صفحة 1
بحث تخرج: حياة النبي ص الزوجية خالد أولاد الثاني
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] سلطنة عمان
وزارة الأوقاف والشؤون الدينية
معهد العلوم الشرعية
عنوان البحث:
حياة النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - الزوجية
إشراف الأستاذ:
لؤي
قدمه الطالب:
خالد بن عيسى أولاد ثاني
السنَّة الدراسية: 1423-1424هـ/ 2002-2003م
بسم الله الرحمن الرحيم
مُقدِّمَة
الحمد لله وكفى، وصلى الله عَلَى نبيه المصطفى، وعلى آله ومن اهتدى بهديه، واقتفى أثره إلى يوم الدّين.
وبعد:
فهذا بحث قدمته كمطلب للتخرج من معهدي العزيز، معهد العلوم الشرعية، حول موضوع: «حياة النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - الزوجية»، دفعتني إلى الكِتَابة فيه أسباب عدة، من أهمها: الواقع المر الذي تعيشه كثير من الأسر، مشاحنات وخصومات، وحياة لا تعرف عاطفة، ولا احتراما، فنأت عنها السعادة، وابتعد عنها الاستقرار، فرأيت أن أقدم بَعض الصور المشرقة من سيرة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - في هذا المجال الهام، عل من يبحث من حياة زوجية هانئة، أن يجد فيه ما يعينه بإذن الله تَعَالى عَلَى ذلك.
وقد قسمت بحثي إلى ما يلي:
1- مُقدِّمَة
الفصل الأَوَّل: التعريف بالزواج وعناصره وأركانه، وبيان مقدمات الزوجية السعيدة
المبحث الأَوَّل: التعريف بالزواج لغة واصطلاحا
المبحث الثاني: أركانه وشروطه
المبحث الثالث: الحقوق المتبادلة بين الزوجين، ودورها في تحقيق السعادة الزوجية
الفصل الثاني: مقومات السعادة الزوجية في حياته - صلى الله عليه وسلم -
المبحث الأول: الحب والعاطفة
المطلب الأول: تعريف الحب والعاطفة
المطلب الثاني: وسائل وأساليب النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - في تحببه لزوجاته
المبحث الثاني: الثقة
المطلب الأَوَّل: تعريف الثقة
المطلب الثاني: ثقة النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - بزوجاته
المبحث الثالث: الاحترام
المطلب الأَوَّل: تعريف الاحترام
المطلب الثاني: احترام النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - لزوجاته
المبحث الرابع: الأمانة وحفظ الأسرار (1/1)
صفحة 2
المطلب الأَوَّل: أسرار الزوجية
المطلب الثاني: الأمانة وحفظ الأسرار بين النَّبِيّ وزوجاته
الفصل الثالث: سياسة النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - في التعدد
المبحث الأَوَّل: زيجات النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم -
المطلب الأَوَّل: الزوجات اللاتي متن عنه
المطلب الثاني: الزوجات اللاتي مات عنهن
المبحث الثاني: أسباب التعدد وأهدافه ودفع الشبه المتعلقة بموضوعه
المطلب الأَوَّل: أسباب التعدد وأهدافه
المطلب الثاني: دفع الشبه المتعلقة بموضوعه
المبحث الثالث: سياسة النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - في العدل بين زوجاته
2- الخاتمة
3- قائمة المصادر والمراجع
4- الفهرس
واستعنت بأمهات المراجع في هذا المجال، ومن أهمها:
الكشف والبيان، لأبي إسحاق الثعالبي.
والسيرة النبوية، لابن كثير.
والسيرة النبوية، لابن هشام.
والبداية والنهاية، لابن كثير.
والمغازي ، للواقدي.
وهناك عقبات واجهتني في هذا البحث منها:
1- ضيق الوقت.
2- تزاحم المواد الدراسية.
3- قلة الساعات التي أقضيها في المكتبة.
هذا وأسأل الله العلي القدير التوفيق والسداد في الدنيا والآخرة.
خالد بن عيسى أولاد ثاني ... ...
مسقط: يوم الأحد: 2 ربيع الأَوَّل 1424هـ
الموافق لـ: 4/ 5/ 2003م. ...
الفصل الأَوَّل:
التعريف بالزواج وعناصره وأركانه،
وبيان مقدمات الزوجية السعيدة
5- المبحث الأَوَّل:
التعريف بالزواج لغة واصطلاحا
6- المبحث الثاني:
أركانه وشروطه
7- المبحث الثالث:
الحقوق المتبادلة بين الزوجين، ودورها في تحقيق السعادة الزوجية.
المبحث الأَوَّل:
التعريف بالزواج لغة واصطلاحا
أولا: تعريف الزواج لغة:
الزواج في اللغة: هو الاقتران (1) ، قال تعالى: {وَزَوَّجنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ} (2) .
__________
(1) أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم الأفريقي المصري: لسان العرب، دار صادر للطباعة والنشر، 1388هـ/ 1968م، مج2، مادة: زوج.
(2) سورة الدخان: 54. وسورة الطور: الآية 20. (1/2)
صفحة 3
وزوَّج الشيءَ بالشيء، وزوَّجه إليه: قرنه به.
والزوج للمرأة (البعل)، وللرجل (الزوجة) بالهاء، وفي المحكم الرجل زوج المرأة، وهي زوجه وزوجته، وأباه الأصمعي بالهاء، وزعم الكسائي أنه سمع من أزد شنوءة بغيرها.
ويقال للاثنين: هما زوجان، وهما زوج، وفي المحكم الزوج الفرد الذي له قرين، والزوج الاثنان.
وزوجته امرأة يتعدى بنفسه إلى اثنين؛ فتزوجها بمعنى أنكحته امرأة فنكحها. وتزوج في بني فلان: نكح فيهم (1) .
ويقال للرجل والمرأة: الزوجان.
ويقال هما زوجان: للاثنين، وهما زوج (2) .
من خلال التعريفات السابقة نجد أن الزواج في اللغة يأتي على عدة معان، منها:
1- الاقتران: من مثل زاوجت بين الشيئين، أي: قرنت أحدهما بالآخر.
2- النكاح: من مثل زوجت فلانا بفلانة، أي: أنكحته إياها.
وكذلك يتضح أن لفظة الاقتران لفظة أعم من لفظة النكاح؛ فالاقتران يشمل النكاح وغيره من المعاني التي يصدق عليها لفظ الاقتران، فكل نكاح اقتران، وليس العكس.
ثانيا: تعريف الزواج شرعا
عرف الزواج في الشرع بعدة تعريفات، ومن أهم هذه التعريفات:
1- الزواج: عقد وضعه الشارع يفيد حل استمتاع كل من الزوجين بالآخر على الوجه المشروع، وعلى سبيل القصد (3) .
__________
(1) - السيد محمد مرتضى الحسيني الزبيدي: تاج العروس من جواهر القاموس، تحقيق إبراهيم الترمذي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، 1369هـ/ 1969م، مج6، مادة: زوج.
(2) ابن منظور: لسان العرب، مج2، مادة: زوج.
(3) بدران أبو العينين بدران: الفقه المقارن للأحوال الشخصية بين المذاهب الأربعة والمذهب الجعفري والقانون، دار النهضة العربية، بيروت لبنان، 1967م، 1/ 9. (1/3)
صفحة 4
2- الزواج أو النكاح: عقد يفيد ملك المتعة، أي: حل استمتاع الرجل بامرأة لم يمنع من نكاحها مانع شرعي، طلبا للاستئناس والنسل على الوجه المشروع (1) .
3- الزواج: عقد يرد على ملك المتعة قصدا (2) .
4- عقد يبيح العشرة بين الرجل والمرأة على الوجه المشروع، ويحدد ما لكل واحد منهما من حقوق، وما عليهما من واجبات (3) .
من خلال هذا العرض لهذه التعريفات نجد أن التعريف الأشمل منها، هو التعريف الرابع؛ لأنه ذكر ما لم يذكره أي واحد من التعريفات السابقة له؛ فقد ذكر قضية الحقوق والواجبات الملقاة على الزوجين.
وتعريفا الزواج في جملتها تؤدي إلى أن موضوع الزواج هو: امتلاك المتعة على الوجه المشروع، وإلى أن الغرض منه في عرف الشرع، هو جعل هذه المتعة حلالا، ولا شك أن ذلك من أغراضه، بل أوضح أغراضه عند عامة الناس، ولكن ليست هي كل أغراضه في نظر الشارع الإسلامي، بل إن غرضه الأسمى هو التناسل، وحفظ النوع الإنساني، وأن يجد كل من المتعاقدين في صاحبه الأنس الروحي الذي يؤلِّف الله تعالى به بينهما، وتكون به الراحة وسط متاعب الحياة وشدائدها، ولذلك قال الله تعالى: {وَمِن آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنَ أَنفُسِكُمُ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا، وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَالِكَ لآَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} (4) (5) .
__________
(1) د/ محمد عبد السلام أبو النيل: العلاقات الأسرية في الإسلام، دار الفكر الإسلامي الحديثة، ط2، 1407هـ/ 1987م، ص64.
(2) محمد أبو زهرة: الأحوال الشخصية، دار الفكر العربي، ط3، 1377هـ/ 1957م، ص17.
(3) د/ مصطفى الرفاعي: الأحوال الشخصية في الشريعة الإسلامية والقوانين اللبنانية، دار الكتاب اللبناني، مكتبة المدرسة، الطبعة الأولى، 1403هـ/ 1983م، ص50.
(4) سورة الروم: الآية 21.
(5) أبو زهرة: الأحوال الشخصية، ص17-18. (1/4)
صفحة 5
ولذلك كان التعريف الرابع هو التعريف المناسب والأسلم لمقصود الشارع من الزواج.
والحقوق والواجبات التي تستفاد من هذا التعريف هي من عمل الشارع، لا تخضع لما يشترطه العاقدان، ولذلك كان عقد الزواج عند أكثر الأديان تحت ظل الأديان لتكتسب آثارها القدسية، فيخضع لها الزوجان عن طيب نفس، ورضى بحكم الأديان (1)
وفي الحقيقة أن التعريفات السابقة، جمع بينها عدة أمور هي:
1- أن الزوج هو وحده المباح له شرعا الاستمتاع بهذه المرأة، لكونها زوجته، ولا يحل لغيره من الرجال الاستمتاع بهذه المرأة ما دامت في عصمته، سواء بعقد أو بغير عقد.
2- إنه بمجرد تمام العقد يحل للزوجين الاستمتاع كل بالآخر على الوجه الذي شرع الشارع الكريم، بعد أن كان ذلك محرما قبل عقد الزواج بينهما.
3- أنه لا يحل للرجل الاستمتاع بغير تلك المرأة العاقد عليها.
4- أن هذا العقد والاستمتاع مشروط بعدم وجود المانع الشرعي، كأن يكون من المحرمات بنسب أو رضاع أو مصاهرة.
5- أن الرجل يَحلُّ له الزوج من أكثر من واحدة من النساء حتى يصل إلى أربع كما حدده الشارع الكريم في قوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُم أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَآءِ مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ} (2) .
ولكن لا يحل للمرأة الزواج بأكثر من رجل ما دامت في عصمة أحدهم حتى لا يؤدي ذلك إلى اختلاط الأنساب (3) ، وانتشار الفواحش والموبقات، وضياع الأخلاق، وذهاب الغيرة، واندراس النخوة، وفي الحديث الشريف: «لا يدخل الْجَنَّة ديوث» (4) ، والديوث: من لا يغار على أهله.
__________
(1) نفس المرجع السابق.
(2) سورة النساء: الآية 3.
(3) بدران: الفقه المقارن للأحوال الشخصية، ص9.
(4) أخرجه الإمام الربيع بلفظ ( لا يدخل الجنة مخنث ولا ديوث ) حديث رقم ( 743) (1/5)
صفحة 6
فإذا اعتاد المجتمع أن تنكح المرأة أكثر من واحدة ذهبت الغيرة، وضاع النسل، واندرست النخوة ومحقت الرجولة، وذهبت الفحولة، وكل ذلك داخل في علة منع الشرع المرأة من ان تنكح أكثر من رجل (1) .
6- أن المقصد الأسنى للنكاح هو التناسل تحت نظر الشرع.
7- أن يكون عقد الزواج غير مؤقت بوقت معين ينتهي إليه، بل انتهاؤه إلى أن الأجلين المعلومين شرعا، وهما الموت أو الطلاق.
8- أن يكون يقصد دوام العشرة، والقصد عمل قلبي يحاسب عليه الله تعالى، وهو داخل في دائرة النيات، وفي الحديث: «إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى»" (2) .
المبحث الثاني:
أركان الزواج وشروطه
أولا: أركان الزواج
اختلف العلماء في أركان الزواج؛ فمنهم من اعتبرها ثلاثة أركان، وهي:
1- الزوجان الخاليان من الموانع.
2- الإيجاب.
3- القبول (3) .
ومنهم من اعتبر أركان الزواج خمسة أركان، وهي:
1- زوجان (الزوجة ركنا، والزوج ركن)
2- وولي.
3- شاهدان.
4- صيغة (4) .
وإذا رجعنا إلى تعريف الركن في الاصطلاح نجد أن الركن هو الشيء القائم بالذات لا ينفك عنها (5) .
إذا فالقول بأن أركان الزواج هي: الزوجان، والولي، والشاهدان، والصيغة، هو القول الأشمل؛ لأن القول الأول لم يدخل الشاهدان والولي، واللذان من دونهما لا يقع الزواج، ولا يصح العقد.
الركنان الأول والثاني: الزوج والزوجة
شروط العاقدين:
__________
(1) من تعليقات المشرف على البحث الأستاذ: لؤي الشريف، المدرس بمعهد العلوم الشرعية.
(2) أخرجه الإمام الربيع في مسنده حديث رقم (1)
(3) منصور بن يوسف البهوتي: كشاف القناع عن متن الإقناع، 5/ 37، دار الفكر، 1402هـ، 1982م.
(4) محمد بن أبي العباس: نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج، دار الفكر، 1404هـ/ 1984م، 6/ 209-210.
(5) مصطفى بن حمو أرشوم: النكاح صحة وفسادا في المذهب الإباضي، ط1، 1422هـ/ 2002م، ص43. (1/6)
صفحة 7
1- أهلية التصرف: بأن يكون العاقد أهلا لمباشرة العقد بالتمييز والعقل والرشد والولاية؛ فلا ينعقد زواج المجنون والصبي غير المميز، ويكون باطلا لعدم توافر الإرادة والقصد الصحيح المعتبر شرعا.
2- تحقق الذكورة والأنوثة: فلا يصح الزواج إلا بين ذكر وأنثى، ولا ينعقد زواج الخنثى المشكل، ويكون الزواج على الخنثى باطلا لأنه لا ينكح ولا يُنكح.
3- ألا تكون المرأة محرمة على الرجل: فلا ينعقد الزواج بالمحرمة كالبنت والأخت والخالة والعمة... إلخ، ولا يصح الزواج بالمتزوجة بزوج آخر، كالمعتدة، وكذا المرأة المسلمة بغير المسلم، وفي كل هذه الحالات يكون الزواج باطلا.
4- الحرية: يجوز زواج الحر بالحرة، والعبد بالأمة، ويباح نكاح عبد بحرة برضاها؛ فإن غرها من نفسه ولم يبين لها أنه عبد؛ فلها الخيار، ويجوز للحر الزواج بالأمة بثلاثة شروط:
- أن تكون مسلمة.
- ألا يجد صداق الحرة لديه، ويعدل عن الحرة إلى الأمة، وهو المسمى بالطول.
- أن يخاف العنت، وهو الوقوع في الزنا.
5- الكفاءة بين الزوجين: وهي معتبرة عند بعض العلماء بخمسة أوصاف: الإسلام، والحرية، والصلاح، والتدين، والمال الذي يقدر به على المهر والنفقة، وسلامة الخلق من العيوب الموجبة للخيار، كالجنون والجذام والبرص.
6- الصحة: فلا ينفذ نكاح المريض والمريضة مرض الموت، أو المرض المخوف عليهما.
7- عدم الإحرام بحج أو عمرة (1) .
الركن الثالث: الولي
الولي: ركن من أركان الزواج لقوله - صلى الله عليه وسلم - : «لا نكاح إلا بولي وشاهدين»" (2) ، ولذلك اعتبر الفقهاء الولي ركن من أركان الزواج.
قال صاحب الضياء: "وقيل: لا بد في النكاح من أربعة الزوج والمزوج والشاهدين" (3) .
__________
(1) د/ محمد عبد السلام أبو النيل ، العلاقات الأسرية في الإسلام ص92 – 100
(2) رواه البخاري في باب لا نكاح إلا بولي حديث رقم 5127 .
(3) سلمة بن مسلم العوتبي: الضياء، وزارة التراث القومي، 1411هـ/ 1991م، 345. (1/7)
صفحة 8
وقال صاحب كتاب النكاح: "وقيل: إنه إنما يتم النكاح بالولي والشهود والرضا والصداق" (1) .
