صفحة 1
الكتاب: الرسول الداعية لبدر العبري
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الثالث (965 عنوان): ربيع (الثاني) الأنوار 1433هـ / فيفري (فبراير) 2012م (قرص مضغوط) مقدمة
الشريعة الإسلامية رحمة للإنسانية
لقد أرسل الله – تعالى – نبيه – صلى الله عليه وسلم – ليحقق الرحمة التي أرادها الله – تعالى – ليس للإنسان فحسب؛ بل للكون أجمع، بما يحتويه من عظيم المخلوقات، يقول تعالى: "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين" (1).
فالرسالة التي جاء بها النبي – عليه الصلاة والسلام – هي رحمة لهذا الإنسان، وهو بحاجة إليها كحاجته إلى الماء والهواء، وبدونها يختل نظام حياته، ويضع نفسه في منزلة أدنى من الحيوان، يقول – تعالى -: "ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجنّ والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضلّ أولئك هم الغافلون" (2).
وإذا اختل نظام الإنسان اختل نظام الكون؛ لأنّ الكون في حقيقته جوهرة واحدة، إذا تأثر جزء منه تأثرت الأجزاء الأخرى، يقول سيد قطب في معرض تفسيره لقوله – تعالى -: "ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون" (3)، يقول: "يكشف – الله عن – ارتباط أحوال الحياة وأوضاعها بأعمال الناس وكسبهم، وأنّ فساد قلوب الناس وعقائدهم وأعمالهم يوقع في الأرض الفساد، ويملؤها برا وبحرا بهذا الفساد، ويجعله مسيطرا على أقدارها، غالبا عليها، ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس، فظهور الفساد هكذا واستعلاؤه لا يتمّ عبثا، ولا يقع مصادفة؛ إنّما هو تدبير الله وسنته، ليذيقهم بعض الذي عملوا من الشر والفساد، حينما يكتوون بناره، ويتألمون لما يصيبهم منه، لعلّهم يرجعون، فيعزمون على مقاومة الفساد، ويرجعون إلى الله وإلى العمل الصالح، وإلى المنهج القويم" (4).
__________
(1) الحج/ 107.
(2) الأعراف/ 179.
(3) الروم/ 41.
(4) في ظلال القرآن، سيد قطب، ط دار الشروق، 5/ 2773. (1/1)
صفحة 2
ولهذا كان الأمر الإلهي لنبيه – صلى الله عليه وسلم – بتبليغ الدعوة، ونشر الشريعة، فكان الخطاب بداية موجها إليه – عليه الصلاة والسلام -: "يا أيها المدّثر، قم فأنذر، وربك فكبّر" (1)؛ ليكون - عليه الصلاة والسلام - قدوة للدعاة، وأسوة لأمته؛ ليحمل زمام الدعوة، ويقود الإنسانية إلى بر السلامة، وشاطئ النجاة، فجاء الخطاب عامّا لكلّ مسلم على وجه الأرض، وإلى أن تقوم الساعة، يقول – تعالى –: "ولتكن منكم أمّة يدعون إلى الخير، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، وأولئك هم المفلحون" (2)، فالدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر فريضة قائمة إلى يوم الساعة، وأمر إلهي لكلّ مسلم يؤمن بكلام الله – جلّ وعلا -.
ومن هذا المنطلق كان - عليه الصلاة والسلام - رجل الدعوة لدى البشرية، وهو الذي جسّد هذا الدين إلى سلوك واقعي، فأحدث انقلابا عظيما في تأريخ الإنسانية، وهذه الدعوة غيّرت معالم الحياة من عبودية الإنسان إلى عبودية خالق الإنسان، ومن الجهل إلى العلم، ومن الظلم إلى العدل، ومن الشقاء إلى السعادة والنور.
فكان - صلى الله عليه وسلم - نعم الداعية في أقواله وأفعاله، في حركاته وسكناته، في بيته ومسجده، في سوقه وشارعه.
فكان قدوة لهذه الأمة في الدعوة، وأسوة تسير على منهاجه، وتواصل مسيرة الدعوة كما أرادها الله – تعالى – لها.
وفي هذه النشرة المتواضعة، نلقي الضوء على بعض الأمثلة العملية لدعوته - عليه الصلاة والسلام -، لنحقق أمّة الخير والدعوة، ونمتثل بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
أولا: مع الدعوة الصامتة
__________
(1) المدثر/ 1 - 3.
(2) آل عمران/ 104. (1/2)
صفحة 3
يَعتبر الإسلام العمل والعبادة والدعوة أمورا متلازمة لا ينفّك أحدهما عن الآخر، فالعمل الصالح إذا كان مُتقنا من حيث الأداء، مقصودا به وجه الله – تعالى – يتحول مباشرة إلى عبادة يُثاب عليها العبد، وهذا العمل في حقيقته يُعتبر دعوة إلى الله – تعالى -، فقد جسّد الرسول – صلى الله عليه وسلم – أقواله وأفعاله في فترة وجوده إلى دعوة صامتة أثّرت في المجتمع، فآمن العديد به وبدعوته من خلال عظيم سلوكه وأفعاله.
