صفحة 1
الكتاب: ندوة عقدت تحت عنوان: تطور العلوم الفقهية في عمان خلال القرن الثالث الهجري " الإمام محمد بن محبوب نموذجاً " يوم الاثنين 30 مِن شوال 1422هـ / 14 مِن يناير 2002م بقاعة المحاضرات بجامع السلطان قابوس الأكبر - سلطنة عُمان.
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] بسم الله الرحمن الرحيم
بسم الله الرحمن الرحيم
كلمة الوزارة
إن عمان بلدٌ عريقٌ له تراثٌ عميقٌ في مختلف جوانب الحياة، يأتي في مقدمتها التراثُ الفكري العلمي الذي يعدُّ أحدَ أعمدةِ قيامِ كلِّ دولةٍ ونهضِتها وقد أسهم علماءُ عمان في إغناء المكتبة الإسلامية بمؤلفاتهم في مختلف الفنون.
و وفاءً بحقِّ علماءِ عمان وإبرازاً لمآثرِهم القيمة وتقديراً لدورهم العلمي الكبير ؛ يسرُّ وزارة الأوقاف و الشؤون الدينية أن تقيمَ ندواتٍ فكريةً علميةً تسلطُ من خلالها الضوءَ على جوانبِ العملِ والإنجازِ في حياةِ أولئك الأفذاذِ وما خلدوه من كنوزِ العلمِ والمعرفة خلالَ القرونِ الغابرة.
وقد كانت البدايةُ مع القرن الثالث الهجري الذي ازدانَ بمجموعة من العلماء الأفاضل ؛ ولأجل وضع صورة عن تطور العلوم الفقهية في عمان كانت شخصيةُ ابن محبوب أحدَ أهداف هذه الندوات ومنطلقا للتجديد والبناء في العلوم الفقهية بعمان علماً أن الإمامَ سبقه علماءُ أجلاءُ وفقهاءُ نبغاء كانت لهم بعمان قصباتُ سبقٍ إلى العلم والفقه والتدوين.
وقد عقدت هذه الندوةُ تحت عنوان: تطور العلوم الفقهية في عمان خلال القرن الثالث الهجري" الإمام محمد بن محبوب نموذجاً " يوم الاثنين 30 من شوال 1422هـ ، الموافق 14 من يناير 2002م بقاعة المحاضرات بجامع السلطان قابوس الأكبر ، تبعها عددٌ من الندوات بحمد الله و توفيقه.
و اليومَ إذ تتوجُ مسقط العمانية عاصمةً للثقافة العربية يطيبُ للوزارة أن تنشر البحوث العلمية المقدمة بالندوة في هذا السفر العلمي .
و الله الموفق لكل خير
محتويات الكتاب
م??
العنوان?
1 ... الصفحة
2 ... 9 ... البحث الأول : الإمام محمد بن محبوب إشعاع حضاري
للشيخ محمد بالحاج
3 ... 23 ... البحث الثاني : حياة الإمام محمد بن محبوب وعصره
د. فرحات الجعبيري
4 ... 107 ... البحث الثالث : تطور التشريع الفقهي في عمان حتى القرن 3هـ .
بدر بن سعود الدغيشي (1/1)
صفحة 2
5 ... 127 ... البحث الرابع : علاقة الشيخ محمد بن محبوب بأهل المغرب
د. محمد بو حجام
6 ... 141 ... البحث الخامس : قراءة في سيرة الإمام محمد بن محبوب إلى أهل المغرب .د.سعيد الهاشمي
7 ... 161 ... البحث السادس : الفقه القضائي عند الإمام ا بن محبوب .
للشيخ خلفان الحارثي
8 ... 183 ... البحث السابع : القول بربا الفضل عند الإمام محمد بن محبوب .
د .محمدبن ناصر الحجري
9 ... 205 ... البحث الثامن : آراء الإمام ابن محبوب الكلامية .د. مسلم بن علي الوهيبي
بيان و توصيات الندوة?
?277?
البحث الأول
بعنوان
الإمام
محمد بن محبوب إشعاع حضاري
للباحث
محمد بالحاج
مدرس بمعهد القرارة بالجزائر
بسم الله الرحمن الرحيم
قد انغرست وتأصلت المدارس والمذاهب الفقهية أواخر القرن الأول وأوائل القرن الثاني للهجرة النبوية بما في ذلك المذهب أو المدرسة الإباضية في مقدمتها أو طليعتها. ومهما يكن من تحديد أطوار الفقه الإسلامي أو التشريع الإسلامي بحدود زمانية كما ذهب إليه البعض حسب القرون أو العصور السياسية للدولة الإسلامية، أو تحديدها بحسب المميزات الموضوعية فحددها أو صنفها إلى:
1- طور التشريع الحقيقي : بالمعنى الصحيح للتشريع وهو خاص بالوحي من الله عز وجل إذ هو المشرع الحقيقي والوحي غير المتلو وهو السنة المبينة للقرآن، قولا وفعلا وتقريرا، وهذا الطور خاص بفترة النبوة عهد النبي صلى الله عليه وسلم من بدء الوحي بنزول قول الله عز وجل :(اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم، الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم)، وانتهاء بنزول قول الله تبارك وتعالى: (واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون). (1/2)
صفحة 3
2- طور الاجتهاد الطلق الحر: اجتهادا غير مقيد إلا بكتاب الله وسنة رسول الله الثابتة الصحيحة وكلها آنذاك صحيحة، إذ لما يدخلها الدس والزيف والوضع مهما كانت، قولا أو فعلا أو تقريرا مهما ثبتت وأينما وجدت وهذا الطور كان ميزة الصحابة رضي الله عنهم خاصة المجتهدين منهم الراسخين في العلم ممن حباهم الله بحمل شرعه وفقه دينه من منابعه بل من منبعه الصافي الوحيد، رسول الله صلى الله عليه وسلم قولا وعملا وسيرة وسلوكا وخلقا ومعاملة مع الله عز وجل ومع خلق الله جميعا، وقد كان على خلق عظيم، ولقد كان خلقه القرآن، كما منّ الله عليه بذلك كما قالت عنه أحب أزواجه إليه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها " كان خلقه القرآن" وقد أشاد الله تعالى بكريم خلقه حيث يقول له: (وإنك لعلى خلق عظيم).
3- طور نشأة المذاهب الفقهية : وتأصيلها على أيدي أئمتها المؤسسين لها بدءا من بعض كبار التابعين أمثال جابر بن زيد، والأوزاعي والثوري والحسن البصري وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير، ثم من صغار التابعين وتابعيهم ومنهم أئمة المذاهب المشهورة الباقية وهي حسب الترتيب التاريخي:
أبو حنيفة النعمان المعروف بالإمام الأعظم.
إمام دار الهجرة الإمام مالك بن أنس.
الإمام محمد بن إدريس الشافعي.
الإمام أحمد بن حنبل على تميزه وشهرته بمسنده في الحديث.
أئمة آل البيت شيعة الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه مثل الإمام زيد بن علي بن الحسين والإمام جعفر الصادق بن محمد الباقر.
داود بن علي السجستاني الظاهري.
وقد يكون هناك غيرهم، وقد يكون بعضهم مزامنا لبعض بزمن قليل عنه أو يتأخر عنه بأمد قصير. (1/3)
صفحة 4
4- الطور الرابع للفقه أو للتشريع الإسلامي طور التفريع أو الاستنتاج : و ظهر به كبار تلاميذ كل إمام مثل أبي يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني كبيري تلاميذ أبي حنيفة النعمان وابن القاسم وابن وهب ويحيى بن يحيى وأمثالهم من كبار تلاميذ الإمام مالك بن أنس والبويطي وأنداده من كبار تلاميذ الإمام الشافعي أيام إقامته بالعراق أو أيام استقراره بمصر، وكذا كبار تلاميذ أئمة الشيعة.
سمي هذا الطور طور التخريج والتفريع لأن هؤلاء التلاميذ الكبار اعتكفوا على أحوال أئمتهم والتفوا حولها يستنطقونها ويستولدونها الأحكام الفرعية للمسائل المستجدة أو المتوقعة وفق الحياة ومتطلباتها آنذاك أو المتوقعة حسب اتساع الدولة الإسلامية من تخوم الصين وما وراءها شرقا إلى شواطئ بحر الظلمات، أو المحيط الأطلنطي غربا، فوضعت الموسوعات الفقهية للمسائل الفرعية الواقعية أو المحتملة في ظل الدولة أو الدول الإسلامية الكبرى آنذاك الدولة العباسية وبنياتها أو ربيباتها في المشرق والدول الغربية وشمال أفريقيا كالدولة الأموية في الأندلس وما عاصرها من الدولة الرستمية الإباضية في معظم شمال أفريقيا، الجزائر وتونس وليبيا والمغرب الأقصى وموريتانيا والصحراء الغربية حاليا، وما عاصرها من دولة الأغالبة شمال تونس وشمال شرق الجزائر ودولة الأدارسة شمال المغرب وشمال غرب الجزائر، وفي تلك الفترة وبهذا في التفريغ تكونت الموسوعات الفقهية مثل المبسوط للسرخسي وكتاب الأم للشافعي أو البويطي والمدونة لسحنون و...و.... وغير ذلك كثير. (1/4)
صفحة 5
5- الطور الخامس طور الجمود والانكماش والاندحار والتقلص والتقليد والتبلد الذهني : كرد فعل وانتكاص على عقب النكسات والاهزامات التي منيت بها الدول الإسلامية والمسلمون بصفة عامة والمشرق على أيدي المغول والتتر وفي المغرب على أيدي الأسبان والبرتغال، وانقرضت الدولتان العظيمتان الدولة العباسية من بغداد ـ العراق، والدول الأموية من غر ناطة و قرطبة أيام ملوك الطوائف، فاستكان المسلمون خاصة العلماء وطلبة العلم منهم فتفرقوا وانطووا على أنفسهم ورأوا أن لا داعي للاجتهاد وإعمال العقل إذ لم يعد ينفع لهم العالم أو الحياة على جديد وكل شيءمستطر في الموسوعات وما على طالب العلم والمعرفة إلا أن يستوعب ما فيها حفظا، فأغلقوا على أنفسهم باب الاجتهاد والجهاد بإجهاد عقولهم، وأقبلوا على حفظ بل اختصار تلك الموسوعات وحفظ مختصراتها، فصبغ واصطبغ الفقه وعلومه كلها، بل وكل العلوم اللسانية بصبغة الاختصار والألغاز مما دعاهم مرة أخرى على شرح وحل تلك الألغاز وفك غموضها وحل معضلاتها، وقد دارت العلوم الشرعية وآلياتها وطلابها ومريدوها في دوامة وحلقات مفرغة من الموسوعات إلى مختصرات ومن المختصرات الملغزة إلى الرجوع إلى مصادرها لشرحها وحل رموزها ومن الشروح إلى الحواشي ومن الحواشي إلى التعاليق ومن التعاليق إلى التعقيبات ومن التعقيبات إلى الردود ـ ردود البعض على بعض ـ إلى ما لا يكاد ينتهي، وإذا استطاع ذو همة وإرادة وصبر الوصول إلى نهاية فإنه قلما يحصل على نتيجة يطمئن إليها ويستمسك بها ويعض عليها بكلتا يديه وبنواجذه اللهم إلا على أساس التقليد أو التعصب المذهبي، وتلك أخطر فترة مرت بها الأمة الإسلامية، وقد دامت عدة قرون تجمد فيها الفكر الإسلامي، وتبلد فيها العلماء المسلمون وتلاميذهم، ونضبت عقولهم أو عقمت فلم تعد تنجب أو تنتج شيئا جديدا فأصبحوا يجترون الماضي وقلما يفقهون منه شيئا،والأمة الإسلامية سادرة في نوم عميق، كاد يكون (1/5)
صفحة 6
موتا، ولعله كذلك، وكأنها قد نالها الإعياء والإرهاق والانهيار مما حققته في عصور عزها وقرون ازدهارها وتلك الأيام نداولها بين الناس، (الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير) ولله في خلقه شؤون. بينما الأمم الأخرى خاصة الأمم الغربية منها أوروبا وغيرها قد أخذت قبسا من نور الإسلام من مشرقه ومغربه يستنيرون به دون إيمان أو اعتراف بفضله بل على حرص منهم على إطفائه فساروا بذلك القبس النوراني الإلهي وعرفوا له ـ وجحدوا ـ فضله ونوره فأنار لهم سبل حياتهم الدنيوية في الأرض برا وبحرا ثم في الفضاء، في السماء الدنيا وطباقها؟ مؤلمة مؤسفة ألقت ظلالها، بل ظلماتها في الأمة الإسلامية وهي تغط في سباتها العميق، ولم تصح ولم تفق وتستيقظ إلا على وقع المدافع وطلقاتها المدوية ونيرانها المحرقة وقذائفها المدمرة. (1/6)
صفحة 7
6- الطور السادس - والأخير إلى تاريخ اليوم - وما بعده غيب لا يعلمه إلا الله وهو طور الانبعاث والتجديد أو طور النهضة واليقظة والصحوة الإسلامية: بحثا عن الماضي واعتزازا به واستمدادا للإحالة منه ـ إن صدقت النوايا وخلصت الأعمال والمقاصد وتشوفا وتفتحا وتطلعا إلى المستقبل الأخاذ ببريق زخارفه ومغرياته ـ حرصا على الجمع بين الحسنيين حسنة الدنيا وحسنة الآخرة، وهل في وسعنا ذلك على أساس قول الله عز وجل (ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة) وقوله (وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا) وهل يتحقق ذلك ونصل إليه على طريق (( أسلمة العصر )) أو عن طريق (( عصرنة الإسلام )) وهذه الجدلية المطروحة ينبغي بل يجب أن تكون بؤرة التفكير والعناية من مثل هذه التظاهرات والندوات والمؤتمرات واللقاءات للحوار بين الثقافات أو بين الحضارات وبين الديانات ـ بل ولو حتى بين المذاهب والانتماءات الإسلامية عبر المذاهب فيجب أن يطرح للبحث بجد وعمق بل يجب ويتعين علينا أن نسعى إلى أسلمة الحياة وصبغها كلها بصبغة الإسلام ( صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون) وهذا ما فعله أسلافنا من الصحابة رضي الله عنهم ومن جاء بعدهم، فقد صبغوا معظم إن لم نقل كل الأمم والشعوب والدول والأقطار التي أكرمها الله بفتح الإسلام - فقد صبغت واصطبغت - كل مجالات حياتها بالإسلام، وهذا ما يجب علينا اليوم ونبدأ بنفوسنا وأهالينا وعشائرنا الأقربين وأممنا وشعوبنا ودولنا وحكوماتنا وسلطاتنا من قول الله عز وجل: ( يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ) وقوله لرسوله المبعوث رحمة للعالمين: ( وأنذر عشيرتك الأقربين ) وقال: ( يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم (1/7)
صفحة 8
تعملون ).
أما لقاءنا هذا اليوم فحول علم من أعلام الفكر الإباضي في أرقى وأزهر أطوار التاريخ الإسلامي بعد خير قرونها قرن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الطيبين من الأنصار والمهاجرين وكبار التابعين ـ إنه عصر نشأة المذاهب وتأسيسها وتأصيلها بدءا كما سبق قولنا بالإمام أبي الشعثاء جابر بن زيد، وقد وضع معالم المذهب الأولية وأصوله وأسسه وإن لم يقصد إنشاء أو انتحال مذهب معين مستقل متميز عن الكتاب والسنة وذلك شأن معظم إن لم نقل كل أئمة المذاهب الإسلاميةـ خاصة أئمة التابعين. وقد توفي الإمام جابر رحمه الله أواخر القرن الأول الهجري سنة 93هـ/95هـ وخلفه من بعده تلاميذه وعلى رأسهم الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة الذي يعتبر مرسي قواعد وأصول المذهب فحدد معالمه العقدية والعلمية والفقهية والسياسية، وتخرج عليه نخبة من حملة العلم إلى المغرب وعلى رأسهم أبو الخطاب عبد الأعلى بن السمح مؤسس الدولة الخطابية الإباضية بطرابلس المغربـ ليبيا ــ فبويع بيعة شرعية ــ بضاحية ــ صياد سنة 140هـ أربعين ومائة من الهجرة ومعه من طلبة العلم زملاءه عبد الرحمن بن رستم مؤسس الدولة الرستمية ببيعة شرعية سنة 160هـ مائة وستين هجرية، ومسعود الأندلسي وداود القبلي وأبو درار الغدامسي. (1/8)
صفحة 9
كما تخرج على يد أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة أو من مدرسته السرية حملة العلم إلى المشرق ــ عمان ــ واليمن وحضرموت وخراسان، ومنهم أبو موسى الإزكوي والربيع بن حبيب وأبو صالح الدهان ومحبوب بن الرحيل و.... و.... ممن أنجبوا الإمام المحتفل به اليوم (( محمد بن محبوب بن الرحيل )) المتوفى سنة 260هـ، مما يثبت ويؤكد أنه عاش الفترة الزاهرة الذهبية الراقية للمذاهب الإسلامية وللمذهب الإباضي خاصة مذهب أهل الدعوة والحق والاستقامة ويكون معاصرا لأرقى فترات الدولة الرستمية بالمغرب ــ بتيهرت ــ تيارات حاليا غرب الجزائر وقد تأسست سنة مائة وستين 160هجرية، وعاشت وامتدت ودامت مائة وستة وثلاثين 136إلى غاية 296هـ، وكأني بالإمام محمد بن محبوب ــ وإن كنت لا أجزم قد عاش فترة الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن، فقد يكون ضمن العلماء الذين كان لهم تواصل مع الأئمة الرستميين بالتراسل والتشاور في كثير من انشغالات عصرهم وزمانهم ومستجدات الأحداث ــ شرقا وغربا ــ خاصة أيام نشأة الدولة الرستمية والدعم والإعانة والمساعدة التي قدمها الأصحاب المشارقة لها أول عهدها أيام الإمام عبد الرحمن بن رستم فتقبلها المرة الأولى ــ بعد مشورة أهل المشورة ــ لمجيئها في الوقت المناسب وموقعها الموقع الملائم من حاجة الدولة للدعم والمساندة والعزة والتمكين والاستقرار، بينما المساعدة الثانية من العام الموالي أو بعده جاءت وردها الأئمة المغاربة على أصحابهم المشارقة عسى أن يكونوا أحوج إليها من الدولة، وقد استقرت وتمكنت بعز الله ونصره وتمكينه لهم مستخلفين في الأرض ولكن الأصحاب المشارقة رحمهم الله بدل أن يستهلكوا تلك المساعدة المالية فيكون بمثابة الرجوع في الصدقة وقد أخرجوها ونذروها لله وباعوها واشتراها الله منهم ــ فقد استنسخوا بها كتبا فبعثوا بها وقر أربعين بعيراً وذلك ما يقرب من ثمانين 80 قنطاراً فأدركت إمامة عبد الوهاب بن عبد الرحمن قال عن (1/9)
صفحة 10
نفسه أنه قرأها كلها فقال: ما استزدت منها علماً إلا ثلاث مسائل اجتهادية لو سئلت لأجبت بمثل ما ورد فيها إن صح هذا
( فتبارك الله أحسن الخالقين، يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيراً وما يذكر إلا أولو الألباب ) وقوله ذلك تحدثا بنعمة الله عليه وبمدى رسوخ الأئمة في العلم والفقه والاجتهاد، وأن توليهم وتولياتهم ومبايعاتهم بالإمامة كان عن تأمل وجدارة واستحقاق ولم تكن مجرد إرث لها بعلاقة النسب كما زعم أو بزعم بعض الغافلين أو الجاهلين ممن كتبوا عن الدولة والإمامة الرستمية، ولقد كانت تلك الكتب نواة أو دعماً وإثراءً للمكتبة (( المعصومة )) مكتبة الدولة الرستمية والتي كانت مفخرة وميزة أهل الحق والدعوة والاستقامة، ومكتبة الدولة الرستمية شأنها شأن مكتبات الدولة العباسية ببغداد أو البصرة أو الكوفة، أو مكتبات الدولة الأموية بالأندلس بقرطبة استبيليا أو غرناطة، ولكنها أتلفت كما أتلفت وتتلف معظم المكتبات على أيدي الغزاة المغيرين مثل التتر والمغول على مكتبات أو تراث العباسيين في المشرق، ومثل الأسبان والبرتغال الذين تسلطوا على مكتبات وتراث الأمويين وملوك الطوائف بالأندلس، وكذلك أتلفت وقيل أحرقت المكتبة المعصومة الرستمية على أيدي العبيديين الفاطميين بقيادة أبي عبدالله الشيعي الداعي أو الداعية لإمامة عبيد الله المهدي الفاطمي، وذلك عند تقويض وانقراض الدولة الرستمية سنة 296هـ قلت : وأقول: لعل إمامنا المحتفل به اليوم محمد بن محبوب بن الرحيل كان من جملة العلماء الذين أرسوا قواعد المذهب وأصوله العقدية ــ الكلامية ــ وأصوله الفقهية والسياسة لما قامت فتنة أو ثورة ابن فندين حول قضية جواز إمامة الفاضل مع وجود الأفضل وقضية الإمامة أو البيعة له مع شرط وهي قضية أثيرت حول إمامة الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم وقد تولى أو بويع وقلد الإمامة بعد عبد الرحمن بن رستم وقد كان رأي أهل الحل (1/10)
صفحة 11
والعقد أول الأمر بعد وفاة الإمام عبد الرحمن منصباً أو متجهاً ومركزاً على مسعود الأندلسي وهو المرشح الأول للإمامة قبل عبد الوهاب الثاني، ولكن مسعود لما أحس بذلك خرج من تيهرت على حرص وجدية الباحثين عنه، فلم يسع أهل الحل والعقد أن يبقى منصب الإمام شاغراً أكثر من ثلاثة أيام تأسياً بفعل الصحابة رضي الله عنهم بعد شغور منصب الخلافة بمقتل عمر بن الخطاب رضي الله عنه وبوصية أو تعليمة منه فبايع أهل البيعة في تيهرت ومنهم ــ نفاث ابن النظر ــ عبد الوهاب بن عبد الرحمن بيعة شرعية بالإمامة وضمَن نفقات بيعته بشرط أن لا يقضي أمراً دون استشارتهم فقال له الإمام البيعة حجة والشرط باطل ما سمعنا بمثل هذا في أسلافنا الصحابة الأولين.
ولما تمت البيعة الشرعية بالإمامة للإمام عبد الوهاب وثبتت في عنقه وتعينت طاعته على المسلمين ما أطاع الله ورسوله فيهم ظهر مسعود الأندلسي فبايع الإمام عبد الوهاب بدوره بيعة الإمامة بالسمع والطاعة واستقرت الإمامة، قامت قيامة ابن فندين ورفاقه حسداً من عند أنفسهم وقد يطمح إليها أو إلى مقام معتبر فيها بحكم العلاقة النسبية أو علاقة رحم بينه وبين الإمام، فلم ينله فنادى ببطلان إمامة المفضول ــ عبد الوهاب ــ مع وجود الأفضل مسعود الأندلسي، ونادى أيضاً بوجوب التزام الإمام بما اشترط عليه يوم البيعة ألا يقضي أمراً دون استشارة ومشورة أهل الشورى من أهل الحل والعقد. (1/11)
صفحة 12
إزاء الإفرازات والمضاعفات والشغب والهرج والمرج الذي أفرزتها هذه الفتنة كاتب الإمام عبد الوهاب وأهل شوراه ممن معه من أهل الحل والفقه أئمة الأصحاب من العلماء المشارقة ــ في عمان وحضرموت ومصر وخراسان ومعظم مواطن الأصحاب يستفتونهم في هذه المستجدات والمستحدثات وهم على علم بأحكامها ولكن من باب قول إبراهيم: ( وإذ قال إبراهيم ربي أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي )، فجاءت كل الكتب والأجوبة موافقة ومؤيدة ما عليه الإمام مع وجود من يفضله في بعض مميزات وخصائص ومثله في ذلك صحة خلافة أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما بإجماع الأمة الإسلامية آنذاك، وفي الصحابة رضي الله عنهم من هو أفضل منهما في القضاء مثل علي وأقرأ منهما مثل أبي، وأعلم منهما بالحلال والحرام مثل معاذ بن جبل، وأفرض منهما في الميراث مثل زيد بن ثابت، وأن لا شرط مع البيعة إلا شرط الالتزام بكتاب الله وسنة رسوله الصحيحة وسيرة السلف الصالح من هذه الأمة، مثل الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، إلى غير ذلك حيث يطول في هذه الوقائع أو الواقعة التي انقسم إزاءها الأصحاب المغاربة إلى وهبية ونكَارٍ، ولعله قد نال الأصحاب المشارقة بعض شظايا من ذلك عبر التاريخ الذي سجَلته كتب السيرة، وإن كان أنصار ابن فندين ــ النكار ــ قد انقرضوا أو لم يعد لهم ذكر أو وجود منذ أمد بعيد ( ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أنَ الأرض يرثها عبادي الصالحون )، ( فاعتبروا يا أولي الأبصار ). (1/12)
صفحة 13
أيها السادة أصحاب السماحة والفضيلة إننا اليوم في هذه الندوة نحيي ذكرى أولئك الشيوخ والأئمة الأمجاد وما كانوا عليه من تواصل وتكامل وتشاور وتحاور في المستجدات والمستحدثات ــ على بعد الشقة بينهم من جهة، ومن جهة أخرى ألا فليكن لنا بهم أسوة حسنة في التزاور والتحاور والتشاورـ بين الشرق والغرب ــ وبين الشمال والجنوب على مستوى العالم الإسلامي والمذاهب الإسلامية وعسانا
ــ أو كدنا ــ نقول وعلى مستوى المذاهب والديانات السماوية فضلا ومن باب أولى وأحرى على مستوى المذهب الواحد مذهب أهل الحق والدعوة والاستقامة، وليكن كل مذهب كذلك وقد توفرت لدينا أو وفرت لنا والحمد لله خاصة على مستوى السلطنة كل الوسائل والإمكانيات المادية والعلمية والفنية أو التقنية للتواصل والتزاور البدني على مستوى هذه الندوات والملتقيات والمؤتمرات والتظاهرات العلمية والثقافية والفكرية على مختلف الأصعدة والتواصل عبر المواصلات السلكية واللاسلكية من القنوات الفضائية والشبكة المعلوماتية العالمية ( الأنترنت ) والكتب والرسائل والنشريات والمجلات بمختلف اللغات. فما أحوجنا إلى كل هذا العصر أكثر من كل زمان مضى لنواجه التحديات من المستجدات والمستحدثات وما تتطلب من توحيد التصور وتوحيد الرأي والمدارك إزاءها وأبعادها خيرها وشرها خاصة أمام الحملة أو الهجمة الشرسة المعلنة اليوم ضد الإسلام ــ أصالة ــ أولاً وبالذات وضد المسلمين الحقيقيين أينما وجدوا تحت شعارات مختلفة مقنعة حتى تحقق قول الله عز وجل:
( والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير )، ألا فلتكن لنا في محتفلنا به هذا وفي سلفنا أسوة حسنة، وإلا فقد قال الله عز وجل:
( تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون ) وقال: ( وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون ). (1/13)
صفحة 14
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،،
البحث الثاني
بعنوان
حياة الإمام
محمد بن محبوب القرشي العماني
وعصره
للباحث
د. فرحات بن علي الجعبيري
محاضر بالجامعة التونسية الأولى
بسم الله الرحمن الرحيم
لقد مهدنا للبحث ببطاقة تعريف محمد بن محبوب على شكل ما يعرف اليوم بالسير الذاتية، وذلك ليتمكن القارئ من معرفة الخطوط العريضة لحياة الرجل.
ثم أقمنا بقية العمل على أربعة محاور:
المحور الأول: وسمناه بـ " محمد بن محبوب والمحيط العماني " : وقد عرَفنا فيه بنشأته الأولى بين عمان والبصرة والحرمين الشريفين وبالأئمة الذين عاصرهم، وبالازدهار العلمي في بيئته، وبموقفه الخاص من الإمام المهنا، وبتولَيه رئاسة مجلس أهل الحل والعقد للبيعة للإمام الصلت، ثم بتوليه خطة القضاء بصحار إلى أن توفي بها سنة 260/873.
أما المحور الثاني : فقد خصصناه لمواقفه العلمية وتمثلت في:
1- موقفه من الشائعات حول الإمام المهنا.
2- موقفه من قضية القدر.
3- موقفه من قضية خلق القرآن.
4- موقفه من قضية قتل....
5- موقفه ممن يفسد في الأرض.
أما المحور الثالث: وقد جاء غير موازن لبقية المحاورـ فقد تعمَدنا تخصيصه لحياة محمد بن محبوب في مكة نشأة وإقامة، خاصة عند الإشراف على موسم الحج وذلك لما لهذه الحياة في مكة من أهمية لربط العلاقات مع بقية الإباضية ولنشر الدعوة.
أما المحور الرابع : فقد سعينا فيه إلى التعريف بمؤلفات محمد بن محبوب.
1- كتاب في الفقه سبعين جزءاً، وإن كان هذا الكتاب مفقوداً، فقد حاولنا أن نثبت صحة وجوده ونسبته إلى صاحبه.
2- سيرة محمد بن محبوب، وقد حرصنا على أن نعرَف بهذا النص تعريفاً متكاملاً لنثبَت في النهاية البعد الحضاري للمسائل المطروحة فيه، وهي مسائل عملية ونظرية جاءت في صيغة أسئلة من أهل المغرب أجاب عليها محمد بن محبوب سؤالاً سؤالاً بكل دقة. (1/14)
صفحة 15
3- العهد المرسل إلى الغزاة الذين توجهوا للدفاع عن سقطرى، وهي جزيرة عمانية أرادت قوى معادية احتلالها، وقد ذكرنا التردد في نسبته إلى محمد بن محبوب أو إلى الإمام الصلت، وإنما أوردنا ذكره لما له من أهمية للتعرف في فقه شؤون الجهاد في سبيل الله عند الإباضية.
ثم تأتي الخاتمة لتثبت أن محمد بن محبوب إنما هو شاهد على عصر من عصور النهضة العلمية في عمان. وقد أسعفه القدر أن يتوفى قبل أن تنطلق الفتنة التي أطاحت بالإمامة الثانية بعمان، وقسَمت أهلها إلى رستاقية ونزوانية، فجاء النصف قرن الذي منَ به عليه الله تعالى زاخراَ بالعطاء المثمر الذي وضع لبنة زكية في صرح الحضارة الإسلامية.
أما المضمون: فقد كان بمثابة التحقيق بالنسبة إلى العمل الأول، إذ عرفنا فيه بكل ما يجب أن يعرَف مع التوثيق العلمي المطلوب، بحيث تحوَل حجمه إلى الضعف.
ونرجو أن نكون بهذا قد وفقنا إلى التعريف بهذه الشخصية، وهي ما تزال مغمورة حتى في الأوساط الإباضية.
"وحسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم " ( 9 التوبة 149).
فرحات بن علي الجعبيري
تونس في 5 شعبان 1420هـ
13 نوفمبر 1999م
تمهيد
بطاقة تعريف
الاسم : محمد
اسم الأب : محبوب بن الرحيل بن هبيرة
الكنية : أبو عبدالله
القبيلة : قريش
اسم الأبناء : أبو المنذر بشير، وأبو محمد عبدالله (1)
أخواه : سفيان ومجبر ويعرف الأخير بالثقة (2)
حفيداه : مجبر بن بشير، سعيد بن عبدالله
مكان الولادة : صحار أو البصرة أو مكة
__________
(1) 1و2)– مصنف مجهول : كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة ـ تحقيق ودراسة وتعليق أحمد عبيدلي. رسالة ماجستير في الدراسات الإسلامية نوقشت بالمعهد العالي للدراسات الإسلامية التابع لجمعية المقاصد الخيرية في بيروت في 11 محرم 1405/6تشرين الثاني1984 دلمون للنشر نيقوسيا. قبرص 1045/1985- 447 صفحة، ص263و293 ضمن ( سلسلة الجزيرة العربية 1) الراجح أن الكتاب ألف قبل القرن 8/14. (1/15)
صفحة 16
تاريخ الوفاة : 3 محرم 260/ 29 أكتوبر 873.
مكان الوفاة والقبر : صحار بعمان (1)
مكان التعليم : المحيط المكي والعماني
المكانة العلمية والاجتماعية : من أهل الحل والعقد.
تولى القضاء بعاصمة الإمامة صحار للإمام الصلت بن مالك
(237-273/ 852-889) من سنة 249/863 ) إلى سنة وفاته 260/873 .
( شيوخه (2)
حملة العلم إلى عمان وعلى رأسهم أبوه:
أبو سفيان محبوب بن الرحيل وموسى بن أبن جابر وأبو المنذر بشير بن المنذر ومحمد بن المعلا الكندي ومنير بن النير الجعلاني .
وترجَح أنه أخذ عن غيرهم أمثال:
ــ أبي علي موسى بن علي (177ــ230/844)
ــ هاشم بن غيلان.
( تلاميذه: لم يؤثر عنه أن له تلاميذ.
المحور الأول
محمد بن محبوب والمحيط العماني
__________
(1) - حميد بن محمد بن رزيق (1291 /18749 : الفتح المبين في سيرة السادة البوسعيديين تحقيق عبد المنعم عامر و د. محمد موسى عبدالله . مطابع سجل العرب القاهرة. نشر وزارة التراث العماني 1379/1977 (ص614) ص233. وذلك بشهادة المؤلف سنة 1274/1857.
(2) ــ مهدي طالب هاشم (معاصر): الحركة الإباضية في المشرق العربي. شأنها وتطورها حتى نهاية القرن الثالث /9 رسالة ماجستير نوقشت بكلية الآداب في جامعة بغداد. كانون الثاني 1977. دار الاتحاد العربي للطابعة.ط1. 1401/1981 (351ص). ص86: أما بالنسبة إلى الدعوة الإباضية في عمان، فقد حفظ لنا العوتبي (4/10) في كتابه الأنساب أسماء حملة العلم من تلاميذ أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة 145/762 ومنهم الربيع بن حبيب بن عمرو الفراهيدي وهو أحد العلماء الأربعة الذي حملوا العلم ونقلوه من البصرة إلى عمان، وكان يسكن البصرة بمكان يسمى الخريبة، ومنصور الرباحي، وبشير بن المنذر النزواني، ومحمد بن المعلا الكندي فشحي من الفشح بن حاضر بن حديد، وأضاف إليهم الرقيشي هاشم بن غيلان السِيجاني، والمنير بن النير الجعلاني "هاشم: الحركة الاباضية ص85. (1/16)
صفحة 17
1ــ نشأة محمد بن محبوب الأولى في رعاية والده.
ما يزال أهل الدعوة(1) يدعون كل أتباعهم إلى قراءة كتب أبي سفيان محبوب بن الرحيل(2) ليستقوا الأخبار الصحيحة من المنبع، ولم يكن محبوب هذا سوى والد محمد بن محبوب، فكيف يمكن أن تكون نشأته؟ وما هو الرصيد الذي يمكن أن يحصل عليه من التربية والعلوم الإسلامية؟
__________
(1) ــ أهل الدعوة هذا هو الاسم الذي أطلقه الإباضية على أنفسهم إلى جانب اسمين آخرين في بداية حركتهم قبل أن يطلق عليهم مخالفوهم اسم الإباضية نسبة إلى إمامهم عبدالله بن إباض (86/705) وهما: جماعة المسلمين.وأهل الاستقامة، الجعبيري: البعد الحضاري للعقيدة الإباضية ص31ــ89. راجع بحثنا: الشهرستاني وتسمية الفرق وألقابها.
(2) ــ أبو سفيان محبوب بن الرحيل. النصف الثاني من القرن 2/ النصف الثاني من القرن 8 وبداية القرن التاسع الميلادي.أخذ عن أبي عبيدة مسلم (145/762) والربيع بن حبيب (175/791) وكانت والدته تحت الربيع بن حبيب.كان حجة في السيرة.وهو ممن دوَن أخبار أهل الدعوة. وروى عنه أبو غانم الخراساني (2/8) في مدونته في الفقه الإباضي، وقد أورد الدرجيني نص النصيحة التي وجهها إلى عبدالله بن يحيى طالب الحق (130/748). وجل أخبار المشارقة من الإباضية مروية عنه في كتب الطبقات والسير.117ــ119. ابن خلفون: أجوبة ابن خلفون: 116. التعريف للمحقق وعمرو خليفة النامي.ر. الجعبيري: البعد: ص108 تعليق (47). كشف299. (1/17)
صفحة 18
إنها حصيلة تجربة المدرسة الإباضية في البصرة مع أئمتها الذين أرسوا قواعدها في كل الفنون. نعم لقد أخذ الأب عن أبي عبيدة (1)
ولازم الربيع(2)
__________
(1) ــ أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة (145/771) : تميمي بالولاء أخذ العلم عن جابر بن زيد (93/771) وجعفر السماك (2/8) وصحار العبدي (2/8). وإليه انتهت رئاسة الإباضية بعد موت جابر. وبإشارته أسس الإباضية في كل من المغرب وحضرموت دولا مستقلة، وتخرج على يديه رجال من مختلف البلاد الإسلامية آنذاك عرفوا بحملة العلم، وعن طريقهم انتشر المذهب الإباضي وفقهه في مختلف البلاد الإسلامية.ر.الدرجيني: الطبقات 2/236)، الشماخي: السير .82/ الجعبيري: البعد 104 تعليق 38.ر. مبارك الراشدي (معاصر). الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة وفقهه.(45ــ 145/665ــ762). دكتوراه مرحلة ثالثة نوقشت بكلية الشريعة وأصول الدين بتونس. مطبعة الوفاء المنصورة مصر ط1. 1413/1993 (698ص).
(2) ــ الربيع بن حبيب بن عمرو الأزدي الفراهيدي البصري (حوالي 75-170/694-786). ولد بإحدى قرى السهل الساحلي ب (ودام) من الباطنة في عمان. رحل إلى البصرة لطلب العلم، وفيها أخذ عن الإمام جابر بن زيد، وتتلمذ خاصة على الإمام أبي عبيدة وعدة من الشيوخ الإباضية بالبصرة، ثم تولى إمامة الإباضية هناك بعد وفاة شيخه أبي عبيدة،وقد اعتنى بجمع أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مروية عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن جمع من الصحابة أبرزهم عبدالله بن عباس (هـ 68/619-687) في كتاب يعتبره الإباضية عمدتهم في الحديث. وإلى جانب نشاطه العلمي بالبصرة كانت له مراسلات مع إباضية المغرب زمن الإمامة الرستمية
(160-296/776-908) .ر. الدرجيني: الطبقات: 2/273.ر.الشماخي: السير: 102.ر.عمرو ابن مسعود أبو القاسم : الربيع بن حبيب محدثاً. رسالة ماجستير قدمت بجامعة الفاتح بكلية التربية قسم اللغة العربية والدراسات الإسلامية سنة 1983. المطبعة العربية بغرداية الجزائر. نشر جمعية التراث .ر. الجعبري: البعد الحضاري: 105. (1/18)
صفحة 19
ملازمة الوالد لأبيه ذاك أنه كان ربيبه لأمه، كانت أمه تحت الربيع، إنه حجة أهل المذهب في النصف الثاني من القرن الثاني والثلث الأول من القرن الثالث/ 8 و9 خاصة في السيرة والسير، إذ لا يكاد يشذ عنه شيء من سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم ولا سير المسلمين من بعده، كما أنه روى عنه أبو غانم الخراساني(1) في مدونته أقواله في الفقه،
وما بقي من أثاره المكتوبة مثل نصيحته لطالب الحق(2)
__________
(1) ــ أبو غانم بشر بن غانم الخراساني: درس بالبصرة وأخذ عن تلاميذ أبي عبيدة (ق2/8)، وعنهم دوَن كتبه، وأهمها المدوَنة التي دون فيها أقوال تلاميذ أبي عبيدة في الفقه ورواياتهم واختلافهم. وقد رحل في أوائل القرن الثالث الهجري إلى تاهرت عاصمة الدولة الرستمية مارا بجبل نفوسه. ورويت عنه المدونة في تاهرت، ونسخها عمروس بن فتح الملوشائي (280/853) في جبل نفوسه وعنها نسخت بقية النسخ ببلاد المغرب.ر.الدرجيني: الطبقات: 2/323.ر. الشماخي: السير: 288.ر. الجعبيري: البعد:105.
(2) ــ أبو يحيى عبدالله بن عمر بن الأسود الكندي الجندي الحضرمي المعروف بطالب الحق
(0130/748): نشأ في اليمن حيث وصلت الدعوة الإباضية سراً: فالتحق بحلقة أبي عبيدة بالبصرة حيث كان يقع التفكير في الثورة على الدولة الأموية، رجع إلى حضرموت موطنه الأصلي حيث ولي القضاء لإبراهيم بن جبلة عامل الأمويين هناك في انتظار وصول المدد من البصرة. وحال وصوله مع أبي حمزة الشاري بويع طالب الحق إماماً للظهور فخير العامل الأموي بين الانضمام إليهم أو الخروج فالتحق هذا الأخير بصنعاء التي كان عليها القاسم بن عمر الثقفي ثم استطاع طالب الحق بعد ذلك أن يعلن الإمامة بصنعاء بعد انتصاره على واليها من قبل الأمويين. ثم يمم نحو الحجاز فضم إليه مكة والمدينة بعد حروب. هناك وجه إليه مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية جيشاً بقيادة عبد الملك بن محمد السعدي استطاع أن يهزم أبا حمزة في الحجاز ثم طالب الحق باليمن 130/293. وبذلك انتهت إمامة الظهور باليمن لكن الكيان الإباضي استمر بها إلى ق7/13. الشماخي السير 96. مهدي طالب هاشم : الحركة الإباضية :89ــ164. مبارك الراشدي: الإمام أبو عبيدة: 275 ــ 293. الزركلي: الاعلام 4/144. ط . 1984.
Radhi Daghfous : Le Yaman islamiqe. Des origins jusqu’
I’avenement des dynasties autonomies (1-3/ VII IX ) I.M.P. stag Tunis Puplications de la favolte des Siences Humaines et socials Serie 4 : Histoire Volume : XXVL. Universite de Tunis I 1995. T1. 509 power point T2 513-1079. 610-6690. (1/19)
صفحة 20
ورسائله لأهل اليمن ولأهل عمان في شأن هارون بن اليمان(1)
وغيرها تدل دلالة واضحة على امتلاكه نواصي فهم الكتاب العزيز وسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم مع اجتهاد حيث يجب الاجتهاد في قضايا العقيدة وغيرها، وإذا كان الأب هكذا فإن الولد نسخة من أبيه، وسيتضح ذلك بعد حين.
__________
(1) ــ السير والجوابات لعلماء وأئمة عمان. تحقيق وشرح سيدة إسماعيل كاشف. مطبعة دار إحياء الكتب العربية نشر وزارة التراث القومي والثقافي عمان ج1/429 ص. ج2 512ص. ص276 - 324. حيث بويع الإمام غسان بن عبد الله اليحمدي ( 192 - 208 /807 - 823 ) اختلف في زمانه هارون بن اليمان الشعبي ومحبوب بن الرحيل . فبين محبوب في هذه الرسالة لأهل عمان بدعة هارون وجماعته وأوضح ضلالتهم. القضايا المطروحة عقدية دقيقة منها : متى تثبت التقوى ومتى لا تثبت. قضية الشك. قضية الوقوف الخ. (1/20)
صفحة 21
والملاحظ هنا أن مثل هذا العالم لا يمكن أن يستقر في وطن واحد، وبذلك تكون نشأة محمد بن محبوب في أحضان مراكز الدعوة الأساسية بالبصرة بالعراق، وبصحار(1)
__________
(1) ــ صحار: بالضم وآخره راء. قصبة عمان مما يلي الجبل، وتوأم قصبتها مما يلي الساحل . وصحار مدينة طيبة الهواء والخيرات مبنية بالآجر والساج كبيرة ليس في تلك النواحي مثلها. وقال البشاري : ... بلد عامر آهل حسن طيب نزوه ذو يسار وتجار وفواكه أجل من ربيد وصنعاء ،وأسواق عجيبة وبلدة ظريفة ممتدة على البحر ... والجامع على الساحل له منارة حسنة طويلة في آخر الأسواق , ولهم آبار عذبة وقناة حلوة , وهم في سعة من كل شيء , وهو دهليز الصين وخزانة الشرق والعراق ومغوثة اليمن, والمصلى وسط النخيل, ومسجد صحار على نصف فرسخ , وثمة بركت ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم , ومحراب الجامع بكوكب يدور فتارة تراه أصفر وتارة أحمر وأخرى أخضر, هكذا قال ولا أدري كيف كان بروك الناقة . وفتحها المسلمون في أيام أبي بكر الصديق رضي الله عنه في سنة 12/ 633 صلحا . وإليها ينسب أبو علي محمد بن ذوزان الصحاري العماني الشاعر . ياقوت الحموي : معجم البلدان دار الفكر . دار صادر بيروت د ت . م 3 / 393 – 394 مادة صحار والصحيح أن عمان عرفت الإسلام قبل هذا التاريخ الذي ذكره ياقوت إذ قد وفد على رسول الله عليه السلام مازن بن غضوبة سنة 6 / 627 وأسلم ثم دعا إلى الإسلام . كما أن الرسول عليه السلام كانت له مراسلات مع حاكمي عمان وعاصمتها صحار وهما جيفر وعبد ابنا الجلندى فيما بين 6و8 هـ/ 628و 630 كما أرسل إليهما عمرو ابن العاص , وقد جاء في كتاب عمان في التاريخ ما يلي : " ومهما يكن من أمر فإن العلامة ابن خلدون يضع لنا مساحة زمنية للمراسلة تمتد من صلح الحديبية وحتى وفاة النبي محمد صلى الله عليه وسلم ... كما ذكر ابن الأثير في أسد الغابة أن عمرو ابن العاص قدم على الجلندى ... ص 114 – 115 . دار أمبيل للنشر . لندن نشر وزارة الإعلام بعمان 1995( 560 صفحة) (1/21)
صفحة 22
ونزوى(1)
__________
(1) ــ نزوى: تقع نزوى في المنطقة الداخلية بعمان، على بعد 180 كم من مسقط.
ــ لقد اتخذ أئمة عمان منذ إمامة محمد بن عفان سنة 177/793 نزوى عاصمة لهم بعد صحار وقلهات، ويقول سالم بن حمود السيابي:"تعرَضت عمان من الفرس وقراصنة الهند إلى هجمات متعددة، فرأى المسلمون تحويل عاصمة الإمامة من صحار إلى نزوى، ورأى ذوو الشأن أن نزوى أمنع لهم وأحصن لزعامتهم وأقرَ لسلطانهم، فاتفق نظرهم إلى أن يكون الإمام بها، ولا يخرج منها إلا لمهم يبدو أو لداعي يستدعي، وأصبحت نزوى كرسيَ الإمامة في عمان، وكان مقام الإمام في الحصن، وفي عهد الإمام غسَان سميت نزوى ملك العرب كما سميت "بيضة الإسلام".
اشتهرت هذه المدينة بحصونها وبمدارسها العلمية التي تخرج منها علماء انطلاقاً من إمام الإباضية جابر بن زيد.
ــ عمان في التاريخ 296 ــ 289.
ــ فوصف ابن بطوطة ــ الذي زار بلاد عمان في القرن الثامن هـ/14ــ مدينة نزوى بأنها "قاعدة هذه البلاد".
ــ وكان ابن بطوطة رجلاَ سنيَاًَ من أهل المغرب من مدينة طنجة. وأولى بذلك الجانب السياسي المتمثل في الوظيفة الحكومية لمدينة نزوى العناية الأولى. واكتفى على المستوى التفكير المذهبي بالقول بأن أهل عمان: إباضية المذهب "وأهمل بذلك الوظيفة الدينية للمدينة".
ــ ووصف نور الدين في خطابه الخاص بنزوى المدينة بأنها تخت الملك وكرسي مملكة العرب: ويضيف فينعتها "بيضة الاسلام" فجمع في إيماته إلى المدينة حينئذ بين لتركيز على وظيفتها الحكومية ودورها الديني والعقائدي.
ــ وشغلت نزوى وضع العاصمة السياسية إلى عهد تولي اليعاربة الحكم في االقرن 11/17. وكانت في نفس الوقت مدرسة دينية وعلمية إباضية.
ــ وركز سليمان الخروصي من جهته على الدور العلمي والديني الذي قامت به وتقوم المدينة إلى اليوم، إلى جانب تركيزه على دورها كعاصمة سياسية "تحت مملكة عمان".
ــ وعدت هيلين هيلنبورغرـ وهي باحثة المانية ــ مدينة نزوى التي زارتها خلال رحلتها إلى عمان بأنها المدينة التي كان لها دائما أثر كبير في تاريخ البلاد. فرأت فيها المركز الفكري، والمدينة ذات الصبغة الحضرية وإحدى مدن العلم في البلاد إلخ .. (1/22)
صفحة 23
بعمان وبالحرمين الشريفين حيث كان تنقل أبيه باستمرار. ومهما يكن من أمر فإن ولادته يصعب أن تخرج عن هذه المحيطات الثلاثة، وأما التعلم فالنزاع في أنه كان هناك، وكلنا يدرك أن هذه المراكز لم تعرف والده فحسب، وإنما عرفت علماء آخرين أبرزهم حملة العلم إلى عمان كما ذكرنا ذلك سابقاً، وأكثر من هذا فإن أباه كان يرعى هؤلاء جميعاً في بيت الله الحرام والدليل على ذلك ما ذكره ابن سلام: " ودار محبوب بمكة، وله خيامات تسمى مضارب محبوب بمنى أيام الحج بمقامهم بمنى، الثلاثة , أيام التشريق خلف الجمرة الكبيرة التي يرميها الحاج أول ما يقدمون من المزدلفة غربي منى , وغربي الجمار الثلاث , خلف عقبة منى , وهي مضارب خيامات فيها مورد حجاج أهل عمان وجماعاتهم أيام التشريق بعد يوم الأضحى . أخبرني بذلك صاحب لأبي حماد النفوسي , وهو رجل عالم لقي حجاج عمان وعلماءهم في أيام منى مقيمين في تلك المضارب . وإنما لقيته بجندوبه مع أبي حماد النفوسي بعد ثلاث وسبعين ومائتين (273هـ / 887م)(1)
ولا يفوتنا أن نذكَر بعناية هذا الجيل باللقاء في بيت الله الحرام , ذاك أنهم كانوا لا يتخلف منهم إلا من لهم عذر قاهر لأنها تلك فرصتهم الذهبية للتشاور , ولتنظيم أحوال أهل الدعوة وللتعرف بمذهبهم بين الحجيج الوافدين من أطراف العالم الإسلامي .
فهنالك في مكة خاصة يكون محمد بن محبوب قد استفاد من جميع أعلام أهل الدعوة , وقد أوتي الفرصة ليخدمهم لأنهم ينزلون في دارهم , أو يزورون تلك الدار إن كانوا يقيمون في مضارب أخرى، وسنرى بعد حين تلقيه للحجيج المغاربة عندما آلت إليه المسؤولية .(2)
__________
(1) 1- لواب بن سلام الإباضي ( 273/ 887 ) : بدء الإسلام وشرائع الدين . تحقيق قيرز شفارتس والشيخ سالم بن يعقوب . ط . دار صادر بيروت 1406 / 1986 _ 200 صفحة . ص : 109 .
(2) 2- انظر ما يلي من الصفحات. (1/23)
صفحة 24
وإن كانت النشأة بين المواطن فيترجح لدينا أنه اختار بعد ذلك الاستقرار في عمان حيث كانت إمامة الظهور قائمة على قدم وساق مع عدم التخلف عن مكة في موسم الحج.
1) الأئمة الذين عاصرهم
جاء في كتاب كشف الغمة ما يلي : " وكانت تلك الأيام صدر الدولة وقوتها و العلماء"(1) وإن قدَرنا تاريخ ولادة محمد بن محبوب في العقد الأخير من القرن الثاني (190/850 إذ توفي 260/873 ) فيكون عاش العمر العادي، إذ لم يذكر أحد أنه عمّر أو أنه مات صغير السن، فإنه قد عاصر الأئمة الآتي ذكرهم:
الإمام غسَان بن عبد الله الفجحي ( 189ــ 208/804ــ 824 . 192ــ 207/807 ــ 823 )(2).
__________
(1) 1- كشف الغمة 259.
(2) - الإمام غسان بن عبدالله الفجحي اليحمدي الأزدي: بايعه المسلمون على ما بويع عليه الوارث بن كعب، فقام بالحق وعز الحق في أيامه، وظهرت دعوة المسلمين بعمان وكان في أيامه حمة العلماء ( أي جملة العلماء). وكان مقامه بنزوى في بيت الإمامة في العقر، وفي زمانه سميت نزوى بيضة الإسلام، وكانت قبل ذلك تسمَى تخت ملك العرب. تمكن من إخماد عديد من الفتن، كما تصدى لغزوات كفار الهند وهو من اتخذ الشذاة ( سفن تكون أسطولا ) لحماية السواحل العمانية من هذه القرصنة الهندية. وكان كثير التردد على صحار. كما اشتهر بإشرافه بنفسه على أمور الحسبة. وكانت وفاته إثر مرض ألمَ به سنة 207/823 . السالمي: تحفة 1/122- 123. نلاحظ بعض الاختلاف في شأن بعض التواريخ. (1/24)
صفحة 25
الإمام عبد الملك بن حميد ( 208 ــ 266/824 ــ 841 )(1).
الإمام المهنا بن جيفر الفجحي ( 266 ــ 237/841 ــ 852 )(2).
__________
(1) - الإمام عبد الملك بن حميد من بني سودة بن علي بن عمرو بن عامر ماء السماء الأزدي، سار سيرة الحق والعدل واتبع أثر السلف الصالح وصارت عمان يومئذ خير دار.، ولي يوم الاثنين لثماني ليال بقين من شهر شوال سنة ثمان ومائتين 27/824.فلم يزل مقيم العدل حتى كبر وضعف وزمن، فكانت تقع الأحداث في عسكره، فشاور المسلمون موسى بن علي في عزله فأشار عليهم أن يحضروا العسكر ويقيموا الدولة، فحضر موسى بن علي وأقام الدولة ومنع الباطل، وشدَ عسكر المسلمين وعبد الملك في بيته فلم يعزلوه ولم يزيلوه حتى مات وهو إمام لهم. وكانت ولايته ثمانية عشرة سنة. كشف الغمة: 259 ــ 260. وقد ظهرت في زمانه بعض الفتن تمكن من التصدي لها وإخمادها وقد أورد السالمي مجموعة من الرسائل في نصح الإمام بالصراحة والجرأة في قول الحق.السالمي: تحفة : 1/134 ــ 149.
(2) ــ الإمام المهنا بن جيفر الفجحي اليحمدي الأزدي: عقد له في يوم الجمعة من شهر رجب سنة ستة وعشرين ومائتين ( ماي 841 ) فوطئ أثر المسلمين وسار بسيرتهم، وكان له ضبط وحزم ولا يتكلم أحد في مجلسه ولا يعين خصماً على خصم ، ولا يقوم أحد من أعوانه ما دام قاعداً ولا يدخل أحد ممن تجري عليه النفقة من العسكر إلا بالسلاح، حازم في الحق وقد اجتمعت له من القوة البرية والبحرية ما شاء الله. قيل أنه اجتمع له ثلاثمائة مركب مهيأة لحرب العدو، وكان عنده بنزوى سبعمائة ناقة وستمائة فرس تركب عند أول صارخ. وكثرت الرعايا في زمانه حتى بلغ سكان سعال ( وهي محلة نزوى )إنه أربعة عشر ألفاً، وفي زمانه وقع الكلام بعمان في خلق القرآن ( انظر ما يلي 79 – 88 ) . وقد مات والمسلمون عنه راضون وله موالون ومؤازرون , وإن ذكر أنً هناك من طعن في إمامته , كشف الغمة : 260 – 263 السالمي تحفة 1/150 ــ161. (1/25)
صفحة 26
الإمام الصلت بن مالك الخروصي ( 23 ــ273/852 ــ887 )(1)
والمقام هنا ليس مقام تفصيل وإنما هي إشارات خفيفة للدلالة على ما يجنيه الناس من خير إذا استقام العدل واستتب الأمن.
2) الازدهار العلمي بعمان
والشاهد الأول الذي نقلنا في مطلع العنصر الثاني جاء مصوَراً لدولة الإمام غسَان، إنها بحقَ صدر الدولة وقوتها، ويختم صاحب كتاب كشف الغمة حديثه عن هذه الإمامة بقوله:"ولم يزل غسان قائماً بالحق والعدل حتى مرض يوم الأربعاء لثمان بقين من ذي القعدة سنة سبع ومائتين 8/11/207هـ ومات من مرضه هذا".
أما الإمام عبد الملك بن حميد: فقد سار سيرة الحق والعدل، واتبع السلف الصالح، وصارت عمان يومئذ خير دار(2).
__________
(1) ــ الصلت بن مالك الخروصي الأزدي: لقد جاءت أخباره مفصَله في النص. ر. كشف الغمة 264 ــ 265.ر.السالمي تحفة:1/164ــ215.
عن هؤلاء الأئمة انظر: مهدي طالب هاشم: الحركة الإباضية: ص223ــ253. وجاء هذا في الفصل الخامس بعنوان الإمامة الإباضية الثانية: أولا عصر القوة والازدهار 177ــ237/793ــ851. وقد حلل الأوضاع السياسية الداخلية والخارجة للإمامة مثبتاً أنها إمامة قائمة على الشورى، كلما انتهت حياة إمام نظر أهل الحل والعقد فيمن تتوافر فيه شروط الإمامة فيبايعونه دون أن تكون له صلة نسب مع الإمام السابق سوى أنهم أزديون عمانيون، كما بين مواطن القوة التي أدت إلى الازدهار. وبعض مواطن الضعف التي أدت إلى مرحلة ثانية من مراحل هذه الإمامة تجلَت فيها بدايات التدهور والسقوط.
فاروق فوزي عمر أستاذ التاريخ الإسلامي بجامعة آل البيت : الإمامة الإباضية في عمان. دراسة تاريخية لأحوال عمان في ظل الأئمة الإباضية في الحقبة من منتصف القرن الثاني الهجري / الثامن الميلادي، حتى منتصف القرن السادس الهجري/الثاني عشر الميلادي. المفرق الأردن. نشر جامعة آل البيت 1417/1997 ص39ـ56.
(2) ــ كشف : 259. (1/26)
صفحة 27
وقد ازدانت إمامته بعالمين من علماء عمان أولهما أبو علي موسى بن علي وقد كان قاضي الإمام ومدار الفتوى ( 177 - 230 /844 - 893 ) ويتجلى ذلك فيما يروى أنه له جامع لم يصل إلينا، ومما نقله السالمي من النصائح التي كان يسديها للإمام(1)
__________
(1) ــ هو أبو علي موسى بن علي بن عزره من بني سامة بن لؤي : ولد ليلة العاشر من جمادى الأخرى سنة 177/22 سبتمبر 793 وتوفي لثمان ليال خلون من ربيع الأول سنة 230/23 نوفمبر 884 ( تحفة 1/151 . ويذكر السالمي أن موسى بن أبي جابر بن غالب، ورد ذكر أخباره في إمامة الإمام غسَان 189ــ208/804ــ824 حيث عينه الإمام ضمن السرية التي يقودها أبو الوضاح والي سمائل لإلقاء القبض على صقر بن محمد من أجل ستره أمر أخيه الذي كان مع البغاة الذين يقودهم راشد بن شاذان بن غسان الهنائي من بني محارب حين خرجوا على الإمام غسان.( تحفة 1/134 ). وهو فقيه ولي القضاء للإمام عبد الملك ثم للإمام المهنا ( تحفة 1/134ــ151 ). يقول عنه أبو إسحاق في تعليق له: " وهو شيخ الإسلام يومئذ، ومرجع أهل الفتوى في الإمامة، ورأس أهل الحل والعقد، ولذا يرجع إليه أهل الرأي والمشورة في أمر الإسلام من بيع وخلع. ( تحفة 1/151 ). وكان له دور كبير في الحفاظ على إمامة عبد الملك بن حميد عندما كبر وضعف وزمن ( كشف 260 ). ولا نشك في أنه ممن حضر بيعة الإمام المهنا وإن لم تنص المصادر على ذلك لأنه كان له شأن في مؤازرة الإمام الأسبق واستمر في القضاء للإمام المهنا. تحفة 1/134ــ151. كشف 259ــ260. الفتح المبين 227ــ232. وقد أورد السالمي نص رسالة من رسائله في النصح للإمام عبد الملك ص145ــ149. تنم عن فقه الرجل وورعه. محورها الدعوة إلى عزل أحد الولاة لعدم صلاحه، وقد جاءت هذه النصيحة صريحة جريئة، من ذلك قوله: " واعلم رحمك الله أنك بمكان لا يحل فيه خذلانك ولا كتمانك في معونة على صواب ولا نصيحة في خطأ، وقد نكره من خطئك كما نسر به من صوابك، ونصيحتك علينا حق، وغيبتك علينا حرام... واعلم رحمك الله أنا وإخوانك المشفقون عليك، قد قلت ثقتهم بشأنك اليوم وأهل أمانتك التي أنت عليها اليوم عزيز. ص147ــ148. (1/27)
صفحة 28
، وثانيهما هاشم بن غيلان، وهو أيضا ممن يستنصحه الإمام ويستشيره فينصح ويشير (1).
__________
(1) ــ هاشم بن غيلان : من علماء وفقهاء عمان في القرنين 2و3 / 8و9. من أهل سيجا من أعمال سمائل، وقبره بها معروف إلى الآن ويكنى أبا الوليد.
ورد ذكر أخباره مع الإمام عبد الملك وكان ممن يسدون له النصائح بمفرده ومع علماء عصره. وفي زمان هذا الإمام أظهر قوم من القدرية والمرجئة مذهبهم في صحار، ودعوا الناس إليه وكثر المستجيبون لهم فخاف هاشم بن غيلان على المسلمين من ذلك فكتب إلى الإمام هذه السيرة، السير والجوابات م.س هامش 2ص36. وتشير سيدة إسماعيل كاشف بقولها " هذه السيرة " إلى الرسالة التي تحققها مع بقية من الرسائل تعرف عند العمانيين بالسير من ص36ــ38. وقد أوردها السالمي كاملة: تحفة 1/138ــ140 والرسالة تقوم على محورين: الأول : تذكير بمسلك السلف في التصدي لأهل البدع. والثاني : دعوة إلى تكليف الوالي باتخاذ موقف حاسم. وسنورد فقرة من هذه الرسالة تبين مرونة الإباضية في التعامل مع مثل هؤلاء في البداية ثم صرامتهم في النهاية. انظر ما يلي ص73ــ75 وهي من التحفة 1/139. وقد أورد له السالمي رسائل أخرى قائمة على استنصاح الإمام للعلماء ومن بينهم هاشم بن غيلان وإسداؤهم النصيحة بكل إخلاص. تحفة 1/140ــ144.ر. سالم السيابي السمائلي: أصدق المناهج في تمييز الإباضية من الخوارج 51. (1/28)
صفحة 29
3) إمامة محمد بن محبوب العلمية والبيعة للإمام الصلت أمَا الإمام المهنا بن جيفر " فله ضبط وحزم..."(1). ولم يزل المهنا إماماً حتى مات... ومات والمسلمون عنه راضون وله موالون ومؤازرون..." (2). وخلال إمامته توفي أبو علي موسى بن علي 230/844، وجاء ذكر محمد بن محبوب عند وفاة الإمام المهنا. كما ورد في تحفة الأعيان ما يلي:" قال: واحسب أنه كان في المسجد محمد بن محبوب، ومحمد بن علي(3) ، ولم أبصرهما ولكن توهمت ذلك لأنهم اجتمعوا في بيت المشورة فيمن يقدَمونه إماماً.. (4).
وجاء في كشف الغمة: " ثم ولى المسلمون من بعده الصلت بن مالك في اليوم الذي مات فيه المهنا، وكان هناك بقايا من أشياخ المسلمين وفقهائهم ورئيسهم وإمامهم في العلم والدين محمد بن محبوب، فبايعوا الصلت بن مالك على ما بويع عليه أئمة العدل من قبله، فسار بالحق والعدل.. "(5).
وجاء في التحفة: " قال أبو المؤثر(6) : إلا أن محمد بن علي،
__________
(1) ــ كشف 260.
(2) ــ ن .م 27.
(3) ــ محمد بن علي : ورد ذكره ضمن مجلس الشورى الذين عقد الإمامة للإمام الصلت 16 ربيع الآخر 237/17 أكتوبر 851 فهو من فقهاء الأمة عاش بين القرن الثاني والثالث للهجرة. تحفة 1/162.
(4) ــ تحفة 1/152.
(5) ــ كشف 264. ابن رزيق : فتح :232.
