صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: السيرة النبوية
------------------------------------------
العنوان: أنوار الوفى في فضائل قراءة سيرة مولد النبي المصطفى (ص)
المؤلف: حمود بن عبد الله بن حامد الراشدي
تقديم: عبد الله بن سلطان بن راشد المحروقي السناوي
الناشر: مكتب المستشار الخاص لجلالة السلطان للشؤون الدينية والتاريخية
مكان النشر: سلطنة عمان
تاريخ النشر: 1426ه/ 2005م
الطبعة: 1
الإيداع القانوني: 2005/138
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=1836&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/512
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
------------------------------------------
أعَدَّه للشاملة الإباضية: روائع الآثار، للخدمات العِلمية الإباضية الخيرية.
https://t.me/slitame
https://wa.me/qr/CWZOF66L3ENDN1
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع.
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 26 محرم 1447ه/ 22 - شهر 07 - 2025م. أنوار الوفى
في فضائل قراءة سيرة
مولد النبي المصطفى
صلى الله عليه وسلم
بقلم فضيلة الشيخ القاضي حمود بن عبد الله بن حامد الراشدي
الطبعة الأولى 1426 هـ / 2005 م (1/1)
صفحة 2
الناشر
مكتب المستشار الخاص لجلالة السلطان للشؤون الدينية والتاريخية (1/2)
صفحة 3
[صفحة فارغة] (1/3)
صفحة 4
[صفحة فارغة] (1/4)
صفحة 5
تقديم (1/5)
صفحة 6
[صفحة فارغة] (1/6)
صفحة 7
يكاد كُل عَالِم وأديب في عُمان، وحتى العامة من الناس، يعرفون عن عبقرية الشيخ القاضي العلامة الحافظ / حمود بن عبد الله بن حامد الراشدي، إنه بحق بحر زاخر في العلوم، وندى عطرياً لكل من يُجالسه ويُنادمه؛ التواضع واللين صفتان عُرفتا به، إلى جانب دهاء العلماء فيه
ها هو يُبرز لنا مصنفاً فريداً في مادته، غزيراً في فنه، بديعاً
في نسجه، نورانيا في جبين عصره، إنه:
أنوار الوفى فى فضائل قراءة سيرة مولد النبي المصطفى
محمد صفوة الباري ورحمته
وبغية الله من خلق ومن نسم
وصاحب الحوض يوم الرسل سائلة
حتى الورود وجبريل الأمين ظمي
سناؤه وسناء الشمس طالعة
فالجرم في فلك والضوء في علم (1/7)
صفحة 8
لقد إستقطب شيخنا في كتابه هذا، لأليء مُضيئة، من شتى ما إطلع عليه، وإستقراه، وإستنبطه، من الروايات الدالة - قطعاً - على فضائل قراءة سيرة هذا النبي الأمي، الذي إجتباه الله وإصطفاه، وجعله خاتمة النبيين والمرسلين، وأنزل عليه قرآنه المُبين، وجعله حجة على العالمين، ووصفه فيه بالرؤوف الرحيم، عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، القائل فيه عز من قائل عليما: لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم) (1)
لا يجحد الفضل إلا من به سفه
ولا النهى غير من ساءت نواياه
فكيف تبخل بالذكر الجميل على
من ظل يمدحه عن فعله الله
اللهم إجعلنا وإياه من وراد حوضه، المُتسربلين بشفاعته في يوم لا ينفع مال ولا بنون * إلا من أتى الله بقلب سليم (2)
والله الهادي إلى السبيل المستقيم
عبد الله بن سلطان بن راشد المحروقي السناوي
(1) سورة التوبة: 128
(2) سورة الشعراء: 88 - 89. (1/8)
صفحة 9
تمهيد (1/9)
صفحة 10
[صفحة فارغة] (1/10)
صفحة 11
الحمد لله ذي الجلال والإكرام، على آلانه المتوالية على عباده على الدوام، الذي جعل أكبر نعمه على عباده، بعثة محمد، التي جاءت رحمة للعالمين، وهداية لمن شاء من عباده المؤمنين، الذي ما من خير أفضى به الله على عباده بالدنيا
والآخرة، إلا جاء عن طريقه؛ () عدد ملائكة الجبار والأشجار، والأحجار، وما هطلت السماء من أمطار، وما إحتوت عليه البحار من حيتان وأحجار، وبعدد دقات قلوب الإنس والجان، وما بمخلوقاته من أصواف وأوبار، صلاة وسلاماً ما كور الليل على النهار، ودام خلود أهل الجنة بالجنة، وأهل النار بالنار، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وصحبه أجمعين ... أما
بعد:
لما كان عجز البشر واضحاً وجلياً عن أداء عشر معشار بلايين ذرات حقه))، وكان الإعتراف بالعجز عن إدراك ذلك، إدراك للقصور، فالله جلت قدرته، وعظم شأنه أمرنا بالصلاة عليه، وكم رتب عليها من خير لا يُحصى، ولا غاية له (1/11)
صفحة 12
ولا أقصى يعود ذلك إلينا معشر الأمة، كما سيأتي - إن شاء الله
تعالى - بيانه
فلله الحمد الذي جعلنا من: خير أمة أخرجت للناس (1) ثم أنه طال ما تردد في قلبي، أن أحرر رسالة مختصرة، سميتها:
أنوار الوفى في فضائل قراءة سيرة مولد النبي المصطفى ()]
منبهاً فيها لأبناء المسلمين، ومُحذراً لهم عما فشى في أوساط الناس، يبثه من شاء الله من المسلمين المتشددين، والمنفرين عن قراءة سيرة المولد الشريف، وعن الإجتماع عليها، تعلقاً بأنها بدعة، أي: أنه () لم يأمر بها، ولم يفعلها، فهم يعتمدون لما جاء في الحديث المذكور من عموم
ومن التناقض الواضح، أنهم لا يُطبقون على أنفسهم ذلك في
المركب، والملبس، والمهاد، وغير ذلك؛ فهل المصطفى ركب غير الجمل، والفرس، والحمار؟ وهل إستعمل الغترة والعقال؟ وهل نام على الأسرة التي قيمتها عشرات الألوف من الدراهم؟
ومن المعلوم، أن الجواب: أنه لم يفعل شيئاً من ذلك، بل نام
(1) سورة آل عمران: 110. (1/12)
صفحة 13
على الأديم، والوسادة المحشية من ليف النخل، ولبس العمامة وجعل الذؤابة بين كتفيه، أو على صفحة خده اليُسرى، وركب الحمار والفرس.
لكن هذه نعمة من نعم الله (ع)، وهي من جملة البدع المباحات، باعتبارها اللغوي، ولسنا - والله الحمد وحده - ممن يُغالي في ذلك، كمن يقول: الإستضائة بالكهرباء بدعة محرمة، لا يجوز إستعمالها، لأن () لم يستعملها؛ وإستدل لذلك بعمومات الأدلة
وكأني بهم ليتجاهلون أفعال الصحابة والتابعين، وأقوالهم في البدعة، وأنها على الوجه الشرعي على نوعين: بدعة حسنة، وبدعة سيئة مُحرمة، وستأتي معان كل ذلك بمحله إن شاء الله
والله ولي التوفيق
حمود بن عبدالله بن حامد الراشدي (1/13)
صفحة 14
[صفحة فارغة] (1/14)
صفحة 15
الباب الأول: في منزلته
عنا
وعلو شأنه عند ربه وعل
قال الله تعالى: ألم نشرح لك صدرك * ووضعنا عنك وزرك * الذي أنقض ظهرك * ورفعنا لك ذكرك (1)
قال القطب في تفسير الآية الكريمة: رفعنا لك ذكرك بالنبوة والرسالة، وبذكره معه تعالى في كلمة التشهد، وذكره في الآذان، والإقامة، والخُطب، والتحيات، ولا صلاة ولا خطبة إلا بذكره، وجعل طاعته طاعة الله)، وكصلاته تعالى عليه، وصلاة ملائكته تعالى عليه، وللأمر بالصلاة والسلام عليه،
وخطابه بـ: يا أيها المزمل (2)، و: يا أيها المدثر (3) و: يا أيها النبي (4)، و: يا أيها الرسول} (0)؛ وذكره في كتب الأولين، وأخذ الميثاق على الأنبياء وأممهم، أن يُؤمنوا
(1) سورة الشرح: 1 - 4.
(2) سورة المزمل: 1.
(3) سورة المدثر: 1
(4) سورة الأنفال: 64، 65
7؛ سورة التوبة: 73؛ سورة الأحزاب: 1، 28، 45، 59؛ سورة الممتحنة: 12؛ سورة الطلاق: 1؛ سورة التحريم: 1، 9
(5) سورة المائدة: 41، 67 (1/15)
صفحة 16
وقال سلطان كافر لخاصته: من الملك؟ قالوا: أنت، لأنك ملكت كذا وكذا من البلاد، وقهرت السلاطين؛ قال: بل الملك من يُذكر في كل يوم وليلة خمس مرات على الصوامع، في المشرق والمغرب، ويعني به: ()
وعنه (): قال لي جبريل: إن ربك يقول: {أتدري كيف رفعت ذكرك؟}؛ قلت: الله تعالى أعلم؛ قال تعالى: {إذا ذكرت ذكرت معي، وهذا ذكر لبعض رفعته} (1).
وقال غيره من المُفسرين: ورفع ذكره، إذ قرن ذكره بذكر الله في كلمة الشهادة، والآذان، والإقامة، والتشهد، والخطب
وفي غير موضع من القرآن، قال الله (ع): الله ورسوله أحق أن يرضوه) (2)؛ وقال (جلال): ومن يطع الله ورسوله (3)؛ وقال: وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول) (4)؛ وفي تسميته: رسول الله، ونبي الله.
ومنه ذكره في كتب الأولين والآخرين، وأخذ العهد على
الأنبياء وأممهم، أن يُؤمنوا به.
(1) رواه أبو سعيد الخدري، صحيح ابن حبان: 3382؛ وأبو يعلي: 1380.
(2) سورة التوبة: 62
(3) سورة النساء: 13؛ سورة النور: 52؛ سورة الأحزاب: 71؛ سورة الفتح: 17. (4) سورة المائدة: 92؛ سورة التغابن: 12 (1/16)
صفحة 17
قال كعب: (ما من فجر يطلع، إلا نزل سبعون ألفا من
الملائكة، حتى يحفون بالقبر، ويضربون بأجنحتهم، يُصلون على النبي (صلى الله عليه وسلم)، سبعون ألفا بالليل، وسبعون ألفا بالنهار، حتى إذا إنشقت عنه الأرض، خرج في سبعين ألفاً من الملائكة يزفون) (1).
وكيف لا، وهو ((حبيب إلى كل نفس، خفيف على كل
سمع، رقيق على كل قلب، لا ينتهي له مدى، ولا يبيد له ثمر ولا يغيض له ماء، ولا ينضب له معين، لأنه حديث عن العظيم محمد ()، الذي فتح الله به على الإنسانية فتحا جديداً، عُرفت على أضواءه طريق الهدى والرشاد، وأعطاه الله من أنعمه ما آهله لحمل رسالته إلى الناس أجمعين، فجمع الشمل بحكمته، وردأ الصدع برحمته، وملك القلوب بسماحته، وعطر الوجود بسيرته، وملأ الأعين بنضارته، وناجي الأرواح عظته، وخاطب الضمائر بحنانه، وتسرب إلى خبايا الضلوع بأخلاقه، منه شع النور، وعنه إنبثق العرفان، وبرحمته إنتشر الإسلام، وبهديه ترعرت شجرة الإيمان، وإلى حديثه أصغى المكمود، وبكلامه تداوى المكلوم، وفي رياضه إستراح العاني،
بمو
(1) سنن الدارمي، ج 1، ص 47، رقم الحديث: (94)؛ شعب الإيمان، ج 3، ص 492، رقم الحديث: (4170). (1/17)
صفحة 18
وفي ظله رقد المظلوم، فسرت دعوته في القلوب والنفوس، كما يسري الماء في الأرض التي شققها الظمأ، وأماتها العطش، ما
سنم الناس له صوتاً، ولا ملوا له نغماً، ولا إستثقلوا له كلماً
فصنع أمة قائمة على الزهد والورع، أحياها من الموت، وجمعها من الشتات، وهداها من الضلالة، وعلمها من الجهالة، وكشف عنها حجاب الغمة، وأماط عنها لثام الظلمة، وقومها على الحق، وردعها عن الغي، وكفها عن الباطل، وأضاء لها مشاعل الخير، ووصل بها إلى اليقين، وهداها إلى الصراط
المستقيم.
وكان بحق روضة فينانة، زانتها يد الخالق بالأزاهير الندية ونقل عنها النسيم أطيب نفحاتها الزكية، لكل من نأت به الديار،
"
أو شط به المزار، أو حاربته جيوش الدهر، أو طحنته رحى
الحياة، أو لفحته قسوة الدنيا
فحمل الكل، وآزر الحق، ونطق بالصدق، وحكم بالعدل ونادى بالحُب، وتجمل بالصبر، ودعا إلى العفو، وبشر بالخير، وفاض بالرحمة، وتحلى بالأمانة، وأعلن المساواة، ونصر المظلوم، ورعى اليتيم، وآوى المسكين، ورحم ابن السبيل (1/18)
صفحة 19
ودعا الناس إلى القرب من الله، والعيش في رحابه في الدنيا لينالوا الرضوان في الآخرة.