ومن الأمثلة التطبيقية للدعوة الصامتة من قبله – عليه الصلاة والسلام -:
1. كان الرسول - عليه الصلاة والسلام - يحضر جنائز أهل الكتاب، ويشيّع موتاهم، ويعود مرضاهم، ويزورهم ويكرمهم، وعندما زاره وفد نجران فرش لهم عباءته للجلوس.
2. كان – صلى الله عليه وسلم – بشوشا مبتسما، يسلّم على الصغير والكبير، ويبتسم في وجوه الجميع، وقد حثّ على ذلك، فقد روى الإمام مسلم من طريق أبي ذر – رضي الله عنه – أنّ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: "لا تحقِرنّ من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك بوجهٍ طلق" أيّ بشوش، وروى البخاري من طريق البراء بن عازب – رضي الله عنه – قال: "أمرنا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بسبع: بعيادة المريض، واتباع الجنائز، وتشميت العاطس، ونصر الضعيف، وعون المظلوم، وإفشاء السلام، وإبرار المقسم"، فحثّ – عليه الصلاة والسلام – على هذه الأدبيات لأنّها تطبيق عملي للدعوة الصامتة. (1/3)
صفحة 4
وعلى هذا مضى صحابة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – متبعين هذا المنهج القويم، فقد روى الإمام مالك في الموطأ عن الطفيل بن أبي كعب أنّه كان يأتي عبد الله بن عمر إلى السوق، قال: فإذا غدونا إلى السوق لم يمر عبد الله على سَقّاط (1)، ولا صاحب بيعة، ولا مسكين، ولا أحد إلا سلّم عليه، قال الطفيل: فجئت عبد الله بن عمر فاستتبعني إلى السوق، فقلت له: وما تصنع بالسوق، وأنت لا تقف على البيع، ولا تسأل عن السلع، ولا تسوم بها، ولا تجلس في مجالس السوق؟ وأقول: اجلس بنا ها هنا نتحدّث فقال: يا أبا بطن – وكان الطفيل ذا بطن – إنّما نغدو من أجل السلام، فنسلم على من لقيناه.
نماذج عملية للدعوة الصامتة:
الدعوة الصامتة من أكبر الوسائل في هداية الناس، مصداقا لقوله – تعالى -: "فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك" (2)، لذا كان الاهتمام بها أمرا ملحا، فبها يُظهر المسلم صورة الإسلام الصافية، والمتمثلة في الكمال الخُلقي، وحسن التعامل مع الآخرين، والصدّق في القول والعمل، وتوافق المخبر مع المظهر، ويمكن أن نُجمل الدعوة الصامتة في عدّة مظاهر منها:
1. حسن التعامل مع الآخرين، من إفشاء السلام، والطلاقة في الوجه، والرحمة بالصغير، وتوقير الكبير، والصبر على الأذى، والحلم والعفو والصفح لمن ظلم وطغى.
2. توثيق الصلة مع أبناء المجتمع، وخاصة الوالدين والجيران والأرحام، ومشاركة المجتمع في الفرح والترح.
3. السماحة في البيع والشراء والقضاء، والإحسان إلى الفقراء والضعفاء، واليتامى وابن السبيل.
4. الظهور بالمظهر الحسن في اللباس، والهيئة العامّة للجسم، وتسريح الشعر واللحية، وإزالة شعر الإبطين والعانة، والاستحمام واستعمال الطيب.
__________
(1) أيّ الذي يبيع سقط المتاع ورديئه.
(2) آل عمران/ 159. (1/4)
صفحة 5
5. المحافظة على الشعائر التعبدية كالصلاة في أوقاتها، وبخشوع وفقه، وإخراج حق الله – تعالى – من أموال وصدقات، والتفقه في الدين، والرغبة في طلب العلم.
6. الصدق في القول والعمل، والمحافظة على المواعيد، وإرجاع الحقوق، وأداء الأمانة، والتمسك بالعهود والمواثيق.
7. مراقبة الله سرا وعلانية، والوقوف عند حدود الله وأوامره.
8. الإخلاص في أمانة العمل، والبعد عن الكذب والغش في أماكن العمل.
9. التمسك بالآداب الفاضلة، والقيم الرفيعة التي دعا إليها رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، في أيّ جزء من الأرض كنت، وفي أيّ زمان أصبحت وأمسيت.
