صفحة 1
الكتاب: شذا من السيرة لأحمد مصلح وآخرين
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] شذا من السيرة
(2)
الدعوة
إعداد
أحمد بن مهني مصلح
عاشور بن يوسف كسكاس
ميلاد بن مهني بن حرير
الطبعة الأولى : 1414ه /1994م
تقديم
الحمد الله الذي شرف رسله بتكليفهم بأعظم وظيفة وهي الدعوة إلى دينه.
وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ } سورة فصلت /33
والصلاة والسلام على الرسول الداعية القدوة فلا أسوة يغيره كانت حياته نموذجا عمليا لأدب الدعوة وكسب القلوب ، واستنفاذ الأنفس فالعيش مع دعوة الله عبادة وسعادة رغم ما فيها من عقبات وتضحيات.
{ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي َ }
سورة يوسف /108
وبعد :
فتعتبر دعوة النبي صلي الله عليه وسلم نموذجا متفردا بين الدعوات فقد استطاعت أن تحقق خلال عمرها القصير الذي لم يتجاوز عقدين ونيفا من السنوات نجاحا باهرا ، ومأثرة في التغير فعالة وعظيمة فقد جعلت من القبائل العربية المتناحرة أمة واحدة يسودها التآخي والتكافل في مدة قصيرة ، وهي نقلة متميزة لم تحققها دعوة في مدة مماثلة .
ونحن تقدم هذا الكتاب بعنوان :
( الدعوة من خلال سيرة رسول الله صلي الله عليه وسلم ) نريده منار يستضيء به القارئ المسلم في طريق الدعوة ويستهدي بنورها مقتديا بسيد الدعاة محمد بن عبدالله صلي الله عليه وسلم .
فالكتاب ليس بحثا في السيرة وإنما هو عرض لمواقف دعوية التزمنا فيه بمتابعة رسول الله صلي الله عليه وسلم في مختلف مراحل الدعوة وركزنا على صلة الأحداث بموضوع الدعوة وراعينا ما أمكن الترتيب في المدينة دون تقيد بتفاصيل أحداث السيرة المتسلسلة .
وتوخينا في كتابنا المنهجية التالية :
الدعوة : عرفنا فيها الدعوة ومواصفات الداعية .
الدعوة في مكة : تابعنا فيها مراحل الدعوة ومميزاتها وموضوعاتها ووسائلها وهموم الداعية وعالمية الدعوة . (1/1)
صفحة 2
الدعوة في المدينة : تعرضنا فيها لمميزاتها وموضوعاتها وأساليبها وأشكال الدعوة من بعوث ورسائل ووفود .
نتائج الدعوة : تبعنا فيها مسيرة دعوته صلي الله عليه وسلم بعد الغزوات والفتوح وانتصارات الدعوة على يد الجيل المتخرج من مدرسة النبوة .
قد يلاحظ القارئ تكرار بعض الموضوعات في أكثر من مرحلة مثل السرية وتزكية النفس ...... لكن التمايز واضح بين السرية المطلقة وسرية التنظيم وبين التزكية من مرحلة إلى أخرى.
أما موضوع التوحد فهو أهم موضوعات هذه الدعوة فقد واكب الكتاب كله واستمر الحديث عنه من أوله إلى آخره.
كما يلاحظ القارئ عدم ورود الصلاة على الرسول في بعض المواضع – وهذا نادرا . فليتدارك ذلك بالصلاة عليه صلى الله عليه وسلم .
كما حرصنا عند عرض المواقف الدعوية على اقتطاع ما يناسب ويتصل بالدعوة ولجأنا إلى الاختصار معولين على ثقافة الداعية واطلاعه على أحداث السنة ،وإحاطته بتفاصيلها،وسمحنا لأنفسنا بترجيح بعض الأحداث بعد استقرائها وتتبعها من مصادر متنوعة .
وقد استعنا بجملة من المراجع القديمة والمعاصرة والمتنوعة ولم نعتمد الإحالة على المصدر إلا إن اقتضى الأمر ذلك.
كما أثبتنا – عند الحديث عن الرسائل كشكل من أشكال الدعوة –نصوص الرسائل الموجهة إلى الملوك ووضعنا بعض الجداول الموضحة لنتائج الدعوة لأهميتها كما اخترنا بعض الخرائط لتحديد أماكن تحرك الداعية وصحابته.
ولا نزعم بهذا الإسهام المتواضع في الحديث عن الدعوة أننا أمطنا بالموضوع وإنما سعينا إلى تجلية بعض المواقف المشرفة التي خلفها رسول الله صلى الله عليه وسلم لكل الدعاة من بعده حتى يهتدوا بهديه ويستنوا بسنته ويسيروا على نهجه ويتبعوا طريقة دعوته على بصيرة فيحققوا الثمرات المرجوة . قال عليه السلام (لأن يهدي الله بك واحدا خير لك من الدنيا وما فيها ). (1/2)
صفحة 3
نسأل الله التوفيق والسداد في القول والعمل والإخلاص في كل موقف وحال وأن يتقبل عملنا هذا خالصا لوجهه إنه سميع مجيب.
وصلى الله على أمام الدعاة وخاتم المرسلين محمد بن عبدالله ولا حول زلا قوة إلا بالله العلي العظيم .
بسم الله الرحمن الرحيم
أولا : الدعوة
(1)- تعريف الدعوة :
الدعوة مأخوذة من الدعاء ومن معانيها ،النداء والصيحة والحث.
وقد جاءت هذه المعاني في القرآن الكريم منها قوله تعالى:
وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ } (فصلت 33)
أي لا أحد أحسن قولا منه ، ومن أحسن قولا من الداعي إلى الله وطاعته وهو محمد صلى الله عليه وسلم .
وقوله تعالى:
وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ } (يونس 25)
أي يحث الناس على اتباع الطريق الموصل إلى الجنة ونوجز هذه التعريفات في القول بأن الدعوة مفهوم شامل لكل طلب ونداء .
أما في الاصطلاح فقد حاول العلماء إعطاء الكلمة مفاهيم متعددة لتجتمع في نهاية الأمر على هدف واحد .
- فالدعوة هي عملية إبراز للمبادئ الإسلامية وتنفيذها في الواقع الحسي الملموس.
- وهي كذلك قيام العلماء المختصين في الحقل الشرعي بتعليم الجمهور من العامة ما يبصرهم بدينهم ودنياهم .
- أو حث الناس على الخير والهدى ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لتحقيق العزة في الدنيا والفوز بالنعيم الأبدي يوم القيامة .
ويمكن أن نعرف لدعوة بأوسع من ذلك :
فهي حركة إحياء للنظام الإلهي الذي أنزله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ، وإحياء لموات القلوب السائمة في ظلمات الضلال والكفر .
قال تعالى:
يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ }
(الأنفال 24)
أ)- الدعوة من خلال القرآن : (1/3)
صفحة 4
يعد القرآن الكريم المرجع الأول والأساسي للدعوة والدعاة فقد حوى موضوعات الدعوة ومناهجها وقضاياها ومن آيات القرآن الكريم يستمد الدعاة زادهم ، وعلى هداهم يرسمون مناهجهم ، ومنه يأخذون أساليبهم، وفي ضوئه يرومون هداية الناس بما يلائم طبائعهم ونفسيا تهم ، ويعالجون مرضهم ، وبه يصقلون أفكارهم ، ويشحذون عزائمهم ، ويزيلون غبار الإثم والفواحش عن قلوبهم وبصائرهم .
قال تعالى
شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا(45)وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنْ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا } ( الأحزاب 45-47)
وقد جاء في القرآن الكريم أن تبليغ رسالة السماء مهمة الرسل عليهم السلام ، وكلهم دعوا الناس إلى الالتزام بتعاليم رسالة السماء التي تقوم على أساس التوحيد وإفراد الله بالعبادة .
فهذا نوح عليه السلام يقول لقومه :
أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنْ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ } (الأعراف 62)
ويقول لهم { قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِي } ( نوح 302)
وهذا هود عليه السلام يقول لقومه :
أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ } (الأعراف 68)
وهذا محمد صلى الله عليه وسلم يقول له ربه عز وجل :
{ يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ } ( المائدة 67)
وقد حدد القرآن الكريم مهمة الرسول المتمثلة في التبليغ ودعوة الناس إلى المبادئ التي بعث من أجلها .
وقال الله تعالى :
وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ } ( النور 54)
وصدق الله العظيم إذ يقول :
فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ } (النحل 35) (1/4)
صفحة 5
كما استعمل القرآن الكريم عددا من الكلمات للتعبير عن تبليغ الدعوة وإقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
فقد استعمل كلمة (( أنذر ))
في قوله عز وجل :
{ يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ } ( المدثر 1/2)
وقوله أيضا
وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ } ( الشعراء 214)
كما استعمل كلمة (( أدع )) في مواضيع عدة نقتصر على ذكر بعض منها .
قال تعالى :
قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ } ( يوسف 108)
وقوله عز وجل :
{ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ } ( النحل 125 )
وقوله تعالى :
فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ } ( الشورى15)
ومن خلال هذه الآيات البينات نري أن القرآن الكريم خاطب المرسلين عامة ومحمد صلى الله عليه وسلم بوجوب تبليغ الدعوة للناس .
كما بينت هذه الآيات أن مهمة الدعوة إلى الله تعالى تلزم أتباع الرسل من الدعاة في كل عصر .
وقد تميزت الأمة الإسلامية بالخيرية لأنها اشتركت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في شرف حمل الرسالة وتبليغها للناس ،والقيام بالدعوة إلى الله تعالى وهو مبدأ عظيم تتوارثه الأمة جيلا بعد جيل إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها .
قال تعالى :
{ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ } ( أل عمران 104) (1/5)
صفحة 6
وقال أيضا : { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمْ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمْ الْفَاسِقُونَ } ( أل عمران 110 )
ب - الدعوة من خلال السنة النبوية الشريفة :
تعد السنة النبوية الشريفة المرجع الثاني للدعوة والدعاة .فهي تمثل منهجية رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدعوة ، ومادة الدعاة التي يستقون منها موضوعاتهم ، وعلى ضوئها يحلون مشكلات الناس ، وعلى مبادئها يرسمون خططهم في الدعوة .
بنورها يهتدون ويبصرون معالم الدعوة ، فيأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويدعون إلى دين الله القويم .
إذا تتبعنا منهج الرسول في مجال الدعوة متمثلة في تحريص الدعاة والعلماء على القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خير قيام .
قال عليه الصلاة والسلام : " يا أيها الناس أمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر "(1)
وقال أيضا: " من دعا إلى هدى كان له من الجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم سيئا"(2).
وقال أيضا : نضر الله امرأ سمع منا شيئا فبلغه كما سمعه فرب مبلغ أوعى من سامع "(3)
وكان عليه الصلاة والسلام في دعوته يبين لأصحابه أن هذا الدين الذي يدعوهم إليه إنما هو دين يسر وليس بعسر بل كان كثيرا ما يوصيهم بالتيسير على الناس وفتح أبواب الخير أمامهم يقول صلى الله عليه وسلم : " إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه ، فسددوا وقاربوا ، وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة " (4).
كما كان عليه السلام يقول لأصحابه إذا بعثهم لتبليغ الدعوة :" يسروا ولا تعسروا وسكنوا ولا تنفروا "(5)
__________
(1) رواه الطبراني.
(2) رواه مسلم.
(3) رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح.
(4) رواه البخاري.
(5) رواه البخاري (باب الأدب) (1/6)
صفحة 7
كما أن السنة النبوية الشريفة تعلم الدعاة الرفق بالناس وحسن العطاء . وهذا السلوك الرفيع نلمسه في واقع حياته عليه السلام وهذا مسلك محمود في كسب قلوب الناس وسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم حافلة بالمواقف المشرفة
نذكر منها على سبيل المثال موقفه عليه السلام مع سفانة بنت حاتم الطائي الذي جعل أخاها عدي بن حاتم يقبل مسرعا إلى رسول الله ليعلن إسلامه بين يديه .
كان الرسول يكسب قلوب الناس بتكريم فضائل أخلاقهم القديمة وإزالة الريب والعلل التي تعتمل في صدورهم بالمناقشة الوديعة والمنطق السليم والسماحة في العطاء ، وكرم الوفادة ونبل الأخلاق . ولا يخفى على كل داعية أن القرآن الكريم دعا المسلمين إلى تحمل أمانة التبليغ وهدد كل من يتقاعس عن هذا الواجب ، وبنفس النسق جاء التحريض على الدعوة إلى الله تعالى في سنة المختار عليه الصلاة والسلام وهو القائل : " بلغوا عني ولو آية "
من حديث يحدد فيه رسول الله عليه الصلاة والسلام المسلك الصحيح لكل داعية إذ يقول فيه : " وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده في النار "(1)
هكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل مع الناس في حقل الدعوة يدعوهم فيها إلى الاسلام .
وهكذا فإن السيرة مرجع أساسي بعد كتاب الله العزيز في مجال الدعوة ونهج متكامل للدعاة ينهلون منه مبادئ الإسلام العالية في كل مكان وزمان .
حاجة الناس إلى الدعوة
الرسول - صلى الله عليه وسلم -
ظل العرب منتشرين في أطراف جزيرتهم يبحثون عن المرعى والكلأ ، ويقنعون بأعمال التجارة ، عاكفين على أصنام لهم يعبدونها ويقربون لها القرابين .
وقد بلغت الوثنية فيهم أوجها وصبغت حياتهم في مختلف ميادينها ، فسيطر نظام الطبقات الجائر ، وبلغ ظلم رؤساء القبائل غايته يملكون رقاب الناس ويستغلون الضعفاء وينتهكون الحرمات .
__________
(1) رواه البخاري. (1/7)
صفحة 8
وانحط مركز المرأة فيهم إلى درجة منكرة تفشي فيها الزنا وأصبحت البغايا ينتشرن في أنحاء البلاد ، يعرفن بصواحب الرايات الحمراء ، وظهرت جريمة وأد البنات ، وسيطر الربا وفشت الإباحية .
كما بلغت العصبية القبلية أوجها . تثار الحروب لأسباب تافهة ، وتسفك الدماء استجابة لنزوات النفوس المريضة ، وتغلب الشهوات على الناس فتنزل بالعقول إلى درجة الحيوانات بعد أن تنقدها صوابها
وإلى اليمين والشمال تنتشر عقائد وثنية كالبوذية والهندوكية ومبادئ إلحادية كالمانوية والمزدكية وانحرافات فكرية وعقائدية تتزعمها اليهودية المحرفة والمسيحية الزائفة .
كما بلغت الدولة الرومانية في ترديها وهبوطها إلى أسفل الدركات ، وسقطت الحضارة الفارسية في وحل الانحلال والهبوط الأخلاقي وتخبطت في متاهات الإلحاد والكفر والوثنية وبلغت درجة يستحيل لأي قائد سياسي مهما أوتي من سلطة أو ذكاء أو قدرة على أن يصلح الأوضاع المنهارة في كل الميادين .
فكانت هذه الحالة تؤذن بخطر اضمحلال العنصر البشري . بل لعلها تستغيث وتنادي النجدة ، وهي في حاجة شديدة إلى من يأخذ بيدها ويرد لها اعتبارها ، فأنقذ الناس من الضياع الفكري والهبوط السلوكي الذي شاع في كل مكان .
هذا الضياع هوى بقيمة العقل من مستواه الإنساني إلى دركات الحيوانية فأنقذ الإنسان رشده بل أصبح الناس كالسباع المفترسة في متاهات الأدغال لا يجدون لأنفسهم مخرجا ولحياتهم هدفا ورشدا .
الناس إذا في حاجة إلى من يخرجهم من هذه الظلمات الحالكة إلى نور يبصرون به طريقهم .
وهم في أشد الحاجة إلى من يرسم لهم سبل الرشاد ، ويزيل عنهم أسباب الغفلة ، ويهديهم إلى ما يسعدهم ويعيد إليهم الفضيلة ويمسح عنهم غبار الأثام ليطهرهم ويزكيهم .
إن ظهور زعيم سياسي مقتدر في هذه الأجواء العفنة ليصلح من أحوال الناس ويحارب الظلم ويعيد العدل إلى نصابه أمر متعذر بل يستحيل ذلك لأن خرق اتسع على الراتق . (1/8)
صفحة 9
وظهور داعية إلى مكارم الأخلاق أو إلى نبذ الحروب ونشر الأمان أمر متعذر كذلك لأن المشكلة استفحلت إلى درجة أنها يصعب ترقيعها وإصلاحها .
فالمشكلة عميقة الأغوار لا يقوم بأمرها زعيم وداعية إلى إصلاح ما تعطب في المجتمع البشري .
إذن لابد من رسول يستمد دعوته من الوحي ويصلح القصبة من جذورها .
إذن لابد من إعادة الإنسان إلى رشده ، ولا يكون ذلك إلا بإرجاعه إلى توحيد خالقه وربط الصلة الوثيقة به والخضوع له وحده دون سواه
ويشهد التاريخ بل وتذكر الكتب السماوية أن هذه الأعباء الجسيمة لا يقدر عليها إلا رسول مؤيد بالوحي ومسدد الخطي من الله تبارك وتعالى .
لذا فأن الظروف آنذاك تشعر بقرب ظهور نبي مبعوث بالوحي للناس ، وهو الكفيل بأداء مهمة إصلاح ما تعطب وجمع ما تشتت .
واختار الله تعالى لهذه المهمة الشاقة خير الناس واصطفى لهل من اجتمعت فيه كل المحامد ، إنه محمد بن عبدالله حبيب الله وصفيه وخير خلقه وسيد الأنبياء والمرسلين صلوات الله تعالي عليه وسلامه .
مواصفات الداعية :
أ - العناية الإلهية :
- أن الاتصال بعلم الغيب والتلقي عن الله سبحانه لا يتحمله كل إنسان بل تحتاج الرسالة ومسؤولية التبليغ عن المولى عز وجل إلى استعداد خاص ليس كل إنسان مرشحا له.
فالله يصطفي من خلقه من هو أهل لحمل الأمانة العظيمة وهو أعلم بمن يصلح للنبوة والرسالة .
قال تعالى : { وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ } ( الزخرف/ 31- 32 )
والدعوة إلى وظيفة الأنبياء والرسل والأولياء الصالحين ولشرف هذه المهمة فقد ربى الله نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - فأحسن تربيته . قال عليه السلام " أدبني ربي فأحسن تأديبي ". ( رواه الألبان في السلسلة الضعيفة ) (1/9)
صفحة 10
وقد رعاع الله وشمله بعنايته لأن دعوة الناس إلى الحق تحتاج إلى إعداد وترويض على الخير وتهذيب للنفس وتعويد لها على الصبر والاحتمال فما جاء بمثل ما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - إلا عودي.
ومن سنة الله في اصطفاه رسله أن يبعث الرسول في منعة من قومه ,أن يكون من بيت شرف وحسب ونسب، ولقد حاز محمد - صلى الله عليه وسلم - الشرف كله فهو أشرف مخلوق في هذا الوجود.
" قام النبي - صلى الله عليه وسلم - على المنبر فقال: من أنا؟ قالوا أنت رسول الله عليك السلام قال: أنا محمد بن عبدالله بن عبد المطلب: إن الله خلق الخلق فجعلني في خيرهم فرقة ثم جعلهم فرقتين فجعلني في خيرهم فرقة ثم جعلهم قبائل فجعلني في خيرهم قبيلة ثم جعلهم بيوتا فجعلني في خيرهم بيتا وخيرهم نفسا".(رواه الترمذي)
إن الدعوة إلى الله من أعظم المناصب القيادية في الأمة فالداعية مرب ومزك للأنفس ومفتاح نجاح الدعوة تتمثل في شخصية الداعية، لذلك لا بد أن يجتمع في الداعية رسوخ في العلم وبسطة في الجسم وفصاحة في القول وولاية وإرشاد كما اجتمع ذلك في محمد - صلى الله عليه وسلم - .
إن الرسالة اصطفاء واختيار فالداعية يحتاج علما بالشريعة حتى يبلغ أحكام الدين محتاج إلى قوة جسدية كي يقوم بأعباء الدعوة.
قال تعالى: { وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ } (الأنعام/124) (1/10)
صفحة 11
لقد اختار الله محمدا من أشرف بيت ومنحه بلاغة مؤثرة فلا ينطق إلا حقا وقد أوتي جوامع الكلم وهيأه لاستيعاب ما أوحى به إله، فعلى من نذر نفسه للدعوة وتصدر لتحمل أعباء تبليغ الرسالة أن يتزود بالعلم النافع الشامل ويعمل بذلك العلم وأن يأخذ بنصيب من التقوى كطاقة تزوده بما يحتاجه في مسيرة الدعوة. وقد ربى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصحابه على فقه مراتب الأعمال فميزوا بين ما يجوز وما لا يجوز، ولم يعظموا هينا ولم يهونوا عظيما، ولم يقدموا فرعا على أصل، ولا نافلة على فريضة، وهذا الزاد لا يأتي عفوا، ولا يكتسب ارتجالا بل يحتاج إلى همة ويتطلب عزما من الداعية ومجاهدة للنفس.
ومن أهم وسائل إعداد الله لرسوله وتربيته لمهمة تبليغ الرسالة والدعوة إليها:
إمداده بالوحي وإعداده جسميا وبيانيا
وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى } (النجم/3-4)
توفيقه إلى الأخلاق الكريمة من رجاحة عقل وحلم وعبقرية.
قال تعالى: { وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ } (القلم/4)
تزهيده في زخارف الدنيا فلا يمد عينيه إلى ما متع الله به أصنافا من الخلق زهرة الحياة حتى لا يكون همه محصورا في الدنيا وشواغلها.
ولقد أثمرت تربية الله له فوفق في دعوته وأخرج جيلا فريدا تصدى لحمل أمانة الإسلام وسار الصحابة على درب الداعية الأول محمد - صلى الله عليه وسلم - . مستفيدين من خبرته وتجربته الدعوية الثر
ب-الداعية هو القدوة :
وجه الله سبحانه المسلمين إلى اتباع رسله واقتفاء آثارهم
قال عز وجل:
أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ } ( الأنعام/90)
وخص نبيه محمدا - صلى الله عليه وسلم - بأن يكون موضع القدوة
قال تعالى:
{ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا } (الأحزاب/21) (1/11)
صفحة 12
فالنبي الداعية أولى الناس بالالتزام بتطبيق ما يدعو إليه حتى يقتدي به أتباعه قال تعالى على لسان شعيب:
وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ } (هود/88)
إن الأنصار يثقون بالداعية عندما لا يجدون تناقضا بين قوله وسلوكه فهو يتقدمهم فيما يأمر به ويسبقهم في تجنب كل ما نهى عنه.
أما إن بعد الداعية بأخلاقه عما يدعوا إليه تفر الناس منه ولم يتأسوا به.
قال تعالى:
أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ } (البقرة/44)
إن محمدا - صلى الله عليه وسلم - هو سيد ولد آدم ورسول رب العالمين الموحى إليه والمؤيد من ربه وهو قدوة الناس جميعا ويخطئ في حق الرسول الداعية من يقدمه على أنه إله تلقى من الله فقط، فإن الله يختار خلقه لأداء رسالته. وجانب القدرة البشرية هو الذي يستطيع الناس أن يتبعوا محمدا فيه.
أما جانب الوحي فقد انتهى مع رسول الله ولذلك اختار الله لرسالته بشرا يمكن أن يقتدي به ولم يصطف ملكا.
وقد تمكن النبي الداعية من التأثير في أتباعه واستقطابهم باستقامته فالناس لا يتأثرون بلسان المقال بقدر ما يتأثرون بلسان الحال.
إن السلوك المصدق للقول هو سر نجاح الداعية وهو المؤهل المهم لإمامته والعمل الأقوى في هدايته.
قال تعالى:
{ فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ } (الشورى/15)
وقد كان محمد وصحبه مصدر الأسوة في التجرد والخشية وإيثار الآخرة.فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال"من كان مستنا فليستن بمن قد مات فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة أولئك أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - كانوا أفضل هذه الأمة أبرها قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا. اختارهم الله تعالى لصحبة نبيه ولإقامة دينه فاعرفوا لهم فضلهم واتبعوهم على أثرهم وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم وسيرهم فإنهم كانوا على الهدى المستقيم .رواه). (1/12)
صفحة 13
هذه ثمار مدرسة محمد - صلى الله عليه وسلم - صاروا موضع قدوة بعد معلمهم وأسوتهم.
يقول الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في فضل القدوة وأهميتها:
( من نصب نفسه للناس إماما فليبدأ بتهذيب نفسه قبل تهذيب غيره وليكن تهذيبه بسيرته قبل تهذيبه بلسانه ومعلم نفسه أحق بالإجلال من معلم الناس ومهذبهم)
لقد كان محمد - صلى الله عليه وسلم - حريصا على ربط الناس بدعوته وكان يوجههم إلى اتباعه والتأسي بأفعاله قال تعالى:
{ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ } … (آل عمران/31).
كما كان عليه السلام يعود أصحابه على التزام أوامره والأخذ عنه.قال:" خذوا عني مناسككم- رواه" وقال أيضا"صلوا كما رأيتموني أصلي.رواه".
إنه بشر مثلنا يطبق ما يدعونا إليه ولكن الناس إذا طلب منهم الداعية أن يتبعوا الرسول في أمر من الأمور ردوا عليه بقولهم: هذا رسول الله ونحن لسنا رسلا.
وهي كلمة حق أريد بها التنصل من المسؤولية والتهرب من التطبيق العملي للإسلام.صحيح إن محمدا رسول الله ولكنه حقيقة نعم القدوة ومصدر الأسوة.لم يكن عليه الصلاة والسلام يؤثر سلامة نفسه أو أقاربه عند الغرم والتضحية. فهو الأول في صفوف القتال لا يكتفي بإصدار الأوامر من بعيد بل يواجه العدو حتى يشبح وجهه وتكسر رباعيته ويقدم للمبارزة ي بدر عمه حمزة وابني عميه علي وعبيدة- إنه - صلى الله عليه وسلم - السباق لكل خير دعا إليه والمتجنب لكل ما نهى عنه.
ج- الصبر على متاعب الدعوة : (1/13)
صفحة 14
إن محمدا - صلى الله عليه وسلم - هو مبعوث العناية الربانية ليغير المجتمع ويحول وجهته وينشئه من جديد في معتقده وأخلاقه وأعماله وشعائره. وقد وقف النبي الداعية أمام مخالفيه المعاندين صابرا على كيدهم وحسدهم وفتنتهم واضطهادهم. لقد آذته قريش في نفسه وفي أصحابه بالقول والفعل وباليد واللسان. بسلاح الاستهزاء والافتراء والضغط العائلي والمقاطعة الاقتصادية والاجتماعية وبسلاح التعذيب البدني ولكن رسول الله صبر وصابر واصطبر.
لقد صدع - صلى الله عليه وسلم - بالحق وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر ونهى عن الفسق وكشف الباطل وتصدى للظلم فتعرض إلى المحنة والابتلاء وواجه حملة تشويه لسمعته واتهاما بالكذب وقوطع وأوذي وشرد لكنه لم يضعف لأن الصبر على دعوة الناس هو طريق النصر مهما كانت العقبات.
قال تعالى:
{ وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُتَوَكِّلُونَ } … (إبراهيم/12)
لقد زاول النبي وظيفة الدعوة إلى الله بكل ثبات وجلد وتحمل متاعبها الكثيرة وصبر على مشاقها ومن أهم ما واجهه من معوقات:
إعراض الناس عن الدعوته فليس أشق على النفس من أن يدعو النبي بملء فيه مبشرا ومنذرا فلا يجد إلا قلوبا غلفا وآذانا صما
قال تعالى:
{ بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ } …(فصلت/4-5)
لكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يتأثر من موقف الإعراض خاصة وربه يوجهه إلى الصبر والتزام الحكمة في الدعوة.
قال تعالى: (1/14)
صفحة 15
{ وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ } …(النحل/126-128)
ومن متاعب الدعوة ما لقيه النبي - صلى الله عليه وسلم - - وكل من سار على نهجه- من أذى الكفار بالقول والفعل فرغم ما يبذله من إخلاص في إنقاذهم وجلب الخير لهم والحرص على نصحهم لكنهم يقابلون حكمته - صلى الله عليه وسلم - بالعنف والاعتداء هو يدلهم على الخير وهم يقذفونه بالشر ويتهمونه بما ليس فيه.
وقد يمتد الطغيان إلى ماله فينهب وبدنه فيعذب وحريته فتسلب وبيته فيطرد منه وحرماته فتنهك بل ونفسه فتقتل.
قال تعالى:
{ لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنْ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ } …(آل عمران/186)
إن رسول الله في مقدمة ركب الدعوة عانى كثيرا من :"طول الطريق واستبطاء النصر واشتداد المحن لكنه مع ذلك آمن أن النصر لدعاة الحق لا يتحقق إلا بعد ليل طويل من المصاعب المتلاحقة والمحن المتعاقبة تبلغ معه القلوب الحناجر ويزلزل الصف المؤمن.
قال تعالى:
{ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمْ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ } ……(البقرة/214) (1/15)
صفحة 16
إن المكاره التي تحف بالدعوة تعجز عن حملها الكواهل وتنوء بها الظهور فالناس لن يرضوا بمن يطلب منهم التحرر من عاداتهم وأهوائهم ومألوفاتهم وأوهامهم. لكن الداعية يصبر ويكابد إعراضهم، إنه يطلب منهم الوقوف عند حدود الله فيما أحل وما حرم، وهو مطلب ثقيل على الناس يقاومونه ويحاربونه دعاته بكل سلاح وليس أمام الداعية إلا الاعتصام بالله والتسلح بالصبر في وجه كل عدوان قال علي بن أبي طالب:" الصبر سيف لا ينبو ومطية لا تكبو وضياء لا يخبو".
فمهما أظلمت الدنيا في وجه الداعية ولو رمي من كل قوس فإن الصبر بلسم وطريق النصر والعاقبة للتقوى
قال تعالى:
{ حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنْ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ } … (يوسف/110)
(3) منهجية الدعوة :
أسلوبه - صلى الله عليه وسلم - في الدعوة إلى الله تعالى وحكمته في تبليغها:
بدأت بعثة محمد - صلى الله عليه وسلم - منذ أن نزلت عليه الآيات الأولى من سورة العلق:
بسم الله الرحمن الرحيم
{ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ } ……(العلق/1-5)
ثم فتر الوحي مدة جعلت الرسول محمدا - صلى الله عليه وسلم - يشك في الأمر ولما نزل الوحي للمرة الثانية
{ يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ } …(المدثر/1-7)
اطمأن له وتيقن من الرسالة وعلم أنه رسول الله حقا ومكلف بالدعوة إلى الله تعالى. (1/16)
صفحة 17
ومنذ ذلك الحين بدأت مرحلة جديدة من حياته - صلى الله عليه وسلم - وهي تحمله لعبء الرسالة وتبليغها إلى الناس كافة وإنذارهم ودعوتهم إلى عبادة الله وحده وهجر ما هم عليه من عبادة الأوثان وارتكاب الإثم والعدوان، لذلك أمره تعالى أن يصبر على ما يلاقيه من مشقة وأذى في سبيل دعوته.
فما المنهج؟ وما الطريق الذي سيسلكه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لإقناع هؤلاء الناس وهو يعلم أنهم أحرص ما يكونون على باطلهم ؟ وما الطريقة المجدية لإقناعهم أن ما هم فيه باطل وأن ما جاء به حق من عند الله؟
وجعل( صلى الله عليه وسلم) يفكر ليجد المدخل السهل الذي يدخل منه إلى قلوب هؤلاء الناس المصرين على ضلالهم.
فأخذ يلتمس أصحاب القلوب اللينة والنفوس المستعدة للهداية وقبول الحق، بدأ بخلطائه وصحبه وبمن يثق فيهم ويطمئن إليهم فجعل يدعوهم إلى الإسلام سرا مستعملا كل وسائل الرفق والحكمة واللين..
وكان - صلى الله عليه وسلم - حريصا على أن لا ينكشف أمر الدعوة في بدايتها للقرشيين خشية أن يهبوا للقضاء عليها وهي في بدايتها.
والداعية محمد - صلى الله عليه وسلم - يعلم أن قريشا لا تحارب أحدا كما تحارب من يخالف دينها.
فالقيام بمهمة الدعوة إلى الله تعالى أمر شاق وصعب ولذلك هيأ الله رسوله ليكون في مستوي هذه المهمة وزوده بصفات لا تتوافر عند غيره من صبر ولين وحلم خاصة وأن المبادئ التي جاء بها تعد ثورة صريحة على مبادئ القرشيين وعداء صارخا لديانتهم ولذلك وجب على الداعية محمد - صلى الله عليه وسلم - أن يكون لينا ما أمكن رحيما رفيقا في دعوته مع التكتم والتزام السرية فيما يدعوا إليه...
وبالحكمة والموعظة الحسنة وبالاتصال المباشر والإقناع تمكن الداعية محمد - صلى الله عليه وسلم - من إقناع الكثيرين ممن حوله بالدين الجديد فاستجاب له من أراد الله له الهداية من رجال مكة ونسائها مخفيا إسلامه عن أهل مكة. (1/17)
صفحة 18
ومن حكمته - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يسر إليهم تعاليم الدين الجديد ويطلب منهم أن يكتموا أمرهم وأن يخفوا صلاتهم حتى لا تتسرب أنباء هذه الدعوة إلى قريش فتقضي عليها وهي ما تزال في المهد.
وكان للأسلوب الذي اتبعه الداعية محمد - صلى الله عليه وسلم - أثر كبير لدخول عدد لا يستهان به الإسلام فكان - صلى الله عليه وسلم - يعاملهم معاملة لم يتعودوا عليها من قبل، كان يتلقاهم بالبر والتكريم والترحاب ويبسط لهم وجهه ويسوي بينهم.
{ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ } …(الأعراف/157)
وهكذا كان الداعية محمد - صلى الله عليه وسلم - مثلا أعلى لأتباعه بخلقه ودينه وتسامحه ولطفه وحكمته فهم يتبعونه ويقلدونه ويترسمون خطاه فيما يقول ويفعل، ويطيعونه طاعة الإكبار والحب والإخلاص.
بهذا الأسلوب الرائع والحكمة البالغة في الدعوة إلى الله تعالى كسب الرسول الكريم أنصارا عديدين رغم الحيطة والحذر في بداية دعوته وفي المرحلة السرية منها.
كل ذلك يعود إلى أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يعرف قومه لأنه عاش في أوساطهم واختلط بهم وشاركهم في التجارة وسائر شؤون الحياة فكان معروفا عندهم بالصدق والأمانة وكانوا معروفين عنده إذ كان يميز ويعرف من منهم يتصف بالاستهتار والحقد ومن منهم الموصوف بالسماحة واللين والطيبة فهو يفرق مثلا بين عميه أبي طالب وأبي لهب ويعرف ما الأسلوب النافع لكل واحد منهما.
ولما دعاهما إلى الإسلام بحكمته المعهودة اقتنع أبو طالب بصواب دعوة ابن أخيه لكن نفسه لم تطاوعه على مفارقة دين آبائه أما أبو لهب فقد رفضا رفضا قاطعا وهذا أمر يتوقع منه لاتصافه بالتعصب لوثنيته وسفاهته وجهله واندفاعه وغضبه فهو لا يبالي أن يعادي أقرب المقربين إليه. (1/18)
صفحة 19
بهذا الأسلوب الحكيم الذي سلكه الداعية محمد - صلى الله عليه وسلم - نفض يده من أبي لهب إذ لا خير فيه ولا فائدة من التأسف عليه لأنه معاند مكابر وفي الآن نفسه كسب جانب أبي طالب والغالبية العظمي من بني هاشم.
ومنذ ذلك الوقت دبت العداوة بين أبي لهب وبين بني هاشم فوقف معظمهم صفا واحدا وراء الرسول - صلى الله عليه وسلم - يحوطونه ويمنعونه من كيد الأعداء.
ب- معايشته - صلى الله عليه وسلم - لواقعه وقدرته على حل المشكلات:
* معايشته لواقعه:
منذ أن أكرم الله تعالى محمدا - صلى الله عليه وسلم - بالنبوة وأمره بتبليغ الرسالة عاش مع الناس وخالطهم وغشي مجالسهم يدعوهم إلى الله تعالى وحذرهم مما هم فيه بعد أن اعتزلهم قبل نزول الوحي عليه.
