جدول المحتويات
العلامات المرجعية
البحث في الكتاب
اكتب شيئاً لبدء البحث...
الصفحة السابقة...
الصفحة التالية...
السيرة النبوية رؤية تحليلية ونظرة تصحيحية
أحمد بن سعود السيابي
الصفحة 1 / 620
مشاركة النص المحدد
تم النسخ

السيرة النبوية رؤية تحليلية ونظرة تصحيحية

أحمد بن سعود السيابي

صفحة 1

المجال: المطبوعات، كتب

المادة: السيرة النبوية - إسلاميات

------------------------------------------

العنوان: السيرة النبوية رؤية تحليلية ونظرة تصحيحية

المؤلف: أحمد بن سعود السيابي

الناشر: مكتبة الضامري للنشر والتوزيع

مكان النشر: السيب - سلطنة عمان

تاريخ النشر: 1437ه/ 2016م

الطبعة: 1

مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:

https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=5216&id_ty=1

------------------------------------------

مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:

https://alsaidia.com/node/372

ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.

تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.

ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع

تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 19 شعبان 1446ه/ 18 - شهر 02 - 2025م. السيرة النبوية

رُؤْيَةٌ تَحْلِيلِيَّةٌ وَنَظْرَةٌ تَصْحِيحِيَّةٌ

تأليف

الشَّيْخِ أَحْمَدَ بْنِ سُعُودِ السيابي

أمين عام مكتب الإفتاء سلطنة عُمان

مكتبة الضامري للنشر والتوزيع

ص ب 2 الرمز البريدي، 121 السيب سَلْطَنَة عُمان (1/1)

صفحة 2

السيرة النبوية.

جميع الحقوق محفوظة ولا يسمع بإعادة إصدار هذا الكتاب أو تخزينه في نطاق استعادة المعلومات أو نقله أو استنساخه بأي شكل من الأشكال دون أخذ إذن خطي من الناشر

الطبعة الأولى 1437 هـ /2016 م

مكتبة الضامري للنشر والتوزيع

هاتف: 0096896444669

ص. ب 2 الرمز البريدي 121

t.k.ldhamri@gmail.com

السيب - سلطنة عمان (1/2)

صفحة 3

السيرة النبوية

(رُؤْيَةٌ تَحْلِيلِيَّةٌ وَنَظْرَةٌ تَصْحِيحِيَّةٌ)

تأليف

الشيخ أَحْمَدَ بْنِ سُعُود السيابي

أمين عام مكتب الإفتاء /سلطنة عُمان

نشر وتوزيع

مكتبة الضامري للنشر والتوزيع

هاتف: 0096896444669

ص. ب 2 الرمز البريدي 121

t.k.ldhamri@gmail.com

السيب - سلطنة عمان (1/3)

صفحة 4

M (1/4)

صفحة 5

السيرة النبوية.

مقدمة

الحَمْدُ لله وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى أَشْرَفِ الْمُرْسَلِينَ وَخَاتَمِ النَّبِيِّينَ؛ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ

وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّهُ مِنَ الْمُعْلُومٍ عِلْمًا، وَمِنَ المُتيَقَنِ يَقِينًا أَنَّهُ لَمْ تَهْتَمَّ أُمَّةٌ مِنَ الْأُمَمِ بِسِيرَةِ نَبِيِّهَا كَمَا اهْتَمَّتْ أُمَّةُ الْإِسْلَامِ بِسِيرَةِ نَبِيِّهَا مُحَمَّدٍ، وَقَدْ أَلَّفَتْ فِي سِيرَتِهِ الْمُؤَلَّفَاتِ الْعَدِيدَةَ، بِاللُّغَاتِ الْعَدِيدَةِ، حَتَّى تَجَاوَزَتْ تِلْكَ المُؤَلَّفَاتُ الثَّلَاثِينَ أَلْفَ مُؤَلَّفٍ، مَا ذَاكَ إِلَّا حِبِّهِمْ لِنَبِيِّهِمْ، وَهُوَ حُبُّ يَفْرِضُهُ دِينَا الْإِسْلَامِيُّ عَلَيْنَا تِجَاءَ نَبِيِّنَا، كَمَا جَاءَ ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ: "لَنْ يُؤْمِنَ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ"، وَلَا رَيْبَ أَنَّ ذَلِكَ الْحُبَّ يَسْتَلْزِمُ اتَّبَاعَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَاقْتِفَاءَ أَثَرِهِ، وَنَهْجَ مَنْهَجِهِ وَالسَّيْرَ عَلَى خُطَاهُ، وَحُبُّهُ وَاتَّبَاعُهُ مِنْ حُبِّ الله تَعَالَى هَادِينَا وَخَالِقُنَا وَرَازِقُنَا؛ لِقَوْلِ الله

قُل إن كُنتُم تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمُ ال

[آل عمران: 31] (1/5)

صفحة 6

السيرة النبوية.

إِذَنْ فَالاعْتِنَاهُ وَالإهتمامُ بِسِيرَتِهِ مِنَ الحُب لَهُ، وَالحُبُّ لَهُ يَدْفَعُ إِلَى اتَّبَاعِهِ وَالاقْتِدَاءِ بِهِ، وَذَلِكَ كُلُّهُ يَنْبُعُ مِنَ الحُب الله عَزَّ وَجَلَّ، وَبِالتَّالِي يُشَكِّلُ ذَلِكَ اسْتِحْقَاقًا

لِحُبِّ الله تَعَالَى، وَإِذَا مَا اسْتَحَقَّ الْمُسْلِمُ مَحَبَّةَ اللَّه لَهُ، فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ مَا أَشْرَفَهَا مِنْ مَنْزِلَةٍ، وَدَرَجَةٌ مَا أَرْفَعَهَا مِنْ دَرَجَةٍ، وَغَايَةٌ مَا أَسْمَاهَا مِنْ غَايَةٍ.

يَا نُعْمَةَ الْعَيْنِ لَنْ يُوَفَّق وَاللَّهُ فِي ذَاكَ هُوَ المُوَفِّق

عَلَى أَنَّ كَلِمَةَ السِّيرَةِ، أَوْ لَفْظَ السِّيرَةِ، أَصْبَحَ عَلَمّا أَوْ حَقِيقَةٌ عُرْفِيَّةٌ لِتَارِيخِ حَيَاةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ مِنْ مَوْلِدِهِ وَحَتَّى وَفَاتِهِ، وَمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ حَيَاتُهُ مِنْ سَرَايَا وَغَزَوَاتٍ

وَمَوَاقِف.

وَقَدْ ظَهَرَتْ كَلِمَةُ السِّيرَةِ كَمَا يَقُولُ الْمُؤَرِّخُونَ عَلَى لِسَانِ الْوَالِي الْأُمَوِيٌّ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ الله الْقَبْرِيُّ (ت: 126 هـ) عِنْدَمَا أَمَرَ مُحَمَّدَ بْنَ شِهَابِ الزُّهْرِيَّ (ت: 124 هـ) أَنْ يَكْتُبُ لَهُ كِتَابًا فِي السِّيرَةِ، وَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ لِي النَّسَبَ فَبَدَأَ الزُّهْرِيُّ بِذِكْرِ نَسَبٍ مُضَرَ فَلَمْ يُعْجِبْ ذَلِكَ الْوَالي المذكُورَ، وَقَالَ لِلزُّهْرِيّ: اقْطَعُهُ - قَطَعَهُ اللهُ - وَاكْتُبِ السِّيرَةَ. ثُمَّ ظَهَرَ كِتَابُ السِّيرَةِ لِاِبْنِ إِسْحَاقَ، وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ يَسَارٍ (ت: 150 هـ)، وَكِتَابُ المَغَازِي مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ وَاقِدٍ الْوَاقِدِيُّ (ت:207 هـ)، وَقَدْ أَخَتصر ابْنُ هِشَامٍ - (1/6)

صفحة 7

السيرة النبوية

وَهُوَ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ هِشَامِ الْحِمْيَرِيُّ (ت: 218 هـ) - كِتَابَ ابْنِ إِسْحَاقَ فَكُتِبَ لَهُ

الانْتِشَارُ مَنْسُوبًا لابْنِ هِشَامٍ.

وَبَعْدَ ذَلِكَ تَوَالَى التَّأْلِيفُ فِي السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ بِاللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ وَغَيْرِهَا مِنَ اللُّغَاتِ. وَقَدْ أَحْبَبْتُ أَنْ أُدْيَ بِدَلْوِي فِي هَذَا الْمُضْمَارِ؛ مِضْمَارِ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ الْعَطِرَةِ؛ حُبًّا فِي النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ وَوَفَاءٌ لَهُ، فَكَانَتْ لي بُحُونٌ وَمُحَاضَرَاتٌ وَلِقَاآتٌ صَحَفِيَّةٌ وَكَلِمَاتٌ فِي مُنَاسَبَاتٍ إِسْلَامِيَّة، ضمنت بعضها هذا الكتاب، واعْتَمَدْتُ فِيهَ الْمُنْهَجَ التَّحْلِيلي، وَالنَّظْرَةَ النَّقْدِيَّةَ التَّصْحِيحِيَّة.

وَقَدْ ضَمَّ هَذَا الْكِتَابُ الْكِتَابَ السَّابِقَ الَّذِي هُوَ بِعُنْوَانِ مَعَالِمُ السِّيرَةِ النَّبوِيَّةِ) عَلَى اعْتِبَارِ أَنَّ ذَلِكَ الْكِتَابَ كَانَ يَضُمُّ عَعَطَاتٍ مِنَ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ الَّتِي هِيَ مَعَالِمُ السِّيرَة؛ لِأَنَّهَا المُحَطَّاتُ أَوِ الْمُعَالِمُ المُهِمَّةُ أَوِ الْأَكْثَرُ أَهَمِّيَّةٌ فِي مَسَاقَاتِ السِّيرَةِ

النبوية.

وَلِذَلِكَ جَاءَ كِتَابُنَا هَذَا ((السِّيرَةُ النَّبَوِيَّةُ)) (رُؤْيَةٌ تَحْلِيلِيَّةٌ وَنَظْرَةٌ تَصْحِيحِيَّةٌ) كِتَابًا شَامِلًا لِكُلِّ قَضَايَا السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ مِنَ الْوِلَادَةِ وَحَتَّى الْوَفَاةِ، وَسَيَجِدُ الْقَارِئُ الْكَرِيمُ فِيهِ - إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى - الشَّيْءَ الْمُمْتِعَ مِنَ الْمُناقَشَاتِ وَالتَّحْلِيلَاتِ وَالتَّصْحِيحَاتِ رِوَايَةٌ وَدِرَايَةٌ. (1/7)

صفحة 8

السيرة النبوية.

وَقَدْ نَاقَشْتُ فِيهِ قَضَايَا لَمْ تُنَاقَشُ مِنْ قَبْلُ، وَطَرَحْتُ فِيهِ آرَاءٌ لَمْ تُطْرَحُ، بَلْ أَثَرْتُ

فِيهِ أُمُورًا لَمْ تُثَرْ مِنْ قَبْلُ.

وَذَلِكَ أَنَّ السِّيرَةَ النَّبِوِيَّةَ هِيَ تَارِيخُ حَيَاةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَ أَفْعَالًا وَأَقْوَالًا، فَإِذَنْ هِيَ أَسَاسُ الحَيَاةِ الْإِسْلَامِيَّةِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ الْكَرِيمَ وَالرَّسُولَ الْعَظِيمَ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلامُهُ عَلَيْهِ قُدْوَهُ كُلِّ مُسْلِمٍ وَمُسْلِمَةٍ.

فَلِذَلِكَ حُمِّلَتِ السِّيرَةُ النَّبَوِيَّةُ الْكَثِيرَ مِنَ المُفَاهِيمِ، وَأُدْخِلَ فِيهَا الْكَثِيرُ مِنَ الْأَفْكَارِ أَوِ التَّقُول: أيْ إِنَّهَا أُخْضِعَتْ لِلْكَثِيرِ مِنَ الرُّوَى السَّيَاسِيَّةِ وَالْمُذْهَبِيَّةِ وَالطَّائِفِيَّةِ عَبْرَ مَرَاحِلٍ تَأْلِيفهَا.

وَمِنْ هُنَالِكَ رَأَيْتُ اتِّبَاعَ الأُسْلُوبِ التَّحْلِيلِي وَالتَّصْحِيحِي رَغْبَةٌ فِي الْوُصُولِ إِلَى المعلُومَةِ الصَّحِيحَةِ المُوَاكِبَةِ لِلْحِرَاكِ النَّبوي الشريف، وَتَلَمسًا لِلْحَقِيقَةِ مِنْ ذَلِكُمُ

الحراك.

وَعَسَى أَنْ يَنْفَعَ اللَّهُ بِهِ، وَأَنْ يَجْعَلَهُ ذُخْرًا لِي عِنْدَهُ، يَوْمَ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ. وَسَمَّيْتُ الْكِتَابَ السِّيرَةَ النَّبَوِيَّةَ، (رُؤْيَةٌ تَحْلِيلِيَّةٌ وَنَظْرَةٌ تَصْحِيحِيَّةٌ)

وَقَدِ اعْتَمَدْتُ بِصُورَةٍ أَسَاسِيَّةِ عَلَى الْمَصَادِرِ التَّالِيَةِ:

1 - السِّيرَةُ النَّبَوِيَّةُ لاِبْنِ هِشَامٍ.

2 - المُغَازِي لِلْوَاقِدِي. (1/8)

صفحة 9

السيرة النبوية.

- السِّيرَةُ النَّبَوِيَّةُ لِأَبِي الْحَسَنِ النَّدِوِيِّ.

4 - حَيَاةُ مُحَمَّدٍ، مُحَمَّد حُسَيْن هِيكَل.

5 - الرَّسُولُ الْقَائِدُ لِلْوَاءِ الرُّكْنِ محمود شيث خَطَّاب.

6 - فِقْهُ السِّيرَةِ، مُحَمَّدٍ الْغَزَالي.

7

- مُحمَّدٌ خَاتَمُ الْمُرْسَلِينَ، لِشَوْقِي ضِيف.

- الرَّوْضُ الْآئِفُ لِلسُّهَيْلي.

وَهُنَاكَ مَصَادِرُ وَمَرَاجِعُ أُخْرَى.

عَلَى أَنَّني لَمْ أُوَتِّقِ المَعْلُومَاتِ المَنْقُولَةَ مِنَ المُصَادِرِ وَالمُرَاجِع المذكُورَةِ عَدَا فِي بَعْضِ المواضع، عَلَى اعْتِبَارِ أَنَّ الْمُعْلُومَاتِ مَوْجُودَةٌ فِيهَا، بَلْ مَوْجُودَةٌ فِي كُلِّ كُتُبِ السِّيرَةِ النبوِيَّةِ، وَإِنَّما وَثَقْتُ المُعْلُومَاتِ الَّتِي اسْتَقَيْتُهَا مِنْ غَيْرِها، نَظَرًا لِاسْتِقْلَا لِمَا بِاحْتِوَاءِ المعلومات الموثقة.

وَالله أَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ وَالسَّدَادَ فِي الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ إِنَّهُ وَلِيُّ التَّوْفِيقِ، وَالْقَادِرُ عَلَيْهِ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ خَاتَمِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ، وَأَفْضَلِ خَلْقِ اللَّهِ أَجْمَعِينَ، وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الْحَمْدُ للَّهَ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

أَحْمَدُ بْنُ سُعُودٍ السَّيابي

مَسْقَطُ الْعَامِرَةُ 18 صَفَر 1437 هـ

30 نوفمبر 2015 م

2 م (1/9)

صفحة 10

إِسْمَاعِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَبُو الْعَرَبِ

الْبَاقِيَةِ (1/11)

صفحة 11

السيرة النبوية.

إِسْمَاعِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَبُو الْعَرَبِ الْبَاقِيَةِ

الْعَرَبُ فِي اللُّغَةِ:

عَرَّفَهُمُ الْفَيْرُوز آبَادِي بِقَوْلِهِ: «الْعُرْبُ بِالضَّمِّ وَبِالتَّحْرِيكِ خِلَافُ الْعَجَمِ، مُؤَنَّةٌ، وَهُمْ سُكَّانُ الْأَمْصَارِ، أَوْ عَامٌ، وَالْأَعْرَابُ مِنْهُمْ سُكَّانُ الْبَادِيَةِ، لا وَاحِدَ لَهُ وَيُجْمَعُ أَعَارِيبَ، وَعَرَبٌ عَارِبَةٌ وَعَرْبَاءُ وَعَرِبَةٌ: صُرَحَاءُ، وَمُتَعَرَّبَةٌ وَمُسْتَعْرِبَةٌ:

دخلاء).

أَمَّا الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ الْفَرَاهِيدِيُّ فَيَقُولُ بِأَنَّ الْعَرَبَ الْعَارِبَةَ الصَّرِيحُ مِنْهُمْ، وَالْأَعَارِيبُ جَمَاعَةُ الْأَعْرَابِ، وَأَعْرَبَ الرَّجُلُ: أَفْصَحَ الْقَوْلَ وَالْكَلَامَ، وَهُوَ عَرَبَانِيُّ

اللَّسَانِ: فَصِيحُ، وَالْعَرَبُ المُسْتَعْرِبَةُ الَّذِينَ دَخَلُوا فِيهِمْ فَاسْتَعْرَبُوا وَتَعَرَّبُوا ". وَيَقُولُ ابْنُ دُرَيْدٍ: إِنَّ الْعَرَبَ الْعَارِبَةَ الَّذِينَ تَحَوَّلَتْ أَلْسِنَتُهُمْ إِلَى الْعَرَبِيَّةِ حَيْثُ تبلبَلَتِ الْأَلْسُنُ، تبلبَلَ مِنْهُمْ عَادٌ وَثَمُودُ وَطَسْمٌ وعملاقٌ وَجَدِيسٌ قَبَائِلُ دَرَجُوا.

وَقَالَ: «الْعَرَبُ الْعَارِبَةُ عَادٌ وَثَمُودُ فِي الدَّهْرِ الْأَوَّلِ.

1) الْقَامُوسُ المُحِيطُ، مَادَّةُ عرب.

2) الْعَيْنُ، مَادَّةُ عرب.

(3) الاشتقاق، 524.

(4) المُصْدَرُ نَفْسُهُ، ص: 361. (1/12)

صفحة 12

- السيرة النبوية.

وَيَقُولُ الْعَوْنَبِيُّ فِي تَعْرِيفِهِ لِلْعَرَبِ: وَيَعْرُبُ بْنُ قَحْطَانَ أَوَّلُ مَنْ تَكَلَّمَ بِالْعَرَبِيَّةِ، وَإِلَى

اسْمِهِ نُسِبَ اللَّسَانُ الْعَرَبِ، وَسُمِّيَ عَرَبِيًّا إذا نُسِبَ إِلَى يَعْرُبَ بْنِ قَحْطَانَ.

أَمَّا الْجُوْهَرِي فَيَقُولُ: «الْعَرَبُ جِيلٌ مِنَ النَّاسِ، وَهُمْ أَهْلُ الْأَمْصَارِ، وَالْأَعْرَابُ سُكَّانُ الْبَادِيَةِ، النِّسْبَةُ إِلَى الْعَرَبِ عَرَب، وَإِلَى الْأَعْرَابِ أَعْرَابِيُّ الَّذِي عَلَيْهِ الْعُرْفُ الْعَامُ إِطْلَاقُ لَفْظَةِ الْعَرَبِ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْإِعْرَابِ، وَهُوَ الْبَيَانُ أَخَذَا مِنْ قَوْلِهِمْ أَعْرَبَ الرَّجُلُ عَنْ حَاجَتِهِ إذَا أَبَانَ. سُمُّوا بِذَلِكَ لأَنَّ الْغَالِبَ عَلَيْهِمُ الْبَيَانُ وَالْبَلاغَةُ". وَمِنْ خِلَالِ التَّعْرِيفَاتِ المُتَقَدِّمَةِ عَنْ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ، يَتَّضِحُ أَنَّ الْعَرَبَ الْعَارِبَةَ هُمُ الصُّرَحَاءُ، وَالمُسْتَعْرِبَةَ الَّذِينَ دَخَلُوا فِيهِمْ.

وَفِي رَأْبِي أَنَّهُ يُمْكِنُ الْقَوْلُ أَنَّ الْعَرَبَ الْعَارِبَةَ هُمْ مَنْ كَانَتْ نِسْبَتُهُمْ عَرَبِيَّةً خَالِصَةً، وَأَمَّا المُسْتَعْرِبَةُ فَهُمْ غَيْرُ الْعَرَبِ الَّذِينَ دَخَلُوا فِيهِمْ وَعُلِّمُوا لُغَتَهُمْ، كَالْأَعَاجِمِ الَّذِينَ

اسْتَعْرَبُوا نُطقا بالعربية. أَقْسَامُ الْعَرَبِ:

يَنْقَسِمُ الْعَرَبِ إِلَى عَرَب بَائِدَةٍ وَعَرَب بَاقِيَةٍ، فَالْعَرَبُ الْبَائِدَةُ هُمْ قَوْمُ عَادٍ وَثَمُودَ وَطَسْمٍ وَجَدِيسِ وَالْعَمالِيقُ وَجُرْهُمْ، وقد كَانت وَجُرْهُمْ آخِرَ أُولَئِكُمُ الْعَرَبِ الْبَائِدَةِ.

1) الْأَنْسَابُ، ج 1، ص: 109.

(2) الْقَلْقَشَنْدِيُّ، أَبُو الْعَبَّاسِ، أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٌّ، نِهَايَةُ الْأَرَبِ، ص: 19. (1/13)

صفحة 13

السيرة النبوية.

وَيُسَمَّى قَوْمُ عَادٍ عَادًا الْأُولَى، وَقَوْمُ ثَمُودَ هُمْ عَادُ الثَّانِيَةُ، يَقُولُ عَزَّ وَجَلَّ: (وَأَنَّهُ

أَهْلَكَ عَادًا الأُولَى وَثَمُودَا فَمَا أَبْقَى.

وَيُقَدِّمُ بَعْضُ النَّسَّابِينَ جُرْهُما إِلَى أُولَى وَثَانِيَةِ، وَقَدِ انْقَرَضَتْ أَوْ دَخَلَتْ فِي بَنِي إِسْمَاعِيلَ وَذَابَتْ فِيهِمْ، أَمَّا الْعَرَبُ الْبَاقِيَةُ فَهُمْ جَمِيعُهُمْ بَنُو إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَيُطْلَقُ عَلَيْهِمْ أَيْضًا الْعَرَبُ الْعَارِبَةُ أَوِ الْعَرْبَاءُ أَي الصُّرَحَاءُ. وَيَنْقَسِمُونَ إِلَى قِسْمَيْنِ: قَحْطَانِيَّةٍ وَعَدْنَانِيَّةٍ، وَقَدْ سَكَنَ الْقَحْطَانِيُّونَ الْيَمَنَ فِي جَنُوبِ الجَزِيرَةِ الْعَرَبيَّةِ بَيْنَما سَكَنَ الْعَدْنَانِيُّونَ شِمَاهَا، أَي الْحِجَازِ وَنَجْدٍ، وَلِذَلِكَ يُطْلَقُ عَلَى الْقَبَائِلِ الْقَحْطَانِيَّةِ: الْقَبَائِلُ الْيَمَنِيَّةُ. أَمَّا عُمَانُ فَقَدْ سَكَنَتْهَا أَوَّلًا الْقَبَائِلُ الْيَمَنِيَّةُ، نَظَرًا لِوُقُوعِهَا فِي الْجُزْءِ الْجُنُوي

الشَّرْقِيِّ مِنَ الْجَزِيرَةِ الْعَرَبِيَّةِ، ثُمَّ انْتَقَلَتْ إِلَيْهَا الْقَبَائِلُ الْعَدْنَانِيَّةُ مِنَ الْحِجَازِ وَنَجْدٍ. عَلَى أَنَّ هُنَالِكَ خِلَافًا فِي إِطْلَاقِ الْعَرَبِ الْعَارِبَةِ، بَعْضُهُمْ يُطْلِقُهَا عَلَى الْعَرَبِ الْبَائِدَةِ كَمَا تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ دُرَيْدٍ وَبَعْضُهُمْ يُطْلِقُهَا عَلَى الْعَرَبِ الْبَاقِيَةِ: (قَحْطَانُ وَعَدْنَانُ، كَمَا أَنَّ هُنَاكَ مَنْ يَحْضُرُهَا فِي الْقَحْطَانِيَّةِ، وَيَنْسُبُونَهُمْ إِلَى قَحْطَانَ ابْنِ النَّبِيِّ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ الَّذِي هُوَ أَخُو عَادٍ، وَيَصِفُ هَذَا الْبَعْضُ الْقَبَائِلَ الْعَدْنَانِيَّةَ بِالمُسْتَعْرِبَةِ

1) سُورَةُ النَّجْمِ الْآيَةُ: 51،50.

14 (1/14)

صفحة 14

السيرة النبوية.

عَلَى اعْتِبَارِ أَنَّهُمْ مِنْ إِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَسَوْفَ نَتَحَدَّثُ عَنْ هَذَا فِيمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ

اللهُ تَعَالَى، وَمِنْ خِلَالِ ذَلِكَ يَتَبَيَّنُ دَحْضُ هَذَا الْقَوْلِ.

إبْرَاهِيمُ وَإِسْمَاعِيلُ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ:

قَبْلَ ذِكْرِ إِسْمَاعِيلَ، نَرَى مِنَ المُنَاسِبِ أَنْ نُعَرّجَ بِالذِّكْرِ إِلَى وَالِدِهِ أَبِي الْأَنْبِيَاءِ إِبْرَاهِيمَ

خَلِيلِ الرَّحْمَنِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.

قِيلَ - وَاللهُ أَعْلَمُ -: إِنَّ النَّبِيَّ إِبْرَاهِيمَ وُلِدَ فِي بَابِلَ مِنْ أَرْضِ الْعِرَاقِ، وَقَدْ حَكَى الْقُرْآنُ أَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَى قَوْمِهِ عِبَادَةَ الْأَصْنَامِ وَالْكَوَاكِبِ وَالنُّجُومِ، وَحَاجَّهُمْ عَلَى ذَلِكَ مُحَاجَّةٌ مُفْحِمَةٌ، وَنَاقَشَهُمْ نِقَاشًا مَنْطِقِيًّا عَقْلِيًّا إِلَى أَنْ ضَافُوا بِهِ ذَرْعًا، وَأَمَرُوا بِالْقَانِهِ فِي النَّارِ الَّتِي جَعَلَهَا اللهُ

بَرْدًا وَسَلَامًا، يَقُولُ وَ عَنْ ذَلِكَ: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَازَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا وَالِهَةٌ إِنِّي

VL

أَرَنكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينِ وَكَذَلِكَ نُرِى إِبْرَاهِيمَ مَلَكُونَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ الَّيْلُ رَهَا كَوْكَبَا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أحِبُّ الأقلين فَلَمَّا رَمَا الْقَمَرَ بَازِضًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ فَلَمَّا رَهَا الشَّمْسَ بَازِعَةٌ قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَنقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ لا إِنِّي وَجَهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ وحاجه قومه قال أَنجُونِي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَيْنِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَن يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَرُونَ وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا

80

YA (1/15)

صفحة 15

السيرة النبوية

تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَنَا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأُمِّنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) () () () ()

وَقَدْ جَاءَتْ قِصَّةُ إِبْرَاهِيمَ مُفَصَّلَةٌ فِي التَّوْرَاةِ الْعَهْدِ الْقَدِيمِ)، فِي كِتَابِ التَّكْوِينِ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ فِي كُتُبِ التَّفْسِيرِ وَكُتُبِ الْقَصَصِ الْقُرْآنِ الَّتِي اعْتَمَدَتْ عَلَى التَّوْرَاةِ، وَعَلَى رِوَايَاتٍ حَدِيثِيَّةٍ، وَمُلَخَّصُ ذَلِكَ فِيمَا يَلِي:

إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وُلِدَ فِي بَابِلَ مِنْ أَرْضِ الْعِرَاقِ، وَبَعْدَ إِنْكَارِهِ عَلَى قَوْمِهِ عِبَادَةَ الْأَصْنَامِ وَالْإِلْقَاءِ بِهِ فِي النَّارِ خَرَجَ إِلَى بِلَادِ حَرَّانَ بِالشَّامِ، حَيْثُ تَزَوَّجَ مِنْ هُنَاكَ زَوْجَتَهُ الْجَمِيلَةَ (سَارَّةً)، وَوَجَدَهُمْ فِي حَرَّانَ يَعْبُدُونَ الْكَوَاكِبَ وَالنُّجُومَ، وَقَامَ بِنِقَاشِهِمْ وَمُحَاجَجَتِهِمْ، وَلَما لَمْ يَسْتَطِعْ إِقْنَاعَهُمْ رَحَلَ عَنْهُمْ إِلَى فِلَسْطِينَ، غَيْرَ أَنَّهُ حَدَثَتْ بَجَاعَةٌ وَقَحْط شَدِيدَانِ فَارْتَحَلَ إِلَى مِصْرَ، وَقَدْ أُعْجِبَ مَلِكُهَا (فِرْعَوْنُ بِسَارَّةَ، وَفَطِنَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى طَمَع فِرْعَوْنَ بِسَارَّةَ، وَعِنْدَمَا سَأَلَهُ عَنْ سَبَبِ الصَّلَةِ وَالْقَرَابَةِ بَيْنَهُمَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ إِنَّهَا أُخْتُهُ خَوْفًا مِنْ أَنْ يَقْتُلَهُ المَلِكُ إِذَا قَالَ: إِنَّهَا زَوْجَتُهُ وَيَتَزَوَّجُهَا بَعْدَهُ، غَيْرَ أَنَّ المُلِكَ ظَلَّ عَلَى طَمَعِهِ فِي سَارَّةَ، فَأُخِذَتْ إِلَى بَيْتِهِ، وَلَكِنْ فِرْعَوْنُ رَأَى أَهْوَالًا مُفْزِعَةٌ، وَأُصِيبَ بِبَلَايَا، وَعَرَفَ أَنَّ سَارَةَ زَوْجَةُ إِبْرَاهِيمَ وَلَيْسَتْ أُخْتَهُ، فَأَكْرَمَهَا إِكْرَامًا جَزِيلًا وَأَعْطَاهُمَا عَطَايَا كَثِيرَةً، وَأَهْدَى إِلَى سَارَّةَ جَارِيَةً قِبْطِيَّةٌ هِيَ (هَاجَرُ)، ثُمَّ

1) سُورَةُ الْأَنْعَامِ، الْآيَاتُ: 74، 81. (1/16)

صفحة 16

السيرة النبوية.

رَجَعَ إِبْرَاهِيمُ وَأَهْلُهُ إِلَى فِلَسْطِينَ، وَيَتَكَرَّرُ الْإِعْجَابُ بِسَارَّةَ مِنْ قِبَلِ الْمَلِكِ جرار أَبِي

مَالِكٍ، إِلَّا أَنَّهُ حَصَلَ لَهُ مَا حَصَلَ لِفِرْعَوْنَ مِصْرَ مِنْ قَبْلُ.

هَذَا هُوَ مُلَخَّصُ قِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، وَلَا نَعْلَمُ مَا هُوَ مِقْدَارُ الْمِصْدَاقِيَّةِ فِيهَا، نَظَرًا لَا شَابَ التَّوْرَاةَ مِنْ شَوَائِبِ التَّحْرِيفِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (فَبِمَا

ج

نَقْضِهِم مِّيتَقَهُمْ لَعَنْهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ فَنَسِيَةٌ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَوَاضِعِهِ، وَنَسُوا حَقًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَايْنَةٍ مِّنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُم فَاعْفُ عَنْهُمْ وَأَصْفَح إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) ().

13

وَلَوْ كَانَتِ الْقِصَّةُ صَحِيحَةٌ، لَكَانَ الزَّوَاجُ مِنَ الْأُخْتِ أَيْسَرَ؛ لأَنها غَيْرُ مُرْتَبِطَةٍ

بِزَوْجِ، وَلَكِنْ مِنَ الْوَاضِحِ أَنَّ الْقِصَّةَ مُختَلَقَةٌ.

ثَانِيَا: إِسْمَاعِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ

وَرَدَ ذِكْرُ إِسْمَاعِيلَ مَقْرُونًا مَعَ ذِكْرِ أَبِيهِ إِبْرَاهِيمَ، وَمِنْ ذَلِكَ:

تَبْشِيرُ إِبْرَاهِيمَ بِإِسْمَاعِيلَ: وَقَالَ إِنِ ذَاهِبُ إِلَى رَبِّ سَيَهْدِينِ رَبِّ هَبْ

لِي مِنَ الصَّلِحِينَ (فَبَشَّرْنَهُ بِغُلَمٍ حَلِيمٍ

100

(د)

1) سُورَةُ المائِدَةِ، الْآيَةُ: 13.

(2) سُورَةُ الصَّافَّاتِ الْآيَاتُ: 99، 100، 101.

17 (1/17)

صفحة 17

الْأَمْرُ بِذَبْحِهِ:

السيرة النبوية.

فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعَى قَالَ يَبْنَى إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى

1.5.

قَالَ يَابَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (1)

فِدَاؤُهُ

فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ) وَنَدَيْنَهُ أَن يَابْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ

1.0

)

تجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِن هَذَا لَهُوَ الْبَلوُا الْمُبِينُ وَفَدَيْتَهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (2).

رَفْعُ قَوَاعِدِ الْبَيْتِ الْعَتِيقِ:

وإذ يرفع إبْرَاهِمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ

العليم (3).

((127)

تَطْهِيرُ الْبَيْتِ:

وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةُ لِلنَّاسِ وَأَمَنَا وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَهِمَ مُصَلَّى وَعَهِدْنَا إِلَى

(125

إبراهيمَ وَإِسْمَعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّابِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (4).

(1) سُورَةُ الصَّافَّاتِ الْآيَةُ: 102.

(2 سُورَةُ الصَّافَّاتِ، الْآيَاتُ: 103 - 107

سُورَةُ الْبَقَرَةِ الْآيَةُ: 127.

4) سُورَةُ الْبَقَرَةِ الْآيَةُ: 125. (1/18)

صفحة 18

السيرة النبوية.

صِدْقُ الْوَعْدِ:

وَاذْكُرْ فِي الْكِتَبِ إِسْمَعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (1).

الْأَمْرُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ:

وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَوةِ وَالزَّكَوةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ، مَرْضِيّا) (2).

هَذَا هُوَ إِسْمَاعِيلُ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، أَمَّا فِي التَّوْرَاةِ فَلَهُ قِصَّةٌ أَكْثَرُ تَطْوِيلًا وَأَكْثَرُ تَفْصِيلًا فِي عِدَّةِ فُصُولٍ مِنْ كِتَابِ التَّكْوِينِ، غَيْرَ أَنَّهَا تَدُورُ أَحْدَاتُهَا فِي فِلَسْطِينَ بِالشَّامِ.

وَتَتَلَخَصُ فِيمَا يَلِي:

أُمُّ إِسْمَاعِيلَ هِيَ هَاجَرُ، وَهِيَ مِصْرِيَّةٌ أَهْدَاهَا فِرْعَوْنُ مِصْرَ إِلَى سَارَّةَ زَوْجَةِ إِبْرَاهِيمَ بَعْدَ أَنْ أَرَادَهَا فِي نَفْسِهَا، وَبَعْدَ أَنْ رَدَّ اللهُ كَيْدَهُ عَنْهَا أَهْدَى إِلَيْهَا هَاجَرَ لِتَكُونَ

لَهَا أَمَةٌ.

وَبَعْدَ اسْتِقْرَارِ إِبْرَاهِيمَ وَأَهْلِهِ فِي فِلَسْطِينَ عَشْرَ سِنِينَ، وَرَأَتْ سَارَّةُ أَنَّهَا عَاقِرُ وَلَمْ تُنْجِبْ وَلَدًا أَهْدَتْ جَارِيَتَهَا هَاجَرَ إِلَيْهِ، وَقَدْ حَمَلَتِ الجَارِيَةُ هَاجَرُ، غَيْرَ أَنَّ ذَلِكَ الْحَمْلَ أَثَارَ غَيْرَةً سَارَّةَ حَتَّى آذَتْ هَاجَرَ إِبدَاءً شَدِيدًا، وَقَدْ خَرَجَتْ هَاجَرُ هَارِبَةٌ مِنْ أَذَى سَارَّةَ لَهَا، وَهَامَتْ عَلَى وَجْهِهَا، وَلَكِنَّ اللهَ أَرْسَلَ إِلَيْهَا مَلَكًا وَخَاطَبَهَا بِالرُّجُوعِ بَعْدَ أَنْ

1) سُورَةُ مَرْيَمَ، الْآيَةُ: 54.

(2) سُورَةُ مَرْيَمَ الْآيَةُ: 55 (1/19)

صفحة 19

السيرة النبوية.

بَشِّرَهَا بِأَنَّهَا سَتَلِدُ مَوْلُودًا ذَكَرًا اسْمُهُ إِسْمَاعِيلُ، وَمَعْنَاهُ اللَّهُ يَسْمَعُ)، وَيَكُونُ وَحْشِيًّا يُعَادِي الجَمِيعَ وَيُعَادِيهِ الجَمِيعُ، فَرَجَعَتْ إِلَى مَكَانِهَا وَمَنْزِلِهَا، وَاشْتَدَّتِ الْغَيْرَةُ لَدَى سَارَةَ أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ بَعْدَ أَنْ وَلَدَتْ هَاجَرُ وَلِيدَهَا إِسْمَاعِيلَ، فَطَلَبَتْ سَارَّةُ مِنْ إِبْرَاهِيمَ أَنْ يَطْرُدَ هَاجَرَ وَابْنَهَا إِسْمَاعِيلَ مِنْ ذَلِكَ المَكَانِ. وَشَاءَ اللهُ أَنْ تَحْمِلَ سَارَّةُ وَتَضَعَ مَوْلُودَهَا إِسْحَاقَ، وَلَكِنَّهَا رَأَتْ أَنَّ إِسْمَاعِيلَ يَسْخَرُ مِنْ وَلَدِهَا إِسْحَاقَ، عِنْدَ ذَلِكَ أَصَرَّتْ سَارَّةُ عَلَى زَوْجِهَا إِبْرَاهِيمَ أَنْ يَطْرُدَ هَاجَرَ وَابْنَهَا إِسْمَاعِيلَ، فَقَامَ إِبْرَاهِيمُ بِطَرْدِ هَاجَرَ وَابْنِهَا إِسْمَاعِيلَ بَعْدَ أَنْ زَوَّدَهُمَا بِزَادٍ مُكَوَّنٍ مِنْ مَاءٍ وَخُبْز.

وَخَرَجَتْ هَاجَرُ هَائِمَةٌ عَلَى وَجْهِهَا فِي الصَّحْرَاءِ، حَتَّى نَفَدَ الماءُ، وَأَخَذَ الصَّبِيُّ يبْكِي مِنَ الْعَطَشِ، وَهُنَاكَ نَادَاهَا مَلَكٌ مِنَ السَّمَاءِ أَنْ لَا تَجْزَعَ، وَأَرْشَدَهَا إِلَى بَكْرِ مَاءٍ هُنَاكَ بِقُرْبِهَا، فَذَهَبَتْ إِلَيْهَا وَمَلَاتِ الْقِرْبَةَ وَسَقَتِ الصَّبِيَّ، وَقَدْ كَبِرَ الصَّبِيُّ وَسَكَنَ الصَّحْرَاءَ، وَبَرَعَ فِي رَمْيِ الْقَوْسِ، وَاتَّخَذَتْ لَهُ أُمُّهُ زَوْجَةً مِنْ مِصْرَ.

هَذَا هُوَ مُلَخَّصُ قِصَّةِ إِسْمَاعِيلَ مِنَ التَّوْرَاةِ، وَلَا تَخْتَلِفُ الرِّوَايَاتُ الحَدِيثِةُ عَنْهَا كَثِيرًا، إِلَّا أَنَّ بَعْضَ فُصُولِ الْقِصَّةِ فِي الرَّوَايَاتِ أُطْرَتْ أَحْدَانُهَا مَكَانِنَا فِي مَكَّةَ المُكَرَّمَةِ، وَلَعَلَّ رُوَاةَ تِلْكَ الرِّوَايَاتِ أَرَادُوا الْجُمْعَ بَيْنَ مَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ مِنْ إِشَارَاتٍ حَوْلَ ذَلِكَ وَبَيْنَ مَا وَرَدَ فِي التَّوْرَاةِ. (1/20)

صفحة 20

السيرة النبوية.

وَأَقُولُ: إِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُعَادَ النَّظَرُ فِي قَصَصِ الْأَنْبِيَاءِ، لِكَوْنِهَا مُسْتَقَاةٌ مِنَ التَّوْرَاةِ، وَلِأَنَّ التَّحْرِيفَ وَاضِحٌ فِي سِيَاقِهَا، وَلَا سِيَّما قِصَّةُ أَوْ قَصَصُ إِبْرَاهِيمَ وَذُرِّيَّتِهِ، حَيْثُ

التَّوْجِيهُ التَّوْرَاتِيُّ الْيَهُودِيُّ هُوَ الْمُهَيْمِنُ عَلَى سِيَاقِ أَحْدَاثِهَا.

وَمِنَ المُعْلُومِ أَنَّ الْيَهُودَ أَهْلُ مَكْرٍ وَهِمَّةٍ وَنَشَاطٍ، وَلَا يَكِلُّونَ وَلَا يَمَلُّونَ مِنْ مُحَاوَلَةِ

التَّأْثِيرِ فِي مُجُرَيَاتِ الْأَحْدَاثِ وَحَرَكَةِ الْحَيَاةِ، مَاضِبًا وَحَاضِرًا.

عَلَى أَنَّ التَّأْثِيرَ الْيَهُودِيَّ وَكَذَلِكَ المُسِيحِيُّ فِي فِكْرِ الْمُسْلِمِينَ وَخِطَابِهِمْ وَاضِحٌ

وُضُوحَ الشَّمْسِ فِي رَابِعَةِ النَّهَارِ، وَلَا يَحْتَاجُ اكْتِشَافُهُ إِلَى كَبِيرِ جَهْدٍ وَشَدِيدِ عَنَاءٍ. وَأَقُولُ: فِي فِكْرِ المُسْلِمِينَ وَخِطَابِهِمْ وَلَيْسَ فِي فِكْرِ الْإِسْلَامِ وَخِطَابِهِ؛ لأَنهما صَافِيَانِ نَقِيَّانِ فِي ذَاتِهَا وَإِنَّمَا التَّلْوِيتُ الْيَهُودِيُّ وَالنَّصْرَانِيُّ حَدَثَ لِلْمُسْلِمِينَ فِي فِكْرِهِمْ وَخِطَابِهِمْ بَعْدَ أَنْ تَأْثَرُوا بِذَلِكَ حَتَّى وَصَلَ ذَلِكَ التَّأْثِيرُ إِلَى بَعْضٍ مَفَاصِلِ الْعَقِيدَةِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ، وَالْأَمْرُ اللَّهَ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ.

رَأْيُّ آخَرُ:

بَعْدَ الَّذِي أَوْرَدْتُهُ مِنْ قِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ فَإِنَّ لِي رَأْيَا آخَرَ حَوْلَ قِصَّةِ أَبَوَيْنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ يَخْتَلِفُ عَنِ السَّيَاقِ التَّوْرَانِي كَما أَنَّهُ قَدْ لَا يَتَّفِقُ مَعَ سِيَاقِ الرِّوَايَاتِ الحَدِيثِةِ، وَإِنَّمَا يَعْتَمِدُ عَلَى السَّيَاقِ الْقُرْآنِ فَقَطْ وَمَا تُوحِي بِهِ آيَاتُ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ مِنْ دَلَالَاتٍ وَإِشَارَاتٍ حَوْلَ حَيَاةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ، حَيْثُ إِنَّ تِلْكَ الْآيَاتِ لَمْ تُشِرْ - لَا مِنْ قَرِيبٍ وَلَا مِنْ بَعِيدٍ إِلَى الهِجْرَاتِ وَالتَّنَقُلَاتِ الَّتِي أُسْنِدَتْ إِلَى إِبْرَاهِيمَ، وَإِنَّا السَّيَاقُ الْقُرْآنِ يَذْكُرُ لِإِبْرَاهِيمَ هِجْرَتَيْنِ: (1/21)

صفحة 21

السيرة النبوية.

الْهِجْرَةُ الْأُولَى: الظَّاهِرُ أَنَّ الهِجْرَةَ الْأُولَى كَانَتْ إِلَى مَكَّةَ، وَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ آذَاهُ قَوْمُهُ إِيدَاءً شَدِيدًا نَتِيجَةَ مُحَاوَلَتِهِ صَرْفَهُمْ عَنْ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ وَعِبَادَةِ الْكَوَاكِبِ وَالنُّجُومِ، إِلَى عِبَادَةِ رَبِّ الْعِبَادِ، بَعْدَ أَنِ اصْطَفَاهُ اللهُ وَجَعَلَهُ صِدِّيقًا نَبِيًّا مُرْسَلًا إِلَى قَوْمِهِ لِيَقُومَ بِتَوْجِيهِهِمْ إِلَى صَحِيحِ الْعَقِيدَةِ، فَمَا كَانَ مِنْهُمْ إِلَّا أَنِ اشْتَدَّ أَذَاهُمْ عَلَيْهِ حَتَّى أَمَرُوا بِإِحْرَاقِهِ بِالنَّارِ، وَهُنَاكَ قَرَّرَ الْهِجْرَةَ الَّتِي هِيَ فِيمَا يَظْهَرُ لِي الهِجْرَةُ الْأُولَى، وَهِيَ إِلَى مَكَّةَ.

وَطَبِيعِيٌّ أَنْ تَكُونَ بِأَمْرِ الله لَهُ، وَلَعَلَّهُ قَدْ تَزَوَّجَ بِأُمَّ إِسْمَاعِيلَ مِنْ قَوْمِهِ وَهَاجَرَ بِهَا إِلَى مَكَّةَ، أَوْ أَنَّهُ تَزَوَّجَ مِنْ عَرَبِ الْحِجَازِ المُحِيطِينَ بِالْحَرَمِ، وَيُقَالُ: إِنَّ قَبِيلَةَ جُرْهُم وَهُمَ مِنْ بَقَايَا قَبَائِلِ الْعَرَبِ الْبَائِدَةِ كَانُوا يَقْطَنُّونَ حَوْلَ الحَرَم.

وَالظَّاهِرُ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ أَقَامَ بِمَكَّةَ فِي هِجْرَتِهِ تِلْكَ فَتْرَةٌ طَوِيلَةٌ، حَيْثُ وُلِدَ إِسْمَاعِيلُ وَبَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ، وَأُمِرَ فِي مَنَامِهِ بِذَبْحِهِ، وَقَامَ إِسْمَاعِيلُ بِمَعِيَّةِ أَبِيهِ إِبْرَاهِيمَ بِنَاءِ الْكَعْبَةِ،

وَتَزَوَّجَ إِسْمَاعِيلُ وَأَنْجَبَ أَوْلَادًا صَارُوا ذُرِّيَّةً لِإِبْرَاهِيمَ.

وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا التَّطَوُّرَ فِي الْحَيَاةِ وَالانْتِقَالِ مِنْ رِحْلَةٍ عُمُرِيَّةٍ إِلَى مَرْحَلَةٍ عُمُرِيَّةٍ أُخْرَى أَمْرٌ يَحْتَاجُ إِلَى وَقْتِ طَوِيلٍ، وَهُوَ مَا تُشِيرُ إِلَيْهِ الْآيَاتُ التَّالِيَةُ: وَإِنَّ مِن

شِعَيْهِ، لإبْرَاهِيمَ إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ إِذ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ)

84

AY

أَيفَكًا عَالِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ) فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ الله فَنَظَرَ نَظرَةً فِي النُّجُومِ)

89

)

فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ) فَراغَ إِلَى الهَيْهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ مَا لَكُمْ لَا

22 (1/22)

صفحة 22

92

السيرة النبوية.

تَطِيقُونَ فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَرْقُونَ) قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنيتنَا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ فَأَرَادُوا بِهِ كَيْنا فَعَلْتَهُمُ الْأَسْفَلِينَ وَقَالَ إِنِّي ذَاهِب إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّلِحِينَ فَبَشَّرْنَهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعَى قَالَ يَبْنَى إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَاءِ أَنِي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَابَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِ إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّبِرِينَ) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنَدَيْنَهُ أَن يَابْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي

100

103

الْمُحْسِنِينَ إِن هَذَا لَهُوَ الْبَلَتَوُا المُبِينُ) وَفَدَيْنَهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (3) سَلَامُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ا وَبَثَّرْنَهُ بِإِسْحَقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّلِحِينَ لا وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَقَ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا

مُحْسِنُ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (1).

وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَا

إنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (2)

وَنَسْتَنجُ مِنْ دَلَالَاتِ الْآيَاتِ المُتَقَدِّمَةِ ما يلي:

- هِجْرَةُ إِبْرَاهِيمَ إِلَى مَكَّةَ كَانَتْ وَحْيَا مِنَ الله وَأَمْرًا مِنْهُ. - سُؤَالُ إِبْرَاهِيمَ رَبَّهُ أَنْ يَبَهُ وَلَدًا صَالِحًا، فَوَهَبَهُ لَهُ.

1) سُورَةُ الصَّافاتِ الْآيَاتُ: 83 - 113.

(2) سُورَةُ الْبَقَرَةِ، الْآيَةُ: 127. (1/23)

صفحة 23

السيرة النبوية.

- بَقَاءُ إِبْرَاهِيمَ فِي مَكَّةَ حَتَّى بَلَغَ إِسْمَاعِيلُ مَعَهُ السَّعْيَ لِقَضَاءِ حَاجَاتِهِ وَلَوَازِمِهِ، أَيْ بَلَغَ مَرْحَلَةَ الْقِيَامِ بِالْمُسْئُولِيَّةِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ لِأَبِيهِ عِنْدَمَا أَخْبَرَهُ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِذَبْحِهِ: «يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ»، دَلِيلٌ عَلَى نُضْجِهِ وَاكْتِمَالِ أَمْرِهِ وَبُلُوغِهِ مَرْتَبَةَ المُسْئُولية.

- وَأَيْضًا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: «فَلَها بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ أَنَّ المعيَّة تُفِيدُ المَلَازَمَةَ

وَالاسْتِمْرَارِيَّة معا.

- أَمْرُ الله لإِسْمَاعِيلَ بِبِنَاءِ الْكَعْبَةِ مَعَ أَبِيهِ إِبْرَاهِيمَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ قَدْ أَوْحَى إِلَيْهِ بالرسالة الإلميَّةِ، حَيْثُ إِنَّ ذِكْرَهُ مَعَ أَبِيهِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إِلَّا بَعْدَ بُلُوغ

السِّنَّ لِأَنَّهُ تَكْلِيفٌ بِشَرْعٍ، وَلَا يَكُونُ التَّكْلِيفُ بِشَرْعِ إِلَّا بَعْدَ الْبُلُوغ. - لَعَلَّ إِسْمَاعِيلَ كَانَ قَدْ تَزَوَّجَ وَأَنْجَبَ أَثْنَاء وُجُودِ أَبِيهِ مَعَهُ فِي مَكَّةَ، فَفِي دُعَاءِ إِبْرَاهِيمَ لِذُرِّيَّتِهِ مَا يُوحِي بِذَلِكَ.

كُلُّ هَذَا التَّطَوُّرِ عَبْرَ مَرَاحِلِ الْحَيَاةِ لَيْسَ مُمكِنَا أَنْ يَحْدُثَ لِإِسْمَاعِيلَ وَوَالِدِهِ

إِبْرَاهِيمَ بِمَعْزِلٍ عَنْهُ، بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْوَالِدُ بِجَانِبِ الْوَلَدِ، كَمَا نَسْتَبْعِدُ أَنْ يَتِمَّ ذَلِكَ

كُلُّهُ فِي زِيَارَاتٍ قَصِيرَةِ لِإِبْرَاهِيمَ إِلَى مَكَّةَ.

24 (1/24)

صفحة 24

الْهِجْرَةُ الثَّانِيَةُ:

السيرة النبوية.

يَظْهَرُ مِنَ السَّيَاقِ الْقُرْآنِيِّ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ عَادَ إِلَى قَوْمِهِ بَعْدَ أَنِ اطْمَأَنَّ عَلَى ابْنِهِ إِسْمَاعِيلَ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْأَهْلِ وَالذُّرِّيَّةِ، وَبَعْدَ أَنْ كَبِرَ إِسْمَاعِيلُ سِنًا، وَاسْتَطَاعَ تَحَملَ المُسْئُولِيَّةَ الدِّينِيَّةَ وَالاِجْتِمَاعِيَّةَ وَصَارَ نَبِيًّا رَسُولًا، وَوَجَدَ إِبْرَاهِيمُ قَوْمَهُ عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ وَالْكَوَاكِبِ، حَيْثُ أَخَذَ فِي مُنَاقَشَتِهِمْ وَمُجَادَلَتِهِمْ لِيُقِيمَ الْحُجَّةَ عَلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ عَنْ غَيْهِمْ وَكُفْرِهِمْ، وَيُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَيُوَحُدُونَهُ وَيَعْبُدُونَهُ، وَلَكِنَّهُمْ أَصَرُّوا عَلَى كُفْرِهِمْ وَعِنَادِهِمْ وَعِبَادَتِهِمْ لِأَصْنَامِهِمْ، كَمَا يَظْهَرُ أَنَّهُمْ هَمُّوا بِإِحْرَاقِهِ مَرَّةً ثَانِيَةٌ، بَعْدَ ذَلِكَ يَظْهَرُ لِي أَنَّ إِبْرَاهِيمَ هَاجَرَ هِجْرَتَهُ الثَّانِيَةَ وَمَعَهُ لُوطٌ إِلَى الْأَرْضِ المُبَارَكَةِ، وَلَعَلَّهَا بِلَادُ الشَّامِ بَعْدَ أَنْ نَجَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ كَيْدِ قَوْمِهِ، حَيْثُ بَشَرَهُ اللهُ بِإِسْحَاقَ وَلَدًا لَهُ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ: وَلَقَدْ أَتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن

52

قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَلِمِينَ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ السَّمَائِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَا عَكِفُونَ) قَالُوا وَجَدْنَا مَابَاءَنَا لَهَا عَيدِينَ) قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَمَا بَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينِ)

or

قالُوا أَجِيْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ اللعبين) قَالَ بَل رَّبِّكُمْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُ

00

??

وَأَنا عَلَى ذَلِكُم مِّنَ الشَّهِدِينَ) وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَعَكُر بعد أن تُوَلُّوا مُديرينَ) فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَّكُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ قَالُوا مَن فَعَلَ هَذَا عَالِهَتِنا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ) قَالُوا سَمِعْنَا فَتَى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَهِيمُ) قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (1) قَالُوا وَأَنتَ فَعَلْتَ هَذَا الهَيْنَا بِكَ إِبْرَاهِيمُ قَالَ بَلْ

62 (1/25)

صفحة 25

- السيرة النبوية.

فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَتَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ ثُمَّ تَكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاء

64

يَنطِقُونَ قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ أَن لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا الهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَعِلِين قُلْنَا يَنَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ وَنَجَيْنَهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَرَكْنَا فِيهَا لِلْعَلَمِينَ وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةٌ وَكُلَّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ (1)

71

70

(1)

وَقَدْ جَاءَتْ فِي الْقُرْآنِ آيَاتٌ كَثِيرَةٌ تَحْكِي قِصَّةً إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، غَيْرَ أَنَّنَا

احتفيْنَا بِمَا سُقْنَا مِنَ الْآيَاتِ لِنَلْتَمِسَ مِنْهَا الْخُطُوطَ الْعَرِيضَةَ لِحَيَاتِهِ. أَمَّا الْقَوْلُ بِأَنَّ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ هَاجَرُ، وَأَنَّهَا كَانَتْ أَمَةً قِبْطِيَّةٌ مِصْرِيَةٌ كَانَتْ لِسَارَّةَ زَوْجَةِ إِبْرَاهِيمَ وَأَنَّ سَارَّةَ أَهْدَتْهَا إِلَى زَوْجِهَا لِكَيْ يُنْجِبَ مِنْهَا، وَأَنْجَبَتْ لَهُ إِسْمَاعِيلَ؛

فَهُوَ قَوْلُ تَفُوحُ مِنْهُ رَائِحَةُ الْعُنْصُرِيَّةِ، وَلَا رَيْبَ أَنه يُقْصَدَ مِنْهُ اسْتِنْقَاصُ الْعَرَبِ. عَلَى أَنَّهُ قَدْ يَقُولُ قَائِلٌ: إِنَّ الرَّأْيَ الَّذِي رَأَيْتَهُ حَوْلَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ يُعْتَبَرُ مُخَالِفًا ما جَاءَ فِي التَّوْرَاةِ، وَمَا تَنَاقَلَتْهُ كُتُبُ التَّفْسِيرِ، وَكُتُبُ الْقَصَصِ الْقُرْآنِيِّ، كَمَا أَنَّهُ مُخَالِفٌ لَا

جَاءَ فِي الرِّوَايَاتِ الْحَدِيثِيَّةِ.

(1) سُورَةُ الْأَنْبِيَاءِ، الْآيَاتُ: 51 - 72.

26 (1/26)

صفحة 26

السيرة النبوية.

فَالجَوَابُ: أَمَّا مُخَالَفَةُ التَّوْرَاةِ فَلَا حَرَجَ فِي ذَلِكَ نَظَرًا لِمَا طَرَأَ عَلَيْهَا مِنْ تَحْرِيفِ أَفَقَدَهَا المِصْدَاقِيَّةَ، وَأَمَّا مُخَالَفَةُ الرَّوَايَاتِ الحَدِيثِةِ، فَلِأَنَّ تِلْكَ الرِّوَايَاتِ إِنْ صَحْتُ فَهِيَ أَحَادِيَّةُ السَّنَدِ، وَأَخْبَارُ الْأَنْبِيَاءِ فِي رَأْيِي - تَدْخُلُ ضِمْنَ قَضَايَا الْعَقِيدَةِ الَّتِي تَحْتَاجُ إِلَى نُصُوصِ قَطْعِيَّةٍ تُفِيدُ الْعِلْمَ الْيَقِينِيَّ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ عِلْمَ الْعَقِيدَةِ يَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ الْعِلْمِ بِالْإِلاهِيَّاتِ وَالْعِلْمِ بِالنُّبُوَّاتِ، كَمَا أَنَّ تِلْكَ الرِّوَايَاتِ مُتَوَافِقَةٌ مَعَ السَّيَاقِ التَّوْرَانِ وَإِنِ اخْتَلَفَتْ مَعَهُ فِي بَعْضٍ عَنَاصِرِ الْقِصَّةِ مِنْ حَيْثُ التَّأْطِيرُ الْمَكَانِيُّ

فقط.

وَعَلَى أَيِّ حَالٍ فَإِنَّ هَذَا يُعَدُّ رَأيَا رَأَيْتُهُ، وَلَا أُخَطَّئُ أَحَدًا يَقُولُ بِخِلَافِهِ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ الله أَوَّلًا وَآخِرًا، وَعَسَى أَنْ أَكُونَ قَدْ وُفِّقْتُ فِيهِ، أَوْ عَلَى الْأَقَلَّ اقْتَرَبْتُ مِنَ

التَّوْفِيقِ.

قَحْطَانُ وَعَدْنَانُ:

عَرَفْنَا مِمَّا مَرَّ أَنَّ إِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وُلِدَ وَعَاشَ وَأَنْجَبَ وَتُوُفِّيَ بِمَكَّةَ الْمُكَرَّمَةِ حَرَسَهَا اللهُ تَعَالَى، وَهُنَاكَ عَاشَتْ ذُرِّيَّتُهُ مِنْ بَعْدِهِ، كَمَا أَنَّهُمْ تَفَرَّقُوا مِنْ هُنَالِكَ وَتَوَزَّعُوا

فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ؛ حِجَازِهَا وَنَجْدِهَا وَيَمَنِهَا وَعُمَانِهَا.

لِذَلِكَ فَإِنَّ قَحْطَانَ وَعَدْنَانَ هُمَا أَبَوَا الْعَرَبِ الْبَاقِيَةِ الْقَحْطَانِيَّةِ وَالْعَدْنَانِيَّةِ)، وَهُمَا

مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ.

27 (1/27)

صفحة 27

السيرة النبوية.

وَلَيْسَ صَحِيحًا الْقَوْلُ أَنَّ قَحْطَانَ هُوَ قَحْطَانُ بْنُ النَّبِيِّ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ الَّذِي هُوَ أَخُو عَادٍ، فَإِنَّ أُولَئِكَ قَوْمٌ بَادُوا وَانْقَرَضُوا، وَإِنَّمَا الصَّحِيحُ أَنَّ قَحْطَانَ الَّذِي تَرْجِعُ إِلَيْهِ الْقَبَائِلُ الْقَحْطَانِيَّةُ الَّتِي تُعْرَفُ بِالْقَبَائِلِ الْيَمَنِيَّةِ هُوَ قَحْطَانُ بْنُ الْهَمَيْسَعِ بْنِ تَيَمَّنَ بْنِ نَبْتِ بْنِ قَيْدَارَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، يَقُولُ فِي ذَلِكَ أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الثَّمَالِيُّ الْأَزْدِيُّ المَعْرُوفُ بِالمُبَرِّدِ: «فَالنَّسَبُ الصَّحِيحُ فِي قَحْطَانَ الرُّجُوعِ إِلَى إِسْمَاعِيلَ، وَهُوَ الحَقُ، وَقَوْلُ المُبَرَّزِينَ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَإِنَّمَا الْعَرَبُ المُتَقَدِّمَةُ أَوْلَادُ عَابَرَ وَرَهْطِهِ عَادٍ وَطَسْمٍ وَجَدِيسٍ وَجُرْهُم وَالْعَمَالِيقِ، وَأَمَّا قَحْطَانُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ فَهُوَ ابْنُ الْهَمَيْسَعِ بْنِ تَيَمَّنَ بْنِ نَبْتِ بْنِ قَيْدَارَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ، فَقَدْ رَجَعُوا إِلَى إِسْمَاعِيلَ، وَقَد قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لِقَوْمٍ مِنْ خُزَاعَةَ وَقِيلَ: مِنَ الْأَنْصَارِ: "ارْمُوا بَنِي إِسْمَاعِيلَ؛ فَإِنْ أَبَاكُمْ كَانَ رَامِيا).

وَهَكَذَا نَجِدُ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم جَعَلَ أُنَاسًا يَنتَمُونَ إِلَى قَبَائِلَ قَحْطَانِيَّةٍ أَنَّهُمْ مِنْ بَنِي إِسْمَاعِيلَ، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْعَرَبَ الْبَاقِيَةَ قَحْطَانِيَّةٌ وَعَدْنَانِيَّةٌ جَمِيعَهُمْ مِنْ إِسْمَاعِيلَ.

(1) الْكَامِلُ، ج 2، ص 91. وَهَكَذَا نَجِدُ فِي الْهَامِشِ عَنْ مُحَقِّقِهِ ((الحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ الجهَادِ، بَابُ التَّحْرِيض عَلَى الرَّمْي، بِرَقْمِ (2899)، أحَادِيثِ الْأَنْبِيَاء بِرَقْم: (3507)، مِنْ حَدِيثٍ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوع قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ عَلَى نَفَرٍ مِنْ أَسْلَمَ يَتَضِلُّونَ، فَقَالَ النَّبِيُّ: ارْمُوا بَنِي إِسْمَاعِيلَ فَإِنَّ أَبَاكُمْ كَانَ رَامِيًا، ارْمُوا وَأَنَا مَعَ بَنِي فَلَانٍ، قَالَ: فَأَمْسَكَ أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ بِأَيْدِيهِمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ

مَا لَكُمْ لا تَرْمُونَ، قَالُوا: كَيْفَ نَرْمِي وَأَنتَ مَعَهُمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ارْمُوا فَأَنَا مَعَكُمْ كُلُّكُمْ)). (1/28)

صفحة 28

السيرة النبوية

أَمَّا مَا ذَكَرَهُ الْبَعْضُ مِنْ تَقْسِيمِ الْعَرَبِ إِلَى عَرَبٍ عَارِبَةٍ وَأَنَّهُمْ قَحْطَانِيُّونَ، وَعَرَبٍ

مُسْتَعْرِبَةٍ وَأَنَّهُمُ الْعَدْنَانِيُّونَ، فَلَا دَلِيلَ عَلَيْهِ.

وَلَعَلَّ الَّذِينَ أَطْلَقُوا ذَلِكَ هُمْ بَعْضُ نَسَّابَةِ الْيَمَنِ؛ لِإِضْفَاءِ الْأَفْضَلِيَّةِ عَلَى الْقَبَائِلِ

الْيَمَنِيَّةِ عَلَى الْقَبَائِلِ الْعَدْنَانِيَّةِ، ثُمَّ أَخَذَهُ مَنْ جَاءَ بَعْدَهُمْ.

وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ لِلتَّعَصُّبِ الْقَيَلِيِّ دَوْرٌ فِي ذَلِكَ، يَقُولُ الدُّكْتُورُ مُصْطَفَى العبادي: «وَمِنْ أَشْهَرِ تِلْكَ الْعَصَبِيَّاتِ الْقَبَلِيَّةِ المُعْرَكَةُ الَّتِي قَامَتْ بَيْنَ الْقَحْطَانِيِّينَ وَالْعَدْنَانِيِّينَ، فَالْقَحْطَانِيُّونَ يُمَتِّلُونَ عَرَبَ الْيَمَنِ وَالْجُنُوبِ، وَالْعَدْنَانِيُّونَ يُمَتِّلُونَ عَرَبَ الْحِجَازِ وَالشَّمَالِ هَذِهِ الْعَصَبِيَّةُ وَأَمْثَالُها كَانَتْ قَدْ هَدَأَتْ وَخَفَّتْ إِيَّانَ حَيَاةِ

الرَّسُولِ وَأَوَائِلِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَلَكِنَّهَا عَادَتْ تُطِلُ بِرَأْسِهَا بَعْدَ ذَلِكَ). عَلَى أَنَّنَا يَنْبَغِي أَلَّا نُغْفِلَ أَنَّ هُنَاكَ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ مَنْ يَقُولُ بِرُجُوعِ قَحْطَانَ إِلَى إِسْمَاعِيلَ، وَيَنْقُلُ عَنْهُمْ ذَلِكَ ابْنُ هِشَامٍ حَيْثُ يَقُولُ: «وَبَعْضُ أَهْلِ الْيَمَنِ يَقُولُ:

قَحْطَانُ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَيَقُولُ: إِسْمَاعِيلُ أَبُو الْعَرَبِ كُلَّهَا)).

وَلَكِنْ كَيْفَ رَاجَتْ مَقُولَةُ الْعَرَبِ الْعَارِبَةِ لِأَهْلِ الْيَمَنِ الْقَحْطَانِيِّينَ، وَالْعَرَبِ

المُسْتَعْرِبَةِ لِلْعَدْنَانِيِّينَ؟

(1) مُذَكَّرَاتٌ في تاريخ الْعَرَبِ قَبْلَ الإِسْلام، ص: 28.

2) السِّيرَةُ النَّبَوِيَّةُ، ص 9. (1/29)

صفحة 29

السيرة النبوية.

فِي رَأْيِي وَحَسَبَ الاِسْتِقْرَاءِ التَّارِيخي فَإِنَّ أَوَّلَ مَنْ قَامَ بِرِوَايَةِ الْأَنْسَابِ وَالتَّارِيخ

وَتَدْوِينِهَا هُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ، كَمِثَالٍ عَلَى ذَلِكَ نَذْكُرُ مِنْهُمْ:

1.

1 عُبَيْدُ بْنُ شَرِيَّةَ الْجُرْهُمِيُّ: يَقُولُ عَنْهُ ابْنُ النَّدِيمِ بِأَنَّهُ: «وَفَدَ عَلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، فَسَأَلَهُ عَنِ الْأَخْبَارِ المُتَقَدِّمَةِ وَمُلُوكِ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ وَسَبَبٍ تَبَلبُل الْأَلْسِنَةِ، وَأَمْرِ افْتِرَاقِ النَّاسِ فِي الْبِلادِ، وَكَانَ اسْتَحْضَرَهُ مِنْ صَنْعَاءِ الْيَمَنِ فَأَجَابَهُ إِلَى مَا أَمَرَ، فَأَمَرَ مُعَاوِيَةُ أَنْ يُدَوِّنَ وَيُنْسَبَ إِلَى عُبَيْدِ بْنِ شَرِيَّةَ، وَعَاشَ عُبَيْدُ بْنُ شَرِيَّةَ إِلَى أَيَّامٍ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، وَلَهُ مِنَ الْكُتُبِ كِتَابُ الْأَمْثَالِ، وَكِتَابُ المُلُوكِ وَأَخْبَارِ الماضِينَ» (1). وَالْكِتَابُ الَّذِي أَمَرَ مُعَاوِيَةُ أَنْ يُكتبَ عَنْهُ وَيُنْسَبَ إِلَيْهِ هُوَ: (أَخْبَارُ الْيَمَنِ وَأَشْعَارُهَا وَأَنْسَابُهَا).

2. وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهِ الْيَمَنِيُّ المُتَوَفَّى سَنَةَ: 110 هـ، وَلَهُ كِتَابُ التِّيجَانُ فِي مُلُوكِ حِمْيَرَ. . هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدِ الْكَلْبِيُّ المُتَوَفَّ سَنَةَ: 204 هـ، وَلَهُ الْعَدِيدُ مِنَ الْمُؤَلَّفَاتِ فِي التَّارِيخ وَالْأَنْسَابِ وَفُنُونِ أُخْرَى.

4 الحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ الْهَمْدَانِيُّ المُتَوَفَّى سَنَةَ: 334 هـ، وَلَهُ كِتَابُ الْإِكْلِيلِ، وَكِتَابُ صِفَةِ

جَزِيرَةِ الْعَرَبِ.

(1) الْفِهْرِسْتُ، ص 132 (1/30)

صفحة 30

الطائرة النبوية.

هَؤُلَاءِ هُمْ أَوَّلُ مَنْ أَلَّفَ فِي الْأَنْسَابِ وَالتَّارِيخِ وَوَصَفُوا بُلْدَانَ الْجَزِيرَةِ الْعَرَبِيَّةِ

وَقَبَائِلَهَا، وَإِنَّمَا أَخَذَ مِنْهُمْ وَنَقَلَ عَنْهُمْ مَنْ جَاءَ بَعْدَهُمْ.

إِسْمَاعِيلُ وَإِسْحَاقُ فِي الْقُرْآنِ:

رَأَيْتُ مِنَ المُناسِبِ أَنْ أُمَمَ هَذَا المُوْضُوعَ أَلَا وَهُوَ مَوْضُوعُ الْعَرَبِ وَأَبِيهِمْ إِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِذِكْرِ مَا دَارَ بَيْنِي وَبَيْنَ سَمَاحَةِ شَيْخِنَا الْعَلَّامَةِ الْكَبِيرِ أَحْمَدَ بْنِ حمد الخليلي المفتِي الْعَامُ لِلسَّلْطَنَةِ المُوَقِّرِ، حَفِظَهُ اللهُ تَعَالَى عِنْدَمَا كُنَّا عَائِدَيْنِ مِنَ المُشَارَكَةِ فِي جِنَازَةِ فَقِيدِ المُرُوءَةِ وَالْفَضْلِ الشَّيْخِ الجَلِيلِ الْوَقُورِ سَعِيدِ بْنِ حَمَدٍ الْحَارِثِي رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - لَيْلَةَ الْإِثْنَيْنِ الْعَاشِرَ مِنْ رَبِيعِ الثَّانِي 1430 هِجْرِيَّا قَمَرِيَّا، المُوَافِقَ لِسَاءِ يَوْمِ الْأَحَدِه أَبْرِيل 2009 ميلادِيًا شَمْسِيًّا، تَسْجِيلًا لِلتَّارِيخ وَتَوْثِيقًا لِلْمَسْأَلَةِ وَإِفَادَةٌ لِلْآخَرِينَ.

قَالَ شَيْخُنَا الخليلِيُّ: إِنَّهُ مِنْ خِلَالِ اسْتِقْرَائِهِ لِذِكْرِ النَّبِيِّ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ فِي الْقُرْآنِ اسْتَوْقَفَهُ أَمْرُ وَهُوَ تَقْدِيمُ ذِكْرِ إِسْحَاقَ عَلَى إِسْمَاعِيلَ فِي الْقُرآنِ المُكَّيِّ، بَيْنَمَا يَتَقَدَّمُ ذِكْرُ إِسْمَاعِيلَ عَلَى إِسْحَاقَ فِي الْقُرآنِ المُدَيِّ، وَقَالَ: إِنَّهُ عَلَى مَدَى قَرَابَةِ عِشْرِينَ

1) فِي التَّوْقِيتِ الْغُرُوبِيُّ الْقَمَرِيُّ تُعْتَبَرُ اللَّيْلَةُ تَابِعَةٌ لِلْيَوْمِ الَّذِي بَعْدَهَا، أَمَّا فِي التَّوْقِيتِ الشمسي- الزَّوَالِيِّ فَتُعْتَبَرُ اللَّيْلَةُ نِصْفَيْنِ، حَيْثُ يَكُونُ النِّصْفُ الأَوَّلُ تَابِعًا لِلْيَوْمِ الَّذِي قَبْلَهَا، وَالنِّصْفُ الثَّانِي تَابِعًا لِلْيَوْمِ

الَّذِي بَعْدَهَا. (1/31)

صفحة 31

السيرة النبوية.

عَامًا كَانَ يَسْأَلُ نَفْسَهُ عَن الْحِكْمَةِ مِنْ ذَلِكَ، كَمَا أَنَّهُ سَأَلَ كِبَارَ الْعُلَمَاءِ وَالْمُفَكِّرِينَ عَنْ

ذَلِكَ، غَيْرَ أَنَّهُمْ لَمْ يَشْفُوا لَهُ عَلِيلًا، وَلَمْ يَرْوُوا لَهُ غَلِيلًا.

وَذَاتَ يَوْمٍ سَأَلَ وَلَدَهُ أَفْلَحَ بْنَ أَحْمَدَ الْخَلِيلِي عَنْ ذَلِكَ، وَكَانَا فِي السَّيَّارَةِ، فَأَجَابَهُ عَلَى الْقَوْرِ بِأَنَّ الْحِكْمَةَ فِي ذَلِكَ هِيَ تَكْرِيسُ الْعَقِيدَةِ فِي الْفَتْرَةِ المُكَّيَّةِ لِنُزُولِ الْقُرْآنِ. فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ عِنْدِي إِضَافَةٌ في المَوْضُوع، وَهِيَ أَنَّ تَقْدِيمَ ذِكْرِ إِسْحَاقَ عَلَى إِسْمَاعِيلَ فِي الْقُرْآنِ المُمكَّيِّ فِيهَا تَوْجِيهُ لِلْعَرَبِ وَلَعَلَّهُ لِقُرَيْشٍ خَاصَّةٌ بِعَدَمِ الْمُغَالَاةِ فِي الاِعْتِدَادِ بِالْأَنْسَابِ إِلَى إِسْمَاعِيلَ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ وَفِيهِمْ قُرَيْسٍ كَثِيرُو الْاِعْتِدَادِ وَالِاعْتِزَازِ بِأَنْسَابِهِمْ وَبِانْتِسَابِهِمْ إِلَى إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، فَأَرَادَ اللهُ أَنْ يَكْبَحَ جَمَاحَ ذَيْنِكَ الاِعْتِدَادِ وَالاعْتِرَازِ لَدَيْهِمْ.

أَمَّا تَقْدِيمُ ذِكْرِ إِسْمَاعِيلَ عَلَى إِسْحَاقَ فِي الْقُرآنِ المُدَيِّ فَفِيهِ تَحَدٌ لِلْيَهُودِ الَّذِينَ كَانُوا مُعْتَدِّينَ بِالإنْتِسَابِ إِلَى إِسْحَاقَ إِلَى حَدَّ الْغُرُورِ، بَلْ إِلَى حَدَّ التميزِ الْعُنْصُرِيٌّ عَنْ غَيْرِهِمْ، وَقَدْ وَصَلَ بِهِمُ الْأَمْرُ إِلَى أَنْ قَالُوا بِأَنَّهُمْ أَبْنَاءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ، كَمَا حَكَى عَنْهُمُ الْقُرْآنُ، وَقَالُوا عَنْ أَنْفُسِهِمْ: إِنَّهُمْ شَعْبُ الله المُخْتَارُ، فَإِزَاءَ ذَلِكَ الصَّلْفِ الْعُنْصُرِي أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَحَدَّاهُمْ وَيُبَيَّنُ هُمْ أَنَّهُمْ لَيْسُوا بِأَفْضَلَ مِنَ الْعَرَبِ نَسَبًا، فَالْكُلُّ يَرْجِعُ إِلَى

إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ.

32 (1/32)

صفحة 32

السيرة النبوية.

كَمَا تَمَّ التَّطَرُّقُ أَثْنَاءَ تَنَاوُلِ أَطْرَافِ الْحَدِيثِ إِلَى ذِكْرِ هَاجَرَ وَإِسْمَاعِيلَ، وَالْعَرَبِ الْقَحْطَانِيِّينَ وَالْأَنْصَارِ، وَقَدْ بَيَّنْتُ رُؤْيَتِي فِي ذَلِكَ وَفْقَ مَا أَوْرَدْتُهُ هُنَا، وَأَخِيرًا صَدَقَ

اللَّهُ الْقَائِلُ: يَتَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْتَكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ

13

أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ).

(1) سُورَةُ الْحُجُرَاتِ الْآيَةُ: 3

33 (1/33)

صفحة 33

لمَاذَا كَانَ مُحَمَّدٌ مِنَ الْعَرَبِ (1/35)

صفحة 34

السيرة النبوية.

لِمَاذَا كَانَ مُحَمَّدٌ مِنَ الْعَرَبِ؟)

بَادِيَ ذِي بَدْءٍ لَا يَسَعُنِي إِلَّا أَنْ أَتَوَجَّهَ بِالشُّكْرِ الْجَزِيلِ إِلَى قُوَّاتِ السُّلْطَانِ المُسَلَّحَةِ بِجَمِيعِ قِطَاعَاتِهَا المُتَمَثْلَةِ هُنَا فِي هَذَا الاجتماعِ الطَّيِّبِ المُبَارَكِ وَفِي هَذَا المَكَانِ الطَّاهِرِ، وَإِنَّهَا لَعَادَةٌ حَمِيدَةٌ طَيِّيبَةٌ جِدًّا أَنْ يَكُونَ هَذَا الاحْتِفَالُ فِي سِلْسِلَةِ الاحْتِفَالَاتِ الَّتِي اعْتَادَتْ قُوَّاتُ السُّلْطَانِ المُسَلَّحَةُ أَنْ تُقِيمَهَا، وَهِيَ احْتِفَاهُ بِذِكْرَى خَيْرِ الْبَشَرِيَّةِ وَخَاتَمِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ، هَذِهِ الذَّكْرَى الطَّيِّبَةُ المُبَارَكَةُ الَّتِي لَا يُمْكِنُ أَنْ تَمرَّ سُدًى دُونَ أَنْ يَتَذَكَّرَهَا المُسْلِمُ بِقَلْبِهِ وَعَقْلِهِ، فالمُسْلِمُ مُطَالَب بِأَنْ يَقِفَ عِنْدَ هَذِهِ الذِّكْرَيَاتِ الْغَالِيةِ الْعَزيزة.

وَهَذِهِ المُنَاسَبَاتُ بَقِيَ لَهَا دَوْرٌ كَبِيرٌ فِي تَوْجِيهِ المُسِيرَةِ الْبَشَرِيَّةِ. وَقَدِ اتَّبَعَتْ قُوَّاتُ السُّلْطَانِ المُسَلَّحَةُ هَذِهِ الْعَادَةَ الطَّيِّبَةَ فَجَزَى اللهُ المُسْئُولِينَ خَيْرَ

الجزَاءِ، وَنَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ فِي مِيزَانِ حَسَنَاتِهِمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.

أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الحَديثُ عَنْ مَوْضُوعِ مَوْلِدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم حَدِيثٌ ذُو شُجُونٍ وَشُئُون، فَهُوَ أَسَاسُ كُلِّ خَيْرٍ وَمَنْبَعُ كُلِّ هُدًى وَقَدْ عَرَفَتِ الْبَشَرِيَّةُ بِمَوْلِدِهِ صلى الله عليه وسلم سَعَادَةَ الدُّنْيَا

(1) هَذِهِ مُحَاضَرَةٌ أُلْقِيَتْ فِي احْتِفَالِ قُوَّاتِ السُّلْطَانِ المُسَلَّحَةِ بِمَسْجِدِ قُوَّاتِ السُّلْطَانِ المُسَلَّحَةِ فِي الرسيل بمُنَاسَبَةِ الاِحْتِفَالِ بِالْمُوْلِدِ النَّبَوِيِّ الشَّرِيفِ لِسَنَةِ: 1420 هـ. 1999 م. وقد أذيعت في تلفزيون سلطنة عمان على اعتبار انها محاضرة المناسبة.

36 (1/36)

صفحة 35

السيرة النبوية.

وَسَعَادَةَ الْآخِرَةِ، فَكَانَ مَوْلِدُهُ رَحْمَةٌ هِذَا الْكَوْنِ بِأَمْرِهِ وَرَحْمَةٌ لِمَنْ فِيهِ مِنَ الْأَحْيَاءِ وَلَمَا فِيهِ مِنَ الْكَائِنَاتِ، أَتَحَدَّثُ إِلَيْكُمْ فِي هَذِهِ الْأُمْسِيَّةِ الطَّيِّبَةِ وَرُبَّمَا لَا يَكُونُ حَدِينِي سَرْدًا قَصَصِيًّا حَوْلَ مَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم وَنَشْأَتِهِ، وَإِنَّمَا اخْتَرْتُ مَوْضُوعًا كَإِطَارٍ هَذَا الحدث النَّارِيخي العظيم، وَالحَدِيثُ سَيَكُونُ نِقَاشًا وَجَوَابًا لِسُؤَالِ ذِي أَهَمِّيَّةٍ بَالِغَةٍ فِي مَوْضُوعِ مَوْلِدِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَهُوَ: لِمَاذَا كَانَ النَّبِيُّ المُرْسَلُ مُحَمَّدٌ مِنَ الْعَرَبِ؟ أَوْ مَاذَا اخْتَارَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ وَخَاتَمَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ مِنْ أُمَّةِ الْعَرَبِ؟ فَهُنَا نُرِيدُ أَنْ نَسْتَحْلِيَ الْحِكْمَةَ مِنْ ذَلِكَ، فَاللَّهُ تَعَالَى حَكِيمٌ فِي أَفْعَالِهِ لَا يَتَطَرَّقُ الْعَبَثُ أَبَدًا إِلَى شَيْءٍ مِنْ أَفْعَالِهِ، فَالْعَبَيَّةُ مُرْتَفِعَةٌ عَنْ أَفْعَالِهِ تَعَالَى، فَهُوَ الْحَكِيمُ فِي فِعْلِهِ وَأَمْرِهِ، لِذَلِكَ كَانَ لَا بُدَّ علينا أن نتعرَّفَ وَنَسْتَحْلِي الْحِكْمَةَ مِنِ اصْطِفَائِهِ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ مِنَ الْأُمَّةِ الْعَرَبِيَّةِ، وَمَا هِيَ الْعَوَامِلُ الَّتِي تَهَيَّأَتْ لِتَكُونَ إِطَارًا لِهَذَا الحَدَثِ الْعَظِيمِ الخَلِيلِ الَّذِي لَمْ تَعْرِفِ الْبَشَرِيَّةُ

مِثْلَهُ عَظَمَةٌ وَأَهَمِّيَّةٌ.

عَلَى أننا نُجْمِلُ تِلْكَ الْأَسْبَابَ وَالْأُطُرَ فِي عِدَّةِ عَوَامِلَ نَسْتَخْلِصُ مِنْهُ الْحِكْمَةَ

وَالْغَايَةَ الرَّبَّانِيَّةَ مِنَ اصْطِفَاءِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم مِنَ الْأُمَّةِ الْعَرَبِيَّةِ:

الْعَامِلُ الْأَوَّلُ: جُغْرَافِيَّةُ الْمَكَانِ: ما لَا رَيْبَ فِيهِ أَنَّ الْعَرَبَ كَانُوا يَقْطَنُّونَ فِي الْجَزِيرَةِ الْعَرَبِيَّةِ الَّتِي مَا زَالَتْ بِحُكم جُغْرَافِيَّتِهَا تَفَعُ فِي أَرْضِ تُحِيطُهَا الْحَضَارَاتُ الْعَظِيمَةُ مِنْ كُلِّ جَوَانِبِهَا، فَعَنْ شَمَاهَا قَامَتْ حَضَارَنَا الْفُرْسِ وَالرُّومِ، وَعَنْ يَمِينِهَا قَامَتْ حَضَارَنَا الصِّينِ وَالْهِنْدِ، فَهَذَا الموقع الجُغْرَافِيُّ الاِسْتِرَاتِيجِيُّ مَنَحَهَا الْوَسَطِيَّةَ قَبْلَ أَنْ يَمْنَحَهَا لِسُكَانِهَا الْعَرَبِ الَّذِينَ (1/37)

صفحة 36

السيرة النبوية.

حَمَلُوا الدِّينَ الْإِسْلَامِي فِيمَا بَعْدُ، ثُمَّ إِنَّ هَذِهِ الْوَسَطِيَّةَ أَضْفَتْ عَلَى هَذَا الدِّينِ الصَّبْغَةَ العالية لجميعِ الْحَضَارَاتِ، حَيْثُ إِنَّ كُلَّ شَيْءٍ يُرْجَى مِنْهُ أَنْ يَكُونَ شَامِلًا لِمُحِيطِهِ يَجِبُ

أَنْ يَحْتَل المكانَ الْأَوْسَطَ لِذلِكَ المُحِيطِ. وَالْجَزِيرَةُ الْعَرَبِيَّةُ كَمَا أَشَرْنَا احْتَلَّتْ مَكَانًا وَسَطًا بَيْنَ حَضَارَاتِ الْعَالِمِ الْأَرْبَعِ، وَهِيَ. - حَضَارَاتٌ ضَحْمَةٌ هَا فَلْسَفَاتُها وَمَبَادوْهَا وَأَنْظِمَتُهَا وَقَوَانِينُهَا وَدَسَاتِيرُهَا وَأُسُسُهَا الَّتِي أَقَامَتْ عَلَيْهَا كِيَانَاتِهَا الْحَضَارِيَّة، وَقَدْ هَيَّا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ هَذِهِ الْوَسَطِيَّة لِلْجَزِيرَةِ الْعَرَبِيَّةِ اسْتِقْبَالًا لِميلادِ الدِّينِ الْإِسْلَامِي الَّذِي جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ وَالَّذِي أَصْبَحَ بَعْدَ ذَلِكَ دِينًا عَالِيًّا هَيْمَنَ عَلَى جَمِيعِ الْأَدْيَانِ.

هَذَا مَعَ الْإِضَافَةِ إِلَى أَنَّ الْعِلْمَ الحَدِيثَ أَثْبَتَ جُغْرَافِيًّا أَنَّ مَوْضِعَ الْكَعْبَةِ المُشَرَّفَةِ يَقَعُ فِي مُحْوَرِ الْكُرَةِ الْأَرْضِيَّةِ، وَقَد أَشَارَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ إِلَى ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًا حَيْثُ جَاءَ ذِكْرُ هَذَا الْخِطَابِ بَعْدَ ذِكْرِ الْكَعْبَةِ المُشرَّفَةِ، أَيْ كَمَا جَعَلْنَا الْكَعْبَةَ المُذْكُورَةَ سَلفًا وَسَطًا جَعَلْنَاكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ أُمَّةً وَسَطًا، وَقَدْ جَاءَتْ إِشَارَتُهُ كَ إِلَى وَسَطِيَّةِ الْكَعْبَةِ فِي الْكُرَةِ الْأَرْضِيَّةِ مِصْدَاقًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلِتُنذِرَأُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا، أَي الْعالَم بِأَمْرِهِ، وَخِطَابُ الله تَعَالَى لِنَبِيِّهِ هُوَ خِطَابٌ للأمة جمعاء، فَأَمْرُهُ بِالتَّبْلِيغِ وَالْإِنْدَارِ هُوَ أَمْرٌ جَمِيعِ الْأُمَّةِ بِتَبْلِيغِ الْإِسْلَامِ لِأَهْلِ مَكَّةَ وَمَنْ حَوْلَهَا فِي سَائِرِ المَعْمُورَةِ، وَلَا عِبْرَةً فِي ذَلِكَ بِقَوْلِ الْقَائِلِينَ: إِنَّ الْإِسْلَامَ دِينُ (1/38)

صفحة 37

السيرة النبوية.

الْعَرَبِ فَقَط مُسْتَدِلَّينَ فِي ذَلِكَ بِأَنَّ الْإِسْلَامَ نَزَلَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، فَهُوَ إِذَنْ لِأَهْلِهَا وَهُمُ الْعَرَبُ فَقَط دُونَ غَيْرِهِمْ، فَقَدْ ظَهَرَ يُطْلَانُ هَذَا الْقَوْلِ بِمَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ مِنَ الْوَسَطِيَّةِ

وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةُ لِلْعَلَمِينَ وَبِوُرُودِ ذِكْرِ النَّبِيِّ في كتب أَهْل الْكِتَاب بِمَا يُوجِبُ عَلَيْهِمُ الْإِيمَانَ بِهِ.

هَذَا وَقَدِ اقْتَضَتْ مَشِيئَةُ الله تَعَالَى آنَذَاكَ أَنْ يَنْقَسِمَ الْعَالَمُ إِلَى أَرْبَعِ حَضَارَاتٍ تَقَع الجَزِيرَةُ الْعَرَبِيَّةُ وَسَطَهَا؛ تَهْيِئَةٌ جُغْرَافِيَّةٌ لِاسْتِقْبَالِ سَيِّدِ الْوُجُودِ وَإِنْسَانِ عَيْنِ الزَّمَانِ مُحَمَّدٍ نَبِيًّا مِنَ الله تَعَالَى وَمَبْعُونًا إِلَى هَذِهِ الْبَشَرِيَّةِ.

وَكَانَ هَذَا الْعَامِلُ الجغْرَافِ بَيْنَهُ وَتَأْطِيرًا مُنَاسِبًا لانْطِلَاقِ الدَّعْوَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ إِلَى مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا، وَلَوْ فَرَضْنَا أَنَّ هَذِهِ الدَّعْوَةَ بُعِثَتْ فِي الرُّومِ أَوِ الْفُرْسِ لا قْتَصَرَتْ بِالطَّرَفِ الشَّمَالِيُّ فِي الْكُرَةِ الْأَرْضِيَّةِ، وَلَوْ كَانَتْ فِي الْهِنْدِ لَانْحَصَرَتْ فِي الجنوب، وَلَوْ كَانَتْ فِي الصِّينِ لَبَعُدَتْ في أقصى الجنوب الشرقي، وَفِي كُلِّ تِلْكَ الْأَطْرَافِ يَعْسُرُ عَلَى الدَّعْوَةِ الاِنْتِشَارُ وَالشُّمُولُ، وَلَكِنْ يَبْقَى مَا تَوَاضَعَ النَّاسُ عَلَيْهِ وَمَا عُرِفَ مِنْ سِيَاقِ تَارِيخ الدِّيَانَاتِ وَالْمُبَادِي وَالْأَفكَارِ أَنَّ الْوَسَطِيةَ وَالشُّمُولية لِكُلِّ شَيْءٍ إِنَّمَا هِيَ نَابِعَةٌ مِنْ وَسَطِيَّتِهِ فِي المُحَلَّ وَالْمُوْضِعِ.

الْعَامِلُ الثَّانِي: النَّسَبُ

نَسَبُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَنْحَدِرُ مِنْ نَسْلِ النَّبِيِّ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، لِذَلِكَ نَجِدُهُ يَقُولُ عَنْ نَفْسِهِ: أَنا دَعْوَةُ أَي إِبْرَاهِيمَ وَبُشْرَى أَخِي عِيسَى وَرُؤْيَا أُمِّي"،

39 (1/39)

صفحة 38

السيرة النبوية.

فَهُوَ دَعْوَةُ النَّبِيِّ إِبْرَاهِيمَ عِنْدَمَا خَلَا هُوَ وَابْنُهُ لِبِنَاءِ الْبَيْتِ: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةٌ مُسْلِمَةٌ لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ، وَالمُقْصُودُ فِي الْآيَةِ رَسُولًا مِنْهُمْ) أَيْ مُحَمَّدًا، فَلِذَا قَالَ مُحَمَّدٌ: "أَنَا دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ"، وَأَمَّا قَولُهُ بُشْرَى أَخِي عِيسَى فَالمَقْصُودُ بِهَا قَوْلُهُ تَعَالَى عَلَى لِسَانِ عِيسَى: وَمُبَشِّرًا بِرَسُولِ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَرُؤْيَا أُمِّي" فَيُشِيرُ بِهِ إِلَى قِصَّةِ أُمِّهِ آمِنَةَ بِنْتِ وَهْبِ الَّتِي تَرْوِيهَا كُتُبُ السِّيرَةِ مِنْ أَنَّهَا كَانَتْ تَرَى قَبْلَ وِلَادَتِهَا وَأَثْنَاءَ حَمْلِهَا لِلنَّبِيِّ أَنَّهَا سَتَلِدُ إِنْسَانًا عَظِيمًا لَيْسَ كَبَقِيَّةِ النَّاسِ، أَوْ أَنها سَتَلِدُ نَبِيًّا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا حَكَتْهُ كُتُبُ السّيرة مِمَّا يَدُلُّ عَلَى اتَّصَالِهِ بِالنَّبِيِّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ.

فَلأَجل هَذَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ قَوْلِهِ ورَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ

ايَتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ قَالَ: {وَمَن يَرْغَبُ عَن قِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ، إِشَارَةٌ إِلَى نُبُوَّةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدِ * الَّذِي جَاءَ بِمَا اللَّه؛ جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ إِبْرَاهِيمُ، وَهِيَ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ هَذَا الدِّينَ هُوَ دِينُ وَاحِدٌ، يَقُولُ: وَمِلَةَ

أَبيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّنكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ (1/40)

صفحة 39

-السيرة النبوية.

فأَسْرَةُ النَّبِيِّ كَانَتْ أُسْرَةً كَرِيمَةَ المُحْتَدِ عَظِيمَةَ الْقَدْرِ جَلِيلَةٌ وَعَزِيزَةٌ، يَقُولُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: "إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى بَنِي النَّضْرِ مِنْ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى بَنِي هَاشِمٍ مِنَ النَّضْرِ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ"، إِذَنْ هِيَ فِعْلًا تَصْفِيَّةٌ نَسَبِيَّةٌ جَلِيلَةُ الْقَدْرِ عَظِيمَةٌ عَرِيقَةٌ لَمَا أَثَرُهَا فِي التَّنْويج النَّبوِيِّ مُحَمَّدٍ، فَقَدْ كَانَ أَجْدَادُهُ سَادَةَ الْعَرَبِ وَسَادَةَ قُرَيْشٍ وَسَادَةَ مَكَّةَ، فَهَاشِمُ بْنُ عَبْدِ مَنَافٍ كَانَ سَيِّدَ الْعَرَبِ فِي عَهْدِهِ وَسَيِّدَ قَوْمِهِ، وَلا أَوْشَكَتْ بَنُو عُذْرَةً وَبَنُو خُزَاعَةً أَنْ تَتَقَاتَلَا فِي الْأَشْهُرِ الحُرُمِ وَقَدْ حَمَلَنَا السَّلَاحِ شَقَّ ذَلِكَ عَلَى بَقِيَّةِ الْقَبَائِلِ وَعَلَى قُرَيْشٍ بِالذَّاتِ ثُمَّ عَلَى هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ خُصُوصًا، فَقَامَ فِيهِمْ خَطِيبًا بِخُطبَتِهِ المَشْهُورَةِ الَّتِي سُمِّيَتْ بِالحَكِيمَةِ لِمَا فِيهَا مِنَ الحِكَم وَابْتَدَأَهَا قَائِلًا: «نَحْنُ آل إِبْرَاهِيمَ وَذُرِّيَّةُ إِسْمَاعِيلَ وَوَلَدُ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ». فَذَكَرَ نَسَبَهُ وَحَسَبَهُ ثُمَّ أَتَى بِتِلْكَ النَّصَائِحِ وَالْحِكَمِ، فَمَا أَنْ فَرَغَ مِنْ خُطْبَتِهِ حَتَّى أَلْقَتِ الْقَبِيلَتَانِ بِسِلَاحِهِمَا؛ لِمَا لَهُ مِنْ شَرَف وَسِيَادَةٍ بَيْنَهُمْ ولما كَانَ لَهُ مِنْ

نَسَبٍ وَكَرَم.

فَلَا شَكٍّ إِذَنْ أَنَّ عَامِلَ النَّسَبِ ضَرُورِيٌّ لِانْقِيَادِ النَّاسِ، فَلِذَلِكَ عِنْدَمَا ذَهَبَ أَبُو سُفْيَانَ بَعْدَ صُلح الحديبية وَقَبْلَ فَتح مَكَّةَ إِلَى الشَّامِ فِي بَعْضٍ تِجَارَتِهِ وَكَانَ فِي بُصْرَى اسْتَدْعَاهُ هِرَقْلُ مَلِكُ الرُّوم لِيَسْأَلَهُ عَنْ مُحَمَّدٍ الَّذِي أَرْسَلَ إِلَيْهِ رِسَالَةٌ يَدْعُوهُ وَقَوْمَهُ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: هُوَ فِي حَسَبٍ مِنْ قَوْمِهِ، فَقَالَ هِرَقْلُ: هَكَذَا الْأَنْبِيَاءُ؛ لأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَا يُبْعَثُونَ مِنْ أَدْنَى النَّاسِ نَسَبًا وَإِنَّمَا يُبْعَثُونَ مِنْ عِلْيَةِ الْقَوْمِ وَمِنْ عُمْقِ

المُجْتَمَعَاتِ نَسَبًا وَشَرَفًا. (1/41)

صفحة 40

السيرة النبوية.

وَمَعَ نُبُوثِ وَامْتِدَادِ نَسَبٍ مُحَمَّدٍ لِأَبِيهِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الدَّعْوَةِ وَفِي الدِّينِ وَالْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ الاِتِّكَاءُ عَلَى ذَلِكَ النَّسَبِ فَحَسْبُ دُونَ الْعَمَلِ، فَالنَّبِيُّ كَانَ يُخَاطِبُ قَوْمَهُ وَأَهْلَهُ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَيَقُولُ لَهُمْ: "لَا يَأْتِينِي النَّاسُ بِأَعْمَالِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَتَأْتُونِي بِأَنْسَابِكُمْ، فَالنَّسَبُ وَحْدَهُ غَيْرُ كَافٍ مَا لَمْ يُكْمِلُهُ وَيُضَمْ إِلَيْهِ الْعَمَلُ.

فَخَيْرُ النَّاسِ ذُو حَسَبٍ قَدِيمٍ أَقَامَ لِنَفْسِهِ حَسَبًا جَدِيدَا

فَذَلِكَ هُوَ خَيْرُ النَّسَبِ، أَمَّا مَنْ يَفْتَخِرُ بِنَسَبِهِ وَآبَائِهِ وَيَتَوَاكَلُ وَيُهْمِلُ الْعَمَلَ فَذَلِكَ إِنْسَانُ فَاشِلٌ، وَلَكِنْ إِنْ ضَمَّ الْعَمَلَ الصَّالِحَ الدَّءُوبَ إِلَى نَسَبِهِ الطَّيِّبِ فَإِنَّهُ يَكُونُ بِذَلِكَ قد حَازَ الشَّرَفَ بَيْنَ النَّاسِ وَصَارَ أَدْعَى لِقَبُولِهِ فِي نُفُوسِهِمْ، وَقَدْ سُئِلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَنْ أَنْسَابِ بَعْضِ الْقَوْمِ فَقَالَ: "عَنْ مَعَادِنِ الرِّجَالِ تَسْأَلُونِ" قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: " خِيَارُهُمْ فِي الجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الْإِسْلَامِ إِذَا فَقِهُوا". فَشَرْطُ الْفِقْهِ وَالْعِلْمِ وَالِاسْتِقَامَةِ لَازِمٌ فِي خَيْرِيَّةِ الرِّجَالِ وَلَيْسَ النَّسَبُ فَحَسْبُ.

الْعَامِلُ الثَّالِثُ: الْأَخْلَاقُ وَالسُّلُوك وَصَلَ المُجْتَمَعُ الْعَرَبِيُّ قُبَيْلَ مَوْلِدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِلَى مَرْحَلَةٍ عَالِيَةٍ مِنَ النُّبَلِ الْأَخْلَاقِيِّ وَمِنَ السُّلُوكِ الحَسَنِ وَالمُرُوءَةِ حَيْثُ كَانَتْ هُنَالِكَ ثَوَابِتُ وَمُسَلَّمَاتُ فِي السُّلُوكِ الاجتماعِي لَا يُمْكِنُ التَّنازُلُ عَنْهَا أَوِ المَسَاسُ بِهَا، وَفِي حَقِيقَةِ الْأَمْرِ أَنَّ الْإِسْلَامَ جَاءَ (1/42)

صفحة 41

السيرة النبوية.

مُقِرًّا لِهَذِهِ السُّلُوكَاتِ، وَمُهَذِّبًا لِشَيْءٍ مِنَ الْإِفْرَاطِ وَالتَّعَدِّي الَّذِي يَشُوبُ بَعْضًا مِنْهَا،

وَهَذَا إِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى مَا لِلْعَرَبِ مِنْ أَخْلَاقٍ فَاضِلَةٍ وَقِيَمٍ نَبِيلَةٍ.

فَمِنْ أَخْلَاقِهِمُ النُّصْرِةُ وَالْأَمَانَةُ وَالْوَفَاء وَإِكْرَامُ الضَّيْفِ وَالْإِيثَارُ وَإِغَاثَةُ المُلْهُوفِ وَفَكُ الْأَسِيرِ وَنُصْرَةُ المُمَظْلُومِ وَالاهْتِمَامُ بِالجَارِ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ مُفْرَدَاتِ النُّبْلِ الاجْتِمَاعِي فِي أَرْقَى مَا وَصَلَتْ إِلَيْهِ الحَيَاةُ الإجتماعية.

وَفِي الحَقِيقَةِ أَنَّ هَذِهِ الْأَخْلَاقَ مَا هِيَ إِلَّا بَقِيَّةٌ مِنْ دِينِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ كَانُوا فِي كَثِيرٍ مِنْ أَخْلَاقِهِمْ وَعَادَاتِهِمْ مُتَمَسِّكِينَ بِدِينِ النَّبِيِّ إِبْرَاهِيمَ كَالْخِتَانِ

مَثَلًا الَّذِي هُوَ أَحَدُ سُنَنِ الْفِطْرَةِ الْعَشْرِ الْمَعْرُوفَةِ فِي الْفِقْهِ الْإِسْلَامِيُّ.

وَمِنْ بَقَايَا دِينِ إِبْرَاهِيمَ حِفْظُ الجَوَارِ الَّذِي كَانَ الْعَرَبُ حَرِيصِينَ عَلَيْهِ غَايَةَ الْحِرْصِ، ثُمَّ جَاءَ الْإِسْلَامُ مُشَدَّدًا بِالْأَخْذِ بِهِ وَتَطْبِيقِهِ؛ لِأَنَّ جَارَ السَّوْءِ مِنْ أَعْظَمِ الْبَلَاءِ عَلَى الْإِنْسَانِ فِي حَيَاتِهِ، وَقَد كَانَ النَّبِيُّ عيسى عَلَيْهِ السَّلَامُ يَسْتَعِيذُ بِالله مِنْ جَارِ إِذَا رَأَى حَسَنَةٌ أَخْفَاهَا، وَإِذَا رَأَى سَيِّئَةٌ أَبْدَاهَا؛ لِأَنَّ الْجَارَ هُوَ عَيْنُ الْإِنْسَانِ، فَلِذَلِكَ قَالُوا في المثلِ الْعَرَبِيِّ: «الْجَارُ قَبْلَ الدَّارِ، وَمِنَ الْقَصَصِ الْجُمِيلَةِ الَّتِي تُعَبِّرُ عَنْ عِنَايَةِ الْعَرَبِ بِحِفْظِ الجَارِ أَنَّ رَجُلًا يُدْعَى مُدْلِجَ بنَ سُوَيْدٍ الطَّائِيَّ، كَانَ جَالِسًا ذَاتَ يَوْمٍ فِي فِنَاءِ دَارِهِ، فَرَأَى أَنَاسًا مُقْبِلِينَ عَلَيْهِ فَسَأَهُمْ مَا جَاءَ بِكُمْ؟ قَالُوا جِئْنَا خَارِكَ، قَالَ: وَمن جَارِي؟ قَالُوا: الجُرَادُ، وَتَوَجَّهُوا إِلَيْهِ - لِأَنَّ الجُرَادَ انْتَقَلَ إِلَى فِنَاءِ دَارِهِ - فَامْتَطَى فَرَسَهُ وَامْتَشَقَ سَيْفَهُ وَقَالَ لَهُمْ: أَمَا وَقَدْ سَمَّيْتُمُوهُ جَارِي فَلَا يُمْكِنُ لِأَحَدِكُمْ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِ حَتَّى يَرْحَلَ الْجَرَادُ عَنْ جِوَارِي.

43 (1/43)

صفحة 42

السيرة النبوية.

قَدْ يَسْتَهْجِنُ الْمُسْتَمِعُ أَوِ الْقَارِئُ فِي الْوَهْلَةِ الْأُولَى هَذَا التَّصَرُّفَ مِنَ الرَّجُلِ الْعَرَبِي، وَلَكِنَّنَا نَجِدُ عِنْدَ التَّحْلِيلِ النَّفْسِيِّ أَنَّ هَذَا التَّصَرُّفَ عَائِدٌ إِلَى تَخْزُونٍ جَيْدِ مِنَ الْعَادَاتِ وَالْأَخْلَاقِ الحَمِيدَةِ ثم حَتَّ عَلَيْهَا الْإِسْلَامُ بِمَجِينِهِ وَشَدَّدَ عَلَيْهَا، فَالَّذِي يَظْهَرُ مِنْهُ حَمَاسٌ فِي حِفْظِ جِوَارِ جَرَادٍ فَمِنْ بَابِ أَوْلَى أَنْ يَفْدِي بِحَيَاتِهِ حِفْظُ جِوَارِ أَخِيهِ الْإِنْسَانِ، فَالْقِصَّةُ لَيْسَتْ بَسِيطَةٌ أَمَامَ التَّكْوِينِ وأمَامَ التَّحْلِيلِ النَّفْسِيِّ الدَّقِيقِ، فَهِيَ دَلِيلٌ عَلَى انْغِرَاسِ الْخُلُقِ الْحَسَنِ فِي المُجْتَمَعِ الْعَرَبِيُّ وَفِي ذَلِكَ الرَّجُلِ الْعَرَبِ. وَمِنْ عَادَاتِ الْعَرَبِ الصِّدْقُ الَّذِي كَانَ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ يُضَحِّي بِحَيَاتِهِ فِي سَبِيلِ أَلَّا يَنْطِقَ بِكَلِمَةٍ كَذِبٍ، وَقَد حَتْ الْإِسْلَامُ عَلَى الصِّدْقِ إِذْ سُئِلَ النَّبِيُّ: أَيكُونُ المُؤْمِنُ كَذَّابًا؟ قَالَ: "لَا".

فَلَرُبَّما أَمْكَنَ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَضْنَ بِمَالِهِ حِينَ يَرَى مَوْقِفًا يَحْتَاجُ إِلَى تَضْحِيَةٍ مَالِيَّةٍ لِبُخْلِهِ وَضَعْفٍ فِي نَفْسِهِ؛ وَلَكِنْ لَا يَجُوزُ لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَكُونَ كَذَّابًا فِي أَيِّ حَالٍ؛ لِأَنَّ الْكَذِبَ فِيهِ تَغْبِيرُ لِلْحَقَائِقِ وَفِيهِ تَشْوِيضٌ لِصَفَاءِ الحَيَاةِ، وَمِنْ هُنَا جَاءَتِ الْآيَاتُ الْقُرْآنِيَّةُ حَانَّةٌ عَلَى الصِّدْقِ، يَقُولُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّدِقِينَ به وَمِنْهُ جَاءَتِ الْأَحَادِيثُ النَّبوِيَّةُ دَاعِيَةٌ إِلَيْهِ، يَقُولُ: "إِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ".

44 (1/44)

صفحة 43

- السيرة النبوية.

وَمِنْ عَادَاتِهِمُ الْحَمِيدَةِ الْوَفَاءُ، وَهُوَ خُلُقٌ كَرِيمٌ بَدَلَتْ فِيهِ الْعَرَبُ مُهَجَهَا مِنْ أَجْلِ الْحِفَاظِ عَلَيْهِ، وَلَمْ تَتَنَازَلْ عَنْهُ حَتَّى فِي أَصْعَبِ الظُّرُوفِ، وَحَرْبُ ذِي قَارٍ خَيْرٌ شَاهِدٍ عَلَى ذَلِكَ الَّتِي قَامَتْ بَيْنَ كِسْرَى مَلِكِ الْفُرْسِ وَأَحَدٍ زُعَمَاءِ الْعَرَبِ، وَهُوَ هَانِيُّ بْنُ مَسْعُودٍ الشَّيْبَانِيُّ الَّذِي حَفِظَ أَمَانَةَ النُّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ الَّتِي تَرَكَهَا عِنْدَهُ قَبْلَ أَنْ يَقْتُلَهُ كِسْرَى، فَأَخَذَ كِسْرَى يَطْلُبُهَا مِنَ الشَّيْبَانِيِّ فَأَبَى أَنْ يَدْفَعَهَا إِلَّا لِوَرَثَةِ النُّعْمَانِ حِفْظًا هِذَا الخُلُقِ الْعَظيمِ، فَاشْتَعَلَتِ الْحَرْبُ غَيْرَ المُتكَافِئَةِ عُدَّةٌ وَعَتَادًا بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ، وَقَدِ الْتَفَّ الْعَرَبُ حَوْلَ الشَّيْبَانِي نَجْدَةٌ لَهُ، وَقَدْ شَاءَ اللهُ أَنْ يَنتَصِرَ الْعَرَبُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ عَلَى الْفُرْسِ فِي ذِي قَارِ الْمُعْرَكَةِ الَّتِي قَالَ فِيهَا النَّبِيُّ: ذَلِكَ أَوَّلُ يَوْمٍ انْتَصَفَتْ فِيهِ الْعَرَبُ

مِنَ الْعَجَمِ".

وَالْوَفَاءُ خُلُق عَظِيمٌ، وَهُوَ أَحَدُ الْأَخْلَاقُ الْعَظِيمَةُ الَّتِي كَانَتْ عِنْدَ الْعَرَبِ، وَهُوَ سُلُولٌ نَبِيلٌ، وَهَذَا السُّلُوكُ الاِجْتِمَاعِيُّ الْكَرِيمُ هُوَ الْأَسَاسُ الَّذِي تَقُومُ عَلَيْهِ الحَضَارَاتُ، فَالحَضَارَاتُ لَا تَقُومُ عَلَى غَيْرِ تِلْكَ الْأَخْلَاقِ وَالمُبَادِي الْحَضَارَاتُ تَقُومُ عَلَى أَسَاسِ مِنَ الصِّدْقِ والْإِخْلَاصِ وَالتَّفَانِي فِي التَّضْحِيَةِ وَالْوَفَاءِ، وَهِيَ مَكَارِمُ لَا بُدَّ أَنْ تَأْخُذَ بِهَا كُلُّ حَضَارَةٍ تُرِيدُ لِكِيَّانِهَا أَنْ يَقُومَ وَيَسْتَمِرٌ وَيَزْدَهِرَ.

وَرُبَّما عَجِبَ الْكَثِيرُ مَا يُلَا حَظُونَهُ فِي المُجْتَمَعَاتِ الْغَرْبِيَّةِ مِنَ انْضِبَاطِ فِي الْمُبَادِي الْأَخْلَاقِيَّةِ حَيْثُ يَرَوْهُمْ مُنْضَبِطِينَ فِي مَوَاعِيدِهِمْ وَصَادِقِينَ فِي الْتِزَامِهِمْ وَجَادِّينَ فِي

أَعْمَالِهِمْ، ثُمَّ يُرْجِعُون ذَلِكَ إِلَى أَنَّ الْغَرْبَ أَخَذَ تِلْكَ الْمُبَادِئَ مِنَ الْإِسْلَامِ. (1/45)

صفحة 44

السيرة النبوية.

وَالْحَقِيقَةُ أَنَّ الْحَضَارَةَ الْغَرْبِيَّةَ حَضَارَةُ مُتَعَدِّدَةُ الْجَوَانِبِ، وَالْجَانِبُ الاِجْتِمَاعِيُّ هُوَ أَحَدٌ جَوَانِبِهَا وَرَكَائِزِهَا الَّتِي قَامَتْ عَلَيْهَا، بَلْ هُوَ الْأَسَاسُ الَّذِي قَامَتْ عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنْ جَوَانِبِهَا وَأُسسِهَا، فَهُمْ لَمْ يَأْخُذُوا مِنَ الْإِسْلَامِ وَلَا مِنَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ وَلَا مِنَ السُّنَّةِ النَّبوِيَّةِ شَيْئًا قَطُّ، وَلَكِنَّهَا الْحَاجَةُ المُلِيَّةُ إِلَى مِثْل هَذِهِ الْأَخْلَاقِ الَّتِي تُسَيِّرُ الْمُجْتَمَعَاتِ في سَيْرِهَا السَّلِيم، وَقَدْ فَاتَ المُحَلَّلِينَ هذا الموضوع تِلْكَ الْحَاجَةُ وَهِيَ أَنَّ الْغَرْبَ فِي عُصُورِهِ المُتَأَخْرَةِ قَدْ تَخَلَّى عَنِ الْمُلَوِّنَاتِ الْعَقَدِيَّةِ وَالْفِكْرِيَّةِ الَّتِي كَانَتْ سَائِدَةً لَدَى شُعُوبِهِ وَرَجَعَ إِلَى الْفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ الَّتِي خَلَقَ اللهُ عَلَيْهَا الْإِنسَانِ، لِذَا نَجِدُ الْإِسْلَامَ رَكَّزَ عَلَى هَذِهِ الْبَادِئِ لِأَنَّهَا دِينُ الْفِطْرَةِ: الله فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا يُبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ القَيْمُ) (فَالدِّينُ مِنْ هَذِهِ الْفِطْرَةِ وَهُوَ مُكَمِّلُ لَهَا، وَقَد قَالَ: "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَإِنَّا أَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ"، إذَنْ فَكُل مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ الصَّحِيحَةِ الَّتِي تَنْسَجِمُ مَعَ الْإِسْلَام وَتَتَقَبَّلُهُ، وَلَكِنْ قَدْ يَعْتَرِضُ هَذِهِ الْفِطْرَةَ أَبَوَانِ غَيْرُ مُسْلِمَيْنِ كَأَنْ يَكُونَا يَهُودِيَّيْنِ أَوْ نَصْرَانِييْنِ أَوْ تَجُوسِينِ.

فَالْغَرْبُ عِنْدَمَا تَخَلَّى عَنِ الْمُلَوَّثَاتِ الْعَقَدِيَّةِ وَالْفِكْرِيَّةِ وَرَجَعَ إِلَى الْفِطْرَةِ وَأَخَذَ بِهَذِهِ المُبَادِئِ وَالسُّلُوكِ الْقَوِيمِ تَكَوَّنَتْ لَدَيْهِ حَضَارَتُهُ الْعَظِيمَةُ عَلَى تِلْكَ الْمُبَادِئِ الْفِطْرِيَّةِ السَّلِيمَةِ، فَالْقَضِيَّةُ لَيْسَتْ قَضِيَّةَ أَنَّ الْغَربيين أَخَذُوا مَبَادِئَ الْإِسْلَام أَوْ أَنَّ الْإِسْلَامَ هُوَ (1/46)

صفحة 45

السيرة النبوية.

الَّذِي أَثَرَ فِيهِمْ، إِنَّمَا الْقَضِيَّةُ أَنَّ إِسْلَامَنَا دِينُ جَاءَ مُنْسَجِما مَعَ الْفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ، وَعِنْدَمَا تَمَسَّكَ الْعَرَبُ وَالمُسْلِمُونَ بِدِينِهِمْ وَإِسْلَامِهِمْ، وَتَمَسَّكُوا بِالْفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ تَكَوَّنَتْ لَدَيْهِمْ حَضَارَةٌ عَظِيمَةٌ رَائِعَةٌ غَطَّتْ مِسَاحَةً كَبِيرَةً مِنَ الْكُرَةِ الْأَرْضِيَّةِ، وَعَاشَ النَّاسُ خِلَالَهَا سُعَدَاءَ، يَقُولُ غوستاف لوبون وَهُوَ فَيْلَسُوفٌ فَرَنْسِيٌّ لَهُ كِتَابُ: (حَضَارَةُ الْعَرَبِ): «مَا عَرَفَ الْعَالَمُ فَاتِحَا أَعْدَلَ وَلَا أَرْحَمَ مِنَ الْعَرَبِ هَذِهِ شَهَادَةٌ مِنْ أَحَدِ مُفَكِّرِي الْغَرْبِ وَمِنْ وَسَطِ عَاصِمَةِ الْفِكْرِ الْغَرْبِيُّ فَرَنْسَا.

فَالْعَرَبُ عِنْدَمَا اعْتَقَدُوا بِهَذِهِ الْمُبَادِي وَصَارَتْ عَادَاتٍ عِنْدَ مُجْتَمَعَاتِهِمْ وَتَوَارَثُوهَا ثُمَّ جَاءَ الْإِسْلَامُ حَانًا وَحَرِيصًا عَلَيْهَا ازْدَادَ تَمَسُّكُهُمْ وَتَعَلَّقُهُمْ بِهَا حَتَّى سَادُوا الْعَالَمَ وَفَاقُوا كُلَّ الْحَضَارَاتِ، وَاسْتَطَاعُوا أَنْ يُعْطُوا لِلْعَالَمِ نَمُوذَجًا لِحَضَارَةِ رَائِعَةٍ فِي جَمِيعِ مَوَاقِفِهَا وَجَميع تَوَجُهَاتِهَا، ثُمَّ اسْتَفَادَ الْغَرْبُ عَنْ طَرِيقِهِمْ مِنْ تِلْكَ المُكَوِّنَاتِ

الْحَضَارِيَّة.

وَمَا نُشَاهِدُ مِنْ حَضَارَةِ لِلْغَرْبِ الْيَوْمَ ذَلِكَ ما هَوَ إِلَّا بِالْتِزَامِهِ بِتِلْكَ الْمُبَادِي فِي وَقْتٍ تَخَلَّفَ فِيهِ الْعَرَبُ وَالْمُسْلِمُونَ عَنْ هَذِهِ الْمُبَادِي الْحَضَارِيَّةِ المُتَكَوِّنَةِ مِنْ هَذِهِ المُفْرَدَاتِ السُّلُوكِيَّةِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي حَبَّهُمْ عَلَيْهَا دِينُهُمْ.

ثُمَّ إِنَّ هَذِهِ السُّلُوكِيَّاتِ هِيَ الَّتِي جَعَلَتِ الْعَرَبَ يُقْبِلُونَ عَلَى الْإِسْلَامِ وَيَحْمِلُونَ فِكْرَهُ بِكُلِّ إِخْلَاص؛ لأَنها كَانَتْ مِنْ عَادَاتٍ كَانُوا يَأْلَفُونَهَا وَيُهَذِّبُونَ بِهَا أَبْنَاءَهُمْ، فَمَا كَانَ هُمْ أَنْ يَتَخَلَّوْا أَوْ يَتَخَلَّفُوا عَنْهَا أَبَدًا. (1/47)

صفحة 46

السيرة النبوية

الْعَامِلُ الرَّابِعُ: سَلَامَةُ الْفِطْرَةِ

وَمِنْهُ صِحَّةُ الْقَرِيحَةِ، فَقَدْ عَاشَ الْعَرَبُ فِي الْجَزِيرَةِ الْعَرَبِيَّةِ فِي جَوِّ مَفْتُوحٍ وَفِي جَو بَعِيدٍ عَنِ المُلَوَّثَاتِ الْفِكْرِيَّةِ وَبَعِيدٍ عَنِ التَّبَعِيَّةِ وَالخُضُوع الزَّائِدِ فِي التَّعَامُلِ الْبَشَرِيُّ، فَنَتَجَ عَنْ ذَلِكَ صِحَّةُ فَرِيحَتِهِمْ، وَكَانُوا حَرِيصِينَ عَلَى سَلَامَةِ الْفَرِيحَةِ الَّتِي كَانُوا يَمْتَلِكُونَهَا؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ فِي الْإِمْرَاطُورِيَّةِ الرُّومِيَّةِ أَوِ الْفَارِسِيَّةِ أَوِ الْهِنْدِيَّةِ أَوِ الصَّينِيَّةِ يَخْضَعُ لِأَنْظِمَةٍ وَقَوَانِينَ اجْتِمَاعِيَّةٍ قَاسِيَةٍ، فَالتَّعَامُلُ عِنْدَهُمْ قَائِمٌ عَلَى الطَّبَقِيَّةِ، فَكَانَ الْعَرَب يَأْنفُ أَنْ يَكُونَ لَدَيْهِ مِثْلُ ذَلِكَ السَّلوكِ. ثُمَّ إِنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ لَدَيْهِمْ مِنَ الْأَفْكَارِ وَالمُبَادِي مَا يَجْعَلُهُمْ لَا يَتَقَبَّلُونَ أَفْكَارًا أُخْرَى جَدِيدَةٌ، صَحِيحٌ أَنَّهُمْ تَأَثَرُوا بِبَعْضِ الْأَفْكَارِ الْوَثَنِيَّةِ الْبَسِيطَةِ كَأَنْ يَعْبُدُوا صَنَما أَوْ يَذْهَبُوا إِلَى شَجَرَةٍ، وَلَكِنَّهَا عَمَلِيَّاتٌ بَسِيطَةٌ سُرْعَانَ مَا تَزُولُ، ذَاكَ صَنَمٌ مِنْ تَمرٍ يَعْبُدُهُ الْعَرَبِيُّ الْبَسِيطُ ثُمَّ إِذَا جَاعَ أَكَلَهُ، وَتِلْكَ شَجَرَةٌ يَتَوَسَّلُ بِهَا فَإِنِ احْتَاجَهَا قَطَعَهَا، وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَتَأَثَّرَ وَيَتَعَلَّقَ بِفَلْسَفَاتٍ وَأَفْكَارٍ وَمَعَارِفَ، فَذَلِكَ مِنَ البُعْدِ بِمَكَانِ وَقَدْ يَخْرُجُ مِنْ هَذَا النَّمَطِ الْعَامُ بَعْضُ الْأَفْرَادِ الْقَلِيلِينَ الَّذِينَ لَا يُعَوَّلُ عَلَى تَأَثْرِهِمْ، فَهُمْ لَا يَحْمِلُونَ دِينًا وَلَا يُقِيمُونَ كِيَانًا فِكْرِيًّا.

هَذَا وَلَوْ تَأَمَّلْنَا الْفَرْدَ فِي الْحَضَارَاتِ المُحِيطَةِ بِالجَزِيرَةِ الْعَرَبِيَّةِ آنَذَاكَ لَوَجَدْنَا أَنَّ كُلَّ شَخْصٍ مِنْ تِلْكَ الحَضَارَاتِ لَهُ فَلْسَفَتُهُ وَدَسَاتِيرُهُ وَقَوَانِينُهُ، وَهُوَ يَخْضَعُ لِنظَامٍ بَشَرِيٌّ طَبَقِيٌّ وَلِنِظَامٍ فِكْرِيٌّ، أَمَّا الْعَرَبِيُّ فَهُوَ عَلَى صَهْوَةِ جَوَادِهِ وَجَمَلِهِ يَنْتَقِلُ بِخَيْمَتِهِ

48 (1/48)

صفحة 47

السيرة النبوية.

مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ وَهُوَ يَرَى فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ دَوْلَةٌ مُسْتَقِلَةٌ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَحْكُمُ نَفْسَهُ بِنَفْسِهِ، صَحِيحٌ أَنَّ الْفَرْدَ الْعَرَبِيَّ غَالِبًا مَا كَانَ يَخْضَعُ لِقَبِيلَةٍ يَنْتَمِي إِلَيْهَا وَلَكِنَّهُ لَيْسَ ذَلِكَ الْخُضُوعَ الْقَائِمَ عَلَى قَوَانِينَ وَدَسَاتِيرَ، وَإِنَّمَا كَانَ خُضُوعًا تَقْلِيدِيَّا مِنْ بَابِ مُنَاصَرَةِ الْقَبِيلَةِ المُنتمِي إِلَيْهَا فِي مُوَاجَهَةِ الْقَبَائِلِ الْأُخْرَى، فَالْعَرَبِيُّ كَانَ بَسِيطًا فِي تَعَامُلِهِ وَسُلُوكِهِ وَبَسِيطًا فِي تَوَجُهِهِ التَّعَبدِي. وَلَمْ تَكُنِ الْعَرَبُ مُرْتَبِطَةٌ بِعِبَادَةِ النُّجُومِ إِلَّا قَبِيلَةَ خُزَاعَةَ فَقَطِ الَّتِي كَانَتْ تَعْبُدُ نَجْمَا اسْمُهُ الشِّعْرَى الَّذِي جَاءَ الْقُرْآنُ حَاكِبًا عَنْهُ: {وَأَنَّهُ هُوَرَبُّ الشِعْرَى وَجَاءَ

ذِكْرُهُ لِأَنَّ خُزَاعَةَ هِيَ القَبَيلَةُ الْوَحِيدَةُ الَّتِي كَانَتْ تَعْبُدُ النُّجُومَ لَا سِيَّمَا هَذَا النَّجْمُ. وَكَانَ الْعَرَبُ مِنْ جَانِبِهِمْ حَرِيصِينَ عَلَى نَمَاءِ وَصَفَاءِ تِلْكَ الْقَرِيحَةِ وَيُحَافِظُونَ عَلَيْهَا مُنْذُ النَّشْأَةِ الْأُولَى لِلْأَبْنَاءِ، بِدَلِيلِ أَنَّ أُمَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَجَدَّهُ بَعَثَاهُ إِلَى بَادِيَةِ بَنِي سَعْدٍ لِيَسْتَرْضِعَ فِيهَا، نَعَمْ كَانَتْ لَدَى الْعَرَبِ بَعْضُ الْبُيُوتِ المُتحَضْرَةِ المُسْتَقِرةِ وَلَكِنَّهَا لَيْسَتْ كَتِلْكَ الحَضَارَةِ الَّتِي عِنْدَ الْفُرْسِ وَالرُّومِ، بَلْ كَانَ الْأَشْرَافِ مِنَ الْعَرَبِ يُفَضِّلُونَ أَنْ يُرْسِلُوا أَبْنَاءَهُمْ إِلَى الْبَوَادِي لِيَتَرَبَّوْا عَلَى خُشُونَةِ الْحَيَاةِ وَشَطَفِ الْعَيْشِ، وَلِيَعِيشُوا فِي الْفَضَاءِ الْوَاسِعَ حَيْثُ تَسْبَحُ أَبْصَارُهُمْ فِيهِ وَتَنَسَّمُ أَرْوَاحُهُمْ فِيهِ نَسِيمَ الحُرِّيَّةِ صَبَاحًا وَمَسَاءً، وَمِنْ هَذَا المُنطَلَقِ جَاءَ إِرْسَالُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِلَى الْبَادِيَةِ، فَكَانَ مِنْ نَصِيبٍ حَلِيمَةَ بِنْتِ أَبِي ذُويْبِ السَّعْدِيَّةِ الَّتِي أَخَذَتْهُ وَأَرْضَعَتْهُ فِي بَنِي سَعْدِ، وَهُنَاكَ اكْتَسَبَ قُوَّةَ الجِسْمِ وَالْفِكْرِ وَاكْتَسَبَ أُمُورًا عَدِيدَةٌ، فَلِذَلِكَ كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ

49 (1/49)

صفحة 48

السيرة النبوية.

لأَصْحَابِهِ: "أَنَا أَعْرَبُكُمْ لِأَنِّي مِنْ قُرَيْشٍ وَاسْتَرْضَعْتُ فِي بَنِي سَعْدِ، فَقَوْلُهُ: أَنَا

أَعْرَبُكُمْ أَي أَكْثَرُكُمْ عُمْقًا فِي الْعُرُوبَةِ الْعَرَبِيَّةِ).

فَالتَّرْبِيَةُ فِي الْفَضَاءِ الْوَاسِع عَامِلٌ مِنْ عَوَامِلِ تَنْمِيَةِ الْفَرِيحَةِ وَالتَّكْوِينِ الْجِسْمِي وَالنُّضْحِ الْعَقِي عِنْدَ الْإِنْسَانِ، فَإِنْ كَانَتْ تِلْكَ حَقِيقَةٌ فَكَيْفَ بِالْأَبْنَاءِ الَّذِينَ يَتَرَبَّوْنَ فِي الشُّقَقِ الضَّيِّقَةِ الَّتِي تَحْوِي الْغُرَفَ وَالحَمامَ وَالمُطْبَخَ فِي مِسَاحَةٍ وَاحِدَةٍ لَا تَتَجَاوَزُ مِائَةَ مِثْرٍ مُرَبَّع يَقْضِي فِيهَا الطِّفلُ السَّاعَاتِ الطَّوَالَ، فَكَيْفَ يَنْشَأُ وَيَتَكَوَّنُ جِسْمُهُ وَعَقْلُهُ؟ وَكَيْفَ يَكُونُ تَفْكِيرُهُ وَعِلْمُهُ؟ وَكَيْفَ تَنْشَأْ مُكَوِّنَاتُهُ النَّفْسِيَّةُ وَالْعَقْلِيَّةُ؟ لَا شَكٍّ أَنَّهَا

سَتَكُونُ ضَئِيلَةٌ جِدًّا كَضَالَةِ حَجْمِ الْمَسَاحَةِ الَّتِي نَشَأَ فِيهَا.

وَقَدِ اعْتَادَتِ النِّسَاءُ هَذِهِ الْأَيَّامَ أَلَّا يُرْسِلُنَ أَوْلَادَهُنَّ إِلَى الْبَادِيَةِ، وَهُنَّ لَا يَرْضَيْنَ أَنْ يُسْتَرْضَعَ أَطْفَاهُنَّ عِنْدَ امْرَأَةٍ غَرِيبَةٍ مِنَ الْبَادِيَةِ، فَلِهَذَا نَجِدُ الْفَرْقَ وَاضِحًا بَيْنَ هَؤُلَاءِ وَأُولَئِكَ الَّذِينَ نَشَأُوا فِي الْبَادِيَةِ فَجَاءُوا فِعْلًا عَلَى غَايَةٍ مِنَ الصِّحَّةِ وَصَفَاءِ الْقَرِيحَةِ

مكنتتُهُمْ مِنْ مَعْرِفَةِ كَثِيرٍ مِنَ الْأُمُورِ وَالْعُلُومِ مَا كَانَ هُمْ أَنْ يَعْلَمُوهَا لَوْلَا ذَلِكَ. فَالْعَرَبُ يَعْرِفُونَ مِنَ الْأَنْسَابِ مَا لَا يَعْرِفُهُ غَيْرُهُمْ مِنَ الْأُمَمِ، وَقَدْ تَعَلَّمُوا النُّجُومَ

بِالسَّمَاءِ وَقُوَّةِ الذَّاكِرَةِ وَسَلَامَةِ الْحَافِظَةِ وَعَرَفُوا أَمَاكِنَهَا، وَعَلَمَتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يهتدون حَيْثُ كَانُوا يَهْتَدُونَ بِالنُّجُومِ فِي مَعْرِفَةِ الْجَاهَاتِ الْأَرْضِ وَالطُّرُقِ وَأَمَاكِنِ الْبِلادِ، كَمَا عَرَفُوا بِهَا فُصُولَ نُزُولِ المَطَرِ، فَلِكُلِّ فَضْلٍ وَمَوْسِمٍ نَجْمٌ أَوْ كَوْكَبٌ يُشِيرُ إِلَيْهِ، وَيَدُهُمْ ظُهُورُهُ فِي مَنَازِلَ مُعَيَّنَةٍ عَلَى فُصُولِ وَمَوَاسِمِ مَعْرُوفَةٍ لِدَيْهِمْ، كَمَا عَرَفُوا (1/50)

صفحة 49

السيرة النبوية.

الْأَنْوَاءَ، وَهِيَ النُّجُومُ وَالْكَوَاكِبُ، وَقَدْ بَالَغَ بَعْضُهُمْ فِيهَا حَتَّى اعْتَقَدَ أَنَّ لَا تَأْثِيرًا وَتَسَبا في نُزُولِ المُطَرِ، لِذَلِكَ نَجِدُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَنْفِي عَقِيدَةَ الْأَنْوَاءِ وَالْكَوَاكِبِ وَيُحذِّرُ مِنْهَا أَصْحَابَهُ، ذَكَرَ الْإِمَامُ الرَّبِيعُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدِ قَالَ: " بَلَغَنِي عَنْ رَسُولِ الله أَنَّهُ صَلَّى بِأَصْحَابِهِ صَلَاةَ الصُّبْحِ بِالْحَدَيْبِيَّةِ إِثْرَ سَمَاءٍ كَانَ مِنَ اللَّيْلِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ مِنْ صَلَاتِهِ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: "هَلْ تَدْرُونَ مَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ ". قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "قَالَ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ بِالْكَوَاكِبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌي مُؤْمِنُ بِالْكَوَاكِبِ".

فَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ لَهُمْ: قَالَ اللهُ تَعَالَى: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ وَكَافِرُ، أَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوَاكِبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَنَوْءِ كَذَا - أَيِ النَّجْمِ الْفُلَانِ - فَذَلِكَ كَافِرُ بِي، أَيْ كَافِرٌ بِاللَّهِ تَعَالَى مُشْرِكٌ بِهِ، شَاكٌ فِي

عَقِيدَتِهِ غَيْرُ صَادِقٍ فِي إِيمَانِهِ.

وَلَيْسَ المَقْصُودُ مِنْ قَوْلِهِ: " مُؤْمِنُ بِالْكَوَاكِبِ" عَابِدًا لَهَا، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ مُعْتَقِدٌ بِقُدْرَتِهَا وَقُوَّتِهَا، وَقَدْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يُذْهِبَ عَنْهُمُ الْأَوْهَامَ لِئَلَّا يُحَدِّثُوا أَنْفُسَهُمْ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا عَالِمِينَ لِلْكَوَاكِبِ وَالنُّجُومِ وَمَوَاقِعِهَا وَدَلَالَاتِهَا رَغْمَ شَطَحَاتِ الْبَعْضِ. وَنَجِدُ فِي هَذَا الصَّدَدِ الْعَوْنَبِيُّ الصُّحَّارِيُّ يَرْوِي قِصَّةٌ عَنْ شَبِيبٍ بْنِ شَيْبَةَ قَالَ: "كُنَّا جُلُوسًا فِي الْبَصْرَةِ فِي مَكَانٍ مُرْتَفِعِ جَمِيلٍ، فَإِذَا بِنَا بِابْنِ الْمُقَفِّعِ - وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ (1/51)

صفحة 50

السيرة النبوية.

المُقَفَّعِ، وَهُوَ أَدِيبٌ كَبِيرٌ مِنْ أُدَبَاءِ الْعَرَبِيَّةِ فَارِسِيُّ الْأَصْلِ - فَأَخَذَ يُحَدِّثُنَا عَنِ الْعَرَبِ وَتَفَوُّقِهِمْ عَنْ غَيْرِهِمْ بِصِحَةِ الْقَرِيحَةِ وَبِمَا يَعْرِفُونَهُ عَنِ الْأَنْوَاءِ وَأَمَاكِنِهَا وَمَسِيرِهَا وَبِأَنَّ مَعَاشَهُمْ كَانَ مِنَ السَّمَاءِ - وَحَدَّثَهُمْ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ صِفَاتِهِمْ - وَقَالَ: هَذَا لَا يُوجَدُ فِي غَيْرِهِمْ مِنَ الْأُمَمِ".

وَلَا نَقُولُ: إِنَّ هَذَا مَعْدُومٌ عِنْدَ غَيْرِهِمْ، لَا، فَعُلَمَاءُ الْحَضَارَاتِ الْأُخْرَى كَانُوا عَلَى عِلْمٍ بِهَا وَلَكِنْ عِلْمَهُمْ عَنْ دِرَاسَةٍ وَتَدَرُّبٍ وَدِرَاسَةِ، وَأَمَّا الْعَرَبُ فَكَانَ عِلْمُهُمْ بِهَا عَنْ خبْرَةٍ وَصِحَّةِ قَرِيحَةٍ وَسَلَامَةِ فِطْرَةٍ.

فَهَذَا اعْتِرَافُ مِنْ أحدِ أَهْلِ الْفِكْرِ وَالْعِلْمِ بِمَا عَلِمَهُ وَأَدْرَكُهُ مِنْ صِفَاتِ الْعَرَبِ

وسماتهمُ الْحَمِيدَةِ؛ لِأَنَّهُ عَائِشَهُمْ وَعَرَفَ ثَقَافَتَهُمْ كَمَعْرِفَتِهِ بِثَقَافَةِ قَوْمِهِ.

وَلَا قَامَتِ الدَّوْلَةُ الْإِسْلَامِيَّةُ الَّتِي كَانَتْ يَقُودُهَا الْعَرَبُ إِذْ كَانَتْ دَوْلَتُهُمُ الَّتِي قَامَتْ فِي أَرْضِهِمْ وَعَلَى أَكْتَافِهِمْ، لمَّا قَامَتْ دَوْلَتُهُمْ تِلْكَ أَخْرَجَتْ مِنْ حَنَايَاهَا طَاقَاتٍ هَائِلَةٌ مِنَ الْإِبْدَاعَاتِ وَالابْتِكَارَاتِ المُثِيرَةِ، كَأَمْثَالِ عُمَرَ بْنِ الخطَّابِ له الَّذِي خَرَجَ بِعَبْقَرِيَّتِهِ الْفَذَّةِ فِي إِدَارَةِ شُئُونِ الْحُكْمِ بِكُلِّ أَنْوَاعِهَا السَّيَاسِيَّةِ وَالْإِدَارِيَّةِ وَالْعَسْكَرِيَّةِ وَالاِقْتِصَادِيَّةِ، وَلَمْ يَكُنْ عُمَرُ قَبْلَ ذَلِكَ إِلَّا رَجُلًا بَسِيطًا يَرْعَى إِبِلا لِأَبِيهِ الْخَطَّابِ، وَطَالَما كَانَ أَبُوهُ يَغْضَبُ مِنْهُ أَثْنَاءَ عَمَلِهِ وَيَسْتَحْقِرُ مِنْ شَأْنِهِ، كَمَا كَانَتْ هُنَاكَ نَماذج (1/52)

صفحة 51

السيرة النبوية.

أُخْرَى لِأَسْمَاءَ لَمَعَتْ فِي سَمَاءِ تَارِيخِ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ هَا دَوْرُهَا الْفَعَالُ فِي قِيَادَةِ الْأُمَّةِ وَالرَّفْعِ مِنْ شَأْتِهَا بَيْنَ الْأُمَمِ كَمَثَلِ أَبِي بِكْرٍ وَأَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجُرَّاحِ وَسَعْدِ بْنِ أَبِي

وَقَاصِ، وَعُثْمَانَ وَعَلِيٌّ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَأُيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَغَيْرِهِمْ.

فَهُوَلَاءِ الرِّجَالُ لَمْ يَكُونُوا فِي بِدَايَةِ حَيَاتِهِمْ عِنْدَ ظُهُورِ الْإِسْلَامِ إِلَّا رُعَاةَ لِبَعْضِ الشُّوَيْهَاتِ وَالْإِبِلِ يَكْسِبُونَ مِنْهَا قُوتَ حَيَاتِهِمْ، فَإِذَا بِهِمْ يُفَاجِتُونَ الْعَالَمَ بِوَضْعِ الْخُطَطِ الْحَرْبِيَّةِ، وَإِدَارَةِ الدَّوْلَةِ فِي شُئُونِهَا الدَّاخِلِيَّةِ وَالْخَارِجِيَّةِ، وَالْقُدْرَةِ عَلَى رَفْعِ مُسْتَوَيَاتِهَا الاِقْتِصَادِيَّةِ، وَالتَّفَنُّنِ فِي شَتَّى الْعُلُومِ وَالْخِبْرَاتِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالْأُخْرَوِيَّةِ.

وَلَوْ سَأَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا نَفْسَهُ: مَا الَّذِي رَفَعَ مِنْ شَأْنٍ هَؤُلَاءِ وَأَوْصَلَهُمْ إِلَى مَا وَصَلُّوا إِلَيْهِ؛ فَلَا شَكَ أَنَّ الْجَوَابَ سَيَكُونُ: الْإِسْلَامُ هُوَ الَّذِي رَفَعَ مِنْ شَأْنِهِمْ وَسَمَا بِهِمَمِهِمْ وَرَفَّى مَدَارِكَهُمْ وَصَفَّى سَرَائِرَهُمْ بِتَرْبِيَةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى مُرَبِّيًا لِلْبَشَرِيَّةِ جَمْعَاءَ وَسَيّدًا هِذَا الْكَوْنِ كُلِّهِ، فَلِهَذَا يُعَدُّ مَوْلِدُهُ نُقْطَةَ تَحَوُّلٍ وَتَغَيُّرًا فِي تَجْرَى التَّارِيخ الْبَشَرِي، كَيْفَ لَا وَقَدْ أَخْرَجَ مِنْ مَكَامِنٍ وَخَفَايَا الصَّحْرَاءِ الْعَرَبِيَّةِ رِجَالًا يَسُودُونَ الْعَالَمَ وَيَسُوسُونَهُ بِجَدَارَةِ وَحِكْمَةٍ.

وكَيْفَ سَاسَ رُعَاةُ الشَّاءِ مَمْلَكَةٌ مَا سَاسَهَا قَيْصَرٌ مِنْ قَبْلُ أَوْ شَاءُ (1/53)

صفحة 52

السيرة النبوية.

الْعَامِلُ الْخَامِسُ: خُشُونَةُ الْحَيَاةِ

الجَزِيرَةُ الْعَرَبِيَّةُ بِطَبِيعَتِهَا وَمَوْقِعِهَا هِيَ صَحْرَاهُ فَاحِلَةٌ، فَالْحَيَاةُ فِيهَا تَحْتَاجُ إِلَى خُشُونَةٍ وَجَلَدٍ وَقُوَّةِ تحمل، وَالتَّعَوُّدُ عَلَى الخُشُونَةِ يَجْعَلُ مِنَ الْإِنْسَانِ المُعَابِدِ لَشَاءَهَا إِنْسَانًا شَدِيدًا قَوِيَّ التَّحَمُلِ، وَتُخْبِرُهُ عَلَى أَنْ يُضَحِيَ بِالْغَالِي وَالنَّفِيسِ مِنْ أَجْلِ الحُصُولِ عَلَى مَا يَصْبُو إِلَيْهِ، فَالْجَزِيرَةُ الْعَرَبِيَّةُ لَمْ تَكُنْ بِهَا أَشْجَارٌ وَأَنْهَارٌ وَظِلَالٌ، بَلْ أَرْضُ مُجْدِبَةٌ وَسَمَاءُ شَحِيحَةٌ وَكَلَا قَلِيلٌ حَسْبُهُمْ مِنْهُ أَنْ يَسُدَّ قُوَّتَهُمْ وَقُوتَ أَنْعَامِهِمْ، مَا عَدَا بَعْضَ وَاحَاتِ النَّخِيلِ المُتَفَرِّقَةِ فِي عُمَانَ وَالْيَمَنِ وَنَجْدٍ وَالْحِجَازِ وَغَيْرِهَا، وَلَكِنْ هَذِهِ الْوَاحَاتُ لَا تُعَدُّ شَيْئًا أَمَامَ الْهِلَالِ الْخَصِيبِ وَبِلَادِ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ، وَشَرْقِ جَنُوبِ آسْيَا، فَلِهَذَا لَمْ تَكُنِ الحَيَاةُ فِي الْجَزِيرَةِ الْعَرَبِيَّةِ كَالحَيَاةِ فِي تِلْكَ المَناطِقِ الْخَصِيبَةِ، فَالْجَزِيرَةُ الْعَرَبِيَّةُ أَجْرَتْ عَلَى قَاطِنِيهَا حَيَاةً عَمَلُوءَةَ بِالشَّطَفِ وَالخُشُونَةِ، وَقَدْ نَسَجَتْ تِلْكَ الحَيَاةُ النَّاسَ بِخُيُوطِ التَّعَبِ وَالنَّصَبِ فَجَاءَتْ أَجْسَامُهُمْ ظَاهِرَةٌ قَوِيَّةٌ كَقُوَّةِ الْأَرْضِ الَّتِي هُمْ عَلَيْهَا وَأَجْسَامًا مُتكَيْفَةٌ مُتَحَمِّلَةٌ لِتَقَلُّبَاتِ الْحَيَاةِ وَتَطَوُّرَاتِهَا، صَابِرَةٌ عَلَى مَرَارَةِ الْعَيْشِ وَخُشُونَتِهِ، وَهَكَذَا هُوَ الْجِسْمُ الْبَشَرِيُّ إِنْ تَعَرَّضَ لِلْخُشُونَةِ وَالشِّدَّةِ وَتَقَلُّبِ الطَّبِيعَةِ المتوالي يَكُنْ أَقْدَرَ عَلَى تَحمل أَعْبَاءِ الْحَيَاةِ، أَمَّا الجِسْمُ الَّذِي يَتَقَلَّبُ فِي دَعَةِ الْعَيْشِ وَالنَّعِيمِ وَبُرُودَةِ الْحَيَاةِ وَرَاحَةِ الْبَالِ فَإِنَّهُ يَنْبُتُ نَبَاتَ الشَّجَرَةِ الْإِقْلِيمِيَّةِ الَّتِي لَا تَحْيَى إِلَّا فِي الْأَرْضِ الَّتِي انتجتهَا فِيهَا أُمُّهَا، وَيُقَاسُ فِي هَذَا الصَّدَدِ الْعَقْلُ فِي الْحِسْمِ، فَالْحِسْمُ (1/54)

صفحة 53

السيرة النبوية.

الْقَوِيُّ المُرِنُ المُتكَيف يَظْهَرُ عَنْهُ عَقَلَ قَوِيٌّ مَرِنٌ مُتَكَيِّفٌ وَسَلِيمٌ، وَكَمَا يُقَالُ فِي الْحِكْمَةِ:

الْعَقْلُ السَّلِيمُ فِي الجِسْمِ السَّلِيمِ).

فَالْحِسْمُ الَّذِي يَتَعَرَّضُ لِعَوَامِلِ الطَّبِيعَةِ الْمُخْتَلِفَةِ أَقْدَرُ عَلَى التَّكَيُّفِ مَعَ أَحْدَاثِ الْحَيَاةِ وَتَقَلُّبِ أَحْوَالِهَا مِنَ الْجِسْمِ الَّذِي لَمْ يَتَعَوَّدْ عَلَى تَقَلُّبِ الْعَوَامِلِ الطَّبِيعِيَّةِ وَاخْتِلَافِ أَحْوَالِهَا، فَتِلْكَ الْخُشُونَةُ المُتَحَدِّيَةُ جَعَلَتْ مِنَ الْعَرَبِ أُمَّةٌ مُكَابِدَةٌ لِلْأَهْوَالِ وَالتَّحَدِّيَاتِ الَّتِي وَاجَهَتْهَا فِي مَسِيرِهَا لِتَبْلِيغِ الدَّعْوَةِ وَنَشْرِ الْإِسْلَامِ فِي أَصْقَاعِ الْأَرْضِ بَعْدَ ذَلِكَ.

هَذَا بِالْإِضَافَةِ إِلَى أَنَّ مَيْزَةَ الْقَوْمِ الَّذِينَ يَعِيشُونَ فِي خُشُونَةِ الْحَيَاةِ وَشَطَفِ الْمُعِيشَةِ وَبَسَاطَتِهَا أَنَّهُمْ إِنْ أَقْبَلُوا عَلَى شَيْءٍ فَإِنَّهُمْ يُقْبِلُونَ عَلَيْهِ بِتَحَمُّسٍ وَصِدْقٍ، وَهُوَ كَمَا يَقُولُ ابْنُ خَلَّدُونَ - وَهُوَ مُؤَرِّخٌ وَمُؤَمِّسُ عِلْم الإجتماع - «إِنَّ الْعَرَبِيَّ الْبَدَوِيُّ هُوَ أَكْثَرُ النَّاسِ انْجِذَابًا إِلَى كُلِّ جَدِيدٍ، فَلِذَلِكَ إِنْ أَقْبَلَ الْبَدَوِيُّ عَلَى الخَيْرِ أَمْعَنَ فِيهِ وَحَقَّقَهُ وَإِنْ أَقْبَلَ عَلَى الشَّرِّ بَالَغَ فِيهِ وَطَبَقَهُ، وَهَذِهِ نَظَرِيَّةٌ اجْتِمَاعِيَّةٌ أَثْبَتَ مِصْدَافِيَّتُهَا التَّارِيخ وَوَافَقَهَا الْوَاقِعُ المُعِيشُ، وَلِذَا لما وُجِدَ النَّبِيُّ الصَّادِقُ وَالدِّينُ الْإِلى وَالدَّعْوَةُ الماضِية كَانَ الْعَرَبُ هُمْ أَجْدَرَ النَّاسِ وَأَقْدَرَهُمْ عَلَى تَحَملِ هَذِهِ الدَّعْوَةَ، فَأَجَابُوا دَاعِيَهَا وَضَحَوْا مِنْ أَجْلِ دَعْوَتِهِمْ بِالْغَالِي وَالنَّفِيسِ، وَكَمْ مِنَ الصُّوَرِ المُشْرِقَةِ فِي صَفَحَاتِ التَّارِيخ تَدُلُّ عَلَى صِدْقِ النَّضْحِيَاتِ وَقِمَّةِ التَّفَانِي فِي سَبِيلِ الدِّينِ، وَحَسْبُنَا بِبِلَالِ بْنِ (1/55)

صفحة 54

السيرة النبوية.

رَبَاحٍ وَعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ وَأَبَوَيْهِ وَأَبِي بَكْرٍ وَغَيْرِهِمْ دَلِيلًا عَلَى ذَلِكَ، فَأُولَئِكَ الرِّجَالُ وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ بَادَرَ لِاعْتِنَاقِ الدِّينِ الْجَدِيدِ لَا قَوْا مَا لَا قَوْهُ مِنَ الْعَذَابِ وَالنَّكَالِ لِأَجْلِ صَدِّهِمْ عَنْ دِينِهِمْ، لَكِنَّهُمْ لَمْ يَعْبُثُوا بِذَلِكَ الْعَذَابِ، بَلْ أَقْبَلُوا عَلَى الدِّينِ بِعَزْمٍ وَقُوَّةِ إِيمَانِ، مُتَحَمِّلِينَ مَا لَا قَوا مِنْ حَنِ وَشَدَائِدَ تَقِفُ أَمَامَهُمْ، وَمَا كَانَ ذَلِكَ إِلَّا نَتِيجَةٌ لِتِلْكَ التَّرْبِيَةِ الخَشِنَةِ الَّتِي تَرَبَّوْهَا فِي الصَّحْرَاءِ الْفَاحِلَةِ وفي الحَيَاةِ الْقَاسِيَةِ الَّتِي جَعَلَتْهُمْ

يَسْتَهِينُونَ بِكُلِّ الْعَقَبَاتِ وَالْمُعَرْقِلَاتِ فِي سَبِيلِ الدَّعْوَةِ وَالدِّينِ الْإِسْلَامِيِّ. إِنَّ سِيرَ الصَّحَابَةِ وَتَارِيخَ الْإِسْلَامِ يَغُصُّ بِالشَّوَاهِدِ وَالصُّوَرِ الْمُؤْلِةِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى قُوَّةِ أَصْحَابِهَا وَصِدْقٍ إِيمَانِهِمْ، فَذَلِكَ الْعَذَابُ الَّذِي كَانَ يَجِدُهُ الصَّحَابَةُ - رِضْوَانُ اللَّه تَعَالَى

عَلَيْهِمْ مَا كَانَ هُمْ لِيَتَحَمَّلُوهُ لَوْلَا الدّينُ الصَّادِقُ وَتَثْبيتُ النبي همْ وَوُقُوفُهُ مَعَهُمْ.

وَهَذَا الْعَامِلُ يُعَدُّ مِنْ أَهْمِّ الْأُطُرِ الَّتِي هَيَّاهَا اللَّهُ تَعَالَى لِاسْتِقْبَالِ هَذَا الدِّينِ الجَدِيدِ بِظُهورِ النَّبِيِّ مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم بِالرِّسَالَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ وَالْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، وَلَا يَحْمِلُ هَذِهِ الدَّعْوَةَ الثَّائِرَةَ إِلَّا قَوْمٌ شِدَادٌ أَقْوِيَاءُ كَأَمْثَالِ صَحَابَتِهِ، هَذَا كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ له يَقُولُ: «اسْتَوْصُوا بِأَهْلِ الْبَادِيَةِ خَيْرًا فَإِنَّهُمْ أَصْلُ الْعَرَبِ وَمَادَّةُ الْإِسْلَامِ، وَمَا كَانَ الصَّحَابَةُ لِيَرْكَنُوا إِلَى النَّعِيمِ وَالدَّعَةِ بَعْدَ أَنْ غَمَرَتْهُمْ بلداتها وذلك للحفاظ عَلَى قُوَّتهم وَمَيْزَتِهِمُ الَّتِي رَفَعَتْ مِنْ شَأْنِهِمْ وَأَعْلَتْ قَدْرَهُمْ، فَهَذَا عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ يُرْسِلُ وَصِيَّةٌ لِعَامِلِهِ عُتْبَةَ بْنِ فَرْقَدٍ فِي بَعْضِ بُلْدَانِ خُرَاسَانَ يَقُولُ فِيهَا: «إِيَّاكُمْ وَالتَّنَعمَ وَزِيَّ الْعَجَمِ (1/56)

صفحة 55

السيرة النبوية.

وَعَلَيْكُمْ بِالشَّمْسِ فَإِنَّهَا حَمَّامُ الْعَرَبِ، فَالْعَرَبُ كَانَ حَمَّامُهُمُ الشَّمْسَ الْحَارِقَةَ فِي الْأَرْضِ الْقَاحِلَةِ الَّتِي تَحْمِي الْعَزَائِمَ وَتُوقِظُ الْهِمَمَ، وَلَيْسَ الْبُخَارَ وَالتَّدْلِيكَ الَّذِي يُورِثُ لِينَ الجِسْمِ وَضَعْفَ الْهِمَّةِ، وَمَا كَانَ يَتَّسِمُ بِهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مِنْ خُشُونَةٍ وَصَلَابَةٍ فِي الْأُمُورِ فَقَدْ ضَرَبَ أَرْوَعَ الْأَمْيْلَةِ فِي تَأْرِيخِ الْبَشَرِيَّةِ فِي الْحَزْمِ وَالْجِدٌ، فَكَانَ ه إِذَا رَأَى رَجُلًا خَشِنَا فِي مَلْبَسِهِ وَمَأْكَلِهِ وَمَشْرَبِهِ أَعْجَبَهُ ذَلِكَ مِنْهُ فَقَدَّمَهُ وَاسْتَعْمَلَهُ، وَكَانَ هَذَا الحُزْمُ وَهَذَا الطَّلَبُ ذَاتُهُ يُجيرُ مَنْ كَانَ يَطْمَعُ فِي نَيْل عَمَلٍ عِنْدَ عُمَرَ أَنْ يَظْهَرَ أَمَامَهُ بِالْمُظْهَرِ الْخَشِنِ مَأْكَلًا وَمَلْبَسًا وَمَرْكَبًا، وَقَد تَجَلَّى ذَلِكَ وَاضِحًا فِي مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ الَّذِي كَانَ عَامِلًا لِعُمَرَ فِي الشَّامِ، وَذَلِكَ أَنَّ الشَّامَ كَانَتْ بَلَدًا مَعْرُوفًا بِقُصُورِهِ وَأَنْهَارِهِ وَخَيْرَاتِهِ وَنَعِيمِهِ الَّذِي لَا يُعَدُّ وَلَا تُحْصى، وَكَانَ مُعَاوِيَةُ يَنْغَمِرُ وَيَنْغَمِسُ فِي ذَلِكَ النَّعِيمِ وَيَأْخُذُ مِنْهُ مَا لَذَّ وَطَابَ، فَإِذَا دَعَاهُ عُمَرُ إِلَى الْمَجِيءٍ إِلَيْهِ جَاءَهُ بِالْمُظْهَرِ الْخَشِنِ فَلَبِسَ لِبَاسَ الْبَدَاوَةِ وَرَكِبَ الْخَيْلَ الْبَسِيطَةَ أَوِ الْبَغْلَ أَو الجَمَلَ وقَلَّلَ مِنَ الزَّادِ وَتَزَوَّدَ بِطَعَامِ الْأَعْرَابِ، وَلَكِنَّهُ لَا يَلْبَثُ بَعْدَ أَنْ يَعُودَ إِلَى الشَّامِ أَنْ يَعُودَ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ تَنَعُم وَتَزَيَّنِ، وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ عُمَرُ بِغَافِلٍ عَنْهُ فَقَدْ كَانَ يُعَنِّفُهُ أَشَدَّ التَّعْنِيفِ لا يَسْمَعُهُ مِنْ تَطَلُّبِهِ وَتَلَذْذِهِ بِالدُّنْيَا، وَمَا أَخْطَأَ عُمَرُ فِي ذَلِكَ فَقَدْ كَانَ ذَلِكَ التَّنَعُمُ سَبِيلًا لِلْخُمُولِ وَالرُّكُودِ وَمَبْعَنَّا لِضَعْفِ التَّحَمُّلِ الَّذِي أَدَّى إِلَى التَّأَخُرِ بَعْدَ التَّقَدُّمِ

وَالضَّعْفِ بَعْدَ الْقُوَّة. (1/57)

صفحة 56

السيرة النبوية.

الْعَامِلُ السَّادِسُ: قُوَّةُ الْبَيَانِ

لَا رَيْبَ أَنَّ اللُّغَةَ الْعَرَبِيَّةَ إِيَّانَ مَوْلِدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم كَانَتْ قَدْ بَلَغَتْ أَعْلَى مَرَاحِلِ نُضْحِهَا وَأَوْجَ رِفْعَتِهَا، وَكَانَ لِشُعَرَاءِ المُعَلَّقَاتِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الشُّعَرَاءِ الدَّوْرُ الْبَارِزُ فِي إِنْضَاجِ تِلْكَ اللُّغَةِ فَقَدِ اسْتَطَاعُوا مِنْ تَجْوَاهِمْ وَتَطْوَافِهِمْ فِي الْجَزِيرَةِ الْعَرَبِيَّةِ أَنْ يُوَحْدُوا لُغَةَ الْعَرَبِ مِنْ جَمِيعِ هَجَاتِهَا، وَأَنْ يَجْعَلُوا مِنْ كُلِّ سُكَّانِ الْجَزِيرَةِ الْعَرَبِيَّةِ عَلَى اخْتِلَافِ لَهَجَاتِهِمْ أُمَّةٌ تَجْتَمِعُ فِي تَعَامُلِهَا مَعَ بَعْضِهَا الْبَعْضِ عَلَى لُغَةٍ وَاحِدَةٍ يَفْهَمُهَا الكُل فكانت تلك هِيَ لُغَةُ الْحِجَازِ الَّتِي نَزَلَ بِهَا الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ، وَكَانَ بِهَا حَدِيثُ النَّبِيِّ وَالْفَصَاحَةُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا مَكَّنَتْهُمْ مِنْ فَهْمِ مَصَادِرِ التَّشْرِيعِ وَنُصُوصِهِ ثُمَّ نَقْلِهَا

إِلَى غَيْرِهِمْ.

وَكَانَ النَّبِيُّ أَفْصَحَ الْعَرَبِ حَتَّى قِيلَ: إِنَّهُ أَفْصَحُ مَنْ نَطَقَ بِالصَّادِ، وَالضَّادُ لُغَةُ الْعَرَبِ؛ لِأَنَّ حَرْفَ الضَّادِ لَا يُوجَدُ فِي غَيْرِهَا مِنَ اللُّغَاتِ، وَقَدْ أُونِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم

لِفَصَاحَتِهِ وَبَلاغتِهِ جَوَامِعَ الْكَلِمِ، وَهُوَ الْكَلَامُ الْقَلِيلُ الحَاوِي لِلْمَعَانِي الْكَثِيرَةِ. وَقَدْ وَصَلَ بِالْعَرَبِ الْأَمْرُ أَنْ يَتَحَدَّوْا كُلَّ مَنْ يَشَاءُ أَنْ يُبَارِيَهُمْ فِي مَيْدَانِ الْبَلَاغَةِ وَالْفَصَاحَةِ، وَلَكِنِ الْقُرْآنُ جَاءَ فِي أَعْلَى تِلْكَ الذُّرَى فَتَحَدَّاهُمْ فِي لُغَتِهِمْ وَفَصَاحَتِهِمْ، وَتَخَدَّاهُمْ بِمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ بَلاغَةِ وَبَيَانِ، تَخَدَّاهُمْ أَنْ يَأْتُوا بِالْقُرْآنِ ثُمَّ تَحَدَّاهُمْ أَنْ يَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ أَوْ يَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ، فَلَمْ يَسْتَطِيعُوا إِلَى ذَلِكَ سَبِيلًا، بَلْ أَذْعَنُوا

58 (1/58)

صفحة 57

السيرة النبوية.

لِقُوَّةِ بَيَانِ الْقُرْآنِ وَبَلَاغَتِهِ وَفَصَاحَتِهِ، يقول أبو محمد ابن بركة ((إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء به قوما كانوا هم الغايةَ في الفَصَاحَةِ والعِلم والمعرفة بأجناس الكلام جَيْدِهِ ورَدَينِهِ فشتم آباءَهم وأسلافهم وقبح أدياتهم وضَعَفَ أخبارهم وهم أهل الحمية والأنفة والخيلاء والعصبية فقرّعَهم بالعَجْزِ لأن يأتوا بمثلِهِ ومَكنهم من الفَحْص والبحث والاحتيال وأمهلهم المدة الطويلة وأعلمهم أنّ في إتيانهم بمثل الذي أتى به في جنسِهِ ونَظْمِهِ مَا يُوجِبْ إحقاقهم وإبطاله - حاشَالَهُ مِنْ البَاطِلِ، فَبَدَّلُوا فِي إِطْفَاءِ نُورِه ودحض حجته أَمْوَاهُم وآباءهم وأبناءهم وأنفسهم، ولم يُعَارِضُوا ما احتج به عليهم من كِتَابِ ربه بارجوزة ولا قصيدة ولا خطبة ولا رسالة، فصح بهذا أَنهم لَو قَدَرُوا على ذلك ما تركوه إلى بَذلِ الأَمْوالِ والأَنْفُسِ).

هَذِهِ هِيَ مُجْمَلُ الْعَوَامِلِ وَالْأَسْبَابِ الَّتِي هَيَّاتِ اسْتِقْبَالِ مَوْلِدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لِيَكُونَ نَبِيًّا مُرْسَلًا وَقَائِدًا لِلْبَشَرِيَّةِ بِشَرْعِ إِلَاهِي نَاسِخِ لجَمِيعِ الشَّرَائِعِ وَبِدِينِ قَوِيمٍ عَالَيُّ، وَفَوْقَ ذَلِكَ كُلِّهِ تَبْقَى إِرَادَةُ الله تَعَالَى وَاخْتِيَارُهُ وَاصْطِفَاؤُهُ مُحَمَّدٍ لِيَكُونَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ الْعَرَبِيَّةِ، قَالَ تَعَالَى: هُوَ اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالته الأنعام: (24) فَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ يَصْطَفِي هَذِهِ الرِّسَالَةِ وَمِنْ أَيِّ قَوْمٍ، وَيَقُولُ تَعَالَى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ مَابَيْهِ، وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكتب والحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ

1) الجامع؛ ج 1، ص 52 الطبعة الثالثة وزارة التراث والثقافة، سلطنة عُمان .. (1/59)

صفحة 58

السيرة النبوية.

45

} (الجمعة: 2) وَقَالَ: يَأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَكَ شَهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا)

45 - 46)

وَدَاعِيًا إلى اللهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا منيرا (الأحزاب: 45 - 46)، وَيَقُولُ: إِنَّا

46

أرسلتكَ شَهدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) الفتح: 8 - 9 (1/60)

صفحة 59

مَوْلِدُ النَّبِيِّ مُحَمد صلى الله عليه وسلم

صلى الله (1/61)

صفحة 60

السيرة النبوية.

مَوْلِدُ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ (1)

الْحَمْدُ اللهَ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَهْدِيهِ، وَنُصَلِّي وَنُسَلِّمُ عَلَى سَيِّدِنَا وَحَبِيبنَا وَقُدْوَتِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، وَعَلَى تَابِعِيهِمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ

الدِّينِ، وَعَلَى أَئِمَّتِنَا مِنْ أَهْلِ الْحَقِّ وَالاِسْتِقَامَةِ مِمَّنِ اتَّبَعَ الْحَقَّ وَعَمِلَ بِهِ.

أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْكِرَامُ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ الله تَعَالَى وَبَرَكَاتُهُ، هَذِهِ مُنَاسَبَةٌ مُبَارَكَةٌ بِاجْتِمَاعِكُمْ فِي هَذَا المَسْجِدِ الطَّيِّبِ احْتِفَاء بِذِكْرَى وَسِيرَةِ سَيِّدِ الْأَنَامِ مُحَمَّدٍ، نَسْأَلُ الله جَمِيعًا أَنْ يَكُونَ هَذَا الإِجْتِمَاعُ فِي مِيزَانِ حَسَنَاتِنَا جَمِيعًا يَوْمَ الدِّينِ.

لَا شَكٍّ أَيُّهَا الْإِخْوَةُ أَنَّ مَوْلِدَ مُحَمَّدٍ مِيلَادٌ لِلْإِنْسَانِيَّةِ، فَاللَّهُ تَعَالَى أَكْرَمَ بِهِ الْأُمَّةَ وَالْبَشَرِيَّةَ، بَلْ أَكْرَمَ بِهِ هَذَا الْكَوْنَ، فَكَانَ مِيلَادُهُ حَدَنَّا غَيْرَ عَادِي، وَنَسْتَطِيعُ الْقَوْلُ أَنَّهُ حَدَتْ مُقَدَّسُ لَمَا فِيهِ مِنَ الْأُمُورِ الاِعْتِبَارِيَّةِ وَالْعِظَاتِ وَالْحِكْمَةِ، مِنْ هَذَا الْمُنْطَلَقِ رَأَتِ الْأُمَّةُ أَنْ تَحْتَفِي بِذِكْرَى مِيلادِهِ مَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَمَسُّكِ بِالرِّسَالِةِ الَّتِي جَاءَ بِهَا هَذَا النَّبيُّ الْكَرِيمُ، وَقَدْ وَقَفَتِ الْأُمَّةُ عَلَى اخْتِلَافٍ فِيمَا بَيْنَهَا فِي الاحْتِفَاءِ بِهَذَا الْحَدَثِ، فَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُحِزْهُ مُطْلَقًا، وَمِنْهُمْ مَنْ عَمِلَ فِيهِ مُمَارَسَاتٍ وَطُقُوسِيَّاتٍ لَا يُقِرُّهَا الْإِسْلَامُ أَوْ لَا يُقِرُّ كَثِيرًا مِنْهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ وَقَفَ فِي الْوَسَطِ حَيْثُ جَعَلَ أَخَذَ الْعِبْرَةَ

1) هَذِهِ مُحَاضَرَةُ أَلْفَيْتُهَا بِجَامِعِ السُّلْطَانِ فَابُوسَ بِبهلا عَنْ مَوْلِدِ النَّبِيِّ، وَطُبِعَتْ فِي كُتيب صغير بعنوان المولد النبوِيُّ نَظْرَةٌ تَصْحِيحِيَّةٌ فِي الْأَحْدَاثِ وَالْوَقَائِع، مِنْ قِبَلِ مَكْتَبَةِ الْعَبِيرَاءِ بِبهلا.

62 (1/62)

صفحة 61

السيرة النبوية

وَالارْتِبَاطَ بِهَذَا السَّيْدِ العَظِيم من خلال تَذَكَّرِ رِسَالَتِهِ، وَهَذَا الَّذِي سَارَ عَلَيْهِ الْإِبَاضِيَّةُ، إِذْ إِنَّ مَوْقِفَهُمْ كَانَ وَسَطًا، فَالْمُشَارِقَةُ مِنَ الْإِبَاضِيَّةِ مَا كَانُوا يَحْتَفِلُونَ بِهَذِهِ الذِّكْرَى، وَلَكِنَّهَا وَفَدَتْ إِلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارٍ أُخْرَى، أَمَّا الْإِبَاضِيَّةُ الْمَغَارِبَةُ فَالظَّاهِرُ أَنَّ الاحْتِفَالَ بِهَا كَانَ عِنْدَهُمْ مِنْ زَمَنِ أَسبق.

وَيُقَالُ: إِنَّ أَوَّلَ مَنِ ابْتَدَأَ الِاحْتِفَالَ بِمَوْلِدِهِ وَ هُمُ الْفَاطِمِيُّونَ الَّذِينَ حَكَمُوا السَّمَالَ الْإِفْرِيقِيَّ إِلَى مِصْرَ، وَامْتَدَّ نُفُوذُهُمْ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ إِلَى الْيَمَنِ وَالشَّامِ، وَلَكِنْ ذَلِكُمُ الاحْتِفَالُ مَا كَانَ عَلَى الْمُسْتَوَى الرَّسْمِيُّ، وَأَوَّلُ مَنِ احْتَفَلَ بِهِ احْتِفَالًا رَسْمِيًّا عَلَى مُسْتَوَى الدَّوْلَةِ حَاكِمُ إِرْبِيلَ - مَدِينَةٌ فِي شَمَالِ الْعِرَاقِ حَالِيًّا مِنْ قِبَلِ الْأَيُوبِيِّينَ فِي عَهْدِ صَلَاحِ الدِّينِ الْأَيُّوبِيِّ، وَكَانَ الْحَاكِمُ يُقَالُ لَهُ: مُظَفَرُ الدِّينِ أَبُو سَعِيدٍ، احْتَفَلَ احْتِفَالَ دَوْلَةٍ بِهَذِهِ المُناسَبَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْأَيُوبِيِّينَ - وَصَلَاحُ الدِّينِ بِالذَّاتِ قَضَى عَلَى الْكَثِيرِ مِنْ مَعَالِمِ الدَّوْلَةِ الْفَاطِمِيةِ مِنَ التَّشَيُّ، وَوَقَفَ مِنْهُ مَوْقِفًا صُلْبًا، وَلَكِنْ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِقَضَايَا الموْلِدِ وَأَهْلِ الْبَيْتِ فَقَدْ وَاصَلَ الْأَيوبِيُّونَ السَّيْرَ عَلَى مِنْوَالِ مَنْ سَبَقَهُمْ، فَكَانَ هَذَا الاحْتِفَالُ عَلَى المُسْتَوَى الرَّسْمِيُّ، فَقَضِيةُ آلِ الْبَيْتِ وَعَبَّتِهِمْ بَلْ وَتَقْدِيسِهِمْ وَالطُّقُوسِ المُلازِمَةِ لَهَا ظَلَّتْ مَوْجُودَةٌ فِي مِصْرَ، لَمْ يَعْمَلْ - لَا نَقُولُ: لَمْ يَسْتَطِعْ - صَلَاحُ الدِّينِ الْأَيُّوبِيُّ عَلَى تَحْوِهَا مِنْ بَقَايَا التَّشَيُّعِ، فَلِذَلِكَ كَمَا يَقُولُ أَحَدُ الْمُفَكَّرِينَ الْمِصْرِيِّينَ: إِنَّ النَّاسَ إِذَا اكْتَقَوْا بِاسْمِ حَسَنٍ فَهُمْ أَعْطَوْا اسْمَ حَسَنَيْنِ، أَيِ الشَّخْصُ

الْوَاحِدُ يُسَمَّى حَسَنَيْنِ.

63 (1/63)

صفحة 62

السيرة النبوية.

أَمَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى المُشَارِقَةِ؛ فَفِي آخِرِ عَهْدِ دَوْلَةِ الْبَعَارِبَةِ أَخَذَتِ الْقَضِيَّةُ تُنَاقَشُ مِنْ حَيْثُ جَوَازُ الاِحْتِفَالِ بِهَذِهِ الذِّكْرَى وَعَدَم جَوَازِهَا، وَحِينَمَا كَانَ الْعُمَانِيُّونَ مَوْجُودِينَ في أفريقيا الشّرْقِيَّةِ - وَفِي زِنْجِبَارَ بِالذَّاتِ - تَأَثَرُوا بِقِصَّةِ الاِحْتِفَالِ وَقِرَاءَةِ السِّيرَةِ المَسْجُوعَةِ وَاعْتماد كِتَابِ الْبَرْزَنْجِيٌّ فِي ذَلِكَ، ثُمَّ جَاءَتْ إِلَى عُمَانَ نَنِيجَةَ تَوَحُدِ الْأَمْرَةِ الْحَاكِمَةِ لِلْجَانِبَيْنِ الْعُمَانِيِّ وَالشَّرْقِ الْإِفْرِيقِيُّ، وَرَأَى الشَّيْخُ أَبُو مُسْلِمٍ نَاصِرُ بْنُ سَالِمِ بْنِ عديم البهلاني الرواحيُّ رَحِمَهُ اللهُ - تَعَلَّقَ أَهْلِ الْمُذْهَبِ بِكِتَابِ الْبَرْزَنْجِي، وَفِيهِ بَعْضُ الْأُمُورِ الْعَقَدِيَّةِ الَّتِي تُخَالِفُ مَا عِنْدَهُمْ، فَعَمِلَ عَلَى تَأْلِيفِ كِتَابَيْنِ فِي هَذَا الموضوع، فَأَلَّفَ أَوَّلَا كِتَابَ: "النُّورُ الْمُحَمَّدِيُّ "، وَهُوَ كِتَابٌ صَغِيرٌ، ثُمَّ وَضَعَ كِتَابَ: " النَّشْأَةُ المُحَمَّدِيَّةُ" الَّذِي يُقْرَأُ حَالِيًّا مَنْ أَرَادَ أَنْ يَقْرَأُ السِّيرَةَ النَّبَوِيَّةَ وَالِاحْتِفَالَ بِالْمُوْلِدِ النَّبوِي فِي صُورَتِهِ التَّقْلِيدِيَّةِ، وَلَا شَكٌّ أَنَّ الشَّيْخَ أَبَا مُسْلِمِ وَضَعَ هَذَيْنِ الْكِتَابَيْنِ لِصَرْفِ أَنْبَاع أَهْلِ المُذهَب عَنِ التَّعَلُّقِ بِكُتُبِ غَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّهُ رَأَىهُ أَمْرًا وَافِعًا لَا بُدَّ مِنْهُ، فَرُولًا مَعَ هَذَا الْوَاقِعِ أَلَّفَ هَذَيْنِ الْكِتَابَيْنِ، وَالْآنَ أَكْثَرُ النَّاسِ يَعْتَمِدُونَ فِي احْتِفَاهِمْ عَلَى قِرَاءَةِ كِتَابِ: " النَّشْأَةُ المُحَمَّدِيَّةُ" بِالذَّاتِ. تَارِيخُ الْمَوْلِدِ

اختلف في تاريخ مَوْلِدِهِ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ فِي يَوْمِ الْإِثْنَيْنِ الثَّانِيَ عَشَرَ مِنْ رَبِيعِ الْأَوَّلِ، وَقَالُوا: إِنَّهُ بَعْدَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ يَوْمًا مِنْ حَادِثَةِ الْفِيلِ، وَحَدَّدُوا ذَلِكَ بِأَنَّهُ فِي عَامِ 570 لِلْمِيلادِ، لَكِنَّ الشَّيْخَ أَبَا إِسْحَاقَ أطفيش – رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - وَهُوَ (1/64)

صفحة 63

السيرة النبوية.

الَّذِي عَاشَ فِي مِصْرَ مُدَّةٌ طَوِيلَةٌ بَعْدَ نَفْيِهِ إِلَيْهَا - يَنْقُلُ فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى كِتَابِ النَّشْأَةُ المُحَمَّدِيَّةُ عَنْ أَحَدِ الْفَلَكِيِّينَ الْمِصْرِيِّينَ الْكِبَارِ وَهُوَ مَحْمُود بَاشَا الْفَلَكِيُّ تَحْدِيدَ مَوْلِدِهِ

بِيَوْمِ الْإِثْنَيْنِ التَّاسِعَ مِنْ رَبِيعِ الْأَوَّلِ فِي عَامِ 571 لِلْمِيلادِ.

عَلَى أَيِّ حَالٍ هَذِهِ خِلَافَاتٌ لَا تُقَدِّمُ وَلَا تُؤَخِّرُ، فَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وُلِدَ، وَالْحَدَثُ قَدْ وَقَعَ، وَهَذَا الاِخْتِلَافُ لَيْسَ اخْتِلَافًا مُهِما، فَهَذَا يَحْدُثُ فِي الْأُمُورِ التَّارِيخِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْعَقْلَ الْبَشَرِيَّ يَخْتَلِفُ فِي تَحَملِ الْأَحْدَاثِ، فَكُلُّ شَخْصِ يُؤَدِّي حَسْبَمَا وَقَرَ فِي ذِهْنِهِ، فَمِنْ هَذَا المُنطَلَقِ يَجِبُ أَلَّا نُعْطِيَ بَالًا كَبِيرًا لِلاخْتِلَافِ فِي مَوْلِدِ شَخْصِيَةٍ مَا، أَوْ فِي وَفَاتِهَا؛ لأَنَّهُ إِذَا كَانَ النَّبِيُّ - وَهُوَ الَّذِي أَجْمَعَتِ الْبَشَرِيَّةُ عَلَى الاهْتِمَامِ بِهِ، وَأَجْمَعَتْ أُمَّتُهُ عَلَى الْإِيمَانِ بِهِ - وَيُوجَدُ اخْتِلَافُ فِي تَارِيخِهِ فَكَيْفَ بِغَيْرِهِ مِنَ الْأَشْخَاصِ؟ لَكِنْ مِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُلاحَظَ أَنَّهُ لَا يُوجَدُ مِثْلُ الْإِبَاضِيَّةِ تَعْظِيمًا هَذَا الشَّخْصِ الْعَظِيمِ؛ لِأَنَّهُمْ نَفَوْا كُلّ مَا يُحِلُّ بِشَخْصِيَّتِهِ فِي حِينِ أَنَّ الْفَرْقَ الْأُخْرَى تَسَلَّقَتْ إِلَى تَبْجِيلِ أَشْخَاصِ أَوْ أَئِمَّةٍ عَلَى حِسَابِ هَذَا النَّبِيِّ الْعَظِيمِ؛ فَقَدِ اعْتَبَرُوهُ شَخْصِيَّةٌ مُتَمَيَّزَةٌ، وَالْآخَرُونَ عَزُوا

بِعِزَّهِ، وَلَيْسَ عَلَى النَّيْلِ مِنْ شَخْصِيَّتِهِ أَوْ عَلَى الْحَطُّ مِنْ قَدْرِهِ.

وَلَا شَكٌّ أَنَّ هَذَا الحَدَثَ الْعَظِيمَ لَيْسَ حَدَنَا عَادِيًّا، فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ تَهْئَةٍ كَوْنِيَّةٍ تَسْتَقْبِلُ هَذَا الحَدَثَ لِأَنَّهُ ارْتِبَاطُ لِلْبَشَرِيَّةِ بِالله تَعَالَى عَنْ طَرِيقِ هَذِهِ الرِّسَالَةِ، فَالْقَضِيَّةُ

عَظِيمَةٌ غَيْرُ عَادِيَّةٍ. (1/65)

صفحة 64

السيرة النبوية.

وَهَذَا الحَدَثُ الْعَظِيمُ صَاحَبَتْهُ إِرْهَاصَاتٌ، وَالْإِرْهَاصُ هُوَ تَأْسِيسٌ وَتَهْهِينَةٌ لِأَمْرٍ ما، بِحَيْثُ يَكُونُ الحَدَثُ مُنْسَاقًا وَمُنْسَجِها مَعَ ذَلِكُمُ التَّأْسِيسِ وَالنَّهْبِئَةِ، فَهُنَاكَ بَينَةٌ

حِدَثِ الْمُوْلِدِ وَتَهْيِئَةٌ لِلنُّبُوَّةِ، وَقَد تَرَابَطَتْ هَذِهِ الْإِرْهَاصَاتُ.

وَهَذِهِ الْإِرْهَاصَاتُ لَوْ فَكَّرْنَا فِيهَا وَعُدْنَا إِلَى الخَلَفِيَّةِ التَّارِيخِيَّةِ لَوَجْدَنَاهَا مُرْتَبِطَةٌ بِمَجِيء الْخَلِيلِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَابْنِهِ إِسْمَاعِيلَ إِلَى مَكَّةَ الْمُكَرَّمَةِ وَبِنَائِهِمَا لِلْكَعْبَةِ المُشَرَّفَةِ، هَذِهِ أُولَى الْإِرْهَاصَاتِ هَذَا الْحَدَثِ الْعَظِيمِ، فَالنَّبِيُّ إِبْرَاهِيمُ جَاءَ بِزَوْجَتِهِ هَاجَرَ وَابْنِهِ إِسْمَاعِيلَ بِأَمْرِ اللهِ تَعَالَى عَنْ طَرِيقِ الْوَحْيِ مِنَ الْعِرَاقِ إِلَى مَكَّةَ وَالْحِجَازِ (1)، وَقَالَ كَمَا حَكَى اللهُ عَنْهُ: رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْنِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَوَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقَهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ) (2)، إِذَا هُنَالِكَ أَمْرُ بِأَنْ تَكُونَ حَيَاةٌ فِي مَكَّةَ، وَمَكَةُ ثَبَتَتْ عِنْدَ المُحَلّلِينَ الجُغْرَافِيِّينَ بِأَنَّهَا الْوَسَطُ أَي فِي مَرْكَزِ الْكُرَةِ الْأَرْضِيَّةِ، فَلِذَلِكَ خَاطَبَ اللهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا قَائِلًا: {وَلِتُنذِرَ أُمَ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا (3)، حَوْلَهَا: أَيْ كُلَّ مَا فِي الْكُرَةِ الْأَرْضِيَّةِ، وَهَذَا مَأْخُوذُ مِنَ الْإِشَارَةِ: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً

1) تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ بِالتَّفْصِيلِ فِي مَبْحَثِ إِسْمَاعِيلُ أَبُو الْعَرَبِ الْبَاقِيَةِ.

(2) سُورَةُ إِبْرَاهِيمَ الْآيَةُ: 37.

(3) سُورَةُ الْأَنْعَامِ، الآية: 92 (1/66)

صفحة 65

السيرة النبوية.

وَسَطًا؛ أَي كَمَا جَعَلْنَا الْكَعْبَةَ فِي الْوَسَطِ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا، فَاسْمُ الْإِشَارَةِ

6 (1)

يَعُودُ بِالدَّلَالَةِ إِلَى الْكَعْبَةِ بِأَنَّهَا وَسَطُ هَذَا الْكَوْكَبِ الْأَرْضِيِّ.

هَذِهِ الرَّسَالَةُ الْعَالَمِيَّةُ هِيَ إِنْدَارُ وَتَبْلِيغُ مَنْ فِي أُمَّ الْقُرَى مَكَّةَ وَمَا حَوْلَهَا مِنَ الدُّنْيَا،

(128)

فَهَذَا النَّبِيُّ مُحَمَّدٌ هُوَ دَعْوَةُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ لا رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةٌ لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، إِذَا بِدَايَةُ هَذَا الْإِرْهَاصِ هَذَا الْحَدَثِ الْعَظِيمِ كَانَ مُنْذُ أَنْ جَاءَ إِبْرَاهِيمُ وَإِسْمَاعِيلُ وَزَوْجَتُهُ هَاجَرُ إِلَى مَكَّةَ الْمُكَرَّمَةِ، وَقَامَ بِنَاءِ الْكَعْبَةِ وَعِمَارَةِ مَكَّةَ، وَأَقَامَ فِيهَا الصَّلَاةَ، وَهَوَتْ إِلَيْهِمْ أَفْئِدَةٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الْبَشَرِ وَعَمَرَتْ مَكَةُ بِمُوجَبٍ ذَلِكَ، ثُمَّ اسْتَمَرَّ نُمُو الْأُمَّةِ الْعَرَبِيَّةِ وَتَكَاثُرُهَا فِي مَكَّةَ وَحَوْلِهَا، وَاكْتَسَبَتْ مِنْ ذَلِكَ

(129

مَكَانَةٌ عَظِيمَةٌ، فَكَانَتْ جُرْهُمْ ثُمَّ كَانَتْ خُزَاعَةُ وَبَعْدَهَا جَاءَتْ قُرَيْضٌ.

وَقَوِيَتْ مَكَانَةُ الْعَرَبِ وَصَارَ لَهُمْ شَأنٌ وَحَافَظُوا عَلَى الدِّيَانَةِ الْإِبْرَاهِيمِيَّةِ وَتَمَسَّكُوا بِهَا، وَبَعْدَهَا صَارَ عِنْدَهُمُ اخْتِلَالُ فِي الْعَقِيدَةِ، وَلَكِنْ لَاذَا صَارَ هَذَا

الاخْتِلَالُ؟

1) سُورَةُ الْبَقَرَةِ الْآيَةُ: 143.

2 سُورَةُ الْبَقَرَةِ الْآيَاتُ: 127 - 129. (1/67)

صفحة 66

السيرة النبوية.

لَقَدْ تَعَمَّقُوا فِي تَقْدِيسِ الحَرَمِ، فَإِذَا سَافَرَ أَحَدُهُمْ حَمَلَ بَعْضَ الْحِجَارَةِ مِنْهُ كَنَوْعِ مِنَ التَّعْظِيمِ، ثُمَّ تَدَرَّجَ الْأَمْرُ شَيْئًا فَشَيْئًا مِمَّا جَعَلَهُمْ يَسْتَسِيعُونَ عِبَادَةَ الْأَصْنَامِ المُصْنُوعَةِ مِنَ الحِجَارَةِ، وَكَانُوا يَتَرَدَّدُونَ بَيْنَ الْيَمَنِ وَالشَّامِ فِي رِحْلَتَيْنِ هُمْ رِحْلَةٍ فِي الشَّتَاءِ إِلَى الْيَمَنِ، وَرِحْلَةٍ فِي الصَّيْفِ إِلَى الشَّامِ اتِّبَاعًا لِلْمُنَاخِ وَاعْتِدَالِ الْجُو، فَوَجَدُوا فِي الْبَتْرَاءِ أَوِ الْبَلْقَاءِ مَنْ يَعْبُدُ الْأَصْنَامَ، وَكَانَ عمرو بْنُ حَيَّ الْخَزَاعِيُّ قَدْ ذَهَبَ إِلَى هُنَالِكَ فَسَأَهُمْ: مَاذَا تَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ؟ فَأَخْبَرُوهُ عَنِ الْفَائِدَةِ مِنْ عِبَادَتِهم لها بما يَتَوَكَّمُونَهُ وَيَعْتَقِدُونَهُ، فَأَتَى مِنْ عِنْدِهِمْ بِصَنَمٍ اسْمُهُ هُبَلُ، وَهُوَ الَّذِي كَانَتْ تُعُظْمُهُ الْعَرَبُ وَخَاصَّةٌ قُرَيْضٌ فَجَاءَ بِهِ إِلَى مَكَّةَ، وَمِنْ ذَلِكُمُ التَّقْدِيسُ لِلْحَرَمِ أَيْضًا حَمْلُهُمْ لِلْحِجَارَةِ وَأَحْيَانًا التُّرْبَةُ عِنْدَمَا يَخْرُجُونَ مِنَ الْحَرَم تَعَلَّقًا مِنْهُمْ بِهِ، وَشَيْئًا فَشَيْئًا حَتَّى تَسَاءَلُوا فِي عِبَادَةِ الْأَحْجَارِ وَالْأَصْنَامِ وَالْأَزْلَامِ وَغَيْرِهَا، فَكَانُوا عَبَدَةَ أَوْثَانٍ، وَلَكِنَّهُمْ مَعَ عِبَادَتِهِمْ لِلْأَوْثَانِ ظَلُّوا مُتَمَسِّكِينَ بِشَيْءٍ مِنَ الدِّيَانَةِ الْإِبْرَاهِيمِيَّةِ، لَا سِيمَا فِي أَمْرِ الحج مَعَ اخْتِلَافِ قَلِيلِ فِي مَسَائِلِ السُّلُوكِ، فَالْعَادَاتُ وَالسُّلُوكُ الَّتِي عِنْدَ الْعَرَبِ هِيَ بَقَايَا مِنْ دِينِ إِبْرَاهِيمَ وَجَاءَ الْإِسْلَامُ لِيُتَمِّمَهَا، كَمَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: " إِنَّما

بُعِثْتُ لِأُتمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ".

68 (1/68)

صفحة 67

السيرة النبوية.

وَقَدْ وَضَعَ الشُّعُوبِيُّونَ مُسْتَنْقِصَاتٍ مِنْ شَأْنِ الْعَرَبِ، هَذَا الإِسْتِنْقَاصُ وَجَدَ

هَوَى فِي أَفْئِدَةِ كَثِيرٍ مِنَ الْمُسْتَشْرِقِينَ فَأَخَذُوا يُرَدُّدُونَهَا.

مِنْ ذَلِكَ قَوْهُمْ: إِنَّ الْعَرَبَ كَانُوا وُحُوشًا يَأْكُلُ بَعْضُهُمُ الْبَعْضَ، فَصَوَّرُوهُمْ وَكَأَنَّهُمْ أَشَدُّ قَسْوَةٌ مِنَ السَّبَاعِ فِي الْغَابَةِ، وَالْحَقِيقَةُ غَيْرُ ذَلِكَ، فَالْقُرْآنُ الْكَرِيمُ وَصَفَهُمْ بِالْحِرَافِ فِي الْعَقِيدَةِ وَالْعِبَادَةِ وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يبين اللهُ لَكُمْ عَايَتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)) (2) لَكِنْ فِي تِلْكَ المَسَائِلِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونُوا مِثْلَ الْوُحُوشِ. وَمِنْ هَذِهِ المُسْتَنْقِصَاتِ المُنسُوبَةِ إِلَى الْعَرَبِ وَأدُ الْبَنَاتِ، وَالَّتِي رُبَّمَا كَانَتْ فِي قَبِيلَةٍ وَاحِدَةٍ فِي عُمْقِ الصَّحْرَاءِ الْعَرَبِيَّةِ، وَلَا شَكٍّ أَنَّ اللهَ تَعَالَى عِنْدَهُ أَنَّ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ

(103)

(1) الْحَرَكَةُ الشُّعُوبِيَّةُ تُنْسَبُ إِلَى المُتَقَفِينَ مِنْ غَيْرِ الْعَرَبِ، وَخَاصَّةً مِنَ الْفُرْسِ، فَكَانُوا يَحْمِلُونَ عَلَى الْعَرَبِ وَعَلَى الْعَادَاتِ الْعَربية؛ لأَنَّ الْعَرَب حَطَّمُوا تملكتهُمْ وَإمبراطورينَهُمْ، وَدَخَلُوا فِي الْإِسْلَام لَعَلَّهُمْ غَيْرُ رَاغِبِينَ فِي ذَلِكَ - فَحَدَثَ مِنْ جَرَّاءِ ذَلِكَ الْحَرَكَةُ الشُّعُوبِيَّةُ الَّتِي تَسْتَنْقِصُ مِنَ الْعَرَبِ وَتَذْمُّ كُلَّ شَيْءٍ كَانُوا يَفْعَلُونَهُ؛ لِأَنَّهُمْ رَأَوْا فِي الْعَرَبِ أَنَّهُمْ حَمَلُوا الْإِسْلَامَ وَحَطَّمُوا الْإِمْرَاطُورِيَّةَ الْفَارِسِيَّةَ وَقَضَوْا عَلَى مَكَانَتِهِمْ، وَأَصْبَحَتِ الشُّعُوبُ الْفَارِسِيَّةُ الَّتِي تَدَّعِي الحَضَارَةَ تَابِعَةٌ لِلْعَرَبِ، يُقَلِّدُونَهُمْ فِي دِينِهِمْ وَفِكْرِهِمْ وَلُغَتِهِمْ، وَأَصْبَحَتِ اللُّغَةُ الْعَرَبِيَّةُ هِيَ لُغَةَ الخِطَابِ الدِّينِيِّ، وَهِيَ اللُّغَةُ السَّائِدَةُ عِنْدَ الشُّعُوبِ الْإِسْلَامِيَّةِ فَاطِبَةً، فَحَدَثَتْ حَرَكَةُ الشُّعُونِينَ لِلنَّيْلِ مِنْهُمْ، وَهَذَا مَا حَدًا بِالْحَاحِظِ أَنْ يُؤَلِّفَ

كتبا فِي الرَّدُّ عَلَيْهِمْ.

(2) سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ، الْآيَةُ: 103. (1/69)

صفحة 68

السيرة النبوية.

نَفْسٍ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا، وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا، قَالَ تَعَالَى: وَمِنْ أَجلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَاءِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فكأنما أحيا الناس جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (1) وَلَوْ حَدَثَتْ حَادِثَةٌ وَاحِدَةٌ فَهِيَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمَةٌ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ له وَأَدَ إِحْدَى بَنَاتِهِ هُوَ قَوْلٌ بَاطِلٌ وَقِصَّةٌ مُخْتَلَقَةٌ ضِدَّ عُمَرَ بْنِ الْخَطَابِ، وَإِلَّا فَهُوَ عِنْدَهُ حَفْصَةُ وَعِنْدَهُ بَنَاتُ أُخْرَى، فَلِمَاذَا لَمْ يَبْدُهُنَّ وَعُمَرُ عِنْدَهُ

زَوْجَاتُ وَالَّذِي يَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ لَا بُدَّ أَنْ يُزَوِّجَ، هَكَذَا هُوَ التَّفَاعُلُ الاِجْتِمَاعِيُّ. وَلَكِنْ تِلْكَ قِصَصُ وُضِعَتْ لِغَرَضِ مَا عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ له حَاشَاهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقُرَيْشٍ كَانوا عِنْدَهُمُ التَّرَاءُ وَالْبُيُوتُ الْفَاخِرَةُ وَالمَاكِلُ الطَّيِّبَةُ، وَكَانُوا أَهْلَ حَضَارَةٍ، لَكِنْ لَيْسَتْ بِتِلْكَ الْحَضَارَةِ الرَّاقِيَةِ جِدًّا، فَهُمْ كَانُوا مُسْتَقِرِّينَ فِي

1) سُورَةُ المائِدَةِ، الْآيَةُ: 32.

(2) الَّذِي نُرَجُحُهُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ هُنَالِكَ وَأَدْ، أَي قَتْلُ لِلْبَنَاتِ، وَقَوْلُهُ: (وَإِذَا الْمُوْءُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ) (التَّكْوِير، 8،9) يَحْتَمِلُ النَّفْسَ الَّتِي تُقتَلُ ظُلْمًا، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ مُسْوَدًا وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءٍ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيَمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ) (النَّحْل: 58،59) لَعَلَّهُ كِنَايَةٌ عَنْ عَدَمِ الرَّغْبَةِ فِي الْإِنَاثِ، وَهُوَ مُشَاهَدٌ إِلَى الْآنَ

وجهه مسود

عِنْدَ مُعْظَمِ الرِّجَالِ إِنْ لَمْ نَقُلْ كُلِّهِمْ، وَلَا سِيَّما عِنْدَ الْعَرَبِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا، مَاضِبًا وَحَاضِرًا. (1/70)

صفحة 69

السيرة النبوية.

الحَرَمِ حَوْلَ الْكَعْبَةِ بِمَكَّةَ الْمُكَرَّمَةِ، إِذَنْ كَانُوا آمِنِينَ وَغَيْرَ جَائِعِينَ، فَلَيْسَ هُنَاكَ مُبَرِّرٌ

لِوَادِ بَنَاتِهِمْ. وَمَعَ الْأَسَفِ نَجِدُ أَنَّ بَعْضَ المُفَكَّرِينَ المُسْلِمِينَ الْمُعَاصِرِينَ قَدْ أَعْجَبَتْهُمْ تِلْكَ المقولاتُ لِيُظْهِرُوا فَضْلَ الْإِسْلَام وَعَظَمَتَهُ، وَكَمَا قَالُوا: وَالضَّدُّ يُظهرُ حُسْنَهُ الضَّد، فَتَرَاهُمْ يُردِّدُونَ تِلْكَ الْأَقْوَالَ عَنْ وَحْشِيَّةِ الْعَرَبِ وَقَسْوَتِهِمْ وَهَمَجِيَّتِهِمْ، وَفِي الْمَقَابِلِ لَا بُدَّ أَنْ يُنْزِلُوا مِنْ قَدْرِ الْعَرَبِ.

أَمَّا المُسْتَشْرِقُونَ فَأَرَادُوا مِنْ ذَلِكَ الْقَدْحَ فِي نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ بِأَنَّ هَذَا الرَّجُلَ إِذَا كَانَ يَنتَمِي إِلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ الْوَحْشِيَّةِ وَالْهَمَجِيَّةِ غَيْرِ الْحَضَارِيَّةِ الَّتِي يَأْكُلُ بَعْضُهَا بَعْضًا، هَلْ يُعْقَلُ أَنْ يَأْتِيَ إِلَى قِيَادَةِ الْبَشَرِيَّةِ؟ وَهَل هَذِهِ الرِّسَالَةَ تَسْتَحَقُّ لَهَا أَنْ تَكُونَ رِسَالَةً عَالِيَّةٌ لجميع الأمم وَالشُّعُوبِ إِلَى أَنْ يَرِثَ اللَّهُ الدُّنْيَا وَمَنْ عَلَيْهَا؟ فَالْمُفَكَّرُونَ المُسْلِمُونَ تَلَقَّوا الْفِكْرَةَ وَأَخَذُوا يُرَدّدُوتها يُرِيدُونَ إِظْهَارَ فَضْلِ الْإِسْلَام وَفَضْلَ مُحَمَّدٍ مِمَّا حَدًا بِهِمْ

إِلَى المُبَالَغَةِ فِي ذَلِكَ، فَأَسَاؤُوا إِلَى الْعَرَبِ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ.

وَكَذَلِكَ تهيئَةٌ هِذَا الحَدَثِ الْعَظِيمِ، مَوْلِدِ النَّبِيِّ الشَّرِيفِ، وَإِرْهَاصًا لِلنُّبُوَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ فَقَدْ تَوَجَّدَتِ الْجَزِيرَةُ الْعَرَبِيَّةُ عَلَى لُغَةِ وَاحِدَةٍ، وَهَذَا التَّوَحُدُ فِي اللُّغَةِ غَيْرُ

مَوْجُودٍ فِي الْأُمَمِ الْأُخْرَى الَّتِي نَجِدُ فِيهَا هَجَاتٍ مُتَبَايِنَةٌ كَالصِّينِ وَالْهِنْدِ وَفَارِسَ. أَمَّا اللُّغَةُ الْعَرَبِيَّةُ فَقَدْ تَوَجَّدَتْ بَيْنَ جَنُوبِ الْجَزِيرَةِ الْعَرَبِيَّةِ وَشِمَالِهَا، وَهَيَّا اللَّهُ تَعَالَى لهَا شُعَرَاءَ جَابُوا أَقْطَارَ الْجَزِيرَةِ الْعَرَبِيَّةِ، وَهُمْ أَصْحَابُ الْمُعَلَّقَاتِ السَّبْعِ أَوِ الْعَشْرِ وَغَيْرُهُمْ، فَتَوَجَّدَتْ لُغَةُ الْعَرَبِ، وَعَرَفَ الْعَرَبِيُّ لَهَجَةَ أَخِيهِ الْعَرَبِ فِي أَي مَكَانٍ مِنَ (1/71)

صفحة 70

السيرة النبوية.

الجزيرَةِ، وَصَارَ الشِّعرُ الْعَرَبِيُّ مَفهومًا عِندَ كُلّ عَرَبِيٌّ، وَصَارَتِ المُعَلَّقَاتُ الشِّعْرِيَّةُ بِمَثَابَةِ الْكِتَابِ الَّذِي يَحْفَظُهُ كُلُّ عَرَب، فَهَذِهِ تَهْتَةٌ وَإِرْهَاصٌ يَوْلِدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَلِرِسَالَتِهِ،

وَلَوْ نَزَلَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ مِنْ غَيْرِ تَوْحِيدِ لِأُمَّةِ الْعَرَبِ فِي لُغَتِهَا لَكَانَ كَثِيرٌ مِنَ الْعَرَبِ لَا يَفْهَمُونَهُ، وَقَبْلَ فَتْرَةٍ زَمَنِيَّةٍ قَصِيرَةٍ مِنْ مَوْلِدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَمِلَ شُعَرَاءُ الْعَصْرِ الْجَاهِلِي الْفُحُولُ عَلَى تَوْحِيدِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، فَقَدْ كَانُوا يَقُومُونَ بِجَوَلَاتٍ فِي أَصْفَاعِ الْجَزِيرَةِ الْعَرَبِيَّةِ، فَالْأَعْشَى مَثَلًا خَاضَ رُبُوعَ الْجَزِيرَةِ الْعَرَبِيَّةِ مِنَ الشَّامِ وَحَتَّى الْيَمَنِ وَحَضْرَمَوْتَ وَعُمَانَ، وَمِنَ الطَّبِيعِيُّ أَنْ يُنْشِدَهُمْ أَشْعَارَهُ، وَهُمْ يَعْرِفُونَهَا.

وَنَتِيجَةٌ لِذَلِكَ كُلِّهِ رَأَى أَبْرَهَةُ الْأَشْرَمُ الْحَبَشِيُّ حَاكِمُ الْيَمَنِ أَنْ يَضْرِبَ هَذِهِ المُكَانَةَ، فَعَمِلَ عَلَى تَدْبِيرِ مُؤَامَرَةٍ، حَيْثُ بَنَى بِنَايَةً بَسِيطَةٌ صَغِيرَةٌ فِي صَنْعَاءَ وَسَاهَا الْفُلَيْسَ، وَأَرَادَ أَنْ يَصْرِفَ الْعَرَبَ إِلَيْهَا عَنْ مَكَّةَ المُكَرَّمَةِ لِمَا رَأَى مِنْ مَكَانَتِهَا فِي قُلُوبِ الْعَرَبِ وَتَقْدِيسِهِمْ لَهَا، وَأَنَّهُمْ كَانُوا يَحُجُونَ إِلَيْهَا، وَرَأَى تِلْكَ الْأَسْوَاقَ الْاِقْتِصَادِيَّةَ الَّتِي تُصَاحِبُهَا فَعَالِيَّاتُ أَدَبِيَّةٌ وَشِعْرِيَّةٌ، فَكَانَ الشَّعْرُ هُوَ سَيِّدَ الْفِكْرِ وَالْقَوْلِ آنَذَاكَ، كَانَ أَكْثَرُ ذَلِكَ يُعْقَدُ حَوْلَ مَكَةً، ومِنْ نَاحِيَةٍ ثَانِيَةٍ عِنْدَمَا حَكَمَ أَبْرَهَةٌ - وَهُوَ حَبَشِيٌّ - جُزْءًا عَزِيزًا مِنْ بِلَادِ الْعَرَبِ فَقَدَتْ صَنْعَاءُ مَكَانَتَهَا وَانْصَرَفَ عَنْهَا الْعَرَبُ، وَكَأَنَّهُ عَدَمُ اعْتِرَافٍ بِمُلْكِهِ عَلَى بِلَادِ الْيَمَنِ السَّعِيدِ الَّتِي هِيَ جُزْءٌ عَزِيزٌ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، لَّا رَأَى أَبْرَمَهُ كُلَّ ذَلِكَ - وَلَعَلَّهُ فَسَّرَهُ بِعَدَمٍ شَرْعِيَّتِهِ لِحُكْمِهِ عَلَيْهَا - وَفِي نَفْسِ الْوَقْتِ رَأَى أَنَّ الاِقْتِصَادَ تَحَوَّلَ إِلَى مَكَّةَ، وَأَنَّ الْكَعْبَةَ هِيَ الَّتِي جَذَبَتِ الْعَرَبَ إِلَيْهَا، فَأَرَادَ أَنْ

72 (1/72)

صفحة 71

السيرة النبوية.

يُسَيْطِرَ عَلَى مَكَّةَ؛ هَذَا مِنْ جِهَةٍ، وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى أَرَادَ أَنْ يَقْطَعَ الطَّرِيقَ عَلَى فَارِسَ؛ لأَنَّ الْعَرَبَ كَانُوا كَثِيرًا مَا يَتَعَامَلُونَ مَعَ فَارِسَ، وَيُرِيدُ أَنْ يَكُونَ فِي سَيْطَرَتِهِ عَلَى مَكَّةَ امْتِدَادًا لِلْحُكْمِ الصَّلِيبِيِّ المُسِيحِيُّ مِنَ الشَّامِ وَحَتَّى الْحِجَازِ، ثُمَّ الْيَمَنِ حَتَّى الْخَبَشَةِ؛ لِأَنَّ الْخَبَشَةَ كَانَتْ عَلَى النَّصْرَانِيَّةِ، وَأَبْرَهَهُ حَبَشِي وَعَامِلُ مَلِكِ الْخَبَشَةِ الَّذِي كَانَ غَيْرَ تَابِع نَبَعِيَّةٌ كَامِلَةً لِإِمْرَاطُورِ الرُّومِ المَسِيحِي، لَكِنَّهُ يَمْتَيْلُ بِأَمْرِهِ وَيُنَسِّقُ مَعَهُ - إِنْ صَحْ التَّعْبِيرُ - فَهُوَ تَابِعٌ وَلَكِنَّهُ لَيْسَ بِتِلْكَ التَّبِعِيَّةِ المُطْلَقَةِ، فَأَرَادُوا بِذَلِكَ أَنْ يُحَاصِرُوا

الْفُرْسَ إِحْدَى الْإِمْرَاطُورِيَّاتِ الَّتِي كَانَتْ تُهُيْمِنُ عَلَى الْمِنْطَقَةِ عَدَا الصِّينَ. وَالْإِمْرَاطُورِيَّةُ الْفَارِسِيَّةُ كَانَ يَحْكُمُهَا الدِّينُ المُجُوسِيُّ، وَكَانَ فِيهَا بَعْضُ السَّيَّارَاتِ مِنَ الدِّيَانَاتِ الْأُخْرَى، وَأَمَّا الرُّومُ فَهُمْ عَلَى النَّصْرَانِيَّةِ، وَالْخَبَشَةُ كَذَلِكَ، فَحَاوَلُوا السَّيْطَرَةَ عَلَى مَكَّةَ لِكَيْ يَكُونَ هُنَالِكَ امْتِدَادٌ وَاحِدٌ مِنَ الرُّومِ عَبْرَ الشَّامِ إِلَى الْحِجَازِ وَالْيَمَنِ تَحْتَ الشَّيْطَرَةِ النَّصْرَانِيَّةِ، وَبِذَلِكَ يَقْطَعُونَ طَرِيقًا اقْتِصَادِيًا عَلَى الْفُرْسِ، فَهَذِهِ الْأَسْبَابُ كُلُّهَا حَدَتْ بِأَبْرَهَةَ أَنْ يَفْتَعِلَ تِلْكَ الْبِنَايَةَ الصَّغِيرَةَ وَالَّتِي سَاهَا الْقُلَّيْسَ لِيَصْرِفَ إِلَيْهَا الْعَرَبَ عَنِ الْكَعْبَةِ، ثُمَّ افْتَعَلَ بِأَنَّ شَخْصًا مِنَ الْعَرَبِ كنانة ذَهَبَ إِلَيْهَا وَتَبَرَّزَ فِيهَا، لَكِنْ مَنْ هُوَ هذا الْكِنَانِيُّ؟ وَهَلْ قُبِضَ عَلَيْهِ؟ وَمَا اسْمُهُ؟ ثُمَّ أَلَيْسَ هُنَاكَ أَحَدٌ يُرَاقِبُهُ؟ فَهَلْ يُتَصَوَّرُ أَنْ تُبْنَى بِنَايَةٌ فِي صَنْعَاءَ، وَيُرَادُ لَهَا التَّقْدِيسُ، وَأَنْ يُصْرَفَ إِلَيْهَا الحَجُ، وَأَنْ يُقْضَى عَلَى أُمَّةٍ، وَأَنْ تُخَاصَرَ إِمْبَرَاطُورِيَّةٌ أُخْرَى بِسَبَبِهَا، هَلْ يُعْقَلُ أَنْ تُتْرَكَ هَكَذَا فَيَدْخُلَ إِلَيْهَا عَرَبِيٌّ وَيَتَبَرَّزَ فِيهَا؟ فَالْقَضِيَّةُ مُفْتَعَلَةٌ لِكَيْ يُبَرِّرَ شَنَّ هُجُومهُ عَلَى الْكَعْبَةِ فَيَهْدِمَهَا وَمِنْ ثَمَّ يُمَهَّدُ لِاحْتِلَالِ الْحِجَازِ،

من (1/73)

صفحة 72

السيرة النبوية.