10. أن تعلم أنّك بشهادتك لا إله إلا الله، محمد رسول الله، أصبحت ممثلا لهذا الدين، فكن خير المتَبِع، وخير الداعية، كن خير قدوة للآخرين، داعيا بفعلك قبل قولك، وبأخلاقك وحسن سلوكك، فبالدعوة الصامتة قد تنقذ أناسا غرقوا في أوحال الشرك والمعاصي، وعشقوا سعادة الإسلام والاستقامة، وهذا لا يحدث بالتدين المصطنع، ولا بالانحراف عن منهج الدين وأحكامه؛ بل بالتكامل التامّ في الظاهر والباطن، والصدق في تقديم الإسلام إلى الآخرين، والتدين عن فقه وبصيرة، ورحمة وشفقة للناس أجمعين، كما كان عليه سيّد المرسلين – صلى الله عليه وسلم -.
ثانيا: مع الدعوة الفردية:
الدعوة الفردية عبارة عن علاقة موجهة بين الداعي والمدعو، قائمة على الاحتكاك المباشر، والاتصال القوي الذي يهدف إلى توجيه فكر المدعو وسلوكه وفق المنهج الإسلامي.
فهي لا تحتاج إلى خطيب بارع، ولا إلى عالم فقيه؛ بل تحتاج إلى مسلم ملتزم بإسلامه فهما وسلوكا، ويمثل هذا وصف الله - تعالى - لنبيه – صلى الله عليه وسلم -: "عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم" (1).
__________
(1) التوبة/ 128؛ انظر: مقال الدعوة الفردية بداية الطريق، هاني محمود، موقع إسلام أون لاين، http://www.islamonline.net. (1/5)
صفحة 6
والنبي – عليه الصلاة والسلام – كان خير مثال في تجسيد الدعوة الفردية واستغلالها، خاصة في بدايات الدعوة، فكان – عليه السلام – يسعى في تكوين العلاقات الفردية، سواء كان مع الداخلين في دينه، أو مع المشركين، وقد بيّن الرسول – صلى الله عليه وسلم – لأصحابه أهميّة الدعوة الفردية، فقد قال لعلي بن أبي طالب لما بعثه إلى خيبر "لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم" رواه البخاري.
ومن الأمثلة التطبيقية للدعوة الفردية عند النبي – صلى الله عليه وسلم – ما يلي:
1. تقربه – صلى الله عليه وسلم – من عمر بن الخطاب، ومحاولة جذبه إلى الدين، وقد كان يدعو الله – تعالى - أن يعزّ الإسلام بأحد العمرين، وشاء الله – تعالى – أن يشرح صدر عمر بن الخطاب، فأعزّ الله به الإسلام، وكان هذا ثمرة من ثمرات الدعوة الفردية.
2. محاولة تكوين علاقة مع بعض اليهود وزيارتهم، وفي رواية أنّ للنبي – صلى الله عليه وسلم – جارا من اليهود، دخل الإسلام بسبب زيارة للنبي – عليه الصلاة والسلام – في مرضه، مع ما كان من إيذائه له – عليه السلام -. (1/6)
صفحة 7
ومن المعلوم أنّ المصاحبة لها تأثير كبير، فبعض لا يخالط الآخرين في الدعوة الجماعية، إمّا بسبب الغفلة والركون إلى الشهوات، أو بسب المكانة الاجتماعية التي أضفت إليه عزة في النفس فأوقعته في الغرور وحبّ التعالي، فهنا عندما تُكَوّنُ علاقة فردية مستخدما الوسائل الطيبة، ومستغلا المواقف المتعددة، فقد تأثر فيه ولو بعد حين؛ لأنّ الكلمة الطيبة، والصحبة الحسنة تأثيرها قد لا يأتي مباشرة، ولكنه يظل عالقا في النفس، ومع حوادث الزمان تُحْدِثُ هذه الكلمة الطيبة، أو الصحبة الحسنة تغييرا كليّا لدى المدعو، وصدق الله حين قال:"ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، تؤتي أكلها كلّ حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلّهم يتفكرون، ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار، يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء" (1).
وسائل نجاح الدعوة الفردية:
بعد الإخلاص لله – تعالى -، توجد وسائل متعددة تُعين الداعية إلى تحقيق مكاسب في الدعوة الفردية منها:
1. تكوين صلة مع المدعو، وتفقد أحواله، والنظر في حاجته، وإعانته عند المقدرة، ومشاركته في فرحه وترحه، كما رأينا من فعل النبي – صلى الله عليه وسلم -، فإنّه كان يركّز على بعض الناس لعلّه يجد قلوبا واعية، فيلقي فيها الكلمة الطيبة، فتحدث تحولا في مجرى حياتهم، ويمكن استغلال الهاتف النقال أو المحمول خاصة عن طريق الرسائل القصيرة، ولكن مع هذا يجب مراعاة أحوال المدعو، فلا تكثر من الالتصاق منه فينفر منك، فلا بدّ من مراعاة أحوال المدعو، ومراعاة الجوانب النفسية والاجتماعية.