وسيظل تاريخ هذا النبي العظيم مُحمد ()، خالداً خلود
الأبد، باقياً بقاء الدهر، مُدَوياً في الأذان، مُضيئاً كالصبح ساطعاً كالشمس، منيراً كالقمر، يتحدى الفناء، ويُغالب الأيام، ويُحارب الطغيان، ويقضي على الفساد
لقد كان (، المعلم الذي ترتقي إليه الأمة في سموها وتقدمها، والمؤدب الذي أيقظ في المُسلمين الوعي بالذات والمجتمع، ودعا إلى الأخلاق الفاضلة، وحث على التخلق بالآداب العظيمة، والصفات الحسنة.
فرسالته دعوة إلى الأخلاق، لأنه بعث متمما لها، لقوله (): " إنما بعثت متمماً مكارم الأخلاق "؛ ولذا - قال ربه عز من قائل): وإنك لعلى خلق عظيم (1)، أي: فوق خلق أهل العزم وغيرهم من أولياء الله
وسنل (: عن أكثر الأسباب الموجبة للجنة؟ قال: " التقوى وحسن الخلق "؛ وقال (ل)، لمعاذ بن جبل: " يا
(1) سورة القلم: 4. (1/19)
صفحة 20
مُعاذ، إتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسر ولعمري، أن من كانت منزلته عند بارئ السماء والأرض، وصفاته، وخلقه، كما وصفه تعالى: وإنك لعلى خلق عظيم) (1)؛ أو ينفر الناس عن ذكره، والإجتماع لقراءة
سيرة مولده ()
ومن تكريمه)
، من الله (ج)، وقد إحتج الإمام القسطلاني وغيره، بتفضيل ليلة مولده ()، على ليلة القدر
بأربعة أشياء
الأول: لأن ليلة مولده كانت قبل ليلة القدر، بل مولده كان أحد أسباب لوجودها، لأنه () سألها ربه، لما رأى قصر أعمار أمته، وأعطيت له.
الثاني: أن ليلة مولده)، كانت ليلة لظهوره)، وليلة القدر مُعطاة له، وما شرف بظهور ذات المشرف من
أجله، أشرف مما شرف بسبب ما أعطيه
الثالث: ليلة القدر شرفت بنزول الملائكة فيها؛ وليلة مولده تشرفت بظهوره)، ومن شرفت به ليلة مولده،
(1) سورة القلم: 4 (1/20)
صفحة 21
أشرف ممن شرفت به ليلة القدر
الرابع: ليلة القدر وقع التفضيل فيها على أمة محمد () وليلة مولده وقع فيها التفضيل على سائر الموجودات،
وهذا كله مبني على وجود ليلة القدر في زمانه () فقط، والجمهور على تفضيل ليلة القدر للنص في
ذلك
وكذا قال القاضي عياض: أن قبره)، أفضل بقاع) الأرض، وتدخل في ذلك الكعبة - شرفها الله -.
وأجاب بعض العلماء، على حوار وقع: هل الكعبة أفضل، أم الرسول (صلى الله عليه وسلم) أفضل؟
ولقد أحسن في تفصيل الجواب، حيث قال: أما شخصه)، فما من خلق خلقه الله أكرم عليه منه؛ وأما نفس تراب
القبر، فليس هو أفضل من الكعبة، ما من خير في الدنيا والآخرة أصابه المسلمون إلا من طريقه))
أيُمنع أبناء المسلمين عن الجلوس لذكره، وقراءة مولده
وهجرته، وإقتباس العلم من ذلك؟ ولعل هذا من الجفاء، إقصاء (1/21)
صفحة 22
أبناء المسلمين عن قراءة النشأة المحمدية الطيبة، الداعية على
حبه، والإقتداء بسيرته، فاعتبروا يا أولي الأبصار (1)
ومن العجيب: أن ندعي للإحتفالات الفارغة من الذكر، من بعضنا البعض، ونحضرها بكل أريحة ونشاط، وتنفر الناس عن مجلس ثتلى فيه سيرة مولده) وهجرته، بدعوى أنها)
بدعة. هذه فيها ذكر الله (ع)، والتضرع إليه، والسؤال له، بأن يُصلي على النبي ()؛ وفيها الصلاة والسلام الذي تحصل به عشر حسنات، وتمحي به عشر سيئات، وترفع به عشر درجات، والله يُضاعف بما يشاء لمن يشاء، ومع ذلك نقول: هذه البدعة السينة في أعين هؤلاء - سامحنا الله وإياهم -
وتلك الخالية من الذكر، مع تعظيم من شاء الله من الناس، من غير أولات الأمور، وتعرض عن كونها بدعة سيئة أو حسنة؛ وعلى المنصف أن يختار لنفسه، ويحكم في ذلك عقله،
وإن أفتاه الناس وأفتاه.
وبالجملة، هذا هو العجب العجاب من هؤلاء، والمسلم الحق
(1) سورة الحشر: 2 (1/22)
صفحة 23
دائماً وأبدأ حريص على ما يُقربه إلى الله، وإلى مرضاته، وعلى الإكثار من الحسنات، ومُضاعفة الأجر، وحط الأوزار.
وأي طريق أفضل للمُسلم، بعد التوحيد والفروض من مثل
هذه، قال تعالى: سابقوا إلى مغفرة من ربكم (1)؛ وقال: ابتغوا إليه الوسيلة (2)
وانظروا - رحمكم الله - إلى حرص الصحابة () ومسارعتهم إلى الخير، والتعرض لأبواب الفضل، ومُضاعفة الأجر، قالوا: يا رسول الله، ذهب أهل الدثور بالآجر، يُصلون كما تصلي، ويصُومُون كما نصوم، ويتصدقون بفضل أموالهم، فقال لهم):: " أليس لكم ما تصدقون، بكل تسبيحة صدقة ... إلخ " (3)؛ ففي الحديث صريح الغبطة من المسلم لأخيه، على عدم اللحوق به، والقصور عن إدراك ما أدركه
الثري من الأجور.
(1) سورة الحديد: 21.
(2) سورة المائدة: 35
(3) رواه البخاري، رقم الحديث: (807)، ج 1، ص 289؛ ومُسلم، رقم الحديث: (595)، ج 1، ص 416؛ وابن حبان، رقم الحديث: (838)، ج 3، ص 119؛ وابن خزيمة، رقم الحديث: (749)، ج 1، ص 368؛ والحاكم في المُستدرك، برقم: (928)، ج 1، ص 383؛ وأحمد، برقم: (20962)؛ وأبو يعلي، برقم: (6587)؛ والبيهقي، برقمي: (3102، 3104)؛ وفي شعب الإيمان، برقم: (617)؛ وفي الأدب المفرد، برقم:
(228) (1/23)
صفحة 24
وختاماً - ومُجمل القول: أنصح نفسي، وكل من بقلبه لمعة
من الإيمان، أن يقتدي بالصحابة، وأئمة المُسلمين، وأن يضع الأمور بمواضعها الصحيحة، فما كان من بدعة حسنة، فليأخذ بها، ويغتنم أجرها؛ وما كان من البدع السيئة، المُخالفة للكتاب والسنة، ومقاصد الشرعية، يجعل بينه وبينها البحر الأخضر وليكن كما قال الشاعر:
وكُن رجُلاً رجله في الثرى وهامة همته بالثريا وذلك أن يكون أعظم همه الدار الآخرة، وما يُدني إليها والمنافسة في طلبها، قال تعالى: وفي ذلك فليتنافس المتنافسون) (1)؛ والله يوفق الجميع لما فيه خير الدنيا
والآخرة.
أما إن كان في الإجتماع، لقراءة سيرة مولده ()،
المناكر والأشياء المحرمة، كالإختلاط وغيره، مما مُحرم شرعاً، فالترك أولى، لأن دفع المفسدة مقدم على جلب المصلحة.
أما إن خلي من ذلك، ففعله أولى، وإلى الله - إن شاء الله -
(1) سورة المطففين: 26. (1/24)
صفحة 25
أحب وأرضى، وذلك كما يعمل أهالي بلدنا عُمان، على مختلف المذاهب، لأن ذلك بمنتهى النزاهة عما لا يجوز، كما أنهم في
منتهى النزاهة عن تعظيم القبور، والمنة لله البر الشكور.
وهنا فلنذكر ثبذة مما شارك فيه فطاحل الأدباء:
لقد تنافس أبطال الشعراء بكل زمان، منذ بزغت شمس النبوة، في مديحه ()، ودفع كل منهم بما لديه من قوة خيال، ليصور به مقام النبوة، وما أتى الله نبيه من كرم، وسعة صدر، ومنتهى خلق، وبعد نظر؛ وبعد الجهد الكبير، يعود من ذلك كل بالنزر من النزر:
وما أحسن ما قاله صاحب البردة:
وأن فضل رسول الله ليس له
حد فيعرب عنه ناطق بفم
وقال الشيخ الخليلي، في وحي عبقريته:
أنت أنت العبد الذي خصـ
ه السيد قرباً وقربه إعلاء (1/25)
صفحة 26
مقعد دونه الأملاك حسرى
أنت فيه من نقطة الباء نور
أنت إنسانه وناموسه الأكبر
والنبيون أنت فيه اللواء
منه كل الأنوار والأضواء
واللمعة التي تنتضاء
وما أحرى بيت أبي الطيب بمقامه ()
وقلبه في الدُّنيا ولو دخلتا
ولو طالت الأيام وإمتد حبلها
وبالجن أيضاً ما درت كيف ترجع
تنازعه واد هناك وبلقع
وقال ابن حجة في بدعيته: محمد أحمد المحمود مبعثه
كل من الحمد تبين إشتقاقهم
عين الكمال كمال العين رويته
يا عكس طرف من الكفار عنه عمى (1/26)
صفحة 27
ياسين زادت على لقمان حكمته
وبان ترشيحه في أنوار القلم
به العصى أثمرت عزاً لصاحبها
موسى وكم قد محت عنوان سحرهم
كذا الخليل بتسهيم الدعاء به
أصابهم فتجى من حر نارهم
ومذهبي في كلامي أن بعثته
لو لم تكن ما تميزنا عن الأمم
تهذيب تأديبه قد زاده عظما
في مهده وهو طفل غير منفطم
أبدي البديع له الوصف البديع وفي
نظم البديع حلى ترداده بفمي
ومما ساهم فيه شعراء الجن - على ما روي عنهم - في
مدحه):)
جزى الله رب الناس خير جزاية
رفقين حلا خيمتي أم معبد (1/27)
صفحة 28
هما نزلا بالبر ثم ترحلا
فيا فوز من أمسى رفيق محمد
لقد خاب قوم غاب عنهم نبيهم
وقدس من يسرى إليه ويقتدى
ترحل عن قوم فضلت عقولهم
وحل على قوم بنور مجدد
هداهم به بعد الضلالة ربهم
وأرشدهم من يتبع الرشد يرشد
وهل يستوي ظلال قوم تسفهوا
عمايتهم هاد به کل مهتد
لقد نزلت منه على آل يثرب
ركاب هدى جلت عليهم بأسعد
نبي يرى ما لا يرى الناس حوله
ويتلوا كتاب الله في كل مسجد
وإن قال في يوم مقالة غائب
فتصديقها في اليوم أو في ضحى غد
ليهن أبا بكر سعادة جده
بصحبته من يسعد الله يسعد (1/28)
صفحة 29
وقال الأعشى:
وما لك عندي مُشتكي من كلالة
ولا من حفا حتى تلاقي محمدا
متى ما تناخي عند باب ابن هاشم
ترجي وتلقى من فواضله نداء
نبي يرى ما لا ترون وذكره
أغار لعمري في البلاد وأنجدا
له صداقات لا تغيب ونائل
وليس عطاء اليوم مانعه غدا (1/29)
صفحة 30
[صفحة فارغة] (1/30)
صفحة 31
الباب الثاني: في الأمر بالصلاة عليه
وما ورد في ذلك، وفي صيغ الصلاة عليه)
قال الله تعالى: إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين أمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما (1)؛ قال ابن عباس (رضي الله عنهما: يُصلون، أي: يُباركون.
وعن أبي العالية، قال: صلاة الله عليه: ثناؤه عليه عند الملائكة؛ وصلاة الملائكة عليه: الدعاء له) (2).
(2)
وعن ابن عباس (رضي الله عنهما: أن بني إسرائيل قالوا لمُوسَى (العلا): هل يُصلي ربك؟ فناداه ربه، قال تعالى: {يا مُوسَى، إن سألوك هل يُصلي ربك؟ فقل: نعم أنا أصلي وملائكتي على أنبيائي ورسلي}، فأنزل الله على نبيه (إن الله وملائكته يصلون على النبي) (1)
وعن ابن جريج، في قوله تعالى: إن الله وملائكته (1). قال: لما نزلت، جعل الناس يهنئونه () على هذه الآية.
(1) سورة الأحزاب: 56.
(2) رواه البخاري، في كتاب: التفسير "، ج 4، ص 1802 (1/31)
صفحة 32
وقال أبي بن كعب: ما أنزل فيك خير، إلا خلطنا به معك، إلا هذه الآية، فنزل قوله تعالى: وبشر المؤمنين (1)
وعن ابن عباس (رضي الله عنهما)، قال: في الآية، صلاة الله على النبي: هي مغفرته له، لأن الله لا يُصلي، ولكن يغفر؛ وأما صلاة الناس على النبي (صلى الله عليه وسلم): فهي الإستغفار
وعن ابن مسعود، أنه قرأ: صلوا عليه - كما صلى الله عليه وسلموا تسليما.