(6) ــ أبو المؤثر الصلت بن خميس البهلوي: من علماء الأزد الخروصيين العمانيين. كان ضريراً وكان من أجلَ فقهاء عمان، وكان ممن يؤخذ عنه العلم في القرن الثالث هـ/9. كما شارك في الأحداث السياسية في عمان، أدرك إمامة المهنا بن جيفر، وإمامة الصلت بن مالك الخروصي، كما عاصر راشداً وموسى، وكذلك عزان بن تميم في نهاية القرن الثالث هـ السير والجوابات: تعليق 1و2/ ص269. وذلك عند تحقيق رسالته التي تقوم على 12 محورا في العقيدة تنطلق من التوحيد والقدر لتنتهي بالوقوف على أمر الولاية والبراءة. من ص269ــ319. كشف تعليق1. (1/29)
صفحة 30
وبشير ابن المنذر(1) ومحمد بن محبوب والمعلا بن منير(2) وعبيد الله بن الحكم(3) كانوا هم المقدمين في البيعة للصلت بن مالك رحمه الله (4).
إن هذه النصوص تثبت إمامة محمد بن محبوب العلمية وتحمَله مع أهل الحل والعقد مسؤولية بيعة الإمام الصلت بن مالك.
4) محمد بن محبوب يتولى القضاء بصحار
__________
(1) ــ أبو المنذر البشير بن المنذر 178/794 : من بني نافع من بني سامة بن لؤي من عقر نزوى، وهو جد بني زياد، يعرف في المؤلفات العمانية بالشيخ الأكبر، وقد توفي عام 178/794 في ولاية الوارث بن كعب الخروصي، وكان أحد حملة العلم من البصرة من لدن الربيع بن حبيب بن عمرو الفراهيدي 175/791 وقد قدم عمان، وسكن بغضفان منها، ويصنَفه السيابي ضمن الطبقة الثانية للعلماء بعمان. عبيدلي كشف : تعليق 1ص254. وقد نسب إليه عبيدلي خطأً هذه المؤلفات كتاب " المحاربة" و"الخزانة"، سبعون مجلداً و"كتاب البستان" في الأصول و"الرضف في التوحيد" و"حدوث العالم" وهي من تأليف أبي المنذر بشير بن محمد ؟
(2) ــ المعلا بن منير : من العلماء العمانيين البارزين في القرن الثاني والثالث هـ / 8و9 وكان من المقدمين في البيعة للإمام الصلت بن مالك 237/851 . تحفة 1/162.
(3) ــ عبيد الله بن الحكم : الأخبار عنه ضنينة ذاك أنه لم يرد ذكره إلا ضمن أهل الحل والعقد الذين بايعوا الإمام الصلت 237/851 ومثل هذا ليس بغريب عن كثير من فقهاء عمان الذين لم يتركوا مؤلفات إذ يجنح أغلبهم إلى التواصل وعدم الظهور رغم ما أوتي بعضهم من غزارة علم، وفي حضور مثل هذا المجلس دلالة على أن علماء العصر يشهدون له بالعلم، وقد عاش كما هو واضح بين القرن الثاني والثالث / 8و9.
(4) ــ تحفة 1/62. (1/30)
صفحة 31
وجاء في التحفة : " ولَى الصلت بن مالك صحاراً محمد بن الأزهر العبدي(1) وقدم محمد بن محبوب صحار في سنة تسع وأربعين ومائتين، فولي القضاء بها
(249/863 ) (2) وجاء في التحفة أيضاً :" وفي سنة تسع وخمسين ومائتين
( 259/872 ) قتل خثعم العوفي(3) بالسنينة (4) من الظاهرة(5) ، وهو رجل كان محمد بن محبوب قد أباح دمه لفساده في الأرض(6).
__________
(1) ــ محمد بن الأزهر: لم نجد من أخباره إلا توليه على صحار بتعيين من الإمام الصلت بدلاً لأبي مروان الذي كان والياً على صحار للإمام المهنا : كشف 263.
ــ ونرجح أن الرجل عايش محمد بن محبوب وكانا يتعاونان على إدارة هذه المدينة التي تحولت إلى المنزلة الثانية بعدما كانت العاصمة. وقد اضطر إلى معايشة ظرف قاس بها لما اجتاحها من السيول التي أفسدت كل شيء. سنة 252/866 تحفة 1/163 ــ 165.
(2) ــ تحفة 1/163.
(3) ــ خثعم العوفي : لم تفصل المصادر الحديث عن نوع الفساد الذي كان يأتيه هذا الرجل، ولعله كان نهباً وترويعاً للناس مما جعل القاضي محمد بن محبوب يحل دمه، وقتله يدل على تظافر الأمة مع قاضيها في تنفيذ الحدود. وكان قتله سنة 259/872 عشر سنوات بعد تولي محمد بن محبوب القضاء على صحار. تحفة 116.
(4) ــ السنينة : من مدن الجو، والجو أرض ( قرب البريمي حاليا ) كشف 391 ( قرب ضنك ). تلي أرض السر من عمان من الجهة القبلية.
(5) ــ الظاهرة : انظر الخارطة.
(6) ــ تحفة : 1/166. (1/31)
صفحة 32
" ولم يزل محمد بن محبوب رحمه الله بصحار على القضاء، حتى مات يوم الجمعة لثلاث خلون من شهر المحرم سنة ستين ومائتين ( 260/29 أكتوبر 873 ) وصلى عليه غدانة بن محمد" (1).
وجاء في كشف الغمة : " وفي أيامه(2) توفي العالم العلامةإمام العلماء محمد بن محبوب رحمه الله(3) .
__________
(1) ــ غدانة بن محمد : لسنا ندري لماذا قدم للصلاة على محمد بن محبوب أبتوصية من الرجل أم باختيار من أهل العلم إذ عادة لا يقدم للصلاة على العلماء إلا باختيار من أهل العلم إذ عادة لا يقدمهم هؤلاء لورعهم. فمثل هذا التقديم شهادة للرجل بالعلم والتقوى، ويورد السالمي أن غدانة هذا تولى خطة الولاية على صحار، وكانت رجفة بصحار في ولاية غدانة بن محمد، في غداة الأحد لاثنتي عشرة خلت من جمادى الآخرة من سنة 265/9 879 وذلك خمس سنوات بعد وفاة محمد بن محبوب. ولسنا ندري متى ولي عليها أبعد محمد بن الأزهر العبدي مباشرة أم لا. وكان ذلك طبعاً في إمامة الإمام الصلت. تحفة 1/166.
(2) ــ تحفة 1/166.
(3) ــ كشف : ابن رزيق : فتح : 233 وقد جاء فيه أيضاً : وكانت وفاته بمدينة صحار، وقبره مشهور بها إلى هذه الغاية سنة الألف والمائتين والأربع والسبعين 1274/1857. (1/32)
صفحة 33
تلك إحدى عشرة سنة قضاها محمد بن محبوب يتولى خطة القضاء في جناح من أجنحة الإمامة، إنها مدينة صحار موطن الرحيليين، ومركز من أهم مراكز الإمامة لأنها تطل على المحيط، وقد عرفت من الحركة الاجتماعية والاقتصادية ما لم تعرفه كثير من مدن عمان الداخلية، لأنها مركز ملتقى الحضارات، إذ تروح منها السفن شرقاً وغرباً، وتلتقي فيها الأجناس من أطراف البلاد العربية والفارسية والهندية وغيرها، إنها كما عرَفنا بها سابقاً غاية في الرقي الحضاري، وصلها الإسلام مع عمرو بن العاص(1) مبعوث رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبل أهلها الإسلام ونشروه في أطراف بلادهم، ودافعوا عنه بكل ما أوتوا من قوة، ودعا لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخير، فظل ذلك الخير منتشراً ما داموا محافظين على أداء الأمانة.
إنه حينئذ محيط يرفل بالحضارة والبهاء، تتعقد في تركيبة المجتمع، وتختلط الأحوال، فتصعب بذلك مهمة القاضي، لكن عدل الإمامة وهيبتها يحولان طينة البشر، ويجعلان فيهم الصلاح، فيهاب جانب القاضي ويتناقص غليان الفساد.
وهنا تسكت المصادر تماماً عما كان ينظر فيه محمد بن محبوب من القضايا سوى قضية واحدة، ولعل ذلك يرجع ــ كما ذكرنا ــ إلى انتشار الصلاح، فلم يكن هنالك ما يشدَ الرواة من الأحداث الغريبة، من أمثال القضية التي سنفصل الحديث في شأنها في المحور الثاني وهي تتعلق بمن يفسد في الأرض. والراجح حينئذ أن محمد بن محبوب كان يقضي حياته في هذا العقد الأخير منها بين الجلوس إلى القضاء، والجلوس إلى التعليم، والجلوس إلى التأليف وإلى الإجابة عمَا يرد إليه من الرسائل من الإمام نفسه، ومن أهل العلم ومن عامة الناس، يستنيرون بما وهبه الله من علم فيما يشكل عليهم من القضايا العلمية من مختلف فنون العلوم الإسلامية وخاصة منها ما يتعلق بالحياة العلمية من فقه وفتوى.
__________
(1) ــ تحفة : 1/166. (1/33)
صفحة 34
وهكذا يشاء القدر أن يستمرَ محمد بن محبوب في خطة القضاء بصحار حتى وافاه أجله المحتوم بها حيث يوجد قبره كما يذكر ذلك ابن رزيق.
5) منزلة محمد بن محبوب بعمان :
من هذه الأخبار نتبيَن أن محمد بن محبوب لم يكن شخصية مغمورة، وإنما كان في المرحلة الأولى في ظل علماء كانت لهم السلطة العليا، ومنهم هاشم بن غيلان، أولئك الذين كانوا أهل الحل والعقد، ومنهم من كان يتولى القضاء في مركز الإمامة وهو ما يعرف بخطة قاضي القضاة.
أما وقد توفي هؤلاء فكانت له الصدارة بعد أن اكتسب منهم من الخبرة ما اكتسب.
وفعلاً لم يكن محمد بن محبوب مجرد عضو من أعضاء مجلس الشورى عند اختيار الإمام الصلت بن مالك وإنما كان " رئيس ( أشياخ المسلمين ) وإمامهم في العلم والدين(1) .
وإنها لمهمة صعبة في الربع الأول من القرن الثالث هـ/9 ينتخب إماماً للظهور في محيط أهل الدعوة في عمان مع توفر شروط الإمامة في عدد من الفقهاء الصالحين ومع أن وقت المشورة لا ينبغي أن يطول لأن البلاد لا ينبغي أن تبيت بدون إمام.
وإذا علمنا أن الإمام المهنا قد تقدمت به السن، ولكن أهل العلم رأوا صلاحيته وضرورة بقائه وأدركوا أن شيبته أقوى من شباب غيره، فلا شك أن التفكير قد دار مرات في ذهن الشيخ محمد بن محبوب في شأن الخلف، ونتصور أنه وقع تطارح الموضوع في هذا الشأن بين الفقهاء ولا حرج في ذلك.
__________
(1) ــ كشف : 264. (1/34)
صفحة 35
ورغم طول عمر الإمام المهنا فإن وفاته كانت في لحظة دقيقة " وتوفي الإمام رحمه الله يوم الجمعة والناس في المسجد قد حضروا لصلاة الجمعة بعد الأذان، فصلى بالناس ذلك اليوم خالد بن محمد المعدَي(1) وفي بعض الأثر : " كان الإمام مريضا وقام الخطيب على المنبر، فبينما هو في الخطبة إذ جاء رجل فأخبرهم بموت الإمام، فقطع الخطيب الخطبة، وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم، ودعا من المنبر وصلَوا أربع ركعات وذلك لست عشرة خلت من ربيع الآخر سنة سبع وثلاثين ومائتين 16 ربيع الآخر 237/17 أكتوبر 815
وحال الانتهاء من الصلاة انتقل الجمع وعلى رأسهم الشيخ محمد بن محبوب إلى دار المشورة، ولا شك في أنه كان في المسجد ــ وإن شك الراوي في ذلك ــ لأن حضوره في المشورة يفرض وجوده في الجامع لصلاة الجمعة لأنه لا يمكن أن يتخلف عنها، وسعة الجامع بعاصمة الإمامة تبرَر تحري الراوي في نقل الخبر(2).
__________
(1) ــ خالد بن محمد المعدي : لا يمكن أن يتولى خطبة الجمعة في عاصمة الإمامة إلا فقيه ضليع فهو في الحقيقة ينوب الإمام لأداء هذه الفريضة، والراجح أن الإمام عينه لمرضه لأنه هو الذي يتولى الجمعة عادة. وقد وقف الرجل عند حده عندما أعلم بوفاة الإمام فحوَل الجمعة ظهرا إذ لا تصح الجمعة بدون إمام : ( الإمامة الكبرى ) . تحفة /151.
(2) ــ ن . م. (1/35)
صفحة 36
ويطبق هؤلاء الحضور سنة المصطفى عليه السلام فيودعون إمامهم الراحل إلى مثواه الأخير، ويصلي عليه ابنه جيفر بن المهنا(1) وألقيت مواعظ المقبرة عبرة لمن يعتبر..
ثم تفرق الجمع، واشرأبت الأعناق نحو دار المشورة حيث تعودت الأمة أن يلتقي أهل الشورى لانتخاب الإمام الجديد ومبايعته البيعة الخاصة قبل أن يتحول إلى الجامع لتتم البيعة العامة، ولقائل أن يقول هنا: هل كانت في ذمة هؤلاء بيعة لولي العهد ؟
الجواب : لا بالطبع ذلك لأن أهل الاستقامة(2) لم يرفضوا خلافة بني أمية إلا لما رأوا فيها من حيف في أمور كثيرة وخاصة في هذا المبدأ بالذات، وكذا كان رفضهم لإمامة أهل البيت لأنهما تقومان على ولاية العهد وعلى الوراثة، الأولى في قريش مطلقاً، والثانية في قريش بالتعيين في أحفاد الإمام علي مع بعض الاختلافات الجزئية كما تذكر ذلك كتب الملل الشيعية والكتب التي نقلت عنها (3)
__________
(1) ــ جيفر بن المهنا : لم يكن ليتقدم إلى الصلاة على أبيه لو لم يكن من أهل العلم إذ عادة ما ينوب ذوو أرحام المتوفى في مثل هذه المواقف أحد الفقهاء البارزين. فصلاته حينئذ على أبيه تشهد له بنصيب من العلم. ولم يكن الرجل طبعاً ولياً للعهد، ذلك أن نظام الإمامة لا يعرف مثل هذه المسالك، قد ينتخب إماماً، وهذا ممكن والنظرية الإباضية تقبل ذلك على أن يكون باختيار أهل الحل والعقد، وفي الغالب يكون أمراً مستبعدا.
(2) ــ أهل الاستقامة، انظر ما سبق ص21 تعليق 6.
(3) ــ سعد بن عبد الله الأشعري القمي ( 301/913 ) من كبار أعيان الشيعة ومحدثيهم: كتاب المقالات والفرق. أبو القاسم نصر ابن الصباح البلخي ( المائة الثالثة )/9 ) كتاب فرق الشيعة.
ر. الحسن بن موسى النوبختي ( 310/922 ) كتاب الفرق والديانات.
أحمد حميد الكرماني الملقب بحجة العراقيين ( 411/1021 ) : المصباح في إثبات الإمامة. نقلاً عن الهادي حمو: أضواء على الشيعة. دار التركي للنشر. 1989 ص77 . ر . الشهرستاني
( 548/11254 ) الملل والنحل. تحقيق أمير علي مهنا وعلي حسن فاغور. دار المعرفة بيروت 1415/1995. (1/36)
صفحة 37
.
كما يمكن أن يقول له هل عين الإمام المهنا مجموعة تكون الشورى بينهم لاختيار واحد من بينهم إماماً ؟
الجواب : لا كذلك، وإن كانت الإباضية لا ترفض هذا المسلك حتى وإن كان واحد منهم من أبناء الإمام إذا توفرت فيه شروط الإمامة كما وقع في القرن الثاني في المغرب عند وفاة الإمام عبد الرحمن بن رستم ( 171/787 ) (1)
فماذا بقي حينئذ ؟ البيعة المطلقة لمن يستحق الإمامة اقتداءً بسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم عندما انتقل إلى الرفيق الأعلى دون أن يعين أحدا نعم إنه اجتماع بين من حضر من أهل الحل والعقد شبيه في عفويته باجتماع سقيفة بني ساعدة قامت في المشورة يقودها الشيخ محمد بن محبوب برصانة العلم الخبير المحنك وهو في العقد الخامس من عمره وقد آلت إليه الرئاسة العلمية عن جدارة وحب واعتراف من فقهاء أهل زمانه الذين كانوا يعيشون في عاصمة الإمامة وعددهم يقارب العشرين عدا من كان دونهم علما ممن لم يحضروا ذلك المجلس.
__________
(1) ــ عبد الرحمن بن رستم ( 160 ــ 171/ 777 ــ 787 ) : مؤسس الدولة الرستمية. أخذ العلم عن أبي عبيدة في البصرة مع طلبة العلم وعمل والياً وقاضياً على القيروان زمن إمامة أبي الخطاب ( 140 ــ 144/ 757 ــ 761 ) وعندما قضى العباسيون على هذه الإمامة فر إلى جبال أورس ومن هناك استطاع أن يعدَ كيان الإباضية وتمكن من تأسيس الإمامة الرستمية سنة 160 اشتهر بالعلم والورع والعدل وتذكر له المصادر تفسيراً للقرآن الكريم ما يزال مفقوداً. بحاز إبراهيم بكير : الدولة الرستمية ( 160 ــ 196/777 ــ 909 ). دراسة في الأوضاع الاقتصادية والحياة الفكرية. ط1 مطبعة لافوميك الجزائر 1985. ص92 ــ 97, وقد أحال على جميع المصادر. (1/37)
صفحة 38
وهنا نلاحظ أن المصادر لا تسعفنا بتفصيل ما دار من حوار في ذلك المجلس المغلق، وليس في إمكاننا إلا أن نتصور حدة النقاش والمقارنة بين تفاصيل من وقع اقتراحهم، إنها السرية الكاملة، والكتمان الخالص، والمجالس أمانات كما هو معلوم، وليس لمن كان خارج المجلس إلا أن يعرف النتيجة، وفي تلك الأثناء يتساءل المرء أين كان الشخص الذي سيقع اختياره ليكون على قمة الهرم الاجتماعي، فهل كان يتربع على آرائك قصر أبيه ؟ وهل كان يختفي في مكان ما في انتظار نتائج حملته الانتخابية ؟ كلا إنه كان واحداً من أفراد الرعية، ينتظر مع المنتظرين ليبايع الإمام المنتخب، ذلك هو الصلت بن مالك الخروصي عشية تلك الجمعة من شهر ربيع الآخر
سنة 237/ أكتوبر 851.
إن القدر هو الذي ألهم ذلك الجمع بقيادة محمد بن محبوب الحكمة ليقع اختياره عليه غماماً للمسلمين لما علموا من سيرته وعلمه وورعه وشجاعته، تلك هي شروط الإمامة كاملة في هؤلاء، وأن يقبل ما طلب منه، وإلا فليتحمل مسؤوليته أمام الله تعالى وأمام الأمة.
وقبل أن يدعى الصلت إلى مجلس الشورى، استمع إلى أبي المؤثر الصلت بن خميس يقول:" كنافي المشورة لمَا مات المهنا، فوقع في ثوبي دم، قال : فذهبت أغسله، فرجعت وقد بايعوا للصلت، أو قال قد انقطعت الأمور، فسأل أو قال لي يعني أبا عبد الله محمد بن محبوب ــ أين كنت ؟ أو ما أخرجك من الناس ؟ فقلت : وقع في ثوبي دم، فذهبت أغسله، فاستتابني (1). نعم إن الخروج من مثل هذا الظرف معصية في ميزان أبي عبدالله يجب أن يستتاب منها، وفعلاً يلبي أبو المؤثر ــ وهو يروي عن نفسه ــ طلب ابن الرحيل ويتوب رغم أنه خرج للضرورة لأنه أدرك أن ضرورة تولية الإمام مقدمة على طهارة ثوبه، وما كان يتصور أن يتم الأمر في ذلك الوقت القصير الذي خرج فيه لتطهير ثوبه.
__________
(1) ــ تحفة : 1 / 162. (1/38)
صفحة 39
ثم يذكر أبو المؤثر أسماء أهل العلم آنذاك (1). ويختم ذلك بقوله : " منهم من شهد البيعة، ومنهم من غاب عنها، ولم يعلم منهم خلاف عليه " (2).
وقد نقلنا قبل حين أن محمد بن محبوب كان أهل " المقدَمين في البيعة للصلت بن مالك رحمه الله "(3) وينتهي المجلس بالإجماع على اختيار الصلت بن مالك الخروصي إماماً للمسلمين خلفاً للإمام المهنَا قبل غروب الشمس.
فيعرض الأمر على الرجل ويبيَن بين يدي الحاضرين خشيته من تحمل هذه الأمانة لأنه يدرك أنها تكليف وليس تشريفاً، لكن أمام إجماع الحاضرين ووعدهم إياه بالمؤازرة التامة لم يكن منه إلا أن ينزل عند رغبتهم، وهكذا امتدت الأيدي لتبايع، والراجح أن أول يد كانت يد الشيخ محمد بن محبوب، وأعلن الأمير في الملأ وعمَّ البشر من جديد في أنحاء نزوى بيضة الإسلام وعاصمة الإمامة، وأقبلت الوفود على المسجد الجامع لتجمع بين فريضتين، فريضة صلاة المغرب، وفريضة بيعة الإمام المنتخب.
وهذا أبوقحطان (4) يروي خبر الإجماع :" أجمعوا على إمامة الصلت وولايته، وولاية من قدمه من المسلمين، قال:" وأجمعوا على نصرته وتحريم غيبته والامتناع عن طاعته " (5)
__________
(1) ــ انظر ما سبق خلافه : ص17.
(2) ــ تحفة : 1/ 163.
(3) ــ ن . م : 1/162.
(4) ــ أبو قحطان خالد بن قحطان : من علماء وفقهاء عمان في القرن الثالث /9 وكان معاصراً لأبي المؤثر الصلت بن خميس وللإمام المهنا بن جيفر. وقد جاء عن أبي قحطان في حديثه عن أبي المؤثر في ص266 من المخطوط:" فقد صحبنا أبا المؤثر ما شاء الله من الدهر رحمه الله وغفر له..." وكان أبو قحطان ممن يبرأ من موسى وراشد بسبب عزلهما للإمام الصلت عن الإمامة. سيدة إسماعيل كاشف : تعليق 1 السير والجوابات 1/86 عند تحقيق سيرته بعنوان : سيرة تنسب إلى أبي قحطان خالد بن قحطان رحمه الله ص 86 ــ 154. كشف : 263 تعليق 1.
(5) ــ تحفة 1/ 163. (1/39)
صفحة 40
وقيل في موطن آخر : "... فبايعوه على ما بويع عليه أهل العدل قبل " (1)
ويقول السيابي : " وصدق أبو الحواري(2) فيما نقله عن أبي الحسن البسياني (3) في شأن هذه العبارة : " بايعوا لعبد الملك بن حميد على ما بويع عليه غسَان بن عبدالله، وغسَان إنما بويع على ما بويع عليه الوارث.
__________
(1) ــ ن . م .
(2) ــ أبو الحواري محمد بن الحواري العماني : هو أبو الحواري القري المعروف بالأعمى. وكان من علماء عمان الأجلاء في القرن الثالث /9، ومن أثرت عنهم الأخبار العمانية... وكان أبو الحواري ممن يقف عن موسى وراشد، لا يتولاهم ولا يبرأ منهم ( تحفة 1/153 ). سيدة إسماعيل كاشف: تعليق 1. 1/338 السير والجوابات عند تحقيق سيرته إلى أهل حضرموت ص338 ــ 365. كشف 275 تعليق 4.
(3) ــ أبو الحسن علي بن محمد بن علي البسيوي أو البسياني ( ق5/11 ) من قرية بسيا، من كبار علماء عمان. صنفه السيابي في الطبقة الرابعة. وله من المؤلفات : " جامع أبي الحسن في الأديان والأحكام" وله مختصر معروف " بمختصر البسيوي". وله أيضا سيرة كبيرة مشهورة " بسيرة البسياني " ذكر فيها بعض الفرق وأحكام المختلفين وحكم الإمامة، وله غيرها سير عديدة. مقدمة كتاب مختصر البسيوي. المنهج 1/263. اللمعة 25ــ26. أصدق المناهج 52. عن الكشف 323. (1/40)
صفحة 41
والوارث رحمه الله (1) بويع على ما بويع عليه أئمة العدل من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعلى الشراء في سبيل الله عز وجل، وعى إظهار الحق، وإخماد الباطل، وعلى الجهاد في سبيل الله، وقتال الفئة الباغية، والمراد بأئمة العدل الذين بويع الوارث بن كعب على ما بويعوا عليه، وهم أبو بكر(2) وعمر (3).
__________
(1) ــ الوارث بن كعب الخروصي الشاري اليحمدي الأزدي ( 177ــ192/793ــ807 ) اشتهر بالحزم قبل أن يبايع إماماً. تمت بيعته بنزوى برئاسة الشيخ موسى بن أبي جابر 181/797 فأظهر العدل وأعز الحق وأهله، وأخمد الكفر والنفاق والبغي والشقاق ( فتح 255 ). وتذكر المصادر تصديه للجيش الذي أرسله هارون الرشيد لاحتلال عمان بقيادة فارس بن محمد بن عبدالله الأزدي. فكان النصر حليف الإمامة وقد توفي غريقاً عندما سعى إلى إنقاذ بعض المساجين من السجن. وقبره مشهور بين العقر وسعال وهما محلتان بنزوى. : كشف 254-265. فتح: 244 ــ 226.تحفة 1/114ــ102.
(2) ــ أبو بكر الصديق. عبدالله بن عثمان : ( 5 ق هـ - 12/573 -634 ). ر. الإعلام: 4/102.
(3) ــ عمر بن الخطاب. ( 40 ق هـ -23/ 584 -644).الإعلام : 5/45. (1/41)
صفحة 42
وأمثالهما من أئمة المسلمين (1) ، لأنه لم يكن قبل الوارث بعمان إمام إلا الجلندى بن مسعود رحمه الله (2) ، (3) ) ويقول السيابي (4)
__________
(1) ــ كنا نود لو حدد أمثالهما من أئمة المسلمين. ويمكن أن نذكر عمر بن عبد العزيز على سبيل المثال إذ تولاه أهل الاستقامة حالما بويع بالخلافة وأرسلوا وفداً من علمائهم لمؤازرته.
(2) ــ الجلندى بن مسعود 134/751. يقول الشماخي: " وكان الجلندى رحمه الله إماماً فاضلاً عادلا حليماً تقياً عالماً عاملاً بالكتاب المبين وسنة النبي الأمين محمد عليه الصلاة والسلام. سير 1/109 . أخذ العلم عن الإمام أبي عبيدة ووجهه إلى طالب الحق واشترك في بيعته، ثم لما قتل طالب الحق رجع الجلندى إلى عمان فبايعوه إماماً. أقام بصحار إذ كان مقر الإمامة فيها. وتوفي شهيداً في المعركة التي دارت بينه وبين خازم بن خزيمة الذي أرسله السفاح إلى عمان ليدخلها تحت سلطانه سنة 134/751 مبارك الراشدي : الإمام أبو عبيدة مسلم ابن أبي كريمة التميمي وفقهه 45 ــ 14. مطابع الوفاء المنصورة 1412/1922 ص253ــ254.
(3) ــ سالم بن حمود السابي: عمان عبر التاريخ: مطابع سجل العرب. 2/71. 1406/1986.
(4) ــ سالم بن حمود بن شامس السيابي ( 1326-1415/1908-1994 ) ولد بقرية غلا من أعمال بوشر قرب العاصمة مسقط وحفظ القرآن الكريم وهو ابن سبع سنين وألم ببعض المتون اللغوية والأدبية والفقهية ثم استقر في سمائل حيث تتلمذ على الشيخ خلفان بن جميل السابي والشيخ أبي عبيد حمد بن عبيد السليمي فأخذ عنهما أصول الدين وأصول الفقه والفقه والفرائض وعايش مشائخ آخرين من أمثال محمد بن عبدالله الخليلي وغيره، وتولى تدريس أولاد الشيخ علي بن عبدالله الخليلي في محافظة بوشر مع جمع من التلاميذ 1350-1352/1931-1933 ثم انفصل عن القضاء 1359/1940 واستقر بسمائل إلى نهاية سنة 1369/1949، ثم نقل بنفس الخطة إلى جعلان بني بو حسن. ثم انفصل عن العمل ثانية، ثم عينه السلطان سعيد بن تيمور رئيساً لمحكمة الاستئناف ثم ولاه محافظة السيب ثم محافظات أخرى ليستقر قاضياً في المحكمة الشرعية بالعاصمة واستمر على خطته في مقدمة قضاة العاصمة في عهد السلطان قابوس بن سعيد ونقل 1403/1982 من وزارة العدل إلى وزارة التراث القومي والثقافة ليتفرغ للتأليف في شتى الفنون. (1/42)
صفحة 43
تعليقاً على هذا الخبر: " وكانت هذه البيعة هي الأصل في الإمامة، وعليها يدور محور إمامة المسلمين منذ الخلفاء الراشدين"(1)
هكذا تمت البيعة للإمام الصلت برئاسة الفقيه محمد بن محبوب بن الرحيل، وماذا بعد هذا عن مواقفه العلمية ؟
المحور الثاني
مواقف محمد بن محبوب العلمية
1) موقفه من الشائعات حول الإمام المهنا
جاء في كشف الغمة: " إلا أني وجدت في سيرة الشيخ أبي قحطان (2) خالد بن قحطان رحمه الله أنه قد ذكر لنا أن الشيخ محمد بن محبوب وبشيراً (3) اطلعا على حدث من المهنا تزول به إمامته، وأنهما كانا يبرآن منه سريرة والله أعلم (4).
وجاء في التحفة : " قال أبو الحسن (5) : " وقد قيل : إن بعد موته تكلم بعض المسلمين فيه بشيء يكره، فقيل: إن محمد بن محبوب تجهم في وجه ذلك الرجل وأسمعه كلاماً وزجره عن ذلك (6).
__________
(1) ــ السيابي : عمان. 2/71.
(2) 1 ــ انظر ما سبق ص56 تعليق 58.
(3) - أبو المنذر بشير بن محمد بن محبوب بن الرحيل. من علماء القرن الثالث /9 صاحب كتاب " المحاربة " و " الخزانة " سبعون مجلدا وكتاب " البستان " في الأصول و" الرضف في التوحيد " و" حدوث العالم" وله من الأولاد مجبر وبشير. كشف. 263 تعليق 2و293 تعليق 2.
(4) 3 ــ كشف : 263.
(5) 4 - هو أبو الحسن البسياني : انظر ما سبق. ص57 تعليق 62.
(6) 5 - تحفة 1/150. (1/43)
صفحة 44
ـــ إن قضية الولاية والبراءة ليست بالأمر الهين في المجتمع الإباضي، خاصة إذا تعلق الأمر بالأئمة أو بكبار أهل العلم، فإنها تكون مثار جدل طويل، ذلك أن كلاً ينظر إليها من زاوية ما، لكن مهما يكن من أمر فإن هذه القضية لها قواعدها الأساسية، وقد عمل علماء الإباضية على إرسائها وتوضيحها وتطبيقها، ورسالة الإمام أبي عبيدة لأهل المغرب تشهد بذلك في شأن الحارث وعبد الجبار(1)
__________
(1) ــ الولاية والبراءة والوقوف من الأصول العقدية الاجتماعية عند الإباضية ومنبعها كتاب الله العزيز وسنة النبي عليه السلام، ذلك أن المؤمنين بعضهم أولياء بعض ولا يحق للمؤمن أن يتولى الكافر المشرك، أما من لم يثبت إيمانه وكفره فيتوقف في شأنه، وهذا تصور تتفق في شأنه الفرق الإسلامية ويطلق عليه عند الإباضية مصطلح الولاية العامة والبراءة العامة.
ــ لكن التصور الإباضي يزيد على هذا ما يعرف بالولاية الخاصة والبراءة الخاصة وذلك بأن تتولى من ثبت لك صلاحه وتتبرأ ممن ثبت لك عصيانه وهتكه لمحارم الله، ولهذا المبدأ شأن عظيم خاصة في مرحلة الكتمان في نظام الحلقة حيث تعلن البراءة من كل من ثبت بالبينة الشرعية مجاهرته بالمحرمات فيقاطع مقاطعة كلية إلى أن يتوب كما فعل صلى الله عليه وسلم مع الثلاثة الذي خلفوا في غزوة تبوك. قال تعالى : ( لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعدما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب الله عليهم إنه بهم رؤوف رحيم، وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم ). التوبة [ 117ــ 118].
ــ وفي شأن الفرقة بين الحارث وعبد الجبار يقول مبارك الراشدي : " وعندما حدثت الفرقة بين الإباضية بالمغرب بسبب الولاية والبراءة من الإمام الحارث بن تليد الحضرمي، وعبد الجبار بن قيس المرادي، ووصل شررها إلى المشرق، فكثر الخلاف في أمرهما إذ وجد سيف كل واحد منهما في جثة الآخر مقتولين، فتولَتهما طائفة لأنه لا يعلم المحق منهما من المبطل، فهما على أصل ولايتهما حتى يصح الخروج منها، وتبرأت منهما طائفة إذ لا يخلو كل واحد منهما من البغي على صاحبه وللحكم علينا بالظاهر، وتوقفت طائفة عنهما، ولم تنطفئ نار الفتنة حتى كتب أبو عبيدة وحاجب إلى أهل المغرب رسالة بالكف عنهما وعن الكلام في أمرهما فخمدت الفتنة، ودل ذلك على مكانة أبي عبيدة بين معاصريه في المغرب والمشرق. ر. الدرجيني طبقات 1/24. الراشدي : الإمام أبو عبيدة. 372ــ373. ر. النامي: الأطروحة وقد حلل قضية الولاية والبراءة تحليلاً وافياً.
Ennami . A.K : Studies in
Ibadism . A Thesis submitted to the University of Cambridge for the degteeof Doctor of Power point hilosophy.
Fitzwilliam. College Cambridage May
………… ر. الجعبيري . نظام P 430 .1970 (1/44)
صفحة 45
و قد حرر السالمي القضية بكل وضوح، وبما فيه الكفاية حيث أكد أن محمد بن محبوب كان يميز بكل دقة بين احتسابه على الإمام واختلافه معه في ما يمكن فيه الاختلاف والتشدد في ذلك إلى حد الاستتابة والبراءة، أما أن يتحول ذلك إلى نشر بين العامة الذين لا يدركون بعد هذه المسائل ويحولونها إلى الفتنة وكسر عصا الطاعة فلا.
ولذلك تكررت المحاولات من العامة في الثلم في حياة الإمام المهنا وبعد وفاته، وكان موقف محمد بن محبوب صلباً قوياً في الدفاع عن الإمام المهنا وعن شرعية إمامته.
ولقد أحسن أبو المؤثر الصلت بن خميس عندما نبه إخوانه من أهل العلم وعلى رأسهم محمد بن محبوب عندما هموا بنشر ما ينكرونه على الإمام المهنا إلى مغبة ما هم فاعلون، فلم يكن منهم إلا أن احتسبوا الأمر لله. وتخيروا وحدة الأمة على افتراق الكلمة مع ما لهم من حرية في البراءة الشخصية السرية.
وهذا نص أبي المؤثر : " أرأيتم من كنتم تتولونه من إخوانكم، وهم اليوم بولاية هذا الإمام ( المهنا ) الذي قد ظهر لكم منه ما ظهر ؟ أليس هم على ولايتهم معكم حتى تقوم الحجة عليهم بمعرفة حدثه، أو بإقامتكم الحجة عليهم بالذي كان منه ؟ فإنا نسألك بالله يا أبا عبد الله ( محمد بن محبوب ) لما أمسكتم كتابكم، فإنه لا يعدم من مجادل، فتفترق أهل عمان، وإنما هذه أحداث لا ينتحل فيها خلاف دعوتكم، ولا يدعو إلى بدعة شرعها، وإنما هو اقتراف ذنب أعجب به، فلم يقبل منكم النصح فيه، فباينتموه عليه، ولج هو، فأمسكوا كتابكم. ففعلوا وقبلوا نصيحته وأمسكوا عما هم عليه، وكان ذلك إلى اليوم غير متنازع فيه. (1/45)
صفحة 46
قلت [ السالمي ] : " وذلك يدل على بقاء الإمام على ولايته وإمامته، كما عليه حال العامة في حقه، وكل واحد مخصوص بعلمه، وقد انقرض من علم منه ما لا يحسن، وبقيت أخبار الخير منتشرة له، وذلك لا يحل لمن كان في ذلك الزمان أن يظهر البراءة منه عند العامة، ولو علم من الأسباب ما يستوجب به البراءة (1) ، واضح أن السالمي يساند أبا المؤثر في موقفه الداعي إلى غض الطرف عن الأمر الهين، إذا كانت إثارته تؤدي إلى ما هو أشد، ما دام الأمر يتعلق بأمور يجوز فيها الخلاف، ولم يتحول إلى مخالفة المسلك الأصلي وإلى إحداث البدع.
والظاهر أن الإمام المهنا اشتد أكثر مما ألف من قبل على بعض أهل الفتن ليكسب الدولة هيمنتها، ومن ذلك أنه يرى أن ط من خيف على الدولة منه، أكل ماله في السجن يعني أنه يودع السجن وينفق عليه من ماله حتى يأكله " (2)
__________
(1) ــ تحفة : 1/161.
(2) ــ تحفة : 1/159. قارن هذا الموقف بموقف طالب الحق الإمام عبدالله بن يحيى 130/748 من والي الأمويين على صنعاء وعامله على حضرموت كيف سجنهما يوماً ثم أطلق سراحهما. وما كان السجن إلا خشية عليهما من العامة وقد اعتذر لهما. مهدي طالب هاشم : الحركة الإباضية
97ــ 164. (1/46)
صفحة 47
وقد نوه أبو إسحاق إبراهيم أطفيش (1) محقق التحفة بموقف الإمام المهنا أي تنويه فقال : " لو سلك بقية الأئمة بالإمامة، مسلك الإمام المهنا رضي الله عنه، لكانت عظمة الإمام بالغة أوجها، وكانت من الدول العظمى إلى اليوم، فرحم الله أولئك الرجال العلماء الذين أبصروا منه الحق، فأيدوا الإمام إلى أن لقي الله وهو في عز الإسلام، راضياً مرضياً، وعفا الله عن الناقدين " (2) .
كما أن أبا إسحاق أطفيش يغتنم الفرصة ليزيل تهمة كثيراً ما توجَه للإمامة في عمان، وتتمثل في أن النقد كان مثاراً للفتن، وعاملاً من عوامل الخروج على الأئمة فيقول : " من المعلوم أن مقام النقد هنا لأئمة العلم، ورجال الحل والعقد، وهم الذين يتولَون مواجهة الإمام بما يستوجب البراءة منه واستتابته، لا كما زعم بعضهم أن الخروج شنشنة ذلك الوطن، كلما ظهر أمر منتقد من أولي الأمر.
__________
(1) ــ أبو إسحاق ابراهيم ( ت 1386/1966 ) : ولد في يسجن بوادي ميزاب. وبها أخذ عن شيخه محمد اطفيش (ت 1322/1914 ). نفاه الاستعمار الفرنسي إلى تونس ثم إلى مصر نتيجة لنشاطه السياسي. استقر بالقاهرة في قسم المخطوطات المغربية بدار الكتب المصرية، وتفرغ للبحث والتدريس في بيته وفي دار الطلبة الإباضيين بوكالة الجاموس. وقد تتلمذ عليه عدد من الطلبة الجربيين والميزابيين والنفوسيين والعمانيين. حقق كثيراً من النصوص الإباضية الهامة في الحديث والتاريخ والأصول والفقه. البعد : 84.
(2) ــ تحفة : 1/159 تعليق 2. (1/47)
صفحة 48
وكفى شرفاً أن يكون أهل العلم على نسق الصحابة الذين قال منهم قائل لعمر رضي الله عنه : " لو رأينا منك اعوجاجاً لقومناك بسيوفنا، فإذا قام بعض من أرباب المكانة على الإمام فإنما يريد إصلاح الدولة واستمرار الأمر على طريق كتاب الله وسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين، ولكن للثائرين مآربهم، فهم في كل دولة كما في عمان، وتخصيصه بعمان ضرب من المكابرة، وقصد الطَعن لا غير"(1) .
ذاك هو موقف محمد بن محبوب، احتساب على الإمام وسعي إلى ردعه، لكن دون أن يتجاوز الحدَّ، وحالما نصح انتصح، ذاك أن الرجل يرغب في أن يكون الأمر على ما كان عليه السلف الأول، بينما يعتبر الإمام أن الوضع تحوَل وأنه لكل مقام مقال.
لهذا ظل محمد بن محبوب وفيَاً لموقفه حتى بعد موت الإمام المهنَا، وظلَ يدافع عن ذلك الإمام، ويرد شبه من يريد أن يثير الشبه من العامة الذين تجد الكثير منهم لغرض ما يعملون على إثارة الفتن، وهكذا ندرك رصانة الرجل وأنه فهم أنه خلاف لا يجب أن يؤدي إلى الاختلاف.
2) محمد بن محبوب وقضية القدر.
__________
(1) ــ ن م : 1/160 تعليق 1. (1/48)
صفحة 49
جاء في التحفة :" وفي زمانه ( الإمام عبد الملك بن حميد 208ــ226 ) أظهر قوم من القدرية (1) والمرجئة (2) دينهم بصحار، ودعوا الناس إليه، وكثر المستجيبون لهم، حتى صاروا بتوام (3) وغيرها من عمان، فخاف هاشم بن غيلان رحمه الله تعالى على المسلمين من ذلك، فكتب إلى الإمام ما نصه : تذكير بسيرة السلف في منتحل هذه الأحوال.
وكانوا رحمة الله عليهم إذا بلغهم من أحد أنه على غير دين المسلمين ( يعني أهل الدعوة ) (4) أرسلوا إليه وعرضوا عليه دينهم، فإن قبله كان له ما لهم وعليه ما عليهم، وإن أبى إلا أن يغير ما عليه دين المسلمين، أمروه بالخروج من بلادهم، فإن خرج تركوه، وإن لم يتب ولم يخرج لم يقاروه على ذلك وأكرهوه على قبول الإسلام، فأحيى الله بهم الدين وأمات بهم البدع، وأظهر بهم الحق، وأطفى بهم كل جور حتى مضوا عليهم رحمة الله.
__________
(1) ــ القدرية : إن الناظر في كتب الفرق الإسلامية يتبين أن كلمة قدرية غلبت على تلقيب المعتزلة للتمييز بينهم وبين المجبرة والأنسب أن يسموا أهل العدل والتوحيد. البعد : 415.
(2) ــ المرجئة : هم القائلون بالإرجاء، وهي من الفرق الإسلامية المتقدمة في الزمن. ومن أسس المرجئة أنه لا يضر مع الإيمان معصية كما لا تنفع مع الكفر طاعة. وأن طاعة الإمام الجائر واجبة فلا ثورة ولا خروج، ويرجون النجاة لكل المؤمنين يوم القيامة وإن ماتوا على المعصية. البعد : 102.
(3) ــ توام : هي البريمي حالياً وكانت تسمى توام قديما وهي واحة تشتمل على مجموعة قرى، وهي قاعدة أرض الجو، وهي تلي أرض السر من عمان من الجهة القبلية. كشف : 220 تعليق 12.
(4) ــ انظر ما سبق. (1/49)
صفحة 50
وأنه بلغنا أنَ قوماً من القدرية والمرجئة بصحار قد أظهروا دينهم، ودعوا الناس إليه، وقد كثر المستجيبون لهم، ثم قد صاروا " بتوام " وغيرها من عمان. وقد يحق عليك أن تنكر ذلك عليهم، فإنَا نخاف أن يعلوا أمرهم في سلطان المسلمين، فأمر يزيد (1) أو اكتب إليه ألا يترك أهل البدع على إظهار دعوتهم، حتى يطفئ الضلال والبدع، واكتب إليه رحمك الله أن يظهر الإنكار عليهم، ويرسل إلى كل من بلغه شيء من ذلك، فيعرض عليهم الإسلام ويصف لهم الدين، وإثبات القدر، وتكفير أهل الإصرار، فإن قبلوا ذلك وإلا فاحبس وعاقب، ومن بلغه عنه تماد في ذلك حبسه وعاقبه وأطال حبسه.
أحببنا أن نعلمك ونكتب إليك بالذي بلغنا من ذلك، وضاقت به صدورنا، فانظر في ذلك نظر الله إليك وإلينا برحمته، والسلام عليكم ورحمة الله (2) .
__________
(1) ــ يزيد : يبدو أنه والي الإمام على مدينة صحار.
(2) ــ تحفة : 1/139- 140. (1/50)
صفحة 51
نقلنا هذا النص الذي يثبت بوضوح موقف الإباضية من القدرية في الربع الأول من القرن الثالث /9 وهو امتدادٌ لما كان عليه السلف الأول في هذه القضية، فهذا الإمام جابر (1) يسأل في شأن القدر، فيجيب السائل بأن الجواب وارد في مطلع الرسالة التي أرسل بها إليه " من يهد الله فلا مضل له "
وذاك صحار العبدي (2) كان يقول في القدرية : " كلِموهم في العلم فإن أقرُوا به نقضوا وإن أنكروا كفروا ".
__________
(1) ــ جابر بن زيد : ( 93/710-711 ) : هو أبو الشعثاء جابر بن زيد الأزدي الجوفي البصري العماني، والجوفي نسبة إلى ناحية في عمان، وأصله من فرق وهي بلدة من أعمال نزوى بالقرب منها، وكان من اليحمد من ولد عمرو بن اليحمد. ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر بن الخطاب أي سنة 21/641ــ642. رحل في طلب العلم، وصاحب عبدالله بن عباس، وكان أشهر من صحبه وقرأ عليه، كما أخذ عن جمع غفير من الصحابة. يقول : " أدركت سبعين رجلا من أهل بدر فحويت ما بين أظهرهم إلا البحر يعني ابن عباس لغزارة علمه. لقد استقر في البصرة ونسب إليها، وهو أصل المذهب الإباضي، وهو أول من جمع الحديث في ديوان ( مفقود ) تروي المصادر أنه وقر بعير. وقد أخذ عنه العلم ناس كثير من بينهم الإمام الثاني للإباضية، وهو أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي وعنه أخذ الربيع كتاب الجامع الصحيح، وهو عمدة الإباضية في الحديث. ط. القاهرة بالمطبعة السلفية 1349/1930 . البعد : 50.
(2) ـ صحار العبدي ( ق 1/7 ) : من طبقة جابر بن زيد، ومن شيوخ أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة. ينسب إليه بحث في القدر. ر. الدرجيني: الطبقات: 2/223 . ر.الشماخي : السير : 81 . ر. كوبرلي : الأطروحة : 418. (1/51)
صفحة 52
أما أبو عبيدة فقد كان صريحاً مع واصل بن عطاء(1)حيث بيَن له أن الفرق واضح بين القدر والمقدور، وأن القول بأن المعصية من خلق الإنسان يؤدي إلى أن الله تعالى يعصى بالاستكراه، وكان صارماً، وأعلن البراءة منهم بعد أن ثبت إصرارهم على موقفهم (2).
وتذكر المصادر عدة مناظرات بين الإباضية والمعتزلة أبرزها مناظرة وائل بن أيوب الحضرمي(3) لكهلان المعتزلي(4) ومناظرة مهدي النفوسي (5) للفتى المعتزلي بمحضر الإمام عبد الوهاب الرستمي ( 171ــ221 / 787ــ826 ) (6)
__________
(1) ــ واصل بن عطاء ( 80 - 131/700 - 748 ) : ر. الزركلي الأعلام : 9/121.
(2) ــ البعد : 418.
(3) ــ وائل بن أيوب الحضرمي : من علماء النصف الثاني من القرن الثاني /8. يقول عنه الشماخي : هو من أفاضل أصحابنا علماً وزهداً وتقى وأمراً ونهياً، ر . الطبقات 2/278. ر. الشماخي : السير 105. البعد : 419.
(4) ــ كهلان المعتزلي : تذكره كتب السير الإباضية عند مناظرته لمهدي النفوسي بين يدي الإمام عبد الوهاب بن رستم، وقد أورد يوسف المصعبي نص هذه المناظرة في حاشيته على أصول تبغورين ص81. وقد كانت المناظرة غاية في الدقة وانتهت بفوز مهدي النفوسي. البعد 419.
(5) ــ مهدي النفوسي ( أواخر ق2/9 ) من جبل نفوسه من علماء الكلام. هو المقدم في الجدال الذي له اليد العليا في البرهان والاستدلال. ر. الدرجيني: الطبقات 2/513. واشتهر باستعانة الإمام عبد الوهاب به لمناظرة المعتزلة. ر. أبو زكريا يحيى بن أبي بكر: كتاب السيرة وأخبار الأئمة ص67ز ر. الدرجيني : 2/313-314 ... البعد : 420.
(6) ــ عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم ( 171-211 / 787-826 ): ثاني أئمة بني رستم أخذ العلم عن أبيه. وتنوه المصادر بغزارة علمه ورجاحة عقله، وقد سلك والده مسلك عمر بن الخطاب فجعل الإمامة شورى بين ستة ممن رأى فيهم الصلاح فانتخب إماماً. ثار عليه يزيد بن فندين وخلف بن السمح فأخمد ثورتهما. استقر إماماً طيلة 40 سنة وكان غاية في سعة العلم والحنكة السياسية. البعد : 57. (1/52)
صفحة 53
والمهم أن جمهور الإباضية استقرُّوا على أنَ القدر كله من الله تعالى (1) .
وإن لم تشر المصادر إلى أنَ لمحمد بن محبوب موقفاً في شأن هذه القضية في هذا الظَرف. وإنَما فصَلنا الخبر فيها لنبين المحيط الثقافي الذي نشأ فيه.
فهذا أحد علماء تلك المرحلة ـــ وهي تقابل مرحلة شباب محمد بن محبوب
ونشأته ـــ يقف موقفاً صارماً من هذه القضية ويحمِل الإمام عبد الملك بن حميد مسؤولية كاملة. فيراسله بلهجة شديدة صريحة، ويذكره بوقف السلف من أهل البدع المتمثل في التثبَت في شأنهم، ومناظرتهم والسعي إلى إقناعهم، فإن حصل ذلك فهو المطلوب، وإن لم يقتنع هؤلاء يؤمرون بالخروج من المحيط الإباضي بسلام، أما إن لم يقتنعوا ولم يخرجوا وظلُوا ينشرون رأيهم فالحبس والعقاب حتَى لا ينتشر قولهم في المحيط الإباضي.
ثم بعد هذا التذكير يعين هذا العالم للإمام خطة العمل، وذلك بتكليف السلطة القائمة في صحار وتوام وحيث انتشر ذلك الأمر أن تكون حازمة في مواقفها لأن المسألة ليست بالأمر الهين، إنَه صفاء العقيدة المتمثل في القول بإثبات القدر.
ولا ينبغي أن نغفل هنا عن أنَ صحار هي موطن محمد بن محبوب الأصلي، فلا غرابة حينئذ أن ينبِه إلى هذه القضية، ذلك أن مثل هذه المواقف الصارمة سيكون له وقع على هذا الفتى، وذلك ما سيتجلَى في موقفه من قضيَة كلامية أخرى ظهرت في عمان وقت بلغ الرجل سن النضج ألا وهي قضية خلق القرآن.
3) محمد بن محبوب وقضيَة خلق القرآن :
__________
(1) ــ البعد : 413 ــ 420. (1/53)
صفحة 54
جاء في التحفة : " وفي زمانه ( الإمام المهنَا بن جيفر ) وقع الكلام بعمان في خلق القرآن، وهي مسألة جيء بها من البصرة (1)فانتشر الكلام فيها، وعظمت البليَة في عمان وغيرها، وسببها شبهةٌ ألقاها إلى أهل الحديث أبو شاكر الديصاني (2) وكان ممن يقول بقدم الأشياء فحسد المسلمين على حسن الحال الذي رآه فيهم، فأظهر الزهد والتقشُف، ثمَ ألقى إليهم أن القرآن قديم ليس بمخلوق، فقبلها قوم وأنكرها آخرون، وانتشرت في الآفاق وتكلَم فيها علماء الأمصار.
قال الفضل أبو الحواري (3) اجتمع الأشياخ بدما (4) منهم أبو زياد (5) ، وسعيد بن محرز(6)
__________
(1) ــ البصرة : انظر الخريطة.
(2) ــ أبو شاكر الديصاني : يذكر أبو إسحاق اطفيش أنه يهودي الأصل تظاهر بالإسلام لأجل إلقاء الفتنة بين المسلمين. تحفة 1/128-129. وقد فصل الكلام في رواية الحادثة. ويذكر أبو مهدي عيسى بن إسماعيل من علماء الإباضية أن الديصانية قوم من الدهرية الذين ينكرون حدوث العالم. الرد على البهلولي /خ 80 . البعد : 351.
(3) ــ انظر ما سبق ص57 تعليق 61.
(4) ــ دُما : سوق من أسواق العرب بعمان. ياقوت : معجم البلدان مدينة تقع قرب مدينة السيب، وهي تشرف على مدخل الطرف الجنوبي للباطنة من مناطق عمان. كشف 234. تعليق 1.
(5) ــ أبو زياد : إنه من طبقة محمد بن محبوب والراجح أنه أصغر سناً منه ودونه علماً ذلك أن أبا المؤثر لم يذكره ضمن الحديث عن أئمة المسلمين. من فقهاء ق2و3 /8و9م . وحضور مثل هذا المجلس في شأن خلق القرآن يدل على أن له شيئاً من علم.
(6) ــ سعيد بن محرز : لقد ذكره أبو المؤثر في سيرته عند ذكر أئمة المسلمين من أصحاب النبي ومن بعدهم. السير 2/315. قبل محمد بن محبوب: " وموسى بن علي وسعيد بن محرز والوضاح بن عقبة ومحمد بن محبوب، أئمة المسلمين وفقهائهم..."
ـــ كما روى عنه محمد بن علي ( انظر ترجمته في ص81 ) خبراً يتعلق بأمر التثبُت في الولاية والبراءة والوقوف. " قال محمد بن علي رحمه الله قال : أخبرنا سعيد بن محرز عن هاشم بن غيلان 0 انظر ص39 تعليق 25 ) ... السير 2/106ــ107 .
ـــ كما نقل أنه كان ضمن الأشياخ الذي ناقشوا قضيَة خلق القرآن. فهو حينئذ من طبقة محمد بن محبوب والراجح أنه أسنُ منه . ق2و3/8و9. (1/54)
صفحة 55
ومحمد بن هاشم (1) ومحمد بن محبوب، وغيرهم من الأشياخ فتذاكروا في القرآن.
فقال محمد بن محبوب : أنا أقول إن القرآن مخلوق، فغضب محمد بن هاشم وقال : أنا أخرج من عمان ولا أقيم فيها.
فظنَ محمد بن محبوب أنه يعرِض به فقال : بل أنا أولى بالخروج من عمان، لأني فيها غريب.
فخرج محمد بن هاشم من البيت وهو يقول : ليتني متُ قبل اليوم.
ثم تفرَقوا، ثم اجتمعوا بعد ذلك، ثم رجع محمد بن محبوب عن قوله، واجتمع من قولهم " إن الله خالق كل شيء، وما سوى الله مخلوق، وإن القرآن كلام الله ووحيه وكتابه وتنزيله على محمد صلى الله عليه وسلم، وأمروا الإمام المهنَا بالشد على من يقول إن القرآن مخلوق، هذا كلام الفضل بن الحواري "(2)
معلوم أنَنا إزاء قضيَة كلامية ليست كبقية القضايا إذ لم يقف الأمر فيها عند الجدل الكلامي وإنَما تحول إلى محن وإحن(3)
وفعلاً كادت هذه القضية حال وصولها إلى عمان أن تكسر وحدة الصف الإباضي لولا ما تحلى به محمد بن محبوب من رصانة وبعد نظر، ولا شك أنهم بلغتهم الأخبار عما خلفته هذه القضية من بلاء في المجتمع العراقي.
وفعلا فقد تبنى محمد بن محبوب القول بالخلق بصفة صريحة حالما عرضت القضية.
لكن عندما رأى شدة غضب محمد بن هاشم تبين حسن نيته وإخلاصه فلم يكن منه إلا أن بين أنه لا يريد أن يكون سبباً في تكسير وحدة الصف، وأثبت أنه الأولى بالخروج لأنه غريب، ولعله يشير هنا إلى أن إقامته إلى ذلك الحين لم تكن باستمرار بعمان، وإنما كانت بين البصرة والحرمين الشريفين.
__________
(1) ــ محمد بن هاشم بن غيلان : ذكره أبو المؤثر في سيرته عند ذكر أئمة المسلمين مباشرة قبل موسى بن علي. انظر أعلاه تعليق 101. ويبدو أيضاً أنه أسنُ من محمد بن محبوب، وهو من فقهاء ق2و3/8و9م السير : 2/315.
(2) ــ تحفة : 1/ 155- 156.
(3) ــ البعد : 353. (1/55)
صفحة 56
وهكذا انفض المجلس ويخرج محمد بن هاشم وهو يتمنى أنه مات قبل حضور مثل هذا المشهد، وهذه درجة قصوى في التعبير عن الغضب كما هو معلوم.
لكن الأمر لم يتوقف هنا، ولا شك أنها ظلت المشاورات بين أولئك العلماء المجتمعين إلى أن توصلوا إلى موقف وسط لا تصريح فيه بخلق القرآن ولا بقدمه، وهنالك لم يكن من محمد بن محبوب عند أول اجتماع إلا أن صرح برجوعه عن القول بخلق القرآن، والاكتفاء بالقول المطلق كما اتفقت على ذلك الجماعة.
وهذا يدل على عمق فكر الرجل وبعد نظره، ذلك لأننا نعلم أنه لا تعوزه الحجة للانتصار لموقفه، لكن وحدة الجماعة أولى خاصة وأن الأشياخ لم يذهبوا إلى القول بالقدم، القول الذي لم يقتنع به.
وبتراجعه هذا أدرك أن الأشياخ وإن منعوا من القول بخلق القرآن صراحة فإنهم يجعلونه ضمن الأشياء المخلوقة لقوله تعالى " خالق كل شيء " [ الأنعام 102 ].
وعدم التصريح هذا أراد الأشياخ من خلاله أن يفروا من مقالة الجهمية (1) الزاعمين أن صفات الذات محدثة، تعالى الله عما يقولون علوَاً كبيرا، ونحن نعلم أن القرآن كلام الله، وأن الكلام من صفات الذات. فعدم إطلاق الخلق على القرآن احتراز لعدم الوقوع في تصوُر حدوث الصفات الذاتية.
فواضحٌ حينئذ أن الأشياخ يعتقدون أن القرآن من جملة المخلوقات بدون منازع، وصدق السالمي حيث قال : " ولم يكن مرادهم ( الأشياخ ) نفي حقيقة الخلق عن الكتب المنزلة، ولا أرادوا إثبات قديم مع الله، حاشهم عن ذلك.
__________
(1) ــ الجهمية : نسبة إلى جهم بن صفوان ( 128/745 ) فرقة غريبة حسب مقال دائرة المعارف الإسلامية إذ يصعب العثور على أتباع بأتم معنى الكلمة لجهم بن صفوان. المبادئ المنسوبة إليهم هي : القول بالجبر، خلق القرآن. اتهموا بالقول بالتعطيل في الصفات. يقولون بتأويل المتشابه. دائرة المعارف الإسلامية ص 398.ط. فرنسية. (1/56)
صفحة 57
كما أحسن السالمي في تصريحه بموقف محمد بن محبوب والتنويه به حيث قال : " وقد تبين لأبي عبدالله ( محمد بن محبوب ) الفرق بين المقالة. وهي القول بخلق القرآن، وبين مقالة الجهمية بحدوث الصفات الذاتية، فقال : القرآن مخلوق.
فلما رأى أن الأصحاب لا يوافقونه على هذا التصريح، تركه ورجع إلى الإجمال الذي اتفقوا عليه، إذ ليس في ترك التصريح بذلك محذور، لدخول القرآن تحت الإجمال، وهي العقيدة التي كان عليها السلف، وحصلت بها السلامة العامة، وإنما المحذور كل المحذور في إنكار صفة الخلق عن القرآن، وإعطائه صفة القديم تعالى، فتفطن لهذا المقام، فإنه مزلة الأقدام ومضلة الأفهام. والله ولي التوفيق.
هكذا نتبين أن موقف ابن محبوب كان صريحاً في القول بالخلق، وذلك ما كان يعتقده إلا أنه عندما تبين أن الصلاح في الاكتفاء بالإطلاق دون التفصيل لم يتردَد في أن يسلك هذا المسلك حفاظا على وحدة الصف.
ونحن نعلم أن قضية خلق القرآن دخيلة على البيئة الإسلامية نتيجة احتكاكها ببقية الحضارات خاصة منها الحضارة اليونانية، والرسالة اليهودية والمسيحية، وقد خاضت كلها في مثل هذه القضية (1) .
ويبدو أن أول من تعرض لهذه القضية في المحيط الإباضي عبدالله بن يزيد الفزاري (2) دون أن يكون لها أثر كبير في البيئة الإباضية.
ثم إن المتتبع للفكر الكلامي عند الإباضية يتبين أن هذه القضية لم تكن محط اتفاق بين إباضية المشرق وإباضية المغرب. وكانوا يعذرون بعضهم البعض.
__________
(1) ــ البعد : 349 ـــ 350.
(2) ــ عبدالله بن يزيد الفزاري ( ق3و9 ) كان يعيش بالكوفة بين ق2و3/8و9. وقد ذكره ابن حزم في الفصل حيث يقول : وأقرب فرق الخوارج إلى أهل السنة أصحاب عبدالله بن يزيد الفزاري الكوفي. ط. مصر دار الفكر 1317/1899. 2/112. ويقول النامي إنه عثر على كتاب له بزوارة بليبيا عنوانه : " كتاب الردود " الأطروحة ص213. وقد اطلعت على نسخة من هذا الكتاب هناك بزوارة أوت 1982. (1/57)
صفحة 58
وملخص القول إن للمشارقة ثلاثة مواقف إلى القرن السادس للهجرة /12.
ـــ فمنهم من يقول بالقدم.
ـــ ومنهم من يقول بالحدوث.
ـــ ومنهم من يتوقف دون أن يقطع عذر هؤلاء ولا هؤلاء.
ـــ ثم تحولوا بعد ذلك جميعاً إلى القول بالخلق، وهو القول الذي ذهب إليه محمد بن محبوب من اللحظة الأولى التي طرحت فيها القضية في عمان.
ـــ أما المغاربة فقد استقر عندهم رأي واحدٌ من وقت مبكر مع رسالة الإمام أبي اليقظان الرستمي ( 231 ــ 281/ 855ــ 894 )(1) ألا وهو القول بخلق القرآن، وقد استمروا في الدفاع عنه إلى يومنا هذا (2) .
4) محمد بن محبوب وقضية قتل :
إن محمد بن محبوب لم يكن يطمع في منصب ما عندما كان العنصر البارز بين أهل الحل والعقد في ترشيح الإمام الصلت والمبادرة لمبايعته، وإنما كان يحتسب الأمر لله تعالى، وهو يدرك تمام الإدراك أن المسؤولية تكليف وليست من قبيل التشريف، لا يجري وراءها أهل الصلاح، وأما إن وجبت وتعينت فيهم فيقبلون عليها بحزم ويؤدُون حقها لينالوا من ورائها الأجر والثواب من الله، وليرعوا بها حقوق الأمة.
لذلك ظل محمد بن محبوب اثنتي عشرة سنة واحداً من أفراد الرعية من
سنة 237/851 إلى سنة 249/863.
__________
(1) ــ أبو اليقظان الرستمي ( 231-281 / 855-894 ) : هو محمد بن أفلح بن عبد الوهاب خامس الأئمة الرستميين ولد ونشأ في تاهرت أيام إمامة أبيه. حج سنة 238/852 فقبض عليه عمال بني العبَاس، ونقل إلى بغداد وسجن، ثم عاد إلى تاهرت بعد موت أبيه وبويع سنة 241/855. له رصيد علمي وافر كأسلافه، وإلى جانب رسائله وأجوبته المخطوطة حفظ البرادي رسالته في خلق القرآن : الجواهر المنتقاة لما أخل به كتاب الطبقات. ط حجرية البارونية 1306/183 : 1888 ــ 200 . البعد 353.
(2) ــ البعد : 352 ـــ 353. (1/58)
صفحة 59
والراجح أنه من أهل الحل والعقد، يتتبع أحوال الأمة، ويحتسب على الإمام وأعوانه، وينشر ما وهبه الله من علم بين الناس، ويجمع ما تحتاج إليه الأمة في مؤلفات، ويساعد الإمام على كتابة العهود، ويراسل الإباضية في أطراف البلاد، ويحل المعضلات التي تطرأ بين يدي الإمام، وهو في كل ذلك فيما نتصوَر ينتقل بين نزوى وعاصمة الإمامة، وغيرها من مدن عمان وخاصة صحار موطن عشيرته من الرحيليين، وبين مدينة البصرة التي بدأ يأفل نجمها ويتقلص دورها، وبين الحرمين الشريفين.
وهذا السالمي يحكي استفتاء الإمام الصلت إياه في قضية من قضايا الدماء، ونحن نعلم أن مثل هذه القضايا من أعوص المسائل المطروحة في الفقه الإسلامي، إذ ليس من اليسير الحكم بالقتل على نفس بشرية، أو الحكم ببراءتها، وإصدار مثل هذه الأحكام يحتاج إلى نفس نحرٍ كبير، وعلم واسع، وعدم تسرُع، عسى أن يدرك الفقيه الحقيقة التي يرضى عنها الله تعالى، وتأخذ للمظلوم حقه من الظالم.
