صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: شريعة - إسلاميات - السيرة والشمائل
------------------------------------------
العنوان: المولد النبوي نظرة تصحيحية في الأحداث والوقائع
المؤلف: أحمد بن سعود السيابي
الناشر: مكتبة الغبيراء
مكان النشر: بهلا - سلطنة عمان
تاريخ النشر: 1425ه/ 2005م
الطبعة: 1
الإيداع القانوني: 2005/13
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=1189&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/384
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
------------------------------------------
أعَدَّه للشاملة الإباضية: روائع الآثار، للخدمات العِلمية الإباضية الخيرية.
https://t.me/slitame
https://wa.me/qr/CWZOF66L3ENDN1
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع، لكن عند تهميش الصفحات يُعتمَد على ترقيم النسخة المصورة (PDF) وليس على ترقيم برنامج الشاملة.
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 07 محرم 1447ه/ 03 - شهر 07 - 2025م. المولد النبوي
نظرة تصحيحية في الأحداث والوقائع
فضيلة الشيخ أحمد بن سعود السيابي
مكتبة الغبيراء
* (1/1)
صفحة 2
[صفحة فارغة] (1/2)
صفحة 3
المولد النبوي ..... نظرة تصحيحية في
الأحداث والوقائع
فضيلة الشيخ/ أحمد بن سعود السيابي (1/3)
صفحة 4
المولد النبوي ... نظرة تصحيحية في الأحداث والوقائع تأليف: فضيلة الشيخ/ أحمد بن سعود السيابي
الطبعة الأولى: 1425 هـ / 2005 م.
جميع الحقوق محفوظة
مكتبة الغبيراء - هاتف: 419426
سلطنة عمان - بهلا
ص. ب: 115
الرمز البريدي: 612 (1/4)
صفحة 5
المولد النبوي
نظرة تصحيحية في الأحداث والوقائع
فضيلة الشيخ/ أحمد بن سعود السيابي
] (1/5)
صفحة 6
[صفحة فارغة] (1/6)
صفحة 7
باية الحلال (1/7)
صفحة 8
[صفحة فارغة] (1/8)
صفحة 9
المولد النبوي
المقدمة
الحمد الله رب العالمين نحمده ونستعينه ونستهديه ونصلي ونسلم على سيدنا وحبيبنا وقدوتنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلى أئمتنا من أهل الحق والاستقامة ممن اتبع الحق وعمل
به.
أيها الإخوة الكرام: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته هذه مناسبة مباركة باجتماعكم في هذا المسجد الطيب، احتفاء بذكرى وسيرة سيد الأنام محمد صلى الله عليه وسلم، نسأل الله جميعاً أن يكون هذا الاجتماع في ميزان حسناتنا جميعاً يوم الدين. (1/9)
صفحة 10
J
المولد النبوي ميلاد للإنسانية
المولد النبوي
لا شك أيها الإخوة أن مولد محمد صلى الله عليه وسلم ميلاد للإنسانية، فالله تعالى أكرم به الأمة والبشرية، بل أكرم به هذا الكون، فكان ميلاده حدثاً غير عادي، ونستطيع القول أنه حدث مقدس لما فيه من الأمور الاعتبارية والعظات والحكمة من هذا المنطلق رأت الأمة على اختلاف فيما بينها أن تحتفي بذكرى ميلاده صلى الله عليه وسلم لما في ذلك من تمسك بالرسالة التي جاء بها هذا
النبي الكريم. (1/10)
صفحة 11
الموقف من الاحتفال بالمولد
المولد النبوي
وقفت الأمة على اختلاف في الاحتفاء بهذا الحدث، فمنهم من لم يجزه مطلقاً، ومنهم من، ومنهم من عمل فيه ممارسات وطقوسيات لا يقرها الإسلام أو لا يقر كثيراً منها، ومنهم من وقف في الوسط حيث أخذ العبرة والارتباط بذكرى هذا السيد وتذكر، رسالته، وهذا الذي سار عليه الإباضية إذ إن موقفهم كان وسطاً، فالمشارقة من الإباضية ما كانوا يحتفلون بهذه الذكرى، ولكنها وفدت إليهم من أقطار أخرى، أما إباضية المغاربة فالظاهر أن الاحتفال به كان عندهم من زمن لا بأس به. (1/11)
صفحة 12
المولد النبوي -
ويقال إن من ابتدأ الاحتفال بمولده صلى الله عليه وسل هم الفاطميون الذين حكموا الشمال الإفريقي إلى مصر وامتد نفوذهم في بعض الأحيان إلى اليمن والشام، ولكن ذلكم الاحتفال ما كان على المستوى الرسمي، وأول من احتفل به احتفالاً رسمياً على مستوى الدولة حاكم أربيل - أربيل مدينة في شمال العراق حالياً من قبل الأيوبيين في عهد صلاح الدين الأيوبي، وكان الحاكم يقال له مظفر الدين أبا سعيد، احتفل احتفال دولة بهذه المناسبة والظاهر أن الأيوبيين وصلاح الدين بالذات قضى على الكثير من معالم الدولة الفاطمية من التشيع، ووقف منه موقفاً صلباً، ولكن فيما يتعلق بقضايا المولد وأهل البيت
? (1/12)
صفحة 13
المولد النبوي -
واصل الأيوبيون السير على منوال من سبقهم، فكان هذا الاحتفال على المستوى الرسمي، فقضية آل البيت ومحبتهم والطقوس الملازمة لها ظلت موجودة في مصر، لم يعمل – لا نقول لم يستطع صلاح الدين الأيوبي على محوها من بقايا التشيع، فلذلك كما يقول أحد المفكرين المصريين: إن الناس إذا اكتفوا باسم حسن فهم أعطوا اسم حسنين، أي
الشخص الواحد يسمى حسنين.
0 (1/13)
صفحة 14
الشيخ البهلاني وحماية العقيدة
المولد النبوي =
أما بالنسبة إلى المشارقة، ففي آخر عهد دولة اليعاربة أخذت القضية تناقش من حيث جواز الاحتفال بهذه الذكرى وعدم جوازها، وعندما كان العمانيون موجودين في أفريقيا الشرقية وفي زنجبار بالذات تأثروا بقصة الاحتفال وقراءة السيرة المسجوعة واعتماد كتاب البرزنجي في ذلك، ثم جاءت إلى عمان نتيجة توحد الأسرة الحاكمة للجانبين العماني والشرق الإفريقي، ورأى الشيخ أبو مسلم ناصر بن سالم بن عديم البهلاني الرواحي رحمه الله تعلق أهل المذهب بكتاب "البرزنجي"، وفيه بعض الأمور العقدية
6 (1/14)
صفحة 15
المولد النبوي
التي تخالف ما عندهم، فعمل على تأليف كتابين في هذا الموضوع، فألف أولاً كتاب "النور المحمدي" وهو كتاب صغير، ثم وضع كتاب "النشأة المحمدية" الذي يقرأ حالياً لمن أراد أن يقرأ السيرة النبوية والاحتفال بالمولد النبوي في صورته التقليدية، ولا شك أن الشيخ أبا مسلم وضع هذين الكتابين لصرف أتباع أهل المذهب عن التعلق بكتب غيرهم، لأنه رأه أمراً واقعاً لابد منه، فنزولاً مع هذا الواقع ألف هذين الكتابين، والآن أكثر الناس يعتمدون في
احتفالهم على قراءة كتاب "النشأة المحمدية" بالذات.