ولذلك كان - صلى الله عليه وسلم - ملما بشؤون عصره واعيا بمشكلات الناس على اختلاف أنواعها يحزنه حالهم فهو يعلم علم اليقين فساد عقيدتهم وانحرافاتهم والأوهام التي يؤمنون بها كما كان يعلم شططهم في الشهوات وكان مدركا لتفاهة الأسباب التي تقوم عليها حروبهم لذلك اختاره الله تعالى لتبليغ دعوته ليصلح من شأنهم ويعيدهم إلى رشدهم بعد أن فقدوه وللوصول إلى هذه النتيجة أوحى الله تعالى إليه بالأسلوب الذي ينبغي أن ينتهجه معهم.
قال تعالى:
{ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ } (125النحل)
فمخالطته - صلى الله عليه وسلم - لقومه لاتعني موافقتهم أو مجاملتهم أو مشاركتهم في الأعمال المنكرة وهو المعصوم من كل ذلك بل القصد منها الاقتراب منهم للتعرف على أحوالهم واختيار أنسب الوسائل لإصلاحهم. (1/19)
صفحة 20
فكانت عشرته - صلى الله عليه وسلم - لهم بدافع من الدعوة إلى الله تعالى، فإذا ما زار شخصا أو تعارف معه أو رافقه فإن كل ذلك نابع من رغبته - صلى الله عليه وسلم - في دعوته إلى الخير وإخراجه من الظلمات إلى النور بإذن ربه.
* قدرته الفائقة على حل المشكلات:
وجدت مشكلات عويصة في المجتمع الذي كان يعيش فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - احتاجت إلى من يقوم بحلها، ولا يتمكن من ذلك إلا من أوتي كفاءة عالية وقدرة فائقة على حل مثل هذه المشكلات.
والداعية محمد - صلى الله عليه وسلم - بما أوتي من فطنة وذكاء وبما عرف به من حكمة واتزان في معالجة الأمور تمكن من حل أصعب المشكلات وأعقدها ووجد لها الحلول السريعة والمناسبة بكل بساطة قبل البعثة وبعدها ومن بين هذه المشكلات:
* وضع الحجر الأسود في مكانه:
هدمت الكعبة وعند إعادة بنائها اختلف وجهاء قريش فيمن يكون له شرف وضع الحجر الأسود في مكانه وكادوا يقتتلون، وبعد التشاور قرروا الاحتكام إلى أول داخل إلى البيت الحرام.
وكان الوافد الأول محمدا - صلى الله عليه وسلم - فهبوا جميعا وقالوا: هذا الأمين، هذا محمد رضينا به حكما.
وكحل سريع لهذه المشكلة أشار محمد - صلى الله عليه وسلم - بوضع الحجر الأسود في ثوب على أن تأخذ كل قبيلة بناحية منه وأمرهم برفع الثوب ليأخذ الحجر بيديه الكريمتين فيضعه في مكانه، ثم بني عليه.
بهذا الرأي الصائب الذي رضي به الجميع وباركه منع أهل مكة من الدخول في حرب يعلم الله حجم أضرارها.
* الحلول السريعة لمشكلات الهجرة:
لما ظهرت دعوة محمد - صلى الله عليه وسلم - اشتد الأذى عليه وعلى أتباعه، وكحل لهذه المشكلة نصحهم بالتوجه إلى الحبشة لأن بها ملكا عادلا لا يظلم عند أحد. (1/20)
صفحة 21
إلا أن هذه الهجرة لم تكن كافية ولم تستوعب كل الأنصار إذ تواصل الأذى والاضطهاد ففكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مكان آمن يلجأ إليه المسلمون بعيدا عن مكة فأمر أصحابه أن يتوجهوا إلى يثرب المكان المضمون الذي يؤويهم وأشار عليهم بالخروج فرادى وجماعات حتى لا يتفطن إليهم العدو.
وبهذا الرأي السديد والحل الموفق فوت الرسول - صلى الله عليه وسلم - الفرصة على الكفار من أن يمنعوا أبناءهم وإخوانهم من مغادرة مكة واللجوء إلى يثرب.
ولم تكن الهجرة إلى المدينة هروبا من الأذى وفرارا بالدين فقط إذ لو كانت كذلك لكانت الهجرة إلى الحبشة كافية بل كانت الخطة مدروسة وكان الحل هذه المرة شاملا وجذريا وذلك لقيام دولة إسلامية مستقلة ينعم مواطنوها بالأمن والاستقرار فيها.
* مشكلات المجتمع الجديد بالمدينة:
ولما وصل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأتباعه يثرب واستقروا بها واجهوا مصاعب أخرى تختلف عن مشكلات العهد السابق نتيجة لتركيبة المجتمع الجديد من مهاجرين وأنصار ويهود وكفار ومنافقين.
فما الحلول التي توصل إليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لحل مشكلات جديدة أكبر حجما من سابقاتها؟
- المشكلة الاقتصادية:
كان اليهود قبل مجيء الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة مسيطرين على التجارة ومحتكرين لها إذ لا يوجد بالمدينة إلا سوق تجاري واحد يسيره اليهود بأبشع طرق الكسب من ربا واحتكار وغش.
وما كادت تستقر الأمور بالمدينة حتى أنشأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سوقا للمسلمين يستغنون به عن سوق اليهود ويعتمدون به على أنفسهم وينافسون به اليهود خاصة وأن المهاجرين من مكة امتهنوا التجارة وحذقوها.
- قضية الانسجام في المجتمع الجديد: (1/21)
صفحة 22
حتى ينسجم المسلمون بعضهم ببعض وهم من قبائل شتى شرع لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سنة الإخاء لإيواء المهاجرين وجعل لكل واحد منهم أخا أنصاريا لتكون هذه الأخوة أعمق من أخوة النسب.
وتؤكد الروايات أن الأنصار كانوا يختصمون على المهاجر كل يريد أن يضمه إلى نفسه حتى أنه لم ينزل مهاجري على أنصاري إلا بقرعة.
بهذه الروح التي بثها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أتباعه حلت مشكلة من أكبر المشكلات الاجتماعية.
- المشكلة السياسية:
وتقتضي إيجاد صيغة ملائمة يتعايش بها الناس عموما على اختلاف مللهم إذ يتكون المجتمع المدني قبل وصول المهاجرين إليه من قضاعيين( أقدم سكان المدينة) ومن الأوس والخزرج ومن اليهود، إلا أن الأوس والخزرج انتزعوا السيادة والرئاسة من قضاعة وتغلبوا على اليهود ولكنهم لم يتمكنوا من إقامة دولة موحدة بل اشتهروا بالحروب، واستغل هذه العداوة ليوقدوا نار الفتنة بينهم.
ولما وصل الرسول - صلى الله عليه وسلم - المدينة استبشروا وفرحوا بمقدمه وآمنوا به واستمعوا إليه وأسلموا الزعامة إليه وانقادوا لأوامره.
- وبحكمته المعهودة أوجد - صلى الله عليه وسلم - وثيقة تحدد علاقة الناس بعضهم ببعض وهي أول وثيقة سياسية في الإسلام يأمر الرسول الداعية بكتابتها تجمع كل هذه الأطراف المتنازعة والمتناحرة وتكون دستورا يتعايش بمقتضاه كل من في المدينة.
وقد رضي بهذه الوثيقة كل من علم بها واطلع على بنودها التي تدعو إلى حرية المعتقد وحرية الفكر وتحدد الحقوق والواجبات وتحقن الدماء.
فكتب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كتابا بين المهاجرين والأنصار ودعا فيه اليهود وعاهدهم وأقرهم على دينهم وأموالهم وشرط لهم واشترط عليهم.
- مشكلة المنافقين:
لم يكن في مكة نفاق لأن المسلمين هناك مستضعفون ولما هاجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون إلى المدينة وكونوا دولة وسلطانا ونظاما وقوة ظهر النفاق. (1/22)
صفحة 23
كان المنافقون يظهرون الولاء والطاعة وفي آن واحد يكيدون للدعوة الجديدة وللداعية محمد - صلى الله عليه وسلم - لتعطيل انتشار الإسلام بأساليب ماكرة من بينها:
أنهم كانوا يحيكون مؤامرات سرية مع اليهود لإثارة الفتن وتشكيك المسلمين في قيادتهم وانتصاراتهم وتخذيلهم عن الجهاد.
فكانوا بذلك أشد خطرا على الإسلام والمسلمين من الأعداء المجاهدين إلا أن القرآن فضحهم وكشف نواياهم وأحقادهم.
ومن أمثلة على هؤلاء ما قام به عبدالله بن أبي سلول رأس المنافقين إذ سب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وشتمه بقوله:" سمن كلبك يأكلك!أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل وسمع زيد بن الأرقم المقالة ووعاها على حداثة سنه وهو غلام ونقل الخبر كما سمع إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعنده عمر بن الخطاب. فقال عمر: مر عباد بن بشر فليقتله.
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: فكيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه.
ومشى المنافق إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحلف بالله أنه ما قال ولا تكلم ويعلم الداعية محمد - صلى الله عليه وسلم - أن رأس المنافقين كاذب.
ونزل القرآن يفضحه وتأكد الجميع من الخبر فتقدم الابن إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - راجيا أن يتولى قتله رغم أنه لا يوجد من الخزرج من هو أبر بوالديه منه وقال: إني أخشى أن تأمر به غيري فيقتله فلا تدعني نفس أنظر إلى قاتل أبي يمشي في الناس فأقتله فأقتل رجلا مؤمنا بكافر فأدخل النار!
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - موضحا منهج دعوته:
" بل نترفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا" (1/23)
صفحة 24
كان بإمكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يبطش بالنافقين إلا أنه فضل مواجهة مكرهم بتوعية الجماعة الإسلامية وتحصينها من الداخل عقيدة وفكرا وخلقا وبذلك يعزل المنافقين عن المجتمع والتأثير فيه بقوة الحجة والبرهان والبيان والإقناع لا بقوة البطش والسلطان الذي قد يجعل منهم أبطالا أو قد يكون سببا في تفريق كلمة الجماعة المسلمة بدافع من النصرة والتعاطف معهم من أقاربهم وعشائرهم.
ذلك هو الحل الذي اختاره الداعية محمد - صلى الله عليه وسلم - لمعالجة موقف المنافقين فأوكل الأمر إلى ذويهم، فكان إذا أحدث المنافق الحدث كان القوم هم الذين يعاتبونه ويأخذونه ويعنفونه...
عندها قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعمر: كيف ترى يا عمر أما والله لو قتلته يوم قلت لي لأرعدت له أنوف لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته.
قال عمر: قد- والله- علمت لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم) أعظم بركة من أمري.
مشكلة اليهود:
ومن المشكلات العويصة التي تشكل خطرا على الدعوة الإسلامية من بدايتها في هذه المرحلة الجديدة مشكلة اليهود حيث سارع الرسول محمد( صلى الله عليه وسلم) إلى إيجاد حل مناسب لها يضمن الأمن والاستقرار والطمأنينة في المجتمع. فحرر وثيقة تعترف بمواطنة اليهود للمدينة وتهد معاهدة سليمة بين المسلمين واليهود ومن أهم بنودها:
أن لليهود دينهم وللمسلمين دينهم وأن بين اليهود والمسلمين النصر على من حارب أهل الصحيفة.
وبهذا أبرم الرسول(صلى الله عليه وسلم) معاهدة مع اليهود وعدوا مواطنين في هذه الدولة يدينون بالطاعة والنصيحة لحاكمها وقائدها محمد(صلى الله عليه وسلم)..
ولكن اليهود الذين أظهروا الاستلام في بداية الدعوة ما لبثوا أن كشفوا عن نواياهم الحقيقية وعداوتهم للإسلام والمسلمين وتملكهم الحقد والغيظ لما رأوا ثبات الداعية محمد(صلى الله عليه وسلم) ومدعويه وانتشار هذه الدعوة بسرعة غير مألوفة وإقبال الناس عليها. (1/24)
صفحة 25
فبدأ أحبار اليهود ينشطون في التشكك في هذه الدعوة وإثارة الشبهات بين المسلمين فأصبحوا يسألون الرسول( صلى الله عليه وسلم) أسئلة ماكرة إلا أن القران سارع إلى رد شبهاتهم ودحض أباطيلهم ثم إن الرسول الداعية ما كان ليعاقب بالشبهة والظنة وإنما انتظر عملا محسوسا لمعاقبتهم.
فلما اعتدى يهود بني قينقاع على كرامة امرأة مسلمة وهبوا لقتال المسلمين حاربهم وأجلاهم.
أما يهود بني قريظة فقد خانوا العهد وارتكبوا إثما لا يغتفر فحكم(صلى الله عليه وسلم) بالقتل على مقاتليهم وسب نسائهم وذراريهم.
تلك هي الطريقة التي اتخذها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للقضاء على يهود المدينة، ومن حكمته(صلى الله عليه وسلم) أنه تدرج في حربه مع اليهود ولم يقاتلهم جميعا في معركة واحدة، ولكن حينما أجرموا عاقبهم على جرمهم وأراح المسلمين من شرهم وكيدهم.
تلك هي الكيفية التي كان رسول الله( صلى الله عليه وسلم) يعالج بها القضايا مستعصية الحل، يعالجها بكل بساطة وجد لها الحلول الملائمة بسرعة فائقة.
ثانيا: الدعوة في عهدها المكي
مراحل الدعوة
ميزاتها
موضوعاتها
وسائلها
دعوته - صلى الله عليه وسلم - لأقاربه.
دعوته لبطون قريش
أوائل من أسلم
هموم الداعية
الرحلة من أجل تبليغ الدعوة
دعوته - صلى الله عليه وسلم - للجن.
عرض نفسه على القبائل.
(1) مراحل الدعوة
مرت الدعوة الإسلامية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام بدورين متميزين:
- الدور المكي وقد دام ثلاث عشرة سنة .
الدور المدني وقد تواصل عشر سنوات.
ويشمل كل دور على مراحل وتمتاز كل مرحله بخصائص، ونستطيع تقسيم الدور المكي إلى ثلاث مراحل:
* مرحلة الدعوة السرية
* مرحلة الدعوة الجهرية في أهل مكة.
* مرحلة الدعوة الجهرية خارج مكة.
(أ) الدعوة سرا: (1/25)
صفحة 26
ابتدأت هذه المرحلة من بعثة النبي - صلى الله عليه وسلم - ونزول قوله تعالى: { اقرأ باسم ربك الذي خلق – العلق/1 } في غار حراء واستمرت ثلاثة أعوام حتى نزول قوله تعالى:
{ وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ } الشعراء/214)
قوله عز وجل: { فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ } -الحجر/94)
ومن الحكمة أن تبدأ الدعوة سرا حتى لا يقضى عليها في مهدها وحتى لا يفاجأ أهل مكة بما يثيرهم فيكون رد فعلهم شديدا وقاصما. وقد خطا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أولى خطوات الدعوة بغرض الإسلام على ألصق الناس به من آل بيته: زوجته خديجة بنت خويلد، ومولاه زيد بن حارثه وابن عمه علي بن أبى طالب ، ومن أصدقائه أبي بكر، ثم وسع النبي الداعية دائرة الاتصال بمن توسم فيه خيرا وبكل من توقع منه حب الخير وقبول الحق. وقد اسلم هؤلاء المدعون لأنهم يعرفون صدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : وأجابوا دعوته واصبحوا أعوانا نشيطين في الدعوة: فقد بادر أبو بكر بالاتصال بمن يثق به فأسلم الرعيل الأول سرا.
وكان الرسول عليه السلام يجتمع بهؤلاء السابقين متخفيا لآن الدعوة ما تزال في أول أمرها فردية وسرية. فعندا أداء الصلاة يذهبون إلى الشعاب ويستخفون من قومهم، وقد نمت روابط الجماعة المؤمنة وأقامت علاقاتها على التعاون في تبليغ الرسالة والتمكين للدعوة.
ثم نزل القرآن يكلف الرسول - صلى الله عليه وسلم - الصدع بالحق والإنذار علنا ومجابهة الباطل والوثنية، وقد انضم إلى الدعوة في هذه المرحلة ما يقرب من ستين عنصرا بين رجل وامرأة تكون القاعدة الأساسية التي تم اختيارها وتربيتها بما يؤهلها لتكون ثابتة عند مواجهة الكفار.
ومن أهم سمات هذه المرحلة:
أنها تقوم على الاصطفاء الشخصي وتقدير الداعية لطبيعة المدعو، فالقلوب أقفال مفاتيحها فيدخل إليها وتستجيب له. (1/26)
صفحة 27
كما تتسم هذه المرحلة من الدعوة بالعموم فليست خاصة بطبقة معينة بل لقد أتقن الرسول - صلى الله عليه وسلم - اختيار الأفراد دون أن يتقيد بفئة دون فئة إذ أسلم في هذه المرحلة الأحرار والعبيد والرجال والنساء والشيوخ والفتيان وفي مختلف العشائر والفروع القرشية.
وقد بلغت السرية في هذه المرحلة أن المسلمين لم يعلنوا موقفهم تجاه الأصنام ولا تعلن العقيدة إلا لمن يرجى انضمامه للجماعة المسلمة فليس إعلان الدعوة هدفا قائما في هذه المرحلة .
والأصل أن لا يظهر المسلمون المخالفة في شئ، مع التركيز لدى المستجيبين للدعوة على بناء العقيدة السليمة حتى يتكون من هؤلاء النواة الأساسية التي تتحمل أعباء الدعوة والمواجهة ويقوم على أكتافها البناء إسلامي الشامخ بعد ذلك.
(ب) الدعوة جهرا:
في نهاية المرحلة السرية ولما بلغ عدد المستجيبين ثمانية وثلاثين رجلا أقدم الصحابة بتخطيط وإذن من القيادة النبوية، على المخاطرة بإعلان الدين الجديد وتوضيح مبادئ الدعوة بين الناس، وكانوا مستعدين لتحمل الأذى الناجم عن تلك العلنية، فقد لحق بالصديق وأبي ذر أذى شب بدا لكنهما صبرا واحتملا ذلك الاضطهاد في سبيل الله.
وكان نزول آية الحجر { فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ } 94) وآية الشعراء { وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ } /214) إيذانا ببدء الرحلة الجهرية حيث استجاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأمر ربه فدعا بني هاشم فحضروا فقال لهم بعد أن حمد الله وأثنى عليه:
" إن الرائد لا يكذب أهله والله لو كذبت الناس جميعا ما كذبتكم، ولو غررت الناس، والله الذي لا إله إلا هو إنى لرسول الله الكم خاصة وإلى الناس كافة والله لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون ولتحاسبن بما تعملون ولتجزون بالإحسان إحسانا، وبالسوء سوءا، وإنها الجنة أبدا أو النار أبدا"(1)
__________
(1) 1 ) جمهرة خطب العرب ح (1) ص 147 (1/27)
صفحة 28
فأعلن عمه أبو طالب وقوفه بجانبه يحوطه ويمنعه غير أته لا يفارق دين عبد المطلب، أما عمه أبو لهب فخذله وحرض قومه على معاداته والأخذ على يديه.
وإثر تعهد أبي طالب بحمايته صعد النبي جبل الصفا وصرخ يا صباحاه! فاجتمع إليه بطون قريش ومن لم يستطيع الخروج أرسل من يأتيه بالخبر، فقال عليه الصلاة والسلام:
" أرأيتم إن أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟ قالوا: نعم ما جربنا عليك إلا صدقا.
قال: فإنني نذير لكم بين يدي عذاب شديد.
فقال أبو لهب: تبا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا؟
فنزل قوله تعالى: { تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ } المسد/1)
(2) مميزات الدعوة في مكة:
إن سنة الله في مخلوقاته في مرحلة التكوين أن يرافقهما ضعف وعجز عن مواجهة العوامل المضادة.والدعوة ينطبق عليها هذا القانون فلا بد أن تصان في مرحلتها التكوينية من كل ما يهددها. لذلك سار النبي - صلى الله عليه وسلم - في دعوته بمكة على منهج يحفظ الدعوة: فاختار أن يدعو في سرية وأن يصطفي عناصر دعوته ممن يثق بهم وأن يدعوهم فرداي ويهتم بتكوينهم فإذا قويت شوكتهم أعلن دعوته وجهر بمبادئها.
أ- السرية:
لقد رسم رسول الله صلى الله عليه وسلم خط السير للدعاة في بناء الجماعة، والدعوة في مرحلتها الأولى، فاعتمد السرية كمبدأ أساسي في الدعوة: فقد انتقى أتباعه على أساس الاطمئنان إليهم والثقة بهم. واجتمع بهم في مكان آمن وأبعد، في الشعاب لأداء الصلاة مختفيا، كل ذلك من أجل تأمين الدعوة. كما كان عليه السلام ينظم خلايا العمل السري الذي يجري في دار الأرقم وغيرها مثل مهمة خباب بن الأرت في بيت سعيد بن زيد ومثل بيعة العقبة الأولى والثانية وكل ما هو تنظيمي يجب كتمانه وإسراره. (1/28)
صفحة 29
إن السرية صفة ملازمة لدعوة رسول الله في كل مراحلها فعلى امتداد حياة النبي بمكة يلاحظ بوضوح التزامه جانب الكتمان فقد كانت دار الأرقم في مكان آمن لا يهتدي إليه المشركون والأرقم شاب فقير لا يفكر الكفار أن محمدا صلى الله عليه وسلم يأوي إلى بيته.وقد أمر النبي عليه السلام عمرو بن غبيسة أن يكتم إسلامه ويلحق بأهله.
فالسرية في العهد المكي كانت بمثابة صندوق تحفظ فيه خطبة العمل الجماعي ويصان فيه الجانب التنظيمي من الدعوة بهدف حمايتها في أول طريقها، وهي من العيون المتربصة وقد أحسن الرسول عليه السلام استخدام الكتمان في الزمان والمكان مع الأتباع والخصوم.
إن السرية أسلوب تمليه ظروف الدعوة بما يتناسب ويكافئ المصلحة العامة للجماعة المسلمة وقد كان قدوة الدعاة طوال الفترة المكية يتكتم على معظم الأحداث المهمة مثل بيعة العقبة كما كان يعمي الأخبار ويلزم السرية لدى اتصاله بأتباعه وحتى مع مخالفيه.
ب- انتقاء العناصر:
تميزت مرحلة الدعوة السرية في مكة بقيامها على الاصطفاء للأفراد الذين ينضمون إليها فقد كان عليه الصلاة والسلام يختار اللبنات الأولى للدعوة ممن يقدر أنهم مواضع ثقة وذوو طبيعة مألوفة ومعادن كريمة يتسم فيهم الاستجابة لهذه الدعوة. وقد كان لخلق رسول الله السهل المجيب دور في اكتساب الأنصار: وفق في اختيار العناصر واستطاع النفاذ إلى القلوب، فبدأ بمن ينتظر منه موقفا إيجابيا من الدعوة أما من غلب على ظنه أنه سيرفض الدعوة أو يكون سببا في كشفها وهي في أولى خطواتها- فلا يسارع إلى دعوته. ورغم الاصطفاء الشخصي والاختيار المدروس فإن دعوته - صلى الله عليه وسلم - لم تكن خاصة بطبقة معينة بل لقد حرص مع الانتقاء على تعميم دعوته بين كل فئات المجتمع ومن مختلف العشائر القرشية والقبائل المتفرقة. (1/29)
صفحة 30
شمل الاختيار الأحرار والعبيد والرجال والنساء والشباب والشيوخ والتجار والعمال، ووسع الاصطفاء عشائر، بني هاشم وبني عبد شمس وبني مخزوم وبني تيم وبني عدي وبني زهرة وبني سهم وبني جمح وبني أسد وبني عامر.
ولم يقتصر الانتقاء لعناصر الدعوة على قبيلة قريش بل توسع إلى قبائل هذيل وغفار وبني سليم.
ولقد كان اختيار النبي محمدا - صلى الله عليه وسلم - لأفراد الرعيل الأول دقيقا لأنهم يمثلون القاعدة الأساسية للدعوة.
وراعى النبي الداعية مواهب كل عنصر فأحسن صقلها وتوجيهها، ولم يكن كل الأفراد متماثلين في قدراتهم فلكل فرد شخصيته وقدراته لكنه يتكامل مع غيره بتربية رسول الله للدعوة فيضم إلى الجماعة ويتلقى مبادئ الدعوة.
ونتيجة لقيام دعوة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الاصطفاء مع إتقان التربية منذ بداية الدعوة فقد تخرج من مدرسة محمد - صلى الله عليه وسلم - جيل قوي استطاع أن يثبت أمام المحن المزلزلة التي تعرضت لها الدعوة في مراحلها الأولي بمكة وتمكن هذا الرعيل الأول أن يحمل أمانة تبليغ الدعوة ونشرها في الآفاق بعد وفاة الداعية الأول محمد - صلى الله عليه وسلم - .
ج- الاتصال الفردي:
إن الطريق الأول لإخبار الناس بمبادئ الدعوة وإبراز أهميتها حتى يتسع فهم الناس لها وتستوعب عقولهم تعاليمها هو الاتصال الفردي.
فقد عرض النبي - صلى الله عليه وسلم - دعوته وخبره على زوجته خديجة كما عرض أمره على ابن عمه علي بن أبي طالب( ثم إن عليا جاء بعد ذلك بيومين فوجدهما- النبي وزوجته- يصليان فقال علي: ما هذا يا محمد؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : دين الله الذي اصطفاه لنفسه وبعث به رسله، فأدعوك إلى الله وحده وإلى عبادته. فقال علي: فلست بقاض أمرا حتى أحدث أبا طالب. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " يا علي إذا لم تسلم فاكتم" فأسلم علي كرم الله وجهه. (1/30)
صفحة 31
ولم يكن منهج الاتصال الفردي مقصورا على أهل بيته بل كان - صلى الله عليه وسلم - يأتي من يثق فيه من الأقارب والأصدقاء فيطلعه على دعوته على انفراد ثم يطلب منه إلاستجابة للدعوة وأن يكتم ذلك الاتصال مطلقا سواء وافق أو لم يوافق حرصا من الرسول الداعية ألا تنكشف الدعوة وألا تتعرض لخطر الإجهاز عليها وهي في بداية الطريق.
فبعد تكوين النبي عليه السلام للمجموعة المؤمنة الأولى في بيته والتي تضمه هو وزوجته، بدأ الاتصال بمولاه زيد وابن عمه علي وصديقه أبي بكر وبحاضنته أم أيمن الحبشية.
ولما كثر عدد أتباعه نظم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اتصاله بأفراده في مكان سري هو دار الأرقم. وكان عليه السلام لا يسمع بقادم يقدم مكة من العرب له اسم وشرف إلا تصدى له فدعاه إلى الله وعرض عليه ما عنده.
ولاتصال الرسول بالمدعو اتصالا فرديا حسنات كثيرة منها:
* أن الاحتكاك بالأفراد يتيح للداعية التعرف على العنصر المراد كسبه للدعوة عن قرب فيتعرف على وضعه ومشاكله ويسهل عليه التشخيص والتوجيه والمعالجة.
* وفي الاتصال الفردي يواجه الداعية أسئلة المدعو بتفصيل وإقناع لا يتوفر في أجواء الاتصال العام.
* والدعوة الفردية وسيلة جدية ومثمرة يمكن أن تحقق بها الداعية نتيجة طيبة ويتوصل إلى إقناع المدعو فيستجيب للدعوة بأيسر التكاليف وفي أقصر الأوقات خاصة إذا سادت الثقة بين الداعية والمدعو.
" لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من الدنيا وما فيها"
د- تكوين عناصر الدعوة: (1/31)
صفحة 32
تدرج النبي - صلى الله عليه وسلم - من مرحلة الدعاية والتعريف بالدعوة وإيصالها إلى الأفراد المصطفين إلى مرحلة الإعداد والتكوين في دار الأرقم وهي دار عند الصفا اتخذها النبي - صلى الله عليه وسلم - منتدى يجتمع فيه بمن تبعه في دعوته يعبدون الله سرا ويلقنهم أصول الإسلام ويتعهدهم بالتربية ويكمل بناءهم النفسي والروحي حتى يؤهلهم في مرحلة التنفيذ للعمل والإنتاج وتحقيق ما يطلب منهم من تضحية وبذل وجهاد.
وقد استمر النبي - صلى الله عليه وسلم - في تربيتهم على الثبات والاستهانة بكل أذى في سبيل عقيدتهم استجابة لأمر الله له أن يصبر نفسه مع أتباعه.
إن طريق الدعوة شاق وطويل ولا بد لسالكه من تكوين عميق حتى يتحمل فتنة أعداء الدعوة. قال تعالى على لسان لقمان:
{ يَابُنَيَّ أَقِمْ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنْ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ } (لقمان/17)
وقد أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كل فرد في تلك المرحلة بكف اليد والصبر على أنواع الاضطهاد المسلط من طرف كفار مكة واعتمد عليه السلام أسلوبا سهلا في إعداد أتباعه ونشر دعوته متدرجا في تكوينه للأفراد بتعاليم الإسلام حسب أهميتها ومراعيا لأفهام المستجيبين ومقدار استيعابهم.
وقد حدد الله مهمة الرسول - صلى الله عليه وسلم - بأنه:
{ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ } (آل عمران/164)
وهي مسؤولية ضخمة ورسالة عظيمة تمثل في تحويل عقل المدعو من الأمية إلى العلم والمعرفة، وفي تطهير نفسه وسلوكه من الضلال والرجس إلى الرشد والتزكية ولا يتم ذلك إلا بتكوين عن طريق التربية والتعليم. (1/32)
صفحة 33
وقد سلك محمد - صلى الله عليه وسلم - في المرحلة السرية طريقة توزيع المستجيبين للدعوة إلى خلايا صغيرة يتراوح أفرادها بين ثلاثة إلى خمسة وتجتمع يوميا أو دوريا في أماكن وأزمنة مختلفة لتتكون وتتربى على مبادئ الدعوة الكريمة.
إن المنهج النبوي في تكوين الفرد بمكة كان متوازنا يتناسب مع الفطرة والحاجات والنوازع البشرية لينشأ بناء الفرد سليما: فقد حرص محمد - صلى الله عليه وسلم - على تكوين عناصر دعوته بإفراغهم من قيم الجاهلية وإحلال فضائل الإسلام محلها، لقد حارب - صلى الله عليه وسلم - الجمود والتقوقع والزهد والعزلة وغلب في أفراده الإيجابية على السلبية.
قال عليه السلام:(إن الشيطان ذئب الإنسان كذئب الغنم يأخذ الشاة القاصية والنائية فإياكم والشعاب وعليكم الجماعة والعامة والمسجد.
وقال - صلى الله عليه وسلم - (لا رهبانية في الإسلام).
إن عناصر التكوين في الجماعة الأولى هي: كتاب الله وسنة رسول وحضور شخص النبي عليه السلام وتعهده لتلك الجماعة فكانت أفضل جيل لأعظم مرب. فبدون ذلك التكوين الذي تلقاه الصحابة وتلك التربية الحكيمة التي شملهم بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما تحققت أهداف الدعوة وأثمرت نجاحا وانتشارا واسعين.
ومن قواعد التكوين التي حض عليها صلوات الله وسلامه عليه الاستمرارية في عمل البر فالقليل الدائم خير من الكثير المنقطع(أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال:أدومها وإن قل)كما كون النبي عليه السلام أصحابه على خلق الاعتدال والتوسط وندبهم إلى ترك الغلو فقال(يسروا ولا تعسروا ويسروا ولا تنفروا) (1/33)
صفحة 34
ويتضح منهج رسول الله في إعداد رجل الدعوة في قوة فرأسه ونفاذ بصيرته في انتقاء أصحابه وإسناد المسؤوليات المناسبة لهم.فقد اكتشف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في صاحبه عبدالله بن مسعود رضي الله عنه علامات النجابة- رغم قصره ونحافة جسمه وفقره ورشحه ليكون غلاما معلما ثم إماما قارئا مرشدا.لأنه مجد فيه محبة للعلم ولاحظ سمات الذكاء. وتردد عبدالله على النبي الداعية ليسمع القرآن والحديث فتيقظت فيه دوافع العلم وأسلم مع السابقين وشجعه الرسول كلما سأل: إنك غلام معلم تحسن الإصغاء وتستطيع التعلم. وكان يحثه على التفرغ لطلب العلم ويقربه منه في الحضر والسفر ويحب أن يسمع القرآن منه. وقد حقق هذا الموهوب نتائج باهرة إذ كان أول من جهر بالقرآن بصوت ندي وقلب جريء، وساهم في قتل الطاغية أبي جهل دون خوف، وأخيرا بفضل تكوين رسول الله يصير ذلك الراعي المغمور من أئمة الصحابة.
قال عليه السلام(من أحب أن يسمع القرآن غضا كما أنزل فليسمعه من ابن أم عبد).
إن قوة الأساس في أي بنيان تتناسب مع الثقل الذي سيقام عليه وبما أن حمل الدعوة هو أثقل أمانة ورثها رسو الله - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه فقد راعي عند تكوينهم أن يكون حامل الدعوة قويا وأهلا لحمل الرسالة العظيمة وزوده بما يثبته أمام كل العقبات والمحن فلم تسجل حالة ضعف أو ارتداد في عناصر الرعيل الأول بل كانوا قمما شامخة في البذل والثبات.
إن السلامة من كل ثغرة عند التكوين ووضع الأسس هو الضامن لعدم تخلخل البناء وقد أحسن رسول الله إعداد عناصر دعوته في بمكة.
هـ- الجهر والإعلان:
جهر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالدعوة وأظهرها استجابة لأمر ربه لما أنزل عليه
{ فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنْ الْمُشْرِكِينَ } (الحجر/94)، (1/34)
صفحة 35
فكان عليه السلام يخرج إلى الأسواق والمجامع ونوادي قريش مواسم الحج فيعلن في الناس"قولوا لا إله إلا الله تفلحوا"(رواه أحمد) أخرج ابن سعد في طبقاته(عن عبد الحمن بن القاسم عن أبيه قال: أمر رسول الله أن يصدع بما جاءه من عند الله وأن ينادي الناس بأمره وأن يدعوهم إلى الله فكان يدعو من أول ما نزلت عليه النبوة ثلاث سنين مستخفيا إلى أن أمر بظهور الدعاء(الدعوة).وعن الزهري قال:دعا الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى الإسلام سرا وجهرا فاستجاب لله من شاء من أحداث الرجال وضعفاء الناس حتى كثر من آمن به كفار قريش وكفار قريش، غير منكرين لما يقول فكان إذا مر عليهم في مجالسهم يشرون إليه أن غلام بني عبد المطلب ليكلم من السماء! فكان كذلك حتى أعاب الله آلهتهم التي يعبدونها دونه وذكر هلاك آبائهم الذين ماتوا على الكفر فتنكروا لرسول الله عند ذلك وعادوه)أخرجه ابن سعد.
وقد ذعرت قريش عندما رأت المشهد المهيب وهي لا تكاد تصدق ما تشاهد: لقد خرج المسلمون من دار الأرقم في صفين: على رأس أحدهم(أسد الله)حمزة بن عبد المطلب وعلى رأس الآخر(الفاروق) عمر بن الخطاب، وأمام الجميع إمام المتقين وسيد المرسلين محمد رسول الله وتوجهوا إلى الكعبة ليطوفوا حولها معلنين إسلامهم وليصلوا لله دون استخفاء. فأخذت قريش الدهشة وتساءلت: هل بلغ المسلمون من القوة ما يجعلهم يعلنون أمرهم متحدين نفوذ قريش وهيبتها فلم تحل بينهم وبين الكعبة.؟
ولما رأى الكفار ظهور الإسلام وجلوس المسلمين حول الكعبة أسقط في أيديهم فقد فشا أمر الدعوة في مكة ومنذ أن أسلم حمزة وعمر تعالت أصوات المطالبة بالجهر.
قال حمزة رضي الله عنه لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - :
(أظهر دينك فو الله ما أحب أن لي ما أظلته السماء وأنا على ديني الأول). (1/35)
صفحة 36
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما أسلم:" يا رسول الله ألسنا على الحق إن متنا وإن حيينا"؟ قال بلى والذي نفسي بيده إنكم على الحق إن متم وإن حييتم. قلت: ففيم الخفاء يا رسول الله علام نخفي ديننا ونحن على الحق وهم على الباطل؟ قال عليه السلام:( يا عمر آنا قليل قد رأيت ما لقينا) فقال عمر: والذي بعثك بالحق لا يبقى مجلس جلست فيه بالكفر إلا جلست فيه بالإيمان- فسمي الفاروق فرق بين الحق والباطل وطالب بصراحة ومنذ بداية إسلامه بإعلان الحق.