لقد جاء في التحفة ما يلي : " اتهم ( رجل من أهل بسيا ) (1) بقتل رجل، فسجنه الإمام ( الصلت ) على التهمة فطال حبسه، فأقر بالقتل، ولكنه ادعى أنه قصد غيره فأخطأ فيه، فشاور الإمام في أمره من حضر من علماء المسلمين.
وكتب بذلك إلى أبي عبدالله محمد بن محبوب فأجابه بقوله : " وذكرت رحمك الله ما يفسد به من أمور رعيتك، ما يحتاج فيه إلى مشاورة الإخوان، وأن محمد بن عمر من أهل بسيا كان في الحبس على تهمة بقتل رجل، فأقر عندكم أنه أراد قتل رجل فقتل غيره، وكان عنده إنما قتل الذي قصد إليه، إلى أن رآه حياً، ووقع القتل بغيره، فبان له ذلك بعد موت الرجل.
__________
(1) ــ بسيا : انظر الخريطة . (1/59)
صفحة 60
وذكرت رحمك الله أنك كتبت إلى القاضي تشاوره فكتب إليك أن مثل هذا يستودع الحبس عمره، وأنك جمعت من كان بحضرتك وأبرزته إليهم، فأقر معهم بهذا الإقرار، فرأى من رأى عليه القود، وذكرت أنك قد حبست هذا الرجل كثيراً، وأحببت أن أعرفك رأيي في ذلك، فأسأل الله أن يهجم بك وبنا على الصواب. وأن يوفقك إلى الحكمة وفصل الخطاب.
واعلم ـــ رحمك الله ـــ أنه إنما يُحبس أهل التهم بالدماء حتى تقوم عليهم البينة العادلة، وأن يقروا بما كان عليهم، ولا يصح ذلك عليهم، فيرى الإمام أنه قد اجتهد وبالغ في حبسهم، فيرى بعد ذلك إطلاقهم.
ومن أقر منهم على نفسه بالقتل إقراراً صحيحاً، كان حقاً على الإمام إنفاذ الحكم فيه بما جاء في كتاب الله تعالى، فإن لم يجد في كتاب الله فمن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن لم يجد فمن آثار أئمة الهدى والعلم بالله.
وإنما يحبس من لم يدع إلى الإنصاف من نفسه، فأمَا من دعا إلى أخذ الحق منه وأقر لأهله فلا حبس عليه.
واعلم ـــ أسعدك الله ــ أن في مثل هذا عندنا أثرا عن أسلافنا وأئمة الهدى منا، وكان مثل هذا بنخل(1) ، ذلك ـــ أنت إن شاء الله قد عرفت ـــ في قتل سعيد بن محمد النخلي، فأقر ربيب سعيد بن عمر وإليه قصد، أنه قتله، وإنما أراد قتل عمه زوج أمه سعيد بن عمر وإليه قصد، وكان المقتول غيره : وهو سعيد بن محمد. ثم شاور عبد الملك الإمام (2) في ذلك ــ رحمه الله ــ : فلم ير عليه موسى بن علي (3) رحمه الله وغيره من المسلمين القود.
__________
(1) ــ نخل : مدينة بالحجر الغربي. كشف 349. تعليق 2. انظر الخريطة.
(2) ــ عبد الملك بن حميد : انظر ما سبق .
(3) ــ سبق التعريف به . (1/60)
صفحة 61
ووجدت في بعض آثار المسلمين في هذا أنه لا قود عليه، فأعلمت بذلك علياً (1) فأعجبه وتمسك به، وقال إنما هذا إقرار من الرجل على نفسه فهذا الذي حفظنا.
وقد كان الأزهر بن علي (2) قد خالفهم في ذلك، فلم يأخذوا بقوله.
والذي نأخذ به أنه لا قود على هذا الرجل، وإنما تلزمه الدية في نفسه، ولا تلزم عاقلته في شيء.
وإن أراد أولياء الدم يمينه، فعليه لهم يمين الله، أنه ما قصد إلى قتل صاحبهم هذا، ولا تعمد ذلك، وما أراد إلا قتل رجل غيره فأخطأ به، وليس هذا ـــ رحمك الله ـــ عندنا، بمنزلة من أقر بقتل رجل فقال : " ابتدأ بي فضربني وبغى علي فقتلته " هذا لا يقبل من دعواه إلا بالبينة، إلا أنه قد أقر أنه قصد إلى قتله وادعى بغيه عليه، وذلك بقول : " إني لم أقصد إلى قتل هذا ولا أردته، وإنما أردت قتل غيره فقتله، وإنما وقع القتل بغيره، ولو أن رجلاً أقر بقتل رجل، وقال : " قد رأيته قتل ابني فقتلته "، لم يقبل دعواه إلا بشاهدي عدل، وإلا لزمه القود " (3).
يتَضح من هذه القضية الفقهية أن الإمام الصلت لم يلتجئ إلى محمد بن محبوب إلا بعد أن ضاقت به السبل، ولم يطمئن إلى ما اقترح عليه من حلول حتى من قبل القاضي، وفي ذلك دلالة على أن محمد بن محبوب سلطة علمية عليا. وأنه الغوث بالنسبة إلى أهل زمانه، وعلى أن الإمام ليس ممن يأخذون بأول رأي في مثل هذه الأحوال، وقد ذكرنا قبل حين ما لقضايا الدماء من شأن، وما فيها من إشكال.
__________
(1) ــ لا بد أن يكون من أهل العلم في عصره، وقد يكون علي بن صالح أو علي بن خالد ممن عاصروا محمد بن محبوب وقد حضروا معه بيعة الإمام الصلت.
(2) ــ الأزهر بن علي : لم يذكره أبو المؤثر ضمن ذكر أئمة المسلمين. السير 2/313ــ315. وموقفه يدل أن له باعاً في الفقه مكنه من مخالفة عصره في قضية مثل هذه القضية في شأن الدماء، وقد ذكرنا صعوبة مثل هذه القضايا في الفقه الإسلامي .
(3) ــ تحفة : 1/ 194 - 195 . (1/61)
صفحة 62
وفعلاً - وإن يكن محمد بن محبوب حاضراً في العاصمة - فإن الإمام كاتبه في شأن هذه القضية يلتمس منه الجواب الشافي الذي تطمئن إليه النفوس في شأن هذا الذي تعمد قتل شخص معين، فوقع خطأ على شخص آخر ولم يتبين له في ما بعد أن الشخص الذي اعتقد أنه قد قتله ما يزال على قيد الحياة، وأنه فعلاً قتل آخر مكانه.
ولقد استطاع محمد بن محبوب أن يلخص رسالة الإمام بكل دقَة، ونحن نعلم أن الجواب على قدر السؤال، وأن الإصابة في الجواب تكون على قدر فهم السؤال.
ـــ فعرض أولاً موضوع القضية بدقة وافية.
ـــ ثم عرض الحلول المقترحة على الإمام.
ـــ رأي القاضي : يستودع الحبس عمره.
ـــ رأي الآخرين : عليه القود.
ثم عرض تطبيق الإمام : وقد تمثل في حبس الرجل طويلاً، لكنه لم يطمئن إلى ذلك.
ـــ المرحلة الأخيرة : مكاتبة محمد بن محبوب " وأحببت أن أعرفك رأيي في ذلك ".
وبعد هذا العرض الدقيق للقضية، والحلول المقترحة في شأنها يأتي محمد بن محبوب إلى الجواب.
1 ـــ الحبس لأهل التهم بالدماء مشروط بأحد أمرين :
ـــ إما أن تقوم عليه البينة العادلة.
ـــ وإما أن يقروا بما كان عليهم.
ولا يكون الإطلاق إلا بعد الاجتهاد في الأمر.
2 ـــ المقر بالقتل : إنفاذ الحكم بدليل :
أ ـــ من القرآن الكريم.
ب ـــ من السنة الشريفة.
ج ـــ من آثار أئمة الهدى.
وبهذا قد أثبت محمد بن محبوب التدرج مع مصادر الشريعة كما فعل معاذ بن جبل (1) عندما سأله رسول الله عليه وسلم عن مسلكه في الحكم.
3 ــ لا حبس على من أقرَ.
4 ــ الوصول إلى القضية المعينة.
لا شك في أن محمد بن محبوب بحث عن الدليل في الكتاب والسنة فلم يجد فتحوَل إلى الرتبة الثالثة وهي آثار أئمة الهدى، وهنالك وجد الدليل حيث اجتهد أهل الذكر في بداية القرن في قضية مماثلة ووصلوا إلى الحل.
__________
(1) ــ معاذ بن جبل ( 20 ق هـ 18/603ـ639 ) الزركلي : الأعلام: 7/258. (1/62)
صفحة 63
وكان ذلك زمن الإمام عبد الملك بن حميد (208ــ226/824ــ841 ) وبرأي الشيخ أبي علي موسى بن علي وغيره من أهل العلم آنذاك. فكانت الفتوى ألا قود على القاتل في مثل هذه الحال. ولم يكتف محمد بن محبوب بل تتبع المصادر فوجد الحكم في قضية مماثلة في بعض آثار المسلمين، ووددنا هنا لو نسب محمد بن محبوب هذا القول إلى أصحابه، ولعله وجده مكتوباً غير منسوب كما يحدث كثيراً في كتب الفقه.
وهو مع ذلك يستشير من يثق فيه من أهل العلم، فيوافقه على ذلك مع اعتبار أن الرجل أقر على نفسه، ثم لا يقف عند هذا الحد بل يورد الرأي المخالف في القضية منسوباً إلى صاحبه ويبين أن أبا علي موسى بن علي والإمام عبد الملك ومن معهما لم يأخذوا بقوله، وفي هذا دلالة واضحة على مرونة هؤلاء في موقفهم وتقديمهم رأياً على رأي في ما يجوز فيه الخلاف.
وفي الأخير يقرر الرأي النهائي، ويتحمَل فيه مسؤوليته أمام الله تعالى وأمام الإمام كاملة وبدون أي تردد والذي نأخذ به، نعم إنه اختيار عن بينة، وبعد بحث وتمحيص.
الحكم :
1 ــ لا قود على الرجل.
2 ــ تلزمه الدية في نفسه.
3 ــ لا تلزم عاقلته منها شيء.
وزيادة في التحري : يمكن أولياء الدم من طلب اليمين من القاتل على أنه ما قصد صاحبهم وهذا من شأنه أن يشفي الغليل ويطفئ نار الحقد.
ثم في النهاية يقيم مفارقة واضحة.
ــ بين هذه القضية في ما يتعلق باليمين.
ــ وبين يمين من قتل بعد ادعاء بغي الطرف المقابل، إذ في هذه الحال لا بد من البينة حسب محمد بن محبوب، وإلا لزمه القود.
هكذا نتبين أن محمد بن محبوب استوفى القضية من جميع جوانبها، وتتبع جميع ملابساتها، وجميع ما يحيط بها من افتراضات، ذاك هو شأن أهل العلم إذا طلب منهم الناس، أو طلبت منهم القيادة الروحية الزمانية للأمة أن يفصلوا في قضية ما. (1/63)
صفحة 64
إنه الإخلاص في الإنصاف بين الظالم والمظلوم في قضية من قضايا الدماء، إذ إما أن يكون القصاص ويقتل الرجل وإن قتل خطأ، وما يترتب على هذا القتل من مسؤولية اجتماعية، وإما الدية واليمين وما ترتب على ذلك من مسؤولية اجتماعية في مستوى آخر، وكل ذلك في مستوى العلاقة بين عاقلتي الطرفين عبر الزمان والمكان.
وودنا لو نقل السالمي الخبر عن الحل الذي اختاره الإمام الصلت بعد هذا السعي الطويل في التشاور، ولعلنا نرجح أنه اختار موقف ابن محبوب وأطلق سراح الرجل.
5) صرامة محمد بن محبوب مع من يفسد في الأرض :
جاء في التحفة : " وفي سنة تسع وخمسين ومائتين 259/872 ، قتل خثعم العوفي بالسنينة من الظاهرة، وهو رجل كان محمد بن محبوب قد أباح دمه لفساده في الأرض (1)
ندرك من هذا الخبر أن محمد بن محبوب قد تحرى الأمر في شأن خثعم العوفي، فثبت عنده بأدلة لا نزاع فيها أن الرجل يعيث في الأرض فساداً، ولعله يقطع الطريق ويفعل الأفاعيل التي توجب القتل لأمر القرآن الكريم، فلم يكن منه أن يتردد في مثل هذا الحال، بل أصدر حكمه عليه غيابياً، وأهدر دمه، وأوكل الأمر للقادرين على ذلك من حماة الشريعة ومن حماة المجتمع الإسلامي من الفساد، فلم يكن من هؤلاء إلا الامتثال لأمر قاضي المسلمين في صحار، فنفَذوا الحكم في ذلك الفاسد وأراحوا من شره البلاد والعباد.
وهذا ما توصلنا إليه من مواقف محمد بن محبوب العلمية وفيها دلالة واضحة على أن الرجل يتحرى الحق بقدر الإمكان، مرن حيث تمكن المرونة لكنه شديدٌ في الحق عندما تجب الشدة.
ومن مواقفه العلمية إلى المحور الثالث لنلتقي به في مكة المكرمة.
المحور الثالث
محمد بن محبوب في مكة
__________
(1) ــ تحفة : 1/166 . (1/64)
صفحة 65
إن ما بين أيدينا من المصادر المشرقية لم تقف عند إقامة الرحيليين بالحرمين الشريفين سوى ما نقله كتَّاب السير من المغاربة عن أبي سفيان محبوب بن الرحيل نفسه من كتابه المفقود في السير، ذاك الكتاب الذي كانوا يتناصحون بدراسته كما جاء ذلك عن الإمام أفلح بن عبد الوهاب الرستمي ( 231- 281/855-894 ) حيث كان يقول : " عليكم بدراسة كتب أهل الدعوة، ولا سيما كتاب أبي سفيان" (1)
ولا يخفى على أي باحث في السيرة الإباضية أن كتاب أبي سفيان هذا كان عمدة المغاربة والمشارقة في التعريف بنشأة المذهب وبعلمائه الأول كما ذكرنا ذلك في مطلع ترجمتنا لولده محمد بن محبوب هذا (2) .
وقد لعب الوالد دوراً في الربط بين المشرق والمغرب كما أثبت نص ابن سلام (3)
__________
(1) ــ أبو القاسم البرَادي ( 9/15 ) رسالة تأليف أصحابنا. ملحق بكتاب الموجز لأبي عمار عبد الكافي. تحقيق عمار الطالبي. الشركة الوطنية للنشر والتوزيع.الجزائر 1398/1978. 2/284.
(2) ــ انظر ما سبق.
(3) ــ لواب بن سلام اللواتي ( ت بعد 283/887 ) لقد كانت أسرة ابن سلام مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بتاريخ إباضية المغرب القديم. فقد كان أعمامه على صلة بالإمام أبي الخطاب وكذا جده عمر الذي حضر معركة أبي الخطاب التي انهزم فيها الإباضية أمام العباسيين 144/752. وكان أبو سلام بن عمر اللواتي عاملاً للإمام عبد الوهاب ( 208/842 ) على سرت ونواحيها. كما أن أباه كان على صلة بإباضية مصر بالفسطاط.
ــ لقد التقى المؤلف بأبي صالح النفوسي بتوزر سنة 240/854 وبعد سنة 250/865 زار سدراته من أهل ميري. وبعد سنة 260/874 وصل إلى أجدابية وهو قافل من الحج حيث التقى بأحمد بن الحسين الطرابلسي أحد مشاهير علماء الإباضية.
ــ كما التقى في أحد شهري جمادى سنة 271/884 في جندوبة بخلف بن السمح الذي ينتمي إليه الخليفة. كما أخذ بعض الأخبار عن نفاث بن نصر النفوسي الذي ينتمي إليه النفاثية. وكل من خلف ونفاث كانا معارضين للإمام أفلح. لكن ابن سلام لم يهتم بهذا الخلاف في كتابه. ومن المحتمل أن ابن سلام قضى سنين طويلة بجندوبة ( أرض تقع على حدود غريان الغربية الجنوبية ) وعن بعض الحجاج نقل أخبار أهل عمان وعلمائهم بمكة. والراجح أن ابن سلام ألف كتابه بعد 273/887 وقد بلغ الخمسين من عمره وتوفي بعدها بقليل دون أن ينتهي من كتابه.
ــ لقد استخلصنا هذه الملاحظات من الترجمة التي توصل إليها محققا كتاب ابن سلام وهما : قبرز شقارتس والشيخ سالم بن يعقوب " كتاب فيه بدء الإسلام وشرائع الدين " تأليف ابن سلام الإباضي المتوفى بعد سنة 273/887 ص36-41 يطلب من دار النشر فرانزشتايز بفيسبادن التابعة لألمانيا الإتحادية بإشراف المعهد الألماني للأبحاث الشرقية في بيروت. على مطابع دار صادر بيروت ويضم الكتاب 172 صفحة. (1/65)
صفحة 66
ذلك .
واستمر هذا الرباط وثيقاً مع ابنه محمد بن محبوب الذي كان رأس الإباضية بعد أبيه، وكانت إقامته بمكة، وبها التقى بعمروس بن فتح ( 283/896 ) (1) من علماء جبل نفوسه (2)، هذا اللقاء ما فتئت مصادر الإباضية تنوه بقيمته العلمية : " وذكروا أن عمروساً وأصحابه توجهوا إلى بلاد المشرق حجاجاً فلما نزلوا مكة وجدوا فيها محمد بن محبوب رحمه الله، فسلموا عليه، فهش بهم وقربهم من أجل الجنس، دون معرفة الأشخاص، فلما تبوؤوا مقاعد المذاكرة، سأل عمروس أبا عبدالله عن مسألة، فقال ابن محبوب : إن كان أبو حفص في شيء من هذه البلاد فلا يصدر هذا السؤال إلا عنه، ولا يردُ إلا منه، فقالوا له : إنه هو السائل، فرفع ابن محبوب مجلس عمروس لما عرفه،وزاد في مجلسه، ثم جعل عمروس يسأل في مسائل الدماء عن مسألة بعد مسألة، حتى قال له ابن محبوب : هذا من مكنون العلم لا يعلن به في قوم جهال، فعند ذلك قال عمروس لأصحابه : احفظوا السؤال وأحفظ لكم الجواب، حتى نقدم على إخواننا فنخبرهم بما حفظنا، ففعلوا.
__________
(1) ــ عمروس بن فتح : هو من علماء نفوسه، تقول كتب السير إنه تعلم بالمغرب عشرين سنة ( نقصد بلاد الجريد حاليا ) تصدى بغزارة علمه مع أبي مهدي النفوسي لآراء نفاث المخالفة. أودع أبو غانم نسخة من المدونة عنده عند رحلته إلى تاهرت فنسخها. وعنها نسخت بقية النسخ بالمغرب لأن النسخة التي أودعت في تاهرت أحرقت مع ما أحرق من الكتب عند هجوم الشيعة. تولى القضاء لوالي الإمام عبد الوهاب وهو أبو منصور إلياس، وكان حازما في أمره. قتل صبراً. أسندت إليه عدة مؤلفات لم يصلنا منها إلا كتاب " الدينونة الصافية ". البعد 109.
(2) ــ جبل نفوسه : انظر الخريطة . (1/66)
صفحة 67
فلما قدموا البلاد قال لهم عمروس : هلم ما تكلفتم به فقالوا له : " لم نحفظ شيئاً سوى قولك، احفظوا المسائل لنرد بها على إخواننا ". ثم إن عمروساً أعادها مسألة فمسألة عن آخرها " (1)
تلك ثمرة من ثمرات قيام إمام الظهور في تاهرت (2) مع الدولة الرستمية في المغرب، وفي نزوى بعمان . إنها شجرة العدل تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها.
إن لقاءاً بين رجلين من أهل العلم هنا وهناك يدل على نهضة علمية واضحة المعالم في محيط أهل الدعوة.
ذاك هو تواضع عمروس يجلس بين يدي محمد بن محبوب جلسة من يريد أن يستفيد، إنها شيمة العالم الذي يمتثل لأمر الله تعالى: ( وقل رب زدني علما )
[ 20 طه 114 ] ويدرك أن فوق كل ذي علم عليما.
ومعلوم أن حقيقة السؤال تدل على درجة السائل، وما كان ذلك ليخفى عن محمد بن محبوب، إنه أدرك أن مثل هذا السؤال لا يمكن أن يصدر إلا عن رجل ضليع، ولن يكون ذلك من هذه الجماعة من أهل المغرب إلا من علم من أعلامهم، ولم لا يكون عمروس بن فتح ؟ وقد بلغته الأخبار من قبل عن تفقهه في الدين، ولعله وصلته بعض رسائله أو كتابه في العقيدة والفقه المعروف بالدينونة الصافية.
وهكذا قبل أن يرتقي مستوى المحاورة لم يكن محمد بن محبوب إلا أن نزَّل عمروساً المنزلة التي تليق به في المجلس. إنه صنوه بدون منازع، فليكن بجانبه حتى لا يكون بصف الذين يطلبون التفقه.
إنها محاورة تقطف من العلم ثماره، وتجني منه ما خفي من المسائل في الدماء وغيرها، وقد سبق أن أشرنا إلى ما لقضية الدماء من قيمة في الفقه الإسلامي.
وهناك لم يكن من ابن محبوب إلا أن صرح بأن هذه المسائل من مكنون العلم، نعم إنها دقائق المسائل التي يحسن أن تتناول في المجالس الخاصة كما كان الأمر في حلقات أبي عبيدة في البصرة.
__________
(1) ــ الدرجيني : الطبقات 2/324.
(2) ــ تاهرت : انظر الخريطة. (1/67)
صفحة 68
وهكذا يغتنم عمروس الفرصة، ولعل بعضاً من الحاضرين قد ظل حاضراً لمجرد التبرك، ويكون الحوار بمثابة التشاور فيما يخفى من القضايا حتى يطمئن كل منهما إلى رأي الآخر.
ويالها من حافظة لدى الرجلين، وإن ألحَّ النصُّ على حافظة عمروس فقط إذ أعاد كل ما كان بينه وبين ابن محبوب من حديث صغر أو كبر عند وصوله إلى جبل نفوسه.
أما محمد بن محبوب فلا نشك في أنه قد استوعب كل ذلك وهو في مركز المسؤول.
وبهذا يتجلى التلاقح بين جناحي المدرسة الإباضية مغرباً ومشرقاً، وذاك ما سيدأب عليه الإباضية عبر الزمان كما بينا ذلك في بحثنا عن العلاقة بين إباضية عمان وإباضية المغرب(1) .
ولا شك في أنها كانت لقاءات أخرى ومحاورات، ومراسلات من هذا القبيل، ومن صنف آخر، لكن المصادر لم تسعف بذلك، وطمست تلكم الأخبار مع جملة ما انطمس من الآثار.
وبعد هذا لم يبق إلا أن تقف عند مؤلفات محمد بن محبوب.
المحور الرابع
مؤلفات محمد بن محبوب
1) كتاب في الفقه
لقد قدرنا أن محمد بن محبوب عاش سبعين عاماً، فيكون قد اشتغل بالتأليف من الثلاثين من عمره على أقصى تقدير أي في حدود سنة 220/835.
وإذا علمنا أنه تولى القضاء في العقد الأخير من عمره، وقد يشغله بعض الشيء عن الكتابة، وإن كان في بعض الأحوال يفسح له المجال لزيادة التوسع في الكتابة، والتحري فيها، لما يعايشه من قضايا الأمة.
فعلى أقل تقدير يكون محمد بن محبوب قد تفرَغ تفرغاً تاماً للتأليف من نهاية العقد الثاني من القرن الثالث للهجرة التاسع الميلادي إلى سنة 249/863 سنة توليه القضاء، إن اعتبرنا أنه مشغلة عن التفرغ للكتابة، فيكون قد قضى ثلاثة عقود من عمره في تحري المسائل وتدوينها.
__________
(1) ــ انظر كتاب عمان في التاريخ ص 213-231 وهو ثمرة ندوة عقدتها وزارة الإعلام بعمان 1415/1994 بنفس العنوان : دار نبيل للنشر. لندن 1995. (1/68)
صفحة 69
فلا غرابة حينئذ أن تنسب إليه المصادر العمانية تأليف كتاب في الفقه في سبعين جزءاً، فيكون ذلك بمعدل جزأين وزيادة في العام.ولعل معترضاً يقول إنها أجزاء صغيرة، ولكن الواقع في ما نعلم من المؤلفات العمانية التي ظهر نصيب منها للوجود، لم يكن تعداد الأجزاء فيها ضرباً من المبالغة، وإنما كان حقيقة واضحة للعيان لا يمكن أن يجادل في شأنها مجادل (1) .
__________
(1) ــ محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي النزوي ( 12 رمضان 508/9 فيفري 1114 ) بيان الشرع، والكتاب يقع في اثنين وسبعين جزءاً، ويحتوي على جميع أبواب الشريعة فهو موسوعة علمية ألفها رجل واحد، وقد صدر منها حوالي 23 مجلداً من نشر وزارة التراث العمانية.
ـــ أحمد بن عبدالله بن موسى الكندي ( 15 ربيع الأول 557/21 فيفري 1162 ) كتاب المصنف في 43 جزءاً، قامت بطبعه وزارة التراث العمانية، وهو كتاب نفيس رتبه أحسن ترتيب وهذب الفقه وأصوله فيه خير تهذيب فيعتبر من أمهات كتب الإباضية.
ـــ جميل بن خميس السعدي ( 13/18 ) قاموس الشريعة وعدد أجزاءه 93 فهو موسوعة إسلامية قيد فيها جميع فنون الشريعة الإسلامية، ما تزال الوزارة تواصل طبعه وقد بلغت 30 مجلدا . ر. مبارك الراشدي : نشأة التدوين للفقه واستمراره عبر العصور. محاضرة ألقيت بندوة الفقه الإسلامي بجامعة السلطان قابوس 22-26 شعبان 1408/ 9-13 ابريل 1988 ص101-254. (1/69)
صفحة 70
وأن ما وصل إليه من القليل مما نسب إلى محمد بن محبوب يثبت أنه قادرٌ على إنجاز تأليف كهذا وأكثر، ذاك أن المحيط الإباضي خاصة، والمحيط الإسلامي عامة يسمح بإنجاز تأليف بهذا الشكل. فأبواب العلوم الإسلامية عديدة، وحاجة الأمة إلى حلول مشاكلها أكيدة، فليس للعالم إلا أن يجلس لكتابة العلم بهمة، فلا تقف أمامه حدود، وذاك ما كان عليه ابن محبوب، ونحن نعلم أنه جمع من الزاد ما يمثل عصارة جهد المدرسة الإباضية متمثلاً في ما تجمع لدى والده وبقية حملة العلم إلى عمان من رصيد علمي ضخم، مع استقرار الأمن، واستقامة إمامة الظهور في ربوع عمان.
كل ذلك يجعلنا لا نشك في ما نسب إليه من مثل هذا التأليف، وعسى ربنا تعالى أن يجود بهذا المؤلف ليزيد المدرسة الإباضية أصالة إلى أصالتها، ويدفعها على الثبات أمام عوادي الزمن، ويدفع بقية المدارس الإسلامية لتتعانق في ما بينها، فتستمد قوتها من أصالة هذا الماضي العريق، حتى تتهيأ لمستقبل نير تكون فيه كلمة الله هي العليا.
ومما يؤكد ذلك أن الجزء السادس من هذا الكتاب كان موجوداً بجزيرة جربة في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري العاشر الميلادي.
جاء في طبقات الدرجيني ما يلي: " وكان أبو محمد ويسلان (1)
__________
(1) ــ ويسلان: هو أبو محمد ويسلان اليهراسي ( ق5/11 ) نشأ في بادية بني يهراس في الجنوب التونسي ثم حضر دروس أبيه والشيخ فيصل بن أبي مسور بالجامع الكبير بجربة. نشط في الدعوة في جبال دمر. ثم استقر بجربة في الجامع الكبير حيث صار مرجع الفتوى. أسست حوله أول حلقة للعزابة بجربة فقام بها أحسن قيام. ر. الجعبيري : نظام العزابة عند الإباضية الوهبية في جربة نشر المعهد القومي للآثار بتونس. ط. العصرية 1975. ص188ــ193. (1/70)
صفحة 71
( أول من رتبت عليه حلقة العزابة ) (1) يقرأ على أبيه مختصر ابن محبوب، فكان أبو صالح (2) يقول : " هذا كلام محقق، فقه، أصولي، ولم يقع منه هنا إلا الجزء السادس وهو سبعون جزءاً " (3) .
كما أن هذا الجزء كان متداولاً في القرن التاسع /15م إذ يذكر البَرادي ما يلي :" وكتاب محمد بن محبوب، وقفت على جزء واحد من أجزائه، وجملته سبعون جزءاً، أذكر ذلك عن الشيخ أبي صالح أبي بكر بن قاسم اليهراسي ".
وفي مخطوطة أخرى من نفس الكتاب جاء النص كما يلي : " وكتاب محمد بن محبوب، يذكرون أنه سبعون جزءاً، ورأيت أنا فيه جزءا واحداً، ومؤلفه من أهل القرن 3هـ/9 م " (4).
وفي هذا القدر كفاية للدلالة على وجود هذا الكتاب ونسبته إلى أبي عبدالله محمد بن محبوب.
2) سيرة محمد بن محبوب لأهل المغرب :
إن كلمة السيرة في المصطلح العماني لا تعني ترجمة ذاتية مثلاً أو ذكر أخبار كما توهم بذلك اللفظة، وإنما هي أشبه بالرسالة (5).
__________
(1) ــ حلقة العزابة أو الحلقة : نظام داخلي للجماعة الإباضية في مرحلة الكتمان أخذ أبو عبيدة أسسه من حياة الصحابة في دار الأرقم بن الأرقم، وأرسى قواعده في البصرة، ثم بعث من جديد في المغرب سنة ( 409/1019 على يدي أبى عبدالله محمد بن بكر الفرسطائي 440/1048 واستقام في كل مواطن الاباضية في المغرب وانقرض اليوم فيها جميعاً سوى وادي ميزاب، ر. الجعبيري: نظام.
(2) ــ أبو صالح بكر بن قاسم اليهراسي ( ق4/10 9 معاصر لأبي مسور ولابنه فضل، درس ودرّس معهما بجربة بعد أن انتقل إليها من بادية بني يهراس. تتلمذ عليه مؤسس نظام العزابة أبو عبدالله محمد بن بكر الفرسطائي 440/1048.
لقد كان داعية للوهبية . اشتهر بشدته على الطغاة. نظام: 170 تعليق 4.
(3) ــ الدرجيني: طبقات. 2/357. الشماخي. السير تونس 1995.ص 338.
(4) ــ البرَادي : تأليف أصحابنا 2/284- 285.
(5) ــ انظر السير والجوابات لعلماء وأئمة عمان. (1/71)
صفحة 72
وهي هنا فعلاً رسالة جاءت جواباً على مجموعة من الأسئلة وإرادة من أهل المغرب.
وهذه السيرة مخطوطة تقع في ست وعشرين صفحة 26 من الحجم المتوسط. مسطرتها 19.5 / 10.5 سم، والصفحة 25 سطرا، بخط مشرقي واضح من ص118 إلى ص144 بنسخة من السير العمانية مصورة من نسخة الدمام، وقد صورتها عن نسخة الشيخ الناصر المرموري القراري (1) .
لقد عالجت هذه السيرة ثلاثاً وخمسين مسألة موجهة من أهل المغرب للشيخ محمد بن محبوب، وقد جاء الجواب عن هذه المسائل واحدة بعد أن دعا الأمة إلى الالتزام بمسالك التقوى في خطبة السيرة وبين فيها حسن أحوال الجماعة بالمشرق والمغرب.
وهذا نص خطبة السيرة :
" إلى جماعة ممن كتب إليه من المسلمين من أهل المغرب، من محمد بن محبوب.
سلام عليكم، فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا الله حمداً كثيرا، وهو لذلك أهل، وأسأله الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم تسليما.
وأوصيكم ونفسي بتقوى الله وذكره كثيراً، وذكر ما أنتم إليه صائرون، وعليه موقوفون، وعنه مسؤولون، وأحثكم على طاعة الله والمحافظة على ما استحفظكم عليه من أمانته، وافترض عليكم من عبادته، بإتيان ما به أمر، والانتهاء عما منه زجر، في ما أخذ عليكم في الميثاق، ورضي لكم به من الأخلاق، من ترك المحارم، والكف عن المظالم، واجتناب الكبائر، والعمل على البصائر، آناء الليل والنهار، والعلانية والإسرار، فإن ذلك أحق ما كنتم له طالبون، وفيه راغبون وعليه مواظبون، قبل انقطاع آمالكم، وحلول آجالكم، وما توفيقنا وإياكم إلا بالله " (2) .
__________
(1) ــ ناصر المرموري (المعاصر) ولد بمدينة القرارة سنة 1929 وبها حفظ القرآن الكريم ونشأ في كنف شيخيه الشريفي سعيد وبيوض إبراهيم. برع في فقه المذهب وسير علمائه. أستاذ العلوم الشرعية بمعهد الحياة بالقرارة. له دروس في الوعظ في جميع أطراف ميزاب يخصص جانباً منها للنساء، ما يزال على قيد الحياة.
(2) ــ السير العمانية : خ : ص 117 . (1/72)
صفحة 73
الإعلام بوصول الكتاب وشكر الله على حسن الحال.
" أما بعد، وهب الله لنا ولكم العصمة، ومنحنا وإياكم الحكمة، ونجانا وإياكم من النار، ومن المصير إلى دار البوار.
كتبت إليكم ـــ رحمنا الله وإياكم ـــ وأنا ومن قبلي من الخاصة والعامة من المسلمين بأحسن حال وأتم نعمة، وأجمع كلمة، ونحمده على ذلك وعلى كل حال.
وقد وصل كتابكم السار لي من خبر سلامتكم وحالكم، وجميل صنع الله لكم، وآلائه عندكم، فحمدت الله على ذلك، وسألته المزيد لنا ولكم من كل فضل عتيد، وإن ربنا واسعٌ مجيب " (1)
نماذج من الأجوبة
انطلقت الأجوبة هكذا :
" وسألتم رحمنا الله وإياكم، في كتابكم عن الذي بلغكم عن الإمام والوالي والساعي، إذا وصلت إلى أحد منكم زكاة منهم، زكاة أموال المسلمين في جميع ما فرضها الله، وقسموا نصفها على الفقراء ، والنصف اتخذوه وجعلوه دولة بين قرابتهم وعشائرهم وأهل ودهم وخواصهم هل ترى ذلك جائزاً ؟
ثم يأتي الجواب (2).
وعند التحول إلى السؤال يتكرر حرف الجر " عن " مذكر بسألتم ــ عن ــ في أغلب الأحوال سوى في بعض المسائل المتولد عن بعضها البعض.
المسائل العلمية :
ولقد غلب على هذه الأجوبة طابع التحاليل العملية وجاءت محاورها كالآتي :
1) مسائل تتعلق بأمر الزكاة : ومحورها يتمثل في الجور فيها من حيث الجمع، أو من حيث التوزيع، مع التحري فيما يتعلق بجمع الجبابرة لها، وهي المسائل الأولى من السيرة.
2) 29 مسألة تتعلق بالإمام : في سيرته في حد ذاته، وفي علاقته بالرعية في وقوفه على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي علاقة الرعية به من حيث احتسابها عليه، مع إبراز حدود كل من الطرفين في علاقته مع الآخر، وفي كل ذلك يقع الإلحاد على موجبات الولاية والبراءة والوقوف في جميع هذه الأحوال.
نموذج من مثل هذه القضايا :
الموضوع : إشكالية إمكانية وجود إمامتين في نفس الوقت.
متى يتلقب الإمام بأمير المؤمنين.
__________
(1) ــ ن . م . 118 .
(2) ــ ن .م . (1/73)
صفحة 74
السؤال : ".... وعن الذي فعله أهل عمان وأهل المغرب أنهم عقدوا الإمامة يومئذ لعبدالله بن يحيى رضي الله عنه، وذلك في زمان أبي عبيدة مسلم، وعن رأيه كان ذلك مع عقد أهل المغرب لأبي الخطاب ثم ابن رستم من بعده، ثم عبد الوهاب بعد ذلك (1) .
وقلتم جاء في الحديث أن عمر بن الخطاب رحمه الله قال يوم كانت خلافة أبي بكر : " إن الله واحد والإسلام واحد، ولا يستقيم سيفان في غمد واحد، ولا تجوز الأمور إلا على واحد " أو كما قال. وما روت بعض العلماء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إذا رأيتم أميرين فاضربوا عنق أحدهما " أو كما قال (2) إنكم أحببتم علم ذلك، فكيف قول المسلمين ومذاهبهم في هذه الوجوه.
وهل يقال لهم إمامان جميعاً كل واحد منهما في مكانه إمام، أم يجب على أحدهما إجابة الطاعة لمن كان عهد إمامته أم لا ؟
وإن كان ذلك جائزاً فهل على أهل عمان الرضا على إمامة المغربي وولايته وكذلك أهل المغرب يجب عليهم الرضا بإمامة العماني وولايته ؟ وهل يقال لكل واحد من هذين الإمامين أمير المؤمنين في نفسه أم هو إمام مدافع ؟
الجواب :
__________
(1) ــ أبو الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري الحميري اليمني ( 140ــ144/757ــ761 ) التقى مع طلبة العلم المغاربة في حلقات أبي عبيدة فأشار عليهم أن ينتخبوه إماماً ففعلوا سنة 140/757 فسلك مسلك الإباضية في الحكم في طرابلس. وأنقذ القيروان من ظلم ورفجومة الصفرية عين عليها عبد الرحمن بن رستم والياً وقاضياً. حاربه العباسيون إلى أن تغلبوا عليه سنة 144/761.
(2) ــ الحديث. مسلم إمارة 46. ابن ماجه فتن 9. ابن حنبل 2:2 ،61.
نص الحديث في مسلم : " ومن بايع إماماً، فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه، فليعطه إن استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر".
ــ وفي ابن ماجه نفس النص لكنه استعمل يمينه مع صفقة عوض يده. (1/74)
صفحة 75
فاعلموا رحمنا الله وإياكم أن الذي سألتم عنه من هذا قد مضى فيه الأثر من أئمة المسلمين العلماء بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وآثار أئمة الهدى قبلهم رحمهم الله.
فأما ما ذكرتم من الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فهذا يجوز على معنى ما رأيتم إمامين فاضربوا عنق أحدهما إذ لا بد أن يكونا إمامين متضادين، ولا يكون الإمامان المتضادان إلا مهتدياً وضالاً، وعادلاً وجائزا، إنما يؤمر بضرب المبطل الجائر الضال، وذلك عدل وحق، ولا يجوز على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون يأمر بضرب عنق إمام عادل يتبع كتاب الله ويقفو سنة نبيه، فيكون يقول إذا رأيتم إمامين يتبعان كتاب الله وسنتي فاضربوا عنق أحدهما. هذا لا يجوز على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأما قول عمر فهو كما قال رحمة الله عليه، إن الله واحد والإسلام واحد، ولا يستقيم سيفان في غمد واحد، لعله يعني إمامين، وكذلك قال المسلمون : لا يجتمع إمامان في مصر، وإنما ذلك إذا كانا في مِصر واحد فلا يكون للمسلمين إلا إمام واحد، وكذلك كان المسلمون في العقد لعبدالله بن يحيى رضي الله عنه، ولم تكن تحل إمامة آخر معه لأن السمع والطاعة كانت له حقاً عل كل امرئ، ولم يكن لمؤمن أن يخرج من عقد إمامته ويدعيها لنفسه. (1/75)
صفحة 76
فلما زالت إمارة المؤمنين وولي أمر الإمارة الجبابرة والجورة على عباد الله وفي بلاده، ومضى أهل الإسلام وتفرقوا في الأمصار حل لكل مسلم أن ينكر المنكر، ويأمر بالمعروف، فإذا كان الخروج له حلالاً، واسم الإمامة له حلالاً ما لم يكن في ملك إمام قبله، وكان كل إمام خرج في موضعه كان إمام أناسه وبلد، وكانت ولايته واجبة على المسلمين إذا علموها، فيتولى كل واحد من أئمة الآخر من مواضيعهم، وليس على أحد منهم الانقياد لصاحبه أن يكون عاملاً له ما لم تتصل أمصارهم وحكمهم فيها أو لم يكن أحد منهم من الجبابرة ما لم تجز الإمامة إلا لواحد كان، وعلى الأول والآخر أن يردا ذلك إلى المسلمين، فيختار المسلمون لأنفسهم إماماً، فإن اختاروا أحدهما كان على الآخر أن يسمع له ويطيع، وإن انقاد أحدهما لصاحبه وأسلم الإمامة إليه كان وليها إلا أن يكرهه أهل العلم الذين إليهم عقد الإمامة من أحد الفريقين، ويردَ ذلك إلى الشورى.
وقد بلغني عن والدي محبوب بن الرحيل رحمه الله أنه حمله عنه ذلك بعض أشياخنا أنه ذكر له ذلك في أئمة عمان، وحضرموت فقال : " الأئمة في الأمصار، وكل إمام في مصره، فإذا اتصل حكم المسلمين كانت شورى بين المسلمين.
ولا يجوز أن يسمى أمير المؤمنين لأنه اسم جامع للمؤمنين في كل الأمصار، كما لا يجوز أن يقال أمير الناس كلهم، وإمامهم إلا أن يملك جميع أرض الإسلام، فحينئذ يكون أمير المؤمنين، ويكون على كل إمام أن يسمع له ويطيع، وتبطل الإمامة عنه.
فهذا ما عليه المسلمون، وهذا حفظي عن أشياخ المسلمين، وقولي أدين به من دين ربي، فاتبعوه لعلكم تهتدون. (1/76)
صفحة 77
وفقنا الله وإياكم للعدل والصواب، والحكمة وفصل الخطاب، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وصلى الله على محمد النبي، وعليه السلام ورحمة الله وبركاته " (1).
نعم إنها مشكلة الساعة آنذاك، فبعد أن كان الكل في طور الكتمان تحت لواء الإمام أبي عبيدة في البصرة، فرض عليهم الواقع أن يعلنوا إمامة الظهور في اليمن ثم في طرابلس مع وجود ملك آخر قائم في دمشق، فكيف يكون الحل ؟ ذاك هو ما حير أهل المغرب، ويبدو في الظاهر كأنه يصطدم مع حديث للرسول صلى الله عليه وسلم وقولة لعمر.
وهنا يتصدى محمد بن محبوب للإشكال بكل رصانة وهدوء، وبعد نظر ودقة واستدلال، فيبين كيف يجب أن يفهم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ملحاً على أن الأمر يتعلق بوجود جائر وعادل، فضرب عنق الجائر واجب.
أما قول عمر فعين الصواب، ويكون الأمر مشروطاً بالمصر إذ لا سبيل إلى قيام إمامين عادلين في مصر واحد.
أما إمرة المؤمنين قاطبة فلا يصح التلقب بها إلا لمن كان مثل أبي بكر وعمر مالكاً لأهل القبلة جميعا، ثم بعد ذلك يفصل القول في ما صار إليه أمر المسلمين حيث تحولت إمرة المؤمنين إلى ملك عضوض.
هنالك وجب الخروج على الجبابرة وبهذا يكون كل من خرج إمام ناسه في مصر.
وعند تعدد مثل هؤلاء الأئمة في الأمصار، على كل منهم أن يتولى الآخر من موضعه.
أما إذا اتصل المصران أو الأمصار فوجب أن يسلم الواحد للآخر، أو الاثنان للواحد، أو الكل لواحد، إذ يكون المصر واحداً... فإن استقام هذا بالاتفاق فذاك ما ترجوه الأمة، وقد لا يرتضيه أهل الحل والعقد فيرجع الأمر شورى.
أما إن لم يستقم الاتفاق فيرجع الأمر إلى أهل الحل والعقد من المسلمين.
__________
(1) ــ ن . م. 145-146 والملاحظ أن هذه المخطوطة قد أخرجت نصها مع تحقيق أولي لسيدة إسماعيل كاشف ضمن "السير والجوابات لعلماء ولأئمة عمان" نشر وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان. ونص سيرة محمد بن محبوب يقع في ج2/ من ص113-268. (1/77)
صفحة 78
ــ فإما أن يختاروا أحدهما أو أحداً منهم فعلى الآخر أو الآخرين أن يسمعوا ويطيعوا.
ــ وأما أن يختاروا شخصاً آخر فعلى الكل أن يسمع ويطيع.
ــ وبعد كل هذا التحليل يستدل بما نقل عن أبيه في هذا الشان وهو مدعم لكل ما ذهب إليه وملخصه :
1ـــ جواز وجود إمامين بشرط اختلاف الأمصار وتباعدها، فكل إمام في مصره.
2ـــ لا يلقب أمير المؤمنين إلا من يملك جميع أراضي الإسلام.
أما الخاتمة فجاءت تقريراً قطعيا لما وصل إليه من نتيجة، ودعوة صريحة لأهل المغرب لأتباعها " وقولي أدين به من دين ربي، فاتبعوه لعلكم تهتدون ".
نعم يعتبر ابن محبوب أن الهداية تكمن في اتباع هذا المسلك الذي استقر في رأيه واعتقده ديناً من دين الله تعالى، والملاحظ أن هذه المسألة هي مسك الختام، لذلك توجت بالدعاء بالتوفيق للجميع و" للعدل والصواب، والحكمة وفصل الخطاب" مع الصلاة والسلام على أشرف المرسلين.
إنَ هذا الذي وصل إليه ابن محبوب، وهو نابع من صميم الواقع الإباضي آنذاك، مع ما جاء قبله من مواقف وأقوال في شأن الإمامة سيكون دعامة لنظرية الإباضية في هذا الشأن، ولا يخفى على أحد اختلاف وجهات نظر الفرق الإسلامية في شأن هذه المسألة التي دوَخت المسلمين، وما تزال تدوخهم وتدوخ العالمين.
3ـــ جل المسائل الباقية : تتلق بأحوال العمال وحسن اضطلاع القضاة بمهمة القضاء، وما يطرأ في ذلك من الرشوات، أو قبول الهدايا، أو التحري وعدمه بالنسبة إلى البينة والشاهدين ومن ذلك :
المسألة 10 : ص124 : حكم العامل إذا كان لا يعمل إلا برأيه دون الاستناد على علم وأثر.
عناصر الجواب : لا يعذر من يركب معصية بجهل.
الرأي تسبقه مراحل. تحديد شروط المجتهد. إنفاذ الرأي لا بد أن يكون عن علم أو عن استشارة من يعلم.
المسألة 26و27 ص131 كيف يعامل من يجبي المال للجبابرة لا يوليه المسلمون أماناتهم، ثم يستتاب، فإن تاب وإلا سقطت ولايته عند المسلمين. (1/78)
صفحة 79
ولمزيد الاطلاع يمكن أن ينظر في المسائل التالية :
المسألة عدد 28 ص131.
المسألة عدد 37 ص135.
المسألة عدد 38 ص135.
المسألة عدد 42 ص137.
المسألة عدد 48 ص139.
هذا عن المسائل العملية فماذا عن المسائل النظرية ؟
( المسائل النظرية
المسألة عدد 39 ص136 : العقد للإمام .
السؤال : وعن عقد الإمام كيف هو ؟ وهل ذلك كلام معروف عند المسلمين ؟
الجواب : فالذي أدركنا عليه أسلافنا وأئمتنا في ديننا إذا عقدوا لأئمتهم بايعوهم على طاعة الله، وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، وعلى الشراء في سبيل الله، واتباع آثار أئمة الهدى، ومشاورة أهل العلم في أمر الله.
وله الطاعة على المسلمين ما أطاع الله ورسوله من بعد أن يكون عندهم أهلا للإمامة،أميناً على ما قلدوه من أمر الله وأتمنوه عليه من أمانة الله، وعلى الرعية والذين يلون عقد الإمامة خاصة المسلمين، وليس ذلك لعامتهم إذ يتولى ذلك الخاصة، وكذلك هو عندهم أن أمر عقد الإمامة للخاصة العلماء والأشياخ دون العامة.
المسألة عدد 44 ص137 : تعريف العدل والعدالة.
المسألة عدد 10 ص124 : تحديد شروط المجتهد، وذلك عن الإجابة عن سؤال يتعلق بحكم العامل الذي يعمل بما بدا له دون أن يكون عالماً بالنصوص.
" وإنما يجوز النظر بالرأي للحاكم ولمن يشاور فيه من العلماء إذا كان وكانوا على ما وصفت لكم من العلم بكتاب الله وأحكامه وأقسامه، وناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وآثار أئمة الهدى العلماء فإذا كان وكانوا كذلك جاز لهم الرأي إذا اجتهدوا فيه وقاسوه على الكتاب أو السنة، أو الأثر، فرأوه أشبه بالحق جاز لهم النظر بالرأي، وإذا لم يكن ولم يكونوا كذلك لم يجز له ولا لهم الرأي ". (1/79)
صفحة 80
هذا ما جاء من الأجوبة في هذه السيرة، وقد تبينا أن الجانب النظري قليل إذا قورن بالجانب العملي، وذلك هو شأن الأجوبة إذ يكون العالم جاداً في البحث عن الحلول، وهذا يتطلب مزيداً من التحليل والتعليل. على أن كل هذا سيكون دعامة لمن سيتولى التنظير لهذه القضايا في المدرسة الإباضية في ما بعد.
التحليل الحضاري لهذه المسائل
إن التحليل الحضاري لما جاء في هذه السيرة من المسائل يثبت أن البيئة الإباضية في المشرق والمغرب عرفت من التعقيد الحضاري الشيء الكثير، وذلك أن الخلاف الداخلي دب فيها، وهو من أكبر عوامل الوهن، إلى جانب ما تواجهه على الجبهة الخارجية من ضغط الدولة العباسية الناشئة، وهو ما وقعت الإشارة إليه في شأن التعامل مع الجبابرة.
وكتب السير المغربية تثبت أن فتنة النكار، والخلفية (1) قد زعزعت كيان المحيط الإباضي في المغرب، وأثارت فيهم عديداً من الشبهات على حد أن النكار يلقبون بالنجوية لكثرة إثارتهم لهذه الشبهات حول الإمام نفسه، وحول عماله، وقضاته، وذلك هو شأن المعارضة، مما جعل أصحاب الرسالة يتحرون الإجابة من المشارقة في مثل هذه المسائل الدقيقة.
__________
(1) ــ النكار : هم الجماعة الذين انشقوا عن الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم، وكان على رأسهم يزيد بن فندين وذلك سنة 171/787 يقول الشماخي : النكار هم فرقة من الإباضية اتبعوا في الكلام عبدالله بن يزيد الفزاري ( انظر ص86 تعليق 108 ) ويأخذون في الفقه بقول ابن عبد العزيز وأبي المؤرج. البعد 106 نظام : 155.
ــ الخلفية : هم أتباع خلف بن السمح بن أبي الخطاب عبد الأعلى المعافري. عين خلف هذا نفسه والياً على جبل نفوسه عند وفاة أبيه دون انتظار أمر الإمام عبد الوهاب فأمر هذا الأخير بعزله، فشق عليه عصا الطاعة مع جماعة فجابههم والي الإمام وهو أبو عبيدة إلى أن شردهم زمن الإمام أفلح في 13 رجب 221/22 جوان 837. نظام : 157. (1/80)
صفحة 81
كما أن عمان هي الأخرى عرفت ضربة قاسية من الجبابرة بعد سقوط إمامة الجلندى بن مسعود، ومثل هذا المحيط بما فيه من الصراع الداخلي من شأنه هو الآخر أن يثير عديداً من القضايا في ما يتعلق بأولي الأمر، خاصة وأن الفكر الإباضي اتسم من يومه الأول بالتحري الكبير مع هؤلاء، وكانت ثورتهم حيثما قامت ثورة على الظلم والظالمين، مهما قلَت نسبة هذا الظلم.
أما بلاد اليمن فقد ظلت تصارع بين الكتمان والظهور بعد الضربة التي منيت بها حركة طالب الحق التي كانت طموحة إلى الإطاحة بالأمويين، والوصول إلى إمرة المؤمنين.
والملاحظ أن كل هذه الإجابات جاءت مدعَمة بقضية الولاية والبراءة، ذلك أن كل من تثبت عليه معصية من المعاصي المشار إليها في المسائل يستتاب، فإن تاب في بعض الأحيان تقبل توبته ويبقى على ولايته الأولى، وفي بعض الأحيان حتى وإن تاب يخلع، أما إن لم يتب وأصرَ فالخلع، ويصل الأمر إلى المحاربة والقتل، وفعلاً لقد كان وما يزال نظام الولاية والبراءة الشخصية الدرع الحصين في البيئات الإباضية الملتزمة.
هذه بعض الملامح عن البعد الحضاري لسيرة محمد بن محبوب لأهل المغرب وهي في الحقيقة ما تزال في حاجة على التحقيق، وإلى دراسة تحليلية ضافية لما طفحت به من القضايا السياسية والفقهية والأصولية يعتمد فيها صاحبها على القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، وعلى مواقف أئمة الإباضية وعلمائهم، ولذلك تتكرر في السيرة صيغة : " كما أمر كتاب الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم" وصيغة " واعلموا رحمنا الله وإياكم أن الذي أدركنا عليه علماءنا وأسلافنا " وما شابهها مثل : " على ما مضى عليه أوائلنا وأسلافنا ".
3) العهد المرسل إلى الغزاة الذين توجهوا للدفاع عن سقطرى(1)
__________
(1) ـ سقطرى : جزيرة طولها ثمانون فرسخا وبها الصبر، وبها نخل كثير، ويسقط إليها العنبر، وبها دم الأخوين، وهي جنوب عمان، بينها وبين عمان بحر الحبشة" تحفة : 1/166. (1/81)
صفحة 82
يقول السالمي : " ووجد بخط الشيخ أبي عبدالله محمد بن إبراهيم بن سليمان، مكتوباً في بعض الكتب أنه عن أبي عبدالله بن محبوب رحمه الله (1) .
ويورد السالمي نص هذا العهد على أنه منسوب إلى الإمام الصلت بن مالك.
وليس لي في هذا التعريف المتواضع لمحمد بن محبوب أن أرجح بين الموقفين اللذين لم يرجح بينهما السالمي على جلالة قدره، وسعة علمه، وحسن اطلاعه على الآثار العمانية، وقدرته على التمييز بين النصوص وتمحيصها.
وإنما أحببت أن أنقل هذا الخبر الذي لم يغفل السالمي عن ذكره عسى أن يقع الوقوف في المستقبل إن شاء الله تعالى، عند هذا النص مع مقارنته بنصوص أخرى من كتابات الرجلين، للوصول إلى تحمل المسؤولية الأدبية بالدليل القطعي في نسبته إلى أحدهما، لأن كلا منهما أوتي من العلم ما يمكنه من تدبيج مثل هذا العهد.
وهو عهد ينهل من معين الشريعة الصافي بالنسبة إلى فقه شؤون الجهاد في سبيل الله، فيما يتعلق بقيادة الجيش وأحوالها، وعلاقاتها مع المجاهدين، وفيما يتعلق بطريقة معاملة العدو، وفيما يتعلق بأحوال نتائج ذلكم الجهاد وما يحصل عنه من نصر وغنائم، أو ما يحصل عنه من تراجع مؤقت أو انهزام لأن الهزيمة واردة كما أن النصر وارد.
__________
(1) ــ تحفة : 1/184. (1/82)
صفحة 83
وعسى أن يمن الله بفرصة لمزيد الوقوف عند هذا العهد الذي نلمس خلاله أثر خطب الأئمة الأول وخاصة منها خطب الإمام طالب الحق وقائده أبي حمزة الشاري (1) ذاك هو قانون الجهاد في سبيل الله كما نظر إليه الإباضية وعملوا به في كل معاركهم مهما كلفهم من ثمن.
الخاتمة
__________
(1) ــ أبو حمزة الشاري ( 130/748 ) المختار بن عوف بن سليمان بن مالك الأزدي السليمي البصري . من الخطباء القادة ولد بعمان إباضي. أرسله أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة وبلج بن عقبة إلى نجدة عبدالله بن يحيى ( طالب الحق ) وتوجه أبو حمزة من اليمن يريد الشام لقتال مروان بن محمد وتبعه جميع أهلها ( اليمن ) ومر بالمدينة فقاتله أهلها في قديد فقاتلهم ودخلها عنوة ثم تابع زحفه نحو الشام، وقد ألقى خطبة بمكة وأخرى بالمدينة ما تزال كتب الأدب تنوه بقيمتها البلاغية. فوجه مروان بن محمد إليهم جيشاً بقيادة عبد الملك بن محمد بن عطية السعدي وانتهت المعركة بمقتل أبي حمزة 130/748 .ر. الدرجيني : الطبقات 2/258-267. وقد أورد الخطبتين ص266-267.ر. الشماخي: السير 98/10 .ر. الزركلي : الأعلام 8/71.
ملاحظة : يعرفه الإباضية بأبي حمزة الشاري أو الإباضي ولا يستعملون الخارجي. (1/83)
صفحة 84
إن هذه المغامرة في اقتفاء أثر محمد بن محبوب بن الرحيل القرشي العماني لم تصل بنا إلى متاهة والحمد لله ــ إذ علمتنا التجربة أن أخبار علماء السلف نادرة، ذاك أنهم يسعون إلى إخفائها خشية الوقوع في الرياء والغرور، تلك سمة تكاد تكون قارة في الحضارة الإسلامية عامة وعند الإباضية خاصة وذلك لأنهم مطاردون غالباً، ويعيشون في حالة كتمان ــ بل إنها مغامرة مكنتنا من المرور على أخبار الإباضية من نشأتهم الأولى منذ انفصالهم عن المحكمة سنة 64/683 حيث اختاروا القعود والبناء الداخلي وانتظار الفرصة السانحة للظهور. وقد اختاروا البصرة منطلقاً لدعوتهم وأنشأوا هناك حركة علمية دعوية متجذرة في أصولها تواقة لمستقبل يرنو إلى سياسة العالم الإسلامي سياسة العمرين، وكاد يتحقق لهم ذلك بوصول أبي حمزة الإباضي إلى الحرمين الشريفين والانطلاق من هناك إلى دمشق حيث كانت الخلافة الأموية تحتضر، لكنها رغم احتضارها هذا استطاع مروان بن محمد الجعدي ( 72ــ132/792ــ 850 ) آخر خلفائها أن يئد هذه الحركة قبل أن تدرك مبتغاها، إلا أنه نال وخلافته ما تناله الدول الهرمة من غلبة الخلافة العباسية الناشئة.
كما مكنتنا مغامرتنا هذه مع محمد بن محبوب من أن نتابع مسيرة الإباضية حيث ظلوا يقيمون الإمامات الواحدة تلو الأخرى إلى أن تمكنوا من إقامة الإمامة الثانية بعمان، هذه الإمامة التي عاش في كنفها محمد بن محبوب هذا، إذ أثبتت المصادر العمانية وفاته بكل دقة في 3 محرم 260/ 29 اكتوبر 873. فمكننا هذا من افتراض تاريخ تقريبي لولادته
190/805 إنه حينئذ نصف قرن تقريبا من العطاء. (1/84)
صفحة 85
وتستمر المغامرة مع هذا النصف قرن فتكشف لنا المصادر أنها ليست شحيحة بالإخبار عن الرجل ومحيطه كما هي الشأن غالباً. ذاك أنه ثبت أن عمان آنذاك كانت وريثة مركز الدعوة بالبصرة وبمكة، إذ آل دورهما إلى الزوال، وذلك خاصة بانتقال الربيع بن حبيب آخر أئمة أهل الدعوة بالبصرة إلى عمان رفقة ربيبه ووالد محمد بن محبوب ألا وهو أبو سفيان محبوب بن الرحيل القرشي أشهر من كتب في سير الإباضية في زمانه.
وفعلاً أسفرت هذه الحركة العلمية عن قيام الإمامة الثانية بعمان ثلاث عشرة سنة قبل ولادة محمد بن محبوب تلك الإمامة التي زامن مترجمنا نصف حياتها.
وبهذا ثبت لدينا أن نشأته زامنت ازدهاراً سياسياً منطلقهُ إمامة شورية بأتم معنى الكلمة على الراعي والرعية فأنتج الكل عدلا وطمأنينة، كما زامنت ازدهاراً علمياً ثبت معه ثقل العطاء الإباضي للحضارة الإسلامية، ولم تكن هذه النشأة بمعزل عما يجري في العالم الإسلامي ذاك أن ديار أبي سفيان والد محمد مشهورة بمكة وإليه ثم إلى ابنه كانت ترجع إدارة موسم الحج سنوياً، وليس هنالك محطة أنسب من الحرمين الشريفين للتعرف على أخبار المسلمين عامة وأخبار الإباضية خاصة أن هؤلاء تمكَن شقهم المغربي من أن يقيم هو الآخر إمامة ظهور بتاهرت وهي الإمامة الرستمية التي أسسها رفيق الربيع بن حبيب العماني في مدرسة أبي عبيدة وهو عبد الرحمن بن رستم.
وفعلاً قد آتت مثل هذه النشأة في تربة خصبة أكلها بعد حين، فإذا بمحمد بن محبوب يشار إليه بالبنان في المحافل العلمية للبت في القضايا المطروحة في المحيط الإباضي، ثم إذا هو رأس مجلس أهل الحل والعقد لاختيار إمام الأمة ثم للاحتساب عليه وعلى الأمة وحل مشاكل الجميع قبل أن يختار قاضيا في صحار عاصمة الإمامة الثانية.
وبهذا تجلَت لنا أبرز سمات محمد بن محبوب وعصره، ونلخصها في الخطوط التالية :
1 ــ إنه شاهد على عصر من عصور الازدهار بأتم معنى الكلمة ببلاد عمان (1/85)
صفحة 86
( القرن الثالث/9 )
2 ــ إنه ثمرة من ثمرات الحركة العلمية المنبثقة من مركز الدعوة الأول بالبصرة.
3 ــ دخول تدريجي في مجرى أحداث عمان، وذلك بما أوتي من غزارة علمية وفكر ثاقب وجرأة مع مرونة في المواقف الحرجة.
4 ــ القدرة على التصدي للقضايا العقدية والنظرية والعلمية المطروحة على الساحة الإباضية بعمان وغيرها من مواطن الإباضية :
أ ــ عدم الخلط بين ما هو خاصٌ وعامٌ في قضية الإمام المهنا فبراءته الشخصية منه لم تؤثر في القدح في إمامة الرجل حياً وميتاً لأن الأمر يتعلق بما يجوز فيه الخلاف، حيث كان الإمام يرى الشدة في قضية ما، ويرى محمد بن محبوب المرونة فيها.
ب ــ صرامة واضحة مع القائلين بالقدر وتدعيم موقف الإباضية الأول في شأن البراءة من هؤلاء والدعوة إلى التمييز بين القدر والمقدور وتحميل المسلم مسؤوليته أمام الله تعالى ليكون مكتسباً مكلفا بحق.
ت ــ مرونة قصوى في شأن القول في القرآن الكريم رغبة في المحافظة على وحدة الأمة رغم شدة الطرف المقابل، ولذلك وقع الاكتفاء بالتعميم وهو قول لا يخل بالعقيدة.
ث ــ التحري الكامل في شأن الدماء، ومعلوم أن قضايا القتل من أدق القضايا في فقه المعاملات : ونعني القتل الخطأ.
ج ــ أما المفسد في الأرض فلا هوادة معه.
5 ـــ إنه الاجتهاد بأتم معنى الكلمة ثبت معه مسلك الإباضية في الاعتماد على القرآن الكريم والسنة الشريفة والإجماع والقياس.
6 ـــ مواكبة مع ذلك للواقع السياسي الإباضي خاصة والإسلامي عامة :
أ ــ البيعة لمن يستحق البيعة مهما كان جنسه ولونه.
ب ــ السكوت عما يجب السكوت عنه من عيوب الإمام إذا كان ذلك لا يخل بالشروط المعروفة.
ت ــ جواز إمامتين إذا تباعدت الأقطار.
ث ــ لا يطلق لقب أمير المؤمنين إلا على من كان بحوزته كل العالم الإسلامي.
7 ـــ قاض محنك، عدلٌ في أحكامه، يعطي كل ذي حق حقه. (1/86)
صفحة 87
8 ـــ غزارة في الإنتاج العلمي ذاك أننا أثبتنا ما نسب إليه من كتابة سبعين جزءاً في الفقه وإن كان الكتاب مفقوداً، بالإضافة إلى كتابات أخرى تنم عن عقل نير في معالجة القضايا الدقيقة.
ذاك هو محمد بن محبوب بن الرحيل كما بسطنا أبرز ملامح حياته وعطائه، مجتهدٌ من كبار مجتهدي زمانه وكفى.
عايش كبريات الأحداث في محيطه وكان موقفه منها في غاية النصاعة والتوفيق.
ولا يفوتنا في الختام أن نثبت أن محمد بن محبوب مع أبيه وابنيه وحفيديه يكونون مدرسة علمية بحق، يمكن أن يطلق عليها اسم المدرسة الرحيلية، ولمن أراد أن يغامر معها فليغامر، ويكفينا أننا مهدنا السبيل لهذا المسلك إذ لا ندعي أننا وفينا الرجل حقه في مثل هذا العمل المتواضع.