قال غيره من المفسرين للآية الشريفة، قال البخاري، قال أبو العالية: صلاة الله تعالى ثناؤه عليه عند الملائكة، وصلاة الملائكة الدعاء
قال ابن عباس (رضي الله عنهما: يُصلون»، أي:
يُباركون
وعن أبي العالية كذلك، ورُوي مثله عن الربيع، وقال أبو عيسى الترمذي، وغير واحد من أهل العلم، قالوا: " صلاة
الرب: الرحمة؛ وصلاة الملائكة: الإستغفار " (2)
(1) سورة البقرة: 223؛ سورة التوبة: 112؛ سورة يُونس: 87؛ سورة الأحزاب: 47؛
سورة الصف: 13
(2) سنن الترمذي: ج 2، ص 355، رقم الحديث: 485. (1/32)
صفحة 33
وعن عطاء ابن أبي رباح، في قوله تعالى: إن الله
وملائكته يصلون على النبي (1)، قال: صلاته تبارك وتعالى: سبوح قدوس، سبقت رحمتي غضبي، والمقصود من هذه الآية: أن الله)، أخبر عباده بمنزلة عبده ونبيه عنده في الملأ الأعلى، ويثني عليه عند الملائكة المقربين، وأن الملائكة تصلي عليه، ثم أمر الله تعالى أهل العالم السفلي بالصلاة والتسليم عليه، لجمع الثناء عليه من أهل العالمين، العلوي والسفلي جميعاً.
وقد أخبر)، أنه صلى على عباده المؤمنين، في قوله تعالى: {يا أيها الذين أمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً * وسبحوه بكرة وأصيلا * هو الذي يُصلي عليكم وملائكته (2)؛ وقال تعالى: {وبشر الصابرين * الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون * أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة (3)
وفي الحديث: " أن الله وملائكته يصلون على ميامين
الصفوف "
(1) سورة الأحزاب: 56
(2) سورة الأحزاب: 41 - 43. (3) سورة البقرة: 155 - 157. (1/33)
صفحة 34
وروي عن عليّ (كرم الله وجهه: أن رسول الله ()
قال: " صلوا عَليَّ حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني " (1)
وعنه (كرم الله وجهه، أنه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): " أرأيت قول الله (ع): إن الله وملائكته يصلون على النبي (2)، فقال: إن هذا هو المكتوم، فلولا أنكم سألتموني عنه ما أخبرتكم، إن الله) وكلَّ بي ملكين، لا أذكر عند عبد مُسلم فيُصلي عليَّ، إلا قالا ذلك الملكان: غفر الله لك، فيقول الله وملائكته جواباً لذلك الملكين: آمين؛ ولا أذكر عند عبد مسلم فلا يُصلي عليَّ، إلا قالا ذلك الملكان: لا غفر الله لك، فيقول الله وملائكته جواباً لذلك الملكين: آمين "؛ فلو لم يكن في الصلاة عليه إلا تأمين الله (ج) لدعاء الملائكة، لكفى به شرفاً
وفضلاً.
وعن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): " أكثروا من الصلاة عليَّ يوم الجمعة، فإنه مشهود، وتشهده الملائكة. وإن أحد يُصلي عَليَّ فيه، إلا عُرضت علي صلاته حتى يفرغ
(1) رواه أبو داوود، ج 2، ص 218، رقم الحديث: (2042)؛ وعبد الرزاق: برقمي: (4839، 6731)؛ ومسند علي بن أبي طالب، في البحر الزخار، ج 2، ص 147، برقم: (509)؛ وفي شعب الإيمان، ج 3، ص 491، برقم: (4162).
(2) سورة الأحزاب: 56 (1/34)
صفحة 35
منها "؛ قال: أبعد الموت؟ قال (: " إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء " (1)
وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): " لا تجعلوا بيُوتكم قبوراً، ولا تجعلوا قبري عيداً، وصلوا عليَّ فإن صلاتكم تبلغني حيث ما كنتم " (2)
وعن ابن عباس (رضي الله عنهما)، قال: قال رسول الله: " من صلى عليَّ في كِتاب، لن تزال صلاته جارية، ما دام إسمي في ذلك الكتاب "
وعن عبد الله بن مسعود: أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، قال: " إن لله ملائكة سياحيين في الأرض، يُبلغوني عن أمتي السلام " (3).
وعن أبي بكر الصديق (ه)، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): " صلوا عليَّ، فإن صلاتكم عليَّ زكاة لكم، واسألوا الله لي الوسيلة، فالوسيلة أعلى درجة في الجنة، لا ينالها إلا رجُل،
(1) رواه ابن ماجه، ج 1، ص 524، برقم: (1637) (2) رواه ابن داوود، ج 2، ص 218، برقم: (2042)؛ وأحمد، برقم: (8586)؛ وأبو يعلي، برقم: (469)؛ وعبد الرزاق، برقم: (6731)؛ وجاء في البحر الزخار، رقم الحديث: (509)، بقول: " لا تجعلوا قبري معبداً "؛ وفي شعب الإيمان، برقم:
(4162)
(3) رواه النسائي، ج 2، ص 43، برقم: (182)؛ والدارمي، برقم: (2672)؛ وابن حبان. برقم: (914)؛ والحاكم في مستدركه، برقم: (3576). (1/35)
صفحة 36
وأرجو أن أكون أنا ذلك الرجل " (1)
أيُّها القارئ الكريم: هذه الأدلة يُؤيد بعضها بعضاً، على الإجمال؛ ومن المعلوم أن فيها الضعيف وغيره، لكن فيها ما هو قطعي الدلالة، فأي مسلم يرغب عن الصلاة على من صلى عليه جبار السماوات والأرض، وأمر ملائكته على ما هم عليه من الكثرة بالصلاة عليه، وأمر من في الأرض أيضاً، أو ينهى عن الإجتماع لها، وعن قراءة سيرة مولده) وهجرته، والله) من فوق سبع سماوات يُصلي عليه، وملائكته على كثرة أعدادهم، وإختلاف هيأتهم وعبادتهم، يُصلون، والمُؤمِنُون على إختلاف عصورهم، وصورهم، وحالاتهم، يُصلون عليه
""
أيرضى من بقلبه نفحة إيمان لنفسه، أو يرضاه للمسلمين؛ " بدأ الإسلام غريباً، وعاد غريباً " إنا لله وإنا إليه راجعون)) (1).
قال: " لا يُؤمن أحدكم، حتى يكون هواه تبعاً لما جنت به "؛ فمما جاء به: الأمر بالصلاة عليه - كما قال: حيثما
(1) رواه الإمام أحمد في المسند، برقم: (8552)؛ وأبو يعلي، برقم: (6414) (2) سورة البقرة: 156. (1/36)
صفحة 37
كنا - ولم يخص بها زمانا ولا مكاناً، إلا ما جاء في وجوبها في الصلاة، وما هو مثلها ووظائفها: فاعتبروا يا أولي الأبصار (1)، ولا ترغبوا عن مثل هذه الفضيلة لأقوال الرجال؛ قال): " لا يُؤمن أحدكم، حتى أكون أحب إليه من والده
وولده "
صيغ الصلاة الواردة في السنة:
عن كعب بن عجزة (ه)، قال: لما نزل قوله تعالى: {إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين أمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) (2)، قلنا: يا رسول الله، قد علمنا السلام عليك، فكيف الصلاة عليك؟ قال (): " قولوا: اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد؛ وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد
مجيد
(3)
(1) سورة الحشر: 2. (2) سورة الأحزاب: 56
(3) رواه البخاري؛ ومُسلم؛ وأبو داوود؛ والترمذي؛ والنسائي، في: " المجتبي "؛ وابن ماجه؛ ومالك؛ والدارمي؛ وابن حبان؛ وابن خزيمه؛ والحاكم في: " المستدرك ". (1/37)
صفحة 38
وسمع عن ابن عباس (رضي الله عنهما)، أنه قال: قال:
يا رسول الله، قد علمنا السلام عليك، فكيف الصلاة عليك؟ فقال): " قولوا: اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد؛ وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد
وعن رجل من أصحاب النبي ()، كان يقول: (اللهم صلي على محمد، وأهل بيته، وعلى أزواجه، وذرياته، كما صليت على إبراهيم، وآل إبراهيم، إنك حميد مجيد) (1).
وعن كعب بن عجزة (ه)، قال: قال رجل: يا رسول الله، أما السلام عليك فقد علمناه، فكيف الصلاة عليك؟ قال (): " قل: اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم، إنك حميد مجيد " (2)
وعن أبي هريرة (ه)، عن النبي (صلى الله عليه وسلم)، أنه قال: " من
(1) رواه مسلم، برقم: 407)؛ وعبد الرزاق، برقم: (3103). (2) رواه البخاري، برقم: (4519)؛ والترمذي، برقم: (483)؛ والنسائي، في: " المجتبي "، بأرقام: (1287، 1288، 1293)؛ وابن ماجه، برقمي: (903، 904)؛ وابن حبان، برقم: (1964)؛ وأحمد، بأرقام: (11041، 17638، 17639، 17661)؛ وأبو يعلي، برقم: (652)؛ وعبد الرزاق، برقم: (3105)؛ والبيهقي، برقم: (3045). (1/38)
صفحة 39
سره أن يكتال بالمكيال الأوفى، إذا صلى علينا أهل البيت، فيقل: اللهم صلي على النبي، وأزواجه، وذريته، وأهل بيته، كما
صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد " (1)
(1) رواه أبو داوود، برقم: (982)؛ وعبد الرزاق، برقم: (3196)؛ والبيهقي، برقم:
(2937) (1/39)
صفحة 40
[صفحة فارغة] (1/40)
صفحة 41
الباب الثالث: في فضل الصلاة عليه
قال السخاوي في البدع: أن الصلاة والسلام عليه) أفضل من زكاة المال الواجبة، لأنها فعلها الله)، وأمر بها ملائكته، وسائر عباده عُموماً؛ والزكاة أوجبها على عبده وحده، إذا كان له نصاب، ولهما فضل لا ينتهي، لأن معنى الصلاة عليه (): التضرع إلى الله (ع)، بأن تزاد له) الرحمة، كما قال): " إسألوا الله لي الوسيلة "، فهو (
ينتفع بالصلاة عليه
وأخطأ من قال غير ذلك، لأن المصلي عليه يقول: يارب إفعل له كذا، وكيف يأمرنا أن نقول ذلك بدون أن يُعطاه له، بل جميع أعمال أمته في صحيفته، من غير أن ينقص من أجرهم شيء، لأنه () هو منبع كل خير بالدنيا والآخرة، ولا يُجاء به إلا عن طريقه)، وفي ذلك تعريض من العبد الداعي،) لعله يُؤدي بعض ذرات الملايين من حقه)، الذي لا مطمع) فيه، ولا يُكافيه إلا الله وحده عن عباده المؤمنين؛ وفيه إمتثال لأمر الله بالصلاة عليه، وفيه التذلل والخضوع لرب السماء والأرض، الذي بيده مقاليد الأمور كلها، المُعِز لمن يشاء، (1/41)
صفحة 42
والمذل لمن يشاء، سُبحانه من كبير مُتعال، المنفرد بالجلال والكمال؛ ولأن للشيخ ما يفعله التلميذ، وتلميذ التلميذ، وهكذا، لأن الأول كان السبب للثاني، وهكذا.
وقال ابن عباس (رضي الله عنهما: لما نزل قوله تعالى: إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين أمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) (1)، قال المُهاجرون والأنصار (): هذا لك يا رسول الله خاصة، وليس لنا فيه شيء؛ فأنزل الله تعالى، قوله عز من قائل: هو الذي يُصلي عليكم وملائكته ليُخرجكم من الظلمات إلى النور وكان بالمؤمنين رحيما * تحيتهم يوم يلقونه سلام وأعد لهم أجراً كريماً (2)
وهذا مما لا شك فيه أنه جاء مؤكداً أن بعثته)، أعظم رحمة لأمته، وأوسع بوابة لهم، على خير الدنيا والآخرة، قال تعالى: وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) (3).
)، عدد الذرات، والنجوم، والنيازك، والمجرات، والأحجار، وأوراق الأشجار، والنسمات، والأطيار، والأصواف
(1) سورة الأحزاب: 56
(2) سورة الأحزاب: 43 - 44.
(3) سورة الأنبياء: 107. (1/42)
صفحة 43
والأوبار
، وعدد ملائكته الجبار، ما كور الليل على النهار وأيضا عن أبي بكر الصديق (ه)، قال: كنت عند النبي)، فجاءه رجل فسلم، فرد النبي (صلى الله عليه وسلم) وسلم، وأطلق وجهه له، وأجلسه إلى جانبه، فلما قضى الرجل حاجته ونهض،
قال النبي (): " يا أبا بكر، هذا الرجل يُرفع له كل يوم كعمل
أهل الأرض "؛ قلت: ولم ذاك؟ قال ():
إنه كلما أصبح
صلى عليَّ عشر مرات، كصلاة الخلق أجمع "؛ قلت: وما ذاك؟ قال): " يقول: اللهم صل على محمد النبي، عدد من (صلى عليه من خلقك، وصل على محمد النبي، كما ينبغي لنا أن نصلي عليه، وصل على محمد النبي، كما أمرتنا أن نصلي
عليه "
وعن أبي طلحة (ه)، قال: دخلت على النبي (صلى الله عليه وسلم)، ووجدته مسروراً، وقلت: يا رسول الله، ما أدري متى رأيتك أحسن بشراً، أو أطيب نفساً من اليوم؟ قال (): " وما يمنعني، وجبريل خرج من عندي، وبشرني أن لكل عبد صلى علي صلاة، يُكتب له بها عشر حسنات، ويُمحى عنه عشر سيئات، ويُرفع له بها عشر درجات، وتعرض علي كما قالها، (1/43)
صفحة 44
ويُرد عليه بمثل ما دعا " (1)
وقوله (): " إن الله) وكلَّ بي ملكين، لا أذكر عند عبد مسلم فيُصلي عليَّ، إلا قالا ذلك الملكان: غفر الله لك، فيقول الله وملائكته جواباً لذلك الملكين: آمين؛ ولا أذكر عند عبد مسلم فلا يُصلي عليَّ، إلا قال ذلك الملكان: لا غفر الله لك، فيقول الله وملائكته جواباً لذلك الملكين: آمين "
وعن أنس بن مالك (ه)، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): إن أنجاكم يوم القيامة من أهوالها ومواطنها، أكثركم علي في دار الدنيا صلاة، وأنه قد كان في الله وملائكته كفاية، ولكن خص المؤمنين بذلك ليثبهم عليه "
وعن أبي بكر الصديق (ه)، قال: الصلاة على النبي
أمحق للخطايا من الماء البارد؛ والسلام على النبي أفضل من عتق الرقاب؛ وحب النبي) أفضل من مهج الأنفس؛ أو قال: من الضرب بالسيف في سبيل الله.