وَبِالتالي يَكُونُ هُنَالِكَ تَرْسِيخٌ لِلدِّيَانَةِ النَّصْرَانِيَّةِ مِنْ جِهَةٍ، وَأَيْضًا هَيْمَنَةٌ اقْتِصَادِيَّةٌ عَلَى الْمِنْطَقَةِ، وَقَضَاءُ عَلَى الوُجُودِ الدِّينِيِّ وَالحَضَارِيّ للأُمَّةِ الْعَرَبِيَّةِ، فَجَاءَ وَعِنْدَهُ الْفِيلُ وَحَدَثَتْ حَادِثَةُ الْفِيلِ، وَشَاءَ اللهُ تَعَالَى أَنْ يَنْهَزِمَ أَبْرَهَةً وَجَيْتُهُ بِمُعْجِزَةٍ إِلَهِيَّةِ فِيهَا تَهْبِنَةٌ هذِهِ النُّبُوَّةِ وَلِمُحَمَّد له، وَاللهُ تَعَالَى أَنْزَلَ سُورَةٌ بِذَلِكَ فِي قُرْآنِهِ وَهِيَ سُورَةُ الْفِيلِ: أَلَمْ تَرَكَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْعَبِ الْفِيلِ أَلَمْ يَجْعَل كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ) وَأَرْسَلَ عليهم طيرا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل فَعَلَهُمْ كَعَصْفِ مأكول (1)

يَقُولُ بَعْضُ المُؤَرِّخِينَ بِأَنَّهُ مَا هُنَالِكَ حِجَارَةٌ وَلَكِنَّهَا فَيْرُوسَاتٌ، وَنَقُولُ بِأَنَّهُ لَا يُسْتَبْعَدُ أَنْ يَكُونَ هُنَالِكَ جَمع بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ، فَتِلْكَ الْحِجَارَةُ فِيهَا فَيْرُوسَاتٌ؛ لِأَنَّ أَبْرَهَةً أَخَذَ لَحْمُهُ يَتَنَاثَرُ فَمَاتَ فِي صَنْعَاءَ، وَجَيْشُهُ أَيْضًا هَلَكَ بِذَلِكَ، وَقِيلَ: إِنَّ أَمْرَاضَ الجُدَرِي وَالخَصْبَةِ مَا كَانَتْ تُعْرَفُ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ إِلَّا مِنْ ذَلِكَ الْعَامِ، فَالرَّبْطُ بَيْنَ هَذِهِ الآراء يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تِلْكَ الْحِجَارَةَ الَّتِي رَمَتْهَا الطَّيْرُ فِيهَا تِلْكَ الْفَيْرُوسَاتُ، فَجَمْعًا بَيْنَ الآراء نَقُولُ بِأَنَّ هُنَاكَ طَيْرًا حَقِيقِيًّا وَحِجَارَةً حَقِيقِيَّةٌ؛ لِأَنَّ هَذَا هُوَ خِطَابُ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، فَالْفَيْرُوسَاتُ وَالْحِجَارَةُ وَالطَّيْرُ لِكُلِّ مِنْهَا وَضْعُهُ اللَّفْظِيُّ الْخَاصُّ بِهِ، وَكُلُّ لَفْظُ مِنْهَا يَحْتَوِي عَلَى مَعْنَى مَعْرُوفِ وَاللَّفْظُ الْقُرْآنِيُّ الْعَرَبُّ الصَّرِيحُ لَا يُمْكِنُ أَنْ

1) سُورَةُ الْفِيلِ. (1/74)

صفحة 73

السيرة النبوية.

نَصْرِفَهُ عَنْ دَلَالَتِهِ الْحَقِيقِيَّةِ، فَقَدْ تَكُونُ تِلْكَ الْحِجَارَةُ فِيهَا ذَلِكَ الْفَيْرُوسُ الَّذِي أَصَابَ أَبْرَهَةً وَتَنَاثَرَ لَحْمُهُ وَمَاتَ فِي صَنْعَاءَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَتْ حِجَارَةً فَقَطْ لَرُبَّما مَاتَ مِنْهَا، فَجَمْعًا بَيْنَ هَذِهِ الْأُمُورِ نَقُولُ: لَعَلَّهُ فِي تِلْكَ الْحِجَارَةِ الْفَيْرُوسَاتِ الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا بَعْضُ كُتَابِ السِّيرَةِ وَبَعْضُ الْمُؤَرِّخِينَ، وَلَكِنْ لَا نُوَافِقُهُمْ بِأَنَّهُ مَا كَانَ هُنَالِكَ طَيْرُ؛ لِأَنَّ الْقُرْآنَ ذَكَرَ الطَّيْرَ وَالحِجَارَةَ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ نَصْرِفَ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ إِلَى الْفَيْرُوسَاتِ فَقَطْ، هَذِهِ الْحَادِثَةُ زَادَتْ مِنْ مَكَانَةِ الْأُمَّةِ الْعَرَبِيَّةِ، وَعِنْدَ الْعَرَبِ زَادَتْ مَكَانَةُ قُرَيْشٍ، وَعِنْدَ قُرَيْشٍ زَادَتْ مَكَانَهُ بَنِي هَاشِمٍ؛ لِأَنَّ عَبْدَ المُطَّلِبِ هُوَ الَّذِي ذَهَبَ إِلَى أَبْرَهَةَ لِكَيْ يَسْأَلَهُ فِي بُعْرَانٍ لَهُ أَخَذَهَا جَيْشُ أَبْرَهَةَ، وَكَانَ أَبْرَهَةُ يُرِيدُ مِنْهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ حَوْلَ الْكَعْبَةِ، ولَعَلَّهُ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَبْطِشَ بِهِ، وَلَكِنْ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ كَانَ حَكِيمًا مِنْ حُكَمَاءِ الْعَرَبِ، عِنْدَمَا قَالَ لَهُ: جِئْتَ تَسْأَلُنِي عَنْ مِائَةِ بَعِيرٍ وَتَتْرُكُ هَذَا الْبَيْتَ الْعَظِيمَ الَّذِي هُوَ دِينُكَ وَدِينُ آبَائِكَ وَلَكِنْ الْحُكَمَاءُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ أَسَالِيبُ فِي جَالِسِ المُلوكِ يَسْتَقْرِئُونَ بِهَا حَالَةَ ذَلِكَ المَلِكِ وَصَوْلَتَهُ وَعَجْرَفتَهُ وَبَطْشَهُ، فَقَالَ لَهُ: أَنَا رَبُّ الْإِبِلِ فَأَسْأَلُ عَنْ إِبِلِي، أَمَّا الْبَيْتُ الَّذِي تَعْنِيهِ فَلَهُ رَبِّ يَحْمِيهِ، وَذَلِكَ فِيهِ تَذْكِيرٌ لِأَبْرَهَةَ بِأَنَّ ذَلِكُمُ البَيْتَ لَيْسَ تَحْمِيًّا مِنْ قِبل الْبَشَرِ، إِنَّهَا مِنْ قِبل الله تَعَالَى، وَلَكِنْ أَبْرَهَهُ كَانَ غَشُومًا لَا يُفَكِّرُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأَسَالِيبِ، كَانَ قَدْ أَتَى لِيَفْعَلَ فِعْلَتَهُ الشَّنِيعَةَ الْخَبِيثَةَ دُونَ أَنْ يَسْتَشِيرَ أَوْ يَأْخُذَ أَرَاءَ أُناسٍ، آخَرِينَ، أَوْ يَسْتَمِعَ إِلَى مَنْ يَنْصَحُهُ فِي ذَلِكَ، إِنَّمَا جَاءَ لِيُنفِّذَ أَمْرًا اسْتَرَاتِيجِيَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ وَإِلَى دَوْلَتِهِ وَدِينِهِ، وَلَكِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ تَكُونَ

Vo (1/75)

صفحة 74

السيرة النبوية.

هَزِيمَتُهُ وَعَقُهُ بِالتَّمَامِ فِي هَذِهِ الْحَادِثَةِ، لِمَا زَادَ مِنْ مَكَانَةِ الْعَرَبِ وَمِنْ مَكَانَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِيمَا

بَعْدُ.

وَتِلْكَ الْأُمُورُ هِيَ إِرْهَاصَاتٌ جَعَلَهَا اللهُ تَعَالَى لِتَكُونَ الْبَشَرِيَّةُ عَلَى أُهْبَةِ

الاِسْتِعْدَادِ لِمَوْلِدِهِ وَلِلرِّسَالَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ وَالْبَعْتَةِ المُحَمَّدِيَّةِ.

وَمِنْ تِلْكَ الْإِرْهَاصَاتِ أَيْضًا الْعِصْمَةُ، وَهِيَ مِنْ إِرْهَاصَاتِ النُّبُوَّةِ، فَاللَّهُ تَعَالَى

عصَمَ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم مِنَ الْمُعَاصِي إِرْهَاصًا لِتَحَمُّلِ هَذِهِ الرِّسَالَةِ.

لَيْسَتْ هُنَالِكَ عِصْمَةٌ لِخُلُوقِ إِلَّا للأَنْبِيَاء وَالرُّسُلَ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، وَهَذَا مِنَ المقرر عِنْدَنَا مَعْشَرَ الْإِبَاضِيَّةِ وَعِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ أَصْحَابِ الْمُذَاهِبِ الْأُخْرَى، وَعِصْمَهُ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ مُختَلَفُ فِيهَا، بِمَعْنَى هَلْ هُمْ مَعْصُومُونَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَبَعْدَهَا؟ أَمْ هَذِهِ الْعِصْمَةُ بَعْدَ النُّبُوَّةِ فَقَطْ؟ أَمْ أَنَّ هَذِهِ الْعِصْمَةَ بَعْدَ النُّبُوَّةِ فِي الشَّيْءِ الَّذِي يُوحَى بِهِ، وَفِي الشَّيْءِ الَّذِي لَا يُوحَى بِهِ لَا تُوجَدُ عِصْمَةٌ؟ فِي المُذْهَبِ الْإِبَاضِي الْقَوْلُ بِالْعِصْمَةِ بَعْدَ النُّبُوَّةِ، لَكِنِ الْقَوْلُ بِجَوَازِ وُقُوعِ المُعْصِيَةِ لَا يَسْتَدْعِي وُقُوعَهَا، وَالإِمَامُ السَّالِيُّ، وَقَفَ عِنْدَ قَوْلِ الْمُذْهَبِ، وَيُفْهَمُ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّهُ يَمِيلُ إِلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْعِصْمَةَ تَكُونُ قَبْلَ الْوَحْيِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ مَا مَعْنَاهُ: مَا وَجَدْتُ دَلِيلًا سَمْعِيًّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هُنَالِكَ عِصْمَةٌ قَبْلَ النُّبُوَّةِ، وَلَوْ وَجَدْنَاهُ لَكَانَ ذَلِكَ شَيْئًا جَيِّدًا، وَيَقُولُ أَيْضًا بِأَنَّ الْعِصْمَةَ وَعَدَمَ وُقُوعِ الْمُعْصِيَةِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ هُوَ اللَّائِقُ

بِمَنْصِبِهِمُ الْكَرِيمِ. (1/76)

صفحة 75

السيرة النبوية.

-

وَالْقَوْلُ بِالْعِصْمَةِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَبَعْدَهَا - مِنْ وِجْهَةِ نَظَرِي - هُوَ الْقَوْلُ المُناسِب؛ لِأَنَّ هَذَا الشَّخْصَ الَّذِي يُرْسَلُ مِنْ قِبَلِ رَبِّ الْعَالَمِينَ إِلَى الْبَشَرِيَّةِ وَيَحْمِلُ رِسَالَةٌ، وَيُغَيِّرُ مَفَاهِيمَ وَيَحْمِلُ لِلْبَشَرِيَّةِ - كَمُحَمَّدٍ - نُبُوَّةَ إِلَى أَنْ يَرِثَ اللَّهُ الْأَرْضَ وَمَنْ

عَلَيْهَا، لَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ بِأَنَّهُ لا تُوجَدُ عِصْمَةٌ لَهُ قَبْلَ نُبُوَّتِهِ (1).

وَنَجِدُ بَعْضَ المُحْدَثِينَ يَقُولُونَ بِأَنَّ الْعِصْمَةَ بَعْدَ النُّبُوَّةِ فِيمَا يُوحَى بِهِ، أَمَّا فِي غَيْرِ الْوَحْيِ فَمَا هُنَالِكَ مِنْ عِصْمَةٍ، وَيَسْتَشْهِدُونَ عَلَى ذَلِكَ بِحَادِثِ تَأْبِيرِ النَّخْلِ لَّا أَمَرَهُمُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَتْرُكُوا التَّأْبِيرَ، فَفَسَدَتِ الثَّمَارُ، فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ الثَّمَارَ قَدْ فَسَدَتْ بِعَدَمِ التَّكْبِيرِ، فَقَالَ لَهُمْ: "أبروا، أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِشُئُونِ دُنْيَاكُمْ، لَكِنْ هَذَا لَيْسَ لَهُ عِلَاقَةٌ بِقَضِيَّةِ الْعِصْمَةِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ حَرَكَةُ حَيَاةٍ، وَالْكَلَامُ فِي الْعِصْمَةِ مِنَ الْوُقُوعِ فِي الْمَعَاصِي، وَهَذِهِ لَيْسَتْ بِمَعْصِيَةٍ؛ لأنَّ النَّبِيِّ إِنَّمَا هُوَ بَشَرٌ فِي حَرَكَاتِهِ الْعَادِيَّةِ، يَتَحَرَّكُ مِثْلَهُمْ وَيَأْكُلُ كَمَا يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُ كَمَا يَشْرَبُونَ، وَيَأْخُذُ عَادَةَ قَوْمِهِ، فَهُوَ بَشَرٌ اصْطَفَاهُ اللَّهُ تَعَالَى، قَالَ تَعَالَى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَى اللَّه (2).

إِذًا هُنَالِكَ جَانِبٌ كَبِيرٌ مِنْ حَرَكَةِ الْحَيَاةِ وَحَرَكَةِ الْبَشَرِيَّةِ، وَالْكَلَامُ إِنَّمَا هُوَ حَوْلَ الْوُقُوعِ فِي المُعَاصِي الَّتِي تَشِينُ الْإِنْسَانَ، أَمَّا الْخَطَأُ فِي قَضِيَّةِ تَأْبِيرٍ فَلَيْسَ مِنَ الْمُعَاصِي،

(1) ثُمَّ وَجَدْتُ الْإِمَامَ مُحَمَّدَ بْنَ يُوسُفَ اطفيش يَقُولُ: «الْأَنْبِيَاءُ لَا يَعْصُونَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَلَا بَعْدَهَا إِلَّا مَا يُعَدُّ عِصْيَانًا فِي حَقِّهِمْ انْظُرْ تَيْسِيرَ التَّفْسِير ج 5، ص 122)، طَبْعَة الجَزَائِرِ.

(2) سُورَةُ الكهف. - 110 (1/77)

صفحة 76

السيرة النبوية.

وَهَذِهِ الْقَضِيَّةُ لَيْسَتْ مُحتاجَةً إِلَى وَحْيِ، وَلَيْسَتْ كُلُّ حَرَكَةِ الْحَيَاةِ مُحْتَاجَةٌ إِلَى وَحْيِ، فَالْحَيَاةُ مَرَّتْ بِتَطَوُّرٍ وَاسْتِقْرَارِ فِي الزِّرَاعَةِ وَالْفِلَاحَةِ وَالتِّجَارَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ حَرَكَةِ الحَيَاةِ، مُنْذُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَحَتَّى عَهْدِ مُحَمَّدِ.

وَقَدْ يُسْتَدَلُّ بِقَضِيَّةِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ عِنْدَمَا اسْتَغَاثَهُ الْإِسْرَائِيلِيُّ فَوَكَرْ مُوسَى القبطي فَقَضَى عَلَيْهِ، قَالَ: هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ، ثُمَّ تَابَ فَتَابَ اللهُ عَلَيْهِ، قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَئِلَانِ هَذَا مِن شِعَيْهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَتَهُ الَّذِي مِن شِيعَيْهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ، فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌ مُّبِينٌ قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي

15

فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَى فَلَنْ أَكُونَ

17

طهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ (1).

لَكِنْ هَذَا كَان قَبْلَ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ رَبُّهُ.

وَمِثْلُهَا قَضِيَّةُ سُؤَالِ الرُّؤْيَةِ مِنْهُ تَعَالَى فَتَابَ مِنْهُ لِأَنَّهُ سَأَلَ رُؤْيَةَ رَبِّهِ قَبْلَ أَنْ يَسْتَأْذِنَ رَبَّهُ، قَالَ تَعَالَى: وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَيْنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَينِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَينِي فَلَمَّا تَجَلَّى

(1) سُورَةُ الْقَصَصِ الْآيَاتُ: 15 - 17.

78 (1/78)

صفحة 77

السيرة النبوية.

رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكَّا وَخَرَ مُوسَى صَعِفَا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَنَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا

(143

أوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (1).

فَهَذِهِ أَيْضًا لَيْسَتْ بِدَاخِلَةٍ فِي هَذَا الْمُوْضُوع أَيْ لَمْ تُعْتَبَرْ مَعْصِيَةٌ، نَعَمْ إِنَّهُ عُوقِبَ مِنْ قِبَلِ رَبِّهِ، وَلَكِنْ لَيْسَ بِالمُعْنَى المفهومِ لِلْمَعْصِيَةِ، فَالْقِبْطِيُّ كَانَ مُسْتَحِقًا لِلْقَتْلِ وَلَكِنْ مُوسَى قَتَلَهُ قَبْلَ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ رَبُّهُ، وَلِذَلِكَ تَابَ رَبُّهُ عَلَيْهِ بَعْدَ أَنْ عَرَفَ موسى أَنَّ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ، وَاسْتَغْفَرَ فَغُفِرَ لَهُ.

وَكَلَامُنَا فِي وُقُوعِ المُعَاصِي وَلَيْسَ فِي حَرَكَةِ الْبَشَرِ، فَالْأَنْبِيَاءُ بَشَرٌ كَأَفْرَادِ المُجْتَمَعِ الْبَشَرِيُّ الَّذِينَ عَاشُوا بَيْنَ أَفْرَادِهِ فِي حَرَكَةِ الْحَيَاةِ، لذلك نقول أن النبي محمداً كَانَ فِعْلًا مَعْصُومًا حَتَّى قَبْلَ النُّبُوَّةِ عِنْدَمَا كَانَ يَرْعَى الْغَنَمَ فَجَاءَ لِيَشْهَدَ الاحْتِفَالَاتِ الْعُرْسِيَّةَ وَفِيهَا بَعْضُ الْغِنَاءِ وَالطَّرَبِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ، فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ النَّوْمَ فَمَا اسْتَمَعَ إِلَى شَيْءٍ مِنْهُ، ثُمَّ في المرةِ الثَّانِيَةِ فَعَلَ بِهِ هَكَذَا، وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى الْعِصْمَةِ وَأَنَّ هَذِهِ النَّفْسَ الْعَظِيمَةَ الَّتِي تَتَهَيَّأُ لاسْتِقْبَالِ هَذِهِ الرِّسَالَةِ الْخَالِدَةِ الْعَظِيمَةِ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ مُنَزَّهَةٌ عَنْ هَذِهِ السُّلُوكَاتِ، فَكُلُّ لَهُ مَرَاتِبُهُ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ يَقُولُ: «إِنَّكُمْ لَتَعْمَلُونَ أَعْمَالَا هِيَ أَدَقُّ فِي أَعْيُنِكُمْ مِنَ الشَّعَرِ، وَمَا كُنَّا

(1) سُورَةُ الْأَعْرَافِ الْآيَةُ: 143. (1/79)

صفحة 78

السيرة النبوية.

نَعْهَدُهَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِلَّا مِنَ الْكَبَائِرِ» (1)، فَالْمُقَرَّبُونَ الَّذِينَ هُمْ أَكْثَرُ قُرْبًا مِنَ

الله تَعَالَى يَعْتَبِرُونَ تِلْكَ الْحَسَنَاتِ سَيِّئَاتٍ.

(1) (

إِذًا شَخص مِثْلُ مُحَمَّد الَّذِي يَتَهَيَّأُ لِاِسْتِقْبَالِ الرِّسَالَةِ الْعَظِيمَةِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُنَزَّهَا وَمَعْصُومًا مِمَّا تَتَلَوَّثُ بِهِ عَظَمَهُ هَذِهِ الرِّسَالَةِ الخَالِدَةِ، وَاللَّهُ تَعَالَى قَدْ رَبَّاهُ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الْأُمُورِ، فَهَيَّا لَهُ أَنْ يَرْعَى الْغَنَمَ، وَفِيهِ سِيَاسَةُ الْأَوَابِدِ وَالمَاشِيَةِ، لأن فِيهِ السَّكِينَةُ وَأَخْذُ العِبْرَةِ، وَقد اشْتَرَكَ فِي الْأُمُورِ الْعَسْكَرِيَّةِ كَحَرْبِ الْفِجَارِ، وَاشْتَرَكَ فِي اللقَاآتِ وَالاِجْتِمَاعَاتِ السَّيَاسِيَّةِ فِي دَارِ النَّدْوَةِ، وَاشْتَرَكَ فِي حِلْفِ الْفُضُولِ الَّذِي كَانَ يُشِيدُ بِهِ، وَيَتَمَنَّى لَوْ حَصَلَ ذَلِكَ فِي الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ فِيهِ رَدًّا لِلْمَظَالِمِ وَأَخْذًا بِيَدِ

الظَّالِمِ، ثُمَّ اشْتَغَلَ كَذَلِكَ بِالتِّجَارَةِ.

(1) رَوَاهُ الْإِمَامُ الرَّبِيعُ بْنُ حَبِيبِ، الحَدِيثُ: 1004. (1/80)

صفحة 79

السيرة النبوية.

قَصَصُ فِي السِّيرَةِ لَا تُقْبَلُ

هُنَاكَ قَضَايَا تُنْسَبُ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لَكِنْ هُنَاكَ مَا يُؤْخَذُ وَمِنْهَا مَا يُرَدُّ.

كَشْفُ الْعَوْرَةِ أَثْنَاءَ بِنَاءِ الْكَعْبَةِ:

مِنْ ذَلِكَ قَضِيَّةُ بِنَاءِ الْكَعْبَةِ وَقَدْ كَانَ عُمُرُهُ عِنْدَهَا خَمْسًا وَثَلَاثِينَ سَنَةٌ عِنْدَمَا أَمَرَهُ عَمُّهُ الْعَبَّاسُ أَنْ يُظْهِرَ عَوْرَتَهُ وَيَشْتَمِلَ إِزَارَهُ عَلَى رِدَائِهِ عِنْدَ حَمْلِ الْحِجَارَةِ، حَاشَاهُ عَنْ ذَلِكَ، وَهُوَ رَجُلٌ شَابٌ وَكَانَ قَدْ تَزَوَّجَ، فَهَذَا مِمَّا لَا يُمْكِنُ أَنْ يَحْدُثَ، فَهُوَ لَا يُسْتَسَاعُ مِنْ أَيِّ إِنْسَانِ فَكَيْفَ من الرَّسُولِ العَظيم؟!

لِقَاؤُهُ بِالرُّهْبَانِ أَثْنَاءَ رِحْلَتِهِ التَّجَارِيَّةِ:

وَفِي أَثْنَاءِ اشْتِغَالِهِ بِالتِّجَارَةِ عِنْدَمَا حَمَلَهُ عَمُّهُ أَبو طَالِب وَكَانَ يَتِيمَا بَعْدَ وَفَاةِ جَدِّهِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، جَاءَتْ رِوَايَةٌ بِأَنَّهُ الْتَقَى بِهِ رَاهِبٌ مِنْ رُهْبَانِ النَّصَارَى اسْمُهُ بَحِيرَى فِي الشَّامِ، فَعَرَفَ أَنَّهُ نَبِيُّ، وَأَرْشَدَ أَبَا طَالِبٍ إِلَى رُجُوعِهِ مِنَ الشَّامِ خَوْفًا مِنَ الْيَهُودِ، ثُمَّ مَرَّةً ثَانِيَةٌ لَّا ذَهَبَ

للتَّجَارَةِ الْتَقَى بِرَاهِبِ آخَرَ اسْمُهُ نسطوري فَآمَنَ بِهِ، وَقَالَ لَهُ: إِنَّكَ نَبِي، فَقَضِيَّةُ الرُّهْبَانِ قَضِيَّةٌ مَدْسُوسَةٌ غَيْرُ صَحِيحَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ - فِعْلًا - قد الْتَقَى بِبَحِيرَى وَحَذَرَهُ، هَلْ يُعْقَلُ مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ الرَّجُلُ الْوَاعِي الَّذِي لَا يُلْدَغُ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ أَنْ يَذْهَبَ لِلتِّجَارَةِ مَرَّةً ثَانِيَةً إِلَى الشَّامِ؟ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ، وَإِذَا سَلَّمْنَا بِأَنَّ الْقِصَّةَ الْأُولَى صَحِيحَةٌ فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ الْقِصَّةُ الثَّانِيَةُ صَحِيحَةً. وَالحَقِيقَةُ أَنَّهُ مَا هُنَالِكَ بَحِيرَى وَلا نسطورى، وَهَذَا الَّذِي جَعَلَ المُسْتَشْرِ قِينَ يُدَنْدِنُونَ حَوْلَهُ وَيَقُولُونَ: إِنَّ مُعْظَمَ الرِّسَالَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ مَأْخُودَةٌ مِنَ المَسِيحِيَّةِ وَمِنَ (1/81)

صفحة 80

السيرة النبوية.

الْأَناجِيلِ، وَبَحِيرَى أَعْطَى مِنْهَا النَّبِيَّ وَعَلَّمَهُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ نسطوري، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ، هَذَا غَيْرُ صَحِيح؛ فَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ذَهَبَ إِلَى الشَّامِ وَمَا هُنَالِكَ بَحِيرَى وَلَا نسطوري؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ فِعْلًا قَدْ حُذْرَ وَهُوَ قَدْ ذَهَبَ إِلَى الشَّامِ لِلتَّجَارَةِ فِي حَيَاةِ عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ، هَلْ يُعْقَلُ أَنَّ أَبَا طَالِب لَمْ يُخْيِرِ النَّبِيَّ مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم بِأَنَّهُ قَدْ رَجَعَهُ مِنْ رِحْلَتِهِ الْأُولَى خَوْفًا عَلَيْهِ مِنَ الْيَهُودِ فِي الشَّامِ وَيُلح عَلَيْهِ فِي المَرَّةِ الثَّانِيَةِ أَنْ يَذْهَبَ فِي تِجَارَةِ خَدِيجَةَ عِنْدَمَا ادْ هَمَّتْ عَلَيْهِ خُطُوبُ الحَيَاةِ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ؟ وَهُنَاكَ الْعَدِيدُ مِنَ الْإِرْهَاصَاتِ لِوِلَادَتِهِ وَنُبُوَّتِهِ صلى الله عليه وسلم يَطُولُ بِهَا الْمُقَامُ، وَلَكِنْ نَكْتَفِي

بهذا. أَسْأَلُ الله لي وَلَكُمُ التَّوْفِيقَ، وَأَنْ يَجْعَلَنَا مُقْتَدِينَ بِالنَّبِيِّ مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم فِي سِيرَتِهِ وَفِكْرِهِ وَعِبَادَتِهِ وَأَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ، وَأَنْ يَجْعَلَ احْتِفَالَنَا هَذَا فِي مِيزَانِ حَسَنَاتِنَا جَمِيعًا.

82 (1/82)

صفحة 81

السيرة النبوية. الْأَسْئِلَةُ)

س: يَسْأَلُ السَّائِلُ عَنْ حَرْبٍ دَاحِسِ وَالْغَبْرَاءِ، وَحَرْبِ الْبَسُوسِ الَّتِي امْتَدَّتْ أَرْبَعِينَ سَنَةٌ، وَيَقُولُ بِأَنَّ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى شَرَاسَةِ الْعَرَبِ؟

ج: لَا شَكٍّ أَنَّ الْحَرْبَ تَقَعُ عِنْدَ الْعَرَبِ وَغَيْرِهِمْ، وَلَكِنْ لَا أَظُنُّ أَنَّ فِي هَذِهِ الْحَرْبِ حَدَثَتْ مُثلَةٌ أَوْ تَعْذِيبُ أَوْ مَا يُحِلُّ بِالْأَخْلَاقِ، فَالْعَرَبُ كَانُوا فِي حُرُوبِهِمْ وَإِلَى الآنَ شُرَفَاءَ، فَهُمْ لَا يَقْتُلُونَ شَيْخًا وَلَا امْرَأَةٌ وَلَا طِفْلًا، وَأَظُنُّ أَنَّ كِبَارَ السِّنَّ فِي عُمَانَ أَثْنَاءَ الْحُرُوبِ الْقَبَلِيَّةِ الَّتِي كَانَتْ تَحْدُثُ يَتَذَكَّرُونَ أَنَّ الرِّجَالَ يَكُونُونَ مُتَحَصِّنِينَ وَتَذْهَبُ النِّسَاءُ إِلَى أَطْرَافِ الْبَلَدِ وَالمُهَاجِمُونَ يُشَاهِدُونَهُنَّ، وَلَكِنْ لَا يُمْكِنُ أَنْ تُقْتَلَ امْرَأَةٌ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنَ الْعَارِ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُقْتَلَ طِفْلٌ أَوْ شَيْخٌ، وَإِنْ كَانَتْ الحَرْبِ تَحْدُثُ وَلَا شَكٍّ فِي ذَلِكَ، فَنَحْنُ عِنْدَنَا فِي الشَّعْبِ الْعُمَانِيِّ الْمُسْلِمِ المُتَمَسِّكِ بِإِسْلَامِهِ عِنْدَمَا تَضْعُفُ قُوَّةُ الْحُكْمِ الْمُرْكَزِيَّ وَيَقِلُّ الْإِيمَانُ فِي الْقُلُوبِ تحدثُ الحُرُوبُ الْقَبَلِيَّةُ، وَهَذَا وَاقِعٌ غَيْرُ مَنْكُورٍ، فَالْحُرُوبُ تَحْدُثُ لَكِنْ يَبْقَى أَنَّهُ لَيْسَ هُنَالِكَ تَعْذِيبُ أَوْ تَثِيلٌ، وَمَا هُنَالِكَ مِنْ حَرْقٍ بِالنَّارِ وَاغْتِصَابِ مِثْلَما تُشَاهِدُهُ في الحُرُوبِ الْحَدِيثَةِ الَّتِي فِيهَا فَظَائِعُ لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةٌ عِنْدَ الْعَرَبِ، صَحِيحٌ هُنَالِكَ أسر وأَحْكَامُهُ مَعْرُوفَةٌ، وَعِنْدَنَا تَحْلِيلٌ لِكَثِيرٍ مِنْ قِصَصِ التاريخ الْإِسْلَامِيِّ وَالَّتِي مِنْ بَيْنِهَا مَا حِيكَ ضِدَّ المُحَكِّمَةِ مِنْ أَنَّهُمْ قَتَلُوا خَبَّاب بن الأرت

(1) بَعْدَ المُحَاضَرَةِ كَانَتْ هُنَالِكَ أَسْئِلَةٌ مِنَ الْحَاضِرِينَ، وَهَا هِيَ مَعَ إِجَابَاتِهَا. (1/83)

صفحة 82

السيرة النبوية.

وَبَقَرُوا بَطْنَ امْرَأَتِهِ، وَقَتَلُوا طِفْلَهُ وَمَثَلُوا بِهِ، وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَوْجُودٍ عِنْدَ الْعَرَبِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَكَيْفَ يُوجَدُ عِنْدَ الْعَرَبِ المُسْلِمِينَ وَخَاصَّةٌ إِذَا كَانُوا قريبي عَهْدِ بِالنُّبُوَّةِ وَالصَّحَابَةِ!!

س: الْبَعْضُ يَقُولُ: إِنَّ الْحَجَّاجَ هَدَمَ الْكَعْبَةَ وَقَتَلَ عَبْدَ الله بْنَ الزُّبَيْرِ وَلَمْ يُصِبْهُ الـ بِعِقَابِ، كَيْفَ تَرُدُّ عَلَى ذَلِكَ؟

ج: لَعَلَّ هُنَالِكَ مُبَالَغَاتٍ، أَمَّا قَتْلُ عَبْدِ الله بْنِ الزُّبَيْرِ، فَلِأَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ خَرَجَ عَلَى الْأُمَوِيِّينَ وَأَرَادَ أَنْ يَسْتَقِل فَقَتَلُوهُ، وَقَتَلُوا الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيَّ، وَقَتَلُوا طَالِبَ الْحَقِّ عَبْدَ الله بْنَ يَحْيَى الْكِنْدِيَّ وَأَبَا حَمْزَةَ الْمُخْتَارَ بْنَ عَوْفٍ الشَارِي وَقَتَلُوا كَثِيرًا مِنَ الصَّحَابَةِ في وَقْعَةِ الْحَرَّةِ، وَهَكَذَا شَأْنُ الحُرُوبِ، وَمَعْرُوفٌ مَنْ هُوَ الشَّهِيدُ وَمَنْ هُوَ الْبَاغِي وَحَرْبُ الْحَجَّاجِ ضِدَّ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَلِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ تَسَبَّرَ بِالْكَعْبَةِ، وَقَدْ يَكُونُ أَصَابَ بَعْضُ المُنْجَنِيقِ الْكَعْبَةَ، لَكِنَّ الْكَعْبَةَ نَفْسَهَا احْتَرَقَتْ فِي عَهْدِ عَبْدِ الله بْنِ الزُّبَيْرِ، وَالاحْتِرَاقُ كَانَ طَبِيعِيًّا، رَوَى الْإِمَامُ الرَّبِيعُ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: مَا احْتَرَقَ بَيْتُ اللهِ الحَرَامُ مِنْ أَجْلِ شَرَارَةٍ طَارَتْ بِهَا الرِّيحُ، قَالَ بَعْضُ النَّاسِ: قَدَّرَ اللهُ هَذَا، وَقَالَ آخَرُونَ: لَمْ يُقَدِّرِ اللَّهُ أَنْ يَحْتَرِقَ بَيْتَهُ، فَمِنْ ثَمَّ وَقَعَ الْخِلَافُ الْأَوَّلُ فِي الْقَدَرِ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: وَكَانَ احْتِرَاقُهُ

84 (1/84)

صفحة 83

السيرة النبوية

يَوْمَ السَّبْتِ لِسِتٌ لَيَالٍ خَلَوْنَ مِنْ رَبِيعِ الْأَوَّلِ سَنَةَ أَرْبَعِ وَسِتِّينَ (1)، وَفِي ذَلِكَ الزَّمَانِ كَانَتِ الْبُيُوتُ تُبْنَى مِنْ أَشْيَاءَ بَسِيطَةٍ، وَكَانُوا يَسْكُنُونَ حَوْلَ الْكَعْبَةِ وَقَرِيبًا مِنْهَا، أَمَّا الْكَعْبَةُ فَلَمْ تَتَهَدَّمْ مِنْ جَرَّاءِ ذَلِكَ الاِحْتِرَاقِ، إِنَّمَا هُدِمَتْ بَعْدَ مَقْتَل ابْنِ الزُّبَيْرِ؛ لِأَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ سَمِعَ حَدِيثًا مِنْ خَالَتِهِ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ ها: " أَلَمْ تَرَى قَوْمَكِ حِينَ بَنَوُا الْبَيْتَ اقْتَصَرُوا عَنْ قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله أَلَا تَرُدُّهَا إِلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ؟ قَالَ: "لَوْلَا حِدْثَانُ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ " (2)، وَذَلِكَ أَنَّ الْحَطِيمَ وَهُوَ حِجْرُ إِسْمَاعِيلَ دَاخِلُ الْبِنَاءِ، فَلَمَّا جَاءَتْ قُرَيْسٍ تَبْنِهَا قَالُوا: نَبْنِيهَا مِنْ خَالِص المالِ وَمِنْ طَيِّبِ الْكَسْبِ، وَقَصَرَتِ النَّفَقَةُ فَبَنَوْا ذَلِكَ الجُزْء، فَابْنُ الزُّبَيْرِ أَخَذَ بِتِلْكَ الرِّوَايَةِ وَهَدَمَ الْكَعْبَةَ وَبَنَاهَا كَمَا كَانَتْ عَلَى قَوَاعِدِ إِسْمَاعِيلَ قَبْلَ بِنَاءِ قُرَيْشٍ، وَلَا قُتِلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ وَرَجَعَ الْأَمْرُ لِلْأُمَوِيِّينَ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ: دَعْنَا مِنْ أَلَا عِيبِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَأَمَرَ الْحَجَّاجَ أَنْ يَهْدِمَهَا مَرَّةً ثَانِيَةً، وَيَبْنِيَهَا كَمَا بَنَتْهَا قُرَيْسٍ، وَهَذِهِ قَضَايَا مُنَافَسَاتٍ سِيَاسِيَّة عَلَى السُّمْعَةِ وَالشُّهْرَةِ وَالسُّلْطَةِ وَالدُّعَايَةِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ، أَمَّا عَدَمُ إِصَابَةِ الحجاج بِنِقْمَةِ اللهِ فِي رَمْيِ الْكَعْبَةِ بِالمَنْجَنِينِ وَهَدْمِ الْكَعْبَةِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَفْصِدْ إِمَانَةَ

(1) رَوَاهُ الْإِمَامُ الرَّبِيعُ بْنُ حَبِيبٍ، الحَدِيثُ: 418.

(2) رَوَاهُ الْإِمَامُ الرَّبِيعُ بْنُ حَبِيبٍ، الحَدِيثُ: 410. (1/85)

صفحة 84

السيرة النبوية.

الْكَعْبَةِ وَالْإِسَاءَةَ إِلَيْهَا، بَلْ لَعَلَّهُ كَانَ يَعْتَقِدُ تَطْهِيرَ الْكَعْبَةِ مِنْ تَسَتُّرِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ

الزبير بها، وَاللهُ أَعْلَمُ.

س: هَلْ مَا يُدَوَّنُ مِنَ الْحَوَادِثِ الَّتِي صَاحَبَتْ مَوْلِدَ الرَّسُولِ مِثْلَ سُقُوطِ بَعْضِ إِيوَانِ كِسْرَى وَانْطِفَاءِ نَارٍ فَارِسَ وَغَيْرِ ذَلِكَ يُمْكِنُ أَنْ نَعْتَبَرَهُ مِنَ الْإِرْهَاصَاتِ؟ ج: هَذِهِ الْحَوَادِثُ لَا يُمْكِنُ أَنْ نَعْتَبَرَهَا مِنَ الْإِرْهَاصَاتِ، أَوْلًا لِأَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ طَبِيعِيَّةٌ وَعَادِيَّةٌ، ثُمَّ أَلَمْ يَحْصُلْ وَأَنْ جَفَّتْ بُحَيْرَةُ طَبَرِيَّةَ فِي غَيْرِ تِلْكَ المُرَّةِ؟ فَالْبُحَيْرَاتُ تَعْتَمِدُ عَلَى الْأَمْطَارِ، وَعِنْدَمَا لَا يَكُونُ هُنَالِكَ مَطَرُ جَيِّدٌ تَجِفٌ أَوْ يَخِفُّ مَاؤُهَا، وَكَذَلِكَ إِيوَانُ كِسْرَى إِنَّمَا هُوَ بِنَاءُ، وَلِمَاذَا خُصَّ إِيوَانُ كِسْرَى بِسُقُوطِ بَعْضِ شُرُفَاتِهِ؟ مَاذَا لَمْ يَكُنْ فِي إِيوَانِ الرُّومِ أَوْ بُيُوتِ قُرَيْشٍ أَوْ قُصُورِ الْيَمَنِ؟ لِمَاذَا فَقَطْ فِي المُدَائِنِ؟ لَعَلَّ الَّذِي اصْطَنَعَ ذَلِكَ مُتَحَامِلٌ عَلَى الْفُرْسِ، وَإِلَّا فَمَا الْمُعْنَى أَنْ تُتْرَكَ كُلُّ هَذِهِ الدُّنْيَا وَلَا يَسْقُطُ شَيْءٌ مِنْهَا، وَتَسْقُطُ بَعْضُ مِنْ شُرُفَاتِ إِيوَانِ كِسْرَى؟ فَهَذِهِ الْحَوَادِثُ فِيهَا مَا فِيهَا، حَتَّى إِنَّ الشَّيْخَ أَبَا إِسْحَاقَ أطفيش رَحِمَهُ اللهُ - قَالَ بِأَنَّ هَذِهِ أُمُورٌ عَادِيَّةُ لَا يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْحَوَارِقِ أَوِ الْمُعْجِزَاتِ لِأَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ حَدَثَ لَهَا هَذَا الشَّيْءُ وَسَيَحْدُثُ لَهَا مَرَّةً ثَانِيَةً، وَنُبُوَّةُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم أَعْظَمُ مِنْ هَذَا، فَالتَّهْيِئَةُ الْكَوْنِيَّةُ الضَّخْمَةُ تَجْعَلُ مِنْ هَذِهِ الرِّسَالَةِ لَهَا ذَلِكَ الْقَبُولُ وَالإِنْسِجَامُ مَعَ الإِنْسَاقِ الْعَامِ لِلْكَوْنِ هَذَا هُوَ الْإِرْهَاصُ الحَقِيقِيُّ، أَمَّا مُجَرَّدُ

86 (1/86)

صفحة 85

السيرة النبوية.

سُقُوطِ شُرْفَةٍ، أَوَانْخِفَاضُ مَاءٍ فِي مَكَانٍ مَا، وَجَفَافِ بُحَيْرَةٍ فَيَجِبُ أَنْ يَتَرَفَّعَ

الْفِكْرُ المُسْلِمُ عَنْهَا وَيَتَخَلَّصَ مِنْهَا.

س: سُوَالٌ عَنْ حَادِثَةِ شَقِّ الصَّدْرِ.

ج: هَذِهِ الْحَادِثَةُ أَيْضًا مِنْ ذَلِكَ الْقَبِيلِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي السُّؤَالِ السَّابِقِ، فَهُنَالِكَ أَنْبِيَاءُ وَرُسُلٌ قَبْلَهُ وَلِمَاذَا لَمْ يَحْدُتْ هُمْ مِثْلُ هَذَا الشَّيْء؟ هَلْ يُعْقَلُ أَنْ لَا يَجْعَلَ اللَّهُ نَبِيَّه كَامِلَ الْإِنْسَانِيَّةِ وَمُتَقَبِّلَ الْإِيمَانِ إِلَّا بِأَنْ يَأْتِيَ اثْنَانِ وَيُمَرِّغَاهُ فِي التُّرَابِ ثُمَّ يَشُفَّانِ صَدْرَهُ وَيُنَظَّفَانِ قَلْبَهُ بِمَاءِ زَمْزَمَ، وَتَحِيطَانِهِ بِخَيْطِ أَسْوَدَ؟! وَمَنِ الَّذِي أَخْبَرَ الرَّاوِيَ بِأَنَّهُ مِنْ مَاءٍ زَمْزَمَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ؟ فَفِي الرِّوَايَةِ يَقُولُ: إِنَّهُ طَسْتُ مِنْ ذَهَبٍ بِهِ مَاءُ زَمْزَمَ، وَإِنَّهُ خَاطَهُ بِخَيْطِ أَسْوَدَ، وَالرَّوَايَةُ مَرْوِيَّةٌ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ حَاشَاهُ عَنْ ذَلِكَ - وَإِنِّي أَرَى ذَلِكَ الخَيْطَ فِي صَدْرِهِ، وَكُلُّهَا مَوَادُّ بِدَائِيَّةٌ عَامًا لَا تَرْضَاهَا الْبَشَرِيَّةُ فِي هَذَا الْعَهْدِ، وَمَعَ ذَلِكَ تُجْعَلُ مِنْ صُلْبِ هَذَا الدِّينِ وَمِنْ مُعْجِزَاتِهِ، هَذَا بَعِيدٌ عَنِ الحَقِيقَةِ وَلَا يَقْبَلُهُ الْعَقْلُ؛ لِأَنَّ اللهَ خَلَقَ مُحَمَّدًا وَهَيَّاهُ وَخَلَقَهُ بَشَرًا سَوِيًّا كَغَيْرِهِ مِنَ الْبَشَرِ - قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَى فَهُنَالِكَ بَشَرِيَّةٌ كَامِلَةٌ، وَقَضَايَا الْإِيمَانِ غَيْرُ مُحتاجَةٍ إِلَى أَنْ يُشَقَّ الصَّدْرُ وَتُؤْخَذَ مِنْهُ عَلَقَةٌ سَوْدَاءُ تُحمِّلُ حَطّ الشَّيْطَانِ فَاللَّهُ تَعَالَى عَاصِمٌ نَبِيَّهُ مِنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ وَغَيْرِهِ، فَلَا دَاعِيَ مِثْلِ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ لِأَنَّهَا تَحْمِلُ ضَعْفَهَا فِي نَفْسِهَا، وَهَلْ يُعْقَلُ أَنْ يَبْقَى أَثَرُ الخيْطِ الْأَسْوَدِ؟! وَعَمَلُ الْمَلائِكَةِ دَائِمًا عَمَلٌ غَيْرُ مَحْسُوس. فَهَذِهِ الْقَضِيَّةُ يَحِبُّ أَنْ

87 (1/87)

صفحة 86

السيرة النبوية.

يَتَرَفَّعَ عَنْهَا الْفِكْرُ الْإِسْلَامِيُّ، وَهِيَ سِيقَتْ فِي مَقَامِ التَّعْظِيمِ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَلَكِنَّهَا أَمَامَ التَّحْلِيل وَالتَّدْقِيقِ يَرَى فِيهَا الْإِنْسَانُ المُفَكِّرُ اسْتِنْقَاصًا مِنْهُ وَالنَّيْلَ مِنْ عَظَمَتِهِ وَشَخْصِيَّتِهِ وَكَمَالِ إِنْسَانِيَّتِهِ، هُمْ يَسُوقُونَهَا لِلتَّعْظِيمِ وَنَحْنُ نَرَى فِيهَا اسْتِنْقَاصًا مِنْ عَظَمَةِ ذَلِكُمُ الرَّجُلِ الْعَظِيمِ، هَذَا هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْآخَرِينَ.

س: هَلْ قِصَّةُ بَحِيرَى مَعَ الرَّسُول صلى الله عليه وسلم يَنْسَحِبُ مَعَهَا أَخْذُ السَّيِّدَةِ خَدِيجَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا الرَّسُولَ إِلَى وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلِ أَمْ أَنَّ هُنَالِكَ فَرْقًا؟

ج: هُنَالِكَ فَرْقٌ فِي الرَّوَايَتَيْنِ، فَوَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلِ كَانَ عَلَى الدِّيَانَةِ الْإِبْرَاهِيمِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ قُرَيْشٍ وَفِي مَكَّةَ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ أَحَدُ الْأَرْبَعَةِ الَّذِينَ أَدْرَكَتْهُمُ النُّبُوَّةُ عَلَى الْإِسْلَام، وَلَكِنْ لَعَلَّهُ قَرَأَ فِي كُتُبِ النَّصْرَانِيَّةِ فَقَط وَالْحَقِيقَةُ أَنَّ الْعَرَبَ بَقِيَ عِنْدَهُمْ شَيْءٌ مِنَ الدِّيَانَةِ الْإِبْرَاهِيمِيَّةِ؛ وعِنْدَهُمُ الْإِيمَانُ بِالله وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ الْقَادِرُ، وَعِنْدَهُمْ كَذَلِكَ الحَجُ إِلَى مَكَّةَ، وَتَعْظِيمُ الْبَيْتِ، فَعِنْدَهُمْ بَقَايَا مِنَ الدِّيَانَةِ الْإِبْرَاهِيمِيَّةِ فِي السُّلُوكِ وَفِي بَعْضِ الْعِبَادَاتِ وَهُمْ مُقِرُّونَ بِالْخَالِقِ، وَمَعَ ذَلِكَ يُشْرِكُونَ مَعَهُ تِلْكَ الْأَصْنَامَ وَيَتَوَسَّلُونَ بِهَا: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى (1)، فَإِذَا وَثَنِيَّةُ الْعَرَب أَقل حِدَّةٌ مِنْ وَثَنِيَّةِ الرُّومَانِ وَالْفُرْسِ وَالْوَثَنِيَّاتِ الْأُخْرَى؛ لِأَنَّ عِنْدَهُمُ

1) سُورَةُ الزُّمَرِ الْآيَةُ: 3. (1/88)

صفحة 87

السيرة النبوية.

الدِّيَانَةَ الْإِبْرَاهِيمِيَّةَ، كَذَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى نَصْرَانِيَّةِ وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ، فَهُوَ عِنْدَهُ بَقَايَا مِنْ دِينِ إِبْرَاهِيمَ، وَتَأَثَرَ بِكُتُبِ النَّصْرَانِيَّةِ الَّتِي تُبَشِّرُ بِهِ، لِأَنَّ الْكُتُبَ الْأُولَى جَمِيعَهَا يُقَالُ بِأَنها بَشَّرَتْ بِمُحَمَّدٍ، حَتَّى إِنَّ أَقْدَمَ هَذِهِ الْكُتُبِ وَالدِّيَانَاتِ كالدِّيَانَةَ الله الْبَرَهْمِيَّةَ الْهِنْدِيَّةَ، كِتَابُهُمُ الْفيدا يُقَالُ: فِيهِ تَبْشِيرٌ بِمُحَمَّدٍ، وَحَتَّى الْمَجُوسُ الَّذِينَ يُقَالُ: إِنَّ زَرَادُشْتَ نَبِيُّ عِنْدَهُمْ، يقال إِن فِي كِتَابِهِ أَيْضًا تَبْشِيرًا بِهِ، وَالتَّوْرَاةُ فِيهَا تبشير بِهِ وَاسْمُهُ أَحْمَدُ، وَكَذَلِكَ الْإِنْجِيلُ، قَالَ اللهُ: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبيِّ الأُمَرَ الَّذِي يَجِدُونَهُ، مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَةِ وَالإنجيل يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَنهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبيثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ بهِ وَعَذَرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُولَيكَ هُمُ

آمَنُوا

الْمُفْلِحُونَ) (1).

• (1)

وَقَالَ سُبْحَانَهُ وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَبَنِي إِسْرَاءِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِمَا بينَ يَدَى مِنَ التَّوْرَكَةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِى اسْمُهُ أَحَدٌ فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْبَيِّنَتِ قَالُوا هَذَا سِحْرُ

مين (2)

1) سُورَةُ الْأَعْرَافِ الْآيَةُ: 157.

2) سُورَةُ الصَّفِّ، الْآيَةُ: 6. (1/89)

صفحة 88

السيرة النبوية.

فَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ كُتُبِ الدِّيَانَاتِ المُوْجُودَةِ فِيهَا التَّبْشِيرُ بِمُحَمَّدٍ، فَوَرَقَةُ ابْنُ نَوْفَلٍ لَّا اطَّلَعَ عَلَى كُتُبِ النَّصَارَى وَوَجَدَ ذَلِكَ التَّبْشِيرَ لَا شَكٍّ بِأَنَّهُ يُؤْمِنُ بِذَلِكَ وَأَخْبَرَ بِهِ خَدِيجَةَ.

س: تَذْكُرُ كُتُبُ التَّارِيخِ وَالسِّيرَةِ أَنَّ الْعَرَبَ كَانُوا يَطُوفُونَ حَوْلَ الْكَعْبَةِ عُرَاةٌ، هَلْ هَذَا صَحِيحٌ، وَهُمْ قَدِ انْتَشَرَتْ عِنْدَهُمُ الْغَيْرَةُ، وَعِنْدَهُمُ الْحَضَارَةُ وَالمَدَنِيَّةُ؟

ج: تَحْتَاجُ هَذِهِ الرِّوَايَةُ إِلَى تَحِيصٍ، وَأَظُنُّ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ أَنَّ قُرَيْشًا اسْتَغَلَّتْ - إِنْ صَحَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ الْحَرَمَ وَاعْتَبَرَتِ اللُّبَاسَ الَّذِي يَأْتِي مِنْ خَارِجِ الْحَرَمِ ثَوْبًا نَجِسًا، وَعَلَى الطَّائِفِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ قُرَيْشٍ لِبَاسًا يَلْبَسُهُ، وَهَذَا فِيهِ تَسْوِيقٌ وَنَظْرَةٌ اقْتِصَادِيَّةٌ، وَقُرَيْضٌ هُمْ أَهْلُ تِجَارَةِ، فَأَوْحَوْا إِلَى النَّاسِ بِأَنَّ هَذَا اللُّبَاسَ نَجِسٌ وَلَا يُمْكِنُ الطَّوَافُ بِهِ، فَإِمَّا أَنْ يَشْتَرِيَ اللُّبَاسَ مِنْ مَكَّةَ وَيَطُوفَ بِهِ، وَإِمَّا أَنْ يَطُوفَ عَارِيَّا، فَالَّذِي لَيْسَ عِنْدَهُ مَالٌ أَوْ أَنَّ أَحْوَالَهُ غَيْرُ مُتَيَسْرَةٍ رُبَّمَا يَتَجَرَأُ وَيَطُوفُ عَارِيَّا، لَكِنْ لَا يُمْكِنُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَطُوفَ عَارِيَةٌ لأَنَّ الْعَرَبَ لَا تَرْضَى بِذَلِكَ وَلَا الرّجُلِ فِي الحَقِيقَةِ، وَلَعَلَّهَا إِذَا حَدَثَتْ فَإِنَّهَا حَادِثَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ فَرْدٍ أَوْ فَرْدَيْنِ طَافَا بِشَيْءٍ مِنَ الْعُرْيِ، وَالْإِسْلَامُ دَائِمًا يَعْتَبِرُ الْأُمُورَ وَلَوْ كَانَتْ حَادِثَةٌ وَاحِدَةٌ فَرْدِيَةٌ فَلَا بُدَّ أَنْ يُعَاهَا الْإِسْلَامُ وَيَقْضِيَ عَلَيْهَا، لَكِنْ تَقُولُ: إِنْ صَحَّتْ هَذِهِ الرِّوَايَاتُ (1/90)

صفحة 89

السيرة النبوية.

فَفِعْلًا هَذَا مِن اسْتِغْلَالِ قُرَيْشٍ لِلْمَكَانِ لِتَفْرِضَ بِضَاعَتَهَا، وَلَعَلَّ فَرْدًا أَوْ فَرْدَيْنَ لَمْ يَتَمَكَّنَا مِنْ ذَلِكَ فَطَافَا بِشَيْءٍ مِنَ الْعُرْيِ، وَاللهُ أَعْلَمُ بِذَلِكَ. (1/91)

صفحة 90

الْبَعْثَةُ النَّبَوِيَّةُ (1/93)

صفحة 91

السيرة النبوية.

الْبَعْثَةُ النَّبَوِيَّةُ وَالتَّحَدِّيَاتُ

إِرْهَاصَاتُ النُّبُوَّةِ

مِنَ المَعْلُومِ أَنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا، وَلِكُلِّ حَادِثٍ أَسْبَابَهُ وَإِرْهَا صَاتِهُ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى وُقُوعِهِ أَوْ قُرْبِ حُدُوثِهِ، وَقَدْ كَانَتْ لِلْبَعْثَةِ النَّبَوِيَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ إِرْهَاصَاتُهَا الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ

أَسْبَابًا لَهَا وَهِيَ عَدَدٌ مِنَ الْإِرْهَاصَاتِ مِنْهَا:

-1

الْيُثْمُ:

شَاءَ اللهُ تَعَالَى أَنْ يُقَدَّرَ الْمُنْمُ عَلَى مُحَمَّدٍ حَيْثُ تُوُقِّ وَالِدُهُ عَبْدُ الله بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ وَهُوَ لَا يَزَالُ جَنِينًا فِي بَطْنِ أُمِّهِ، ثُمَّ تُوُفِّيَتْ أُمُّهُ آمِنَةُ بِنْتُ وَهْبِ الزُّهْرِيَّةُ

الْقُرَشِيَّةُ، وَهُوَ فِي الْعَامِ السَّادِسِ مِنَ الْعُمْرِ عِنْدَ عَوْدَتِهَا بِوَلَدِهَا الْحَبِيبِ الْمُصْطَفَى مِنَ المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ حَيْثُ تُوُفِّيَتْ بِالْأَبْوَاءِ بَيْنَ المَدِينَةِ وَمَكَةَ، ثُمَّ تُوُفِّيَ جَدُّهُ عَبْدُ المُطَّلِبِ الَّذِي رَبَّاهُ وَكَانَ يَعْطِفُ عَلَيْهِ عَطْفًا شَدِيدًا، وَيُلاطِفُهُ مُلَاطَفَةٌ كَبِيرَةٌ، وَقَدْ أَحَسٌ بِفَقْدِ جَدِّهِ أَيُّهَا إِحْسَاسِ وَذَلِكَ الْيْتُمُ وَمَا فِيهِ مِنْ مَرَارَةِ الْحَيَاةِ وَلَوْعَةِ الْفِرَاقِ كَانَ تَهْتَةٌ مِنَ الله تَعَالَى لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ، لِكَيْ يَكُونَ عَطُوفًا بِالنَّاسِ، رَفِيقًا وَرَحِيمًا بِهِمْ، شَفِيقًا عَلَيْهِمْ، لِذَلِكَ وَصَفَهُ اللهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ

128

عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمُ (1).

(1) سُورَةُ التَّوْبَةِ، الْآيَةُ: 128.

94 (1/94)

صفحة 92

- S

الْعَمَلُ:

السيرة النبوية.

عَمِلَ مُحَمَّدٌ فِي صِبَاهُ عَمَلَيْنِ أَسَاسَيْنِ فِي الْحَيَاةِ وَهُمَا:

- رَعْيُ الْغَنَمِ:

فَقَدْ كَانَ يَرْعَاهَا لِأَهْلِ مَكَّةَ عَلَى قَرَارِيطَ (1)، وَرَعْيُ الْأَغْنَامِ فِيهِ تَرْيَبَةٌ لِلنَّفْسِ وَتَهْدِيبٌ لَنَا، فَالْأَغْنَامُ تَحْتَاجُ إِلَى صَبْرِ قَوِيٌّ، وَهُوَ أَمْرٌ فِيهِ تَهْيْئَةٌ لَهُ عَلَى سِيَاسَةِ النَّاسِ وَالصَّبْرِ عَلَيْهِمْ وَتَحَمُلِهِمْ، كَمَا أَنَّ رَعْيَ الْأَغْنَامِ يُعْطِي السَّكِينَةَ وَالْخُدُوءَ، هُدُوءَ الْبَالِ وَهُدُوءَ الْأَعْصَابِ، وَهُمَا شَيْئَانِ يَحْتَاجُهُمَا الْقَائِدُ فِي الْحَيَاةِ، لِأَنَّ الشَّخْصَ الَّذِي يَنْفَعِلُ

أَنْ تَبُورَ أَعْصَابُهُ فِي مُوَاجَهَةِ الْأَشْيَاءِ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ قَائِدًا أَوْ سَائِسًا.

التَّجَارَةُ:

فَقَدْ عَمِلَ فِي تِجَارَةِ السَّيِّدَةِ الْجَلِيلَةِ خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ قَبْلَ زَوَاجِهَا مِنْهُ، حَيْثُ بَعَثَتْ مَعَهُ تِجَارَةٌ إِلَى الشّام، وَالْعَمَلُ فِي التِّجَارَةِ هُوَ الَّذِي يَجْعَلُ الشَّخْصَ أَكْثَرَ احْتِكَاكا بِالنَّاسِ أَخذا وَعَطَاءَ فِي الْحَدِيثِ وَفِي الْبَيْعِ وَالشّرَاءِ، كَمَا أَنَّ الْعَمَلَ بِالتِّجَارَةِ مِنْ شَأْنِهِ تَوسِيعُ أُفُقِ الْإِنْسَانِ فِي تَدْبِيرِ شُؤُونِ حَيَاتِهِ، وَفِي تَدْبِيرِ الاقْتِصَادِ الَّذِي تَقُومُ عَلَيْهِ حَيَاةُ النَّاسِ بَلِ الْحَيَاةُ كُلُّهَا، وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْقِيَادَةَ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ مَعْرِفَةِ الْجَوَانِبِ الاِقْتِصَادِيَّةِ،

1) اخْتُلِفَ فِي كَلِمَةِ "قَرَارِيطُ، فَقِيلَ إِنَّهُ مَكَانٌ بِمَكَّةَ بِمَقْرُبَةٍ مِنْ أَجْيَادٍ، وَقِيلَ إِنَّ الْقَرَارِيطَ جَمْعُ قِيرَاطٍ،

وَهُوَ جُزءٌ مِنَ الدَّرْهَم.

95 (1/95)

صفحة 93

السيرة النبوية.

وَقَدْ هَيّا اللهُ مُحَمَّدًا هَذَا الْأَمْرِ مِنْ خِلَالِ الْعَمَل بِالتَّجَارَةِ، لِذَلِكَ كَانَ الاِقْتِصَادُ

الْإِسْلَامِيُّ حَاضِنًا أَمِينًا لِلْمَالِ كَسْبًا وَصَرْفًا.

ه - الْأَمَانَةُ وَالِاسْتِقَامَةُ:

اشْتُهِرَ مُحَمَّدٌ مُنْذُ نُعُومَةِ أَظْفَارِهِ بِالسِّيرَةِ الطَّيِّبَةِ الطَّاهِرَةِ النَّظِيفَةِ، مُبْتَعِدًا عَنْ صحيح الجاهِلِيَّةِ الجَهْلَاءِ، وَعَنْ صَخَبَهَا فِي حَيَاةِ مَكَّةَ، حَتَّى عُرِفَ عَنْهُ ذَلِكَ بَيْنَ الْعَامُ والخاص، وَقَدْ عَصَمَهُ اللهُ مِنَ الْوُقُوعِ فِي شَيْءٍ مِنْ لَوْثَاتِ الْجَاهِلِيَّةِ وَفَسَادِهَا، فَعِنْدَمَا تُحاوِلُ البِيئَةُ الاجْتِمَاعِيَّةُ جَرَّهُ إِلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، سُرْعَانَ مَا تَتَدَخَلُ الْعِنَايَةُ الْإِلَهِيَّةُ لِتَصْرِفَهُ عَنْ ذَلِكَ لِيَسْتَقْبِلَ مَنْصِبَ النُّبُوَّةِ الْعَظِيمَ وَهُوَ طَاهِرُ النَّفْسِ، نَقِيُّ الجَوَارِحِ، خَالِصُ الْقَلْبِ. لِذَلِكَ كَانَ الاِخْتِلَافُ حَوْلَ الْقَوْلِ بِعِصْمَةِ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَرَى أَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَبَعْدَهَا، وَآخَرِينَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ غَيْرُ مَعْصُومِينَ قَبْلَ

النُّبُوَّةِ، وَالْبَعْضُ يَرَى أَنهُمْ غَيْرُ مَعْصُومِينَ حَتَّى بَعْدَ النُّبُوَّةِ إِلَّا فِي الْوَحْيِ فَقَطْ. وَأَرَى أَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَبَعْدَهَا، لِأَنَّ مَنْصِبَ النُّبُوَّةِ مَنْصِبٌ عَظِيمٌ، وَأَمْرُهُ خَطِيرٌ، فَلَا يَلِيقُ هذا المنصِبِ الشَّرِيفِ أَنْ يَكُونَ صَاحِبُهُ عَلَى شَيْءٍ مِنَ الْمَعَاصِي، والْإِمَامُ نُورُ الدِّينِ السَّالِيُّ يُرِيدُ أَنْ يَقُولَ هَذَا الْقَوْلَ، إِلَّا أَنَّهُ تَوَفَّفَ عَنْهُ لِعَدَمِ اطَّلَاعِهِ (1/96)

صفحة 94

السيرة النبوية

عَلَى قَوْلٍ فِي المُذْهَبِ يُؤَيِّدُ ذَلِكَ (1)، وَقَدْ ذَكَرْتُ ذَلِكَ فِي مُحَاضَرَتِي عَنِ الْمُوْلِدِ النَّبَوِيِّ، ثُمَّ وَجَدْتُ الْإِمَامَ مُحَمَّدَ بْنَ يُوسُفَ أطفيش، يَقُولُ بِعِصْمَتِهِمْ، إِلَّا مَا يُعَدُّ عِصْيَانًا فِي حَقِّهِمْ (2)، وَلَعَلَّهُ أَخَذَ ذَلِكَ مِنَ الْعِبَارَةِ الشَّهِيرَةِ الْقَائِلَةِ: (حَسَنَاتُ الْأَبْرَارِ سَيِّئَاتُ

المقربين.

6 - زَوَاجُهُ مِنْ خَدِيجَةَ:

كَانَتِ السَّيِّدَةُ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدِ مِنْ بَنِي أَسَدٍ مِنْ قُرَيْشٍ، وَكَانَتِ امْرَأَةٌ عَلَى قَدْرٍ كَبِيرٍ مِنَ الْعَقْلِ وَالْحِكْمَةِ، كَمَا أَنَّهَا ذَاتُ مَالٍ وَصَاحِبَةُ أَعْمَالٍ، وَقَدْ أُعْجِبَتْ بِمُحَمَّدٍ وَأَخْلَاقِهِ وَأَمَانَتِهِ وَنَزَاهَتِهِ، وَجَمِيعِ الصَّفَاتِ الحَسَنَةِ الَّتِي يَتَّصِفُ بِهَا، لِذَلِكَ دَعَتْهُ إِلَى الزواج مِنْ نَفْسِهَا، فَتَمَّ الزَّوَاجُ عَلَى بَرَكَةِ الله وَتَوْفِيقِهِ، وَلا جَاءَ الْوَحْيُ كَانَتْ نِعْمَ السَّنَدُ وَالمُعِينُ وَالْمُؤَازِرُ لِكَيْ يَقُومَ بِهَذَا الْعَمَلِ الخطيرِ، كَمَا كَانَتْ لَهُ نِعْمَ النَّاصِرُ عَلَى مَا لَقِيَهُ مِنْ أَذًى وَمُعَانَاةٍ فِي تَبْلِيغِ الرَّسَالَةِ، لِذَلِكَ كَانَ زَوَاجُهُ مِنْهَا تَسْدِيدًا مِنَ الله تَعَالَى. 7 بِنَاءُ الْكَعْبَةِ:

كَانَتْ شُهْرَةُ مُحَمَّدٍ بِالْأَمَانَةِ وَالصِّدْقِ قَدْ طَبَقَتْ مَكَّةَ كُلَّهَا بِمَنْ فِيهَا مِنْ رِجَالٍ وَنِسَاءِ، وَعِنْدَمَا بَلَغَ الخَامِسَةَ وَالثَّلَاثِينَ مِنْ عُمُرِهِ قَامَتْ قُرَيْشُ بِينَاءِ الْكَعْبَةِ، وَإِعَادَةِ بِنَائِهَا مِنْ جَدِيدٍ، بَيْدَ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا عِنْدَ وَضْعِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ، فَكُلُّهُمْ يُرِيدُ أَنْ يَكُونَ لَهُ

1) مَشَارِقُ الْأَنْوَارِ، ص:

(2) تيسيرُ التَّفْسِير، ج 5، ص: 122.

97 (1/97)

صفحة 95

السيرة النبوية.

الْفَضْلُ وَحُسْنُ السُّمْعَةِ وَالذِّكْرُ الحَسَنُ تَارِيخيَّا فِي وَضْعِهِ، وَهَذِهِ أُمُورٌ كَانَتِ الْعَرَبُ تَحْرِصُ عَلَيْهَا أَشَدَّ الْحِرْصِ لِأَنَّهَا مِنَ الْمُفَاخِرِ، وَالْكَعْبَةُ وَالْحَجَرُ الْأَسْوَدُ هُمَا قُدْسِيَّةٌ وَرَمْزِيَّةٌ خَاصَّةٌ عِنْدَهُمْ، وَبَعْدَ لَأيِ مِنَ الْأَمْرِ حَكِّمُوا عُقُوهُمُ الْكَبِيرَةَ، وَأَحْلَامَهُمُ الرَّاقِيَةَ، وَمِنَ المُعْلُومِ أَنَّ قُرَيْشًا كَانَتْ لَهَا عُقُولٌ رَاجِحَةٌ، وَأَحْلَامٌ رَاسِخَةٌ، لِذَلِكَ يَقُولُ

فِيهِمُ الشَّاعِرُ: لا خير في الحب لا تُرْجَى نَوَائِلُهُ فَاسْتَمْطِرُوا مِنْ قُرَيْش كُلّ مُنْخَدع

ترَاهُ فِيهِ إِذَا خَاتَلَتَهُ بَلَهَا فِي مَالِهِ وَهُوَ وَافِي الْعَقْلِ وَالْوَرَع

فَاتَّفَقُوا أَنْ يُحكِّمُوا أَوَّلَ رَجُلٍ يَطْلعُ عَلَيْهِمْ وَهُمْ فِي ذَلِكَ الْمُقَامِ، فَإِذَا بِمُحَمَّدٍ هُوَ الطَّالِعُ الطَّالِعُ بِالْيُمْنِ وَالسَّعْدِ فَكُلُّهُمْ لا رَأَوْهُ ابْتَهَجُوا وَرَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ قَائِلِينَ: هَذَا مُحمَّدٌ، هَذَا الْأَمِينُ.

وَكَانَتْ قُرَيْضٌ عَلَى مَقْرُبَةٍ مِنَ الشَّرِّ وَمِنَ الْخَرْبِ الَّتِي كَانَتْ تَفُوحُ رَائِحَتُهَا مِنَ الْأَفْوَاءِ وَمِنْ دُرُوبِ مَكَةَ، وَتَخَزَّبَتْ بُطُونُ قُرَيْشٍ وَتَعَاقَدُوا عَلَى الْحَرْبِ مُؤَكِّدِينَ تَصْمِيمَهُمْ عَلَيْهَا وَلَا يَرُدُّهُمْ عَنْهَا رَادُّ، وَهُنَاكَ دَعَا مُحَمَّدٌ بِثَوْبِ، وَأَخَذَ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ وَوَضَعَهُ فِي ذَلِكَ التَّوْبِ، وَقَالَ: لِتَأْخُذْ كُلُّ قَبِيلَةٍ بِنَاحِيَةِ الثَّوْبِ وَارْفَعُوهُ جَمِيعًا، فَفَعَلُوا ذَلِكَ حَتَّى بَلَغُوا بِهِ مَوْضِعَهُ، فَأَخَذَهُ هُوَ وَوَضَعَهُ بِيَدِهِ فِي مَكَانِهِ ثُمَّ بَنَى عَلَيْهِ. وَهَكَذَا أَنْقَلَ مُحَمَّدٌ قَوْمَهُ مِنَ الشَّرِّ وَالحَرْبِ، كَمُقَدِّمَةٍ عَلَى إِنْقَادَ أُمَّةِ الْإِجَابَةِ مِنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ

98 (1/98)

صفحة 96

السيرة النبوية.

وَالْآثَامِ إِلَى طَاعَةِ الرَّحْمَنِ فِي الدُّنْيَا، وَإِنْقَاذِ فِي الْآخِرَةِ مِنَ النِّيرَانِ: وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا

حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا} آل عمران: 103

- حِلْفُ الْفُضُولِ:

نَظَرًا لِمَا كَانَتْ تَتَمَتَّعُ بِهِ قُرَيْشٍ مِنْ مَهَابَةٍ وَإِجْلَالٍ بَيْنَ الْعَرَبِ فَإِنَّ رِجَاءَهَا لَهُمْ تِلْكَ المَكَانَةُ الْعَالِيَةُ مِنْ الاِحْتِرَامِ وَالتَّقْدِيرِ بَيْنَ النَّاسِ، وَكَانَتْ مَكَةُ بِاعْتِبَارِهَا الْحَرَمَ الْآمِنَ، مَقْصُودَةٌ مِنَ النَّاسِ مِنْ شَتَّى أَنْحَاءِ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، كَمَا أَنَّ قُرَيْشًا كَانَتْ تُعْنَى بِالتِّجَارَةِ، لِذَلِكَ اجْتَمَعَتْ لِكَةَ المَكَانَةُ الدِّينِيَّةُ وَالمَكَانَةُ الاِقْتِصَادِيَّةُ.

وَحَدَثَ أَنْ جَاءَ إِلَى مَكَّةَ رَجُلٌ مِنَ الْيَمَنِ بِتِجَارَةِ فَاشْتَرَى مِنْهُ الْعَاصُ بْنُ وَائِل السَّهْمِيُّ الْقُرَشِيُّ تِلْكَ الْبِضَاعَةَ، وَلَكِنَّهُ أَبَى مِنْ دَفْعِ الْحَقِّ الَّذِي تَرَتَّبَ عَلَيْهِ لِذَلِكَ الرَّجُلِ الْيَمَنِيِّ، مِمَّا جَعَلَهُ يَسْتَغِيثُ وَيَسْتَنْصِرُ أَعْيَانَ قُرَيْشٍ وَوُجَهَاءَهَا عَلَى الْعَاصِ بْنِ وَائِل، وَهُنَالِكَ تَحَرَّكَتِ المُرُوءَةُ وَالشَّهَامَةُ لَدَيْهِمْ، فَكَوَّنُوا حِلْفًا أَطْلَقُوا عَلَيْهِ حِلْفَ الْفُضُولِ، وَيَعْنُونَ بِذَلِكَ أَنَّهُمْ دَخَلُوا فِي أَمْرٍ فَاضِلٍ، وَقَدْ تَمَّ الْإِعْلَانُ عَنْ ذَلِكَ الْحِلْفِ المَيْمُونِ فِي مَنْزِلِ عَبْدِ الله بن جُدْعَانَ أَحَدٍ أَشْرَافِ قُرَيْشٍ، وَيُشَابِهُ هَذَا الْخَلْفُ جَمْعِيَّةَ أَخْلَاقٍ حَمِيدَةٍ فَاضِلَةٍ.

وَكَانَ مُحَمَّدٌ قَدْ حَضَرَ إِنْشَاءَ هَذَا الْحِلْفِ أَوْ هَذِهِ الْجُمْعِيَّةِ الْأَخْلَاقِيَّةِ، وَكَانَ يُشِيدُ بِهِ فِي الْإِسْلَامِ، قَائِلًا: "لَقَدْ شَهِدْتُ فِي دَارِ عَبْدِ اللهِ بْنِ جُدْعَانَ حِلْفًا لَوْ دُعِيتُ إِلَيْهِ فِي الْإِسْلَامِ لَأَجَبْتُ، وَالْهُدَفُ مِنْ ذَلِكَ الْخَلْفِ أَنْ يُنَاصِرُوا كُلَّ مَظْلُومٍ، وَأَنْ يَقُومُوا (1/99)

صفحة 97

المسيرة النبوية.

بِإِعَانَةِ مَنْ لَهُ حَقٌّ عَلَى الْحُصُولِ عَلَى حَقِّهِ، وَهَكَذَا دَخَلَ مُحَمَّدٌ فِي أَمْرِ اجْتِمَاعِيٌّ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُعِينَهُ وَيُبَيِّنَهُ فِي تَأْدِيَةِ رِسَالَتِهِ الْإِسْلَامِيَّةِ فِيمَا بَعْدُ، لِأَنَّهُ يُعَرِّفُهُ عَلَى جَوَانِبَ اجْتِمَاعِيَّةٍ مُهِمَّةٍ يَتَعَامَلُ بِهَا النَّاسُ فِي حَيَاتِهِمْ بَيْنَ الْقَوِيُّ وَالضَّعِيفِ، وَبَيْنَ الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ، وَبَيْنَ

الْغَرِيبِ وَالْمُوَاطِنِ.

-9

الْأُمِّيَّةُ

أَثْبَتَتِ الْأَيَّامُ فِي عَهْدِ الرِّسَالَةِ وَبَعْدَهَا أَنَّ الْأُميّةَ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا مُحَمَّدٌ مِنَ الْأَهَمِّيَّةِ بِمَكانٍ، بَلْ كَانَتْ ضَرُورِيَّةٌ لِلنُّبُوَّةِ، نَظَرًا لِمَا جُوبِهَ بِهِ مِنِ انْهَامٍ بِانْتِحَالِ الْقُرْآنِ مِنْ قَوْمِهِ وَمِنْ غَيْرِهِمْ، وَلَا يَزَالُ الإِنْهامُ يُنَارُ حَتَّى يَوْمِنَا هَذَا مِنْ قِبَلِ الْمُسْتَشْرِقِينَ، وَلَعَلَّهُ حَتَّى مِنْ قِبَلِ المُسْتَغْرِبِينَ مِنْ أَبْنَاءِ الْإِسْلَامِ، وَلَا يَزَالُ الْقَوْلُ بِبَشَرِيَّةِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ مُتَوَاصِلا، لِذَلِكَ كَانَتِ الْأُمَيَّةُ مِنَ الصَّفَاتِ الحَمِيدَةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مُحَمَّدٍ، وَهِيَ مَعَ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ مِنْ مُعْجِزَاتِهِ الخَالِدَةِ، لِأَنَّ الَّذِي لَا يَقْرَأُ وَلَا يَكْتُبُ أَنِّي لَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ المُعْجِزِ فِي لَفْظِهِ وَمَعْنَاهُ، حَتَّى عَنْ إِعْجَازِهِ لَا يَزَالُ يَتَجَلَّى يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ فِي هَذَا الْوُجُودِ عَلَى جَميعِ الْأَشْكَالِ وَالصُّوَرِ بِمَا يُكَذِّبُ قَوْلَ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْقُرْآنَ لَيْسَ مِنْ عِنْدِ الله، وَأَكَّدَ الْقُرْآنُ هَذِهِ الْحَقِيقَةَ بِقَوْلِهِ: الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَتِ وَيُحَرِّمُ

48

عَلَيْهِمُ الْخَبيثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ (1)

1) سُورَةُ الْعَنْكَبُوتِ الْآيَةُ: 48. (1/100)

صفحة 98

السيرة النبوية.

وَيَقُولُ: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِرَ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَةِ وَالإنجيل يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَنهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبيثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَعْلَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فالذين امنوا ووَعَذَرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِى أُنزِلَ مَعَهُ أُولَيكَ هُمُ

157

پsے

الْمُفْلِحُونَ (1).

10 - التعبدُ:

عَصَمَ اللهُ مُحَمَّدًا مِنْ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ وَالاِقْتِرَابِ مِنْهَا بِأَيِّ نَوْعِ مِنْ أَنْوَاعِ الْقُرُبَاتِ وَالْعِبَادَاتِ، حَيْثُ يَقُولُ فِي نَفْسِهِ: " وَالله مَا دَنَوْتُ مِنَ الْأَصْنَامِ شَيْئًا حَتَّى أَكْرَمَنِي اللهُ بالنُّبُوَّةِ " (2)، وَنَتِيجَةٌ لِذَلِكَ أَهْمَهُ اللهُ التَّوَجُهَ إِلَيْهِ بِالْعِبَادَةِ، وَحَبَّبَ إِلَيْهِ الْخَلْوَةَ، حَيْثُ كَانَ يَحْتِلِي فِي غَارِ حِرَاءٍ لِلتَّأَقُلِ فِي خَلْقِ الله تَعَالَى وَالتَّفَكْرِ فِي بَدِيعِ صُنْعِهِ، وَقَدْ أَتَاحَ لَهُ ذَلِكَ صَفَاءً فِي النَّفْسِ، وَتَهْدِيبًا لِلرُّوحِ وَاسْتِعْدَادًا قَلْبِيًّا، كَمَا أَتَاحَ لَهُ الْابْتِعَادَ عَنْ حَيَاةِ مَكَّةَ الصَّاحِبَةِ بِالجَاهِلِيَّةِ وَاللهْوِ وَالْعَبَثِ، فَكَانَ ذَلِكَ بِمَثَابَةِ تَرْبِيَةٍ خَاصَّةٍ لِتَلَقِّي الْوَحْيِ

وَتَحمُّل الرِّسَالَةِ.

(1) سُورَةُ الْأَعْرَافِ الْآيَةُ: 157.

(2) مِنْ حَدِيثٍ أَخْرَجَهُ الْإِمَامُ الرَّبِيعُ. (1/101)

صفحة 99

11 - الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ:

السيرة النبوية.

كَانَ يَرَى الرُّؤْيَا تَأْتِيهِ في المنام بِمَا كَانَ يُثِيرُ قَلَقَهُ، بَلْ وَيُثِيرُ الاِضْطِرَابَ النَّفْسِي لَدَيْهِ، وَذَلِكَ شَأْنُ كُلِّ أَمْرٍ عَظِيمٍ يَنتَظِرُ الْإِنْسَانَ، وَيَنْتَظِرُهُ الْإِنْسَانُ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ مَنصِبَ النُّبُوَّةِ يَحْتَاجُ إِلَى شَيْءٍ مِنَ النَّهْيِئَةِ النَّفْسِيَّةِ وَالْقَلْبِيَّةِ، فَكَانَتِ الرُّؤْيَا الَّتِي كَانَ يَرَاهَا تُبَشِّرُ بِمُسْتَقْبَلِ غَيْرِ مَعْرُوفٍ مَا هُوَ شَكْلُهُ وَمَا هِيَ صُورَتُهُ، وَلَكِنَّهُ يُثِيرُ إِحْسَاسًا بِأَنَّ أَمْرًا مَا سَوْفَ يَكُونُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِهِ، وَصَدَقَ اللهُ إِذْ يَقُولُ: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِى مَا الْكِتَبُ وَلَا الإيمنُ وَلَكِن جَعَلْتَهُ نُورًا نَهْدِى بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ

عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِى إِلَى صِرَط مُسْتَقِيمٍ) (1).

1) سُورَةُ الْأَعْرَافِ الْآيَةُ: 157. (1/102)

صفحة 100

السيرة النبوية.

الْوَحْيُ وَبِدَايَةُ الرِّسَالَةِ

بَيْنَما كَانَ مُحَمَّدٌ مُختلِيَا فِي غَارِ حِرَاءٍ يَعْبُدُ رَبَّهُ بِمَا أَهَمَهُ مِنْ خُصُوصِيَّةٍ تَعَبدِيَّةٍ وَلَعَلَّهَا

كَانَتْ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَكَانَ الطَّقْسُ صَيْفًا، وَالزَّمَنُ رَمَضَانَا، جَاءَتِ اللَّحْظَةُ الْفَارِقَةُ فِي حَيَاتِهِ، لِتَكُونَ فَارِقَةٌ أَيْضًا فِي حَيَاةِ الْبَشَرِيَّةِ كُلِّهَا، بَلْ جَاءَتْ لَخَظَةُ الحُسْمِ المُصِيرِي لَهُ وَلِلْأُمَّةِ، وَهَذَا هُوَ المُلكُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَنْزِلُ بِوَحْيِ اللهِ تَعَالَى إِلَيْهِ، وَيَنْزِلُ بِالْقُرْآنِ الْعَظِيمِ الَّذِي هُوَ كَلَامُ اللهِ وَخِطَابُهُ قَائِلًا لَهُ: اقْرَأْ، وَبَعْدَ دَهْشَةٍ وَارْتِبَاكِ قَالَ: مَا أَنَا بِقَارِي؟ وَلَيْسَ مَعْنَاهُ المُخَالَفَةَ، وَإِنَّمَا هُوَ اسْتِفْهَامُ عَمَّاذَا يَقْرَأُ، فَغَطَهُ جبْرِيلُ أَي ضَمَّهُ بِقُوَّةٍ وَقَالَ: اقْرَأْ وَيَتَكَرَّرُ الْغَطُ وَالْأَمْرُ بِالْقِرَاءَةِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَفِي الرَّابِعَةِ قَالَ: أَقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإِنسَنَ مِنْ عَلَقٍ) أَمْرًا وَرَبُّكَ الأكرم) الَّذِي عَلَم بِالْقَام ان علم الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَم (1)، فَكَانَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ بِدَايَةَ نُزُولِ عَلَّمَ

الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ (2).

1) سُورَةُ الْعَلَقِ، الْآيَةُ 1 - 5.

(2) هُنَالِكَ اخْتِلَافٌ فِي أَوَّلِ الْقُرْآنِ نُزُولا، فَالْجُمْهُورُ يَرَى أَنَّ الْآيَاتِ الْأُولَى مِنْ سُورَةِ الْعَلَقِ هِيَ أَوَّلُ الْقُرْآنِ نُزُولا، وَالْبَعْضُ يَقُولُ إِنَّ سُورَةَ الْفَاتِحَةِ هِيَ أَوَّلُ الْقُرْآنِ الْكَرِيم نُزُولًا، وَأَرَجُعُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أطفيش أَنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ هِيَ أَوَّلُ الْقُرْآنِ نُزُولا، وَسُورَةُ الْفَاتِحَةِ أَوَّلُ الْقُرْآنِ نُزُولًا بَعْدَ فَتْرَةِ انْقِطَاعِ الْوَحْيِ وَهِيَ الثلاث السنوات المعروفة. (1/103)

صفحة 101

السيرة النبوية.

وَكَانَ ذَلِكَ فِي 17 مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَيُوَافِقُهُ 6 أَعُسْطُسَ لِسَنَةِ 610 م، وَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا تَشْرِيفٌ لِأُمَّةِ الْإِسْلَامِ وَمِنْ هُنَاكَ كَانَ الْإِسْلَامُ دِينَ الْعِلْمِ، وَالْقِرَاءَةُ مِفْتَاحَه، وَالْقَلْمُ وَسِيلَتَهُ.

وَبَعْدَ الْجِلَاءِ الْوَحْيِ، أَصْبَحَ مُحَمَّدٌ مُنذُ تِلْكَ اللَّحْظَةِ نَبِيًّا وَرَسُولًا مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَرَجَعَ إلى مَنْزِلَهِ وَهُوَ يَرْجِفُ مِنْ هَوْلِ مَا شَاهَدَ، وَشِدَّةِ مَا رَأَى، وَقَالَ لِزَوْجَتِهِ السَّيِّدَةِ خَدِيجَةَ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِ، أَيْ لَفُونِ، لِذَلِكَ خَاطَبَهُ رَبُّهُ: يَا أَيُّهَا

المزمل.

وَكَانَ لِخَدِيجَةَ ابْنُ عَمَّ، كَبِرَ سِنهُ، وَعَمِيَ بَصَرُهُ، وَرَجَحَ عَقْلُهُ، وَطَالَتْ خِبْرَتُهُ، وَقَوِيَتْ مَعْرِفَتُهُ، يُقَالُ لَهُ: وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلِ، فَسَارَتْ إِلَيْهِ خَدِيجَةُ لِتُخْبِرَهُ عَمَّا جَرَى لِزَوْجِهَا مُحَمَّدٍ وَمَا حَدَثَ لَهُ، لِكَيْ تَتَعَرَّفَ مِنْهُ مِنْ تَحْلِيلٍ مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَةِ، غَيْرَ أَنَّ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلٍ وَهُوَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ الاِسْتِغْرَابِ فِي الْأَمْرِ، أَحَبَّ أَنْ يَسْمَعَ الْقِصَّةَ مِنْ مُحَمَّدٍ نَفْسِهِ، فَذَهَبَ إِلَيْهِ مُحَمَّدٌ وَأَخْبَرَهُ الخَبَرَ الْيَقِينَ، فَأَكَّدَ لَهُ وَرَقَهُ مِمَّا عَرَفَهُ مِنْ اسْتِقْرَاءِ شَأْنِ النُّبُوَّاتِ وَالْأَنْبِيَاءِ، أَنَّ هَذَا أَمْرٌ رَبَّانِي وَبَشِّرَهُ بِالنُّبُوَّةِ، لأَنْ وَرَقَةَ أَحَدُ الْأَرْبَعَةِ الْعَرَبِ المُتَحَنِّفِينَ الَّذِينَ كَانُوا عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَهُم: وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ، وَزَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلِ، وَقُسُّ بْنُ سَاعِدَةَ الْإِيَادِيُّ، وَعَامِرُ بْنُ الظَّرِبِ الْعَدَوِيُّ، الَّذِينَ يُقَالُ (1/104)

صفحة 102

السيرة النبوية -

فِيهِمْ إِنَّ النُّبُوَّةَ أَدْرَكَتْهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ (1)، أَي أَنَّهُ بُعِثَ مُحَمَّدٌ بِالنُّبُوَّةِ وَهُمْ عَلَى

الْإِسْلَامِ الَّذِي هُوَ دِينُ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلَامُ.

فَعَلَى هَذَا أَنَّ مَا قِيلَ مِنْ كَوْنِ وَرَفَةَ بْنِ نَوْفَلٍ عَلَى دِينِ النَّصْرَانِيَّةِ غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّهُ مِنْ غَيْرِ الْمُمْكِن أَنْ تَرْضَى قُرَيْضٌ أَنْ يَعِيشَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهَا مَنْ يَعْتَنِقُ النَّصْرَانِيَّةَ أَوِ

الْيَهُودِيَّة.

(1) السَّامِيُّ، عَبْدُ اللَّهَ بْنُ حُمَيْدٍ، شَرْحُ الْمُسْنَدِ، ج 1، ص 107. (1/105)

صفحة 103

السيرة النبوية.

بِدَايَةُ انْتِشَارِ الْإِسْلَامِ

كَانَ أَوَّلُ مَنْ آمَنَ بِالْإِسْلَامِ وَدَخَلَ فِيهِ خَدِيجَةَ بِنْتَ خُوَيْلِدٍ زَوْجَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بَعْدَ أَنْ

سَمِعَتْ مَا سَمِعَتْ مِنْ زَوْجِهَا مُحَمَّدٍ وَمِن ابْنِ عَمَّهَا وَرَفَةَ بْنِ نَوْفَلِ، وَعَلِمَتْ صِدْقَ النُّبُوَّةِ فَكَانَتْ أَوَّلَ مُؤْمِنٍ بِالْإِسْلَامِ بَعْدَ نَبِيٍّ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ آمَنَ بِالْإِسْلَامِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، ابْنُ عَمَّ النَّبِيِّ، وَهُوَ غُلَامٌ صَغِيرُ يَعِيشُ فِي بَيْتِ مُحَمَّدٍ وَخَدِيجَةَ، وَبَعْدَ ذَلِكَ كَانَ شَرَفُ الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ لِزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ وَ الَّذِي كَانَ يُقَالُ لَهُ زَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ لِانْتِسَابِهِ إِلَى مُحَمَّدٍ بِالتَّبَنِّي قَبْلَ تَحْرِيمِهِ، ثُمَّ دَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ صَدِيقُ النَّبِيِّ وَصِدِّيقُهُ أَبو بَكْرٍ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ، وَلَا شَكٍّ أَنَّ هَذَا الإِنْتِشَارَ الْمُحْدُودَ لِلْإِسْلَامِ كَان يُشَكِّلُ ظَاهِرَةٌ فَرْدِيَّةٌ. ثُمَّ اسْتَطَاعَ أَبُو بَكْرٍ أَنْ يُؤَثْرَ فِي رِجَالٍ مِنْ قُرَيْشٍ وَيُقْنِعَهُمْ بِالدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ، فَاعْتَنَقَ الدِّينَ الجَدِيدَ أناس مِثْلُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَالزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَطَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، وَهَؤُلَاءِ بِدَوْرِهِمْ قَامُوا بِإِقْنَاعِ آخَرِينَ عَلَى اعْتِنَاقِ الْإِسْلَامِ مِمَّا جَعَلَ الْإِسْلَامَ يَنْتَقِلُ مِنْ حَالَةٍ فَرْدِيَّةٍ - إِنْ صَحَ

التَّعْبِيرُ - إِلَى حَالَةٍ جَمَاعِيَّةٍ وَبِذَلِكَ أَصْبَحَ يُشَكِّلُ ظَاهِرَةٌ اجْتِمَاعِيَّةٌ فِي مَكَّةَ. (1/106)

صفحة 104

السيرة النبوية.

الْإِعْلَانُ الْإِسْلَامِي

بَعْدَ أَنْ مَضَى عَلَى الْبَعْثَةِ ثَلَاثُ سِنِينَ كَانَتِ الدَّعْوَةُ إِلَى الْإِسْلَامِ فِيهَا فِي غَايَةِ السِّرِّيَّةِ وَالْكِثْمَانِ، أَمَرَ اللهُ عَبْدَهُ وَرَسُولَهُ أَنْ يُعْلِنَ الْإِسْلَامَ جَهَارًا نَهَارًا قَائِلًا لَهُ:

فَأَصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (1).

فَخَرَجَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ذَاتَ صَبَاحٍ، وَصَعِدَ عَلَى جَبَلِ الصَّفَا وَنَادَى بِصَوْتٍ عَالِ: " يَا صَبَاحَاهُ وَهَذِهِ الصَّيْحَةُ هِيَ صَيْحَةُ اسْتِغَاثَةٍ عَلَى أَمْرٍ خَطِيرٍ دَاهِم لَا سِيَّمَا عِنْدَ إِغَارَةِ الْأَعْدَاءِ عَلَى بَلَدٍ أَوْ عَلَى قَبِيلَةٍ، لِذَلِكَ عِنْدَمَا سَمِعَتْ قُرَيْس ذَلِكَ الصَّوْتَ الاِسْتِغَائِيَّ مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لَمْ تَتَأَخَّرْ عَنْ الاِسْتِجَابَةِ وَالمُبَادَرَةِ، فَاجْتَمَعُوا إِلَيهِ وَأَحَاطُوا بِهِ مُلَبِّينَ دَعْوَتَهُ، وَهُنَاكَ اسْتَعْمَلَ الرَّسُولُ التَّدَرُّج المنطقِيَّ فِي أُسْلُوبِ الْكَلَامِ وَالإِسْتِفْهَامَ لِكَيْ يُلْزِمَهُمُ الحُجَّةَ بِالنَّتِيجَةِ، قَائِلًا هُمْ: يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، يَا بَنِي فِهْرٍ، يَا بَنِي كَعْبٍ، أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا بِسَفْحِ هَذَا الْجُبَلِ تُرِيدُ أَنْ تُغِيرَ عَلَيْكُمْ، صَدَّقْتُمُونِي؟ قَالُوا: نَعَمْ، إِذَنْ هَذِهِ هِيَ النَّتِيجَةُ المُنْطِقِيَّةُ المُلْزِمَةُ لِلْحُجَّةِ، وَهُنَالِكَ أَعْلَنَ مُحَمَّدٌ بَعْتَهُ النَّبوِيَّةَ قَائِلًا هُمْ: فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ، وَسَكَتَ الْقَوْمُ مَنْهُورِينَ لَا يُحِيرُونَ كَلَامًا، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ عَمِّهِ أَي هَبِ الَّذِي بَادَرَهُ بِالْقَوْلِ: «تَبالَكَ

سَائِرَ الْيَوْمِ أَهِذَا جَمَعْتَنَا؟».

1) سُورَةُ الحِجْرِ، الآية: 94. (1/107)

صفحة 105

السيرة النبوية.

وَهَكَذَا كَانَ الْإِعْلَانُ الْإِسْلَامِيُّ عَلَى جَبَلِ الصَّفَا بِدَايَةَ انْطِلَاقِ الدَّعْوَةِ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَانْتَقَلَ بَعْدَهَا الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم إِلَى إِنْكَارِ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ الَّتِي كَانَتْ آلِهَةٌ لِقُرَيْشٍ، يَعْبُدُونَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَأَخَذَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَعِيبُهَا عَلَيْهِمْ، لِيَحْمِلَهُمْ عَلَى عَقِيدَةِ الْإِسْلَام الصَّحِيحَةِ، وَلَكِنَّهُمْ بَدَلًا مِنْ أَنْ يَسْتَجِيبُوا اللَّهَ وَلِلرَّسُولِ، إِذَا هُمْ يُشَعُرُونَ لَهُ عن سَاعِدِ الْعَدَاوَةِ، وَيَكْشِفُونَ عَنْ سَاقِ الْإِيذَاءِ، وَأَوْغَلُوا أَوْ بَالَغُوا فِي عَدَاوَةِ مُحَمَّدٍ وَالْإِسْلَامِ وَالمُسْلِمِينَ، وَتَفَنَّنُوا فِي تَعْذِيبِ أَتْبَاعِهِ، كُلُّ بِحَسَبِ وَضْعِهِ

الاجتماعي.

التَّعْذِيبُ وَالْإِيذَاءُ

تَفَنَّنَ المُشْرِكُونَ فِي تَعْذِيبِ المُؤْمِنِينَ لِكَيْ يَرُدُّوهُمْ عَنْ دِينِهِمُ الَّذِي آمَنُوا بِهِ وَاعْتَتَقُوهُ، وَنَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ نَوْعًا مِنَ الْعَذَابِ، وَقَدْ تَوَلَّى تَعْذِيبَ كُلِّ فَرْدِ مِنَ المُسْلِمِينَ أَهْلُهُ وَأَقَارِبُهُ، وَلَكِنَّ الْإِيمَانَ خَالَطَ قُلُوبَهُمْ وَاسْتَوْلَى عَلَى مُهَجِهِمْ فَكَانُوا عَلَى اسْتِعْدَادٍ بِالتَّضْحِيَّةِ بِحَيَاتِهِمْ مِنْ أَجْلِهِ وَالتَّمَسُّكِ بِهِ، وَأَظْهَرُوا فِي ذَلِكَ صُوَرًا خَالِدَةٌ مِنَ الثَّبَاتِ عَلَى الْمُبْدَأ، صَارُوا بِهَا قُدْوَةً وَمَثَلًا يُحْتَذَى فِي الصَّيْرِ عَلَى الشَّدَائِدِ، وَقَدْ مُورِس ضِدَّهُمْ أَنْوَاعٌ مِنَ الْعَذَابِ تَقْشَعِرُّ مِنْ بَعْضِ صُنُوفِهِ الْأَبْدَانُ، فَهُنَاكَ مَنْ يُوضَعُ تَحْتَ الشَّمْسِ الْحَارِقَةِ وَيُبْطَحُ فَوْقَ الرَّمْضَاءِ المُلْتَهِبَةِ، وَهُنَالِكَ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ تَحتَ طَائِلَةِ الْعَذَابِ، وَتَحَمَّلَ شَرَفَ التَّضْحِيَةِ وَالثَّبَاتِ أَسْمَاءٌ عَدِيدَةٌ مِثْلُ: يَاسِرٍ وَسُمَيَّةَ وَعَمَّارٍ وَبِلَالٍ وَصُهَيْبٍ وَخَبَّابٍ، وَمُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَاصِ، وَأَبِي بَكْرٍ (1/108)

صفحة 106

السيرة النبوية.

وَغَيْرِهِمْ، فَمَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الْأَوَائِلِ إِلَّا وَقَدْ نَالَهُ مِنَ الْعَذَابِ أَلْوَانُ، وَلَكِنَّهُمْ

جَاهَدُوا وَصَبَرُوا، حِينَ أُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُ الله.

تَعَرُّضُ الرَّسُولِ لِلْأَذَى

هَنَالِكَ رِوَايَاتٌ تَحْمِلُ شَيْئًا مِنَ الْمُبَالَغَاتِ فِي تَعَرُّضِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لِلْأَذَى مِنْ قِبَلِ أَشْخَاصِ مِنْ قُرَيْشٍ، كَالْأَذَى بِالْقَوْلِ وَالْأَذَى بِالْفِعْلِ. أَمَّا الْأَذَى بالْقَوْلِ فِي حَقِّهِ فَلَا يُنْكَرُ وُقُوعُهُ، وَقَدْ أَشَارَ الْقُرْآنُ إِلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، كاتهامِهِ بِالجُنُونِ مِنْ قِبَلِ أُولَئِكَ الْقَوْمِ، وَانّهَامِهِ بِالسِّحْرِ وَالْكَذِبِ وَالْكِهَانَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَقَالُوا يَأَيُّهَا الَّذِي نُزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (1)، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وعبوا أن جَاءَهُم مُنذِرٌ مِّنْهُمْ وَقَالَ الْكَفِرُونَ هَذَا سَحِرٌ كَذَابُ) (2)، وَيَقُولُ: فَإِن كَذَبُوكَ فَقَدْ كُذِبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ جَاءُ و بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَبِ الْمُنِيرِ (3)،

1) سُورَةُ الْحِجْرِ، الْآيَةُ: 6.

2) سُورَةُ ص، الآية: 4.

سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ، الْآيَةُ: 184. (1/109)

صفحة 107

السيرة النبوية.

وَقَوْلِهِ: أَلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَابُ (1)، وَقَوْلِهِ: فَذَكَرْ فَمَا أَنتَ

بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنِ وَلَا مَجْنُونِ

B(A)

وَغَيْرِهَا مِنَ الْآيَاتِ الَّتِي تَحْكِي عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَصِفُونَ بِهِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم مِنْ صِفَاتٍ غَيْرِ لَائِقَةٍ فِي حَقِّهِ، وَمَا حَمَلَهُمْ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا الْحَسَدُ وَالْغَيْرَةُ عَلَى مَا اخْتَصَّهُ اللَّهُ بِهِ مِن اصْطِفَاء وَنُبُوَّة

وَحَاوَلُوا جَهْدَهُمْ فِي إِيقَافِ دَعْوَتِهِ، وَمَا رَأَوْا امْتِدَادَ الْإِسْلَامِ فِي النَّاسِ، وَمَا كَانَ يَقُومُ بِهِ مُحَمَّدٌ مِنْ نَقْدِ لَاذِعِ لَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ وَالشِّرْكِ بِاللَّهِ، ذَهَبُوا إِلَى عَمِّهِ أَبِي طَالِبِ الَّذِي كَانَ يَحْنُو عَلَيْهِ، وَيَعْطِفُ عَلَيْهِ، طَالِبِينَ مِنْهُ نُصْحَ ابْنِ أَخِيهِ بِالْكَفِّ عَنْ سَبِّ آبَائِهِمْ وَتَسْفِيهِ أَحْلَامِهِمْ وَعَيْبِ آهِتِهِمْ كَمَا يَقُولُونَ، وَإِمَّا أَنْ يُسَلَّمَهُ إِلَيْهِمْ، غَيْرَ أَنَّ أَبَا طَالِب أَجَابَهُمْ بِرِفْقٍ وَأَنَاةٍ قَائِلًا هُمُ الْجَمِيلَ، ثُمَّ اسْتَدْعَى أَبُو طَالِبٍ مُحَمَّدًا نَاقِلًا إِلَيْهِ مَا جَاءَ مِنْ أَجْلِهِ أَكَابِرُ قُرَيْشٍ، وَطَالِبًا مِنْهُ التَّخَلِّيَ عَمَّا هُوَ فِيهِ أَوِ الْكَفَّ عَنْ نَشَاطِهِ الدَّعَوِيٌّ عَلَى الْأَفَل، فَمَا كَانَ مِنْ مُحَمَّدِ إِلَّا أَنْ قَالَ قَوْلَتَهُ الْخَالِدَةَ: " وَالله يَا عَمُ لَوْ وَضَعُوا الشَّمْسَ عَنْ يَمِينِي وَالْقَمَرَ عَنْ يَسَارِي عَلَى أَنْ أَتْرُكَ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى يُظْهِرَهُ اللَّهُ أَوْ أَهْلِكَ دُونَهُ مَا تَرَكْتُهُ".

(1) سُورَةُ الْقَمَرِ الْآيَةُ: 25.

2) سُورَةُ الطُّورِ، الآية: 29. (1/110)

صفحة 108

السيرة النبوية -

عَلَى أَنَّ هَذَا الْمُوْقِفَ الْمُحَمَّدِيَّ الْخَالِدَ هُوَ عُنْوَانُ الثَّبَاتِ عَلَى الْمُبْدَأ، وَعَدَمِ المُسَاوَمَةِ عَلَى الْعَقِيدَةِ وَالْقَنَاعَاتِ الْيَقِينِيةِ، كَمَا أَنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ هِيَ الْكَلِمَةُ الْبَاقِيَةُ لِإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ

السَّلَامُ فِي عَقِبِهِ: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إنَّني براءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ) إِلَّا الَّذِي

(1) ?

فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ) وَجَعَلَهَا كَلِمَةٌ بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (1). وَلَمْ تَقِفْ عَزِيمَتُهُمْ فِي إِسْكَاتِ صَوْتِ الحَقِّ حَتَّى أَرَادُوا إِغْرَاءَهُ بِكُلِّ أَنْوَاعِ الْمُجْدِ

وه

وَالْوَجَاهَةِ، وَالْغِنَى لِكَيْ يَتْرُكَ هَذَا الْأَمْرَ، فَذَهَبَ إِلَيْهِ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ مَنْدُوبًا عَنْ أَكَابِرٍ قُرَيْشٍ، وَلا اجْتَمَعَ بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَعَرَضَ عَلَيْهِ تِلْكَ الْإِغْرَاآتِ الْمَادِّيَّةَ الَّتِي يَتَمَنَّاهَا وَيَتُوقُ إِلَيْهَا أَهْلُ الدُّنْيَا وَالطَّمَعِ فِيهَا، قَرَأَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم سُورَةَ فُصِّلَتْ، وَلا سَمِعَ عُتْبَةُ فَصَاحَةَ الْقُرْآنِ وَبَلاغَتَهُ وَهُوَ الْعَرَبِيُّ الصِّرِيحُ وَالْفَصِيحُ لَمْ يَتَمالَكَ نَفْسَهُ إِلَّا بِالاعْتِمَادِ عَلَى يَدَيْهِ مِنْ خَلْفِهِ، وَرَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ وَقَدْ تَغَيَّرَ، وَجْهُهُ، وَرُبَّا عَقْلُهُ انْدِهَاشًا وَانْبِهَارًا ما سَمِعَ، حَتَّى ظَنَّهُ قَوْمُهُ أَنَّهُ أَسْلَمَ قَائِلِينَ: لَقَدْ عَادَ عُتْبَةُ إِلَيْكُمْ بِوَجْهِ غَيْرِ الَّذِي سَارَ بِهِ، وَلا أَخْبَرَهُمْ بِأَنَّ مَا سَمِعَهُ لَيْسَ شِعْرَ شَاعِرٍ، لأَنَّهُ خَبَرَ الشِعْرَ، وَلَيْسَ بِنَثْرِ نَاثِرِ، وَقَدْ عَرَفَ التَّرَ، وَاقْتَرَحَ عَلَيْهِمْ أَنْ يُخَلُّوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ، إِلَّا أَنهُمْ رَفَضُوا وَاتَّهمُوهُ بِالتَّأثر بِمَا سَمِعَ مِنْ مُحَمَّدٍ، قَائِلِينَ لَهُ: لَقَدْ سَحَرَكَ مُحَمَّدٌ، ثُمَّ اتَّفَقُوا عَلَى أَنْ يَصِفُوهُ بِالسِّحْرِ بِنَاءً عَلَى رَأْيِ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْمُخْزُومِي.

(1) سُورَةُ الزُّخْرُفِ الْآيَاتُ: 26 - 28. (1/111)

صفحة 109

السيرة النبوية.

عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الْإِيدَاءَ الْقَوْلِيَّ فِي حَقٌّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَوَصْفَهُ بِتِلْكَ الصَّفَاتِ مِنَ الْكَذِبِ وَالْجُنُونِ وَالسِّحْرِ، لَيْسَ بِالضَّرُورَةِ أَنْ يَكُونَ فِي حَضْرَتِهِ، بَلْ رُبَّمَا كَانَ فِي غَيْبَتِهِ،

وَقَصْدُهُمْ فِي ذَلِكَ تَنْفِيرُ النَّاسِ حَتَّى لَا يَتَأَنَّرُوا بِدَعْوَتِهِ. أَمَّا الْإِيذَاءُ بِالْفِعْلِ فِي حَقِّهِ، فَلَا نَظُنَّ أَنَّ هُنَاكَ يَدًا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَتَدَّ إِلَيْهِ، وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ سَادَةٌ قُرَيْشٍ، وَأَشْرَافُهَا، وَهُمْ فِي حَلَّ الذَّرْوَةِ مِنْهَا مَكَانَةٌ اجْتِمَاعِيَّةٌ فَأَيُّ رَجُلٍ ذَلِكَ الَّذِي يَسْتَطِيعُ أَنْ يُؤْذِيَهُ بِالْفِعْلِ؟ وَإِذَا كَانَ أُولَئِكَ المُسْلِمُونَ الَّذِينَ تَعَرَّضُوا لِلْأَذَى وَالتَّعْذِيبِ إِنَّمَا تَعَرَّضُوا لَهُ مِنْ قِبَلِ أَهْلِهِمْ وَأَقَارِيهِمْ وَمَوَالِيهِمْ، وَلَمْ يَجْرُؤُ أَحَدٌ مِنْ قَبِيلَةٍ مَا أَنْ يَنَالَ أَحَدًا مِنْ قَبِيلَةٍ أُخْرَى بِالْأَذَى وَالتَّعْذِيبِ لِوُجُودِ الحَمِيَّةِ وَالْعَصَبِيَّةِ الْقَبَلِيَّةِ

فيهم.

وَالْقَوْلُ بِأَنَّ عُقْبَةَ بْنَ أَبِي مَعِيطٍ أَلْقَى سَلَا الْجُزُورِ عليه عِنْدَمَا رَأَىهُ سَاجِدًا بِجِوَارِ الْكَعْبَةِ، فَإِنَّ عُقْبَةَ أَذَلُّ وَأَحْقَرُ مِنْ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ بِالنَّبِيِّ، وذلك لِشَجَاعَتِهِ صلى الله عليه وسلم أَوَّلًا وَلِأَنَّهُ مُخاط بِأَعْمَامِهِ، وَبَنِي أَعْمَامِهِ، ثَانِيَا فَهُمْ كَانُوا يَحْمُونَهُ وَيَعْطِفُونَ عَلَيْهِ وَذَلِكَ عَمُّهُ حِينَ أَبْلغَ أَنَّ أَبَا جَهْلِ تَلَفَّظَ بِكَلَامٍ غَيْرِ لَائِي فِي حَقٌّ مُحَمَّدٍ ضَرَبَهُ عَلَى رَأْسِهِ فَشَجَّهُ قَائِلًا لَهُ: أَتَسْتُمُهُ وَأَنَا عَلَى دِينِهِ؟ وَمِنْ ذَلِكَ الْحِينِ اعْتَنَقَ حَمْزَةُ الْإِسْلَامَ غَيْرَةً وَحَمِيَّةٌ لِابْنِ

أَخِيهِ، ثُمَّ صَارَ الْأَمْرُ بَعْدَ ذَلِكَ اللَّهَ، وَأَصْبَحَ حَمْزَةُ أَسَدَ اللَّهُ وَأَسَدَ رَسُولِهِ.

112 (1/112)

صفحة 110

السيرة النبوية.

عَلَى أَنَّ الْقَوْلَ بِتَعَرُّضِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لِلْأَذَى الْفِعْلِيِّ وَالتَّصْدِيقَ بِهِ، هُوَ إِمَانَةٌ لِقَامِهِ،

وَاحْتِفَارُ لِشَخْصِهِ، وَلَعَلَّ هُنَالِكَ مَنْ يُرِيدُ تَحْقِيرَ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَبَنِي هَاشِمٍ وَرَمْيَهُمْ

بِالضَّعْفِ.

دَارُ الْأَرْقَمِ

كَانَ مَنْزِلُ الْأَرْقَمِ بْنِ أَبِي الْأَرْقَمِ قَرِيبًا مِنْ جَبَلِ الصَّفَا وَهُوَ الْمُنْزِلُ الَّذِي كَانَ فِيهِ الرَّسُولُ يَلْتَقِي فِيهِ بِأَصْحَابِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ الْأَوَّلِينَ بَعِيدًا عَنْ أَعْيُنِ النَّاسِ، لِيُعَلِّمَهُمْ أَمْرَ الدِّينِ وَيَتْلُو عَلَيْهِمْ مَا يُوحَى إِلَيْهِ مِنْ كَلَامِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَهُوَ بِهَذَا يُعْتَبَرُ أَوَّلَ مَدْرَسَةٍ في تاريخ الْإِسْلَامِ وَمِنْ ذَلِكَ المُنْزِلِ المُتَوَاضِعِ أَخَذَتْ تَنْطَلِقُ الدَّعْوَةُ المُحَمَّدِيَّةُ نَاطِقَةٌ بِالتَّوْحِيدِ الْخالِص، وَهُنَاكَ كَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يُكَرِّسُ الْعَقِيدَةَ الصَّحِيحَةَ فِي عُقُولِ أَصْحَابِهِ السَّابِقِينَ فِي الْإِسْلَامِ. وَقَدْ شَهِدَتْ مَدْرَسَةُ دَارِ الْأَرْقَمِ بْنِ أَبِي الْأَرْقَمِ حَدَنَّا مِنْ أَهَمَّ أَحْدَاثِ الْإِسْلَامِ كَانَتْ لَهُ نَتَائِجُهُ الطَّيِّبةُ فِيمَا بَعْدُ، أَلَا وَهُوَ إِعْلَانُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَابِ إِسْلَامَهُ فِيهَا، فَأَعَزَّ اللهُ بِهِ الْإِسْلَامَ، وَأَعَزَّهُ بِالْإِسْلَام نَظَرًا لِمَكَانَتِهِ، وَكَانَ الرَّسُولُ يَتَمَنَّى إِسْلَامَهُ لِكَيْ يُعِزَّ بِهِ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِينَ، لِذَلِكَ كَبَّرَ الرَّسُولُ وَكَبَّرَ مَعَهُ المُسْلِمُونَ حِينَمَا أَعْلَنَ إِسْلَامَهُ، وَكَانَ قَدْ سَبَقَهُ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ إِلَى الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ كَمَا قَدَّمْنَا، وَعَزَّ الْإِسْلَامُ وَالمُسْلِمُونَ بِهَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ، لِأَنَّهَا مِنْ أَكَابِرِ قُرَيْشٍ، وَفُرْسَانِهَا وَشُجْعَانِهَا، وَكَانَ عُمَرُ ذَهَبَ ذَاتَ يَوْمٍ يَسْأَلُ عَنِ النَّبِيِّ مُهَدِّدًا مُتَوَعْدًا حَتَّى لَقِيَهُ شَخْصٌ مِنَ الْأَشْخَاصِ فَأَخْبَرَهُ أَنَّ الْإِسْلَامَ وَصَلَ إِلَى بَيْتِهِ، وَعِنْدَمَا سَأَلَ عُمَرُ ذَلِكَ الرَّجُلَ عَنْ كَيْفِيَّةِ ذَلِكَ (1/113)

صفحة 111

السيرة النبوية

أَخْبَرَهُ بِأَنَّ أُخْتَهُ فَاطِمَةَ بِنْتَ الْخَطَّابِ وَزَوْجَهَا سَعِيدَ بَنْ زَيْدٍ قَدْ دَخَلَا فِي الْإِسْلَامِ، فَانْزَعَجَ عُمَرُ مِنْ ذَلِكَ انْزِعَابًا شَدِيدًا، وَصَرَفَ وِجْهَتَهُ إِلَى بَيْتِ أُخْتِهِ، وَدَخَلَ عَلَيْهَا غَاضِبًا ثَائِرًا يَسْأَلُ عَنْ جَلِيَّةِ الْأَمْرِ وَحَقِيقَتِهِ، وَدَارَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أُخْتِهِ كَلَامٌ عَنِيفٌ حَتَّى بَطَشَ بِهَا بَطْشًا أَنَّرَ فِي بَعْضِ أَجْزَاءِ جِسْمِهَا، وَلَكِنَّهُ أَدْرَكَتْهُ الرِّقَةُ لَهَا، وَطَلَبَ مِنْهَا أَنْ تُرِيَهُ مَا كَانَتْ تَقْرَأَهُ هِيَ وَزَوْجُهَا، فَأَرَتْهُ سُورَةَ "طَهَ"، فَلَمَّا قَرَأَهَا وَتَأَمَّلَهَا تَأَثَرَ بِذَلِكَ، وَهُنَالِكَ رَغِبَ فِي الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَام وَسَأَلَ عَنِ الرَّسُولِ، فَأَخْبَرَهُ خَبَّابُ بْنُ الْأَرَتْ الَّذِي كَانَ مَوْجُودًا عِنْدَهُمَا يُقْرِتُهُمَا الْقُرْآنَ أَنَّهُ فِي دَارِ الْأَرْقَمِ بْنِ أَبِي الْأَرْقَمِ فَسَارَ إِلَى هُنَالِكَ فَأَعْلَنَ إِسْلَامَهُ، وَكَانَتْ فَرْحَةُ المُسْلِمِينَ بِهِ كَبِيرَةً، قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: كَانَ إِسْلَامُ عُمَرَ فَتْحًا، وَهِجْرَتُهُ نَصْرًا، وَكَانَتْ إِمَارَتُهُ رَحْمَةً، وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نُصَلِّي فِي الْبَيْتِ حَتَّى أَسْلَمَ عُمَرُ، فَلَمَّا أَسْلَمَ قَاتَلَهُمْ حَتَّى تَرَكُونَا

فَصَلَّيْنَا» (1).

(1) السالمي، شرح المسند، ج 1، ص 26

114 (1/114)

صفحة 112

السيرة النبوية

الهِجْرَةُ إِلَى الْحَبَشَةِ

اشْتَدَّ الْأَذَى عَلَى الْمُسْلِمِينَ تَنْكِيلًا وَتَعْذِيبًا، وَكَانَ الرَّسُولُ فِي وَضْعِ لَا يَسْتَطِيعُ مَنْعَ ذَلِكَ عَنْهُمْ، فَأَمَرَهُمْ بِالهِجْرَةِ إِلَى الْخَبَشَةِ، قَائِلًا هُمْ: إِنَّ بِهَا مَلِكًا لَا يُظْلَمُ عِنْدَهُ أَحَدٌ، وَهِيَ أَرْضُ صِدْقٍ حَتَّى يَجْعَلَ اللَّهُ لَكُمْ تَخَرَجًا لِمَا أَنْتُمْ فِيهِ، وَهَاجَرَ أَوَّلَ الْأَمْرِ عَدَدٌ قَلِيلٌ ثُمَّ تَتَابَعُوا حَتَّى بَلَغُوا ثَلَاثَةٌ وَثَمَانِينَ رَجُلًا، وَمَعَ بَعْضِهِمْ زَوْجَاتُهُمْ كَعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ وَزَوْجَتِهِ رُقَيَّةَ بِنْتِ رَسُولِ اللهِ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ، وَزَوْجَتِهِ أُمّ سَلَمَةَ بِنْتِ أُمَيَّةَ وَأُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ التي أَكْرَمَهَا اللَّهُ فِيمَا بَعْدُ بِتَزَوجِهَا مِنَ النَّبِيِّ

لِأَنَّ زَوْجَهَا عُبَيْدَ اللهِ بْنَ جَحْشٍ تَنَصَّرَ وَمَاتَ عَنْهَا هُنَالِكَ.

وَأَخَذَ بَعْضُهُمْ بِالْعَوْدَةِ إِلَى مَكَّةَ وَإِلَى الْمَدِينَةِ بَعْدَ الْهِجْرَةِ، وَلَعَلَّ آخِرَهُمْ عَوْدَةٌ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَقَدْ عَادَ إِلَى الْمَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ بَعْدَ عَوْدَةِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم مِنْ غَزْوَةِ خَيْبَرَ،

وَقَالَ: وَالله مَا أَدْرِي بِأَيْهَا أَفْرَحُ بِفَتْحِ خَيْبَرَ أمْ بِقُدُومٍ جَعْفَرٍ.

غَيْرَ أَنَّ بَعْدَ هِجْرَةِ المُسْلِمِينَ إِلَى الخَبَشَةِ وَتَجَمْعِهِمْ هُنَالِكَ وَاسْتِقْرَارِهِمْ وَاطْمِثْنَانِهِمْ بِهَا، لَمْ تَتْرُكْهُمْ قُرَيْضٌ وَشَأْتَهُمْ، بَلْ تَعَقَّبُوهُمْ إِلَى هُنَاكَ، مُحَاوِلِينَ التَّأْثِيرَ عَلَى النَّجَاشِيِّ حَاكِمِ الحبشة، لِكَيْ يَرُدَّهُمْ إِلَى قُرَيْشٍ، وَلَا يُتِيحَ هُمُ الْإِقَامَةَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى هَذِهِ الْمُهِمَّةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ، وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، وَبَعْدَ مُحَاوَلَاتٍ مُسْتَمِينَةٍ مِنَ الرَّجُلَيْنِ لِلتَّأْثِيرِ عَلَى النَّجَانِيِّ، لَمْ يُوَافِقُ عَلَى إِخْرَاجِهِمْ وَتَسْلِيمِهِمْ إِلَى قُرَيْشٍ بَعْدَ أَنْ شَرَحَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ له مَعَالِمَ الْإِسْلَامِ وَخُطُوطَهُ الْعَرِيضَةَ، وَقَوْلَ الإسلام في المسيح عَلَيْهِ السَّلَامُ وَأُمِّهِ مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، فَأَدْرَكَ النجاشي (1/115)

صفحة 113

السيرة النبوية.

اتَّفَاقَ الْإِسْلَام وَالمَسِيحِيَّةِ فِي تَوْحِيدِ الله صلى الله عليه وسلم وَأَصْلِ الدِّينِ، وَقَالَ لِلْمَنْدُوبَيْنِ الْقُرَشِيَّيْنِ: لَنْ أَسَلَّمَهُمْ وَارْجِعَا مِنْ حَيْثُ حتما، وَالظَّاهِرُ أَنَّ النَّجَاشِي أَسْلَمَ وَصَارَ مُسْلِما، لِأَنَّهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ نَعَاهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِلَى أَصْحَابِهِ، ثُمَّ صَلَّى بِهِمْ، فَقَدْ جَاءَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم نَعَى النَّجَاثِيَّ

فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، فَخَرَجَ بِهِمْ إِلَى الْمُصَلَّى وَصَفَهُمْ وَكَبَّرَ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ (1). عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ نَقِفَ وَقْفَةٌ تَحْلِيلِيَّةٌ إِزَاءَ هِجْرَةِ المُسْلِمِينَ إِلَى الْحَبَشَةِ، وَذَهَابِ وَفَدْ قُرَيْشٍ إِلَيْهَا بَعْدَ ذَلِكَ، الظَّاهِرُ أَنَّ هُنَاكَ عَلَاقَةَ تَوَاصُلِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالخَبَشَةِ، وَلَعَلَّهَا عَلَاقَةٌ تِجَارِيَّةٌ كَتِلْكَ الَّتِي بَيْنَ مَكَّةَ وَالْيَمَنِ، لِأَنَّ الهِجْرَةَ إِلَيْهَا وَالْإِقَامَةَ بِهَا أَمْرٌ يَحْتَاجُ إِلَى مُقَدِّمَاتٍ مِنَ الْعَلَاقَةِ وَالتَّوَاصُلِ، وَإِلَّا سَتَكُونُ مُغَامَرَةٌ غَيْرَ مَحْسُوبَةٍ، وَكَمَا أَنَّ إِرْسَالَ قُرَيْشٍ وَهُدًا مِنْ قِبَلِهَا، وَقِيَامَ ذَلِكَ الْوَفْدِ بِإِقَامَةِ مُحَادَنَاتٍ مَعَ حَاشِيَةِ المَلِكِ عَلَى وَجْهِ السُّرْعَةِ، مَعَ تَقْدِيم الهَدَايَا المُكَيَّةِ اللَّازِمَةِ وَالْمَعْرُوفَةِ، وَوُصُوهُما أَيْضًا إِلَى الْمَلِكِ بِالسُّرْعَةِ ذَاتِهَا، وَمَعَ مَا تَخَلَّلَ اللَّقَاءَ مَعَ المَلِكِ مِنْ جُرْأَة عَلَى المَناقَشَةِ وَالحِوَارِ وَالطَّلب

دَلِيلٌ عَلَى وُجُودِ عَلَاقَاتٍ وَاتَّصَالَاتٍ سَابِقَةٍ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ.

(1) أَخْرَجَهُ الرَّبِيعُ بْنُ حَبِيبٍ. وهناك قول: إن الذي صلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم هو الملك الذي كان بعد

النجاشي صاحب جعفر بن أبي طالب.

116 (1/116)

صفحة 114

السيرة النبوية.

وَلَعَلَّ فِي قِصَّةِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَعِمَارَةَ بْنِ الْوَلِيدِ وَقِيَامِهِمَا بِرِحْلَةٍ تِجَارِيَّةِ إِلَى

الحَبَشَةِ فِي الجَاهِلِيَّةِ دَلِيلٌ عَلَى ذَلِكَ، لِذَلِكَ كَانَ اخْتِيَارُ وِجْهَةِ الهِجْرَةِ إِلَى الْخَبَشَةِ اخْتِيَارًا مُوَفَّقًا، وَلَعَلَّهَا كَانَتْ وَحْيَا مِنَ الله. (1/117)

صفحة 115

السيرة النبوية.

حِصَارُ بَنِي هَاشِمٍ

تَذْكُرُ الْمُصَادِرُ بَلْ وَتُجْمِعُ عَلَى ذِكْرِ وَإِيرَادِ قِصَّةِ مُقَاطَعَةِ قُرَيْشٍ لِبَنِي هَاشِمٍ وَفِيهِمْ بَنُو عَبْدِ المُطَّلِبِ مِمَّا جَعَلَهُمْ يَنْحَصِرُونَ فِي شِعْب أَبِي طَالِبٍ (1)، وَإِنَّ بُطُونَ قُرَيْشٍ وَقَبَائِلَهَا وَضَعُوا صَحِيفَةٌ تَدْعُو إِلَى مُقَاطَعَتِهِمْ، وَإِنَّهُمْ لَا يُنَاكَحُونَ وَلَا يُبَايَعُونَ، وَعُلَّقَتْ تِلْكَ الصَّحِيفَةُ فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ لِتَوْكِيدِ اتَّفَاقِ المُقَاطَعَةِ، وَقَدْ حُوصِرَ بَنُو هَاشِمٍ بِمُوجَبِهَا ثَلَاثَ سِنِينَ، أَصَابَهُمْ بِسَبَبِهَا الْكَثِيرُ مِنَ الضَّرَرِ وَالْعَنَتِ، حَتَّى إِنَّ

أَطْفَالَهُمْ يَتَضَاغَوْنَ جُوعًا، وَتُسْمَعُ أَصْوَاتُهُمْ مِنْ شِدَّةِ ذَلِكَ مِنْ بَعِيدٍ. بَيْدَ أَنَّ التَّعَمُّقَ فِي مَفَاصِل الْقِصَّةِ وَتَفْصِيلَاتِهَا يُشِيرُ الْعَدِيدَ مِنَ التَّسَاؤُلَاتِ، وَمِنْ

وِجْهَةِ نَظَرِي فَإِنَّ الْقِصَّةَ لَا تُجِيبُ عَلَيْهَا وَهِيَ:

- هَلِ انْتَقَلَ جَمِيعُ بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ مِنْ مَسَاكِنِهِمُ الْقَرِيبَةِ جِدًّا مِنَ الْكَعْبَةِ إِلَى الشَّعْبِ؟

- وَأَيْنَ كَانَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ صَاحِبُ التَّرْوَةِ وَالتِّجَارَةِ وَالتَّعَامُلِ بِالرِّبَا؟ - وَأَيْنَ كَانَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ الَّذِي يَتَمَتَّعُ بِالْقُوَّةِ وَالْفُتُوَّةِ وَالشَّجَاعَةِ؟

(1) - وَهُوَ الَّذِي يُدْعَى الْآنَ شِعْبُ عَامِرٍ وَيَقَعُ فِي الْجِهَةِ الشَّرْقِيَّةِ الشَّمَالِيَّةِ مِنَ الْكَعْبَةِ المُشَرَّفَةِ.

118 (1/118)

صفحة 116

-

-

السيرة النبوية.

وَلِمَاذَا انْتَقَلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَعَ زَوْجَتِهِ خَدِيجَةَ وَهِيَ الْمُرْأَةُ ذَاتُ الْغِنَى وَالْيَسَارِ كَمَا تَقُولُ الرِّوَايَةُ؟ وَهَلْ تَرَكَ الرَّسُولُ وَزَوْجَتُهُ مَنْزِهُمَا الْقَرِيبَ مِنْ جَبَلِ

الصَّفَا؟

وَهَلْ بِإِمْكَانِ قُرَيْشٍ مَنْعُ الْآخَرِينَ مِنَ التَّعَامُلِ مَعَ بَنِي هَاشِمٍ بَيْعًا وَشِرَاءٌ؟

إِذَا سَلَّمْنَا بِإِمْكَانِيَّةِ مُقَاطَعَةِ المَنَاكَحَةِ بَيْنَ بَنِي هَاشِمٍ وَبَيْنَ بَقِيَّةِ قَبَائِلِ قُرَيْشٍ لا أَظُنُّ أَنَّ الْقِصَّةَ بِإِمْكَانِهَا الْإِجَابَةُ عَلَى هَذِهِ السَّسَاؤُلَاتِ الْإِجَابَةَ الشَّافِيَةَ، لِذَلِكَ فَإِنَّ الْقِصَّةَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ الصَّحِيحُ مِنْهَا جُزْئِيَّةٌ مِنْ جُزْئِيَّاتِهَا، كَمُقَاطَعَةِ أَبِي طَالِبٍ

وَحْدَهُ فَقَط، أَوْ أَنَّ هُنَالِكَ مُحَاوَلَاتٍ فَقَطْ لِلدَّعْوَةِ إِلَى مُقَاطَعَةِ بَنِي هَاشِمٍ. وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ الْقِصَّةُ غَيْرَ صَحِيحَة بِالْكُلَّيَّةِ، وَإِنَّمَا وُضِعَتْ لِلتَّقْلِيلِ مِنْ شَأْنٍ بَنِي هَاشِمٍ وَإِظْهَارِ ضَعْفِهِمْ أَمَامَ بَقِيَّةِ بُطُونِ قُرَيْشٍ وَقَبَائِلِهَا.

عَامُ الْحُزْنِ

سُمِّيَ الْعَاشِرُ مِنَ الْبَعْثَةِ عَامَ الْحُزْنِ لِوَفَاةِ أَبِي طَالِبٍ، وَخَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ، أَمَّا أَبو طَالِب فَهُوَ عَمُ الرَّسُولِ وَشَقِيقُ أَبِيهِ، وَقَدْ كَانَ يَحْنُو عَلَى الرَّسُولِ وَيَعْطِفُ عَلَيْهِ، وَقَدْ كَانَ يَحْمِيهِ مِنْ عَدَاوَةِ قَوْمِهِ، نَظَرًا إِلَى مَكَانَةِ أَبِي طَالِبٍ فِي قُرَيْشٍ وَهَيْبَتِهِ عِنْدَهُمْ، وَهُوَ الَّذِي قَالَ لِابْنِ أَخِيهِ عِنْدَمَا طُلِبَ مِنْهُ التَّخَلَّ عَنْهُ، وَقَالَ الرَّسُولُ قَوْلَتَهُ الخَالِدَةَ وَظَنَّ أَنَّ عَمَّهُ رُبَّما سَيَتَخَلَّى عَنْهُ فَاسْتَعْبَرَ وَانْصَرَفَ حِينَدَاكَ نَادَاهُ أَبُو طَالِبٍ

قَائِلًا لَهُ: اذْهَبْ يَا ابْنَ أَخِي وَقُلْ مَا شِئْتَ فَوَالله لَا أُسْلِمُكَ لِشَيْءٍ أَبَدًا. (1/119)

صفحة 117

السيرة النبوية.

لِذلِكَ أَحَسَّ الرَّسُولُ بِفَقْدِهِ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ عَامِلَ حُزْنِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ.

أَمَّا زَوْجَتُهُ السَّيِّدَةُ الْوَفِيَّةُ المُخْلِصَةُ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، فَقَدْ أَحَسٌ أَيْضًا بِفَقْدِهَا، وَكَانَ مَوْتُهَا سَبَبًا حِزْنِهِ، لأَنها كَانَتْ أَوَّلَ مَنْ آمَنَ بِهِ، وَصَدَّقَ بِرِسَالَتِهِ، وَكَانَتْ لَهُ نِعْمَ المعينُ وَالنَّاصِرُ وَالمُوَازِرُ، وَلَقَدْ ظَلَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ طُولَ حَيَاتِهِ يَحْفَظُ لَهَا ذَلِكَ، حَتَّى إِنَّ السَّيِّدَةَ عَائِشَةَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ كَانَتْ تَغَارُ مِنْهَا وَهِيَ مَيَّتَةٌ، لَا تَسْمَعُهُ مِنَ الرَّسُولِ مِنَ الثَّنَاءِ فِي حَقٌّ خَدِيجَةَ، وَعِنْدَمَا سَمِعَتْهُ ذَاتَ مَرَّةٍ يَذْكُرُ خَدِيجَةَ وَيُثْنِي عَلَيْهَا قَالَتْ لَهُ: وَمَا تُرِيدُ فِي عَجُوزٍ شَمْطَاءَ قَدْ أَبْدَلَكَ اللهُ خَيْرًا مِنْهَا - وَتَعْنِي نَفْسَهَا - أَجَابَهَا: لَا وَالله مَا أَبْدَلَنِي اللهُ خَيْرًا مِنْهَا، لَقَدْ آمَنَتْ بِي حِينَ كَفَرَ بِيَ النَّاسُ، وَصَدَّقَتْنِي حِينَ كَذَّبَنِي النَّاسُ، وَوَاسَتْنِي بِمَالِهَا حِينَ مَنَعَنِي النَّاسُ، وَرَزَقَنِي اللَّهُ مِنْهَا الْوَلَدَ دُونَ غَيْرِهَا مِنَ النِّسَاءِ (1).

لِذَلِكَ كَانَ مَوْتُها شَدِيدَ الْوُقُوعِ عَلَيْهِ وَسَبَّبَ لَهُ مَوْتُهَا وَمَوْتُ عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ حُزنًا عَمِيفًا، وَلَا سِيَّما وَأَنْ وَفَاتَهُما كَانَتْ مُتَقَارِبَةٌ وَفي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ.

(1) - رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ. (1/120)

صفحة 118

السيرة النبوية.

النَّهَابُ إِلَى الطَّائِفِ

لَمْ تَكُنِ الطَّائِفُ غَرِيبَةٌ على النَّبِيِّ، فَقَدْ رَضَعَ فِي بَادِيَتِهَا أَيْ أَنَّهُ نَشَأَ فِيهِ صَبِيًّا، وَعِنْدَمَا اشْتَدَّ أَذَى قُرَيْشٍ عَلَيْهِ وَعَلَى أَصْحَابِهِ خَرَجَ إِلَى الطَّائِفِ وَمَعَهُ مَوْلَاهُ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، وَكَانَ يَطْمَعُ وَيَطْمَعُ أَنْ تَجِدَ لَهُ فِيهَا آذَانًا صَاغِبَةً لِدَعْوَتِهِ، لَعَلَّهَا تُعَوِّضُهُ عَنْ

مكة.

غَيْرَ أَنَّهُ وَجَدَهَا أَشَرَّ مِنْ مَكَّةَ، وَوَجَدَ أَهْلَهَا ثَقِيفًا شَرًّا مِنْ قُرَيْشٍ، سُفَهَاءَ لَا أَحْلَامَ هُمْ، فَعِنْدَمَا عَرَضَ عَلَيْهِمُ الْإِسْلَامَ مَا كَانَ مِنْهُمْ إِلَّا الاِسْتِهْزَاءُ وَالسُّخْرِيَةُ، وَعِنْدَمَا قَفَلَ عَائِدًا خَارِجًا مِنَ الطَّائِفِ أَمَرَ أَكَابِرُ ثَقِيفٍ سُفَهَاءَهُمْ وَصِيَاءَهُمْ أَنْ يَقِفُوا صَفَّيْنِ فِي طَرِيقِهِ، وَأَخَذُوا يَصِيحُونَ بِهِ، وَيَرْمُونَهُ بِالْحِجَارَةِ حَتَّى دَمِيَتْ قَدَمَاهُ الشَّرِيفَتَانِ، وَبَعْدَ أَنْ تَجَاوَزَهُمْ جَلَسَ تَحْتَ ظِلِّ شَجَرَةٍ وَدَعَا دُعَاءَهُ المُشْهُورَ: " اللهُمَّ إِنِّي أَشْكُو إِلَيْكَ ضَعْفَ قُوَّنِ وَقِلَّةَ حِيلَتِي وَهَوَانِي عَلَى النَّاسِ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، أَنْتَ رَبُّ المُسْتَضْعَفِينَ وَأَنْتَ رَبِّي إِلَى مَنْ تَكِلُنِي؟ إِلَى بَعِيدٍ يَتَجَهُمَنِي أَمْ إِلَى عَدُوٌّ مَلَكْتَهُ أَمْرِي إِنْ لَمْ يَكُنْ بِكَ غَضَبٌ عَلَى فَلَا أُبَالِي غَيْرَ أَنَّ عَافِيَتَكَ هِيَ أَوْسَعُ لِي، أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِكَ الَّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ الظُّلُمَاتُ وَصَلُحَ عَلَيْهِ أَمْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مِنْ أَنْ تُنْزِلَ عَلَيَّ غَضَبَكَ أَوْ يَحِلَّ عَلى سَخَطُكَ لَكَ الْعُتْبَى حَتَّى تَرْضَى وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِالله"؛ وَهُنَالِكَ رَأَىهُ عُتْبَهُ وَشَيْبَةُ ابْنَا رَبِيعَةَ اللَّذَانِ كَانَا فِي بُسْتَانِ هَمَا، فَتَحَرَّكَتْ فِيهِمَا الشَّهَامَةُ وَالمُرُوءَةُ فَأَرْسَلَا خَادِمَهُمَا عَدَّاسَ إِلَيْهِ بِطَبَقٍ مِنْ عِنَبٍ، وَكَانَ سَبَبًا لِإِسْلَامِهِ بَعْدَ أَنْ سَمِعَ مِنَ (1/121)

صفحة 119

السيرة النبوية.

النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مَا سَمِعَ مِنْ أَمْرِ الْإِسْلَام وَصِدْقِ النُّبُوَّةِ لِأَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُوْصِلِ وَقَدْ سَمِعَ عَنِ

النُّبُوَّاتِ أَوْ عَرَفَ عَنْهَا، لِذَلِكَ كَانَ إِيمَانُهُ سَرِيعًا.

وَعَادَ الرَّسُولُ إِلَى مَكَّةَ وَقَدْ وَجَدَهَا أَسْوَأَ مِمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ مِنْ شَرٌ وَأَذَى فَأَكْرَمَهُ الله برِحْلَةِ الْإِسْرَاءِ إِلَى بَيْتِ المُقْدِسِ، وَهُوَ مَا سَتَتَحَدَّثُ عَنْهُ فِي اللَّقَاءِ الصُّحُفِي التَّالِي

بِإِذْنِ الله تَعَالَى.

122 (1/122)

صفحة 120

الْإِسْرَاءُ وَالمِعْرَاجُ"

(1)

(1) لِقَاءٌ صُحُفِيٌّ أَجْرَاهُ سَيْفُ بْنُ سَالِمِ الْفُضَيْلِيُّ جَرِيدَةِ عُمَانٍ (1/123)

صفحة 121

السيرة النبوية -

- حَادِثَةُ الْإِسْرَاءِ وَالْمِعْرَاجِ كَشَفَتْ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم غَيْبِيَّاتٍ لَمْ تُكْشَفْ لِأَحَدٍ مِنْ قَبْلِهِ، كَيْفَ

وَمَا الْعِبْرَةُ مِنْهَا؟

يَنْبَغِي عَلَيْنَا أَنْ نَعْرِفَ لِمَاذَا حَدَثَتْ حَادِثَةُ الْإِسْرَاءِ وَالْمِعْرَاجِ؟ الْحَدَثُ جَاءَ بَعْدَ أَنْ مَرَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِأَزَمَاتٍ كَبِيرَةٍ وَبِحَوَادِثَ جَلِيلَةٍ وَبِمُهِمَّاتٍ عَظِيمَةٍ، مِنْ تِلْكَ الْحَوَادِثِ الجليلة أو من المُمْكِنَ أَنْ نَقُولَ عَنْهَا مَصَائِبُ هِيَ مَوْتُ عَمِّهِ أَبِي طَالِبِ الَّذِي يَرْجِعُ إِلَيْهِ وَيَلْجَأَ إِلَيْهِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأُمُورِ وَكَانَ فِي حِمَايَتِهِ وَرِعَايَتِهِ وَتَرَبَّي فِي كَنَفِهِ طَوَالَ حَيَاتِهِ، فَمَوْتُ عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ لَا شَكٍّ أَنَّ لَهُ أَثَرًا كَبِيرًا فِي نَفْسٍ مُحَمَّدٍ وَلَعَلَّهُ شَعَرَ أَنَّهُ فَقَدَ رُكْنًا رَكِينًا يَرْجِعُ إِلَيْهِ وَيَأْرِزُ إِلَيْهِ، وَالْحَدَثُ الثَّانِي أَوِ المُصِيبَةُ الثَّانِيَةُ – إِنْ صَحْ التَّعْبِيرُ - هِيَ مَوْتُ زَوْجِهِ خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ خَدِيجَةَ كَانَتْ تَتَمَتَّعُ بِمَكَانَةٍ اجْتِمَاعِيَّةٍ وَمَادَيَّةٍ فِي مَكَّةَ وَفِي قُرَيْشٍ، وَكَانَتْ مُسَائِدَةٌ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَكَانَتْ أَوَّلَ مَنْ آمَنَ بِهِ وَصَدَّقَتْ بِدَعْوَتِهِ، وَكَانَتْ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ بَعْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَكَانَتْ تُسَائِدُهُ وَكَانَتْ تُؤَازِرُهُ، وَكَانَتْ تُخَفِّفُ عَنْهُ مِنْ مُعَانَاتِهِ، تِلْكَ المُعَانَاةُ الَّتِي يُلَاقِيهَا مِنْ قَوْمِهِ مُشْرِكِي مَكَّةَ، فَمَوْتُهَا لَا شَكْ أَنَّهُ أَنَّرَ فِي النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم تَأْثِيرًا كَبِيرًا ظَلَّ يُلَاحِقُهُ طَوَالَ حَيَاتِهِ، فَكَانَ كَثِيرًا مَا يَتَذَكَّرُهَا عِنْدَمَا يَظْهَرُ لَهُ أَيُّ مَوْقِفِ مِنَ الْمَوَاقِفِ فِي حَيَاتِهِ يُذَكِّرُهُ بِحَيَاتِهِ مَعَ السَّيِّدَةِ خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا.

الحدث الثَّالِثُ أَنَّهُ ذَهَبَ إِلَى الطَّائِفِ وَكَانَ يَأْمُلُ وَيَتَمَنَّى أَنْ يَسْتَجِيبَ لَهُ أَهْلُ الطَّائِفِ وَهُمْ قَبِيلَةُ ثَقِيفِ، وَلَكِنْ مَعَ الْأَسَفِ حَدَثَ لَهُ الْعَكْسُ مِنْ ذَلِكَ الْأَمَلِ

124 (1/124)

صفحة 122

السيرة النبوية.

الجَمِيلِ، فَقَدْ أُوذِيَ وَأَمَرُوا سُفَهَاءَهُمْ وَصِبْيَاءَهُمْ أَنْ يُطَارِدُوهُ وَأَنْ يَصْرُحُوا فِي وَجْهِهِ وَأَنْ يَنْبِرُوهُ بِالْأَلْقَابِ غَيْرِ الطَّيِّبَةِ وَبِالْكَلِمَاتِ اللَّاذِعَةِ حَتَّى أَنَّهُمْ رَمَوْهُ بِالْحِجَارَةِ وَطَارَدُوهُ حَتَّى دَمِيَتْ قَدَمَاهُ الشَّرِيفَتَانِ، وَبَعْدَ ذَلِكَ الْتَجَأَ إِلَى حَائِطِ بُسْتَانٍ كَانَ لِشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بِالطَّائِفِ وَارْتَاحَ هُنَالِكَ حَتَّى جَاءَ غُلَامٌ نَصْرَانِي بِعِنَبٍ مِنْ ذَلِكَ الْبُسْتَانِ لِكَيْ يُخفِّفَ عَنْهُ.

وَبَعْدَ رُجُوعِهِ مِنَ الطَّائِفِ مُنْكَسِرَ الْبَالِ مُتَكَدِّرَ الْخَاطِرِ جَاءَتْ بَعْدَ ذَلِكَ بِقَلِيلٍ حَادِثَةُ الْإِسْرَاءِ كَتَكْرِيمٍ إِلهِي مِنَ اللهِ تَعَالَى لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِأَنَّهُ لَمْ يَتَخَلَّ عَنْهُ فِي أَيِّ خَظَةٍ مِنَ اللَّحَظَاتِ وَبِأَنَّهُ مُسَانِده وَمُؤَيَّده بِوَحْيِهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَبِكُلِّ حِفْظِهِ وَرِعَايَتِهِ وَأَنَّهُ فِي كَلَاءَةِ

الله تَعَالَى.

وَالْإِسْرَاءُ مَصْدَرُ أَسْرَى فِعْلٌ مُتَعَدِّ، سَرَى وَأَسْرَى فِعْلٌ لَازِمٌ، وَالشَّخْصُ نَفْسُهُ يَقُومُ بِالسَّيْرِ فِي اللَّيْلِ، وَالسُّرَى هُوَ السَّيْرُ بِاللَّيْلِ لَا يُقَالُ لَنْ سَارَ فِي الصَّبَاحِ أَوِ النَّهَارِ أَوْ فِي الْعَصْرِ بِأَنَّهُ سَرَى وَإِنَّمَا دَانِمَا الْإِنْسَانُ يَسْرِي عِنْدَمَا يَخْرُجُ أَوْ يُسَافِرُ بِاللَّيْلِ،

عِنْدَمَا يُرْخِي اللَّيْلُ سُدُولَهُ وَيَخْرُجُ يُقَالُ إِنَّهُ سَرَى، إِذًا السُّرَى هُوَ السَّيْرُ فِي اللَّيْلِ. وَأَسْرَى مَصْدَرُهُ إِسْرَاءٌ هُنَا أَنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ الَّذِي أَسْرَى بِالنَّبِيِّ مُحَمَّدٍ فَلِذَلِكَ

جَاءَ فِي مَطْلَع سُورَةِ الْإِسْرَاءِ السُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ، لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا الَّذِى بَرَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ عَايَنَيْنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ

125 (1/125)

صفحة 123

السيرة النبوية.

الْبَصِيرُ (1)، إِذا الْإِسْرَاءُ كَانَ مِنْ قِبَلِ الله تَعَالَى لِنَبِيِّهِ * وَهُنَالِكَ خِلَافٌ فَالْقَوْلُ المَشْهُورُ وَالَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأُمَّةِ الإِسْلَامِيَّةِ أَنَّ الْإِسْرَاءَ تَمَّ بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم جَسَدًا وَرُوحًا وَعَقْلًا وَإِنَّهُ كَانَ فِي الْيَقَظَةِ، لَكِنْ هُنَاكَ مَنْ قَالَ بِأَنَّ الْإِسْرَاءَ كَانَ رُؤْيَا مَنَامِ فَقَطْ، وَهُوَ قَوْل قَالَ بِهِ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، قَالَ: الرُّؤْيَا هِيَ رُؤْيَا مَنَامِ كَانَتْ صَادِقَةٌ، وبهذا القول يقول الإباضية وَهُنَاكَ قَوْلٌ آخَرُ عَنِ السَّيِّدَةِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، زَوْجِ النَّبِيِّ، أَنَّهُ كَانَ بِالرُّوحِ، قَالَتْ: «مَا فَقَدْنَا جَسَدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ أُسْرِيَ بِهِ»، فَهَذِهِ الْخِلَافَاتُ هِيَ مَوْجُودَةٌ مُنْذُ بِدَايَةِ الْحَدِيثِ عَنِ الْإِسْرَاءِ وَالْمِعْرَاجِ وَنَحْنُ نَقُولُ كَمَا قَالَ الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أطفيش إِنَّ الْإِسْرَاءَ كَانَ بِالجَسَدِ وَالرُّوحِ وَالْعَقْلِ وَالْيَقَظَةِ لِأَنَّ الله تَعَالَى يَقُولُ: سُبْحَنَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ، وَالْعَبْدُ يُطْلَقُ عَلَى الشَّخص بِكُلِّ قُوَاهُ، وَقَدْ رَأَى النَّبِيُّ مِنَ المُشَاهَدَاتِ الشَّيْءَ الْكَثِيرَ وَنَحْنُ نُرَبِّحُ أَنْ يَكُونَ الْإِسْرَاءُ

ه

ترجع

بِالجَسَدِ وَالرُّوحِ وَالْعَقْلِ، وَأَنَّهُ فِي الْيَقَظَةِ وَلَيْسَ فِي المَنامِ لِأَنَّ الْآيَةَ هَكَذَا تَقُولُ: سُبْحَنَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا الَّذِي برَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ وَايَيْنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ، وَالتَّعْبِيرُ هُنَا بِاللَّيْلِ لأَنَّهُ وَقَعَ فِي جُزْء مِنَ اللَّيْلِ، قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: "أَيْ" هُنَا لِلتَّقْلِيلِ، اللَّيْلُ لَمْ يَسْتَغْرِقِ

(1) سُورَةُ الْإِسْرَاءُ، الْآيَةُ 1.

(2) سُورَةُ الْإِسْرَاءُ، الْآيَةُ 1.

(د)

126 (1/126)

صفحة 124

السيرة النبوية.

الْإِسْرَاءُ لَيْلَةٌ كَامِلَةٌ وَإِنَّمَا فِي جُزْءٍ مِنَ اللَّيْلِ، وَإِنَّمَا عَبَّرَ بِاللَّيْلِ لِيُنَبِّةَ أَنَّ الْإِسْرَاءَ كَانَ فِي

طَائِفَةٍ مِنَ اللَّيْلِ.

وَلَا شَكٌّ أَنَّ الرَّسُولَ لا رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى فِي تِلْكَ الرِّحْلَةِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى قَضِيَّةِ ارْتِبَاطِ الْإِسْلَام بِمَا قَبْلَهُ مِنَ الدِّيَانَاتِ وَهَذِهِ نُقْطَةٌ مُهِمَّةٌ، لِمَاذَا كَانَ الْإِسْرَاءُ مِنَ المَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى؟ هُنَاكَ عِدَّةُ اعْتِبَارَاتٍ

وَمَعَانٍ.

أَوْلا هَذَا الْإِسْلَامُ هُوَ مُتَمِّمُ مَا قَبْلَهُ مِنَ الدَّيَانَاتِ وَمُكَمِّلٌ لَهَا، جَمِيعُ هَذِهِ الدِّيَانَاتُ هِيَ خَارِجَةٌ مِنْ مِشْكَاةِ وَاحِدَةٍ، وَهَؤُلَاءِ الْأَنْبِيَاءُ وَالرُّسُلُ كُلُّهُمْ بُعِنُوا مِنْ عِنْدِ الله تَعَالَى كَمَا قَالَ بُعِثْتُ لِأُنمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ، وَهُنَاكَ أَحَادِيثُ كَحَدِيثِ اللَّبِنَةِ حَيْثُ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي حَدِيثٍ مَا مَعْنَاهُ: «إِنَّ مَثَلَهُ وَمَثَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِ، كَبَيْتٍ بُنِي فَبَقِيَ مَوْضِعُ لَبِنَةٍ فِيهِ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ لَوْلَا هَذِهِ اللَّبِنَةُ لَكَانَ هَذَا البَيْتُ جَمِيلا، وَأَنَا تِلْكَ اللَّبِنَةُ الَّتِي أُكْمِلَ بِهَا ذَلِكَ الْبِنَاء». ذَلِكَ الْبِنَاءُ النَّبوِيُّ أَوِ الرسالي - إِنْ صَحَ التَّعْبِيرُ - المُتَكَوِّنُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ أَنَّهُ اكْتَمَلَ بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَلِذَلِكَ هُوَ خَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ وَالمُرْسَلِينَ. ثانِيَا فَقَدْ أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَكُونَ المَسْجِدُ الْأَقْصَى وَقَضِيَّةُ الْقُدْسِ قَضِيَّةٌ إِسْلَامِيَّةٌ لِأَنَّ الْإِسْرَاءَ كَانَ مِنَ المَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالمَسْجِدُ الْحَرَامُ لَيْسَ مَعْنَاهُ الْمُسْجِدَ الْحَالِ المَبْنِيَّ حوْلَ الْكَعْبَةِ المَسْجِدُ الحَرَامُ هُوَ كُلُّ حَرَم مَكَّةَ، فَقَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ أُسْرِيَ بِهِ مِنْ بَيْتِ أُمَّ هَانِي، وَقِيلَ أُسْرِيَ بِهِ مِنْ حِجْرِ إِسْمَاعِيلَ، وَالْمُسْجِدُ (1/127)

صفحة 125

السيرة النبوية.

الحَرَامُ لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ هُنَالِكَ مَسْجِدًا، الحَرَمُ كُلُّهُ هُوَ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ، فَالتَّواصل بين الحرم المكي وَبَيْنَ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى هُوَ دَلِيلٌ عَلَى الإِرْتِبَاطِ، وَدَلِيلٌ عَلَى أَنَّ قَضِيَّةَ الْقُدْسِ سَتَكُونُ فِيمَا بَعْدُ قَضِيَّةٌ إِسْلَامِيَّةٌ، وَهَذَا مَا حَدَثَ عَبْرَ التَّارِيخ فَصَارَ المَسْجِدُ الْأَقْصَى جُزْءًا مِنْ مَعَالِمِ الْفِكْرِ فِي الْإِسْلَام سَوَاءٌ كَانَ هَذَا الْفِكْرُ إيمانيا أو حَضَارِبًا تَارِيخيا هُوَ مُرْتَبِطُ بِالْفِكْرِ الْإِسْلَامِيُّ، هُنَا الرَّمْزِيَّةُ تَأْتِي وَالْجُوَابُ عَلَى التَّسَاؤُلِ هُوَ مَاذَا كَانَ الْإِسْرَاءُ مِنَ الْحَرَمِ المُكَيِّ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى؟ وَكَمَا ذَكَرْتُ هُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْإِسْلَامَ مُكَمِّل لِلدِّيَانَاتِ الَّتِي سَبَقَتْهُ، وَأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم هُوَ خَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ، وَهُوَ جُزْءٌ مِنْ ذَلِكَ الْبِنَاءِ النَّبَوِيِّ، وَفِي نَفْسِ الْوَقْتِ هَذَا الاِرْتِبَاطُ بَيْنَ الحرم المكي وَبَيْنَ الْأَقْصَى - هُوَ ارْتِبَاطُ بَيْنَ الدِّيَانَاتِ السَّمَاوِيَّةِ السَّابِقَةِ ارْتِبَاطُ بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ السَّابِقِينَ وَآخِرِهِمْ نَبِيِّينَا

محمد

وَرِوَايَةُ ذِكْرِ الْبُرَاقِ أَرَى فِيهَا نَظَرًا فَاللَّهُ تَعَالَى قَادِرُ عَلَى أَنْ يَنْقِلَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم بِقُدْرَتِهِ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ فِي أَقَلَّ مِنْ لَحْظَةِ عَيْنٍ وَفِي أَقَلَّ مِنْ طَرْفَةِ عَيْنٍ فَقُدْرَةُ اللَّهِ عَظِيمَةٌ وَقَادِرَةٌ وَبَاهِرَةٌ، لِذَلِكَ فَإِنَّ الْبُرَاقَ دَابَّةٌ تَضَعُ حَافِرَهَا الْخَلْفِيَّ عِنْدَ حَافِرِهَا الْأَمَامِيِّ هَذِهِ مِنْ وَضْع القُصَّاص، وَأَظُنُّ أَنَّ قِصَّةَ الْبُرَاقِ جَاءَتْ مُؤَخَّرًا وَإِلَّا مَا هِيَ سُرْعَةُ هَذِهِ الدَّابَّةِ الَّتِي تَنْقِلُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْأَقْصَى وَتُرْجِعُهُ فِي جُزءٍ مِنَ اللَّيْلِ، إِلَّا أَنَّ هُنَاكَ قُدْرَةٌ غَيْرَ الْبُرَاقِ، لَكِنَّ الْقُصَّاصَ الَّذِينَ يَحْكُونَ هَذِهِ الرَّوَايَاتِ مَا كَانَ فِي

128 (1/128)

صفحة 126

السيرة النبوية.

مُخَيلَتِهِمْ أَكْبَرُ مِنْ أَنْ يَكُونَ هُنَالِكَ دَابَّةٌ وَإِنَّمَا زَادُوا فِيهِ قَضِيَّةَ السِّرْعَةِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ، المهِم نَأْتِي وَنَقُولُ إِنَّ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعَالَى قَادِرَةٌ أَنْ تَنْقِلَ أَيَّ شَيْءٍ وَأَيَّ كَائِنٍ وَتَنْقِلَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ فِي أَقَلَّ مِنْ لَحْظَةِ الْعَيْنِ.

- الرّحْلَةُ حَمَلَتْ كُلَّ المَعَانِي الدَّالَّةِ عَلَى قُدْرَةِ الله تَعَالَى، كَيْفَ يَزْدَادُ الْيَقِينُ لَدَى المُسْلِمِينَ مِنْ خِلَالِها؟

لا شَكٍّ أَنَّ حَادِثَةَ الْإِسْرَاءِ هِيَ حَادِثَةٌ خَارِقَةٌ لِلْعَادَةِ وَهِيَ مِنْ مُعْجِزَاتِهِ وَالمُعْجِزَةُ بِطَبِيعَتِهَا خَارِجَةٌ عَنِ الْمَألُوفِ وَعَنِ الْمُعْتَادِ عِنْدَ النَّاسِ، فَلِذَلِكَ الْمُعْجِزَةُ كَمَا يُقَالُ لا تُحَاكَمُ عِلْمِيًّا وَفْقَ المتاح أي المُعْجِزَةُ بِطَبِيعَتِهَا خَارِقَةٌ وَاللَّهُ تَعَالَى يُكْرِمُ بِهَا أَنْبِيَاءَهُ لِكَيْ يُصَدَّقَ بِهِمْ مِنْ قِبَلِ النَّاسِ، وَالْمُعْجِزَةُ هِيَ دَائِمًا خَارِقَةٌ لِلْعَادَةِ يُكْرِمُ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا أَنْبِيَاءَهُ لِكَيْ يُؤَيَّدَهُمْ بِهَا اللهُ تَعَالَى، يُؤَيَّدُهُمْ بِمِثْلِ هَذِهِ المَعْجِزَاتِ فَحَادِثَهُ الْإِسْرَاءِ بِطَبيعَتِهَا هِيَ مُعْجِزَةٌ وَلَا شَكٌّ أَنَّ الْمُسْلِمَ يَجِبُ أَنْ يَزْدَادَ يَقِينًا وَأَنْ يُصَدِّقَ بِهَا، فَهَذَا مَا عَبر عَنْهُ الصِّدِّيقُ أَبو بَكْرِ الله وَهِيَ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا سُمِّيَ صِدِّيقًا لِأَنَّهُ عِنْدَمَا كَانَ يُحَدِّثُ قُرَيْشًا صَدَّقَ بِهِ أَبُو بَكْرِ بَيْنَها كَذَّبَ بِهِ الْمُشْرِكُونَ وَصَدَّقَ بِهِ الْمُؤْمِنُونَ لأَنَّهُ عِنْدَمَا كَانَ يُحدِّتُهُمُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم انْبَهَرَ الْمُشْرِكُونَ وَقَالُوا إِنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْمَعْقُولِ أَنْ يُسْرَى بِالنَّبِيِّ فِي جُزءٍ مِنَ اللَّيْلِ مِنَ المَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى المَسْجِدِ الْأَقْصَى فَلَمْ يُصَدِّقُوا، أَمَّا المُؤْمِنُونَ فَقَدْ صَدَّقُوا وَآمَنُوا.

وَقَدْ جَاءَ فِي كُتُبِ السِّيرَةِ أَنَّهُ كَانَ هُنَالِكَ فِي هَذِهِ الْحَادِثَةِ مَنِ ارْتَدَّ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عِنْدَمَا سَمِعُوا بِذَلِكَ وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتُ عَنْ شَخْصٍ وَاحِدٍ أَنَّهُ ارْتَدَّ، نَعَمْ، (1/129)

صفحة 127

السيرة النبوية.

المُشْرِكُونَ كَذَّبُوا وَزَادَ عِنَادُهُمْ أَمَّا المُسْلِمُونَ فَقَدْ صَدَّقُوا لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ هُنَاكَ شَخْصٌ وَاحِدٌ قَدِ ارْتَدَّ لَعُرِفَ بِاسْمِهِ لِأَنَّ عَدَدَ المُسْلِمِينَ كَانَ قَلِيلًا وَقَدْ حَفِظَتْ كُتُبُ السِّيرَةِ أَسْمَاءَ المُهَاجِرِينَ إِلَى الْحَبَشَةِ فِي الْهِجْرَتَيْنِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ رِجَالًا وَنِسَاءَ، وَالْهِجْرَةُ الثَّانِيَةُ كَانَ فِيهَا اثْنَانِ وَثَمانُونَ رَجُلًا وَامْرَأَةٌ وَقَدْ عُرِفُوا بِأَسْمَائِهِمْ وَلَوْ كَانَ هُنَالِكَ شَخْصٌ مِنَ المُسْلِمِينَ قَدِ ارْتَدَّ لَعُرِفَ بِاسْمِهِ، وَقِيلَ إِنَّهُ قَدِ ارْتَدَّ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ، وَلَكِنْ لَمْ تَذْكُرْ كُتُبُ السِّيرَةِ أَسْمَاءَ الَّذِينَ ارْتَدُّوا إِذَنْ لَمْ يَكُنْ هُنَالِكَ ارْتِدَادُ عَنِ الْإِسْلَامِ، وَإِنَّا كَانَتْ هُنَالِكَ زِيَادَهُ إِيمَانٍ وَيَقِينِ مِنْ قِبَلِ المُسْلِمِينَ بِمَا أَخْبَرَهُمْ عَنْهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مِنْ حَادِثِ الْإسْرَاءِ بَيْنَ مَكَّةَ المُكَرَّمَةِ وَبَيْنَ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى، فَلَا نُصَدِّقُ تِلْكَ الرَّوَايَةَ الْقَائِلَةَ أَنَّ هُنَالِكَ مَنِ ارْتَدَّ بَلِ ازْدَادَ المُسْلِمُونَ إِيمَانًا وَيَقِينًا صَادِقًا بَيْنَمَا ازْدَادَ الْمُشْرِكُونَ عِنَادًا وَتَكْذِيبًا وَعَدَمَ تَصْدِيقِ بِالنَّبِيِّ، وَلِذَلِكَ كَانَتِ الحَادِثَةُ اخْتِبَارًا لإيمَانِ الْمُؤْمِنِ وَكُفْرِ الْكَافِرِ كَمَا ذَكَرَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ فِي الْقَضَايَا الْغَيْبِيَّةِ بِأَنَّهَا فِتْنَةٌ لِلْكَافِرِ وَيَقِينُ لِلْمُؤْمِنِ: وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَبُ النَّارِ إِلَّا مَلَيْكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِينَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَب وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَناً وَلَا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلَيَقُولُ الَّذِينَ فِي قُلُوهِم مَرَضٌ وَالْكَفِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلاً كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ

وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ»

(1) - سُورَةُ المُدَّتْرِ الْآيَةُ 31.

(1)

13 (1/130)

صفحة 128

السيرة النبوية.

- مَا الْحِكْمَةُ مِنَ ابْتِدَاءِ سُورَةِ الْإِسْرَاءِ بـ: (سُبْحَانَ)؟

سُبْحَانَ هُوَ مَصْدَرُ سَبَّحَ أَي تَنْزِيهُ الله تَعَالَى عَنْ تَشْبِيهِهِ بِخَلْقِهِ كَأَنَّهُ قَالَ: سَبِّحُوا اللَّهَ تَعَالَى، أَمَرَ بِتَسْبِيحِهِ أَيْ تَنْزِيهِهِ وَذَلِكَ لِكَمَالِ قُدْرَتِهِ فِي أَنَّهُ يَجِبُ التَّصْدِيقُ وَالْإِيمَانُ بِحَادِثَةِ الْإِسْرَاءِ فَأَنْتَ عِنْدَمَا تُنَزِّهُ اللَّهَ تَعَالَى أَي تُقَدِّسُهُ اعْتَرَفْتَ بِقُدْرَتِهِ وَعَظَمَتِهِ وَنَزَّهْتَهُ عَنْ مُشَابَهَةِ تَخْلُوقَاتِهِ، إِذَنْ هَذَا يَدْعُوكَ إِلَى التَّصْدِيقِ بِمَا يُخبرُكَ بِهِ اللهُ، وَاللهُ تَعَالَى أَخْبَرَنَا بِهَذِهِ الْحَادِثَةِ، فَقَبْلَ أَنْ نُصَدِّقَ بِهَا نُنَزِّهُ الله تَعَالَى اعْتِرَافًا بِقُدْرَتِهِ وَعَظَمَتِهِ، وَبِأَنَّهُ تَعَالَى بِهَذِهِ الصَّفَةِ قَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ إِذَا أَرَادَ أَمْرًا أَنْ يَقُولَ: كُنْ فَيَكُونُ، فَهَذَا هُوَ أَدْعَى إِلَى قَبُولِ التَّصْدِيقِ بِالْإِسْرَاءِ.

كَيْفَ نُوَضْحُ لِلْمُسْلِمِينَ مَعْنَى الْآيَاتِ الَّتِي فِي سُورَةِ النَّجْمِ: (وَلَقَدْ رَوَاهُ نَزَلَةٌ

أخرى) عِندَ سِدْرَةِ المُننعى) عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى) (1)؟.

سُورَةُ النَّجْمِ نَزَلَتْ عِنْدَمَا كَذَّبَتْ قُرَيْشُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَائِلِينَ إِنَّ مُحَمَّدًا يَخْتَلِقُ الْقُرْآنَ، فَنَزَلَتِ السُّورَةُ لِكَيْ تُكَرِّسَ ضَرُورَةَ التَّصْدِيقِ بِمَا أُوحِيَ بِهِ إِلَى مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم مِنَ الْقُرْآنِ، وَلِتُوَكَّدَ أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ هُوَ مِنْ عِنْدِ الله تَعَالَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحى يُوحَى) [النجم: 4] وَالآيَاتُ المذكورة تُبيِّنُ صُورَةً أَوْ صُوَرًا مِنْ تَلَفّي الْوَحْيِ مِنْ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى

النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَتِلْكَ الْحَالَاتُ هِيَ وَصْفٌ مُحَمَّدٍ وَجِبْرِيلَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ.

(1) سُورَةُ النجم، الْآيَةُ 13 - 15. (1/131)

صفحة 129

السيرة النبوية.

وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الْآيَاتِ مَنْ يَقُولُ إِنَّ هُنَالِكَ عُرُوجًا لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِنَ الْأَرْضِ إِلَى

السَّمَاءِ وَهُوَ مَا يُعْرَفُ بِالمِعْرَاج. غَيْرَ أَنَّ هُنَاكَ مِنَ الْعُلَماءِ مَنْ لَا يَقُولُ بِالْمِعْرَاج مِنْ غَيْرِ الخَطِئَةٍ دِينَيَّةٍ مِنْ كُلِّ فَرِيقٍ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ تِجَاهَ الْفَرِيقِ الْآخَرِ وَمِنْ كُلِّ جَانِبِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ تِجَاهَ الْجَانِبِ الْآخَرِ كَمَا قَالَ الْعَالِمُ الْكَبِيرُ الشَّيْخُ نَاصِرُ بْنُ أَبِي نَبْهَانَ الْخروصِي وَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ الْمُحَقِّقُ الشَّيْخُ سَعِيدُ بن خلفان الخليليُّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما.

- كَمُسْلِمِينَ كَيْفَ نُقَدِّرُ جَهْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَنَقْتَفِي أَثَرَهُ خَاصَّةٌ فِي هَذِهِ الْآوِنَةِ الْأَخِيرَةِ الَّتِي تَعُجُ بِالْفِتَنِ؟ أَوَّلًا وَقَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّنَا كَمُسْلِمِينَ وَعِنْدَمَا نُصَدِّقُ بِحَادِثَةِ الْإِسْرَاءِ أَخَذَا مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا الَّذِي بَرَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَيْنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (1)، هَذِهِ نَفْسُهَا تُعْطِينَا تَعَلَّقًا وَتَسُكًا بِالنَّبِيِّ، هَذَا التَّمَسُّكُ وَهَذَا التَّعَلُّقُ لَا شَكٍّ يَجْعَلْنَا نَفْتَدِي بِهِ أَيْضًا طَرْحُ هَذِهِ الْأَحْدَاثِ الَّتِي مَرَّ بِهَا النَّبِيُّ تُعْطِي الْمُسْلِمِينَ فِي مُجْتَمَعِهِمْ تَمَسُّعًا لأَنْ تَذكُرَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَمَا لَاقَاهُ مِنْ عَنَتِ الطَّائِفِ وَثَقِيفِ وَمَا لَاقَاهُ مِنْ مَصَالِبَ وَحَنٍ وَتَكْرِيمِ اللهِ تَعَالَى لَهُ وَتَأْبِيدِهِ الدَّائِمِ لَهُ فَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: وَالضُّحَى) وَالَّيْلِ إِذَا سَجَى

(1) سُورَةُ الْإِسْرَاءِ، الْآيَةُ: 1.

132 (1/132)

صفحة 130

السيرة النبوية.

) مَا وَدَّ عَكَ رَبِّكَ وَمَا عَلَى الضُّحَى: 1 - 3 أَي لَمْ يُوَدِّعُهُ اللهُ تَعَالَى وَلَمْ يَقْلِهِ، وَلَمْ يَبْغَضُهُ وَلَمْ يُبْعِدُهُ، وَإِنَّمَا كَانَ دَائِمًا مَعَهُ بِتَأْبِيدِهِ وَحِفْظِهِ وَعِنَايَتِهِ، هَذِهِ الْمُعَانِي تُكَرِّسُ فِينَا كَمُسْلِمِينَ الإِنْتَهَاءَ إِلَى النَّبِيِّ والانتماء إلى هَذَا الدِّين لأنَّ هَذَا الدِّينَ مَنْظُومَةٌ مُتَكَامِلَةٌ تَبْدَأُ بِالْإِيمَانِ بِالله تَعَالَى وَبِكِتَابِهِ وَالتَصْدِيقِ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ هَذِهِ كُلُّهَا تَدْفَعْنَا إِلَى الْإِيمَانِ بِمُحَمَّدٍ وَاتَّبَاعِهِ فِيمَا جَاءَ بِهِ عَنْ رَبِّهِ، وَكُلُّ حَلْقَةٍ مِنْ حَلَقَاتِ هَذَا الدِّينِ مُتَرَابِطَةٌ

وَمُتَكَامِلَةٌ.

وَإِقَامَهُ هَذِهِ المَنَاسَبَاتِ الْآنَ المَقْصُودُ بِهَا التَّمَسُّلُ بِهَدْيِهِ خَاصَّةٌ وَنَحْنُ فِي زَمَنِ تَزْدَحِمُ فِيهِ الحَيَاةُ، وَفِتَنها كَثِيرَةٌ وَلَكِنْ بِجَانِبِ ذَلِكَ هُنَالِكَ تَوْعِيَةٌ دِينَةٌ وَوَعْيٌّ دِينِي وَهُنَالِكَ صَحْوَةٌ دِينِيَّةٌ وَعَوْدَةٌ إِلَى الدِّينِ مُمتازَةٌ وَهَذِهِ الْمُنَاسَبَاتُ تَزِيدُ المُسْلِمِينَ تَمَسُّكًا بِدِينِهِمْ وَتُذَكَّرُهُمْ فِي زَخَمِ هَذِهِ الْحَيَاةِ وَالإِنْشِغَالِ بِهَا بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَكَيْفَ بَدَأَ الْإِسْلَامُ، وَتُذَكِّرُهُمْ بِالتَّضْحِيَاتِ الَّتِي قَدَّمَهَا الرَّسُولُ وَأَصْحَابُهُ وَكَيْفَ وَصَلَ إِلَيْنَا هَذَا الْإِسْلَامُ، وَهَذِهِ المُنَاسَبَاتُ هِيَ مُنَاسَبَاتٌ إِسْلَامِيَّةٌ مُرْتَبِطَةٌ بِبَدَايَةِ الْإِسْلَامِ وَمُرْتَبِطَةٌ بِالنَّبِي فَالْأُمَّةُ الْإِسْلَامِيَّةُ مُطَالَبَةٌ بِإِحْيَائِهَا، مُطَالَبَةٌ بِنَذَكُرِ الرَّسُولِ مِنْ خِلَالِهَا، وَمُطَالَبَةٌ بِأَنْ تَقْتَدِي بِهِ مِنْ خِلَالِهَا، وَمُطَالَبَةٌ بِأَنْ تَتَّبِعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَلِذَلِكَ حُضُورُهَا هُوَ احْتِرَامُ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَتَقْدِيرٌ لَهُ، وَتَقْدِيرُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم هُوَ تَعْظِيمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظَّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ، هَذِهِ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ، وَهَذهِ المُنَاسَبَاتُ ارْتَبَطَتْ بِهِ، وَتِلْكَ الْأَحْدَاثُ النَّبَوِيَّةُ سَوَاءٌ مَوْلِدُهُ أَوْ هِجْرَتُهُ أَوِ الإسْرَاءُ أَوْ فُتُوحَاتُهُ فَكُلُّ مَا تَرَتَّبَ عَلَيْهِ الْبِنَاءُ الْإِسْلامِيُّ فَهُوَ تَعْظِيمٌ لِشَعَائِرِ اللهِ وان

133 (1/133)

صفحة 131

السيرة النبوية.

وَقَالَ أَيْضًا: (وَمَنْ يُعَظَّمْ حُرُمَاتِ اللهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ، فَحُضُورُ هَذِهِ الْمُنَاسَبَاتِ يَنْبَغِى عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ يَسْتَطِيعُ الْحُضُورَ وَلَا يَمْنَعُهُ مَانِعٌ مِنْ عُدْرٍ كَالْأَعْذَارِ الْكَبِيرَةِ المَانِعَةِ

عَلَيْهِ أَنْ يَحْضُرَهَا لِأَنَّ فِي حُضُوره لها تَقْدِيرًا لِلنَّبِيِّ وَتَعْظِيما الله تَعَالَى.

وَيَنْبَغِي ذَلِكَ عَلَى جَميعِ المُسْلِمِينَ، كَبِيرًا أَوْ صَغِيرًا غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا، مَسْؤُولًا أَوْ مُوَظَفًا الْحُضُورُ إِلَى مِثْلِ هَذِهِ الْمُنَاسَبَاتِ لِأَنَّ فِيهَا تَارِيخهُمْ وَأَعْجَادَهُمْ وَفِكْرَهُمْ وَعَفَائِدَهُمْ وَفِيهَا كَثِيرٌ مِنَ المُعَالِمِ الْإِسْلَامِيَّةِ وَالمُعَانِي الْإِسْلَامِيَّةِ، فَلذَلِكَ يَجِبُ عَلَى المُسْلِمِينَ أَنْ يَحْرِصُوا عَلَى الْحُضُورِ وَمَا يُشَاهَدُ مِن ازْوِرَارِ النَّاسِ عَنِ الحُضُورِ هُوَ أَمْرٌ غَيْرُ جَيِّدٍ وَغَيْرُ مُنَاسِب لِلْمُسْلِمِ، وَبِكُلِّ أَسَفٍ يُلَاحَظُ أَنَّهُ عِنْدَمَا تَكُونُ هُنَالِكَ مُنَاسَبَةٌ يُمْكِنُ اعْتِبَارُهَا عَلَى الْأَقَلِّ غَيْرُ مُنْسَجِمَةٍ مَعَ الْمُفَاهِيمِ وَالْقِيَمِ الْإِسْلَامِيَّةِ تَكُونُ هُنَالِكَ كَتَافَةٌ فِي الحُضُورِ الْأَمْرُ الَّذِي يَدْعُو إِلَى التَّأمل وَالنَّظَرِ. (1/134)

صفحة 132

المجرة النبوية

وَفِيهَا جَانِبَانِ:

الْجَانِبُ الْعَمَلِيُّ

- الْجَانِبُ الْفِكْرِيُّ (1/135)

صفحة 133

الْأَسْبَابُ:

السيرة النبوية. الْجَانِبُ الْعَمَلِيُّ لِلْهِجْرَةِ

هُنَالِكَ أَسْبَابُ دَفَعَتِ النَّبِي إِلَى الخُرُوج مِنْ مَكَّةَ إِلَى المَدِينَةِ، وَهِيَ أَسْبَابٌ. وَلاَ

شَكٍّ. قَدَّرَهَا اللهُ تَعَالَى عَلَى نَبِيِّهِ وَعَلَى أَصْحَابِهِ، وَتِلْكَ الْأَسْبَابُ هِيَ:

1 - الْأَذَى، فَقَدْ آذَتْ قُرَيْشُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَمَا آذَتْ أَصْحَابَهُ، وَكَانَ الْأَذَى بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ، فَقَدْ أُوذِيَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بِالْقَوْلِ كَمَا أَنَّ أَصْحَابَهُ أُوذُوا قَوْلاً وَفِعْلاً،

وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ الْأَذَى سَوَاءٌ كَانَ قَوْلاً أَوْ فِعْلاً أَذًى شَدِيدًا لا يُطَاقُ وَلَا يُحْتَمَلُ.

2 - بَيْعَةُ الْعَقَبَةِ الثَّانِيَةُ (1)، وَقَدْ حَضَرَهَا ثَلَاثَةٌ وَسَبْعُونَ رَجُلاً وَامْرَأَتَانِ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَلَعَلَّهَا كَانَتْ بِتَرْتِيبٍ مِنْ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَكَانَ قَدْ أَرْسَلَهُ النَّبِيُّ إلى المدينَةِ مَعَ الَّذِينَ حَضَرُوا بَيْعَةَ الْعَقَبَةِ الْأُولَى لِيُعَلِّمَهُمْ أُمُورَ الْإِسْلَام وَلِيَقُومَ بِالدَّعْوَةِ إِلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ عَادَ انْذَاكَ إِلَى مَكَّةَ بِصُحْبَةِ أَهْلِ بَيْعَةِ الْعَقَبَةِ

الثَّانِيَةِ.

(1) هناك من يقول إن البيعات العقبيات ثلاث جاعلاً من اللقاء الأول بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين نفر من الخزرج بيعة، والثانية هي التي بايع فيها اثنا عشر من الأنصار، والثالثة هي هذه البيعة، ومن يعتبرها

بيعتين أولى وثانية، يجعل الأولى لقاء فقط.

136 (1/136)

صفحة 134

السيرة النبوية.

عَلَى أَنَّ بَيْعَةَ الْعَقَبَةِ الْأُولَى كَانَتْ تُسَمَّى بَيْعَةَ النِّسَاءِ؛ لأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ فِيهَا إِشَارَةٌ إِلَى الحَرْبِ؛ لأنها لَمْ تَكُنْ بَعْدُ قَدْ فُرِضَتْ عَلَى المُسْلِمِينَ، وَلِأَنَّ عَقْدَ الْبَيْعَةِ فِيهَا كَعَقْدِ الْبَيْعَةِ لِلنِّسَاءِ المُذْكُورِ فِي قَوْلِ الله عَزَّ وَجَلَّ: يَتَأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَتُ

يبا يعنك إِلَى آخِرِ الْآيَةِ مِنْ سُورَةِ المُمْتَحِنَةِ، وَمِنْ هُنَالِكَ سُمِّيَتْ بِبَيْعَةِ النِّسَاءِ.

وَسُمِّيَتْ بَيْعَةُ الْعَقَبَةِ الثَّانِيَةُ بَيْعَةَ الْحَرْبِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَةَ فِيهَا عَلَى النُّصْرَةِ وَالْقِتَالِ، قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَكَانَتْ بَيْعَةُ الحَرْبِ حِينَ أَذِنَ اللهُ لِرَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْقِتَالِ شُرُوطٌ سِوَى شَرْطِهِ عَلَيْهِمْ فِي الْعَقَبَةِ الْأُولى، كَانَتِ الأولى عَلَى بَيْعَةِ النِّسَاءِ، وَذَلِكَ أَنَّ اللهَ لَمْ يَكُنْ أَذِنَ لِرَسُولِهِ الله في الحَرْبِ، فَلَمَّا أَذِنَ اللهُ فِيهَا، وَبَايَعَهُمْ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْعَقَبَةِ الْأَخِيرَةِ عَلَى حَرْبِ الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ، أَخَذَ لِنَفْسِهِ وَاشْتَرَطَ عَلَى الْقَوْمِ لِرَبِّهِ وَجَعَلَ لَهُمْ عَلَى الْوَفَاءِ بِذَلِكَ الْجَنَّةَ.

قَالَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ وَكَانَ أَحَدَ الثَّقَبَاءِ (1): بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَيْعَةَ الْحَرْبِ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي عُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَمَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَأَثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ، وَأَنْ نَقُولَ بِالحَقِّ أَيْنَمَا كُنَّا، لَا تَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ).

(1) النقيب هو الكفيل الضامن، مأخوذ من نقب وفتش.

(2) سيرة ابن هشام، ص، 208، دار ابن حزم.

137 (1/137)

صفحة 135

السيرة النبوية.

وَأَقَرَّهُمُ النَّبِيُّ أَنْ يَنتَخِبُوا اثْنَى عَشَرَ نَقِيباً (1) مِنْهُمْ، فَانْتَخَبُوا تِسْعَةً مِنَ الْخَزْرَجِ وَثَلَاثَةٌ مِنَ الْأَوْسِ، فَاعْتَمَدَهُمْ لا وَكَانَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَمُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم حَاضِرًا الْبَيْعَةَ لِيَسْتَوْثِقَ لِابْنِ أَخِيهِ كَمَا هِيَ عَادَةُ الْعَرَبِ، مَعَ أَنَّهُ لَمْ يُعْلِنْ إِسْلَامَهُ، وَلَعَلَّهُ كَانَ مُسْلِمَا خُفْيَةً لِيَجْعَلَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَيْنًا لَهُ عَلَى قُرَيْشٍ وَتَحَرُكَاتِهِمْ،

وَهُوَ مَا يَظْهَرُ مِنْ سِيَاقِ الْأَحْدَاثِ مُنْذُ الْبَعْثَةِ النَّبَوِيَّةِ وَحَتَّى فَتح مَكَّةَ.

3 - انْتِشَارُ الْإِسْلَامِ فِي المَدِينَةِ بَيْنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ فَلَمَّا أَذِنَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ فِي الْحَرْبِ، وَبَايَعَهُ هَذَا الْحَيُّ مِنَ الْأَنْصَارِ عَلَى الْإِسْلَامِ وَالنُّصْرَةِ لَهُ، وَمَنِ اتَّبَعَهُ وَأَوَى إِلَيْهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ؛ أَمَرَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أَصْحَابَهُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ مِنْ قَوْمِهِ وَمَنْ مَعَهُ بِمَكَّةَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِالخروج إلى المَدِينَةِ وَالْحِجْرَةِ إِلَيْهَا، وَالنُّحوقِ بِإِخْوَانِهِمْ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَقَالَ: إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ جَعَلَ لَكُمْ إِخْوَانًا وَدَارًا تَأْمَنُونَ بهَا، فَخَرَجُوا أَرْسَالاً، وَأَقَامَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِمَكَّةَ يَنتَظِرُ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ رَبُّهُ فِي الْخُرُوجِ مِنْ مَكَّةَ وَالهِجْرَةِ إِلَى المَدِينَةِ.

مِنْ هُنَالِكَ أَخَذَ الصَّحَابَةُ فِي الهِجْرَةِ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ جَمَاعَاتٍ وَفُرَادَى، وَكَانَ أَبو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ المُخْزُومِيُّ أَوَّلَ الْمُهَاجِرِينَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ مَّا عَادَ مِنْ هِجْرَتِهِ

(1) نفس المصدر، ص 203

138 (1/138)

صفحة 136

السيرة النبوية.

إِلَى الخَبَشَةِ آذَتْهُ قُرَيْضٌ فَلَمَّا سَمِعَ عَنْ إِسْلَام مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الْأَنْصَارِ خَرَجَ إِلَى المدينة مُهَاجِرًا، ثُمَّ أَخَذَ الصَّحَابَةُ الْكِرَامُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ فِي الْحِجْرَةِ مُتَتَابِعِينَ.

وَكَانَ الْإِسْلَامُ قَدِ انْتَشَرَ بَيْنَ الْأَنْصَارِ عَلَى يَدِ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عِنْدَمَا أَمَرَهُ النَّبِيُّ الله بِالذَّهَابِ إِلَى المَدِينَةِ لِيَقُومَ بِالدَّعْوَةِ إِلَى الْإِسْلَام وَلِيُعَلِّمَهُمُ الْقُرْآنَ، وَقَامَ بِذَلِكَ خَيْرَ قِيَامٍ يُسَاعِدُهُ فِي ذَلِكَ أَبُو أُمَامَةَ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ الْأَنْصَارِيُّ، حَتَّى دَخَلَ الْإِسْلَامُ كُلَّ بَيْتٍ فِي المَدِينَةِ، وَلِذَلِكَ يُعْتَبَرُ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ أَوَّلَ مُقْرِي فِي

الإسلام. التّهَيُّو:

أَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَصْحَابَهُ بِالْهِجْرَةِ، فَهَاجَرُوا تَارِكِينَ وَرَاءَهُمْ دُورَهُمْ وَأَمْوَاهُمْ، وَالْبَعْضُ مِنْهُمْ تَرَكَ أَهْلَهُ، وَلَمْ يَتَخَلَّفْ عَنِ الْهِجْرَةِ إِلَّا أَبُو بَكْرِ الصِّدِّيقُ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَمَنْ كَانَ مَحبُوسًا أَوْ مَفْتُونًا.

أَمَّا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَكَانَ قَدْ تَأَخَّرَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَنْتَظِرُ الْإِذْنَ مِنْ رَبِّهِ، عَلَى أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ يَسْتَعْجِلُ الهِجْرَةَ وَيَسْتَأْذِنُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لَهَا، وَكَانَ لَدَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الْإِحْسَاسِ بِأَنَّهُ سَيَكُونُ رَفِيقَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ لَهُ: لَا تَعْجَلْ لَعَلَّ اللهَ يَجِدُ لَكَ صَاحِبًا، وَهُنَاكَ يَزْدَادُ طَمَعُ الصِّدِّيقِ فِي الرُّفْقَةِ الْكَرِيمَةِ الشَّرِيفَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْقَوْلَ الْجُمِيلَ يَحْمِلُ إِشَارَةً

وَاضِحَةٌ عَلَى ذَلِكَ، فَكَيْفَ لَا يَفْهَمُ الصِّدِّيقُ مَعْنَاهُ؟!

139 (1/139)

صفحة 137

السيرة النبوية.

لِذَلِكَ بَادَرَ بِشِرَاءِ رَاحِلَتَيْنِ مُنَاسِبَتَيْنِ، وَقَامَ بِعَلْفِهِمَا جَيْدًا إِعْدَادًا هَذِهِ الْمُهِمَّةِ التَّارِيخِيَّةِ الْعَظِيمَةِ؛ لأَنَّ اللهَ حَبَهُ مَالاً وَثَرْوَةٌ، حَتَّى جَاءَ الْإِذْنُ الرَّبَّانِيُّ لِنَبِيِّهِ بِالْهِجْرَةِ التِّي كَانَ يَتَطَلَّعُ إِلَيْهَا صَبَاحًا وَمَسَاءٌ لِكَيْ يَلْحَقَ بِأَصْحَابِهِ وَأَهْلِ دَعْوَتِهِ لِيَكُونَ بِجَانِبِهِمْ وَقَرِيبًا مِنْهُمْ، فَما أَنْ جَاءَهُ الْإِذْنُ السَّامِي حَتَّى ذَهَبَ إِلَى الصِّدِّيقِ فِي بَيْتِهِ عِنْدَ قَائِلَةِ النَّهَارِ لِيُبْلِغَهُ الخَبَرَ " وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ فِي الخُرُوج وَالْهِجْرَةِ"، وَأَنَّهُ سَيَكُونُ الرَّفِيقَ فِي الطَّرِيقِ، الطَّرِيقِ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَطَرِيقِ الْإِسْلَامِ.

فَقَدَّمَ أَبو بَكْرٍ لَهُ أَفْضَلَ الرَّاحِلَتَيْنِ، وَلَكِنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، قَالَ: إِنِّي لَا أَرْكَبُ بَعِيرًا لَيْسَ لي. فَقَالَ لَهُ: هُوَ لَكَ يَا رَسُولَ الله فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: "لَا، وَلَكِنْ بالثَّمَنِ الَّذِي ابْتَعْتَهُما بِهِ". فَقَالَ: بِالثَّمَن يَا رَسُولَ الله وَهُنَاكَ قَبلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الرَّاحِلَةَ فَرَكِبَهَا، وَاشْتِرَاطُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَبُولَها بِالثَّمَن لِتَكُونَ هِجْرَتُهُ خَالِصَةٌ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ، وَلِكَيْ يَكُونَ الْقُدْوَةَ الْحَسَنَةَ لِأَصْحَابِهِ فِي ذَلِكَ، مَعَ أَنَّهُ قَبلَ الْكَثِيرَ مِنَ المالِ مِنْ أَبِي بَكْرٍ، أَلَيْسَ هُوَ الْقَائِلُ شُكْرًا وَوَفَاءً "مَا مِنْ أَحَدٍ أَمَنُ عَلَيَّ فِي أَهْلِ وَلَا مَالٍ مِنْ أَبِي بَكْرٍ، حَتَّى صَدَاقِ السَّيِّدَةِ الْجَلِيلَةِ الْكَرِيمَةِ عَائِشَةَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ كَانَ أَبُو بَكْرٍ قَدْ دَفَعَهُ عَنْهُ إِلَيْهَا).

(1) السهيلي: الروض الأنف، ج 2، ص 313، دار الكتب العلمية، بيروت.

140 (1/140)

صفحة 138

السيرة النبوية.

أَمَّا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَدْ أَمَرَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِالْبَقَاءِ فِي مَكَّةَ بَعْدَهُ حَتَّى يُؤَدِّيَ عَنْ رَسُولِ الله الوَدَائِعَ الَّتِي كَانَتْ عِنْدَهُ لِلنَّاسِ؛ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الصَّادِقُ الْأَمِينُ كَمَا سَماهُ قَوْمُهُ، وَلِذَلِكَ كَانَ لَيْسَ بِمَكَّةَ أَحَدٌ عِنْدَهُ شَيْءٌ يَخْشَى عَلَيْهِ إِلَّا وَضَعَهُ عِنْدَهُ

لِصِدْقِهِ وَأَمَانَتِهِ.

الْمَلَأُ يَأْتَمِرُونَ:

لَمْ يَكُن تَحرُّكُ النَّبِيِّ الله خَافِيًا عَلَى قُرَيْشٍ، وَلَا تَحَرُّكَاتُ أَصْحَابِهِ خَافِيَةٌ عَلَيْهِمْ، فَقَدْ كَانُوا يُتَابِعُونَهُ وَيُتَابِعُونَ أَخْبَارَ أَصْحَابِهِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَعْرِفُونَ مَنَازِلَ الْمُهَاجِرِينَ فِي المَدِينَةِ، فَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عِنْدَمَا حَمَلَ أُمَّ سَلَمَةَ شَفَقَةٌ عَلَيْهَا إِلَى الْمَدِينَةِ لِتَلْحَقَ بِزَوْجِهَا أَي سَلَمَةَ بْن عَبْدِ الْأَسَدِ أَنْزَلَنَا فِي قُبَاءَ، قَرْيَةِ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَقَالَ لَهَا: هُنَا زَوْجُكِ نَازِلا، إِذَنْ كَانُوا عَلَى يَقِينِ مِنْ أَنَّ مُحَمَّدًا سَوْفَ يَتْرُكُ مَكَّةَ وَيَخْرُجُ عَنْهُمْ إِلَى المَدِينَةِ لِيَلْتَحِقَّ بِأَصْحَابِهِ، حَيْثُ لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ إِلَّا أَبو بَكْرٍ وَعَلى وَمَنْ هُوَ عَبُوسٌ أَوْ مَفْتُونٌ، وَإِذَا مَا خَرَجَ مُحَمَّدٌ مِنْ مَكَّةَ فَسَيَكُونُ الْأَمْرُ عَلَيْهِمْ شَاقًا وَكَبِيرًا، وَهُنَالِكَ تَدَاعَوْا إِلَى الاجتماعِ فِي نَادِيهِمْ دَارِ التَّدْوَةِ وَهِيَ دَارُ قُضي بْنِ كِلابِ الَّتِي مَا كَانُوا يَقْضُونَ أَمْرًا إِلَّا فِيهَا، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا تَشَاوَرُوا فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: "إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَدْ كَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا قَدْ رَأَيْتُمْ، فَإِنَّا وَالله مَا نَأْمَنُهُ عَلَى الْوُتُوبِ عَلَيْنَا فِيمَنْ قَدِ اتَّبَعَهُ مِنْ غَيْرِنَا، فَأَجْمِعُوا فِيهِ رَأْيَا. قَالَ: فَتَشَاوَرُوا. قَالَ قَائِلٌ: احْبِسُوهُ فِي الْحَدِيدِ، وَأَغْلِقُوا عَلَيْهِ بَابًا، ثُمَّ تَرَبَّصُوا بِهِ مَا أَصَابَ أَشْبَاهَهُ مِنَ الشُّعَرَاءِ الَّذِينَ كَانُوا قَبْلَهُ زُهَيْرًا وَالنَّابِغَةَ وَمَنْ (1/141)

صفحة 139

السيرة النبوية.

مَضَى مِنْهُمْ مِنْ هَذَا المَوْتِ حَتَّى يُصِيبَهُ مَا أَصَابَهُمْ. لَكِنَّهُمْ رَأَوْا إِنْ حَبَسُوهُ سَوْفَ يَخْرُجُ أَمْرُهُ مِنْ وَرَاءِ الْبَابِ إِلَى أَصْحَابِهِ، وَلَعَلَّهُمْ يَثبُونَ عَلَيْهِمْ وَيَنْزِعُونَهُ مِنْ أَيْدِيهِمْ، وَتَكُونُ الْغَلَبَةُ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ، قَالَ آخَرُ: نُخْرِجُهُ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِنَا فَنَنْفِيهِ مِنْ بِلَادِنَا، فَإِذَا خَرَجَ عَنَّا فَوَاللَّهُ مَا تُبَالِي أَيْنَ ذَهَبَ، وَلَا حَيْثُ وَقَعَ لَكِنَّهُمْ فَكَّرُوا فِي حُسْنِ حَدِيثِهِ وَحَلَاوَةِ مَنْطِقِهِ وَخَشْيَةِ تَأثِيرِه فِي الْعَرَبِ، فَيَقْوَى بِهِمْ عَلَيْهِمْ، وَيَطَاهُمْ فِي بِلَادِهِمْ.

قَالَ أَبُو جَهْلٍ: وَالله إِنَّ لِي فِيهِ لَرَأيَا مَا أَرَاكُمْ وَقَعْتُمْ فِيهِ بَعْدُ. قَالُوا: وَمَا هُوَ يَا أَبَا الحَكَمِ؟ قَالَ: أَرَى أَنْ تَأْخُذَ مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ فَتَى شَابًا جَلدًا نَسِيبًا وَسِيطًا فِينَا، ثُمَّ نُعْطِي كُلَّ فَتى مِنْهُمْ سَيْفًا صَارِمًا، ثُمَّ يَعْمَدُوا إِلَيْهِ فَيَضْرِبُوهُ ضَرْبَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ فَيَقْتُلُوهُ، فَنَسْتَرِيحُ مِنْهُ، فَإِنَّهُمْ إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ تَفَرَّقَ دَمُهُ فِي الْقَبَائِلِ جَمِيعًا، فَلَمْ يَقْدِرُ بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ عَلَى حَرْبٍ قَوْمِهِمْ جَمِيعًا، فَرَضُوا مِنَّا بِالْعَقْلِ، فَعَقَلْنَاهُ هُمْ. وَانْفَضَّ سَامِرُهُمْ عَلَى هَذَا الرَّأْيِ وَكَانَ الْاتَّفَاقُ عَلَيْهِ (1).

وَإِلَى ذَلِكَ يُشِيرُ قَوْلُ الله عَزَّ وَجَلَّ: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُنْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ

(2) ,

أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ الله وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَكِرِينَ به (2).

(1) سِيرَةُ ابْنِ هِشَامٍ، ص. (2) الْأَنْفَالُ: 30.

142 (1/142)

صفحة 140

السيرة النبوية.

فَأَعْلَمَ اللهُ نَبيَّهُ بِمَا الْتَمَرُوا بِهِ، وَأَذِنَ لَهُ بِالْهِجْرَةِ، فَأَخَذَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي

التَّجْهِيزِ وَالاِسْتِعْدَادِ لِلرَّحْلَةِ عَلَى وَجْهِ السُّرْعَةِ امْتِثَالاً لِأَمْرِ رَبِّهِ.

وَانْطَلَقَتِ الرَّحْلَةُ المَيْمُونَةُ المُبَارَكَةُ بَادِئَ ذِي بَدْءٍ عَلَى الْأَقْدَامِ خُفْيَةً مِنْ مَكَّةَ إِلَى غَارِ جَبَلٍ ثَوْرٍ يَصْحَبُهُ أَبُو بَكْرٍ.

أَمَّا وُجُودُ الشَّيْخ النَّجْدِي إِبْلِيسَ) في الاجتماع؛ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَإِنَّمَا الموضُوعُ مِنْ قِبَلِ الْقُصَّاصِ لِيَزِيدُوهُ مَلَاحَةٌ وَطَرَافَةَ، وَالْقَوْلُ بِعَدَمِ صِحَّتِهِ لِلْأَسْبَابِ

التَّالِيَة:

دَارُ النَّدْوَةِ لَا يَدْخُلُهَا أَحَدٌ مِنْ غَيْرِ قُرَيْشٍ.

2 قُرَيْضٌ لَا يَقْبَلُونَ رَأْيَا مِنْ غَيْرِهِمْ، لَا مِنْ أهْل نَجْدٍ وَلَا مِنْ غَيْرِهَم؛ لِأَنَّهُمْ يَرَوْنَ هُمْ مَزِيَّةٌ لَيْسَتْ لِغَيْرِهِمْ، وَبِصَرِيحِ الْقَوْلِ إِنَّهُمْ كَانُوا مُسْتَكْبِرِينَ عَلَى غَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ أَهْلُ حَرَمِ اللهِ، وَأَنَّهُمْ حُمَاةُ الْبَيْتِ الْحَرَامِ، وَلِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ:

مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَمِرًا تَهْجُرُونَ (1).

إبْلِيسُ مِنَ الجن، والجن، جن والأنس أنس، وَمَسْأَلَهُ تَشَبُهِ الخَنْ بِالْإِنْسِ مَسْأَلَةٌ فِيهَا خِلافٌ، وَالصَّحِيحُ عَدَمُ إِمْكَانِ ذَلِكَ، فَلِكُل عَالُهُ.

(1) الْمُؤْمِنُونَ: 67.

143 (1/143)

صفحة 141

السيرة النبوية.

4 لِمَاذَا كَانَ الاِعْتِرَاضُ الْوَارِدُ فِي الْقِصَّةِ هُوَ مِنَ الشَّيْخِ النَّجْدِي فَقَطْ، وَلَا يَكُونُ مِنْ غَيْرِهِ مِنَ الْحَاضِرِينَ، وَهُمْ أَصْحَابُ الْعُقُولِ الرَّاجِحَةِ وَالْخُلُومِ الْوَاضِحَةِ.

وَكَذَلِكَ حِصَارُ قُرَيْشٍ لِبَيْتِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لَيْلًا لِكَيْ يَقْتُلُوهُ إِذَا خَرَجَ مُهَاجِرًا، فَإِنَّهُ غَيْرُ صَحِيحِ لِلْأَسْبَابِ التَّالِيَةِ:

1. أَمْرُ الهِجْرَةِ كَانَ سِرًّا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا أَبُو بَكْرٍ وَآلُ أَبِي بَكْرٍ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَكَيْفَ عَلِمَتْ قُرَيْسٌ بِأَمْرِ الهِجْرَةِ.

2. هَلْ يَقْبَلُ بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ أَنْ يُحَاطَ بَيْتُ ابْنِهِمْ مُحَمَّدٍ بِسِيَاجٍ مِنَ الرِّجَالِ، أَمْ هَلْ كَانَ الْحِصَارُ حَافِيًا عَلَيْهِمْ؟ وَمَكَةُ لَا يَخْفَى بِهَا شَيْءٌ لِصِغَرِ مِسَاحَتِهَا، حَيْثُ الْجَمِيعُ مَنَازِلُهُمْ حَوْلَ الْكَعْبَةِ، وَكُلُّ حَرَكَةٍ فِيهَا تَكُونُ مَعْلُومَةً، وَذَلِكَ هُوَ مُحَمَّدٌ وَأَبُو بَكْرٍ مَا إِنْ خَرَجًا حَتَّى عَلِمَتْ قُرَيْسُ وَاضْطَرَبَتْ مَكَّة.

3. لِمَاذَا يُحَاصِرُونَهُ لَيْلًا وَهُوَ غَيْرُ مُخْتَفٍ وَغَيْرُ مُخْتَبِي، بَلْ كَانَ دَائِمَ الْحَرَكَةِ وَالانْتِقَالِ فِي مَكَّةَ، وَدَائِمَ الصَّلَاةِ عِنْدَ الْكَعْبَةِ، فَهَلْ مَعَ ذَلِكَ يَحْتَاجُ الْأَمْرُ إِلَى الْمُحَاصَرَةِ لَيْلًا.

4 وَتَقُولُ الْقِصَّةُ أَنَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لَما خَرَجَ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ نَثَرَ عَلَيْهِمُ التُّرَابَ عَلَى رُؤُوسِهِمْ، فَلَمْ يَشْعُرُوا حَتَّى جَاءَ رَجُلٌ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ، فَأَخْبَرَهُمْ عَنْ خُرُوجِ النَّبِيِّ

144 (1/144)

صفحة 142

السيرة النبوية.

وَأَنَّهُ وَضَعَ التُّرَابَ عَلَى رُؤُوسِهِمْ، فَمَنْ هُوَ ذَلِكَ الرَّجُلُ؟ وَمِنْ أَيْنَ عَلِمَ؟ وَمَنْ

أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ؟!

وَأَمَّا نَوْمٌ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَى فِرَاشِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ؛ فَلَما لَمْ تَصِحَ الْقِصَّةُ هُنَالِكَ، لَا تَصِحُ هُنَا؛ لِأَنَّهَا مُرْتَبِطُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ، وَعَلَى الْعُمُومِ؛ إِنَّهُ لَا اثْتَمَرَتْ قُرَيْضٌ عَلَى قَتْلِ مُحَمَّدٍ أَعْلَمَهُ اللهُ بِذَلِكَ، وَأَذِنَ لَهُ بِالْحِجْرَةِ، فَخَرَجَ هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ خُفْيَةً مَشْيَا عَلَى الْأَقْدَامِ إِلَى الْغَارِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ خُرُوجَهُمَا كَانَ لَيْلًا، وَعَلِمَتْ بِهِ قُرَيْضٌ صَبَاحَ

الْغَدِ (1).

رِحْلَةُ الْهِجْرَةِ:

خَطَّطَ النَّبِيُّ الْكَرِيمُ لِرَحْلَةِ هِجْرَتِهِ خَيْرَ تَخْطِيطِ اخْتِيَارًا مُوَفَّقًا لِلْمُرَافِقِينَ، وَرَسْما وَاضِحًا لِخَارِطَةِ الطَّرِيقِ مِنْ مَكَّةَ إِلَى المَدِينَةِ، وَلِذَلِكَ تُعْتَبَرُ رِحْلَةُ الهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ خَيْرَ مِثَالٍ عَلَى التَّخْطِيطِ الْإِدَارِيِّ وَالْفَنِّيِّ، وَيَتَمَثَلُ ذَلِكَ التَّخْطِيطُ فِي مَا يَلِي:

1 - إِخْفَاءُ أَمْرِ الهِجْرَةِ، فَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ إِلَّا عَدَدٌ تَحْدُودٌ مِنَ النَّاسِ، وَهُمُ الَّذِينَ يَدُورُ عَلَيْهِمْ أَمْرُ رِحْلَة الْحِجْرَةِ، لأنّصَالِهِمُ المُبَاشِرِ بها، عَمَلًا وَتَهيئَةٌ، فَلَمْ يَكُنْ هُنَالِكَ

(1) مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الرِّوَايَاتِ الْوَارِدَةَ فِي هَذَا المَوضُوع ضَعِيفَةُ الْإِسْنَادِ، عَلَى أَنَّنَا تَقُولُ إِنَّهُ لَا يَنبَغِي التَّشَدُّدُ في قبولِ الرِّوَايَاتِ الْإِخْبَارِيَّةِ؛ لأنها لا تحملُ تَشْرِيعًا، غَيْرَ أَن القِصَّةَ هُنَا بَعْدَ تَرْتِيبٍ عَنَاصِرِهَا وَتَخلِيلِهَا وَتَعْلِيلِهَا تَبَيَّنَ عَدَمُ صِحَّتِهَا حَيْثُ إِنَّ الْقَرَائِنَ وَالْأَحْوَالَ المُحِيطَةَ بِهَا لَا تُسَاعِدُ عَلَى جَعْلِهَا صَحِيحَةٌ.

145 (1/145)

صفحة 143

السيرة النبوية.

عَالِمُ بِالرِّحْلَةِ إِلَّا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، الَّذِي أَوْكَلَ إِلَيْهِ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم أَدَاءَ وَدَائِع النَّاسِ، وَأَبُو بَكْرٍ رَفِيقُهُ فِي الرّحْلَةِ، وَآلُ أَبي بَكْرِ لِتَهْبِئَةِ أَجْوَاءِ الرَّحْلَةِ، وَالْمَرَافِقَانِ

الْآخَرَانِ ابْنُ أَرَيْقِطٍ لِدَلَالَةِ الطريق، وَعَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ لِلْخِدْمَةِ.

2 - اعْتَمَادُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَبْدَ اللهِ بْنَ أَرَيْقِطِ الدِّيليَّ دَلِيلًا لِلرَّحْلَةِ فِي الطَّرِيقِ مِنْ مَكَّةَ إِلَى المَدِينَةِ، مَعَ أَنَّهُ مُشْرِكٌ لَمْ يُسْلِمْ، وَلَكِنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ اعْتَمَدَ الْكَفَاءَةَ فِي الْعَمَلِ مُرَاعِبًا الاخْتِصَاصَ الْوَظيفِيَّ، فَابْنُ أُرَيْقِطِ وُصِفَ بِأَنَّهُ خِرِّيتُ الصَّحْرَاءِ، أَيْ خَبِيرٌ بِطُرُقَاتِهَا وَمَسَالِكِهَا وَجَوَانِبِهَا، كَمَا أَنَّ النَّبِيَّ وَأَبَا بَكْرٍ دَفَعَا إِلَيْهِ الرَّاحِلَتَيْنِ لِيَرْعَاهُمَا حَتَّى يَحِينَ مَوْعِدُ الرَّحْلَةِ، وَلِصَرْفِ أَنْظَارِ قُرَيْشٍ عَنِ

الراحلتين.

وَاعْتِمَادُهُ عَامِرَ بْنَ فُهَيْرَةَ، وَهُوَ مَوْلى لأَبي بَكْرِ، لِخِدْمَةِ الطَّرِيقِ مَا لَهُ مِنْ خِدْمَةٍ حَسَنَةٍ عِنْدَ الصِّدِّيقِ، وَأَنَّهُ كَاتِمٌ لِلسِّر.