وظاهر هذه العبارة أن هذه هي أركان الزواج: "الولي والشهود والرضا والصداق" (2) .
والله سبحانه وتعالى جعل الزواج مشروط برضى الأولياء، لقوله تعالى: {فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أهْلِهِنَّ} (3) ، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في تواتر الأخبار: «لا نكاح إلا بولي» (4) ، وكان أبو الشعثاء - رضي الله عنه - يقول: "تزويج النساء بغير ولي صنع البغاة" (5) .
هذا كله مما يدل على أن النكاح الذي يتم بدون ولي؛ فهو نكاح باطل إلا أن الأحناف يرون جواز النكاح بغير ولي.
وأولى الأولياء في النكاح الأب، ثم الجد، ثم الأخ، ثم ابن الأخ، ثم العم، ثم ابن العم (6) ، قال بعضهم: الأب، ثم الجد، ثم الابن، ثم الأخ (7) .
هذا مع أن الولي لا يخلو من خلاف في كونه شرط أو ركن للزواج؛ فبينما اعتبره البعض ركنا، اعتبره البعض الآخر شرطا. قال صاحب نتائج الأقوال: لعقد النكاح شروط لا بد منها: الولي، ورضا المرأة، والمهر (8) .
الركن الرابع: الشهود
الشهود: ركن من أركان عقد الزواج، ودليل ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - : «لا نكاح إلا بولي وشاهدين».
ويشترط فيهما:
__________
(1) يحيى بن الخير الجناوني: كتاب النكاح، المطبعة العالمية، روي، سلطنة عمان، ص84.
(2) علي يحيى معمر: حاشية كتاب النكاح، وزارة التراث القومي والثقافة، 1404هـ/ 1984م، ص 161. وأبو إسحاق إبراهيم بن قيس الحضرمي: مختصر الخصال، وزارة التراث القومي والثقافة، 1404هـ/ 1984م، ص 157.
(3) سورة النساء: الآية 25.
(4) رواه البخاري باب لا نكاح إلا بولي حديث رقم 5127
(5) العوتبي: الضياء، 295.
(6) الجناوني: كتاب النكاح، ص 63.
(7) العوتبي: المرجع السابق، ص 295-296.
(8) سعيد بن حمد الحارثي: نتائج الأقوال نثر مدارج الكمال، ط1، 1411هـ/ 1991م، مكتبة الضامري للنشر والتوزيع، ص107. (1/8)
صفحة 9
1- الإسلام: فلا تصح شهادة غير المسلم سواء الكفار أو أهل الكتاب؛ فلا تصح من اليهودي، ويعد النكاح باطلا في حالة شهادة اليهودي (1) ، وقيل بجواز ذلك (2) .
2- الحرية: فلا تصح شهادة العبد على عقد النكاح، وكذلك يعد عقد النكاح إذا شهد عليه عبد باطل كبطلان العقد الذي شهد عليه اليهودي (3) .
3- البلوغ: فلا بد للشاهد أن يكون بالغا؛ فلو شهد صبي على عقد النكاح؛ فالعقد باطل (4) .
4- العقل: لا بد للشاهد أن يكون عاقلا حتى تصح شهادته؛ فلا تصح شهادة مجنون على عقد نكاح (5) .
وكذلك يشترط في الشهود أن يكونا رجلين، أو رجل وامرأتان؛ ولا تصح شهادة النساء وحدهن على عقد النكاح (6) .
الركن الخامس: الصيغة
يشترط في صيغة عقد الزواج أن تكون بلفظين: أحدهما للماضي، والآخر للمستقبل، وأن تكون الصيغة منجزة غير معلقة، ولا مضافة إلى المستقبل.
1- الشرط الأول: وهو كون العقد بلفظ الماضي؛ لأن ألفاظ الماضي تدل على التنجيز، وإنشاء العقود، ولا تقبل المساومة مثل الألفاظ الأخرى.
وهذا الشرط في سائر العقود إلا أن عقد الزواج استثني من ذلك، وجعل أو أجيز بلفظ المستقبل؛ لأن عقد الزواج تسبقه مقدمات تمنع المساومة على الزواج، فتسبق العقد خطبة ومهر وأخذ رأي المرأة، وغير ذلك من الأمور التي تمنع المساومة ورد العقد (7) .
__________
(1) محمد بن إبراهيم الكندي: بيان الشرع، 1414هـ/ 1993م، وزارة التراث القومي، 47/ 58. والجناوني: كتاب النكاح، ص60.
(2) خميس بن سعيد الشقصي: منهج الطالبين وبلاغ الراغبين، 1404هـ/ 1984م، وزارة التراث القومي والثقافة، 15/ 88.
(3) الشقصي: نفس المرجع والصفحة.
(4) الكندي: نفس المرجع والصفحة. والجناوني: المرجع السابق، ص59.
(5) الشقصي: منهج الطالبين، 15/ 89.
(6) الجناوني: كتاب النكاح، ص57.
(7) أبو زهرة: الأحوال الشخصية، دار الفكر، ط3، 1368هـ/ 1948م، ص45، 46. (1/9)
صفحة 10
وعقد الزواج ينعقد بلفظ الزواج،ولفظ النكاح، ومثل هذين اللفظين مشتقاتهما، لأن هذين اللفظين يدلان على المقصود حقيقة بطريق الوضع، وقد استعملهما الشارع للدلالة على هذا الأمر كذلك، وهذا اللفظان متفق عليهما عند العلماء؛ وأما ما عدا هذين اللفظين فمختلف في انعقاد العقد بهما (1) .
الصداق:
الصداق: هو المال الذي يعطي للمرأة عند الزواج، وقد اعتبر البعض الصداق ركن من أركان الزواج.
قال صاحب كتاب النكاح: "وقيل: إنما يتم النكاح بالولي والشهود والرضا والصداق" (2) .
بينما اعتبر البعض الصداق من شروط النكاح، قال صاحب نتائج الأقوال: "لعقد النكاح شروط لا بد منها: الولي، ورضا المرأة، والمهر" (3) .
ومهما كان حكم الصداق، فلا بد من وجوده في عقد النكاح، وإلا لن يتم العقد، ويكون باطلا.
وقد ذكر الله تعالى الصداق وأمر بإعطاء النساء الصداق؛ فقال سبحانه وتعالى: {وَءَاتُوا النِّسَآءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً} (4) . ونحلة: أي عطاء غير مسترد بحيلة تلجئهن إلى الرد (5) .
وهذه الآية تنشئ للمرأة حقا شخصيا وحقا صريحا في الصداق، وتمنع الولي من أن يسطو على حق المرأة في الصداق، كما كان سائدا في الجاهلية (6) .
ومقدار ما يجوز من الصداق فيه خلاف بين العلماء؛ فمنهم من يجوز ما تراضى عليه الناس، ومنهم من يقول أدنى الصداق أربعة دراهم فما فوق، ومنهم من يقول خمسة دراهم (7) .
__________
(1) د/ عبد العزيز عامر: الأحوال الشخصية في الشريعة الإسلامية، دار الفكر العربي، ط1، 1404هـ، 1984م، ص31.
(2) الجناوني: كتاب النكاح، ص84.
(3) الحارثي: نتائج الأقوال، ص107.
(4) سورة النساء: 4.
(5) محمد جمال الدين القاسمي: محاسن التأويل، ط2، 1398هـ/ 1978م، دار الفكر، بيروت، 5/ 34.
(6) سيد قطب: في ظلال القرآن، ط12، 1406هـ/ 1986م، دار العلم للطباعة والنشر بجدة، 1/ 579.
(7) الجناوي: كتاب النكاح، ص84. (1/10)
صفحة 11
ولعل أصحاب القول بالتحديد بالخمسة والأربعة دراهم اعتمدوا على روايات ذكر فيها المهر بهذه التحديدات، ولكن أصحاب القول الثاني نظروا إلى حال الناس من الغنى والفقر، ولعلهم اعتمدوا إلى قول المرأة عندما أراد الإمام عمر - رضي الله عنه - تحديد المهر؛ فقالت له: "أيعطينا الله ويمنعنا عمر؟!"؛ فلم يحدد.
رضا المرأة:
وقع الخلاف في رضا المرأة، هل هو شرط أو ركن في النكاح؟
فقال بعضهم: بأن رضا المرأة شرط في عقد النكاح (1) .
وقال بعضهم: بأن رضا المرأة ركن في عقد النكاح (2) .
وفي كلا القولين إذا لم يؤخذ برأي المرأة فالنكاح باطل لحديث النبي - صلى الله عليه وسلم - المتقدم.
ورضا المرأة لا بد منه إلا في ثلاث حالات:
الأولى: أن تكون صبية لم تبلغ.
الثانية: أن تكون زائلة العقل من غير سكر.
الثالثة: أن تكون أمة فمولاها يعقد عليها بغير إذنها (3) .
والسنة المطهرة على صاحبها أفضل الصلاة، وأزكا التسليم دلت على أن رضا المرأة لا بد من وجوده في الزواج؛ ففي الحديث الذي روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «استأمروا النساء في أمرهن؛ فإن الثيب لا تنكح حتى تستأمر، والبكر تستأذن وإذنها سكوتها» (4) (5) .
__________
(1) الحارثي: نتائج الأقوال، ص107.
(2) الجناوي: كتاب النكاح، ص84.
(3) الحضرمي: مختصر الخصال، ص158.
(4) أخرجه البخاري في كتاب النكاح باب (42) حديث رقم 5136
(5) الكندي: بيان الشرع، 47/ 82. (1/11)
صفحة 12
وفي الواقع أن إذن المرأة لا بد منه لأنها ستكون مع رجل يشاركها معظم حياتها، وتتعامل معه أكثر من عيره من الناس، وتبيح له بالأسرار، وتشكو له الهموم؛ فهو أنس لها ومودة، والله سبحانه وتعالى يقول: {وَمِن آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنَ أَنفُسِكُمُ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا، وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَالِكَ لآَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} (1) ، فأي مودة، وأي رحمة تكون بين امرأة لا ترغب في أن يكون هذا الرجل زوج لها؛ فحياة هذين الزوجين ستنقلب إلى جحيم، وبالتالي لن يتحقق المقصد من الزواج في هذه الحالة، وهي المودة والرحمة؛ إذا لا بد من رضا المرأة بالزوج.
المبحث الثالث:
الحقوق المتبادلة بين الزوجين ودورها في تحقيق السعادة الزوجية
الإنسان بطبعه إذا رأى من طرف آخر ما يسئه ويقض مضجعه؛ فإنه يتصرف تجاه ذلك الطرف تصرفا يسعى من خلاله إلى صد ما يمكن أن يصيبه من عدوان، ومن إساءة تضره، والحياة الزوجية إذا لم تكن مضبوطة بضوابط وحقوق يؤديها كل من الزوجين للآخر، فإنها ستتحول إلى حياة عدوانية تؤدي في النهاية إلى انحلال الأسرة وتفككها، وذلك لأن الزوجين وإن كان بينهما ما يؤلف بينهما إلا أنه لا بد من حصول المشاكل، لاستحواذ أحدهما على الحقوق دون الآخر، ودون أدائه ما عليه من الواجبات.
والإسلام لكي يضبط هذه الأسرة ويصونها من التفكك والتشتت شرع حقوق وواجبات على الزوج على الزوجة لكي يدوم هذا الرباط وثيقا.
وسنتطرق في هذا المبحث إلى هذه الحقوق:
أ- الحقوق المشتركة بين الزوجين:
1- حل الاستمتاع: فلكل من الزوجين حق الاستمتاع بصاحبه استجابة لداعي الفطرة، وطلبا للنسل الذي هو المقصود الأسمى لهذه العلاقة.
2- حرمة المصاهرة بمجرد تمام العقد صحيحا حرم على الزوج أصول هذه الزوجة وبعد الدخول يحرم عليه فروعها، ويحرم عليها فروعه وأصوله.
__________
(1) سورة الروم: الآية 21. (1/12)
صفحة 13
3- التوارث: فبمجرد تمام العقد صحيحا يجب التوارث بين الزوجين؛ فإن مات ورثته، وإن ماتت ورثها الزوج.
4- المعاشرة بالمعروف: فيجب على الزوجين أن يعاشر كل منهما الآخر بالمعروف (1) .
ب: حقوق الزوجة:
1- المهر: هو حق خالص للمرأة تطييبا لخاطرها، وتأليفا لقلبها (2) ، قال تعالى: {وَءَاتُوا النِّسَآءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً} (3) ، وليس لأحد أن يأخذ من المهر شيئا إلا برضا المرأة.
والمهر ليس هو مقابل التمتع بالمرأة، وإنما هو تعبيرا من الرجل عن رغبته في الاقتران بالمرأة، وهو كذلك تكريما للمرأة، وتقديرا لها وتوثيقا للزواج بها وتمكينه (4) .
2- صيانتها: يجب على الزوج أن يصون زوجته من كل ما يقدح فيها، أو يمس شرفها وعرضها؛ فعليه أن يبطل كل ذلك، ويجنب زوجته خدش عرضها، وما روي في ذلك أن سعد بن عبادة قال: "لو وجدت مع زوجتي رجلا لضربته بالسيف غير مصفح"؛ فقال - صلى الله عليه وسلم - : «أتعجبون من غيرة سعد؛ لأنا أغير منه، والله أغير مني، ومن أجل غيرة الله حرمت الفواحش ما ظهر منها وما بطن» (5) .
3- المسكن الشرعي: ويكون ذلك بحسب يسر الزوج وحالته المادية، من دون تكلف ولا تبذير (6) .
4- النفقة: بمجرد تمام العقد وحصول الخلوة الشرعية، وتمكين الزوج منها تجب النفقة (7) .
__________
(1) د/ محمد عبد السلام أبو النيل: العلاقات الأسرية في الإسلام، ط2، 1407هـ/ 1987م، دار الفكر الإسلامي الحديثة، ص141-151.
(2) أبو النيل: العلاقات الأسرية في الإسلام، ص162.
(3) سورة النساء: الآية 4.
(4) د/ يوسف الكتاني: المرأة بين دينها وواقعها، مارس 2000م، مطابع منشورات عكاظ، الرباط، ص42.
(5) رواه البخاري في كتاب النكاح والحدود والتوحيد. ورواه مسلم في باب اللعان. والإمام أحمد في مسنده، 4/ 248.
(6) الكتاني: المرأة بين دينها وواقعها، ص43.
(7) أبو النيل: العلاقات الأسرية، ص166. (1/13)
صفحة 14
والنفقة تكون على الزوجة والأولاد من طعام وشراب ولباس وغير ذلك من ضروريات الحياة (1) .
5- المعاملة بالحسنى: بإلانة القول لها وملاطفتها، واحترام رأيها، ودفع الأذى عنها (2) لقوله تعالى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعرُوفِ} (3) ، وقوله - صلى الله عليه وسلم - : "خِياركم خياركم لِنسائه" (4) .
6- تعليمها: ويقتضي أن يعلمها إن كانت جاهلة، وأن يزيد في تعليمها إن كانت متعلمة.
7- ألا يهجرها هجرا غير جميل: لقوله - صلى الله عليه وسلم - : "لا يضرب أحدكم امرأته جلد العبد ثم يجامعها آخر النهار" (5) .
... ج- حقوق الزوج:
1- الطاعة: الأسرة جماعة صغيرها لها رئيسها الذي يوجهها ويقودها إلى بر الأمان، وهذا الرئيس هو الزوج الذي قرر له الإسلام حق الطاعة من قبل زوجته، وله كذلك القوامة على المرأة لقوله تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىا بَعْضٍ وَبِمَآ أَنفَقُوا مِن أموَالِهِمْ} (6) .
إذا فالمرأة مأمورة بطاعة زوجها والامتثال له في حدود الشرع، أما إذا تجاوز الزوج الحدود الشرعية فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق (7) .
وبدون هذه الطاعة تتحول الحياة الزوجية إلى جحيم وسعير لا يطاق، وبالتالي تنتفي صفة السكن والطمأنينة في الأسرة (8) .
2- صون بيته: بأن لا تدخل إلى بيته من يكره من الرجال والنساء (9) .
__________
(1) الكتاني: نفس المرجع والصفحة.
(2) الكتاني: المرأة بين دينها وواقعها، ص44.
(3) سورة النساء: الآية 6.
(4) رواه ابن ماجه في سننه، 1/ 636.
(5) رواه البخاري: 6/ 153.
(6) سورة النساء: الآية 34.
(7) الكتاني: المرأة بين دينها وواقعها، 179-180. وأبو النيل: العلاقات الأسرية، ص46.
(8) د/ عبد الناصر توفيق العطار، الأسرة وقانون الأحوال الشخصية، رقم 100، سنة 1985م، المؤسسة العربية الحديثة، ص68.
(9) أبو النيل: العلاقات الأسرية، ص182. (1/14)
صفحة 15
3- القيام بأعمال البيت بالإشراف على طعامه وشرابه وراحته (1) ، ومن تربية الأولاد، وفي المقابل على الزوج القيام بالأعمال الخارجية للبيت من كسب العيش وغيره (2) ؛ ومما روي في ذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حكم بين أشرف نساء العالمين وبين الإمام علي كرم الله وجهه حيث اشتكيا إليه الخدمة؛ فحكم على فاطمة بالخدمة الباطنية، وحكم على علي بالخدمة الظاهرة (3) .