وعن أنس بن مالك (ه)، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) " إن أقربكم مني يوم القيامة في كل موطن، أكثركم علي صلاة
(1) مصنف عبد الرزاق، ج 2، ص 214، برقم: (3113). (1/44)
صفحة 45
في الدُّنيا، ومن صلى عليَّ يوم الجمعة وليلة الجمعة مائة مرة، قضى الله له مائة حاجة، سبعُون منها من حوائج الآخرة، وثلاثون من حوائج الدنيا، ثم يُوكل الله بذلك ملكا يُدخله في قبري، كما تدخل عليكم الهدايا، ويُخبرني من صلى عليَّ " (1).
وقال (): " من صلى علي عند قبري سمعته، ومن صلى علي نائياً، كُفي أمر دنياه وآخرته، وكنت له شهيداً وشفيعاً يوم القيامة " (2)
وعن أبي هريرة (ه)، قال: قال رسول الله
" أكثروا الصلاة عليَّ يوم الجمعة، فإنها معروضة عليَّ " (3)
وقيل في تفسير قوله (ل): ولا يشفعون إلا لمن ارتضى (4): ومن أسباب الإرتضاء: الصلاة والسلام على رسول الله (صلى الله عليه وسلم)
قال ابن فرحون القرطبي: في الصلاة عليه)، كرامات عشر: صلاة الملك الجبار؛ وشفاعة النبي المختار؛ والإقتداء
(1) شعب الإيمان، ج 2، ص 111، برقم: (3035).
(2) شعب الإيمان، برقم: (1583).
(3) شعب الإيمان، برقم: (3030).
(4) سورة الأنبياء: 28 (1/45)
صفحة 46
بالملائكة الأبرار؛ ومُخالفة المنافقين والكفار؛ ومحو الأوزار؛ وقضاء الأوطار؛ وتنوير الظواهر والأسرار؛ والنجاة من دار
البوار؛ ودخول دار القرار؛ وسلام الرحيم الغفار.
وعن بعض أهل العلم: أن الصلاة عليه)، فيها إثنتان وأربعون فائدة: إمتثال أمر الله تعالى؛ وموافقته تعالى في الصلاة عليه؛ وموافقة الملائكة فيها؛ وعشر صلوات من الله تعالى؛ ورفع عشر درجات؛ وعشر حسنات؛ ومحو عشر سيئات؛ وإجابة الدعاء؛ وشفاعته ()؛ وغفران الذنوب؛ وستر العيوب؛ وكفاية ما هَمَّ؛ والقرب منه ()؛ وقيامها مقام الصدقة؛ وقضاء الحوائج؛ وطهارة المصلي؛ والتبشير بالجنة قبل الموت؛ والنجاة من أهوال القيامة؛ ونفي الفقر؛ ونفي البخل، إذا صلى عليه عند ذكره)؛ والنجاة من رغم الأنف، الذي دعي به () لمن لم يصل عليه عند ذكره؛ وإتيانها بصاحبها إلى الجنة؛ والنجاة من نتن المجالس، أي: إذا لم يذكر مع إسمه)؛ وإتمام الكلام المبدوء بإسم الله تعالى؛ وسرعتها إلى الجنة؛ والنجاة من أن يكون جافياً له؛ وإلقاء الله تعالى عليه بالثناء الحسن بين السماء
والأرض؛ وسبب الرحمة؛ وسبب البركة؛ ودوام محبته () (1/46)
صفحة 47
وزيادتها في قلبه؛ ومحبته () لعرضه وذكره عنده)؛ (وتثبيت القدم؛ وأداء القليل من حقه ()؛ وشكر نعمة الله تعالى عليه به)؛ وشكراً الله تعالى ومعرفة إحسانه؛ والدعاء له ()؛ والدعاء لنفسه؛ وإطباع صورته) في صدره؛ وقيام الإكثار منها مقام الشيخ.
قال (: " أولى الناس بي، أكثرهم صلاة عليَّ " (1).
وقيل في بُغية المسترشدين: إذا قال الشخص: اللهم صل وسلم على سيدنا محمد؛ أو قال: سُبحان الله (ألف مرة)، أو عدد خلقه؛ فقد جاء في الأحاديث مما يُفيد حصول ذلك الثواب المرتب، على ذلك العدد المذكور، كما صرح بذلك ابن حجر، وتردد فيه محمد الزاملي.
قال القطب (به): وليس هذا من باب الأجر على قدر
نصيبك، بل هو من باب زيادة الفضل الواسع، والجود العظيم
قال الشيخ سليمان جمل، في حاشيته على المنهج: قال بعض مشايخنا عند قول الفاكهاني في شرح القطر: صلوات الله
(1) رواه الترمذي، برقم: (484)؛ وابن حبان، برقم: (911)؛ وأبو يعلي، برقم:
(5011)؛ وفي شعب الإيمان، برقم: (13). (1/47)
صفحة 48
بعدد حبات الأرض، وقطر الندى؛ وقلت: هل يُكتب بهذا اللفظ: صلوات الله بعدد حبات الأرض، وقطر الندى؛ قلت: أخرج ابن
شكوال، أنه ()، قال: " من صلى علي خمسين مرة، القيامة " (1) يوم
صافحته
وذكر أبو الفرج، رواية عن أبي مُظفر: أنه سئل عن كيفية ذلك؟ فقال: إن قال: اللهم صل على محمد خمسين مرة، أجزاه
إن شاء الله تعالى؛ وإن كرر ذلك فهو أحسن.
ويُؤيده ده، أنه ()، لما دخل على بعض نسائه (2)، فرأها تسبح وتعد بالحصى، قال): " لقد قلت كلمة، عدلت (جميع ما قلت: سبحان الله وبحمده عدد خلقه "؛ فإنه نص في أنه من قال: اللهم صل على محمد ألف مرة)، أو عدد خلقه، يُكتب له هذا اللفظ: صلوات عدد الألف والخلق، وسلموا تسليما (3)؛ ادعوا له بالسلامة من النقائص والآفات، تقول: اللهم سلم على النبي، أو السلام عليكم أيها النبي، أي: السلامة، أو السلام: إسم الله (وَجَلّ)، أي: مُداوم على حفظك، أو حفظ
(1) لم أجده بهذا اللفظ (2) هي: أم المؤمنين السيدة جويرية بنت الحارث رضي الله عنها). (3) سورة الأحزاب: 56. (1/48)
صفحة 49
وعدم
السلام ثابت عليك، أو السلام: الإنقياد من الناس، والإقبال المخالفة؛ ومعنى قول الله (ل): {السلام عليك}: إخبار بالخير، أو المعنى: أريد لك الخير، أو معنى: اللهم سلم على النبي، أو قل: السلام على النبي، أو أوجد السلامة له، أو سلمه عن النقائض، أو مما يكره، ولا يلزم أن نقول في تسليمنا عليه: تسليما (1)، بل ذكره الله (ع) تأكيدا لذكره)) لا لذكره تأكيداً له تعالى
قال القطب (ه)، في تفسير قوله تعالى: والله يرزق من يشاء بغير حساب) (2)، قال: (ومن قارب فراغ عُمره، ويُريد أن يُستدرك ما فاته، فليشتغل بالأذكار الجامعة، فتصير بقية عُمره القصيرة طويلة، مثل: أن يقول: سبحان الله عدد الحصى، أو سُبحان الله عدد ذرات الأجسام والأعراض؛ وكذا من فاته كثرة الصيام والقيام، يشتغل بكثرة الصلاة والسلام على رسول الله ()، وعلى آله، فإن من فعل في جميع عُمره كل طاعة، ثم صلى عليه () صلاة واحدة، رجحت تلك الصلاة الواحدة، على كل ما عمله في جميع عُمره من الطاعات، لأنك تصلي على قدر وسعك، وهو يُصلي على حسب ربوبيته، فكيف
(1) سورة الأحزاب: 56
(2) سورة البقرة: 212؛ سورة النور: 38. (1/49)
صفحة 50
بصلوات؟ ومن صلى عليه صلاة واحدة، كفاه الله تعالى هَمَّ الدُّنيا
والآخرة ... إلخ)، أهـ
فبالله عليكم، هل يرغب عاقل عن مثل هذه الفضائل، متذرعاً بغطاء، أنه () لم يأمر بها، أو لم يفعلها، وإنها ـ والعياذ بالله - من البدعة السيئة.
وللأسف العظيم، أنهم يتجاهلون عمومات الأدلة، كالحديث القدسي: {ولازال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ... إلخ}؛ وحديث الأعربي، القائل له): هل غيرها؟ وأجابه): " بلا، إلا أن (تتطوع "؛ وحديث: " أعينوني على أنفسكم بكثرة الصلاة "؛ وفي رواية: " بكثرة السجود "
وناهيك بالآيات الكثيرة الواردة بهذا المعنى، كقوله (ع): اذكروا الله ذكراً كثيراً) (1)؛ وقوله (ع): والذاكرين الله كثيراً والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما} (2)
(1) سورة الأحزاب: 41 (2) سورة الأحزاب: 35 (1/50)
صفحة 51
الباب الرابع: في الحث على قراءة
تلك السيرة المعروفة بالمولد
وأن من المهم جداً، أن نسرد في ليلة مولده)، من سيرته، الجامعة لأخلاقه الكريمة، وغزواته التي هي دستور الكمالات، ووسائل الدِّين، ومناهج السعادة، وأسس التشريع، فبهذا يفهم عامة الناس روح الإسلام، وشيئاً في حقائق التنزيل وهي تلم بشيء ليس باليسير من كمالاته ()
وما أحسنها من فرصة، أن يسمع فيها المجتمع من سائر
طبقات الأمة، تلك الكمالات النبوية، التي تكسب النفوس هداية وإعتزازاً، وإفتخاراً، بسيد الأولين والآخرين، وتأثيراً مما يبدوا من غضون السيرة المصطفوية، من اللغات العالمية، والتفاني في إظهار كلمات الله وإعتلائها، وإعلاء شأنها للأمة، ولا سيما في مثل هذه العصور، التي تأتي فيها زحوف الغرب والشرق على الإسلام، من كل حدب وصوب، وتحشد كل ما لديها من وسائل الإحتيال والخداع، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره
الكافرون) (1).
(1) سورة التوبة: 32. (1/51)
صفحة 52
ولعل المنفرين عن قراءة هذه السيرة ليلة مولده، رأوا أن ليلة مولده هي ليلة وفاته ()، ومن غير اللائق والمناسب، الإحتفال بموت سيد العالمين، لما يوهمه الحال من أن المسلمين فرحون بموته ()، إلى ما يترتب على ذلك، وهذا الوجه ليس بمكان في الحق، وبحبوحة عن الصواب.
لكن الصواب الذي لا جدال معه ولا مرية تخالطه، أن موته)، كان يوم الثالث عشر من ربيع الأول - على الأصح - وبهذا إنجلى الحق، وزال الوهم، والحمد الله في البدء والختام. ولذا - كان الإحتفال بمولده راجحاً عند أكثر عُلماء الأمة، بعد مُضي القرون الثلاثة الأولى، وذلك لما فيه من التذكير للنفوس بسنته)، وإحياء ذكره، وغرس محبته في قلوب العامة من الناس، وفي ذلك الخير العظيم، وفيه مما لا يخفى على ذوي
الألباب
ولعمري إنه من أكبر الخطوات إلى الهداية، وفتح منهاج الرشد للنفوس، أن يُلقى إليها من سيرة الرسول (صلى الله عليه وسلم)، ما صح منها، وما تضمنه قوله تبارك وتعالى: وإنك لعلى خلق
عظيم (1)
(1) سورة القلم: 4. (1/52)
صفحة 53
وذلك الخلق الذي كان عليه سيد العالمين، وقائد الخير، وهادي الأمة، وماحي الشرك، ومحمود الفعال، وسفير الله إلى الثقلين، وخاتم النبيين، وجاء: شاهداً ومُبشراً ونذيراً * وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً (1)
فناهيك أن تلك الأخلاق، التي رفع بها البشرية من حضيض الوثنية، إلى عبادة الواحد الأحد، الفرد الصمد، وأفاض منها على الأمة العربية، وسائر الأمم، ما إهتز له العالم، وأحدث بها أكبر إنقلاب، من وضعية البشر، إلى توحيد الديان، وأعطى العقول حرية البحث، وإكتشاف آيات الله في خلقه، وكمال قدرته، وعظيم جلاله الباهر، حتى بلغت على أسمى المدنية، وأكبر النظم الكفيلة لعمران الأرض.
