صفحة 1
الكتاب: السيرة النبوية لبوحجام
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] بسم الله الرّحمن الرّحيم
السّيرة النّبويّة
هجرة المسلمين إلى المدينة (1)
اشتدّ الأذى على المسلمين، وكثُرت الاعتِداءاتُ عليهم. فقد ضايقَتْهم قريش مضايقة شديدة: سبَّتْ وشتَمَتْ، عذّبت من عذّبت، ونَفَتْ من نَفَتْ، وقتَلَتْ منْ قتَلَتْ... فأَصْبَحَ المسلمون بين باقٍ بين أيديهم تعذُِّبه، ومُخْتَفٍ في مكان، هارِبٍ منَ الاضْطِهادِ، ومُهاجِرٍ فارٍّ بِدينِهِ، يبحث عن مكان يَعْبُد الله فيهِ في أَمانٍ... شكَوا ذلكَ إلى الرّسول صلّى الله عليه وسلّم كثيرًا. وكان يُواسِيهِم، ويُشَجِّعُهُم على تَحَمُّلِ الأذى وعلى الصَّبْر، ولهم على ذلك أَجْرٌ كبيٌر وثَوابٌ عظيمٌ؛ وهو على يقينٍ أنَّ اللهَ سيَجْعَلُ لهم مخرجا، ويبدّل ضيقهم فرجا.
جاءَ الفرجُ بعد هذا الصَّبْرِ. فَبَعْدَ أن رجع الثَّلاثةُ والسّبعون نفَرًا من سكّان " يثرب " ( المدينة المنوّرة) بعد بيعة العقبة الثّانيّة، التي بايع فيها هؤلاءِ المؤمنون الرّسولَ علَى نُصْرَتِهِ ومُؤازَرَتِهِ والدِّفاعِ عَنْهُ. فَرِحَ الرّسولُ صلّى الله عليه وسلّم بهذا الدَّعْمِ الذي وَجَدَهُ من أهلِ يثربَ، ورَأَى في ذَلِكَ نَصْرًا لِدَعْوَتِهِ، ورَجَا إِيجَادَ مُتَنَفَّسٍ لأِصْحابِهِ منِ اضْطِهادِ قريش؛ إِذْ عَسَى أَنْ يَجِدَ هؤلاءِ المُسْتَضْعَفونَ في رِحابِ يَثْرِبَ مَكانًا آمِنًا لِعبادَةِ الله، وعَسَى أَنْ يَجِدوا فيه ما يُخَفِّفُ عَنْهُم الضّيْق الذي يُعانُونَ منهُ. (1/1)
صفحة 2
فِعْلاً حينَ اشْتَكَى المُسْلِمون مرّةً أُخْرَى إِيذاءَ المُشْركيَن لَهُمْ، واسْتَأْذَنوهُ في الهِجْرَةِ إلى مكانٍ يَكونُ أَكْثَرَ أَمانًا لِلعِبادَةِ، وأَحْسَنَ أَمْنًا عَلَى أَنْفُسِهِمْ، قال لهم الرّسولُ صلّى الله عليه وسلّم: " قد أُخْبِرْتُ بِدَارِ هجرتِكم، وهي " يثرب "، فمن أراد الخروج فَلْيَخْرُجْ إليها." هكذا فرّج الله عنِ الصّابرين، ونفّس عنِ الثّابتين على دينه، وَأَوْجَدَ لهم وَسيلَةَ الخُروجِ من هذا الوَضْعِ، بعد أنْ حَصَلُوا على رِضاهُ، ونالُوا جَزاءَهُ. { ...ومن يتّقِ الله يجعلْ لهُ مَخْرَجًا ويَرْزُقْهُ من حيثُ لا يَحْتسِبْ... } (الطّلاق، الآيتان: 2،3)
# الشُّروع في الهحرة
شَرَعَ المسلمون في الهجرة، بعد أنْ أَذِنَ الرّسولُ صلّى الله لهم بذلك. وكان بدءُ خروجِهم إلى يثرب في مطلع السّنة الثّالثة عشرة لِلبِعْثَةِ.
كانوا يغادرون مكّة فُرادَى وجَماعاتٍ، يَخْتفون عن أَعيُنِ قريش؛ حتّى لا تمنعهم من الهجرة، ولِيَسْلًمُوا من أذاها. وكانوا يختارون اللّيل، ووقتَ الظّلام للخُروجِ.
كان أوّل المهاجرينَ أبو سلمة بنُ عبدِ الأسدِ وزَوْجُهُ وابنُهُ، وكانَ أوَّلَ من قدم يثرب ثمّ قَدِمَ بعده عامر بن ربيعة، ومعه زوجُه بنت أبي حَشْمَة، وهي أوّل ظَعِينَة ( المرأة التي تكون في الهودج) قَدِمَتْ "يثرب " ، ثمّ تتابع قدوم أصْحابِ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فَرْدًا بعد فَرْدٍ، وجماعةً بعد جماعَة.
كانت قريش إذا عَلِمَتْ بِشَخْصٍ يُريدُ الهجرةَ عَمِلَتْ على مَنْعِهِ، ومن هاجر فعلا قامَتْ على إِعادَتِهِ بأيّة وسيلة، بل أغْلَظَتْ عليه وآذَتْهُ. فَكَمْ أرجعت من أشخاصٍ، وكم منعت، وكم عذّبت... لكنّ ذلك لم يُوقِفْ موجَةَ الهجرة، ولم يؤثّر على المسلمين، فقدْ تَتَابَعُوا في الهجرة، فلََمْ يبقَ بمكّة - في بداية الهجرةِ – إلاَّ هؤلاءِ: (1/2)
صفحة 3
1 - الرّسول صلّى الله عليه وسلّم، الذي لمَ يَكُنْ لَيَتْرُكَ أَصْحاَبُه وراءَهُ في " مكّة "، ويُهاجِرَ إلى " يثرب "؛ لِيُعَذِّبَهُم المشركون، ولِيَفْتِنُوهم عن دينِهم. ثمّ إنّ الله تبارك وتعالى لم يأْذن له بالهجرة بَعْدُ.
2 - أبو بكر الصِّدِّيق لم يهاجر ( لأَمْرٍ أرادَه الله)، قال له الرّسولُ صلّى الله عليه وسلّم: " لا تَعْجَلْ لعلّ الله َيَجْعَلُ لك صَاحِبًا ". فَطَمِعَ أبو بكر أن يكون الرّفيقُ هو رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؛ من أجل ذلك اشترى راحلتين، وأعدّهما لهذا اليومِ المُنْتَظَرِ.
3 - عليّ بن أبي طالب ( بطلب من الرّسول صلّى الله عليه وسلّم) أَبْقاه في مكّةَ لِيَرُدَّ الأماناتِ والودائعَ، التي كانت عند رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى أصحابها؛ فقدْ كان أهلُ مكّة يضََعُون عنده أماناتهم، لِمَا يعلمون من صدقه وأمانته. ثمّ ليكونَ مُصاحِبًا لأهل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فِي أَثْناءِ سيْرِهم إلى يثربَ، ويكونَ وقَيِّمًا على سلامتهم. وقد قال له الرّسولُ صلّى عليه وسلّم: " نمْ على فراشي، وتَسَجََ ( تَغَطَّ ) بِبُرْدِِي ( كِساءٌ مخَطَّط يُلْتَفُّ به ) هذا الحَضْرِمِي الأخضرِ، فنَمْ فيه، فإنّه لنْ يَخْلُصَ إليكَ شيءٌ تكرهُه منهم. وقد كان النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ينام في بُرْدِهِ إذا آوى إلى فراشِه.
4 - لم يتخلّفْ عن الهجرة - أيضًا - إلاّ معذّبٌ، أو مريضٌ، أو ضعيفٌ، لم يجِدْ سبيلا للخروج... (1/3)
صفحة 4
من هؤلاء الذين لقوا أذى من قريش بسبب هجرتهم أبو سلمة وزوجُه أمّ سلمة. لَمَّا أَجْمَعَ " أبو سلمة " على الخروجَ إلى المدينة، قالَ له أَصْهارُهُ: هذه نَفْسُكَ غلَبْتَنا عليها، أَرَأَيْتَ صاحِبَتَنا هذه؟ (أمُّ سلمة زوجُه) علامَ نتْرُكُكَ تسيرُ بها في البلادِ؟ فأَخَذوا منهُ زَوْجَه. وغَضِبَ آلُ أبِي سلمة لِرجُلِهم ( أبي سلمة)، فقالوا: لا نتْرُكُ ابْنَنا معها إذْ نَزَعْتُمُوها من صاحِبِنا، وتَجاذَبوا الغُلامَ بينهم فخلَعوا يَدَهُ، وذَهَبوا بِهِ. وانْطَلَقَ أبو سلمة وَحْدَهُ إلى يثربَ.
كانت أمُّ سلمة بعد ذهابِ زوجِها وضَياعِ ابنِها تَخْرُجُ كلَ صباحٍ إلى الأبطح ( أحد جبالِ مكَّة) تبكي حتّى تُمسِي. مضى بها على ذلِك حوالَي سنة. مرَّ بها رجلٌ من بنِي عمَّها، ورأَى ما بهافرحِمَها،
وقالَ: أَلا تُخْرِجون هذه المسْكينةَ؟ فَرَّقْتُم بينها وبين زوجِها ووَلَدِها؟ فقالوا: الْحَقِي بِزوْجِكِ إنْ شِئْت. فاسْتَرْجَعَتْ أمُّ سلمة ابْنَها.
قالت أمُّ سلمة: ثمّ خرجتُ أريدُ زوجي بِـ" المدينة "، وما معي أحدٌ من خلقِ الله؛ حتّى إذا كنْتُ بالتّنعيمِ لقِيتُ " عثمان بن طلحة " فقال: إلى أين يا ابنة أبي أميّة؟ قلتُ: أريدُ زوجي بِـ " المدينة "، قال: أوَ معكِ أحدٌ؟ قلتُ: ما معي أحدُ إلاّ اللهَ وابني هذا، فقال: واللهِ ما أَتْرُكُكِ.