المصادر والمراجع
ــ ابن حزم ( 456/1064 ) :
ــ الفصل في الملل والأهواء والنحل، مطبعة التمدن، نشر دار الفكر 1321/1903.
ــ م1 . ط 1317. ج1 : 224 ص، ج2 : 193 ص.
ــ م 2 ط 1320. ج 3 : 264 ص.
ــ م3. ط 1321. ج 4 : 227 ص، ج 5 : 142.
ــ ابن خلدون ( ابن خلدون ) ( 808/1406 )
ــ المقدمة وكتاب العبر ، ط بيروت 1967.
ــ ابن خلفون ( أبو يعقوب يوسف ) ( 6/12 ) :
أجوبة ابن خلفون. تحقيق وتعليق عمرو خليفة النامي. دار الفتح. بيروت 1394/1974. 128 ص.
ابن رزيق ( حميد بن محمد 9 ) ( 1274/1857 ) :
الفتح المبين في سيرة السادة البوسعيديين. تحقيق عبد المنعم عامر. و د محمد موسى عبدالله. مطابع سجل العرب القاهرة. نشر وزارة التراث العماني 1379/1977 ( 614 ص )
ــ ابن سلام الإباضي ( لؤاب ) ( 273/887 )
بدء الإسلام وشرائع الدين. تحقيق قيرز شفارتس والشيخ سالم بن يعقوب. ط. دار صادر بيروت 1406/1986 . 200 صفحة.
ــ أبو القاسم ( عمرو بن مسعود ) (معاصر ) : (1/87)
صفحة 88
الربيع بن حبيب محدثاً. رسالة ماجستير قدمت بجامعة الفاتح بكلية التربية قسم اللغة العربية والدراسات الإسلامية سنة 1983. المطبعة العربية بغرداية الجزائر. نشر جمعية التراث.
ــ الأزكوي ( سرحان بن سعيد ) ( 12/18 ) :
تاريخ عمان المقتبس من كتاب كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة، حققه عبد المجيد حسيب القيسي، تحقيق أولي بسيط، عرض في التقديم لجميع الأبواب، والقسم المطبوع وهو قسم من أبواب الكتاب 4- 33 - 36 - 37 - 39 ، مع إضافة فصل لمؤرخ مجهول عن البوسعيديين ومنها السلطان قابوس. 164 ص، عمان , مطابع سجل العرب, د.ن 1980 - نشر وزارة التراث القومي بعمان وهذا القسم ترجم إلى الإنجليزية.
E. G. Ross. Annal of Oman old days until 1728. J. G
أخبار عمان من أقدم العصور حتى عام 1728م . الجمعية الاسبيرية بالبنغال 1974م . وقد حققته الباحثة الألمانية هيدرج كلاين سنة 1938 . الفصل الرابع من كتاب كشف الغمة وجعلته رسالة للدكتوراه. ونسبته إلى الأزكوي فيها نظر؟
- الباب التاسع والعشرون من كتاب كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة. في اعتقاد الفرقة الوهبية الإباضية من ص16 إلى 22 ملحق بأطروحة كوبرلي نجد محاولة تحقيق 14×24سم بالهوامش 280ص .
- الباروني ( سليمان بن عبد الله ) ( 1359/1940 ) :
- كتاب الأزهار الرياضية في أئمة الإباضية . البارونية . القاهرة د.ت . ج2 : 311ص ولم يطبع . ج1 .
- الباروني ( أبو الربيع سليمان ) ( معاصر ) :
- مختصر تاريخ الإباضية , يطبع بالمطابع العالمية سلطنة عمان , الطبعة الثالثة , 79ص . د.ت .
- الباروني ( عبد الله بن يحيى النفوسي ) ( 1331/1913)
- رسالة سلم العامة والمبتدئين إلى معرفة أئمة الدين ألفها 1290/1873 محلاة ببعض كلمات كالحاشية ولا تخلو من فائدة حررها ابن المؤلف رحمه الله سليمان باشا الباروني . د.ت . 56ص .
- الباروني ( محمد بن زكريا ) ( 997/1589) : (1/88)
صفحة 89
- نسبة الدين . ط. حجرية 1301هـ ملحق بسير الشماخي . ص587 .
- بحاز ( إبراهيم بكير ) ( معاصر ) :
- الدولة الرستمية ( 160 - 196 / 777 - 909 ). دراسة في الأوضاع الاقتصادية والحياة الفكرية . ط1 . مطبعة لافوميك الجزائر 1985 .
- البرادي ( أبو القاسم ) ( 9/15 ) :
- رسالة تأليف أصحابنا . ملحق بكتاب الموجز لأبي عمار عبد الكافي . تحقيق عمار الطالبي . الشركة الوطنية للنشر والتوزيع . الجزائر 1398/1978 .
- كتاب الجواهر المنقاة في إتمام ما أخل به كتاب الطبقات ( الدرجيني ) . ط. حجرية : القاهرة 1302/1885 .
- ( الجعبيري ) فرحات :
- نظام العزّابة عند الإباضية الوهبية في جربة المعهد للآثار بتونس .ط. العصرية 387.975 ص .
- البعد الحضاري للعقيدة الإباضية . نشر جامعة السلطان قابوس مطبعة الألوان الحديثة . عمان 1408 / 924/1987ص .
- عوامل الملل والنحل للشهرستاني . الجويني للنشر . تونس 2000
- حموّ ( الهادي ) ( معاصر ) :
- أضواء على الشيعة . دار التركي للنشر 1987 .
- الدرجيني ( أحمد بن سعيد ) ( 670 / 1271 ) :
- طبقات المشائخ بالمغرب. حققه وقام بطبعه إبراهيم طلاي, مطبعة البعث. قسنطينة , الجزائر . ج1: 208ص, ج544 : 2ص .
- الراشدي ( مبارك ) ( معاصر ) .
- الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة وفقهه.( 45 ــ 145 / 885 ــ 762 ). دكتوراه مرحلة ثالثة نوقشت بكلية الشريعة وأصول الدين بتونس . مطبعة الوفاء المنصورة ط1 . 1413/ 1993 ( 698 صفحة ) .
- نشأة التدوين للفقه واستمراره عبر العصور . محاضرة ألقيت بندوة الفقه الإسلامي بجامعة السلطان قابوس 22 - 26 شعبان 1408 / 9 - 13 ابريل 1988 ص 101 - 254 .
- السالمي ( نور الدين عبد الله بن حميد ) ( 1332 / 1914 ) .
- تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان . نسخة مصورة عن الطبعة الأولى التي حققها أبو إسحاق إبراهيم اطفيّش . نشر مكتبة الاستقامة د.ت مجلد في جزأين . 1 / 404 . ج2 / 1324 / 162 . (1/89)
صفحة 90
- السعدي ( جميل بن خميس ) ( 13 / 18 ) :
- قاموس الشريعة وعدد أجزائه 93 فهو موسوعة إسلامية قيد فيها جميع فنون الشريعة الإسلامية . ما تزال الوزارة تواصل طبعه وقد بلغت 30 مجلدا .
- السيابي ( سالم بن حمود ) ( 1326- 1415 / 1908 - 1999 ) :
- أصدق المناهج في تمييز الإباضية من الخوارج . تحقيق وشرح الأستاذة د. سيدة إسماعيل كاشف أستاذة التاريخ الإسلامي . كلية البنات جامعة عين شمس القاهرة . مطابع سجل العرب 1979 وهو القسم الأول 1 - 64 من كتاب يضم قسمين آخرين القسم الثاني : كتاب وهب السّما في أحكام الدّما 65 - 106 منظومة . القسم الثالث : 107 - 120 قصيدة ميميّة في القسامة .
- إزالة الوعثاء عن اتباع أبي الشعثاء . نفس المحققة السابقة . ن. الطبعة 1979/124 صفحة .
- طلقات المعهد الرياضي في حلقات المذهب الإباضي مطابع سجل العرب 1400 / 1980 . نثر 160 صفحة قسم 1 تراجم : قسم 2: عقيدة .
- الحقيقة والمجاز في تاريخ الإباضية باليمن والحجاز ط. سجل العرب 1400 / 1980 . 154 صفحة نثر .
- العقود المفصلة في الأحكام المؤصّلة : 3 أجزاء دون ذكر الطبعة . نظم : عقد الزوجية وبقية العقود 30 ألف بيت . 1402 / 1982 .
- هدى الفاروق د.ط . 1403/ 1984 في القضاء نثر 165 صفحة .
- مقاصد الأبرار على مطالع الأنوار . المطبعة الشرقية . مطرح عمان 1404/1983 . شرح لمنظومة عنوانها مطالع الأنوار للشيخ أحمد بن سعيد بن خلفان الخليلي في الوصايا .
- معالم الإسلام في الأديان والأحكام .د. مطبعة 264 صفحة نظم أغلبه في النكاح مع قضايا أصولية عقدية 20 ألف بيت .
- عمان عبر التاريخ 4 أجزاء. مطابع سجل العرب 1406/1986. تتبع فيه كامل تاريخ عمان من الجاهلية إلى هذا التاريخ .
- مصنف مجهول : (1/90)
صفحة 91
- كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة تحقيق ودراسة وتعليق أحمد عبيدلي. رسالة ماجستير في الدراسات الإسلامية نوقشت بالمعهد العالي للدراسات الإسلامية التابع لجمعية المقاصد الخيرية في بيروت في 11 محرم 1405 / 6 تشرين الثاني 1984 دلمون للنشر نيقوسيا . قبرص 1045/ 1985447 صفحة . صفحة ص 293.263 ضمن ( سلسلة الجزيرة العربية 1 ) الراجع أن الكتاب ألف قبل القرن 8/14 .
- ندوة عمان في التاريخ .
- عمان في التاريخ . دار أمبيل للنشر . لندن . نشر وزارة الإعلام بعمان
1995 ( 560 صفحة ) .
- هاشم ( مهدي طالب ) ( معاصر ) :
- الحركة الإباضية في المشرق العربي . نشأتها وتطورها حتى نهاية القرن الثالث / 9. رسالة ماجستير نوقشت بكلية الآداب في جامعة بغداد . كانون الثاني 1977 . دار الاتحاد العربي للطباعة . ط1. 1401/1981 (351 ص).
- الوارجلاني ( أبو زكريا ) ( ق 5و6/ 11و12 ) :
- كتاب السيرة وأخبار الأئمة . تحقيق عبد الرحمان أيوب الدار التونسية للنشر ــ تونس 1985
المراجع العامة والمعاجم العربية
( ترتيب ألفبائي)
ابن منظور ( محمد بن مكرم ) ( 630/799 )
لسان العرب, إعداد وتصنيف يوسف خياط, مرتب حسب الألف بائية, قدم له عبد الله العلائلي. 4 مجلدات . خصص الرابع للمصطلحات العلمية والفنية, عربي فرنسي إنجليزي لاتيني - دار لسان العرب بيروت د.ت .
خير الدين الزركلي :
الأعلام يحتوي على 8 مجلدات دار العلم للملايين بيروت ط 6.1984
محمد فؤاد عبد الباقي :
المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم - مطابع الشعب 1978 . المعجم المتوسط أشرف على طبعه عبد السلام هارون - مطبعة مصر . شركة مساهمة مصرية 1960 -1961 .
ونسنك ( 1358 /1939 ) (1/91)
صفحة 92
المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي عن الكتب الستة وعن مسند ابن حنبل . ابتدأ ترتيبه وتنظيمه ونشره أزب - ونسنك و ي ب منسنج واتبع نشره الاتحاد الأممي للمجامع العلمية . و ب د ي هاس و ي فن لون وعات ب دي بروين مع مشاركة محمد فؤاد عبد الباقي 7 أجزاء من سنة 1936/1969
ياقوت الحموي ( 626/1229 )
معجم البلدان : 5 مجلدات . دار صادر للطباعة والنشر ودار بيروت للطباعة والنشر . بيروت 1374/ 1953 .
دائرة المعارف الإسلامية 2Ei . الطبعة الفرنسية .
المراجع الأجنبية
( ترتيب ألفبائي حسب أسماء المؤلفين )
Cuperley Pierre:
- Professions de foi ibadites : contribution a l'etude de L'ibadisme et de paris – IV – Sorbonne . Lettres et Civilisation . Paris 1982 Tomes : 655 power point 3e tome 208P. Textes arabes.
- Ennami A.K.
- Studies in Ibadism Accompanied by a critical edition of :
1- Section II , part 1 of K . Qawa'id al-slam of Isma'ilb. Musa-Jitali.
2- K – usul al-Din of Tabghurin b. Dawud. v'isa al-Malshuti.
3- Ajwibat Ibn halfun by'Abu Ya'qub yusuf b khalfan.
4- Thesis submitted to the university of Cambridge for the degree of Doctor of Philophy. Fitzwilliam College Cambridge may 1971 . 430 P.
البحث الثالث
بعنوان
تطور التشريع الفقهي
في عمان حتى القرن الثالث الهجري
للباحث
بدر بن سعود الدغيشي
وزارة الأوقاف و الشؤون الدينية
بسم الله الرحمن الرحيم
درست هذه الورقة النقاط التالية :-
- لمحة عن نشأة الفقه وتطوره وازدهاره
- مدرسة الصحابة الفقهية بعمان
- عمان وامتداداتها التشريعية والفقهية والفكرية للبصرة
- دور حملة العلم في التطورات الفقهية بعمان
- أعلام الفقه العماني ودورهم في التطورات الفقهية بعمان
- المدرسة الرحيلية عقود من العطاء
الفقه لغة :- (1/92)
صفحة 93
الفهم مطلقا سواء ما ظهر أو ما خفي قال سبحانه حكاية عن قوم شعيب { قالوا يا شعيب ما نفقه كثيراً مما تقول } ( هود 91 ) وقوله تعالى : { وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم } ( الإسراء 44 ) فالآيتان تدلان على نفي الفهم مطلقاً.
- الفقه هو الشيء الدقيق يقال فقهت كلامك أي ما يرمى إليه من أغراض وأسرار، ولا يقال فقهت السماء والأرض، ويدرك الناظر لآيات القرآن الكريم أن لفظ الفقه لا يأتي إلا للدلالة على إدراك الشيء الدقيق كما في قوله تعالى { هو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون } الأنعام 98، وأما الآيتان السابقتان فليس المنفي فيهما مطلق الفهم وإنما المنفي في قول قوم شعيب إدراك أسرار دعوته وإلا فهم فاهمون لظاهر قوله، والمنفي في آية الإسراء إدراك أسرار تسبيح كل شيء لله تعالى، وإلا فإن أبسط العقول تدرك أن كل شيء يسبح بحمد الله طوعاً أو كرهاً لأنها مسخرة له.
أما الفقه عند الفقهاء فيطلق على أحد المعنيين :
1 ــ حفظ طائفة من الأحكام الشرعية العلمية والواردة في الكتاب أو السنة أو وقع الإجماع عليها، أو استنبطت بطريق القياس المعتبر شرعاً أو بأي دليل آخر يرجع إلى هذه الأدلة، سواء أحفظت هذه الأحكام بأدلتها أم بدونها، فالفقيه عندهم لا يجب أن يكون مجتهداً كما هو رأي الأصوليين.
2ــ إن الفقه يطلق على مجموعة الأحكام والمسائل الشرعية العلمية , وهذا الإطلاق من قبيل إطلاق المصدر وإرادة الحاصل به قوله تعالى { هذا خلق الله } ( لقمان 11) أي مخلوقه .
أما الفقه في القانون فهو : مجموعة الآراء القانونية الصادرة من المشتغلين بعلم القانون (1/93)
صفحة 94
( الفقهاء ) ، أو جماعة الفقهاء الذين يشتغلون بشرح القانون في شكل مؤلفات أو فتاوى أو تعليقات على الأحكام أو بالتدريس في الجامعات الشريعة في اللغة : العتبة ومورد الشاربة وتطلق عند علماء الإسلام على ما يطلق عليه اسم الشرع ومن ذلك قوله تعالى :
{ ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها } ( الجاثية 18 ) وقوله : { ولكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا } ( المائدة 48 ) وفي العصر الحديث شاع إطلاق لفظ الشريعة على ما شرعه الله من أحكام عملية فهي بهذا الإطلاق تكون مرادفة للفظ فقه بالاعتبار الذي عليه المتأخرون .
والتشريع في اللغة: مصدر شرع أي وضع قانونا وسن قواعد , وهو مشتق من الشريعة وفي الاصطلاح : هو خطاب الله تعالى المتعلق بالعباد طلبا أو تخييرا أو وضعا .
ويطلق الآن أيضا على وضع القوانين فيراد به وضع القواعد القانونية بواسطة السلطة المختصة في الدولة.
لمحة عن نشأة الفقه وتطوره وازدهاره :
لم يظهر الفقه بالمعنى المعروف في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا عصر كبار الصحابة فكان العمل بكتاب الله عز وجل وسنة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - واستعمال الاجتهاد والرأي فيما ليس فيه نص من المصدرين السابقين ، إلا أن الفقه شرع في الاتساع والنمو في عصر الصحابة ومن جاء بعدهم وذلك لأسباب منها :-
نزول الوقائع والحوادث غير المعهودة في حياة الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
الحروب وما تمخضت عنه من قضايا وعلاقات بين المسلمين وغيرهم أثناء الحرب وبعدها.
امتداد سلطان الإسلام بفتوحاته لكثير من البلدان ولا شك أن لكل بلد تقاليده وعاداته وأعرافه ونظمه .
أدت هذه الأسباب وغيرها إلى كثرة المسائل الفقهية لمعرفة حكم الله فيها واجتهد الصحابة واتفقوا فكان الإجماع كما أنهم اجتهدوا واختلفوا وانفرد كل برأيه , ومقولة أبي بكر شاهدة على ذلك حينما قال : هذا رأيي فإن يكن صوابا فمن الله وإن خطأ فمني ومن الشيطان . (1/94)
صفحة 95
والمتتبع لتطور الفقه وتشريعاته يجد أنه لم يبلغ أعلى مراتبه دفعة واحدة , وإنما أخذ في السير متدرجا إلى مراتب الكمال حتى أوشك أن يبلغ ذروته ومنتهاه بعد القرن الثاني الهجري , وقد جعل بعض الباحثين التطور الفقهي في أربعة أدوار حسب الزمن ويعتبر عصر النبي - صلى الله عليه وسلم - منذ تلقيه الوحي إلى وفاته أهم العصور الفقهية على الإطلاق , ولم يدع النبي - صلى الله عليه وسلم - فقها مدونا بل تلك القواعد والأحكام والأسس الموجودة في الكتاب والسنة كما لم يدون شيء من الفقه في عصر الخلافة الراشدة وهو باب أولى لأن السنة لم تدون , حتى تبلور الفقه وتطور وتميز في نهاية القرن الأول على أيدي كبار التابعين وصغارهم وتابعي التابعين الذين أسسوا الفقه النظري بجانب الفقه العملي .
ولم يكد القرن الثاني يشرع في الاستهلال إلا والفقه قد نمى وازدهر ونهض نهضة ملحوظة على أيدي التابعين ، ومع بداية القرن الثاني ضبطت قواعد الفقه وظهرت بعض اصطلاحاته , وشغل حيزا لا بأس به بين المدونات فكان عصرا ذهبيا للفقه ، وازداد تطوره أكثر فأكثر بنشوء المدارس والحركات الفقهية ، وليس من مقتضيات هذه الورقة التعرض لتلك الحركات بل أن الإشكالية الأساسية عمان فهل تطور التشريع الفقهي بها ؟ .. وكيف ؟ .. وما هي مراحله ومنابعه ؟
لم يحدثنا المؤرخون الإسلاميون الأول ولم تسعفنا المصادر عن تأسيس بعض الصحابة وكبار التابعين لمدارس علمية وفقهية بعمان على غرار تلك التي أقاموها بمكة والمدينة والبصرة والكوفة وغيرها ، ولا يعني هذا إطلاقا أن عمان كانت مقفرة من جهود أولئك الصحابة والتابعين ، إذ المتتبع للتاريخ وما بث في مضان الكتب التراثية يجد أن عمان لم تكن بمنأى عن تلك التيارات العلمية والفكرية إن لم يكن لها قصب السبق في ذلك ، فإنها وإن لم تحظ بالتدوين فإن الشواهد والبراهين على ذلك كثيرة . (1/95)
صفحة 96
مرّ التشريع الفقهي بعمان على مراحل تاريخية مختلفة ، وكل مرحلة تقودنا إلى مرحلة لاحقة لها ، فما هي الأسباب التي أدت وساهمت في تنمية هذا التشريع ؟.. وما هي التطورات الناتجة عن كل مرحلة؟
في ورقة العمل السريعة هذه لن نطيل الحديث عن الأسباب التي ساهمت في تطورات التشريع وما حملته من نتائج وإنما أكتفي بإيضاح بعض الخطوط الأفقية لبيان صورة تطور التشريع بعمان وبعدها أنتقل إلى أس هذه الندوة مدرسة آل الرحيل ودورها في تطورات التشريع الفقهي بعمان .
مدرسة الصحابة الفقهية بعمان :
عمرو بن العاص : النواة الأولى للتشريع :
تميزت عمان عن بقية المناطق العربية وغيرها بالقبول الطوعي للإسلام وقد أرسل الرسول - صلى الله عليه وسلم - عمرو بن العاص على خلاف في السنة السادسة أو الثامنة . (1/96)
صفحة 97
وأيا كان التاريخ فإن عمرو بن العاص وصل عمان بعد أن اقتربت الأحكام العامة وغيرها الصادرة عن الشارع من الكمال ، والكتب التراثية سواء كانت تاريخية أو غيرها لم تذكر لعمرو دورا إلا دعوة حاكمي عمان إلى الإسلام وجباية الصدقات ونحوها ولم تفصل في ذلك ، ومن غير المعقول أن يرسل المصطفى - صلى الله عليه وسلم - رسولا إلى دولة مترامية الأطراف ولا يكون همه إلا ذلك ، وعلى افتراض أن الرسول جعل هذه المهمة من صلاحيات عمرو فمن غير المعقول كذلك أن يرسله إلى دولة نائية عن مقر الدعوة بمفرده ، لذلك أثبتت إحدى الروايات أن بصحبة عمرو بعض الفقهاء من أمثال أبي زيد الأنصاري التي تمثلت مهمته في تعليم العمانيين أصول دينهم وفقههم ومعاملاتهم ، وعليه وإن كانت المصادر تصمت عن دور هؤلاء الصحابة في تلك المرحلة إلا أنن نعد أن وجود عمرو بن العاص ومن معه أول مدرسة تشريعية فقهية بعمان كان لها أثرها في ترسيخ كثير من القواعد والأصول وتكوين نخبة من الفقهاء والعلماء داخل رحم المجتمع العماني ، ولا سيما وأهل عمان بسبب رسوخهم في الفقه والعلم كان لهم صدى واسع في منطقة الخلافة كأمثال كعب بن سوار الأسلمي (ت 36هـ) الذي أسند إليه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب مهمة قضاء البصرة بعد تمصيرها ولا يخفى سمة من يضعهم عمر على ركائز الدولة من العلم والنزاهة والورع وأمثال : صحار بن العباس العبدي الذي قال عنه ابن النديم في كتابه الفهرست ( أحد النسابين والخطباء في أيام معاوية بن أبي سفيان ، وروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حديثين أو ثلاثة وله كتاب الأمثال ، وكذلك أمثال كعب بن برشة العماني وغيرهم كثير.
عمان وامتداداتها التشريعية والفقهية والفكرية للبصرة
المدرسة الفقهية الجابرية : (1/97)
صفحة 98
ليس من السهل على أي باحث أن يتجاهل العامل الأساسي وأثره في التشريع ، وما حدث بين المسلمين من تفرق ونزاع بانتقال الخلافة إلى الأمويين فقد ولد آثارا لها من الخطورة والأهمية في جميع مجالات الحياة التشريعية والسياسية والعلمية والفكرية والاعتقادية مما تركت بصماتها الواضحة على العلماء والفقهاء ، وكانت العوامل السياسية ذات أثر كبير في حياة المسلمين التشريعية وسير الفقه الإسلامي .
كانت البصرة آنذاك حاضرة الثقافة الإسلامية وأهم المراكز العلمية فارتبط أهل عمان بها ورحل العلماء إليها وممن رحل جابر بن زيد الأزدي وغيره من العلماء وتأثرت التطورات التشريعية الفقهية بعمان تأثرا كبيرا بالفقهاء الموجودين في البصرة فكانت عمان امتدادا تشريعيا وفقهيا وفكريا للبصرة ، وكان فقهاء عمان على صلة وثقى بالبصرة ، وتمثل الامتداد في أن جابرا كان يبعث الدعاة لمختلف المناطق وكان هذا إرهاصا لما تم في عهد أبي عبيدة من تدريب الدعاة الذين عرفوا فيما بعد باسم حملة العلم إلى الأمصار . (1/98)
صفحة 99
وما نريد ذكره في هذه العجالة أن نفي الحجاج لجابر بن زيد إلى موطنه الأصلي عمان مع هبيرة جد أبي سفيان محبوب بن الرحيل من باب المثل رب ضارة نافعة إذ لا يراودنا شك بأن جابرا وهو من هو لا يفوت مثل هذه الفرصة السانحة لكي يقيم ركائز دعوته في عمان وتفقيه أهلها مما حفظه عن صحابة رسول الله ، بل لعل الذين رحلوا إلى البصرة فيما بعد لتلقي العلم من أبي عبيدة هم من تكوين جابر وفضله ، ولا يخفى أن جابرا أول من ألف كتابا أسماه الديوان يقع في عشرة أجزاء ويقال إنه ضخم يعجز عن حمله البعير ولعله ألف شيئا من هذا الديوان في عمان أثناء فترة منفاه ، ويقال إن هذا الديوان يحمل بين طياته أحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم - وجميع ما علمه من السنة القولية والفعلية والتقريرية وما اشتملت عليه من تفسير وفقه وتاريخ كما حوى الكثير من فتاوى الصحابة وأقضيتهم وتعتبر مدرسة جابر منذ بدايتها أساس تطور التشريع الفقهي بعمان إلا أن الروايات لا تشير إلى المدة التي قضاها جابر في منفاه أو التاريخ الذي نفي فيه وإن أجمعت على أنه عاد إلى البصرة ومات فيها .
دور حملة العلم في التطورات الفقهية بعمان
اتخذ أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة شكلا دقيقا من التنظيم المبني على أسس مدروسة تمثلت في الحملات السلمية كما عبر عنها البعض ، ولم يرد مصطلح حملة العلم في كتب السير والأخبار إلا بعد أن تولى أبي عبيدة زعامة الإباضية ، وقد اختلف المؤرخون في عدد حملة العلم فالعوتبي يشير إلى أسماء أربعة هم : (محمد بن المعلا الفشحي ،الربيع بن حبيب ، المنير بن النير الريامي ، بشير بن المنذر النزوي) ويشير اطفيش أن حملة العلم إلى عمان هم : (محبوب بن الرحيل , موسى بن أبي جابر الأزكوي ، المنير بن النير ، هاشم بن غيلان) ومن الصعوبة الفصل بين حملة العلم الذين تلقوا العلم عن أبي عبيدة وأولئك الذين تلقوا العلم عن الربيع بن حبيب رحمه الله تعالى . (1/99)
صفحة 100
وما أريد الإشارة إليه أن حملة العلم كان لهم دورا في إثراء التطورات الفقهية بعمان وإرساء كثير من القواعد التي تنطلق من الفكر الصحيح فلم يمض نصف قرن من إرسالهم إلى عمان إلا ومرجع الأمر إليهم فلا يعين إمام إلا باختيارهم , وربما أصبح بعضهم ولاة كما حدث لمحمد بن المعلا الكندي ، وبعبارة موجزة أنهم كانوا رجال فكر ودولة في آن واحد .
أعلام الفقه العماني ودورهم في التطورات الفقهية بعمان
وما أود ذكره سريعا في هذا المقطع أن الإمام الجلندى بن مسعود وضع عددا من التشريعات الفقهية والسياسية ، منها على سبيل المثال : (أنه رد على الناس ما اغتصبه منهم الجبابرة من الأموال وأن يسترجعوا ما باعوه لهم أيضا لأنه رأى أن بيعه غير جائز إذ هو في معنى الغصب فيردوا ما باعوه ويرجعوا الثمن وغيرها من الاصطلاحات كأمور البيوع في الأسواق وأمور الزراعة والسقي .
كما لا يخفى إنجاز العمانيين لمؤلف كبير سمي بديوان الأشياخ يقع في عدة مجلدات ضاع معظمه وبقي مبثوثا في الكتب الفقهية الإباضية وهو على غرار الموسوعات التي تؤلف في العصر الحديث وفكرة التأليف الجماعي قد سبقوا إليها غيرهم ، وقد ألف هذا الديوان في دما (السيب حاليا, أثناء وجود العلماء العمانيين في رباط لصد غزوات البحر في عهد الإمام غسان بن عبد الله 194- 207هـ .
المدرسة الرحيلية عقود من العطاء
جاء في كتاب المعتبر للشيخ الكدمي الجزء الثاني ص 152 عبارة تقول:
(الأمة في كل شيء من الأشياء المنفرد به دون غيره ، الثابت له حكمه من قليل أو كثير، ولو كان واحدا فهو أمة في ذلك الشيء القائم له المنفرد فيه , ولو كانوا كثيرا فهم أمة ، وليس معنى الأمة الكثيرة ، إنما المعنى في الأمة الخلوص بالشيء فمن ذلك قوله تعالى { إن إبراهيم كان أمة قانتا لله ولم يك من المشركين } فكان وحده أمة في قومه والأمة اجتماع الإمام والمأموم . (1/100)
صفحة 101
ومن أشهر من تتلمذ على يدي الإمام الربيع بن حبيب الفراهيدي ربيبه العلامة محبوب بن الرحيل ، ومع عودة الإمام الربيع إلى موطنه الأصلي عمان جاء معه محبوب واتخذ من صحار موطنا له ، فكان هو وذريته من أشهر علماء عمان بل كان اسم آل الرحيل مرادفا للعلم على مدى عقود من الزمن وكانوا سلسلة مباركة تخرج من مدرستها عدد من العلماء .
أما محبوب بن الرحيل فكما قال عنه سماحة الشيخ في إحدى محاضراته :
(إنه واسطة العقد بين علماء أهل المشرق وعلماء أهل المغرب) إذ كان له الفضل الكبير في حفظ تراجم أئمة المذهب الإباضي مشارقة ومغاربة ، وقال عنه الدرجيني :
(أحد الأخيار وممن سبق إلى تخليد سير السلف الأخيار ، مما يحصل عنده عنهم من الآثار وجمع ذلك في سلك واحد بين غرائب الفقه وعجائب الأخبار ، وقال عنه صاحب السير (المقيد غرائب الفقه وعجائب الأخبار وساد الفضلاء علما وحفظ الآثار، إلا أن ما أشار إليه الدرجيني قد فقد ولم يبق إلا آثاره في كتب المذهب الإباضي ، وكان قد حوى في هذا الكتاب العقائد والفقه والسير وكان موجودا بالمغرب أيام الدولة الرستمية وهو مقدم على غيره من الكتب ولكنه احترق عندما أحرقت المكتبة الرستمية .
ومن المآثر الجليلة العظيمة التي أسهمت إسهاما كبيرا في ازدهار حركة العلوم بعمان سيرتاه اللتان نشرتا من ضمن كتاب السير والجوابات:-
الأولى: إلى أهل عمان والثانية: إلى أهل حضرموت ، وقد أبان فيهما عن موقفه من المسائل التي أثارها هارون بن اليمان أحد العلماء في عصره ، إذ اتهم هارون محبوب بن الرحيل بأنه خالف السلف في بعض القضايا خاصة العقدية منها فكان رد ابن الرحيل رحمه الله داحضا آراء هارون بالأدلة القاطعة من الكتاب والسنة ومواقف العلماء والمجتهدين . (1/101)
صفحة 102
من نسل هذا العالم موضوع هذه الندوة محمد بن محبوب الحلقة الثانية في مدرسة آل الرحيل الذي يعرف في الأثر الإباضي بكنيته أبي عبد الله ، ويعد في عهد الإمام المهنا بن جيفر (226-236هـ / 841-852 م) من العلماء المقدمين والبارزين ، ومما يدل على معرفته بأصول المذهب وغزارة علمه وتمكنه من الفقه ومشاركته في تطوير العلوم في عمان موقفه من القول في مسألة خلق القرآن الكريم من أول وهلة واعتماد المذهب الإباضي عليه فيما بعد ، كما أنه قام بالبيعة للإمام الصلت بن مالك سنة (237ه/ 852 م) ووصف بأنه كان رئيسهم وإمامهم في العلم والدين .
اشتهر محمد بن محبوب بعلمه الواسع وفقهه الفياض وهمته العالية ونظرته المستنيرة ، فتولى منصب القضاء في صحار سنة (249ه/ 864 م) في عهد الإمام الصلت ، ونظرا لتلك الشهرة يمم كثير من أبناء عمان وجوههم شطر صحار لينهلوا من علمه ، ورغم ما اشتهرت به الدولة الرستمية من وجود العلماء فيها فقد كانت شهرة هذا العالم العلمية في بلاد المغرب لا تقل عنها في عمان فلهذا رجع إليه المغاربة في كثير من المسائل التي تعن لهم .
ومن إضافات هذا العالم في التشريعات الفقهية بعمان جامعه المشهور الذي عرف باسمه (جامع محمد بن محبوب) قيل إنه في سبعين جزءا ، وهذا السفر الجامع الكبير لم يبق إلا ذكره في التراجم ، وقد اطلع البرادي على جزء منه ، وفي ظل حياة ابن محبوب تبوأت عمان مكانة علمية مرموقة ، وبفضله أحيا ابناه بشير وعبد الله دوره ، فكانا امتدادا للعطاء العلمي الذي أرساه محبوب بن الرحيل وابنه محمد وإخوته سفيان ومنير ومجبر .
من أشهر مشايخ ابن محبوب العلامة موسى بن علي الأزكوي (ت 230ه/845 م) وتزوج العلامة ابن محبوب ابنة شيخه فكان نتاج هذا الزواج ابنين هما بشير وعبد الله فورثا العلم والفضل من أبويهما , فهل كان لهذين الابنين دور في تطوير التشريع الفقهي وغيره بعمان؟ (1/102)
صفحة 103
يعد أبو المنذر بشير وعبد الله من العلماء البارزين في القرن الثالث الهجري ولأبي المنذر بشير كتب عديدة تدل دلالة واضحة على إضافات المدرسة الرحيلية وإسهاماتها في تلك الفترة إلا أن أكثر تلك الكتب قد فقد ومنها:-
كتاب البستان: في الأصول.
كتاب المستأنف: وهو في التوحيد وأحكام القرآن.
كتاب الإمامة وأسماء الدار وأحكامها: وتوجد نسخة في مكتبة السيد محمد بن أحمد البوسعيدي مخطوطة تحت رقم 1358.
كتاب الخزانة: ويذكر أنه كان في سبعين سفرا .
كتاب المحاربة: وتوجد نسخة منه في مكتبة السيد محمد بن أحمد تحت رقم (77) ونسخة بمكتبة وزارة التراث القومي والثقافة ,ونسخة ثالثة بمكتبة العلامة إبراهيم بن سعيد العبري ويتألف كتاب المحاربة من ثمانين بابا أولا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وآخرها في تفسير الحماية وجواز الجباية .
وندعو الله عز وجل أن ييسر لنا الوقت يوما من الأيام لنقدم دراسة تحليلية وإعطاء لمحة مفصلة عن أحد هذه الكتب وأثرها في تطوير التشريع والفقه وما هي مجالات التطور الذي عالجته.
أما العلامة عبد الله فإن إسهاماته تمثلت في آرائه العلمية والفقهية التي بثت في مصادر الفقه الإباضي وهذا يكفي دلالة على أنه من العلماء البارزين في عصره وإن لم يؤثر بأن له تأليفا مستقلا ، ومن الدلائل التي نستشف منها أثر هذا العالم في ذلك العصر أنه كان خطيبا في صلاة الجمعة للإمام عزان بن تميم (277هـ - 280هـ/890م-893م) وفي هذا دلالة على أن وفاته متأخرة عن وفاة أخيه بشير، وكان من نسل عبد الله ابنه أبو القاسم سعيد بن عبد الله بن محمد بن محبوب الذي تولى الإمامة في عمان أوائل القرن الرابع سنة
(320هـ). (1/103)
صفحة 104
ومن هذا العرض الموجز الذي تقدم عن أسرة آل الرحيل يتبين لنا مدى دورهم الفاعل في إثراء الحياة العلمية بعمان، فكان لهم مدرسة علمية فقهية نمت في صحار من عهد محبوب بن الرحيل وازدهرت في عهد ابنه محمد وتتابع أبناؤه عليها فاستقطبت كثيرا من طلبة العلم، وقد ساهم آل الرحيل في إثراء المكتبة العمانية التي ضاع الكثير من كنوزها إلا أن بعض تلك المؤلفات مازال باقيا في المؤلفات التي ألفت في تلك الفترة من قبل العلماء الذين تخرجوا من مدرسة آل الرحيل ومن جاء بعدهم في العهود اللاحقة, إضافة إلى إسهامهم في الجانب السياسي إذ كانوا في مقدمة العلماء الذين ارتكزت عليهم شؤون الإمامة.
الخاتمة
ما أود التنبيه إليه في خاتمه ورقة العمل هذه أن ما غاب من تراث عمان الفقهي أكثر مما بقي إذ أدت العوامل السياسية السائدة في ذلك الوقت وغيره إلى تلف الكثير منه إما بالحرق وإما بهدم المنازل عليه ، ولا ينسى الحريق الذي شب في ولاية نزوى في أوائل القرن الخامس أيام دخول بني بويه نزوى فقد أتى على كثير من الكتب التي لا نظير لها ، وكذلك في القرن السادس حرقت مكتبة العلامة ابن النظر التي كان بها مؤلفاته ومؤلفات أجداده ، كما ذكر أن مكتبة الشيخ/ خلف بن سنان الغافري كانت تحتوي على تسعة آلاف وثلاثمائة وتسعين مخطوطا ولا يعرف عنها شيء ، كذلك الحريق الذي شب في الرستاق خلال القرن الثاني عشر أيام الخلافة اليعربية ، فلله الأمر من قبل ومن بعد . هذه بعض الإشارات الخاطفة واللمحات السريعة والخطوط العريضة عن تطور التشريع الفقهي بعمان حتى القرن الثالث الهجري ، وإلا فإن البحث الدقيق العميق يقتضي التوسع والدقة أكثر مما كتب وعسى أن يقيض الله باحثا ينظر في ذلك نظرة فاحصة يفصل فيها التطورات الفقهية حسب القرون . (1/104)
صفحة 105
وأخيرا نرفع أكف الضراعة إلى المولى عز وجل أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه الكريم وأن يوفقنا إلى تطويره وتحسينه في مستقبل الأيام وأن يغفر لنا خطأنا وزللنا فيه ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
المراجع
- ابن بركة : أبو محمد عبد الله بن محمد (ق 4 ه) كتاب التقيد بمكتبة الإمام نور الدين السالمي - بدية - سلطنة عمان .
- ابن جعفر : أبو جابر محمد بن جعفر الأزكوي (ق 3 ه) كتاب الجامع تحقيق د. جبر محمود الفضيلات وزارة التراث والثقافة بسلطنة عمان (1414هـ - 1994 م) .
- ابن رزيق : حميد بن محمد (ت 1290 هـ - 1873 م) الشعاع الشائع باللمعان في ذكر أئمة عمان وزارة التراث والثقافة سلطنة عمان عام (1405 هـ - 1984 م) , الفتح المبين في سيرة السادة البوسعيديين تحقيق : عبد المنعم عامر ومحمد مرسي عبد الله وزارة التراث والثقافة سلطنة عمان (1983 م) .
- الأزكوي : سرحان بن سعيد (ق 2هـ) تاريخ عمان المقتبس من كتاب كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة, تحقيق عبد المجيد حسيب القيسي الناشر دار الدراسات الخليجية , كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة , تحقيق ودراسة : أحمد عبيدلي طبع دلمون للنشر , نيقوسيا قبرص (1405هـ - 1985م) .
- إمام. محمد كمال الدين , نظرية الفقه في الإسلام (مدخل منهجي) , المؤسسة الجامعية للدراسات النشر والتوزيع (1418هـ - 1998م) .
- البطاشي : سيف بن حمود بن حامد أتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عمان (ط1 , 1413هـ -1992م) .
- الجعبيري : فرحات بن علي - البعد الحضاري للعقيدة الإباضية , مطبعة الألوان , مسقط(1408هـ -1987م) .
- الجهضمي زايد بن سليمان , حياة عمان الفكرية , مطابع النهضة مسقط (1998م) .
- حسين غباش , عمان الديمقراطية الإسلامية , دار الجديد , بيروت الطبعة الأولى(1997م) .
- الدرجيني : أبو العباس أحمد بن سعيد (ق 7هـ) طبقات المشايخ بالمغرب , حققه وطبعه إبراهيم طلاي , بدون مكان وتاريخ الطبع . (1/105)
صفحة 106
- الراشدي : مبارك بن عبد الله بن حامد الراشدي , الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي وفقهه (45ه - 145م) مطابع الوفاء بالمنصورة , مصر1412 -1992م .
- الرقيشي , خلف بن أحمد , مصباح الظلام (ق11هـ) دار الوثائق والمخطوطات وزارة التراث والثقافة رقم (52190) سلطنة عمان .
- السالمي/ عبد الله بن حميد السالمي (ت: 1332هـ - 1914م) تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان مكتبة الاستقامة مسقط عمان (1417هـ- 1997م) .
- السهيل : نايف عيد جابر , الإباضية في الخليج العربي في القرنين الثالث والرابع الهجريين .
- السيابي/ سالم بن حمود بن شامس السيابي ,طلقات المعهد الرياضي في حلقات المذهب الإباضي وزارة التراث القومي والثقافة مسقط (1400هـ _ 1980م) ، عمان عبر التاريخ وزارة التراث القومي والثقافة مسقط ط2 (1406هـ 1986م) .
- الشقصي : خميس بن سعيد بن علي الشقصي الرستاقي (ت548هـ _ 1153م) منهج الطالبين , تحقيق سالم بن حمد بن سليمان الحارثي , وزارة التراث القومي والثقافة عمان مطبعة عيسى البابي الحلبي القاهرة 1979م .
- الشماخي : أحمد بن سعيد بن عبد الواحد , كتاب : السير والجوابات , تحقيق : أحمد بن سعود السيابي وزارة التراث القومي والثقافة 1407هـ _ 1987م .
- الصوافي , صالح بن أحمد ، جابر بن زيد وآثاره في الدعوة ، وزارة التراث القومي والثقافة ، مسقط ، مقال رجال من التاريخ نشر في حصاد أنشطة المنتدى الأدبي سلطنة عمان (89/99م ص387) .
- العوتبي : سلمة بن مسلم الصحاري , الضياء , وزارة التراث القومي والثقافة ط1411هـ الموافق 1991م .
- الكدمي : أبو سعيد محمد بن سعيد , كتاب الجامع المفيد من جوابات أبي سعيد , وزارة التراث القومي والثقافة 1405هـ _ 1985م . (1/106)
صفحة 107
- الكندي : محمد بن إبراهيم بن سليمان (ت508هـ _ 1114م) كتاب بيان الشرع ، وزارة التراث القومي والثقافة 1408هـ _ 1988م , انظر جزء (68) دار الوثائق وزارة التراث والثقافة سلطنة عمان رقم (80) .
- كولسوت .ن.ج، في تاريخ التشريع الإسلامي ترجمة وتعليق د. محمد أحمد سراج مراجعة د. حسن محمود عبداللطيف الشافعي ، الطبعة الأولى(1421هـ - 1992م) , المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع بلبنان (ص140 - 157) .
- محمد صالح ناصر , مكانة الإباضية في الحضارة الإسلامية , الحلقة الثانية (ط. الأولى 1413هـ - 1992م) مكتبة الاستقامة .
- ناصر محمد صالح , منهج الدعوة الإباضية , مكتبة الاستقامة , مسقط سنة 1997م .
- صحار وتاريخها السياسي والحضاري ، منذ ظهور الإسلام وحتى نهاية القرن الرابع الهجري بحث لنيل شهادة الماجستير للأستاذ/ محمد بن ناصر بن راشد المنذري ، وإشراف الأستاذ الدكتور/ عبد الرحمن سالم (1421هـ - 2000م) .
- السير العمانية كجنس أدبي ودورها في السياسة والتطورات العقائدية الإباضية المشرق بالإشارة للوثائق الخاصة لخوارزم ، وخراسان والمنصورة ، رسالة دكتوراه للدكتور/ عبد الرحمن بن سليمان السالمي من جامعة درهم بالمملكة المتحدة .
- ندوة الفقه الإسلامي المنعقدة بجامعة السلطان قابوس في (1408هـ - 1988م ط1 - 1410هـ - 1990م) .
- تواريخ العلماء ومعرفة أسماؤهم وكناهم وبلدانهم مجهول - دار الوثائق والمخطوطات - وزارة التراث والثقافة سلطنة عمان رقم(61) .
البحث الرابع
بعنوان
علاقة الشيخ
محمد بن محبوب بأهل المغرب
للباحث
د/ محمد ناصر بو حجام
مدرس بكلية التربية بنزوى سابقا
بسم الله الرحمن الرحيم
علاقة الشيخ محمد بن محبوب بالمغرب الإسلامي (1/107)
صفحة 108
إن العلاقة الثقافية الفعلية بين عمان والمغرب الإسلامي قد بدأت في بداية القرن الثاني الهجري, وما تزال متواصلة- والحمد لله- إلى اليوم. وقد تمت على شكل: عقد لقاءات وتبادل زيارات, وكتابة رسائل وتعاون في التأليف, وإرسال بعثات علمية وطلب كتب, واستفتاء واستشارات, وتقديم الدعم المعنوي والمادي للجهة التي يدب فيها الضعف...وغيرها من أوجه التواصل والتعاون.(1)
من الأسر العمانية الكبيرة التي كان لها دور عظيم في هذه العلاقة وهذا التواصل أسرة آل الرحيل. لقد كان لها دور ريادي في الحركة العلمية والنشاط السياسي في عمان؛ وذلك من خلال ما نشره أفرادها من علم, وما ألفوه من كتب, ومن خلال ما أصلوه من مسائل, وما بينوا من قواعد في كثير من أصول العلم وفروع المعرفة... وقد كانت أعمالهم العلمية وآراؤهم الفكرية تحمل صفة المرجعية لمن جاء بعدهم من المشارقة والمغاربة؛ إذ لا يكاد يخلو كتاب من كتب الأصحاب من آراء أسرة آل الرحيل. خاصة أفكار أبي سفيان محبوب بن الرحيل وابنه أبي عبد الله محمد بن محبوب.(2)
وسيرة ابن الرحيل نعد أهم المصادر الإباضية في التعريف بنشأة المذهب وأصوله وعلمائه الأوائل.(3) وعن أهميتها قال الإمام أفلح بن عبد الوهاب الرستمي (ت 258) :" عليكم بدراسة كتب المشارقة, ولاسيما كتاب أبي سفيان."(4)
قال عنه أبو العباس أحمد الدرجيني(ت 670هـ):"... أحد الأخيار الأبحار، وممن سبق إلى تخليد سير السلف الأخيار، واللف مما يحصل عنده عنهم من الآثار، وجمع ذلك في سلك واحد بين غرائب الفقه، وعجائب الأخبار، وذكر مناقب المجتهدين من مجاهدين في سبيل الله وأنصار, ونبذه على مثالب من بدا منه إقصار..."(5) وقال عنه الشماخي:" إنه المقيد غرائب الفقه وعجائب الأخبار، ساد الفضلاء علما وحفظ الآثار..."(6) وقال الشيخ أحمد بن حمد الخليلي:"... بأنه واسطة العقد بين علماء أهل المشرق وعلماء أهل المغرب."(7) (1/108)
صفحة 109
وقد تسلسل هذا الدور في أبنائه وأحفاده, وظهر جليا في تلاميذهم, وفي الكتب المؤلفة. وبرز في كثير من الأصعدة والمجالات المعرفية والعلمية. وامتد في من جاء بعدهم من العلماء عبر العصور، وانتقل إلى كثير من الأنحاء والبقاع في العالم, منها المغرب الإسلامي, الذي نحاول أن نبين فيما يأتي بعض هذا الدور من خلال علاقة أحد أفراد هذه الأسرة المتميزين الشيخ محمد بن محبوب بن الرحيل (ت 260هـ/ 873م) بهذا الجناح الغربي من العالم الإسلامي.
أبو عبد الله محمد بن محبوب بن الرحيل بن يوسف بن هبيرة القرشي المخزومي(8) عالم وفقيه, بل هو شيخ زمانه, ومرجع الفتوى في عصره, أخذ العلم عن شيخه وصهره الشيخ موسى بن علي(ت 230هـ/ 845م).
كان هو والبشير بن المنذر (ت 178هـ) ممن قام بالبيعة للإمام الصلت بن مالك
(ت 273هـ/887م) عام : (237هـ/ 852م ) (9) , تقلد في عهده القضاء على مدينة صحار وتوابعها سنة : 251هـ . كما كان له دور كبير في إرساء دعائم الإمامة الثانية في عمان . (10) كما كان لأفكاره تأثير كبير في مجريات الأحداث الفكرية والسياسية في عمان . وهو يتميز بالصلابة في المبادئ والمرونة في التعامل والتحرك (11) وكان يميل إلى التيسير على الناس والأخذ بأرفق الأوجه , مع الاحتياط في الدين . هذا من تمام قوة شخصيته وغزارة علمه , وثقته بنفسه , وهو ما أهّله كي يحوز على إمامة المسلمين العلمية. (1/109)
صفحة 110
لوجوده في صحار يمّم كثيرٌ من أبناء عمان وجوههم شطر هذه المدينة لينهلوا من علمه , وقد تخرج من مدرسته الكثير من العلماء الذين أسهموا في الحركة العلمية في عمان وغيرها (12) بل له سبق في مجال التأليف كما يشير إلى ذلك الدكتور مصطفى بن صالح باجو : " يوجد في المكتبات المغربية مخطوط نفيس لابن محبوب , لم أعثر على ذكره لدى المشارقة - ولا أدعي الاستقصاء - وهو بعنوان ( أبواب مختصرة من السنة ) ويعتبر هذا المخطوط مصدرا ثمينا لكونه يمثل بواكير التأليف الأصولي عند الإباضية , بل لا تعدو الحقيقة إن قلنا إنه نموذج ناضج لمؤلفاتهم في علم الأصول . فقد تضمن تفصيل مصطلح السنة ، ومدى التوسع في استعمالها , والاحتجاج به في مختلف أبواب الفقه . والطريف أنه توسع في دلالة المصطلح ، فاعتبر كل ما جاء الشرع بحكمه أنه من السنة ، سواء ورد به الكتاب أم الحديث أم كان عن رأي واجتهاد ، ما دام الكل مشروعا بسنة الرسول - صلى الله عليه وسلم - الموحى إليه . ويذكر أحيانا مسائل ثبتت بالسنة ، ويؤيدها الإجماع أو القياس " (13) (1/110)
صفحة 111
إن شهرة هذا العالم لم تقتصر على عمان بل تعدتها إلى غيرها كمنطقة المغرب الإسلامي , بل إن شهرته العلمية " لا تقل عنها في عمان, ولهذا رجع إليه المغاربة في الكثير من المسائل التي تعن لهم , رغم ما اشتهرت به الدولة الرستمية من وجود العلماء فيها ." (14) وقد تجلت هذه الشهرة في هذه العلاقة التي كانت تربط الشيخ بالمغاربة, وفي هذا التعلق الذي أبدوه نحوه. من مظاهره اللقاء العلمي والتاريخي الذي حصل في مكة بين الشيخ محمد بن محبوب والشيخ أبي حفص عمروس بن فتح المغربي (ت283هـ - 896 م ) . هذا اللقاء الذي ما فتئت المصادر الإباضية تنوه بقيمته العلمية حيث " ذكروا أن عمروساً وأصحابه توجهوا إلى بلاد المشرق حجاجاً فلما نزلوا مكة وجدوا بها محمد بن محبوب رحمه الله , فدخلوا عليه في مجلسٍ فوجدوه مع أصحابه , فسلموا عليه , فهش بهم وقربهم إجلالا بالجنس، دون معرفة الأشخاص. فلما تبوؤوا مقاعد المذاكرة, سأل عمروس أبا عبد الله عن مسألة, فقال ابن محبوب إن كان أبو حفص في شيء من هذه البلاد فلا يصدر هذا السؤال إلا عنه ولا يرد إلا منه. فقالوا له: إنه هو السائل, فرفع ابن محبوب مجلس عمروس لمّا عرفه, وزاد دنوّه من مجلسه، ثم جعل عمروس يسأل في مسائل الدماء عن مسألة بعد مسألة, حتى قال له ابن محبوب: هذا من مكنون العلم, لايعلن به في قوم جهّال. فعند ذلك قال عمروس لأصحابه احفظوا السؤال وأحفظ لكم الجواب, حتى نقدم على إخواننا فنخبرهم بما حفظنا, ففعلوا, فلما قدموا بلادهم قال لهم عمروس: هلمّ ما تكلفتم به ، فقالوا لم نحفظ شيئا سوى قولك احفظوا المسائل لنردّ بها على إخواننا. ثم إن عمروسا أعادها مسألة فمسألة عن آخرها."(15) (1/111)
صفحة 112
هذا اللقاء الذي تم بهذه الكيفية، ودار فيه هذا الحوار العلمي كشف عن العلاقة الثقافية المتميزة بين الجناحين المشرقي والمغربي. وأبان عن غزارة علم الشيخ ابن محبوب. ودلّ اللقاء على تعلّق المغاربة بإخوانهم المشارقة... لهذا كما قال الأستاذ محمد بن ناصر المنذري" رجع إليه المغاربة في الكثير من المسائل التي تعنّ لهم، رغم ما اشتهرت به الدوله الرستمية من وجود العلماء بها."(16)
وعلاقة الشيخ ابن محبوب بالمغرب الإسلامي تبدو في هذا الإعجاب الذي أبداه المغاربة بآثاره الفكرية . فجامعه الذي يتألف من سبعين جزءا كان محل إعجاب العلماء المغاربة . يروى أن أبا محمد " ويسلان " المغربي كان يقرأ على أبيه أبي صالح " أبي بكر بن قاسم الهيراسي " مختصر ابن محبوب . وكان أبو صالح يقول كلام محقق فقيه أصولي(17)
وتبدو العلاقة بين الشيخ ابن محبوب والمغاربة - أيضا - في السيرة التي أرسلها إليهم (18) وقد عالجت السيرة أكثر من خمسين مسألة : في العقيدة والفقه والأخلاق والسياسة الشرعية والحدود ، وتناولت موضوعات أخرى كالارتداد والتقيّة والغزو والجهاد... دعا فيها الشيخ إلى الالتزام بمسالك التقوى ، وإلى طاعة الأئمة . كما كان لهذه السيرة أثرها في القضاء على فتنة خلف بن السماح .(19) زخرت السيرة بفقه غزير ، وأحكام شرعية مهمة, كشفت عن قدرة صاحبها العلمية ، وتميزه الفكري , وسجلت ريادته في تقرير بعض الحقائق ، وتأصيل بعض المسائل ، وأبرز استقلاله النظري ... من هنا حاز الإعجاب والتقدير , واتخذ قدوة وإماما .
إن السيرة في حاجة إلى دراسة تحليلية معمقة ؛ لما تضمنته من علم كبير ، وما عرضته من قضايا سياسية ومسائل فقهية ، وما أثارته من أسئلة مهمة ... (1/112)
صفحة 113
افتتح الشيخ محمد بن محبوب السيرة بقوله : " إلى جماعة من كتب إليه من المسلمين من أهل المغرب ، من أخيهم محمد بن محبوب , سلام عليكم ، فإني أحمد إليكم الله الذي لا أله إلا الله حمدا كثيرا ، وهو لذلك أهل ، وأسأله الصلاة على محمد - صلى الله عليه وسلم - تسليما ، أوصيكم بتقوى الله وذكره كثيرا , وذكر ما أنتم إليه صائرون ، وعليه موقوفون ، وعنه مسؤولون ، وأحثكم على طاعة الله والمحافظة على ما استحفظكم عليه من أمانته وافترض عليكم من عبادته بإتيان ما به أمر، والانتهاء عما عنه زجر فيما أخذ عليكم من الميثاق ، ورضي لكم به من أخلاق ، من ترك المحارم ، والكف عن المظالم ، واجتناب الكبائر، والعمل على البصائر في آناء الليل والنهار، والعلانية والإسرار، فإن ذلك أحق ما كنتم له طالبون، وفيه راغبون، وعليه مواظبون، قبل انقطاع آمالكم وحلول آجالكم، وما توفيقي وإياكم إلا بالله، أما بعد ... " (20)
بالتأمل في موضوعات الرسالة نقرأ الرغبة الصادقة في الانطلاقة الحسنة والثابتة التي أرادها المغاربة في مسيرتهم, فهم كانوا يسألون عن أمور وأساسيات مطلوبة في مجال التكوين والإعداد، والبدء في الحركة والنشاط, حتى تكون الانطلاقة على أساس سليم, تصدر عن وجهة نظر الدين الإسلامي. " إنهم استشاروا مجتهد الأمة وعالم الإباضية فيما أشكل عليهم واستجدّ في الساحة, الذي فرضه الواقع المعيش, والنشاط الذي بدءوا يقومون به." (21) (1/113)
صفحة 114
يعلق الدكتور فرحات الجعبيري على المسائل التي وردت في سيرة محمد بن محبوب : " إن التحليل الحضاري لهذه المسائل يثبت أن البيئة الإباضية في المشرق والمغرب عرفت من التعقيد الحضاري الشيء الكثير، ذلك أنها دبّ فيها الخلاف الداخلي, وهو من أكبر عوامل الوهن, إلى جانب ما تواجهه على الجبهة الخارجية من ضغط الدولة العباسية ... ومثل هذا المحيط من الصراع الداخلي من شأنه هو الآخر أن يثير عديدا من القضايا الدقيقة في شأن أولي الأمر، خاصة وأن الفكر الإباضي اتّسم من يومه الأول بالتحري الكبير في شأن هؤلاء، وكانت ثورتهم حيثما قامت ثورة على الظلم والظالمين, مهما قلّت نسبة هذا الظلم. " (22)
ما يثبت ذلك الرسالة التي أرسلها بعض فقهاء المسلمين بالمغرب إلى الإمام الصلت بن مالك (23). وقد تزامنت مع رسالة الشيخ ابن محبوب. وهي " لا تخرج عن المسار والدائرة التي دارت فيها رسالة محمد بن محبوب في الروح التي تحملها، والأفكار التي تناولتها، والموضوعات التي عرضت لها، والأسباب الداعية لكتابتها. فقد كتبت في موضوع الاختلاف والشقاق والتنازع والتشاجر والفتنة، ثم الدعوة إلى الائتلاف والاتحاد. ثم تطرّقت إلى موضوع الإمامة وشروطها, وما يتعلق بها, وأحكام الولاية والبراءة... " (24)
على العموم أن سيرة الشيخ أبي عبد الله تثير مجموعة من الأسئلة, في حاجة إلى إجابات مقنعة وصريحة ومسؤولة. منها:
لماذا سميت بالسيرة وهي تتضمن آراءَ وأحكاما شرعية, وهي لا تحمل صبغة السير التي تعبّر عن وجهة النظر الشخصية في الأحداث ؟ (1/114)
صفحة 115
من الذي أرسل هذه الأسئلة إلى الشيخ محمد بن محبوب ؟ ما صفته ؟ ما هو الدافع إلى ذلك ؟ هل أرسلت رأسا إلى أبي عبد الله كما ذكر أحمد العبيدلي: " ضمت الرسالة الأصلية التي بعث بها بعض إباضية المغرب مسائل لمعرفة آراء إباضية المشرق, وهو تقليدٌ درجوا عليه" (25) هل كتبها الشيخ ابن محبوب على لسان الإمام الصّلت بن مالك كما ذكر ذلك الدكتور رجب محمد عبدالحليم : " ... يستفاد ذلك ممّا رواه لنا أبو عبدالله في كتابه بيان الشرع أن محمد بن محبوب بن الرحيل كتب لأهل المغرب كتبا على لسان الإمام الصلت بن مالك" (26)
ج- لماذا لم يشر الإمام أفلح الرستمي إلى هذه السيرة, وقد كتبت في عهده أو في عهد أبيه, بينما أشاد بسيرة أبيه: أبي سفيان محبوب بن الرحيل ؟
د- لماذا لم ترد هذه السيرة في المصادر المغربية ؟ (1/115)
صفحة 116
ه- يقول الأستاذ أحمد العبيدلي: " فمن بين أبرز مواقف محمد بن محبوب كونه يبرأ من الإمام المهنا، ربما بسبب الأحداث التي جرت حين حادثة مواجهة بقايا أسرة آل الجلندى والفضائع التي ارتكبها بعض الجنود من قوات الإمام, وبسبب تشدّد الإمام إزاء المخالفين على الدولة, بل إن أبا عبدالله أراد أن يكتب هو وعلماءٌ آخرون كتابا فيه إظهار البراءة من المهنّا، إلا أن أبا المؤثر تمكّن من ثنيهم عن ذلك؛ بسبب تخوّف أن يؤدي ذلك إلى انقسام كبير في الدولة. ويجد المرء مثالا من ذلك في سيرة محمد بن محبوب إلى المغاربة... وما يرد هنا في السيرة ربما يكون انعكاسا لما يعتمل في صدره حينئذ, أو بعد تلك الأحداث، أو ربما كان الأساس النظري الذي انطلق منه للحكم على تلك الأمور؟ " (27) هل يمكن قبول هذا الرأي؟ وهل تعدّ فعلا هذه السيرة إسقاطات نفسيّة لما لم يتمكن الشيخ محمد بن محبوب البوح به مباشرة؛ حفاظا على الوحدة، واتقاء للفتنة؟ فلما جاءت الفرصة للتعبير عن رأيه فيما سئل عنه مما جاءه من إخوانه في المغرب, اغتنمها فأدلى بما أراد الإدلاء به. وبذلك شملت السيرة الإجابة عما دار في الجناحين المشرقي والمغربي, فيكون في ذلك تعويض عمّا لم يستطع الإعلان عنه مباشرة ؟ وهل يمكن عدّ هذه السيرة إجابات عن أسئلة افترضها هو ؟ إذ أنّنا نشعر أحيانا أنّ الشيخ يفتعل الحوار, ويجعله مفتوحا بينه ومن يسأله وهو حاضرٌ معه في المجلس ؟ المهم أن ما أدلى به الأستاذ أحمد العبيدلي وإهمال المصادر المغربية إثباتها يفتحان مجالا لتساؤلات عديدة، عسى الدراسات الّلاحقة تسعفنا بالإجابة الشافية عنها.
هناك أسئلة عديدة تثيرها هذه السيرة، وهناك مجالٌ كبيرٌ تفتحه للدراسة والتأمل والمقارنة. وهناك آفاق واسعة تنتظر الباحث الجادّ الراغب في الاستقصاء والتحري والكشف عن المكنون من الأسرار في حياة الشيخ أبي عبدالله ، وفي شخصيته العلمية والفكرية والسياسية... (1/116)
صفحة 117
كما أنّ أثر الشيخ في المغاربة يحتاج إلى مزيد من البحث والدراسة، لأنه ما يزال غير واضح. ومواقفه - أيضا - في حاجة إلى دراسة وتحليل؛ لما تمتاز به من صلابة في المبادئ ومرونة في التحرك واستشراف المستقبل ...
إننا نعدّ هذه الندوة المنعقدة حول شخصية الشيخ محمد بن محبوب بن الرحيل ودوره في تطوّر العلوم الفقهية في عمان، نعدّها قاعدة انطلاق لدراسات مستقبلية، أكثر عمقا وتحليلا ونقدا لإبراز جهد الرجل ودوره في الحركة العلمية والحياة السياسية في عمان وغيرها .
الهوامش:
1- نظر الشيخ فرحات الجعبيري, علاقة عمان بشمال إفريقية, ط1, المطابع العالمية, روي, سلطنة عمان. و " الإباضية في شمال إفريقية وعلاقتهم بعمان " كتاب عمان في التاريخ, دار أميل للنشر, سنة 1995م , ص: 213 وما بعدها. وبحثنا التواصل الثقافي بين عمان والجزائر. ومحمد بن ناصر المنذري, صحار وتاريخها السياسي والحضاري منذ ظهور الإسلام حتى نهاية القرن الرابع الهجري. رسالة ماجيستير(مخ) جامعة القاهرة, كلية دار العلوم, قسم التاريخ والحضارة الإسلامية, سنة1421هـ / 2000م , ص: 378 وما بعدها ...
2- لمزيد من التفاصيل عن هذا الدور وهذا الفضل ينظر, صحار وتاريخها السياسي والحضاري , ص: 309 وما بعدها .
3- ينظر, عمان في التاريخ , ص: 222 .
4- أبو القاسم البرّادي, رسالة فيها تقييد كتب أصحابنا . ينظر الدكتور عمار طالبي, آراء الخوارج الكلامية , الجزء الثاني , الشركة الوطنية للنشر والتوزيع , الجزائر , سنة 1398هـ / 1978م , ص: 284 .