وليس معنى هذا أن يقف الرجل في البيت مكتوف الأيدي، بل عليه أن يساعد زوجته في أعمال البيت، وخاصة في الأيام التي تكون فيها المرأة في حالة غير طبيعية، كحالة الحيض والنفاس وغير ذلك.
4- التزين للزوج: على المرأة أن تتزين للزوج حتى لا يرى الزوج منها ما يكره، وحتى تكون محبوبة من قبل زوجها.
5- مصاحبته: إذا وفر الزوج المسكن المناسب الذي يتناسب وحالته المادية، وكذلك وفر لها المكان الذي لا يوجد به ضرر عليها، كوجود أحد في البيت يضر الزوجة.
كذلك فإن على الزوجة في هذه الحالة أن تسكن مع زوجها، وتلزم هذا المسكن، ولا تخرج منه إلا لضرورة كزيارة أحد المحارم للمرأة (4) ، قال الله تعالى: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّنْ وُجْدِكُمْ وَلاَ تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ} (5) .
6- رد الزوجة عند النشوز: من حق الزوج أن يؤدب زوجته، وأن يردها عن فعلها إذا خرجت عن طاعته ونشزت (6) .
__________
(1) الكتاني: المرأة بين دينها وواقعها، ص45.
(2) أبو النيل: العلاقات الأسرية، ص184.
(3) زاد المعاد، 4/ 32-33.
(4) أبو النيل: العلاقات الأسرية، ص186.
(5) سورة الطلاق: الآية 6.
(6) أبو النيل: العلاقات الأسرية، 188. (1/15)
صفحة 16
وقد بين الله تعالى الخطوات التي يتخذها الرجل في حالة عصيان الزوجة، لردها عن العصيان، فقال تعالى: {وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِن أطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا} (1) .
فأول علاج للنشوز هو الوعظ بالكلام الحسن الطيب واللين الذي يخاطب عاطفة المرأة ووجدانها حتى يلين لها مشاعرها وقلبها، وترجع إلى الصواب.
فإن أبت فيؤمر الرجل أن يتخذ معها العلاج الثاني وهو الهجر في المضاجع، حتى تحس المرأة بحاجتها إلى الرجل عند حرمانها منه، فيعز ذلك في نفسها وتنصاع للحق.
وإن فشل الحلان السابقان لجأ إلى الضرب الذي يؤدي غرض الزوج، وهو ردع الزوجة عن الباطل فقط، بحيث لا يجعل هذا الضرب ضربا مبرحا يعطل به حركة عضو مثلا، أو يؤثر في جسم المرأة، بل يجعل هذا الضرب ضربا من أجل الردع، وإظهار هيبة الرجل ومكانته في الأسرة.
7- ألا تكلف الزوج ما لا يطيق من النفقات على البيت (2) ؛ فهذا يؤدي إلى إنفاق ما في يد الرجل بحيث يجعله غير قادر على إحضار الأمور الأساس في البيت، أو الأشياء الضرورية.
هذا، وإذا حقق وطبق كل من الزوج والزوجة ما أوجبه الإسلام عليه من واجبات تجاه شريكه، فإن ذلك مما يؤدي إلى أن يؤدم به بين الزوجين، ويؤدي إلى أن يحيا البيت في أمان، وفي حياة رغيدة سعيدة لأن كل واحد من الزوجين متفهم لصاحبه، وعالم بمقدراته، فلا يكلفه ما لا يطيق، وكذلك فإن كل واحد منهما يعلم ما في صاحبه من الغيرة على الطرف الآخر؛ فلا يدخل في الحياة الزوجية ما يكدر صفوها، ويعكر مزاجها، كأن تدخل المرأة من يكره الرجل من الرجال والنساء.
__________
(1) سورة الطلاق: الآية 6.
(2) الكتاني: المرأة بين دينها وواقعها، ص45. (1/16)
صفحة 17
وكذلك إذا وفر الزوج لزوجته النفقة فإن ذلك يؤدي إلى أن تعمل الزوجة على عدم تكليف الزوج فوق طاقته؛ فهي قد رضيت بما ينفق عليها زوجها، وبالتالي فلن تطالبه بما يثقل كاهله.
وإذا ما نظرنا إلى التزين والتحبب، أي تحبب كل واحد للآخر، والمعاملة باللين واللطف نجد أن ذلك مما يقرب القلوب من بعضها البعض، ويؤلف بينها.
هذه الحقوق والواجبات تؤدي دورا عظيما في جعل الحياة الزوجية حياة سعيدة، حياة مليئة بالمودة والمحبة حياة خالية من المشاحنات والمنازعات.
وهذا هو المأخوذ من سيرته - صلى الله عليه وسلم - في معاملته لنسائه مما سنراه فيما بعد من هذا البحث.
الفصل الثاني:
مقومات السعادة الزوجية في حياته - صلى الله عليه وسلم -
1- المبحث الأول: الحب والعاطفة
المطلب الأول: تعريف الحب والعاطفة
المطلب الأَوَّل: تعريف الحب والعاطفة
المطلب الثاني: وسائل وأساليب النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - في تحببه لزوجاته
2- المبحث الثاني: الثقة
المطلب الأَوَّل: تعريف الثقة
المطلب الثاني: ثقة النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - بزوجاته
3- المبحث الثالث: الاحترام
المطلب الأَوَّل: تعريف الاحترام
المطلب الثاني: احترام النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - لزوجاته
4- المبحث الرابع: الأمانة وحفظ الأسرار الزوجية
المطلب الأَوَّل: أسرار الزوجية
المطلب الثاني: الأمانة وحفظ الأسرار بين النَّبِيّ وزوجاته
المبحث الأول:
الحب والعاطفة
المطلب الأول:
تعريف الحب والعاطفة
تعريف الحب لغة: الحب نقيض البغض، والحب الوداد والمحبة، وكذلك الحِب بالكسر.
وتحبب إليه: تودد، وامرأة محبة لزوجها.
والحِبُّ: الحبيب (1) .
وأحببته نقيض أبغضته، والحِب والحبة بمنزلة الحبيب والحبيبة (2) .
تعريف العاطفة لغة:
__________
(1) ابن منظور: لسان العرب، مادة: حبب.
(2) الخليل بن احمد الفراهيدي: معجم العين، نحقيق الهادي حسن حمودي، 2/ 5، مادة: حبب. (1/17)
صفحة 18
عطفت الشيء: أملته وانعطف الشيء انعاج وتعطف على ذي رحم في الصلة والبر.
وعطف الله فلان على فلان عطفا والعطاف الرجل العطيف على غيره بفضله الحسن الخلق البار اللين الجانب (1) .
وتعطف على رحمه: رق لها.
وعطوف: عائد بفضله حسن الخلق.
قال الليث: العطَّاف: الرجل الحسن الخلق العطوف على الناس بفضله.
من خلال النظر في التعريف اللغوي للحب والعاطفة، نجد أن العطف هو وسيلة مؤدية إلى الحب، والحب ثمرة من ثمار العطف المتبادل بين الناس.
إذا فالعطف هو سبب من أسباب الحب؛ فالعطف وسيلة، والحب غاية تدرك من خلال العطف، وغيرها من الأفعال والممارسات.
تعريف الحب اصطلاحا:
الحب: هو الوداد، والميل الشديد إلى الشيء السار النافع (2) .
ويبدو من التعريف اللغوي للعاطفة والحب، أن العاطفة لفظة تطلق على كل شيء فيه عطف ومودة وحنو ووصال؛ فيقال: عاطفة الحب، وعاطفة الأمومة، وعاطفة الأبوة، وغيرها من العواطف.
إذا فالحب داخل ضمن العاطفة.
المطلب الثاني:
وسائل وأساليب النبي - صلى الله عليه وسلم - في تحببه لزوجاته
لكي تستمر الحياة الزوجية بين الزوجين لا بد من وجود الحب الذي يجمع بينهما، ولكي يوجد الحب بين الزوجين، لا بد للزوج من التقرب إلى زوجته، وتقرب الزوجة إلى زوجها، وعدم جعل فاصل بينهما؛ فلا يجعل الزوج والزوجة من الالتقاء الجسدي الدافع الوحيد إلى الالتقاء والحب، وإنما عليهما أن يتخيرا الأساليب الأخرى النافعة للتقرب من بعضهما البعض.
والرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يتقرب من زوجاته الطاهرات بعدة أساليب ووسائل، لكي ينمي عاطفة الحب بينه وبين زوجاته، ومن هذه الأساليب.
__________
(1) الفراهيدي: معجم العين، ص 258، مادة: عطف. و ابن منظور: لسان العرب، مادة: عطف.
(2) سميح عاطف الزين: علم النفس، دار الكتاب اللباني، بيروت ، ط1، 1411هـ/ 1991م، ، 1/ 197. (1/18)
صفحة 19
1- كان - صلى الله عليه وسلم - يجمع زوجاته كلهن في بيت صاحبة النوبة، فيجلس بينهن فيأنسن به، ويأنس بهن حتى إذا كان المبيت عادت كل واحدة منهن إلى حجرتها، وبات هو عند من كانت نوبتها (1) .
هذه الجلسة التي يجلسها النبي - صلى الله عليه وسلم - مع زوجاته لكي يأنس بهن، ويأنسن به ويتبادل معهن أطراف الحديث، ويتحدث معهن إنما هي عامل مهم في تقريب الزوج من زوجته؛ فكل واحد من الزوجين يشكو لصاحبه ما يدور في خلده، وما تواجهه من هموم من هموم في هذه الدنيا، وبالتالي يسعى الجميع إلى حل هذه المشكلة التي يواجهها أحد الطرفين.
2- كان - صلى الله عليه وسلم - يجلس مع كل واحدة من زوجاته كذلك على انفراد فمن كانت نوبتها جلست بجانبه وأمتعته واستمتعت بنحو أخذ يده بين يديها أو وضع رأسه في حجرها (2) .
ففعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك يبين من خلاله لزوجته التي عليها النوبة أنه يحبها ويكن لها كل احترام، وإلا لما وضع يده بين يديها، ووضع رأسه في حجرها.
3- مزاح النبي - صلى الله عليه وسلم - لزوجاته؛ فيروى أن أبا بكر بعث مع السيدة عائشة بشيء، وهي جارية؛ فقال لها رسول - صلى الله عليه وسلم - : «أعطنيه فأبت فسعت وسعى على إثرها فلم يدركها» (3) .
وكذلك يروى أن السيدة عائشة تدافعت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - عند خروجهما من المنزل (4) .
__________
(1) أخرجه أبو داود في كتاب النكاح، باب القسم بين النساء.
(2) د/ محمد رواسي قلعه جي: دراسة تحليلية لشخصية الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، ط1، 1408هـ/ 1988م، دار النفائس، ص177.
(3) ابن زبالة: أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ص30.
(4) زاد المعاد، 1/ 152. (1/19)
صفحة 20
هذا المزاح كذلك مما يحبب الزوجة إلى زوجها ويقربها منه، لأنه يدل على أن الزوج لا يحمل على زوجته ضغينة ولا حقدا، وبالتالي تقترب الزوجة من قلب زوجها ويقترب الزوج من قلب زوجته، وكذلك فإن هذا المزاح يجعل كلا من الزوجين ينسى همومه وأحزانه، ويتصور الحياة، وكأن كلها فرح لا ترح فيه.
4- مراعاة النبي - صلى الله عليه وسلم - للفروق الفردية بين زوجاته؛ فمن كانت حادة الطبع كان يصبر عليها كالسيدة سودة بنت زمعة (1) ، ولم يتخذ الحدة سلاحا ضدها بل يواجهها بالصبر.
ومن كانت منهن طفلة حين تزوجها راعى فيها متطلبات الطفولة كعائشة رضي الله عنها حين تزوجها، فقد زفت إليه رضي الله عنها ولعبها معها (2) ، وقد كان يسمح لها باللعب بألعابها بل كان يسرب إليها بنات الأنصار ليلعبن معها (3) .
هذا من قبله - صلى الله عليه وسلم - أما من قبل أزواجه فقد كانت زوجاته - صلى الله عليه وسلم - يعز عليهن أن يغضب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولذلك كن يسارعن إلى إرضائه إذا غضب؛ فقد روي أنه حدث بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبين صفية شيء فوجد الرسول - صلى الله عليه وسلم - فقالت صفية لعائشة هل لك أن ترضي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأهب لك يومي؛ قالت: نعم، فقعدت عائشة إلى جنب النبي في يوم صفية؛ فقال عليه الصلاة والسلام إليك عني يا عائشة، فإنه ليس يومك؛ فقالت: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وأخبرته الخبر فرضي عنها (4) .
__________
(1) رواه البخاري في كتاب النكاح، باب هبة المرأة لغير زوجها.
(2) رواه مسلم في النكاح، باب تزويج الأب البكر الصغيرة.
(3) قلعه جي: دراسة تحليلة، ص180.
(4) رواه ابن ماجة في كتاب النكاح، باب المرأة تهب يومها لزوجها. (1/20)
صفحة 21
5- عدل النبي - صلى الله عليه وسلم - بين زوجاته: العدل بين الزوجات من أهم الأمور التي تحبب المرأة إلى زوجها؛ فهي في هذه الحالة تحس بأن زوجها لم يظلمها في معاملته إياها، وكذلك تحس بأن الزوج يكن لها حبا.
والرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يعدل بين أزواجه في كل شيء، ومما روي في ذلك عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: لما حج النبي - صلى الله عليه وسلم - حجة الوداع حج بنسائه جميعا في حجته تلك في الهوادج..." (1) .
هذا الحديث يدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - عدل بين زوجاته في الحج، ولم يدع ولا واحدة منهن إلا حججن معه عدلا منه - صلى الله عليه وسلم - بين أزواجه.
وكذلك في الحديث الذي روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يقسم بين نسائه فيعدل ثم يقول: «اللهم هذا قسمي فيما أملك؛ فلا تلمني فيما تملك ولا أملك» (2) .
هذه الأحاديث بمجملها تدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يعدل بين زوجاته، وهذا العدل بدوره يكون علاقة حب ومودة بين الزوجين فيعيشا في سعادة وطمأنينة.
هذه بعض أساليب النبي - صلى الله عليه وسلم - في تحببه لزوجاته وتقربه من قلوبهن؛ فجدير بل وأحرى بالمسلم اليوم أن يتبع هذه الأساليب حتى يبني بيته على المودة والمحبة وعلى الإخاء، فتطيب الثمرة بعد ذلك، وترقى الأمة الإسلامية بالناشئة، وبالجيل الواعد الذي سيحمل مشعل الهداية للبشرية جمعاء.
المبحث الثاني:
الثقة
المطلب الأول:
تعريف الثقة لغة واصطلاحا
تعريف الثقة لغة:
الثقة: مصدر قولك وَثِقَ يَثِقُ بالكسر فيهما، وثاقة وثقة: ائتمنه (3) .
ووثقت بفلان، أثق به ثقة، وأنا واثق به، وهو موثوق به، وفلان وفلانة، وهم وهن ثقة، ويجمع على ثقاث للرجال والنساء، والوثيق المحكم، وَثُقَ يَوثُق وثاقة.
__________
(2) أخرجه ابن ماجه ، كتاب النكاح (47) باب القسمة بين النساء حديث رقم 1971
(3) الفراهيدي: معجم العين، ص 261، مادة: وثق. (1/21)
صفحة 22
والوثيقة في الأمر إحكامه والأخذ بالثقة، والميثاق من المواثقة والمعاهدة، ومنه الموثق تقول: واثقته بالله لأفعلن كذا (1) .
من خلال هذا العرض يتبين لنا أن المعنى اللغوي للثقة هو: الاطمئنان إلى الشيء، وعدم الخوف منه، وجعله أمينا.
تعريف الثقة اصطلاحا:
الثقة: هي القناعة بصحة الشيء وصدقه (2) .
أي: أن يقتنع الإنسان ويصبح ذلك الشيء ثابت في عقله أنه صحيح، وأنه صادق بدون أي شك يراوده في ذهنه تجاه ذلك الشيء.
المبحث الثاني:
ثقة النبي - صلى الله عليه وسلم - بزوجاته
علمنا مما سبق من التعريف أن الثقة هي: أن يكون ذلك الشيء الموثوق به أمينا وصادقا في تصور ذلك الإنسان الواثق.
والثقة لا بد من وجودها بين الزوجين، وإلا تحولت الحياة الزوجية إلى شكوك من قبل كلا الطرفين؛ فالزوج يشك في الزوجة، والزوجة تشك في الزوج سواء في تصرفاته داخل البيت أو في تصرفاته خارج البيت، وبالتالي فلن يصدق كل طرف الآخر فيما يقول ويفعل، وإذا استمرت الحياة على هذه الحالة ستؤدي إلى المشاحنات والمنازعات، وبالتالي الافتراق بينهم لأن كل طرف لا يرى السكن والطمأنينة في صاحبه، وبالتالي انتفى مقصدا من مقاصد الزاوج وهو السكن والطمأنينة الذي بين الله سبحانه وتعالى لنا أنه لا بد من وجوده قال الله تعالى: {وَمِن آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنَ أَنفُسِكُمُ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا، وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَالِكَ لآَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} (3) .