V (1/15)
صفحة 16
تاريخ المولد
المولد النبوي
الأول،
اختلف في تاريخ مولده صلى الله عليه وسلم، والجمهور على أنه كان في يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأ وقالوا: إنه بعد خمس وخمسين يوماً من حادثة الفيل، وحددوا ذلك بأنه في عام 570 للميلاد، لكن الشيخ أبا إسحاق اطفيش رحمه الله تعالى وهو الذي عاش في مصر مدة طويلة بعد نفيه إليها - ينقل في تعليقه على كتاب النشأة المحمدية عن أحد الفلكيين المصريين الكبار وهو محمود باشا الفلكي تحديد مولده صلى الله عليه وسلم بيوم الاثنين التاسع من ربيع الأول في عام 571 للميلاد، (1/16)
صفحة 17
المولد النبوي
على أي حال هذه خلافات لا تقدم ولا تأخر، فالنبي صلى
الله عليه وسلم ولد والحدث قد وقع، وهذا الاختلاف ليس اختلافاً مهماً، فهذا يحدث في الأمور التاريخية، لأن العقل البشري يختلف في تحمل الأحداث، فكل شخص يؤدي حسبما وقر في ذهنه، فمن هذا المنطلق يجب أن لا نعطي بالاً كبيراً للاختلاف في مولد شخصية ما، أو في وفاته، لأنه إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم – وهو الذي أجمعت البشرية على الاهتمام به، وأجمعت أمته صلى الله
عليه وسلم على الإيمان به ويوجد اختلاف في مولده
فكيف بغيره من الأشخاص؟.
? (1/17)
صفحة 18
المولد النبوي
تعظيم الإباضية
للنبي عليه الصلاة والسلام
لعله لا يوجد مثل الإباضية تعظيماً لهذا الشخص العظيم، لأنهم نفوا كل ما يخل بشخصيته، في حين أن الفرق الأخرى تسلقت إلى تبجيل أشخاص أو أئمة على حساب هذا النبي العظيم، وهذا لا يوجد على الإطلاق عند الإباضية، فقد اعتبروه شخصية فريدة متميزة، والآخرون عزّوا بعزه، وليس على النيل من شخصيته أو على الحط من
قدره.
1. (1/18)
صفحة 19
التهيئة الكونية للمولد والنبوة
المولد النبوي =
لاشك أن هذا الحدث العظيم ليس حدثاً عادياً، فلابد له من تهيئة كونية تستقبل هذا الحدث لأنه ارتباط للبشرية بالله تعالى عن طريق هذه الرسالة، فالقضية عظيمة غير
عادية.
وهذا الحدث العظيم صاحبته إرهاصات، والإرهاص هو تأسيس وتهيئة الأمر ما، بحيث يكون الحدث منساقاً ومنسجماً مع ذلكم التأسيس والتهيئة، فهناك تهيئة لحدث
المولد وتهيئة للنبوة، وقد ترابطت هذه الإرهاصات.
11 (1/19)
صفحة 20
إحياء مكة
المولد النبوي -
هذه الإرهاصات لو فكرنا بها وعدنا إلى الخلفية التاريخية لوجدناها مرتبطة بمجيء الخليل إبراهيم عليه السلام وابنه إسماعيل إلى مكة المكرمة وبنائهما للكعبة المشرفة، هذه أولى الإرهاصات لهذا الحدث العظيم، فالنبي إبراهيم جاء بزوجته هاجر وابنه إسماعيل بأمر الله تعالى عن طريق
ا لا نقول الأمة هاجر، لأن هذه القضية فيها ما فيها، إذ إنها تعني أن إسماعيل أبا العرب أمه أمة. وهذه روايات إسرائيلية، فالقرآن لم يذكر شيئاً من ذلك. وما هو الدليل على أن هاجر هي الأمة وسارة هي الحرة؟! لكن مع الأسف نجد أنه يكاد يجمع المؤرخون وكتاب السير والذين يذكرون قصص الأنبياء أن هاجر كانت أمة لسارة، وأنها أهدتها لإبراهيم، ولما حملت غارت سارة، فحيكت القصص الإسرائيلية بأن
12 (1/20)
صفحة 21
المولد النبوي
الوحي من العراق إلى مكة والحجاز، وقال: ((رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةٌ مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ
العرب إنما هم أولاد أمة، وأن اليهود هم أولاد الحرة سارة، فهذه من العجائب. والغريب أن الأمة تلقفت هذه المعلومة بكل ارتياح وهذه القضية تحتاج إلى إعادة نظر، فالقضية محاكة من قبل غير العرب، لأن العرب الذين يفتخرون بأنسابهم في أشعارهم وبأنهم هم الأصل وبأن ما عداهم هم العجم، وأن العرب لهم مزية على العجم،
كأنه يقال لهم: ما أنتم إلا أبناء أمة، لا تفتخروا، فافتخار أحدكم مثلاً بقوله: إذا مضر الحمراء كانت أرومتي وقام بنصري دارم وابن دارم
عطست بأنف شامخ وتناولت يدي الثريا قاعداً غير قائم
وغيره من الأشعار لا ينفع، لأنكم في النهاية ما أنتم إلا أبناء أمة فلا تفتخروا
(المحاضر).
14 (1/21)
صفحة 22
المولد النبوي
وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ))، إذاً هنالك أمر بأن تكون حياة في مكة، ومكة ثبتت عند المحللين الجغرافيين بأنها هي في الوسط من مركز الكرة الأرضية، فلذلك خاطب الله تعالى نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم قائلاً: ((لِتُنْذِرَ أُمُّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا))، حولها: أي كل ما في الكرة الأرضية، وهذا مأخوذ من الإشارة ((وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً): أي كما جعلنا الكعبة في الوسط
2 إبراهيم: 37. الأنعام: 92.
4 البقرة: 143.
14 (1/22)
صفحة 23
المولد النبوي
جعلناكم أمة وسطاً، فاسم الإشارة يعود بالدلالة إلى الكعبة بأنها في وسط هذا الكوكب الأرضي.
إجابة دعوة إبراهيم عليه السلام
هذه الرسالة العالمية هي إنذار وتبليغ لمن في أم القرى مكة وما حولها من الدنيا، فهذا النبي محمد صلى الله عليه وسلم هو دعوة إبراهيم وإسماعيل: ((وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلُ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةٌ لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ
10 (1/23)
صفحة 24
المولد النبوي -
الرَّحِيمُ، رَبَّنَا وَابْعَتْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)) إذاً بداية هذا الإرهاص لهذا الحدث العظيم كاز منذ أن جاء إبراهيم وإسماعيل وزوجته هاجر إلى مكن المكرمة، وقام ببناء الكعبة وعمارة مكة، وأقام فيها الصلاة. وهوت إليهم أفئدة كثيرة من البشر وعمرت مكة بموجب ذلك، ثم استمر نمو الأمة العربية وتكاثرها في مكة وحولها، واكتسبت من ذلك مكانة عظيمة، فكانت جره
ثم كانت خزاعة وبعدها جاءت قريش.
