صعوبة هذا العمل في هذه المرحلة الأولى من البحث، نظرا لشساعة الميدان، وصعوبة التحكُّم في المادَّة الخبرية، ثمَّ بناؤها بناء متكاملا، على أساس منهجيٍّ سليم.
فدعت الضرورة إلى قصر العمل على قسم المغرب، ومصطلح المغرب في هذا العمل يشمل مصر والمغرب الإسلاميَّ كلَّه وبالخصوص ليبيا وتونس والجزائر، حيث انتشر المذهب الإباضيُّ منذ صدر الفتوحات ولا يزال؛ ويمكن تلخيص أسباب هذا الالتزام بما يلي:
1. إنَّ أيَّ عمل في بداية الطريق، لا بدَّ أن يوضع له إطار زمنيٌّ ومكانيٌّ محدَّد، لئلاَّ يضيع الباحث في خضم المادَّة العلميَّة الغزيرة، وسط المجال الفسيح للبحث.
2. يعدُّ هذا العمل تجربة أولى، على ضوئها يمكن الانطلاق إلى آفاق أكثر اتِّساعا، بالاستفادة من النقائص التي لا يخلو منها أيُّ جهد بشريٍّ.
3. توفُّر المصادر ووثائق المغاربة بين أيدينا أكثر من غيرها، ريثما نتمكَّن من حصر وجمع مصادر المشارقة، ولعلَّ الأجل يسعفنا لتخصيص أعلام المشرق بقسم مستقلٍّ، ثمَّ يجمع بين القسمين بعد ذلك.
منذ نشأة المذهب (بداية الحدِّ الزمنيِّ):
يبدأ المجال الزمنيِّ لهذا المعجم من نشأة المذهب، لِما لهذه الفترة التاريخيَّة من أهميَّة بالغة، في فهم جذور ونشأة الإباضيَّة وأسسها ومبادئها، وأعلام فترة النشأة كلُّهم مشارقة، ولكنَّهم أدرجوا في المعجم للاعتبار المذكور.
فنجد فيهم مؤسِّس المذهب جابر بن زيد، ومعاصريه ثمَّ تلامذته، وأبرزهم: أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة، الذي أقام مدرسة بالبصرة لتخريج طلبة يحملون علمه ومنهجه، وعُرف هؤلاء الطلبة في السير الإباضيَّة بحَمَلة العلم. (1/11)
صفحة 12
فكان منهم فريق توجَّه إلى المشرق، وفريق توجَّه إلى المغرب. ويتتبع المعجم حملة العلم إلى المغرب ليقتصر على من أنبتتهم أرض المغرب الإسلاميِّ من أعلام هذه المدرسة عَبَّرَ تاريخها الطويل.
وبهذا يترجم لكلِّ علَم مشرقيا كان أو مغربيًّا توفي قبل سنة وفاة أبي عبيد مسلم (145هـ)، ثمَّ يترجم لكلِّ علَم مغربي بعد ذلك إلى غاية عصرنا هذا، ولا يترجم لأيِّ علم مشرقيٍّ مات بعد سنة 145هـ، باعتباره سيدخل ضمن أعلام المشرق.
إلى العصر الحاضر (نهاية الحدِّ الزمنيِّ):
يمتدُّ العمر الزمنيُّ لأعلام المعجم من القرن الثاني الهجري/الثامن الميلادي، إلى نهاية القرن الرابع عشر الهجري/العشرين الميلادي، وتحديدا: آخر ذي الحجَّة 1399هـ/20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1979م.
كان هذا هو المعوّل في ضبط نهاية الحدِّ الزمنيِّ للأسباب الآتية:
1. لا يترجَم للأحياء كما هو الغالب في المعاجم.
2. سهولة ضبط التاريخ بالقرن لا بالسنوات.
3. إقصاء الاعتبارات الذاتيَّة في تناول الأعلام، وهذا ما لايتيسر مع الأحياء.
4. قلَّة المصادر المكتوبة التي تترجم لأعلام هذا القرن.
وكم ألحَّ علينا التفكير في تمديد الفترة الزمنيَّة إلى تاريخ تحرير المعجم، لأنَّ هذه السنوات الأخيرة فترة غنيَّة بأعلام بارزين، منهم: علي يحيى معمَّر (ت:1980)، إبراهيم بن عمر بيوض (ت: 1981)، سالم بن يعقوب الجربي (ت:)، عبد الرحمن بن عمر بكلِّي (ت: 1986)، عمرو خليفة النامي (ت: )، محمَّد علي دَبُّوز (ت: 1981) ... وغير هؤلاء كثير.
ولكنَّنا فضَّلنا المنهج الأوَّل، فَسرنَا في العمل، وجمعنا المادَّة العلميَّة، وشرعنا في التحرير، وتوالت علينا الاقتراحات بإضافة أعلام الفترة الأخيرة، فرجح الرأي الآخر، وعدلنا عن أمرنا الأوَّل، وسبحان من لا تبدو له البدوات. (1/12)
صفحة 13
ولكن صعب علينا أن ننهج نفس الخطَّة في جمع المادَّة العلميَّة لأعلام الفترة الأخيرة، فكان الحل الأمثل أن نكلِّف بعض ذوي الكفاءات لكتابة تراجم وافية عن كلِّ واحد من هؤلاء الأعلام، وأدرجت في الترتيب العامِّ لتراجم المعجم، بعد أن كان الرأي أن تفرد بقسم خاصّ. توحيدا للمنهج، وتسهيلا على الباحث.