أَمَّا عَبْدُ الله بْنُ أَبِي بَكْرٍ، فَقَدْ أَمَرَاهُ أَنْ يَخْتَلِطَ بِالنَّاسِ وَيَغْشَى عَجَالِسَ قُرَيْشٍ، لِيَتَسَمَّعَ هما الْأَخْبَارَ الَّتِي تَدُورُ حَوْلَ خُرُوجِهِمَا، وَمَا يُقَالُ فِيهِمَا وَتَزْوِيدِهِمَا بِالطَّعَامِ، وَحَدَّدَا لَهُ المجيء كُلَّ مَسَاءٍ أَثْنَاءَ وُجُودِهِمَا فِي الْغَارِ، وَعَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيهِمَا بِالْأَغْنَامِ مَسَاءً لِيُزَوِّدَهُمَا بِالْخَلِيبِ، ثُمَّ يَتَعَقَّبُ أَثَرَ قَدَمَيْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ

أَبِي بَكْرٍ لِإِخْفَائِهِ، حَتَّى لَا يُعْثُرَ عَلَى مَكَانِ وُجُودِهِمَا.

146 (1/146)

صفحة 144

السيرة النبوية.

أَمَّا أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ، فَكَانَ عَلَيْهَا إِعْدَادُ الطَّعَامِ.

- تَوْقِيتُ الرِّحْلَةِ، حَيْثُ اخْتَارَ اللَّيْلَ وَقْتًا لِلْخُرُوجِ مِنْ مَكَّةَ؛ لِأَنَّهُ سَاتِرٌ، أَمَّا النَّهَارُ فَهُوَ كَاشِفْ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفِ بِالَّيْلِ وَسَارِبُ بِالنَّهَارِ. وَلَعَلَّهُ كَانَ فِي الْهَرِيعِ الْأَوَّلِ مِنَ اللَّيْلِ حَتَّى يُدْرِكَا الْوُصُولَ إِلَى غَارِ جَبَلِ ثَوْرٍ، فِي حَالِ ظَلَامِ اللَّيْلِ لَا يَزَالُ سَاتِرًا هما، وَهَكَذَا كَانَتِ الرّحْلَةُ الْأُولَى مِنْ تِلْكَ الرّحْلَةِ المَيْمُونَةِ مَشْيَا عَلَى الْأَقْدَامِ مِنْ مَكَّةَ إِلَى جَبَلِ ثَوْرِ الْوَاقِع فِي جَنُوبِ شَرْقِ مَكَّةَ.

4 - فِي الْغَارِ، وَهُوَ فِي جَبَلِ ثَوْرٍ، وَبِمَا أَنَّ الْخُرُوجَ مِنْ مَكَّةَ لَيْلًا فَإِنَّ الْوُصُولَ إِلَى الْغَارِ لَيْلًا، فَالمُسَافَةُ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْغَارِ مَشْيَا عَلَى الْأَقْدَامِ تَسْتَغْرِقُ سَاعَةً مِنَ الزَّمَانِ.

فِي رَأْبِي أَنَّ اخْتِيَارَ الرَّسُولِ لِذَلِكَ الْغَارِ فِي جَبَلِ ثَوْرٍ لَمْ يَكُنْ وَلِيدَ اللَّحْظَةِ أَوْ بِمُجَرَّدِ الصُّدْفَةِ، وَإِنَّمَا كَانَ اخْتِيَارًا مَدْرُوسًا، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ قَدْ ذَهَبَ إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَعَرَفَ مَوْقِعَهُ وَوَسَاعَتَهُ وَحَصَانَتَهُ وَصُلُوحَهُ لِلْحَدَثِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَشْرَفَ هَذِهِ اللَّحْظَةَ، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الاسْتِرَافُ وَحْيَا أَمْ قِرَاءَةً لَا سَيَقُولُ إِلَيْهِ الْخَالُ، حَيْثُ إِنَّ سِيَاقَ الْحَدَثِ يُؤَكِّدُ ذَلِكَ مَعْرِفَةِ آلِ أَبِي بَكْرِ بِمَوْقِعِهِ.

وَوَصَلَ النَّبِيُّ - صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، وَصَاحِبُهُ الصِّدِّيقُ إِلَى الْغَارِ، وَقَدْ أَظْهَرَ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ صِدْقَهُ فِي وِقَايَةِ النَّبِيِّ بِنَفْسِهِ، حَيْثُ دَخَلَ إِلَى الْغَارِ قَبْلَ النَّبِيِّ لِتَهْيِئَتِهِ لَهُ، وَلِيَطْرُدَ مَا فِيهِ مِنْ سَبْعِ أَوْ حَيَّةٍ أَوْ حَشَرَاتٍ، حَتَّى لَا يُصِيبَ النَّبِيَّ مِنْهَا

147 (1/147)

صفحة 145

السيرة النبوية.

شَيْءٌ مِنَ الْأَذَى وَعِنْدَ خُرُوجِهِمَا مِنْ مَكَّةَ فِي طَرِيقِهِمَا إِلَى الْغَارِ كان أَبو بَكْرٍ أَمَامَ النَّبِيِّ تَارَةً وَتَارَةٌ خَلْفَهُ وَمَرَّةً عَنْ يَمِينِهِ وَمَرَّةً عَنْ شِمَالِهِ، فَقَالَ لَهُ: مَا هَذَا؟ فَأَجَابَهُ الصِّدِّيقُ: بِأَنَّنِي أَتَذَكَّرُ الرَّصْدَ فَأَتَقَدَّمُ، وَأَتَذَكَّرُ الطَّلَبَ فَأَتَأَخَّرُ، وَأَكُونُ جَانِبًا لِآمَنَ

عَلَيْكَ (1).

وَمَكَنَا فِيهِ ثَلَاثَ لَيَالٍ أَوْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَتَكُونُ لَيْلَتَانِ غَيْرَ اللَّيْلَةِ الَّتِي وَصَلَا فِيهَا. عَلِمَتْ قُرَيْشُ بِخُرُوج النَّبِيِّ نَهارَ الْغَدِ، وَأَصَابَهُمُ الارْتِبَاكُ وَالجُنُونُ؛ لأنهُمْ فَقَدُوا حَرَكَتَهُ بِمَكَّةَ وَحَوْلَ الْكَعْبَةِ الَّتِي مَا كَانَ يُفَارِقُهَا إِلَّا قَلِيلًا، وَذَهَبُوا إِلَى مَنْزِلِهِ فَلَمْ يَجِدُوهُ، وَذَهَبُوا إِلَى مَنزِلِ أَبِي بَكْرٍ فَلَمْ يَجِدُوهُمَا، وَهُنَاكَ تَفَرَّقُوا شِيبًا وَشَبَابًا فِي جَمِيعِ جِهَاتِ مَكَّةَ الْأَرْبَع بَحْثًا عَنْ مُحَمَّدٍ؛ لَعَلَّهُمْ يَظْفَرُونَ بِهِ، فَلَمَّا لَمْ يَجِدُوا لَهُ عَلَى أَثَرِ اسْتَعْمَلُوا الْقِيَافَةَ (2)، مِنَ الرِّجَالِ، وَاتَّجَهَ الْقَائِفُ أَوِ الْقَافَةُ إِلَى جِهَةِ جَبَلِ ثَوْرٍ مُتَّبِعِينَ أَثَرَ مُحَمَّدٍ وَصَاحِبِهِ حَتَّى قَادَهُمْ ذَلِكَ إِلَى غَارٍ فِي ذَلِكَ الْجَبَلِ، وَلَكِنَّهُمْ صُدِمُوا بِوُجُودِ شَجَرَةٍ غَطَّتْ فُوَّهَةَ الْغَارِ، وَقَدْ نَسَجَ الْعَنْكَبُوتُ عَلَيْهَا خُيُوطَهُ، وَعَلَيْهِ حَمَامَتَانِ تُغَرِّدَانِ وَقَدْ بَاضَتَا (3)، فَحَارُوا مِنْ ذَلِكَ أَمْرًا، فَالْأَثَرُ لِقَدَمِ مُحَمَّدٍ

(1) أَطْفَيَّشُ: مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، تَبْشِيرُ التَّفْسِير، ج 6، ص 23 طَبْعَةُ الْجَزَائِرِ.

(2) الْقِيَافَةُ هِيَ تَتَتَّبَعُ أَثَرِ الْأَقْدَامِ.

(3) هُنَاكَ مَنْ يُنْكِرُ وُجُودَ الشَّجَرَةِ وَالْعَنْكَبُوتِ وَالحتمامِ عَلَى الْغَارِ، وَلَكِنَّنِي أَوْرَدْتُهَا لِاحْتِمَالِ صِحَّتِهَا،

148 (1/148)

صفحة 146

السيرة النبوية -

وَقَدَمٍ أَبِي بَكْرٍ، وَلَكِنَّ وُجُودَ الْأَشْيَاءِ الثَّلَاثَةِ يَمْنَعُ مِنْ دُخُولِ أَيِّ إِنْسَانِ إِلَى الْغَارِ،

فَكَيْفَ الْأَمْرُ؟!

وَهُنَالِكَ دَاخَلَ أَبَا بَكْرٍ تَوَجُسُ الْخَوْفِ وَهُوَ يَسْمَعُ أَقْدَامَ الْقَوْمِ، قَالَ: لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ إِلَى قَدَمِهِ لَرَأَىنَا، كَيْفَ لَا وَهُوَ الْمُشْفِقُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَدَعْوَتِهِ؟! لِأَنَّ لَازِمَ الْأَمْرِ وَوَاقِعَ الحَالِ كَمَا عَبَرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: إِنْ قُتِلْتُ فَإِنَّما أَنَا رَجُلٌ وَاحِدٌ، وَإِنْ قُتِلْتَ أَنْتَ هَلَكَتِ الْأُمَّةُ. بَيْدَ أَنَّ السَّكِينَةَ الرَّبَّانِيَّةَ كَانَتْ تُظَلَّلُ النَّبِيِّ الْكَرِيمَ بِظِلُّ الطُّمَأْنِينَةِ وَالْعِصْمَةِ وَرَبَاطَةِ الْجُأْشِ، فَقَالَ لَهُ: "لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا، مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ

ثَالِتهما؟ " (1).

وَفِي رَأْيِي إِنَّ تِلْكَ اللَّحَظَاتِ هِيَ مِنْ أَشَدَّ اللَّحَظَاتِ ضَعْفًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَإِلَى ذَلِكَ يُشِيرُ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ بِقَوْلِهِ إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إن الله معنا فَأَنزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا

وَهِيَ لَيْسَ فِيهَا تَشْرِيحٌ يَلْزَمُ الْأُمَّةَ الْعَمَلُ بِهَا، وَإِنَّمَا هِي لعلها مِنْ بَابِ الْمُعْجِزَاتِ الْإِليَّةِ لِنَبِيِّهِ؛ نظرًا إِلَى أن الموقف حَرِجٌ جِدًّا وَيَحتاجُ إلى تأييد المي من نوع خاص خَارِجَ المَألُوفِ الْبَشَرِي.

(1) السُّهَيْلِيُّ الرَّوْضُ الْآئِفُ، ج 2، ص 316، تَحْقِيقُ تَجْدِي بْنِ مَنْصُورٍ. (1/149)

صفحة 147

السيرة النبوية.

وجعل كلمةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا

وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمُ (1).

لِأَنَّ الْآيَةَ سَاقَهَا اللهُ فِي مَقَامِ تَعْنِيفِ المُتَخَلَّفِينَ عَنْ غَزْةَ الْعُسْرَةِ، وَهِيَ غَزْوَةُ تَبُوكَ، وَمَعْنَاهَا: إِنَّكُمْ إِنْ لَمْ تَنْصُرُوا نَبِيَّكُمْ فِي هَذِهِ أَوْ غَيْرِهَا وَهُوَ بِهَذِهِ الْقُوَّةِ وَالمَنعَةِ وَنَصْرِ الله لَهُ، فَإِنَّ اللهَ لَمْ يَتَخَلَّ عَنْهُ فِي أَشَدَّ حَالَاتِ ضَعْفِهِ عِنْدَمَا كَانَ فِي الْغَارِ خَائِفًا مِنْ أَنْ تَتَخَطَّفَهُ قُرَيْضٌ، وَيَقُولُ لِصَاحِبِهِ: لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا.

وَبَعْدَ الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ أَوِ اللَّيَالِي الثَّلَاثِ (2) جَاءَهُمُ الدَّلِيلُ الْجُغْرَافِيُّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُرَيْقِطٍ بِالرَّكَائِبِ وَفِيهِما رَاحِلَنَا النَّبِيِّ وَأَبِي بَكْرٍ، وَجَاءَتْهُما أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ بِالزَّادِ، وَلَا أَرَادَتْ تَعْلِيقَ سُفْرَةِ الزَّادِ عَلَى رَاحِلَةِ وَالِدِهَا لَمْ تَجِدْ رِبَاطًا تَشُدُّ بِهِ السُّفْرَةَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، فَأَخَذَتْ نِطَاقَهَا وَشَفَتْهُ نِصْفَيْنِ، فَعَلَّقَتْ بِأَحَدِهِمَا السُّفْرَةَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَمِنْ هُنَاكَ سُمِّيَتْ ذَاتَ النِّطَاقَيْنِ، وَبَعْضُهُمْ أَطْلَقَ عَلَيْهَا ذَاتَ النِّطَاقِ، وَكَانَ

خُرُوجُهُمَا مِنَ الْغَارِ يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ أَوَّلَ يَوْمٍ مِنْ رَبِيعِ الْأَوَّلِ (3).

(1) التَّوْبَة: 40.

(2) الرَّاجِعُ أَنَّهَا لَيَالٍ ثَلَاثٍ.

(3) يُوَافِقُ مِيلادِيًا. (1/150)

صفحة 148

السيرة النبوية.

وَأَخَذَ بِهِمَا دَلِيلُهُما طَرِيقَ السَّاحِلِ، وَهُوَ سَاحِلُ تِهَامَةَ، يُعَارِضُ بِهَا الطُّرُقَ الْمَعْرُوفَةَ المُسْلُوكَةَ، حَتَّى لَا يَرَاهُمْ أَحَدٌ، حَتَّى نَزَلُوا عَلَى بَيْتٍ فِي مِنْطَقَةِ قُدَيْدٍ، وَوَجَدُوا فِيهِ امْرَأَةٌ يُقَالُ مَا أُم مَعْبَدٍ عَاتِكَةُ بِنْتُ خَالِدٍ الْخُزَاعِيَّةُ، فَاسْتَضَافُوهَا فَأَضَافَتْهُمْ بِلَبَنِ شَاةٍ

عِنْدَهَا.

أَمَّا مَا حُكِيَ مِنْ شِعْرِ الْجِنِّيِّ الَّذِي كَانَ يُسْمَعُ صَوْتُهُ بِمَكَّةَ وَلَا يُرَى شَخْصُهُ، فَذَلِكَ مِنْ قِصَص السُّمَّارِ المُولَعِينَ بِأَخْبَارِ الجِنَّ الْغَرِيبَةِ، عَلَى أَنَّ خَبَرَ الْحِجْرَةِ قَدْ شَاعَ وَذَاعَ في دُنْيَا النَّاسِ، فَجَعَلَتْ قُرَيْضٌ مِائَةَ نَاقَةٍ لَنْ يَقْبِضُ عَلَى النَّبِيِّ وَيُسَلِّمُهُ إِلَيْهِمْ، وَهِيَ ثَرْوَةٌ كَبِيرَةٌ عِنْدَ الْعَرَبِ انَذَاكَ، تُغْرِي كُلَّ وَاحِدٍ؛ لأنها. لَا شَكٍّ. تَنْقُلُ صَاحِبَهَا مِنَ الْفَقْرِ إِلَى الْغِنَى، وَبَيْنَمَا كَانَ بَنُو مُدْلِجٍ مُجْتَمِعِينَ فِي نَادِيهِمْ إِذْ ذَكَرَ أَحَدُ الْأَشْخَاصِ مِنْهُمْ أَنَّهُ شَاهَدَ رَكْبًا مُكَوِّنَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَشْخَاصِ، وَفِي ظَنِّهِ أَنَّهُ مَطْلُوبُ قُرَيْشٍ، مُحَمَّدٌ وَرُفْقَتُهُ، وَعِنْدَمَا سَمِعَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْتُم المُدْخِيُّ ذَلِكَ طَمِعَ فِي تِلْكَ الثَّرْوَةِ المُعْلَنَةِ، وَأَوْماً إِلَى الرَّجُل بالسُّكُوتِ، وَهُنَاكَ أَخَذَ يُجَهْرُ فَرَسَهُ لِلْحَاقِ بِمُحَمَّدٍ لإلْقَاءِ الْقَبْضِ عَلَيْهِ، بَيْدَ أَنَّهُ مَا إِنِ اقْتَرَبَ مِنْهُمْ حَتَّى عَشَرَ بِهِ فَرَسُهُ، وَقَدْ أَخَذَ يَعْثُرُ بِهِ

عَشْرَةٌ بَعْدَ عَشْرَةٍ، وَكَانَتِ الْعَشْرَةُ الثَّالِثَةُ كَبِيرَةً وَمُفْزِعَةٌ وَمُرَوِّعَةٌ وَمُدَوَّيَةٌ.

وَهُنَاكَ تَيَقَيَّنَ سُرَاقَهُ أَنَّ مُحَمَّدًا مَمْنُوعٌ مِنْهُ، فَنَادَاهُمْ بِأَعْلَى صَوْتِهِ قَائِلًا: قِفُوا أَكَلِّمْكُمْ. فَوَقَفُوا لَهُ، وَطَلَبَ مِنَ النَّبِيِّ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ كِتَابًا يَكُونُ آيَةً أَيْ عَلَامَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ تَيَقَّنَ مِنْ صِحَّةِ النُّبُوَّةِ؛ لِأَنَّ أَمْرَهَا قَدْ شَاعَ وَذَاعَ

151 (1/151)

صفحة 149

شو

السيرة النبوية.

بَيْنَ الْعَرَبِ، مَعَ مَا ظَهَرَ لَهُ مِنْ عَتَرَاتِ فَرَسِهِ الْمُرَوْعَةِ، فَلِذَلِكَ طَلَبَ ذَلِكَ الْكِتَابَ، وَهُوَ الَّذِي أَظْهَرَهُ بَعْدَ فَتح مَكَّةَ وَالْفَرَاغَ مِنْ مَعْرَكَةِ حُنَيْنٍ وَالطَّائِفِ، وَوَاصَلَ رَكْبُ الهِجْرَةِ مَسِيرَهُ حَتَّى نَزَلَ بِهِمُ الدَّلِيلُ مِنْطَقَةَ الْعَرْجِ، وَهِيَ غَيْرُ بَعِيدَةٍ عَنِ المَدِينَةِ، وَهُنَاكَ كَانَتْ رَاحِلَةُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَدْ أَبْطَاتِ السَّيْرَ جِهْدٍ أَصَابَهَا الْأَمْرُ الَّذِي حَمَلَهُ عَلَى النُّزُولِ عِنْدَ أَوْسِ بْنِ حَجَرِ الْأَسْلَمِيِّ، الَّذِي هَيَّا لِلنَّبِيِّ جَمَلًا جَيْدًا، وَأَمَرَ غُلَامَهُ مَسْعُودَ بْنَ هُنَيْدَةَ أَنْ يَصْحَبَهُما قَائِلًا لَهُ: اسْلُكْ بِهِمُ الْمُخَارِقَ، أَوْ قَالَ: الْمُخَارِمَ. وَيَعْنِي مَخَارِمَ الطَّرِيقِ لِإِخْفَائِهِمْ، وَحَدَّثَ مَسْعُودٌ هَذَا قَائِلًا: فَكُنْتُ أَخُذُ بِهِمْ إِخْفَاءَ الطَّرِيقِ (1). حَتَّى قَدِمَ بِهِمْ قَرْيَةَ قُبَاءَ، وَهِيَ مِنْ أَعْمَالِ المَدِينَةِ وَتَوَابِعِهَا عِنْدَ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، حَيْثُ كَانَ كَثِيرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ المُهَاجِرِينَ قَدْ وَصَلُّوا إِلَيْهَا وَتَوَزَّعُوا عِنْدَ أَهْلِهَا، وَكَانَ الْوُصُولُ إِلَى قُبَاءَ يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ الثَّانِيَ عَشَرَ مِنْ رَبِيعِ الْأَوَّلِ (2)، بَعْدَ أَنِ ارْتَفَعَتِ الشَّمْسُ ضُحًى وَأَرْسَلَتْ حَرَارَتَهَا إِلَى الْأَرْضِ لتُجْبِرَ الْمُنتَظِرِينَ عَلَى الدُّخُولِ إِلَى ظِلَالِ بُيُوتِهِمْ هُنَاكَ أَطَلَّ الرَّكْبُ الميْمُونُ بِطَلْعَتِهِ الْبَهِيَّةِ عَلَى الْمَدِينَةِ، وَكَانَتِ الْأَنْبَاءُ بِالْهِجْرَةِ قَدْ تَرَامَتْ إِلَى أَسْمَاعِ أَهْلِهَا الَّذِينَ يَخْرُجُونَ كُلَّ يَوْمٍ يَنتَظِرُونَ

(1) فِي الرَّوْضِ الْأَنفِ لِلسُّهَيْلِيُّ نَقَلَا عَنِ النَّسَوِيٌّ قَوْلُهُ: وَفِقْهُ هَذَا أَنَّهُمْ كَانُوا خَائِفِينَ، فَلِذَلِكَ كَانَ يَأْخُذُ بهِمْ إِخْفَاءَ الطَّرِيقِ وَتَخَارِقِهِ، ج 2، ص 329، تَحْقِيقُ يَجْدِي بْنِ مَنْصُورٍ.

(2) يُوَافِقُ مِيلادِيًا.

152 (1/152)

صفحة 150

السيرة النبوية.

مَقْدِمَ مُحَمَّدٍ لِيَكُونَ لَهُمْ شَرَفُ رُؤْيَتِهِ؛ لِأَنَّ الْكَثِيرَ مِنْهُمْ أَوْ مُعْظَمَهُمْ لَمْ يَكُونُوا قَدْ رَأَوْهُ مِنْ قَبْلُ، وَكَانَ انْتِظَارُهُمْ مُنْذُ بكْرَةَ النَّهَارِ حَتَّى يَلْفَحَهُمْ حَرُّ الشَّمْسِ وَلَهَيبُهَا.

عَلَى أَنَّنِي أَجِدُ مِنَ المُناسِبِ أَنْ أَنْقُلَ ذَلِكُمُ المَشْهَدَ الْإِيمَانِيَّ بِمَقْدِمِ الرَّسُولِ إِلَى المَدِينَةِ وَاسْتِقْبَالِ الْأَنْصَارِ لَهُ عَنْ صَاحِبِ السِّيرَةِ وَهُوَ ابْنُ إِسْحَاقَ، فَقَدْ نَقَلَ عَمَّنْ حَدَّثَهُ بِسَنَدِهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُوَيْمِرِ بْنِ سَاعِدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي رِجَالٌ مِنْ قَوْمِي مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالُوا: لما سَمِعْنَا بِمَخْرَجِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ مَكَّةَ وَتَوَكَّفْنَا قُدُومَهُ، كُنَّا نَخْرُجُ إِذَا صَلَّيْنَا الصُّبْحَ إِلَى ظَاهِرٍ حَرَّيْنَا نَتَظِرُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَوَالله مَا نَبْرَحُ حَتَّى تَغْلِبَنَا الشَّمْسُ عَلَى الظُّلالِ، فَإِذَا لَمْ نَجِدْ ظِلَّا دَخَلْنَا، وَذَلِكَ فِي أَيَّامٍ حَارَّةٍ، حَتَّى إِذَا كَانَ الْيَوْمُ الَّذِي قَدِمَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم جَلَسْنَا كَمَا كُنَّا نَجْلِسُ، حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ ظِلُّ دَخَلْنَا بُيُوتَنَا، وَقَدِمَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حِينَ دَخَلْنَا الْبُيُوتَ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ رَأَىهُ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ، وَقَدْ رَأَى مَا كُنَّا نَصْنَعُ وَأَنَّنَا تَنتَظِرُ قَدُومَ رَسُولِ الله عَلَيْنَا، فَصَرَخَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا بَنِي قَيْلَةَ، هَذَا جَدُّكُمْ قَدْ جَاءَ، قَالَ: فَخَرَجْنَا إِلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وَهُوَ فِي ظِلَّ نَخْلَةٍ، وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي مِثْلِ سِنْهِ، وَأَكْثَرُنَا لَمْ يَكُنْ رَأَى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَبْلَ ذَلِكَ، وَرَكِبَهُ النَّاسُ وَمَا يَعْرِفُونَهُ مِنْ أَبِي بَكْرٍ حَتَّى زَالَ الظَّلَّ عَنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَقَامَ أَبو بَكْرٍ فَأَظَلَّهُ بِرِدَائِهِ، فَعَرَفْنَاهُ عِنْدَ ذَلِكَ (1).

(1) سيرة ابن هشام، ص 227، دَارُ ابْنِ حَزْمٍ، بيروت، لبنان.

153 (1/153)

صفحة 151

السيرة النبوية.

الْجَانِبُ الْفِكْرِيُّ للهِجْرَةِ (1)

- عَلَى المُسْلِمِ أَنْ يُحَاسِبَ نَفْسَهُ عَلَى مَا بَدَرَ مِنْهُ مِنْ خَطَا وَهُوَ يُوَدِّعُ عَامًا

هِجْرِيَّا، كَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ؟

بَعْدَ حَمدِ الله تَعَالَى وَالصَّلَاةِ وَالسَّلَام عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ، فِي الحَقِيقَةِ إِنَّ الْإِنْسَانَ المُسْلِمَ مُطَالَبٌ أَنْ يُقَيِّمَ نَفْسَهُ وَيُحَاسِبَهَا فِي كُلِّ مَرْحَلَةٍ مِنْ مَرَاحِلٍ حَيَاتِهِ، بَلْ إِنَّهُ حَتَّى عَلَى مُسْتَوَى الْيَوْمِ كَمَا جَاءَ فِي الْأَدَبِيَّاتِ، هُنَالِكَ مَقُولَةٌ عَنْ أَبِي الْأَنْبِيَاءِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، إِنَّهُ يَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ أَنْ تَكُونَ لَهُ أَرْبَعُ سَاعَاتٍ، وَالسَّاعَاتُ المُقْصُودَةُ لَيْسَتْ بِالسَّاعَاتِ الخَالِيَّةِ المُكَوِّنَةِ مِنْ سِتِّينَ دَقِيقَةٌ، إنما السَّاعَةُ المَقْصُودَةُ هِيَ جُزْءٌ مِنَ الْوَقْتِ حَيْثُ أَنِ الْيَوْمُ وَاللَّيْلَةُ يُقَسِمُهَا الْإِنْسَانُ

مَجْمُوعَةٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ وَهَذِهِ السَّاعَاتُ هِيَ:

1 - سَاعَةٌ يُحَاسِبُ فِيهَا نَفْسَهُ.

2 - سَاعَةٌ يَذْكُرُ فِيهَا رَبَّهُ.

-3 - سَاعَةٌ يَطْلُبُ فِيهَا رِزْقَهُ.

- سَاعَةٌ يَخْلُو فِيهَا مَعَ نَفْسِهِ.

(1) لِقَاءٌ صُحُفِيٌّ أَجْرَاهُ أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدُ الْجُرْدَانِيُّ، جَرِيدَةِ الْوَطَنِ. (1/154)

صفحة 152

السيرة النبوية.

وَهَذِهِ الْأَوْقَاتُ مُقَسَّمَةٌ عَلَى مُسْتَوَى الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ وَعَلَى مُسْتَوَى أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ سَاعَةٌ. فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ لِلْمُسْلِمِ وَقْتُ مِنْ هَذِهِ الْأَوْقَاتِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا وَقْتُ يُحَاسِبَ الْإِنْسَانُ فِيهِ نَفْسَهُ، كَيْفَ يُحَاسِبُ فِيهِ نَفْسَهُ؟ مَعْنَاهُ أَنْ يُقَيِّمَ فِيهَا نَفْسَهُ وَيُقَيِّمَ مَا تَمَّ إِنْجَازُهُ، إِذَنْ هَذَا يَسْرِي وَيَنْطَبِقُ عَلَى كُلِّ مَرَاحِلِ الْحَيَاةِ عَلَى الْمُسْتَوَى الْأَسْبُوعِي وَالشَّهْرِي وَالسَّنَوِيِّ، فَإِذَا جِئْنَا عَلَى ذِكْرِ السَّنَةِ الْحِجْرِيَّةِ فَهُوَ عَلَى الْمُسْتَوَى السَّنَوِي، فَهُنَا لَا بُدَّ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يُقَيِّمَ فِي هَذِهِ الأَوْقَاتِ نَفْسَهُ مَاذَا قَدَّمَ فِي السَّنَةِ المَاضِيَةِ، وَالتَّقْسِيمُ هُنَا أَيْ مَاذَا قَدَّمَ هَذَا الْإِنْسَانُ الْمُسْلِمُ لِلْإِسْلَامِ وَلِلْمَنْظُومَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ وَالمُجْتَمَعِ، وَلِلْإِنْسَانِيَّةِ جَمْعَاءَ، لأَنَّ الْإِنْسَانَ المُسْلِمَ مُطَالَبُ أَيْضًا أَنْ يُقَدِّمَ الْخَيْرَ لِكُلِّ إِنْسَانٍ عَلَى ظَهْرِ الْبَسِيطَةِ، وَيُقَيِّمَ وَيَسْأَلَ نَفْسَهُ مَاذَا قَدَّمَ لِلْبَشَرِيَّةِ مِنَ الْإِنْجَازَاتِ وَلِهَذَا الْعَالَمِ، مِنْ عِلْمٍ وَتِقْنِيَةٍ وَمَفَاهِيمَ فِكْرِيَّةِ وَالدَّعْوَةِ إِلَى الدِّينِ وَالْخَيْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، هَذَا لَا بُدَّ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَسْعَى وَيُقَيِّمَ نَفْسَهُ عَلَى انْقِضَاءِ الْأَيَّامِ المَاضِيَةِ وَبَعْدَهَا يُخَطِّطُ لِعَامٍ هِجْرِيٌّ جَدِيدٍ،

وَالْعَامُ الْهِجْرِيُّ الْجَدِيدُ مُرْتَبِطُ بِحَدَثٍ كَبِيرٍ فِي الْإِسْلَامِ وَهُوَ حَدَثُ الْهِجْرَةِ. لَوْ نَأْتِي وَنَقُولُ: مَا مَعْنَى الهِجْرَةِ؟ فَالِهِجْرَةُ هِيَ التَّرْكُ، أَيْ مِنَ الْهَجْرِ أَوْ مِنَ اهُجْرَانِ، وَالمُجْرَانُ هُوَ التَّرْكُ، مَعْنَى الهِجْرَةِ اسْمٌ مَأْخُوذُ مِنْ مَصْدَرِهِ وَهُوَ الْهَجْرُ، أَيْ

هَجْرُ الْإِنْسَانِ لِلشَّيْءِ، أَيْ هَجَرَهُ هَجْرًا وَهُجْرَانًا، وَمَعْنَاهُ الزَّرْكُ، أَي أَنَّ النَّبِيَّ وَجَمَاعَةَ المُؤْمِنِينَ مِنْ أَصْحَابِهِ عِنْدَمَا هَجَرُوا مَكَةَ الْمُكَرَّمَةَ وَانْطَلَقُوا إِلَى المَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ لَيْسَ مَعْنَى ذَلِكَ الانْتِقَالَ لِجَرَّدِ الاِنْتِقَالِ إِنَّمَا ذَلِكَ هَجْرُ حَيَاةٍ كَامِلَةٍ، حَيَاةٍ كَانَتْ فِيهَا الْوَثَنِيَّةُ مُسَيْطِرَةٌ، صَحِيحٌ أَنَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابَهُ الْكِرَامَ كَانُوا مَوْجُودِينَ فِي مَكَّةَ، إِلَّا (1/155)

صفحة 153

السيرة النبوية.

أَنَّهُمْ كَانُوا يُشَكِّلُونَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ أَقَلَّيَّةٌ مُؤْمِنَةٌ فِي مُجْتَمَعِ وَثَنِي سَوَاءٌ فِي مَكَّةَ أَوْ فِي مِنْطَقَةِ الْحِجَازِ أَوْ فِي الْمِنْطَقَةِ المُحِيطَةِ بِمَكَّةَ، حَتَّى بَعْضُ الدِّيَانَاتِ دَخَلَتْهَا الْوَثَنِيَّةُ بِشَكل أَوْ بِآخَرَ، أَيْ كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ الْمُؤْمِنِينَ يُشَكِّلُونَ أَفَليَةٌ بسيطة في مجتمع مُشْرِك وَثَنِي، فَانْتِقَالُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إلى المدينةِ هُوَ تَرْكٌ لِتِلْكَ الحَيَاةِ الْوَثَنِيَّةِ الَّتِي كَانَتْ فِي مَكَّةَ بِكُلِّ مَعَانِيهَا، وَسُلُو كَاتِهَا، وَالتَّطَلُعُ إِلَى بِنَاءِ حَيَاةٍ جَدِيدَةٍ وَإِنْشَاءِ كِيَانٍ يَحْمِي الْإِسْلَامَ وَالمُسْلِمِينَ.

فَالهِجْرَةُ إِذَنْ هِيَ التَّخَلِّي عَنْ حَيَاةٍ سَابِقَةٍ عَمَلُوءَةٍ بِصُرَاحَ الْوَثَنِيَّةِ وَالشِّرْكِ إِلَى حَيَاةٍ إِسْلَامِيَّةِ إِيمَانِيَّةِ مِلْؤُهَا الْإِخَاءُ وَالإِيمَانُ وَالْمَحَبَّةُ وَالسَّلامُ، فَهَذَا هُوَ مَعْنَى الهِجْرَةِ، وَلَيْسَ مُجَرَّدَ الاِنْتِقَالِ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ لِأَنَّهُ هَجْرُ حَيَاةٍ كَامِلَةٍ، فَلِذَلِكَ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ:" لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، فَالهِجْرَةُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى هِيَ مَنْسُوخَةٌ، نُسِخَتْ بِفَتْح مَكَّةَ، فَبَعْدَ فَتح مَكَّةَ لَمْ تَكُنْ هُنَالِكَ هِجْرَةٌ بِهَذَا المفهوم، صَحِيحٌ أَنَّ الْإِنْسَانَ يُهَاجِرُ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ مَأْمُورٌ بِطَلَبِ الرِّزْقِ وَالْعِلْمِ وَالْفِرَارِ بِالدِّينِ، لَا بِذَلِكَ المُفهومِ أَي مَفْهُومُ الْهِجْرَةِ الَّذِي كَانَ بَيْنَ الْعَامِ الْأَوَّلِ وَالْعَامِ الثَّامِنِ لِلْهِجْرَةِ أَيْ لَا هِجْرَةَ مِنْ مَكَّةَ، وَفَتْحُ مَكَّةَ كان فِي الْعِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ مِنَ الْعَامِ النَّامِنِ الهِجْرِي وبَعدَ ذَلِكَ نُسِخَ الأمرُ لِأَنَّهُ لَا أَحَدٌ يُهَاجِرُ لِأَنَّ مَكَّةَ بَعْدَ الْفَتْحِ دَخَلَتْ فِي الْإِسْلَام وَنَعُودُ لِنُوَكَّدَ أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الْحِجْرَةَ لَيْسَت انْتِقَالا مِنْ مَكَانٍ إِلَى آخَرَ؟ وَإِنَّمَا هِيَ تَرْكُ وَهَجْرٌ وَتَخَلَّ عَنْ حَيَاةِ إِلَى حَيَاةٍ أُخْرَى، وَهُنَا (1/156)

صفحة 154

السيرة النبوية.

يَتَسَاءَلُ الْإِنْسَانُ لِمَاذَا كَانَتِ الْهِجْرَةُ إِلَى المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ دُونَ غَيْرِهَا مِنَ المَدنِ، فَقَدْ كَانَتْ هُنَاكَ مُدُنٌ أُخْرَى فِي الجَزِيرَةِ الْعَرَبِيَّةِ نَاهِيكَ عَنِ المُدنِ الْأُخْرَى غَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ، لِمَاذَا لَمْ يُهَاجِرْ إِلَيْهَا النَّبِيُّ؟ لِمَاذَا هَاجَرَ إِلَى المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ الَّتِي كَانَتْ تُسَمَّى يَثْرِبَ، فَهُنَا مَغْزّى آخَرُ: لِأَنَّ هُنَاكَ خَصَائِصَ فِي المَدِينَةِ.

أَوَّلا: عَلَى أَنَّ الموجُودِينَ فِي المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ هُمُ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ وَهُمَا قَبِيلَةٌ أَزْدِيَّةٌ قَحْطَانِيَّةٌ مِنَ الْيَمَنِ، وَلَعَلَّهُ قَدْ كان هُنَاكَ شَيْءٌ مِنَ الْمُنافَسَةِ، لِأَنَّ قُرَيْشًا قَبِيلَةٌ عَدْنَانِيَّةٌ فَالْعَرَبُ لَا سِيَّمَا الْقَبَائِلُ الْعَدْنَانِيَّةُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ يَنْظُرُونَ إِلَى قُرَيْشٍ بِشَيْءٍ مِنَ الْقَدَاسَةِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ قُرَيْشًا حُمَاةُ الْحَرَمِ وَسَدَنَتُهُ، وَالْقَبَائِلُ فِي الْحِجَازِ هُمْ مِنَ الْقَبَائِلِ الْعَدْنَانِيَّةِ سَوَاءٌ فِي الطَّائِفِ وَغَيْرِهَا، وَالْقَبَائِلُ الْعَدْنَانِيَّةُ تَنْظُرُ أَكْثَرَ إِلَى قُرَيْشٍ نَظْرَةٌ تَقْدِيسِيَّةٌ، أَمَّا الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ فَهُمَا قَبِيلَةٌ قَحْطَانِيَّةٌ وَلَعَلَّ هَذَا جَعَلَهُمْ يَحْتَضِنُونَ الدَّعْوَةَ الْإِسْلَامِيَّة وعَلَى رَأْسِهَا النَّبِيُّ، بَيْنَما لَمْ تَتَجَاسَرْ عَلَى ذَلِكَ الْقَبَائِلُ الْعَدْنَانِيَّةُ.

ثانيا: المدينةُ مِنْطَقَةٌ مُكْتَفِيَةٌ ذَاتِيَّا بِالْإِنْتاجِ الْغِذَائِيِّ فَهِيَ مِنْطَقَةٌ زِرَاعِيَّةٌ خِصْبَةٌ فِيهَا مِنَ التُمُورِ وَالحُبُوبِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْمُحَاصِيلِ الزَّرَاعِيَّةِ الَّتِي كَانَتْ تُزْرَعُ فِي تِلْكَ الْفَتْرَةِ. ثَالِثًا: المَدِينَةُ المُنَوَّرَةُ تَمتَازُ بِالتَّحْصِينِ فَهِيَ مَدِينَةٌ مُحَصَّنَةٌ نِسْيًّا مِنَ الْعَدُوِّ، فَهُنَاكَ حَرَّاتٌ مِثْلُ حَرَّةِ وَاقِمٍ مِنْ جِهَةِ الشَّرْقِ الشَّمَالِيِّ، وَحَرَّةِ الْوَبَرَةِ مِنْ جِهَةِ الْغَرْبِ الشَّمَالِيِّ، وَهُنَاكَ مِنَ الجُنُوبِ المُزَارِعُ وَالنَّخِيلُ وَالطُّرُقُ الضَّيِّقَةُ فَهِيَ مَفْتُوحَةٌ مِنَ الْجِهَةِ

الشَّمَالِيَّةِ نِسْبِيًّا. (1/157)

صفحة 155

السيرة النبوية.

رَابِعًا: أَهْلُ المَدِينَةِ قَدْ أَثْرَتْ فِيهِمُ الدَّعْوَةُ مُبَكْرًا فَقَدْ جَاءَ أُنَاسٌ فَبَايَعُوا بَيْعَةَ الْعَقَبَةِ، ثُمَّ ذَهَبَ إِلَيْهِمْ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ فَدَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ فَيَكَادُ أَنَّ الْإِسْلَامُ قَدْ دَخَلَ كُلَّ بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ الْأَنْصَارِ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَج)، فَهَذَا إِكْرَامُ مِنَ الله تَعَالَى

ه

أَوَّلًا ثُمَّ مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ثَانِيَا عَلَى هَذَا الصَّنِيعِ الْإِيمَانِيِّ الْكَبِيرِ.

فَكَانَتِ الْهِجْرَةُ إِلَيْهِمْ بِدَايَةَ تَكَوُّنِ الدَّوْلَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ وَالمُجْتَمَعِ وَالْكِيَانِ الْإِسْلَامِيُّ فِي المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ حَتَّى إِنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم أَطْلَقَ عَلَيْهَا اسْمَ المَدِينَةِ فَقَدْ كَانَ اسْمُهَا (يَثْرِبَ)، وَالظَّاهِرُ أَنَّ اسْمَ يَثْرِبَ غَيْرُ عَرَبِيٌّ أَوْ لَفْظُ غَيْرُ عَرَبِيٌّ لَعَلَّهُ جَاءَ مِنْ لُغَاتٍ أُخْرَى، وَسَاهَا الْعَرَبُ: (طَيْبَةُ) وَالرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم سَاهَا المَدِينَةَ. وَقِيلَ سُمِّيَتْ بِاسْمِ رَجُلٍ مِنَ الْعَالِيقِ كَانَ أَوَّلَ مَنْ نَزَلَ بِهَا وَاسْمُهُ يَثْرِبُ.

ماذَا سَمَّى الرَّسُولُ المدينة؟

وَالسُّوَالُ هُنَا: مَاذَا سَمَّى الرَّسُولُ المَدِينَةَ؟ لِأَنَّ المُدِينَةَ هِيَ الَّتِي يَتَكَوَّنُ فِيهَا الدَّوْلَةُ وَالمُجْتَمَعُ فِي آنٍ وَاحِدٍ فَهِيَ اسْمُ لَهُ دِلَالَتُهُ وَلَهُ مَغْزَاهُ الْكَبِيرُ، فَهُوَ لَيْسَ عَشْوَائِيًّا أَنْ يُسَمِّي النَّبِيُّ يَشْرِبَ بِالمَدِينَةِ، فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ هُنَاكَ المُقَرُّ الْأَوَّلُ لِلدَّوْلَةِ

وَالمُجْتَمَع وَانْطِلَاقِ الْإِسْلَام فَهَذَا الثَّلاثِيُّ هُوَ الَّذِي تَكَوَّنَتْ مِنْهُ المدينة المنورة. فَاسْمُ المَدِينَةِ لَهُ دِلَالَاتٌ وَمَعَانٍ كَبِيرَةٍ مِنْهَا أَنَّ الْإِسْلَامَ دِينُ مَدَنِيَّةٍ، وَدِينُ

حَضَارَةٍ وَسُلُوكِ وَقِيَمٍ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المُفَرَدَاتِ وَالمَعَانِي الحَضَارِيَّةِ.

158 (1/158)

صفحة 156

السيرة النبوية.

- الْهِجْرَةُ النَّبَوِيَّةُ تَكَوَّنَ مِنْهَا نَسِيجُ اجْتِمَاعِيُّ مَا هُوَ؟

الْإِسْلَامُ بِشَكْلِ عَامَّ فِيهِ الْوَحْدَةُ لِأَنَّ النَّسِيجَ الإِجْتِمَاعِيَّ مَا هُوَ أَسَاسُهُ (هُوَ كُلُّ شَيْءٍ يَنْطَلِقُ مِنْ وَحْدَةٍ، فَوُجُودُ هَذَا الْكَوْنِ الْعَجِيبِ هُوَ مُنْطَلِقُ مِنْ نُوَاةٍ وَالتَّوَاةُ مِنْهَا

الدّرّةُ وَالدَّرَّةُ مِنْهَا المادة والمادَّةُ تَكَوَّنَ مِنْهَا هَذَا الْوُجُودُ).

إِذَا كُلُّ شَيْءٍ فِي هَذَا الْوُجُودِ سَوَاءٌ كَانَ حِسْيَّا كَالْكَوْنِ مَثَلًا أَوْ مَعْنَوِيًّا كَالمُجْتَمَعَاتِ يَتَكَوَّنُ بِدَايَةٌ مِنْ شَيْءٍ وَاحِدٍ الْإِسْلَامُ رَكَّزَ عَلَى الْوَحْدَةِ، وَهَذَا الَّذِي جَعَلَ الْأَوْسَ وَالْخَزْرَجَ يُرَحْبُونَ بِالْإِسْلَامِ لِأَنَّهُمْ مَلُّوا مِنَ الْخَرْبِ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَلَا نَفْسَى أَنَّهُ كَانَ هُنَالِكَ الْيَهُودُ مُنْقَسِمِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، فَيَهُودُ بَنِي النَّضِيرِ وَقُرَيْظَةَ فِي حِلْفٍ وَاحِدٍ، وَيَهُودُ بَنِي قَيْنْقَاعِ فِي حِلْفٍ آخَرَ، يَتَحَارَبُونَ وَيَأْسِرُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَقَدْ نَصَّ الْقُرْآنُ عَلَى ذَلِكَ.

وَكَذَلِكَ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ كَانُوا يَتَحَارَبُونَ وَآخِرُ حَرْبٍ بَيْنَهُمْ كَانَتْ حَرْبَ (بُعَاثٍ، وَكَانَتْ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِخَمْسٍ سَنَوَاتٍ، فَقَدْ مَلُوا مِنْ هَذِهِ الْحَرْبِ وَكَانُوا يَتُوقُونَ إِلَى السِّلْمِ، وَسَمِعُوا مِنَ الْيَهُودِ بَعْدَ جُلُوسِهِمْ مَعَهُمْ وَاخْتِلَاطِهِمْ بِهِمْ أَنَّهُ سَيُبْعَثُ نَبِيٌّ، وَكَانَ الْيَهُودُ يَتَمَنَّوْنَ بِأَنْ يُبْعَثَ هَذَا النَّبِيُّ مِنْهُمْ، وَكَانُوا يُهَدِّدُونَ بِهِ الْأَوْسَ وَالْخَزْرَجَ، وَأَنَّهُمْ سَيَقْضُونَ عَلَيْهِم بِهِ، وَما بُعِثَ النَّبِيُّ مِنَ الْعَرَبِ أَصَابَهُمُ الحِقْدُ وَالحَسَدُ عَلَى ذَلِكَ فَهَذَا نُصَّ عَلَيْهِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، وَهِذَا فَإِنَّ الْأَوْسَ وَالْخَزْرَجَ تَعِبُوا وَمَلُّوا مِنَ الْحَرْبِ، وَهُمْ يَحْتَاجُونَ إِلَى مَنْ يُوَحْدُهُمْ، وَلَكِنْ مَنِ الَّذِي

سَيُوَحْدُهُمْ؟ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُوَحْدَهُمْ شَخْصُ مِنَ الْأَوْسِ أو مِنَ الخَزْرَج. (1/159)

صفحة 157

السيرة النبوية.

إِذًا يُرِيدُونَ شَخْصًا آخَرَ يُوَحّدُهُمْ فَمَنْ هُوَ هَذَا الشَّخْصُ؟ وَجَدُوا فِي شَخْصٍ النَّبِيِّ النبي الا الله هو جُوَرَ وَحْدَتِهِمْ، وَوَحْدَةُ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ هِيَ أَسَاسُ الْوَحْدَةِ لِأَنَّ الْوَحْدَةَ نَشَأَ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَهُنَاكَ نَضٌ قُرآنِيٌّ يَقُولُ: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ وَفِي آيَةٍ أُخْرَى: (وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ، فَالْوَحْدَةُ هِيَ فَرِيضَةٌ إِسْلَامِيَّةٌ وَهِيَ مَطْلَبٌ إِسْلَامِيٌّ وَهِيَ فَضِيلَةٌ إِسْلَامِيَّةٌ شَامِلَةٌ وَكَامِلَةٌ فَالنَّسِيجُ الْإِسْلَامِيُّ كَوَّنَهُ الرَّسُولُ بَلْ نَقُولُ كَوَّنَهُ الْإِسْلَامُ مِنْ خِلَالِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ وَمِنْ خِلَالِ الرَّسُولِ فَتَكَوَّنَتِ الْوَحْدَةُ الْإِسْلَامِيَّةُ مِنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ أَوَّلا، ثُمَّ انْطَلَقَتْ إِلَى بَقِيَّةِ الْعَرَبِ المُسْلِمِينَ وَالْعَالَمِ أَجْمَعَ، فَالْوَحْدَةُ الْإِسْلَامِيَّةُ أَمَرَ بِهَا الْإِسْلَامُ وَخَاطَبَ بِهَا الْإِسْلَامُ، وَاللهُ تَعَالَى امْتَنَّ بِهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ حَيْثُ قَالَ: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْداءَ فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانَا وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ الله لَكُمْ وَايَتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) (1).

فَلِهَذَا امْتَنَّ اللَّهُ تَعَالَى بِهَذِهِ الْوَحْدَةِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَكَانَتِ الْوَحْدَةُ (المُؤَاخَاةُ) بَيْنَ الْأَوْس والخزرج وَبَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ كَانَ مُعْظَمُهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ، فَكَانَتْ هَذِهِ المُوَاحَاةُ تُثل قِمَّةَ الْوَحْدَةِ لِأَنَّ هَذِهِ الْأُخُوَّةَ هِيَ أَعْلَى سُلَّم الْوَحْدَةِ وَالتَّوَحُدِ وَتَكَونِ

(1) سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ، الْآيَةُ: 103. (1/160)

صفحة 158

السيرة النبوية.

النسيج الاجتماعِيٌّ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ، فَإِخَاءُ الرَّسُولِ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ ذَكَرَهُ اللهُ بِقَوْلِهِ: لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَرِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ

يبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ الله وَرَسُولَهُ أَوَلَيْكَ هُمُ الصَّادِقُونَ وَالَّذِينَ تَبوء و الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ، فَأُولَيكَ هُمُ

الْمُفْلِحُونَ (1).

(1) *

لأَنَّهُمْ وَسَعُوا لِلْمُهَاجِرِينَ فِي أَرْزَاقِهِمْ وَفِي أَمْوَالِهِمْ وَيُلَاحِظُ الْإِنْسَانُ الْآنَ فِي بَعْضِ الدُّوَلِ مَهْمَا كَانَتْ غَنِيَّةٌ فَأَنها تَضِيقُ ذَرْعًا بِالْمُهَاجِرِينَ وَذَلِكَ بِسَبَبِ الإِسْتِهْلَاكِ لِلْمَوَادُ الْغِذَائِيَّةِ وَ الاِحْتِيَاجِ

للْخِدْمَاتِ، لَكِنْ هُنَا الْعَكْسُ مَعَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ الَّذِينَ سَاهُمُ الْقُرْآنُ وَالرَّسُولُ بِالْأَنْصَارِ هُمْ كَانُوا بِالْعَكْسِ رَحْبُوا بِالْمُهَاجِرِينَ وَفَتَحُوا هُمْ أَسْوَاقَهُمْ، وَنَظَراً لِمَا فِي الهِجْرَةِ مِنْ تَضْحِيَةِ بِالْوَطَنِ وَالمالِ وَالْأَهْلِ، وَنَظَراً لما فِي النُّصْرَةِ وَالْإِيوَاءِ مِنْ تَضْحِيَةِ بِالنَّفْسِ وَالْمَالِ أَيْضًا فَقَدْ أَثْنَى اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ ثَنَا عَظِيمًا لِقَوْلِهِ: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُولَيكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} الأنفال: 74، لأَنَّهُمْ قُطْبُ الْبِنَاءِ الْإِسْلَامِيُّ وَرَحَاهُ، فَهُنَالِكَ رِوَايَةٌ يَجِبُ رَدّها وعَدَمُ الأَخْذِ بها وهي عَنِ الْقَضِيَّةِ الَّتِي تَتَحَدَّثُ عَنْ تَنَازُلِ الْأَنْصَارِ عَنْ زَوْجَاتِهِمْ لِلْمُهَاجِرِينَ، هَذَا شَيْءٌ لَا يَرْضَاهُ (1) سُورَةُ الحَشْرِ الْآيَةُ: 8 - 9. (1/161)

صفحة 159

السيرة النبوية.

الْعَرَبُ فَضْلًا عَنِ الْإِسْلَامِ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ الْأَنْصَارِيُّ لِلْمُهَاجِرِ: اخْتَرْ زَوْجَةً مِنْ زَوْجَانِ. هَذَا أَمْرٌ غَرِيبٌ، فَالْعَرَبُ تُثْنِي عَلَى نَفْسِهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى بَذْلِ الْأَمْوَالِ فَمِنَ الْمَفَاخِرِ وَالمُكَارِم أَنْ يَبْزُلَ الْإِنْسَانُ مَالَهُ، لَكِنْ أَنْ يَبْزُلَ عِرْضَهُ فَهَذَا مَنْقَصَةٌ وَغَيْرُ مَنْطِقِي وَمِنَ الْعَارِ الْإِسْلَامُ أَفَرَّ هَذِهِ الْمَفَاهِيمَ فِي الْعِرْضِ، فَالرَّسُولُ يَقُولُ: " مَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدِ اسْتبَرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، الْعِرْضُ لَا يُمْكِنُ لِلْإِنْسَانِ عَرَبِيًّا كَانَ أَمْ غَيْرَ عَرَبِيٌّ، مُسْلِمًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُسْلِمٍ، أَنْ يَبْذُلَهُ فَهَذَا لَا يُمْكِنُ فَكَيْفَ بِالْأَنْصَارِيِّ أَنْ يَتَنَازَلَ عَنْ عِرْضِهِ، ثُمَّ إِنَّهُ عِنْدَمَا يُطَلِّقُ الْأَنْصَارِيُّ زَوْجَتَهُ هَلْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُزَوِّجَهَا شَخصًا آخَرَ؟؟ فَأَيْنَ وَليُّ أَمْرِهَا، إِنْ هَذَا يُعْتَبَرُ إِهَانَةٌ لِلْمَرْأَةِ فَهِيَ كَأَنَّهَا بِضَاعَةٌ، أَوْ حَيَوَان مَرْكُوبٌ، فَالْإِسْلَامُ كَرَّمَ الْمُرْأَةَ، صَحِيحٌ أَنَّ هُنَاكَ رِوَايَاتٍ وَلَكِنْ لَا يُمْكِنُ أَنْ

نُصَدِّقَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ!!

فَهُنَاكَ مَفَاهِيمُ وَمَنْظُومَةً إِسْلَامِيَّةٌ تَأْخُذُ حُجَرُ بَعْضِهَا الْبَعْضَ الْآخَرَ لَا يُمْكِنُ أَنْ نُفَرِّطَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا، فَالْإِسْلَامُ مَنْظُومَةٌ مُتَكَامِلَةٌ لَا يُمْكِنَنا تَجْزِئَةُ الْمُفَاهِيمِ ونأخذ الرَّوَايَاتِ مِنْ هُنَا وَهُنَاكَ، فَهَذِهِ النُّقْطَةُ يَحِبُّ أَنْ نُرَكْزَ عَلَيْهَا، فَالتَّنَازُلُ عَنِ الْعِرْضِ مِنَ المُسْتَهْجَنَاتِ الَّتِي لَا يَرْضَاهَا الْإِسْلَامُ وَالْعَقْلُ، وَاللهُ تَعَالَى عِنْدَمَا أَثْنَى عَلَى الْأَنْصَارِ

يَقُولُ: وَالَّذِينَ تَبَوَّهُو الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي

162 (1/162)

صفحة 160

السيرة النبوية.

صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُعَ

نَفْسِهِ، فَأُولَيكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (1).

وَالْخَصَاصَةُ هِيَ الْحَاجَةُ إِلَى الْمَالِ وَلَيْسَت إِلَى الْعِرْضِ.

- كَيْفَ يُمْكِنُ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَتَوَحَدُوا عَلَى ضَوْءِ التَّارِيخِ الْهِجْرِيَّ؟ الْحَقِيقَةُ أَنَّ التَّارِيخَ الْهِجْرِيَّ هُوَ التَّارِيجُ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ

بقوله: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ أَثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَبٍ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السموات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ وَقَيلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَةُ كَمَا يُقَيلُونَكُمْ كَافَةُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) (2) لِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي حَجَّةِ الْوَدَاع: " إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ صلى الله عليه وسلم اسْتَدَارَ كَهَيْئَةِ يَوْمَ خَلَقَ اللهُ السماوات والأرض هَذِهِ حَرَكَةُ الْقَمَرِ الَّتِي تُبْنَى عَلَيْهِ الشُّهُورُ الْقَمَرِيَّةُ الَّتِي تَكَوَّنَ مِنْهَا التَّارِيجُ الهِجْرِيُّ، مَاذَا؟ لِأَنَّ التَّارِيخَ الْهِجْرِيَّ يَنْتَقِلُ عَبْرَ الْفُصُولِ فَفِيهِ مُتْعَةٌ، فَمَثَلًا مَوَاسِمُ الْأَعْيَادِ تَتْنَقِلُ بَيْنَ الصَّيْفِ وَالشَّتَاءِ وَالرَّبِيعِ وَالحَرِيفِ فَهَذِهِ تُعْطِي مُتْعَةٌ لِلْإِنْسَانِ تُعْطِيهِ ذِكْرَيَاتٍ عَبْرَ السِّنِينَ فَهَذَا مَا يَتَمَيَّزُ بِهِ التَّارِيحُ الهِجْرِيُّ، وَاللهُ تَعَالَى قَدْ حَدَّدَ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ أَنَّ فِي هَذِهِ الْأَشْهُرِ يُوجَدُ أَرْبَعَةُ

!

(1) سُورَةُ الحَشْرِ الْآيَةُ: 9.

(2) - سُورَةُ التَّوْبَةِ: 36. (1/163)

صفحة 161

السيرة النبوية.

أَشْهُرٍ حُرُمٌ، هَذِهِ الْأَشْهُرُ غَيْرُ مَعْرُوفَةٍ إِلَّا فِي التَّارِيخ الهِجْرِي الَّتِي هِيَ الْأَشْهُرُ

الْقَمَرِيَّةُ.

فَالْعِبَادَاتُ الْإِسْلَامِيَّةُ تَرَتَّبَتْ عَلَى الْمَوَاقِيتِ: فَأَقِيمُوا الصَّلَوَةَ إِنَّ الصَّلَوَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَبا موقوتا النساء: 103، الصَّلَاةُ هِيَ عِبَادَةٌ وَلَيْسَ المقْصُودُ هُنَا الصَّلاةَ فَقَط بَلْ كُلُّ عِبَادَةٍ لَهَا كِتَابٌ مَوْقُوتٌ أَي مَعْلُومٌ مُحدَّد، الزَّكَاة لَنا وَقْتُ، وَالصِّيَامُ لَهُ وَقْتُ، وَقَضَايَا النِّسَاءِ سَوَاءٌ الْخَيْضُ أَوِ النَّفَاسُ أَوِ الْوَفَاةُ كُلُّهَا تُبْنَى عَلَى التَّوْقِيتِ، فَكُلُّ الْعِبَادَاتِ الْإِسْلَامِيَّةِ مُوَفَّتَةٌ بِتَوْقِيتٍ دَقِيقِ، إِذَنْ كَيْفَ نَعْرِفُ هَذِهِ المَوَاقِيتَ إِلَّا مِنْ خِلَالِ التَّوَارِيحَ الْهِجْرِيَّةِ المَبْنِيَّةِ عَلَى حَرَكَةِ الْقَمَرِ، وَلِذَلِكَ كَانَ لِزَامًا عَلَى المُؤمِنِينَ أَلَّا يُهْمِلُوا هَذَا التَّارِيخ، يُمْكِنُ الاِسْتِعَانَةُ أَوِ المُقَارَنَةُ بِالتَّارِيخ الشَّمْسِي، لَكِنْ عَلَى أَسَاسِ أَنَّ التَّارِيخَ الْقَمَرِيَّ أَوِ التَّارِيخَ الْهِجْرِيَّ يَجِبُ أَلَّا يُعْمَلَ لِأَسْبَابِ: 1. إِنَّهُ مُرْتَبِطُ بِهِجْرَةِ النَّبِيِّ.

2 إِنَّهُ مُرْتَبِطُ بِتَأْسِيسٍ أَوَّلِ دَوْلَةٍ إِسْلَامِيَّةِ بِمَا فِيهَا مِنْ وَحْدَةِ النَّسيج الاجتماعي، فَالْأُمَّةُ مُطَالَبَةٌ أَنْ لَا تُحْمِلَ هَذَا التَّارِيخَ بَلْ عَلَيْهَا أَنْ تُقَدِّمَهُ عَلَى غَيْرِهِ، وَإِذَا كَانَ هُنَاكَ اتَّصَالُ بِالْعَالَمِ، وَالْعَالَمُ فِي مُجْمَلِهِ يَأْخُذُ بِالتَّارِيخِ الشَّمْسِيِّ فَلْيَكُنْ ذَلِكَ عَلَى مُسْتَوى ثَانٍ، لَكِنْ يَبْقَى الْأَخَذُ بِالْمُسْتَوَى الْأَوَّلِ بِالتَّارِيخ الهِجْرِي الْأُمَّةُ الْإِسْلَامِيَّةُ إِذَا أَرَادَتْ أَنْ تَكْتَفِي بِالتَّارِيخِ الْهِجْرِيٌّ لَسَهُلَ ذَلِكَ عَلَيْهَا، لِأَنَّ قَضِيَّةَ

164 (1/164)

صفحة 162

السيرة النبوية.

النَّواحِي المادية وَالرَّوَانِبِ وَالتَّحْوِيلَاتِ المالِيَّةِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ يُمْكِنُ ضَبْطهَا بِالتَّارِيخ الهِجْرِيٌّ لَيْسَ هُنَاكَ صُعُوبَةٌ وَلَا سِمَّا أَنَّ عِلْمَ الْفَلَكِ تَقَدَّمَ وَتَطَوَّرَ بِشَكْلٍ كَبِيرٍ وَبِإِمْكَانِهِ ضَبْطَ التَّارِيخِ ضَبطًا دَقِيقًا مُحكَما لِكُلِّ سَنَةٍ بَلْ لِسَنَوَاتٍ عِدَّةٍ، لَكِنْ بِسَبَبٍ التَّوَاصُلِ مَعَ الْعَالَمَ فَلَا مَانِعَ مِنَ اعْتِبَارِ التَّوْقِيتِ الشَّمْسِي لَكِنْ يَبْقَى هَذَا التَّارِيحُ هُوَ الثَّابِتَ فِي ذَاكِرَةِ المُسْلِمِ، وَهُوَ الَّذِي يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ

وَالْأَخْذُ بِهِ.

- وَنَحْنُ نَحْتَفِلُ بِالْهِجْرَةِ كَيْفَ نُطَبّقُ هَذِهِ الْمُنَاسَبَةَ فِي وَاقِعِنَا الْحَالِي؟ الهِجْرَةُ حَدَتْ عَظِيمٌ مِنْ أَحْدَاثِ التَّارِيخِ لَا فِيهَا مِنَ الدُّرُوسِ المُتَعَدِّدَةِ كَالدُّرُوسِ الْعَسْكَرِيَّةِ وَالاِجْتِمَاعِيَّةِ، وَلَوْ جِئْنَا عَلَى التَّخْطِيطِ فَالتَّخْطِيطُ مَعْرُوفٌ إِدَارِيًّا أَنَّهُ أَسَاسُ الْإِدَارَةِ الْعَامَّةِ وَأَسَاسُهَا هُوَ التَّخْطِيطُ وَاتَّخَاذُ الْقَرَارِ، فَهَذَانِ الْأَمْرَانِ هُمَا

أَسَاسُ الْإِدَارَةِ الْعَامَّةِ بِشَكْلٍ عَامٌ، وَالْإِسْلَامُ جَعَلَهُمَا مِنَ الْإِدَارَةِ الْعَامَّةِ، فَالرَّسُولُ عِنْدَمَا أَرَادَ أَنْ يُهَاجِرَ إِلَى المَدِينَةِ أمَرَ أَوْلاً مَنْ هَاجَرَ إِلَى الخَبَشَةِ فَهَذِهِ الْحِجْرَاتُ كَتَدْرِيب

وَتَمهِيدٍ وَأَخْذِ فِكْرَةِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُسْلِمِينَ عَلَى مَا هُمْ قَادِمُونَ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ هِجْرَةٍ. لَيْسَ بِالْأَمْرِ الميْنِ أَنْ يَتْرُكَ الْإِنْسَانُ أَهْلَهُ وَمَالَهُ وَبَلَدَهُ، حَتَّى إِنَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عِنْدَمَا خَرَجَ مِنْ مَكَةَ المُكَرَّمَةِ قَالَ: " وَالله لَأَنْتِ أَحَبُّ الْبُلْدَانِ إِلَى اللَّهِ وَإِلَيَّ وَلَوْلَا أَنَّ قَوْمِي أَخْرَجُونِ مَا خَرَجْتُ"، وَاللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَادِرٌ أَنْ يُبَيِّنَ لِلرَّسُولِ وَسِيلَةٌ سَرِيعَةً (1/165)

صفحة 163

السيرة النبوية.

تَنْقِلُهُ إِلَى المَدِينَةِ وَلَكِنْ هَذِهِ حِكْمَةٌ مِنَ الله تَعَالَى لِيُعَلِّمَ بِهَا الْمُسْلِمِينَ وَلْيَتَّخِذُوا

الْأَسْبَابَ لِذَلِكَ.

- فِي نِهَايَةِ هَذَا اللَّقَاءِ هَلْ مِنْ كَلِمَةٍ حَوْلَ هَذِهِ الْمُنَاسَبَةِ؟

الهِجْرَةُ النَّبَوِيَّةُ هِيَ حَدَثُ تَارِيخي هَامٌ وَأَهَمِّيِّتُهُ تَكْمُنُ فِي أَنَّهُ تَرَكَ مَرْحَلَةَ الضَّعْفِ الْإِسْلَامِيِّ إِلَى مَرْحَلَةِ الْقُوَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ، وَمِنَ الْأَفَليَّةِ المُسْلِمَةِ إِلَى التَّجَمع وَالتَّرَابُطِ الْإِسْلَامِيِّ الْوَاسِع، لِذَلِكَ عَلَى المُسْلِم الْآنَ أَنْ يَعْتَر بِهَذِهِ الهِجْرَةِ وَبِنَائِجِهَا وَمَا تَرَتَّبَ

عَلَيْهَا، وَأَنْ يَعْتَزَ بِالتَّارِيخِ الْإِسْلَامِيِّ وَبِأَعْجَادِهِ الْإِسْلَامِيَّةِ، وَبِدَوْلَتِهِ وَأَنْ يَتَذَكَّرَ نَبِيَّهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِنْ حَيَاتِهِ وَأَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ نُصْبَ عَيْنَيْهِ لِكَيْ يَسِيرَ عَلَيْهِ وَلَعَلَّهُ لَوْلَا حَدَثُ

الْحِجْرَةِ لَمَا كَانَتْ لِلْمُسْلِمِينَ دَوْلَةٌ وَحَضَارَةٌ وَقِيمَةٌ اجْتِمَاعِيَّةٌ عَلَى الْمُسْتَوَى الْبَشَرِي وَالْإِنْسَانِي، وَنَسْأَلُ اللهَ التَّوْفِيقَ. (1/166)

صفحة 164

بَيْنَ الهِجْرَةِ وَبَدْرِ

وفيه

الْأَعْمَالُ المُدَنِيَّةُ.

الْأَعْمَالُ الْعَسْكَرِيَّةُ. (1/167)

صفحة 165

الْإِقَامَةُ فِي قُبَاءَ:

السيرة النبوية. الْأَعْمَالُ الْمَدَنِيَّةُ

كَانَتْ إِقَامَةُ النَّبِيِّ فِي قَرْيَةِ فَبَاءَ مُوَفَّتَةٌ لأَنَّهَا كَانَتْ مَنْزِلَ عَدَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ المُهَاجِرِينَ، حَيْثُ نَزَلُوا ضُيُوفًا عَلَى أَهْلِهَا مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَقَدْ نَزَلَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي مَنْزِلِ كُلْثُومَ بْنِ هدمٍ أَحَدِ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ تُوُقِّ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَذَلِكَ بَعْدَ قَدُومٍ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِقَلِيلٍ، وَكَانَ يَجْتَمِعُ بِأَصْحَابِهِ المُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ فِي مَنْزِلِ سَعْدِ بْنِ خَيْثَمَةَ؛ لِأَنَّ سَعْدًا كَانَ عَزْبًا، وَلِذَلِكَ كَانَ يُقَالُ لِبَيْنِهِ، بَيْتُ الْعُزَّابِ (1). بِنَاءُ مَسْجِدِ قُبَاءَ:

وَفِيهَا أَسَّسَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مَسْجِدًا لِبَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَهُوَ مَا يُعْرَفُ بِمَسْجِدِ قُبَاءَ، فَقَدْ وَضَعَ حَجَرَ الْأَسَاسَ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ وُصُولِهِ، وَإِلَيْهِ يُشِيرُ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ بِقَوْلِهِ لَمَسْجِدُ أُسَيْسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَنطَهَرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَهِّرِينَ} (2).

(1) قَالَ السُّهَيْلِيُّ: وَصَوَابُهُ الْأَعْزَبُ؛ لِأَنَّهُ جَمْعُ عَزْبِ الرَّوْضُ الْأَنفُ، ج 2، ص 331.

(2) التَّوْبَة، 108.

168 (1/168)

صفحة 166

السيرة النبوية.

وَلَعَلَّهُ مِنْ قَوْلِ الله تَعَالَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ تَفَتَّقَتْ عَبْقَرِيَّةُ الْفَارُوقِ عُمَرَ بْنِ اللَّهِ الخطاب في تَحْدِيدِ بِدَايَةِ التَّارِيخِ الْإِسْلَامِيٌّ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ وَصَلَ فِيهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَذَلِكَ مِنْ تَوْفِيقِ الله لَهُ وَلِلصَّحَابَةِ، فَإِنَّهُمْ وَجَدُوا الْبِدَايَةَ؛ لِأَهَمَّ مَعْلَم مِنْ مَعَالِمِ الْحَضَارَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ، أَلَا وَهُوَ التَّارِيخُ الْإِسْلَامِيُّ، وَمِنَ المُعْلُومِ أَنَّ التَّارِيخَ هُوَ الَّذِي يَضْبِطُ الْحِرَاكَ الْبَشَرِيَّ وَيُؤَخِّرُهُ زَمَانًا بِدَايَةٌ وَنِهَايَةٌ، فَجَزَاهُمُ اللَّهُ عَنِ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ

خيرا

الخُرُوجُ مِنْ قُبَاءَ:

بَعْدَ أَنْ مَكَثَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ أَوْ خَمْسَةٌ (1) فِي قُبَاءَ؛ شَرَعَ فِي الانْتِقَالِ عَنْهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَقَدْ أَدْرَكَتْهُ صَلَاةُ الجُمُعَةِ في وَادِي رَانُونَاءَ فِي مِنْطَقَةِ بَنِي

سَالِمِ بْنِ عَوْفٍ، فَصَلَّاهَا هُنَالِكَ، فَكَانَتْ تِلْكَ أَوَّلَ صَلَاةِ جُمُعَةٍ فِي الْإِسْلَام. وَيُقَالُ إِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَذِنَ لِيُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ أَنْ يُصَلِّيَ بِالْأَنْصَارِ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ قُدُومِهِ هُوَ إِلَى المَدِينَةِ، وَكَانَتِ الْجُمُعَةُ قَبْلَ ذَلِكَ تُسَمَّى الْعَرَوبَةَ، فَسَاهَا الْأَنْصَارُ الْجُمُعَةَ؛ لأَنَّهُمْ رَأَوُا الْيَهُودَ قَدِ اخْتَارُوا يَوْمَ السَّبْتِ وَاخْتَارَ النَّصَارَى يَوْمَ الْأَحَدِ، وَسُمِّيَتِ الجُمُعَةُ لإِجْتِمَاعِ النَّاسِ فِيهَا (2)، قَالَ السُّهَيْلِيُّ: "وَلَفْظُ الْجُمُعَةِ مَأْخُوذُ مِنَ

(1) هَذَا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَجْعَلُ وُصُولَهُ يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ، أَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَجْعَلُ وُصُولَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَيَكُونُ

مُكُونُهُ سَبْعَةَ أَيَّامٍ.

(2) الرَّوْضُ الْأَنفُ، ج 2، ص 254. (1/169)

صفحة 167

السيرة النبوية.

الاجتماعِ كَمَا قَدَّمْنَا، وَكَانَ عَلَى وَزْنِ فُعْلَةٍ وَفُعُلَةٍ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى قُرْيَةٍ وَقُرُبَةٍ، وَالْعَرَبُ تَأْتِي بِلَفْظِ الْكَلِمَةِ عَلَى وَزْنِ مَا هُوَ فِي مَعْنَاهَا، وَقَالُوا عُمْرَةٌ، فَاشْتَقُوا اسْمَهَا مِنْ عِمَارَةِ المَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَبَنَوْهُ عَلَى فُعْلَة لِأَنَّهَا وَصْلَةٌ وَقُرْبَةٌ إِلَى اللَّهِ، وَلِهَذَا الْأَصْلِ فُرُوعٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ" (1).

وَفِي طَرِيقِهِ مِنْ قُبَاءَ إِلَى دَاخِلِ المَدِينَةِ كَانَتِ الْقَبَائِلُ الَّتِي يَمُرُّ بِهَا يَعْتَرِضُونَهُ مُقَدِّمِينَ لَهُ الدَّعْوَةَ إِلَى النُّزُولِ مَعَهُمْ قَائِلِينَ لَهُ: انْزِلْ مَعَنَا، فَيَقُولُ هُمْ: خَلُّوا سَبِيلَهَا. أَيْ رَاحِلَتِهِ - فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ، حَتَّى بَرَكَتْ بِهِ فِي دَارِ بَنِي مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ، حَيْثُ مَسْجِدُهُ الشَّرِيفُ فِيمَا بَعْدُ، وَكَانَ الْمَكَانُ مِرْبَدًا (2) لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ مِنْ بَنِي النَّجَارِ، هُمَا سَهْل وَسُهَيْلٌ ابْنَا عَمْرٍو، وَكَانَا فِي تَرْبِيَةِ مُعَاذِ بْنِ عَفْرَاءَ، وَهُنَاكَ نَزَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَنْ نَاقَتِهِ،

فَاحْتَمَلَ أَبُو أَيُّوبَ خَالِدُ بْنُ زَيْدٍ رَحْلَهُ فَوَضَعَهُ فِي بَيْتِهِ كَعَلَامَةٍ عَلَى إِضَافَتِهِ لِلنَّبِيِّ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَهِيَ حَظْوَةٌ تَمَنَّاهَا الْكَثِيرُ مِنَ الْأَنْصَارِ، بَلْ كَانَتْ يَتَمَنَّاهَا كُلُّهُمْ، فَأَيُّ شَرَفٍ أَعْظَمُ وَأَشْرَفُ مِنْ أَنْ يَسْتَضِيفَ الْإِنْسَانُ مُحَمَّدًا رَسُولَ اللهِ، وَأَقَامَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي بَيْتِ أَبي أَيُّوبَ إِلَى أَنْ بَنَى مَسْجِدَهُ وَبُيُوتَهُ.

(1) نَفْسُ الْمُصْدَرِ، ص 256.

(2) الْمُرْبَدُ: هُوَ المَكَانُ الَّذِي يُجفَّفُ فِيهِ التَّمْرُ، وَهُوَ الْمَسْطَاحُ بِلُغَةِ أَهْلِ عُمانَ. (1/170)

صفحة 168

بنَاءُ الْمَسْجِدِ:

-السيرة النبوية.

شَرَعَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَى الْفَوْرِ فِي بِنَاءِ مَسْجِدِهِ الشَّرِيفِ الْمَعْرُوفِ بِالْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ، يُعَاوِنُهُ فِي ذَلِكَ أَصْحَابُهُ المُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ، وَكَانَ يَعْمَلُ مَعَهُمْ، وَيَحْمِلُ الحِجَارَةَ عَلَى بَطْنِهِ لِيَكُونَ أُسْوَةٌ لِكُلِّ إِنْسَانٍ مَتَبُوعٍ وَمَسْمُوع، لِئَلَّا يَتَمَيَّزَ الْمُسْئُولُ عَنْ أَتْبَاعِهِ وَأَصْحَابِهِ، وَقَدْ تَمَّ بِنَاءُ المَسْجِدِ عَلَى الْمِرْبَدِ الَّذِي كَانَ يَخْصُّ الْغُلَامَيْنِ الْيَتِيمَيْنِ سَهْلِ وَسُهَيْلِ ابْنَيْ عَمْرٍو، بَعْدَ أَنْ أَذِنَ لَهُ مُرَبِّيهِمَا مُعَاذُ بْنُ عَفْرَاءَ ضَامِنًا إِرْضَاءَهُمَا بِمَا يَتَّفِقُونَ

عَلَيْهِ.

وَأَثْنَاءَ بِنَاءِ المَسْجِدِ ظَهَرَ فَضْلُ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرِ الصَّحَابِيُّ الْعَظِيمِ عَلَى لِسَانِ النَّبِيِّ الْكَرِيمِ وَفَاءَ مَا قَدَّمَهُ هُوَ وَأَسْرَتُهُ آلُ يَاسِرٍ مِنْ تَضْحِبَاتٍ جَسِيمَةٍ فِي سَبِيلِ التَّمَسُّكِ بِالْإِسْلَامِ مَعَ مَا لَا قَوْهُ مِنْ شِدَّةٍ وَعَنَتٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فِي مَكَّةَ، فَإِنَّهُمْ تَعَرَّضُوا لِتَعْذِيبِ لَمْ

يَتَعَرَّضُ مِثْلِهِ أَحَدٌ، فَكَانَ جَزَاؤُهُمْ رِضًا الله وَرِضَا رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم وَالْجَنَّةَ.

بِنَاءُ الْبُيُوتِ: وَبَعْدَ اكْتِمَالِ بِنَاءِ المُمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ الشَّرِيفِ شَرَعَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ـ فِي بِنَاءِ بُيُوتِهِ، وَكَانَتْ تِسْعَةٌ عِنْدَ وَفَاتِهِ، وَهِيَ تِسْعُ حُجُرَاتٍ كَمَا جَاءَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ

الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (1).

(1) الحُجُرَات: 4. (1/171)

صفحة 169

السيرة النبوية.

وَفِي رَأْيِي أَنَّهَا لَمْ تُبْنَ دَفْعَةً وَاحِدَةً، وَإِنَّمَا بُنيَتْ عَلَى مَرَاحِلَ حَسَبَ الْحَاجَةِ الدَّاعِيَةِ إِلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ تَكُنْ لَهُ مِنَ الزَّوْجَاتِ آنَذَاكَ سِوَى سَوْدَةِ بِنْتِ زَمْعَةَ، ثُمَّ بَنَى بِعَائِشَةَ بِنْتِ أَبي بَكْرٍ، ثُمَّ تَزَوَّجَ زَوْجَانِهِ الْأُخْرَيَاتِ بَعْدَ ذَلِكَ وَاحِدَةً بَعْدَ أُخْرَى إِلَى أَنْ تَوَفَّاهُ اللَّهُ عَنْ تِسْع زَوْجَاتٍ بِيُوتٍ تِسْعَةٍ أَي تِسْع حُجُرَاتٍ.

وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ تِلْكَ الْبُيُوتَ بَعْضُهَا بُنِي مِنْ جَرِيدٍ مُطَيَّنِ بِالطِّينِ، وَسَقْفُهَا مِنَ

الجَرِيدِ، وَبَعْضُهَا مِنْ حِجَارَةٍ مَرْصُوفَةٍ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ وَمُسَقَّفَةٌ بِالْجَرِيدِ. وَلا تُوُفِّيَتْ أَزْوَاجُهُ أُدْخِلَتِ الْحُجُرَاتُ في المَسْجِدِ، وَذَلِكَ عَلَى عَهْدِ الخَلِيفَةِ الْأُمَوِيِّ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، فَلَما وَرَدَ كِتَابُهُ بِذَلِكَ، ضَجّ أَهْلُ المَدِينَةِ بِالْبُكَاءِ كَيَوْمٍ وَفَاتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ حَيْثُ طَافَتِ الذِّكْرَيَاتُ عليهم بِنَبِيِّهِمُ الْكَرِيمِ الْعَظِيمِ الَّذِي كَانَ يَرُوحُ وَيَعْدُو بَيْنَهُمْ وَقَدْ كَانَ سَرِيرُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - خَشَبَاتٍ مَشْدُودَةٌ بِليف، ثُمَّ بِيعَ ذَلِكَ السَّرِيرُ النَّبوِيُّ المُبَارَكُ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَكَانَ حَقُّهُ أَنْ يُباع بالملايين، وقد اشْتَرَاهُ أَحَدُ الَّذِينَ حَالَفَهُمُ الحَقِّ الْإِيمَانِيُّ المُبَارَكُ السَّعِيدُ (1). تَلَاحُقُ الْمُهَاجِرِينَ:

وَبَعْدَ أَنِ اكْتَمَلَ بِنَاءُ المَسْجِدِ الشَّرِيفِ وَالْبَيْتِ النَّبَوِيِّ وَاسْتَقَرَّ النَّبِيُّ بِالمَدِينَةِ، أَخَذَ المُهَاجِرُونَ فِي المَجِيءِ إِلَى المَدِينَةِ مُتَلَاحِقِينَ يَلْحَقُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، حَتَّى لَمْ يَبْقَ فِي مَكَّةَ

(1) سِيرَةُ ابْنِ هِشَامٍ ص 234، 235

172 (1/172)

صفحة 170

السيرة النبوية.

مِنَ المُسْلِمِينَ إِلَّا عَبُوسٌ أَوْ مَفْتُونَ فِي دِينِهِ، حَتَّى أَنَّ دُورَ بَعْضِ الْأُمَرِ وَالْعَوَائِلِ عُلِّقَتْ أَبْوَابُهَا، وَصَفَرَتِ الرِّيَاحُ فِي دَوَاخِلِهَا، لِخُلُوهَا مِنْ سَاكِنِيهَا الَّذِينَ قَضَوْا فِيهَا أيَّامَ بَرَاءَةِ الطُّفُولَةِ وَرِيعَانِ الشَّبَابِ.

وَقَدْ عَدَا بَعْضُ النَّاسِ عَلَى دُورٍ أَقَارِبِهِمْ مُتَصَرِّفِينَ فِيهَا بَيْعًا أَوْ حِيَازَةٌ، كَمَا عَدَا أَبو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ عَلَى دُورِ بَني جَحْشٍ، وَلِذَلِكَ قَالَ أَبُو أَحْمَدَ بْنُ جَحْشٍ لِأَبِي سُفْيَانَ: أبلغ أَبَا سُفْيَانَ عَنْ أمْرٍ عَوَاقِبُهُ نَدَامَهُ

دَارَ ابْنِ عَمَّكَ بِعْتَهَا تَقْضِي بِهَا عَنْكَ الْغَرَامَة

وَحَلِيفُكُمْ

يفكُمْ بِاللهِ رَبُّ النَّاسِ مُجتَهِدُ الْقَسَامَة

اذْهَبْ بِهَا اذْهَبْ بِهَا طوقتَهَا طَوْفَ الحمامة

الْمُؤَاخَاةُ:

وَآخَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ أَخَوَيْنِ أَخَوَيْنِ زِيَادَةٌ فِي اللُّحْمَةِ الدِّينِيَّةِ وَالْوَحْدَةِ الْإِيمَانِيَّة؛ لِأَنَّهُ بِالتَّاخِي تَحْصُلُ الْوَحْدَةُ وَيَتَحَقَّقُ الْجُمْعُ وَالانْتِلَافُ. وَلَا يَخْفَى مَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْقُوَّةِ وَالمَنعَةِ وَالْعِزَّةِ لِلْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ، إِلَى حَدٌ أَنَّ بِلَالَ بْنَ رَبَاحِ الْحَبَشِي مُؤَذِّنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَوْصَى بِمَالِهِ مِنْ حَقٌّ فِي دِيوَانِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ ابْنِ الْخَطَّابِ إِلَى أَخِيهِ فِي الْإِسْلَامِ أَي رُوَيْحَةَ عَبْدِ الله بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْخَنْعَمِي قَائِلًا: لا أُفَارِقُهُ أَبَدًا لِلْأُخُوِّةِ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَقَدَ بَيْنَهُ وَبَيْنِي، حَتَّى أَنَّ حَقَّ الْخَبَشَةِ فِي

الدِّيوَانِ جُعِلَ إِلَى قَبِيلَةِ خَنْعَمَ فِي الشَّامِ لِمَكَانِ بِلَالٍ مِنْهُمْ. (1/173)

صفحة 171

السيرة النبوية.

الْأَذَانُ: ما اسْتَقَرَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِالمَدِينَةِ وَاطْمَأَنَّ بِهَا، وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ عَلَى أَمْرِ الْإِسْلامِ، أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، وَفُرِضَتِ الزَّكَاةُ، وَفُرِضَ الصِّيَامُ، وَأَقِيمَتِ الخُدُودُ، وَفُرِضَ الخَلَالُ وَالحَرَامُ، وَاسْتَقَرَّتْ جَمِيعُ أُمُورِ الْإِسْلَامِ بَيْنَهُمْ، رَأَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إِعْلَانِ بِالصَّلَاةِ وَإِعْلَام بِوَقْتِهَا، نَظَرًا لِنَكَرُرِ اجتماعِ الْمُسْلِمِينَ بِسَبَبِهَا خَمْسَ مَرَّاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، فَكَانَ لَا بُدَّ مِنْ وُجُودِ الَّةٍ يُدْعَى بِهَا لِلصَّلَاةِ، فَفَكَّرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَتَّخِذَ شَيْئًا شَبِيهَا بِمَا عِنْدَ أهل الْأَدْيَانِ الْأُخْرَى كَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى مِنْ أَبْوَاقٍ وَنَوَاقِيسَ، وَاجْتَمَعَ حَوْلَ ذَلِكَ مَعَ أَصْحَابِهِ، بَيْدَ أَنَّ الْوَحْيَ الرَّبَّانِيَّ لَمْ يتركُهُمْ فِي حِيرَتِهِمْ حَوْلَ ذَلِكَ، فَنَزَلَ الْوَحْيُ مِنَ الله عَلَى نَبِيِّهِ بِصِيغَةِ الْآذَانِ الْمَعْرُوفَةِ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ بِلَالًا أَنْ يُؤَذِّنَ بِهَا. عَلَى أَنَّ هُنَاكَ رِوَايَةٌ تَقُولُ: إِنَّ الْأَذَانَ بِصِيغَتِهِ الْمَعْرُوفَةِ كَانَ عِبَارَةٌ عَنْ رُؤْيَا رَأَىهَا أَحَدُ الصَّحَابَةِ هُوَ عَبْدُ الله بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ مِنَ الْخَزْرَجِ، كَمَا رَأَى نَفْسَ الرُّؤْيَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ. وفي رأيي أنَّ تِلْكَ الرُّؤْيَا الَّتِي رَأَىهَا كُلُّ مِنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَبْدِ الله بْنِ زَيْدِ مَا هِيَ إِلَّا حَدِيثُ نَفْسٍ مَنَامِيُّ؛ لِأَنَّهُ لَعَلَّ الْأَمْرِ عِنْدَمَا الْتَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ مَعَهُمْ أَخَذَ مَأْخَذَهُ مِنْهُمْ، فَرَأَوْهُ في المنام، وَلَعَلَّهُمْ لَمْ يَرَوْهُ بِنَفْسٍ الصَّيغَةِ الَّتِي جَاءَ بِهَا الْوَحْيُ، وَإِنَّمَا (1/174)

صفحة 172

السيرة النبوية.

الرِّوَايَةُ هِيَ الَّتِي أَضْفَتْ عَلَى الرُّؤْيَا صِيغَةَ الْآذَانِ المَعْرُوفَة بَعْدَ أَنْ عُرِفَ الْأَذَانُ الُوحَى؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ أُمُورَ التَّشْرِيعِ لَا تُتْرَكُ لِرُؤْيَا مَنَامِ، وَأَمْرُ الْأَذَانِ فِي الْإِسْلَامِ عَلَى شَيْءٍ كَبِيرٍ مِنَ الْأَهَمِّيَّةِ؛ لِأَنَّهُ شِعَارُ الْإِسْلَامِ إِعْلَامًا وَإِعْلَانًا، فَلَا يُمْكِنُ تَرْكُهُ لِبَشَرٍ غَيْرِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَحْيا أَوِ اجْتِهَادًا، وَهَذَا مَا فَرَّرَهُ أَبو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الله بْنُ سَعِيد السَّدو يكشِيُّ في حَاشِيَتِهِ عَلَى الْجُزْءِ الْأَوَّلِ مِنْ كِتَابِ الْإِيضَاحِ، حَيْثُ قَالَ: "وَشَرْعُهُ صلى الله عليه وسلم إِمَّا بِوَحْيِ وَإِمَّا بِاجْتِهَادٍ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَرَى ذَلِكَ، وَلَيْسَ هُوَ عَمَلًا بِمُجَرَّدِ الْمَنَامِ، وَهَذَا مِمَّا لَا

شَكٍّ فِيهِ بِلَا خِلَافٍ " (1). ظُهُورُ الْعَدَاوَةِ:

وَلا رَأَى الْيَهُودُ وَالْمُنَافِقُونَ بِالمَدِينَةِ اجْتِمَاعَ المُسْلِمِينَ نَبِيًّا وَصَحَابَةٌ هَاهُمْ ذَلِكَ وَأَضْمَرُوا، ثُمَّ أَظْهَرُوا الْعَدَاوَةَ حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ، فَأَمَّا الْيَهُودُ فَإِنَّهُمْ رَأَوْا أَنَّ النُّبُوَّةَ خَرَجَتْ عَنْهُمْ إِلَى الْعَرَبِ، فَلِذَلِكَ اشْتَدَّ حِقْدُهُمْ، وَأَخَذُوا يَكِيدُونَ لِلْإِسْلَام وَرَسُولِ الْإِسْلَام مَرَّاتٍ بِمُحَاوَلَةِ الْقَتْلِ، وَمَرَّاتٍ بِالتَّعَنتِ فِي سُؤَالِ النَّبِيِّ، فَقَدْ

ذَكَرَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ ذَلِكَ عَنْهُمْ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةِ، وَسُوَرٍ عَدِيدَةٍ مِنْ كِتَابِهِ الْكَرِيمِ. وَأَمَّا المنافِقُونَ؛ فَإِنَّ رُؤَسَاءَهُمْ كَعَبْدِ الله بْنِ أَي وَأَي عَامِرِ الرَّاهِبِ رَأَوْا أَنَّ الْإِسْلَامَ جَاءَ لِيَسْلبَهُمْ مَكَانَتَهُمُ الاجْتِمَاعِيَّةَ فِي أَقْوَامِهِمْ مِنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ وَالْقَبَائِلِ الْمُنْضَمَّةِ إِلَيْهِمْ، فَغَاظَهُمْ ذَلِكَ وَأَجَجَ فِي قُلُوبِهِمُ الْحِقْدَ، وَأَخَذُوا فِي التَّامُرِ مَعَ الْيَهُودِ حِينًا،

(1) السماخِيُّ، عَامِرُ بْنُ عَلِيٌّ، كِتَابُ الْإِيضَاحِ الْجُزْءُ الْأَوَّلُ، ص 397، الْهَامِشُ.

175 (1/175)

صفحة 173

السيرة النبوية.

وَالْإِرْجَافِ بِالنَّبِيِّ وَالمُسْلِمِينَ حِينًا آخَرَ، وَقَدْ أَنْزَلَ اللهُ فِي شَأْنِهِمْ آيَاتٍ عَدِيدَةٌ فِي عَدَدٍ مِنْ سُوَرِ الْقُرْآنِ، حَتَّى أَنَّهُ سَمَّى سُورَةٌ كَامِلَةً بِمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ النِّفَاقِ، وَهِيَ سُورَةُ "المُنافِقُونَ" وَلَكِنَّ اللَّهَ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ، فَأُخْرِجَتِ الْيَهُودُ مِنَ المُدِينَةِ، وَكُبِتَ الَّذِينَ نَافَقُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ. وَعَنِ الْعَلَاقَةِ التَّامُرِيَّةِ بَيْنَ الْيَهُودِ وَالمُنافِقِينَ المُوَجَّهَةِ ضِدَّ الْإِسْلَامِ وَنَبِيِّ الْإِسْلَامِ يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكتب لين أُخْرِجْتُم لَنَخْرُجَنَ مَعَكُمْ وَلَا تُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُم واللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ لا لَبِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَبِن قُوتِلُوا لَا يَنصُرُونَهُمْ وَلَين نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُنَ الْأَدْبَرَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ (1).

تَحْوِيلُ الْقِبْلَةِ:

بَعْدَ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا مِنَ الهِجْرَةِ أُمِرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِالتَّحَوُّلِ مِنَ اسْتِقْبَالِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فِي الصَّلَاةِ إِلَى اسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ المُشرَّفَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْأَمْرَ بِاسْتِقْبَالِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ تَزَامَنَ مَعَ الْأَمْرِ بِالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَةِ، لَيْلَةِ الْإِسْرَاءِ، فَقَدْ جَاءَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ "أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فُرِضَتْ عَلَيْهِ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ قَبْلَ هِجْرَتِهِ بِسَنَتَيْنِ، وَصَلَّى

(1) الحشر: 11 - 12.

176 (1/176)

صفحة 174

السيرة النبوية.

عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى بَيْتِ الْمُقْدِسِ بَعْدَ هِجْرَتِهِ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَكَانَتِ الْأَنْصَارُ وَأَهْلُ المدينةِ يُصَلُّونَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ نَحْوَ سَنَتَيْنِ قَبْلَ قَدُومِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِلَيْهِمْ، وَكَانَ النَّبِيُّ

صَلَّى إِلَى الْكَعْبَةِ بِمَكَّةَ ثَمَانِيَ سِنِينَ إِلَى أَنْ عُرِجَ بِهِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ (1).

وَكَانَتِ الصَّلَاةُ المُفْرُوضَةُ عَلَيْهِ عِنْدَ مَبْعَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ صَلَاتَيْنِ فَقَطْ، صَلَاةٌ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَصَلَاةٌ بَعْدَ غُرُوبِهَا (2)، إِلَى أَنْ أُسْرِيَ بِهِ، فَفُرِضَتْ عَلَيْهِ

الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ.

وَفِي شَهْرِ رَجَب بَعْدَ مُرُورِ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا مِنَ الْحِجْرَةِ (3) جَاءَ الْأَمْرُ الرَّبَّانِ وَحْيا عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِأَنْ يَتَحَوَّلَ إِلَى الْكَعْبَةِ مَرَّةً ثَانِيَةً، وَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَتَطَلَّعُ إِلَى الْعَوْدَةِ إِلَى اسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ وَيُقَلِّبُ وَجْهَهُ فِي السَّمَاءِ رَاجِيًا ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْيَهُودِ، وَأُرْجِفَ بِهِ الْمُنَافِقُونَ، وَاسْتَهْزَأَ بِهِ الْمُشْرِكُونَ. أَمَّا الْيَهُودُ فَقَد كَانُوا يَأْنَسُونَ بِاسْتِقْبَالِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بَيْتَ الْمَقْدِسِ، وَيَرْجُونَ أَنْ يَتَحَوَّلَ إِلَى دِينِهِمْ، وَأَمَّا الْمُنَافِقُونَ فَقَالُوا: إِنَّ تَحَولَهُ إِلَى الْكَعْبَةِ لَعِبٌ بِالدِّينِ وَعَمَلٌ بِالرَّأْيِ لَا بِدِينٍ، وَذَلِكَ مِنْهُمْ بِقَصْدِ التَّشْكِيكِ. وَأَمَّا مُشْرِكُو الْعَرَبِ فَقَالُوا: رَجَعَ إِلَى وِفَاقِنَا، فَلَوْ رَجَعَ عَلَيْهِ مِنْ أَوَّلِ الْأَمْرِ لَكَانَ أَوْلَى لَهُ سُخْرِيَةٌ مِنْهُمْ وَاسْتِهْزَاء (4)،

(1) رَوَاهُ الرَّبِيعُ بْنُ حَبِيبٍ.

(2) السَّالِمِيُّ، نُورُ الدِّينِ عَبْدُ اللهِ بْنُ حُمَيْدٍ، شَرْحُ الْمُسْنَدِ، ج 1، ص 270.

(3) عَلَى خِلَافٍ فِي ذَلِكَ، وَلَكِنْ هَذَا هُوَ الْأَقْرَبُ إِلَى الصَّحَةِ.

(4) أَطْفَيَّشُ، مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، تَبْشِيرُ التَّفْسِيرِ، فِي تَفْسِيرِ الْآية (سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ .......

177 (1/177)

صفحة 175

السيرة النبوية.

وَجَاءَ نَفَرٌ مِنَ الْيَهُودِ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يُنَاقِشُونَهُ فِي ذَلِكَ وَيَدْعُونَهُ إِلَى الرُّجُوعِ إِلَى اسْتِقْبَالِ بَيْتِ الْمُقْدِسِ قَائِلِينَ لَهُ: مَا وَلَّاكَ عَنْ قِبْلَتِكَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا وَإِنَّكَ تَزْعُمُ أَنَّكَ عَلَى مِلَّةِ

إبْرَاهِيمَ وَدِينِهِ، وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَهُمْ عَن

142

قِبْلَيْهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُل لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِى مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ وَكَذَلِكَ

جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهكَ في السَّمَاءِ فَلَنُوَلِيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَهَا فَوَلِ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْتُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ ليَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (1).

(143

(144

عَلَى أَنَّ مَعْنَى لَفْظِ السُّفَهَاءِ لَيْسَ مُقْتَصِرًا عَلَى الْيَهُودِ، بَلْ عَلَى جُمْلَةٍ مِنَ النَّاسِ، وَهُمُ

الْيَهُودُ وَالْمُنَافِقُونَ وَالمُشْرِكُونَ (2).

(1) الْبَقَرَة: 142، 143، 144 ..

(2) أَطْفَيَّشُ، تَفْسِيرُ الآية.

178 (1/178)

صفحة 176

دُسُنُورُ الْمَدِينَة (1/179)

صفحة 177

السيرة النبوية. دُسْتُورُ الْمَدِينَةِ

قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَكَتَبَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم كِتَابًا بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَادَعَ فِيهِ

الْيَهُودَ وَعَاهَدَهُمْ وَأَقَرَّهُمْ عَلَى دِينِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، وَشَرَطَ هُمْ وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ. وَهَذَا الْكِتَابُ كَانَ يُطْلَقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، كَمَا سَمَّاهُ المُؤَرِّحُونَ الصَّحِيفَةَ، وَأَطْلَقَ

عَلَيْهِ المُعَاصِرُونَ دُسْتُورَ المَدِينَةِ وَوَثِيقَةَ المَدِينَةِ. وَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا الْكِتَابَ الَّذِي كَتَبَهُ رَسُولُ الله بَيْنَ المُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَهُمْ سُكَّانُ المَدِينَةِ آنَذَاكَ يُعْتَبَرُ بِحَقِّ دُسْتُورًا أَي قَانُونَا أَوْ نِظَامًا أَسَاسِيَّا، يُنَظَّمُ الْعَلَاقَةَ بَيْنَ الدَّوْلَةِ وَالشَّعْبِ، وَبَيْنَ الْمُوَاطِنِينَ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ، فَهُوَ قَانُونُ أَسَاسِيٌّ وَاجْتِمَاعِيٌّ، وَلَعَلَّ وَضْعَ النَّبِيِّ: مَا كَانَ بَعْدَ ظُهُورِ الْعَدَاوَةِ مِنَ الْيَهُودِ وَالْمُنَافِقِينَ لِيَقْطَعَ الطَّرِيقَ عَلَيْهِمْ مِنْ إِثَارَةِ الْفِتْنَةِ.

وَقَدْ عُنِي المُفكَّرُونَ المُعَاصِرُونَ بِتَقْسِيمِ الْكِتَابِ أَوِ الصَّحِيفَةِ إِلَى مَوَادٌ، وَلَعَلَّ أَوَّلَ مَنْ قَامَ بِذَلِكَ التَّقْسِيمِ المُؤَرِّخُ الفَكِّرُ الْهِنْدِيٌّ مُحَمَّدُ حُمَيْدِ اللَّهِ فِي كِتَابِهِ: (الْوَثَائِقُ السَّيَاسِيَّةُ)، حَيْثُ قَسمَهَا إِلَى 47 مَادَّةٌ، أَمَّا الْمُؤَرِّجُ وَالْمُفَكِّرُ الْمِصْرِيُّ حُسَيْنُ مُؤْنِسٍ فَقَدْ

أَوْصَلَهَا إِلَى 70 مَادَّةٌ فِي كِتَابِهِ: (تَارِيخُ الْإِسْلَامِ).

وَفِي رَأْيِنَا أَنَّهَا صَحِيحَةُ النُّبُوتِ، وَسَارِيَةُ المَفْعُولِ، لَبَادِئِهَا الدُّسْتُورِيَّةِ الَّتِي تَتَّفِقُ وَتَتَطَابَقُ وَتَنْسَجِمُ مَعَ المنظُومَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ الْعَامَّةِ، وَلَعَلَّ تَشْكِيكَ مَنْ شَكَّكَ فِيهَا جَاءَ

مِنْ أَمْرَيْنِ: (1/180)

صفحة 178

السيرة النبوية

أُولَاهُمَا: إِنَّ رَاوِيهَا وَمُورِدَهَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ صَاحِبُ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ، وَهُوَ قَدْ كَانَ عَلَى خُصُومَةٍ مَعَ الْإِمَامِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ الْأَصْبَحِي إِمَامِ المَالِكِيَّةِ الَّذِي كَانَ يُعْتَبَرُ

محدثًا وَمِنْ أَئِمَّةِ أَهْلِ الحَدِيثِ.

وَثَانِيهِمَا: أَنَّهَا كَانَتْ مَحْفُوظَةٌ عِنْدَ أَئِمَّةِ الشَّيعَةِ لِكَوْنِهَا كَانَتْ فِي حَوْزَةِ الْخَلِيفَةِ عَلِيٍّ

بْنِ أَبِي طَالِبٍ.

وَمَا نَحْنُ نَقْتَفِي مَنْهَجَ المُعَاصِرِينَ فِي تَقْسِيمِهَا إِلَى مَوَادَّ، فَهِيَ كَمَا يَلِي:

-

1 سم الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

هَذَا كِتَابٌ مِنْ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ مِنْ قُرَيْشٍ وَيَثْرِبَ وَمَنْ

تَبِعَهُمْ وَلَحِقَ بِهِمْ وَجَاهَدَ مَعَهُمْ.

-3 - المُهَاجِرُونَ مِنْ قُرَيْشٍ عَلَى رَبْعَتِهِمْ (1) يَتَعَاقَلُونَ بَيْنَهُمْ. 4 - وَهُمْ يَفْدُونَ عَانِيَهُمْ (2) بِالْمَعْرُوفِ وَالْقِسْطِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ.

-

-5 وَبَنُو عَوْفٍ عَلَى رَبْعَتِهِمْ يَتَعَاقَلُونَ مَعَاقِلَهُمُ الْأُولَى. -6 وَكُلُّ طَائِفَةٍ تَفْدِي عَانِيَهَا بِالْمَعْرُوفِ وَالْقِسْطِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ. 7 - وَبَنُو سَاعِدَةَ عَلَى رَبْعَتِهِمْ يَتَعَاقَلُونَ مَعَاقِلَهُمُ الْأُولَى. - وَبَنُو الْحَارِثِ عَلَى رَبْعَتِهِمْ يَتَعَاقَلُونَ مَعَاقِلَهُمُ الْأُولَى.

(1) عَلَى شَأْنِهِمْ وَعَادَتِهِمْ فِي أَحكام الدِّيَاتِ وَالدَّمَاءِ.

(2) - أسيرهم. (1/181)

صفحة 179

السيرة النبوية.

9 - وَبَنُو جُشَمٍ عَلَى رَبْعَتِهِمْ يَتَعَاقَلُونَ مَعَاقِلَهُمُ الْأُولَى.

-10 - وَبَنُو النَّجَّارِ عَلَى رَبْعَتِهِمْ يَتَعَافَلُونَ مَعَاقِلَهُمُ الْأُولى. 11 - وَبَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ عَلَى رَبْعَتِهِمْ يَتَعَاقَلُونَ مَعَاقِلَهُمُ الْأُولَى. 12 - وَبَنُو النَّبِيتِ عَلَى رَبْعَتِهِمْ يَتَعَافَلُونَ مَعَاقِلَهُمُ الْأُولى.

13 - وَبَنُو الْأَوْسِ عَلَى رَبْعَتِهِمْ يَتَعَاقَلُونَ مَعَاقِلَهُمُ الْأُولَى. 14 - وَأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ لَا يَتْرُكُونَ مُفْرَحًا (1) بَيْنَهُمْ أَنْ يُعْطُوهُ بِالْمَعْرُوفِ فِي فِدَاءٍ أَوْ

عقل (2)

15 - وَأَنْ لَا يُخالِفَ مُؤْمِنٌ مَوْلَى مُؤْمِن دُونَهُ.

16 - وَأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ الْمُتَّقِينَ عَلَى مَنْ بَغَى مِنْهُمْ أَوِ ابْتَغَى دَسِيعَةَ (3) ظُلْمٍ أَوْ إِثْمٍ أَوْ

عُدْوَانٍ أَوْ فَسَادٍ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ.

17 - وَأَنَّ أَيْدِيَهُمْ عَلَيْهِ جَمِيعًا وَلَوْ كَانَ وَلَدَ أَحَدِهِمْ.

18 - وَلَا يَقْتُلُ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنًا فِي كَافِرٍ.

19 - وَلَا يَنْصُرُ كَافِرًا عَلَى مُؤْمِنٍ.

(1) - مُثْقَلًا بِالدَّيْنِ.

(2) التَّعْرِيض عَلَى الضَّرَرِ الْجَسَدِي. (3) شَيْئًا مِنَ الظُّلْمِ وَالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ.

182 (1/182)

صفحة 180

السيرة النبوية.

20 - وَأَنَّ ذِمَّةَ اللَّهِ وَاحِدَةٌ يُجِيرُ عَلَيْهِمْ أَدْنَاهُمْ.

21 - وَأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ بَعْضَهُمْ مَوَالِي بَعْضٍ دُونَ النَّاسِ.

22 - وَأَنَّ مَنْ تَبِعَنَا مِنْ يَهُودٍ فَإِنَّ لَهُ النَّصْرَ وَالْأَسْوَةَ غَيْرَ مَظْلُومِينَ، وَلَا

مُتَنَاصِرِينَ عَلَيْهِمْ.

23 - وَأَنَّ سِلْمَ الْمُؤْمِنِينَ وَاحِدَةٌ.

24 - لا يُسَالِمٍ مُؤْمِنٌ دُونَ مُؤْمِن فِي قِتَالٍ فِي سَبِيلِ الله كَ إِلَّا عَلَى سَوَاءٍ وَعَدْلٍ

بينهم.

25 - وَأَنَّ كُلَّ غَازِيَةٍ غَزَتْ مَعَنَا يُعْقِبُ بَعْضُهَا بَعْضًا.

26 - وَأَنَّ المُؤْمِنِينَ يَبِيءُ (1) بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ بِمَا نَالَ دِمَاءَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. 27 - وَأَنَّ المُؤْمِنِينَ المُتَّقِينَ عَلَى أَحْسَنِ هُدًى وَأَقْوَمِهِ.

28 - وَأَنْ لَا تُجِيرَ مُشْرِكٌ مَالًا لِقُرَيْشٍ وَلَا نَفْسًا وَلَا يَقُولَ دُونَهُ عَلَى مُؤْمِنٍ. 29 - وَأَنَّ مَنِ اعْتَبَطَ (2) مُؤْمِنًا قَتْلًا عَنْ بَيِّنَةٍ فَإِنَّهُ فَوَدْ بِهِ إِلَّا أَنْ يَرْضَى وَلِيُّ

المقتول.

30 - وَأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ كَافَّةٌ وَلَا يَحِلُّ هُمْ إِلَّا قِيَامٌ عَلَيْهِ.

(1) - يَتَسَاوُونَ.

(2) - قتل. (1/183)

صفحة 181

السيرة النبوية.

31 - وَأَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِمُؤْمِنٍ أَقَرَّ بِمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ وَآمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ

يَنْصُرَ مُحْدِثًا وَلَا يُؤْويه.

32 - وَأَنَّ مَنْ نَصَرَهُ أَوْ آوَاهُ فَإِنَّ عَلَيْهِ لَعْنَةَ اللَّه وَغَضَبَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ

صَرْفُ وَلَا عَدْلٌ.

- وَأَنكُمْ مَهُمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ مَرَدَّهُ إِلَى اللهِ وَإِلَى مُحَمَّدٍ 34 - وَأَنَّ الْيَهُودَ يُنْفِقُونَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ مَا دَامُوا مُحَارِبِينَ. 35 - وَأَنَّ يَهُودَ بَنِي عَوْفٍ أُمَّةٌ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ.

-36 - لِلْيَهُودِ دِينُهُمْ وَلِلْمُسْلِمِينَ دِينُهُمْ، مَوَالِيهِمْ أَنْفُسُهُمْ. 37 - إِلَّا مَنْ ظَلَمَ وَأَيْمَ فَإِنَّهُ لَا يُوتِعُ (1) إِلَّا نَفْسَهُ وَأَهْلَ بَيْتِهِ. 38 - وَأَنَّ لِيَهُودِ بَنِي النَّجَّارِ مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْفٍ. 39 - وَأَنَّ لِيَهُودِ بَنِي الْحَارِثِ مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْفٍ. 40 - وَأَنَّ لِيَهُودِ بَنِى سَاعِدَةَ مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْفٍ. 41 - وَأَنَّ لِيَهُودِ بَنِي جُشَمٍ مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْفٍ. 42 - وَأَنَّ لِيَهُودِ بَنِي الْأَوْسِ مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْفٍ. 43 - وَأَنَّ لِيَهُودِ بَنِي ثَعْلَبَةَ مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْفٍ.

-

-

(1) - يُهْلِكُ.

184 (1/184)

صفحة 182

السيرة النبوية.

44 - إِلَّا مَنْ ظَلَمَ وَأَيْمَ فَإِنَّهُ لَا يُوتِعُ إِلَّا نَفْسَهُ وَأَهْلَ بَيْتِهِ. 45 - وَأَنَّ جَفْنَةَ بَطْنٌ مِنْ ثَعْلَبَةَ كَأَنْفُسِهِمْ.

46 - وَأَنَّ لِبَني الشَّطْبَةِ مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْفٍ.

47 - وَأَنَّ الْبِرَّ دُونَ الْإِثْمِ (1).

48 - وَأَنَّ مَوَالِي ثَعْلَبَةَ كَأَنْفُسِهِمْ.

49 - وَأَنَّ بِطَانَةَ يَهُودٍ كَأَنْفُسِهِمْ.

50 - وَأَنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلَّا بِإِذْنِ مُحَمَّدٍ. 51 - وَأَنَّهُ لَا يَنْحَجِزُ عَلَى تَأْرٍ جُرْحٌ.

52 - وَأَنَّهُ مَنْ فَتَكَ فَبِنَفْسِهِ فَتَكَ وَأَهْلِ بَيْتِهِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ.

53 - وَأَنَّ اللهَ عَلَى أَمْرٍ هَذَا.

54 - وَأَنَّ عَلَى الْيَهُودِ نَفَقَتَهُمْ.

55 - وَعَلَى المُسْلِمِينَ نَفَقَتُهُمْ.

56 - وَأَنَّ بَيْنَهُمُ النَّصْرَ عَلَى مَنْ حَارَبَ أَهْلَ هَذِهِ الصَّحِيفَةِ.

57 - وَأَنَّ نِيَّتَهُمُ النُّصْحُ وَالنَّصِيحَةُ.

58 - وَالْبِرُّ دُونَ الْإِثْمِ.

59 - وَأَنَّهُ لَمْ يَأْثَمِ امْرُةٌ بِحَلِيفِهِ.

(1) أَيْ أَنَّ الْبِرَّ حَاجِرٌ عَنِ الْإِثْمِ. (1/185)

صفحة 183

60 - وَأَنَّ النَّصْرَ لِلْمَظْلُومِ.

السيرة النبوية.

61 - وَأَنَّ الْيَهُودَ يُنْفِقُونَ مَعَ المُؤْمِنِينَ مَا دَامُوا مُحَارِبِينَ.

62 - وَأَنَّ يَثْرِبَ حَرَمٌ جَوْفُهَا لِأَهْلِ هَذِهِ الصَّحِيفَةِ.

63 - وَأَنَّ الْجَارَ كَالنَّفْسِ غَيْرُ مُضَارٌ وَلَا أَثِمٍ. 64 - وَأَنَّهُ لَا يُجَارُ حُرْمَةٌ إِلَّا بِإِذْنِ أَهْلِهَا.

65 - وَأَنَّهُ مَا كَانَ بَيْنَ أَهْلِ هَذِهِ الصَّحِيفَةِ مِنْ حَدَثٍ أَوِ اشْتِجَارٍ يُخَافُ فَسَادُهُ فَإِنَّ مَرَدَّهُ إِلَى اللَّه صلى الله عليه وسلم وَإِلَى مُحَمَّدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

66 - وَأَنَّ اللهَ عَلَى أَتْقَى مَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ وَأَبَرِّهِ. 67 - وَأَنَّهُ لا تُجَارُ قُرَيْضٌ وَلَا مَنْ نَصَرَهَا.

68 - وَأَنَّ بَيْنَهُمُ النَّصْرَ عَلَى مَنْ دَهَمَ يَثْرِبَ.

69 - وَإِذَا دُعُوا إِلَى صُلْحِ يُصَالِحُونَهُ وَيَلْبَسُونَهُ فَإِنَّهُمْ يُصْلِحُونَهُ وَيَلْبَسُونَهُ.

70 - وَأَنَّهُمْ إِذَا دُعُوا إِلَى مِثْلِ ذَلِكَ فَإِنَّ هُمْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ.

71 - إِلَّا مَنْ حَارَبَ فِي الدِّينِ.

72 - عَلَى كُلِّ أُناسٍ حِصَّتُهُمْ مِنْ جَانِبِهِمُ الَّذِي قِبَلَهُمْ.

73 - وَأَنَّ يَهُودَ الْأَوْسِ مَوَالِيَهُمْ وَأَنْفُسَهُمْ عَلَى مِثْلِ مَا لِأَهْلِ هَذِهِ الصَّحِيفَةِ مَعَ

73

الْبِرِّ الْمُحْضِ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الصَّحِيفَةِ.

74 - وَأَنَّ الْبِرَّ دُونَ الْإِثْمِ.

186 (1/186)

صفحة 184

السيرة النبوية.

75 - وَأَنَّ اللهَ عَلَى أَصْدَقِ مَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ وَأَبَره.

76 - وَأَنَّهُ لَا يَحُولُ هَذَا الْكِتَابُ دُونَ ظَالِمٍ وَآئِمٍ.

77 - وَأَنَّهُ مَنْ خَرَجَ آمِنٌ.

78 - وَمَنْ قَعَدَ آمِنُ بِالمدينة.

79 - إِلَّا مَنْ ظَلَمَ أَوْ أَيْمَ.

80 - وَأَنَّ اللَّهَ جَازِ لَمَنْ بَرَّ وَاتَّقَى.

81 - وَمُحَمَّدٌ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم

هَذِهِ هِيَ المَوَاةُ الدُّسْتُورِيَّةُ الْقَانُونِيَّةُ لِصَحِيفَةِ المَدِينَةِ الَّتِي تُعْتَبَرُ أَوَّلَ دُسْتُورٍ

لِلدَّوْلَةِ، وَأَوَّلَ دُسْتُورٍ لِلْمُوَاطَنَةِ وَأَوَّلَ دُسْتُورٍ لِلْعَيْشِ الْمُشْتَرَكِ.

بَيْدَ أَنَّهُ لَا يُوجَدُ اهْتِمَام بِهَا، مِنْ حَيْثُ الحَدِيثُ عَنْهَا، أَوْ شَرْحُهَا أَوْ تَدْرِيسُهَا

أَكَادِيمِيَّا، أَوْ طَرْحُهَا بَحْيًّا، وَلَعَلَّ فِي مُسْتَقْبَلِ الْأَيَّامِ يَتَوَجَّهُ الِاهْتِمَامُ إِلَيْهَا بِصُورَةِ أَكْبَرَ،

وَهُوَ مَا نَرْجُوهُ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى.

187 (1/187)

صفحة 185

الْأَعْمَالُ الْعَسْكَرِيَّةُ (1/189)

صفحة 186

السيرة النبوية.

الْأَعْمَالُ الْعَسْكَرِيَّةُ

بَعْدَ أَنْ مَرَّتْ سَنَةٌ عَلَى هِجْرَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَوُصُولِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ وَاسْتِقْرَارِهِ هُوَ وَأَصْحَابُهُ بِهَا اجْتِمَاعِيَّا؛ بَدَأَ فِي تَسْبِيرِ الْغَزَوَاتِ وَالسَّرَايَا مُلَاقَاةِ قُرَيْشٍ وَغَيْرِهِمْ مِنَ

مُشْرِكِي الْعَرَبِ.

الْأَسْبَابُ:

1 - قِيَامُ الْكِيَانِ الْإِسْلَامِي فِي الْمَدِينَةِ دَوْلَةً وَمُجْتَمَعًا.

-

- تَرْحِيبُ الْأَنْصَارِ بِالْمُهَاجِرِينَ.

3 - قُوَّةُ اللُّحْمَةِ الدِّينِيَّةِ بِالمُوَاخَاةِ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ.

4 - وُجُودُ اللُّحْمَةِ الوَطَنِيَّةِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ في ضَوْءِ بُنُودِ وَثِيقَةِ المُوَاطَنة (دُسْتُورِ المَدِينَةِ الَّتِي أَنْشَأَهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بَيْنَ مُكَوِّنَاتِ المُجْتَمَعِ المُدَيِّ مِنَ الْقَبَائِلِ

الْعَرَبِيَّةِ وَقَبَائِلِ الْيَهُودِ.

الْهَدَفُ:

1 - إخَافَةُ المُشْرِكِينَ وَلَا سِما مُشْرِكِي قُرَيْشٍ مِنَ الهجوم عَلَى المُسْلِمِينَ فِي المَدِينَةِ، أَوِ

التَّعَرُّضِ هُمْ فِي الطُّرُقَاتِ وَالْأَمْكِنَةِ.

190 (1/190)

صفحة 187

السيرة النبوية.

2 - فَرْضُ حِصَارٍ اقْتِصَادِي عَلَى قُرَيْشٍ بُغْيَةَ إِضْعَافِهِمْ وَإِذْهَابِ قُوَّتِهِمْ، وَتَتَمَثَلُ

تِلْكَ الْغَزَوَاتُ وَالسَّرَايَا فِيمَا يَلِي:

غَزْوَةُ وِدَان:

وَتُسَمَّى غَزْوَةَ الْأَبْوَاءِ، كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قَدْ سَارَ إِلَيْهَا يُرِيدُ مُلَاقَاةَ بَنِي ضَمْرَةَ، فَوَادَعَتْهُ فِيهَا بَنُو ضَمْرَةَ عَلَى يَدِ زَعِيمِهِمْ فَخَشِيَ بْنِ عَمْرٍو الضَّمْرِيُّ، ثُمَّ عَادَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إِلَى المَدِينَةِ وَلَمْ يَلْقَ كَيْدًا وَلَا عَتَنا.

سَرِيَّةُ عُبَيْدَةَ بْنِ الْحَارِثِ:

وَبَعَثَ النَّبِيُّ عُبَيْدَةَ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ فِي عَدَدٍ مِنْ رِجَالِ الْمُهَاجِرِينَ لَيْسَ فِيهِمْ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَسَارَتِ السَّرِيَّةُ حَتَّى بَلَغُوا مَاءَ بِالْحِجَازِ بِأَسْفَلِ ثَنِيَّةِ المرةِ، فَالْتَقَوْا بِجَمْعِ كَبِيرٍ مِنْ قُرَيْشٍ بِرِئَاسَةِ عِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ، إِلَّا إِنَّهُمْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ

قتال.

وَقَدْ شَهِدَتْ هَذِهِ السَّرِيَّةُ أَحْدَاثُ مُهِمَّةٌ هِيَ:

1 - أُطْلِقَ فِيهَا أَوَّلُ سَهُم مِنْ قِبَلِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، فَكَانَ أَوَّلَ سَهُم رُمِيَ بِهِ فِي الإسلام. 2 - قِرَارُ بَعْضِ المُسْلِمِينَ الْكَاثِمِينَ لِإِسْلَامِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ إِلَى المُسْلِمِينَ، وَهُمَا: الْمَقْدَادُ بْنُ عَمْرٍو الْبَهْرَانِيُّ حَلِيفُ بَنِي زُهْرَةَ، وَعُتْبَةُ بْنُ غَزْوَانَ الْمَازِيُّ حَلِيفٌ بَنِي نَوْفَلِ

بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ.

191 (1/191)

صفحة 188

السيرة النبوية.

3 - عَقْدُ أَوَّلِ رَايَةٍ فِي الْإِسْلَامِ، فَقَدْ عَقَدَ النَّبِيُّ لا فِيهَا الرَّايَةَ لِعَبِيدَةَ بْنِ الْحَارِثِ،

وَهِيَ بِذَلِكَ أَوَّلُ رَايَةٍ تُعْقَدُ فِي الْإِسْلَامِ.

سَرِيَّةُ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ:

وَكَانَتْ إِلَى سِيفِ الْبَحْرِ أَيْ سَاحِلِ الْبَحْرِ مِنْ نَاحِيَةِ الْعِيصِ، فِي ثَلَاثِينَ رَجُلًا مِنَ المُهَاجِرِينَ وَلَيْسَ فِيهِمْ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَكَانَ اللَّقَاءُ بِعَدَدٍ مِنْ رِجَالَاتِ قُرَيْشٍ بِرِئَاسَةِ أَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ، وَكَادَتْ أَنْ تَنْشَبَ بَيْنَهُمُ الْخَرْبُ لَوْلَا أَنْ قَامَ تَجْدِيُّ بْنُ عَمْرٍو الْجُهَنِيُّ بِالْحَجْزِ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ، فَقُبِلَتْ وَسَاطَتُهُ، لأَنَّهُ كَانَ عَلَى مَسَافَةٍ وَاحِدَةٍ مِنَ الجانبينِ الْإِسْلَامِي وَالشِّرْكِيُّ، فَانْصَرَفَ الْقَوْمُ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ

قِتَالُ.

غَزْوَةُ بُوَاطِ:

وَخَرَجَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مِنَ المَدِينَةِ إِلَى مِنْطَقَةِ بُوَاطٍ مِنْ جِهَةِ رَضْوَى يُرِيدُ قُرَيْشًا، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَمْ تَكُنْ هُنَالِكَ مُلَاقَاةٌ مَعَ قُرَيْشٍ، وَلِذَلِكَ رَجَعَ إِلَى المَدِينَةِ وَلَمْ يَلْقَ كَيْدًا. (1/192)

صفحة 189

السيرة النبوية.

غَزْوَةُ الْعَشِيرَةِ:

وَخَرَجَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنَ المَدِينَةِ حَتَّى نَزَلَ الْعَشِيرَةَ مِنْ يَنْبُعَ، وَأَقَامَ بِهَا

عَدَدًا مِنَ اللَّيَالِي عَاقِدًا هُدْنَةٌ مَعَ قَبِيلَةِ بَنِي مُدْلِجِ وَحُلَفَائِهِمْ مِنْ قَبِيلَةِ بَنِي ضَمْرَةَ، ثُمَّ

قَفَلَ عَائِدًا إِلَى المَدِينَةِ. سَرِيَّةُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ

وَبَعَثَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. سَعْدَ بْنَ أَبِي وَفَّاصٍ فِي سَرِيَّةٍ صَغِيرَةٍ مِنَ المُهَاجِرِينَ حَتَّى بَلَغُوا مِنْطَقَةَ الخَرَّارِ مِنَ الْحِجَازِ، وَلَمْ تَكُنْ هُنَالِكَ مُلاقاةٌ مَعَ الْعَدُو، فَعَادَتِ السَّرِيَّةُ إِلَى المَدِينَةِ لَمْ تَلْقَ كَيْدًا.

غَزْوَةُ سَفوَانَ:

وَتُسَمَّى غَزْوَةَ بَدْرٍ الْأُولَى؛ لِأَنَّ سَفْوَانَ مِنْ نَاحِيَةِ مِنْطَقَةِ بَدْرٍ، وَالسَّبَبُ فِيهَا أَنَّ كُرْزَ بْنَ جَابِرِ الْفِهْرِي أَغَارَ عَلَى سَرْحِ المَدِينَةِ، وَهُنَاكَ خَرَجَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي طَلَبِهِ، غَيْرَ أَنَّ كُرْزَ بْنَ جَابِرٍ أَفْلَتَ مِنَ الطَّلَبِ، فَلَمْ يَتِمَّ إِدْرَاكُهُ، فَعَادَ النَّبِيُّ وَمَنْ مَعَهُ إِلَى الْمَدِينَةِ. سَرِيَّةُ عَبْدِ اللهِ بْن جَحْشٍ وَبَعَثَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم سَرِيَّةٌ صَغِيرَةً مُكَوِّنَةٌ مِنْ ثَمَانِيَةِ أَفْرَادٍ كُلُّهُمْ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَعَلَى رَأْسِ السَّرِيَّةِ عَبْدُ الله بْنُ جَحْشِ الْأَسَدِيُّ، وَذَلِكَ فِي شَهْرِ رَجَب، أَحَدِ الْأَشْهُرِ الحُرُمِ الْأَرْبَعَةِ الَّتِي هِيَ ثَلَاثَةٌ، سرد، شَوَّالُ وَذُو الْقِعْدَةِ وَذُو الحِجَّةِ، وَوَاحِدٌ فَرْدٌ وَهُوَ رَجَبٍ، وَزَوَّدَهُ بِخِطَابٍ، وَأَمَرَهُ أَنْ لَا يَفْتَحَهُ إِلَّا بَعْدَ مُضِيٌّ يَوْمَيْنِ مِنْ مَسِيرِهِمْ، فَفَتَحَ

193 (1/193)

صفحة 190

السيرة النبوية.

عَبْدُ اللهِ بْنُ جَحْشِ الْكِتَابَ بَعْدَ انْتِهَاءِ التَّوْقِيتِ المُضْرُوبِ لَهُ، فَإِذَا فِي الْكِتَابِ: إِذَا نَظَرْتَ فِي كِتَابِي هَذَا فَامْضِ حَتَّى تَنْزِلَ نَخْلَةٌ بَيْنَ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ فَتَرْصُدُ بِهَا قُرَيْشًا وَتَعْلَمُ لَنَا مِنْ أَخْبَارِهِمْ.

ثُمَّ قَالَ لِأَصْحَابِهِ قَدْ أَمَرَنِي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أَنْ أَمْضِيَ إِلَى نَخْلَةٍ أَرْصُدُ بِهَا قُرَيْشًا حَتَّى آتِيَهُ مِنْهُمْ بِخَبَرِ، وَقَدْ نَهَانِي أَنْ أَسْتَكْرِهَ أَحَدًا مِنْكُمْ، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُرِيدُ الشَّهَادَةَ وَيَرْغَبُ فِيهَا فَلْيَنْطَلِقُ، وَمَنْ كَرِهَ ذَلِكَ فَلْيَرْجِعْ، غَيْرَ أَنَّ أَصْحَابَهُ لَمْ يَتَخَلَّفْ مِنْهُمْ أَحَدٌ. وَمَضَوْا حَتَّى نَزَلُوا نَخْلَةَ، فَإِذَا بِقَافِلَةٍ لِقُرَيْشٍ مُحَمَّلَةٍ بِبَضَائِعَ تِجَارِيَّةٍ، وَعَلَى رَأْسِ الْقَافِلَةِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الله بْنِ عَبَّادٍ الْحَضْرَمِيُّ الْكِنْدِيُّ، فَنَزَلَ الْفَرِيقَانِ قَرِيبًا مِنْ بَعْضِهِمُ

الْبَعْضُ. وَنَظَرًا لما عَلَيْهِ الْقَافِلَهُ مِنْ أَمْرٍ مُغْرِ، حَيْثُ وُجُودُ كَمِّيَّةٍ جَيْدَةٍ مِنَ الْبَضَائِعِ التِّجَارِيَّةِ المَحْمُولَةِ لِقُرَيْشٍ، غَيْرَ أَنَّ الْوَقْتَ كَانَ آخِرَ رَجَبِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ الَّذِي يَحْرُمُ فِيهِ الْقِتَالُ

نهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمَ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيْمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ (1). لِذَا كَانَ التَّرَدُّدُ سَيْدَ المَوْقِفِ، فَكَانُوا بَيْنَ خِيَارَيْنِ إِمَّا الْحُجُومُ عَلَى أَصْحَابِ الْقَافِلَةِ وَقِتَالُهُمْ لِلاسْتِيلَاءِ عَلَى الْقَافِلَةِ، وَقَتْلِ مَنْ يَقْدِرُونَ عَلَى قَتْلِهِ، وَإِمَّا تَفْوِيتُ هَذِهِ الْفُرْصَةِ

السَّائِحَةِ إِذَا دَخَلَتِ الْقَافِلَةَ الْحَرَمَ.

(1) التَّوْبَة: 36.

194 (1/194)

صفحة 191

السيرة النبوية.

فَاتَّفَقَ الرَّأْيُ عَلَى الْجُومِ وَالْقِتَالِ، فَرَمَى وَاقِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التَّمِيمِيُّ رَئِيسَ الْقَافِلَةِ عَمْرَو بْنَ الْحَضْرَمِي بِسَهُم فَقَتَلَهُ، وَاسْتَأْسَرُوا مِنْ أَصْحَابِ الْقَافِلَةِ رَجُلَيْنِ هُمَا: عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللهِ وَالحَكَمُ بْنُ كَيْسَانَ، وَاسْتَوْلَوْا عَلَى بَضَائِعِ الْقَافِلَةِ أَوْ عَلَى كَثِيرٍ مِنْهَا مُعْتَبِرِينَ ذَلِكَ غَنِيمَةٌ مِنْ أَمْوَالِ المُشْرِكِينَ، وَقَدِمُوا بِالْغَنَائِم وَالْأَسِيرَيْن المَدِينَةَ، تَمُلُوثِينَ بِالْفَرَحِ وَالاغْتِبَاطِ لِلْإِنْجَازِ الرَّائِعِ الَّذِي حَقَّقُوهُ، لَكِنَّهُمْ فُوجِتُوا بِامْتِنَاعِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَنْ تَأْبِيدِهِمْ لَا قَامُوا بِهِ وَعَنْ قَبُولِ الْغَنَائِمِ وَالْأَسِيرَيْنِ قَائِلًا لَهُمْ: مَا أَمَرْتُكُمْ بِقِتَالٍ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ، فَسُقَطَ فِي أَيْدِيهِمْ، وَنَتِيجَةٌ لِذَلِكَ كَانَتْ هُنَاكَ مَوَاقِفُ مُتَبَايِنَةٌ مِنْ أَطْرَافٍ

عِدَّة:

1 - التَّعْنِيفِ مِنْ قِبَلِ إِخْوَانِهِمُ المُسْلِمِينَ بِحِجَّةِ أَنَّهُمُ انْتَهَكُوا الشَّهْرَ الْحَرَامَ (رَجَب)، وَهِيَ قَضِيَّةٌ دِينِيَّةٌ مَوْرُوثَةٌ مِنْ دِينِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَهِيَ الدِّينُ الْقَيِّمُ لِقَوْلِ الله تَعَالَى: جَعَلَ اللهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ فِيمَا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ

الحرام (1)

2 - الدَّعَايَةُ المُغْرِضَةُ مِنْ قُرَيْشٍ ضِدَّ النَّبِيِّ وَأَصْحَابِهِ، فَقَدْ قَالُوا: قَدِ اسْتَحَلَّ مُحَمَّدٌ وَأَصْحَابُهُ الشَّهْرَ الحَرَامَ، وَسَفَكُوا فِيهِ الدَّمَ، وَأَخَذُوا فِيهِ الْأَمْوَالَ، وَأَسَرُوا فِيهِ الرِّجَالَ، وَاعْتَبَرُوهَا فُرْصَةٌ مُنَاسِبَةٌ هُمْ لِلدَّعَايَةِ ضِدَّ الْمُسْلِمِينَ، بِقَصْدِ تَشْوِيهِ صُورَةٍ

الْإِسْلَامِ نَبِيًّا وَمُسْلِمِينَ.

(1) (1/195)

صفحة 192

السيرة النبوية.

3 - الشَّمَاتَةُ مِنَ الْيَهُودِ، حَيْثُ اسْتَعْمَلُوا التَّكَهُنَاتِ رَابِطِينَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَلْفَاظِ الْكَلِمَاتِ وَأَسْمَاءِ الْأَشْخَاصِ، ظَنَّا وَتَحْمِينًا مِنْهُمْ أَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى إِضْعَافِ الْمُسْلِمِينَ

وَنِهَايَتِهِمْ وَانْتِهَاءِ الْإِسْلَام.

وَلَكِنَّ اللهَ يَأْبَى أَنْ يَتْرُكَ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ نَهْبًا لِلْأَلْسُنِ الْمُغْرِضَةِ، فَأَنْزَلَ فِي ذَلِكَ

قُرْآنًا يُتْلَى فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَسْتَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالِ فِيهِ قُلْ قِتَالُ فِيهِ كَبِيرٌ

وَصَدُّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرُ بِهِ، وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ، مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ (1). عَلَى أَنَّ مَا فَعَلَهُ عَبْدُ الله بْنُ جَحْشٍ وَأَصْحَابُهُ هُوَ فِقْهُ الْوَاقِعِ الَّذِي يُرَاعِي ظَرْفَ

ه

ج

الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ، وَذَلِكَ تَوْفِيقٌ مِنَ اللَّهِ لِهَذِهِ الْفِئَةِ المُؤْمِنَةِ وَنَصْرٌ مِنْهُ لَهُمْ، فَانْجَلَتْ بِذَلِكَ الْغُمَّةُ عَنْهُمْ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ جَحْشٍ وَأَصْحَابِهِ الْكِرَامِ المُيَامِينِ.

وَقَدْ حَدَثَ لِلسَّرِيَّةِ أَنْ أُسِرَ سَعْدُ بْنُ أَي وَقَّاصٍ وَعُتْبَةُ بْنُ غَزْوَانَ، وَذَلِكَ أَنَّهَا خَرَجَا فِي طَلَبِ بَعِيرٍ هُما قَدْ ضَلَّ عِنْدَمَا كَانُوا فِي بَحْرَانَ" فَتَخَلَّفَا عَنْ أَصْحَابِهِمَا، وَالظَّاهِرُ أَنَّ أَسْرَهُمَا كَانَ قَدْ تَمَّ بَعْدَ مَعْرَكَةِ "نَخْلَةَ" فَفَادَاهُمَا رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم بِالْأَسِيرَيْنِ الْمُشْرِكَيْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَالْحَكَمِ بْنِ كَيْسَانَ، حَيْثُ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لِوَفْدِ

(1) الْبَقَرَة: 217.

196 (1/196)

صفحة 193

السيرة النبوية.

قُرَيْشٍ الَّذِي بَعَثَتْهُ لِفِدَاءِ أَسِيرَيْهَا: "لاَ نَفْدِيكُمُوهُمَا حَتَّى يَقْدِمَ صَاحِبَانًا، فَإِنَّا نَخْشَاكُمْ عَلَيْهِمَا، فَإِنْ تَقْتُلُوهُمَا نَقْتُلْ صَاحِبَيْكُمْ".

وَعَلَ ذلِكَ أُسْدِلَ السِّتَارُ عَلَى فِعْلِ سَرِيَّةِ عَبْدِ الله بْنِ جَحْشٍ بَعْدَ جَدَلٍ وَنِقَاشٍ

عَاصِفَيْنِ.

عَلَى أَنَّهُ يَنبغي التنبيه لأمْرِ أَلَا وَهُوَ أَنَّ السَّرَايَا الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَبْعَتُهَا كَانَتْ مُقْتَصِرَةً عَلَى الْمُهَاجِرِينَ فَقَط وَمَا كَانَتْ يُشَارِكُهُمْ فِيهَا الْأَنْصَارُ، فَمَا هُوَ السَّبَبُ فِي ذلِكَ يَا تُرى؟ فِي رَأْبِي أَنَّ ذَلِكَ يَرْجِعُ إِلَى أَمْرَيْنِ اثْنَيْنِ، هُمَا: 1 - النِّكَايَةُ فِي قُرَيْشٍ عِنْدَمَا يَرَوْنَ أَنَّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَهُمْ هُمْ مِنْ قَوْمِهِمُ الَّذِينَ خَرَجُوا عَنْهُمْ مُهَاجِرِينَ مُسْتَضْعَفِينَ.

2 - لَعَلَّهُ لا مَا كَانَ يُحِبُّ أَنْ يُكَلَّفَ الْأَنْصَارَ مُهمَّةَ الْقِتَالِ بَادِيَ الْأَمْرِ، حَتَّى لَا يُقَالَ إِنَّهُ وَفَّرَ قَوْمَهُ وَاسْتَعْمَلَ غَيْرَهُمْ لِلْحَرْبِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.

197 (1/197)

صفحة 194

أُمُّ الْمَعارك (1/199)

صفحة 195

سَبَبُ التَّسْمِيَة:

السيرة النبوية.

أُمُّ الْمَعَارِكِ

تَحِقُ مَعْرَكَةِ بَدْرٍ الثَّانِيَةِ أَوْ مَعْرَكَةِ بَدْرٍ الْكُبْرَى أَنْ يُطْلَقَ عَلَيْهَا أُمُّ الْمُعَارِكِ، فَهِيَ كَانَتِ الْمُعْرَكَةَ الْفَاصِلَةَ بَيْنَ الحَقِّ وَالْبَاطِلِ فِي تَارِيخِ الْإِسْلَامِ، لِذَلِكَ سَمَّاهَا اللَّهُ تَعَالَى مَعْرَكَةَ الْفُرْقَانِ فِي قَوْلِهِ عزَّ مِنْ قَائِلِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرُ) الأنفال: 41، لأَنها فَرَّقَتْ بَيْنَ الْكُفْرِ

وَالْإِيمَانِ.

ه

وَسُمِّيِّتِ المُعْرَكَةُ بِمَعْرَكَةِ بَدْرٍ نِسْبَةٌ إِلَى المَكَانِ الَّذِي وَقَعَتْ فِيهِ الْمُعْرَكَةُ، كَمَا أَنَّ ذلِكَ المَكَانَ سُمِّيَ بَدْرًا بِاسْمِ بِثْرِ هُنَالِكَ، وَسُمِّيَتْ تِلْكَ الْبِتْرُ بَدْرًا نِسْبَةٌ إِلَى رَجُلٍ مِنْ جُهَيْنَةَ، وَقِيلَ مِنْ غِفَارِ، مِنْ بَنِي النَّارِ مِنْهُمْ، وَقِيلَ نِسْبَةٌ إِلَى بَدْرِ بْنِ قُرَيْشٍ بْنِ يَخْلُدَ الَّذِي سُمِّيَتْ قُرَيْضٌ بِهِ، وَقِيلَ لِصَفَاءِ مَائِهَا وَرُؤْيَةِ الْبَدْرِ فِيهَا، وَقِيلَ لِاسْتِدَارَتِهَا كَالْبَدْرِ، وَقِيلَ بِاسْمِ وَادٍ هُنَالِكَ (1)، وَكَانَتْ تُعْقَدُ بِهِ سُوقٌ لِلْعَرَبِ (2)، وَتَقَعُ بَدْرٌ فِي الجنُوبِ الْغَرْبِ مِنَ المَدِينَةِ المنورَةِ عَلَى مَسَافَةٍ حَوالي 150 كيلومترًا فِي الطَّرِيقِ إِلَى مَكَّةَ المُكَرَّمَةِ حَرَسَهَا اللهُ بِعِنَايَتِهِ وَرِعَايَتِهِ، وَفِي رَأْيِي أَنَّ هَذِهِ التَّسْمِيَةَ نِسْبَةٌ إِلَى الرَّجُلِ الَّذِي

(1) - الرَّوْضُ الْأَنْفُ، لِلسُّهَيْلي، ج 2، ص 488.

(2) - أَطْفِيشُ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، تَيْسِيرُ التَّفْسِ تنسيرُ التَّفْسِيرِ، ج 5، ص 278. (1/200)

صفحة 196

السيرة النبوية.

حَفَرَ تِلْكَ الْبِرَ هُنَالِكَ وَاسْمُهُ بَدْرٌ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَمَاكِنِ فِي الجَزِيرَةِ الْعَرَبِيَّةِ تُنْسَبُ إِلَى

الْأَشْخَاصِ. تَارِيخُ الْمَعْرَكَةِ:

حَدَثَتْ مَعْرَكَةُ بَدْرٍ الثَّانِيَةُ أَوِ الْكُبْرَى فِي السَّابِعَ عَشَرَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ لِلْهِجْرَةِ وَيُوَافِقُ هَذَا التَّارِيخَ ميلادِيًا يَوْمُ الثَّلَاثَاءِ 13 مَارِسُ 624 م.

الْأَسْبَابُ الْمُمَهَّدَةُ:

هُنَالِكَ أَسْبَابٌ مَهَّدَتْ لِحُدُوثِ مَعْرَكَةِ بَدْرٍ مِنْهَا:

-1 إِخْرَاجُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِنْ مَكَّةَ الْمُكَرَّمَةِ وَهِيَ مَسْقَط رَأْسِهِ وَمَوْطِنُ آبَائِهِ وَأَجْدَادِهِ، وَمَحَل بَعْتَتِهِ النَّبَوِيَّةِ وَمَنْزِلُ وَحْيِ اللَّهِ إِلَيْهِ حَيْثُ خَرَجَ مِنْهَا إِلَى المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ هُوَ

وَمَنْ مَعَهُ مِنَ المُسْلِمِينَ.

- اسْتِيلاهُ مُشْرِكِي مَكَّةَ عَلَى أَمْوَالِهِمْ، مِنْ دُورٍ وَأَرْضِ وَمَنْقُولَاتٍ، حَيْثُ

اضْطَرَهُمُ المُشْرِكُونَ إِلَى الْخُرُوجِ مِنْ مَكَّةَ مِنْ دُونِ مَالٍ. إذن الله تَعَالَى هُمْ بِالْقِتَالِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: أذِنَ لِلَّذِينَ يُقْتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ الله عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرُ) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيرِهِم بِغَيْرِ حَةٍ إِلَّا أَن يَقُولُوا

رَبُّنَا اللهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضُهُم بِبَعْضٍ هَدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ يُذْكَرُ

اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَتَ اللهُ مَن يَنصُرُهُ إن الله لقوى عزيز ا لَقَوِيٌّ

سُورَةُ الْحَجِّ الْآيَةُ: 39 - 40

40 (1/201)

صفحة 197

السيرة النبوية.

بَعْدَ أَنْ كَانُوا تَمَنُوعِينَ مِنْ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: أَلَوَتَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلوةَ وَاتُوا الزَّكَوةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةٌ وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبَتَ عَلَيْنَا الْفَنَالَ لَوْلَا أَخَرَ لَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَنَعُ

الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا) (1).

تَحَرُّشُ قُرَيْشٍ بِالْمُسْلِمِينَ، بَعْدَمَا رَأَتْ نُمُوَّ قُوَّتِهِمْ وَبُرُوزَ كِيَانِهِمْ، وَبِدَايَةَ ظُهُورِ

دَوْلَتِهِمْ، الأَمْرُ الَّذِي جَعَلَهَا فِي خَوْفٍ مِنْ ذَلِكَ وَانْزِعَاج.

- قِيَامُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِبَعْضِ الْغَزَوَاتِ، كَغَزْوَةِ الْأَبْوَاءِ وَغَزْوَةِ بُوَاطٍ، وَغَزْوَةِ الْعُشَيْرَةِ وَهِيَ بَدْرُ الْأُولَى، وَإِرْسَالُ بَعْضِ السَّرَايَا كَسَرِيَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشِ الْأَسَدِيِّ الْقُرَشِيِّ إِلَى نَخْلَةَ وَهِيَ مَوْضِعُ بَيْنَ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ، وَسَرِيَّةِ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ إِلَى سِيفِ الْبَحْرِ مِنْ نَاحِيَةِ الْعِيصِ، وَسَرِيَّةِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ إِلَى الْخَرَّارِ مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذِهِ الْغَزَوَاتِ وَالسَّرَايَا الْإِسْلَامِيَّةَ أَهَاجَتْ قُرَيْشًا، وَجَعَلَتْهَا تُظْهِرُ عَدَاءَهَا لِلْمُسْلِمِينَ بِشَكْلٍ سَافِرٍ. -6 خُرُوجُ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ وَمَعَهُ عَدَدٌ كَبِيرٌ مِنْ وُجُوهِ قُرَيْشٍ فِي قَافِلَةِ تِجَارِيَّةِ كَبِيرَةِ لِقُرَيْشٍ إِلَى الشَّامِ وَكَانَتْ قُرَيْضٌ تُعْنَى إِلَى حَدٌ كَبِيرِ بِالتِّجَارَةِ، حَيْثُ كَانَتْ ما رِحْلَتَانِ فِي كُلِّ عَامٍ وَهُمَا رِحْلَنَا الشَّتَاءِ وَالصَّيْفِ اللَّتَانِ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا

(1) سُورَةُ النِّسَاءِ، الْآيَةُ: 77. (1/202)

صفحة 198

السيرة النبوية.

في قَوْلِهِ: الإيلافِ قُرَيْش) الفِهِمْ رِحْلَةَ الشَّتَاءِ وَالصَّيْفِ فَلْيَعْبُدُوا رَبِّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِى أَطْعَمَهُم مِّن جُوعِ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ (1).

وَقَدْ كَانَتْ رِحْلَةُ الشَّتَاءِ إِلَى الْيَمَنِ وَرِحْلَةُ الصَّيْفِ إِلَى الشَّامِ.

وَقَدِ اشْتَرَكَ جَمِيعُ أَهْلِ مَكَّةَ فِي تَكْوِينِ تِلْكَ الْقَافِلَةِ التَّجَارِيَّةِ الْكَبِيرَةِ، أَوْ ذَلِكَ الْأَسْطُولِ الْكَبِيرِ مِنَ الْجِمَالِ، وَكَانَتِ الرَّحْلَةُ التَّجَارِيَّةُ هَذِهِ المُرَّةَ إِلَى الشَّامِ، وَكَانَ النَّبِيُّ وَالمُسْلِمُونَ يَتَحَسَّسُونَ أَخْبَارَهَا وَيُتَابِعُونَ سَيْرَهَا.

وَعِندَمَا سَمِعَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِقُدُومِ قَافِلَةِ قُرَيْشِ التَّجَارِيَّةِ الْقَادِمَةِ مِنَ الشَّامِ إِلَى مَكَّةَ، تهيَّا لِلخُرُوج إِلَيْهَا، وَانْتَدَبَ مَعَهُ إِلَى هَذِهِ المُهِمَّةِ أَصْحَابَهُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، قَائِلًا هُمْ: هَذِهِ عِيرُ قُرَيْشٍ فِيهَا أَمْوَاهُمْ فَاخْرُجُوا إِلَيْهَا لَعَلَّ اللَّهَ يُنفلُكُمُوهَا " (2).

وَكَانَ الهَدفُ مِنْ خُرُوجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابِهِ إِلَى مُلَاقَاةِ الْقَافِلَةِ أَمْرَيْنِ اثْنَيْنِ هُمَا: أولا: الاسْتِيلَاء عَلَى أَمْوَالِ قُرَيْشٍ لِلاسْتِعَاضَةِ بِهَا عَمَّا فَقَدُوهُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ بِمَكَّةَ. ثانيا: إِضْعَافُ قُرَيْشٍ

اقْتِصَادِيَّا، لأَنَّ جَمِيعَ بُيُوتِ قُرَيْشٍ اشْتَرَكَتْ فِي تَجْهِيزِ تِلْكَ الْقَافِلَةِ، فَالِاسْتِيلَاءُ عَلَيْهَا يَكُونُ ضَرْبَةٌ قَوِيَّةٌ عَلَى قُرَيْشٍ بَلْ هُوَ قَاصِمَةُ الظَّهْرِ بِالنِّسْبَةِ

إلَيْهَا.

(1) سُورَةُ قريش، الآية: 1 - 4.

(2) - ابْنُ هِشَام، السيرة النبوية، ص 289، دَارُ ابْنِ حَزْمٍ، بَيْرُوتُ لِيْنَانُ. (1/203)

صفحة 199

السيرة النبوية.

وَهَكَذَا كَانَ خُرُوجُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِنَّمَا كَانَ لِلْعِيرِ وَلَيْسَ لِلنَّفِيرِ، أَيْ لِلاسْتِيلاء عَلَى الْأَمْوَالِ وَلَيْسَ حَوْضِ مَعْرَكَةِ قِتَالٍ مَعَ المُشْرِكِينَ، فَالْعِيرُ الْقَافِلَةُ وَالنَّفِيرُ المُشْرِكُونَ. وَلَكِنَّ اللهَ تَعَالَى لِحِكْمَةٍ يَعْلَمُهَا أَرَادَ أَمْرًا أَخَرَ، أَرَادَ الْقِتَالَ، يَقُولُ: (وَإِذْ

يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّابِفَنَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللهُ أَن يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَتِهِ. ويقطعَ دَابِرَ الكَفِرِينَ لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِل ولو كره المُجْرِمُونَ) (1)، وَلَا شَكٍّ أَنَّ الْمُعْرَكَةَ وَمَا كَانَ لَهَا مِنْ نَتَائِجَ أَهَمُ بِكَثِيرٍ مِنَ الإِسْتِيلَاءِ عَلَى الْأَمْوَالِ، فَإِنَّهَا كَانَتْ نَصْرًا عَظِيمًا لِلْإِسْلَامِ وَهَزِيمَةٌ مُنْكَرَةٌ

لِلْكُفْرِ.

مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى الْمَعْرَكَةِ:

خَرَجَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابُهُ مِنَ المَدِينَةِ لِمَلَاقَاةِ قَافِلَةِ قُرَيْشِ التَّجَارِيَّةِ، وَبَعَثَ طَلْحَةَ ابْنَ عُبَيْدِ اللهِ وَسَعِيدَ بْنَ زَيْدِ الْقُرَشِيَّيْنِ، لاسْتِطْلَاعِ سَيْرِ تِلْكَ الْقَافِلَةِ، وَمَعْرِفَةِ خَطَّ سَيْرِهَا، غَيْرَ أَنَّ فَائِدَ الْقَافِلَةِ أَبَا سُفْيَانَ وَمَنْ مَعَهُ كَانُوا يَسْتَطْلِعُونَ أَخْبَارَ الْمُسْلِمِينَ وَيَتَحَسَّسُونَ تَحَرُّكَاتِهِمْ لَا سِيَّمَا وَقَدْ أَحَسُّوا بِتِلْكَ التَّحَرُّكَاتِ فِي سَيْرِهِمْ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الشَّامِ فَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ذَهَبَ فِي غَزْوَةِ الْعُشَيْرَةِ لِذَلِكَ الْغَرَضِ، وَلَكِنَّ الْقَافِلَةَ

(1) سُورَةُ الْأَنْفَالِ، الْآيَةُ: 7 - 8. (1/204)

صفحة 200

السيرة النبوية.

اسْتَطَاعَتِ الْإِفْلَاتَ مِنَ الْوُقُوعِ فِي قَبْضَةِ المُسْلِمِينَ، أَمَا وَقَدْ رَجَعَتِ الْقَافِلَةُ مِنَ الشَّامِ إلَى مَكَّةَ وَهِيَ مُحَمَّلَةٌ بِأَكْثَرَ مِمَّا سَارَتْ بِهِ فَلَا شَكَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ سَيَكُونُونَ لَهَا بِالْمِرْصَادِ. وَعَلِمَ أَبو سُفْيَانَ وَمَنْ مَعَهُ بِتَحَرُّكِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابِهِ، وَتَيَقَّنَ لَهُ الْخَبَرُ بِذَلِكَ، وَلَعَلَّهُ لَاحَظَ وَشَاهَدَ المُبْعُونَيْنِ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللهِ وَسَعِيدَ بْنَ زَيْدِ اللَّذَيْنِ كَانَا يَتَرَصَّدَانِ الْقَافِلَةَ وَيَنْتَظِرَانِهَا بِالْحُوْرَاءِ عَلَى طَرِيقِ الشَّامِ، لِذَلِكَ أَرْسَلَ رَجُلًا إِلَى مَكَّةَ

يَسْتَصْرِخُ أَهْلَهَا لِلْخُرُوجِ لِحِمَايَةِ الْقَافِلَةِ الَّتِي بِهَا أَمْوَاهُمْ مِنَ المُسْلِمِينَ.

وَهُنَالِكَ تَهَيَّأَتْ قُرَيْضٌ لِلْخُرُوج وَاسْتَعَدَّتْ حِرْبِ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ، وَلَمْ يَتَخَلَّفْ مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلَّا مِنْ عُذْرٍ قَاهِرٍ، نَظَرًا إِلَى مَا كَانَتْ تَحْمِلُهُ الْقَافِلَةُ مِنْ أَمْوَالٍ

وسو

عَظِيمَةٍ حَيْثُ كَانَتْ تُحمّل قوتهُمُ الاقْتِصَادِيَّة.

وَقَدْ تَرَامَتِ الْأَخْبَارُ إِلَى سَمْعِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِأَمْرَيْنِ اثْنَيْنِ:

أَوَّهُما: نَجَاةُ الْقَافِلَةِ مِنْ قَبْضَةِ المُسْلِمِينَ.

وَثَانِيهِمَا: خُرُوجُ قُرَيْشٍ وَاسْتِعْدَادُهَا بَلْ وَتَصْمِيمُهَا عَلَى الْحَرْبِ.

وَدَبَّ الْخِلَافُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فَمِنْهُمْ مَنْ يَرَى الْمُضِيَّ إِلَى مُلَاقَاةِ قُرَيْشٍ لِلْحَرْبِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَرَى الرُّجُوعَ لأَنهُمْ لَمْ يَسْتَعِدُّوا لِلْحَرْبِ بَلْ خَرَجُوا لِلاسْتِيلاء عَلَى الْقَافِلَةِ وَلِأَنَّهُمْ قَلِيلُو الْعَدَدِ وَالْعُدَّةِ، يَقُولُ اللهُ: كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ

فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَرِهُونَ (1).

(1) سُورَةُ الْأَنْفَالِ الْآيَةُ: 5. (1/205)

صفحة 201

السيرة النبوية

هُنَالِكَ رَأَى النَّبِيُّ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الإِسْتِينَانِ مِنْ أَصْحَابِهِ لَا سِيَّا الْأَنْصَارُ مِنْهُمْ أَوَّلاً، وَمُشَارَكَتِهِمْ فِي الْخَاذِ قَرَارِ الخَرْب ثَانِيَا، لِأَنَّ ذَيْنَكَ الْأَمْرَيْنِ أَدْعَى إِلَى إِظْهَارِ النَّشَاطِ وَالحَماسِ، وَقَدْ أَظْهَرَ الجَمِيعُ مِنْ مُهَاجِرِينَ وَأَنْصَارٍ مُؤَازَرَتَهُمْ لَهُ وَاسْتِعْدَادَهُمْ

لِلْقِتَالِ وَتَوَجَّهَ المُسْلِمُونَ إِلَى بَدْرٍ لملاقاة المُشْرِكِينَ.

تَفَاوُتُ الْقُوَى:

كَانَتِ الْقُوَى مُتَقَاوِئَةٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالمُشْرِكِينَ وَهِيَ كَمَا يلي:

الْقُوَّةُ الْمُسْلِمَةُ:

عَدَدُ الْأَفْرَادِ: ثَلاثمائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ (313) رَجُلًا (1).

عَدَدُ الْأَفْرَاسِ: فَرَسَانِ (2).

عَدَدُ الْجَمَالِ: سَبْعُونَ بَعِيرًا.

الْقُوَّةُ الْمُشْرِكَة:

الْأَفْرَادُ: تِسْعُمِائَةٍ وَخَمْسُونَ إِلَى أَلْفِ (950 - 1000) رَجُلٍ. عَدَدُ الْأَفْرَاسِ: مِائَتَانِ (200) فَرَسٍ.

عَدَدُ الْجَمَالِ: عَدَدٌ كَبِيرٌ.

(1) - تختلَفُ المُصَادِرِ فِي تَحْدِيدِ الْعَدَدِ.

(2) وَقِيلَ ثَلَاثَةُ أَفْرَاسِ. (1/206)

صفحة 202

السيرة النبوية.

رَغْبَةُ بَعْضِ قُرَيْشٍ فِي الْعَوْدَةِ عَنِ الْحَرْبِ:

رَأَى بَعْضُ الْقَادَةِ مِنْ قُرَيْشِ الْعَوْدَةَ عَنِ الْحَرْبِ، بَعْدَ أَنْ عَلِمُوا بِنَجَاةِ الْقَافِلَةِ مِنَ المُسْلِمِينَ، وَفِي مُقَدَّمَتِهِمْ قَائِدُ الْقَافِلَةِ وَأَمِيرُهَا أَبُو سُفْيَانَ، لَكِنَّ أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ المخرُومِي لَمْ يَرُقُ لَهُ ذَلِكَ، وَأَخَذَ يَحُضُّ النَّاسَ عَلَى السَّيْرِ إِلَى الْحَرْبِ لِلْقَضَاءِ عَلَى مُحَمَّدٍ وَالْمُسْلِمِينَ، قَائِلًا لِكَيْ تَسْتَعِيدَ قُرَيْشُ هَيْبَتَهَا بَيْنَ الْعَرَب، وَأَخَذَ يُبيرُ النَّعَرَاتِ

الثَّارِيَّةَ عِنْدَ بَعْضِ النَّاسِ فِي الْجُيْشِ الْقُرَشِي.

وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى الحِقْدِ الدَّفِينِ الَّذِي كان يَعْتَلِجُ فِي نَفْسِهِ، وَيَعْتَصِرُ قَلْبَهُ عَلَى النَّبِيِّ لِذَلِكَ لَمْ تَنْجَحْ مُحَاوَلَاتُ الْإِثْنَاءِ عَنِ السَّيْرِ قُدُمًا لِحِرْبِ المُسْلِمِينَ فَكَانَتِ المُعْرَكَةُ

في بَدْرٍ.

الاسْتِعْدَادُ الْإِسْلَامِيُّ لِلْمَعْرَكَةِ:

تَجَلَّتِ اسْتِعْدَادَاتُ الْمُسْلِمِينَ لِلْمَعْرَكَةِ فِيمَا يَلِي:

1 - إِعْطَاءُ الرَّايَاتِ وَالْأَلْوِيَةِ:

باعْتِبَارِ النَّبِيِّ الْقَائِدَ الْعَامَّ لِلْفُوَّاتِ المُسْلِمَةِ فَقَدْ أَعْطَى اللَّوَاءَ إِلَى مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ، وَرَايَةَ الْمُهَاجِرِينَ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَرَايَةَ الْأَنْصَارِ إِلَى سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ.

2 - صُنْعُ حَوْضِ الْمَاءِ:

نَزَلَ المُسْلِمُونَ فِي مَكَانٍ بِهِ مَاءُ اسْتَطَاعُوا أَنْ يُنْشِؤُوا حَوْضًا عَلَيْهِ وَمَلَكُوا ذَلِكَ

الْحَوْضَ بِالمَاءِ، بَيْنَمَا المُشْرِكُونَ نَزَلُوا فِي مَكَانٍ لَيْسَ بِهِ مَاءٌ. (1/207)

صفحة 203

السيرة النبوية.

3 - بِنَاءُ مَقَرِّ لِلْقِيَادَةِ:

بَنَى المُسْلِمُونَ عَرِيشًا عَلَى تَلْ مُشْرِفٍ عَلَى مَوْضِعِ الْمُعْرَكَةِ كَمَفَرُ لِلْقِيَادَةِ، وَذَلِكَ بِإِشَارَةٍ مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لِيَكُونَ بِإِمْكَانِهِ تَوْجِيهُ أَتْبَاعِهِ فِي الْمُعْرَكَةِ وَالْإِشْرَافُ وَالإطْلَاعُ عَلَى

سَيْرِ الْقِتَالِ.

4 - تَرْتِيبُ الْجُنْدِ:

رَتَّبَ الرَّسُولُ أَصْحَابَهُ فِي صُفُوفٍ، وَجَعَلَ مِنْهُمْ مُقَدِّمَةً وَمُؤَخِّرَةً وَقَلْبًا أَيْ وَسَطًا، وَهُوَ مَا يُعْرَفُ عَسْكَرِيَّا بِالْقِسْمِ الْأَكْبَرِ، ثُمَّ أَخَذَ يُعَبِّئُهُمْ وَيُحَرِّضُهُمْ عَلَى الْقِتَالِ وَيُبَيَّنُ هُمْ فَضْلَ الْجِهَادِ وَثَوَابَ الْمُجَاهِدِينَ عِنْدَ الله تَعَالَى قَائِلًا هُمْ عِنْدَمَا دَنَا مِنْهُمُ المُشْرِكُونَ: " قُومُوا إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ".

سَيْرُ الْمَعْرَكَةِ:

بَعْدَ أَنْ رَتَّبَ الرَّسُولُ الجُنْدَ وَحَرَّضَهُمْ عَلَى الْقِتَالِ وَالصَّبْرِ عَلَيْهِ، أَمَرَهُمْ بِصَد هَجَمَاتِ المُشْرِكِينَ مِنْ مَوَاقِعِهِمُ الَّتِي هُمْ عَلَيْهَا، وَلَا يَتَزَحْزَحُونَ عَنْهَا، وَقَالَ لَهُمْ: " إِذَا اكْتَتَفَكُمُ الْقَوْمُ فَانْفَحُوهُمْ بِالنَّبَالِ وَلَا تَحْمِلُوا عَلَيْهِمْ حَتَّى تُؤْذَنُوا، وَكَانَ أُسْلُوبُ المُسْلِمِينَ فِي الْقِتَالِ أَسْلُوبَ الصُّفُوفِ كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ وَهُوَ أَسْلُوبٌ لَمْ تَعْهَدْهُ الْعَرَبُ فِي الْقِتَالِ مِنْ قَبْلُ، أَمَّا المُشْرِكُونَ فَقَدِ اتَّبَعُوا الأُسْلُوبَ التَّقْلِيدِي المَعْرُوفَ وَهُوَ أَسْلُوبُ الْكَرُ وَالْفَرُ، كَما أَنَّ المُسْلِمِينَ كَانُوا مُوَحَدِي الْقِيَادَةِ، تَحتَ قَائِدٍ وَاحِدٍ وَهُوَ (1/208)

صفحة 204

السيرة النبوية.

الرَّسُولُ الكَرِيمُ، أَمَّا المُشْرِكُونَ فَلَيْسُوا مُوَحَدِي الْقِيَادَةِ، حَيْثُ جَرَى قِتَاهُمْ كَأَفْرَادٍ

لا كَمَجْمُوعَةٍ مُوَحَّدَةٍ (1).

وَقَدْ بَدَأَ المُشْرِكُونَ بِالمُجُومِ أَوَّلا، فَقَدْ هَجَمَ الْأَسْوَدُ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ فَقَتَلَهُ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ عَلَى الْحَوْضِ، ثُمَّ خَرَجَ عُتْبَهُ وَشَيْبَهُ ابْنَا رَبِيعَةَ وَالْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ وَبَارَزَهُمْ عُبَيْدَةُ بْنُ الْحَارِثِ، وَحَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَقُتِلَ الْمُشْرِكُونَ الثلاثَةُ، وَبَعْدَ ذَلِكَ الْتَحَمَ الْقِتَالُ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ، وَقَدْ أَخَذَ المُسْلِمُونَ فِي نَضْح المُشْرِكِينَ بِالنَّبَالِ وَتَهَاوَتْ قَادَتُهُمْ صَرْعَى وَنَزَلَ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم مِنْ مَقَرِّ الْقِيَادَةِ إِلَى الْمُيْدَانِ يَقُودُ المُسْلِمِينَ بِنَفْسِهِ، حَيْثُ أَمَرَهُمْ بِالزَّحْفِ تِجَاهَ فُلُولِ المُشْرِكِينَ، وَالشَّدُّ عَلَيْهِمْ وَمُطَارَدَتِهِمْ، وَانْتَهَتِ المُعْرَكَةُ الَّتِي بَدَأَتْ صَبَاحًا عِنْدَ المَسَاءِ حِينَ بَدَأَ اللَّيْلُ يُسْدِلُ سِتَارَهُ، وَكَأَنَّهُ أَسْدَلَ السَّتَارَ عَلَى المُعْرَكَةِ أَيْضًا مُنْهِيّا وَفَائِعَهَا.

نَتَائِجُ الْمَعْرَكَةِ:

أَسْفَرَتِ المُعْرَكَةُ فِي بَدْرٍ الَّتِي جَرَتْ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ إِلَى الْمَسَاءِ عَنْ هَزِيمَةٍ سَاحِقَةٍ لِلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ قُتِلَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ رَجُلًا وَأُمِرَ سَبْعُونَ، وَقَدْ أَمَرَ الرَّسُولُ بِالْقَتْلَ أَنْ يُطْرَحُوا فِي الْقَلِيبِ أَي الْبِرَ المَوْجُودَةَ هُنَالِكَ، وَوَقَفَ عَلَيْهِمْ قَائِلًا لَهُمْ: " يَا أَهْلَ الْقَلِيبِ هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا، فَإِنْ وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي رَبِّي حَقًّا".

(1) الرَّسُولُ الْقَائِدُ، ص

211 (1/209)

صفحة 205

السيرة النبوية

أَمَّا الْأَسْرَى المُشْرِكُونَ فَقَدْ تَوَجَّهَ بِهِمُ الْمُسْلِمُونَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَعَدَدُهُمْ سَبْعُونَ

أَسِيرًا وأَمَرَ النَّبِيُّ بِقَتْلِ أَسِيرَيْنِ مِنْهُمْ لِشِدَّةِ عَدَاوَتِهَا لِلْإِسْلَام وَلِلنَّبِيِّ وَالمُسْلِمِينَ، وَلَعَلَّ الرَّسُولَ اعْتَبَرَهُمَا يُجْرِمَيْ حَرْبِ لَا أَسِيرَيْنِ وَهُمَا النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ، وَعُقْبَةُ بْنُ أَي مُعَيْطٍ، أَمَّا بَقِيَّةُ الْأَسْرَى فَقَدْ أَمَرَ الرَّسُولُ أَصْحَابَهُ أَنْ يَسْتَوْصُوا بِهِمْ خَيْرًا، فَاسْتَجَابَ الصَّحَابَةُ إِلَى ذَلِكَ بِشَهَادَةِ الْأَسْرَى أَنْفُسِهِمْ، يَقُولُ الْأَسِيرُ أَبو عَزِيزِ: «كُنْتُ فِي رَهْطٍ مِنَ الْأَنْصَارِ حِينَا أَقْبَلُوا بِي مِنْ بَدْرٍ فَكَانُوا إِذَا قَدَّمُوا غَدَاءَهُمْ وَعَشَاءَهُمْ خَصُّونِ بِالخَبْزِ وَأَكَلُوا السَّمْرَ، لِوَصِيَّةِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِيَّاهُمْ بِنَا، مَا تَقَعُ فِي يَدِ رَجُلٍ مِنْهُمْ كِسْرَةُ خُبْزِ إِلَّا نَفَحَنِي بِهَا فَأَسْتَحِي فَأَرُدَّهَا فَيَرُدَّهَا عَلَى مَا

يَمَسُّهَا». وَهُنَا تَجَلَّتِ الْإِنْسَانِيَّةُ الحَقَّةُ فِي أَبْهَى صُوَرِهَا حَيْثُ أَصْبَحَتْ مُعَامَلَةُ الْأَسِير المُعَامَلَةَ الْإِنْسَانِيَّةَ الْكَرِيمَةَ دَلِيلًا عَلَى السُّلُوكِ الْحَضَارِيِّ، وَهُوَ مَا أَخَذَتْ بِهِ الْقَوَانِينُ الدُّوَلِيَّةُ لِلْحَرْبِ وَالسّلْمِ فِي الْعَصْرِ الحَاضِرِ، حَيْثُ تَنصُّ عَلَى مُعَامَلَةِ الْأَسِيرِ طِبْقًا لِلْمَبَادِي الْإِنْسَانِيَّةِ، وَحِمَايَتِهِ مِنَ الاعْتِدَاءِ وَالْإِمَانَةِ. وَقَدْ غَنِمَ المُسْلِمُونَ مِنَ الْمُعْرَكَةِ مَغَانِمَ كَثِيرَةً وَكَبِيرَةً إِلَى حَدٌ أَنِ اخْتَلَفُوا فِيهَا شِيبًا وَشَبَابًا حَتَّى نَزَلَتْ سُورَةُ الْأَنْفَالِ فِي ذَلِكَ لِتُحَدِّدَ وَتُوَضُحَ كَيْفِيَّةٌ تَقْسِيمِ تِلْكَ الْمُغَائِمِ، وَقَدْ قَسَمَهَا الرَّسُولُ بِأَمْرِ الله تَعَالَى إِلَى خَمْسَةِ أَقْسَامٍ، مِنْهَا خُسٌ يُجْعَلُ تَحْتَ تَصَرُّفِ (1/210)

صفحة 206

السيرة النبوية.

وَلِيُّ الْأَمْرِ فِي الدَّوْلَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ، وَأَمَّا الْأَخْمَاسُ الْأَرْبَعَةُ الْأُخْرَى فَقَدْ جَعَلَهَا الرَّسُولُ

لِلْمُقَاتِلِينَ، لِصَاحِبِ الْفَرَسِ سَهْمَانِ، سَهُمْ لَهُ وَسَهُمْ لِفَرَسِهِ، وَلِلرَّاجِلِ سَهُمْ. وَهُوَ مَا سَارَ عَلَيْهِ التَّشْرِيعُ الْإِسْلَامِيُّ فِي تَقْسِيمِ الْغَنَائِمِ فِي الْحُرُوبِ مَعَ غَيْرِ المُسْلِمِينَ لِقَوْلِ الله تَعَالَى: وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ، وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَاليَتَمَى وَالْمَسَكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرُ) (1).

?

الْعَوْدَةُ إلَى الْمَدِينَةِ: عَادَ الرَّسُولُ وَالمُسْلِمُونَ إِلَى المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ بَعْدَ أَنْ مَكْنُوا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي بَدْرٍ بَعْدَ انْتِهَاءِ المُعْرَكَةِ لِأَخْذِ الرَّاحَةِ وَلِتَرْتِيبِ الْغَنَائِمِ وَتَدْبِيرِ شُؤُونِ الْأَسْرَى، وَبِالْمُعْنَى الْعَامّ لِوَضْعِ خُطَّةِ الْعَوْدَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ.

وَقَدْ بَعَثَ الرَّسُولُ رَجُلَيْنِ يُبَشِّرَانِ أَهْلَ المَدِينَةِ بِنَصْرِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ، ما جَعَلَ أَهْلَ المَدِينَةِ يُظهِرُونَ الْفَرَحَ وَالسُّرُورَ كِبَارًا وَصِغَارًا مَعَ شَيْءٍ مِنَ التَّرَدُّدِ فِي التَّصْدِيقِ بِذَلِكَ مِنَ الْبَعْضِ، كَمَا جَعَلَ مَوْلَاهُ شُفْرَانَ مَسْئُولًا عَنِ الْأَمْرَى بَيْنَ بَدْرٍ

والمدينة.

وَتَهيَّا المُسْلِمُونَ فِي المَدِينَةِ لِاسْتِقْبَالِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَتَهْتَتِهِ بِالنَّصْرِ وَالظَّفَرِ، حَيْثُ تَلَقَّوْهُ بِالرَّوْحَاءِ، مُقَدِّمِينَ لَهُ التَّهْنِتَةَ بِهَذَا النَّصْرِ الْعَظِيمِ وَالْفَتْحِ الْمُبِينِ.

(1) سُورَةُ الْأَنْفَالِ، الْآيَةُ: 41. (1/211)

صفحة 207

السيرة النبوية.

أَمَّا قُرَيْضٌ فَقَدْ نَاحَتْ عَلَى قَتْلَاهَا وَبَكَتْهُمْ بُكَاءَ مُرًا، لِأَنَّهَا رُزِئَتْ رُزْءًا عَظِيمًا بِمَقْتَلِ سَادَتِهَا وَكُبَرَائِهَا الَّذِينَ كَانُوا شَامَةٌ فِي جَبِينِ الْعَرَبِ وَالْعُرُوبَةِ، وَلَكِنَّ لَجَاجَةَ أَبِي جَهْلٍ وَشِدَّةَ عِبَادِهِ وَعَدَاوَتِهِ وَوَقَاحَتِهِ لِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وَلِلْمُسْلِمِينَ هِيَ الَّتِي أَوْرَدَتْ قُرَيْشًا ذَلِكَ المورد المُهْلِكَ، وَأَوْدَتْ بهِمْ ذَلِكَ الْإِيدَاءَ الْجَهَنَّمِيَّ، لِذَلِكَ سَمَّاهُ الرَّسُولُ فِرْعَوْنَ هَذِهِ الْأُمَّةِ، عِنْدَمَا وَقَفَ عَلَيْهِ مَقْتُولًا:" هَذَا أَبُو جَهْلٍ، هَذَا فِرْعَوْنُ هَذِهِ

الْأُمَّةِ " (1).

وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ - أَيْ: أَبُو جَهْلٍ - مُمْتَلِى غُرُورًا وَعُجْبًا بِنَفْسِهِ وَبِقَوْمِهِ، وَدَائِمَا مَا

يُورِدُ الْغُرُورُ الْإِنْسَانَ مَوْرِدَ الْمُهَالِكِ.

وَلَعَلَّ الرَّسُولَ هُوَ الَّذِي كَنَّاهُ أَبُو جَهْلِ مَا اجْتَمَعَ فِيهِ مِنْ كُفْرٍ وَعَدَاوَةِ وَوَقَاحَةِ لِلْإِسْلَامِ وَنَبِيِّ الْإِسْلَامِ حَتَّى أَنَّهُ اشْتَهِرَ بِتِلْكَ الصِّفَاتِ الشَّرِّيرَةِ بَيْنَ الْأَنَامِ، وَحَتَّى أَنَّ غِلْمَانَ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا يَعْرِفُونَ عَنْهُ ذَلِكَ، لِذَلِكَ كَانَ الصَّغَارُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَبْلَ الْكِبَارِ فِي المُعْرَكَةِ يَتَسَابَقُونَ رَغْبَةٌ فِي قَتْلِهِ عَلَى أَيْدِيهِمْ، يَقُولُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ إِنِّي لَفِي الصَّفُ يَوْمَ بَدْرٍ إِذِ الْتَفِتُ فَإِذَا عَلَى يَمِينِي وَعَنْ يَسَارِي فَتَيَانِ حَدِيثًا السِّنُ، فَكَأَنِّي لَمْ آمَنْ بِمَكَانِهَا، إِذْ قَالَ لِي أَحَدُهُمَا سِرًّا مِنْ صَاحِبِهِ: يَا عَمُ، أَرِنِي أَبَا جَهْلٍ، فَقُلْتُ: ابْنَ أَخِي مَا تَصْنَعُ بِهِ؟ قَالَ: عَاهَدْتُ اللَّهَ إِنْ رَأَيْتُهُ أَنْ أَقْتُلَهُ أَوْ أَمُوتَ دُونَهُ،

(1) النَّذوِيُّ السِّيرَةُ النَّبَوِيَّةُ، ص 176.

212 (1/212)

صفحة 208

السيرة النبوية.

وَقَالَ فِي الْآخَرُ سِرًّا مِنْ صَاحِبِهِ مِثْلَهُ، قَالَ: فَمَا سَرَّنِي أَنِّي بَيْنَ رَجُلَيْنِ مَكَاتَها، فَأَشَرْتُ

لهما إِلَيْهِ، فَشَدَّا عَلَيْهِ مِثْلَ الصَّفْرَيْنِ حَتَّى ضَرَبَاهُ وَهُمَا ابْنَا عَفْرَاءَ» (1).

الدُّرُوسُ الْمُسْتَقَاةُ:

لَا شَكٌّ أَنَّ مَعْرَكَةَ بَدْرٍ الْكُبْرَى ذَاتُ دِلَالَاتِ عَظِيمَةٍ تَحْمِلُ الْكَثِيرَ مِنَ الدُّرُوس وَالْعِبَر وَالْعِظَاتِ لِكَوْنِهَا أَوَّلَ مَعْرَكَةٍ كَبِيرَةٍ بَيْنَ الْإِسْلَامِ وَالْكُفْرِ أَفْرَزَتِ الْكَثِيرَ مِنَ

الأمورِ، وَرَسَمَتِ الْكَثِيرَ مِنَ المُعَالِمِ الْإِسْلَامِيَّةِ، وَيُسْتَفَادُ مِنْ ذَلِكَ مَا يَلِي:

1 - الْمُسَاوَاةُ: تَحقَّقَتْ مِنْ وَاقِعِ الْمُعْرَكَةِ المُسَاوَاةُ بَيْنَ الْجَمِيعِ، لَا فَرْقَ بَيْنَ الْحَاكِمِ وَالْمُحْكُومِ، وَلَا بَيْنَ الْقَائِدِ وَالْمقُودِ، تَعْلِيما لِلْمُسْلِمِينَ وَلِلنَّاسِ كُلِّهِمْ أَنَّ المُسَاوَاةَ حَقٌّ طَبِيعِيٌّ لِلْكُل، وَهِيَ مَبْدَأُ إِسْلَامِيٌّ أَصِيلٌ لا مَنَاصَ عَنْهُ، وَقَدْ تَجَلَّتِ المُسَاوَاةُ فِي تَعَافُبِهِ لا مَعَ صَاحِبَيْهِ وَهُمَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَمَرْثَدُ بْنُ أَبِي مَرْتَدِ الْغَنَوِيُّ عَلَى بَعِيرٍ وَاحِدٍ رَافِضًا الإِسْتِثْثَارَ عَنْهُما بِالرُّكُوبِ عِنْدَمَا طَلَبَا مِنْهُ ذَلِكَ قَائِلًا: "مَا أَنْتُها بِأَقْوَى مِنِّي، وَلَا أَنَا بِأَغْنَى عَنِ

الْأَجْرِ مِنْكُما " (2).

(1) - المُصْدَرُ السَّابِقُ.

(2) الرَّسُولُ الْقَائِدُ، 103. (1/213)

صفحة 209

السيرة النبوية.

2 - الشورى: وَظَهَرَتْ فِي مَعْرَكَةِ بَدْرٍ قَضِيَّةُ السُّورَى، وَهِيَ الْقَضِيَّةُ الْأَسَاسِيَّةُ فِي النِّظَامِ الْإِسْلَامِي فِي الْعَلَاقَةِ بَيْنَ الْحَاكِمِ وَالْمُحْكُوم، وَقَدْ كَانَ الرَّسُولُ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا إِلَّا بِاسْتِشَارَةِ أَصْحَابِهِ مَا لَمْ يَكُنْ هُنَالِكَ وَحْيٌ مِنَ الله تَعَالَى يُحَدِّدُ لَهُ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ لِذَلِكَ نَجِدُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَقُومُ بِاسْتِشَارَةِ أَصْحَابِهِ فِي جَمِيعِ خُطُوَاتِهِ إِلَى مَعْرَكَةِ بَدْرٍ، بَدْءًا مِنِ اتَّخَاذِ الْقَرَارِ بِالْحَرْبِ، فَقَدِ اسْتَشَارَهُمْ عَلَى الْفَوْرِ بَعْدُ عِلْمِهِ بِخُرُوجِ قُرَيْشٍ لحِرْبِهِ، حَيْثُ أَشَارُوا عَلَيْهِ بِالْإِقْدَامِ عَلَى الحَرْبِ وَعَدَمِ التَّرَدُّدِ، وَإِنَّ أَمْرَهُمْ مِنْ أَمْرِهِ وَهُمْ لَهُ تَبَعٌ فِي كُلِّ خُطْوَةٍ يَخْطُوهَا، وَسَيَجِدُهُمْ صُبْرًا عِنْدَ الحَرْبِ، صُدُقًا عِنْدَ اللقَاءِ، الْأَمْرُ الَّذِي شَجَّعَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَلَى اتِّخَاذِ قَرَارِ الْحَرْبِ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْخَبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ بِالمُكَانِ الصَّالِحِ لِلْمُسْلِمِينَ حَوْضِ الْمُعْرَكَةِ، بَعْدَ أَنْ كَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ اتَّخَذَ مَكَانًا غَيْرَ مُنَاسِبٍ قَائِلًا لَهُ فِي أَدَبِ جَمَّ وَتَهْذِيبٍ رَائِعِ وَسُلُوكِ رَاقٍ: «يَا رَسُولَ الله أَرَعَيْتَ هَذَا الْمُنْزِلَ أَمَنْزِلَا أَنْزَلَكَهُ اللهُ لَيْسَ لَنَا أَنْ نَتَقَدَّمَهُ وَلَا نَتَأَخَّرَ عَنْهُ، أَمْ هُوَ الرَّأْيُّ وَالحَرْبُ والمكيدَةُ؟ قَالَ: بَلْ هُوَ الرَّأْيُ وَالْخَرْبُ وَالمُكِيدَةُ" فَأَشَارَ إِلَيْهِ بِالمَكَانِ المَناسِب فَقَالَ الرَّسُولُ: " أَثَرْتَ بِالرَّأْي" كَمَا اسْتَشَارَهُمْ فِي أَخْذِ الْفِدَاءِ عَنِ الْأُسَارَى. - بُرُوزُ الْقُوَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ:

كَانَ المُسْلِمُونَ قَبْلَ غَزْوَةِ بَدْرٍ مُسْتَضْعَفِينَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمُ النَّاسُ بِاسْتِضْعَافٍ وَأَنَّهُمْ قِلَةٌ وَأذِلَّةٌ، وَقَدْ جَعَلَتْ مِنْهُمْ مَعْرَكَةُ بَدْرٍ وَمَا أَحْرَزُوهُ فِيهَا مِن انْتِصَارٍ وَقُوَّةٍ أَعِزَةً،

214 (1/214)

صفحة 210

السيرة النبوية.

وَعَرَفَتِ الْعَرَبُ قُوَّةَ الْإِسْلَامِ وَتَسَامَعَ النَّاسُ بِهِمْ، وَهَابَتْهُمْ قَبَائِلُ الْعَرَبِ، وَأَخَذَتْ

تَحْسِبُ هُمْ حِسَابَهُمْ، وَصَدَقَ اللهُ الْقَائِلُ: (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَنَا فَلَتَقُوا لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (1)، وَهَكَذَا صَارَ الْمُسْلِمُونَ بَعْدَ غَزْوَةِ بَدْرٍ هُمْ غَيْرَهُمُ الَّذِينَ كَانُوا قَبْلَهَا، لِذَلِكَ قَالَ الرَّسُولُ: " اللهُ أَكْبَرُ، صَدَقَ وَعْدَهُ وَنَصَرَ - عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ"، لِذَلِكَ كَانَتْ نَتِيجَةُ المُعْرَكَةِ دَعْوَةً إِلَى دُخُولِ الْكَثِيرِ مِنَ النَّاسِ فِي الإسلام. 4 - الْعَقِيدَةُ عَامِلٌ مُهِمَّ فِي الْحَرْبِ:

كَانَ المُسْلِمُونَ يُقَاتِلُونَ عَنْ عَقِيدَةٍ إِيمَانِيَّةِ رَاسِخَةٍ فِي الْقُلُوبِ، وَزَادَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مِنْ تَكْرِيسِهَا فِي مَعْرَكَةِ بَدْرٍ، يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ لا دَنَا الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ مِنْ بَعْضِهِمُ الْبَعْض: " قُومُوا إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ "، فَقَامُوا مُسْرِعِينَ فَرِحِينَ مُسْتَبْشِرِينَ حَتَّى أَنَّ الرَّجُلَ مِنْهُمْ يَرْمِي بِالثَّمَرَاتِ لِيَلْتَحِقَ بِالْقِتَالِ، قَائِلًا: إِنَّهَا لحياة طويلة إن بَقِيتُ حَتَّى أَكُلَ هَذِهِ الثَّمَرَاتِ.

أَمَّا الْمُشْرِكُونَ فَقَدْ كَانَ قِتَاهُمْ عَلَى غَيْرِ عَقِيدَةٍ بَلْ لِلرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ، كَمَا قَالَ قَائِدُهُمْ أَبو جَهْلٍ: لَا نَرْجِعُ حَتَّى نَشْرَبَ الْخَمْرَ وَنَنْحَرَ الْجُزُورَ، وَتَسْمَعَ بِنَا الْعَرَبُ وَتَعْزِفَ

عَلَيْنَا الْقِيَانُ.

(1) سُورَةُ الْأَنْفَالِ، الْآيَةُ: 41. (1/215)

صفحة 211

السيرة النبوية.

وَصَدَقَ وَصْفُ الرَّسُولِ لَهُمْ بِقَوْلِهِ اللهُمَّ هَذِهِ قُرَيْضٌ أَقْبَلَتْ بِفَخْرِهَا

وَخُيَلَائِهَا وَمِنَ الْمعْلُومِ بِالاسْتِقْرَاءِ النَّارِيخي أَنَّهُ إِذَا كَانَتْ هُنَالِكَ طَائِفَتَانِ إِحْدَاهُمَا تُحارِبُ عَنْ عَقِيدَةٍ وَالْأُخْرَى بِدُونِهَا، فَإِنَّ الْغَلَبَةَ عَادَةٌ مَا تَكُونُ لِصَاحِبَةِ الْعَقِيدَةِ.

ه - تَحْقِيقُ الْعُبُودِيَّةِ لِلَّهِ:

كَانَتْ مَعْرَكَةُ بَدْرٍ الْهُدَفُ مِنْهَا أَنْ يَتَمَكَّنَ الْإِسْلَامُ وَالمُسْلِمُونَ حَتَّى يُعْبَدَ اللهُ عَلَى هَذِهِ الْأَرْضِ لِذَلِكَ كَانَ الرَّسُولُ يَقُولُ مُنَاشِدًا رَبَّهُ: " اللهُمَّ إِنْ تُهْلِكَ هَذِهِ الْعِصَابَةَ لَنْ تُعْبَدَ فِي الْأَرْضِ".

لأَنَّ تِلْكَ الْعِصَابَةَ المُؤمِنَةَ وَهُمْ أَهْلُ بَدْرٍ المُسْلِمُونَ يُشَكِّلُونَ النُّوَاةَ الْأُولَى لِلْمُسْلِمِينَ، فَإِذَا مَا انْهَرَمُوا فَإِنَّهُ لَا تَقُومُ قَائِمَةٌ لِلْإِسْلَامِ بَعْدَهَا، وَسَوْفَ تَنْقَضُّ عَلَيْهِمُ

الْعَرَبُ مِنْ حَوْهِمْ، وَكَذَلِكَ الْيَهُودُ.

6 - الْمَبْدَأُ قَبْلَ النَّسَبِ:

أَظْهَرَتْ مَعْرَكَةُ بَدْرٍ أَنَّ الْمُبْدَأَ مُقَدَّمُ عَلَى النَّسَبِ، فَقَدْ كَانَ الْأَبُ يُقَاتِلُ ابْنَهُ، وَالابْنُ أَبَاهُ، وَالْأَخُ أَخَاهُ، حَيْثُ كَانَ أَبُو بَكْرٍ مَعَ المُسْلِمِينَ، وَابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ مَعَ المُشْرِكِينَ، وَكَانَ أَبُو حُذَيْفَةَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ وَأَبُوهُ عُتْبَةُ مَعَ المُشْرِكِينَ، وَكَانَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ مَعَ المُسْلِمِينَ، وَكَانَ أَخُوهُ أَبُو عَزِيزِ مَعَ المُشْرِكِينَ، وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ مَعَ المُسْلِمِينَ، وَأَخُوهُ عَقِيلٌ مَعَ المُشْرِكِينَ، وَالْأَكْبَرُ وَالْأَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ مُحَمَّدًا قَائِدُ

216 (1/216)

صفحة 212

السيرة النبوية.

المُسْلِمِينَ، وَعَمُّهُ الْعَبَّاسُ مَعَ الْمُشْرِكِينَ، وَقَدْ تَجَلَّى بِوُضُوحٍ تَقْدِيمُ الْمُبْدَا عَلَى الْقَرَابَةِ فِي قَوْلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ عِنْدَمَا اسْتَشَارَهُمُ النَّبِيُّ الله في مَصِيرِ الْأَسْرَى، قَالَ عُمَرُ: أَرَى صلى الله عليه وسلم أَنْ تُمكِّنَنِي مِنْ فُلَانٍ - قَرِيبَهِ - فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ، وَعُكِّنَ عَلِيًّا مِنْ عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَيَضْرِبَ عُنقَهُ، وَتُكنَ حَمْزَةَ مِنْ فُلَانِ أَخِيهِ فَيَضْرِبَ عُنُقَهُ، حَتَّى يَعْلَمَ اللهُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي

قُلُوبِنَا هَوَادَةٌ لِلْمُشْرِكِينَ، وَهَؤُلَاءِ صَنَادِيدُهُمْ وَأَئِمَّتُهُمْ وَقَادَتُهُمْ (1)

7 - تَكْرِيمُ الْعِلْمِ:

وَكَانَتِ الْقِرَاءَةُ وَهِيَ مِفْتَاحُ الْعِلْمِ وَأَهَمُّ وَسَائِلِ الْمَعْرِفَةِ، مِنْ أَوَائِلِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي جَاءَتْ بِهَا رِسَالَةُ الْإِسْلَامِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي أَوَّلِ تَجَلَّ لِلْوَحْيِ الْجُلِيِّ: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ وَكَانَتِ الْقِرَاءَةُ وَالْكِتَابَةُ قَلِيلتين عِنْدَ العَرَبِ إِلَى حَدِّ النُّدْرَةِ، وَنَظَرًا إِلَى أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ كَانُوا يُمَارِسُونَ التِّجَارَةَ بَيْنَ الْيَمَنِ وَالشَّامِ فَإِنَّهُمْ كَانَتْ لَدَيْهِمْ لَمَسَاتٌ حَضَارِيَّةٌ، وَوُجِدَ فِيهِمْ مَنْ يَعْرِفُ الْقِرَاءَةَ وَالْكِتَابَةَ، وَعِنْدَمَا قَرَّرَ المُسْلِمُونَ أَخَذَ الْفِدَاءِ لِفَكِّ الأَسْرَى كَانَ مِنْ بَيْنِ الْأَمْرَى مَنْ يَعْرِفُ الْقِرَاءَةَ وَالْكِتَابَةَ وَلَا يَتَوَفَّرُ لَدَيْهِ المال هُنَالِكَ رَأَى الرَّسُولُ أَنْ يَقُومَ أُولَئِكَ النَّفَرُ بِتَعْلِيمِ الْقِرَاءَةِ وَالْكِتَابَةِ لِأَبْنَاءِ الْمُسْلِمِينَ، عَلَى أَنْ يَقُومَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِتَعْلِيم عَشَرَةٍ مِنْ أَبْنَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ مَا حَدَثَ، فَتَعَلَّمَ

عَدَدٌ مِنْ أَبْنَاءِ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ أَصْبَحُوا كُتَابًا عَارِفِينَ فِيمَا بَعْدُ.

(1) الرَّسُولُ الْقَائِدُ، ص 119. (1/217)

صفحة 213

- قَضَايَا تَشْرِيعِيَّةُ:

السيرة النبوية -

ظَهَرَتْ مِنْ خِلَالِ مَعْرَكَةِ بَدْرٍ أَحْدَاثُ اسْتَدْعَتْ حُلُولًا شَرْعِيَّةٌ اسْتَقَرَّتْ فِيمَا بَعْدُ أَحْكَامًا شَرْعِيَّةٌ مِثْلَ تَقسيم الْغَنَائِمِ، حَيْثُ جُعِلَتْ خَمْسَةَ أَقْسَامٍ، وَأَعْطَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لِلْفَارِسِ سَهْمَيْنِ وَلِلرَّاجِلِ سَهْمَا وَاحِدًا (1)، بَعْدَ أَنْ نَزَلَ الْقُرْآنُ بِجَعْلِ خُمُسِ وَاحِدٍ

20 تَحْتَ تَصَرُّفِ وَلِي الْأَمْرِ أَوْ رَئيس الدَّوْلَةِ يَصْرِفُهُ فِيمَا يَعْنِيهِ قَوْلُ الله تَعَالَى: {فَلِلَّهِ وَالرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَمَى وَالْمَسَكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ) (2).

(د)

وَكَذَلِكَ اسْتَقَرَّ التَّشْرِيعُ الْإِسْلَامِيُّ عَلَى جَوَازِ أَخْذِ الْفِدَاءِ مِنَ الْأَسْرَى وَذَلِكَ يَكُونُ حَسَبَ رَأْيِ الْإِمَامِ، وَمُعَامَلَةِ الْأَسْرَى مُعَامَلَةٌ حَسَنَةٌ، وَدَفْنِ الْقَتْلَ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحْكَامِ الْفِقْهِيَّةِ الَّتِي اسْتَقَرٌّ عَلَيْهَا الْعَمَلُ مُنْدُ ذَلِكَ الْيَوْمِ فِي التَّشْرِيعِ الْإِسْلَامِي.

(1) وَأَنَا أَكْتُبُ فِي هَذَا المَوْضُوعِ، وَجَدْتُ مَنْ يُعَلِّلُ إِعْطَاءَ الْفَارِسِ سَهْمَيْنِ، لَهُ سَهُمْ وَلِفَرَسِهِ سَهُمْ، أَيْ لإعاشَةِ فَرَسِهِ، فَسَأَلْتُ شَيْخَنَا الْخَلِيلِيَّ أَبْقَاهُ اللهُ عَنْ ذَلِكَ، وَقُلْتُ لَهُ: لِمَاذَا لَمْ يُعْطَ صَاحِبُ الْبَعِيرِ سَهُما لِبَعِيرِه؛ لِأَنَّهُ أَيْضًا يَحْتَاجُ إِلَى إِعَاشَةِ بَعِيرِهِ؟ فَقَالَ: إِنَّ الْعَادَةَ جَرَتْ أَنَّ الْقِتَالَ يَكُونُ بِالخَيْلِ. وَلَيْسَ بِالْجَمَالِ. فَقُلْتُ: إِذَنْ ظَاهِرُ التَّعْلِيلِ بِالْقِتَالِ وَلَيْسَ بِالْإِعَاشَةِ؟ قَالَ: هَكَذَا يَظْهَرُ.

(2) سُورَةُ الخَشْرِ، الآية 7.

218 (1/218)

صفحة 214

9 - نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ:

السيرة النبوية.

لَا شَكٍّ أَنَّ الْإِيمَانَ الْخَالِصَ الصَّادِقَ بِاللهِ تَعَالَى وَأَنْبِيَاتِهِ وَكُتُبِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، ذَلِكَ الإيمان المقرُونُ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ هُوَ عَعَلُّ اسْتِنْزَالِ نَصْرِ اللَّهِ تَعَالَى، يَقُولُ: وَعَدَ اللَّهُ

الَّذِينَ مَامَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّلِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنَا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُون بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَيْكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)). لِذَلِكَ

(1)

كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَدْعُو اللَّهَ وَيَبْتَهِلُ إِلَيْهِ وَيَسْتَنْجِزُ اللَّهَ مَا وَعَدَهُ لَهُ بِالنَّصْرِ، حَتَّى نَزَلَتِ

المَلائِكَةُ نُصْرَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ

يَقُولُ الله: إذْ يُوحَى رَبُّكَ إِلَى الْمَلَكَةِ أَنِي مَعَكُمْ فَتَيَتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِى

12

(د)

في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَأَضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بنان (2) نُصْرَةً لِقِلَّةِ المُسْلِمِينَ عَدَدًا وَعُدَّةً، وَكَثْرَةِ الْمُشْرِكِينَ عَدَدًا وَعُدَّةٌ، أَيْ هُنَالِكَ عَدَمُ تَكَافُو بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ، وَيَدُورُ الخِلافُ بَيْنَ المُفَسِّرِينَ فِيمَا إِذَا كَانَتِ الْمَلَائِكَةُ قَدْ بَاشَرَتِ الْقِتَالَ مَعَ المُسْلِمِينَ أَمْ أَنَّهَا نَزَلَتْ لِتَثْبِيتِهِمْ وَالْقَاءِ الرُّعْبِ فِي قُلُوبِ المُشْرِكِينَ، وَالخِلافُ مَنْشَؤُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَأَضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ

(1) سُورَةُ النُّورِ، الآية 55.

(2) سُورَةُ الْأَنْفَالِ، الْآيَةُ: 12.

219 (1/219)

صفحة 215

السيرة النبوية.

بنان (هَلِ الْأَمرُ لِلْمَلَائِكَةِ أَمْ لِلْمُؤْمِنِينَ؟

لِذَلِكَ كَانَ دُعَاءُ الرَّسُولِ بَعْدَ انْتِهَاءِ الْمَعْرَكَةِ هُوَ: " اللهُ أَكْبَرُ، صَدَقَ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ، وَهَكَذَا قُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالحَمْدُ لله

رَبِّ الْعَالَمِينَ. (1/220)

صفحة 216

مِنْ بَدْرٍ إِلَى أُحُدٍ (1/221)

صفحة 217

السيرة النبوية.

فِي المُسَافَةِ الزَّمَنِيَّةِ بَيْنَ مَعْرَكَةِ بَدْرٍ الْكُبْرَى إِلَى مَعْرَكَةِ أُحُدٍ حَدَثَتْ أَحْدَاتٌ

عَدِيدَةٌ، وَهِيَ كَمَا يَلِي:

غَزْوَةُ بَنِي سُلَيْمٍ بِالْكَدِرِ

وَتُسَمَّى غَزْوَةَ مَرْمَرَةَ الْكَدِرِ، وَقَدْ كَانَ غَزَاهَا يُرِيدُ بَنِي سُلَيْمٍ، وَذَلِكَ بَعْدَ سَبْعَةِ أَيَّامٍ مِنْ مَقْدَمِهِ مِنْ بَدْرٍ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ غَزْوَ الْمَدِينَةِ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ، فَأَقَامَ عَلَى ذَلِكَ المَاءِ الْمُعْرُوفِ بِالْكَدِرِ ثَلَاثَ لَيَالٍ، وَبَعْدَهَا قَفَلَ عَائِدًا إِلَى المدينةِ، حَيْثُ قَامَ بِإِفْدَاءِ أَسَارَى مَعْرَكَةِ بَدْرٍ.

غَزْوَةُ السَّوِيقِ

وَذَلِكَ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ نَذَرَ أَنْ لَا يَمَسَّ رَأْسَهُ مَاءٌ مِنْ جَنَابَةٍ حَتَّى يَغْزُوَ مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ بِالمَدِينَةِ، نَتِيجَةٌ لِمَا حَلَّ بِقُرَيْشٍ يَوْمَ بَدْرٍ مِنْ قَتْلِ وَهَزِيمَةٍ، وَخَرَجَ فِي مِائَتَيْ رَجُلٍ رَاكِبٍ لِيَبَرَّ يَمِينَهُ، وَنَزَلُوا عَلَى مَقْرَبَةٍ مِنَ الْمَدِينَةِ وَتَسَلَّلَ أَبُو سُفْيَانَ خُفْيَةً إِلَيْهَا لِيَلْتَقِي بِبَعْض رُؤَسَاءِ الْيَهُودِ مِنْ بَنِي النَّضِيرِ، فَأَرَادَ الدُّخُول أولا إلَى حُيَيٍّ بنِ أَخْطَبَ، وَلَكِنَّهُ أَبَى مِنْ مُقَابَلَيْهِ وَإِضَافَتِهِ، فَتَوَجَّهَ إِلَى سَلَامِ بْنِ مِشْكَمِ الَّذِي كَانَ سَيِّدَ يهود بني النَّضِيرِ، فَاسْتَقْبَلَهُ وَأَضَافَهُ، وَعَادَ إِلَى أَصْحَابِهِ، وَفِي اللَّيْلَةِ الثَّانِيَةِ بَعَثَ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَى المَدِينَةِ فَأَتَوْا نَاحِيَةٌ مِنْهَا، فَأَحْرَقُوا أَصْوَارَ (1) النَّخِيلِ، وَقَتَلُوا رَجُلَيْنِ

(1) أَصْوَارُ جَمْعُ صِوَارٍ، وَهُوَ النَّخْلُ المُجْتَمِعَةُ، وَمِنْ هُنَا يُطْلِقُ أَهْلُ عُمانَ عَلَى فُتْحَةِ سَاقِيَةِ الْمَاءِ الَّتِي تَسْقِى

222 (1/222)

صفحة 218

السيرة النبوية.

مِنَ الْأَنْصَارِ، وَانْصَرَفُوا رَاجِعِينَ إِلَى أَصْحَابِهِمْ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي طَلَبِهِمْ حَتَّى بَلَغَ مَرْمَرَةَ الْكَدْرِ، وَهُوَ المَكَانُ المُذْكُورُ فِي غَزْوَةِ بَنِي سُلَيْم بِالْكَدْرِ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يُدْرِك أَبَا سُفْيَانَ وَمَنْ مَعَهُ، فَقَفَلَ عَائِدًا إِلَى المَدِينَةِ.

وَسُمِّيَتْ هَذِهِ الْغَزْوَةُ بِغَزْوَةِ السَّوِيقِ؛ لِأَنَّ أَزْوَادَ قُرَيْسُ الَّتِي رَمَوْهَا مُتَخَفِّفِينَ مِنْهَا كَانَتْ مِنَ السَّوِيقِ، وَهُوَ التَّمْرُ أَوِ الطَّحِينُ المخلُوطُ بِالسَّمْنِ أَوْ بِاللَّبَنِ أَوْ غَيْرِهِمَا.

غَزْوَةُ ذِي أَمْرٍ

وَغَزَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسّلامُ غَزْوَةَ ذِي أَمرٍ في نَجْدٍ يُرِيدُ قَبِيلَةَ غَطَفَانَ، فَأَقَامَ هُنَالِكَ قَرِيبًا مِنَ الشَّهْرِ وَكَانَ شَهْرَ صَفَرٍ.

غَزْوَةُ الْفَرِعِ مِنْ يُحِرَانَ

سَارَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُرِيدُ أَنْ يُصِيبَ مِنْ قُرَيْشٍ، وَيُحِرَانُ هُوَ مَاءٌ بِالْحِجَازِ، فَأَقَامَ بِهَا شَهْرَيْنِ هُمَا شَهْرُ رَبِيعِ الْآخَرُ وَجُمَادَى الْأُولَى مُتَرَصَدًا قُرَيْشًا، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَلْقَ

أَحَدًا، فَعَادَ إِلَى الْمَدِينَةِ.

النَّخِيلَ وَسَائِرَ الْمُزْرُوعَاتِ الصَّوَارَ.

223 (1/223)

صفحة 219

السيرة النبوية -

حَرْبُ بْنِي قَيْنُقَاعَ

وُجُودُ الْيَهُودِ بِالْمَدِينَةِ: بَنُو قَيْنْقَاعَ إِحْدَى الْقَبَائِلِ الْيَهُودِيَّةِ الكَبيرةِ الثَّلَاثِ إِلَى جَانِبِ الْقَبِيلَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ وَهُمَا بَنُو النَّضِيرِ وَبَنُو قُرَيْظَةَ، وَقَدْ تَعَرَّضَ اليَهودُ لِسِلْسِلَة مِنَ الْإِجْلاآتِ وَالطُّرُودِ، فَقَدْ طَرَدَهُمْ سَرْجُونُ الثَّانِي مَلِكُ آشُورَ سَنَةَ 741 قَبْلَ الْمِيلَادِ، وَطَرَدَهُمْ بِخْتَنَصَّرُ سَنَةَ 586 قَبل الميلادِ، وَكَذَلِكَ أَجْلَاهُمْ تبتُوسُ إمْرَاطُورُ رُومَا سَنَةً 70 لِلْمِيلادِ، وَكَانَ

الطَّرْدُ النَّهَانِيُّ هُمْ مِنْ فِلَسْطِينَ عَلَى يَدِ الْإِمْرَاطُورٍ هَارْدِيَانَ سَنَةً 135 لِلْمِيلادِ. وَاسْتَقَرَّتِ الْقَبَائِلُ الْيَهُودِيَّةُ الثَّلَاثُ فِي يَثْرِبَ (المدِينَةِ) بِجَانِبِ سُكَانِهَا مِنَ الْعَرَبِ، وَصَارَتِ الْغَلَبَةُ هُمْ عَلَى يَثْرِبَ حَتَّى جَاءَتْ هِجْرَةُ الْأَزْدِ بَعْدَ انْهِدَامِ سَدَّ مَأْرِبَ بِالْيَمَنِ، وَمِنْهُمُ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ إِلَى يَثْرِبَ، فَانْقَلَبَتْ كِفَّةُ الْمِيزَانِ الِاجْتِمَاعِيٌّ لِصَالِحِ

الْعَرَبِ، وَصَارَتِ الْيَهُودُ بِقَبَائِلِهَا الثَّلَاثِ حُلَفَاءَ لِلْعَرَبِ مِنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَج. وَبَعْدَ الهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ شَرَعَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي وَضْع عَهْدِ بَيْنَ الْعَرَبِ وَالْيَهُودِ عَلَى أَسَاسِ قيلي، وَبَيْنَهُمْ وَبَيْنَ المُسْلِمِينَ عَلَى أَسَاسِ دِيني، فيما عُرِفَ بِوَثِيقَةِ المَدِينَةِ (دُسْتُورِ المُدِينَةِ) غَيْرَ أَنَّ الْيَهُودَ مَا لَبِثُوا أَنْ نَقَضُوا ذَلِكَ الْعَهْدَ.

وَكَانَتْ مَسَاكِنُ بَنِي قَيْنْقَاعَ قَرِيبَةٌ مِنْ مَسَاكِنِ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، أَيْ فِي وَسَطِ المُدِينَةِ، وَكَانُوا يَعْمَلُونَ فِي صِيَاغَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَصِنَاعَةِ الْأَسْلِحَةِ، وَكَانَتْ هُمْ سُوقٌ بِهَا تِجَارَتُهُمْ وَعَاهُمْ وَهِيَ خَاصَّةٌ بِهِمْ دُونَ سَائِرِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ.

224 (1/224)

صفحة 220

السيرة النبوية.

أَمَّا بَنُو النَّضِيرِ وَبَنُو قُرَيْظَةَ فَكَانَتْ حُصُوتُهُمْ خَارِجَ المَدِينَةِ (يَثْرِبَ)؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا

أَصْحَابَ حَرْثٍ وَزَرْعٍ وَنَخْلٍ. سَبَبُ الْحَرْبِ عَلَيْهِمْ: وَبَنُو قَيْنُقَاعَ هُمْ أَوَّلُ مَنْ نَقَضَ الْعَهْدَ مَعَ المُسْلِمِينَ مِنَ الْيَهُودِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ حَقَدُوا عَلَى المُسْلِمِينَ وَحَسَدُوهُمْ عَلَى الاِنْتِصَارِ الَّذِي تَخَفَّقَ لَهُمْ عَلَى الْمُشْرِكِينَ فِي بَدْرٍ، فَأَخَذُوا يَتَحَامَلُونَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَيَتَحَرَّشُونَ بِهِمْ الْأَمْرُ الَّذِي حَمَلَ الرَّسُولَ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَذْهَبَ إِلَيْهِمْ وَيَجْتَمِعَ بِهِمْ فِي سُوقِهِمْ مُحَدَّرًا هُمْ وَمُنْذِرًا هُمْ بِسُوءِ الْعَاقِبَةِ إِنْ هُمُ اسْتَمَرُّوا عَلَى مَوْقِفِهِمُ الْعَدَائِيِّ ذَلِكَ، قَائِلًا هُمْ يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ، احْذَرُوا مِنَ اللَّهِ مِثْلَ مَا نَزَلَ بِقُرَيْشٍ مِنَ النّقْمَةِ، وَأَسْلِمُوا فَإِنَّكُمْ قَدْ عَرَفْتُمْ أَنِّي نَبِيٌّ مُرْسَلٌ تَجِدُونَ ذَلِكَ فِي كِتَابِكُمْ وَعَهْدِ

اللَّهِ إِلَيْكُمْ.

فَما زَادَهُمْ ذَلِكَ إِلَّا عِنَادًا وَاسْتِهْزَاءً وَسُخْرِيَةً قَائِلِينَ: يَا مُحَمَّدُ، تَرَى أَنَّا قَوْمُكَ؟ لَا يَغُرَّنَّكَ أَنَّكَ لَقِيتَ قَوْمًا لَا عِلْمَ هُمْ بِالحَرْبِ فَأَصَبْتَ مِنْهُمْ فُرْصَةً، إِنَّا وَاللَّهِ لَئِنْ حَارَبْنَاكَ إِنَّا نَحْنُ النَّاسُ.