ه البقرة: 127 - 129.
17 (1/24)
صفحة 25
أسباب الخلل في عقيدة العرب
المولد النبوي -
قويت مكانة العرب وصار لهم شأن وحافظوا على الديانة الإبراهيمية وتمسكوا بها، وبعدها صار عندهم
اختلال في العقيدة، ولكن لماذا صار هذا الاختلال؟. لقد تعمقوا في تقديس الحرم، فإذا سافر أحدهم حمل بعض الحجارة منه كنوع من التعظيم، ثم تدرج الأمر شيئاً فشيئاً مما جعلهم يستسيغون عبادة الأصنام المصنوعة من الحجارة، وكانوا يترددون بين اليمن والشام في رحلتين لهم، رحلة في الشتاء إلى اليمن، ورحلة في الصيف إلى الشام، اتباعاً للمناخ واعتدال الجو، فوجدوا في البتراء أو
17 (1/25)
صفحة 26
المولد النبوي -
البلقاء من يعبد الأصنام، وكان عمر بن لحي الخزاعي قد ذهب إلى هنالك فسألهم لماذا تعبدون الأصنام؟ فأخبروه عن الفائدة من عبادتها بما يتوهمونه ويعتقدونه، فأتى من عندهم بصنم اسمه هبل، وهو الذي كانت تعظمه العرب
وخاصة قريش، فجاء به إلى مكة، ومن ذلكم التقديس للحرم أيضاً حملهم للحجارة وأحياناً التربة عندما يخرجون من الحرم تعلقاً منهم به، وشيئاً فشيئاً حتى تساهلوا في عبادة الأحجار والأصنام والأزلام وغيرها، فكانوا عبدة
أوثان.
18 (1/26)
صفحة 27
أثر الشريعة الإبراهيمية
المولد النبوي
ومع عبادتهم للأوثان فقد ظلوا متمسكين بشيء من الديانة الإبراهيمية لاسيما في أمر الحج مع اختلاف قليل في مسائل السلوك، فالعادات والسلوك التي عند العرب هي بقايا من دين إبراهيم، وجاء الإسلام ليتممها: (إنما
بعثت لأتمم مكارم الأخلاق).
19 (1/27)
صفحة 28
المولد النبوي -
الشعوبيون وتشويه صورة العرب
وضع الشعوبيون" مستنقصات من شأن العرب، هذا الاستنقاص وجد هوى في أفئدة كثير من المستشرقين
الحركة الشعوبية تنسب إلى المثقفين من غير العرب وخاصة من الفرس، فكانوا يحملون على العرب وعلى العادات العربية، لأن العرب حطموا مملكتهم وإمبراطوريتهم، ودخلوا في الإسلام لعلهم غير راغبين في ذلك فحدث من جراء ذلك الحركة الشعوبية التي تستنقص من العرب وتذم كل شيء كانوا يفعلونه، لأنهم رأوا في العرب أنهم حملوا الإسلام وحطموا الإمبراطورية الفارسية وقضوا على مكانتهم، وأصبحت الشعوب الفارسية التي تدعي الحضارة تابعة للعرب. يقلدونهم في دينهم وفكرهم ولغتهم، وأصبحت اللغة العربية هي لغة الخطاب الديني، وهي ال السائدة عند الشعوب الإسلامية قاطبة، فحدثت حركة الشعوبيين للنيل منهم. وهذا ما حدا بالجاحظ أن يؤلف كتباً في الرد عليهم (المحاضر).
اللغة (1/28)
صفحة 29
المولد النبوي
فأخذوا يرددونها، من ذلك قولهم بأن العرب كانوا وحوشاً يأكل بعضهم البعض، فصوروهم وكأنهم أشد قسوة من السباع في الغابة، والحقيقة غير ذلك، فالقرآن الكريم وصفهم بانحراف في العقيدة والعبادة: ((وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَدَكُمْ مِنْهَا))، لكن في تلك المسائل لا يمكن أن يكونوا مثل الوحوش، ومن هذه المستنقصات المنسوبة إلى العرب وأد البنات، والتي ما كانت إلا في قبيلة أو قبيلتين في عمق الصحراء العربية، والله تعالى عنده أن من قتل نفساً بغير نفس فكأنما قتل الناس جميعاً ومن
7 آل عمران: 103.
21
= (1/29)
صفحة 30
المولد النبوي
أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً، قال تعالى: ((من أجل ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ))، ولو حدثت حادثة واحدة فهي عند الله عظيمة، فلذلك جاء القرآن بتشديد النكير على وأد البنات، قال الله تبارك وتعالى: ((وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ، بأي ذنبٍ قُتِلَت). والقول بأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه وأد إحدى
المائدة:32.
التكوير -8 - 9.
22 (1/30)
صفحة 31
المولد النبوي
بناته هو قول باطل وقصة مختلقة ضد عمر بن الخطاب، وإلا فهو عنده حفصة وعنده بنات أخرى، فلماذا لم يئدهن؟ وعمر عنده زوجات والذي يتزوج النساء لابد أن يزوج، هكذا هو التفاعل الاجتماعي، ولكن تلك قصص وضعت لغرض ما على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه حاشاه عن ذلك، فأهل قريش كان عندهم الثراء والبيوت الفاخرة والماكل الطيبة، وكانوا أهل حضارة، لكن ليست بتلك الحضارة الراقية جداً، فهم كانوا مستقرين
في الحرم حول الكعبة بمكة المكرمة.
23 (1/31)
صفحة 32
الاغترار بتلك الاستنقاصات
المولد النبوي -
مع الأسف نجد أن بعض المفكرين المسلمين المعاصرين قد أعجبتهم تلك المقولات ليظهروا فضل الإسلام وعظمته. وكما قالوا: والضد يظهر حسنه الضد. فتراهم يرددون تلك الأقوال عن وحشية العرب وقسوتهم وهمجيتهم، وفي المقابل لابد أن ينزلوا من قدر العرب، أما المستشرقون فأرادوا من ذلك القدح في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بأن هذا الرجل إذا كان ينتمي إلى هذه الأمة الوحشية والهمجية غير الحضارية التي يأكل بعضها بعضاً، هل يعقل أن يأتي إلى قيادة البشرية؟، وأن هذه الرسالة يستحق لها
24 (1/32)
صفحة 33
المولد النبوي -
تكون رسالة عالمية لجميع الأمم والشعوب إلى أن يرث الله الدنيا ومن عليها؟! فالمفكرون المسلمون تلقوا الفكرة وأخذوا يرددونها يريدون إظهار فضل الإسلام وفضل محمد صلى الله عليه وسلم مما حدا بهم إلى المبالغة في ذلك.