وتتجسد لنا ثقة النبي - صلى الله عليه وسلم - بأزواجه في عدة أمور هي:
الأمر الأول: في ائتمانه - صلى الله عليه وسلم - أزواجه للأسرار، وهذا الائتمان يدل على ثقته - صلى الله عليه وسلم - ?بمقدرة أزواجه على حفظ الأسرار.
__________
(1) ابن منظور: لسان العرب، ص151، مادة وثق.
(2) الزين: علم النفس، 2/ 173.
(3) سورة الروم: الآية 21. (1/22)
صفحة 23
ومن ذلك ما روي في فتح مكة أن أبا سفيان لما ولي راجعا من المدينة بعدما يئس من العفو من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، قال - صلى الله عليه وسلم - ?لعائشة جهزينا، وأخفى الأمر، وقال - صلى الله عليه وسلم - : «اللهم خذ على قريش الأخبار والعيون حتى نأتيهم بغتة...».
فدخل أبو بكر الصديق على عائشة وهي تجهز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ?تعمل قمحا سويقا ودقيقا وتمرا، فدخل عليها أبو بكر، فقال: يا عائشة، أهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ?بغزو؛ فقالت: ما أدري فقال:إن كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هم بسفر فآذنينا نتهيأ له فلعله يريد بني سليم، لعله يريد ثقيفا، لعله يريد هوازن؛ فاستعجمت عليه حتى دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (1) .
__________
(1) محمد بن عمر بن واقد الواقدي: كتاب المغازي، عالم الكتب، بيروت، ط1، 1404هـ/ 1984م، 1/411. (1/23)
صفحة 24
وكذلك ما روي في سبب نزول قوله تعالى: {وَإِذ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَىا بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا} (1) أن السيدة حفصة أم المؤمنين قالت: يا رسول الله، إن لي إلى أبي حاجة نفقة لي عنده، فأذن لي أن أزوره، وآتي فأذن لها، وكان يومها؛ فلما خرجت أرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى جاريته مارية القبطية - أم إبراهيم - فأدخلها بيت حفصة، فوقع عليها؛ فأتت حفصة فوجدت الباب مغلقا، فحبست عند الباب؛ فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ووجهه يقطر عرقا، وحفصة تبكي؛ فقال: ما يبكيك؟ فقالت: إنما أذنت لي من أجل هذا، أدخلت أمتك بيتي ثم وقعت عليها في يومي وعلى فراشي، أما رأيت لي حرمة وحقا، ما كنت تصنع هذا بامرأة منهن؛ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «أليست هي جاريتي قد أحلها الله لي؟ اسكتي فهي حرام علي ألتمس بذلك رضاك فلا تخبري بهذا امراة منهن هو عندك أمانة»؛ فلما خرج قرعت حفصة الجدار الذي بينها وبين عائشة؛ فقالت: ألا أبشرك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد حرم عليه أمته مارية؛ فقد أراحنا الله منها، فأخبرت عائشة بما رأت (2) .
في الرواية الأولى: نجد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد ائتمن السيدة عائشة على سر الغزوة، وهذا ما يجسد ويظهر ثقة النبي - صلى الله عليه وسلم - بأمانة السيدة عائشة وحفظها للأسرار.
أما في الرواية الثانية: فنجد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أذن للسيدة حفصة رضي الله عنها بالذهاب إلى أبيها، مما يدل على ثقته بها، ليس كما يفعل بعض الأزواج اليوم من عدم الإذن لأزواجهم للذهاب وحدهن، وذلك لانعدام الثقة بينهم.
كذلك فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - نجده قد حمل السيدة حفصة السر الذي ائتمنها عليه مما يؤكد ثقة النبي - صلى الله عليه وسلم - بها.
__________
(1) سورة التحريم: الآية 3.
(2) أبو إسحاق أحمد الثعالبي: الكشف والبيان، دار إحياء التراث العربي ط1، 1422هـ/ 2002م، 9/ 343. (1/24)
صفحة 25
الأمر الثاني: عدم شك النبي - صلى الله عليه وسلم - في عفاف وطهر أزواجه رضوان الله تعالى عليهن، وهذا مما يدل على ثقته - صلى الله عليه وسلم - بأزواجه رضوان الله تعالى عليهن.
ففي حادثة الإفك عندما عاد النبي - صلى الله عليه وسلم - من غزوة بني المصطلق؛ فلما قربوا من المدينة خرجت السيدة عائشة رضي الله عنها لحاجة الإنسان فرفعوا الهودج على البعير يضنونها فيه لخفتها؛ فلما رجعت بعد أن فقدت عقدا، وانشغلت بطلبه وجدت القوم قد رحلوا؛ فجلست وقد تخلف صفوان بن المعطل في حاجة القوم؛ فبلغ المحل فوجدها وعرفها؛ فأناخ لها الراحلة فركبت ولم تكلمه، ولم يكلمها فوصل الجيش في الظهيرة، فتولى الإفك ابن أبي سلول، وخاض الناس معه، ومرضت السيدة عائشة رضي الله عنها شهرا، وبعد ذلك علمت بما رماها به ابن أبي سلول، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأتي أثناء مرضها فيسلم ثم يقول: كيف تيك؟ ثم ينصرف بعدها.
ذهبت السيد عائشة إلى بيت أبيها بإذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاستشار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أمر السيدة عائشة أسامة بن زيد وعلي بن أبي طالب؛ فقال أسامة: هي أهلك ولا نعلم إلا خيرا. وقال علي: النساء كثيرة سواها (1) .
فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من يومه واستعذر من عبد الله بن أبي بن سلول؛ فقال وهو على المنبر: من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهلي؛ فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرا، ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي (2) .
__________
(1) محمد بن يوسف اطفيش: تيسير التفسير، 1407هـ/ 1987م، 9/ .
(2) سيد قطب: في ظلال القرآن، 18/ 2494. (1/25)
صفحة 26
ففي هذه الحادثة حادثة الإفك، وقبل أن يبرئ الله سبحانه وتعالى السيدة عائشة من فوق سبع سماوات نجد ثقة النبي - صلى الله عليه وسلم - بالسيدة عائشة شديدة؛ ففي حالة مرضها يذهب إليها ويطمئن عليها ثم بعد ذلك يشاور أسامة بن زيد وعلي بن أبي طالب في الأمر فهو في حالة تردد؛ فهو يثق بها وما قاله الناس خلاف ذلك ثم يحسم الأمر قبل نزول الآية، ويصعد المنبر ويلقي كلماته المنيرة، ويؤكد ذلك بالقسم بأنه ما علم عليها من سوء؛ فقال: "فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرا" فهو يثق بطهر السيدة عائشة - أم المؤمنين - وبشرفها وعفتها، ولولا ذلك ما انتظر يوما واحدا على اختيار الطلاق منها، فقد استمر شهرا كاملا حتى نزلت الآيات ببراءة السيدة عائشة في قوله تعالى: {إنَّ الذِينَ جَآءُواْ بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لاَ تَحْسِبُوهُ شَرًّا لَّكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ وَالذِي تَوَلىَّ كِبْرَهُ, مِنْهُمْ لَهُ, عَذَابٌ عَظِيمٌ} (1) .
__________
(1) سورة النور: الآيتان 11-12. (1/26)
صفحة 27
قال الزمخشري في تفسير هذه الآيات: هلا قيل لولا إذ سمعتموه ظننتم بأنفسكم خيرا. وقلتم: ولِمَ عدل الخطاب إلى الغيبة وعن الضمير إلى الظاهر؟ قلت: ليبالغ في التوبيخ بطريقة الالتفات، وليصرح بلفظ الإيماء دلالة على الاشتراك فيه مقتضى أن لا يصدق مؤمن على أخيه، ولا مؤمنة على أختها قول عائب ولا طاعن، وفيه تنبيه على أن حق المؤمن إذا سمع قالة في أخيه أن يبني الأمر فيها على الظن لا على الشك، وأن يقول بملء فيه بناء على ظنه بالمؤمن: {هَذَآ إِفْكٌ مُّبِينٌ} (1) ؛ هكذا بلفظ المصرح ببراءة ساحته كما يقول المستيقن المطلع على الحال، وهذا من الأدب الحسن الذي قل القائم به والحافظ له، وليتك تجد من يسمع فيسكت، ولا يشيع ما سمعه بإخوانه (2) .
هكذا نجد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان أوثق الناس بأهله، وأحرصهم على دفع الشبه والشكوك عن دائرة الأهل حتى يبرئ ذمتهم ويطهر ساحتهم من الإفتراءات والأكاذيب وحتى يربي الأمة على ثقة المؤمن بأخيه، ودفعه الشبه التي تحوم حوله عنه.
فجدير بنا نحن المسلمين اليوم أن نطبق ما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفعله مع أزواجه من الثقة التامة به من ائتمان لهم، ووثوقه بصلاحهم وتقواهم وعفافهم، حتى يعيش البيت المسلم في محبة ووئام، ويتخرج من بين يديه قادة العالم وحمال مشاعل الهداية للعالمين.
المبحث الثالث:
الاحترام
المطلب الأَوَّل:
تعريف الاحترام
الاحترام في اللغة: بمعنى الهيبة ورعاية الحرمة (3) .
تقول: احترم فلان فلانا هابه ورعى حرمته.
__________
(1) سورة النور: الآية 12.
(2) جار الله محمد بن عمر الزمخشري: الكشاف، دار المعرفة، بيروت، لبنان، 3/ 53.
(3) المنجد في اللغة، دار المنجد، ط33، بيروت، مادة: حرم، ص130. (1/27)
صفحة 28
وعلى هذا فَإِنَّ الاحترام يكون من الهيبة بحيث يكون الإنسان ذا منزلة مهيبة بين الناس كعلم أَو جاه أَو سلطان يجعل الناس يحترمونه ويرعون حرمته، أَو أَنَّ هَذا الإنسان ذا محبة من الناس بسبب طيب خلقه، وحسن معاملته مع الناس، وبالتالي ينعكس هذا عَلَى نفوسهم فيحترمون الشخص الذي يحبونه.
إذًا الاحترام إما أن يكون عَلَى مضض كالإنسان الذي له سلطة ونفوذ، ولا يعامل الناس بالحسنى فيحترمونه جبرا منهم، وخوفا منه.
أَو يكون عن رضا كالعالم، أَو ذي الخلق الطيب الذي يجذب الناس بأخلاقه يحترمونه عَلَى رضا من أنفسهم.
المطلب الثاني:
احترام النبي - صلى الله عليه وسلم - لزوجاته
تمهيد:
ساءت الأحوال بين الناس اليوم بسبب ابتعادهم عن منهج الْحَقِّ، وعن منهج القرآن الكريم، فترى الزوج لا يحترم زوجته، ولا يصغي لِما تقول وما تتكلم، فلا يحتم رأيها ولا يقدر مشاعرها، سواء في الحياة أَو بعد الممات.
إن اقترحت في البيت شَيئًا ضرب بكلامها عرض الحائط، وإن صنعت شَيئًا نقد ذلك الشيء سواء كان طعاما أَو أي شَيء آخر، فلا احترام منه لزوجته.
فهذه امرأة تشتكي بعدما منعها زوجها من حقها في البيت، فتقول عندما فاتحه بأمر البيتـ يقول بسخرية: «إذَا لم يعجبك، فاذهبي إلى المحكمة» أنا الآن سئمت حياتي، فزوجي وضعني بين حلين أحلاهما مر؛ إما أن أرضى بحياته هكذا مع أهله، أو أن أذهب إلى المحكمة للمطالبة بشرطي في عقد النكاح، وهو السكن في بيت مستقل، وهو يعلم أني لن أتجه للمحكمة لأطلب بيتا، ومن المستحيل أن أجعل أحدا من أهلي حكما بيننا، لأَنَّ زوجي عنيد، اهـ (1) .
__________
(1) أم عبد العزيز الرس، مجلة الأسرة، العدد 113، شعبان 1423هـ، ص65. (1/28)
صفحة 29
فنجد أَنَّ هذا الزوج لم يحترم حق زوجته وشرطها في البيت المستقل، بل ضرب بذلك الشرط عرض الحائط دون أن يُبَيِّنَ سبب عدم رضاه كعدم مقدرته عَلَى بناء بيت مستقل، أَو الاستقلال في بيت مع زوجته، أَو أي ظرف يمنعه من تحقيق الشرط.
فالاحترام بين الزوجين لا بد منه حتَّى تستمر الحياة الزوجية؛ فالزوج يحترم الزوجة في كُلِّ شَيء، في الآراء والأفكار والصناعة وغير ذلك.
وكذلك الزوجة عليها أن تحترم زوجها في كُلِّ جوانب الحياة.
وهذا جانب من المواقف المشرقة في حياة النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ؛ والنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - قدوة للمسلمين، قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أسْوَةٌ حَسَنَةٌ} (1) ، وفيما يلي مواقف من احترام النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - لزوجاته رضوان الله تعالى عليهن:
الموقف الأَوَّل:
عندما مرضت عائشة رضي الله عنها ف حادثة الإفك، كان النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - يدخل عليها ويقول: «كيف تيك»؟ فيسأل عن حالها (2) ، فرغم أَنَّ السيدة عائشة اتهمت في عرضها لَكِنَّ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - عادها في مرضها ولم يتركها في حال سبيلها.
الموقف الثاني:
__________
(1) سورة الأحزاب: 21.
(2) سيد قطب: في ظلال القرآن، دار العلم للطباعة والنشر، جدة، ط2/ 1406هـ، مج4، 18/ 2494. (1/29)
صفحة 30
بعد أن عادت السيد خديجة بنت خويلد رضي الله عنها من الحصار في شعب أبي طالب إلى بيتها، عادت بغير الشكل الذي خرجت عليه، فقد نال منها الإعياء، واستنفذ الاضطهاد والعذاب ما بها من قُوَّة في عامها الخامس والستين، فلزمت الفراش، ولم يفارقها الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، وتعبت هكذا ثلاثة أيَّام، وأحست بدنو أجلها، وأوشكت أن تغادر من الدنيا، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يهوِّن عليها سكرات الموت، ويبشرها بما أعده الله لها من جنات النعيم، لقاء ما أعطت وأجزلت وآمنت وناصرت (1) .
فنجد أَنَّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يترك السيدة خديجة وحال سبيلها في مرضها، بل جلس معها ليرعاها احتراما منه - صلى الله عليه وسلم - وتقديرا لها، بجانب تهوين سكرات الموت عليها، وبشارته لها بالنعيم الأبدي يوم القيامة.
الموقف الثالث:
عندما سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - السيد هالة بنت خويلد - أخت أم المؤمنين خديجة - في فناء داره، قال: «اللهم هالة» لأنها ذكرت بالسيدة خديجة، فلم تتمالك السيدة عائشة نفسها، أن قالت: «ما تذكر منها عجوز من عجائز قريش، حمراء الشدقين، هلكت في الدهر، وأبدلك الله خيرا منها» فتغير وجه الرسول - صلى الله عليه وسلم - وقال لعائشة مغاضبا: «والله ما أبدلني الله خيرا منها، آمنت بي حين كفر الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس ورزقني الله منها الولد دون غيرها من النساء» (2) .
__________
(1) أحمد مُحمَّد عساف، قبسات من حياة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، دار إحياء العلوم، بيروت، ط8، 1407هـ- 1987م، ص118.
(2) أحمد مُحمَّد عساف، مرجع سابق، ص119. (1/30)
صفحة 31
فالنبي - صلى الله عليه وسلم - سُرَّ لقدوم هالة أخت خديجة رضوان الله تعالى عليهما لأنها ذكرته بالسيدة خديجة رضي الله عنها، وعندما غارت السيدة عائشة، وذكرت السيدة خديجة بسوء غضب الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، وذكر فضل السيدة خديجة عَلَى سائر نسائه، وتقديره للسيدة خديجة كان قبل الممات، وبعد الممات.
الموقف الرابع:
مساعدة النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - لزوجاته في البيت، يدل عَلَى تقديره واخترامه لهن، فقد جاء أَنَّ السيدة عائشة رضي الله عنها سئلت عن عمل الرسول - صلى الله عليه وسلم - في بيته؛ فقالت: كان يكون مهنة أهله.
الموقف الخامس:
عدم ذم النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - لِما يصنع من طعام سواء في بيته، أَو في خارج بيت وذلك احتراما وتقديرا منه - صلى الله عليه وسلم - لمن صنع الطعام؛ فقد روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أَنَّه ما عاب طعام قط، إن اشتهاه أكله، وإن كرهه تركه (1) .
فهذا الحديث يُبَيِّنَ لنا احترام النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - لزوجاته في عدم ذمه لأي طعام يصنع لأَنَّ ذم الطعام قد يحدث في نفس صاحب الطعام كدر من ذم ذلك الشخص طعامه.