فَأَنْزَلَ اللهُ فِيهِمْ قَوْلَهُ عَزَّ وَجَلَّ: {قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّةً وَبِئْسَ الْمِهَادُ قَدْ كَانَ لَكُمْ وَايَةٌ فِي فِشَتَيْنِ التَقَتَافِعَةٌ تُقتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِثْلَيْهِمْ رَأَى الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُوَيَدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ إِنَّ فِي

225 (1/225)

صفحة 221

السيرة النبوية.

ذالك لعبرَةُ لِأُولِي الْأَبْصَرِ} (1).

وَتَمَادَوْا عَلَى مَوْقِفِهِمْ ذَلِكَ، وَلَمْ يَكْتَفُوا بِذَلِكَ حَتَّى ظَهَرَ مِنْهُمْ مَا يَدُلُّ عَلَى سُوءِ وِيَّاتِهِمْ وَخُبْثِ سَرَائِرِهِمْ حِينَ قَدِمَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الْعَرَبِ بِمَاشِيَةٍ لَهَا، فَبَاعَتْهَا فِي سُوقِهِمْ، وَجَلَسَتْ إِلَى أَحَدِ الصَّاغَةِ، فَمَا كَانَ مِنَ الْيَهُودِ إِلَّا أَنْ أَخَذُوا يُرَاوِدُونَهَا عَلَى كَشْفِ وَجْهِهَا، فَلَا أَبَتْ عَمَدَ ذَلِكَ الصَّائِعُ إِلَى طَرَفِ ثَوْبِهَا مِنْ خَلْفِهَا فَعَقَدَهُ إِلَى ظَهْرِهَا، فَلَما قَامَتِ انْكَشَفَتْ عَوْرَتُها وَضَحِكَ الْيَهُودُ لِذَلِكَ، فَصَاحَتْ مُسْتَغِيثَةٌ بِالمُسْلِمِينَ، فَوَثَبَ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ عَلَى ذَلِكُمُ الصَّائِغِ الْيَهُودِيِّ فَقَتَلَهُ، فَقَامَ الْيَهُودُ عَلَى المُسْلِم فَقَتَلُوهُ، وَاسْتَصْرَخَ أَهْلُ المُسْلِم الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْيَهُودِ، فَغَضِبَ لِذَلِكَ المُسْلِمُونَ، فَوَقَعَ الشَّرُّ وَالنَّزَاعُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَبَنِي قَيْنُقَاعَ.

حِصَارُهُمْ

وَبَعْدَ ذَلِكَ حَاصَرَهُمُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم خَمْسَةَ عَشْرَ - يَوْمًا حَتَّى قَذَفَ الله في قلوبهم الرُّعْبَ، وَأَمْكَنَ اللهُ نَبيَّهُ مِنْهُمْ، فَتَزَلُوا عَلَى حُكْمِهِ، يَحْكُمُ فِيهِمْ بِمَا يَشَاءُ، وَهُنَاكَ خَافَ حَلِيفُهُمُ الْأَكْبَرُ عَبْدُ الله بْنُ أَيِّ بْنِ سَلُولِ الْخَزْرَجِيُّ أَنْ يَحْكُمَ فِيهِمُ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِالْقَتْلِ، فَقَالَ لِلنَّبِيِّ: يَا مُحَمَّدُ، أَحْسِنْ فِي مَوَالِي فَأَعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ

(1) آلُ عِمْرَانَ: 12، 13

226 (1/226)

صفحة 222

السيرة النبوية.

الله، فَقَالَ لَهُ مَرَّةً ثَانِيَةً: يَا مُحَمَّدُ، أَحْسِنُ فِي مَوَالِي، فَأَعْرَضَ عَنْهُ وَ فَأَدْخَلَ عَبْدُ الله بْنُ أَي يَدَهُ فِي جَيْبِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم حَتَّى بَدَا الغَضَبُ عَلَى وَجْهِ النَّبِيِّ - وَقَالَ لَهُ: وَيْحَكَ أَرْسِلْنِي! قَالَ ابْنُ أَي: لَا وَاللهِ لَا أُرْسِلُكَ حَتَّى تُحْسِنَ فِي مَوَالِي، أَرْبَعِيانَة حَاسِرٍ وَثَلَاثِمَانَةِ دَارِع قَدْ مَنَعُونِي مِنَ الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ، تَحْصُدُهُمْ فِي غَدَاةٍ وَاحِدَةٍ، إِنِّي وَالله امْرُؤٌ أَخْشَى الدَّوَائِرَ حِينَذَاكَ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ: هُمْ لَكَ. وَفِيهِ نَزَلَ قَوْلُ الله عَزَّ وَجَلَّ: هوياتها الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَرَى أَوْلِيَاء بعضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّلِمِينَ) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسْرِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ تَخْشَى أن تُصِيبَنَا دَابِرَةُ فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرِ مِنْ عِندِهِ، فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ

تدمين

or

(1)

غَيْرَ أَنَّ النَّبِي أَمَرَهُمْ بِالخُرُوج مِنَ المَدِينَةِ، بَعْدَ أَنْ ظَهَرَتْ خِيَانَاتُهُمُ المُتَوَالِية وَنَقْضُهُمُ الْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، فَخَرَجُوا إِلَى مِنْطَقَةِ (أَذْرُعَاتٍ) بِالشَّامِ، فَكَانُوا أَوَّلَ الْيَهُودِ جَلَاءٌ مِنَ المَدِينَةِ.

وَحَاوَلَ ابْنُ أَي أَيْضًا أَنْ يَثْنِيَ النَّبِيَّ عَنْ إِجْلَائِهِمْ، وَلَكِنَّهُ أَبَى عَلَيْهِ ذَلِكَ لِحِكْمَةٍ يَعْلَمُهَا فِي ذَلِكَ (2) وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ كَانُوا عَيْنَ سُوءٍ عَلَى النَّبِيِّ وَالمُسْلِمِينَ لِصَالِحٍ أَعْدَائِهِمُ

المُشْرِكِينَ.

(1) المائِدَةُ: 52،51.

(s)

(2) هيگل، مُحَمَّد حُسَيْن، حَيَاةُ مُحَمَّدٍ، ص 292، دَارُ الْمُعَارِفِ الْقَاهِرَة. (1/227)

صفحة 223

السيرة النبوية

وَيُقَالُ: إِنَّ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ وَهُوَ لَهُ حِلْفٌ مَعَهُمْ أَيْضًا، وَلَكِنَّهُ تَبَرَّأَ مِنْ حِلْفِهِمْ إِلَى الله وَرَسُولِهِ، أَخْبَرَ النَّبِيَّ عَنْ سَبَبٍ تَشَبُّثِ عَبْدِ الله بْنِ أَبِي بِهِمْ، بِأَنَّهُ كَانَ يُحَاوِلُ الزَّعَامَةَ عَلَى أَهْلِ المَدِينَةِ، وَكَادَ أَنْ يُتَوَّجَ مَلِكًا، وَلا جَاءَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَالْمُهَاجِرُونَ إِلَى المَدِينَةِ وَدَخَلَ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ فِي الْإِسْلَامِ فَقَدَ مَا كَانَ يُحَاوِلُهُ وَيَصْبُو إِلَيْهِ مِنَ الزَّعَامَةِ والملكِ، فَلِذَلِكَ عَلَى النَّبِيُّ عَنْ قَتْلِهِمْ مُرَاعَاةٌ لِمَشَاعِرِ عَبْدِ الله بْنِ أَيَّ النَّفْسِيَّةِ (1). وَبِذَلِكَ تَخَلَّصَ الْمُسْلِمُونَ بِالْمَدِينَةِ مِنْ قِسْمٍ مِنَ الْيَهُودِ، وَهُوَ الْقِسْمُ الْأَخْطَرُ لِقُرْبِهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ سَكَنَا وَحِرَاكًا وَمُخَالَطَةٌ، حَيْثُ لَا تُؤْمَنُ مِنْهُمُ الْغَوَائِلُ. سَرِيَّةُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ

طَارَتْ شُهْرَةُ المُسْلِمِينَ بَعْدَ مَعْرَكَةِ بَدْرٍ وَإِجْلَاءِ يَهُودِ بَنِي قَيْنُقَاعَ، وَوَجَدَ النَّبِيُّ وَالمُسْلِمُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ قُوَّةً، فَأَخَذُوا يُبَاغِتُونَ قَبَائِلَ الْحِجَازِ وَنَجْدٍ كُلَّمَا بَلَغَهُمْ تَجَمُّع

لِتِلْكَ الْقَبَائِلِ مُنَاوِنًا هُمْ، وَيُرِيدُ مُهَا جَمَتَهُمْ فِي مَدِينَتِهِمْ.

وَنَتِيجَةً لِذَلِكَ فَقَدْ عَقَدَ النَّبِيُّ مَعَ تِلْكَ الْقَبَائِلِ مُعَاهَدَاتٍ بِعَدَمِ الاعْتِدَاءِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَأَنْ يَكُونُوا عَوْنًا لِلْمُسْلِمِينَ، وَما بَلَغَتْ أَخْبَارُ ذَلِكَ قُرَيْشًا وَكَانُوا يُرَاقِبُونَ سَيْرُورَةَ الْأُمُورِ وَتَحَرُكَاتِ النَّبِيِّ وَأَصْحَابِهِ، دَاخَلَهُمُ الْخَوْفُ مِنْ وُقُوعِ قَوَافِلِهِمُ

(1) ضَيْف شَوْقِي، مُحَمَّدٌ خَاتَمُ الْمُرْسَلِينَ، ص 226، دَارُ الْمُعَارِفِ الْقَاهِرَةُ، وَانْظُرْ هِيكَلِ، حَيَاةُ مُحَمَّدٍ،

ص

292

228 (1/228)

صفحة 224

السيرة النبوية.

التِّجَارِيَّةِ الذَّاهِبَةِ إِلَى الشَّامِ وَالْعِرَاقِ فِي أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ مَا أَفْصَحَ عَنْهُ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ عُدْرًا قَوْمَهُ مِنَ الْوُقُوع في شَرَكِ المُسْلِمِينَ، حَيْثُ قَالَ: إِنَّ مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ عَوَّرُوا عَلَيْنَا تِجَارَتَنَا فَما نَدْرِي كَيْفَ نَصْنَعُ بِأَصْحَابِهِ وَهُمْ لَا يَبْرَحُونَ السَّاحِلَ، وَأَهْلُ السَّاحِلِ قَدْ وَادَعُوهُمْ، وَدَخَلَ عَامَّتُهُمْ مَعَهُ، فَما نَدْرِي أَيْنَ نَسْلُكُ؟ وَإِنْ أَقَمْنَا فِي دَارِنَا هَذِهِ أَكَلْنَا رُؤُوسَ أَمْوَالِنَا فَلَمْ يَكُنْ لَهَا مِنْ بَقَاءِ، وَإِنَّا حَيَاتُنَا بِمَكَّةَ عَلَى التَّجَارَةِ إِلَى الشام في الصَّيْفِ، وَإِلَى الخَبَشَةِ فِي الشَّتَاءِ.

فَأَشَارَ إِلَيْهِ الْأَسْوَدُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَنْ يَتَجَنَّبُوا طَرِيقَ السَّاحِلِ الْمُعْتَادَةِ، وَأَنْ يَأْخُذُوا طَرِيقَ نَجْدٍ وَالْعِرَاقِ، وَأَرْشَدَهُ إِلَى رَجُلٍ مِنْ قَبَائِلِ رَبِيعَةَ بْنِ نِزَارٍ هُوَ فُرَاتُ بْنُ

حَيَّانَ الْبَكْرِيُّ لِيَكُونَ دَلِيلَهُمْ وَمُرْشِدَهُمْ فِي الطَّرِيقِ الجَدِيدَةِ.

فَخَرَجَتْ عِيرُ قُرَيْشٍ مُحَمَّلَةٌ بِمَقَادِيرَ كَبِيرَةٍ مِنَ الْفِضَّةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْبَضَائِعِ، يَقُودُهَا أَبو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ زَعِيمُ قُرَيْشٍ، وَمَعَهُ عَدَدٌ مِنْ أَعْيَانِهَا كَصَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ وَحُوَيْطِبِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى وَعَبْدِ الله بْنِ أَبِي رَبيعَةَ وَغَيْرِهِمْ.

وَهُنَاكَ عَلِمَ الرَّسُولُ الَّذِي كَانَ لَا يَفُوتُهُ مِنْ أَخْبَارِ قُرَيْشٍ شَارِدَةٌ وَلَا وَارِدَةٌ، فَأَرْسَلَ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ فِي مِائَةِ رَاكِبٍ لاِعْتِرَاضِ الْقَافِلَةِ المُكيَّةِ الْقُرَشِيَّةِ، فَالْتَقَوْا عَلَى مَاءٍ بِنَجْدٍ يُسَمَّى ذَا قَردٍ - أَوِ الْقِرَدَة - فَفَرَّ المُشْرِكُونَ تَارِكِينَ قَافِلَتَهُمْ وَمَا عَلَيْهَا، وَاسْتَوْلَى المُسْلِمُونَ عَلَيْهَا، وَسَاقُوهَا إِلَى المَدِينَةِ غَنِيمَةٌ كَبِيرَةً هُمْ، فَقَسَمَهَا الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم عَلَى زَيْدٍ

229 (1/229)

صفحة 225

السيرة النبوية.

(1)

وَأَصْحَابِهِ بَعْدَ أَنْ أَخَذَ هُوَ مُسَهَا الَّذِي كَانَ يُسَاوِي عِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَمِنَ الْغَرِيبِ فِي الْأَمْرِ أَنْ يَفِرَّ أَصْحَابُ الْقَافِلَةِ لِيُفْلِتُوا مِنْ قَبْضَةِ المُسْلِمِينَ، وَيَتِمَّ أَسْرُ الدَّلِيلِ الْمُرْشِدِ فُرَاتِ بْنِ حَيَّانَ، حتى جيى بِهِ أَسِيرًا إِلَى الْمَدِينَةِ، فَأَسْلَمَ وَحَسُنَ إسلامه

وَفِي رَأْيِي إِنَّ هَذِهِ الْحَادِثَةَ مِنْ أَقْوَى الْأَسْبَابِ الَّتِي حَمَلَتْ قُرَيْشًا إِلَى الْمَجِيءِ إِلَى غَزْوَةِ أُحُدٍ، بِجَانِبِ أَسْبَابٍ أُخْرَى بِالطَّبْعِ وَفِي مُقَدِّمَتِهَا هَزِيمَتُهُمْ فِي بَدْرٍ وَمَقْتَلُ عَدَدٍ كَبِيرٍ مِنْ زُعَمَاءِ قُرَيْشٍ، وَعَلَى الْعُمُومِ فَإِنَّ نَظْرَةٌ سَرِيعَةً إِلَى الْغَزَوَاتِ وَالسَّرَايَا الَّتِي كَانَتْ بَعْدَ مَعْرَكَةِ بَدْرٍ إِلَى غَزْوَةِ أَحَدٍ، كَانَ اهْدَفُ مِنْهَا أَمْرَيْنِ اثْنَيْنِ هُمَا: الْأَوَّلُ جَعْلُ المدينة قاعِدَةً أَمِينةَ لِلْكِيَانِ الْإِسْلَامِيِّ بِالمفهومِ الْعَسْكَرِيِّ، وَالثَّانِي: عَقْدُ تَفَاهُمَاتٍ

وَتَخَالُفَاتٍ مَعَ قَبَائِلِ الْعَرَبِ لِلتَّضْسِيقِ عَلَى قُرَيْشٍ أَمْنِيَّا وَاقْتِصَادِيًا.

(1) الْغَزَالِيُّ مُحَمَّدٌ، فِقْهُ السِّيرَةِ، 189، دَارُ الشُّرُوقِ، الْقَاهِرَةُ.

23 (1/230)

صفحة 226

غَزْوَةُ أُحُدٍ (1/231)

صفحة 227

الْأَسْبَابُ:

السيرة النبوية.

غَزْوَةُ أُحُدٍ

1 - هَزِيمَتُهُمْ فِي بَدْرٍ وَمَقْتَلُ عَدَدٍ كَبِيرٍ مِنْ زُعَمَائِهِمْ وَصَنَادِيدِهِمْ حَتَّى طَالَ الْقَتْلُ كُلَّ

بَيْتٍ في مكة.

-2 - التّحَالُفَاتُ الَّتِي عَقَدَهَا النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَعَ قَبَائِلِ الْحِجَازِ وَبَعْضِ مِنْ قَبَائِلِ نَجْدٍ، وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ أَنَّ مُحَمَّدًا وَالْمُسْلِمِينَ عَوَّرُوا عَلَيْنَا تِجَارَتَنَا، وَوَادَعَتْهُمْ عَلَى ذَلِكَ قَبَائِلُ السَّاحِلِ.

- اسْتِيلاءُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ عَلَى قَافِلَةِ قُرَيْسُ المُحَمَّلَةِ بِالْكَثِيرِ مِنْ تِجَارَتِهِمْ فِي الْقِرَدَةِ

-

بنجد.

4 - اسْتِعَادَةُ السُّمْعَةِ لِقُرَيْشٍ ذَاتِ السَّيَادَةِ الْقَبَلِيَّةِ عَلَى الْعَرَبِ فِي جَزِيرَتِهِمْ، بَعْدَ أَنْ تَأَثَّرَتْ تِلْكَ السُّمْعَةُ بِالْهُزِيمَةِ وَالانْكِسَارِ فِي بَدْرٍ، وَوَقَفُوا لِذَلِكَ كُلَّ مَا حَمَلَتْهُ قَافِلَةُ أَبِي سُفْيَانَ الَّتِي نَجَتْ مِنَ اسْتِيلَاءِ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهَا قُبَيْلَ مَعْرَكَةِ بَدْرٍ اسْتِعْدَادًا لِهَذِهِ الْغَزْوَةِ؛ حَتَّى يَشْفُوا غَيْظَهُمْ مِنْ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ، فَقَدْ قَالَ أَكَابِرُهُمْ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ وَتَرَكُمْ وَقَتَلَ خِيَارَكُمْ، فَأَعِينُونَا بِهَذَا المَالِ عَلَى حَرْبِهِ، فَلَعَلَّنَا نُدْرِكُ مِنْهُ بَعْضَ تَأْرِنَا بِمَنْ أَصَابَ مِنَّا.

232 (1/232)

صفحة 228

الدَّعَايَةُ الْإعْلَامِيَّةُ:

السيرة النبوية

قَامَتْ قُرَيْشٍ بِدِعَايَةٍ إِعْلَامِيَّةٍ قَوِيَّةٍ لِتَجْنِيدِ النَّاسِ وَالْقَبَائِلِ لِلْحَرْبِ، وَبِمَا أَنَّ الشِّعْرَ كَانَ آنذاكَ الْوَسِيلَةَ الْإِعْلَامِيَّةَ الْفَاعِلَةَ فِي تَمرِيرِ الْأَفْكَارِ وَاسْتِنْهَاضِ النَّاسِ لَا يُطْلَبُ مِنْهُمْ، فَقَدْ طَلَبُوا مِنَ الشَّاعِرِ أَبِي عَزَّةَ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْجُمَحِيٌّ أَنْ يَقُومَ بِالدَّوْرِ المطلُوبِ لِذَلِكَ، وَكَانَ أَبُو عَزَّةَ مِنْ بَيْنِ أُسَارَى بَدْرٍ، وَقَدْ مَنَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ بِإِخْلَاءِ سَبِيلِهِ بَعْدَ أَنِ اسْتَعْطَفَهُ قَائِلًا: إِنِّي فَقِيرٌ ذُو عِيَالٍ وَحَاجَةٍ قَدْ عَرَفْتَهَا، فَامْنُنْ

علي

غَيْرَ أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ اسْتَطَاعَ أَنْ يُقْنِعَهُ بِالاشْتِرَاكِ فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ وَالْقِيَام بِالدَّعَايَةِ لَهَا شِعرًا، قَائِلًا لَهُ يَا أَبَا عَزَّةَ، إِنَّكَ امْرُؤٌ شَاعِرُ، فَأَعِنَّا بِلِسَانِكَ، فَاخْرُجْ مَعَنَا، وَقَدِ امْتَنَعَ أَبُو عَزَّةَ بَادِى الْأَمْرِ قَائِلًا: إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَنْ عَلَى فَلَا أُرِيدُ أَنْ أَظَاهِرَ عَلَيْهِ، لَكِنَّ صَفْوَانَ أَقْنَعَهُ بِدَعْمِ مَادَّيٌّ كَبِيرٍ لَهُ فِي حَيَاتِهِ وَلِبَنَاتِهِ بَعْدَ مَمَاتِهِ إِنْ هُوَ قُتِلَ، فَاقْتَنَعَ وَطَمِعَ فِيمَا عُرِضَ عَلَيْهِ، وَمِنْ هُنَالِكَ أَطْلَقَ لِسَانَهُ شِعْرًا مُحَرَضًا عَلَى الْغَزْوِ، كَمَا قَامَ مُسَاقِعُ بْنُ عَبْدِ مَنَافِ الْجُمَحِيُّ أَيْضًا بِالدَّوْرِ نَفْسِهِ مُحُرِّضَا قَبَائِلَ بَنِي كِنَانَةَ لِلْمُشَارَكَةِ فِي الْغَزْهِ مَعَ قُرَيْشٍ ضِدَّ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ.

خُرُوجُ قُرَيْشٍ مِنْ مَكَّةَ:

اسْتَعَدَّتْ قُرَيْشُ هِذِهِ الْغَزْوَةِ اسْتِعْدَادًا لَمْ تَسْتَعِدَّهُ مَعْرَكَةٍ أُخْرَى، فَاجْتَمَعَتْ لِحِرْبِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِأَحَابِيشِهَا وَمَنْ أَطَاعَهَا مِنْ قَبَائِلِ كِنَانَةَ وَأَهْلِ تِهَامَةَ، فَخَرَجَتْ

233 (1/233)

صفحة 229

السيرة النبوية.

بِحَدَّهَا وَحَدِيدِهَا وَأَحَابِيشِهَا، وَخَرَجَ مَعَهُمْ عَدَدٌ مِنْ نِسَاءِ قُرَيْشٍ فِي خَمْسَ عَشْرَةَ امْرَأَةٌ مِنْ سَيِّدَاتِ نِسَاءِ زَمَانِهِنَّ بِمَكَّةَ فِي مُقَدِّمَتِهِنَّ زَعِيمَتُهُنَّ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ زَوْجُ أَبِي سُفْيَانَ زَعِيمِ قُرَيْشٍ، وَفِيهِنَّ أُمُّ حَكِيمٍ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ زَوْجَةُ عِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ زَوْجَةُ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَبَرَزَةُ بِنْتُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيَّةُ زَوْجَةُ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ، وَغَيْرُهُنَّ مِنَ النِّسَاءِ؛ وَذَلِكَ لِإِثَارَةِ حَفَائِظِهِمْ وَتَثْبِيتِهِمْ حَتَّى لَا يَفِرُّوا مِنَ الْمُعْرَكَةِ، وَكَانَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ عَمُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يُرَاقِبُ الْوَضْعَ فِي مَكَّةَ وَيُتَابِعُ الاسْتِعْدَادَاتِ وَالتَّجْهِيزَاتِ، وَبَعْدَ تَحَرُّكِ قُرَيْشٍ بِجَيْشِهَا بَعَثَ رَجُلًا مِنْ عَفَارَ بِكِتَابِ إِلَى النَّبِيِّ يُخْبِرُهُ فِيهِ بِمَا حَدَثَ مُفَصَّلا.

وَوَصَلَ رَسُولُ الْعَبَّاسِ بَعْدَ مَسِيرِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، حَيْثُ صَادَفَ النَّبِيِّ فِي قُبَا، وَسَلَّمَهُ الْكِتَابَ، وَأَمَرَ النَّبِيُّ أُيَّ بْنَ كَعْبٍ بِقِرَاءَتِهِ، وَلَمَّا عَلِمَ مَا فِيهِ انْطَلَقَ عَائِدًا إِلَى الْمَدِينَةِ، فَقَصَدَ أَوَّلًا سَعْدَ بْنَ الرَّبِيعِ لِيُطْلِعَهُ عَلَى الخَبَرِ، ثُمَّ بَعَثَ فِرْقَةً اسْتِطْلَاعِ لِوَافَاتِهِ بِقُدُومِ الْقَوْمِ وَمَكَانِ وُصُولِهِمْ، وَإِذَا بِهِمْ قَدْ وَصَلُّوا عِنْدَ سُفُوحٍ جَبَلٍ أُحُدٍ عَلَى خَمْسَةِ أَمْيَالٍ مِنَ الْمَدِينَةِ، حَتَّى إِنَّهُمْ كَانُوا قَدْ أَرْسَلُوا خَيْلَهُمْ وَإِبِلَهُمْ تَرْعَى الزُّرُوعَ المُحِيطَةَ بالمدينة (1)، فَرَأَى الْمُسْلِمُونَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ الْقِيَامَ بِحِرَاسَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَحِرَاسَةِ المَدِينَةِ

حتى لا يُفَاجِتَهُمُ المُشْرِكُونَ هُجُومًا.

(1) حَيَاةُ مُحَمَّدٍ، ص 300.

234 (1/234)

صفحة 230

السيرة النبوية.

الشورى: جَمَعَ النَّبِيُّ فِي الْيَوْمِ التَّالِي أَهْلَ الرَّأْيِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَمَعَهُمُ المُنافِقُونَ لِلْمَشُورَةِ وَتَدَاوُلِ الرَّأْيِ فِي وَضْعِ خُطَّةِ الدِّفَاعِ عَنِ الْمُدِينَةِ، وَبَعْدَ أَخذ وَرَدُّ وَتَشَاوُرٍ ظَهَرَ اتِّجَاهَانِ هُمَا:

الاتجاه الأَوَّلُ: يَرَى التَّحَصُّنَ فِي المَدِينَةِ وَعَدَمَ الخروج مِنْهَا قَائِلِينَ: يَا رَسُولَ الله أَقِمْ بِالمَدِينَةِ وَلَا تَخْرُجُ إِلَيْهِمْ، فَوَالله مَا خَرَجْنَا مِنْهَا إِلَى عَدُوٌّ لَنَا قَطُّ إِلَّا أَصَابَ مِنَّا، وَلَا دَخَلَهَا عَلَيْنَا إِلَّا أَصَبْنَا مِنْهُ، فَدَعْهُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنْ أَقَامُوا أَقَامُوا بِشَرٌ تَحَبس، وَإِنْ دَخَلُوا قَاتَلَهُمُ الرِّجَالُ فِي وَجْهِهِمْ وَرَمَاهُمُ النِّسَاءُ وَالصَّيَانُ

بِالْحِجَارَةِ مِنْ فَوْقِهِمْ، وَإِنْ رَجَعُوا رَجَعُوا خَائِبِينَ كَمَا جَاؤُوا.

وَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مَعَ هَذَا الرَّأْيِ، كَمَا كَانَ هَذَا رَأْيَ ذَوِي الْأَسْنَانِ وَالرَّأْيِ

مِنْ أَصْحَابِهِ، وَهُوَ رَأْيُ زَعِيمِ الْمُنَافِقِينَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ.

الاتجاه الثَّانِي: يَرَى الْخُرُوجَ مِنَ المَدِينَةِ لِمُلَاقَاةِ جَيْشِ الْمُشْرِكِينَ خَارِجَهَا قَائِلِينَ: يَا رَسُولَ اللَّه اخْرُجْ بِنَا إِلَى أَعْدَائِنَا، لَا يَرَوْنَ أَنَّا جَبِّنَا عَنْهُمْ وَضَعُفْنَا. وَكَانَ هَذَا الرَّأْيُ هُوَ رَأْيَ عَدَدٍ كَبِيرٍ مِنَ المُسْلِمِينَ لَا سِمَا مَنْ فَاتَهُمْ يَوْمُ بَدْرٍ،

وَرَأي الشَّبِيبَةِ مِنْهُمُ الَّذِينَ كَانُوا يَدْفَعُهُمُ الْحَمَاسُ.

وَبَيْنَمَا هُمْ يَتَدَاوَلُونَ الرَّأْيَ وَلَمْ يَحْسِمُوا الْأَمْرَ إِذْ دَخَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بَيْنَهُ وَلَبِسَ عُدَّةَ الحَرْبِ، نَازِلا عِنْدَ رَأيِ الْأَغْلَبِيَّةِ الْقَائِلِينَ بِالخروج مُلَاقَاةِ الْعَدُوِّ، وَهَكَذَا هِيَ السُّورَى

235 (1/235)

صفحة 231

السادة القرية.

في الْإِسْلَامِ، فَهِيَ مَبْدَأَ إِسْلَامِيٌّ قَرَّرَهُ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ بِقَوْلِهِ: (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} (1) وَقَالَ اللهُ آمِرًا نَبِيَّهُ الْكَرِيمَ: وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ) (2)، فَمَا كَانَ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنْ يُخَالِفَ أَمْرَ رَبِّهِ، وَمَبْدَأَ دِينِهِ، وَأَثْنَاءَ دُخُولِهِ بَيْتَهُ لَامَ بَعْضُ المُتَحَمِّسِينَ أَنْفُسَهُمْ قَائِلِينَ: اسْتَكْرَهُنَا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم، وَلَمْ يَكُنْ لَنَا ذَلِكَ، وَقَالُوا لَهُ: يَا رَسُولَ الله اسْتَكْرَهُنَاكَ وَلَمْ يَكُنْ لَنَا ذَلِكَ، فَإِنْ شِئْتَ فَاقْعُدْ، فَأَجَابَهُمْ: مَا يَنْبَغِي لِنَبِيِّ إِذَا لَيسَ لَأُمَتَهُ أَنْ يَضَعَهَا حَتَّى يُقَاتِلَ (3)، وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ حَتَّى لَا يُعْطِيَ عَجَالًا لِلتَّرَدُّدِ، وَبِمَا أَنَّ رَأْيَ الْأَغْلَبِيَّةِ هُوَ الْخُرُوجُ؛ فَإِنَّ السُّورَى تَقْتَضِي ذَلِكَ، وَعَلَى الْأُمَّةِ أَنْ تَتَحَمَّلَ مَسْئُولِيَتَهَا سَوَاءٌ كَانَتِ النَّتِيجَةُ إِيجَابِيَّة أَمْ سَلْبِيَّةٌ، وَفِي ذَلِكَ تَعْلِيمٌ لِأُمَّتِهِ فِي الالْتِزَامِ

بِالشُّورَى وَنَتِيجَتِهَا. الطَّرِيق إِلَى أُحدٍ:

سُمِّيَ جَبَلُ أُحدٍ لِتَوَحَدِهِ؛ أَي انْفِرَادِهِ عَنِ الْجِبَالِ الْأُخْرَى، فَهُوَ لَا يَدْخُلُ ضِمْنَ السَّلَاسِلِ الجبَلِيَّةِ، وَيَقَعُ فِي شَمَالِ المَدِينَةِ عَلَى بُعْدِ ثَلَاثَةِ كِيلُومِتْرَاتٍ مِنَ المَدِينَةِ، وَاخْتَارَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لِيَحْمُوا بِهِ ظُهُورَهُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وخرج مَعَهُ الْمُنَافِقُونَ وَالْيَهُودِ فِي

(1) الشُّورى، 38.

(2) آلُ عِمْرَانَ، 159.

(3) سِيرَةُ ابْنِ هِشَامِ، 378، دَارُ ابْنِ حَزْمٍ، بَيْرُوت.

236 (1/236)

صفحة 232

السيرة النبوية.

ثَلاثمائةِ رَجُلٍ يَقُودُهُمْ عَبْدُ الله بْنُ أَي وَبَيْنَما كَانُوا فِي مَكَانٍ يُسَمَّى الشَّوْطَ بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَأُحُدٍ، انْخَذَلَ ابنُ أَبي بِأُولَئِكَ الْعَدَدِ الثَّلَاثِمِائَةِ مِنَ النَّاسِ، مُدَّعِيًا أَنَّ النَّبِيِّ لَمْ يَأْخُذْ بِرَأيهِ فِي عَدَمِ الخُرُوجِ، وَقَالَ: أَطَاعَهُمْ وَعَصَانِي، مَا نَدْرِي عَلَامَ تَقْتُلُ أَنْفُسَنَا هَاهُنَا أَيُّهَا النَّاسُ، فَرَجَعَ بِمَنْ مَعَهُ، وَتَبِعَهُمْ عَبْدُ الله بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ، مُحَاوِلًا إِرْجَاعَهُمْ عَنِ انْخِذَالِهِمْ وَثَنْيَهُمْ عَنْ عَزْمِهِمُ الْمُخْزِي، وَلَكِنَّهُمْ أَبَوْا إِلَّا الإِنْصِرَافَ عَنْ لِقَاءِ قُرَيْشٍ فِي

أُحد.

عَلَى أَنَّهُ فِي رَأْبِي لَيْسَ هَذَا هُوَ السَّبَبَ، وَإِنَّمَا السَّبَبُ الْحَقِيقِيُّ لِانْخِذَالِهِ هُوَ أَنَّ النَّبِيَّ لا عَلِمَ بِوُجُودِ الْيَهُودِ فِي جَيْشِهِ رَفَضَ ذَلِكَ قَائِلًا: لا أَسْتَعِينُ بِأَهْلِ الشَّرْكِ عَلَى أَهْلِ الشِّرْكِ (1)، وَذَلِكَ رَأْيِّ حَكِيمٌ وَفِي غَايَةِ الْأَهَمِّيَّةِ؛ لِأَنَّهُمْ لَوْ شَارَكُوا فِي الْمُعْرَكَةِ لَصَارُوا يُعَيّرُونَ النَّبِيُّ وَالمُسْلِمِينَ بِتِلْكَ المُشارَكَةِ، سَوَاءٌ كَانَتِ النِّيجَةُ انْتِصَارًا أو الهزامًا، وَسَيَظَلُّونَ يَبْتَرُّونَهُمْ فِي الْكَثِيرِ مِنَ الْأُمُورِ، وَلَعَلَّ النَّبِيِّ تَوَجَّسَ مِنْهُمْ خِيفَةً مِنْ أَنْ يَكُونُوا شَوْكَةً تَطْعَنُ المُسْلِمِينَ مِنَ الْخَلْفِ؛ لأَنَّهُمْ لَا يَرْغَبُونَ فِي انْتِصَارِ المُسْلِمِينَ؛ وَلِذَلِكَ بَقِيَ الجُيْشُ الْإِسْلَامِيُّ فِي سَبْعِمائَةِ رَجُلٍ، وَلَدَيْهِمْ عُدَّةٌ قَلِيلَةٌ مِنَ الْأَفْرَاسِ وَالسَّلَاحِ، وَهُوَ عَلَى الرُّبْعِ مِنْ جَيْشِ الْعَدُو المُكَلَّلِ بِالْعُدَّةِ الحَرْبِيَّةِ أَفْرَاسًا وَسِلَاحًا،

(1) هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ يَنْطَبِقُ عَلَيْهِمُ الْوَصْفُ بِالشِّرْكِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَيُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ المُسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي

وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِالله فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ).

237 (1/237)

صفحة 233

السيرة النبوية.

حَيْثُ كَانَ عَدَدُ جَيْش الشِّرْكِ ثَلَاثَةَ آلافِ رَجُلٍ وَلَدَيْهِمْ مِانَتَا فَرَسٍ عَدَا السَّلَاحِ

وَالذَّخِيرَةِ (1). خُطَةُ الدَّفَاعِ الْحَرْبِيَّةُ:

مَضَى رَسُولُ اللَّهِ وَالمُسْلِمُونَ فِي سَبْعِمانَةِ رَجُلٍ إِلَى أُحُدٍ، وَنَزَلُوا بِالشَّعْبِ مِنْ جَبَلِ أَحَدٍ فِي عَدُوِّهِ الْوَادِي إِلَى الجَبَلِ، حَيْثُ جَعَلُوا الجَبَل فِي ظُهُورِهِمْ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي يَوْمٍ السَّبْتِ مُتَصَفِ شَهْرٍ شَوَّالَ، وَقَسَّمَ رَسُولُ الله الْعَسْكَرَ عَلَى النَّحْو التالي: لِوَاءُ المُهَاجِرِينَ، عِنْدَ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ.

لِوَاهُ الْأَوْسِ، عِنْدَ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ.

لِوَاءُ الْخَزْرَجِ، عِنْدَ الْحَبَابِ بْنِ الْمُنْذِرِ.

الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ عَلَى المَيْمَنَةِ.

• المنذِرُ بْنُ عَمْرٍو الخَزْرَجِيُّ عَلَى المَيْسَرَةِ.

عَبْدُ الله بْنُ جُبَيْرٍ أَحَدُ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ عَلَى الرُّمَاةِ، وَكَانَ عَدَدُهُمْ

خَمْسِينَ رَامِيًا.

(1) فِي رَأْبِي أَنَّ الْأَعْدَادَ الْمُذْكُورَةَ فِيهَا مُبَالَغَةٌ؛ لِأَنَّ الْبَشَرِيَّةَ انَذَاكَ مَا كَانَتْ بِهَذَا الْحَجْمِ، وَلَكِنْ تَبْقَى أَنَّ

قُوَّةَ الْمُشْرِكِينَ أَكْبَرُ مِنْ قُوَّةِ الْمُسْلِمِينَ.

238 (1/238)

صفحة 234

السيرة النبوية

وَقَالَ الرَّسُولُ لِأَمِيرِ الرُّمَاةِ: انْضَحِ الخَيْلَ عَنَّا بِالنَّبَلِ لَا يَأْتُونَا مِنْ خَلْفِنَا، إِنْ كَانَتْ لَنَا أَوْ عَلَيْنَا فَاثْبُتْ مَكَانَكَ لَا نُؤْتِيَنَّ مِنْ قِبَلِكَ، وَقَالَ لِبَقِيَّةِ الْجُيْشِ: لَا يُقَاتِلَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ حَتَّى نَأْمُرَهُ بِالْقِتَالِ ... وَهِيَ خُطَّةٌ دِفَاعِيَّةٌ مُحْكَمَةٌ بِدِقَةٍ لَوْ طُبقَتْ مِنْ قِبَلِ

جَمِيعِ الْمُرَابِطِينَ لَمْ يَحْدُتْ لَهَا خَرْقٌ، وَلَكِنَّ إِرَادَةَ اللَّهِ شَاءَتْ غَيْرَ ذَلِكَ.

قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَإِذْ غَدَوْنَ مِنْ أَهْلِكَ تُوَى الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ

سَمِيعٌ عَلِيمٌ (1)، وَأَمَامَ ذَلِكَ الْحَشْدِ مِنَ المُشْرِكِينَ، دَاخَلَ قَبِيلَتَيْنِ هُمَا بَنُو سَلَمَةَ مِنَ الخزرج وَبَنُو حَارِثَةَ مِنَ الْأَوْسِ شَيْءٌ مِنَ التَّخَوُّفِ مِنَ الْمَلَاقَاةِ وَالْقِتَالِ حَتَّى هَمُوا بِالْفَشَلِ لَوْلَا أَنْ أَدْرَكَهُمُ اللهُ تَعَالَى بِعِنَايَتِهِ وَلُطْفِهِ، وَلِذَلِكَ يَقُولُ اللهُ: إِذ هَمَّت

طايفتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) (2)

الْقُوَّاتُ الْمُهَاجِمَةُ:

كَانَتِ الْقُوَّاتُ المُهَاجِمَةُ الْغَازِيَةُ وَهِيَ الْقُوَّاتُ الْقُرَشِيَّةُ مُكَوَّنَةٌ مِنْ ثَلَاثَةِ آلَافِ رَجُلٍ، وَمَعَهُمْ مِائَتَا فَرَسٍ (3)، وَكَانَ تَرْتِيبُ الْقُوَّاتِ الْمُشْرِكَةِ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:

(1) آل عِمْرَانَ، 121.

(2) آلُ عِمْرَانَ، 122.

(3) ذَكَرْتُ فِي هَامِشٍ سَابِقٍ لَعَلَّ هُنَاكَ مُبَالَغَةٌ فِي الْأَعْدَادِ؛ لِأَنَّ الْبَشَرِيَّةَ انَذَاكَ لَمْ تَكُنْ بِالْعَدَدِ الْكَبِيرِ. (1/239)

صفحة 235

السيرة النبوية.

خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ عَلَى الْمُيْمَنَةِ.

عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ عَلَى الْمَيْسَرَةِ.

عَبْدُ الله بْنُ أَي رَبِيعَةَ عَلَى الرُّمَاةِ، وَكَانُوا مِنْةٌ.

طَلْحَةُ بْنُ أَي طَلْحَةَ مَعَهُ اللواء.

• خَمْسَ عَشْرَةَ امْرَأَةَ وَفِي مُقَدِّمَتِهِنَّ هِنْدٌ بِنْتُ عُتْبَةَ يَضْرِبْنَ بِالدُّفُوفِ وَيُنْشِدْنَ الْأَشْعَارَ الحَمَاسِيَّةَ أَمَامَ الرِّجَالِ أَوَّلا، ثُمَّ انْتَقَلْنَ خَلْفَهُنَّ،

وَيَقُلن:

ــي عَبْدِ الـ

سائم

اةَ الْأَدْبَارِ

ابِكُل بَنَّ

وَيُنْشِدْنَ كَذَلِكَ:

نَحْنُ بَنَاتُ طَارِق

نَمْشي عَلَى النَّارِقُ

مَشْيَ الْقَطَ النَّوَابِق أنْ تُقْبِلُوا نُعَانِقُ

أَوْ تُدْبِرُوا نُفَارق

24

فِرَاقَ غَيْرَ وَامِقُ (1/240)

صفحة 236

السيرة النبوية.

وَيَدْفَعُهُمْ جَمِيعًا رِجَالًا وَنِسَاءً حِفْدٌ دَفِينٌ وَعَظِيمٌ لِقْتَل أَقَارِهِمْ فِي مَعْرَكَةِ بَدْرٍ، حَتَّى أَنَّ هِنْدَ بِنْتَ عُتْبَةَ هَمَّتْ أَنْ تَنْبشَ قَبْرَ أُمَّ الرَّسُولِ، آمِنَةَ بِنْتِ وَهْبٍ عِنْدَمَا مَرُّوا فِي طَرِيقِهِمْ بِالْأَبْوَاءِ، لَوْلَا أَنْ نَهَاهَا زَوْجُهَا أَبُو سُفْيَانَ قَائِلًا لَهَا: إِنَّهَا مَاتَتْ وَمُحَمَّدٌ صَغِيرٌ، فَكَفَّتْ عَنْ نَّبْشِ الْقَيْرِ، وَسَيَأْتِي كَيْفَ كَانَ الْحِفْدُ فَعَلَ أَفَاعِيلَهُ بِالتَّمْشِيلِ بِالْمَوْتَى بَعْدَ

انْتِهَاءِ المُعْرَكَةِ.

تَسَابُقُ الصَّبْيَانِ:

أَخَذَ عَدَدٌ مِنَ الْأَوْلَادِ مِنْهُمْ مَنْ هُوَ قَدْ تَجَاوَزَ الْبُلُوغَ الشَّرْعِيَّ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَتَجَاوَزْ ذَلِكَ، مُبْدِينَ رَغْبَتَهُمُ الْعَارِمَةَ فِي الاِلْتِحَاقِ بِالْكِبَارِ وَالاشْتِرَاكِ فِي الْقِتَالِ،

يَدْفَعُهُمْ حَمَاسُ الْفُتَوَّةِ لِإِبْرَازِ الْقُوَّةِ، وَكَانَ مِنْهُمْ:

سَمُرَةُ بْنُ جُنْدَبِ الْفَزَارِيُّ.

رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ أَخُو بَنِي حَارِثَةَ.

أَسَامَةُ بْنُ زَيْدِ حِبُّ رَسُولِ الله وَابْنُ حِبه.

عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ الْقُرَشِيُّ.

زَيْدُ بْنُ ثَابِتِ النَّجَارِيُّ الخزرجي.

الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ أَحَدُ بَنِي حَارِثَةَ.

241 (1/241)

صفحة 237

السيرة النبوية.

• عَمْرُو بْنُ حَزْمٍ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ.

أُسَيْدُ بْنُ ظُهَيْرٍ أَحَدُ بَنِي حَارِثَةَ.

فَأَجَازَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مَنْ خَرَجَ عَنْ حَدَّ الطُّفُولَةِ، وَرَدُّ مَنْ لَمْ يَخْرُجْ عَنْهَا، وَصَارَ ذَلِكَ مَبْدَأَ إِسْلَامِيّا فِي عَدَمِ اسْتِعْمَالِ الْأَطْفَالِ فِي الْحُرُوبِ، فَأَيْنَ ذَلِكَ مِمَّا يَجْرِي الْيَوْمَ مِنَ

الزَّجُ بِالْأَطْفَالِ فِي المُوَاجَهَاتِ الْعَسْكَرِيَّةِ أَوْ جَعْلِهِمْ دُرُوعًا بَشَرِيَّةٌ.

التَّوْجِيهُ الْمَعْنَوِيُّ:

صف النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَصْحَابَهُ صُفُوفًا، وَكَذَلِكَ فَعَلَ قَادَةُ قُرَيْشٍ، فَقَدْ صَفُّوا أَتْبَاعَهُمْ صُفُوفًا، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمُ اسْتَفَادُوا الْقِتَالَ بِنِظَامِ الصُّفُوفِ مِنْ مَعْرَكَةِ بَدْرٍ، حَيْثُ كَانَ المُسْلِمُونَ يُقَاتِلُونَ بِنِظَامِ الصَّفِّ، وَكَانَتْ خُطَّةٌ حَرْبِيَّةٌ لَا عَهْدَ لِلْعَرَبِ بِهَا؛ وَلِذَلِكَ طَبَقَتْهَا قُرَيْشُ فِي مَعْرَكَةِ أُحُدٍ.

وَهُنَاكَ أَخَذَ قَادَةُ الْفَرِيقَيْنِ يُوَجُهُونَ أَتَبَاعَهُمْ مَعْنَوِيًّا لِرَفْعِ مَعْنَوِيَّاتِهِمْ، حَيْثُ قَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَقَدْ أَخْرَجَ سَيْفَهُ ذَا الْفَقَارِ: مَنْ يَأْخُذُ هَذَا السَّيْفَ بِحَقِّهِ؟ فَأَخَذَ أَصْحَابُهُ يَتَسَابَقُونَ إِلَيْهِ، كُلُّ يُرِيدُهُ لِيَأْخُذَهُ بِحَقِّهِ، وَمِنْهُمُ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ الَّذِي وَجَدَ فِي نَفْسِهِ شَيْئًا عَلَى النَّبِيِّ، غَيْرَ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلَامُ لَمْ يُعْطِهِ إِيَّاهُمْ، حَتَّى قَامَ إِلَيْهِ أَبو دُجَانَةَ سِمَاكُ بْنُ حَرْشَةَ السَّاعِدِيُّ قَائِلًا مُتَسَائِلًا: وَمَا حَقُّهُ يَا رَسُولَ الله؟

242 (1/242)

صفحة 238

السيرة النبوية

قَالَ: أَنْ تَضْرِبَ بِهِ الْعَدُوَّ حَتَّى يَنْحَنِي. قَالَ أَبُو دُجَانَةَ: أَنَا أَخُذُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ بِحَقِّهِ.

فَنَاوَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ إِيَّاهُ، وَأَخَذَ يُنْشِدُ:

أَنَا الَّذِي عَاهَدَنِي خَلِيلي وَنَحْنُ بِالسَّفْحِ لَدَى النَّخِيلِ ألأ أَقومَ الدَّهْرَ فِي الكُبُولِ أَضْرِبُ بِسَيْفِ الله وَالرَّسُولِ

وَكَانَ أَبُو دُجَانَةَ مِنْ شُبْعَانِ الرِّجَالِ وَأَبْطَالِ الْعَرَبِ، وَكَانَتْ لَهُ عُصَابَةٌ حَمْرَاءُ،

إِذَا أَرَادَ الْقِتَالَ اعْتَصَبَ بِهَا، وَعَلِمَ النَّاسُ أَنَّهُ عَازِمٌ بِقُوَّةٍ عَلَى الْقِتَالِ.

فَلَمَّا أَخَذَ السَّيْفَ مِنْ يَدِ رَسُولِ الله أَخْرَجَ عُصَابَتَهُ، فَعَصَبَ بِهَا رَأْسَهُ، يَتَبَخْتَرُ فِي

مِشْيَتِهِ بَيْنَ الصَّفَيْنِ، فَقَالَ النَّبِيُّ: إِنَّهَا يَشْيَةٌ يُبْغِضُهَا اللهُ إِلَّا فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْطِن. عَلَى أَنَّ مَا فَعَلَهُ أَبُو دُجَانَةَ وَإِقْرَارَ الرَّسُولِ لَهُ بِذَلِكَ؛ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْمَرْءِ فِي

بَعْضِ الْمَوَاطِنِ أَنْ يُظْهِرَ تَفَوقَهُ وَشَخْصِيَّتَهُ وَفَضْلَهُ (1).

أَمَّا أَبو سُفْيَانَ قَائِدُ جَيْشِ الْمُشْرِكِينَ قَامَ بِتْحَرِيضِ أَصْحَابِ اللَّوَاءِ وَهُمْ بَنُو عَبْدِ الدَّارِ طَلْحَةُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ وَإِخْوَانُهُ وَمُعَيّرًا هُمْ بِالْهِزَامِهِمْ فِي مَعْرَكَةِ بَدْرٍ، قَائِلًا هُمْ يَا بَنِي عَبْدِ الدَّارِ، إِنَّكُمْ قَدْ وُلّيتُمْ لِوَاءَنَا يَوْمَ بَدْرٍ، فَأَصَابَنَا مَا قَدْ رَأَيْتُمْ، وَإِنَّمَا يُؤْتَى النَّاسُ

(1) يَقُولُ أَبو مُحَمَّدٍ ابْنُ بَرَكَةَ: وَيَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ أَنْ لَا يَنضِمَ نَفْسَهُ، بَلْ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُظْهِرَ فَضْلَهُ، مُسْتَدِلًا بِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لِلْيَهُودِيُّ: وَاللهِ إِنِّي لَأَمِينٌ فِي الْأَرْضِ أَمِينٌ فِي السَّمَاءِ»، وَأَقُولُ: كَذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: «أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ اللَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ» ... دَلِيلٌ آخَرُ عَلَى جَوَازِ إِظْهَارِ الْفَضْلِ وَالتَّمَيُّرِ وَالتَّفَوُّقِ فِي بَعْضِ الْمُوَاطِنِ.

243 (1/243)

صفحة 239

السيرة النبوية -

مِنْ قِبَلِ رَايَاتِهِمْ إِذَا زَالَتْ زَالُوا، فَإِمَّا أَنْ تَكْفُونَا لِوَاءَنَا، وَإِمَّا أَنْ تُخَلُوا بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ

فَنَكْفِيكُمُوهُ. الْأَمْرُ الَّذِي أَثَارَ حَمَاسَهُمْ وَنَخْوَتَهُمْ قَائِلِينَ لَهُ: نَحْنُ نُسَلِّمُ إِلَيْكَ لِوَاءَنَا سَتَعْلَمُ

غَدًا إِذَا الْتَقَيْنَا كَيْفَ نَصْنَعُ؟

كَما أَنَّ نِسَاءَ قُرَيْشٍ كَانَ هَنَّ دَوْرٌ بَارِزْ فِي تَحْرِيضِ المُشْرِكِينَ بِضَرْبِ الدُّفُوفِ

وَإِنْشَادِ الْأَشْعَارِ.

احْتِدَامُ الْمَعْرَكَةِ:

كَانَ المُسْلِمُونَ فِي غَايَةٍ مِنَ الانْضِبَاطِ مُتَّبِعِينَ أَمْرَ الرَّسُولِ بِقَوْلِهِ: لَا يُقَاتِلَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ حَتَّى نَأْمُرَهُ بِالْقِتَالِ، وَكَانَ المُسْلِمُونَ فِي صُفُوفِهِمْ وَالمُشْرِكُونَ فِي صُفُوفِهِمْ مُتَهَيِّينَ لِلْقِتَالِ يَنتَظِرُ كُلِّ مِنْهُمُ الْآخَرَ فِي الْبَدْءِ لِلْمَعْرَكَةِ، حَتَّى قَامَ أَبُو عَامِرٍ الرَّاهِبُ وَمَجْمُوعَتُهُ بِبَدْءِ الْقِتَالِ، وَأَبُو عَامِرٍ هُوَ عَبْدُ عَمْرِو بْنِ صَيْفِيِّ بْنِ مَالِكِ بْنِ النُّعْمَانِ أَحَدُ زُعَمَاءِ الْأَوْسِ، وَكَانَ قَدْ تَنَصَّرَ وَتَرَهَّبَ فِي النَّصْرَانِيَّةِ؛ وَلِذَلِكَ يُقَالُ لَهُ: الرَّاهِبُ، وَلَمْ يَدْخُل فِي الْإِسْلَامِ، وَظَلَّ مُعَانِدًا يَعْمَلُ المَكَائِدَ لِلنَّبِيِّ وَالْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى مَكَّةَ لِتَحْرِيضِ قُرَيْشٍ عَلَى غَزْوِ المُسْلِمِينَ وَالهُجُومِ عَلَى المَدِينَةِ مُوهِمَا إِيَّاهُمْ بِأَنَّهُ مَسْمُوعُ الْكَلِمَةِ فِي قَوْمِهِ الْأَوْسِ وَمُطَاعُ الْأَمْرِ فِيهِمْ، وَلَعَلَّهُ كَانَ ابْتِدَاؤُهُ لِلْقِتَالِ حِقْدًا عَلَى قَوْمِهِ حِينَ رَفَضُوا أَمْرَهُ وَلَعَنُوهُ وَفَسَّقُوهُ، وَلِيُرِيَ قُرَيْضًا الْتِزَامَهُ بِمَا وَعَدَهُمْ بِهِ مِنْ كَوْنِهِ مَعَهُمْ قلبا وقالبا، وَلِذَلِكَ شَرَعَ فِي إِشْعَالِ الْقِتَالِ.

244 (1/244)

صفحة 240

السيرة النبوية.

وَانْدَفَعَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ وَأَبُو دُجَانَةَ إِلَى صُفُوفِ المُشْرِكِينَ، وَتَبِعَهُمُ المُسْلِمُونَ، وَالْتَحَمَ الْقِتَالُ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ.

وَكَانَ شِعَارُ المُسْلِمِينَ «أمت، أمت» وَهُوَ مِنْ قَوْلِ حَمْزَةَ، أَمَّا شِعَارُ الْمُشْرِكِينَ اعْلُ هُبَل ... وَشَتَّانَ بَيْنَ الشَّعَارَيْنِ.

وَهَبَّتْ رِيَاحُ النَّصْرِ لِلْمُسْلِمِينَ نَتِيجَةَ إِيمَانِهِمْ بِالله عَقِيدَةً وَامْتِثَالِهِمْ أَمْرَ نَبِيِّهِمْ سُلُوكًا، وَوَقَعَتِ الهَزِيمَةُ عَلَى المُشْرِكِينَ، فَقُتِلَ عَدَدٌ مِنْ صَنَادِيدِ قُرَيْشٍ فِي مُقَدِّمَتِهِمْ حَامِلُوا لِوَائِهِمْ بَنُو عَبْدِ الدَّارِ وَهُمْ تِسْعَةٌ فِيهِمْ غُلَامُهُمْ صُوَّابٌ الْحَبَشِيُّ، وَكَانُوا مَضْرِبَ المَثَلِ فِي الشَّجَاعَةِ الْعَرَبِيَّةِ، وَهُمْ: طَلْحَةُ وَعُثْمَانُ وَأَبُو سَعْدٍ وَمُسَافِعُ وَالْحَارِثُ وَكِلابٌ وَالْجَلاسُ، وَأَرْطَاةُ بْنُ شُرَحْبِيلَ وَهُوَ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ.

وَيُضَافُ إِلَيْهِمْ غُلَامُهُمْ صُوَاب الحبَشِيُّ الَّذِي أَظْهَرَ مِنَ الشَّجَاعَةِ مَا يَقْصُرُ عَنْهُ عُظَمَاءُ الرِّجَالِ، عِنْدَمَا أَخَذَ لِوَاءَ قُرَيْشٍ فَقَاتَلَ بِهِ حَتَّى قُطِعَتْ يَدَاهُ، الْيُمْنَى ثُمَّ الْيُسْرَى، حَتَّى أَكَبْ عَلَيْهِ فَأَخَذَهُ بِصَدْرِهِ وَعُنُقِهِ فَقَاتَلَ بِهِ حَتَّى قُتِلَ، فَتَمَرَّغَ لِوَاؤُهُمْ فِي التُّرَابِ حَتَّى أَخَذَتْهُ إِحْدَى نِسَائِهِمْ وَهِيَ عَمْرَةُ بِنْتُ عَلْقَمَةَ الْحَارِثِيَّةُ، وَسَقَطَ الصَّنَمُ الَّذِي حَمَلُوهُ لِلتَّبَرُّكِ بِهِ لِتَحْقِيقِ النَّصْرِ مِنْ عَلَى ظَهْرِ الْبَعِيرِ، فَكَانَ سُقوط اللواء وَسُقُوطُ الصَّنَم عَلَامَةٌ عَلَى الْهِزَامِهِمْ، فَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ رِجَالًا وَنِسَاءً. وَسُرَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِذَلِكَ سُرُورًا عَظِيمًا، يَقُولُ الْأُسْتَاذُ مُحَمَّد حُسَيْن هِيكَل: «وَالْحَقُّ إِنَّ ظَفَرَ المُسْلِمِينَ فِي صَبِيحَةِ يَوْمٍ أُحُدٍ كَانَ مُعْجِزَةٌ مِنْ مُعْجِزَاتِ الْحَرْبِ، قَدْ يُفَسِّرُهَا م

بَعْضُهُمْ بِمَهَارَةِ مُحَمَّدٍ فِي وَضْعِهِ الرُّمَاةَ فِي شِعْبِ الجَبَلِ يَصُدُّونَ الْفُرْسَانَ بِالنَّبلِ، فَلَا

245 (1/245)

صفحة 241

السيرة النبوية.

يَتَقَدَّمُونَ وَلَا يَأْتُونَ المُسْلِمِينَ مِنْ خَلْفِهِمْ، وَهَذَا حَقٌّ، وَلَكِنْ مِنَ الْحَقِّ أَيْضًا أَنَّ السَّمِائَةِ مِنَ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ هَاجَمُوا عَدَدًا يُوَازِي خَمْسَةَ أَمْثَالِهِمْ وَعُدَّةٌ فِي مِثْلِ هَذِهِ النِّسْبَةِ؛ إِنَّمَا دَفَعَهُمْ إِلَى مُعْجِزَاتِ البُطُولَةِ الَّتِي أَتَوْا، شَيْءٌ أَعْظَمُ مِنْ مَهَارَةِ الْقِيَادَةِ،

ذَلِكَ هُوَ الْإِيمان» (1). الهُزِيمَةُ بَعْدَ النَّصْرِ:

عِنْدَمَا رَأَى المُسْلِمُونَ هَزِيمَةَ عَدُوِّهِمْ تَفَرَّقُوا عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى بَقِيَ فِي عَدَدٍ قَلِيلٍ مِنَ النَّاسِ وَقَدْ ذَهَبَ الْكَثِيرُ إِلَى جَمْع الْغَنَائِمِ الَّتِي خَلَّفَهَا المُشْرِكُونَ، وَكَانَ النَّبِيُّ قَدْ نَهَاهُمْ عَنْ تَرْكِ مَوَاقِفِهِمْ وَدَعَاهُمْ إِلَى الْبَقَاءِ فِي أَمَاكِنِهِمْ، وَلَكِنَّ شَهْوَةَ المالِ وَالْغَنِيمَةِ هِيَ الَّتِي جَعَلَتْهُمْ يَتْرُكُونَ مَوَاضِعَهُمُ الْقِتَالِيَّةَ، وَيَذْهَبُونَ إِلَى الْتِقَاطِ الْغَنَائِمِ، وَعِنْدَمَا شَاهَدَ الرُّمَاةُ مِنْ عَلَى الْجِبَلِ نُزُولَ الْعَدَدِ الْأَكْبَرِ مِنْ أَصْحَابِهِمْ جَمْعِ الْغَنَائِم شَاقَهُمْ ذَلِكَ، فَنَزَلُوا هُمْ أَيْضًا أَوْ نَزَلَ أَغْلَبُهُمْ مَعَ أَنَّ أَمِيرَهُمْ عَبْدَ اللهِ بْنَ جُبَيْرٍ أَخَذَ يَنْهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ، مُذَكَّرًا إِيَّاهُمْ بِمَا أَمَرَهُمْ بِهِ نَبِيُّهُمْ مِنْ عَدَم تَرْكِ مَوْضِعِهِمُ الاستراتيجي لِلْمَعْرَكَةِ تَحتَ أَي ظَرْفِ كَانَ، وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يَسْتَمِعُوا إِلَيْهِ، وَبَقِيَ فِي عَشَرَةِ

مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَطْ دَافَعُوا المُشْرِكِينَ حَتَّى اسْتُشْهِدُوا جَمِيعًا.

(1) حَيَاةُ مُحَمَّدٍ، ص 307

246 (1/246)

صفحة 242

السيرة النبوية.

وَكَانَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ رَأَى مَا كَانَ عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ مِنَ انْشِغَالِ بِجَمْعِ الْغَنَائِمِ، وَتَفَرُّقِهِمْ عَنْ نَبِيِّهِمْ وَتَرْكِ الرُّمَاةِ المُسْلِمِينَ مَوَاقِفَهُمْ انْتَهَزّ الْفُرْصَةَ، وَانْقَضَّ عَلَيْهِمْ بِمَنْ مَعَهُ مِنْ فَوْقِ الجَبَلِ، وَعَادَتْ قُرَيْضٌ إِلَى الْقِتَالِ عِنْدَمَا رَأَوْا لِوَاءَهُمْ قَدْ رُفِعَ مَرَّةٌ أُخْرَى مِنْ قِبَلِ عَمْرَةَ الْحَارِثِيَّةِ.

وَاتَّجَهُوا إِلَى مَكَانِ النَّبِيِّ بُغْيَةَ قَتْلِهِ لِيَحْصُلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمُ الشَّرَفُ بِقَتْلِ مُحَمَّدٍ، وَكَادَ أَنْ يَتَحَقَّقَ هُمْ ذَلِكَ لَوْلَا أَنِ انْحَازَتْ فِئَةٌ مُؤْمِنَةٌ مُخْلِصَةٌ إِلَى النَّبِيِّ، وَدَافَعُوا عَنْهُ بِاسْتِمَائَةٍ وَبِشَجَاعَةٍ مُنْقَطِعَةِ النَّظِيرِ، وَحَدَثَ أَنِ ارْتَفَعَ صَوْتُ عَالِي النَّبْرَةِ أَنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ، وَهُنَاكَ أَصَابَ الْمُسْلِمِينَ وَهَنْ شَدِيدٌ جَعَلَهُمْ يَسْتَسْلِمُونَ وَيُلْقُونَ بِأَيْدِيهِمْ جُلُوسًا، حَتَّى مَرَّ عَلَيْهِمْ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ الْأَنْصَارِيُّ وَقَالَ لَهُمْ: مَا يُجْلِسُكُمْ؟ قَالُوا: قُتِلَ رَسُولُ الله. قَالَ: فَما تَصْنَعُونَ بِالْحَيَاةِ بَعْدَهُ؟ قُومُوا فَمُوتُوا عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ رَسُولُ الله، فَنَهَضَ الجَمِيعُ فَقَاتَلُوا، وَقَاتَلَ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ حَتَّى قُتِلَ. وَلا عَرَفَ المُسْلِمُونَ أَنَّ نَبِيَّهُمْ عَلَى قَيْدِ الْحَيَاةِ انْحَارُوا إِلَيْهِ، وَاجْتَمَعُوا بَعْضُهُمْ إِلَى

بعض، وَلَكِنَّهُ اجْتِمَاع بَعْدَ تَفَرُّقِ وَتَشَتِ، وَبَعْدَ أَنْ قُتِلَ عَدَدٌ كَبِيرٌ مِنْهُمْ.

عَلَى أَنَّهُ كَانَ لِإِشَاعَةِ مَقْتَلِ النَّبِيُّ أَمْرَانِ، أَحَدُهُمَا إِيجَابِيُّ وَالثَّانِي سَلْبِيٌّ: أمَّا الْأَمْرُ الْإِيجَابِيُّ: فَإِنَّ قُرَيْشًا خَفَّفُوا مِنْ وَطَاتِهِمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ؛ لِذَلِكَ لا عَرَفَهُ كَعْبُ بْنُ مَالِكِ وَصَاحَ يَا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ، أَبْشِرُوا، هَذَا رَسُولُ اللَّهِ، أَشَارَ إِلَيْهِ الرَّسُولُ أَنْ يَسْكُتَ.

وَأَمَّا الْأَمْرُ السَّلْبِيُّ: فَالْوَهَنُ الَّذِي أَصَابَ المُسْلِمِينَ مِنْ خَيْرِ مَقْتَلِهِ.

247 (1/247)

صفحة 243

السيرة النبوية.

وَقَدْ أُصِيبَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِإِصَابَاتٍ مِنْ قِبَلِ المُهَاجِمِينَ، وَلَكِنَّهُ تَمالَكَ نَفْسَهُ وَتَصَبَّرَ لِيَكُونَ أُسْوَةٌ وَقُدْوَةً لِأَصْحَابِهِ حَتَّى لَا يَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا فَيَضْعُفُوا عَنِ ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ، فَتَمَكَّنَ مِنَ الصَّعُودِ إِلَى الْجَبَلِ بِمُسَاعَدَةِ رِجَالٍ مِنْ أَصْحَابِهِ قَائِلًا: لَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَعْلُونَا، وَبَيْنَمَا كَانَ النَّبِيُّ وَمَعَهُ عَدَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فِي أَعْلَى الْجَبَلِ، إِذْ طَلَعَتْ عَلَيْهِمْ مَرَّةً أُخْرَى خَيْلُ قُرَيْشٍ بِقِيَادَةِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، فَتَمَكَّنَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَرَهْطُ مِنَ المُهَاجِرِينَ مِنْ مُقَاوَمَتِهِمْ حَتَّى أَهْبَطُوهُمْ مِنَ الجَبَلِ.

وَقَدْ عَلِمَ النَّاسُ مُسْلِمُونَ وَمُشْرِكُونَ عَنْ حَيَاةِ النَّبِيِّ، حَتَّى جَاءَ أَبُو سُفْيَانَ قَائِدُ المُشْرِكِينَ بِنَفْسِهِ لِيَسْتَطْلِعَ خَبَرَ مَقْتَلِهِ، حَتَّى وَصَلَ قَرِيبًا حَيْثُ كَانَ يَجْلِسُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَسَأَلَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَائِلًا أَنْشُدُكَ اللَّهَ يَا عُمَرُ، أَقَتَلْنَا مُحَمَّدًا؟ قَالَ عُمَرُ: اللهُمَّ لَا، وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ كَلَامَكَ الْآنَ. قَالَ: أَنْتَ عِنْدِي أَصْدَقُ مِنَ ابْنِ قُمَيْنَةَ، وَكَانَ ابْنُ قُمَيْنَةَ وَاسْمُهُ عَبْدُ اللهِ قَدِ ادَّعَى وَأَشَاعَ أَنَّهُ قَتَلَ مُحَمَّدًا. وَبَيْنَمَا كَانَ النَّبِيُّ بِالشَّعْبِ مِنَ الْجِبَلِ مَعَ بَعْضِ أَصْحَابِهِ جَاءَ إِلَيْهِ أَبَيُّ بْنُ خَلَفٍ الْجُمَحِيُّ يُرِيدُ قَتْلَ مُحَمَّدٍ، وَيَقُولُ: أَيْنَ مُحَمَّدٌ؟ لَا نَجَوْتُ إِنْ نَجَا، فَهَم بَعْضُ الصَّحَابَةِ بِمُبَارَزَتِهِ، وَلَكِنْ قَالَ لَهُمْ دَعُوهُ، فَلَمَّا دَنَا مِنْهُ تَنَاوَلَ النَّبِيُّ حَرْبَةَ الْحَارِثِ بْنِ الصَّمَّةِ، فَطَعَنَهُ بِهَا فِي عُنُقِهِ طَعْنَةٌ جَعَلَتْهُ يَنْقَلِبُ مِنْ عَلَى ظَهْرِ فَرَسِهِ، وَمَاتَ مِنْهَا فِي الطَّرِيقِ إِلَى

مَكَّةَ بِمِنْطَقَةِ سَرف.

248 (1/248)

صفحة 244

السيرة النبوية.

وَتَوَفَّفَتِ الْمُعْرَكَةُ بِمَقْتَلِ وَاحِدٍ وَسَبْعِينَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، أَرْبَعَةٍ مِنَ الْمُهَاجِرِين

وَسَبْعَةٍ وَسِتِّينَ مِنَ الْأَنْصَارِ، أَمَّا قَتْلَى الْمُشْرِكِينَ فَكَانُوا اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ قَتِيلًا. وَهَكَذَا انْتَهَتِ الْمُعْرَكَةُ بِهَزِيمَةِ الْمُسْلِمِينَ هَزِيمَةٌ نَكْرَاءَ بَعْدَ انْتِصَارِهِمْ، وَذَلِكَ نتيجةً مُخَالَفَتِهِمْ لِأَوَامِرِ نَبِيِّهِمْ، وَإِذَا كَانَ الاخْتِلَافُ فِي بَعْضِ الْمَوَاطِنِ رُبَّمَا يَكُونُ مَقْبُولاً نَوْعًا مَا، فَإِنَّهُ عِنْدَ مُوَاجِهَةِ الْعَدُوِّ أَوْ مُوَاجِهَةِ خَطَرٍ خَارِجِيَّ فَإِنَّهُ يَكُونُ غَيْرَ مَقْبُولٍ وَغَيْرَ مُبَرِّرٍ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَأَوَّلَ شَيْءٍ فَعَلَهُ النَّبِيُّ مُحَمَّدٌ أَنْ صَلَّى بِأَصْحَابِهِ صَلَاةَ الظُّهْرِ فِي أُحُدٍ جُلُوسًا هُوَ وَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُنْخَنِينَ مِنَ الْجَرَاحِ (1). وَحَوْلَ انْتِصَارِ الْمُسْلِمِينَ أَوَّلًا وَهَزِيمَتِهِمْ لَاحِفًا يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلَقَدْ

صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُدُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَزَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّنْ بَعْدِ مَا أَرَنكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِبَبْتَلِيكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ

(105)

واللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ تُصْعِدُون ولا تكون على أحد

وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَنَكُمْ فَأَتَبَكُمْ عَمَّا بِغَمْ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا

(1) يَرَى الْإِمَامُ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ أَنَّ صَلَاةَ الْإِمَامِ بِالْمَأْمُومِينَ قُعُودًا هُوَ مِنَ اخْتِصَاصِ أَئِمَّةِ الْعَدْلِ بَعْدَ النَّبِيِّ

?

، وَهُوَ مِنْ دَقَائِقِ فَهُم أَبِي الشَّعْتَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْمُيْزَةَ أَوِ الْخَاصِّيَّةَ لَا تُعْطَى لِكُلِّ مَنْ

يَؤُمُّ فِي الصَّلَاةِ؛ وَلِأَنَّ أَئِمَّةَ الْعَدْلِ لَهُمْ مَا لَيْسَ لِغَيْرِهِمْ، فَهُمْ وَرَثَاءُ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَالْمُسْأَلَهُ فِيهَا خِلَافٌ وَأَقْوَالٌ عِدَّةٌ، أَوْرَدَهَا نُورُ الدِّينِ السَّالِيُّ في شَرْحِ المُسْنَدِ، ج 1، ص 354، 355.

249 (1/249)

صفحة 245

السيرة النبوية.

عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَبَكُمْ وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم

153

مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً تُمَاسًا يَغْشَى طَائِفَةٌ مِّنكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الجَهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الْأَمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَنهُنَا قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الذين كتب عليهم القتل إلى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا

(155

(154

مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُم إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمُ (1). فاللهُ تَعَالَى يُعَلِّمُنَا عَبْرَ هَذِهِ الْآيَاتِ بِأَنَّ فِي المُسْلِمِينَ مَنْ كَانُوا ضَعِيفِي الْإِيمَانِ، فَأَخَذَ بِهِمُ الشَّكُ فِي تَحَقِّقِ وَعْدِ الله لهُمْ بِالنَّصْرِ، وَذَلِكَ شَأْنُ الْبَشَرِ؛ فَإِنَّ بَعْضَ النَّاسِ عمر بِهِمْ حَالَاتٌ مِنْ ضَعْفِ الْيَقِينِ أَحْيَانًا، وَلَيْسَ كَمَا يَقُولُ الْمُفَسِّرُونَ أَوْ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: إِنَّ الْمُعْنِيِّينَ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ بِالطَّائِفَةِ الَّذِينَ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا بِاللَّهِ غَيْرَ الحقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ؛ هُمُ المُنَافِقُونَ، إِذْ لَيْسَ فِي مُسْلِمِي أُحُدٍ مُنَافِقُونَ بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا بِمَعِيَّة عَبْدِ الله بْنِ أَبِي، وَمَا كَانَ اللهُ لِيُخَاطِبَ المُنَافِقِينَ بِهَذَا الْخِطَابَ الْعِتَابِي، وَإِنَّما يُخاطِبُهُمْ بِالْأَسْلُوبِ التَّقْرِيعِيُّ، وَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ ابْتِلَاءٌ مِنَ اللَّهِ وَتَحِيصًا لَهُمْ قُلُوبًا

(1) آلُ عِمْرَانَ، 152 - 155. (1/250)

صفحة 246

السيرة النبوية.

وَصُدُورًا، ثُمَّ عَفَى عَنْهُمْ، وَالصَّحَابَةُ بَشَرٌ، فَلَا يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نُعْلِيَ مِنْ شَأْنِهِمْ وَنَجْعَلَهُمْ فَوْقَ الْبَشَرِ، فَهُمْ فِي النَّهَايَةِ بَشَرٌ يَعْتَرِيهِمْ مَا يَعْتَرِي بَقِيَّةَ الْبَشَرِ مِنْ قُوَّةِ الْيَقِينِ وَضَعْفِهِ، وَلَكِنَّ اللهَ شَرَّفَهُمْ بِصُحْبَةِ نَبِيِّهِ، فَلَهُمْ فَضْلُ الصُّحْبَةِ النَّبَوِيَّةِ، فَهُمْ عُدُولٌ فِي الجُمْلَةِ. أَمَّا مِنْ حَيْثُ أَفْرَادِهِمْ فَيُنْظُرُ كُلُّ فَرْدٍ وَمَدَى اشْتِرَاكِهِ فِي الْفِتْنَةِ الَّتِي حَدَثَتْ بَيْنَهُمْ

حَقًّا أَوْ بَاطِلًا، فَيُحْكَمُ لَهُ أَوْ عَلَيْهِ (1) بِالصَّوَابِ أَوِ الْخَطَا.

وَبَعْدَ انْتِهَاءِ المُعْرَكَةِ أَرَادَ أَبو سُفْيَانَ الاِنْصِرَافَ، وَجَاءَ إِلَى مَكَانٍ قَرِيبٍ مِنْ حَيْثُ مَكَانُ النَّبِيِّ، فَصَرَخَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ قَائِلًا أَنْعَمَتْ فَعَالِ الْحَرْبُ سِجَالٌ، يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ، اعْلُ هُبَلُ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَنْ يُجيبَهُ: اللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُ، لَا سَوَاءَ ... صلى الله عليه وسلم قَتْلَانَا فِي الجَنَّةِ وَقَتْلَاكُمْ فِي النَّارِ، ثُمَّ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: إِنَّ مَوْعِدَكُمْ بَدْرُ الْعَامَ الْقَابِلَ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ أَنْ يُجَابَ بِالْقَوْلِ: نَعَمْ هُوَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ مَوْعِدٌ، وَعِنْدَ انْصِرَافِ المُشْرِكِينَ مِنْ أُحُدٍ أَمَرَ النَّبِيُّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ أَنْ يَخْرُجَ فِي آثَارِ الْقَوْمِ قَائِلًا لَهُ: اخْرُجْ فِي آثَارِ الْقَوْمِ فَانْظُرْ مَاذَا يَصْنَعُونَ، وَمَاذَا يُرِيدُونَ، فَإِنْ كَانُوا قَدْ جَنَّبُوا الخَيْلَ وَامْتَطَوُا الْإِبِلَ فَإِنَّهُمْ يُرِيدُونَ مَكَّةَ، وَإِنْ رَكِبُوا الخَيْلَ وَسَاقُوا الْإِبِلَ فَإِنَّهُمْ يُرِيدُونَ المَدِينَةَ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَئِنْ أَرَادُوهَا لَأَسِيرَنَّ إِلَيْهِمْ فِيهَا ثُمَّ لَأَنا حزنهم.

(1) يَقُولُ نُورُ الدِّينِ السَّالِيُّ فِي شَمْسِ الْأُصُولِ:

أما الصَّحَانُ فَقِيلَ عَدْلٌ وقيل مِثْلُ غَيْرِهِ وَالْفَصْلُ بأنه عدل إلى حين الفتن وَبَعْدَهَا كَغَيْرِهِ فَلْيُمْتَحَن وَعَلَى هَذَا اسْتَقَرَّ الرَّأْيُّ الْإِبَاضِيُّ فِي الصَّحَابَةِ.

251 (1/251)

صفحة 247

مكة.

السيرة النبوية

فَخَرَجَ عَلِيٌّ فِي آثَارِهِمْ، فَوَجَدَهُمْ قَدْ جَنَّبُوا الخَيْلَ وَامْتَطَوُا الْإِيلَ وَوَجْهُوا إِلَى

مَا بَعْدَ الْمَعْرَكَةِ:

فَقَدْ فَرَغَ النَّاسُ لِتَفَقُدِ قَتْلَاهُمْ بَحْثًا عَنِ الْمُوْتَى وَالْجُرْحَى، وَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ بِالْبَحْثِ عَنْ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ وَوَجَدُوهُ بِهِ رَمَقُ حَيَاةٍ، فَأَبْلَغُوهُ سُؤَالَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَنْهُ، ثُمَّ فَارَقَ الحَيَاةَ.

وَخَرَجَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَلْتَمِسُ عَمَّهُ حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَوَجَدَهُ فِي بَطْنِ الْوَادِي فِي صُورَةٍ بَشِعَةٍ مِنَ التَّمْثِيلِ بِجُنَّتِهِ مِنْ قِبَلِ هِنْدِ بِنْتِ عُتْبَةَ وَالنِّسَاءِ اللَّوَاتِي مَعَهَا، فَقَدْ بُقِرَ بَطْنُهُ عَنْ كَبِدِهِ، وَجُدِعَ أَنْفُهُ وَأَذْنَاهُ، حَتَّى أَنَّ هِنْدًا أَخَذَتْ تَلُوكُ كَبِدَ حَمْزَةَ فَلَمْ تَسْتَطِعْ اسْتِسَاغَتَهَا فَلَفَظَتْهَا مِنْ فَمِهَا، وَذَلِكَ نَتِيجَةَ حِقْدِهَا الشَّدِيدِ عَلَى حَمْزَةَ وَعَلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وَأَقَارِبِهِ، وَمِنَ الْغَرِيبِ فِي الْأَمْرِ حَتَّى أَي سُفْيَانَ ابْنِ حَرْبٍ وَهُوَ يُعَدُّ مِنْ أَكَابِرِ زُعَمَاءِ الْعَرَبِ لَمْ يَسْتَطِعْ إِخْفَاءَ حِقْدِهِ وَشَهْوَةِ انْتِقَامِهِ، فَأَخَذَ يَضْرِبُ فِي شِدْقِ حَمْزَةَ بِزَجٌ رُيْحِهِ وَيَقُولُ: ذُقْ عُقَقُ، حَتَّى اسْتَعْجَبَ مِنْ صَنِيعِهِ ذَلِكَ الْحَلِيسُ بْنُ زَبَّانَ الْكِنَانِيُّ سَيِّدُ الْأَحَابِيشِ الَّذِي كَانَ وَقَوْمُهُ مَعَ قُرَيْشٍ فِي أُحُدٍ، فَأَخَذَ يُنَادِي بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا بَنِي كِنَانَةَ، هَذَا سَيِّدُ قُرَيْشٍ يَصْنَعُ بِابْنِ عَمِّهِ مَا تَرَوْنَ حَمَا، وَهُنَاكَ تَنَبَّهَ أَبُو سُفْيَانَ إِلَى خَطَئِهِ وَخَطِيئَتِهِ، فَقَالَ لِلْحَلِيسِ: وَيْحَكَ اكْتُمْهَا عَنِّي، فَإِنَّهَا كَانَتْ زَلَّةٌ؛ لِأَنَّ

252 (1/252)

صفحة 248

السيرة النبوية.

المُثْلَةَ بِالْمُوْتَى وَالْقَتْلَى لَمْ تَكُنْ مَعْهُودَةٌ عِنْدَ الْعَرَبِ؛ فَلِذَلِكَ أَفَاقَ أَبُو سُفْيَانَ مِنْ خَطَئِهِ

مُعْتَبِرًا ذَلِكَ زَلَّةٌ، فَطَلَبَ كِتُمَانَها حَتَّى لَا يَكُونَ سُبَّةٌ عِنْدَ الْعَرَبِ.

وَلَمَّا وَقَفَ الرَّسُولُ عَلَى عَمِّهِ حَمْزَةَ وَرَأَىهُ عَلَى ذَلِكَ الْحَالِ مِنَ الْمُثْلَةِ الْبَشِعَةِ قَالَ: لَنْ

أَصَابَ بِمِثْلِكَ أَبَدًا، مَا وَقَفْتُ مَوْقِفًا قَطُّ أَغْيَظَ إلى مِنْ هَذَا.

وَقَالَ: لَوْلَا أَنْ تَحْزَنَ صَفِيَّةُ وَتَكُونُ سُنَّةٌ مِنْ بَعْدِي لَتَرَكْتُهُ حَتَّى يَكُونَ فِي بُطُونِ السَّبَاعَ وَحَوَاصِلِ الطَّيْرِ، وَلَئِنْ أَظْهَرَنِي اللهُ عَلَى قُرَيْشٍ فِي مَوْطِنٍ مِنَ الْمَوَاطِنِ لَأَمَثْلَنَّ بِثَلَاثِينَ رَجُلًا مِنْهُمْ، فَنَزَلَ قَوْلُ الله تَعَالَى: {وَإِن عَافَتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ ولين صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصبين وأخير وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَالَّذِينَ هُم تُحْسِنُونَ

(128

127

وَكَانَ النَّبِيُّ أَرَادَ مَنْعَ عَمَّتِهِ صَفِيَّةَ الْأُخْتِ الشَّقِيقَةِ حَمْزَةَ مِنْ رُؤْيَتِهَا إِيَّاهُ؛ خَشْيَةَ تَأَثْرِهَا مِمَّا عَلَيْهِ أَخُوهَا مِنَ المُثلَةِ الْبَشِعَةِ، وَلَكِنَّهُ سَمَحَ لَهَا فِيمَا بَعْدُ مَا رَأَى مِنْ حِرْصِهَا عَلَى رُؤْيَةِ أَخِيهَا، فَأَتَتْهُ فَنَظَرَتْ إِلَيْهِ، فَصَلَّتْ عَلَيْهِ وَاسْتَرْجَعَتْ وَاسْتَغْفَرَتْ، فَأَمَرَ بِهِ

النبي فدفن. وَكَانَ حَمْزَة قَدْ قَتَلَهُ وَحْشِي الخَبَنِي، أَمَرَهُ بِذَلِكَ سَيْدُهُ جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ انْتِقَامًا لَقْتَلِ عَمِّهِ طُعَيْمَةَ بْنِ عَدِيٍّ، وَقَدْ وَعَدَ جُبَيْرٌ غُلَامَهُ وَحْشِيَّا بِعِتْقِهِ إِنْ هُوَ قَتَلَ حَمْزَةَ، كَمَا

(1) النَّحْل، 136 - 138.

253 (1/253)

صفحة 249

السيرة النبوية.

وَعَدَتْهُ هِنْدٌ بِنْتُ عُتْبَةَ بِمُكَافَأَةٍ إِنْ هُوَ قَتَلَ حَمْزَةَ، وَكَانَتْ تُحَرِّضُهُ عَلَى ذَلِكَ بِشَكْلٍ مُسْتَمِرٌ كُلَّمَا رَأَتْهُ، وَتَقُولُ لَهُ عِنْدَ لِقَائِهَا بِهِ: هِيه أَبَا دَسمَةَ، وَكَانَ يُكْنى أَبَا دَسمَةً. وَقَدْ أَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ وَعَفَا عَنْهُ النَّبِيُّ، وَلَكِنَّهُ كَانَ يَتَجَنَّبُ أَنْ يَرَاهُ الرَّسُولُ، لأَنَّهُ قَالَ لَهُ عِنْدَمَا حَدَّثَهُ عَنْ قَتْلِهِ حَمْزَةَ: وَيْحَكَ غَيِّبْ عَنِّي وَجْهَكَ. وَاشْتَرَكَ وَحْشِيٌّ بَعْدَ ذَلِكَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ فِي حُرُوبِ الرِّدَّةِ، وَيُقَالُ إِنَّهُ هُوَ الَّذِي قَتَلَ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابَ، أَوِ اشْتَرَكَ فِي قَتْلِهِ بِنَفْسِ الْخَرْبَةِ الَّتِي قَتَلَ بِهَا حَمْزَةَ.

وَلإِثْبَاتِ أَبي سُفْيَانَ بَرَاءَتَهُ مِنَ التَّمْثِيلِ بِالْقَتْلَى لِكَوْنِهِ عَارًا عِنْدَ الْعَرَبِ، نَادَى عِنْدَ انْصِرَافِهِ قَائِلًا: قَدْ كَانَ فِي قَتْلَاكُمْ، مثلُ، وَالله مَا رَضِيتُ وَمَا سَخِطْتُ وَمَا نَبَّهْتُ وَمَا

أَمَرْتُ.

وَقَدِ اسْتَنتَجَ بَعْضُ الْبَاحِثِينَ ضَعْفَ شَخْصِيَّةِ أَبِي سُفْيَانَ وَعَدَمَ كَفَاءَتِهِ الْقِيَادِيَّةِ مِنْ قَوْلِهِ هَذَا (1).

وَفِي رَأْيِي: أَنَّهُ لَا يَنْمَّ هَذَا الْقَوْلُ عَنْ ضَعْفِ شَخْصِيَّةٍ أَوْ عَنْ ضَعْفِ قِيَادَةٍ، وَكَذَلِكَ سُكُوتُهُ وَعَدَمُ إِنْكَارِهِ عَلَى مَا فَعَلَتْهُ زَوْجَتُهُ هِنْدٌ وَصَاحِبَاتُهَا، لَا يَنْمُ عَنْ ضَعْفِ قِيَادَةٍ، وَلَكِنَّهُ كَانَ لَدَيْهِ حِقْدٌ أَعْمَى لِأَسْبَابِ عَدِيدَةٍ لَيْسَ هُنَا عَحَلٌّ لِذِكْرِهَا،

(1) خَطَّاب، مَحْمُود شِيت، الرَّسُولُ الْقَائِدُ، ص 189، دَارُ الْفِكْرِ، بَيْرُوت.

254 (1/254)

صفحة 250

السيرة النبوية.

بِدَلِيلِ أَنَّهُ نَفْسَهُ فَعَلَ التَّمْشِيلَ بِجُنَّةِ حَمْزَةَ لَوْلَا أَنْ رَأَىهُ الْكِنَانِيُّ فَصَاحَ بِهِ مُسْتَغْرِبًا فِعْلَتَهُ

الشَّنِيعَةَ.

الصَّلَاةُ عَلَى الشُّهَدَاءِ:

أَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِحَمْزَةَ فَسُجِّيَ فِي بُرْدِهِ، ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهِ فَكَبَّرَ سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ (1)، ثُمَّ أُتِيَ بِالْقَتْلَى فَوُضِعُوا إِلَى جَنْبِ حَمْزَةَ، فَصَلَّى عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ (2).

دَفْنُ الْقَتْلَ:

وَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ لا دَفْنِ الْقَتْلَى حَيْثُ صُرِعُوا بَعْدَ أَنِ احْتَمَلَ أُنَاسٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَتْلَاهُمْ إِلَى المُدِينَةِ، وَقَالَ: ادْفِنُوهُمْ حَيْثُ صُرِعُوا.

وَلا أَشْرَفَ عَلَى الْقَتْلَ قَالَ أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ، إِنَّهُ مَا مِنْ جَرِيحٍ يُبْرَحُ فِي سَبِيلِ الله إِلَّا وَاللَّهُ يَبْعَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَدْمَى جُرْحُهُ، اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ وَالرِّيحُ رِيحُ المِسْكِ، انْظُرُوا أَكْثَرُ هَؤُلَاءِ جَمْعًا لِلْقُرْآنِ فَاجْعَلُوهُ أَمَامَ أَصْحَابِهِ فِي الْقَيْرِ.

قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَكَانُوا يَدْفِنُونَ الاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ فِي الْقَيْرِ الْوَاحِدِ

(1) وَكَبَّرَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ حِينَ صَلَّى عَلَى النَّجَاشِي حِينَ بَلَغَهُ مَوْتَهُ، كَمَا رَوَى الرَّبِيعُ ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَدِ اسْتَقَرَّ الْأَمْرُ إِجْمَاعًا عَلَى أَرْبَعِ تَكْبِيرَاتٍ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. (2) هُنَاكَ رِوَايَةٌ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَمْ يُصَلِّ عَلَى شُهَدَاءِ أُحُدٍ، فَصَارَ هُنَاكَ خِلَافٌ فِي مَشْرُوعِيَّةِ الصَّلَاةِ عَلَى شَهِيدِ المُعْرَكَةِ، وَيُقْصَدُ الْقَتِيلُ فِي المُعْرَكَةِ، وَقَدْ تَقَرَّرَ إِبَاضِيًّا مَشْرُوعِيَّةُ الصَّلَاةِ عَلَى شَهِيدِ الْمُعْرَكَةِ.

255 (1/255)

صفحة 251

السيرة النبوية.

ثُمَّ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ انْظُرُوا إِلَى عَمْرِو بْنِ الْجُمُوحِ وَعَبْدِ الله بْنِ عَمْرِو

ابْنِ حَرَامٍ، فَإِنَّهُمَا كَانَا مُتَصَافِيَيْنِ فِي الدُّنْيَا، فَاجْعَلُوهُمَا فِي قَبْرِ وَاحِدٍ (1). فَدَفَنَ المُسْلِمُونَ قَتْلَاهُمْ، وَفَعَلَ المُشْرِكُونَ مِثْلَ ذَلِكَ فِي دَفْنِ قَتْلَاهُمُ الْوَاحِدِ وَالْعِشْرِينَ، أَمَّا الثَّانِي وَالْعِشْرِينَ فَكَانَ أَبَيَّ بْنَ خَلَفِ الْجُمَحِي، وَقَدْ تُوُفِّيَ فِي مِنْطَقَةِ

سَرِفٍ فِي طَرِيقِ عَوْدَتِهِمْ إِلَى مَكَّةَ مِنْ طَعْنَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لَهُ.

أَمَّا النَّبِيُّ فَقَدْ دَخَلَ المَدِينَةَ وَوَجَدَ نِسَاءَ الْأَنْصَارِ يَبْكِينَ قَتْلَاهُمْ، فَهَاجَهُ ذَلِكَ، فَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ وَقَالَ كَلِمَتَهُ المُشْهُورَةَ الَّتِي أَصْبَحَتْ مَثَلًا: «وَلَكِنَّ حَمْزَةَ لَا بَوَاكِيَ لَهُ». فَأَمَرَ بَعْضُ الْأَنْصَارِ نِسَاءَهُمْ أَنْ يَأْتِينَ أَمَامَ المَسْجِدِ فَيُبْكِينَ حَمْزَةَ، فَلَمَّا سَمِعَ النَّبِيُّ

بُكَاءَ هُنَّ خَرَجَ عَلَيْهِنَّ وَقَالَ هُنَّ أَرْجِعْنَ يَرْحَمُكُنَّ الله فَقَدْ آسَيْتُن بِأَنْفُسِكُنَّ.

الْمَسِيرُ إِلَى حَمْرَاءِ الْأَسَدِ:

عَادَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَالْمُسْلِمُونَ مِنَ الْمَدِينَةِ فَوَجَدُوهَا تَعْلُوهَا ابْتِسَامَاتٌ عَرِيضَةٌ مِنَ الْيَهُودِ وَالمُنافِقِينَ شَمَاتَةً وَاسْتِهْزَاء وَسُخْرِيَةً، كَمَا أَنَّ قِسْمَا مِنْ أَصْحَابِهِ أَصَابَهُمْ شَيْءٌ مِنَ الْإِحْبَاطِ نَتِيجَةَ الْهُرِيمَةِ، وَرَأَى أَيْضًا أَنَّ هَذِهِ الْمَوَاقِفَ سَوْفَ تَنْتَقِلُ إِلَى قَبَائِلِ الْعَرَبِ الَّتِي وَادَعَتْهُ وَسَالَتْهُ بَعْدَ انْتِصَارِهِ فِي بَدْرٍ وَفِي غَزَوَاتٍ وَسَرَايَا أُخْرَى؛ لِذَلِكَ قَرَّرَ فِي

(1) سِيرَةُ ابْنِ هِشَامٍ، ص 396، وَمُعْظَمُ الْمَعْلُومَاتِ هنا مَنْقُولَةٌ عَنْهَا.

256 (1/256)

صفحة 252

السيرة النبوية.

الْيَوْمِ التَّالِي لِيَوْمٍ أُحُدٍ أَنْ يَخْرُجَ مُتَتَبَّعًا آثَارَ قُرَيْشٍ، وَكَانَ ذَلِكَ يَوْمَ الْأَحَدِ السَّادِسَ

عَشَرَ مِنْ شَوَّالٍ، وَقَالَ: لَا يَخْرُ جَنَّ مَعَنَا أَحَدٌ إِلَّا مَنْ حَضَرَ يَوْمَنَا بِالْأَمْسِ. وَذَلِكَ رَفْعًا لَعْنَوِيَّاتِهِمْ وَقَضَاءً عَلَى إِحْبَاطِهِمْ، وَحِفَاظًا عَلَى السُّمْعَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ

مِنَ الاضْطِرَابِ وَالتَّشْوِيشِ لَدَى قَبَائِلِ الْعَرَبِ.

لي:

فَخَرَجَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بِأَصْحَابِهِ حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى حَمْرَاءِ الْأَسَدِ عَلَى ثَمَانِيَةِ أَمْيَالٍ مِنَ المَدِينَةِ، وَكَانَ عَدَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ وَأَنْخَنَتْهُمُ الْجُرَاحُ، وَلَكِنَّهُمْ رَأَوُا الخُرُوجَ مَعَ النَّبِيِّ، قَالَ أَحَدُهُمْ: شَهِدْتُ أُحُدًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَا وَأَخٌ لِي، فَرَجَعْنَا جَرِيحَيْنِ، فَلَمَّا أَذَّنَ مُؤَذِّنُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِالخُرُوج فِي طَلَبِ الْعَدُوِّ، قُلْتُ لِأَخِي أَوْ قَالَ لي: أَتَفُوتُنَا غَزْوَةٌ مَعَ رَسُولِ اللهِ، وَالله مَا لَنَا مِنْ دَابَّةٍ نَرْكَبُهَا، وَمَا مِنَّا إِلَّا جَرِيحٌ ثَقِيل، فَخَرَجْنَا مَعَ رَسُول الله، وكُنتُ أَيْسَرَ جُرْحًا مِنْهُ، فَكَانَ إِذَا غُلبَ حَمَلْتُهُ صلى الله عليه وسلم عَقَبَةٌ وَمَشَى عَقَبَةٌ، حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى مَا انْتَهَى إِلَيْهِ المُسْلِمُونَ، وَمَكَثَ النَّبِيُّ فِي حَمْرَاءِ الْأَسَدِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ هِي: الإثنين والثلاثاء والأربعاء. عَلَى أَنَّ قُرَيْشًا دَاعَبَهُمْ حُلْمُ الْعَوْدَةِ إِلَى المَدِينَةِ لِلْقَضَاءِ عَلَى مُحَمَّدٍ وَلِإِسْتِنْصَالِ أَصْحَابِهِ، مُسْتَعْمِلِينَ الحَرْبَ النَّفْسِيَّةَ كَمُقَدِّمَةٍ يَشرُوعِ الْعَوْدَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ لِتِلْكَ الْغَايَةِ، وَذَلِكَ عِنْدَمَا صَادَفُوا وَفْدًا مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ مَارِّينَ فِي طَرِيقِهِمْ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَسَأَهُمْ أَبو سُفْيَانَ عَنْ وِجْهَتِهِمْ، فَلَمَّا أَخْبَرُوهُ أَنَّ وِجْهَتَهُمُ المَدِينَةُ، حَمَلَهُمْ رِسَالَةٌ لِكَيْ يُبَلِّغُوهَا مُحَمَّدًا قَائِلًا لَهُمْ: أَخْبِرُوا - مُحَمَّدًا - أَنَّا قَدْ أَجْمَعْنَا السَّيْرَ إِلَيْهِ وَإِلَى أَصْحَابِهِ لِنَسْتَأْصِلَ بَقِيَّتَهُمْ، وَمَرَّ الْوَفْدُ بِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ بِحَمْرَاءِ الْأَسَدِ، فَأَبْلَغُوهُ رِسَالَةَ أَبِي سُفْيَانَ،

257 (1/257)

صفحة 253

السيرة النبوية.

فَقَالَ: «حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ» ... وَالظَّاهِرُ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ وَمَنْ مَعَهُ مَا كَانُوا يَعْرِفُونَ

عَنْ عَجيء النَّبِيِّ وَالمُسْلِمِينَ إِلَى حَمْرَاءِ الْأَسَدِ.

وَمَا هُوَ إِلَّا وَقْتُ قَصِيرٌ حَتَّى مَرَّ بِرَسُولِ الله بِحَمْرَاءِ الْأَسَدِ مَعْبَدُ الْخَزَاعِيُّ، فَأَبْدَى أَسَفَهُ عَلَى مَا حَدَثَ لِرَسُولِ الله وَالمُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ، قَائِلًا: يَا مُحَمَّدُ، أَمَا وَالله

لَقَدْ عَزَّ عَلَيْنَا مَا أَصَابَكَ فِي أَصْحَابِكَ، وَلَوَدِدْنَا أَنَّ اللَّهَ عَافَاكَ مِنْهُمْ.

وَكَانَتْ خُزَاعَةُ كَمَا يُقَالُ عَيْبَةَ نُصْح لِرَسُولِ الله، فَلَمَّا خَرَجَ مَعْبَدٌ مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللهِ مَرَّ بِقُرَيْشٍ بِمِنْطِقَةِ الرَّوْحَاءِ، وَقَدْ عَزَمُوا الْعَوْدَةَ حِرْبِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَالمُسْلِمِينَ، فَلَقِيَ أَبَا سُفْيَانَ وَقَدْ بَادَرَهُ بِالسُّوَالِ قَائِلًا: مَا وَرَاءَكَ يَا مَعْبَدُ فَأَجَابَهُ: إِنَّ مُحمَّدًا قَدْ خَرَجَ فِي أَصْحَابِهِ يَطلُبُكُمْ فِي جَمع لَم أَرَ مِثْلَهُ قَطُّ، يَتَحَرَّقُونَ عَلَيْكُمْ تَحَرفًا، قَدِ اجْتَمَعَ مَعَهُ مَنْ كَانَ تَخَلَّفُ عَنْهُ فِي يَوْمِكُمْ وَنَدِمُوا عَلَى مَا ضَيَّعُوا، فَهُمْ مِنَ الْحَنَقِ عَلَيْكُمْ شَيْءٌ لَمْ أَرَهُ قَطُّ.

يُرِيدُ مَعْبَدٌ مِنْ ذَلِكَ ثَنْيهُمْ وَتَشْيطَهُمْ عَنْ مُلَاقَاةِ المُسْلِمِينَ، وَأَنْشَدَهُمْ شِعرًا وَضَعَهُ لِذَلِكَ، بَيَّنَ فِيهِ قُوَّةَ المُسْلِمِينَ، وَهُنَاكَ أَجَالَ أَبو سُفْيَانَ وَمَنْ مَعَهُ الرَّأْيَ، فَرَأَى أَبو سُفْيَانَ وَصَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ أَنَّ الْعَوْدَةَ إِلَى حَرْبِ المُسْلِمِينَ مَرَّةٌ ثَانِيَةٌ فِيهَا مُغَامَرَةٌ غَيْرُ مَحْسُوبَةٍ وَغَيْرُ مَضْمُونَةِ النتائج، وَفَكَّرًا فِي الْأَمْرِ، وَتَحَسَّبَا لِأَمْرِ الْحَرِيمَةِ الَّتِي إِذَا مَا وَقَعَتْ لَهُمْ سَوْفَ تَجْعَلُ انْتِصَارَهُمْ يَذْهَبُ أَدْرَاجَ الرِّيَاحِ، وَتَخْتَفِي عَنْهُمْ فَرْحَةُ

الانْتِصَارِ، فَقَرَّرَا بِمَنْ مَعَهُمَا الرُّجُوعَ إِلَى مَكَّةَ.

258 (1/258)

صفحة 254

السيرة النبوية.

وَعَادَ أَبو سُفْيَانَ وَمَنْ مَعَهُ مَمْلُوئِينَ بِنَشْوَةِ الاِنْتِصَارِ، وَعَادَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَالْمُسْلِمُونَ إِلَى المَدِينَةِ وَلَمْ يُصَابُوا بِسُوءٍ وَلَا أَذًى وَقَدْ أَثْنَى اللهُ عَلَى نَبِيِّهِ وَالْمُسْلِمِينَ عَلَى تِلْكَ الخطوَةِ الجَرِينَةِ الَّتِي مِنْ شَأْنِهَا أَنْ تُعِيدَ الهيبةَ إِلَى الْكِيَانِ الْإِسْلَامِيِّ الْوَلِيدِ، فَقَالَ اللهُ

عَزَّ وَجَلَّ فِي ذَلِكَ الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرُ عَظِيمُ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَأَخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَنَنا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يمْسَسْهُمْ سُوءُ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ) إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ، فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (1).

175

وَعِنْدَمَا عَادَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِلى المَدِينَةِ، فَكَانَ يَوْمُ الجُمُعَةِ، قَامَ رَئيسُ المُنافِقِينَ عَبْدُ الله بْنُ أَي كَعَادَتِهِ، وَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، هَذَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ، أَكْرَمَكُمُ اللهُ وَأَعَزَّكُمْ بِهِ، فَانْصُرُوهُ وَعَزِّرُوهُ وَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا، فَقَامَ إِلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ وَجَرّوهُ مِنْ

ثِيَابِه ق

ائِلِينَ لَهُ: اجْلِسْ يَا عَدُوَّ اللهِ لَسْتَ لِذَلِكَ بِأَهْلِ وَقَدْ صَنَعْتَ مَا صَنَعْتَ يَوْمَ أُحُدٍ إِشَارَةٌ إِلَى انْخِذَالِهِ وَانْسِحَابِهِ عِنْدَ المُسِيرِ إِلَى أَحَدٍ، فَخَرَجَ مِنَ الْمَسْجِدِ مُغَاضِبًا، حَتَّى أَنَّهُ أَبَى أَنْ يَرْجِعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهُ لِيَسْتَغْفِرَ لَهُ.

(1) آلُ عِمْرَانَ، 172 - 175. (1/259)

صفحة 255

السيرة النبوية.

وَلَا شَكٍّ أَنَّ غَزْوَةَ أُحُدٍ أَوْ مَعْرَكَةَ أُحُدٍ فِيهَا مِنَ الدُّرُوسِ وَالْعِبَرِ الشَّيْءُ الْكَثِيرُ؛

لأَنها مَرَّتْ بِحَالَيْنِ: الانْتِصَارِ ثُمَّ الانهزام، فَلِلانْتِصَارِ أَسْبَابُهُ، وَلِلانْهِزَامٍ أَسْبَابُهُ، كَمَا أَنَّ

أَحْكَامًا فِقْهِيَّةٌ أَخَذَتْ حَيْزَهَا مِنْ وَاقِعِ الْمُعْرَكَةِ. (1/260)

صفحة 256

بَيْنَ أُحدٍ والخندق (1/261)

صفحة 257

السيرة النبوية.

مَاءُ الرَّجِيع

بَعْدَ انْتِهَاءِ مَعْرَكَةِ أُحُدٍ بِأَيَّامٍ - أَيْ فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ لِلْهِجْرَةِ- قَدِمَ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَفْدٌ مِنْ قَبِيلَتَيْ عَضَلٍ وَالْقَارَةِ، وَهُمَا مِنَ الْهُونِ مِنْ بَنِي خُزَيْمَةَ، وَقَالُوا: إِنَّ فِينَا إِسْلَامًا؛ أَيْ: إِنَّ الْإِسْلَامِ فِي قَوْمِهِمْ رِجَالًا وَنِسَاءٌ، وَلَكِنَّهُمْ جَمِيعًا بِحَاجَةٍ إِلَى مَنْ يُعَلِّمُهُمُ الْقُرْآنَ وَيُفَقِّهُهُمْ فِي الْإِسْلَامِ، وَطَلَبُوا مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَبْعَثَ مَعَهُمْ نَفَرًا مِنْ

أَصْحَابِهِ لِهَذِهِ الْمُهِمَّةِ، وَكَانَ ذَلِكَ بِقَصْدِ الْغَدْرِ مِنْهُمْ لِلنَّبِيِّ وَأَصْحَابِهِ. فَبَعَثَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مَعَهُمْ وَهُدًا حَسَبَ رَغْبَتِهِمْ، وَقَدْ تَكَوَّنَ الْوَقْدُ مِنْ سِتَّةِ أَشْخَاصٍ

وهم:

1 - مَرْثَدُ بْنُ أَي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيُّ.

-2 - خَالِدُ بْنُ الْبُكَيْرِ اللَّيْنِيُّ.

- عَاصِمُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ أَبِي الْأَفْلَحَ الْأَوْسِيُّ. 4 - خُبَيْبُ بْنُ عَدِي الْأَوْسِيُّ.

ه - زَيْدُ بْنُ الدَّيْنَةِ بْنِ مُعَاوِيَةَ الْخَزْرَجِيُّ.

-6 - عبد الله بْنُ طَارِقٍ حَلِيفٌ بَنِي ظُفْرَ.

وَجَعَلَ الرَّسُولُ مَرْتَدَ بْنَ أَبِي مَرْتَدٍ أَمِيرًا عَلَى الْوَفْدِ.

وَعِنْدَمَا وَصَلُّوا إِلَى الرَّجِيعِ وَهُوَ مَاءٌ لِذَيْلِ بِالْحِجَازِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ، غَدَرَتْ عَضَل وَالْقَارَةُ بِالْوَفْدِ النَّبوِيِّ، فَاسْتَصْرَ خُوا عَلَيْهِمْ هُذَيْلًا، وَبَيْنَمَا كَانَ أُولَئِكَ الْوَفْدُ فِي

262 (1/262)

صفحة 258

السيرة النبوية

مَأْمَنِهِمْ إِذْ هَجَمَ عَلَيْهِمْ رِجَالٌ كَثِيرُونَ، وَاشْتَرَكَ مَعَهُمْ وَفَدُ عَضَلِ وَالْقَارَةِ، فَمَا كَانَ مِنَ الْوَفْدِ النَّبوِيِّ إِلَّا أَنْ سَلُّوا سُيُوفَهُمْ أَهْبَةً وَاسْتِعْدَادًا لِلْقِتَالِ، وَلَكِنَّ المُشْرِكِينَ قَالُوا هُمْ: إِنَّا لَا نُرِيدُ قِتَالَكُمْ، وَإِنَّمَا نُرِيدُ أَخَذَكُمْ إِلَى مَكَّةَ لِنُصِيبَ بِكُمْ شَيْئًا مِنَ المالِ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ.

فَانْقَسَمَ الْوَقْدُ النَّبوِيُّ إِزَاءَ ذَلِكَ الْعَرْضِ إِلَى قِسْمَيْنِ: قِسْمِ رَفَضَ الْعَرْضَ وَهُمْ ثَلَاثَةٌ: مَرْثَدُ بْنُ أَبِي مَرْثَدٍ، وَخَالِدُ بْنُ الْبُكَيْرِ وَعَاصِمُ بْنُ ثَابِتٍ ... قَائِلِينَ: لَا تَقْبَلُ مِنْ مُشْرِك عَهْدًا وَلَا عَقْدًا أَبَدًا، فَقَاتَلُوا حَتَّى قُتِلُوا.

وَأَرَادَتْ هُذَيْلٌ أَخْذَ رَأْسٍ عَاصِمِ بْنِ ثَابِتٍ لِيَبِيعُوهُ لِسُلَافَةَ بِنْتِ سَعْدِ بْنِ شَهِيدٍ بِمَكَّةَ، وَكَانَتْ قَدْ نَذَرَتْ حِينَ قَتَلَ عَاصِمٌ ابْنَيْهَا يَوْمَ أُحُدٍ لَئِنْ قَدَرَتْ عَلَى رَأْسِهِ لَتَشْرَبَنَّ فِي قِحْفِهِ الْخَمْرَ، فَلَمَّا أَرَادُوا حَزَّ رَأْسِهِ عَنْ جِسْمِهِ حَمَتْهُ الدُّبْرُ (الزَّنَابِيرُ)، فَقَالُوا: دَعُوهُ حَتَّى يُمْسِي، فَقَدَّرَ اللهُ مَطَرًا سَالَ مِنْهُ الْوَادِي، فَاحْتَمَلَ عَاصِمَا فَذَهَبَ بِهِ، وَكَانَ عَاصِمٌ قَدْ أَعْطَى اللهَ عَهْدًا أَلَّا يَمَسَّهُ مُشْرِكٌ وَلَا يَمَسُّ هُوَ مُشْرِكًا أَبَدًا تَنَجُّسًا؛ لِذَلِكَ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَابِ حِينَ بَلَغَهُ أَنَّ الدُّبُرَ مَنَعَتَهُ: يَحْفَظُ اللهُ الْعَبْدَ المُؤْمِنَ كَانَ عَاصِمٌ نَذَرَ أَلَّا يَمَسَّهُ مُشْرِكٌ وَلَا يَمَسَّ مُشْرِكًا أَبَدًا فِي حَيَاتِهِ، فَمَنَعَهُ اللَّهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ كَمَا امْتَنَعَ مِنْهُ فِي حَيَاتِهِ.

وَقِسْمٍ مِنْهُمْ وَهُمْ ثَلَاثَةٌ مِنْهُمْ: زَيْدُ بْنُ الدَّيْنَةِ وَحُبَيْبُ بْنُ عَدِيٌّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَارِقٍ، فَقَدْ لَانُوا وَاسْتَسْلَمُوا، وَرَغِبُوا فِي الحَيَاةِ، فَأَلْقُوا بِأَيْدِيهِمْ إِلَى المُشْرِكِينَ،

263 (1/263)

صفحة 259

السيرة النبوية.

فَأَسَرُوهُمْ وَذَهَبُوا بِهِمْ إِلَى مَكَّةَ، غَيْرَ أَنَّ عَبْدَ الله بْنَ طَارِقٍ عِنْدَمَا كَانُوا بِمَرُ الظُّهْرَانِ

قَرِيبًا مِنْ مَكَّةَ؛ أَفَلَتَ مِنْهُمْ وَامْتَشَقَ سَيْفَهُ، فَرَمَوهُ بِالْحِجَارَةِ حَتَّى قُتِلَ.

وَأَمَّا حُبَيْبُ بْنُ عَدِيٌّ وَزَيْدُ بْنُ الدَّيْنَةِ فَقَدِمُوا بِمَا مَكَّةَ، فَفَادَوا بِمَا أَسِيرَيْنِ مِنْ

هُذَيْلٍ كَانَا عِنْدَ قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ.

وَابْتَاعَ حُجَيْرُ بْنُ أَي إِهَابِ خُبَيْبًا لِيَقْتُلَهُ بِأَبِيهِ، كَمَا ابْتَاعَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ زَيْدًا لِيَقْتُلَهُ بِأَبِيهِ، وَقُتِلَا بِمَكَّةَ مِنْ قِبَلِ قُرَيْشٍ.

وَقَدْ مَنَّ حُبَيْبُ بْنُ عَدِيٌّ سُنَّةٌ حَسَنَةٌ، وَذَلِكَ بِصَلَاتِهِ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ قَتْلِهِ، وَصَارَتْ

سُنَّةٌ مِنْ بَعْدِهِ.

وَفِي رَأْبِي أَنَّهُ لَا يَبْعُدُ أَنْ تَكُونَ خَدِيعَةُ وَفْدِ عَضَلِ وَالْقَارَةِ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَغَدْرُهُمْ بِأَصْحَابِهِ مِنْ بَعْدُ بِإِيعَازِ مِنْ قُرَيْشٍ، بِدَلِيلِ أَنَّهُمْ قَالُوا لَهُمْ أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ أَخْذَهُمْ إِلَى

قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ، وَهُوَ مَا حَصَلَ لِزَيْدِ بْنِ الدَّيْنَةِ وَخُبَيْبِ بْنِ عَدِيٌّ.

بِثْرُ مَعُونَةَ

لَمْ يَكَدْ يَأْتِي إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم خَبَرُ مَا جَرَى عَلَى أَهْلِ الرَّجِيعِ حَتَّى قَدِمَ عَلَيْهِ أَبو الْبَرَاءِ عَامِرُ بْنُ مَالِكِ الْعَامِرِيُّ المُلَقَّبُ بِمُلَاعِبِ الْأَسِنَّةِ، فَعَرَضَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ فَلَمْ يُحِبْ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يُظهِرْ عَدَاءَهُ لَهُ، بَلْ أَظْهَرَ شَيْئًا مِنَ التَّحْبِيدِ لِلْإِسْلَامِ، فَاقْتَرَحَ عَلَى النَّبِيِّ أَنْ يُرْسِلَ وَفَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَى قَوْمِهِ بَنِي عَامِرٍ وَغَيْرِهِمْ فِي أَرْضِ نَجْدٍ قَائِلًا:

لَعَلَّهُمْ يَجِدُونَ اسْتِجَابَةُ لِلْإِسْلَامِ.

264 (1/264)

صفحة 260

السيرة النبوية.

وَلا أَبْدَى النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ تَخَوفَهُ عَلَى أَصْحَابِهِ مِنْ أَهْلِ نَجْدِ ضَمِنَ أَبُو الْبَرَاءِ حِوَارَهُمْ لِأَنَّهُ مُطَاعٌ فِي قَوْمِهِ وَمَسْمُوعُ الْكَلِمَةِ فِيهِمْ وَعِنْدَ غَيْرِهِمْ مِنَ الْعَرَبِ، وَهُنَاكَ بَعَثَ الرَّسُولُ عَدَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ، قِيلَ: إِنَّهُمْ كَانُوا أَرْبَعِينَ، وَقِيلَ: إِنَّهُمْ كَانُوا سَبْعِينَ، وَزَوَّدَهُمْ بِكِتَابِ إِلَى عَامِرِ بْنِ الطَّفَيْلِ الْعَامِرِيُّ وَهُوَ ابْنُ أَخِي أَبِي الْبَرَاءِ. وَذَلِكَ فِي شَهْرٍ صَفَرِ مِنَ السَّنَةِ الرَّابِعَةِ لِلْهِجْرَةِ، فَسَارُوا حَتَّى نَزَلُوا بِئْرَ مَعُونَةَ، وَهِيَ بَيْنَ أَرْضِ بَنِي عَامِرٍ وَحَرَّةِ بَنِي سُلَيْمٍ مِنْ أَرْضِ نَجْدٍ، وَبَعَثُوا أَحَدَهُمْ وَهُوَ حَرَامُ بْنُ مَلْحَانَ بِكِتَابِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إِلَى عَامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ، فَلَمْ يَنْظُرْ فِي الْكِتَابِ وَقَتَلَ المُرْسَلَ.

وَلَمْ يَكتفِ بِذَلِكَ، وَإِنَّمَا اسْتَصْرَحَ عَلَيْهِمْ قَوْمَهُ بَنِي عَامِرٍ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ، وَمَا أَرَادُوا إِخْفَارَ زَعِيمِهِمْ أَبِي الْبَرَاءِ لِلنَّفَرِ المُسْلِمِينَ، فَاسْتَصْرَخَ عَلَيْهِمْ قَبَائِلَ بَنِي سُلَيْم وَهِيَ عُصَيَّةُ وَرِعْلٌ وَذَكْوَانُ فَأَجَابُوهُ، وَهَجَمُوا عَلَى الْوَفْدِ النَّبِوِيِّ فَقَاتَلُوهُمْ حَتَّى قُتِلَ رِجَالُ الْوَفْدِ عَنْ آخِرِهِمْ، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا كَعْبُ بْنُ زَيْدِ، فَقَدْ تَرَكُوهُ وَبِهِ رَمَقٌ ظَنَّا مِنْهُمْ أَنَّهُ مَاتَ، فَنَهَضَ مِنْ بَيْنِ الْقَتْلَى بَعْدَ ذَلِكَ.

وَكَانَ رَجُلَانِ مِنْهُمْ هُمَا عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ وَالْمُنْذِرُ بْنُ مُحَمَّدِ الْأَنْصَارِيُّ كَانَا قَدْ غَابَا فِي سَرْح رَكَائِبٍ أَصْحَابِهِمْ، فَشَاهَدَا طَيْرَ السَّمَاءِ تَحُومُ عَلَى المَكَانِ حَيْثُ قُتِلَ

أَصْحَابُهُما، فَأَقْبَلَا لِيَنْظُرَا الأَمْرَ، فَإِذَا بِأَصْحَابِهَا مُفْرَجِينَ فِي دِمَائِهِمْ.

فَقَامَا بِالْقِتَالِ، فَقُتِلَ الْمُنْذِرُ وَأُسِرَ عَمْرُو، ثُمَّ أَطْلَقَهُ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ بَعْدَ أَنْ جَزَّ

نَاصِيَةَ رَأْسِهِ كَعَلَامَةٍ لَهُ عَلَى عِنْقِهِ مِنْ قِبْلِهِ.

265 (1/265)

صفحة 261

السيرة النبوية.

وَكَانَ فِي الْوَفْدِ النَّبوِيِّ بِالْإِضَافَةِ إِلَى الْأَرْبَعَةِ المُذْكُورِينَ آنِفًا: المُنْذِرُ بْنُ عُمَرَ السَّاعِدِيُّ، وَالْحَارِثُ بْنُ الصَّمَّةِ، وَعُرْوَةُ بْنُ أَسْمَاءَ بْنِ الصَّلْتِ السُّلَمِيُّ، وَنَافِعُ بْنُ بُدَيْلِ بْنِ وَرْقَاءَ الخَزَاعِيُّ، وَعَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ مَوْلَى أَبي بَكْرِ الصِّدِّيقِ الْمَرَافِقِ فِي الهِجْرَةِ النبوية. فَخَرَجَ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ رَاجِعًا إِلَى المَدِينَةِ؛ لِكَيْ يُخبِرَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِمَا وَقَعَ عَلَى أَصْحَابِهِ، فَالْتَقَى فِي الطَّرِيقِ بِرَجُلَيْنِ مِنْ بَنِي عَامِرٍ، فَأَضْمَرَ فِي نَفْسِهِ مُحَاوَلَةَ قَتْلِهِمَا انْتِقَامًا لِأَصْحَابِهِ، فَتَرَصَدَ هُما حَتَّى نَامَا فَقَتَلَهُمَا، وَجَاءَ إِلَى النَّبِيِّ، فَلَما أَخْبَرَهُ الْخَبَرَ بِمَقْتَلِ أَصْحَابِهِ وَقَتْلِهِ الرَّجُلَيْنِ الْعَامِرِيَّيْنِ، قَالَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: إِنَّهُ قَدْ أَعْطَاهُمَا عَهْدًا وَجِوَارًا وَأَمَانَا، وَلَكِنَّهُ سَوْفَ يَدْفَعُ دِيَتَيْهِمَا. أَمَّا أَبُو الْبَرَاءِ فَقَدْ شَقَّ عَلَيْهِ مَا فَعَلَهُ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ فِي إِهْدَارِ جِوَارِهِ لِلْوَفْدِ النَّبوِيِّ، وَزَادَهُ تَأْتُرُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَلَى مَا فَعَلَ بِأَصْحَابِهِ قَلَقًا وَإِحْرَاجًا لِذَلِكَ ذَهَبَ ابْنُهُ رَبِيعَةُ بْنُ عَامِرِ بْنِ مَالِكٍ، فَطَعَنَ ابْنَ عَمِّهِ عَامِرَ بْنَ الطُّفَيْلِ، وَلَكِنَّهُ أَخْطَأَ مَقْتَلَهُ فَأَصَابَتْهُ الطَّعْنَةُ فِي فَخِذِهِ، فَعَرَفَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ عَمَلِ أَبِي الْبَرَاءِ. عَلَى أَنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّ الْوَفْدَ النَّبِوِيَّ كَانَ يَتَكَوَّنُ مِنْ أَرْبَعِينَ رَجُلًا أَوْ سَبْعِينَ رَجُلًا

يَحْتَاجُ إلَى إِعَادَةِ نَظَرٍ. وَفِي رَأْبِي أَنَّهُ مَا كَانَ يَتَجَاوَزُ عَشَرَةَ أَشْخَاصِ لِلْأَسْبَابِ التَّالِيَةِ:

1 - أَنَّ الْعَدَدَ كَبِيرٌ، وَوَاقِعَ النَّاسِ أَنذَاكَ لَا يَنْسَجِمُ مَعَ هَذَا الْعَدَدِ.

-

266 (1/266)

صفحة 262

السيرة النبوية.

2 - أَنَّ مُهِمَّةَ الْوَفْدِ كَانَتْ دَعَوِيَّةٌ فَلَا تَحْتَاجُ إِلَى الْعَدَدِ الَّذِي ذُكِرَ.

3 - أَنَّهُ مِنْ غَيْرِ المُعْقُولِ وَلَا الْمُقْبُولِ أَنْ يُقْتَلَ ذَلِكَ الْعَدَدُ فِي غُدْوَةٍ أَوْ رَوْحَةٍ، دُونَ أَنْ يَقْتُلُوا هُمْ أَنَاسًا مِنَ المُهَاجِمِينَ، فَهَذَا انّهَامُ لِأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ بِالْجُبْنِ ضِمْنًا، إِنْ لَمْ

يَكُنْ تَصْرِيحًا، وَهُمُ المَعْرُوفُونَ بِالشَّجَاعَةِ، فَاسْأَلُوا بَدْرًا وَأَحُدًا. 4 - إِذَا كَانَ عَدَدُ الْوَفْدِ أَرْبَعِينَ أَوْ سَبْعِينَ فَكَمْ يَكُونُ عَدَدُ الْمُهَاجِمِينَ، إِنَّ الْأَمْرَ يَحْتَاجُ إِلَى مِنَاتٍ مِنَ الرِّجَالِ المُهَاجِينَ، فَهَلْ يُمْكِنُ تَجمُّعُ المَتَاتِ فِي عُدْرَةٍ أَوْ رَوْحَةٍ، أَوْ فِي يَوْمٍ، مَعَ أَنَّ الْقَوْمَ بَدْوُ أَعْرَابٌ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْأَعْرَابَ تَكُونُ مَسَاكِنُهُمْ مُتَبَاعِدَةٌ،

الْأَمْرُ الَّذِي يَجْعَلُ صُعُوبَةٌ فِي جَمْعِ عَدَدٍ كَبِيرٍ مِنْهُمْ فِي صَبَاحٍ أَوْ مَسَاءٍ أَوْ فِي يَوْمٍ. 5 - جَاءَ فِي الرَّوْضِ الْأَنفِ لِلسُّهَيْل (1) نَفْلًا عَنِ الْبُخَارِيُّ أَنَّ أَصْحَابَ الرَّجِيعِ كَانُوا عَشَرَةٌ، وَالْوَاقِعُ أَنَّهُمْ كَانُوا سِتَةَ؛ لِأَنَّهُمْ ذُكِرُوا بِأَسْمَائِهِمْ وَاحِدًا فَوَاحِدًا، وَذُكِرَ مَا جَرَى وَوَقَعَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِنْ أَحْدَاثِ فَلَوْ كَانَ هُنَاكَ أَرْبَعَةٌ آخَرُونَ لَذُكِرُوا، وَذُكِرَ مَا جَرَى لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، كَمَا هُوَ الْأَمْرُ بالنِّسْبَةِ إِلَى السُّنَّةِ، وَأَرَى أَنَّ قَوْلَ الْبُخَارِيِّ حَسْبَا نَقَلَهُ عَنْهُ السُّهَيْلِيُّ بِأَنَّ أَصْحَابَ الرَّجِيعِ كَانُوا عَشَرَةٌ هُمْ أَهْلُ بِثْرِ

مَعُونَةً.

6 - لَوْ كَانَ عَدَدُهُمْ أَرْبَعِينَ أَوْ سَبْعِينَ لَذُكِرَ مِنْهُمْ عَدَدٌ أَكْثَرُ مِنَ الْمُذْكُورِينَ، عَلَى أَنَّ الَّذِينَ ذُكِرُوا هُمْ ثَمانِيَةٌ فَقَط.

(1) ص 361.

267 (1/267)

صفحة 263

السيرة النبوية - كُلُّ هَذِهِ الْأَسْبَابِ تَجْعَلُ الْقَوْلَ بِأَنَّ قَتْلَى بِثْرِ مَعُونَةً كَانُوا أَرْبَعِينَ أَوْ سَبْعِينَ يَحْتَاجُ إِلَى إِعَادَةِ نَظَرِ؛ لِذَلِكَ أُرَبِّحُ أَنَّ عَدَدَهُمْ لَا يَتَجَاوَزُ الْعَشَرَةَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. إِجْلَاءُ بَنِي النَّضِيرِ

بنُو النَّضِيرِ قِسْمٌ مِنْ يَهُودِ المَدِينَةِ، وَهُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ النَّبِيِّ هَارُونَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَلا قَتَلَ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضُّمَيْرِيُّ الرَّجُلَيْنِ الْعَامِرِيَّيْنِ الْمُعَاهَدَيْنِ مِنْ قِبَلِ الرَّسُولِ تَكَفَّلَ النَّبِيُّ بِدَفْعِ دِيَنَيْهِمَا، وَبِمَا أَنَّ بَنِي عَامِرٍ يَرْبِطُهُمْ حِلْفٌ أَوِ اتَّفَاقُ مَعَ يَهُودِ بَنِي النَّضِيرِ؛ رَأَى النَّبِيُّ السَّمَاسَ مَا يُعِينُ عَلَى دَفْعِ الدِّيَتَيْنِ مِنْ بَنِي النَّصِيرِ لِلْحِلْفِ الَّذِي

بينهم.

فَسَارَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إِلَيْهِمْ فِي عَشَرَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعَلِي، فَاسْتَقْبَلَهُمُ الْيَهُودُ بَادِئَ الْأَمْرِ وَرَحَبُوا بِهِمْ وَوَعَدُوا بِالْمُسَاعَدَةِ وَالْإِعَانَةِ، وَلَكِنَّهُمْ أَخَذُوا يَتَأَمَرُونَ عَلَى النَّبِيِّ قَائِلِينَ: هَذِهِ فُرْصَةٌ لَا تَتَكَرَّرُ لِكَيْ نَتَخَلَّصَ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ، وَكَانَ النَّبِيُّ وَأَصْحَابُهُ جَالِسِينَ فِي ظِلٍّ بَيْتٍ، وَقَدْ رَابَهُ تَحَرُكَاتُ الْيَهُودِ وَكَثْرَةُ نَجْوَاهُمْ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنْ يَقُومَ عَمْرُو بْنُ جَحَّاسُ بِالْقَاءِ حِجَارَةٍ كَبِيرَةٍ عَلَى رَأْسِهِ مِنْ فَوْقِ ذَلِكَ الْبَيْتِ، فَجَاءَ الْوَحْيُ إِلَى النَّبِيِّ فَأَخْبَرَهُ عَنِ الْمُخَطَّطِ الْيَهُودِي الْقَاتِلِ، فَانْسَحَبَ النَّبِيُّ وَلَمْ يُخْبِرْ أَصْحَابَهُ، فَكَأَنَّهُ خَرَجَ لِبَعْضِ شَأْنِهِ، فَلَمَا اسْتَبْطَأَهُ أَصْحَابُهُ سَأَلُوا عَنْهُ، فَأَخْبَرَهُمْ أَحَدُ الْقَادِمِينَ مِنَ المَدِينَةِ أَنَّهُ شَاهَدَهُ يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ، فَخَرَجَ أَصْحَابُهُ فِي أَثَرِهِ، حَتَّى وَصَلُوا إِلَيْهِ، فَأَخْبَرَهُمْ بِالْأَمْرِ بِمَا كَانَتِ الْيَهُودُ تَهِمُّ بِهِ

268 (1/268)

صفحة 264

السيرة النبوية.

مِنَ الْغَدْرِ بهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كَانَ تَبْلُغُهُ مُؤَامَرَاتُهُمْ، فَكَانَتِ الاسْتِعَانَةُ في الدِّيَةِ فُرْصَةً لَهُ لِلتَّعَرُّفِ عَنْ كَتَبٍ عَنْ نِيَّاتِهِمُ التَّامُرِيَّةِ؛ لِذَلِكَ أَمَرَ بِالتَّهَيُّوِ لِغَزْوِهِمْ وَحَرْبِهِمْ فِي عُقْرِ دَارِهِمْ، وَلَكِنَّهُ أَوَلا أَنْذَرَهُمْ بِالخُرُوج مِنَ المَدِينَةِ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ الَّذِي أَرْسَلَهُ إِلَيْهِمْ، وَلَكِنَّهُمْ أَبَوُا الْخُرُوجَ وَاسْتَعَدُّوا لِلْحَرْبِ وَتَجَهَّزُوا بِالمُوَنِ وَالدَّخَائِرِ، وَزَادُوا فِي اسْتِحْكامَاتِهِمْ وَتَحْصِينَاتِهِمْ، فَقَرَّرَ النَّبِيُّ السَّيْرَ إِلَيْهِمْ حِرْبِهِمْ

أَوْ إِخْرَاجِهِمْ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي شَهْرِ رَبِيعِ الْأَوَّلِ مِنَ السَّنَةِ الرَّابِعَةِ لِلْهِجْرَةِ. وَكَانَ حِصْنُهُمْ فِي نَاحِيَةِ قُبَاءَ، فَحَاصَرَهُمْ سِتَ لَيَالٍ عَلَى قَوْلٍ، وَعِشْرِينَ لَيْلَةٌ عَلَى قَوْلٍ آخَرَ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَإِنَّ حِصَارَهُمْ كَانَ بَيْنَ سِتٌ لَيَالٍ إِلَى عِشْرِينَ لَيْلَةٌ، وَالَّذِي جَعَلَهُمْ يُطِيلُونَ الْحِصَارَ أَنَّ عَدَدًا مِنَ الْمُنَافِقِينَ عَلَى رَأْسِهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ وَعَدُوهُمْ بِالنَّصْرِ وَأَنَّهُمْ لَنْ يُسْلِمُوهُمْ، وَلَئِنْ أُخْرِجُوا لَيَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَهُمُ الَّذِينَ يَقُولُ اللهُ فِيهِمْ: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكتب لين أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَ مَعَكُمْ وَلَا تُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِن قُوتِلْتُمْ لَتَنصُرَنَّكُمْ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ) لين أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَين قُوتِلُوا لَا يَنصُرُونَهُمْ وَلَين نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُنَ الْأَدْبَرَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ (1).

(1) الحشر، 11، 12.

269 (1/269)

صفحة 265

السيرة النبوية.

وَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَهْدِفُ إِلَى إِجْلَائِهِمْ عَنِ المَدِينَةِ وَلَيْسَ إِلَى قِتَالِهِمْ، فَلَمَّا أَبوا الخروج وَالجَلَاءَ وَأَطَالُوا الْحِصَارَ؛ أَمَرَ بِقَطْعِ نَخِيلِهِمْ وَحَرْقِهَا، فَنَادُوا يَا مُحَمَّدُ، قَدْ كُنْتَ تَنْهَى عَنِ الْفَسَادِ وَتُعِيبُهُ عَلَى مَنْ صَنَعَهُ، فَما بَالُ قَطْعِ النَّخْلِ وَتَحْرِيقِهَا؟ فَوَقَعَ شَيْءٌ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ فِي نُفُوسِ الْمُسْلِمِينَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ قَوْلَهُ: {مَا قَطَعْتُم مِن

لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَابِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَسِقِينَ} (1). وَما لَمْ يَفْعَلِ المُنافِقُونَ لَهُمْ شَيْئًا مِمَّا وَعَدُوهُمْ مِنَ النَّصْرِ؛ طَلَبُوا مِنَ النَّبِيِّ الْإِجْلَاءَ وَالْكَفَّ عَنْ دِمَائِهِمْ عَلَى أَنْ يَسْمَحَ هُمْ بِحَمْلِ مَا يَسْتَطِيعُونَ مِنْ أَمْوَالِهِمُ المَنْقُولَةِ، فَسَمَحَ هُمْ بِذَلِكَ، وَقِيلَ إِنَّهُ حَدَّدَ لَهُمْ مَا يَحْمِلُونَهُ، فَخَرَجُوا جَلَاءٌ إِلَى خَيْبَرَ وَإِلَى الشَّام، فَخَرَجُوا شَافِّينَ طَرِيقَهُمْ وَسَطَ المَدِينَةِ بِنِسَائِهِمْ وَأَبْنَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، يَضْرِبُونَ

الدُّفُوفَ وَالْمُرَامِيرَ بِالْغِنَاءِ وَالْأَهَازِيجِ لِإِظْهَارِ التَّجَلُّدِ وَعَدَمِ التَّأْثُرِ.

وَأَسْلَمَ مِنْهُمْ رَجُلَانِ هُمَا: يَامِينُ بْنُ عُمَرَ بْنِ جَعَاشِ، وَأَبُو سَعْدِ بْنُ وَهْبٍ، فَأَحْرَزَا أَمْوَاهُما.

(1) الْحَشْرُ، 5، وَهَكَذَا دَائِمَا دَعَوَاتُ أَهْلِ الْبَاطِلِ عِنْدَمَا يَسُوقُهَا أَصْحَابُهَا تَدْلِيسًا وَتَمْوِيهَا، يُسْرِعُ أَهْلِ الْفَضْلِ إِلَى تَصْدِيقِهَا وَالتَّأثرِ بِهَا، هَذَا وَاقِعٌ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَفِي كُلِّ مَكَانٍ، وَفِي زَمَانِنَا هَذَا الشَّيْءُ الكَثِيرُ مِنْ ذَلِكَ، وَاللهُ المُسْتَعَانُ. (1/270)

صفحة 266

السيرة النبوية.

وَذَهَبَ أَشْرَافُهُمْ: سَلامُ بْنُ أَبِي الْحَقَيْقِ، وَكِنَانَةُ بْنُ الرَّبِيعِ، وَحُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ إِلَى خَيْبَرَ، وَذَهَبَ سَائِرُهُمْ إِلَى الشَّامِ، وَتَرَكُوا أَمْوَاهُمُ الْأُصُولَ وَمَا لَمْ يَسْتَطِيعُوا حَمْلَهُ مِنَ الْأَمْوَالِ المَنْقُولَةِ، فَكَانَتْ لِرَسُولِ الله الله خَاصَّةٌ بِأَمْرِ الله تَعَالَى، يَضَعُهَا حَيْثُ شَاءَ، وَإِلَى هَذَا يُشيرُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا

ركَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1). فَقَسَمَهَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عَلَى المُهَاجِرِينَ، وَأَعْطَى رَجُلَيْنِ فَقَطْ مِنَ الْأَنْصَارِ لِفَقْرِهِمَا، وَهُمَا سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ وَأَبُو دُجَانَةَ سِمَاكُ بْنُ خَرَشَةَ، وَبِتِلْكَ الْأَمْوَالِ اسْتَغْنَى

المُهَاجِرُونَ عَنْ إِيثَارِ الْأَنْصَارِ هُمْ أَمْوَالًا وَدِيَارًا. وَفِي حِصَارِ بَنِي النَّضِيرِ وَإِجْلَائِهِمْ نَزَلَ مُعْظَمُ آيَاتِ سُورَةِ الحَشْرِ، حَيْثُ قَالَ عَزَّ مِنْ قَائِل: هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ مِن دِيرِهِمْ لِأَوَّلِ الحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَنَهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِى الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَتأُولِي الْأَبْصَرِ وَلَوْلَا أَن كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاء لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ (2). وَهَكَذَا تخلص المُسْلِمُونَ مِنْ وَكْرٍ ثَانِ مِنْ أَوْكَارِ الْكَيْدِ وَالمُوَامَرَةِ بَعْدَ الخَلْصِهِمْ مِنْ يَهُودِ بَنِي

قينقاع

(1) الحشر، 6.

(2) الحشر، 2، 3. (1/271)

صفحة 267

السيرة النبوية.

غَزْوَةُ ذَاتِ الرّقَاعِ

بَلَغَ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّ بَنِي مُحَارِب وَبَنِي ثَعْلَبَةَ مِنْ غَطَفَانَ يَتَجَمَّعُونَ اسْتِعْدَادًا لِغَزْوِ المَدِينَةِ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ فِي أَرْبَعِمانَةِ رَاكِبٍ وَرَاجِلٍ (1) حَتَّى نَزَلَ نَخْلَ، وَهُوَ مَكَانُ لِبَنِي ثَعْلَبَةَ مُبَاغِتًا لَهُمْ، وَذَلِكَ فِي شَهْرِ جُمَادَى الْأَوَّلِ مِنَ السَّنَةِ الرَّابِعَةِ لِلْهِجْرَةِ، فَتَقَارَبَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، وَلِكَثْرَةِ عَدَدِ الْفَرِيقَيْنِ خَافَ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، الْأَمْرُ الَّذِي بِسَبَبِهِ صَلَّى الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِأَصْحَابِهِ صَلَاةَ الخوف (2)، ثُمَّ قَفَلَ عَائِدًا إِلَى المَدِينَةِ.

غَيْرَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ غَطَفَانَ يُسَمَّى غَوْرَتُ أَعْطَى أَمَلًا لِقَوْمِهِ بِقَتْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَاسْتَحْسَنُوا ذَلِكَ مِنْهُ، فَلَحِقَ بِالنَّبِيِّ فِي الطَّرِيقِ، وَحَاوَلَ تَنْفِيلَ مَا هَمَّ بِهِ وَلَكِنَّ اللَّهَ مَنَعَ

ه و

نبيه منه.

(1) الرَّسُولُ الْقَائِدُ، ص 210.

(2) لَعَلَّهَا فُرِضَتْ آنَذَاكَ، وَقَدِ اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ فِي كَيْفِيَّتِهَا، وَاسْتَقَرَّ الْعَمَلُ عِنْدَنَا فِي الْمُذْهَبِ عَلَى مَا رَوَاهُ الرَّبِيعُ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، أَنَّ الْإِمَامَ يُصَلِّي بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ وَتُصَلِّي مَعَهُ كُلُّ طَائِفَةٍ رَكْعَةً، بَعْدَ أَنْ يَنْقَسِمَ الْجُيْشُ إِلَى طَائِفَتَيْنِ، ثُمَّ يُسَلِّمُ بِهِمْ جَمِيعًا، وَمَنْ أَرَادَ الْمَزِيدَ فَعَلَيْهِ بِكِتَابِ شَرْحِ الْمُسْنَدِ الْجُزْءِ الْأَوَّلِ، لِلنُّورِ

السالمي.

272 (1/272)

صفحة 268

السيرة النبوية.

وَسُمِّيَتْ هَذِهِ الْغَزْوَةُ ذَاتَ الرِّفَاعِ لِوُجُودِ شَجَرَةٍ يَعْبُدُهَا الْعَرَبُ تُسَمَّى قُرَات الرقاع في مَوْضِعِ نَخْلِ» المذكور؛ لِذَلِكَ سُمِّيَتْ هَذِهِ الْغَزْوَةُ بِغَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ (1)، وَهُنَاكَ أَقْوَالٌ أُخْرَى فِي سَبَبٍ التَّسْمِيَةِ، وَلَكِنْ هَذَا أَصَحُهَا، وَلَعَلَّهَا سُمِّيَتْ ذَاتَ الرِّقَاعِ

لِكَثْرَةِ مَا يُلْقَى عَلَيْهَا مِنَ الْحَرِقِ كَحَالِ الْأَشْجَارِ الَّتِي تُقَدَّمُ إِلَيْهَا النُّذُورُ أَوْ تُعْبَدُ. غَزْوَةُ بَدْرِ الْآخِرَةُ

وَخَرَجَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِلَى بَدْرٍ فِي شَهْرٍ شَعْبَانَ مِنَ السَّنَةِ الرَّابِعَةِ لِلْهِجْرَةِ لِلقَاءِ أَبِي سُفْيَانَ حَسَبَ المَوْعِدِ الَّذِي اقْتَرَحَهُ أَبُو سُفْيَانَ عِنْدَ انْصِرَافِهِ مِنْ أُحُدٍ عِنْدَمَا نَادَى النَّبِيَّ بِقَوْلِهِ: يَا

محَمَّدُ، مَوْعِدُنَا بَدْرُ الْعَامَ الْقَابِلَ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ مَنْ يُجِيبُهُ قَائِلًا: نَعَمْ هُوَ بَيْنَنَا مَوْعِدٌ. وَخَرَجَ أَبُو سُفْيَانَ بِقُرَيْشٍ وَمَنْ مَعَهُمْ حَتَّى بَلَغُوا مِنْطَقَةَ عُسْفَانَ، ثُمَّ بَدَا هُمُ الرُّجُوعُ عَنْ مُلَاقَاةِ المُسْلِمِينَ فِي بَدْرٍ، مُقْنِعًا قَوْمَهُ بِقَوْلِهِ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إِنَّهُ لَا يُصْلِحُكُمْ إِلَّا عَامٌ خَصِيبٌ تَرْعَوْنَ فِيهِ الشَّجَرَ، وَتَشْرَبُونَ فِيهِ اللَّبَنَ، وَإِنَّ عَامَكُمْ هَذَا عامُ جَدْبٍ، وَإِنِّي رَاجِعُ فَارْجِعُوا.

ه

وَرَجَعَ أَبو سُفْيَانَ بِالنَّاسِ، فَأَخَذَ أَهْلُ مَكَّةَ يَسْخَرُونَ مِنْهُمْ، فَسَمُّوا جَيْشَهُمْ

جَيْشَ السَّوِيقِ، قَائِلِينَ هُمْ: إِنَّمَا خَرَجْتُمْ تَشْرَبُونَ السَّوِيقَ.

وَأَقَامَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فِي بَدْرٍ ثَمَانِيَ لَيَالٍ يَنتَظِرُ أَبَا سُفْيَانَ، ثُمَّ عَادَ إِلَى الْمَدِينَةِ حِينَ

بَلَغَهُ رُجُوعُهُ وَقَوْمِهِ إِلَى مَكَّةَ.

(1) المُصْدَرُ نَفْسُهُ، ن، ص، هَامِش. (1/273)

صفحة 269

السيرة النبوية.

وَفِي رَأْبِي أَنَّ رُجُوعَ أَبِي سُفْيَانَ بِقَوْمِهِ عَنْ مُلَاقَاةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ عَنْ تَخوُّفٍ مِنْهُ مِنْ تَكْرَارِ بَدْرٍ الْأُولى، وَلَا شَكٍّ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ هَزِيمَةً المُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ مَا كَانَتْ عَنْ ضَعْفٍ وَجُبْنِ مِنْهُمْ، وَلَكِنَّهُ لَا حَدَثَ مِنْ مُخَالَفَةِ الْأَمْرِ النَّبَوِيِّ، وَذَلِكَ أَمْرُ لَا يَتَكَرَّرُ، فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ عَلَى قِلَّةِ عَدَدِهِمْ وَعُدَّتِهِمْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى

المُشْرِكِينَ، قَدِ انْتَصَرُوا عَلَيْهِمْ أَوَّلَ الْأَمْرِ.

غَزْوَةُ دُومَةِ الْجَنْدَلِ

وَغَزَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم دُومَةَ الْجُنْدَلِ، وَهِيَ وَاحَةٌ كَبِيرَةٌ بَيْنَ الْحِجَازِ وَالشَّامِ، وَتَقْطَنُهَا قَبَائِلُ بَدَوِيَّةٌ مَا هَمهَا إِلَّا السَّلْبُ وَالنَّهْبُ، فَأَرَادَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَسْرَ شَوْكَتِهِمْ لِتَأْمِينِ طَرِيقِ الْقَوَافِلِ بَيْنَ الْحِجَازِ وَالشَّامِ، وَذَلِكَ فِي شَهْرِ رَبِيعِ الْأَوَّلِ مِنَ السَّنَةِ الحَامِسَةِ لِلْهَجْرَةِ.

وَلا سَمِعَتِ الْقَبَائِلُ بِقُدُومِ الْمُسْلِمِينَ بِقِيَادَةِ نَبِيِّهِمْ إِلَيْهِمْ هَرَبُوا مُتَفَرِّقِينَ مُدْبِرِينَ؛

لِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ هُنَالِكَ قِتَالٌ، وَعَادَ النَّبِيُّ وَصَحْبُهُ إِلَى الْمَدِينَةِ وَلَمْ يُلَا قُوا كَيْدًا. (1/274)

صفحة 270

غَزْوَةُ الْأَحْزَاب أَوْ غَزْوَةُ الْخَنْدَقِ (1/275)

صفحة 271

تَسْمِيَتُهَا:

السيرة النبوية.

غَزْوَةُ الْأَحْزَابِ، أَوْ غَزْوَةُ الْخَنْدَقِ

أُطْلِقَ عَلَى هَذِهِ الْغَزْوَةِ اسْمَانِ؛ هُمَا:

غَزْوَةُ الْأَحْزَابِ، وَغَزْوَةُ الْخَنْدَقِ.

أَمَّا تَسْمِيَتُهَا بِغَزْوَةِ الْأَحْزَابِ فَنَظَرًا إِلَى تَحَزُّبِ عَدَدٍ مِنْ قَبَائِلِ الْعَرَبِ وَيَهُودِ بَنِي قُرَيْظَةَ ضِدَّ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ جَاؤُوا لِحَاصَرَتِهِمْ فِي المَدِينَةِ، وَقَدْ جَاءَ ذِكْرُ الْأَحْزَابِ فِي سُورَةِ الْأَحْزَابِ، وَهِيَ السُّورَةُ الَّتِي سُمِّيَتْ بِهَذَا الإِسْم ذَا السَّبَبِ، حَيْثُ يَقُولُ الله لِهَذَا تَعَالَى: (وَلَمَّارَهَا الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ، وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَنَا وَتَسليمًا) (1)، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: (يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِن يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُم بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْتَلُونَ عَنْ أَنْسَابِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُم مَا قَتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا (2) وَأَمَّا تَسْمِيَتُهَا بِغَزْوَةِ الْخُنْدَقِ فَلِلْخَنْدَقِ الَّذِي جَرَى حَفْرُهُ في الجهَةِ الشَّمَالِيَّةِ مِنَ المَدِينَةِ لِصَدَّ هُجُومٍ أُولَئِكُمُ الْأَحْزَابِ.

(1) سُورَةُ الْأَحْزَابِ الْآيَةُ: 22.

(2) سُورَةُ الْأَحْزَابِ الْآيَةُ: 20.

276 (1/276)

صفحة 272

السيرة النبوية.

سَبَبُهَا: السبب المباشر حُدُوثِ غَزْوَةِ الْأَحْزَابِ هُوَ إِجْلَاءُ يَهُودَ بَنِي النَّصِيرِ عَنِ المَدِينَةِ، وقد تقدم ذكر ذلك. ومن هُنَالِكَ تَحَرَّكَ الحقدُ الْيَهُودِيُّ لِلانْتِقَامٍ مِنْ مُحَمَّدٍ، فَذَهَبَ وَفَدٌ مِنْهُمْ عَلَى رَأْسِهِ حُبَيُّ بْنُ أَخْطَبَ النَّضْرِيُّ، إِلَى قُرَيْشٍ وَإِلَى غَطَفَانَ؛ حَنْهِمْ عَلَى حَرْبٍ مُحَمَّدٍ، وَقَالُوا هُمْ إِنَّ يَهُودَ بَنِي قُرَيْظَةَ سَيَنْضَمُونَ إِلَيْهِمْ لِحَارَبَةِ مُحَمَّدٍ، وَأَخَذُوا يُزَيِّنُونَ هُمْ ذَلِكَ الْأَمْرَ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ تَارِيخيا أَنَّ الْيَهُودَ أَهْلُ خُبْثٍ وَمَكْرٍ وَدَهاءِ، وَقَلْبِ لِلْحَقَائِقِ وَمُرَاوَغَةٍ فِي الْكَلَامِ، حَتَّى أَنَّهُمْ مَا سَأَلَتْهُمْ قُرَيْضٌ عَنْ أَيِّ الدِّينَيْنِ أَصَحُ؛ دِينِهِمْ أَيْ دِينِ قُرَيْشٍ أَمْ دِينِ مُحَمَّدٍ؟ أَجَابُوهُمْ بِأَنَّ مَا عَلَيْهِ قُرَيْشٍ مِنْ دِينِ هُوَ الْأَصَحُ، وَقَدْ عَابَ اللَّهُ عَلَى الْيَهُودِ كَذِبَهُمُ الْفَاضِحَ بِذَلِكَ الْقَوْلِ، بِقَوْلِهِ تَعَالَى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَبِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاء أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا أَوْ لَيكَ الَّذِينَ لَعَنْهُمُ اللَّهُ وَمَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (1) وَيَسْتَنْكِرُ إِسْرَائِيلُ ولفنسون - وَهُوَ يَهُودِيٌّ فَرَنْسِي -- عَلَى قَوْمِهِ الْيَهُودِ ذَلِكَ الْمُوْقِفَ الْمُجْرِمَ الشَّائِنَ بِقَوْلِهِ: كَانَ مِنْ وَاجِبِ هَؤُلَاءِ أَلَّا يَتَوَرَّطُوا فِي مِثْلِ هَذَا الْخَطَا الْفَاحِشِ، وَأَلَّا يُصَرِّ حُوا أَمَامَ زُعَمَاءِ قُرَيْشٍ بِأَنَّ عِبَادَةَ الْأَصْنَامِ أَفْضَلُ مِنَ التَّوْحِيدِ الْإِسْلَامِيِّ، وَلَوْ أَدَّى بهِمُ الْأَمْرُ إِلَى عَدَم إِجَابَةِ مَطَالِبَهُمْ؛ لِأَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّذِينَ كَانُوا مُدَّةَ قُرُونٍ حَامِلٍ رَايَةَ التَّوْحِيدِ فِي الْعَالَمِ بَيْنَ الْأُمَمِ الْوَثَنِيَّةِ بِاسْمِ الْآبَاءِ

or

(1) سُورَةُ النساء، الْآيَاتُ" 51 - 52

277 (1/277)

صفحة 273

السيرة النبوية.

الْأَقْدَمِينَ، وَالَّذِينَ نُكِبُوا بِنكَبَاتٍ لَا تُحْصَى مِنْ تَقْتِيلِ وَاضْطِهَادٍ بِسَبَبٍ إِيمَانِهِمْ بِإِلَهِ وَاحِدٍ فِي عُصُورٍ شَتَّى مِنَ الْأَدْوَارِ التَّارِيخيَّةِ، كَانَ مِنْ وَاجِبِهِمْ أَنْ يُضَحُوا بِحَيَاتِهِمْ وَكُلِّ عَزِيزِ لَدِيهِمْ فِي سَبِيلِ أَنْ يَخْذُلُوا المُشْرِكِينَ، هَذَا فَضْلًا عَنْ أَنَّهُمْ بِالْتِحَاقِهِمْ إِلَى

عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ إِنَّمَا يُحَارِبُونَ أَنْفُسَهُمْ وَيُنَاقِضُونَ تَعَالِيمَ التَّوْرَاةِ الَّتِي تُوصِيهِمْ بِالنُّفُورِ مِنْ أَصْحَابِ الْأَصْنَامِ، وَبِالْوُقُوفِ مِنْهُمْ مَوْقِفَ الخصومة (1).

ه

وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَقَدْ مُحَمَّسَتْ قُرَيْضٌ وَنَشَطَتْ بَعْدَ أَنِ اطْمَأَنَتْ إِلَى وُعُودِ الْوَفْدِ الْيَهُودِي بِمُنَاصَرَةِ الْيَهُودِ هُمْ.

ثُمَّ ذَهَبَ الْوَقْدُ الْيَهُودِيُّ إِلَى قَبَائِلِ غَطَفَانَ وَهِيَ عِدَّةٌ قَبَائِلَ بِنَجْدِ، وَحَرَّضُوهُمْ عَلَى حَرْبِ المُسْلِمِينَ وَغَزْوِ المَدِينَةِ بَعْدَ أَنْ أَخْبَرُوهُمْ عَنْ مُوَافَقَةِ قُرَيْشٍ عَلَى الْغَزْوِ وَالدُّخُولِ فِي الْحَرْبِ، وَأَنَّ قُرَيْشًا وَالْيَهُودَ سَيَكُونُونَ مَعَهُمْ، كَمَا وَعَدُوهُمْ بِإِعْطَائِهِمْ يْمَارِ خَيْبَرَ لِمُدَّةِ سَنَةٍ، فَوَافَقَتْ غَطَفَانُ عَلَى غَزْوِ المَدِينَةِ وَحَرْبِ المُسْلِمِينَ، وَلَكِنْ يَدُورُ هُنَالِكَ تَسَاؤُلٌ، وَهُوَ لِمَاذَا اخْتَارَ الْوَفْدُ الْيَهُودِيُّ النَّضْرِيُّ قُرَيْشًا وَغَطَفَانَ؟ الجواب: هُوَ أَنَّ قُرَيْشًا كَانَتْ لَا تَزَالَ مُسْتَمِرَّةً عَلَى حُصُومَتِهَا لِلنَّبِيِّ مُنْذُ بَدْهِ الْبِعْثَةِ النَّبَوِيَّةِ، مُرُورًا بِمَا كَانَتْ تُمارِسُهُ مِنْ مُضَايَقَاتٍ ضِدَّهُ، إِلَى أَنْ كَانَتْ مَعْرَكَةُ بَدْرٍ

(1) هيگل، مُحَمَّد حُسَيْن، حَيَاةُ مُحَمَّدٍ، ص 339، طَبْعَةُ دَارِ الْمُعَارِفِ الْقَاهِرَةَ، نَفْلًا عَنْ كِتَابِ " تَارِيخ الْيَهُودِ فِي بِلَادِ الْعَرَبِ".

278 (1/278)

صفحة 274

السيرة النبوية.

الْكُبْرَى الَّتِي حَطَّمَتْهُمْ وَقَضَتْ عَلَى أَبْطَاهِمْ، وَصَنَادِيدِهِمْ، فَهُمْ مَوْتُورُونَ مِنَ النَّبِيِّ

أَمَّا غَطَفَانُ فَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قَامَ بِغَزْوِهِمْ فِي دِيَارِهِمْ بِنَجْدٍ قَبْلَ هَذَا الْوَقْتِ بِمُدَّةٍ لَيْسَتْ طَوِيلَةٌ، غَزْوَةٌ عُرِفَتْ بِغَزْوَةِ ذَاتِ الرِّفَاع، لما عَلِمَ أَنْهُمْ كَانُوا يَجْتَمِعُونَ قَاصِدِينَ مُهَاجَمَةَ المَدِينَةِ، فَبَادَرَهُمْ بِالْجُومِ فَفَرَّقَهُمْ.

إِذَنْ كَانَتْ قَبَائِلُ غَطَفَانُ مَوْتُورَةٌ مِنَ النَّبِيُّ، إِضَافَةٌ إِلَى وَعْدِ الْوَفْدِ الْيَهُودِي

لهُمْ بِشِمارِ سَنَةٍ مِنْ ثَمَارِ خَيْبَرَ، وَلِذَلِكَ تَخَمسُوا لِلْمُشَارَكَةِ فِي غَزْو المَدِينَةِ.

حَفْرُ الْخَنْدَقِ:

عَلِمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِتَحَرُّبِ الْأَحْزَابِ وَتَجَمُّعِ الْقَبَائِلِ حِرْبِهِ وَالْجُومِ عَلَى الْمَدِينَةِ، وَأَخَذَ يَضَعُ خُطَّةٌ اسْتِرَاتِيجِيَّة لِلدِّفَاعِ عَنِ المَدِينَةِ وَلِلْحَيْلُولَةِ دُونَ الفُجُومِ عَلَيْهَا وَيُنَاقِشُ مَعَ أَصْحَابِهِ خُطَّةَ الدَّفَاعِ وَتَحْصِينِ المَدِينَةِ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ جِدُّ خَطِيرِ، إِذْ رَمَتْهُمُ الْعَرَبُ عَنْ قَوْسٍ وَاحِدَةٍ، وَلَا شَكٌّ أَنَّ هَذَا الْأَمْر أَخْطَرُ مِنْ غَزْوَةِ أُحُدٍ نَظَرًا لِعَدَدِ الْقَبَائِلِ الَّتِي تَحَزَّبَتْ ضِدَّهُمْ.

وَهُنَالِكَ كَانَ رَأْيُ سَلْمَانَ الْفَارِسِيُّ حَاضِرًا إِذْ أَشَارَ بِحَفْرِ خَنْدَقٍ يَحْتَمُونَ خَلْفَهُ، قَائِلاً: " يَا رَسُولَ الله إِنَّا كُنَّا بِأَرْضِ فَارِسَ إِذَا تَخَوَّفْنَا الخَيْلَ خَنْدَقْنَا عَلَيْنَا، فَاسْتَحْسَنَ الرَّسُولُ رَأْيَهُ، فَأَمَرَ بِحَفْرِ الْخَنْدَقِ فِي السَّهْلِ الْوَاقِعِ شَمَال الْمَدِينَةِ، بَيْنَ حَرَّةِ وَاقِمٍ فِي الشَّرْقِ، وَوَادِي يُطْحَانَ وَجَبَلٍ سَلْع فِي الْغَرْبِ، وَهَذِهِ الْجِهَةُ أَي الْجَهَةُ الشَّمَالِيَّةُ هِيَ الجهَةُ الْوَحِيدَةُ الَّتِي يُمْكِنُ مِنْهَا دُخُولُ الْجُيُوشِ وَإِجْرَاءُ الْقِتَالِ.

279 (1/279)

صفحة 275

السيرة النبوية.

وَقَسَّمَ رَسُولُ الله أَعْمَالَ الْخَفْرِ بَيْنَ أَصْحَابِهِ، حَيْثُ وَزَعَهُمْ لِيَكُونَ كُلُّ عَشَرَهُ أَشْخَاص يُكَوِّنُونَ فَرِيقًا وَاحِدًا، وَهُنَالِكَ تَأَسَّسَتْ نَظرِيَّةُ عَمَلِ الْفَرِيقِ الْوَاحِدِ وَقَدْ خَصَّصَ لِكُلِّ فَرِيقِ عَمَلِ أَرْبَعِينَ ذِرَاعًا، أَيْ عِشْرِينَ مِتْرًا، وَكَانَ طُولُ الْخَنْدَقِ حَوَالَيْ

خَمْسَةِ آلَافِ ذِرَاعٍ، أَيْ أَلْفَيْنِ وَخَمْسَمِائَةِ مِثْرٍ، وَعُمْتُهُ عَشْرَةَ أَذْرُعٍ أَيْ خَمْسَةَ أَمْتَارٍ. وَعَمِلَ المُسْلِمُونَ فِي حَفْرِ الْخَنْدَقِ بِكُلِّ دَابِ وَإِخْلَاصِ وَتَفَانٍ، وَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَعْمَلُ مَعَهُمْ فِي الْخَفْرِ بِنَفْسِهِ، بَلْ إِنَّهُ كَانَ أَشَدَّهُمْ تَحَمُّلًا إِظْهَارًا لِلْمُسَاوَاةِ الَّتِي هِيَ رُوحُ الْإِسْلَامِ وَجَوْهَرُهُ. حَيْثُ كَانَ يَحْمِلُ عَلَى بَطْنِهِ حَجَرَيْنِ، بَيْنَمَا كَانَ المُسْلِمُونَ يَحْمِلُ كُلُّ وَاحِدٍ حَجَرًا

حَجَرًا.

وَكَانَ الْوَقْتُ شِتَاءٌ حَيْثُ كَانَ الطَّقْسُ قَاسِبًا شَدِيدَ الْبُرُودَةِ، أَمَّا الْجُوعُ فَهُوَ ضَارِبٌ بِأَطْنَابِهِ بَيْنَهُمْ، وَلِكِنَّهُمْ مَعَ ذَلِكَ كَانُوا مَسْرُورِينَ، وَمَعْنَوِيَّاتُهُمْ مُرْتَفِعَةٌ وَيَرْتَجِزُونَ الشِّعْرَ تَعْبِيرًا عَنْ رِضَاهُمْ وَسُرُورِهُمْ بِذَلِكَ، وَلا رَأَى النَّبِيُّ الْكَرِيمُ الرَّحِيمُ مَا بِهِمْ مِنْ جُوعٍ وَجَهْدِ وَتَعَبٍ، وَمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ شِدَّةٍ قَالَ قَوْلَتَهُ الشَّهِيرَةَ: " اللهُمَّ لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الْآخِرَهُ، فَاغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَالمُهَاجِرَهُ، لِمَا حَمَلَ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُؤَكِّدُوا وَلَاءَهُمْ وَإِخْلَاصَهُمْ بِقَوْلِهِمْ: نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدًا عَلَى الْجِهَادِ مَا بَقِينَا أَبَدًا

280 (1/280)

صفحة 276

السيرة النبوية.

إِنَّ حَفْرَ الخَنْدَقِ يُعْتَبَرُ مِنَ المشاريع الحَضَارِيَّةِ الْعَرَبِيَّةِ (1)، فَهُوَ وَإِنْ كَانَ بِإِشَارَةِ مِنْ سَلْمَانَ وَهُوَ فَارِسِيُّ، إِلَّا أَنْ هَنْدَسَةَ المُشْرُوعِ مِنْ حَيْثُ اخْتِيَارُ الْمَكَانِ، وَطُولُ الخنْدَقِ وَعُمْقُهُ، وَطَرِيقَةُ الْعَمَلِ، كَانَ كُلُّ ذَلِكَ مِنَ النَّبِيِّ، وَقَدْ تَسَابَقَ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارِ فِي ضَمَّ انْتِمَاءِ سَلْمَانَ، فَكُلُّ مِنَ الْفَرِقَيْنِ يُرِيدُ انْتِهَاءَهُ إِلَيْهِ، حَتَّى حَسَمَ رَسُولُ الله الموْقِفَ بِقَوْلِهِ: " سَلْمَانُ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ" كَمُكَافَأَةٍ لِسَلْمَانَ عَلَى إِشَارَتِهِ بِحَفْرٍ

الخَنْدَقِ، وَاللَّهُ يُؤْتِي فَضْلَهُ مَنْ يَشَاءُ. وُصُولُ الْأَحْزَابِ:

كَانَ وُصُولُ الْقَبَائِلِ الْمُتَحَزِّبَةِ حَوْلَ المَدِينَةِ، بَعْدَ فَرَاغِ المُسْلِمِينَ مِنْ حَفْرِ خَنْدَقِهِمْ، حَيْثُ نَزَلَتْ قُرَيْضٌ وَمَنْ مَعَهَا مِنَ الْأَحَابِي وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنْ كِنَانَةِ وَأَهْلِ تِهَامَةَ، بِمُجْتَمَعِ الْأَسْبَالِ فِي مَنْطِقَةِ رُومَةَ، وَعَدَدُهُمْ أَرْبَعَةُ آلَافِ رَجُلٍ، وَنَزَلَتْ غَطَفَانُ وَمَنْ مَعَهُمْ مِنْ قَبَائِلِ أَشْجَعَ وَسُلَيْمٍ وَبَنِي أَسَدٍ بِمَنْطِقَةِ جَبَلِ أُحُدٍ، وَعَدَدُهُمْ سِتَّةَ آلافِ رَجُلٍ، حَيْثُ صَارَ تَجمُوعُهُ عَشْرَةَ آلَافِ رَجُلٍ مُقَاتِلٍ، وَهُوَ عَدَدٌ كَبِيرٌ يُوَاجِهُهُ المُسْلِمُونَ، لِلْمَرَّةِ الْأُولَى فِي حُرُوبِهِمْ مَعَ أَعْدَائِهِمْ، وَكَانَ حُبَيُّ بْنُ أَخْطَبَ الْيَهُودِيُّ يُرَاقِبُ وُصُوهُمْ وَيُرَتِّبُ نُزُوهُمْ حَوْلَ المَدِينَةِ، وَلا اطْمَأَنَّ إِلَى أَخْذِهِمْ مَوَاقِعَهُمْ، انْطَلَقَ

(1) وَصْفُ الحَضَارَةِ المَادِيَّةِ وَالْعُمرَانِيَّةِ بِأَنَّهَا حَضَارَةٌ إِسْلَامِيَّةٌ، تَعْبِيرُ غَيْرُ دَقِيقِ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ دِينُ وَثَقَافَةٌ، أَمَّا الْأَشْيَاءُ المَادِيَّةُ وَالْعُمْرَانِيَّةُ فَالْأَوْلَى أَنْ تُنْسَبَ إِلَى شُعُوبِهَا، فَيُقَالُ الْحَضَارَةُ الْعَرَبِيَّةُ وَالْحَضَارَةُ الْفَارسَيَّةُ وَالْحَضَارَةُ التَّرْكِيَّةُ مَثَلًا.

281 (1/281)

صفحة 277

السيرة النبوية.

إِلَى يَهُودِ بَنِي قُرَيْظَةَ فِي قُرَى المَدِينَةِ؛ لِإِقْنَاعِهِمْ بِالإِنْضِمَامِ إِلَى الْقَبَائِلِ الْعَرَبِيَّةِ المُتَحَزِّبَةِ، وَالاسْتَرَاكِ فِي حَرْبٍ مُحَمَّدٍ وَالمُسْلِمِينَ تَحْقِيفًا لَمَا وَعَدَ بِهِ قُرَيْشًا وَغَطَفَانَ، وَقَصَدَ سَيْدَهُمْ كَعْبَ بْنَ أَسَدٍ، وَكَانَتْ يَهُودُ بَنِي قُرَيْظَةَ إِحْدَى الْقَبَائِلِ الْيَهُودَيَّةِ الثَّلَاثِ الْكُبْرَى بِالمَدِينَةِ الَّتِي كَانَتْ لَا تَزَالُ بَاقِيَةً عَلَى الْعَهْدِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، بَيْنَمَا الْقَبِيلَتَانِ الْأُخْرَيَانِ وَهُمَا بَنُو قَيْنُقَاعَ وَبَنُو النَّضِيرِ، كَانَنَا قَدْ تَمَّ إِجْلَاؤُهُما عَنِ المَدِينَةِ لِنَقْضِهِمَا الْعَهْدِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ.

كَانَ كَعْبُ بْنُ أَسَدٍ رَافِضًا فِي الْبِدَايَةِ اسْتِقْبَالِ حُيَيٍّ بنِ أَخْطَبَ مُعْتَبِرًا إِيَّاهُ نَذِيرٌ شُوْمٍ وَلَكِنَّ حُيًّا بِدَمَائِهِ وَمَكْرِهِ وَخُبْيْهِ اسْتَطَاعَ إِقْنَاعَ كَعْبِ لِلْمُوافَقَةِ عَلَى اسْتِقْبَالِهِ، وَمَا أَنِ اسْتَقْبَلَهُ حَتَّى أَخْبَرَهُ بِمَا جَاءَ بِهِ قَائِلًا لَهُ: «وَيْحَكَ يَا كَعْبُ جِئْتُكَ بِعِزِّ الدَّهْرِ وَبِبَحْرِ طَام، جِبْتُكَ بِقُرَيْشٍ عَلَى فَادَتِهَا وَسَادَتِهَا حَتَّى أَنْزَلْتُهُمْ بِمُجْتَمَعِ الْأَسْبَالِ مِنْ رُومَةً، وَبِغَطَفَانَ عَلَى فَادَتِهَا وَسَادَتِهَا حَتَّى أَنْزَلْتُهُمْ بِذَنْبِ نَقَمَى إِلَى جَانِبِ أُحُدٍ، قَدْ عَاهَدُونِ وَعَاقَدُونِ عَلَى أَلَّا يَبْرَحُوا حَتَّى نَسْتَأْصِلَ مُحَمَّدًا وَمَنْ مَعَهُ، وَكَانَ كَعْبٌ قَدْ تَرَدَّدَ فِي الْبِدَايَةِ مِنْ مُوَافَقَةِ حُيَيٍّ بْنِ أَخْطَبَ عَلَى الإِنْضِمَامِ إِلَى الْأَحْزَابِ مُتَعَلَّلًا بِالْعَهْدِ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّ، أَوْ بَيْنَ يَهُودِ قُرَيْظَةَ وَالْمُسْلِمِينَ، لَكِنَّ حُيًّا بِمَكْرِهِ وَخُيْيْهِ أَقْنَعَهُ بِالتَّخَلِّي عَنِ الْعَهْدِ مَعَ مُحَمَّدٍ وَالمُسْلِمِينَ، وَإِنَّهَا فُرْصَةُ الدَّهْرِ الَّتِي سَوْفَ لَنْ تَتَكَرَّرَ أَبَدًا. هُنَالِكَ مَالَ كَعْبُ إِلَى حُيَيٍّ، وَصَدَّقَهُ فِي طَرْحِهِ وَتَخْطِيطِهِ، وَوَافَقَهُ عَلَى الدُّخُولِ فِي

الحَرْبِ ضِدَّ مُحَمَّدٍ وَالْمُسْلِمِينَ، نَاقِضًا بِذَلِكَ الْعَهْدِ مَعَهُمْ.

282 (1/282)

صفحة 278

السيرة النبوية.

وفي الحقيقةِ الظَّاهِرَةِ لِلْعَيَانِ، أَنَّ المُعْطَيَاتِ الَّتِي عَلَى أَرْضِ الْوَاقِعِ تُشِيرُ إِلَى إِمْكَانِيَّةِ تَحَقُّقِ مَا كَانَ يَحْلُمُ بِهِ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ، وَعَرَبُ الْأَحْزَابِ، بَلْ إِلَى الْجُزْمِ بِذَلِكَ التَّحْقُقِ، فَعَشَرَةُ آلافٍ مِنْ مُقَاتِلِ الْعَرَبِ يُضَافُ إِلَيْهِمْ مِنَاتٌ مِنَ الْيَهُودِ أَمْرٌ كَفِيلٌ بِالْقَضَاءِ عَلَى المُسْلِمِينَ وَنَبِيَّهِمْ، لَوْلَا النَّبوَّةُ المُحَاطَةُ بِالدَّعْمِ الرَّبَّانِيِّ وَالنَّصْرِ الْإِلَمِيِّ، وَهَذَا المُفْهُومُ وَإِنْ كَانَ غَائِبًا عَنْ عُقتُولِ عَرَبِ الْأَحْزَابِ، فَهُوَ بِالتَّأْكِيدِ غَيْرُ غَائِبٍ عَنْ عُقُولِ حُيَيٍّ بنِ أَخْطَبَ وَالْيَهُودِ بَلْ حَاضِرٌ فِي عِلْمِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ كَمَا وَصَفَهُمُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ:

الَّذِينَ آتَيْنَهُمُ الْكِتَبَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (1)، وَلَكِنَّهُ الْعِنَادُ الْيَهُودِيُّ المُتَأَصِّلُ حِدًا وَكَرَاهِيَةً ضَدَّ مُحَمَّدٍ وَالمُسْلِمِينَ.

عَلَى أَنَّهُ مِنَ المَعْلُومِ أَنَّ الْيَهُودَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِآيَةِ دِيَانَةٍ رَبَّانِيَّةٍ جَاءَتْ بَعْدَ الدِّيَانَةِ الْيَهُودَيَّةِ، فَهُمْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِالدِّيَانَةِ النَّصْرَانِيَّةِ، كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِالْإِسْلَامِ، كَمَا أَنَّهُمْ لَمْ يَعْتَرِفُوا بِنَبِي صَاحِبِ رِسَالَةِ بَعْدَ النَّبِيِّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَلَعَلَّهُمْ لَمْ يَعْتَرِفُوا بِنَبِيٍّ قَطُّ بَعْدَ النَّبِيِّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ.

بَلَغَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم نَقْضُ بَنِي قُرَيْظَةَ لِلْعَهْدِ، وَلَكِنَّهُ أَرَادَ التَّحَقُقَ فَأَرْسَلَ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِهِ عَلَى رَأْسِهِمْ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ سَيِّدُ الْأَوْسِ، وَسَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ سَيْدُ الْخَزْرَج، وَقَالَ هُمْ: انْطَلِقُوا حَتَّى تَنْظُرُوا أَحَقًّا مَا بَلَغَنَا عَنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ أَمْ لَا؟ فَإِنْ كَانَ حَقًّا فَالْخُنُوا

(1) سُورَةُ الْبَقَرَةِ الْآيَةُ: 146.

283 (1/283)

صفحة 279

السيرة النبوية.

لي حنا أَعْرِفُهُ، وَلَا تَفْتُوا فِي أَعْضَادِ النَّاسِ، وَإِنْ كَانُوا عَلَى الْوَفَاءِ فِيمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ فَاجْهَرُوا بِهِ لِلنَّاسِ". وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى إِحْسَاسِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِمَا كَانَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ مِنْ خَوْفٍ وَقَلَقٍ، وَعِنْدَمَا وَصَلَ الْوَفْدُ الْإِسْلَامِيُّ إِلَى الْيَهُودِ وَجَدُوهُمْ شَرًّا مَكَانًا حَتَّى إِنَّهُمْ نَالُوا مِنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم بِبَذَاءَةِ قَوْلِهِمُ الْأَمْرُ الَّذِي حَمَلَ سَعْدَ بْنَ مُعَادٍ عَلَى إِغْلَاطِ الْقَوْلِ الْجَاهِهِمْ، بِاعْتِبَارِهِ سَيِّدَ الْأَوْسِ، وَهُمْ عَلَى عَقْدِ وَحِلْفٍ مَعَ الْأَوْسِ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَجِدْ مِنْهُمْ إِلَّا الْإِصْرَارَ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ.

وَعَادَ الْوَفْدُ إِلَى رَسُولِ اللهِ، وَقَالُوا لَهُ: عَضَلُّ وَالْقَارَةُ، أَيْ كَغَدْرِ عَضَلٍ وَالْقَارَةِ بِأَصْحَابِ الرَّجِيعِ، غَيْرَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فِي تِلْكَ الظُّرُوفِ الْحَالِكَةِ، وَفِي ذَلِكَ المُحِيطِ مِنَ المُصَائِبِ وَالمَتاعِبِ اسْتَبْشَرَ - خَيْرًا وَقَالَ: " اللَّهُ أَكْبَرُ، أَبْشِرُ وا يَا مَعْشَرَ

المُسْلِمِينَ".

وَكَانَ المُسْلِمُونَ اتَّخَذُوا مَوْقِعَهُمُ الدِّفَاعِيِّ بِجَانِبِ جَبَلِ سَلْعِ وَهُمْ ثَلَاثَةُ آلَافٍ رَجُلٍ، جَاعِلِينَ الجَبَل خَلْفَ ظُهُورِهِمْ لِيَتَمَكَّنُوا مِنْ مُرَاقَبَةِ الْعَدْهِ، وَلِأَنَّهُ مِنْ غَيْرِ الممكنِ اقْتِحَامُ الْعَدُّهِ لِلْجَبَلِ، وَلِيَكُونَ الْعَدُّمُ أَمَامَ نَاظِرَيْهِمْ، وَبِالتَّالِي فَهُمْ آمِنُونَ مِنْ وَرَاءِ ظُهُورِهِمْ.

كَمَا وَضَعَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَهَالِيهِمْ مِنْ نِسَاءٍ وَأَطَفَالٍ وَعَجَزَةٍ فِي بيُوتِ آمِنَةٍ مُحَصَّنَةٍ، وَشَكَّلَ النَّبِيُّ جَمَاعَةَ حِرَاسَةٍ بِقِيَادَةِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ وَسَلَمَةَ بْنِ

284 (1/284)

صفحة 280

السيرة النبوية.

أَسْلَمَ، لِكَيْ يَحْرُسُوا المَدِينَةَ مِنَ الدَّاخِلِ، وَيَخمُوا الْعَوَائِلَ، وَيَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّكْبِيرِ،

خوْفِهِمْ عَلَى أَهَالِيهِمْ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ.

الْحِصَارُ:

هَا هُمْ عَرْبُ الْأَحْزَابِ مُتَجَمِّعُونَ خَارِجَ الْخَنْدَقِ شَمَالَ المَدِينَةِ، وَمُطْبِقُونَ الْحِصَارَ عَلَيْهَا، تَأَهُبًا لِلْوَثْبَةِ وَاسْتِعْدَادًا لِلْقِتَالِ.

وَمَا هُمْ أَيْضًا بَنُو قُرَيْظَةَ يَتَحَيَّنُونَ الْفُرْصَةَ، وَيَنتَظِرُونَ الْإِشَارَةَ لِلانْقِضَاضِ عَلَى المُسْلِمِينَ مِنْ دَاخِل المدينةِ الأمْرُ الَّذِي جَعَلَ مَوْقِفَ الْمُسْلِمِينَ يَزْدَادُ صُعُوبَةً وَحَرَجًا،

عَبر عَنْ ذَلِكَ الْقُرْآنُ أَجْمَلَ تَعْبِيرِ، وَصَوَّرَهُ أَجْمَلَ تَصْوِيرٍ حَيْثُ قَال:

إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَرُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الحَنَاجِرَ وَنَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا هُنَالِكَ ابْتُلِ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْنَا لَا شَدِيدًا (1). وَهُنَاكَ امْتَازَ المُسْلِمُونَ المُخْلِصُونَ اللهَ وَرَسُولِهِ دُونَ المُنَافِقِينَ، حَيْثُ ظَهَر

المُنافِقُونَ عَلَى حَقِيقَتِهِمُ الدَّنِينَةِ، وَأَظْهَرُوا سَرِيرَتَهُمُ الخَبينَةَ، بِالتَّفَرُّه بِالْبَاطِلِ، وَاسْتِعْمَالِ السُّخْرِيَةِ مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَالْمُسْلِمِينَ هَمْرًا وَلزًا، حَتَّى أَنَّ أَحْدَهُمْ وَهُوَ مُتعب بن قُشَيْرِ يَقُولُ: «كَانَ مُحَمَّدٌ يَعِدُنَا أَنْ نَأْكُلَ كُنُوزَ كِسْرَى وَقَيْصَرَ، وَأَحَدُنَا الْيَوْمَ لَا يَأْمَنُ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى الْغَائِطِ، وَأَخَذُوا يَتَهَرَّبُونَ مِنْ مَوْقِع المُوَاجَهَةِ مُتَعَلِّلِينَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِأَنَّ بُيُوتَهُمْ عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةِ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا، أَمَّا الْمُؤْمِنُونَ فَقَدْ كَانُوا عَلَى أَشَدِّ

(1) سُورَةُ الْأَحْزَابِ الْآيَاتُ: 10 - 11.

285 (1/285)

صفحة 281

السيرة النبوية.

مَا يَكُونُ عَلَيْهِ الإِنْضِبَاطُ، عَلَى أَنَّ الْمُنَافِقِينَ طَالَما شَكَلُوا عَامِلَ أَذًى بِالنِّسَبةِ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم

وَالمُسْلِمِينَ. وَقَدْ وَصَفَ اللهُ تَعَالَى مَوْقِفَهُمُ الْمُتَخَاذِلَ فِي غَزْوَةِ الْأَحْزَابِ أَوْ غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ فِي آيَاتٍ عَدِيدَةٍ مِنْ سُورَةِ الْأَحْزَابِ حَيْثُ يَقُولُ: (وَإِذْ يَقُولُ الْمُتَنْفِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا وَإِذْ قَالَت طَائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَتَأَهْلَ يَغْرِبَ لَا مُقَامَ ا. لكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَذِنُ فَرِيقٌ مِنهُمُ النَّبِيِّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَورَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا وَلَوْ دُخلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُلُوا الْفِتْنَةَ لَا تَوْهَا وَمَا تَلْبَثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا) وَلَقَدْ كَانُوا عَهَدُوا اللهَ مِن قَبْلُ لَا يُولُونَ الْأَدْبَر وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا) قُل أَن يَنفَعَكُمْ الْفِرَارُ إِن فَرَرْتُم مِّنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذَا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا قُلْ مَن ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُم

13

17

مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُومَ أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا)

قد يعلم الله المعوقين منكر والقابلين لإخْوَانِهِمْ مَلَمَ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا) أَيْعَةً عَلَيْكُم فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنَهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةِ حِدَادٍ أَشِحَةً عَلَى الْخَيْرِ أُوْلَيْكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَلَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا) يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِن يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا

286 (1/286)

صفحة 282

السيرة النبوية.

لَوْ أَنَّهُم بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْتَلُونَ عَنْ أَننَا بِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُم مَّا قَتَلُوا إِلَّا

قليلا (1).

مُحَاوَلَاتُ الصُّلْحِ مَعَ غَطَفَانَ:

أَمَامَ تِلْكَ الْحَالَةِ مِنَ التَّرَقُبِ فِي انْتِظَارِ سَاعَةِ الصِّفْرِ لِوُجُومِ الْأَحْزَابِ مِنَ الْخَارِجِ وَمِنَ الدَّاخِلِ، بَدَأَتْ تَدِبُّ فِي قُلُوبِ التَّحَالُفِ شُكُوكُ عَدَمِ الثَّقَةِ، وَكَانَ النَّبِيُّ له يُرَاقِبُ الْمُوْقِفَ بِدَقَّةٍ مُتَنَاهِيَة، وَيُتَابِعُ الْأَحْوَالَ وَيَسْتَطيعُ الْأُمُورَ، وَهُنَالِكَ اخْتَرَقَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ جِدَارَ الصَّمْتِ فَبَعَثَ إِلَى قَادَةِ غَطَفَانَ يَدْعُوهُمْ إِلَى الصُّلْحِ وَالْكَفْ عَنِ الحَرْبِ وَالإِنْسِحَابِ مِنَ التَّحَالُفِ عَلَى أَنْ يُعْطَوْا ثُلُثَ لِمارٍ سَنَةٍ مِنْ ثِمَارِ المَدِينَةِ؛ لأَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا قَدْ وَعَدُوهُمْ بِثَمَارِ سَنَةٍ مِنْ خَيْبَرَ، وَلِذَلِكَ وَافَقَ قَادَهُ غَطَفَانَ، غَيْرَ أَنَّ النبي لما اسْتَشَارَ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ سَدَ الْأَوْسِ، وَسَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ سَيِّدَ الْخَزْرَجِ لَمْ يُوَافِقَا عَلَى ذَلِكَ، مَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ أَمْرًا مِنَ الله تَعَالَى، أَمَّا مَا دَامَ الْأَمْرُ اجْتِهَادًا وَنَصِيحَةً مِنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَإِنَّ لَهُمَا رَأْيَا آخَرَ، وَقَالَا: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمْرًا تُحِبُّهُ فَنَصْنَعَهُ؟ أَمْ شَيْئًا أَمَرَكَ اللَّهُ بِهِ لَا بُدَّ لَنَا مِنَ الْعَمَلِ بِهِ؟ أَمْ شَيْئًا تَصْنَعُهُ لَنَا؟».

قَالَ: بَلْ شَيْئًا أَصْنَعُهُ لَكُمْ، وَالله مَا أَصْنَعُ ذَلِكَ إِلَّا لِأَنَّنِي رَأَيْتُ الْعَرَبَ قَدْ رَمَتْكُمْ عَنْ قَوْسِ وَاحِدَةٍ، وَكَالَبُوكُمْ مِنْ كُلِّ جَانِبِ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَكْسِرَ عَنْكُمْ شَوْكَتَهُمْ إِلَى أَمْرٍ مَا، فَتَكَلَّم سَعْدُ بْنُ مُعَادٍ وَقَالَ: يَا رَسُولَ الله قَدْ كُنَّا نَحْنُ وَهَؤُلَاءِ الْقَوْمُ عَلَى

(1) سُورَةُ الْأَحْزَابِ الْآيَاتُ: 12 - 20.

287 (1/287)

صفحة 283

السيرة النبوية.

الشِّرْكِ بِالله وَعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، لَا تَعْبُدُ اللَّهَ وَلَا تَعْرِفُهُ، وَهُمْ لَا يَطْمَعُونَ أَنْ يَأْكُلُوا مِنْهَا ثَمَرَةً إِلَّا قِرَى أَوْ بَيْعًا، أَفَحِينَ أَكْرَمَنَا اللهُ بِالْإِسْلَام وَهَدَانَا لَهُ وَأَعَزَّنَا بِكَ وَبِهِ نُعْطِيهِمْ أَمْوَالَنَا؟ وَالله مَا لَنَا بِهَذَا مِنْ حَاجَةٍ، وَالله لَا نُعْطِيهِمْ إِلَّا السَّيْفَ حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ، قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " أَنْتَ وَذَاكَ".

وَكَانَتْ قَدْ أُعِدَّتْ وَيْقَةٌ لِلصُّلْحِ بَيْنَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَغَطَفَانَ، إِلَّا أَنَّ سَعْدَ بْنُ مُعَادٍ تَنَاوَلَ الصَّحِيفَةَ وَمَحَا مَا فِيهَا مِنْ كِتَابَةٍ، قَائِلًا: لِيَجْهَدُوا عَلَيْنَا عَلَى سَبِيلِ التَّهْدِيدِ

وَيَقْصِدُ إِنِ اسْتَطَاعُوا فَلْيَقْضُوا عَلَيْنَا، وَلَكِنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ.

وَتِلْكَ المُحَاوَلاتُ كَانَتْ حِكْمَةٌ مِنَ النَّبِيِّ لِثَلَاثَةِ أُمُورٍ هِيَ:

الْأَوَّلُ: التَّأْكُدَ مِنْ بَقَاءِ الْأَنْصَارِ عَلَى الإِسْتِعْدَادِ لِلْقِتَالِ وَاعْتِزَازِهِمْ بِالْإِسْلَامِ،

وَهُوَ مَا أَكْدَهُ سَعْدُ بْنُ مُعَادٍ.

الثَّانِي: كَسْبُ الْوَقْتِ وَتَأْخِيرُ الْهُجُومِ عَلَى المَدِينَةِ مِنْ قِبَلِ أُولَئِكَ الْأَحْزَابِ، فَلَعَلَّهُمْ يَدْخُلُهُمُ السَّامُ وَالملل.

الثَّالِثُ: إِشَاعَةُ عَدَمِ الثَّقَةِ بَيْنَ التَّحَالُفِ، فَإِنَّهُ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ عِنْدَمَا يَقُومُ أَحَدُ الْأَطْرَافِ بِالتَّفَاوُضِ مَعْ عَدُوِّهِمْ، فَإِنَّ الطَّرَفَ الْآخَرَ أَوِ الْأَطْرَافَ الْأُخْرَى يُسَاوِرُهُمُ الشَّتُ تِجَاءَ الطَّرَفِ المُفَاوِضِ دُوتَهُمْ، وَبِالتَّالِي فَإِنَّهُ يَحْدُثُ هُنَالِكَ التَفَكَّكُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ

حَصَلَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ.

288 (1/288)

صفحة 284

دَوْرِيَّةُ اسْتَطِلَاعِ يَهُودِيَّةٌ:

السيرة النبوية.

أَرْسَلَ بَنُو قُرَيْظَةَ المُتَحَصَّنُونَ فِي حُصُونِهِمْ، رَجُلًا يَسْتَطْلِعُ لَهُمْ أَحْوَالَ عَوَائِلَ المُسْلِمِينَ وَذَرَارِيَّهُمْ، وَلَعَلَّهُمْ كَانُوا يُرِيدُونَ الجُومَ عَلَيْهِمْ لِإِرْبَاتِهِمْ مِنَ الدَّاخِلِ عِنْدَمَا يَحِينُ الهُجُومُ مِنْ قُوَّاتِ التَّحَالُفِ مِنَ الْخَارِجِ، لَكِنَّ نِسَاءَ الْمُسْلِمِينَ شَاهَدْنَ ذَلِكَ الرَّجُلَ وَهُوَ يَجُوسُ الدِّيَارَ، وَيَتَحَسَّسُ الأَخْبَارَ، وَيَتَنَصَّتَ لِلْكَلَامِ، فَلَمَّا لَاحَظْنَهُ كَذَلِكَ هَجَمَتْ عَلَيْهِ السَّيِّدَةُ الجَلِيلَةُ صَفِيَّةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بِعَمُودٍ خَشَبِي اسْتَطَاعَتْ أَنْ تَقْضِيَ بِهِ عَلَى حَيَاتِهِ، وَنُرَجُحُ أَنَّ عَدَدًا مِنَ النِّسَاءِ اشْتَرَكْنَ فِي ذَلِكَ الْفِعْلِ الشُّجَاع الجرِيءِ، وَإِنْ كَانَتِ الرِّوَايَةُ تَنْسِبُ ذَلِكَ إِلَى السَّيِّدَةِ صَفِيَّةَ، إِذْ لَيْسَ مِنَ المَعْقُولِ وَلَا مِنَ المَقْبُولِ أَنْ تَذْهَبَ تِلْكَ السَّيِّدَةُ الجَلِيلَةُ بِنَفْسِهَا إِلَى ذَلِكَ الرَّجُلِ الجبَانِ وَتَبْقَى بَقِيَّةَ النِّسْوَةِ مُتَفَرِّجَاتٍ عَلَى الْحَدَثِ، وَلَكِنْ لَعَلَّ السَّيِّدَةَ صَفِيَّةَ كَانَتْ هِيَ صَاحِبَةُ المُبَادَرَةِ.

المهم أَنَّ الرَّجُلَ قُتِلَ، وَلَمْ يَرْجِعْ إِلَى قَوْمِهِ لِيُزَوِّدَهُمْ بِالْأَخْبَارِ وَإِنَّمَا ذَهَبَ، وَذَهَبَتْ

أَخْبَارُهُ مَعَهُ. تَشْتَمِلُ هَذِهِ الرَّوَايَةُ بِجَانِبِ هَذِهِ المُبَادَرَةِ النِّسَانِيَّةِ الشَّجَاعَةِ عَلَى وَصْفِ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِي شَاعِرِ الرَّسُولِ بِالجُبْنِ، حَيْثُ تَقُولُ الرِّوَايَةُ إِنَّ السَّيِّدَةَ صَفِيَّةَ طَلَبَتْ فِي الْبِدَايَةِ مِنْ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ أَنْ يَنْزِلَ إِلَى الرَّجُلِ الْيَهُودِيِّ لِيَقْتُلَهُ، لَكِنَّ حَسَّانَ بْنَ ثَابِتٍ اعْتَذَرَ قَائِلًا مَا إِنَّهُ لَيْسَ أَهْلًا هَذِهِ المُهَمَّةِ، وَلا فَتَلَتْهُ أَمَرَتْ حَسَّانَ أَنْ يَذْهَبَ وَيَأْخُذَ سَلَبَهُ قَائِلَةٌ: لَمْ يَمْنَعْنِي مِنْ سَلَبِهِ إِلَّا أَنَّهُ رَجُلٌ.

289 (1/289)

صفحة 285

السيرة النبوية.

غَيْرَ أَنَّ حَسَّانَ اعْتَذَرَ مَرَّةً أُخْرَى، مُتَعَلَّلًا بِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ فِي سَلَبِهِ.

وَفِي رَأْيِنَا أَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ مُخْتَلَقَةٌ وَمَوْضُوعَةٌ لِلْإِسَاءَةِ إِلَى حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ

لِلْأَسْبَابِ التَّالِيَة:

1 0 كَيْفَ يُعْقَلُ أَنْ يَكُونَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ مَعَ النِّسَاءِ وَالْأَطْفَالِ وَالْعَجَزَةِ وَالنَّبِيُّ الله

والمُسْلِمُونَ مُرَابِطُونَ فِي مَوَاقِعِ الجَبْهَةِ.

2. الليل. . حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ اشْتَرَكَ فِي عَدَدِ مِنْ غَزَوَاتِ النَّبِيِّ، وَفِي السَّرَايَا، فَكَيْفَ لَا يكُونُ هُنَاكَ جَبَانًا وَيَكُونُ جَبَانًا هُنا.

3 لَوْ كَانَتْ تِلْكَ الْقِصَّةُ صَحِيحَةٌ عَلَى حَسَّانَ، لَجَاهُ عَلَيْهَا شُعَرَاءُ المُشْرِكِينَ، مِثْلَ ضِرَارِ بْنِ الْخَطَّابِ وَالْعَبَّاسِ بْنِ الْمُرْدَاسِ، وَابْنِ الزِّبَعْرَى، وَغَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَهْجُو قُرَيْشًا وَالمُشْرِكِينَ هِجَاءَ لاذِعًا مُرًّا وَمُدَافِعًا عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَالْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ مِنَ الْأَجْدَرِ بِهِمْ أَنْ يَهْجُوهُ عَلَى ذَلِكَ، وَيُعَيَّرُوهُ بِهِ.

4 إِنَّ حَسَّانَ كَانَ مَوْجُودًا فِي خَطَّ المُوَاجَهَةِ عِنْدَمَا اقْتَحَمَ نَفَرٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ الْخَنْدَقَ فَقُتِلَ هُنَالِكَ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ وُدٌ، وَهَرَبَ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ مُلْقِيَا رُعْهُ، وَقَالَ

حَسَّانُ فِي ذَلِكَ أَبْيَاتًا مِنَ الشَّعْرِ يَقُولُ فِيهَا:

مَرَّ وَالْقَى لَنا رُ محهُ لَعَلَّكَ عِكْرِمَ لَمْ تَفْعَلِ وَوَلَّيْتَ تَعْدُو كَعَدْوِ الظَّلِيم مَا إِنْ تَكُورَ عَنِ الْمُعْدِلِ وَلَمْ تُلْقِ ظَهْرَكَ مُسْتَانِسًا كَأَنَّ قَفَاكَ قَفَا فزعل (1/290)

صفحة 286

السيرة النبوية.

ه. لَا نَسْتَبْعِدُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْقِصَّةُ بَصْمَةٌ أُمَوِيَّةٌ لِأَنَّ الْأُمَوِيِّينَ مُنْذُ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ وَقَفُوا مِنَ الْأَنْصَارِ مَوْقِفًا عَدَائِبًا بِامْتِيَازِ، وَلَا نَظَنُّ أَنَّهَا كَانَتْ تَغِيبُ عَنْ أَذْهَانِهِمْ تِلْكَ الْقَصَائِدُ الَّتِي كَانَ حَسَّانُ يَهْجُو بِهَا قُرَيْشًا وَأَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ.

الْمُنَاوَشَاتُ

دَبَّ السَّامُ وَالمَلَلُ فِي نُفُوسِ الْأَحْزَابِ، يُضَافُ إِلَى ذَلِكَ أَنَّ الْوَقْتَ كَانَ شِتَاءٌ وَالطَّقْسُ بَارِدًا جدًا، فَإِلَى مَتَى يَنتَظِرُونَ، فَقُرَيْضٌ جَاءَتْ لِلْقَضَاءِ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ، وَلَعَلَّهَا فُرْصَةٌ لَا تَتكَررُ لَهَا، وَلكِنْ أَمَامَ تَبَاطُئُ بَنِي قُرَيْظَةَ وَغَطَفَانَ، ظَنَّتْ قُرَيْضٌ أَوْ ظَنَّ بَعْضُ مِنْهُمْ أَنَّ تِلْكَ الْفُرْصَةَ رُبَّما تَضِيعُ، وَأَنَّ الْخِطَّةَ رُبَّمَا تَنْهَارُ، لِذَلِكَ أَقْبَلَ بَعْضُ فُرْسَانِهِمْ وَكَأَنَّهُمْ يُرِيدُونَ اسْتِفْزَازَ المُسْلِمِينَ، حَتَّى وَقَفُوا عَلَى الْخَنْدَقِ وَهَاهُمْ مَا رَأَوْا مِنْ صُنْعِهِ الَّذِي لَمْ يَأْلَفُوهُ فِي حُرُوبِهِمْ وَتَحْصِينَاتِهِمُ الْحَرْبِيَّةِ، وَوَصَفُوهُ بِأَنَّهُ مَكِيدَةٌ مَا كَانَتِ الْعَرَبُ تَعْرِفُهَا، وَلَكِنَّهُمْ وَجَدُوا مَكَانًا ضَيِّقًا مِنَ الخَنْدَقِ اسْتَطَاعَتْ خَيْلُهُمُ اقْتِحَامَهُ، وَأُولَئِكَ الْفُرْسَانُ هُمْ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ وُدٌ، وَعِكْرَمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ، وَهُبَيْرَةُ بْنُ أَي وَهُبٌ، وَضِرَارُ بْنُ الْخَطَّابِ وَما رَأَىهُمُ المُسْلِمُونَ خَرَجَ إِلَيْهِمْ نَفَرٌ مِنْهُمْ فِي مُقَدِّمَتِهِمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِب حَتَّى الْتَقَتِ الْمُجْمُوعَتَانِ وَجَهَا لِوَجْهِ، وَنَادَى عَمْرُو بْنُ عَبْدِ وُدٌ إِلَى المُبَارَزَةِ، فَانْبَرَى لَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَتَمَكَّنَ عَلِيٌّ مِنْ قَتْلِ عَمْرٍو، وَعَادَتْ

بَقِيَّة المُجْمُوعَةِ الْمُشْرِكَةِ أَدْرَاجَهُمْ مُنْهَزِمِينَ.

291 (1/291)

صفحة 287

السيرة النبوية.

هُنَالِكَ ازْدَادَ الْمُوْقِفُ سُخُونَةٌ، وَتَعَقَّدَ صُعُوبَةٌ، وَارْتَفَعَتْ دَرَجَةُ الْخَوْفِ وَكَانَ

التَّرْقُبُ سَيِّدَ الْمُوْقِفِ.

الْعِنَايَةُ الْإِلَهِيَّةُ تَفُكُ الحِصَارَ:

أَمَامَ ذَلِكَ المُشْهَدِ الصَّعْبِ الَّذِي عَبْرَ عَنْهُ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ بِأَنَّهُ زَاغَتْ فِيهِ أَبْصَارُ المُؤْمِنِينَ وَبَلَغَتْ فِيهِ قُلُوبُهُمُ الحَنَاجِرَ، وَذَلِكَ كِنَايَةً عَمَّا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ شِدَّةِ الْخَوْفِ تَدَخَلَتِ الْعِنَايَةُ الْإِليَّةُ بِالْمُؤْمِنِينَ لِتَقُكَ عَنْهُمْ ذَلِكَ الْحِصَارَ الْجَائِرَ، وَلِتُفَرِّقَ عَنْهُمْ أُولَئِكَ الْأَحْزَابَ الْمُجْرِمِينَ الَّذِينَ جَاءُوا لِمُحَارَبَةِ الله وَرَسُولِهِ. وَكَانَ التَّدَخُلُ الْإِهَيُّ

عَبْرَ مَسَارَاتٍ ثَلَاثَةٍ هِيَ: مَسَارٌ بَشَرِيٌّ، وَمَسَارٌ مَنَاخِيُّ، وَمَسَارٌ مَلَائِكي: 1 - الْمَسَارُ الْبَشَرِيُّ:

وَقَدْ تَجَلَّى فِي شَخْصٍ رَجُلٍ اسْمُهُ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ الْغَطَفَانِ الَّذِي آلَانَ اللهُ قَلْبَهُ لِلْإِسْلَامِ، وَكَانَ ضِمْنَ قُوَّاتِ التَّحَالُفِ مِنَ الْأَحْزَابِ، وَبِالتَّحْدِيدِ مِنْ حِزْبٍ غَطَفَانَ، التَّجُمُّعِ الْقَيَلِيُّ الَّذِي كَانَ يَنتَمِي إِلَيْهِ، وَلَا نَدْرِي مَتَى دَخَلَ نُعَيْمٌ فِي الْإِسْلَامِ، هَلْ أَثْنَاءَ الحِصَارِ، أَوْ كَانَ مِنْ قَبْلِ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ الاعْتِقَادُ بِأنَّه أثناء الحصار هُوَ الأَظْهَرُ وَالْأَرْجَحُ، وَلَعَلَّهُ رَأَى جَوْرَ الْأَحْزَابِ وَظُلْمَهُمْ بِذَلِكَ الْحِصَارِ، وَلَا حَظَ سِيرَةَ النَّبِيِّ وَالمُسْلِمِينَ، فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِدُخُولِهِ فِي الْإِسْلَامِ، وَلَا أَسْتَبْعِدُ أَنْ يَحْدُتَ ذَلِكَ

لِنُعَيْمٍ أَثْنَاءَ المُفَاوَضَاتِ بَيْنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَغَطَفَانَ.

292 (1/292)

صفحة 288

السيرة النبوية.

تحرَّكَ الْإِيمَانُ فِي قَلْبِ نُعَيْمٍ، وَحَرَّكَ جَوَارِحَهُ وَتَسَلَّل خِفْيَةً لِلْوُصُولِ إِلَى النَّبِيِّ لِيُخْبِرَهُ بِإِسْلَامِهِ، وَبِاسْتِعْدَادِهِ لِعَمَلِ أَيِّ شَيْءٍ يُسْنَدُ إِلَيْهِ، غَيْرَ أَنَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لَهُ: " إِنَّمَا أنتَ فِينَا رَجُلٌ وَاحِدٌ، فَخَذَلْ عَنَّا مَا اسْتَطَعْتَ، فَإِنَّ الحَرْبَ خُدْعَةٌ". وقول النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ذَلِكَ لِنُعَيْمٍ لَعَلَّهُ كَانَ يَعْلَمُ عَلَاقَاتِهِ الْعَامَّةَ مَعْ أَطْرَافِ الْأَحْزَابِ، أَوْ أَنَّ نُعَيْا نَفْسَهُ أَخْبَرَهُ عَنْ عَلَاقَاتِهِ تِلْكَ، وَالْعِبَارَةُ المُعْجِزَةُ " الحَرْبُ خُدْعَةٌ أَصْبَحَتْ قَاعِدَةٌ مُهَمَّةٌ فِي الحروبِ وَسِلَاحًا قَوِيًّا ضِدَّ الخصم.

وَقَامَ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ بِالْمُهَمَّةِ، وَكَانَ بَنُو قُرَيْظَةَ الَّذِينَ تَرْبِطُهُ بِهِمْ عَلَاقَةٌ نَدِيمُيَّةٌ وَصَدَاقَةٌ حَمِيمِيَّةٌ تَحطَّتَهُ الْأُولى هذهِ المُهمَّةِ، حَيْثُ نَبَّهَهُمْ إِلَى عَاقِبَةِ الْأَمْرِ إِنِ انْسَحَبَتِ الْأَحْزَابُ الْعَرَبُ مِنَ الْمُعْرَكَةِ، فَكُلُّ يَرْجِعُ إِلَى بَلَدِهِ وَقَوْمِهِ وَمَوْطِنِهِ، أَمَّا بَنُو قُرَيْظَةَ وَحْدَهُمْ لَا وَطَنَ هُمْ سِوَى المَدِينَةِ، وَعُجَاوَرَةِ المُسْلِمِينَ فِيهَا، وَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهِمْ بِالاحْتِيَاطِ فِي أَمْرِهِمْ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَطْلُبُوا مِنَ الْأَحْزَابِ رَهَائِنَ بَشَرِيَّةٌ تَكُونُ عِنْدَهُمْ،

ضَمَانًا لِلالْتِرَامِ بِالْعَهْدِ، وَهُوَ مَا اسْتَحْسَنُوهُ وَمَالُوا إِلَيْهِ وَحَبَّدُوهُ.

ثُمَّ تَوجَّهَ نُعَيْمُ إِلَى قُرَيْشٍ وَأَوْعَزَ إِلَيْهِمْ نَدَمَ بَنِي قُرَيْظَةَ وَتَقْرِيرَهُمُ التَّخَلِّي عَنِ الْأَحْزَابِ، وَذَلِكَ بِأحَدَائِهِمْ مُفَاوَضَاتٍ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم تَخَضَتْ عَنِ اتَّفَاقِ، يَقُومُ بِمُوجَبِهِ بَنُو قُرَيْظَةَ بِأَخْذِ رَهَائِنَ بَشَرِيَّةِ مِنَ الْأَحْزَابِ وَتَسْلِيمِهِمْ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لِيَضْرِبَ أَعْنَاقَهُمْ، ثُمَّ يَتَعَاوَنَ المُسْلِمُونَ وَالْيَهُودُ عَلَى حَرْبِ الْأَحْزَابِ وَهَزِيمَتِهِمْ. وَتَوَجَّهُ بِذَاتِ المُهِمَّةِ إِلَى قَوْمِهِ غَطَفَانَ، لِيَقُولَ هُمْ نَفْسَ الْقَوْلِ، وَهُنَالِكَ أَخَذَتِ الشُّكُولُ تَذْهَبُ بِالْأَحْزَابِ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ، وَاهْتَزَّتِ الثَّقَةُ بَيْنَ الْمُشْرِكِينَ وَالْيَهُودِ،

293 (1/293)

صفحة 289

السيرة النبوية.

وَأَرْسَلَتْ قُرَيْشُ وَفَدًا عَلَى رَأْسِهِ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلِ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ يَسْتَنْجِزُونَهُمُ الْوَعْدَ بِشَنِّ الهُجُومِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَلِلتَّأَكُدِ مِنْ جَلِيَّةِ أَمْرِ نُكُوصِهِمْ عَنْ ذَلِكَ، وَقَدْ تَحَقَّقَ الْوَفْدُ مِنْ صِدْقِ مَا أَخْبَرَهُمْ بِهِ نُعَيْمٌ عِنْدَمَا بَادَرَهُمْ بَنُو قُرَيْظَةَ بِطَلَبِ الرِّهَائِنِ الْبَشَرِيَّةِ، وَتَلَكُيْهِمْ عَنْ شَنَّ الْهُجُومِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ حَسَبَ مَا كَانَ عَلَيْهِ الْوَعْدُ وَالاتِّفَاقُ بَيْنَ الْيَهُودِ وَعَرَبِ الْأَحْزَابِ.

إِذَنِ انْحَلَّتْ حَلَقَةٌ مِنَ الْخَلَقَاتِ الثَّلَاثِ مِنْ سِلْسِلَةِ تَحَالُفِ الْأَحْزَابِ وَبَقِيَ عَرَبُ

الْأَحْزَابِ وَحْدَهُمْ. -2 - الْمَسَارُ الْمَنَاخِيُّ:

وَقَدْ تَجَلَّى فِي رِيحٍ عَانِيَةٍ قَوِيَّةٍ أَرْسَلَهَا اللهُ تَعَالَى عَلَى أُولِئكَ الْأَحْزَابِ، وَكَانَتْ لَا تَتْرُكُ لَهُمْ قِدْرًا إِلَّا قَلَبَتْهَا، وَلَا نَارًا إِلَّا أَطْفَأَتْهَا، وَلَا بِنَاءً إِلَّا أَطَاحَتْهُ، فِي وَقْتِ شِتَاءٍ

فَارِسِ الْبُرُودَةِ، شَدِيدِ الظُّلْمَةِ، يَلُوحُ مِنْهُمَا شَبَحُ الْخَوْفِ وَالرُّعْبِ.

-3 - الْمَسَارُ الْمَلَائِكِيُّ: وَقَدْ تَجَلَّى فِي نُزُولِ المَلائِكَةِ الْكِرَامِ الْأَشِدَّاءِ، لِيُزَلْزِلُوا بِالْمُشْرِكِينَ، وَصَدَقَ اللهُ لا إِذْ يَقُولُ: (يَتأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَ تَكُمْ جُنُودُ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (2) (1)، وَيَقُولُ عَزَّ مِنْ قَائِل:

(1) سُورَةُ الْأَحْزَابِ الْآيَةُ: 9.

294 (1/294)

صفحة 290

السيرة النبوية.

(وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالُ وَكَانَ اللَّهُ فَوِيًّا

عزيزا

(1)

عَوْدَةُ الْأَحْزَابِ:

6

بَعْدَ حِصَارٍ دَامَ قُرَابَةَ شَهْرٍ هُوَ شَهْرُ شَوَّالٍ مِنَ السَّنَةِ الْخَامِسَةِ لِلْهِجْرَةِ، هَزَمَ اللهُ الْأَحْزَابَ، وَفَرَّقَ جَمْعَهُمْ، وَشَتَّتَ شَمْلَهُمْ، إِذْ أَرْسَلَ عَلَيْهِمْ رِيحًا عَاصِفَةٌ، فَعَلَتْ بِهِمُ الْأَفَاعِيلَ، وَمَلَائِكَةٌ زَلْزَلَتْ بِهِمْ مِنْ فَوْقِ رُؤُوسِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ ذَلِكَ جُهُودٌ بَشَرِيَّةٌ، مِنْهَا مُفَاوَضَاتٌ لَمْ تَنْجَحْ، وَتَخْدِيلٌ كَانَ إلى حد ما ناجحًا، وَهَكَذَا تَدَخَلَتِ الْعِنَايَةُ الإِليَّةُ للنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَالْمُؤْمِنِينَ، وَعَادَ أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ أَدْرَاجَهُمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا مِمَّا جَاؤُوا مِنْ أَجْلِهِ. وَقَدْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَعْرِفَ أَحْوَالَ لَيْلَةِ الهِزَامِهِمْ، فَأَرْسَلَ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ لِكَيْ يَطَّلِعَ عَلَى ذَلِكَ، وَيُخْبِرَ بِمَا يَرَى وَيَسْمَعُ تَسْجِيلًا لِلتَّارِيخِ، حَيْثُ قَالَ لَهُ الرَّسُولُ:

يَا حُذَيْفَةُ اذْهَبْ فَادْخُلْ فِي الْقَوْمِ فَانْظُرْ مَاذَا يَصْنَعُونَ وَلَا تُحْدِثَنْ شَيْئًا حَتَّى تَأْتِيَنَا". وَمَا هُوَ ذَا حُذَيْفَةُ الصَّحَابِيُّ الخَلِيلُ يُسَجِّلُ لِلتَّارِيخ مُتَحَدِّنَا: «فَذَهَبْتُ فَدَخَلْتُ في الْقَوْم، وَالرّيحُ وَجُنُودُ اللهِ تَفْعَلُ بِهِمْ مَا تَفْعَلُ، لَا تُقِرُّ هُمْ قِدْرًا، وَلَا نَارًا، وَلَا بِنَاءً فَقَامَ أَبو سُفْيَانَ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ لِيَنْظُرَ امْرُؤٌ مَنْ جَلِيسُهُ، قَالَ حُذَيْفَةُ فَأَخَذْتِ

(1) سُورَةُ الْأَحْزَابِ الْآيَةُ: 25.

295 (1/295)

صفحة 291

السيرة النبوية.

بِيَدِ الرَّجُلِ الَّذِي كَانَ إِلَى جَنْبِي فَقُلْتُ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: فُلَانُ بْنُ فُلَانِ، ثُمَّ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ إِنَّكُمْ وَاللَّهِ مَا أَصْبَحْتُمْ بِدَارِ مُقَامٍ، لَقَدْ هَلَكَ الْكُرَاعُ وَالْخُفُ، وَأَخْلَفَتْنا بَنُو قُرَيْظَةَ، وَبَلَغَنَا عَنْهُمُ الَّذِي نَكْرَهُ، وَلَقِينَا مِنْ شِدَّةِ الرِّيحِ مَا تَرَوْنَ، مَا تَطْمِينُ لَنَا قِدْرٌ، وَلَا تَقُومُ لَنَا نَارٌ، وَلَا يَسْتَمْسِكُ لَنَا بِنَاء، فَارْتَحِلُوا فَإِنِّي مُرْتَحِلٌ، ثُمَّ قَامَ إِلَى جَمَلِهِ وَهُوَ مَعْقُولٌ فَجَلَسَ عَلَيْهِ، ثُمَّ ضَرَبَهُ فَوَثَبَ بِهِ عَلَى ثَلَاثٍ فَوَاللَّهُ مَا أَطْلَقَ عِقَالَهُ إِلَّا وَهُوَ قَائِمٌ، وَلَوْلَا عَهْدُ رَسُولِ اللهِ إِلَى أَنْ لَا تُحْدِثُ شَيْئًا حَتَّى تَأْتِينِي، ثُمَّ شِئْتُ لقَتَلْتُهُ بِسَهُم، هَذَا المَشْهَدُ الَّذِي صَوَّرَهُ الصَّحَابِ الجَلِيلُ، حُذَيْفَةُ بِأَمْرِ النَّبِيِّ، أَرَادَ منه النَّبِيُّ أَنْ يَكُونَ شَهَادَةً لِلتَّارِيخ.

وَلا سَمِعَتْ غَطَفَانُ بِمَا فَعَلَتْ قُرَيْضٌ مِنْ الإِنْسِحَابِ وَالْهُرَبِ، فَعَلَتْ هِيَ الْأُخْرَى كَمَا فَعَلَتْ قُرْيَشٍ، فَوَلَّى الجَمِيعُ مُنْهَزِمِينَ، وَصَدَقَ اللَّهُ حَيْثُ قَالَ: (وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالُ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا

عزيزا (1)

(1) سُورَةُ الْأَحْزَابِ الْآيَةُ: 25.

296 (1/296)

صفحة 292

السيرة النبوية.

النتيجة: كَانَتْ نَتِيجَةُ غَزْوَةِ الْأَحْزَابِ أَوْ غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ إِيجَابِيَّةَ جِدًّا لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَلِلْمُسْلِمِينَ؛ لأَنها عَمَّقَتْ فِيهِمُ الثَّقَةَ بِنَصْرِ الله وَتَأْبِيدِهِ هُمْ، وَقَرَّرَتْ مَصِيرَ الدَّعْوَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ، يَقُولُ أبو الحسن الندوِيٌّ: (وَكَانَتْ مِنَ الْحَوَادِثِ الَّتِي لَمَا أَثرٌ بَعِيدٌ فِي تَارِيخ الْإِسْلَام وَالمُسْلِمِينَ، وَفِي تَقْرِير مصير الدَّعْوَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ، وَفي المدَّ الْإِسْلَامِيِّ، وَكَانَتْ مَعْرَكَةً حَاسِمَةً، وَحِنَةٌ ابْتُلي بها المُؤْمِنُونَ لَمْ يُبْتَلُوا بِمِثْلِهَا» (1) هِيَ آخَرُ غَزْوَةٍ تَغْزُو فِيهَا قُرَيْضٌ المُسْلِمِينَ، حَيْثَ انْتَقَلَ المُسْلِمُونَ بَعْدَهَا مِنْ حَالَةِ الدَّفَاعِ إِلَى حَالَاتِ الْهُجُومِ، لِذَلِكَ قَالَ النَّبِيِّ: " لَنْ تَغْزُوَكُمْ قُرَيْشُ بَعْدَ عَامِكُمْ هَذَا وَلَكِنَّكُمْ تَغْزُونَهُمْ".

(1) - السِّيرَةُ النَّبِوِيَّةُ، ص 198.

297 (1/297)

صفحة 293

غَزْوَةُ بَنِي قُرَيْظَةَ (1/299)

صفحة 294

السيرة النبوية غَزْوَةُ بَنِي قُرَيْظَةَ

غَزْوَةُ بَنِي قُرَيْظَةَ مُرْتَبِطَةٌ بِغَزْوَةِ الْأَحْزَابِ، وَمُنْبَنِيَةٌ عَلَيْهَا وَأَسْبَابُهَا هِيَ: 1 - ظُهُورُ الخِيَانَةِ مِنْ يَهُودِ بَنِي قُرَيْظَةَ وَنَقْضُهُمُ الْعَهْدَ الَّذِي كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم في وثيقة المدينة.

-2 عَزْمُهُمُ الْحُجُومَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ دَاخِل المَدِينَةِ أَثْنَاءَ حِصَارِ الْأَحْزَابِ هُمْ فِي الْغَزْوَةِ المَعْرُوفَةِ بِغَزْوَةِ أَوْ مَعْرَكَةِ الْخَنْدَقِ، وَقَدْ تَبَيَّنَ صِحَّةُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم كَمَا بَيَّنَّاهُ سَابِقا فِي الْحَدِيثِ عَنْ غَزْوَةِ الْأَحْزَابِ.

الْمَسِيرُ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ:

لَمْ يَكَدِ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَضَعُ سِلَاحَهُ قَادِمًا مِنَ الْخَنْدَقِ حَتَّى نَزَلَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ مِنَ الله تَعَالَى أَنْ يَتَوَجَّهَ بِجَيْشِهِ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ جَزَاءً لِمَا فَعَلُوهُ مِنْ خِيَانَةٍ لِلنَّبِيِّ وَالمُسْلِمِينَ وَعَزْمِهِمْ عَلَى اسْتِنْصَالِ الْإِسْلامِ وَنَبِيِّ الْإِسْلَامِ وَالْقَضَاءِ عَلَى المُسْلِمِينَ بِالتَّعَاوُنِ وَالاشْتِرَاكِ مَعَ الْمُشْرِكِينَ.

فَأَمَرَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مُنَادِيًا يُنَادِي فِي النَّاسِ ظُهْرًا بِالمُسِيرِ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ لِحِرْبِهِمْ حِصَارًا أَوْ قِتَالًا، فَنَادَى مُنَادِيهِ فِي النَّاسِ قَائِلًا: مَنْ كَانَ سَامِعًا مُطِيعًا فَلَا يُصَلِّيَنَّ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ.

وَيُفْهَمُ مِنْ صِيغَةِ هَذَا النَّدَاءِ اسْتِنْهَاضُ هِمَمِ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ مَرَّتْ عَلَيْهِمْ فَتْرَةٌ حَالِكَةٌ مِنَ الْحِصَارِ عَبَّرَ اللهُ عَنْهَا بِأَنَّهَا زَاغَتْ فِيهَا الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ (1/300)

صفحة 295

السيرة النبوية.

مِنْ شِدَّةِ الْخَوْفِ مِنَ المُشْرِكِينَ فِي الْخارِجِ وَمِنَ الْيَهُودِ فِي الدَّاخِلِ، فَكَانُوا بِحَاجَةٍ إِلَى هَذَا النَّدَاءِ الْجازِمِ الْخَاسِمِ، وَقَدَّمَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عَلَى رَايَتِهِ حَتَّى دَنَا مِنْ حُصُونِهِمْ لِيَسْتَطْلِعَ أَخْبَارَهُمْ وَأَحْوَاهُمْ لَعَلَّهُمْ يَكُونُونَ قَدْ نَدِمُوا عَلَى فِعْلِهِمُ الحَيانِي، وَعَادُوا إِلَى رُشْدِهِمْ لِيَعْتَذِرُوا، وَلَكِنَّهُ وَجَدَهُمْ عَلَى أَكْثَرِ مَا يَكُونُ مِنَ الشَّرُ، سبا لِلنَّبِيِّ وَقَوْلًا فَبِيحًا فِيهِ، فَرَجَعَ عَلى إِلَى النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِيُخْبِرَهُ بِأَمْرِهِمْ وَمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الشَّرِّ وَقَبِيحِ الْقَوْلِ، وَهُنَاكَ صَمَّمَ الرَّسُولُ العَزْمَ بِالمسير إِلَيْهِمْ، لأَنَّهُ لَوْ تَرَكَهُمْ وَشَأْتَهُمْ لأَلَّبُوا عَلَيْهِ الْقَبَائِلَ حِرْبِهِ وَاسْتِنْصَالِهِ كَمَا عَبَرَ عَنْ ذَلِكَ حُيُّ بْنُ

أَخْطَبَ.

فَسَارَ إِلَيْهِمْ وَنَزَلَ عَلَى بِثْرٍ مِنَ الْآبَارِ مِنْ جَانِبِ أَمْوَالِهِمْ يُقَالُ لَا بِرُ آنِي، انْتِظَارًا لِتَلاحُقِ النَّاسِ وَتَجَمْعِهِمْ، وَقَدِ اسْتَمَرَّ تَدَقُقُ النَّاسِ إِلَى مَا بَعْدِ وَقْتِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ، وَلَمْ يُصَلِّ بَعْضُهُمُ الْعَصْرَ، وَبَعْضُهُمْ كَانَ قَدْ صَلَّاهَا حَسَبَ فَهُم كُلِّ فَرِيقٍ لِقَوْلِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم: (مَنْ كَانَ سَامِعًا مُطِيعًا فَلَا يُصَلِّيَنَّ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ». حَيْثُ فَهِمَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ إِنَّ صَلَاةَ الْعَصْرِ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ، وَفَهِمَ الْفَرِيقُ الْآخَرُ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَا أَرَادَ تَأْخِيرَ الصَّلَاةِ، وَلَكِنَّهُ أَرَادَ الْحَقِّ وَالتَّعْجِيلَ عَلَى المُمسِيرِ، وَمِنْ هُنَاكَ بَرَزَ المُنْهَجَانِ الْفِقْهِيَّانِ، وَهُمَا الْأَخْذُ بِظَاهِرِ النَّصَّ أَوِ الْأَخْذُ

بِالمقصد. (1/301)

صفحة 296

السيرة النبوية

الحصار: ضَرَبَ الرَّسُولُ عَلَيْهِمُ الْحِصَارَ مُدَّةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةٌ، لَمْ يَسْتَطِيعُوا الْخُرُوجَ خِلَالَهَا خَوْفًا وَفَرَقا، وَذَلِكَ فِي آخِرِ شَهْرٍ ذِي الْقِعْدَةِ وَأَوَائِلِ ذِي الْحِجَّةِ مِنَ السَّنَةِ الخامِسَةِ لِلْهِجْرَةِ، فَلا أَرَادُوا وَأَيْقَنُوا أَنَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم غَيْرَ مُنْصَرِفٍ عَنْهُمْ وَغَيْرَ تَارِكِهِمْ حَتَّى يَنزِلُوا عَلَى حُكْمِهِ، لِيَحْكُمَ فِيهِمْ بِمَا يَرَاهُ مِنْ حُكْم الله فِيهِمْ، قَالَ لَهُمْ رَئِيسُهُمْ كَعْبُ بْنُ أَسَدٍ: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ، قَدْ نَزَلَ بِكُمْ مِنَ الْأَمْرِ مَا تَرَوْنَ، وَإِنِّي عَارِضُ عَلَيْكُمْ خِلَالًا ثَلَاثًا، فَخُذُوا أَيُّهَا شِئْتُمْ، قَالُوا: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: تُتَابِعُ هَذَا الرَّجُلَ وَنُصَدِّقُهُ، فَوَالله لَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ أَنَّهُ لَنَبِيِّ مُرْسَلٌ، وَإِنَّهُ لَلَّذِي تَجِدُونَهُ فِي كِتَابِكُمْ، فَتَأْمَنُونَ عَلَى دِمَائِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ وَأَبْنَائِكُمْ وَنِسَائِكُمْ، قَالُوا: لَا نُفَارِقُ حُكْمَ التَّوْرَاةِ أَبَدًا، وَلَا نَسْتَبْدِلُ بِهِ غَيْرَهُ، قَالَ: فَإِذَا أَبَيْتُمْ عَلَيَّ هَذِهِ فَهَلُمَّ فَلْنَقْتُلْ أَبْنَاءَنَا وَنِسَاءَنَا ثُمَّ نَخْرُجْ إِلَى مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ رِجَالًا مُصَلَّتِينَ السُّيُوفَ لَمْ نَتْرُكُ وَرَاءَنَا ثِقَلًا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مُحَمَّدٍ، فَإِنْ نَهْلكَ نَهْلكَ، وَلَمْ نَتْرُكُ وَرَاءَنَا نَسْلًا نَخْشَى عَلَيْهِ، وَإِنْ نَظْهَرْ فَلَعَمْرِي لَنَجِدَنَّ النِّسَاءَ وَالْأَبْنَاءَ، قَالُوا: نَقْتُلُ هَؤُلَاءِ الْمَسَاكِينِ؟ فَمَا خَيْرُ الْعَيْشِ بَعْدَهُمْ؟ قَالَ: فَإِنْ أَبَيْتُمْ عَلَيَّ فَإِنَ اللَّيْلَةَ لَيْلَةُ السَّبْتِ، وَإِنَّهُ عَسَى أَنْ يَكُونَ مُحَمَّدٌ وَأَصْحَابُهُ قَدْ آمَنُونَا فِيهَا، فَانْزِلُوا لَعَلَّنَا نَصِيبُ مِنْ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ غِرَّةً، قَالُوا: نُفْسِدُ سَبْتَنَا عَلَيْنَا وَنُحْدِثُ فِيهِ مَا لَمْ يُحْدِثُ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا إِلَّا مَنْ قَدْ عَلِمْتَ فَأَصَابَهُ مَا لَمْ يَحْفَ عَلَيْكَ مِنَ الْمُسْخِ؟! قَالَ: مَا بَاتَ رَجُلٌ مِنْكُمْ مُنْذُ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ لَيْلَةً وَاحِدَةً مِنَ الدَّهْرِ حَازِمًا. (1/302)

صفحة 297

السيرة النبوية.

وَبَعَثُوا إِلَى الرَّسُولِهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهِمْ أَبَا لُبَابَةَ رِفَاعَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُنْذِرِ أَحَدَ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ لِيَسْتَشِيرُوهُ فِي أَمْرِهِمْ، فَأَرْسَلَهُ إِلَيْهِمْ، فَلَمَّا رَأَوْهُ قَامَ إِلَيْهِ رِجَاهُمْ، وَأَخَذَتْ نِسَاؤُهُمْ يَجْهَشْنَ بِالْبُكَاءِ وَكَذَلِكَ الصَّبْيَانُ قَامُوا يَبْكُونَ، قَامُوا بِالْبُكَاءِ فِي وَجْهِهِ حَتَّى رَبِّ أَبُو لُبَابَةَ، هُمْ وَالظَّاهِرُ أَنَّ أَبَا لُبَابَةَ كَانَ عَلَى عَلَاقَةٍ قَدِيمَةٍ بِهِمْ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ حُلَفَاءِ الْأَوْسِ، وَالْأَوْسُ وَبَنُو قُرَيْظَةَ حُلَفَاءُ، وَمِنْ هُنَالِكَ كَانَتْ عَلَاقَتُهُ بِهِمْ، لِذَلِكَ اسْتَخْلَصُوهُ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ النَّاسِ، وَلَعَلَّهُ مِنْ هُنَالِكَ أَخَذَتْهُ الرِّقَةُ

والرأفة بهم. وَعِنْدَمَا اسْتَشَارُوهُ رَأْيَهُ فِي نُزُولِهِمْ عَلَى حُكْم مُحَمَّدٍ وَمَاذَا يَعْنِي ذَلِكَ، أَشَارَ إِلَيْهِمْ أَنَّهُ الذَّبْحُ، وَهُنَاكَ أَدْرَكَ أَبُو لُبَابَةَ خَطَأَهُ، وَعَرَفَ أَنَّهُ قَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَلَمْ يَذْهَبْ إِلَى الرَّسُولِ، وَإِنَّمَا قَصَدَ المَسْجِدَ لِيَرْبِطَ نَفْسَهُ فِي إِحْدَى سَوَارِيهِ انْتِظَارًا لِتَوْبَةِ اللَّهُ عَلَيْهِ،

فَبَقِيَ عَلَى ذَلِكَ الْحَالِ سِتَّ لَيَالٍ حَتَّى تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَحْيَا عَلَى رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم وَلَكِنْ كَيْفَ عَرَفَ أَبُو لُبَابَةَ أَنَّ الْحُكْمَ عَلَى بَنِي قُرَيْظَةَ هُوَ الْقَتْلُ؟ الظَّاهِرُ أَنَّهُ سَمِعَ

ذَلِكَ مِنَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَوْ مِنْ أَصْحَابِهِ أَهْلِ مَشُورَتِهِ.

وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ عَازِمًا بِقُوَّةٍ عَلَى تَنْفِيدِ حُكْمِ الْإِعْدَامِ فِيهِمْ لِيَقْطَعَ دَابِرَهُمْ مِنْ أَوْسَاطِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِلَّا لَا تَوَقَفَتْ مَكَائِدُهُمْ ضِدَّهُ وَضِدَّ المُسْلِمِينَ، وَمَا كَانُوا يُؤْمَنُونَ إِذَا خَرَجَ النَّبِيُّ وَأَصْحَابُهُ لِلْغَزَوَاتِ وَالسَّرَايَا مُحَارَبَةِ قَبَائِلِ الْعَرَبِ الَّذِينَ لَمْ تَنْقَطِعْ مُحَاوَلَاتُهُمْ لِغَزْوِ المَدِينَةِ، أَوْ لِقَطْع طُرُقِ النَّاسِ وَلِذَلِكَ كَانَ مَوْقِفُ (1/303)

صفحة 298

السيرة النبوية.

النَّبِيِّ تُجَاهَ بَنِي قُرَيْظَةَ حَازِمًا أَكْثَرَ مِنْ مَوْقِفِهِ مِنْ يَهُودِ بَنِي قَيْنْقَاعَ وَمِنْ يَهُودِ بَنِي النَّظِيرِ؛ لأَنَّ الجُرْمَ هُنَا أَكْبَرُ وَأَعْظَمُ.

حَتَّى أَنَّهُ رَفَضَ عَرْضَهُمْ بِالْخُرُوجِ إِلَى أَذْرُعَاتٍ (1) بِالشَّامِ، عَلَى أَنْ يَتْرُكُوا وَرَاءَهُمْ كُلَّ مَا يَمْلِكُونَهُ، وَيَخْرُجُوا نُفُوسًا فَقَط، وأبى إِلَّا الإِسْتِسْلَامَ الْكَامِلَ مِنْهُمْ

دُونَ قَيْدٍ أَوْ شَرْطٍ. نُزُولُ بَنِي قُرَيْظَةَ:

أَبْدَى بَنُو قُرَيْظَةَ الاِمْتِنَاعَ عَنِ النُّزُولِ عَلَى حُكْمِ رَسُولِ اللَّهُ فِيهِمْ، بَعْدَ أَنْ رَفَضَ عَرْضَهُمْ الخُرُوجَ إِلَى أَذْرُعَاتِ بِالشَّامِ، وَأَنْ يَتْرُكُوا وَرَاءَهُمْ كُلَّ مَا يَمْلِكُونَ، فَصَاحَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ مُنَادِيًا: يَا كَتِيبَةَ الْإِيمَانِ. وَتَقَدَّمَ هُوَ وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ لِاقْتِحَامِ الْحِصْنِ عَلَيْهِمْ، فَزُلْزِلَ بِهِمْ حِينَذَاكَ، فَوَافَقُوا عَلَى النُّزُولِ مُشْتَرِطِينَ حُكْمَ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ الْأَوْسِيِّ فِيهِمْ، نَظَرًا لِلْحِلْفِ الَّذِي بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْأَوْسِ.

وَالتَفَّ الْأَوْسُ بِالنَّبِيِّ طَالِبِينَ مِنْهُ تَشْفِيعَهُمْ فِي مَوَالِيهِمُ الْيَهُودِ، مُذَكَّرِينَ إِيَّاهُ بِمَنْهِ عَلَى حُلَفَاءِ الْخَزْرَجِ، وَهُمْ يَهُودُ بَنِي فَيُنْقَاعَ، حَيْثُ وَهَبَهُمْ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُيٍّ عِنْدَمَا سَأَلَهُ إِيَّاهُمْ فَأَعْطَاهُمْ لَهُ وَعَفَى عَنْ قَتْلِهِمْ، وَعِنْدَمَا أَكْثَرَتِ الْأَوْسُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ قَالَ هُمْ: أَلَا تَرْضَوْنَ يَا مَعْشَرَ الْأَوْسِ أَنْ يَحْكُمَ فِيهِمْ رَجُلٌ مِنْكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى. قَالَ: فَذَاكَ

(1) هي درعا السُّوريَّة على الحدود مَعَ الْأَرْدن. (1/304)

صفحة 299

السيرة النبوية.

إِلَى سَعْدِ بْنِ مُعَادٍ. وَكَانَ سَعْدٌ قَدْ أُصِيبَ بِسَهُم فِي غَزْوَةِ الْخُنْدَقِ، فَأَمَرَ رَسُولُ الله بِعِلَاجِهِ مِنْ إِصَابَتِهِ تِلْكَ فِي خَيْمَةِ رُفَيْدَةَ الْأَسْلَمِيَّةِ الَّتِي كَانَ لَهَا خَيْمَةٌ بِجَانِبِ الْمَسْجِدِ النبوي بالمدينةِ تُعَالِجُ فِيهَا الْجُرْحَى وَالمُصَابِينَ، فَلَا حَكْمَهُ رَسُولُ الله حَمَلَهُ قَوْمُهُ عَلَى حِمَارٍ وَطِي الْفِرَاشِ، وَبَطِي الحَرَكَةِ، وَأَخَذُوا يُلِحُونَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَفْسُو في الحكم عَلَى موَالِيهِمْ حَتَّى لا يَكُونَ الخَزْرَجُ أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَفَاء لِوَالِيهِمْ، فَلَا أَخُوا عَلَيْهِ قَالَ قَوْلَتَهُ المُشْهُورَةَ: لَقَدْ آنَ لِسَعْدِ أَنْ لَا تَأْخُذَهُ فِي اللَّهُ لَوْمَةُ لَائِمٍ وَلَا انْتَهَى فِي سَيْرِهِ إِلَى حَيْثُ رَسُولُ الله وَالْمُسْلِمُونَ جَالِسُونَ قَالُوا لَهُ: يَا أَبَا عَمْرٍو، قَدْ وَلَاكَ رَسُولُ الله الحُكْمَ فِي مَوَالِيكَ. فَأَخَذَ الْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ مِنَ الْجَمِيعِ بِمَا فِيهِمُ الرَّسُولُ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهُ مَقْبُولا لَدَى الجَمِيعِ، فَلَمَا اسْتَوْثَقَ مِنْهُمْ قَالَ: فَإِنِّي

أَحْكُمُ فِيهِمْ أَنْ تُقْتَلَ الرِّجَالُ وَتُقَسَمَ الْأَمْوَالُ وَتُسْبَى الدَّرَارِيُّ وَالنِّسَاءُ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللَّهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعَةِ أَرْقِعَةٍ

(سَمَاوَاتٍ).

وفي رأيي أن رِضَاءَهُمْ بَلْ طَلَبَهُمْ تَحْكِيمَ سَعْدِ بْنِ مُعَادٍ فِيهِمْ هُوَ مِنْ سُوءٍ طَالِعِهِمْ وَسَبِّي حَظْهِمْ لِأَنَّ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ كَانَ رَأْيَهُ فِيهِمْ ذَلِكَ مِنْ يَوْمِ أَنِ اكْتَشَفَ خيانتهُمْ بِنَقْضِهِمُ الْعَهْدَ وَتَعَاوُنِهِمْ وَاشْتِرَاكِهُمْ مَعَ الْأَحْزَابِ عِنْدَمَا بَعَثَهُ الرَّسُولُ فِي وَفْدِ إِلَيْهِمْ؛ لِيَتَأَكَّدَ مِنْهُم ذَلِكَ، فَاسْتَبَانَ لَهُ مَوْقِفُهُمُ الْخِيَانِيُّ فَشَاءَهُمْ وَشَاتَموهُ، وَعِنْدَمَا أُصِيبَ بِسَهُم فِي رِجْلِهِ دَعَا رَبَّهُ قَائِلًا: اللَّهُمَّ لا تمتنِي حَتَّى تُفِرَّ عَيْنِي مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ غَزْوَةَ الْأَحْزَابِ قَضِيَّةُ مَصِيرِ لِلْمُسْلِمِينَ بِصِفَةٍ عَامَّةٍ، وَلِلْأَنْصَارِ أَوْسِهِمْ (1/305)

صفحة 300

السيرة النبوية.

وَخَزْرَجِهِمْ بِصِفَةٍ خَاصَّةِ، وَلَوْ تَمَكَّنَ الْأَحْزَابُ مِنْ دُخُولِ المَدِينَةِ لَكَانَ فِي ذَلِكَ عَارُ الدَّهْرِ عَلَى الْأَنْصَارِ، أَلَمْ يَرْفُضُوا صُلْحَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِإِعْطَاءِ غَطَفَانَ شَيْئًا مِنْ ثِمَارِ الْمَدِينَةِ عَلَى أَنْ يَرْجِعُوا عَنْ مُسَانَدَةِ قُرَيْشٍ قَائِلِينَ، وَالْقَوْلُ لِسَعْدِ بْنِ مُعَادٍ: عِنْدَمَا كُنَّا نَحْنُ وَهُمْ عَلَى الشِّرْكِ لَا يَطْمَعُونَ فِي أَخْلِ ثَمَرَةٍ وَاحِدَةٍ إِلَّا قِرَى أَوْ بَيْعًا، أَفَحِينَ أَكْرَمَنَا اللَّهُ

بِالْإِسْلَامِ وَأَعَزَّنَا بِهِ وَبِكَ نُعْطِيهِمْ مِنْ ثِمَارِنَا، وَاللَّهُ مَا لَنَا بِهَذَا مِنْ حَاجَةٍ. وَبَعْدَ ذَلِكَ اسْتَنْزَلَ بَنُو قُرَيْظَةَ مِنْ حِصْنِهِمْ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِحَبْسِهِمْ فِي دَارِ امْرَأَةٍ مِنَ الْأَنْصَارِ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ اسْمُهَا كَيْسَةٌ بِنْتُ الْحَارِثِ، وَتَخْتَلِفُ الرَّوَايَاتُ فِي عَدَدِهِمْ، وَتَجْعَلُهُمْ بَيْنَ السَّتِّمِائَةِ وَالتَّسْعِمِائَةِ مُرُورًا بِأَعْدَادٍ بَيْنَ هَذَيْنِ الْعَدَدَيْنِ كَالسَّبْعِمِائَةِ وَالثَّمَانِمِائَةِ.

-

وفي رَأْيِي أَنَّ هَذِهِ الْأَعْدَادَ تَحْتَاجُ إلَى إِعَادَةِ نَظرِ لِلْأَسْبَابِ التَّالِيَةِ:

1 - أَنَّ النَّاسَ مِنْ شَأْنِهِمْ تَضْخِيمُ الْأَعْدَادِ قَدِيما وَحَدِيثًا، فَيَجْعَلُونَ الْعَشَرَاتِ مِئَاتٍ، وَيَجْعَلُونَ المَتَاتِ أُلُوفًا.

2 إِذَا مَا أَخَذْنَا أَوْسَطَ الْأَعْدَادِ، أَنَّهُمْ سَبْعُمائَةٍ، فَإِنَّ الْبَشَرِيَّةَ مَا كَانَتْ تُعْطِي هَذِهِ

-

الْأَعْدَادَ لِطَائِفَةٍ صَغِيرَةٍ مِنَ النَّاسِ يُقِيمُونَ فِي نَاحِيَةٍ صَغِيرَةٍ مِنْ مَدِينَةٍ.

-3 الْقَوْلُ بِأَنهُمْ حُبِسُوا فِي دَارِ امْرَأَةٍ مِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ، فَأَيُّ دَارٍ كَانَتْ تَتَّسِعُ لِسَبْعِيانَةِ أَوْ أَكْثَرَ أَوْ حَتَّى أَقَلَّ بِقَلِيل. (1/306)

صفحة 301

السيرة النبوية.

4 - تُشِيرُ المَصَادِرُ إلَى أَنَّ الْأَعْدَادَ المُذْكُورَةَ هُمُ الرِّجَالُ دُونَ النِّسَاءِ وَالصَّبْيَانِ، وَبِعَمَلِيَّة حِسَابِيَّة سُكانية يَعْنِي أَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ زَوْجَةً وَابْنَا، فَيَكُونُ الْعَدَدُ الْإِجْمَالِيُّ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفَيْ شَخْصِ، وَهُوَ عَدَدٌ يَحْتَاجُ إِلَى مَدِينَةٍ تَسَعُهُمْ لِسُكْنَاهُمْ وَحَرَكَتِهِمْ، وَلَيْسَ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ المَدِينَةِ، أَمَّا إِذَا كَانَتِ الْأَعْدَادُ المَذْكُورَةُ تَشْمَلُ الجَمِيعَ رِجَالًا وَنِسَاءٌ وَأَطْفَالًا، فَالْأَمْرُ رُبَّمَا يَكُونُ مَقْبُولا.

وَعَلَى أَيِّ كَانَ عَدَدُهُمْ؛ فَقَدْ أَمَرَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بِحَفْرِ خَنَادِقَ هُمْ عِنْدَ سُوقٍ المَدِينَةِ، ثُمَّ أَمَرَ بِضَرْبِ أَعْنَاقِهِمْ وَإِلْقَائِهِمْ فِي تِلْكَ الْخَنَادِقِ، وَكَانُوا يُخْرَجُ بِهِمْ جَمَاعَاتِ، حَتَّى أَعْدِمُوا عَنْ آخِرِهِمْ وَأَعْدِمَ مَعَهُمْ حُبَيُّ بْنُ أَخْطَبَ، وَقَدْ بَرَّ بِوَعْدِهِ لِكَعْبِ بْنِ

أَسَدٍ أَنَّهُ سَيَبْقَى مَعَهُمْ فِي حِصْنِهِمْ عِنْدَ رَحِيلِ الْأَحْزَابِ عَنِ المَدِينَةِ.

وَقَدْ قُتِلَتِ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ هِيَ بُنَانَةُ امْرَأَةُ الحَكَمِ الْقُرَظِي؛ لأنها قَتَلَتْ رَجُلًا مِنَ المُسْلِمِينَ هُوَ خَلَّادُ بْنُ سُوَيْدٍ الْخَزْرَجِيُّ، فَقَدْ رَمَتْ عَلَيْهِ رَحْى مِنْ فَوْقِ سطح مَنْزِلٍ فَقَتَلَتْهُ.

أَمَّا مَنْ لَمْ يَبْلُغ الحُلُمَ فَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِإِبْقَائِهِمْ، وَكَانَ مِنْهُمْ عَطِيَّةُ الْقُرَظِيُّ، فَلَمْ يُقْتَلُ، وَأَسْلَمَ وَهُوَ مَعْدُودٌ فِي الصَّحَابَةِ، كَمَا عَلَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَى اثْنَيْنِ مِنْ قُرَيْظَةَ هُمَا: رِفَاعَةُ بْنُ سَمَوْأَلَ وَالزُّبَيْرُ بْنُ بَاطَا أَمَّا رِفَاعَةُ فَقَدْ سَأَلَتْ فِيهِ رَسُولَ اللهُ سَلْمَى بِنْتُ قَيْسٍ إِحْدَى خَالَاتِ رَسُولِ الله، وَكَانَتِ امْرَأَةٌ قَدْ صَلَّتْ إِلَى الْقِبْلَتَيْنِ، وَبَايَعَتِ النَّبِيِّ بَيْعَةَ النِّسَاءِ، فَوَهَبَهُ لَمَّا فَأَسْلَمَ، وَلَهُ صُحْبَةٌ. (1/307)

صفحة 302

السيرة النبوية.

وَأَمَّا الزُّبَيْرُ بْنُ بَاطَا فَقَدِ اسْتَوْهَبَهُ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ مِنَ الرَّسُولِ، وَقَدْ كَانَتْ لَهُ يَدٌ

عَلَى ثَابِتٍ فِي حَرْبِ يَوْمٍ بُعَاثٍ. وَلَكِنَّ الزُّبَيْرَ بَعْدَ أَنْ عَلِمَ بِمَقْتَلِ أَشْرَافِ قَوْمِهِ رَفَضَ الْبَقَاءَ قَائِلًا: لَا خَيْرَ فِي الْعَيْشِ بَعْدَهُمْ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِضَرْبِ عُنُقِهِ لِيَلْحَقَ بِقَوْمِهِ، وَاسْتَبْقَى ابْنَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزُّبَيْرِ لِصِغَرِ سِنْهِ، فَعَاشَ وَأَسْلَمَ، وَلَهُ صُحْبَةٌ. إِسْلَامُ بَعْضِ الْيَهُودِ:

أَسْلَمَ ثَلَاثَةٌ مِنَ الْيَهُودِ، فَحَفِظُوا بِذَلِكَ حَيَاتَهُمْ، وَحَازُوا أَمْوَاهُمْ، وَهُمْ:

1 - ثَعْلَبَةُ بْنُ سعيه.

2 - أُسَيْدُ بْنُ سَعيه.

3 - أَسَدُ بْنُ عُبَيْدِ.

عَلَى أَنَّ هَؤُلَاءِ لَيْسُوا مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ وَلَا مِنْ بَنِي النَّظير، وَإِنَّا مِنْ بَنِي عَمِّهِمْ. وَتَذْكُرُ الْمُصَادِرُ عَمْرَو بْنَ سُعْدَى الْقُرَظِيَّ، الَّذِي رَفَضَ الْغَدْرَ بِالنَّبِيِّ وَالمُسْلِمِينَ قَائِلًا: لا أَغْدُرُ بِمُحَمَّدٍ أَبَدًا، فَخَرَجَ عَلَى وَجْهِهِ وَلَمْ يُعْرَف بَعْدَ ذَلِكَ مَصِيرُهُ حَتَّى قَالَ فِيهِ رَسُولُ الله: ذَاكَ رَجُلٌ نَجَّاهُ اللهُ بِوَفَائِهِ. (1/308)

صفحة 303

السيرة النبوية.

تَقْسِيمُ الْفَيْءِ: أَخَذَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بَعْدَ ذَلِكَ فِي تَقْسِيمِ في بَنِي قُرَيْظَةَ مِنَ الْأَمْوَالِ، فَأَخْرَجَ مِنْهُ الخمس %20، وَالْأَرْبَعَةُ الْأَحْمَاسِ،80?، قَسَّمَهَا لِلْمُقَاتِلِينَ جَاعِلًا لِلْفَارِسِ سَهْمَيْنِ سَهُما لَهُ وَسَهُما لِفَرَسِهِ، وَلِلْمَاشِي سَهْماً وَاحِداً، وَكَانَ عَدَدُ أَفْرَاسِ الْمُسْلِمِينَ سِتَّةٌ وَثَلَاثِينَ فَرَسًا.

أَمَّا السَّبَايَا فَقَدْ بَعَثَ بِهِمْ سَعْدُ بْنُ زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ إِلَى نَجْدٍ، فَبَاعَهُمْ هُنَالِكَ، وَابْتَاعَ بِأَثْمَانِهَا خَيْلًا وَسَلَاحًا لِلْمُسْلِمِينَ، وَاصْطَفَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَسَلَّمَ لِنَفْسِهِ رَيْحَانَةَ بِنْتَ عَمْرٍو مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ قُرَيْظَةَ، وَأَعْلَنَتْ إِسْلَامَهَا بَعْدَ فَتْرَةٍ مِنْ تَمَسُّكِهَا بِدِينِ قَوْمِهَا، وَظَلَّتْ فِي مِلْكِهِ إِلَى أَنْ مَاتَ، وَصَارَ تَقْسِيمُ في بَنِي قُرَيْظَةَ وَفْقَ الْحِصَص المذكُورَةِ سنة متبعة منذ ذلِكَ الحِينِ، عَلَى أَنْ غَزْوَةَ بَنِي قُرَيْظَةَ هِيَ أَوَّلُ مَعْرَكَةٍ يَقَعُ فِيهَا سَبي.

النَّتَائِحُ: كَانَتِ التَّتَائِجُ مِنْ غَزْوَةِ بَنِي قُرَيْظَةً رَائِعَةً جِدًّا، مُتَمَثْلَةٌ فِيما يلي:

1 - الْقَضَاءُ عَلَى آخِرِ وَكْرٍ مِنْ أَوْ كَارِ الْمُوَامَرَةِ وَالْكَيْدِ فِي مَدِينَةِ الرَّسُولِ. -2 - خَرسَ صَوْتُ النَّفَاقِ، فَقَدْ أَصَابَ مُعَسْكَرَ النِّفَاقِ الضَّعْفُ، وَقَلَّ نَشَاطُهُمْ، يَقُولُ

الْيَهُودِيُّ الدُّكْتُورُ إِسْرَائِيلُ وَلْفِنْسُون: «وَأَمَّا الْمُنَافِقُونَ فَقَدْ خَفَتَ صَوْتُهُمْ بَعْدَ يَوْمٍ (1/309)

صفحة 304

السيرة النبوية.

قُرَيْظَةَ، وَلَمْ نَعُدْ نَسْمَعُ لَهُمْ أَعْمَالًا أَوْ أَقْوَالًا تُناقِضُ إِرَادَةَ النَّبِيِّ وَأَصْحَابِهِ، كَمَا كَانَ

يُفْهَمُ ذَلِكَ مِنْ قَبْلُ» (1).

3 - أَمِنَ المُسْلِمُونَ أَنْ يُؤْتُوا مِنْ خَلْفِهِمْ مِنْ دَاخِلِ المَدِينَةِ فِي غَزَوَاتِهِمْ وَحُرُوبِهِمُ

المُسْتَقْلة.

4 - تَعَاظُمُ هَيْبَةِ الْمُسْلِمِينَ بَيْنَ الْقَبَائِلِ الْعَرَبِيَّةِ بَعْدَ أَنْ تَأَثَّرَتْ إِلَى حَدٌ مَا بَعْدَ غَزْوَةِ أُحُدٍ. وأخيرًا نَخْتِمُ المَوْضُوعَ بمَا قَالَهُ دويلي في كِتَابِهِ حَيَاةُ مُحَمَّدٍ الرَّسُولِ حَيْثُ قَالَ: فَإِذَا وَهِنَ مُحَمَّدٌ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ أَوْ تَرَكَ جَرِيمَةَ غَدْرِ بَنِي قُرَيْظَةَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُعَاقِبَهُمْ عَلَيْهَا لَمْ يَكُنْ لِلْإِسْلَامِ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ بَقَاءُ، إِنَّهُ لَا شَكٍّ أَنَّ عَمَلِيَّةَ قَتْلِ الْيَهُودِ كَانَتْ عَنِيفَةٌ، وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ حَادِثًا فَرِيدًا مِنْ نَوْعِهِ فِي تَارِيخِ الدِّيَانَاتِ، وَقَدْ كَانَ لِهَذَا الْعَمَلِ مُبَرِّرٌ مِنْ وِجْهَةِ نَظَرِ المُسْلِمِينَ (2).

(1) النَّدَوِيُّ، أَبُو الْحَسَنِ، السِّيرَةُ النَّبَوِيَّةُ، ص 300، نقلا عَنْ كِتَابِ الْيَهُودِيَّةِ فِي بِلَادِ الْعَرَبِ.

(2) الْمُصْدَرُ نَفْسُهُ، ص 299. (1/310)

صفحة 305

وَفَاةُ سَعْدِ بْنِ مُعَادٍ

السيرة النبوية.

تُوفي سَيِّدُ الْأَوْسِ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ غَزْوَةِ بَنِي قُرَيْظَةَ، وَتَنْفِيدِ الحُكْمِ الَّذِي حَكَمَهُ فِيهِمُ الَّذِي وَافَقَ حُكْمَ الله وَحُكْمَ رَسُولِهِ، وَكَانَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ سَيِّدًا وَجِيها؛ لِذَلِكَ قَالَ رَسُولُ الله فِيهِ حِينَمَا قَدِمَ إِلَى مَجْلِسِهِ لِتَحْكِيمِهِ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ: "قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ". غَيْرَ أَنَّ الْمُهَاجِرِينَ - وَهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ - فَصَرُوا سِيَادَتَهُ عَلَى الْأَنْصَارِ فَقَطْ قَائِلِينَ: إِنَّمَا أَرَادَ رَسُولُ اللهِ الْأَنْصَارَ، وَقَدْ رَدَّ الْأَنْصَارُ عَلَى ذَلِكَ قَائِلِينَ: قَدْ عَمَّ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ. وَهَذَا المَوْقِفُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ لَعَلَّهُ يَرْجِعُ إِلَى اعْتِدَادِهِمْ بِنَسَبِهِمُ الْقُرَشِي، وَلَا يُرِيدُونَ تَقْدِيمَ غَيْرِهِمْ عَلَيْهِمْ كَالْأَنْصَارِ مَثَلًا، وَقَدْ تُولِ سَعْدُ بْنُ مُعَادٍ فِي خَيْمَةِ (عِبَادَةِ) رُفَيْدَةَ الْأَسْلَمِيَّةِ الَّتِي كَانَ يُعَالَجُ فِيهَا مُتَأَثرًا بِجِرَاحِهِ مِنَ السَّهْمِ الَّذِي أَصَابَهُ فِي غَزْوَةِ الخَنْدَقِ الَّذِي رَمَاهُ بِهِ حَبَّانُ بْنُ قَيْسِ بْنِ الْعَرِقَةِ، أَحَدِ بَنِي عَمْرِو بْنِ لُغَيٌّ مِنْ قُرَيْشٍ، وَقَدْ مَشَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فِي جَنَازَتِهِ، وَشَهِدَ دَفْنَهُ إِكْرَامًا لَهُ. (1/311)

صفحة 306

غَزَوَاتُ وَسَرَايَا تَأْدِيبِيَّةُ (1/313)

صفحة 307

السيرة النبوية.

سَرِيَّةُ عَبْدِ الله بْنِ عَتِيك

كَانَ سَلامُ بْنُ أَبِ الحَقِّيقِ النَّظَرِيُّ الْيَهُودِيُّ مِنْ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةٌ لِلنَّبِيِّ مُحَمد صلى الله عليه وسلم وَلِلْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ مِنَ الَّذِينَ ذَهَبُوا إِلَى قُرَيْشٍ وَإِلَى الْقَبَائِلِ الْعَرَبِيَّةِ الْأُخْرَى

لِتَحْرِيضِهِمْ لِغَزْوِ المَدِينَةِ يَوْمَ غَزْوَةِ الْأَحْزَابِ.

وَاسْتَأْذَنَ نَفَرٌ مِنَ الخزرج رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم فِي المُسِيرِ إِلَى خَيْبَرَ لِقَتْلِهِ، فَأَذِنَ هُمْ الْخَزْرَجِ وَنَهَاهُمْ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالْأَطْفَالِ، وَكَانُوا خَمْسَةَ رِجَالٍ مِنْ بَنِي سَلَمَةَ مِنَ الْخَزْرَج، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَتِيك.

وَلَعَلَّهُمْ أَرَادُوا مِنْ ذَلِكَ عَدَمَ تَفَرُّدِ الْأَوْسِ بِشَرَفِ مَقْتَلِ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ الَّذِي آذَى الرَّسُولَ وَالمُسْلِمِينَ، فَأَمَرَ الرَّسُولُ بِقَتْلِهِ، فَانْتَدَبَ رِجَالاً مِنَ الْأَوْسِ فَقَتَلُوهُ، وَكَانَ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ بَيْنَهُمْ تَنَافُسُ فِي الشَّرَفِ وَالمَجْدِ وَمَعَالِي الْأُمُورِ، فَقَدْ رَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبْدِ الله بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكِ قَالَ: وَكَانَ مِما صَنَعَ الله بِهِ لِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم أَنْ هَدَيْنِ الحَيَيْنِ مِنَ الْأَنْصَارِ الْأَوْسَ وَالْخَزْرَجَ كَانَا يَتَصَاوَلَانِ مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم تَصَاوُلَ الْفَحْلَيْنِ، لَا تَصْنَعُ الْأَوْسُ شَيْئًا فِيهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم غَنَاءُ إِلَّا قَالَتِ الخزرج: وَالله لَا تَذْهَبُونَ بِهَذَا فَضْلًا عَلَيْنَا عِنْدَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فِي الْإِسْلَامِ، (1/314)

صفحة 308

السيرة النبوية.

قَالَ: فَلَا يَنْتَهُونَ حَتَّى يُوقِعُوا مِثْلَهَا، وَإِذَا فَعَلَتِ الْخَزْرَجُ شَيْئًا، قَالَتِ الْأَوْسُ مِثْلَ

ذَلِكَ (1).

وَبَعْدَ وُصُولِهِمْ خَيْبَرَ عَمَدُوا إِلَى دَارِ سَلَّامٍ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ، كَأَنَّهُمْ يَلْتَمِسُونَ مَوَاداً غِذَائِيَّةٌ، فَلَمَّا عَرَفُوا دَارَهُ قَتَلُوهُ فِي مَرْقَدِهِ تَحْتَ جُنح ظَلام اللَّيْلِ، وَعَادُوا إِلَى المدينة.

سَرِيَّةُ عُكَاشَةَ بْنِ مِحْصَنِ إِلَى الْغِمْرِ

وَجَّهَ الرَّسُولُ عُكَاشَةَ بْنَ مِحْصَنِ الْأَسَدِيَّ فِي شَهْرِ رَبِيعِ الْأَوَّلِ مِنَ السَّنَةِ السَّادِسَةِ لِلْهِجْرَةِ إِلَى الْغِمْرِ، وَهُوَ مَاءٌ لِبَنِي أَسَدٍ غَيْرُ بَعِيدٍ مِنَ الْمَدِينَةِ فِي أَرْبَعِينَ رَجُلًا، فَهَرَبَ بَنُو أَسَدٍ لَّا عَلِمُوا بِمَسِيرِهِمْ، وَتَرَكُوا دِيَارَهُمْ وَإِيلَهُمْ، فَاسْتَاقُوا مِنْهُمْ مِاتَيْ بَعِيرٍ، وَعَادُوا إلى المدينة.

سَرِيَّةُ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ إِلَى ذِي الْقِصَّةِ

وَجَّهَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ الْأَنْصَارِيَّ إِلَى ذِي الْقِصَّةِ، وَهُوَ مَكَانٌ بَيْنَ المُدِينَةِ وَنَجْدٍ فِي عَشَرَةِ رِجَالٍ فِي رَبِيعِ الْآخِرِ مِنَ السَّنَةِ السَّادِسَةِ لِلْهِجْرَةِ، لِتَأْدِيبِ بَنِي ثَعْلَبَةَ، فَوَرَدُوا عَلَيْهِمْ لَيْلًا، وَكَانَ الْأَعْرَابُ قَدْ تَجَمَّعُوا فِي مِائَةِ رَجُلٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ كَانُوا يُرِيدُونَ الْإِغَارَةَ عَلَى المَدِينَةِ، فَأَحَاطَ الْأَعْرَابُ بِالمُسْلِمِينَ

(1) سِيرَةُ ابْنِ هِشَامٍ، ص 482.

315 (1/315)

صفحة 309

السيرة النبوية.

فَقَتَلُوهُمْ، وَلَمْ يَبْقَ عَلَى قَيْدِ الْحَيَاةِ إِلَّا مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، كَانَ قَدْ تَظَاهَرَ بِالْمُوْتِ مِنْ جرَاحَةٍ أَصَابَتْهُ، فَتَرَكَهُ أُولَئِكَ الْأَعْرَابُ بَعْدَ أَنْ سَلَبُوهُمْ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى مَلَابِسَهُمْ، وَمَرَّ رَجُلٌ مُسْلِمٌ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ، فَسَقَاهُ وَأَطْعَمَهُ وَحَمَلَهُ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَبَعَثَ النَّبِيُّ أبا عبيدة بن الجراح إِلَى حَيْثُ قُتِلَ أَصْحَابُ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ فِي أَرْبَعِينَ رَجُلًا، فَلَمْ يَجِدُوا أَحَدًا مِنْ أَعْرَابِ بَنِي ثَعْلَبَةَ، وَإِنَّمَا وَجَدَ بَعْضَ الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ فَسَاقُوهَا إِلَى

المدينة.

سَرِيَّةُ أَبِي عُبَيْدَةَ إِلَى ذِي الْقِصَّةِ

بَلَغَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّ بَنِي مُحَارِب وَبَنِي ثَعْلَبَةَ وَأَنْمَارَ قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى الْإِغَارَةِ عَلَى مِنْطَقَةِ هَيْفَاءَ، وَهِيَ مَكَانُ لِسَرْحٍ إِبِلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَذَلِكَ مِنْ جَدْبٍ أَصَابَ بِلَادَهُمْ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ أَبَا عُبَيْدَةَ عَامِرَ بْنَ الْجُرَّاحِ فِي أَرْبَعِينَ رَجُلًا فِي شَهْرِ رَبِيعِ الْآخِرِ فِي السَّنَةِ السَّادِسَةِ لِلْهِجْرَةِ، فَوَصَلُوا إِلَى ذِي الْقِصَّةِ فِي أَوَّلِ الصَّبَاحِ، فَهَرَبَ الْأَعْرَابُ، وَأَصَابَ

المُسْلِمُونَ رَجُلًا وَاحِدًا، وَأَخَذُوا إبلا وَشَاءَ، وَأَسْلَمَ ذَلِكَ الرَّجُلُ، فَتَرَكَهُ رَسُولُ الله.

316 (1/316)

صفحة 310

السيرة النبوية.

سَرِيَّةُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ إِلَى الْجُمُومِ

وَبَعَثَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مَوْلَاهُ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ الْكَلْبِيَّ فِي رَبِيعِ الْآخِرِ مِنَ السَّنَةِ السَّادِسَةِ لِلْهِجْرَةِ إِلَى بَنِي سُلَيْمٍ، فَسَارَ حَتَّى وَرَدَ الْجُمُومَ مِنْ أَرْضِ بَنِي سُلَيْمٍ، وَهُوَ مَكَانٌ قَرِيبٌ مِنْ نَخْل، فَأَصَابَ مِنْهُمْ إِبلا وَشَاء وَأَسْرَى، وَعَادَ إِلَى المَدِينَةِ (1).

سَرِيَّةُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ إِلَى الْعِيصِ

وَبَعَثَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ إِلَى الْعِيصِ فِي بِلَادِ بَنِي سُلَيْمٍ فِي جُمَادَى الْأُولَى مِنَ السَّنَةِ السَّادِسَةِ لِلْهِجْرَةِ فِي سَبْعِينَ رَجُلًا لِلتَّعَرُّضِ لِقَافِلَةِ قُرَيْشٍ الَّتِي كَانَتْ فِي طَرِيقِ عَوْدَتِهَا مِنَ الشَّامِ إِلَى مَكَّةَ، فَاسْتَوْلَوْا عَلَى الْقَافِلَةِ وَمَا فِيهَا، وَأَسَرُوا نَاسًا مِمَّنْ كَانُوا فِي الْقَافِلَةِ، وَعَادُوا إِلَى المَدِينَةِ، وَكَانَ فِي الْأَسْرَى أَبُو الْعَاصِ بْنُ الرَّبِيعِ زَوْجُ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ الله فَاسْتَجَارَ بِهَا فَأَجَارَتْهُ، وَأَمْضَى رَسُولُ اللهِ حِوَارَهَا لَهُ، ثُمَّ سَأَلَتْ أَبَاهَا أَنْ يَرُدَّ عَلَى أَبِي الْعَاصِ مَا أُخِذَ مِنْهُ مِنْ مَالٍ، فَرَدَّ النَّاسُ الْأَمْوَالَ، وَأَمَرَهَا أَنْ لَا يَقْرَبَ مِنْهَا لِأَنَّهُ مُشْرِكٌ، وَذَهَبَ أَبُو الْعَاصِ إِلَى مَكَّةَ، وَأَعْطَى أَهْلَ مَكَّةَ أَمْوَاهُمُ الَّتِي كَانَتْ عَلَى الْعِيرِ، وَأَعْلَنَ إِسْلَامَهُ، وَجَاءَ إِلَى المَدِينَةِ، فَرَدَّ النَّبِيُّ عَلَيْهِ زَوْجَتَهُ زَيْنَبَ عَلَى الْعَقْدِ الْأَوَّلِ.

(1) الرَّسُولُ الْقَائِدُ، ص 252.

317 (1/317)

صفحة 311

السيرة النبوية.

غَزْوَةُ بَنِي لِحْيَانَ

خَرَجَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي شَهْرِ جُمَادَى الْأُولَى مِنَ السَّنَةِ السَّادِسَةِ لِلْهِجْرَةِ فِي مِائَتَيْنِ مِنْ أَصْحَابِهِ يُرِيدُ بَنِي حِيَانَ الَّذِينَ غَدَرُوا بِأَصْحَابِهِ السَّتَّةِ، وَهُمْ أَهْلُ الرَّجِيعِ، وَقَدْ وَرَّى بِخُرُوجِهِ كَأَنَّهُ يُرِيدُ الشَّامَ، وَكَانَ دَائِمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي غَزَوَاتِهِ؛ لِكَيْ يُصِيبَ غِرَّةٌ مِنْ عَدُرهِ، إِلَى أَنْ وَصَلَ الْبَرَاءَ، ثُمَّ تَوَجَّهَ إِلَى نَاحِيَةِ مَكَّةَ حَتَّى وَصَلَ غَرَّانَ، مَنَازِلَ بَنِي لحَيَانَ، وَغَرَّانُ وَادٍ بَيْنَ أمجِ وَعُسْفَانَ، قَرِيبٌ مِنْ مَكَّةَ، وَنَزَلَ بَلْدَةٌ يُقَالُ لَهَا سَايَة، بَلْدَةٌ هُمْ، وَلَكِنَّهُمْ في الظَّاهِرِ عَلِمُوا بِتَوَجُهِهِ إِلَيْهِمْ فَفَرُّوا إِلَى رُؤُوسِ الْجِبَالِ، تَارِكِينَ مَنَازِهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَتَمَتَّعُوا بِالْجِبَالِ، وَانْتَقَلَ النَّبِيُّ مِنْ هُنَالِكَ حَتَّى نَزَلَ بِأَصْحَابِهِ عُسْفَانَ، وَبَعَثَ فَارِسَيْنِ إِلَى كُرَاعِ الْغَمِيمِ الْقَرِيبِ مِنْ مَكَّةَ، بِقَصْدِ التَّأْثِيرِ عَلَى مَعْنَوِيَّاتِ قُرَيْشٍ، وَبَعْدَ عَوْدَةِ الْفَارِسَيْنِ مِنْ كُرَاعِ الْغَمِيمِ قَفَلَ النَّبِيُّ وَأَصْحَابُهُ عَائِدِينَ إلى المَدِينَةِ، وَفِي عَوْدَتِهِ تِلْكَ قَالَ النَّبِيُّ دُعَاءَ السَّفَرِ آبِبُونَ تَائِبُونَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ، أَعُوذُ بِالله مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ وَكَابَةِ المُنْقَلَبِ، وَسُوءِ المَنْظَرِ فِي الْأَهْلِ

والمال (1). وَلَكِنْ مَا هُوَ السَّبَبُ الَّذِي جَعَلَ النَّبِيِّ يَدْعُو بِهَذَا الدُّعَاءِ فِي عَوْدَتِهِ مِنْ غَزْوَةِ بَنِي حيَانَ فِي رَأْبِي أَنَّ هَذِهِ الْغَزْوَةَ هِيَ بِدَايَةُ الْغَزَوَاتِ الَّتِي سَوْفَ يَغْرُوهَا وَهُوَ لَا تَخَافُ

(1) سِيرَةُ ابْنِ هِشَامٍ، ص 485.

318 (1/318)

صفحة 312

السيرة النبوية.

أَنْ يُغْزَى فِي المَدِينَةِ، بَعْدَ أَنْ تَفَرَّقَتِ الْأَحْزَابُ مِنْ مَعْرَكَةِ الْخَنْدَقِ وَبَعْدَ الْقَضَاءِ عَلَى

يَهُودِ بَنِي قُرَيْظَةَ، آخِرِ تَجَمع يَهُودِي بِالمَدِينَةِ.

غَزْوَةُ ذِي قردِ

وَسَبَبُهَا أَنَّ عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنِ الْفَزَارِيَّ أَغَارَ فِي قَوْمِهِ غَطَفَانَ عَلَى أَطْرَافِ الْمَدِينَةِ عَلَى مَكَانٍ فِيهَا يُسَمَّى الْغَابَةَ، فِيهَا إِبِلٌ لِرَسُولِ الله، وَعَلَى تِلْكَ الْإِبِلِ رَجُلٌ غِفَارِيٌّ وَزَوْجَتُهُ يَقُومَانِ عَلَيْهَا رَعْيًا وَرِعَايَةٌ، فَهَجَمَ عُيَيْنَهُ وَقَوْمُهُ عَلَى الرَّجُلِ فَقَتَلُوهُ وَاحْتَمَلُوا المرأةَ وَسَاقُوا الْإِبل.

وَصَادَفَ ذَلِكَ وُجُودُ سَلَمَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْأَكْوَعِ الْأَسْلَمِيِّ قَرِيبًا مِنَ الْمَكَانِ، وَمَعَهُ غُلَامٌ لِطَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ الله، فَصَعِدَ سَلَمَةُ عَلَى ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ (1) مِنْ نَاحِيَةِ سَلْعِ، فَلَما رَأَىهُمْ صَرَخَ وَاصَبَاحَاهُ ... وَخَرَجَ يَشْتَدُّ فِي أَثَرِهِمْ بَعْدَ أَنْ أَخَذَ الْفَرَسَ مِنْ غُلَامٍ طَلْحَةَ، وَلحَقَ بهِمْ وَأَخَذَ فِي مُنَاوَشَتِهِمْ، وَبَلَغَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم صَرْخَةُ ابْنِ الْأَكْوَع وَلَعَلَّ غُلَامَ طَلْحَةَ رَجَعَ إِلَى المَدِينَةِ لِإِخْبَارِ الرَّسُولِ بِالْأَمْرِ، وَنَادَى رَسُولُ اللهِ فِي أَهْلِ المدينة: الْفَزَعُ الْفَزَعُ.

(1) لِلْمَدِينَةِ ثَنِيَّتَانِ، يُقَالُ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا ثَنِيَّةُ الْوَدَاعِ، وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا عَلَى الطَّرِيقِ إِلَى مَكَّةَ، وَهِيَ الَّتِي أَقْبَلَ مِنْهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مُهَاجِرًا إِلَى المَدِينَةِ، وَغَنَّتْ بِهَا بَنَاتُ الْأَنْصَارِ، وَالثَّانِيَةُ فِي طَرِيقِ الشَّامِ، وَهِيَ

المذكورة هُنَا.

319 (1/319)

صفحة 313

السيرة النبوية.

وَانْطَلَقَ أَهْلُ المَدِينَةِ فِي مَجْمُوعَاتٍ يَلْحَقُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْفُرْسَانُ، ثُمَّ لحق بهِمُ الْآخَرُونَ، وَحَدَثَتْ بَيْنَهُمُ اشْتِيَاكَاتٌ، فَقُتِلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ رَجُلَانِ هُمَا: يُحْرِزُ بْنُ نَضْلَةَ وَوَفَّاصُ بْنُ مُحرز المذحيُّ، وَمِنَ المُشْرِكِينَ مَسْعَدَةُ بْنُ حِكْمَةَ وَحَبِيبُ بْنُ

عيينة، وَأَوْبَارُ وَابْتُهُ عَمْرُو بْنُ أَوْبَارٍ، وَأَدْرَكَ المُسْلِمُونَ بَعْضَ إِبْلِهِمْ مِنَ الْمُغِيرِينَ. وَسَارَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم حَتَّى نَزَلَ بِذِي قري، وَهُوَ مَاءٌ بَيْنَ المَدِينَةِ وَخَيْبَرَ، وَقَدْ فَاتَهُمْ عُبَيْنَهُ

وَقَوْمُهُ، وَتَلَاحَقَ الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ رَسُولِ الله بِذِي، قردٍ، وَأَقَامُوا هُنَالِكَ يَوْمًا وَلَيْلَةٌ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ سَلَمَةَ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْأَكْوَعِ كَانَ أَكْثَرَ الْقَوْمِ تَحَمُّسًا يُطَارَدَةِ الْمُغِيرِينَ؛ لأَنَّهُ صَاحِبُ الصَّيْحَةِ الْأُولَى، وَالْمُطَارِدُ الْأَوَّلُ هُمْ؛ لِذَلِكَ لَمْ يَقْتَنِعْ بِاسْتِرْدَادِ بَعْضٍ الْإِبِلِ، وَشَقَّ عَلَيْهِ تَفْوِيتُ الْإِبِلِ الْأُخْرَى، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ سَرَّحْتَنِي فِي مِائَةٍ رَجُلٍ لَاسْتَنْقَذْتُ بَقِيَّةَ الْإِبِلِ، فَقَالَ لَهُ: إِنَّهُمُ الْآنَ لَيَعْبَقُونَ فِي غَطَفَانَ، ثُمَّ رَجَعَ رَسُولُ الله إلى المدينة.

أَمَّا الْمُرْأَةُ الْغِفَارِيَّةُ فَقَدْ أَفْلَتَتْ مِنْهُمْ، وَجَاءَتْ عَلَى نَاقَةٍ مِنَ الْإِبِلِ المُسُوقَةِ حَتَّى وَصَلَتْ إِلَى رَسُولِ الله بِالمَدِينَةِ، وَقَالَتْ لَهُ: إِنَّهَا نَذَرَتْ أَنْ تَنْحَرَ النَّاقَةَ إِنْ نَجَّاهَا اللَّهُ عَلَيْهَا، فَتَبَسَّمَ مِنْ قَوْلِهَا، وَقَالَ لَهَا: "بِئْسَ مَا جَزَيْتِهَا أَنْ حَمَلَكِ اللَّهُ عَلَيْهَا وَنَجَّاكِ بِهَا ثُمَّ تَنْحَرِينَهَا، إِنَّهُ لا نَذَرَ فِي مَعْصِيَةٍ وَلَا فِيمَا لَا تَلُكِينَ، إِنَّمَا هِيَ نَاقَةٌ مِنْ إِيلي، فَارْجِعِي إِلَى أَهْلِكِ عَلَى بَرَكَةِ الله. (1/320)

صفحة 314

السيرة النبوية

سَرِيَّةُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ إِلَى الطَّرْفِ

وَوَجَّهَ رَسُولُ الله زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ مِنْ نَفْسِ السَّنَةِ إِلَى الطَّرفِ، وَهُوَ مَاءٌ لِبَنِي ثَعْلَبَةَ قَرِيبًا مِنَ الْمُرَاضِ عَلَى طَرِيقِ الْبَصْرَةِ، فِي خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ رَجُلًا، فَهَرَبَ الْأَعْرَابُ مِنْ بَنِي ثَعْلَبَةَ، وَأَصَابَ مِنْهُمْ إِبِلًا وَشَاءٌ، وَعَادَ بِهَا إِلَى الْمَدِينَةِ.

321 (1/321)

صفحة 315

السيرة النبوية.

غَزْوَةُ بَنِي الْمُصْطَلِق

وَيُقَالُ هم بالمُصْطَلِق، وَهُمْ مِنْ خُزَاعَةَ، وَكَانَتْ مَنَازِهُمْ نَاحِيَّةَ الْفَرِعِ، وَقَدْ بَلَغَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُمْ يَجْمَعُونَ لَهُ الْجُمُوعَ لِلْهُجُومٍ عَلَى المُسْلِمِينَ وَغَزْوِ المَدِينَةِ، وَكَانَ قَائِدُهُمْ الخَارِثُ بْنُ أَي غِرَارِ الَّذِي جَمَعَ أَعْدَادًا كَبِيرَةً مِنَ الْعَرَبِ مِنْ حُلَفَائِهِمْ بَنِي مُدْلِج وَغَيْرِهِمْ، وَقَدْ سَارَ بِهِمْ حَتَّى نَزَلُوا الْمُرَيْسِيعَ بِنَاحِيَةِ قُدَيْدٍ، فَمَا كَانَ مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِلَّا أَنْ تَهَيَّاً وَهَيَّاً أَصْحَابَهُ وَخَرَجَ بِهِمْ، وَذَلِكَ فِي شَهْرِ شَعْبَانَ مِنَ السَّنَةِ السَّادِسَةِ لِلْهِجْرَةِ، وَبَعَثَ بُرَيْدَةَ بْنَ الْخَصِيبِ السُّلَمِيِّ لِيَسْتَطْلِعَ لَهُ أَخْبَارَهُمْ، فَتَمَكَّنَ فِي التَّوَغُلِ فِي دَاخِلِهِمْ مُخَادِعًا هُمْ بِأَنَّهُ وَاحِدٌ مِنَ الْعَرَبِ سَمِعَ بِهِمْ، فَأَرَادَ أَنْ يَكُونَ مَعَهُمْ فِي حَرْبِ مُحَمَّدٍ، وَبَعْدَ أَنِ اطْمَأَنُوا لَهُ أَفْلَتَ مِنْهُمْ قَادِمَا إِلَى رَسُولِ اللهِ، فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ عَنْ عَدَدِهِمْ وَعُدَّتِهِمْ، وَبِالْمُقَابِلِ كَانَ الْحَارِثُ بْنُ أَبِي ضِرَارٍ قَدْ بَعَثَ رَجُلًا لِيَسْتَطْلِعَ لَهُ أَحْوَالَ المُسْلِمِينَ، فَوَافَاهُمْ بِالْبَقَعَاءِ بَيْنَ المَدِينَةِ وَالْمُرَيْسِيعِ، فَوَقَعَ فِي يَدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَابِ، فَأَخَذَ فِي اسْتِجْوَابِهِ حَتَّى اعْتَرَفَ أَنَّهُ مَبْعُوثُ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي ضِرَارٍ لِلتَّجَسُّسِ عَلَى أَحْوَالِ المُسْلِمِينَ وَمَعْرِفَةِ اسْتِعْدَادَاتِهِمْ، فَجَاءَ بِهِ عُمَرُ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَدَعَاهُ إِلَى الْإِسْلَامِ وَلَكِنَّهُ رَفَضَ، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ الله فَضُرِبَتْ عُنقه.

وَبَلَغَ ذَلِكَ الخَارِثَ وَقَوْمَهُ فَدَاخَلَهُمُ الْخَوْفُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّهْبَةُ مِنَ النَّبِيِّ وَالمُسْلِمِينَ، وَسَارَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إِلَيْهِمْ حَتَّى نَزَلَ بِالمُرَيْسِيعِ، وَلا رَأَى المُشْرِكُونَ مَا عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ مِنْ قُوَّةٍ فَرَّ الْكَثِيرُ مِنْهُمْ عَنِ الْحَارِثِ.

322 (1/322)

صفحة 316

السيرة النبوية.

وَأَخَذَ رَسُولُ الله فِي تَرْتِيبِ أَصْحَابِهِ، حَيْثُ أَعْطَى رَايَةَ الْمُهَاجِرِينَ لِأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَرَايَةَ الْأَنْصَارِ لِسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، أَمَّا المُشْرِكُونَ فَكَانَ حَامِلَ رَاتِهِمْ صَفْوَانُ ذُو الشُّفْرِ، ثُمَّ تَزَاحَفَ الْفَرِيقَانِ وَالْتَحَمَ بَيْنَهُمُ الْقِتَالُ، فَمَكَّنَ اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَالهَرَمُوا بَعْدَ أَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ عَشَرَةُ رِجَالٍ، وَتَمَّ أَمْرُ الْكَثِيرِ مِنْهُمْ، وَأَمْرُ نِسَائِهِمْ وَأَبْنَائِهِمْ وَغَنِيمَةِ أَمْوَالِهِمْ، وَقُتِلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ رَجُلٌ وَاحِدٌ خَطَةٌ، وَاسْمُهُ هَاشِمُ بْنُ صُبَابَةَ، قَتَلَهُ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ اسْمُهُ أَوْسُ مِنْ رَهْطِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ،

كَانَ يَظُنُّهُ أَنَّهُ مِنَ المُشْرِكِينَ؛ لِأَنَّ الْوَقْتَ كَانَ وَقْتَ رِيحٍ وَغُبَارٍ.

فِتْنَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي: وَبَعْدَ الْفَراغِ مِنَ الْمَعْرَكَةِ، وَكَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَالْمُسْلِمُونَ لَا يَزَالُونَ عَلَى مَاءِ المُرَيْسِيعِ ازْدَحَمَ وَارِدُو الماءِ، فَازْدَحَمَ جَهْجَاهُ بْنُ مَسْعُودٍ الْغِفَارِيُّ أَجِيرُ عُمَرَ بْنِ الخطابِ، وَسِنَانُ بْنُ وَبِرٍ الْجُهَيْنِيُّ حَلِيفٌ الْأَنْصَارِ بِفَرَسَيْهِمَا، فَصَاحَ سِنَانٌ: يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، وَصَرَخَ جَهْجَاهُ: يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ، فَالْتَقَطَ الْمُوْقِفَ زَعِيمُ الْمُنَافِقِينَ عَبْدُ الله بْنُ أَيَّ، فَانْتَهَزَهَا فِرْصَةٌ لِتَحْرِيضِ الْأَنْصَارِ عَلَى رَسُولِ الله وَالْمُهَاجِرِينَ، قَائِلًا: أَوَقَدْ فَعَلُوهَا، قَدْ نَافَرُونَا وَكَاتَرُونَا فِي بِلادِنَا، وَالله مَا أَعَدْنَا وَجَلَابِيبَ قُرَيْشٍ هَذِهِ إِلَّا كَمَا قَالَ الْأَوَّلُ: سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلُكَ، أَمَا وَالله لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا

الْأَذَلَّ. (1/323)

صفحة 317

السيرة النبوية.

ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى الْحَاضِرِينَ الَّذِينَ كَانُوا عِنْدَهُ مِنْ قَوْمِهِ مُخَاطِبًا هُمْ قَائِلًا: هَذَا مَا فَعَلْتُمْ بِأَنْفُسِكُمْ، أَحْلَلْتُمُوهُمْ بِلَادَكُمْ، وَقَاسَمْتُمُوهُمْ أَمْوَالَكُمْ، أَمَا وَالله لَوْ أَمْسَكْتُمْ

عَنْهُمْ مَا بِأَيْدِيكُمْ لَتَحَوَّلُوا إِلَى غَيْرِ دَارِكُمْ.

الْخَطَّابِ،

فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم وَعِنْدَهُ عُمَرُ بْنُ الخطاب، فَاقْتَرَحَ عَلَى رَسُولِ الله قَتْلَهُ،،

وَلَكِنَّ الرَّسُولَ أَجَابَهُ بِقَوْلِهِ: فَكَيْفَ يَا عُمَرُ إِذَا تَحَدَّثَ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ؟! لَا، وَلَكِنْ أَذْنَ بِالرَّحِيلِ.

فَارْتَحَلَ رَسُولُ الله بِالنَّاسِ فِي وَقْتِ لَيْسَ مِنْ عَادَتِهِ الرَّحِيلُ فِيهِ حَتَّى اسْتَغْرَبَ أَصْحَابُهُ مِنْ ذَلِكَ، فَأَقْبَلُوا يَتَسَاءَلُونَ عَنِ السَّبَبِ، فَلَها أَخْبِرُوا بِمَا قَالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِ جَاؤُوا إِلَى رَسُولِ الله مُعْلِنِينَ وُقُوفَهُمْ مَعَهُ، وَفِي نَفْسٍ الْوَقْتِ أَوْضَحُوا السَّبَبَ الَّذِي حَمَلَ عَبْدَ الله بْنَ أَبي عَلَى ذَلِكَ قَائِلِينَ: يَا رَسُولَ الله، ارْفُقُ بِهِ، فَوَاللَّهُ لَقَدْ جَاءَنَا اللَّهُ بِكَ

وَإِنَّ قَوْمَهُ لَيَنْظِلِمُونَ لَهُ الْخَرَزَ لِيُتَوَجُوهُ، فَإِنَّهُ يَرَى أَنَّكَ قَدِ اسْتَلَيْتَهُ مُلْكًا. وَسَارَ رَسُولُ الله بِالنَّاسِ يَوْمَهُمْ ذَلِكَ حَتَّى أَمْسَوْا، وَلَيْلَتَهُمْ حَتَّى أَصْبَحُوا، وَصَدْرًا مِنْ نَهَارِ الْيَوْمِ الثَّانِي، فَمَا أَنْ نَزَلُوا عَنْ رَوَاحِلِهِمْ وَمَسُّوا الْأَرْضَ حَتَّى وَقَعُوا نِيَامًا مِنْ شِدَّةِ التَّعَبِ، وَرَاحَ بِهِمْ فِي نَفْسِ الْيَوْمِ سَالِكًا طَرِيقَ الْحِجَازِ مَارًا بِبَقْعَاءَ حَتَّى قدم بهم المدينة.

فَأَنْسَاهُمْ ذَلِكَ حَدِيثَ الْفِتْنَةِ، وَذَلِكَ حُسْنُ سِيَاسَة وَحَزْمُ قِيَادَةٍ مِنْ رَسُولِ الله؛ لِأَنَّ الْفِتْنَةَ إِذَا اشْتَعَلَتْ كَانَ مَدْعَاةٌ إِلَى الْفُرْقَةِ وَالْخِلَافِ وَالشَّقَاقِ وَالاقْتِتَالِ، وَمَا

324 (1/324)

صفحة 318

السيرة النبوية.

وَصَلُوا المَدِينَةَ نَزَلَتْ سُورَةُ المُنَافِقُونَ»، لِتَفْضَحَ المُنَافِقِينَ وَرَئِيسَهُمْ، وَهُنَاكَ صَدَّقَ بِالْأَمْرِ مَنْ كَانَ مُتَشَكَّكًا مِنَ الْأَنْصَارِ لَا سِيًّا مِنَ الْخَزْرَجِ، وَلَا نَزَلَتِ السُّورَةُ ظَنَّ النَّاسُ أَنَّ رَسُولَ الله سَيَقْتُلُ عَبْدَ الله بْنَ أَيُّ، حَتَّى أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبَيٍّ جَاءَ إِلَى رَسُولِ الله عَارِضًا قَتْلَ أَبِيهِ بِنَفْسِهِ، حَتَّى لَا يَقْتُلَهُ غَيْرُهُ فَتَدْفَعَهُ نَفْسُهُ إِلَى الْأَخْذِ بِثَارِهِ، وَلَكِنَّ النَّبِيِّ الحَكِيمُ الْحَلِيمَ قَالَ لَهُ: بَلْ نَتَرَفَقُ بِهِ وَنُحْسِنُ صُحْبَتَهُ مَا بَقِيَ مَعَنَا. وَتِلْكَ هِيَ السَّيَاسَةُ الحَكِيمَةُ وَالْقِيَادَةُ الرَّشِيدَةُ، حَتَّى لَا يَنْفَضَ أَصْحَابُهُ عَنْهُ، وَحَتَّى لَا يَسْتَغِلَّ أَعْدَاؤُهُ ذَلِكَ عَنْهُ، فَيُشِيعُوهَا دِعَايَةٌ مُغْرِضَةٌ، وَصَدَقَ اللَّهُ حِينَ وَصَفَهُ بِقَوْلِهِ: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ

حويلك را به

وَبِذَلِكَ أُسْدِلُ السَّتَارُ عَلَى فِتْنَةٍ كَادَتْ تَشْتَعِلُ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَقُودُهَا

النّفَاقُ، وَمُشْعِلُوهَا الْمُنَافِقُونَ.

حَدِيثُ الْإِفْكِ:

كَانَ مِنْ عَادَةِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا أَرَادَ الْخُرُوجَ فِي غَزْوَةٍ مِنَ الْغَزَوَاتِ أَنْ يَسْتَعْمِلَ الْقُرْعَةَ بَيْنَ نِسَائِهِ تَحْقِيقًا لِلْعَدَالَةِ بَيْنَهُمْ وَمَعَهُنَّ، وَقَدْ كَانَتِ الْقُرْعَةُ فِي غَزْوَةِ بَنِي المُصْطَلِقِ مِنْ نَصِيبِ عَائِشَةَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا.

وَعِنْدَ الْعَوْدَةِ إِلَى المَدِينَةِ مِنْ تِلْكَ الْغَزْوَةِ نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ وَأَصْحَابُهُ فِي مَوْضِعِ قَرِيبٍ مِنَ المُدِينَةِ لَيْلًا لِلْمَبِيتِ، وَلَعَلَّهُ كَانَ ذَلِكَ الْمُوْضِعُ بَقْعَاءَ، وَعِنْدَ مُغَادَرَةِ الْمُكَانِ كَانَتْ عَائِشَةُ قَدْ ذَهَبَتْ لِحَاجَتِهَا، وَسَقَطَ مِنْهَا عِقْدُهَا، فَأَخَذَتْ فِي الْبَحْثِ عَنْهُ، الْأَمْرُ

325 (1/325)

صفحة 319

السيرة النبوية.

الَّذِي جَعَلَهَا تَتَأَخَّرُ عَنِ الارْتِحَالِ مَعَ الْقَوْمِ فَلَمْ يُفْطَنْ إِلَيْهَا، وَمَا عَادَتْ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي خَرَجَتْ مِنْهُ، وَجَدَتِ الرَّكْبَ قَدِ ارْتَحَلُوا، فَجَلَسَتْ حَائِرَةٌ لَا تَعْرِفُ كَيْفَ تَتَصَرَّفُ، وَكَانَ صَفْوَانُ بْنُ الْمُعَطَّلِ السُّلَمِيُّ مِنْ عَادَتِهِ - وَلَعَلَّهُ بِأَمْرِ النَّبِيِّ - يَتَأَخَّرُ عَنِ الرَّكْبِ لالْتِقَاطِ أَشْيَاءِ النَّاسِ وَمُخَلَّفَاتِهِمْ، وَبَيْنَها كَانَ يَهُم بِذَلِكَ، تَفَاجَأَ بِامْرَأَةٍ مُتَلَفْفَةٍ بِأَكْسِيَتِهَا، وَلا اقْتَرَبَ مِنْهَا عَرَفَ أَنَّهَا زَوْجَهُ رَسُولِ اللَّهِ، فَنَادَاهَا وَلَمْ تُكَلِّمْهُ حَيَاءٌ، فَقَرَّبَ لَهَا الْبَعِيرَ فَرَكِبَتْهُ، وَلَحِقَ بِالنَّاسِ عِنْدَ دُخُوهِمُ الْمَدِينَةَ.

وَعِنْدَمَا عَرَفَ النَّاسُ الْقِصَّةَ أَخَذَ بَعْضُهُمْ يَتَحَدَّثُ بِذَلِكَ إِفْعًا وَزُورًا، وَقَدْ تَوَلَّى كِبْرَ ذَلِكَ عَبْدُ الله بْنُ أَي زَعِيمُ النِّفَاقِ وَالمُنافِقِينَ، وَتَوَرَّطَ فِيهِ بَعْضُ الصَّحَابَةِ كَحَسَّانِ بْنِ ثَابِتٍ وَمِسْطَحِ بْنِ أَنَاثَةَ، وَحَنَةٌ بِنْتُ جَحْشٍ، وَارْتَجَفَتِ المَدِينَةُ قِيلًا وَقَالًا عَنْ عَائِشَةَ، وَهِيَ لَا تَعْلَمُ شَيْئًا لِمَا كَانَ يَدُورُ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ مَرِيضَةٌ بَعْدَ عَوْدَتِهَا إِلَى الْمَدِينَةِ، وَفِي ذَلِكَ رَحْمَةٌ مِنَ الله بِهَا، إِلَّا أَنَّهَا أَنْكَرَتْ مُعَامَلَةَ رَسُولِ الله لَهَا، فَذَهَبَ بِهَا الظَّنُّ إِلَى حُلُولِ جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ مَحَلَّهَا فِي قَلْبِ رَسُولِ الله، حَتَّى أَنَّهَا لَمَّا طَلَبَتْ أَنْ تَنْتَقِلَ إِلَى بَيْتِ أَبَوَيْهَا لِلتَّمَرُّضِ فِيهِ وَافَقَ سَرِيعا عَلَى ذَلِكَ، وَفَشَا الْخَبَرُ فِي الْمَدِينَةِ وَوَصَلَ إِلَى أَسْمَاعِ كُلِّ النَّاسِ إِلَى أَنْ تَضَايَقَ رَسُولُ الله مِنْ ذَلِكَ ضِيقًا شَدِيدًا، حَمَلَهُ عَلَى الْوُقُوفِ عَلَى مِنْبَرِ مَسْجِدِهِ يُخَاطِبُهُمْ قَائِلا أَيُّهَا النَّاسُ مَا بَالُ رِجَالٍ يُؤْذُونَنِي فِي أَهْلِي، وَيَقُولُونَ فِيهِمْ غَيْرَ الحَقِّ، وَالله مَا عَلِمْتُ مِنْهُمْ إِلَّا خَيْرًا، وَيَقُولُونَ ذَلِكَ لِرَجُلٍ وَالله مَا عَلِمْتُ مِنْهُ إِلَّا خَيْرًا، وَمَا يَدْخُلُ بَيْتًا مِنْ بُيُوتِي إِلَّا وَهُوَ مَعِي.

326 (1/326)

صفحة 320

السيرة النبوية.

فلما قَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ذَلِكَ، قَالَ لَهُ أُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ سَيِّدُ الْأَوْسِ: يَا رَسُولَ الله، إِنْ كَانُوا مِنَ الْأَوْسِ نَكْفِيكَهُمْ، وَإِنْ كَانُوا مِنْ إِخْوَانِنَا الْخَزْرَجِ فَمُرْنَا

بأَمْرِكَ. فَفَهِم سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ أَنَّهُ يُعَرِّضُ بِالْخَزْرَج؛ لِأَنَّ الْمُرْجِفِينَ بِذَلِكَ جُلُّهُمْ مِنَ الْخَزْرَجِ، وَعَلَى رَأْسِهِمْ عَبْدُ الله بْنُ أَيِّ، فَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ لِيُكَذِّبَ أُسَيْدًا وَيُعْجِزَهُ، وَتَنَاوَرَ النَّاسُ حَتَّى كَادَتْ تَقَعُ فِتْنَةٌ بَيْنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَج.

وَفِي خِضَمٌ تِلْكَ المُعْمَعَةِ مِنَ الْأَقَاوِيلِ وَالْأَرَاجِيفِ وَالشَّائِعَاتِ عَلِمَتْ عَائِشَةُ، وَبَلَغَ ذَلِكَ مِنْهَا مَبْلَغَا عَظِيمًا، وَسَاءَهَا أَيُّهَا إِسَاءَةٍ، وَتَأَثَّرَتْ بِهِ تَأْثُرًا شَدِيدًا كَادَتْ نَفْسُهَا تَخْرُجُ مِنْهَا بِسَبَبِهِ، وَجَاءَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللهِ فِي بَيْتِ أَبَوَيْهَا لِلاطْمِثْنَانِ عَلَيْهَا، وَدَعَا عَلِيَّ بْنَ أبِي طَالِبٍ وَأُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ فَاسْتَشَارَهُمَا، أَمَّا أَسَامَهُ فَأَثْنَى عَلَيْهَا خَيْرًا، وَأَشَارَ إِلَى رَسُولِ الله إِلَى التَّمَسُّكِ بِهَا، وَأَمَّا عَلِيٌّ فَأَشَارَ إِلَيْهِ بِتَطْلِيقِهَا قَائِلًا: إِنَّ النِّسَاءُ كَثِيرٌ، ثُمَّ دَعَا بِمَوْلَاتِهَا بَرِيرَةً فَأَثْنَتْ عَلَيْهَا خَيْرًا، وَأَخَذَ عَلِيٌّ بِتَهْدِيدِهَا وَضَرْبِهَا لِتُخْبِرَ عَنْ عَائِشَةَ وَلَا تَكْتُمَ رَسُولَ الله شَيْئًا، وَلَكِنَّ بَرِيرَةَ مَا قَالَتْ إِلَّا مَا عَلِمَتْ مِنْ خَيْرٍ عَنْ سَيِّدَتِهَا (1) وَلَكِنَّ اللهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا، فَلَمْ يَبْرَحْ رَسُولُ الله مَنْزِلَ أَبِي بَكْرٍ حَتَّى جَاءَهُ وَحْيُ اللَّهُ بِبَرَاءَةِ عَائِشَةَ فِي قُرْآنٍ يُتْلَ إِلَى أَنْ يَرتَ اللهُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا.

(1) ذَلِكَ الْمُوْقِفُ مِنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ بَقِيَ فِي نَفْسٍ عَائِشَةَ عَلَيْهِ، وَمَا خُرُوجُهَا عَلَيْهِ فِي مَعْرَكَةِ الْجُمَلِ إِلَّا نَفثَةٌ مَصْدُورٍ.

327 (1/327)

صفحة 321

السيرة النبوية.

وَهُنَالِكَ تَنَفَّسَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم الصَّعَدَاءَ، وَتَنَفَّسَ أَبُو بَكْرٍ وَأُمُّهَا، وَكَذَلِكَ هِيَ تَنَفَّسَتِ الصَّعَدَاءَ، وَنَزَلَتْ فِي ذَلِكَ سِتّ عَشْرَةَ آيَةً مِنْ سُورَةِ النُّورِ مِنَ الْآيَةِ (11) وَحَتَّى الْآيَة (26) وَهِيَ مِنْ قَوَارِع الْآيَاتِ، وَعَادَتْ عَائِشَةُ إِلَى بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ وَإِلَى قَلْبِ رَسُولِ اللهِ، وَبِذَلِكَ انْتَهَتْ قِصَّةٌ مِنْ أَكْثَرِ الْقِصَصِ جَدَلًا وَإِثَارَةٌ. وَيُقَالُ إِنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَمَرَ بِجَلْدِ كُلِّ مِنْ: حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ،

وَمِسْطَحِ بْنِ أَنَاثَةَ وَحَنَةٌ بِنْتِ جَحْشٍ حَدَّ الْقَلْفِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُمْ لَمْ يُضْرَبُوا (1). جُوَيْرِيَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ:

وَقَعَتْ جُوَيْرِيَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ ضِرَارٍ سَيّدِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ أَسِيرَةً مَعَ أُسَارَى قَوْمِهَا بَعْدَ هَزِيمَتِهِمْ فِي مَعْرَكَةِ الْمُرَيْسِيعِ، فَصَارَتْ مِنْ نَصِيبٍ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ الشَّماسِ سَهْمَا، وَأُخِذَتْ مَعَ الْأَسْرَى وَالْأَسِيرَاتِ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَجَاءَ بَنُو المُصْطَلِقِ فِي فِدَاءِ أَسْرَاهُمْ وَأَسِيرَاتِهِمْ، وَجَاءَ كَذَلِكَ سَيِّدُهُمْ الْحَارِثُ بْنُ أَبِي ضِرَارٍ فِي فِدَاءِ ابْنَتِهِ (2)

(1) الْوَاقِدِيُّ، مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ، المغازي، ج 2، ص 434، عَالَمُ الْكُتُبِ، بَيْرُوت. (2) مِنْ هَذِهِ الْغَزْوَةِ بَدَأَ الْقَوْلُ بِسَبْيِ الْعَرَبِ، وَالْحَقِيقَةُ أَنَّهُ أَسْرُ وَلَيْسَ سَبْيَا، وَسَوْفَ نُبَيِّنُ ذَلِكَ فِي أُسَارَى

حُنَيْنٍ وَأَوْطَاسِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَرَاجِعْهُ هُنَالِكَ.

328 (1/328)

صفحة 322

السيرة النبوية.

وَقَدْ تَزَوَّجَهَا رَسُولُ الله وَقَدِ اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَاتُ فِي كَيْفِيَّةِ تَزَوجِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم مِنْهَا، فَهُنَاكَ رِوَايَةٌ تَقُولُ إِنَّهُ تَكَفَّلَ بِفِدَائِهَا مِنْ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ مُقَابِلَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، بَعْدَ أَنْ جَاءَتْهُ طَالِبَةٌ عَوْنَهَا فِي دَفْعِ فِدَائِهَا، فَوَافَقَتْ عَلَى ذَلِكَ، وَهُنَاكَ رِوَايَةٌ تَقُولُ إِنَّ أَبَاهَا الْحَارِثُ بْنَ ضِرَارٍ فَدَاهَا مِنْ رَسُولِ الله أَوْ مِنْ ثَابِتِ بْن قَيْس، ثُمَّ خَطَبَهَا رَسُولُ الله مِنْهُ، فَزَوَّجَهُ إِيَّاهَا، وَسَاهَا رَسُولُ الله جُوَيْرِيَةَ، وَأَصْبَحَتْ زَوْجَةَ رَسُولِ الله وَمِنْ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ، وَما تَزَوَّجَهَا أَطلَقَ النَّاسُ مَا بأَيْدِيهِمْ مِنَ الْأَسْرَى وَالْأَسِيرَاتِ وَقَالُوا: أَصْهَارُ رَسُولِ اللهِ، فَكَانَتْ بَرَكَةً عَلَى قَوْمِهَا.

وَهَكَذَا انْتَهَتْ غَزْوَةُ المُرَبْسِيعِ أَوْ غَزْوَةُ بَنِي المُصْطَلِقِ بِأَحْدَاثِهَا الَّتِي شَغَلَتِ النَّاسَ وَارْتَجَتِ المَدِينَةُ لَهَا.

سَرِيَّةُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفِ إِلَى دُومَةِ الْجَنْدَلِ

بَعَثَ رَسُولُ الله عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ فِي شَعْبَانَ مِنَ السَّنَةِ السَّادِسَةِ لِلْهِجْرَةِ إلَى دُومَةِ الجُنْدَلِ، وَقَالَ لَهُ: اغْرُ بِاسْم الله وَفِي سَبِيلِ اللهِ، فَقَاتِلُ مَنْ كَفَرَ بِاللهِ، لَا تَغْلُ وَلَا تَغْدِرُ وَلَا تَقْتُلُ وَلِيدًا، وَذَلِكَ لِقِتَالِ بَنِي كَلْبٍ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ وَمَكَثَ بِهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ دَعَاهُمْ فِيهَا إِلَى الْإِسْلَام فَأَسْلَمَ الْأَصْرُعُ بْنُ عَمْرٍو الْكَلْبِيُّ وَكَانَ نَصْرَانِيًّا، وَأَسْلَمَ مَعَهُ أُناسٌ كَثِيرُونَ.

329 (1/329)

صفحة 323

السيرة النبوية

سَرِيَّةُ عَلَى بْنِ أَبِي طَالِبٍ

بَعَثَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ إِلَى فَدَكَ، وَهِيَ بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَتَبُوكَ، فِي مِائَةِ رَجُلٍ لِتَأْدِيبِ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ، فَأَغَارُوا عَلَيْهِمْ، وَهَرَبَتْ بَنُو سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ، وَاسْتَاقُوا

مِنْهُمْ إِبِلًا وَشَاء.

سَرِيَّةُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ إِلَى قِرْفَةَ

وَذَلِكَ أَنَّ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ كَانَ قَدْ خَرَجَ بِتِجَارَةِ لِأَصْحَابِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إِلَى الشَّامِ، فَلَما كَانَ فِي وَادِي الْقُرَى لَقِيَهُ نَاسٌ مِنْ فَزَارَةَ بْنِ بَدْرٍ، فَضَرَبُوهُ

وَأَصْحَابَهُ، وَأَخَذُوا مَا عِنْدَهُمْ.

وَجَاءَ زَيْدٌ وَأَصْحَابُهُ إِلَى رَسُولِ الله بِالمَدِينَةِ، فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، فَبَعَثَهُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ مِنَ السَّنَةِ السَّادِسَةِ، وَسَارَ إِلَيْهِمْ وَصَبَّحَهُمْ، وَأَخَذَ مِنْهُم أَسْرَى، وَعَادَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَبَشَّرَ الرَّسُولَ بِالنَّصْرِ.

سَرِيَّةُ عَبْدِ الله بْنِ رَوَاحَةَ

بَلَغَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَنَّ أَسِيرَ بْنَ زَارِم أَمِيرَ الْيَهُودِ فِي خَيْبَرَ يُخرِّضُ غَطَفَانَ لِحِرْبِ

المُسْلِمِينَ، وَبَعَثَ عَبْدَ الله بْنَ رَوَاحَةَ إِلَى خَيْبَرَ وَدِيَارِ غَطَفَانَ فَتَأَكَّدَ لَهُ الْخَبَرُ بِتَحْرِيضِ أسير لِقَبَائِلِ غَطَفَانَ حِرْبِ المُسْلِمِينَ. (1/330)

صفحة 324

السيرة النبوية.

وَبَعَثَ الرَّسُولُ عَبْدَ الله بْنَ رَوَاحَةَ فِي ثَلَاثِينَ رَجُلًا فِي شَهْرٍ شَوَّالَ مِنَ السَّنَةِ السَّادِسَةِ لِلْهِجْرَةِ، وَاسْتَدْرَجُوا أَسِيرَ بْنَ زَارِم إِلى المجيء إِلَى المَدِينَةِ؛ لِكَيْ يُعَيِّنَهُ النَّبِيُّ مَسْؤُولًا عَلَى خَيْبَرَ، فَطَمِعَ فِي ذَلِكَ، وَقَدِمَ فِي ثَلَاثِينَ رَجُلًا مِنَ الْيَهُودِ بِصُحْبَةِ عَبْدِ الله بْنِ رَوَاحَةً وَأَصْحَابِهِ، فَلَمَّا كَانُوا بِفَرْقَرَةِ تَبَارٍ بَيْنَ خَيْبَرَ وَالمَدِينَةِ نَدِمَ أَسِيرٌ وَأَرَادَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ الْغَدْرَ بِالْمُسْلِمِينَ، وَلَكِنَّ المُسْلِمِينَ فَطِئُوا هُمْ، فَحَمَلُوا عَلَيْهِمْ وَقَتَلُوهُمْ، وَلا أَخْبَرُوا رَسُولَ الله قَالَ لَهُمْ: نَجَّاكُمُ اللَّهُ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ.

سَرِيَّةُ كُرْزِ بْنِ جَابِرِ الْفِهْرِيِّ

قَدِمَ المَدِينَةَ ثَمَانِيَةُ نَفَرٍ مِنْ قَبِيلَةِ عُرَيْنَةً، فَأَسْلَمُوا عِنْدَ رَسُولِ الله وَاسْتَابُوا المَدِينَةَ فَمَرِضُوا، وَأَمَرَ الرَّسُولُ أَنْ يُقِيمُوا بِذِي الْجُدُرِ لِيَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِ الْإِبِلِ وَأَبْوَالِهَا، وَكَانَتْ ذُو الجدرِ سَرْحُ إِبِلِ رَسُولِ الله فَلَما تَعَافَوْا وَسَمِنُوا غَدَوْا عَلَى الْإِبِلِ فَاسْتَافُوهَا، وَكَانَ عَدَدُهَا خَمْسَ عَشْرَةَ لِفْحَةٌ، وَما أَدْرَكَهُمْ يَسَارٌ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ وَثِبُوا عَلَيْهِ فَقَطَعُوا يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ وَسَمَلُوا عَيْنَيْهِ، وَغَرَزُوا فِي لِسَانِهِ الشَّوْكَ حَتَّى مَاتَ، وَجَاءَتْ بِخَبَرِهِ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، فَأَخْبَرَتْ قَوْمَهَا، وَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي أَثَرِهِمْ عِشْرِينَ فَارِسَا عَلَى رَأْسِهِمْ كُرْزُ بْنُ جَابِرِ الْفِهْرِيُّ، فَأَدْرَكُوهُمْ خَلْفَ الحَرَّةِ، وَأَحَاطُوا بِهِمْ فَأَسَرُوهُمْ بَعْدَ أَنْ نَحَرُوا مِنْهَا لِفْحَةٌ وَاحِدَةٌ، وَجَاءُوا بِهِمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، فَأَمَرَ بهِمْ فَقُطِعَتْ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ وَسُمِلَتْ أَعْيُنُهُمْ، وَصُلِبُوا جَزَاءً لَا فَعَلُوا بِيَسَارٍ، وَذَلِكَ فِي شَهْرٍ شَوَّالَ مِنَ السَّنَةِ السَّادِسَةِ لِلْهِجْرَةِ، وَيُقَالُ إِنَّ فِيهِمْ نَزَلَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: إِنَّمَا جَزَاؤُا الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ (1/331)

صفحة 325

السيرة النبوية.

أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِن الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ

عَذَابٌ عَظِيم (1)

سَرِيَّةُ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِي

كَانَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ زَعِيمُ قُرَيْشِ اسْتَأْجَرَ أَعْرَابِيًّا لِاِغْتِيَالِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، غَيْرَ أنَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم اسْتَرَابَ مِنْ أَمْرِ الْأَعْرَابِ، وَقَدْ أَرَادَ الْأَعْرَابِيُّ تَنْفِيذَ المُهِمَّةِ الَّتِي جَاءَ مِنْ أَجْلِهَا، فَفَطِنَ لَهُ أُسَيْدُ بْنُ الحُضَيْرِ، فَجَذَبَهُ وَأَمَرَهُ، فَوَجَدَ لَدَيْهِ حَنْجَرًا، وَمَا اسْتَجْوَبَهُ

الرَّسُولُ صَدَقَهُ الْقَوْلَ وَأَخْبَرَهُ بِمَا جَاءَ بِهِ، وَبِمَا جَعَلَ لَهُ أَبُو سُفْيَانَ، فَخَلَّى سَبِيلَهُ. وَلِذَلِكَ بَعَثَ رَسُولُ الله عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيٌّ وَمَعَهُ سَلَمَةُ بْنُ أَسْلَمَ إِلَى مَكَّةَ وَقَالَ هُما: إِنْ أَصَبْتُها مِنْ أَبِي سُفْيَانَ غُرَّةً فَاقْتُلَاهُ، فَلَمَّا دَخَلَا مَكَّةَ وَأَحَدٌ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ، وَكَانَ الْوَقْتُ لَيْلًا، رَأَىهُ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ فَعَرَفَهُ، وَأَخْبَرَ عَنْهُ قُرَيْشًا، فَخَافُوهُ وَأَخَذُوا فِي طَلَبِهِ، وَهَرَبَ عَمْرُو وَسَلَمَةُ عَائِدَيْنِ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَفِي

الطَّرِيقِ قَتَلَ عَمْرُو وَسَلَمَهُ رَجُلَيْنِ مُشْرِكَيْنِ.

(1) التَّوْبَة، 33.

332 (1/332)

صفحة 326

السيرة النبوية. سَرِيَّةٌ إِلَى نَجْدٍ

وَبَعَثَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم خَيْلًا إِلَى نَجْدٍ فَأَسَرُوا تُمَامَةَ بْنَ أُثَالٍ سَيِّدَ بَنِي حَنِيفَةَ، وَجَاؤُوا بِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَرُبطَ إِلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي المَسْجِدِ، وَمَرَّ بِهِ رَسُولُ اللهِ، وَقَالَ لَهُ: مَا عِنْدَكَ يَا تُمامَةُ؟ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنْ تَقْتُلُ تَقْتُلُ ذَا دَم، وَإِنْ تُنْهِمْ تُنْهِمْ عَلَى شَاكِرٍ، وَإِن كُنتَ تُرِيدُ المالَ فَاسْأَلْ تُعْطَ مَا شِئْتَ. فَتَرَكَهُ رَسُولُ اللهِ، ثُمَّ مَرَّ بِهِ مَرَّةً أُخْرَى وَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَرَدَّ عَلَيْهِ تُمامَهُ كَمَا رَدَّ عَلَيْهِ أَوَّلا، ثُمَّ مَرَّ رَسُولُ الله عَلَيْهِ ثَالِثًا فَقَالَ: أَطْلِقُوا تُمامَةَ، فَأُطْلِقَ.

وَذَهَبَ إِلَى مَاءٍ قَرِيبٍ مِنَ المَسْجِدِ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ جَاءَ فَأَسْلَمَ.

وَقَالَ لِلنَّبِيِّ: وَالله مَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ وَجْهُ أَبْغَضَ إِليَّ مِنْ وَجْهِكَ، فَقَدْ أَصْبَحَ وَجْهكَ أَحَبَّ الْوُجُوهِ إِلى وَالله مَا كَانَ دِينُ أَبْغَضَ إِليَّ مِنْ دِينِكَ، فَقَدْ أَصْبَحَ دِينُكَ أَحَبَّ الْأَدْيَانِ إِلَيَّ، وَإِنَّ خَيْلَكَ أَخَذَتْنِي وَأَنَا أُرِيدُ الْعُمْرَةَ، فَبَشَّرَهُ رَسُولُ الله وَأَمَرَهُ أَنْ يَعْتَمِرَ.

فَلَمَّا قَدِمَ تُمَامَةُ إِلَى مَكَّةَ قَالَتُ لَهُ قُرَيْضٌ: صَبَوْتَ يَا تُمامَةُ، فَأَجَابَهُمْ: لَا وَالله وَلَكِنِّي أَسْلَمْتُ مَعَ مُحَمَّدٍ، لَا وَالله لَا يَأْتِيكُمْ مِنَ الْيَمَامَةِ حَبَّةُ حِنْطَةٍ حَتَّى يَأْذَنَ فِيهَا رَسُولُ اللهِ، وَلا انْصَرَفَ إِلَى بِلَادِهِ مَنَعَ تَزْوِيدَ أَهْلِ مَكَّةَ بِالمُوَادُ الْغِذَائِيَّةِ حَتَّى تَعِمُوا

333 (1/333)

صفحة 327

السيرة النبوية -

وَأَصَابَهُمُ الجَهْدُ الأمْرُ الَّذِي اضْطَرَّهُمْ إِلَى الْكِتَابَةِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، يَسْأَلُونَهُ أَنْ يَكْتُبَ

إلى ثمامَةَ لِيَسْمَحَ لَهُمْ بِحَمْلِ الطَّعَامِ، فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم (1). وَذَلِكَ لأَنَّ الْيَمَامَةَ كَانَتْ رِيفَ مَكَّةَ، عَلَى أَنَّ فِعْلَ النَّبِيِّ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى حُسْنِ السَّيَاسَةِ، وَإِنْ كَانَ هُنَاكَ تَوَتُرٌ بَلْ عَدَاءٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قُرَيْشٍ، فَإِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ لَا تَنْقَطِعَ جَمِيعُ خُيُوطِ التَّوَاصُلِ، فَخَطُّ الرَّجْعَةِ ضَرُورِيٌّ وَمُهِمْ فِي عِلْمِ السَّيَاسَةِ، بَلْ فِي جَمِيعِ شُؤُونِ

الحياة.

(1) النَّدَوِيُّ، أَبو الحَسَنِ، السِّيرَةُ النَّبَوِيَّةُ، ص 301.

334 (1/334)

صفحة 328

-

السيرة النبوية.

نَظْرَةُ إِلَى هَذِهِ الْغَزَوَاتِ وَالسَّرَايَا

إِنَّ النَّاظِرَ وَالْمُتَأَمَّلَ فِي الْغَزَوَاتِ وَالسَّرَايَا يَجِدُهَا تَحْمِلُ المَضَامِينَ التَّالِيةَ: 1 - إِنَّهَا غَزَوَاتٌ وَسَرَايَا تَأْدِيبِيَّةٌ، فَما أَنْ يَسْمَعَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ قَبِيلَةٍ مِنَ الْقَبَائِلِ، أَوْ عَنْ تَجمع مِنْ تَجَمعَاتِ الْأَعْرَابِ، يُرِيدُونَ الْإِغَارَةَ عَلَى المَدِينَةِ أو الهَجُومَ عَلَيْهَا، إِلَّا وَيَأْخُذُ بِزِمَامِ المُبَادَرَةِ، وَيُرْسِلُ سَرِيَّةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ لِصَدِّهِمْ وَتَفْرِيقِهِمْ وَالْقَضَاءِ عَلَيْهِمْ، أَوْ يَغْزُوهُمْ بِنَفْسِهِ حَتَّى لا يُحَاوِلُوا الْعَوْدَةَ إِلَى مِثْلِهَا.

2 - أَكْثَرُهَا سَرَايَا، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهَا سِوَى غَزَوَاتٍ ثَلَاثٍ، هِيَ غَزْوَةُ بَنِي حِيَانَ، وَغَزْوَهُ ذي قردِ، وَغَزْوَةُ المُرَبيع، وَهِيَ غَزْوَةُ بَنِي المُصْطَلِق.

- وُقُوعُهَا فِي السَّنَةِ السَّادِسَةِ لِلْهِجْرَةِ بَيْنَ غَزْوَةِ بَنِي قُرَيْظَةَ وَصُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ، وَكَانَ بَعْضُهَا قَرِيبًا مِنْ بَعْضٍ.

4 - الْإِغَارَاتُ أَوِ الفُجُومَاتُ الَّتِي كَانَتْ تَحْصُلُ مِنَ الْقَبَائِلِ وَالْأَعْرَابِ مُحَاوَلَةٌ أَوْ تَنْفِيذًا تَدُلُّنَا عَلَى أَمْرَيْنِ اثْنَيْنِ:

أ- وُجُودِ ثَرْوَةٍ حَيَوَانِيَّةٍ وَزِرَاعِيَّةٍ لَدَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابِهِ، أَثَارَتْ شَهِيَّتَهُمْ

وَأَسَالَتْ لُعَابَهُمْ.

ب- الاسْتِعْدَادِ الْقَوِيُّ لَدَى النَّبِيِّ وَأَصْحَابِهِ فِي وَأَدِ تِلْكَ الْإِغَارَاتِ فِي مَهْدِهَا،

وَالْقَضَاءِ عَلَيْهَا قَبْلَ التَّحَرُّكِ.

335 (1/335)

صفحة 329

صُلْحُ الْحُدَيْبِيَةِ (1/337)

صفحة 330

السيرة النبوية. صُلْحُ الحديبية

بدَايَةُ الْفِكْرَة: الحَج وَالْعُمْرَةُ وَتَعْظِيمُ الْبَيْتِ الْعَتِيقِ مِنْ بَقَايَا دِينِ النَّبِيِّ إِبْرَاهِيمَ وَابْنِهِ النَّبِيِّ إِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ عِنْدَ الْعَرَبِ، وَقَدْ تَمَسَّكَ الْعَرَبُ بِذَلِكَ أَيَّمَا تَمَسُّكِ، وَبِمَا أَنَّ النَّبِيَّ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَأَصْحَابَهُ الْمُهَاجِرِينَ كَانُوا قَدْ تَرَبَّوْا فِي مَكَّةَ بِجَانِبِ الْبَيْتِ المُعَظَّمِ، فَإِنَّ نُفُوسَهُمْ كَانَتْ تَتُوقُ إِلَى زِيَارَتِهِ، وَقُلُوبَهُمْ تَهْفُو إِلَى الطَّوَافِ حَوْلَهُ، وَلَمْ يَكُنِ الْأَنْصَارُ بِأَقَلَّ شَوْفًا إِلَى ذَلِكَ، فَقَدْ كَانُوا فِي الجَاهِلِيَّةِ وَقَبْلَ هِجْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّد إلَيْهِمْ لَا يُفَارِقُونَهُ حَبًّا وَعُمْرَةٌ.

لِذلِكَ أَخَذَ الشَّوقُ بهِمْ إِلَى الْكَعْبَةِ وَإِلَى مَكَّةَ كُلَّ مَأْحَدٍ، وَذَهَبَ بِهِمْ كُلَّ مَذْهَبٍ، لِطُولِ عَهْدِهِمْ بِفِرَاقِ الْبَيْتِ، وَقَدْ أَرَى اللهُ نَبِيَّهُ دُخُولَ المَسْجِدِ الْحَرَامِ مُعْتَمِرِينَ، خلقِينَ رُؤُوسَهُمْ وَمُقَصِّرِينَ، حَيْثُ قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: لَقَدْ صَدَفَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّمْ يَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إن شاءَ اللهُ عَامِنِينَ مُعَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تخافون فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا (1). فَأَخَذَ رَسُولُ الله فِي التَّخْطِيطِ لِتَنْفِيذِ مَضْمُونِ هَذِهِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةِ، وَبَيْنَمَا كَانَ يَعْمَلُ عَلَى وَضْعِ خُطَّةِ المَسِيرِ إِلَى مَكَّةَ، جَاءَهُ بُسْرُ بْنُ سُفْيَانَ الْكَعْبِيُّ مُسِلَّما وَمُوَدِّعًا

(1) الفتح، 27.

338 (1/338)

صفحة 331

السيرة النبوية.

لَهُ لِلْخُرُوجِ إِلَى أَهْلِهِ، فَأَخْبَرَهُ عَنْ عَزْمِهِ بِالذَّهَابِ لِلْعُمْرَةِ، وَطَلَبَ مِنْهُ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ

إِبِلا لِلْهَدْيِ، وَكَانَ بُسْرٌ بِذَلِكَ خَبِيرًا.

وَأَخَذَ رَسُولُ الله فِي اسْتِنْفَارِ النَّاسِ لِلْعُمْرَةِ، وَأَخَذَ بُسْرٌ فِي شِرَاءِ الْإِبِلِ وَبَعْيْهَا إِلَى المَدِينَةِ حَتَّى حَانَ مَوْعِدُ المُسِيرِ.

فَخَرَجَ رَسُولُ الله وَالمُسْلِمُونَ مِنَ المَدِينَةِ فِي مَطْلَعِ شَهْرٍ ذِي الْقِعْدَةِ مِنَ السَّنَةِ السَّادِسَةِ لِلْهِجْرَةِ فِي أَلْفِ وَأَرْبَعِيانَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ (1)، وَكَانَ عِنْدَهُ مِنْ زَوْجَاتِهِ السَّيِّدَةُ الْعَاقِلَةُ الحَصِيفَةُ أُمُّ سَلَمَةَ، وَقَدِ الْتَقَى الجَمِيعُ بِذِي الْحُلَيْفَةِ (2)، وَمِنْ هُنَالِكَ أَحْرَمُوا بالْعُمْرَةِ وَقَلدُوا الهَدْيَ وَأَحْرَمَ النَّبِيُّ فِي ثَوْبَيْنِ مِنْ نَسِيحٍ صُحَارٍ» (3).

(1) هُنَاكَ مَنْ يَقُولُ إِنَّهُمْ كَانُوا أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ وَخَمْسَةٌ وَعِشْرِينَ رَجُلًا، وَقِيلَ إِنَّهُمْ كَانُوا أَلْفًا وَسِتَمِائَةٍ،

وَالْعَدَدُ الَّذِي اخْتَرْنَاهُ هُوَ الْمَشْهُورُ.

(2) وَتُسَمَّى حَالِيًّا أَيْضًا آبَارُ عَلِيَّ، وَهِيَ مِيقَاتُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لِلْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ.

(3) مَدِينَةٌ عُمانِيَّةٌ، بَلْ مِنْ أَشْهَرِ المُدنِ الْعُمانِيَّةِ، وَتَقَعُ عَلَى سَاحِلِ بَحْرِ عُمَانَ، وَهِيَ قَصَبَةٌ عُمانَ، وَصَفَهَا مدْحًا الرَّحَالَةُ وَالْجُغْرَافِتُونَ، وَتَخْلِطُ المُصَادِرُ بَيْنَ الْيَمَنِ وَعُمَانَ، فَتَقُولُ عَنْ صُحَارَ إِنَّهَا مَدِينَةٌ فِي الْيَمَنِ،

مَعَ أَنَّ الْيَمَنَ لَا تُوجَدُ بِهَا مَدِينَةٌ أَوْ بَلَدٌ أَوْ قَرْيَةٌ تُسَمَّى صُحَارَ.

339 (1/339)

صفحة 332

الطَّرِيقُ إِلَى مَكَّةَ:

-السيرة النبوية.

وَخَرَجُوا مِنْ غَيْرِ سِلَاحِ إِلَّا السُّيُوفِ فِي أَغْمَادِهَا، إِظْهَارًا لِلسِّلْمِ وَنَبْذَا لِلْحَرْبِ، وَقَدِمَ بُسْرُ بْنُ سُفْيَانَ عَيْنًا لَهُ لِاسْتِطْلَاعِ اسْتِعْدَادِ قُرَيْشٍ؛ لِأَنَّهَا قَدْ عَلِمَتْ بِخُرُوجِ

محمد صلى الله عليه وسلم والمُسْلِمِينَ مِنَ المَدِينَةِ، وَقَدِمَ الْفُرْسَانُ لِيَكُونُوا طَلِيعَةَ الْقَوْمِ فِي الطَّرِيقِ. وَجَعَلَ رَسُولُ الله في طَرِيقِهِ يَسْتَنْهضُ الْقَبَائِلَ كَبَنِي بَكْرٍ وَمُزَيْنَةَ وَجُهَيْنَةَ، لِلسَّيْرِ

مَعَهُ إِلَى الْعُمْرَةِ، فَيَتَنَافَلُونَ احْتِقَارًا لِشَأْنِهِ وَشَأْنِ الْمُسْلِمِينَ فِي مُوَاجَهَةِ قُرَيْشٍ المُسْتَعِدَّةِ، عَدَدًا وَعُدَّةً وَيَقُولُونَ: لَنْ يَرْجِعَ مُحَمَّدٌ وَأَصْحَابُهُ مِنْ سَفَرِهِمْ هَذَا أَبَدًا، يَقُولُ اللَّهُ فِي ذَلِكَ: {سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَلُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَل كَانَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا بَل ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبُ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وزين ذالك في قُلُوبِكُمْ وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنتُمْ قَوْمًا بُورًا (1). وَكَانَ مَعَ رَسُولِ الله عَدَدٌ مِنْ قَبِيلَةِ بَنِي أَسْلَمَ كَانُوا أَدِلَّاءَ الطَّرِيقِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا خِرِّيتِي الصَّحْرَاءِ، وَكَانَ يَلْتَقِي فِي طَرِيقِهِ بِقَبَائِلِ الْعَرَبِ فَيَسْأَهُمْ عَنْ عَادَاتِهِمْ وَأَحْوَاهِمْ تَعَرُّفًا عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ حَيَاةٍ وَعَيْشٍ، وَكَانَ مِنْهُمْ مَنْ يُقَدِّمُ الضَّيَافَةَ لَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْتَاعُ الْقَوْمَ مِنْهُمُ المُوَادَّ الْغِذَائِيَّةَ لِلطَّرِيقِ كَالنُّحُومِ وَالْأَلْبَانِ حَتَّى نَزَلَ

(1) الْفَتح، 11، 12. (1/340)

صفحة 333

السيرة النبوية.

رَسُولُ الله وَالمُسْلِمُونَ عُسْفَانَ، وَهُنَاكَ لَقِيَهُ بُسْرُ بْنُ سُفْيَانَ، فَأَخْبَرَهُ عَنِ اسْتِعْدَادِ قُرَيْشٍ وَاسْتِنْفَارِهَا لِلْأَحَابِيشِ وَثَقِيفٍ، وَخَرَجُوا بِرِجَالِهِمْ وَنِسَائِهِمْ وَأَطْفَاهِمْ

معَسْكِرِينَ فِي بَلْدَحِ لِصَدٌ مُحَمَّدٍ وَالْمُسْلِمِينَ عَنْ دُخُولِ مَكَّةَ وَلَوْ لِلْعُمْرَةِ. فَقَالَ هُنَالِكَ رَسُولُ الله قَوْلَتَهُ الجُمِيلَةَ الرَّائِعَةَ: يَا وَيْحَ قُرَيْشٍ، لَقَدْ أَكَلَتْهُمُ الحَرْبُ، مَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ خَلُّوا بَيْنِي وَبَيْنَ سَائِرِ الْعَرَبِ، فَإِنْ هُمْ أَصَابُونِي كَانَ ذَلِكَ الَّذِي أَرَادُوا، وَإِنْ أَظْهَرَنِي اللهُ عَلَيْهِمْ دَخَلُوا فِي الإِسْلَامِ وَافِرِينَ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا قَاتَلُوا ويهِمْ قُوَّةٌ، فَما تَظُنُّ قُرَيْشُ؟ فَوَالله لَا أَزَالُ أَجَاهِدُ عَلَى الَّذِي بَعَثَنِي اللهُ بِهِ حَتَّى يُظْهِرَهُ اللهُ أَوْ تَنْفَردَ هَذِهِ السَّالِفَةُ (1).

وَنَتِيجَةَ المُعْلُومَاتِ الَّتِي زَوَّدَهُ بِهَا بُسْرُ بْنُ سُفْيَانَ عَقَدَ الرَّسُولُ اجْتِمَاعًا لِلتَّشَاوُرِ مَعَ أَصْحَابِهِ، فِيهَا إِذَا كَانُوا يَرَوْنَ الرُّجُوعَ إِلى المدينة أو المضي قدما إلى مَكَّةَ، فَأَجْمَعُوا كُلُّهُمْ مُهَاجِرُوهُمْ وَأَنْصَارُهُمْ عَلى المضي قدما إلَى مَكَّةَ وَعَدَمِ الرُّجُوعِ إِلَى

المَدِينَةِ، وَإِذَا مَا قُوتِلُوا قَاتَلُوا.

وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَعَلَ ذَلِكَ لِثَلَاثَةِ أُمُورٍ هِيَ:

الْاَوَّلُ: تَطبِيقُ مَبْدَا التَّشَاوُرِ الَّذِي هُوَ مَبْدَأَ إِسْلَامِي أَصِيل. الثَّانِي: يُرِيدُ أَنْ يَعْرِفَ عَزْمَهُمْ وَتَبَاءَهُمْ أَمَامَ قُوَّةِ قُرَيْسُ الْقَوِيَّةِ.

(1) مَعْنَى: أَوْ تَنْفَرِدُ هَذِهِ السَّالِفَةُ، أَنَّهُ لَا يَتْرُكُ هَذَا الْأَمْرَ وَلَوِ انْفَصَلَ رَأْسُهُ عَنْ جِسْمِهِ، وَالسَّالِفَةُ هِيَ

العنق.

341 (1/341)

صفحة 334

السيرة النبوية -

الثَّالِثُ: يُرِيدُ اخْتِبَارَ مَعْنَوِيَّاتِهِمْ، هَلْ هِيَ مُتَأَثَرَةُ إِحْبَاطًا بِمَوْقِفِ الْقَبَائِلِ الَّتِي تَخَلَّفَتْ عَنِ المُسِيرِ مَعَهُمْ، وَحَدِيثِهِمْ عَنْ تَعْظِيمِ قُوَّةِ قُرَيْشٍ، وَتَحْقِيرِ مَا عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ

وَأَصْحَابُهُ مِنْ ضَعْفِ قُوَّةٍ وَقِلَّةِ عَدَدٍ.

وَلا رَأَى رَسُولُ الله ثَبَاتَ أَصْحَابِهِ وَارْتِفَاعَ مَعْنَوِيَّاتِهِمْ وَإِصْرَارَهُمْ عَلَى مُوَاصَلَةِ السَّيْرِ، قَرَّرَ الرَّحِيلَ وَمُوَاصَلَةَ السَّيْرِ، وَحَتَّى لَا تَرَاهُ عُيُونُ قُرَيْشٍ خَالَفَ بِالطَّرِيقِ، وَعِنْدَمَا كَانَ يَجْتَازُ عَقَبَةَ ذَاتِ الْحَنْظَلِ وَكَانَتْ مِنَ الضّيقِ بِمَكَانِ، اسْتَحْضَرَ قَوْلَ الله تَعَالَى فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ: (وَادْخُلُوا الباب سجدًا (1) وَلَعَلَّهُ أَرَادَ المَقَارَنَةَ بَيْنَ أَصْحَابِهِ فِي طَاعَتِهِمْ لَهُ وَامْثَالِهِمْ لِأَمْرِهِ وَبَيْنَ مُخَالَفَةِ بَنِي إسْرَائِيلَ لِنَبِيِّهِمْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ

(1)

وَسَارَ حَتَّى دَنَا مِنَ الحَدَيْبِيةِ، وَبَرَكَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ الْقَصْوَاءُ، فَقَالَ النَّاسُ: خَلَاتِ الْقَصْوَاءُ، فَقَالَ رَسُولُ الله: إِنَّهَا مَا خَلَأَتْ وَلَا هُوَ لَهَا بِعَادَةٍ، وَلَكِنْ حَبَسَهَا حَابِسُ الْفِيلِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَا وَالله لَا يَسْأَلُونِي الْيَوْمَ خُطَّةٌ فِي تَعْظِيمٍ حُرْمَةِ اللَّه إِلَّا أَعْطَيْتُهُمْ

إِيَّاهَا.

(1) الْبَقَرَة، 58.

342 (1/342)

صفحة 335

السيرة النبوية.

ثُمَّ حَرَّكَهَا حَتَّى بَرَكَتْ بِهِ فِي الحُدَيْبِيَةِ، وَنَزَلَ النَّاسُ هُنَالِكَ، وَلَكِنَّهُمُ اشْتَكَوْا قِلَةَ الماءِ، فَانْتَزَعَ سَهُما مِنْ كِنَانَتِهِ، فَغَرَزَهُ فِي حُفْرَةٍ كَانَتْ هُنَالِكَ، قَلِيلٌ مَاؤُهَا، فَجَاشَتْ

بِالماءِ الْعَزِيرِ الْعَذْبِ (1)، فَاسْتَقَوْا وَارْتَوَوْا، وَسَقَوْا دَوَابَّهُمْ.

قُرَيْش

أَمَّا قُرَيْس فَنَفَرَتْ بِنَفْسِهَا وَاسْتَنْفَرَتِ الْأَحَابِيشَ وَثَقِيفًا، وَانْتَقَلَ جَمْعُهُمْ إِلَى بَلْدَحٍ، فَبَنَوْا بِهَا الْأَبْنِيَةَ وَأَقَامُوا الْمُعَسْكَرَ، وَخَرَجُوا بِنِسَائِهِمْ وَأَطْفَاهِمْ لِيَصُدُّوا مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ عَنْ دُخُولِ الْحَرَمِ، وَهَيَّأْوا عَدَدًا كَبِيرًا مِنَ الْفُرْسَانِ، يُقَالُ إِنَّهُمْ كَانُوا مِائَتَيْ فَارِسٍ عَلَيْهِمْ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَعِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ، وَصَارُوا مُرَابِطِينَ فِي كُرَاعِ

الْغَمِيمِ قَرِيبًا مِنْ مَكَّةَ.

فِي الْحُدَيْبِيَّةِ:

الحُدَيْبِيَّةُ تُنْطَقُ بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيدِ، وَهِيَ فِي الْجِهَةِ الْغَرْبِيَّةِ مِنْ مَكَّةَ الْمُكَرَّمَةِ، عَلَى الطَّرِيقِ مِنْ مَدِينَةِ جَدَّةَ، وَيَقَعُ بَعْضُهَا فِي الْحِلٌ وَبَعْضُهَا فِي الْحَرَمِ.

(1) هَكَذَا جَاءَتِ الروايةُ، عند الواقدي والظَاهِرُ أنه عليه الصلاة والسّلامُ عَرَفَ وُجودَ مَاءٍ في تلك البقعة التي غَرَزَ فيها سَهْمه ليقوم الناسُ بالحفرِ هُناكَ، ثُم ظَهَرَ الماءُ بعد الحفرِ.

ثم أرسل عليهم الله غيث السماء مدراراً للارتواء فأتوى الناس والدواب.

على أن معرفة وجودِ الماء في باطن الأرض، يَعْرِفُهُ ذوو الخبرة بذلك، وكانَ هَذَا أَمراً شائعاً في عُمان لدى العُمانيين، فَشُقت به الأفلاج، وحفرت به الآبار. (1/343)

صفحة 336

السيرة النبوية.

وَكَانَ فِيهَا نُزُولُ رَسُولِ الله وَأَصْحَابِهِ مُعْتَمِرِينَ بَعْدَمَا عَلِمُوا عَنْ وُجُودِ قُرَيْشٍ مُعَسْكِرِينَ في الجَانِبِ الشَّمَالِي لِمَكَّةَ لَنْع مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ مِنْ دُخُولِ الحَرَم وَأَدَاءِ

عُمْريم وَقَدْ أَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ غَيْثَ السَّمَاءِ مِرَارًا لِلارْتِوَاءِ وَالرَّعْي.

الْوُفُودُ بَيْنَ النَّبِيِّ وَقُرَيْشٍ:

كَانَتِ الْوُفُودُ تَتْرَى بَيْنَ رَسُولِ اللهِ وَبَيْنَ قُرَيْشٍ، قَالَتْ أُمُّ عُمَارَةَ: وَالرُّسُلُ تَخْتَلِفُ بَيْنَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَبَيْنَ قُرَيْشٍ، فَعِنْدَمَا كَانَ فِي الحَدَيْبِيَةِ جَاءَهُ بُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ الْخَزَاعِيُّ فِي رِجَالٍ مِنْ خُزَاعَةَ إِلَى رَسُولِ الله، فَكَلَّمُوهُ فِي سَبَبٍ عَجَمِينِهِ، فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ لِقِتَالٍ، وَإِنَّمَا جَاءَ هُوَ وَقَوْمُهُ مُعْتَمِرِينَ، زَائِرِينَ لِلْبَيْتِ الْعَتِيقِ وَمُعَظَّمِينَ لَهُ، فَذَهَبُوا إِلَى قُرَيْشٍ، فَقَالُوا هُمْ مَا قَالَ لَهُمْ مُحَمَّدٌ، فَاتَّهَمُوهُمْ وَجَابَهُوهُمْ بِالرَّدُ الْقَبِيحِ، وَقَالُوا: فَوَالله لَا يَدْخُلُهَا عَنْوَةً أَبَدًا، وَلَا تَتَحَدَّثُ بِذَلِكَ الْعَرَبُ. ثُمَّ بَعَثَتْ قُرَيْشُ مِكْرَزَ بْنَ حَفْصٍ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُغَيٌّ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى رَسُولِ الله قَالَ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ لِلْوَفْدِ الخَزَاعِيِّينَ.

ثُمَّ بَعَثُوا إِلَيْهِ الخَلِيسَ بْنَ عَلْقَمَةَ وَيُقَالُ لَهُ: الحَلِيسُ بْنُ زَبَّانَ الْكِنَانِيُّ سَيِّدُ الْأَحَابِيشِ، فَلَما رَأَىهُ رَسُولُ الله مُقْبِلا قَالَ: إِنَّ هَذَا مِنْ قَوْمٍ يَتَأَكَّهُونَ، فَابْعَثُوا الْهَدْيَ فِي وَجْهِهِ حَتَّى يَرَاهُ، فَلَمَّا رَأَىهُ يَسِيلُ فِي عُرْضِ الْوَادِي، وَأَخَذَ الْمُسْلِمُونَ فِي التَّلْبِيَةِ لَمْ يَصِلْ إِلَى الرَّسُولِ، وَرَجَعَ إِلَى قُرَيْشٍ نَاصِحًا هُمْ أَنْ يُخَلُّوا بَيْنَ مُحَمَّدٍ وَالْبَيْتِ، غَيْرَ أَنَّ

344 (1/344)

صفحة 337

السيرة النبوية.

قُرَيْضًا اسْتَهْزَأُوا بِهِ وَسَفَهُوا رَأَيْهُ الْأَمْرُ الَّذِي حَمَلَهُ عَلَى إِغْلَاظِ الْقَوْلِ هُمْ وَمُهَدِّدًا هُمْ بالانسحابِ مِنْ خِلْفِهِمْ وَعَقْدِهِمْ، فَأَدْرَكُوا خَطَأَهُمْ، وَطَالَبُوهُ بِالخُدُوءِ وَإِعْطَائِهِمْ وَقَتَا

للتفكير؛ حَتَّى يَتَدَبَّرُوا الْأَمْرَ وَيَحْتَاطُوا لأَنفُسِهِمْ.

وَبَعْدَ ذَلِكَ أَرْسَلَتْ قُرَيْضٌ عُرْوَةَ بْنَ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيَّ، وَلَكِنَّهُ أَخَذَ مِنْهُمْ ضَمَانًا بِاحْتِرَام مَسَاعِيهِ، وَأَنْ لَا يَفْعَلُوا بِهِ مَا فَعَلُوهُ بِسَابِقِيهِ، فَضَمِنُوا لَهُ الاحْتِرَامَ وَالتَّقْدِيرَ، وَلِأَنَّهُمْ لَا يَتَّهِمُونَهُ بِالْوُقُوفِ ضِدَّهُمْ.

وَجَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ لَهُ: أَجَمَعْتَ أَوْشَابَ النَّاسِ ثُمَّ جِئْتَ بِهِمْ إِلَى بَيْضَتِكَ لِتَفضَّهَا بِهِمْ، إِنَّهَا قُرَيْس قَدْ خَرَجَتْ مَعَهَا الْعُوذُ المُطَافِيلُ قَدْ لَبِسُوا جُلُودَ النُّمُورِ يُعَاهِدُونَ أَنْ لَا تَدْخُلَهَا عَلَيْهِمْ عَنْوَةٌ أَبَدًا، وَايْمُ الله لَكَأَنِّي بِهَؤُلَاءِ قَدْ تَكَشَفُوا عَنْكَ غَدًا. فَرَدَّ عَلَيْهِ أَبو بَكْرِ الصِّدِّيقُ بِالْقَوْلِ امْصُصْ بَطْرَ اللَّاتِ أَنَحْنُ نَنْكَشِفُ عَنْهُ؟ قَالَ: مَنْ هَذَا يَا مُحَمَّدُ؟ قَالَ: هَذَا ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ قَالَ عُرْوَةُ: أَمَا وَاللَّهِ لَوْلَا يَدٌ كَانَتْ لَكَ عِنْدِي لَكَا فَأَنكَ بِهَا، وَلَكِنْ هَذِهِ بِهَا.

وَجَعَلَ يَتَنَاوَلُ حِيةَ رَسُولِ الله بِيَدِهِ وَهُوَ يُكَلِّمُهُ، فَأَخَذَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ الَّذِي كَانَ وَاقِفًا عَلَى رَأْسِ رَسُولِ الله يَقْرَعُهَا بِالحَدِيدِ، وَيَقُولُ لَهُ: اكْفُفْ يَدَكَ عَنْ وَجْهِ رَسُولِ الله فَيَقُولُ عُرْوَةُ: مَا أَفَظَكَ وَأَغْلَظَكَ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللهِ، فَسَأَلَهُ عُرْوَةُ: مَنْ هَذَا يَا مُحَمَّدُ؟ قَالَ لَهُ: هَذَا ابْنُ أَخِيكَ المُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، قَالَ عُرْوَةُ: أَيُّ غُدَر، وَهَلْ غَسَلْتَ سَوْءَتَكَ إِلَّا بِالْأَمْسِ، تَذْكِيرًا لَهُ بِمَا دَفَعَهُ عَنْهُ مِنَ الدِّيَاتِ عَنِ الَّذِينَ قَتَلَهُمُ المُغِيرَةُ قَبْلَ

إسلامية.

345 (1/345)

صفحة 338

السيرة النبوية.

فَأَجَابَهُ رَسُولُ الله بِمِثْلِ مَا أَجَابَ بِهِ سَابِقِيهِ بِأَنَّهُ جَاءَ لَا يُرِيدُ حَرْبًا، وَإِنَّمَا جَاءَ مُعْتَمِرًا وَمُعَظَّما لِلْبَيْتِ، وَقَدْ رَأَى عُرْوَةُ مَا يَفْعَلُ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ بِنَبِيِّهِمْ، حَيْثُ لَا يَتَوَضَّأُ إِلَّا ابْتَدَرُوا وُضُوءَهُ، وَلَا يَبْصُقُ بُصَاقًا إِلَّا ابْتَدَرُوهُ، وَلَا يَسْقُطُ مِنْ شَعْرِهِ شَيْءٌ إِلَّا أَخَذُوهُ. وَرَجَعَ إِلَى قُرَيْشٍ فَقَالَ هُمْ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ إِنِّي قَدْ جِئْتُ كِسْرَى فِي مُلْكِهِ، وَقَيْصَرَ فِي مُلْكِهِ، وَالنَّجَاشِيَّ فِي مُلْكِهِ، وَإِنِّي وَاللَّهُ مَا رَأَيْتُ مَلِكًا قَطُّ فِي قَوْمٍ قَطُّ مِثْلَ مُحَمَّدٍ فِي أَصْحَابِهِ، وَلَقَدْ رَأَيْتُ قَوْمًا لَا يُسْلِمُونَهُ لِشَيْءٍ أَبَدًا، فَرُوا رَأَيْكُمْ. وَلا لَمْ تُفْلِحْ رُسُلُ قُرَيْشٍ فِي إِقْنَاعِهِمْ بِصِحَّةِ حِيءٍ مُحَمَّدٍ وَصِدْقِ مَقَالِهِ، أَرْسَلَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم خِرَاسَ بْنَ أُمَيَّةَ الْخُزَاعِيَّ إِلَى قُرَيْشٍ لِيُبَلِّغَهُمْ عَمَّا جَاءَ بِهِ، غَيْرَ أَنَّهُمْ بَدَلًا مِنَ اسْتِقْبَالِهِ الاسْتِقْبَالَ اللَّائِقَ، عَقَرُوا جَمَلَهُ، وَأَرَادُوا قَتْلَهُ، لَوْلَا أَنْ مَنَعَهُ مِنْهُمُ الْأَحَابِيشُ، فَخَلُّوا سَبِيلَهُ لِيَعُودَ إِلَى الرَّسُولِ. وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ قُلُوبَهُمْ كَانَتْ تَغْلِي مِنَ الْحِفْدِ عَلَى رَسُولِ الله وَالمُسْلِمِينَ، ثُمَّ أَرَادَ رَسُولُ الله إِرْسَالَ عُمَرَ بْنِ الخطَّابِ إِلَى قُرَيْشٍ، فَاعْتَذَرَ لِعَدَم وُجُودِ أَقَارِبَ لَهُ

بِمَكَّةَ يَحْمُونَهُ، وَاقْتَرَحَ إِرْسَالَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ لِوُجُودِ عَشِيرَةٍ لَهُ بِهَا.

فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ عُثْمَانَ وَالْتَقَى بِأَكَابِرِهِمْ، بَعْضُهُمْ بِبَلْدحٍ وَبَعْضُهُمْ بِمَكَّةَ، وَقَدْ أَجَارَهُ أَبَانُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ الَّذِي هُوَ قَرِيبٌ لَهُ، وَأَخَذَ عُثْمَانُ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ

346 (1/346)

صفحة 339

السيرة النبوية.

وَاحِدًا وَاحِدًا، يَلْتَقِي بِهِمْ وَيُخْبِرُهُمْ عَنِ السَّبَبِ الَّذِي جَاءَ مِنْ أَجْلِهِ رَسُولُ الله

وَأَصْحَابُهُ، وَكَانَ رَدُّهُمْ وَاحِدًا، وَهُوَ أَنَّهُمْ لَا يَسْمَحُونَ لَهُ بِدُخُولِ مَكَّةَ بَنَاتًا. وَبَيْنَما كَانَ عُثمانُ بِمَكَّةَ أَرْسَلَتْ قُرَيْضٌ عُيُونًا إلى الحديبية لِيَسْتَطْلِعُوا مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ، فَأَسَرَهُمُ المُسْلِمُونَ، فَعَفَى عَنْهُمُ النَّبِيُّ، كُلُّ ذَلِكَ لِتَأْكِيدِ مَوْقِفِهِ السِّلْمِي، وَلَكِنَّ قُرَيْشًا لَا تَعِيرُ لَهُ أُذُنا سامعة أو متفهمة. وَيُقَالُ إِنَّ المُسْلِمِينَ حَبَسُوا أُولَئِكَ النَّفَرَ مِنَ المُشْرِكِينَ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ عَشَرَةٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ ا اسْتَأْذَنُوا رَسُولَ الله في الذَّهَابِ إِلَى مَكَّةَ لِزِيَارَةِ ذَوِيهِمْ، فَأَذِنَ هُمْ رَسُولُ اللَّهِ، فَأَسَرَتْهُمْ قُرَيْضٌ وَحَبَسَتْهُمْ.

وَعِنْدَمَا جَاءَ وَقْدُ قُرَيْشٍ بِرِئَاسَةِ سُهَيْلِ بْنِ عُمَرَ لِلتَّفَاوُضِ طَلَبُوا إِطْلَاقَ الْأَسْرَى، فَقَالَ هُمُ الرَّسُولُ: لَنْ أُطْلِقَهُمْ حَتَّى تُطْلِقُوا أَصْحَابِ، فَبَعَثُوا رَسُوهُمْ إِلَى قُرَيْشٍ بِإِطْلَاقِ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ مُعْتَبِرِينَ ذَلِكَ إِنْصَافًا مِنْهُ، فَأَطْلَقَ كُلُّ فَرِيقِ مَا عِنْدَهُ مِنَ الْأَسْرَى. وَالْعَشَرَةُ المُهَاجِرُونَ الَّذِينَ أُسِرُوا فِي مَكَّةَ هُمْ: كُرْزُ بْنُ جَابِرٍ الْفِهْرِيُّ، وَعَبْدُ الله بْنُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، وَعَبَّاسُ بْنُ أَي رَبِيعَةَ، وَهِشَامُ بْنُ الْعَاصِ بْنِ وَائِلِ، وَحَاطِبُ بْنُ أَبِي بَلْتَعَةَ، وَأَبُو حَاطِبِ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ الشَّمْسِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافَةَ، وَأَبُو الرُّومِ بْنُ عُمَيْرٍ، وَعُمَيْرُ بْنُ وَهْبِ الجُمَحِي، وَعَبْدُ الله بن أُمَيَّةَ بْنِ وَهْبٍ.

وَأَثْنَاءَ وُجُودِ عُثْمَانَ فِي مَكَّةَ تَوَاصَلَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ الْمُسْتَضْعَفِينَ الَّذِينَ لَمْ يَسْتَطِيعُوا

الْهِجْرَةَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى المَدِينَةِ، فَطَمْأَنَهُمْ عَلَى النَّبِيِّ وَعَلَى الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ، وَبَشَّرَهُمْ

347 (1/347)

صفحة 340

السيرة النبوية.

بِفَتْحِ قَرِيبٍ، فَانْشَرَحَتْ صُدُورُهُمْ وَانْفَتَحَتْ قُلُوبُهُمْ وَسَالَتْ دُمُوعُهُمْ شَوْقًا إِلَى

رَسُولِ الله.

وَأَبْطَأَ عُثْمَانُ فِي مَكَّةَ، وَاسْتَبْطَأَهُ رَسُولُ الله وَالْمُسْلِمُونَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَنَعَتْهُ قُرَيْشُ

أَوْ قَوْمُهُ الْأَقَارِبُ مِنَ الخروج مِنْ مَكَّةَ حَتَّى شَاعَ خَبَرُ مَقْتَلِهِ.

بَيْعَةُ الرَّضْوَانِ

لما مَنَعَتْ قُرَيْضٌ عُثمانَ مِنَ الْعَوْدَةِ إِلَى الحُدَيْبِيَةِ، وَاسْتَبْطَأَهُ رَسُولُ اللهِ، شَاعَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ أَنَّهُ قُتِلَ، فَدَعَا رَسُولُ الله الله النَّاسَ إِلَى الْبَيْعَةِ، وَجَلَسَ هُمْ تَحْتَ شَجَرَةٍ (سَمُرَةٍ) خَضْرَاءَ، وَأَخَذَ النَّاسُ يُبَايِعُونَهُ عَلَى المَوْتِ وَعَلَى أَنْ لَا يَفِرُّوا مِنَ الْقِتَالِ، فَتَزَاحَمَ النَّاسُ عَلَيْهِ، وَسُمِّيَتْ هَذِهِ الْبَيْعَةُ بَيْعَةَ الرّضْوَانِ أَخْذًا مِنَ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ ولَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَنبَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (1).

وَبَايَعَ جَمِيعُ النَّاسِ وَلَمْ يَتَخَلَّفْ سِوَى الْجَدِّ بْنِ قَيْسٍ أَحَدِ رُؤُوسِ النِّفَاقِ. وَفِي رَأْبِي أَنَّ هَذِهِ الْبَيْعَةَ هِيَ الَّتِي قَرَّبَتِ الْقَضِيَّةَ مِنَ الْحَلِّ، وَرَضَخَتْ بِسَبَبِهَا قُرَيْضٌ لِلتَّفَاوُضِ بَعْدَ التَّعَنُّتِ وَالْمُوْقِفِ المُتَصَلْبِ؛ لِأَنَّهُمْ رَأَوْا أَنَّ الْأَمْرَ اسْتَجَدَّ بِهِ جَدِيدٌ مِنَ الْجِدَّ وَالخَزْمِ، وَمَا كَانَتْ تَخْفَى عَلَيْهِمْ أَخْبَارُ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ

(1) الفتح، 18.

348 (1/348)

صفحة 341

السيرة النبوية.

النَّبِيِّ يُحِبُّ أَنْ تَبْلُغَ الْأَخْبَارُ قُرَيْشًا وَيَتَعَمَّدُ لِذَلِكَ، كَنَوْعِ مِنَ الضَّغْطِ وَالْقَاءِ

الرُّعْبِ وَالْخَوْفِ فِي نُفُوسِ قُرَيْشٍ.

الْهُدْنَةُ:

نتيجةَ بَيْعَةِ الرّضْوَانِ بَعَثَتْ قُرَيْضٌ وَفَدًا بِرِئَاسَةِ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو أَحَدٍ بَنِي عَامِرٍ بْنِ لُوَيَّ؛ لِيُصَالِحَ مُحَمَّدًا عَلَى أَنْ يَرْجِعَ عَامَهُ هَذَا حَتَّى لَا تَتَحَدَّثَ عَنْهُمُ الْعَرَبُ بِأَنَّهُ دَخَلَ مَكَّةَ عَنْوَةٌ، فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ الله سُهَيْلَ بْنَ عَمْرِو مُقْبِلًا قَالَ: قَدْ أَرَادَ الْقَوْمُ الصُّلْحَ حِينَ بَعَثُوا هَذَا الرَّجُلَ؛ وَذَلِكَ لأَنَّهُ يَعْرِفُهُمْ وَاحِدًا وَاحِدًا، وَيَعْرِفُ خَصَائِصَهُمُ النَّفْسِية، وسماتهم الاجتماعية.

وَما وَصَلَ سُهَيْلٌ وَالْوَفْدُ المَرَافِقُ لَهُ إِلَى رَسُولِ الله تَكَلَّمَ فِيمَا جَاءَ فِيهِ، وَتَكَلَّمَ

رَسُولُ اللهِ، وَتَرَاجَعَا الْكَلَامَ طَوِيلًا.

وَتَرْوِي أُمُّ عُمارَةَ ذَلِكَ المَشْهَدَ التَّفَاوُضِيَّ بِقَوْهَا: إِنِّي لَأَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم جَالِسًا يَوْمَئِذٍ مُتَرَبِّعًا، وَإِنْ عَبَّادَ بْنَ بِشْرٍ وَسَلَمَةَ بْنَ أَسْلَمَ بْنِ حَرِيشِ مُفَنَّعَانِ بِالْحَدِيدِ قَائِمَانِ عَلَى رَأْسِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، إِذَا رَفَعَ سُهَيْلٌ صَوْتَهُ قَالَا: اخْفِضْ صَوْتَكَ عِنْدَ رَسُولِ الله، وَسُهَيْلٌ بَارِكٌ عَلَى رُكْبَتَيْهِ رَافِعٌ صَوْتَهُ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى عَلَمٍ فِي شَفَتِهِ وَإِلَى أَنْيَا بِهِ وَإِنَّ المُسْلِمِينَ لَحَوْلَ رَسُولِ الله.

وَبَعْدَ مُفَاوَضَاتٍ شَاقَّةٍ وَطَوِيلَةٍ تَمَّ التَّوَصُّلُ إِلَى الاِتِّفَاقِ عَلَى أَنْ يَرْجِعَ رَسُولُ الله وَالمُسْلِمُونَ عَامَهُمْ هَذَا، عَلَى أَنْ يَأْتُوا فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ مُعْتَمِرِينَ، وَأَنْ تَكُونَ مُدَّهُ بَقَائِهِمْ

بِمَكَّةَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، مِنْ غَيْرِ سِلَاحِ إِلَّا السُّيُوفَ فِي الْأَغْمَادِ.

349 (1/349)

صفحة 342

السيرة النبوية

وَحَتَّى يَتِمَّ الاسْتِينَاقُ مِنَ الْأَمْرِ اتَّفَقَ الطَّرَفَانِ عَلَى كِتَابَةِ الصُّلْحِ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَوْسَ بْنَ خَوْلِي الْأَنْصَارِيَّ بِالْكِتَابِ فَاعْتَرَضَ سُهَيْلٌ عَلَى ذَلِكَ قَائِلًا: لَا يَكْتُبُ إِلَّا أَحَدُ الرَّجُلَيْنِ، ابْنُ عَمِّكَ عَلِيِّ، أَوْ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ.

فَأَمَرَ النَّبِيُّ عَلِيًّا أَنْ يَكْتُبَ قَائِلًا لَهُ: اكْتُبْ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَقَالَ سُهَيْلٌ: لا أَعْرِفُ الرَّحْمَنَ اكْتُبْ كَمَا نَكْتُبُ: بِاسْمِكَ اللَّهُم.

فَصَارَتِ المُشَادَّةُ الْكَلَامِيَّةُ بَيْنَ سُهَيْل وَالْمُسْلِمِينَ، كُلِّ مُتَمَسْكُ بِرَأْيِهِ، حَتَّى قَالَ النَّبِيُّ لِعَلِيِّ: اكْتُبْ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ، هَذَا مَا صَالَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو، قَالَ سُهَيْلٌ: لَوْ شَهِدْتُ أَنَّكَ رَسُولُ الله لَمْ أَقَاتِلكَ، وَلَكِنِ اكْتُبِ اسْمَكَ وَاسْمَ أَبِيكَ، وَصَارَتْ ضَجَّةٌ كَبِيرَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ مُهَاجِرِينَ وَأَنْصَارٍ حَتَّى أَنَّ أُسَيْدَ بْنَ الحُضَيْرِ وَسَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ زَعِيمَيِ الْأَنْصَارِ أَمْسَكَا بِيَدِ الْكَائِبِ حَتَّى لَا يَمْسَحَ كَلِمَةً رَسُولِ الله»، فَجَعَلَ رَسُولُ الله يُهدَّتُهُمْ وَيُومِيُّ إِلَيْهِمْ بِيَدِهِ أَنْ يَسْكُنُوا، وَقَالَ لِعَلِيِّ اكتب: هَذَا مَا صَالَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو (1).

(1) نَرَى أَنَّ هَذَا مَنْسُوخٌ ضِمْنَ مَا نُسِحَ مِنْ جَمِيعِ الْعُهُودِ مَعَ المُشْرِكِينَ، بِقَوْلِ اللَّهُ تَعَالَى فِي أَوَّلِ سُورَةِ التوبة أو بَرَاءَةَ: بَرَاءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ التوبة: فَلا يَجُوزُ الاحْتِجَاجُ بِهِ بعد ذلك فِي مَوَاضِعَ مُشَابِهَةٍ.

350 (1/350)

صفحة 343

السيرة النبوية.

نَصُّ الْهُدْنَةِ: بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ، هَذَا مَا اصْطَلَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَسُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، اصْطَلْحَا عَلَى وَضْعِ الحَرْبِ عَشْرِ سِنِينَ، يَأْمَنُ فِيهَا النَّاسُ، وَيَكُفُّ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ، علَى أَنَّهُ لَا إِسْلَال وَلَا إِغْلَالَ، وَأَنَّ بَيْنَنَا عَيْبَةٌ مَكْفُوفَةٌ، وَأَنَّهُ مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَدْخُلَ فِي عَهْدِ مُحَمَّدٍ وَعَقْدِهِ فَعَلَ، وَأَنَّهُ مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَدْخُلَ فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ وَعَقْدِهَا فَعَلَ، وَأَنَّهُ مَنْ أَتَى مُحَمَّدًا مِنْهُمْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيَّهِ رَدَّهُ إِلَيْهِ، وَأَنَّهُ مَنْ أَتَى قُرَيْشًا مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ لَمْ تَرُدَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا يَرْجِعُ عَنَّا عَامَهُ هَذَا بِأَصْحَابِهِ، وَيَدْخُلُ عَلَيْنَا قَابِلَ فِي أَصْحَابِهِ فَيُقِيمُ

ثَلَاثًا، لَا يَدْخُلُ عَلَيْنَا بِسَلَاحٍ إِلَّا سِلَاحِ المُسَافِرِ، السُّيُوفِ فِي الْقِرَبِ. وَشَهِدَ عَلَى وَثِيقَةِ الْهُدْنَةِ مِنَ الْجَانِبِ الْإِسْلَامِيٌّ عَدَدٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ الله،

وَمِنَ الجَانِبِ الْآخَرِ الْوَقْدُ الْمَرَافِقُ لِسُهَيْلِ بْنِ عَمْرِو.

وَأَثْناءَ كِتَابَةِ الصُّلْحِ جَاءَ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلِ فَارًّا بِإِسْلَامِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، فَاحْتَجَّ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو لِذَلِكَ، فَرَدَّهُ رَسُولُ الله قَائِلًا لِأَبِي جَنْدَلٍ: اصْبِرْ وَاحْتَسِبْ، فَإِنَّ اللَّهَ جَاعِلٌ لَكَ وَمِنْ مَعَكَ فَرَجًا وَغَخَرَجًا، وَحَاوَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِغْرَاءَهُ بِقَتْلِ أَبِيهِ مُقَرُبا إِلَيْهِ سَيْفَهُ، وَلَكِنَّ أَبا جَنْدَلٍ لَمْ يَفْعَل.

وَكُتِبَتْ مِنَ الْوَثِيقَةِ نُسْخَتَانِ: الْأُولَى كَانَتْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ، وَالثَّانِيَةُ كَانَتْ

لَدَى سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، وَبَعْدَ الْفَرَاغَ مِنْ كِتَابَةِ الهُدْنَةِ قَالَتْ خُزَاعَةُ: نَحْنُ فِي حِلْفِ مُحَمَّدٍ، وَقَالَتْ كِنَانَةُ: نَحْنُ فِي حِلْفِ قُرَيْشٍ. (1/351)

صفحة 344

السيرة النبوية.

مَوْقِفُ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْهُدْنَةِ:

لَا شَكٌّ أَنَّ جُنُودَ الْهُدْنَةِ تُوحِي بِأَنَّ هُنَاكَ تَنَازُلَاتٍ كَبِيرَةٌ مِنَ الْجَانِبِ الْإِسْلَامِيِّ لِصَالِحٍ قُرَيْشٍ، وَقَدْ شَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ الله، فَصَدَرَتْ مِنْهُمُ الْعِبَارَةُ التَّالِيَةُ: أَلَسْنَا بِالمُسْلِمِينَ؟ وَأَلَيْسُوا بِالمُشْرِكِينَ؟ فَعَلَامَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا؟ فَكَانَتْ هَذِهِ الْعِبَارَةُ عَلَى لِسَانِ الْكَثِيرِينَ مِنْهُمْ، وَأَكْثَرُهُمْ تَرْدِيدًا لَهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ نَتِيجَةَ الْإِحْبَاطِ الَّذِي أَصَابَهُمْ حَتَّى قَالَ لَمْ رَسُولُ الله: أَنَا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، لَنْ أَخَالِفَ أَمْرَهُ وَلَنْ يُضَيِّعَنِي، عَلَى أَنَّهُ لَا يَعْنِي أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مُخَالَفَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ الْكِرَامِ لِنَبِيِّهِمْ، كَمَا أَنَّهُ لَا يَعْنِي ذَلِكَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ أَكْثَرَهُمْ مُخَالَفَةٌ، وَلَكِنَّ ذَلِكَ رَاجِعُ إِلَى شِدَّتِهِ عَلَى قُرَيْشٍ، وَهُوَ قَالَ عَنْ ذَلِكَ حِينَ اعْتَذَرَ لِلنَّبِيُّ عَنِ الذَّهَابِ إِلَى مَكَّةَ: وَقُرَيْشُ تَعْرِفُ عَدَاوَتِي لَهَا، حَتَّى أَنَّهُ مِنْ وَقْعِ الصَّدْمَةِ عَلَيْهِمْ بِاتِّفَاقِ الْهُدْنَةِ، لَمْ تَكُنِ الاسْتِجَابَةُ سَرِيعَةٌ لِلْإِحْلَالِ مِنَ الْإِحْرَامِ عِنْدَمَا أَمَرَهُمْ رَسُولُ الله قَائِلًا: قُومُوا فَانْحَرُوا وَاحْلِقُوا، فَدَخَلَ عَلَى زَوْجَتِهِ سَيِّدَةِ الْعُقَلَاءِ أُمَّ سَلَمَةَ حَزِينًا مُغْضَبًا، فَأَخْبَرَهَا عَمَّا عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ مِنْ مُخَالَفَةِ أَمْرِهِ، فَقَالَتْ لَهُ: انْطَلِقُ أَنْتَ إِلَى هَدْيِكَ فَانْحَرْهُ، فَإِنَّهُمْ سَيَقْتَدُونَ بِكَ، فَاضْطَبَعَ بِثَوْبِهِ وَأَخَذَ الْحَرْبَةَ، فَبَدَأَ يَنْحَرُ هَدْيَهُ رَافِعًا صَوْتَهُ قَائِلًا: بِسْمِ الله، وَاللهُ أَكْبَرُ، فَلَمَّا رَأَوْهُ يَنْحَرُ تَوَاثَبُوا إِلَى الْهَدْيِ فَنَحَرُوا هَدْيَهُمْ (1).

(1) لَعَمْرِي إِنَّهَا لَظَاهِرَةٌ صِحيَّةٌ بَيْنَ الْحَاكِمِ وَالْمُحْكُومِ، أَنْ يَكُونَ اخْتِلَافُ فِي الرَّأْيِ ثُمَّ يُؤَدِّي إِلَى الْوِفَاقِ وَلَيْسَ إِلَى الخَلافِ، وَهَكَذَا كَانَ يَفْعَلُ أَئِمَّتُنَا شَرْقًا وغربًا. (1/352)

صفحة 345

السيرة النبوية.

وَقَدْ مَكَثَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بِالْحُدَيْبِيَةِ عِشْرِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ قَفَلَ عَائِدًا إِلَى الْمَدِينَةِ مَسْرُورًا، وَفِي طَرِيقِ الْعَوْدَةِ إِلَى المَدِينَةِ نَزَلَتْ سُورَةُ الفَتح، فَقَدْ رَوَى الرَّبِيعُ بْنُ حَبِيبٍ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدِ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ خَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللهِ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، فَسَأَلَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ شَيْءٍ فَلَمْ تجبه رَسُولُ الله، ثُمَّ سَأَلَهُ ثَلَاثًا فَلَمْ يُجيهُ، فَقَالَ عُمَرُ عِنْدَ ذَلِكَ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا عُمَرُ، نَزَرْتَ رَسُولَ الله ثَلَاثًا وَكُلَّ ذَلِكَ لا يُحِيبُكَ، قَالَ عُمَرُ: فَحَرَّكْتُ بَعِيرِي حَتَّى تَقَدَّمْتُ أَمَامَ النَّاسِ، فَخَشِيتُ أَنْ يَنْزِلَ فِي قُرْآنٌ، فَمَا مَشَيْتُ إِذْ سَمِعْتُ صَارِحًا يَصْرُخُ، فَهَرْوَلْتُ حَتَّى جِئْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ: لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ

سُورَةٌ هِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ، ثُمَّ قرأ: انا فتحنا لک فتحا مبينا ... وَنَفْهَمُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ لَمْ يَزَلْ يُعَاوِدُ السُّؤَالَ إِلَى رَسُولِ الله وَيُلِحُ عَلَيْهِ حَتَّى وَهُوَ فِي الطَّرِيقِ، وَمَا أَحَبَّ أَنْ يُجِيبَهُ حَتَّى نَزَلَتِ السُّورَةُ؛ وَلِذَلِكَ خَصَّهُ رَسُولُ الله بِالنَّدَاءِ لِإِخْبَارِهِ عَنْ نُزُولِهَا كَجَوَابِ لَهُ.

عَلَى أَنَّ سُورَةَ الْفَتْح عُنِيتْ بِإِيجَادِ الخطوطِ الْعَرِيضَةِ لِصُلْحِ الحَدَنِيَةِ وَفَتح خَيْبَرَ

وفتح مكة. نَتَائِجُ الْهُدْنَةِ:

حَقَّقَتِ المُدْنَةُ فِي الحَدَيْبِيَّةِ نَتَائِجَ جَدَّ مُهِمَّة لِلْإِسْلَام وَالمُسْلِمِينَ، تَتلَتْ فِيما يلي: -1 - اعْتِرَافُ قُرَيْشٍ بِالمُسْلِمِينَ كَكِيَانِ لَا بُدَّ مِنَ التَّحَارُوِ مَعَهُ، بَعْدَ أَنْ كَانَتْ لَا تَعْتَرِفُ هم بَل وتختفرُهُمْ، وَهُوَ مَا عَبَرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: بَلْ هُوَ أَعْظَمُ الفتوح، قَدْ رَضِيَ

بهِم (1/353)

صفحة 346

السيرة النبوية.

المُشْرِكُونَ أَنْ يَدْفَعُوكُمْ عَنْ بِلَادِهِمْ بِالرَّاحِ، وَيَسْأَلُونَكُمُ الْقَضِيَّةَ، وَيَرْغَبُونَ إِلَيْكُمْ

فِي الْأَمَانِ، وَقَدْ رَأَوْا مِنْكُمْ مَا كَرِهُوا (1).

-2 - اكْتَسَبَ المُسْلِمُونَ أَحْلَافًا جُدُدًا، فَقَدْ قَالَتْ خُزَاعَةُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ كِتَابَةِ الصُّلْحِ مُبَاشَرَةٌ: نَحْنُ فِي حِلْفِ مُحَمَّدٍ، وَلَا يُقَالُ إِنَّ قُرَيْشًا أَيْضًا كَسَبُوا أَحْلَافًا بِقَوْلِ كِنَانَةً: نَحْنُ فِي حِلْفِ قُرَيْشٍ، فَإِنَّ قُرَيْشًا مِنَ السَّابِقِ تُعْتَبَرُ مِنَ الْقَبَائِلِ ذَاتِ الشَّأْنِ الْكَبِيرِ، وَهِيَ مَهِيبَةُ الجَانِبِ بَيْنَ الْقَبَائِلِ، وَالْكَثِيرُ مِنْ قَبائِل الْجَزِيرَةِ الْعَرَبِيَّةِ لَا تَتَعَدَّى رَأْيَهَا وَلَا تُحِبُّ مخالفتها. - اسْتَطَاعَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم تَوْظِيفَ الدُّعَايَةِ الْإِعْلَامِيَّةِ لِصَالِحِ الْقَضِيَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ، وَذَلِكَ بِطَرْحِهَا كَمَظْلُومِيَّةٍ أَمَامَ الظَّالِمِيَّةِ الْقُرَشِيَّةِ الْأَمْرَ الَّذِي جَعَلَ الْقَبَائِلَ الْمُجَاوِرَةَ

وَالْقَرِيبَةَ تَتَحَقَّقُ مِنْ كَوْنِ قُرَيْشٍ ظَالِمينَ وَالمُسْلِمِينَ مَظْلُومِينَ.

-4 - تهيئة المناخ المناسِبِ لانْتِشَارِ الْإِسْلَامِ، فَقَدْ أَتَاحَتِ الهُدْنَةُ لِلْكَثِيرِ مِنَ النَّاسِ الدُّخُولَ فِي الْإِسْلام.

ه - تَحْيِيدُ الْقَبَائِلِ، فَقَدْ عَمِلَتِ الْهُدْنَةُ عَلَى تَحْيِيدِ الْقَبَائِلِ عَنْ مُسَاعَدَةِ قُرَيْشٍ لِحِرْبِ

المُسْلِمِينَ.

(1) السَّالِمِيُّ، شَرْحُ الْمُسْنَدِ، ج 1، ص 27.

354 (1/354)

صفحة 347

السيرة النبوية.

6 - تَحْيِيدُ قُرَيْشٍ، حَيْثُ نَجَحَتِ الهُدْنَةُ فِي تَحْيِيدِ قُرَيْشٍ عَنْ مُسَانَدَةِ الْيَهُودِ فِي خَيْبَرَ،

وَقَدْ أَتَاحَ ذَلِكَ لِلْمُسْلِمِينَ التَّفَرُّغَ لِغَزْوِ خَيْبَرَ وَفَتْحِهَا.

-7 - الْتِحَاقُ عَدَدٍ مِنْ قُرَيْشٍ بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَدُخُوهُمْ فِي الْإِسْلَامِ، كَخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَعُثمانَ بْنِ طَلْحَةَ، وَأَي بَصِيرٍ عُتْبَةَ بْن أُسَيْدِ بْنِ جَارِيَةً، وَأَي جَنْدَلِ بْنِ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، وَغَيْرِهِمْ.

وَنَخْتِمُ مَلَفّ الحَدَيْبِيَّةِ بِمَا قَالَهُ ابْنُ شِهَابِ الزُّهْرِيُّ: لَقَدْ كَانَ فَتْحُ الْحُدَيْبِيَةِ أَعْظَمَ الْفُتُوحِ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم جَاءَ إِلَيْهَا فِي أَلْفِ وَأَرْبَعِمائَةٍ، فَلَما وَقَعَ الصُّلْحُ مَضَى النَّاسُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، وَعَلِمُوا وَسَمِعُوا عَنِ الله، فَمَا أَرَادَ أَحَدٌ الْإِسْلَامَ إِلَّا تَمَكَّنَ مِنْهُ، فَما مَضَتْ تِلْكَ السَّنَتَانِ إِلَّا وَالْمُسْلِمُونَ قَدْ جَاءُوا إِلَى مَكَّةَ فِي عَشَرَةِ آلَافٍ. (1)

(1) الْمُصْدَرُ نَفْسُهُ، ن، ص.

355 (1/355)

صفحة 348

السيرة النبوية.

مِنْ آثَارِ الْهُدْنَةِ

أَوَّلا: هِجْرَةُ أَبِي بَصِيرٍ: كَانَ فِي مَكَّةَ عَدَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مُسْتَضْعَفِينَ، لَمْ يَسْتَطِيعُوا الْهِجْرَةَ، وَلَمْ يَسْتَطِيعُوا إِظْهَارَ إِسْلَامِهِمْ، فَلَما وَقَعَ صُلْحُ الْحُدَيْبِيَةِ وَرَجَعَ الرَّسُولُ إِلَى المَدِينَةِ، أَتَاهُ أَبُو بَصِيرٍ عتبه بن أُسَيْدِ بْنِ جَارِيَةً حَلِيفٌ بَنِي زُهْرَةَ قَادِمًا مِنْ مَكَّةَ، فَارًّا بِدِينِهِ، فَكَتَبَ رِجَالٌ مِنْ بَنِي زُهْرَةَ إِلَى رَسُولِ اللهِ يُذَكَّرُونَهُ بِالْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ، وَأَنْ يَرُدَّ أَبَا بَصِيرِ إِلَيْهِمْ، وَبَعَثُوا هِذِهِ المُهِمَّةِ خُنَيْسَ بْنَ جَابِرِ الْعَامِرِيَّ الْقُرَشِيَّ وَمَوْلَاهُ كَوْثَرًا، فَلَمَا سَلَّمَا الْكِتَابَ

لَهُ

أَمَرَ رَسُولُ الله أَبَا بَصِيرٍ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى مَكَّةَ لِلْعَهْدِ الَّذِي تَمَّ، وَبَشَّرَهُ بِفَرَجِ وَغَخَرَج لـ وَمَنْ هُوَ مِثْلُهُ، فَرَجَعَ أَبو بَصِيرٍ بِصُحْبَةِ الرَّجُلَيْنِ، وَلا كَانُوا بِذِي الْحُلَيْفَةِ عَدَا أَبو بَصِيرٍ عَلَى حُنَيْسٍ فَقَتَلَهُ، وَهَرَبَ مَوْلَاهُ مَذْعُورًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، وَجَاءَ أَبُو بَصِيرٍ إِلَى رَسُولِ الله وَقَالَ لَهُ: وَفَتْ ذِمَّتُكَ يَا رَسُولَ الله تَصَرَّفْتُ بِنَفْسِي وَامْتَنَعْتُ بِدِينِي، فَقَالَ رَسُولُ الله: وَيْلَ أُمِّهِ عَشُ حَرْبٍ لَوْ كَانَ مَعَهُ رِجَالٌ.

وَقَالَ لَهُ: اذْهَبْ حَيْثُ شِئْتَ، فَذَهَبَ إِلَى الْعِيصِ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ، حَيْثُ طَرِيقُ قَوَافِلِ قُرَيْشٍ إِلَى الشَّامِ، وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَابِ خُفْيَةً إِلَى مُسْلِمِي مَكَّةَ أَنْ يَلْتَحِقُوا بِأَبِي بَصِيرٍ بِالْعِيصِ، وَخَرَجُوا مُتَسَلَّلِينَ فُرَادَى فَالْتَحَقُوا بِهِ حَتَّى اجْتَمَعُوا سَبْعِينَ رَجُلًا، وَأَخَذُوا يَسْتَوْلُونَ عَلَى قَوَافِلِ قُرَيْشٍ، يَأْخُذُونَ الْأَمْوَالَ وَيَقْتُلُونَ الرِّجَالَ؛ حَتَّى ضَاقَتْ قُرَيْضٌ بِهِمْ ذَرْعًا، فَكَتَبُوا إِلَى رَسُولِ الله أَنْ يَأْخُذَهُمْ عِنْدَهُ، وَأَنَّهُمْ لَا حَاجَةَ لَهُمْ

356 (1/356)

صفحة 349

السيرة النبوية.

بهِمْ، فَكَتَبَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابُهُ بِالْقَدُومِ إِلَيْهِ فِي المَدِينَةِ، وَعِنْدَمَا وَصَلَ الْكِتَابُ كَانَ أبو بَصِيرٍ يَحْتَضِرُ لِلْمَوْتِ، فَمَاتَ وَكِتَابُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَلَى صَدْرِهِ، فَقَبَرَهُ أَصْحَابُهُ هُنَالِكَ،

وَسَارَ الْبَاقُونَ إِلَى رَسُولِ الله. (1)

(1) كَانَ عَمَلُ أُولَئِكَ النَّفَرِ الْمُؤْمِنِينَ أَبِي بَصِيرٍ وَأَصْحَابِهِ تَأْسِيسًا لِلشَّرْى فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِي سَارَ عَلَيْهِ الشُّرَاةُ كَأَبِي بِلَالٍ الْمِرْدَاسِ بْنِ حُدَيْرِ وَأَصْحَابِهِ، عَلَى أَنَّ الشَّرْى هُوَ مَسْلَكُ مِنْ مَسَالِكِ التَّوْرَةِ عَلَى الظُّلْمِ وَالظَّلَمَةِ، وَهُوَ مَسْلَكُ عَسْكَرِيٌّ مِنْ مَسَالِكِ الدِّينِ.

357 (1/357)

صفحة 350

السيرة النبوية.

ثَانِيَّا: هِجْرَةً أُمَّ كُلْثُومَ بِنْتِ عُقْبَةَ: وَقَدِمَتْ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أم كلثوم بنتُ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ مُهَاجِرَةٌ إِلَى اللَّهُ وَرَسُولِهِ، أُمُّ كُلْثُومَ فَارَّةٌ بِدِينِهَا، فَلَا وَصَلَتِ المَدِينَةَ دَخَلَتْ بَادِئَ الْأَمْرِ عَلَى أُمَّ سَلَمَةَ، فَمَا أَنْ كَشَفَتِ النّقَابَ عَنْ وَجْهِهَا وَعَرَفَتْهَا أُمُّ سَلَمَةَ، قَامَتْ إِلَيْهَا وَاحْتَضَنَتْهَا وَالْتَزَمَنْهَا فِي مَشْهَدِ لَا تَمْلِكُ الْعَيْنُ دَمْعَهَا فِيهِ مِنَ السَّمَلَانِ، وَلَا دَخَلَ رَسُولُ الله عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ أَخْبَرَتْهُ عَنْهَا وَعَنْ عَجِيبُهَا، فَرَحْبَ بِهَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، وَحُسْنِ عِبَارَتِهَا فَإِنَّهُ مِنَ المُناسِبِ أَنْ أَسُوقَهَا هُنَا كَمَا أَوْرَدَهَا الْوَاقِدِيُّ فِي مَغَازِيهِ قَالَتْ أُمُّ كُلْثُومَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي فَرَرْتُ بِدِينِي إِلَيْكَ فَامْنَعْنِي وَلَا تَرُدَّنِي إِلَيْهِمْ يَفْتِنُونِي وَيُعَذِّبُونِي، فَلَا صَبْرَ لِي عَلَى الْعَذَابِ، إِنَّمَا أَنَا امْرَأَةٌ وَضَعْفُ النِّسَاءِ إِلَى مَا تَعْرِفُ، وَقَدْ رَأَيْتُكَ رَدَدْتَ رَجُلَيْنِ إِلَى الْمُشْرِكِينَ حَتَّى امْتَنَعَ أَحَدُهُمَا وَأَنَا امْرَأَةٌ.

فَقَالَ لَهَا رَسُولُ الله: إِنَّ اللهَ نَقَضَ الْعَهْدَ فِي النِّسَاءِ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِنَّ الْمُمْتَحِنَةَ، وَحَكَمَ فِي ذَلِكَ بِحُكْم رَضُوهُ كُلُّهُمْ.

وَجَاءَ أَخَوَاهَا الْوَلِيدُ وَعُمَارَةُ طَالِبِينَ مِنَ الرَّسُولِ رَدَّهَا إِلَيْهِمَا، فَقَالَ هَا: قَدْ نَقَضَ

الله (1).

(1) الْجُزْءُ الثَّانِي، ص 63.

358 (1/358)

صفحة 351

السيرة النبوية.

وَيُشِيرُ الرَّسُولُ بِذَلِكَ إِلَى قَوْلِ الله تَعَالَى فِي سُورَةِ المُمْتَحِنَةِ الْآيَةِ (10): تَأَيُّهَا

الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَ كُمُ الْمُؤْمِنتُ مُهَجرَاتِ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ با يمنيهنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤمِنتِ فَلا

ترجمُوهُنَّ إلى الكفار لا هُنَّ مل لهم ولا هم يحلُّون من. (1).

(1) المُمْتَحنَة، 10.

359 (1/359)

صفحة 352

فَتْحُ خَيْبَرَ (1/361)

صفحة 353

السيرة النبوية.

فَتْحُ خَيْبَرَ

وَسَبَبُهَا أَنَّ الْيَهُودَ الَّذِينَ كَانُوا بِهَا يُمَتِّلُونَ قُوَّةً لَا يُسْتَهَانُ بِهَا، وَلَدَيْهِمْ أَمْوَالٌ طَائِلَةٌ؛ لأَنَّهُمْ أَهْلُ تِجَارَةٍ، كَمَا أَنَّ خَيْبَرَ نَفْسَهَا مِنطَقَةٌ وَاسِعَةٌ، وَبِهَا مِنَ النَّخِيلِ والمزرُوعَاتِ الشَّيْءُ الْكَثِيرُ؛ وَلِذَلِكَ كَانَتِ الْقَبَائِلُ الْعَرَبِيَّةُ المُحِيطَةُ بِهَا وَالْقَرِيبَةُ مِنْهَا تَتَرَدَّدُ عَلَى خَيْبَرَ لِلْمُؤنَةِ وَالمِيرَةِ، وَاسْتَغَلَّ الْيَهُودُ قُوَّتَهُمُ الاقْتِصَادِيَّةَ فِي تَحْرِيضِ تِلْكَ الْقَبَائِلِ عَلَى غَزْوِ المَدِينَةِ وَالْجُومِ عَلَى المُسْلِمِينَ، كَقَبِيلَةِ أَوْ قَبَائِلِ غَطَفَانَ ذَاتِ الْعَدَدِ الْكَبِيرِ مِنَ النَّاسِ، وَكَانَ أَكْثَرُ الْيَهُودِ تَحْرِيضًا هُمْ يَهُودَ بَنِي النَّظِيرِ الَّذِينَ أَجْلَاهُمُ الرَّسُولُ مِنَ المَدِينَةِ إِلَى خَيْبَرَ، فَكَانَ الْحِقْدُ عَلَى المُسْلِمِينَ وَنَبِيِّهِمْ قَدِ اسْتَوْلَى عَلَيْهِمْ، فَعَمَدُوا عَلَى إِثَارَةِ الْقَبَائِلِ الْعَرَبِيَّةِ الَّتِي عَقَدُوا مَعَهَا تَحَالُفَاتٍ ضِدَّ الْمُسْلِمِينَ. فَرَأَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَأْدِيبِ الْيَهُودِ وَكَسْرِ شَوْكَتِهِمْ حَتَّى لَا يَعُودُوا مِثْلِهَا

أبدا.

فَقَرَّرَ التَّوَجُهَ إِلَى خَيْبَرَ لِتَحْقِيقِ ذَلِكَ الْهُدَفِ الْعَظِيمِ، وَأَخَذَ مَعَهُ الَّذِينَ شَهِدُوا مَعَهُ الْحَدَيْبِيَّةَ مَعَ عَدَدٍ قَلِيلِ مِنْ غَيْرِهِمْ اسْتَدْعَتِ الظُّرُوفُ إِشْرَاكَهُمْ؛ لِأَنَّ اللَّهَ وَعَدَ أَهْلَ الحُدَيْبِيَّةِ فَتْحَهَا وَالانْتِفَاعَ بِمَعَانِمِهَا لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَتْبَهُمْ فَتْحًا

362 (1/362)

صفحة 354

قريبا

18

السيرة النبوية.

ومغانِمَ كَثِيرَةٌ يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا وَعَدَكُمُ اللهُ مَغَائِم

19

كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا (1).

خَيْبَرُ:

سُمِّيَتْ خَيْرُ نِسْبَةً إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْعَمَالِيقِ كَانَ قَدْ نَزَهَا وَهُوَ خَيْبَرُ بْنُ قَانِيَةَ بْنِ مَهَلايلَ، وَتَشْتَمِلُ عَلَى حُصُونٍ عَشَرَةٍ هِيَ: حِصْنُ نَاعِمٍ، وَحِصْنُ النطاه، وَحِصْنُ الْقَمُوصِ، وَحِصْنُ الشَّقِّ، وَحِصْنُ الْكَتِيبَةِ، وَحِصْنُ الْوَطِيحِ، وَحِصْنُ السَّلَالم وَحِصْنُ الصَّعْبِ بْنِ مُعَاذ، وَحِصْنُ الخرصةِ، وَحِصْنُ الزُّبَيْرِ.

وَهَذِهِ الحُصُونُ بِهَا مَسَاكِنُهُمْ كَمَا أَنَّ فِي خَيْبَرَ النَّخْلَ وَالْأَشْجَارَ وَالْمُزْرُوعَاتِ الْأُخْرَى لِخُصُوبَةِ أَرْضِهَا وَوَفْرَةِ مَائِهَا.

إِلَى خَيْبَرَ:

خَرَجَ رَسُولُ اللهُ مِنَ المَدِينَةِ عَنْ طَرِيقِ ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ (2)، فِي مَطْلَعِ شَهْرِ رَبِيعِ الْأَوَّلِ مِنَ السَّنَةِ السَّابِعَةِ لِلْهِجْرَةِ، وَكَانَ لَهُ رَجُلَانِ دَلِيلانِ لِلطَّرِيقِ مِنْ أَشْجَعَ هُمَا: حُسَيْلُ بنُ خَارِجَةَ، وَعَبْدُ الله بْنُ نُعَيْمٍ، فَنَزَلَ عَصر وَهُوَ جَبَلٌ بَيْنَ المَدِينَةِ وَوَادِي الْقُرَى، ثُمَّ وَاصَلَ سَيْرَهُ، فَنَزَلَ الصَّهْبَاءَ مَوْضِعُ غَيْرُ بَعِيدٍ مِنْ خَيْبَرَ.

(1) الفتح، 18، 19، 20.

(2) ذَكَرْنَا سَابِقا أَنَّ هُنَاكَ ثَنِيَّتَيْنِ لِلْوَدَاعِ إِحْدَاهَا شَمَالَ الْمَدِينَةِ لِلْخَارِجِ إِلَى جِهَةِ الشَّامِ، وَالثَّانِيَةُ جَنُوبِيَّةٌ

لِلْخَارِجِ إِلَى مَكَّةَ.

363 (1/363)

صفحة 355

السيرة النبوية.

وَفِي الطَّرِيقِ أَحَبَّ أَنْ يَسْمَعَ مِنْ أَصْحَابِهِ بَعْضَ الشِّعْرِ لِيُرَوِّحَ بِهِ النُّفُوسَ مِنْ

أَنْعَابِهَا، فَأَمَرَ عَامِرَ بْنَ الْأَكْوَعِ أَنْ يُنْشِدَ، فَأَنْشَدَ:

اللَّهُمَّ لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا فَأَلْقِيَنَّ سَكِينَةٌ عَلَيْنَا وَبَتِ الْأَقْدَامَ إِنْ لَا قَيْنَا إِنَّا إِذَا صِيحَ بِنَا أَتَيْنَا وبالصَّبَاحِ عَوَّلُوا عَلَيْنَا

فَجَارَاهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ قَائِلًا:

وَالله لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا

لَّيْنَا

وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّمْ

فأَنْزِلَن سَكِينَةٌ عَلَيْنَا وَثَبَتِ الْأَقْدَامَ إِنْ لَا قَيْنَا وَالْمُشْرِكُونَ قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا

وَأَمَرَ رَسُولُ الله الدَّلِيلَيْنِ أَنْ يَسْلُكُوا صُدُورَ الْأَوْدِيَةِ حَتَّى يَأْتِيَ خَيْبَرَ مِنْ جِهَةِ الشّام، ليَحُولَ بَيْنَ الْيَهُودِ وَحُلَفَائِهِمْ مِنْ غَطَفَانَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ عَلِمَ بِوُجُودِ عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنِ الْعَطَفَانِ وَقَوْمِهِ مَعَ الْيَهُودِ فِي خَيْبَرَ، فَأَرْسَلَ بَعْضَ النَّاسِ إِلَى دِيَارِهِمْ لِشَغْلِهِمْ عَنْ مُنَاصَرَةِ الْيَهُودِ، فَسَارَ الْخَبَرُ إِلَى عُيَيْنَةَ، فَخَرَجَ بِقَوْمِهِ مِنْ خَيْبَرَ لِيُدَافِعُوا عَنْ دِيَارِهِمْ وَحَرِيمِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَهُنَاكَ شَعَرَ الْيَهُودُ بِالْخَوْفِ وَالرُّعْبِ، وَمَا أَشْرَفَ رَسُولُ الله عَلَى خَيْبَرَ دَعَا اللهُ وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالدُّعَاءِ؛ رَجَاءٌ لِنَصْرِ الله لَهُمْ وَلَكِينِهِمْ مِنْ خَيْبَرَ، وَكَانَ قَدْ وَصَلَهَا لَيْلًا، وَما كَانَ الصُّبْحُ وَخَرَجَ عُمالُ الْيَهُودِ إِلَى مَزَارِعِهِمْ رَأَوُا

364 (1/364)

صفحة 356

السيرة النبوية.

الجيش الإِسْلَامِي، فَرَجَعُوا إِلَى حُصُونِهِمْ مَذْعُورِينَ، وَقَالَ النَّبِيُّ ص: اللَّهُ أَكْبَرُ، خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذِرِينَ، وَهُوَ مِنَ التَّفَاؤُلِ بِالنَّصْرِ، وَكَانَ يُحِبُّ التَّفَاؤُلَ، فَسَارَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ حَتَّى نَزَلَ الْمُنْزِلَةَ مَوْضِعًا بِخَيْبَرَ، فَجَاءَهُ الْحَبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ سَائِلًا لَهُ إِنْ كَانَ هَذَا الْمُنْزِلُ بِوَحْيِ أَوْ بِرَأْيِ فَقَط، فَلَا أَخْبَرَهُ أَنَّهُ رَأَي رَأَىهُ، أَشَارَ إِلَيْهِ أَنْ يَنتَقِلَ إِلَى غَيْرِهِ لِيَكُونُوا بَعِيدِينَ عَنْ مَرْمَى نَبْلِ الْيَهُودِ، وَعَنْ هُجُومِ الْيَهُودِ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِ النَّخْلِ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ بِالإِنْتِقَالِ إِلَى مَوْضِعِ الرَّجِيعِ (1)، فَانْتَقَلَ إِلَيْهِ، فَكَانَ مُعَسْكَرُ المُسْلِمِينَ بِهِ.

بَعْدَ نُزُولِ الرَّسُولِهِ صلى الله عليه وسلم وَالْمُسْلِمِينَ بِمَوْضِعِ الرَّجِيعِ أَخَذُوا فِي الفُجُومِ عَلَى الْيَهُودِ وَمُحَاصَرَتِهِمْ فِي حُصُونِهِمْ. وَعَقَدَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم الرَّايَاتِ لِأَصْحَابِهِ، حَيْثُ أَعْطَاهَا لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ

وَلِلْحُبَابِ بْنِ الْمُنْذِرِ وَلِسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ.

وَقَدِ ابْتَدَلُّوا الفُجُومَ عَلَى حِصْنِ نَاعِمٍ، وَبَعْدَ اسْتِسْلَامِ مَنْ فِيهِ انْتَقَلُوا إِلَى حِصْنِ الْقَمُوصِ، وَمِنْهُ أُخِذَتِ السَّبَايَا، وَمِنْهُنَّ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ بْنِ أَخْطَبَ الَّتِي صَارَتْ

زَوْجَةَ رَسُولِ الله.

(1) وَنَذْكُرُ أَنَّ الْحُبَابَ بْنَ الْمُنْذِرِ هُوَ الَّذِي أَشَارَ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِالانْتِقَالِ مِنْ مَوْضِعِ نُزُولِهِ الْأَوَّلِ يَوْمَ بَدْرٍ،

وَالظَّاهِرُ أَنَّ لَدَيْهِ خِبْرَةً بِالْأَمْكِنَةِ.

365 (1/365)

صفحة 357

السيرة النبوية.

ثُمَّ حَاصَرُوا حِصْنَ الصَّعْبِ بْنِ مُعَاذٍ الَّذِي كَانَ تَخَزَنَ الْمُوَادِّ الْغِذَائِيَّةِ لِلْيَهُودِ، وَمِنْهُ اسْتَفَادَ المُسْلِمُونَ المَوَادَّ الْغِذَائِيَّةَ الَّتِي أَصْلَحُوا بِهَا مِنْ شَأْنِهِمُ المعيشي هناك. وَهَكَذَا أَخَذَتِ المُعَارِكُ تَنتَقِلُ مِنْ حِصْنِ إِلَى حِصْنِ وَالحِصَارُ يَنتَقِلُ مِنْ حِصْنٍ إِلَى حِصْنِ، فَافْتَتَحَ المُسْلِمُونَ حِصْنَ النّطاةِ، وَحِصْنَ الشَّقِّ وَحِصْنَ الْكَتِيبَةِ وَحِصْنَ قَلْعَةِ الزُّبَيْرِ الَّذِي قَطَعَ المُسْلِمُونَ عَنْ أَهْلِهِ الماءَ، فَلَمَّا أَحَشُوا بِالْعَطَشِ اسْتَسْلَمُوا، وَكَانَ حِصْنًا عَصِيًّا؛ لِأَنَّهُ قَلْعَةٌ فِي مَوْضِعٍ مُرْتَفِع.

وَقَدْ تَجَمَّعَ بَعْدَ ذَلِكَ الْيَهُودُ فِي حِصْنَيِ الوطيحِ وَالسَّلَامِ، فَحَاصَرَهُمُ المُسْلِمُونَ فِيهِمَا، فَلَها أَحَسُّوا بِالهَزِيمَةِ طَلَبُوا مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنْ تَحْقِنَ دِمَاءَهُمْ وَأَنْ يُسَيَّرَهُمْ عَلَى أَنْ يَتْرُكُوا لَهُ الْأَمْوَالَ، فَوَافَقَ، فَلَمَّا نَزَلُوا طَلَبُوا مِنْهُ أَنْ يَبْقَوْا فِي خَيْبَرَ لِإِصْلَاحِ الْأَمْوَالِ مِنْ نَخْلٍ وَشَجَرٍ عَلَى النَّصْفِ فِي الثَّمَارِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ المُسْلِمِينَ، فَوَافَقَهُمُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلامُ عَلَى ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ مَتَى مَا أَرَادَ إِخْرَاجَهُمْ خَرَجُوا فَوَافَقُوا. وفي رأيي أنَّ النَّبِيِّ هُوَ الَّذِي أَرَادَ مِنْهُمْ ذَلِكَ، لِعَدَم إِمْكَانِيَّةِ تَفَرُّعَ الْمُسْلِمِينَ لِلْقِيَامِ بِسَفْيِ تِلْكَ الْأَمْوَالِ وَإِصْلَاحِهَا؛ لِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ سُكْنَى عَدَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي

خَيْبَرَ الْأَمْرُ الَّذِي يَشْغَلُهُمْ عَنِ الْجِهَادِ وَنَشْرِ الْإِسْلَامِ، وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِحَاجَةٍ إِلَيْهِمْ. وَقَدْ قُتِلَ فِي الْمُعَارِكِ تِلْكَ عَدَدٌ كَبِيرٌ مِنَ الْيَهُودِ، لَا سِيَّما قَادَتُهُمْ وَأَشْرَافُهُمْ، كَمَا

اسْتُشْهِدَ عَدَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَجُرِحَ الْكَثِيرُ مِنْهُمْ.

366 (1/366)

صفحة 358

السيرة النبوية.

رِوَايَاتٌ غَيْرُ صَحِيحَةٍ:

-

صَاحَبَتْ مَعَارِكَ حُصُونِ خَيْبَرَ رِوَايَاتٌ هِيَ فِي نَظَرِنَا غَيْرُ صَحِيحَةٍ، وَهِيَ:

1 - جَاءَ فِي سِيرَةِ ابْنِ هِشَامٍ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ أَنَّ النَّبِيَّ بَعَثَ أَبَا بَكْرِ الصِّدِّيقَ بِرَايَتِهِ لِفَتْح حُصُونِ خَيْبَرَ فَلَمْ تُفْتَحْ وَفِي الْغَدِ أَعْطَاهَا عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ وَلَمْ تُفتح فَقَالَ: لأَعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا مَنْ يُحِبُّ اللَّهُ وَرَسُولَهُ يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ لَيْسَ بِفَرَّارٍ. وَهَذِهِ الرّوَايَةُ فِيهَا تَعْرِيضُ بأبي بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَهُوَ أَمْرٌ غَيْرُ مَعْقُولٍ، وَحَاشَا لِرَسُولِ الله أَنْ يُعَرِّضَ بِهَمَا وَهُمَا مِنْ خَاصَّةِ أَصْحَابِهِ وَمَوَاقِفُهُما البُطُولِيَّةُ مَعْرُوفَةٌ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّ عَلِيًّا يُحِبُّ اللَّهُ وَرَسُولَهُ يَعْنِي أَنَّ غَيْرَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ كَما يَقُولُ الْأُصُولِيُّونَ مَا مِنْ كَلَام إِلَّا وَلَهُ مَنْهُومُ مُخَالَفَةٍ إِلَّا إِذَا سِيقَ مَسَاقَ الْغَالِبِ المُعْتَادِ مِنَ الْكَلَامِ، وَهُوَ غَيْرُ مَوْجُودٍ هُنَا.

عَلَى أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ لَهُ مَوَاقِفُ بُطُولِيَّةٌ عَظِيمَةٌ لَا تُنْكَرُ، وَلَهُ قَدَمُ صِدْقٍ فِي الخُرُوبِ لَا تُنْكَرُ، وَلَكِنْ لَيْسَ مِنَ الْمُقْبُولِ أَنْ يُمَجَّدَ عَلَى حِسَابِ

الْآخَرِينَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ عَلِيًّا كَانَتْ عِنْدَهُ إِحْدَى الرَّايَاتِ الثَّلَاثِ مُنْذُ بِدَايَةِ الْمُعْرَكَةِ، بِجَانِبِ الحَبَابِ بْنِ المُنْذِرِ، وَسَعْدِ بْنِ عُبَادَةً، فَكَيْفَ تَكُونُ رَايَةٌ أُخْرَى هُنَا؟ عَلَى أَنِّي لَا أَسْتَبْعِدُ الانْعِكَاسَ الْفِكْرِي لِلْعَصْرِ الْعَبَّاسِي عَلَى الرِّوَايَةِ المُذْكُورَةِ. 2 - أَوْرَدَتْ مَصَادِرُ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ قِصَّةَ الشَّاةِ المُسْمُومَةِ الَّتِي أَعَدَّتْهَا الْيَهُودِيَّةُ زَيْنَبُ بنتُ الحَارِثِ بْنِ سَلَامٍ، زَوْجَةٌ سَلَامِ بْنِ مِشْكَم، وَأَهْدَتُهَا إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لِتَنارَ مِنْهُ

-2

367 (1/367)

صفحة 359

السيرة النبوية.

لَقْتَل أَبِيهَا وَزَوْجِهَا وَقَوْمِهَا، فَتَنَاوَلَ مِنْهَا الذَّرَاعَ فَأَحَسَّ أَنَّهَا مَسْمُومَةٌ فَلَمْ يَسَعْهَا، وَكَانَ مَعَهُ بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ، الَّذِي تُوُفِّيَ مِنْهَا فِي الْحَالِ، أَمَّا هُوَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَكَانَتْ أَيْضًا وَفَاتُهُ مِنْهَا بَعْدَ ثَلَاثِ سَنَوَاتٍ، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تُنَاقِضُ الْعِصْمَةَ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ لِنَبِيِّهِ بِقَوْلِهِ: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ (1). وَهَلْ كَانَ رَسُولُ الله بِهَذِهِ الْغَفْلَةِ حَاشَاهُ عَنْ ذَلِكَ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ ضِيَافَةِ امْرَأَةٍ يَهُودِيَّةٍ بَعْدَ مَعْرَكَةٍ حَرْبِيَّةٍ شَرِسَةٍ مَعَ قَوْمِهَا؟! فَهِيَ وَلَا شَكٍّ كَانَتْ مَوْتُورَةٌ مِنْ هَزِيمَةِ قَوْمِهَا وَمَقْتَلِ أَقَارِبِهَا.

وَهَلْ يُعْقَلُ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ أَخْبَرُوهَا عَنِ الْجُزءِ الَّذِي يُحِبُّهُ رَسُولُ اللَّه مِنَ

الذبيحة؟!

إِنَّ التَّصْدِيقَ بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ فِيهِ إِخْلَالٌ بِمَنْصِبِ النُّبُوَّةِ، وَبِأَمْرِ الْعِصْمَةِ الرَّبَّانِيَّةِ المُمْنُوحَةِ لِلنَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، كَمَا أَنَّ فِيهَا رَفْعًا لِشَأْنِ الْيَهُودِ بِأَنَّهُمْ

يَسْتَطِيعُونَ فِعْلَ أَيُّ شَيْءٍ يُرِيدُونَ، حَتَّى الْوُصُولِ إِلَى إِنْهَاءِ حَيَاةِ الرَّسُولِ. -3 الرِّوَايَةُ الْقَائِلَةُ بِأَنَّ الْيَهُودَ الْقَوْا لِلْمُسْلِمِينَ جِرَابَ شَحْمِ مِنْ أَحَدِ الحُصُونِ فِي خَيْبَرَ أَثْنَاءَ الْحِصَارِ، فَأَخَذَهُ المُسْلِمُونَ فَأَكَلُوهُ.

(1) المائِدَة، 67.

368 (1/368)

صفحة 360

السيرة النبوية.

وَمَعَ احْتِرَامِنَا لَمَنْ رَوَى هَذِهِ الرِّوَايَةَ، فَإِنَّهُ مِنْ غَيْرِ الْمُمْكِنِ قَبُوهُمَا لِلْأَسْبَابِ التَّالِيَةِ: أ- لأَنَّ فِيهَا إِهَانَةٌ لِرَسُولِ الله وَأَصْحَابِهِ، وَتَصْدِيقٌ مَا يَدَّعِيهِ المُسْتَشْرِقُونَ بِأَنَّهُ مَا

أَخْرَجَ المُسْلِمِينَ وَنَبِيَّهُمْ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ إِلَّا الْجُوعُ.

ب إِضْفَاءُ الْغَفْلَةِ عَلَى المُسْلِمِينَ، فَكَيْفَ يُقْبِلُونَ عَلَى كُلِّ مَا يُلْقَى إِلَيْهِمْ مِنْ أَعْدَائِهِمْ وَهُمْ فِي مَعْمَعَةِ الحَرْبِ.

ج - مِنَ المَعْلُومِ أَنَّ المُضْرُوبَ عَلَيْهِمُ الحِصَارُ هُمْ أَحْوَجُ إِلَى مَا عِنْدَهُمْ مِنْ طعَامٍ، فَكَيْفَ يُعْطُونَهُ لِأَعْدَائِهِمْ؟!

4 - هُنَاكَ رِوَايَاتٌ أُخْرَى تُخَالِفُ المَألُوفَ الْبَشَرِيَّ وَوَاقِعَ النَّاسِ، وَقُصِدَ مِنْهَا إِظْهَارُ مُعْجِزَاتِ النَّبِيِّ، لَكِنَّ سِيَاقَ الْغَزْوَةِ سَيْرًا وَحَرْبًا لَا يَتَطَابَقُ مَعَ تِلْكَ

الرَّوَايَاتِ.

عَلَى أَنَّنَا نَقُولُ إِنَّ المُعْجِزَةَ لِلنَّبِيِّ شَيْءٍ مُمكِنٌ، وَلَكِنْ لَيْسَ فِي الْأُمُورِ الْعَادِيَّةِ، فَإِنَّ مُعْجِزَاتِ الْأَنْبِيَاءِ تَكُونُ فِي الْأَشْيَاءِ الْكَبِيرَةِ الَّتِي تُثْبِتُ صِدْقَ أُولَئِكُمُ الْأَنْبِيَاءِ فِي رِسَالَاتِهِمْ وَنُبُوَّاتِهِمْ. وَلَا شَكٌّ أنَّ الأخذ بالمألُوفِ الْبَشَرِيُّ المُتَطَابِقِ مَعَ الْوَاقِعِ وَالمُنسجِمِ مَعَ

الْأَحْوَالِ أَفْضَلُ مِنَ افْتِرَاضِ الْمُعْجِزَاتِ. (1/369)

صفحة 361

السيرة النبوية

الْغَنَائِمُ: كَانَتِ الْغَنَائِمُ مِنْ غَزْوَةِ خَيْبَرَ كَثِيرَةً وَوَفِيرَةً مِصْدَاقًا لِقَوْلِ الله تَعَالَى: {وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا، وَقَسَّمَهَا رَسُولُ الله بَيْنَ أَصْحَابِهِ كَمَا جَرَى بِذَلِكَ الْحُكْمُ فِي تَقْسِيمِ الْغَنَائِم مُنْذُ مَعْرَكَةِ بَدْرٍ.

فَأَعْطَى لِلْفَارِسِ سَهْمَيْنِ، وَأَعْطَى لِلرَّاجِلِ سَهْمَا، وَكَانَتْ أَفْرَاسُ الْمُسْلِمِينَ فِي

غَزْوَةِ خَيْبَرَ مِائَتَيْ فَرَسٍ، وَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ أَخَذَ الْخُمُسَ مِنَ الْغَنَائِمِ. كَما أَعْطَى النِّسَاءَ اللَّوَاتِي صَحِبْنَهُمْ وَعَدَدُهُنَّ أَرْبَعُونَ امْرَأَةٌ شَيْئًا مِنَ الْغَنَائِمِ خَارِجَ السِّهَامِ، وَأَغْلَبُهُنَّ مِنْ قَبِيلَتَيْ أَسْلَمَ وَغِفَارَ، وَلَعَلَّهُ قَسَمَ هُنَّ مِنْ حُمُسِ الْغَنِيمَةِ الَّذِي خَصَّهُ اللهُ بِهِ لِيَأْخُذَ هُوَ خُمْسَ الحُمُسِ، وَتَوْزِيعُ الْأَرْبَعَةِ الْأَعْمَاسِ إِلَى مُسْتَحِفِّيهَا فَهُوَ الْمُفَوَّضُ فِيهَا.

أَمَّا الْأُصُولُ مِنَ الْأَمْوَالِ فَلَمْ يَقْسِمُهَا، وَجَعَلَهَا فَيْتًا لِلْمُسْلِمِينَ، وَهِيَ الَّتِي

صَالَحَ عَلَيْهَا الْيَهُودَ عَلَى إِصْلَاحِهَا وَسَفْيهَا وَالْعِنَايَةِ بِهَا عَلَى نِصْفِ الثَّمَرَةِ. وَكَانَ مِنْ بَيْنِ الْغَنَائِمِ صَحَائِفُ أَوْ نُسَخُ مِنَ التَّوْرَاةِ، فَجَاءَ الْيَهُودُ يَطْلُبُونَهَا، فَأَمَرَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِتَسْلِيمِهَا هُمْ، وَهَذَا أَكْبَرُ دَلِيلٍ عَلَى التَّسَامُحِ الدِّينِيِّ لَدَى المُسْلِمِينَ تُجَاهَ الدِّيَانَاتِ الْأُخْرَى الْأَمْرُ الَّذِي جَعَلَ الدُّكْتُورَ إِسْرَائِيلَ وِلْفِنْسُون يُعَلِّقُ قَائِلًا: «وَيَدُلُّ هَذَا عَلَى مَا كَانَ هَذِهِ الصَّحَائِفِ فِي نَفْسِ الرَّسُولِ مِنَ الْمُكَانَةِ الْعَالِيَةِ، مِمَّا جَعَلَ الْيَهُودَ يُشِيرُونَ إِلَى النَّبِيِّ بِالْبَنَانِ وَيَحْفَظُونَ لَهُ هَذِهِ الْيَدَ، حَيْثُ لَمْ يَتَعَرَّضُ بِسُوءٍ (1/370)

صفحة 362

السيرة النبوية.

لِصُحُفِهِمُ الْمُقَدَّسَةِ، وَيَذْكُرُونَ بِإِزَاءِ ذَلِكَ مَا فَعَلَهُ الرُّومَانُ حِينَ تَغَلَّبُوا عَلَى أُورُشَلِيمَ وَفَتَحُوهَا سَنَةَ 70 ق. م، إِذْ حَرَّقُوا الْكُتُبَ المُقَدَّسَةَ وَدَاسُوهَا بِأَرْجُلِهِمْ، وَمَا فَعَلَهُ المُتَعَصِّبُونَ مِنَ النَّصَارَى فِي حُرُوبِ اضْطِهَادِ الْيَهُودِ فِي الْأَندَلُسِ، حَيْثُ أَحْرَقُوا صُحُفَ التَّوْرَاةِ، هَذَا هُوَ الْبَوْنُ الشَّاسِعُ بَيْنَ الْفَاتِحِينَ مَنْ ذَكَرْنَاهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ الْإِسْلَام (1).

تَوَابِعُ خَيْبَرَ

1. قُدُومُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، حَيْثُ قَدِمَ إِلَى رَسُولِ اللَّهُ فِي خَيْبَرَ بَعْدَ فَتْحِهَا، فَفَرِحَ بِهِ رَسُولُ الله وَالْتَزَمَهُ وَقَبْلَهُ، وَقَالَ: مَا أَدْرِي بِأَيْهَا أَنَا أُسَرُ، بِفَتْحِ خَيْبَرَ أَمْ بِقُدُومٍ جَعْفَرٍ (1) وَكَانَ جَعْفَرٌ قَدْ هَاجَرَ إِلَى الْخَبَشَةِ مَعَ عَدَدٍ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ قبل هِجْرَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابِهِ إِلَى المَدِينَةِ، وَقَدْ أَتَيْنَا عَلَى ذِكْرِهَا فِيمَا مَرَّ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا، وَقَدْ بَعَثَ رَسُولُ الله عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِي إِلَى النَّجَاشِيِّ مَلِكِ الخَبَشَةِ لِإِحْضَارِهِمْ، فَأَحْضَرَهُمْ فِي سَفِينَتَيْنِ.

2. قُدُومُ وَفْدِ دَوْسٍ وَفِيهِمْ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَكَانُوا ثَمَانِينَ بَيْتًا، قَدِمُوا المَدِينَةَ، فَلَمَّا أُخْبِرُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهُ أَنَّهُ بِخَيْبَرَ ارْتَحَلُوا إِلَيْهِ حَتَّى وَافَوْهُ بِهَا.

زَوَاجُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ بنِ أَخْطَبَ، وَهِيَ بِنْتُ حُيَيٍّ بْنِ أَخْطَبَ سَيِّدِ يَهُودِ بَني النَّظِيرِ الَّذِينَ أَجْلَاهُمُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنَ المَدِينَةِ،

(1) ورواية أخرى تقول: إن جعفر كان قدم المدينة بعد وصول الرسول صلى الله عليه وسلم من خيبر. (1/371)

صفحة 363

السيرة النبوية.

وَقُتِلَ حُيَى بْنُ أَخْطَبَ مَعَ بَنِي قُرَيْظَةَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَلا عَرَفَهَا رَسُولُ اللهِ وَعَرَفَ مَكَانَتَهَا تَزَوَّجَهَا بَعْدَ أَنْ أَعْتَقَهَا إِكْرَامًا لَهَا، وَصَارَتْ مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَهِيَ مِنْ ذُرِّيَّةِ النَّبِيِّ هَارُونَ أَخِي مُوسَى عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، وَعِنْدَمَا كَانَ بَعْضُ نِسَاءِ النَّبِيِّ يَفْخَرْنَ عَلَيْهَا أَمَرَهَا أَنْ تُجِيبَهُنَّ بِالْقَوْلِ: أَي هَارُونُ وَعَمِّي مُوسَى.

4 الصُّلْحُ مَعَ يَهُودِ فَدَكَ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ بَعَدُّوا إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَسْأَلُونَهُ الصُّلْحَ عَلَى مَا صَالَحَ عَلَيْهِ يَهُودَ خَيْبَرَ، فَوَافَقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ.

ه وَفِي طَرِيقِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَرَّ عَلَى وَادِي الْقُرَى، فَحَاصَرَ مَنْ بِهَا مِنَ الْيَهُودِ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ أَحَدَ عَشَرَ رَجُلًا، ثُمَّ اسْتَسْلَمُوا، وَصَالحَوا رَسُولَ الله عَلَى مَا صَالَحَ عَلَيْهِ أَهْلَ خَيْبَرَ، وَغَنِمَ مِنْهُمْ أَمْوَالًا مَنْقُولَةٌ مِنْ مَتَاعٍ وَأَثَاثٍ، فَقَسَمَهَا

بَيْنَ أَصْحَابِهِ وَفْقَ الْقِسْمَةِ المُشْرُوعَةِ.

6 وَلَا سَمِعَ يَهُودُ تَيْماءَ بَعَثُوا إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَسْأَلُونَهُ الصُّلْحَ عَلَى مَا صَالَحَ عَلَيْهِ

أَهْلُ خَيْبَرَ فَوَافَقَهُمْ.

372 (1/372)

صفحة 364

السيرة النبوية.

الْعَوْدَةُ إِلَى الْمَدِينَةِ: وَرَجَعَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِلَى المَدِينَةِ ظَافِرًا مَنْصُورًا، وَما رَأَى رَسُولُ الله جَبَلَ أُحُدٍ قَالَ: هَذَا جَبَلْ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ، وَحَرَّمَ المَدِينَةَ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا؛ أَيْ: حَرَّتَيْهَا، بِقَوْلِهِ: «اللَّهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَةَ، وَأَنَا أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لَا بَنَيْهَا» (1).

(1) أَخْرَجَهُ الرَّبِيعُ بْنُ حَبِيبٍ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ طَرِيقِ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ. (1/373)

صفحة 365

بين خيبر والفتح الأكبر

بَيْنَ (1/375)

صفحة 366

وَهُمْ:

السيرة النبوية. صلى الله عليه وسلم

كُتُبُ النَّبِيِّ

إِلَى مُلُوكِ الْعَالَمِ

بعَثُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بَعْدَ عَوْدَتِهِ إِلَى المَدِينَةِ مِنْ صُلح الحدَنِيَةِ كُتُبُهُ إِلَى المُلوكِ الْأَرْبَعَةِ،

هِرَقُل عَامِلُ الرُّومِ.

كِسْرَى أَبْرويز عَامِلُ الْفُرْس.

القَوْمَسُ عَامِلُ مِصْرَ.

النَّجَانِيُّ عَامِلُ الحبشة.

يَدْعُوهُمْ فِيهَا إِلَى الْإِسْلَامِ، وَيُرَجُحُ أَبو الحَسَنِ النَّدَوِيُّ أَنَّهَا أُرْسِلَتْ فِي شَهْرِ ذِي الحِجَّةِ سَنَةَ سِتّ لِلْهِجْرَةِ، وَقِيلَ لِلنَّبِيِّ: إِنَّهُمْ لَا يَقْبَلُونَ كِتَابًا إِلَّا بِخَاتَمِ، فَصَنَعَ خَاتَمَا

مِنْ فِضَّةَ، وَنَقَشَ فِيهِ ((مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله)).