فأخذَ بخطام البعير، فانطلقَ معي يهوِي بي ( يُسْرِعُ بِي)، فواللهِ ما صَحِبْتُ رجلا من العربِ قطُّ، أرى أنّه أكرمُ منهُ،كان إذا بلغَ المنزِلَ أناخَ بِي، ثمّ استأخَرَ عنّي حتّى إذا نزلتُ اسْتَأْخَرَ بعيري فحطّ عنه، ثمّ قيّدَهُ في الشّجرة، ثمّ تنحّى عنّي إلى شجرةٍ فاضْطَجَعَ تحتَها.
فلم يزل يصنعُ بِي ذلك حتّى أَقْدَمَنِي " المدينة "، فلمّا نظرَ إلى قرية " بني عمرو بن عوف " بِـ" قباء " قال: زوجُكِ في هذه القرية، فَادْخُلِيها على بَرَكَةِ الله. ثمّ انصرفَ راجعا إلى " مكّة ". (1/4)
صفحة 5
ولَمَّا أرادَ صُهَيب الرّومي الهجرةَ، قال له كفّار قريش: أتَيْتَنَا صَعْلوكًا ( أ ي فقيرا ) حقيرا، فكثُرَ مالُكَ عندنا، وبلغتَ الذي بلغتَ، ثمّ تريد أن تَخْرُجَ بمالكَ ونَفْسِكَ؟! واللهِ لا يكونُ ذلك، فقالَ لهم صُهَيْب: أرَأَيْتُم إنْ جعلْتُ لكم مالِي، َأتُخْلونَ سبيلِي؟ قالوا: نعم، قال: فإنِّي قد جعلتُ لكم مالِي، فبلغَ ذلكَ رسولَ الله صلّى الله عليه وسلّم، فقال: ربِحَ صهيب، ربِحَ صهيب.
هكذا تلقّى المسلمون أذى كبيرا، وتحمّلوا ضرراً أكبر، وضحّوا بِأَمْوالِهِم وكُلِّ ما كان عزيزًا عليهم في سبيل دينهم، وفي سبيل الحصول على مكان آمن لعبادة الله. إنَّ هذا هو شأن المؤمن، ودأبُ المخلصِ العبادةَ لله.
إذا كان معظم المسلمين هاجروا خِفْيَةً عن أَعْيُنِِ قريشٍ، كما تقتضِي الحكمةُ، وكما يدعو الحفاظُ على الدّعوة الإسلاميّة، فإنّ هناك من هاجر، وجاهر بذلك؛ ليُثبِتَ جانبا من قوّة الإسلام، وهو العزّةُ والقُوَّةُ والكرامة.
تقول أشهر الرّوايات:إنّ سيّدنا عمر بن الخطّاب – رضي الله عنه - لَمَّا أراد الهجرةَ، حملَ سيفَه، وأخذَ قوسَه، وأتَى المسجدَ، وطاف بالكعبةِ، ثمّ وقفَ على النّاسِ، وقال: من أرادَ أنْ يَثْكَلَ أُمَّهُ، أو يُرَمِّلَ زوجَهُ، أو يُؤَتِّمَ ولدَهُ، فَلْيَلْحَقْنِِي إلى بطنِ الجبل... قال ذلك لمن يفكّر في منعه من الهجرة؛ ليُثْبِتَ له وللمشركينَ قوَة المسلمين وعِزَّتَهُمْ، وأنّهم لا يخافون شيئًا يقف لهم في طريقِ الله. (1/5)
صفحة 6
إذن هاجر المسلمون من وطنهم " مكّة " إلى موطنِ إخوانهم "يثرب "، بعد أن تركوا أموالهم وأَمْتِعَتَهُمْ، وكلّ ما يملكون، وفرّوا بدينهم إلى حَيْثُ يجدون الجوّ المناسبَ للعبادة. إنّ هذا لن يصدُرَ إلاّ من مؤمنٍ أَخْلَصَ الدّينَ لله. فهو يتخلّصُ من كلِّ ما يمنعُه من عبادة الله حقّ العبادة، ويُسَلِّمُ في كلِّ ما يعطّلُهُ عن التّوَجُّهِ بسرعة نحْوَ تحقيق هدفِهِ. { وما أُمِروا إلاَّ ليَعبُدوا اللهَ مخلَصينَ له الدّينَ حُنَفَاءَ... } ( البيّنة، الآية: 5)
# اجتماع قريش في دار النَّدوة
لَمَّا رأى المشركون أصحابَ رسول الله وسلّم قد خرجوا من " مكّة " بأعداد كبيرة، وقصدوا " يثرب " حيثُ يوجَدُ هناك من ينصرُهم ويحميهم، ويستمِعُ إليهم، وعرفوا أنّ خروجَ الرّسول صلّى الله عليه وسلّم من"مكّة" يَفسحُ المجالَ لدعْوَتِهِ كي تنتشِرَ أكثرَ. أصابَهم قلَقٌ شديدٌ؛ لأنهّم عرفوا أنَّ مصالحَهم ستُمَسّ، وسَعْيَهُم في منعِ صاحبَ الدّينِ الجديدِ قَدْ ينتهي إلى الفشلِ.
اجتمع رؤوسُهم في دار " النّدوة " ( هي دار لقُصيّ بنِ كِلاب، بناها لتجتمع فيها قريش للتّشاور والتّباحثِ في الأمور المهمّة )، وفكّروا وَتشَاوَرا فيما يَصْنَعون بأَمْرِ رسولِ الله صلّى الله عليه وسلّم. قدّموا اقتراحات كثيرة، وعَرَضوا حلولاً متعدِّدة. اتَّفقوا أخيرًا أنْ يأْخُذُوا من كلِّ قبيلَةٍ فتًى شابًّا جلْدًا
قويًّا، ويُعْطَى لهُ سيفٌ صارِمٌ، ثمّ يضربون الرّسول صلّى الله عليه وسلّم ضربَةَ رجُلٍ واحدٍ ويقتلونَه، وبذلك يتفرّق دمُه بين القبائل، ولا يستطيع " بنو عبدِ مناف " المطالبةَ ب دمِه، ولا حرب كلّ القبائل. بهذه الطّريقة تتخلّص قريش منه ومن الدّين الجديد التي أتى به. (1/6)
صفحة 7
حيلة ماكرة دبّرها الحاقدون على الدّعوة الإسلاميّة، وتدبير خبيثٌ أشار به رأسُ الكفرِ"أبو جهل"، وجد ذلِك قَبولاً عند الجميع، بعد أن رُفِضَتِ الاقتراحاتُ الأخرى. افْتَرَقَ الجميعُ على أمل اللّقاء في الوقتِ الموعود لِتَنْفيذِ الخطّة التي تُريحُهم إلى الأبد من المتاعب التي يعانون منها؛ بسبب هذه الدّعوة.
نسي هؤلاء أنّ عنايةَ الله وتدبيرَه فوق كلّ تدبير، ومكرَهُ خيرُ مكرٍ. في هذا أنزل الله تبارك وتعالى قرآنًا يُتْلى: { وإذْ يَمْكُرُ بكَ الذينَ كفروا لِيُثْبِتُوك أو يَقْتلوكَ أو يُخْرِجوكَ ويَمْكرونَ ويَمْكُرُ الله ُوالله خيرُ الماكرين } ( الأنفال، الآية: 30) فقد نزل جبريلُ عليه السّلام إلى النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم – بوحي من الله تبارك وتعالى - يُخْبِرُهُ بمؤامرةِ قريش، وعزمِهم على قتله. ويُعْلِمُهُ أنّ الله أَذِنَ له بالهجرة. ثُمَّ حدّد له وقت مغادَرَةِ مكّة، وقال له : لا تَبِتْ تلك اللّيلةَ في فراشِكَ، الذي كنت تبيتُ فيه.
# الإذنُ للرّسول صلّى الله عليه وسلَّم بالهجرة
كان الرّسول صلّى الله عليه وسلّم يرجو الله تبارك وتعالى أن يُكْرِمَهُ بالهجرة، وقَد استجاب له. ولَمَّا عَزَمَ على تَرْكِ "مكّة " إلى " يثرب " ألْقَى الوحيُ على لسانه هذا الدّعاء الجميل: { وقل ربِّ أدْخِلنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ واجعلْ لِّي من لدُنْكَ سلْطانًا نصيرًا } ( الإسراء، الآية: 80)
ذهبَ الرّسول صلّى الله عليه وسلّم إلى أبي بكر الصّدّيق في بيته ليدبّر معه أَمْرَ الرِّْحْلةَ ِ والاستعدادَ للهجرة إلى " يثرب ". (1/7)
صفحة 8
قالت السّيّدة عائشة أمّ المؤمنين – رضي الله عنها -: كان لا يُخطِئُ رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم أن يأتِيَ بيتَ أبي بكر طرفَي النّهارِ، إمّا بكرةً وإمّا عشيّةً، حتّى إذا كانَ اليومُ الذي أَذِنَ اللهُ فيه لرسولِه صلّى الله عليه وسلّم في الهجرةِ والخروجِ من " مكّة " من بينِ ظَهْرَيْ قومِهِ، أتانا رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم بالهاجرة ( منتصف النَّهارِ عند اشتدادِ الحرِّ)ِ، في ساعةٍ كانَ لا يأتِي فيها، فلمّا رآهُ " أبو بكر " قال: ما جاءَ رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم في هذه السّاعة إلاّ لأمرٍ حدثَ!
فلمّا دخلَ رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم تأخَّرَ له " أبو بكر " عن سريرِهِ، فجلسَ هو، وليسَ عِندَ "أبِي بكر " إلاّ أنا وأختي " أسماء "، فقالَ رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم: أخرِجْ عنِّي مَنْ عِنْدَكَ، قال يا رسول الله إنّما هما ابنتايَ! وما ذاكَ؟ فِدَاكَ أبِي وأمّي!! قال صلّى الله عليه وسلّم: " إنّ الله قدْ أَذِنَ لي في الخروجِ والهجرةِ " فقال " أبو بكر " الصّحبة يا رسول الله؟ قال صلّى الله عليه وسلّم: الصّحبة.