هذا، ويؤكد الباحثون والخبراء أَنَّ أكثر مشكلات الحياة الزوجية واندثار الصفات الحميدة للحياة الزوجية، وعدم احترام الزوجين كُلّ منهما للآخر، فضلا من المشكلات الشخصية هي أكثر الأسباب التي تؤجج الخلافات الزوجيَّة (2) .
المبحث الرابع:
الأمانة وحفظ الأسرار
المطلب الأَوَّل:
أسرار الزوجية
__________
(1) أخرجه البخاري: في كتاب الأطعمة، باب: «ما عاب النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - طعاما» حديث رقم: 5409.
(2) مجلة الأسرة، العدد112، رجب 1423هـ، ص19. (1/31)
صفحة 32
السر أمانة في قلب الإنسان، ولذا فالواجب عَلَى الإنسان أن يحفظ السر من الإفشاء والانتشار؛ فقد روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أَنَّه قال: «استعينوا عَلَى الحاجات بالكتمان؛ فَإِنَّ كُلّ ذي نعمة محسود عليها» (1) .
وعن علي بن أبي طالب – كرم الله وجهه – قال: «سرك أسيرك، فَإِنَّ تكلمت به صرت أسيره».
وقال بعض الحكماء: «من كتم سره كان الخيار إليه، ومن أفشىسره كان الخيار عليه».
وأنشد بعض في السر:
... إذَا ضاق صدر المرء من سر نفسه ... فصدر الذي يستودع السر أضيق
... إذَا المرء أفشى سره بلسانه فلام عليه غَيره فهو أحمق (2)
إذًا يَتَبَيَّن لنا من خلال النصوص السابقة أَنَّ السر له أَهَميَّة كبيرة في حياة الفرد والمجتمع سواء في جو الأسرة، أَو خارجها فالإنسان يبدأ من الأسرة فَإِنَّ كان في أسرته أمينا، وتربي عَلَى الأمانة وحفظ الأسرار؛ فمن المؤكد أَنَّه سيكون في مجتمعه صاحب أمانة، وحفظ أسرار لأَنَّ الأسرة هي المنشأ الأَوَّل الذي يتحكم في أخلاق الفرد.
والفرد إن حفظ الأسرار صار موثوقا به في المجتمع، وإن خان الأسرار والأمانات صار غَير موثوق به، وبالتالي سيصبح الإنسان قادر عَلَى تكوين أسرة جديدة يربيها عَلَى حفظ الأسرار و الأمانات والأخلاق الإسلامية الحميدة .
والأسرار منها ما هو خاص بالفرد نفسه، ومنها ما هو خاص به وبفرد أو عدة أفراد، وأسرار الزوجية هي من النوع الثاني.
وأسرار الزوجية هي: الأسرار الخاصة بالزوجين، والتي لا يمكن لأحد غَيرهما أ، يطلع عليها، كأسرار الجماع ومقدماته، والكلام العاطفي الحادث بينهما.
__________
(1) الطبراني ، المعجم الأوسط ج3 حديث 3455 .
(2) أبو طاهر إسماعيل بن موسى الجيطالي: قناطر الخيرات، دار النهضة للنشر والتوزيع، سلطنة عمان، ط2/ 1418هـ- 1998م، 3/ 176. (1/32)
صفحة 33
وقد ورد أَنَّ أبا سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «إِنَّ شر الناس منزلة يوم القيامة: الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثُمَّ ينشر سرها» (1) .
فلا بد للزوجين أن يصون كُلّ واحد منهما عرض الآخر، فلا يتكلم بما دار بينهما من كلام عاطفي، أَو غَير ذلك من الأمور الخاصة بين أصحابه ليمتعهم ويسليهم به.
المطلب الثاني:
الأمانة وحفظ الأسرار بين النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وزجاته
لقد رأينا مِمَّا سبق في المطلب الأَوَّل أَهَميَّة حفظ الأسرار، وما هي الأسرار الزوجية، والآن نتطرق إلى الأمانة، وحفظ الأسرار بين النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وزوجاته، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - قد ربى زوجاته رضوان الله تعالى عليهن عَلَى حفظ الأسرار سواء الزوجية منها أَو غَير الزوجية، فتراه يؤمن إحداهن السر ويأمرها بكتمانه، وإن أفشت سرها نراه ينزل عليها عقوبة لإفشائها الأسرار.
فقد ورد في تفسير قوله تعالى: {وَإِذَ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا} (2) ، أَنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واقع أمته مارية القبطية في حجرة حفصة في يومها، فلما جاءت حفصة وقد استأذنت النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - من قبل في الخروج، رأت الباب مغلقا ثُمَّ خرج الرسول - صلى الله عليه وسلم - من الحجرة ورآها تبكي، فقال: «ما يبكيك؟» فقالت: "إني آذنت لي من أجل هذا، أدخلت أمتك بيتي؛ ثُمَّ وقعت عليها في يومي، وعلى فراشي، أَما رأيت لي حرمة وحقا، ما كنت تصنع هذا بامرأة منهن" فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «أليست هي جاريتي وقد أحلها الله لي؟ اسكتي فهي حرام علي ألتمس بذلك رضاك؛ فلا تخبري بهذا امرأة منهن هو عندك أمانة».
__________
(1) أخرجه مسلم.
(2) سورة التحريم: 3. (1/33)
صفحة 34
فلما خرج الرسول - صلى الله عليه وسلم - قرعت حفصة الجدار الذي بينها وبين عائشة؛ فقالت: ألا أبشرك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد حرم عليه أمته مارية؛ فقد أراحنا الله منها، فأخبرت عائشة بما رأت (1) فأظهر الله سبحانه وتعالى، وأطلع نبيه أَنَّ حفصة قد أخبرت بالسر، فطلقها - صلى الله عليه وسلم - جزاء لها عَلَى إفشائها السر؛ ثُمَّ أمر بردها بعد ذلك (2) .
فنجد في هَذِه الحادثة أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قد أمن في زوجه حفصة وأخبرها بأن تكتم السر؛ فلما نبأت به عاقبها عَلَى فعلها بالطلاق تعليما لها وللنساء بعدها عَلَى كتمان الأسرار.
ونجد في حادثة مَكَّةَ أَنَّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد ائتمن السيدة عائشة - رضي الله عنه - ـا عَلَى سر غزوة فتح مَكَّةَ، وأمرها أن لا تخبر به أحد؛ فحافظت عَلَى السر حتَّى أَنَّه عندما دخل عليها أبوها أبو بكر - رضي الله عنه - وسألها عن قصد النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - لم تجبه عَلَى سؤاله، حتَّى جاء النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - وأخبره بالسر (3) .
فنجد أَنَّ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - كان يعلم نساءه أمانة تحمل الأسرار من خلال التطبيق العملي، وقد وردت عن أزواج النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - روايات تبين كيفية جماع النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فقد ورد أَنَّ الإمام جابر بن زيد سأل السيدة عائشة - رضي الله عنه - ـا عن جماع النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، فقالت له: «إذَا دخل علي وضع ركبتيه عَلَى فخذي، ويديه عَلَى عاتقي ثُمَّ أكب فأحنى علي» (4) .
__________
(1) أبو إسحاق أحمد الثعالبي: الكشف والبيان، ط1، 1422هـ/ 2002م، 9/ 343.
(2) الثعالبي: مرجع سابق، 9/ 343.
(3) مُحمَّد بن عمرو الواقدي: المغازي، 2/ 796.
(4) أبو غانم الخراساني: المدونة الكبرى، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، 1414هـ- 1984م، 2/ 3. (1/34)
صفحة 35
ومنها أَنَّ أبا سفيان (1) قال: "دخل جابر بن زيد عَلَى عائشة - رضي الله عنه - ـا قال: فأقبل يسألها عن مسائل لم يسألها عنها من قبل، سألها عن جماع النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - كيف كان يفعل؟ وأن جبينها ينصب عرقا، تقول: سل يا بني" (2) .
__________
(1) أبو سفيان مَحبوب بن الرحيل بن سيف بن هبيرة القرشي المكي: من الطبقة الرابعة مِن علماء الخمسين الثانية من المائة الثانية للهجرة، أخذ العلم عن أبي عبيدة مسلم، والربيع بن حبيب، يقول عن الدرجيني: «ومنهم مَحبوب بن الرحيل أحد الأخيار الأنجار، ومِمَّن سبق إلى تَخليد سير السلف الأخير...». انظر: الدرجيني: طبقات المشائخ، 2/ 278. البوسعيدي: رواية الحديث، ص95. مُحمَّد بن محمود الرحبي: أبو سفيان محبوب بن الرحيل حياته وآثاره، بحث تخرج بمعهد العلوم الشرعية، 2001م.
(2) رواه الإمام الربيع في مسنده، حديث رقم 898 من روايات أبي سفيان. (1/35)
صفحة 36
والظاهر أَنَّ الرواية الأولى ضعيفة لأنها ذكرت شَيئًا لا ينبغي أن يسأل عنه، وهذا رُبَّمَا يقدح في الإمام جابر بن زيد الثقة الثبت العدل، وهذا ما يفهم من كلام الشيخ أبي إسحاق من تعليقه عَلَى الحديث الثاني حيث قال: "قوله عن جماع النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ... أي: عن مقدمات الجماع لأنها من آداب الجماع يجوز السؤال عنها والإخبار بها، كما دونها العلماء، وبهذا المعنى أو ما يقارب منه وجَّه شيخنا القطب – رحمه الله - (1) هَذِه الرواية، وليس كما يزعم بعض الكاشحين، وظن أَنَّه منفذا إلى القدح في هذا الإمام العظيم الذي أجمعت الأُمَّة عَلَى توثيقه وتثبته في الرواية، وَإنَّمَا هذا من حرصه – رحمه الله – عَلَى تتبع دقائق السنة حتَّى ينقل إلى الأُمَّة من جليلها ودقيقها، ولا غرو فقد جمع ديوانه العظيم الذي هو أَوَّل ما جمع في الحديث عَلَى الإطلاق..." (2) .
فالحديث الأَوَّل وصف كيفية جماع النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - لزوجاته وليس المقدمات، والحديث الثاني يؤول عَلَى أَنَّ السؤال كان عن المقدمات لا عن الجماع نفسه.
هَذِه الأحاديث في مجملها إِنَّمَا وردت لأجل التشريع؛ فالنبي - صلى الله عليه وسلم - مشرع، وحتى يقتدي به لا بد من بيان مقدمات الجماع التي ينبغي للإنسان أن يفعلها قبل الجماع حتَّى يقتدي به ولو كانت هَذِه المقدمات من الأسرار الزوجية.
__________
(1) هو امحمد بن يوسف اطفيش: من علماء القرن التاسع عشر الميلادي، ومن أشهر علماء المغرب الإباضيَّة في العصر الحديث. انظر: معجم أعلام الإباضيَّة، المطبعة العربية، 1420هـ- 1999م، 4/ 835.
(2) أبو إسحاق اطفيش، تعليقات الجامع الصحيح، مسند الإمام الربيع بن حبيب الفراهيدي، دار الحكمة، بيروت، ومكتبة مسقط، سلطنة عمان، ط1/ 1415هـ- 1995م، ص351. (1/36)
صفحة 37
إذَا كانت الأسرار الزوجية عند النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - مكتومة، وَإنَّمَا روي ما روي منها من باب الاقتداء بالنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فعلى الإنسان المسلم أن يحفظ سر الزوجية لأَنَّ إفشاءه يجلب الخصومات بين الزوجين، ويعدم الثقة بينهما؛ فيصبح الزوج لا يثق بزوجته، والزوجة لا تثق بزوجها، وعلى الإنسان إذَا رأى مثل ذلك في بيته أن يعالجه بشتى الطرق والوسائل، وعليه كذلك أن يربي أبناءه عَلَى المحافظة عَلَى الأسرار، وعدم إفشائها حتَّى ينشأ جيل صالح متمسك بدينه متبع لسنة نبيه مُحمَّد - صلى الله عليه وسلم - ؟.
الفصل الثالث:
سياسة النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - في التعدد
1- المبحث الأَوَّل: زيجات النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم -
المطلب الأَوَّل: الزوجات اللاتي متن عنه
المطلب الثاني: الزوجات اللاتي مات عنهن
2- المبحث الثاني: أسباب التعدد وأهدافه ودفع الشبه المتعلقة بموضوعه
المطلب الأَوَّل: أسباب التعدد وأهدافه
المطلب الثاني: دفع الشبه المتعلقة بموضوعه
3- المبحث الثالث: سياسة النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - في العدل بين زوجاته
المبحث الأَوَّل:
زيجات النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -
المطلب الأَوَّل:
الزوجات اللاتي متن عنه، وهي:
1- السيد خديجة - رضي الله عنه - ـا
أوَّلا: نسبها:
هي خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب بن مُرَّة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر (1) .
حياتها قبل النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - :
كانت خديجة بنت خويلد تحت أبي هالة بن زرارة التميمي، فولدت هندا الصحابي، كما ولدت له هالة بن أبي هالة، ومات عنها، وله منها هذان الولدان، ثُمَّ تزوجها عتيق بن عابد المخزومي، فولدت له بنتا أسماها هند، وقد أسلمت وصحبت (2) .
__________
(1) ابن هشام: السيرة النبوية، مؤسسة علوم القُرآن، القسم الأَوَّل، 1-2/ 189.
(2) مجموعة من المحققين: السيرة النبوية لابن هشام، ص187. (1/37)
صفحة 38
زواجها بالنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - : لَمَّا رجع الرسول - صلى الله عليه وسلم - من تجارته التي أرسلته فيها السيد خديجة إلى الشام، وبما رأت من النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - من الأمانة والخصال الطيبة الكريمة، ولما حدثها به عبدها ميسرة من أمر كرامات النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، بدا من السيدة خديجة الرغبة في الزواج من النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، وقالت له: "يا ابن عمي إني رغبت فيك، لقرابتك وبسطتك في قومه وأمانتك، وحسن خلقك، وصدق حديثك؛ ثُمَّ عرضت عليه نفسها (1) .
وقيل: إِنَّ السيد خديجة بنت خويلد لَمَّا أرادت أن تتزوج النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - أرسلت إليه نفيسة بنت منية (2) .
فخطبها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أبيها خويلد بن أسد، وخطبها له عمه حمزة بن عبد المطلب - رضي الله عنه - (3) .
وقيل: إِنَّ عمها عمرا هو الذي أنكحها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وأن خويلد مات قبل الفجار، والذي خرج مع رسول - صلى الله عليه وسلم - هما عما حمزة بن عبد المطلب وأبو طالب بن عبد المطلب، وكان عمر السيدة خديجة خين تزوجته أربعون سنة، وقيل: خمس وأربعين سنة (4) .
وكان عمر النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - حين تزوج بها خمس وعشرين سنة (5) .
__________
(1) أبو الفداء إسماعيل بن كثير: السيرة النبوية، تحقيق: مصطفى عبد الواحد، دار إحياء التراث العرَبي، بيروت، لبنان، ص263. وابن كثير: البداية والنهاية، مكتبة المعارف، بيروت، 2/ 294. و ابن هشام: مرجع سابق، 1-2/ 188.
(2) د/ مُحمَّد مُحمَّد أبو شهبة: السيرة النبوية في ضوء القُرآن وَالسنَّة، دار القلم، دمشق، ط5/ 1419هـ- 1999م، 1/ 220.
(3) ابن هشام: مرجع سابق، 1-2/ 190.
(4) ابن هشام: مرجع سابق، 1-2/ 220.
(5) ابن كثير: السيرة النبوية، 1/ 265. (1/38)
صفحة 39
فولدت له - صلى الله عليه وسلم - أولاده كلهم إِلاَّ إبراهيم، وهم: القاسم وكان يكنى به، والطيب والطاهر، وزينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة (1) .
والطيب والطاهر: هو عبد الله بن النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - (2) .
عاشت السيدة خديجة بنت خويلد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أرغد عيشة، فكانت تواسيه بِكُلِّ ما تملك، وكان النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - يتعبد في غار حراء، وكانت تحمل إليه الزاد والماء، إلى أن جاء الوحي ونزل عَلَى سيدنا مُحمَّد - صلى الله عليه وسلم - ، فبشرته بأنه سيكون خاتم النبيين، وسيد ولد آدم؛ فلما نزل الوحي عَلَى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجاء إلى البيت، وقال: «زملوني، زملوني»، زملته ودثرته، ثُمَّ أخذت الخبر منه، وذهبت به إلى ابن عمها ورقة بن نوفل الذي قرأ الكتب السماوية السابقة، فبشرها بأنه سيكون نبي هَذِه الأُمَّة (3) .
كذلك فَإِنَّ السيد خديجة عندما وضعت قريش الصحيفة لمقاطعة المسلمين وبني هاشم، ذهبت مع النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - في شعب بني هاشم، وذاقت معه الأمرَّين، وافتدته بمالها ونفسها.