مراحل معجم الأعلام: من الفكرة إلى الحقيقة
كان من أولويَّات اهتمام المجلس العلميِّ لجمعيَّة التراث، جمعُ التراجم الإباضيَّة في معجم ينقذ ما كان مهدَّدا بالتلف والزوال، ويعطي الصورة الحَقِيقِيَّة لِما قد بهت بفعل الإهمال؛ ولا يتأتَّى ذلك إلاَّ بأعمال جادَّة مثل: المعاجم، والموسوعات، والدراسات الأكاديميَّة...
من جهة أخرى عانى الباحثون والمحقِّقون معاناة كبيرة في سبيل ترجمة لعلم إباضيٍّ، قديما وحديثا، مشرقا ومغربا.
ولهذا برزت الفكرة إلى الوجود، وانطلقت قويَّة دافقة، تطوي المراحل وتتخطَّى العقبات، وتتقدَّم بخطى ثابتة نحو الهدف المرسوم؛ فعقدت الاجتماعات العديدة لضبط طريقة العمل، وكانت البداية بلجنة صغيرة في الجزائر العاصمة، قامت بتجربة أولى تحت إشراف الدكتور محمَّد ناصر، ومحمَّد باباعمي، ومصطفى شريفي... وبعد بضعة أشهر قدمت ثمرةَ عملها، فكانت مشجِّعة طموحة، فأردفت لجنة العاصمة بلجنة الشرق، وتضمُّ مدينتي قسنطينة وباتنة، فعملت تحت إشراف الدكتور إبراهيم بحاز، وضبط موعد مسبق لعرض الأعمال الأولى، وترتيب المراحل القادمة، وأفرز اللقاء نتائج مرضية للغاية. (1/13)
صفحة 14
وانطلق العمل في خطِّه المرسوم - منذ صائفة 1411هـ/1991م - بمدينة القرارة، بمباركة الشيخ شريفي سعيد (الشيخ عدُّون)، رئيس الجمعية؛ ومضى يطوي السنين، ويتخطَّى العقبات، ويستقطب الكفاءات العلميَّة من الشباب، في أيَّام مغلقة عرفت بأيَّام غار أمجماج (1) .
وتوالت المراحل تلو المراحل، نوجزها في الآتي:
أَوَّلاً- وضع قائمة موحَّدة للمصادر والمراجع.
وذلك لحصر ميدان العمل، وتمَّ تقسيم هذه القائمة إلى عدة أقسام :
- مصادر ومراجع إباضيَّة
- مصادر ومراجع غير إباضيَّة.
- مصادر ومراجع أجنبيَّة.
- الجرائد والمجلات.
- المحاضرات.
- المقابلات بالنسبة لأعلام الفترة الحديثة.
ثانيا- مسح المادَّة العلميَّة:
تمَّ مسح المادَّة الخبرية، من هذه المصادر والمراجع، وإدراج ما نحصل عليه من معلومات في بطاقات. وقد تجاوز عددها خمسة عشر ألف بطاقة (15000)، مترجمة لحوالي ثلاثة آلاف علم (3000).
واستغرق هذا العمل وحده قرابة ثلاث سنين.
__________
(1) - أَيَّام غار أمجماج: هي أَيَّام مغلقة للعمل الجماعي (Team work) من إبداع جمعية التراث، واللفظ مستقى من التراث الإباضي، وهو التأليف الجماعي لديوان العزَّابة في غار أمجماج بجربة في القرن الخامس الهجري / الحادي عشر الميلادي. وفي الاختيار إيحاء للباحث أنَّه في غار، وأنَّه يمثِّل بعمله امتدادا تاريخيا وطبيعيا للمسيرة الحضاريَّة للأعلام السابقين، الذين سيترجم لهم.
... وتتراوح أَيَّام غار أمجماج بين اليومين والأسبوعين، وفيها يتمُّ الجمع بين المبادئ الروحية للعمل الجماعي من: احترام الآخر، والعمل بالوضوء، واستغلال البُكر... وبين الوسائل والتقنيات المعاصرة للعمل الجماعي، مثل: تقسيم الوقت، والتحضير المسبق، واستعمال الإعلام الآلي، وإعداد مذكِّرة الإيام، والإحصائيات...
... وكانت الأَيَّام الأولى لغار أمجماج (في إطار المعجم) في القرارة صائفة 1401هـ / 1991م، وآخرها في صائفة 1419هـ / 1998م. (1/14)
صفحة 15
ثالثا- مرحلة التصنيف والترتيب:
بعد جمع المادَّة الخبريَّة جاءت مرحلة تصنيفها وترتيبها، فكانت شاقَّة ومضنية، إذ ينبغي أن تلتقي كلُّ البطاقات التي تترجم لعلم معيَّن مع بعضها، وتجمع كلُّها. فالعلَم المشهور ذو الاسم الواضح لا إشكال فيه. وإنَّما الصعوبة في الأسماء المتشابهة، والأعلام المتقاربة، والتراجم المغمورة، والأسماء التي لم ترد كاملة... أو التي وردت بكنيتها في مصدر، وبنسبتها في مصدر آخر... أو التي تحمل أكثر من كنية... أو التي اختلف في اسمها... أو التي لم تضبط ضبطا جيدا في مخطوط أو مطبوع.