(1) السِّيرَةُ النَّبَوِيَّةُ، 323، وفي رأيي أنها أرسلت بعد غزوة خيبر ولعلها في ربيع الآخر من السنة السابعة للهجرة، وَتُحَدِّدُ جَمِيعُ مَصَادِرِ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ زَمَنَا وَاحِدًا لِتَوْجِيهِ الْكُتُبِ النَّبَوِيَّةِ إِلَى الْمُلُوكِ الْأَرْبَعَةِ وَإِلَى مُلُوكِ وَأُمَرَاءِ الْعَرَبِ، وَقَدْ تَبَيَّنَ لِي أَنَّ الْكُتُبَ الْمُوَجَهَةَ إِلَى المُلُوكِ الْأَرْبَعَةِ الْمُذْكُورِينَ كَانَتْ بَعْدَ صُلْحِ الْحُدَيْبِيةِ، أَمَّا الْكُتُبُ المُوَجَّهَةُ إِلَى المُلُوكِ وَأُمَرَاءِ الْعَرَبِ كَانَتْ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ.

وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعَرَبَ كَانُوا يُرَاعُونَ قُرَيْشًا مَكَانَتِهِمُ الدِّينِيَّةِ وَالاجْتِمَاعِيَّةِ بِاعْتِبَارِهِمْ أَهْلَ حَرَمِ اللهِ. (1/376)

صفحة 367

أَوَّلا: كِتَابُهُ إِلَى هِرَقْلَ:

الشارة النبوية.

((بسم الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ، سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الهُدَى، أَمَّا بَعْدُ: فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الْإِسْلَامِ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ، يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الْأَرِيسِيِّينَ، وَيَأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَار سوام بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَا مُسْلِمُونَ. وَكَانَ حَامِلهُ

دِحْيَةُ بْنُ خَلِيفَةَ الْكَلْبِيُّ. ثَانِيَّا: إِلَى كِسْرَى أَبروِيزَ:

بِسْمِ الله الرّحمنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدِ رَسُولِ الله إِلَى كِسْرَى عَظِيمٍ فَارِسَ، سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى وَآمَنَ بِالله وَرَسُولِهِ، وَشَهِدَ أَنْ لَا اللَّهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَى النَّاسِ

فَلِذَلِكَ لَمْ يُخَاطِبُهُمُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ، أَمَّا المُلُوكُ غَيْرُ الْعَرَبِ فَلَا تُوجَدُ عِنْدَهُمْ مُرَاعَاهُ قُرَيْشٍ، وَلَا قُدُسِيَّةُ الْحَرَمِ، فَلِذَلِكَ خَاطَبَهُمْ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَهَذَا يُفْهَمُ مِنْ مُحَاوَرَةِ هِرَقْلَ مَعَ أَبِي سُفْيَانَ، فَإِنَّهَا يَتَبَيَّنُ مِنْهَا أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ كَانَ لاَ يَزَالُ عَلَى الشِّرْكِ، وَيُفْهَمُ مِنْ مُحَاوَرَةِ جَعْفَرِ بْنِ الْجُلَنْدَى مَلِكِ عُمَانَ مَعَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهَا كَانَتْ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْ قُرَيْشٍ هَلْ أَسْلَمَتْ أَمْ لَا؟ فَأَجَابَهُ

ينعم.

1) الْمُصْدَرُ نَفْسُهُ ص 324. (1/377)

صفحة 368

السيرة النبوية.

كَافَّةً لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيَّا، أَسْلِمْ تَسْلَمْ، فَإِنْ أَبَيْتَ فَعَلَيْكَ إِثْمُ الْمَجُوسِ))، وَكَانَ حَامِلَةُ

عَبْدُ اللهِ بْنُ حُذَافَةَ السَّهْمِي.

ثَالِيَّا إِلَى الْمُقَوْقِسِ: بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الْمُقَوْقِسِ عَظِيمِ الْقِبْطِ، سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الهُدَى، أَمَّا بَعْدَ؛ فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الْإِسْلَامِ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ يُؤْتِكَ اللهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الْقِبْطِ، وَ أَهْلَ الْكِتَبِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَة سواءِ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ. وَكَانَ حَامِلَهُ حَاطِبُ بْنُ أَبِي

بَلْتَعَة.

رابعًا: إِلَى النَّجَاشِي:

بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدِ رَسُولِ الله إِلَى النَّجَاشِي عَظِيمِ الْخَبَشَةِ، سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الهُدَى، أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَحْمَدُ إِلَيْكَ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ المَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ المُؤمِنُ المُهَيْمِنُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ رُوحُ الله وَكَلِمَتُهُ، أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ البَتُولِ الطَّيِّبةِ الحَصِينَةِ، فَحَمَلَتْ بِعِيسَى مِنْ رُوحِهِ وَنَفْخِهِ كَمَا خَلَقَ آدَمَ بِيَدِهِ، وَإِنِّي أَدْعُوكَ إِلَى اللَّه وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَالمُوَالَاةِ عَلَى طَاعَتِهِ، وَأَنْ تَتَّبَعَنِي وَتُؤْمِنَ بِالَّذِي جَاءَنِي، فَإِنِّي رَسُولُ الله وَإِنِّي أَدْعُوكَ وَجُنُودَكَ إِلَى الله عَزَّ وَجَلَّ، وَقَدْ بَلَّغْتُ

378 (1/378)

صفحة 369

السيرة النبوية.

وَنَصَحْتُ، فَاقْبَلْ نَصِيحَتِي، وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى)) (1). وَكَانَ حَامِلَهُ عَمْرُو

بن أُمَيَّة الضَّمْرِي.

324

النَّدَوِيُّ، السِّيرَةُ النَّبَوِيَّةُ، ص 4

(1) (1/379)

صفحة 370

السيرة النبوية. رُدُودُ الْأَفْعَالِ

كَانَتْ رُدُودُ الْفِعْلِ مِنْ قِبَلِ المَكْتُوبِ إِلَيْهِمْ مُتَفَاوِتَةً:

فَأَمَّا هِرَقْلُ فَقَدْ كَانَ رَدُّ فِعْلِهِ لَطِيفًا وَمُجَامِلا، وَيُقَالُ: أَنَّهُ أَعْطَى مَبْعُوثُ النَّبِيِّ مَبْلَعًا مِنَ الدَّنَانِيرِ، وَتَظَاهَرَ بِأَنَّهُ رَاغِبُ فِي الْإِسْلَامِ حَتَّى ظَنَّ دِحْيَةُ الْكَلْبِيُّ أَنَّهُ اعْتَنَقَ الْإِسْلَامَ، فَأَخْبَرَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم بِذَلِكَ لَكِنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَهُوَ الْخَبِيرُ بِأَحْوَالِ

النَّاسِ وَالْبَصِيرُ بِأُمُورِهِمْ لَمْ يُصَدِّقُ، فَقَالَ: كَذِبَ عَدُوٌّ اللَّهُ لَيْسَ بِمُسْلِمٍ (1). وَبَحَثَ هِرَقْلُ عَمَّنْ يُؤَكِّدُ لَهُ صِدْقَ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ، فَصَادَفَ وُجُودَ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ فِي غَزَّةَ فِي تِجَارَةٍ لَهُ، فَأَخَذَ إِلَيْهِ، فَسَأَلَهُ عَنْ مُحَمَّدٍ، فَأَخْبَرَهُ أَبُو سُفْيَانَ صَادِقًا، لأَنَّهُمْ مَا كَانُوا يَسْتَعْمِلُونَ الْكَذِبَ، وَقَدْ تَأَكَّدَ هِرَقْلُ مِنْ صِدْقِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ، وَلَعَلَّهُ اعْتَرَفَ بِذلِكَ، وَيَنْضِحُ مِنْ خِلَالِ الْمَحَاوَرَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِي سُفْيَانَ أَنَّهُ عَلَى اطَّلَاعِ وَإِلَّامٍ بِالدِّيَانَاتِ تَارِيعا وَفِكْرًا. وَأَمَّا المُقَوْقِسُ فَقَدْ كَانَ رَدُّهُ جَمِيلًا رَائِعًا، حَيْثُ بَعَثَ بِجَوَابِ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَ فِيهِ: ((مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الله، مِنَ الْمُقَوْقِسِ عَظِيمِ الْقِبْطِ، سَلَامٌ عَلَيْكَ، أَمَّا بَعْدُ: فَقَدْ وَصَلَ كِتَابُكَ وَفَهِمْتُ مَا ذَكَرْتَ فِيهِ وَتَدْعُو إِلَيْهِ، وَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ نَبِيًّا قَدْ

(1) الرَّسُولُ الْقَائِدُ، (ص) 326.

380 (1/380)

صفحة 371

السيرة النبوية.

يقي، وَكُنتُ أَظُنُّ أَنَّهُ يَخْرُجُ بِالشَّامِ، وَقَدْ أَكْرَمْتُ رَسُولَكَ وَبَعَثْتُ لَكَ بِجَارِيَتَيْنِ هما

مَكَانٌ عَظِيمٌ فِي الْقِبْطِ، وَثِيَابِ، وَأَهْدَيْتُ لَكَ بَغْلَةٌ تَرْكَبُهَا) (1).

فَقَبِلَ مِنْهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الْهُدَايَا، وَاتَّخَذَ إِحْدَى الجَارِيَتَيْنِ وَهِيَ مَارِيَةُ الْقِبْطِيَّةُ لَهُ، فَأَنْجَبَ مِنْهَا وَلَدَهُ إِبْرَاهِيمَ، وَالثَّانِيَةُ أَعْطَاهَا شَاعِرَهُ حَسَّانَ بْنَ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيِّ، وَهِيَ أُمُّ وَلَدِهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ. أَمَّا النَّجَاشِيُّ فَكَانَ رَدُّهُ جَمِيلًا، حَتَّى أَنَّهُ دَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ وَلَكِنْ لَا نَدْرِي هَلْ كَانَ دُخُولُهُ الْإِسْلَامَ بَعْدَ وُصُولِ خِطَابِ النَّبِيِّ إِلَيْهِ عَلَى الْفَوْرِ أَوْ كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ بِحِينٍ وَهُوَ الَّذِي صَلَّى عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَاةَ المَيِّتِ لَا مَاتَ، وَذَلِكَ فِي رَجَبٍ سَنَةَ تِسْعِ للهجرة (2)، فَقَدْ نَعَاهُ رَسُولُ الله لِلنَّاسِ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، فَخَرَجَ بِأَصْحَابِهِ إِلَى

المُصَلَّى، فَصَفَّهُمْ، وَكَبَّرَ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ (3).

وَأَمَّا كِسْرَى قَدِ اسْتَشَاطَ غَضَبًا، وَقَالَ: يَكْتُبُ إِلَيَّ وَهُوَ عَبْدِي، فَمَزَّقَ الْكِتَابَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَدَعَا عَلَيْهِ قَائِلًا: "مَزَّقَ اللهُ مُلْكَهُ كُلَّ مُمَزَّقٍ". فَعَدَى عَلَيْهِ ابْنُهُ شِيرَوَيْهِ فَقَتَلَهُ، وَاضْطَرَبَ بَعْدَ ذَلِكَ المُلْكُ السَّاسَانِيُّ فِي فَارِسَ، حَتَّى أَنْهَاهُ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عِنْدَمَا كَانَ يَزْدِ جَرْدُ هُوَ الْمَلِكَ فِيهِمْ (4).

(1) نَفْسُ الْمُصْدَرِ (ص 327)

(2) النَّدوِيُّ (السِّيرَةُ النَّبَوِيَّةُ) (ص 338).

(3) مُسْنَدُ الرَّبِيعِ بْنِ حَبِيبٍ (ص 484).

(4) الْعَوْنَبِيُّ، سَلَمَةُ بْنُ مُسْلِمٍ، الْأَنْسَابُ، ج 2، ص 762، تحقيقُ إِحْسَانِ النص، وَجَاءَ فِيهِ ((فَكَتَبَ النَّبِيُّ

381 (1/381)

صفحة 372

-السيرة النبوية.

إِلَى كِسْرَى أَبْرويز يَدْعُوهُ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَمَزَّقَ كِتَابَ النَّبِيِّ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم حِينَ بَلَغَهُ ذَلِكَ: ((اللَّهُمَّ مَزْقُ مُلْكَهُ كُلَّ مُمَزَّقٍ فَلَمْ يُفْلِحُ كِسْرَى بَعْدَ دَعْوَةِ النَّبِيِّ، فَسَلَّطَ عَلَيْهِ ابْنَهُ شِيرَوَيْهِ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ أَنَّ شِيرَوَيْهِ كَتَبَ إِلَى ((بَاذَانَ)) مَرْزُبَانِهِ عَلَى عُمانَ، وَيُقَالُ بَلْ فَسْتَخَانَ، وَكَانَ مَرْزُبَانَهُ وَعَامِلَهُ عَلَى عُمَانَ، أَنِ ابْعَثْ مِنْ قِبَلِكَ رَجُلاً عَرَبِيًّا فَارِسِيَّا صَدُوقًا مَأْمُونًا قَدْ قَرَأَ الْكُتُبَ إِلَى الْحِجَازِ، يَأْتِيكَ بِخَيْرِ هَذَا الْعَرَبِيِّ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، وَعَنَى بِقَوْلِهِ: عَرَبِيًّا فَارِسِيَّا، أَيْ يَتَكَلَّمُ الْعَرَبِيَّةَ وَالْفَارِسِيَّةَ وَيَعْرِفُهُما، فَبَعَثَ ((بَاذَانُ)) كَعْبَ بْنَ بَرْشَةَ الطَّاحِي، وَكَانَ قَدْ تَنَصَّرَ وَقَرَأَ الْكُتُبَ، فَقَدِمَ المَدِينَةَ، وَأَتَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَكَلَّمَهُ فَرَأَى فِيهِ الصِّفَاتِ الَّتِي يَجِدُهَا فِي الْكُتُبِ، فَعَرَفَ أَنَّهُ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَأَسْلَمَ كَعْبُ، وَرَجَعَ إِلَى عُمَانَ، فَأَتَى ((بَاذَانَ)) فَأَخْبَرَهُ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، فَقَالَ بَاذَانُ: هَذَا أَمْرٌ أُرِيدُ أَنْ أُشَافِهَ فِيهِ المُلِكَ، فَاسْتَخْلَفَ عَلَى أَصْحَابِهِ الَّذِينَ بِعُمَانَ رَجُلاً مِنْ أَصْحَابِهِ يُقَالُ لَهُ مَسْكَانُ، وَخَرَجَ بَاذَانُ إِلَى الْمَلِكِ كِسْرَى بِفَارِسَ)).

وهَذِهِ الرِّوَايَةُ تَخْتَلِفُ عَنْ رِوَايَةِ كُتُبِ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ الَّتِي تَجْعَلُ بَاذَانَ عَامِلَ كِسْرَى عَلَى الْيَمَنِ. وَ فِي رَأْيِي أَنَّ رِوَايَةَ الْعَوْتَبِيٌّ أَقْرَبُ إِلَى الصَّحَّةِ لِتَفْصِيلِهَا وَلاِرْتِبَاطِهَا بِأَحْدَاتٍ جَرَتْ فِي عُمَانَ بَعْدَ

ذلِكَ.

عَلَى أَنَّ المُصَادِرَ غَيْرَ الْعُمانِيَّةِ تَخْلِطُ بَيْنَ الْيَمَنِ وَعُمَانَ، فَتَجْعَلُ عُمانَ هِيَ الْيَمَنَ، وَأَحْيَانًا تَجْعَلُهَا جُزْءًا مِنَ

الْيَمَنِ.

382 (1/382)

صفحة 373

السيرة النبوية -

سَرِيَّةُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ إِلَى حَسْتَى (1)

بَعَثَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ مِنَ السَّنَةِ السَّابِعَةِ لِلهْجِرَةِ إِلَى حَسْمَى الْوَاقِعَةِ بَيْنَ الشَّامِ وَوَادِي الْقُرَى لِعَاقَبَةِ بَنِي جُذَامَ عَلَى مَا فَعَلُوهُ فِي دِحْيَةَ بْنِ خَلِيفَةَ الْكَلْبِيِّ عِنْدَمَا كَانَ عَائِدًا مِنْ عِنْدِ قَيْصَرَ عَاهِلِ الرُّومِ مَبْعُونًا مِنْ قِبَلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَاعْتَدَوْا عَلَيْهِ وَسَلَبُوهُ مَا عِنْدَهُ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ فِي خَمْسِمِائَةِ رَجُلٍ، فَهَجَمُوا عَلَيْهِمْ فَقَتَلُوا وَأَسَرُوا وَأَخَذُوا الْإِبِلَ وَالْغَنَمَ، وَجَاءَ سَيِّدُهُمْ زَيْدُ بْنُ رِفَاعَةَ الْجُذَامِيُّ إِلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، وَكَانَ النَّبِيُّ قَدْ أَعْطَاهُ كِتَابًا لَهُ وَلِقَوْمِهِ بِعَدَمِ التَّعَرُّض هُمْ بَعْدَ مَا أَسْلَمَ، فَدَفَعَ إِلَى رَسُولِ اللهِ الْكِتَابَ، وَهُنَاكَ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ إِلَى زَيْدِ بنِ حَارِثَةَ أَنْ يُعَلِّيَ لَهُمْ أَمْوَاهُمْ وَحُرَمَهُمْ.

(1) جَعَلَ الْوَاقِدِيُّ فِي الْمُغَازِي هَذِهِ السَّرِيَّةَ فِي شَهْرِ جُمَادَى الْآخِرَةِ مِنَ السَّنَةِ السَّادِسَةِ لِلْهِجْرَةِ، وَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ اللُّوَاءُ مَحْمُودُ شِيت خَطَاب فِي كِتَابِهِ الرَّسُولُ الْقَائِدُ، وَفِي رَأْيِي: إِنَّ زَمَنَهَا الشَّهْرُ المُذْكُورُ وَلَكِنَّهَا كَانَتْ فِي السَّنَةِ السَّابِعَةِ بَعْدَ فَتْحِ خَيْبَرَ، وَهُوَ الزَّمَنُ الَّذِي أَرْسَلَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ رُسُلَهُ بِكُتُبِهِ إِلَى المُلُوكِ مِنْ غَيْرِ الْعَرَبِ.

383 (1/383)

صفحة 374

السيرة النبوية.

سَرِيَّةُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ إِلَى تَرْبَةَ

بَعَثَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فِي ثَلَاثِينَ رَجُلًا إِلَى بَنِي نَصْرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَبَنِي جُشَمِ بْنِ بَكْرٍ مِنْ هَوَازِنَ فِي مِنْطَقَةِ تَرْبَةَ بَيْنَ مَكَّةَ وَنَجْرَانَ فِي شَهْرٍ شَعْبَانَ مِنَ السَّنَةِ السَّابِعَةِ لِلْهِجْرَةِ، فَلَما وَصَلَ إِلَيْهِمْ هَرَبُوا، فَقَفَلَ عُمَرُ وَأَصْحَابُهُ عَائِدِينَ إِلَى المَدِينَةِ، وَأَرَادَ الدَّلِيلُ وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي هِلَالٍ أَنْ يَهْجُمَ عُمَرُ عَلَى جَمْعِ آخَرِينَ مِنَ الْعَرَبِ، وَلَكِنَّ عُمَرَ رَفَضَ قَائِلًا لَا أَتَجَاوَزُ أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ، فَقَدْ أَمَرَنِي لِقِتَالِ هَوَازِنَ

بتربة.

سَرِيَّةُ أَبِي بَكْرٍ إِلَى نَجْدٍ

وَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ لا أَبا بَكْرِ الصِّدِّيقَ إِلَى نَاحِيَةٍ بِنَجْدٍ فِي شَهْرِ شَعْبَانَ مِنَ السَّنَةِ السَّابِعَةِ لِلْهِجْرَةِ، لِقِتَالِ جَمْعِ مِنْ قَبَائِلِ هَوَازِنَ، فَقَتَلُوا مِنْهُمْ أُنَاسًا، وَعَادُوا إِلَى المَدِينَةِ.

ه

سَرِيَّةُ بَشِيرِ بْنِ سَعْدٍ إِلَى فَدَك

وَبَعَثَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بَشِيرَ بْنَ سَعْدِ الْأَنْصَارِيَّ إِلَى فَدَكَ فِي شَهْرِ شَعْبَانَ السَّنةَ السَّابِعَةَ لِلْهِجْرَةِ، لِقِتَالِ بَنِي مُرَّةَ فِي ثَلَاثِينَ رَجُلًا، فَلَمْ يَجِدُوا النَّاسَ وَوَجَدُوا نَعَما وَشَاءَ فَاسْتَاقُوهَا، وَأَقْبَلُوا لَهَا إِلَى المَدِينَةِ، فَنَا الصَّرِيحُ فِي بَنِي مُرَّةَ، فَلَحِقُوا بَشِيرًا

384 (1/384)

صفحة 375

السيرة النبوية.

وَأَصْحَابَهُ عِنْدَ اللَّيْلِ فَتَرَامَوْا بِالنَّبَلِ طُوَالَ اللَّيْلِ، حَتَّى نَفِدَتْ نَبْلُ بَشِيرٍ وَأَصْحَابِهِ، فَقُتِلَ مِنْهُمْ مَنْ قُتِلَ، وَقَدْ أُصِيبَ بَشِيرٌ نَفْسُهُ، وَلَكِنْ تَظَاهَرَ بِالسَّمَاوُتِ.

وَرَجَعَ المُريُّونَ بِنَعَمِهِمْ وَشَائِهِمْ، وَسَارَ عُلْبَةُ بْنُ زَيْدٍ الْحَارِثِيُّ إِلَى المَدِينَةِ، فَأَخْبَرَ

النبي بالحادثة.

سَرِيَّةُ غَالِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ اللَّيْنِي إِلَى بَنِي مُرَّةَ

وَأَرْسَلَ الرَّسُولُ غَالِبَ بْنَ عَبْدِ الله اللَّيْنِيَّ فِي مِائَتَيْ رَجُلٍ لِعَاقَبَةِ بَنِي مُرَّةَ، نظير مَا فَعَلُوهُ بِبَشِيرِ بْنِ سَعْدٍ وَأَصْحَابِهِ، وَأَمَرَ غَالِبٌ الْجَيْشَ بِعَدَمِ مُخَالَفَتِهِ بَعْدَ أَنْ وَعَظَهُمْ وَذَكَّرَهُمْ بِالله وَبِطَاعَةِ الْأَمِيرِ، ثُمَّ هَجَمُوا عَلَى الْقَوْمِ فَقَتَلُوا مِنْهُمْ عَدَدًا، وَغَنِمُوا كَثِيرًا مِنْ أَمْوَالِهِمْ. وَكَانَ فِي الجُيْشِ الْإِسْلَامِي أَسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، فَانْطَلَقَ أَسَامَةُ فِي إِثْرِ رَجُلٍ مِنْهُمْ بَعِيدًا حَتَّى غَابَ عَنْ أَصْحَابِهِ مُخَالِفًا بِذَلِكَ أَمْرَ أَمِيرِه فِي السَّرِيَّةِ، وَتَمَكَّنَ أَسَامَةُ مِنْ إِدْرَاكِ ذلِكَ الرَّجُلِ، فَلَمَّا رَفَعَ أَسَامَةُ السَّيْفَ عَلَيْهِ، قَالَ الرَّجُلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَلَكِنَّ أَسَامَةَ قتَلَهُ ظَنَّا إِنَّما قَالَهَا تَعَوذَا مِنَ الْقَتْلِ، وَلَكِنْ كَانَتِ اللَّائِمَةُ عَلَى أَسَامَةَ بِذَلِكَ الْفِعْلِ الشَّدِيدِ مِنْ أَمِيرِهِ، ثُمَّ مِنَ الرَّسُولِ، بَعْدَ مَا عَادُوا إِلَى المَدِينَةِ. وَقَدْ بَلَغَ النَّبيِّ فِعْلُهُ، فَأَخَذَ يَسْأَلُهُ حَتَّى أَخْبَرَهُ أَسَامَةُ عَنْ قَتْلِهِ الرَّجُلَ بَعْدَ مَا قَالَ:

لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ

385 (1/385)

صفحة 376

السيرة النبوية.

وَهُنَاكَ قَالَ لَهُ رَسُولُ الله: أَفَتَلْتَهُ يَا أَسَامَهُ وَقَدْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟ فَأَخَذَ أَسَامَةُ يَعْتَذِرُ وَيَقُولُ: مَا قَالَهَا إِلَّا تَعَوُّذًا مِنَ الْقَتْلِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله: أَلَا شَقَقْتَ قَلْبَهُ، فَتَعْلَمَ أَصَادِقٌ هُوَ أَمْ كَاذِبٌ؟ فَكَانَ أَسَامَهُ يَقُولُ: لَا أَقْتُلُ أَحَدًا يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ (1).

سَرِيَّةُ غَالِبِ بْنِ عَبْدِ الله اللَّيْنِي إِلَى الْمَيْفَعَةِ

وَبَعَثَ رَسُولُ الله سَرِيَّةٌ إِلَى بَنِي عَبْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ فِي مِائَةٍ وَثَلَاثِينَ رَجُلًا، وَبَعَثَ مَعَهُمْ مَوْلَاهُ يَسَارًا دَلِيلاً هُمْ، وَكَانَ أَمِيرَ السَّرِيَّةِ غَالِبُ بْنُ عَبْدِ الله اللَّيْنِيُّ، وَذَلِكَ فِي شَهْرٍ رَمَضَانَ السَّنَةِ السَّابِعَةِ لِلْهِجْرَةِ.

فَسَارُوا حَتَّى الْتَقَوْا بِالْقَوْمِ عَلَى مَاءٍ يُقَالُ لَهُ الْمُفَعَةُ، فَهَجَمُوا عَلَيْهِمْ، وَقَتَلُوا مِنْهُمْ أناسًا، وَاسْتَاقُوا مِنْهُمْ إِبِلا وَشَاءَ، وَقَفَلُوا عَائِدِينَ إِلَى الْمَدِينَةِ.

(1) حَدَثَتْ فِي صُحَارَ حَادِثَةٌ شَبِيهَةٌ بِهَذِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ يَهُودِيَّيْنِ قَامَا يَقْتَتِلَانِ، فَلَما شَعَرَ أَحَدُهُمَا بِالضَّعْفِ أمَامَ صَاحِبِهِ، وَرَأَى أَشْخَاصًا مُسْلِمِينَ، قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، فَلَما سَمِعَ المُسْلِمُونَ مِنْهُ ذَلِكَ قَالُوا: أَعِينُوا صَاحِبَكُمْ، فَنَجُوهُ مِنْهُ، ثُمَّ أَنْكَرَ ذَلِكَ الْيَهُودِيُّ شَهَادَتَهُ الْإِسْلَامِيَّةَ، فَرَفَعَ وَالِي صُحَارَ الْأَمْرَ إِلَى الْإِمَامِ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ حُمَيْدٍ فِي نَزْوَى، فَجَمَعَ الْإِمَامُ الْعُلَمَاءَ لِيَرَوْا رَأْيَهُمْ وَيُصْدِرُوا حُكْمَهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ رَأَوْا إِرْجَاعَ الْمُسْأَلَةِ إِلَى الْعَلامَةِ الْكَبِيرِ شَيْخِ المُسْلِمِينَ فِي زَمَانِهِ مُوسَى بْنِ علِيِّ الْعَزْرِيُّ، فَرَأَى عَدَمَ إِقَامَةِ حَدٌ الرّدَّةِ عَلَيْهِ، وَلَكِنَّهُ أَمَرَ الْإِمَامَ بِالشَّدُّ عَلَيْهِ لِقَبُولِ الْإِسْلَامِ، وَإِذَا أَصَرَّ عَلَى كُفْرِهِ تَرَكَهُ.

386 (1/386)

صفحة 377

السيرة النبوية.

سَرِيَّةُ بَشِيرِ بْنِ سَعْدٍ إِلَى الْجِنَابِ

وَبَعَثَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بَشِيرَ بْنَ سَعْدٍ إِلَى الْجَنَابِ مِنْ أَرْضِ غَطَفَانَ، فِي ثَلَاثِمِائَةِ رَجُلٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا كَانَتْ فِي شَهْرِ شَوَّالَ مِنَ السَّنَةِ السَّابِعَةِ لِلْهِجْرَةِ، لِمُقَاتَلَةِ عُبَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ الْغَطَفَانِيِّ وَقَوْمِهِ، بَعْدَ أَنْ بَلَغَهُ أَنْ عُيَيْنَةَ يَجْمَعُ قَوْمَهُ لِلْهُجُومِ عَلَى الْمَدِينَةِ. فَسَارَ بَشِيرٌ وَأَصْحَابُهُ حَتَّى نَزَلُوا مِنْطَقَةً سَلَاحٍ قَرِيبًا مِنْ خَيْبَرَ، ثُمَّ دَنَوْا مِنَ الْقَوْمِ فَقَاتَلُوهُمْ، فَقَتَلُوا بَعْضَ رِجَالِهِمْ، وَأَسَرُوا بَعْضًا، وَغَنِمُوا مِنْهُمْ أَمْوَالًا.

عُمْرَةُ الْقَضَاءِ

وَتُسَمَّى عُمْرَةَ الْقَضِيَّةِ، وَعُمْرَةَ الْقَصَاصِ، وَقَالَ بَعْضُ: إِنَّ هَذَا الاِسْمُ أَوْلَى، تَمَشِّيَا مَعَ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، وَهِيَ قَوْلُ الله تَعَالَى: الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَتُ قِصَاصُ، وَهِيَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى صُلْح الحَدَيْبِيَّةِ الَّذِي جَرَى بَيْنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَسُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو مَنْدُوبِ قُرَيْشٍ، عَلَى أَنْ يَرْجِعَ عَنْهُمْ مُحمَّدٌ رَسُولُ الله عَامَهُمْ ذَاكَ، وَأَنْ يَأْتِيَهُمْ عَامًا قَابِلا، وبما أن صُلْحَ الحُدَيْبِيَّةِ كَانَ فِي شَهْرِ ذِي الْقِعْدَةِ، فَكَانَتْ عُمْرَةَ الْقَضَاءِ أَيْضًا فِي شَهْرِ ذِي الْقِعْدَةِ بَعْدَ مُرُورِ الْعَامِ المَتَّفَقِ عَلَيْهِ فِي الهُدْنَةِ.

وَكَانَ رَسُولُ الله قَدْ تَهَيَّاً وَهَيَّاً أَصْحَابَهُ لِلْمَسِيرِ إِلَى مَكَّةَ لِأَدَاءِ عُمْرَةِ الْقَضَاءِ فِي مَطلَع شَهْرِ ذِي الْقِعْدَةِ مِنَ السَّنَةِ السَّابِعَةِ لِلْهِجْرَةِ، وَخَرَجَ فِي أَلْفَيْنِ مِنْ أَصْحَابِهِ، فِيهِمْ جَمِيعُ مَنْ كَانُوا فِي الحَدَيْبِيَّةِ إِلَّا مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ أَوْ قُتِلَ.

387 (1/387)

صفحة 378

السيرة النبوية.

وَأَمَرَ بِحَمْلِ السَّلَاحِ لِيَكُونَ قَرِيبًا مِنْهُ فِي مَكَّةَ، خَوْفًا مِنْ غَدْرِ قُرَيْشٍ أَوْ غَيْرِهَا مِنَ الْقَبَائِلِ الْقَرِيبَةِ وَالمُحِيطَةِ بِمَكَّةَ، وَمَعَهُمْ مِائَةً فَرَسٍ، وَجَعَلَ عَلَى الْفُرْسَانِ مُحَمَّدَ بْنَ

مَسْلَمَةَ الْأَنْصَارِيِّ، وَجَعَلَ عَلَى السَّلَاحِ بَشِيرَ بْنَ سَعْدِ الْأَنْصَارِي.

فَتَقَدَّمَ بالخيلِ وَالسَّلَاح حَتَّى نَزَلُوا مرَّ الظُّهْرَانِ، وَهُنَاكَ لَقُوا نَفَرًا مِنْ قُرَيْشٍ، فَرَاعَهُمْ مَا شَاهَدُوا مِنَ السَّلَاحِ، وَظَنُّوا أَنَّ مُحَمَّدًا قَدْ أَخْلَفَ وَعْدَهُ، وَنَقَضَ عَهْدَهُ، فَذَهَبُوا مُسْرِعِينَ إِلَى مَكَّةَ، لِيُنْذِرُوا أَهْلَهَا، فَكما وَصَلَ رَسُولُ الله يَأْجَجَ جَاءَهُ نَفَرٌ مِنْ أَعْيَانِ قُرَيْشٍ بِرِئَاسَةِ مِكْرَزِ بْنِ حَفْصٍ، الَّذِي كَانَ مَعَ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو فِي وَفْدِ مُفَاوَضَاتِ الْحُدَيْبِيَةِ، مُسْتَطْلِعِينَ الْخَبَرَ، فَطَمْأَنَهُمْ رَسُولُ الله أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ مَكَّةَ

بالسَّلَاحِ، إِلَّا بِسِلَاحِ الْمُسَافِرِ وَالسُّيُوفُ فِي أَغْمَادِهَا، فَرَجَعُوا إِلَى قَوْمِهِمْ مُطْمَئِنِّينَ.

فِي يَأْجَجَ: وَنَزَلَ رَسُولُ الله وَأَصْحَابُهُ فِي مِنْطَقَةِ يَأجَجَ، وَتَرَكَ بِهَا السَّلَاحَ فِي مِانَتَيْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ (1)، وَانْطَلَقَ مِنْهَا إِلَى مِنْطَقَةِ ذِي طُوًى، وَحَبَسَ بِهَا الْهَدْيَ، فَسَارَ قَاصِدًا الْبَيْتَ الْحَرَامَ، فَدَخَلَ إِلَيْهِ مِنْ جِهَةِ الْحَجُونِ، وَهِيَ الْجِهَةُ الشَّمَالِيَّةُ لِلْبَيْتِ الْعَتِيقِ، وَعَبْدُ الله بْنُ رَوَاحَةَ آخِذٌ بِزِمَامِ نَاقَتِهِ الْقَصْوَاءِ، وَيُنْشِدُ قَائِلًا: خَلُوا بَنِي الْكُفَّارِ عَنْ سَبِيلِهِ خَلُوا فَكُلُّ الخَيْرِ فِي رَسُولِهِ

(1) هَذَا وَالله هُوَ الْحَزْمُ الَّذِي يَعْصِمُ صَاحِبَهُ فِي المَوَاقِفِ المُخُوفَةِ.

388 (1/388)

صفحة 379

السيرة النبوية.

حَقًّا وَكُلُّ الخير في سَبِيلِهِ اغْرَفْ حَقَّ الله فِي قَبُولِهِ نَحْنُ قَتَلْنَاكُمْ عَلَى تَأْوِيلِهِ كَمَا قَتَلْنَاكُمْ عَلَى تَنْزِيلِهِ ضَرْبًا تُزيلُ الهَامَ عَنْ مَقِيلِهِ وَيُذْهِلُ الخَليلَ عَنْ خَلِيلِهِ

فَلَمْ يُعْجِبْ ذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: يَا ابْنَ رَوَاحَةَ فَقَالَ رَسُولُ الله: يَا عُمَرُ، إِنِّي أَسْمَعُ (1).

وَفِي رَأيي أَنَّ ذَلِكَ الْمُوْقِفَ مِنْ عُمَرَ بْنِ الخطابِ إِنْ صَحْتِ الرِّوَايَةُ الَّتِي أَوْرَدَهَا الْوَاقِدِيُّ يَرْجِعُ إِلَى الاسْتِعْلَاءِ الْقُرَشِي، وَمَعَ الخِلافِ الْعَقَدِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ قُرَيْشٍ، إِلَّا أَنَّهُ مَا أَرَادَ أَنْ يُعْطِيَ عَجَالًا لِلْأَنْصَارِ فِي النَّيْلِ مِنْ قُرَيْشٍ وَالافْتِخَارِ عَلَيْهِمْ، وَلِكَوْنِ النَّبِيِّ كَانَ رَاضِبًا عَنْ قَوْلِ عَبْدِ الله بْنِ رَوَاحَةَ، فَقَدْ زَجَرَ عُمَرَ عَنْ إِسْكَاتِهِ عَبْدَ اللَّهِ بْن رَوَاحَةَ. عَلَى أَنَّهُ مِنَ المُلَاحَظِ أَنَّ اعْتِمَادَ النَّبِيُّ عَلَى الْأَنْصَارِ فِي هَذِهِ الرَّحْلَةِ وَاضِحٌ، فَهُمْ أَصْحَابُ المُسْئُولِيَّةِ الْقِيَادِيَّةِ فِي الرَّحْلَةِ كُلِّهَا، وَخَرَجَتْ قُرَيْشُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى رُؤُوسِ الْجِبَالِ، وَيُقَالُ إِنَّهُمُ ارْتَفَعُوا إِلَى جَبَلِ الْفُعَيْقِعَانِ، تَارِكِينَ مَكَّةَ لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم

وَأَصْحَابِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ حَسَبَ الإِنْفَاقِ.

(1) المغازي، ج 2، ص 739.

389 (1/389)

صفحة 380

فِي مَكَّةَ:

السيرة النبوية

وَدَخَلَ الرَّسُولُ وَأَصْحَابُهُ مَكَةَ مُلَيِّينَ حَتَّى أَدَّوْا عُمْرَتَهُمْ، وَلَا قَضَى نُسُكَهُ جَلَسَ حِذَاءَ الْبَيْتِ الْعَتِيقِ، وَأَرَادَ دُخُولَ الْكَعْبَةِ، وَلَكِنَّ قُرَيْشًا رَفَضُوا قَائِلِينَ: لَمْ يَكُنْ هَذَا فِي الاتفاق.

وَأَمَرَ بِلالا أَنْ يُؤَذِّنَ لِصَلَاةِ الظُّهْرِ بَعْدَ فَضَاءِ الْعُمْرَةِ، فَأَذَّنَ تِلْكَ المَرَةَ وَلَمْ يَعُدْ

لِلآذَانِ بَعْدَهَا، وَلَعَلَّ قُرَيْضًا احْتَجُوا لِذلِكَ أَيْضًا، لِعَدَم دُخُولِهِ فِي الإِنْفَاقِ. وَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ مِانَتَيْ رَجُلٍ مِنَ الَّذِينَ فَضَوْا عُمْرَتَهُمْ أَنْ يَذْهَبُوا إِلَى يَأْجَجَ لِلْقِيَامِ عَلَى السَّلَاحِ، لِيَأْتِيَ الْآخَرُونَ لِأَدَاءِ عُمْرَتِهِمْ، وَقَضَى رَسُولُ الله وَالمُسْلِمُونَ بِمَكَّةَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ حَسَبَ الاتِّفَاقِ، وَفِي ظُهْرِ الْيَوْمِ الرَّابِعِ جَاءَهُ حُوَيْطِبُ بْنُ عَبْدِ الْعُزَّى وَسُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، فَطَالَبَا النَّبِيِّ بِالخُرُوج مِنْ مَكَّةَ نَظَرًا إِلَى انْتِهَاءِ المُدَّةِ المَشْرُوطَةِ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ، فَأَرَادَ النَّبِيُّ مِنْهُمَا إِمْهَالَهُ حَتَّى يَدْخُلَ عَلَى عُرْسِهِ وَيَصْنَعَ لَهُمْ طَعَامًا، وَلَكِنَّهُما أَجَابَاهُ بِغِلْظَةٍ قَائِلِينَ: اخْرُجْ عَنْهَا لَا حَاجَةَ لَنَا فِي طَعَامِكَ، وَكَانَ حُوَيْطِبٌ أَغْلَظَ الرَّجُلَيْنِ قَوْلًا، الْأَمْرُ الَّذِي حَمَلَ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ عَلَى المُشَادَّةِ الْكَلَامِيَّةِ مَعَهُ، لَوْلَا أَنْ أَسْكَتَ رَسُولُ الله سَعْدًا.

عَلَى أَنْ هُنَاكَ أَمْرًا يَنبَغِي مُنَافَشَتُهُ، وَهُوَ هَلْ تَأَخَّرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَنِ الخروج مِنْ مَكَّةَ حَتَّى جَاءَهُ أُولَئِكُمُ النَّفَرُ فِي قُرَيْشٍ؟ فِي رَأْبِي أَنَّ عَجِيءَ النَّفَرِ الْقُرَشِيِّينَ إِلَيْهِ لِيُطَالَبَتِهِ بالخروج كَانَ قَبْلَ حُلُولِ الْأَجَلِ المُضْرُوبِ؛ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَا عُرِفَ عَنْهُ (1/390)

صفحة 381

السيرة النبوية.

أَنَّهُ يَكُونُ عَهْدًا، وَهُنَاكَ طَلَبَ مِنْهُمُ المُهْلةَ لِلْعُرْسِ، وَلا لَمْ يُوَافِقُوا خَرَجَ فِي الْمَوْعِدِ

الْمُحَدَّدِ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالْخُرُوجِ.

391 (1/391)

صفحة 382

السيرة النبوية.

الْخُرُوجُ مِنْ مَكَّةَ: وَبَعْدَ انْقِضَاءِ اللَّيَالِي الثَّلَاثِ خَرَجَ النَّبِيُّ وَأَصْحَابُهُ، وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: لَا يُمْسِيَنَّ أَحَدٌ مِنكُمْ بِمَكَّةَ الْيَوْمَ. وَكَانَ قَدْ خَطَبَ مَيْمُونَةَ بِنْتَ الحَارِثِ الْهِلَالِيَّةَ، فَجَعَلَتْ أَمْرَهَا إِلَى الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ عَمُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: لأَنَّ أُخْتَهَا عِنْدَهُ، فَزَوَّجَهُ الْعَبَّاسُ إِيَّاهَا،

فَأَعْرَسَ بِهَا فِي سرفٍ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنْ مَكَّةَ، وَمِنْ سرفٍ سَارَ إِلَى الْمَدِينَةِ. وَعِندَ خُرُوجِهِ مِنْ مَكَّةَ تَعَلَّقَتْ بِهِ ابْنَهُ عَمِّهِ عُمارَةٌ بِنْتُ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَأَخَذَهَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَقِيلَ إِنَّ عَلِيًّا هُوَ الَّذِي أَشَارَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ بِأَخْذِهَا مِنْ مَكَّةَ، فَأَذِنَ لَهُ بِحَمْلِهَا.

وَتَخَاصَمَ فِي حَضَانَتِهَا كُلُّ مِنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ أَخِي حَمْزَةَ فِي الهِجْرَةِ، فَحَكَمَ بِهَا النَّبِيُّ جَعْفَرٍ مِنْ أَجْلِ أَنَّ خَالَتَهَا عِنْدَهُ، وَقَالَ: الْخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الْأُمِّ.

سَرِيَّةُ ابْنِ أَبِي الْعَوْجَاءِ

وَبَعَثَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم ابْنَ أَي الْمَوْجَاءِ السُّلَمِي فِي خَمْسِينَ رَجُلًا إِلَى بَنِي سُلَيْمٍ فِي شَهْرٍ ذِي الحِجَّةِ فِي السَّنَةِ السَّابِعَةِ لِلْهِجْرَةِ، فَخَاتَهُمْ دَلِيلُهُمْ وَهُوَ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ، فَقَدْ ذَهَبَ إِلَى قَوْمِهِ وَأَخْبَرَهُمْ بِسَرِيَّةِ ابْنِ أَبِي الْعَوْجَاءِ، فَاجْتَمَعُوا عَلَى المُسْلِمِينَ، وَتَرَاشَقُوا

392 (1/392)

صفحة 383

السيرة النبوية.

بِالنَّبْلِ، وَأَحْدَقَ بَنُو سُلَيْمٍ بِالْمُسْلِمِينَ فَقَتَلُوا كَثِيرِينَ مِنَ السَّرِيَّةِ، وَلَمْ يَسْلَمْ أَمِيرُهَا مِنَ الْإِصَابَةِ، فَتَحَامَلَ عَلَى نَفْسِهِ حَتَّى وَصَلَ المَدِينَةَ.

إِسْلَامُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَعُثْمَانَ بْن طَلْحَةَ كَانَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ بَعْدَ انْصِرَافِهِمْ مِنْ غَزْوَةِ الْأَحْزَابِ فَكَرَ فِي الذَّهَابِ إِلَى النَّجَاشِيِّ مَلِكِ الحَبَشَةِ لِكَيْ يُغَيّرَ النَّجَاشِيُّ رَأيهُ فِي جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَغَيْرِهِ مِنْ مُهَاجِرِي الخَبَشَةِ، فَجَمَعَ لِلنَّجَاشِي هَدَايَا مَكَّيَّةٌ مِنَ النَّوْعِ الَّذِي يُحِبُّهُ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ عَلَى مَعْرِفَةٍ سَابِقَةٍ بِالنَّجَاشِيِّ؛ لِأَنَّ قُرَيْشًا كَانُوا يَذْهَبُونَ إِلَى

الْحَبَشَةِ لِلتَّجَارَةِ.

وَعِنْدَمَا دَخَلَ عَلَى النَّجَاشِي وَفَاتَحَهُ فِي الْأَمْرِ طَالِبًا مِنْهُ تَغْبِيرَ رَأْيِهِ وَجِوَارِهِ مهَاجِرِي الخبَشَةِ مِنْ قُرَيْشٍ، وَجَدَ النَّجَانِيِّ مُقْتَنِعًا بِصِحْةِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ص صلى الله عليه وسلم، وَأَقْبَلَ عَلَى نَصِيحَةِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ بِالدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ، وَهُنَاكَ أَسْلَمَ عَمْرُو عَلَى يَدِ النَّجَاشِي مُبَايِعًا لَهُ عَلَى الْإِسْلَام وَلَكِنَّهُ كَتَمَ إِسْلَامَهُ ذَلِكَ عَنْ أَصْحَابِهِ المَرَافِقِينَ لَهُ، فَلَما قَدِمَ مَكَّةَ عَمَدَ خَارِجًا إِلَى المَدِينَةِ، لِيُعْلِنَ إِسْلَامَهُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهُ، فَلَقِيَ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنْ مَكَّةَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ الَّذِي كَانَ هُوَ أَيْضًا خَارِجًا إِلَى الْمَدِينَةِ لِيَدْخُلَ فِي الْإِسْلَامِ، فَالْتَقَتِ الرَّغْبَتَانِ الْعُمَرِيَّةُ وَالْخَالِدِيَّةُ، فَقَدِمَا المَدِينَةَ، وَأَعْلَنَا إِسْلَامَهُمَا أَمَامَ النَّبِيِّ، وَهُنَاكَ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: الْإِسْلَامُ يَجُبُّ مَا كَانَ قَبْلَهُ، كَمَا أَسْلَمَ مَعَهُمَا عُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ الشَّيْبِيُّ الْقُرَشِيُّ، فَسُرَّ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِقُدُومِ هَؤُلَاءِ

الْقادَةِ الثَّلَاثَةِ وَدُخُولِهِمْ فِي الْإِسْلَام وَذَلِكَ فِي مَطْلَعِ السَّنَةِ الثَّامِنَةِ لِلْهِجْرَةِ.

393 (1/393)

صفحة 384

السيرة النبوية.

364 (1/394)

صفحة 385

السيرة النبوية.

سَرِيَّةُ غَالِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ اللَّيْنِ إِلَى الْكَدِيدِ

وَبَعَثَ رَسُولُ الله غَالِبَ بْنَ عَبْدِ الله الليبي إلى الْحَدِيدِ، وَهُوَ مَوْضِعٌ قَرِيبٌ مِنْ مَكَّةَ، فِي شَهْرِ صَفَرِ مِنَ السَّنَةِ الثَّامِنَةِ لِلْهِجْرَةِ، لِتَأْدِيبِ بَنِي المُلوحِ مِنْ بَنِي لَيْثٍ، وَسَارَ إِلَيْهِمْ غَالِبُ اللَّيْنِيُّ، وَهَجَمَ عَلَيْهِمْ مَسَاءً، وَاسْتَاقُوا مِنْهُمْ إِبِلًا وَشَاءَ، فَلَما شَعَرَ الْقَوْمُ بِذَلِكَ خَرَجُوا فِي طَلَبِ غَالِبٍ وَأَصْحَابِهِ، وَكَانُوا أَكْثَرَ عَدَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَشَاءَ الله أَنْ يَسِيلَ الْوَادِي، فَلَمْ يَسْتَطِيعُوا اجْتِيَازَهُ لِلَا حَفَتِهِمْ، وَتَمَكَّنَ غَالِبٌ وَأَصْحَابُهُ مِنَ النَّجَاةِ مِنْهُمْ وَمَعَهُمْ غَنَائِمُهُمْ حَتَّى قَدِمُوا المَدِينَةَ.

سَرِيَّةُ كَعْبِ بْنِ عُمَيْرِ إِلَى ذَاتِ أَطْلَاحٍ

وَبَعَثَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم كَعْبَ بْنَ عُمَيْرِ الْغِفَارِي فِي خَمْسَةَ عَشَرَ رَجُلًا إِلَى ذَاتِ أطلاح عَلَى حُدُودِ الشَّام، في ربيع الْأَوَّلِ السَّنَةِ الثَّامِنَةِ لِلْهِجْرَةِ، وَقَدْ عَلِمَ بِهِمْ أُولَئِكَ الْقَوْمُ قَبْلَ وُصُولِهِمْ ذَاتَ أَطْلَاحِ لأَنهُمْ أَخْبَرَهُمْ رَجُلٌ مِنْهُمْ عَنْ مَسِيرِ المُسْلِمِينَ إِلَيْهِمْ وَأَخْبَرَهُمْ عَنْ قِلَّتِهِمْ، فَجَاءَهُمُ الْقَوْمُ عَلَى خَيْلٍ، فَقَتَلُوا مَنْ فِي السَّرِيَّةِ، وَيُقَالُ إِنَّ رَجُلًا

جَرِيحًا مِنَ المُسْلِمِينَ أَفَلَتَ مِنْهُمْ حَتَّى قَدِمَ المَدِينَةَ، فَأَخْبَرَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِذَلِكَ. (1/395)

صفحة 386

- السيرة النبوية.

سَرِيَّةُ شُجَاعِ بْنِ وَهْبٍ إِلَى السَّيَّ

وَبَعَثَ رَسُولُ الله سَرِيَّةٌ عَلَيْهَا شُجَاعُ بْنُ وَهْبٍ إِلَى مِنْطَقَةِ السَّيِّ، وَهِيَ عَلَى طَرِيقِ الْبَصْرَةِ مِنْ مَكَّةَ، لِتَأْدِيبِ جَمْعِ مِنْ هَوَازِنَ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ شُجَاعٌ فِي أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ رَجُلًا فِي شَهْرِ رَبِيعِ الْأَوَّلِ السَّنَةِ الثَّامِنَةِ لِلْهِجْرَةِ، وَصَبَّحَهُمْ ذَاتَ يَوْمٍ فَأَغَارَ عَلَيْهِمْ، وَغَنِمَ مِنْهُمْ أَمْوَالًا مِنَ الْإِبِلِ وَالشَّاءِ، وَقَدِمَ بِذَلِكَ إِلَى الْمَدِينَةِ.

سَرِيَّةٌ قُطْبَةَ بْنِ عَامِرٍ إِلَى تُبَالَةَ

وَأَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قُطْبَةَ بْنَ عَامِرِ بْنِ حَدِيدَةَ أَنْ يُغِيرَ عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ خَثْعَمَ بِتَبَالَةَ فِي نَاحِيَةِ الطَّائِفِ، فَسَارَ فِي عِشْرِينَ رَجُلًا، وَلَعَلَّ هَذِهِ السَّرِيَّةَ كَانَتْ فِي شَهْرِ رَبِيعِ الْآخِرِ مِنَ السَّنَةِ الثَّامِنَةِ لِلْهِجْرَةِ، فَشَنُّوا عَلَيْهِمُ الْغَارَةَ لَيْلًا، وَأَخَذُوا إِبِلَهُمْ وَشَاءَهُمْ، وَيُقَالُ إِنَّ مَدَدًا كَبِيرًا مِنْ خَنْعَمَ جَاءُوا إِلَى ذَلِكَ الحَيِّ، وَلَكِنَّ سَيْلًا جَارِفًا نَزَلَ، فَحَالَ

بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ قُطْبَةَ وَأَصْحَابِهِ، فَقَدِمُوا بِالْغَنَمِ إِلَى الْمَدِينَةِ.

396 (1/396)

صفحة 387

السيرة النبوية غَزْوَةُ مُؤْتَةَ (1)

وَسُمِّيَتْ غَزْوَةٌ، وَهِيَ فِي الْوَاقِع سَرِيَّةٌ لأَنها لَمْ يَخْرُجْ فِيهَا الرَّسُولُ، وَلَكِنْ تَوَاطَأَتْ كُتُبُ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ عَلَى تَسْمِيَتِهَا غَزْوَةً، وَنَحْنُ نَسِيرُ كَمَا سَارُوا، وَنَقُولُ كَمَا

قَالُوا، وَنُسَمِّي مَا سَمَّوْا.

وَسَبَبُهَا:

أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم بَعَثَ الْحَارِثُ بْنَ عُمَيْرِ الْأَزْدِي إِلَى هِرَقْلَ عَاهِلِ الرُّومِ، وَقِيلَ إِنَّهُ كَانَ مَبْعُونًا إِلَى أَمِيرِ بُصْرَى عَامِلِ هِرَقْلَ وَهُوَ الصَّحِيحُ، فَلَما نَزَلَ أَرْضَ مُؤْتَةَ، اعْتَرَضَهُ أَمِيرُهَا شُرَحْبِيلُ بْنُ عَمْرٍو الْغَسَّانِيُّ عَامِلُ الرُّومِ، فَلَمَّا عَرَفَهُ أَنَّهُ مَبْعُوثُ مُحَمَّدٍ إِلى هِرَقْلَ قَتَلَهُ، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ مِنْ فِعْلِهِ الشَّنِيعِ ذَلِكَ تَقَرُّبًا وَتَزَلْنَا إِلَى هِرَقْلَ لِيَزْدَادَ عِنْدَهُ حَظْوَةٌ.

وَكَانَ ذَلِكَ الْأَمْرُ، وَهُوَ قَتْلُ الرُّسُلِ بَادِرَةٌ خَطِيرَةٌ، يَجِبُ أَنْ لَا يَمُرَّ دُونَ عِقَابِ. وَهُنَاكَ انْتَدَبَ رَسُولُ الله النَّاسَ حَتَّى تَجَمَّعُوا فِي مَوْضِعِ الجُرُفِ، وَلَمْ يُبَيِّنُ هُمُ الْأَمْرَ الَّذِي اسْتَدْعُوا مِنْ أَجْلِهِ، حَتَّى جَاءَ إِلَيْهِمْ وَصَلَّى بِهِمُ الظُّهْرَ، فَأَخْبَرَهُمُ الْأَمْرَ.

(1) تَقَعُ حَالِيَّا فِي الْجُنُوبِ الْعَرْبِ مِنَ الْمُمْلَكَةِ الْأُرْدُنِيَّةِ الْهَاشِمِيَّةِ.

397 (1/397)

صفحة 388

تَرْتِيبُ الْغَزْوَةِ:

السيرة النبوية.

هَيَّا الرَّسُولُ ثَلَاثَةَ آلَافِ رَجُلٍ هَذِهِ الْغَزْوَةِ، وَكَانَ زَمَنُهَا شَهْرَ جُمَادَى الْأُولَى مِنَ السَّنَةِ الثَّامِنَةِ لِلْهِجْرَةِ، وَأَعْطَى اللَّوَاءَ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ الْكَلْبِيَّ مَوْلَى رَسُولِ الله وَقَالَ: إِنْ أُصِيبَ فَجَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَإِنْ أُصِيبَ فَعَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ.

الْمَسِيرُ إلَى مُؤْتَةَ: وَدَّعَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أَصْحَابَ مُؤْتَةَ، وَقَالَ لَهُمْ: اغْزُوا بِاسْمِ الله فِي سَبِيلِ الله، وَأَوْصَاهُمْ أَنْ لَا يَقْتُلُوا امْرَأَةَ وَلَا صَغِيرًا مُرْضِعًا، وَلَا كَبِيرًا فَانِيَا، وَلَا يُحْرِقُوا نَخْلَا، وَلَا يَقْطَعُوا شَجَرًا وَلَا يَهْدِمُوا بَيْتًا.

وَخَرَجَ المُسْلِمُونَ بِالمَدِينَةِ يُوَدِّعُونَ جُنُودَ الله وَأَخَذَ الْمُسْلِمُونَ غُزَاةٌ وَمُقِيمِينَ يُوَدِّعُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَمَا أَنْ تَحَرَّكُوا حَتَّى دَعَاهُمْ إِخْوَانُهُمُ الْمُسْلِمُونَ بِصَوْتٍ عَالٍ قَائِلِينَ: دَفَعَ اللهُ عَنْكُمْ، وَرَدَّكُمْ صَالِحِينَ غَانِمِينَ.

وَأَنْشَدَ عَبْدُ الله بْنُ رَوَاحَةَ، وَهُوَ الشَّاعِرُ المُبدِعُ أَبْيَانًا شِعْرِيَّةٌ، قَالَ فِيهَا: لكنني أسْأَلُ الرَّحْمَنَ مَغْفِرَةٌ وَضَرْبَةَ ذَاتِ فَرْعِ تَقْذِفُ الزَّبَدًا أَوْ طَعْنَةٌ بِيَدِي حَرَّانِ مُجهزة بحربةٍ تَنْفَدُ الْأَحْشَاءَ وَالْكَبِدَا حَتَّى يُقَالَ إِذَا مَرُّوا عَلَى جَدَنِي يَا أَرْشَدَ اللهُ مِنْ نَارٍ وَقَدْ رَشَدًا وَقَالَ فِي تَوْدِيعِ رَسُولِ اللَّهُ لَهُمْ: خلف السَّلَام عَلَى امْرِي وَدَعْتُهُ فِي النَّخْلِ خَيْرَ مُشَيْعٍ وَخَلِيلِ

398 (1/398)

صفحة 389

بريشم

السيرة النبوية.

وَانْطَلَقَ الرَّكْبُ المُيْمُونُ الْمُجَاهِدُ حَتَّى وَصَلُّوا معَان (1)، غَيْرَ أَنَّ الرُّومَ سَمِعُوا

وَالظَّاهِرُ أَنَّ عَامِلَهُمْ شُرَحْبِيلَ الْغَسَّانِيَ عَرَفَ جَرِيمَتَهُ الشَّنِيعَةَ، وَأَيْقَنَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ عِقَابٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَأَخَذَ يَتَبَّعُ أَخْبَارَهُمْ وَتَحَرُكَاتِهِمْ، وَلا عَلِمَ بِمَسِيرِهِمْ أَرْسَلَ أَخَاهُ سَدُوسَ لاسْتِطْلَاعِهِمْ، فَأَمْسَكَ بِهِ المُسْلِمُونَ فَقَتَلُوهُ، وَخَافَ شُرَحْيِيلُ، وَأَرْسَلَ إِلَى هِرَقْلَ يُخْبِرُهُ بِذَلِكَ، يَطلُبُ مِنْهُ النُّصْرَةَ وَالتَّصَدِّي لِلْمُسْلِمِينَ، فَمَا كَانَ مِنْ هِرَقْلَ الَّذِي كَانَ آنَذَاكَ حَدِيثَ عَهْدِ بِنَشْوَةِ الإِنْتِصَارِ عَلَى الْفُرْسِ، إِلَّا أَنْ هَيَّا جَيْشًا قُوَامُهُ مِائَةُ أَلْفِ مِنَ الرُّومِ وَالْعَرَبِ، وَقَادَهُ بِنَفْسِهِ عَلَى قَوْلٍ، أَوْ قَادَهُ أَخُوهُ تيُودُورُ عَلَى قَوْلِ آخَرَ، وَمَهُمَا يَكُنْ مِنْ مُبَالَغَةِ فِي الْعَدَدِ المذكور، فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى عَدَدٍ كَبِيرٍ، وَعُدَّةٍ قَوِيَّةٍ لِلْجَيْشِ الرُّومِيُّ.

وَانْضَمَّ إِلَيْهِمْ شُرَحْيِيلُ الْغَسَّانِيُّ بِمَنْ مَعَهُ مِنْ قَبَائِلِ الْعَرَبِ، وَنَزَلُوا مَابَ أَوْ

مُوابَ (2).

(1) تَقَعُ حَالِيَّا فِي الْجِهَةِ الْجُنُوبِيَّةِ مِنَ الْمُمْلَكَةِ الْأُرْدُنِيَّةِ الْهَاشِمِيَّةِ. (2) هِيَ الْبَلْقَاءُ، وَمِنْهَا الْكَركُ بِالْمُمْلَكَةِ الْأُرْدُنِيَّةِ الْهَاشِمِيَّةِ.

299 (1/399)

صفحة 390

الاسْتِعْدَادُ لِلْمَعْرَكَةِ:

السيرة النبوية.

عِنْدَمَا نَزَلَ الْمُسْلِمُونَ فِي مَعَانَ، وَبَلَغَهُمْ نُزُولُ الرُّومِ فِي مَآبَ فِي ذَلِكَ الْعَدَدِ الْهَائِلِ مِنَ الْبَشَرِ وَالْعُدَّةِ الْحَرْبِيَّةِ الْقَوِيَّةِ، أَقَامُوا لَيْلَتَيْنِ فِي مَعَانَ يَتَدَاوَلُونَ الرَّأْيَ وَالمُسُّورَةَ فِي لِقَاءِ الرُّوم، وَاتَّفَقُوا أَنْ يَبْعَنُوا إِلَى رَسُولِ الله يُخْبِرُوهُ بِذَلِكَ، فَعَسَى أَنْ يَرُدَّهُمْ مِنْ هُنَاكَ أَوْ يَبْعَثَ إِلَيْهِمْ مَدَدًا مِنَ الجُنْدِ المُسْلِمِينَ، لَوْلَا حِمَاسُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ الْمُلْتَهِبِ وَالمُتشوِّقِ إِلَى لِقَاءِ الْعَدُوِّ، فَأَخَذَ يُشَجِّعُهُمْ وَيُقَوِّي عَزَائِمَهُمْ، وَيَبْدُو أَنَّهُ كَانَ أَكْثَرَهُمْ حَمَاسَةٌ، فَقَالَ هُمْ وَالله مَا كُنَّا نُقَاتِلُ النَّاسَ بِكَثْرَةِ عَدَدٍ وَلَا بِكَثْرَةِ سَلَاحٍ وَلَا بِكَثْرَةِ خُيُولٍ، إِلَّا بِهَذَا الدِّينِ الَّذِي أَكْرَمَنَا اللهُ بِهِ، انْطَلِقُوا وَاللَّهُ لَقَدْ رَأَيْتُنَا يَوْمَ بَدْرٍ مَا مَعَنَا إِلَّا، فَرَسَانِ، وَيَوْمَ أُحُدٍ فَرَسٌ وَاحِدٌ، وَإِنَّما هِيَ إِحْدَى الحُسْنَيَيْنِ، إِمَّا ظُهُورٌ عَلَيْهِمْ فَذَلِكَ مَا وَعَدَنَا اللهُ وَوَعَدَنَا نَبِيَّنَا، وَلَيْسَ لِوَعْدِهِ خُلْفٌ، وَإِمَّا الشَّهَادَةُ فَنَلْحَقُ الْإِخْوَانَ نُرَافِقُهُمْ فِي الْحِنَانِ، فَقَالَ النَّاسُ: قَدْ صَدَقَ وَالله ابْنُ رَوَاحَةَ، فَمَضَى النَّاسُ مِنْ معَانَ، وَارْتَجَلَ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ شِعرًا قَائِلًا:

جَلَيْنَا الخيْلَ مِنْ أَجَا وَفَرْعِ تُغِيرُ مِنَ الخَشِيشِ لَهَا الْعُكُومُ أَقَامَتْ لَيْلَتَيْنِ عَلَى معان فَأَعْقَبَ بَعْدَ فَتْرَتِهَا جُمُومُ فَلَا وَأَي مَابُ لَتَأْتِيَنَهَا وَإِنْ كَانَتْ بِهَا عَرَبٌ وَرُومُ (1/400)

صفحة 391

السيرة النبوية.

وَوَصَلُوا الْبَلْقَاءَ وَالْتَقَوْا فِيهَا بِالرُّومِ، فَانْحَازُوا إِلَى قَرْيَةٍ مِنْ قُرَاهَا هِيَ مَشَارِفُ، وَرَأَوْهَا غَيْرَ مُنَاسِبَةٍ هُمْ، فَانْحَازُوا إِلَى قَرْيَةِ مُؤْتَةَ»؛ لِأَنَّهَا أَكْثَرُ تَحْصِينًا لِوُجُودِ الْعَوَارِضِ الطَّبِيعِيَّةِ بِهَا الَّتِي سَوْفَ تَحْمِيهِمْ إِذَا انْحَازُوا إِلَيْهَا، وَلَا سِيَّا وَأَنَّهُمْ كَانُوا قِلَّةٌ

بِجَانِبِ عَدُوِّهِمْ. احْتِدَامُ الْمَعْرَكَةِ:

تهية المُسْلِمُونَ وَتَعْبَلُّوا لِلْقِتَالِ، جَاعِلِينَ عَلَى مَيْمَتِهِمْ قُطْبَةَ بْنَ فَتَادَةَ الْعُذْرِي، وَعَلَى المُمَيْسَرَةِ عُبَادَةَ بْنَ مَالِكِ الْأَنْصَارِيَّ، وَاشْتَبَكَ المُسْلِمُونَ مَعَ الْعَدُوِّ، فَقَاتَلُوا، فَقُتِلَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، فَأَخَذَ الرَّايَةَ بَعْدَهُ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَقَاتَلَ حَتَّى قُطِعَتْ يَدُهُ الْيُمْنَى، ثُمَّ أَمْسَكَهَا بِيَدِهِ الْيُسْرَى حَتَّى قُطِعَتْ فَضَمَّ الرَّايَةَ إِلَى صَدْرِهِ، وَتَقُولُ الرِّوَايَةُ: إِنَّهُ عَقَرَ فَرَسَهُ، وَلَكِنَّهَا رِوَايَةٌ لَا تَصِحُ؛ لَا فِيهَا مِنْ تَعْذِيبِ الْبَهَائِمِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ عَقْرَ فَرَسٍ يُعَدُّ خَسَارَةٌ كَبِيرَةٌ وَلَا يُمْكِنُ عَمَلُهُ؛ لِأَنَّهُ سَيَكُونُ خَسَارَةٌ كَبِيرَةً عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَهُمْ فِي ذَلِكَ الْمُوْقِفِ بِحَاجَةٍ إِلَى كُلِّ شَيْءٍ مِنْ أَسْبَابِ الْقُوَّةِ.

وَبَعْدَ جَعْفَرٍ أَخَذَ الرَّايَةَ عَبْدُ الله بْنُ رَوَاحَةَ، فَقَاتَلَ بِهَا حَتَّى قُتِلَ، وَلَمَّا قُتِلَ هَؤُلَاءِ الْقَادَةُ الثَّلَاثَةُ أَصَابَ المُسْلِمِينَ ارْتِبَاكُ مِمَّا أَدَّى بِهِمْ إِلَى اهْرِيمَةِ، وَهُنَاكَ حَمَلَ الرَّايَةَ ثَابِتُ بْنُ أَقْزَمَ الْأَنْصَارِيُّ، فَجَعَلَ يَصِيحُ بِالنَّاسِ، فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ كَانُوا قَدْ فَرُّوا إِلَيْهَا، وَصَاحَ بِهِمْ أَنْ يَتَّفِقُوا عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَاتَّفَقُوا عَلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، فَقَبِلَ خَالِدٌ ذَلِكَ بَعْدَ تَرَدُّدٍ مِنْهُ. (1/401)

صفحة 392

السيرة النبوية.

الانسحاب حَمَلَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ الرَّايَةَ، فَهَجَمَ عَلَى جَمْعِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ حَتَّى قَتَلَ مِنْهُمْ وَتَقَهْقَرُوا، ثُمَّ انْحَازَ بِالنَّاسِ إِلَى مَكَانٍ هُنَاكَ، وَأَعَادَ تَرْتِيبَ جَيْشِهِ مُخَالِفًا بَيْنَهُمْ فِي مَوَاقِعِهِمْ، حَتَّى ظَنَّ الرُّومُ أَنَّ مَدَدًا كَبِيرًا جَاءَ إِلَى المُسْلِمِينَ، فَتَهَيَّبُوا مِنْ مُطَارَدَتِهِمْ، ثُمَّ انْسَحَبَ خَالِدٌ بِالجَيْشِ تَحتَ جُنْحِ الظُّلامِ (1) حَتَّى قَدِمُوا المَدِينَةَ، فَلَمَّا دَنَوْا مِنْهَا تَلَقَّاهُمْ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَمَعَهُ الْمُسْلِمُونَ، غَيْرَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يُعْجِبْهُمُ انْسِحَابُ خَالِدٍ وَأَصْحَابِهِ مِنَ المُعْرَكَةِ، وَجَعَلُوا يَحْنُونَ فِي وُجُوهِهِمُ التُّرَابَ، وَيَقُولُونَ هُمْ: يَا فُرارُ، قرَرْتُمْ فِي سَبِيلِ الله، وَكَانَ الرَّسُولُ الْكَرِيمُ بِحِكْمَتِهِ المَعُهُودَةِ يُبَدِّلُهُمْ وَيَقُولُ: لَيْسُوا بِالْفُرارِ، وَلَكِنَّهُمْ الْكُرَّارُ إِنْ شَاءَ الله.

وَظَلَّتِ تُهمَةُ الْفِرَارِ تُلَاحِقُهُمْ فِي المَدِينَةِ زَمَنًا غَيْرَ قَصِيرٍ، حَتَّى أَنَّ بَعْضَهُمْ لَمْ

يَسْتَطِعِ الْخُرُوجَ مِنْ بَيْتِهِ إِلَى الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا خَرَجَ وَرَأَىهُ النَّاسُ عَيَّرُوهُ. قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ زَوْجُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لِامْرَأَةِ سَلَمَةَ بْنِ هِشَامِ بْنِ الْعَاصِ بْنِ الْمُغِيرَةِ: مَا لي لَا أَرَى سَلَمَةَ يَحْضُرُ الصَّلَاةَ مَعَ رَسُولِ الله وَمَعَ الْمُسْلِمِينَ؟ فَقَالَتْ لَهَا: وَالله مَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَخْرُجَ كُلَّمَا خَرَجَ صَاحَ بِهِ النَّاسُ: يَا فَرارُ، قَرَرْتُمْ فِي سَبِيلِ الله.

(1) قَالَ اللَّوَاء مَحْمُودُ شيث خَطَّاب: إِنَّ قَادَةَ الْأَلْمانِ كَانُوا يَدْرُسُونَ خُطَّةَ انْسِحَابِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَهُمْ دِرَاسَاتٌ مُفَصَّلَةٌ عَنْ هَذِهِ الْخُطَّةِ، الرَّسُولُ الْقَائِدُ، ص 308. (1/402)

صفحة 393

السيرة النبوية.

وَقَدْ قُتِلَ مِنَ المُسْلِمِينَ فِي غَزْوَةِ مُؤْتَةَ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا.

وَفِي رَأْيِي: أَنَّهُ لَوْلَا خُطَةُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ لِلانْسِحَابِ لَقُضِيَ عَلَى الْجَيْشِ الْإِسْلَامِيِّ، وَلَكَانَتِ المُصِيبَةُ أَكْبَرَ وَأَعْظَمَ، وَلَكِنَّهُ خَالِدٌ، الخبيرُ وَالمُجَرِّبُ وَالمُحَنَّكُ فِي الْحُرُوبِ، وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَلَا يُعْتَبَرُ انْزَامًا، وَإِنَّمَا هُوَ تَكْتِيكُ، وَصَارَ أُولَئِكَ المنسَحِبُونَ رَصِيدًا جَيْدًا لِلْإِسْلَامِ، حَقَّقَ اللهُ عَلَى أَيْدِيهِمُ النَّصْرَ لِدِينِهِ فِي مَوَاقِفَ عَدِيدَةٍ

بَعْدَ ذَلِكَ، وَالحَمْدُ لله أولا وأخيرًا.

سَرِيَّةُ ذَاتِ السَّلَاسِلِ

وَتُسَمَّى أَيْضًا غَزْوَةَ ذَاتِ السَّلامِلِ، وَالسَّلَاسِلُ مَاءٌ بِأَرْضِ جُذَامَ بَعْدَ وَادِي الْقُرَى قَرِيبًا مِنَ الشَّام، وَسَبَيْهَا أَنَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بَلَغَهُ أَنَّ قَوْمًا مِنْ بَلْ وَقُضَاعَةَ يَتَجَمَّعُونَ لِغَزْوِ المَدِينَةِ، وَلَعَلَّهُمُ اسْتَغَلُّوا فُرْصَةَ مَا اعْتَبَرُوهُ هَزِيمَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ فِي مَعْرَكَةِ مُؤْتَةَ، فَكَلَّفَ رَسُولُ الله عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ السَّهْمِي الْقُرَنِي بِالذَّهَابِ فِي سَرِيَّةِ إِلَيْهِمْ فِيهَا ثَلَاثُمِائَةِ رَجُلٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَعَقَدَ لَهُ اللَّوَاءَ عَلَى السَّرِيَّةِ، وَذَلِكَ فِي شَهْرِ جُمَادَى الْأُولَى السَّنَةِ الثَّامِنَةِ لِلْهِجْرَةِ، وَكَانَ هَدَفُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم اسْتِجَابَتَهُمْ لِلْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ الْبَلَوِيِّينَ أَخْوَالٌ لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ مِنْ قِبَلِ أَبِيهِ الْعَاصِ بْنِ وَائِلِ، الَّذِي كَانَتْ أُمُّهُ بَلَوِيَّةٌ، فَلَعَلَّ عَمْرًا يَسْتَمِيلُهُمْ لِلْإِسْلَامِ، وَسَارَ عَمْرُو وَمَنْ مَعَهُ إِلَيْهِمْ، غَيْرَ أَنَّهُ لَّا دَنَا مِنْهُمْ بَلَغَهُ أَنَّ هُمْ جَمْعًا عَظِيبًا، فَرَأَى الثَّرَيَّتَ في الهجوم، وَإِبْلَاغَ رَسُولِ اللهِ بِأَنْ يَزِيدَهُ (1/403)

صفحة 394

- السيرة النبوية.

مَدَدًا مِنَ الرِّجَالِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ مِانَتَيْ رَجُلٍ بِقِيَادَةِ أَبِي عُبَيْدَةَ عَامِرِ بْنِ الْجُرَّاحِ، وَأَمَرَهُ أَنْ

يَكُونَا جَمِيعًا وَلَا يَخْتَلِفًا

وَلا كَانَ عَمْرُو وَأَصْحَابُهُ قَرِيبِينَ مِنَ الْعَدُوِّ، وَكَانَ الْوَقْتُ شِتَاءٌ قَاسِيًا وَبَرْدًا قَارِضًا، جمع أَصْحَابَهُ حَطَبًا، وَأَرَادُوا إِيقَادَ النَّارِ لِلاصْطِلاءِ، فَمَنَعَهُمْ عَمْرُو، وَلا كَلَّمَهُ بَعْضُ المُهَاجِرِينَ قَالَ لَهُ: أُمِرْتَ أَنْ تَسْمَعَ لِي وَتُطِيعَ.

وَمَا هِيَ إِلَّا أَيَّامُ يَسِيرَةٌ حَتَّى وَصَلَ أَبو عُبَيْدَةَ بِأَصْحَابِهِ الْمَانَتَيْنِ، فَلَحِقُوا بِعَمْرِو ابْنِ الْعَاصِ. وَما وَصَلُّوا وَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ، أَرَادَ أَبو عُبَيْدَةَ أَنْ يَؤُمَّ بِالنَّاسِ، فَاعْتَرَضَهُ عَمْرُو قَائِلًا: أَنْتَ بُعِثْتَ مَدَدًا لي، فَقَالَ أَصْحَابُ أَبِي عُبَيْدَةَ: أَنْتَ أَمِيرُ عَلَى أَصْحَابِكَ، وَهُوَ أَمِيرٌ عَلَى أَصْحَابِهِ، فَرَفَضَ عَمْرُو، وَكَادَ يَقَعُ الاخْتِلَافُ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ، فَسَلَّمَ أَبُو عُبَيْدَةَ الْقِيَادَةَ إِلَى عَمْرٍو، مُتَذَكَّرًا قَوْلَ رَسُولِ الله: إِذَا قَدِمْتَ عَلَى صَاحِبِكَ فَتَطَاوَعًا وَلَا

تختلفا.

فَصَارَ المُسْلِمُونَ خَمْسَمِائَةِ مُقَاتِلِ، وَهَجَمَ بِهِمْ عَمْرُو عَلَى عَدُوِّهِمْ، وَأَخَذَ يُطَارِدُهُمْ مِنْ مَوْضِع إلى مَوْضِعِ حَتَّى دَوَّخَهُمْ، وَبَعْدَ أَنْ شَتَّتَ شَمْلَهُمْ وَأَذْهَبَ قُوَّتَهُمْ وَفَضَّ جُمُوعَهُمْ، قَفَلَ عَائِدًا وَمَعَهُ أَصْحَابُهُ لَمْ يُصِبْ مِنْهُمْ أَحَدًا.

وَفِي الطَّرِيقِ احْتَلَمَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، فَقَدْ أَصَابَتْهُ الْجُنَابَةُ لَيْلًا، وَكَانَتْ لَيْلَةٌ بَارِدَةٌ جدًا، فَتَيَمَّمَ بِالتُّرَابِ وَصَلَّى بِالنَّاسِ صَلَاةَ الصُّبْح، فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللهِ بِذَلِكَ، أَخْبَرَهُ (1/404)

صفحة 395

- السيرة النبوية.

حَامِلُ الْبَرِيدِ عَوْفُ بْنُ مَالِكِ الْأَشْجَعِيُّ، فَلَمَّا قَدِمَ عَمْرُو الْمَدِينَةَ سَأَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَلَما أَخْبَرَهُ قَالَ لَهُ: يَا عَمْرُو، لِمَ فَعَلْتَ مَا فَعَلْتَ؟ وَمِنْ أَيْنَ عَلِمْتَهُ؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، وَالَّذِي بَعَثَكَ بالحَقِّ لَوِ اغْتَسَلْتُ لَتُ، وَوَجَدْتُ اللَّهُ يَقُولُ: (وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ

إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا .... فَضَحِكَ النَّبِيُّ وَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ شَيْئًا.

شَخْصِيَّةُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ:

مِنْ قِيَادَةِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ لِسَرِيَّةِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ يَتَبَيَّنُ لَنَا مِنْهَا الْخُطُوطَ الْعَرِيضَةَ لِشَخْصِيَّتِهِ وَحَيَاتِهِ، وَيَتَجَلَّى ذَلِكَ فِيمَا يلي:

- الشَّخْصِيَّةُ الْقِيَادِيَّةُ، فَعِنْدَمَا رَاجَعَهُ بَعْضُ المُهَاجِرِينَ فِي ضَرُورَةِ إِيقَادِ النَّارِ لِلاصْطِلاءِ مِنْ شِدَّةِ الْبَرْدِ قَالَ لَهُ: أُمِرْتَ أَنْ تَسْمَعَ لِي وَتُطِيعَ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى مَوْقِفٍ قِيَادِي بِامْتِيَازِ، وَكَانَ الْحَقُّ مَعَهُ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا قَلِيلِينَ بِجَانِبِ عَدُوِّهِمْ، فَلَوْ أَوْقَدُوا النَّارَ، لَرَأَىهُمْ عَدُوُّهُمْ لِكَوْنِهِمْ كَانُوا قَرِيبِينَ مِنْهُمْ، فَكَانَ رَأْيُهُ مِنَ الصَّوَابِ بِمَكان.

-2 - الرَّغْبَةُ فِي السُّلْطَةِ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَوْقِفُهُ مِنْ أَبِي عُبَيْدَةَ عَامِرِ بْنِ الْجَرَّاحِ، فَهُوَ رَفَضَ حَتَّى قِيَادَةَ أَبِي عُبَيْدَةَ مَجْمُوعَتِهِ، وَأَرَادَ الْكُلِّ أَنْ يَكُونُوا تَحْتَ إِمْرَتِهِ وَقِيَادَتِهِ، حَتَّى لَمْ يَسْمَحْ أَنْ يَؤُمَ غَيْرُهُ فِي الصَّلَاةِ، وَلَمْ يَسْمَحْ بِذَلِكَ حَتَّى وَهُوَ لَمْ يَغْتَسِلْ مِنَ الْجَنَابَةِ. (1/405)

صفحة 396

-

السيرة النبوية.

الدَّعَاءُ السَّيَاسِيُّ، فَهُوَ لَمْ يَدْخُل فِي الْإِسْلَام إِلَّا بَعْدَ أَنْ رَأَى أَمْرَ مُحَمَّدٍ يَعْلُو، فَهُوَ رَغِبَ أَنْ يَكُونَ مَعَ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ نَتِيجَةَ عُلُو أَمْرِهِ، وَبَعْدَ أَنْ صَفَعَهُ النَّجَاشِيُّ مَلِكُ الحُبَشَةِ صَفْعَةٌ عَلَى وَجْهِهِ أَسَالَتِ الدَّمَ مِنْ أَنْفِهِ، بَعْدَ أَنْ أَسَاءَ الْقَوْلَ فِي النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَكَذَلِكَ اصْطِفَافُهُ مَعَ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ ضِدَّ الْخَلِيفَةِ الشَّرْعِي عَلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، يَدُلُّ عَلَى حُبِّهِ لِلسُّلْطَةِ، وَقَدْ عَقَدَ صَفْقَةٌ مَعَ مُعَاوِيَةَ عَلِيِّ عَلَ أَنْ يُعْطِيَهُ مُعَاوِيَةُ وِلَايَةً مِصْرَ، وَهُوَ مَا تَمَّ وَكَانَ.

- الذَّكَاءُ الْعِلْمِيُّ، وَاسْتِنْتَاجُهُ مَا فَعَلَهُ مِنَ التَّيَمُّمِ مِنَ الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى ذَلِكَ، فَهُوَ لَمْ يَجمد عَلَى ظَاهِرِ النَّصَّ جُمُودَ الماءِ فِي ذَلِكَ الْبَرْدِ، وَلَكِنَّهُ اسْتَعْمَلَ عَقْلَهُ وَذَكَاءَهُ، وَاسْتَنْبَطَ مِنَ الْآيَةِ مَا اسْتَنْبَطَ فَأَصْبَحَ ذَلِكَ الاسْتِنْبَاطُ فِقْهَا مَعْمُولًا بِهِ؛ فَلِذَلِكَ ضَحِكَ رَسُولُ الله، قَالَ نُورُ الدِّينِ السَّالِمِيُّ: أَيْ مِنْ حُسْنِ اسْتِنْبَاطِهِ، وَاسْتَبْشَرَ بِمَا أَبْدَاهُ مِنَ المَعْنَى اللَّطِيفِ، فَهُوَ تَقْرِيرٌ مِنْهُ عَلَى جَوَازِ التَّيَتُم عِنْدَ خَوْفِ الهلاكِ مِنْ شِدَّةِ الْبَرْدِ، وَيَلْحَقُ بِهِ كُلُّ عُوفٍ مِنْ سَبْع أَوْ عَدُوٌّ أَوْ نَحْرٍ ذَلِكَ (1).

(1) شَرْحُ الْمُسْنَدِ، ج 1، ص 240. (1/406)

صفحة 397

السيرة النبوية. سَرِيَّةُ الخَبَطِ

بَعَثَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الجُرَّاحِ فِي ثَلَاثِيَانَةٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ إِلَى بَعْضٍ أَحْيَاءِ قَبِيلَةِ جُهَيْئَةَ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ الْآخرِ بِمِنْطَقَةِ الْقَبْلِيَّةِ بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَيَنْبعَ، وَذَلِكَ فِي شَهْرِ رَجَبِ السَّنَةِ الثَّامِنَةِ لِلْهِجْرَةِ، وَفِي طَرِيقِهِمْ أَصَابَهُمْ جُوعٌ شَدِيدٌ، وَلَمْ يَكُنْ فِي أَزْوَادِهِمْ شَيْءٌ غَيْرُ التَّمْرِ، ثُمَّ جَمَعَ أَبو عُبَيْدَةَ الْأَزْوَادَ كُلَّهَا، وَأَخَذَ يَقْسِمُ عَلَيْهِمُ السَّمْرَ، حَتَّى وَصَلَ الحَالُ بِهِمْ أَنَّ الْوَاحِدَ مِنْهُمْ يَحْصُلُ عَلَى ثَمَرَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَطْ فِي الْيَوْم، ثُمَّ فَقَدُوهَا، وَاقْتَصَرَ عَلَى جُزْءٍ مِنَ التَّمْرَةِ، وَكَانَ لِقَيْسِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ يَدٌ بَيْضَاءُ عَلَى الْجُيْشِ، وَهُوَ الْكَرِيمُ ابْنُ الْكَرِيم حَيْثُ لَقِيَ أَحَدًا لَدَيْهِ جُزُرٌ وَهُوَ يَعْرِفُ وَالِدَهُ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ، فَأَخَذَ يَشْتَرِي مِنْهُ الْجُزُرَ عَلَى ذِمَّةِ وَالِدِهِ وَيَنْحَرُهَا لِلْجَيْشِ، حَتَّى نَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ أَكَابِرُ مَنْ فِي ذَلِكَ الجَيْشِ، وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَكْثَرَهُمْ عَيْبًا لَهُ عَنْ ذَلِكَ الصَّنِيعِ، ثُمَّ نَهَاهُ قَائِدُ الْجُيْشِ أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ فِعْلِ ذَلِكَ، وَعِنْدَمَا صَارُوا إِلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ إِذَا هُمْ بِحُوتٍ عَظِيمٍ كَالْجَبَلِ، فَأَكَلُوا وَدَهَنُوا مِنْهُ، وَأَقَامُوا عَلَى أَكْلِهِ أَيَّامًا عَدِيدَةٌ، وَحَمَلُوا بَعْضًا مِنْهُ إِلَى المَدِينَةِ، وَأَخْبَرُوا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: هُوَ رِزْقٌ أَخْرَجَهُ الله لَكُمْ، وَاسْتَطْعَمَهُمْ مِنْهُ تَطْبِيبًا لِخَاطِرِهِمْ لَا لَقَوْا مِنَ الْمُعَانَاةِ وَالْجُوعِ، وَسُمِّيَتْ هَذِهِ السَّرِيَّةُ سَرِيَّةَ الخَبْطِ؛ لأنهُمْ أَكَلُوا الخَبَطَ مِنْ شِدَّةِ الجُوعِ، وَالخَبَطُ هُوَ وَرَقُ السَّمرِ، يُحبط ويُغسل ويُحفِّفُ، وَلَمْ يَلْقَوْا فِي هَذِهِ السَّرِيَّةِ كَيْدًا مِنْ عَدُوِّهِمْ، فَعَادُوا إِلَى الْمَدِينَةِ

سالمين. (1/407)

صفحة 398

السيرة النبوية.

سَرِيَّةُ أَبِي قَتَادَةَ إِلَى خَضِرَةَ

وَبَعَثَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَبا فَنَادَةَ الْأَنْصَارِي فِي خَمْسَةَ عَشَرَ رَجُلًا إِلَى خَضِرَةَ لِتَأْدِيبٍ بَنِي مُحَارِب مِنْ غَطَفَانَ، وَذَلِكَ فِي شَعْبَانَ السَّنَةِ الثَّامِنَةِ لِلْهِجْرَةِ، وَهَجَمُوا عَلَيْهِمْ وَقَتَلُوا

مِنْهُمْ أُنَاسًا، وَاسْتَاقُوا مِنْهُمْ نَعَمَا وَشَاءَ، وَأَقْبَلُوا عَائِدِينَ إِلَى الْمَدِينَةِ.

سَرِيَّةُ أَبِي قَتَادَةَ إِلَى إِضَمَ

وَكَانَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَرْسَلَهُ فِي هَذِهِ السَّرِيَّةِ لِلتَّمْوِيهِ عَلَى قُرَيْشٍ

عِنْدَمَا هَمَّ بِغَزْوَةِ فَتْحِ مَكَّةَ، وَإِضَمُ مَوْضِعٌ غَيْرُ بَعِيدٍ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَسَتَأْتِي الْإِشَارَةُ إِلَى

هَذِهِ السَّرِيَّةِ عِنْدَ حَدِيثِنَا عَنْ غَزْوَةِ الْفَتْحِ الْأَكْبَرِ.

*** (1/408)

صفحة 399

بو الفتوح فَتْحُ مَكَّةَ (1/409)

صفحة 400

السيرة النبوية. أبو الفتوح

كما أطلقتُ على مَعْرَكَةُ بَدْرٍ الْكُبْرَى أُمَّ الْمُعَارِكِ، فَإِنَّ فَتْحَ مَكَّةَ يُعْتَبَرُ أَبَا الْفُتُوح، لما تَرَتَّبَ عَلَى كِلْتَا الْغَزْوَتَيْنِ مِنْ نَتَائِجَ جِدٌ طَيِّبَة لِلْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ، لِذَلِكَ سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى بِهِ سُورَةً قُرآنِيَّةٌ هِيَ سُورَةُ الْفَتْح لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْعًا مُّبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا وَمَنصُرَكَ اللهُ

نصرا عزيزا (1)

أَسْبَابُ فَتْح مَكَّةَ:

لِعَزْمِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَلَى الْمَسِيرِ إِلَى فَتْحِ مَكَّةَ سَبَبَانِ:

أحَدُهُمَا غَيْرُ مُبَاشِرٍ، وَالثَّانِي مُبَاشِرٌ.

1 - السَّبَبُ غَيْرُ الْمُبَاشِرِ:

هُوَ صُلْحُ الْحُدَيْبِيَّةِ فِي السَّنَةِ السَّادِسَةِ لِلْهِجْرَةِ، عِنْدَما ذَهَبَ الرَّسُولُ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ المُسْلِمِينَ إِلَى مَكَّةَ بِهَدَفِ أَدَاءِ الْعُمْرَةِ، غَيْرَ أَنَّ قُرَيْشًا تَدَاعَتْ عَلَيْهِمْ وَصَدَّتْهُمْ عَنِ المَسْجِدِ الْحَرَامِ؛ لِذَلِكَ أَقَامَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي مَنْطِقَةِ الْحُدَيْبِيَةِ وَهِيَ فِي الْجُهَةِ الْغَرْبِيَّةِ مِنْ مَكَّةَ يُفَاوِضُ قُرَيْشًا وَتُفَاوِضُهُ، حَتَّى تَوَصَّلَ الطَّرَفَانِ إِلَى الصُّلْحِ الْمُذْكُورِ وَالمُشْهُورِ، وَمِنْ جُنُودِهِ بَلْ وَمِنْ أَهَمِّهَا فِي نَظَرِي ذَلِكَ الْبَنْدُ الْقَائِلُ إِنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ

(1) سُورَةُ الْفَتْحِ الْآيَاتُ 1 - 3. (1/410)

صفحة 401

السيرة النبوية.

فِي حِلْفِ مُحَمَّدِ وَعَهْدِهِ فَلَهُ ذَلِكَ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ فِي حِلْفِ قُرَيْشٍ وَعَهْدِهَا فَلَهُ

ذَلِكَ.

وَكَانَ عَدَدُ المُسْلِمِينَ المُوْجُودِينَ فِي الْحُدَيْبِيَّةِ آنَذَاكَ أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةِ شَخْصٍ وَلَمْ تمض سَنَتَانِ عَلَى ذَلِكَ الصُّلْحِ حَتَّى سَارَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِلَى فَتْحِ مَكَّةَ فِي عَشْرَةِ آلَافٍ، قَالَ الزُّهْرِيُّ: «لَقَدْ كَانَ فَتْحُ الحُدَيْبِيَةِ أَعْظَمَ الْفُتُوح؛ وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم جَاءَ إِلَيْهَا فِي أَلْفِ وَأَرْبَعِيانَةٍ، فَلَما وَقَعَ الصُّلْحُ مَشَى النَّاسُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، وَعَلِمُوا وَسَمِعُوا عَنِ اللَّهِ فَما أَرَادَ أَحَدٌ الْإِسْلَامَ إِلَّا تَمَكَّنَ مِنْهُ، فَما مَضَتْ تِلْكَ السَّنَتَانِ إِلَّا وَالْمُسْلِمُونَ قَدْ جَاؤُوا إِلَى مَكَّةَ فِي عَشَرَةِ آلَافٍ» (1). وَقَالَ أَبو بَكْرِ الصِّدِّيقُ: «لَمْ يَجْلِبْ نَصْرُ لِلْإِسْلَام مَا جَلَبَ صُلْحُ الحَدَيْبِيَّةِ» (2). وَكَانَ مِنْ نَتَائِحِ ذَلِكَ الصُّلْحِ أَنْ دَخَلَتْ خُزَاعَةُ فِي حِلْفِ مُحَمَّدٍ، وَدَخَلَتْ بَنُو بَكْرٍ فِي حِلْفِ قُرَيْشٍ؛ لِأَنَّ خُزَاعَةَ تَرْبِطُهُمْ عَلَاقَةُ نَسَبٍ مَعَ بَنِي هَاشِمٍ، وَالنَّسَبُ لَهُ دَوْرٌ فِي التَّرَابُطِ الاِجْتِمَاعِيِّ إِنْ سَلِمَ مِنَ الْحِقْدِ وَالْحَسَدِ لِذَلِكَ كَانُوا عَيْبَةَ نُصْحِ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

مُسْلِمُهُمْ وَكَافِرُهُمْ (3).

(1) السالمي عبد الله بن حميد شرح المسند، ج 1، ص 27.

(2) اللَّوَاءُ الرُّكْنُ: مَحْمُود شِيت خَطَّاب، الرَّسُولُ الْقَائِدُ، ص 288.

(3) - وقد تقدم هذا في موضوع صلح الحذيبية.

411 (1/411)

صفحة 402

2 - السَّبَبُ الْمُبَاشِرُ:

السيرة النبوية.

هو نَقْضُ قُرَيْشٍ لِلْعَهْدِ الَّذِي كَانَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِمُنَاصَرَتِهَا بَنِي بَكْرٍ عَلَى خُزَاعَةَ، فَقَدِ اعْتَدَى بَنُو بَكْرٍ عَلَى جُزَاعَةَ حَيْثُ هَجَمُوا عَلَيْهِمْ لَيْلًا عَلَى مَاءٍ هُمْ فَقَتَلُوا مِنْهُمْ نَفَرًا، وَاسْتَوْلُوا عَلَى بَعْضِ الْأَمْوَالِ مِمَّا جَعَلَ خُزَاعَةَ تَلْتَجِيُّ إِلَى الحَرَمِ، غَيْرَ أَنَّ بَني بَكْرٍ طَارَدُوهُمْ إِلَى دَاخِلِ الحَرَم مُنتهِكِينَ حُرْمَةَ الحَرَمِ قَائِلِينَ لِبَعْضِهِمُ الْبَعْضِ: لَا إِلَهَ الْيَوْمَ أَصِيبُوا تَأْرَكُمْ. هُنَالِكَ لَمْ تَجِدْ خُزَاعَةُ بُدًا مِنَ اللُّجُوءِ إِلَى حَلِيفِهِمْ مُحَمَّدٍ فَقَدْ سَارَ عَمْرُو بْنُ سَالِمِ الْخزَاعِيُّ أَوَّلا، ثُمَّ يُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ الْخُزَاعِيُّ لَاحِقًا وَمَعَ كُلُّ مِنْهُمَا بَعْضُ مِنْ قَوْمِهَا، مُسْتَنْصِرِينَ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى بَنِي بَكْرٍ وَعَلَى قُرَيْسُ الَّتِي نَاصَرَتْ بَنِي بَكْرِ بِالرِّجَالِ وَالسَّلَاحِ.

لَقَدْ كَانَ فِي قُرَيْشٍ تَيَّارَانِ أَحَدُهُمَا مُعْتَدِلٌ وَيُمَتِّلُهُ أَبُو سُفْيَانَ وَمَنْ مَعَهُ، وَتَيَّارُ مُتَطَرْفُ عَلَى رَأْسِهِ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلِ وَمَعَهُ آخَرُونَ، وَهَذَا التَّيَّارُ الْمُتَطَرِّفُ هُوَ الَّذِي نَاصَرَ بَنِي بَكْرٍ عَلَى خَزَاعَةَ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ قَصْدُهُمْ إِنْهَاءَ الهُدْنَةِ وَالصُّلْحِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ المُسْلِمِينَ، وَدَائِمًا هَكَذَا شَأْنُ المُتَشَدِّدِينَ مِنْ كُلِّ فَرِيقٍ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ، لَا

يَحْسِبُونَ لِلْأُمُورِ حِسَابَهَا، وَلَا يُقَدِّرُونَ نَتَائِجَهَا ولا يفكرون في عواقبها.

412 (1/412)

صفحة 403

الِاسْتِعْدَادُ إِلَى مَكَّةَ:

السيرة النبوية.

بَعْدَ أَنْ تَأكَّدَ الرُّسُولُ مِنِ اعْتِدَاءِ بَنِي بَكْرٍ عَلَى حُزَاعَةَ، وَمُنَاصَرَةِ قُرَيْشٍ هَمْ هَمَّ بِالاسْتِعْدَادِ وَاتَّخَاذِ التَّجْهِيزَاتِ اللَّازِمَةِ لِلرِّحْلَةِ، غَيْرَ أَنَّهُ كَتَمَ الْأَمْرَ حَتَّى عَنْ أَقْرَبِ النَّاسِ إِلَيْهِ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَالْمُقَرَّبِينَ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَقُبَيْلِ الاِنْطِلَاقِ مِنَ الْمَدِينَةِ ذَكَرَ أَنَّهُ مُتَوَجَّهُ إِلَى مَكَّةَ وَلَكِنَّهُ لَمْ يُفْصِحْ عَنْ هَدَفِهِ فِي تَوَجُهِهِ إِلَى مَكَّةَ أَهُوَ لِلْحَرْبِ أَمْ لِلسِّلْم؟ وَقَدْ حَرِصَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى كِتُمَانِ الْأَمْرِ حَتَّى لَا تَعْلَمَ قُرَيْشُ وَلِكَيْ يُبَاغِتَهَا وَلِلْمُبَالَغَةِ فِي ذَلِكَ أَرْسَلَ سَرِيَّةٌ بِقِيَادَةِ أَي فَتَادَةَ الْأَنْصَارِي إِلَى بَطْنِ (اضم)، لِيَزِيدَ فِي التَّمْوِيهِ وَالْكِتْمَانِ (1).

وَفِي رَأْيِي أَنَّ هَذَا الْمُوْقِفَ يَنمُ عَن حِرْصِهِ عَلَى عَدَمَ إِرَاقَةِ الدِّمَاءِ لِأَنَّهُ لَا يُرِيدُ دُخُولَ مَكَّةَ وَفَتْحَهَا وَهُنَاكَ قَتْلُ وَإِرَاقَهُ دِمَاءِ، فَجَمِيعُ خُطُوَاتِهِ كَانَتْ تُعَبِّرُ عَنْ ذَلِكَ. وَلا أَحَسٌ عُقَلَاءُ قُرَيْشٍ بِأَنَّ إِنْهَاءَ الهُدْنَةِ مَعَ المُسْلِمِينَ يَعْنِي أَمْرًا كَبِيرًا وَخَطِيرًا، لِذَلِكَ أَرْسَلُوا أَبَا سُفْيَانَ لِتَجْدِيدِ الهُدْنَةِ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَجَاءَ أَبُو سُفْيَانَ إِلَى الْمَدِينَةِ هِذَا الْغَرَضِ، إِلَّا أَنَّهُ وَجَدَ صُدُودًا مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَمِنْ غَيْرِهِ الَّذِينَ اسْتَجَارَ بِهِمْ إِلَى الْحَدِّ الَّذِي جَعَلَهُ يَطْلُبُ الْحِوَارَ مِنْ طِفْلِ صَغِيرِ وَهُوَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَائِلًا لِأُمِّهِ فَاطِمَةَ الزَّهْرَاءِ هَلْ لَكِ أَنْ يُجِيرَ ابْنُكِ هَذا فَيَكُونَ سَيِّدَ النَّاسِ إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ؟

(1) الرَّسُولُ الْقَائِدُ، ص 334. (1/413)

صفحة 404

السيرة النبوية.

فَأَجَابَتْهُ قَائِلَةٌ مَا بَلَغَ هَذَا أَنْ تُجِيرَ بَيْنَ النَّاسِ، وَمَا يُجِيرُ أَحَدٌ عَلَى رَسُولِ الله وَقَوْلُهُا: وَمَا يُجِيرُ أَحَدٌ عَلَى رَسُولِ الله، صار قَاعِدَةٌ مِنْ قَوَاعِدِ الْفِقْهِ الْإِسْلَامِيِّ وَهِيَ

أنه لا جِوَارَ وَلَا أَمَانَ إِلَّا لِلْإِمَامِ (1).

كَما أَنَّ ابْنَتَهُ أَمَّ حَبِيبَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ لَمْ تُرَحُبْ بِهِ بِاعْتِبَارِهِ مُشْرِعًا وَهِيَ مُسْلِمَةٌ

فَعَادَ أَدْرَاجَهُ وَلَمْ يُحقِّقُ شَيْئًا مِمَّا جَاءَ إِلَى المَدِينَةِ مِنْ أَجْلِهِ.

وَأَخَذَ المُسْلِمُونَ فِي التَّجهيز والاسْتِعْدَادِ لِلسَّفَرِ إلى مَكَّةَ، بِأَخْذِ أَسْلِحَتِهِمْ وَإِعْدَادِ أَزْوَادِهِمْ مِنَ الطَّعَامِ عَلَى أَنَّ الْإِحْسَاسَ بِتَوَجُهِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِلَى مَكَّةَ إِنَّمَا هُوَ لحرب قُرَيْشٍ كَانَ يُخَالِجُ الْكَثِير مِنَ المُسْلِمِينَ، لِذَلِكَ أَخَذَتِ الْعَاطِفَةُ مَأْخَذَهَا مِنْ حَاطِبِ بْنِ أَبِي

(1) الْحِوَارُ هُنَا بِمَعْنَى الْعَهْدِ وَالْأَمَانِ وَالإِنْقَادِ، وَقَدْ نُوقِشَتْ هَذِهِ المُسْأَلَةُ إِبَاضِيَّا، عِنْدَمَا أَجَارَ أَبو الْوَضَّاحِ، وَهُوَ وَالِي الْإِمَامِ الْجُلَنْدَى بْنِ مَسْعُودٍ عَلَى إِبْرَى الْمَدِينَةِ الْعُمانِيَّةِ المُشْهُورَةِ فِي الْمِنْطَقَةِ الشَّرْقِيَّةِ الَّتِي هِيَ الآنَ مَقَرٌّ مُحَافَظَةِ شَمَالِ الشَّرْقِيَّةِ حَسَبَ التَّقْسِيمِ الْإِدَارِيِّ، فَقَدْ أَجَارَ الْوَالِي أُنَاسًا كَانَ الْإِمَامُ الجُلَنْدَى قَدْ أَهْدَرَ دِمَاءَهُمْ، وَقَالَ الْإِمَامُ: لَا جِوَارَ هُمْ عِنْدِي، وَلاَ أَمَانَ دُونَ الْإِمَامِ، وَأَمَرَ بِقَتْلِهِمْ فَقُتِلُوا فِي بَهِلاَ بِالْمِنْطَقَةِ الدَّاخِلِيَّةِ مِنْ عُمَانَ، وَقَدْ أَثَارَ ذَلِكَ جَدَلاً فِقْهِيَّا حَتَّى رُفِعَ الْمَوْضُوعُ إِلَى إِمَامٍ المذهَبِ وَمَرْجِعِهِ آنَذَاكَ أَبِي عُبَيْدَةَ مُسْلِمِ بْنِ أَبِي كَرِيمَةَ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ مَشَائِحِ الْمُذْهَبِ فِي الْبَصْرَةِ، فَكَانَ جَوَابُهُمْ أَنَّهُ لَا أَمَانَ إِلَّا لِلْإِمَامِ، عَلَى أَنَّهُ فِي المُقَابِلِ يُوجَدُ هُنَالِكَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَمْضَى حِوَارَ أُمَّ هَانِي أَثْنَاءَ فَتْحِ مَكَّةَ، كَمَا جَاءَ عَنْهُ أَيْضًا قَوْلُهُ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ.

وَلَعَلَّهُ يُسْتَخْلَصُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ أَنْ ذلِكَ فِيمَا لَمْ يَسْبِقُ فِيهِ حُكْمُ مِنَ الْإِمَامِ، أَمَّا مَنْ سَبَقَ فِيهِ حُكْمٌ مِنَ الْإِمَامِ فَلَا جَوَارَ لَهُ وَلا أَمَانَ إِلَّا إِذَا أَمْضَاهُ الْإِمَامُ، وَذَلِكَ أَدْعَى لِاسْتِتْبَابِ الْأَمْنِ فِي الْمُجْتَمَعِ.

414 (1/414)

صفحة 405

السيرة النبوية.

بلتعَةَ فَاسْتَأْجَرَ امْرَأَةٌ لِلذَّهَابِ إِلَى مَكَّةَ، بَعْدَ أَنْ حَمَلَهَا خِطَابًا مِنْهُ إِلَى قُرَيْشِ يُخْبِرُهُمْ فِيهِ بَعَزْمِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم غَيْرَ أَنَّ عِلْمَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِالْأَمْرِ حَالَ دُونَ وُصُولِ الْخِطَابِ إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ، الْأَمْرُ الَّذِي جَعَلَ حَاطِبًا يَعْتَذِرُ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مُبَرِّرًا ذَلِكَ الصَّنِيعَ تَبْرِيرًا عَاطِفِيًّا، فَقَبِلَ

مِنْهُ النَّبِيُّ الاِعْتِدَارَ الْخُرُوجُ إِلَى مَكَّةَ:

كَانَ خُرُوجُ النَّبِيِّ مِنَ المَدِينَةِ فِي النَّامِن مِنْ شَهْرٍ رَمَضَانَ، فِي السَّنَةِ الثَّامِنَةِ

لِلْهِجْرَةِ، وَيُوَافِقُ ذَلِكَ مِيَلَادِيًّا 30 دِيسَمْبِرَ 629 م. وَكَانَ هُوَ وَأَصَحَابُهُ فِي حَالَةِ صِيَامٍ، وَلَكِنَّهُ نَظَرًا إِلَى أَنَّ الطَّرِيقَ كَانَ صَحْرَاوِيًّا فَقَدِ اشْتَدَّ عَلَيْهِمْ حَرَّهَا، وَأَنْكَهُمُ الْعَطَشُ، حَتَّى اضْطَرَهُمْ ذَلِكَ إِلَى الْفِطْرِ، حَيْثُ أَفْطَرَ النبي صلى الله عليه وسلم وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالْفِطْرِ تَقُولُ الرَّوَايَةُ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ فِي رَمَضَانَ فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ الْكُدَيْدَ فَأَفْطَرَ، فَأَفْطَرَ النَّاسُ وَهُنَاكَ رِوَايَةٌ أُخْرَى أكْثَرُ تَوْضِيحًا، يَقُولُ الْإِمَامُ جَابِرُ بْنُ زَيْدِ سَمِعْتُ جُمْلَةٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُونَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَامَ الْفَتْحِ فِي رَمَضَانَ فَأَمَرَ النَّاسَ أَنْ يُفْطِرُوا قَالَ: تَقْوِيَةٌ عَلَى عَدُوِّكُمْ، فَصَامَ هُوَ وَلَمْ يُفْطِرْ، قَالَ: وَقَدْ رَأَيْنَا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَصُبُّ الماءَ عَلَى رَأْسِهِ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ أَوْ مِنَ الْعَطَشِ، فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أُنَاسًا صَامُوا حِينَ

صُمْتَ فَلَمَّا بَلَغَ الْكُدَيْدَ دَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ فَأَفْطَرَ النَّاسُ مَعَهُ (1).

(1) الرَّبِيعُ بْنُ حَبِيبٍ، المُسْنَدُ، الحَدِيثُ رَقم: 306،305.

415 (1/415)

صفحة 406

السيرة النبوية.

وَغَضِبَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَى بَعْضٍ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ لَمْ يُفْطِرُوا فَوَصَفَهُمْ بِأَنَّهُمْ عُصَاةٌ

بِقَوْلِهِ: "أُولَئِكَ الْعُصَاةُ، أُولَئِكَ الْعُصَاةُ" (1).

وَكَانَ الجَيْشُ الْإِسْلَامِيُّ يَتَكَوَّنُ مِنْ عَشْرَةِ آلَافِ رَجُلٍ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَمِنْ قَبَائِلَ عَرَبِيَّةٍ أُخْرَى، وَهَذَا الْعَدَدُ فِي الحشرُوبِ لَمْ تَأْلَفَهُ الْعَرَبُ، وَلَمْ تَشْهَدُهُ الْجَزِيرَةُ الْعَرَبِيَّةُ مِنْ قَبْلُ.

وَفِي الطَّرِيقِ لَقِيَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَمَّهُ الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مُهَاجِرًا مِنْ مَكَّةَ بِأَهْلِهِ، فَانْضَمَّ إِلَى المُسْلِمِين فَكَانَ الْتِحَاقُهُ بِالمُسْلِمِينَ فَاتِحَة خَيْرِ لِقُرَيْشٍ وَلِلْمُسْلِمِينَ فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَقُومَ بِحَرْبٍ نَفْسِيَّةٍ مِنْ شَأْنِهَا تَخوِيفُ قُرَيْشٍ عَنِ المُواجَهَةِ، وَلِتُسَهِّل دخُولَ المُسْلِمِينَ إِلَى مَكَّةَ مِنْ غَيْرِ حَرْبٍ، فَكَانَ نِعْمَ السَّيَاسِيُّ المُحَنَّكُ.

(1) - السَّالِمِيُّ، شَرْحُ المُسْنَدِ، ج 2، ص 70.

416 (1/416)

صفحة 407

عَلَى مَشَارِفِ مَكَّةَ:

السيرة النبوية.

نَزَلَ الرَّسُولُ فِي مَنْطِقَةِ مَرُ الظَّهْرَانِ، وَهِيَ قَرِيبَةٌ مِنْ مَكَّةَ عَلَى أَرْبَعِ مَرَاحِلَ مِنْهَا، وَهُنَاكَ تَحَرَّكَتِ الْعَوَطِفُ وَالسُّجُونُ بِالْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَهُوَ يَرَى جَيْشَ ابْنِ أَخِيهِ بِتِلْكَ الْعُدَّةِ وَالْعَدَدِ، وَأَنَّهُ إِذَا دَخَلَتْ قُرَيْضٌ فِي مُوَاجَهَةٍ مَعَهُ فَسَوْفَ يَكُونُ سَحْقُهَا وَهَلَاكُهَا، فَقَدْ كَانَ خَرَجَ مِنْهَا مُهَاجِرًا قَبْلَ ذَلِكَ بِقَلِيلِ فَقَالَ: «وَاصَبَاحَ قُرَيْشٍ، وَاللَّهِ لَئِنْ دَخَلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَكَةَ عَنْوَةً قَبْلَ أَنْ يَأْتُوهُ فَيَسْتَأْمِنُوهُ إِنَّهُ هَلَاكُ قُرَيْشٍ إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ، وَمَا ذَلِكَ إِلَّا رَأْفَةٌ بِقَوْمِهِ وَخَوْفًا عَلَيْهِمْ، وَهَذَا لَا شَكٍّ مِنَ الْوَفَاءِ عِنْدَ النَّاسِ مَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ إِعْرَاضُ عَنِ الْحَقِّ.

وَقَدْ أَمَرَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عَمَّهُ الْعَبَّاسَ أَنْ يَخْرُجَ عَلَى بَغْلَتِهِ لَعَلَّهُ يُصَادِفُ نَاسًا مِنْ قُرَيْشٍ فَيُخْبِرُهُمْ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَجَيْشِهِ، وَبَيْنَمَا هُوَ خَارِجٌ يَتَحَسَّسُ أَخْبَارَ قُرَيْشٍ إِذَا بِأَبِي سُفْيَانَ يُحدِّثُ أَشْخَاصًا آخَرِينَ جَاؤُوا مِنْ مَكَّةَ فَنَادَى كُلُّ مِنْهُمَا الْآخَرَ، ثُمَّ أَخْبَرَهُ عَنِ الْأَمْرِ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ جَاءَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَحَذْرَهُ مِنْ مَغَبَّةِ الْأَمْرِ إِنْ هُوَ لَمْ يَسْلَمْ وَلَمْ تَسْتَسْلِمْ قُرَيْضٌ وَأَرْدَفَهُ عَلَى بَغْلَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم حَتَّى وَصَلَ بِهِ إِلَى مَنْزِلِ

رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وَهُنَاكَ أَعْلَنَ أَبُو سُفْيَانَ إِسْلَامَهُ بَعْدَ حِوَارٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ. وَأَمَرَ النَّبِيُّ الْعَبَّاسَ أَنْ يَجْعَلَ أَبَا سُفْيَانَ يَبِيتُ عِنْدَهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، لِيَرَى تِلْكَ النِّيرَانَ الْعَظِيمَةَ الَّتِي أَوْقَدَهَا الْمُسْلِمُونَ لِتَخْوِيفِ قُرَيْشٍ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ الْغَدِ أَمَرَهُ أَنْ يَقِفَ بِهِ عَلَى مَضِيقِ الْوَادِي لِكَيْ تَمَرَّ عَلَيْهِ كَتَائِبُ الْإِيمَانِ كَتِيبَةٌ بَعْدَ أُخْرَى، حَتَّى مَرَّتْ بِهِ الكتيبة الخضراء مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّتِي هِيَ صَفْوَةُ الْكَتَائِبِ، وهي الخَرَسُ (1/417)

صفحة 408

السيرة النبوية.

الْإِسْلَامِيُّ الخاص بِالنَّبِيِّ، وَهِيَ الَّتِي ارْتَاعَ مِنْها أَبُو سُفْيَانَ أَشَدَّ الإِرْتِبَاعِ، قَائِلًا: مَا لأَحَدٍ بِهَؤُلاءِ قِبَل وَلَا طَاقَةٌ. وَصَدَقَ عَالِمُ الشُّعَرَاءِ وَشَاعِرُ الْعُلَمَاءِ أَحْمَدُ بْنُ النَّظِرِ

الْعُمَانِيُّ السمائلي عِنْدَمَا قَالَ (1):

وَأَسْدين

حَوْلَهُ

النَّجَّارِ تَخْطِرُ حَوْلَ

بأشيافِهِمْ كَالأَسد الخطر في الأجـ

بنو الخزرج النُّمُ الْكِرَام ولفهم

بنو الْأَوْسِ في الروع الجحاجح ــة الـ

وَفِعْلًا حَقَّقَتْ تِلْكَ الحزب الْإِعْلَامِيَّةُ وَالنَّفْسِيَّةُ هَدَفَهَا فِي نَفْسٍ أَي سُفْيَانَ، فَقَدْ رَجِعَ إِلَى قَوْمِهِ بِمَكَّةَ يُخْبِرُهُمْ عَمَّا رَأَى وَشَاهَدَ مِنْ قُوَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَيُخَوِّفُهُمُ الْعَاقِبَةَ إِذَا هُمْ أَصَرُّوا عَلَى الْقِتَالِ كَمَا أَنَّ الْعَبَّاسَ وَهُوَ الْعَارِفُ بِقَوْمِهِ وَالْخَبِيرُ بِهِمْ أَشَارَ عَلَى النَّبِيِّ أَنْ يَجْعَلَ لِأَبِي سُفْيَانَ شَيْئًا يَفْتَخِرُ بِهِ وَيَرْفَعُ مِنْ مَعْنَوِيَّاتِهِ لِأَنَّهُ رَجُلٌ يُحِبُّ الْفَخْرَ وَالثَّمَيز، وبالطَّبْع هَذِهِ عَادَةُ الَّذِينَ يُحِبُّونَ الزَّعَامَةَ وَالرِّئَاسَةَ، لِذَلِكَ قَالَ الرَّسُولُ: "

(1) - مِنْ قَصِيدَةٍ مَطْلَعُهَا:

تاويني خيل داء دخيل قلم ألم ويت سويرًا لِلْهمُوم وَلِلْهِمَمْ.

الدعائم ابن النظر).

418 (1/418)

صفحة 409

السيرة النبوية.

نَعَمْ، مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ الْمُسْجَدَ

فَهُوَ آمِن".

وَهَذِهِ مُعَالَجَةٌ نَفْسِيَّةٌ مِنَ الرَّسُولِ لِإِرْضَاءِ غُرُورٍ أَبِي سُفْيَانَ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يُفْرِدُهُ بِذَلِكَ بَلْ جَعَلَ لِلْآخَرِينَ فُسْحَةٌ مِنَ الْآمَانِ بِغَلْقِ أَبْوَابِ بُيُوتِهِمْ عَلَيْهِمْ أَوْ دُخُولِ

المَسْجِدِ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ مَنْ يَأْنفُ أَنْ يَكُونَ مَنزِلَ أَبِي سُفْيَانَ مُنْقِذَا لَهُ مِنَ المُلَاحَقَةِ. لذلك قَالُوا لَهُ: (قَاتَلَكَ اللهُ وَمَا تُغْنِي عَنَّا دَارُكَ)، وَلَكِنَّهُ بَعْدَ أَنْ أَخْبَرَهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ أَعْطَى الْأَمَانَ أَيْضًا لِمَنْ دَخَلَ بَيْنَهُ، أَوْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ تَفَرَّقُوا عَنْهُ إِلَى بُيُوتِهِمْ

وَإِلَى المَسْجِدِ (1). دُخُولُ مَكَة

كَانَ الدُّخُولُ إلى مَكَّةَ فِي الْعِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ المُبارَكِ فِي السَّنَةِ الثَّامِنَةِ لِلْهِجْرَةِ الموافق ميلاديا 11 يناير 630 م، وَقَدْ قَسمَ الرَّسُولُ جَيْشَهُ إِلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامِ لِكَيْ يَتَسَنَّى هُمْ دُخُولُ مَكَّةَ مِنْ جِهَاتِهَا الْأَرْبَعِ، مِنَ الشَّمَالِ بِقِيَادَةِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، وَمِنَ الجُنُوبِ بِقِيَادَةِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَمِنَ الْغَرْبِ بِقِيَادَةِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، وَمِنَ الشَّمَالِ الْغَرْبِ بِقِيَادَةِ أَبي عُبَيْدَةَ بْنِ الجُرَّاح، ثُمَّ أَمَرَ هَذِهِ الْقُوَّاتِ أَنْ تَجْتَمِعَ فِي مَنْطِقَةِ جَبَل هِنْدِ، كَما شَدَّدَ عَلَى هَذِهِ الْقُوَّاتِ أَلَّا يُقَاتِلُوا أَحَدًا إِلَّا إِذَا اضْطَرَّ إِلَى ذَلِكَ (2).

(1) - لَمْ يَكُنْ هُنَالِكَ مَسْجِدٌ آنَذَاكَ، وَإِنَّمَا الْمُقْصُودُ بِهِ الْفِنَاءُ أَوِ المَكَانُ الذِي حَوْلَ الْكَعْبَةِ. (2) الرَّسُولُ الْقَائِدُ، ص 339. (1/419)

صفحة 410

السيرة النبوية -

لَمْ يُصَادِفِ الجَيْشُ النَّبَوِيُّ أَيَّةَ مُقَاوَمَةٍ تُذْكَرُ عِنْدَ مَكَّةَ إِلَّا مُقَاوَمَةٌ لَقِيَهَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فِي جَنُوبَ مَكَّةَ، حَيْثُ كَانَ يَجْتَمِعُ مُتَطَرِّفُوا قُرَيْشٍ وَمَعُهُمْ أُنَاسٌ مِنْ بَنِي بَكْرٍ الَّذِينَ كَانُوا سَبَبَ المُشْكِلَةِ.

إِلَّا أَنَّ خَالِدًا فَرَّقَهُمْ بِمَا عُرِفَ عَنْهُ مِنْ حَزِمٍ عَسْكَرِيٌّ وَقُوَّةٍ قِتَالِيَّةٍ، وَكَانَ هَدَفُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِنْ خِطَّةِ الدُّخُولِ تِلْكَ عَدَمَ إِرَاقَةِ الدِّمَاءِ وَالْحِفَاظَ عَلَى السِّلْمِ وَالْأَمْنِ حَتَّى لَا يَقَعَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِيهَا لَوْ تَمَّ دُخُولُهُ مَكَّةَ مَنجهة وَاحِدَةٌ لِأَنَّ لِلْجَيْش - كَمَا يُقَالُ - مَعَرَّةٌ؛ لِأَنَّ لَكَةَ مَكَانَةٌ وَقُدْسِيَّةٌ فِي الدِّيَانَاتِ الرَّبَّانِيَّةِ؛ لأنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَهَا حَرَمًا آمِنًا، وَبَعْدَ أَنِ اجْتَمَعَ المُسْلِمُونَ فِي مَنْطِقَةِ جَبَل هِنْدِ، نَزَلَ الرَّسُولُ وَالمُسْلِمُونَ مَعَهُ

إِلَى الْكَعْبَةِ المُشَرَّفَةِ. (1/420)

صفحة 411

فِي مَكَّةَ:

قَامَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِالْأَعْمَالِ التَّالِيَةِ:

السيرة النبوية.

1. الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ: وَهُوَ أَوَّلُ شَيْءٍ عَمِلَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنْ طَافَ بِالْكَعْبَةِ الشَّرِيفَةِ؛ لأَنَّ الطَّوَافَ هُوَ تَحِيَّةُ الْبَيْتِ الْعَتِيقِ في سُتَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. .2 تَخطِيمُ الْأَصْنَامِ: كَانَ فِي الْكَعْبَةِ وَحَوْهَا عَدَدٌ كَثِيرٌ مِنَ الْأَصْنَامِ يُقَالُ إِنَّهَا بَلَغَتْ ثَلَاثَانَةٍ وَسِتِّينَ (360) صَنَها، فَأَخَذَ يَحْطِمُهَا وَهُوَ يَقُولُ: " جَاءَ الحق وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا".

دُخُولُ الْكَعْبَةِ: دَعَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عُثْمَانَ بْنَ طَلْحَةَ الشَّبِيبِيِّ الَّذِي كَانَ لِأُسْرَتِهِ الْحِجَابَةُ فَأَخَذَ مِنْهُ مِفْتَاحَ الْكَعْبَةِ وَدَخَلَهَا وَصَلَّى بِهَا رَكْعَتَيْنِ مُسْتَدْبِرًا بِابَهَا، وَأَمَرَ بِالصُّوَرِ وَالتَّمَاثِيلِ الَّتِي بِدَاخِلِهَا فَكُسِرَتْ وَمِنْ بَيْنَ تِلْكَ الصُّوَرِ صُورَةٌ لِأَبِي الْأَنْبِيَاءِ وَشَيْخِ الْمُرْسَلِينَ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، ثُمَّ اسْتَدْعَى عُثمانَ بْنَ طَلْحَةَ وَسَلَّمَهُ مِفْتَاحَ الْكَعْبَةِ قَائِلًا لَهُ: " خُذْ مِفْتَاحَكَ يَا عُثْمَانُ الْيَوْمَ يَوْمُ وَفَاء وَبِرٌ خُلُوهَا خَالِدَةٌ تَالِدَةً لَا يَنزِعُهَا مِنْكُمْ إِلَّا ظَالِمٌ، وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِ طَالِبٍ قَدْ طَمِعَ أَنْ يَجْمَعَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الحِجَابَةَ وَالسَّقَايَةَ لِبَنِي هَاشِمٍ، وَلِكِنَّ الرَّسُولَ أَبَى عَلَيْهِ ذَلِكَ. 4. تَصْحِيحُ الْمَاضِي: بَعْدَ أَنْ خَرَجَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنَ الْكَعْبَةِ أَخَذَ بِعُضَادَنِ الْبَابِ وَقَالَ: " لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، صَدَقَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ، أَلا كُلُّ مَأْتُرَةٍ وَمَالٍ وَدَمٍ فَهُوَ تَحْتَ قَدَمَيْ

421 (1/421)

صفحة 412

السيرة النبوية.

هَا تَيْنِ إِلَّا سِدَانَةَ الْبَيْتِ وَسِقَايَةَ الْحَاجِّ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ نَخْوَةَ الجَاهِلِيَّةِ وَتَعَظُمَهَا بِالْآبَاءِ النَّاسُ مِنْ آدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ تَلَا الْآيَةَ:

الياتها النَّاسُ إِنَّا خَلَقْتَكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْتَكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَلَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ))) (1). ه الْعَفْوُ الْعَامُ: كَانَتْ قُرَيْشٍ مُجْتَمِعِينَ فِي سَاحَةِ الْكَعْبَةِ لَا يَعْرِفُونَ مَاذَا سَيَفْعَلُ بهم الرُّسُولُ وَخَاطَبَهُمْ قَائِلًا: " مَا تَرَوْنَ أَنِّي فَاعِلٌ بِكُمْ؟ قَالُوا: خَيْرًا، أَخٌ كَرِيمٌ وَابْنُ أَحْ كَرِيمٍ، قَالَ فَإِنْ أَقُولُ لَكُمْ كَمَا قَالَ يُوسُفُ لِإِخْوَتِهِ: لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطَّلَقَاءُ، وَهَذَا هُوَ الْعَفْوُ عِنْدَ الْمُقْدِرَةِ، فَإِنَّ الْقَائِدَ الحكيم لَا يَنتَقِمُ؛ لِأَنَّ الْعَفْوَ آلَفُ لِلْقُلُوبِ، كَمَا أَنَّهُ عَفَا عَنْ أَشْخَاصِ كَانَ قَدْ أَمَرَ بِقَتْلِهِمْ مِنْهُمْ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ، وَوَحْشِيٌّ قَاتِلُ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَهَبَّارُ بْنُ الْأَسْوَدِ الَّذِي تَسَبَّبَ فِي إِسْقَاطِ جَنِينِ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَثْنَاءَ

خُرُوجِهَا مُهَاجِرَةٌ مِنْ مَكَّةَ وَغَيْرُهُمْ، وَلَمْ يَقْتُلُ إِلَّا مَنْ كَانَ عَلَيْهِ قَتل. .6 الْأَذَانُ: وَأَمَرَ بِلَالًا أَنْ يُؤَذِّنَ وَيَرْفَعَ صَوْتَهُ بِالْأَذَانِ وَهُنَاكَ أَشْرَافُ قُرَيْشٍ يَسْمَعُونَ وَيَنْظُرُونَ إِلَى ذَلِكَ الرَّجُلِ الخَبَنِي الَّذِي كَانَ يَيْن تَحْتَ التَّعْذِيبِ فِي مَكَّةَ قَبْلَ الهِجْرَةِ، هَا هُوَ الْيَوْمَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالْأَذَانِ إِعْلَاءٌ لِكَلِمَةِ اللَّهِ،

(1) سُورَةُ الحُجُرَاتِ الْآيَةُ 13.

422 (1/422)

صفحة 413

السيرة النبوية.

وَهَكَذَا عَادَتْ إِلَى مَكَّةَ كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ الْخَالِص الْبَعِيدِ عَنْ شَائِبَةِ الشِّرْكِ

وَعَادَتْ إِلَيْهَا عِبَادَةُ اللَّهِ كَ بَدَلًا مِنْ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ.

إِقَامَةُ الْحَدٌ: وَأَقَامَ حَدَّ السَّرِقَةِ عَلَى امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي تَخَزُومٍ مِنْ قُرَيْشٍ كَانَتْ قَدْ سَرَقَتْ وَاسْتَشْفَعَ أَهْلُهَا بِأُسَامَةَ بْنِ زَيْدِ بِاعْتِبَارِهِ حِبَّ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَابْنَ حِبَّهِ، وَلَكِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَمْ يُشَفَعْهِ قَائِلًا بِغَضَبٍ:" أَتْكَلِّمُنِي فِي حَدٌ مِنْ حُدُودِ الله"، وَهُنَاكَ ظَهَرَتِ المُسَاوَاةُ بَيْنَ النَّاسِ دُونَ تمييز بَيْنَهُمْ، وَأَنَّ النَّسَبَ وَالْقَرَابَةَ لَا مَكَانَ هُما فِي دِينِنَا الْإِسْلَامِي وَلَا تُغْنِيَانِ عَنِ الْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَقَامَ خَطِيبًا فِيهِمْ قَائِلًا: " أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّما أَهْلَكَ النَّاسُ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَالَّذِي

نفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا". أَخْذُ الْبَيْعَةِ: جَلَسَ لِلنَّاسِ عَلَى الصَّفَا لِأَخْذِ الْبَيْعَةِ مِنْهُمْ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لله وَلِرَسُولِهِ، أَخَذَهَا مِنَ الرِّجَالِ أَوَّلا، وَمِنَ النِّسَاءِ ثَانِيَا، وَاشْتَهَرَتْ فِيهِنَّ

وه

وَمِنْ بَيْنِهِنَّ زَعِيمَةُ نِسَاءِ قُرَيْشٍ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ، زَوْجَةٌ أَبِي سُفْيَانَ الجُرْأَتِهَا فِي تَحْلِيلِ وَنَقْدِ شُرُوطِ وَجُنُودِ الْبَيْعَةِ، وَمِمَّا قَالَتْهُ لِلرَّسُولِ: «وَاللهُ إِنَّكَ لَتَأْخُذُ عَلَيْنَا مَا لَا تَأْخُذُهُ مِنَ الرِّجَالِ، وَهُنَا تَظْهَرُ مَكَانَةُ الْمُرْأَةِ فِي الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللهِ الله لم يكتفِ بِتبَعِيَّتِهَا لِلرَّجُلِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ مِنْهَا الْمُشَارَكَةَ فِي الْقَرَارِ السَّيَاسِيِّ الْإِسْلَامِيِّ، عَلَى أَنَّ الْبَيْعَةَ تُعْتَبَرُ مِنْ أَعْلَى أَنْوَاعِ الْمُشَارَكَةِ فِي النِّظَامِ الْإِسْلَامِي دَوْلَةً وَمُجْتَمَعًا، عَلَى أَنَّهُ رُبَّمَا هُنَاكَ مَنْ يَقُولُ بِأَنَّ تِلْكَ الْبَيْعَةَ هِيَ يَبْعَةُ

423 (1/423)

صفحة 414

السيرة النبوية.

الْإِسْلَامِ وَلَيْسَتْ بَيْعَةً سِيَاسِيَّةٌ، فَإِنَّنَا تَقُولُ إِنَّ الْإِسْلَامَ مَنْظُومَةٌ مُنكَامِلَةٌ، عِبَادَةٌ

وَمُعَامَلَةٌ وَحُكْمًا وَسِيَاسَةً.

9 إِسْنَادُ الْمَسْؤُولِيَّةِ: عَيَّنَ عَتَابَ بْنَ أَسِيد أَمِيرًا عَلَى مَكَةَ يُدَبِّرُ أُمُورَهَا وَيُدِيرُ شُرُونَهَا، وَهُوَ حَدَتْ شَابٌ دُونَ الْعِشْرِينَ مِنَ الْعُمُرِ؛ لِأَنَّهُ وَجَدَ فِيهِ الْكَفَاءَةَ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِسْلَامَ يُرَاعِي الْكَفَاءَةَ فِي إِسْنَادِ المَسْؤُولِيَّةِ دُونَ اعْتِبَارِ آخَرَ مِنْ نَسَبٍ أَوْ حَسَب أَوْ ثِقَةٍ، وَبِالتَّعْبِيرِ الْإِدَارِي المَعَاصِرِ، لِلْكَفَاءَةِ لَا لِلثَّقَةِ، لِأَنَّ هُنَاكَ مِنْ قُرْيَشٍ مَنْ هُمْ أَكْبَرُ مِنْهُ سِنًا، وَأَكْثَرُ نُفُوذًا، وَأَكْثَرُ وَجَاهَةٌ اجْتِمَاعِيَّةٌ. النَّتَائِجُ الْإِيجَابِيَّةُ لِفَتْحِ مَكَّةَ:

ه

كَانَتْ لِقُرَيْشٍ مَكَانَةٌ خَاصَّةٌ فِي نُفُوسِ الْعَرَبِ، بِاعْتِبَارِهِمْ أَهْلَ حَرَمِ الله وَيُنْظَرُ إِلَيْهِمُ الْعَرَبُ بِشَيْءٍ مِنَ التَّقْدِيسِ وَالاعْتِبَارِ الدِّينِيِّ امْتَدُّوهَا مِنَ الْمُكَانَةِ المُقَدَّسَةِ لِمَكَّةَ وَالْكَعْبَةِ عِنْدَ الْعَرَبِ، وَزَادَتْ هَذِهِ المَكَانَةُ فِي نُفُوسِ الْعَرَبِ مَكَّةَ وَقُرَيْشٍ بَعْدَ حَادِثَةِ أَبْرَهَةَ وَالْفِيلِ لِذلِكَ كَانَتِ الْعَرَب تُحجِمُ عَن الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ وَمُتَابَعَةِ النَّبِيُّ الهلال، كَمَا أَنَّ هُنَاكَ كَثِيرًا مِنَ الْقَبَائِلِ تَرْبِطُهَا أَحْلَافٌ بِقُرَيْشِ الْأَمْرُ الَّذِي جَعَلَ تِلْكَ الْقَبَائِلَ غَيْرَ مُسْتَعِدة لِفَضٌ تِلْكَ التَّحَالُفَاتِ القبلية، أَمَا وَقَدْ فَتَحَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مَكَّةَ وَدَخَلَهَا، وَدَخَلَتْ قُرُيْضٌ رِجَالًا وَنِسَاءً في الْإِسْلَام فَإِنَّ تِلْكَ الْقَبَائِلَ فِي حِلٌ مِمَّا كَانَتْ فِيهِ مِنْ حِلْفٍ مَعَ قُرَيْشٍ، وَهَذَا هُوَ عَيْنُ مَا سَأَلَ عَنْهُ مَلِكُ عُمَانَ جَيْفَرُ بْنُ الْجُلَنْدَى عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ عِنْدَمَا سَلَّمَهُ

424 (1/424)

صفحة 415

السيرة النبوية.

خِطَابَ النَّبِيِّ، حَيْثُ قَالَ لَهُ: أَلَا تُخْبِرُنِي عَنْ قُرَيْشٍ كَيْفَ صَنَعَتْ؟ قُلْتُ: تبِعُوهُ، إِمَّا رَاغِبٌ فِي الدِّينِ، وَإِمَّا رَاهِبٌ مَقْهُورٌ بِالسَّيْفِ (1).

لِذَلِكَ تَحَقَّقَ لِلْإِسْلَامِ نَتِيجَةَ فَتْحِ مَكَّةَ وَدُخُولِ قُرَيْشٍ فِي الْإِسْلَامِ مَا يَلِي:.1 دُخُولُ الْعَرَبِ فِي دِينِ الله أَفْوَاجًا، وَصَدَقَ اللهُ لا إِذْ قَالَ: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ

بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَابَ. وَأَصْبَحَتْ بِذَلِكَ جَزِيرَةُ الْعَرَبِ كُلُّهَا خَاضِعَةٌ لِلْإِسْلَامِ مِنْ بَدْوِهَا وَحَضَرِهَا،

إِمَّا بِالْإِيمَانِ بِالْإِسْلَامِ، وَإِمَّا بِالخُضُوعِ وَالاِنْقِيَادِ لَهُ. تَسَنَّى لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُخَاطِبَ مُلُوكَ وَأَمَرَاءِ الْجَزِيرَةِ الْعَرَبِيَّةِ، لِأَنَّهُ لَوْ خَاطَبَهُمْ قَبْلَ فَتح مَكَّةَ وَخُضُوع قُرَيْشٍ رُبَّمَا لَمْ تَكُنْ هُنَالِكَ اسْتِجَابَةٌ مَا قَدَّمْنَا مِنَ النَّظْرَةِ التَّقْدِيسِيَّةِ عِنْدَ الْعَرَبِ لِكَةَ وَقُرَيْشٍ، بَيْنَمَا كَانَ قَدْ وَجَّهَ خِطَابَاتِهِ إِلَى مُلثوكِ الْعالَم آنذاكَ يَدْعُوهُمْ فِيهَا إِلَى الْإِسْلَام قَبْلَ فَتح مَكَّةَ. وَهُنَا يَبْدُو التَّسَاؤُلُ وَارِدًا، وَهُوَ أَنَّهُ كَيْفَ وَجَّهَ خِطَابَاتِهِ إِلَى أُولئِكَ المنشوكِ قَبْلَ فَتح مَكَّةَ، وَوَجْهَهَا إِلَى مُلُوكِ الْعَرَبِ بَعْدَ فَتْحِهَا؟ الْجَوَابُ مَا قَدَّمْنَا مِنْ وُجُودِ النَّظْرَةِ التَّقْدِيسِيَّةِ عِنْدَ الْعَرَبِ وَمُلُوكِهِمْ تِجَاهَ مَكَّةَ وَقُرَيْشٍ بِاعْتِبَارِهَا سَاكِنَةٌ لِلْحَرَمِ وَمُجَاوَرَةٌ

(1) - الْحَلَبِيُّ عَلِيُّ بْنُ بُرْهَانِ الدِّينِ السِّيرَةُ الحَلَبِيَّةُ ج 2، ص 303. انْظُرُ: السَّالِمِي: تُحْفَة الْأَعْيَانِ ج 1،

ص 61.

425 (1/425)

صفحة 416

السيرة النبوية.

لِلْبَيْتِ الْعَتِيقِ، أَمَّا مُلُوكُ الْأُمَمِ الأُخْرَى فَلَمْ تَكُنْ لَدَيْهِمْ تِلْكَ النَّظْرَةُ، بَلْ عَلَى الْعَكْسِ مِنْ ذَلِكَ، فَقَدْ كَانُوا يَنْظُرُونَ إِلَى الْعَرَبِ وَفِيهِمْ بِالطَّبْعِ قُرَيْضٌ نَظْرَةَ احْتِقَارٍ وَدُونِيَّةٍ، كَمَا أَنَّهُمْ مَا كَانُوا يُقِيمُونَ مَكَّةَ وَالْبَيْتِ الْعَتِيقِ أَيَّ اعْتِبَارٍ أَوِ احترام، لِذَلِكَ وَجَّهَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إِلَى مُلُوكِ الْعَالَمِ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ وَوَجَهَهَا إِلَى مُلُوكِ وَأُمَرَاءِ الْعَرَبِ بَعْدَ فَتْحِهَا.

بَعْدَ عَوْدَتِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ بَعْدَ فَتح مَكَّةَ، أَخَذَتِ الْوُفُودُ الْعَرَبِيَّةُ تَفِدُ إِلَيْهِ تِبَاعًا، زُرَافَاتٍ وَوُحْدَانًا وَتَدْخُلُ فِي دِينِ الله أَفْوَاجًا عَبَّرَتْ عَنْ ذَلِكَ سُورَةُ النَّصْرِ

خير تعبير.

نبذ الْعَهْدَ لِلْمُشْرِكِينَ سَنَةَ تِسْعِ مِنَ الهِجْرَةِ فِي مَوْسِمِ الْحَجِّ حَيْثُ نَزَلَتْ سُورَةُ بَرَاءَةَ: بَرَاءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِى اللهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَفِرِينَ وَأَذَانُ من اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِى اللَّهِ وَبَشِّرِ

الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيم) (1).

(1) سُورَةُ التوبة الآيات 1 - 3.

426 (1/426)

صفحة 417

السيرة النبوية.

6 نَقَلَ الْغَزْوَ إِلَى خَارِجِ الْجَزِيرَةِ الْعَرَبِيَّةِ فَقَدْ قَامَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِغَزْوَةِ تبُوكَ حِرْبِ الرُّومِ بَعْدَ عَوْدَتِهِ مِنْ فَتْحِ مَكَّةَ وَمِنْ غَزْوَةِ ثَقِيفٍ وَهَوَازِنَ، وَسَوْفَ نَتَحِدَّثُ عَنْهَا لَا حِقًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قيامه بالحج فِي الْحَجَّةِ المَعْرُوفَةِ بِحِجَّةِ الْوَدَاعِ فِي السَّنَةِ الْعَاشِرَةِ لِلْهِجْرَةِ، حيْثُ اجْتَمَعَ مَعَهُ مِائَةٌ وَأَرْبَعَةَ عَشْرَ أَلْفَا مِنَ المُسْلِمِينَ وَالمُسْلِمَاتِ على أوسط الأقوال، وإن كنت في شك من هذا العدد.

وَهُوَ تَجَمَّعُ لَمْ تَعْرِفْهُ جَزِيرَةُ الْعَرَبِ وَلَمْ تَشْهَدُهُ الْعَرَبُ مِنْ قَبْلُ، مُرَدِّدِينَ تَهْلِيلًا وَتَكْبِيرًا وَتَلْبِيَةٌ جُمْلَةٌ وَاحِدَةً: «لَبَّيْكَ اللهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالمُلْكَ لا شَرِيكَ لَكَ»، إِعْلَانَا بِالتَّوْحِيدِ الْخَالِص الله تَعَالَى، وَإِخْلَاصِ الْعُبُودِيَّةِ لَهُ: (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ () (1)

(163

هُوَ الَّذِى أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، وَلَوْ

كرة الْمُشْرِكُونَ) (2).

(1) سُورَةُ الْأَنْعَامِ، الْآيَاتُ: 162 - 163.

(سُورَةُ التوبة، الآية: 33. (1/427)

صفحة 418

لسيرة النبوية. تَوَابِعُ الْفَتْحِ

بَعْدَ دُخُولِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مَكَّةَ بَعَثَ سَرَايَاهُ لِتَحْظِيمِ الْأَصْنَامِ لِتَكُونَ جَزِيرَةُ الْعَرَبِ

خَالِصَةَ التَّوْحِيدِ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَحَتَّى لَا يُعْبَدَ مَعَ اللَّه غَيْرُهُ، وَكَانَ مَنْ بَعَثَهُمْ:

1. خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ المُخْزُومِيُّ إِلَى هدمَ الْعُزَّى) وَهُوَ صَنَمٌ تُعَلِّمُهُ قُرَيْضٌ وَبَنُو كِنَانَةَ، وَمِنْ تَعْظِيمِهِمْ لَهُ أَنَّهُمْ كَانُوا يُسَمُّونَ الْأَشْخَاصَ بِنِسْبَةِ الْعُبُودِيَّةِ لَهُ، فَيَقُولُونَ: عَبْدُ الْعُزَّى)، وَفِيهِ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ بَعْدَ الإِنْتِهَاءِ مِنْ غَزْوَةِ أُحُدٍ لَنَا الْعُزَّى وَلَا عُزَّى لَكُمْ. فَهُنَاكَ أَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مَنْ يُجِيبُهُ بِالْقَوْلِ: (اللَّهُ مَوْلَانَا وَلَا

مُوْلًى لَكُمْ).

2. وَكَانَ مَوْضِعُهُ بِوَادٍ حِرَاضٍ بِنَخْلَةِ الشَّامِيَّةِ عَلَى طَرِيقِ الْمُصْعِدِ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْعِرَاقِ (1)، فَذَهَبَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فِي ثَلَاثِينَ فَارِسًا فِي الْخَامِسِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ مِنْ عَامِ الْفَتْحِ إِلَى الصَّنَمِ الْعُزَّى) فَحَطَّمَهُ، وَقَفَلَ عَائِدًا إِلَى مَكَّةَ بَعْدَ

أَنْ أَنهَى مُهمَّتَهُ".

(1) ابْنُ الْكَلْبِيُّ، كِتَابُ الْأَصْنَامِ، ص 18.

(2) خَطَّاب، محمود شيت، الرَّسُولُ الْقَائِدُ، ص 343.

428 (1/428)

صفحة 419

السيرة النبوية.

وَكَانَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ يَذْكُرُ وَالِدَهُ الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ مُتَعَجِّبًا مِنْ عِبَادَتِهِ

لِلْعُزَّى وَهُوَ عَلَى كِبَرِ عَقْلِهِ، ((وَكَانَ النَّاسُ يَعِيشُونَ عَلَى فَضْلِ رَأْيِهِ)) كَمَا يَقُولُ. وَقَالَ: إِنِّي كُنْتُ أَرَى أَبِي يَأْتِي إِلَى الْعُزَّى بِحِتْرِهِ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ فَيَذْبَحُهَا لِلْعُزَّى، وَيُقِيمُ عِنْدَهَا ثَلَاثًا، ثُمَّ يَنْصَرِفُ إِلَيْنَا مَسْرُورًا، فَنَظَرْتُ إِلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ أَبِي، وَذَلِكَ الرَّأْيِ الَّذِي كَانَ يُعَاشُ فِي فَضْلِهِ، كَيْفَ خُدِعَ حَتَّى صَارَ يَذْبَحُ حِجَرٍ يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ، وَلَا يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ؟! فَقَالَ رَسُولُ الله: إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ إِلى الله

فَمَنْ يَسَّرَهُ هُدًى تَيَسَّرَ، وَمَنْ يَسَّرَهُ لِلضَّلَالَةِ كَانَ فِيهَا.

عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ إِلى هَدْمِ الصَّنَمِ (سُوَاعِ) وَهُوَ صَنَمٌ تَعْبُدُهُ بَنُو هُذَيْلِ بْنِ مُدْرِكَةَ وَخُزَاعَةُ، وَبَنُو هُذَيْلِ هُمْ أَوَّلُ مَنْ عَبَدَ الْأَصْنَامَ مِنَ الْعَرَبِ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ حِينَ فَارَقُوا دِينَ أَبِيهِمْ إِسْمَاعِيلَ، وَمَوْضِعُ الصَّنَمِ (سُوَاعِ) فِي يَنْبُعَ، وَكَانَ يَسْدنُهُ بَنُو

(2)

الحيانَ مِنْ بَنِي سُلَيْم".

فَسَارَ إِلَيْهِ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ مَبْعُونًا مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم حَتَّى كَسَّرَهُ، وَأَسْلَمَ سَادِنُهُ عِنْدَمَا رَأَى أَنَّ الصَّنَمَ (سُوَاعًا) لا يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ شَيْئًا، فَقَالَ: أَسَلَّمْتُ الله.

(1) الْوَاقِدِيُّ، المغارِي، خ 3، ص 874.

(2) كِتَابُ الْأَصْنَامِ، ص 9. (1/429)

صفحة 420

(1)

السيرة النبوية.

4 سَعْدُ بْنُ زَيْدِ الْأَشْهَلِيُّ إِلَى الصَّنَمِ مَنَاةَ) وَهُوَ مِنْ أَقْدَمِ الْأَصْنَامِ، وَكَانَ بِمِنْطَقَةِ المُشَلَّلِ مِنْ أَرْمَنَ قُدَيْدٍ عَلَى جَانِبِ الْبَحْرِ بَيْنَ المَدِينَةِ وَمَكَّةَ، وَكَانَ تُعَظْمُهُ الْأَوْسُ والخزْرَجُ، بَلْ قَبَائِلُ غَسَّانَ كُلُّهَا، وَقَبَائِلُ أُخْرَى مِنَ الْعَرَبِ، وَكَانُوا مِنْ شِدَّةِ تَعْظِيمِهِمْ لَهُ أَنَّهُمْ يَنْسِبُونَ الْأَشْخَاصَ إِلَى الْعُبُودِيَّةِ لَهُ، فَيَقُولُونَ عَبْدُ مَنَاةً) وَزَيْدُ مِنَّاةَ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم سَعْدَ بْنَ زَيْدِ الْأَشْهَليَّ فِي عِشْرِينَ فَارِسًا، فَلَا

(2)

وَصَلُّوا حَطَّمُوهُ عَلَى مَرْأَى وَمَسْمَعِ مِنْ سَادِنِهِ.

وَبَعْدَ ذَلِكَ أَخَذَ تَحْطِيمُ الْأَصْنَام يَتَوَاصَلُ، فَكُلَّما أَسْلَمَ قَوْمٌ أَمَرَهُمُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم

بِتَحْطِيمٍ صَنَمِهِمْ أَوْ أَنَّهُ كَانَ يُرْسِلُ إِلَيْهِ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ لِتَحْطِيمِهِ.

وَهَكَذَا خَلَتْ جَزِيزَةُ الْعَرَبِ مِنَ الْأَصْنَامِ، وَتَخَلَّتْ قَبَائِلُ الْعَرَبِ عَنْ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ

إِلَى عِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ.

(1) الرَّسُولُ الْقَائِدُ، ص 344.

(2) كِتَابُ الْأَصْنَامِ، ص 13.

430 (1/430)

صفحة 421

السيرة النبوية.

عَلَى أَنَّهُ كَانَ أَهْلُ عُمانَ هُمْ أَوَّلَ مَنْ حَطَّمَ الْأَصْنَامَ، فَقَدْ كَسَرَ الصَّحَابِيُّ الْعُمَانِيُّ مَازِنُ غَضُوبَةَ الصَّنَمَ (بَاجِر) الَّذِي كَانَ مَنْصُوبًا فِي مَدِينَةِ سَمَائِلَ، وَرَحَلَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَهُنَاكَ

أَعْلَنَ إِسْلَامَهُ أَمَامَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَذَلِكَ فِي السَّنَةِ السَّادِسَةِ لِلْهِجْرَةِ".

سَرِيَّةُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ إِلَى بَنِي جَدِيمَةَ

بَعَثَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى بَنَى جَدِيمَةَ فِي شَهْرِ شَوَّالَ مِنَ السَّنَةِ الثَّامِنَةِ لِلْهِجْرَةِ عِنْدَمَا كَانَ لَا يَزَالُ مُقِيمًا بِمَكَّةَ عَقِبَ الْفَتْحِ الْأَكْبَرِ فِي ثَلَاثِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ رَجُلًا مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَسُلَيْمٍ وَمَدْلَجِ، وَكَانَ بَنُو جَذِيمَةَ جَنُوبَ مَكَّةَ نَاحِيَةَ (يَلَمْلَمَ مِيقَاتِ أَهْلِ الْيَمَنِ، أَيْ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْيَمَنِ، وَتُجْمعُ المَصَادِرُ أَنَّهُ بَعَثَهُ دَاعِبًا وَلَمْ

يَبْعَثْهُ مُقَاتِلا.

فَلَما وَصَلَ إِلَيْهِمْ وَجَدَهُمْ حَامِلِينَ السَّلَاحَ، فَأَمَرَهُمْ بِوَضْعِ سِلَاحِهِمْ، ثُمَّ قَامَ بِأَمْرِهِمْ، ثُمَّ أَمَرَ بِقَتْلِهِمْ.

فَبَلَغَ النَّبِي، فَقَالَ: اللَّهُمْ إِنْ أَبْرَأَ إِلَيْكَ مِمَّا فَعَلَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ. ثُمَّ بَعَثَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَقَالَ لَهُ: يَا عَلِيُّ اخْرُجْ إِلَى هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ، فَانْظُرْ فِي

أَمْرِهِمْ، وَاجْعَلْ أَمْرَ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيْكَ. وَأَمَرَهُ أَنْ يَفْدِيَ هُمْ قَتْلَاهُمْ وَيَغْرمَ هُمْ مَا أَتْلَفَ عَلَيْهِمْ حَتَّى أَنَّهُ كَانَ لَيَغْرَمَ هُمْ

مَبْلَغَةَ الْكَلْبِ الْإِنَاءَ الَّذِي يَشْرَبُ فِيهِ الْكَلْبُ).

1 - رَاجِعْ كِتَابَنَا (مَازِنُ بْنُ غَضُوبَةً) وَكِتَابَنَا الْوَسِيطُ فِي التَّارِيخِ الْعُماني). (1/431)

صفحة 422

السيرة النبوية.

وَأَعْطَاهُمْ مَا فَضَلَ عِنْدَهُ مِنْ مَالٍ احْتِيَاطًا لِرَسُولِ اللهِ، فَلَمَّا جَاءَ وَأَخْبَرَ النَّبِيَّ بِمَا صَنَعَ قَالَ لَهُ: أَصَبْتَ وَأَحْسَنْتَ.

عَلَى أَنَّهُ كَثُرَ اللَّغَطُ وَالْقِيلُ وَالْقَالُ حَوْلَ مَا فَعَلَهُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، فَمِنْهُمْ مَنْ عَذَرَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَعْذرْهُ، وَاعْتَبَرُوهُ مِنْ رَوَاسِبِ الْجَاهِلِيَّةِ لَدَى خَالِدٍ، لَاسِيَّما وَأَنَّ الْمَصَادِرَ أَوِ الرِّوَايَاتِ تُؤَكِّدُ أَنَّ الْقَوْمِ كَانُوا مُسْلِمِينَ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ: صَبَأْنَا،

صبانا.

فَظَنَّ خَالِدٌ أَنهم لَمْ يُسْلِمُوا، وَإِنَّمَا انْتَقَلُوا مِنْ دِينِ الجَاهِلِيَّةِ إِلَى دِينِ هُوَ غَيْرُ دِينِ أَنَّهُمْ

الْإِسْلَامِ، فَكَانَ مَا كَانَ مِنْهُ عَلَيْهِمْ.

وَفِي رَأْيِي أَنَّ الْأَمْرَ يَتَلَخَصُ فِيمَا يَلِي:

1 - أَنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ بَعَتَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم دَاعِيًا وَلَمْ يَأْمُرُهُ بِقِتَالٍ.

2 - أَنَّ بَنِي جَذِيمَةَ لَمْ يَكُونُوا مُسْلِمِينَ، أو عَلى الأقل أنهم لم يكونوا كلهم مسلمين. وَإِلَّا قَا فَائِدَةُ بَعْثِ خَالِدٍ إِلَيْهِمْ لِيَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ.

-3 - فَهِمَ خَالِدٌ أَنَّ النَّبِيِّ أَمَرَهُ بِالْقِتَالِ أَوْ أَذِنَ لَهُ بِذَلِكَ. 4 - الظَّاهِرُ أَنَّ خَالِدًا وَهُوَ حَدِيثُ عَهْدٍ بِالْإِسْلَام لَمْ يَتَشَربُ بَعْدُ تَعَالِيمَ الْإِسْلَامِ، ذَلِكُمُ المُشْرَبُ الصَّحِيحُ، فَتَحَرَّكَ فِيهِ حُبُّ النَّارِ مَنْ قُتِلَ مِنْ قَوْمِهِ، وَهُمَا عَوْفُ بْنُ عَبْدِ مَنَافٍ وَالِدٌ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَالْفَاكِهُ بْنُ الْمُغِيرَةِ المُخْزُومِيُّ عَمُّ خَالِدٍ،

432 (1/432)

صفحة 423

السيرة النبوية.

لأَنَّهُ قَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَخَذْتُ بِثَارِ أَبِيكَ؟ فَأَجَابَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بِقَوْلِهِ: كَذَبْتَ إِنَّمَا

أَخَذْتَ بِثَأْرِ عَمِّكَ الْفَاكِهِ، وَذَلِكَ بَعْدَ مُشَادَّةٍ فِي كَلَامٍ دَارَ بَيْنَهُما حَوْلَ ذَلِكَ. وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ لِخَالِدٍ: مَهْلًا يَا خَالِدُ، دَعْ عَنْكَ أَصْحَابِ، فَهُمْ وَاللَّهُ لَوْ كَانَ لَكَ أُحدٌ ذَهَبًا ثُمَّ أَنْفَقْتَهُ فِي سَبِيلِ الله مَا أَدْرَكْتَ عُدْوَةَ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِي وَلَا

رَوْحَتَهُ.

وَكَانَ الْفَاكِهُ بْنُ الْمُغِيرَةِ وَعَوْفُ بْنُ عَبْدِ مَنَافٍ قَدْ قَتَلَهُمَا خَالِدُ بْنُ هِشَامٍ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ بَنِي جَدِيمَةَ أَثْنَاءَ عَوْدَتِهَا فِي تِجَارَةٍ مِنَ الْيَمَنِ وَمَعَهُما عَفَّانُ بْنُ الْعَاصِ وَابْنُهُ عُثْمَانُ، فَنَجَا عَفَّانُ وَابْنُهُ عُثْمَانُ، وَتَمَكَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ مِنْ قَتْلِ

خَالِدِ بْنِ هِشَامٍ ثَأْرًا لِأَبِيهِ، وَلِذَلِكَ قَالَ لِخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ: قَدْ قَتَلْتُ قَاتِلَ أَبِي. ه أَكْثَرُ مَنْ كَانُوا فِي السَّرِيَّةِ مِنْ سُلَيْمٍ، وَهُمْ عَلَى مَا يَظْهَرُ كَانُوا عَلَى خُصُومَةٍ مَعَ بَنِي جَدِيمَةَ، فَلِذَلِكَ فَتَلُوا أَسَارَاهُمْ بَيْنَا أَطلَقَ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ أَسَارَاهُمْ فَلَمْ

يَقْتُلُوهُمْ مُتَجَاوِزِينَ بِذَلِكَ أَمْرَ قَائِدِ السَّرِيَّةِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ.

فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ لِبَنِي سُلَيْمٍ - وَهُمْ كَثرَةُ جَيْشِ خَالِدٍ - دَوْرٌ فِي حَمْلِ خَالِدٍ عَلَى

قَتْلِ الْأَسْرَى.

433 (1/433)

صفحة 424

غَزْوَةُ حُنَيْنٍ (1/435)

صفحة 425

السيرة النبوية. غَزْوَةُ حُنَيْنٍ

ما فَتَحَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم مَكَّةَ وَدَخَلَهَا مُظَفَرًا مَنْصُورًا، أَخَذَ بِهَوَازِنَ وَثَقِيفِ الْعَجَبُ وَالْكِبْرُ غُرُورًا وَاسْتِكْبَارًا بِمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ عَدَدٍ وَقُوَّةٍ وَأَمْكِنَةٍ حَصِينَةٍ وَأَرْضِ فَسِيحَةٍ، فَمَشَى بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضِ اسْتِعْدَادًا لِمَلَاقَاةِ مُحَمَّدٍ وَحِرْبِهِ قَبْلَ أَنْ يَهْجُمَ عَلَيْهِمْ فِي عُقْرِ دَارِهِمْ الطَّائِفِ وَمَا جَاوَرَهَا؛ مَسْتَخِفِّينَ بِقُرَيْشٍ الَّتِي لَمْ تُقَاوِمْ مُحَمَّدًا حَسَبَ زَعْمِهِمْ، وَقَالُوا: وَالله مَا لَاقَى مُحَمَّدٌ قَوْمًا يُحْسِنُونَ الْقِتَالَ، فَأَجْعُوا أَمْرَكُمْ فَسِيرُوا إِلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَسِيرَ إِلَيْكُمْ. وَكَانَ يَتَوَلَّى كِبْرَ أَمْرِهِمْ مَالِكُ بْنُ عَوْفٍ النَّضْرِيُّ سَيِّدُ هَوَازِنَ، وَكَانَ فَخُورًا مَغْرُورًا، يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ مَرَحًا وَخُيَلَاءَ، وَانْضَمَّتْ إِلَيْهِ ثَقِيفٌ يَقُودُهَا قَارِبُ بْنُ الْأَسْوَدِ، وَذُو الْحَمَارِ سُبَيْعُ بْنُ الْحَارِثِ، إلَى حَدٌ أَنَّ ثَقِيفًا كَانُوا أَشَدَّ سُرْعَةٌ

لِلْمَسِيرِ لِلَاقَاةِ مُحَمَّدٍ؛ اعْتِدَادًا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنْ حُصُونٍ حَصِينَةٍ وَطَعَامٍ كَثِيرٍ.

التَّهَيُّقُ لِلْمَسِير:

لما سَمِعَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بِجَمْعِ هَوَازِنَ وَثَقِيفِ أَخَذَ فِي التَّهَيُّةِ لِلْمَسِيرِ إِلَيْهِمْ، وَذَلِكَ فِي يَوْمِ السَّبْتِ السَّادِسِ مِنْ شَوَّالَ مِنَ السَّنَةِ الثَّامِنَةِ لِلْهِجْرَةِ، بَعْدَ أَنْ مَكَثَ

بمَكَّةَ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةٌ بَعْدَ الْفَتح.

436 (1/436)

صفحة 426

السيرة النبوية.

وَكَانَ عَدَدُ الجُيْشِ الْإِسْلَامِيِّ المُحَمَّدِي اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ رَجُلٍ، هُمُ الْعَشَرَةُ الآلاف الَّذِينَ جَاءُوا مَعَهُ لِفَتْح مَكَّةَ، وَانْضَافَ إِلَيْهِمْ أَلْفَانِ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ وَمَا حَوْلَهَا، وَكَانَ فِيهِمْ مَنْ لَمْ يَدْخُلْ فِي الْإِسْلَامِ بَعْدُ، وَإِنَّمَا صَحِبُوا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم رَغْبَةٌ فِي الْغَنَائِمِ إِنْ كَانَ الظُّفَرُ لَهُ، وَبَعْضُهُمْ كَانَ يُحَاوِلُ أَخَذَ غِرَّةٍ لِقَتْلِهِ غِيلَةَ انْتِقَامًا لَنْ قُتِلَ مِنْ آبَائِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَأَبْنَائِهِمْ فِي بَدْرٍ وَأُحُدٍ وَالخَنْدَقِ.

وَعَدَدُ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ رَجُلٍ فِي جَيْشِ وَاحِدٍ لَمْ يَأْلَفَهُ الْعَرَبُ فِي جَزِيرَتِهِمْ مِنْ قَبْلُ

حَتَّى قَالَ مَنْ قَالَ: لَنْ تُغْلَبَ الْيَوْمَ مِنْ قِلَّةِ.

وَهُوَ مَا يَعْنِيهِ قَوْلُ الله عَزَّ وَجَلَّ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ

حُنَيْنِ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَأَنتُم مُّدْبِرِينَ (2) وَعِنْدَمَا نَهيَّا النَّبِيُّ الْمَسِير إلى حُنَيْنٍ طَلَبَ مِنْ صَفْوَانَ بْن أُمَيَّةَ أَنْ يُعِيرَهُ أَدْرِعَةً فَقَالَ صَفْوَانُ: يَا مُحَمَّدُ طَوْعًا أَمْ كَرْهَا؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله: عَارِيَةٌ مُؤَدَّاةٌ. ثُمَّ قَالَ لَهُ: اكْفِنَا حَمْلَهَا، فَحَمَلَهَا صَفْوَانُ حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى أَوْطَاسٍ، فَدَفَعَهَا إِلَى النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.

- اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَاتُ فِي نُسِبَةِ هَذَا الْقَوْلِ، فَبَعْضُهُمْ يَنْسِبُهُ إِلَى النَّبِيِّ، وَبَعْضُهُمْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، وَبَعْضُهُمْ

إِلَى أَحَدِ الصَّحَابَةِ، وَنِسْبَتُهُ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم غَيْرُ صَحِيحَةٍ.

- التَّوْبَة، 25. (1/437)

صفحة 427

السيرة النبوية.

وَفِي الطَّرِيقِ إِلَى حُنَيْنِ وَأَوْطَاسٍ شَاهَدَ الصَّحَابَةُ الشَّجَرَةَ ذَاتَ أَنْوَاطِ" وَهِيَ شَجَرَةٌ خَضْرَاءُ عَظِيمَةٌ، كَانَتْ قُرَيْضٌ تَزُورُهَا وَتَذْبَحُ عِنْدَهَا الذَّبَائِحَ قَرَابِينَ لَهَا، وَيُعَلِّقُونَ عَلَيْهَا أَسْلِحَتَهُمْ، وَيَقْضُونَ عِنْدَهَا فِي كُلِّ مَرَّةٍ يَوْمًا كَامِلًا، فَهَاجَ ذَلِكَ الْمُنْظَرُ بَعْضَ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ كَانُوا حَدِيثي عَهْدِ بالإِسْلَام وَلَمْ يَتَخَلَّصُوا بَعْدُ مِنْ أُمُورِ الجَاهِلِيَّةِ كُل التخلص".

وَطَلَبُوا مِنَ النَّبِيِّ أَن تَجْعَلَهُمْ مِثْلَهَا، قَائِلِينَ: يَا رَسُولَ الله، اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا هُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ.

فَانْزَعَجَ النَّبِيُّ مِنْ هَذَا الطَّلَبِ الشِّرْكِيُّ، فَرَفَعَ صَوْتَهُ قَائِلًا مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ: اللهُ

أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، قُلْتُمْ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى: أَجْعَل لَّنَا إِلَهَا كَمَا هُمْ

(2)

وَالِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْم تَجْهَلُونَ).

هَوَازِنُ وَثَقِيفُ فِي أَوْطَاسِ:

وَسَارَتْ جُمُوعُ هَوَازِنَ وَثَقِيفٍ وَمَعَهُمْ نِسَاؤُهُمْ وَأَبْنَاؤُهُمْ وَحَيَوَانَاتُهُمْ وَدَوَاتُهُمْ حَتَّى نَزَلُوا بِأَوْطَاسِ، بِقِيَادَةِ مَالِكِ بْنِ عَوْفٍ النَّصْرِيِّ، وَخَرَجَ مَعَهُمْ دُرَيْدُ بْنُ الصَّمَّةِ

- فِي رَأْبِي أَنَّ الَّذِينَ قَالُوهَا هُمْ مِنْ بَعْضِ الْأَعْرَابِ حَدِيثِ الْعَهْدِ بِالْإِسْلَامِ، وَحَاشَا لِعِبَارِ الصَّحَابَةِ مِنَ

المُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ أَنْ يَطْلُبُوا ذَلِكَ الطَّلَبَ الشَّرْكِيَّ.

- الْأَعْرَاف، 138.

438 (1/438)

صفحة 428

السيرة النبوية.

الجشَمِيُّ، وَكَانَ شَيْخًا مُجُرِّباً، لَهُ مِنَ الْعُمُرِ مِائَةٌ وَسِتُونَ سَنَةٌ كَمَا قِيلَ، وَكَانَ قَدْ كَفَّ بَصَرُهُ، وَكَانَ فِي هَوْدَجِ يُقَادُ بِهِ، فَلَما نَزَلَ لَمَسَ الْأَرْضَ بِيَدِهِ، فَقَالَ: بِأَيِّ وَادٍ أَنْتُمْ؟ قَالُوا بِأَوْطَاسِ قَالَ: نِعْمَ عَجَالُ الخَيْلِ، لَا حَزْنٌ ضِرْسٌ، وَلَا سَهْل دَهْسٌ ثُمَّ أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ مَا سَمِعَهُ مِنْ أَصْوَاتِ النِّسَاءِ وَالْأَطْفَالِ وَالْبَهَائِمِ وَالدَّوَابٌ.

وَلَكِنَّ فَائِدَهُمْ مَالِكَ بْنَ عَوْفٍ أَصَرَّ عَلَى رَأْيِهِ الدَّاعِي إِلى إِخْرَاجِهِمْ مُعَلَّلاً ذَلِكَ بِحَمْلِهِمْ عَلَى عَدَمِ الْفِرَارِ مِنَ الْقِتَالِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ حَمِيَّةٌ مِنْهُمْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَذَرَارِيهِمْ، وَقَالَ: أَرَدْتُ أَنْ أَجْعَلَ خَلْفَ كُلِّ رَجُلٍ أَهْلَهُ وَمَالَهُ وَوَلَدَهُ وَنِسَاءَهُ حَتَّى يُقَاتِلَ عَنْهُمْ.

النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي حُنَيْن:

وَسَارَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى انْتَهَى إِلَى حُنَيْنِ، فَوَصَلَهَا مَسَاءَ الثَّلَاثَاءِ الْعَاشِرِ مِنْ 2 شَوَّالَ مِنَ السَّنَةِ الثَّامِنَةِ.

- قَالَ يَاقُوتُ الْحَمَوِيُّ: وَادٍ فِي دِيَارِ هَوَازِنَ فِيهِ كَانَتْ وَقْعَةٌ حُنَيْنِ مُعْجَمُ الْبُلْدَانِ)، بَابُ الْهَمْزَةِ وَالْوَاوِ

وما يليهما.

- قَالَ يَاقُوتُ الحَمَوِيُّ: هُوَ وَادٍ قَبْلَ الطَّائِفِ، وَقِيلَ وَادٍ بِجَانِبِ ذِي الْمَجَازِ (مُعْجَمُ الْبُلْدَانِ) بَابُ الْحَاءِ وَالنُّونِ وَمَا يَلِيهِمَا، وَهَذَا التَّحْدِيدُ يَخْتَلِفُ عَنِ التَّحْدِيدِ الَّذِي ذَكَرَهُ عَنْ أَوْطَاسِ، وَالظَّاهِرُ عَلَى مَا يَبْدُو مِنْ سِيَاقِ الْمُعَارِكِ أَنَّ أَوْطَاسَ وَحُنَيْنَ مَوْضِعَانِ قَرِيبٌ بَعْضُهُمَا مِنْ بَعْضٍ، فَأَوْطَاسُ أَرْضُ وَادٍ فَسِيحَةٌ، أَمَّا حُنَيْنُ فَوَادٍ ضَيِّقٌ بِهِ مَضَايِقُ وَشِعَابٌ، وَلِذَلِكَ اتَّخَذَهُ الْمُشْرِكُونَ مَكْمَنًا لِلْوَقِيعَةِ بِالْمُسْلِمِينَ.

T

1 (1/439)

صفحة 429

السيرة النبوية.

وَعَبَّا أَصْحَابَهُ، وَعَقَدَ الْأَلْوِيَةَ وَالرَّايَاتِ عَلَى أَصْحَابِهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ رَاعَى الْجَوَانِبَ النَّفْسِيَّةَ فِي تَوْزِيعِهَا، حَتَّى لَا يَكُونَ هُنَالِكَ تَذَمُّرٌ مِنْ بَعْضِ الْقِيَادَاتِ، وَمُرَاعَاةُ الجَوَانِبِ النَّفْسِيَّةِ مُهِمَّةٌ جِدًّا لَاسِيَّما في مِثْلِ هَذِهِ الْمَوَاقِفِ، وَهُوَ مِنَ التَّوْجِيهِ المُعْنَوِي لِلْجُيُوشِ فِي الْحُرُوبِ.

الْمَعْرَكَةُ:

ثُمَّ انْتَقَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابُهُ مِنْ مَكَانِهِمْ مُنْحَدِرِينَ فِي وَادِي حُنَيْنٍ عِنْدَ غَلَسِ الصُّبْحِ، فَما شَعَرُوا إِلَّا وَكَتَائِبُ المُشْرِكِينَ تَخْرُجُ عَلَيْهِمْ مِنْ مَضَابِقِ الْوَادِي وَشِعَابِهِ، الْأَمْرُ الَّذِي فَاجَأَ الْمُسْلِمِينَ، فَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ مُنْهَزِمِينَ، وَالْتَفَتَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَمِينًا وَشِمَالًا فَمَا كَانَ يَرَى أَصْحَابَهُ إِلَّا مُوَلِّينَ مُدْبِرِينَ، فَأَخَذَ يَصِيحُ بِهِمْ مُنَادِيًا: يَا أَنْصَارَ الله، وَيَا أَنْصَارَ رَسُولِهِ.

ثُمَّ أَمَرَ عَمَّهُ الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مِمَّنْ ثَبَتُوا عِنْدَهُ أَنْ يَصْرُخَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ لَهُ: اصْرُخ، يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، يَا أَصْحَابَ السَّمُرَةِ، وَكَانَ الْعَبَّاسُ جَهِيرَ الصَّوْتِ، فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ قَائِلِينَ: لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ، وَاسْتَمَرَّ الْقِتَالُ مِنْ جَدِيدٍ، فَنَظَرَ النَّبِيُّ إلَيْهِمْ فَقَالَ: الْآنَ حَيَ الْوَطِيسُ.

وَهِيَ مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ فَاهَا، وَمَا كَانَتِ الْعَرَبُ تُعَبِّرُ بِهَا مِنْ قَبْلُ، وَأَنْزَلَ اللهُ نَصْرَهُ لِنَبِيِّهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ، يَقَوْلُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ

44 (1/440)

صفحة 430

لا

السيرة النبوية.

كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثَرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُديرين) ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ. وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا أَوْ تَرَوْهَا وَعَذَبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جزَاءُ الكَفِرِينَ)).

هَزِيمَةُ الْمُشْرِكِينَ:

بَعْدَ أَنْ تَابَ المُسْلِمُونَ أَوْ عَدَدٌ مِنْهُمْ إِلَى نَبِيَّهِمْ، صلى الله عليه وسلم، وَثَبَتُوا عِنْدَهُ ثَبَات الْجِبَالِ الرَّوَاسِي اسْتَطَاعُوا بِأَمْرِ الله عَزَّ وَجَلَّ هَزِيمَةَ المُشْرِكِينَ، وَأَخَذَ الْمُسْلِمُونَ يَتَتَبَّعُونَ المُشْرِكِينَ مُنْهَزِمِينَ، فَأَسَرُوا مِنْهُمْ أُسَارَى وَغَنِمُوا الْغَنَائِمَ، وَصَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ مُحَمَّدًا، ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ، وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ

تروها.

وَنَهَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أَصْحَابَهُ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالْأَوْلَادِ وَالْأَجَرَاءِ وَالْعَبِيدِ المُسْتَعَانِ بهِمْ إِلَّا مَنْ قَاتَلَ مِنْهُمْ، وَتَأَسَّفَ عَلَى قَتْلِ امْرَأَةٍ كَانَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ قَدْ قَتَلَهَا، وَمَرَّ عَلَى امْرَأَةٍ أُخْرَى مَقْتُولَةٍ فَسَأَلَ عَنْ قَاتِلِهَا فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: أَنَا قَتَلْتُهَا لأنها أَرَادَتْ قَبْلي. فَأَمَرَ بدَفْنِهَا.

وَرَأَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مُكَافَاةَ الصَّابِرِينَ عَلَى الْقِتَالِ اعْتِرَافًا مِنْهُ بِتَضْحِيَّاتِهِمْ ومَوَاقِفِهِمْ وَثَبَاتِهِمْ فَقَالَ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ، تَرْغِيبًا وَتَشْجِيعًا مِنْ

- التَّوْبَة: 25، 26. (1/441)

صفحة 431

السيرة النبوية.

بَذَلَ جُهْدَهُ فِي قِتَالِ المُشْرِكِينَ وَنَالَ مِنْهُمْ، فَكَانَ أَبُو قَتَادَةَ قَدْ قَتَلَ قَتِيلًا، وَلَكِنَّ سَلَبَهُ صَارَ عِنْدَ رَجُلٍ، آخَرَ فَاسْتَشْهَدَ عَلَيْهِ أَبو قَتَادَةَ مَنْ شَهِدَ لَهُ بِذَلِكَ؛ حَتَّى اعْتَرَفَ السَّالِبُ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ بدفع السَّلبِ إلى أبي فَتَادَةَ لأَنَّهُ صَاحِبُهُ، فَبَاعَ أَبُو قَتَادَةَ ذَلِكَ السَّلَبَ وَاشْتَرَى بِهِ بُسْتَانًا فِي المَدِينَةِ، فَكَانَ أَوَّلَ مَالٍ تَمَلَّكَهُ فِي الْإِسْلَامِ، وَكَانَ الَّذِينَ صَبَرُوا يَوْمَ حُنَيْنٍ بَعْدَ الانْكِسَارِ حَوَالَيْ مِائَةِ رَجُلٍ، ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَسَبْعَةٌ وَسِتُونَ مِنَ الْأَنْصَارِ.

وَلَقَدْ أَظْهَرَتْ نِسَاءُ الْأَنْصَارِ مِنْ قُوَّةِ الشَّكِيمَةِ وَالصَّبْرِ وَالْجَلَدِ الشَّيْءَ الْكَثِيرَ، وَأَبْلَيْنَ الْبَلَاءَ الْحَسَنَ فِي قِتَالِ المُشْرِكِينَ وَالدِّفَاعِ عَنِ النَّبِيِّ، كَأُمّ سُلَيْمٍ وَأُمّ عُمَارَةَ وَأُمَّ الْحَارِثِ وَأُمَّ سَلِيطٍ وَغَيْرِهِنَّ، حَتَّى أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ كَانَتْ مِنْ شِدَّةِ حَنَقِهَا عَلَى الْفَارِّينَ أَشَارَتْ إِلَى النَّبِيِّ بِقَتْلِهِمْ، وَلَكِنَّهُ أَجَابَهَا مُتَلَطَّفًا بهَا قَائِلًا لَهَا: يَا أُمَّ سُلَيْمٍ، قَدْ كَفَى اللَّهُ، عَافِيَةُ الله أَوْسَعُ. وَانْتَهَتِ المُعْرَكَةُ بِنَصْرِ الله مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ الْقَلِيلِينَ الصَّابِرِينَ، فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لما انْكَشَفَتِ النَّاسُ: وَالله مَا رَجَعْتُ رَاجِعَةَ هَزِيمَتِهِمْ حَتَّى وَجَدَ الْأَسْرَى عِنْدَ النَّبِيِّ

مكتفين.

وَفَرَّ المُشْرِكُونَ، وَتَرَكُوا أَمْوَاهُمْ وَأَهْلِيهِمْ لِلْأَسْرِ وَالْغَنِيمَةِ، وَأَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِمُطَارَدَةِ الْقَوْمِ بَعْدَ هَزِيمَتِهِمْ، فَتَبِعَهُمُ المُسْلِمُونَ يَقْتُلُونَ وَيَأْسِرُونَ.

442 (1/442)

صفحة 432

ه

السيرة النبوية.

وَكَانَ هُنَاكَ رَجُلٌ اسْمُهُ بَجَادٌ السَّعْدِيُّ قَدْ أَحْدَثَ جُرْمًا شَنِيعًا بِقَتْلِهِ رَجُلًا مُسْلِمًا وَتَقْطِيعِهِ عُضْوا عُضْوا، ثُمَّ حَرْقِهِ بِالنَّارِ، فَأَوْعَزَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِلَى أَصْحَابِهِ أَنْ لَا يَفْلِتَ مِنْهُمْ، فَأَسَرُوهُ وَأَسَرُوا مَعَهُ الشَّيْمَاءَ بِنْتَ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى السَّعْدِيَّةَ، وَهِيَ أُخْتُ رَسُولِ الله مِنَ الرَّضَاعَةِ، فَلَها عَنْفُوا عَلَيْهَا فِي السَّيَاقِ ذَكَرَتْ لَهُمْ أَنها أُخْتُ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنَ الرَّضَاعَةِ فَلَمْ يُصَدِّقُوهَا حَتَّى أَوْصَلُوهَا إِلَيْهِ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ، وَذَكَرَتْ عَلَامَاتِ الصَّبَا، وَهِيَ عَضَةٌ عَضَهَا إِيَّاهَا، وَلَا يَزَالُ أَثَرُهَا بَاقِيَا، فَلَا عَرَفَهَا رَقَّ لَهَا وَعَطَفَ عَلَيْهَا، حَتَّى أَنَّهُ وَثَبَ لَهَا قَائِمًا وَخَيَّرَهَا بَيْنَ الْإِقَامَةِ عِنْدَهُ عَحَبُوبَةٌ مُكَرَّمَةٌ أَوِ الرُّجُوعِ إِلَى قَوْمِهَا، فَاخْتَارَتِ الرُّجُوعَ، فَأَحْسَنَ إِلَيْهَا وَأَكْرَمَهَا وَأَعْطَاهَا عَطَاءٌ جَزِيلاً كَمَا شَفَعَتْ فِي بَجَادٍ فَشَفَعَهَا فِيهِ وَعَفَا عَنْهُ.

وَلَا هُزِمَتْ هَوَازِنُ وَثَقِيفُ انْحَازُوا إِلَى جِهَاتٍ ثَلَاثٍ، فَقَدْ ذَهَبَتْ فِرْقَةٌ إِلَى أَوْطَاسِ الْقَرِيبَةِ مِنْ حُنَيْنٍ، وَفِرْقَةٌ ذَهَبَتْ إِلَى نَخْلَةَ، وَذَهَبَتْ فِرْقَةٌ ثَالِثَةٌ إِلَى الطَّائِفِ. وَكَانَ سَيِّدُ هَوَازِنَ وَقَائِدُهَا مَالِكُ بْنُ عَوْفٍ النَّصْرِيُّ مَرَّ هَارِبًا إِلَى الطَّائِفِ لِلتَّحَصُّن بأحَدِ حُصُوهَا الْفَائِقَةِ التَّحْصِينِ.

وَالظَّاهِرُ أَنَّ فِي أَوْطَاسِ دَارَتْ مَعْرَكَةٌ أُخْرَى، وَقُتِلَ مِنْهَا مِنَ المُسْلِمِينَ أَبو عَامِرٍ الْأَشْعَرِيُّ، أَمَّا المُشْرِكُونَ فَقَدْ مُنُوا بِهَزِيمَةٍ مُنْكَرَةٍ أُخْرَى كَانَ نَصِيبُهُمْ فِيهَا الْقَتْلَ

وَالْأَمْرَ وَغَنِيمَةَ أَمْوَالِهِمْ.

443 (1/443)

صفحة 433

السيرة النبوية.

وَمِنْ هُنَالِكَ تُجْمِعُ المُصَادِرُ بَيْنَ حُنَيْنٍ وَأَوْطَاسٍ فِي اسْمِ الْمُعْرَكَةِ، فَأَحْيَانًا يُعَبَّرُ عَنْهَا بِمَعْرَكَةِ أَوْ غَزْوَةِ أَوْطَاسِ، وَأَحْيَانًا بِمَعْرَكَةِ أَوْ غَزْوَةِ حُنَيْنٍ، وَهُوَ الْعُنْوَانُ الَّذِي

اخْتَرْنَاهُ، وَهُوَ التَّعْبِيرُ الْقُرْآنِيُّ.

السَّمَائَةُ وَمُحَاوَلَةُ الاغْتِيَالِ:

ما وَلَّى المُسْلِمُونَ مُدْبِرِينَ مِنْ وَادِي حُنَيْنٍ بَعْدَمَا فَاجَأَهُمُ المُشْرِكُونَ بِالنُّجومِ فِي عَلسِ الْفَجْرِ، ظَهَرَتِ السَّمَاتَةُ مِنْ بَعْضِ قُرَيْشٍ، فَقَدْ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ: لَا تَنتَهِي هَزِيمَتُهُمْ دُونَ الْبَحْرِ.

وَقَالَ كِلْدَة بن الحنبل أَخُو صَفْوَانَ بْن أُمَيَّةَ لِأُمِّهِ: أَلَا بَطَلَ السِّحْرُ الْيَوْمَ غَيْرَ أَنَّ صَفْوَانَ وَكَانَ لَا يَزَالُ عَلَى شِرْكِهِ، أَخَذَتْهُ الحَمِيَّةُ القَبَلِيَّةُ، فَأَجَابَهُ: اسْكُتْ فَضَّ اللَّهُ

فاكَ، لَئِنْ يَرَيَنِّي رَبِّ مِنْ قُرَيْشٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَرَيَنِّي رَبِّ مِنْ هَوَازِنَ.

وَقَالَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو: لَا يَجْتَبِرُهَا مُحَمَّدٌ وَأَصْحَابُهُ، وَلِذَلِكَ قَالَ الْوَاقِدِيُّ: (وَخَرَجَ رِجَالٌ مِنْ مَكَّةَ مَعَ النَّبِيِّ، فَلَمْ يُغَادِرُ مِنْهُمْ أَحَدٌ عَلَى غَيْرِ دِينِ رُكْبَانًا وَمُشَاءٌ يَنظُرُونَ مَنْ تَكُونُ الدَّائِرَةُ فَيُصِيبُونَ مِنَ الْغَنَائِمِ، وَلَا يَكْرَهُونَ أَنْ تَكُونَ

(1)

الصَّدْمَةُ مُحَمَّد) (1).

444

(1)

- المغازي، 39، ص 894. (1/444)

صفحة 434

السيرة النبوية.

بَيْنَمَا هَمَّ رِجَالٌ مِنْهُمْ بِأَخْذِ النَّبِيِّ عَلَى الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى حِينِ غِرَّةٍ؛ لِيَغْتَالُوهُ قَتْلًا، وَقَدْ هَمَّ بِذَلِكَ شَيْبَةُ بْنُ عُثمانَ، وَصَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ، وَلَكِنَّ اللَّهَ مَنَعَ عَبْدَهُ وَنَبِيَّه

مِنْهُمَا، فَأَخْبَرَ الْوَحْيُ عَنْهُما بِمَا كَانَا قَدْ هَمَّا بِهِ.

وَكَانَ شَيْبَةٌ قَدْ قُتِلَ أَبُوهُ عُثمَانُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ وَأَعْمَامُهُ يَوْمَ أُحُدٍ، وَأَمَّا صَفْوَانُ فَقَدْ

قُتِلَ أَبُوهُ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ يَوْمَ بَدْرٍ.

4450 (1/445)

صفحة 435

السيرة النبوية.

شُهَدَاءُ الْإِسْلَامِ

اسْتُشْهِدَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ حُنَيْنٍ أَرْبَعَةٌ، وَهُمْ:

1 - أَيْمَنُ بْنُ عُبَيْدِ، وَهُوَ ابْنُ أَمْ أَيْمَنَ مَوْلَاةِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم

2 - سُرَاقَةُ بْنُ الْحَارِثِ الْأَنْصَارِيُّ.

3 - رُقَيْمُ بْنُ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيُّ.

-

4 - أبو عَامِرِ الْأَشْعَرِيُّ.

رَأْيُّ

في رأيي أَنَّ انْكِسَارَ المُسْلِمِينَ أَوِ الْيَزَامَهُمْ لَمْ يَكُنْ هَزِيمَةٌ بِالْمَعْنَى المَعْرُوفِ، وَلَا فِرَارًا مِنَ الصَّفِّ فِي الْقِتَالِ، وَإِنَّمَا هُوَ ارْتِبَاكٌ أَحْدَثَهُ بَنُو سُلَيْمٍ الَّذِينَ كَانُوا يُمَثْلُونَ جَنَاحًا كَبِيرًا فِي أَصْحَابِ النَّبِيِّ، وَكَانُوا غَيْرَ رَاغِبِينَ فِي قِتَالِ هَوَازِنَ وَثَقِيفِ نَظَرًا إِلَى جَامِعَةِ النَّسَبِ بَيْنَهُمْ، فَهُمْ جَمِيعًا يَرْجِعُونَ إِلَى قَيْسِ بْنِ عَيْلَانَ المُضَرِي النَّزَارِي الْعَدْنَانِيِّ، فَلِذَلِكَ وَلَوُا الْأَدْبَارَ عَنْ قِتَاهِمْ، وَتَبِعَهُمْ مَنْ تَبِعَهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ وَغَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّ الْوَقْتَ كَانَ غَلَسًا، فَلَمْ يَتَبَيَّنِ الْأَمْرُ لِكَثِيرِ مِنَ الْجُيْشِ، فَظُنُّوا أَنَّ الإِنْسِحَابَ مِنَ المُوَاجَهَةِ هُوَ الْمُوْقِفُ الْحَاصِلُ، وَمِنَ المَعْلُومِ أَنَّ سُلَيْمَ قَبِيلَةٌ بَدَوِيَّةٌ، وَأَكْثَرُهُمْ إِنْ لَمْ يَكُونُوا جَلُّهُمْ حَدِيثُ عَهْدِ الْإِسْلَام وَالاصْطِفَافُ الْقَيْلِيُّ كَانَ هُوَ السَّائِدَ بَيْنَ الْقَبَائِلِ،

446 (1/446)

صفحة 436

السيرة النبوية -

وَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ بِمَحْوِ الْعَصَبِيَّةِ الْقَبْلِيَّةِ، وَكَرَّسَ مَبَادِئَ الانْقِيَادِ وَالْخُضُوعِ وَالاحْتِكَامِ إِلَى الْإِسْلَامِ وَحْدَهُ، وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن

(1) ,

يكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا} ().

وَلَكِنَّ الْعَصَبِيَّةَ ظَلَّتْ مُتَأَصْلَةٌ فِي قَبَائِلِ الْعَرَبِ، وَلِذَلِكَ لَّا اشْتَرَمَتْ هَوَازِنُ، وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ بِمُطَارَدَتِهِمْ لِقَتْلِهِمْ أَوْ أَسْرِهِمْ نَادَتْ سُلَيْمٌ بَعْضَهَا بِالْقَوْلِ: ارْفَعُوا عَنْ بَنِي أُمَّكُمُ الْقَتْلَ. وَفِي نَفْسِ السِّيَاقِ نَفْهَمُ أَيْضًا مَوْقِفَ الْأَنْصَارِ المُتَشَدِّدَ مِنْ هَوَازِنَ؛ لِأَنَّ الْأَنْصَارَ مِنَ الْأَزْدِ مِنْ قَحْطَانَ، يَقُولُ الْوَاقِدِيُّ: (وَأَخَذَهَا) - أي الشَّيماء - طَائِفَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَكَانُوا أَشَدَّ النَّاسِ عَلَى هَوَازِنَ".

وَلِذَلِكَ أَمَرَ رَسُولُ الله عَمَّهُ الْعَبَّاسَ أَنْ يُنَادِيَ: يَا الْأَنْصَارُ، يَا أَهْلَ السَّمُرَةِ،

وَهُمْ أَهْلُ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ.

T

- الأَحْزَاب، 36. - المغازي، ج 3، ص 913.

447 (1/447)

صفحة 437

غَزْوَةُ الطَّائِفِ (1/449)

صفحة 438

السيرة النبوية. غَزْوَةُ الطَّائِفِ

كَانَتْ ثَقِيفٌ قَبْلَ تَوَجُهِهَا إِلَى حُنَيْنِ أَصْلَحَتْ حُصُوتَها، فَعَمِلَتْ لَمَا الصِّيَانَةَ اللَّازِمَةَ، وَمَلَانهَا مِنَ المَوَادُ الْغِذَائِيَّةِ الشَّيْءَ الْكَثِيرَ، كَمَا أَنَّهُمْ أَرْسَلُوا عُرْوَةَ بْنَ مَسْعُودٍ وَغَيْلَانَ بْنَ سَلَمَةَ الثَّقَفِيَّيْنِ إِلَى مَدِينَةِ جَرَشٍ لِتَعَلُّمِ صُنْعِ الدَّبَّابَاتِ وَالْمُجَانِيقِ وَالصِّنْبُورِ إِعْدَادًا لِلدِّفَاعِ عَنِ الطَّائِفِ تَحَسُّبًا لِحِصَارِهِمْ فِيهَا مِنْ قِبَلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ. التوجه إلى الطَّائِفِ:

وَمَا أَنْ فَرَغَ المُسْلِمُونَ مِنْ هَزِيمَةِ الْمُشْرِكِينَ فِي حُنَيْنٍ وَأَوْطَاسِ وَنَخْلَةَ، حَتَّى أَخَذَ النَّبِيُّ في التَّوَجُهِ بِأَصْحَابِهِ إِلَى الطَّائِفِ الحِصَارِهَا لِكَيْ يَسْتَسْلِمَ أَهْلُهَا وَيُسْلِمُوا.

فَخَرَجَ مِنْ أَوْطَاسٍ مَارًّا بِنَخْلَةِ الْيَمَانِيَةِ حَتَّى وَصَلَ بِحَرَّةِ الرُّغَاءِ فِي لَيَّة فَصَلَّى فِيهَا الظُّهْرَ وَابْتَنَى بِهَا مَسْجِدًا وَأَثْنَاءَ نُزُولِهِ بِهَا اخْتَصَمَ إِلَيْهِ بَنُو لَيْثٍ وَبَنُو هُذَيْلٍ، وَذَلِك أَنَّ رَجُلًا مِنْ لَيْثٍ قَتَلَ رَجُلًا مِنْ هُدَيْلِ، فَدُفِعَ اللَّيْنِيُّ الْقَاتِلُ إِلَى الهُدَيْلِيِّينَ فَقَتَلُوهُ فَصَاصًا، فَكَانَ هَذَا أَوَّلَ دَمٍ أُقِيدَ بِهِ فِي الْإِسْلَامِ. وَرَأَى رَسُولُ اللَّهِ قَصْرًا كَانَ هُنَالِكَ، فَسَأَلَ عَنْهُ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُ مَالِكِ بْنِ عَوْفٍ النَّصْرِي سَيّدِ هَوَزانَ وَقَائِدِهَا، فَأَمَرَ بِهَدْمِهِ فَهُدِّمَ، وَمِنْطَقَةُ "لَيَّةَ" هِيَ دَارُ بَنِي نَصْرِ الَّذِينَ يَنتَمِي إِلَيْهِمْ مَالِكٌ أُسَرِيَّا. وَكَانَ بِهَا قَبْرُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَعَنَ اللهُ صَاحِبَ هَذَا الْقَيْرِ، فَقَدْ كَانَ يُحَادُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَسَمِعَهُ عَمْرُو وَأَبَانٌ ابْنَا سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، فَقَالَا: لَعَنَ اللَّهُ أَبَا قُحَافَةَ، فَقَدْ كَانَ لَا

450 (1/450)

صفحة 439

السيرة النبوية.

يَقْرِي الضَّيْفَ، وَلَا يَمْنَعُ الضَّيْمَ. فَقَالَ رَسُولُ الله: إِنَّ سَبِّ الْأَمْوَاتِ يُؤْذِي الْأَحْيَاءَ

وَلَكِنْ إِذَا أَرَدْتُمُ الْمُشْرِكِينَ فَعَمِّمُوا.

الْوُصُولُ إِلَى الطَّائِفِ:

وَسَارَ رَسُولُ الله بِالمُسْلِمِينَ حَتَّى نَزَلُوا قَرِيبًا مِنْ حِصْنِ بِالطَّائِفِ، فَتَسَاقَطَ عَلَيْهِمُ النَّبْلُ مِنَ الحِصْنِ كَأَنَّهُ رِجْلُ جَرَادٍ حَتَّى أُصِيبَ أُنَاسٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَأَمَرَهُمْ بِالتَّحَوُّلِ مِنْ ذَلِكَ المَكَانِ إِلَى مَكَانٍ آخَرَ بَعِيدًا عَنِ الْحِصْنِ، حَيْثُ مَسْجِدُ الطَّائِفِ بَعْدَ ذَلِكَ. وَكَانَ مَعَ رَسُولِ الله زَوْجَتَاهُ أُمُّ سَلَمَةَ وَزَيْنَبُ، فَضَرَبَ لهما قبنَيْنِ، وَكَانَ يُصَلِّي بَيْنَهُما

أَثْنَاءَ إِقَامَتِهِ هُنَالِكَ، ثُمَّ بُنِي مَسْجِدٌ فِي ذَلِكَ المَوْضِعِ بَعْدَ ذَلِكَ.

حِصَارُ الطَّائِفِ

وَنَصَبَ رَسُولُ الله الْحِصَارَ عَلَى ثَقِيفٍ، وَاسْتَعْمَلَ المُسْلِمُونَ الدَّبَّابَاتِ وَالمُجَانِيقَ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ، وَلَكِنَّ ثَقِيفًا تَمَكَّنُوا مِنْ إِحْرَاقِ الدَّبَّابَةِ بِرَمْيِهِمْ قِطَعًا مِنَ الْحَدِيدِ المُحَمَّاةِ عَلَيْهَا، فَاحْتَرَقَتْ، فَخَرَجَ مَنْ فِيهَا بَعْدَ أَنْ أُصِيبَ مِنْهُمْ مَنْ أُصِيبَ.

وَكَانَ يَزِيدُ بْنُ زَمْعَةَ بْنِ الْأَسْوَدِ الْأَسَدِيُّ الْقُرَشِيُّ ذَهَبَ إِلَى ثَقِيفِ يُرِيدُ أَنْ يُكَلِّمَهُمْ، فَأَمَّنُوهُ بَعْدَ أَنْ طَلَبَ الْأَمَانَ مِنْهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ غَدَرُوا بِهِ، فَرَمَاهُ هُذَيْلُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ، وَهُوَ أَخُو أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ فَقَتَلَهُ، وَيُقَالُ: إِنَّ يَزِيدَ جَمَحَ بِهِ فَرَسُهُ قَرِيبًا مِنَ الْحِصْنِ، فَرَمَاهُ هُذَيْلٌ فَقَتَلَهُ.

451 (1/451)

صفحة 440

السيرة النبوية.

تكَمَنَ يَعْقُوبُ بْنُ زَمْعَةَ أَخُو يَزِيدَ ذَاتَ يَوْمٍ قَرِيبًا مِنَ الْحِصْنِ، فَخَرَجَ مِنْهُ هُدَيْلٌ فَأَمْسَكَ بِهِ يَعْقُوبُ أَسِيرًا، فَجَاءَ بِهِ إِلَى رَسُولِ الله، فَأَمْكَنَهُ مِنْهُ، فَضَرَبَ عُنقَهُ بِأَخِيهِ.

وَكَضَغْطِ عَلَيْهِمْ نَتِيجَةَ امْتِنَاعِهِمْ فِي حُصُونِهِمْ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ بِحَرْقٍ مَزَارِعِهِمْ، وَكَانَتْ مِنَ الْأَعْنَابِ، فَلَمَّا أَخَذَ المُسْلِمُونَ فِي قَطْعِهَا، نَادَى سُفْيَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التَّقَفِيُّ رَسُولَ الله أَنْ يَدَعَهَا للَّه وَلِلرَّحِمِ، فَقَالَ: أَدَعُهَا اللهُ وَلِلرَّحِمِ.

وَبِمَا أَنَّ الطَّائِفَ بِلَادُ زَرْعٍ، كَانَ لِأَهْلِهَا عَبِيدٌ كَثِيرُونَ، فَنَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَيُّهَا عَبْدِ نَزَلَ مِنَ الْحِصْنِ وَخَرَجَ إِلَيْنَا فَهُوَ حُرِّ، فَنَزَلَ حَوَالَي عِشْرِينَ عَبْدًا مِنْهُمْ مَنْ صَارَتْ لَهُ أَوْ لِوَلَدِهِ أَوْ لِعَقِبِهِ مَكَانَةٌ فِي الْإِسْلَام وَلا كَلَّمَهُ زُعَمَاءُ تَقِيفٍ فِيهِمْ بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ أَنْ يَرُدَّهُمْ فِي الرِّقْ قَالَ هَمْ: أُولَئِكَ عُتَقَاءُ اللَّهُ لَا سَبِيلَ إِلَيْهِمْ. فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَاغْتَاظُوا عَلَى عَبِيدِهِمْ.

بَيْدَ أَنَّهُ رَدَّ وَلَاءَ بَعْضِ الْعَبِيدِ إِلَى سَادَاتِهِمْ بَعْدَ أَنْ أَسْلَمُوا.

وَأَثْنَاءَ حِصَارِ الطَّائِفِ قَدِمَ إِلَى النَّبِيِّ الطَّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو الدَّوْسِيُّ فِي أَرْبَعِيانَةٍ مِنْ قَوْمِهِ بَعْدَ أَنْ قَامَ بِهَدم الصَّنَمِ ذِي الْكَفَّيْنِ، وَكَانَ قَدْ أَمَرَهُ النَّبِيُّ بِهَدْمِهِ فِي شَوَّالَ مِنَ السَّنَا الثَّامِنَةِ، وَكَانَ الصَّنَمُ ذُو الْكَفَّيْنِ تَعْبُدُهُ دَوْسٌ مِنَ الْأَزْدِ، وَيُقَالُ: إِنَّ الطِّفَيْلَ هُوَ الَّذِي قَدِمَ بِدَبَّابَةٍ وَمِنْجَنِيقِ، فَأَفَادَ المُسْلِمُونَ مِنْهُمَا فِي حِصَارِ الطَّائِفِ.

452 (1/452)

صفحة 441

الانْسِحَابُ:

السيرة النبوية.

بَعْدَ حِصَارٍ لِلطَّائِفِ دَامَ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا أَمَرَ رَسُولُ الله بِالانْسِحَابِ وَفَتْ الحِصَارِ، فَضَحٌ الْمُسْلِمُونَ وَتَذَمَّرُوا إِذْ كَيْفَ يَنْسَجِبُونَ وَلَمْ يَفْتَحُوا الطَّائِفَ، وَلا رَأَى النَّبِيُّ مَوْقِفَهُمْ ذَلِكَ وَافَقَهُمْ عَلَى الْبَقَاءِ وَمُوَاصَلَةِ الْقِتَالِ، فَأَصَابَتْهُمْ حَرَاحَاتٌ، وَهُنَاكَ اسْتَغَلَّ النَّبِيُّ الْمُوْقِفَ فَأَمَرَ بِالرَّحِيلِ، فَوَافَقُوا عَلَى ذَلِكَ مَسْرُورِينَ، فَجَعَلُوا يَرْحَلُونَ، وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَضْحَكُ.

وَهَكَذَا هِيَ الْقِيَادَةُ إِذَا مَا بُنِيَتْ عَلَى المُشَارَكَةِ فِي اتَّخَاذِ الْقَرَارِ، فَإِنَّ الاسْتِجَابَةَ

تَكُونُ لَهَا أَكْبَرَ، وَالتَّنْفِيذَ يَكُونُ لَهَا أَسْرَعَ وَأَكْثَرَ افْتِنَاعًا.

وَرَحَلَ رَسُولُ الله عَنِ الطَّائِفِ وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ اهْدِ ثَقِيفًا وَالْتِ بهم؛ لأَنَّهُ

أُرْسِلَ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، وَلَمْ يُرْسَلْ نَقْمَةً عَلَيْهِمْ.

شُهَدَاءُ الطَّائِفِ:

اسْتُشْهِدَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، وَهُمْ:

1 - سَعِيدُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أُمَيَّةَ.

- عُرْفُطَةُ بْنُ الْحُبَابِ بْنِ حَبِيبٍ.

3 - يَزِيدُ بْنُ زَمْعَةَ بْنِ الْأَسْوَدِ.

4 - عَبْدُ الله بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ المُغِيرَةِ.

453 (1/453)

صفحة 442

السيرة النبوية.

ه - عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ.

-6 - السَّائِبُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ قَيْس.

جُلَيْحَةُ بْنُ عَبْدِ الله بْنِ مُحَارِبٍ.

- ثَابِتُ بْنُ الجزع.

- الْحَارِثُ بْنُ سَهْلِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ.

10 - الْمُنْذِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَوْفَلٍ. -

11 - عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسٍ.

12 - عَبْدُ الله بْنُ أَبِي بَكْرٍ مَاتَ بَعْدَ ذَلِكَ مُتَأَثَرًا بِجِرَاحِهِ).

فَكَانَ تَجْمُوعُ الشُّهَدَاءِ اثْنَيْ عَشَرَ، سَبْعَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ، وَأَرْبَعَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ،

وَوَاحِدٌ مِنْ لَيْثٍ.

إِسْلَامُ ثَقِيف:

رَأَتْ ثَقِيفٌ أَنَّ قُرَيْشًا دَخَلُوا فِي الْإِسْلَام وَأَنَّ الْعَرَبَ مِنْ حَوْلِهِمْ دَخَلُوا فِي الْإِسْلَامِ، وَتَشَاوَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، وَرَأَوْا أَنَّهُمْ لا طَاقَةَ لَهُمْ بِالْحَرْبِ، لَاسِيَّمَا وَأَنَّ مَالِكَ بْنَ عَوْفٍ النَّصْرِيَّ الَّذِي كَانَ قَائِدَهُمْ فِي مَعْرَكَةِ حُنَيْنٍ قَدْ دَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ،

454 (1/454)

صفحة 443

- السيرة النبوية.

وَاسْتَعْمَلَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَى هَوَازِنَ وَعَلَى الْقَبَائِلِ الْمُجَاوِرَةِ، فَأَخَذَ فِي مُقَاوَمَةِ ثَقِيف وَمُحاصَرَتِهِمْ وَالتَّفْسِيقِ عَلَيْهِمْ وَالاسْتِيلاء عَلَى أَمْوَالِهِمْ مِنْ إِبِلٍ وَشَاءٍ حَتَّى ضَجُوا مِنْ

ذلِكَ.

فَأَخَذُوا فِي الذَّهَابِ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِالمَدِينَةِ فُرَادَى وَجَمَاعَاتٍ لِيُدْخِلُوا فِي الْإِسْلَام فَكَانَ أَوَّهُمْ فِي ذَلِكَ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ الَّذِي سَارَ إِلَى المَدِينَةِ، وَأَعْلَنَ إِسْلَامَهُ لَدَى النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَاسْتَأْذَنَهُ فِي الْعَوْدَةِ إِلَى قَوْمِهِ بِالطَّائِفِ وَدَعْوَتِهِمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَأَذِنَ لَهُ بَعْدَ أَنْ حَذَرَهُ الْقَتْلَ مِنْ قِبْلِهِمْ، وَلَكِنَّ عُرْوَةَ كَانَ يَظُنُّ أَنَّهُ عَبُوبٌ لَدَى قَوْمِهِ، وَأَنَّهُمْ مُطِيعُوهُ وَغَيْرُ مُخَالِفِيهِ فِيمَا دَخَلَ فِيهِ، وَجَاءَ بِهِ إِلَيْهِمْ، فَمَا كَانَ مِنْ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ رَمَوْهُ بِالنَّبْلِ فَقَتَلُوهُ بَعْدَ عِلْمِهِمْ بِإِسْلَامِهِ. ثُمَّ قَدِمَ وَقُدُ ثَقِيفٍ فِي رَمَضَانَ مِنَ السَّنَةِ التَّاسِعَةِ لِلْهِجْرَةِ، فَدَخَلُوا فِي الْإِسْلَام بَعْدَ أَنْ طَلَبُوا مِنَ النَّبِيِّ أَنْ يُقرَّهُمْ عَلَى الزِّنَى فَأَبَى، ثُمَّ عَلَى الرِّبَا فَأَتِي، ثُمَّ عَلَى الْخَمْرِ فَأَبَى، ثُمَّ عَلَى الْإِعْفَاءِ مِنَ الصَّلَاةِ فَأَبَى، ثُمَّ عَلَى تَرْكِ الرَّيَّةِ وَهِيَ الصَّنَمُ الَّذِي يَبْعُدُونَهُ فَأَبَى، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عُثمانَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ التَّقَفِيَّ، وَكَانَ شَابًّا فِيهِمْ، أَنْ يُقِيمَ هُمْ شَعَائِرَ الدِّينِ.

وَاسْتَعْفَوُا النَّبِيِّ مِنْ هَدْم (الرَّيَّةِ)، فَبَعَثَ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ وَالْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ هدْمِهَا فَهَدَمَاهَا وَاسْتَوْلَيَا عَلَى خَزِينَتِهَا الَّتِي كَانَتْ تَضُمُّ أَمْوَالًا كَثِيرَةً مِنَ الحَلِي

1 - صَارَ وَالِيًا عَلَى عُمانَ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ.

455 (1/455)

صفحة 444

السيرة النبوية.

وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالطَّيبِ وَالْكِسْوَةِ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ أَنْ يُقْضَى مِنْهَا دَيْنُ عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ،

وَدَيْنُ قَارِبِ بْنِ الْأَسْوَدِ بْنِ مَسْعُودٍ. (1/456)

صفحة 445

الْمَسِيرُ إِلَى الجُمْرَانَةِ (1/457)

صفحة 446

السيرة النبوية.

الْمَسِيرُ إِلَى الْجِعْرَانَةِ لِتَوْزِيعِ الْغَنَائِمِ

تَوَجَّهَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بَعْدَ رَفْعِهِ الْحِصَارَ عَنِ الطَّائِفِ إِلَى الْمِعْرَانَةِ، وَقَدْ وَصَلَهَا فِي الْحَامِسِ مِنْ ذِي الْقِعْدَةِ، وَكَانَ قَدْ أَمَرَ عِنْدَ مَسِيرِهِ إِلَى الطَّائِفِ بَعْدَ حُنَيْنٍ وَأَوْطَاسِ يوضع الْأَسْرَى وَالْغَنَائِمِ فِي الْجَعْرَانَةِ، مُسْتَأْنِيَا بِذَلِكَ وُصُولَ هَوَازِنَ مُسْلِمِينَ لِكَيْ يَرُدَّ إِلَيْهِمْ أَهْلَهُمْ وَأَمْوَاهُمْ، فَلَمَّا أَبْطَلُّوا عَلَيْهِ أَخَذَ فِي تَوْزِيعِ الْغَنَائِمِ، وَكَانَتْ كَثِيرَةٌ، حَيْثُ كَانَتْ تُقَدَّرُ الْإِبِلُ وَالمَوَاشِي بِالْآلَافِ، وَكَذَلِكَ الْأَنْفُسُ، وَلا أَخَذَ فِي تَقْسِيمِ الْغَنَائِم اسْتَبْقَى أَهْلَ مَالِكِ وَعِيَالَهُ آمِرًا بِحِفْظِهِمْ فِي مَكَانٍ لَائِقِ بِهِمْ، تَرْغِيبًا لَهُ لِكَيْ يَأْتِيَ مُسْتَسْلِما مُسْلِمًا، وَأَوْعَزَ إِلَى وَفْدِ هَوَازِنَ أَنَّهُ إِذَا جَاءَهُ مَالِكٌ فَإِنَّهُ سَوْفَ يَرُدُّ إِلَيْهِ أَهْلَهُ وَمَالَهُ وَزِيَادَةٌ عَلَى مَالِهِ، فَما أَنْ بَلَغَ مَالِكًا الْعَرْضَ النَّبِوِيِّ السَّخِيَّ حَتَّى خَرَجَ مِنَ الطَّائِفِ خُفْيَةً بِلَيْلٍ، فَرَكِبَ فَرَسَهُ وَجَاءَ إِلَى النَّبِيِّ، فَرَدَّ عَلَيْهِ أَهْلَهُ وَمَالَهُ، وَزَادَهُ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ، فَأَسْلَمَ، وَاسْتَعْمَلَهُ رَسُولُ الله مَسْئُولاً عَلَى قَوْمِهِ وَمَنْ جَاوَرَهُمْ مِنَ الْعَرَبِ، وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، وَكَانَ لَهُ دَوْرٌ فَاعِلٌ فِي حَمْلِ ثَقِيفِ عَلَى الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَام بتضييق الخناقِ عَلَيْهِمْ بِالاسْتِيلاء عَلَى إِبِلِهِمْ وَمَوَاشِيهِمْ.