__________
(1) إبراهيم / 24 – 27. (1/7)
صفحة 8
2. استخدام الدعوة غير المباشرة، فتبين له عظمة الله – تعالى -، وتوجهه باستغلال المواقف والأحداث، لأنّ النصيحة المباشرة والتأنيب قد تحدث نفورا في نفس المدعو، وعليك أن تتدرج في دعوته ونصحه وإرشاده، فالتدرج من أعظم المناهج التي استخدمها النبي – صلى الله عليه وسلم – في دعوة أصحابه، وعن ابن عباس أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لمّا أرسل معاذا إلى اليمن قال له: "إنّك تقدم قوماً من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحدوا الله، فإن هم أطاعوا لذلك فأخبرهم أنّ الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أنّ الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، وإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنّه ليس بينها وبين الله حجاب" رواه البخاري ومسلم.
3. أن تكون قدوة صالحة له، وأن تبتعد عن أراذل الأمور؛ لأنّ السلوك الحسن والاستقامة لها تأثير في نفس المدعو، فالنبي – صلى الله عليه وسلم – أثّر بسلوكه وأخلاقه قبل أن يُؤثر بأقواله.
4. استخدام وسيلة الهدية، فلها تأثير عجيب في النفوس، وتُحدث محبة وألفة في القلوب، وقد حثّ النبي – صلى الله عليه وسلم – على الهدية فقال: "تهادوا تحابوا" رواه البيهقي في الكبرى.
5. السماحة والتلطف في الكلام، مع مزجه بالمزاح والمداعبة، فالشدّة والجديّة المفرطة قد تؤثر سلبا على المدعو، والنبي – عليه الصلاة والسلام – كان يمزج بين الجدّ واللين، من غير إفراط ولا تفريط، مع الوقوف في المزاح عند محارم الله، فلا يكذب، ولا يتسلى بلحوم الآخرين. (1/8)
صفحة 9
6. أن تتخلق معه بخلق التواضع، فلا تترفع عليه، أو تظهر عظم مكانتك، مع الحلم إن أخطأ إليك، والصبر على ما يقع منه من أذى، والعفو والصفح عند المقدرة، فقد خدم أنس بن مالك النبي – صلى الله عليه وسلم – عشر سنين، فكان – عليه السلام – نعم الرجل الحليم معه، فما رفع صوته عليه، ولا ضربه قط، ولم يقل له لشيء فعله لِمَ فعلته، ولا لشيء لَمْ يفعله لِمَ لَمْ تفعله.
7. مراعاة منازل المدعو وأعرافه، وعدم التعرض لما تعوّد عليه ما لم يخالف الشرع من الاستهجان والاستخفاف، فقد روى مسلم من طريق عائشة - رضي الله عنها - قالت: "أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ننزل الناس منازلهم".
8. الدعاء، فأكثر لأخيك من الدعاء، لعلّ الله يحدث بعد الجهد أمرا، فقد كان النبي – صلى الله عليه وسلم – يدعو أن يعزّ الله دينه بأحد العمرين، فاستجاب الله لدعائه فهدى عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – فكان فتحا مبينا للإسلام، وقد دعى لقومه وهم قد آذوه وأخرجوه من أرضه، فنادى بصوت حزين: "اللهم أهد قومي فإنّهم لا يعلمون"، واستجاب الله دعوته؛ فدخل الناس أفواجا في دين الله – تعالى – بعد الفتح.
ثالثا: مع الدعوة العامّة:
يُقصد بالدعوة العامّة هي كلّ الجهود الموجهة لنشر شريعة الله في الأرض، وإحيائها في المجتمع، باستغلال الوسائل المتاحة وفق العصر والزمان.
وإذا جئنا إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – نجده منذ بداية البعثة، ومنذ أن نزل عليه قول الحق – تبارك وتعالى -: "يا أيها المدّثر، قم فأنذر" (1)، ركّز على الدعوة العامّة، مبتدئا بأقربائه "وأنذر عشيرتك الأقربين" (2)، ومنطلقا إلى أهل بلده في مكة بشيرا ونذيرا، مستغلا جميع الوسائل في تحقيق الهدف، وبلوغ الغاية، وهكذا عندما هاجر إلى المدينة، وإلى أن انتقل إلى الدار الآخرة.
__________
(1) المدثر / 1 - 2.
(2) الشعراء / 214. (1/9)
صفحة 10
ومن الوسائل العملية التي استثمرها النبي – صلى الله عليه وسلم – لتحقيق الدعوة العامّة وانتشارها ما يلي:
1. الاستعانة بالشخصيات المرموقة التي لها وقع في المجتمع، سواء كان هذا الوقع من حيث المكانة السياسية مثل استعانته بعمه أبي طالب، وبعمه حمزة بن عبد المطلب، أو كان من حيث المكانة الاقتصادية مثل استعانته بزوجه خديجة.