فكلَّفنا التحقيق جهودا إضافية، للوصول إلى الحقائق، وإصلاح الأخطاء، وضبط الصحيح من الأسماء، لنبدأ بعد ذلك مرحلة التحرير.
والعجب أنَّ علَما واحدا يرِد أحيانا بعدَّة أسماء، ويذكره البعض أحيانا باسمه، والبعض بكنيته فقط، وأحيانا تخلط بعض المراجع فتلصق لاسم واحد عدَّة شخصيات، فما تمكَّنا من تصويبه صوَّبناه، وما عجزنا عنه سيظلُّ مجال البحث فيه مفتوحا، ومساعدة الباحثين والمؤرِّخين لنا في هذا الضبط تعدُّ ضرورة علميَّة ملحَّة.
ودعت منهجيَّة ضبط العمل أثناء التصنيف والترتيب إلى إعطاء أرقام أوليَّة للأعلام، متسلسلة وفق حروف المعجم، ليكون التعامل معها فيما بعد بالاسم والرقم معا.
رابعا- مرحلة التحرير والتبييض:
خصصِّت لهذا العمل أيَّام مغلقة تتراوح ما بين اليومين والأسبوعين، وتعدُّ خاتمةَ المراحل العلميَّة، لصياغة الترجمة المناسبة تلخيصا من المعلومات الواردة في البطاقات المجموعة.
وتحتاج إلى تنسيق وترتيب للوصول إلى نصٍّ مقبول شكلا ومضمونا. (1/15)
صفحة 16
وقد ارتأينا أوَّل الأمر الاكتفاء بالحدِّ الأدنى من العبارات باختصار شديد، لكن التراجم بدت جافَّة لا حياة فيها. وأصدرنا التجربة الأولى بهذه الصورة، فجاءت ملاحظات تشير إلى هذا البخل في الأسلوب، فأعدنا مراجعة العمل لتدارك هذا الخلل، واعتمد العمل في مرحلة التحرير على اللجنة الرئيسة للمعجم، متمثِّلة في الأساتذة: الدكتور إبراهيم بحاز، أ/مصطفى باجو، أ/محمَّد باباعمي، أ/مصطفى شريفي.
وأعقب التحريرَ مراجعةُ الصياغة والتصحيح اللغوي والأسلوبي، حتَّى تبدو الترجمة في نهاية المطاف متناسقة منسجمة، وافية دقيقة، قدر المستطاع.
خامسا- مرحلة إعداد النسخة التجريبية:
وقد وظِّفت فيها الوسائل المتاحة للجمعيَّة، من أجهزة كمبيوتر، وبرامج، وآلات استنساخ، تسندها خبرات في مجال الطباعة... لتصفيف النسخة التجريبية، وفهرستها، وتصويرها...
ثُمَّ صدرت النسخة التجريبية للمعجم في خمسة أجزاء.
سادسا- مرحلة التصويبات والملاحظات والاقتراحات:
بعد إصدار النسخة التجريبية، وزِّعت منها أعداد معتبرة على ذوي الاختصاص والاطِّلاع على تاريخ الإباضيَّة، في مختلف مواطنهم: بميزاب، ووارجلان، وجربة، وعمان... لمراجعة العمل، وتقديم التصويبات والملاحظات والاقتراحات.
فطال الانتظار - ثلاث سنوات - وتجمَّع لدينا نصيب من الملاحظات، أخذت بعين الاعتبار، وتمَّ تنقيح العمل وفقها، فأُدرج ما كان فيها من إضافة حول ترجمة علَم من الأعلام ضمن المصادر، ورمز لها بـ: م.ن.ت.م (ملاحظات على النسخة التجريبية للمعجم).
ثمَّ جاءت المرحلة الأخيرة، وهي:
سابعا- مرحلة المراجعة النهائيَّة:
إذ أدرجت كلُّ الملاحظات والتصويبات في ملفَّات الكمبيوتر، وصحِّح المعجم تصحيحا كاملا.
ثمَّ تمَّ لقاء لجنة التحرير لمراجعة العمل نهائيا على جهاز الكمبيوتر، ووضع اللمسات الأخيرة للصياغة، وتدارك الأخطاء المنسيَّة، إن في المعلومات أو في الأسلوب. (1/16)
صفحة 17
ودامت الخطوة الأولى حوالي ثلاثة أشهر، والثانية قرابة أسبوع مغلق، يبدأ فيه العمل بعد الفجر، وينتهي في منتصف الليل.
وكانت نهاية العمل يوما مشهودا، بعد سبع سنين طويناها في سبع مراحل، بعضها دام سنوات، وآخرها دام سبعة أيَّام.
ثمَّ تلتها بحمد الله مرحلة طبع المعجم على الأفلام، فصياغة الفهارس النهائية، وضبط المقدِّمة، وأخيرا سحب المشروع في المطبعة، ليصل بين يدي القارئ الكريم في أربعة أجزاء: ثلاثة منها للمتن، وجزء للمقدِّمة والفهارس.