ففي سيرته)، كل ما تسعد به الأمة في حياتها الإجتماعية والسياسية، والحاجة إلى سرد تلك السيرة اليوم، أشد الناس إحتياجاً إليه مما قبل، ولتجديد الحياة الإسلامية في النفوس، لا سيما وقد إنتشرت السموم الأجنبية، وإتسعت المسافة بين الخلف والسلف، وذلك هو الذي يترك في النفوس الأثر الحسن، والجلال بالروعة التي قصدها العلماء بتدوين
(1) سورة الأحزاب: 45 - 46. (1/53)
صفحة 54
الموالد، ولترسيخ محبة النبي () في القلوب، وليُنشئ، بل ويُحي فيها حُب الإقتداء بسنته، والإهتداء بهديه ()
ولا شك بأن في الإحتفال بذكرى مولد رسول الله)، فيه شيء من المحافظة على مجد الإسلام، وإحياء عزه، وإظهار السرور بالمصطفى - سيد ولد آدم وتجديد ذكره في قلوب الأمة.
وحقاً علينا ذلك، لما فيه من الشكر للنعمة، بوجوده))،
ونعمة الإيمان والإسلام، لأن وجوده) من أعظم الأسباب في ذلك، ولا سيما في ذلك من بعض أداء حقه علينا معشر المسلمين، إذ شكر المنعم واجب
وظهور نعمة النبي () من أعظم النعم على الخلق، وهو نبي الرحمة، وقائد الخير الذي جاء على البشر بالنور والكتاب
المبين
وقد إشتركت الأمم جميعها في أخذ تعاليمه، وإقتباس سيرته؛ أما غير أمة الإستجابة: فقد أخذت الكثير من تعاليمه، كالأمنة، وإغاثة المنكوبين، وإسداء المعروف للفقراء والمساكين، وعدم الإجهاز في الحروب على المجروحين، وفي
غير ذلك (1/54)
صفحة 55
أما أمة الإستجابة: إستجابت لدعوته، وتعلقت بدينه
وخلعت عنها ما سواه، كما خلعت عنها ربقة العبودية، التي كانت مغلولة بها من قبل ملوكها، وخرقت سدود التقليد والجهل، اللذان كانا مُحيطين بها، فهرعت إلى العلوم والفنون، والأخذ بالقوة التي بها عماد التمكين، والسلطان، والمدنية.
لذا - كان ظهوره) نعمة للعالمين.
( (1/55)
صفحة 56
[صفحة فارغة] (1/56)
صفحة 57
الباب الخامس: في تقسيم البدعة
البدعة (بكسر الباء المعجمة)، لغة: هي ما إستحدث الناس؛ وشرعاً: هي على قسمين: بدعة حسنة: وهي التي لم تخرج
عن مدلول الكتاب، أو السنة، أو الإجماع، ولا عن مقاصدهما؛ وبدعة سيئة: وهي ما جاءت مُعارضة لمدلول الكتاب، أو الإجماع، أو السنة، أو مقاصدهما؛ وسيأتي - إن شاء الله تعالى - بيان كل واحد منها، مفصلاً في محله
والقول بالتقسيم للبدعة، هو الحق الذي لا غبار عليه، ولا إشكال معه، بل البدعة الحسنة تندرج تحت إسم السنة، لحديث النبي (): " من سن سنة حسنة فله أجرها " (1)
وليس الأمر كما قال بعض العُلماء المغالين، ونص عبارتهم بالحرف الواحد: (وإنهم بتقسيمهم البدعة فتحوا للبدع والمحدثات الباب على مصراعيه)، أهـ
ولعمري، لا أدري من بذلك يعنون، وعلى من في ذلك
(1) صحيح مسلم، برقم: (1017)؛ سنن النسائي، في المُجتبي، برقم: (2554)؛ وابن ماجه، برقم: (203)؛ والدارمي، برقمي: (518، 520)؛ وابن حبان، برقم: (3308)؛ وابن خزيمة، برقم: (2477)؛ واحمد، برقم: (18675)؛ والبيهقي، برقم: (27834). (1/57)
صفحة 58
يردون، أعلى حامل لواء الرسالة ()، حين قال: " من سن سنة حسنة فله أجرها ... إلخ "؛ وحين أقر من شاء الله من الصحابة على ما أحدثوه من أبواب الخير، وصار من بعد سنة متبعة، وهدياً حميداً، أم على الصحابة ومن بعدهم من علماء
الأمة؟
وإليك - أيها القارئ الكريم - ما جاء عن الخلفاء الراشدين، وعن كبار علماء الصحابة، الذين قال فيهم): " أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم "؛ وقال () - أيضا -: عليكم بهدي ابن أم عبد
قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب (ه)، في موسوعته: البدعة هي ما إستحدث في الدِّين، وحكمها يختلف حلاً وحراماً بإختلاف أنواعها.
وهذا ما يدعونا لبيان أنواع البدعة: فهي عند عمر الله على نوعين: حسنة وسيئة.
بطي
أما البدعة الحسنة: فهي التي لم تخالف نصاً شرعياً، فكما تراه (ه)، عرف البدعة الحسنة كهذه، لأنها لم يرد نصا بالنهي عن قراءة المولد الشريف، حتى يُقال: خالفت نصاً (1/58)
صفحة 59
شرعياً، وهي موجودة بها أنواع من مقاصد الشريعة بعدة جوانب، وجعل من البدعة الحسنة: الزيادة في صلاة التراويح عن ثمان ركعات لمن أحب؛ وقال: صلاها أبي بن كعب عشرين ركعة في عهد عُمر، فلم ينهه عُمر عن ذلك؛ وكصلاة التراويح بالجماعة الواحدة، وقد إستحسن عُمر ذلك؛ وقال: نعمت البدعة (1)، مع أن رسول الله (صلاها ثمان ركعات، وصلاها الناس على عهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فرادى وجماعات
متفرقة.
أما البدعة السيئة: فهي التي تخالف نصاً شرعياً، أو مقصداً من مقاصد الشريعة، وهي التي يقول فيها): " كل بدعة ضلالة " (2)
وكما تراه (ه) قيد البدعة السيئة بما خالفت نصاً شرعياً، أو مقاصد الشريعة
(1) وكما تراه - أيها القارئ الكريم - فإن عُمر بن الخطاب (ه)، موه بهذه البدعة، وأعلى مكانتها، تنبيها على أن من البدعة ما هو بمكان من الشريعة الغراء، كالآذان الأول للجمعة، وتدوين الحديث وعلومه، والقرآن الكريم وتفاسيره، والأصول ومباحثه، والفقه وفروعه، والأدعية، والخطب، وإنما سماها بدعة، لإعتبارها اللغوي فقط
(2) رواه مسلم، برقم: (867)؛ وأبو داوود، برقم: (4607)؛ والترمذي، برقم: (2677)؛ والنسائي في المُجتبي، برقم: (1578)؛ وابن ماجه، بارقام: (42، 45، (46)؛ والدارمي، برقمي: (95، 210)؛ وابن حبان، برقم: (10/ 5)؛ وابن خزيمة، برقم: (1785)؛ والحاكم في المُستدرك، برقم: (329)؛ وأحمد، برقم: (13924)،
وغيرهم. (1/59)
صفحة 60
وكتب عُمر بن الخطاب (ه) إلى أهل البصرة: (أن لا تجالسوا ضبيغاً، لأنه إبتدع في الإسلام أشياء، خالفت النصوص
من مقاصد الشريعة، بعد أن أدبه عليها، وإنما أمرهم بذلك
لئلا يفسد جلساؤه بآرائه الفاسدة؛ ولكن عندما كتب إليه أبو مُوسى الأشعري، أنه قد حسنت حاله، كتب عُمر إليه بالإذن بمجالسته)، إنتهى ما أردنا نقله عنه (ه).
وقال الخليفة الأول أبو بكر الصديق (ه)، في تعريف البدعة، قال: هي الأمر المُحدث في الدِّين، ولم يكن عليه الصحابة والتابعون، ولا يتفق مع أهداف الشريعة، ولذلك فقد خطب الناس في يوم من الأيام، وقال فيها: (أنه لا يحل أن يكون للمُسلمين أميران في حوزة، فإنه مهما يكن ذلك، يختلف أمرهم وأحكامهم، وتتفرق جماعاتهم، ويتنازعون فيما بينهم، وفي هذا ترك للسنة، وظهور للبدعة، وبه تعظم الفتنة)، إنتهى كلامه (ه).
وهذا الكلام صريح، أنه إن وُجد أميران في وقت واحد، بمكان واحد، هو نوع من البدعة السيئة، لأنه مناف لمشروعية الخلافة في الأرض، ويُؤكد ذلك ما وقع يوم السقيفة بين المهاجرين والأنصار ()، أ هـ. (1/60)
صفحة 61
قال الخليفة عثمان بن عفان، في تعريف البدعة، قال: هي الأمر المحدث في الدِّين، إذا كان لا يتفق مع مبادئ الشريعة، ولا
يُحقق أهدافها؛ أما إذا كان يُحقق أهدافها، فلا يكون بدعة.
وإنطلاقاً من هذا الفهم في البدعة، فإن عثمان قد زاد آذاناً
آخر، غير الآذان الذي كان يُؤذن به على عهد رسول الله (في الجمعة، وفي عهد الخليفتين من بعده، وإستمر العمل عليه
بمشارق الأرض ومغاربها، لأنه نظر إلى الهدف من الآذان ووجد أنه إعلام بالوقت، ونظر ووجد أن المدينة المنورة قد إتسعت، وأن الآذان الذي يُؤذن في المسجد لا يبلغ من كان بأطراف المدينة المنورة، فأمر بآذان آخر، تحقيقا للهدف الذي من أجله شرع الآذان، وهو الإعلام، ولم يعتبر أحد من الصحابة عمل عثمان هذا بدعة مذمومة، بل إستحسنوا ذلك، وإستمر عليه العمل بجميع أقطار الإسلام.
قال عبد الله بن عُمر (رضي الله عنهما)، في تعريف البدعة،
قال: ما لم يتفق مع مقاصد الشريعة الإسلامية؛ وكان (ه)
يرى أن ما أحدثه الناس في الدين على نوعين:
نوع حسن: وهو الذي لا تترك فيه سنة، ويتفق مع مقاصد (1/61)
صفحة 62
الشريعة؛ ومن ذلك عند ابن عُمر (رضي الله عنهما: صلاة
الضحى، وهو يرى عدم ثبوتها عنه ()، فهي بدعة عنده، ولكنه يقول: هي من أحب ما أحدث الناس؛ ومن ذلك: طلاء العانة والإبط بالنورة، لإزالة الشعر منهما، وقد كان يفعل ذلك، لأن هذا لم يُخالف نصاً
أما السيء: فهو الذي يُخالف السنة، ويناقض مقصداً من مقاصد الشريعة، كإيقاع الطلاق ثلاث مرات بدفعة واحدة، لأن الشارع الحكيم، جعل الطلاق ثلاث مرات بثلاثة أطهار، وأعطى الزوج فرصة للتروي، حرصاً منه على إعادة الوئام، وتحاشياً عن التفريق بين الزوجين؛ وفي إيقاع طلقات ثلاثاً بمرة واحدة مناقضة واضحة لمقصد الشارع، من جعل الطلاق ثلاث مرات.
ومن ذلك أن ابن عُمر (رضي الله عنهما)، قال لمن قال له: أني طلقت إمرأتي مائة مرة؛ قال: من إسمك؟ قال: مُهر؛ قال: بل أنت مُهير، تؤخذ منك ثلاث، وسبعة وتسعون يُحاسبك الله بها القيامة، وكذا بقية صُور الطلاق البدعي، ومن ذلك: الطلاق
يوم
في الحيض، والنفاس، وفي طهر أصابها فيه، إلى غير ذلك.
ومما جاء عن ابن مسعود (ه) في تعريف البدعة، قال: (1/62)
صفحة 63
البدعة كل ما إستحدث في الدِّين، مما لا يتفق مع مقاصده؛ والبدعة عنده على نوعين:
البدعة السيئة: وهي كل ما إستحدث مما خالف الدين، ويتناقض مع أهدافه؛ ومما إعتبره ابن مسعود بدعة سيئة: جلسة الإستراحة قبل القيام إلى الركعة، لأنها زيادة في هيئة الصلاة؛ والطلاق البدعي.
وأما البدعة الحسنة: فهي كل ما إستحدث مما يُحقق أهداف الدِّين ومقاصده؛ وجعل من ذلك ابن مسعود (ه): غسل الدبر والذكر بالماء، لأنه عنده بدعة، ولم تثبت عنده سيئة، وكذا صلاة الضحى عنده بدعة حسنة، أ هـ.
ومما يُروى عن عليّ بن أبي طالب كرم الله وجهه): أنه مر برجل يُصلي قبل صلاة العيد، فقال له: لولا أني أخاف أن أدخل تحت قوله تعالى: {أرأيت الذي ينهى * عبدأ إذا صلى} (1)، لنهيتك عن هذه الصلاة؛ فكأنه رأى أنها بدعة، لم تخرج عن مقاصد الدِّين، ولذا ترك الرجل وصلاته.
وقال سماحة الشيخ أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي - مفتي
(1) سورة العلق: 9 - 10. (1/63)
صفحة 64
عام السلطنة - أدام الله بقاءه): (إن من السنة الحسنة المندرجة تحت حديث أنس بن مالك (ه): الآذان الأول للجمعة، وجعل بيت المال، وتدوين العطايا، والحديث، والكتب، إلى غير ذلك، مما إستحدث بعد موته ())، أ هـ.
ومن ذلك، لقد صرح بعض مشايخ العلم: أن هناك جملة أحاديث في كتب الصحاح، تثبت أن عدداً من الصحابة أحدثوا أعمالاً وأذكاراً وأدعية، لم يسبق للرسول (صلى الله عليه وسلم) أن فعلها، أو أمر بها، ولكنهم فعلوها إستنباطاً وإعتقاداً أنها من جملة الخير الذي جاء به الإسلام على يديه)، وأنها مندرجة تحت مظلة عموم قوله تعالى: {وافعلوا الخير لعلكم تفلحون (1)
والأحاديث آنفة الذكر، كقوله (): " من سن في الإسلام
سنة حسنة ... إلخ " (2)
وحديث ابن مسعود (ه): " من دل على خير، فله مثل
(1) سورة الحج: 77.