قالت عائشة – رضي الله عنها – فواللهِ ما شعرتُ قطُّ قبل ذلك اليومِ أنّ أحدًا يبكِي من الفرحِ حتّى رأيْتُ أبا بكرٍ يبكِي. ثمّ قال " أبو بكر " للرّسولِ عليه الصّلاة والسّلام: فخُذْ بأبي أنتَ وأُمِّي إحْدى راحلتَيَّ، قال الرّسول صلّى الله عليه وسلّم: بالثَّمن. (1/8)
صفحة 9
دبّر الرّسول صلّى الله عليه وسلّم خطّةَ الخروجِ من مكّة بِطَريقَةٍ مُحْكَمَة، بحيثُ لا تتفطّنُ قريش لذلك. طَلَبَ الرّسولُ عليه الصّلاةُ والسّلامُ من عليّ بن أبي طالب أن ينامَ في فِراشِهِ ليلةَ خروجِِهِ من مكّة؛ لِيُفْسِدَ على المشركين ما عزموا عليهِ. أمّا " أبو بكر " فاستأجر دليلا خبيًرا بالطُّرِقِ والَمسالِكِ، هو " عبدُ الله بن أُريْقِط "، وأَمَرَ ابْنَهُ " عبدَ الله " أنْ يَتَسمّع ما يقوله النّاسُ عنه وعن النّبيّ عليه الصّلاة والسّلام بياضَ النّهارِ، ويأتي لهما بهذه الأخبار في المساء. وأمر مَوْلاهُ " عامرَ بنَ فُهيرَة " أنْ يَرْعَى غنمَه نهارا، ثمّ يُريحَهُما إذا أمْسَى إلى الغار ( غار ثور ) ليطعَمَا من ألبانها، وإذا عاد عبدُ الله بن أبي بكر من الغار إلى مكّة أَتْبَعَ أثرَه بالغنمِ؛ حتَّى يزيل آثارَ قَدمَيْهِ. أمّا أسماءُ بنت أبي بكر فقد أُمِرت أنْ تأْتِيَ بالطّعام إلى الغارِ كلّ مساء. وقد سمّيت بـ " ذات النّطاقين " لأنّها لَمَّا أرادَتْ أنْ تُعَلِّقَ السّفرة، لم تَجِدْ بماذا تعلّقها، فشقّت نِطاقَها شقّين، فعلّقت السُّفرةَ بواحد، وانْتَطَقَتْ (شدَّت وسطها بالنِِّطَاقِ) بالآخر. لَمَّا أَتَمََّ الرّسولُ صلّى الله عليه وسلّم إعدادَ خطّة الهجرة معَ أبي بكر رجعَ إلى بيتِه، ينتظر مجيءَ اللّيل. (1/9)
صفحة 10
في هذه الخطّة دروسٌ كبيرةٌ مُهِمَّةٌ في التَّدبيرِ. فالنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أَخْفَى أمرَه على النّاس حتّى لا تَفْسُدَ خطّتُهُ في المغادَرَةِ. حتّى الأشخاص الذين أَعْلَمَهُمْ بما عَزَمَ عليه،لم يُطْلِعْهُمْ إلاّ على ما هو ضروري معرفتُه. كما استعان بدليلٍ خبيٍر بطرقِ الصّحراء؛ حتّى يَبْتَعِدَ عن أنظار المشركين الذين يريدون القضاءَ عليه. ونَظَرَ إلى الكِفايَةِ وحْدَها، فلم يَمْنَعْ كَوْنُ الدّليلِ مشركًا من الاستِعانَةِ به في حِمايَةِ الدّعوةِ الإسلاميّة. كما أَعْطَى لنا الرّسولُ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ درسًا في البَذْلِ في سبيل الله؛ إِذْ لم يقبل أن يُعْطِيَ له أبو بكر الرّاحلةَ بدون مُقابل؛ لأنّ الإنفاق في هذه الهجرة نوعٌ من العبادة، يجب الحرصُ على الحصولِ على الثّواب فيه. هذا ما يجِبُ على المسلم أن يَعْمَلَ بهِ في حياتِهِ. يُسارِعُ في الإنْفاقِ والبَذْلِ في سبيل الله.
في هذا تَذْكُرُ أسماءُ بنتُ أبي بكر أنّه لَمَّا خَرَجَ الرّسولُ صلّى الله عليه وسلّم، وخَرَجَ معه أبو بكر، وقَدْ أخذ مالَهُ كلَّهُ معه، ومجموعُهُ خمسةُ آلاف أو ستّةُ آلافِ درهمٍ. قالت: فدخل علينا جدِّي " أبو قحافة "، وقد ذَهَبَ بصرُه، فقال: والله إنِّي َلأَرَاهُ قد فَجَعَكُمْ بمالِهِ مع نَفْسِهِ، قلتُ كلاَّ يا أبتِ، إنّه تَرَكَ لنا خيرًا كثيرا. قالت: فأخذتُ أحجارًا فوضعتُها في كُوَّةٍ في البيتِ الذي كان أبِي يضعُ مالَهُ فبها، ثمّ وضعتُ عليها ثَوْباً، ثمّ أَخذْتُ بيدِه، فقلتُ: يا أبتِ ضعْ يدكَ على هذا المال. قالت: فوضعَ يدَهُ عليه وقال: لا بأسَ إذا كان تركَ لكم هذا فقد أحْسَنَ، وفي هذا بلاغٌ ( كِفايَةٌ) لكم. قالت أسماء والله ما تَرَكَ لنا شيئًا، ولكنِّي أردتُ أن أُسْكِتَ الشِّيخ بذلك. (1/10)
صفحة 11
هذا هو خُلُقُ المؤمنِ: بذلٌ في سبيل الله بدون حدود، كما فعل " أبوبكر"، وكِياسَةٌ وحُسْنُ تصرّفٍ، وبرٌّ بالوالد من البنتِ المطيعةِ " أسماء بنتِ أبي بكر ".
المهمّ إنّ الرّسول صلّى الله عليه وسلّم وأبا بكر اتّفقا على موعد الخروج من مكّة، وهو عَتَمَةُ اللّيل. وقريش قرّرت - أيضا - تنفيذَ خطّتِها للقضاءِ على الرّسول صلّى الله عليه وسلّم في منتصفِ تلك اللّيلة. حينَ بدأَ ظلامُ اللّيل اجتمع المكلّفون بتنفيذِ المؤامرةِ على بابِ بيتِ النّبيّ عليه الصّلاة والسّلام، يَنْتَظِرون نومَه، فَيَثِبُون عليه، أو خروجَه فَيَقْضُونَ عليه. وقد كان أكابرُ مجرمِي قريش على ثِقَةٍ ويَقينٍ من نجاحِ المؤامرة، حتّى إنَّ " أبا جهل " وقفَ مزهُوًّا، وقال في سُخريّة واستهزاء مخاطبًا أصحابَه: إنّ محمّدًا يَزْعُمُ أنّكم إِنْ تابَعْتُمُوهُ على أمرِه كنتُم ملوكَ العربِ والعَجَمِ، ثمّ بُعِثْتُمْ من بعد موتِكم، فجُعِلَتْ لكم جِنانٌ كجِنانِ الأُرْدن، وإِنْ لم تفعلوا كان له فيكم ذبْحٌ، ثمّ بُعِثْتُم من بعد موتِكم، ثمّ جُعِلَتْ لكم نارٌ تُحْرَقون فيها. (1/11)
صفحة 12
دبّروا لكنّهم فَشِلوا في تدبيرِهم، باتوا متيقِّظبن، يَنْتَظِرون حلولَ ساعةِ التّنفيذِ، لكنّ الله غالبٌ على أمرِه، بِيَدِهِ الأمرُ يفعلُ ما يشاءُ، فقد فعل ما خاطب به رسولَه فيما بعد: { وإَذْ يَمْكُرُ بكَ الذين كفروا ليُثْبِتُوكَ أوْ يقْتُلوكَ أوْ يُخْرجُوكَ ويَمْكرونَ ويَمكُرُ الله والله خيْرُ الماكِرينَ } ( الأنفال، الآية: 30) فقد ألقى الله عليهم سِنة من النَّوْمِ، وخرجَ الرّسولُ صلّى الله عليه وسلّم، واخْتَرَقَ صُفوفَهُم، ولم يرَوْهُ؛ لأنّ الله أَخَذَ أبصارَهم، وتَرَكَهُمْ في ظُلُماتٍ لا يُبْصِرونَ، خَرَجَ وهو يَتْلو قولَه تعالى: { وجَعَلْنا منْ بينِ أيْديهِمْ سَدًّا ومنْ خلْفِهم سدًّا فأَغْشَيْناهم فهُم لا يُبْصرون } ( يس، الآية: 9) ولم يتركْ رَجُلاً واحدًا منهم إلاّ وضعَ على رَأْسِهِ ترابًا، ثمّ مضى إلى بيتِ أبي بكر، ومنه خَرَجَا معًا إلى غار ثورٍ؛ ليُقيما فيه. وكان ذلك على الرّاجح في اليوم الثّانِي من ربيع الأوّل، سنة ثلاثَ عشْرَةَ من البِعْثَةِ النّبويّة، الموافق 20 أيلول سنة 622م.
أمّا فتيانُ قريشٍ الذين كانوا يُحيطون بدار الرّسول صلّى الله عليه وسلّم، فقد أتاهم رجلٌ، فقال لهم: ماذا تفعلون هنا؟ قالوا: ننتظرُ محمّدًا! قال: خَيَّبَكُمُ الله.. قد واللهِ خَرَجَ عَلْيكُمْ، ثمّ ما تركَ مِنْكُمْ رجلاً إلاّ وقد وضعَ على رَأْسِه تُرابًا، وانْطَلَقَ لِحاجتِِه. أَفَما تَرونَ ما بِكُمْ؟ قالوا واللهِ ما أبْصَرْناه، وقاموا يَنْفِضُون التّرابَ عن رؤوسِهم. ونظروا من البابِ، فرأَوْا عليًّا فقالوا: إنَّ هذا لمحمّدٌ نائمًا، عليهِ بُردُه. وانتظروا حتَّى أصبحَ الصّباحُ، فإذا عليّ بن أبي طالب يقومُ من الفِراشِ، وسألوه عَن الرّسول صلّى الله عليه وسلّم، فأجابَ: لا علمَ لي بهِ. فخاب ما خطّطوا له.