الترتيب المنهجي للترجمة
روعي في التراجم الترتيب الألفبائي، على أساس أسماء الأعلام دون الكنى والألقاب. على هذا المنوال:
محمَّد بن بكر النفوسي (أبو عبد الله)
محمَّد: اسم العلم، ثُمَّ اسم والده ثمَّ اسم أجداده إن وجدوا.
النفوسي: ثمَّ نسبته، ثمَّ لقبه إن وجد.
(أبو عبد الله): ثمَّ كنيته.
[هنا يختار اسم شامل لهذه المواصفات؟؟؟]
وهذا الترتيب يجعل الباحث ينطلق مباشرة إلى العلم الذي يريده عن طريق اسمه، وإذا صادف أنَّ العلم لا اسم له، وله نسبة أو لقب شهر به، فإنَّها تحلُّ محلَّ الاسم في الترتيب، مثلا: أبو الفضل... يصنَّف في حرف الفاء.
وما على الباحث - إذا اختلط عليه الأمر - إلاَّ أن يتَّجه إلى فهرس الكنى، وفهرس النسب، وفهرس الألقاب... ليجد العلَم الذي يريده.
وسوف يلاحظ القارئ أنواعا من الأسماء البربرية ربَّما لم يتعوَّد على سماعها أو نطقها، حاولنا أن نضبط كثيرا منها غير أنَّها تحتاج إلى استقصاء البحث.
وقد تمَّ تسهيل العمل في ترتيب المعلومات بفضل استمارة المادَّة الخبريَّة الدقيقة، وتحوي ثمانية أرقام، كلُّ رقم يمثِّل مبحثا أو معلومة، وهي:
1. الاسم الكامل.
2. تاريخ ومكان الميلاد والوفاة
3. التلقِّي.
4. مصدر الرزق.
5. الآثار (ما به اعتبر علَما).
6. صفة خاصَّة بالعلَم تميِّزه (إذا ذكر تُذكِّرت، وإذا ذكرت تُذكِّر).
7. مصادر ومراجع الكتاب الذي اقتبست منه المعلومات. (1/17)
صفحة 18
8. معلومات أخرى (المجال المفتوح في الاستمارة).
-------------
مصدر الترجمة، الجزء/الصفحة.
البيبليوغرافيا (مصادر ومراجع الترجمة)
كان الحرص على أن يكون تقديم تراجم الأعلام مستوفى قدر المستطاع، وحفاظا على الأمانة العلميَّة، وتيسيرا لسبل البحث والتقصِّي أمام الدارسين، فقد ألحقنا بكلِّ ترجمة ببليوغرافيا شاملة تحيل إلى المصادر والمراجع بالجزء والصفحة. تحت عنوان: المصادر.
وهذه القائمة مرتبة ترتيبا يجمع بين الترتيب الزمني (الكرونولوجي) والترتيب المصدري. وهي غاية في الأهميَّة لمن يدرك هدفها ومغزاها، وإن كلَّفنا ذلك جهدا غير يسير.
الفهارس
إنَّ أهميَّة المعجم لا تنحصر في مادَّته العلميَّة المقدَّمة في تراجم مرتَّبة ترتيبا معجميا، من الألف إلى الياء، فلا بدَّ من تقديم مفاتيح متنوِّعة للدخول إلى هؤلاء الأعلام، وتسهيل الوصول إليها من أقصر طريق، وأيسر مجهود، ويدرك هذا من مارس البحث العلميَّ المتخصِّص.
ولذلك وضعنا لهذا المعجم سلسلة من الفهارس، يعتبر كلُّ فهر منها بمثابة معجم مستقلٍّ في موضوعه، وهذه الفهارس هي:
1. الأعلام المترجم لهم (المدخل بالاسم)
2. النسب.
3. الألقاب.
4. الكنى.
5. النساء.
6. الأعلام عموما.
7. الترتيب الزمني الكرونولوجي (حسب القرون).
8. الحكَّام والأيمة والأمراء.
9. القادة العسكريين.
10. القضاة وأعوانهم.
11. أعلام نسبة الدين.
12. شيوخ حلقات العَزَّابَة (المشيخة).
13. العزَّابة.
14. الشهداء.
15. أصول النسب.
16. رؤساء وأعضاء العشائر.
17. المؤلفون
18. الشعراء.
19. المُؤَلَّفَات (كتب، وثائق، مقالات، مذكرات، خطب، شعر...).
20. المذاهب
21. الأديان.
22. الشعوب والقبائل.
23. المجالس والحكومات والهيئات والجمعيات.
24. المدارس والحلقات والزوايا.
25. المكتبات وخزائن الكتب.
26. الأماكن والبلدان.
27. المصادر والمراجع:
? المخطوطة.
? المرقونة.
? المطبوعة.
? الوثائق.
? المقالات. (1/18)
صفحة 19
? المحاضرات والندوات.
? المقابلات.
? الملاحظات على النسخة التجريبية للمعجم.
? البرامج والأقراص المدمجة.
? الأجنبية.
عرض المصادر ونقدها
إنَّ جمعيَّة التراث بمعجمها هذا لم تأت بجديد من حيث الفكرة، لأنَّ مؤرِّخي الإسلام، ومنهم سلف الإباضيَّة، قد سبقوا إلى هذا النوع من التأليف في تراجم العلماء والأعلام.