توحد اللغة عند العرب
تهيئة لهذا الحدث العظيم؛ مولد النبي الشريف وإرهاصاً للنبوة الإسلامية فقد توحدت الجزيرة العربية على لغة واحدة، وهذا التوحد في اللغة غير موجود في الأمم الأخرى التي نجد فيها لهجات متباينة كالصين والهند
?? (1/33)
صفحة 34
المولد النبوي -
وفارس، أما اللغة العربية فقد توحدت بين جنوب الجزيرة وشمالها، وهيا الله تعالى لها شعراء جابوا أقطار الجزيرة العربية، وهم أصحاب المعلقات السبع أو العشر وغيرهم. فتوحدت لغة العرب، وعرف العربي لهجة أخيه العربي في أي مكان من الجزيرة، وصار الشعر العربي مفهوماً عند كل عربي، وصارت المعلقات الشعرية بمثابة الكتاب الذي يحفظه كل عربي، فهذه تهيئة وإرهاص لمولده صلى الله عليه وسلم ولرسالته، ولو نزل هذا القرآن الكريم من غير توحد لأمة العرب في لغتها لكان كثير من العرب لا يفهمونه، وقبل فترة زمنية غير قصيرة من مولد النبي صلى الله عليه وسلم عمل شعراء العصر الجاهلي الفحول على توحيد اللغة
26 (1/34)
صفحة 35
المولد النبوي
العربية، فقد كانوا يقومون بجولات في أصقاع الجزيرة
العربية، فالأعشى مثلاً خاض من الشام وحتى اليمن وحضرموت وعمان، ومن الطبيعي أن ينشدهم أشعاره،
وهم يعرفونها.
مكانة مكة بعد حادثة الفيل
نتيجة لذلك كله، رأى أبرهة الأشرم الحبشي حاكم اليمن أن يضرب هذه المكانة فعمل على تدبير مؤامرة، حيث بنى بناية بسيطة صغيرة في صنعاء وسماها القليس، وأراد أن يصرف العرب إليها عن مكة المكرمة لما رأى من
27 (1/35)
صفحة 36
المولد النبوي -
مكانتها في قلوب العرب وتقديسهم لها، وأنهم كانو
يحجون إليها، ورأى تلك الأسواق الاقتصادية التي تصاحبه
فعاليات أدبية وشعرية فكان الشعر هو سيد الفكر والقو
آنذاك، كان أكثر ذلك يعقد حول مكة، من ناحية ثانيا عندما حكم أبرهة وهو حبشي- جزءاً عزيزاً من بلاد العرب فقدت صنعاء مكانتها وانصرف عنها العرب، وكأن
عدم اعتراف بملكه على بلاد اليمن السعيد التي هي جزء عزيز من جزيرة العرب، لما رأى أبرهة كل ذلك ولعل فسره بعدم شرعيته لحكمه عليها- وفي نفس الوقت رأى أن الاقتصاد تحول إلى مكة، وأن الكعبة هي التي جذبن العرب إليها، فأراد أن يسيطر على مكة؛ هذا من جهة
28 (1/36)
صفحة 37
المولد النبوي
ومن جهة أخرى أراد أن يقطع الطريق على فارس، لأن العرب كانوا كثيراً ما يتعاملون مع فارس، ويريد أن يكون في سيطرته على مكة امتداد للحكم الصليبي المسيحي من الشام وحتى الحجاز ثم اليمن حتى الحبشة، لأن الحبشة كانت على النصرانية، وأبرهة حبشي وعامل لملك الحبشة الذي كان غير تابع تبعية كاملة لإمبراطور الروم المسيحي، لكنه يمتثل بأمره وينسق معه إن صح التعبير - فهو تابع ولكنه ليس بتلك التبعية المطلقة، فأرادوا من ذلك أن يحاصروا الفرس، إحدى الإمبراطوريات التي كانت تهيمن على المنطقة عدا الصين والإمبراطورية الفارسية كان يحكمها الدين المجوسي، وكان فيها بعض التيارات من
29 (1/37)
صفحة 38
المولد النبوي -
الديانات الأخرى، وأما الروم فهم على النصرانية، والحبش كذلك، فحاول السيطرة على مكة لكي يكون هناك امتداد واحد من الروم عبر الشام إلى الحجاز واليمن تحت السيطر النصرانية، وبذلك يقطعون طريقاً اقتصادياً على الفرس فهذه الأسباب كلها حدت بأبرهة أن يفتعل تلك البناي لصغيرة والتي سماها القليس، ليصرف إليها العرب عز الكعبة، ثم افتعل بأن شخصاً من كنانة من العرب ذهب إليها وتبرز بها، لكن من هو الكناني؟ وهل قبض عليه؟ وه اسمه؟ ثم أليس هناك أحد يراقبه؟ فهل يتصور أن تبنى بناية في صنعاء، ويراد لها التقديس، وأن يصرف إليه الحج، وأن يقضى على أمة، وأن تحاصر إمبراطورية أخرى (1/38)
صفحة 39
المولد النبوي
بسببها، هل يعقل أن تترك هكذا فيدخل إليها عربي ويتبرز فيها؟، فهذه القضية مفتعلة لكي يبرر شن هجومه على الكعبة فيهدمها ومن ثم يمهد لاحتلال الحجاز، وبالتالي يكون هنالك ترسيخ للديانة النصرانية من جهة، وأيضاً هيمنة اقتصادية على المنطقة، وقضاء على وجود الأمة العربية الديني والحضاري، فجاء وعنده الفيل وحدثت حادثة الفيل، وشاء الله تعالى أن ينهزم أبرهة وجيشه بمعجزة إلهية فيها تهيئة لهذه النبوة ولمحمد صلى الله عليه وسلم، والله تعالى أنزل سورة بذلك في قرآنه وهي سورة الفيل: ((بسم اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ، أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ، وَأَرْسَلَ
31 (1/39)
صفحة 40
المولد النبوي -
عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ، تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ، فَجَعَلَهُمْ
كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ)).
يقول بعض المؤرخين بأنه ما هنالك حجارة، ولكنه
فيروسات، ونقول بأنه لا يستبعد أن يكون هنالك. جمع بين الأمرين. فتلك الحجارة فيها فيروسات، لأن أبرهة أخذ لحمه يتناثر فمات في صنعاء، وجيشه أيضاً هلك بذلك، وقيل: إن الجدري والحصبة ما كانت تعرف في جزيرة العرب إلا من ذلك العام. فالربط بين هذه الروايات يدل على أن تلك الحجارة التي رمتها الطير فيها تلك الفيروسات، فجمعاً بين الروايات نقول: بأن هناك طيراً حقيقياً وحجارة حقيقية لأن هذا هو خطاب القرآن الكريم، فالفيروسات والحجارة
32 (1/40)
صفحة 41
المولد النبوي --
والطير لكل منها وضعه اللفظي الخاص به، وكل لفظ منها يحتوي على معنى معروف، واللفظ العربي القرآني الصريح لا يمكن أن نصرفه عن دلالته الحقيقية، فقد تكون تلك الحجارة فيها ذلك الفيروس الذي أصاب أبرهة وتناثر لحمه ومات في صنعاء، لأنه لو كانت حجارة فقط لربما مات منها، فجمعاً بين هذه الأمور نقول: لعله في تلك الحجارة الفيروسات التي أشار إليه بعض كتاب السيرة وبعض المؤرخين، ولكن لا نوافقهم بأنه ما هنالك طير، لأن القرآن ذكر الطير والحجارة ولا يمكن أن نصرف هذه الألفاظ إلى
الفيروسات فقط.