# المهاجران في الغار (1/12)
صفحة 13
انطَلَقَ رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم وصاحبُه أبو بكر إلى " غار ثور "، وقد تخَيَّروه جنوبًا في اتِّجاهِ اليَمَن؛ لتَضْليلِ المُطارِدين. دَخَلَ أبو بكر أوّلا، فطاف بالغارِ؛ ليتأَكَّدَ من عدمِ وجودِ ما يمنعُ من دخولِه، كسبُعٍ أو حيَّةٍ أو أيِّ مكروه ينال النّبيّ عليه الصّلاةُ والسّلامُ، إنَّ هذا من تمامِ َحُبِّ أبي بكر الصِّدِّيق لِصاحبِه، وحاملِ الرّسالة الخالدة، والبِّرِّ بهِ، والإحسانِ إليهِ.
قال أبو بكرٍ للرّسولِ صلّى الله عليهِ وسلّم: لا تدخل الغارَ حتَّى أدْخُلَهُ قبلَكَ، فإنْ كانَ فيهِ شيءٌ أَصابني أنا دونَكَ، فدخلَ فكسَحَهُ (فنقَّاهُ)، ووجدَ بجانِبِهِ ثُقْبًا، فشقَّ إِزارَهُ وسَدّهُ بِهِ، وبقِيَ منها اثنانِ فغطّاهُما برِجْلَيْهِ، ثمّ قال للرّسول صلّى الله عليه وسلّم: ادْخُلْ فدَخلَ، ووضَعَ رَأْسَهُ في حِجْرِ أبي بكرٍٍ ونامَ، فَلُدِغَ أبو بكر في رجْلِهِ من الجُحْرِ، ولم يتَحرَّكْ مخافةَ أنْ ينتَبِهَ الرّسولُ صلّى الله عليه وسلّم، فَسَقَطَتْ دُمُوعُهُ على وجْهِ رسولِ الله عليه الصّلاةُ والسّلامُ. أَفاقَ وقال: مَالَكَ يا أبا بكرٍ؟ قال: لُدِغْتُ فِداكَ أبي وأمّي، فَتَفَلَ الرّسولُ صلّى الله عليه وسلّم في مكانِ اللّدْغِ فزالَ ما كانَ يحسُّ به أبو بكر.
مكثَ المهاجرانِ في الغار ثلاثَةَ أيَّامٍ، وكان يبيتُ عندهما عبدُ الله بنُ أبي بكرٍ، يُخْبِرُهما بأخبارِ مكّة، ثمّ يُدْلِجُ ( يسيرُ في آخرِ اللّيلِ ) من عنْدِهما بِسَحَر، فيُصْبِحُ معَ قريش بمكّة كبائتٍ بها، وكان عامرُ بن فُهيرة يروحُ عليهما بقطْعَة من الغنمِ. فإذا خرَجَ من عندهما عبدُ الله تبِعَ " عامر " أَثرَهُ بالغنَمِ؛ كيْ لا يظهرَ لقدميْهِ أثرٌ .
# قريش تَخيبُ في القبضِ على المهاجِرَيْنِ (1/13)
صفحة 14
جنّ جنونُ قريش حينَ أفْلتَ الرّسولُ صلّى الله عليه وسلّم منهم ليلةَ العزمِ على تنفيذِ المُؤَامَرَةِِ. وأوّلُ ما فعلوه أنّهم أَخَذوا عليًّا وسحبوه إلى الكعبةِ، وحبسوه ساعةً، لعلّهم يظفرون بمَعْرِِفَةِ مكانِ وجودِ النّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم وصاحبه، لكنّهم لم ينجحوا في ذلك.
بعدها ذهبوا إلى بيتِ أبي بكرٍ وقرعوا بابه، خرجتْ إليهم أسماء بنتُ أبي بكر، فقالوا لها: أينَ أبوكِ؟ قالتْ: لا أدري والله أينَ أبي. فرفعَ أبو جهلٍ يدَهُ فلطمَ خدَّها لَطْمَةً، طرحَ منها قُرْطَها. فخاب سعْيُهم ولم يتمكّنوا أيضا من الظَّفر بما يريدون.
لَمَّا تعذّر على قريشٍ العثورُ على محمّد صلّى الله عليه وسلّم، المنفلتِِ من أيديهم، نادَت النّفيِرَ العام، وقرَّرت اسْتِخْدامَ كلِّ الوسائلِ المُمْكنَةِ؛ للقَبْضِ على الرّجُلَينِ المطَلْوبَيْنِ. فَوَضَعَتْ كلَّ الطّرق الخارجَة من مكّة تحت الرّقابة، وَرَصَدْت مُكافَأَةً كبيرةً، قدرُها مِائَةُ ناقَةٍ مقابلَ كلّ واحد من الرّجلين لمن يأتِي بهما حَيَّيْنِ أوْ مَيِّتَيْنِ. (1/14)
صفحة 15
انْتَشَرَ الفُرْسانُ والمُشاةُ والجميعُ في الجبالِ والوِدْيانِ والوِهادِ والِهضابِ، يَبْحَثونَ عنِ الرّجُلَيْنِ، حتّى وَصَلوا إلى الغارِ الذي يوجدُ فيه النّبيُّ وصاحبُه، لكنّ الله أَعْمَى أَبصارَهُمْ، فَلَمْ يَرَوا مَنْ بِداخِلِهِ. حتّى إِنّ أبا بكر قال للرّسول صلّى الله عليه وسلّم عندما سمِعَ وقْعَ حوافرِ خُيولِ المشركين – وكان خائِفًا عليهِ- : لو رَفَعَ أحدُهم قدَمَهُ لَرَآنا. أَجابَهُ الرّسولُ صلّى الله عليه وسلّم: " ما ظنُّك باثنينِ الله ُثَالثُهما " وفي هذا قال الله تبارك وتعالى: { إلاَّ تنْصُروهُ فقدْ نصَرَهُ اللهُ إذْ أخْرَجَهُ الذين كفروا ثانِيَ اثْنَينِ إذْ هما في الغارِ إذْ يقُولُ لصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إنَّ الله معَنا فَأَنْزَلَ اللهُ سكينَتَهُ عليهِ وأَيَّدَهُ بجنُودٍ لم ترَوْها وجَعَلَ كلِمَةَ الذين كفروا وكلِمَةُ الله هيَ العُليَا واللهُ عزيزٌ حكيمٌ } ( التّوبة، الآية: 40)
رَدَّ الله المشركين علَى أَدْبارِهِمْ، لم يَنالُوا شَيْئًا ممّا كانوا يَرْغَبون فيهِ. فقََد انْصَرَفُوا عنِ الغارِ، ولم يلتَفِتُوا إليه ولم يهتمُّوا بهِ، إذْلم يخطُرْ ببالِهم أن يكونَ أحَدٌ بداخلِهِ، وقالوا: لو دَخَلَ هَهُنا أَحَدٌ لَمْ يكُنْ نسيجُ العنكبوتِ على بابِه.ِ هذهِ مَكْرُمَةٌ أَكْرَمَ الله بها نبيَّه؛ إذْ رجعَ المطارِدون خائِبِينَ، ولم يَبْقَ بَيْنَ الرّسولِ صلَّى الله عليه وسلَّم وبينهم إلاّ خطواتٌ معدودةٌ. تلك عناية الله بعباده:
وإذا العنايةُ لاحظتْكَ عيُونُها نَمْ فالمخاوفُ كلُّهنَّ أمانُ
فاصْطَدْ بها العنقاءَ فهي حبائلٌ واقْتَدْ بها الجوزاءَ فهي عنانُ (1/15)
صفحة 16
لَمَّا انقطعَ الطّلبُ عن النّبيّ و أبي بكر خَرَجَا من الغارِ، بعد أن جاءَهما عبدُ الله بن اُرَيْقِط، الدّليلُ الذي استَأْجراهُ لِيَدُلُّهما على الطّرقِ الخفيّة المُوصِلة إلى " يثرب ". سارَ بهم، متّبِعًا طريق السّاحل إمْعانًا في التّمويهِ والتّضليلِ. هَلْ أَدْرَكَتْهُمَا قريش؟ وهلْ وَصَلاَ إلى يثرب؟ هذا ما نراه في الحلقة القادمة إن شاءَ الله ُ.
# دروس وعبر
- المسلمُ المُخْلِصُ العبادةَ لله لا يبالِي بالوطنِ ولا بالمالِ ولا بأيِّ شيْءٍ في سبيل أنْ يسْلَمَ لهُ دينهُ، وتَبْقَى لَهُ عقيدتُهُ.
- إنَّ الإيمانَ باللهِ عزَّ وجلَّ والتَّوكُّلَ عليهِ لا يمْنَعانِ من اتِّخاذِ الأسبابِ والاحتياطاتِ في كلِّ أمرٍ بريدُ الإنسانُ القيامَ بهِ.
- جنَّدَ أبو بكر الصِّدِّيقُ أموالَهُ وأُسرتّهُ ومن لهم صلَةٌ به في سبيلِ خِدْمَةِ رسولِ الله عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، في رحلةِ الهجرَةِ الشَّاقَةِ الطَّويلَةِ، نصرَةً للإسلامِ، والدَّعوَةِ الإسلاميَّة. هذا ما يجبُ أنْ يكونَ عليه المسلِمُ المؤمنُ بالله ورسولِهِ، ذكراً كانَ أوْ أُنثَى، يكونُ في خِدمَةِ ما يرفعُ كلمةَ اللهِ عالِيَةً، وحِمايتَِها من كيدِ الأعداءِ. يعملُِ بجدٍّ وصِدْقٍ وإِخْلاصٍ. لا يكفِي أنْ يكونَ مُنْطَوِيًا على نَفْسِهِ، مقتَصِرًا على عِباداتِهِ فَقَط.