وتوالى إعلان الدعوة فقد انطلق عبدالله بن مسعود رض الله عنه إلى المقام في الضحى وقريش في أنديتها فتلا بعضا من سورة الرحمن فتأمله الكفار وقالوا:إنه يتلو ما جاء به محمد فضربوه لكنه تجرأ وأعلن الدعوة وأسمعهم ما يكرهون.
وأصبح المسلمون يغشون الكعبة ويطوفون حولها ويصلون ويجهرون بالقرآن لا يخافون قريشا.ودعا الصحابة إلى الدين الجديد علنا وقد عز على قريش أن يجاهرها النبي وصحبه بالإسلام ويتحدوا نواديها فيغشوها ويوضحوا مبادئ الدعوة وازداد عداء الكفار للدعوة عندما عرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى دينهم فعابه وسفه الأحلام وسب الآلهة وضلل الآباء وبلغ في إعلان سلمي الخطوط الرئيسية للدعوة.
وقد عد الصحابة إسلام عمر علامة بارزة في الجهر الدعوة فعن صهيب بن سنان الرومي قال:
( لما أسلم عمر ظهر الإسلام ودعي إليه علانية وجلسنا حول البيت حلقا وطفنا بالبيت وانتصفنا ممن غلظ علينا ورددنا عليه بعض ما أتي به).
ومهما كانت السرية ملازمة للدعوة في جانبها التنظيمي فلا بد من المخاطرة بإعلان الدعوة لأن مبادئها لا يمكن إخفاؤها حيث تبرز على صاحبها سلوكا وثمرة. (1/36)
صفحة 37
ولذلك ربي النبي - صلى الله عليه وسلم - أتباعه على الصدع بالحق والجهر بالدعوة وتحمل الأذى الناشئ عن ذلك وقد اقترن الأمر بجهرية الدعوة بالتوجيه إلى الصبر والصفح عن المشركين وتجنب الصدام معهم { وَأَعْرِضْ عَنْ الْمُشْرِكِينَ… } (الحجر/94) إذ لا يزال المسلمون في مرحلة الاكتفاء بالتبليغ وكف اليد في انتقام ولا ثأر لإهانة بل احتمال وإغفاء ومصابرة).
(3) موضوعات الدعوة:
بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رحمة للعالمين وداعيه للثقلين، يرسم لهم صراط الله المستقيم وبيسر لهم مبادئ الدين القويم.
جاء على فترة من الرسل يدعو بدعوتهم ويسير على نهجهم مستجيبا لأمر ربه عز وجل القائل له:
( يا أيها الناس بلغ ما أنزل إليك من ربك)
كانت دعوته عليه السلام تقوم على أسس متينة ومبادئ سامية كما تسعى إلى تحقيق المسلم الرباني والمجتمع المتكامل والأمة القيادية الرائدة وبذلك:
يغرس عقيدة التوحيد
ودعوة الناس إلى الإيمان بالبعث والجزاء
وتزكية النفوس.
أ- الوحدانية المطلقة:
الدعوة إلى الله تعالى وحده المقصد الأساسي لدعوات الرسل بعث محمد رسول الله صلوات الله عليه وسلامه ليخرج الناس من الشرك إلى الوحدانية، ومن الظلمات إلى النور ويبين لهم أنه ما من إله إلا الله، وانه تبارك وتعالى واحد أحد فرد صمد. وأنه تعالى وحده المختص بالوحدانية المتفرد بالربوبة الذي يستحق أن يعبد دون سواه، وله تعنو الوجوه وتنحني الرقاب وتخضع لعظمته وجلاله كل الكائنات.
قال تعالى:
{ وَعَنَتْ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ } (طه/111)
جاء الرسول - صلى الله عليه وسلم - يبين للناس أن الله تبارك وتعالى متصف بكل صفات الكمال منزه عن كل نقصان يتصوره عقل أو يتخيله إنسان:
{ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ… } (الشورى/11) (1/37)
صفحة 38
كما جاء عليه السلام يدعو الناس إلى الله تعالى ويوضح لهم فكرة الربوبية الصحيحة، فلله الخلق والأمر، وله تعالى الحكمة البالغة، وهو المدبر لكل شيء، المتصرف في ملكون السماء والأرض.
{ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنْ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ } (السجدة/5)
جاء عليه الصلاة والسلام يدعو الناس إلى أن التوحيد هو الضمانة الوحيدة لتحرير الإنسان من أوهام الخرافات والأساطير، تلك الأوهام التي سيطرت على عقول الناس فأفقدتهم رشدهم.
كما جاء يبين أن التوحيد في بساطته ووضوح معالمه كفيل بإنارة العقول بنور الإيمان بالله الواحد ليكون الإنسان على بصيرة من أمره، يعرف ربه كما يعرف نفسه فيكون بذلك بشرا سويا.
كما جاءت رسالة التوحيد لتحرر الناس من قيود الأمراض النفسية التي أفسدت عليهم الرؤية السليمة للأشياء.
فالرياء علة قاتلة، والكبر مرض خطير والبطر تنكر للأصل الكبرياء لله وحده يختص بها ولا يشاركه في ذلك مخلوق.
وهو القائل عز وجل:
{ وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } (الجاثية/37)
وبعقيدة التوحيد يشعر الإنسان بأنه عبد الله تعالى، له يخضع وإليه ينيب، ويتحرر من وهم الأصنام، ويتخلص من دجل العقائد الوثنية الزائفة.
بذلك يصبح عزيزا لا يخشى أحدا إلا الله، فلا يستسلم لفكرة زائفة، أو شهوة جامعة ولا يحنى رأسه إلا لله الواحد القهار.
وهو يقول:
{ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } (الفاتحة/5)
وبعقيدة التوحيد يرتفع الإنسان إلى مستوى حمل الأمانة ويستخلف الله تعالى في أرضه يتبوأ من نعمها ما يشاء متوجها بالشكر والعرفان للمنعم الذي هو أهل له.
وهكذا فإن التوحيد أساس الدين وهو أعظم أركانه، وخلاصة دعوة الرسل، وأصل الأصول كلها وقاعدة الأعمال كلها، وهو أعظم ما يتوصل به إلى مرضاة الله عز وجل. (1/38)
صفحة 39
لذلك ظل رسول الله الداعية عليه صلاة الله وسلامه طيلة الفترة المكية يعالج قضية الشرك ويبني صرح التوحيد لا يتجاوز إلى غير ذلك من المسائل إلا قليلا.
فكان عليه السلام يتلو على الناس آيات الله البينات بأسلوبها المعجز وهو يدعو الناس إلى التوحيد.
يأخذ الناس بالترغيب تارة وبالتحذير أخرى لينفذ إلى قلوبهم ويبدلهم بالشرك توحيدا وبالضلالة هدى.
فعلى التوحيد قامت دعوات الرسل رائدهم في ذلك محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي حرص طوال حياته في ظل الدعوة يربي الناس على معرفة الله الواحد وحبه وإسلام الأمر إليه عليه صلاة الله وسلامه.
ب-البعث والجزاء:
ظلت الوثنية السائدة بين العرب تنكر البعث وتعتبر إحياء الأموات ضربا من الخرافة أو المستحيل.
وقد سخر المشركون من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وردوا دعوته وحاولوا محاجته في هذه المسالة بإبداء استغرابهم ما يدعو الناس إليه من الإيمان بالبعث بعد الموت ومن الحساب بعد الفناء.
ونجد صورة لذلك الجدل معروضة في القرآن الكريم تبرز تمسك العرب بما ورثوه من آبائهم من إنكار للبعث بعد الموت.
قال تعالى:
{ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } (الإسراء/49)
والآية تبين شدة إنكار الشركين للبعث بل تبرز شدة استغرابهم من ذلك لأن عقولهم تحجرت حتى أصبحت عاجزة عن استيعاب فكرة البعث والنشور عند الموت والفناء.
غير أن السياق يتواصل في معرض الرد على أولئك المنكرين فيقول الله عز وجل:
قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا(50)أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلْ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا } … (الإسراء/50-51) (1/39)
صفحة 40
كان عليه الصلاة والسلام يدعو الناس إلى الإيمان بالبعث ويعرض لهم الأدلة ما فيها شفاء لما في الصدور. هذه الأدلة إنما هي آيات الله تعالى تقيم الحجة العقلية على الناس.
قال تعالى:
{ وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ… } (الروم/27)
إن الذي خلق الأنفس من العدم قادر على إعادتها وإحيائها بعد الموت والفناء فما على الإنسان إلا أن يعمل عقله في العالم المادي الذي يعيش فيه فيرى مبدأ الحياة والموت ثم إعادة الحياة واضحا جليا في كل المخلوقات.
فالأرض الجدبة ميته لا تنبت الكلأ ولا تعطي تمرا فإذا انزل الله عليها الماء اهتزت وربت وانبتت من كل الخيرات.
قال تعالى:
{ وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ… } (الحج/5-7)
غير أن فكرة إنكار البعث كانت مغروسة في أفكار الناس المادية، فهم يعبدون ما يشاهدون، وينكرون ما لا يرون أو يحسون، وهذا الاعتقاد الباطل أعمى بصيرتهم، وقفل على قلوبهم وافقدهم صوابهم.
فهذا أبي بن خلف يحاجج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قضية إحياء الموتى، ويمسك إليه بعظم بال قد أرمت ويقول: يا محمد. أنت تزعم أن الله يبعث هذا بعدما أرم بلي وصار رميما. ويمسك بالعظم ويفته بيده ثم ينفخه في الريح نحو رسول الله عليه السلام.
فيرد عليه السلام بقوله:" نعم أنا أقول ذلك، يبعثه الله وإياك بعدما تكونان هكذا ثم يدخلك الله النار"
فانزل الله تبارك وتعالى وحيا يؤيد به نبيه عليه السلام فيقول: (1/40)
صفحة 41
{ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنْ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } (يس/78-83)
إن الإيمان بالبعث بعد الفناء يقتضي التسليم بالحساب والجزاء، لذلك كانت دعوة الرسول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الناس على التسليم بالبعث تستوجب الإيمان بالحساب والجزاء.
غير أن دعوة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الناس إلى التسليم بالجزاء قوبلت بالمعارضة الشديدة من الوثنيين.
وقد رأى المشركون أن الإيمان بالحساب والجزاء يكسر من كبريائهم، والإقرار به يحد من شهواتهم، ويفوت عليهم مصالح مادية كثيرة. والتنازل عن مبدئهم أمر صعب لا تطاوعه النفوس المدنسة بأوحال الفاحشة وأرجاس المعاصي.
إن قضية الجزاء وراءها المحاسبة الدقيقة على كل ما يقترفونه من أجرام في حق الآخرين إذا في المسألة قصاص ورد للحقوق إلى أهلها؟
وأمام هذه التساؤلات ينكص المجرمون على أعقابهم مستكبرين لا يلوون على شيء وهم يرددون:
{ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ… } (النحل/38)
كذلك فإن الإيمان بالحساب بعد الموت يقتضي التواضع لله الخالق وللرسول وللمؤمنين، وهذا يفوت عليهم فرصة التعالي في الأرض واستغلال الضعفاء والاستئثار بالمكاسب الدنياوية. (1/41)
صفحة 42
وهل يعقل أن ينزل المتعالون من شموخهم ليقفوا صفا واحدا مع أولئك الفقراء أو العبيد سواء بسواء لا يتفاضل الواحد على الآخر إلا بالتقوى؟ مقابل وعد الجنة فما مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر؟
أسئلة تردد على خواطر المشركين، وفي النهاية يرون أن المتعة المادية أفضل من متعة معنوية وان التمسك بالمشاهد أضمن من الجري وراء الغيب. فتغلب عليهم شقوتهم ويتشبثون بالمادي المحسوس ويكفرون بوعد الله ووعيده.
إن الدعوة إلى الإيمان باليوم الآخر يعني الوقوف بين يدي الله للحساب. فكيف يقف أولئك المستكبرون المتجبرون صاغرين أمام الله تعالى ليحاسبوا على كل عمل صغيرا أو كبيرا كل هذه الأسباب جعلت المشركين يتعامون عن هذا النداء ويصدون دعوة الرسول عليه السلام بكل ما أوتوا من وسائل ليثنوه عما يدعوهم إليهم.
قامت دعوة الرسول - صلى الله عليه وسلم - بين الناس تغرس مبدأ البعث والحساب وتبين لهم أنها مطلب فطري، حيث إن الإنسان تتوق نفسه إلى معرفة مصيره كما عرف مبدأه.
وكثيرا ما يتساءل عن المعاد؟ عن العدل الإلهي؟
أسئلة كثيرة تتوارد على البال لا يجد لها الإنسان جوابا شافيا إلا في ظل عقيدة التوحيد الذي رفع رايتها الداعية المعلم والرسول المربي محمد بن عبدالله - صلى الله عليه وسلم - مؤيدا بالوحي من الله تعالى يسدد خطاه ويقوى محبه فالإيمان بالبعث والجزاء ركن في الاعتقاد الصحيح وضرورة حتمية لإقامة بناء المجتمع الإسلامي السوي يسوده العدل والتعاون بين أفراده الذين يقيمون مسلكهم على مبدأ البعث بعد الموت والجزاء على الأعمال.
ج-تزكية النفس:
النفس الزكية الطاهرة هي التي تضمن لصاحبها أداء العبادة صحيحة، وترقي به إلى السمو الإنساني.
أما النفس الدنيئة المدنسة بأوحال الرذيلة فهي النفس المكبلة بأرجاس المعاصي والانحرافات.
لا يقر لها قرار ولا يستقيم لصاحبها رأي، فهي إلى الانطماس أقرب، وغلى الموت أسرع. (1/42)
صفحة 43
عرف العرب قبل البعثة النبوية بالوثنية، وولد محمد - صلى الله عليه وسلم - في مجتمع يدين بالشرك، وفتح عينيه على أقوام تخضع رقابهم للأصنام.شهواتهم جامحة، وغرائزهم ثائرة، وعقولهم ضعيفة.
فجاء الرسول - صلى الله عليه وسلم - داعية إلى تزكية النفوس والتحلي بمكارم الأخلاق.
قال الله تعالى: { هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ… } (الجمعة/2)
وقال أيضا: { لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِين } (آل عمران/164)
ويقول عليه الصلاة والسلام:
"إنما بعثت لأتم مكارم الأخلاق"
سعى عليه الصلاة والسلام في دعوته إلى تطهير النفوس من الرذائل ليعيدها إلى النقاء والطهر وليصبغها بصبغة الإسلام كان عليه السلام يجهد نفسه لإقناع الناس أن أمر هذا الدين لا يقوم على النفوس المريضة ولا يستقيم في القلوب العليلة.
إنما الدين صفاء ونقاء، ووحي يتنزل من السماء يشفي الناس من أمراضهم ليهبهم الصحة والعافية وسلامة الاعتقاد وحسن السلوك.
كان عليه السلام ينشر مبادئ الفضيلة بين الناس برفق، ويأخذهم باللين، ليضع البلسم على الجروح، ويحيي موات القلوب، ويزيل غبار الآثام عنها ويرفع غشاوة الضلال عن الأبصار. (1/43)
صفحة 44
{ قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } (الأنعام/151)
فدعوة الرسول - صلى الله عليه وسلم - يجعل الأخلاق ركنا لازما لأن صحة المجتمعات وعافيتها تعد من أولويات المهمات في مجال الدعوة لكل رسول وداعية بحيث لا يفلح إلا من زكت نفسه وطهرت سريرته وحسن عمله.
{ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا } (الشمس/9)
ونفس الإنسان تفتقد الرؤية الصحيحة إذا انسدت مسالكها، واعتلت وسائلها، وانطمست معالمها، وبقدر انغماسها في الضلال تتسع الهوة بينها وبين الهدى والرشاد، ويتسع الخرق فيعجز الراتق على إصلاحه.
وقد حاول الرسول - صلى الله عليه وسلم - إعادة كبراء قريش إلى صوابهم. واجتهد مرات عديدة ليردعهم عن غيهم، فلم يتم له ذلك لأن هؤلاء الناس قد عميت بصائرهم، وفقدوا وسائل المعرفة بسبب شططهم في الفاحشة في تنفعهم الآيات والبراهين.
يقول الله تبارك وتعالى:
{ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ } (يونس/101)
كما عبر القرآن الكريم عن هذا الصنف من الناس بقوله تعالى:
{ …وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ } (الأنعام/25) (1/44)
صفحة 45
أما النفس التي لم تنطمس معالمها وبقي فيها بصيص من نور فإن الهدى يصل إليها وتبدي استجابة لدعوة وطاعة أمر الله تعالى.
والله تعالى يقول لرسوله الكريم:
{ …إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا } (النازعات/45)
ويقول أيضا:
{ إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا } (الأنعام/51)
إشارة إلى أن ذلك النور ولو كان باهتا كفيل بأن يعيد الفطرة إلى أصلها وينمي في النفس الشعور الصادق بالله الواحد الأحد.
أما النفس الزكية فيكون تلقيها للحق وقبولها للدعوة سهى ميسرا وارتقاؤها إلى معالي الأمور مطلبا ورغبة.
كان - صلى الله عليه وسلم - يدعو الناس إلى التوحيد وفي نفس الوقت كان يحارب الرذيلة وينهي عن الفحشاء والمنكر.
قال جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه في خطبته أمام النجاشي: "كنا قوما أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف" وهذا الكلام يعبر عن حالتهم في الجاهلية. ثم قال:
" قد دعانا- أي الرسول- إلى الله لنوحده ،ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، أمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء وقذف المحصنات"
وهو بيان للدعوة إلى تزكية النفوس من أرجاس الجاهلية.
وكان الداعية الأول للناس عليه الصلاة والسلام يعلم يقينا كما علمه ربه أن هذا الدين لا يقوم على النفوس المريضة والعقول الزائغة.
فلابد إذن لتكوين شخصية متكاملة الجوانب من عقيدة تقوم على التوحيد وتزكية النفوس، تجعل الأخلاق مطلبا وأساسا وهدفا في عصر غلبت فيه الماديات وانطمست الفطرة وانتشرت المغريات والفتن.
{ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا… } (الإسراء/9)
(4)- وسائلها:
أ- القدوة الحسنة: (1/45)
صفحة 46
من الوسائل المهمة جدا والتي كانت متوفرة لدى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في تبليغه الدعوة إلى الله تعالى وجذب الناس إلى الإسلام سيرته الطيبة في كل مراحل حياته.
وقد عرف الداعية محمد - صلى الله عليه وسلم - بأفعاله الحميدة وصفاته العالية وأخلاقه الرفيعة الزكية قبل البعثة وبعدها مما أهله ليكون قدوة طيبة وأسوة حسنة للناس.
وهذا ما أكده القرآن الكريم وقدره بقوله تعالى:
{ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا } (الأحزاب/21)
هكذا كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المثل الأعلى والقدوة الكاملة في كل شؤون حياته ومراحلها فقد كان - صلى الله عليه وسلم - شابا ووالدا وأخا وزوجا وجارا وصاحبا وقائدا وفاتحا ومهاجرا ومضطهدا ومطاردا وتاجرا وقاضيا، كان في كل هذه المراتب على اختلاف أنواعها هو هو لم يتغير من البداية إلى النهاية، وكان مثالا للإنسان الكامل ثابتا على العهد لم يتغير أسلوب معيشته فإذا عن الرخاء كان منه السخاء والعفو والشهامة والمروءة، وإذا ظهرت الشدة صبر واحتسب ودعا إلى كل ذلك بقوله وفعله فزكاه الله تعالى بقوله:
{ وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ … } (الحشر/7)
وقد أكد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في كثير من مواقفه على أن الداعية الموفق والناجح هو الذي يهدي إلى الحق بأفعاله.
قال - صلى الله عليه وسلم - :"صلوا كما رأيتموني أصلي." ……(البخاري)
ليعطي بذلك المثل الحي للمبادئ التي يعتنقها ويؤمن بها ويدعو إليها من خلال أقواله وأفعاله.
فأفعاله - صلى الله عليه وسلم - مطابقة لأقواله. وقد حذر المولى تبارك وتعالى المسلمين أن تخالف أقوالهم بقوله عز وجل: (1/46)
صفحة 47
{ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ(2)كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ… } (الصف/1-2)
فإن للسيرة العطرة الزكية للداعية محمد - صلى الله عليه وسلم - أثرا كبيرا في تصديقه والإيمان بما يدعو إليه مما حدا بخديجة بنت خويلد رضي الله عنها أن تؤمن به وتصدقه منذ نزول أول وحي عليه في غار حراء بقولها:
"أبشر والله لن يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتحمل الكل وتعين على نوائب الدهر"
وروي أن أعرابيا جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال له: من أنت؟
قال - صلى الله عليه وسلم -: أنا محمد بن عبدالله
قال الأعرابي:أأنت الذي يقال عنك أنك كذاب؟!
فقال: أنا الذي يزعمونني كذلك.
فقال الأعرابي: ليس هذا الوجه وجه كذاب ما الذي تدعو إليه؟
فذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما يدعو إليه من أمور الإسلام.
فقال له الأعرابي: آمنت بك وأشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسو الله...
فالأعرابي بفراسته علم أن هذا الوجه المشرق والمنبر لا يمكن أن يكون إلا من أهل الصدق والأخلاق الكريمة فصدقه فيما يدعوا إليه.
فأعمال الرسول - صلى الله عليه وسلم - الصالحة هي التي تجذب إليه الأفئدة وتجمع عليه القلوب وهي سر في نجاح دعوته في كل مراحلها لأنه لا يأمر بفعل إلا إذا قام به أولا حتى تعود المسلمون على ذلك وأصبحوا يقلدون الرسول - صلى الله عليه وسلم - في كل عمل يقوم به.
ويوم صلح الحديبية امتنع الصحابة أول الأمر عن نحر الهدي وحلق الرأس ولما أشارت أم سلمة رضي الله عنها على الرسول - صلى الله عليه وسلم - قام كل الصحابة يقتدون بالرسول - صلى الله عليه وسلم - فيما يدعوهم إليه ينحرون ويحلقون.
وعند أدائه - صلى الله عليه وسلم - لمناسك الحج أمر المسلمين بتقليده واتباعه في كل عمل يقوم به بقوله عليه السلام.
" خذوا عني مناسككم" (النسائي). (1/47)
صفحة 48
فأصبح كل حاج يقتدي برسول الله - صلى الله عليه وسلم - في كل أعماله حتى وإن يجد لها تفسيرا لأن أفعاله - صلى الله عليه وسلم - نوع من أنواع الوحي ولذلك قبل عمر بن الخطاب رضي الله عنه الحجر الأسود بسنته عليه السلام وأكد ذلك بقوله:
" والله لو أنني لم أر رسول الله يقبلك(أي الحجر الأسود) ما قبلتك."
ب- التعليم والتربية:
حرص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بداية دعوته أن يتجنب مواقف الاصطدام بينه وبين قومه فاختار له ولأصحابه مكانا منعزلا عن الناس هو دار الأرقم بن أبي الأرقم( أحد السباقين إلى الإسلام)
وكانت داره على مقربة من الصفا ليجتمع فيها بأصحابه يعظهم ويرشدهم ويصلي بهم ويتلو عليهم ما أوحي إليه من آيات القرآن الكريم وعلمهم كيف يطبقون مبادئها في حياتهم.
فكانت تلك الدار مسجدا للعبادة ومدرسة للتعليم والتهذيب مديرها والمدرس والمعلم فيه الداعية محمد - صلى الله عليه وسلم - .
واستمر الحال على ذلك نحو ثلاث سنين في سرية مطلقة وعدد المسلمين يزداد شيئا فشيئا حتى بلغ عدد الذين أسلموا من الرجال والنساء نحو الأربعين.
وقد ثبت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه إذا حصلت استجابة وقبل المدعو الدعوة إلى الله تعالى وهداه وشرح صدره إلى الإيمان فإن الداعية محمد - صلى الله عليه وسلم - يتعهده بما يكفل له المناعة ضد الشرك ويبصره بمعالم الدين الجديد ويثبته عليه وذلك بتعليمه معالم الإسلام ومعانيه وأفكاره للقضاء التام على براثن الجاهلية التي قد تبقى في نفوس بعض المدعوين من آثار الشرك بأنواعه أو التعرض إلى الانتكاس والرجوع والارتداد.
وكان - صلى الله عليه وسلم - يعهد إلى بعض الصحابة السابقين إلى الاسلام بتعليم من أسلم حديثا بقوله عليه السلام:
" فقهوا أخاكم في دينه وأقرئوه القرآن"
وكان - صلى الله عليه وسلم - يوصي كل من يدخل في الإسلام ويتعلم معانيه أن يعلمها لغيره من المسلمين الجدد.. (1/48)
صفحة 49
ومما يدل على حرص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على تعليم الناس أمور الإسلام ما رواه أبو رفاعة تميم بن أسيد رضي الله عنه قال:" انتهيت إلى رسو الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يخطب فقلت: يا رسول الله رجل غريب جاء يسأل عن دينه لا يدري ما دينه؟ فأقبل على رسول الله وترك خطبته حتى انتهى إلي فأتي بكرسي فقعد عليه وجعل يعلمني مما علمه الله ثم أنهى خطبته فأتمها.
فإن هذه المواقف تدل دلالة واضحة على حرص الداعية محمد - صلى الله عليه وسلم - على تعليم مدعويه وحثهم على تعليم غيرهم من المسلمين لأن كتمان العلم إثم لا يجيزه الشرع لقول الله تعالى:
{ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمْ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمْ اللَّاعِنُونَ… } (البقرة/159)
وأكد على ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقوله:
" من كتم علما ألجمه الله بلجام من النار يوم القيامة"
ولم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعلم أصحابه فحسب بل كان يهتم بتربيتهم إلى جانب تعليمهم إذ لا يكتفي - صلى الله عليه وسلم - بتعليم المستجيب لدعوة الله معاني الإسلام بل لابد من حمله على العمل بها وتعديل سلوكه بموجبها ومقتضاها.
وهذا هو منهج الذي سلكه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في دعوته والشواهد على ذلك كثيرة منها:
قال عبدالله بن مسعود رضي الله عنه:
"كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن"
وقال أبو عبد الرحمن السلمي:
حدثنا الذين كانوا يقرئوننا أنهم كانوا يستقرئون من النبي - صلى الله عليه وسلم - وكانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يخلفوها حتى يعلموا ما فيها من العمل فتعلمنا القرآن والعمل جميعا. (1/49)
صفحة 50
هكذا علم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصحابه ورباهم على العمل بما تعلموه منه وبين لهم في مواضع عديدة أن يتعلم ولا يعمل بما تعلم يكون عرضه للانزلاق عند أول فتنه أو امتحان أو إغراء.
قال تعالى:
{ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ… } (الحج/11)
ولقد اهتم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذلك وتميزت دعوته في الفترة المكية بالتربية على معاني الإسلام وفقه أصوله العظيمة وكان من نتائجها أن صفت نفوس الصحابة الكرام وامتلأت قلوبهم بحقائق الإسلام وصاروا طليعته وكتيبته المظفرة ومكنتهم تلك التربية من تحمل ما لا يطيقه غيرهم من المحن في سبيل الله ونصرة دعوته نبيهم محمد صلوات الله سلامه عليه.
ج- الترغيب والترهيب:
والترغيب هو الحث على فعل الخير وعلى أداء الطاعات والاستقامة على أمر الله تعالى، وهو المسلك الذي اتبعه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منذ بداية دعوته وكان يتلو على المدعوين آيات قرآنية فيها وعد من الله بالجنة وترغيب فيها تأمرهم بطاعة الله وتذكرهم بنعمة التي لا تحصى وهو الخالق من عدم والمطعم من جوع والكاسي من العرى.
قال تعالى:
{ قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ(75)أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ الْأَقْدَمُونَ(76)فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ(77)الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِي(78)وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِي(79)وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِي(80)وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ(81)وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ… } (الشعراء/75-82) (1/50)
صفحة 51
ورغم أن هذه الدعوة من نبي الله إبراهيم عليه السلام إلا أنها تتفق ومنهج الرسول محمد - صلى الله عليه وسلم - في دعوته.
فالترغيب إذن هو كل ما يشوق المدعو إلى الاستجابة وقبول الحق والثبات عليه.
في حين أن الترهيب هو عكس ذلك تماما ويعنى كل ما يخيف ويحذر المدعو من عدم الاستجابة أو رفض الحق أو عدم الثبات عليه بعد قبوله.
فكما تقاد النفس البشرية عن طريق الرغبة فإنها تقاد عن طريق الرهبة لتكف عن الرذيلة وتندفع إلى الفضيلة خوفا من مغبة التراخي أو التفريط.
والترهيب لا يكون دائما بالتخويف فقط بل بإبراز المعاصي وما فيها من فساد قال تعالى:
{ وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا… } (23/الإسراء)
وبالأسلوب نفسه حرم الله تعالى شرب الخمر بقوله:
{ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(90)إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ… } (المائدة/90-91)
ومن وسائل الترهيب أيضا بيان الداعية خطر المعصية على المدعو نفسه وعلى إيمانه وبيان ضررها الذريع في جسمه أو على أهله وولده ومكانته.
قال تعالى:
{ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ… } (الشورى/30)
ومن فضل الله تعالى ورحمته بعباده أن أرجا العذاب الأكبر للآخرة حتى تكون فسحة يهتدي فيها الضال ويستغلها للتوبة خوفا من العذاب العظيم يوم القيامة.
قال تعالى:
{ قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ… } (الزمر/13) (1/51)
صفحة 52
ولكن قد يحل العذاب على العصاة في الدنيا وقد تساءلت أم المؤمنين زينب بنت جحش وقالت: أنهلك وفينا الصالحون(أي في الدنيا) قال - صلى الله عليه وسلم - نعم إذا كثر الخبث.
ذلك هو الأسلوب الذي استعمله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مراحل دعوته يرغب في الجنة ونعيمها الخالد ويرهبهم من النار وعذابها الدائم مستعينا بالقرآن الكريم وما فيه من تبشير بالجنة وتحذير من النار وهو النهج الذي التزم به - صلى الله عليه وسلم - في دعوته حيث رغب المدعوين في نيل مرضاة الله ورحمته وجزيل ثوابه في الآخرة وفي الآن نفسه رهبهم وخوفهم من غضب الله وشديد عقابه.
ومن الآيات الدالة على ذلك قوله الله تعالى:
{ يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ(9)وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ… } …(التغابن/90-10)
وقال جل وعلا:
{ إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ… } …(12/محمد)
وإيمان بالوعد والوعيد اللذين بينهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن طريق الترغيب والترهيب تعرض في سبيل الدعوة والإسلام- كثير من المدعوين إلى التعذيب والاضطهاد أمثال بلال بن رباح وخباب بن الأرت وآل ياسر..
وقد مر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على آل ياسر وهم يعذبون وهو عاجز عن رفع الأذى عنهم ولكنه كان يبشرهم بالجنة ويرغبهم فيها بقوله عليه السلام: (1/52)
صفحة 53
"صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة" (أخرجه ابن هشام في السيرة ص319)
وفي المقابل توعد - صلى الله عليه وسلم - أتباعه ومدعويه وأمرهم بخمس أمره الله بهن للمحافظة على كيان الجماعة المسلمة ومواصلة الدعوة مسيرتها فقال عليه السلام:
"وأنا آمركم بخمس الله تعالى أمرني بهن: السمع والطاعة والجهاد والهجرة والجماعة فإن من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع رقبة الإسلام من عنقه إلا أن يراجع ومن دعا بدعوى الجاهلية فهو في جهنم."…(الترمذي)
وبهذا الأسلوب الدعوى كسب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنصارا عديدين من مكة وخارجها.
فعند العقبة ولما التقي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بوفد من يثرب ولما بايعوه والتزموا بتعاليم الإسلام التي دعاهم إليها رغبهم بقوله عليه السلام:
" فإن وفيتم فلكم الجنة"
ومن الموضوعات التي اهتم بها الداعية محمد - صلى الله عليه وسلم - واستعمل فيها أسلوب الترغيب والترهيب نبه مدعويه إلى عدم تفضيل الدنيا على الآخرة ودعاهم إلى التوسط والاعتدال فيها وذكرهم بقول الله تعالى:
{ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ… } …(القصص/77)
وبما أن النفس البشرية تتعلق بالدنيا أكثر لإغراءاتها وشهواتها المتعددة وحتى لا يركن إليها المرء ويتعلق بها لينسى الآخرة فإن الرسول - صلى الله عليه وسلم - حذر المسلمين من ذلك ونبههم إلى خطورة هذا الأمر وذلك بالرجوع إلى القرآن الكريم وقول الله تعالى: (1/53)
صفحة 54
{ إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنْ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتْ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ… } …(يونس/24)
وقوله جل وعلا:
{ اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ… } (الحديد/20)
وقال - صلى الله عليه وسلم - محذرا من الدنيا وإيثارها على الآخرة:
إن الدنيا حلوة خضرة وإن الله تعالى مستخلفكم فيها فناظر كيف تعلمون فاتقوا الدنيا واتقوا النساء.
وأكد الرسول - صلى الله عليه وسلم - على هذا الأمر بقوله:
" اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة"
وحتى تصغر الدنيا في عين مدعويه هون الرسول - صلى الله عليه وسلم - من شأنها وقارنها بالآخرة بقوله:
" ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما جعل أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بما يرجع"
تلك هي الوسائل التي ركز عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في دعوته إلى الله تعالى، فكان المثل الأعلى الذي يحتذي به في كل ما يقوم به أو يأمر فعلم مدعويه ورباهم وكون منهم رجالا شهد لهم المنصفون بأنهم فرسان بالنهار رهبان الليل وامتدحهم الله بقوله: (1/54)
صفحة 55
{ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمْ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا… } …(الفتح/29)
زهدوا في الدنيا وتعلقوا بالآخرة فكانوا إذا مرت بهم آية فيها وعيد بكوا وجلا من الله تعالى وإذا مرت بهم آية فيها وعد بالجنة تعلقوا واستبشروا بها وعملوا بمقتضاها راجين رحمة ربهم غير مستكثرين لأعمالهم مستزيدين من برهم وطاعتهم آملين في ترغيب وتبشير نبيهم خائفين من ترهيب داعيتهم عليه أفضل الصلاة وأزكي التسليم.
(5)- دعوة الرسول - صلى الله عليه وسلم - لأقاربه:
بعث الأنبياء والمرسلون عليهم السلام دعاة إلى الله تبارك وتعالى يدعون الناس إلى الهدى والرشاد على بصيرة وعلم.
وقد سدد الله خطائهم وأمدهم من فيضه الراني ما جعلهم دعاة ناجحين يمثلون النموذج المثالي والأسوة الحسنة للناس المدعوين في الاعتقاد والقول والعمل والخلق الكريم.
وكان من منهج الرسل في دعوتهم إلى أبيه آزر، ثم يتعدى بعلمها إلى سائر أفراد عشيرته فيأمرهم بنبذ الأصنام ويدعوهم إلى توحيد الله الواحد الديان.
كما حرص نبي الله يعقوب عليه السلام على دعوة أبنائه إلى التوحيد وكذلك لقمان الذي يأمر ابنه بالتوحيد ويحذره من الشرك.
وعلى النفس الدرب سار محمد رسول الله عليه الصلاة والسلام بدأ بدعوة زوجته خديجة رضي الله عنها فاستجابت وأسلمت، أصغت إليه وهو يحدثها الذي رأى من أمر الوحي فاجابتة قائلة: (1/55)
صفحة 56
" أبشر يا بن عم وأثبتت فو الذي نفس خديجة بيده إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة".
ثم توجه عليه الصلاة والسلام إلى من كان تحت رعايته يدعوهم إلى الدين الجديد. فدعا زيد بن حارثة فأسلم، ثم دعا علي بن أبي طالب فآمن به وصدقه. فكان عليه السلام إذا حضرت الصلاة خرج إلى شعاب مكة وخرج معه علي بن أبي طالب مستخفيا من أبيه أبي طالب فيصليان فيها فإذا أمسيا رجعا.