2. استغلال بيوت أصحابه لنشر الدعوة إلى الله – تعالى – كما حدث في بداية الدعوة في دار الأرقم بن أبي الأرقم، والأرقم بن أبي الأرقم القرشي المخزومي صحابي جليل، وأحد السابقين إلى الإسلام بمكة، وكنيته أبو عبد الله، وكان سابع سبعة في الإسلام، وقيل: بل عاشر من أسلم، وهو الذي استخفى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في داره، والمسلمون معه، فكانت داره أول دار للدعوة إلى الإسلام، كانت داره على الصفا، وهي الدار التي كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يجتمع بأصحابه فيها بعيدا عن أعين المشركين ليعلمهم القرآن وشرائع الإسلام، وفي هذه الدار أسلم كبار الصحابة وأوائل المسلمين، وبقي الرسول - صلى الله عليه وسلم - يدعو إلى الإسلام في دار الأرقم - رضي الله عنه - حتى تكاملوا أربعين رجلا، خرجوا يجهرون بالدعوة إلى الله – تعالى -.
3. حضوره – صلى الله عليه وسلم – نوادي المشركين، وتبشيره بالدين الجديد، ومحاولة خلق فرصة للحوار بينه وبين ساداتي قريش.
4. إرسال الهجرات إلى مناطق أخرى لعلّه يجد قلوبا أوعى، وعقولا أكثر فهما ووعيا، كما حدث في هجرة الحبشة، وتطور الأمر بعد ذلك أن أرسل السرايا والبعوث إلى القبائل العربية، والممالك البعيدة، وحاول بنفسه – صلى الله عليه وسلم – البحث عن بيئة خصبة للدعوة العامّة، كما حدث في الطائف، وبعدها في المدينة المنورة. (1/10)
صفحة 11
5. تفعيله – صلى الله عليه وسلم – للمسجد، وتحويله من مكان للعبادة، تمارس فيه بعض الشعائر، إلى مؤسسة علمية تدار فيه حلقات العلم، وتفعيل الدور التربوي والاجتماعي والإنساني للمسجد، وممّا يدل على اهتمامه – عليه الصلاة والسلام – بالمسجد أنّ أول عمل قام به عندما وصل إلى المدينة في هجرته إليها هو بناء المسجد.
6. استغلاله – عليه الصلاة والسلام – للمناسبات، وجعلها أياما للذكر والعظة، وفي الوقت نفسه للفسحة والراحة، فقد أحيى في يوم الجمعة خطبة وصلاة الجمعة، وفي العيدين خطبة وصلاة العيدين.
7. الوقوف عند النوازل، وجعلها محطة للتأمل والتدبر، كما حدث عندما خسفت الشمس في عهده – صلى الله عليه وسلم -، ويدخل في هذا الزلازل والبراكين والفيضانات وانقطاع المطر.
8. استغلال مناسبتي شهر الصيام، وحج بيت الله الحرام في الدعوة العامّة، فلدى الناس إقبال في رمضان، وفي الحج يلتقي مع وجوه متعددة من بيئات مختلفة.
9. استغلاله المجالس في بيته مع أزواجه وأهله، ومع أصحابه، وفي السوق والشارع في التبشير بالدعوة العامّة، كذلك استغلاله للأسفار وتوجيهها نحو البناء السليم، والفكر المستقيم، بجانب إقامة الرحلات الترفيهية مع أصحابه وأهل بيته – عليه الصلاة والسلام -.
10. استثماره الجانب المالي من صدقات وزكوات في دعم وتفعيل الدعوة العامّة، وتوجيهها توجيها مؤسسيا منظّما.
هذه نماذج من تفعيله – عليه الصلاة والسلام – للدعوة العامّة، وإلا فالنبي – عليه السلام – استغل جميع الفرص المتاحة في هذا الجانب، وما هذه إلا إشارات.
طرق تفعيل الدعوة العامّة في المجتمع:
الحياة فترة زمنية خصبة للدعوة العامّة، وبإمكان الفرد استثمار الكثير من الوسائل لتفعيل هذه الدعوة، كلّ بحسب قدراته العلمية والبدنية والمالية، ومن أهم هذه الوسائل: (1/11)
صفحة 12
1. تفعيل واستثمار الدور الاجتماعي، باستغلال مجالس الأسرة، وتحويله إلى مجلس هادف، تُقام فيه الحلقات، وتحيى فيه الدروس، كذلك المشاركة في مجالس القرية، التي يجتمع فيها أبناء القرية، ومحاولة توجيهها توجيها بناء، والمرأة الداعية كذلك عليها استثمار مجالس النساء، ونقلها من مجالس قيل وقال إلى مجالس نافعة، تُقام فيها حلقات التفقه في الدين، والنظر في أحوال المجتمع، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله – تعالى -.
ومن الأمور الهامّة في الجانب الاجتماعي تقوية الترابط الاجتماعي خاصّة فيما يتعلق بحاجات الناس في الجانب المالي، وذلك بتنظيم أمور الزكاة والصدقات وتفعيلها، ومساعدة المحتاجين والفقراء وابن السبيل، وتزويج الشباب وقضاء الديون، وما شابه ذلك.