5- الشيخ أبو العباس أحمد بن سعيد الدرجيني , كتاب طبقات المشائخ بالمغرب , الجزء الثاني , حققه وقام بطبعه إبراهيم طلاوي , (من دون ذكر مكان الطبع وتاريخه) , ص: 278 , 279 . (1/117)
صفحة 118
6- أحمد بن سعيد بن عبد الواحد الشماخي , السير , الجزء الأول , تحقيق أحمد بن سعود السيابي , نشر وزارة التراث القومي والثقافة , سلطنة عمان , سنة 1407هـ / 1987م , ص: 108 .
7- صحار وتاريخها السياسي والحضاري , ص: 310 . ينظر أيضا في التاريخ , ص: 223 .
8- سيف بن حمود بن حامد البطاشي , إتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عمان , الجزء الأول , ط1 , مطابع النهضة , مسقط(سلطنة عمان) سنة 1992م , ص: 191 .
9- الشيخ نور الدين عبدالله بن حميد السالمي , تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان , الجزء الأول , الناشر مكتبة الإمام نور الدين السالمي, مسقط (سلطنة عمان) , سنة 1995م , ص: 162 .
10- صحار وتاريخها السياسي والحضاري , ص:312 , 313 .
11- ينظر إشارات إلى ذلك , المرجع السابق , ص: 312 .
12- ينظر إتحاف الأعيان ج 1 , ص: 192 , 193 .
13- مراسلة خاصة , قسنطينة(الجزائر) , يوم: 12 يناير(جانفي) 2002م .
14- صحار وتاريخها السياسي والحضاري , ص: 313 . (يرجع إلى المراجع المذكورة) .
15- كتاب طبقات المشائخ بالمغرب ج2 , ص: 324 . ينظر أيضا كتاب السير للشماخي ج1 , ص: 193 , 194
16- صحار وتاريخها السياسي والحضاري , ص: 313 .
17- نظر كتاب طبقات المشائخ بالمغرب ج2 , ص: 357 , 358 .
18- تراجع السيرة في كتاب السير والجوابات لعلماء وأئمة عمان ج2 , تحقيق الدكتورة سيدة إسماعيل كاشف , نشر وزارة التراث القومي والثقافة , سلطنة عمان , سنة 1406هـ / 1986م , ص: 223 ــ 268 .
19- الدكتور رجب محمد عبد الحليم , الإباضية في مصر والمغرب وعلاقتهم بإباضية عمان والبصرة , مكتبة العلوم , مسقط (سلطنة عمان) سنة 1990م , ص: 143 . ينظر أيضا أبو زكريا يحيى بن أبي بكر , كتاب سير الأئمة وأخبارهم , المعروف بتاريخ أبي زكريا , تحقيق إسماعيل العربي , دار الغرب الإسلامي , بيروت , ط1 , سنة 1985م , ص: 128 ــ 197 . (1/118)
صفحة 119
20- السير والجوابات لعلماء وأئمة عمان ج2 , ص: 223 , 224 .
21- محمد ناصر بو حجّام , التواصل الثقافي بين عمان والجزائر (مخ) , ص: 44 .
22- علاقة عمان بشمال إفريقية , ص: 33 .
23- ينظر كتاب السير والجوابات لعلماء وأئمة عمان ح1 , ص: 181 ــ 228 .
24- التواصل الثقافي بين عمان والجزائر , ص: 45 .
25- أحمد العبيدلي , " السير العمانية كمصدر لتاريخ عمان : سيرة محمد بن محبوب " , مجلة نزوى , العدد الثاني , مارس 1995م , ص: 30.
26- الإباضية في مصر والمغرب وعلاقتهم بإباضية عمان والبصرة , ص: 143 . ينظر محمد بن إبراهيم الكندي , بيان الشرع , ج28 , نشر وزارة التراث القومي والثقافة , سلطنة عمان , سنة 1408هـ / 1988م , ص: 195 .
27- مجلة نزوى , العدد الثاني , ص: 31 , 32 .
نزوى يوم : 28 من شوال 1422هـ
12 من يناير 2002
الدكتور محمد بن قاسم ناصر بو حجّام
البحث الخامس
بعنوان
قراءة في
سيرة الإمام محمد بن محبوب
إلى أهل المغرب
للباحث
د. سعيد بن محمد الهاشمي
محاضر التاريخ بجامعة السلطان قابوس
بسم الله الرحمن الرحيم
إن القراءة في كتاب فقهي لتجربة مثيرة ودقيقة وشاقة، فإذا ما أساء الباحث الفهم أو أخطأ في التأويل يثير هذا كثيراً من الصعوبات والغموض والمخاطر، وربما الشكوك، لكن لا يعني هذا الامتناع عن النهل من معين هذا العلم والاستزادة من زاده، وكل ما أستطيع أن أقوم به لتحليل هذه السيرة هو إبراز دور هذا العالم وأهميته الاجتماعية والسياسية والثقافية.
من خلال قراءة سيرة العلامة محمد بن محبوب بن الرحيل تكشف للباحث أن الهدف من قراءتها هو توضيح محتوياتها للقارئ أو السامع وسبر مضمون غايتها والهدف الداعي لكتابتها، لهذا فإن الغاية من كتابة هذه الورقة هو إظهار دور العلماء وإسهاماتهم في الحياة الثقافية، وكيف امتدت هذه الثقافة إلى خارج القطر العماني، وتلقي الضوء على علاقات التواصل بين علماء المغرب وعلماء عمان. (1/119)
صفحة 120
كما أن هذه الورقة ستجيب عن بعض التساؤلات التي تناولها العلامة محمد بن محبوب، مثل تصدي العلامة بالإجابة على أسئلة علماء المغاربة، وستلقي الضوء على الأسباب التي جعلت علماء المغرب يتصلون بعلماء عمان، موضحين لهم مسالك الدين، والولاية والبراءة وحقوق الإمام وواجباته التي اختلفوا فيها بين أئمتهم والثائرين عليهم وموقف هؤلاء منهم.
إن المصادر التي تيسرت للباحث كثيرة وفي غاية الأهمية، وقد حاول الباحث في منهجه الابتعاد عن سرد الأحداث، أو التعليق عليها إلا ما يخدم الموضوع، كما لجأ إلى الانتقاء منها حسب ما يقتضي الحال، وتقتضيه الظروف، ونظراً لكثرة ما سيلقى في هذه الندوة من موضوعات ستلقي بالتأكيد الضوء على حياة العلامة محمد وأخرى على عصره والحياة العلمية في عهده، لهذا فإن الباحث حبَذ الابتعاد عن ذلك بقدر المستطاع.
وقسمت هذه الورقة إلى ثلاثة مباحث مع مقدمة وخاتمة تتضمن النتائج التي توصل إليها البحث تلك التي تساعد على فهم هذه السيرة وتظهر المستوى العلمي والثقافي لذلك العصر.
1 ـ العلامة محمد بن محبوب وعصره
هو محمد بن محبوب بن الرحيل بن سيف بن هبيرة القرشي المخزومي، ولد في العقد الأخير من القرن الثاني الهجري أو في مطلع القرن الثالث الهجري، ولا نعلم على وجه اليقين في أي مدينة ولد: هل في مكة ؟ أم في البصرة ؟ أم في صحار ؟
نشأ العلامة محمد بن محبوب في صحار، وعاصر الإمامة الثانية في عمان التي قامت بعد معركة المجازة في عام 177هـ/793 م والقضاء على ولاة بني العباس وراشد بن النظر بن جعفر بن سعيد بن عباد بن عبد بن الجلندى، وانتهت في عام 280هـ/893 م على يد الوالي العباسي محمد بن ثور( نور، بور ). (1/120)
صفحة 121
ازدهرت عمان في هذه الفترة ازدهاراً ملحوظاً سواءً على المستوى السياسي أو الاقتصادي أو الثقافي، وأفرز هذا الرخاء الثقافي جملة من العلماء كانوا بجانب حكامهم الثمانية الذين عرفتهم هذه الفترة، من أبرز هؤلاء العلماء العلامة موسى بن أبي جابر الأزكوي
( 87هـ - 181 م ) والعلامة بشير بن منذر السامي ( 106هـ - 187 ) والعلامة علي بن عزرة الأزكوي، والعلامة محبوب بن الرحيل (ت: 23هـ) ومنير بن النير الريامي، وهاشم بن غيلان الذين شهدوا ولادة هذه الإمامة ونظموها، ثم تعاقب أبناء هؤلاء العلماء ومن كان في جملتهم من العلماء، وكان ظهورهم نتيجة انتشار هذا العلم، ومن بين هؤلاء العلماء موسى بن علي بن عزرة ( 177هـ -232 م ) والعلامة محمد بن محبوب بن الرحيل القرشي (ت260هـ -873 م) الذي عاصر أربعة أئمة من أئمة الإمامة الثانية ( 177هـ - 793 م - 280هـ - 893 م ) وكان من الناشطين فيها، وقد ورد اسمه أول مرة في إمامة الإمام مهنا بن جيفر الفجحي اليحمدي ( 226هـ - 840 م - 237هـ - 851 م ) في قضية القرآن، وكان والده محبوبٌ ممن جاءوا إلى عمان بصحبة الإمام الربيع بن حبيب صاحب المسند ( الجامع الصحيح ). (1/121)
صفحة 122
وتعلم العلامة محمد بن محبوب على والده محبوب بن الرحيل وعلى يد العلامة موسى بن علي بن عزرة في مدينة إزكي، الذي زوجه ابنته، وسرعان ما تقدم العلامة محمد في العلم وبرز فيه مما ذاع صيته وعرفته الأوساط العمانية، وكون لنفسه آراءً خاصة به وانفرد بمسائل فقهية في المذهب يتصف بعضها بالمرونة، وتقدم على معاصريه من أمثال بشير بن المنذر الأزكوي، ومحمد بن علي القاضي، وأبو المؤثر الصلت بن خميس الخروصي، محمد بن هاشم بن غيلان، وأبو مروان سليمان بن الحكم والوضاح بن عقبة وزياد بن الوضاح بن عقبة، وزياد بن مثوبة، ومحمد بن أبي حذيفة، والمعلى بن منير بن النير الجعلاني الريامي، وعلي بن خالد، وعلي بن صالح، والحسن بن هاشم وغيرهم. وللعلامة محمد أخوان هما : سفيان والمجبر ويغرف الأخير " بالثقة " وقد قلد علماء عمان محمداً رئاسة العلم والعلماء وأصبح مدار الفتوى في المسائل الكبيرة والعويصة، وهو ما تؤكده الآثار العلمية في كتب الفقه العمانية. (1/122)
صفحة 123
وأصبح العلامة محمد بن محبوب من جملة أهل الحل والعقد في اختيار الإمام، لهذا وقع عليه عقد البيعة للإمام الصلت بن مالك الخروصي ( 237هـ /851 م ) وتألق العلامة خلال فترة إمامة الصلت، وحظي بمكانة مرموقة في العلم والرئاسة، وتولى العلامة محمد للإمام الصلت قضاء صحار في عام ( 249هـ - 863 م ) أثناء ولاية الشيخ محمد بن الأزهر العبدي لها حتى وفاته بها في يوم الجمعة الثالث من محرم من عام 260 هـ الموافق الثامن والعشرين من أكتوبر 873 م ودفن بها وقبره معروف حتى عام 1274هـ ـ 1857 م ( ابن رزيق، الفتح المبين ص233 ) وصلى عليه والي صحار الشيخ غدانة بن محمد. ومات العلامة محمد وعلماء عمان عنه راضون, وقد وصف العلامة أبو الحسن علي بن محمد البسيوي من علماء عمان في القرنين الرابع والخامس الهجريين العلامة محمدا " أن محمد بن محبوب - رحمه الله - من أئمة المسلمين المجتمع على ولايته ( السير والجوابات : ج2 : ص : 91 ), وقال عنه العلامة ابن عريق المعولي وكان يومئذ نقيبا من المسلمين وإمامهم ورئيسهم في العلم والدين محمد بن محبوب " قصص وأخبار جرت في عمان.ص 59) كذلك قال عنه ابن رزيق في مجمل قوله عن مبايعة الصلت بن مالك الخروصي " وكان يومئذ رئيس المسلمين في العلم والدين الشيخ العالم القطب الفهامة محمد بن محبوب - رحمة الله " ( ابن رزيق, الفتح المبين : ص 233 ), وترك العلامة محمد ابنين هما : بشير بن محمد صاحب كتاب المحاربة وغيره, وعبد الله بن محمد, وأمهما ابنة العلامة موسى بن علي بن عزرة الأزكوي, وحمل هذان الولدان الباران العلم عن والدهما, وغدوا منارة يهتدي بها العلماء, ونُصب أحد أحفاده سعيد بن عبدالله بن محمد إماما لعمان في عام 320/ 932م , وكان أفضل أئمة عصره, ومن مؤلفات العلامة محمد بن محبوب كتاب في الفقه قيل : إنه يتكون من سبعين جزءا لم يعثر إلا على جزء إلا واحدٌ منه ذكره البرَادي في كتابه " الجواهر المنتقاه " (1/123)
صفحة 124
أنه كان موجودا في المغرب, وله أيضا العهد الذي كتبه لقادة حملة سقطرى بتكليف من الإمام الصلت بن مالك ( السالمي, تحفة الأعيان. ج , ص : 166 - 184 ) وكذلك للعلامة محمد ثلاث سير هي :
1) سيرة العلامة محمد بن محبوب إلى أبي زياد خلف بن عذرة
2) كتاب محمد بن محبوب إلى إمام حضرموت أحمد بن سليمان
3) سيرة الشيخ محمد بن محبوب إلى إخوانه من أهل المغرب
والسيرة الثالثة - هي التي سنلقي الضوء عليها, وسنتتبع قراءتها وسير محتوياتها - وقد طبعت من قبل وزارة التراث القومي والثقافة ضمن السير والجوابات لعلماء وأئمة عمان وهي : تحت رقم 29 من الجزء الثاني من السير والجوابات ( ص : 223 - 268 ) .
عرض السيرة ومحتوياتها
سوف يعتمد الباحث على النسخة المطبوعة من سيرة الشيخ محمد بن محبوب إلى إخوانه من أهل المغرب - كما أشرنا - وسيقارن كذلك بين النسخة المطبوعة ونسخة أخرى مخطوطة مع الباحث .
وتضم السيرة التي كتبها العلامة محمد بن محبوب لأهل المغرب مجموعة إجابات منه ردا على بعض التساؤلات التي وردت من علماء الإباضية في شمال أفريقيا - وكما هو معروف عنهم - إذا ما اختلفوا في مسائل فقهية أرسلوا إلى إخوانهم الآخرين في عمان يستفتونهم فيما اختلفوا فيه, وكذلك فعل علماء عمان .
وقد قامت في الجزائر إمامة إباضية اتخذت " تاهرت " عاصمة لها في عام 160/ 776م , وعرفت في بعض المصادر بالدولة الرستمية نسبة إلى مؤسسها عبدالرحمن بن رستم (1/124)
صفحة 125
( 160هـ / 776م - 168هـ / 784م ) وقد تزامنت مع الإمامة في عمان وانتهت هذه الإمامة في عام 296هـ/ 908م على يد أبي عبدالله الشيعي القائد الفاطمي بعد أن قتل الإمام اليقظان بن أبي اليقظان محمد بن أفلح بن عبدالوهاب الرستمي ودخوله تاهرت ( الحارثي, العقود الفضية ص : 237 - 251 ) والعلامة محمد بن محبوب قد عاصر الإمام أفلح بن عبدالوهاب بن عبدالرحمن الرستمي (208هـ / 823م - 240هـ/ 894م ) الذي تسلم الحكم وقد كانت أحوال الدولة الرستمية في غاية السوء من الاضطراب والفتن, غير أنه نجح في إخماد نيران فتنة أتباع ابن عرفة الذين سيطروا على تاهرت لمدة سبع سنوات . (1/125)
صفحة 126
ونظرا لهذه الاضطرابات والفتن التي شهدتها الدولة الرستمية اختلف أتباع المذهب الإباضي هناك في أمور تخص الحقوق والواجبات الشرعية تجاه هؤلاء الأئمة والمناوئين لهم والتي وقعت بين الأئمة الرستميين وولاتهم خلال النصف الأول من القرن الثالث الهجري خلال حكم الإمام أفلح ( ت : 240هـ ) , وابنه الإمام أبي اليقظان محمد, وقد أحدث هذا الخلاف لغطا حول الولاية والبراءة نتيجة استقلال بعض الولاة, وضعف سلطة الإمام وهيبته وكثرة أعدائه, ووقوع بعض إماراتهم تحت حكم الأمراء المستقلين, وقيام بعض الثورات من أتباعهم مثل : ثورة خلف بن السمح بن أبي الخطاب عبد الأعلى المعافري في جبل نفوسة ( ابن معمر, الإباضية بين الفرق الإسلامية : ج2 : ص : 30 - 31 ) , وثورة فرج النفوسي " نفاث بن نصر " الذي ينكر الخطبة في يوم الجمعة مدعيا أنها بدعة, وإنكاره استعمال الإمام العمال والسعاة لجباية الحقوق الشرعية ( ابن معمر, الإباضية: ج2:ص 21 - 29 ) وفتنة أتباع ابن عرفة في تاهرت وبالتالي تفاقمت الفتن التي خلفت الانشقاق بين عاصمة الإمامة تاهرت وولايتها, واختلافهم في ولاية هذا الوالي أو ذلك لهذا قرروا الاتصال بعلماء عمان يستفتون ما أشكل عليهم في أمر الإمام وطاعته. لهذه الأسباب - في اعتقاد الباحث - أرسل علماء المغرب أسئلتهم إلى علماء عمان. لهذا جاءت هذه السيرة التي كتبها العلامة محمد بن محبوب جوابا عن تلك الأسئلة. وللأسف لم تحتفظ المؤلفات المغربية بهذه السيرة في الوقت الذي حفظت المؤلفات العمانية الأسئلة والإجابة, مع العلم أن المصادر المغربية ذكرت لقاء حدث بين العلامة القاضي المغربي عمروس بن فتح النفوسي في مكة المكرمة وفي مجلس ابن محبوب وقد حفظ العلامة عمروس ما دار في المجلس ( الشماخي, كتاب السير. ج1 , ص: 192 - 194 ). وللأسف لم يتيسر لنا معرفة صاحب هذه الأسئلة من علماء أهل المغرب وفي زمن من ؟ يمكن للباحث أن يخمن أن هذه الأحداث كانت (1/126)
صفحة 127
بعد وفاة الإمام أفلح في عام 240هـ/ 854م وأن خليفته أبا بكر بن أفلح - رابع الأئمة الرستميين - ما كان حازما وقد ذكر ابن الصغير - المعاصر للأحداث - عنه أنه لما ولي أبو بكر لم تكن فيه من الشدة في دينه ما كان فيمن كان قبله من آبائه, ولكن كان سمحا جوادا ليّن العريكة يسامح أهل المروؤات ويشايعهم على مروؤاتهم ويحب الآداب والأشعار وأخبار الماضين ( ابن الصغير, أخبار الأئمة الرستميين : ص 71 ), وأصبحت لمحمد بن عرفة مكانة كبيرة في تاهرت فأصبحت الإمارة بالاسم لأبي بكر وبالحقيقة لمحمد, وكان تربط الاثنين علاقات مصاهرة حيث تزوج أبو بكر أخت محمد ذات جمال, كما أن محمد تزوج أخت أبي بكر
( ابن الصغير, ص : 72 ), وانتهت هذه المكانة بقتله مما أدّى إلى الفتن الداخلية والانتصار له مدّة طويلة حتى تمكّن أبو اليقظان محمد بن أفلح من دخول تاهرت بعد سبع سنوات من حدوث هذه الحوادث .
وقد ذكر الباحث آنفا أن علماء المغرب كانوا على اتصال بعلماء المشرق وكان مما ذكر في كتاب طبقات المشائخ بالمغرب لأبي العباس أحمد الدرجيني ( ت 670هـ/ 1271م ) قصة ذلك الاتصال وكان في زمن الإمام عبد الوهّاب بن عبد الرحمن حينما افترق الإباضية في عهده بزعامة ابن فندين, فقضي الأمر أن يبعثوا رسولين إلى المشرق يستفتونهم فيما اختلفوا فيه, فوصل الرسولان إلى مكة وقابلا هناك الإمام الربيع بن حبيب ومخلد بن العمر وأخبراهما بما حدث في المغرب وأن الإمام الربيع وصاحبه كتبا كتاباَ لأهل المغرب وقد ذكر الدرجيني ذلك الكتاب ( انظر : الدرجيني, طبقات المشائخ : ج1 , ص 49 - 50 ) .
وهذه السيرة تتكون من 46 صفحة مطبوعة تحتوي كل صفحة فيها على 18 سطرا تقريبا وفي كل سطر بين 9 - 11 كلمة, أما المخطوطة فتتكون من 11 ورقة ب 21 صفحة وفي كل صفحة 27 سطرا وفي كل سطرين 12 - 14 كلمة وهناك بعض الاختلافات البسيطة بين المخطوط والمطبوع قد تعود إلى تصحيف مطبعي . (1/127)
صفحة 128
وتسهيلا لقراءة السيرة وتحليل محتوياتها فقد رقّم الباحث فقرات هذه السيرة فوجدها تتكوّن من أربع وتسعين (94) فقرة. ويختلف عدد أسطر الفقرة الواحدة حسب الإجابة, فأقّل فقرة تتكون من سطر ونصف السطر, وأكبر فقرة تتكون من صفحتين وأكثر .
وقد بلغ مجموع الأسئلة خمسين (50) سؤالا طرحت من قبل علماء المغرب أو صاغ ألفاظها العلامة محمد بن محبوب بنفسه كما سوف ترى لاحقا.
ويتمحور مضمون هذه الأسئلة في هذه السيرة حول الإمام المقصود به الحاكم أو الخليفة وواجباته تجاه رعيته وحقوقه, وكيفية مبايعته ولفظ أمير المسلمين, وجاز خلعه, واستتابته إن وقع في الخطأ, وأخذ الزكاة من رعيته وتوزيعها على مستحقيها, ومعاملة عماله في الرعية سواء على مذهبه أو المخالفين له في المذهب الذي يصف حكامهم بالجبابرة ويقصد بهم عمال " ولاة " دولة بني العباس, وكلمة الجبابرة التي يكثر منها العلامة محمد بن محبوب يراد بها في المصطلح الإباضي الولاة غير العدول ( تحفة الأعيان : ج1 , ص: 107 ) كما يصف الإباضية بالمسلمين دون أن يسميهم وأئمتهم بالعدل .
وبدأت السيرة بعد البسملة بقوله : " إلى جماعة من كتب إليه من المسلمين من أهل المغرب من أخيهم محمد بن محبوب. سلام عليكم, فإني أحمد الله الذي لا إله إلا الله حمدا كثيرا, وهو لذلك أهلا, وأسأله الصلاة على محمد صلى الله عليه وسلم تسليما, وأوصيكم ونفسي بتقوى الله كثيرا, وذكره كثيرا, وانتهت السيرة بقوله ... فهذا ما عليه المسلمون وهذا حفظي عن أشياخ المسلمين, وقولي أدين به من دين ربي فاتبعوه لعلكم تهتدون, وفقنا الله وإياكم للعدل والصواب والحكمة وفصل الخطاب والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته وصلى الله على محمد النبي وعليه السلام ورحمة الله وبركاته . (1/128)
صفحة 129
وبعد هذه المقدمة استهل العلامة محمد حديثه بذكر أسباب كتابة هذه السيرة المتضمنة فتاواه على تساؤلاتهم فقال : " أما بعد وهب الله لنا ولكم العصمة ومنحنا وإياكم الحكمة, ونجانا وإياكم من النار ومن المصير إلى دار البوار, كتبت إليكم - رحمنا الله وإياكم - وأنا ومن قبلي من الخاصة والعامة من المسلمين بأحسن حال وأتم نعمة, وأجمع كلمة والحمد لله على ذلك وعلى كل حال, وقد وصل كتابكم بالسار لي من خبر سلامتكم وحالكم وجميل صنع الله لكم وآلائه عندكم, فحمدت الله على ذلك وسألته المزيد لنا ولكم من كل فضل عتيد, إن ربنا واسع مجيد " .
( تحليل السيرة
وقد أشرت سابقا أن هذه السيرة تتكون من 94 فقرة تشمل إجابة خمسين سؤالا تقدّم بها علماء المغرب لعلماء عمان. وقد تصدّى العلامة محمد بن محبوب للإجابة على هذه الأسئلة لأنه كان ممن له الكلمة في إمامة الإمام الصلت بن مالك الخروصي والمقدم على العلماء آنذاك ورئيسهم وكبير المفتين, وسوف نطرح بعض الملاحظات قبل أن نحلل بعض موضوعات الأسئلة ونفند محتوياتها ونعطي أمثلة للأسئلة ونماذج من الإجابة:
1) كان العلامة محمد يستخدم في بعض الأحيان كلمة " سألتم " لطرحه السؤال مثاله : " وسألتم رحمنا الله وإياكم " الفقرة : 4
2) كما استخدم كلمة " قلتم " مثاله : " قلتم وهل هؤلاء ... " الفقرة 13, 60, 62, 76)
3) ويكثر من استخدام كلمة " وعن " سواء مسبوقة بواو أم لا في صدر السؤال مثاله : " عن الإمام العامل على قوم من أهل دعوته ... " ( الفقرات 8, 11, 14, 16, 19, 21, 22, 26, 28, 30, 34, 38, 40, 42, 44, 47, 49, 50, 52, 54, 55, 58, 63, 64, 67, 68, 69, 70, 71, 72, 78, 80, 82, 84, 86, 87, 87, 91, 93) .
4) واستخدم كلمة : وعمن " مرتين كما في الفقرتين ( 26, 36 )
5) أما الإجابات فقد يبدأ بكلمة " فاعلموا رحمنا الله وإياكم " . (1/129)
صفحة 130
6) وقد يبدأ الإجابة بـ " فإن فعل ... فإن كان ..., فإن ذلك ... فإن عليه ... " .
7) ويستخدم العلامة محمد كلمة " إذا أو فإذا ... "
8) ويكثر من استخدامه العبارة الآتية " قول المسلمين " الذين أو /وهم - بطبيعة الحال - هم الإباضية .
9) وكذلك يستخدم عبارة " أن المسلمين قالوا في سيرهم " وعبارة " هذا الذي حفظته من أشياخنا "
10) ويستخدم كثيرا كلمتي " أوائل المسلمين وأسلافنا " مثال ذلك : " فالذي بلغنا وقبلناه عن أوائل المسلمين وفقهائهم الذين تمسكوا بدين الله واستقاموا على سنة نبيهم محمد "
( الفقرة 5 من السيرة ) وقوله " وعلى هذا مضى أوائلنا وأسلافنا من لدن افتراق أهل قبلتنا بعد نبيهم - صلى الله عليه وسلم - إلى يومنا هذا " ( فقرة 6 ) وقوله : " فاعلموا - رحمنا الله وإياكم - أن قول المسلمين المأثور عنهم عن أوائلهم أنه... " (الفقرة : 9) وقوله : " فإن الذي أخذنا عن أسلافنا العلماء أن الإمام والقاضي والوالي . " ( الفقرة: 12) .
11) ويستشهد العلامة محمد بن محبوب بآيات من القرآن الكريم لتدعيم آرائه في إجابته حيث استشهد بالآية السابعة من سورة الحشر " كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم " واستشهد بالآية 44 من سورة المائدة حول الحكم بغير ما أنزل الله, وكذلك استشهد بالآيتين 2, 38 من نفس السورة وبالآيتين 103 و 104 من سورة الكهف, وبالآية 41 من سورة الحج, وبالآية 135 من سورة النساء, وبالآية 26 من سورة يس, وبالآية 42 من سورة الشورى وغيرها من الآيات الكريمة . (1/130)
صفحة 131
12) كما استشهد ببعض الأحاديث الشريفة, فأورد في هذه السيرة ثلاثة أحاديث: أولها الحديث الذي أورده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم " كفى بالمرء خيانة أن يكون أميناَ لخائن " ( الفقرة : 27 ) . والحديث الثاني المرفوع إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " من دعى إلى دعوة جاهلية فاقتلوه ", ( الفقرة : 83 ) وجد الباحث حديثا في جامع الإمام الربيع بن حبيب يحمل رقم 970 وفي نهايته " ... ودعا بدعوى الجاهلية فليس منا " . والحديث الثالث الذي استشهد به العلامة محمد أن بعض العلماء روى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " إذا رأيتم أميرين فاضربوا عنق أحدهما " ( الفقرة : 93 ) . وجد الباحث في صحيح مسلم حديثا شبيها بهذا رواه أبو سعيد الخدري قال : قال رسول - صلى الله عليه وسلم - :" إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما " ( رقم الحديث : 1070 مختصر صحيح مسلم ) .
13) ويكثر العلامة من الثناء والحمد والشكر لله تعالى في إجاباته كما في الفقرات ( 2, 3, ... الخ ) .
وبدأت إجابة العلامة محمد بن محبوب من الفقرة الخامسة حيث طرح العلامة محمد السؤال في الفقرة الرابعة :
" وسألتم - رحمنا الله وإياكم - في كتابكم الذي بلغكم عن الإمام والوالي والساعي ... الخ " وفي الفقرة الخامسة يعطي العلامة محمد الإجابة على السؤال المطروح :
" فالذي بلغنا عن أوائل المسلمين وفقهائهم ... فإن فعل ذلك الإمام استتيب, فإن تاب ورجع قبلت توبته ولم يعجل على براءته ... الخ .
وهكذا كان منهج العلامة محمد في كافة إجاباته في هذه السيرة. وفي بعض الأحيان يكون السؤال صغيرا جدا فتكون الإجابة على قدر السؤال. ولهذا يدمج السؤال والجواب في فقرة واحدة لا تتعدى السطرين مثل ما ورد في السؤال 19 في الفقرة 44 حيث يقول السائل :
" وعن الإمام أيجوز له أن يستعمل على رعيته من لا يتولاه ؟ فإن ذلك لا يجوز له ولا يحل له أن يولي من لا يعرفه بالثقة أمته ورعيته . (1/131)
صفحة 132
وعلى العموم فإن الأسئلة الخمسين التي تقصاها الباحث في هذه السيرة تتمحور حول موضوعات مختلفة تخص حقوق وواجبات الإمام تجاه رعيته, ونذكر هنا نصف هذه الأسئلة مع فقراتها على النحو التالي :
1) حول توزيع الزكاة على مستحقيها (الفقرة:4)
2) حول جباية الإمام الزكاة من رعيته من دون حمايتهم منه (فقرة 8)
3) حول مسألة الظهور والكتمان وجواز حكم الجبابرة (الفقرة 11)
4) دفع الزكاة والخراج للجبابرة " أهل الجور " (الفقرة: 13)
5) طاعة الوالي الذي من أهل الدعوة وتعامله مع أئمة العدل وأئمة الجور في نفس الوقت (الفقرة 14)
6) حول إلزام المزكي زكاة ثانية إذا أخذها منه الوالي ولم يصرفها لمستحقيها (الفقرة 16)
7) حول إجازة الإمام تولية عامل على الحجاج (الفقرة 19)
8) حول إجازة المسافرين تولية رجل عليهم يدبر أمرهم (الفقرة 21)
9) حول أحكام الوالي من أهل الدعوة باجتهادهم وبدون علم هل يجزيهم ذلك (الفقرة 22)
10) إجازة ولاية الإمام الذي يولي رجلا جاهلا بالكتاب والسنة (الفقرة 28)
11) إجازة للإمام تولية رجل جاهل بالكتاب والسنة (الفقرة 28)
12) حول قبول الإمام والقاضي والعامل الهدايا من رعيته (الفقرة 30)
13) حول توبة هؤلاء المذكورين لأخذهم الهدايا فهل عليهم رد الهدايا التي أخذوها (الفقرة 32)
14) حول إعفاء العامل من إقامة الحدود لأن الإمام لم يكلفه بذلك (الفقرة 15)
15) موقف المسلم من العلماء الذين لا يأمرون أئمتهم بالمعروف ولا ينهونهم عن منكر فعلوه (الفقرة 36)
16) البراءة من الإمام الذي لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر (الفقرة 38)
17) موقف الإمام من اللعابين والنواحات والأنبذة (الفقرة)
18) إجازة للإمام أن يولي على رعيته الذين اتصفوا بسفك الدماء ويأكلون الحرام عاملا منهم (الفقرة 42)
19) إجازة للإمام أن يولي على رعيته من لا يتولاه (الفقرة 45) (1/132)
صفحة 133
20) وإذا فعل الإمام بأن ولى من لا يتولاه فهل يزيل ذلك إمامته ؟ (الفقرة 47)
21) البراءة من الإمام الذي ارتكب معصية فيما بينه وبين الله (الفقرة 47)
22) إذا لم يجد الإمام أحدا من أهل العدل يستعين به هل له أن يعتزل الإمامة ؟ (الفقرة 49)
23) البراءة من رجل من أهل الدعوة يعين الجبابرة ويدفع لهم الزكاة (الفقرة 50)
24) إجازة لأهل الدعوة أن يعينوا قضاة الجبابرة في حماية الأمن أو لإظهار الطاعة لهم (الفقرة 52)
25) حول عزل الوالي إذا ظهر في يده أموال من غير ميراث دخل عليه في عمله (الفقرة 54)
ومن الملاحظ أن هذه الأسئلة تتمحور في موضوعات مختلفة تخص نظام الإمامة, وواجبات الإمام تجاه رعيته وشروط توظيف الولاة والجباة على تيسير أمر الرعية وفق ما تمليه الشريعة الإسلامية, وتحري العدل, وكذلك تناولت موضوع البراءة والولاية .
وسوف نطرح هنا بعضا من الأسئلة مشفوعة بأجوبتها لكي نقف على مدى عمق معرفة العلامة محمد بن محبوب وكيفية بسطه للأسئلة وتبسيط إجابته دون تكلف مصطنع أو رؤية غير مفهومة أو رد غير واضح ممل وهذه - في الحقيقة - عادة العلماء والسلف الصالح ونحن لا نود أن تتبع جميع المسائل التي أجاب عنها العلامة محمد بن محبوب لكن من خلال استقراء بعض هذه التساؤلات يمكن أن نطرح نماذج من الأسئلة وكذلك من الإجابة, وقد حاولنا سابقا أن نطرح نصف الأسئلة (1 - 25) لهذا سيكون انتقاؤنا هنا منصبا على بعض الأسئلة التي لم يسبق ذكرها, وسوف يقع اختيارنا على الأقصر التالية :
1) السؤال : 26 " وعن العبد إذا سرق ما تجب في مثله القطع هل يقطع, وإن ترك الإمام قطعه هل يهلك بذلك, وهل يختلف العلماء في هذا ؟؟ (الفقرة:55)
الجواب : فاعلموا - رحمنا الله وإياكم - أنا لم نعلم أحدا من علماء المسلمين اختلف في مثل هذا ولا أبطل القطع على السارق إذا كان عبدا, لأن التنزيل في ذلك مجمل قول الله جلّ ثناؤه (1/133)
صفحة 134
( والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ) , ولم يستثن في العبد إبطال الحد إلا أنهم قالوا: إن العبد مال فلم يجيزوا إقراره بالسرقة لتلف مال سيده بإقراره, فأما إذا أقام عليه شاهد عدل بسرقة ما يقطع في مثله فعليه القطع (الفقرة 56) وقد قال من قال: إذا أقر بالسرقة ووجدت في يده قطع, وإن عطل الإمام ذلك بعد شاهدي عدل على العبد بسرقة ما يجب على مثله القطع, فقد عطل حدا من حدود الله, فقد ذكر كفرا ووجبت عداوته على المسلمين إلا أن يتوب ويقيم الحد (الفقرة 57).
2) السؤال: 27 وعن الإمام إذا أتى برجل قد ارتكب أمرا في مثله يجب الحد عند العلماء, فجلدوه أسواطا, وأزاح عنه الحد, جاهلا بذلك, هل يهلك الإمام بذلك أم حتى تقوم عليه الحجّة ؟ (الفقرة:58)
الجواب : فإن عليه فرضا إقامة ذلك الحد, فإن جهله فأمسك حتى يشاور أهل العلم ويسألهم عنه, وسعه ذلك ولم يهلك, فإن عطله ولم يسأل عنه أهل العلم, لم يسعه إبطال ما وجب عليه إقامته, وسؤال أهل العلم عن عدله, ويستتاب فإن تاب قبلت توبته ولم يبطل جلده غير الحد الذي وجب عليه, ويقام عليه الحد. وعلى الإمام أرش ما جلده غير الحد في بيت مال المسلمين إلا أن يكون فعل ذلك متعمدا فعليه أرش جلده في ماله وعليه أن يقيم عليه الحد فإن أبى بعد الاحتجاج عليه هلك (الفقرة 59) .
3) السؤال : 29 " وقلتم: أرأيتم إن قال رجل من المسلمين لإمام : ينبغي القيام في هذا, فقال: اذهب ليس هذا إليك أو عليك وأنا أنظر في ذلك, أيكون منصفا في قوله "؟ (الفقرة 26) (1/134)
صفحة 135
الجواب : " فإذا قال ذلك في شيء مما تلزمه أمانته وتغييره وأبى مراجعة الحق فقد جار, وإن قال ذلك ورجع إلى الحق وأقامه, لم يبلغ به قوله هذا إلى خروج من الإسلام, إلا أنه لا ينبغي له أن يقول ذلك للمسلمين, بل عليه أن يقبل النصيحة منهم, ويفهم شفقته عليه, ولا يكتفي المسلم بقوله ذلك, ويراجعه في الحق حتى يصر على إبطاله أو يقبله منه, أو يخافه على دمه, فتسعه التقيّة, فإذا كان في حال خوفه على دمه, وسعته التقية ووجبت عليه البراءة " (الفقرة السابقة:62) السؤال : 24 " وعن العامل إذا كان مقرا بالدعوة فقبض صدقة أهل عمله فاشترى بذلك عقارا أو رباعا وماشية, فمات فورثه ورثته, هل ذلك لمن علم هذا منه ولا يحل لمن ورثه ذلك " (الفقرة:68)
الجواب : " وعليه أن يرد ذلك إلى المسلمين " (الفقرة:68)
السؤال : 39 " وعن الإمام والقاضي أو العامل إذا كان يحكم بشاهدين غير عدلين, وهل يكون حاكما بغير ما أنزل الله ؟ " (الفقرة 74)
الجواب : " فمن حكم في شيء بشهادة غير عدلين فقد حكم بغير ما أنزل الله وذلك بالغ به إلى الظلم لمن حكم عليه به " (الفقرة:74 أيضا)
6) السؤال : 49 " وعن الإمام أيجوز له الزحف إلى الآفاق والاستحواذ على الرساتيق والسواد وهو لا يجد في رعيته أهلا للأمانة والدين ممن يستعملهم على تلك الكور فكيف العدل في ذلك ؟ " (الفقرة:91)
الجواب : " فأما كور أهل الشرك ورسائقهم فله أن يزحف إليها ويستحوذ عليها لأنهم وأموالهم حلال بعد الدعوة, والإباء عن الإسلام, وإعطاء الجزية ممن انتحل دينا من أديان أهل الجزية, وأما
كور أهل الصلاة, فإذا لم يجد من يوليه عليها من المسلمين فلا يعرض لها فإنه إذا زحف إليها فإنما يزحف بالعدل على أهلها وإقامة أمر الله فيها, فإذا لم يمكنه ذلك لم يطلب انتزاعها من جائر ويردها إلى جائر " (الفقرة:92) .
الخاتمة (1/135)
صفحة 136
لقد تتبع الباحث سيرة العلامة محمد بن محبوب القرشي لأهل المغرب كما سمّاها وهذا العلامة من علماء النصف الأول من القرن الثالث الهجري, وكان والده محبوب بن الرحيل (ت:230هـ) ممن حمل العلم إلى عمان عن الربيع بن حبيب (ت:170هـ) وقد حظي العلامة محمد بن محبوب بمكانة كبيرة, وتقلد رئاسة العلماء منذ نهاية إمامة المهنا بن جيفر وحتى وفاته في عام 260هـ, وتولي قضاء صحار لمدة أحد عشر عاما .
أظهرت هذه الورقة الدور الذي لعبه العلامة محمد بن محبوب في أحداث عمان خلال فترة وجوده, وكانت له اليد الطولى بين أقرانه, وقد سمحت له الظروف أن يمد علاقته خارج القطر العماني إذ كاتب إمام حضرموت أحمد بن سليمان, وقدم لهم النصح فيما اختلفوا فيه, وتصدى للفتاوى في عصره, وغدت أفكاره وآراؤه ديدنة العلماء يتناقلونها جيلا بعد جيل .
تتبعت الورقة السيرة التي كتبها العلامة محمد لإخوانه من الإباضية في شمال أفريقيا, حيث وقفت على الهدف من كتابة هذه السيرة وهي طرح علماء المغرب مجموعة من الأسئلة على علماء عمان للإجابة عليها وتتمحور حول الإمامة والإمام وواجباته وحقوقه الشرعية وموقف المسلمين من الإمام أو عماله إذا لم تحمد سيرهم, فهل يتم خلعهم أو يتبرئ منهم أم تبقى لهم الولاية ؟ لهذا رصدت هذه الورقة خمسين سؤالا تقدّم بها علماء المغرب, وتمكن العلامة محمد بن محبوب من الإجابة عليها, وقد حللت هذه الورقة تلك الأسئلة مستعينة بنماذج منها حسب طاقة الباحث وفهمه للأسئلة والإجابة .
توصلت الورقة إلى وجود علاقة وثيقة, ربطت علماء عمان بغيرهم من علماء المذهب بالمغرب بصلات ود على مر العصور, خلالها تبادلوا الرأي حول الإشكالات والأفكار السائدة فيما بينهم إن اختلفوا في شيء عجز فريق أن يقنع الآخر به ولدينا أمثلة عديدة على مر التاريخ وحتى القرن العشرين خصوصا في عهد الإمام محمد بن عبد الله الخليلي (1338هـ/1920م - 1354هـ/1954م) . (1/136)
صفحة 137
أظهرت الورقة مكانة العلامة محمد وسعة ثقافته وتمكنه من بسط الأسئلة والأجوبة والمصطلحات التي يستخدمها سواء في طرحه السؤال أو الإجابة عليها مدعما إجاباته بالآيات الكريمة أو الأحاديث الشريفة أو آثار المسلمين وعلمائهم .
المصادر والمراجع
- ابن رزيق, حميد بن محمد . الفتح المبين . وزارة التراث القومي والثقافة, ط20 , مسقط 1983م
- ابن الصغير, أخبار الأئمة الرستميين . تحقيق محمد ناصر وإبراهيم بحار. دار الغرب الإسلامي, بيروت : 1986م
- ابن عريق, محمد بن راشد المعولي . قصص وأخبار جرت في عمان وزارة التراث القومي والثقافة . مسقط : 1984م
- الإزكوي , سرحان بن سعيد , كشف الغمّة الجامع لأخبار الأمة . تحقيق أحمد عبيدلي , دلمون للنشر , قبرص : 1984م
- أعوشت , بكير بن سعيد . دراسات إسلامية في الأصول الإباضية . ط2 , ب.ت.
- البطاشي , سيف بن حمود بن حامد . إتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عمان. ط2 . مسقط 1998م .
- الجعبيري , فرحات . نظام العزابة عند الإباضية الوهبية. المعهد القومي للآثار والفنون, تونس 1975م .
- الحارثي , سالم بن حمد . العقود الفضية في أصول الإباضية ب.ت
- خليفات , عوض . نشأة الحركة الإباضية. الأردن : 1982م .
- الدرجيني . أبو العباس أحمد بن سعيد . طبقات المشائخ بالمغرب . تحقيق إبراهيم طلاي, ب, ت .
- الربيع بن حبيب . الجامع الصحيح (مسند الإمام الربيع, ط1 . مسقط 1994م) .
- سالم , السيد عبد العزيز . المغرب الكبير 2 العصر الإسلامي . الدار القوميّة للطباعة والنشر . الاسكندرية :1966م
- السالمي , نور الدين عبد الله بن حميد . تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان . وزارة التراث القومي . مسقط : 1981م .
- الشماخي , سعود بن سعيد بن شملان . صحار الماضي والحاضر . صحار : 1993م .
- السير والجوابات لعلماء وأئمة عمان . جمعها مجهول(صورة من المخطوط) . (1/137)
صفحة 138
- الشقصي , خميس بن سعيد بن علي . منهج الطالبين وبلاغ الراغبين . تحقيق سالم بن حمد بن سليمان الحارثي , ج1 , ط1 وزارة التراث القومي والثقافة . مسقط 1979م .
- شلبي , أحمد , موسوعة التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية . ج4 , ط5 القاهرة : 1979م .
- الشماخي , أحمد بن سعيد , كتاب السير . تحقيق أحمد بن سعود السيابي وزارة التراث القومي والثقافة مسقط 1987م .
- العبيداني , أحمد . الدولة العمانية الأولى : 132هـ/749م - 280هـ/893م . دار جريدة عمان للصحافة والنشر مسقط 1996م .
- معمر , علي بن يحيى , الإباضية بين الفرق الإسلامية وزارة التراث القومي والثقافة . مسقط 1986م .
- المنتدى الأدبي . صحار عبر التاريخ ط1 والسيب 2000م .
- وزارة التراث القومي والثقافة السير والجوابات لعلماء وأئمة عمان تحقيق سيدة إسماعيل كاشف , مسقط 1986م .
البحث السادس
بعنوان
الفقه القضائي
عند الإمام محمد بن محبوب
للباحث
خلفان بن محمد بن عبد الله الحارثي
قاضي بمحكمة الاستئناف بمسقط
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحبه أجمعين. يطيب لي تقديم بحث بعنوان ((الفقه القضائي عند الإمام محمد بن محبوب))
وجعلت هذا البحث في مقدمة وثلاثة مباحث وخاتمة, وكان المبحث الأول تعريفا, حيث بينت فيه الفقه القضائي وحاجة الناس إلى القضاء واهتمام الإسلام بهذه الوظيفة الأساسية لضبط المجتمع وتحقيق العدالة, وذكرت نسب أبي عبد الله محمد بن محبوب ومكانته بين العلماء وما يتمتع به من شخصية سياسية وعلمية حتى كان مرجع علماء عصره, كما تحدثت عن ولاية صحار ومكانتها لأن هذه الولاية هي موطن العلامة محمد بن محبوب وقد تولى القضاء عليها وهي عاصمة عمان القديمة. (1/138)
صفحة 139
وقد جعلت المبحث الثاني في الأحكام المتعلقة بمجلس القضاء, من ذلك هل يحكم القاضي بعلمه إذا ما تيقن من معرفة حقيقة النزاع واطلع على ما يكشف له ظلم أحد المتخاصمين ؟ أم أنه يتوقف حكمه على ما يدلي به الطرفان من بيانات ومستندات ولو كانت تخالف حقيقة علمه ؟ ووضحت في هذه المسألة رأي الإمام ابن محبوب وغيره من العلماء, كما ناقشت قضية الحاكم هل له أن يلقن أحد المتخاصمين حجته أثناء المرافعة ويفتح له ؟ وكذلك بينت قضية اليمين على خصمه أو كان نكوله دون طلب لرد اليمين ؟
والمبحث الثالث جعلته في نماذج من أحكام أبي عبد الله في الأحوال الشخصية فذكرت أحكام الولي فيما لو كان أولياؤها حاضرين, والمرأة تزوج المرأة, وكذلك أحكام الشهادة في النكاح. وأشرت إلى أثر الزنا على النكاح وما يتفرع على ذلك من تحريم الزوجة بمس فرج البنت, ونكاح الزاني بمزنيته, ونكاح الزانية بالشريف وعكسه. وفي أحكام الطلاق ذكرت الطلاق بتكرار اللفظ, وكذلك طلاق السكران وجعل الطلاق بيد المرأة.
ثم جاءت الخاتمة في ذكر بعض النتائج المستخلصة. والله وراء القصد وهو أعلم وأحكم.
المبحث الأول
في التعريف بالفقيه القاضي محمد بن محبوب
الأمر الأول: القضاء( وحاجة المجتمع إليه )
المجتمع البشري محتاج إلى القضاء حاجة ملحّة, فمنذ أقدم العصور وقد عرف الناس هذه الحاجة إلى القضاء, فالإنسان معروف بطبعه أنه ميّال إلى الظلم ما وجد إلى ذلك سبيلاَ فهو قد يظلم نفسه ويضيع في حق خالقه ورازقه فكيف به مع بني جنسه, وقد حكى الله تعالى أول ظلم وقع من الإنسان على هذه الأرض وهو قتل قابيل لأخيه هابيل في قوله تعالى
( واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق ... ) ( سورة المائدة 27 ) كما وقد أفصحت الملائكة عن طبيعة الإنسان عندما تساءلت كما جاء في كتاب الله ( أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ... ) ( سورة البقرة 27 ). (1/139)
صفحة 140
فالشعور بالرغبة في العدل قائم بالنفس البشرية منذ أقدم العصور, لأنه داعية الأمان على النفس وعلى المال وعلى العرض فالإنسان القلق على وجود ذاته وعلى حريته وعلى عرضه وعلى ماله لا يرجى منه ذرة خير لمجتمعه بسبب فقدان الثقة وقد تضطره الحاجة إلى الانتقام والقصاص من ظالمه والمتعدي عليه فيكون آكلا مأكولا.
إن الشرائع السماوية أكدت على مبدأ القضاء وكان من أهم وظائف الإنسان وقد كلف الله بها الرسل صلوات الله وسلامه عليهم يقول الله تعالى: ( يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب ) (سورة ص 26) ويقول الله تعالى لرسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - ( إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما ) ( سورة النساء 105) ويقول تعالى ( وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك ) ( سورة المائدة 49 ).
ومن هنا فالشريعة الإسلامية اهتمت بمبدأ القضاء وقررت قواعده فقد قام الرسول - صلى الله عليه وسلم - بمهمة القضاء بنفسه وأرسل قضاته إلى البلدان النائية, فممن أرسله معاذ بن جبل - رضي الله عنه - حيث أوصاه وسأله فقال له: ( يا معاذ بما تقضي ؟ قال: أقضي بما في كتاب الله, قال: فإن جاءك أمر ليس في كتاب الله ؟ قال: أقضي بما قضى به نبي الله - صلى الله عليه وسلم - قال : فإن جاءك أمر ليس في كتاب الله ولا قضى به نبيه ؟ قال: أقضي بما قضى به الصالحون ... ) ( أخرجه أحمد بن حنبل 5/230 ورواه النسائي 8/230). (1/140)
صفحة 141
وقد عمل الصحابة رضوان الله عليهم بهدي رسولهم عليه الصلاة والسلام فهذا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يحكم بين الناس بنفسه ويولي غيره على القضاء في الأمصار. ومما سجله التاريخ لهذا الخليفة الجليل مما يعتبر من أصول القضاء رسالته التي بعث بها إلى واليه على الكوفة أبي موسى الأشعري, وقد استهلها بقوله: إن القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة ... فهي رسالة تستحق أن تسجل بماء الذهب.
وهكذا استمر الحال في الدول الإسلامية التي نهجت نهج الخلافة الراشدة فإنه عندما تولى الإمامة على عمان الإمام الصلت بن مالك الخروصي - رحمه الله - في سنة 237هـ كان قاضيه على صحار هو العلامة الرضي أبو عبد الله محمد بن محبوب الرحيلي الذي نحن بصدد الحديث عن فقهه القضائي.
ولم يكن الفقه القضائي في تلك الآونة مقننا كما هو الحال في العصور المتأخرة بل كان القاضي يستقي الأحكام الشرعية من منابعها الأصلية الكتاب والسنة, فكان يجتهد في الحادثة فيستخرج الحكم لكل قضية تعرض عليه ولذلك كانت أحكام أولئك الأوائل وأقوالهم في تلك القضايا قواعد ظلت راسخة يرويها كل جيل لمن يليه. ولا غرو في ذلك أن يكون العلامة أبو عبد الله من ذلك النمط فإنه كان - رحمه الله - مضرب المثل في العلم والفطنة والتقوى انتهت إليه رئاسة العلم في عصره فكان مرجعا لأهل زمانه ومن بعدهم.
وتطور الفقه القضائي في زمان ابن محبوب - رحمه الله - فصار أقرانه من العلماء وتلاميذه يتناقلون أحكامه واجتهاداته نظرا لمكانته العلمية ولأن ولاية صحار التي تولى القضاء بها كثيرة المستجدات لاختلاف ثقافات الناس هناك وطبقاتهم ولكونها منطقة تجارية ساحلية ولكثرة سكانها, فأنت لا تكاد تطلع على كتب ألفت بعد عصره إلا وتجد أقواله مصدرة هناك ومحترمة عند الجميع.
الأمر الثاني ( محمد بن محبوب ومكانته ) (1/141)
صفحة 142
هو محمد بن محبوب بن الرحيل بن سيف بن هبيرة المخزومي القرشي وأصول أسرة هذا الشيخ من مكة المكرمة وإنما انتقل والده العلامة محبوب بن الرحيل إلى البصرة فتلقى العلم هناك في المدرسة الإباضية وكان من حملة العلم إلى عمان حيث انتقل هو والشيخ الربيع بن حبيب إلى عمان بعد ذلك. يقول المؤرخ سالم بن حمود السيابي: انتقل إلى عمان آخر زمانه - يعني محبوب بن الرحيل - حاملا علما جما وهدى واسعا, جاء هو والربيع بن حبيب وعمان إذ ذاك في غاية الابتهاج بهم ونزل محبوب صحار, ولا تسل عن صحار ذلك العهد شرفا وعزا وعلا ومجدا فكانت إذ ذاك تزخر بالعلم وتفخر بالهدى. ( إزالة الوعثاء عن أبي الشعثاء 47 ).
وقد قيل إن ولادة أبي عبد الله كانت في صحار وقيل عنه إنه ولد في البصرة وانتقل مع والده إلى عمان والذي يؤيد هذا الرأي الأخير أنه عندما وقع الخلاف الأخير بين أهل عمان في مسألة خلق القرآن في زمان الإمام المهنا بن جيفر وقد اجتمع الأشياخ في منطقة دما ليقولوا رأيهم في تلك الفتنة قال الشيخ محمد بن محبوب أنا أقول إن القرآن مخلوق, فغضب محمد بن هاشم وقال أنا أخرج من عمان ولا أقيم بها, فظن محمد بن محبوب أنه يعرض به فقال بل أنا أولى بالخروج من عمان لأني غريب. ( تحفة الأعيان 1/105 ) والشاهد أن ابن محبوب هنا يصرح أنه ليس من عمان في الأصل فكأنه غير مولود في عمان. (1/142)
صفحة 143
ويكنى بابنه عبد الله الذي هو والد الإمام الرضي سعيد بن عبد الله بن محمد وعندما يرد في الأثر المشرقي أبو عبد الله مطلقا فالمقصود هو محمد بن محبوب وقد وقع لبس عند المغاربة فأحيانا يكنون ابن بركة بأبي عبد الله وهو في الحقيقة أبو محمد. وكان أبو عبد الله في مقدمة الذين عقدوا الإمامة على الصلت بن مالك الخروصي سنة 237هـ والذي يظهر أنه كان من جملة الحاضرين على عقد الإمامة للمهنا بن جيفر سنة 226هـ ولكن المقدم يوم ذاك في العلم والفضل هو الشيخ الكبير موسى بن علي - رحمه الله - ( انظر تحفة الأعيان
( 1/ 101 - 108 هـ ) .
وبعد أن استقامت الأمور للإمام الصلت بن مالك انتقل ابن محبوب إلى صحار فعينه الإمام قاضيا عليها وكان ذلك سنة 249هـ وهي الولاية التي اختارها أن تكون وطنه عندما قدم هو وأبوه من البصرة وظل قاطنا في تلك الولاية إلى أن توفاه الله وكان ذلك يوم الجمعة الثالث من المحرم سنة 260هـ. والشيخ أبو عبد الله كان شديدا في الله لا تأخذه لومة لائم وكان حازما مهابا يحترمه الجميع ومن حزمه وشدته في ضبط الأمور ما يرويه أبو المؤثر وهو أحد العلماء والمتتلمذين على يد أبي عبد الله والناقلين لعلمه يقول: كنا في المشورة ولما مات المهنا وقع في ثوبي دم قال: فذهبت أغسله فرجعت وقد بايعوا الصلت أو قال قد انقطعت الأمور فسأل أو قال لي - يعني أبا عبد الله - أين كنت ؟ أو ما أخرجك من الناس فقلت وقع في ثوبي دم فذهبت أغسله فاستتابني. ( تحفة الأعيان 1/108). (1/143)
صفحة 144
والشيخ أبو عبد الله راسخ العلم, كثير الاطلاع. وكثيرا ما يرجع العلماء إلى رأيه في المسائل التي تحدث ويقع الخلاف فيها, ومن ذلك ما ورد في الأثر: أن الأشياخ اجتمعوا بدما في مسألة وقعت: أن رجلا قال لامرأته لو أني يا فلانة طلقتك ثلاثا فقال الأشياخ تطلق ... وقال محمد بن محبوب إنها لا تطلق فرجع الأشياخ إلى رأيه. ( منهج الطالبين 16/133 القسم الأول ). ومن ذلك ما ذكرنا آنفا أن الأشياخ اجتمعوا في دما في مسألة خلق القرآن فكان لأبي عبد الله رأي صرح به وقد خالفه المجتمعون مما جعله يرجع عن التصريح برأيه لأجل قطع دابر الخلاف واتفق معهم على القول: إن الله خالق كل شيء وما سوى الله مخلوق وأن القرآن كلام الله ووحيه وكتابه وتنزيله على محمد - صلى الله عليه وسلم - . ( تحفة الأعيان 1/ 105 الحق الدامغ 107 ) ومع كون هذه العبارة اتفق عليها الجميع لكنها تتفق لا محالة مع رأي أبي عبد الله لأن قولهم " وما سواه مخلوق " يستلزم أن القرآن مخلوق ثم إن المتأخرين من الإباضية ما لبثوا أن صرحوا برأي أبي عبد الله وأطبقت عليه كلمتهم.
ومما يبرهن على أجلال علماء عصره له وتقديرهم لمكانته ما ورد في الأثر: أن مسألة وقعت بنزوى حيث إن رجلا زوج ابنة أخيه ودخل بها الزوج والأب غائب فلما قدم من غيبته قال: لم أوكله في تزويجها غير أني أجزت النكاح, قال ابن محبوب: فأتوني فسألوني فقلت لهم اذهبوا إلى أبي جعفر سعيد بن محرز فذهبوا إليه فأتاني أبو جعفر فتناظرنا في ذلك فقال أبو جعفر: أما أنا فلا أقدم على إفساده قال أبو عبد الله: وجبنت أنا أيضا فتابعت أبا جعفر فقال أبو جعفر: إذا وافقتني على شيء فلا أبالي بمن خالفني ( منهج الطالبين 15/ 262 ). (1/144)
صفحة 145
وكان الإمام الصلت يرجع إلى أبي عبد الله في مهمات الأمور ولا يقطعها دونه فيكاتبه وهو في صحار, وقد جاء أن رجلا من أهل بسياء قتل رجلا وادعى أنه قصد غيره فأخطأ فيه فدخل الحبس وطال حبسه, فشاور الإمام من حضره من علماء المسلمين ثم كتب إلى أبي عبد الله ومن جواب أبي عبد الله في هذه القضية ما قاله: " وذكرت رحمك الله أنك كتبت إلى القاضي تشاوره فكتب إليك أن مثل هذا يستودع الحبس عمره وأنك جمعت من كان بحضرتك وأبرزته إليهم فأقر معهم بهذا الإقرار فرأى من رأى عليه القود وذكرت أنك قد حبست هذا الرجل كثيرا وأحببت أن أعرفك رأيي في ذلك ... ثم قال بعد كلام طويل: والذي نأخذ به أن لا قود على هذا الرجل وإنما تلزمه الدية في نفسه ولا تلزم عاقلته منها شيء, وإن أراد أولياء الدم يمينه فعليه لهم يمين بالله أنه ما قصد إلى قتل صاحبهم هذا ولا تعمد ذلك.
( تحفة الأعيان 1/ 132 ).
الأمر الثالث:- منطقة صحار ومكانتها
صحار منطقة من مناطق عمان الساحلية, تقع على خليج عمان ولها شهرة كبيرة لأنها قصبة عمان وهي عاصمة عمان القديمة, وقد كانت قبل الإسلام سوقا من أسواق العرب السنوية في الجاهلية, تجتمع فيها العرب أول يوم من رجب لمدة خمسة أيام, ونظرا لكونها تقع على ساحل البحر فقد كانت ترسو بها المراكب التجارية القادمة من أقصى بلدان العالم, واشتهر ازدهارها, ووجدت فيها الصناعات المختلفة منها صناعة الملابس والنسيج حتى إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كفن في ثوبين صحاريين كما جاء في بعض الأخبار. (1/145)
صفحة 146
ومما يدل على مكانة صحار أن عمرو بن العاص وهو مرسل من قبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أهل عمان - وكانت عمان يوم ذاك مترامية الأطراف - فجاء عمرو إلى صحار, يقول نور الدين السالمي نقلا عن الواقدي: " فقد جاء عمرو بن العاص بكتاب النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى عبد وجيفر ابني الجلندى بعمان, فكان أول موضوع دخله من صحار في مهادنتهم لبني الجلندى, فنزل بها وقت الظهر وبعث إلى الجلندى وهم بادية عمان.. " ( تحفة الأعيان 1/93 -40 ).
كما أن صحار من الأمصار الثمانية التي مصرها عمر بن الخطاب وأمر أن تقام بها الجمعة, والأمصار هي: مكة, والمدينة, والبصرة, والكوفة, والشام, واليمن, والبحرين, وعمان. وقيل هي سبعة أمصار كما هو رأي أبي عبد الله محمد بن محبوب فيما نقله عنه نور الدين السالمي باعتبار البحرين وعمان مصرا واحدا, قال نور الدين: " وقد تواترت آثار أصحابنا وأخبارهم أن المحل الذي عين لها في عمان هو قصبة صحار, فأوجبوها هناك ومنعوها في غيره.. "
( الحجج المقنعة 2/88 -90 ).
واحتفظت صحار بمكانتها مع أول لإمامة قامت بعمان في العهد الإسلامي وذلك في سنة 132هـ عندما نصب الإمام الجلندى بن مسعود الذي هو أول إمام بعمان, وكانت عاصمته صحار. وبعد القضاء على هذه الإمامة وبعد مضي وقت من الزمن أخذت صحار تفقد مكانتها كعاصمة سياسية مع الإمامة الثانية سنة179هـ عندما نصب الإمام الوارث بن كعب الخروصي ولم تزل ذلك الوقت محتفظة بمكانتها التجارية.
ولأجل مكانتها الراسخة في قلوب العمانيين ولأجل ما هي عليه من استراتيجية وأهمية تجارية واجتماعية فإنه عندما تولى الإمام الصلت بن مالك الخروصي كان لا بد أن ينتدب لصحار من يتناسب معها ومع مستجداتها وقضاياها فأرسل إليها أكبر علماء عصره وهو العلامة محمد بن محبوب الرحيلي وولاه القضاء عليها. (1/146)
صفحة 147
ومع مرور الزمن اختلفت مكانة صحار وضعفت تجارتها وخربتها الصراعات والحروب التي وقعت بين العمانيين والفرس فكادت أن تنسى, لولا أن السلطان قابوس بن سعيد سلطان عمان الحالي التفت إلى صحار التفاتة كريمة فأعاد لها بهجتها وأعطاها حقها من المكانة والتطور ولا يزال جادا في محاولته لإعادة مكانتها الصناعية وأسواقها البحرية.
المبحث الثاني
الأحكام المتعلقة بمجلس القضاء
تمهيد في بيان طرفي النزاع
طرفا النزاع المدعي والمدعى عليه, وهما ركنا القضاء والركن الثالث هو الدعوى, وإن تمييز القاضي بين المدعي والمدعى عليه من أهم الأمور لأن الحكم يبنى على معرفة هذا التمييز, وبه يعرف القاضي من يطالبه بالبينة أو اليمين, وذلك كالطبيب إذا عرف علة المريض سهل عليه معرفة الدواء الموافق لذلك المريض. وإذا جهل تشخيص العلة كان الخطر عظيما إن وصف له دواء لا يتفق مع علته. وينقل عن سعيد بن المسيب قوله: من عرف المدعي والمدعى عليه عرف وجه القضاء ولهذا كانت صفة الفطنة في القاضي أهم من صفة العلم وقالوا القاضي إلى نظره أحوج منه إلى أثره.
والأصل أن الشريعة الإسلامية قررت على المدعي إحضار البينة التي تثبت له صحة ما ادعاه وعلى المدعى عليه اليمين لتأكيد إنكاره للدعوى.
ومن هنا اختلف الفقهاء في تعريف طرفي الدعوى على أقوال كثيرة منها أن المدعي من تخالف دعواه الظاهر والمدعى عليه بخلافه, والتعريف الثاني من إذا سكت ترك وسكوته والمدعى عليه من لا يخلى إذا سكت.