كما توجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى عمه أبي طالب وأقرب الناس إليه راجيا هدايته قائلا له:
" أي عم، هذا دين الله، ودين ملائكته، ودين رسله، ودين أبينا إبراهيم، بعثني الله به رسولا إلى العباد، وأنت أحق من بذلت له النصيحة ودعوته إلى الهدى".
غير أن أبا طالب أجاب ابن أخيه برفق فقال: أي ابن أخي إني لا أستطيع أن أفارق دين آبائي وما كانوا عليه ولكن والله لا يخلص إليك بشيء تكرهه ما بقيت.
فلم يسلم أبو طالب ولكنه انحاز إلى جانب ابن أخيه ووعده بالدفاع عنه في مسيرته هذه وبعد انقضاء فترة من الزمن ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتصل بخاصة أقربائه وصفوة أصدقائه يدعوهم إلى الدين الجديد ويستوثق منهم أن لا يفشوا أمره، ويربيهم في السر، ويعد بهم القاعدة الأولى للدعوة في تكتم وتخف شديدين خشية إجهاضها وهي في المهد.
في هذه الأثناء جاء الأمر الرباني من السماء يقول لرسول الله عليه السلام
{ وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ… } …(الشعراء/214)
إن المسؤولية مع الأقربين تتعاظم، فهم أقرب الناس إليه، وألصقهم به، وجلبهم إلى تقوية له، وحصن لدعوته، ففي حال إسلامهم وتصديقهم بما جاء به من ربه كسب كبير، بحيث يضيف إلى قرابة النسب رابطة العقيدة.
وإذا لم يؤمنوا به وأعرضوا عن دعوته يكون عليه السلام آنذاك قد أقام عليهم الحجة أمام الناس بحيث لا يستطيع أحد أن يأتيه من هذا الجانب. (1/56)
صفحة 57
وتمنينا لهذه الرابطة، وزيادة في القرب من المدعويين من أقاربه دعاهم إلى وليمة صنعها لهم.
روي ابن الأثير قال: جعفر بن عبدالله بن أبي الحكم لما أنزل الله على رسوله
{ وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ … } …(الشعراء/214)
اشتد ذلك عليه وضاق به ذرعا، فجلس في بيته كالمريض، فأتته عماته يعدنه فقال: " ما أشكيت شيئا ولكن الله أمرني أن أنذر عشيرتي، فقلن له: فادعهم، ولا تدع أبا لهب فيهم فانه غير مجيبك فدعاهم فحضروا ومعهم نفر من بني المطلب بن عبد مناف فكانوا خمسة وأربعين رجلا، فبادره أبو لهب وقال: هؤلاء عمومتك وبنو عمك فتكلم ودعاة الصباة، واعلم أنه ليس بقومك بالعرب قاطبة طاقة، وأنا أحق من أخذك، نحسبك بني أبيك، وإن أقمت على ما أنت عليه فهو أيسر عليهم من أن يثبت بك بطون قريش وتمدهم العرب، فما رأيت أحدا جاء على أبيه بشر ما جئتم به.
فسكت عليه السلام ولم يتكلم في ذلك المجلس، ثم دعاهم ثانية وقال:" الحمد الله أحمده وأستعينه وأومن به وأتوكل عليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ثم قال عليه الصلاة والسلام:" إن الرائد لا يكذب أهله"
والذي لا إله إلا هو إني رسول الله إليكم خاصة وإلى الناس عامة.
والله لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون، ولتحاسبن بما تعلمون... وإنها للجنة أبدا أو النار أبدا.
فقال أبو طالب: ما أحب إلينا معاونتك وأقبلنا لنصيحتك، وأشد تصديقنا لحديثك، وهؤلاء بنو أبيك مجتمعون، وإنما أنا أحدهم غير أنى أسرعهم إلى ما تحب، فامض إلى ما أمرت به فوالله لا أزال أحوطك وأمنعك غير أن نفسي لا تطاوعني على مارقة دين عبد المطلب.
فقال أبو لهب: هذه والله السوأة. خذوا على يديه قبل أن يأخذكم غيركم.
قال أبو طالب: والله لنمنعنه ما بقينا. (1/57)
صفحة 58
كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في دعوته لأقاربه يتوجس خيفة من ردود الفعل على ما يدعوهم إليه حيث إنه لم يجرؤ المرة الأولى على مخاطبتهم، لكنه في المرة الثانية صدع بالقول في كلمات مختصرة بليغة تحقق المقصود بعيدا عن المقدمات الطويلة، والتلميحات البعيدة، بل قال عليه السلام ما يريد في كلمات توضح مبادئ دعوته وتبين هدفه بأدب رفيع،وخلق كريم يأخذ بقلوب سامعيه.
كيف لا والله تعالى بعثه ليكون للناس أسوة حسنة وقدوة عظيمة وبهذا السلك الرفيع اجتمعت العرب حوله، واستجابت لدعوته والله تعالى يقول:
{ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ… } …(آل عمران/159)
حدث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أقاربه عن توحيد الله ودعاهم إلى نبذ الأصنام، أنذرهم، وبشرهم، فسكت البعض، وغمغم آخرون بكلمات الرضا في صدورهم، ولم يخرجوها خشية العاقبة وصرح أبو طالب بأن محمد صادق وكانت الورقة الخاسرة في هذا اللقاء أبو لهب الذي تصدى للرسول - صلى الله عليه وسلم - بكل عنف.
أما الشق الأول من القربين ومثله أبو طالب فقد كسب رسول الله جانبه بالتأييد أو على الأقل بالحياد. وهذا كسب ثمين ما كان ليتصور محمد - صلى الله عليه وسلم - حصوله بهذه السرعة.
أما الشق الثاني وقد تفرد به أبو لهب وحمل وزره فيتمثل في العداء المقيت لدعوة محمد عليه السلام والإصرار على المواجهة والمحاربة والإيذاء.
ومن هنا علم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن دعوته لن تجد الطريق مفروشا بالورود. وعليه أن يشمر على ساعديه ويستعد لتحمل تبعاتها التي لا يعلم حجمها إلا الله.
كما علم عليه السلام أن هذه الدعوة صائرة إلى النصر والتمكين لثقته العظيمة في ربه ولما لمسه من نتائج مشجعه في أول مناسبة للإصلاح بالدعوة. (1/58)
صفحة 59
دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أقاربه إلى وليمة جريا على الأعراف المحمودة في المجتمع العربي المتمثلة في إكرام الوافد على البيت، ومحاولة لكسب قلوبهم وتطيب خاطرهم.
وإكرام الضيف وحسن استقباله خلق كريم درج عليه العرب واستحسنه الناس وحمده الإسلام. وهنا يكون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد دخل البيوت من أبوابها وسلك منهج الدعوة من دربه الصحيح.
وبدعوة الرسول عليه الصلاة والسلام والله لأقاربه خطا خطوة إلى الأمام، وخرج بالدعوة من الاتصال الفردي والسرية والتخفي إلى إعلانها على رؤوس الملأ. وبذلك يكون مجال الدعوة قد اتسع وهمومه حتما ستزداد، ولكل عمل استعداد ولكل مواجهة عدتها.
(6)- دعوة بطون قريش:
أمر الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يبدأ بإنذار عشيرته قال الله تعالى:
{ وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ… } …(الشعراء/214)
ولم يكتف المولى سبحانه بعموم أمره بالصدع بالحق في قوله:
{ فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنْ الْمُشْرِكِينَ… } …(الحجر/94)
رغم أنه يشمل أفراد عشيرته وذوي قرباه الداعية في دعوته وعلى جديته فيها، وفي ذلك إلماح إلى درجة المسؤولية، فالداعية مسؤول عن نفسه في درجة أولى ثم هو مسؤول عن أهله ومن لاذ به من قرابته. فعليه أن يعطي دعوة العشيرة جزءا من وقته وطاقته.
إن الإنذار الخاص لا ينافي الإنذار العام بل هو عنصر من عناصره. قال الله تعالى آمرا محمدا بالدعوة العامة:
{ وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا… } …(الأنعام/92)
وقال عز وجل:
{ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ… } …(يس/6)
وبمناسبة قوله تعالى:
{ وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ… } …(الحجر/89)
ورد عن أبي موسى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (1/59)
صفحة 60
" إنما مثلي ومثل ما بعثني الله به كمثل رجل أتي قومه فقال: يا قوم إني رأيت الجيش بعيني وأني أنا النذير.. فالنجاء النجاء فأطاعه طائفة من قومه فأدلجوا وانطلقوا على مهلهم فنجوا، فأهلكهم فأجتاحهم فذلك مثل من أطاعني واتبع ما جئت به ومثل من عصاني وكذب ما جئت به من الحق"
وقد استجاب محمد - صلى الله عليه وسلم - لأمر ربه فدعا أولا بني هاشم ونفرا من بني عبد مناف فأفسد عليه عمه أبو لهب محاولته الأولى فدعاهم ثانية وخطبهم فقال:" الحمد لله وحده لا شريك له ثم قال:" إن الرائد لا يكذب أهله والله لو كذبت الناس جميعا ما كذبتكم ولو غررت الناس جميعا ما غررتكم والله الذي لا إله إلا هو إني لرسول الله إليكم خاصة وإلى الناس عامة.." فقال له عمه أبو طالب:"ما أحب إلينا معاونتك ..وهؤلاء بنو أبيك مجتمعون.. فامض لما أمرت به فو الله لا أزال أحوطك وأمنعك غير أن نفسي لا تطاوعني على فراق دين عبد المطلب".
وواصل النبي - صلى الله عليه وسلم - تبليغ الدعوة فصعد يوما على جبل الصفا ونادى (ياصباحاه) فاجتمع إليه بطون قريش ما بين رجل يجيء إليه وبين رجل يبعث رسوله لينظر ما هو؟
روى مسلم عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دعا فعم وخص فقال: " يابني عبد المطلب، يا بني فهر، يا بني لؤي، يا بني عدي، يا معشر قريش أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بني كعب أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد شمس أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة بنت محمد أنقذي نفسك من النار.. فإني والله لا أملك لكم من الله شيئا إلا أن لكم رحما سأبلها ببلالها "أي سأصلها بصلتها". (1/60)
صفحة 61
وقد بين الرسول - صلى الله عليه وسلم - بهذه الدعوة وهذا البلاغ لأقاربه ولبطون قريش:" بني هاشم وبني الحارث وبني عبد شمس وبني زهرة وبني تميم وبني مخزوم وبني جمح وبني سهم وبني عبد الدار وبني المطلب وبني عدي وبني نوفل" بين لهم جميعا أن التصديق برسالته هو الصلة بينه وبينهم ولا تنفع عصبية القرابة.
وقد استمر عليه السلام يدعو إلى الله ليلا ونهارا وسرا وجهارا لا يصرفه عن الدعوة صارف يتبع الناس في أنديتهم ومجامعهم ومحافلهم وفي المواسم والأسواق يدعو من لقيه من حر وعبد وضعيف وقوي وفقير وغني.. فأنظم إلى الدعوة روافد جديدة من بطون قريش رفعت الرصيد إلى ثلاثمائة مسلم بين رجل وامرأة رغم محاربة قريش للدعوة.
إن البدء الرسول بدعوة القارب والعشيرة حكما جليلة منها: أن مواجهة الناس تعرض الداعية والدعوة للخطر ولا بد من حماية، وعشيرة الداعية أكثر الناس استعدادا لحمايته فبنو هاشم وبنو عبد المطلب أولى أهل مكة بإعلامهم بالدعوة الجديدة قال الله تعالى على لسان قوم شعيب:
{ قَالُوا يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ… } …(هود/91)
لقد كان محمد وصحبه حريصين على إنقاذ أهلهم من عذاب النار لذلك مضوا إلى المحافل يبلغون الدعوة وينذرون كل من لقيهم ويتواجدون في الكعبة يتصلون بالوافدين عليها يعرضون مبادئ دينهم ويغشون نوادي قريش يتصلون بأهل مكة يوضحون لهم معالم الإسلام دون اصطدام معهم والتزموا عدم التعرض لآلهة قريش، وركزوا على ذكر محاسن الإسلام وبخاصة:
" لا إله إلا الله محمد رسول الله"
(7)- أوائل من أسلم:
منذ أن بدأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعوته اتصل بأقرب الناس إليه وأحبهم إلى قلبه ودعا أعز خلصائه وكان متيقنا أنه حتى وإن لم يؤمنوا به لن يخذلوه ولن كشفوا سره للأعداء فآمن بدعوته كل من: (1/61)
صفحة 62
(1) خديجة بنت خويلد: زوجته ومكمن سره، أول من أسلم، آمنت به بلا تردد وصدقت بما جاءه من الله تعالى من أول وهلة آزرته على أمره فكانت له المعين تثبته وتشد على عزيمته وتخفف عنه وتهون عليه أمر الناس وما يلقاه من ردهم وتكذيبهم. فكانت رضي الله عنها مثالا للزوجة الصالحة التي تهيء لزوجها الداعية كل الظروف التي يحتاج إليها لنجاح دعوته واستمر أريتها ويحق لها أن تبشر ببيت في الجنة.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :
" أمرت أن أبشر خديجة ببيت من قصب(1) لا صخب فيه ولا نصب(2)".
(2) علي بن أبي طالب:أول من أسلم من الفتيان آمن بالرسول محمد - صلى الله عليه وسلم - وبدعوته إلى الله تعالى وكان سنه آنذاك حول العاشرة.
كان يعيش مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في بيته فلاحظ أن رسول الله وزجه خديجة يصليان صلاة خاصة فسأل الرسول عن ذلك فأجابه بقوله عليه السلام:
" هذا دين الله الذي اصطفي لنفسه وبعث به رسله، فأدعوك إلى الله وحده لا شريك له وإلى عبادته وأن تكفر باللات والعزى.
فقال له علي: هذا أمر لم أسمع به قبل اليوم فلست بقاض أمرا حتى أحدث به أبا طالب.
فمكث ليلة يفكر فيما رأى وسمع من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأوقع الله في قلبه الإسلام وفي الصباح قدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لينطق بالشهادة ويكفر باللات والعزى.
وكتم علي إسلامه ولم يظهره ومكث يأتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على خوف من أبيه أبي طالب ويخرج معه إلى الشعاب لأداء الصلاة.
__________
(1) القصب : اللؤلؤ المجوف.
(2) سيرة ابن هشام ج1/2 (1/62)
صفحة 63
(3) زيد بن حارثه: أول من أسلم من الموالي كان زيد رقيقا، اشترته خديجة ووهبته إلى زوجها محمد - صلى الله عليه وسلم - ليكون خادما له ومطيعا فأحسن معاملته أيما إحسان ولما عثر عليه أبوه بعد طوال بحث وانتظار طلب من محمد - صلى الله عليه وسلم - أن يرده إليه فخير الرسول الغلام بين البقاء أو الرجوع مع أبيه فاختار صحبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما رأى فيه من سماحة ولطف وفطرة وطهارة نفس وصدق حديث فقر وقال:
" لقد رأيت من هذا الرجل شيئا وما أنا بالذي أفارقه أبدا".
هكذا اختار زيد أن يعيش رقيقا في كنف محمد - صلى الله عليه وسلم - على أن يعيش في أسرته حرا طليقا.
وحتى تقر عين أبيه أعتقه محمد - صلى الله عليه وسلم - وتبناه وأشهد الناس على ذلك لصبح هذا المولى فردا من أفراد أسرة النبوة.
فإذا كان هذا رأي زيد في محمد - صلى الله عليه وسلم - قبل البعثة فكيف يكون بعدها.
ولما دعا الرسول - صلى الله عليه وسلم - زيدا إلى الإسلام استجاب وآمن ودخل إلى الإسلام مسرعا ولذلك عد من أول الناس إيمانا وإسلاما.
(4) أبو بكر الصديق: كان أبو بكر رضي الله عنه رجلا محببا في قريش يألف الناس ويألفونه ويجتمعون عنده فيستمعون إلى حديثه ومجلسه.
وكان عالما بأنساب قريش وأيامها ملما بأخبار الناس وحوادث الدهر، وكان رجلا تاجرا يطوف بتجارته في الآفاق، فزادته التجارة والسياحة في البلدان علما وتجربة. فكان مجلسه مجلس أنس وعلم وتسلية وكان إلى كل ذلك لطيف المعشر حلو الحديث، وكان يحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حبا شديد، فما كاد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعرض عليه الإسلام حتى أسلم وكان إسلامه رضي الله عنه إسلام الواثق المطمئن إلى صدق ما جاء به صاحبه لذلك قال فيه رسول الله : (1/63)
صفحة 64
" ما دعوت أحدا إلى الإسلام إلا كانت عنده فيه كبوة(1) ونظر وتردد إلا ما كان من أبي بكر بن قحافة ما عكم(2) عنه حين ذكرته له وما تردد فيه.
ولم يكتف أبو بكر رضي الله عنه بإيمانه بهذا الدين الجديد بل جعل يدعو إلى الإسلام سرا من كان يثق به من أصدقائه وأحبائه من جلسائه فأستجاب له وآمن بدعوته كل من:-
5- عثمان بن عفان
6- الزبير بن العوام
7- عبد الرحمن بن عوف
8- سعد بن أبي الوقاص
9- وطلحة بن عبيد الله
وأعقب هؤلاء النفر التسعة مجموعة أخرى من المسلمين الأوائل وهم:
- أبو عبيدة عامر بن الجراح
- أبو سلمة بن عبد الأسد
- الأرقم بن أبي الأرقم
- عثمان بن مظعون وأخواه قدامه وعبد الله
- عبيدة بن الحارث
- سعيد بن زيد بن عمرو وزوجته فاطمة أخت عمر بن الخطاب
- أسماء وعائشة ابنتا أبي بكر
- خباب بن الأرث
- عمير بن أبي وقاص
- عبدالله بن مسعود
- مسعود بن القارئ
- سليط بن عمرو
- عياش بن أبي ربع وامرأته أسماء بنت سلامة.
- خنيس بن حذافة
- عامر بن ربيعه
- عبدالله بن جحش وأخوه أبو أحمد
- جعفر بن أبي طالب وامرأته أسماء بنت عميس
- حاطب بن الحارث وامرأته فاطمة بنت المحلل
- حطاب بن الإرث وامرأته فكيهة بنت يسار
- معمر بن الحارث
- السائب بن عثمان بن مظعون.
- المطلب بن أزهر وامرأته رملة بنت أبي العوف
- نعيم بن عبدالله
- عامر بن فهيرة
- خالد بن سعيد بن العاص وامرأته أمينة بنت خلف
- حاطب بن عمرو.
- أبو حذيفة بن عتبه بن ربيعة
- واقد بن عبدالله
- خالد وعامر وعاقل وإياس بنو عبد الجليل.
- عمار بن ياسر وأبوه وأمه سمية
- صهيب بن سنان الرومي.
(8)- هموم الداعية:
أ – الإيذاء والاضطهاد:
الدعوة إلى الله تعالى مسؤولية عظيمة أماطها الله تعالى بأعناق المرسلين والدعاة المخلصين.
__________
(1) كبوة: تأخر وقلة إجابة
(2) عكم: تلبث (1/64)
صفحة 65
وهي رسالة خطيرة يؤديها أولئك الدعاة وينشرونها بين الناس بكل صدق وإخلاص لإخراجها من الظلمات إلى النور، وهي جزء من حياتهم لا يرون لعيشهم لذة إلا في رحابها ولا راحة إلا بأدائها.
والدعوة كذلك عمل تغييري يستهدف تبديل عادات الناس، بل يهز اعتقاداتهم التي ورثوها عن آبائهم فيصلحها، ويقوم سلوك الناس بعد ذلك وفقا لمنهجها.
وبما أن الدعوة تستهدف الإنسان في اعتقاداته وأفكاره وسلوكياته وعاداته وتقاليده فإن طريقها ملئ بالمخاطر محفوف بالمصاعب.
ولو تتبعنا سير المرسلين لوجدناهم مجاهدين في حياتهم يحملون أمانة الدعوة ليبلغوها إلى الناس، ويتحملون في نفس الوقت أنواعا من العنت وأشكالا من (الأذى) المفرد الأذيات.
قال تعالى مشيرا إلى متاعب الدعاة المرسلين:
{ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا… } …(إبراهيم/13)
تعرض نوح عليه السلام إلى الصدود والإعراض، كما تعرض لصنوف من السخرية والاستهزاء. قال له قومه:
{ قَالُوا يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنتَ مِنْ الصَّادِقِينَ… } (هود/32)
وقال تعالى:
{ وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ… } (هود/38)
كما تعرض إبراهيم عليه السلام إلى أذيات شتى. هدده قومه بالحرق ونفذوا تهديهم لو أن نجاه الله منها.
قال تعالى:
{ قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنتُمْ فَاعِلِينَ… } (الأنبياء/68)
وكذلك الأمر مع موسى وعيسى وسائر الأنبياء والمرسلين عليهم السلام.
وإذا كان كل نبي أو رسول تعرض لصنف من الأذيات، فإن رسول الله محمدا - صلى الله عليه وسلم - تعرض لكل الأصناف مجتمعه وتحمل همومها كاملة. (1/65)
صفحة 66
تعرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يدعو الناس لأنواع من الأذيان وأصناف من التنكيل وقفت جميعها في طريق الدعوة الجديدة استطاع عليه السلام أن يواجهها بصبر وحكمة وثبات.
فقد سعي المشركون جادين في وضع منعطفات في طريق الدعوة الفتية، أرادوا بذلك إيقاف نشاط رسول الله عليه الصلاة والسلام أو الحد من انتشار هذه الدعوة أو تأجيل نجاحها.
كما عملوا على توهين مساعيه وتثبيط عزيمته لعله يتوقف عن دعوته.
عارضوه، واستكبروا على ندائه وأصروا على عنادهم. فنزلت الأذيات على الرسول - صلى الله عليه وسلم - كقطع الليل لا يجد لها نهاية أو حدودا.
كان عليه السلام يناديهم للإيمان بالله تعالى ونبذ الأوثان فيجعلون أصابعهم في آذانهم حتى لا يسمعوا النداء فكان عليه السلام يشعر بالأسى والحسرة لصدود قومه ويشتد عليه الغم حتى تأتيه السلون من ربه.
يقول عز وجل:
{ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ… } (فاطر/8)
وكان من أشد الأيام عليه أذى وحسرة وأسى أنه عليه السلام خرج يوما على قومه يدعوهم فلم يلقه أحد من الناس إلا كذبه وأذاه من الأحرار والعبيد ولم يستجب له.
ولما نشط عليه الصلاة والسلام في دعوته اشتد عليه أمر قريش، فأغروا به سفاءهم فكذبوه وآذوه ورموه بالشعر والسحر والجنون والكهانة وهو عليه السلام مظهر لأمر الله ينشر دعوته علنا غير مستخف بها.
قال تعالى:
{ وَقَالُوا يَاأَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ… } (الزخرف/49)
{ وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ… } (ص/4)
وقال عز وجل يدافع على رسول الكريم ورد أقاويل الكافرين
{ فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ(29)أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ } …(الطور/29-30) (1/66)
صفحة 67
قال الكافرين إن هذا الذي يقرأه محمد ليس وحيا بل هو تقول:
{ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لَا يُؤْمِنُونَ } (الطور/33)
كان عليه الصلاة والسلام يدعو الناس إلى التوحيد فيرغبهم فيه، ويحذرهم من عاقبة الكفر، ويلاطفهم بعبارات رقيقة ليتألف قلوبهم، رغم أن القوم يقابلونه بالجفاء ويغمزونه بكلمات جارحة وعبارات مؤذية.
كان زعماء قريش يوما جالسين في الحجر فذكروا رسول الله وقالوا ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من أمر هذا الرجل قط. سفه أحلامنا، وشتم آباءنا، وعاب ديننا وفرق جماعتنا، وسب آلهتنا. فبينما هم في ذلك إذ طلع عليهم - صلى الله عليه وسلم - فغمزوه ببعض القول وكرروا ذلك. فوقف عليه السلام وقال:
"أتسمعون يا معشر قريش أما والذي نفسي لقد جئتكم بالذبح"
فنزلت الكلمات على رؤوسهم كالصاعقة، وسكت الجميع، فقام واحد منهم يهدئه ويسكنه ويقول: أنصرف أبا القاسم فوالله ما كنت جهولا.
فانصرف - صلى الله عليه وسلم - حتى إذا كان من الغد طلع عليهم يدعوهم فوثبوا عليه وثبة رجل واحد وعابوه، وجروه من ردائه فقام أبو بكر مدافعا عنه وهو يقول:
" أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله"
وكان عليه الصلاة والسلام إذا جلس مجلسا يدعو الناس فيه ويتلو عليهم القرآن ويحذر قريشا ما أصاب الأمم الخالية خلفه في مجلسه النضر بن الحارث وقام بين الناس فحدثهم عن أساطير الأمم الخالية ليفسد على رسول الله دعوته ثم ينادي في الناس: والله ما محمد بأحسن حديث مني وما حديثه إلا أساطير الأولين أكتتبها كما أكتبها فأنزال الله تعالى قوله الكريم:
{ وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا… } (الفرقان/5)
وأنزل فيه أيضا:
{ إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ… } (القلم/15) (1/67)
صفحة 68
وقد سعى المشركون إلى أذية رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: رموا عليه سلا جزور(1) وجعلوا الأشواك في طريقه وحاول أبو جهل اغتياله.
قال أبو جهل: يا معشر قريش إن محمدا فقد أبى إلا ما ترون من عيب دين وشتم آبائنا، وتسفيه أحلامنا، وشتم آلهتنا، وأني أعاهد الله لأجلسن له غدا بحجر ما أطيق حمله، فإذا سجد في صلاته فضخت به رأسه فأسلموني عند ذلك أو امنعوني، فليصنع بعد ذلك بنو عبد مناف ما بدا لهم.
وكان الأمر كذلك لما كان من الغد وسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - احتمل أبو جهل الحجر ثم أقبل حتى إذا دنا منه رجع منهزما منتقعا لونه مرعوبا قد يبست يداه على حجره.
إن الله تعالى يدافع عن الذين آمنوا وقد قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - :
( والله يعصمك من الناس)
تراجع عدو الله ليحكي لأصحابه قائلا: فلما دنوت منه عرض لي دونه فحل من الإبل، لا والله ما رأيت مثل هامته ولا مثل قصرته(2) ولا نابه لفعل قط فهم بي أن يأكلني.
لم تكتف قريش بما ألحقته من أذيات برسول الله - صلى الله عليه وسلم - بل سولت لها أن تحكم خطة للتخلص منه. فقد اجتمع طواغيت مكة في دار الندوة يدبرون الأمر. فاقترح بعضهم أن ينفي محمد من مكة فلا يدخلها أبدا وترتاح قريش من أمر هذا الرجل ورأى آخرون أن يوضع في قيود من حديد ويترك الجوع والعطش لا ينجده أحد حتى يموت وانتهى أمرهم في الآخر إلى قتله.
قال أبو جهل: أرى أن تأخذوا من كل بطن من قريش شابا نيسيبا وسطا فتيا. ثم نعطي كل فتى سيفا قادما ثم يضربونه ضربة رجل واحد فإذا قتلوه تفرق دمه في القبائل كلها، ولا أظن بني هاشم يقوون على حرب قريش كافة فإذا لم يبق أمامهم إلا الدية أديناها.
وينجي الله رسوله الكريم ونزل عليه آيات من القرآن الكريم تضمد جراحه وتخفف عليه ما ألم به من إعنات وإذ آية .
قال تعالى:
__________
(1) كرش بعير.
(2) القصرة، أصل العتق. (1/68)
صفحة 69
{ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ… } …(الأنفال/30)
إذ آيات تنزل برسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يجد لها نهاية ولكن إيمانه بالله ويقينه بنصره كان أقوى من مكر الماكرين.
لم يتوقف البلاء عند هذا الحد بل سارع طغاة مكة إلى المستضعفين من أصحابه الذين أسلموا يكلون لهم أصنافا من التعذيب وهم صابرون ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتعهدهم ويسليهم ويغرس فيهم روح النصيحة والبذل والصمود من أجل هذا الدين وقد ذهب إليه يوما خباب بن الأرث يستنجد به ويرجو أن يدعو الله تعالى يفرج عنهم الكربة ويجل الهم والغمة.
قال خباب: شكونا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو متوسد برده في ظل الكعبة. فقلنا: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال - صلى الله عليه وسلم - : قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها، ثم يؤتي بالمنشار فيوضع على رأسه، فيجعل نصفين ، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن الله تعالى هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت.فلا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون"
هموم جسام يحملها رسول الله في نفسه ومرارات يتجرعها وماذا عساه أن يفعل لأصحابه أمام طغيان قريش. ليس له ولاصحابه سوى الصمود والاحتساب.
قال تعالى:
{ الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ… } …(آل عمران/173)
ب- حصار الشعب:
لما تبين أن تعذيب الداخلين في الدين الجديد لم يزدهم إلا ثباتا سارعوا إلى كتابة وثيقة المقاطعة وإخراج المسلمين من مكة إلى شعب أبي طالب. (1/69)
صفحة 70
كتبت قريش الصحيفة لمزيد الإذاية والتنكيل بشخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
تعاقدت قريش على بني هاشم وبني المطلب ألا يناكحوهم ولا يبايعوهم ولا يجالسوهم، ولا يخالطوهم، ولا يدخلوا بيوتهم ولا يكلموهم حتى يسلموا إليهم رسول الله ليقتلوه.
كما تعاهدوا على ألا يقبلوا صلحا ولا تأخذهم بهم رأفة حتى يسلموه للقتل وعلقوا الصحيفة في جوف الكعبة.
فانحاز بنو هاشم وبنو عبد المطلب مؤمنهم إيمانا واحتسابا وكافرهم حمية وعصبية إلى الشعب.
أما أبو لهب فقد انحاز إلى أصحاب الوثيقة وعزم على متابعة المسلمين والتضييق عليهم.
وكان يحضر المجالس والأسواق وإذا رأى مسلما يشتري زادا أو طعاما لأهله غالى عليه ومنع التجار من البيع له قائلا: يا معشر التجار غالوا على أصحاب محمد حتى لا يدركوا معكم شيئا، وقد علمتهم مالي ووفاء ذمتي فأنا ضامن لا خسائر عليكم.
أقام المسلمون مع رسول الله يتحملون ويلات الجوع والعطش وشدة البرد والحر إيمانا واحتسابا وهم يستقلون ما أصابهم من آذى في سبيل الله تعالى وفي سبيل حماية رسوله الكريم.
وكانت الآيات تتنزل على رسول اله - صلى الله عليه وسلم - تسليهم وتثبتهم على اليقين.
قال تعالى:
{ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمْ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ… } …(البقرة/ 214) (1/70)
صفحة 71
مكث المسلمون في الشعب ثلاث سنوات لا يصل إليهم شيء إلا سرا ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ذلك يدعو قومه ليلا نهارا ويعلمهم ويربيهم وهم صابرون محتسبون فجهد النبي والمسلمون جهدا شديدا، واشتد عليهم البلاء حتى أنهم كانوا يأكلون ورق الشجر، وكان الواحد منهم يأتي إلى السوق ليشتري شيئا يقتاته وعياله فيغالي عليه التجار فيرجع إلى أطفاله وهم يتضاغون من الجوع وليس في يده شيء يعللهم به.
وإذا حصل أحدهم على طعام من بعض بيوتات قريش حجزوه عنه ومنعوه منه.
وقد لقي أبو جهل حكيم بن حزام بن خويلد معه غلام يحمل قمحا يريد به عمته خديجة وهي في الشعب مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتعلق به قائلا: أتذهب بالطعام إلى بني هاشم، والله لا تبرح أنت وطعامك حتى أفضحك بمكة.
لولا أن أبا البختري تدخل وصد أبا جهل عن صنيعه القبيح.
بلغ الجوع بالمسلمين مبلغه، وأضناهم الحرمان وألجأهم أن يأكلوا ما لا مساغ له.
عن سعيد بن أبي وقاص قال: خرجت ذات ليلة لأبول فسمعت قعقعة تحت البول فإذا قطعة من جلد بعير يابسة فأخذتها وغسلتها ثم أحرقتها ورضضتها بالماء فقويت بها ثلاثا.
فالمسلمون في الشعب في حالة لا يحسدون عليها والداعية الأول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يكن أحسن حالا من أصحابه بل يحمل هموم الدعوة وهموم أصحابه الدعوة فيصبر ويحتسب والوحي يثبته ويثبت أصحابه الكرام ويطالبهم باليقين والجلد، وهم يرددون قول الله عز وجل:
{ وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ… } …(الأعراف/126)
وفي هذه الأيام الكالحة لم يتوقف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الدعوة بل راح يدعو الناس في كل حين، يلقاهم مع أصحابه في موسم الحج ويدعوهم إلى الإسلام فيكسب أتباعا.
إن الدعوات المخلصة لا تعرف للاستسلام مجالا بل الفتن تزيدها عمقا وامتدادا. (1/71)
صفحة 72
تذكر الروايات أن المسلمين في هذه المرحلة العصيبة كسبوا أتباعا كثرا وأن صبر الدعاة المجاهدين حطم كبرياء المشركين وفت في عضدهم فانقسموا على أنفسهم وفشلوا في مخططاتهم وانتهي بهم الأمر إلى نقض الصحيفة، وعلا صوت الحق وانهار أمامه صوت الباطل.
{ وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا… } …(الإسراء/81)
كان الحصار في الشعب مدرسة للمسلمين الجدد يشحذ إيمانهم ويعودهم على الصبر واحتمال أعباء الدعوة في مستقبل الأيام.
وفي تلك الأيام الرهيبة كان الداعية المربي عليه السلام يمثل الأسوة الحسنة لأصحابه يجوع قبل أن يجوعوا ويتحمل هموم الدعوة فيتألم لحالهم ويصبر لما يناله من أذى.
ولعله إذا جاء في يده طعام ليس به رمقه آثريه أصحابه دونه وهو في أمس الحاجة إليه.
هكذا كان عليه الصلاة والسلام داعية إلى الله تعالى، معلما الناس دينهم، يوطنهم على الحسنه ويزكيهم من الفاحشة.
كان عليه الصلاة والسلام الداعية العارف بربه، وهو النبي الذي يوحي إليه، يدعو إلى الله على بصيرة من أمره وقناعة من نفسه يستظل بآيات الذكر الحكيم ويسترشد يهديه.
{ وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ … } (الطور/48)
ج – المفاوضات والثبات على المبدأ:
لم يزد أسلوب التعذيب والاضطهاد محمدا وصحبه إلا تمسكا بالدين وفشل الكفار في حصارهم للمسلمين ومقاطعتهم.
وإثر الجهر بالدعوة وقرب موسم الحج عرفت قريش أن وفود العرب ستقدم عليهم فرأت أن تفسد على محمد دعوته فلا يكون لها أثر في نفوس العرب واتفقت على تحذير القادمين للموسم من اتباع محمد " لا تطيعوه فإنه صابئى كذاب". (1/72)
صفحة 73
واستعملوا أساليب لمواجهة الدعوة منها السخرية والتكذيب ومنا تشويه تعاليم الإسلام وإثارة الشبهات حول شخص الرسول ودينه. ومنها محاولات للتفاوض مع رسول الله ومساومات يحاولون بها أن يجعلوا محمدا يتنازل عن بعض مبادئه وقد أخذت المفاوضات طابعين: فرديا وجماعيا.
فعلى المستوى الفردي حاول عتبة بن ربيعه زعيم بني أمية التفاوض مع رسول الله . فقال ذات يوم: وهو في نادي قريش ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالس في المسجد وحده." يا معشر قريش ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أمورا لعله يقبل بعضها، فنعطيها أيها شاء ويكف عنا؟ فقالوا: بلى يا أبا الوليد قم إليه فكلمه. فقام إليه عتبة حتى جلس إلى رسول الله فقال: يا ابن أخي إنك منا حيث قد علمت من المنزلة الرفيعة في العشيرة والمكان في النسب وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به جماعتهم وسفهت به أحلامهم وعبت به آلهتهم ودينهم وكفرت به من مضى من آبائهم فاسمع مني أعرض عليك أمورا تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها.
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " قل يا أبا الوليد أسمع" قال عتبة: يا ابن أخي: إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت تريد به شرفا سودناك علينا حتى لا نقطع أمرا دونك، وإن كنت تريد به بلكا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه فإنه ربما غلب التابع(الجن) على الرجل حتى يداوى منه، وإن كان إنما بك ألباه، فاختر أي نساء قريش شئت فلنزوجك عشرا.
ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يستمع منه فقال: أقد فرغت يا أبا الوليد؟
قال: نعم. قال النبي: فاسمع مني. قال أفعل.
فقال محمد - صلى الله عليه وسلم - بسم الله الرحمن الرحيم (1/73)
صفحة 74
{ حم(1)تَنزِيلٌ مِنْ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ(2)كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ(3)بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ… } …(فصلت/1-4)
ثم مضى رسول اله يقرأ عليه سورة فصلت وعتبة ق ألقى يديه خلف ظهره معتمدا عليهما يسمع منه ثم انتهي النبي إلى السجدة.
{ ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون(37)فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون… } …(فصلت/37-38)
فسجد - صلى الله عليه وسلم - ثم قال: قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت فأنت وذاك.
فقام عتبة إلى أصحابه فقال بعضهم لبعض: نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به. فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ فقال: ورائي أني قد سمعت قولا والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا الكهانة. يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها بي وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم فإن تصبه العرب كفيتموه بغيركم وإن يظهر على العرب فملكه ملككم وعزه عزكم وكنتم أسعد الناس به.
قالوا سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه( قال: هذا رأيي فاصنعوا ما بدا لكم)
وفي رواية ثانية أن عتبة استمع حتى جاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى قوله تعالى:
{ فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ… } …(فصلت/13)
قام عتبة مذعورا فوضع يده على فم رسول الله يقول: أنشدك الله والرحمن وذلك مخافة أن يقع النذير. (1/74)
صفحة 75
ويهمنا موقف الرسول من هذه المفاوضة وادب حواره وكيف جلس يستمع لهذه العروض السخيفة من عتبة فلم يقاطعه في حديثه ولم يشمئز من كلامه بل أفسح له مجال المتابعة ويسأله هل فرغت؟ ويخاطبه بالكنية( يا أبا الوليد) احتراما له رغم أنه خصم عنيد وسع صدره لاستماع وجهة نظره عدوه حتى يضمن أن يستمع خصمه لكلامه. ثم تلا عليه سورة فصلت التي تعرض عقيدة الإسلام ومن أهم عناصرها التوحيد وتتحدث عن قدرة الله وتنذر بالصاعقة حتى ناشده عتبة بالله والرحم ليكف فكف. ورغم أن عتبة لم يسلم لكنه أنهزم أمام الدعوة وبلاغة القرآن وأعلن أمام قومه ذهوله بما سمع ودعاهم لإيقاف الحرب ضد دعوة محمد. فاتهمته قريش بأن محمدا سحره فانسحب من المعركة ضد محمد ووراءه بنو أمية وهو يردد" هذا رأيي فافعلوا ما بدا لكم" وبذلك ضعف من تكالب الأعداء على الدعوة بتحييد بني أمية.
أما التفاوض على المستوى الجماعي فقد عددت المحاولات.
فقد اجتمع أشراف قريش من كل قبيلة وليس فيهم هاشمي واحد:
عتبة وشيبة ابنا ربيعة
أبو سفيان بن حرب
النضر بن الحارث
أبو البختري بن هشام
الأسود بن المطلب
زمعة بن الأسود
الوليد بن المغيرة
أبو جهل بن هشام
عبدالله بن أبي أمية
العاص بن وائل
أمية بن خلف
ونبيه ومنبه أبنا الحجاج
اجتمعوا بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة فقال بعضهم لبعض:"ابعثوا إلى محمد وخاصموه حتى تعذروا به " فبعثوا إليه إن أشراف قومك اجتمعوا إليك ليكلموك فاأتهم فجاءهم محمد - صلى الله عليه وسلم - سريعا وهو يظن أنه قد بدا لهم فيما كلمهم فيه بداء(أي ظهر لهم أمر) وكان عليهم حريص يحب رشدهم ويعز عليه عنتهم حتى جلس إليهم فقالوا له: (1/75)
صفحة 76
" يا محمد إنا قد بعثنا إليك لنكلمك وإنا والله لا نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه مثل ما أدخلت على قومك لقد سببت الآباء وعبت الدين وشتمت الآلهة وسفهت الأحلام وفرقت الجماعة فما بقي من أمر قبيح إلا جئته فيما بيننا وبينك. ثم كرروا قريبا من العروض التي قدمها عتبة فقالوا:
"إن كنت إنما ججئت بهذا الحديث تطلب به الترف فينا سودناك علينا وإن كنت إنما تطلب به مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثر منا مالا، وإن كنت تريد ملكا ملكناك علينا وإن كنت هذا الذي يأتيك رئيا من الجن تراه قد غلب عليك بذلنا أموالنا في طلب الطب لك حتى نبرئك منه أو نعذر فيك".
فرد عليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأدبه المعهود وحجته الظاهرة فقال:" ما بي ما تقولون، ما جئت بما جئتكم به أطلب أموالكم ولا الشرف فيكم ولا الملك عليكم ولكن والله بعثني إليكم رسولا وأنزل على كتابا وأمرني أن أكون بشيرا ونذيرا فبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم فإن تقبلوا منى ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة ون تردوه على أصبر لأمر الله حتى يحكم بيني وبينكم"
قالوا: يا محمد فإن كنت غير قابل منا شيئا مما عرضناه عليك فإنك قد علمت نه ليس من الناس أحد أضيق بلدا ولا أقل ماء ولا أشد عيشا منا فاسأل ربك الذي بعثك بما بعثك به فليستر عنا هذه الجبال التي قد ضيقت علينا وليبسط لنا بلادنا وليفجر لنا فيها أنهارا كأنها الشام والعراق وليبعث لنا من مضى من آبائنا وليكن فمن يبعث لنا قضي بن كلاب فإنه كان شيخ صدق فنسأله عما تقول أحق هو أم باطل؟
فإن صدقك وصنعت ما سألناك صدقناك وعرفنا به منزلتك من الله وأنه بعثك رسولا كما تقول.
ونلاحظ نحول المفاوضين من أسلوب الترغيب إلى أسلوب التعجيز لكن الرسول - صلى الله عليه وسلم - رد عليهم: (1/76)
صفحة 77
" ما بهذا بعثت إليكم وإنما جئتكم من الله بما بعثني به وقد بلغتكم ما أرسلت به إليكم فإن تقبلوه فهو حظكم في الدنيا والآخرة وردن تردوه على فاصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم"
وقص القرآن مطالب الكفار التعجيزية في سورة الإسراء.
قال تعالى:
{ وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنْ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا(90)أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا(91)أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا(92)أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُه قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا… } …(سورة الإسراء/90-93)
وازداد المفاوضون تعنتا وإصرارا على التعجيز فقالوا: " فإذا لم تفعل هذا فخذ لنفسك: سل ربك أن يبعث معك ملكا يصدقك بما تقول ويراجعنا عنك، وإما لا فليجعل لك جنانا وقصورا وكنوزا من ذهب وفضة يغنيك بها عما نراك تبتغي فإنك تقوم في الأسواق تلمس المعاش كما نلتمس حتى نعرف فضلك ومنزلتك من ربك عن كنت رسولا كما تزعم.
" ما أنا بفاعل وما أنا بالذي يسال ربه هذا وما بعثت إليكم بهذا ولكن بعثني بشيرا ونذيرا"
قالوا:" فأسقط السماء علينا كما زعمت أن ربك إن شاء فعل فإنا لا نؤمن لك إلا أن تفعل"
فقال صلى " ذلك إلى الله إن شاء أن يفعله بكم فعل". (1/77)
صفحة 78
قالوا: يا محمد أفما علم ربك أننا سنجلس معك ونسألك عما سألناك عنه ونطلب منك ما نطلب فيتقدم إليك فيعلمك ما تراجعنا به ويخبرك ما هو صانع في ذلك بنا إذ لم تقبل منك ما جئتنا به. إنه قد بلغنا أنك إنما يعلمك هذا رجل باليمامة يقال له الرحمن وإنا والله لا نؤمن بالرحمن أبدا. فقد أعذرنا إليك يا محمد وإنا والله لا نترك وما بلغت منا حتى نهلكك أو تهلكنا" وهذه لهجة تهديد بالاغتيال".
وقال قائلهم: نحن نعبد الملائكة وهي بنات الله. وقال قائلهم لن نؤمن لك حتى تأتينا بالله والملائكة قبلا.
فلما قالوا ذلك لرسول الله قام عنهم وقام معه عبدالله بن أبي أمية ابن المغيرة وهو أبن عم عاتكة بنت عبد المطلب فقال له:" يا محمد عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبله منهم ثم سألوك لأنفسهم أمورا ليعرفوا منزلتك عند الله كما تقول ويصدقوك ويتبعوك فلم تفعل، ثم سألوك أن تعجل لهم بعض ما تخوفهم به من العذاب فلم تفعل فوالله لا أؤمن بك أبدا حتى تتخذ إلى السماء سلما ثم ترقي فيها وأنا أنظر إليك حتى تأتيها ثم تأتي معك أربعة من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول وأيم الله لو فعلت هذا ما ظننت أني أصدقك؟ ثم انصرف عن رسول الله وكذلك انصرف محمد إلى أهله حزينا أسفا لما فاته مما طمع به من قومه حين دعوه ولما رأى من مباعدتهم إياه.
وقد حرصنا على نقل هذا النص على طوله لأنه أجمع النصوص التي طرحت القضايا الكبرى التي تم التفاوض عليها بين قيادة مكة وبين رسول الله. (1/78)
صفحة 79
لما استفحل أمر المسلمين واصبحوا يدعون إلى الله جهارا لجا الكفار إلى العروض المغرية: المال والملك والسيادة والنساء وهي مزالق خطيرة على طريق الدعوة فكم من الدعاة في مختلف العصور، سقط أمام بريق المال حرصا عليه أو خوفا من ذهابه، وكم عرضت على الدعاة الصادقين أموال طائلة فثبتوا أمام الإغراء تأسيا بمحمد - صلى الله عليه وسلم - ورفضوا مد أيديهم وأما الجاه فقد رفضه رسول الله وكان يمكن أن يقبل بالملك حتى إذا توج حكم بالإسلام واستطاع الدعوة إلى الله لكنه لم يفعل لأن الطريق أن يسلم الناس أمرهم لله، أولا وبعد ذلك تتنزل التشريعات تنظم حياتهم وتطلب منهم أمورا فيأتونها وتنهاهم عن قضايا فيجتنبونها.
إن ما عرضوه من أمور لا تقبل إلا بعد الاعتراف بالإسلام شرعا وحكما، والاعتراف برسالة محمد وبالكتاب المنزل عليه وتطبيق مبادئه والاحتكام إليه.
كما عرضت قريش على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نساءهم يختار عشرا منها أجملهن وأحسنهن يكن زوجات له بغية تثبيط همته عن الدعوة وشغله بالشهوة والولد وإغراءت النساء وفتنتهن ، ولكنه رفض كل هذه العروض المغرية، وقد كان رده واضحا على ما طلبوه من تسيير الجبال وتفجير الأنهار وإحياء الموتى وإسقاط السماء أو أن تكون له قصور وجنان بأنه بشر وأن الأمر لله إن شاء أن يفعله بهم فعل لا يعجزه شيء في السماء ولا في الأرض. وبهذا الجواب الحاسم أفشل النبي - صلى الله عليه وسلم - مفاوضة حشدت لها قريش كل إمكانياتها ورد محمد كل ما تقدم به زعماء قريش من عروض.
ثم توالت محاولات قريش التفاوضية بغية إيقاف دعوة محمد - صلى الله عليه وسلم - .
فعن عقيل بن أبي طالب قال: جاءت قريش إلى أبي طالب فقالوا: إن أبن أخيك قد أذانا في نادينا فانهه عنا. (1/79)
صفحة 80
فقال: عقيل انطلق فأتنى بمحمد، فانطلقت إليه فاستخرجته من بيت صغير، فجاء به في الظهيرة في شدة الحر فلما أتاهم قال أبو طالب: إن بني عمك زعموا أنك تؤذيهم في ناديهم ومسجدهم فانته عن أذاهم، فعلق رسول الله ببصره إلى السماء فقال:" ترون الشمس؟ قالوا: نعم- قال: فما أنا بأقدر أن أدع ذلك منكم على أن تشتعلوا منه بشعلة"
فقال أبو طالب: والله ما كذب ابن أخي قط فأرجعوا."رواه البخاري"
وفشلت هذه المحاولة أيضا في أن تزحزح محمدا قيد شعرة عن دعوته.
ثم إنهم مشوا إلى أبي طالب مرة أخرى وصعدوا من تهديدهم فقالوا:" إنا قد استنهيناك عن ابن أخيك فلم تنه وإنا والله لا نصبر على هذا من شتم آبائنا وتسفيه أحلامنا وعيب آلهتنا حتى تكفه عنا أو تنازله وإياك في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين. فعظم الوعيد على أبي طالب وقال لرسول الله:" يا ابن أخي إن قومك قد جاءوني فقالوا لي كذا وكذا... فأبق عليّ وعلى نفسك ول تحملني من الأمر ما لا أطيق فظن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن عمه سيخذله وأنه ضعف عن نصرته والقيام معه فقال في ثبات:" يا عم والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر- حتى يظهره الله أو أهلك دونه ما تركته" ثم بكي وقام، فناداه أبو طالب وقال له:
( اذهب يا ابن أخي فقل ما أحببت فوالله لا أسلمك لشيء أبدا). وأنشد:
والله لن يصلوا إليك بجمعهم
فاصدع بأمرك ما عليك غضاض
تى أوسد في التراب دفينا
وأبشر وقر بذاك منك عيونا
?
ولمزيد الضغط على أبي طالب الذي أبي خذلان رسول الله ذهب إليه كفار قريش بعمارة بن الوليد وقالوا له:
( إن هذا أنهد" أحسن" فتي في قريش وأجمله فخذه فلك عقله ونصره اتخذه ولدا وأسلم إلينا ابن أخيك الذي خالف دينك ودين لآبائك فنقتله فإنما هو رجل رجل .
فقال أبو طالب: والله لبئس ما تسومونني أتعطوني ابنكم أغذوه(أطعمه) لكم وأعطيكم ابني تقتلونه؟: هذا والله لا يكون أبدا
.. (1/80)
صفحة 81
ويتجلي ثبات رسول الله ورفضه التنازل عن جزئية واحدة على حساب دعوته في المحاولة الأخيرة التي قام بها وفد قريش لدى أبي طالب ليكف ابن أخيه فلما اشتكي أبو طالب وبلغ قريشا مرضه وثقله قال بعضها لبعض:
" إن حمزة وعمر أسلما، وقد فشا أمر محمد في قبائل قريش كلها فانطلقوا إلى أبي طالب فليأخذ على ابن أخيه فأنا تخاف أن يموت هذا فيكون إليه شيء فتعيرنا به العرب، يقولون تركوه حتى إذا مات عمه تناولوه.
فمشي أشراف مكة وهم خمسة وعشرون رجلا إلى أبي طالب فقالوا:" يا أبا طالب إنك منا حيث قد علمت وقد أحضرك ما ترى وتخوفنا عليك الذي بيننا وبين ابن أخيك فادعه فخذ له منا وخذ لنا منه ليكف عنا ونكف عنه وليدعنا وديننا وندعه ودينه. فبعث إليه أبو طالب فجاءه فقال: يا ابن أخي، هؤلاء أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليعطوك ويأخذوا منك وأخبره بالذي قالوا له وعرضوا عليه من عدم تعرض كل فريق للآخر.
فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:( أرأيتم أن أعطيتكم كلمة تكلمتم بها العرب ودانت لكم بها العجم).
فتحير القرشيون ولم يعرفوا كيف يرفضون هذه الكلمة الواحدة النافعة فقال أبو جهل: ماهي؟ وأبيك لنعطيكها وعشر أمثالها:
قال:( تقولون لا إله إلا الله وتخلعون ما تعبدون من دونه) فصعقوا بأيديهم ثم قالوا: أتريدنا يا محمد أن نجعل الآلهة إلها واحدا إن أمرك لعجب وتأكدوا أن محمدا لن يعطيهم شيئا مما يريدون فقالوا:
امضوا على دين آبائكم حتى يحكم الله بينكم وبينه ونزل فيهم قوله تعالى: (1/81)
صفحة 82
{ ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ(1)بَلْ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ(2)كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ(3)وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ(4)أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ(5)وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنْ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ } …(ص/1-7)
وبعد وفاة أبي طالب استمر رسول الله في ثباته على مبادئ دعوته ورفض التنازل عن أي مبدأ مقابل الحماية فقد تحركت الحمية في أبي لهب حين رأى تكالب قريش على إيذاء ابن أخيه بعد وفاة أخيه أبي طالب فقال لرسول الله: اذهب يا ابن أخي وما كنت تصنعه وأبو طالب حي فاصنعه".
وكان لهذا الموقف وقع الكارثة على قريش التي خططت لتجرد محمد - صلى الله عليه وسلم - من أي حماية فأوعزت إلى أبي لهب أن يسأل رسول الله عن عبد المطلب؟ فكان رسول الله في وضع محرج: إما أن يهادن ويقبل المساومة بكلمة واحدة فتستمر الحماية وإما أن يصرخ بحكم الله في عبد المطلب فتنهار الحماية إذا كانت على حساب العقيدة. وعندها قال أبو لهب: مازلت عدوا لك أبدا.
وانضم إلى معسكر قريش.
لقد أصر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على توضيح حكم الله في عبد المطلب حتى تفهم قريش أنه لا التقاء بين الكفر والإسلام بل مفاصلة تامة ولو كان ذلك الموقف يسبب خسارة حماة محمد وأصحابه.
فالهدنة مقبولة إذا أوقفت الحرب مع العدو وهيأت سبل الدعوة أما إن كانت على حساب المبادئ فلا تقبل.
د – عام الحزن( فقدان السند وأثره على الدعوة): (1/82)
صفحة 83
سميت السنة التي فقد فيها شيخ البطحاء أبو طالب وزوجة النبي البارة خديجة بعام الحزن لتوالي المصائب على رسول الله وجرأة الأعداء على دعوته بعد ذهاب الناصر المنافع والسند المواسي الذي يأوي إليهما ولم يجد من ذوي قرابته من يعوضه عنهما.
ولقد وصلت الدعوة في مكة إلى طريق مسدود بعد فقدان الحصن الذي كانت تحتمي به من هجمات السفهاء والكبراء والذي مثله أبو طالب رغم بقائه على ملة أبيه عبد المطلب. لقد كان فعلا عضدا وحرزا ومنعه وناصرا يذود عن النبي حتى يبلغ عن ربه ويتحمل مشادة قومه ومضايقتهم له ولا يخذل ابن أخيه ويقبل لومهم حتى لا يوجه إلى محمد.
وقد اتضح موقفه المناصر في المفاوضات ولعل بقاءه على دين قريش جعلها تقر بسيادته ولا تخفر له جوارا، ولو آمن(وهذا في علم الله) ما استطاع أن يدافع عن رسول الله ولألحقته8 قريش بمن ناوأها فيفقد سلطان على مكة ولا يقدر على حماية محمد وقد صرح رسول الله بذلك" إن قريشا ما نالت مني في حياة أبي طالب ما نالته من بعده".
فقد أعترضه بعد وفاة عمه أبي طالب سفيه من سفهاء قريش فنثر على رأسه ترابا ودخل بيته والتراب على رأسه فقامت إليه إحدى بناته فجعلت تغسل عنه التراب وهي تبكي ورسول الله يقول لها: لا تبكي يا بنيه فإن الله مانع أباك".
ولم تزل تتوالى على رسول الله الأذيات من قومه بعد موت عمه فكاشفوه بالنكال والأذى فازداد غما على غم وكاد ييأس منهم وفكر في مكان آخر يلتمس فيه النصرة ليواصل تبليغ دعوته. (1/83)
صفحة 84
فقادة مكة مصرون على موقفهم العدائي والمسلمون بين مشرد في الحبشة ومضطهد في مكة لذلك بحث عن منطلق جديد للدعوة حتى لا تتوقف وتربة أخرى يبذر فيها دعوته فأختار الطائف لعل أهلها يقبلون إيواءه لكنهم ردوه ردا قبيحا ولم يستجيبوا لدعوته. ولا يماري أحد أن أبا طالب كان له موقف مشرف في حماية الدعوة. زاد عن ابن أخيه ليبلغ ما أمر به ورضي أن يعيش محروما مضيقا عليه في الرزق مقاطعا في الشعب ليساند محمدا والحق الذي معه رغم أنه لم يؤمن به.
ولقد تأثرت الدعوة بفقد أبي طالب فحوصرت وأغفلت دونها الأبواب واشتدت وطأة الكفار على الداعية وأصحابه لكنها لم تتوقف. ولئن لم يدخل أبو طالب في زمرة المؤمنين فقد أيد دعوة التوحيد وصرح بأن محمدا صادق راشد.
عن العباس بن عبد المطلب قال للنبي عليه السلام:" ما أغنيت عن عمك فقد كان يحوطك ويغضب لك؟ قال:هو في الضحضاح من نار ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار" وقد كانت وفاة أبي طالب قبل خديجة بثلاث ليال على أرجح الأقوال.
أما روجته خديجة بنت خويلد فقد كانت وزيرة صدق على الإسلام يشكو إليها فتواسيه وتشد أزره وتمنع عنه الأذى وتخفف عنه حتى لا يؤثر على نفسه فيطمئن ويسكن إليها.
بقيت خديجة مع رسول الله ربع قرن تحن عليه ساعة قلقة وتؤازره في أحرج أوقاته وتعينه على إبلاغ دعوته وتشاركه في مغارم التبليغ فتواسيه بمالها ونفسها.
قال - صلى الله عليه وسلم - مثنيا عليها:" آمنت بي حين كفر بي الناس وصدقتني حين كذبني الناس وأشركتني في مالها حين حرمني الناس"
لقد أذهبت عنه الرعب يوم نزل عليه الوحي وجاء يرجف فؤاده وخففت عنه كل الجوارح التي أصابته نتيجة صدود قومه وإعراضهم وأذاهم وقد أكد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - امتداحه لخديجة ووفاءه لها حتى بعد وفاتها حيث قال: (1/84)
صفحة 85
( ما أبدلني خير منها... ورزقني الله منها الولد إذ حرمني أولاد النساء) وهذا يبرز مكانة خديجة رضي الله عنها في قلب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعظم تأثره بفقدها.
أصبح رسول الله عام الحزن إذا عاد إلى بيته مهموما مكروبا من شدة ما يلقاه من أذى قومه وكيد المشركين لا يرى وجه خديجة وهي تستقبله بإشراقها وابتسامتها، لقد حرم كلمات التثبيت والتبشير والمواساة والتشجيع على المضي في طريق الدعوة رغم ثقته القوية ويقينه الجازم في نصر الله له وتأييده لدعوته.
هـ-اللجوء إلى الجوار:
لقي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سبيل دعوته إلى الحق ألوانا شتي من العذاب من الذين كفروا من قريش وممن شاكلهم من أهل ثقيف لما سلطوا عليه سفاءهم إلا أن ذلك كله لم يثنه عن عزمه وخرج من هذا الابتلاء وهو أشد ما يكون ثقة بربه وأكثر ما يكون طمأنينة إلى نصرته وتأييده.
ورغم ما لقيه الداعية محمد - صلى الله عليه وسلم - من أهل الجهالة والسفه من قريش وثقيف لم يترك في نفسه شيئا من الضغينة والحقد عليهم بل ظل يدعو لهم بالهداية ويرجو أن يمن الله عليهم بنعمة الإيمان قائلا:
" اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون"
لقد أخرجه قومه من مكة وكذلك فعل من كانوا بالطائف، ولكن لا مناص من الرجوع إلى مكة منطلق الدعوة.
ولما عاد من الطائف ووصل إلى مكان اسمه نخلة أقام به ثلاثة أيام(1) يدبر لنفسه خطة الرجوع إلى مكة والدخول على قريش لمواصلة الدعوة وفي آن واحد ليأمن أذاهم ويتقي طغيانهم ولا سيما بعد أن سبقه النبأ إليها بما كان بينه وبين ثقيف.
والعودة إلى مكة ضرورية لاستغلال موسم الحج وعرض دعوته على القبائل التي تحضر ذلك الموسم ففكر في اللجوء إلى جوار أحد الكفار وهو السبيل الوحيد والمخرج السليم من هذه الورطة يجبره ومنع عنه الأذي ويحميه من بطش القرشيين خاصة وأن العرب يقدرون حق الجوار ويحترمونه.
__________
(1) صور من حياة الرسول-أمين دويدار (1/85)
صفحة 86
فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كل ذلك ليضمن مواصلة دعوته علها تجد آذانا صاغية وقلوبا واعية.
فأرسل عليه السلام إلى الأخنس بن شريق يعرض عليه أن يدخل مكة في جواره فاعتذر وكذلك فعل سهيل بن عمرو، فالتجأ بعدئذ إلى المطعم بن عدي فأجابه إلى ما أراد وبعث إليه أن يدخل مكة في جواره.
وفعلا بات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تلك الليلة عنده، ولما أصبح خرج الرسول - صلى الله عليه وسلم - وخرج معه المطعم وبنوه الستة وقد تقلدوا السيوف جميعا فدخلوا المسجد الحرام وقالوا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: طف...
فأقبل أبو جهل(1) إلى المطعم فقال: أمجير أم تابع؟ قال المطعم: لا بل مجير.
قال أبو جهل: إذن لا تخفر(2) ...
ولما قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طوافه وصلاته انصرف وانصرف معه المطعم وبنوه يحيطونه.
وأخبر أبو جهل قومه ما كان من جوار المطعم لمحمد - صلى الله عليه وسلم - واضطرت قريش أن تمضي هذا الجوار وتقبله فلم تتعرض لرسول الله بسوء لكنها جعلت تفكر وتدبر منذ أن عرفت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يريد أن يعرض دعوته على قبائل العرب في موسم الحج وجعل زعماؤها يتبادلون الرأي فيما يجب أن يفعلوه حتى يحولوا بينه وبين هذه القبائل ويمنعوا بذلك انتشار الدعوة الإسلامية.
وـ-ظلم ذوي القربى:
أظهر أبو لهب عم الرسول - صلى الله عليه وسلم - عدوانه ابن أخيه محمد منذ بدايتها وأعلنها أمام قومه بأنها حرب شعواء ينذر وتوعد ويقسم باللات والعزي ليبذلن دمه وماله في حرب هذه الدعوة للقضاء عليها.
__________
(1) فقه السيرة: محمد الغزالي- وقيل أبو سفيان( صورة من حياة الرسول وفقه السيرة النبوية- الغضبان).
(2) لا تخفر: أي لا ينقص عهدك ولا يتعدى أحد على من أجرته وتصديت لحمايته. (1/86)
صفحة 87
واندفع أبو لهب في عدواته لمحمد - صلى الله عليه وسلم - ولدعوته فلم يراع في ذلك رحما ولا قربي ولم يقدر أن ذلك الذي يعاديه هو ابن أخيه وصهره وجاره الملاصق فأعماه الغضب والتعصب في كل ذلك ولم يأبه بشيء.
وانساق عدو الله مع البغض والكره الشديد حتى صار أعدى عدو للنبي محمد - صلى الله عليه وسلم - فكان يقتفي أثر الرسول - صلى الله عليه وسلم - في كل مكان يختاره للدعوة إلى الله تعالى ليصفه بأبشع النعوت ويقول للمستعلمين لا تنصتوا إليه إنه صابيء، وكان يهزأ منه ومن دعوته ويقول: يعدني محمد أشياء لا أراها يزعم أنها كائنة بعد الموت فماذا وضع في يدي بعد ذلك ثم ينفخ في يديه ويقول تبا لكما ما رأى فيكما شيئا مما يقول محمد فأنزل الله تعالى فيه:
{ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ… } …
وسارت على نهجه زوجته إذ كانت هي الأخرى عنيفة العداوة للرسول محمد - صلى الله عليه وسلم - فأنزل الله تعالى في شأنها سورة تتلى إلى يوم القيامة فيها وعيد شديد:
بسم الله الرحمن الرحيم
{ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ(1)مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ(2) سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ(3)وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ(4)فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ… } (سورة المسد)
قال ابن إسحاق: فذكر لي أن أم جميل حمالة الحطب حين سمعت ما نزل فيها وفي زوجها من القرآن أتت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو جالس في المسجد عند الكعبة ومعه أبو بكر الصديق وفي يدها فهر(1) من حجارة، فلما وقفت عليهما أخذ الله ببصرها عن رسول الله محمد - صلى الله عليه وسلم - فلا ترى إلا أبا بكر فقالت: يا أبا بكر أين صاحبك؟ فقد بلغني أنه يهجوني والله لو وجدته لضربت بهذا الفهر فاه... ثم انصرفت فقال أبو بكر: يا رسول الله أما تراها رأتك؟ فقال محمد - صلى الله عليه وسلم -: ما رأتني لقد أخذ الله ببصرها عني...
__________
(1) فهر من حجارة: حجارة تملأ الكف. (1/87)
صفحة 88
فصلة القربى والرحم والنسب والجوار والمصاهرة لم تؤثر في أبي لهب بل إن عداوته للداعية محمد - صلى الله عليه وسلم - تزداد شيئا فشيئا، ولعل ازدياد العداوة يعود إلى أن زوجة أبي لهب أم جميل بنت حرب هي أخت أبي سفيان بن حرب زعيم بني أمية المشهور بعداوته الصارخة لرسول الله محمد - صلى الله عليه وسلم - في أغلب مراحل دعوته حتى فتح مكة ليدخل في الإسلام مع الداخلين.
وأم جميل هذه كانت تكره الإسلام والمسلمين عامة وتحقد على الرسول محمد - صلى الله عليه وسلم - خاصة فكانت تثير الفتن بينه وبين قومه وتسعى بالنميمة بين الناس لتفسد عليهم قلوبهم وقد وصفها الله تعالى بأبشع الصفات فسماها حمالة الحطب كناية عن النميمة والوشاية التي أشتهرت بها بين الناس.
وكانت أم جميل تعمل دائبة على تحقير الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وامتهانه إذ كانت تعيره بالفقر وبموت البنين وتضع في طريقه الشوك والقذرات وتقرض في ذمه الشعر وتتغنى به في مجالسها.
وقد بلغ من عداواتها وحقدها على الرسول الداعية أنها لم تكن تنطق باسمه قط ولم تكن تدعوه إلا مذمما، ومما أثر عنها قبحها الله قولها: مذمما قلينا(1) * ودينه أبينا * وأمره عصينا.
وكان - صلى الله عليه وسلم - يضحك من ذلك بقوله: يا عباد الله انظروا كيف يصرف الله عني شتمهم ولعنهم... يشتمون مذمما ويلعنون مذمما وأنا محمد.
وهذان العدوان اللدودان(أبو لهب وزوجته) هما اللذان أثر على ولديها عتبة وعتيبة لتطليق زوجتيهما رقية وأم كلثوم بنتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نكالة فيه وحقدا عليه وإيذاء له.
__________
(1) قلينا : كرهنا وأبغضنا. (1/88)
صفحة 89
هكذا صار واضحا أن أبا لهب وزوجته أم جميل من أشد الناس عداوة للرسول - صلى الله عليه وسلم - ودعوته، وكان همهما الشديد وحزنهما البالغ أن تظهر هذه الدعوة وأن ينجح الداعية محمد في تحويل الناس عن دين قريش فجعلا شغلهما الشاغل أن يفسدا على الرسول - صلى الله عليه وسلم - أمره وأن يصرفا الناس عن دعوته وأن يبذلا في ذلك كل ما يستطيعان من جهد ووقت وراحة ومال.
ز- الثبات والاستمرار في الدعوة:
لقد لقي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أذى قريش ما أعلنته وشق عليه، كما لقي من إغرائهم ما يجعل المرء يداهن أو يلين أو حتى يميل، فلو كان بشرا غير مؤيد بالوحي لما استطاع أن يتحمل أذاهم ولا أن يقاوم إغرائهم إذ من المحتمل أن يميل إلى ناحيتهم بعض الميل أو أن يترضاهم بعض الترضي ولكنه رسول الله المكلف بتبليغ دعوته فالله يؤيده بقوته ويثبته ويعينه على احتمال ما ينالونه به من الأذى وعلى مقاومة ما يخدعونه به من مغريات وإلى هذا يشير القرآن الكريم بقوله تعالى:
{ وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنْ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِي عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا(73)وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا(74)إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا… } …(الإسراء/73-75)
بهذا الدعم الإلهي وبهذا التثبيت للداعية حتى يبلغ دعوته للناس جمعا أخفقت كل المحاولات التي قامت بها قريش وأرادت أن تثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن دعوته أو توقف تيارها الجارف.
وكان الموقف الصامد الذي وقفه منها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع عمه أبي طالب دليلا على أنه عليه السلام مصمم على الوصول بهذه الدعوة إلى غاياتها وتحقيق أهدافها كلفه ذلك ما كلفه. (1/89)
صفحة 90
وكانت الكلمة التي ألقاها إلى عمه أبي طالب يوم أحرجته قريش وخيرته بين أن يكف عنها ابن أخيه أو أن تكون حربا بينه وبينه حتى يهلك أحد الفريقين- توضح المنهج الذي اختاره الداعية محمد - صلى الله عليه وسلم - للمسير قدما بدعوته والدستور الذي سيلتزم به مستقبلا في توصيل دعوة الحق إلى من لم تبلغه حتى يحكم الله بينه وبين أعدائه.
لقد قال عمه يوم ذاك:
" يا ابن أخي أبق عليّ وعلى نفسك ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق". فكان جوابه - صلى الله عليه وسلم - على ذلك:
يا عم والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه...
بهذا الكلام الموجز والمعبر، وبهذا الثبات صمم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأقر العزم على أن يواصل مسيرة دعوته إلى الله تعالى حتى النهاية مهما كانت التكاليف، حتى وأن لم يقتنع بدعوته في البداية إلا القليل من الناس فنتيجة الدعوة موكولة إلى الله تعالى وما على الداعية محمد - صلى الله عليه وسلم - إلا لبلاغ المبين.
وقد بذلت قريش في سبيل صده عن دعوته كل ما تستطيع من جهد وتوسلت إليه بكل ما تستطيع من حيلة واستباحت ما يجوز وما لا يجوز في عرف المروءة وتنازلت وأتت من الأعمال ما قد لا يتصوره العقل وثابرت وصابرة في ذلك السنين الطوال ولكنها بعد كل ذلك أدركت وتيقنت أن محمدا - صلى الله عليه وسلم - لن ترهبه القوة مهما بلغت ولن يخدعه الإغراء مهما عظم وأن كل محاولة لتحويله عن طريق هذه الدعوة واستمرأريتها لا تجدي ولا تفيد...
9- الرحلة من اجل تبليغ الدعوة:
أ- الهجرة إلى الحبشة (1/90)
صفحة 91
لما اشتد الخناق على الدعوة في مكة وضيق المشركون المسالك على المسلمين، أدرك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد سنتين من الجهر بالدعوة ألا قدرة له على حماية أصحابه وأتباعه من البلاء النازل عليهم. وعلم أن الزعامة الوثنية ماضية في غيها، عازمة على المواجهة العنيفة لكل من تسول له نفسه الدخول في الدين الجديد، مصممة على خنق أنفاس الدعوة مستخدمة لتحقيق ذلك كافة الأساليب.
ورأى - صلى الله عليه وسلم - أن يعطي فرصة للمضطهدين يستردون فيها أنفاسهم ويجمعون قواهم ليعودوا إلى حمل أمانة الدعوة أصلب عودا، وأقوى شكيمة، فأشار عليهم بالهجرة إلى الحبشة عسى أن يحدث الله تعالى في هذه الفترة أمرا كان مفعولا.
فكر عليه الصلاة والسلام في أمر الدعوة، وكان حريصا على تأمينها، فلا بد إذا من تأمين أصحابها الذين يحملونها في أنفسهم، ففكر في المكان البديل الذي يستطيع فيه أولئك الداخلون الجدد إلى دين الله تعالى أن يعبدوا الله بلا عنت.
فقال لهم:" لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكا لا يظلم عنده أحد، وهي أرض صدق حتى يجعل الله لكم فرجا مما أنتم فيه".
فاستجابوا لأمر رسول الله، وتركوا الدار، وفارقوا الأهل فادين بدينهم.