وكتب الرجال، والجرح والتعديل، نموذج واضح لذلك، وقد ألَّف الأباضيَّة في تراجم أعلامهم مؤلَّفات هامَّة، وبخاصَّة المغاربة منهم، ولكن دون اعتماد منهج المعاجم.
وتعاقب على هذا النوع من التأليف علماء ومؤرِّخون حرصوا على المحافظة على مآثر رجال المذهب، كما حرص غيرهم من أصحاب المذاهب الإسلاميَّة الأخرى.
ونذكر من بين أهمِّ المصادر:
1 - سير أبي زكرياء:
ألَّف يحيى بن أبي بكر الوارجلاني (1) (ت: بعد 474هـ/1081م؟؟؟) كتاب «السيرة وأخبار الأيمة»، في القرن الخامس الهجري/الحادي عشر الميلادي، اعتمادا على الرواية الشفوية أساساً، إذ كانت الذاكرة الجماعية لجماعة المسلمين الإباضيَّة حريصة على استيعاب وحفظ جلائل أعمال سلفهم الصالح، وساهم الوارجلاني بهذا العمل في إنقاذ جزء هامٍّ من التراث بتدوينه، وإخراجه من المرويِّ إلى المكتوب، وحفظه من الاندثار والنسيان ؛ ولم يكن غرض أبي زكرياء من تأليفه ذكر حياة الأشخاص والأحداث، وتحديدها بالتواريخ، بقدر ما كان جمع مآثر ومناقب العلماء والصالحين، لأنَّ هدفه تربويٌّ أساسا.
يقول في المقدِّمة: «أمَّا بعد، فإنَّه لَمَّا رأينا ما انطمس من الآثار، وما اندرس من الأخبار، انبعثت أفكارنا إلى تأليف أخبار مَن سلف من مشايخ أهل الدعوة وصلحائها، وتذكّر مناقبهم وحسن سيرتهم، وجميل مذهبهم وسرِّ فضائلهم، فكتبنا من ذلك ما تيسَّرت كتابته، ورجونا منفعته من بعد ما خشينا على العوام أن يتَّخذوه وراءهم ظهريًّا» (2) .
__________
(1) - ... .
(2) - ... أبو زكرياء: السيرة ؛ 39-40. (1/19)
صفحة 20
والتزم أبو زكرياء فعلا بمضمون عنوانه ومقدِّمته؛ ولكنَّ منهجه نتجت عنه بالنسبة لعملنا سلبيات ثلاث:
أولها- عدم ذكر التواريخ إلاَّ نادرا.
ثانيها- قلَّة الاهتمام بالحياة الشخصيَّة للعلَم.
ثالثها- صعوبة استخراج التراجم منه، إذ كثيرا ما لا يفرد للعلم ترجمة مستقلَّة، بل يرد الحديث عنه في خلال سياقات متفرِّقة بين فصول الكتاب. وأسلوب الكتاب يعوزه السبك اللغويُّ الرصين، ولذلك يعسر فهم المراد منه لعامَّة القرَّاء، ويستعمل أحيانا بعض التراكيب والعبارات المترجمة من اللسان البربريِّ، تأثُّرا ببيئة المؤلِّف في وارجلان، ومن هذه الصيغ قوله: «فيأخذون في عزمهم»، «واجتهدوا غاية الاجتهاد في عزمهم»، ومعناه في دراستهم وتعلُّمهم.
أمَّا من جهة التحقيق فقد حقِّق مرَّتين:
الأولى: قام به إسماعيل العربي، بعنوان «سير الأيمة وأخبارهم».
- وهو عمل مخلٌّ لاعتماده نسخة وحيدة، بينما توجد منها نسخ عديدة في مكتبات الإباضيَّة.
- وإهماله تراجم الأعلام والقبائل والأماكن...
- وإخلاله بالفهارس، وعدم ضبطها وفق القواعد المتعارف عليها.
الثانية- أنجزها عبد الرحمن أيوب، بنفس العنوان، وقد طبع المخطوط كاملا بجزأيه؛ وتميَّز عمله بمراعاة القواعد العلمية في التحقيق، وبذل فيه جهدا مشكورا، فأكمل بعض النقائص المسجلَّة في العمل السابق، فكان تحقيقا علميًّا محترما. إلاَّ أنَّه لم يتمكَّن من الولوج في النصِّ ودقائقه، لعدم تحكُّمه في أدوات ومصطلحات التراث الإباضيِّ.
2- سير الوسياني:
جاء بعد أبي زكرياء عالم من القرن السادس الهجري/ الثاني عشر الميلادي، هو أبو الربيع سليمان بن عبد السلام الوسياني (1) ، ووضع كتابه المعنون بـ «سير المشايخ»، والمشهور بسير الوسياني، تمييزا له عن سير أبي زكرياء السابق، وسير الشماخي اللاحق.
__________
(1) - ... الوسياني: سير (مخ) 2-3. (1/20)
صفحة 21
يقول الوسياني عن سبب تأليفه للكتاب: «إنِّي نظرتُ إلى الآثار قد انمحت، وإلى أخبار أهل دعوتنا قد انطمست، فأحببتُ أن أؤلِّف لكم منها كتاباً ممَّا بلغني، وصحَّ عندي، ولم تخالجني فيه الشكوك» (1) .