وعقب الشوكاني على هذين التعريفين أن الأول أشهر والثاني أسلم (نيل الأوطار 8/350) وأورد على التعريف الأول بأن الودع إذا ادعى الرد أو التلف فإن دعواه تخالف الظاهر ومع ذلك فالقول قوله, لكن يمكن أن يجاب بأن الثقة في هذا المودع من قبل من استودعه تجعل دعواه لا تخالف الظاهر. (1/147)
صفحة 148
ومن الظلم أن تنعكس الأمور فيطالب المدعى عليه بالبينة على ما في يده وتحت حوزته, كأن يدعي إنسان على إنسان آخر بيته الذي بناه وسكنه فيقال لمن في يده البيت: هات حجة على أن البيت بيتك.
ولما كان مجلس القضاء من أولوياته تحديد طرفي النزاع والتعامل معهما بكل نزاهة وعدل وحتى لا يشعر أحد المتخاصمين بشيء من الحيف قرر الفقهاء عدة آداب يلتزمها القاضي في مجلس الحكم وحدودا ما يجوز له وما يؤمر به وما يحرم عليه, ونحن في هذا البحث الموجز سنحاول أن نتعرض لبعض الأمور لنتعرف على رأي الإمام محمد بن محبوب فيها.
الأمر الأول: ( هل يحكم القاضي بعلمه ؟ )
يختلف الفقهاء في علم القاضي بحقيقة الدعوى أو بأحقية أحد الخصمين بكسب الدعوى في اعتبار هذا العلم دليلا من أدلة الإثبات وطريقا لثبوت الدعوى ونذكر هنا أربعة أقوال في هذه المسألة:
القول الأول: ليس للقاضي أن يحكم بعلمه مطلقا.
ومستند هذا القول أن الشارع جعل أسباب الحكم البينة أو اليمين ونحوهما فهي أمور تعبدية لا يسوغ لنا الحكم إلا بها وإن حصل لنا ما هو أقوى منها بيقين, ولهذا قال عليه الصلاة والسلام ( شاهداك أو يمينه ) وقال عليه الصلاة والسلام للكندي: ( ألك بينة ) ويقول في بعض الأحاديث: ( فمن قضيت له بشيء من مال أخيه فلا يأخذ إنما أقطع له قطعة من نار ) وهذا قول مالك وأكثر أصحابه ( بداية المجتهد 2/ 47 ).
القول الثاني: للقاضي أن يحكم بعلمه مطلقا.
وأهل هذا القول نظروا إلى أن الأمور التي وضعها الشرع سببا للحكم كالبينة واليمين إنما هي أسباب يتوصل بها إلى معرفة المحق من المبطل والمصيب من المخطئ وهي غير مقصودة لذاتها بل لأمر آخر وهو حصول ما يحصل للحاكم من علم أو ظن. وإن الحكم بعلم القاضي بلا شك أقوى مرتبة مما يحصل بالشاهدين أو اليمين, لأنه بعلمه يستند إلى العلم اليقيني. وعزى الشوكاني هذا القول إلى الشافعي في أحد قوليه.( نيل الأوطار 8/ 333). (1/148)
صفحة 149
القول الثالث: أنه يحكم بعلمه في غير الحدود:
وذلك لما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: " لو كنت راجما أحدا من غير بينة لرجمتها " ( أخرجه مسلم وغيره في قصة الملاعنة ) وظاهره أنه عليه الصلاة والسلام قد علم بوقوع الزنا منها ولم يحكم بعلمه, وتأييد هذا قوله تعالى ( فإذا لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله من الكاذبين ) ( سورة النور 13 ).
القول الرابع: يحكم بما علم به في مجلس قضائه.
وهذا هو قول أبي عبد الله محمد بن محبوب وعزاه ابن رشد إلى الجمهور
( بداية المجتهد 2/ 471 ) وذلك لأن ما يعلم به في مجلس القضاء لا يمكن للقاضي أن يتجاهله وإلا لألزمناه أن يقيم البينة على ما يقر به أمامه وعلى ما يشهد به أمامه في مجلس الحكم.يقول أبو عبد الله: " إنما يقضي بما علم في مجلس قضائه وأما في غير مجلس القضاء فلا يحكم به وإنما يكون شاهدا " ( بيان الشرع 30/ 52 ). ويتبين مما جنح إليه أبو عبد الله أنه يميل إلى عدم قضاء القاضي بعلمه وأنه لا يعدو أن يكون شاهدا كغيره فيما رآه أو سمعه. (1/149)
صفحة 150
وفي هذا الاتجاه قطع الذرائع لئلا يجد حكام السوء السبيل إلى أن يدعوا العلم لمن أحبوا له الحكم بشيء وأيضا فيه أن التهمة تلحق القاضي إذا قضى بما علم بخلاف ما لو كان قضاؤه مستندا على الدلائل الظاهرة. وعلمه بشي من حقيقة الدعوى في غير ذلك المجلس لا تعدوا أن تكون شهادة له أن يترك الحكم في تلك الدعوى إلى قاض آخر ويخبره بأن علما عنده فيها, وقد جاء في بيان الشرع جواب من العلامة أبي عبد الله إلى موسى بن موسى بن علي " وعن الإمام إذا اطلع على قتل رجل أو كان قد علم بذلك من قبل أن يلي الأمر - أي قبل أن يكون إماما - ولم يطلب إليه شهادة ثم ادعى أولياء المقتول على رجل بريء سألت كيف يصنع الإمام بعلمه إن قامت البينة على الرجل البريء ؟ فقولنا في ذلك أن الإمام لا يحكم في هذا ويرده إلى القاضي فيكون القاضي هو الذي يحكم فيه بما يثبت عنده بالشهود العدول ويقول الإمام إن لي في هذا علما ولا يسعني أن أحكم فيه ( بيان الشرع 30/ 52 المنهج 9/ 74 ).
ومما يدل على أن القاضي يحكم بالدلائل الظاهرة قول الرسول - صلى الله عليه وسلم -" إنما أنا بشر مثلكم تختصمون إلي فأحكم بينكم ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع له فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذ فإنما أقطع له قطعة من النار
( متفق عليه ) وجه الاستدلال أن قوله " لعل بعضكم ألحن بحجته من بعض " دليل على أن الحكم متوقف على ما يسمع من المترافع وما يدلي به من حجة وما يقدمه من بيانات ويؤيده قوله فيما بعد " على نحو ما أسمع... ". (1/150)
صفحة 151
كما أن الشريعة الإسلامية بينت وفصلت في الشهادة على الدعوى فاشترطت الشاهدين يقول الله تعالى: ( واستشهدوا شهيدين من رجالكم ) ( سورة البقرة 282 ) وجعلت في إثبات الزنا أربعة شهود ليس فيهم امرأة فإن نقصوا عن العدد حكم عليهم بالقذف ولو كانوا في منتهى العدالة والنزاهة والثقة, وبينت الشريعة شهادة المرأة أن تكون امرأتان في مقام رجل واحد ولا بد من رجل معهما حتى يثبت الحق بشهادتهم, ولو كان الأمر متوقفا على اطمئنان القاضي فقد يطمئن بشهادة امرأتين بما يتصفان به من الصلاح مالا يطمئن به من شهادة رجلين لا يصلان إلى مرتبة ما اتصفت به المرأتان.
وقد جرى المذهب الإباضي على هذا القول في عدم الحكم بعلم القاضي
( انظر المنهج هامش 9/ 37 ).
هذا وقد استثنى العلامة أبو عبد الله ما يجري أمام الحاكم في مجلس الحكم. لأن ما يجري أمامه في مجلس الحكم فيطلع عليه فهو كالإقرار والاعتراف فلا يمكن أن يغفل ما يتحصل عليه من علم في أثناء المرافعة لأن في ذلك إخفاء لحقائق العدالة والقسط الذي ينشده القضاء.
الأمر الثاني: هل يلقن القاضي أحد المتخاصمين حجته ؟
يختلف رأي الفقهاء في جواز تلقين أحد الخصمين حجته إذا ظهر للقاضي ضعف صاحب الحجة أو غفلته عن الإدلاء بحجته وفي المسألة أقوال نعرضها كما يلي:
القول الأول: لا يجوز مطلقا:
وذلك نظرا لأن في الفتح للخصم أو تلقينه الحجة حيفا ظاهرا وتحيزا إلى طرف يتنافى مع ما يؤمر به القاضي من الحياد والمساواة بين الخصمين في المجلس والنظر وغير ذلك، ولا يكون القاضي خصماً وحكماً في آن واحد، بل عليه أن يحكم بموجب ما يستمع إليه ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم " ولعل أحدكم ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع.." وفي الحديث تصريح على أن لا يتدخل لتعديل أو تصحيح أو تلقين الحجة، وعلى هذا القول الشافعية والحنابلة. (1/151)
صفحة 152
القول الثاني: يكره أن يلقن القاضي أحد الخصمين الحجة، وهذا رأي الأحناف وعبارتهم كما جاء في تحفة الفقهاء " لا ينبغي أن يلقن أحد الخصمين الحجة " وفي المبسوط " ولا ينبغي أن يشد على أحدهما ولا يلقنه حجة" وهذه الكراهة تأتي بالنظر إلى كون القاضي ثقة، جلس لإحقاق الحق فقد تبين له الظلم على أحد الخصمين من خلال المرافعة، فإن تلقينه غير محرم، وإنما يخشى عليه من جر التهمة والميل إليه.
القول الثالث: على القاضي أن يلقن المظلوم حجته:
وذلك إذا تحقق عنده ظلمه وبان له الحق، وعلى هذا الرأي الإمام أبو عبدالله، ورد في بيان الشرع قال أبو سعيد: " اختلف أهل العلم في الحاكم أيلقن الخصم حجته أم لا ؟ فقال من قال إن على الحاكم أن يقيم للخصم حجته ويفتح له حجة يتقوى بها على الدفع عن نفسه بالحق إذا بان ذلك للحاكم حتى يفهم الخصم حجته، ويوجد هذا القول عن محمد بن محبوب - رحمه الله تعالى- وقال من قال: إن له ذلك وليس عليه ( بيان الشرع 30/33 منهج الطالبين 9/72 ) ويوافق المالكية أبو عبدالله في الرأي كما جاء في تحفة الأحكام ( وخصم أن يعجز عن إلقاء الحجج لموجب لقنها ولا حرج)
والموجب الذي يذكرونه في النظم كما فسره المالكية أنفسهم كدهشة أو خوف أو عمى صرح بذلك في التاج والإكليل. (1/152)
صفحة 153
وهذا القول ينطلق من مبدأ أن القاضي في مجلس الحكم مقصده إيصال الحق إلى صاحبه فإذا تبين له الظلم على أحدهما وعلم ذلك ولكن غفل المظلوم من إبراز دليله أو إظهار مستنده فليس للقاضي أن يغفل ذلك الأمر، ولا يقال إنه يجر التهمة على نفسه، لأنه يحكم بالدليل الواضح وليس بعلمه, كما أن قوله عليه الصلاة والسلام " فأقضي له على ما أسمع " أي فيما لم يبن للقاضي غير ذلك في مجلس الحكم, والحق أحق أن يتبع, من أجل هذا رأى الفقهاء أن القاضي ليس له أن يحلف من يرى أنه ظالم بل يخوفه بالله ويترك تحليفه إلى غيره. ومما يستدل به على هذا أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد لقن السارق الذي جاء إليه فقال: " ما أخالك سرقت " وكذلك عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يقو للزياد وقد جاء يدلي بشهادته " أرجو أن لا يفضح الله على يديك رجلا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " وإن قيل أن هذا التلقين في أمر الحدود ولا خصم للمقر والمشهود له فليس في تلقينه حيف على أحد, فهو إيراد قوي, لكنه يمكن أن يقال في الرد عليه: إنه تلقين وقع في مجلس الحكم من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أمر الحدود ولم يرد النهي عن التلقين في غير الحدود على أن هذا التلقين فيما لم يعلم فيه القاضي الحقيقة ومسألتنا فيما علم وأدرك القاضي ظلم المظلوم والله يقول ( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعضكم به إن الله كان سميعا بصيرا ) ( سورة النساء 58 ) وليس من العدل أن يترك الخائف والضعيف يسطى عليهم وينتزع منهم أموالهم. (1/153)
صفحة 154
والحاكم العدل يتساوى معه الخصمان حتى إذا تبين له الظالم من المظلوم صار ذلك الضعيف المظلوم قويا حتى يؤخذ له الحق وإن البينات التي يطلبها الحاكم من المدعي ما هي إلا من أجل إظهار الحقيقة, فقد تأتي من خلال المرافعة بينة واضحة من الظالم في نوع إقرار أو ما شابه ذلك لصالح خصمه ولم ينتبه لها الخصم فيتوجب على القاضي - كما هو رأي أبي عبد الله - أن يحكم عليه بإقرار وهو تلقين لا محيد عنه.
لكن من الضرورة أن نقرر هنا أن مذهب الإمام ابن محبوب في وجوب تلقين أحد الخصمين الحجة مشروط بشرطين:
أولهما: أن يكون ذلك خلال المرافعة وبعد الاستماع إلى الطرفين أما في غير مجلس الحكم وقبل الاستماع إلى الخصم فقد صرح الإمام ابن محبوب بالنهي عن ذلك فقال: " ولا ينبغي لأهل القرى أن يعلموا الأعراب دقائق حجج الخصوم مخافة أي يقطعوا بذلك حقا من الحقوق.
ثانيا: أن يكون التلقين لإظهار الحجة التي هي في الأصل موجودة على الدعوى أما إذا خرج التلقين عن توضيح الحجة بل كان لتصويب الدعوى أو للفتح له بمطالبة أخرى فإن ذلك ما لا يراه الإمام ابن محبوب, فقد ورد في الأثر كما جاء في المصنّف: " وعن محمد بن محبوب أن رجلين اختصما لديه فادعى أحدهما على الآخر كذا وكذا نخلة وشربها فأحضر على ذلك بينة فحكم له محمد بن محبوب بالنخل ولم يحكم له بالشرب, فقيل له: لم ؟ فقال: لم يقل شربها من الماء, فقيل له: الشرب لا يكون إلا من الماء, فقال: ليس للحاكم ولا للفقيه أن يزيدا شيئا من عندهما.
الأمر الثالث: هل للمدعي يمين يحلفها (1/154)
صفحة 155
اتفق أهل العلم أن على المدعي البينة, وأن على المنكر اليمين إذا انعدمت البينة عند المدعي أخذا من أحكامه صلوات الله وسلامه عليه ومن قوله: " البينة على من ادعى واليمين على من أنكر " ولأن المدعي ضعيف لكون ما يقوله خلاف الظاهر فكلف بالحجة القوية وهي البينة فهي لا تجلب لنفسها نفعا ولا تدفع ضرا فيقوى بها ضعف المدعي, وأما جانب المدعى عليه فهو قوي لأن الأصل فراغ ذمته فاكتفى فيه باليمين وهي حجة ضعيفة لأن الحالف يجلب لنفسه النفع ويدفع عنها الضر.
هذا هو الأصل اختلفوا فيما إذا عجز المدعي عن إقامة البينة وامتنع المنكر عن الحلف فهل تتوجب يمين على المدعي إن طلبها المنكر أو لم يطلبها ويتضح خلافهم في الأقوال التالية:
القول الأول: لا يمين على المدعي أصلا
وذلك لأن المدعي عليه البينة, فإن أحضرها وقبلها الحاكم حكم بها وإلا وجبت على المدعى عليه اليمين ولا تنتقل اليمين من المدعى عليه إلى المدعي, لقوله عليه الصلاة والسلام " البينة على من ادعى واليمين على من أنكر " فقد جعل جنس اليمين في جانب المدعى عليه كما جعل جنس البينة في جانب المدعي, وهذا هو رأي الحنفية فعندهم النكول إما أن يعتبر بذلا وهو رأي الإمام أبي حنيفة أو إقرار وذلك رأي صاحبيه وعلى كلا الوجهين يحكم للمدعي بالحق بنكول المدعى عليه.
وفي قول نسبه صاحب سبل السلام إلى المؤيد أنه لا يحكم بالحق بمجرد النكول ولا يقبل رد اليمين ولكن يحبس المدعى عليه حتى يحلف أو يقر, ( سبل السلام 1491 )
ونسب ابن قدامة هذا القول لأبي ليلى حيث يقول: لا أدعه حتى يقر أو يحلف ( المغنى 10 / 300 ).
القول الثاني: إن اليمين على المدعي واجبة (1/155)
صفحة 156
وهذا إذا لم تكن بينة مع المدعى عليه فإن نكول المدعى عليه لا يثبت الحق مباشرة للمدعي حتى يحلف يمينا بالله على حقه, وهذا القول ولو لم يطلب الناكل رد اليمين, وهو قول الشافعي ومن قال بقوله محتجين بحديث القسامة وهو أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " تحلفون وتستحقون دم صاحبكم قالوا لا. قال: فتحلف يهود " كما أن حديث ابن عمر عند الدار قطني دليل لهم وفيه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رد اليمين على طالب الحق.
ووجهة هذا النظر مبنية على أنه إذا نكل المنكر ظهر صدق المدعي وقوي جانبه فتشرع اليمين في حقه كالمدعى عليه قبل نكوله وكالمدعي إذا شهد له شاهد واحد - بناء على من يقول بالشاهد واليمين - ولأن النكول قد يكون بجهل بالحال أو لتورعه عن الحلف على ما لا يتحققه أو للخوف من عاقبة اليمين أو ترفعا عنها مع علمه بصدقه في إنكاره وعليه لا يتعين بنكوله صدق المدعي فلا يجوز الحكم له بغير دليل فإذا حلف كانت يمينه دليلا عند عدم ما هو أقوى منها. ( انظر المغني 10 / 300 ).
القول الثالث: يحلف المدعي إذا طلب المنكر ردها إليه
لأن النكول إقرار يثبت به الحق ويحكم القاضي على المدعى عليه الذي نكل عن اليمين بتسليم الحق للمدعي إلا إذا رد المدعى عليه اليمين وطلب من القاضي أن يحلف المدعي ففي هذا تتوجب اليمين على المدعي وتثبت له الحقوق بحلفه دون القصاص والحدود.
وهذا هو رأي العلامة أبي عبد الله يقول كما ورد في كتاب المصنّف: " في المدعى عليه الجراحة إذا رد اليمين على المدعي فحلف فلا أرى على المدعى عليه قصاصا, وإنما يلزمه الأرش ولا أرى عليه تعزيرا ما لم تقم عليه بذلك الجرح بينة عدل أو يقر له أنه جرحه " ( المصنّف 16 / 130 ). (1/156)
صفحة 157
وقد اتفق أصحابنا على هذا القول برد اليمين إذا طلب المدعى عليه ذلك محتجين بحديث القسامة الذي احتجت به الشافعية وأيضا بما أورده صاحب كتاب المصنّف أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - حين دخلوا عليه وهو مريض قال: " من يدعي علي مظلمة أو حقا ؟ فقال رجل: إنك اقترضت مني ثلاثة دراهم فقال: أما أني أصدقك ولا أحلفك فقال للفضل بن عباس ادفع إليه " فهذا يدل على أن المدعى عليه يستحلف المدعي إذا لم يصدقه ( المصنّف 16 / 14 ).
كما يستدل له بما أورده الكاساني أن سيدنا عثمان بن عفان ادعى على المقداد مالا بين يدي سيدنا عمر بن الخطاب فأنكر المقداد وتوجهت عليه اليمين فرد اليمين على سيدنا عثمان وسيدنا عمر جوز ذلك. ( بدائع الصنائع 5 / 345 )
كما يستدل أيضا له بما رواه الدار قطني عن ابن عمر أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - رد اليمين على طالب الحق.
ويستثني العلامة محمد بن محبوب إذا حلف المدعي - في دعوى الجراحة - عند رد اليمين عليه أن يحكم بالمال فقط أما القصاص والحدود فلا يحكم بمجرد يمين يحلفها المدعي لأنه دليل ضعيف والشبهة قائمة في ذلك الدليل.
البحث السابع
بعنوان
القول بربا الفضل
عند الإمام محمد بن محبوب
للباحث
د .محمد بن ناصر الحجري
مدرس بجامعة السلطان قابوس
بسم الله الرحمن الرحيم
ذكر رأي الإمام في ربا الفضل العلامة أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني في كتابه الدليل والبرهان، وذلك في معرض ذكره للمسائل العلمية التي انفرد بها عشرة من الأئمة الإباضية. كما أن العلامة أبا يعقوب يوافق الإمام حبوب هذا الرأي. وربا الفضل يعرف بأنه فضل مال خال من عوض في مبادلة مال بمال من جنسه.
وجاء عرض المسألة على النحو التالي :
الإمام التاسع : محمد بن محبوب رضي الله عنه. (1/157)
صفحة 158
قوله في الربا : على الأصل الذي اجتمعت عليه الأمة بخلاف قول عبدالله ابن عباس، وذلك أن ابن عباس عول في الربا على النسيئة، وأبطله فيما وراء ذلك. ولم ير في الدينار بالدينارين يداً بيد بأساً (1) ).
ثم أورد الأحاديث الدالة على تحريم ربا الفضل وهي :
1 - الحديث الذي رواه عبادة بن الصامت ونصه : " الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والملح بالملح رباً إلا ها وها يداً بيد سواء بسواء مثلاً بمثل ". ثم أضاف الزيادة في الروايات الأخرى : "فمن زاد واستزاد فقد أبى".
2- أحاديث النهي عن المزابنة والمحاقلة وبيع الطعام بالطعام.
3 - حديث العامل على خيبر حين أتى الرسول صلى الله عليه وسلم بتمر جنيب فسأله الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك وقال بع الصاعين من الجمع واشتر الصاع من هذا.
4- قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه : إن آخر ما أنزل لآية الربا ومات رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبينها لنا فاحذروا الربا والريبة.
وبعد سرده لهذه الأحاديث قال : واعلم أن هذه الآثار وردت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الطرق الصحاح وعولت عليها الأمة والأئمة والفقهاء، وجل الصحابة عليها، فخالف ابن عباس الحديث الذي رويناه عنه " إنما الربا في النسيئة ".
وأضاف في مكان آخر : إنه قد قيل عن ابن عباس أنه رجع عنها في أيام مرضه في الطائف. ثم قال : وقد قال أبو بكر الصديق ما من عالم إلا وفي علمه مأخوذ ومتروك ما خلا صاحب هذا القبر، وأشار إلى قبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأضاف : وليس مذهبه في الربا بفرض يضيق على الناس مخالفته. ثم قال : وقد فطن لمذهبه محمد بن محبوب فآثر السنة والجماعة والرأي ( هكذا ولعله خطأ طباعي ) وهو النهاية في زمانه... (2)
وسوف تتطرق هذه الورقة إلى المواضيع التالية :
__________
(1) ـ أبو يعقوب بن يوسف بن ابراهيم الوارجلاني، الدليل والبرهان ج 1 ص100.
(2) ـ نفس المرجع ص : 103 . (1/158)
صفحة 159
أولا : بيان تفسير العلماء للأحاديث الدالة على جوازه، وهل انفرد الإمام محمد بن محبوب بهذا الرأي أم قال به غيره بعده.
ثانياً : الخلاف بين العلماء في علَة حكم ربا الفضل ( المانعين والمجوزين) وملاحظاتنا على ذلك.
ثالثاً : الأهمية العلمية أو التطبيقية لهذا الموضوع في الوقت الحاضر.
أولاً : بيان تفسير العلماء للأحاديث الواردة في الموضوع
1 ـ تفسيرهم للأحاديث الدالة على منع ربا الفضل
أ- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا الفضة بالفضة ولا البر بالبر إلا مثل بمثل ولا تبيعوا بعضها ببعض على التأخير" (1)
وجاء في رواية عبادة بن الصامت : قال - صلى الله عليه وسلم - : " الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثل بمثل، سواء بسواء، يداً بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد " وقد رواه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه وأبو داود " (2)
__________
(1) ـ نور الدين السالمي، شرح الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع ج3 ص203.
(2) ـ نفس المرجع. (1/159)
صفحة 160
قال نور الدين السالمي في شرح الحديث : ( إلا مثلاً بمثل ) أي إلا موزوناً بموزون. وظاهره بمنع الزيادة في بيع الجنس بجنسه وإن كان يداً بيد، وكذلك قوله في حديث عبادة ( إلا مثلا بمثل، ويدا بيد، سواء بسواء، عينا بعين ) وذلك قوله للعامل المشتري للتمر الجنيب الصاع بالصاعين والصاع بالثلاثة ( لا تفعل بع الجمع بالدراهم وابتع بالدراهم جنيباً ) فهذا كله يدل على منع المفاضلة في الجنس الواحد.. " (1) ثم قال : وذهب أصحابنا إلى أن الربا إنما يختص بالنسيئة وأنه لا باس بالزيادة في الجنس الواحد إذا كان يداً بيد، وهو قول ابن عبَاس وابن عمر وأسامة بن زيد وزيد بن أرقم وابن الزبير وسعيد بن المسيب وعروة بن الزبير، وحجتهم في ذلك حديث أسامة عند الشيخين وغيرهما بلفظ : " إنما الربا في النسيئة " وزاد مسلم في رواية عن ابن عباس :" لا ربا فيما كان يدا بيد"(2)
وقال ابن حجر في فتح الباري : واتفق العلماء على صحة حديث أسامة ( إنما الربا في النسيئة ) واختلفوا في الجمع بينه وبين حديث أبي سعيد فقيل: إن حديث أسامة منسوخ لكن النسخ لا يثبت بالاحتمال، وقيل المعنى في قوله لا ربا إلا الربا الأغلظ الشديد التحريم المتوعد عليه بالعقاب الشديد... وأن القصد نفي الأكمل لا نفي الأصل، وأيضاً فنفي تحريم ربا الفضل من حديث أسامة إنما هو بالمفهوم فيقدم عليه حديث أبي سعيد لأن دلالته بالمنطوق فيحمل حديث أسامة على الربا الأكبر(3) .
ويرد الشيخ السالمي على ذلك بقوله : وللقائلين بجواز التفاصيل نحو ذلك في ترجيح قولهم، فمنهم من ادعى نسخ وجوب المماثلة والمساواة كما ادعى مخالفهم نسخ حديث أسامة ولكن النسخ لا يثبت بالاحتمال، ومنهم من ذهب إلى الترجيح كالشيخ عامر في إيضاحه (4) .
__________
(1) ـ نفس المرجع : 204.
(2) ـ نفس المرجع ص204، وانظر هامش ص205.
(3) ـ ابن حجر العسقلاني، فتح الباري بشرح صحيح البخاري ج4 ص 382.
(4) ـ شرح الجامع الصحيح ج3 ص205. (1/160)
صفحة 161
ويستشهد الشيخ السالمي على حديث لا ربا إلا في النسيئة بقوله تعالى : " فإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم .. إلى قوله تعالى " وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة " حيث يقول : " فإنه يدل أن الربا الذي جاءت الآية بتحريمه إنما هو في النسيئة إذ لولا ذلك لما كان لذكر رؤوس الأموال معنى، وذلك النظرة إلى ميسرة فعلمنا من كتاب الله مصداق ما روى أسامة... " (1) .
ب ــ الربيع عن عبادة بن الصامت قال : خرجنا في غزوة وعلينا معاوية فأصبنا ذهباً وفضة فأمر معاوية رجلاً يبيعها للناس في أعطياتهم، فسارع الناس فيها فقام عبادة فنهاهم فردوها فأتى الرجل معاوية فشكا إليه. فقام معاوية خطيباً فقال : ما بال رجال يحدثون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث يكذبون فيها على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -لم نسمعها منه، فقام عبادة فقال : والله لأحدثنَ بما سمعت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولو كره معاوية، فقال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " لا تبيعوا الذهب بالذهب، ولا الفضة بالفضة ولا البر بالبر، ولا الشعير بالشعير، ولا الملح بالملح، إلا مثلا بمثل، يدا بيد، سواء بسواء عيناً بعين"(2) .
__________
(1) ـ نفس المرجع ص 206.
(2) ـ نفس المرجع ص 210ـ211 . (1/161)
صفحة 162
قال نور الدين السالمي : " وهو يدل على تحريم ربا الفضل يداً بيد عند اتحاد الجنس (1). ثم نقل كلام قطب الأئمة العلامة محمد بن يوسف اطفيش حول الموضوع : ولولا حديث عبادة لقيدنا قوله ( فمن زاد أو استزاد فقد أربى ) بالنسيئة لحديث : إنما الربا في النسيئة كما قيل. وأضاف القطب : لعل الدليل قام عند أصحابنا على أن حديث عبادة متقدم منسوخ بابتياعه - صلى الله عليه وسلم - بعيرا ببعيرين، وإجازته بيع عبد بعبدين، ولو أن احتجاج عبادة به على معاوية ظاهر في عدم نسخه. وقد روي عن ابن عباس أنه استدل بحديث : إنما الربا في النسيئة على أنه لا ربا في النقد، وأكثر الأمة على أن في الفضل يدا بيد ربا كما في الفضل في النسيئة (2).
__________
(1) ـ نفس المرجع ص 214.
(2) ـ محمد بن يوسف اطفيش، شرح النيل ج 8 ص 39. (1/162)
صفحة 163
ثم نقل قول العلامة أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني إجماع الأمة عليه، إلا ابن عباس الذي حصر الربا في النسيئة، ثم رجع عن هذا الحصر إلى إثبات الربا في الفضل يدا بيد وفي النسيئة أيام مرض موته بالطائف (1) وأضاف : والتحقيق أن مثلاً بمثل التأخير ربا إلا القرض فإنه غير ربا .. فباب القرض هو صورة ربا أباحها الله لنا بفضله واستثناها من الربا المحرم، حيث ذكره الربيع ثوباً بثوب نسيئة، فترى الربيع أجازه مثلاً بمثل نسيئة ولو غير قرض، وأن التأخير بالمساواة لا يكون رباً إذا كان قرضاً فقط (2) ويرد نور الدين السالمي على الإجماع الذي حكاه أبو يعقوب ورجوع ابن عباس عن موقفه بقوله : " والإجماع الذي ادعاه أبو يعقوب غير مسلم بل الخلاف في المسألة باق مستمر من الصحابة ومن بعدهم ورجوع ابن عباس لم يصح" ويرد على رأي القطب بأن احتجاج عبادة بالحديث ينفي نسخه بقوله : " إن احتجاج عبادة بالحديث على معاوية لا ينافي النسخ لو صح لأنه إنما احتج به على منع بيعهم الفاسد وهو بيع الذهب والفضة في أعطياتهم وهو مجمع على تحريمه لأنه بيع بعضها ببعض على التأخير وهو بيع غائب بناجز (3).
إلا أن القطب يذهب إلى أبعد من ذلك عند كلامه على الاختلاف في علة الربا والأجناس المتفقة والمختلفة حيث يفسر قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - مثلا بمثل سواء بسواء عينا بعين على النحو التالي ك
" فمعنى مثلا بمثل المماثلة في الصفة كالجودة والرداءة، فإن تخالفا لم يجز ولو استويا في الكمية ومعنى سواء بسواء المساواة في الكمية، ومعنى عينا بعين حاضرا تراه العين بحاضر تراه العين، وهذا أولى من أن تجعل سواء بسواء، ومثلا بمثل في معنى واحد.."
__________
(1) ـ نفس المرجع.
(2) ـ نفس المرجع ص 39ـ40.
(3) ـ نور الدين السالمي، شرح الجامع الصحيح ج3 ص 215. (1/163)
صفحة 164
وقد قال قبل ذلك : " حتى الماء بالماء فإنه يتخالف قلة وكثرة أو عذوبة وملوحة مع التأخير. فإن عذوبة الماء زيادة على كميته من المالح، وهذا هو التحقيق، بل قد حققت لك أيضا أن التأخير إرباء ولو بلا زيادة " (1).
فإذا كان كلامه الأخير هذا في ربا النسيئة، فإنَ كلامه الأول من الواضح أنه في ربا الفضل. ومن هنا قال نور الدين السالمي : وكلام أبي يعقوب يميل إلى تحريم المفاضلة يداً بيد وكذلك القطب وإن كان ميله أخفى (2) .
ولكن للقطب كلاماً أوضح من ذلك عند شرحه لحديث الذهب بالذهب والفضة بالفضة، حيث قال : " إلا أن الدليل قام من خارج أن الذهب بالفضة والعكس والبر بالشعير والعكس ربا وأنه لا ربا في ذلك كله إلا بنسيئة " (3).
وهذا مخالف لقول أصحابه في أنه لا ربا مع اختلاف الجنس والزيادة حتى مع وجود الأجل. فبر بكمية أكبر من شعير إلى شهر جائز. وذلك لتخلف الشرط الثالث وهو اتحاد الجنس. أما ذهب بوزن أكبر من فضة إلى فضة إلى شهر فبالطبع لا يجوز لأنه صرف وقد قام عليه دليل آخر.
__________
(1) ـ محمد بن يوسف اطفيش، شرح النيل ج 8 ص 40.
(2) ـ نور الدين السالمي، شرح الجامع الصحيح ج 3 ص335.
(3) ـ محمد بن يوسف اطفيش، شرح النيل ج 8 ص 430. (1/164)
صفحة 165
وأما العلامة عامر بن علي الشماخي في كتابه الإيضاح فبعد أن ذكر روايات عبادة بن الصامت قال : فقيده عليه السلام بالتساوي واليد باليد فهذه الأحاديث تتضمن منع التفاضل في الصنف الواحد سواء كان يداً بيد أو نسيئة. ثم ذكر عدم أخذ أصحابه بحرمة ربا الفضل. وذكر احتجاجهم بحديث عبدالله ابن عباس ( إنما الربا في النسيئة )، وحديث أبي بكر وأسامة بن زيد ( لا ربا إلا في النسيئة ). ثم قدم تفسيراً للربا قال به الشيخ عبد العزيز الثميني في كتاب النيل فقال : " وعلى مذهبهم رحمهم الله أن الربا إنما يكون إذا اجتمعت شروط ثلاثة : الزيادة والأجل والجنس، لأن الزيادة والجنس بلا أجل جائز لما قدمنا من الأحاديث، والأجل والجنس من غير زيادة سلف، والزيادة والأجل من غير جنس بيع لقوله عليه السلام ( إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم ) (1) .
ج ـ أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استعمل على خيبر رجلاً فجاء بتمر جنيب، فقال الرسول - صلى الله عليه وسلم - : أكل تمر خيبر هكذا ؟ فقال : لا والله، إننا لنأخذ الصاع من هذا بصاعين والصاع بثلاثة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا تفعل، بع الجمع بالدراهم وابتع بالدراهم جنيباً " (2) .
قال نور الدين السالمي في شرح الحديث : قوله لا تفعل، أي لما في ذلك من التفاضل، فإن كان الواقع من العامل بيعاً نسيئة فظاهر من الكل لأنه المحرم إجماعاً، وإن كان يداً بيد كما هو الظاهر من سياق الحديث فهو حجة لمن يمنع المفاضلة في الجنس الواحد ولو كان بيعاً يدا بيد ويكون الكلام فيه على نحو ما تقدم في حديث أبي سعيد وعبادة (3)
ومضمون تحريم ربا الفضل هو :
1 ـ تفسير الأحاديث الدالة على جواز ربا الفضل
__________
(1) ـ عامر بن علي الشماخي، الإيضاح ج 3 ص 23- 24.
(2) ـ نور الدين السالمي، شرح الجامع الصحيح ج 3 ص 217.
(3) ـ نفس المرجع ص 219. (1/165)
صفحة 166
إضافة إلى حديث ابن عباس ( إنما الربا في النسيئة ) وحديث أسامة بن زيد (لا ربا إلا في النسيئة ) وهي الأساس في عدم الأخذ بمنع ربا الفضل عند جمهور الإباضية فإنهم يحتجون بأحاديث أخرى منها :
1- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ابتاع بعيراً ببعيرين وأجاز بيع عبد بعبدين إلا أن هذا يداً بيد (1) .
وقال الشيخ السالمي في شرحه " وإنما ذكر المرتب هذا الحديث بعد حديث عبادة للإشارة إلى نسخ وجوب التماثل.. وأضاف : وهو عندهم ( أي المانعين ) مخالف لحكم الربويات، فلا يرونه معارضاً للأحاديث الموجبة للتماثل والتساوي في الأجناس الربوية، ونحن نرى أنه معارض فنرجو الأخذ به ..." (2) .
" إلا أن هذا يدا بيد" هذا من كلام ابن عباس رضي الله عنهما وذكره ليبين أن التفاضل في الجنس الواحد إذا كان يداً بيد جائز (3) .
وروى الخمسة وصححه الترمذي عن الحسن عن سمرة قال : نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، وروى عبدالله بن أحمد مثله من رواية جابر بن سمرة. وهذا يؤيد ما قاله ابن عباس في تقييد ذلك، وهو يدل على أن الحيوان كغيره من الأجناس، فما جاز فيه جاز في غيره وما امتنع امتنع، فلا يجوز عندنا بيع شيء من ذلك بجنسه نسيئة ويجوز يداً بيد، وبذلك قال أحمد بن حنبل وأبو حنيفة وغيره من الكوفيين.
وقال الشيخ السالمي في مكان آخر: " لا يشترط اختلاف الجنسين ( أي لجواز التفاضل ) إلا في النسيئة فأما يداً بيد فلا بأس، وإن كان أحد الشيئين أكثر من الآخر، وذلك يدل على جواز بيع الفضل في الأجناس المتحدة فإنه وإن كان البعير المشترى مثلاً يقاوم البعيرين في ثمنه، لكن الفضل في الكثرة من نفس الجنس هي يمنعها قومنا ويسمونها بربى الفضل (4) .
__________
(1) ـ نور الدين السالمي، شرح الجامع الصحيح ج3 ص215. وانظر هامش ص216.
(2) ـ نفس المرجع ص 215.
(3) ـ نفس المرجع ص 216.
(4) ـ نفس المرجع ص 194. (1/166)
صفحة 167
2- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم إلا ما نهيتكم عنه " (1)
كيف شئتم هذا الإطلاق مقيد بما في حديث ابن عباس وغيرهما من الأحاديث في باب الربا فإنها فيها اشتراط التقابض، فلا بد في بيع بعض الربويات ببعض من التقابض ولا سيما في الصرف.
وظاهر هذا الإطلاق والتفويض إلى المشيئة أنه يجوز بيع الذهب والفضة والعكس، وكذلك سائر الأجناس الربوية إذا بيع بعضها ببعض من غير تقييد بصفة من الصفات غير صفة القبض.." (2)
3 ـ روي أن أسامة بن زيد وزيد بن أرقم أنهما كانا يأتيان وادي القرى. أي لبيع التفاضل في الجنس الواحد يداً بيد وأن صحابة عابوهما، وأن أسامة بن زيد سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال - صلى الله عليه وسلم - : يداً بيد ؟ فقال : نعم، ولم ير به باساً (3) .
ويبدو التعارض واضحاً بين هذه الأحاديث، ولا يقال هو تعارض لفظي لأن معنى ( إنما الربا في النسيئة ) هو نفي الربا الأغلظ أي نفي الأكمل لا نفي الأصل لأن هناك رواية أخرى لابن عباس عند مسلم بلفظ ( لا ربا فيما كان يداً بيد ) كما أن الجدل حول رجوع ابن عباس عن رأيه ظل مستمراً فلو كان مقصوده نفي الربا الأكمل فقط لما كان هناك داع لهذا الجدل.
وهذا التعارض هو الذي أوجد الخلاف بين علماء المذاهب، كما أوجد الخلاف بين علماء المذهب الواحد، وكما رأينا فإن ابن محبوب لم يبق وحده في القول بمنع ربا الفضل بل تابعه أبو يعقوب الوارجلاني، ومحمد بن يوسف اطفيش إلى حد ما وغيرهم ممن جاء بعدهم.
وقبل الانتقال إلى الجزيئة الثانية من البحث، نريد أن نلخص مضمون منع ربا الفضل ومضمون جوازه في التعامل بالأجناس الواردة في الأحاديث وما يمكن أن يقاس عليها.
__________
(1) ـ نفس المرجع ص 192.
(2) ـ نفس المرجع ص 194.
(3) ـ نفس المرجع، وشرح النيل ج 8 ص 38 والإيضاح ج 3 ص 23. (1/167)
صفحة 168
1- الذهب بالذهب أو الفضة بالفضة أو البر بالبر يجب فيه التساوي في الجنس والجودة ( مثلا بمثل ) والكمية ( سواء بسواء ) والزمن ( يدا بيد ). بمعنى أنه لا تجوز الزيادة لا عاجلا ولا آجلاً، ولا يجوز التأجيل ولو بدون زيادة.
2- الذهب بالفضة أو البر بالشعير يجب في التساوي بالزمن ( يداً بيد ) ولكن يجوز فيه عدم التساوي في الكمية، بمعنى أنه تجوز الزيادة عاجلاً ولا تجوز آجلاً. وقد جاز فيه التفاضل بسبب اختلاف الجنسين، ولم يجز فيه النساء لشبهة القرض الربوي. فإذا أعطيت دنانير ذهبية واسترجعت دراهم فضية فأنت تحصل على فضل في المقدار نظراً لاختلاف الجنسين وتحصل على فضل نظراً لاختلاف الزمنين. ونفس الشيء يقال في بر بشعير مثلا.
3- جواز بيع الربوي بربوي لا يشاركه في العلة متفاضلا أو مؤجلاً. كبيع الذهب بالحنطة أو بيع الفضة بالشعير، كما سوف يأتي.
أما مضمون جواز ربا الفضل أو قصر الربا على النسيئة فهو :
1- البر بالبر أو الشعير بالشعير أو التمر بالتمر يجوز فيه التفاضل في الكمية إذا كان يداً بيد ولا يجوز مع الأجل.
2- البر بالشعير أو التمر بالبر يجوز فيه التفاضل يداً بيد ونسيئة، أما الذهب بالفضة أو العكس فيجوز فيه التفاضل يداً بيد فقط لأنه صرف وقد جاءت فيه أحاديث أخرى.
3- الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر يجوز فيه الأجل بدون زيادة لأنه قرض.
فالمعاملة التي تتضمن الربا هي بر ببر لأجل مع زيادة، أو شعير بشعير لأجل مع زيادة، وهكذا وننتقل الآن إلى بيان علَة الحكم بجواز أو عدم جواز هذه الصورة من المعاملات.
ثانيا : الخلاف بين علماء المذاهب في علة الربا
1-العلة عند القائلين بعدم جواز ربا الفضل
يختلف القائلون بعدم جواز ربا الفضل في علة الربا على النحو التالي :
أ - الحنفية : (1/168)
صفحة 169
وعلة الربا عندهم الكيل أو الميزان. واستدلوا بأن التساوي أو المماثلة في العوضين شرط في صحة البيع، وحرمة الربا لوجود فضل خال عم عوض، وهذا يوجد في غير المنصوص عليه في الحديث. والتساوي أو المماثلة بين الشيئين يكون باعتبار الصورة والمعنى، والقدر المتفق ( وهو الكيل أو الوزن ) يحقق المماثلة صورة والجنس يحقق المماثلة معنى لأن المجانسة في الأموال عبارة عن تقارب المالية (1) .
ب- المالكية :
علة تحريم الزيادة في الذهب والفضة هي النقدية ( أي الثمينة ). أما في الطعام فإن العلة عندهم تختلف بين ربا النسيئة وربا الفضل. فالعلة في تحريم ربا النسيئة هي مجرد المطعومية. وأما العلة في تحريم ربا الفضل فيه أمران : الاقتيات والادخار.
ودليلهم على أن هذه هي علة تحريم الربا هو أنه لما كان حكم التحريم معقول المعنى في الربا وهو ألا يغبن بعض الناس بعضاً، وأن تحفظ أموالهم فواجب أن يكون ذلك في أصول المعايش وهي الأقوات كالحنطة والشعير والأرز والذرة (2) .
العلة في الذهب والفضة هي النقدية أو الثمنية أي كونهما أثماناً للأشياء سواء كانا مضروبين أم غير مضروبين ( مسكوكين ) ولا أثر لقيمة الصنعة في الذهب والفضة.
وأما العلة في الأصناف الأربعة الباقية فهي الطعمية - بضم الطاء - أي كونها مطعومة . والمطعوم يشمل أموراً ثلاثة :
أحدها : ما قصد للطعم والقوت كالبر والشعير.
ثانيها : أن يقصد به التفكه وقد نص الحديث على التمر.
ثالثها : أن يقصد به إصلاح الطعام والبدن وقد نص الحديث على الملح.
أما ما ليس بطعم كالجبس أو الحديد فإنه يصح بيعه بجنسه متفاضلاً.
__________
(1) - د . وهبة الزحيلي، الفقه الإسلامي وأدلته ج4 ص683 ـ 684.
(2) ـ نفس المرجع ص 684 ـ 685. (1/169)
صفحة 170
ودليلهم أن الحكم إذا علق باسم مشتق دل على أن المعنى الذي اشتق منه الاسم هو علة الحكم مثل قوله سبحانه وتعالى : ( والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ). ولأن الطعام مشتق من الطعم فهو يعم المطعومات، وهذا وصفٌ مناسب لأنه ينبئ عن زيادة الخطر ( أي الأهمية ) في الأشياء الأربعة التي نصَ عليها الحديث.. وكذلك الثمنية معنى مناسب لأنه ينبئ عن زيادة خطر وهي شدة الحاجة إلى النقدين أو ما يقوم مقامهما من النقود الورقية (1) .
وعلى هذا إذ بيع الطعام أو النقد حالة اتحاد الجنس كحنطة بحنطة وفضة بفضة اشترط في صحة البيع ثلاثة أمور : الحلول والمماثلة والتقابض. فإذا اختلف الجنس كحنطة وشعير جاز التفاضل ويشترط الحلول والتقابض . وإذا بيع الطعام بغيره كنقد أو ثوب، أو غير الطعام بغير الطعام وليس نقدين كحيوان لم يشترط شيء من الشروط الثلاثة السابقة، أي فلا ربا فيه، والسبب في أنه لا ربا في الحيوان مطلقاً هو أنه لا يعد على هيئته وقد اشترى ابن عمر رضي الله عنهما بعيراً ببعيرين بأمره صلى الله عليه وسلم (2) .
د ـ الحنابلة :
في هذا المذهب ثلاث روايات بالنسبة لعلة الربا أشهرها مثل مذهب الحنفية وهي الكيل أو الوزن مع اتحاد الجنس. والرواية الثانية كمذهب الشافعية. والرواية الثالثة : العلة فيما عدا الذهب والفضة كونه مطعوماً إذا كان مكيلاً أو موزوناً، فلا يجري في مطعوم ولا يكال ولا يوزن. كالتفاح والخوخ والرمان والبطيخ.. ولا فيما ليس بمطعوم كالزعفران والحديد والرصاص ونحوه (3) .
الربا غير معلل وهو مخصص بالمنصوص عليه فقط، وذلك لنهم ينكرون القياس، ويقولون إن الشارع بين أن الربا يجري في الأصناف الستة، فيبقى ما عداها على الأصل وهو الإباحة.
2 ـ العلة عند القائلين بجواز الفضل :
رأينا أن القائلين بجواز الفضل يشترطون ثلاثة شروط لتحقق الربا وهي :
__________
(1) ـ نفس المرجع ص686 ـ 687.
(2) ـ نفس المرجع ص 688.
(3) ـ نفس المرجع ص 688. (1/170)
صفحة 171
اتحاد الجنس والزيادة والأجل. فإذا لم تتحقق هذه الشروط جميعها فلا يوجد ربا. فما هي علة الربا عندهم ؟
قال نور الدين السالمي عند شرحه لحديث ( إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم ) : وحديث الباب يدل أن علة الربا اتحاد الجنس، إلا أنهم اختلفوا في هذا الاتحاد على أقوال كثيرة، قال أبو إسحاق رحمه الله تعالى : ولعل أصحابنا مختلفون في علل الربا كاختلاف قومنا "
يقول مؤلف كتاب النيل الشيخ عبد العزيز الثميني : يتحقق الربا عندنا بجنس وأجل وزيادة، لقوله - صلى الله عليه وسلم - : " إنما الربا في النسيئة" ولأنه ابتاع بعيراً ببعيرين، وأجاز بيع عبد بعبدين يداً بيد، ولقوله : " إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم " (1) .
وقال في مكان آخر : " وفي علة الربا فهي عند أكثرنا المالية، وما ذكر أولاً من الثلاثة شروطه.." (2)
وقال الشارح : " أراد بالثلاثة الجنس والأجل والزيادة، وهي شروط لتحقق الربا ." (3) بمعنى أن علة الربا المالية المتمثلة في اتحاد الجنس مع الأجل مع الزيادة.
ويقول الشيخ الشماخي في هذا الصدد : " كل ما اتفق مما كان من جنس واحد فلا يجوز بيع بعضه ببعض نسيئة ويجوز بالنقد، وكل ما اختلف فهو جائز نقداً ونسيئة " (4) قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :( البر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح ) لأن ذكره عليه السلام هذه الأصناف دليل على أن كل واحد غير الآخر وأنها مختلفة فيكون ذكره هذه الأصناف تنبيها على غيرها من الأصناف أنه لا يجوز كل صنف بصنفه نسيئة.
__________
(1) ـ محمد بن يوسف اطفيش، شرح النيل ج 8 ص 37 ـ 38.
(2) ـ نفس المرجع ص 40 ـ 41.
(3) ـ نفس المرجع ص 41.
(4) ـ عامر بن علي الشماخي، الإيضاح ج 3 ص24. (1/171)
صفحة 172
ويعضد هذا القول إجماع أن كل صنف من هذه الأصناف لا يجوز بصنفه نسيئة.. وأيضاً لو كان ذكره عليه السلام هذه الأصناف يقتضي معنى لا يجوز بيع بعضه ببعض لبينه عليه السلام كما بيَنه في الذهب والفضة، فلو كان البر مع الشعير كالذهب مع الفضة لبينه عليه السلام كما بينه في الذهب والفضة، وهذه الحجة فيما يوجبه النظر أقوى الحجج.. " (1)
وواضح أن كلام الشيخ الشماخي يتطابق مع كلام الشيخ عبد العزيز الثميني تماماً في أن علة الربا اجتماع الشروط الثلاثة، ولا يتحقق الربا إذا اختل شرط من ذلك الشروط.
أما الشيخ اطفيش فإنه في شرحه لمفهوم المالية يتخذ موقفاً مخالفاً. فهو يقول : " فهي في كل مال حتى الماء بالماء يتخالف قلة وكثرة أو عذوبة وملوحة مع تأخير، فإن عذوبة الماء زيادة على كميته من المالح، هذا هو التحقيق، بل قد حققت لك أيضاً أن التأخير إرباء ولو بلا زيادة.. وقيل لا اعتبار بالتفاوت المعنوي بل لا يتحقق الربا إلا بزيادة الكم وما ذكرته أولى وبه فسرت ( مثلا بمثل ) في قوله - صلى الله عليه وسلم - : إلا مثل بمثل سواء بسواء، عيناً بعين. فمعنى مثلا بمثل المماثلة في الصفة كالجودة والرداءة، فإن تخالفا لم يجز ولو استويا في الكمية، ومعنى سواء بسواء المساواة في الكمية، ومعنى عيناً بعين حاضر تراه العين بحاضر تراه العين، وهذا أولى من أن تجعل سواء بسواء ومثلا بمثل بمعنى واحد.. " (2) . ويفهم من كلامه ما يلي :
1-يتحقق الربا في حالة اتحاد الجنس مع الأجل ولو بلى زيادة ( حتى الماء يتخالف قلة وكثرة أو عذوبة وملوحة مع تأخير، فإن عذوبة الماء زيادة على كميته من المالح ).
__________
(1) ـ نفس المرجع ص 30ـ 32.
(2) ـ محمد بن يوسف اطفيش، شرح النيل ج 8 ص 40. (1/172)
صفحة 173
2- يميل إلى القول بتحقق الربا في حالة اتحاد الجنس مع زيادة ولو بلا أجل ( فمعنى سواء بسواء المماثلة في الصفة كالجودة والرداءة، فإن تخالفا لم يجز ولو استويا في الكميَة، ومعنى سواء بسواء المساواة في الكمية عيناً بعين حاضراً تراه العين بحاضر تراه العين ) أي يميل إلى القول بربا الفضل ولم يصرح.
ملاحظات حول تعليل الربا :
1- علة تحريم ربا الفضل عند القائلين به وصفان أحدهما اتحاد الجنس والآخر مختلف فيه،
( الكيل أو الوزن ) عند الحنفية أو الاقتيات والادخال عند المالكية أو الطعمية عند الشافعية. أما علة تحريم ربا النسيئة فهي إحدى وصفي علة ربا الفضل : إما اتحاد الجنس أو الوصف الآخر حسب الذهب.
2- اختلفوا في جريان الربا فيما عدا تلك الأصناف التي عدها الحديث. فقد قصرها قوم عليها ولم تكن علة القصر قاصرة على عدم القول بالقياس كما يقول أهل الظاهر، بل منعه بعض القائلين بالقياس بحجة أن علل القياسيين فيها ضعيفة، وإذا لم تظهر علة امتنع القياس. (1)
وعداه آخرون إلى غير هذه الأنواع بطريق القياس من غير أن يتفقوا على علة التعدية، فحكم كل إمام علته التي استنبطها في التحريم، فحرم بها أشياء يوافقه عليها غيره، وقد يخالفه.. فالربا فيما عدا الأنواع الستة غير متفق على تحريمه بين أئمة الاجتهاد (2)
فبقي الربا في غير هذه الأصناف من غير بيان صريح موكولاَ إلى اجتهاد المجتهدين فكان الإشتباه والإشكال، الأمر الذي جعل عمر بن الخطاب يقول : ثلاث وددت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلينا فيهن عهداً ننتهي إليه : الجد والكلالة وأبواب من أبواب الربا (3) .
__________
(1) ـ انظر: محمد مصطفى شلبي، الفقه الإسلامي بين المثالية والواقعية ص 226.
(2) ـ نفس المرجع ص 236 ـ 237.
(3) ـ نفس المرجع ص 225. (1/173)
صفحة 174
3- استثنى الشارع بعض أفراد الربا لحاجة الناس كالقرض والعرايا. فبيع العرايا مستثنى من النهي من بيع المزابنة ومن بيع التمر بالتمر متفاضلاً الوارد في حديث العامل على خيبر. ولكن الرخصة إنما وقعت فيما دون خمسة أوسق لأجل الحاجة والضرورة، وما فوق قدر النصاب لا يكون غالباً إلا للتجارة. (1)
ربا النسيئة محرم لذاته قصداً وربا الفضل محرم لكونه وسيلة إلى الأول حيث يوصل إليه في غالب صور، فتحريمه من باب الذرائع. يدل لذلك ما رواه أبو سعيد الخدري عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " لا تبيعوا الدرهم بالدرهمين فإني أخاف عليكم الرماء، الرماء هو الربا "
ومن هنا فرق ابن القيم بينهما في التسمية، فسمى الأول الربا الجلي والثاني الخفي، ثم رتَب على ذلك الاختلاف في بعض الأحكام، فقال : إن ما حرَم لذاته لا يباح شرعاً إلا لضرورة.. وما حرم لسد الذريعة يباح للحاجة والمصلحة، وبيَن على هذا جواز بيع الحلية من الذهب والفضة بنقود منهما تزيد على وزنهما في مقابلة ما فيها من الصنعة، واستشهد على جواز ربا الفضل للمصلحة الراحجة بإباحة النبي - صلى الله عليه وسلم - بيع العرايا.. (2)
5- أجمع العلماء على جواز بيع الربوي بربوي لا يشاركه في العلة متفاضلاً أو مؤجلاً كبيع الذهب بالحنطة وبيع الفضة بالشعير. وأما إذا كان الربوي يشارك مقابله في العلة في العلة فهنا حالتان : الأولى : الذهب بالفضة فيمنع التأجيل ويشترط التقابض إجماعاً.
الثانية : غير ذلك من الأجناس مثل البر بالشعير فيمنع التأجيل ولكن اختلف في اشتراط التقابض . (3)
__________
(1) ـ انظر: نور الدين السالمي، شرح الجامع الصحيح ج 3 ص 223 ، 221
(2) ـ محمد مصطفى شلبي، الفقه الإسلامي بين المثالية والواقعية هامش ص 225.
(3) ـ نور الدين السالمي، شرح الجامع الصحيح ج 3 ص 193. (1/174)
صفحة 175
6- لم تطرد العلة في بعض الأفراد حيث أجاز أبو حنيفة الذهب والفضة بحديد أو رصاص أو صفر ولو نسيئة بأضعاف، مع أن علته الكيل أو الوزن. ولم يحضر مالك الربا فيما يقتات، بل يقول أيضاً بالربا في غير ذلك باتحاد الجنس ويجيز حيث اختلف مثل الحديد ونحوه بالذهب والفضة، وهو هنا يتفق مع القائلين بجواز ربا الفضل. (1)
ومن هذه الملاحظات نجد أن العلة في ربا الفضل غير واضحة تماماً، فالعلماء مختلفون حولها اختلافاً بينا، وأنها غير مطردة أحياناً. ومن خصائص العلة الصحيحة التي يبني عليها الحكم أنها وصف ظاهر منضبط في جميع أفرادها لأن هذا هو المعول عليه في بناء الحكم عليها، وإلا فإن باعث الحكم هو المقصد الشرعي وهو الحكمة منه وهو جلب المصلحة ( وتتمثل في المنفعة أو الخير أو العدل أو السعة أو السعادة...الخ ) أو دفع المضرة ( وتتمثل في الحرج أو الضيق و الشر أو الظلم أو الاستغلال..) ولكن بما أن هذه الأوصاف تقديرية وغير منضبطة فقد رأى علماء أصول الفقه إسناد الحكم إلى وصف ظاهر منضبط وعلى أن يكون هذا الوصف مظنة لتحقيق المقصد الشرعي أو حكمه الحكم أو غايته.
وعليه فإذا كنا ننظر إلى علة منضبطة فالقول بأن علة الربا هي المالية وإنها لا تتحقق إلا بثلاثة شروط.
هي : الجنس والأجل والزيادة هو أرجح الأقوال، وبذلك فلا ربا في الفضل.
__________
(1) ـ انظر شرح النيل ج 8 ص 46، الإيضاح ج 3 ص 38. (1/175)
صفحة 176
وأما إذا كنا نعول على المقصد الشرعي أو الباعث على الحكم وهو هنا دفع الظلم أو الاستغلال فيتعين تقليل الشروط الثلاثة السابقة، وذلك بإلغاء شرط اتحاد الجنس في حالة الأجل والزيادة، فيكون بر بشعير أكثر منه ربا مع التأجيل. لأن باعث الزيادة هنا مصدران : اختلاف الجنس والأجل فيكون ذلك مظنة للاستغلال ويكون اختلاف الجنسين تستراً للزيادة بسبب الإمهال.أما اتحاد الجنس مع الأجل بدون زيادة كبر ببر مثله فإنه قرض وأنه استثناء من الربا كما يرى البعض أو أنه جاز في حالة القرض ولم يجز في حالة البيع لأن القرض إحسان والبيع مماكسة كما يفسره البعض الآخر.
وأما اتحاد الجنس مع زيادة حاضر بحاضر فإن باعث الزيادة هنا مصدر واحد وهو اختلاف الجودة، فتكون مظنة الاستغلال أخف، وبعض المعاملات لا تخلو من بعض الغرر ومع ذلك
أجازها الشارع كالمضاربة والمزارعة والمساقاة. كما أن تقييد المعاملة هنا بالتماثل التام يجعلها مستحيلة إذ لا يقبل على ذلك علاقات وبذلك نعرف أن المقصد من هذا التقييد هو الاحتياط من الاستغلال. ولعل هذا هو تفسير حديث ( لا تبيعوا الدرهم بالدرهمين فغني أخاف عليكم الرماء ) .
هذا هو المخرج وإلا فإن المسألة تحل عن طريق إزالة التعارض بين الأحاديث بالنسخ أو بالترجيح وهو من اختصاص أهل العلم بذلك.
ثالثا : الأهمية العلمية أو التطبيقية لهذا الموضوع
تحريم ربا الفضل في الأجناس المنصوص عليها وفي عيرها إنما كانت له أهمية عندما كانت العملة السائدة هي النقدان الذهب والفضة، أي الدينار والدرهم وكذا عندما كان التعامل بالمقايضة شائعاً بسبب غلبة الإنتاج الزراعي وبسبب قلة النقد من جهة وبسبب أن التعامل بالدينار والدرهم يتم بالوزن وهو عملة صعبة. (1/176)
صفحة 177
أما اليوم فلا تستخدم نقود الذهب والفضة، كما لا يتم التعامل بالمقايضة حيث النقود الورقية متوفرة. ولكن لا نقول باختفاء المقايضة تماماً حيث يمكن أن يتم التعامل بها على نطاق محدود في بعض البلدان في القطاع الزراعي.
الأهمية العلمية الواضحة الآن في هذا الموضوع هي التعامل بالذهب في مجال تجارة الحلي. حيث تبيع النساء الحلي القديمة وتشتري الحلي الجديدة. فهنا يجب أن يطبق الحديث ( الذهب بالذهب والفضة بالفضة.. ) بعدم جواز التفاضل. ولكن الذي يحصل أنه يتم بيع الحلي القديمة بالعملة المستعملة، ثم شراء الحلي الجديدة بالعملة. وإذا كانت الصفقتان تحصلان عند نفس الصائغ نرى العلماء يحرصون على أن تكون كل واحدة من الصفقتين مستقلة عن الأخرى. بمعنى أنه يجب استلام النقود من الصائغ عند بيع الحلي القديمة، ثم شراء الحلي الجديدة منه ودفع النقود إليه مرة أخرى.
وفيما عدا ذلك تبقى لهذا الموضوع أهمية تشريعية فقط. والله أعلم.
المصادر والمراجع :
1- إبراهيم بن يوسف الوارجلاني، الدليل والبرهان، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، 1403 - 1983 المجلد الأول.
2- نور الدين عبدالله بن حميد السالمي، شرح الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع، مكتبة الاستقامة، سلطنة عمان، الجزء الثالث.
3- محمد بن يوسف اطفيش، شرح كتاب النيل وشفاء العليل، مكتبة الإرشاد، جدة، الجزء الثامن.
4- عامر بن علي الشماخي، كتاب الإيضاح، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، ط 2- 1420 - 1999 الجزء الثالث.
5- أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، فتح الباري بشرح صحيح البخاري، دار المعرفة، بيروت الجزء الرابع.
6- د . وهبة الزحيلي، الفقه الإسلامي وأدلته، دار الفكر، دمشق ط 3 1409 - 1989 الجزء الرابع.
7- سالم بن محمد الرواحي وآخرون، أشعة من الفقه الإسلامي ط 1، 1414- 1994.
8 - د . رفيق يونس المصري، بيع التقسيط، دار القلم، دمشق.
البحث الثامن
بعنوان (1/177)
صفحة 178
آراء الإمام محمد بن محبوب
الكلامية
للباحث
د./ مسلم بن ساعد بن علي الوهيبي
مدرس بكلية التربية بصور
مقدمة
هذه الدراسة تعالج القضايا العقدية الكلامية عند الإمام محمد بن محبوب، ثم التقاطها من أثارها المخطوطة والمطبوعة، ومن أقواله المتناثرة في كتب الفقه، ومن ثم إضافة أقوال من سبقه من أقوال علماء المدرسة الإباضية التي ينتمي إليها، حيث إنه لا يمكن فصل أقواله عن أقوالهم في القضايا الكلامية خاصة.
خطة الدراسة :
تم تقسيم الدراسة إلى قسمين : القسم الأول تمهيد جاء فيه تحليل العنوان الذي اشتمل على دلائل ثلاث هي : آراء ، محمد بن محبوب، علم الكلام.
القسم الثاني : المسائل الكلامية عند محمد بن محبوب، وكان عددها تسع مسائل.
ثم أبرز النتائج والتوصيات.
تمهيد
بادئ ذي بدء يجدر بنا التمهيد لتحليل عنوان الموضوع الذي يحمل ثلاث دلائل هي : أراء، محمد بن محبوب، علم الكلام.
أولا : أراء.
جمع رأي وهو الاعتقاد، والعقل، والتدبير، والنظر والتأمل (1)
والرأي عند الأصوليين : استنباط الأحكام الشرعية في ضوء قواعد مقررة (2) .
ثانياً : التعريف بمحمد بن محبوب.
اسمه : هو الشيخ العلامة الفهامة، أبو عبدالله محمد بن محبوب بن الرحيل بن سيف بن هبيرة القرشي المخزومي، من أشهر العلماء في زمانه، وشيخ المسلمين، ومرجعهم في الفتوى والرأي، وكان مضرب المثل في العلم والزهد والتقوى (3) .
شيوخه :
والده العلامة محبوب بن الرحيل، والشيخ موسى بن علي، ولا يبعد أن يكون أبو صفرة عبد الملك بن صفرة من شيوخه.
تلاميذه :
__________
(1) - إبراهيم مصطفى وآخرون : المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية، دار الدعوة، استانبول، تركيا ج 1 ص32.
(2) - المرجع السابق .
(3) - البطاشي: سيف بن حمود ، إتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عمان، مكتب المستشار الخاص لجلالة السلطان للشؤون الدينية ج1 ص 250. (1/178)
صفحة 179
كثيرون منهم ابناه العلامتان بشير بن محمد بن محبوب، وعبدالله بن محمد بن محبوب والد الإمام سعيد بن عبدالله، والعلامة عزان بن الصقر، والعلامة أبو المؤثر الصلت بن خميس الخروصي، والعلامة الفضل بن الحواري السامي الإزكوي، وأبو جابر محمد بن جعفر الإزكوي مؤلف الجامع (1).