- إنَّ الجُنديَ الصَّادقَ المُخْلِصَ لدَعْوَةِ الإصْلاحِ يَفْدِي قائِدَهُ بحياتِهِ.فَفِي سلامَةِ القائِدِ سلامَةُ الدَّعْوَةِ.
- البَذْلُ والإنفاقُ في سبيلِ الله عبادَةٌ. على المسلِمِ أَنْ لاَّ يتأّخَّرَ عنها، ولا يتَكاسلَ عن إتْياتِها.
- الاستِعانَةُ بالمشركينَ إذا كانت فيها مصلَحةُ الإسلامِ لا تضرُّ، بل قد تكونُ مطلوبة أحيانًا. (1/16)
صفحة 17
- رجلُ العقيدةِ يسيرُ طوْعًا لها، ويجِدُ طُمأْنينَةً وراحَة بالٍ وسعادةٍ؛ حينَ يلتزِمُ بما تأْمُرُهُ بهِ هذه العقيدةٌ. والمسْلِمون أصْحابُ عقيدَةٍ تحدِّدُ صِلَتَهمْ باللهِ، وتوضِّحُ لهم نَظْرَتهم إلى الحياةِ.
# الأسئلة
1 – كيف فرّج الله عن المسلمين الذين اشتدَّ عليهم أذى قريش؟
2 – متى بدأَ خروجُ المسلمين من مكَة، مهاجرين إلى يثرب؟ وكيفَ تَمَّ ذلك؟
3 – من هو أوَّلُ من هاجر من مكَّة؟ ومن هي أوَّلُ ظعينة وَصَلَتْ يثرب؟
4 – كيف عومِلَ أبو سلمة وصهيب حين أرادَا الهجرة؟
5 – من خرج من مكَّة علنًا؟ ولماذا؟
6 – من تخلَّف عن الهجرةِ في البدايةِ؟ ولماذا؟
7 – لماذا اجتمعت قريش في دار النَّدوة؟ وماذا كانت نتيجةُ الاجتماعِ؟
8 – اذكرِ الدُّعاءَ الذي أَلْقاهُ الوحيُ على لسانِ رسولِ الله عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ عندما أُذِنَ له بالهجرة؟
9 – كيف دبَّر الرَّسول صلَّى الله عليهِ وسلّم خطَّةَ الرّحلةِ إلى يثرب؟ وماذا تُفيدُ منها؟
10 – اذكرِ الآيةَ التي بيَّنت فشلَ المشركينَ في قتلِ النَّبيِّ عليه الصَّلاةُ والسَّلام؟
11 – بيِّن كيف قضى المهاجرانِ أيَّامهما في الغار؟ وماذا حدثَ فيه؟
12 – ماذا فعلت قريش عندما انفلتَ الرَّسولُ صلَّى الله عليه وسلّم من بين يديها؟
13 – اذكر من خلال هذه القصَّة بعض الشَّواهدِ على عناية الله عزَّ وجلَّ برسولِه وأصحابه؟
14 – ما هي الدّروس والعبر التي أخذتها من هذه القصَّة؟
هجرة الرَّسول المسلمين إلى المدينة ( 2 )
في الطّريق إلى المدينة
كانت قريش قد رَصَدَتْ مِائةَ ناقَةٍ جائزةً لمن يأتِي بالنَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وأبي بكر حيَّيْنِ أو مَيِّتَيْنِ، فطَمِعَ في ذلك أحدُ صعاليك قريش: " سُراقَةُ بن مالك بن جعشم "، فانطلقَ سرًّا من مكّة على فرسٍ، يسابِقُ الرِّيحَ ليدركَهما، لِيَنالَ الجائزَةَ. (1/17)
صفحة 18
لَمّا أصبحَ قريبًا منهما عثَرَتْ به فرسُهُ، فقامَ عنها، وأَصَرَّ على المُتابَعَةِِ؛ لأنّه طامعٌ في الجائزةِ. فلمّا دَنَا ساختْ ( غَاصَتْ ) به قوائِمُ فرسِه ِ في الرِّمالِِ فخرَّ ( سَقَطَ ) عنها، ثمَّ زجرها ( حثَّها على السُّرْعَةِ ) فَنَهَضَتْ. فلم تكَدْ تُخْرِجُ قَوَائِِمَها حتَّى سَطَعَ غبارٌ، ارتفَعَ في السّماءِ مثل الدُّخانِ، فعلِمَ سراقةُ أنّه ممنوعٌ عن رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وداخلهُ رُعْبٌ كبيرٌ، وطَلَبَ من المهاجرينِ الأَمانَِ.
حين وصل سراقَةُ عند رسولِ الله عليه الصَّلاة والسّلامُ اعتَذَرَ إليهِ وسألَهُ أن يستغْفِرَ له، ثمَّ عرَضَ عليه وعلى أبي بكر الزَّادَ والمتاعَ، فقالا له: لا حاجةَ لنا، ولكن عَمِّ عنَّا الخبر ( أَخْفِ )، فقال: كُفِيتُمْ. ثمَّ عادَ سراقةُ أَدْرَاجَهُ إلى مكّةَ، فَأَصْبَحَ يَصْرِفُ أنْظارَ النَّاسِ عن الرّسولِ صلّى الله وسلّم وَمَنْ مَعَهُ.
هكذا تَكونُ عنايةُ الله حاضرَةً، تحرُسُ رسول الله عليه الصّلاة والسّلامُ، وهكذا أراد الله بِسُراقَةَ خيرًا، فصرفَهُ من موقفِ الشَّرِّ إلى موطنِ الخيرِ. انْطلَقَ صباحًا يريد الشَّرَّ بالمُهاجِرَيْنِ، وإلحاقَ الضَّرَرِ بالدّعوةِ الإسلاميّة, وعادَ في المساءِ يَحْرُسُ الرّجلينِ، ويخدُمُ الرّسالةَ المحمديّة. سُبْحانَ اللهِ مُغيَِّر الأَحْوالِ.
واصلَ الرّسولُ عليه الصّلاةُ والسّلامُ وصاحِبُهُ الطّريقَ نَحْوَ " يثربَ "، وفي أثناءِ ذلك نَزَلاَ في خَيْمَةٍِ لامْرَأَةٍ خُزاعيَّةٍ، تُدعَى " عاتكة بنت خلف " وتُكنَّى " أمَّ مَعْبَد "، لأخْذِ قِسْطٍ من الرّ ... احةِ. طَلَبَا من المرأَةِ القِرَى ( الضِّيافة ) فقالت: واللهِ ما عندنا طعَامٌ ولا لنا مِنْحَةٌ ولا لنا شاةٌ إلاّ حائلٌ ( الشَّاة التي انقطعَ لبنُها ). (1/18)
صفحة 19
نظَرَ الرّسولُ صلّى الله عليه وسلّم في رُكْنِ الخيمَةِ شاةً، فقال: ما أخبارُ هذه الشّاةُ يا أمَّ معبد؟ قالت: شاةٌ خلَّفها الجهْدُ عن الغنَمِ، فقالَ: هل بها من لبنٍ؟ قالت: هي أجهَدُ من ذلكَ. فقال: أَتَأْذَنينَ لِي أنْ أحْلِبَها؟ قالت: نعمْ بأبي وأمّي، إنْ رأَيْتَ بها حَلبًا فاحْلِبْها، فمسَحَ رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم بيدِهِ على ضَرْعِها، وسمَّى الله َودعاِ فدرَّتْ لَبَنًا كثيرًا، فدعا بِإِنَاءٍ يكفِي جماعةً، فحلبَ فيهِ حتَّى علتْهُ الرَّغْوَةُ، فسقاها، فشرِبَتْ حتَّى رَوِيَتْ، وسقَى أصْحابَهُ حتّى رَوَوْا، ثُمَّ شرِبَ، وحَلَبَ فيهِ ثانيًا، حتَّى ملأَ الإناءَ. ثمّ انصرفَ الرّسولُ صلّى الله عليه وسلّم وأصحابُه، وتابعوا سيرهم نحوَ " يثرب ".
رجعَ زوجُ أمّ معبِد يسوقُ أَعْنُزًا عجافًا (هَزِيلَة)، فلمّا رأَى اللَّبنَ عَجِبَ، فقالَ: من أيْنَ لكِ هذا ولا شاةَ حَلوبَة في البيتِ؟ فقالتْ: لا واللهِ إلاّ أنّه مرَّ بِنَا رجُلٌ مُبارَكٌ،كانَ من حديثِهِ ما هو عذْبٌ جميلٌ، ومن حالِهِ ما هو حسنٌ، قال: إنِّي والله أراهُ صاحِبَ قريشٍ الذي تطلٌبُه. صِفِيهِ لي يا أمَّ معبد، فوصفتْهُ بصفاتِهِ الرّائِعة، بكلامٍ رائعٍ جميلٍ. وقال بعد أن فَرَغَتْ المرْأَةُ مِنَ الوصْفِ: ولو صادفتُهُ لالْتَمَسْتُ أنْ أَصْحَبَهُ، ولأَجْهَدَنْ إنْ وجدْتُ إلى ذلِكَ سبيلاً.