وقد تقيَّد الوسياني بالمنهج الذي اختطَّه في مقدِّمته، وتميَّز جهده بأنَّه حاول إتمام ما بدأه أبو زكرياء، فلم يكرِّر ما ذكره إلاَّ نادراً. كما يمتاز بزخم المعلومات، وضبط مواطن وقبائل الأعلام الذين ترجم لهم؛ وأسلوبه سلس فصيح عموما.
والكتاب بحاجة إلى تحقيق علميٍّ يخرجه من بين دفائن المخطوطات، ويلقي ضوءا على جانب هامٍّ من تاريخ المغرب إجمالا، والإباضيَّة خصوصا (2) .
3- طبقات الدرجيني:
وتتوالى تآليف السير عند الإباضيَّة بصدور كتاب «طبقات المشايخ بالمغرب»، لأبي العبَّاس أحمد بن سعيد الدرجيني (3) . والإضافة التي تميَّز بها أنَّه صنَّف العلماء في طبقات تمتدُّ كلُّ واحدة في أمد زمنيٍّ يقدَّر بخمسين سنة، فجعل الطبقة الأولى من السنة الأولى للهجرة إلى السنة الخمسين، والثانية من السنة الخمسين إلى المائة... حتَّى انتهى إلى الطبقة الثانية عشرة (550-600هـ/1155-1203م).
وكان تحديده هذا خير معين لمعجمنا في هذا المجال.
والكتاب يقع في جزأين، ويعتبر الأوَّل منهما صياغة لسير أبي زكرياء، بينما استقلَّ الجزء الثاني بكونه تأليفا جديداً للدرجيني، بناه على المنهج المذكور، مع الاستفادة من سير الوسياني وغيره.
ويتَّسم أسلوب الدرجيني بلغة أدبية رفيعة، عزَّ لها نظير في كتابات المغاربة.
__________
(1) - ... الباحث عمر سليمان بوعصبانة بصدد تناول سير الوسياني للتحقيق، في أطروحة دكتوراه دولة بجامعة الأمير عبد القادر بقسنطينة.
(2) - ... .
(3) - ... . (1/21)
صفحة 22
ورغم أهميَّة الكتاب، فإنَّه لم ير النور إلاَّ سنة 1974م، إذ حقَّقه وطبعه الأستاذ إبراهيم طلاي، مكتفيا بقليل من الهوامش والتعاليق، ومنصفا في قصوره في العمل، إذ تمنَّى أن يخرج الكتاب «وعليه دراسة عمليَّة، وتحقيقات تاريخية، لتكون فائدته أكمل وأشمل» (1) ، وله مع ذلك فضل الاجتهاد، والسبق في التعريف بهذا المصدر التاريخيِّ الهامِّ.
كما أنجز له الأستاذ مصطفى باجو تحقيقات وفهارس شاملة، أفادتنا في ضبط الأعلام، وتدقيق المعلومات والتراجم، وراجع عمله الباحث مصطفى شريفي.
4- جواهر البرَّادي:
كتاب «الجواهر المنتقاة في إتمام ما أخلَّ به كتاب الطبقات» ألَّفه أبو القاسم بن إبراهيم البرَّادي الدمَّري (2) ، في النصف الأوَّل من القرن التاسع الهجري/ الخامس عشر الميلادي. وحاول بذلك إتمام ما رآه نقصا في طبقات الدرجيني، وهو إهمال تفصيل الطبقة الأولى. وحجَّة الدرجيني أنَّها طبقة الصحابة، وأخبارُهم أشهر من أن يعاد الحديث عنها؛ بينما يرى البرادي البدء بها لأنَّها أصل الدين ومنشأ التاريخ، فقال: «إنِّي رأيت كتاب الطبقات ضالَّة عزَّ شدوها ومنشدوها، ومنهلا عذبا... إلاَّ أنَّه غفل عن ذكر الصدر الأوَّل، وأخلَّ بذكر ما عليه المعوَّل... وزعم أنَّ شهرته مغنية عن الدلالة عليه، فرأيت ذلك وصمة أزرت بكماله، وسماجة قصرت عن مدى أمثاله» (3) .
وأفيَد ما في الجواهر قائمةُ كتب الإباضيَّة التي وضعها في آخر الكتاب، سمَّاها «رسالة في تقييد كتب أصحابنا»، وقد نشرها الدكتور عمَّار طالبي ملحقة بكتاب الموجز لأبي عمَّار عبد الكافي (4) .
5- سير الشماخي:
__________
(1) - ... .
(2) - ... .
(3) - ... البرادي: الجواهر المنتقاة؛ 3..
(4) - ... . (1/22)
صفحة 23
بمطلع القرن العاشر الهجري/ السادس عشر الميلادي برز بنفوسة الشيخ أبو العبَّاس أحمد بن سعيد الشمَّاخي (1) (ت: 928هـ/م)، صاحب التآليف العديدة في الفقه والعقيدة. وفي التاريخ كتبَ مؤلَّفه الشهير «سير المشايخ»، إذ عاد إلى المصطلح القديم.