(2) صحيح مسلم، برقم: (1017)؛ سنن النساني، في المُجتبي، برقم: (2554)؛ وابن
ماجه، برقم: (203)؛ والدارمي، برقمي: (518، 520)؛ وابن حبان، برقم:
(3308)؛ وابن خزيمة، برقم: (2477)؛ وأحمد، برقم: (18675)؛ والبيهقي
برقم: (27834). (1/64)
صفحة 65
أجر فاعله " (1)
وحديث أبي هريرة: " من دعا إلى هدى، كان له من
(*)
الأجر ... إلخ " ("
ومن هذا النوع، حديث أبي هريرة)، أن النبي)، سأل بلالاً عن أحب عمل عمله بالإسلام؟ لأنه سمع ذف نعليه في الجنة، فأجابه: أنه لم يُحدث حديثاً إلا توضأ بعده وصلى؛ فاستفاد أهل العلم من هذه القضية، أن النبي (صلى الله عليه وسلم) لم يسبق له
أن إطلع على عمله هذا الذي جعله يسبقه به للجنة، فضلاً أن يكون أمره به، أو أنه فعله
ومنها حديث: " من زاد في الصلاة حمداً كثيراً طيباً مباركاً
فيه ... إلخ "، مع أنه قال ((للصحابة: " صلوا كما
رأيتموني أصلي
(") 11
(1) رواه مسلم، برقم: (1893)؛ وأبو داوود، برقم: (1529)؛ والترمذي، برقم: (2671)؛ وابن حبان، برقم: (289)؛ وأحمد، برقم: (16635)؛ وعبد الرزاق
برقم: (20054)؛ والبيهقي، برقمي: (18341، 18342)؛ وغيرهم. (2) رواه مسلم، برقم: (2674)؛ وأبو داوود، برقم: (4609)؛ والترمذي، برقم: (2674)، وقال: هذا حديث حسن صحيح؛ وابن ماجه، برقم: (206)؛ والدارمي، برقم: (519)؛ وابن حبان، برقم: (112)؛ وأبو يعلي، برقم: (6489). (3) رواه البخاري، بأرقام: (605، 5662، 6819)؛ والدارمي، برقم: (1233)؛ وابن حبان، بارقام: (1658، 1872، 2131)؛ وابن خزيمة، برقمي: (397، 586)؛
والبيهقي، برقمي: (3963، 5394)؛ والدارقطني، برقم: (10/ 2/1)؛ وغيرهم. (1/65)
صفحة 66
ومنها: قراءة إمام مسجد قباء بالإخلاص، وسأله (): لما رفع عليه جماعة المسجد، فأجاب: أنه يحبها، فبشره بالجنة، بعد أن أقر فعله هذا.
وحديث السرية التي أرسلها ()، وكان إمامهم يقرأ لهم في الصلاة بالإخلاص، فأقره لحبه لها
ومنها: أحاديث الرقيا على السليم والمجنون بالفاتحة
وأقرهم) على ذلك.
ومنها: حديث ابن مسعود (ه)، حين رقى المجنون، بقول الله (ع): افحسبتم انما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا
ترجعون) (1)؛ فأكد)) أن هذه الآيات رقياً، وأقر أصحابها
ومن ذلك: ما رواه عبد الرزاق، عن ابن عمر (رضي الله
عنهما: أن رجلاً من الصحابة أتى والناس يُصلون خلفه) ولما وصل الصف، قال: الله أكبر، الله أكبر كبيراً، والحمد لله
كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً؛ فلما قضى النبي
صلاته، قال: من صاحب الكلمات؟ قال الرجل: أنا يا رسول الله، ما أردت بهن إلا خيراً؛ قال (): " رأيت أبواب السماء
(1) سورة المؤمنون: 115. (1/66)
صفحة 67
فتحت لهن "؛ قال ابن عُمر: ما تركتهن منذ سمعتهن (1) ومعلوم أن هذه صارت سنة، لكون () أقرهم على فعلها
ووجه الإستدلال: أن كل شيء يندرج تحت إطار الأدلة الشرعية، مما فعل في زمانه)، أو بعده، فلا يشمله إسم البدعة السيئة، بل هو من السنة الحسنة.
وإنطلاقاً من هذا وما أشبهه، مما هو مندرج تحت عموم
(2)
مظلة قوله تعالى: وافعلوا الخير لعلكم تفلحون (2)، وضع كثير من عُلماء الأمة، ألفاظ النيات في الصلاة وغيرها، تحرياً منهم أنها مدعاة لإستحضار المُصلي مع دخول صلاته، ولتكون مصاحبة ومؤكدة لنية القلب، ولأنها خارجة عن الصلاة، ولا أثر لها في إبطال الصلاة، كالحديث الآنف الذكر، وكذا الأذكار التي يقولها الناس عند دفن الميت، من قراءة الفاتحة، والصدر من سورة يس، وذلك دخولاً تحت مظلة الآية، وتحت عموم قوله تعالى: وذكروا الله كثيراً (3)، لأنه لا محالة مما شملتاهما
ولذا - ترى بعض أهل العلم منهم، من كتب عنها وحررها،
(1) رواه أبو يعلي، برقم: (5728)؛ وعبد الرزاق، في مصنفه، برقم: (2559).
(2) سورة الحج: 77.
(3) سورة الشعراء: 227 (1/67)
صفحة 68
وبعضهم من سكت عنها، لما لها من إحتمالات مندرجة تحت
عمومات النصوص، وهي أوسع من الدهناء
ومن هذا أن عُمر (ه)، نفث في روعه أمر حجاب أزواج الرسول)، والصلاة في مقام إبراهيم (العليا)، وأشار بها
على النبي (صلى الله عليه وسلم)، ونزل الوحي بتقريرهما
وكذا لمن أشار عليه)) في غزوة بدر بالنزول في الماء،
وأقره). (
ومنها: منع عُمر بن الخطاب (ه)، قرابة النبي () حقهم من الخمس، لكنه أعطاهم من وجه آخر، ولذا عابت عليه الشيعة، لوجود النص في ذلك
ومنها: منع المُؤلَّفة قلوبهم حقهم، ورأى أن ذلك يرتبط بقوة
المسلمين وضعفهم
ومنها: إسقاط الحد عن السارق عام الرمادة، لأن المجاعة
عمت، والشبهة حصلت، وتدراً الحدود بالشبهات.
ومنها: تأخيره زكاة الأموال في ذلك العام، ليأخذها بالعام
القابل، رعاية للضرورة الملحة (1/68)
صفحة 69
ومنها: تبديل إسم الجزية ومضاعفاتها وتسميتها صدقة
على نصارى تغلب، مع وجود النص في ذلك
ومنها: رد الأملاك والأصول من الفيء إلى أربابها، بعد أن
حازتها جيوش المسلمين، محتجا بفعله () في الفتح
ومنها: إجلائه اليهود من الحجاز، لئلا يجتمع دينان في
جزيرة العرب
ومنها: تمصير الأمصار.
ومنها: تدوين الدواوين، والتفضيل في قسمة الفيء
والضرب بسهم للأحرار، والعبيد، والصبيان
فهذه كلها إستحدثها عُمر بن الخطاب (ه)، على مسمع ومرأى من عُلماء الصحابة، في خير القرون، بعضها إستنباطاً وبعضها تحت مظلة المصالح المرسلة.
ومن المعلوم أن هذه الأشياء إبتكرها هؤلاء الصحابة، ولو
حملناها على معنى البدعة اللغوي، لوجدناها لا محالة مبتدعة وهي بدعة
وقد حكم هؤلاء المتشددون على أن كل بدعة ضلالة، فيُلزم (1/69)
صفحة 70
تكفير هؤلاء الصحابة وتفسيقهم، لإرتكابهم للبدعة، وذلك تفريقاً على تأصيلهم؛ هذا - والعياذ بالله وحده - مع أن الرسول
(أقر فعلهم، وبشر بعضهم بالجنة في بعض الحالات
ولهذا فلا ندري ما الذي نقول لهؤلاء الناس، وهم يقحمون أنفسهم بهذه الهوة، أعن جهل بالأدلة، أم تعامياً عن المحجة، أم إفلاساً من المحجة، فهم - دائما وأبداً - يطوفون في مطاف واحد، ويدرون في حياتهم على عمود واحد، وهو مسائل الرأي، التي أجمعت الأمة على عدم تضليل وتكفير أصحاب الأقوال بمسائل الرأي، لأن الشارع الحكيم هو الذي جعل أمرها بيد من منحهم الله القوة على الإجتهاد، إعتماداً على قوله تعالى: ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله (1)، وهي ولا شك خارجة عن دائرة الأمر والنهي، لأن لكل مجتهد إجتهاده، وكذا المقلد لهما على الخلاف
ومن العجب العجيب، أن المناكر المجمع على تحريمها، والتي أوجب الله على القادر إنكارها، ومُهاجمة أصحابها، ملأت أفواه السكك، وهم يعيرونها أذاناً صماء، ومن هنا لا تسمع لهم على مر الدهور أدنى صوت، ولا ركزى، وإنما هم إنشغلوا عنها
(1) سورة الحشر: 5. (1/70)
صفحة 71
بمسائل الرأي، تستراً بلفظ البدعة، ليكفروا هذه الأمة ويُشركوهم، ويُخرجوهم من الملة، من غير كتاب ولا سنة، وليعيش الناس طيلة الحياة في مشادة بينهم وتناحر، وتراشق بالتهم، في مسائل صوب الله أصحاب الأقوال فيها، وأعدهم من المحسنين بها، قال الله تعالى: {وداوود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين * ففهمناها سليمان وكلاً أتينا حكماً وعلما وسخرنا مع داوود الجبال يُسبحن والطير وكنا فاعلين * وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم فهل أنتم شاكرون * ولسليمان الريح عاصفة تجري
بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها وكنا بكل شيء عالمين) (1)
سامح الله هؤلاء وهداهم، أعانوا على هدم الإسلام من حيث لا يعلمون، فأين سماحة الإسلام التي ربى عليها (ه) أصحابه؛ وأين حسن الظن بالمُسلم، الذي قال فيه): " إذا كان بينك وبين أخيك كنسيج العنكبوت فلا تهتك ستره، بدأ الإسلام غريبا، وعاد غريباً، إنا لله وإنا إليه
راجعون (2) "
(1) سورة الأنبياء: 78 - 81. (2) سورة البقرة: 156. (1/71)
صفحة 72
وقد إستدل - أيضاً - كثير من العلماء، على أن ذكرى مولده
، من أكبر السنن الحسنة بأدلة:
منها: قوله (): " من سن سُنة حسنة، فله أجرها، وأجر من عمل بها، إلى يوم القيامة " (1)
ومنها: حديث: " ما رآه المسلمون حسناً، فهو عند الله حسن " (2).
ومنها: تقريره بتعظيم يوم عاشوراء، فإنه) لما قدم) المدينة المنورة، وجد اليهود يصُومُونه، لأن الله (ع) نجي فيه مُوسَى على نبينا وعليه الصلاة والسلام)، من فرعون وكيده، فقال (): " نحن أحق بموسى منكم " (3)، ثم أمر بصيامه؛ ولمخالفة أهل الكِتاب، وتمييز المسلمين عنهم،، أمر بصوم اليوم التاسع معه، وذلك لمخالفة الأمم المباينة للإسلام والمسلمين
(1) صحيح مسلم، برقم: (1017)؛ سنن النسائي، في المُجتبي، برقم: (2554)؛ وابن ماجه، برقم: (203)؛ والدارمي، برقمي: (518، 520)؛ وابن حبان، برقم: (3308)؛ وابن خزيمة، برقم: (2477)؛ وأحمد، برقم: (18675)؛ والبيهقي، برقم: (27834).
(2) أخرجه الحاكم في مستدركه، رقم الحديث: (4465).
(3) رواه البخاري، برقم: (1900)؛ وابن ماجه، برقم: (1734)؛ واحمد، برقم:
(2639)؛ وأبو يعلي، برقم: (2567)؛ وفي شعب الإيمان، برقم: (3776) (1/72)
صفحة 73
وكذا إستدلوا من تقريره))، لمُعاذ بن جبل (ه)، في إستدراكه للصلاة، حيث قال (): " سن لكم مُعاذ سنة حسنة فاتبعوه " (1)
ووجه الإستدلال هنا: أن البدعة إذا لم تخرج عن مقاصد الشريعة ثبتت، لتقريره لها، وإجازة العمل بها، وتسمى سنة بتصريح الحديث، لأنه قال (): " سن لكم معاذ ... إلخ "؛: وكذا الحديث: " من سن سنة حسنة ... إلخ ".
ووجه الإستدلال بحديث صوم يوم عاشوراء، أنه () أمر بصوم ذلك اليوم، وزاد عليه للتمييز، تعظيما لله، وشكراناً لنعمه، لنجاة نبي الله مُوسَى (الله)
فتعظيم هذا اليوم، الذي وُلِدَ فيه سيد العالمين - من الأولين والآخرين - أولى.