وَأَجْزَلَ النَّبِيُّ الله الْعَطَاءَ مِنْ تَلَكَ الْغَنَائِمِ لِزُعَمَاءِ الْعَرَبِ مِنْ قُرَيْشٍ وَغَيْرِهِمْ،

وهُمُ الَّذِينَ عُرِفُوا بِالمؤلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ.

458 (1/458)

صفحة 447

السيرة النبوية.

وَرَدَّ الْأَسْرَى إِلَى ذَوِيهِمْ بَعْدَ مَا جَاءَ وَفْدُ هَوَازِنَ مُسْلِمًا، وَسَأَلُوهُ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ أَهْلَهُمْ وَأَمْوَاهُمْ، فَخَيَّرَهُمْ بَيْنَ أَهْلِهِمْ أَوْ أَمْوَالِهِمْ، فَاخْتَارُوا الْأَهْلَ، وَكَانَ رَئِيسُ الْوَفْدِ أَبو صُرَدٍ زُهَيْرُ بْنُ صُرَدٍ الَّذِي خَاطَبَ رَسُولَ الله قَائِلًا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ فِي هَذِهِ الْخَطَائِرِ أَخَوَاتِكَ وَعَماتِكَ وَبَنَاتَ عَمَّاتِكَ وَخَالَاتِكَ وَبَنَاتَ خَالَاتِكَ، وَأَبْعَدُهُنَّ قَرِيبٌ مِنْكَ، يَا رَسُولَ الله بأبي أَنْتَ وَأُمِّي، أَنَّهُنَّ حَضَنَّكَ فِي حُجُورِهِنَّ، وَأَرْضَعْنَكَ بِتَدْبِهِنَّ، وَتَوَرَّكْنَكَ عَلَى أَوْرَاكِهِنَّ وَأَنْتَ خَيْرُ المَكْفُولِينَ. ثُمَّ أَنْشَدَهُ أَبْيَانًا يَسِيلُ مِنْهَا الاسْتِعْطَافُ

عُذُوبَةٌ وَفَصَاحَةٌ، فَكَانَ هَذَا الْكَلَامِ الْفَصِيحِ أَثَرُهُ فِي نَفْسِ النَّبِيِّ. فَأَمَرَ بِإِطْلَاقِ الْأَسْرَى مِنَ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ وَقَالَ: لَوْ كَانَ ثَابِتٌا عَلَى أَحَدٍ مِنَ

الْعَرَبِ وَلَاءٌ أَوْ رِقٌ لَثَبَتَ الْيَوْمَ، وَلَكِنْ إِنَّمَا هُوَ إِسَارٌ وَفِدْيَةٌ)

عَتْبُ الْأَنْصَارِ:

لما رَأَى الْأَنْصَارُ أَنَّ النَّبِيَّ أَخَذَ فِي إِعْطَاءِ قُرَيْشٍ وَقَبَائِلِ الْعَرَبِ الْعَطَايَا الْجَزِيلَةَ مِنْ غَنِيمَةِ هَوَازِنَ، وَلَمْ يُعْطِهِمْ مِنْهَا شَيْئًا وَجَدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مِنْ ذَلِكَ عَلَى رَسُولِ الله حَتَّى كَثرَ مِنْهُمُ الْقَوْلُ حَتَّى قَالُوا: لَقَدْ لَقِيَ وَالله رَسُولُ الله قَوْمَهُ، ثُمَّ جَاءَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ نَاقِلًا إِلَيْهِ عَتَبَ الْأَنْصَارِ، قَائِلا: إِنَّ هَذَا الحَيَّ مِنَ الْأَنْصَارِ قَدْ وَجَدُوا عَلَيْكَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا صَنَعْتَ فِي هَذَا الْفَيْءِ الَّذِي أَصَبْتَ، قَسَمْتَ فِي قَوْمِكَ وَأَعْطَيْتَ عَطَايَا

(1) الْوَاقِدِيُّ، المُغَازِي، ج 3، ص 95. (2) الْوَاقِدِيُّ، المُغَازِي، ج 3، ص 954.

459 (1/459)

صفحة 448

السيرة النبوية.

عِظَامًا فِي قَبَائِلِ الْعَرَبِ، وَلَمْ يَكُنْ فِي هَذَا الْحَيِّ مِنَ الْأَنْصَارِ مِنْهَا شَيْءٌ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله: فَأَيْنَ أَنْتَ مِنْ ذَلِكَ يَا سَعْدُ؟ فَقَالَ سَعْدٌ: مَا أَنَا إِلَّا مِنْ قَوْمِي. فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ أَنْ يَجْمَعَ الْأَنْصَارَ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا خَرَجَ إِلَيْهِمْ فَاجْتَمَعَ بِهِمْ، فَقَالَ بَعْدَ أَنْ حَمِدَ الله وَأَثْنَى عَلَيْهِ: "يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، مَا قَالَةٌ بَلَغَتْنِي عَنْكُمْ، وَجِدَةٌ وَجَدْتُمُوهَا عَلَى فِي أَنْفُسِكُمْ، أَلَمْ آتِكُمْ ضُلالًا فَهَدَاكُمُ اللهُ، وَعَالَةٌ فَأَغْنَاكُمُ اللَّهُ، وَأَعْدَاءً فَأَلَّفَ اللهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: أَلَا تُجِيبُونَنِي يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ؟ قَالُوا: بِمَاذَا نُجِيبُكَ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: أَمَا وَالله لَوْ شِئْتُمْ لَقُلْتُمْ فَلَصَدَقْتُمْ وَلَصدِّقْتُمْ: أَتَيْتَنَا مُكَذَّبًا فَصَدَّقْنَاكَ، وَتَخَدُولًا فَنَصَرْنَاكَ، وَطَرِيدًا فَأَوَيْنَاكَ، وَعَائِلًا فَآسَيْنَاكَ). ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: أَلَا تَرْضَوْنَ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاةِ وَالْبَعِير وَتَرْجِعُوا بِرَسُولِ الله عَلَى رِحَالِكُمْ؟ فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْلَا الهِجْرَةُ لَكُنتُ امْرَأَ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ شِعْبًا وَسَلَكَتِ الْأَنْصَارُ شِعْبًا لَسَلَكْتُ شِعْبَ الْأَنْصَارِ. اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْأَنْصَارَ وَأَبْنَاءَ الْأَنْصَارِ وَأَبْنَاءَ أَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ.

فَبَكَى الْقَوْمُ، وَقَالُوا: رَضِينَا بِرَسُولِ الله قَسْما وحَفًا.

(1) هَذَا وَاللَّهِ هُوَ الْإِنْصَافُ مِنَ النَّفْسِ وَالاعْتِرَافُ بِالْفَضْلِ، وَلَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وَمِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ وَمِنْ أَهْلِ الْفَضْلِ، وَلَمْ يَكْتَفِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِالإِنْصَافِ مِنَ النَّفْسِ وَالاعْتِرَافِ بِالْفَضْلِ، بَلْ عَلَّمَهُمْ كَيْفَ يَرُدُّونَ عَلَيْهِ، وَلَكِنَّهُمُ الْأَنْصَارُ، فَقَدْ أَمْسَكُوا عَنِ الرَّدْ تَأَدُّبَا فِي حَقٌّ نَبِيِّهِمْ، فَلِلَّهِ دَرُّهُمْ، مَا أَعْظَمَ مَوْقِفَهُمْ وَأَجْمَلَ سُلُوكَهُمْ! (1/460)

صفحة 449

السيرة النبوية.

وَفِي رَأْيِي: إِنَّ عَتَبَ الْأَنْصَارِ فِي عَلَّهِ، لأَنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ صَبَرُوا وَأَبْلَوُا الْبَلَاءَ الحَسَنَ يَوْمَ حُنَيْنٍ الَّتِي هِيَ مَصْدَرُ الْغَنَائِمِ، وَلَكِنَّهَا حِكْمَةُ النُّبُوَّةِ الَّتِي رَاعَتِ النَّوَازِعَ النَّفْسِيَّةَ لَدَى زُعَماءِ الْعَرَبِ الْحَاضِرِينَ، كَمَا أَنَّ الْقُوَّةَ الْإِيمَانِيَّةَ لَدَى الْأَنْصَارِ كَانَ لَمَا الْأَثَرُ الْكَبِيرُ فِي الرِّضَا بِمَا حَدَثَ تَقْدِيرًا لِلْمَوْقِفِ.

رَأْيُّ فِي سَبْيِ الْعَرَبِ

كَانَ الْحَدِيثُ عَنْ سَبْيِ الْعَرَبِ قَدْ بَدَأَ مُنْذُ غَزْوَةِ الْمُرَيْسِيعِ الَّتِي هِيَ غَزْوَةُ بَنِي المُصْطَلِقِ، وَصَارَ الحَدِيثُ عَنْهُ فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ أَوْ غَزْوَةِ أَوْ طَاسٍ، وَيُقْصَدُ بِهِ السَّني في مُشْرِكِي العَرَبِ، نَتِيجَةَ الْخَلْطِ بَيْنَ مَنْهُومَيِ الْأَمْرِ وَالسَّبِي، حَيْثُ مَعْنَاهُمَا اللُّغَوِيُّ وَاحِدٌ، غَيْرَ أَنها اخْتَلَفَا فِي تَرَتِّب الحُكْم عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُما: فَحُكْمُ الْأَسْرِ المَنُّ أَوِ الْفِدَاءُ، وَحُكْمُ السَّبي الاسْتِرْقَاقُ، وَعِنْدَنَا - مَعْشَرَ الْإِبَاضِيَّةِ - فِي سَبِي الْعَرَبِ أَقْوَالٌ

ثلاثة، وهي: - قَوْلٌ إِنَّ السَّبْيَ قَدْ وَقَعَ عَلَى الْعَرَبِ، وَلَكِنَّهُ نُسِخَ بَعْدَ غَزْوَةِ أَوْطَاسٍ، فَلَا سَبْيَ

عَلَى الْعَرَبِ بَعْدَهَا، وَهَذَا قَوْلُ الْإِبَاضِيَّةِ المُشَارِقَةِ.

قَوْل بِوُقُوعِ السَّنِي عَلَى الْعَرَبِ مِنْ غَيْرِ نَسْحَ، عَدًا قُرَيْشًا لِقَرَابَتِهِمْ مِنْ رَسُولِ

الله، وَهَذَا قَوْلُ الْإِبَاضِيَّةِ المَغَارِبَةِ. (1/461)

صفحة 450

السيرة النبوية.

قَوْلٌ بِعَدَمِ وُقُوعِ السَّبْيِ عَلَى الْعَرَبِ مُطْلَقًا، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبُوبٍ، حَيْثُ قَالَ: مَا سَبَى رَسُولُ الله أَحَدًا مِنَ الْعَرَبِ إِلَّا عَرَبَ يَهُودِ خَيْبَرَ ()، وهو قول أبي اللهِ صلى الله عليه وسلم سعيد الكدمي حيث قال: وإن العرب لا تجري عليهم أحكام الرّق بالملك، كما لا يجوز سباؤهم عند إثخانهم).

وَالْقَوْلُ الْأَخِيرُ فِي رَأْيِي هُوَ الصَّحِيحُ لِلْأَسْبَابِ التَّالِيَةِ:- 1 - لِلرِّوَايَةِ الَّتِي أَوْرَدَهَا الْوَاقِدِيُّ السَّابِقِ ذِكْرُهَا، فَإِنَّهَا يُفْهَمُ مِنْهَا أَنَّ السَّبْيَ لَمْ يَقَعْ قَطُّ عَلَى مُشْرِكِي العَرَبِ لَا فِي حُنَيْنٍ وَلَا قَبْلَهَا وَلَا يَقَعُ بَعْدَهَا.

2 - لَمْ يَثْبُتْ أَنَّ هُنَاكَ شَخْصًا فِي الْعَرَبِ قِيلَ عَنْهُ إِنَّهُ ابْنُ سَبِيَّةٍ مِنْ سَبَايَا الْعَرَبِ، فَهَلْ يُعْقَلُ أنْ لا يَكُونَ هُنَالِكَ أَوْلَادُ سَبَايَا لَوْ كَانَ السَّبْيُ وَافِعًا عَلَى الْعَرَبِ؟. السَّبْيُّ فِيمَنْ تُقْبَلُ مِنْهُمُ الجُزْيَةُ، وَيَكُونُونَ فِي الذَّمَّةِ، وَالمُشْرِكُ الْعَرَبِيُّ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ إِلَّا الدُّخُولُ فِي الْإِسْلَام أَوِ الْقَتْلُ، فَلَيْسَتْ لَهُ ذِمَّةٌ وَلَيْسَتْ عَلَيْهِ جِزْيَةٌ؛ لِأَنَّ الله تَعَالَى اخْتَارَهُمْ حِمْلِ رِسَالَةِ الْإِسْلَامِ فَهُمْ مُكَلَّفُونَ بِحَمْلِهَا، وَلِذَلِكَ يَتَوَكَّبُ عَلَيْهِمُ الدُّخُولُ فِي الْإِسْلَامِ، وَحَمْلُهُ إِلَى النَّاسِ، وَالْإِخْلَاصُ وَالتَّضْحِيَةُ وَالتَّفَانِي

فِي حَمْلِهِ، وَهَذَا الْأَمْرُ يَتَنَافَى مَعَ قَبُوهِمْ ذِمَّيِّينَ وَدَافِعِي جِزْيَةٍ.

(1) الْكِنْدِيُّ، مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، ج 70، ص 277.

(2) جامع ابن جعفر، ج 6، ص 200.

462 (1/462)

صفحة 451

السيرة النبوية.

عَلَى أَنَّ الْقَوْلَ بِعَدَمِ اسْتِرْقَاقِ الْعَرَبِ مَنْقُولُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ

(1) =

الْعَزِيزِ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَالشَّعْبِي وَالزُّهْرِيِّ، حَيْثُ قَالُوا: إِنَّهُ لَا رِقٌ عَلَى عَرَب).

عُمْرَةُ الْجِعْرَانَةِ وَالْعَوْدَةُ إِلَى الْمَدِينَةِ

أَقَامَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ثَلَاثَ عَشْرَةَ لَيْلَةٌ بِالْمِعْرَانَةِ لِتَوْزِيعِ الْغَنَائِمِ وَرَدَّ الْأَسْرَى إِلَى ذَوِيهِمْ، وَفِي لَيْلَةِ الثَّامِنَ عَشَرَ مِنْ ذِي الْقِعْدَةِ خَرَجَ مِنَ الْمِعْرَانَةِ لَيْلًا مُحْرِمًا بِعُمْرَةٍ،

فَسَارَ إِلَى مَكَّةَ، وَأَدَّى عُمْرَتَهُ، فَلَمْ يَبِتْ بِهَا، فَعَادَ إِلَى الْجُعْرَانَةِ.

وَتُعْرَفُ هَذِهِ الْعُمْرَةُ بِعُمْرَةِ الجَعْرَانَةِ.

وَفِي صَبَاحٍ الْيَوْمِ الثَّامِنَ عَشَرَ أَخَذَ فِي الرَّحِيلِ عَائِدًا إِلَى المَدِينَةِ ظَافِرًا مَنْصُورًا

مُكَرَّمَا عَزِيزًا، مَارًا بِسَرفٍ وَمَرَّ بِالظَّهْرَانِ.

وَقَدْ أَخَذَتْ هَذِهِ الرَّحْلَةُ الجِهَادِيَّةُ مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مُنْذُ أَنْ خَرَجَ مِنَ المَدِينَةِ إِلَى حِينِ

الْعَوْدَةِ إِلَيْهَا أَكْثَرَ مِنْ شَهْرَيْنِ.

(1) بيان الشرع، ج 7، ص 268

463 (1/463)

صفحة 452

سَرَايَا صَغِيرَةٌ (1/465)

صفحة 453

السيرة النبوية.

سَرِيَّةُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ إِلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ

وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بَعَثَ الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ بْن أبي مُعَيْطٍ مُصَدِّقًا إِلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ فِي أَوَائِلِ السَّنَةِ التَّاسِعَةِ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِمُ اسْتَقْبَلُوهُ بِالْإِبِلِ وَالْغَنَمِ فَرَحًا بِهِ، فَوَلَّى رَاجِعًا، وَأَخْبَرَ النَّبِيَّ أَنَّ الْقَوْمَ قَدِ ارْتَدُّوا وَأَنَّهُمُ اسْتَقْبَلُوهُ بِالسَّلَاحِ لِلْحَيْلُولَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّدَقَةِ، وَهُنَاكَ بَعَثَ النَّبِيُّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ لِكَيْ يَتَأَكَّدَ مِنَ الْأَمْرِ وَيَتَثَبَّتَ وَلَا يَعْجِلَ عَلَيْهِمْ بِالْجُومِ، وَعِنْدَمَا وَصَلَ إِلَى نَاحِيَتِهِمْ بَعَثَ عُيُونَهُ لِلتَّاكُدِ مِنَ الخَيرِ، فَرَأَوُا الْقَوْمَ مُتَمَسْكِينَ بِالْإِسْلَام دَائِنِينَ بِمَا عَلَيْهِمْ مِنَ الصَّدَقَةِ، ثُمَّ تَأَكُدَ خَالِدٌ بِنَفْسِهِ مِنْهُمْ، فَرَأَى مَا سَرَّهُ وَأَعْجَبَهُ، فَرَجَعَ إِلَى النَّبِيِّ، فَأَخْبَرَهُ بِمَا رَأَى، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي شَأْنِ الْوَلِيدِ يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَا فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ

ندمين (1)

- الحجرات، 6. (1/466)

صفحة 454

السيرة النبوية.

سَرِيَّةُ عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ إِلَى بَنِي تَمِيمٍ

بَعَثَهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فِي مُحرَّمِ مِنَ السَّنَةِ التَّاسِعَةِ إِلَى بُنِي تَمِيمٍ، وَبَعَثَ مَعَهُ خَمْسِينَ فَارِسًا لَيْسَ فِيهِمْ أَحَدٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَلَا مِنَ الْأَنْصَارِ، فَهَجَمَ عَلَيْهِمْ صَبَاحًا، فَانْهَرَمَ

بَنُو تَمِيمٍ، وَسَاقَ عُبَيْنَةُ مِنْهُمْ أَسَارَى، فَرَدَّهُمُ النَّبِيُّ.

سَرِيَّةٌ قُطْبَةَ بْنِ عَامِرٍ إِلَى خَثْعَم

بَعَثَ رَسُولُ الله قُطْبَةَ بْنَ عَامِرٍ إِلَى بِيشَةَ فِي عِشْرِينَ فَارِسًا فِي شَهْرِ صَفَرٍ مِنَ السَّنَةِ التَّاسِعَةِ لِقِتَالِ خَثْعَم، فَهَجَمُوا عَلَيْهِمْ، فَقَتَلُوا وَأَسَرُوا وَغَنِمُوا مِنْهُمْ بَعْدَ قِتَالٍ قُضِيَ

فِيهِ أُناسٌ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ.

سَرِيَّةُ الضَّحَاكِ الْكِلَابِي إِلَى بَنِي كِلَابِ

وَبَعَثَ رَسُولُ الله الصَّحَاكَ بْنَ سُفْيَانَ الْكِلَابِيَّ فِي شَهْرِ رَبِيعِ الْأَوَّلِ مِنَ السَّنَةِ التَّاسِعَةِ إِلَى بَنِي بَكْرِ بْنِ كِلابِ فَلَقِيَهُمْ بالزج لاوه مِنْ نَجْدِ، فَقَاتَلَهُمُ الْمُسْلِمُونَ

وَهَزَمُوهُمْ.

467 (1/467)

صفحة 455

السيرة النبوية -

سَرِيَّةُ عَلْقَمَةَ الْمُدْلِجِيَّ إِلَى قَوْمِ مِنَ الْحَبَشَةِ

رَأَى أَهْلُ جَدَّةَ بِالْحِجَازِ نَاسًا مِنَ الْخَبَشَةِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيِّ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ عَلْقَمَةَ بْنَ مُحْرِزِ المُدْحِيَّ فِي ثَلَاثِمَانَةِ رَجُلٍ، فَهَرَبُوا مِنْهُ إِلَى جَزِيرَةٍ فِي الْبَحْرِ الْأَحْمَرِ، وَذَلِكَ فِي شَهْرِ رَبِيعِ الْآخِرِ مِنَ السَّنَةِ التَّاسِعَةِ لِلْهِجْرَةِ، وَلَعَلْ أُولَئِكَ الْقَوْمَ مِنَ الْخَبَشَةِ

كَانُوا قَرَاصِنَةٌ.

سَرِيَّةُ عَلَى بْنِ أَبِي طَالَبٍ إِلَى دِيَارِ طَيِّيْ

أَرْسَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فِي رَبِيعِ الْآخِرِ مِنَ السَّنَةِ التَّاسِعَةِ فِي مِائَةٍ وَخَمْسِينَ رَاكِبًا، عَلَى مِائَةِ بَعِيرٍ وَخَمْسِينَ فَرَسًا، فَوَصَلُوا بِلَادَ طَيِّيْ، فَقَتَلُوا وَأَسَرُوا وَغَنِمُوا وَهَدَمُوا (الفلسَ) الصَّنَمَ الَّذِي كَانَ تَعْبُدُهُ طَيِّ، وَكَانَ عَلَى جَبَلِ (أَجَا) أَحَدِ جِبَالِ طَيِّي، وَهُوَ حَجَرَةٌ سَوْدَاءُ كَأَنَّهُ تِمْثَالُ إِنْسَانٍ، وَكَانَ فِي الْأَسْرَى بُنتُ حَاتِمٍ الطَّائِيِّ، فَلَمَّا قَدِمَ بِالْأَسْرَى المَدِينَةَ مَرَّ النَّبِيُّ عَلَيْهَا، فَقَالَتْ لَهُ: إِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُخَلِّيَ عَنِّي وَلَا تُشَمِّتْ بي أَحْيَاءَ الْعَرَبِ، فَإِنِّي ابْنَهُ سَيِّدِ قَوْمِي، وَإِنَّ أَي كَانَ يَحْمِي الذَّمَارَ، وَيَفُكُ الْعَانِي، وَيُشْبِعُ الجَائِعَ، وَيَكْسُو الْعَارِيَ، وَيَقْرِي الضَّيْفَ، وَيُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَيُفْشِي

468 (1/468)

صفحة 456

السيرة النبوية.

السَّلامَ، وَلَمْ يَرُدَّ طَالِبَ حَاجَةٍ قَطُّ، أَنَا ابْنَةُ حَاتِمِ الطَّائِيِّ. فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ: يَا جَارِيَهُ،

هَذِهِ صِفَاتُ الْمُؤْمِنِينَ حَقًّا، لَوْ كَانَ أَبُوكِ مُسْلِمًا لِتَرَحَمْنَا عَلَيْهِ.

وَما مَرَّ عَلَيْهَا مَرَّةً أُخْرَى قَامَتْ إِلَيْهِ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكَ الْوَالِدُ، وَغَابَ الْوَافِدُ، فَامْنُنْ عَلَيَّ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْكَ، فَوَعَدَهَا خَيْرًا، وَبَحَثَ لَهَا عَنْ ثِقَةٍ تَكُونُ بِرُفْقَتِهِ، فَقَدِمَ وَفْدٌ مِنْ قَوْمِهَا، فَأَذِنَ لَهَا بِالرَّحْلَةِ مَعَهُمْ بَعْدَ أَنْ أَعْطَاهَا وَكَسَاهَا، فَخَرَجَتْ مَعَهُمْ إِلَى الشَّامِ، فَقَدِمَتْ عَلَى أَخِيهَا هُنَالِكَ، فَأَخْبَرَتْهُ عَنْ أَخْلَاقِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَصِفَاتِهِ الحَسَنَةِ وَكَرَمِهِ، وَرَغْبَتْهُ فِي المَسِيرِ إِلَيْهِ وَالدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ، فَأَقْبَلَ عَدِيٌّ قَادِمَا إِلَى رَسُولِ الله فَأَكْرَمَهُ، وَأَسْلَمَ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ.

وَكَانَ عَدِيٌّ نَصْرَانِيًّا، فَلَمَّا سَمِعَ بِاقْتِرَابِ سَرِيَّةِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ هَرَبَ بِأَهْلِهِ إِلَى

الشَّامِ، وَتَرَكَ أُخْتَهُ فَعَاتَبَتْهُ عَلَى ذَلِكَ وَأَغْلَظَتْ لَهُ الْقَوْلَ.

وَبِنْتُ حَاتِمِ المَذْكُورَةُ اسْمُهَا سَفَانَةُ، وَلَيْسَ حَاتِمٍ بِنْتُ غَيْرُهَا كَمَا يَقُولُ السُّهَيْلِيُّ نَقْلا

عَنِ القنبي".

(2)

1

- الرَّسُولُ الْقَائِدُ، ص 378.

- الرَّوْضُ الْأَنفُ، ج 4، ص 361.

469 (1/469)

صفحة 457

غَزْوَةُ تَبُوكَ (1/471)

صفحة 458

الْمَوْقِعُ:

السيرة النبوية. غَزْوَةُ تَبُوكَ

آخِرُ الْغَزَوَاتِ النَّبَوِيَّةُ

تقع تبوك بَيْنَ الْحِجَازِ وَالشَّام، عَلَى أَطْرَافِ الْحِجَازِ، وَهِيَ الْآنَ تَابِعَةٌ لِلْمَمْلَكَةِ

الْعَرَبِيَّةِ السَّعُودِيَّةِ، عَلَى بُعْدِ سَبْعِمِائَةِ كيلو مترٍ عَنِ المدينة المنورة (1).

تاريخها

تُحَدِّدُ مَصَادِرُ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ بِأَنَّهَا كَانَتْ فِي شَهْرِ رَجَبٍ مِنَ السَّنَةِ التَّاسِعَةِ لِلْهِجْرَةِ، وَهَذَا التَّوْقِيتُ يُقَابِلُهُ زَمَنِيًّا شَهْرُ أَكْتُوبَرَ مِنْ سَنَةِ 63 (2) وَيَعْنِي ذَلِكَ أَنَّ الْوَقْتَ كَانَ فِي أَوَاخِرِ الصَّيْفِ فِي الْحِجَازِ، حَيْثُ كَانَ الْخَرُّ لَا يَزَالُ شَدِيدًا فِي الْمَدِينَةِ وَمَا حَوْهَا، لِقَوْلِ الله تَعَالَى حِكَايَةٌ عَنِ المُنافِقِينَ وَالرَّدَّ عَلَيْهِمْ: (فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَن يُجَهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرَّاً لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ)) (3). فِي الْوَقْتِ الَّذِي كَانَتْ تَطِيبُ

النَّدْوِيُّ، أَبو الحَسَنِ، السِّيرَةُ النَّبَوِيَّةُ، ص 304 ..

الشَّبَكَةُ الْعَالَمِيَّةُ، مَوْقِعُ سَانْدُرُوس.

سُورَةُ التَّوْبَةِ: الآية: 81.

472 (1/472)

صفحة 459

السيرة النبوية.

فِيهِ الثَّمَارُ الْيَانِعَةُ وَالظَّلَالُ الْوَارِفَةُ، كَمَا جَاءَ ذَلِكَ فِي الرِّوَايَةِ: " أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم غَزَا تبُوكَ في حَرِّ شَدِيدٍ حِينَمَا طَابَتِ الثَّمَارُ وَالظَّلَالُ " (1)، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: " فِي قَيْظ

شَدِيدٍ مِنْ لَيَالِي الحَرِيفِ وَالنَّاسُ خَارِفُونَ فِي نَخِيلِهِمْ (2).

وَكَذَلِكَ الرَّوَايَةُ عَنْ أَبِي خُتَيْمَةَ الَّتِي تَقُولُ: " إِنَّ أَبَا خُمِّيْمَةَ رَجَعَ بَعْدَ أَنْ سَارَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أَيَّامًا إِلَى أَهْلِهِ فِي يَوْمٍ حَارٌ فَوَجَدَ امْرَأَتَيْنِ لَهُ فِي عَرِيشَيْنِ هُما مِنْ حَائِطِهِ - بُسْتَانِهِ - قَدْ رَشْتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَرِيشَهَا وَبَرَّدَتْ لَهُ فِيهِ مَاءً تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْوَقْتَ كَانَ صَيْفًا، حَيْثُ النَّاسُ قَائِظُونَ فِي بَسَاتِينِهِمْ وَنَخِيلِهِمْ.

سببها:

انْتِصَارُ الْفُرْسِ عَلَى الرُّومِ قَبْلَ هَذِهِ الْغَزْوَةِ بِسَنَوَاتٍ قَلِيلَةٍ، وَذَلِكَ أَنَّ الْفُرْسَ في حُرُوبِهِمْ مَعَ الرُّومِ انْتَصَرُوا عَلَيْهِمْ أَوَّلًا وَاغْتَصَبُوا مِنْهُمُ الصَّلِيبَ، وَهُوَ الَّذِي يُشِيرُ إِلَيْهِ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ فِي مَطْلَعِ سُورَةٍ سُمِّيَتْ بِسُورَةِ الرُّومِ، حَيْثُ يَقُولُ الله: (الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَ الْأَرْضِ وَهُم مِّنْ بَعْدِ عَلَيهِمْ

سيغلبون

بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَيذ

النَّدْوِيُّ، ص 307.

المُصْدَرُ نَفْسُهُ، ص 307.

473 (1/473)

صفحة 460

السيرة النبوية.

ج

يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ

وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (1).

ه

2 وَبَعْدَ ذَلِكَ وَعَلَى عَهْدِ هِرَقْلَ انْتَصَرَ الرُّومُ عَلَى الْفُرْسِ وَاسْتَرَدُّوا مِنْهُمُ

الصَّلِيبَ الْأَمْرِ الَّذِي جَعَلَ هِرَقْلُ يَذْهَبُ إِلَى الْقُدْسِ فِي السَّنَةِ السَّابِعَةِ لِلْهِجْرَةِ فِي مَوْكِبٍ مَهِيبٍ تَحْفُهُ الْأُبْهَةُ وَالْفَخَامَةُ، لِمَا أَعْطَاهُ شُعُورًا بِالْقُوَّةِ وَالْغُرُورِ لِسَحْقٍ أَي قُوَّةٍ تَقِفُ فِي طَرِيقِ نُفُوذِهِ، أَوْ تُكَدِّرُ عَلَيْهِ صَفْوَ انْتِصَارِهِ، أَوْ تَتَحَلَّى قُوَّتَهُ الصَّاعِدَةَ.

مَعْرَكَةُ مُؤْتَةَ الَّتِي جَرَتْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ بِقِيَادَةِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ ثُمَّ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طالب، ثُمَّ عَبْدِ الله بْنِ رَوَاحَةَ ثُمَّ صارت القيادة خالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، بَعْدَ أَنْ قتِلَ الثَّلَاثَةُ السَّابِقُونَ، وَبَيْنَ جَيْشِ الرُّومُ وَبَعْضِ الْقَبائِلِ الْعَرَبِيَّةِ النَّصْرَانِيةِ الموالية للرُّومِ. وَالَّتِي انْسَحَبَ مِنْهَا الْفَرِيقَانِ مِنْ غَيْرِ انْتِصَارِ أَوِ الهِزَامِ لِطَرَفٍ مِنْهُما عَلَى آخَرَ، إِلَّا أَنَّهَا رَفَعَتْ مِنْ مَعْنَوِيَّاتِ المُسْلِمِينَ، وَرَفَعَتْ مِن شَأْنِ الإسلام والمُسْلِمِينَ، وَأَضْعَفَتْ مِنْ هَيْبَةِ الدَّوْلَةِ البيزنطية الرُّومِيَّةِ، وَقَلَّلَتْ مِنْ شَأْنِهَا فِي نُفُوسِ الْعَرَبِ الْأَمْرُ الَّذِي جَعَلَ الرُّومَ يُحَاوِلُونَ الْاِنْقِضَاضَ عَلَى المسلِمِينَ فِي عُقْرِ دَارِهِمْ فِي المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ لِكَيْ يَشْفُوا صُدُورَهُمُ الْحَاقِدَةَ.

سُورَةُ الرُّوم، الآيات: 1 - 6.

474 (1/474)

صفحة 461

{

السيرة النبوية.

4 تَهيُّرُ الرُّومِ لِغَزْوِ المَدِينَةِ وَقَدْ بَلَغَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَنَّ الرُّومَ بِقِيَادَةِ إِمْبَرَاطُورِهِمْ هِرَقْلَ، يَسْتَعِدُّونَ وَيَتَهَيَّرُونَ لِغَزْوِ المُسْلِمِينَ فِي مَقَرِّهِم وَعُقْرِ دَارِهِمْ فِي الْمَدِينَةِ وَأَنَّ هِرَقْلَ مَنَحَ أُعْطِيَاتٍ لِلْقَبَائِلِ الْعَرَبِيَّةِ المُوَالِيَةِ لِلرُّومِ، وَتِلْكَ الْقَبَائِلُ هِيَ: خم، وَجُذَامُ، وَعَامِلَةُ، وَغَسَّانُ، وَقَدْ كَانَ الْأَنْبَاطُ الَّذِينَ يَسْعَوْنَ بِالتِّجَارَةِ بَيْنَ المدِينَةِ وَالشَّامِ هُمْ وَسِيلَةُ الاِسْتِطْلَاعِ لِكِلَا الطَّرَفَيْنِ، حَيْثُ كَانَ النَّبِيُّ الله يَسْتَطلعُ مِنْهُمْ أَخْبَارَ الرُّومِ وَتَحَرُكَاتِهِمْ، كَمَا أَنَّ الرُّومَ يَسْتَظْلِمُونَ مِنْهُمْ أَخْبَارَ المُسْلِمِينَ وَتَحَرُكَاتِهِمْ، وَقَدْ أخبِرُوا عَنِ التَّحَرُّكَاتِ الرُّومِيَّةِ مِنْ أَعْطَبَاتٍ

أهميتها:

وَغَيْرِهَا.

لِغَزْوَةِ تَبُوكَ أَهميَّةٌ كُبْرَى، فَهِيَ رَفَعَتْ شَأنَ المُسْلِمِينَ فِي عُيُونِ الْعَرَبِ، فَهَا هُمُ المُسْلِمُونَ أَصْبَحُوا يَغْزُونَ الدَّوْلَة البِيزَنْطِيَّةَ الَّتِي هِيَ مَرْهُوبَةُ الْجَانِبِ نَظَرًا لِقِوَّتِهَا وَجَبَرُوتِهَا، وَقَدْ كَانَ الْعَرَبُ يَهابُونَهَا وَيَخَافُونَ مِنْهَا، كَمَا أَنَّ الْمُسْلِمِينَ تَحَدَّوْا بِهَا دَوْلَةَ الرُّومِ وَهُمْ فِي نَشْوَةِ انْتِصَارِهِمْ عَلَى الْفُرْس، تلك الدَّوْلَةِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي كَانَتْ تُنَافِسُهُمْ وَتُغَالِبُهُمْ قُوَّةً وَنُفُوذًا، وَفِي الْوَقْتِ الَّذِي كَانُوا يُقِيمُونَ فِيهِ احْتِفَالَاتِهِمْ بِذَلِكَ النَّصْرِ. المجِيدِ، انْتِصَارَ الصَّلِيبِ عَلَى النَّارِ، بِمَا يُمَثَلُهُ مِنِ انْتِصَارِ النَّصْرَانِيَّةِ عَلَى المُجُوسِيَّةِ، كَمَا أَنها كَانَتْ تمهيدًا لِغَزْوِ المُسْلِمِينَ فِيمَا بَعْدَ عَلَى عَهْدِ الخَلِيفَتَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ابْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما.

475 (1/475)

صفحة 462

السيرة النبوية.

عَلَى أَنَّ كُلَّ هَذِهِ الْعَوَامِلَ - وَلَا شَكٍّ - قَلَلَتْ مِنْ هَيْبَةِ الدَّوْلَةِ الرُّومِيَّةِ البِيزَنْطِيَّةِ الَّتِي كَانَتْ تَخَافُهَا الْعَرَبُ وَغَيْرُهُمْ، وَجَرَّأَتِ المُسْلِمِينَ عَلَى الْمُبَادَءَةِ وَاهْجُومِ، وَقَذَفَتِ الرُّعْبَ فِي قُلُوبِ أَعَدَائِهِمْ، وَأَصْبَحَ المُسْلِمُونَ بَعْدَهَا قُوَّةً ضَارِبَةٌ يُحْسَبُ لَهُمْ حِسَابُهُمْ، لِذَلِكَ تَوَافَدَتِ الْوُفُودُ إِلَى المَدِينَةِ عَقِبَ عَوْدَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِنْهَا، مُعْلِنِينَ إِسْلَامَهُمْ، حَتَّى سُمِّيَتْ هَذِهِ السَّنَةُ - السَّنَةَ التَّاسِعَةَ - سَنَةَ الْوُفُودِ، لِكَثْرَةِ مَنْ وَفَدَ فِيهَا مِنَ الْعَرَبِ إِلَى

النبي. الاسْتِعْدَادُ لِلْغَزْوَةِ:

أَخَذَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَأْمُرُ أَصْحَابَهُ بِالتَّهَيُّوِ وَالاِسْتِعَدَادِ لِلْمَسِيرِ إِلَى تَبُوكَ، وَكَانَ الْوَقْتُ صَيْفًا وَالطَّقْسُ حَرًّا، وَالْوَضْعُ عَلَى الْأَرْضِ جَدْبًا، وَالِاقْتِصَادُ عُسْرَةٌ، وَسَاهَا اللَّهُ

تَعَالَى سَاعَةَ الْعُسْرَةِ فِي قَوْلِهِ: لَقَد تَابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيعُ قُلُوبُ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمُ)) (1). وَمِنْ هُنَالِكَ سُمِّيَ الْجُيْشُ فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ بِجَيْشِ الْعُسْرَةِ لِذَلِكَ أَخْبَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَنْهَا عَلَى عَكْسِ الْأَمْرِ فِي الْغَزَوَاتِ السَّابِقَةِ، فَقَدْ كَانَ لَا يُفْصِحُ عَنْهَا، وَإِنَّما يُكَنِّي فَقَطْ لِلْأَسْبَابِ الْآئِفَةِ الذِّكْرِ، يُضَافُ إِلَيْهَا بُعْدُ المُسَافَةِ وَقُوَّةُ الْعَدُوِّ، وَكُلُّهَا عَوَامِلُ تَسْتَدْعِي اسْتِعْدَادًا نَفْسِيًّا وَمَادِيًّا، حَتَّى إِنَّهُ أَخْبَرَ بِذَلِكَ

- (1)

سُورَةُ التَّوْبَةِ الْآيَةُ: 117.

476 (1/476)

صفحة 463

السيرة النبوية.

المُنافِقِينَ فَقَدْ قَالَ لِلْجَدِّ بْنِ قَيْسٍ: " يَا جَدُّ هَلْ لَكَ الْعَامَ فِي جِلَادِ بَنِي الْأَصْفَرِ " وَلَكِنَّ الجدَّ اعْتَذَرَ بُعُذْرٍ أَقْبَحَ مِنْ ذَنْبٍ كَمَا يُقَالُ، وَاصِفًا نَفْسَهُ بِأَنَّهُ شَهْوَانِيٌّ لَا يَسْتَطِيعُ إِمْسَاكَ

نَفْسِهِ إِذَا رَأَى نِسَاءَ الرُّومِ. وَاسْتَمَرَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي الاِسْتِعْدَادِ وَالتَّجْهِيزِ، وَعَبَّا أَصْحَابَهُ تَعْبِئَةً عَامَّةٌ مِنْ حَيْثُ الْإِنْفَاقُ وَحَمْلُ الْأَغْنِيَاءِ لِلْفُقَرَاءِ، وَحَشَدَ كُلَّ الْقُوَى المَادِيَّةِ وَالمُعْنَوِيَّةِ وَالاِقْتِصَادِيَّةِ وَالْبَشَرِيَّةِ، بِمَعْنَى إِثَارَةِ الْأُمَّةِ كُلَّهَا لِتَكُونَ مُسْتَعِدَّةٌ لِلْحَرْبِ، وَهُوَ مَا يُعْرَفُ بِالحَرْبِ الجتماعية، أو الحزب الاعْتِصَابِيَّةِ أَوِ الحزبِ المُطلقة في المفهومِ الْعَسْكَرِيِّ المُعَاصِرِ، كَمَا يَقُولُ اللواء الرُّكْنُ مَحْمُود شِيت خَطَّابِ وَيَنْقُلُ عَنِ الْقَائِدِ الْأَمانِ لوندروف قَوْلَهُ فِي هَذَا المَعْنَى: (إِنَّ الحَرْبَ الحَدِيثَةَ لَمْ تَبْقَ حَرْبَ جُيُوشِ وَقُوَى عَسْكَرِيَّةٍ فَقَطْ وَإِنَّمَا هِيَ حَرْبٌ إِجْمَاعِيَّةٌ تَقُومُ عَلَى حَرْبِ الْأُمَمِ ضِدَّ الْأُمَمِ، وَهِذَا يَجِبُ أَنْ تَضَعَ الْأُمَّهُ كُلَّ قُوَاهَا الْعَقْلِيَّةَ وَالْأَدَبِيَّةَ وَالْمَادِيَّة فِي خِدْمَةِ الْحَرْبِ وَأَنْ تَكُون هَذِهِ الْقُوَّةُ مُخَصَّصَةٌ لِلْحَرْبِ

التَّالِيَةِ» (1).

وَنَتِيجَةً لِتِلْكَ التَّعْبِئَةِ الْعَامَّةِ، فَقَدِ اسْتَعَدَّ المُسْلِمُونَ اسْتِعْدَادٌ قَوِيًّا أَغْنِيَاءَ وَفُقَرَاءَ، حَيْثُ صَارَ يَحْمِلُ الْقَوِيُّ الضَّعِيفَ، وَالْغَنِيُّ الْفَقِيرَ، وَيُنْفِقُ كُلُّ ذِي سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ، وَاشْتَرَكَ الجميعُ فِي الاِسْتِعْدَادِ وَالتَّجْهِيزِ، وَأَنْفَقَ الْأَغْنَيَاءُ وَذُوُو الْيُسْرِ بِكُلِّ سَخَاءِ وَإِخْلَاص، فَقَدْ أَنْفَقَ أَبو بَكْرِ الصِّدِّيقُ جَمِيعَ مَا بَقِيَ عِنْدَهُ مِنْ مَالٍ، وَأَنْفَقَ عُمَرُ بْنُ

الرَّسُولُ الْقَائِدُ، ص: 407. نَقْلًا عَنْ كِتَابِ الْأُمَّةِ فِي الْحَرْبِ.

477 (1/477)

صفحة 464

السيرة النبوية -

الْخَطَّابِ نِصْفَ مَالِهِ، وَأَنْفَقَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ثَلَاثَانَةِ بَعِيرٍ وَأَلْفَ دِينَارٍ، كَمَا أَنْفَقَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وَطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ وَعَاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ كَثِيرًا مِنَ المالِ، وَلَا شَكَ أَنَّ هُنَاكَ كَثِيراً غَيْرُهُمْ، لَمْ تَذْكُرْهُمُ الرَّوَايَةُ قَامُوا بِالْإِنْفَاقِ عَلَى جَيْشِ الْعُسْرَةِ، وَأَكْمَلَ النَّبِيُّ، وَأَكْمَلَ مَعَهُ المُسْلِمُونَ اسْتِعْدَادَهُمْ وَتَجْهِيزَهُمْ لِلْمَسِيرِ إِلَى الْغَزْوِ،

وَشَرَعُوا فِي الرَّحِيلِ. اشْتِدَادُ التَّفَاقِ

اشْتَدَّ النّفَاقُ وَظَهَرَ بِشَكْلٍ سَافِرِ فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ، مَا لَمْ يَشْتَدَّ وَيَظْهَرْ فِي غَيْرِهَا، وَفِي رَأْيِنَا أَنَّ ذَلِكَ رَاجِعْ إِلَى الْحَسَدِ الَّذِي أَخَذَ يَأْكُلُ قُلُوبَ الْمُنَافِقِينَ عِنْدَمَا رَأَوُا النَّبِيَّ وَالمُسْلِمِينَ عَازِمِينَ لِغَزْوِ الرُّومِ، وَقَدْ كَانَ الرُّومُ فِي نَظَرِهِمْ قُوَّةٌ قَاهِرَةٌ، وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ غَزْوَهُمْ فِي دِيَارِهِمْ دَلِيلٌ عَلَى قُوَّةِ الْمُسْلِمِينَ، بَعْدَ أَنْ كَانَ الْعَرَبُ لَا يَحْلُمُونَ بِذَلِكَ، وَإِنَّمَا كَانَ الْخَوْفُ مِنْ أَنْ يَقُومَ الرُّومُ أَوْ عُمَّاهُمُ الْغَسَاسِنَةُ بِغَزْوِ الْعَرَبِ، لِذَلِكَ بَرَزَ النفاقُ مِنَ المُنافِقِينَ بِصُورَةٍ عَلَيْيَّةٍ وَاضِحَةٍ، وَقَدْ شَكَّلَ المُنَافِقُونَ مُنْذُ هِجْرَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِلَى المَدِينَةِ وَتَكَونِ الْكِيَانِ الإسلامي فِيهَا مُعَانَاةٌ مُسْتَمِرَّةٌ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَلَكِنَّهُ كَانَ يُعَامِلُهُمْ برفق وَأَنَاةٍ وَتَحَملٍ وَصَبْرِ، وَعِنْدَمَا أُشِيرَ إِلَيْهِ بِقَتْلِ زَعِيمِهِمْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَي فِي بَعْضِ المَرَاتِ، قَالَ: لَا، حَتَّى لَا يُقَالَ إِنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ، وَقَدْ وَصَلَ النَّفَاقُ ذِرْوَتَهُ فِي

هَذِهِ الْغَزْوَةِ مُتَجَلِّيَا فِي عِدَّةِ مَوَاقِفَ مِنْهَا:

478 (1/478)

صفحة 465

السيرة النبوية.

1 مَوْقِفُ الجُدِّ بْنِ قَيْسٍ: عِنْدَمَا قَالَ لَهُ رَسُولُ الله: يَا جَدُّ هَلْ لَكَ الْعَامَ فِي جلَادِ بَنِي الْأَصْفَرِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله أَوَتَأْذَنُ لِي وَلَا تَفْتِي، فَوَالله لَقَدْ عَرَفَ اللهِ قَوْمِي أَنَّهُ مَا مِنْ رَجُلٍ بِأَشَدٌ عَجَبًا بِالنِّسَاءِ مِنِّي، وَإِنِّي أَخْشَى إِنْ رَأَيْتُ نِسَاءَ بَنِي الْأَصْفَرِ أَنْ لَا أَصْبِرَ. وَفِيهِ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمِنْهُمْ مَنْ يُقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ مُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ) (1).

(2 تَثْبيطُ النَّاسِ عَنِ الْجِهَادِ: وَتَزْهِيدِهِمْ فِيهِ، وَتَشْكِيكِهِمْ فِي الحَقِّ، حَتَّى نَزَلَ فِيهِمْ قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَن يُجَهِدُوا بأموايم وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنفِرُوا فِي الْحَرُّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرَا لَوْ كَانُوا

AS

يفْقَهُونَ) فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلَيَكُوا كَثِيرًا جَزَاء بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (2).

(3 اجْتَمَاعُهُمْ فِي بَيْتِ أَحَدِ الْيَهُودِ، يُدْعَى سُوَيْلِمٍ، لِيَتَشَاوَرُوا فِي تَثْبِيطِ النَّاسِ وَالْإِرْجَافِ بِرَسُولِ الله وَبِالْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ أَمَرَ الرَّسُولُ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِهِ عَلَى رَأْسِهِمْ طَلْحَةُ بنُ عُبَيْدِ الله لِكَيْ يَحْرِقَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ الْمُنْزِلَ الَّذِي كَانُوا يَجْتَمِعُونَ فِيهِ لِلشَّرِّ وَالنَّفَاقِ وَالْإِرْجَافِ (3)، وَقَدْ تَطَايَرُوا مِنْهُ اقْتِحَامًا مِنْ فَوْقِ ظَهْرِ الْبَيْتِ حَتَّى انْكَسَرَتْ رِجْلُ أَحَدِهِمْ وَيُدْعَى الضَّحَّاكُ بْنُ خَلِيفَةَ.

سُورَةُ التَّوْبَةِ الْآيَةُ: 49.

(سُورَةُ التَّوْبَةِ الْآيَاتُ: 81 - 82.

فِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ إِتْلَافِ الْمَنَاكِرِ وَأَمَاكِنِهَا. (1/479)

صفحة 466

السيرة النبوية.

تَخَلَّفُ رَئيسُ المُنافِقِينَ عَبْدِ الله بْنِ أَبِ ابْنِ سَلُولَ، وَكَانَ قَدِ اجْتَمَعَ مَعَهُ عَدَدٌ كَبِيرٌ مِنَ النَّاسِ، نَظَرًا لِمَكَانَتِهِ الاجْتِمَاعِيَّةِ وَوَجَاهَتِهِ الْقَبَلِيَّةِ، وَكَانَ قَدْ عَسْكَرَ بِأَصْحَابِهِ خَارِجَ المَدِينَةِ فِي ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ، انْتِظَارًا لِخُرُوجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِلَى الْغَزْوِ لِيَلْتَحِق بِهِ، وَلَكِنَّهُ لَا خَرَجَ النَّبِيُّ بِأَصْحَابِهِ تَخَلَّفَ عَبْدُ اللهِ بن أَيِّ بْنُ سَلُولَ بِأَصْحَابِهِ، وَالظَّاهِرُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ عَبْدَ الله بْنَ أَيُّ أَرَادَ بِصَنِيعِهِ ذَلِكَ إِرْبَاكَ

النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابِهِ، وَلَكِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَهْمَلَهُ وَوَاصَلَ سَيْرَهُ وَلَمْ يَأْبَهُ بِهِ.

اسْتِهْزَاءُ زَيْدِ بْنِ اللصيت الْقَيْنقَاعِيِّ - وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كَانَ مِنْ يَهُودِ بَنِي قَيْنُقَاعَ فَأَسْلَمَ وَكَانَ مُنَافِقًا - بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عِندَمَا ضَلَّتْ نَاقَتُهُ فِي الطَّرِيقِ، حَيْثُ قَالَ: أَلَيْسَ مُحَمَّدٌ يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، وَيُخْبِرُكُمْ عَنْ خَبَرِ السَّمَاءِ، وَهُوَ لَا يَدْرِي أَيْنَ نَاقَتُهُ؟ فَجَاءَ الْوَحْيُ مِنَ الله تَعَالَى لِنَبِيِّهِ لا يُخْبِرُهُ بِخَبَرِ النَّاقَةِ، وَفِي هَذَا الصَّدَدِ قَالَ: "إِنَّ رَجُلًا قَالَ هَذَا مُحَمَّدٌ يُخيرُكُمْ أَنَّهُ نَبِيٌّ وَيَزْعُمُ أَنَّهُ يُخيرُكُمْ بِخَيْرِ السَّمَاءِ وَهُوَ لَا يَدْرِي أَيْنَ نَاقَتُهُ، وَإِنِّي وَالله مَا أَعْلَمُ إِلَّا مَا عَلَّمَنِي اللهُ، وَقَدْ دَلَّنِي اللهُ عَلَيْهَا، وَهِيَ فِي هَذَا الْوَادِي فِي سَقْبٍ كَذَا وَكَذَا وَقَدْ حَبَسَتْهَا شَجَرَةٌ بِزِمَامِهَا فَانْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُونِي بِهَا، وَانْطَلَقَ نَفَرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ فَوَجَدُوا النَّاقَةَ عَلَى مَا قَالَ هُمُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَأَتُوا بِهَا، وَعَلِمَ عُمَارَةُ بْنُ حَزْمٍ مَسْؤُولُ المُجْمُوعَةِ الَّتِي فِيهَا المُنَافِقُ زَيْدُ بْنُ اللصيت بِقَوْلِ المُنافِقِ وَسُخْرِيَتِهِ وَاسْتِهْزَائِهِ بِالنَّبِيِّ

480

(4 (1/480)

صفحة 467

السيرة النبوية.

الْأَمْرُ الَّذِي حَمَلَ عِمَارَةَ عَلَى الْقِيَامِ بِالشَّدِّ عَلَيْهِ مِنْ عُنُقِهِ بُغْيَةً خَنْقِهِ، ثُمَّ

طَرَدَهُ مِنْ مَجْمُوعَتِهِ.

(اسْتِهْزَاءُ مَجْمُوعَةٍ مِنَ المُنافِقِينَ بِالمُسْلِمِينَ فِي الطَّرِيقِ أَثْنَاءَ سَيْرِهِمْ إِلَى تَبُوكَ، وَقَصْدُهُمُ الْإِرْجَافَ بِالمُسْلِمِينَ، وَالْفَتَّ فِي قُوَّتِهِمْ، وَتَخْوِيفِهِمْ مِنَ الرُّومِ وَقُوَّتِهِمْ، وَتَرْهِيبِهِمْ عَاقِبَةَ المَالِ، وَقَدْ قَالُوا: أَتَحْسَبُونَ جِلَادَ بَنِي الْأَصْفَرِ كَقِتَالِ الْعَرَبِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا وَالله لَكَانَا بِكُمْ غَدًا مُقُرنِينَ فِي الْجِبَالِ، فَعَلِمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بمَا كَانُوا يَقُولُونَ وَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ بَعْضَ الصَّحَابَةِ لِكَيْ يَكُفُّوا وَيَتَوَقَّفُوا عَنْ ذَلِكَ الْقَوْلِ المُرْجِفِ، وَجَاؤُوا مُعْتَذِرِينَ قَائِلِينَ: إِنَّا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ، فَأَنزَلَ اللهُ فِي ذَلِكَ قَوْلَهُ: (وَلَبِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ

أَبِاللَّهِ وَآيَيْهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ) (1).

هَذِهِ هِيَ المَوَاقِفُ المرحفَةُ وَالمُخَذِلَةُ وَالمنبطَةُ التي كَانَ يَسْتَعْمِلُهَا المَنافِقُونَ، وَنَظَرًا لِتِلْكَ الحَرَكَاتِ المَشْبُوهَةِ الَّتِي قَامَ بِهَا أُولَئِكَ المُنَافِقُونَ يُكَلِّ فَجَاجَةٌ وَوَقَاحَةٍ، فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ المُهَمَّةِ وَالشَّاقَةِ الصَّعْبَةِ، عَدُوًّا وَبُعْدًا وَتَوْقِينًا وَعُدْمًا، وَنَظَرًا لِمَا عَانَاهُ النَّبِيُّ الله مِنْهُمْ فَقَدْ أَنْزَلَ اللهُ فِيهِمْ أَكْثَرَ آيَاتِ سُورَةِ بَرَاءَةَ، فَإِنَّ السُّورَةَ الْمُذْكُورَةَ فِيهِمْ وَفِي المُشْرِكِينَ، حَيْثُ جَاءَتِ الْآيَاتُ الْأُولَى مِنْ 1 - 37 فِي المُشْرِكِينَ، وَالْآيَاتُ، 38 -

سُورَةُ التَّوْبَةِ الْآيَةُ: 65.

481 (1/481)

صفحة 468

السيرة النبوية.

129 آخِرَ السُّورَةِ فِي المُنافِقِينَ، وَفِيهَا مِنَ التَّقْرِيعِ وَالْوَعِيدِ لِلْفَرِيقَيْنِ مَا فِيهَا، حَتَّى إِنَّهَا السُّورَةُ الوَحِيدَةُ الَّتِي لَمْ تُفتَتَحَ بِالْبَسْمَلَةِ، لأَنَّ الْبَسْمَلَةَ أَمَانٌ مِنَ الله تَعَالَى، وَسُورَةُ بَرَاءَةَ بِمَثَابَةِ إِعْلَانِ حَرْبٍ عَلَيْهِمْ وَنُلَاحِظُ أَنَّ اللهَ خَاطَبَهُمْ بِالْإِيمَانِ أَوَّلًا فِي بِدَايَةِ الْآيَاتِ النَّازِلَةِ فِيهِمْ وَهِيَ قَوْلُهُ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ ... ). وَهَذَا مِنْ بَابِ الْإِلْزَامِ هُمْ بِمُقْتَضَى الْإِيمَانِ الَّذِي أَعْلَنُوهُ بِدُخُولِهِمْ فِي الإسلام وَلَمْ يَلْتَزِمُوا بِهِ، وَإِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِأَخَلَاهِمْ مَا الْتَزَمُوا بِهِ وَأَظْهَرُوهُ مِنْ قَبُولِ الإِسلام، وَلَكِنَّهُمْ دَخَلُوا في الإسلام ظَاهِرًا، وَأَخْفَوُا الْكُفْرَ بَاطِئًا، أَيْ إِنَّهُمْ أَظْهَرُوا الإسلام وَأَضَمَرُوا الشِّرْكَ، وَشَكَلُوا مُعَانَاةٌ شَدِيدَةٌ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَلِلْمُسْلِمِينَ، لِذَلِكَ نَزَلَتْ فِيهِمُ اثْنَتَانِ وَتِسْعُونَ آيَةٌ مِنْ سُورَةِ بَرَاءَةَ تُقَرِّعُهُمْ وَتُعَنِّفُهُمْ وَتُوَبِّخُهُمْ عَلَى صَنِيعِهِمُ النِّفَاقِي. الْأَصْنَافُ الْخَمْسَةُ:

يُمْكِنُ أَنْ نُصَنِّفَ أَصَحَابَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ إِلَى خَمْسَةِ أَصْنَافٍ: الصَّنْفُ الْأَوَّلُ: الْمُؤْمِنُونَ الصَّادِقُونَ المُخْلِصُونَ الَّذِينَ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ مُحتسِينَ ذَلِكَ ذُخْرًا لَهُمْ عِنْدَ الله تَعَالَى، وَهُمُ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ الَّذِينَ لَكِنِ

كَانُوا يُشكِّلُونَ كَتِيبَةَ الْإِيمَانَ الضَّارِبَةَ وَهُمُ الَّذِين وَصَفَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: (لنكن

الرَّسُولُ وَالَّذِينَ وَامَنُوا مَعَهُ جَهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَأَوْلَيكَ هُمُ الْخَيْرَات

482 (1/482)

صفحة 469

السيرة النبوية -

وَأُولَيكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ

الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (1) وَهُمُ الَّذِينَ وَصَفَهُمُ اللهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا

الله عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا) (2).

الصَّنْفُ الثَّانِي: المُنافِقُونَ وَكَانُوا ثَلَاثَ مَجْمُوعَاتٍ:

الْأُولَى: وَهِيَ الْأَكْبَرُ، بِزَعَامَةِ كَبِيرِ المُنَافِقِينَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُيِّ ابْنِ سَلُولَ الَّذِي كَانَ قَدْ خَرَجَ بِمَجْمُوعَتِهِ إِلَى ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ خَارِجَ المَدِينَةِ وَكَأَنَّهُمْ مُتَهَيِّيِّينَ لِلْمَسِيرِ فِي ظَاهِرِ الْأَمْرِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمَّا عَزَمَ النَّبِيُّ لا إِلَى الانْطِلَاقِ لِلْمَسِيرِ، انخزرت عَنْهُ هَذِهِ المُجْمُوعَةُ، لَكِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَمْ يُعِرْهُمُ اهْتِمَامًا، وَلَعَلَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَا كَانَ رَاغِبًا فِي انْضِمَامِهِمْ إِلَيْهِ خَشْيَةَ المَقَالِبِ وَالمَكَائِدِ الَّتِي مِنَ الْمُحْتَمَلِ أَنْ يُوقِعُوهَا فِي المُسْلِمِينَ، وَهُوَ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ بِالْقَوْلِ: (لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إلا بالا ولأَوْضَعُوا خِلَلَكُمْ يَبعُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمْعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ لَقَدِ ابْتَغُوا الْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وَقَلَبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ

48

وظهر أمر الله وَهُمْ كَرِمُونَ) (3).

سُورَةُ التَّوْبَةِ، الآية: 88 - 89

م سُورَة الْأَحْزَابِ، الآية: 23.

سُورَةُ التَّوْبَةِ الْآيَةُ: 47 - 48.

483 (1/483)

صفحة 470

السيرة النبوية.

الثَّانِيَةُ: المُسْتَأْذِنُونَ، وَهُمُ الَّذِينَ اسْتَأْذَنُوا الرَّسُولَ صلى الله عليه وسلم مِنْ أَوَّلِ الْأَمْرِ وَبِدَايَتِهِ فِي عَدَمِ المُشارَكَةِ فِي الْغَزْيِ، وَذَلِكَ عِنْدَمَا أَخْبَرَهُمُ النَّبِيُّ بِعَزمِهِ عَلَى غَزْوِ الرُّوم متَعَلِّلِينَ بِأَنَّهُمْ سَيُفْتَنُونَ بِالنِّسَاءِ الرُّومِيَّاتِ، وَهُمُ الَّذِينَ نَزَلَ فِيهِمْ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ الدَّنْ لي وَلَا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ مُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ) (1).

الثَّالِثَةُ: وَهُمُ الَّذِينَ انْضَمُّوا فِي الْجَيْشِ مَعَ النَّبِيِّ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَصْدَهُمُ الْإِرْجَافُ بِالمُسْلِمِينَ، وَإِحْدَاتُ الْبَلْبَلَةِ فِي صُفُوفِهِمْ، وَقَدْ حَاوَلُوا ذَلِكَ عِدَّةَ مَرَّاتٍ فِي الطَّرِيقِ، وَلَعَلَّهُمْ لَوْ وَقَعَتِ الْمُعْرَكَةُ بَيْنَ المُسْلِمِينَ وَالرُّومِ، حَدَثَ مِنْهُمْ أَمْرُ لَا محمدُ، وَلَكِنَّ اللهَ شَاءَ وَقَدَّرَ أَنْ يَنسَحِبَ الرُّومُ، وَلَمْ تَحْدُتْ مَعْرَكَةٌ.

الصّنف الثَّالِثُ: المُعَذَّرُونَ وَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ الَّذِينَ جَاؤُوا بِأَعْذَارٍ وَاهِيَةٍ، لِكَيْ لَا يَشْتَرِكُوا فِي المُسِيرِ لِلْغَزْوِ، وَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم حَرِيصًا عَلَى أَنْ يَكُونُوا مَعَهُ، لَا سِيَّمَا رِجَالُ قَبِيلَتَيْ أَسْلَمَ وَغِفَارَ، قَائِلًا: " مَا مَنَعَ أَحَدٌ أُولَئِكَ حِينَ تَخَلَّفَ أَنْ يَحْمِلَ عَلَى بَعِيرٍ مِنْ إبلِهِ امْرَأَ نَشِيطًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ أَعَزَّ أَهْلِي عَلَيَّ أَنْ يَتَخَلَّفَ عَنِّي الْمُهَاجِرُونَ مِنْ قُرَيْشٍ وَالْأَنْصَارُ وِغِفَارُ وَأَسْلَمُ "، وَلَعَلَّهُ خَصَّ غِفَارَ وَأَسْلَمَ مِنَ الْأَعْرَابِ دُونَ غَيْرِهِمْ

سُورَةُ التَّوْبَةِ الْآيَةُ: 49.

484 (1/484)

صفحة 471

السيرة النبوية.

لقُرْبِهِمْ مِنَ المَدِينَةِ، وَنَزَلَ فِيهِمْ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَجَاءَ المُعَذْرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ هُمْ

وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (1). الصِّنف الرَّابِعُ: الْبَكَّارُونَ وَهُمُ الْفُقَرَاءُ الْمُؤْمِنُونَ، وَالْأَشَدُّ فَقْرًا، وَكَانُوا رَاغِبِينَ بِقُوَّةٍ وَصِدْقٍ وَحَزْمٍ وَإِخْلَاصِ، وَلَكِنَّهُمْ لَيْسَ عِندَهُمْ زَادٌ وَلَا رَاحِلَةٌ، وَطَلَبُوا مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَحْمِلَهُمْ فَاعْتَذَرَ هُمْ قَائِلًا: لا أَجِدُ مَا أَحْلُكُمْ عَلَيْهِ، فَأَخَذُوا يَبْكُونَ، وَهُمُ الَّذِينَ وَصَفَهُمُ اللهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: (وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَنتَوكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنَا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ) (2). وَذُكِرَ مِنْ هَؤُلَاءِ الْبَكَاثِينَ سَبْعَةُ نَفَرٍ وَهُمْ:

-

سَالِمُ بْنُ عُمَيْرٍ مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ.

- عُلْبَةُ بْنُ زَيْدٍ أَخُو بَنِي حَارِثَةَ.

-3 أَبو لَيْلَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ كَعْبٍ، أَخُو بَنِي مَازِنِ بْنِ النَّجَارِ. -4 عَمْرُو بْنُ حمام بن الجموح، أَخُو بَنِي سَلِمَةَ.

-0

ه - عَبْدُ الله بْنُ الْمُغَفَّل المري، أَوْ عَبْدُ الله بْنُ عُمَرَ المزني. -6 هَرَمِيُّ بْنُ عَبْدِ الله، أَخُو بَنِي وَاقِفِ.

-- عِرْبَاضُ بْنُ سَارِيَةَ الْفَزَارِيُّ.

(1)

سُورَةُ التَّوْبَةِ الْآيَةُ: 90.

(سُورَةُ التَّوْبَةِ الْآيَةُ: 92.

485 (1/485)

صفحة 472

السيرة النبوية

الصِّنف الخَامِسُ: المُتَهَاوِنُونَ؛ وَهُمُ الَّذِينَ فَعَدَتْ بِهِمْ هِمَاتُهُم، وَأَبْطَأَتْ بِهِمْ نِيَّاتُهُمْ، عَنِ النُّحوقِ بِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَمَالُوا إِلَى الدَّعَةِ وَالرَّاحَةِ وَأَخَذُوا فِي التَّسْوِيفِ لِلاسْتِعْدَادِ لِلْمَسِيرِ، حَتَّى فَاتَهُمُ الْوَقْتُ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا عَلَى حُسْنِ إِسْلَامِ وَصِدْقٍ إِيمَانِ، غَيْرَ شَاكِّينَ وَلَا مُرْتَابِينَ وَهُمْ: كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ، ومُرَارَةُ بْنُ الربيع، وَهِلَالُ بْنُ أُمَيَّة، وأبو خشيمة.

فَأَمَّا أَبو خُنيْمَةَ فَقَدْ تَمَكَّنَ مِنَ اللُّحُوقِ بِالرَّسُولِ عِنْدَ وُصُولِهِمْ إِلَى تَبُوكَ، لِأَنَّهُ تَنَبَّهَ إِلَى خَطَا مَوْقِفِهِ، وَتَذَكَّرَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابَهُ عِنْدَمَا كَانَ عَائِدًا إِلَى بُسْتَانِهِ الْوَارِفِ الظُّلَالِ، وَالْيَانِعِ النَّمَارِ، وَوَجَدَ زَوْجَتَيْهِ قَدْ هَيَّأَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَرِيشًا مَرْشُوشًا بالماءِ، وَمُزَوَّدًا بالماءِ الْبَارِدِ الْعَلْبِ الزَّلَالِ، فَقَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ عَلَى شَيْءٍ مِنَ الْإِنْصَافِ أَنْ يَكُونَ هُوَ عَلَى ذَلِكَ الحَالِ، وَالرَّسُولُ فِي الحُ وَالرِّيحِ وَالخَرُ، وَلَمْ يَدْخُلُ أَيَا مِنَ الْعَرِيشَيْنِ، بَل طَلَبَ مِنْ زَوْجَتَيْهِ تَهْبِنَةِ رَاحِلَتِه وَزَادِهُ، وَسَارَ لَاحِقًا بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابِهِ حَتَّى أَدْرَكَهُمْ بِتَبُوكَ، أَمَّا الثَّلَاثَةُ الْآخَرُونَ، فَسَتَحَدَّثُ عَنْهُمْ لَاحِقًّا إِنْ شَاءَ

اللهُ تَعَالَى.

فِي الطَّرِيقِ إِلَى تَبُوكَ:

خَرَجَ النَّبِيُّ مِنَ المَدِينَةِ إِلَى ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ، وَهِيَ مَنْطِقَةٌ تَقَعُ خَارِجَ الْمَدِينَةِ أَوْ فِي ضَوَاحِيهَا من الجهة الشمالية بُغْيَةَ التَّجَمُّعِ وَلُحُوقِ النَّاسِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، وَانْطَلَقَ الْجُمْعُ مُتَوَجِّهِينَ إِلَى مَنْطِقَةِ تَبُوكَ لِلَاقَاةِ الرُّومِ، وَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قَدْ عَيَّنَ مُحَمَّدَ بْنَ

486 (1/486)

صفحة 473

السيرة النبوية.

مَسْلَمَةَ الْأَنْصَارِيِّ مَسْؤُولًا عَلَى المَدِينَةِ، كَمَا عَيَّنَ ابْنَ عَمِّهِ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فِي المُسْؤُولِيَّةِ عَلَى أَهْلِهِ، وَأَرْجَفَ بِهِ الْمُنَافِقُونَ قَائِلِينَ: مَا خَلَّفَهُ عَنْ أَهْلِهِ إِلَّا اسْتِثْقَالًا لَهُ وَتَخَفْفًا مِنْهُ، فَلَمْ يَتَحَمَّلْ ذَلِكَ الْإِرْجَافَ وَتِلْكَ الدَّعَايَةَ، فَلَحِقَ بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ نَازِل بِمَنْطِقَةِ الْجُرْفِ، فَشَكَا إِلَيْهِ مَا قَالَهُ الْمُنَافِقُونَ فِيهِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مُطَمْئِنًا لَهُ: " كَذَبُوا وَلَكِنَّنِي خَلَّفْتُكَ لِمَا تَرَكْتُ وَرَاءِي فَارْجِعْ فَاخْلُفْنِي فِي أَهْلِي وَأَهْلِكَ، أَفَلَا تَرْضَى يَا عَلِيُّ

أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي".

"

وَجُمْلَهُ: " إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ المَنْزِلَةَ هِيَ مَنْزِلَهُ قَرَابَةٍ فِي النَّسَبِ وَلَا

تَحْمِلُ مَعْنَى دِينِيًّا آخَرَ.

وَوَاصَلَ المُسْلِمُونَ سَيْرَهُمْ وَفِي سَيْرِهِمْ ذَلِكَ كَانَتْ هُنَالِكَ عِدَّةُ أَحْدَاثِ مِنْهَا: 1 - أَنَّهُمْ كَانُوا يَسِيرُونَ لَيْلًا وَيَرْتَاحُونَ نَهَارًا، وَذَلِكَ مِنْ شِدَّةِ حَرِّ الشَّمْسِ. -2 عِنْدَ مُرُورِهِمْ بِمَنْطِقَةِ الْحِجْرِ وَهِيَ دِيَارُ ثَمُودَ بِوَادِي الْقُرَى بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَالشَّامِ أَخْبَرَهُمُ النَّبِيُّ الله بِأَنَّهَا دِيَارُ الظَّالِمِينَ، وَقَالَ: " لَا تَشْرَبُوا مِنْ مَائِهَا وَلَا تَتَوَضَّرُّوا مِنْهُ لِلصَّلَاةِ، وَمَا كَانَ مِنْ عَجِينٍ عَجَنْتُمُوهُ فَاعْلِفُوهُ الْإِبِلَ وَلَا تَأْكُلُوا مِنْهُ شَيْئًا، وَلَا يَخْرُجَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمُ اللَّيْلَةَ إِلَّا وَمَعَهُ صَاحِبٌ لَهُ". وَذَلِكَ لِأَنَّهَا مَنْطِقَةٌ مَهْجُورَةٌ فَهِيَ مُلَوَّثَةُ الماءِ وَالْهَوَاءِ، وَالْغِذَاءِ، كَمَا أَنَّهَا مَنْطِقَةٌ ذَاتُ ريَاحٍ وَعَوَاصِفَ لَا يَأْمَنُ فِيهَا الْمَرْءُ عَلَى نَفْسِهِ، وَهَذِهِ مِنْ دَقَائِقِ مُلَاحَظَاتِهِ، وَأَمَرَهُمْ بِالرَّحِيلِ مِنْهَا عَلَى وَجْهِ السُّرْعَةِ، وَخَوْفًا عَلَيْهِمْ مِنَ الضَّرَرِ البيئي، وَبِاعْتِبَارِ أَنَّهَا كَانَتْ مَسَاكِنَ المُعَذِّبِينَ الظَّالِمِينَ الَّذِينَ أَهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ

487 (1/487)

صفحة 474

السيرة النبوية.

عِنْدِهِ، فَقَدْ قَالَ هُمْ: لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ الَّذِينَ ظَلَمُوا إِلَّا وَأَنْتُمْ بَاكُونَ خَوْفًا مِنْ أَنْ يُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَهُمْ، وَهَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الدَّاعِيَةُ، لَا يَجِدُ مَوْقِفًا

فِيهِ عِظَةٌ وَعِبْرَةٌ إِلَّا اسْتَغَلَّهُ فِي التَّرْغِيبِ فِي الثَّوَابِ وَالتَّرْهِيبِ مِنَ الْعَذَابِ. -3 - بَعْدَ رَحِيلِهِمْ عَنْ مَنْطِقَةِ الْحِجْرِ أَصَابَ الْجَيْشَ عَطَضٌ شَدِيدٌ نَظَرًا لِقِلَّةِ المَاءِ، بَلْ لِعَدَم وُجُودِهِ أَصْلًا الْأَمْرُ الَّذِي اضْطَرَهُمْ إِلَى نَحْرِ إِبِلِهِمْ لِاسْتِخْرَاجِ مَا فِي كُرُوشِهَا مِنَ الماءِ (1) فَشَكُوا تِلْكَ السُّدَّةَ مِنَ الْعَطَشِ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَاسْتَسْقَى وَدَعَا اللَّهَ بِأَنْ يُغِيثَهُمْ، فَأَغَاتَهُمُ اللهُ بِسَحَابَةٍ جَاءَتْهُمْ فَأَمْطَرَتْ عَلَيْهِمْ حَتَّى ارْتَوَوْا وَتَزَوَّدُوا حَاجَتَهُمْ مِنَ الماءِ، لَكِنْ بَعْضُ الْمُنَافِقِينَ قَالَ: إِنَّهَا سَحَابَةٌ مَارَّةٌ. 4 - إِرْجَافُ المُنافِقِينَ الَّذِينَ كَانُوا فِي صُفُوفِ المُسْلِمِينَ، فَقَدِ اسْتَمَرَّ ذَلِكَ الْإِرْجَافُ مِنْهُمْ بِالمُسْلِمِينَ اسْتِهْزَاء وَتَخْلِيلًا وَتَثْبِيطًا عَلَى طُولِ خَطِّ الرَّحْلَةِ

ذَهَابًا وإيابًا.

وَذَلِكَ لِأَنَّ الْإِبِلَ تَخْتَزِنُ كَمِّيَّاتٍ مِنَ الماءِ فِي بُطُونِهَا، لِحَاجَتِهَا إِلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهَا تُسَافِرُ مَسَافَاتٍ طَوِيلَةٌ

عَبْرَ الصَّحَارَى، وَلِذَلِكَ قِيلَ لَهَا سُفُنُ الصَّحْرَاءِ.

488

(1) (1/488)

صفحة 475

السيرة النبوية.

في تبوك: وَصَلَ النَّبِيُّ إِلَى تَبُوكَ، غَيْرَ أَنَّهُ وَجَدَ أَنَّ الرُّومَ قَدِ انْسَحَبُوا مِنْهَا وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ عَلِمُوا قُوَّةَ المُسْلِمِينَ وَكَانَ الجَيْشُ الإسلامي يَتَكَوَّنُ مِنْ ثَلَاثِينَ أَلْفَ مُقَاتِلٍ وَلَدِيهِمْ مِنَ الْأَفْرَاسِ عَشْرَةُ آلَافٍ، أَمَّا جَيْشُ الرُّومِ فَالْعَدَدُ ضَخْمٌ جِدًّا، لأَنَّهُ يَتَكَوَّنُ مِنَ الرُّومِ وَمِنَ الْقَبَائِلِ الْعَرَبِيَّةِ المَوَالِيَةِ هُمْ مِثْلِ: م وَجُذَامَ وَعَامِلَةً وَغَسَّانَ، وَرُبَّمَا كَانَ تَحْدِيدُ الْأَعْدَادِ بِهَذَا الرَّقْمِ وَالضَّخَامَةِ مِنْ كِلا الجانبينِ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الْمُبَالَغَةِ نَظَرًا إِلَى أَنَّ الْبَشَرِيَّة لَمْ تَكُنْ بِذَلِكَ التَّوَسُّعِ وَلَكِنْ يَبْقَى الْأَمْرُ عَلَى أَنَّ الْأَعْدَادَ مِنَ الطَّرَفَيْنِ كَانَتْ

كَبِيرَةٌ.

وَالظَّاهِرُ أَنَّ الرُّومَ رَأَوْا أَنَّهُمْ لَا قِبَلَ هُمْ بِمُلَاقَاةِ المُسْلِمِينَ، لِذَلِكَ فَضَّلُوا

الإنسحاب

وَأَقَامَ النَّبِيُّ في تَبُوكَ قُرَابَةَ الْعِشْرِينَ يَوْمًا، وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَتَتَبَّعَ الرُّومَ فِي أَعْمَاقِ دِيَارِهِمْ، وَفي حُصُونِهِمْ، وَإِنَّمَا اكْتَفَى بِالْبَقَاءِ فِي تَبُوكَ يُرَتِّبُ أَحْوَالًا مِنْ شَأْنِهَا أَنْ مُهين المُسْتَقْبَلَ لِلْإِسْلَامِ وَهِي: (الصُّلْحُ مَعَ أَمِيرِ أَيْلَةَ (1) يُوحَنَّا بْنِ رُؤْبَةَ، وَقَدْ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَصَاحَهُ وَأَعْطَاهُ الْخِزْيَةَ، وَكَتَبَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لِأَهْلِ أَيْلَةَ كِتَابًا جَاءَ فِيهِ: " بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذِهِ أَمَنَةٌ مِنَ الله وَمُحَمَّدٍ النَّبِيِّ رَسُولِ اللَّهُ لِيُوحَنَّا بْنِ رُؤْبَةَ وَأَهْلِ أَيْلَةَ،

مدِينَةُ الْعَقَبَةُ فِي جَنُوبِ الْأَرْدُن.

489 (1/489)

صفحة 476

السيرة النبوية.

سُفْنِهِمْ وَسَيَّارَاتِهِمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، لَهُمْ ذِمَّهُ اللَّهُ وَذِمَّةٌ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ وَمَنْ كَانَ مَعَهُمْ، مِنْ أَهْلِ الشَّام، وَأَهْلِ الْيَمَنِ وَأَهْلِ الْبَحْرِ، فَمَنْ أَحْدَثَ مِنْهُمْ حَدَنا فَإِنَّهُ يَجُولُ مَالَهُ دُونَ نَفْسِهِ، وَإِنَّهُ طَيِّبٌ مَنْ أَخَذَهُ مِنَ النَّاسِ، وَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ أَنْ يُمْنَعُوا مَاءٌ يَرِدُونَهُ، وَلَا طَرِيقًا يُرِيدُونَهُ مِنْ بَر أَوْ بَحْرٍ". وَقَدِ احْتَفَطُو بِهَذَا الْآمَانِ عَهْدًا طَوِيلًا.

(2 الصُّلْحُ مَعَ أَهْلِ جَرْبَاءَ (1)، عَلَى أَنْ يُعْطُوا الْجُزْيَةَ، وَكَتَبَ هُمُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم كِتَابَ أَمَانٍ فِي هَذَا الشَّأْنِ.

(3 الصُّلْحُ مَعَ أَهْلِ أَذْرُحَ (2)، حَيْثُ صَالَحَهُمُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَى أَنْ يُعْطُوا الْجُزْيَةَ وَكَتَبَ هُمْ كِتَابَ أَمَانٍ.

4 إِرْسَالُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ إِلَى المَلِكِ أَكَيْدِرِ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ الْكِنْدِي، مَلِكِ دُومَةِ الجندَلِ (3) الَّذِي كَانَ نَصْرَانِيًّا مُوَالِيَا لِلرُّومِ، وَسَارَ إِلَيْهِ خَالِدٌ، وَوَجَدَهُ خَارِجًا لِصَيْدِ بَقَرِ الْوَحْشِ الَّتِي كَانَتْ تَكْثُرُ فِي تِلْكَ الْمُنْطِقَةِ، وَمَعَهُ أَخُوهُ حَسَّانُ

مَوْضِعُ مِنَ الْبَلْقَاءِ مِنْ عَمَّانَ، بِالْأُرْدُنٌ.

هِيَ بَلْدَهُ أَذْرُعَ الْأُرْدُنْيَةِ، فِي الشَّمَالِ الْغَرْبِ مِنْ بَلْدَةِ مَعانٍ، وَهِيَ قَرِيبَةٌ مِنْ بَلْدَةِ الْجُرْبَاءِ.

مَدِينَةٌ تَقَعُ بَيْنَ دِمَشْقَ وَالْمَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ، كَانَتْ قَدْ خَرِبَتْ فَأَعَادَ إِعْمَارَهَا أُكَيْدِرُ الْكِنْدِيُّ، وَغَرَسَ بِهَا أَشْجَارَ الزَّيْتُونِ، وَصَارَتْ مَدِينَةٌ إِسْتِرَاتِيجِيَّةٌ وَبِهَا حِصْنٌ وَسُورٌ قَدِيمَانِ.

___ (P) (1/490)

صفحة 477

السيرة النبوية

فَتَلَقَّتْهُمْ خَيْلُ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَقَتَلَ خَالِدٌ حَسَّانَ وَأَسَرَ المُلِكَ أَكَيْدِرَ، وَأَمَرَهُ خَالِدٌ أَنْ يَفْتَحَ هُمْ أَبْوَابَ المَدِينَةِ (دُومَةً) فَفَتَحَهَا، وَغَيْمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْهَا غَنَائِمَ كَثِيرَةً، ثُمَّ قَدِمَ بِهِ خَالِدٌ إِلَى النَّبِيِّ، بَعْدَ وُصُولِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَهُنَاكَ صَالحَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَى الْجُزْيَةِ وَحَقَنَ لَهُ دَمَهُ، وَأَعْطَاهُ الْأَمَانَ، وَخَلَّى سَبِيلَهُ فَرَجَعَ إِلَى بَلَدِهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَرَادَ تَوْجِيهَ رِسَالَةٍ بِهَذَا الْعَمَلِ إِلَى عُمَلَاءِ الرُّومِ، في المنطِقَةِ الْعَرَبِيَّةِ، بِأَنَّ يَدَ المُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ طَوِيلَةٌ حَتَّى لَا يُنَاصِرُوا حُلَفَاءَهُم السَّابِقِينَ الرُّومَ فِي غَزْوِ المُسْلِمِينَ وَلَعَلَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَرَفَ أَنَّ أَكَيْدِرَ دُومَةً قَدْ

تُسَوِّلُ لَهُ نَفْسُهُ الْقِيَامَ بِشَيْءٍ مِنَ التَّحْرُكَاتِ ضِدَّ المُسْلِمِينَ.

الْعَوْدَةُ إِلَى الْمَدِينَةِ: بَعْدَ أَنْ أَقَامَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِتَبُوكَ بِضْعَةَ عَشْرَ لَيْلَةٌ كَمَا تَقُولُ الرِّوَايَةُ وَبَعْدَ أَنْ صَالَحَ أَهْلَ أَيْلَةَ وَأَهْلَ الْجُرْبَاءِ وَأَهْلِ أَذْرُحَ، وَبَعْدَ أَنْ أَرْسَلَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى الملِكِ أَكَيْدِرَ الْكِنْدِي، فَفَلَ عَائِدًا إلى المدينةِ مُكَلَّلًا بِالنَّصْرِ وَالْمُعْجِزَاتِ، وَإِنْ كَانَتِ الرّحلة لم تخلُ مِنْ مُشَاقَّةِ المَنافِقِينَ وَمُضَايَقَتِهِمْ وَمُخَالَفَتِهِمْ، وَشَهِدَتْ تَبُوكُ أَثْنَاءَ إِقَامَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَفَاةَ أَحَدِ الصَّحَابَةِ الْكِرَامِ، أَلَا وَهُوَ عَبْدُ الله المزيُّ ذُو الْبِجَادَيْنِ، وَالْبِجَادُ هُوَ الْكِسَاءُ الغَلِيظُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يَهْوَى الدُّخُول في الإسلام وَلَكِنَّ قَوْمَهُ يَمْنَعُونَهُ مِنْ ذَلِكَ، حَتَّى هَرَبَ مِنْهُمْ ذَاتَ يَوْمٍ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَمَا عَلَيْهِ إِلَّا بِجَادٌ وَاحِدٌ فَلَا اقْتَرَبَ مِنَ النَّبِيِّ شَقَّ بِجَادَهُ نِصْفَيْنِ لِكَيْ يَتَّزِرَ بِوَاحِدٍ وَيَشْتَمِلُ بِالْآخَرِ، فَقِيلَ لَهُ: ذُو الْبِجَادَيْنِ، وَلَعَلَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم هُوَ الَّذِي لَقَبَهُ بِذَلِكَ، وَكَفَاهُ شَرَفًا إِنْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ. وَقَدْ

491 (1/491)

صفحة 478

السيرة النبوية.

شَهِدَ جَنَازَتْهُ النَّبِيُّ بِنَفْسِهِ بَلِ اعْتَنَى بِجَنَازَتِهِ تَجْهِيرًا وَحَفْرًا وَدَفْنَا وَمَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، يَقُولُ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: «قُمْتُ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ وَأَنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ فَرَأَيْتُ شُعْلَةَ نَارٍ فِي نَاحِيَةِ الْعَسْكَرِ فَاتَّبَعْتُهَا أَنْظُرُ إِلَيْهَا، فَإِذَا رَسُولُ الله وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَإِذَا عَبْدُ الله ذُو الْبِجَادَيْنِ المُزنِيُّ قَدْ مَاتَ، وَإِذَا هُمْ قَدْ حَفَرُوا لَهُ، وَرَسُولُ الله في حُفْرَتِهِ، وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ يُدْلِيَانِهِ إِلَيْهِ، وَهُوَ يَقُولُ أَدْنِيَا إِلَى أَخَاكُما، فَدَلَّيَاهُ إِلَيْهِ فَلَها هَيَّاهُ لِشِفِّهِ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَمْسَيْتُ عَنْهُ رَاضِيَّا، فَارْضَ عَنْهُ، وَقَدْ كَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ يَتَمَنَّى أَنْ يَكُونَ هُوَ صَاحِبُ تِلْكَ الْحُفْرَةِ، وَحَقَّ فَإِنَّهَا شَهَادَةٌ عَظِيمَةٌ مِنَ الصَّادِقِ المُصْدُوقِ وَهِيَ جَوَازُ سَفَرٍ إِلَى الْجَنَّةِ.

حُكْمُ الْوِلَايَةِ وَالْبَرَاءَةِ:

بَعْدَ أَنْ حَطَّ رَسُولُ الله له في المَدِينَةِ عَائِدًا مِنْ تَبُوكَ، جَاءَهُ الْمُخَلَّفُونَ يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ، فَصَفَحَ عَنْهُمُ النَّبِيُّ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَعْذِرْهُمْ وَلَمْ يَرْفَعُ عَنْهُمْ مَسْؤُولِيَّةِ التَّخَلْفِ وَفِيهِمْ نَزَلَ قَوْلُ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى: (سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا أَنقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَنهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاهُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِن تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإن الله لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) (1)، بَيْد أَنَّ هُنَاكَ ثَلَاثَةَ رِجَالٍ لَمْ يَعْذِرْهُمُ الرَّسُولُ مَا كَانَ مِنْ صِدْقِ

سُورَةُ التَّوْبَةِ الْآيَةُ: 96.

492 (1/492)

صفحة 479

السيرة النبوية.

إِسْلَامِهِمْ، وَمَكَانَتِهِمْ عِنْدَهُ، وَإِنَّمَا هَجَرَهُمْ وَقَاطَعَهُمْ وَأَمَرَ بِحُجْرَانِهِمْ وَمُقَاطَعَتِهِمْ قَائِلًا لأَصْحَابِهِ: " لَا تُكَلِّمُنَّ أَحَدًا مِنْ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ" فَاجْتَنَبَهُمُ النَّاسُ وَلَمْ يُكَلِّمُوهُمْ وَلَمْ يَتَعَامَلُوا مَعَهُمْ بِأَيِّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ المُعَامَلَةِ، بَلْ تَطَوَّرَ الْأَمْرُ إِلَى عَدَمِ السَّمَاحِ لَهُمْ بِالاقْتِرَابِ مِنْ زَوْجَاتِهِمْ، حَتَّى مَضَتْ عَلَيْهِمْ خَمْسُونَ لَيْلَةً، وَهُمْ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ مِنَ المقاطَعَةِ وَالْمُجْرَانِ والتَّكْرِ هُمْ مِنْ جَميع طَبَقَاتِ المُجْتَمَعِ، ثُمَّ نَزَلَتْ تَوْبَتُهُمْ مِنَ الله تَعَالَى وَإِكْرَامًا لَهُمْ مِنَ الله تَعَالَى فَقَدْ أَشْرَكَ فِي التَّوْبَةِ مَعَهُمُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَالمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارَ، لَقَد تَابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي

سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيعُ قُلُوبُ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ)) (1)، وَهُنَاكَ حَدِيثُ طَوِيلٌ لِكَعْبِ بْنِ مَالِكِ يَرْوِي فِيهِ قِصَّةَ

117

تَخَلَّفِهِ، وَمَا نَاهُمْ مِنْ مُقَاطَعَةٍ وَتَوْبَةِ اللهِ عَلَيْهِمْ، وَفِيهِ الْكَثِيرُ مِنَ الْفَوَائِدِ وَالْأَحْكَامِ، فَيُرْجَعُ فِيهِ إِلَى سِيرَةِ ابْنِ هِشَامٍ، وَمِنْ هُنَا كانت الْوِلَايَةِ وَالْبَرَاءَةِ مِنَ الْأَشْخَاصِ الْعَاصِينَ الْفَاسِقِينَ، مَبْدَأَ مِنْ مَبَادِئِ الْإِبَاضِيَّةِ، وَحْكُما مِنْ أَحْكَامِهِمْ، بَعْدَ أَنْ كَانَتِ الْوَلَايَةُ الجُمْلَةِ الْمُؤْمِنِينَ، وَالْبَرَاءَةُ مِنْ جَمِيعِ الْكَافِرِينَ فَقَطْ لَدَى الْمُذَاهِبِ الإِسلاميَّةِ

الأخرى.

سُورَةُ التَّوْبَةِ الْآيَةُ: 117.

493 (1/493)

صفحة 480

النتيجة:

السيرة النبوية.

أَدْخَلَتْ هَذِهِ الْغَزْوَةُ الرُّعْبَ فِي قُلُوبِ الرُّومِ، وَلَمْ يُفَكِّرُوا بَعْدَهَا فِي غَزْوِ المُسْلِمِينَ، كَمَا أَنَّهَا رَفَعَتْ مِنْ مَعْنَوِيَّاتِ المُسْلِمِينَ وَالْعَرَبِ، الَّذِينَ كَانُوا مُوَالِينَ لِلرُّومِ وَلَمْ يَدْخُلُوا في الإسلام بَعْدُ، بَلْ كَانَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ عَلَى دِينِ النَّصْرَانِيَّةِ، وَشَكَّلَتْ نِقاط اتِّصَالِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ وَبِلَادِ الشَّامِ الْخَاضِعَةِ لِلرُّومِ مِمَّا مَهَّدَ السَّبِيلَ فِيمَا بَعْدُ لِلْفُتُوحَاتِ أَوْ لِلتَّحَرِيرَاتِ الإسلامية، تحقيقا لِوَعْدِ الله لَهُمْ بِالنَّصْرِ فِي قَوْلِهِ عَزَّ مِنْ قَائِلِ: (المَ غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَ الْأَرْضِ وَهُم مِّنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ) في يضيع مينين لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يعلَمُونَ) (1). وَذَلِكَ أَنَّ الْفُرْسَ غَلَبُوا الرُّومَ وَاحْتَلُوا بَيْتَ الْمُقْدِسِ وَأَخَذُوا الصَّلِيبَ، وَذَلِكَ عِنْد بِدَايَةِ الْبِعْثَةِ النَّبَوِيَّةِ، ثُمَّ انْتَصَرَتِ الرُّومُ بَعْدَ ذَلِكَ وَطَرَدُوا الْفُرْسَ وَاسْتَرَدُّوا بَيْتَ المُقْدِسِ وَاسْتَرَدُّوا صَلِيبَهُمْ، وَذَلِكَ فِي حُدُودِ السَّنَةِ السَّادِسَةِ أَوِ السَّابِعَةِ لِلْهِجْرَةِ، وَهَذَا الَّذِي فَهِمَهُ الْمُفَسِّرُونَ مِنْ آيَاتِ مَطْلَعِ سُورَةِ الرُّومِ، مُوَجْهِينَ وَمُكَيِّفِينَ المُوْضُوعَ بِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ فِي مَكَّةَ عِنْدَ بِدَايَةِ إِسْلَامِهِمْ حَزِنُوا عَلَى انْتِصَارِ الْفُرْسِ عَلَى الرُّومِ عَلَى اعْتِبَارِ أَنَّ الْفُرْسِ وَتَنِيُّونَ، بَيْنَمَا الرُّومُ مَسِيحِيُّونَ أَهْلُ

سُورَةُ الرُّومِ الْآيَاتُ: 1 - 117.6.

494 (1/494)

صفحة 481

السيرة النبوية.

كِتَابٍ، وَقَدْ وَعَدَ اللهُ بِانْتِصَارِهِمْ عَلَى الْفُرْسِ فِي بِضْعِ سِنِينَ فَقَطْ، لِذَلِكَ فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ سَوْفُ يَفْرَحُونَ بِهَذَا النَّصْرِ انْتِصَارَ الرُّومِ عَلَى الْفُرْس، فهم يتعاملون مع الفريقين. وَفِي رَأتِي أَنَّ الْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةَ السَّالِفَةَ الذِّكْرِ تُبَشِّرُ بِانْتِصَارِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الرُّوم وَالْفُرْسِ مِمَّا بَعْدَ تَرَتِّبِ الْأَحْدَاثِ الَّتِي مَرَّ ذِكْرُهَا مِنِ انْتِصَارِ الْفُرْسِ عَلَى الرُّومِ، ثُمَّ انْتِصَارِ الرُّومِ عَلَى الْفُرْسِ، أَيْ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ سَوْفَ يَفْرَحُونَ بَعْدَ تِلْكَ الْأَحْدَاثِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ الْفُرْسِ وَالرُّومِ، بِالانْتِصَارِ عَلَيْهِمْ بَدْءًا مِنْ مَعْرَكَةِ مُؤْتَةً، ثُمَّ مَعْرَكَةِ تَبُوكَ، ثُمَّ تَحْرِيرَاتِ الْعِرَاقِ وَفَارِسِ مِنَ الْفُرْسِ، ثُمَّ تَحْرِيرَاتِ الشَّامِ وَمِصْرَ وَغَيْرِهَا مِنَ الرُّومِ وَالنَّصَارَى، وَأَظُنُّ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ فِي مَكَّةَ مَا كَانَ يَعْنِيهِمْ إِلَى حَدَّ الْحُزْنِ انْتِصَارِ الْفُرْسِ

عَلَى الرُّومِ، أَوْ يَعْنِيهِمْ إِلَى حَدَّ الْفَرَحِ انْتِصَارِ الرُّومِ عَلَى الْفُرْسِ.

495 (1/495)

صفحة 482

السيرة النبوية.

كُتُبُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِلَى مُلُوكِ وَأُمَرَاءِ الْعَرَبِ

ذَكَرْنَا فِيمَا مَرَّ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَجَّهَ خِطَابَاتِهِ إِلَى الْمُلُوكِ غَيْرِ الْعَرَبِ قَبْلَ فَتح مَكَّةَ وَبِالتَّحْدِيدِ بَعْدَ عَوْدَتِهِ مِنْ صُلح الحديبية، أَمَّا مُلُوكُ وَأُمَرَاءُ الْعَرَبِ فَقَدْ خَاطَبَهُمْ بَعْدَ فَتح مَكَّةَ، وَذَكَرْنَا هُنَالِكَ الْأَسْبَابَ الَّتِي دَعَتْهُ إِلَى ذَلِكَ، فَلَا دَاعِيَ إِلَى إعَادَتِهَا هُنَا.

وَيَظْهَرُ أَنَّهُ أَرْسَلَ كُتبهُ إِلَى مُلُوكِ وَأَمَرَاءِ الْعَرَبِ بَعْدَ عَوْدَتِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ مِنْ فَتح مَكَةَ وَغَزْوَتَيْ حُنَيْنٍ وَالطَّائِفِ، وَبَعْدَ أَدَائِهِ الْعُمْرَةَ مِنَ الْجُعِرَّانَةِ، وَلَعَلَّ ذَلِكَ كَانَ فِي شَهْرِ ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ ثَمَانِ لِلْهِجْرَةِ.

والملوك والأُمَرَاهُ الَّذِينَ خَاطَبَهُمْ كِتَابَةٌ هُمْ:

جَيْفَرُ بْنُ الْجُلَنْدَى حَاكِمُ عُمَانَ وَأَخُوهُ عَبْدُ بْنُ الْجُلَنْدَى، وَكَانَ مَبْعُونَهُ عَمْرُو بْنُ

العاص.

الْمُنْذِرُ بْنُ سَاوَى الْعَبْدِيُّ حَاكِمُ الْبَحْرَيْنِ، وَكَانَ مَبْعُوثُهُ الْعَلَاءُ بْنُ الْحَضْرَمِي

هَوْذَةُ بْنُ عَلِيٍّ الْحَنَفِيُّ حَاكِمُ الْيَمَامَةِ، وَكَانَ مَبْعُونَهُ سَلِيطُ بْنُ عَمْرُو.

الْحَارِثُ بْنُ أَبِي شِمْرِ الْغَسَّانِيُّ حَاكِمُ بَعْضِ تُخُومِ الشَّامِ، وَكَانَ مَبْعُونَهُ شُجَاعُ بْنُ

وَهْبِ الْأَسَدِيُّ.

496 (1/496)

صفحة 483

السيرة النبوية.

الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ كَلَالٍ الْحِمْيَرِيُّ حَاكِمُ الْيَمَنِ، وَمَبْعُوثُهُ الْمُهَاجِرُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ

المخزومي.

وَهَذَا هُوَ خِطَابُ النَّبِي إِلَى جَيْفَرٍ وَعَبْدِ ابْني الجلندى: «بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الله إِلَى جَيْقَرٍ وَعَبْدِ ابْنَي الجُلَندَى السَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى؟، أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أَدْعُوكُما بِدِعَايَة الْإِسْلَام أَسْلِمَا تَسْلَمَا، فَإِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلَ عَلَى الْكَافِرِينَ، وَإِنَّكُما إِنْ أَقْرَرْتُما بِالْإِسْلَام وَليْتُكُما، وَإِنْ أَبَيْتُها أَنْ تُقِرًّا بِالْإِسْلَام فَإِنَّ مُلْكَكُما زَائِلٌ عَنْكُمَا، وَخَيْلٍ تَطَأُ ساختكما، وَتَظْهَرُ نُبُوَّنِ عَلَى مُكْلِكُما وَكَانَ الْكِتَابُ بِخَط أُيِّ بْنِ كَعْبٍ (1).

(1) الْعَوْتَبِيُّ الْأَنْسَابُ) (2/ 764) تحقيقُ إِحْسَان النص.

497 (1/497)

صفحة 484

السيرة النبوية.

رُدُودُ الْأَفْعَالِ:

كَانَتْ رُدُودُ أَفْعَالِ المكتوبِ إِلَيْهِمْ مُتَفَاوِئَةٌ، وَهِيَ كَمَا يَلِي:

أَمَّا جَيْفَرُ بْنُ الجُلَندَى وَأَخُوهُ عَبْدٌ فَقَدْ أَسْلَمَا بَعْدَ مُحَاوَرَةِ لَطِيفَةٍ جَرَتْ بَيْنَ مَبْعُوثِ

النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَبَيْنَ الْمَلِكِ الْعُمَانِ جَعْفَرِ بْنِ الْجُلَنْدَى، فَأَسْلَمَ وَأَسْلَمَ مَعَهُ

أَخُوهُ، ثُمَّ دَعَيَا أَهْلَ عُمَانَ إِلَى الْإِسْلَام فَأَسْلَمُوا جَمِيعًا.

كما أن المنذِرَ بْنَ سَاوَى الْعَبْدِي دَخَلَ فِي الْإِسْلَام وَأَسْلَمَ مَعَهُ عَدَدٌ مِنْ قَوْمِهِ. وَأَمَّا هَوْذَةُ بْنُ عَلى الحَنَفِيُّ، فَقَدِ اشْتَرَطَ أَنْ يُنَصْبَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم حَاكِما، فَأَبَى عَلَيْهِ،

وَلَعَلَّهُ أَرَادَ أَنْ لَا يَكُونَ نَابِعًا لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَمَات بَعْدَ ذَلِكَ بِقَلِيل.

أَمَّا الْحَارِثُ الْغَسَّانِيُّ، صَاحِبُ بَعْضِ تُخُومِ الشَّامِ، فَقَدِ اسْتَشَاطَ غَضَبًا، فَرَمَى كِتَابَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِلَى الْأَرْضِ وَقَالَ: مَنْ يَنْزِعْ مِنِّي مُلْكِي؟ بَلْ أَخَذَ يُعِدُّ الْعُدَّةَ لِلْهُجُومِ

عَلَى المُسْلِمِينَ. وَأَمَّا الْحَارِثُ الحِمْيَرِيُّ صَاحِبُ الْيَمَنِ فَهُوَ أَيْضًا رَدَّ رَدًّا قَبِيحًا (1).

(1) الرَّسُولُ الْقَائِدُ» (ص 328).

***

498 (1/498)

صفحة 485

السيرة النبوية.

الْوُفُودُ

بَعْدَ رُجُوعِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ظَافِرًا مَنْصُورًا مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ قَدِمَتْ وُفُودُ الْعَرَبِ إِلَى المدينة؛ لِيُبَايِعُوا رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم بِالْإِسْلَامِ، وَيُعْلِنُوا دُخُوهُمْ فِي الْإِسْلَامِ، وَمِنْ تِلْكَ

الْوُفُودِ:

وقد بَنِي تميم.

وَفْدُ بَنِي عَامِرٍ.

ضِمَامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ، عَنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ.

وَقد بَنِي حَنِيفَةَ، وَمَعَهُمْ مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ.

وَقَدْ طَنِّي، وَفِيهِمْ زَيْدُ الخَيْلِ الَّذِي سَماهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم زَيْدَ الخَيْرِ.

عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الحَدِيثُ عَنْهُ.

وَقد بَنِي زُبَيْدِ، وَفِيهِمْ عَمْرُو بْنُ مَعْدِ يَكْرِبَ.

وَفْدُ عِنْدَةَ، وَفِيهِمُ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ.

499 (1/499)

صفحة 486

السيرة النبوية.

رَسُولُ مُلُوكِ خِيرَ بِالْيَمَنِ بِإِسْلَامِهِمْ.

• رَسُولُ فَرْوَةَ بْنِ عَمْرٍو الْجُذَامِيٌّ عَامِلِ الرُّومِ عَلَى معان، بِإِسْلَامِهِ.

وَفْدُ ثَقِيفٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ عَنْهُمْ.

وَفَدُ عَبْدِ الْقَيْسِ أَهْلِ الْبَحْرَيْنِ.

وَقدُ الْأَشْعَرِيِّينَ.

وَفْدُ مُزَيْنَةَ.

وقد تجيب.

وَفْدُ بَنِي فَزَارَةً.

وقد بَنِي أَسَد.

وَفْدُ بَهْرَاءَ.

وَفْدُ عِشْرَةَ.

وَفدُ بلَى.

وَفْدُ بَنِي مُرَّةَ. (1/500)

صفحة 487

***

وَفْدُ خَوْلَانَ.

وَفدُ مُحارِب.

وَفْدُ غَسَّانَ.

وَفْدُ عَامِدٍ.

وَفْدُ النَّخَعِ.

• مُرَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْأَزْدِيُّ.

السيرة النبوية.

وَهَذِهِ الْوُفُودُ كُلُّهَا جَاءَتْ سَنَةَ تِسْعِ حَتَّى سُمِّيَ هَذَا الْعَامُ عَامَ الْوُفُودِ، وَكَانَتْ تُضْرَبُ هُمْ حَيَامٌ فِي فِنَاءِ المَسْجِدِ النَّبَوِي لِيَكُونُوا قَرِيبِينَ مِنْهُ صلى الله عليه وسلم وَمِنْ أَصْحَابِهِ، لِيَشْهَدُوا أَخْلَاقَهُ، وَيَسْمَعُوا الْقُرْآنَ، وَيُشَاهِدُوا الصَّلَاةَ وَالمُصَلِّينَ، فَمَا رَجَعُوا إِلَى

بُلْدَانِهِمْ وَأَقْوَامِهِمْ إِلَّا وَهُمْ مُسْلِمُونَ، وَدُعَاةٌ إِلَى الْإِسْلَامِ.

وَلَعَلَّ بَعْضَ هَذِهِ الْوُفُودٍ قَدِمُوا فِي السَّنَةِ الْعَاشِرَةِ. (1/501)

صفحة 488

السيرة النبوية.

وَفْدُ نَصَارَى نَجْرَانَ

عَلَى أَنَّ هُنَاكَ خِلَافًا حَوْلَ قَدُومِ وَفْدِ نَصَارَى نَجْرَانَ، فَابْنُ هِشَامٍ نَقَلَ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ أَنَّ قُدُومَهُمْ كَانَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ قَبْلَ مَعْرَكَةِ بَدْرٍ، وَسَارَ عَلَى ذَلِكَ عَدَدٌ مِنْ

كُتُبِ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ. وَمَصَادِرُ السِّيرَةِ الْأُخْرَى جَعَلَتْ قُدُومَهُمْ فِي السَّنَةِ التَّاسِعَةِ سَنَةِ الْوُفُودِ، وَفِي رَأْبِي أَنَّهُ لَا هَذَا وَلَا ذَاكَ، لِلْأَسْبَابِ التَّالِيَةِ:

أَوَّلا: بِالنَّسْبَةِ إِلَى رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ عِنْدَ ابْنِ هِشَامِ الَّتِي حَدَّدَتِ الْقُدُومَ بِالسَّنَةِ الثَّانِيَةِ، فَإِنَّهُ أَمْرُ لَا يَسْتَقِيمُ مَعَ سِيَاقِ آيَةِ المُبَاهِلَةِ الْقَائِلَةِ: فَمَنْ حَاجَكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا

جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَذِبِينَ} [آل عِمْرَانَ]؛ لِأَنَّ الرَّوَايَةَ تَجْعَلُ الحَسَنَ وَالحُسَيْنَ مَوْجُودَيْنِ، وَهُمَا لَمْ يُولَدَا بَعْدُ، فَالْحَسَنُ وُلِدَ فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ وَالْحُسَيْنُ فِي السَّنَةِ الرَّابِعَةِ، وَلِذَلِكَ جَعْلُ الْوَاقِعَةِ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ كَمَا هِيَ رِوَايَةُ ابْنِ إِسْحَاقَ وَابْنِ هِشَامٍ وَمَنْ وَافَقَهُمْ أَمْرٌ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ. وَأَمَّا الرِّوَايَةُ الْقَائِلَةُ بِأَنَّ قُدُومَهُمْ كَانَ سَنَةَ تِسْع؛ أَيْ سَنَةَ الْوُفُودِ، فَذَلِكَ مُسْتَبْعَدٌ؛ لأَنَّ الرِّوَايَاتِ تَقُولُ إِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم ذَهَبَ إِلَيْهِمْ حَامِلًا الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ فِي حِضْنِهِ، وَيَقُودُ (1/502)

صفحة 489

السيرة النبوية.

الحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ بِالْيَدِ الْأُخْرَى، وَإِذَا كَانَ الْعَامُ التَّاسِعُ هُوَ تَارِيخَ قُدُومِهِمْ، فَيَكُونُ الحَسَنُ عُمْرُهُ سِتُّ سِنِينَ، وَالْحُسَيْنُ عُمْرُهُ خَمْسُ سِنِينَ، فَهُوَ لَا يَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يُحْمَلَ. (1) وَعَلَى هَذَا أَرَى أَنَّ قُدُومَهُمْ كَانَ بَعْدَ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ، وَقَبْلَ السَّنَةِ التَّاسِعَةِ، وَإِذَا جَازَ لي أَنْ أَحَدَّدَ وُصُوهُمْ تَقْدِيرًا فَأَرَى أَنَّهُ فِي السَّنَةِ الْخَامِسَةِ؛ أَيْ بَعْدَ غَزْوَةِ الْأَحْزَابِ. وَتَتَلَخَصُ قِصَّهُ قُدُومٍ وَفْدِ نَصَارَى نَجْرَانَ فِي الْآتي:

قَدِمَ عَلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وَقد نَصَارَى نَجْرَانَ سِتَّتُونَ رَاكِبًا، فِيهِمْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ مِنْ أَشْرَافِهِمْ، مِنْهُمْ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ إِلَيْهِمْ يَؤُولُ أَمْرُهُمْ وَهُمْ:

الْعَاقِبُ، وَاسْمُهُ عَبْد المسيح وَهُوَ أَمِيرُهُمْ، وَالسَّيِّدُ وَاسْمُهُ الْأَيْهمُ وَهُوَ صَاحِبُ

رَحْلِهِمْ، وَأَبُو حَارِثَةَ بْنُ عَلْقَمَةَ إِمَامُهُمْ وَأَسْقُفُهُمْ.

فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ الله وَدَخَلُوا عَلَيْهِ فِي المَسْجِدِ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ، فَقَامُوا يُصَلُّونَ صَلَاتَهُمْ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ الله، وَكَانَتْ قِبْلَتُهُمْ إِلَى الْمُشْرِقِ، فَهَم بَعْضُ الْقَوْمِ بِمَنْعِهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «دَعُوهُمْ».

ثُمَّ أَخَذُوا فِي مُحَاجَجَةِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم حَوْلَ النَّصْرَانِيَّةِ، وَالنَّبِيُّ ال تُجيبهُمْ، وَلا لَمْ يَقْتَنِعُوا أَمَرَ اللهُ نَبِيَّهُ بِمُبَاهَلَتِهِمْ كَمَا جَاءَ فِي الْآيَةِ المَذْكُورَةِ، فَفَكَّرُوا فِي أَمْرِهِمْ وَاعْتَذَرُوا عَنِ الْمُبَاهَلَةِ، وَطَلَبُوا مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَبْعَثَ مَعَهُمْ أَحَدَ أَصْحَابِهِ لِيَكُونَ

(1) قِصَّةُ المُبَاهَلَةِ تَحْتَاجُ إِلَى مُنَاقَشَةٍ وَإِعَادَةِ نَظَرِ؛ لأَنَّ السَّيَاقَ لَا يُسَاعِدُ الْقَوْلَ بِأَنَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم جَمَعَ أَهْلَهُ اسْتِعْدَادًا لِلْمُبَاهَلَةِ؛ لِأَنَّ الْوَفْدَ طَلَبُوا مُهْلَةٌ لِلتَّفْكِيرِ أَوَّلاً، ثُمَّ اعْتَذَرُوا. (1/503)

صفحة 490

السيرة النبوية.

حكما فِيمَا بَيْنَهُمْ عِنْدَ اخْتِلَافِهِمْ فِي أُمُورِهِمُ الدُّنْيَوِيَّةِ، فَبَعَثَ مَعَهُمْ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجُرَّاحِ،

وَسَمَّاهُ أَمِينَ الْأُمَّةِ.

*** (1/504)

صفحة 491

السيرة النبوية.

أَبُو بَكْرٍ يَحُجُّ بِالنَّاسِ

فُرِضَ الحَج عَلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي السَّنَةِ التَّاسِعَةِ، وَلَكِنَّهُ أَمْسَكَ عَنِ الْحَجِّ لِأَنَّهُ ذَكَرَ مُخَالَطَةَ المُشْرِكِينَ لِلنَّاسِ فِي حَبِّهِمْ وَتَلْبِيَتِهِمْ بِالشِّرْكِ وَطَوَافِهِمْ بِالْبَيْتِ عُرَاةٌ.

فَأَرْسَلَ أَبَا بَكْرٍ، فَخَرَجَ فِي ثَلَاثِمَانَةِ شَخْصٍ مِنَ المَدِينَةِ، وَبَعَثَ مَعَهُ عِشْرِينَ بَدَنَةٌ مُقَلَّدَةٌ لِلْهَدْيِ، فَأَحْرَمُوا مِنْ ذِي الحُلَيْفَةِ، وَبَاتُوا بِالْعَرج، وعِنْدَ السَّحَرِ سَمِعَ أَبو بَكْرِ رُغَاءَ نَاقَةِ رَسُولِ الله القَصْوَاءِ، فَإِذَا عَلَيْهَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: أَمِيرٌ أَمْ مَأْمُورٌ؟ قَالَ: بَلْ مَأْمُورٌ. وَكَانَتْ قَدْ نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ سُورَةُ بَرَاءَةَ بَعْدَ خُرُوجِ أَبِي بَكْرٍ مِنَ المَدِينَةِ الَّتِي يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى فِي بِدَايَتِهَا: بَرَاءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَنْهَدتُم مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِى اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ خرى الكَفِرِينَ) وَأَذان تين اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الحَجَ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِى مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِى اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَليم (الله) إلى آخر السُّورَةِ. فَبَعَثَ بِهَا رَسُولُ الله عَليَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُنَادِي فِي النَّاسِ بِأَرْبَعَةِ أُمُورٍ

1 لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا مُؤْمِنٌ.

(1) الرَّوْضُ الْآئِفُ» (318/ 4)

[التوبة] (1/505)

صفحة 492

السيرة النبوية.

2. أَلَّا يَحجَّ بَعْدَ هَذَا الْعَامِ مُشْرِكٌ.

3. أَلَّا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ.

4 مَنْ كَانَ لَهُ عَهْدٌ فَلَهُ مُدَّهُ عَهْدِهِ، وَمَنْ لَا عَهْدَ لَهُ فَلَهُ أَجَلٌ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ.

وَكَانَ إِرْسَالُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَلِيًّا بِهَذَا الْأَمْرِ جَرْيًا عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ، فَإِنَّهُمْ مَا كَانُوا يَقْبَلُونَ نَقْضَ الْعَهْدِ إِلَّا مِمَّنْ عَقَدَهُ، أَوْ مِنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، فَعَامَلَهُمْ وَفْقَ عَادَتِهِمْ ليَكُونَ ذلِكَ أَقْنَعَ لَهُمْ وَأَلْزَمَ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ.

وَتَرَافَقَ أَبو بَكْرٍ وَعَليُّ فِي المَسِيرِ إِلَى الحَجّ وَالعَوْدَةِ مِنْهُ، فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يَخْطُبُ فِي النَّاسِ يُعَلِّمُهُمْ مَنَاسِكَ حَبِّهِمْ، وَعَلِيٌّ يُنَادِي فِي النَّاسِ بِمَا أَمَرَهُ بِهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَيَقْرَأُ عَلَيْهِمْ سُورَةَ بَرَاءَةَ، حَتَّى انْتَهَى النَّاسُ مِنْ مَنَاسِكِ الحَج وَمَوْسِمِهِ.

جبي الزَّكَاةِ

بَعْدَ أَنْ دَانَتْ جَزِيرَةُ الْعَرَبِ لِلْإِسْلَامِ، وَدَخَلَتْ قَبَائِلُ الْعَرَبِ فِيهِ، وَوَطِئَ الْإِسْلَامُ أَرَاضِيَ الْعَرَبِ؛ أَخَذَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي بَعْثِ عُمَالِهِ عَلَى الزَّكَاةِ جَيْبِهَا بِأَخْذِهَا مِنَ الْأَغْنِيَاءِ وَوَضْعِهَا فِي الْفُقَرَاءِ؛ لِأَنَّهَا رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ، فَانْطَلَقَ أُولَئِكَ الْعُمَّالُ،

كُلّ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْهِ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي بِدَايَةِ السَّنَةِ الْعَاشِرَةِ لِلْهِجْرَةِ.

(1) السَّامِيُّ، شَرْحُ الْمُسْنَدِ» (199/ 2). (1/506)

صفحة 493

السيرة النبوية.

سَرِيَّةُ عَلَى بْنِ أَبِي طَالِبٍ إِلَى الْيَمَنِ

بَعَثَ النَّبِيُّ عَلَى بْنَ أَبِي طَالِبٍ فِي سَرِيَّةِ إِلَى الْيَمَنِ وَمَعَهُ ثَلَاتُمِانَةِ فَارِسٍ فِي شَهْرٍ رَمَضَانَ مِنَ السَّنَةِ الْعَاشِرَةِ، وَكَانَتْ خَيْلُهُمْ أَوَّلَ خَيْلٍ نَطَأُ تِلْكَ الْبِلَادَ، وَكَانَ أَوَّلُ نُزُوهِمْ عَلَى أَرْضِ مَدْجَحٍ، وَكَانَ أَمْرُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِلَى عَلِيٌّ أَنْ لَا يَبْدَأَهُمْ بِالْقِتَالِ، وَإِنَّمَا يَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَام بَادِنَا بِالتَّوْحِيدِ أَوَّلا، ثُمَّ الصَّلَاةِ، ثُمَّ الزَّكَاةِ، فَدَعَاهُمْ عَلِيٌّ إِلَى ذَلِكَ، وَلَكِنَّهُمْ أَبَوْا، فَرَمُوا عَلِيًّا وَأَصْحَابَهُ بِالنَّبْلِ، فَقَاتَلَهُمْ عَلِيُّ وَأَصْحَابُهُ، فَغَنِمُوا

مِنْهُمْ غَنَائِمَ وَأَسَرُوا أَنَاسًا، ثُمَّ أَذْعَنُوا لِلْإِسْلَام فَدَخَلُوا فِيهِ، وَبَايَعُوا عَلَيْهِ. وَأَقْبَلَ عَلِيٌّ إِلَى مَكَّةَ مُوَافِيًا رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم بِالْمُوْسِم فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَمَعَهُ خُمس

الْغَنَائِمِ وَقَبْلَ ذَلِكَ كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَرْسَلَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ فِي نَفَرٍ مِنَ المُسْلِمِينَ إِلَى الْيَمَنِ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَمَكَنُوا فِي مُهِمَّتِهِمْ سِنَّة أَشْهُرٍ، وَلَعَلَّهُمْ لَمْ يُسْتَجَبْ هُمْ،: وَلِذَلِكَ أَرْسَلَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ. (1/507)

صفحة 494

السيرة النبوية.

حَجَّةُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم

وَتُسَمَّى حَجَّةَ الْوَدَاعِ، وَحَجَّةَ السَّمَامِ، وَحَجَّةَ الْإِسْلَامِ

التَّهَيُّو: فِي شَهْرِ ذِي الْقِعْدَةِ مِنَ السَّنَةِ الْعَاشِرَةِ لِلْهِجْرَةِ أَجْمَعَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم السَّفَرَ إِلَى الْحَجِّ، وَأَعْلَمَ النَّاسَ بِذَلِكَ، وَتَنَاقَلَ النَّاسُ الْخَبَرَ الْعَظِيمَ فَتَعَالُوا بِهِ، وَاجْتَمَعَ بِالْمَدِينَةِ خَلْقُ كَثِيرٌ رَغْبَةٌ مِنْهُمْ فِي الانْتِمامِ بِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم في أَدَاءِ مَنَاسِكِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ.

فَخَرَجَ بِهِمْ مِنَ المَدِينَةِ يَوْمَ السَّبْتِ الخَامِسِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ شَهْرِ ذِي الْقِعْدَةِ، بَعْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ، وَقَدِ اجْتَمَعَ عِنْدَهُ أَكْثَرُ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ حَاجٌ رِجَالًا وَنِسَاءٌ، وَلَعَلَّهُ عَدَدُ مُبَالِغُ فِيهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ، وَمَهُمَا يَكُنِ الْعَدَدُ فَإِنَّهُ عَدَدٌ كَبِيرٌ وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَفِي رَأْيِي: أَنَّ هَذَا الْعَدَدَ الضَّخْمَ آنَذَاكَ لَمْ يَجْتَمِعُوا كُلُّهُمْ مُنْذُ بِدَايَةِ الرِّحْلَةِ، وَإِنَّمَا أَخَذُوا يَلْتَحِقُونَ بِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم عَلَى طُولِ خَطَّ الرَّحْلَةِ مِنَ الْمُدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ.

الإحرام

أَحْرَمَ الرَّسُولُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي مِنْ وُصُولِهِ إِلَى ذِي الحُلَيْفَةِ الَّتِي وَصَلَهَا مَسَاءَ اليَوْمِ الَّذِي قَبْلَهُ انْتِظَارًا لِتَجَمُّعِ المَزِيدِ مِنَ النَّاسِ بِذِي الحُلَيْفَةِ، حَيْثُ أَنَّ الْكَثِيرَ مِنْهُمْ لَم يَتَمَكَّنُوا مِنَ الْحُضُورِ فِي يَوْمِ الرَّحِيلِ مِنَ المَدِينَةِ، وَقَدْ أَحْرَمَ وَأَحْرَمَ النَّاسُ ظُهْرًا بِذِي (1/508)

صفحة 495

السيرة النبوية

الحُلَيْفَةِ، وَقَدْ أَحْرَمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي ثَوْبَيْنِ صُحَارِيَّيْنِ أَي مِنْ نَسِيج

صُحَارٍ، المَدِينَةِ الْعُمانِيَّةِ المُشْهُورَةِ عَلَى سَاحِلِ بَحْرِ عُمَانَ.

وَقَبْلَ إِحْرَامِهِ قَلَّدَ هَدْيَهُ وَأَشْعَرَهُ، وَكَانَ الْهَدْيُّ المُقَلَّدُ مِائَةَ بَدَنَةٍ.

وَقَدْ قَلَّدَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ هَدْيَهُمْ أَيْضًا، فَأَحْرَمُوا بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ قَرَانًا، ثُمَّ أَمَرَ النَّبِيُّ مَنْ لَمْ يَكُنْ قَلَّدَ هَدْيَهُ أَنْ يُحْرِمُوا بِعُمْرَةٍ عَثْعًا، وَقَالَ: لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمَا سُقْتُ الهَدْيَ وَلَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً». الطَّرِيقُ إِلَى مَكَّةَ:

مَر النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَمَنْ مَعَهُ بِأَمْكِنَةٍ عَدِيدَةٍ مَعْرُوفَةٍ، مِنْ مَلَلِ، فَالسَّيَّالَةِ، فَالرَّوْحَاءِ، فَالآثابَةِ، فَالْعرج، فَالسُّفْيَا، فَالْأَبْوَاءِ، فَتَلَعَاتٍ، فَالجَحْفَةِ، فَقَدِيدٍ، فَعَفَانَ، فَمَرُ الظُّهْرَانِ حَتَّى انْتَهَى إِلَى الشَّيْتَيْنِ، بَيْنَ كُدِّى وَكِدَاءَ، فَبَاتَ هُنَاكَ، فَلَمَّا أَصْبَحَ اغْتَسَلَ وَدَخَلَ مَكَّةَ نَهَارًا، حَيْثُ دَخَلَهَا مِنْ أَعْلَاهَا مَارًا بِالْأَبْطح، وَدَخَلَ إِلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ مِنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ، وَكَانَ يُلَبِّي طَوَالَ الطَّرِيقِ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ تَلْبِيةَ التَّوْحِيدِ، وَهِيَ: «لبيك اللهم لبيك،

لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الحمد والنعمة لك والملك، لا شَرِيكَ لَكَ». وَكَانَ وُصُولُهُ وَدُخُولُهُ إِلَى البَيْتِ الْعَتِيقِ يَوْمَ الثَّلَاثَاءِ الْحَامِسِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ.

***

1) مِنَ الْمُلَاحَظِ أَنَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم كَانَ كَثِيرًا ما يَسْتَعْمِلُ مَلَابِسَ المُهمات مِنْ نَسِيحٍ صُحَارٍ، وَهَذَا شَرَفٌ عَظِيمٌ

لعثمانَ عامة وَلِصُحَار خاصة. (1/509)

صفحة 496

السيرة النبوية -

أَعْمَالُ الحج: بَدَأَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِالطَّوَافِ حَوْلَ الْبَيْتِ الْعَتِيقِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ، وتهى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَنْ مُزَاحَمَةِ النَّاسِ حَتَّى لَا يُؤْذِي أَوْ يُؤْذَى، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّفَا

مِنْ بَابِ بَنِي تَخَزُومٍ، فَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، بَادِنَا بِالصَّفَا وَخَاتِمَا بِالْمَرْوَةِ. وَأَقَامَ بِالْأَبْطَحِ رَافِضًا عَرْضَ ابْنَةِ عَمِّهِ أُمَّ مَانِي بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ بِالنُّزُولِ فِي بَيْتِهَا أَوْ فِي شَيْءٍ مِنْ بُيُوتِ مَكَةَ. فَأَقَامَ بِهَا أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ، مِنَ الثَّلَاثَاءِ إِلَى الْجُمُعَةِ الَّذِي هُوَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ، الثَّامِنُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، فَخَطَبَ النَّاسَ قَبْلَ التَّرْوِيَةِ بِيَوْمٍ يُعَلِّمُهُمْ مَنَاسِكَ حَجِّهِمْ، ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى مِنّى يَوْمَ التَّرْوِيَةِ، وَهُوَ الْيَوْمُ الثَّامِنُ، فَرَكِبَ إِلَيْهَا حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ، فَصَلَّى بِهَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالصُّبْحَ، وَقَالَ: مِنِّى مَنْزِلُ مَنْ

سبق».

وَرَكِبَ مِنْ مِنِّى إِلَى عَرَفَةَ بَعْدَ طُلُوعِ شَمْسِ الْيَوْمِ التَّاسِعَ مُتَجَاوِزًا مُزْدَلِفَةً خِلَافًا لِقُرَيْشٍ، لِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّهُمْ أَهْلُ الله فَلَا يَقِفُونَ بِعَرَفَةَ مَعَ النَّاسِ، وَقَالَ: «هَدْيُنَا مُخَالِفٌ هدْيِ أَهْلِ الشِّرْكِ وَالْأَوْثَانِ». وَفِي عَرَفَةَ حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ خَطَبَ النَّاسَ، ثُمَّ أَمَرَ

بِلالا فَأَذَّنَ، فَصَلَّى بِالنَّاسِ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمْعًا بِأَذَانِ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ. ثُمَّ أَخَذَ يَتَنَقَّلُ بِنَاقَتِهِ الْقَصْوَاءِ فِي عَرَفَةَ، وَقَالَ: كُلُّ عَرَفَةَ مَوْقِفٌ إِلَّا بَطْنَ عَرنَةَ،

وَكُلُّ الْمُزْدَلِفَةِ مَوْقِفٌ إِلَّا بَطْنَ محسرٍ، وَكُلُّ مِنِّي مَنْحَرُ إِلَّا خَلْفَ الْعَقَبَةِ. (1/510)

صفحة 497

السيرة النبوية.

وَبَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ دَفَعَ إِلَى مُزْدَلِفَةَ، فَصَلَّى بِهَا المَغرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمْعًا، فَلَمَّا طَلَعَ الْفَجْرُ صَلَّى الصُّبْحَ، ثُمَّ دَفَعَ إِلَى مِنِّي، وَفِيهَا أَدَّى المُنَاسِكَ المُتعَلِّقَةَ بِهَا مِنْ رَمْي الْجَمَرَاتِ وَالنَّحْرِ وَالْخَلْقِ، وَخَطَبَ النَّاسَ فِي مِنِّى يَوْمَ النَّحْرِ، وَأَقَامَ بِمِنّى كُلَّ أَيَّامٍ التَّشْرِيقِ، وَفِي وَسَطِهَا خَطَبَ النَّاسَ.

وَفِي كُلّ تِلْكَ الْخُطَبِ الْعَظِيمَةِ يُبَيِّنُ لِلنَّاسِ أَحْكَامَ الْإِسْلَامِ وَمَبَادِئَ الْإِسْلَامِ، مُؤَكَّدًا عَلَى حُرْمَةِ الدَّمَاءِ وَحُرْمَةِ الرِّبَا.

وَفِي رَأْيِي: إِنَّ تَكْرِيرَ الخطب الثَّلَاثِ بِنَفْسِ المُبَادِي وَالْأَحْكَامِ، لِكَيْ يُعْلِمَ بِهَا الجميع؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُشَكِّلُونَ عَدَدًا كَبِيرًا، وَيَحْتَاجُونَ إِلَى عِدَّةِ مَوَاقِفَ يَسْمَعُونَ فِيهَا الْكَلامَ، وَلَعَلَّ ذَلِكَ يَرْجِعُ إِلَى مَنَازِلِ النَّاسِ، فَإِنَّ الْعَادَةَ تَقْضِي أَنَّهُمْ يَكُونُونَ قَرِيبًا بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ عَلَى أَسَاسِ تَجَامِيعِهِمُ الْقَبَلِيَّةِ، وَلَعَلَّهُ صلى الله عليه وسلم يَكُونُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ مَعَ

تَجَامِيعَ مُعَيَّنَةٍ مِنَ الْقَبَائِلِ.

وَرَجَعَ مِنْ مِنِّى إِلَى مَكَّةَ حَيْثُ نَزَلَ بِالْأَبْطَح، فَضَرَبَ قُبْنَهُ هُنَالِكَ. (1/511)

صفحة 498

السيرة النبوية

الْعَوْدَةُ إِلَى الْمَدِينَةِ

بَعْدَ رُجُوعِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم إِلَى مَكَّةَ بَعْدَ فَضَائِهِ مَنَاسِكَ حَجَّهِ، ذَهَبَ لِعِبَادَةِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ الَّذِي كَانَ قَدْ أَلَمَ بِهِ الْمُرَضُ فِي مَكَّةَ، وَاسْتَأْذَنَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَتَصَدَّقَ بتلقي مَالِهِ؛ لأنَّهُ لَا وَارِثَ لَهُ إِلَّا ابْنَةٌ وَاحِدَةً، فَلَمْ يَأْذَنَ لَهُ، وَاسْتَأْذَنَهُ فِي النِّصْفِ فَلَمْ

و

يَأْذَنَ لَهُ، وَأَذِنَ لَهُ فِي الثَّلُثِ، وَقَالَ: «الثَّلْتُ، وَالثَّلُثُ كَثِيرٌ، وَإِنَّكَ إِنْ تَتْرُكُ وَرَثَنَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ تَتْرُكَهُمْ عَالَةٌ يَتَكَفَّفُونَ».

وَلا فَضَتْ زَوْجُهُ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عُمْرَتَهَا مِنَ التَّنْعِيمِ أَمَرَ بِالرَّحِيلِ، فَتَوَجَّة

إلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ، فَطَافَ بِهِ طَوَافَ الْوَدَاعِ وَقْتَ السَّحَرِ.

وَبَعْدَ ذَلِكَ شَدَّ الرِّحَالَ عَائِدًا إِلَى الْمَدِينَةِ، وَقَدْ وَصَلَ إِلَى بَطْحَاءِ ذِي الْحُلَيْفَةِ لَيْلًا، فَبَاتَ بِهَا، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ أَلَّا يَطْرُقُوا بُيُوتَهُمْ لَيْلًا".

هَذِهِ هِيَ حَجَّةُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وفِيهَا الْكَثِيرُ مِنَ الْأَحْكَامِ الشِّرْعِيَّةِ وَالْعِبَرِ الْعَظِيمَةِ وَالْحِكَمِ الرَّائِعَةِ.

***

(1) مَوْضُوعُ حَجَّةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم المَعْرُوفَةِ بِحَجَّةِ الْوَدَاعِ مَأْخُوذُ بِتَلْخِيصٍ مِنْ مَغَازِي الْوَاقِدِيِّ».

512 (1/512)

صفحة 499

السيرة النبوية.

سَرِيَّةُ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ إِلَى فِلَسْطِينَ

فِي السَّادِسِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ شَهْرِ صَفَرِ مِنَ السَّنَةِ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ لِلْهِجْرَةِ؛ أَمَرَ النَّبِيُّ المُسْلِمِينَ بِالتَّهَيُّةِ وَالاِسْتِعْدَادِ لِغْزَوِ الرُّومِ، فَخَرَجَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ عِنْدِهِ وَهُمْ عَلَى

عَزِيمَةِ الاسْتِعْدَادِ.

وَفِي اليَوْمِ الَّذِي بَعْدَهُ دَعَا أَسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، فَأَمَّرَهُ عَلَى الْجُيْشِ قَائِلًا لَهُ: «مِرْ عَلَى بَرَكَةِ اللهِ حَتَّى تَنتَهِيَ إِلَى مَقْتَل أَبِيكَ». وَقَالَ لَهُ: اغْرُ بِاسْم الله في سَبِيل الله، فَقَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللهِ اغْزُوا وَلَا تَغْدِرُوا، وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا وَلَا امْرَأَةٌ».

وَانْتَدَبَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم المُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارَ إِلَى جَيْشِ أُسَامَةَ لِيَكُونُوا تَحْتَ إِمْرَتِهِ، وَقَدْ تَكَلَّمَ بَعْضُ النَّاسِ فِي إِمَارَةِ أُسَامَةَ قَائِلِينَ: كَيْفَ يَسْتَعْمِلُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم هَذَا الْغُلَامَ عَلَى المُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ الله فَغَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا، وَخَطَبَهُمْ فَقَالَ: لَئِنْ طَعَبْتُمْ فِي إِمَارَةِ أَسَامَةَ فَقَدْ طَعَمْتُمْ فِي إِمَارَةِ أَبِيهِ قَبْلَهُ».

513 (1/513)

صفحة 500

السيرة النبوية.

وَاجْتَمَعَ الجيش بالجُرُفِ إِلَّا أَنَّ مَرَضَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَخَرَ ذَلِكَ الْجَيْشَ مِنَ الذَّهَابِ فِي مُهِمَّتِهِ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَصَارَ أَبو بَكْرِ الصِّدِّيقُ فِي الْخِلَافَةِ أَنْفَذَ جَيْشَ

أُسَامَةَ، وَكَانَ يَتَكَوَّنَ مِنْ ثَلَاثَةِ آلَافِ مُقَاتِلِ.

وَقَدْ سَارَ أُسَامَةُ بِجَيْشِهِ حَتَّى وَصَلَ ((أَبْنَى)) الْقَرِيبَةِ مِنْ مُؤْتَةَ، فَأَغَارَ عَلَيْهِمْ

صَبَاحًا، فَقَتَلَ وَأَسَرَ وَغَنِمَ حَتَّى يُقَالَ: إِنَّهُ قَتَلَ قَاتِلَ أَبِيهِ، فَعَادَ إِلَى الْمَدِينَةِ ظَافِرًا مُكَلَّلاً

بِالنَّصْرِ وَالظُّفْرِ.

وَاسْتَغْرَقَتْ رِحْلَةُ السَّرِيَّةِ ذَهَابًا وَعَوْدَةً خَمْسَةٌ وَثَلَاثِينَ يَوْمًا. (1/514)

صفحة 501

السيرة النبوية.

وَفَاةُ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم

ابْتَدَأَتْ شَكْوَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فِي الشَّامِنِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ شَهْرٍ صَفَرِ مِنَ السَّنَةِ

الْحَادِيَةَ عَشْرَ هِجْرَتِهِ.

وَكَانَ لَيْلَةَ شَكْوَاهُ قَدْ ذَهَبَ إِلَى بَقِيعِ الْغَرْقَدِ))، فَاسْتَغْفَرَ وَدَعَا رَبَّهُ هُمْ، وَفَاءً مِنْهُ

لِأَصْحَابِهِ الْكِرَامِ الْعِظَامِ الَّذِينَ حَمَلُوا الْإِسْلَامَ وَجَاهَدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ. وَعِنْدَ عَوْدَتِهِ مِنَ الْبَقِيعَ إِلَى حُجْرَةِ زَوْجَيْهِ عَائِشَةَ ابْتَدَأَهُ الصُّدَاعُ، وَاشْتَدَّ بِهِ الْمَرَضُ فِي حُجْرَةِ زَوْجَتِهِ مَيْمُونَةَ، وَاسْتَأْذَنَ نِسَاءَهُ أَنْ يُمَرَّضَ فِي حُجْرَةِ عَائِشَةَ، وَأَخَذَ الْمُرَضُ يَزْدَادُ بِهِ حَتَّى أَمَرَ أَبا بَكْرِ الصِّدِّيقَ لِيُصَلِّي بِالنَّاسِ.

وَقُبَيْلَ وَفَاتِهِ خَرَجَ عَاصِبًا رَأْسَهُ، وَصَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَخَطَبَ قَائِلًا: إِنَّ عَبْدًا مِنْ عِبَادِ الله خَيَّرَهُ اللهُ بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ، فَاخْتَارَ مَا عِنْدَ اللهِ، وَفَهِمَ أَبُو بَكْرٍ مَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ، وَعَرَفَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَنْعِي نَفْسَهُ، فَبَكَى تَأْثُرًا مِنْ فِرَاقِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَفِي صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ يَوْمِ الْإِثْنَيْنِ - وَهُوَ الْيَوْمُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ - كَشَفَ السِّتْرَ مِنْ حُجْرَةِ عَائِشَةَ، فَرَأَى الْمُسْلِمِينَ صُفُوفًا فِي الصَّلَاةِ، يُصَلِّي بِهِمْ أَبُو بَكْرٍ، فَسَرَّهُ ذَلِكَ المنظرُ أَيُّها سُرُورٍ، وَأَدْخَلَ فِي قَلْبِهِ الْبَهْجَةَ، وَفِي نَفْسِهِ الحُبُورَ؛ لِأَنَّهُ رَأَى فِي ذَلِكَ تحقيقا

مَا أَرْسَلَهُ اللهُ بِهِ، وَلَا أَوْكَلَهُ إِلَيْهِ مِنْ مُهِمَّةٍ تَبْلِيغِ الْإِسْلَامِ.

515 (1/515)

صفحة 502

السيرة النبوية.

(1)

وَتُوفِّي صلى الله عليه وسلم بَعْدَ زَوَالِ شَمْسِ يَوْمِ الْإِثْنَيْنِ، الثَّانِيَ عَشَرَ مِنْ شَهْرِ رَبِيعِ الْأَوَّلِ السَّنَةِ

الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ لِلْهِجْرَةِ وَعُمُرُهُ ثَلَاثٌ وَسِتُونَ سَنَةٌ قَمَرِيَّةٌ.

وَبِذَلِكَ انْتَهَتْ حَيَاةُ النَّبِيِّ الْعَظِيمِ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ مَاتَ جَسَدًا، وَلَمْ يَمُتْ دِينًا وَفِكْرًا، فَهَا هُوَ ذَا يَقْتَرِنُ اسْمُهُ بِالله عَزَّ وَجَلَّ فِي الْأَذَانِ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله)).

وَكَانَتِ الصَّدْمَةُ قَوِيَّةٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ لِوَفَاةِ نَبِيِّهِمْ، فَوَفَاهُ شَخْصٍ كَالنَّبِيِّ لَيْسَ بِالْأَمْرِ اللَّيْنِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، حَتَّى أَنْ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ لَمْ يُصَدِّقُ أَنَّ النَّبِيِّ قَدْ مَاتَ، حَتَّى جَاءَ أَبُو بَكْرِ فَقَالَ: ((مَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ الله حَيٌّ لَا يَمُوتُ، ثُمَّ ثَلَا قَوْلَ الله تَعَالَى: {وَمَا مُحَمَّدُ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن ماتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَلَيكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْرَى اللَّهُ التنكرين (3)

ثُمَّ بَدَأَ الْخِلَافُ يَدبُّ فِي الصَّحَابَةِ حَوْلَ خِلَافَةِ رَسُولِ اللَّهِ، فَهُنَاكَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَتَجمُوعَتُهُ، وَأَبو بَكْرٍ وَمَجْمُوعَتُهُ مِنَ المُهَاجِرِينَ، وَسَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْأَنْصَارِ. وَهُوَ الْخِلَافُ السَّيَاسِيُّ الَّذِي افْتَرَقَتْ فِيهِ الْأُمَّهُ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا، وَالْأَمْرُ للَّهَ أَوَّلًا وَأَخِيرًا.

() هَذَا هُوَ قَوْلُ الجُمْهُورِ، وَهُوَ أَوْسَطُ الأقوال المختلفة في العديد تاريخ الوفاة.

(1) يُوَافِقُ 7 يونيو 632 م.

3) آل عِمْرَانَ، 144

516 (1/516)

صفحة 503

السيرة النبوية. اللْخَاتِمَةُ

تَمَّ الإِنْتِهَاءُ مِنْ تَأْلِيفِ هَذَا الْكِتَابِ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ» (رُؤْيَةٌ تَحْلِيلِيَّةٌ وَنَظْرَةٌ تَصْحِيحِيَّةٍ) بَعْدَ صَلَاةِ المَغْرِبِ لَيْلَةَ الثَّامِنَ عَشَرَ مِنْ صَفَرٍ عَامَ أَلْفِ وَأَرْبَعِيانَةٍ وَسَبْعَةٍ وَثَلاثِينَ هِجْرِيَّة، المُوَافِقُ التَّاسِعَ وَالْعِشْرِينَ مِنْ شَهْرِ نُو فَمْبِرَ لِعَامِ أَلْفَيْنِ وَخَمْسَةَ عَشَرَ

ميلادِيَّةٌ بِمَنْزِلِنَا الْكَائِنِ بِمُرْتَفَعَاتِ روي بولاية مطرح فِي مُحافَظَةِ مَسْقَطَ. وَهُوَ تَكْمِلَةٌ لِكِتَابِنَا مَعَالِمُ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ الَّذِي تَمَّ طَبْعُهُ وَنَشْرُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَوْعِبِ السِّيرَةَ النَّبَوِيَّةَ، وَإِنَّمَا كَانَ عِبَارَةٌ عَنْ مُحَطَّاتٍ مِنْهَا، أَمَّا هُنَا فَهُوَ يَسْتَوْعِبُ قَضَايَا السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ كَامِلَةٌ مِنَ الْوِلَادَةِ وَحَتَّى الْوَفَاةِ لِسَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ.

وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الْحَمْدُ اللهُ رَبِّ

الْعالَمينَ.

517 (1/517)

صفحة 504

الرَّسُولُ ال

الرَّحْمَةُ الْمُهْدَاةُ (1/519)

صفحة 505

وَبَعْدُ:

السيرة النبوية.

الرَّسُولُ الرَّحْمَةُ الْمُهْدَاةُ

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

(1)

الحمد الله وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رُسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ وَالَاهُ،

فَحِرْصًا مِنْ (وِزَارَةِ الْعَدْلِ وَالْأَوْقَافِ وَالشُّؤُونِ الْإِسْلَامِيَّةِ عَلَى تَوْجِيهِ النَّاسِ وَإِرْشَادِهِمْ إِلَى الخَيْرِ وَتَعْرِيفِهِمْ بِحَيَاةِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَإِنَّهَا تُقَدِّمُ لِلْقَارِئِ الْكَرِيمِ بَحْنا جَدِيدًا ضِمْنَ سِلْسِلَةِ الْبُحُوثِ الْإِسْلَامِيَّةِ الَّتِي تَقُومُ بِهَا المُدِيرِيَّةُ الْعَامَّةُ لِلشُّؤُونِ

الْإِسْلاميَّة.

وَهَذَا الْبَحْتُ مِنْ أَمَمُ الْبُحُوثِ الحَيَوِيَّةِ الَّتِي تُنِيرُ لِلْمُسْلِمِ جَوَانِبٌ مِنْ حَيَاتِهِ الاجتماعِيَّةِ لأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ وَصْفَ مَسَارٍ مِنْ مَسَارَاتِ حَيَاةِ الرَّسُولِ: أَلَا وَهُوَ جَانِبُ الرّحمةِ حَيْثُ يُحسّدُ لَنَا هَذَا الْبَحْتُ رَحْمَتَهُ بِأَهْلِهِ وَعَشِيرَتِهِ، وَرَحْمَتَهُ بِالْإِنْسَانِيَّةِ جَمْعَاءَ،

وَرَحْمَتَهُ بِالحَيَوَانِ، وَصَدَقَ اللهُ الْقَائِلُ: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَلَمِينَ)

(2)

1) هَذَا الْبَحْثُ أُعِدَّ لِلْمُؤْتَمَرِ الْعَالَمِيِّ لِلسِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ الَّذِي عُقِدَ فِي الْعَاصِمَةِ الْبَاكِسْتَانِيَّةِ إِسْلَامَ آبَادَ، وَقَدْ قَامَتْ وِزَارَةُ الْعَدْلِ وَالْأَوْقَافِ وَالشُّؤُونِ الْإِسْلَامِيَّةِ بِسَلْطَنَة عُمَانَ آنَذَاكَ بِطِبَاعَتِهِ مَرَّتَيْنِ، وَقَدْ رَأَيْتُ مِنَ الْمُنَاسِبِ إِيرَادَهُ هُنَا لِلْفَائِدَةِ.

(2) سُورَةُ الْأَنْبِيَاءِ، الْآيَةُ: 107. (1/520)

صفحة 506

السيرة النبوية.

وَهَذَا الْبَحْتُ هُوَ الْبَحْتُ الثَّانِي الَّذِي قَامَ بِإعْدَادِهِ الشَّيْخُ أَحْمَدُ بْنُ سُعُودِ السيابي إسْهَامًا مِنْهُ لِلْبُحُوثِ الْإِسْلَامِيَّةِ وَتَعَاوُنَا مِنْهُ فِي هَذَا الْمُضْمَارِ الْعِلْمِي الهام، رَاجِينَ مِنْ إِخْوَانِنَا الْبَاحِثِينَ أَنْ يَحْذُوا حَذْوَهُ فِي التَّنْقِيبِ عَنْ مِثْلِ هَذِهِ الْخَزَائِنِ الثَّمِينَةِ وَالْبَحْثِ فِيهَا وَعَرْضِهَا عَلَى النَّاسِ بِالْأَسْلُوبِ الْمُوْضُوعِيِّ الْأَكَادِيمِيُّ الَّذِي يَسْتَهْوِي الْقَارِئَ الْكَرِيمَ وَلَا يُمِلُّهُ، وَاللَّهَ نَسْأَلُ أَنْ يُكَافِيَ بِالخَيْرِ وَالْأَجْرِ الْجَزِيلِ الْأَخَ الْبَاحِثَ عَلَى هَذَا

الاهْتِمَامِ، فَاللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّلِحَتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ

أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا

).

المديرِيَّةُ الْعَامَّةُ لِلسُّرُونِ الْإِسْلَامِيةِ

رَبِيعَ الْأَوَّلَ 1406 هـ، 20 نُوفمبر 1985 م.

1) سُورَةُ الْكَهْفِ الْآيَةُ: 30. (1/521)

صفحة 507

السيرة النبوية.

مقدمة

الحَمْدُ الله وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى خَيْرِ خَلْقِ الله، سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ الرَّحْمَةِ الْمُهْدَاةِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ وَالَاهُ، وَبَعْدُ: فَإِنَّ الْمُرْءَ إِذَا مَا أَلْقَى نَظَرَةٌ فَاحِصَةٌ عَلَى الْأَحْوَالِ الَّتِي كَانَتْ سَائِدَةً فِي المُجْتَمَعَاتِ المُخْتَلِفَةِ قَبْلَ عَجِيءِ الرِّسَالَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ، فَإِنَّهُ لَيَرَى الانْحِطَاطَ الرَّهِيبَ وَالمُنْحَدَرَ الْعَمِيقَ الَّذِي وَصَلَتْ إِلَيْهِ الْبَشَرِيَّةُ، وَالَّذِي يَسْتَقْرِي تَارِيخَ الْأُمَمِ وَالشُّعُوبِ بِدِقَةٍ وَعُمْقٍ يَتَبَيَّنُ لَهُ أَنَّ الْقَرْنَيْنِ الْخَامِسَ وَالسَّادِسَ الْمِيلَادِيَّيْنِ هُمَا الظُّرْفُ الزَّمِنِيُّ الَّذِي وَصَلَتْ فِيهِ تِلْكَ الْأُمَمُ وَالشُّعُوبِ إِلَى حَضِيضِ الإِنْحِطَاطِ وَالتَّخَبطِ فِي الْعَقَائِدِ وَالْأَخْلَاقِ، فَقَدْ كَانَتِ الْبَشَرِيَّةُ عَلَى حَافَةِ الْهَاوِيَةِ وَشَفِيرِ الانْتِحَارِ، عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ أَبْلَغَ تَعْبِيرِ حَيْثُ قَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلِ: {وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ وَايَتِهِ، لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ. آل عمران

الآية 103

وَكَانَتِ الْأُمَّةُ سَائِرَةٌ فِي هَذَا الدَّرْبِ دَرْبَ الْوُقُوع في الخفْرَةِ الصَّحِيقَةِ المُظْلِمَةِ، لَوْلَا أَنْ تَدَرَاكَهَا رَبُّ الْعِزَّةِ وَالجَلَالِ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ، فَكَانَتِ الصُّوْمَ الَّذِي أَضَاءَ في ذلِكَ الطَّرِيقِ المُظْلِم الخطير، مُنْذِرًا الْأُمَّةَ بِما هِيَ عَلَيْهِ مِنْ خَطَرٍ مُهْلِكَ، فَفِرُّوا إِلَى الله إلي لكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ الله إلها واخر إنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ وَاخَرَ مبين) الذاريات: 50 - 51. (1/523)

صفحة 508

السيرة النبوية.

لِذَلِكَ تُعتبرُ النُّبُوَّةُ الخَاتِمَةُ مُنْعَطَفًا مُهِما وَمَعْلَما بَارِزًا فِي تَارِيخ الْإِنْسَانِيَّةِ عَلَى أَنَّ مِنْ حَسَنِ الْقَوْلِ وَطَيِّبِ الْكَلَامِ أَنْ نَذْكُرَ وَنُشِيرَ إِلَى أَنَّ مِنْ سِمَاتِ النُّبُوَّةِ الْخَالِدَةِ وَمِنْ سمَاتِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم الرَّحْمَةَ، أَوْ دَعْنَا نَقُولُ إِنَّ الرَّحْمَةَ هِيَ الْعُنْصُرُ المهم مِنْ عَنَاصِرِ النُّبُوَّةِ أَوِ المحورِ الَّذِي تَدُورُ عَلَيْهِ الرِّسَالَةُ الْإِسْلَامِيَّةُ، بِجَانِبِ مَا تَحْمِلُهُ مِنْ هِدَايَةٍ لِلْعَالَمِينَ يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) الأنبياء: 107، وَقَدْ أُرْسِلَ الرَّسُولُ هَذِهِ الحَقِيقَةُ خَالِدَةٌ فِي سَمْعِ الزَّمَنِ فَكَانَتِ الرُّقْيَةُ الشَّافِيَةُ لَحْيِ الْقَسْوَةِ وَالْوَحْشِيَّةِ وَالاِسْتِعْبَادِ عِنْدَمَا قَالَ: " إِنَّمَا أَنَا الرَّحْمَةُ المُهْدَاةُ".

وَتِلْكَ فِطْرَةٌ فَطَرَ اللهُ نَبِيَّهُ عَلَيْهَا، وَيَرَى بَعْضُ عُلَماءِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ هُنَاكَ بَعْضَ الْعَوَامِلِ قَدْ أَثَرَتْ فِي الرَّسُولِ وَجَعَلَتْ مِنْهُ رَجُلًا رَحِيمًا، أَوْ هَيَّأَتُهُ لِزِيَادَةِ الرَّحْمَةِ،

بِجَانِبِ مَا فَطَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ رَحْمَةٍ وَشَفَقَةٍ وَعَطْفٍ وَحَنَانٍ.

يَقُولُ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ الْغَزَائِيُّ فِي كِتَابِهِ "فِقْهُ السِّيرَةِ": «إِلَّا أَنَّ الْأَسَى كَانَ يَغْزُو قَلْبَ الْوَالِد الجليل وَهُوَ يُودِعُ أَبْنَاءَهُ الثَّرَى، فَيُجَدِّدُ التَّكْلُ مَا رَسَبَ فِي أَعْمَاقِهِ مِنْ آلَامِ الْيُثْمِ، إِنْ غُصْنَهُ تَشَبَّتَ بِالحَيَاةِ فَاسْتَطَاعَ الْبَقَاءَ وَالنَّاءَ بِرَغْم فُقْدَانِهِ أَبَوَيْهِ، وَمَا هُوَ ذَا يَرَى أَغْصَانَهُ المُنبيقَةَ عَنْهُ تَذْوِي مَعَ رَغْبَتِهِ الْعَمِيقَةِ، وَرَغْبَةٍ شَرِيكَةِ حَيَاتِهِ فِي أَنْ يَرَيَاهَا مُزْهِرَةً مُنْمِرَةٌ، وَكَأَنَّ اللَّهَ أَرَادَ أَنْ يَجْعَلَ الرِّقَّةَ الحَزِينَةَ جُزْءً مِنْ كِيَانِهِ، فَإِنَّ الرِّجَالَ الَّذِينَ يَسُوسُونَ الشُّعُوب لا تَجْنَحُونَ إِلَى الْجُبَرُوتِ إِلَّا إِذَا كَانَتْ نُفُوسُهُمْ قَدْ طُبِعَتْ عَلَى

524 (1/524)

صفحة 509

السيرة النبوية.

الْقَسْوَةِ وَالْأَثَرَةِ، وَعَاشَتْ فِي أَفْرَاحٍ لَا يُجَامِرُهَا كَدَرٌ، أَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي خَبَرَ الْآلَامَ فَهُوَ

أَسْرَعُ النَّاسِ إِلَى مُوَاسَاةِ المَحْزُونِينَ، وَمُدَاوَاةِ الْمُجْرُوحِينَ».

أَمَّا الشَّيْخُ أَبو زَهْرَةَ فِي كِتَابِهِ "خَاتَمُ النَّبِيِّينَ" فَيَقُولُ: «كَانَ لَا بُدَّ لِنَبِيِّ الرَّحْمَةِ أَنْ يَكُونَ فِي كُلِّ حَيَاتِهِ رَحِيمًا. فَيُرَبَّى عَلَى الرَّحْمَةِ بِالضُّعَفَاءِ صَغِيرًا، يَكُونُ بَيْنَهُمْ ضَعِيفًا لِيُحِسُّ بِآلَامِ الضُّعَفَاءِ وَالْمُسَاكِينِ، فَلَيْسَ رَحِيمًا مَنْ لَمْ يَذُقْ مِثْلَ مَا فِيهِ حَالُ الضُّعَفَاءِ». إِلَى أَنْ قَالَ: «فَالْتَقَى فِيهِ مُهَذِّبَانِ: أَحَدُهُمَا النَّسَبُ الرَّفِيعُ الَّذِي يَجْعَلُهُ لَا يَتَّجِهُ إِلَى سَفَاسِفِ الْأُمُورِ ...... وَالمُهَذَّبُ الثَّانِي الْيُتْمُ وَقِلَّةُ المالِ، وَإِنَّ هَذَا المُهَذِّبَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَجْعَلَهُ مُوَطَّأَ الْكَتَفِ لِلضُّعَفَاءِ مِنَ الْعَبِيدِ وَالْعَامِلِينَ وَالْفُقَرَاءِ، فَلَا يَسْتَكْبِرُ وَلَا يَسْتَعْلِي، بَلْ يَكُونُ قَرِيبًا مِنْهُمْ أَلِيفًا مَعَهُمْ إِلَى أَنْ قَالَ وَهُوَ الَّذِي يَنْعُ مَعِينُ الرَّحمَةِ مِنْ بَيْنِ جنبيهِ، فَإِنَّ الرَّحْمَةَ تَنْبِعُ مِنْ بَيْنِ الشَّدَائِدِ، وَالرَّحِيمَ هُوَ الَّذِي يَذُوقُ السُّدَّةَ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُذِلَّهُ، لِيَرْحَمَ غَيْرَهُ، وَلَا يَعْتَرِي نَفْسَهُ حِفْدٌ عَلَى مَنْ هُوَ أَعْلَى مِنْهُ، بَلْ هُوَ يَنْظُرُ دَائِمَا إِلَى مَنْ دُونَهُ لِيُعْلِيَهُ وَلِيَحْمِيَهُ، وَيُعِينَهُ، وَمَعَ هَذِهِ الْعَوَامِلِ وَالْمُؤَثْرَاتِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْعُلَمَاءِ وَجَعَلَتْ نَفْسَ الرَّسُولِ أَكْثَرَ رِفةٌ وَرَحْمَةً وَهَيَّانَهُ عَهِينَةٌ نَفْسِيَّةٌ لِتَحَملِ أَعْبَاءِ الرِّسَالَةِ وآلام الْأُمَّةِ، كَانَتْ هُنَالِكَ الْآيَاتُ الْقُرْآنِيَةُ تَنْزِلُ بَيْنَ الحَينِ وَالْآخَرِ مُؤَكَّدَةً طَابِعَ الرَّحْمَةِ فِي الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزُ

128

عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمُ له التوبة

525

128 (1/525)

صفحة 510

السيرة النبوية.

وَيَذْكُرُ اللهُ عَبْدَهُ وَرَسُولَهُ مُحَمَّدًا الله بِهَذِهِ الصَّفَةِ الْعَظِيمَةِ وَأَهَمِّيَّتِهَا وَدَوْرِهَا فِي تَبْلِيغِ الدَّعْوَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ، حَيْثُ يَقُولُ عَزَّ وَجَلَّ: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَولِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأُمِّي فَإِذَا عمتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِينَ (آل عِمْرَانَ: 159.

ونظرًا لأهميَّةِ الرَّحْمَةِ يُقَرِّرُ اللهُ تَعَالَى عَلَى نَبِيِّهِ وُجُوبٌ مُلَازَمَنِهَا وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوةِ والشِي يُرِيدُونَ وَجْهَهُ، وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الحَيَوةِ الدُّنْيا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ، عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَنهُ وَكَانَ أَمْرُهُ، فَرُطا) الْكَهْف،28، كُلُّ ذَلِكَ تَوْطِينٌ لِنَفْسِ الرُّسُولِ عَلَى الصَّيْرِ وَالْعَيْشِ مَعَ الضُّعَفَاءِ الْمُؤْمِنِينَ، وَفِي قِصَّةِ الصَّحَابِيِّ الجَلِيلِ ابْنِ أُمَّ مَكْتُومٍ لَّهُ خَيْرُ دَلِيلٍ عَلَى هَذِهِ التَّرْبِيَةِ الرَّحِيمَةِ العَبَسَ وَتَوَلَّى أَن جَاءَهُ الأَعْمَى وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَركَ أَوْ يَذْكُرُ فَتَفَعَهُ الذكرى أمَّا مَنِ اسْتَغى) فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَركَى وَأَمَّا مَن جَاءَكَ يَسْعَى وَهُوَ يَخْشَى فَأَنتَ عَنْهُ تَلَغَى عبس: 1 - 10. عَلَى أَنَّ رَحْمَةَ الرَّسُولِ أَوْ كَوْنَهُ رَحْمَةٌ مُهْدَاةً مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ إِلَى الْعَالَمِينَ هِيَ بِطَبِيعَةِ الْحَالِ رَحْمَةٌ عَامَّةٌ وَشَامِلَةٌ.

يَقُولُ عَلامَةُ عُمان الشَّيْخُ أَحْمَدُ بْنُ حَمَدٍ الخَلِيلِيُّ فِي مُقَدِّمَةِ كِتَابِهِ جَوَاهِرُ التَّفْسِير " «فَقَدْ بَيَّنَ تَعَالَى أَنَّ الرَّحْمَةَ الَّتِي تَجَسَّدَتْ في هَذِهِ الرَّسَالَةِ لَمْ تَكُنْ مَقْصُورَةٌ عَلَى الْبَشَرِ،

526 (1/526)

صفحة 511

السيرة النبوية.

وَلَا عَلَى الْأَرْضِ وَسُكَانِهَا، وَإِنَّمَا هِيَ شَامِلَةٌ لِلْعَالَمِينَ، وَالْعَامُونَ جَمْعُ عَالَمَ، وَالْعَالَم كُلُّ مَا كَانَ عَلَامَةً وَدَلِيلًا عَلَى وُجُودِ الْحَقِّ تَعَالَى، وَهَذَا يَعْنِي أَنَّ كُلَّ ذَرَّةٍ فِي هَذَا الْكَوْنِ مَغْمُورَةٌ بِهَذِهِ الرَّحْمَةِ، مَشْمُولَةٌ بِهَذِهِ النَّعَاءِ، وَلَكِنِ الْحَدَفُ الْأَسَاسِيُّ هَذِهِ الرَّسَالَةِ إِصْلَاحُ النَّوْعِ الْإِنْسَانِيِّ لِأَنَّهُ الخَلِيفَةُ فِي الْأَرْضِ وَالْقُطْبُ الَّذِي تَدُورُ عَلَيْهِ رَحَى هَذَا

الْكَوْنِ». بَيْدَ أَنَّ هُنَاكَ مَوَاقِفَ لِلرَّسُولِ فِي حَيَاتِهِ تَجَلَّتْ فِيهَا رَحْمَتُهُ وَرِقَتُهُ، وَحُزْنُهُ وَعَطْفُهُ، تَتَبَّعْنَا مِنْهَا مَا أَمْكَنَنَا تَتَبُّعُهُ مِنْ كُتُبِ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ، وَبَعْضِ كُتُبِ الْحَدِيثِ، وَمِنْ تِلْكَ المَوَاقِفِ الرَّحِيمَةِ لِلرَّسُولِ الله يَتَكَوَّنُ هَذَا الْبَحْثُ المُتَوَاضِعُ فِي عَرْضِهِ وَأَسْلُوبِهِ، الْعَظيمِ فِي مَوْضُوعِهِ، وَالْكَبِيرِ فِي مُتَوَاهُ، وَهُوَ بِعُنْوَانِ "رَحْمَةُ الرَّسُولِ " وَقَدْ قَسَمْتُ تِلْكَ المَوَاقِفَ النَّبَوِيَّةَ إِلَى سِتَّةِ أَقْسَامٍ هِيَ:

رَحْمَتُهُ بِأَقَارِبِهِ.

رَحْمتُهُ بِأَصْحَابِهِ.

رحمته بالأطفال.

رحمتُهُ بِالضُّعَفَاءِ.

رَحْمَتُهُ بِالْحَيَوَانَاتِ.

رَحْمَةٌ عَامَّةٌ بِالْإِنْسَانِيَّةِ.

وَلَقَدِ اعْتَمَدْتُ فِي كِتَابَةِ هَذَا الْبَحْثِ عَلَى سِيرَةِ ابْنِ هِشَامٍ، وَسِيرَةِ أَبِي الْحَسَنِ النَّدْوِيِّ، بِالْإِضَافَةِ إِلَى الْكُتُبِ الْأُخْرَى حَسَبَ مَا هُوَ مُدَوَّنٌ فِي هَامِش المُصَادِرِ،

527 (1/527)

صفحة 512

السيرة النسوية.

وَأَسْأَلُ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَجْعَلَهُ إِسْهَامًا مِنِّي فِي إِبْرَازِ بَعْضٍ جَوَانِبِ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ الْعَظِيمَةِ الشَّرِيفَةِ، وَأَنْ يَرْزُقَنِي حُبَّ رَسُولِهِ، وَأَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا سوَاهُمَا، وَأَنْ يُنبَنِي عَلَيْهِ أَجْرًا فِي الْآخِرَةِ وَالْأُولَى، إِنَّهُ وَلِيُّ التَّوْفِيقِ وَهُوَ يَتَوَلَّى

الصَّالِحِينَ.

528 (1/528)

صفحة 513

السيرة النبوية. رَحْمَتُهُ بِأَقَارِبِه

كَفَالَتُهُ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: لم تكن الرَّحْمَةُ وَالرّقَةُ وَالرَّأْفَةُ وَالْعَطْفُ وَغَيْرُهَا مِنْ صِفَاتِ الرَّحْمَةِ الَّتِي فَطَرَ اللَّهُ عَلَيْهَا مُحَمَّدًا وَمَيَّزَهُ وَاخْتَصَّهُ بِهَا قَاصِرَةً عَلَى أَقَارِبِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، بَلْ شَمِلَتْ جَمِيعَ مَخْلُوقَاتِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، حَيْثُ كَانَ يَتَعَامَلُ مَعَ جَمِيعِ هَذِهِ الْمُخْلُوقَاتِ، سَوَاءٌ مَعَ الْإِنْسَانِ أَوْ مَعَ الْحَيَوَانِ أَوْ مَعَ الطَّبِيعَةِ بِعَامِلِ الرَّحْمَةِ، وَمَا رَحْمَتُهُ بِأَقَارِبِهِ وَعَطْفِهِ عَلَيْهِمْ إِلَّا جُزْءٌ مِنَ الرَّحْمَةِ الشَّامِلَةِ الَّتِي اتَّصَفَ بِهَا نَبِيُّ الْإِسْلَامِ صلى الله عليه وسلم فِي جَمِيعِ

أَدْوَارِ حَيَاتِهِ.

لَقَدْ كَانَ لِأَبِي طَالِبٍ وَهُوَ عَمُ الرَّسُولِ فَضْل كَبِيرٌ عَلَيْهِ، فَضْلُ التَّرْبَةِ وَفَضْلُ الرَّعَايَةِ وَفَضْلُ الحِمَايَةِ، وَقَدْ أَصَابَتْ قُرَيْشًا أَزْمَةٌ شَدِيدَةٌ وَفَاقَةٌ قَوِيَّةٌ وَضَائِقَةٌ اخْتَارَ لَمَا البيبُ، وَضَاقَ ذَرْعًا بِهَا الحَييب. وَكَانَ أَبُو طَالِبٍ هُوَ المُتَصَدِّي فِي بَنِي هَاشِمٍ المعرُوفُ مِنْ بَيْنِهِمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ وَعَلَيْهِ يَلْجَزُونَ، وَهُوَ بِجَانِبِ هَذَا كَثِيرُ الْعِبَالِ، فَكَانَ بِطَبيعَةِ الحَالِ أَنْ تَكُونَ الصَّائِقَةُ أَكْثَرَ عَضًا فِيهِ، وَالْأَزْمَةُ أَكْثَرَ تَأْثِيرًا فِي حَالِهِ، فَتَحَرَّكَتْ فِي نَفْسِ الرُّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَهُوَ الرَّجُلُ الرَّحِيمُ الرَّحْمَةُ وَالرِّقَةُ حَالِ عَمِّهِ أَبِي طَالِبِ الَّذِي عَاشَ فِي كَنَفِهِ حِينًا مِنَ الدَّهْرِ. فَقَالَ لِعَمِّهِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ الَّذِي كَانَ مَبْسُورَ الحَالِ وَكَثِيرَ المالِ إِنَّ أَخَاكَ أَبَا طَالِب كَثِيرُ الْعِبَالُ وَقَدْ أَصَابَ النَّاسَ مَا تَرَى مِنْ هَذِهِ الْأَزْمَةِ، فَانْطَلِقْ بِنَا إِلَيْهِ فَلْتُخَفِّفْ مِنْ عِبَالِهِ، أَخَذُ مِنْ بَنِيهِ رَجُلًا

وَتَأْخُذُ رَجُلًا فنكْفُلُهُمَا عَنْهُ. فَقَالَ الْعَبَّاسُ: نَعَمْ ".

529 (1/529)

صفحة 514

السيرة النبوية.

فَأَخَذَ رَسُولُ الله عَلَيَّا فَضَمَّهُ إِلَيْهِ، وَأَخَذَ الْعَبَّاسُ جَعْفَرًا وَضَمَّهُ إِلَيْهِ، وَكَانَ هَذَا أَيْضًا مِنْ فَضْلِ الله تَعَالَى عَلَى الْإِمَام عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ، حَيْثُ أَنَّهُ أَسْلَمَ مُبَكَرًا وَذَاقَ نِعْمَةَ الْإِيمَانِ وَهُوَ صَبِيٌّ فِي الْعَاشِرَةِ مِنْ عُمُرِهِ نَتِيجَةَ وُجُودِهِ فِي بَيْتِ

الرَّسُولِ وَمَنزِلِ الْوَحْيِ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الرِّجَالِ.

حُزْنُهُ عَلَى عَمِّهِ الْعَبَّاسِ: كَانَ الرَّسُولُ الله مِنَ الْحُزْنِ بِمَكَانِ عِنْدَمَا أُسِرَ عَمُّهُ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَعَ الْأَسْرَى المُشْرِكِينَ إِبْرَ مَعْرَكَةِ بَدْرٍ الشَّهِيرَةِ، فَلَمَّا أَمْسَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَوْمَ بَدْرٍ وَالْأَسَارَى عَبُوسُونَ بِالْوَثَاقِ، بَاتَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم سَاهِرًا أَوَّلَ اللَّيْلِ فَقَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ: مَا

لَكَ لَا تَنَامُ يَا رَسُولَ الله. فَقَالَ: سَمِعْتُ أَنِينَ عَمِّي الْعَبَّاسِ فِي وَثَاقِهِ». وَلَمْ يَلْبَثِ الْأَنْصَارُ أَنْ أَطْلَقُوهُ فَقَرَّ النَّبِيُّ الله عَيْنًا فَنَامَ، وَذَلِكَ وَفَاءٌ مِنْهُ لَ لِعَمِّهِ الْعَبَّاسِ الَّذِي كَانَ لَهُ سَنَدًا قَوِيًّا، وَرُكْنًا شَدِيدًا فِي الْفَتْرَةِ الْخَالِكَةِ الَّتِي قَضَاهَا فِي مَكَّةَ

المكرمة.

وَفي حُضُورِ الْعَبَّاس له مَعَ النَّبِيِّ لَيْلَةَ بَيْعَةَ الْعَقَبَةِ دَلِيلٌ عَلَى ارْتَبَاطِهِ بِابْنِ أَخِيهِ الله عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلامُ، فَقَدْ حَضَرَ الْعَبَّاسُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ لِكَيْ يَسْتَوْثِقَ الْأَنْصَارُ لابن أَخِيهِ مُحَمَّدٍ قَائِلًا: يَا مَعْشَرَ الخزرج إِنَّ مُحَمَّدًا مِنَّا حَيْثُ قَدْ عَلِمْتُمْ، وَقَدْ مَنَعْنَاهُ مِنْ قَوْمِنَا مِمَّنْ هُوَ عَلَى مِثْلِ رَأْيِنَا فِيهِ، فَهُوَ فِي عِزَّ مِنْ قَوْمِهِ وَمَنَعَةٍ فِي بَلَدِهِ، وَإِنَّهُ قَدْ أَبَى إِلَّا الاِنْحِيَازَ إِلَيْكُمْ وَاللُّحُوقَ بِكُمْ، فَإِنْ كُنْتُمْ تَرَوْنَ أَنَّكُمْ وَافُونَ لَهُ بِمَا دَعَوْتُكُوهُ إِلَيْهِ،

530 (1/530)

صفحة 515

السيرة النبوية.

وَمَانِعُوهُ مِمَّنْ خَالَفَهُ، فَأَنْتُمْ وَمَا تَحَمَّلْتُمْ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ كُنْتُمْ تَرَوْنَ أَنَّكُمْ مُسْلِمُوهُ وَخَاذِلُوهُ بَعْدَ الْخُرُوجِ بِهِ إِلَيْكُم فَمِنَ الْآنَ فَدَعُوهُ فَإِنَّهُ فِي عِزَّةٍ وَمَنَعَةٍ مِنْ قَوْمِهِ وَبَلَدِهِ. هَذَا الْمُوْقِفُ الْكَرِيمُ وَغَيْرُهُ مِنَ الْمَوَاقِفِ كَانَ لَهُ صَدَى فِي نَفْسِ الرَّسُولِ، وَذِكْرَى فِي قَلْبِهِ جَاشَتْ لأَجْلِهَا عَاطِفَتْهُ الرَّحِيمَةُ، وَفَاضَ شُعُورُهُ النَّبِيلُ، وَهُوَ يَطْرِقُ سَمْعَهُ أَنِينُ عَمِّهِ الْوَقِ فِي وَنَاقِ الْأَمْرِ، وَلَكِنِ الْعَدَالَةُ وَالسَّوَاسِيَةُ الَّتِي ارْتَكَزَّتْ عَلَيْهِمَا دَعْوَةُ مُحمَّد هُمَا كَانَنَا الْحَائِلَ عَنْ إِطْلَاقِهِ، وَأَحْسَنَ مَا سَالَ بِهِ بَرَاعٌ، وَرَسَمَهُ فَلَمْ، هُوَ قَوْلُ الْأُسْتَاذِ الشَّيْخِ / مُحَمَّد أَي زَهْرَةَ عِنْدَمَا قَالَ وَأَجَادَ وَهُنَا فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ يَبْدُو أَمْرَانِ يَظْهَرَانِ مُتَنَاقِضَيْنِ: أَوَهُما: أَللَّهُ لِأَنَّ عَمَّهُ وَحَبِيبَهُ الْعَبَّاسَ قَدْ أُسِرَ وَيَذُوقُ مَرَارَةَ الْأَسْرِ يُشْفِقُ عَلَيْهِ وَيَشْتَدُّ الْأَسَى عَلَيْهِ. وَثَانِيهِمَا: الْعَدَالَةُ المُقَرَّرَةُ الثَّابِتَةُ الَّتِي تُسَوِّي بَيْنَ النَّاسِ

فِي النَّتَائِحِ إِذَا تَسَاوَوْا فِي الْأَسْبَابِ الْمُوجِبَةِ لِهَذِهِ النَّتَائِحِ الْمُؤَدِّيَةِ إِلَيْهَا.

حُزْنُهُ عَلَى عَمِّهِ حَمْزَةَ: لَمْ يَكُنْ يَغِيبُ عَنْ بَالِ الرَّسُولِ مَوَاقِفُ أَسَدِ اللهِ وَأَسَدِ رَسُولِهِ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ المطَّلِبِ، وَمَا قَدَّمَهُ عَنْ إِعْزَازِ لِلدَّعْوَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ وَهِيَ فِي مَهْدِهَا وَبِدَايَةِ طَرِيقِهَا وَوُجُودِهَا. فَهُوَ الَّذِي أَخَذَتْهُ الْغَيْرَةُ وَالحَمِيَّةُ عِنْدَمَا بَلَغَهُ أَنَّ أَبَا جَهْلِ عَدُوٌّ اللَّهِ قَدْ سَبْ ابْنَ أَخِيهِ مُحَمَّدًا وَنَالَ مِنْ عِرْضِهِ، فَجَاءَ أَسَدُ اللهِ إِلَى أَبِي جَهْلٍ وَعَلَيْهِ غَضْبَةٌ مُضَرِيَّةٌ يَتُورُ فِي عُرُوقِهِ دَمُ الْقَرَابَةِ، وَيَغْلِي فِي قَلْبِهِ الْحُبُّ مُحَمَّدٍ حَتَّى وَقَفَ عَلَى رَأْسِ عَدُوٌّ الله

أَبِي جَهْلٍ فَضَرَبَهُ بِالْقَوْسِ عَلَى رَأْسِهِ فَشَجَّهُ، وَقَالَ لَهُ: أَتَشْتمُهُ وَأَنَا عَلَى دِينِهِ (1/531)

صفحة 516

السيرة النبوية.

وَمُنْذُ تِلْكَ اللَّحْظَةِ الْمُبَارَكَةِ دَخَلَ حَمْزَةُ فِي الْإِسْلَامِ، وَأَبْلَى فِيهِ بَلَاءٌ حَسَنًا، وَعَزَّ بِهِ الْإِسْلَامُ وَالمُسْلِمُونَ لِذَلِكَ كَانَ حُزْنُ الرَّسُولِ طَوِيلًا تجيشُ بِهِ الْعَاطِفَةُ بَيْنَ الحِينِ وَالْآخَرِ عِنْدَما تَعْرِضُ لَهُ مَوَاقِفُ تَحْمِلُ فِي طَوَايَاهَا ذِكْرَى اسْتِشْهَادِ ذَلِكَ الْبَطْلِ الْعَظِيمِ، فَلَمَّا اسْتَشْهَدَ حَمْزَةٌ فِي مَعْرَكَةِ أُحُدٍ وَمُثْلَ بِهِ أَبْشَعَ تَثِيلٍ وَقَفَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ وَقَالَ: «لَنْ أَصَابَ بِمِثْلِكَ أَبَدًا مَا وَقَفْتُ مَوْقِفًا قَطُّ أَغْيَظَ لِي مِنْ هَذَا، وَعِنْدَمَا

قَفَل عَائِدًا إلى المدينة، وَهُوَ عَلى دُورٍ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، وَفِيهَا النِّسَاءُ يَبْكِينَ عَلَى قَتْلَاهُنَّ مِنْ شُهَدَاءِ مَعْرَكَةِ أُحُدٍ أَخَذَتْهُ لَهُ الْعَبْرَةُ وَذَرِفَتْ عَيْنَاهُ وَخَرَجَتْ مِنْ لِسَانِهِ تِلْكَ الْعِبَارَةُ الخَالِدَةُ الَّتِي تَفِيضُ رِقَةً وَشُعُورًا إِنْسَانِيًّا رَحِيمًا وَلَكِنَّ حَمْزَةَ لَا بَوَاكِيَ لَهُ». وَلِكَنْ مَبْدَأُ النُّبُوَّةِ لَمْ يَتْرُكُ هَذِهِ الْعَاطِفَةَ أَنْ تَأْخُذَ بَجْرَاهَا، بَلْ كَانَ حَاجِرًا فَوِيًّا لَهَا، وذَلِكَ بِالْوُقُوفِ عِنْدَ حُدُودِ الله.

وَقَدْ بَلَغَ سَعْدَ بْنَ مُعَادٍ، وَأُسَيْدَ بْنَ حُضَيْرٍ مَا قَالَهُ الرَّسُولُ وَأَمَرَا نِسَاءَ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ أَنْ يَتَحَزَّمْنَ ثُمَّ يَذْهَبْنَ وَيَبْكِينَ عَلَى عَمْ رَسُولِ الله الله، فَفَعَلْنَ وَسَمِعَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بُكَاءَهُنَّ عَلَى حَمْزَةَ، وَقَالَ لَهُنَّ ارْجِعْنَ يَرْحَمُكُنَّ اللَّهُ فَقَدْ آسَيْتُنَّ بِأَنْفُسِكُنَّ». وَقَدْ دَوَّنَ كُتَّابُ السِّيرَةِ الطَّاهِرَةِ مَوْقِفَهُ الْكَرِيمَ الصَّبُورَ مَعَ وَحْشِيٌّ مَوْلَى جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَاتِلِ حَمْزَةَ فِي أَحَدٍ، فَعِنْدَمَا جَاءَ وَحْشِيٌّ إِلَى الرَّسُولِ مُعْلِنًا إِسْلَامَهُ بَعْدَ فَتح مَكَّةَ، وَبَعْدَ أَنْ ضَاقَتْ عَلَيْهِ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ، سَأَلَهُ الرَّسُولُ عَنْ قِصَّةِ قَتْلِهِ لحِمْزَةَ، فَقَصَّهَا عَلَيْهِ، وَمَا لَبِثَ أَنْ جَاشَتْ بِهِ الْعَاطِفَةُ، وَانْبَعَثَتْ مِنْهُ الرَّقَةُ، وَلَكِنْ

532 (1/532)

صفحة 517

السيرة النبوية.

مَعَ هَذَا لَمْ تَأْخُذْهُ ثَوْرَةُ الْغَضَبِ، أَوْ لَذَةُ الانْتِقَامِ لِتَرْ فُضَ إِسْلَامَ وَحْشِيٌّ أَوْ يَبْطِشَ بِهِ وَاكْتَفَى بِأَنْ قَالَ لَهُ: وَيْحَكَ غَيْبْ عَنِّي وَجْهَكَ فَلا أَرَيَنَّكَ، قَالَ وَحْشِيٌّ: وَكُنْتُ

أَنتَكِبُ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم لِئَلَّا يَرَانِي حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ.

مَعَ ابْنَتِهِ زَيْنَبٌ:

كَانَتْ زَيْنَبُ ابْنَةُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم زَوْجَةٌ لِأَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ، وَكَانَ ابْنَ أُخْتِ السَّيِّدَةِ خَدِيجَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، وَهِيَ الَّتِي طَلَبَتْ مِنْ زَوْجِهَا رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُزَوجَهُ إِيَّاهَا، وَكَانَ عَلَى قَدْرِ كَبِيرٍ مِنْ حُسْنِ الخُلُقِ وَيُسْرِ الحَالِ، وَقَدْ أَحْسَنَ أبو الْعَاصِ الصِّهْرُ، فَقَدْ مَشَى إِلَيْهِ رِجَالٌ مِنْ قُرَيْشٍ لِكَيْ يُطَلَّقَ زَوْجَتَهُ زَيْنَبَ بِنْتَ رَسُولِ اللهِ، وَقَالُوا لَهُ فَارِقُ صَاحِبَتَكَ وَنَحْنُ نُزَوِّجُكَ أَيَّةَ امْرَأَةِ مِنْ قُرَيْشٍ شِئْتَ، فَكَانَ جَوَابُهُ هُمْ: لَا وَاللهِ إِنِّى لَا أُفَارِقُ صَاحِبَتِي، وَمَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِامْرَأَتِي امْرَأَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ بَيْنَمَا طَلَّقَ عُتْبَهُ وَعُتَيْبَةُ ابْنَا أَبِي لَهَبٍ، وَهُمَا ابْنَا عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ لَهُ أُخْتَيْهَا رُقَيَّةَ وَأُمَّ كُلْثُومٍ بِنتَيْ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم اسْتِجَابَةٌ لِلْمُؤَامَرَةِ الَّتِي وَضَعَهَا رِجَالٌ مِنْ قُرَيْشٍ وَمَعَهُمْ أَبُو طَبٍ

وَزَوْجَتُهُ بِهَدَفِ إِنْزَالِ الهُمْ عَلَى رَسُولِ اللهِ بِبَنَاتِهِ، وَلِيَكُونَ فِي شُغُلٍ بين عَنْ دَعْوَتِهِ. هَذَا الْمُوْقِفُ الْكَرِيمُ مِنْ أَبِي الْعَاصِ وَحُسْنُ صُحْبَتِهِ الزَّوْجِيَّةِ لِزَيْنَبَ لَمْ يَكُنْ نَسْيا مَنْسِبًا مِنْ رَسُولِ الله، وَقَدْ عَبْرَ عَنْ ذَلِكَ عِنْدَمَا الْتَجَأَ أَبُو الْعَاصِ إِلَى زَيْنَبَ فِي المَدِينَةِ مُسْتَجِيرًا بِهَا، وَذَلِكَ أَنَّ أَبَا الْعَاصِ كَانَ عَائِدًا مِنَ الشَّامِ فِي تِجَارَةٍ لِقُرَيْشٍ فَلَقِيَتْهُ سَرِيَّةٌ لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَأَخَذُ أسيراً، فَأَرْسَلَتْ زَيْنَبُ قِلَادَةٌ كَانَتْ أُمُّهَا السَّيِّدَةُ خَدِيجَةُ له أَعْطَتْهَا إِيَّاهَا عِنْدَمَا بَنَى بِهَا أَبُو الْعَاصِ فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الْقِلَادَةَ رَقَّ لَهَا رِقَةٌ

533 (1/533)

صفحة 518

السيرة النبوية

شَدِيدَةً وَقَالَ: «إِنْ رَأَيْتُمْ أَنْ تَرُدُّوا لَهَا مَالَهَا وَتُطْلِقُوا لَمَا أَسِيرَهَا فَافْعَلُوا، فَقَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ الله، فَأَطْلَقُوهُ وَرَدُّوا عَلَيْهَا الَّذِي لَهَا، وَلَمْ تَكُنْ رِئَةٌ رَسُولِ اللَّهِ لِلْقِلَادَةِ ذَاتِهَا وَلَكِنْ مَا تَحْمِلُهُ تِلْكَ الْقِلَادَةُ مِنْ ذِكْرَيَاتٍ عَزِيزَةٍ غَالِيَةٍ، ذِكْرَيَاتِ الزَّوْجَةِ الْوَفِيَّةِ السَّيِّدَةِ خَدِيجَةَ، الَّتِي آمَنَتْ بِرُسُولِ الله حِينَ كَفَرَ بِهِ النَّاسُ، وَصَدَّقْتُهُ حِينَ كَذَّبَهُ النَّاسُ، ووَاسَتْهُ بِمَا لهَا حِينَ حَرَمَهُ النَّاسُ، وَرَزَقَهُ اللهُ مِنْهَا الْوَلَدَ دُونَ غَيْرِهَا مِنَ النِّسَاءِ. فَأَيُّ تَكْرِيمٍ هَذَا الَّذِي أَعْطَاهُ الْإِسْلَامُ لِلْمَرْأَةِ؟

فَأَيْنَ دُعَاةُ الحُرِّيَّةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ بِأَنَّ المَرْأَةَ فِي الْمُجْتَمَعِ الْإِسْلَامِي لَمْ تَتَمَتَّعْ بِحُقُوقِهَا، وَيُنَادُونَ بِتَحْرِيرِهَا، وَلَمْ تَكُنِ الْحُرِّيَّةُ الَّتِي يَنْشُدُونَهَا لِلْمَرْأَةِ سِوَى أَنْ تَخْلَعَ لِبَاسَ الحِشْمَةِ، وَتَتَخَلَّى عَنْ سُلُوكِ الْأُنُوثَةِ الطَّبِيعِيَّةِ لِتَكُونَ فَرِيسَةٌ لَهُمْ يَتَمَتَّعُونَ بِمَفَاتِنِهَا، وَيُشْبِعُونَ تَهمَهُمُ الجنسِي بِمُخَالَطَتِهَا هُمْ، وَلِتَكُونَ عُرْضَةٌ لِلدَّعَايَةِ الخَلِيعَةِ الرَّخِيصَةِ لِلْكَسْبِ المادِي "أَلَا فَلْيَعْتَبِرُ أُولُو الْأَلْبَابِ".

مَعَ الشَّيْمَاءِ السَّعْدِيَّةِ:

كَانَتِ الشَّيْماءُ بِنْتُ الْحَارِثِ السَّعْدِيَّةُ -وَهِيَ بِنْتُ حَلِيمَةَ السَّعْدِيَّةِ مُرْضِعَةِ النَّبِيِّ مِنْ بَيْنِ سَبَايَا هَوَازِنَ الَّتِي غَيْمَهَا الْمُسْلِمُونَ فِي مَعْرَكَةِ حُنَيْنٍ. وَكَانَتْ أُخْتَ رَسُولِ الله مِنَ الرَّضَاعَةِ الْتَقَمَا ثَدْيَا وَاحِدًا، وَعَاشَا عَهْدَ الصَّبَا يَمْرَحَانِ عَلَى أَرْضِ

534 (1/534)

صفحة 519

السيرة النبوية.

الْبَادِيَةِ الْفَسِيحَةِ، وَتَحْتَ سَمَائِهَا الصَّافِيَةِ، وَعَلَيْهِمَا بَرَاءَةُ الطُّفُولَةِ وَنُعُومَةُ الصِّغَرِ، وَدَائِمَا

تَحْمِلُ زَمَالَةُ الطُّفُولَةِ ذِكْرَيَاتٍ يَلْتَذُ بِهَا الْإِنْسَانِ وَهُوَ يَسْتَعِيدُ شَرِيطَ حَيَاتِهِ.

وَعِنْدَمَا عَنْفَ عَلَيْهَا المُسلِمُونَ السَّوْقَ وَهُمْ لَا يَدْرُونَ، قَالَتْ لِلْمُسْلِمِينَ: تَعْلَمُونَ وَالله أَنِّي لَأُخْتُ صَاحِبِكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ، فَلَمْ يُصَدِّقُوهَا حَتَّى أَتُوا بِهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ، وَلَمَّا انْتَهَتِ الشَّيْماءُ إِلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُخْتُكَ مِنَ الرَّضَاعَةِ. قَالَ: «مَا عَلَامَةُ ذَلِكِ»، قَالَتْ: عَضَةٌ عَضَضْتَنِيهَا فِي ظَهْرِي وَأَنَا مُتُوَرِّكَتُكَ. وتذكّر رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم ذلك، وَبَسَطَ لَهَا رِدَاءَهُ، وَأَجْلَسَهَا عَلَيْهِ، وَخَيَّرَهَا وَقَالَ: «إِنْ أَحْبَيْتِ فَعِنْدِي مُحَيَّبَةٌ مُكَرَّمَةٌ، وَإِنْ أَحْبَيْتِ أَنْ أُمَتِّعَكِ وَتَرْجِعِي إِلَى قَوْمِكِ فَعَلْتُ، فَقَالَتْ: بَلْ تُمنعني وَتَرُدُّنِ إِلَى قَوْمِي. وَمَتَّعَهَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فَأَسْلَمَتْ وَأَعْطَاهَا ثَلَاثَةَ أَعْبُدٍ وَجَارِيَةً، وَنَعَا وَشَاةٌ.

وَهَكَذَا نَجِدُ تَكْرِيمَ الْإِسْلَامِ لِلْمَرْأَةِ يَتَجَلَّى فِي كُلِّ مَوْقِفِ وَاحْتِرَامَهُ لَهَا يَشْمَلُ كُلَّ

أَنْوَاعِ الْقَرَابَةِ، وَجَمِيعَ المُسْتَوَيَاتِ الْأُسْرِيَّةِ.

حُزْنُهُ عَلَى مَقْتَلِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ:

كَانَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ مِنَ السَّابِقِينَ الْأَوَائِلَ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَهَاجَرَ إِلَى الْحُبَشَةِ مَعَ عَدَدٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِرَارًا مِنِ اضْطِهَادِ الْمُشْرِكِينَ هُمْ بِمَكَّةَ، وَعَادَ مِنَ الخَبَشَةِ هُوَ وَأَصَحَابُهُ بَعْدُ فَتح خَيْبَرَ، وَقَدِمُوا عَلَى رَسُولِ الله فِي خَيْبَرَ فَفَرِحَ بِهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَرَحًا عَظِيمًا، وَتَلَقَّاهُ بِالْبِشْرِ، وَقَبَّلَ جَبْهَتَهُ، وَقَالَ:

535 (1/535)

صفحة 520

السيرة النبوية -

وَاللَّهِ لَا أَدْرِي بِأَيْمَا أَفْرَحُ بِفَتْحِ خَيْبَرَ أَمْ بِقُدُومٍ جَعْفَرٍ، وَقُتِلَ جَعْفَرٌ فِي مُؤْتَةَ مَعَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ وَعَبْدِ الله بْنِ رَوَاحَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَأَرْضَاهُمْ، وَحَزِنَ عَلَيْهِ الرَّسُولُ

حُزْنًا شَدِيدًا.

الحُزنَ.

قَالَتْ عَائِشَةُ زَوْجُ النَّبِيِّ: مَا أَتَى نَعْيُ جَعْفَرٍ عَرَفْنَا فِي وَجْهِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم

وَقَالَ لِأَهْلِهِ: «لَا تَغْفَلُوا آلَ جَعْفَرِ مِنْ أَنْ تَصْنَعُوا هُمْ طَعَامًا فَإِنَّهُمْ قَدْ شُغِلُوا

بأمر صاحِبهم.

536 (1/536)

صفحة 521

الْهِجْرَةُ إِلَى الْحَبَشَةِ:

السيرة النبوية. رَحْمَتُهُ الله بِأَصْحَابِهِ

لَمْ يَكُنْ أمْرُهُ لِأَصْحَابِهِ الْمُسْتَضْعَفِينَ بِمَكَّةَ بِالْهِجْرَةِ إِلَى أَرْضِ الْخَبَشَةِ إِلَّا نَابِعًا مِنْ رَحْمَتِهِ بهِمْ، وَشَفَقَتِهِ عَلَيْهِمْ، وَهُمْ يُمَتِّلُونَ الشَّرِيحَةَ الأُولَى لِلْمُجْتَمَع المُسْلِمِ، وَكَانُوا

مِنَ الضَّعْفِ بِمَكَانِ أَمَامَ طَوَاغِيتِ الْكُفْرِ وَالْإِلْحَادِ، قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ:

فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ الله مَا يُصِيبُ أَصْحَابَهُ مِنَ الْبَلَاءِ، وَمَا هُوَ فِيهِ مِنَ الْعَافِيَةِ، بِمَكَانِهِ مِنَ اللهِ، وَمِنْ عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ وَأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَمْنَعَهُمْ بِمَا هُمْ فِيهِ مِنَ الْبَلَاءِ، قَالَ هُمْ: لَوْ خَرْتُمْ إِلَى أَرْضِ الْخَبَشَةِ فَإِنَّ بِهَا مَلِكًا لَا يُظْلَمُ عِنْدَهُ أَحَدٌ، وَهِيَ أَرْضُ

صِدْقٍ حَتَّى يَجْعَلَ اللهُ لَكُمْ عَرَجًا مِمَّا أَنتُمْ فِيهِ.

وَهَكَذَا نَرَى أَنَّ الْبَاعِثَ إِلَى هِجْرَةِ تِلْكَ الْفِئَةِ المُؤمِنَةِ الْمُسْتَضْعَفَةِ إِلَى أَرْضِ الخَبْشَةِ

هِيَ الرّقَةُ لحَالِهِمُ المؤلَةِ، وَالْعَطْفُ عَلَى وَضْعِهِمُ التَّعِبِ.

إِنَّ وَفَاءَ الصُّحْبَةِ، وَوَفَاءَ البَدَا لَمْ يَتْرُكَا رَسُول الله لِيَبْقَى فِي عِزَّةٍ وَمَنَعَةٍ، وَأَصْحَابُهُ يُقَالُ لَهُمْ مِنَ الْعَذَابِ أَصْنَافٌ فِي غُدُوِّهِمْ وَرَوَاحِهِمْ، وَهُوَ لَيْسَتْ لَهُ الْقُدْرَةُ عَلَى تَوْفِيرِ ظِلَالِ الْحِمَايَةِ وَالْأَمَانِ عَلَيْهِمْ إِنَّ الْقَلْبَ الرَّحِيمَ لَيَتَفَطَّرَ مِنْ شِدَّةِ الْهَوْلِ

وَجَحِيمِ الْعَذَابِ الَّذِي كَانَ يَلْقَاهُ أُولئِكَ الْمُسْلِمُونَ، وَهَذَا أَمَرَهُمْ صلى الله عليه وسلم بِالْهِجْرَةِ. (1/537)

صفحة 522

السيرة النبوية.

مَعَ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ: كَانَ أَبُو بَكْرِ الصِّدِّيقُ له مِنْ أَوَائِلِ الَّذِينَ دَخَلُوا فِي الْإِسْلَامِ، وَحَيْثُ إِنَّهُ مِنْ أَشْرَافِ قُرَيْشٍ، وَذُو ثَرَاءٍ فِيهِمْ دَخَلَ عَلَى يَدَيْهِ كَثِيرُونَ فِي الْإِسْلَامِ، وَخَدَمَ الْإِسْلَامَ

بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، وَضَرَبَ أَبو بَكْرٍ رَقَمَا قِيَاسِيا - إِنْ صَحَ التَّعْبِيرُ _ فِي حُبِّهِ لِرَسُولِ الله وَتَصْدِيقِهِ، وَمَوْقِفِهِ الطَّيِّبِ فِي حَادِثَةِ الْإِسْرَاءِ يَقِفُ شَاهِدًا حَيًّا عَلَى هَذِهِ الْحَقِيقَةِ النَّاصِعَةِ.

وَلَمْ يَفْتُرْ عَنِ الدَّعْوَةِ إِلَى اللهِ لِإِخْرَاجِ النَّاسِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ، وَبَيْنَمَا كَانَ يَدْعُو إِلَى اللهِ وَإِلَى دِينِهِ قَامَ إِلَيْهِ المُشْرِكُونَ ضَرْبًا وَصْفَعًا، فَكَانَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ يَضْرِبُهُ بِنَعْلَيْنِ تَحْصُوفَتَيْنِ عَلَى وَجْهِهِ يَمِينًا وَشِمَالًا، حَتَّى تَسَاوَى وَجْهُهُ مِنْ شِدَّةِ الضَّرْبِ فَلَا يَكَادُ يُعْرَفُ أَنْفُهُ، فَسَقَطَ له فَاقِدَ الْوَعْيِ وَاهِيَ الْحِسْمِ فَحَمَلَهُ قَوْمُهُ بِنُو تَيْمٍ، وَهُمْ آيسُونَ مِنْ حَيَاتِهِ، وَقَدِ اسْتَمَرَّ فِي غَيْبُوبَتِهِ إِلَى آخِرِ النَّهَارِ، حَتَّى إِنَّ أُمَّ جَمِيلٍ بِنْتَ الْخَطَّابِ لَمَّا رَأَتْهُ هَالَهَا مَا عَلَيْهِ مِنْ تَغَيُّرِ حَالِهِ وَتَدَهْوُرٍ صِحَّتِهِ، فَصَرَخَتْ قَائِلَةٌ: وَاللَّهِ إِنَّ

قَوْمًا نَالُوا هَذَا مِنْكَ لَأَهْلُ فِسْقِ وَكُفْرٍ وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَنتَقِمَ اللَّهُ مِنْهُمْ. وَمَا أَفَاقَ وَقَدِرَ عَلَى الْكَلَامِ كَانَ أَوَّلَ شَيْءٍ يَجْرِي عَلَى لِسَانِهِ السُّوالُ عَنْ حَبِيبِهِ وَخَلِيلِهِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَقَالَ: مَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ؟ حَتَّى إِنَّ قَوْمَهُ بَنِي تَيْمِ اسْتَخَفُوهُ وَمَسُّوا مِنْهُ بِأَلْسِنَتِهِمْ وَعَذَلُوهُ وَلَكِنِ الْحُبُّ في الله الَّذِي اسْتَوْلَى عَلَى الْمُشَاعِرِ وَجَرَى يَجْرَى الدَّمِ فِي اللَّحْمِ هُوَ الَّذِي جَعَلَ أَبَا بَكْرٍ يَسْتَهِينُ بِكُلِّ مَا لَقِيَ مِنْ عَذَابٍ وَتَنْكِيلٍ،

538 (1/538)

صفحة 523

السيرة النبوية.

وَلَمْ يَعْبَأُ بِمَا هُوَ فِيهِ مِنْ عَنَاءٍ وَجَهْدِ وَنَصَبٍ، وَلَمْ يَكُنْ هَمُّهُ إِلَّا حَالَ رَسُولِ اللَّهِ، وَعِنْدَمَا قِيلَ لَهُ إِنَّهُ سَالِمٌ صَالِحُ، وَإِنَّهُ فِي دَارِ الْأَرْقَمِ، قَالَ: فَإِنَّ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ لَا أَذُوقَ طَعَامًا وَلَا أَشْرَبَ شَرَابًا أَوْ آيَ رَسُولَ الله.

بَيْدَ أَنَّ المَسيرَ إِلَى رَسُولِ الله وَأَبُو بَكْرٍ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ لَيْسَ بِالْأَمْرِ السَّهْلِ، حَتَّى إِذَا هَدَأَتِ الرِّجْلُ وَسَكَنَ النَّاسُ خَرَجَتْ بِهِ أُمُّهُ وَأُمُّ جَمِيلٍ يَتَّكِيُّ عَلَيْهِمَا حَتَّى أَدْخَلْنَاهُ عَلَى رُسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَكَانَ رَدُّ الْفِعْلِ مِنْ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ وَهُوَ يَرَى صَاحِبَهُ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ المُؤْمِةِ بِأَنْ أَكَبَّ عَلَيْهِ وَقَبَّلَهُ وَرَقَّ لَهُ رِقَةٌ شَدِيدَةٌ. (1/539)

صفحة 524

- السيرة النبوية.

مَعَ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ: كَانَتْ مَكَةُ المُكَرَّمَةُ فِي فَتْرَةِ ظُهُورِ الْإِسْلَامِ عَلَى دَرَجَةٍ كَبِيرَةٍ مِنَ الرُّقِيِّ وَالْمُدَنِيَّةِ وَرَفَاهِيَةِ الْعَيْشِ، وَتُصَوِّرُ سُورَةُ قُرَيْشٍ وَهِيَ السُّورَةُ رَقْمِ (106) فِي المُصْحَفِ الشَّرِيفِ هَذِهِ الْحَيَاةَ عِنْدَ قُرَيْشٍ، وَقَدْ أَخَذَتْ أُسْرَةُ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ مِنْ تَرَفِ الْعَيْشِ النَّصِيبَ الكَبِيرَ، وَنَشَأَ مُصْعَبٌ فِي مَكَّةَ عَلَى هَذَا الرَّخَاءِ الْمَادِي وَالشَّرَفِ فِي الْمَأْكَلِ وَالمُلْبَسِ وَفِي كُلِّ صُنُوفِ الْحَيَاةِ، وَكَانَ أَعْطَرَ أَهْلِ مَكَّةَ، وَيَلْبَسُ الْحَضْرَمِي مِنَ النِّعَالِ. وَيَتَحَدَّثُ الرُّسُولُ الْكَرِيمُ صلى الله عليه وسلم عَنْ ذَلِكَ الْعَهْدِ الَّذِي كَانَ يَعِيشُهُ مُصْعَبٌ فَيَقُولُ: «مَا

رَأَيْتُ بِمَكَّةَ أَحْسَنَ لَهُ وَلَا أَرَقُ حُلَّةٌ وَلَا أَنْعَمَ نِعْمَةٌ مِنْ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ. وَقَدْ ضَحَّى مُصْعَبٌ له بِكُلِّ ذَلِكَ النَّعِيمِ الْمَادِيِّ وَدَخَلَ فِي دِينِ اللَّهِ وَأُوذِيَ وَعُذِّبَ فِي سَبِيلِ الله حَتَّى هَاجَرَ إِلَى الْخَبَشَةِ. ثُمَّ كَانَ لَهُ الْفَضْلُ فِي نَشْرِ الْإِسْلَامِ بِالمَدِينَةِ حَتَّى دَخَلَ الْإِسْلَام إِلَى كُلِّ بَيْتٍ فِيهَا. وَقَدْ رَأَىهُ رَسُولُ الله يَوْمًا وَقَدْ غَلُظَ عُودُهُ وَخَشُنَ ثَوبُهُ، وَتَغَيَّرَ حَالُهُ فَرَقَ لَهُ رَسُولُ الله وَبَكَى، وَلا اسْتُشْهِدَ فِي أُحُدٍ كُفْنَ فِي بُرْدَةٍ وَاحِدَةٍ، إِنْ خُطِّيَ رَأْسُهُ بَدَتْ رِجْلَاهُ، وَإِنْ غُطِّيَتْ رِجْلَاهُ بَدَا رَأْسُهُ: فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم غَطُوا بِهَا رَأْسَهُ وَاجْعَلُوا عَلَى

رِجْلِهِ الْإِذْخِر. (1/540)

صفحة 525

السيرة النبوية.

رَحْمَتُهُ بِآلِ يَاسِرٍ: كَانَ يَاسِرٌ وَزَوْجَتُهُ سُمَيَّةُ وَابْنُهُمَا عَمَّارٍ مِنَ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَكَانُوا مَوَالِي لِبَنِي تَخَزُومٍ مِنْ قُرَيْشٍ، وَلَقَدْ نَاهُمْ مِنَ الْعَذَابِ مَا يَتَفَطَّرُ لَهُ الْقَلْبُ، وَاسْتَعْمَلَ المُشْرِكُونَ، أَبُو جَهْلٍ وَمَنْ مَعَهُ أَسَالِيبَ وَحْشِيَّةٌ فِي تَعْذِيبِهِمْ، وَتَفَتَّنُوا فِي تَعْذِيبِهِمْ لِكَيْ يَتْرُكُوا عِبَادَةَ الله، وَيَعْبُدُوا اللَّاتَ وَالْعُزَّى، وَقَدِ اسْتُشْهِدَتْ سُميَّة تَحْتَ وَطأة الْعَذَابِ مِنْ أَبِي جَهْلِ لَعَنَهُ اللَّهُ بَطَرِيقَةٍ تَدُلُّ عَلَى قَسَاوَتِهِ وَنَذَالَتِهِ فِي آنٍ وَاحِدٍ، وَكَانَ الرَّسُولُ يَمُرُّ عَلَى هَذِهِ الْأَمْرَةِ المُسْلِمَةِ المُسْتَضْعَفَةِ وَيَعْتَصِرُ. قَلْبُهُ أَمَا لا يَرَى مِنْ تَعْذِيبِهِمْ، وَهُوَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُدَافِعَ عَنْهُمْ، وَكَانَ يَقُولُ هُمْ: (صَبْرًا آل يَاسِرٍ فَإِنَّ

مَوْعِدَكُمُ الجَنَّةُ). (1/541)

صفحة 526

السيرة النبوية. رَحْمَتُهُ الله بِالْأَطْفَالِ

رَحْمَتُهُ بِأَبْنَاءِ جَعْفَرٍ: ذَاقَ رَسُولُ الله مَرَارَةَ الْيَتُم وَيُؤْسَ الْفَقْدِ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ فِي حَيَاتِهِ الْكَرِيمَةِ، فَقَدْ أَطَلَّ عَلَى الدُّنْيَا وَلَمْ يَجِدْ أَبَاهُ أَمَامَهُ، وَرَجَعَ مِنَ الْبَادِيَةِ وَلَمْ يَكْرَعْ مِنْ حَنَانِ أُمَّهِ الشَّرِيفَةِ طَوِيلًا، ثُمَّ تُوُفِّيَ جَدُّهُ عَبْدُ المُطَّلِبِ الَّذِي كَانَ يَحْنُو عَلَيْهِ وَيُرَاعِيهِ وَهُوَ فِي الثَّامِنَةِ مِنْ عُمْرِهِ، فَكَانَ وَقْعُ الْمُصَابُ عَلَيْهِ شَدِيدًا وَأَلَمُ الْفِرَاقُ بِهِ قَوِيًّا، وَكَانَ لَا تَغِيبُ عَنْ بَالِهِ مَآسِي الْيُتم عِنْدَما يَرَى الْأَطفَالَ وَقَدْ فَقَدُوا الَّذِينَ كَانُوا يَعْطِفُونَ عَلَيْهِمْ، وَيَسْهَرُونَ مِنْ أَجْلِ رَاحَتِهِمْ وَعِنْدَمَا جَاءَهُ نَعْيُ ابْنِ عَمِّهِ ذِي الْجَنَاحَيْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِب دَخَلَ عَلَى أَوْلَادِهِ أَيْ أَوْلَادِ جَعْفَرٍ فَتَشَمَّمَهُمْ وَذَرِفَتْ عَيْنَاهُ. وَلا خَرَجَ رَسُولُ الله له حَوْلَ المَدِينَةِ لِاسْتِقْبَالِ الْعَائِدِينَ مِنْ مَعْرَكَةِ مُؤْتَةً، قَالَ: خُذُوا الصِّيَانَ فَاحْلُوهُمْ وَأَعْطُونِي ابْنَ جَعْفَرٍ، فَأُتِيَ بِعَبْدِ اللَّهِ، فَأَخَذَهُ فَحَمَلَهُ بِيْنَ

يَدَيْهِ.