ويعدُّ سير الشمَّاخي أشهر كتب السير الإباضيَّة، لأنَّه حظي بطبع حجريٍّ سنة 1301هـ/1883م، وامتدَّت إليه أيدي الدارسين، واعتمده جلُّ الباحثين الذين كتبوا في موضوع الإباضيَّة.
وقد حقَّقه محمَّد حسن، في إطار رسالة جامعيَّة، وطبع قسم المغرب منه بتونس.
وسير الشمَّاخي يحتلُّ خاتمة تآليف السير عند الإباضيَّة، إذ جاء شاملا جامعا لأعلامهم ومناقبهم، درج فيه على اتِّباع نهج الطبقات، ولكنَّه لم يرقَ إلى طبقات الدرجيني أسلوبا ولا ترتيبا، وإن فاقه بعدد كبير من التراجم، استقاها من مؤلَّفات الإباضيَّة وغيرهم؛ وهو أوَّل من ذكر استفادته من كتب التاريخ غير الإباضيَّة كأخبار الأيمة الرُّسْتُمِيِّينَ لابن الصغير، ومروج الذهب للمسعودي، وتاريخ الرقيق القيرواني...
6- ملحق السير
وفي الرابع عشر الهجري / العشرين الميلادي ألَّف أبو اليقظان إبراهيم (2) ، كتابه «ملحق السير»؛ بدأ فيه من حيث انتهى الشمَّاخي، واستمرَّ إلى عهده ومعاصريه، وجاء كتابه متبعا نهج الأقدمين، إذ قسَّمه على طريقة الدرجيني إلى طبقات، وأنقذ حلقة مهمَّة في تراجم الإباضيَّة، لولاه لأصبحت طيَّ النسيان، وبخاصَّة وأنَّه اعتمد كثيرا على الروايات الشفويَّة، فضلا عن الوثائق والمخطوطات التي سعى لجمعها من مختلف مواطن الإباضيَّة ببلاد المغرب.
وأنجز أبو اليقظان قسما من ملحقه وهو مشلول في أواخر عمره، وكان يستعين بتلامذته في تدوين تراجمه، فجاء الكتاب غير معبِّر بدقَّة عن روح وأسلوب أبي اليقظان، كما عرف عنه إبان نشاطه الأدبيِّ والصحفيِّ.
__________
(1) - ... .
(2) - ... . (1/23)
صفحة 24
ولا يزال الكتاب مخطوطا، في ثلاثة كراريس، وقد وضع له الباحث محمَّد موسى باباعمي فهارس شاملة تساعد الدارسين على الحصول على المعلومة المرجوَّة بأخصر طريق، وهو عمل ينتظر الباحثين والدارسين ليولوه الأهميَّة المرجوَّة: تحقيقا ودراسة.
7- مصادر ومراجع أخرى:
ثمَّة مصادر أخرى مخطوطة، نذكر منها:
سيرة مقرين البغطوري، وسير ابن مداد، وسير الباروني.
إضافة إلى مراجع حديثة، منها المخطوط ومنها المطبوع، مثل:
- «الرسالة الشافية» (مط.) للقطب امحمَّد بن يوسف اطفيَّش.
- «؟؟؟» (مخ) لابن تعاريت.
- «تاريخ ميزاب» (مخ) لابراهيم بن بنوح متياز.
- «تاريخ جزيرة جربة» (مط) لسالم بن يعقوب.
- مؤلَّفات الشيخ علي يحيى معمَّر (1) المفصَّلة بعنوان: «الإباضيَّة في موكب التاريخ»، في أربع حلقات عن إباضيَّة ليبيا، وتونس، والجزائر.
- مؤلَّفات الشيخ محمَّد علي دَبُّوز ، وبخاصَّة «نهضة الجزائر الحديثة» في ثلاثة أجزاء، و«أعلام الإصلاح في الجزائر» في خمسة أجزاء.
وتوجد كذلك قائمة هامَّة من المصادر والمراجع غير الإباضيَّة، من مؤلَّفات ودراسات أكاديمية جادَّة.
وأمَّا عن مؤلَّفات المستشرقين، فلعلَّ أبرزها هي أعمال تاديوز لويكي، الذي كتب قرابة خمسين إنتاجا عن الإباضيَّة بين كتاب وبحث ومقال.
وغيرها كثير ممَّا حوته قائمة المصادر والمراجع بالتفصيل.
ومن أهمِّ ما ميَّز مصادر هذا المعجم: المخطوطات، والوثائق، وكذا دراسات المستشرقين باللغتين الفرنسية والإنجليزية.
كما استفيد أيضا من مشاريع علميَّة أخرى لجمعية التراث، وبخاصَّة دليل مخطوطات وادي ميزاب، والملفَّات الصحفيَّة حول ميزاب والإباضيَّة في الصحافة الجزائرية، وفهارس شرح النيل...
رسالة المعجم
يحمل هذا المعجم مضمونا علميًّا، ويهدف إلى غاية حضارية، ومقصد إسلاميٍّ نبيل.
__________
(1) - ... . (1/24)
صفحة 25
ألا وهو إزالة الغبش الذي ران على أنظار الكثيرين، حول الإباضيَّة، وبيان حقيقة هذه الفئة، كما تبرزها مصادرها، وإقامة الحجَّة على الدارسين والباحثين، بتوفير الوسائل الممكنة من الوصول إلى هذه الحقيقة.