أما حديث: " كل بدعة ضلالة "، فملخص القول: أنه جاء عاماً، أريد به الخصوص، أو أنه عام مخصوص، بحديث: " من سن في الإسلام سنة حسنة، فله أجرها، وأجر من عمل
(1) رواه أحمد، برقم: (21619)؛ وعبد الرزاق، برقم: (3175)؛ والبيهقي، برقمي:
(3710، 5248) (1/73)
صفحة 74
بها بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء؛ ومن سن في الإسلام سنة سيئة، كان عليه وزرها، ووزر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء
صحيح
، وهو حديث (2)، يدل دلالة واضحة جلية، على أن ما يأتيه الناس من أقوال وأفعال، بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وسلم)، ليس كله من البدع السيئة، كما يزعم بعض الناس، بل منه ما هو حسن، يُؤجر قائله وفاعله عليه، وإن إطلاق إسم البدعة عليه لغة؛ ومنه ما هو سيء، يأثم قائله وفاعله.
وبالجملة، فللعلماء كلام طويل في ذلك، لا تتحمله هذه
(1) صحيح مسلم، برقم: (1017)؛ سنن النسائي، في المجتبي، برقم: (2554)؛ وابن ماجه، برقم: (203)؛ والدارمي، برقمي: (518، 520)؛ وابن حبان، برقم: (3308)؛ وابن خزيمة، برقم: (2477)؛ وأحمد، برقم: (18675)؛ والبيهقي برقم: (27834).
(2) رواه مسلم، برقم: (1017/ 69)؛ والنسائي، برقم: 75/ 5) - (77)؛ والترمذي، برقم: (2675)؛ وابن ماجه، برقم: (203)؛ والطياسي، برقم: (670)؛ وأحمد، برقمي: (357/ 4، 359/ 4)؛ وابن حبان، برقم: 3308)؛ وابن أبي شيبة، في: "المصنف " ج 3، ص 3؛ والطحاوي، في " مُشكل الآثار "، برقمي: (245، 1540)؛ وابن الجعد، في مسنده، برقم: (516)؛ والطبراني، في " المعجم الكبير "، بأرقام: (2372، 2373، 2370)؛ والبيهقي، برقمي: (93/ 4، 294/ 4)؛ والبغوي، في " شرح السنة "، برقم: (1661)؛ واللفظ لمسلم، في " المُشكاة "، فإنه، أعني: حديث: " من سن في الإسلام سنة حسنة ... إلخ "؛ والزرقاني، في " شرح الموطا "؛ والحلبي، في " إنسان العثون "؛ وابن عابدين، في "رد المحار "؛ والمناوي، في " التعاريف "؛ والصنعاني، في " ثمرات النظر "؛ وعبد الخالق الدهلوي، في " شرح المشكاة "؛ والشنقيطي المالكي، في " زاد المسلم "؛ والإمام نور الدين السالمي (رحمه الله تعالى)، في " معارج الآمال "، وفي " الحجج المقنعة "؛ وغيرهم. (1/74)
صفحة 75
العُجالة، وخلاصته: أن المحدثات من الأمور ضربان:
إحداهما: ما أحدث مما خالف كِتاباً، أو سنة، أو إجماعاً ثابتاً أو مقصداً من مقاصد الشريعة، فهذه هي بدعة
الضلالة، التي يُحكم بإثم قائلها، أو فاعلها، وعليها
يُحمل حديث: " وكل بدعة ضلالة " (1)
والثاني: ما أحدث من الخير، وهذا غير مذموم، بل محمود، يُؤجر قائله، أو فاعله، وعليه يُحمل قوله (): " من سن في الإسلام سنة حسنة ... إلخ "؛ وأيضاً صريح الحديث الآنف الذكر، جاء صريحاً وواضحاً لا غبار عليه، وبعبارة لا شبهة معها: أن ما وافق مقاصد الشريعة الغراء، ولم يُخالف نصاً سُمي: سُنة حسنة، ولم يُطلق عليه إسم البدعة شرعاً، بنص
الحديث
وقد ذهب إلى ذلك - أيضاً - عز الدين بن عبد السلام، في:
(1) رواه مسلم، برقم: (867)؛ وأبو داوود، برقم: (4607)؛ والترمذي، برقم: (2677)؛ والنسائي في المُجتبي، برقم: (1578)؛ وابن ماجه، بارقام: (42، 45،
(46)؛ والدارمي، برقمي: (95، 210)؛ وابن حبان، برقم: (10/ 5)؛ وابن خزيمة،
برقم: (1785)؛ والحاكم في المستدرك، برقم: (329)؛ واحمد، برقم: (13924)
وغيرهم. (1/75)
صفحة 76
القواعد؛ وفي: الترغيب عن ضلالة الرغائب الموضوعة؛ والنووي، في: شرح صحيح مسلم، وفي: تهذيب الأسماء واللغات؛ وابن حزم؛ والغزالي، في: إحياء علوم الدِّين؛ وابن الأثير، في: النهاية؛ وأبو شامة، في: الباعث على إنكار البدع والحوادث؛ وابن العربي، في: عارضة الأحوذي؛ والعيني، في: عُمدة القارئ؛ والخطابي، في: معالم السنن؛ وجلال الدين السيوطي، في: الأمر بالإتباع والنهي عن الإبتداع، وفي: حسن المقصد، وفي: المصابيح في صلاة التراويح؛ والقسطلاني، في: إرشاد الساري؛ وابن مالك، في: مبارق الأزهار - شرح مشارق الأنوار.
ونص على ذلك الحافظ بن حجر، في: فتح الباري، ج 4، ص: 318، حيث قال: (والبدعة أصلها ما أحدث على غير مثال سابق، وتطلق في الشرع في مُقابل السنة، فتكون مذمومة، والتحقيق أنها إن كانت مما يندرج تحت مستحسن في الشرع فهي حسنة، وإن كانت مما يندرج تحت مستقبح في الشرع فهي مُستقبحة، وإلا فهي من قسم المباح، وقد تنقسم إلى الأحكام الخمسة)، أ هـ. (1/76)
صفحة 77
وقد نص على مثل ذلك ابن تيميه، في: مجموع الفتاوي،
ج 24، ص 243، حيث قال هناك بعد كلام: ( ....... وإنما كان يقول هذا تارة، وهذا تارة أخرى، إن كان الأمران ثابتين عنه،
فالجمع بينهما ليس بسنة، بل بدعة، وإن كان جائزاً)، أهـ
وقال في: ج 24، ص 253، بعد كلام: (: (وأما الإبتداء فليس سنة مأموراً بها، ولا هو أيضاً مما نهي عنه، فمن فعله فله قدوة، ومن تركه فله قدرة)، أ هـ.
، (
هذا، وقد ذهب بعض العلماء، إلى أن حديث: " كل بدعة ضلالة " (1)، باق على عمومه، وأن المراد به البدعة
الشرعية، وهي ما لم يُوجد له أصل من الأصول الشرعية.
وإلى هذا القول، مال السيد السند، في: شرح المشكاة؛ وابن رجب، في: جامع العلوم والحكم؛ وابن حجر الهيتمي، في: التبيين بشرح الأربعين؛ والزركشي، في: الإبداع؛ واللكنوي، في: تحفة الأخيار؛ ومحمد بخيت المطيعي، في
(1) رواه مسلم، برقم: (867)؛ وأبو داوود، برقم: (4607)؛ والترمذي، برقم: (2677)؛ والنسائي في المُجتبي، برقم: (1578)؛ وابن ماجه، بارقام: (42، 45،
46)؛ والدارمي، برقمي: (95، 210)؛ وابن حبان، برقم: (10/ 5)؛ وابن خزيمة
برقم: (1785)؛ والحاكم في المُستدرك، برقم: (329)؛ وأحمد، برقم: (13924)،
وغيرهم. (1/77)
صفحة 78
رسالة له عن: البدعة
وقد ذهب إلى ذلك، الحافظ بن حجر، في موضع آخر من: فتح الباري، ج 13، ص 314 - 315، حيث قال: (والمحدثات (بفتح الدال: جمع مُحدثة، والمراد بها: ما أحدث وليس له أصل في الشرع، ويُسمى في عُرف الشرع: بدعة؛ وما كان له أصل يدل عليه الشرع، فليس ببدعة في عُرف الشرع مذمومة، بخلاف اللغة، فإن كل شيء أحدث على غير مثال يُسمى: بدعة، سواء كان محموداً أو مذموماً؛ وكذا القول في المُحدثة، وفي الأمر المحدث، الذي ورد في حديث أم المؤمنين السيد عائشة رضي الله عنها): من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد " (1)؛ وقد وقع في حديث جابر المشار إليه: " وكل بدعة ضلالة "
( ...
إلى أن قال: (وقسم بعض العلماء البدعة إلى الأحكام الخمسة، وهو واضح)، أ هـ.
وهذا الخلاف - كما تراه - أقرب شيء أن يكون الخلاف لفظي:
(1) رواه البخاري، برقم: (2550)؛ ومُسلم، برقم: (1718)؛ وابن ماجه، برقم: (14)؛ وابن حبان، برقمي: (26)، (27)؛ وأحمد، بارقام: (24944، 25502، 25659، 25797)؛ وغيرهم. (1/78)
صفحة 79
لفظي، وليس بالمعنوي، وذلك أن الكل مُتفقون على أن ما كان مخالفاً لنص من النصوص الشرعية بدعة سيئة؛ وأن ما كان له أصل صحيح؛ أو كان مندرجاً تحت مقاصد الشريعة الغراء؛ أو كانت فيه مصلحة راجحة، ولم يُعارض نصاً من النصوص الشرعية المعتبرة، وقد يكون مُباحاً بحسب إختلاف المصالح، وهذا بنوعيه لا بد أن يكون مندرجاً تحت أصل من الأصول المعتبرة، عرف ذلك من عرفه، وجهله من جهله، بسبب جهله لا بسبب عدم وجود النص الدال على ذلك
وبذلك، تعرف أنه لا فائدة من ترجيح أحد القولين على
الآخر، ما دامت النتيجة التي ستحصل من ذلك واحدة.
هذا، ومن الجدير بالذكر، أن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم)، قد أحدثوا بعد رسول الله () أشياء، وذلك كتمصير الأمصار، وتدوين الدواوين، وكِتابة التاريخ الهجري، وزيادة الآذان الأول لصلاة الجمعة، وكِتابة القرآن الكريم، وجمع الناس على مُصحف واحد، إلى غير ذلك؛ ولم يقل أحد منهم، ولا ممن جاء بعدهم - ممن يعبأ بقوله -: أن هذه الأمور ونحوها بدع غير
جائزة، فافهم ذلك، والله أعلم. (1/79)
صفحة 80
وبمجموع ما سبق: الآن حصحص الحق (1)؛ وبحسب
كل مُسلم، أن الله جل شأنه، وعَز سُلطانه، وأعلى مجده)، عظم مكانة عبده ورسوله)) بما سبق، وقرن إسمه بإسمه في كثير من المواقف، وقرن رضاه برضاه، وصلى وسلم عليه، وأمر ملائكته والمؤمنين بالصلاة والسلام عليه، وهو أعظم نعمة
من الله، وأكبر فضل وَمِيَّة على عِباده المُؤمنين بعد الإسلام.
فهل قراءة سيرة مولده)، وما هناك من كرامات ومُعجزات، إلا من باب التعظيم له، والإمتثال بالأمر للصلاة عليه، وأداء جزء من بعض واجب حقه علينا؟ لكن هذا مشروط بأن لا تتخلل هذه القراءة معصية، من إختلاط النساء بالرجال، أو الحركات والأشعار الماجنة، وغير اللائقة بمقام شرفه، بل تقرأ بكل تواضع، وإستحضار، وتعظيم الله الواحد القهار، وشكراناً له على هذه النعمة العظيمة المقدار، وهي بعثته)، وما جاء من كرامات ومعجزات، ومن أجلها قدراً كتاب الله، الذي هو نور وهداية للعالمين، فكيف يرغب عن مثل هذا عاقل؟
(1) سورة يوسف: 51. (1/80)
صفحة 81
التنبيه الأول:
تنبيهات
إن من فوائد قراءة سيرة مولده)، وهجرته، وأطوار
)
حياته، المعروفة بالمولد الشريف، ما هو الآتي:
منها: أن يجتمع له الناس بالخشوع والطمأنينة، وخضوع القلب، إستعداداً وتشوقاً لسماع ذكره)، وهذا مما لا شك فيه نوع من الطاعة الموجبة للثواب والمغفرة.
ومنها: أن القراءة تبدأ بالثناء العاطر، والتمجيد العظيم لفاطر السماوات والأرض العزيز الحميد.
ومنها: أن الصلاة عليه () تأتي بعده، وهما ممن
عناهما حديث: " ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله إلخ. " (1)، وما ترتب على ذلك من عظيم الثواب
(1)
ومنها: أن هذه السيرة تتلى في بلدنا هذا، غالباً في المساجد، حرصاً على ما جاء به الحديث، كما هو المعروف
(1) رواه مسلم، برقم: (2699)؛ وأبو داوود، برقم: (1455)؛ وابن ماجه، برقم: (225)؛ والدارمي، برقم: (362)؛ وأحمد، برقم: (7379)؛ وفي " شعب الإيمان "،
برقم: (1695). (1/81)
صفحة 82
من قراءة الإمام الخليلي، وأشياخه، ومن بزمانه من العلماء، والأفاضل (رحمة الله عليهم)، وكذا السلطان
المُعظم، بقراءته بالمساجد - يحفظه الله ويرعاه -.
ومنها: الإمتثال لأمر الله (ع)، بقوله: صلوا عليه وسلموا تسليما) (1)؛ وقوله: " صلوا علي في كل مكان، فإنها تبلغني " (2)، فالأمر جاء عاماً
ومنها: موافقة صلاتنا عليه مع صلاة الله (ال) عليه
()
ومنها: موافقة صلاتنا عليه (ل، صلاة جميع الملائكة المقربين، مع كثرة أعدادهم، وتباين عباداتهم الله رب
العالمين
ومنها: الحصول على دعاء الملكين، لمن صلى عليه)، بالمغفرة.