حياته ونماذج من أخباره :
نشأ الشيخ محمد بن محبوب في أحضان والده الإمام محبوب بن الرحيل في بداية حياته، حتى رضع لباب التقوى وحب العلم، وبعد وفاة والده قصد الشيخ موسى بن علي، وأخذ ينهل من علمه حتى بلغ درجة الاجتهاد، عاش العلامة محمد بن محبوب حياته معلماً ومفتياً وداعياً إلى الإسلام، وقد ورث عن أبيه المدرسة الرحيلية بصحار فكان هو المدرس بها، كذلك تهافت عليه طلاب العلم، من المشرق والمغرب يستفتونه ويتعلمون منه، وجاءته الرسائل من بلاد المغرب، وكان رأس العاقدين للإمام الصَلت بن مالك عام 237 هـ ، كان يزور البصرة، ثم حج وأقام في مكة ثم جاء إلى عمان (2) وكان قاضياً في صحار من عام 249 هـ إلى أن توفي، وخلال فترة إقامته بمكة التقى بالعلامة عمروس بن فتح المساكني المغربي.
وأخذ عمروس يسأل ابن محبوب عن مسائل كثيرة (3) ، لأنه كان غزير الفقه لدرجة أنه لم يؤلف كتابا بعد وفاته إلا وتجد كنيته ( قال أبو عبدالله ) أو اسمه ( قال محمد بن محبوب ) بين سطوره أو حكاية عن سيرته وأموره (4).
__________
(1) ـ المرجع السابق ص252.
(2) ـ رجب محمد عبد الحليم: الإباضية في مصر والمغرب وعلاقتهم بإباضية عمان والبصرة، مكتبة الضامري، سلطنة عمان 1995 ص162،163.
(3) ـ الدرجيني: أحمد بن سعيد ( ت 670 هـ ) طبقات المشايخ بالمغرب، تحقيق إبراهيم طلاوي ج 2 ص324.
(4) ـ الدرجيني: أحمد بن سعيد ( ت 670 هـ ) طبقات المشايخ بالمغرب، تحقيق إبراهيم طلاوي ج 2 ص324. (1/179)
صفحة 180
ومن أخبار محمد بن محبوب كذلك أنه لما دخل أهل الهند الإسلام، قال لهم محمد بن محبوب: اذهبوا فصلوا وقولوا سبحان الله في قيامكم وركوعكم وسجودكم حتى تتعلموا (1) وكان آية في الذكاء، قال : أعقل وقد انطلق الثور وأنا في المهد فجرت الصينة ( الحبل ) على المهد فكفته ( كبته على وجهه ) فنظرت ذلك اليوم فإذا أنا ابن ستة أشهر (2) .
وفاته :
توفي رحمه الله يوم الجمعة 3 من شهر محرم سنة 260هـ في صحار(3)
أعماله وآثاره :
1 ـ قام بتخريج جيل من العلماء الأفذاذ في تلك الفترة.
2ـ تولى القضاء في صحار من عام 249 هـ إلى أن توفي، وله آراءٌ في القضاء من أجود ما يكون.
3ـ له كتاب ( مختصر ابن محبوب ) الذي كان أبو محمد يقرأ منه الجزء السادس على أبيه أبي صالح بكر بن قاسم الهيراسني - رحمه الله - فكان أبو صالح يقول : ( كلام محقق فقيه أصولي ) ، والمختصر يقع في 70 جزءاً (4) ، وقد ظل أمر هذه الكتاب مذكوراً وظلت دراسته قائمة حتى القرن الثامن للهجرة / الرابع عشر للميلاد حيث ذكره البرادي الذي عاش في ذلك القرن وقال إنه وقف في بلاد المغرب على كتب علم عمانية وجدها هناك منها هذا الكتاب (5) ، ولكن هذا الكتاب القيم فقد كما فقد غيره من تراث الإباضية.
4- له سيرة إلى أهل المغرب، مطبوعة ضمن ( السير والجوابات ) ج 2 من ص223 إلى 268.
5- له سيرة إلى أبي زياد خلف بن عزرة (6) مخطوطة ضمن مخطوطة( سير علماء الإباضية ) لدى الباحث صورة منها، من 221 إلى ص225 وهي عبارة عن أسئلة حول الولاية والبراءة.
__________
(1) ـ البطاشي : أتحاف الأعيان ج 1 ص253.
(2) ـ السالمي : عبدالله بن حميد السالمي ( ت 1332هـ ) : تحفة الأعيان، مكتبة الاستقامة، سلطنة عمان ج 1 ص357.
5- السالمي : تحفة الأعيان ج 1 ص166.
(4) ـ الدرجيني : طبقات المشايخ ج 2 ص171.
(5) ـ رجب عبد الحليم : الإباضية ص171.
(6) ـ لم أجد له ترجمة ويبدو أنه من عامة الناس. (1/180)
صفحة 181
6- له سيرة إلى إمام حضرموت أحمد بن سليمان (1) في الحث على الجهاد والسياسة الشرعية، وهي مخطوطة ضمن (سير علماء الإباضية) لدى الباحث صورة منها من ص225 إلى ص236.
7- يرى البعض أن عهد الإمام الصلت بن مالك الخروصي إلى جيشه الذي أرسله لفتح سقطرى، وهو لمحمد بن محبوب وليس للإمام الصَلت، فقد قال الإمام السالمي بعد ذكره لنص العهد : ووجد بخط الشيخ أبي عبدالله محمد بن ابراهيم بن سليمان مكتوباً في بعض الكتب أنه على أبي عبدالله محمد بن محبوب - رحمه الله -(2) ، وما دامت هذه الوثيقةلم تصل إلى حد اليقين أنها من تأليفه لذا لم نستفد منها في بحثنا هذا.
ثالثاً : التعريف بعلم الكلام :لما كانت العقيدة هي الأصل وما عداها هو الفرع فإن العلماء قد صنَفوا وبحثوا وقاموا بدراسات عظيمة الشأن في إثبات العقائد، إما لبيان الأدلة عليها، أو لرد الشبهات التي تلقى من حولها، وقد سمي العلم الذي يبحث في العقائد بأسماء مختلفة منها ما يأتي (3) :
أ- الفقه الأكبر :سماه بهذا الاسم الإمام أبو حنيفة في كتابه (الفقه الأكبر) (4) ، حيث ذكر أن ( الفقه في الدين أفضل من الفقه في العلم، لأن الفقه في الدين أصلٌ والفقه في العلم فرع، وفضل الأصل على الفرع معلوم ) .
ب- علم النظر والاستدلال : سمي بهذا الاسم لأنه يعتمد منهج النظر الفكري والاستدلال العقلي وسيلة لإثبات أصول العقائد التي ثبتت بالنصوص الدينية.
__________
(1) ـ ترجمته : من أئمة حضرموت، عاصر الإمام الصلت بن مالك، وقعت في زمانه فتنة وانقسامات بين المسلمين بحضرموت، فأرسل إلى أهل عمان يستثيرهم فأجابه الإمام محمد بن محبوب بهذه السيرة.
(2) ـ السالمي : تحفة الأعيان ج 1 ص183 ، 184
(3) ـ الدوري قحطان عبد الرحمن، ورشدي محمد عليان : أصول الدين الإسلامي، دار الفكر عمّان، الطبعة الأولى 1416هـ .
(4) _ كتيب صغير، وقد شرح عدة شروح، وطبع عدة طبعات. (1/181)
صفحة 182
ج- علم التوحيد والصفات : سمي بهذا الاسم لأن أشهر مباحثه، وأهمها وأخطرها، مبحثاً التوحيد والصفات الإلهية.
د- أصول الدين : سمي بهذا الاسم لأنه أصل المعارف الدينية، لابتنائها عليه وتفرعها عنه ولأنه يتكفل ببيان ما يعتبر من أصول الدين وأركانه التي لا يتم إيمان بدونها، مقابل علم الفقه الذي يتكفل ببيان الفروع العملية للدين، ومقابل علم الأخلاق والتصوف الذي يعني بجانب السلوك والأخلاق على أساس من الذوق الروحي والوجدان القلبي.
هـ - علم العقائد : سمي بهذا الاسم لأنه يتكفل ببحث العقائد الدينية وإثباتها بالأدلة اليقينية، والدفاع عنها ضد العقائد والأفكار المخالفة لها.
و- علم الكلام : اشتهر بهذا الاسم لعدة أسباب منها : (1)
1- أن أهم مسألة وقع الخلاف فيها : واشتد النزاع حولها في القرون الأولى كانت مسألة ( كلام الله ) هل هو أزلي قائم بذاته، أم مخلوق ؟ فسمي العلم باسم أهم مسألة فيه .
2- أو أنه يتحقق بالمباحثة وإدارة الكلام بين الجانبين وغيره قد يتحقق بالتأمل ومطالعة الكتب.
3- لعل أوجه الأسباب أنَ أصحابه ( المتكلمين ) تكلموا فيما كان السلف من الصحابة والتابعين يتكلمون حيث ينبغي الصمت، اقتداء بالسلف الذين لم يخوضوا في المسائل الاعتقادية إلا بحد ضيق.
ونلخِّص ممَّا سبق بأننا نريد من هذه المشاركة إظهار اعتقادات أو تأملات محمد بن محبوب في المسائل الكلامية.
المسائل الكلامية عند الإمام محمد بن محبوب
توطئة
لا يمكن فصل آراء محمد بن محبوب الكلامية عن آراء غيره من أئمة وعلماء الإباضية الآخرين، وما هو إلا لبنة من بناء مدرسة متكاملة، بل قاعدة من قواعد بناء الفكر العماني في القرن الثالث الهجري.
__________
(1) ـ الدوري : أصول الدين ص14 ، 15. (1/182)
صفحة 183
وخلافاً للفقه الإباضي، فإن علم الكلام الإباضي جذب إليه انتباه البحّاثة الأوروبيين(1)،وغيرهم نظراً لسبقه على غيره من مؤلفات المدارس الأخرى، وما احتواه من معالجة علمية وافية.فمنذ القرون الأولى تسابقت أقلام الإباضية للمساهمة بتقديم آراءهم حول القضايا المطروحة في تلك الفترة، كمسألة الخلافة والإمامة والقدر ومرتكب الكبيرة والرد على بدع الخوارج والمرجئة والمعتزلة.
وقد تخصصت أطروحتنا للدكتوراه بعنوان " الفكر العقدي عند الإباضية حتى نهاية القرن الثاني الهجري " (2) بإظهار هذا الإنتاج وتحليله.
ويعدُّ الإمام محمد بن محبوب أرز مفكري المدرسة الإباضية في القرن الثالث الهجري، وخلَّف لنا آثاراً وأقوالاً كثيرة، وفي مجالات مختلفة.
وستتخصص الصفحات التالية لعرض المسائل الكلامية عند محمد بن محبوب.
1- الكلام في المصطلحات :
لقد ورد في آثار محمد بن محبوب مجموعة كبيرة من الألفاظ، ذات دلالات اصطلاحية عقائدية، وقد يشكل بعضها منظومة كلامية متكاملة للدارسين ويمكن تنظيمها كالتالي :
__________
(1) ـ اهتمّ ماسكييراي بدراسة علم الكلام الإباضي في ملاحظاته على الترجمة التي قام بها لـ " سير أبي زكريا الوارجلاني " .
ـ وقدّم آ. دي سيه موتيلسسكي ترجمة فرنسية للعقيدة الإباضية من وضع عمرو بن جميع إلى المؤتمر الرابع عشر للمستشرقين في الجزائر سنة 1905م ولحظ العلامتان غولد زيهر ونلينو التشابه في المواقف والآراء بين الإباضيين والمعتزلة حول قضايا محددة... وغيرهم كثير قاموا بدراسات حول علم الكلام الإباضي ولا زالت هذه الدراسات تحظى بعناية ومتابعة من المختصين والمثقفين والأكادميين. انظر : عمرو النامي : دراسات عن الإباضية.
(2) ـ الوهيبي، مسلم بن سالم : الفكر العقدي عند الإباضية حتى نهاية القرن الثاني الهجري، رسالة دكتوراه في العقيدة والفلسفة، كلية الدراسات العربية والإسلامية بنين بالقاهرة، جامعة الأزهر 25/5/2001 م. (1/183)
صفحة 184
أسماء الموافقين له في المذهب ... أسماء المخالفين له في المذهب من أهل التوحيد
إخوان،السلف ،أئمة الهدى ،المسلمون أهل الدعوة ،قادتنا العلماء ،قدوتنا ... أهل قبلتنا ،أهل التوحيد ،أهل التبديل ،أهل الخلاف ،أئمة الضلال ( خاص بحكام المخالفين ) الظلمة (خاص بحكام المخالفين)
البغاة ( خاص بحكام المخالفين)
ولم يستعمل لفظة ( المذهب الإباضي أو الإباضية نهائياً ).
? ألفاظ عقائدية عامة :
الولاية/العقل/النعمة /البراءة/الوحي/توحيد/الوقوف/حرية/كلام الله /يسع/تقية/خلق القرآن/الإسلام /كتمان / الإيمان
? ألفاظ ذات معانٍ مرغوبة :
التقوى…/دعاء /العلم /التوسل إلى الله…/العزيمة…/شكر/الطاعة/التوكل…/الأمر بالمعروف /الإخلاص/الجهاد/النهي عن المنكر/الخوف / الشراء/القدوة / التوبة
? ألفاظ ذات معانٍ مرفوضة :
الشك/الهوى/الغيبة الفتن/الشيطان/منكر /الابتداع /المعاصي /كفر /إحباط الدنيا /شرك /الجهل/الصغائر /مرتد / إصرار /الكبائر/فسق
ومعظم تلك الألفاظ وردت بشكل مختصر وعرضي، ولا تعطي رؤية متكاملة لمعرفة رأي محمد بن محبوب فيها بصورة شاملة، إلا أن بعضها ورد بشكل أكثر وضوحاً، وتكشف عن آرائه بصورة تساعد الباحثين على الخروج بمادة كلامية شافية، وهذا ما سيتضح لنا في الصفحات المتبقية من البحث.
ومن بين المصطلحات المهمة التي يجدر الوقوف عندها ما يأتي :
( الإسلام :
قال محمد بن محبوب : ( فاعلموا - رحمنا الله وإياكم - أن اسم الإسلام وثوابه إنما أوجبه الله على القول والعمل بما أوجب الله من الفضل على عباده والإخلاص في القول والعمل وإنما تثبت الولاية على المسلمين لمن وافقهم فيما دانوا الله به من القول والعمل، فمن ضيّع القول والعمل لم نثبت له اسم الإسلام ولا ثوابه عند الله ولا عند المسلمين ) (1).
__________
(1) ـ سيرة إلى أهل المغرب، ضمن ( السير والجوابات ) ج2 ص239. (1/184)
صفحة 185
وفي موضع آخر صرّح محمد بن محبوب أن من ركب معصية كبيرة أو أصرّ على صغيرة خرج من اسم الإسلام (1) .
فما هو الإسلام لغة واصطلاحاً ؟ وما الفرق بينه وبين الإيمان ؟
الإسلام لغة : من اسلم واستسلم أي انقاد وخضع (2) .
اصطلاحاً : الاستسلام والخضوع والانقياد التام لأوامر الشرع (3) .
(الإيمان :
قال محمد بن محبوب : ( لم يقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الناس إلا الإيمان بتمام وظائفه وفرائضه المحددة وكذلك أوجب الله عليه في كتابه ) (4) .
فما الإيمان لغة واصطلاحاً ؟
الإيمان لغة : التصديق (5) ، ومنه قوله تعالى :( وما أنت بمؤمن لنا ) (6) أي بمصدق لنا.
الإيمان شرعاً : اعتقاد بالجنان وقول باللسان وعمل بالأركان.
وقد يطلق الإيمان ويراد به التصديق، كما يظهر في حديث جبريل عليه السلام(7) وقد يطلق الإيمان ويراد به العمل، كما يظهر في آيات كثيرة مثل قوله تعالى : ( وما كان الله ليضيع إيمانكم ) (8) ، فقد سُمي عمل الصلاة إيمانٌ، وفي قوله : ( قد أفلح المؤمنون، الذين هم في صلاتهم خاشعون، والذين هم عن اللغو معرضون، والذين هم للزكاة فاعلون )(9)
__________
(1) ـ المرجع السابق ص141.
(2) ـ الجوهري، تاج الصحاح ج1 ص131/ ابن منظور: لسان العرب ج12 ص293.
(3) ــ الكندي وعاشور: العقيدة (1) ص17/ الدوري : أصول الدين ص21.
(4) ـ سيرته على أبو زياد خلف بن عزرة، ضمن مخطوط ( سير علماء الإباضية ) ص222.
(5) ـ الجوهري، تاج الصحاح ج1 ص11.
(6) ـ يوسف : 17.
(7) ـ حديث جبريل عليه السلام عندما سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الإيمان ؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ) الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه...)
(8) ـ البقرة 143.
(9) ـ المؤمنون : 1ـ 4. (1/185)
صفحة 186
وحديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - عندما قال لوفد عبد القيس : ( أتدرون ما الإيمان ؟ ) ففسره بالشهادتين وذكر الصلاة والزكاة والحج (1) .
من هنا يظهر أن الإيمان في الشرع له استعمالان هما (2) :
1- يطلق الإيمان على التصديق باركان الإيمان التي جاءت في حديث جبريل - عليه السلام - وهي أن تؤمن بالله، وملائكته وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره من الله تعالى ".
2- يطلق الإيمان على الاستقامة في العقيدة، والاستقامة في العمل، يعني ذلك أن الإيمان يطلق على العقيدة الصحيحة مع العمل الصالح، والقول الصادق.
وبهذا التقسيم ينتفي الإشكال الذي يطرأ على النفس أحياناً، فهناك آيات من كتاب الله تعالى تدل على أن المؤمن من جمع بين العقيدة الصحيحة والعمل الصالح، وآيات تدل على أن المؤمن من آمن بما يجب الإيمان به، أي بما يجب التصديق به.
(الفرق بين الإيمان والإسلام :
يرى الإباضية أن الإيمان والإسلام الشرعيين متلازمان لا ينفك أحدهما عن الآخر، أي أن دلالة الإسلام الشرعية مطابقة لدلالة الإيمان الشرعية.
قال أبو أيوب : " ... والإسلام ديننا، وهو من الإيمان، والإيمان من الإسلام، والتقوى من الإيمان والبر والوفاء من الإيمان، بعض ذلك من بعض على استكمال الإيمان بما فيه، وإقامة حدوده، والعمل بحقوقه " (3)
__________
(1) ـ البخاري : باب أداء الخمس من الإيمان ج(53) 1/29/ الترمذي : باب ما جاء في إضافة الفرائض إلى الإيمان، ح(2611) 5/8/ أبو داود : باب في رد الإرجاء ج(4677) / مسند أحمد
ح(2120) //288.
(2) ـ الخليلي أحمد بن حمد: جوهر الإيمان، مكتبة ( مكتبة الاستقامة، سلطنة عمان، الطبعة الأولى 1412هـ ـ 1992م ) ص4 ،5.
(3) ـ أبو أيوب: سير أبي أيوب الحضرمي ( ضمن كتاب السير والجوابات ) ج2 ص46. (1/186)
صفحة 187
وقال في موضع آخر : " وبالإيمان دخل أهل الجنة الجنة، والإسلام من الإيمان، والإيمان من الإسلام، والتقوى من الإيمان، بعض ذلك من بعض على استكمال ما فيه، وإتيان حقوقه، والوقوف على حدوده " (1) .
وقد توسع زياد بن خلف البحراني في سيرته (2) ، لتوضيح الترابط بين الإيمان والإسلام الشرعيين، لكن تعبير الإمام السالمي كان أكثر وضوحاً حيث قال: " اعلم أن للإيمان والإسلام في الشرع استعمالاً غير الاستعمال اللغوي، وذلك أن الشرع نقلهما عن معناهما اللغوي فاستعملهما
مترادفين في مطلق الواجب، كان ذلك الواجب تصديقاً بالجنان فقط، أو تصديقاً بالجنان مع قول باللسان، أو كان معهما عمل لازم إتيانه، فمن أدى جميع ما وجب عليه كان مؤمناً مسلماً عندنا، ومن اخلّ بشيء من الواجبات لا يسمى مؤمناً مسلماً عندنا " (3) .
فحقيقة الإسلام تتضمن أداء العبادات المطلوبة، فهي تصديق بالله وتنفيذٌ لأوامره، وحقيقة الإيمان تنطوي على المعرفة الصحيحة والقيام بحقوقها، ومن ثم فمعنى اليقين ملحوظ في الإسلام، ومعنى الخضوع ملحوظ في الإيمان، و لا يقبل إسلام خلا اليقين، كما لا يقبل إيمان تجرّد عن الخضوع لله (4) ، فلا يوجد شرعاً إيمان من غير إسلام ولا عكسه عند التحقيق " (5) .
__________
(1) ـ المصدر السابق ص60.
(2) ـ ضمن مخطوط ( سير علماء الإباضية ) ص106 ــ 135.
(3) ـ السالمي : مشارق أنوار العقول ج 2 ص197.
(4) ـ الغزالي، محمد: عقيدة المسلم ( دار الدعوة، الإسكندرية، الطبعة الثالثة 1411هـ/1990م ) ص136.
(5) ـ الرواحي، ناصر بن سالم: نثار الجوهر ( مخطوط، مكتبة خاصة بدون ترقيم ) ج1 ص51. (1/187)
صفحة 188
ومما يؤكد ترادف الإيمان والإسلام قوله تعالى : ( وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة )(1)، فسمي إتيان المأمور به دينا، والدين هو الإسلام لقوله : ( إن الدين عند الله الإسلام ) (2) ،وما ليس بإسلام فليس بدين، فعلم أن الإيمان إسلام(3) .
وقوله تعالى : ( فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين ) (4) ، أي لمّا أردنا إهلاك قوم لوط أخرجنا من كان في قومه من المؤمنين لئلا يهلك المؤمنون
( فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين ) (5) ، يعني لوطاً وبنيه ، والمؤمنون والمسلمون هنا سواء (6) .
وقوله تعالى : ( وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكّلوا إن كنتم مسلمين ) (7) .
فالتوكل على الله دلالة الإيمان ومقتضاه، وقد ذكر لهم موسى الإيمان والإسلام وجعل التوكل على الله مقتضى هذا وذاك : مقتضى الاعتقاد في الله مقتضى إسلام النفس له خالصة والعمل بما يريد (8) .
أما قوله تعالى : ( قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولمّا يدخل الإيمان في قلوبكم ) (9)، قد يستدل بها البعض في التفريق بين " الإيمان والإسلام " غير أن الإسلام الذي ذكرته الآية ليس الدين الحق الذي عناه قوله تعالى : " ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين ) (10) ، بل هو خضوع عن قهر ونفاق، والإيمان الحق هو ما اقترن بالسمع والطاعة وتطهر من المعصية ومن النكوص عن أمر الله.
__________
(1) ـ البينة : 5.
(2) ـ العمران : 19.
(3) ـ السالمي : المشارق ج 2 ص198.
(4) ـ الذاريات : 35.
(5) ـ الذاريات : 36.
(6) ـ القرطبي، أبو عبدالله محمد بن أحمد : الجامع لأحكام القرآن( دار الفكر، بيروت ط1 1407هـ ، 1987م ) ج17 ص48.
(7) ـ يونس : 84.
(8) ـ قطب، سيد : في ظلال القرآن ( دار الشروق، بيروت ط15، 1408هـ ـ 1988م ج 3 ص1815.
(9) ـ الحجرات : 14.
(10) ـ آل عمران : 85. (1/188)
صفحة 189
وخلاصة القول : إن " الإيمان " و " الإسلام " وإن اختلفا في المعنى لكنهما متلازمان مترادفان في المعنى الاصطلاحي، وإن عبر في تعريفهما الاصطلاحي بألفاظ مختلفة لكنهما متحدان في المفهوم الشرعي.
فإذا آمن الإنسان بالله العظيم وأيقن باليوم الآخر وصدّق بما جاء به المرسلون سارع إلى استرضاء ربه والاستقامة على صراطه، وإلا فلا قيمة لكلمة يقولها الإنسان على لسانه وهو لا يدخل مسجدا أو لا يقيم فريضة أو لا يحترم شعيرة.
(المعصية والإسلام لا يجتمعان في إنسان :
قال محمد بن محبوب : ( فمن ضيّع القول والعمل لم نثبت له اسم الإسلام) (1) وعلى هذا بنى الإباضية عقيدتهم، قال أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة : بلغني عن ابن مسعود قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( إياكم والحسد والظن والبغي فإنه لا حظ في الإسلام لمن فعل ذلك ولا حظ في الإسلام لمن فيه إحدى هذه الخصال ) (2) ، ويروي الربيع حديثاً عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إذا زنى الزاني سلب الإسلام فإذا أناب ألبسه ) (3) . وروى جابر بن زيد عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( من حقّر مسلماً فليس بمسلم ) (4) .
قال جابر بن زيد وهو ينصح أحد أتباعه : " فإن الإسلام سلم فاحرص من أن تكون من أهله، تأخذ من أدبه، وتثبت على خلقه، ومن ينتحله بغير ثبات عليه، ولا مواتاته ينفى عنه " (5) .
(المراد بالمسلم :
المراد بالمسلم من الناحية الشرعية هو ذاك الشخص الذي تحلّى بجميع الصفات التالية :
__________
(1) ـ سيرته إلى أهل المغرب ضمن ( السير والجوابات ) ج2 ص239.
(2) ـ الربيع: مستد الإمام الربيع، ج 2ص271 حديث رقم 699.
(3) - الربيع: العقيدة (ضمن كتاب مسند الإمام الربيع) ج 3 ص294 حديث رقم 766، وقد أخرج بنحوه أبو داود في كتاب السنة 15.
(4) - جابر بن زيد: مراسيل الإمام جابر (ضمن مسند الربيع) ج 4 ص371 حديث رقم 973.
(5) - جابر بن زيد: رسائل الإمام جابر، رسالة رقم 15. (1/189)
صفحة 190
1- صدّق بكل ما يجب التصديق به، كالإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وما فيه من بعث وحساب وجنة ونار، والقدر وأخبار القرآن... الخ، أي صدّق بجميع ما يلزمه تصديقه مما علم من الدين بالضرورة.
تلفّظ بجميع ما يلزمه التلفظ به، من النطق بالحق وكف اللسان عن النطق بالباطل.
3- عمل بجوارحه جميع ما يلزمه عمل، سواء إتيان المأمور به أو اجتناب المنهي عنه.
ومن هنا يظهر الترادف بين المراد بـ " المؤمن" و "المسلم" في الوجه الشرعي، تبعاً للترادف بين "الإيمان" و"الإسلام" الشرعيين.
ونتيجة لما سبق فإن مرتكب الكبيرة لا يسمى مسلماً، قال الإمام السالمي : " ومن أخل بشيء من الواجبات لا يسمى مؤمناً مسلماً عندنا، بل يخص باسم المنافق والفاسق والعاصي... ونعني بمنع تسميته مسلماً مؤمناً أو مسلما، فقط التسمية التي ينبني عليها حكم المؤمنين من الولاية واتباعها، أما إطلاق التسمية من غير ترتب حكمها عليها فجائز، لأنّا نقول في حق المخل بالفرائض العمليات هذا مسلم ولا نريد به أنه ولي، لكن أطلقنا عليه اسم مسلم، إما باعتبار المعنى اللغوي وهو الانقياد، فإنه وإن كان غير منقاد في الكل فهو منقاد في البعض وإما أن يكون استعمالاً عرفياً عاماً حيث أطلقناه في مقابلة المشرك " (1) .
إذن فمن الناحية غير الشرعية يجوز أن يسمى مرتكب الكبيرة مسلماً لاعتبارات هي :
1- باعتبار العرف اللغوي وهو الانقياد، فإنه وإن كان غير منقاد في الكل فهو منقاد في البعض.
2 - باعتبار العرف، أي ما درج عليه عرف الناس من تسميته مسلماً.
3 - باعتبار المقابلة، فيسمى مسلما في مقابلة المشرك.
4- باعتبار الأحكام والحقوق الدنيوية، حيث له ما للمسلمين الشرعيين وعليه ما عليهم سوى عدم ولايته وتجريح عدالته وتطبيق العقوبة عليه.
__________
(1) ـ السالمي : المشارق ج2 ص197. (1/190)
صفحة 191
بقي القول : إن الإباضية عندما يحرصون على نفي اسم "مؤمن" أو "مسلم" يقصدون بذلك تطبيق الأحكام الدنيوية عليه التابعة للمصطلحات الشرعية، من عدم ولايته، وتجريح عدالته، وتطبيق الحدود عليه أو تعزيره، لعل ذلك يردعه ويزجره، فيثوب إلى رشده ويرجع عن زلته.
أما الأحكام الأخروية فلا يقطع الإباضية على شخص بعينه بعذاب ولا نعيم، لأن الأحكام الأخروية أحكام غيبية لا دخل لهم فيها.
(الكفر .
قال محمد بن محبوب : ( إن من ظلم حبة فما فوقها متعمداً ثمّ أصرّ عليها كفر ) (1) وقال أيضاً : ( ... وأما من ركب الكبائر التي أوجب الله لأهلها النار وأوجب عليهم نكالاً في الدنيا فإنه يكفر بركوبه من حين ركبه، ويستتاب فإن تاب قبلت توبته وإن أصرّ كان عدواً لأن المسلمين قالوا إن كل من كانت له ولاية مع المسلمين فإن أحدث حدثاً مكفراً - كبيرة من الآثام - كان قد أكفره ما قد ركب، وسموه بالكفر، ومن ركب ما لم يلزمه اسم الكفر بركوبه إياه - صغيرة من الآثام - لم يسموه بالكفر حتى يصرّ، فإذا أصرّ فأبى التوبة كان الإصرار كفراً، فسموه بما ركب بالإصرار كافراً ) (2) .
مما سبق يتّضح أن كل من ركب كبيرة من الكبائر، أو أصرّ على صغيرة ورفض التوبة صار كافراً عند محمد بن محبوب فما هو الكفر ؟ وما أقسامه ؟
(معنى الكفر
لغة : الكفر : الستر والإخفاء (3) ، ومنه تسمية الزارع كافراً، كما في قوله تعالى : ( كمثل غيث أعجب الزراع نباته ) (4) ، ويأتي بمعنى الجحود، قال تعالى : ( وما يفعلوا من خير فلن يكفروه ) (5) .
اصطلاحاً : هو جميع ما أوجب الله عليه العقاب (6) .
__________
(1) ـ سيرته إلى أهل المغرب، ضمن ( السير والجوابات) ج 2 ص125.
(2) ـ المرجع السابق ص241.
(3) ـ ابن منظور : لسان العرب ج 5 ص417.
(4) ـ الحديد : 20 .
(5) ـ آل عمران : 15.
(6) ـ فرحات وعاشور : العقيدة "2" (وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، سلطنة عمان، ط1، 1419هـ - 1998م ) ص117. (1/191)
صفحة 192
كما أطلقت كلمة "الكفر" على الشرك تارة، وعلى النفاق أخرى، والكفر ضد الإيمان، والكفران جحود النعم (1) .
(أقسام الكفر :
يقسم الإباضية الكفر إلى نوعين : كفر شرك، وكفر نفاق
(أو كفر نعمة) (2)
1- كفر الشرك :
والشرك أيضاً نوعان (3) :
أ- جحود : والمراد به مطلق النفي سواءً كان نفياً للصانع ككفر من جحد وجحود الصانع المختار عز وجل، أو نفياً لوحدانيته ككفر من عبد مع الله غيره، أو نفياً لصفاته ككفر من وصف الله عز وجل بشيء من صفات غيره، أو أنكر شيئاً من كمالاته، أو أنكر شيئاً من أفعاله الثابته بالبرهان القاطع كبعث الرسل وإنزال الكتب، أو إنكار آية من قرآنه وكاستحلال ما حرمه الله أو تحريم ما أحلّه الله تعالى، قال محمد بن محبوب : (من جحد آية من كتاب الله فهو مشرك) (4) .
ب- مساواة : وذلك بجعل شريك لله تعالى في ذاته أو صفات أو أفعاله، والذي يجمع النوعين معاً : أن يجحد ما علم من الدين بالضرورة.
__________
(1) ـ الشماخي، ابن العباس أحمد بن سعيد: مقدمة التوحيد وشروحها، (صححها وعلق عليها: إبراهيم اطفيش، مسقط، سلطنة عمان) ص129.
(2) ـ انظر إلى : سيرة أبو أيوب (ضمن السير والجوابات) ج1 ص 57،56،49/محبوب بن الرحيل: رسالة محبوب إلى أهل عمان (ضمن السير والجوابات) ج1 ص293/منير: سيرة منير بن النير (ضمن السير والجوابات) ج1 ص229 ، رسالة أبي عبيدة وحاجب في الرد على المرجئة (ضمن مخطوطة السيد) ص56/الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن : كتاب مسائل نفوسه ص42 ـ 43.
(3) ـ انظر المصدر السابق في آخر توثيق، وانظر السالمي : المشارق ج2 ص312، وفرحات وعاشور : العقيدة "2" ص95.
(4) ـ الكندي : محمد بن ابراهيم : بيان الشرع، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، ط1، 1402هـ ـ 1982م ، ج1 ص266. (1/192)
صفحة 193
وهذا النوع من الكفر -كفر الشرك - هو خروج من الملة الإسلامية، حيث أن صاحبه أنكر ما علم من الدين بالضرورة مما نص عليه في الكتاب العزيز أو السنة أو أجمعت عليه الأمة إجماعاً قاطعاً .
2 - كفر النعمة :
هو الاجتراء على الله بترك ما فرض، كالصلاة والصوم والزكاة، أو ارتكاب ما حرم كالزنا والسرقة وشرب الخمر، من غير استحلال للفعل أو الترك (1) .
بمعنى ترك ما أوجبه الله تعالى مع الدينونة بوجوبه، أو ارتكاب ما حرمه الله مع الدينونة بتحريمه.
وهذا النوع من الكفر - كفر نعمة أو كفر نفاق- لا يخرج صاحبه من ملة الإسلام، إذ تبقى له جميع أحكام الإسلام في الدنيا ما عدا الولاية وتجريح العدالة، وتجوز مناكحته وتبقى وهذا هو من الفوارق بين الإباضية والخوارج، حيث إن الخوارج حكموا على مرتكب الكبيرة بالشرك فأخرجوه من الملة، بينما الإباضية لم يفعلوا هذا منذ نشأتهم وإلى وقتنا هذا، ولا فرق معهم بين من كان إباضياً أو غير إباضي، فكل من ركب كبيرة فهو كافرٌ نعمة ويطلقون عليه أحياناً كافر كفر نفاق.
و تجوز موارثته، ويدفن مع المسلمين ويصلّى عليه ومعه (2) .
وقد أورد الإمام الربيع في كتابه " العقيدة " ضمن مسند الإمام الربيع باباً بعنوان " باب الحجة على من لا يرى الصلاة على أهل القبلة، ولا يرى الصلاة خلف كل بار وفاجر " (3) وكان في هذا ردٌ على الأزارقة والخوارج، ومن هذه الأحاديث ما يأتي :
__________
(1) ـ الخليلي أحمد بن حمد: جواهر التفسير، مكتبة الاستقامة، سلطنة عمان، الطبعة الأولى 1409هـ ـ 1988م ج2 ص229.
(2) ـ أبو أيوب : سيرة أبو أيوب في صفة الإسلام (ضمن كتاب الشمس الشارقة) ص122ـ12/ سيرة محبوب إلى أهل حضرموت (ضمن السير والجوابات) ج1 ص318،314،312،306.
(3) ـ الربيع: العقيدة (ضمن مسند الربيع) ج3 ص297. (1/193)
صفحة 194
قال الربيع بن حبيب : سمعت جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : (الصلاة جائزة خلف كل بار وفاجر، وصلوا على كل بار وفاجر) (1)
وفي حديث آخر يرويه الربيع عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : (الصلاة على موتى أهل القبلة المقرين بالله ورسوله واليوم الآخر واجبة، فمن أنكرها فقد كفر) (2) .
وقد بيّن أبو حمزة الشاري موقف الإباضية من كافة أصناف الناس، فقال : " يا أهل المدينة : الناس منا ونحن منهم إلا مشركاً عابد وثن، أو كافراً من أهل الكتاب، أو إماماً جائراً " (3) .
(الكلام في العلم
العبودية لله تعالى هي الغاية من خلق الإنسان قال تعالى: (وما خلقت الجنّ والإنس إلا ليعبدون) (4) .
والتعبد لله عز وجل عند محمد بن محبوب (5) وغيره يحتاج إلى علم وتفقه في الدين، وقد قال وهو يعدد أنواع القربات إلى الله تعالى : (والعمل على البصائر) (6) ليؤكد بذلك على أن أي عمل يقوم به المسلم لا بدّ أن يكون موافقاً للشرع.
بل إن التعبد بدون علم مذموم ممقوت، حتى وصل بالإمام محمد بن محبوب إلى ازدراء المتنسكين المتعبدين التاركين للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (7) وأحياناً نجده يحذر إمام أهل حضرموت من أن يتخذ المتعبدين بغير علم بطانة له (8) .
__________
(1) ـ المرجع السابق حديث رقم 776 وقد رواه ابن حنبل ج1 ص36،24 ورواه البخاري في كتاب الصلاة 32.
(2) ـ الربيع : العقيدة (ضمن مسند الربيع) حديث رقم 777 ج3 ص297.
(3) ـ أبو حمزة : خطب حمزة (ضمن حياة عمان الفكرية) ص286.
(4) ـ الذاريات : 56.
(5) ـ انظر : سيرته إلى أبي زياد خلف بن عزرة، ضمن مخطوط (سير علماء الإباضية) ص221
(6) ـ محمد بن محبوب : سيرته إلى أهل المغرب، ضمن (السير والجوابات) ج2 ص224.
(7) ـ محمد بن محبوب : سيرته إلى أهل حضرموت، ضمن مخطوط (سير علماء الإباضية)
ص232،229.
(8) ـ المرجع السابق : 230. (1/194)
صفحة 195
ويذهب إلى أن الإنسان لا يعذر بالجهل في ارتكابه للمنكر حيث قال : ( ولم يعذر من أنكر المنكر بمنكر مثله، لأن كل راكب منكر بعلم أو جهل فهو من أهله ) (1) ، أي من أهل المنكر.
فما هو العلم ؟ وما منزلته في فكر الإباضية ؟
العلم : هو صفة يتجلى بها المعلوم على ما هو عليه، وقيل إدراك الشيء على حقيقته (2) .
فالعلم رأس كل فضيلة، والجهل رأس كل رذيلة، والعلم مطلب ديني وحضاري به يُعرف النافع من الضار، وبه ترقى الأفراد والمجتمعات، وبعدمه تتخلف وتنهار.
وطلب العلم فرض واجب على كل مكلف لنص الكتاب والسنة والإجماع : أما الكتاب فقول الله تعالى :( فسألوا أهل الذكر) (3) ، وآيات أخرى كثيرة تثبت وجوب طلب العلم، وأما السنة فقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : (طلب العلم فريضة على كل محتلم) وفي رواية (على كل مسلم) وأما الإجماع فلا أحد يخالف ما ذكر سابقاً.
ومن هذا المنطلق عدّ الإباضية (العلم) من قضايا العقيدة، فما يخلو مؤلف من مؤلفاتهم العقدية (4) ، إلا ويفرد للعلم موضعاً بين مفردات العقيدة.
(الكلام في التوحيد
__________
(1) ـ محمد بن محبوب : سيرته إلى أهل المغرب، ضمن (السير والجوابات) ج2 ص236.
(2) ـ السالمي : المشارق ج1 ص117.
(3) ـ النحل : 43.
(4) ـ الربيع : مسند الربيع ج1 ص29ـ35/ الأزكوي : جامع ابن جعفر ج1 ص45ـ64/ السالمي : المشارق ج1 ص115ـ269/ الكندي : المصنف، الجزء الأول بأكمله. (1/195)
صفحة 196
لفظ الجلالة وإفراده بالألوهية، ووصفه بصفات الكمال، وتنزيهه عن صفات النقص، وصدق العبودية والخضوع والاستكانة، والرجاء فيه، والخوف منه، من أكثر المعاني تكراراً ووضوحاً في آثار محمد بن محبوب، ودائماً يستهلُّ رسائله بالحمد والثناء على الله عز وجل، كقوله: (أحمد الله الذي لا إله إلا هو) (1) .
فما هو المراد بالله عز وجل ؟ وما المراد بتوحيده ؟
الله : عرّفه الإمام السالمي بقوله : علمٌ على الذات الواجب الوجود لذاته، المستحق لجميع المحامد (2) .
والله- تبارك وتعالى- أهل الحمد والمجد وأهل التقوى والمغفرة، لا نحصي عليه ثناء، ولا نبلغ حقه توقيراً وإجلالاً. ومهما كتبت وكتب غيري من جنس البشر فلن نصل في وصف الذات الإلهية بما وصف به نفسه وذكره في قرآنه.
" وإن البشر- منذ كتب لهم تاريخ، إلى أن تهمد لهم على الأرض حركة- إذا نسوا الله وكفروا به، ما خدش ذلك شيئاً من جلاله ولا نقص ذرة من سلطانه، ولا كفّ شعاعاً من ضيائه، ولا غض بريقاً من كبريائه، فهو – سبحانه- أغنى بحوله، وأعظم بذاته وصفاته وأوسع في ملكوته وجبروته من أن ينال منه وهم واهم أو جهل جاهل " (3) .
والإيمان بالله تعالى أصلٌ عليه مدار الإسلام وهو لبُّ القرآن وغايته الكبرى، وأصل تقوم عليه كل الفروع، وقاعدة تقف عليها كل فكرة وينبع منه كل إيمان وتشريع.
__________
(1) ـ محمد بن محبوب : سيرته إلى أبي زياد خلف بن عزرة، ضمن مخطوط (سير علماء الإباضية) ص221/ سيرته إلى إمام حضرموت، ضمن نفس المخطوط ص225/ سيرته إلى أهل المغرب، ضمن (السير والجوابات) ج2 ص223.
(2) ـ المشارق : ج1 ص58.
(3) ـ الغزالي : عقيدة المسلم ص16. (1/196)
صفحة 197
ومن أجل توحيد الله أرسل الرسل، وأنزلت الكتب، وجاهد النبيون والمرسلون وأتباعهم، وقد جاءت آيات كثيرة في القرآن تبين أن التوحيد هو الأصل الذي لا محيد عنه بل يهلك من خالفه واتبع هواه، { ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل } (1)
{ قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب } (2) ، { ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو فأنّى تصرفون } (3)
ومعرفة الإله مركوزةٌ في النفس بالفطرة { فطرة الله التي فطر الناس عليها } (4) وقضية الألوهية بدهيةٌ وثابتةٌ ومعظم مؤلفات الإباضية في القرون الأولى تنطلق من هذه القضية، وتتصدر بالتقديس والحمد والثناء على الله، وذكر شيء من صفاته.
ويظهر واضحاً في فكر الإباضية أنهم اتخذوا معياراً محدداً للتفريق بين الموحد والمشرك، وهذا المعيار يتلخص في ثلاث جمل هي :
1 ـ شهادة أن لا إله إلا الله.
2 ـ وشهادة أن محمداً رسول الله.
3 ـ وشهادة أن ما جاء به حق من عند الله.
قال تعالى : { فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا والله بما تعملون خبير } (5) .
قال محبوب بن الرحيل : " وإن جميع قولنا ممن يقر بشهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله، والإقرار بجميع ما جاء من الله، أنهم مقرون وأنهم بإقرارهم خارجون من الشرك، لأن الشرك لا يكون إلا إنكاراً وتكذيباً وجحوداً، والتوحيد إقرارٌ وتوحيد " (6) .
__________
(1) ـ الأنعام : 102.
(2) ـ الرعد : 30.
(3) ـ الزمر : 6.
(4) ـ الروم : 30.
(5) ـ التغابن : 8.
(6) ـ محبوب بن الرحيل : سيرة محبوب إلى أهل عمان (ضمن السير والجوابات) ج1 ص293. (1/197)
صفحة 198
ونفس العبارة وردت مع محمد بن محبوب في سيرته إلى أهل حضرموت(1) ، وعندما كان قاضياً بصحار يدخل المشركون في الإسلام فيقول لهم : (قل أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأشهد أن ما جاء به محمد من عند الله هو الحق المبين ) (2) .
هذا المعيار - الشهادات الثلاث- عبّر عنه الإباضية المتأخرون بمصطلح " الجملة " فعندما ترد كلمة "الجملة " في مؤلفات عقائد الإباضية (3) فإنما يقصد بها الشهادات الثلاث، وما دامت هذه الجملة معياراً بين الشرك والتوحيد (4)
__________
(1) ـ ضمن مخطوطة (سير علماء الإباضية) ص229.
(2) ـ البطاشي : أتحاف الأعيان ج1 ص252.
(3) ـ انظر مثلا : عمروس بن فتح : أصول الدينونة الصافية / الملشوطي (تبغورين بن عيسى): أصول الدين/ الجيطالي : قواعد الإسلام / أبو عمار عبد الكافي : الموجز / ابن جميع (أبو حفص) مقدمة التوحيد وشروحها / بكير سعيد أعوشت : دراسات إسلامية في الأصول الإباضية / الثميني : شرح القصيدة النونية / الجعبيري : البعد الحضاري للعقيدة الإباضية / السالمي : مشارق الأنوار.
(4) ـ قال عمروس بن فتح وهو من علماء الإباضية في القرن الثالث الهجري : " فأول ما نحن ذاكروه : الإقرار لله بالوحدانية وأنه لا يشبهه شيء من خلقه، وليس له شريك، وأن محمداً عبده ورسوله، والإقرار بما جاء به أنه الحق من الله، فمن أقرّ بهذا فقد خرج من الشرك، فهذه محنة الفصل بين التوحيد وجميع ملل الشرك الخمسة [ اليهود ـ النصارى ـ الصابئين ـ المجوس ـ الوثنية] وإلى هذه كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدعو المشركين، فمن استجاب له كان مسلماً، ثم ابتلاهم الله بعد ذلك بالفرائض ومحّصهم بها فقال عز وجل : ( الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون، ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا ) [العنكبوت 1ـ3] في عمل ما أقروا به وهم المؤمنون، ( وليعلمن الكاذبين ) أهل الخيانة والتضييع لعمل ما أقروا به، فسماهم الله منافقين، اسماً لم يسمّ به أحداً من ملل الشرك، فيهم كانت الحدود فهم مع المؤمنين، جرت بينهم الحقوق من المناكحة والموارثة، وأكل الذبائح، والمدافنة مع المسلمين... الخ. لا يبطل منهم بنفاقهم إلا ما أبطله القرآن، من تحريم الولاية والتسمية بالإيمان، وقد نفاه الله عنهم، وتسميتهم بالكفر والنفاق، وتحريم التسمية لهم بالشرك، ما لم يذكروا ما أقروا به من التوحيد، وإن كان الكفر يجمعهم" (انظر : عمروس: الدينونة الصافية ص59ـ60). (1/198)
صفحة 199
، فهي أول ما يجب اعتقاده على الإنسان وإذا وصل حدّ التكليف ولم يعتقد بها، أصبح من الهالكين والعياذ بالله.
وقد جاء التفسير بمصطلح " الجملة " عن الشهادات الثلاث، لاشتمالها على كليات الإيمان ومنهج الحياة.
(المراد بالتوحيد :
هو إفراد المعبود بالعبادة، والتصديق بوحدانية الخالق ذاتاً وصفاتٍ وأفعالاً، والإقرار بوجوب وجود موجد الموجودات، وهو الله الذي لا إله إلا هو، متعالٍ عن صفات المخلوقات فلا أول له ولا آخر، وهو شيء لا كالأشياء، لأن أوليته سابقة لكل شيء مخلوق، وآخريته باقية بعد فناء كل مخلوق، فسبق الله لابداية له، وبقاء الله لا نهاية له، فالأزلية لله وحده لأن ما سواه مخلوق والمخلوق موجود بعد عدم.
واعتباراً بهذه فلا يصح التوحيد إلا بإفراد الخالق عن المخلوق في " ذاته وأقواله وأفعاله وأحكامه وعبادته وصفاته وسائر كمالاته " (1).
" فهو الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له "
4- الكلام في مسألة كفواً أحد، وليس له شبيه ولا مثل ولا نظير ولا عدل ولا ند ولا ضد " (2) .
(خلق القرآن :
تعتبر مسألة خلق القرآن من مسائل الصفات الإلهية التابعة لمباحث التوحيد، وقد صرّح بذلك الإمام محمد بن محبوب نفسه حيث قال : ( والقرآن من أحكام التوحيد وفروعه ) (3) .
ويعدُّ محمد بن محبوب أول من اعتنق القول بخلق القرآن من إباضية المشرق وخالفه أصحابه من أهل المشرق لقرون طويلة، حتى التحم الرأي المشرقي مع الرأي المغربي باعتقاد خلق القرآن في قرابة القرن السادس الهجري.
__________
(1) ـ التلاتي، عمر رمضان: نخبة المتين من أصول تبغورين (ضمن كتاب تحت عنوان "كتب مختارة" مطبعة العربية، غرداية، الجزائر ) ص175.
(2) ـ محبوب بن الرحيل: سيرة محبوب إلى أهل عمان (ضمن السير والجوابات)ج1 ص294.
(3) ـ الكندي : بيان الشرع ج1 ص150. (1/199)
صفحة 200
ومسألة "خلق القرآن" من المسائل التي شغلت حيزاً كبيراً في الفكر الإسلامي، وكثر حولها الجدل الممزوج بالقتل والتكفير، حتى سمي علم العقائد بعلم الكلام لكثرة ما وقع من كلام حول هذه المسألة بالذات، لذا من الأهمية بمكان إعطاء صورة توضيحية مبسطة حول هذه المسألة.
تعريف الخلق: لغة : هو الإبداع على غير سبق مثال، وفي اصطلاح أصحاب الديانات هو إخراج الشيء من العدم على الوجود، وبهذا المفهوم هو فعلٌ من أفعال الله تعالى الخاصة به التي لا يجوز أن تصدر عن غيره(1) إلا مجازاً.
تعريف القرآن : هو الكلام المنزل بحروفه وكلماته على النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - المعجز بتراكيبه ومعانيه المنقول عنه بالتواتر القطعي (2) .
(التطور التاريخي للمسألة :
مضى الرعيل الأول من سلف الأمة إلى ربه قبل أن تسمع آذانهم الخبط واللبط في مسألة "خلق القرآن"، والتي أشعل نارها بعض الدخلاء في الأمة الإسلامية الذين تقمصوا الإسلام لحاجات في نفوسهم أرادوا قضاءها ، أهمها إذكاء نار الفتنة بين طوائف الأمة وتقسيمها إلى شيع وأحزاب ( كل حزب بما لديهم فرحون ) (3) ولعل على رأس هؤلاء أبا شاكر الديصاني (4) ، الذي قيل عنه إنه يهودي تظاهر بالإسلام كما كان من سلفه بولس اليهودي الذي مزق أتباع المسيح عليه السلام بما أججه بينهم من نار الخلاف.
__________
(1) ـ الخليلي، أحمد بن حمد، الحق الدامغ، مطابع النهضة، سلطنة عمان، الطبعة الأولى، 1409هـ 1989م ص99.
(2) ـ الخليلي : الحق الدامغ ص99.
(3) ـ المؤمنون : 53.
(4) ـ السالمي : التحفة ج1 ص156. (1/200)
صفحة 201
فانتشر الخلاف بين المسلمين منهم من يقول : القرآن قديم غير مخلوق ومنهم من يقول : القرآن مخلوق وبلغت المسألة أوجها في عصر المأمون الذي صبّ جامّ غضبه على كل من خالفه فقتل من قتل وعذب من عذّب، على رأسهم الإمام أحمد بن حنبل الذي صمد للعذاب وهو يردد أن القرآن غير مخلوق (1) .
وصلت القضية إلى أوساط الإباضية فتباينت آراؤهم في بداية الأمر، حتى التحم الرأي المشرقي مع الرأي المغربي في القرن السادس الهجري على القول بخلق القرآن (2) .
(موقف إباضية المغرب من مسألة خلق القرآن
اعتنق إباضية المغرب القول بأن القرآن مخلوق، ولم يحدث بينهم خلاف فيها، وأقدم وثيقة تعالج هذه المسألة هي رسالة ألفها الإمام الرستمي أبو اليقظان محمد بن أفلح (ت: 281هـ ) ناقش فيها المسألة بتفصيل مقدماً حججاً قوية لدعم عقيدة خلق القرآن (3) .
(موقف إباضية عمان من مسألة خلق القرآن
لما وصلت المسألة إلى عمان (اجتمع الأسياخ في منزل، منهم أبو زياد، وسعيد بن محرز، ومحمد بن هاشم، محمد بن محبوب، وغيرهم من الأشياخ، فتذاكروا في القرآن فقال محمد بن محبوب : أنا أقول إن القرآن مخلوق. فغضب محمد بن هاشم وقال : أنا أخرج من عمان ولا أقيم فيها. فظن محمد بن محبوب أنه يعرض به فقال : بل أنا أولى بالخروج من عمان، لأني فيها غريب.
__________
(1) ـ النشار: علي سامي: نشأة الفكر االفلسفي في الإسلام، دار المعارف، القاهرة، الطبعة التاسعة ج1 ص274.
(2) ـ الجعبيري : البعد الحضاري ص352.
(3) ـ البرادي، أبو القاسم ابن إبراهيم (ت: 697هـ) الجواهر المنتقاة، طبعة حجرية ورسالة أبو اليقظان تقع في ص182ـ200. (1/201)
صفحة 202
فخرج محمد بن هاشم من البيت وهو يقول : ليتني متُّ قبل هذا اليوم ثم تفرقوا، ثم اجتمعوا بعد ذلك فرجع ابن محبوب عن قوله. واجتمع مع قولهم : إن الله خالق كل شيء وما سوى الله مخلوق، وأن القرآن كلام الله ووحيه وكتابه وتنزيله على محمد النبي - صلى الله عليه وسلم - وأمروا الإمام مهنا بالشد على من يقول إن القرآن مخلوق ) (1) .
قال السالمي : ( وظاهره أن الأشياخ توقفوا عن إطلاق القول بخلق القرآن، وأمروا بالشد على من أطلق، وأدخلوه تحت معنى الآية من قوله تعالى: ( خالق كل سيء ) (2) فيستلزم أنه من جملة الأشياء المخلوقة، لكن لا يصرحون بذلك نطقاً ) (3) .
ولما رأى محمد بن محبوب أن أصحابه لا يوافقونه على التصريح بخلق القرآن، تركه خوفاً من الشقاق وحفظاً لوحدة الصف، ورجع إلى الإجمال الذي اتفقوا عليه فقال : ( القرآن كلام الله ووحيه ولا أقول مخلوقاً ولا غير مخلوق ) (4) .
ويرى الإمام السالمي أن عدم تصريح سلف أئمة الإباضية المشارقة بخلق القرآن وسائر الكتب المنزلة راجع إلى فرارهم من مقالة الجهمية بحدوث صفات الله تعالى الذاتية لخوفهم أن تكون المسألة مفرعة على هذا الاعتقاد، فتوقفوا عن إطلاق القول بخلق القرآن صراحاً، مع اعتقادهم الحق في حكمه بإدخاله في جملة المخلوقات اعتقاداً.
فهذا هو المعنى الذي لحظوه، ولم يكن مرادهم نفي حقيقة الخلق عن الكتب المنزلة، ولا أرادوا إثبات قديمٍ مع الله حاشاهم عن ذلك، وأن الذي لحظوه لمعنى دقيق لا يسقط على فهمه إلا من منحه الله تعالى من مواهبه(5) .
(أسباب الخلاف في مسألة خلق القرآن
__________
(1) ـ الكندي : بيان االشرع ج1 ص154/ السالمي: التحفة ج1 ص156.
(2) ـ سورة.....
(3) ـ السالمي : التحفة ج1 ص157.
(4) ـ الكندي : بيان الشرع ج1 ص150.
(5) ـ السالمي : التحفة ج1 ص157. (1/202)
صفحة 203
قال سماحة المفتي الشيخ أحمد بن حمد الخليلي في كتابه " الحق الدامغ " الذي وضع المقصل على المفصل حول هذه القضية: (... وقد استقريت أسباب اللبس في هذه المسألة، حتى اشتدّ نكير طائفة من المسلمين على من قال بخلق القرآن فوجدته يعود إلى أمرين اثنين :
أولهما : التباس القرآن المنزل في أفهامهم بالكلام النفسي الذي يراد به نفي الخرس.
ثانيهما : التباسه بعلم الله سبحانه وتعالى به، مع أن صفتي الكلام والعلم قديمتان (1) .
وتفصيل هذه الأسباب مع أدلة النافين والقائلين بالخلق ينظر إلى كتاب سماحة المفتي المذكور، فلا يكاد من شاردة وواردة إلا وأتى بها بشكل علمي وأسلوب هادئ.
(الكلام في القدر
( قال أبو عبدالله رحمه الله : يسمون أصحابنا المجبرة. يقولون : إنهم يقولون إن الله تعالى جبر العباد على المعصية وليس ذلك من قول أصحابنا، يقولون: إن الله تعالى خلق الطاعة والمعصية وأمر بالطاعة ونهى عن المعصية، وعلم من يعمل بالطاعة والمعصية فنفذ علم الله كما علم. وقول أصحابنا إن الله تعالى ما أجبر أحداً على طاعة ولا معصية وانه تعالى أمر بالطاعة وأحبها ورضيها وربها، فمن عمل بها فبعلم الله والله المانُّ عليه، وأنه تعالى نهى عن المعصية وأبغضها وكرهها وقبحها، فمن عمل بها فبعلم الله ولله الحجة عليه ) (2) .
هذه المسألة من مسائل الإيمان بالقضاء والقدر. فما معنى القضاء والقدر ؟ وما وجهة نظر أبي عبدالله وأصحابه فيه ؟
(معنى القضاء والقدر
لغة : القدر : من قدر يقدر ويقال القدر بفتح الدال أو بسكونها، ويجمع على أقدار، ويورد صاحب لسان العرب عن لفظة " القدر" ما لا يقل عن ثمانية عشر تفسيراً نذكر منها: قضى، حكم، التسوية، الضيق، التصوير، الأمر... الخ (3) وكلها تحوم حول قدرة الله المطلقة .
__________
(1) ـ الخليلي : الحق الدامغ ص108.
(2) ـ العوتبي : الضياء ج2 ص138،137.
(3) ـ ابن منظور : لسان العرب ج5 ص209. (1/203)
صفحة 204
القضاء : الحكم ويقال قضى يقضي قضاءً ولها أيضاً معاني لغوية كثيرة منها ك الخلق، الحكم، الأمر، الإخبار ... الخ (1) .
اصطلاحاً : القضاء : علم الله عز وجل في الأزل بالأشياء كلها على ما ستكون عليه في المستقبل (2) .
القدر : إيجاد تلك الأشياء بالفعل طبقاً لعلمه الأزلي المتعلق بها (3) ، بمعنى أن القضاء هو إيجاد الله الأشياء في اللوح المحفوظ دفعة واحدة، والقدر هو إيجاد المكونات في المواد (4) .
والمراد من الإيمان بالقضاء والقدر هو : التصديق بأن الباري عز وجل عالم بالمخلوقات جميعاً في الأزل، وجدت بإرادته ووفق علمه الأزلي. قال تعالى : { إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في إمام مبين } (5) ، وقال أيضاً: { وما يعزب عن ربك من مثقال ذرّة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتابٍ مبين } (6) ، فالله سبحانه وتعالى عالمٌ في الأزل بأن المرء يباشر الأسباب بإرادته واختياره المحض، ثم يجازيه على ما فعل.
وكونه عز وجل يعلم ما يفعله العبد في المستقبل لا يعني ذلك أن الله تعالى يجبره على ذلك الفعل، فليست هناك علاقة بين الإيمان بالقضاء والقدر، وبين الجبر والاختيار، لأن العلم كاشفٌ عما سيقع وغير مؤثر فيه، لذلك قيل : "صفة العلم" - علم الله - صفة كشف وليست صفة تأثير.
والعلم الإلهي يمتاز بأنه يكشف الحاضر والماضي السحيق والمستقبل البعيد، فيكشف الأشياء على ما كانت عليه وعلى ما ستكون عليه وهي كائنة سواء بسواء.
__________
(1) ـ المرجع السابق ص278.
(2) ـ البوطي: كبرى اليقينيات ص160 / حبنكة : العقيدة الإسلامية ص626 / الكندي وعاشور : العقيدة "1" ص179.
(3) ـ المراجع السابقة.
(4) ـ الكندي وعاشور : العقيد "1" ص179.
(5) ـ يس : 12.
(6) ـ يونس : 61. (1/204)
صفحة 205
ومن هنا وجب الإيمان بأن لله وحده صفات العلم الواسع والإرادة الشاملة والقدرة الكاملة، وأنه ـ سبحانه ـ فعالٌ لما يفعل وعلى هذا قامت عقيدة القضاء والقدر.
وهكذا تلحظ أن أبا عبدالله محمد بن محبوب وأصحابه اتخذوا موقفاً وسطاً بين الجبر (1) والخلق (2)
__________
(1) ـ قال الشهرستاني : "الجبر هو نفي الفعل حقيقة عن العبد وإضافته إلى الرب تعالى والجبرية أصناف : فالجبرية الخالصة: هي التي لا تثبت للعبد فعلاً ولا قدرة على الفعل أصلاً، والجبرية المتوسطة: هي التي تثبت للعبد قدرة غير مؤثرة أصلا، فأما من أثبت للقدرة الحادثة أثراً ما في الفعل، وسمي ذلك كسباً، فليس بجبري " انظر كتابه: الملل والنحل ص85.
وينسب الجبر إلى الجعد بن درهم وجهم بن صفوان ومضمون قولهم: إن الإنسان مجبور في أفعاله، وهو كريشة معلقة في الهواء، تحركها الأقدار كيف شاءت، أي أن مذهبهم يقوم على نفي الفعل حقيقة عن العبد وإضافته إلى لله تعالى، وتنسب الأفعال إلى الإنسان مجازاً، كما تنسب إلى الجمادات، مثلما يقال: أثمرت الشجرة، أو جرى الماء... الخ.
انظر الشهرستاني: الملل والنحل ص86 / البغدادي: الفرق بين الفرق ص199 / قحطان الدوري: أصول الدين ص165 / النشار، علي سامي: نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام (دار المعارف، القاهرة، ط8، 1401هـ - 1081م ج1 ص343.
(2) - ينسب نفي خلق الله أفعال العباد، وان الإنسان حرٌّ في خلق أفعاله، إلى غيلان الدمشقي، ومعبد الجهني، الذين ينسب إليهما مذهب القدرية. الغرابي، علي مصطفى: تاريخ الفرق الإسلامية ونشأة الكلام عند المسلمين،مكتبة الأنجلو المصرية، ط2، 1405هـ - 1985م ص21.
ومما يميز بين القدرية والمعتزلة أن المعتزلة يجمعون على أن الله عالم أزلا بأفعال خلقه، فلم يزل عالماً بمن سيؤمن وبمن سيكفر، بينما يرى القدرية أن الله لا يعلم أفعال العباد إلا بعد وقوعها. انظر: قحطان: أصول الدين الإسلامي ص166. (1/205)
صفحة 206
، فلم يكن الإنسان مجبراً على المعصية فيكون الله تعالى ظالماً لعباده، ولم يكن الإنسان خالقاً فيشارك الله عز وجل في أخص صفاته.
وعلى كل حال فهم يرون أن قدرة العبد وإن لم تكن خالقة فهي كاسبة، لأن الكسب نتيجة لتوجيه العبد إرادته شطر العمل، فإذا أراد العبد عمل الخير خلق الله فيه القدرة على عمله واستحق الثواب بكسبه إياه، وإذا أراد العبد الشر خلق الله فيه القدرة عليه واستحق العقاب بكسبه، فأفعال العباد الاختيارية تتعلق بها قدرتان أو جهتان: قدرة الله تعالى على الإيجاد، وقدرة العبد وفق إرادته تعالى على الكسب.
(جهل مسألة القدر
( قال أبو عبدالله : القدر مما يسع جهله حتى يركب الجاهل به شيئاً مما يوجب على من ارتكبه الكفر ) (1) .
إذاً مسألة القدر من المسائل التي يسع جهلها حتى يرتكب الجاهل بها شيئاً مما يوجب عليه الكفر كأن يعتقد أن الإنسان هو الذي يخلق أفعاله على جهة الحقيقة، فمن اعتقد ذلك فقد كفر، لأن الله عز وجل هو الخالق الحقيقي للأفعال، وما دور الإنسان إلا اكتسابها باختياره وعلى ضوء هذا الاختيار يثاب المرء أو يعاقب.
( الكلام في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
الأمر بالمعروف له تعريفات كثيرة منها : الأمر باتباع محمد - صلى الله عليه وسلم - ودينه الذي جاء به من عند ربه (2) .
النهي عن المنكر له تعريفات كثيرة منها: طلب الكف عن فعل أو قول ما، ليس فيه رضى الله تعالى (3) .
__________
(1) ـ العوتبي : الضياء ج2 ص138.