وتنهار معاذير كثيرة تمسَّك بها أغلب من كتب عن الإباضيَّة، وعمد إلى اجترار أخطاء صدرت عن جهل أو تعصُّب، فشوَّهت حقيقة الإباضيَّة عبر القرون، حتَّى غدت تلك الأخطاء بالتكرار حقائق يقينية، تعلو على النقد والتصويب.
وجمعية التراث بإخراجها لهذا المعجم، تسهِّل على الباحثين والمثقَّفين مهمَّة البحث الشاقَّة، التي شكا منها كلُّ من توغَّل بحثا في الفكر الإباضيِّ، وإن يكن للأقدمين عذر في صعوبة الحصول على المصادر المخطوطة، فلا عذر للمحدَثين بعد توفُّر المطبوعات، ووجود دلائل المخطوطات، إذا توافرت الهمَّة وصدقت العزائم على تقصِّي الحقيقة، وتلك سمة البحث العلميِّ الجاد.
ومعجم الأعلام بهذا يعدُّ بوابَّة للنفاذ إلى أغوار المذهب الإباضيِّ بلا عقدة ولا خوف، ولا كتمان ولا تقية، للتعرُّف على تناج رجالاته في مختلف الفنون والميادين، وإسهامهم في إعلاء صرح الحضارة الإسلاميَّة، والدفاع عن هذا الدين.
ورسالة المعجم هذه تعدُّ - ولا ريب - خطوة مباركة نحو تجسيد وحدة المسلمين، بناء على ثلاثية:
... المعرفة والتعارف والاعتراف
الخلل المرتقب
الكمال لله وحده، والعصمة للرسل والأنبياء، والبشر معدن النقص والأخطاء.
وهذا العمل عمل علميٌّ رائد في التراث الإباضيِّ، ولكن لن يسلم من الخلل والهفوات، وإن بذلنا أقصى الجهد لتفاديها. سواء في الجانب المعلوماتيِّ أم في الجانب المنهجيِّ.
ومن ذلك:
- خلل في بعض التواريخ التي لم نصل إلى تحديدها، وبخاصَّة تواريخ التراجم الحديثة.
- وخلل في بعض الأسماء والمعلومات، نظرا لضخامة المادَّة، واستنزاف الطاقات المحدودة، ولو انتظرنا اكتمالها فسيظلُّ هذا العمل في قاعة الانتظار إلى أجل غير مسمَّى. (1/25)
صفحة 26
فالعمل بحاجة إلى تضافر الجهود لتدارك هذا النقص في الطبعات القادمة إن شاء الله.
ونلحُّ على القرَّاء الأفاضل - من جميع المستويات الثقافيَّة – أن يمطروا علينا بملاحظاتهم، وانتقاداتهم، وتصويباتهم؛ وسيجدون منَّا قلوبا ملء الرحاب، ومحبَّة تزداد على العتاب، ما دام الهدف تحقيق الصواب.
والأمل يحدونا أن نسعى جميعا للوصول بهذا العمل إلى أقصى درجات الكمال البشريِّ.
وهذا ما يحقِّقه الإنصاف، ولا داعي للمجاملة على حساب المعرفة والحقيقة، فإنَّ المدح الأجوف لن يخدم العلم، ولن يبني الحضارة.
شكر وتقدير
وفي الأخير، لا بدَّ من الإشادة بالجهود الجبَّارة التي بذلها كثير من الأساتذة والطلاَّب الجامعيين، في إعداد هذا المعجم، وبخاصَّة في المراحل الأولى من جمع المادَّة الخبريَّة، ولولا سعيهم وإيمانهم الراسخ بأهميَّة المشروع ما رأى هذا العمل النور وتخطِّى الحواجز، وبلغ الهدف المقصود.
وقد رعى هؤلاء الشباب آباء كرام، حبوهم بالعناية وخالص الدعاء، واحتضنهم سراة كرماء، لم يبخلوا عليهم بالنفس والمال والجهد والزمن، وتنافسوا في استضافة أيَّام «غار امجماج»، وتوفير الجوِّ المناسب لنجاحها.
كما نشيد بفضل كلِّ من ساهم بتقديم كتاب، أو تسهيل الوصول إلى مخطوط، أو وثيقة، أو مطبوع، أو إدلاء بشهادة حول علَم، أو كتابة ترجمة عن علم لم تذكره المصادر المتوفِّرة أو لا تزال أخباره في عداد الرواية، أو إبداء رأي، أو تصويب خطأ، أو توجيه انتقاد.
بفضل الله وتوفيقه، وبفضل تضافر كلِّ هذه الجهود، استقام معجم أعلام الإباضيَّة شاهدا على صدق العزائم، ونبل المقاصد، ودليلا على طموح الشباب، وحكمة الشيوخ، تآزرا فكانت هذه التمرة يانعة جنية، من شجرة طيبة، أصلها ثابت وفرعها في السماء.
{والذين جاهدوا فينا لنهدينَّهم سبلَنا وإنَّ الله لمع المحسنين}
لجنة المعجم
1 ربيع الأَوَّل 1419هـ / 25 جوان 1998م (1/26)