33 (1/41)
صفحة 42
المولد النبوي -
هذه الحادثة زادت من مكانة الأمة العربية، وعند العرب زادت مكانة قريش، وعند قريش زادت مكانة بني هاشم. لأن عبدالمطلب هو الذي ذهب إلى أبرهة لكي يسأله في بعران له أخذها جيش أبرهة، وكان أبرهة يريد منه أن يتكلم حول بناء الكعبة، لعله يريد أن يبطش به، ولكن عبد المطلب كان حكيماً من حكماء العرب، فقال له: جئت تسألني في مائتي بعير وتترك هذا البيت العظيم الذي هو دينك ودين آبائك!. ولكن الحكماء لابد أن يكون لهم أساليب في مجالس الملوك يستقرئون بها حالة ذلك الملك وصولته وعجرفته وبطشه، فقال له: أنا رب الإبل فأسأل عن إبلي، أما البيت الذي تعنيه فله رب يحميه. وذلك فيه تذكير
34 (1/42)
صفحة 43
المولد النبوي
الأبرهة بأن ذلكم البيت ليس محمياً من قبل البشر، إنما من قبل الله تعالى، ولكن أبرهة كان غشوماً لا يفكر في مثل هذه الأساليب، كان قد أتى ليفعل فعلته الشنيعة الخبيثة دون أن يستشير أو يأخذ آراء أناس آخرين أو يستمع إلى من ينصحه في ذلك، إنما جاء لينفذ أمراً استراتيجياً بالنسبة إليه وإلى دولته ودينه، ولكن شاء الله تعالى أن تكون هزيمته ومحاقه بالتمام في هذه الحادثة، مما زاد من مكانة
العرب ومن مكانة النبي صلى الله عليه وسلم فيما بعد
•
وتلك الأمور هي إرهاصات جعلها الله تعالى لتكون البشرية على أهبة الاستعداد لمولده صلى الله عليه وسلم
وللرسالة الإسلامية والبعثة المحمدية.
35 (1/43)
صفحة 44
العصمة قبل النبوة
المولد النبوي =
ومن تلك الإرهاصات أيضاً العصمة وهي من إرهاصات النبوة، فالله تعالى عصم نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم من المعاصي إرهاصاً لتحمل هذه الرسالة.
ليست هنالك عصمة لمخلوق إلا للأنبياء والرسل عليهم السلام، وهذا من المقرر عندنا معشر الإباضية وعند كثير من أصحاب المذاهب الأخرى، وعصمة الأنبياء والرسل مختلف فيها، بمعنى هل هم معصومون قبل النبوة وبعدها؟ أم هذه العصمة هي بعد النبوة فقط؟ أم أن هذه العصمة بعد
36 (1/44)
صفحة 45
المولد النبوي -
النبوة في الشيء الذي يوحى به وفي الشيء الذي لا يوحى
به لا توجد عصمة؟.
في المذهب الإباضي القول بالعصمة هي قبل النبوة وبعدها، نعم يوجد قول بعدم العصمة قبل النبوة، لكن القول بجواز وقوع المعصية لا يستدعي وقوعها، والإمام السالمي رضي الله عنه وقف عند قول المذهب، ويفهم من كلامه أنه يميل إلى القول بأن العصمة تكون قبل الوحي أيضاً، لأنه يقول ما معناه: ما وجدت دليلاً سمعياً يدل على أن هنالك عصمة قبل النبوة، ولو وجدناه لكان ذلك شيئاً جيداً. ويقول أيضاً: بأن القول بالعصمة وعدم وقوع
المعصية قبل النبوة هو اللائق بمنصبهم الكريم.
37 (1/45)
صفحة 46
المولد النبوي -
والقول بالعصمة قبل النبوة وبعدها من وجهة نظري هو القول المناسب، لأن هذا الشخص الذي يرسل من قبل رب العالمين إلى البشرية ويحمل رسالة، ويغير مفاهيم. ويحمل للبشرية كمحمد صلى الله عليه وسلم- نبوة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، لا يمكن أن يقال بأنه لا
وجد عصمة له قبل نبوته.
الرد على القول
بعدم العصمة قبل النبوة
نجد بعض المحدثين يقولون بأن العصمة بعد النبوة فيما يوحى به، أما في غير الوحي فما هنالك عصمة،
38 (1/46)
صفحة 47
المولد النبوي
ويستشهدون على ذلك بحادث تأبير النخل لما أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يتركوا التأبير، ففسدت الثمار، فأخبروه أن الثمار فسدت بعدم التأبير، فقال لهم: (أبروا، أنتم أعلم بشؤون دنياكم)، لكن هذا ليس له علاقة بقضية العصمة، لأن هذه حركة حياة، والكلام في العصمة من الوقوع في المعاصي، وهذه ليست بمعصية، لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما هو بشر في حركاته العادية، يتحرك مثلهم ويأكل كما يأكلون، ويأخذ عادة قومه، فهو بشر اصطفاه الله تعالى، قال تعالى: ((قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ
39 (1/47)
صفحة 48
المولد النبوي =
يُوحَى إِلَيَّ)) "، إذاً هناك جانب كبير من حركة الحياة وحركة البشرية، والكلام إنما هو حول الوقوع في المعاصي التي تشين بالإنسان، أما الخطأ في قضية تأبير فليست من المعاصي، وهذه القضية ليست محتاجة إلى وحي، وليست كل حركة الحياة محتاجة إلى وحي، فالحياة مرت بتطور استقرار في الزراعة والفلاحة والتجارة، وغير ذلك من حركة الحياة، منذ آدم عليه السلام وحتى عهد محمد صلى
الله عليه وسلم.
10 الكهف: 110.
40 (1/48)
صفحة 49
المولد النبوي =
وقد يستدل بقصة النبي موسى عليه السلام عندما استغاثه الإسرائيلي فوكزه موسى فقضى عليه قال هذا من عمل الشيطان ثم تاب فتاب الله تعالى عليه، قال سبحانه وتعالى: ((وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ يهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَعَاتَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى نقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلَّ مُبِينٌ قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ
41 (1/49)
صفحة 50
المولد النبوي -
الرَّحِيمُ، قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً
لِلْمُجْرِمِينَ)). لكن هذا كان قبل أن يأذن له ربه. ومثلها قضية سؤال الرؤية منه تعالى فتاب منه لأنه سأل رؤية ربه قبل أن يستأذن ربه، قال الله تعالى: ((وَلَمَّا جَاءَ وسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلْمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ انِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكَا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ)) ". فهذه أيضاً ليست بداخلة في هذا الموضوع، أي لم تعتبر
11 القصص: 15 - 17.
12 الأعراف: 143.