استَأنَف ركبُ الرّسول عليه الصّلاةُ والسّلامُ سيرَهُ نحو الوِجْهَةِ التي كان يقصدها. وكان المهاجرون والأنصارُ قد علموا بخروجِهِ عليه الصّلاةُ والسّلامُ من مكّة وهجرتهِ إلى " يثرب ". وكانوا يخرجون إلى خارجِ المدينة ينتظرون تحتَ لَفْحِ الشَّمسِ وُصولَهُ؛ حتّى إذا أَوْشكَ النّهارُ على الانْتِهاءِ عادوا إلى بيوتِهم، لِيَرْجِعُوا إلى الانْتِظَارِ صباحَ اليومِ الثّاني، وهكذا ظلُّوا على هذه الحالِ حتّى وَصَلَ الرّسولُ صلّى الله عليه وسلّم وركبُه. (1/19)
صفحة 20
# وصولُ الرَّسولِ صلَّى الله عليه وسلَّم إلى يثرب
ففي يوم من هذه الأيّام وبعْدَ أنْ رَجَعَ المسلمون إلى بُيُوتِهِم – كالعادة - بعد ما طالَ انتظارُهم وحَمِِيَت الظَّهيرَةُ، صَعِدَ رجلٌ يهوديّ على أُطُمٍٍ ( حِصْن أو بيت مرتفع )، ينْظرُ شيئًا يهمُّه، أو قيلَ صَعِدَ يؤبِّرُ نخْلَه،ُ فَأَبْصَرَ رسولَ الله عليه وسلّم وأصحابَهُ، فصرخَ بأعْلى صوتِه: يا بني قيلة ( الأوس والخزرج )ِ هذا صاحِبُكم قَدْ جاءَ، هذا جَدُّكم الذي تَنْتَظِرون، فَرَجَعوا وانْدَفَعوا زُرافاتٍ ووحْدانًا، رجالاً ونساءً وأطفالاً، حتّى لَمْ يبْقَ في البيوتِ أحدٌ من أهْلها. تقدَّموا يحْمِلون سعفَ النّخلِ، ويِهْتِفون بالقَصائِدِ والأهازيجِ؛ فَرَحًا لِمَرْأَى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. وقد بَادَلَهُم هو نفسُه الشّعورَ وأظْهَرَ لهم محبَّتَهُ، حتَّى إنّّهُ جعلَ ينظُرُ إلى صَبايَا بني النَّجَّارِ من حولِهِ، وهُنَّ ينشِدْنَ ويتغنَّيْنَ بِمَقدَمِه قائِلاً: أَتُحْبِبْنَنِي، واللهِ إنَّ قلبي ليُحِبُّكُنَّ.ِ وكانَ النّساءُ يضرِبْنَ بالدّفوف، ويُنْشِدْنَ:
طلعَ البدرُ علينا من ثَنياتِ الوداع
وجب الشّكرُ علينا ما دعا لله داع
أيّها المبعوثُ فينا جئتَ بالأمرِ المُطاع
جئتَ شرَّفتَ المدينه مرْحبا يا خيرَ داع
فرِح الكلُّ بِمَقْدَمِ رسولِ الله عليه الصّلاةُ والسّلامُ، واستبشرَ الجميعُ بسلامةِ وصولِهِ، ونجاتِه من كيدِ المشركين، ومكرِ الأعداءِ؛ لأنّ في ذلك انتصارًا للدّعوة الإسلاميّة، وفسحَ المجالِ للرّسولِ صلّى الله عليه وسلّم كيْ يُواصِلَ تبليغَ الرِّسِالَةِ.
# الرَّسول عليه الصّلاة والسَّلام في يثرب (1/20)
صفحة 21
نزلَ رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم بِـ" قباء " على " كلثوم بن الهدم ", وأقامَ بِقباء بِضْعَةَ أيّامٍ، وأسَّسَ فيهِ أوَّلَ مسجِد في الإسْلامِ، وهو المسجدُ الذي وَصَفَهُ الله تبارَكَ وتعالَى بقولِهِ: { ... لََمَسجِدٌ أُسِّسَ على التَّقْوى من أَوَّلِ يومٍ أَحَقُّ أن تَقومَ فيهِ فيهِ رِجالٌ يحبُّون أنْ يتطهّروا والله يحبُّ المطَّهِّرين } ( التّوبة، الآية: 108 )
إنّ أوّلَ ما يفكّر فيه المسلمُ هو إقامةُ هيكلٍ، يعبدُ الله فيه، وهو ما فعله النّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم، إذْ بَنَى المسجِدَ، وفي هذا إِرْشادٌ للمسلمين لما يجبُ عَمَلُهُ قبلَ كُلِّ شَيْءٍ. وفيهِ تنْبيهٌ لِلاعْتِنَاءِ بالطّهارة؛ لأنّها شطرُ الإيمانِ، فَلا يُقْبَلُ أيُّ عملٍ بدونها. وقَدْ مَدَحَ الله عزّ وجلّ أهلَ قباء؛ لأنّهم كانوا يَعْتَنُونَ بالطّهارةِ عنايَةً كبيرةً، فقد كانوا بعد قضاءِ الحاجةِ، يُتْبِعُونَ الماءَ الحجارةَ في الاسْتِنْجاءِ، وَهُمْ يَعْلَمونِ أنّ التّطهُّرَ لا يَتِِمُّ إلاّ بالمُبالَغَةِ في إِزالَةِ النَّجاسَةِ.
واصلَ الرّسولُ صلّى الله عليه وسلّم سيَْرَهُ نحو يثرب، وَدَخَلَها يومَ الثَّانِي عشرَ من ربيع الأوّل لِثَلاثَ عشْرَةَ سنَة من البِعْثَةِ – على أرجح الرّوايات – التَفَّ حولَه الأنصارُ، كلّ يُمْسِكُ زِمامَ راحلَتِه، يرجو أنْ بَنْزِلََ عنده، فكان الرّسولُ صلّى الله عليه وسلّم يقولُ لهم: دَعوها فَهِيَ مَأْمورَةٌ. فلَمْ تَزَلْ راحلتُه تسيرُ في طُرُقِ المدينة حتّى وصَلتْ إلى مربدٍ ( أرض يجفّف فيها التّمر ) لِغُلامَينِ يَتِيمَيْنِ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ، أمامَ دارِ أبِي أَيّوبٍ الأَنْصارِي، فقالَ النّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: هَهُنَا المنزِلُ إن شاء الله. وجاء أبو أيّوب فأخذَ الرَّحْلَ إلى بَيْتِِهِ، فَأَقامَ فيه النّبيّ عليه الصّلاةُ والسّلامُ.
# الرّسول صلَّى الله عليه وسلَّم في دار أبي أيُّوب (1/21)
صفحة 22
أَرادَ كلُّ واحِدٍ مِنَ الصّحَابَةِ أَنْ يَظْفَرَ بجِوَِار رسولِ الله عليه الصّلاةُ والسّلامُ، وإيوائِهِ في بَيْتِهِ؛ لِينَالَ بركتَهُ، ويحصُلَ على الفضلِ، فضلِ خِدْمَةِ الرّسولِ صلّى الله عليه وسلّم. هذا كُلُّهُ دليلٌ على الإيمانِ وَمَحَبَّةِ الله ورسولِهِ. إنَّ هذا طبعُ المؤمن الصّادق. الذي قال عنه خيُر البشريّة: ( لا يؤمِنُ أحدُكم حتّى أكونَ أحبَّ إليه من وَلَدِهِ ووالِدِهِ ونفسِه و النّاسِ أَجْمَعينَ ). فإذا كانَ الحظُّ معِ أبِي أيّوب، فآوَى رَسولَ صلّى الله عليه وسلّم في بيته، فإنّ بقيّةَ الصَّحابَةِ كانَ لهَمُ ُالأَجْرُ لِنيّتِهِم في الظّفرِ بِهذا الخَيْرِ، وَكُلاًّ وَعَدَ اللهُ الحُسْنَى.
مَحَبَّةُ الصَّحابَةِ لِرَسولِِهِم لَيْسَ لها حدودٌ، ولم يكنْ لها مظهرٌ واحدٌ. لقد كانوا يَفْدونَهُ بِكُلِّ ما يَمْلِكونَ، وَيَحْرِصونَ علَى تَوْفيرِ الرَّاحَةِ له. يقولُ أبو أيّوب الأنصاري: لَمَّا نزلَ رسولُ الله في بيتِي، أَقامَ في السَّفْلِِ، وأنا وأمُّ أيّوب في العُلوِّ، فقلتُ: يا نبيّ اللهِ! بأبِي أنتَ وأُمّي إنِّي لأَكْرَهُ وأعظمُ أن أكونَ فوقكَ، وتَكونَ تَحْتِي، فاظْهرْ أَنْتَ فَكُنْ في العُلُوِّ، وَننزلُ نحنُ ونَكونَ في السَّفْلِ. أيُّ أَدَبٍ رفيعٍ يُظْهِرُه الصّحابةُ لنبيِّهم، الذي يُحِبُّهُم ويُحِبُّونَه، وأيُّ خُلُقٍ كَريمٍ يُبْديهِ أَبُو أَيُّوب لِرَسولهِِ الكريمِ، إنّها تَرْبِيَةُ المَدْرَسَةِ المُحَمّديةِ، وَتَزْكِيَةُ التّوْجِيهِاتِ الإسْلامِيّةِ.
لَمْ يَكُنْ الرّسولُ صلّى الله عليه وسلّم أقلَّ أَدَبًا، ولا أَقلَّ رحمةً وشفقةً على أَصْحابِهِ مِنْهُمْ- وهو القدوةُ والأسوةُ في ذلك – فَقَدْ أَجابَ أَبَا أيّوب قائلا: إِنَّهُ لأَرْفَقُ بِنَا، وبِمَنْ يَغْشَانَا أنْ نَكُونَ في أسفَلِ البِيْتِ. (1/22)
صفحة 23
مع ذلك كانَ أبو أَيّوب يخافُ أَنْ يَلْحَقَ الرّسولَ صلّى الله عليهِ وسلّم أيُّ ضررٍ؛ بِسَبَبِ وُجودِهِ أسفلَ البيتِ، وكان يحتاطُ لذلك كلّ الاحْتِياطِ؛ حُبًّا له وشفقةً عليه. وقد حَدَثَ ما كانَ يَخْشاهُ أبو أيّوب. يَقولُ: لَقَدْ انْكَسَرَتْ جرّةٌ لنا فيها ماءٌ، فقُمْتُ أنا وأمُّ أيّوب بِقَطيفَةٍ لَنَا، ما لنا لِحافٌ غيرها، نُنَشِّفُ بها الماءَ؛ تخوُّفًا أنْ يقطُرَ على رسولِ الله مِنْهُ شيءٌ يُؤْذيهِ. فنزلْتُ إليهِ وأنا مُشْفِقٌ (خائِفٌ) . فلم أَزَلْ أَستَعْطِفُهُ حتّى انتقلَ إلى العلو.ّ
ذَكَرَ أبو أيّوب – أيضا – قِصّةً تدلّ على تعلّقِهِ بالنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، والرّغبةِ في نيلِ بركاتِه. قال: وكنّا نَصْنَعُ لَهُ العَشَاءَ، ثمّ نَبعثُ بِهِ إليهِ، فإذا رَدَّ عَلَيْنَا فَضْلَهُ تَيَمًّمْتُ أَنَا وَأُمُّ أيّوب موضِعَ يدِهِ، فأَكَلْنا منهُ، نَبْتَغِِي البركةَ، حتّى بعَثْنا إليْهِ ليلَةً بعَشائِهِ، وقد جَعَلْنَا فيهِ بَصَلاً أو ثومًا، فردَّهُ رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم، ولم أَرَ لِيَدِهِ فيهِ أثَرًا، فجِئْتُهُ فَزِعًا، فقلتُ: يا رسولَ الله! بأبِي أَنْتَ وأُمِّي رَدَدْتَ عَشَاءَكَ، ولَمْ أَرَ فيهِ موضِعَ يدِكَ، وكنتَ إذَِا رَدَدْتَهُ عَلَيْنَا تَيَمَّمْتُ أنا وأمُّ أيّوب موضِعَ يدِكَ، نَبْتَغِي البركةَ، قال: " إنِّي وجدْتُ فيهِ ريحَ هذه الشّجرةِ، وأنا رجُلٌ أُناجِي، فأمَّا أنتُم فَكُلُوهُ ". قال: فَأَكَلْناهُ، ولم نصنعْ لهُ تلكَ الشّجرةَ بعد.