كُلّ هَذِه التضحيات تدل عَلَى إخلاص وتفاني أم المؤمنين خديجة في خدمة الإِسلاَم، وعندما يتعرض الرسول - صلى الله عليه وسلم - من قريش، للأذى يدخل عَلَى السيدة خديجة بأحزانه وآلامه، فيجد البشاشة عَلَى وجهها فتخفف عنه ما يلاقي، ونسي كُلّ شَيء دون البيت، ثُمَّ خف إلى بناته الوديعات ليمس رؤوسهن، ويمسح علَيها بيده المباركة (4) .
__________
(1) ابن كثير: البداية والنهاية، 2/ 294.
(2) ابن كثير: مرجع سابق، 2/ 294.
(3) د/ محمد سعيد رمضان البوطي ، فقه السيرة ص62
(4) وداد سكاكيني: أمهات المؤمنين وبنات النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، دار الفكر، دمشق، ط4/ 1423هـ- 2002م، ص39. (1/39)
صفحة 40
عاشت معه - صلى الله عليه وسلم - عَلَى هَذِه الحالة من الود والمحبة، والتفاني والإخلاص، من أجل الزوج الكريم، ومن أجل الدعوة المباركة، إلى أن حال الأجل المحتوم، وحانت لحظة الوداع.
فبعد أن عادت السيد خديجة بنت خويلد من الحصار في شعب أبي طالب إلى بيتها، عادت بشكل غَير الشكل الذي خرجت علَيه، فقد نال منها الإعياء، واستنفذ الاضطهاد والعذاب ما بها من قُوَّة في عامها الخامس والستين، فلزمت الفراش ولم يفارقها الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، وتعبت هكذا ثلاثة أيَّام، وأحست بدنو أجلها، وأوشكت أن تغادر من الدنيا، والرسول - صلى الله عليه وسلم - يهون علَيها سكرات الموت، ويبشرها بما أعده الله لها من جنات وعيون، لقاء ما أعطت وآمنت (1) .
ظل الرسول - صلى الله عليه وسلم - يكن للسيدة خديجة الحب والوداد حتَّى بعد موتها، فكان يكرم صويحباتها، وكان لا يرضى أن تذكر بسوء، فعندما سمع السيدة هالة بنت خويلد أخت السيدة خديجة في فناء داره، قال: «اللهم هالة» لأنها ذكرته بالسيد خديجة، فلم تتمالك السيد عائشة أن قالت: "ما تذكر عجوزا من عجائز قريش، حمراء الشدقين، هلكت في الدهر، أبدلك الله خيرا منها"؛ فتغير وجه الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، وقال لعائشة - رضي الله عنه - ـا مخاطبا: «والله ما أبدلني الله خيرا منها، آمنت بي حيث كفر الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله منها الولد دون غَيرها من النساء» (2)
__________
(1) أحمد مُحمَّد عساف: قبسات من حياة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، دار إحياء العلوم، بيروت، ط8/ 1407هـ- 1987م، ص118.
(2) عساف: مرجع سابق، ص119. (1/40)
صفحة 41
من هذا نخلص إلى أَنَّ السيد خديجة بنت خويلد أخلصت للرسول - صلى الله عليه وسلم - وللدعوة الإِسلاَمية، وكانت للنبي - صلى الله عليه وسلم - خير زوجة، وأكرم إنسان عَلَى وجه البسيطة، وفي المقابل كان النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - يحبها، ويكن لها الاحترام الشديد في حياتها، وبعد مماتها.
ونخلص كذلك أَنَّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - تزوج السيدة خديجة وهي ابنة أربعين سنة، وماتت عنه وهي ابنة 65 سنة؛ فالعدة التي عاشتها معه هي خمسة وعشرون عاما.
وتزوجها الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، وهو ابن خمس وعشرين سنة، وماتت عنه وهو ابن خمسين سنة، وبعث الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهو ابن أربعين سنة.
إذَا عاشت معه السيدة خديجة خمسة عشر سنة قبل البعثة، وعشر سنوات بعد البعثة.
2- السيدة زينب بنت خزيمة (أم المساكين):
هي زينب بنت خزيمة بن عبد الله بن عمر بن عبد مناف بن هلال بن عامر بن صعصعة الهلالية، أم المؤمنين، زوج النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - .
وكانت أخت ميمونة بنت الحارث لأمها، ولدت قبل البعثة في مَكَّةَ بثلاثة عشرة سنة تقريبا، وكانت زوجة عبد الله جحش، استشهد بأحد.
وخطبها الرسول - صلى الله عليه وسلم - بعد انقضاء عدتها إلى نفسها، فجعلت أمرها إليه فتزوجها في شهر رمضان سنة ثلاثة للهجرة، بعد حفصة - رضي الله عنه - ـا، أقامت مع النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ثمانية أشهر، وتوفيت في شهر ربيع الآخر سنة أربع، وعاشت ثلاثين سنة، رضي الله عنها وأرضاها (1) .
المطلب الثاني:
الزوجات اللاتي ما ت عنهن - صلى الله عليه وسلم - :
الأولى:
السيدة سودة بنت زمعة:
نسبها:
__________
(1) خالد عبد الرحمن العك: صور من حياة صحابيات الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، دار الألباب، ط1/ 1409هـ/ 1989م، لبنان، بيروت، ص204. (1/41)
صفحة 42
هي: سودة بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي القرشية (1) .
زوجها قبل النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - :
كانت قبل النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - تحت السكران بن عمرو أخو سهيل بن عمرو، وكان مِمَّن أسلم وهاجر إلى الحبشة، ثُمَّ رجع إلى مَكَّةَ، فمات بها قبل الهجرة (2) .
اختلف العلماء في زمن زواجها، هل كان بعد السيدة خديجة، أم كان بعد السيدة عائشة؟
فبعد أن توفيت السيدة خديجة بنت خويلد - رضي الله عنه - ، جاءت خولة بنت حكيم فعرضت عَلَى الرسول - صلى الله عليه وسلم - الزواج بعد وفاة السيدة خديجة، وقالت له: "أي رسول الله، أَلاَّ تتزوج؟" قال: «ومن؟» فقالت: "إن شئت بكرا، وإن شئت ثيبا؟ فقال: «من البكر». قالت: "ابنة أحب خلق الله إليك، عائشة بنت أبي بكر"، قال: «ومن الثيب»؟، قالت: سودة بنت زمعة بن قيس آمنت بك واتبعتك عَلَى ما أنت علَيه". قال: «فاذهبي، فاذكريهما علي».
فجاءت، فدخلت بيت أبي بكر، قالت: ثُمَّ خرجت؛ فدخلت عَلَى سودة... إلخ.
قال ابن كثير: وهذا يقتضي أن عقده عَلَى عائشة كان متقدما عَلَى تزويجه بسودة بنت زمعة، ولكن دخوله عَلَى سودة كان بمكة، وأَمَّا دخوله عَلَى عائشة فتأخر إلى المدينة في السنَّة الثانية (3) .
__________
(1) العك: مرجع سابق، ص139.
(2) ابن كثير: البداية والنهاية، 3/ 133.
(3) ابن كثير: مرجع سابق، 3/ 132. (1/42)
صفحة 43
كان زواج النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - بالسيدة سودة بنت زمعة تفريجا له عن الهموم التي كان يلاقيها من كفار قريش؛ فقد كانت السيدة خديجة بنت خويلد تخفف ما يلاقيه - صلى الله عليه وسلم - من الشدائد والكرب، جراء مواجهته للشرك والمشركين، وكان عمه أبو طالب السند القوي الذي يستند إليه الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، ولكن بعد موت هذين العلمين، أصبح الرسول - صلى الله عليه وسلم - يعاني من المشركين ما يعاني، ولا يجد من يخفف عنه هَذِه الكرب والشدائد؛ فجاء زواجه بالسيدة سودة تخفيفا له عن تلك الشدائد، ومتنفسا له عن الهموم (1) .
هاجرت السيدة سودة إلى المدينة المنورة بعد الإذن للمؤمنين بالهجرة، وعاشت مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - أسعد أيَّام حياتها وأهنئها، حتَّى وافى الرسول - صلى الله عليه وسلم - الأجل المحتوم.
عاشت بعد النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - إلى آخر عهد الإمَام عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - (2) .
الثانية:
السيدة عائشة - رضي الله عنه - ـا:
هي عائشة بنت أبي بكر بن أبي قحافة بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تميم بن مرَّة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر (3) .
عقد الرسول - صلى الله عليه وسلم - النكاح علَيها وهي بنت ست سنين، أو سبع (4) ، وابتنى بها وهي ابنة تسع سنين.
ولدت بعد البعثة بأربع سنين، وعقد علَيها رسول الله قبل الهجرة بسنة، ودخل علَيها بعد الهجرة في السنَّة الأولى، وقيل: في السنَّة الثانية.
__________
(1) العك: مرجع سابق، ص41.
(2) د/ عائشة عبد الرحمن بنت الشاطئ: تراجم م سيدات بيت النبوة، دار الكِتَاب العربي، بيروت، لبنان، 1408هـ/ 1988م، ص250.
(3) ابن هشام: السيرة النبوية، 1/ 200.
(4) بنت الشاطئ: مرجع سابق، ص253. (1/43)
صفحة 44
وقبض عنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهي بنت ثماني عشرة سنة، وتوفيت سنة ثمان وخمسين في شهر رمضان، لسبع عشر ليلة خلت منه، ودفنت في البقيع، وعاشت ست وستين سنة، وروت من الأحاديث عن النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ألفي حديث ومائتين عشرة أحاديث، وحفظت القُرآن في حياة النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - (1) .
تعرضت السيدة عائشة لمحنة حادثة الإفك، التي برأها الله منها من فوق سبع سماوات، وقد تَقَدَّم ذكر الحادثة.
الثالثة:
السيدة حفصة بنت عمر بن الخطاب:
هي حفصة بنت غمر بن الخطاب ثاني الخلفاء الراشدين .
ولدت قبل البعثة بخمسة أعوام، تزوجها خنيس بن حذافة السهمي، الذي توفي من آثار جراح إصابته يوم أحد، وكان - رضي الله عنه - من السابقين الأولين في الإِسلاَم، هاجر إلى الحبشة وعاد إلى المدينة، وشهد بدرا وأحد.
تزوجها النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - سنة ثلاث للهجرة، بعد السيدة عائشة، روت عن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - وعن أبيها، وروى عنها أخوها عبد الله بن عمر، توفيت أوَّل ما ملك معاوية، سنة إحدى وأربعين (2) .
__________
(1) العك: مرجع سابق، ص148.
(2) العك: مرجع سابق، ص91. (1/44)
صفحة 45
بعدما مات خنيس بن حذافة السهمي، حزن الإمَام عمر، وتألم كثيرا لابنته الشابة، التي ترملت في الثامنة عشر من عمرها، فأراد أن يختار لها زوجا، فوقع اختياره عَلَى أبي بكر الصديق فحدثه عن حفصة رضي الله عنها وعرض عليه الزواج منها ولكن أبا بكر سكت ولم يجبه؛ فانصرف الفاروق عن الصديق إلى عثمان بن عفان، وحدثه عن حفصة، وكان جوابه بعد ثلاثة أيَّام: "لا أريد أن أتزوج اليوم"، ثُمَّ ثار بالفاروق الغضب، فانطلق إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - يشكو صاحبيه، فبش له النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، وقال له: «يتزوج حفصة من هو خير من عثمان، ويتزوج عثمان من هي خير من حفصة»، فتهلل وجه الفاروق، واستبشر خيرا، وذهب ليبشر ابنته بالخبر المفرح (1) .
هكذا تَمَّ زواج النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - من السيدة حفصة - رضي الله عنه - ـا.
الرابعة:
السيدة أم سلمة هند بنت أبي أمية
هي: هند بنت أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقضة بن مُرَّة المخزومية (السيدة المحجبة الطاهرة).
بنت عمر خالد بن الوليد سيف الله المسلول، وبنت عمر أبي جهل بن هشام عدو الله، من المهاجرات الأُول، كانت قبل النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - عند أخيه من الرضاعة: أبي سلمة بن عبد الأسد المخزومي، الرجل الصالح.
تزوجها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سنة أربع من الهجرة، وكانت من أجمل النساء وأشرفهن نسبا، وأوفرهن عقلا، وكان عمرها قريبا من خمس وثلاثين سنة، ولدت في مَكَّةَ قبل البعثة بنحو سبع عشرة سنة، وكانت آخر من مات من أمهات المؤمنين؛ فتوفيت سنة إحدى وستين من الهجرة، وعاشت نحو من تسعين سنة، كان أبوها أحد أجواد العرب، ولقب: بزاد الركب، فلا يسافر معه أحد من الناس إِلاَّ كفاه مؤنته وأغناه (2) .
__________
(1) بنت الشاطئ: مرجع سابق، ص300.
(2) العك: مرجع سابق، ص209. (1/45)
صفحة 46
أرادت أن تهاجر مع زوجها أبي سلمة، فمنعها قومها من ذلك، وبعد ذلك سمحوا لها بالرحيل، وأعطاها بنو عبد الأسد ابنها، فرحلت ليس معها أحد، تريد زوجها أبا سلمة، فلقيت عثمان بن طلحة، فقال لها: أين يا بنت أبي أمية؟
قالت: أريد زوجي بالمدينة.
فقال: هل معك أحد؟
فقالت: لا والله إِلاَّ الله، وابني هذا.
فقال: والله ما لك من مترك؛ فرحل معها إلى المدينة (1) .
ثُمَّ مات أبو سلمة بعد ذلك، وتزوجها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سنة أربع للهجرة.
الخامسة:
السيدة زينب بنت جحش:
هي: زينب بنت جحش بن رياب بن يعمر بن صبرة بن مرَّة بن كثير بن غنم بن دوران بن أسد بن خزيمة، أم المؤمنين، وأمها أميمة بنت عبد المطلب، عمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
ولدت في مَكَّة قبل البعثة النبوية بسبع عشر سنة، وكانت من المهاجرات الأُول، وأسلمت قديما (2) .
هاجرت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وخطبها بعد ذلك لزيد بن حارثة.
وَفي قصة زواجها من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خلط كثير عند بَعض المفسرين، وكتاب السير، ينبغي أن ينزه مقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عنه.
وخلاصة ما ينبغي أن يقال صوابا في ذلك، أَنَّ الله تَعَالى أراد إبطال عادة تحريم نكاح أزواج أبناء التبني، فأخر الوحي عن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - بذلك، فأخفى النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ذلك في نفسه ولم يخبر زيدا بذلك، وَإنَّمَا كان كُلَّمَا أراد زيد طلاق امرأته، قال له النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - : «أمسك عليك زوجك، واتق الله»، وهذا هو المراد من قوله تَعَالى: {وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ} (3) .
__________
(1) بنت الشاطئ: مرجع سابق، ص322.
(2) العك: مرجع سابق، ص230.
(3) سورة الأحزاب: 37. (1/46)
صفحة 47
فَلَمَّا قضى زيد وطره منها وأراد الله تَعَالى إتمام التشريع في ذلك الأمر بإبطال تحريم نكاح زوجات التبني، طلقت السيدة زينب - رضي الله عنه - ـا، وتزوجها الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، ولذلك كانت تفخر عَلَى جميع النساء في تزويجها.
توفيت رضي الله عنها في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن ثلاثة وخمسين سنة
السادسة: جويرية بنت الحارث
هي جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار بن حبيب بن جذيمة، وهو المصطلق بن عمرو بن ربيعة بن حارثة بن عمر الخزاعية المصطلقية.
قال ابن عباس: "كان اسم جويرية برَّة، فسماها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جويرية".
ولدت قبل البعثة بنحو ثلاثة أعوام تقريبا، وتزوجها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وهي ابنة عشرين سنة في سنة خمس للهجرة، أو ستة للهجرة (1) .
قصة زواجها برسول الله - صلى الله عليه وسلم - :
بعد أن انتصر المسلمون في غزوة بني المصطلق جاءت جويرية - رضي الله عنه - ـا إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - قبل أن يتزوجها، وقالت له: "يا رسول الله إِنِّي امرأة مسلمة، أشهد أن لا إله إِلاَّ الله، وأنك رسول الله، وأنا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيد قومه، أصابنا من الأمر ما قد علمت، ووقعت في سهم ثابت بن قيس بن شماس، وابن عم له، فتخلصني من ابن عمه بنخلات له بالمدينة؛ فكاتبني ثابت عَلَى ما لا طاقة لي ولا يدان، وما أكرمني عَلَى ذلك إِلاَّ أني رجوتك - صلى الله عليه وسلم - ، فأعني في مكاتبتي؛ فقال - صلى الله عليه وسلم - : «أو خير من ذلك»، فقالت: "وما هو يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟"، قال: «أؤدي عنك كتابتك، وأتزوجك».
قالت: "نعم يا رسول الله، قد فعلت".