42 (1/50)
صفحة 51
المولد النبوي -
عصية، نعم إنه عوتب من قبل ربه، ولكن ليس بالمعنى المفهوم للمعصية، فالقبطي كان مستحقاً للقتل ولكن موسى قتله قبل أن يأذن له ربه، ولذلك تاب ربه عليه، بعد أن
عرف أن هذا من عمل الشيطان، واستغفر فغفر له. وكلامنا في وقوع المعاصي وليس في حركة البشر، فالأنبياء بشر كأفراد المجتمع البشري الذي عاشوا بينه في حركة الحياة، فالنبي محمد صلى الله عليه وسلم كان فعلا معصوماً حتى قبل النبوة عندما كان يرعى الغنم فجاء ليشهد الاحتفالات العرسية وفيها بعض الغناء والطرب إلى غير ذلك، فأرسل الله عليه النوم فما استمع لشيء منه، ثم في المرة الثانية فعل به هكذا، وذلك دليل على العصمة، وأن
43 (1/51)
صفحة 52
المولد النبوي -
هذه النفس العظيمة التي تتهيأ لاستقبال هذه الرسالة الخالدة العظيمة يجب أن تكون منزهة عن هذه السلوكيات. فكل له مراتبه، وهذا معنى قول أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: "إنكم لتعملون أعمالاً هي أدق في أعينكم من شعر، ما كنا نعدها على عهد رسول الله صلى الله عليه سلم إلا من الكبائر """، فالمقربون؛ الذين هم أكثر قرباً
من الله تعالى يعتبرون تلك الحسنات سيئات.
إذا شخص مثل محمد صلى الله عليه وسلم الذي يتهيأ لاستقبال الرسالة العظيمة لابد أن يكون منزهاً ومعصوماً
13 رواه الإمام الربيع بن حبيب: الحديث: 4 100.
?? (1/52)
صفحة 53
المولد النبوي -
مما تتلوث به عظمة هذه الرسالة الخالدة، والله تعالى قد رباه على كثير من الأمور، فهيأ له أن يرعى الغنم، وفيه سياسة الأوابل والماشية، وفيه السكينة وأخذ العبرة، واشترك في الأمور العسكرية كحرب الفجار، واشترك في اللقاءات والاجتماعات السياسية في دار الندوة، واشترك في حل الفضول الذي كان يشيد به، ويتمنى أن لو حصل ذلك في الإسلام، لأن فيه رداً للمظالم وأخذاً بيد الظالم، ثم اشتغل
كذلك بالتجارة.
45 (1/53)
صفحة 54
قصص في السيرة لا تقبل
المولد النبوي -
القضايا التي تنسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم منها
ما يؤخذ ومنها ما يرد:
كشف العورة أثناء بناء الكعبة:
من
ذلك قضية بناء الكعبة والتي كان عمره صلى الله عليه وسلم عندها خمساً وثلاثين سنة عندما أمره عمه العباس أن يظهر عورته ويشتمل إزاره على ردائه عند حمل الحجارة، حاشاه عن ذلك، وهو رجل شاب وكان قد تزوج،
46 (1/54)
صفحة 55
المولد النبوي
فهذا مما لا يمكن أن يحدث، فهو لا يستساغ من أي إنسان
فكيف بالرسول العظيم صلى الله عليه وسلم؟.
لقاؤه بالرهبان أثناء رحلته التجارية:
وفي أثناء اشتغاله بالتجارة عندما حمله عمه أبو طالب وكان يتيماً بعد وفاة جده عبد المطلب، جاءت رواية بأنه التقى به راهب من رهبان النصارى اسمه بحيرى في الشام فعرف أنه نبي، وأرشد أبا طالب إلى رجعه من الشام خوفاً من اليهود، ثم مرة ثانية لما ذهب للتجارة التقى براهب آخر اسمه نسطوري فآمن به وقال له: إنك نبي، فقضية الرهبان قضية مدسوسة غير صحيحة، لأنه لو كان فعلاً - أبو
47 (1/55)
صفحة 56
المولد النبوي -
طالب التقى ببحيرى وحذره، هل يعقل من النبي صلى الله عليه وسلم وهو الرجل الواعي الذي لا يلدغ من جحر مرتين أن يذهب للتجارة مرة ثانية إلى الشام؟ فلا يمكن أن يكون ذلك. وإذا سلمنا بأن القصة الأولى صحيحة فإنه لا يمكن أن تكون القصة الثانية صحيحة، والحقيقة أنه ما مالك بحيرى ولا نسطورى، وهذا الذي جعل المستشرقين يدندنون ويقولون بأن معظم الرسالة الإسلامية مأخوذة من المسيحية ومن الأناجيل، وبحيرى أعطى منها النبي صلى الله عليه وسلم وعلمه شيئاً من ذلك، وكذلك نسطوري، إلى غير ذلك، هذا غير صحيح، فالنبي صلى الله عليه وسلم ذهب إلى الشام وما هنالك بحيرى ولا نسطوري، لأنه لو
48 (1/56)
صفحة 57
المولد النبوي -
كان فعلاً قد حُذَر وهو قد ذهب إلى الشام للتجارة في حياة عمه أبي طالب، هل يعقل أن أبا طالب لم يخبر النبي محمداً صلى الله عليه وسلم بأنه قد أرجعه من رحلته الأولى خوفاً عليه من اليهود في الشام، ويلح عليه في المرة الثانية أن يذهب في تجارة خديجة عندما ادلهمت عليه خطوب
الحياة وضاقت عليهم؟.
هناك العديد من الإرهاصات لولادته ونبوته صلى الله
عليه وسلم يطول بها المقام، ولكن نكتفي بهذا.
أسال الله لي ولكم التوفيق، وأن يجعلنا مقتدين بالنبي
محمد صلى الله عليه وسلم في سيرته وفكره وعبادته
49 (1/57)
صفحة 58
المولد النبوي -
وأقواله وأفعاله، وأن يجعل احتفالنا هذا في ميزان حسناتنا
جميعاً.
0.
ة (1/58)
صفحة 59
الأسئلة
المولد النبوي
س: يسأل السائل عن حرب داحس والغبراء وحرب البسوس التي امتدت أربعين سنة، ويقول بأن ذلك دليلاً
على شراسة العرب؟.
ج: لا شك أن الحرب تقع عند العرب وغيرهم، ولكن لا أظن أن في هذه الحرب حدثت مثلة أو تعذيب أو ما يخل بالأخلاق، فالعرب كانوا في حروبهم وإلى الآن شرفاء، فهم لا يقتلون شيخاً ولا امرأة ولا طفلاً، وأظن أن كبار السن في عمان أثناء الحروب القبلية التي حدثت في عمان أثناء المناوشات يذكرون أن الرجال يكونون متحصنين وتذهب
? (1/59)
صفحة 60
المولد النبوي -
النساء إلى أطراف البلد والمهاجمون يشاهدونهن، ولكن لا يمكن أن تقتل امرأة، لأن ذلك من العار، ولا يمكن أن يقتل طفل أو شيخ، وإن كانت في الحرب تحدث ولاشك في ذلك، فنحن عندنا في المجتمع العماني المسلم المتمسك بإسلامه، عندما تقل قوة الحكم المركزي ويقل الإيمان في قلوب، تحدث حروب قبلية وهذا واقع غير منكور فالحروب تحدث لكن يبقى أنه ليس هنالك تعذيب أو تمثيل، وما هنالك حرق بالنار ولا اغتصاب مثل ما نشاهده في الحروب الحديثة التي فيها فضائع غير موجودة عند العرب، صحيح هنالك سبي) سبي لكن أحكامه معروفة، وعندنا تحليل
لكثير من قصص العالم الإسلامي والتي من بينها ما حيك
?? (1/60)
صفحة 61
المولد النبوي -
ضد المحكمة بأنهم قتلوا خباباً وبقروا بطن امرأته، وقتلوا طفله، ومثلوا به، وهذا غير صحيح، لأنه غير موجود عند العرب في الجاهلية فكيف يوجد عند العرب المسلمين وخاصة إذا كانوا قريبي عهد بالنبوة والصحابة؟.