خرج عدد منهم وفيهم السابقون الأولون، خرج عثمان بن عفان وزوجته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو حذيفة بن عتبة معه امرأته سهلة بنت سهل، والزبير بن العوام، ومصعب بن عمير وغيرهم.
غير أن هذه الرحلة كانت مليئة بالأتعاب، فلبحر أمامهم لا بد من معاناة ليقطعوه، وقريش من ورائهم تتعقبهم وتقتضي آثارهم وتطلبهم أحياء أو أمواتا لتنكل بهم وتفتنهم عن دينهم.
وأرض الحبشة مجهولة لديهم لا يعلمون ما يخبئه القدر لهم فيها.
ولكنهم تحاملوا على أنفسهم وصمموا على المضي قدما نحو الحبشة تنفيذا لأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفرارا بدينهم. (1/91)
صفحة 92
وصل المهاجرون أرض الحبشة وظنوا أنهم بلغوا مأمنهم وانتهت سلسلة الفتن المتراكمة عليهم ولكنهم ما إن استقر بهم الأمر أياما قلائل حتى فاجأهم خبر قدوم وفد قريش على النجاشي بالهدايا والعطايا ليستردوهم ويرجعوا بهم من حيث أتوا إلى مكة.
وكادت تنجح مكيدة المبعوثين وتنطلي الحيلة على النجاشي فقد أوتي عمرو بن العاص قدرا من الدهاء والفطنة ولم يكن اختيار قريش له ولصاحبه عبدالله بن أبي ربيعة عبثا وهم يعلمون الرجلين وقوة محاججتهما.
ولكن الله تعالى قيض للمسلمين من هو أقوى حجة وأحسن بيانا وأثبت قدما يدافع عليهم وينافع عنهم.
فقد تصدى جعفر بن أبي طالب لأولئك الرجلين. وخطب أمام النجاشي خطبة وضع فيها الحق وفضح أعمال قريش وتجنيهم على المستضعفين من المسلمين. فتأثر النجاشي بكلامه وأدرك الحق فيه فسمح لهم بالعيش في بلده آمنين مطمئنين ورد وفد قريش خائبا لم ينل خيرا.
خطبة جعفر بن أبي طالب رضوان الله عليه: (1/92)
صفحة 93
أيها الملك كنا قوما أهل جاهلية نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف. فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا نعرف نسبه، وصدقه، وأمانته، وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده، ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئا. وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام فصدقناه، وآمنا به، واتبعناه على ما جاء به من الله. فعبدنا الله وحده فلم نشرك به شيئا، وحرمنا ما حرما علينا، وأحللنا ما أحل لنا. فعدا علينا قومنا فعذبونا، وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله تعالى، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث. فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلادك، واخترناك على من سواك، ورعبنا في جوارك ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك(1) .
تكلم جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه أمام النجاشي فأحسن الكلام وأجاد العرض. فأبرز حالة العرب في جاهليتهم وبسط البديل الإسلامي:
- توحيد لله تعالى بدل الشرك والأصنام
- دعوة إلى الطهر والعفة وتذكية للنفوس.
- نشر للعدل الإلهي بين الناس ورد للحقوق إلى أهلها.
- رفض التجني على الفقير والضعيف وحفظ لحقوق اليتيم، مبادئ سامية تستجيب لها الفطرة السليمة ويقبلها العقل القويم، ينادي بها الداعية محمد - صلى الله عليه وسلم - ليجمع الناس على عقيدة واحدة ودين واحد، يعبدون ربا واحدا ويدينون له بالخضوع والطاعة ليكونوا أمة واحدة يسودها العدل والتعاون وتحفظ فيها كرامة الإنسان وتتحقق عزته.
__________
(1) سيرة ابن هشام ص336ج1. (1/93)
صفحة 94
بهذا المنطلق السليم والحجة البالغة تكلم جعفر ودافع عن دينه ومبادئه. فلا غرو، فقد رباه الداعية محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعلمه القرآن ومبادئ الإسلام فكان خير سفير له وداعية عند النجاشي.
وأمام هذه الحجج البالغة اقتنع النجاشي بالرسالة الخاتمة وعلم أن المهاجرين الجدد أصحاب حق وأن وفد قريش أصحاب باطل. فسمح للمسلمين بالبقاء في مملكته ورحب بهم في بلاده ورضي بهم ضيوفا كراما عنده. ورد مبعوثي قريش خائبين لم ينالا خيرا.
ب- الرحلة إلى الطائف:
ضمن توجهات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نحو الرحلة إلى خارج مكة والبحث عن أرض جديدة للدعوة، خرج عليه السلام إلى الطائف تحت وطأة الاضطهاد الذي نال منه وأجهده.
غادر عليه الصلاة والسلام مكة يبحث عن مكان آخر ينشر فيه دين الله تعالى ويطلب من أهله الحماية والنصرة والمنفعة. فوقع اختياره على الطائف حيث تقطن ثقيف ومصيف الأغنياء من مكة.
خرج عليه السلام من مكة صحبه مولاه زيد بن حارثة وقطع الطريق الوعرة على قدميه أملا منه أن يجد نفوسا رقيقة وقلوبا رحيمة تقبل دعوته.
لما وصل عليه السلام إلى الطائف عمد إلى نفر من ثقيف هم يومئذ سادتها فجلس إليهم، ودعاهم إلى الله وعرض عليهم ما جاء من أجله. فبشرهم وأنذرهم، ورغبهم، وحذرهم، غير أنهم أعرضوا ونكصوا على أعقابهم، وأظهروا له الجفاء وهدوده بالانتقام.
لما علم عليه الصلاة والسلام أن دعوته لم تجد سبيلا إلى قلوبهم ناشدهم أن يكتموا أمره ولا يذيعونه بين الناس ليأمن على نفسه.
غير أنهم خانوا الأمانة وضربوا بمكارم الأخلاق عرض الحائط. فسبوه، وشتموه وحرضوا عليه صبيان الطائف وسفهاءها، فرموه بالحجارة ونالوا منه حتى دميت قدماه، وأخذ منه الجهد مأخذه.
عندئذ خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الطائف طريدا شريدا وصاحبه يدافع عنه ويحميه من حجارة الصبيان. ولما بلغ منه التعب مبلغه التجأ إلى بستان عساه ينال قسطا من الراحة. (1/94)
صفحة 95
جلس إلى ظل شجرة ورفع بصره إلى السماء يدعو ربه، يرجوه الرحمة ويجدد عهده لربه على المضي قدما في طريق الدعوة ولو كلفه ذلك حياته.هتف يقول:
" اللهم إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، أنت أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين وأنت ربي، إلى من تكلني! إلى بعيد يتجهمني، أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي، غير أن عافيتك هي أوسع لي...!
أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن يحل على غضبك، أو أن ينزل بي سخطك، لك العتبى حتى ترضى ، ولا حول ولا قوة إلا بك...؟ ".
وهنا تحركت عاطفة القرابة في قلوب ابني ربيعة إذ كانا قريبا منه يرقبانه عن كثب فأرسلا إليه قطفا من العنب مع غلام نصراني لهما يدعى عداسا.
أقبل عداس على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وناوله العنب فاستلمه منه وقال باسم الله وأكل.
استغرب عداس من مقاله رسول الله وهو يعلم أن العرب لا تقول هذا الكلام بل تقتصر عل عبارة " باسمك اللهم".
لما رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علامات الاستغراب تبدو على وجه عداس. سأله: من أي بلد أنت؟.
قال أنا نصراني من " نينوى".
قال عليه السلام:" أمن قرية الرجل الصالح يونس بن متى؟"
فأكب عداس على يدي رسول الله ورجليه يقبلهما.
وقعت المحاورة وابنا ربيعة يرقبان ما يحدث، عندئذ قال أحدهما للآخر: أما غلامك فقد أفسده عليك.
فلما جاء عداس قالا له: ويحك ما هذا؟
قال : ما في الأرض خير من هذا الرجل(1)
حادثة صغيرة لم تلق لها كتب السيرة بالا وطوية بين السطور دون أن تقف عندها أحد باهتمام.
إنها حادثة معبرة عن معاني عدة:
تصميم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الدعوة، لا يجد منفذا إلى ذلك إلا ودخله غير مستهين به واو بدا في ظاهره غير هام.
__________
(1) أخرج القصة ابن إسحاق بسند صحيح. (1/95)
صفحة 96
ولو كان المدعو عبدا رقيقا لا يملك نفسه. فالداعية يودع البذرة في باطن الأرض والله يتولى الإنبات والإنماء.
ولا شك أن هذا التصميم على الدعوة هو منهج سائر المرسلين والرسول - صلى الله عليه وسلم - يسير على نهجهم ويسير على خطاهم.
{ سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا… } (الإسراء/77)
هذا شأن الدعاة المخلصين لله تعالى وهو نهج الرسل وطريق سيد الأنبياء والمرسلين عليه الصلاة والسلام يدعو عداسا لعل الله تعالى يفتح أبواب الخير على يديه وقيض لهذه الدعوة من يرعاها وينشرها بين الناس.( كتب السيرة أهملت هذه الحادثة وعدتها حدثا عارضا).
لكننا نلفت إليها ونستخلص منها عبرة التصميم على الدعوة إلى الله واغتنام الفرص لذلك ، وعدم الاستهانة بالأحداث ولو بدت في ظاهرها صغيرة.
وبهذا الحادثة لم يعد الرسول - صلى الله عليه وسلم - من الطائف خائبا بل واساه ربه ليزيده ثباتا وعزما ويقينا.
نعم لم يستمع إليه أهل ثقيف بل عرضوا عن دعوته وردوه بسوء لكن الله تعالى أتاح له عبدا نصرانيا يعرض عليه الإسلام فيسلم ويحمل مبدأ التوحيد في نفسه. فيزداد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ربه لن يضيعه ولن يخذله وما عليه إلا الصبر.
قال تعالى:
{ وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ… } …(هود/115)
10- عالمية الدعوة(إنس وجن، الجزيرة العربية والحبشة)
حرص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منذ بداية الدعوة على إخراج كفار قريش من رقعتهم الضيقة المحبوسة بجبال مكة إلى الوجود الفسيح. وقد نزلت آيات كثيرة تشير إلى هذا الأفق الرحب الذي بعث إليه محمد - صلى الله عليه وسلم - ويشمل كل موضع يعيش عليه الثقلان: الإنس والجن فهو رسول إلى العالمين.
قال تعالى:
{ تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا… } (الفرقان/1)
وقال عز وجل: (1/96)
صفحة 97
{ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ… } (الأنبياء/107)
وقال تعالى:
{ قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا… } (الأعراف/158)
إن بشاريات عالمية هذا الدين تتجلي في مواقف النبي وأقواله فهو يتصدى لكل وافد مكة من القبائل العربية ويقول لوفد قريش عند أبي طالب:( نعم كلمة واحدة تعطونيها تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم)
فقال أبو جهل: نعم وأبيك وعشر كلمات. قال : ( تقولون لا إله إلا الله وتخلعون ما تعبدون من دونه).
كما تظهر عالمية هذا الدين قي قول رسول الله لبني شيبان لما وفدوا على مكة. وهو واثق من نصر الله لدعوته قال: ( أدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن تؤووني وتنصروني حتى أؤدي عن الله الذي أمرني به فإن قريشا قد تظاهرت على أمر الله وكذبت رسوله واستغنت بالباطل عن الحق). وذكرهم واقعهم مع الفرس فقال: ( أرأيتم إن لم تلبثوا إلا يسيرا حتى يمنحكم الله بلادهم وأموالهم) فقال النعمان بن شريك( اللهم وإن ذلك لك يا أخا قريش).
فتلا رسول الله قول الله تعالى:
{ يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا(45)وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا… } (الأحزاب/45-46)
وقد شهد العهد المكي إسلام صهيب الرومي وبلال الحبشي كما شهد إسلام وفد النصارى من الحبشة الذين سمعوا القرآن من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ففاضت أعينهم بالدمع وآمنوا به وصدقوه فاعترضهم أبو جهل وقال لهم: خيبكم الله من ركب بعثكم من وراءكم من أهل دينكم ترتادون لهم لتأتوهم بخبر الرجل فلم تطمئن مجالسهم عنده حتى فارقتم دينكم وصدقتموه فيما قال.فقالوا له: سلام عليكم لانجاهلكم لنا ما نحن عليه ولكم ما أنتم عليه. لم نأل أنفسنا خيرا.
قال الله تعالى: (1/97)
صفحة 98
{ الَّذِينَ ءآتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ(52)وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ(53)أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ(54)وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ… } (القصص/52-55)
قال سعيد بن جبير: نزلت في سبيعين من القسيسين بعثهم النجاشي فلما قدموا على النبي قرأ عليهم سورة يس حتى ختمها فجعلوا يبكون وأسلموا ونزلت فيهم هذه الآيات.
وقد أورد ابن إسحاق في سيرته هذه الرواية:
( ثم قدم على رسول الله وهو بمكة عشرون رجلا أو قريب من ذلك من النصارى حين بلغهم خبره من الحبشة فوجدوه في المسجد فجلسوا إليه وساءلوه ورجال من قريش في أنديتهم حول الكعبة فلما فرغوا من مساءلة النبي عما أرادوا دعاهم إلى الله تعالى وتلا عليهم القرآن فلما سمعوه فاضت أعينهم من الدمع ثم استجابوا لله وآمنوا به وصدقوه وعرفوا منه ما كان يوصف به في كتابهم من أمره. فلما قاموا عنه اعترضهم أبو جهل ابن هشام في نفر من قريش فقالوا ( ما نعلم ركبا أحمق منكم) فقالوا:( سلام عليكم لا نجاهلكم).
ومن مظاهر عالمية هذه الدعوة وأنها ستنتشر في أصقاع الأرض ما بشر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سراقة بن مالك الذي طارده في رحلة الهجرة في آخر العهد المكي. فقد منع سراقة من الوصول إلى محمد وطلب الأمان فقال له - صلى الله عليه وسلم - :
(كيف بك إذا لبست سواري كسرى ومنطقته وتاجه) (1/98)
صفحة 99
وقد حقق الله موعود نبيه على يد الجيل الذي رباه الداعية محمد ففتحت فارس والروم ومصر واليمن ودانت الأرض في أقل من مائة عام بالإسلام وفتحت القصور البيض من أرض بابل وخاض المسلمون البحر ففتحوا الجزر وأوصلوا الدعوة إلى معظم الأماكن العامرة ومختلف الأقوام.
وقد تجاوزت عالمية هذه الدعوة الإنس لتنتقل إلى عالم الجن حيث مر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في طريق عودته من الطائف بعد أن حاول البحث عن نقطة انطلاقة لدعوته خارج مكة وطلب النصرة وحماية الدعوة والإعانة على تبليغها من ثقيف فأساءت رده. لقد توقف - صلى الله عليه وسلم - وهو عائد بمكان بين الطائف ومكة يسمى نخلة فقام من جوف الليل يصلى فمر به نفر سبعه من جن نصيبين قدموا جهة تهامة في عملية بحث عن أسباب كثرة الشهب التي حالت بين الجن وبين خبر السماء فوجدوا النبي يقرأ القرآن في صلاته فدنوا منه حرصا على القرآن فأنصتوا وهالهم ما سمعوه ومسهم منه ما يذهل وملأ نفوسهم وفاض حتى لم يملكوا السكوت فأسلموا وانطلقوا يحدثون في روعة المأخوذ عن ذلك الحدث العظيم الذي شغل السماوات والأرض والإنس والجن والملائكة وترك آثاره في الكون كله.
لقد جاء محمد - صلى الله عليه وسلم - هاديا إلى الرشد فسمعته العرب وتوقف عن الإيمان به أكثرهم وتباطأوا وكانت الجن خيرا منهم إذ أقبلوا على الإيمان بمجرد السماع وقد فطنوا إلى أن الخلق لا يرشدون إلا بأتباع القرآن لأن دعوته رشد خالص. فولوا إلى قومهم منذرين و أجابوا إلى ما سمعوا وقد قص الله خبرهم في سورة الجن وسورة الأحقاف.
قال عز وجل: (1/99)
صفحة 100
{ وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنْ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ(29)قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ(30)يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِي اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ(31)وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِي اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءُ أُوْلَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ… } …(الأحقاف/29-32)
لقد دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الجن فآمنوا به وصدقوه واصبحوا دعاة إلى دينه الحنيف وهو درس بليغ في التلقي الصحيح عن الله ورسوله والأدب معهما. وفيه تأنيب لقريش على عنادها وتكذيبها وفيه إيناس لمحمد الداعية فثمرة إنذاره لا تضيع وإن لم يستجب له أهل مكة أو الطائف فلن يعدم مستجيبين حتى من غير الإنس.
والروايات عن وفادة الجن إلى رسول الله بعضهما يثبت ذهابه عليه السلام إليهم وكلامه ودعوته لهم وبعضها تدل أنه أوصى إليه أن نفرا من الجن استمعوا له وجمعا بين الروايات نستنتج أن اللقاء الأول الذي قصه الله في سورة الجن قال تعالى:
{ قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنْ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا(1)يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا… } …(الجن/1-2)
هذا اللقاء قد تم دون قصد من رسول الله إليهم بل المولى سبحانه أما لهم نحوه فسمعوه لكنه في اللقاءات الأخرى هو الذي ذهب إليهم وكلمهم ودعاهم وأعلمهم - صلى الله عليه وسلم - أن الله بعثه إلى الثقلين الإنس والجن وكلفهم أن يدعو قومهم. (1/100)
صفحة 101
روي البيهقي عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال:
(استتبعني رسول الله فقال: إن نفرا من الجن يأتون الليلة أقرأ عليهم القرآن. فانطلقت معه إلى المكان الذي أراد فخط لي خط وأجلسني فيه وقال لي" لا تخرج من هذا" فبت فيه حتى أتاني رسول الله مع السحر في يده عظم… وروثة … فقال إذا ذهبت إلى الخلاء فلا تستنج بشيء من هؤلاء).
وقد طالب جن نصيبين قومهم بتصديق دعوة الرسول محمد ورغبوهم أن من آمن غفر الله له ذنبه وأجاره من عذاب أليم وهددوهم أن من أعرض فلا مهرب له من الله ولا يحميه أحد وقد استجاب كثير من الجن لهذا النفر وجاءوا رسول الله وفودا.
11- عرض نفسه - صلى الله عليه وسلم - على القبائل في موسم الحج:
أ- دعوته - صلى الله عليه وسلم - للقبائل على مكة:
عاد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى مكة بعد رحلته إلى الطائف وحضر موسم الحج، وأقبلت قبائل العرب على البيت الحرام من كل فج تؤدي مناسك الحج وتقدم للأصنام ما عليها من نذور وقرابين، وفي الوقت نفسه تعرض بضاعتها في أسواق مكة ومن أشهرها سوق عكاظ ويقع بين مكة والطائف ومجنة سوق بأسفل مكة وذو المجاز في حرم مكة على يمين الموقف من عرفة.
وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد عقد العزم على أن يزور هذه الأسواق كلها ليعرض نفسه على القبائل التي حضرت موسم الحج يدعوهم إلى الله عز وجل ويخبرهم انه نبي مرسل ويسألهم أن يصدقوه ويمنعوه من أذى الكفار حتى يبين عن الله تعالى ما بعثه به.
وكانت قريش قد أعدت عدتها منذ علمت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سيعرض دعوته على القبائل وحرصت على أن تشوه دعوته هذه عند القبائل العربية وأن تحذرها من دعوة محمد - صلى الله عليه وسلم - التي تؤدي إلى الخلاف والفرقة بين الأهل والعشيرة حسب زعمها. (1/101)
صفحة 102
وجعلت قريش تتابع الرسول - صلى الله عليه وسلم - أينما ذهب، فكلما التقي بقبيلة من القبائل يعرض عليها دعوته وقف عليه رجل من قريش يحذرها مما يدعو إليه ويتهمه عندها بالجنون تارة وبالكذب تارة وبالسحر تارة أخرى.
وكانت لقريش مكانتها في نفوس العرب، فكان لقولهم هذا أثره في إعراضهم عن الرسول الداعية وعدم استجابتهم لما يدعو إليه.
روى ابن إسحاق عن ربيعة بن عباد الدؤلى أنه قال:
إني لغلام شاب مع أبي بمنى ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقف على منازل القبائل من العرب فيقول:
يا بني فلان ... إني رسول الله إليكم، أمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وأن تخلعوا ما تعبدون من دونه من هذه الأنداد وأن تؤمنوا بي وتصدقوا بي وتمنعوني حتى أبلغ عن الله ما بعثني به..
قال: وخلفه رجل أحوى وضيء له عذيرتان وعليه حلة عدنية فإذا فرغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من قوله وما دعا إليه قال ذلك الرجل: يا بني فلان... إن هذا إنما يدعوكم إلى أن تسلخوا اللات والعزى من أعناقكم وحلفاءكم من الجن من بني مالك بن أقيش إلى ما جاء به من البدعة والضلالة فلا تطيعوه ولا تسمعوا له...
وروي البيهقي عن رجل من كنانة قال: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بسوق ذي المجاز وهو يقول: قولوا لا إله إلا الله تفلحوا وإذا رجل خلفه يسفي(1) عليه التراب- فإذا هو أبو جهل وهو يقول: يا أيها الناس لا يغرنكم هذا عن دينكم فإنما يريد أن تتركوا عبادة اللات والعزى.
ولكن ذلك لم يمنع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يأتي القبائل في منازلها يعرض لها دعوته ويسألها نصرته وحمايته حتى يبلغ رسالة ربه غير مبال بما يلقاه من مناوأة قريش لدعوته وسعيها لدى القبائل في تشويهها وتمويه الحق بالباطل في أمرها موقنا أن الغلبة للحق وإن طال الزمن وأن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسرا.
__________
(1) يسفي : ينثر (1/102)
صفحة 103
وقد تأثرت القبائل العربية الوافدة على موسم الحج بسعي قريش أيما تأثر فما من قبيلة إلا واعترضت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وردت عليه دعوته في تلك الموسم وغن كانت طريقة الرد تختلف باختلاف القبائل.
- فمن القبائل من كان يغلظ له الرد.
- ومنها من كان يساومه في الثمن.
- ومنها من كان يسخر منه ويستهزئ من دعوته.
- ومنها من كان يتأني بالرد حتى يفكر في الأمر وينظر في العواقب.
وهذه بعض المواقف التي تعرض لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إثر دعوته لهذه القبائل:
أتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كندة في منازلهم حيث ينزلون مكة وما جاورها فدعاهم إلى الله عز وجل وعرض عليهم فأبوا عليه.
وأتي بني كلب فرفضوا دعوته كذلك
ودعا بني حنيفة في منازلهم وعرض عليهم نفسه فلم يك أحد من العرب أقبح ردا عليه منهم.
وقدم على بني عامر بن صعصعة فدعاهم إلى الله عز وجل وعرض عليهم نفسه فقالوا له وهم يساومونه:
أرأيت إن نحن بايعناكم على أمرك ثم أظهرك الله على من يخالفك أيكون لنا الأمر من بعدك؟
قال عليه السلام: الأمر لله يضعه حيث شاء .. فأبوا عليه ولم تقبلوا دعوته.
وفي منى وبمحضر علي بن أبي طالب وأبي بكر الصديق دعا قبيلة ربيعه كما دعا مشايخ من بني شبان بن ثعلبة ودار بينهم وبينه - صلى الله عليه وسلم - حوار طويل عرض فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعوته قائلا:
" أدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأني رسول الله وأن تؤووني وتنصروني حتى أؤدي عن الله الذي أمرني به فإن قريشا قد تظاهرت على أمر الله وكذبت رسوله واستغنت بالباطل عن الحق والله هو الغني الحميد" وتلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قوله تعالى: (1/103)
صفحة 104
{ قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ(151)وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ(152)وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } …(الأنعام/151-153)
فأعجب القوم بما دعوا إليه وقالوا:
" دعوت- والله- يا أخا قريش إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال ولقد أفك قوم كذبوك وظاهروا عليك..
ولكن نرى أن تركنا ديننا واتباعنا إياك على دينك لمجلس جلسته إلينا لزلة في الرأي وقلة نظر في العواقب وإنما تكون الزلة مع العجلة وإن من ورائنا قوما نكره أن نعقد عليهم عقدا ... ولكن ترجع ونرجع وتنظر وننظر..
ويتضح من خلال دعوته - صلى الله عليه وسلم - لهذه القبائل أن أهم ما كان يعنيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يجد المنعة والقوة عند القوم الذين يدعوهم إلى دينه وأن يجد عندهم الرغبة الخالصة في أن ينصروه ويمنعوه ممن خالفوه، فقد كان يعلم علم اليقين أن العرب جميعا يحسبون حساب قريش ويهابونها وأنه لا ينهض بهذه الدعوة إلا من آمن بها أصدق الإيمان وباع نفسه لله في سبيلها عن رضا وطواعية. (1/104)
صفحة 105
فكان - صلى الله عليه وسلم - كلما أقبل على قوم سألهم عن نسبهم وعن عددهم وعن منعتهم ثم عرض عليهم نفسه ودعاهم إلى الله وحده ورغبهم فيما جاءهم به من الخبير وخيرهم بعد ذلك فيما يريدون لأنفسهم فإذا ما وجد منهم تعللا أو اعتذارا أ و رأى فيهم طعما أو مساومة تركهم وانصرف إلى غيرهم..
والذي يمكن أن يستخلص من هذه الأحداث كلها وما فيها من معانات ومشقة وصبر في تبليغ دعوة الله إلى عباده أن أكثر القبائل المدعوة من قبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانت تجامل قريشا وتخاف أن تقف منها موقف العداء.
فإعراض القبائل عن دعوة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - راجع في الأغلب إلى هذا السبب أكثر مما هو راجع إلى عدم تصديق الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيما يدعو إليه لأن قريشا لم تأل جهدا في محاربة الرسول عليه السلام وتشويه دعوته ولذلك أدخلت في نفوس القبائل العربية أن صاحب هذه الدعوة هو ألد الأعداء بالنسبة لها وأن كل من يتابعه أو يؤازره أو يمنعه إنما ينصره على قريش ويجهر بعداوته لها..
ولكن رغم ما بذلته قريش من تشويه لهذه الدعوة ومن تحذير الناس من صاحبها عليه أفضل الصلاة والسلام لم تستطع أن تحول بين الرسول الداعية ودعوته وظهورها وانتشارها ولعل المبالغة في التحذير كانت سببا في لفت الأنظار إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - وإلى ما يدعو إليه ولعل ذلك أدى من حيث لا يعلمون إلى انتشار ذكى - صلى الله عليه وسلم - في بلاد العرب كلها وذاع صيته وبلغت دعوته إلى أغلب البيوت العربية فوصلت إلى يثرب لتكون بداءة إسلام الأنصار من الأوس والخزرج ونصرتهم للدعوة ورب ضارة نافعة.
فالرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يتعجل بالنتيجة لأنه مؤمن بأن الله سيؤيده في كل خطواته وأن نتيجة الدعوة ستكون لصالحه وصالح دعوته عاجلا أم آجلا.
ب- دعوته وفد الأنصار الأول والتمهيد للبيعة: (1/105)
صفحة 106
وفي موسم الحج نفسه ومن بين القبائل العربية الوافدة على الحرم جماعة من الخزرج جاءوا من يثرب وعددهم ستة وهم:-
1- أسعد بن زرارة بن عدس
2- عوف بن الحارث بن رفاعه…
3- رافع بن ماللك بن العجلان…
4- قطبة بن عامر بن حديدة
5- عقبة بن عامر بن ناب.
6- جابر بن عبدالله بن رئاب.(1)
سمعوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعرض دعوته على القبائل ورأوا إمارات الصدق بادية عليه فتيقنوا من أنه النبي الذي توعدهم به اليهود وهددوهم بقولهم لعنهم الله:
" إن نبيا سيبعث الآن قد أطل زمانه نتبعه فنقتلكم معه قتل عاد وإرم..."
من أجل ذلك كان الخزرج يترقبون ظهور هذا النبي ويتمنون لو سبقوا اليهود إليه واتبعوه وآمنوا به واستنصروا به عليهم.
وكما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع الوفود الأخرى التقى عليه السلام بهذا الرهط من الخزرج عند العقبة وهم يحزمون أمتعتهم ويستعدون لمغادرة المكان والشمس مشرقة على الغروب ورغم هذا الوقت المتأخر من النهار إلا أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم ييأس ولم يفقد الأمل وكلمهم في اليوم الأخير من أيام الموسم وعرض عليهم دعوته.
قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن أشياخ من قومه قالوا: لما لقيهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لهم: من أنتم؟
قالوا: نفر من الخزرج، قال: أمن موالي يهود؟ قالوا: نعم قال: أفلا تجلسون أكلمكم؟ قالوا: بلى. فجلسوا معه فدعاهم إلى الله عز وجل وعرض عليهم الإسلام.
هذا ما دار بين الداعية محمد - صلى الله عليه وسلم - والنفر من الخزرج الذي أراد الله بهم خيرا، فما كاد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينهي كلامه وعرض الإسلام عليهم حتى أمنوا به وصدقوه وواعده الموسم( الحج) من العام القابل.
ج-دعوة وفد الأنصار الثاني وبيعة العقبة الأولى:
__________
(1) غير جابر بن عبدالله بن عمرو بن حرام الأنصاري الصحابي بن الصحابي. (1/106)
صفحة 107
فلما كان العام القابل جاء وفد مشترك بين الأوس والخزرج يتكون من:
1- أسعد بن زرازة بن عدس.
2- عوف بن الحارث بن رفاعه.
3- معاذ بن الحارث بن رفاعه.
4- رافع بن ماللك بن العجلان.
5- ذكوان بن عبد قيس بن خلدة.
6- عبادة بن الصامت بن قيس.
7- يزيد بن ثعلبه بن حزمة.
8- العباس بن عبادة بن نضلة.
9- عقبة بن عامر بن ناب
10- قطبة بن عامر بن حديدة
11- أبو الهيثم بن التيهان(واسسه مالك)
12- عويم بن ساعدة.
لملاقاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند العقبة.
ولأول مرة يجتمع الأوسيون والخزرجيون ويتفقون على مهمة كهذه، وهذا من صدى دعوة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - التي تدعو الناس إلى الوحدة والإخاء.
كانوا اثني عشر رجلا، اجتمعوا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - لبلا عند العقبة الكبرى فعرض عليهم دعوة الإسلام المتمثلة في:
1- توحيد الله ونفي الشرك عنه.…
2- عدم ارتكاب الكبائر كالسرقة والزنى وقتل الأولاد وتمت البيعة على ذلك.
عن عبادة بن الصامت قال: كنت فيمن حضر العقبة الأولى وكنا اثني عشر رجلا فبايعنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على بيعة النساء وذلك قبل أن تفترض الحرب على أن لا نشرك بالله شيئا ولا نسرق ولا نزني ولا نقتل أولادنا ولا نأتي ببهتان نفتريه من بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيه في معروف.(1)
فأجابهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ترغيبا: فإن وفيتم فلكم الجنة وإن غشيتم من ذلك شيئا فأمركم إلى الله عز وجل إن شاء عذب وإن شاء غفر..
والبيعة أسلوب اتبعه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في دعوته إلى الله وكرره وجدده أكثر من مرة ليذكر المدعوين بالالتزام بطاعة الله وطاعته لأن البيعة عهد وميثاق والتزام بين الداعية محمد - صلى الله عليه وسلم - ومن آمن به من مدعويه.
ولتعليمهم أرسل - صلى الله عليه وسلم - معهم مصعب بن عمير ليقرئهم القرآن ويعلمهم تعاليم الإسلام ويفقهم في الدين.
__________
(1) سيرة ابن هشام 1،2ص 433 (1/107)
صفحة 108
د- دعوته - صلى الله عليه وسلم - للوفد الثالث من الأنصار وبيعة العقبة الثانية:
ولما كان العام القابل وفد إلى موسم الحج ثلاثة وسبعون رجلا وامرأتان هما:
نسيبة بنت كعب بن عمرو(أم عمارة)
2- أسماء بنت عمرو بن عدي(أم منيع)
خرجوا مع حجاج قومهم من المشركين وكتموا إسلامهم.
وعاد معهم مصعب بن عمير مبعوث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى يثرب ليبشر الرسول الكريم بنتيجة دعوته وانتشار الإسلام في يثرب وليعلمه بأن أصبح للرسول الداعية أنصار أكدوا على استعدادهم لحماية الرسول - صلى الله عليه وسلم - وصحبه حتى يبلغ رسالة ربه، وهو الموضوع الذي أعده الرسول محمد - صلى الله عليه وسلم - ليعرضه على هذا الوفد الطيب المكون من خيرة الأنصار من الأوس والخزرج ويعرض عليهم ما أمر بتبليغه ويدعوهم إلى حماية أصحابه.
ولقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حريصا على أن تتم هذه البيعة في سر وأن لا تتسرب أنباؤها إلى قريش فواعد أصحابه من الأنصار شعب العقبة في ليلة اليوم الثاني من أيام التشريق وأوصاهم بأن يكتموا هذا الأمر على من معهم من المشركين وأن يأتوا إليه متفرقين إذا مضى ثلث الأول، لا ينتظرون غائبا ولا يوقظون نائما.
كل هذا الحذر وهذه الحيطة إنما هو لضمان نجاح البيعة باعتبارها من أفضل نتائج دعوته - صلى الله عليه وسلم - إلى القبائل، فلا ينبغي التفريط فيمن به على الأقل وهو أسلوب دعوى ينبغي على كل داعية أن يلتزم به خاصة في مثل هذه المرحلة الحرجة من الدعوة وفترة انتقالها من مكة إلى المدينة.
وفي الليلة الموعودة أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - أبا بكر أن يقف على فم الشعب من ناحية وعليا بن أبي طالب أن يقف على فمه من الناحية الأخرى ثم جاء - صلى الله عليه وسلم - ومعه عمه العباس(ولم يزل على شركه) ليأخذ البيعة له ولأصحابه على هؤلاء الأنصار المتحمسين. (1/108)
صفحة 109
ويروي كعب بن مالك أحد الأنصار وصولهم إلى العقبة ومبايعتهم رسول الله بقوله:" فاجتمعنا في الشعب ننتظر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى جاءنا ومعه عمه العباس بن عبد المطلب وهو يومئذ على دين قومه إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه ويتوثق له.
فتكلم العباس قائلا: يا معشر الخزرج إن محمدا منا حيث قد علمتم وقد منعناه من قومنا ممن هو مثل رأينا فيه فهو في عزة ومنعة من قومه وبلده.
فقال البراء بن معرور: إنا والله لو كان في أنفسنا غير ما ننطق به لقلناه ولكنا نريد الوفاء والصدق وبذل مهجنا دون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتكلم يا رسول فخذ لنفسك ولربك ما أحببت، فنحن نابيعك.."
ولم يترك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الفرصة تمر دون أن يدعو هؤلاء إلى الله تعالى مفتتحا بالقرآن الكريم وداعيا إلى وحدانية الله تعالى مرغبا في الإسلام.
بهذا الأسلوب افتتح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعوته، ولما لمس منهم تفهما واستجابة وجدية وطاعة أملى عليهم شروط المبايعة حتى يكونوا على بينه من الأمر فقال - صلى الله عليه وسلم - : تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل والنفقه في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أن تقولوا في الله لا تخافون لومة لائم، وعلى أن تنصروني فتمنوني مما تمنون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم ولكم الجنة. (1)
عن عبادة بن الصامت( أحد النقباء في البيعة الثانية وأحد الذين بايعوا رسول الله في العقبة الأولى)قال:
بايعنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيعة الحرب على السمع والطاعة في عسرنا ويسرنا ومنشطنا ومكرهنا وأثره علينا وأن لا ننازع الأمر أهله وأن نقول بالحق أينما كنا، لا نخاف في الله لومة لائم ..(2)
وواصل كعب بن مالك روايته قائلا:
__________
(1) الرسول، سعيد حوى ص117 (رواية أحمد). والمنهج الحركي للسيرة، منير الغضبان ص161
(2) سيرة ابن هشام ج1،2 ص454. (1/109)
صفحة 110
"فإخذ البراء بن معرور بيده ثم قال: نعم والذي بعثك بالحق لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا(1) فبايعنا رسول الله فنحن والله أبناء الحرب وأهل الحلقة(2) ورثناها كابرا عن كابر".