# استِقرار الرَّسول عليه الصَّلاة والسَّلام في المدينة
استقرّ الرّسولُ صلّى الله عليه وسلّم في " يثرب "، التي سمّاها " المدينة "، وفيها سَيَبْنِي مجتمعًا جديدًا، وفيها سيُؤَسِّسُ القواعدَ التي يضعُ عليها بناءَ هذا المجتمع؛ لهذا بدأَ بأَعمالٍ ثلاثة، هي الأُسُس في هذهِ الدّولة الإسلاميّة التي أنْشأَها: (1/23)
صفحة 24
أَوّلا: بناءُ المسجد. الذي به تَرْبِطُ الأمّةُ صلتَها بربِّها.
ثانيا: المُؤاخاةُ بين المسلمين بعامّة، والمهاجرين والأنصار بخاصّة. التي بها تُوَحُِّد الأمَّةُ بين أَبْنائِها، وتؤَلِّفُ بَيْنَ قُلُوبِهِم.
ثالثا: كتابةُ وثيقةٍ تحدِّدُ نظامَ حياةِ المسلمين فيما بينهم، وتوضِّحُ علاقتَهم بغيرهم بعامّة، واليهودِ بخاصّة. التي بها تنظّمُ الأمّةُ صِلاتِ أبنائِها بِبَعْضَهِم، وتضبِطُ صلاتِ الأجانبِ عنها بِهَا.
في هذا إرشادٌ وتوجيهٌ إلى ضرورة التّخطيطِ والتّنظيمِ، والاتّجاهِ نحو التّأسيسِ المُحْكَمِ في بداية الانْطِلاقَةِ، وتحديدِ العلاقاتِ، وأُطُرِ التّعاملِ؛ لاتّقاءِ المَشاكلِ والفوضَى.
أوّلاً: بناء المسجد
أوّل خطوةٍ خطاها النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم في المدينة كانت إقامةَ المسجدِ. ففي المَوْضِعِِ الذي بركتْ فيه ناقتُهُ أَمَرَ ببناءِ المسجدِ. وَقَدِ اشْتَرَى المكانَ من غُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ، كَانَا يَمْلِكَانِهِ؛ رغمَ رغبتِهِما في التّبرُّعِ به فِي سبيلِ الله. وكان الرّسولُ صلّى الله عليهِ وسلّم يعملُ مع الصّحابة في البناءِ، ينقُلُ معهم التّرابَ والأحجارَ.
إذن إنّ الرّكيزةَ الأولى والأَهَمَّ في بِنَاءِ المجتمعِ الإسلامي هي إِقامَةُ المسجدِ. فهو الذي يَضْمَنُ نَشْرَ الدِّينِ والآداب، وزرعَ العقيدةِ، وبثَّ روحِ التّماسك والتّلاحم بين أفراد المجتمع، وهو الذي يُساعِدُ علَى حُسْنِ التّوْجيهِ؛ و لِذلِكَ حَرَصَ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم على البدءِ بِهِ.
ثانيا: المؤاخاة بين المسلمين
آخَى الرّسول صلّى الله عليه وسلّم بين المهاجرين والأنصارِ، وسمّى لكلّ مهاجر أخاه من الأنصارِ؛ توثيقًا لوَحدةِ المسلمين، ورفقًا بالمهاجرين الذين أُخْرِجوا من ديارهم، وصَوْنًا للأوسِ والخزرجِ من فتنةِ التّقاتُلِ والتّدَابرُِ. (1/24)
صفحة 25
أَقامَ الرّسولُ عليه الصّلاةُ والسّلامُ هذا الإخاءَ على أساس تُمْحَى فيه كلمةُ " أنا " وتُثْبَتُ كلمةُ " نحن ". ويتحرَّكُ الفردُ في المجتمعِ بِروحِ الجَماعَةِ، حَامِلاً شِعارَ " مَصْلَحَة الجمَاعَةِ قَبْلَ مَصْلَحَةِ الفَرْدِ " أَسّسَ الرّسولُ عليه الصّلاة والسّلام هذه الأخوّةَ لِيُزيلَ عن طريقِ المسلمين الحَمِيّةَ الجاهليّةَ والعَصَبِيَّةَ القَبَليّةَ، ولا تَبْقَى سوى روحِ الإسلامِ تُسَيِّر شؤونَ المؤمنين.
نَجَحَ الرّسولُ صلّى الله عليه وسلّم في بِناءِ العَلاقَةِ بَيْنَ المهاجرين والأنصارِ على أُسِّ الثّقةَ والمحبّةِ والإيثارِ والمُواساةِ. فقد استقبلَ الأنصارُ إخوانهَم المهاجرين أحْسنَ استقبالٍ، وآثروهم على أنْفِسِهم في كلّ شيءٍ. وقد نَزَلَ القرآنَ الكريمُ، يُسَجِّلُ هذه المَكْرُمَةَ للأنصارِِ: { والذينَ تبوؤُوا الدّارَ والإيمانَ من قَبْلِكُم يُحبُّونِ من هاجَرَ إليْهِمْ ولا يَجِدُونَ في صُدُورِهم حاجَةً ممَّا أُوتوا ويُؤْثِرونَ على أنْفُسِهم ولو كانَ بهِم خَصاصَة ومنْ يُوقَ شُحَّ نفْسِهِ فأُولئكَ همُ المُفْلِحونَ } ( الحشر، الآية: 33 )
وقدَّر المهاجرون هذا البذَْلَ الخالِصَ، وهذا الإيثار الصَّادقَ، فما استَغلُّوهُ ولا أخذوا منه إلاّ قَدْرَ ما يُعِينُهُم على سدِّ حاجاتِهِم الضَّرورية، أو ما يُساعِدُهُم على العَمَلِ الشّريفِ. رَوَى البُخارِي أنّه لَمَّا قَدِمَ المهاجرون إلى المدينة آخَى الرّسولُ صلّى الله عليه وسلّم بين عبدِ الرّحمن بن عوف وسعدِ بنِ الرَّبيعِ، فقال سعدُ لعبدِ الرّحمن: إنِّي أكثرُ الأنصارِ مالاً، أَقْسِمُ مالِي بينِي وبينَكَ نصفينِ، ولِي امرأتانِ، فَانْظُرْ أعْجَبَهما إليك، فسمِِّها لِي أُطلِّقْها، فإذا انْقَضَتْ عِدَّتُها فَتَزَوّجْهَا. قال عبدُ الرَّحمن: باركَ الله لك في أهْلِكَ ومالِك, أَبنَ سوقُكم؟ (1/25)
صفحة 26
فَدَلُّووهُ على سوقِ " بني قنيقاع "، فما عادَ إلاّ ومَعَهُ فضلٌ من أَقِطٍ ( لبن محمَّض يجمَّد حتَّى يستحجر ويطبخ ) وسمنٍ، ثمّ رَجَعَ مرّة أخرى إلى السُّوقِ بل مرّاتٍ، ثمَّ جاءِ يومًا وبه أَثَرٌ صفرة ( زينة )، فقال النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: " مهيمْ " ( سؤال عن ماله )؟ قال: تَزَوَّجْتُ. قال: كَمْ سُقْتَ لها؟ قال: نَوَاةٌ وَذَهَبٌ.
في سَمَاحَةِ " سعدٍ " وكرَمَهِ،ِ وفي عِفَّةِ " عبدِ الرّحمن " ونُبْلَهِ وعِزَّةِ نَفْسِِِهِ، تَتَجلَّى حَقِيقَةُ الإسلامِ. إنّ المؤاخاةَ التي أَقامَها الرّسولُ صلّى الله عليه وسلّم بين المهاجرين والأنصارِ ،لم تكن لِتَرْفَعَ أحدًا على الآخَرِ، ولا أَنْ يِسْتَغِلَّها الطّرفُ الموسِرُ ليُذِلَّ بها الطّرَفَ المُحْتاجَ. ولا أن تَتْرُكَ المُنعَمَ عليه يَرْكَنُ أو يميلُ إلى الرّاحة، فَيُحَطَِّم كَرامَتَهُ بالتذلُّلِ. فعبدُ الرّحمن بن عوف قَصَدَ السّوق وجَدّ، فَحَصَّل نجاحًا في تِجَارَتِهِ، أكسبتْهُ مالاً وفيرًا، زاحمَ بها اليهودَ في سُوقِهِم، وحَفِظَ لِنَفْسِِِهِ كَرامَتَهَا وعِفََّتَها. إنَّ عُلوُّ الهمَّة هِيَ مِنْ أَخْلاقِ الإسلام، الذي يُرَبِّي عليهِ المنتسبين إليه.