__________
(1) العك: مرجع سابق، ص253. (1/47)
صفحة 48
فأرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى ثابت، فطلبها منه؛ فقال ثابت: "هي لك يا رسول الله بأبي وأمي، فأدى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما كان علَيها من كتابتها وأعتقها وتزوجها (1) .
توفيت - رضي الله عنه - ـا في المدينة سنة 56هـ، وفي رواية سنة 50، وعاشت 65 سنة، وفي رواية 70 سنة (2) .
وبين ما رواه الواقدي في قولها رضي الله عنها : ( أنا جويرية بنت الحارث ) والذي يدل على أن اسمها كان من الأصل جويرية وبين ما روي عن ابن عباس رضي الله عنه من أن اسمها كان برة و الرسول - صلى الله عليه وسلم - هو الذي سماها جويرية بين هاتين الروايتين تناقض فينبغي النظر في سند كل رواية حتى يتبين الصواب .
السابعة:
السيدة صفية بنت حيي بن أخطب:
هي السيدة صفية بنت حيي بن أخطب بن سعيد بن ذرية نبي الله هارون - عليه السلام - من سبط اللاوي بن يعقوب إسحاق بن إبراهيم - عليه السلام - .
كانت السيدة صفية - رضي الله عنه - ـا شريفة عاقلة ذات حسب وجمال، ودين وتقوى، وذات حلم ووقار.
تزوجها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سنة سبع للهجرة، وكان عمرها سبع عشرة سنة يوم تزوجها.
ولدت بعد البعثة بثلاثة أعوام بين قومها يهود خيبر (3) .
تزوجها سلام بن مشكم القرظي، ثُمَّ فارقها فتزوجها كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق النضري، فقتل عنها يوم خيبر.
قصة زواجها:
__________
(1) مُحمَّد بن عمر الواقدي: المغازي، 1/ 411.
(2) عمر رضا كحالة: أعلام النساء في عالمي العرب والإسلام، 1/ 227.
(3) العك: مرجع سابق، ص263. (1/48)
صفحة 49
لَمَّا فتح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حصن القموص حصن بن أبي الحقيق أتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بصفية بنت حيي وبأخرى معها، فمر بهما بلال، وهو الذي جاء بهما عَلَى قتل من قتل من اليهود؛ فَلَمَّا رأتهم التي مع صفية رضي الله عنها صاحت وصكت وجهها وحثت التراب على وجهها فلما رآها رسول - صلى الله عليه وسلم - ، قال: أعزبوا عني هَذِه الشيطانة، وأمر بصفية فحيزت خلفه، وألقى علَيها رداءه فعرف المسلمون أَنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد اصطفاها لنفسه، وفي قصة إسلامها روايات أخرى يطول بها المقام.
توفيت - رضي الله عنه - ـا في خلافة معاوية سنة 50هـ، وفي رواية سنة 52هـ، وَفي رواية أَنَّها توفيت سنة 36هـ (1) .
الثامنة:
السيدة رملة بنت أبي سفيان - رضي الله عنه - ـا:
هي رملة بنت أبي سفيان بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف زوج النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - أسلمت قديما، وهاجرت إلى الحبشة مع زوجها عبيد الله بن جحش الذي مات في الحبشة، وهو عَلَى دين النصرانية.
تكنى بأم حبيبة، وهي بها أشهر من اسمها، ولدت قبل البعثة بسبعة عشر عاما، روت أحاديث كثيرة عن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - .
تزوجها الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهي في الحبشة، وقدمت علَيه سنة سبع (2) .
توفيت بالمدينة سنة 44 للهجرة، وقيل: سنة 42هـ بالشام، وقيل: سنة 59هـ، وقيل: 50هـ، وقيل: سنة 55هـ (3) .
التاسعة:
السيدة مارية القبطية:
هي مارية بنت شمعون القبطية، أهداها له المقوقس القبطي صاحب الإسكندرية و مصر، وذلك سنة سبع هجرية.
أسلمت علي يدي حاطب بن أبي بلتعة، وهو قادم بها من مصر إلى المدينة، ولدت له - عليه السلام - ابنه إبراهيم الذي عاش قرابة السنتين، وكانت ولادته في ذي الحجَّة سنة ثمان (4) .
__________
(1) كحالة: مرجع سابق، 2/ 333.
(2) العك: مرجع سابق، ص273.
(3) كحالة: 1/ 464.
(4) العك: مرجع سابق، ص283. (1/49)
صفحة 50
كان أبو بكر - رضي الله عنه - ينفق عَلَى مارية - رضي الله عنه - ـا بعد وفاة الرسول - صلى الله عليه وسلم - حتَّى توفي.
ثُمَّ كان عمر - رضي الله عنه - ينفق علَيها حتَّى توفيت في خلافته سنة 16هـ، ودفنت بالبقيع (1) .
العاشرة:
السيدة ميمونة بنت الحارث:
هي ميمونة بنت الحارث بن حزن بن بجير بن الهزمر بن رويبة بن عبد الله بن هلال بن عامر بن صعصعة الهلالية زوج الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، وأخت أم الفضل زوجة العباس، وخالة عبد الله بن عباس، وخالة خالد بن الوليد، وكان اسمها برَّة، فسماها النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - : ميمونة (2) .
تزوجت قبل الرسول - صلى الله عليه وسلم - بمسعود بن عمرو بن عمير الثقفي، ثُمَّ فارقها، فخلف علَيها أبو رهم بن عبد العزى بن أبي قيس، فتوفي عنها (3) ، ثُمَّ تزوجها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ذي القعدة سنة سبع لَمَّا اعتمر عمرة القضاء، وبنى بها بسرف لَمَّا رجع من عمرة القضاء، وهو مكان بين مَكَّة والمدينة (4) .
وهي التي وهبت نفسها للرسول - صلى الله عليه وسلم - ، توفيت بسرف سنة 51هـ، وَفي رواية 61هـ، وقيل: سنة 49هـ، وتوفيت ولها 81 سنة (5) .
المبحث الثاني:
أسباب التعدد وأهدافه، ودفع الشبه المتعلقة بموضوعه:
المطلب الأَوَّل:
أسباب التعدد وأهدافه:
أبيح للرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يتزوج بأربعة نسوة، أي: أكثر من رجال أمته، ومن المعلوم أَنَّ رسول - صلى الله عليه وسلم - انتقل إلى الرفيق الأعلى وَفي عصمته تسع نسوة، وتعدد الزوجات هذا عند الرسول - صلى الله عليه وسلم - له أسباب عدة، وهذه الأسباب تنقسم إلى قسمين:
أسباب عامة، وأسباب خاصة.
أ الأسباب العامة، هي:
__________
(1) كحالة: مرجع سابق، 5/ 10.
(2) العك: مرجع سابق، ص292.
(3) كحالة: مرجع سابق، 5/ 138.
(4) العك: مرجع سابق، ص292.
(5) كحالة: مرجع سابق، 5/ 138. (1/50)
صفحة 51
1- أَنَّ المجتمع الذي عاش فيه الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان لا ينكر التعدد، بل كان يفضله، وقلما نجد في ذلك الوقت رجلا في ذلك المجتمع قد اقتصر عَلَى امرأة واحدة.
2- إِنَّ الله سبحانه وتعالى غرس في قلبه حب النساء؛ ففي الحديث: «حبب إلي من دنياكم ثلاثة: النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة» (1) ، ليدفعه هذا الحب إلى الاستكثار من الزوجات ليحقق من خلال ذلك منفعتين تعودان عَلَى الإِسلاَم بالخير الكثير:
*- ... المنفعة الأولى: تبليغ دعوة الله في الأوساط النسائية، ومن المعلوم عمل المرأة بين النساء مقبولا أكثر من عمل الرجل بين النساء، ولو كان هذا العمل تعليما، ومن المعلوم أَنَّ هناك أحكاما خاصة بالنساء، وقد يتحرج الرجل من ذكرها في أوساط النساء، بينما لا تخجل المرأة من ذكرها بينهن (2) .
ومن هنا كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعدد من النساء لكي ينشرن الدعوة بين صفوف النساء، ويعلمهن أمور الدّين، والأحكام الخاصة بهن، ومن الشواهد عَلَى ذلك، ما روته السيد عائشة، قالت: "إِنَّ امرأة من الأنصار هي أسماء بنت شكلة، سألت النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - عن غسلها من المحيض، فأمرها كيف تغتسل، ثُمَّ قال: «خذي فرصة من مسك فتطهري» قالت: "كيف أتطهر بها"؟، قال: «تطهري بها»، قالت: "كيف أتطهر بها؟"، قال: «سبحان الله تطهَّري بها»، تقول السيدة عائشة: فاجتذبتها إلي فقلت: تتبعي أثر الدم (3) .
هكذا كانت نساء النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - يعلمن النساء ما يحتجن إليه من أحكام.
__________
(1) رواه النسائي في سننه 7/61 حديث رقم 3636
(2) د/ مُحمَّد رواس قلعه جي: دراسة تحليلية لشخصية الرسول - صلى الله عليه وسلم - من خلال سيرته الشريفة، ص171.
(3) أبو حفص عمر بن علي الأنصاري: غاية السؤل في خصائص الرسول، دار البشائر الإِسلاَمية، ط1/ 1414هـ- 1993م، ص190. وقلعه جي: مرجع سابق، ص173. (1/51)
صفحة 52
* - المنفعة الثانية: إنشاء صلات مصاهرة بين بطون قريش وقبائل العرب، لتقريب الشقة بينه وبينهم، وتلاشي الخصومة المتوقعة.
3- زيادة في الابتلاء والتكليف حتَّى لا يلهو بما حبب إليه من النساء، عما كلف به من أداء الرسالة.
قلت: وهذا السبب قد يكون مرفوضا؛ لأَنَّ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - معصوم من الوقوع في الخطأ واللهو، والانشغال عما كلف من الرسالة، خطأ فلا ينبغي أن يقال: هذا من أسباب تعدد الزوجات.
4- الحث لأمته علَيه لِما فيه من النسل الذي تحصل به المباهاة يوم القيامة (1) .
2) - الأسباب الخاصة:
أ- إما أن يكون الرسول - صلى الله عليه وسلم - تزوج المرأة لشرفها في قومها، أو ما عرف من رجاحة في عقلها، وقد يكون ما تتمتع به من اليسار، وذلك مثل السيدة خديجة.
قلت: وهذه الصفات تنتفع بها الدعوة الإِسلاَمية، فأصهار النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - من جهة تلك الزوجة سيجذبون إلى الدعوة الإِسلاَمية بالقوة التي توفر لها الحماية والاكتفاء عما في أيدي المشركين، وكذلك هو في نفس الوقت أداة للدعوة إلى دين الله.
ب وإما أن تكون المرأة تزوجها الرسول - صلى الله عليه وسلم - بأمر من الله تَعَالى، وذلك كالسيدة عائشة عندما قال لها الرسول - صلى الله عليه وسلم - : «رأيتك في المنام ثلاث ليال جاءني بك الملك في سرقة – خرقة – من حرير فيقول: هَذِه امرأتك فاكشف عن وجهك؛ فإذا أنت هي، فأقول: إن يك من عند الله يمضه»
ت وإما أن يكون قد تزوجها ليعتقها، ولرأفته - صلى الله عليه وسلم - بمن ذل بعد عز، مثل جويرية بنت الحارث، وصفية بنت حيي بن أخطب (2) .
قلت: وزواجه - صلى الله عليه وسلم - من جويرية وصفية رضوان الله تَعَالى عليهن فيه نوع من تأليف الرسول - صلى الله عليه وسلم - لقلوب قومهن لكي يدخلوا في سلك الإِسلاَم الحنيف.
المطلب الثاني:
دفع الشبه المتعلقة بموضوعه
__________
(1) قلعه جي: مرجع سابق ص173 .
(2) قلعه جي: مرجع سابق، ص173. (1/52)
صفحة 53
منذ أن بزغت شمس الإِسلاَم عَلَى البشرية، وأنارت بصائر الخلق الغارقة في ظلمات الجهل إلى الْحَقِّ، من ذلك التاريخ، وأعداء الإِسلاَم يتربصون بأهله الدوائر، ويحاولون الطعن في كُلِّ شَيء جاء به الدّين الحنيف، ومن ضمن الأمور التي تعرض الإِسلاَم فيها للطعن، والتشكيك في مسألة تعدد الزوجات عند النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، وها نحن نستعرض بَعض ما قاله هؤلاء الأعداء في هَذِه المسألة.
يقول أحد المستشرقين: "إِنَّ تسع زوجات لدليل عَلَى فرط الميولات الجنسية" (1) .
ولكن كيف يكون شهوانيا من عاش في مجتمع مثل مجتمع قريش، وهو في الخامسة والعشرين من عمره عفيف النفس، دون أن ينساق في شَيء من التيارات الفاسدة التي من حوله، والرجل الشهواني لا يقبل أن يَتَزوَّج بأيم بعد ذلك، تفوق عمره بما يقارب الضعف؛ ثُمَّ يعيش معها دون أن تمتد عينه إلى شَيء مِمَّا حوله إلى أن يدخل مرحلة الشباب، ثُمَّ الكهولة، ويدخل في مدارج الشيخوخة.
وزواجه بعد ذلك بباقي أمهات المؤمنين، كُلّ زواج له دوافعه وأسبابه، ولكن مهما يكون الدافع والسبب، فَإنَّهُ لا يمكن أن يكون مجرد قضاء الوطر، واستجابة للرغبة الجنسية، إذ لو كان كذلك لكان أحرى به أن يستجيب لهذا الدافع في الوقت الطبيعي لهذه الرغبة وندائها (2) .
وكذلك كيف يكون مستجيبا لرغبته الجنسية من أوشك أن يطلق نساءه أو يخيرهن في الطلاق لأنهن طلبن إليه المزيد من النفقة، وهو لا يستطيعها (3) .
__________
(1) عباس محمود العقاد: الأعمال الكاملة، العبقريات الإِسلاَمية، عبقرية مُحمَّد، دار الكِتَاب اللبناني، 1984م، 1/ ص110.
(2) د/ مُحمَّد سعيد رمضان البوطي: فقه السيرة النبوية، دار الفكر المعاصر، بيروت، دمشق، ط11/ 1991م، ص54.
(3) عباس محمود العقاد: الأعمال الكاملة، 1/ 111. (1/53)
صفحة 54
والرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يَتَزوَّج بكرا إِلاَّ السيدة عائشة - رضي الله عنه - ـا، ومع ذلك كان يأمر أمته - صلى الله عليه وسلم - ، بزواج إِلاَّ بكرا، كقوله للصحابي الذي أراد أَنَّ يَتَزوَّج بامرأة ثيب: «هلا بكرا تداعبها وتداعبك»، فكيف يكون شهوانيا من كانت هَذِه حالته.
وكذلك فَإِنَّ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - عندما تزوج باقي نسائه، تزوج كُلّ واحدة لسبب خارج عن نطاق الجنس، فبعضهن تزوجها جبرا لخاطرها، وإعفافا لها بسبب ما أصابها، كالسيدة سودة بنت زمعة، وبعضهن تزوجها ليتقرب من قومها تحبيبا لهم في الإِسلاَم، كالسيدة صفية بنت حيي، فأغراضه لم تكن أغراضا جنسية.
وفوق ذلك كُلّه لو كان شهوانيا لَما ظل الرسول - صلى الله عليه وسلم - يذكر السيد خديجة بنت خويلد بالمعروف بعد موتها، رغم أَنَّه تزوج بعدها البكر والثيب، ومن هي أصغر منها سنا.
المبحث الثالث:
سياسة النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - في التعدد:
التعدد: كلمة ثقيلة عَلَى النساء، كُلّ النساء مهما كانت درجة إيمانهن ليس فقط؛ لأَنَّ النساء عاطفيات فقط، ولكن لأَنَّ الرجال قدموا صورة سيئة للتعدد (1) ، وهذه الصورة تكون في عدم عدل الرجال بين الزوجات، فتراه يميل إلى إحداهن، ويذر الأخرى ولا كأنها في بيت الزوجية، يذرها كأنها خادمة في بيته لا يرى لها حرمة، ولا يعيرها أي اهتمام، وكأنه لم يسمع قوله - صلى الله عليه وسلم - : «من كانت له امرأتان يميل مع أحدهما عَلَى الأخرى جاء يوم القيامة وأحد شقيه ساقط» (2) .
__________
(1) خزامي القوس: مجلة الأسرة، العدد 113 شعبان 1413هـ، ص38.
(2) أخرجه ابن ماجة، كتاب النكاح، 47، باب القسمة بين النساء، حديث رقم: 1969. (1/54)
صفحة 55
وهذا يكون في الأشياء الظاهرية، مثل: المعاملة والنفقة، وليس في العمل القلبي؛ فَإِنَّ الإنسان لا يملك قلبه، فقلب الإنسان يميل إلى شخص دون آخر، ولا يملك الإنسان التحكم به، فهو يميل إلى من أحسن إليه، وكان معه لين المعاملة، حسن الخلق، ولذلك كان النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - يدعو الله، ويقول: «اللهم هذا فعلي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك» (1) .