س: البعض يقول: إن الحجاج هدم الكعبة وقتل عبدالله بز الزبير ولم يصبه الله بعقاب. كيف ترد على ذلك؟. ج: لعل هنالك مبالغات، أما قتل عبدالله بن الزبير، فلان عبدالله بن الزبير خرج على الأمويين وأراد أن يستقل فقتلوه، وقتلوا الحسين بن علي، وقتلوا طالب الحق عبد الله بن يحيى الكندي وأبا حمزة المختار بن عوف الشاري
53 (1/61)
صفحة 62
المولد النبوي -
وقتلوا من الصحابة في وقعت الحرة، وهكذا شأن الحروب، ومعروف من هو الشهيد ومن هو الباغي، وحرب الحجاج ضد عبدالله بن الزبير، فلان عبدالله بن الزبير تستر بمكة وقد يكون أصاب بعض المنجنيق الكعبة، لكن الكعبة سها احترقت في عهد عبد الله بن الزبير، والاحتراق كان بيعياً، روى الإمام الربيع عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد قال: لما احترق بيت الله الحرام من أجل شرارة طارت بها الريح؛ قال بعض الناس: قدر الله هذا. وقال آخرون: لم يقدر الله أن يحترق بيته. فمن ثم وقع الخلاف الأول في
?? (1/62)
صفحة 63
المولد النبوي - -
القدر. قال أبو عبيدة: وكان احتراقه يوم السبت لست نيال خلون من ربيع الأول سنة أربع وستين".
وفي ذلك الزمان كانت البيوت تبنى من أشياء بسيطة، وكانوا يسكنون حول الكعبة وقريباً منها، أما الكعبة فلم تتهدم من جراء ذلك الاحتراق، إنما هدمت بعد مقتل ابن الزبير، لأن عبد الله بن الزبير سمع حديثاً من خالته عائشة أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لها: (ألم تري قومك حين بنوا البيت اقتصروا عن قواعد إبراهيم عليه السلام؟) فقالت: يا رسول الله ألا تردها إلى قواعد إبراهيم؟. قال:
14 رواه الإمام الربيع: الحديث: 418.
00 (1/63)
صفحة 64
المولد النبوي =
(لولا حدثان قومك بالكفر). وذلك أن الحطيم وهو حجر إسماعيل داخل في البناء، فلما جاءت قريش تبنيها قالوا: نبنيها من خالص المال ومن طيب الكسب، وقصرت النفقة وبنوا ذلك الجزء، فابن الزبير أخذ بتلك الرواية وهدم الكعبة وبناها كما كانت على قواعد إسماعيل قبل بناء لريش، ولما قتل ابن الزبير ورجع الأمر للأمويين قال عبد الملك بن مروان: دعنا من ألاعيب ابن الزبير. وأمر الحجاج أن يهدمها مرة ثانية، ويبنيها كما بنتها قريش، وهذه
15 رواه الإمام الربيع، الحديث: 410.
01 (1/64)
صفحة 65
المولد النبوي =
قضايا منافسات سياسية على السمعة والشهرة والسلطة والدعاية إلى غير ذلك، والله أعلم.
س: هل ما يدوّن من الحوادث التي صاحبت مولد الرسول عليه الصلاة والسلام مثل سقوط بعض إيوان كسرى وانطفاء نار فارس وغيره يمكن أن نعتبره من الإرهاصات؟. ج هذه الحوادث لا يمكن أن نعتبرها إرهاصات، أولاً لأن هذه الأمور طبيعية وعادية، ثم ألم يحصل وأن جفت بحيرة طبرية في غير تلك المرة؟! فالبحيرات تعتمد على الأمطار، وعندما لا يكون هنالك مطر جيد تجف أو يخف ماؤها، وكذلك إيوان كسرى إنما هو بناء، ولماذا خص إيوان
OV (1/65)
صفحة 66
المولد النبوي -
کسرى بسقوط بعض شرفاته؟ لماذا لم يكن في إيوان الروم أو بيوت قريش أو قصور اليمن؟ لماذا فقط في المدائن؟ لعل الذي اصطنع ذلك متحامل على الفرس، وإلا فما المعنى أن تترك كل هذه الدنيا ولا يسقط شيء منها، وتسقط بعض من شرفات إيوان كسرى؟ فهذه الحوادث فيها ما فيها، حتى أن الشيخ أبا إسحاق اطفيش رحمه الله تعالى قال: بأن هذه أمور عادية لا يمكن أن تكون من الخوارق أو المعجزات، لأن هذه الأمور حدث لها هذا الشيء وسيحدث لها مرة ثانية ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم أعظم من هذا. فالتهيئة الكونية الضخمة تجعل من هذه الرسالة لها ذلك القبول والانسجام مع الانسياق العام (1/66)
صفحة 67
المولد النبوي
للكون، هذا هو الإرهاص الحقيقي، أما مجرد سقوط شرفة، وانخفاض ماء في مكان ما، وجفاف بحيرة، فيجب أن يترفع
الفكر المسلم عنها ويتخلص منها.
س: سؤال عن حادثة شق الصدر؟.