ومنها: تأمين الله وملائكته لدعاء الملكين، للمصلي عليه
(1) سورة الأحزاب: 56
(2) رواه أبو يعلي، برقم: (6761)، بلفظ: " صلوا علي وسلموا، فإن صلاتكم وسلامكم يبلغني أينما كنتم "؛ وفي " شعب الإيمان "، برقم: (4162)، بلفظ: " وصلوا عليَّ فإن صلاتكم تبلغني حيث كُنتم ". (1/82)
صفحة 83
، بالمغفرة، ولو لم يكن من شيء إلا هذا التأمين لكفى به من شرف، وأعظم به من منزلة، وأجزل به من كرامة، لمن مِننَّ الله جلت قدرته)، وعلى مجده عليه بالتوفيق، وتوجه بالتقوى
ومنها: الحصول على عشر درجات للمصلي عليه
ومنها: حط عشر سيئات
ومنها: إعطاؤك عشر حسنات، والله يُضاعف لمن شاء بما يشاء، وهو ذو الفضل العظيم
ومنها: حديث: " صلوا علي، فإن صلاتكم علي زكاة لكم " (1) (1)، لأن الصلاة عليه مشتملة على ذكر الله، وتعظيم رسوله، والإشتغال بأداء حقه عن مقاصد نفسه، وإيثاره بالدعاء له على نفسه.
قال الحيلمي: والمقصود بالصلاة عليه: التقرب إلى الله
بإمتثال أمره، وقضاء حق الوساطة الكريمة.
وقال ابن عبد السلام: ليست صلاتنا عليه شفاعة له، فإن
(1) رواه الإمام أحمد، برقم: (8552)؛ وأبو يعلي، برقم: (6414). (1/83)
صفحة 84
مثلنا لا يشفع له، لكن الله تعالى أمرنا بمكافئة من أحسن إلينا؛ وفائدة الصلاة ترجع إلى المصلي عليه ()
وقال أبو العالية: صلاة الله تعالى عليه: ثناؤه عليه عند الملائكة؛ وصلاتهم: دُعاؤهم له، وينبغي أن يُراد بها في: يصلون (1): معنى مُجازي عام، يكون كل واحد من المعاني المذكورة فرداً حقيقياً له، أي: يعتنون بما فيه خيره وصلاح أمره، ويهتمون بإظهار شرفه، وتعظيم شأنه، وذلك من الله: بالرحمة، ومن الملائكة: بالدعاء
والإستغفار.
ومنها: ما لا يحصي عدده إلا عالِم السر وأخفى.
أيرغب عن مثل هذا الفضل تجار الآخرة، السباقون إلى مغفرة من ربهم، وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين (2)، لا والله الذي أجرى اللبن بالضرع، والسفن في البحر، إلا المحروم، والعياذ بالله الحي القيوم، أو من أصيب بغمزة من جنون، أو البله: الذين لا يعقلون (3).)
(1) سورة الأحزاب: 56.
(2) سورة آل عمران: 133.
(3) سورة الأنفال: 22؛ سورة يونس: 100. (1/84)
صفحة 85
التنبيه الثاني:
ويُستفاد من قراءة سيرة مولده () - أيضا - الآتي:
معرفة نسبه)، ولقد حثت السنة على حفظ الأنساب، فالإعتناء بمعرفة نسب سيد العالمين، ورسول البشرية أجمعين، من الأولى؛ الذي ما من خير في الدنيا والآخرة، وصل إلى هذه البشرية إلا عن طريقه)، من مولى (النعم رب العالمين، الذي من أعظم نعمه بعثته)).
ومنها: أن النبي () مع علو منزلته، وعظيم قدره، هو وسائر الأنبياء والمرسلين (صلى الله عليه وعليهم أجمعين)، خلق من خلق الله، ونوع من هذا البشر، يجري عليهم ما يجري على الخلق، من حالات وأطوار، لكنهم شرفهم الله بالنبوة والرسالة، ومن ذلك جاءت هذه السيرة بصفة الحمل به، ونشأته)) في بطن أمه، وولادته، وإرضاعه، وكراماته
ومنها: أن النبي من شأنه أن يكون من أشرف الناس نسباً ومن أكرمهم محتداً؛ ولا يكون عبداً مملوكاً، ولا من سوقة الناس، ولا من المتدنين من البيوتات (1/85)
صفحة 86
ومنها: أن يكون ذكراً، ولا يكون أنثى، لم بها من سُرعة: التقلب، وعدم الثبات، وبداءة الرأي، وعدم تأهلها لهذا المنصب العظيم.
ومنها: في هذا كله تعاليم للأمة، أن ولاة الأمور لا يكونون في الإسلام إلا على الأوصاف المشار إليها
ومنها: أنه () لم يمنعه علو شأنه، وعظيم منزلته ومجده، أن يجري مع أطوار الزمن، وحالات الأيام، فتارة كان راعياً للغنم، وأخرى مُسافراً للتجارة بمال الغير، وتارة يشترك في حلف الفضول، إلى غير ذلك من ضرورات
ومنها: تعليم للناس بأن لا يتعزز المرء عن أي عمل غير محرم شرعاً، وأن يضحوا بأنفسهم للعمل، ولا يتكففون الناس، ويهرقون ماء الوجه، فهذا رسول الله () مع شرفه رعى غنما
ومنها: تأهيله وترويضه لهذا المنصب العظيم، برعيه الغنم، لينشأ رؤوفا رحيما، لا فظا غليظا، لما في رعي
الغنم من السر، بعكس أهل الخيل والإبل (1/86)
صفحة 87
ومنها: إنطباع صورته) وأوصافه، التي فطره الله عليها في قلوب أبناء المسلمين، ليكون دائما وأبدا () على مرآة القلب، وبذلك تترادف أمواج الحُب له))
وثمرة ذلك السعي والهرولة، للاقتداء والتأسي به
ومنها: بيان هيئته في إقباله ومشيته، التي هي بعيدة كل البعد عن كثرة الإلتفات والخيلاء، وذلك للتأسي به، لقوله (ع): لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة (1).
ومنها: أنه يتيم، وكما هو معروف شعار اليتم: إنكسار النفس، والمسكنة، والهدو.
ومنها: إبتدأت دعوته للناس بالكلام، والرفق، والموعظة باللسان، وإنتهت بالرماح والسنان
ومنها: أنه ((كابد أنواع الأذى، في سبيل دعوته)
للمولى، ولم يثنه ذلك عن تبليغ الدعوة.
ومنها: أن قومه، وألصق الناس به نسباً، كانوا هم أعداؤه الألداء، وكذا الأنبياء قبله، وهي سنة الله في أولات
الأمور.
(1) سورة الأحزاب: 21 (1/87)
صفحة 88
ومنها: أنهم مدوا له جميع الحيل والأسباب، لتوقيف دعوته هذه، وإخمادها، ولو بقتله، ولكن عُصم منهم بربه، وفي ذلك تعليم للقوام بأمر الله.
) ولا بد دون الشهد من إبر النحل)
ومنها: أنهم أخرجوه من وطنه، ومسقط رأسه، حسداً وبغضاً: وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد) (1).
ومنها: مشروعية الهجرة، لوجود أسباب لقوة الدين ولمنعته، والنصرة له
ومنها: مشروعية إفشاء السلام، والحث على إطعام الطعام، والصلاة بالليل والناس نيام، وبذلك يفضون إلى
دار السلام.
ومنها: أن أول ما يُعتنى به إنشاء المساجد
ومنها: أنها هي القاعدة الأساسية التي تنطلق من زواياها قوة الدين، وتعليم المُسلمين، وتنظيم أمورهم، ونشر
(1) سورة البروج: 8. (1/88)
صفحة 89
دعوتهم، وإظهار الحق، وإخماد الباطل.
ومنها: المُعجزات الباهرة، والتي أعظمها قدراً، وأعلاها منزلة: القرآن العظيم، الذي أفحم الملحدين، وأخرس ألسن العرب المُحاورين، والصالح لكل زمان وحين، لا تفنى عجائبه، ولا تحصى مواهبه، فكيف لا وقد نزل به الروح الأمين من رب العالمين
ومنها: الإسراء به، وما شاهده من أنواع الكرامات في تلك
المقامات
ومنها: فرض الصلوات الخمسين، التي ثبتت ثواباً وأجراً، وخفضت عملاً على خمس، وتلك عناية الله له ولأمته، ببركته)، من ذي الجلال والإكرام، والمنن العظام، والعز الذي لا يُرام؛ فإن دل هذا على شيء، فإنما يدل على عظيم منزلته () عند الله، كما يدل على شفقته ورحمته بالأمة، لأنها إن قصرت حوسبت، وإن تركت هلكت، وليكون كما ذكره الله في محكم كتابه: لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم
بالمؤمنين رؤوف رحيم) (1).
(1) سورة التوبة: 128. (1/89)
صفحة 90
ومنها: مشروعية المراجعة في المصحلة العامة، من الأدنى
للأعلى.
ومنها: الإثنان والأربعون الفائدة آنفة الذكر
ومنها: ما قاله الدكتور / محمد سعيد: (ومن أمثلة السنة
الحسنة
: تلك الإحتفالات التي يقوم بها المسلمون عند المناسبات المعينة، كأول العام الهجري، ومولد المصطفى النبوي ()، وليلة الإسراء والمعراج، وذكر فتح مكة - شرفها الله - وغزوة بدر الكبرى، ونحوها، مما يتوخى
فيها مصلحة عائدة للدِّين)، أ هـ.
التنبيه الثالث:
إن جميع ما بيناه، جاء تعليماً لنا أبناء المسلمين، وقواعد ينطلق منها المسلم، بل جاءت حياته (كلها، تعليماً للأمة،
فعلاً وقولاً، وتركاً وسكونا
ومنها: غرس محبته في قلوب أبناء المسلمين.
ومنها: الإجتماعات والمجالس الصالحة (1/90)
صفحة 91
ومنها: لأخذ نصيب من الأجر، فإذا كانت النية والقصد، للحصول على مثل هذه الفوائد من هذا الإجتماع، وقراءة هذا المولد الشريف، لا سيما إن كان الاجتماع، كالإجتماع الموجود ببلدنا (عُمان)، والله يرجع الشكر، وعظيم المئة، حيث لا طبول فيه ولا مزامير به، غير الحمد لمولى الفضل، والصلاة والسلام عليه إلى يوم الفصل والقيام
ولو كان: " كل بدعة ضلالة "، وحمل اللفظ على العموم، كما قال هؤلاء - سامحنا الله وإياهم - فما عساهم يقولون فيما جاء عن صحابة الرسول (ل) (رضوان الله عليهم، فقد دونوا كتاب الله، بعد أن كان بصدور العلماء، ودونوا الحديث، وجمعُوه من ذا وذاك؛ ولو لم يفعلوا ذلك، مع طول المدة والعهد، لم يصلنا شيء منه، إلا النزر اليسير من سنته ()، وما صنفت المُصنفات، وألّفت الكُتب في مختلف الفنون
فيها
فهذا الإمام الشافعي، هو أول من جمع قواعد الفقه، وألف، فما عسانا أن نقول في هؤلاء الجهابذة الأعلام، وأئمة دين الإسلام، هل نقول: أنهم أتوا ببدعة سيئة، وإرتكبوا إثماً؟ لا ورب البيت، بل بدعة حسنة، لأنها لم تخرج عن مقاصد (1/91)
صفحة 92
الشريعة، كالآذان بمُكبرات الصوت، الذي أجمع المسلمون على العمل به، وغيره مما شابهه، ولا شك أنهم فعلوا خيراً، وأي خير شهد لهم من عرف مواقفهم، وراض مصنفاتهم، جزاهم الله خيراً، على تفانيهم، وخدمتهم للعلم. (1/92)
صفحة 93
الخاتمة
وخاتمة القول: ولولا طلب الإختصار، لأطلت المقال، وأوسعت المجال.
نسأل الله صلاح الدين، وأن يلم شمل المسلمين؛ ونسأله أن يُوفق الجميع، لما فيه صلاح الدُّنيا والدِّين، إنه قريب يُجيب ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله وسلم على النبي الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين إلى يوم الدين (1/93)
صفحة 94
[صفحة فارغة] (1/94)
صفحة 95
المصادر والمراجع
موسوعة أبي بكر الصديق (ه). موسوعة عُمر بن الخطاب (ه).
موسوعة ابن مسعود (ه)
موسوعة ابن عُمر (رضي الله عنهما).
موسوعة عُثمان بن عفان
موسوعة سفيان الثوري.
مسند الربيع
مسند
عبد الرزاق.
" الطوفان "، للعلامة القنوبي
کتاب: " السير "، للشماخي.
الرد المحكم "، ليُوسف السيد هاشم " الروض النضير، عن ابن البشير سلم الأخلاق النبوية " (1/95)
صفحة 96
[صفحة فارغة] (1/96)
صفحة 97
الصفحة
الفهرس
الموضوع
التقديم بقلم / عبد الله بن سلطان بن راشد المحروقي السناوي
تمهيد
(
الباب الأول: في منزلته) وعلو شانه عند ربه (ل)
الباب الثاني: في الأمر بالصلاة عليه، وما ورد
في ذلك من صيغ الصلاة عليه))
الباب الثالث: في فضل الصلاة عليه
الباب الرابع: في الحث على قراءة تلك السيرة
المعروفة بالمولد
الباب الخامس: في تقسيم البدعة
تنبيهات
الخاتمة
المصادر والمراجع
الفهرس (1/97)
صفحة 98
[صفحة فارغة] (1/98)
صفحة 99
رقم الإيداع:
5/ 138 (1/99)