2. تفعيل دور المؤسسات، وتحويل المركز الوظيفي إلى مركز دعوي، ينشر به الخير والفضيلة بين الناس، فالمعلم مثلا بوظيفته يستطيع أن يستثمرها في الدعوة العامّة بجانب الدعوة الصامتة والفردية، كذلك الموظف في أيّ قطاع كان، بل حتى سائق الأجرة بإمكانه أن يجعل من سيارته مؤسسة للدعوة العامّة كأن يشّغل أشرطة وأقراصا نافعة، أو يقوم هو بدور الموجه الناصح من خلال أمانته وقوله وفعله، كذلك الذي يعمل في السوق بإمكانه أن يجعل متجره منطلقا للدعوة العامّة.
3. تفعيل دور المسجد، ونقله إلى مؤسسة متكاملة كما كان في عهده – عليه الصلاة والسلام -، وأئمة المساجد ووكلاؤها وطلبة العلم وأهله يتحملون مسؤولية عظيمة في تفعيل دور المسجد، وذلك بإحياء الجانب العلمي بتفقيه الناس في أحكام دينهم، وإنشاء الحلقات القرآنية والعلميّة، والاهتمام بأمر المرأة والطفل، والإصلاح بين فئات المجتمع. (1/12)
صفحة 13
4. الاهتمام بالجانب الإعلامي، والمشاركة في الصحف والقنوات، ومحاولة إيجاد البديل قدر الإمكان، والبذل في نشر المطويات والمنشورات الهادفة، ومجلات الحائط والمذكرات الدعوية، وتفعيل دور الرسائل القصيرة في الهاتف النقال والبريد الكتروني، والاهتمام بالمواقع الكترونية، كذلك المشاركة في النوادي الثقافية والرياضية، والجمعيات الاجتماعية والخيرية، والرابطات العلميّة والثقافية، والاهتمام بإقامة المناشط الثقافية والتوعوية وحضورها، وإحياء مكتبات المساجد أو المكتبات العامّة والأهلية، وإقامة المسابقات الثقافية، والاهتمام بالمسرح وتفعيله، ونشر الشريط والقرص والنغمات والفلاشات الهادفة.
5. تفعيل دور المناسبات الدينية والاجتماعية، كمناسبة العيدين، والجمعة وعرفة، ومناسبة المولد وحادثة الإسراء، وتفعيل شهر رمضان والحج ورحلات العمرة، بجانب المناسبات الاجتماعية كالأفراح، بإقامة المناشط التي تظهر عظمة الشريعة في بناء الأسرة والمجتمع، ومحاربة البدع التي تخلخل المجتمع كغلاء المهور، والتعقيد في الزواج، سواء كان عن طريق المحاضرات أم الأناشيد والمسرحيات وغيرها، كذلك تفعيل دور مجالس العزاء، وتحويلها إلى مجالس تذكير وعظة.
6. استغلال مواسم الإجازات وخاصة فترة الصيف، بإقامة المناشط العلمية والثقافية في المجتمع.
قواعد الدعوة من خلال منهج النبي – عليه السلام – في الدعوة: (1/13)
صفحة 14
من تتبع منهج النبي – صلى الله عليه وسلم – نجد أنّه عليه – عليه الصلاة والسلام – بنا دعوته على أسس وقواعد، ممّا كان لدعوته النجاح، رغم المشاق والصعاب، وهذه الأسس والقواعد في مجملها منطلقات أساسية لم أراد النجاح في دعوته، وقد أشار إليها الله – تعالى – في معرض تكليف النبي – صلى الله عليه وسلم – بتبليغ الدعوة حيث يقول – جلّ وعلا -:"يا أيّها المدثر، قم فأنذر، وربك فكبّر، وثيابك فطهر، والرجز فاهجر، ولا تمنن تستكثر، ولربك فاصبر" (1)، ومن هذه الأسس والقواعد:
1. العزيمة والهمّة، فالداعية بحاجة إلى عزيمة وإكبار للذات، وهو بحاجة إلى همّة وقادة، لذلك جاء الخطاب لنبيه – عليه الصلاة والسلام – بصيغة الأمر والإلزام "يا أيّها المدثر"، وممّا جاء في سبب نزول هذه الآية ما رواه البخاري عن جابر بن عبد الله أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "جاورت بحراء، فلما قضيت جواري هبطت فنوديت، فنظرت عن يميني، فلم أر شيئاً، ونظرت عن شمالي فلم أر شيئاً، فنظرت خلفي، فلم أر شيئاً، فرفعت رأسي، فإذا الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض، فجُثثت (2) منه رعباً، فرجعت فقلت: دثِّروني دثِّروني". وفي رواية: "فجئت أهلي، فقلت: زمِّلوني زمِّلوني"، فأنزل الله: "يا أيّها المدثر"، ولذا عندما نزلت هذه الآية وجه النبي – صلى الله عليه وسلم – الخطاب إلى زوجه خديجة: "ذهب عهد النوم يا خديجة، ذهب عهد النوم يا خديجة"، فكان – صلى الله عليه وسلم – نعم الداعية المضحي، الذي بذل كلّ ما يملك من مال ونفس ووقت من أجل رفع راية الدين.