إنَّ المؤاخاةَ جَعَلَت الأنصارَ والمهاجرين أمام مسؤولية خاصَّة من التّعَاوُنِ والتّنَاصُرِ والمؤَانَسَةِ. إنَّها هي التي تضْمَنُ وَحْدَةَ الأمّةِ. وكلُّ جماعةٍ لا نؤلِّفُ بينها رابِطََةُ المودَّةِ والتَّآخي الحقيقيّةُ لا يمكِنُ أن تتَّحِدَ حولَ أيِّ مبدَأ.
ثالثا: كتابةُ وثيقة بين المسلمين وغيرهم (1/26)
صفحة 27
بعد أن وَثِقَ النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم من رسوخِ قواعدِ المجتمعِ الجديدِ في " المدينة "، وإقامةِ الوَحْدَةِ العَقَدِيّة والسّياسيّة والنِّظاميّة بين المسلمين، رأَ ... ى أَن ينظِّمَ علاقاتهِ بغير المسلمين، وبخاصّة باليهود، فَعَقَدَ معهم عَقْدَ مُوَاد ... عَةٍ ومُعَايَشَةٍ. يمثِّلُ هو وأصحابُه الطَّرفَ الأوَّل، ويمثّل يهودُ المدينةِ الطَّرفَ الثَّاني، وسُمِّيَ هذا العقدُ أو العهدُ بِـ " دستور المدينة ". وقد احْتَوَى على سَبْعَةٍ وأربعين بَنْدًا، تُحَدِّدُ أُسس التَّعاونِ والتَّعاملِ بين الطّرفينِ، مع إقرار اليهودِ على دينِهم وأموالِهم. ما وَرَدَ في العقدِ يبيّن القيمةَ الدّستورية للمجتمع الإسلامي، ودولتِهِ النّاشئةِ في المدينة. نورِدُ فيما يأْتِي بعضَ بنودِ هذا العهدِ:
1 – المسلمون من قريش ويثرب ومن تَبِعَهم، فلحِقَ بهم وجاهدَ معهم، أمَّةٌ واحدةٌ من دون النَّاسِ.
2 – هؤلاء المسلمون جميعًا على اختلاف قبائلهم، يُؤَدُّون دماءَ قَتْلاهُم، ويَفْدُون عَانِيهم (أسيرهم ) بالمعروف والقِسْطِ بين المؤمنين.
3 – ضرورةُ تكاثُفِ الأمَّةِ دونَ الظُّلْمِ والإِثْمِ والعُدْوان.
4 – حمايَةُ من أَرادَ العَيْشَ معَ المُسلمين مسالِمًا متعاونًا. والامتناعُ عنْ ظُلْمهم، والاعتداءِ عليهم.
5 – لا يحلّ لمؤمن أَقرَّ بما في الصَّحيفة وآمنَ بالله واليومِ الآخرِ أنْ ينصُرَ مُجْرِمًا أو أَنْ يُؤويهِ، وإنّ من نصرَهُ أو آواهُ فإنَّ عليه لعنةَ الله وغضبَهُ يوم القيامة، لا يُؤخَذُ منه صرْفٌ ولا عدْلٌ.
6 – يهود بني عوفٍ أمّةٌ مع المؤمنين. لليهودِ دينُهم، وللمسلمين دينهُم. إلاّ من ظلمَ وآثَمَ فإنَّهُ لا يَهْلِكُ إلاّ نفسَهُ وأَهْلََ بيتِهِ.
7 – إنّ ليهود بني النَّجارِ والحارثِ وساعدة وبني جشم وبني الأوس... مثلَ ما ليهود بني عوف. (1/27)
صفحة 28
8 – إنَّ على اليهود نفقتَهم، وعلى المسلمين نفقتَهم، وإنّ بينهم النَّصرَ على من حاربَ أَهْلَ هذه الصَّحيفة.
9 – إنَّ على غيرِ المسلمين أنْ يتعاونوا معهم على صدِّ الخطرِ والعُدوانِ عن الدَّولة.
10 - من خرَجَ من المدينة هو آمن، ومن قعَدَ فهو آمن، إلاّ من ظَلَمَ وأَثِمَ.
هذه الوثيقة تُبَيُِّن حرصَ الإسلامِ على التّعاونِ الخالصِ مَعَ مَنْ يُجَاوِرُهُمْ، ومَنْ يُساعِدُهم على إِقامَةِِ جسور الوُدِّ وحسنِ العِشْرَةِ. فيهودُ المدينة مِمَّنْ تَوَدَّدَ إليهم المسلمون وَرَبَطُوا معهم علاقاتٍ؛ لِتَنْظيمِ شؤونهِم معهم، ولنشرِ الطُّمأْنينة والسّكينة في رُبوعِ المدينةِ. كما أنَّ المُعاهَدَةَ شدَّدت على التَّصدِّي للمُعْتَدين والظّالمين ومدبِّري الفِتَنِ، مهما يَكُنْ دينُهم.
وأوضَحَتْ أنَّ حريّة الدّينِ مضمونةٌ. وتَكَفَّلَت بِنُصْرَةِ المَظْلومِ، وَحِمَايَةِ الجارِ، وَرِعايَةِ الحُقوقِ.
الوثيقة قامت – أساسا – على فكرة وَحْدَةِ الأمّة الإسلاميّة، وحماية المسلمين والدّعوة الإسلاميّة مِنْ عَبَثِ العابِثِينَ ومَكْرِ الماكِرين، وما يتعلّقُ بِطريقة تطبيقِ البُنُودِ، التي وَرَدَتْ في المعاهدةِ.
# دروس وعبر
- محبَّةُ المؤمنين لرسولِهم صلواتُ الله وسلامُه عليهِ كانت شديدةً, وهي التي ساعدَتْ على اتِّباعِهِ والاقتِداءِ بهِ. وهى الضَّامِنَةُ لِتَطْبِيقِ ما جاء بهِِ من عنْدِ اللهِ، والعملِ بهِ برِضًى ويَقِينٍ.
- المعجزاتُ الخَارقَةُ التي ظَهَرَتْ للنَّبيِّ صلَّى الله عليهِ وسلَّم في أَثْناءِ هجْرَتِهِ، تدلُّ أنَّ نَصْرَ اللهِ عبادَهُ العاملين المُخلصينَ متحقِّقٌ في النِّهايَةِ. فعلى المؤْمِنِ أنْ يجتهِدَ ويصْبرَ، ويثْبُتَ في ميدانِ العملِ، فاللهُ ناصِرُهُ. (1/28)
صفحة 29
- إنَّ مكانَةَ المسجِدِ في المُجْتَمَعِ الإسلامِي تَجْعَلُهُ مصْدَرَ التَّوْجيهِ والإرشادِ والمحافَظَةِ على كيانِ الأمَّةِ. ويدلُّ فعلُ الرّسولِ صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّ إقامَةَ المسْجِدِ هيَ أوَّلُ ركيزةٍ وأَهمُّها في بناءِ المجْتمَع الإسلامِيِ.
- أُخوَّةُ الدِّينِ أَقْوَى من أُخوَّةِ النَّسَبِ. والأُخوَّةُ الحقيقيَّةُ هي التي تقومُ على جامِعةِ الإسلامِ ووَحْدَةِ العقيدَةِ. وهيَ لا تُفْرّضُ بقوانين ومراسيم، وإنَّما هي نتيجَة تربية النُّفوس وتَزْكِيَتِهاِ، وتَطْهيرِها من نوازِعِ الأَنَانيَّةِ والشُّحِّ والحِقْدِ والبُغْضِ...وَتدريبِها على فِعْلِ الخيرِ وحُبِّ الغيرِ...
- المسلمونَ جميعًا مسؤولونَ عنْ بعضِهم في شُؤونِ دنياهُم وأُخراهم، وعَنْ نُصْرَةِ بعْضِهمْ بعْضاً مَهْما تختَلِفْ ديارُهُم وبلادُهمْ، مَا دامَ ذلِكَ مُمْكِنًا. وإنْ لمْ يفْعلُوا وهم قادِرونَ أَثِموا.
- ضرورةُ مراعاةِ حقِّ الجِوارِ، مهما يكُنْ دينُ هذا الجارِ، وهذا السَّاكنُ مع المسلمينِ، ما لم يتعَدَّ حدودَهُ. ووُجوبُ التَّعاوُنُ مَعَهُ فيما يعودُ على الجميعِ بالخيرِ والمنْفَعَةِ.
# الأسئلة
1 – ماذا حدثَ لسراقة وهو يحاول القبضَ على النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم؟
2 – ماذا حدثَ في خيمة أمِّ معبد؟
3 – كيف اسْتُقْبِلَ الرَّسولُ صلَّى الله عليه وسلَّم حين وصولِه يثرب؟
4 – لماذا فرِح المسلمون بوصول الرَّسولِ عليه الصَّلاة والسَّلام إلى يثرب؟
5 – ما هو أوَّلُ مسجد بُنِيَ في الإسلامِ؟ وبماذا وصفه الله تعالى في القرآنِ؟
6 – كيف كانت إقامة الرَّسولِ صلوات الله وسلامه عليه في بين أبي أَيُّوب الأنصاري؟
7 – صِفْ محبَّةَ المسلمين لرسولهم؟
8 – ما هي القواعدُ التي بَنَى عليها الرَّسولُ صلَّى الله عليه وسلَّم المجتمعَ الجديدَ في المدينة؟
9 – كيف تمَّ بناءُ المسجدِ في المدينة؟ وماذا يعنِي بِنَاؤُهُ؟ (1/29)
صفحة 30
10 – ما هي نتيجةُ المؤاخاةِ التي أقامها النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم بين الأنصارِ والمهاجرين؟ اذكر الآية التي سجَّلت هذه المكرُمة؟
11 – كيف كان موقفُ عبد الرَّحمن بن عوف من عرضِ سعد بن الرَّبيعِ؟ وعلى ماذا يدلُّ؟
12 – اذكر بعضَ بنودِ " دستور المدينة "؟ وما هي فائدةُ هذا العهد ونتائجُه؟
13 – ما هي الدّروسُ والعبُر التي أخذتَها من هذه القصَّة؟ (1/30)