فكان النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - يعلم أَنَّه لا يستطيع السيطرة عَلَى ما يحبه قلبه.
وكم من القضايا التي حدثت في المجتمعات الإِسلاَمية بسبب عدم العدل بين النساء، فهذه امرأة معلمة بلغت من العمر 35 سنة، تزوجت من رجل تاجر كان عَلَى خلاف مع زوجته، تقول المرأة: عشت معه شهرين في أمان وسعادة، وبعد ذلك قامت قيامة زوجته الأولى، وحولت هي وأبناءها حياتي إلى جحيم، وتحالفوا مع الجيران ضدي، وحينما فشلت هَذِه الخطط أصلحت علاقتها مع زوجي واستمالته ناحيتها خاصة أَنَّها شريكته في المحل التجاري، فأصبح لا يهتم بي، ويعاملني مثل قطعة من الأثاث، وأفكر في الطلاق منه، وألوم نفسي عَلَى تجربة الزواج من رجل متزوج (2) .
فهذا الزوج قد شوه صورة التعدد في ذهن هَذِه المرأة، وبالتالي لامت نفسها عَلَى أَنَّها تزوجت منه، وفكرت في الطلاق بعد ذلك.
وفعل هذا الرجل وغيره من الرجال قد خالف ما كان علَيه الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهو قدوة للعالمين، وأسوة لهم.
والرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يقسم بين زوجاته في أمرين: المبيت، والنفقة (3) .
__________
(1) أخرجه ابن ماجة، كتاب النكاح، 47، باب القسمة بين النساء، حديث رقم: 1971.
(2) القوس: مرجع سابق، ص40.
(3) قلعه جي: مرجع سابق، ص177. (1/55)
صفحة 56
فقد رُوِيَ عن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّه أطعم كُلّ امرأة من نسائه ثمانين وسقا تمرا، وعشرين وسقا شعيرا (1) ، فلم يفرق - صلى الله عليه وسلم - بين أحد زوجاته، ولم يمل إلى إحداهن دون الأخرى.
وأَمَّا في المبيت فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقسم الأيام بين زوجاته فيعطي كل واحدة منهن حقها فقد رُوِيَ عنه كان يجمع زوجاته كُلّهن في بيت صاحبة النوبة، فيجلس بينهن فيأنسن به، ويأنس بهن، حتَّى إذَا كان المبيت عادت كُلّ واحدة منهن إلى حجرتها، بات هو عند من كانت نوبتها (2) .
وحتى في حالة مرض الموت فَإِنَّ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - لم يدع العدل بين النسائ بسبب المرض، فقد روت السيدة عائشة أَنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يسأل في مرضه الذي مات فيه: «أين أنا غدا؟ أين أنا غدا؟»، يريد يوم عائشة، فأذن له أزواجه أن يكون حيث شاء، فكان في بيت عائشة - رضي الله عنه - ـا حتَّى مات عندها (3) .
وهذا يَدُلُّ عَلَى أَهَميَّة العدل بين النساء، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - كان يستأذن نساءه في المبيت تلك الليالي التي مرض فيهن في بيت السيدة عائشة، ويبرئنه من المبيت مع صاحبة النوبة، لأَنَّ ذلك شاق علَيه، وهو في حالته تلك حالة مرض الموت.
ومن عدله - صلى الله عليه وسلم - بين نسائه أَنَّه كان يراعي الفروق الفردية بين نسائه، فكان يعامل الكبيرة معاملة الكبار، ويعامل الصغيرة معاملة الصغار، إذ ليس من العدل أن يعامل الصغيرة معاملة الكبار، ولا الكبيرة معاملة الصغار.
__________
(1) الواقدي: المغازي، 2/ 693.
(2) أخرجه أبو داود، كتاب النكاح، باب القسمة بين النساء، حديث رقم: . (1/56)
صفحة 57
إذا فالنبي - صلى الله عليه وسلم - كانت سياسته في العدل هي: العدل في كُلّ شَيء يستطيع أن يتحكم فيه: كالمبيت، والنفقة، والمعاملة الطيبة والإحسان، ومراعاة الفروق الفردية بين زوجاته - صلى الله عليه وسلم - ، وأَمَّا ما لا يستطيع التحكم فيه كالحب، فلا يستطيع أن يعدل فيه لتعذر ذلك، مثل ما رُوِيَ عَلَى أَنَّه كان أحب نسائه إليه السيدة عائشة بنت أبي بكر، ولكنه مع ذلك كان لا يفرق بينها وبين نسائه الأخريات في المبيت والنفقة.
الخاتمة
الحمد لله والصلاة والسلام عَلَى مُحمَّد بن عبد الله صلوات الله وسلامه علَيه وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: رأينا أَنَّ المصطفى صلوات الله وسلامه علَيه كان الانموذج الرائع للزوج المثالي، فقد ضرب أروع الأمثلة في تنمية العاطفة الزوجية، والاحترام بين الزوجين، فقد رأينا النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - كان:
1- يتخذ أساليب عديدة لتنمية الحب بينه وبين زوجاته، منها الجلوس للحديث معهن جميعا، والجلوس مع كُلّ واحدة عَلَى انفراد، وكذلك جعل - صلى الله عليه وسلم - من عدله بين زوجاته وسيلة، للتحبب والتقرب من زوجاته حتَّى تصبح الحياة سعيدة، وحتى يكون قدوة للمسلمين أجمع.
2- أَنَّ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - كان يثق بزوجاته حتَّى في أحلك الظروف، وأصعب المواقف كما رأينا في حادثة الإفك عند السيدة عائشة - رضي الله عنه - ـا.
3- وكان كذلك - صلى الله عليه وسلم - يحترم زوجاته في كُلّ شَيء يحترم رأيهن، ويحترمهن حتَّى في الطعام الذي يصنعنه؛ فقد رُوِيَ عنه أَنَّه لم يعب طعاما قط، وهذا ما يَدُلُّ عَلَى احترامه لهن حتَّى لا يعكر الصفو الذي بينه وبينهن.
4- وكان - صلى الله عليه وسلم - يحفظ أسرار الزوجية، ويعلم زوجاته حفظ أسرار الزوجية، وهي الأمور الخاصة بينهما حتَّى لا يتسرب شَيء من هَذِه الأسرار إلى الخارج. (1/57)
صفحة 58
5- وكذلك نجد أَنَّ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - كانت لدية أحد عشر زوجة، مات عن تسع زوجات منهن، ولكن سياسته في التعدد كانت العدل بين زوجاته في كُلّ شَيء يستطيع العدل فيه، وما عدا ذلك من الأمور القلبية كالحب، فَإنَّهُ لا يستطيع العدل بينهن فيه.
هذا وأسأل المولى جل شأنه أن يوفق الجميع إلى ما فيه الخير والسداد، وإلى الاقتداء بالرسول - صلى الله عليه وسلم - في كُلّ دقيقة وجليلة، وصلى الله عَلَى سيدنا مُحمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رَبِّ الْعَالَمِينَ
فهرس المصادر والمراجع
1. ابن زبالة: أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - .
2. ابن قيم الجوزية ، زاد المعاد في هدي خير العباد ى ، المكتبة العلمية ، بيروت لبنان .
3. ابن كثير، أبو الفداء إسماعيل: البداية والنهاية، مكتبة المعارف، بيروت، 2/ 294.
4. ابن كثير، أبو الفداء إسماعيل: السيرة النبوية، تحقيق: مصطفى عبد الواحد، دار إحياء التراث العرَبي، بيروت، لبنان.
5. ابن منظور جمال الدين محمد بن مكرم الأفريقي المصري، أبو الفضل: لسان العرب، دار صادر للطباعة والنشر، 1388هـ/ 1968م.
6. ابن هشام: السيرة النبوية، مؤسسة علوم القُرآن، مجموعة من المحققين.
7. أبو النيل، د/ محمد عبد السلام: العلاقات الأسرية في الإسلام، دار الفكر الإسلامي الحديثة، ط2، 1407هـ/ 1987م.
8. أبو زهرة، محمد: الأحوال الشخصية، دار الفكر العربي، ط3، 1377هـ/ 1957م.
9. أبو شهبة، د/ مُحمَّد مُحمَّد: السيرة النبوية في ضوء القُرآن وَالسنَّة، دار القلم، دمشق، ط5/ 1419هـ- 1999م.
10. أرشوم مصطفى بن حمو: النكاح صحة وفسادا في المذهب الإباضي، ط1/ 1422هـ- 2002م.
11. اطفيش، أبو إسحاق: تعليقات الجامع الصحيح، مسند الإمام الربيع بن حبيب الفراهيدي، دار الحكمة، بيروت، ومكتبة مسقط، سلطنة عمان، ط1/ 1415هـ- 1995م. (1/58)
صفحة 59
12. اطفيش، محمد بن يوسف: تيسير التفسير، وزارة التراث القومي والثقافة، 1407هـ- 1987م.
13. الأنصاري، أبو حفص عمر بن علي: غاية السؤل في خصائص الرسول، دار البشائر الإِسلاَمية، ط1/ 1414هـ- 1993م
14. بدران أبو العينين بدران: الفقه المقارن للأحوال الشخصية بين المذاهب الأربعة والمذهب الجعفري والقانون، دار النهضة العربية، بيروت لبنان، 1967م.
15. بنت الشاطئ، د/ عائشة عبد الرحمن: تراجم م سيدات بيت النبوة، دار الكِتَاب العربي، بيروت، لبنان، 1408هـ/ 1988م.
16. البهوتي منصور بن يوسف: كشاف القناع عن متن الإقناع، دار الفكر، 1402هـ، 1982م.
17. البوطي، د/ مُحمَّد سعيد رمضان: فقه السيرة النبوية، دار الفكر المعاصر، بيروت، دمشق، ط11/ 1991م.
18. الثعالبي، أبو إسحاق أحمد: الكشف والبيان، دار إحياء التراث العرَبي، ط1/ 1422هـ- 2002م.
19. الجناوني، يحيى بن الخير: كتاب النكاح، المطبعة العالمية، روي، سلطنة عمان.
20. الجيطالي، أبو طاهر إسماعيل بن موسى: قناطر الخيرات، دار النهضة للنشر والتوزيع، سلطنة عمان، ط2/ 1418هـ- 1998م، 3/ 176.
21. الحارثي سعيد بن حمد: نتائج الأقوال نثر مدارج الكمال، ط1/ 1411هـ- 1991م، مكتبة الضامري للنشر والتوزيع.
22. الحضرمي، أبو إسحاق إبراهيم بن قيس: مختصر الخصال، وزارة التراث القومي والثقافة، 1404هـ/ 1984م.
23. الخراساني، أبو غانم: المدونة الكبرى، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، 1414هـ- 1984م، 2/ 3.
24. خزامي القوس: مجلة الأسرة، العدد 113 شعبان 1413هـ.
25. الدرجيني: طبقات المشائخ،
26. الربيع بن حبيب الفراهيدي ن الجامع الصحيح ، دار الحكمة بيروت ، ط 1 1995م .
27. الرحبي، مُحمَّد بن محمود: أبو سفيان محبوب بن الرحيل حياته وآثاره، بحث تخرج بمعهد العلوم الشرعية، 2001م.
28. الرس، أم عبد العزيز: مجلة الأسرة، العدد 113، شعبان 1423هـ . (1/59)
صفحة 60
29. الرفاعي، مصطفى: الأحوال الشخصية في الشريعة الإسلامية والقوانين اللبنانية، دار الكتاب اللبناني، مكتبة المدرسة، الطبعة الأولى، 1403هـ/ 1983م.
30. الزبيدي السيد محمد مرتضى الحسيني: تاج العروس من جواهر القاموس، تحقيق إبراهيم الترمذي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، 1369هـ/ 1969م.
31. الزمخشري، جار الله محمد بن عمر: الكشاف، دار المعرفة، بيروت، لبنان.
32. الزين، سميح عاطف: علم النفس، دار الكتاب اللباني، بيروت، 1/ 197، ط1/ 1411هـ- 1991م.
33. سكاكيني، وداد: أمهات المؤمنين وبنات النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، دار الفكر، دمشق، ط4/ 1423هـ- 2002م.
34. سيد قطب: في ظلال القرآن، دار العلم للطباعة والنشر بجدة، ط12/ 1406هـ- 1986م.
35. الشقصي، خميس بن سعيد: منهج الطالبين وبلاغ الراغبين، وزارة التراث القومي والثقافة، 1404هـ/ 1984م.
36. عامر، د/ عبد العزيز: الأحوال الشخصية في الشريعة الإسلامية، دار الفكر العربي، ط1/ 1404هـ- 1984م.
37. عساف، أحمد مُحمَّد: قبسات من حياة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، دار إحياء العلوم، بيروت، ط8/ 1407هـ- 1987م.
38. العطار، د/ عبد الناصر توفيق: الأسرة وقانون الأحوال الشخصية، رقم 100، سنة 1985م، المؤسسة العربية الحديثة.
39. العقاد، عباس محمود: الأعمال الكاملة، العبقريات الإِسلاَمية، عبقرية مُحمَّد، دار الكِتَاب اللبناني، 1984م.
40. العك، خالد عبد الرحمن: صور من حياة صحابيات الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، دار الألباب، ط1/ 1409هـ/ 1989م، لبنان، بيروت.
41. العوتبي، سلمة بن مسلم: الضياء، وزارة التراث القومي، 1411هـ/ 1991م.
42. الفراهيدي، الخليل بن أحمد: معجم العين، نحقيق الهادي حسن حمودي.
43. القاسمي، محمد جمال الدين: محاسن التأويل، دار الفكر، بيروت، ط2/ 1398هـ- 1978م. (1/60)
صفحة 61
44. قلعه جي، د/ مُحمَّد رواس: دراسة تحليلية لشخصية الرسول - صلى الله عليه وسلم - من خلال سيرته الشريفة، دار النفائس، ط1/ 1408هـ-1988م.
45. الكتاني، د/ يوسف: المرأة بين دينها وواقعها، مطابع منشورات عكاظ، الرباط، مارس 2000م.
46. كحالة، عمر رضا: أعلام النساء في عالمي العرب والإسلام، ط5/ 1404هـ- 1984م.
47. الكندي، محمد بن إبراهيم: بيان الشرع، 1414هـ/ 1993م، وزارة التراث القومي.
48. مجموعة من الباحثين: معجم أعلام الإباضيَّة، المطبعة العربية، 1420هـ- 1999م.
49. محمد بن أبي العباس: نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج، دار الفكر، 1404هـ/ 1984م.
50. محمد بن اسماعيل البخاري ، صحيح البخاري ، ضبطه د/ صدقي جميل العطار ، دار الفكر ، ط1 1420هـ 2000م .
51. مسلم بن الحجاج النيسابوري، صحيح مسلم ، دار الفكر ،ط2 1398هـ 1978م .
52. معمر، علي يحيى: حاشية كتاب النكاح، وزارة التراث القومي والثقافة، 1404هـ/ 1984م.
53. المنجد في اللغة، دار المنجد، ط33، بيروت.
54. الواقدي، محمد بن عمر: كتاب المغازي، ط1/ 1404هـ- 1984م، عالم الكتب، بيروت.
المحتويات
الفصل الأَوَّل:
التعريف بالزواج وعناصره وأركانه، وبيان مقدمات الزوجية ...
المبحث الأَوَّل: التعريف بالزواج لغة واصطلاحا ...
المبحث الثاني: أركانه وشروطه ...
المبحث الثالث: الحقوق المتبادلة بين الزوجين، ودورها في تحقيق السعادة الزوجية ...
الفصل الثاني: مقومات السعادة الزوجية في حياته - صلى الله عليه وسلم - ...
المبحث الأول: الحب والعاطفة ...
المطلب الأَوَّل: تعريف الحب والعاطفة ...
المطلب الثاني: وسائل وأساليب النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - في تحببه لزوجاته ...
المبحث الثاني: الثقة ...
المطلب الأَوَّل: تعريف الثقة ...
المطلب الثاني: ثقة النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - بزوجاته ...
المبحث الثالث: الاحترام ...
المطلب الأَوَّل: تعريف الاحترام ... (1/61)
صفحة 62
المطلب الثاني: احترام النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - لزوجاته ...
المبحث الرابع: الأمانة وحفظ الأسرار الزوجية ...
المطلب الأَوَّل: أسرار الزوجية ...
المطلب الثاني: الأمانة وحفظ الأسرار بين النَّبِيّ وزوجاته ...
الفصل الثالث: سياسة النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - في التعدد ...
المبحث الأَوَّل: زيجات النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ...
المطلب الأَوَّل: الزوجات اللاتي متن عنه ...
المطلب الثاني: الزوجات اللاتي مات عنهن ...
المبحث الثاني: أسباب التعدد وأهدافه ودفع الشبه المتعلقة بموضوعه ...
المطلب الأَوَّل: أسباب التعدد وأهدافه ...
المطلب الثاني: دفع الشبه المتعلقة بموضوعه ...
المبحث الثالث: سياسة النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - في العدل بين زوجاته ...
الخاتمة ...
قائمة المصادر والمراجع ...
الفهرس ... (1/62)