__________
(1) المدثر/ 1 – 7.
(2) أيّ فزعت. (1/14)
صفحة 15
والأمّة اليوم بحاجة إلى إكبار ذاتها، وأن تستقل في ثقافتها وفكرها، وأن تضحيّ من أجل نشر دينها وثقافتها، والداعية الله – تعالى – وهو فرد من هذه الأمة مطالب بالدعوة، لجدير أن يكون مثالا للتضحية والفداء، كما تربى على ذلك صحابة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فكانوا أنصارا لدينهم، بذلوا كلّ ما يملكون لرفع راية الشريعة الغراء، ولم تهزّهم محن الحياة، ولم تثبطهم أكدارها.
2. تعظيم الله – تعالى – "وربك فكبّر"، وذلك بالإخلاص في الدعوة، والعمل فيها بإتقان، وقد كان – عليه الصلاة والسلام – مثالا للداعية المخاص، والداعية المتقن في دعوته، وهو الذي بيّن أهميّة الإخلاص فقد روى الشيخان من طريق عبد الله بن قيس الأشعري – رضي الله عنه – قال: سُئل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عن الرجل يُقَاتل شَجاعة، ويُقَاتل حَمِيّة (1)، ويقاتل رياء، أيّ ذلك في سبيل الله؟ فقال: رسول الله – صلى الله عليه وسلم –: "مَن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله"، والدعوة إلى الله – تعالى – من الجهاد في سبيل الله – جلّ وعلا -، وهذه لا بدّ أن تقترن بالإخلاص لله – عزّ وجلّ -، حتى يُكتب لها النجاح في الدنيا، والقبول في الآخرة.
أمّا عن الثاني وهو الإتقان فقد بينه كذلك عليه – صلى الله عليه وسلم – حيث يقول: "إنّ الله يحبّ إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه"، والدعوة إلى الله – تعالى – من أجلّ الأعمال، وأشرف الفضائل.
3. تطهير النفس في الظاهر والباطن من أدناس المعاصي المادية والمعنوية، الظاهرية والباطنية "وثيابك فطهر"، فلا بدّ للداعية أن يكون طاهر النفس من المعاصي والآثام، وطاهر البدن من القاذورات والأنجاس، وعليه أن تتكامل فيه صفات الداعية من طيب قول وفعل، وطيب مأكل ومشرب، وطيب ملبس وهيئة.
__________
(1) أيّ غيرة وأنفة. (1/15)
صفحة 16
وقد حقق النبي – صلى الله عليه وسلم – هذه الطهارة، فكان طيبا ظاهرا وباطنا، قلبا وقالبا، فالرسول – عليه الصلاة والسلام- كان كلامه قصدا، وخاليا من الفحش والإيذاء، وحث على طيب الكلام والفعل، فقد روى الترمذي من طريق ابن مسعود – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم –: "ليس المؤمن بالطعان، ولا اللعان، ولا الفاحش، ولا البذيء".
وكان – عليه الصلاة والسلام – مهتما بهيئته، متجمّلا باللباس الحسن، ويسرح شعره ولحيته، ويتطيب لكلّ صلاة، وعند دخول بيته، ويقلّم أظفاره، ويزيل شعر عانته وإبطيه، ويستاك لكلّ صلاة، وأمر بذلك - عليه الصلاة والسلام – ممّا أكسب المحبة في قلوب الناس.
ومن العجب أن تجد الداعية لا يهتمّ بلباسه، ولا يبالي بحسن هيئته، مدّعيا الزهد والتدين، وهذا تصنّع ما أنزل الله به من سلطان، وهذا في حقيقته منفّر لدين الله – تعالى -، والحبيب – صلى الله عليه وسلم – يقول: "بشروا ولا تنفروا، ويسروا ولا تعسروا"، فلا بدّ أن يكون الداعية حسن المظهر والمخبر، ليكون نعم الداعية الصالح الصادق.
4. لا بدّ للداعية أن يكون ذا قدوة صالحة في المجتمع، يجمع بين القول والفعل، ولهذا أمر الله نبيه – صلى الله عليه وسلم – باجتناب الرجز حيث قال: "والرجز فاهجر"، والرجز هو موجبات العذاب من شرك ومعاصي، فالداعية الذي يأتي ما ينهى عنه، ويترك ما يُؤمر به، إنّ هذا لا يمكن أن ينجح في دعوته، ولا بدّ أن يكون مصيره الفشل، وقد حذّر الله من النفاق والخداع والكذب على الناس، وهو يتظاهر بالاستقامة والغيرة من محارم الله، فإذا ما خلا بنفسه انتهك ما حرّم الله عليه، يقول الله – تعالى -: "يا أيّها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون، كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون" (1).