وتدخل العباس بن عبادة بن نضلة وإن لم يكن نقيبا لكنه قال كلاما مفيدا وواعيا يظهر مدى الالتزام بالبيعة ويحذر الأنصار من مغبة عدم القدرة على الوفاء بالعهد موضحا ضخامة المسؤولية وتبعاتها قائلا:
" يا معشر الخزرج، هل ترون علام تبايعون هذا الرجل؟
قالوا: نعم قال: إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس. فإن كنتم ترون أنكم إذا نهكت أموالكم مصيبة وأشرافكم قتلا أسلمتموه فمن الآن، فهو والله إن فعلتم خزي الدنيا والآخرة وإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه على نهكة(3) الأموال وقتل الأشراف فخذوه، فهو والله خير الدنيا والآخرة؛ قالوا: إنا نأخذه على مصيبة الأموال وقتل الأشراف..."
قال كعب بن مالك: فاعترض القول والبراء يكلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبو الهيثم بن التيهان فقال: يا رسول الله: إن بيننا وبين الرجال حبالا وإنا قاطعوها- يعني اليهود- فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟
قال كعب: فتبسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم قال بل الدم الدم والهدم الهدم(4) أنا منكم وأنتم مني أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم.
قال كعب بن مالك: قال رسول الله أخرجوا إلى منكم اثني عشر نقيبا ليكونوا على قومهم بما فيهم فأخرجوا منهم اثني عشر نقيبا تسعه من الخزرج وثلاثة من الأوس وهم:(5)
1- أسعد بن زرارة بن عدس(أبو أمامة)
2- سعد بن الربع بن عمرو.
3- عبدالله بن رواحه بن ثعلبة.
4- رافع بن مالك بن الجعلان.
__________
(1) أزرنا: أولادنا.
(2) الحلقة : السلاح.
(3) نهكة الأموال: نقصها.
(4) قال ابن هشام: الهدم يعني الحرمة أي ذمتي ذمتكم وحربي حربكم.
(5) من 1-9 نقباء من الخزرج و10و11و12ومن الأوس . (1/110)
صفحة 111
5- البراء بن معرور بن صخر
6- عبدالله بن عمرو بن حرام(1)
7- عبادة بن الصامت بن قيس.
8- المنذر بن عمرو بن خنيس.
9- أسيد بن حضير بن سماك.
10- سعد بن خيثمة بن الحارث.
11- أبو الهيثم بن التيهان.(2)
ويفهم من كل ما سبق أن كل من حضر هذه البيعة بايع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على القتال بغض الطرف عمن أول من بايع إلا أن المفاوضات تمت مع النقباء فقط ومن جملة من بايع المرأتان أم عمارة وأم منيع اللتان تحولتا إلى مقاتلتين، وقد برهنت نسيبة بنت كعب (أم عمارة) على ذلك حيث سقطت جريحة في أحد وفي جسدها اثنا عشر جرحا.
وبعد البيعة أمرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالانصراف إلا أن العباس ابن عبادة بن نضلة أراد البيعة من بدايتها فتوجه لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائلا: والذي بعثك بالحق إن شئت لنميلن على أهل منى غدا بأسيافنا فأجابه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقوله: لم نؤمر بذلك ارجعوا إلى رحالكم.
ثالثا: الدعوة في عهدها المدني
1- مصعب بن عمير في المدينة
2- مميزاتها
3- موضوعاتها
4- وسائلها
5- تكليف الصحابة بالقيام بالدعوة
ثالثا: الدعوة في عهدها المدني:
(1) مصعب بن عمير:
بعد بيعة العقبة الأولى رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يبعث إلى يثرب رجلا من أصحابه يتعهد بتلاوة القرآن، وبيان معانيه،ويتابع سيرة الدعوة وتوسعها في أرجاء يثرب من قريب، فاختار رجلا من أصحابه أتاه الله تعالى من الخلق ما يستطيع به أن يستوعب أصناف الناس المدعويين،ومن حسن الكلام ما يؤثر به عليهم. ومن القرآن وحسن تلاوته ما يسمع به آذانهم لوصلة إلى قلوبهم، ومن الفقه والإخلاص والأمانة مل يؤهله ليكون المعلم الصدوق والداعية الناجح والسفير الأمن.
__________
(1) أبو جابر الصحابي المشهور.
(2) ذكره كعب بن مالك وعده نقيبا من الإثني عشر رجلا ولم يذكر رفاعة بن عبد المنذر بن زبير.. سيرة ابن هشام ج2،1 ص 444-445. (1/111)
صفحة 112
ويحسن بنا أن نلقي الضوء على شخصية هذا الرجل مصعب بن عمير يكنى أبا عبدالله، كان من جلة الصحابة وفضلائهم من بني عبد الدار بن قصي.
كان مصعب قبل الإسلام في مكة شبابا وفتوة وتيها. كان يخرج من بيته مختالا في حلة جميلة وطيب يستنشق ريحه فتيات قريش، فيشرفن عليه من البيوت والمنازل. وكانت أمه ذات مال وفير تنفق عليه بيسر.
قال - صلى الله عليه وسلم - " ما رأيت بمكة أحسن لمة، ولا أرق حلة، ولا أنعم نعمة من مصعب بن عمير".
لما أنعم الله عليه بالإسلام واستقر الإيمان بالله في قلبه ترك التنعم وأقبل على كتاب الله يتلوه بلسان فصيح متأنقا في تلاوته.
فغضبت عليه أمه ونهته عن ذلك فلم يسمع كلامها فحبسته وعذبته، لكنه لم يزده هذا العنت والرمق إلا صبرا وصمودا حتى نحل جسمه واصفر لونه وغابت نضارته.
كان مصعب رضي الله عنه من الذين يسارعون إلى إجابة أوامر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
كان من أوائل الذين هاجروا إلى الحبشة فرارا بدينه غير أنه لما شاع لدى المهاجرين أن أهل مكة قد أسلموا، سارع العودة إلى الديار مع جمع من أصحابه ليعيش بجانب الرسول - صلى الله عليه وسلم - ينهل من معين الوحي ويأخذ من سجايا رسول الله ويستبصر بهداه.
غير انه ما أشرف على مكة هو وأصحابه حتى علموا أن الخبر باطل، وأن العنت قائم والحرب ضد الإسلام على أشدها فرأوا ألا أن لا مناص من المضي قدما نحو مكة فلم يدخل منهم أحد إلا مستخفيا أو بجوار.
اختار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مصعب بن عمير سفيرا للإسلام إلى يثرب، فخرج مع وفد الحجيج الاثني عشر الذين أسلموا ونزل على أسعد ابن زرارة.
وفي البلد الجديد بدأ مصعب دعوته إلى الإسلام بكياسة كبيرة وحنكة الخبير المجرب. (1/112)
صفحة 113
لم يكن رضي الله عنه ذا مال وفير وهو يواجه الناس بدعوته الجديدة، ولم يكن ذا سلطان أو من طلاب المراكز والمنتهزين للفرص، فرص الإثراء والتوسع في هذه الدنيا، إنما كان كل ما لديه رصيده الإيماني وخلقه الرفيع.
كان شابا كيسا فطنا فبس هذه الصفات من مربي الأمة وداعيها إلى الخيرات ومؤهلها إلى التمكين في الأرض ليسعد الناس في الدارين الدنيا والآخرة.
كما كان رضي الله عنه قد أوتي إخلاصا لله تعالى جعله يضحي بمال أسرته وجاهها في سبيل عقيدته.
كما أوتي لسانا فصيحا وبيانا بليغا مؤثرا، يتخير من روائع القرآن الكريم ما يؤثر به على النفوس ويستهوي به القلوب.
استطاع مصعب أن يجمع حوله الناس في يثرب بكياسة نادرة وتضحيات جسيمة كما استطاع أن يتخطى الصعاب وبأسلوب جذاب وحكمة بالغة أحدث في الناس تغييرا ملحوظا نقلهم من الوثنية إلى التوحيد ومن ظلمات الجهل والجاهلية إلى نور التوحيد والإسلام.
وبعد فترة وجيزة شهدت دعوة مصعب نجاحا لا نظير له، دخلت جموع غفيرة في دين الله الجديد، بل انتشر خبره في أرجاء يثرب وتسلل إلى البيوت حتى أصبح حديث النوادي وسمر الليالي.
واشتهر أمر مصعب بين الناس حتى أسموه بالمقرئ وتقدم بالناس وأمهم في الصلاة حتى جاء أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - بإقامة صلاة الجمعة فيهم.
سلك مصعب رضي الله عنه في دعوة الناس مسلك الداعية المتمرس بدعوته، المقتنع بمبادئه، الصادق فيما يدعوا إليه، سعة في الصدر، ورحابة في القلب، لا يقابل الغضب بمثله، بل يسارع إلى تهدئة الخواطر ويعطي الناس من حسن حديثه فيترجاهم أن يسمعوه ويعطيهم فرصة الكلام والتفكير.
فهو داعية قوي يحمل مبادئ الإسلام بين جنبيه بعز وفخار لا يخشى عليها ضعفا أو توهينا لأنها نابعة من الوحي الذي يعلو ولا يعلى عليه ومن الكتاب العزيز المنزل من رب العالمين على رسوله الصادق الأمين. (1/113)
صفحة 114
كان يتوجه بدعوته إلى عامة الناس ويقصد سادة الأوس والخزرج وهو يعلم تأثير هذا الصنف من الناس على العامة منهم.
كان يدعو الناس يشد أزره أسعد بن زرارة ويشير عليه بما يراه صالحا ويوجهه إلى الأماكن التي يمكن أن يلقى فيها قبولا.
خرج أسعد بن زرارة رضي الله عنه يوما بمصعب بن عمير إلى دار بني الأشهل، ودار بني ظفر، وكان سعد بن معاذ من بني عبد الأشمل ابن خالة أسعد بن زرارة فدخل به حائطا من حوائط بني ظفر. فجلسا في الحائط واجتمع إليهما رجال ممن أسلم، وسعد بن معاذ وأسيد بن حضير يومئذ سيدا قومهما من بني عبد الأشمل، وكلاهما مشرك على دين قومه. فلما سمعا به قال سعد بن معاذ لأسيد بن حضير: لا أبالك. انطلق إلى هذين الرجلين اللذين أتيا ديارنا ليسفها ضعفاءنا فاجزهما وانهما عن أن يأتيا ديارنا، فنه لولا أسعد بن زرارة مني حيث قد علمت كفيتك ذلك، هو ابن خالتي ولا أجد عليه مقدما.
فأخذ أسيد بن حضير حربته، ثم أقبل عليهما، فلما رآه أسعد ابن زرارة قال لمصعب بن عمير: هذا سيد قومه قد جاءك، فاصدق الله فيه. قال مصعب: إن يجلس أكلمه، قال: فوقف عليهما متشاتما قال: ما جاء بكما تسفهان ضعفاءنا، اعتزلانا إن كانت لكما بأنفسكما حاجة. فقال له مصعب: أو تجلس فتسمع؟ فإن رضيت أمرنا قبلته وأن كرهته نلف عنك ما تكره. قال: أنصفت. ثم ركز حربته وجلس إليهما، فكلمه مصعب بالإسلام وقرأ عليه القرآن.فقال فيما يذكر عنهما: والله لعرفنا في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم في إشراقه وتسهله ثم قال: ما أحسن هذا الكلام وأجمله. كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين؟ قال له: تغتسل وتطهر ثوبك ثم تشهد شهادة الحق ثم تصلي.
فقام واغتسل وطهر ثوبه وتشهد شهادة الحق ثم قام فركع ركعتين ثم قال لهما: إن ورائي رجلا إن أتبعكما لم يتخلف عنه أحد من قومه وسأرسله إليكم الآن: سعد بن معاذ. (1/114)
صفحة 115
ثم أخذ حربته وانطلق إلى سعد وقومه جلوس في ناديهم. فاستدرج أسيد بن حضير سعدا حتى وصله بين يدي الرجلين. فقل أسعد بن زرارة لمصعب: أي مصعب جاءك والله سيد من ورائه قومه إن تبعك ما تخلف عنك منهم اثنان. فقال له مصعب: أو تقعد فتسمع فإن رضيت أمرا ورغبت فيه قبلته وإن كرهته عزلنا عنك ما تكره.
قال سعد: أنصفت ثم ركز الحربة وجلس.
فعرض عليه الإسلام وقرأ القرآن فتسارع سعد إلى التصديق فاغتسل وطهر ثوبه ونطق بالحق وصلى ركعتين ثم أخذ حربته فأقبل عامدا إلى نادي قومه ومعه أسيد بن حضير.
فأقبل عليهم قائلا: يابني عبد الأشهل كيف تعلمون أمري فيكم؟ قالوا: سيدنا وأفضلنا رأيا وأيمننا نقيبة. قال: فإن كلام رجالكم ونسائكم عليّ حرام حتى تؤمنون بالله ورسوله.
فما جاء المساء حتى أسلم الجميع. وما لبث أن انتشر الإسلام في أرجاء المدينة لم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رجال ونساء مسلمون.
استطاع مصعب بن عمير رضي الله عنه أن ينشر الإسلام باقتدار كبير، عرف كيف يمتص نقمة الناس ويرد التشتم بمثله وبمهارته وأسلوبه تولى الله تعالى قلوب أهل يثرب فهداهم للإسلام وقد رأينا كيف كان أسعد يطلب من مصعب أن يصدق الله في دعوته لأسيد. فإخلاص الداعية يعينه على انفتاح القلوب له.
وعاد مصعب إلى رسول الله قبل موسم الحج يحمل إليه بشائر المدينة ويخبره لما لقيه الإسلام من قبول حسن بين الأوس والخزرج ويبشره بأن جموع كبيرة أسلمت وأن وفودا سوف تقبل عليه لتبايعه على الإسلام ويرى منهم ما تقر به عينه ويهنأ باله.
(2) مميزاتها:
كانت الدعوة في العهد المدني حريصة على مواصلة نقلة الإنسان من الظلمات إلى النور ومن الذلة إلى العزة والتمكين.
لقد خاطبت الدعوة في عهدها المدني أنماطا شتى من الناس مختلفين في الثقافة والتقاليد والبيئات وراعت الدعوة في اتصالها بهم هذه الفوارق. (1/115)
صفحة 116
إن منهج تبليغ الدعوة في المدينة رغم قيام دولة الإسلام لم يسجل حادثة إكراه واحدة على الدخول في الإسلام بل كان يعتمد الرفق والرحمة.
قال عليه السلام:" تألفوا الناس وتأنوا بهم ولا تغيروا غيرهم حتى تدعوهم، فما على الأرض من أهل مدر أو وبر إلا إن تأتوني بهم مسلمين أحب إلى من أن تأتوني بأبنائهم ونسائهم وتقتلوا رجالهم".
إن ترسم خطى العمل النبوي الشريف في عملية تبليغ الدعوة تبرز خلوها من السرية واعتمادها الرفق وبهدها عن الإكراه وتميزها اللجوء إلى الجهاد وسيلة لتأمين نشر الدعوة وإزاحة العقبات من طريقها.
أ- خلوها من السرية:
بعد اختيار المدينة مركزا جديدا لانطلاق الدعوة وتهيئة الأرضية لاستقبال المهاجرين واستعداد الأنصار للإيواء والحماية وتبليغ الرسالة علنا ودون وجل، بدأ الرسول الداعية - صلى الله عليه وسلم - في إعلان مبادئ دعوته وإقامة دولته فكان جادا في تعبير قلوب الناس من الضلال إلى الهدى ونقلة معيشتهم من الجور والضنك إلى العدل والسعادة، فأخذ يدعو من وفد عليه ويصحح أخطاء أهل الكتاب من يهود ونصارى ويعتني بالداخلين الجدد في الإسلام فيكلف من يتابعهم على تعاليم الدعوة ويواظبون على ممارسة شعائرهم، كل ذلك جهارا ، بل ويراقب من قبل الصلح والأمان ليعلم مدى صدقهم في ميثاقهم ومدى التزامهم بالحقوق حسب العهد ويتعرف على درجة ثبات قلوبهم على الإيمان فكان يرسل المعلمين لتعليم القرآن وأصول الدين الحنيف ويرسل الجباة للصدقات والجزية.
لقد أرسل - صلى الله عليه وسلم - تمهيدا للهجرة مصعب بن عمير فاتح المدينة ليعلم أهلها القرآن ويدعوهم إلى الله فوفق في الدعوة وأمهم في الصلاة وفقههم في الدين.
كما تولى - صلى الله عليه وسلم - الدعوة والمتابعة في الأقاليم التي دخلت في دين الله يطمئن على إسلامها ووفائها بما عاهدت به أو تصالحت معه عليه. (1/116)
صفحة 117
لقد كان الجهر بالدعوة في المدينة منذ وصول الرسول وصحابته إليها لأن الدولة قامت وتكونت القاعدة الصلبة التي تحمي الدعوة وهي مستعدة المواجهة مهما عظمت التكاليف.
ب- لا إكراه في الدعوة:
بعد قيام دولة الإسلام في المدينة ورغم الأذى الشديد الذي سلط على المسلمين حملة الدعوة في مكة لم يفكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في انتقام أو رد فعل ضد المعاندين والمتسلطين ولم يستغل سلطانه ليكره أحدا على الدخول في الدين.
إن الرفق والحلم هما سمة الدعوة، فكل اتصال لتبليغ الرسالة إلى الناس كان يتم بطابع اللين والمودة يظهر ذلك في مواقف عملية من حياة النبي عليه السلام: فقد بقي اليهود في المدينة على دينهم ولم يكره أحدا على تغييره، كما ترك النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه من بعده أهل المدن المفتوحة أحرارا في عقيدتهم رغم غلبتهم عليهم.
جاء في كتاب الرسول إلى أهل اليمن:" من كره الإسلام من يهودي أو نصراني فإنه لا يحول عن دينه وعليه الجزية" رواه ابن حزم.
قال الله تعالى:
{ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ… } …(سورة يونس/99)
وورد في سبب نزول قول تعالى( لا إكراه في الدين) أنها نزلت في رجل من الأنصار كان له ابنان نصرانيان وكان هو مسلما فقال للنبي:ألا أستكرههما فإنهما قد أبيا إلا النصرانية. فأنزل الله الآية.
ولا يقدر أحد أن ينقل أن رسول الله أكره أحدا على الإسلام لا ممتنا ولا مقدورا عليه رغم أن أمر المسلمين في المدينة كان بأيديهم من أول يوم.
لقد خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في رسائله التي وجهها إلى الملوك والولاة أدلة ساطعة على حسن معاملة المتخالفين في الدين. فمنها قوله - صلى الله عليه وسلم - في عهده إلى أحد الولاة على اليمن: (1/117)
صفحة 118
" من أجاب إلى الإسلام فله مالنا وعليه ما علينا، ومن ثبت على دينه من أهل الأديان فإنه لا يضيق عليه".
وفي كتابه عليه السلام لعمرو بن حزم(عامله على اليمن) قال:" وإنه من أسلم من يهودي أو نصراني إسلاما خالصا من نفسه ودان بدين الإسلام فإنه من المؤمنين له مثل مالهم وعليه مثل ما عليهم، ومن كان على نصرانيته أو يهوديته فإنه لا يرد عنها"
ومن تعليمات رسول الله لمعاذ بن جبل ما يدل على عدم الإكراه على الدخول في الإسلام والاستجابة للدعوة قال عليه السلام:
" ومن أقام على دينه وأقر بالجزية ترك ودينه وله ذمة الله وذمة رسوله وذمة المؤمنين لا يقتل ولا يسبى ولا يكلف إلا طاقته ولا يفتن لترك دينه".
وقد كان عليه السلام لا يقاتل قوما إلا بعد البدء بدعوتهم فالإسلام ينتشر بالترغيب فيه وتحبيب مبادئه للناس وليس بفرضه عليهم بالسيف وقهرهم على اعتناقه.
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ما قتل رسول الله قوما إلا دعاهم. رواه أحمد".
وكان - صلى الله عليه وسلم - إذا أمر أحدا على جيش أوصاه بالتقوى في خاصة نفسه وبالمسلمين خيرا ثم قال" اغزوا باسم الله في سبيل الله قاتلوا من كفر بالله... وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال فأيتهن أجابوك إليها فاقبل منهم وكف عنهم: ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم فإن أبوا فلهم الجزية..فإن أبوا فاستعن بالله عليهم وقاتلهم"
لقد قدم - صلى الله عليه وسلم - دعوة الكفار إلى الإسلام على اخذ الجزية والمقاتلة لان الغاية من الجهاد ليست الغنائم والمقاتلة بل هداية الناس وخيرهم.
ج- الفتح وسيلة لنشر الدعوة:
إن الجهاد لدى رسول الله وصحبه وسيلة لتأمين الدعوة وتيسير تبلغها ولم يكن رد فعل على الاضطهاد المسلط على المسلمين بمكة. إن الهدف من كثير من الغزوات والسرايا كان إيصالا للدعوة وشرحا للصدور وفتحا للعيون وتغييرا للنفوس من ظلمات الجاهلية إلى نور الإسلام. (1/118)
صفحة 119
لم يكن الفتح انتزاعا لحريات الناس واغتصابا لدراهم وليس الغاية منه استعباد الناس أو الاستئثار بخيرات أراضيهم وإنما شرع الجهاد لحماية دولة الحق ولإنقاذ البشر من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد.
فبالجهاد يحفظ إيمان المؤمنين ويضمن أداء الفرائض ويمنع أعداء الله من فتنة المسلمين فلا يفرض مبدأ ولا يكره على عقيدة.
لقد أخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - وصحبه أنفسهم بالالتزام بحماية الحق اللذين آمنوا به ولو أدى ذلك إلى جفوة الأهل وسخط العشيرة أو إلى التعرض للأذى فقد تربوا على الصبر والثبات فإن وقف أمام وصول الدعوة إلى الناس عائق يريد عرقلتها جاهدوه حتى لا تتعطل المسيرة ويفشو أمر الإسلام ويشع نور الإيمان على كل قلب ومن انتصب حجر عثرة في طريق الدعوة أزيل ولو بالقوة.
إن طابع التربية في المدينة طابع الإقدام وبيع النفس ابتغاء مرضاة الله ليطمئن المسلمون في ديارهم وليقضى على الشر والشرك والطاغوت والباطل المتربص بالدعوة وأهلها، وترك مقاتلة العدو يسبب هدم بيوت الله وانعدام الأمن وفقدان حرية المعتقد وضياع الحقوق.
قال الله تعالى:
{ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ(39)الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ… } …(سورة الحج/39-40)
فلإذن بالقتال ليس إذنا بالاعتداء كما يستبيح ذلك الكفار في كل عصر ويلجأون إلى جميع الوسائل ولو كانت دنيئة لتحقيق غايتهم لأن القاعدة عندهم" الغاية تبرر الوسيلة" (1/119)
صفحة 120
لقد كان الجهاد في عهد رسول الله طريقا لتأمين تبليغ الدعوة مثل فتح مكة وغزوة تبوك كما استمر بعده في عهد الراشدين وسيلة لإبلاغ الرسالة وإنقاذ الناس من الجاهلة إلى الرشد وذلك مثل موقعة القادسية فقد كان الصحابة يحملون الخير والرحمة لأهل فارس ولم يخرجوا لغزو أو استعمار بل للذود والإنقاذ والحماية.
لقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - في جهاد متواصل في سبيل الدعوة وفي المدينة أذن له بالقتال لتأمين استمرار الدعوة والاتصال بالشعوب لعرض الإسلام عليها.
إن الجهاد والفتح في الإسلام هو حصن الذي يحوطه ويحميه شرعه الله لنصرة دينه وحماية الدعوة وإعلاء كلمة الله.
ولم يشرع حبا في السيطرة وظلم الشعوب وبسط النفوذ بل لاستئصال الفساد وكف العدوان وحماية المستضعفين وتبليغ كلمة الله .
قال الله تعالى:
{ وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا… } …(النساء/75)
فالإسلام حريص على دخول الناس في دعوة الله ولا يقاتل إلا من حال دون هذه الغاية.
(3) موضوعاتها:
أ- التوحيد
إن دعوة الرسول - صلى الله عليه وسلم - تقوم على التوحيد من بدايتها إلى نهايتها، فإذا ما دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الناس إلى الإيمان بالله وحده وإفراده بالعبادة ونفي الشريك عنه طيلة إقامته بمكة ليس معنى ذلك أنه توقف عن الدعوة إلى الله تعالى ووحدنيته بعد أن هاجر إلى المدينة بل جعل التوحيد هو الأساس الذي تقوم عليه الأعمال كلها. (1/120)
صفحة 121
فالعقيدة التي ظل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يضع قواعدها ثلاثة عشر عاما على أساس الإيمان الصادق بالله تعالى وحده قد آن لها أن تؤتي ثمارها وأن تظهر آثارها في الفرد والجماعة عملا صالحا ينقطع به الفساد ويعم به الصلاح.
فإذا ما كان التوحيد في بدايته فكرة تستقى في النفوس وتكمن في خفايا الضمائر وينطق بها اللسان إلا أنه في المدينة صارت الفكرة ذاتها تدفع صاحبها إلى العمل بها لتشريعات المواكبة للمرحلة الجديدة من الدعوة في عهدها المدني.
وإذا كان توجيه الداعية محمد - صلى الله عليه وسلم - لأتباعه في بداية دعوته: " قولوا لا إله إلا الله تفلحوا" فبالقول مع إخلاص النية يكون الفلاح والفوز بالجنة فإن التوحيد في المدينة أصبح القول فيه مرتبطا بالعمل وإلا لا قيمة لهذا التوحيد.
ولذلك أكد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذه المرحلة الجديدة من دعوته على أن التوحيد صلة المسلم بربه فهي صلة العبودية الخالصة التي تقوم على إخلاص الدين له وحده لا شريك له والاعتقاد بأنه رب العالمين وأنه الإله الحق وأنه لا إله غيره ولا معبود سواه وأن الحاكمية لله وحده.
قال تعالى:
{ إِنْ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ… } …(يوسف /40)
فما على المسلم إلا أن يراعي ذلك في أقواله وأعماله إذ لا إيمان بلا عمل ولا عمل بلا إيمان وأساس الإيمان التوحيد.
تلك هي المعاني ركز عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في دعوته لأنها تتصل بالتوحيد اتصالا وثيقا وأرادها أن تكون راسخة في أذهان مدعويه مقترنة بالعمل الصالح حتى يكون المجتمع المدني من خلال هذه الدعوة والحرص عليها صلبا متينا يقوم على دائم قوية. (1/121)
صفحة 122
ومن المظاهر العملية لتركيز التوحيد في نفوس أتباعه - صلى الله عليه وسلم - أنه هدم بنفسه الأصنام التي كانت تحيط بالكعبة وعددها ثلاثمائة وستون صنما فكان - صلى الله عليه وسلم - يطعنها بمبحجن لتسقط بمجرد المس وكان يقول عليه السلام:
" جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا وما يبدئ الباطل وما يعيد"
كما أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة بهدم اللات صنم يوجد بالطائف.
كما أرسل - صلى الله عليه وسلم - خالد بن الوليد لهدم العزى وكانت بنخلة.
كل ذلك للقضاء على الوثنية المبرم لتكون عقيدة المسلم هي عقيدة التوحيد الصافية النقية.
ب- الأخوة:
حرص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منذ أن حل بالمدينة على وحدة الجماعة المؤمنة وتماسكها على أسس متينة وصلبة.
فبعد أن جمعهما - صلى الله عليه وسلم - على عقيدة التوحيد أراد تطبيق ذلك الدعوة إلى الأخوة في الله ليجعل رابطة العقيدة هي الرابطة الحقيقة بين المسلمين تفوق رابطه الدم والروابط الأخرى،محطما بذلك الأسس التي يقوم عليها المجتمع الجاهلي. فدعا - صلى الله عليه وسلم - إلى الأخوة بين المسلمين وأرادها أخوة خالصة لله تعالى أساسها الإيمان بالله وامتثالا لقوله عز وجل:
{ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ… } …(الحجرات/10)
ويقول عليه الصلاة والسلام:
" المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه"…( متفق عليه)
ومن الأهداف التي سهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى تحقيقها من خلال دعوته إلى الأخوة القضاء على فوارق النسب واللون والوطن وأراد - صلى الله عليه وسلم - بهذا الإخاء أن تذوب عصبيات الجاهلية فلا حمية بعد اليوم إلا للإسلام ووضح الداعية محمد - صلى الله عليه وسلم - بأنه لا تأخر أحد ولا يتقدم إلا بمروءته وتقواه. (1/122)
صفحة 123
فآخى بين المهاجرين والأنصار أولا ليذهب عن المهاجرين وحشة الغربة ويؤنسهم من مفارقة الأهل والعشيرة ويشد أزر بعضهم ببعض.
ثم آخى عليه السلام بين المهاجرين بعضهم ببعض ثانيا.
ثم آخى بين الأنصار بعضهم ببعض ثالثا، أو سهم مع خزرجهم ليقضي الرسول الكريم بدعوته هذه العدوات السابقة.
بالألفة والمحبة التي تجمع القلوب وتقضي على كل ما من شأنه أن يؤدي إلى نفورها..
فجعل - صلى الله عليه وسلم - هذا النوع من الأخوة علامة بين النسيب والوضيع، والشريف والمولى، والغني والفقير وأعلنها صراحة ودعا الجميع إليها بقوله عليه السلام.
" تآخوا في الله أخوين أخوين"
ولتطبيق ما يدعو إليه آخى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله وعمه وزيد بن حارثة مولاه كما آخى عليه السلام بين جعفر بن أبي طالب( ذو الجناحين) ومعاذ بن جبل.
وأكثر الأخوة شهرة هي الأخوة التي عقدها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين المهاجرين والأنصار وهذه بعض أسماء الصحابة الذين آخى بينهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :
* أبو بكر الصديق… و…خارجة بن زهير
* عمر بن الخطاب… و …عثمان بن مالك
* أبو عبيدة عامر الجراح و…سعد بن معاذ…
* عبد الرحمن بن عوف و …سعد بن الربيع
* الزبير بن العوام و…عبدالله بن مسعود
* عثمان بن عفان و…أوس بن ثابت
* طلحة بن عبيدالله و…كعب بن مالك
* سعيد بن زيد و… …أبي بن كعب
* مصعب بن عمير و…أبو أيوب الأنصاري
* أبو حذيفة بن عتبة و…عباد بن بشر
* عمار بن ياسر و…وحذيفة بن اليمان
* أبو ذر الغفاري و…المنذر بن عمرو
* حاطب بن بلتعه و…عويم بن ساعدة
* سليمان الفارسي و…أبو الدرداء
*بلال بن رباح و …أبو روحة الخثعمي.
وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الأخ الأكبر لهذه الجماعة المؤمنة لم تميز عنهم بلقب إعظام خاص.(1)
وفي الحديث:
__________
(1) فقه السيرة: محمد الغزالي ص192. (1/123)
صفحة 124
" لو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذته- يعني أبا بكر- خليلا ولكن أخوة الإسلام أفضل".(البخاري)
وتروي كتب السيرة أمثلة حية تدل على أن هذه الأخوة عقد نافذ لا لفظ فرغ تجلت فيه عواطف الإيثار والمواساة والمؤانسة، فما نزل مهاجري على أنصاري إلا بقرعة.
ومقابل هذا الحرص وهذه الحفاوة البالغة التي أظهرها الأنصار لإخوانهم المهاجرين فإن الآخرين قد قدروا هذا البذل الخالص فما استغلوه ولا نالوا منه إلا بقدر ما يتوجهون به إلى العمل الحر الشريف.
ولعل أروع مثال لذلك، المؤاخاة التي تمت بين عبد الرحمن بن عوف المهاجري وسعد بن الربيع الأنصاري الذي عرض على أخيه في الله نصف ماله وإحدى زوجتيه قائلا:
" إني أكثر الأنصار مالا فأقسم مالي نصفين ولي امرأتان فانظر أعجبهما إليك فسمها لي أطلقها فإذا انقضت عدتها فتزوجها" قال (عبد الرحمن): بارك لله لك في أهلك ومالك ومن أين سوقكم؟
فدلوه على سوق بني قينقاع فما انقلب(1) إلا ومعه فضل من إقط(2) وسمن ثم تابع الغدو، ثم جاء يوما وبه أثر صفرة(3).
فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - مهيم(4) قال: تزوجت- قال: كم سقت إليها؟ قال: نواة من ذهب. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - أو لم ولو بشاة. (البخاري)
ومن مظاهر هذه الأخوة ما رواه أبو هريرة قائلا:
قالت الأنصار للنبي - صلى الله عليه وسلم -: أقسم بيننا وبين إخواننا النخيل، قال:لا فقالوا: فتكفونا المؤنة ونشاطركم في الثمرة قالوا: سمعنا وأطعنا.…(البخاري)
__________
(1) انقلب: رجع.
(2) إقط: شيء يتخذ من المخيض الغنمي.
(3) صفرة: زعفران.
(4) مهيم: ما حالك وما شأنك؟ (1/124)
صفحة 125
يستنتج من خلال هذا الحوار أن الأنصار طلبوا من الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يقسم ما يملكون من النخيل بينهم وبين إخوانهم المهاجرين فأبي الرسول - صلى الله عليه وسلم - والمهاجرون فاقترح الأنصار اقتراحا آخر يرضي المهاجرين ويحفظ لهم كرامتهم فقالوا: تكفونا المؤنة ونشاطركم في الثمرة معني ذلك أن المهاجرين سيقومون على خدمة النخيل ورعايتها من سقي وتأبير إلى غير ذلك من الأعمال التي تحتاجها النخلة حتى تثمر ومقابل هذا العمل يحصلون على نصف الثمار بعد جنيه عندها قال المهاجرون: سمعنا وأطعنا.
هكذا كان المهاجرون متعففين غير مستغلين وكان الأنصار كرماء أسخياء مع إخوانهم على مر الأيام لم يندموا ولم يخذلوا إخوانهم بل يؤثرونهم على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة.
فلما غنم المسلمون أموال بني النضير دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الأنصار وذكرهم بما صنعوا للمهاجرين وإنزالهم إياهم في منازلهم وأثرتهم على أنفسهم ثم قال:
" إن أحببتم قسمت بينكم وبين المهاجرين مما أفاء الله على من بني النضير وكان المهاجرون على ماهم عليه من السكنى في منازلكم وأموالكم وإن أحببتم أعطيتهم وخرجوا من دوركم"
فأجابه زعماء الأوس والخزرج:
يا رسول الله، بل تقسمه للمهاجرين ويكونون في دورنا كما كانوا.. ونادت الأنصار، رضينا وسلمنا يا رسول الله .(1)
فامتدح الله صنيعهم ووعدهم بالفلاح بقوله:
{ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ… } …(الحشر/9)
__________
(1) المغازي للواقدي : ج1 ص379(السيرة النبوية مقرر الكليات المتوسطة للمعلمين- سلطنة عمان). (1/125)
صفحة 126
لقد كان هذا الإخاء تجربة رائدة في تاريخ العدل الاجتماعي ضربت فيه الجماعة المسلمة المقتدية بهدي النبي - صلى الله عليه وسلم - مثلا ساميا للمجتمع الذي يقيمه الإسلام على دعائم المواساة والعدل والتكافل والمحبة والأخوة والرحمة.
ومن آثار هذه الأخوة أن سعد المجتمع كله وقد تحرر من حياة الخوف والدماء والقتل والعداوة والبغضاء وقد ألف الله بين قلوب أفراده وجعلهم في دينه إخوانا.
قال تعالى:
{ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ… } …(الأنفال/63)
ج- تزكية النفس:
من مظاهر التوحيد وآثاره العملية دعوة الرسول - صلى الله عليه وسلم - أصحابه للمحافظة على الصلوات لأن في الصلاة تزكية للنفس وتطهيرا مستمرا لها، وهي اتصال دائم بالله عز وجل ومتى كان العبد دائم الصلة بربه فقد أصبح المدعو أكثر خشية له من سواه وأكثر حرصا على طاعته وأشد بعدا عن مخالفته وهي الغاية المرجوة من دعوته - صلى الله عليه وسلم - وتزكية للنفوس دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المهاجرين والأنصار إلى توثيق علاقتهم بكتاب الله وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قراءة وتدبرا وحفظا وعملا وتعليما كي تسمو نفوسهم وتتطهر وذلك بالإكثار من النوافل صلاة وصياما وصدقة.