(2) ـ الربخي، صالح بن سليم: إغاثة الملهوف بالسيف المذكر في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (تأليف الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي) دراسة وتحقيق رسالة ماجستير، جامعة آل البيت، كلية الدراسات الفقهية والقانونية، الأردن 28/4/1998م ص76.
(3) ـ المرجع السابق ص77. (1/206)
صفحة 207
وقضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تعدُّ الهم الأول الذي شغل بال إمامنا محمد بن محبوب، فمع كل لفظة لسان، أو إطرافة فكر، أو مدة قلم تلحظ منه ذلك بكل وضوح.
وقد سخر حياته كلها لهذا الأمر، وكيف لا كون كذلك وهو القائل مخاطباً أهل حضرموت ( اشتروا من الله أنفسكم بها وأميتوها لحياتها ولا تتأولوا تأويل المبطلين وتحريف الضالين الذين زعموا أن تأويل قول الله تعالى { يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم } (1) فقد بلغنا أن أبا بكر الصديق - رضي الله عنه- ذكر هذه الآية على المنبر فقال : يا أيها الناس لا تأولوا هذه الآية على غير تأويلها فتضلوا فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول عن هذه الآية ما ترك القوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا أعمهم الله بعقاب، وفي حديث آخر إذا ترك الناس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سلط الله عليهم شرارهم ثم يدعوا خيارهم فلا يستجاب لهم، وقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه-لأن أسمع بنار وقعت في هذا المسجد فأحرقت ما أحرقت أيسر عليّ من أن أسمع ببدعة لا مغيّر لها، وسمعنا في تفسير هذه الآية : لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الهدى فمن أخذ بهذا الهدى لم يضره من ضل عنه صدق الله هذا هو الحق المبين ) (2) .
وقال في موضع آخر : ( يا معشر المسلمين من أهل حضرموت ويا أهل المعروف والنهي عن المنكر بايعتم إمامكم وأعطيتموه عهدكم وميثاقكم على السمع والطاعة ما أطاع الله ورسوله وانتم تقرون أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضتان وتقرون أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالقلوب والأيدي والألسنة، وميت الأحياء هو الذي لم ينكر المنكر بقلبه ولا بيده ولا بلسانه ) (3) .
__________
(1) ـ المائدة : 105.
(2) ـ سيرته إلى إمام حضرموت ص232.
(3) ـ المرجع السابق ص227. (1/207)
صفحة 208
ويشدد ابن محبوب على الآمرين بالمعروف والتاركين له فيقول :
( بلغني أن أبا ذر ـ رحمه الله ـ كان يقول : لعن الله الآمرين بالمعروف التاركين له، ولعن الله الناهين عن المنكر الراكبين له ) (1) ، ومصداق ذلك قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون } (2) .
وعموماً تظهر أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من خلال واقعيته التطبيقية والعملية تنفيذاً للنص القرآني : { ولتكن منكم أمةٌ يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون } (3) .
وتنفيذاً للحديث : ( من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه ) (4) .
ومن هنا أصبح هذا الأصل- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- فرضاً عملياً لا يتصل فقط بالبحث النظري المجرد، ويكفي في تطبيقه مجرد القول أو الاعتقاد، بل لا بد من تحقيقه عملياً بالنضال الدائم في سبيل الله وإقامة أحكامه.
وإذا لم يدرج أصل الأمر المعروف والنهي عن المنكر من بين أصول العقيدة كمبحث نظري عند الإباضية، فإنما تفسير ذلك انسجاماً مع واقعيته العملية المتغيرة حسب الظروف الزمانية والمكانية.
ولهذا توصلوا- الإباضية -إلى إدراج مجموعة من الأصول تضمن استمراريته كأصل عملي أخلاقي اجتماعي.
__________
(1) ـ المرجع السابق ص228 .
(2) ـ الصف : 3،2.
(3) ـ آل عمران : 104.
(4) ـ مسلم: ك (1) ب (20) ح (49) ج1 ص69 / أبو داود: ك (2) ب (249) ح (1140) ج1 ص424 / الترمذي: ك (34) ب (11) ح (2179) ج4 ص71 / النسائي: ك (47) ب (17) ح (5024) ج8 ص486 / ابن ماجه: ك (5) ب (155) ح (1275) ج1 ص404. (1/208)
صفحة 209
وهذه الأصول [ الدعوة - الإمامة (1) - التقية - الولاية والبراءة ] كلها مباحث نظرية وعملية تضم إلى أصول العقيدة عند الإباضية، وهذه الأصول الأربعة بمثابة الشرايين التي تمد أصل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالحياة، وهي أيضاً أصول ثابتة، ولكنها مرنة في أساليبها، والمسلم قادرٌ على أن يتكيف بها مع مختلف الظروف.
(الكلام في التقية
قال محمد بن محبوب : ( من قدر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فضيعهما فقد ضيّع أمر الله إلا أن يخاف على نفسه، فإن التقية تسعه ) (2) .
وقال أيضاً : ( وإنما تجوز التقية في القول لا في العمل، وكذلك جاء في الأثر عن أشياخ المسلمين أنه لا يجوز لمسلم أن يعصي الله بركوب ما حرم الله عليه للتقية، ولا يضيع ما أوجب الله عليه للتقية إلا أن يحال بينه وبين الفرائض مثل الصلاة، فإنه يصليها بما أمكن له من الصلاة ولو بتكبير خمس تكبيرات إذا أحيل بينه وبينها ) (3) .
فما هي التقية ؟ وما موقعها في الفكر الإباضي ؟
__________
(1) ـ الإمامة والفكر السياسي بشكل عام من القضايا التي كثر التأليف فيها عند الإباضية في القرون الأولى ورسالة محمد بن محبوب إلى إمام حضرموت معظمها في هذا السياق، والقيام بتحليلها يخرجنا من علم الكلام إلى السياسة الشرعية التي تصنف ضمن مباحث الفقه لذلك تركنا تفصيلها.
والذي يجدر الإشارة إليه أن الإمام محمد بن محبوب يكرر كثيراً بأن الاستعانة بأموال الصدقة من أجل إقامة حدود الله أولى من إعطائها للفقراء، ومن أقواله : (فإن إقامة دين الله يوماً واحداً أفضل من إنفاق ملء الأرض ذهباً صدقة على الفقراء) سيرته إلى إمام حضرموت ص230، وقال أيضاً : (وإقامة الدولة وإحياء الدين أقرب إلى الله من إعطاء المساكين) سيرته إلى إمام حضرموت ص233.
(2) ـ سيرته إلى أهل المغرب، ضمن (السير والجوابات) ج2 ص243.
(3) ـ المرجع السابق ص240. (1/209)
صفحة 210
(مفهوم التقية : هي اسم للفعل الذي يُبقى به على النفس، سواء كان قولاً أو غير قول وهو مستكره عليه (1) .
وحدُّ الإكراه أن يهدد قادرٌ على الإكراه بعاجل من أنواع العقوبات، يؤثر العاقل لأجله الإقدام على ما أكره عليه، وقد غلب على ظنه أنه يفعل به ما هدده به إن امتنع مما أكرهه عليه، وعجز عن الهرب والمقاومة والاستغاثة أو نحو ذلك من أنواع الدفع (2) .
(موقف الإباضية من التقية
أجاز علماء الإباضية (3) التقية في الأقوال، وغير جائزة في الأفعال، بشرط ألا تجر ضرراً بإنسان أو تتلف مالاً للغير (4) .
ويستخدم الإباضية التقية عندما يكونون تحت حكم الجبابرة، فيظهرون الولاء تقية في الأقوال والمداراة وما شابه ذلك ويستدلون على ذلك بالقرآن والسنة.
__________
(1) ـ السالمي : المشارق ج2 ص399.
(2) ـ المرجع السابق : نفس الصفحة.
(3) ـ منير: سيرة منير الجعلاني إلى الإمام غسان (ضمن السير والجوابات) ج2 ص232 / عبد الوهاب: كتاب مسائل نفوسه ص58 / أبو أيوب : سيرة أبي أيوب الحضرمي (ضمن السير والجوابات) ج2 ص53،49 / سالم بن ذكوان: سيرة سالم بن ذكوان (ضمن منهج الدعوة) ص385،367 / الدرجيني: طبقات ج2 ص216 ، وقال الإمام السالمي في( المشارق) ج2 ص403.في حكم التقية :
أجز تقية بقول إن خلص من نيل ضر من به القول يخص
وامنعها في إتلاف نفس إن جنى والخلف في تلاف مال ضمنا
(4) ـ السالمي : المشارق ج2 ص403 / الكندي: بيان الشرع ج6 ص119 / الكدمي، أبو سعيد بن محمد : المعتبر (وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، ط1، 1405هـ ـ1984م) ج1 ص212. (1/210)
صفحة 211
فمن القرآن ما جاء على لسان ابن ذكوان حيث قال: "مكث مؤمن آل فرعون ما شاء الله أن يمكث كاتماً إيمانه، فلم يرده الله عليه بكتمانه إياه، وقد قال الله : { لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة } (1) ، فحرض الله المؤمنين في التقية، وكيف يتقي المؤمنون الكفار إلا بأن يظهروا لهم ما يحبون ويكتمون دينهم " (2) .
ومن السنة ما ينقله الربيع بن حبيب عن الإمام جابر بن زيد قال وسئل عبد الله بن عباس عن التقية فقال : النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( رفع الله عن أمتي الخطأ والنسيان وما لم يستطيعوا وما أكرهوا عليه ) (3) كما ينقل الربيع أيضاً قولاً لجابر بن زيد يقول فيه: قال ابن مسعود: " ما من كلمة تدفع عني ضرب سوطين إلا وتكلمت بها " (4) .
__________
(1) ـ آل عمران : 28.
(2) ـ سيرة ابن ذكوان (ضمن مسند الربيع) ص367.
(3) - الربيع : عقيدة (ضمن مسند الربيع) ج3 ص301 ، وقد ورد هذا الحديث عن ابن عباس في أكثر كتب الحديث وبطرق مختلفة منها (إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) وأخرى (تجاوز الله عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) انظر: الحنبلي (ابن رجب): جامع ص35 / ابن ماجه: سنن ج1 ص659 / البيهقي، أحمد بن الحسين: السنن الكبرى (تحقيق: عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1414هـ - 1994م ج7 ص356 / الدارقطني (علي): سنن ج4 ص171.
(4) - الربيع : العقيدة (ضمن مسند الربيع) ج3 ص301. (1/211)
صفحة 212
وقد اتخذ الإمام جابر بن زيد التقية في مرحلة الكتمان كوسيلة دفاعية، تحميه وجماعته من بطش السلطة، وأعوانها، وهو ما تجلى واضحاً في رفضه تولي منصب القضاء للحجاج بن يوسف حين عرضه عليه، حيث تخلص من هذا العرض بلباقة وذكاء (التقية) قائلاً له : " إني أضعف من ذلك فقال الحجاج: وما مبلغ ضعفك ؟ قال : يقع بين المرأة وخادمها شر فلا أحسن أن أصلح بينهما، قال : هذا لهو الضعف " (1) .
وقد طبقت الإباضية من بعد الإمام جابر بن زيد مبدأ التقية، وقام علماؤها بتأصيله، وتبين أحكامه.
ولم تكن الإباضية هي الوحيدة التي استخدمت التقية، بل قالت به المذاهب الإسلامية الأخرى (2) .
وتطلق عليه مصطلح ( الإكراه ) (3) .
أما الشيعة الإمامية فتعتبر ( التقية ) من المباحث العقدية المهمة لديها (4) .
وخلاصة القول : إن استخدام الإباضية لا يعني أنهم يتصفون بالجبن،بل إنهم حيث ينشب القتال ويشتركون فيه، كانوا يظهرون من الجرأة ما لا يقل عما كانت تفعله الحركات الأخرى التي لا تعمل بالتقية ، كالأزارقة (5) .
__________
(1) - الدرجيني: الطبقات ج2 ص211 / الشماخي أحمد بن سعيد ( ت:928هـ): السير تحقيق: أحمد بن سعود السيابي، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، الطبعة الثانية ج1 ص70.
(2) - قال الحسن البصري: ط التقية جائزة للمؤمنين إلى يوم القيامة " انظر: الرازي: التفسير ج8 ص12 / القرطبي : الجامع ج5 ص197. ومن أشهر العلماء الذين استخدموا مبدأ ( التقية ) إمام الجرح والتعديل يحيى بن معين والقواريري، وسجاده فيما سمي بـ (محنة خلق القرآن). ويعلق الطبري بقوله : " قالوها تقية" انظر: الطبري: تاريخ ج5 ص188ـ194.
(3) ـ ابن عابدين: حاشية رد المحتار ج6 ص128 / ابن جزم: المحلى ج9 ص258 / ابن حجر: فتح الباري ج12 ص311.
(4) ـ الكليني: الكافي ج2 ص219ـ224 / الموسوي: الشيعة ص15ـ34.
(5) ـ فلها وزن: الخوارج والشيعة (ترجمة: د.عبد الرحمن بدوي، وكالة المطبوعات، الكويت)ص68. (1/212)
صفحة 213
وهكذا يتضح قدرة المذهب الإباضية على حمل هم الدعوة وتغيير المنكر تحت أي ظرف دون الذوبان في لمجتمع المنحرف ودون التطرف والإرهاب.
(الكلام في الولاية والبراءة
قال محمد بن محبوب : ( جاء الأثر عن أئمة المسلمين أن الناس ثلاثة : معروف تثبت ولايته، ومعروف تثبت عداوته، ومن لا يعرف فذلك ممسك عنه حتى يعلم منه ما يستحق أحد الحالين ) (1) ، و ( إن المسلمين قالوا في سيرهم إن من دينهم ولاية أهل طاعة الله على طاعتهم، وعداوة أهل معصية الله على معصيتهم ) (2) .
ويقول موضحاً في مكان آخر: الحب والبغض عملان، فالحب لله ولاية أهل طاعة الله على استكمال طاعته، والحفظ لغيبتهم بما حفظ الله، والعون لهم على البر والتقوى كما أمر الله فرض واجب، والفراق لأهل معصية الله على معصية الله والعداوة لهم فرض واجب ) (3) .
وقضية الولاية والبراءة تتكرر كثيراً في آثار محمد بن محبوب فما هي الولاية والبراءة ؟ وما أصلها في الفكر الإباضي ؟
( أصل الولاية والبراءة عند الإباضية
تعدُّ قضية الولاية للمطيعين والبراءة من العاصين أصلاً من أصول الدين عند الإباضية ومبحثاً من مباحث العقيدة، وقد التقت أئمة الإباضية ومشايخها منذ البداية على أهمية هذا الاعتقاد، وضرورة استخدامه في سبيل تطوير حركتهم ونشر دعوتهم، وهذا الاعتقاد كان من أهم العوامل التي ساعدت على الحفاظ على وحدة الجماعة الإباضية وتماسكها عبر العصور.
__________
(1) ـ سيرته إلى أهل المغرب، ضمن (السير والجوابات) ج2 ص258.
(2) ـ المرجع السابق ص229.
(3) ـ الأزكوي: الجامع لابن جعفر ج1 ص181. (1/213)
صفحة 214
بدأت الحركة الإباضية سرية، واتخذت من البصرة مقراً لها، وكان ذلك خلال النصف الثاني من القرن الأول الهجري والنصف الأول من القرن الثاني الهجري حيث كانت زمام الأمور بيد الدولة الأموية وكان ولاتهم في العراق (1) يشتدون في ملاحقة أتباع الفرق الإسلامية المناوئة للحكم الأموي، فرأي الإباضية أن يسيروا بدعوتهم بحذر شديد متجنبين المعارضة المسلحة ضد الحكم القائم، وفي الوقت نفسه أوجدوا الوسائل الكفيلة لنشر دعوتهم في الأمصار الإسلامية فاستعملوا التقية الدينية وأوجدوا تنظيماً سرياً دقيقاً - كان الولاية والبراءة أحد عناصره (2) - ساعد في نجاح الحركة وتحقيق أهدافها (3) .
وقد أصبحت هذه الدعوة قاعدة هامة ومارسها الإباضية في كل زمان ومكان، بحيث لا يقبل في الجماعة الإباضية أحد إلا بعد أن يعلن أنه ولي وليهم وعدو عدوهم (4) .
__________
(1) ـ مثل : زياد بن أبيه، وابنه عبيد الله والحجاج بن يوسف الثقفي.
(2) ـ ليس المراد بالولاية والبراءة مجرد وسيلة لتحقيق أهداف الحركة بل هما أصل من أصول العقيدة عند الإباضية كما أشرنا من قبل وهذه العقيدة ساعدت على نجاح الحركة.
(3) ـ حول التنظيم السري الإباضي في القرنين الأول والثاني الهجريين، انظر: عدون: الفكر السياسي ص148 وما بعدها / خليفات: التنظيمات السياسية، الكتاب كله.
(4) ـ الجيطالي : قواعد الإسلام ج1 ص55. (1/214)
صفحة 215
وعلى كل حالٍ فإن مبدأ الولاية والبراءة يعتبر فرضاً دينياً واجباً، على كل إباضي أن يتقيد بأحكامه وشروطه، طبقاً للقواعد التي وضعها وطبقها مشايخ الإباضية الأوائل (1) ، وقد قام علماء الإباضية ومفكروهم بتدوين هذه القواعد والأحكام، وألفوا الكتب التي تبحث في هذا الموضوع، بحيث أصبح للإباضية بعد عقائدي- خاصة في هذا الشأن - لا نجد مثيلاً عند أتباع الفرق الإسلامية الأخرى (2) .
(منازل الناس من الولاية والبراءة
قسمت الإباضية الناس باعتبار التزامهم بالشرع إلى ثلاثة أصناف (3) : معروفون بالصلاح، وهم أصحاب الولاية ومعروفون بالفساد أو التقصير في الواجبات وهؤلاء أصحاب براءة، وغير معروفين لا بصلاح ولا بفساد فيقف المرء عنهم، لا يضعهم في ولاية ولا في براءة حتى يتبين أمرهم، فإن عرف منهم صلاح أصبحوا في ولاية، وإن عرف منهم عصيان أصبحوا في براءة.
إذن جميع الناس إما أن يكونوا في ولاية أو في براءة أو في وقوف، وتفصيل هذا فيما يلي :
__________
(1) ـ مشايخ الإباضية الأوائل هم : 1ـ جابر بن زيد 2ـ أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة 3ـ الربيع بن حبيب.
(2) ـ خليفات: دراسات في النظم والعقائد الإباضية (مجلة المؤرخ العربي) ص205ـ 206 بتصرف.
(3) ـ أبو أيوب: سيرة أبي أيوب (ضمن السير والجوابات) ج1 ص58 / ابن ذكوان: سيرة بن ذكوان (ضمن كتاب منهج الدعوة ص380 / عبد الوهاب: كتاب مسائل نفوسه ص37 / منير: سيرة منير الجعلاني إلى الإمام غسان (ضمن السير والجوابات) ج1 ص232 / ابن إباض: رسالة ابن إباض إلى عبد الملك بن مروان(ضمن منهج الدعوة) ص335 / محمد بن محبوب: سيرته إلى أهل المغرب، ضمن (السير والجوابات) ج2 ص258. (1/215)
صفحة 216
1- الولاية : ومعناها لغة : القرب مأخوذة من ولاية أمر اليتيم، وهو القيام بأمره والاهتمام بمصالحه، وهو معنى ولاية الله لأوليائه، وذلك معنى قوله تعالى: { الله ولي الذين آمنوا } (1) ، أي ناصرهم ومتولي أمورهم وحافظهم (2) .
اصطلاحاً : الحب بالجنان، والثناء باللسان، والنصرة والإعانة بالجوارح عند المقدرة (3) .
وبمعنى آخر الولاية تعني المحبة والمودة والمؤاخاة والمصافاة والمناصرة والثناء ووجوب الترحم والاستغفار للمؤمنين، وتجمع هذه المعاني كلها عبارة الحب في الله.
2- البراءة : ومعناها لغة : البراءة: الخلاص من الشيء أو التحرر منه (4) ، وبريء : إذا تخلص، كذلك إذا تنزه وتباعد (5) . ومنه قولهم: اللهم أبرأ إليك من الحول والقوة، وهو بريء مما قذف به، وقد بارأت شريكي: فاصلته، وأبرأت الرجل: جعلته بريئاً من حق لي عليه (6) .
وتكرر لفظ " براءة " في آيات كثيرة، منها قوله تعالى: { فلما تبين له أنه عدوٌ لله تبرأ منه أن إبراهيم لأواه حليم } (7) ، وقوله : { فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون } (8) .
ومما تقدم يتبين أن معاني البراءة في اللغة تدور حول الخلاص والتباعد.
واصطلاحاً : للبراءة تعاريف عديدة منها :
1 - الميل بالقلب والجوارح عن عاص لعصيانه (9) .
__________
(1) ـ البقرة : 259.
(2) ـ ابن منظور: لسان العرب ج6 ص490 / الجيطالي: قواعد الإسلام ج1 ص45.
(3) ـ السالمي: بهجة الأنوار ص126 / الجعبيري وعاشور: العقيدة "2" ص165 / الجيطالي: قواعد الإسلام ج1 ص45.
(4) ـ الشتناوي : دائرة المعارف الإسلامية ج3 ص481.
(5) ـ ابن منظور : لسان العرب ج1ص72.
(6) ـ الزمخشري، جار الله أبو القاسم: أساس البلاغة (دار النفائس، بيروت،ط1 1412هـ ـ1992م) ص34.
(7) ـ التوبة : 114.
(8) ـ الشعراء : 216.
(9) ـ أبو حفص : مقدمة التوحيد ص106. (1/216)
صفحة 217
2- التبرؤ من الفعل المكفر ومفارقة أهله عليه والتخطئة لهم والإنكار عليهم، والكراهية لهم وترك الرضا بفعلهم (1) .
3 - البغض بالقلب والشتم باللسان والردع بالجوارح (2) .
من التعاريف السابقة يمكن استنتاج الملاحظات الآتية :
أ - البراءة عقوبة على الخروج عن طاعة الله تعالى.
ب- البراءة عبارة عن تغيير للمنكر بثلاث طرق مجتمعة أو مفرقة : باليد واللسان والقلب.
ج- البراءة عبارة عن عملية مفارقة بسبب العصيان، وبالتالي يمكن أن تحسب تنظيراً وتقعيداً لعقوبة الهجر (3) .
3- الوقوف : ومعناه: الإمساك عن إمضاء حكم، بحق ولاية شخص، أو مجموعة أو البراءة منهم، لعدم توافر الأدلة والمعلومات اليقينية التي توجب الولاية أو البراءة. ويرى الإباضية تبعاً لذلك أن الناس ثلاثة فرقاء: فريق عُلم منه الخير، وهو الموافقة في الدين والعمل، وهذا هو الولي المستحق للولاية، وفريق عُلم منه الشر، وهو المخالفة في الدين بالقول والعمل، وهذا هو المخلوع المستحق للبراءة والعداوة، وفريق ثالث لم يُعلم منه شر ولا خير وهو الموقوف عنه حتى يثبت عليه ما يوجب الولاية أو البراءة (4) .
قال أبو أيوب : ".... ومن لم يعرفوه موافقاً لهم ولا مخالفاً كفُّوا عنه، لا يبرؤون ولا يتولون حتى يعرفوه " (5) .
(حكم الولاية والبراءة
__________
(1) ـ الرستاقي : منهج الطالبين ج2 ص3.
(2) ـ السالمي : بهجة الأنوار ص126.
(3) ـ جاء في صحيح البخاري باب بعنوان: "ما يجوز من الهجر لمن عصى" قال ابن حجر : السبب المسوغ للهجر هو أنه صدرت منه معصية، فيسوغ لمن اطلع عليها هجره عليها ليكف عنها
(فتح الباري) ج12 ص122-123.
(4) ـ محبوب بن الرحيل: سيرة محبوب إلى أهل عمان (ضمن السير والجوابات) ج1 ص286 / الجيطالي : قواعد الإسلام ج1 ص96.
(5) ـ أبو أيوب: سيرة أبي أيوب في صفة الإسلام (ضمن الشمس الشارقة) ص136. (1/217)
صفحة 218
أجمعت الأمة الإسلامية بمختلف مذاهبها على وجوب الولاية للمؤمنين ووجوب البراءة من الكفار والمشركين (1).
أما البراءة من مرتكب الكبيرة لم يظهر عند المذاهب الإسلامية كما هو الحال عند الإباضية (2)
__________
(1) ـ الوارجلاني: الدليل والبرهان ج2 ص161 / ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم: الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان (دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1402هـ ـ1982م) ص5 / محمد بن عبد الوهاب: عقيدة الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة (تحقيق: زهير الشاويش، المكتب الإسلامي، بيروت، ط5، 1414هـ ـ1993م) ص9 / المنذري: نهج الحقائق ص347 / السعدي: قاموس الشريعة ج5 ص13.
(2) ـ البراءة من مرتكب الكبيرة قالت به أيضاً فرق الخوارج، لكن لم أعثر على تنظير لهذه المسألة عندهم إلا إشارات بسيطة من كتب الفرق والمقالات، وما لم تكن من مؤلفاتهم تبقى محل نظر، فيصعب التعويل عليها، انظر الشهرستاني: الملل والنحل ص37 / الأشعري: مقالات الإسلاميين ج1 ص177،169.
ومنهج المعاداة من مرتكب الكبيرة المتبع عند الزيدية يشبه تقريباً منهج البراءة المتبع عند الإباضية، مع بعض الفوارق البسيطة، من هذه الفوارق ما يأتي :
أ ـ تستعمل الزيدية (الموالاة والمعاداة) في حين تستعمل الإباضية (الولاية والبراءة).
ب ـ تورد الزيدية مبحث المعاداة في كتب الفقه أكثر من إيرادها في كتب العقائد. أما الإباضية فيرون أن مبحث (الولاية والبراءة) أصل من أصول العقيدة لذلك نجدهم يوردون هذا الأصل في كتب العقائد.
ج ـ لم أعثر في كتب الزيدية التي اطلعت عليها على منهج تطبيقي ممارس للمعاداة والموالاة إلا إشارات قليلة إذا ما قورنت بما ألفه الإباضية في الولاية والبراءة حيث إن لهم في ذلك المدونات الكثيرة، ولهم مدارس ومنظمات تربوية لا زالت تطبق فيه عقوبة البراءة من مرتكب الكبيرة خاصة عند إباضية المغرب العربي في نظام يدعى بـ ( نظام العزابة)، انظر: ابن حمزة، يحيى بن حمزة بن علي: التحقيق في تقرير أدلة التكفير والتفسيق (مخطوط، دار الوثائق والمخطوطات بوزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، الرقم العام: 271 ، الرقم الخاص 422 ب) ص51و199ز202 / أبو عبدالله الأمير: الينابيع الصحيحة ص290ـ291. (1/218)
صفحة 219
، التي تعدُّ البراءة من مرتكب الكبيرة أصلاً من أصول العقيدة دونت في توضيحها المؤلفات منذ القرون الأولى (1) .
(حكم الوقوف
الوقوف واجب بالكتاب والسنة والإجماع قال تعالى : { ولا تقف ما ليس لك به علم } (2) ، وقال عز وجل : { يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين } (3).
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( وأمر أشكل عليك فقف عنه ) (4) ، وقال أيضاً: ( المؤمن وقاف والمنافق وثاب ) (5) .
ومن الإجماع : أن المؤمن إذا عُلم تقواه وصلاحه ففي الولاية، وأن الفاسق إذا عُلم حاله ففي البراءة، وإن جُهل حاله ففي الوقوف حتى يُعلم (6).
(البراءة حكم دنيوي
ومن الجدير بالإشارة أن الإباضية عندما تعلق البراءة على مرتكب الكبيرة، لا يعني ذلك إخراجه من الملة، بل يظل في صفوف المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم سوى بغضه بالقلب، وتغيير منكره باليد أو اللسان لمن قدر عليه.
__________
(1) ـ أشمل المؤلفات الإباضية وأقدمها حول الولاية والبراءة هي مؤلفات الكدمي في القرن الرابع الهجري، حيث أفرد كتابين لتفصيل الولاية والبراءة، كتابه الأول بعنوان: الاستقامة (ثلاثة أجزاء)، وكتابه الثاني بعنوان: المعتبر (أربعة أجزاء)، وتوالت المؤلفات في هذا الأصل حتى أصبح مبحث الولاية والبراءة من مباحث العقيدة، لا يخلو أي مؤلف إباضي في العقيدة من ذكره.
(2) ـ الإسراء : 36.
(3) ـ الحجرات : 6.
(4) ـ البيهقي: أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي بن عبدالله: كتاب الزهد الكبير (تحقيق: الشيخ عامر أحمد، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت، ط3، 1996م) ج2 ص341 ح(928).
(5) ـ المرجع السابق .
(6) ـ الجعبيري وعاشور : العقيدة "3" ص177. (1/219)
صفحة 220
كقطع يد السارق، فالسارق حكمه في الدنيا قطع يده ولا يخرج من الملة، مع احتمال أن يكون من أهل الجنة، كذلك المتبرأ منه لا يعني الحكم عليه بالنار، قال السالمي: " فالحكم بالبراءة إنما يكون على حكم الظاهر والقطع بدخوله النار يشترط أن يكون عن تعاطي علم الغيب الذي استأثر الله به فلا يظهر على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول، وعملنا في البراءة منه بحكم الله الذي أوجبه علينا في البراءة من المصرين المحادين في حكم الظاهر، ولم نتعاط فيه الغيب إذ ليس ذلك إلينا وإنما هو إلى عالم السر والنجوى فأهل الأحداث المضلة... إنما نبرأ منهم بسبب ما أحدثوا من المعاصي التي أوجب ربنا تعالى مفارقتهم عليها والبراءة منهم بسببها ولا نقطع أنهم في النار إلا إذا كانوا قد ماتوا على ما علمناه منهم في حكم الظاهر، فنحن نبرأ منهم بموجب حكم الله ونتأدب عن القطع في الغيب بموجب حكم الله.
والبراءة حكم من أحكام الله ولا تنافي دخول الجنة لمن تاب فإن الحد قد يقام على الشخص وهو في علم الله أنه من أهل الجنة، فمن قطعت يده بحكم الله لا يكون مخالفاً ولا مضيعاً بل قائم فيه ومؤد فيه فرضه الذي أوجبه الله عليه، والله أعلم " (1) .
(الكلام في الروحانيات
الشفافية الروحية، والنزعة الربانية، هي الصبغة الغالبة على آثار محمد بن محبوب ولا غرابة في ذلك فقد تربى في أحضان تلاميذ التابعين، وشرب من معين الروح الإسلامية وهي قريبة من عهد النبوة.
ولو قام فيلسوف بدراسة آثاره لاعتبره إماماً للمتصوفة، لكثرة عباراته الدالة على القرب من الله والبعد عن الدنيا وملذاتها.
ونستنتج في ما يلي بعضا من المجالات الروحية في فكر محمد بن محبوب.
__________
(1) ـ من جوابات الإمام السالمي ج1 ص236. (1/220)
صفحة 221
1- يستهل رسائله بنصائح ربانية مثل :التوصية بالتقوى، وبلزوم الطاعة لله، والتوسل إليه، واستغلال العمر بإدامة الذكر واجتناب الغفلة، والاستعانة بالله، والخوف منه والرجاء فيه، والتحذير الشديد من الشيطان والدنيا والهوى، والتوبة من الغفلة والزلة، وشكر النعمة، واجتناب الفتن (1).
2- أساليبه في النصح تخاطب العاطفة والعقل والفطرة مثل : قوله : ( ... فالله الله يا أهل القرآن ويا إخوان الإيمان ويا أهل المساجد ويا أهل المشاهد ويا أهل الصلوات والزكوات والحج والعمرات ويا أهل الرغبات والرهبات ويا أهل الصوم والدلجات ويا أهل العلم والعبادات ويا معشر الربانيين والأحبار ويا سماع الرعية وذوي الأبصار في دينكم لا يحبط من حيث لا تشعرون، أرضيتم بالحياة الدنيا...) (2) .
- يا معشر المسلمين قد أبكيتم منا العيون وحركتم منا السكون وتلاحمت علينا فيكم الغموم وحمت الهموم ... ) (3) .
- وأحياناً يظهر عدم الرضا بتكرار الحوقلة كما في قوله: ( فإنا لله وإنا إليه راجعون ثم إنا لله وإنا إليه راجعون ثم إنا لله وإنا إليه راجعون ) (4) .
- ( الله الله يا أهل سورة البقرة وآل عمران وطه والفرقان وحم وسبحان والمثاني وقلب القرآن ... ) (5) .
3 - عوامل النصر : يرى محمد بن محبوب أن عوامل النصر الأساسية ثلاثة (6) هي :
أ - الاستقامة لله.
ب - العزيمة.
ج - التوكل على الله.
__________
(1) ـ كل رسائله تبدأ بمثل هذه المعاني.
(2) ـ سيرته إلى أهل حضرموت، ضمن مخطوطة (سير علماء الإباضية) ص266.
(3) ـ المرجع السابق .
(4) ـ المرجع السابق .
(5) ـ المرجع السابق ص231.
(6) ـ سيرته إلى إمام أهل حضرموت ضمن مخطوط (سير علماء الإباضية) ص227. (1/221)
صفحة 222
4- الترغيب في الجهاد : ومن أقواله في هذا : (... وهبوا لله أنفساً ميتة يهب لكم أنفساً حية ودرجات علية ومراتب سنية، وأقرضوا الله أنفسكم ساعات يردها إليكم في الجنة خالدات، واستفتحوا بسيوفكم أبواب الجنان ومجاورة الرحمن، فإنه بلغني أن السيوف للمسلمين مفاتح الجنان واعلموا أنهم إن غلبوكم على الدنيا بعد الجهاد والاجتهاد لن يغلبوكم على الجنة ) (1)
5 - كثرة الدعاء والتوصية به :
الذكر والدعاء مخ العبادة، ورمز الاحتياج إلى مالك الحاجات ومصرف الأمور الذي نستمد منه وجودنا في كل لحظة، وقد أمر عز وجل بالذكر والدعاء في آيات كثيرة من كتابه وحث نبيه على ذلك في أحاديث يصعب عدها.
لهذا ظهر اهتمام محمد بن محبوب بالدعاء بشكل بارز، فبين الفقرات وفي مطلع الفتاوى وفي اختتام سيره نجد لسانه يلهث بالدعاء وطلب العون من الله عز وجل، وأحياناً يوصي إخوانه بالدعاء فيقول : ( ولا تترك العزم والحذر والحزم في كل شيء من أمرك مع كثرة الدعاء أنت ومن معك وطول الرغبة والابتهال إلى الله في سلامة دينكم وصلاح أمركم وعز دعوتكم وحقن الدماء وسكن الفتن عنكم بالليل والنهار وفي الضحى والأسحار ) (2) ، وقال أيضاً موضحاً مظنة إجابة الدعاء: ( وإن استجبتم لله كان الله لدعائكم مجيباً ) (3) وفي آداب الدعاء قال: ( وإن سألت ربك فلا تقل إن شئت يا رب فعلت لي كذا وكذا، ولكن اعزم على المسألة وألحّ (4) على ربك، وجِدَّ في الطلب، وقل: اللهم يسر لي كذا وكذا، وأعطني كذا، واجعل لي فيه خيراً في ديني ومعيشتي، ولا تقل: إن كان هو خير، ولكن تسأله ما سألته، ثم قل: اللهم اجعل لي فيه خيراً ) (5) .
__________
(1) ـ المرجع السابق ص229.
(2) ـ المرجع السابق ص234
(3) ـ المرجع السابق 231.
(4) ـ في المخطوط : والحف.
(5) ـ الأزكوي : الجامع لابن جعفر ج1 ص82. (1/222)
صفحة 223
6- التمسك بالقرآن والسنة وآثار السلف : ويقول في ذلك : ( واصدع بما أمرك به القرآن وجاءتك به السنة والآثار تكون من المفلحين ) (1) ، ويحذر من اتباع الهوى فيقول:
( وإنما أضل الناس باتباعهم أهواءهم وتقديمهم آراءهم ولو كان الرأي جائزا لمن لا يعلم الحق لكان كل من كان يدين برأي مصيباً ) (2) ، ويحدد مصادر الحق التي يجب التمسك بها في مقالة طويلة (3) . بالترتيب التالي :
أولاً : القرآن الكريم.
ثانياً : السنة النبوية.
ثالثاً : آثار أئمة الهدى.
رابعاً : مشاورة أهل الرأي من المسلمين ( أهل الحل والعقد ) فيستخدمون رأيهم مع الاجتهاد والعلم بأصول الشرع.
خامساً : في حالة عدم التوصل إلى رأي يوافق الشرع استشاروا من هو أعلم وأفقه منهم، وهو ما يحدث مع أهل المغرب حيث كانوا يستشيرون علماءهم في البصرة وعمان وكل هذا الحرص من أجل موافقة الشرع واجتناب اتباع الهوى.
7- الدعوة إلى التواضع : يقول محمد بن محبوب محذراً الذين يتسابقون في إخراج الفتاوى للناس.
__________
(1) ـ سيرته إلى أبي زياد خلف بن عزرة ص221.
(2) ـ سيرته إلى أهل المغرب، ضمن (السير والجوابات) ج2 ص233.
(3) ـ المرجع السابق ص233ـ235. (1/223)
صفحة 224
( ... فالواجب عليهم أن يتورعوا عن الفتيا إلى أن يحتاج المسلمون إليهم، وليكونوا على الصمت والاستماع لنور العلم أحرص منهم على الكلام، ولعمري، لو قرؤوا العلم وأقروا لما رغبوا في الشهرة، ولا عرفوا الناس أن معهم فضل رأي وعلم بفضل عندهم، ولحذروا على أنفسهم التقديم فيما لا يسعهم التقدم، واتهموا آراءهم وحفظهم، وألجموا ألسنتهم عما لايطأون فيه أثراً، ويخافون أن يحملوا فيه وزراً، ولو صبروا حتى يختبروا لكان خيراً لهم وأسلم، وإن كانوا يعلمون حق العلم فإنهم ينبغي لهم أن يعرفوا أنهم لا يسعهم أن يحلوا، أو يحرموا بآرائهم بالحلال والحرام، والحرب والسلم، فقد كان من هو أفقه منهم وأعلم بالله منهم، يقول في بعض ما سئل عنه، أنا ليس ممن يؤخذ برأيه، وهؤلاء يتسرعون ويستحقون فيما الوقوف عنه أولى بهم و|أزين لهم ، وأسلم ) (1) .
النتائج والتوصيات
وختاما نوجز أهم نتائج البحث في النقاط التالية:
- يعتبر الإمام محمد بن محبوب أبرز علماء عمان في القرن الثالث الهجري, وانتقلت إليه الرئاسة العلمية والمشورة السياسية بعد وفاة الشيخ موسى بن علي الإزكوي.
- خلف آثارا علمية كثيرة معظمها لم نعثر عليه, لكن بقيت أقواله طبع منها سيرته إلى أهل المغرب في السياسة الشرعية, وهناك سيرتان لم تريا النور بعد, حبيسة المخطوطات وقد استفدنا منهما كثيرا في هذه الورقة.
- سمي العلم الذي يبحث العقائد بأسماء مختلفة منها علم الكلام لأن أهم مسألة وقع الخلاف فيها اشتد النزاع حولها في القرون الأولى كانت مسألة ( كلام الله) هل هو أزلي قائم بذاته أم مخلوق ؟ فسمي العلم بأهم مسألة فيه.
- لا يمكن فصل آراء محمد بن محبوب الكلامية عن آراء غيره من أئمة وعلماء الإباضية الآخرين, وما هو إلا لبنة من بناء مدرسة متكاملة, بل قاعدة من قواعد بناء الفكر الإباضي في القرن الثالث الهجري.
__________
(1) ـ الأزكوي : الجامع لابن جعفر ج1 ص212. (1/224)
صفحة 225
- علم الكلام الإباضي جذب إليه انتباه البحّاثة الأوروبيين وغيرهم نظرا لسبقه على غيره من مؤلفات المدارس الأخرى, وما احتواه من معالجة علمية وافية.
- وردت على لسان محمد بن محبوب مصطلحات عقائدية كثيرة منها الإسلام والكفر والإيمان وغيرها من القضايا العقدية التي تساعد الباحثين على الخروج بمادة كلامية متكاملة.
- يرى محمد بن محبوب كغيره من أئمة الإباضية أن المسلم إذا ارتكب كبيرة أو أصر على صغيرة خرج من اسم الإسلام واستحق اسم الكفر الغير مخرج من الملة ويقصد به كفر النعمة.
- اهتم محمد بن محبوب بالعلم عمليا ونظريا واعتبره من أولويات الأمور التي ينبغي أن يتعبد بها الإنسان إلى ربه, ومرتكب المنكر لا يعذر بالجهل.
-كان ابن محبوب شديد الحرص على إدخال المشركين في الإسلام فكان يقول لهم: ( قل أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأن محمداً عبده ورسوله وأشهد أن ما جاء به محمد من عند الله فهو الحق المبين ) ومن ثم يغير أسماءهم إلى أسماء إسلامية ويأمرهم بالصلاة على أن يقولوا فيها: سبحان الله في الركوع والسجود والقعود والقيام حتى يتعلموا.
- يعد محمد بن محبوب أول من اعتنق القول بخلق القرآن من إباضية المشرق, ولما رأى أصحابه لا يوافقونه على التصريح بخلق القرآن, تركه خوفاً من الشقاق, وحفظاً لوحدة الصف, ورجع إلى الإجمال الذي اتفقوا عليه فقال: ( القرآن كلام الله ووحيه وتنزيله ولا أقول مخلوقاً ولا غير مخلوق ).
- قضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أبرز القضايا التي شغلت بال الإمام محمد بن محبوب ومعظم سيره كانت حول هذه القضية وأجاز التقية في الأقوال إذا خاف المرء على نفسه لكن لا عذر لمن حمل هم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. (1/225)
صفحة 226
- خاض الإمام محمد بن محبوب في قضية الولاية والبراءة كثيرا بل كانت سيرته إلى أبي زياد خلف بن عزره مخصصة في معظمها لهذه المسألة, وقسم الناس إلى ثلاثة فرقاء: معروفون بالاستقامة فلهم الولاية, ومعروفون بالعصيان فلهم البراءة, ومجهولون لا يعرفون هل هم أهل صلاح أم لا ؟ فيتوقف عنهم حتى يعلم أمرهم.
- الشفافية الروحية والنزعة الربانية, هي الصبغة الغالبة على آثار محمد بن محبوب, كمثل استهلال رسائله بنصائح ربانية واستخدام أساليب النصح التي تخاطب العقل والفطرة والعاطفة من استمالة المنصوح له والزهد في الدنيا والترغيب في الآخرة وما أشبه ذلك.
المراجع
أولا: المخطوطات
- أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة وحاجب (ت: ق2هـ): سيرة أبي عبيدة وحاجب في الرد على المرجئة ضمن مخطوط سير علماء الإباضية لدى الباحث صورة منها.
- ابن حمزة, يحيى بن حمزة بن علي (ت: 749هـ 1348م) التحقيق في تقرير أدلة التكفير والتفسيق, في علم العقائد, وزارة التراث القومي والثقافة, سلطنة عمان, الرقم العام: 2710, الرقم الخاص: 422ب.
- الثميني, عبد العزيز المصعبي (ت: 1223هـ 1808م), شرح نونية الفتح بن نوح المتوفى: ق7هـ ق13م, في علم العقائد, مكتبة: الشيخ سالم بن حمد الحارثي, سلطنة عمان, بدون رقم.
- الرواحي, ناصر بن سالم: نثار الجوهر في الفقه, المكتبة الهاشمية, جامعة آل البيت, الوثائق الخاصة, لدى الباحث نسخة منه.
- المنذري, علي بن محمد بن علي (ت:1343هـ 1923م), نهج الحقائق, في الفقه والعقائد, وزارة التراث القومي والثقافة, سلطنة عمان, الرقم العام: 2602, الرقم الخاص: 407.
- زياد بن خلف البحراني (ت: ق2هـ): سيرة زياد بن خلف ضمن مخطوط سير علماء الإباضية لدى الباحث صورة منها.
- عبد الله الأمير, الناصر لدين الله الحسين (ت:ق 7هـ ق 13م), الينابيع الصحيحة, في علم العقائد, مكتبة عبدالله إسماعيل الخاصة, عمّان, بدون رقم. (1/226)
صفحة 227
- محمد بن محبوب (ت: 260هـ): سيرة محمد بن محبوب إلى أبي زياد خلف بن عزرة ضمن مخطوط سير علماء الإباضية لدى الباحث صورة منها.
- محمد بن محبوب (ت: 260هـ): سيرة محمد بن محبوب إلى إمام حضرموت ضمن مخطوط سير علماء الإباضية لدى الباحث صورة منها.
ثانيا: المطبوعات
- إبراهيم مصطفى وآخرون: المعجم الوسيط, مجمع اللغة العربية, دار الدعوة, استانبول, تركيا.
- أبو أيوب وائل بن أيوب الحضرمي (ت:ق2هـ): سيرة أبي أيوب ضمن كتاب السير والجوابات, بتحقيق سيدة إسماعيل كاشف, وزارة التراث القومي والثقافة, سلطنة عمان.
- أبو أيوب وائل بن أيوب الحضرمي (ت: ق2هـ): سيرة أبي أيوب في صفة الإسلام ضمن كتاب الشمس الشارقة, للعلامة أبي عبيدة السليمي.
- أعوشت, بكير بن سعيد, دراسات إسلامية في أصول الإباضية, مطابع النهضة, سلطنة عمان, الطبعة الثالثة, د.ت.
- ابن تيمية, أحمد بن عبد الحليم (ت: 728هـ 1323م), الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان, دار الكتب العلمية, بيروت, الطبعة الأولى, 1402هـ 1982م.
- ابن حجر العسقلاني, الحافظ أحمد بن علي ( ت: 852هـ 1448م), فتح الباري بشرح صحيح البخاري, تحقيق: عبد العزيز بن عبد الله بن باز, دار الفكر, بيروت, الطبعة الأولى, 1414هـ1993م.د
- ابن حزم, أبو محمد علي بن أحمد الظاهري (ت:456هـ 1063م), المحلى, تحقيق لجنة إحياء التراث العربي, دار الجيل, بيروت, الطبعة الأولى, 1400 - 1980م.
- ابن عابدين, محمد أمين (ت: 1252هـ 1836م), رد المحتار على الدر المختار شرح تنوير الأبصار, تحقيق: عادل أحمد عبد الموجود وعلي محمد معوض, دار الكتب العلمية, بيروت, الطبعة الأولى, 1415هـ 1994م.
- ابن ماجه, أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني (ت: 275هـ 888م), سنن ابن ماجه, تحقيق صدقي جميل العطار, دار الفكر, بيروت, الطبعة الأولى, 1415هـ 1995. (1/227)
صفحة 228
- ابن منظور, أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم (ت: 771هـ 1369م), لسان العرب, دار صادر, بيروت, الطبعة الأولى, 1400هـ 1990م.
- أبو حفص عمر بن جميع(ت: ق8هـ 14م), مقدمة التوحيد وشروحها, بشرح الشماخي والتلاتي, تعليق: إبراهيم اطفيّش, مسقط, سلطنة عمان.
- أبو حنيفة النعمان بن ثابت(ت:150هـ 767م), شرح كتاب الفقه الأكبر للإمام الملا علي القاري, تحقيق: علي محمد دندل, دار الكتب العلمية, بيروت.
- أبو داود, سليمان بن الأشعث(ت: 275هـ 888م): سنن أبي داود, تحقيق: صدقي محمد جميل, دار الفكر, بيروت, الطبعة الأولى, 1414هـ1994م.
- أبو عمار, عبد الكافي(ت:600هـ 1203م), الموجز, تحقيق: عبد الرحمن عميرة, دار الجيل, بيروت.
- أحمد بن حنبل(ت: 241هـ 855م), المسند, شرحه ووضع فهارسه: حمزة أحمد الزين, دار الحديث, القاهرة, الطبعة الأولى, 1416هـ1995م.
- الأزكوي, أبو جابر محمد بن جعفر (ت: ق3هـ 9م) الجامع, تحقيق: عبد المنعم عامر, وزارة التراث القومي والثقافة, سلطنة عمان.
- الأشعري, أبو الحسن علي بن إسماعيل(ت: 324هت 935م), مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين, تحقيق: محمد محيي الدين عبد المجيد, المكتبة العصرية, بيروت, الطبعة الأولى, 1411هـ 1990م.
- البرادي, أبو القاسم بن إبراهيم(ت: 810هـ/ 1407م), الجواهر المنتقاة في إتمام ما أخل به كتاب الطبقات, القاهرة: 1884م, طبعة حجرية.
- البطاشي, سيف بن حمود بن حامد, إتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عمان, مكتبة المستشار الخاص لجلالة السلطان للشؤون الدينية والتاريخية, مسقط.
- البيهقي, أبو بكر أحمد بن الحسيني بن علي بن عبد الله(ت: 458هـ): كتاب الزهد الكبير, تحقيق: الشيخ عامر أحمد حيدر, مؤسسة الكتب الثقافية, بيروت, الطبعة الثالثة, 1996م.
- البيهقي, أحمد بن الحسين بن علي(ت: 458هـ 1065م), السنن الكبرى, تحقيق: عبد القادر عطا, دار الكتب العلمية, بيروت, الطبعة الأولى, 1414هـ 1994م. (1/228)
صفحة 229
- الترمذي, أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة(ت: 279هـ 892م), سنن الترمذي, مراجعة وضبط وتصحيح: صدقي محمد جميل العطار, دار الفكر, بيروت, الطبعة الأولى, 1414هـ 1994م.
- التلاتي, عمرو رمضان: (ت: 1187هـ 1773م): نخبة المتين من أصول تبغورين, ضمن كتاب تحت عنوان " كتب مختارة ", مطبعة العربية, غرداية, الجزائر.
- الجعبيري, فرحات(دكتور): البعد الحضاري للعقيدة الإباضية, مطبعة الألوان الحديثة, سلطنة عمان, الطبعة الأولى, 1409هـ 1989م.
- الجهضمي, زايد بن سليمان: حياة عمان الفكرية, مطابع النهضة, سلطنة عمان, الطبعة الأولى, 1418هـ 1998م.
- الجوهري, إسماعيل بن حماد: تاج الصحاح في اللغة وصحاح العربية, بيروت: دار العلم للملايين, الطبعة الرابعة, 1990م, تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار.
- الجوهري, إسماعيل بن حماد: تاج الصحاح في اللغة وصحاح العربية, بيروت: دار العلم للملايين, الطبعة الرابعة, 1990م, تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار.
- الجيطالي, أبو طاهر إسماعيل بن موسى(ت: 750هـ 1349م), قواعد الإسلام, صححه وعلق عليه: بكلي عبد الرحمن عمر, مكتبة الاستقامة, سلطنة عمان, الطبعة الثانية, 1412هـ 1992م.
- الخليلي, أحمد بن حمد: الحق الدامغ, مطابع النهضة, سلطنة عمان, الطبعة الأولى, 1409هـ 1989م.
- الخليلي, أحمد بن حمد: جواهر التفسير, مكتبة الاستقامة, سلطنة عمان, الطبعة الأولى, 1409هـ 1988م.
- الخليلي, أحمد بن حمد, جوهر الإيمان, مكتبة الاستقامة, سلطنة عمان, الطبعة الأولى, 1412هـ 1992م.
- الدرجيني, أحمد بن سعيد(ت 679هـ 1271م), طبقات المشايخ بالمغرب, تحقيق: إبراهيم طلاوي.
- الرازي, فخر الدين بن عمر(ت: 606هـ 1207م): التفسير الكبير أو مفاتيح الغيب, دار الكتب العلمية, بيروت, الطبعة الأولى, 1411هـ 1990م.
- الربيع بن حبيب الفراهيدي(ت: 175هـ): الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع, مكتبة مسقط, سلطنة عمان. (1/229)
صفحة 230
- الربيع بن حبيب الفراهيدي(ت: 175هـ): كتاب العقيدة ضمن الجامع الصحيح للربيع, ج3.
- الرستاقي، خميس بن سعيد (ت:ق:11هـ -17م)، منهج الطالبين وبلاغ الراغبين، تحقيق:سالم بن حمد الحارثي، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، الطبعة الأولى1400ه-1980م.
- الزركلي، خير الدين، (ت:1396ه-1976م): الأعلام قاموس تراجم لأشهر الرجال والنساء من العرب والمستغربين والمستشرقين, دار العلم للملايين, بيروت, الطبعة الحادية عشرة, 1415هـ 1995م.
- الزمخشري, جارالله أبي القاسم محمود بن عمر(ت: 538هـ 1143م): الكشاف, دار النفائس, بيروت, الطبعة الأولى, 1412هـ 1992م.
- الزمخشري, جار الله أبي القسم محمود بن عمر(ت: 538هـ 1143م): أساس البلاغة, دار النفائس, بيروت, الطبعة الأولى, 1412هـ 1992م.
- السالمي, عبد الله بن حميد: جوابات الإمام السالمي, تنسيق ومراجعة: د. عبد الستار أبو غدة, إشراف: عبد الله السالمي, الطبعة الثانية 1419هـ 1999م
- السالمي, عبدالله بن حميد (ت: 1332هـ1914م): بهجة الأنوار شرح أنوار العقول في التوحيد, مطابع النهضة, مسقط, الطبعة الثالثة, 1414هـ 1994م.
- السالمي, عبد الله بن حميد ( ت: 1332هـ 1914م): مشارق أنوار العقول, تحقيق: د. عبد الرحمن عميرة, مكتبة الإستقامة, سلطنة عمان, الطبعة الأولى, 1409هـ 1989م.
- السالمي, محمد بن عبد الله (ت 1332هـ 1914م), تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان, مسقط: مكتبة الاستقامة.
- السعدي, جميل بن خميس(ت:ق 13هـ 19م), قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة, وزارة التراث القومي والثقافة, سلطنة عمان, الطبعة الأولى, 1403هـ 1983م.
- الشتناوي, أحمد, دائرة المعارف الإسلامية, د.ت, د.ط.
- الشقصي, خميس بن سعيد: منهج الطالبين وبلاغ الراغبين, وزارة التراث القومي والثقافة, سلطنة عمان, 1402هـ 1982م. (1/230)
صفحة 231
- الشماخي, أبو العباس أحمد بن سعيد: مقدمة التوحيد وشروحها, صححه وعلق عليه: إبراهيم اطفيّش, مسقط, سلطنة عمان.
- الشماخي, أحمد بن سعيد بن عبد الواحد (ت: 928هـ1521م), كتاب السير, تحقيق: أحمد بن سعود السيابي, وزارة التراث القومي والثقافة, سلطنة عمان, الطبعة الثانية, 1412هـ 1992م.
- الشهرستاني, أبو الفتح محمد بن عبد الكريم( ت: 548هـ 1153م), الملل والنحل, تحقيق: محمد سيد كيلاني, دار صعب, بيروت, الطبعة الأولى, 1406هـ 1986م.
- الطبري, محمد بن جرير(310هـ 923م), تاريخ الأمم والملوك, بيروت: دار الكتب العلمية, الطبعة الثانية, 1408هـ 1988م.
- العوتبي, سلمة بن مسلم(ت:ق5هـ): كتاب الضياء, وزارة التراث القومي والثقافة, مسقط, 1991م.
- الغزالي, محمد أحمد السقا(ت: 1416هـ 1996م), عقيدة المسلم, دار الدعوة, الإسكندرية, الطبعة الثالثة, 1411هـ 1990م.
- القرطبي, أبو عبدالله محمد بن أحمد(ت: 671هـ 1271م), الجامع لأحكام القرآن, دار الفكر, بيروت, الطبعة الأولى, 1407هـ 1987م.
- الكدمي, أبو سعيد بن محمد(ت: ق4هـ ق11هـ ): المعتبر, وزارة التراث القومي والثقافة, سلطنة عمان, الطبعة الأولى, 1405هـ 1984م.
- الكندي, أبو بكر أحمد بن عبد الله بن موسى: المصنف, وزارة التراث القومي والثقافة, سلطنة عمان, 1404هـ 1984م.
- الكندي, محمد بن إبراهيم: بيان الشرع, وزارة التراث القومي والثقافة, سلطنة عمان, 1408هـ 1988م.
- الكندي وعاشور: العقيدة "1" وزارة التراث القومي والثقافة, سلطنة عمان, الطبعة الأولى, 1410هـ 1990م.
- الملشوطي, تبغورين بن عيسى(ت: ق5هـ ق11م), أصول الدين, تحقيق عمرو خليفة النامي, مرقون, لم ينشر بعد, لدى الباحث صورة منه.
- النشار, علي سامي( دكتور), نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام, دار المعارف, القاهرة, الطبعة الثامنة, 1401هـ 1981م. (1/231)
صفحة 232
- الوارجلاني, أبو يعقوب يوسف إبراهيم (ت: 570هـ 1174م), الدليل والبرهان, تحقيق سالم بن حمد الحارثي, وزارة التراث القومي والثقافة, سلطنة عمان, 1403هـ 1983م.
- بدوي, عبد الرحمن ( دكتور), مذاهب الإسلاميين, دار العلم للملايين, بيروت, الطبعة الثالثة, 1403هـ 1983م.
- جابر بن زيد الأزدي (ت:93هـ): رسائل جابر بن زيد الحركية, مطبوعة على آلة كاتبة بالمكتبة الإسلامية بروي, سلطنة عمان, ولدى الباحث صورة من مخطوط الرسائل.
- جابر بن زيد الأزدي(ت:93هـ): مراسيل جابر بن زيد ضمن الجامع الصحيح للربيع, ج4.
- خليفات, عوض محمد( دكتور): التنظيمات السياسية والإدارية عند الإباضية في مرحلة الكتمان, سلطنة عمان, وزارة العدل والأوقاف والشؤون الإسلامية, د.ت.
- رجب محمد عبد الحليم ( دكتور): الإباضية في مصر والمغرب وعلاقتهم بإباضية عمان والبصرة, مكتبة العلوم, سلطنة عمان, الطبعة الأولى, 1410هـ 1990م.
- سالم بن ذكوان (ت: ق2هـ): سيرة سالم بن ذكوان ضمن كتاب منهج الدعوة عند الإباضية للدكتور محمد ناصر.
- عبد الله بن إباض (ت: ق1هـ): رسالة عبد الله بن إباض إلى عبد الملك بن مروان ضمن كتاب منهج الدعوة عند الإباضية للدكتور محمد ناصر.
- عبد الوهاب بن عبد الرحمن الرستمي (ت: ق2هـ): كتاب مسائل نفوسة, تحقيق: إبراهيم طلاوي.
- عدون جهلان، الفكر السياسي عند الإباضية، دار مكتبة الضامري، سلطنة عمان، الطبعة الثانية 1411 هـ، 1991م.
- عمرو النامي: دراسات عن الإباضية، دار الغرب، بيروت، الطبعة الأولى 2001م، عمروس بن فتح ( ت 276هـ ) الدينونة الصافية، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان 1421 هـ، 2000م.
- فرحات وعاشور: العقيدة2، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، الطبعة الأولى 1412هـ، 1992م. (1/232)
صفحة 233
- فلهوزن، يوليوس: أحزاب المعارضة السياسية في صدر الإسلام: الخوارج والشيعة، الكويت: وكالة المطبوعات، ترجمة عن الألمانية: د. عبد الرحمن بدوي.
- قحطان عبد الرحمن الدوري ( دكتور ) ورشدي محمد عليان ( دكتور) أصول الدين الإسلامي، دار الفكر، عمان، الطبعة الأولى ( الخامسة ) 1416هـ، 1996م.
- قطب، سيد ( ت 1387هـ 1966م ) في ظلال القرآن الكريم، دار الشروق، بيروت، الطبعة الخامسة عشر 1408هـ 1988م.
- محبوب بن الرحيل ( ت ق 2 هـ ) سيرة محبوب إلى أهل حضرموت ضمن كتاب السير والجوابات، بتحقيق سيدة إسماعيل كاشف، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان.
- محمد بن محبوب ( ت 260 هـ ) سيرة محمد بن محبوب إلى أهل المغرب ضمن كتاب السير والجوابات، بتحقيق سيدة إسماعيل كاشف، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان.
- محمد صالح، ناصر: منهج الدعوة عند الإباضية، مكتبة الإستقامة، سلطنة عمان 1418هـ 1997م.
- مسلم بن الحجاج النيسابوري ( ت ق 2هـ ) سيرة منير إلى الإمام غسان ضمن كتاب السير والجوابات، بتحقيق سيدة إسماعيل كاشف، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان.
ثالثاً: الرسائل العلمية :
- الربخي، صالح بن سليم: إغاثة الملهوف بالسيف المذكر في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ( تأليف سعيد بن خلفان الخليلي ) دراسة وتحقيق، رسالة ماجستير، جامعة آل البيت، كلية الدراسات الفقهية والقانونية، الأردن 28- 4 - 1998م.
- الوهيبي، مسلم بن سالم: الفكر العقدي عند الإباضية حتى نهاية القرن الثاني الهجري، رسالة دكتوراه في العقيدة والفلسفة، كلية الدراسات العربية والإسلامية بنين بالقاهرة، جامعة الأزهر، 25/5/2001م.
رابعاً : الدوريات
- خليفات، عوض، دراسات في النظم والعقائد الإباضية، المقالة الأولى : نظام الولاية والبراءة والوقوف، مجلة المؤرخ العربي، عدد (17)، الأمانة العامة لاتحاد المؤرخين العرب، بغداد 1401هـ 1981م، ص 201 ـ 223. (1/233)
صفحة 234
بيان وتوصيات ندوة
تطور العلوم الفقهية في عمان خلال القرن الثالث الهجري.
الإمام محمد بن محبوب نموذجا
(بحمد الله وفضله عقدت هذه الندوة في يوم الاثنين 30/شوال/1422هـ الموافق 14/1/2002م وحتى اليوم الأربعاء 2/ذي القعدة/1422هـ الموافق 16/1/2002م بقاعة المحاضرات بجامع السلطان قابوس الأكبر القلعة العلمية والدينية الشامخة.
(إن إحياء هذه الندوة يأتي في إطار المنهج الذي اختطته وزارة الأوقاف والشؤون الدينية لرسم معالم التوعية الدينية بأساليب العلم الحديث وابتعاث الماضي التليد في ثوب العصر الزاهر لربط الميراث الحضاري العماني بعضه ببعض ربطا تكتمل به حلقاته وتتصل من خلاله مفرداته ليكتمل البناء وليمتد العطاء ولتتواصل جسور هذه الحضارة العريقة.
(لقد كان لاختيار هذا العنوان وربطه بتلك الشخصية غاية تتمثل في محاولة فهم التطور الفقهي خلال تلك المرحلة الحاسمة من تاريخ الأمة الإسلامية عبر شخصية ابن محبوب الرحيلي إذ إن إفرازات المدرسة الفقهية مرهونة بتحول أحداث الساحة الإنسانية سياسيا واجتماعيا واقتصاديا فضلا عن الجانب الفكري وما ذلك إلا لأن الشريعة الإسلامية مرنة في فروعها, بينة ثابتة في أصولها, شاملة عامة من مميزاتها.
التوصيات
(التتبع بالبحث والدراسة تطور المصطلحات الفقهية وطرق الاجتهاد ومراحل التشريع عبر حقبه المختلفة من خلال نصوص العلماء وأقوالهم.
(وضع معجم علمي للمصطلحات الفقهية والأصولية المستخدمة في تأليف علماء الإباضية , حتى تقرب المواضيع العلمية إلى الباحثين.
(توجيه الباحثين من الشباب للكتابة حول شخصية الإمام/ محمد بن محبوب خصوصا وجوانب المعرفة العلمية المتعلقة بالفكر العماني عموما.
(ضرورة مواصلة بحث الجوانب التي لم تستطع الندوة إدراجها في زمنها المحدود, والتي طرح قسم منها في المناقشات التي دارت خلال جلسات الندوة, ونذكر منها:
- فقه السياسة الشرعية عند العلامة ابن محبوب. (1/234)
صفحة 235
- علاقته بأصحاب المدارس الفكرية الأخرى.
- علاقته بأهل اليمن وخراسان.
- العلامة ابن محبوب محدثا.
- العلامة ابن محبوب أصوليا.
- العلامة ابن محبوب متصوفا.
- جمع آراء العلامة/ محمد بن محبوب من خلال الكتب والمصادر التي نقلت آراؤه الفقهية والكلامية والفكرية وتبويبها تبويبا علميا يليق بمكانة الإمام.
(وضع دراسة تحليلية شاملة وموسعة لآراء الإمام/ محمد بن محبوب تكشف عن الأبعاد الحضارية التي أضافها إلى الفقه الإسلامي.
(طرح عناوين بحثية أكاديمية حول تطور الفقه الإسلامي وتاريخه في عمان للدراسات العليا, ووضعها بين أيدي الجامعات لتوجيه الدارسين إليها.
(طرح ندوات أخرى على منوال هذه الندوة الفقهية في عمان من خلال شخصيات لها مكانتها وأثرها العلمي المشهود به في الأوساط العمانية لتكون حلقة متكاملة عن مسيرة الحركة الفقهية في هذا البلد الميمون.
(طباعة بحوث الندوة حتى تظهر كمرجع علمي قيم للباحثين والمطلعين وطلبة العلم.
والله ولي التوفيق ،،، (1/235)