ج: هذه الحادثة أيضاً من ذلك القبيل الذي ذكرناه في السؤال السابق، فهنالك أنبياء ورسل قبله صلى الله عليه وسلم لماذا لم يحدث لهم مثل هذا الشيء؟ هل يعقل أن لا يجعل الله نبيه كامل الإنسانية ومتقبل الإيمان إلا بأن يأتي اثنان ويمرغانه في التراب ثم يشقان صدره وينظفان قلبه بماء زمزم ويخيطانه بخيط أسود؟! ومن الذي أخبر الراوي (1/67)
صفحة 68
المولد النبوي -
بأنه من ماء زمزم في تلك الساعة؟! ففي الرواية يقول: إنه طست من ذهب به ماء زمزم، وأنه خاطه بخيط أسود، والرواية مروية عن أنس بن مالك -حاشاه عن ذلك وإني أرى ذلك الخيط في صدره صلى الله عليه وسلم، وكلها مواد بدائية تماماً لا ترضاها البشرية في هذه العهد، ومع ذلك تجعل من صلب هذا الدين ومن معجزاته، هذا بعيد عن الحقيقة، ولا يقبلها العقل، لأن الله تعالى خلق محمداً وهيأه وخلقه بشراً سوياً كغيره من البشر: ((قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَى)) فهنالك بشرية كاملة، وقضايا الإيمان غير محتاجة إلى أن يشق الصدر وتؤخذ منه علقة سوداء تمثل حظ الشيطان، فالله تعالى عاصم نبيه من شر الشيطان
7. (1/68)
صفحة 69
المولد النبوي -
وغيره، فلا داعي لمثل هذه الروايات لأنها تحمل ضعفها في فسها، وهل يعقل أن يبقى أثر الخيط الأسود، وعمل لملائكة دائماً عمل غير محسوس؟! فهذه القضية يجب أن بترفع عنها الفكر الإسلامي، وهي سيقت في مقام التعظيم لمنبي صلى الله عليه وسلم ولكنها أمام التحليل والتدقيق برى فيها الإنسان المفكر استنقاصاً منه صلى الله عليه سلم والنيل من عظمته وشخصيته وكمال إنسانيته، هم بسوقونها للتعظيم ونحن نرى فيها استنقاصاً من عظمة لكم الرجل العظيم، هذا هو الفرق بيننا وبين الآخرين. (1/69)
صفحة 70
المولد النبوي =
س: هل قصة بحيرى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ينسحب معها أخذ السيدة خديجة رضي الله عنها الرسول صلى الله عليه وسلم إلى ورقة بن نوفل أم أن هنالك فرقاً؟. 1: هنالك فرق بين الروايتين، فورقة بن نوفل كان نصرانياً انه كان متأثراً، إلا أنه عنده من الديانة الإبراهيمية، لأنه من قريش وفي مكة، والحقيقة أن العرب الذين عبدوا الأوثان ليست وثنيتهم كوثنية الرومان أو المجوس، لأن العرب كان عندهم تلطخ بالوثنية، وليس عندهم إيغال فيها، لأنه عندهم الإيمان بالله وأن الله تعالى هو القادر، وعندهم كذلك الحج إلى مكة، وتعظيم البيت، فعندهم بقايا من الديانة الإبراهيمية في السلوك وفي بعض العبادات وهم
62 (1/70)
صفحة 71
المولد النبوي =
قرون بالخالق، ومع ذلك يشركون معه تلك الأصنام ويتوسلون بها: ((مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى)) نإذاً وثنية العرب أقل حدة من وثنية الرومان والفرس والوثنيات الأخرى، لأنه عندهم الديانة الإبراهيمية، كذا بالنسبة إلى نصرانية ورقة بن نوفل، فهو عنده بقايا من دين إبراهيم، وتأثر بكتب النصرانية التي تبشر به صلى الله عليه وسلم، لأن الكتب الأولى جميعها يقال بأنها بشرت بمحمد صلى الله عليه وسلم، حتى أن أقدم هذه الكتب والديانات الديانة البرهمية الهندية، كتابهم الفيدا
16 الزمر 30.
63 (1/71)
صفحة 72
المولد النبوي =
يقال فيه تبشير بمحمد صلى الله عليه وسلم، حتى المجوس الذين يقال: إن زرادشت نبي عندهم في كتابه أيضاً تبشير به، والتوراة فيها تبشير به صلى الله عليه وسلم واسمه أحمد، وكذلك الإنجيل، قال الله عزّ وجلّ: ((الذِينَ يَتَّبِعُونَ لرَّسُولَ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالأَنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الذي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ
12 (1/72)
صفحة 73
المولد النبوي =
الْمُفْلِحُونَ))، وقال سبحانه: ((وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ
أحمد)).
فمعنى ذلك أن كل كتب الديانات الموجودة فيها التبشير بمحمد صلى الله عليه وسلم، فورقة بن نوفل لما اطلع على كتب النصارى ووجد ذلك التبشير لا شك بأنه
يؤمن بذلك، وأخبر به خديجة.
17 الأعراف 157.
18 الصف 6.
10 (1/73)
صفحة 74
المولد النبوي ==
س: تذكر كتب التاريخ والسيرة أن العرب كانوا يطوفون حول الكعبة عراة، هل هذا صحيح؛ وهم قد انتشرت
عندهم الغيرة، وعندهم الحضارة والمدنية؟.
ج: تحتاج هذه الرواية إلى تمحيص"، وأظن أن ذلك من باب أن قريشاً استغلت إن صحت هذه الرواية الحرم،
19 وقعت الرواية بذلك عند الإمام الربيع رحمه الله تعالى، وليس فيها التصريح بحدوث الطواف وأحد من الناس عريان، وإنما النهي ى أن يطوف أحد وهو عريان، وفرق واضح بين الأمرين، أبو عبيدة قال: سئل علي بن أبي طالب بأي شيء بعثك رسول صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر في حجة عام تسع؟. قال: بأربع خصال، ألا يطوف بالبيت عريان، ولا تدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يجتمع مسلم ومشرك في الحرم بعد عامهم هذا، ومن كان له عند النبي صلى الله عليه وسلم عهد فإلى عهده، ومن لم يكن له عهد فإلى أربعة أشهر. (المسند / ح 4121).
وأيضاً ليس من الشرط في العري إبداء السواة المغلظة.
11 (1/74)
صفحة 75
المولد النبوي =
واعتبرت اللباس الذي يأتي من خارج الحرم ثوباً نجساً، وعلى الطائف أن يأخذ من قريش لباساً يلبسه، وهذا فيه تسويق ونظرة اقتصادية، وقريش هم أهل تجارة، فأوحوا إلى الناس على أن هذا اللباس نجس ولا يمكن الطواف به، فإما أن يشتري اللباس من مكة ويطوف به، وإما أن يطوف عارياً، فالذي ليس عنده مال أو أن أحواله غير متيسرة، ربما يتجرأ ويطوف عارياً، لكن لا يمكن للمرأة أن نطوف عارية، لأن العرب لا ترضى بذلك ولا للرجل في الحقيقة، ولعلها إذا كانت حدثت فهي حادثة واحدة أو من، فرد أو فردين طافا بشيء من العربي والإسلام دائماً يعتبر الأمور ولو كانت حادثة واحدة فردية فلابد أن يعالجها (1/75)
صفحة 76
المولد النبوي -
الإسلام ويقضي عليها، لكن نقول: إن صحت هذه الروايات؛ ففعلاً هذا من استغلال قريش للمكان لتفرض بضاعتها، ولعل فرداً أو فردين لم يتمكنا من ذلك فطافا بشيء من العري، والله أعلم بذلك.
68 (1/76)
صفحة 77
المولد النبوي ===
الصفحة
1
2
1
1.
11
12
15
الفهرس
لموضوع المقدمة
لمولد النبوي ميلاد للإنسانية
الموقف من الاحتفال بالمولد
لشيخ البهلاني وحماية العقيدة
تاريخ المولد
لعظيم الإباضية للنبي عليه الصلاة والسلام
التهيئة الكونية للمولد والنبوة
إحياء مكة
جابة دعوة إبراهيم عليه السلام
79 (1/77)
صفحة 78
أسباب الخلل في عقيدة العرب أثر الشريعة الإبراهمية
الشعوبيون وتشويه صورة العرب
الاغترار بتلك الاستنقاصات
توحد اللغة عند العرب
مكانة مكة بعد حادثة الفيل
العصمة قبل النبوة
الرد على القول بعدم العصمة قبل النبوة
قصص في السيرة لا تقبل
الأسئلة
المولد النبوي =
17
19
20
24
25
27
36
28
46
51 (1/78)
صفحة 79
[صفحة فارغة] (1/79)