__________
(1) الصف/ 2 - 3. (1/16)
صفحة 17
والنبي – صلى الله عليه وسلم – كان نعم الداعية الذي جمع بين القول والفعل، والداعية – عدا أنبياء الله ورسله – غير معصومين من الوقوع فيما حرّم الله ونهى عنه، ومع هذا الداعية إذا ما اقترف شيئا من القاذورات سرعان ما يئوب إلى ربه وينيب، ويخرّ بين يديه خاشعا متذللا لعظم ما اقترف من الذنوب والآثام.
5. ومن قواعد الدعوة التي أشارت إليها السورة أن لا يغتر الداعية بما حقق من مكاسب، فيظن أنّه قد بلغ الغاية، ووصل إلى القمّة، فيصيبه الغرور، ويعتريه بعد ذلك الكسل، يقول – تعالى -: "ولا تمنن تستكثر"، والأصل في الداعية – كما رأينا – أن يكون قويّ العزيمة، إن حقق شيئا من النجاح علم أّنّه من فضل الله، يقول – تعالى –: "إنّك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين" (1)، ويقول – تعالى -: "وما رميت إذ رميت ولكنّ الله رمى" (2).
وعند ما فتح النبي – صلى الله عليه وسلم – مكة المكرمة، وهو أعظم فتح في تأريخ الإسلام دخلها على راحلته متعمما برد حبرة، وإنّ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ليضع رأسه تواضعا لله حين رأى ما أكرمه الله – تعالى – من الفتح، حتى أنّ عثنونه ليكاد يمسّ واسطة الرحل.
هذا هو منهج النبي – صلى الله عليه وسلم – في أعظم حادثة في التأريخ، فكيف بنا اليوم نرى أناسا قرأوا قليلا من العلم، أو مارسوا جزء من الدعوة؛ نراهم يغترون بأنفسهم، ويريدون الصدارة والزعامة في كلّ أمر، فهؤلاء مصيرهم الفشل، والداعية الحق هو الذي يبذل ويسعى، ويعلم أنّ ما حققه كان بنعمة الله – تعالى -، فيزيده شكرا وخضوعا لله – جلّ في علاه -.
__________
(1) القصص / 56.
(2) الأنفال / 17. (1/17)
صفحة 18
6. الصبر في الدعوة، وهذه من أعظم القواعد لنجاح الدعوة، لأنّ الدعوة ليست بساطا أخضر، تحفّه الزهور النظرة؛ بل الدعوة ميدان للصعاب والمشاق، وطريق محفوف بالشوك، فلا بدّ من التسلح بالصبر، ولذا يقول – تعالى -: "ولربك فاصبر"، وقدّم الرب، وأسند إليه الصبر، وأضاف إلى الله – تعالى – لام الاختصاص، وذلك لأنّ الداعية ما قام بهذا الأمر إلا استجابة لأمر الله – تعالى -، فهو يرجو ما أعدّه الله من ثواب "إنّ الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأنّ لهم الجنّة" (1)، فلا يبالي بعدها ما يعتريه من عقبات، ولا ما يصيبه من أذى، فكلّ شيء يهون مقابل سلعة الله الغالية، ألا إنّ سلعة الله الجنة "إنّما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب" (2).
ولهذا كان الرسول – صلى الله عليه وسلم – نعم الداعية الصابر، أوذي في مكة فصبر، وأوذي في المدينة فكان نعم من صبر، ممتثلا لأمر الله – تعالى –: "فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل" (3).
فحري بالداعية إلى الله – تعالى – أن يروض نفسه على الصبر، ليكون أدعى في ثبات دعوته واستمراريتها، وليثبت بذلك وجوده وصموده أمام العقبات والصعاب، فيصبح الأمر بعد حين يسير، والعسر يسرا؛ لأنّه قد أوجد في نفسه مناعة، وحصّن نفسه أمام كلّ محنة ومشقة، فينال النجاح في الدنيا، والنجاة في العقبى.
الخاتمة
ومن أعظم الأسباب في نجاح دعوة النبي – صلى الله عليه وسلم – أمران: التفاؤل والتنظيم، فالرسول – عليه السلام – مع ما لاقاه من عنت ومشقة كان نعم المتفائل، الذي ينظر إلى غده بعين الأمل والإشراق، وبروح النجاح والفلاح.
كذلك كانت حركاته الدعوية تسير في نظام بديع، واستغلال لسنن الله – تعالى – في الأرض، وتخطيط لليوم والغد.
__________
(1) التوبة / 111.
(2) الزمر / 10.
(3) الأحقاف / 35. (1/18)
صفحة 19
فقرّت أعين الأمّة بمحمد – صلى الله عليه وسلم -، فكان نعم القدوة لمن أراد النجاح في الدعوة، فلنكن أمة دعوة، ولنمشي على خطى الحبيب في الدعوة ...
صلى عليك الله يا نور الهدى ... يا رحمة للعالمين ومرشدا
دانت لك الأخلاق صرت إمامها ... يا من بنصر الله كنت مؤيدا (1/19)