حُزْنُهُ عَلَى ابْنِهِ إِبْرَاهِيمَ:

لَقَدْ حَزِنَ الرَّسُولُ اللهُ بِوَفَاةِ ابْنِهِ إِبْرَاهِيمَ الَّذِي كَانَ طِفْلًا قَدْ مَلَأَ الْمُهْدَ، وَكَانَ الله قَرِيرَ الْعَيْنِ بِابْنِهِ الصَّغِيرِ يَعْطِفُ عَلَيْهِ بِعَاطِفَةِ الْأُبُوَّةِ، وَيَتَعَهَّدُهُ بِالْغَبْطَةِ وَالاسْتِبْشَارِ، وَيَرَى فِيهِ الْعِرَضَ عَمَّا أُودِعَ الثَّرَى مِنْ أَوْلَادٍ، وَما مَرِضَ إِبْرَاهِيمُ أُقِيمَ بِهِ فِي نَخْلِ فِي المَدِينَةِ، وَقَامَتْ مِنْ حَوْلِهِ أَللهُ مَارِيَةُ الْقِبْطِيَّةُ وَأَخْتُهَا، وَعِنْدَمَا كَانَ فِي الاحْتِضَارِ سَارَ

542 (1/542)

صفحة 527

السيرة النبوية -

إِلَيْهِ النَّبِيُّ الله فَوَجَدَ إِبْرَاهِيمَ فِي حَجْرٍ أُمَّهِ يَجُودُ بِنَفْسِهِ فَأَخَذَهُ وَوَضَعَهُ فِي حِجْرِهِ وَعَلَامَاتُ الحُزْنِ تَلُوحُ عَلَى قَسَمَاتِ وَجْهِهِ، وَذَرِفَتْ عَيْنَاهُ الْكَرِيمَتَانِ حُزْنًا عَلَى الطِّفْلِ الَّذِي لَمْ يَهْنا بَيْتُ النُّبُوَّةِ بِوُجُودِهِ إِلَّا زَمَنًا يَسِيرًا، وَقَالَ الله وَهُوَ يُودِّعُ ابْنَهُ إِبْرَاهِيمَ: «يَا إِبْرَاهِيمَ لَوْلَا أَنَّهُ أَمْرٌ حَقٌّ، وَوَعْدٌ صِدْقٌ، وَأَنَّ آخِرَنَا سَيَلْحَقُ بِأَوَّلِنَا حَزِنَا عَلَيْكَ أَشَدَّ مِنْ هَذَا»، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ الْعَيْنَ لَتَدْمَعُ، وَإِنَّ الْقَلْبَ لَيَحْزَنُ وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يُرْضِي الرَّبَّ، وَإِنَّا يَا إِبْرَاهِيمَ عَلَيْكَ لَمَحْزُونُونَ». مَعَ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ:

تَجَلَّتْ في الرَّسُولِ الْعَوَاطِفُ الْإِنْسَانِيَّةِ، وَظَهَرَتْ مِنْهُ اللَّطَافَةُ بِالْأَطْفَالِ، وَحُبُّهُمْ وَإظْهَارُ المَوَدَّةِ هُمْ، لِإِدْخَالِ الْأُنْسِ وَالسُّرُورِ عَلَيْهِمْ، وَهِيَ نَمُوذَج حَيٌّ عَلَى أُسْلُوبِ تَرِبِيَةِ الْأَطْفَالِ، فَكَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ لِفَاطِمَةَ: «ادْعِي لِي ابْنَيِ الْحَسَنَ وَالحُسَيْنَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما فَيَشَمُهُما وَيَضُمُّهُمَا، وَدَعَا سِبْطَهُ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٌّ مَرَّةً فَجَاءَهُ يَشْتَدُّ فَوَقَعَ فِي حَجْرٍ رَسُولِ الله، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي حِينِهِ فَجَعَلَ النَّبِيُّ الله يَفْتَحُ فَاءَ،

فَيُدْخِلُ فَاهَ فِي فِيهِ وَجَاءَ أَعْرَابِ وَهُوَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ فَقَالَ: أَنْقَبلُونَ الصَّبْيَانَ فَمَا نُقَبِّلُهُمْ، فَقَالَ

النَّبِيُّ: (وَمَا أَمْلِكُ لَكَ إِذَا نَزَعَ اللَّهُ مِنْ قَلْبِكَ الرَّحْمَةَ».

543 (1/543)

صفحة 528

رَحْمَتُهُ بِابْنِ زَيْنَبَ:

السيرة النبوية.

كَانَتِ الرَّحْمَةُ لَا تُفَارِقُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم فِي كُلّ مَوْقِفٍ، وَفِي أَيَّةِ لَحْظَةٍ، وَقَدْ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِ ابْنَتَهُ زَيْنَبُ تُخبِرُهُ عَنِ احْتِضَارِ وَلِيدِهَا طَالِبَةٌ مِنْهُ أَنْ يَشْهَدَ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ، فَعَنْ أَسَامَةَ ابْنِ زَيْدٍ له قَالَ: إِنَّ ابْنَةَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم أَرْسَلَتْ إِلَى أَبِيهَا أَنَّ ابْنِي قَدِ احْتُضِرَ - فَاشْهَدْنَا فَأَرْسَلَ يُقْرِئُهَا السَّلَامَ وَيَقُولُ: «إِنَّ الله مَا أَخَذَ وَمَا أَعْطَى، وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ مُسَمًّى فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ»، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ تُقْسِمُ عَلَيْهِ، فَقَامَ وَقُمْنَا مَعَهُ، فَلَمَّا فَعَدْ رُفِعَ إِلَيْهِ فَأَقْعَدَهُ فِي حِجْرِهِ وَنَفْسُ الصَّبِيِّ تَقَعْقَعُ فَفَاضَتْ عَيْنَا رَسُولِ الله، فَقَالَ سَعْدٌ: مَا هَذَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: هَذِهِ رَحْمَةٌ يَضَعُهَا اللهُ فِي قُلُوبِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ».

التَّجُوزُ فِي الصَّلَاةِ مِنْ أَجْلِ بُكَاءِ الْأَطْفَالِ: وَمِنْ رَحْمَتِهِ بِالْأَطْفَالِ وَمُرَاعَاتِهِ هُمْ أَنَّهُ كَانَ يَخْتَصِرُ فِي الصَّلَاةِ الَّتِي جُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِهِ فِيهَا، فَيَقُولُ: (إِنِّي لَأَقومُ فِي الصَّلَاةِ أُرِيدُ أَنْ أُطَوَّلَ فِيهَا فَأَسْمَعَ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلَاتِي كَرَاهِيَةً أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ»، وَذَلِكَ لِأَنَّ أُمَّ الصَّبِيِّ تَكُونُ مَوْجُودَةٌ فِي الصَّلَاةِ خَلْفَ النَّبِيِّ، وَمِنْ أَجْلٍ بُكَاءِ طِفْلِهَا يَتَجَوَّزُ فِي الصَّلَاةِ. أَوَّلُ الثَّمَارِ لِلصَّبْيَانِ:

وَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا أُتِيَ بِأَوَّلِ ثِمَارِ المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ حَرَسَهَا اللَّهُ دَعَا اللَّهُ بِالْبَرَكَةِ وَزِيَادَةِ الخَيْرِ، ثُمَّ يُعْطِيهِ أَصْغَرَ الصَّبْيَانِ تَحَبُّباً لِذَلِكَ الطِّفْلِ وَتَفْرِيحًا لَهُ، عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:

544 (1/544)

صفحة 529

السيرة النبوية.

كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا أُتِيَ بِأَوَّلِ الثَّمَرِ قَالَ: «اللهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي مَدِينَتِنَا وَفِي ثِمَارِنَا، وَفِي مُدْنَا وَفِي صَاعِنَا بَرَكَةٌ مَعَ بَرَكَةٍ، اللهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ وَخَلِيلُكَ وَإِنِّي عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ وَإِنَّهُ دَعَاكَ لَكَةَ، وَأَنَا أَدْعُوكَ لِلْمَدِينَةِ بِمثلِ مَا دَعَاكَ لِكَةً وَمِثْلِهِ مَعَهُ، ثُمَّ يُعْطِيهِ أَصْغَرَ مَنْ يَحْضُرُ مِنَ الْوُلْدَانِ.

مُدَاعَبَةُ الْأَطْفَالِ:

وَكَانَ مِنْ رَحْمَتِهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ إِذَا مَرَّ عَلَى الْأَطْفَالِ يَلْعَبُونَ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ تَطْبِيبًا لِخَاطَرِهِمْ، وَإِضْفَاءَ المُعْنَوِيَّةِ عَلَيْهِمْ، وَكَانَ يُخَالِطُهُمْ وَيُدَاعِبُهُمْ لِإِدْخَالِ الْبَهْجَةِ وَالسُّرُورِ إِلَى نُفُوسِهِمْ، يَقُولُ أَنَسُ بْنُ مَالِكِ له: إِنَّ رَسُولَ الله مَرَّ عَلَى صِبْيَانِ يَلْعَبُونَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ. وَقَالَ أَيْضًا: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لَا تُخَالِطُنَا حَتَّى يَقُولَ لِأَخِ لِي صَغِيرٍ: يَا أَبَا عُمَيْرٍ

مَاذَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟

545 (1/545)

صفحة 530

السيرة النبوية. رَحْمَتُهُ بِالضُّعَفَاءِ

رَحْمَتُهُ بِالْجَارِيَةِ: لَمْ تَشْغَلَهُ مُهاتُهُ الجَسِيمَةُ وَأَعْمَالُهُ الْعَظِيمَةُ الَّتِي تَحَمَّلَهَا طِيلَةَ حَيَاتِهِ عَنْ الاهْتِمَامِ بِالضُّعَفَاءِ وَالْمَسَاكِينِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ حِيلَةٌ وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا، فَبَيْنَمَا كَانَ مَاشِيّا فِي الطَّرِيقِ إِذْ وَجَدَ جَارِيَةٌ خَائِفَةٌ تَبْكِي بِسَبَبٍ فَقْدِهَا لِلنُّفُودِ الَّتِي بَعَثَهَا بِهَا سَادَاتُها لِشِرَاءِ دَقِيق هَمْ، وَكَانَتْ حَائِرَةٌ مَاذَا تَفْعَلُ وَمَاذَا تَقُولُ لِسَادَاتِهَا عَنْ فَقْدِ النُّقُودِ، وَلَكِنَّهَا سُرْعَانَ مَا وَجَدَتِ الْحَلَّ عِنْدَمَا مَرَّ عَلَيْهَا نَبِيُّ الرَّحْمَةِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ

وَالسَّلَامُ. فَقَدْ دَفَعَ لَهَا الثَّمَنَ الْمُفْقُودَ، وَلَكِنَّهُ مَعَ ذَلِكَ لَمْ يُفَارِقُهَا الْخَوْفُ مِنْ سَيِّدِهَا فَسَارَ مَعَهَا إِلَى سَيِّدِهَا لِكَيْ يَمْنَعَهُ مِنْ ضَرْبِهَا وَإِيدَائِهَا.

رَحْمَتُهُ بِالْعَبِيدِ:

وَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ الله بِالرَّافَةِ وَالشَّفَقَةِ عَلَى الْعَبِيدِ _ أي الماليكِ _ يَقُولُ: «إِنَّ إِخْوَانَكُمْ خَوَلُكُمْ جَعَلَهُمُ اللهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدَيْهِ فَلْيُطْعِمْهُ لِمَا يَأْكُلُ وَليُلْبِسْهُ بِما يَلْبَسُ، وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلْفْتُمُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ

فَأَعِينُوهُمْ.

وَقَدْ جَعَلَ الْعَبِيدَ إِخْوَانًا لِلسَّادَةِ لَا فَرْقَ بَيْنَ جِنْسِ وَجِنْسِ إِلَّا بِالتَّقْوَى، أَمَّا

المقايسُ الدُّنْيَوِيَّةُ فَغَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ فِي الْإِسْلَامِ.

546 (1/546)

صفحة 531

السيرة النبوية.

وَجَاءَ أَعْرَابِيُّ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَمْ أَعْفُو عَنِ الْحَادِمِ كُلَّ يَوْمٍ؟ قَالَ:

سَبْعِينَ مَرَّةً»

وَقَالَ أَيْضًا: «أَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ وَالْبِسُوهُمْ مِنْ لَبُوسِكُمْ، وَلَا تُعَذِّبُوا خَلْقَ الله عَزَّ وَجَلَ».

وَقَدْ نَهَى عَنِ اسْتِعْمَالِ الْعَبِيدِ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَتَمَةِ، كُلُّ ذَلِكَ رَأْفَةٌ وَرَحْمَةٌ وَشَفَقَةٌ عَلَى المُمالِيكِ الضُّعَفَاءِ خَوْفًا مِن اسْتِغْلَالِ السَّادَةِ لِضَعْفِهِمْ وَعُبُودِيَّتِهِمْ، وَاسْتِعْبَادِهِمْ

فَوْقَ الطَّاقَةِ وَالمُسْمُوحِ. رَحْمَتُهُ بِالْأَجِير: وَلَقَدِ اهْتَمَّ رَسُولُ الله الله بِالْعَمَلِ اهْتِمَاماً كَبِيرًا وَحَارَبَ الْبَطَالَةَ وَالْكَسَلَ، لِأَنَّهُ بِالْعَمَلِ تَحْيَا الْأُمَّهُ وَتَقْوَى عَلَى مُوَاجَهَةِ عَدُوِّهَا، وَبِالْعَمَلِ يُصْبِحُ الْمُؤْمِنُ قَوِيَّا، وَكَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَسْتَعِيدُ مِنَ الْكَسَل وَالْعَجْزِ، وَبِقَدْرِ مَا اهْتَمَّ الله بِالْعَمَلِ لَمْ يَكُنْ لِيَغِيبَ عَنْ بَالِهِ الْأَجِيرِ الضَّعِيفِ لِئَلَّا يَتَعَالَى عَلَيْهِ صَاحِبُ الْعَمَلِ، فَيَا طِلَهُ حَقَّهُ، أَوْ يَبْخَسَهُ أَجْرَتَهُ. فَقَالَ: أَعْطُوا الْأَجِيرَ أَجْرَهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ». وَكَانَ هَذَا أَمْرًا مِنْهُ بِالمُبَادَرَةِ إِلَى دَفْعِ أَجْرَةِ الْعَامِلِ عَلَى عَمَلِهِ فَوْرًا مُرَاعَاةٌ لِحَاجَةِ الْأَجِيرِ الَّتِي دَفَعَتْهُ إِلَى

الْعَمَلِ.

547 (1/547)

صفحة 532

السيرة النبوية.

رَحْمَتُهُ بِالْحَيَوَانِ

الْإِحْسَانُ إِلَى الْحَيَوَانِ: لَقَدْ كَانَتْ رَحْمَةُ الرُّسُولِ صلى الله عليه وسلم رَحْمَةٌ شَامِلَةٌ جَمِيعِ مَخْلُوقَاتِ اللهِ تَعَالَى، فَالْحَيَوَانُ خَلَقَهُ اللهُ مُسَخَّرًا لِلْإِنْسَانِ فِي حَيَاتِهِ لِأَغْرَاضِ شَتَّى، وَمَنَافِعَ مُتَعَدِّدَةٍ، قَالَ عَزَّ مِنْ قَائِل: وَالْأَنْعَمَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَفِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (5) وَلَكُمْ فيها جمال حينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ وَتَحْمِلُ أَنْقَا لَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُوا بلِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَسُوفٌ رَّحِيمُ) وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ) النحل: 5 - 8.

وَلكِنْ رُبَّمَا يَتَجَاوَزُ الْإِنْسَانُ فِي مُعَامَلَتِهِ لِلْحَيَوَانِ أَسْلُوبَ الرَّفْقِ وَالرَّحْمَةِ إِلَى أَسْلُوبِ الْقَسْوَةِ المُتَعَمَّدَةِ وَغَيْرِ المُتَعَمَّدَةِ، فَكَانَ رِفْقُ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم بِالحَيَوَانِ يَرْسِمُ كَيْفِيَّةَ التَّعَامُلَ مَعَ الدَّوَابِّ وَاسْتِخْدَامِهَا وَتَعَهُدِهَا بِالْإِطْعَامِ وَالسَّقْيِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي تَكُونُ فِي صَالِحٍ الدَّابَّةِ، وَلَا يَكُونُ فِيهَا خَيْفٌ عَلَيْهَا لِهَذَا، وَبِطَبِيعَةِ الْأَمْرِ،

فَإِنَّ الْإِسْلَامَ قَدْ سَبَقَ جَمْعِيَّاتِ الرِّفْقِ بِالْحَيَوَانِ بِمِئَاتِ السِّنِينَ.

فَقَدْ مَرَّ رَسُولُ بِبَعِيرِ قَدْ لَحِقَ ظَهْرُهُ بِبَطْنِهِ، فَقَالَ: «اتَّقُوا اللهَ فِي هَذِهِ الْبَهَائِمِ

المُعْجَمَةِ، فَارْكَبُوهَا صَالِحِةٌ وَكُلُوهَا صَالِحِةٌ».

548 (1/548)

صفحة 533

السيرة النبوية.

وَدَخَلَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم حَائِطًا لِرَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ فَإِذَا فِيهِ جَمَلٌ، فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم حَنَّ وَذَرِفَتْ عَيْنَاهُ فَأَتَاهُ النَّبِيُّ فَمَسَحَ سَرَاتَهُ وَذِفْرَاهُ، فَسَكَنْ فَقَالَ: " مَنْ رَبُّ هَذَا الْجُمَلِ؟ لَنْ هَذَا الْجَمَلُ؟»، فَجَاءَ فَتى مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ: هَذَا لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «أَفَلَا تَتَّقِي اللهَ فِي هَذِهِ الْبَهِيمَةِ الَّتِي مَلكَكَ اللهُ إِيَّاهَا؟ فَإِنَّهُ يَشْكُو إِلَى أَنَّكَ تُحِيعُهُ

وَتُدْئِبُهُ».

وَلَقَدْ عَلَّمَنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَيْفِيَّةَ مَنْحِ الرَّاحَةِ لِلْإِبِلِ عِنْدَمَا نُسَافِرُ عَلَيْهَا حَيْثُ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «إِذَا سَافَرْتُمْ فِي الْخِصْب فَأَعْطُوا الْإِبِلَ حَظَّهَا مِنَ الْأَرْضِ،

وَإِذَا سَافَرْتُمْ بِالْجَدْبِ فَأَسْرِعُوا عَلَيْهَا السَّيْرَ، وَبَادِرُوا بِهَا نقيها». وَقَالَ: عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ لَمْ تُطْعِمْهَا وَلَمْ تَسْقِهَا وَلَمْ تَتْرُكْهَا تَأْكُلَتْ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ».

فَهَذَا الْحَدِيثُ الشَّرِيفُ يَحْمِلُ تَحْذِيرًا شَدِيدًا لِلْأُمَّةِ عَلَى التَّهَاوُنِ بِالْحَيَوَانِ أَيَّا كَانَ

نَوْعُهُ وَمَهُمَا كَانَ حَجْمُهُ، وَلَعَلَّ الْحَدِيثَ الشَّرِيفَ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» يَدْخُلُ فِي عُمُومِهِ الْمُسْؤُولِيَّةِ عَنِ الْحَيَوَانِ أَيْضًا، وَهُنَاكَ مَوَاقِفُ كَثِيرَةٌ مِنْ مَوَاقِفِ الرَّحْمَةِ لِلرَّسُولِ الله بِالْحَيَوَانَاتِ، لَوْ تَتَبَّعَهَا الْقَارِئُ مِنْ كُتُبِ السُّنَّةِ لِامْتَلَا بِهَا

مُجَلَّدٌ ضَخْمٌ، أَلَيْسَ هَذَا دَلِيلًا عَلَى عَظَمَةِ الْإِسْلَامِ وَشُمُولِيَّتِهِ؟ (1/549)

صفحة 534

فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرُ

السيرة النبوية.

وَلَقَدْ حَنَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَى الشُّعُورِ النَّبِيلِ وَالْإِحْسَاسِ الرَّحِيمِ بِكُلِّ شَيْءٍ، وَأَلَّا يَكُونَ الْإِنْسَانُ أَنانِيًّا لَا تُهِمُّهُ إِلَّا نَفْسُهُ، فَقَط وَهُوَ لَا يَسْأَلُ عَنْ أَيُّ كَائِنِ آخَرَ مِنْ، حَوْلِهِ، بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَقِيسَ الْأَشْيَاء عَلَى الْأَشْيَاءِ، وَأَنْ يُقَدِّرَ الظُّرُوفَ، وَمَا الْعِبَادَات الَّتِي فَرَضْهَا اللهُ تَعَالَى إِلَّا دَلِيلًا عَلَى ذَلِكَ، فَالصَّوْمُ وَالصَّلَاةُ، وَالحَج مَثَلًا بِالْإِضَافَةِ إِلَى كَوْنهَا أُمُورًا تَعَبدِيَّةٌ، فَإِنَّ الْحِكْمَةَ مِنْهَا هُيَ الشُّعُورِ وَالْإِحْسَاسُ بِمَا يَجِدُهُ الْإِنْسَانُ فِيهَا. وَلَقَدْ قَصَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَى أَصْحَابِهِ، وَالْأَسْلُوبُ الْقَصَصِيُّ- لَهُ وَقْعُ فِي النُّفُوسِ، وَفِيهِ جَذْبٌ لِلْقُلُوبِ شُعَورَ ذَلِكَ الْإِنْسَانَ الَّذِي بَلَغَ مِنَ الْعَطَشِ مَبْلَغَهُ ثُمَّ وَجَدَ كَلْبًا يَلْهَتُ، فَكَانَ ذَلِكَ الْعَطَشُ حَافِزًا لَهُ عَلَى سَفْيِ الْكَلْبِ بِطَرِيقَةٍ تُنْبِيُّ عَنْ حِكْمَةٍ وَبَذَلِ

جهد.

يَقُولُ الرَّسُولُ: بَيْنَا رَجُلٌ يَمْنِي فِي الطَّرِيقِ فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ، فَوَجَدَ بِشْرًا فَنَزَلَ فِيهَا فَشَرِبَ وَخَرَجَ، فَإِذَا بِكَلْبِ يَلْهَثْ وَيَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ الْعَطَشِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الْكَلْبَ مِنَ الْعَطَشِ مِثْلُ الَّذِي بَلَغَنِي، فَنَزَلَ الْبِشْرَ فَمَلَأَ خُفَّهُ بِالْمَاءِ، فَأَمْسَكَهُ بِفِيهِ فَطَلَعَ فَسَقَى الْكَلْبَ، فَشَكَرَ اللَّهُ ذَلِكَ وَغَفَرَ لَهُ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِم لَأَجْرًا، فَقَالَ: «فِي كُلِّ كَبِدِ رَطْبَةٍ أَجْرُه. (1/550)

صفحة 535

الرّفْقُ بِالنَّبِيحَة:

السيرة النبوية.

وَقَدْ تَنَاوَلَتْ رَحْمَتُهُ وَ الْحَيَوَانَ حَتَّى وَهُوَ فِي حَالَةِ الذَّبْحِ، فَأَوْصَى بِالرِّفْقِ بِهِ بِقَوْلِهِ: إِنَّ اللهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ

فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ».

وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَجُلًا أَضْجَعَ شَاءٌ وَهُوَ يُحِدُّ شَفْرَتَهُ فَقَالَ النَّبِيُّ: «أَتُرِيدُ أَنْ تُمِيتَهَا مَرَّتَيْنِ؟ هَلَّا أَحْدَدْتَ شَفْرَتَكَ قَبْلَ أَنْ تُضْجِعَهَا»

001 (1/551)

صفحة 536

السيرة النبوية.

رَحْمَتُهُ عَامَّةً بِالْإِنْسَانِيَّةِ

رَحْمَتُهُ بِأَهْلِ الطَّائِفِ: لَقَدْ كَانَتْ رَحْمَتُهُ عَامَّةً وَشَامِلَةٌ، وَقَدْ تَجَلَّتْ فِي كُلِّ مَوْقِفٍ، وَفِي كُلِّ الظُّرُوفِ، فَبَعْدَ وَفَاةِ أَبِي طَالِب نَالَ الرَّسُولُ الشَّيْءَ الْكَثِيرَ مِنَ الْأَذَى الْأَمْرُ الَّذِي حَبَّبَ إِلَيْهِ المسير إلى الطَّائِفِ لَعَلَّهُ يَجِدُ فِيهَا مُتَنَفَّسًا لِدَعْوَنِهِ، وَلَكِنْ كَانَتِ النِّيجَةُ عَكْسِيَّةٌ، وَكَانَ الْأَذَى فَوْقَ مَا يَتَصَورُ. فَقَدْ رَدُّوا عَلَيْهِ رَدًّا فَبِيحًا، وَلَمْ يَكْفِهِمْ ذَلِكَ بَلْ أَمَرُوا سُفَهَاءَهُم وَأَغْرَوْهُمْ عَلَى

إبدَانِهِ، فَأَخَذُوا يَقْذِفُونَه بِالْحِجَارَةِ حَتَّى دَمِيَتْ قَدَمَاهُ الشَّرِيفَتَانِ، وَفِي دُعَائِهِ وَتَضَرُّعِهِ إِلَى رَبِّهِ، وَهُوَ جَالِسٌ عَلَى بُسْتَانِ ابْنَي رَبِيعَةَ، وَقَدْ أَنهَكَهُ التَّعَبُ وَالْأَذَى مَا يُعَبِّرُ عَنْ فَطَاعَةِ الْأَذَى وَشِدَّةِ الْمُهَانَةِ حَيْثُ قَالَ: «اللهُمَّ إِلَيْكِ أَشْكُو ضَعْفَ قُوَّتِي وَقِلَّةَ حِيلَتِي وَهَوَانِي عَلَى النَّاسِ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ أَنْتَ رَبُّ الْمُسْتَضْعَفِينَ وَأَنْتَ رَبِّي إِلَى مَنْ تَكِلُنِي تكلني؟ إِلَى بَعِيدٍ يَتَجَهَّمُنِي؟ أَمْ إِلَى عَدُوٌّ مَلَكْتَهُ أَمْرِي؟ إِنْ لَمْ يَكُنْ بِكَ عَلَى غَضَبٌ فَلَا أبالي، وَلَكِنَّ عَافِينَكَ هِيَ أَوْسَعُ لِي أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِكَ الَّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ الظُّلُمَاتُ وَصَلَحَ عَلَيْهِ أَمْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ مِنْ أَنْ تُنْزِلَ بِي غَضَبَكَ، أَوْ يَحِلَّ عَلَى سَخَطُكَ، لَكَ العتبى حَتَّى تَرْضَى وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِكَ.

أَثْنَاءَ هَذَا الْوَضْعِ المُؤلِم وَالحَالِ الْقَاسِيَةِ لَمْ تُرَاوِدْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ شَهْوَةُ الانْتِقَامِ وَلَنَّةُ الْعُقُوبَةِ، بَلْ كَانَ أَجَلَّ وَأَكْبَرَ وَأَشْرَفَ وَأَسْمَى، لَمْ تُفَارِقْهُ الثَّقَةُ بِاللَّهِ طَرْفَةَ

552 (1/552)

صفحة 537

السيرة النبوية.

عَيْنٍ وَلَمْ يَتْرُكِ الْيَقِينَ قَلْبُهُ لَحْظَةٌ مِنَ اللَّحَظَاتِ، بَلْ كَانَ يَنْظُرُ إِلَى أُفُقِ الْمُسْتَقْبَلِ بِمِنْظَارِ

النُّبُوَّةِ فَيُشَاهِدُ أَمَامَهُ الْأَمَلَ الْكَبِيرَ وَالنَّصْرَ الْمُرْتَقَبَ لِدِينِ الله.

فَعِنْدَمَا عَرَضَ عَلَيْهِ مَلَكُ الْجِبَالِ أَنْ يُطْبِقَ الْجَبَلَيْنِ عَلَى أَهْلِ الطَّائِفِ اللَّذَيْنِ تَقَعُ بَيْنَهُمَا الطَّائِفُ قَالَ لَهُ: بَلْ أَرْجُو أَنْ يَخْرُجَ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا

يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا». وَعِنْدَمَا حَاصَرَ رَسُولُ الله الله الطَّائِفَ، وَطَالَ الحِصَارُ، أَمَرَ بِقَطْعِ أَعْنَابِهِمْ، وَهِيَ ما يَعْتَمِدُونَ عَلَيْهِ فِي مَعِيشَتِهِمْ، وَلَكِنَّهُمْ سَأَلُوهُ أَنْ يَدَعَهَا هُمْ اللَّهِ وَلِلرَّحِمِ فَتَرَكَهَا

رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم للهِ وَلِلرَّحِمِ، وَلَمْ يَقْطَعْهَا.

وَهَكَذَا تَتَجَلَّى رَحْمَتُهُ حَتَّى فِي مَيَادِينِ الْحَرْبِ وَمُعْتَرَكِ الْقِتَالِ.

الرَّحْمَةُ فِي وَصَايَاهُ لِلْجَيْشِ:

وَكَانَ يُوصِي جَيْشَهُ بِالرِّفْقِ وَالرَّحْمَةِ وَالشَّفَقَةِ، وَكَانَ إِذَا وَدَّعَ جَيْشًا قَالَ هُمْ: أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّه وَبِمَنْ مَعَكُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا اغْزُوا بِاسْمِ اللَّهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ كَفَرَ بِاللهِ، وَلَا تَغْدِرُوا وَلَا تَغَلُّوا وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا، وَلَا امْرَأَةٌ، وَلَا كَبِيرًا فَانِيَا، وَلَا

مُنْعَزِلًا بِصَوْمَعَةٍ، وَلَا تَقْرَبُوا نَخْلَا، وَلَا تَقْطَعُوا شَجَرًا، وَلَا تَهْدِمُوا بِنَاءً».

553 (1/553)

صفحة 538

السيرة النبوية.

رَحْمَتُهُ بِالْأَسْرَى: لَقَدْ كَانَتِ الْحُرُوبُ وَالمُعَارِكُ الَّتِي خَاضَهَا الرَّسُولُ تَتَجَلَّى فِيهَا مَظَاهِرُ الرَّحْمَةِ بِشَكْلٍ لَمْ يُعْهَدْ مِنْ قَبْلِ الْبِعْثَةِ المُحَمَّدِيَّةِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ نَظِيرُ وَذَلِكَ أَنَّهُ بَعْدَ أَنِ انْتَهَتْ مَعْرَكَةُ بَدْرٍ الْكُبْرَى الَّتِي انْتَصَرَ فِيهَا الْحَقُّ عَلَى الْبَاطِلِ، وَالْخَيْرُ عَلَى الشَّرِّ، وَالنُّورُ عَلَى الظَّلامِ، أَسَرَ المُسْلِمُونَ عَدَدًا مِنَ الْأَسْرَى المُشْرِكِينَ، وَضَرَبَ المُسْلِمُونَ أَزْوَعَ الْأَمْيْلَةَ فِي حُسْنِ مُعَامَلَةِ الْأَسْرَى بِنَاءً عَلَى أَوَامِرِ نَبِيِّهِمْ حَيْثُ أَوْصَاهُمْ بِقَوْلِهِ: «اسْتَوْصُوا بِالْأَسْرَى خَيْرًا، وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْهُمْ أَي الْأَسْرَى بِذَلِكَ. يَقُولُ أَبُو عُزَيْزِ بْنُ عُمَيْرٍ، وَكَانَ أَسِيرًا مُشْرِكًا، وَهُوَ أَخٌ يُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرِ الله: كُنْتُ فِي رَهْطٍ مِنَ الْأَنْصَارِ حِينَ أَقْبَلُوا بي مِنْ بَدْرٍ فَكَانُوا إِذَا قَدَّمُوا غَدَاءَهُمْ وَعَشَاءَهُمْ خَصُّونِي الخَبْزَ وَأَكَلُوا التَّمْرَ لِوَصِيَّةِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِيَّاهُمْ بِنَا مَا تَقَعُ فِي يَدِ رَجُلٍ مِنْهُمْ كِسْرَةٌ خُبْزِ إِلَّا نَفَحَنِي بِها فَأَسْتَحِي فَأَرُدُّهَا فَيَرُدُّهَا عَلَى مَا يَمَسُّهَا.

ه

وَخَيْرُ دَلِيلٍ عَلَى شَفَقَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَعَطْفِهِ عَلَى الْأَسْرَى عَفْوُهُ عَنْهُمْ، إِذْ قَبِلَ مِنْهُمُ الْفِدَاءَ، وَكَانَ يُفَادِيهِمْ عَلَى قَدْرِ أَمْوَالِهِمْ تَخْلِيصًا لِفِكَاكِهِمْ مِنَ الْأَسْرِ حَتَّى إِنَّهُ مَنْ لَا شَيْءَ لَهُ يَفْدِي بِهِ نَفْسَهُ مَنْ عَلَيْهِ الرَّسُولُ فَأَطْلَقَهُ مِنْ غَيْرِ فِدَاءٍ وَالَّذِي يَعْرِفُ الْقِرَاءَةَ وَالْكِتَابَةَ وَلَا شَيْءَ لَهُ لِلْفِدَاءِ جَعَلَهُ الرَّسُولُ يُعَلِّمُ أَوْلَادَ الْأَنْصَارِ الْكِتَابَةَ لِكَيْ يُتِمَّ إِطْلَاقَ سَرَاحِهِ وَكَانَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ أَعْلَمَ الصَّحَابَةِ بِالْفَرَائِضِ مَنْ تَعَلَّمَ بِهَذَا الطَّرِيقِ.

554 (1/554)

صفحة 539

كَلِمَاتُ الْمُنَاسَبَاتِ الْإِسْلَامِيَّة (1) السِّيرَةُ النَّبَوِيَّةُ

1) كانت هنالك عدد من كلمات المناسبات الإسلامية وهي مناسبات المولد النبوي، والإسراء والمعراج، ولكننا عند ترتيب هذا الكتاب لم نعثر إلا على هذا العدد فقط من تلك الكلمات. (1/555)

صفحة 540

السيرة النبوية. السِّيرَةُ النَّبَوِيَّةُ (1)

إِضَاءَةٌ عَلَى طَرِيقِ الْخَيْرِ وَالْمَحَبَّةِ وَالسَّلَامِ

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحَمْدُ الله، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ وَالَاهُ.

أَيُّهَا الحُضُورُ الْكِرَامُ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ الله وَبَرَكَاتُهُ. أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِذَا كَانَتِ السُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ هِيَ أَقْوَالُ وَأَفْعَالُ وَإِقْرَارَاتُ النَّبِيِّ الْكَرِيمِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ تُفيدُ أَحْكَامًا شَرْعِيَّةٍ، فَإِنَّ السِّيرَةَ النَّبَوِيَّةَ هِيَ إِخْبَارٌ عَنْ حَيَاتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَمَا كَانَ يَتَحَلَّى بِهِ مِنْ صِفَاتٍ وَشَمَائِلَ وَأَخْلَاقٍ عَظِيمَةٍ، تُفِيدُ مَعَانِيَ

الْعِظَةِ وَالاِعْتِبَارِ وَالاِقْتِدَاءِ، فَالسُّنَّةُ وَالسِّيرَةُ هُمَا تَوْءَمَتَانِ تَدُلَّانِ عَلَى شَخْصِيَّةِ مُحَمَّدٍ إِنْسَانًا، وَعَلَى شَخْصِيَّتِهِ نَبِيًّا وَرَسُولًا مِنْ لَدُنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ إِلَى الْبَشَرِيَّةِ، لِيَرْسُمَ لَهَا طَرِيقَ الخيْرِ وَالمَحَبَّةِ وَالسَّلَام لِتَسْعَدَ هَذِهِ الْبَشَرِيَّةُ، وَتَفِيضَ عَلَيْهَا الْمُعَانِي الْإِنْسَانِيَّةُ النَّبِيلَةُ، فَالخَيْرُ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ هُوَ شَيْءٌ عَظِيمٌ؛ لِأَنَّ فِيهِ سَعَادَةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَفِيهِ الْأَمْنُ وَالسَّلامُ، وَفِيهِ الطُّمَانِينَةُ والهدوء.

(1) ألقيت في الجلسة الإفتتاحية للمؤتمر الدولي عن السيرة النبوية في الكتابابات الأمريكية الذي عقد في جامعة سيدي محمد بن عبد الله في فاس بالمملكة المغربية في الفترة 2009/ 4/14،15 م (1/556)

صفحة 541

السيرة النبوية.

لَقَدْ أَمَرَ اللهُ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا لَهُ وَأُمَّتَهُ أَنْ يَدْعُوا إِلَى الْخَيْرِ، وَأَنْ لَا يَتَوَانَوْا عَنْ ذَلِكَ، فَقَدْ قَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلِ: وَلَتَكُن مِّنكُمْ أُمَةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ

(104

الْمُنكَرِ وَأَوَلَيكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} آل عمران: 104. فَقَدَّمَ الدَّعْوَةَ إِلَى الْخَيْرِ قَبْلَ

أَيِّ عَمَلٍ آخَرَ، وَمِنْهُ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ. وَيَقُولُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ شُعَبَ

الْإِيمَانِ أَعْلَاهَا تَوْحِيدُ الرَّبِّ جَلَّ جَلَالُهُ، وَأَقَلُّهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ».

لأَنَّ وُجُودَ الْأَذَى فِي الطَّرِيقِ يُؤْذِي النَّاسَ أَجْمَعِينَ، وَرُبَّما أَدَّى إِلَى لُحُوقِ الضَّرَرِ بهم، لِذَلِكَ حَنَّ الرَّسُولُ عَلَى إِزَالَتِهِ وَعَدَمِ تَرْكِهِ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ ذَلِكَ الْخَيْرَ هُوَ مِمَّا تَلَقَّاهُ النَّبِيُّ مُحَمَّدٌ عَنْ رَبِّهِ، حَيْثُ يَقُولُ عَزَّ وَجَلَّ: وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي

خيْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّلِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ العصر: 1 - 3 فَالْعَمَلُ الصَّالِحُ هُوَ ذَلِكَ الْعَمَلُ الَّذِي يَكُونُ بَيْنَ الْإِنْسَانِ وَخَالِقِهِ، وَبَيْنَ الْإِنْسَانِ وَأَخِيهِ الْإِنْسَانِ، لِأَنَّ التَّوَاصِي بِالْحَقِّ وَالصَّبْرِ مَعْنَاهُ التَّوَاصِي بِالْخَيْرِ، لِأَنَّهُ يَهْدِفُ إِلَى اسْتِقْرَارِ الْحَيَاةِ، وَاسْتِتْبَابِ الْأَمْنِ. وَمَا هَذَا الْخَيْرُ الْعَمِيمُ الَّذِي كَانَ النَّبِيُّ مُحَمَّدُ يُرِيدُهُ لِلنَّاسِ إِلَّا نَابِعٌ مِنْ مَحَيَّتِهِ

لِلنَّاسِ جَمِيعًا، وَقَدْ تَجَلَّتْ تِلْكَ المُحَبَّةُ فِي أَمْرَيْنِ اثْنَيْنِ:

أَوَّهُمَا:

أوهما: الْأُخُوَّةُ، فَالْأُخُوَّةُ هِيَ ثَمَرَةُ المَحَبَّةِ، لِأَنَّهَا أَعْلَى وَأَسْمَى أَنْوَاعِ الْأُلْفَةِ، وَالرَّسُولُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يَحْرِصُ عَلَى الْأُخُوَّةِ، وَقَدْ آخَى بَيْنَ أَصْحَابِهِ، لِكَيْ يَكُونَ ذَلِكَ سُنَّةٌ مُتَبَعَةٌ، حَتَّى إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ " الْقُرْآنِ" وَكَذَلِكَ النَّبِيُّ مُحَمَّدٌ

557 (1/557)

صفحة 542

السيرة النبوية.

إِذَا أَرَادَا إِثَارَةَ الاِسْتِعْطَافَ الْإِنْسَانِيَّ مِنْ شَخْصٍ مَا فِي قَضِيَّةٍ مَا عَبَرَا بِلَفْظِ الْأُخُوَّةِ، نَظَرًا إِلَى تَأْثِيرِهَا الْكَبِيرِ فِي النُّفُوسِ، وَفِعْلِهَا المُؤَفِّرِ فِي تَلْبِينِ الْقُلُوبِ، وَأَرْيَحِيَّةِ النُّفُوسِ. ثَانِي ذَيْنِكَ الْأَمْرَيْنِ الرَّحْمَةُ، وَسُنَّةُ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ وَسِيرَتُهُ وَشَرِيعَتُهُ كُلُّهَا رَحْمَةٌ، حَيْثُ كَانَ رَحِيمًا بِكُلِّ شَيْءٍ فِي هَذَا الْوُجُودِ، بَلْ إِنَّنَا نَسْتَطِيعُ الْقَوْلَ إِنَّ رِسَالَتَهُ الإِسْلَامِيَّةَ قَائِمَةٌ كُلُّهَا عَلَى الرَّحْمَةِ، وَعِمَادُهَا الرَّحْمَةِ، وَهَذَا وَصَفَهُ اللَّهُ بِهِ حَيْثُ يَقُولُ:

لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَليهِ مَا عَنِتُمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ) التوبة: 128، وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَلَمِينَ) الأنبياء: 107، وَهَذَا نِدَاءٌ عَالَيٌّ لِلْإِنْسَانِيَّةِ جَمْعَاءَ لِكَيْ تَتَّخِذَ مِنَ الرَّحمَةِ وَالتَّرَاحُمِ مَنْهَجًا تَسِيرُ عَلَيْهِ، وَتَتَعَامَلُ بِهِ فِيهَا بَيْنَهَا، وَقَدْ كَانَ مُحَمَّدٌ رَحِيمًا بِكُلِّ شَيْءٍ؛ بِالْإِنْسَانِ، وَالْحَيَوَانِ، وَالْبِيئَةِ.

فَقَدْ كَانَ رَحِيمًا بِالْإِنْسَانِ الرَّجُلِ، حَيْثُ كَانَ يُوَجْهُهُ دَائِمَا إِلَى مَا فِيهِ الْخَيْرُ وَالسَّعَادَةُ وَالرَّاحَةُ وَالهُدُوهُ وَإِلَى كُلِّ شَيْءٍ جَمِيلٍ، وَكَانَ رَحِيمًا بِالْإِنْسَانِ الْمَرْأَةِ، حَيْثُ

كَانَ يَأْمُرُ الرَّجُلَ أَنْ يُعَامِلَ الْمُرْأَةِ بِكُلِّ مَعْرُوفٍ وَإِحْسَانِ.

وَكَانَ رَحِيمًا بِالطَّفْلِ، فَقَدْ كَانَ يُعْطِي الْأَطْفَالَ مِنْ أَوَّلِ الثَّمَارِ، وَكَانَ يُدَاعِبُهُمْ وَيُلاطِفُهُمْ، وَعَلَى الْعُمُومِ فَقَدْ كَانَ رَحِيمًا بِالنَّاسِ كُلِّهِمْ دَاعِيًا هُمْ إِلَى عَدَمِ إِهَلَاكِ

نُفُوسِهِمْ وَعَدَم إِرْهَاقِهَا.

558 (1/558)

صفحة 543

السيرة النبوية.

وَكَانَ رَحِيمًا بِالْحَيَوانِ، وَقِصَّةُ سَفْيِ الْكَلَبِ الَّذِي كَانَ يَلْهَثْ عَطَشًا مَعْرُوفَةٌ، وَكَذَلِكَ تَأْثِيمُ المَرْأَةِ الَّتِي حَبَسَتْ هِرَّتَهَا مِنْ غَيْرِ طَعَامٍ وَلَا مَاءٍ، وَنَهَى صَاحِبَ الْجُمَلِ أَنْ يُحَمِّلَهُ صَاحِبُهُ مَا لَا يُطِيقُ.

كَمَا كَانَ رَحِيمًا بِالْبِيئَةِ حَتَّى لَا تُلَوَّثَ، وَهُنَاكَ أَحْكَامٌ شَرْعِيَّةٌ كَثِيرَةٌ عَلَى ذَلِكَ

وَالْأَدِلَّهُ وَالْأَمْيْلَةُ عَلَى ذَلِكَ كَثِيرَةٌ، وَلَكِنَّ الْمَقَامَ لَا يَسْمَعُ بِإِبْرَادِهَا. ذلِكَ الخيرُ وَتِلْكَ المَحَبَّةُ مِنَ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ هُمَا اللَّتَانِ كَرَّسَنَا الْإِسْلَامَ فِي دُنْيَا النَّاسِ، بدءًا مِنْ الْقَاءِ التَّحِيَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ الَّتِي هِيَ "السَّلَامُ عَلَيْكُمْ"، لِأَنَّ فِي هَذَا الْقَوْلِ عِنْدَ أَوَّلِ اللَّقَاءِ بَيْنَ إِنْسَانٍ وَآخَرَ، مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَمْنَحُهُ إِحْسَاسًا بِالطُّمَأْنِينَةِ وَعَدَمِ الْخَوْفِ، وَالرَّسُولُ مُحَمَّدٌ لا عِنْدَمَا هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ عَمِلَ وَبِشَكْلٍ سَرِيعٍ عَلَى إِقَامَةِ السَّلَامِ بَيْنَ جَميع مُوَاطِني المجتمع المدني مِنْ مُسْلِمِينَ وَيَهُودَ وَغَيْرِهِمْ فِي الصَّحِيفَةِ الَّتِي عُرِفَتْ بِوَثِيقَةِ المَدِينَةِ، وَهِيَ أَوَّلُ دُسْتُورٍ لِلْمُوَاطَنَةِ، وَهَكَذَا أَعْلَى الْإِسْلَامُ مِنْ شَأْنِ السَّلَامِ مُعْتَبِرًا إِيَّاهُ أَسَاسًا لِلْحَيَاةِ. (1/559)

صفحة 544

في المولد النبوي (1/561)

صفحة 545

السيرة النبوية.

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

(1)

الحمد لله نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَهِدِيهِ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضَلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَنَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَنَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَرْسَلَهُ رَحْمَةً لِلْبَشَرِيَّةِ، وَهَادِيًا لِلْإِنْسَانِيَّةِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ صَلَاةٌ وَسَلَامًا دَائِمَيْنِ مَا تَعَاقَبَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ.

السَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ الله وَبَرَكَاتُهُ.

وَأَحْسَنُ مِنْكَ لَمْ تَرَقَطُ عَيْنِي وَأَجْمَلُ مِنْكَ لَمْ تَلِدِ النِّسَاءُ خُلِقْتَ مُبَرَّاً مِنْ كُلِّ عَيْبٍ كَأَنَّكَ قَدْ خُلِقْتَ كَمَا تَشَاءُ سَيْدِي يَا رَسُولَ الله هَذَا مَا وَصَفَكَ بِهِ شَاعِرُكَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيُّ الَّذِي

هُوَ شَاعِرُ الْإِسْلَامِ الْأَوَّلَ، وَهُوَ وَلا رَيْبَ صَادِقٌ كُلَّ الصِّدْقِ، يُحِقٌّ كُلَّ الحَقِّ. إِنَّ مَوْلِدَ مُحَمَّدٍ لَيْسَ مَوْلِدَ بَشَرٍ عَادِيٌّ، إِنَّمَا هُوَ مَوْلِدٌ لِلْبَشَرِيَّةِ وَمَوْلِدٌ لِلْإِنْسَانِيَّةِ. فَهُوَ مَوْلِدٌ لِلْبَشَرِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ جَاءَ وَالْبَشَرِيَّةُ هَائِمَةٌ عَلَى وَجْهِهَا لَا تَدْرِي وُجْهَتَهَا، وَلَيْسَتْ عَارِفَةٌ مَصْدَرِهَا وَمَوْرِدِهَا، وَلَا يَصِيرِهَا، فَقَدْ كَانَتْ مَا بَيْنَ عَابِدِ لِلْحَجَرِ، وَعَابِدِ لِلْبَشَرِ. أَتَيْتَ وَالنَّاسُ فَوْضَى لَا تَمرُّ بِهِمْ إِلَّا عَلَى صَنَمِ قَدْ هَامَ فِي صَنَمِ

1) أُلْقِيَتْ فِي احْتِفَالِ وِزَارَةِ الْأَوْقَافِ وَالشُّؤُونِ الدِّينِيَّةِ لِعَامِ 1429 هـ بِمُنَاسَبَةِ الْمَوْلِدِ النَّبَوِيِّ الشَّرِ

562 (1/562)

صفحة 546

السيرة النبوية.

جَاءَ وَالْبَشَرِيَّةُ تَائِهَةٌ فِي صَحْرَاءِ الْجُهْلِ، وَمَهَامِهِ الخُرَافَةِ، يَعْبُدُ الْإِنْسَانُ مِنْهُمْ مَا

يَصْنَعَهُ بِيَدَيْهِ وَيَأْكُلُهُ، وَيَعْتَقِدُ فِي الْحَجَرِ وَالمُدَرِ وَالشَّجَرِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْأَجْسَامِ

وَالْأَجْرَامِ الخَوَارِقَ وَالنَّفْعَ وَالضَّرَّ.

وَجِئْتَ وَأَرْوَاحُ الْوُجُودِ صَدِيَّةٌ إِلَيْكَ وَرَوْضُ الصَّالِحَاتِ هَشِيمُ

فَانسَتِ الْأَرْوَاحُ مِنْكَ رِوَاءَهَا وَفَاحَ لِحَاتِيكَ الرِّيَاضِ شَمِيمُ إِنَّ الْكَوْنَ بِأَسْرِهِ كَانَ مُصِيحًا مُصْغِبًا لِتِلْكَ الرِّسَالَةِ الَّتِي خَرَجَ فِيهَا مُحَمَّدٌ إِلَى الْوُجُودِ، وَالْوُجُودُ كَانَ يَتَرَقَّبُ ذَلِكَ الحَدَثَ النُّورَانِ، يَتَرَقَّبُ مَوْلِدَ مُحَمَّدٍ لَيْلَةَ

المؤلِدِ الَّتِي هِيَ فِي تِلْكَ اللَّيَالِي الْفَرِيدَةِ الزَّهْرَاءِ. حَقًّا لَا يُمَارَى فِيهِ، فَقَدْ كَانَ مَوْلِدُ مُحَمَّدٍ وَمَا تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مِنْ مَقَامِ النُّبُوَّةِ إِنْقَاذَا لِلْبَشَرِيَّةِ، وَتَصْحِيحًا لِسارِهَا، فَبَعْدَ أَنْ كَانَ ذَلِكُمُ الْعَرَبِيُّ يَتَغَنَّى بِالْعَدَاوَةِ لِأَخِيهِ قَائِلًا: وأحْيَانًا عَلَى بَكْرٍ أَخِينَا إِذا ما لَمْ نَجِدْ إِلَّا أَخَانَا صَارَ يُرَدُّدُ قَوْلَ نَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ

بَعْضًا».

مِصْدَاقًا لِقَوْلِ الْحَقِّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ وَابْنَتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ الله

آل عمران: 103.

563 (1/563)

صفحة 547

السيرة النبوية.

إِنَّ نِعْمَةَ الْإِسْلَامِ عَلَى الْبَشَرِيَّةِ تَتَجَلَّ فِي مَقُولَةِ الصَّحَابِيِّ رِبْعِيِّ بْنِ عَامِرٍ له الَّذِي تَرَبَّى فِي مَدْرَسَةِ مُحَمَّدٍ، عِنْدَمَا قَالَ مُخاطبًا أَحَدَ أَصَنَامِ الْبَشَرِ وَطَوَاغِيتَ الْكُفْرِ: "إِنَّ اللهَ ابْتَعَثَنَا لِنُخْرِجَ مَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادَةِ الْعِبَادِ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ، وَمِنْ جَوْرِ الْأَدْيَانِ إِلَى

عَدْلِ الْإِسْلَام وَمِنْ ضِيقِ الدُّنْيَا إِلَى سَعَةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ".

أَمَّا كَوْنُ مَوْلِدُهُ مَوْلِدًا لِلْإِنْسَانِيَّةِ فَقَدْ تَجَلَّتْ فِيهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَعَانِي الْإِنْسَانِيَّةِ الْكَامِلَةِ، رَحْمَةٌ، وَخُلْقًا، وَتَوَاضُعا، وَرِفقًا، وَوَفَاءَ، وَعَدَالَةٌ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مُفْرَدَاتِ المُمعَانِي الْإِنْسَانِيَّةِ، فَهُوَ رَحْمَةٌ لِلْعَالَمِينَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً للعلمين الأنبياء: 107، وَهُوَ رَحِيمٌ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُوكَ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ

(128

التوبة: 128.

وَهُوَ ذُو الخُلُقِ الْوَاسِعِ الْعَظِيمِ الَّذِي النّاسِ، فَقَدْ أَثْنَى اللَّهُ عَلَيْهِ هَذِهِ الصِّفَةَ الْعَالِيَةَ بِقَوْلِهِ: الله وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (القلم: 4، وَلَا رَيْبَ أَنَّ صَاحِبَ الخُلُقِ الْعَظِيمِ، يُعَامِلُ الْآخَرِينَ بِمُنتَهَى المَعْنَى الْإِنْسَانِ، لِذَلِكَ فَهُوَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَأْمُرُ النَّاسَ بِقَوْلِهِ: وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ، وَكَيْفَ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ، أَلَمْ يَأْمُرُهُ رَبُّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِقَوْلِهِ: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجهلين) الأعراف: 199. (1/564)

صفحة 548

السيرة النبوية.

وَأَمَّا عَنْ بَقِيَّةِ الصِّفَاتِ الحَمِيدَةِ الْعَظِيمَةِ، مِنْ عَدْلٍ وَوَفَاءٍ وَتَوَاضُعِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ. فَقَدْ نَقَلَ عَنْهُ صَحَابَتُهُ الْكِرَامُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمُ الشَّيْءَ الْكَثِيرَ الْكَثِيرَ الَّذِي لَا يَتَّسِعُ

لَهُ هَذَا المقام، وليتحدث الْإِنْسَانَ عَنْ ذَلِكَ وَلَا حَرَج.

سَيْدِي رَسُولَ الله

إِنَّ هَذِهِ الْأَصْوَاتَ الْبَذِيئَةَ، وَالْأَعْمَالَ الشَّائِنَةَ الَّتِي تَظْهَرُ بَيْنَ الْحِينِ وَالْآخَرِ مِنْ زَعَائِفِ الْبَشَرِ تُسِيءُ إِلَيْكَ وَإِلَى أُمَّتِكَ، مَا هِيَ إِلَّا نَفَتَاتُ مَصْدُورٍ، وَكَيْدُ مَسْعُورٍ، المهم الزَّحْفُ الْإِسْلَامِيُّ الَّذِي أَخَذَ يَجْتَاحُ المَعْمُورَةَ شَرْفًا وَغَرْبًا، وَجَنُوبًا وَشَمَالًا، يَرْتَفِعُ فِيهَا نِدَاءُ الحَقِّ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ مُرَدّدًا أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، قَارِنَا اسْمَكَ مَعَ اسْمِ الله جَلَّ جَلالُهُ الَّذِي أَرْسَلَكَ رَحْمَةٌ لِلنَّاسِ، وَحَتَّى أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْذُونَكَ وَيُؤْذُونَ أُمَّتَكَ بِالْإِسْاءَةِ فَأَنْتَ رَحْمَةٌ هُمْ، وَلَكِنْ أَنَّى هُمْ ذَلِكَ، وَقَدْ أَعْمَاهُمُ الحِقْدُ، وَأَصَمَّهُمُ التَّعَصُّبُ القِيتُ.

وَلَكِنْ دَوْلَةُ الْأَغْرَاضِ تُعْمِي وَتُلْقِي فَوْقَ أَعْيُنِهِمْ سحابا لَقَدْ جَحَدُوا ضِيَاءَكَ وَهُوَ سَارٍ يَشُقُّ الْبِدَ أَوْ يَطْوِي الْحِضَابًا كَانَ مِنَ الهُدَى فِيهِ وَمِنْ وَضَحَ الْيَقِينِ بِهِ شِهَابًا وَمَنْ تَكُن المارِبُ ضَلَّلَتْهُ يَجِدْ فِي الحَقِّ زَيْضًا وَاضْطِرَابَا (1/565)

صفحة 549

السيرة النبوية.

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

(1)

الحَمْدُ لله، وَنُصَلِّي وَنُسَلِّمُ عَلَى خَيْرِ الْبَرِيَّةِ، وَمُنْقِذِ الْبَشَرِيَّةِ، سَيِّدِنَا وَحَبِينَا

وَشَفِيعِنَا مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنْ وَالَاهُ، وَعَلَى كُلِّ مَنْ سَارَ عَلَى دَرْبِهِ، وَتَهَجَ نَهْجَهُ وَاتَّبَعَ هُدَاهَ. لَيْلَةُ المولِدِ الَّتِي هِيَ فِي سلْكِ اللَّيَالِي الْفَرِيدَةُ الزَّهْرَاء فدها الكفر قاصمة الظهر والفت ظهيرها الحنفاء فَاهَاءَ الهَاءَ يَا مِلَّةَ الله بِمُخْتَارِه الهاء الهناء

أَصْحَابَ السَّعَادَةِ، أَصْحَابَ الْفَضِيلَةِ، أَيُّهَا الْأُخْرَةُ وَالْأَخَوَاتُ، أَيُّهَا الحفل

الْكَرِيمُ، السَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، أَمَّا بَعْدَ فَإِنَّ مِيلَادَ سَيِّدِ الْوُجُودِ، رَسُولِ المَعْبُودِ مُحَمَّدٍ لَمْ يَكُنْ مِيلَادَ شَخْصِ عَادِي، يُولَدُ فَيَحْيَا فَيَمُوتُ، وَإِنَّما هُوَ مِيلَادُ أُمَّةٍ، وَمِيلَادُ حَضَارَةٍ.

ميلاد أُمَّةٍ، لأنَّ الأُمَّةَ الَّتِي عُرِفَتْ فِيمَا بَعْدُ بِالْأُمَّةِ الْإِسْلَامِيةِ، قَدْ وُلِدَتْ وَتَكَوَّنَتْ

بِمَوْلِدِهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ أَرَادَ لَهَا بِهَذَا الدِّينِ الَّذِي جَاءَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ

به

1 ألقيت في احتفال وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بمناسبة المولد النبوي الشريف لعام 1430 هـ (1/566)

صفحة 550

السيرة النبوية.

وَالسَّلَامُ أَنْ تَكُونَ قَائِدَةً وَرَاءِدَةً وَمُوَجَّهَةٌ وَمُرْشِدَةَ لِلْأُمَمِ وَالشُّعُوبِ، كَيْفَ لَا يَكُونُ ذَلِكَ؟ وَاللهُ تَعَالَى نَاطَ عَلَيْهَا مَسْؤُولِيَّةُ الشُّهُودِ الحَضَارِي الله وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً

وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ التي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا

143

عَلَى الَّذِينَ هَدَى الله وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَنتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ) البقرة: 143، فَالشُّهُودُ الْحَضَارِيُّ مَعْنَاهُ التَّوْجِيهِ وَالْإِرْشَادُ وَالْقِيَادَةُ الْعَامَّةُ لِلْبَشَرِيَّةِ إِلَى مَا فِيهِ خَيْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ عَلَى أُسُسٍ رَبَّانِيَّةِ، صَحِيحَةِ الْمُصْدَرِ، سَلِيمَةِ الْمُوْرِدِ، وَلِذَلِكَ اسْتَحَقَّتْ هَذِهِ الْأُمَّةُ ذَلِكُمُ الْوَصْفَ الرَّبَّانِيِّ الْعَظِيمِ، الَّذِي هُوَ عَجَدٌ وَشَرَفٌ لَهَا إِلَى أَنْ يَرِثَ اللَّهُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا، فَقَدْ وَصَفَهَا رَبُّ الْعِزَّةِ وَالْجَلَالِ بِقَوْلِهِ: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَن أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَسِقُونَ آل عمران: 110.

110

إِنَّ هَذَا الْوَصْفَ الْعَظِيمَ بِالْخَيْرِ وَالْخَيْرِيَّةِ لَا يَتَحَقَّقُ لَهَا وَمِنْهَا إِلَّا بِالْإِيمَانِ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَبِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنِ المُنكَرِ، وَهِيَ مَسْؤُولِيَّةٌ قِيَادِيَّةٌ، وَعَلَى الْأُمَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ الْقِيَامَ بِهَا خَيْرَ قِيَامٍ، وَالمَفهُومُ المُخَالِفُ لِذَلِكَ مَعْنَاهُ التَّفْرِيطُ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَنْ تَصِيرَ هَذِهِ الْأُمَّةُ هِيَ المُقُودَةُ بَدَلًا مِنْ أَنْ تَكُونَ قَائِدَةٌ، وَأَنْ تَصِيرَ فِي مُؤَخَّرَةِ الرَّكْبِ بَيْنَ الْأُمَمِ بَدَلًا مِنْ أَنْ تَكُونَ فِي الْمُقَدِّمَةِ كَمَا أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى لَهَا، وَهَذَا مَعَ الْأَسَفِ

567 (1/567)

صفحة 551

السيرة النبوية.

هُوَ وَاقِعُها المعيش، وَمَا مَعْرَكَةٌ غَزَّةَ وَتَدَاعِيَاتُهَا عَنَّا بِبَعِيدَةِ، وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ هُوَ أَنَّهَا تَرَكَتِ الْخِيَارَ الرَّبَّانِيَّ لَهَا الَّذِي أَمَرَهَا اللَّهُ بِهِ فِي قَوْلِهِ وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخيرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَيكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (آل عمران: 104، وَكَلِمَةُ "مِنْ" في الْآيَةِ هِيَ لِلْبَيَانِ وَلَيْسَتْ لِلتَّبعيض، بِمَعْنَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَمَرَ المُسْلِمِينَ جَمِيعًا بِمُقْتَضَى الْآيَةِ مُبيِّنًا لَهُمْ ذَلِكَ، وَلَيْسَ أَمْرُهُ لِبَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ، فَلَا

اختيارَ لِلْأُمَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ لِلْهُرُوبِ مِنْ هَذَا التَّكْلِيفِ الْإِلهَيِّ الشَّرِيفِ.

أَمَّا كَوْنُ مَوْلِدِهِ هُوَ مَوْلِدُ حَضَارَةِ، فَإِنَّ الحَضَارَةَ الْإِسْلَامِيَّةَ، بِمَعَانِيهَا الْإِنْسَانِيَّةِ الْوَاسِعَةِ، وَمُفْرَدَاتِهَا الْمَادِيَّةِ الْكَبِيرَةِ، فَقَدْ وُجِدَتْ وَتَكَوَّنَتْ أَيْضًا بِمَوْلِدِهِ الشَّرِيفِ المُبَارَكِ، لأنها رَبَّانِيَّةُ المُصْدَرِ، أَسَاسُهَا الْقُرْآنُ الْعَظِيمِ الَّذِي هُوَ كَلَامُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَأَرْدَفَهُ بِالْوَحْيِ الْخَفِيُّ المُتَمَثْلِ فِي السُّنَّةِ الشَّرِيفَةِ المُطَهَّرَةِ.

وَلِكَوْنِ الحَضَارَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ رَبَّانِيَّةَ المُصْدَرِ، فَإِنَّ اللَّينَةَ الْأُولَى فِي بِنَائِهَا هِيَ الْإِيمَانُ بِالله خَالِقِ الْوُجُودِ وَمُصَرِّفِ الْكَوْنِ بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا

يَقُولُ لَهُ كُن فيكون (3) البقرة: 117.

117

568 (1/568)

صفحة 552

السيرة النبوية

ذَلِكَ الْإِيمَانُ الْقَائِمُ عَلَى جُمْلَةِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله) قَوْلًا وَعَمَلًا وَاعْتِقَادًا، فَحَرَّرَتِ الْإِنْسَانَ مِنَ الْعِبَادَةِ وَالْعُبُودِيَّةِ لِلْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ إِلَى الْعِبَادَةِ

وَالْعُبُودِيَّةِ الله وَحْدَهُ، فَهُوَ الْمَعْبُودُ بِحَقِّ لَا سِوَاهُ.

فَلِذَلِكَ سَعِدَتِ الدُّنْيَا، وَازْدَهَرَتِ الْحَيَاةُ، وَاسْتَنَارَ الْوُجُودُ، وَاسْتَحَقَّتْ هَذِهِ

الأمة مسؤولية الشُّهُودِ الْحَضَارِيِّ بَيْنَ الْأُمَمِ، وَصَارَتْ حَضَارَتُهَا وَاسِطَةَ الْعِقْدِ بَيْنَ

الْحَضَارَاتِ:

هَلْ كَانَ دِينُ ابْنِ عَدْنَانَ سِوَى فَلَق

شَقَّ الْوُجودَ وَلَيْلُ الجهلِ يَغْشَاءُ

سل الخضر

ــارَةَ مَاضِـ

يَهَا وَحاضِرَهَـ

هَلْ كَان يَتَّصِلُ الْعَهْدَانِ لَوْلَاهُ

مي الحنيف ـدعـ

فكل

سَيِّدِي رَسُولَ الله:

ين الله تَكْلَؤُهَـ

ما حَا وَلُوا تَشْ ويهها شاهوا

لوِ اتَّبَعَتِ الْبَشَرِيَّةُ مَنْهَجَكَ، وَسَارَتْ عَلَى هَدْيِكَ لَمَا حَصَلَ لَهَا مَا حَصَلَ مِنْ أَزْمَاتٍ وَنَكَبَاتٍ، وَمَا الْأَزْمَةُ الاِقْتِصَادِيَّةُ الخَائِقَةُ الَّتِي يَشْهَدُهَا الْعَالَمُ حَالِيًّا إِلَّا وَاحِدَةٌ مِنْ سِلْسِلَةِ تِلْكَ الْأَزْمَاتِ وَالنَّكَبَاتِ وَلَوْ أَنَّ الْبَشَرِيَّةَ فَهِمَتْ مَعْنَى مَا أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكَ (1/569)

صفحة 553

السيرة النبوية.

>>

لَمَا وَقَعَتْ فِي هَذِهِ الهُوَّةِ السَّحِيقَةِ فِي السَّيَاسَةِ الاِقْتِصَادِيَّةِ، وَلَوْ فَهِمَتْ وَاتَّبَعَتْ قَوْلَكَ) الخلالُ بَيْن وَالخَرَامُ بَيْنٌ، وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ لَمَا وَقَعَتْ فِيمَا وَقَعَتْ فِيهِ مِنْ أَزَمَاتٍ فِي أَرْزَاقِهَا

وَأَقْوَاتِهَا.

وَلَكِنِ الْبَشَرِيَّةُ لَمْ تَعُدْ تَسْمَعُ هَاتَيْنِ الْكَلِمَتَيْنِ اللُّتَيْنِ هُمَا الرُّكْنَانِ الْعَظِيمَانِ، وَالْقِسْمَانِ الْكَبِيرَانِ لِلْمَالِ وَالاِقْتِصَادِ، وَهُمَا الحَلَالُ وَالحَرَامُ، وَلَمْ تَعْدًا مُتَدَاوِلَتَيْنِ سِوَى في فِئَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنَ النَّاسِ، وَلِذَلِكَ كَانَتِ الْأَزْمَةُ المالِيَّةُ الْكَبِيرَةُ الَّتِي كَانَ سَبَبُهَا الْجَشَعَ وَرَدَاءَةَ الْأَخْلَاقِ، وَغَيَابَ الضَّمَائِرِ السَّلِيمَةِ، حَتَّى أَصْبَحَ عَدَمُ الثَّقَةِ هُوَ سَيِّدُ الْمُوْقِفِ بَيْنَ الْبَائِعِ وَالمُشْتَرِي، بَلْ بَيْنَ كُلِّ مُتَعَامِلَيْنِ، وَحَتَّى أَصْبَحَ الْوَضْعُ الاِقْتِصَادِيُّ الْعَالِي دَائِرًا وَمُتَرَدِّدًا بَيْنَ أَزْمَةِ أَخْلَاقٍ وَأَزْمَةِ ثِقَةٍ، وَرَحِمَ اللهُ أَبَا مُسْلِمٍ عِنْدَما قَالَ مُنْذُ حَوَالَيْ

مائة عام:

وَلَيْتَهُمُ إِذْ عَطَّلُ ـوا الدِّينَ سَ

فَأَيُّ عَمَارٍ قَامَ وَالظُّلْ ثم أشـ

ايَرُوا

طبيق

ـةَ تَكْـ ـوِينِ الْعَمَارِ وَتَابَعُوا

وَتِلْ

ـكَ دِيَارُ الظَّ المينَ بَلَاقِعُ (1/570)

صفحة 554

السيرة النبوية.

وَلَيْتَ بَنِي الْإِسْلَامِ قَرَّتْ صِفَاتُهُمْ

مَا زَعْزَعَتْهَا لِلْغُـ رُورِ الزَّعَازِعُ

فَمَا

وَلَيْتَهُم سَاسُ تَهُمْ سَاسُوا بِنُ

الكَهُمْ إِذْ بَاغَتَتْهَـ

محمد

الْقَوَاطِ

571 (1/571)

صفحة 555

السيرة النبوية.

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

(1)

الحَمْدُ لله، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدَنا مُحَمَّدِ رَسُولِ اللهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ

وَعَلَى كُلِّ مَنْ سَارَ عَلَى نَهْجِهِ وَهُدَاهُ.

السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ:

بَيْنَ الْحَظِيمِ وَبَيْنَ الْحِلْ وَالْحَرَمِ تَبَلَّجَ النُّورُ يَجْلُو حَالِكَ الظُّلَمِ وَأَصْبَحَ الْكَوْنُ مَنْهُوا بِطَلْعَتِهِ يَا طَالِعَ الْيُمْنِ وَاكِبْ طَالِعَ الْكَرَمِ إِنَّ مَوْلِدَ سَيّدِ الْبَشَرِيَّةِ، وَخَيْرِ الْبَرِيَّةِ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ، وَرَسُولِ الْهِدَايَةِ، لَيْسَ حَدَنَا عَابِرًا، وَإِنَّمَا هُوَ حَدَثُ بِحَجْمِ الْكَوْنِ الْعَظِيمِ، مِنْ تَجَرَّاتِهِ إِلَى ذَرَّاتِهِ، لِأَنَّهُ رَحْمَةٌ لِلْعَالَمِينَ

، أي إلى جَمِيعِ الْعَوَالِمِ الَّتِي يَتَكَوَّنُ مِنْهَا هَذَا الْكَوْنُ الْفَسِيحُ، فَقَدْ شَمِلَتْ رَحْمَتُهُ الْإِنْسِ وَالحِنِّ وَالشَّجَرِ وَالدَّوَاب وَالْجَمَادِ وَالنَّبَاتِ، لِيَكُونَ الْوُجُودُ كُلُّهُ مَنْظُومَةً وَاحِدَةً تَتَفَاعَلَ فِيمَا بَيْنَهَا أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ

وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَاتُ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرُ حَقٌّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن تُكْرِي إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ) الحج: 18، فَطَالَما أَنَّ هَذِهِ الْكَائِنَاتِ تَتَفَاعَلَ فِي السُّجُودِ الله والمخضُوع لَهُ جَلَّ جَلالُهُ، إِذَنْ فَهِيَ مَشْمُولةٌ

بالرَّحمَةِ المُحَمَّدِيَّة.

1) ألقيت في احتفال الوزارة بمناسبة المولد النبوي الشريف لعام 1432 هـ

572 (1/572)

صفحة 556

السيرة النبوية.

عَلَى أَنَّ الْإِنْسَانَ هُوَ الْمُسْتَفِيدُ الْأَوَّلُ مِنَ النُّبُوَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ، لِأَنَّهُ جُوَرُ هَذَا الْكَوْنِ، خَلِيفَةُ الله فِيهِ، هَذَا فَهُوَ يَتَوَجَّهُ إِلَيْهِ الْخِطَابُ الرَّبَّانِيُّ، وَالتَّكْلِيفُ الشَّرْعِيُّ مِنْهُ مِنْ

خِلَالِ إِرْسَالِ الرُّسُلِ، وَإِنْزَالِ الْكُتُبِ وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُون الذاريات: 56، وَهَذِهِ الْعِبَادَةُ لَا تُعْرَفُ إِلَّا مِنْ طَرِيقِ الرُّسُلِ، وَقِرَاءَةِ الْكُتُبِ

ثُمَّ مِنَ الْجَائِزِ بَعْثُ الرُّسُلِ يَهْدُونَنَا إِلَى الصِّرَاطِ الْأَعْدَلِ

بِهِمْ جَمِيعًا يَجِبُ الْإِيمَانُ وَبِالَّذِي أَنْزَلَهُ الرَّحْمَانُ

وَصَدَقَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ إِذْ يَقُولُ فِي شَأْنِ نَبِيِّنَا وَسَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ال هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي

الأمينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ وَايَيْهِ، وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن

قبْلُ لَفِي ضَلَلٍ مُّبِينِ) الجمعة: 2.

إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ الشَّرِيفَةَ تُبيِّنُ لَنَا مَعَالِمُ الرِّسَالَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ عَلَى صَاحِبِهَا أَفْضَلُ الصَّلَاةُ وَالتَسْلِيمُ، وَهَذِهِ الْمُعَالِمِ هِيَ: تِلَاوَةُ آيَاتِ اللهِ، وَتَزْكِيَةُ الْمُؤْمِنِينَ، وَتَعْلِيمُ

الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ.

أَيُّهَا الحَفْلُ الْكَرِيمُ

دَعُونَا نَقِفْ مَعَ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ لِنَتَعَرَّفَ مِنْهَا عَلَى مَعَالم الرَّسَالَةِ المُحَمَّدِيَّةِ تَعْلِيلًا وَتَحْلِيلًا وَتَلَمُسًا لِلْحِكْمَةِ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَلَنَبْدَأُ مِنْ آخِرِ الْآيَةِ، فَإِنَّ آخِرَهَا يُشِيرُ إِلَى الحَالِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ الْعَرَبُ قَبْلَ الْبِعْتَةِ النَّبَوِيَّةِ، وَفِي الحَقِيقَةِ إِنَّ ذَلِكَ كَانَ حَالَ جَميعِ الأُمَمِ، بَلْ أُولَئِكَ الْأُمَمُ كَانُوا أَسْوَاً حَالًا مِنَ الْعَرَبِ، لَكِنَّ الْعَرَب حُضُوا

573 (1/573)

صفحة 557

السيرة النبوية.

بالذِّكْرِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، لِأَنَّ فِيهِمُ النُّبُوَّةَ وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقربين من الشعراء: 214، وَقَدْ كَانُوا فِي الضَّلَالِ المُبينِ، وَمَعْنَاهُ الاِنْحِرَافُ الْوَاضِحُ فِي الْعَقِيدَةِ وَالْعِبَادَاتِ الْأَمْرُ

الَّذِي أَوْقَعَهُمْ فِي الشَّرَكِ

وَأَعْظَمُ مَا ابْتُلُوا بِهِ عِبَادَةُ الْأَصْنَامِ وَالْأَوْثَانِ، فَقَدْ عَبْدُوهَا وَقَالُوا أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ الله لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَذِبُ كفار) الزمر: 3، لأَنَّهُمْ خَفَتَ فِيهِمْ نُورُ النُّبُوَّةِ الْإِبْرَاهِيمِيَّةِ، بِمُرُورِ الْأَزْمَانِ، مَا اسْتَطَاعُوا عَبْرَ أَجْيَاهِمُ المُتَعَاقِبَةِ أَنْ يُقَاوِمُوا الْإِغْرَاآتِ الشِّرْكِيَّةَ الَّتِي كَانَتْ تَفِدُ إِلَيْهِمْ، أَوْ كَانُوا يَجْلِبُونَها مِنَ الْأَقْطَارِ المَحِيطَةِ بهِمْ، وَإِنَّما بَقِيَ لَدِيهِمْ مِنْ دِينِ أَبِينَا إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَعْمَالُ الْحَجّ وَالسُّلُوكِ الاِجْتِمَاعِيِّ الْحَمِيدِ، وَقَدْ تَمَسَّكُوا بذَلِكَ أَشَدَّ النَّمُسكِ، وَإِنْ شَابَ أَعْمَالَ الحَج بَعْضُ التَّحْرِيفِ، وَلِكَوْنِهِمْ كَانُوا عَلَى

انْحِرَافِ فِي الْعَقِيدَةِ وَالْعِبَادَةِ، فَقَدْ وَصَفَهُمُ اللَّهُ بِأَنَّهُمْ كَانُوا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ. بَيْدَ أَنَّ الشُّعُوبِينَ اتَّخَذُوا مِنْ ذَلِكَ الْوَصْفِ بِالضَّلَالِ فِي الْآيَةِ مُتَكَاً لِوَصْفِ الْعَرَبِ بِالْوَحْشِيَّةِ وَالْهُمَجِيَّةِ، وَجَاءَ بَعْدَهُمُ الْمُسْتَشْرِقُونَ فَحَمَلُوا رَايَةَ الإِسْتِنْقَاصِ مِنَ الْعَرَبِ هَمْرًا وَلمزا، بَلْ وَتَصْرِيحا، لِيُدَلِّلُوا عَلَى أَنَّ الْعَرَبَ لَيْسُوا أَهْلًا حَمْلٍ رِسَالَةٍ دِينَيَّةٍ

عَالَمِيَّةٍ وَحَضَارِيَّة.

574 (1/574)

صفحة 558

السيرة النبوية.

وَمِنَ المُعْلُومِ أَنَّ الْعَرَبَ كَانُوا أَهْلَ صِدْقٍ وَوَفَاءِ، وَكَرَمٍ وَمَعْرُوفٍ، وَنَجْدَةٍ لِلضَّعِيفِ، وَإِغَاثَةٍ لِلْمَلْهُوفِ، وَإِعَانَةٍ لِلْمُحْتَاجِ، وَنُصْرَةِ لِلْمَظْلُومِ، وَحِمَايَةٍ لِلْجَارِ، وَفَكًا لِلْأَسِيرِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَعَانِي السُّلُوكِيَّةِ السَّامِيةِ الَّتِي مَا كَانَتْ تُوجَدُ مَعَ غَيْرِهِمْ مِنَ الْأُمَمِ بِالصُّورَةِ الَّتِي وُجِدَتْ عِنْدَهُمْ، وَلَوْ كَانُوا بِتِلْكَ الْوَحْشِيَّةِ وَالْهُمَجِيَّةِ لَمَا وَضَعَ اللهُ فِيهِمُ النُّبُوَّةَ وَلَما حَمَلُوا رِسَالَةَ الْإِسْلَامِ بِذَلِكَ السُّلُوكِ الْحَضَارِيِّ، وَإِذَا جَاءَتْهُمْ عَايَةٌ قَالُوا لَن نُّؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارُ عِندَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا

(124

يَمْكُرُونَ) الأنعام: 124. وَلَا شَكٍّ أَنَّ الْإِسْلَامَ بِنَبِيِّهِ وَقُرْآنِهِ كَانَ لَهُ الْفَضْلُ عَلَيْهِمْ فِي تَصْحِيحٍ عَقِيدَتِهِمْ وَتَقْوِيمٍ عِبادَتِهِمْ وَتَوْحِيدِهِمْ، وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِنهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ وَايَتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ

103

آل عمران: 103 أَيُّها الحفل الْكَرِيمُ

بعد الله مُحَمَّدًا الله لِيُصَحْحَ ذَلِكَ الإِنْحِرَافَ فِي الْعَقِيدَةِ وَالْعِبَادَةِ، وَلِيَنتشِل النَّاسَ مِنَ الضَّلَالِ وَالشِّرْكِ فِي إِطَارِ المُعَالِمِ الثَّلَاثَةِ لِلرِّسَالَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ المُذْكُورَةِ فِي الْآيَةِ

الْكَرِيمَةِ أَلَا وَهِيَ:

575 (1/575)

صفحة 559

السيرة النبوية.

تَلَاوَةُ آيَاتِ الله، وَتَزْكِيَةُ النُّفُوسِ، وَتَعْلِيمُ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ:

أَولا: _ تِلَاوَةُ آيَاتِ الله، فَهُوَ لا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِ الله المُتَمَثَّلَةِ فِي دَلَائِلِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي هَذَا الْوُجُودِ الْعَجِيبِ، وَالْخَلْقِ الْعَظِيمِ، وَالْكَوْنِ الْفَسِيحِ الَّذِي كُلُّ ذَرَّةٍ فِيهِ نَاطِقَةٌ بِعَظَمَةِ اللَّه وَقُدْرَتِهِ وَمَلَكُوتِهِ، وَجَبَرُوتِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى جَلَّ جَلالُهُ، يَتْلُو عَلَيْهِمْ تِلْكَ المَشَاهِدَ الصَّامِئَةَ مُسْتَنْطِقَا الْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةَ الدَّالَّة عَلَى تِلْكَ المُشَاهِدِ وَالْأَحَوالِ.

ثانيا: تَزْكِيَةُ النُّفُوسِ، فَهُوَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَعْمَلُ عَلَى تَزْكِيَةِ نُفُوسِ _ المُؤْمِنِينَ، بِتَطْهِيرِ نُفُوسِهِمْ وَقُلُوبِهِمْ وَعُقُوهِمْ مِنْ دَنَسِ الشِّرْكِ وَالْأَثَامِ، وَخُبْثِ الاعْتِقَادِ، وَحَبائِثِ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ، وَيَحْمِلُهُمْ عَلَى فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ وَتَهْذِيبِ النُّفُوسِ، وَتَكْمِيلِهَا بِالْقُوَّةِ الْعَمَلِيَّةِ وَالْقُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ. إِنَّ تَزْكِيَةَ النُّفُوسِ مِنْ أَدْرَانِ الشِّرْكِ وَالْخَبَائِثِ أَمْرٌ لَيْسَ بِالْبَسِيرِ، فَهُوَ يَتَطَلَّبُ دَلَائِلَ مِنْ كِتَابَ اللهِ النَّاطِقِ وَالصَّامِتِ، لِكَيْ تَزْكُوَ النُّفُوسُ وَتَسَمُوَ وَتُقْبِلَ عَلَى عَمَلِ الْإِيجَابِيَّاتِ وَتَرْكِ السَّلْبِيَّاتِ فِي الْحَيَاةِ، وَعَمَلِ الْوَاجِبَاتِ وَتَرْكِ الْمُنْهِيَّاتِ فِي

الدين.

ثالثًا: _ تَعْلِيمُ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ، فَهُوَ يُعَلِّمُهُمُ الْقُرْآنَ الَّذِي أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَيْهِ منجما وَمُفَرَّقًا، بِحَسَبِ الظُّرُوفِ وَالْأَحْوَالِ، تَدْرِيبًا بِتَطْبِيقِ أَحْكَامِهِ، وَتَثْبِيتًا لَهُ في مُوَاجَهَةِ الْكُفَّارِ وَعِنَادِهِمْ وَإِصْرَارِهِمْ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِلَ عَلَيْهِ

576 (1/576)

صفحة 560

السيرة النبوية.

الْقُرْء ان جملةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَلْتَهُ تَرْتِيلًا وَلَا يَأْتُونَكَ

32

بِمَثَلٍ إِلَّا جِثْنَكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفسِيراً):الفرقان: 32 - 33، وَتَعْلِيمِهِ الْكِتَابَ

هُمْ هُوَ إِقْرَاءٌ وَإِمْعَانُ نَظَرِ لِكَيْ يَفْتَرِنَ الْعِلْمُ بِالْعَمَلِ، وَالنَّظَرُ بِالتَّطبِيقِ. كَمَا أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يُعَلِّمُهُمُ الحِكْمَةَ الَّتِي هِيَ السُّنَّةُ وَمَعَانِي الْقُرْآنِ وَالشَّرِيعَةِ، وَدَلَائِلُ النُّبُوَّةِ، وَكُلُّ أَعْمَالِ الخَيْرِ وَالْبرِّ وَالمَعْرُوفِ وَالمُعَامَلَةُ الحَسَنَةُ لِتَحْقِيقِ الْإِصِابَةِ فِي الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ، وَكُلُّ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ الْمُعَبْرَةِ تَتَفَرَّعُ جَمِيعًا مِنْ دَائِرَةِ الْحِكْمَةِ الْوَارِدَةِ فِي الْآيَةِ.

إِنَّ هَذِهِ المُرَاحِلَ الثَّلَاثَةَ فِي طَرِيقِ الدَّعْوَةِ المُحَمَّدِيَّةِ، تِلاوَةُ الْآيَاتِ، وَالتَّزْكِيَةُ، وَتَعْلِيمُ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ، شَكَلَتْ مُتَلَازِمَةٌ صِحَّيَّةٌ مِنَ الْإِيمَانِ وَالْقَوْلِ وَالْعَمَلِ انْبَنَى عَلَيْهَا الحَرَمُ الْإِسْلَامِيُّ الْكَبِيرُ، الَّذِي قَاعِدَتُهُ المُجْتَمَعُ الْإِسْلَامِيُّ الْفَاضِلُ، وَرَأْسُهُ الدَّوْلَةُ الإِسْلَامِيَّةُ الْعَادِلَةُ، وَمِنْهُما تَكَوَّنَتِ المَدِينَةُ الْفَاضِلَةُ الَّتِي خَرَجَتْ مِنْهَا الْمُدِنيَةُ الرَّاقِيَةُ، لِذَلِكَ كَانَ الْإِسْلَامُ دِينًا مُتَكَامِلًا فِي عَقِيدَتِهِ وَشَرِيعَتِهِ وَنِظَامِهِ السَّيَاسِي، أَكْمَلَهُ اللهُ تَعَالَى بِوَفَاةِ نَبِيَّهِ مُحَمَّدٍ، وَصَدَقَ اللهُ حَيْثُ يَقُولُ: الْيَوْمَ يَبِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَونِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِلإِثْمِ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ المائدة: 3، وَعَاشَتِ الْبَشَرِيَّةُ فِي ظِلالِ تَطْبِيقِهِ في أَمْنِ وَأَمَانِ، وَسَلَامِ وَاطْمِثْنَانِ. (1/577)

صفحة 561

السيرة النبوية.

ظَلَمُوا شَريعَتَكَ التي نِلْنَا بِهَ

ما لَمْ تَنَلُ في رُوم ـلْ فِي رُومَةَ الْفُقَهَ

ــتِ. ـتِ الحَضَارَةُ فِي سَنَاهَا وَاهْتَى

ساء

وَالدُّنْيَا ا السُّـ

سعداء

في الدين والـ ا

صَلَّى عَلَيْكَ اللهُ مَا صَحِبَ الدُّجَى

ـادٍ وَحَنَّتْ بِالْفَلَا وَجْنَ

ــــــادٍ

ساء

578 (1/578)

صفحة 562

السيرة النبوية. الْمَوْلِدُ النَّبَوِيُّ".

(1)

وأَبْيَضُ يُسْتَسْقَى الْعَمَامُ بِوَجْهِهِ يْمَالُ الْيَتَامَى عِصْمَة لِلأَرَامِلِ يَلُوذُ بِهِ الْهَلَاكُ مِنْ آلِ هَاشِمٍ فَهُمْ عِنْدَهُ فِي رَحْمَةٍ وَفَوَاضِلِ أَيُّهَا الحفل الْكَرِيمُ مِنْ يُحِبّي الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

لَقَدْ شَاءَتْ إِرَادَةُ الله عَزَّ وَجَلَّ، وَتَجَلَّتْ حِكْمَتُهُ أَنْ يَخْلُقَ الخَلْقَ مِنَ الْبَشَرِ فِي هَذَا الْوُجُودِ، وَذَلِكَ لِكَيْ يُعَمِّرَ بِهِمْ هَذَا الْكَوْكَبَ مِنَ الْكَوْنِ الَّذِي هُوَ هَذِهِ الْأَرْضُ، وَرَكَّبَ فِيهِمْ حُبِّ التَّنَافُسِ، وَغَرِيزَةَ المُشاحَةِ عَلَى عِمَارَتِهَا، وَرَكَّبَ فِيهِمُ المَيْلَ إِلَى الشَّرُ.

وَالنُّزُوعَ إِلَى الظُّلْمِ.

والظُّلْمُ مِنْ شِيمِ النُّفُوسِ فَإِنْ تَجِدْ ذَا عِنْةٍ فَلَعَلَّهُ لَا يُظْلَمُ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ أَرْسَلَ اللهُ الرُّسُلَ، وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكُتُبَ بِالْحَقِّ لِكَيْ يَهْتَدِي الْخَلْقُ

إلَى عِبَادَةِ الله، وَلِيَقُومُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ بِالْعَدْلِ، لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَب وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ، فَكَانَتِ الرُّسُلُ تَتْرَا وَاحِدًا تِلْوَ الآخر، وهُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتَرَاكُلَّ مَا جَاءَ أَمَةً رَسُولُنَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعَنَا بَعْضَهُم بَعْضًا.

1) ألقيت في احتفال الوزارة بمناسبة المولد النبوي الشريف لعام 1434 هـ

579 (1/579)

صفحة 563

السيرة النبوية.

وَمَا ذَلِكَ إِلَّا لِهدَايَةِ النَّاسِ، وَحَمْلِهِمْ عَلَى الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ؛ لِكَيْ تَسِيرَ حَيَاةُ الْبَشَرِ فِي دُنْيَاهُمْ عَلَى طَرِيقِ الخير وَالسَّعَادَةِ السَّعَادَةِ الْمُبْدَنِيَّةِ في الدُّنْيَا، وَالسَّعَادَةِ الْأَبَدِيَّةِ في

الْآخِرَةِ.

فَمَا مِنْ نَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَلَا رَسُولٍ مِنَ الرُّسُلِ إِلَّا قَالَ لِقَوْمِهِ: اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهِ غَيْرَهُ، وَمَا كَانَ مِنْ أُولَيْكُمُ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ الْكِرَامِ أَصْحَابِ الرِّسَالَاتِ الْكُبْرَى وَغَيْرِهِمْ إِلَّا أَنْ بَلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَبَدَّلُوا الْغَالِي وَالنَّفِيسَ فِي سَبِيلِ هِدَايَةِ قَوْمِهِمْ؛ لِكَيْ يَسْلُكُوا سُبُلَ الهِدَايَةِ وَالْفَلَاح ضَحَوْا مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ أَجَلَّ النَّضْحِيَاتِ وَأَسْمَاهَا، كَيْفَ لَا وَهُمُ الَّذِينَ اصْطَفَاهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْبَشَرِ، وَانْتَدَبَّهُمْ هذه المهمَّة العَظِيمَةِ السَّامِيةِ الشَّرِيفَةِ، فَحَرِيٌّ بهِمْ وَحَقِيقٌ عَلَيْهِمُ الْقِيَامُ بِتِلْكَ الهِمَّة الْعَظِيمَةِ خَيْرَ قِيَامٍ، عَلَى أَنَّ أَصْحَابَ الرِّسَالَاتِ الدِّينِيَّةِ الْكُبْرَى كَانَ لَهُمُ النَّصِيبُ الْأَوْفَرُ وَالحَظِّ الْأَكْبَرُ مِنَ الْمُعَانَاةِ وَالْمُقَاسَاتِ مِنْ أَقْوَامِهِمْ، لِذَلِكَ اسْتَحَقُوا بِجَدَارَةِ

وَاسْتِحْقَاقٍ وَصْفَهُمْ بِأَنَّهُمْ أُولُو الْعَزْمِ.

أُولُو الْعَزْمِ نُوحٌ وَالخَلِيلُ كِلَاهُمَا وَمُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّ مُحَمَّدُ

عَلَى أَنَّ الحِكْمَةَ مِنْ إِرْسَالِ الله الرُّسُلَ وَالْأَنْبِيَاءَ تَثْرَى وَاحِدًا بَعْدَ الْآخَرِ؛ هِيَ تَجْدِيدُ نُورِ النُّبُوَّةِ الَّذِي لَا يَلْبَتُ أَنْ يَنَالَهُ الخفُوتُ وَالْبُهُوتُ بَعْدَ الْوَهَجِ وَالضّياءِ.

580 (1/580)

صفحة 564

السيرة النبوية.

لَقَدْ كَانَ الْعَرَبُ عَلَى دِينِ أبِيهِمْ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ الرَّحْمَنِ عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَخَذُوهُ عَنْ أَبِيهِمْ نَبِيِّ اللَّهِ إِسْمَاعِيلَ بنِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، وَلَكِنَّهُمْ مَا لَبِثُوا زَمَانًا طَوِيلًا حَتَّى اسْتَبْدَلُوا بِهِ عِبَادَةَ الْأَصْنَامِ، فَإِذَا بِهبَلَ وَالْعُزَّى وَاللَّاتِ وَمَنَاةَ وَغَيْرِهَا مِنَ الْأَصْنَامِ الْكَثِيرَةِ تَتَرَبَّعُ عَلَى أَرْضِ الْعَرَبِ فِي جَزِيرَتِهِمْ، وَلَمْ يَكُنِ الْعُمَانِيُّونَ بِمَعْزِلٍ عَنْ ذَلِكَ، فَإِذَا بِالصَّنَمِ ((بَاجِر)) هُوَ الْآخَرُ يَتَرَبَّعُ عَلَى أَرْضِ سَمَائِلَ مِنْ عُمَانَ.

وَهَكَذَا صَارَ الْعَرَبُ مِنْ عُمَانَ شَرْقًا وَإِلَى عِهَامَةَ غَرْبًا، وَمِنَ الْيَمَنِ جَنُوبًا وَإِلَى جَبَلَيْ طَيْ أَجَا وَسَلْمَى شَمَالًا يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ، حَتَّى أَصْبَحَتْ حَيَاةُ الْعَرَبِ تَدُورُ عَلَى الْأَصْنَامِ جِيئَةً وَذَهَابًا وَمُكُونَا وَرَحِيلًا، وَكَانَ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ لَا يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ، وَلَا يَتَصَرَّفُ أَيَّ تَصَرُّ فِ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَسْتَقْسِمَ بِالصَّنَمِ وَيَطُوفَ بِهِ، وَإِنَّ المُرْءَ لَيَمْتَلِكُهُ الْعَجَبُ وَيَذْهَبُ بِهِ الاسْتِغْرَابُ كُلَّ مَذْهَبِ وَهُوَ يَرَى الْإِنْسَانِيَّةَ تَتَهَاوَى أَمَامَ الْأَصْنَامِ، وَتُطَاطِئُ لَمَا الرُّؤُوسَ، وَهِيَ حِجَارَةٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَاللَّهُ تَعَالَى خَالِقُهَا أَرَادَ لَهَا التَّكْرِيمَ فِي قَوْلِهِ عَزَّ مِنْ قَائِلِ: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْتَهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ

وَرَزَقْتَهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا. وَيَتَسَاءَلُ الْإِنْسَانُ: أَيْنَ ذَهَبَتْ تِلْكَ الْعُقُولُ الرَّاجِحَاتُ مِنَ الْعَرَبِ الَّتِي خَرَجَتْ مِنْهَا الْحِكْمَةُ وَفَضْلُ الخِطَابِ؟ وَلَكِنَّهَا عُقُولٌ كَمَا وَصَفَهَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ

رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَهُوَ المَاهِرُ الخَبِيرُ قَائِلًا: عُقُولٌ وَاللَّهُ وَلَكِنْ سَلَبَهَا بَارِيهَا. وَانْتَشَرَتْ عِبَادَةُ الْأَصْنَامِ فِي الْعَرَبِ، بَلْ فِي الْبَشَرِ كُلِّهِمْ، وَكَانَتْ قُرَيْضٌ وَهِيَ سَادِنَةٌ البَيْتِ الْعَتِيقِ وَوَرِيثَةُ دِينِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَكْثَرَ الْعَرَبِ، بَلْ أَكْثَرُ الْأُمَمِ اليَمَاكًا فِي

581 (1/581)

صفحة 565

السيرة النبوية.

عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ، عَلَى أَنَّ الْأَصْنَامَ الَّتِي كَانَتْ تُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَانَتْ مِنَ الْحَجَرِ وَمِنَ

الْبَشَرِ.

أتيتَ وَالنَّاسُ فَوْضَى لَا تَمرُّبِهِمْ أَلَا عَلَى صَنَمٍ قَدْ هَامَ فِي صَنَمِ وَالْأَرْضُ عَمَلُوعَةٌ جَوْرًا مَسْخَرَةٌ لِكُلِّ طَاغية في الخلق مختكم

مُسَيْطِرِ الْفُرْسِ يَبْغِي فِي رَعِيَّتِهِ وَقَيْصَرِ الرُّومِ مِنْ كِيْرٍ أَصَمُ يُعَذِّبَانِ عِبَادَ اللهَ فِي شُبَه وَيَذْبَحَانِ كَمَا ضَحَّيْتَ بِالْغَنَمِ وَالخَلْقُ يَفْتِكُ أَقْوَاهُمْ بِأَضْعَفِهِمْ كَاللَّيْثِ بِالْبُهمِ أَوْ كَالْحُوتِ بِالْبَلَمِ وَفِي ذَلِكَ الْجُو الحَالِكِ المُظْلِمِ دِينِيَّا، المَمْلُوءِ بِالْأَوْهَامِ وَالْخُرَافَاتِ الْمَشْحُونِ مِنْ سَجْعِ الْكُهَّانِ وَالْعَرَّافِينَ انْبَلَجَ النُّورُ بِمَوْلِدِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَكَّةَ المُكَرَّمَةِ قَرِيبًا مِنَ

الْبَيْتِ الْعَتِيقِ. وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْبَشَرِيَّةَ كَانَتْ فِي أَمَسَّ الْحَاجَةِ إِلَى ذَلِكَ النُّورِ؛ لِتَخْرُجَ مِنَ الظَّلَامِ الدَّامِسِ الَّذِي فَرَضَتْهُ الجَاهِلِيَّةُ الجُهَلَاءُ، وَلِتَخْرُجَ فِي ضَوْنِهِ مِنْ مَهَامِهِ الخِيرَةِ وَالضَّلَالِ إِلَى سُبُلِ السَّلَامِ وَالرَّشَادِ وَصَدَقَ اللهُ إِذْ يَقُولُ: وَقَدْ جَاءَ كُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مبِين يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ، وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ.

يَا لَيْلَةَ الْمِيلادِ مَا أَظْهَرْتِ مِنْ مَجْدٍ وَمَا أَحْرَزْتِ مِنْ إِحْلَالِ

582 (1/582)

صفحة 566

السيرة النبوية.

أَسْفَرْتِ مِنْ نُورٍ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ وَمَحَوتِ آيَةً لَيْلِ كُلِّ ضَلَالِ فَفَضَلْتِ حَتَّى لَيْلَةَ الْقَدْرِ الَّتِي هِيَ لِلْكِتَابِ مَظَنَّةُ الإِنْزَالِ سُدْتِ الزَّمَانَ وَكُنْتِ فِيهِ غُرَّةٌ حتَّى اللَّيَالِي سَادَهُنَّ لَيالي وَعَلَى الْعُمُومِ فَإِنَّ رِسَالَةَ مُحَمَّدٍ الْإِسْلَامِيَّةَ جَاءَتْ خِطَابًا لِبَنِي الْبَشَرِ كُلِّهِمْ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرَادَ مُحَمَّدٍ أَنْ يَكُونَ خَاتَمَ النَّبِيِّينَ، فَلَا نَبِيَّ بَعْدَهُ، لِذَلِكَ كَانَتْ رِسَالَتُهُ شَامِلَةٌ

وَعَامَّةٌ لجَمِيعِ الْبَشَرِيَّةِ، فَالْبَشَرِيَّةُ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ أُمَّهُ دَعْوَةٍ أَيْ أَنَّهَا فِي مَرْمَى دَعْوَتِهِ يَقُولُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: "كَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ فِي قَوْمِه خَاصَّةٌ، وَقَدْ بُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَةٌ". أَوْ كَمَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَقَدِ اسْتَوْعَبَتْ رِسَالَتُهُ جَمِيعَ الرِّسَالَاتِ الرَّبَّانِيَّةِ الَّتِي سَبَقَتْهُ، وَالْقُرْآنُ الْكَرِيمُ مُعْجِزَةُ الْإِسْلَامِ الْخَالِدَةُ مُصَدِّقُ مَا قَبْلَهُ مِنَ الْكُتُبِ الرَّبَّانِيَّةِ، وَمُهَيْمِنٌ عَلَيْهَا، وَمُشْتَمِلٌ عَلَى مَا فِيهَا وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ

مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَبِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ الله. لِذَلِكَ كَانَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرِسَالَتُهُ قَدْ حَقَّقَا لِلْإِنْسَانِيَّةِ مِنَ السَّعَادَةِ وَالْحَقِّ وَالْعَدْلِ وَالْخَيْرِ مَا لَمْ يُحقِّقْهُ أَيُّ إِنْسَانٍ آخَرَ نَبِيَّا كَانَ أَوْ غَيْرَ نَبِيَّ، وَلَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ

رسله.

وَحَقًّا وَصِدْقًا مَا قَالَهُ الْعَالِمُ الْأَمْرِيكِيُّ مَايكل هَارِت: الخَالِدُونَ مِائَةٌ، أَوَّهُمْ مُحَمَّدٌ صَلَّى

الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

583 (1/583)

صفحة 567

في الإسراء والمعراج (1/585)

صفحة 568

السيرة النبوية.

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

(1)

الْحَمْدُ لله أَحْمَدُهُ وَأَسْتَعِينُهُ وَأَسْتَهْدِيهِ، وَأُومِنُ بِهِ وَلَا أَكْفُرُهُ، وَأُعَادِي مَنْ يَكْفُرُهُ،

وَأَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ.

وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَصَفِتُهُ وَخَلِيلُهُ أَرْسَلَهُ اللَّهُ رَحْمَةٌ لِلْعَالَمِينَ، وَسِرَاجًا لِلْمُهْتَدِينَ، وَجَعَلَهُ إِمَامًا لِلنَّبِيِّينَ، وَخَاتَمَا لِلْمُرْسَلِينَ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ تُحِلُّ عَلَيْنَا نَحْنُ مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ ذِكْرَى غَالِيَةٌ، وَذِكْرَى عَزِيزَةٌ ذِكْرَى عَطِرَةٌ عَلَى قَلْبِ كُلِّ مُسْلِمٍ، أَلَا وَهِيَ ذِكْرَى حَادِثَةِ الْإِسْرَاءِ

والمعراج إِنَّ حَادِثَةَ الْإِسْرَاءِ وَالْمِعْرَاجِ لَهِيَ مِنْ أَرْوَعِ حَوَادِثِ النُّبُوَّةِ الْعَظِيمَةِ الشَّرِيفَةِ، لِأَنَّهَا تُنْبِيُّ عَنْ فَضْلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ الله وَمَنْزِلَتِهِ عِنْدَ رَبِّهِ، فَلَقَدْ جَاءَتْ حَادِثَةُ الْإِسْرَاءِ

(1) هَذِهِ خُطْبَةٌ لِأَوَّلِ جُمْعَةٍ لِلْإِبَاضِيَّةِ فِي شَرْقِ إِفْرِيقْيَا، أَعَدَدْتُهَا أَثْنَاءَ زِيَارَتِي لِشَرْقِ إِفْرِيقْيَا فِي الْفَتْرَةِ من 23/ 3 - 4/ 7 / 1986، وَكُنْتُ قَدْ قُمْتُ بِحَبِّهِمْ وَتَشْجِيعِهِمْ عَلَى إِقَامَةِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ، وَبَيَّنْتُ لَهُمْ فَضْلَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَإِيجَابِيَّاتِ إِقَامَتِهَا، وَسَلْبِيَّاتِ عَدَمِ إِقَامَتِهَا، وَقَدْ أُقِيمَتْ أَوَّلُ جُمْعَةٍ لِلْإِبَاضِيَّةِ فِي شَرْقِ إِفْرِيقْيَا وَكَانَتْ فِي زِنْجِبَارَ، حَيْثُ أُقِيمَتْ فِي جَامِعِ المحربي الَّذِي أُطلِقَ عَلَيْهِ فِيما بعد جَامِعُ الاسْتِقَامَةِ، وَذَلِكَ بِتَارِيخ 24 رجب سنة 1406 هـ -4 إبريل سنة 1986 م. وبما أنها تتعلق بذكر الإسراء والمعراج فقد أثبتناها هنا، لأن الموضوع يتعلق بالسيرة النبوية

586 (1/586)

صفحة 569

السيرة النبوية.

وَالْمِعْرَاجِ تَطْمِينًا لِلرَّسُولِ الله وَتَسْكِينًا لِقَلْبِهِ، وَإِشْعَارِهِ بِأَنَّهُ دَائِهَا وَأَبَدًا فِي مَنْزِلَةٍ عِنْدَ رَبِّهِ لا تَبْلُغُهَا مَنْزِلَةٌ، وَأَنَّهُ دَائِهَا وَأَبَدًا فِي عِنَايَةِ الله وَفِي حِفْظِهِ وَكَلَاءَتِهِ.

إِنَّ الْمُقَدِّمَاتِ لِقَضِيَّةِ الْإِسْرَاءِ وَالْمِعْرَاجِ هِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَدْعُو قَوْمَهُ بِمَكَّةَ المُكَرَّمَةِ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَآذَاهُ قَوْمُهُ وَعَانَدُوهُ، لَكِنَّهُ كَانَ فِي حِمَايَةِ عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ، وَبَعْدَ أَنْ مَاتَ عَنْهُ أَبُو طَالِبِ الَّذِي كَانَ يَحْنُو عَلَيْهِ وَيَمْنَعُهُ مِنْ أَذَى الْكُفَّارِ، وَمَانَتْ زَوْجَتُهُ

الْوَفِيَّةُ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدِ الله الَّتِي كَانَتْ تُوَاسِيهِ بِعَطْفِهَا وَمَاها.

كَثُرَ أَذَى كُفَّارِ قُرَيْشٍ لِرَسُولِ اللهِ، وَنَالُوا مِنْهُ مَا لَمْ يَنَالُوهُ مِنْ قَبْلِ ذَلِكَ، وَتَعَرَّضَ رَسُولُ الله الله لِفُرُوبِ مِنَ الْأَذَى وَأَصْنَافِ مِنَ السُّخْرِيَةِ وَالإِسْتِهْزَاءِ، لِذلِكَ عَزَمَ الرَّسُولُ عَلَى المسيرِ إِلَى الطَّائِفِ لِيَدْعُوَ أَهْلَ الطَّائِفِ تَقِيفًا" إِلَى الْإِسْلَامِ لَعَلَّهُمْ يَقْبَلُونَ، يَحْتَمِي بِهِمْ مِنْ أَذَى قُرَيْشٍ وَبَطْشِهَا، وَلَكِنَّهُ وَجَدَ الْأَمْرَ عَلَى عَكْسِ مَا كَانَ يَأْمُلُ، فَاسْتَهْزَأَ أَهْلُ الطَّائِفِ بِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَشَتَمُوهُ وَسَخِرُوا مِنْهُ، وَلَمْ يَكْتَفُوا عِنْدَ ذَلِكَ، بَلْ أَمَرُوا عَبِيدِهِمْ أَنْ يَقْذِفُوهُ بِالْحِجَارَةِ وَيَسُبُّوهُ، فَأَخَذَ عَبِيدُ أَهْلِ الطَّائِفِ وَغِلْمَانُهُمْ وَصِبْيَانُهُمْ يَقْذِفُونَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم بِالْحِجَارَةِ حَتَّى دَمِيَتْ قَدَمَاهُ الشَّرِيفَتَانِ، فَرَجَعَ مِنَ الطَّائِفِ حَزِينًا مُنْكَسِرَ النَّفْسِ مُتَحَطَّمَ الْبَالِ، مَهْمُومًا مَحْزُونًا مِمَّا لَقِيَهُ مِنْ ثَقِيفِ، وَإِنَّ دُعَاءَهُ الَّذِي قَالَهُ عِنْدَمَا الْتَجَأَ إِلَى بُسْتَانِ عِنَبٍ يَسْتَظِلُّ تَحْتَهُ مِنْ شِدَّةِ مَا أَصَابَهُ مِنَ الْقَدْفِ بِالْحِجَارَةِ وَالشَّتْم إِنَّ ذَلِكَ الدُّعَاءَ يُمَثَلُ الْحُزنَ وَالْمَرَارَةَ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا الرَّسُولُ حَيْثُ قَالَ: (اللهُمَّ إِلَيْكِ أَشْكُو ضَعْفَ قُوَّنِ وَقِلَّةَ حِيلَتِي وَهَوَانِي عَلَى النَّاسِ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ أَنْتَ رَبُّ الْمُسْتَضْعَفِينَ وَأَنْتَ رَبِّيٌّ إِلَى مَنْ تَكِلُنِي؟

587 (1/587)

صفحة 570

السيرة النبوية.

إِلَى بَعِيدٍ يَتَجَهَّمُنِي؟ أَمْ إِلَى عَدُوٌّ مَلَّكْتَهُ أَمْرِي؟ إِنْ لَمْ يَكُنْ بِكَ عَلَيَّ غَضَبٌ فَلَا أُبَالِ، وَلَكِنَّ عَافِيَتَكَ هِيَ أَوْسَعُ لِي أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِكَ الَّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ الظُّلُمَاتُ، وَصَلَحَ عَلَيْهِ أَمْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ مِنْ أَنْ تُنْزِلَ بِي غَضَبَكَ، أَوْ يَحِلَّ عَلَيَّ سَخَطُكَ، لَكَ الْعُتُبَى حَتَّى تَرْضَى وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِكَ.

تَفَكَّرُوا أَيُّهَا المُسْلِمُونَ فِي هَذَا الدُّعَاءِ الْعَظِيمِ، فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْأَذَى الْكَبِيرِ الَّذِي

لحق بالرَّسُولِ.

وَخَوْفًا مِنْ تَزَايُدِ أَذَى قُرَيْشٍ وَاسْتِهْزَائِهَا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَكَّةَ فِي جِوَارٍ أَحَدِ المُشْرِكِينَ لِيَمْنَعَهُ مِنْ أَذَى قُرَيْشٍ، ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حِوَارَهُ، لِيَكُونَ فِي جِوَارِ

الله وَحْدَهُ.

وَفِي غَمْرَةِ هَذَا الحُزنِ الْعَمِيقِ جَاءَتْ حَادِثَةُ الْإِسْرَاءِ وَالْمِعْرَاجِ تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ وَإِشْعَارًا لَهُ بِأَنَّهُ في عِنَايَةِ الله، وَأَنَّ اللهَ لَنْ يَتَخَلَّ عَنْهُ، وَأَنَّهُ مِنْ أَقْرَبِ المُقَرَّبِينَ عِنْدَ الله عَزَّ وَجَلَّ، وَأَنَّ مَنْزِلَتَهُ عِنْدَ رَبِّهِ عَالِيَةٌ ..... عَلَيْهِ نَائِمًا فِي إِحْدَى اللَّيَالِي ... إِذْ جَاءَهُ الْأَمِينُ جِبْرِيلُ وَمَعَهُ الْبُرَاقُ، فَأَخَذَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى، وَهُنَاكَ الْتَقَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِأَخْوَانِهِ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِمْ وَسَلَّمَ، فَصَلَّى بِهِمْ، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مُحَمَّدًا لَهُ هُوَ إِمَامُ النَّبِيِّينَ، وَأَنَّ أُمَّتَهُ مِنْ أَفْضَلِ الْأُمَمِ، وَذَلِكَ لِبَرَكَةِ نَبِيِّهَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَمِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ عُرِجَ بِهِ إِلَى الْمَقَامِ الْأَعْلَى إِلَى مَقَامِ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى نَبِيِّهِ مَا أَوْحَى إِلَى ذَلِكَ المَقَامِ الْقُدْسِيِّ اللَّدُ، وَهُنَاكَ

588 (1/588)

صفحة 571

السيرة النبوية.

في ذَلِكَ المقامِ الرَّفِيعِ فَرَضَ اللهُ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ وَأُمَّتِهِ، وَقَدْ فُرِضَتْ خَمْسِينَ صَلَاةٌ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، وَلَكِنَّهَا جُعِلَتْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، وَأَجْرُهَا كَأَجْرِ خَمْسِينَ

صَلَاةٌ، وَذَلِكَ بِفَضْلِ وَبَرَكَةِ مُحَمَّدٍ.

(1)

أَيُّهَا المُسْلِمُونَ، إِنَّ حَادِثَةَ الإِسْرَاءِ وَالْمِعْرَاجِ مَوْجُودَهُ بِكَامِلِ قِصَّتِهَا فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ وَالسِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ، وَلَكِنَّ فِي بَعْضٍ دَخَلَهَا شَيْءٌ مِنَ الْمُبَالَغَةِ وَعَدَمِ التَّنْبَتِ، فَعَلَى

الْقَارِئِ الْمُسْلِمِ أَنْ يَكُونَ حَذِرًا، وَفَطِنَا مِنْ أَنْ يَأْخُذَ تِلْكَ الْمُبَالَغَاتِ.

هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَادْعُوهُ يَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الْكَرِيم.

الْحَمْدُ لله أَحْمَدُهُ وَأَسْتَعِينُهُ وَأَسْتَهْدِيهِ، وَأَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضَلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.

عِبَادَ اللهِ، إِنَّ فِي حَادِثَةِ الْإِسْرَاءِ وَالْمِعْرَاجِ تَطْمِينًا لِنَفْسِ الرَّسُولِ وَتَسْلِيَةٌ لَهُ مِنَ الْخَزْنِ، وَإِشْعَارًا لَهُ لِعَدَمِ تَخَلَّى اللَّهِ عَنْهُ.

وَإِنَّ الْإِسْرَاءَ بِرَسُولِ الله دَلِيلٌ عَلَى إِسْلَامِيَّةِ وَارْتِبَاطِ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى بِالْإِسْلَام بِالخَاذِهِ قِبْلَةَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَالمُسْلِمِينَ مَعَهُ قَبْلَ أَنْ تَتَحَوَّلَ الْقِبْلَةُ إِلَى الْكَعْبَةِ

المشرفة.

1) رَاجِعِ اللَّقَاءَ الصَّحَفِي حَوْلَ حَادِثَةِ الْإِسْرَاءِ وَالْمِعْرَاجِ فَإِنَّهُ هُنَالِكَ لَنَا رَأْيُّ آخَرُ.

589 (1/589)

صفحة 572

السيرة النبوية.

وَبِالْإسْرَاءِ بِرَسُولِ اللهِ إِلَيْهِ مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَبِكَوْنِهِ ثَالِثَ المُقَدَّسَاتِ الْإِسْلَامِيَّةِ، لِذَلِكَ يَقُولُ الرَّسُولُ: لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدِ المَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِي هَذَا أَيِ الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ الشَّرِيفِ فِي المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ، وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى».

وَإِنَّ مَا يَتَعَرَّضُ لَهُ الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ مِنْ مُمَارَسَاتِ الْيَهُودِ الْمُتَسَلَّطِينَ عَلَيْهِ هُوَ أَمْرٌ يَحْزُ فِي النَّفْسِ وَيُؤْمُ الْقَلْبَ وَيَعْصِرُ الْفُؤَادَ، فَعَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَتَأَمَّ لَا يَتَعَرَّضُ لَهُ المَسْجِدُ الْأَقْصَى - ثَانِي الْقِبْلَتَيْنِ وَثَالِثُ الْحَرَمِينِ، وَأَنْ يَدْعُوَ اللَّهَ فِي سِرِّهِ وَجَهْرِهِ بِأَنْ يُخلّص ذَلِكَ المَكَانَ الْمُقَدَّسَ مَسْرَى رَسُولِ اللهِ مِنْ أَيْدِي أَعْدَاءِ الله الْيَهُودِ، وَأَنْ يَمُنَّ عَلَى المُسْلِمِينَ بِرُجُوعِ المَسْجِدِ الْأَقْصَى إِلَيْهِمْ.

عِبَادَ اللهِ إِنَّ اللَّهَ أَمَرَكُمْ بِأَمْرِ بَدَأَ فِيهِ بِنَفْسِهِ، وَثَنَّى بِمِلَائِكَتِهِ وَثَلَّثَ بِخَلْقِهِ مِنْ إِنْسِهِ وَجِنَّهِ، اللهُمَّ صَلِّ وَسَلَّمْ وَبَارِكْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ سَيِّدِ الثَّقَلَيْنِ وَنُورِ الْكَوْنَيْنِ صَاحِبِ المَقَامِ المَحْمُودِ، وَالحَوْضِ الموْرُودِ، اللهُمَّ وَارْضَ عَنْ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ، وَأَزْوَاجِهِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَصَحَابَتِهِ أَجْمَعِينَ، وَالتَّابِعِينَ لَهُ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ

الدِّينِ.

اللهُمَّ وَارْضَ عَنْ أئميْنَا أَهْلِ الاسْتِقَامَةِ فِي الدِّينِ.

اللهُمَّ انْصُرِ الإِسْلامَ وَالمُسْلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالمُشْرِكِينَ، وَاقْطَعْ دَابِر أَعْدَاءِ الدِّينِ، وَاسْتَأصِلْ شَأفَتَهُمْ، وَلَا تَدَعْ هُمْ مِنْ باقِية، اللهُمَّ افْعَلْ بِهِمْ كَمَا فَعَلْتَ بِثَمُودَ

590 (1/590)

صفحة 573

السيرة النبوية.

وَعَادٍ وَفِرْعَوَن ذِي الْأَوْتَادِ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادِ، اللهُمَّ صُبَّ عَلَيْهِمْ سَوْطَ عَذَابٍ، وَافْعَلْ بهِمْ كَمَا فَعَلْتَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ، وَحُلْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ، وَاجْعَلْ بَأسَهُمْ بَيْنَهُمْ يَا رَبَّ الْعَالَمينَ.

عِبَادَ الله إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالمُنكَرِ وَالْبَغْيِ، يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، فَاذْكُرُوا اللهَ الْعَظِيمَ الْجَلِيلَ يَذْكُرْكُمْ،

وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ. (1/591)

صفحة 574

السيرة النبوية.

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

(1)

سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ، لَيْلًا مِن الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا الَّذِي بَرَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) الإسراء: 1، هَذِهِ الْآيَةُ

الشَّرِيفَةُ الْكَرِيمَةُ هِيَ الدَّلِيلُ الْأَسَاسُ وَالْمُعْتَمَدُ الرَّئيسُ لِحَادِثَةِ الْإِسْرَاءِ وَالْمِعْرَاجِ مِنْ مَكَّةَ الْمُكَرَّمَةِ إِلَى الْقُدْسِ الْمُشَرَّفَةِ

سَرَيْتَ مِنْ حَرَمٍ لَيْلًا إِلَى حَرَمِ كَمَا سَرَى الْبَدْرُ فِي دَاجٍ مِنَ الظُّلَمِ وَحَيْثُ إِنَّ الحَدَثَ الْإِسْرَائِيَّ كَانَ غَرِيبًا عَلَى المَألُوفِ الْبَشَرِيُّ الْمُعْتَادِ، فَإِنَّهُ سُرْعَانَ مَا طَرَأَ عَلَيْهِ الاِخْتِلَافُ الَّذِي دَارَ حَوْلَ كَيْفِيَّةِ الْإِسْرَاءِ، هَلْ هُوَ يَقَظَةٌ بِالرُّوحِ وَالجَسَدِ؟ كَما هُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْمُسْلِمِينَ، أَمْ كَانَ بِالرُّوحِ فَقَط؟ أَوْ كَانَ رُؤْيَا مَنَامِيَّةٌ؟؟ كَمَا هُوَ قَوْلِ

الْبَعْضِ؟

عَلَى أَنَّهُ مِنْ غَيْرِ الْمَقْبُولِ أَنْ يَصِلَ ذَلِكَ الاِخْتِلَافِ إِلَى حَدَّ التَّجَنِّي عَلَى الصَّحَابَةِ الْكِرَامِ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ إِلَى الْإِسْلَامِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَأَرْضَاهُمْ، وَذَلِكَ بِاتِّهَامِ بَعْضِهِمْ

بالاِرْتِدَادِ عَنِ الْإِسْلَامِ، وَبِأَنَّهُمْ لَمْ يُصَدِّقُوا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِحَادِثَةِ الْإِسْرَاءِ.

(1) أُلْقِيَتْ فِي احْتِفَالِ وِزَارَةِ الْأَوْقَافِ وَالشُّؤُونِ الْإِسْلَامِيَّةِ لِعَامِ 1431 هـ، بِمُنَاسَبَةِ ذِكْرَى الْإِسْرَاءِ

والمعراج

592 (1/592)

صفحة 575

السيرة النبوية.

وَأُولَئِكُمُ الصَّحَابَةُ أَجَلُ وَأَسْمَى مِنْ أَنْ يُكَذِّبُوا رَسُوهُمُ الْكَرِيمُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَهُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَصَدَّقُوهُ مِنْ غَيْرِ تَرَدُّدٍ وَلَا تَلَكُقِّ، وَحَلُوا هَذَا الدِّينِ بِصِدْقٍ وَإِخْلَاصِ وَعَزِيمَةٍ وَحَمَاسٍ، وَفِي قَوْلِ عَمِيدِهِمْ وَعُمْدَتِهِمْ أَبِي بَكْرٍ له عِنْدَمَا قَالَ: فَوَاللَّهِ إِنَّهُ لَيُخْبِرُنِي أَنَّ الْخَبَرَ لَيَأْتِيهِ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ فِي سَاعَةٍ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ فَأُصَدِّقُهُ» تَعْبِيرًا عَنْهُمْ جَمِيعًا كَمَا أَنَّ فِي عَدَمِ إِثْبَاتِ اسْمِ وَاحِدٍ مِنَ الْمُرْتَدِّينَ

المزعُومِينَ - وَكَانَ المُسْلِمُونَ آنَذَاكَ قَلِيلِينَ - كَفِيلٌ بِبُطْلَانِ ذَلِكَ الزَّعْمِ الْبَاطِلِ. وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَإِنَّ الْحِكْمَةَ مِنَ الْإِسْرَاءِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - هُوَ رَبْطُ المَسْجِدِ الْحَرَامِ بِمَكَّةَ الْمُكَرَّمَةِ أَقْدَسِ الْمُقَدَّسَاتِ المَكَانِيَّةِ عَلَى الْإِطلاقِ بِالْمُسْجِدِ الْأَقْصَى بِالْقُدْسِ الْفِلَسْطِينِيَّةِ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا الرَّبْطَ الرَّبَّانِيَّ أَضْفَى عَلَى مَدِينَةِ الْقُدْسِ قُدُسِيَّةٌ مَكَانِيَّةٌ

أَيْضًا.

وَقَدْ تَجَلَّى ذَلِكَ الرَّابِطُ المُقَدِّسُ بَيْنَ المُكَانَيْنِ فِي اتَّخَاذِ الْأَقْصَى قِبْلَةٌ لِلصَّلَاةِ مِنْ جَانِبِ نَبِيِّنَا الْكَرِيم صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، حَيْثُ اسْتَقْبَلَهُ هُوَ وَالمُسْلِمُونَ مَعَهُ فِي صَلَاتِهِمْ فَتْرَةٌ مِنَ الزَّمَنِ حَتَّى جَاءَ الْأَمْرُ الرَّبَّانِيُّ هُمْ بِالتَّوَجُهُ إِلَى اسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ الشَّرِيفَةِ قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِيَنَّكَ قِبْلَةٌ تَرْضَهَا فَوَلِ وَجْهَكَ

شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ ليَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِعَفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ) البقرة: 144.

144

093 (1/593)

صفحة 576

السيرة النبوية.

ذَلِكَ كُلُّهُ مِمَّا جَعَلَ وَيَجْعَلُ مِنْ قَضَايَا الْقُدْسِ وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى فِي طَلِيعَةِ الْقَضَايَا

الْإِسْلَامِيَّةِ مَاضِبًا وَحَاضِرًا.

إِنَّ حَدَثَ الْإِسْرَاءِ وَالْمِعْرَاجِ كَانَ إِبدَانَا وَتَمهِيدًا مَا تَحَقَّقَ عَلَى عَهْدِ فَارُوقِ الْإِسْلَامِ الخَلِيفَةِ الْعَظِيمِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ اللهِ الَّذِي فَتَحَ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ الْفُتُوحَاتِ الْإِسْلَامِيَّةَ الْمُبَارَكَةَ أَوْ لِنَقُلْ أَجْرَى اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ التَّحْرِيرَاتِ الْإِسْلَامِيَّةَ الْمُبَارَكَةَ، وَمِنْهَا فَتْحُ أَوْ تَحْرِيرُ الْقُدْسِ الشَّرِيفَةِ لِتَكُونَ ضِمْنَ المَنْظُومَةِ المَكَانِيَّةِ لِلْإِسْلَامِ، وَلِتَكُونَ ضِمْنَ الْكِيَانِ الْإِسْلَامِيِّ الْكَبِيرِ وَحُكْما وَمُجتمعًا.

وَنَظَرا لِمَا لِلْقُدْسِ مِنْ مَكَانَةٍ خَاصَّةٍ فِي الْفِكْرِ الْإِسْلَامِيِّ، عَبَّرَتْ عَنْهَا آيَةُ الْإِسْرَاءِ الْكَرِيمَةُ الَّتِي سُمِّيِّتِ السُّورَةُ الْقُرْآنِيَّةُ كُلُّهَا بِاسْمِهِ، وَنَفَدِّهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِوَحْيِ مِنْ رَبِّهِ رِحْلَةً إِسْرَائِيَّةً وَطَبَقَهَا اسْتِقْبَالًا لَهَا فِي صَلَاتِهِ، فَإِنَّ الخَلِيفَةَ الرَّاشِدَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ تَوَجَّهَ إِلَيْهَا بِنَفْسِهِ لِكَيْ يَسْتَلِمَهَا عَنْ عُمْدَتِهَا الْبَطْرِيَرْكَ النَّصْرَانِي وَهُوَ الَّذِي اعْتَادَ أَنْ

لَا يَتْرُكُ مَأْرِزَ الْإِسْلَامِ - المَدِينَةَ - وَلَكِنَّهُ مِنْ أَجْلِ الْقُدْسِ وَالْأَقْصَى أَثَرَ الْخُرُوجَ. فَخَرَجَ المَوْكِبُ الْعُمَرِيُّ المَهِيبُ تَحْدُوهُ عِنَايَةُ الله وَيَعْلُوهُ الشُّكْرُ الله تَعَالَى فِي هَيْئَةِ

تَوَاضُعِهِ قَبْلَ أَنْ تَشْهَدَ الدُّنْيَا لَمَا نَفِيرًا إِلَّا مَعَ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ. وَمِنْ رَحِمَ ذَلِكَ المَشْهَدِ الْإِيمَانِيُّ خَرَجَتِ الحِكْمَةُ الْعُمَرِيَّةُ الْقَائِلَةُ: «نَحْنُ قَوْمٌ

أَعَزَّنَا اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ وَمَهُمَا ابْتَغَيْنَا الْعِزَّةَ فِي غَيْرِهِ أَذَلَّنَا اللَّهُ».

594 (1/594)

صفحة 577

السيرة النبوية.

وَقَدْ شَهِدَ التَّارِيخُ شَهَادَةً لَا مِرَاءَ فِيهَا وَلَا جِدَالَ لِتِلْكَ الْحِكْمَةِ الصَّائِبَةِ الْمُوَفَّقَةِ بِأَنَّ المُسْلِمِينَ مَتَى مَا اقْتَرَبُوا مِنْ دِينِهِمْ وَتَمَسَّكُوا بِهِ عَزُوا وَمَتَى مَا ابْتَعَدُوا عَنْهُ ذَلُّوا. وَتَتَمَخَّضُ تِلْكَ الرَّحْلَةُ الميَمُونَةُ عَنِ الْعُهْدَةِ الْعُمَرِيَّةِ الَّتِي هِيَ دُرَّةٌ تَارِيخيَّةٌ تَتَلَالاً

سُلُوكًا حَضَارِيًّا، وَتَتَجَلَّى رَحْمَةً إِسْلَامِيَّةً سَامِيَةٌ، وَتَتَأَلَّقُ تَسَامُحًا دِينِيًّا لَا مَثِيلَ لَهُ. وتُعتبرُ الْعُهْدَةُ الْعُمَرِيَّةُ مِنْ أَهَمِّ الْوَثَائِقِ التَّارِيخِيَّةِ، وَقَدْ أَفَرَّ فِيهَا الْخَلِيفَةُ عُمَرُ سُكَانَ الْقُدْسِ عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي جَمِيع شُؤُونِهِمُ الحَيَاتِيَّةِ وَالدِّينِيَّةِ وَالاجْتِمَاعِيَّةِ وَالاِقْتِصَادِيَّةِ وَغَيْرِهَا، حَيْثُ جَاءَ فِيهَا: «بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هَذَا مَا أَعْطَى عَبْدُ الله أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَهْلَ إِيلِيَّاءَ الْقُدْسِ مِنَ الْأَمَانِ، أَعْطَاهُمْ أَمَانَا لِأَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَكَنَائِسِهِمْ وَصُلْبَائِهِمْ وَسَقِيمِهَا وَبَرِيئِهَا وَسَائِرِ مِلَّتِهَا أَنَّهُ لَا تُسْكَنُ كَنَائِسِهِمْ وَلَا تُهْدَمُ وَلَا يُنْتَقَضُ مِنْهَا وَلَا مَنْ خَيْرِهَا وَلَا مِنْ صَلِيبِهِمْ وَلَا مِنْ شَيْءٍ مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَلَا يُكْرَهُونَ عَلَى دِينِهِمْ وَلَا يُضَارُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ، وَلَا يَسْكُنُ بِإِيلِيَّاءَ مَعَهُمْ أَحَدٌ مِنَ

الْيَهُودِ ... إلخ». وَكَأَنَّ عُمَرَه كَانَ يَسْتَشْرِفُ مُسْتَقْبَلَ الْأَيَّامِ، وَمَا صَارَتْ إِلَيْهِ الْقُدْسُ وَمَعَهَا بَقِيَّةُ المُناطِقِ الْفَلَسْطِينِيَّةِ مِنْ الاِحْتِلالِ الْيَهُودِيِّ، عِنْدَمَا قَالَ: (وَلَا يَسْكُنُ بِإِيلِيَاءَ مَعَهُمْ أَحَدٌ مِنَ الْيَهُودِ وَلَا نَسْتَبْعِدُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِطَلَبِ مِنَ النَّصَارَى أَنْفُسِهِمْ، بَعْدَ

مَا لَمَسُوهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ عَدَالَةٍ وَمُعَامَلَةٍ صَادِقَةٍ حَسَنَةٍ. وَكَما أَنَّ وَثِيقَةَ المَدِينَةِ الَّتِي وَادَعَ فِيهَا الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَهُودَ المَدِينَةِ تُعَبرُ عَنِ التَّفَاهُمِ الْإِسْلَامِيُّ الْيَهُودِيٌّ لَوْلَا أَنْ وَأَدَهَا الْيَهُودُ فِي مَهْدِهَا، فَإِنَّ الْعُهْدَةَ (1/595)

صفحة 578

السيرة النبوية.

الْعُمَرِيَّةَ تُعَبرُ عَنِ التَّفَاهُمِ الْإِسْلَامِيُّ المَسِيحِيُّ وَلَعَلَّ الْبَعْضَ يُرِيدُ التَّعَرُّفَ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْعُهْدَةِ وَالْعَهْدِ، فَالْعَهْدُ هُوَ الضَّمَانُ أَوِ التَّعَهدُ بِالشَّيْءِ، أَمَّا الْعُهْدَةُ فَهِيَ خِطَابُ أَوْ وَثِيقَةُ الضَّمَانِ.

وَبَعْدَ تِلْكَ الْإِنْجَازَاتِ المُبَارَكَةِ الَّتِي تَحَقَّقَتْ مِنَ الرِّحْلَةِ الْعُمَرِيَّةِ يَعُودُ الْمُؤْكِبُ الْعُمَرِيُّ مُحَمَّلًا بِالظَّفَرِ وَمُكَلَّلًا بِالنَّصْرِ يُظَلْلُهُ الخُشُوعُ وَالتَّوَاضِعُ وَالسَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ، وَيَخْرُجُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَيَخْرُجُ مَعَهُمْ أَطْفَاهُمْ طَلَبَةُ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ يَسْتَقْبِلُونَ وَالِدَهُمْ وَأَمِيرَهُمْ وَعَجَبُوبُهُمُ الَّذِي يَتَعَهَّدَهُمْ وَيَرْعَاهُمْ مِنْ مَسِيرَةِ يَوْمٍ مِنَ الْمَدِينَةِ فِي مَشْهَدِ إِيمَانِي

لَمْ تَعْرِفْهُ الدُّنْيَا بِأَسْرِهَا. أَيُّهَا الْحَفْلُ الْكَرِيمُ:

إِنَّ ذِكْرَى الْإِسْرَاءِ وَالْمِعْرَاجِ الثَّلَاثِيَّةَ الْأَبْعَادِ فِي كَوْنِ الْأَقْصَى مَسْرَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

وَقِبْلَةٌ لِلصَّلَاةِ مَعَ بِدَايَةِ الْإِسْلام، وقيام الخليفَةِ الثَّانِي بِنَفْسِهِ فِي اسْتِلَام بَيْتِ الْمَقْدِسِ تَجْعَلُ مِنَ الْقَضِيَّةِ الفَلَسْطِينِيَّةِ قَضِيَّةَ المُسْلِمِينَ الْأُولى، الأمْرُ الَّذِي يُحمِّمُ عَلَيْهِمُ الدِّفَاعَ عَنْهَا لِأَنَّهَا قَضِيَّةُ دِينِ قَبْلَ أَنْ تَكُونَ قَضِيَّةَ سِيَاسَةٍ، كَمَا أَنَّ الْمُؤَامَرَاتِ المُسْتَمِرَةِ مِنْ قِبَلِ الْكِيَانِ الصُّهْيُونِ تَارَةً بِتَهْوِيدِ الْقُدْسِ بِتَغْيِيرِ مَعَالِهَا، وَتَارَةٌ بِهَدْمِ الْمَسْجِد الْأَقْصَى. بِالخَفْرِيَّاتِ تَحْتَهُ بَحْنا عَنْ هَيْكَل سُلَيْمَانَ كَمَا يَدَّعُونَ وَيَزْعُمُونَ، يُحمِّمُ أَيْضًا عَلَى الدُّوَلِ

الإِسْلامِيَّةِ الْقِيَامَ بِوَاجِبِهَا لِلْحَيْلُولَةِ دُونَ ذَلِكَ.

596 (1/596)

صفحة 579

السيرة النبوية.

وَشَيْءٌ جَميلٌ أَنْ نَرَى الضَّمِيرَ الْعَالِمِي بَدَأَ يَصْحُو مِنْ سُبَاتٍ وَيَتْبَهَ مِنْ غَفْلَةٍ إِزَاءَ الْقَضِيَّةِ الْفَلَسْطِينِيَّةِ وَالْفَلَسْطِينِيِّينَ، وَمَا تَحْرِيكُ أُسْطُولِ الحُرِّيَّةِ الْإِنْسَانِ الَّذِي شَنَّتْ

عَلَيْهِ إِسْرَائِيلُ هُجُومَهَا الْغَاشِمَ الظَّالِمَ إِلَّا دَلِيلٌ عَلَى صَحْوَةِ ذَلِكَ الضَّمِيرِ الْعَالَيِّ إِنْسَانِيًا، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِنْسَانِيَّةَ جَمْعَاءَ بَدَأَتْ تَضِيقُ ذَرْعًا بِالْمَارَسَاتِ الْإِسْرَائِلِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ هَذَا النِّيقُ بَدَأَ مُتَأَخَّرًا وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَحْصُلَ فِي أَزْمَانٍ مَاضِيَةٍ وَأَوْقَاتٍ سَابِقَةٍ لِأَنَّ إِخْوَانَنَا الْفَلَسْطِينِيِّينَ عَانَوْا مِنَ الْمُمَارَسَاتِ وَالتَّعَسُّفِ الْإِسْرَائِيلي الْكَثِيرَ مِنَ الْعَنَتِ، لِذَلِكَ يَنْبَغِي عَلَيْنَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ شُعُوبًا وَحُكُومَاتٍ اسْتِغْلَالَ هَذِهِ المُبَادَارَاتِ الْعَالَمِيةَ الْإِنْسَانِيَّةَ لِتَحْقِيقِ الحَقِّ وَإِبْطَالِ الْبَاطِلِ.

597 (1/597)

صفحة 580

فِي الْمِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ (1/599)

صفحة 581

السيرة النبوية.

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

(1)

الحمد الله وَنُصَلِّي وَنُسَلِّمُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ وَالَاهُ، وَعَلَى كُلِّ مَنْ سَارَ عَلَى نَهْجِهِ وَاقْتَفَى أَثَرَهُ وَخُطَاهُ.

السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ الله تَعَالَى وَبَرَكَاتُهُ، أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ أَعَزَّ شَيْءٍ فِي حَيَاةِ الْإِنْسَانِ مِنَ النَّاحِيَةِ الْمادِيَّةِ، وَأَغْلَى شَيْءٍ يَفْقِدُهُ فِي ذَلِكَ هُوَ وَطَنه، الَّذِي وُلِدَ فِيهِ، وَرَأَتْ عَيْنَاهُ فِيهِ نُورَ الْحَيَاةِ، وَدَرَجَ فِيهِ صِبَاهُ، وَقَضَى فِيهِ شَبَابَهُ الَّذِي هُوَ المُرْحَلَةُ الذَّهَبِيَّةُ فِي الْحَيَاةِ، وَهَذَا هُوَ مَا حَدَثَ لِنَبِيِّنَا الْكَرِيمِ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَأَتُمُ التَّسْلِيمِ، وَلِصَحْبِهِ الْكِرَامِ الله عِنْدَما أَخْرِجُوا مِنْ مَلْعَبِ صِبَاهُمْ، وَمَسْرَحِ شَبَابِهِمْ مُكْرَهِينَ، ظُلْمًا وَعُدْوَانًا، أَذِنَ لِلَّذِينَ يُقْتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ الله عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيرِهِم بِغَيْرِ حَيَّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا الله وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ خَدِمَتْ صَوَيعُ وَبَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَجِدُ يُذْكَرُ فيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَ اللهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزُ ال الحج:

40

-

39

لَقَدِ اسْتَشْعَرَ الرَّسُولُ الكَرِيمُ صَلَوَاتُ الله وَسَلامُهُ عَلَيْهِ مَعْنَى فَقَدِ الْوَطَنِ، عِنْدَمَا أَشْرَفَ عَلَى خَيْرِ الْبِقَاعِ مَكَّةَ الْمُكَرَّمَةِ، وَهُوَ خَارِجٌ مِنْهَا فِي طَرِيقِ هِجْرَتِهِ الْمُيْمُونَةِ

1) أُلْقِيَتْ بِمُنَاسَبَةِ احْتِفَالِ وِزَارَةِ الْأَوْقَافِ وَالشُّؤُونِ الدّينِيَّةِ بِمُنَاسَبَةِ ذِكْرَى الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ. (1/600)

صفحة 582

السيرة النبوية.

قَائِلًا مُخاطبًا لَهَا: " وَاللهِ إِنَّكِ لَأَحَبُّ بِلَادِ اللهِ إِلَى اللَّهِ وَلَوْلَا أَنَّ قَوْمِي أَخْرَجُونِي مَا خَرَجْتُ "، كَيْفَ لَا يَكُونُ ذَلِكَ وَاللهُ جَعَلَ الْإِخْرَاجَ مِنَ الدِّيَارِ مُسَاوِيَا لِلْقَتْلِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِن دِيَرِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِّنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا هَمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا) النساء: 66. وَمِنْ عَجَبٍ تُبيهُ إِلَيْكَ أَرْضُ نَشَأْتَ فَمَا أَسْأَتْ بِهَا شَبَابًا مَنَازِلُ كُنْتَ تَنْزِهُا طَهُورًا وَتَلْقَى الْوَحْيَ فِيهَا وَالْكِتَابَا لَقَدْ جَحَدُوا ضِيَاءَكَ وَهُوَسَار يَشُقُ البِيدَ أَوْ يَطْوِي الْحِضَابَا كَأَنَّ مِنَ الهُدَى فِيهِ سِرَاجًا وَمِنْ وَضَحِ الْيَقِينِ بِهِ شِهَابًا إِنَّ حَدَثَ الهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ الشَّرِيفَةِ سَيَظُلُّ وَيَبْقَى الْحَدَثَ الْأَهَمَّ وَالْأَبْرَزَ فِي تَارِيخ الْإِسْلَامِ، بِاعْتِبَارِهِ حَدَنَا مُرْتَبِطًا بِهوِيَّةِ الْأُمَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ وَبِنَاءِ كِيَاءَهَا الرَّاسِخِ الشَّامِحُ، فنتيجة هذَا الحَدَثِ الْعَظِيمِ تَكَوَّنَ المُجْتَمَعُ الْإِسْلَامِيُّ وَقَامَتِ الدَّوْلَةُ الْإِسْلَامِيَّةُ، وَانْتَشَرَتِ الرِّسَالَةُ الْإِسْلَامِيَّةُ الَّتِي أَشْرَقَ ضِيَاؤُهَا عَلَى الْآفَاقِ، وَعَمَّ نُورُهَا أَرْجَاءَ

المعمورة. (1/601)

صفحة 583

السيرة النبوية.

وَكَما أَنَّ الهِجْرَةَ حَدَتْ عَظِيمٌ فِي التَّارِيخ الْإِسْلَامِيِّ، فَإِنَّ لَمَّا مَعْنَى كَبِيرًا فِي الْفِكْرِ الْإِسْلَامِيِّ، وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى الْهِجْرَةِ هُوَ هَجْرُ كُلِّ شَيْءٍ يُخَالِفُ مَا عَلَيْهِ الْإِسْلَامُ، أَيْ أَنَّ عَلَى المُسْلِمِ أَنْ يَتْرُكَ الشِّرْكَ بِالله تَعَالَى وَالْكُفْرَ بِأَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ وَأَنْ يَتْرُكَ الْإِيذَاءَ وَالشُّرُورَ وَالْآثَامَ وَكُلَّ سُلُوكِ سَيِّءٍ وَشَائِنٍ، يَقُولُ الرَّسُولُ: " فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى الله وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّه وَرَسُولِهِ وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَنكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ". وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ الهِجْرَةَ مَلَاذَا لِلْمُؤْمِنِينَ وَمَلْجَأَ يَلْجَؤُونَ إِلَيْهِ كُلَّمَا اشْتَدَّتْ عَلَيْهِمُ الشَّدَائِدُ وَالمَحَنُ، إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّهُمُ الْمَلَيْكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُن أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَهُهَا جِرُوا فِيهَا فَأُولَبِكَ مَأْوَنهُمْ جَهَنَّ وسَاءَتْ مَصِيرًا إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةٌ وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلا) فَأُولَيكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُو عَنْهُمْ وَكَانَ اللهُ عَفُوا غَفُورًا الله وَمَن يُهَاجِر فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاضَمَا كَبِيرًا وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ

ج

ج

يُدْرِكْهُ الموتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (النساء: 97 - 100. عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ وَإِنْ كَانَتْ وَارِدَةٌ فِي سِيَاقِ حَبُّ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الهِجْرَةِ مِنْ مَكَّةَ وَالتَّنْدِيدِ بالتَّخَلْفِ عَنْهَا، فَإِنَّ مَفْعُوا سَارٍ وَمَعَنَاهَا بَاقٍ عَبْرَ الدُّمُورِ وَالْأَزْمَانِ تَحثُ المُؤْمِنِينَ عَلَى الهِجْرَةِ مِنْ أَيِّ مَكَانٍ تَخَافُ فِيهِ الْمُسْلِمُ عَلَى دِينِهِ وَحَيَاتِهِ

602 (1/602)

صفحة 584

السيرة النبوية.

وَالحَدِيثُ الْوَارِدُ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ (لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْح)، إِنَّمَا هُوَ فِي تِلْكَ الهِجْرَةِ المخصُورَةِ مَكَانًا مِنْ مَكَّةَ، وَزَمَانَا مَا بَيْنَ الْعَامَيْنِ الْأَوَّلِ وَالنَّامِن لِلْهِجْرَةِ، أَمَّا مَا عَدَا

ذَلِكَ وَمَا بَعْدَ ذَلِكَ فَهِيَ مَشْرُوعَةٌ فِرَارًا مِنَ الْفِتْنَةِ فِي الدِّينِ، وَمِنَ الْخَوْفِ فِي الْحَيَاةِ. أَيُّهَا الْحَفْلُ الْكَرِيمُ:

إِنَّ الهِجْرَةَ النَّبَوِيَّةَ تُعتبرُ رَكِيزَةَ الْهُوِيَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَدَعَامَةٌ لِبِنَاءِ كِيَاتِهَا لِذَلِكَ اتَّخَذَهَا المُسْلِمُونَ عَلَى عَهْدِ خَلِيفَتِهِمُ الْفَارُوقِ الله مُرْتَكَرًا تَارِيخيًّا بَنَوْا عَلَيْهِ تَحرُّكَاتِهِمْ وَتَصَرُّفَاتِهِمْ، كَمَا كَانَتْ سِجَلًا وَثَائِقَيًّا حِرَكَةِ الْأُمَّةِ حَفِظَ لَهَا أَعْجَادَهَا وَحَضَارَتهَا، وَلَعَلَّهُ مِنَ الْمُنَاسِبِ أَنْ نُشِيرَ بِالْقَوْلِ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ الْاِعْتِمَادَ التَّارِيخِيَّ الَّذِي اتَّخَذَ مِنَ الهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ أَسَاسًا لَهُ جَاءَ مُنْسَجِا مَعَ الشُّهُورِ الْقَمَرِيَّةِ الَّتِي تَوَاضَعَ عَلَيْهَا الْعَرَبُ قَبْلَ الإِسْلَام بَعْدَ أَنْ طَوَّرُوهَا أَسْمَاء وَدِلَالَاتٍ، حَتَّى كَانَ ذَلِكُمُ التَّوَاضُع الْعَرَبِيُّ فِي سُمُوهَا الْحَضَارِيِّ مُؤَيَّدًا مِنَ الْوَحْيِ الْإِليِّ يَقُولُ اللهُ: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ أَثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ وَقَتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَة كَمَا يُقيلُونَكُمْ كَافَةُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ

(36)

C

الْمُتَّقِينَ (التوبة: 36. (1/603)

صفحة 585

السيرة النبوية.

لِهَذَا يَجِبُ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ أَنْ تُحَافِظَ عَلَى هَذَا التَّارِيخِ أَوِ التَّوْقِيتِ المُرْتَبِطِ بِهِجْرَةِ نَبِيِّنَا وَسَيِّدِنَا وَرَسُولِنَا الْعَظِيمِ مُحَمَّدٍ الله وَالرَّعِيلِ الْأَوَّلِ مِنْ صَحْبِهِ الْكِرَامِ الْغُرِّ الْمُيَامِينِ

الَّذِينَ شَادُوا كِيَانَ الْأُمَّةِ وَكَرَّسُوا لَهَا هُوِيَّتَهَا.

هُمُ الْجِبَالُ فَسَلْ عَنْهُمْ مُصَادِمَهُمْ مَاذَا رَأَى مِنْهُمْ فِي كُلِّ مُصْطَدَمٍ كَأَنَّهُمْ فِي ظُهُورِ الخَيْلِ نَبْتُ رُبِّي مِنْ شِدَّةِ الحَزْمِ لَا مِنْ شِدَّةِ الْخُرُمِ فَلَا يَنْبَغِي التَّفْرِيطِ فِي التَّمَسُّكِ بِتَارِيخنَا لِأَنَّهُ مِنَ ثَوَابِتِ الْإِسْلَامِ وَثَوابِتِ الْأُمَّةِ

الْإِسْلَامِيَّة. (1/604)

صفحة 586

السيرة النبوية.

(1)

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ "

الحمدُ لله مُبَشِّرِ الْأَسْبَابِ وَفَاتِحِ الْأَبْوَابِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الْأَوَابِ وَعَلَى آلِهِ وَالْأَصْحَابِ، وَعَلى تَابِعِيهِمْ وَتَابِعِي تَابِعِيهِمْ بِالْإِجَابَةِ

وَالْإِيجَابِ صَلَاةٌ وَسَلَامًا دَائِمَيْنِ تَعَاقُبًا إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ وَالْحِسَابِ.

وَاللَّهِ إِنَّكِ لَأَحَبُّ بِلَادِ اللهِ إِلَيَّ وَلَوْلَا أَنَّ قَوْمِي أَخْرَجُونِي مَا خَرَجْتُ، بِهَذِهِ الْكَلِمَاتِ الْمُؤَثْرَةِ نَظَرَ الحَبِيبِ المُصْطَفَى صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ إِلَى مَكَانِ نَشْأَتِهِ

وَمَلْعَبِ طُفُولَتِهِ وَمَسْرَحِ صِبَاهُ وَمَوْطِن قَوْمِهِ آبَاءَ وَأَجْدَادًا مَكَةَ الْمُكَرَّمَةَ.

وَلَيْسَ بِخَافٍ أَنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ أَشَقَّ عَلَى النَّفْس وَأَصْعَبَ عَلَى الْقَلْبِ وَأَشَدَّ عَلَى المُهَجِ مِنْ أَنْ يَتْرُكَ الْإِنْسَانِ مَوْطِنَهُ الَّذِي رَسَمَ فِيهِ خُطُوطًا عَرِيضَةٌ وَمَعَالِمَ جَمِيلَةٌ

لِلْحَيَاةِ.

عَلَى أَنَّ ذِكْرَ النَّفْسِ عَهْدًا وَمَعْهَدًا أَمَضُّ بِهَا مِمَّا تَمُجُ الْأَرَاقِمُ وَاللهُ عَزَّ وَجَلَّ جَعَلَ الْإِخْرَاجَ مِنَ الْوَطَنِ رَدِيفَ قَتْلِ النَّفْسِ فِي قَوْلِهِ: وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِن دِيَرِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بي لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَنيينا) النساء: 66.

(1) أُلْقِيَتْ فِي احْتِفَالِ وِزَارَةِ الْأَوْقَافِ وَالشُّؤُونِ الدِّينِيَّةِ لِعَامِ 1431 هـ، بِمُنَاسَبَةِ ذِكْرَى الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ. (1/605)

صفحة 587

السيرة النبوية.

بَيْدَ أَنَّ كُلَّ هَذَا يَهُونُ فِي سَبِيلِ الله وَفِي سَبِيلِ التَّضْحِيَّةِ مِنْ أَجْلِ الْعَقِيدَةِ، وَمِنَ المعلُوم أَنَّ الْعَقِيدَةَ هِيَ أَسْمَى الْأَهْدَافِ لَدى أَصْحَابِ الْمُبَادِي، وَهِيَ الَّتِي دَائِمَا وَأَبَدًا

يَجْعَلُ المُخْلِصُونَ حُظُوظَ الْحَيَاةِ قَرَابِينَ لَهَا. وَهَذَا مَا أَرَادَهُ اللهُ لِسَيّدِنَا مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ اللهِ بَعْدَ أَنْ هَيَّأَ هُمُ الْأَسْبَابَ وَالمُسَيِّبَاتِ، فَكَانَتِ الهِجْرَةُ الْكُبْرَى وَالرَّحْلَةُ الْعَظِيمَةُ الْمُبَارَكَةُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ، يَقُولُ أَحَدُ أُولَئِكُمُ الْمُهَاجِرِينَ:

فَقُلْتُ لَهَا بَلْ يَخْرِبُ الْيَوْمَ وَجْهُنَا وَمَا يَشَ الرَّحْمَنِ فَالْعَبْدُ يَرْكَبُ إِلَى اللهِ وَجْهِي وَالرَّسُولِ وَمَنْ يُقِمْ إِلَى الله يَوْمَا وَجْهَهُ لَا يُخَيَّبُ فَكَمْ قَدْ تَرَكْنَا مِنْ حَبِيبٍ مُنَاصِحٍ وَنَاصِحَةٍ تَبْكِي بِدَمْعِ وَتَنْدُبُ دَعَوْتُ بَنِي غُنْمٍ لِحِقْنِ دِمَائِهِمْ وَلِلْحَقِّ مَا لَاحَ لِلنَّاسِ مَلْحَبُ أَجَابُوا بِحَمْدِ اللهِ لا دَعَاهُمُ لَى الحَقِّ دَاعِ وَالنَّجَاحِ فَأَوْعَبُوا ورغنَا إِلَى قَوْلِ النَّبِيِّ مُحَمَّد فَطَابَ وَلَاةُ الحَقُّ مِنَّا وَطَيِّبُوا أَيُّهَا الْحَفْلُ الْكَرِيمُ:

إِنَّ الهِجْرَةَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ حَرَسَهُما اللهُ تَعَالَى مِنْ كُلِّ سُوءٍ وَمَكْرُوهِ، لَمْ تَكُنِ انْتِقَالًا مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ، بَلْ كَانَتْ هِجْرَةَ حَيَاةٍ مِلْؤُهَا الشَّرْكُ بِالله وَعِبَادَةُ (1/606)

صفحة 588

السيرة النبوية.

الْأَوْثَانِ وَفِيهَا تَعْذِيبُ قَاسِ لِلْمُؤْمِنِينَ إِلَى حَيَاةِ مِلْؤُهَا الْإِيمَانُ بِاللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَفِيهَا رَاحَةٌ وَطُمَأْنِينَةُ لِلْمُسْلِمِينَ لِذَلِكَ كَانَتِ الْهِجْرَةُ النَّبَوِيَّةُ عَلَى صَاحِبِهَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَأَزْكَى السَّلَامِ أَحْدَثَتْ نُقْلَةٌ كُبْرَى فِي تَارِيخِ الْبَشَرِيَّةِ، وَحَقَّقَتْ إِنْجَازَاتٍ كَبِيرَةً لِلْإِنْسَانِيَّةِ، وَتَتَمَثَلُ تِلْكَ الْإِنْجَازَاتُ فِيمَا يلي:

الْإِيمَانُ بِالله تَعَالَى رَبَّا خَالِفًا فَرْدًا صَمَدًا لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفْوًا أَحَدٌ، وَالْإِيمَانُ بِالْغَيْبِ وَمَا فِيهِ مِنْ ثَوَابِ وَعِقَابِ، وَإِيمَانِ بِالْكُتُبِ الرَّبَّانِيَّةِ وَالْأَنْبِيَاءِ وَالمُرْسَلِينَ، وَهَذِهِ أَسَاسِيَّاتُ الْعَقِيدَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ، عَلَى أَنَّ الْعَقِيدَةَ فِي الْإِسْلَامِ هِيَ قاعِدَةُ الحِرَاكِ فِي الْإِسْلَامِ، وَمُنْطَلَقِ السُّلُوكِ الْإِسْلَامِيِّ الْقَائِمِ عَلَى مُرَاقَبَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَقْوَاهُ، لِذَلِكَ فَإِنَّ جَمِيعَ الْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ الْآمِرَةِ وَالنَّاهِيَةِ أَوْ أَكْثَرَهَا تُختَمُ بِقَوْلِ: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ، وَلَعَلَّ هُنَا لَيْسَتْ لِلتَّرَجِي وَإِنَّمَا هِيَ لِلتَّعْلِيلِ أَيْ لِتَتَّقُوا، وَمِنْ هُنَا كَانَ الْمُسْلِمُونَ قدَوَةً فِي السُّلُوكِ الْإِنْسَانِي وَقُدْوَةً فِي التَّعَامُلِ الحَيَاتِ، وَقُدْوَةً فِي الْأَنْعَالِ وَالْأَقْوَالِ، وَذَلِكَ هُوَ السِّرُّ فِي انْتِشَارِ الْإِسْلَامِ بَيْنَ الْأُمَمِ وَالشُّعُوبِ.

التَّخْطِيطُ الْعُمْرَانِيُّ: ذَلِكُمُ التَّخْطِيطُ المتمثل في بناء المَسْجِدِ النَّبوِيِّ الشَّرِيفِ وَمَا حَوْلَهُ مِنَ المَنَازِلِ وَالدُّورِ، وَالطُّرُقِ وَالسُّوقِ، لِيَكُونَ ذَلِكَ إِطَارًا وَمُنْطَلَقًا لِلنَّشَاطِ الاِقْتِصَادِيِّ، وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّشَاطَ الاِقْتِصَادِيَّ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ إِطَارٍ يَنْطَلِقُ مِنْهُ وَيَأْوِي إِلَيْهِ، ذَلِكُمُ الاِقْتِصَادُ الْقَائِمُ عَلَى مَفهوم الحَلَالِ وَالحَرَام وَعَلَى الصِّدْقِ وَالْأَمَانَةِ وَالشَّفَافِيَةِ بَعِيدًا عَنِ الرِّبَا وَالْجُشَعِ وَالْغِضَّ وَالْمُضَارَبَاتِ الْوَهْمِيَّةِ، وَمُشْتَفَّاتِ الْقُرُوضِ لِذَلِكَ كَانَ الاقتصادُ الْإِسْلَامِيُّ الْوَاحَةَ الْآمِنَةَ لِرُؤُوسِ الْأَمْوَالِ وَالمُعَامَلات المالية. (1/607)

صفحة 589

السيرة النبوية

الْأُخُوَّةُ، وَتُعْتَبَرُ الْقَاعِدَةُ الْقَوِيَّةُ وَالْأَسَاسِيَّةُ لِبِنَاءِ الْوَحْدَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ، كَدَلِيلٍ تطبِيقِي حَيَّ عَلَى أَنَّ الْأُمَّةَ المُسْلِمَةَ أُمَّةً وَاحِدَةً: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَحِدَةً وَأَنَا

??

رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ الأنبياء: 92، و وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّنكُمْ أُمَّةً وَبَيدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ

فَاتَّقُون المؤمنون: 52. وَقَدْ ضَرَبَ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ أَرْوَعَ الْأَمْيْلَةَ فِي الْإِخَاءِ والتلاحم وَالْإِيثَارِ، حَيْثُ كَانَ الْأَنْصَارُ وَهُمْ أَهْلُ المَدِينَةِ يُؤْثِرُونَ الْمُهَاجِرِينَ بِأَمْوَالِهِمْ لِذَلِكَ أَثْنَى عَلَيْهِمُ اللهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: وَالَّذِينَ تَبَوَّهُ وَ الدَّارَ وَالْإِيمَنَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ، فَأُولَبِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (الحشر: 9. بَيْدَ أَنَّ المُهَاجِرِينَ كَانُوا مِنَ الْعِزَّةِ وَالْعِفَّةِ بِمَكَانٍ مَكِينٍ، عَنْ أَخْذِ أَمْوَالِ الْأَنْصَارِ فَقَدْ كَانَ الْأَنْصَارِيُّ يَقُولُ لِلْمُهَاجِرِ خُذْ مِنْ مَالِي مَا شِئْتَ فَيَرُدُّ عَلَيْهِ الْمُهَاجِرُ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي مَالِكَ دُلَّنِي عَلَى السُّوقِ، بِمَعْنَى أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَعْرِفُونَ الْاِتِّكَالِيَّةَ، وَكَانُوا رِجَالَ دِينِ وَدَوْلَةٍ، رِجَالَ عِبَادَةٍ وَعَمَلِ، رِجَالٌ دُنْيَا وَأُخْرَى.

المُوَاطَنَةُ وَهِيَ الَّتِي نَصَّتْ عَلَيْهَا صَحِيفَةُ المَدِينَةِ الَّتِي هِيَ أَوَّلُ دُسْتُورٍ إِسْلَامِيٌّ وَلَعَلَّهَا أَوَّلُ دُسْتُورٍ عَالِي فِي مَضْمُونِهَا وَمُحْتَوَاهَا، فَقَدْ بَيَّنَتْ حُفَوقَ الْمُوَاطَنَةِ وَالْعَيْشِ المُشْتَرَكِ بَيْنَ أَفْرَادِ الْمُجْتَمَعِ المَدَنِي عَلَى اخْتِلَافِ أَعْرَاقِهِمْ وَأَدْيَانِهِمْ، حَيْثُ بَيِّنَتْ مَا لِكُلِّ وَاحِدٍ أَوْ جَمَاعَةٍ مَنَ الْحُقُوقِ وَمَا عَلَيْهِمْ مِنَ الْوَاجِبَاتِ، وَهُوَ تَطَوُّرٌ عَالِي الْمُسْتَوَى (1/608)

صفحة 590

السيرة النبوية.

تَشْهَدُهُ الْإِنْسَانِيَّةُ فِي تَارِيخهَا الطَّوِيلِ، وَكَانَتْ تِلْكَ الصَّحِيفَةُ كَتَبَهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَبَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْيَهُودِ سَوَاءٌ كَانُوا أُولَئِكَ الَّذِينَ يُشَكِّلُونَ قَبَائِلَ كَبِيرَةً كَبَني النَّضِيرِ وَبَنِي قُرَيْظَةَ وَبَنِي فَيُنْفَاعَ أَوِ الَّذِين يُشَكِّلُونَ جَمَاعَاتٍ صَغِيرَةٌ دَاخِلَةٌ وَمُتَحَالِفَةٌ مَعَ الْقَبَائِلِ وَالْبُطُونِ الْعَرَبِيَّةِ، وَقَدْ عَاشَ الْجَمِيعُ مُتَسَاوِينَ فِي الحُقُوقِ

وَالْوَاجِبَاتِ فِي ظِلِّ جُنُودِ تِلْكَ الْوَثِيقَةِ الشَّرِيفَةِ حَتَّى نَقَضَهَا الْيَهُودُ شَيْئًا فَشَيْئًا. لهَذِهِ المُعَانِي السَّامِيَةِ نُدْرِكُ سِرَّ إِطْلَاقِ النَّبِيِّ الْكَرِيمِ عَلَى بِلَادِ الْمُهْجَرِ الْإِسْلَامِيِّ اسْمَ المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ بَعْدَ أَنْ كَانَ اسْمُهَا يَثْرِبَ وَطَيْبَةَ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ فِي هَذِهِ التَّسْمِيَةِ دَلَالَةٌ عَظِيمَةٌ تُوحِي وَتُؤْذِنُ بِانْطِلَاقِ المُدَنِيَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ ذَاتِ الْبُعْدِ الْحَضَارِي

الرائع.

وَعَلَى أَنَّ الْإِسْلَامَ هُوَ دِينُ المَدَنِيَّةِ وَالْحَضَارَةِ، لِذَلِكَ كَانَتِ الْمَدِينَةُ المُنَوَّرَةُ قَاعِدَةَ انْطِلَاقِ تِلْكَ الْحَضَارَةِ بِبُعْدَيْهَا الْإِيمَانِي وَالْمادِي لِتَعُمَّ الْكَوْنَ وَتُغَطِّيَ الْكُرَّةَ الْأَرْضِيَّةَ نَاشِرَة الْعَدْلَ وَالرَّحْمَةَ وَالْأَمْنَ وَالْأَمَانَ.

أَيُّهَا الْحَفْلُ الْكَرِيمُ: لَقَدْ دَفَعَ اللهُ بِالمُسْلِمِينَ، وَأَمَرَهُمْ بِالهِجْرَةِ وَأَذِنَ هُمْ فِي الْقِتَالِ كُلُّ ذَلِكَ لِحِمَايَةِ الْبَشَرِيَّةِ وَمُقَدَّسَاتِهَا الدِّينِيَّةِ، يَقُولُ اللهُ: الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَرِهِم بِغَيْرِ حَقِّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ خَدِمَتْ صَوَامِعُ وَبَعٌ وَصَلَوَاتٌ (1/609)

صفحة 591

السيرة النبوية.

وَمَسجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيُّ

40

عزيز الحج: 40 فَقَدَّمَ اللهُ ذِكْرَ مَقَرَّاتِ الْعِبَادَةِ الَّتِي هِيَ لِلْأَدْيَانِ الْأُخْرَى وَأَخْرَ ذِكْرَ المَسَاجِدِ الَّتِي هِيَ أَمَاكِنُ عِبَادَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَهَذِهِ وَلَا شَكٍّ قِيمَةٌ تَسَاحِيَّةٌ كَبِيرَةٌ أَرَادَهَا اللَّهُ لِلْإِسْلَامِ، لِيُبَيِّنَ أَنَّ جَمِيعَ مَقَرَّاتِ الْعِبَادَةِ جَمِيعِ الْأَدْيَانِ ذَاتِ الْمُصْدَرِ الرَّبَّانِيِّ هِيَ تَحْمِيَّاتٌ إِسْلَامِيَّةٌ، وَإِذَا كَانَ هَذَا هُوَ الْإِسْلَامُ فِي تَسَامُحِهِ فَمَا بَالَ الْغَرْبِ المَسِيحِي مِنْ خِلَالِ أَحْزَابِهِ الْيَمِينِيَّةِ المُتَطَرَّفَةِ يَضِيقُ ذَرْعًا بِالْوُجُودِ الْإِسْلَامِيٌّ وَمَعَالِهِ وَرُمُوزِهِ، وَنَرَاهُ يَطْلَعُ عَلَيْنَا بَيْنَ الْفَيْنَةِ وَالْأُخْرَى بِقَضِيَّةٍ تَمَسُّ المُسْلِمِينَ وَتُؤْذِي مَشَاعِرَهُمْ حَتَّى ظَهَرَتْ مُؤَخَّرًا قَضِيَّةٌ حَظْرِ المَآذِنِ في سويسرا، تَوَهُمَا بِأَنها تَحْمِلُ مَعَانِي سِيَاسِيَّةٌ مَعَ أَنَّهَا مِنَ المَعْلُومِ لَا تَحْمِلُ مَعْنَى سِيَاسِيًّا وَلَا مَعْنَى اجْتِمَاعِيًّا بَلْ وَلَا مَعْنًى دِينِيًّا، وَإِنَّمَا هِيَ مَعَالِمُ يُهْتَدَى بِهَا إِلَى وُجُودِ المَسَاجِدِ الَّتِي يُعْبَدُ اللهُ فِيهَا، شَأْنُ الْمَسَاجِدِ فِي ذَلِكَ شَأْنُ أَمَاكِنِ الْعِبَادَةِ الْأُخْرَى كَالْكَنَائِسِ مَثَلًا.

وَإِذَا كُنَّا نَسْتَنكِرُ مَوْقِفَ تِلْكَ الْأَحْزَابِ الْيَمِينِيَّةِ المُتَطَرْفَةِ، فَإِنَّنَا نُثَمِّنُ وَنُقَدِّرُ مَوَاقِفَ الحُكُومَاتِ الْغَرْبِيَّةِ عَلَى اسْتِيعَاتِهَا لِلْوُجُودِ الْإِسْلَامِيِّ وَتَسَاحِهَا مَعَ ذَلِكَ الْوُجُودِ، بَلْ وَعَلَى دَعْمِهَا لَهُ، مُطَالِبِينَ إِيَّاهَا بِعَدَمِ إِعْطَاءِ الْفُرْصَةِ لِلتَّطَرُّفِ المُمسِيحِي فِي

خَلْقِ مَنَاخِ التَّوَثُرِ مَعَ الْوُجُودِ الْإِسْلَامِيِّ فِي الْغَرْبِ وَمَعَ الْعَالَمِ الْإِسْلَامِيِّ. (1/610)

صفحة 592

السيرة النبوية.

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

(1)

وَالَاهُ.

الحَمْدُ لله وَنُصَلِّي وَنُسَلِّمُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ

ألا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً

بوَادٍ وَحَوْلِي إِذْخَرٌ وَجَلِيلُ

وَهَلْ أَرِدَنْ يَوْمًا مِيَاهَ مجَنَّةٍ

وَهَلْ يَبْدُونَ لِي شَامَةٌ وَطَفِيلُ

بِهَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ كَانَ بِلَالُ بْنُ رَبَاحٍ الْحَبَشِيُّ مُؤَذِّنُ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم يَرْفَعُ عَقِيرَتَهُ فِي دَارِ الهِجْرَةِ، المدينة المنورة بُعَيْدَ وُصُولِهِمْ هُوَ وَالصَّحَابَةُ، مُتَشَوّفًا إِلَى وَطَنِهِ مَكَّةَ المُكَرَّمَةِ، يَشُدُّهُ الشَّوْقُ إِلَيْهَا، وَيُهِيجُهُ الْحَنينُ إِلَى ذِكْرِ أَمَاكِنِهَا وَرُبُوعِهَا الْجَمِيلَةِ الَّتِي طَالَما تَرَدَّدَ فِيهَا هُوَ وَأَصْحَابُهُ رَاعِينَ أَغْنَامَهُمْ مُسَرِّ حِينَ إِبلَهُمْ لَا هِينَ فِي طُفُولَتِهِمْ لَاعِبِينَ فِي صِبَاهُمْ مُتَحَرِّكِينَ فِي شَبَابِهِمْ، إِنَّهَا أَمَاكُنْ جَمِيلَةٌ، وَذِكْرَيَاتٌ فِي الذَّاكِرَةِ أَجَلُ، حَيْتُ هُنَاكَ الْإِذْخِرُ وَالجَلِيلُ مِنْ أَشْجَارِ مَكَّةَ بَلْ تَتَمَيَّزُ بهَا مَكةُ، وَهُنَاكَ الحياه الصافية في مجنةٌ، يَرِدُ مِنْهَا النَّاسُ لِتُريهِمْ، وَإبِلِهِمْ وَأَغْنَامِهِمْ كَمَا أَنْ هُنَاكَ الْجَبَلَيْنِ شَامَةَ وَطَفِيلًا الْوَاقِعَيْنِ فِي أَسْفَلَ مَكَّةَ، كُلُّهَا أَمَاكِنُ يَأْخُذُ الشَّوْقُ إِلَيْهَا بِالصَّحَابَةِ الْمُهَاجِرِينَ كُلَّ مَأْحَدٍ، وَيَذْهَبُ بِهِمُ الْحَنِينُ إِلَيْهَا كُلَّ مَذْهَبِ، وَمَا إِفْصَاحُ السَّيْدِ بِلَالٍ عَنْ تِلْكَ الخلجَاتِ النَّفْسِيَّةِ الْوَطَنِيَّةِ إِلَّا تَعْبِيرُ عَنْهُمْ جَمِيعًا أَوْ عَنْ تَجمُوعِهِمْ.

1 ألقيت في احتفال وزارة الأوقاف والشؤون الدينية لعام 1432 هـ، بمناسبة ذكرى الهجرة النبوية. (1/611)

صفحة 593

السيرة النبوية.

إِنَّ شَأْنَ الهِجْرَةَ عَنِ الْأَوْطَانِ شَأْنُ فِيهِ مَرَارَةٌ وَلَوْعَةٌ وَكُرْهُ، فَهُوَ ثَقِيلٌ عَلَى النَّفْسِ لَا فِيهِ مِنْ مُفَارَقَةِ الْأَهْلِ وَالْإِخْوَانِ، وَتَرْكِ الدِّيَارِ وَالسُّكَّانِ، كَمَا أَنَّهُ وَلَا شَكٍّ أَمْرٌ عَزِيزٌ عَلَى النَّفْسِ شَدِيدُ الْوَطْأَةِ عَلَى الْقَلْبِ، وَهُوَ مَا عَبَرَ عَنْهُ الحَبِيبُ المُصْطَفَى صَلَوَاتُ الله وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ خَيْرَ تَعْبِيرِ بَعْدَمَا خَرَجَ أَوْ أُخْرِجَ مِنْ مَكَّةَ مَسْقَط رَأْسِهِ وَمَرْبعٍ صِبَاهُ وَمَوْطِنِ آبَائِهِ وَأَجْدَادِهِ بِقَوْلِهِ وَهُوَ يُلْقِي نَظْرَةَ الْوَدَاعِ إِلَيْهَا: " وَاللَّهِ إِنَّكِ لَأَحَبُّ بِلَادِ اللَّهِ إِلَيَّ وَلَوْلَا أَنَّ قَوْمِي أَخْرَجُونِي مَا خَرَجْتُ". بَيْدَ أَنَّ الْإِنْسَانَ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا يُرِيدُ أَمْرًا، وَاللهُ يُرِيدُ غَيْرَهُ، وَلَا يَكُونُ إِلَّا مَا أَرَادَ اللهُ عَزَّ سُلْطَانُهُ وَعَظُمَ شَأْنُهُ عَلَى أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ فِي ظَاهِرِهِ شَرًّا حَسَبَ رُؤْيَةِ الْإِنْسَانِ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ الْعَالِمُ بِخَيْرِهِ حَتَّى يَظْهَرَ ذَلِكَ الْخَيْرُ لِلْإِنْسَانِ، يَقُولُ اللَّهُ: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهُ لَكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) البقرة: 216، وَيَقُولُ

أَيْضًا فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا النساء: 19. لَقَدْ سَارَتِ الهِجْرَةُ النَّبوِيَّةُ عَلَى هَذَا النَّحْو مِنَ المسير، خُرُوجٌ بَلْ إِخْرَاجٌ عَنِ

الْأَوْطَانِ، وَبُعْدٌ عَنِ الْأَهْلِ وَالخِلانِ، وَفِرَاقٌ لِلْأَصْحَابِ وَالْجِيرَانِ. مَا أَمَرَّ هَذِهِ المُفَرَدَاتِ، وَمَا أَقْسَى مَدْلُولَاتِهَا، لَوْلَا الدِّينُ وَإِعْزَازُهُ وَالتَّصْحِبَةُ مِنْ أَجْلِهِ، لِذَلِكَ كَانَتِ النِّيجَةُ رَائِعَةٌ حَقًّا، فَقَدْ تَخَضَتِ الهِجْرَةُ عَنْ أَمْرٍ كَبِيرٍ، أَلَا وَهُوَ (1/612)

صفحة 594

السيرة النبوية.

قِيَامُ دَوْلَةِ الْإِسْلَامِ وَالمُسْلِمِينَ، وَبُرُوزُ الْكِيَانِ الْإِسْلَامِيُّ الْمُبَارَكِ فَعَزَّ فِيهِمَا وَبِهِمَا الْإِسْلَامُ وَالمُسْلِمُونَ فَتَكَوَّنَتِ الدَّوْلَةُ الْإِسْلَامِيَّةُ المُبَارَكَةُ، وَتَكَوَّنَ مَعَهَا المُجْتَمَعُ الْإِسْلَامِيُّ المُجِيدُ، وَمِنْهَا تَكَوَّنَتِ المَدِينَةُ الْفَاضِلَةُ الَّتِي طَالَما حَلُمَ بِهَا الْفَلَاسِفَةُ وَالمُصْلِحُونَ، وَتَعَانَقَتِ الدَّوْلَةُ وَالمُجْتَمَعُ، تَعَانُقًا عَجِيبًا، وَتَنَاسَقَتْ تَنَاسُقًا غَرِيبًا، وَذَلِكَ كُلُّهُ لِوُجُودِ مَرْجِعِيَّة أَلَا وَهِيَ الْإِسْلَامُ تَضُمُّهَا وَتَنضَمُها عَقِيدَةً رَاسِخَةٌ، وَأَخْلَاقًا فَاضِلَةٌ وَسُلُوكًا حَمِيدًا، وَعَلَاقَاتٍ إِنْسَانِيَّةٌ رَاقِبَةٌ وَقَدْ تَجَلَّتْ مَعَالِمُ تِلْكَ المَعَانِي النَّبِيلَةِ إِيَّانَ الْخِلَافَةِ الرَّاشِدَةِ نَظَرًا لِنُضْحِ الدَّوْلَةِ وَالمُجْتَمَعِ، وَتَطَوُّرُهُمَا عَلَى ذَلِكَ الْعَهْدِ الميْمُونِ، فَقَدْ عَيَّنَ الخَلِيفَةُ الْأَوَّلُ أَبو بَكْرِ الصِّدِّيق، عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَاضِبًا عَلَى المدينةِ، وَمَرَّتْ فَتْرَةٌ قُرَابَةَ الْعَامَيْنِ وَلَمْ يَأْتِ إِلَيْهِ أَحَدٌ شَاكِبًا مِنْ أَحَدٍ، الْأَمْرُ الَّذِي حَمَلَهُ عَلَى الاِعْتِدَارِ عَنْ الإِسْتِمَرَارِ فِي ذَلِكَ المَنْصِبِ الْقَضَائِيِّ الشَّرِيفِ، لِأَنَّ الْمُرْجِعِيَّةَ الْإِسْلَامِيَّةَ أَدَّبَتِ الْجَمِيعَ فَأَحْسَنَتِ التَّأْدِيبَ.

أَيُّها الحفل الكَرِيمُ:

هَذِهِ هِيَ المَدْرَسَةُ النَّبَوِيَّةُ المُحَمَّدِيَّةُ الَّتِي تَخَضَتْ عَنْ تِلْكَ الهِجْرَةِ الشَّاقَةِ وَالْمُبَارَكَةِ فِي آنٍ وَاحِدٍ.

أَلَيْسَ جَدِيرًا بِهَذَا الْحَدَثِ الْعَظِيمِ، أَلَا وَهُوَ حَدَثُ الهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ الشَّرِيفَةِ مِنْ مَكَّة المكرَّمَةِ إلى المدينة المنورَةِ حَرَسَهَا اللهُ بِحِفْظِهِ وَرِعَايَتِهِ وَعِنَايَتِهِ أَنْ يَكُونَ سِجِلا

لِتَارِيخِ الْأُمَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ؟

613 (1/613)

صفحة 595

السيرة النبوية.

إِنَّ الْقَرَارَ بِاعْتِمَادِ الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ لِتَدْوِينِ التَّارِيخِ هُوَ قَرَارٌ عَظِيمٌ عَمِيقُ النَّظَرِ، بَعِيدُ الْأَثَرِ، لَمْ يَنْشَأ اعْتِبَاطًا وَاز تِجَالًا، وَإِنَّمَا الْخَلَهُ ذَلِكُمُ الْخَلِيفَةُ الْعَظِيمُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بِنَاءً عَلَى دِرَاسَةِ عَمِيقَةٍ وَمُشَاوَرَاتٍ مُسْتَفِيضَةٍ مَعَ الصَّحَابَةِ الْكِرَامِ الله مِنْ مُهَاجِرِيهِمْ وَأَنْصَارِهِمْ، حَتَّى كَانَ ذَلِكُمُ الْقَرَارُ الصَّانِبُ الْمُوَفَّقُ بِتَوْفِيقِ الله تَعَالَى عَلَى أَنَّهُ يَدُورُ هُنَاكَ تَسَاؤُلَانِ:

الْأَوَّلُ: لِمَاذَا اعْتُمِدَتِ الْهِجْرَةُ فِي تَدْوِينِ التَّارِيخ وَلَمْ يُعْتَمَدُ مَوْلِدُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مَعَ أَنَّ

مَوْلِدَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ حَدَتْ فِي الدُّنْيَا عَظِيمٌ؟

وَالثَّانِي: لِمَاذَا لَمْ يُجْعَلِ الشَّهْرُ الَّذِي وَقَعَتْ فِيهِ الْهِجْرَةُ وَهُوَ شَهْرُ رَبِيعِ الْأَوَّلُ بِدَايَةٌ

لِلتَّارِيخِ، وَجُعِلَتْ غُرَّةُ مُحرَّمٍ هِيَ الْبِدَايَةُ؟

فَالْجَوَابُ عَنِ التَّسَاقُلِ الْأَوَّلِ:

هُوَ أَنَّ الْإِسْلَامَ دِينُ تَشْرِيعِ جَاءَ لِتَنْظِيمِ الْحَيَاةِ فِي جَمِيعِ شُؤُونِهَا وَتَخْلِيصِ الْعَقِيدَةِ مِنْ شَوَائِبِ الشِّرْكِ وَإِخْلَاصِ الْعُبُودِيَّةِ لله تَعَالَى، وَعَلَى ذَلِكَ فَهُوَ يَبْتَعِدُ عَنِ الشَّخْصَنَةِ أَي التَّعْلُقِ بِالْأَشْخَاصِ وَإِنْ كَانَ هَذَا الشَّخْصُ هُوَ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا لك الَّذِي نَعْتَبِرُهُ نَحْنُ المُسْلِمِينَ عَقِيدَةً ثَابِتَةٌ وَإِيمَانًا جَازِمًا أَفْضَلَ وَأَعْظَمَ مَخلُوقِ فِي الْبَشَرِيَّةِ عَلَى الإطلاقِ، وَهُوَ الَّذِي عَلَّمَنَا عَدَمَ التَّعَلُّقِ بِشَخْصِهِ الْكَرِيمِ لِقَوْلِهِ: "لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ وَلَكِنْ قُولُوا: عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، وَهُوَ مَا أَمَرَهُ بِهِ رَبُّهُ

614 (1/614)

صفحة 596

السيرة النبوية.

بِقَوْلِهِ و قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَى أَنَّمَا إلَهُكُمْ إِلَهُ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْحُوا لِقَاءَ رَبِّهِ

فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَلِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّدِه أَحَدًا (الكهف: 110.

نَعَمْ يَكُونُ التَّعَلُّقُ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يُمْكِنُ فِي اتَّبَاعِ شَرْعِهِ وَتَهْجِ مَنْهَجِهِ وَالْأَخْذِ بِسُنَّتِهِ فَمِنْ هُنَالِكَ كَانَتِ الْهِجْرَةُ بِدَايَةَ التَّارِيخِ وَلَيْسَ الْمَوْلِدُ لِأَنَّهَا حَدَتْ عَامٌ يَتَعَلَّقُ بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَغَيْرِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ الْأَوَائِلِ، فَهُنَاكَ مَنْ هَاجَرَ وَهُنَاكَ مَنْ نَاصَرَ وَآثَرَ،

ج

فَالْجَمِيعُ كَانُوا مُشْتَرِكِينَ فِي صُنْعِ هَذَا الْحَدَثِ التَّارِيخِيِّ الْعَظِيمِ. أَمَّا الْجَوَابُ عَنِ التَّسَاقُلِ الثَّانِي: هُوَ أَنَّ وَضْعَ هَذِهِ الشُّهُورِ الاِثْنَيْ عَشَرَ كَانَ مِنْ عِنْدِ الله تَعَالَى يَوْمَ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ لِقَوْلِهِ: إِنَّ عدَةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ أَثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَربَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيْمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَيلُوا الْمُشْرِكِين كافة كما يُقتِلُونَكُمْ كَافَةٌ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (التوبة: 36. وَرَتَّبَ اللهُ عَلَيْهَا حَرَكَةَ النُّجُومِ وَالْكَوَاكِبِ وَمِنْهَا الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ، وَإِنَّما تَدَخَلَّتِ الْبَشَرِيَّةُ فِيمَا بَعْدُ عَبْرَ تَارِيخها الطويل في تَغْبِيرِ أَسْمَائِهَا فَقَطْ بَيْنَ زَمَنِ وَآخَرَ، حَتَّى اسْتَقَرَّتْ بِهَا الْعَرَبُ قَبْلَ الْإِسْلَامِ عَلَى هَذِهِ الْأَسْمَاءِ الَّتِي هِيَ: مُحَرَّم، صَفَرٌ، رَبِيعُ الْأَوَّلُ، رَبِيعُ الثَّانِي، جُمَادَى الْأُولى، جُمَادَى الثَّانِيَةُ، رَجَبٌ، شَعْبَانُ، رَمَضَانُ، شَوَّالٌ، ذُو الْقِعْدَةِ، ذُو الْحِجَّةِ، وَقَدْ عَمِدَتِ الْعَرَبُ إِلَى تَأْخِيرِ بَعْضِ الشُّهُورِ عَنْ وَقْتِهَا الصَّحِيحِ لِكَيْ يَتَسَنَّى هُمُ الاِسْتِمْرَارُ فِي حُرُوبِهِمْ وَعِنْدَمَا جَاءَ الْإِسْلَامُ

36

710 (1/615)

صفحة 597

المسيرة النبوية.

وَحَجَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم حِجَّةَ الْوَدَاعِ رَدَّهَا إِلَى وَقْتِهَا الصَّحِيحِ، لِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ: " إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَقَدْ كَانَ شَهْرُ مُرَّمٍ عَلَى أَيِّ اسْمِ كَانَ مِنْ قَبْلُ هُوَ بِدَايَةُ السَّنَةِ، كَمَا كَانَ شَهْرُ ذِي الْحِجَّةِ عَلَى أَيِّ اسْمِ كَانَ يُعْرَفُ بِهِ مِنْ قَبْلُ هُوَ آخِرُ شُهُورِ السَّنَةِ. وَعِنْدَمَا وَفَّقَ اللهُ الْمُسْلِمِينَ وَخَلِيفَتِهِمُ الْفَارُوقُ رَأَوُا الاِبْتِدَاءَ بِالتَّارِيخِ مِنْ أَوَّلِ شُهُورِ السَّنَةِ الَّتِي حَدَثَتْ فِيهَا الهِجْرَةُ، وَلِأَنَّهُ لَوْ أَرْحُوا بِشَهْرِ رَبِيعِ الْأَوَّلِ لَحَدَثَ هُنَاكَ ارْتِبَاكُ وَعَدَمُ انْضِبَاطِ، فَهَذَا الَّذِي حَمَلَهُمْ عَلَى جَعْلِ غُرَّةَ الْمُحَرَّمِ بِدَايَةٌ لِتَدْوِينِ التَّارِيخِ الْإِسْلَامِيِّ، فَجَزَاهُمُ اللهُ خَيْرَ الْجَزَاءِ عَلَى هَذَا الصَّنِيع الجَمِيلِ الَّذِي أَعْطَى لِلْأُمَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ قِيمَتَهَا الْحَضَارِيَّةِ وَقَوَّى فِيهَا انْتِمَاءَهَا الْإِسْلَامِيَّ، وَكَرَّسَ فِيهَا اعْتِزَازَهَا

بِدِينِهَا وَاسْتِقْلَاهَا بِتَارِيحَهَا.

??? (1/616)

صفحة 598

مُقدمة.

السيرة النبوية.

المحتويات

إِسْمَاعِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَبُو الْعَرَبِ الْبَاقِيَةِ:

الْعَرَبُ فِي اللُّغَةِ:.

أَقْسَامُ الْعَرَبِ:

إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلُ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ:

ثَانِيَا: إِسْمَاعِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ:

الْأَمْرُ بذَبْحِهِ:

فِدَاؤُهُ:

رَفْعُ قَوَاعِدِ الْبَيْتِ الْعَتِيقِ:

تطهير البيت:

صِدْقُ الْوَعْدِ

الْأَمْرُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ:

رَأْيِّ آخَرُ:

الهِجْرَةُ الْأُولَى:

الهجرة الثانية: (1/617)

صفحة 599

قَحْطَانُ وَعَدْنَانُ:

إِسْمَاعِيلُ وَإِسْحَاقُ فِي الْقُرْآنِ: لِمَاذَا كَانَ مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم مِنَ الْعَرَبِ؟

الْعَامِلُ الْأَوَّلُ: جُغْرَافِيَّةُ المُكَانِ: الْعَامِلُ الثَّانِي: النَّسَبُ.

السيرة النبوية.

الْعَامِلُ الثَّالِثُ: الأَخْلاقُ وَالسُّلُوك

الْعَامِلُ الرَّابِعُ: سَلَامَةُ الْفِطْرَةِ.

الْعَامِلُ الْخَامِسُ: خُشُونَةُ الْحَيَاةِ الْعَامِلُ السَّادِسُ: قُوَّةُ الْبَيَانِ

مَوْلِدُ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ تَارِيخُ الْمُوْلِدِ

لكِنْ هَذَا قَبْلَ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ رَبُّهُ.

قَصَصُ في السِّيرَةِ لَا تُقْبَلُ

كَشْفُ الْعَوْرَةِ أَثْنَاءَ بِنَاءِ الْكَعْبَةِ:

لِقَاؤُهُ بِالرُّهْبَانِ أَثْنَاءَ رِحْلَتِهِ التَّجَارِيَّةِ:

الْأَسْئِلَةُ.

البعثة النبوية والتحديات

618 (1/618)

صفحة 600

السيرة النبوية.

19

إِرْهَاصَاتُ النُّبُوَّةِ

الْيُثْمُ:

الْعَمَلُ:

رَعْيُّ الْغَنَمِ: التِّجَارَةُ:

الْأَمَانَةُ وَالاسْتِقَامَةُ:

زَوَاجُهُ مِنْ خَدِيجَةَ:

بنَاءُ الْكَعْبَةِ:

حِلْفُ الْفُضُولِ:

الْأُمَّةُ.

ميه

التعبد:

الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ:

الْوَحْيُ وَبِدَايَةُ الرّسَالَةِ.

بِدَايَةُ انْتِشَارِ الْإِسْلَام.

الْإِعْلَانُ الْإِسْلَامِيُّ. التَّعْذِيبُ وَالْإِيذَاءُ

تَعَرُّضُ الرَّسُولِ لِلْأَذَى.

دَارُ الْأَرْقَمِ (1/619)

صفحة 601

الهِجْرَةُ إِلَى الحُبَشَةِ.

حِصَارُ بَنِي هَاشِمٍ. عَامُ الْحُزْنِ

السيرة النبوية.

الذَّهَابُ إِلَى الطَّائِفِ

الإسراء والمعراج

الْجَانِبُ الْعَمَلِيُّ لِلْهِجْرَةِ

الْأَسْبَابُ:

التهيؤ

الملأ يَأْتَمرُونَ

رِحْلَةُ الْهِجْرَةِ:

الجانِبُ الْفِكْري للهجرة.

الهِجْرَةُ النَّبَوِيَّةُ تَكَوَّنَ مِنْهَا نَسِيجُ اجْتِمَاعِيٌّ مَا هُوَ؟.

- كيف يمكن للمسلمين أن يتوحدوا على ضوء التاريخ الهجري ..

- وَنَحْنُ نَحْتَفِلُ بِالْهِجْرَةِ كَيْفَ نُطَبَقُ هَذِهِ المُنَاسَبَةَ فِي وَاقِعِنَا الْحَالِيُّ؟.

- فِي نِهَايَةِ هَذَا اللّقَاءِ هَلْ مِنْ كَلِمَةٍ حَوْلَ هَذِهِ المَنَاسَبَةِ؟

620 (1/620)

صفحة 602

السيرة النبوية -

بَيْنَ الْهِجْرَةِ وَبَدْرٍ وَفِيهِ: الْأَعْمَالُ المُدَنِيَّةُ الْأَعْمَالُ الْعَسْكَرِيَّةُ.

الأعمال المدنية.

الْإِقَامَةُ فِي قُبَاءَ:

بِنَاءُ مَسْجِدِ قُبَاءَ:

الْخُرُوجُ مِنْ قُبَاءَ:

بنَاءُ المَسْجِدِ:

بنَاءُ الْبُيُوتِ:

تَلَاحُقُ المُهَاجِرِينَ: المؤاخاة:

الْأَذَانُ:

ظُهُورُ الْعَدَاوَةِ:

تحويلُ الْقِبْلَةِ:

دُسْتُورُ الْمَدِينَةِ:

الْأَعْمَالُ الْعَسْكَرِيَّةُ.

الْأَسْبَابُ:

الْهُدَفُ:

غَزْوَةُ وِدَان: (1/621)

صفحة 603

السيرة النبوية.

622

سَرِيَّةٌ عُبَيْدَةَ بْنِ الْحَارِثِ:

سَرِيَّةُ حَمْزَةَ بْن عَبْدِ المُطَّلِب:

غَزْوَةُ بُوَاطٍ:

غَزْوَةُ الْعَشِيرَةِ:

سَرِيَّةُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ:

غَزْوَةُ سَفَوَانَ:

سَرِيَّةٌ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ: أم المُعَارِكِ.

سبب التسمية:

تَارِيخُ الْمُعْرَكَةِ:

الْأَسْبَابُ المُمَهَّدَةُ:

مِنَ المَدِينَةِ إِلَى المُعْرَكَةِ:

تَفَاوُتُ الْقُوَى:

الْقُوَّةُ المُسْلِمَةُ:

الْقُوَّةُ المُشْرِكَةُ:

رَغْبَةُ بَعْضِ قُرَيْشٍ فِي الْعَوْدَةِ عَنِ الْحَرْبِ:

الاِسْتِعْدَادُ الْإِسْلَامِيُّ لِلْمَعْرَكَةِ: (1/622)

صفحة 604

إِعْطَامُ الرَّايَاتِ وَالْأَلْوِيَةِ: صُنْعُ حَوْضِ الماء:

بِنَاءُ مَقَرٌّ لِلْقِيَادَةِ:

ترتيب الجند:

سير المعركة:

السيرة النبوية.

نَتَائِجُ المُعْرَكَةِ:.

الْعَوْدَةُ إِلَى المَدِينَةِ: الدُّرُوسُ المُسْتَقَاةُ:

المساواة:

السُّورَى.

بُرُوزُ الْقُوَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ:

الْعَقِيدَةُ عَامِلٌ مُهم فِي الحَرْبِ:

تحقيقُ الْعُبُودِيَّةِ الله:

المبدأ قَبْلَ النَّسَبِ: تَكْرِيمُ الْعِلْمِ: قَضَايَا تَشْرِيعِيَّةٌ:

نَصْرُ المُؤْمِنِينَ:

مِنْ بَدْرٍ إِلَى أُحُدٍ. (1/623)

صفحة 605

السيرة النبوية.

624

غَزْوَةُ بَنِي سُلَيْمٍ بِالْكَدِرِ ..

غَزْوَةُ السَّوِيقِ.

غَزْوَةُ ذِي أَمْرٍ.

غَزْوَةُ الْفَرِعِ مِنْ يُحِرَانَ.

حَرْبُ بْني قَيْنْقَاعَ ..

وُجُودُ الْيَهُودِ بِالمدينة:

سَبَبُ الْحَرْبِ عَلَيْهِمْ: حِصَارُهُمْ:

سَرِيَّةُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ. غَزْوَةُ أُحدٍ.

الْأَسْبَابُ:

الدُّعَايَةُ الْإِعْلَامِيَّةُ: خُرُوجُ قُرَيْشٍ مِنْ مَكَّةَ: الشورى.

الطَّرِيقُ إلى أحد:

خُطَّةُ الدَّفَاعِ الحَرْبِيَّةُ:

الْقُوَّاتُ المُهَاجِمَةُ: (1/624)

صفحة 606

السيرة النبوية.

625

تَسَابُقُ الصَّبْيَانِ:

التَّوْجِيهُ المُعْنَوِيُّ:

احْتِدَامُ المَعْرَكَةِ.

الْهَزِيمَةُ بَعْدَ النَّصْرِ:

مَا بَعْدَ المُعْرَكَةِ:

الصَّلَاةُ عَلَى الشُّهَدَاءِ:

دَفْنُ الْقَتْلَى:

المُسِيرُ إِلَى حَمْرَاءِ الْأَسَدِ:

بَيْنَ أُحُدٍ وَالخَنْدَقِ.

مَاءُ الرَّجيع.

بِثْرُ مَعُونَة.

إجلاء بَنِي النَّضِير.

غَزْوَةُ ذَاتِ الرّقَاعِ.

غَزْوَةُ بَدْرٍ الْآخِرَةُ

غَزْوة دُومَةِ الجُنْدَلِ.

غَزْوَةُ الْأَحْزَابِ، أَوْ غَزْوَةُ الخَنْدَقِ.

تَسْمِيَتُهَا:

سَبَبُهَا: (1/625)

صفحة 607

السيرة النبوية.

626

حَفْرُ الْخَنْدَقِ:

وُصُولُ الْأَحْزَابِ:

الْحِصَارُ:

مُحَاوَلَاتُ الصُّلْحِ مَعَ غَطَفَانَ: دَوْرِيَّةُ اسْتَطِلاع يَهُودِيَّةٌ: الْمُنَاوَشَاتُ:

الْعِنَايَةُ الإلهية تَفتُ الحِصَارَ:

4 - المُسَارُ الْبَشَرِيُّ:

ه - المُسَارُ المَناخِيُّ: -6 - المَسَارُ المَلائِكِيُّ: عَوْدَةُ الْأَحْزَابِ:

النتيجة:

غَزْوَةُ بَنِي قُرَيْظَةً.

الْمَسِيرُ إلى بني قريظة:

الْحِصَارُ:

نُزُولُ بَنِي قُرَيْظَةَ:

تَقْسِيمُ الْغَيْء: (1/626)

صفحة 608

330

النتائج:

وَفَاةُ سَعْدِ بْنِ مُعَادٍ:

غَزَوَاتُ وَسَرَايَا تَأْدِيبِيَّةُ

سَرِيَّةُ عَبْدِ الله بْنِ عَتِيك

السيرة النبوية.

سَرِيَّةُ عُكَّاشَةَ بْنِ مِحْصَنٍ إِلَى الْغِمْرِ ..

سَرِيَّةُ مُحَمَّدِ بْن مَسْلَمَةَ إِلَى ذِي الْقِصَّةِ

سَرِيَّةُ أَبِي عُبَيْدَةَ إِلَى ذِي الْقِصَّةِ

سَرِيَّةُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ إِلَى الْجُمُومِ

سَرِيَّةُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ إِلَى الْعِيصِ.

غَزْوَةُ بَنِي لِحْيَانَ

غَزْوَةُ ذِي قردٍ

سَرِيَّةُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ إِلَى الطَّرْفِ

غَزْوَةُ بَنِي الْمُصْطَلِقِ

فِتْنَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيَّ:

سَرِيَّةُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْن عَوْفٍ إِلَى دُومَةِ الجُنْدَلِ.

سَرِيَّةُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ

سَرِيَّةُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ إِلَى قِرْفَةً

سَرِيَّةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ

627 (1/627)

صفحة 609

سَرِيَّةُ كُرْزِ بْنِ جَابِرِ الْفِهْرِيِّ سَرِيَّةُ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيّ.

سَرِيَّةُ إِلَى نَجْدٍ

نظرة إلَى هَذِهِ الْغَزَوَاتِ وَالسَّرَايَا.

صُلْحُ الحديبية.

السيرة النبوية.

628

بِدَايَةُ الْفِكْرَةِ:

الطَّرِيقُ إِلَى مَكَّةَ:

قُرَيْش:

فِي الْحُدَيْبِيَةِ:

الْوُفُودُ بَيْنَ النَّبِيِّ وَقُرَيْشٍ:

بَيْعَةُ الرّضْوَانِ:

الْهُدْنَةُ:

نَصُّ الْهُدْنَةِ:

مَوْقِفُ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْهُدْنَةِ: نَتَائِجُ الْهُدْنَة:

مِنْ آثَارِ الْهُدْنَةِ

أَولا: هِجْرَهُ أَبِي بَصِيرٍ. (1/628)

صفحة 610

السيرة النبوية.

ثَانِيَّا: هِجْرَةٌ أُمَّ كُلْثُومَ بِنْتِ عُقْبَةَ:

فَتْحُ خَيْبَر

خَيْبَرُ:

إِلَى خَيْبَرَ:

رِوَايَاتُ غَيْرُ صَحِيحَةٍ:

الْغَنَائِمُ:

تَوَابِعُ خَيْبَرَ: الْعَوْدَةُ إِلَى الْمَدِينَةِ:

بَيْنَ خَيْبَرَ وَالْفَتْحِ الْأَكْبَرِ

كُتُبُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِلَى مُلُوكِ الْعَالَمِ أَوَّلًا: كِتَابُهُ إِلَى هِرَقْلَ:

ثَانِيَّا: إِلَى كِسْرَى أَبروِيزَ:.

ثَالِنَّا: إِلَى الْمُقَوْقِسِ

رَابِعًا: إِلَى النَّجَاشِي: رُدُودُ الْأَفْعَالِ

سَرِيَّةُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ إِلَى حَسْمَى

سَرِيَّةُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَابِ إِلَى تَرْبَةَ

سَرِيَّةُ أَبِي بَكْرٍ إِلَى نَجْدٍ (1/629)

صفحة 611

سَرِيَّةُ بَشِيرِ بْنِ سَعْدٍ إِلَى فَدَك

السيرة النبوية.

سَرِيَّةُ غَالِب بن عَبْدِ الله اللَّيْنِي إِلَى بَنِي مُرَّةَ سَرِيَّةُ غَالِبِ بْنِ عَبْدِ الله الليبي إِلَى الْمَيْفَعَةِ

سَرِيَّةُ بَشِيرِ بْنِ سَعْدٍ إِلَى الْجِنَابِ

عُمْرَةُ الْقَضَاءِ

فِي يَأْجَجَ:

فِي مَكَّةَ:

الخُرُوجُ مِنْ مَكَّةَ:

سَرِيَّةُ ابْن أَبي العَوْجَاءِ

إِسْلَامُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَعُثْمَانَ بْنِ طَلْحَةَ سَرِيَّةُ غَالِبِ بْنِ عَبْدِ الله اللَّيْق إِلَى الكَدِيدِ

سَرِيَّةُ كَعْبِ بْنِ عُمَيْرٍ إِلَى ذَاتِ أَطْلَاج

سَرِيَّةُ شُجَاعِ بْنِ وَهْبٍ إِلَى السَّيِّ

سَرِيَّةٌ قُطْبَةَ بْنِ عَامِرٍ إِلَى تُبَالَةَ

غَزْوَةُ مُؤْتَةَ.

وسببهـ

تَرْتِيبُ الْغَزْوَةِ:

630 (1/630)

صفحة 612

الْمَسِيرُ إِلَى مُؤْتَةَ: الاسْتِعْدَادُ لِلْمَعْرَكَةِ:

احْتِدَامُ الْمَعْرَكَةِ:

الإِنْسِحَابُ:

سَرِيَّةُ ذَاتِ السَّلَاسِلِ

شَخْصِيَّةُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: سَرِيَّةُ الخَبَطِ

سَرِيَّةُ أَبي قَتَادَةَ إِلَى خَضِرَةَ

سَرِيَّةُ أَبِي قَتَادَةَ إِلَى إِضَمَ أبو الفتوح فَتْحُ مَكَّةَ أَسْبَابُ فَتْحِ مَكَّةَ

السَّبَبُ غَيْرُ الْمُبَاشِرِ:

السَّبَبُ الْمُبَاشِرُ:

الاسْتِعْدَادُ إِلَى مَكَّةَ:

الخرُوجُ إِلَى مَكَّةَ: عَلَى مَشَارِفِ مَكَّةَ: دُخُولُ مَكَّةَ:

فِي مَكَّةَ:

السيرة النبوية. (1/631)

صفحة 613

السيرة النبوية.

632

قَامَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِالْأَعْمالِ التَّالِيَة:

الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ:

تخطيمُ الْأَصْنَامِ

دُخُولُ الْكَعْبَة:.

تَصْحِيحُ الماضِي:

الْعَفْو العام:

الْأَذَانُ:

إقَامَةُ الحد:

أَخُذُ الْبَيْعَةِ:

إِسْنَادُ المُسْؤُولِيَّةِ:.

النَّتَائِجُ الْإِيجَابِيَّةُ لِفَتْحِ مَكَّةَ:

تَوَابِعُ الْفَتْحِ

سَرِيَّةُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ إِلَى بَنِي جَدِيمَةَ

غَزْوَةُ حُنَيْنٍ

سببها:

التَّهَيُّقُ لِلْمَسِيرِ: (1/632)

صفحة 614

هَوَازِنُ وَنَقِيفُ فِي أَوْطَاس:

النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي حُنَيْنٍ:

المعركة:

هَزِيمَةُ الْمُشْرِكِينَ:

الشَّمَاتَةُ وَمُحَاوَلَةُ الاغْتِيَالِ:

شُهَدَاءُ الْإِسْلَامِ

السيرة النبوية.

633

رأي

غَزْوَةُ الطَّائِفِ

التَّوَجُهُ إِلَى الطَّائِفِ:

الْوُصُولُ إِلَى الطَّائِفِ:

حِصَارُ الطَّائِف:

الإنْسِحَابُ:

شُهَدَاءُ الطَّائِفِ:

إِسْلَامُ ثَقِيف:

الْمَسِيرُ إِلَى الْجِعْرَانَةِ لِتَوْزِيعِ الْغَنَائِمِ (1/633)

صفحة 615

السيرة النبوية.

عَتْبُ الْأَنْصَارِ.

رَأْيُ فِي سَبْيِ الْعَرَبِ

عُمْرَةُ الجُعْرَانَةِ وَالْعَوْدَةُ إِلَى الْمَدِينَةِ

سَرَابًا صَغِيرَة.

سَرِيَّة خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ إِلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ

سَرِيَّة عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنِ إِلَى بَنِي تَمِيمٍ

سرِيَّةُ قُطْبَةَ بْنِ عَامِرٍ إِلَى خَثْعَم

سَرِيَّةُ الضَّحَاكِ الْكِلابِي إِلَى بَنِي كِلاب

سَرِيَّةُ عَلْقَمَةَ الْمُدْلِجِيَّ إِلَى قَوْمِ مِنَ الْحَبَشَةِ

سَرِيَّة عَلَى بْنِ أَبِي طَالبٍ إِلَى دِيَارِ طَمِّي

غَزْوَةُ تَبُوكَ آخِرُ الْغَزَوَاتِ النَّبَوِيَّةُ

634

الْمَوْقِعُ:

تَارِيخها:

سببها:

اهميتها (1/634)

صفحة 616

الاسْتِعْدَادُ لِلْغَزْوَةِ:

اشْتِدَادُ النِّفَاقِ:

الْأَصْنَافُ الْخَمْسَةُ:

الصنف الأول:

الصنف الثاني:

الصِّنْفُ الثَّالِثُ:

الصنف الرابع:

الصنف الخامس

فِي الطَّرِيقِ إِلَى تَبُوكَ:

في تَبُوكَ:

الْعَوْدَة إِلَى الْمَدِينَةِ:

حُكْمُ الْوِلَايَةِ وَالْبَرَاءَةِ:

النتيجة:

السيرة النبوية.

كُتُبُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِلَى مُلُوكِ وَأُمَرَاءِ الْعَرَبِ

وه و

جيْفَرُ بْنُ الجُلَندَى حَاكِمُ عُمَانَ.

المُنْذِرُ بْنُ سَاوَى الْعَبْدِيُّ حَاكِمُ الْبَحْرَيْنِ

الْحَارِثُ بْنُ أَبِي شِمْرِ الْغَسَّانِيُّ حَاكِمُ بَعْضِ تُخُومِ الشَّامِ.

الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ كَلَالِ الْحِمْيَرِيُّ حَاكِمُ الْيَمَنِ،

635 (1/635)

صفحة 617

رُدُودُ الْأَفْعَالِ:.

الْوُفُودُ

وَقد نَصَارَى نَجْرَانَ

أَبُو بَكْرٍ يَحْجُ بِالنَّاسِ

جي الزكاة.

السيرة النبوية.

سَرِيَّةُ عَلِيَّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ إِلَى الْيَمَنِ

حَجَّةُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم

التَّهَيُّو:

أَدَاء مَنَاسِكِ الحج وَالْعُمْرَةِ. الْإِحْرَامُ:

الطَّرِيقُ إِلَى مَكَّةَ:

أَعْمَالُ الحج:

الْعَوْدَةُ إِلَى الْمَدِينَةِ

سَرِيَّةُ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ إِلَى فِلَسْطِينَ

وَفَاهُ رَسُولِ الله.

الْخَاتِمَةُ.

الرَّسُولُ الرَّحْمَةُ الْمُهْدَاةُ

636 (1/636)

صفحة 618

مقدمة

رَحْمَتُهُ بِأَقاربه.

كَفَالَتُهُ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ:

حُزْنُهُ عَلَى عَمِّهِ الْعَبَّاسِ:

حُزْنُهُ عَلَى عَمِّهِ حَمْزَةَ:

مَعَ ابْنَتِهِ زَيْنَبَ:

مَعَ الشَّيْمَاءِ السَّعْدِيَّةِ:

السيرة النبوية.

حُزْنُهُ عَلَى مَقْتَلِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ:

رَحْمَتُهُ بِأَصْحَابِهِ

الهِجْرَةُ إلى الحبشة:

مَعَ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ:

مَعَ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ:

رَحْمَتُهُ بِآلِ يَاسِرٍ: رَحْمَتُهُ بِالْأَطْفَالِ

رَحْمَتُهُ بِأَبْنَاء جَعْفَرٍ:

حُزْنُهُ عَلَى ابْنِهِ إِبْرَاهِيمَ:

مَعَ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ: (1/637)

صفحة 619

السيرة النبوية.

رَحْمَتُهُ بِابْنِ زَيْنَبَ:

الرَّجُوزُ فِي الصَّلَاةِ مِنْ أَجْلٍ بُكَاءِ الْأَطْفَالِ:

أَوَّلُ الثَّمَارِ لِلصَّبْيَانِ:

مُدَاعَبَةُ الْأَطْفَالِ:

رَحْمَتُهُ بِالضُّعَفَاءِ

رَحْمَتُهُ بِالْجَارِيَةِ:

رَحْمَتُهُ بِالْعَبِيدِ:

رَحْمَتُهُ بِالْأَجِيرِ:

رَحْمَتُهُ بِالْحَيَوَانِ

الْإِحْسَانُ إِلَى الحَيَوَانِ:

فِي كُلِّ كَبِي رَطْبَةٍ أَجْرٌ:

الرفق بالذبيحة:

رَحْمَتُهُ عَامَّةً بِالْإِنْسَانِيَّةِ

رَحْمَتُهُ بِأَهْلِ الطَّائِفِ:

الرَّحْمَةُ فِي وَصَايَاهُ لِلْجَيْشِ:

رَحْمَتُهُ بِالْأَسْرَى:

كَلِمَاتُ الْمُنَاسَبَاتِ الْإِسْلَامِيَّةِ السِّيرَةُ النَّبَوِيَّةُ.

638 (1/638)

صفحة 620

السِّيرَةُ النَّبَوِيَّةُ.

في المولد النبوي المولد النبوِيُّ.

فِي الْإِسْرَاءِ وَالْمِعْرَاجِ فِي الهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ

السيرة النبوية.

639 (1/639)