قال تعالى:
{ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ… } …(التوبة/103)
ولما فسر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قول الله تعالى:( قد أفلح من تزكى) بين أن تزكية النفس تقتضي تطهيرها من الشرك والكفر والمعصية)
عن جابر بن عبدالله عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في ذلك: من شهد أن لا إله إلا الله وخلع الأنداد وشهد أني رسول الله . (1/126)
صفحة 127
وتشتمل تزكية النفس زكاة الأعمال أي تطهيرها من الرياء والنفاق والتقصير.
هكذا علم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتباعه ودعاهم إلى الإكثار من ذكر الله اعتقادا وقولا وعملا تسبيحا وتمجيدا وثناء.
كما دعاهم صلوات الله وسلامه عليه إلى تقوى الله واستشعار عظمته ومراقبته لهم لتكون نفوسهم زكية طاهرة تجنبهم الوقوع في معصية الله.
قال عليه السلام:
"اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن"
(الترمذي)
كما دعا - صلى الله عليه وسلم - أتباعه إلى كل عمل يقربهم إلى الله تعالى وتزكو به نفوسهم كزيارة القبور ومحاسبة النفس وغيرها من الطاعات.
ومن آثار هذه الدعوة أن التفت به - صلى الله عليه وسلم - فريق من الربانيين الأتقياء كانوا له تلاميذه مخلصين فزكت بصحبته نفوسهم لأنهم كانوا موصولين بالله على أساس صحيح ومتين وهذا هو سر الارتقاء الروحي والجماعي الذي أدركه أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكانوا مدفوعين لأداء هذه الطاعات شغوفين بها لما لمسوه من صفاء النفس وراحة البال إثر كل عبادة.
وقد أثر عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يقول لبلال بن رباح عند دخول وقت الصلاة: أرحنا بها يا بلال.
وهذه صورة توضح مدى ما وصلت إليه نفوس الصحابة الكرام من تزكية وطهر ونقاء:
قال ابن عباس رضي الله عنهما عند تفسيره لقول الله تعالى:
( قد أفلح من تزكى)
نزلت في عثمان بن عفان وقال" كان بالمدينة منافق كانت له نخلة مائلة في دار رجل من الأنصار، إذا هبت الرياح أسقطت البسر والرطب إلى دار الأنصاري فيأكل هو وعياله فخاصمه المنافق فشكا ذلك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأرسل إلى المنافق وهو يعلم نفاقه فقال:
إن أخاك الأنصاري ذكر أن بسرك ورطبك يقع إلى منزله فيأكل هو وعياله فهل لك أن أعطيك نخلة في الجنة بدلها فقال:
أبيع عاجلا بآجل؟ لا أفعل. (1/127)
صفحة 128
فذكروا أن عثمان بن عفان أعطاه حائطا(1) من نخل بدل نخلة ففيه نزلت (قد أفلح من تزكى)(2) .
هكذا كانت نفوس الصحابة زكية طاهرة غير متعلقة بزينة الدنيا وزخرفها.
د- ملازمة الجماعة :
كان سول الله - صلى الله عليه وسلم - حريصا على المحافظة على جماعة المسلمين وداعيا إليها حتى لا يشعر الفرد بالغربة واليأس والقنوط وحتى لا يسيطر عليه الشيطان.
ومن خلال دعوته - صلى الله عليه وسلم - في المدينة كان يدعو أصحابه إلى ملازمة الجماعة لما في الجماعة من قوة وخير كثير.
قال - صلى الله عليه وسلم - :
" عليكم بالجماعة فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية" …( أحمد والنسائي)
وهذا الأمر يقتضي الوجوب والتأكيد حتى لا يشذ المسلم ولا يتخلى عن الجماعة.
وللترغيب في ملازمة الجماعة جعل الله تعالى أجر من صلى في جماعة يفوق سبعا وعشرين مرة على من صلى منفردا.
قال عليه السلام:
" صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة"…(متفق عليه)
ودعوة محمد - صلى الله عليه وسلم - موجهة إلى الجماعات لا إلى الأفراد وإن كانت في بدايتها اتصالا بالأفراد إلا أن الغرض من هذا الاتصال تكوين الجماعة، هذا ما سعى إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من بداية دعوته فما بالك بالمرحلة المدنية عندما استقر المسلمون بالمدينة وكونوا مجمعا إسلاميا يضم جماعة وكونوا مجتمعا إسلاميا يضم جماعة خيرة مؤمنة تسعى إلى تطبيق شريعة الله في الأرض.
وكان نقباء أهل المدينة الاثنا عشر الذين انتخبوا ليلة بيعة العقبة الثانية اشتركوا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في تدبير أمر الجماعة وتكوينها وتدعيمها.
وثبت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يحث أصحابه على ملازمة الجماعة ويتوعد الخارج منها ويوضح أنه رأي ملزم في غالب الأحيان حفاظا على كيان الأمة من التفرق والتمزق والتشتت.
__________
(1) حائطا: بستانا.
(2) تفسير القرطبي ج2. (1/128)
صفحة 129
وما المسجد الذي شيده رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وساهمت فيه الجماعة المؤمنة إلا دليل على ملازمة الجماعات وفيه تقام الصلوات جماعة ومنه تنطلق الدعوة إلى الله تعالى..
وللتأكيد على ملازمة الجماعة وأهميتها عد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الخروج منها مروقا من الدين فقال:
" والمارق من الدين الترك للجماعة" (البخاري)
وكفى بالرسول - صلى الله عليه وسلم - تحذيرا للأمة من التخلي عن الجماعة قوله - صلى الله عليه وسلم - متوعدا:
" من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع رقبة الإسلام من عنقه إلا أن يراجع"
( الترمذي)
وقوله أيضا:
" من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات مات ميته جاهلية" (أحمد ومسلم)
(4) وسائل الدعوة:
أ- الحلقات بالمسجد:
المساجد بيوت الله تعالى ومنارات الإسلام، من مآذنها ترفع كلمة التوحيد، وينادي حي على الصلاة، حي على الفلاح.
فيها يؤدي المسلمون الصلاة وتحت عرصاتها يتعلمون مبادئ الإسلام ويتربون على الأخلاق السليمة.
هي مدارس تخرج الأجيال رجالا للدعوة إلى الله تعالى، وأساتذة ينشرون العلم بين الناس ويرفعون الجهل عن الأمة،ومنها تنظم الجيوش، وتبعث السرايا والغزوات.
ولتحقيق هذه الأهداف السامية بنى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مسجده وجعله قاعدة مركزية تحيط به البيوتات وتنتمي إليه الشوارع والأزقة.
فيه يجتمع أصحابه حلقا للذكر ومدارسة آيات القرآن الكريم، وكان يحرص أصحابه على حضور هذه الحلق ويرغبهم فيها وهو القائل عليه الصلاة والسلام:
" وإذا مررتم برياض الجنة فارتعوا" قالوا: وما رياض الجنة يا رسول الله؟ قال"حلق الذكر"
ثم قال: " وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون آيات كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده". (1/129)
صفحة 130
وكان عليه الصلاة والسلام يجمع أصحابه حلقا في المسجد يتدارسون أنواع العلوم الشرعية وكان الصحابة رضوان الله عليهم يواظبون عليها ويداومون على حضورها حتى أصبحت الحلق عبارة عن فصول دراسية ينهل منها طلاب العلم والمعرفة ما يحتاجون إليه من علوم تبصرهم بدينهم العظيم.
روى أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال: خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم إلى المسجد فوجد أصحابه عزين(1) يتذاكرون فنون العلم. فأول حلقة وقف عليها وجدهم يقرأون القرآن فجلس إليهم فقال:" بهذا أرسلني ربي"
ثم قام إلى الثانية فوجدهم يتكلمون في الحلال والحرام، فجلس إليهم ولم يقل شيئا.
ثم قام إلى الثالثة فوجدهم يذكرون توحيد الله عز وجل ونفي الأشباه والأمثال عنه فجلس إليهم كثيرا ثم قال:
"بهذا أمرني ربي"(2)
بهذه التربية السليمة وطن الرسول الداعية أصحابه على طلب العلم والجلوس في حلق الذكر ومدارسة العلوم وهو منهج كفيل بتخريج جيل من العلماء وإعدادهم الإعداد الصحيح لنشر الدعوة في أرجاء الأرض.
وكان - صلى الله عليه وسلم - كلما نزلت آية من الوحي أو حزبه أمر، أو طرأ طارئ إلا ونادى في الناس:
" الصلاة جامعة" . عندها يسارعون إليه مستجيبين للنداء، ينتظرون الجديد من الوحي ليحفظوه ويتفقهوا في فهمة ويستوعبوا أحكامه أو أوامر منه عليه السلام ليطبقوها ويلتزموا بها في حياتهم.
لذا جعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - المسجد قاعدة التي ينطلق منها لبناء المجتمع الإسلامي الغني، ومقرا لدولته الجديدة، فيه تعقد الندوات، وتؤخذ العلوم، وفيه تقام الصلاة، ويعيد الله تعالى بسائر العبادات من تلاوة القرآن وذكر وتسبيح.
قال تعالى:
__________
(1) عزين: الطائفة من الناس.
(2) الجامع الصحيح: مسند الإمام الربيع بن حبيب28. (1/130)
صفحة 131
{ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ(36)رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ… } …(النور/36-37)
كان عليه السلام يتعهد أصحابه بالموعظة في حلقات الدرس في مسجده" عن شقيق بن سلمة قال: خرج علينا عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: إني لأخبر بمجلسكم فما يمنعني من الخروج إليكم إلا كراهية مللكم، وإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يخولنا بالموعظة مخافة السآمة علينا"
ب- التعليم والمتابعة:
من وسائل الدعوة الناجحة التي سلكها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تعليم أصحابه مبادئ دينهم وتكليفهم بتبليغ الدعوة للناس.
أمرهم أن يجاهدوا في الدعوة إلى الله. وان يعلموا مبادئ الإسلام من لا يحملها وحذرهم من كتمان العلم، وما أنزل الله من إلهي والبينات، وأمرهم أن يصبروا على أذى الخلق في سبيل تعليم الناس هذه المبادئ السامية، وحرضهم على أن يثبتوا على تحمل مشاق الدعوة.
أمر المسلمين أن يبدأوا بتعليم أولادهم ويوطنوهم على الإيمان والإسلام وتلاوة القرآن فقال عليه السلام:
" تعليم الصغار يطفئ غضب الرب"
" رواه الإمام جابر بن زيد عن أنس بن مالك موصولا".(1)
وقال أيضا" علموا أولادكم القرآن فإنه أول ما ينبغي أن يتعلم من علم الله هو".
كان - صلى الله عليه وسلم - يأمر أصحابه بأن يتعهدوا الداخلين الجدد إلى الإسلام بالتعليم بل ذهب إلى أبعد من ذلك وحرص على أن يتعلم أصحابه القراءة والكتابة.
__________
(1) مسند الإمام الربيع بن حبيب: حديث رقم 23 باب في العلم وطلبه وفضله.
مسند الإمام الربيع بن حبيب: حديث رقم 3 باب في ذكر القرآن (1/131)
صفحة 132
ففي غزوة بدر كان عليه السلام ينادي من ليس لهم مال بأن يعلم كل واحد عشرة من المسلمين الكتابة.
وكان زيد بن ثابت ممن تعلم بهذه الطريقة وعدد من الصحابة رضوان الله عليهم.
ومن هذا الموقف يبرز منهج الرسول - صلى الله عليه وسلم - في تقدير العلم وتشجيع تعلم الكتابة ونشر المعرفة.
فكان يقول لأصحابه" خيركم من تعلم القرآن وعلمه" وفي هذا دعوة إلى أن يتعلم المرء القرآن تلاوة وتفسيرا وأحكاما يتبع ذلك تواصل في العلم بنشره وتعليمه للآخرين.
عكف الصحابة يعلمون الناس الإسلام حيثما كانوا كما أمرهم الرسول في أرجاء المدينة حلقا في المسجد أو فرادي وجماعات في بيت الضيافة يتعهدون القادمين إليها من خارجها أو في جلساتهم وتجمعاتهم.
وقد درج الرسول - صلى الله عليه وسلم - وصحبه على متابعة المسلمين الجدد بالتعليم والتدريب على ممارسة العبادت.
إن عملية المتابعة لها أهمية خاصة في حماية الدعوة من جانب، وتثبيت الإيمان في قلوب الذين اعتنقوه حديثا من جانب آخر.
ولهذا كان عليه السلام يرسل المعلمين الى القبائل العربية في أرجاء الجزيرة ليعلموا الناس القرآن وأصول الإسلام فقد أرسل عليه السلام مصعب بن عمير إلى المدينة ليعلم الناس القرآن ويدعو إلى الإسلام.
وروى المقريزى قال: فبعث معهم رسول الله عليه السلام مصعب بن عمير ليعلم من أسلم القرآن ويدعو إلى الإسلام.
وأرسل عليه السلام عمر بن حزم إلى نجران يعلمهم شرائع الإسلام ويأخذ منهم الصدقات وكتب له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليعلمهم على ما فيه، وبين فيه الأحكام والزكوات ومقادير الديات.
ولما قدم عمير بن وهب الجمحي على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة ليقتله رأى من الآيات البينات ما أقنعته بنبوته وصدقه فأعلن إسلامه وقال: الحمد لله الذي هداني للإسلام وساقني هذا المساق ثم شهد شهادة الحق. (1/132)
صفحة 133
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقهوا أخاكم في دينه، وأقرئوه القرآن، وأطلقوا له أسيره.
فسارع الصحابة إلى عمير يعلمونه دين الله تعالى ويقرئونه القرآن ويدربونه على أداء الفرائض.
فلما أنس عمير من نفسه نشاطا لدين الله تعالى وتشبع بمبادئه السمحة تحركت فيه روح المبادرة وأراد أن ينطلق إلى قومه يبلغهم تعاليم الإسلام ويعلمهم مبادئه والتمس من رسول الله عليه الصلاة والسلام أن يأذن له بذلك فقال:
يا رسول الله إني كنت جاهدا على إطفاء نور لله، شديد الأذى لمن كان على دين الله عز وجل، وأنا أحب أن تأذن لي، فأقدم مكة. فأدعو أهلها إلى دين الله تعالى، وإلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإلى الإسلام، لعل الله يهديهم، فأذن له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلحق بمكة ليؤدى مهمة تبليغ الدعوة وتعليم من أسلم على يديه مبادئه.
قال ابن إسحاق: فلما قدر عمير مكة أقام بها يدعو إلى الإسلام فأسلم على يده ناس كثير.(1)
ولمواصلة منهج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في تعليم الناس أمور دينهم أقام ابن عباس لنفسه مجلسا يستقبل فيه المسلمين أفواجا وعلمهم أصناف العلوم ويجيب على أسئلتهم ويبصرهم بدينهم: أخرج أبو نعيم في الحلية(2) عن أبي صالح قال: لقد رأيت من ابن عباس- رضي الله عنهما- مجلسا لو أن جمع قريش فخرت به لكان فخرا، لقد رأيت الناس اجتمعوا حتى ضاق بهم الطريق، فما كان أحد يقدر على أن يجيء ولا أن يذهب.
قال: فدخلت عليه فأخبرته بمكانهم على بابه، فقال لي: ضع لي وضوءا، قال: فتوضأ وجلس، وقال: أخرج وقل لهم:
__________
(1) ابن هشام: السيرة النبوية ج2 ص318- دار إحياء التراث العربي، بيروت.
(2) 1 (الحلية(1/320). (1/133)
صفحة 134
" من كان يريد أن يسأل عن القرآن وحروفه وما أراد منه فليدخل، قال: فخرجت، فآذنتهم فدخلوا حتى ملأوا البيت والحجرة، فما سألوه عن شيء إلا أخبرهم به وزادهم مثل ما سألوا عنه أو أكثر، ثم قال: أخوانكم، فخرجوا. ثم قال: أخرج فقل:
" من أراد أن يسأل عن تفسير القرآن وتأويله فليدخل: قال فخرجت فآذنتهم، فدخلوا حتى ملأوا البيت والحجرة، فما سألوه عن شيء إلا أخبرهم به وزادهم مثل ما سألوا عنه أو أكثر.
ثم قال: إخوانكم . فخرجوا. ثم قال: أخرج فقل:من أراد أن يسأل عن الحلال والحرام والفقه فليدخل.
فخرجت فقلت لهم: قال: فدخلوا حتى ملأوا البيت والحجرة، فما سألوه عن شيء إلا أخبرهم به وزادهم مثله
ثم قال: إخوانكم . فخرجوا. ثم قال: أخرج فقل:من أراد أن يسأل عن الفرائض وما أشبها فليدخل.
: فخرجت، فآذنتهم فدخلوا حتى ملأوا البيت والحجرة، فما سألوه عن شيء إلا أخبرهم به وزادهم مثله. ثم قال: إخوانكم . فخرجوا. ثم قال: أخرج فقل:من أراد أن يسأل عن العربية والشعر والغريب من الكلام فليدخل.
قال: فدخلوا حتى ملأوا البيت والحجرة، فما سألوه عن شيء إلا أخبرهم به وزادهم مثله.
قال أبو صالح: فلو أن قريش كلها فخرت بذلك لكان فخرا. فما رأيت مثل هذا لأحد من الناس.(1)
والمتتبع لسيرة الداعية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجده قد استفرغ الجهد في سبيل إقامة حلق العلم يعلم فيها أصحابه ويربيهم ويدربهم على التحصيل العلمي حتى أصبحوا أساتذة يدبرون بدورهم هذا الحلق ويقيمون لها المجالس عن أسئلتهم. وبهذا الروح العالية والنفس المجاهدة انتشرت الدعوة إلى الله في أرجاء الأرض نقية من الشوائب صافية من الأكدار يحملها رجال:
__________
(1) أخرجه الحاكم 3/538، نقلا من كتاب مختصر حياة الصحابة للكاندهلوي، ط دار الإيمان. (1/134)
صفحة 135
{ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا… } …(الأحزاب/23)
وطنوا أنفسهم على مصاحبة خير الأنام فنهلوا مما آتاه الله تعالى من وحي إلهي ومعرفة ربانية، فكانوا رسل سلام يحملون راية الدعوة يعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بإخلاص وأمان.
ج- إقامة الحجة:
سلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في دعوته مسلك الحجة البالغة. خاطب بها الناس، فأذعن لها العقلاء، وآمنوا به، وصدقوه، أما الذين أعرضوا عن دعوته عليه السلام فقد أبكتتهم الحجة وبهتوا عن الرد أو المعرضة.
كان - صلى الله عليه وسلم - مسددا في الأقوال والأفعال قد أيده الله بوحيه وتعهده برعايته في أقوال وأفعاله، وأمره أن يجاهد الكفار بالحجة الساطعة قائلا له:
{ وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا(51)فَلَا تُطِعْ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا… } …(الفرقان/51-52)
وهنا أمر الله رسوله عليه الصلاة والسلام أن يجاهد الكفار بالحجة والبيان وأن يقهرهم بالبرهان الذي يبكتهم ويعجزهم عن الرد أو الاعتراض.
كانت حجة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في دعوته كتاب الله العزيز ونوره المبين، يخوض به معركة التغيير، فيأخذ الناس برفق ويخاطبهم بحكمة. يعرض عليهم آيات الله البينات، أنزله الله تعالى على رسوله الكريم معجزا بيانه، شاملا تبيانه، ساطعا برهانه:
{ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ… } …( فصلت/ 42)
ويقول أيضا:
{ يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ… } …( يونس/57) (1/135)
صفحة 136
كما وصف الرسول - صلى الله عليه وسلم - القرآن الكريم وصف العارف به عن الإمام علي كرم الله وجهه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " ستكون من بعدي فتن كقطع الليل المظلم" قيل: يا رسول الله وما المخرج منها؟
قال:" كتاب الله تبارك وتعالى فيه نبأ من قبلكم وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغي الهدى في غيره أضله الله.
هو حبل الله المتين، ونوره المبين، والذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة ولا تتشعب معه الآراء، ولا يشبع منه العلماء، ولا يمله الأتقياء ولا يخلق من كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، وهو الذي لم تنته الجن إذ سمعته أن قالوا { … إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا… } …(الجن/1)
من علم علمه سبق، ومن قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن عمل به أجر ومن دعا إليه هدى إلى صراط مستقيم هذا هو برهان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحجته الساطعة يخوض به معركة التغيير ليكون نورا وهدى يقوم به المنحرفين ويهدى الضالين ويبكت به المعاندين والجاحدين كان عليه الصلاة والسلام يواجه عناد الناس بالعبادة النافذة، يختار لها موضعها المناسب وكان عليه السلام كثيرا ما يقول لمعارضيه " أمهلوني أكلمكم بكلمات أعرضها عليكم" ثم يتلو عليهم آيات من كتاب الله العزيز.
كما كان عليه الصلاة والسلام يأخذ أمثلة من واقع حياتهم، فيعرضها عليهم، ويلفت أنظارهم إلى ما يدور حولهم من المظالم والفواحش، ويذكرهم بما جرى للأمم السابقة وما نزل عليها من الخسف، والمحق بسبب الأعراض والكفر.
غير أن كثيرا من الناس يعرضون بل ويصرون على الحنت العظيم.
كان أكثر الناس عنادا وأشدهم جدلا اليهود، ذلك أن نفوسهم انطوت على الخبث واصطبغت بالعناد.
كانت عقلتهم لا تلين أمام حجة ولا تعترف ببرهان، العناد صفتهم، والحقد على الإسلام سجيتهم. (1/136)
صفحة 137
فكيف تحاجج أقواما يعتبرون أنفسهم شعب الله المختار، يؤمنون أن الله واحد هو إله إسرائيل الذي اختارهم لنفسه من دون الناس، وبذلك يرون لأنفسهم ميزة العلو والاستعلاء. من أجل ذلك كذبوا أنبياءهم وحاربوا المسيح عليه السلام وسعوا إلى قتله.
ولما جاء محمد - صلى الله عليه وسلم - يدعو الناس إلى أن الله ليس هو إله بني إسرائيل المزعوم، إنما هو إله واحد رب العالمين وخالق الناس أجمعين، قرروا المواجهة بشتى ألوانها ومختلف وسائلها.
كان أحبار اليهود يوجهون الأسئلة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلون بذلك إلى الشطط والتعنت، كانوا يطالبون النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن يأتيهم بالمعجزات ثم انتقلت المناقشة إلى مخاصمة كلامية. فكان القرآن يتنزل على رسول الله يلوم اليهود على هذا الجدل ويعنفهم بأنهم يعلمون الحق ويتركون وراء ظهورهم بعد أن ركبوا رؤسهم وقرروا الصدود:
قال تعالى:
{ وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ… } …(البقرة/101)
وقد جاءت آيات كثيرة تبين لجاجة اليهود وشدة عداوتهم للرسول عليه الصلاة والسلام وحسدهم له على النبوة التي أكرمه الله بها كما وردت روايات كثيرة تشير إلى مجادلة الرسول بقصد تعجيزه وإفساد الأمر عليه معلنين بذلك بقاءهم على عداوته رغم علمهم بأنه نبي مرسل بشرت به كتبهم التي يقرأونها.
عن صفية بنت حيي قالت: لما قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غدا إليه أبي وعمي أبو ياسر بن أخطب، ثم رجعا. فسمعت عمي يقول لأبي: أما هو؟ قال: نعم والله. قال: تعرفه بعينه وصفته؟ قال: نعم والله. قال: فماذا في نفسك منه؟.
قال: عداوته والله ما بقيت أبدا.(1)
__________
(1) أخرجه ابن إسحاق والبيهقي. (1/137)
صفحة 138
وعن ابن مسعود قال: بينما أنا أمشي مع النبي في حرث المدينة وهو يتوكأ على عسيب(1) فمررنا بنفر من اليهود. فقال: بعضهم سلوه عن الروح، وقال بعضهم: لا تسألوه عسى أن يخبر فيه بشيء تكرهونه. فسألوه. فسكت عليه السلام فظننت أنه يوحي ‘ليه فلما انجلى عنه قال:
{ وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الرُّوحِ قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا… } …( الإسراء/85)
قال أبو نعيم: قيل إن من علامات نبوة محمد عليه الصلاة والسلام في الكتب المنزلة أنه إذا سئل عن الروح فوض العلم إلى منشئها وباريها.
وكان اليهود في غالب أحوالهم كلما سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن شيء إلا وأجابهم وأقام الحجة غير أنهم لا يؤمنون حسدا من عند أنفسهم ولم تخضع نفسه كبرهان القرآن فاستجابتها لغيره ضرب من المحال.
عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لابن صوريا( وهو يهودي).
" أنشدك الله هل تعلم أن الله حكم في التوراة فيمن زنا بعد إحصانه بالرجم"
فقال: اللهم نعم. أما والله يا أبا القاسم إنهم ليعرفون أنك نبي مرسل ولكنهم يحسدونك.(2)
وعن صفوان بن عسال قال: قال يهودي لصاحبه: أذهب بنا إلى النبي نسأله هذه الآية:
{ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْألْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَامُوسَى مَسْحُورًا… } …(الإسراء/101)
فسألاه فقال:
" لا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله قتلها إلا بالحق، ولا تسحروا، ولا تأكلوا الربا، ولا تمشوا ببريء إلى ذي سلطان ليقتله، ولا تقذفوا محصنة و وأنتم يا يهود عليكم خاصة لا تعدوا في السبت"
فقبلا يده ورجله وقالا: نشهد إنك لنبي.
__________
(1) العسيب: جريدة من النخل مستقيمة دقيقة يكشط خوصها- لسان العرب.
أخرجه البخاري.
(2) أخرجه ابن إسحاق والبيهقي. (1/138)
صفحة 139
فقال عليه السلام:" ما منعكما أن تسلما؟"
فقالا: إن داود دعا أن لا يزال من ذريته نبي، وأنا نخشى أن تقتلنا اليهود.(1)
كما وفدت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جموع من الناس يمثلون بلدانهم، أو قبائلهم أو دياناتهم، فبعضهم يعلن الإسلام مباشرة، والبعض يسأله الحجة والبرهان فيسلم بالحق، وبعض آخر يجادل ويعاند فيخرج من عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بصلح أو بوعد بالإسلام.
لما دخل وفد نجران على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سلموا فرد سلامهم ثم قال:
"والذي بعثني بالحق لقد أتوني المرة الأولى وإن إبليس معهم"
ثم ساءلهم وساءلوه. فلم تزل به وبهم المساءلة حتى قالوا: ما تقول في عيسى، فأنا نرجع إلى قومنا ونحن نصارى، يسرنا إن كنت نبيا أن تسمع ما تقول فيه؟
فقال عليه الصلاة والسلام" ما عندي فيه شيء يومي هذا فأقيموا حتى أخبركم ما يقول الله في عيسى"
فأصبح الغد وقد أنزل الله تعالى قوله الكريم:
{ إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ(59)الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنْ الْمُمْتَرِينَ(60)فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ… } …( آل عمران/ 59-61)
فأبوا أن يقروا بالإسلام، فدعاهم الرسول للملاعنة فرفضوا ذلك خشية على أنفسهم وقبلوا حكم رسول الله فيهم بأداء الجزية ورضوا بالمصالحة.(2)
__________
(1) أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه والحاكم وصححه البيهقي.
(2) ابن كثير: السيرة النبوية ج4 دار المعرفة بيروت. (1/139)
صفحة 140
وقدم ضمان بن ثعلبة وافدا عن قومه بني سعد بن بكر على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى وقف عليه فسأله، فأغلظ المسألة. وكان ضمام يجد الصدق في حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ويشعر بقوة الحجة وصدق اللهجة، ووضوح الدليل.
سأله عمن أرسله؟ وبم أرسله؟
وسأل عن شرائع الإسلام، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجيب في ذلك كله أجوبة تقنع النفوس وتأخذ بالألباب، فرجع إلى قومه مسلما، وأخبرهم بما رأى من خلق جم، وما سمع من صدق الجواب وقوة الحجة. فما أمسى ذلك اليوم رجل ولا امرأة إلا أسلم، وبنوا المساجد وأذنوا بالصلاة.(1)
أما عدي بن حاتم فقد قدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعدما سمع من أحباره، ما سمعه من أخته، فأكرم وفادته وانطلق به إلى بيته، فرأى عدي من أخلاق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما يدعم نبوته عنده.
رآه يقف لامرأة ضعيفة مسنة فيحادثها طويلا، ورأى في بيته فرشا بسيطة ووسادة من أدم، وتواضعا جما لم يعهده عدي لدى الملوك.
ثم خاطبه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بكلامه فيه من الحجج ما جعله يصدق ويسلم بالحق الذي دعي إليه.
قال عليه السلام:
" إيه ياعدي بن حاتم؟ ألم تك ركوسيا؟"(2)
قال: قلت بلى.
قال:" أو لم تكن تسيرلا في قومك المرباع؟"(3)
قال قلت: بلى.
قال عليه السلام.
" فإن ذلك لم يكن يحل لك في دينك"
قال قلت أجل والله.
فانشرح صدر عدى لكلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: عرفت أنه نبي مرسل يعلم ما يجهل.
ثم قال عليه السلام:
__________
(1) هذه الحادثة مخرجة في الصحيحين وغيرهما مطولة وبأسانيد وألفاظ كثيرة عن أنس بن مالك.
(2) الركوسية: دين بين النصارى والصائبين.
(3) كان الناس في الجاهلية إذا غزا بعضهم بعضا وغنموا أخذ الرئيس ربع الغنيمة خالصة له دون أصحابه، وذلك الربه يسمى المرباع. (1/140)
صفحة 141
" لعلك يا عدي إنما يمنعك من دخول في هذا الدين ما ترى من حاجتهم. فوالله ليوشكن المال أن يفيض فيهم حتى لا يوجد من يأخذه"
ولعلك إنما يمنعك من دخول فيه ما ترى من كثرة عدوهم وقلة عددهم. فوالله ليوشكن أن تسمع بالمرأة تخرج من القادسية على بعيرها حتى تزور هذا البيت لا تخاف.
ولعلك إنما يمنعك من دخول فيه أنك ترى أن الملك والسلطان في غيرهم.
" وأيم الله ليوشكن أن تسمع بالقصور البيض من أرض بابل قد فتحت عليهم"
قال: فأسلمت.(1)
وبالحجة البالغة والبراهين الساطعة التي أظهرها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دخل خلق كثير في دين الله واستجابوا لدعوة الرسول عليه الصلاة والسلام.
(5) تكليف الصحابة بالقيام بالدعوة:
أ- على مستوى الفردي:
(1) أبو ذر يدعو غفار:
كان جندب بن جنادة الغفاري من سكان نواحي يثرب ويكنى بأبي ذر يعتبر من الذين سبقوا إلى الإسلام من خارج مكة، لما بلغ خبر مبعث النبي إلى يثرب وصل إلى أبي ذر فتفاعل مع الحدث بسرعة وبادر بالتأكيد من الخبر.
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال أبو ذر: كنت رجلا من غفار فبلغنا أن رجلا قد خرج بمكة زعم أنه نبي فقلت لأخي: انطلق إلى هذا الرجل وكلمه وائتني بخبره. فانطلق أنيس بن جنادة فلقيه ثم رجع. فقلت ما عندك؟ قال: والله لقد رأيت رجلا يأمر بالخير وينهي عن الشر. فقلت له: لم تشفني من الخبر.
فأخذت جرابا وعصا ثم أقبلت إلى مكة فجعلت لا أعرفه وأكره أن أسأل عنه وأشرب من ماء زمزم وأكون في المسجد.
__________
(1) ابن كثير: السيرة النبوية ج4 ط دار المعرفة بيروت. (1/141)
صفحة 142
قال: فمر بي علي بن أبي طالب فقال: كأن الرجل غريب. قلت:نعم. فقال فانطلق إلى المنزل فانطلقت معه لا يسألني عن شيء ولا أسأله ولا أخبره فلما أصبحت غدوت إلى المسجد لأسأل عنه وليس أحد يخبرني عنه بشيء. قال: فمر بي علي فقال أما آن للرجل يعرف منزله بعد؟ قال: قلت لا. قال: فانطلق معي. فقال: ما أمرك وما أقدمك هذه البلدة. قلت: إن كتمت على أخبرتك قال: فإني أفعل. قلت له: بلغنا أنه خرج ههنا رجل يزعم أنه نبي الله فأرسلت أخي يكلمه فرجع ولم يشفعني الخبر، فأردت أن ألقاه فقال لي: أما إنك قد رشدت هذا وجهي إليه أدخل حيث أدخل فإني إن رأيت أحدا أخافه عليك قمت إلى الحائط كأني أصلح نعلي وامض أنت. فمضى ومضيت معه حتى دخل ودخلت معه إلى النبي فقلت له: اعرض على الإسلام، فعرضه فأسلمت مكاني. فقال لي: اكتم هذا الأمر. وارجع إلى بلدك فإذا بلغك ظهورنا فأقبل . فقلت: والذي بعثك بالحق لأصرخن بها بين أظهرهم. فجئت إلى المسجد وقريش فيه فقلت: يا معشر قريش إني أشهد أن إله إلا الله وأشهد أن محمد عبده ورسوله. فقالوا: قوموا إلى هذا الصابئ فقاموا فضربت لأموت فأدركني العباس وأكب عليّ ثم أقبل عليه فقال: ويلكم أتقتلون رجلا من غفار ومتجركم وممركم على غفار؟
فأقلعوا عني . فلم أصبح الغداة رجعت فقلت ما قلت الأمس فقالوا: قوموا إلى هذا الصابئ فصنع بي ما صنع الأمس وأكب على العباس فقال مثل مقالته بالأمس فأقلعوا)"رواه البخاري"
لقد وجه رسول الله الصحابي أبا ذر أن يرجع إلى بلاده وقومه(ولكن ارجع إلى أهلك فإذا سمعت بي قد ظهرت فأتني) وذلك إبعادا لأبي ذر عن مواطن الخطر وإفادة لبلده وقومه غفار وضمانا لاستمرارية الدعوة وتجنبا للاستئصال.
ويصف أبو ذر استجابته لأمر رسول الله ودعوته لقبيلته غفار فيقول: (1/142)
صفحة 143
( ثم أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: إني قد وجهت إلى أرض ذات نخل لا أراها إلا يثرب. فهل أنت مبلغ عني قومك عسى الله أن ينفعهم بك ويأجرك فيهم؟).
فانطلق أبو ذر لأداء هذه المهمة الشريفة يقول: ( فأتيت أنيسا أخي فقال ما صنعت؟ قلت: صنعت أني قد أسلمت وصدقت. وهي بداية سريعة في المهمة الدعوية عرضها على أخيه. فقال أنيس: ما بي رغبة عن دينك فإني قد أسلمت وصدقت. فقد كان أنيس يثق في أخيه ويحترم فيه رجاحة عقله فكانت استجابته سريعة ومشجعة للداعية أبي ذر حتى يعرض الإسلام على أفراد قبيلته فينتفعوا بدعوته ويؤجر هو على تبليغه كما بشره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
يقول أبو ذر: فاحتملنا حتى أتينا قومنا غفار فأسلم نصفهم وقد كان يؤمهم إيماء بن رحضة الغفاري وهو سيدهم أما النصف الثاني من قبيلة غفار فقد قال: إذا قدم رسول الله المدينة أسلمنا.
فلما قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة أسلم النصف الباقي بدعوة أبي ذر.
فقال الرسول - صلى الله عليه وسلم - (غفار غفر الله لها).
(2) الطفيل بن عمرو يدعو دوسا:
كان الطفيل بن عمرو الدوسي سيد قبيلته شريفا شاعرا لبيبا وكانت لدوس إمارة في بعض نواحي اليمن.
قدم مكة في السنة الحادية عشرة من النبوة فتلقفه أهلها وبذلوا له أجل تقدير وقالوا له: يا طفيل إنك قدمت بلادنا، وهذا الرجل الذي بين أظهرنا قد أعضل(1) بنا وقد فرق جماعتنا وشتت أمرنا وغنما قوله كالسحر يفرق بين الرجل وأبيه وبين الرجل وزوجه وإنا نخشى عليك وعلى قومك ما قد دخل علينا. فلا تكلمه ولا تسمعن منه شيئا).
إنه موقف غريب فيه تحذير من مجرد السماع وتخويف من الاتباع لمحمد - صلى الله عليه وسلم - .
يقول الطفيل: ( فوالله مازالوا بي حتى أجمعت أن لا أسمع منه شيئا ولا أكلمه حتى حشوت أذني كرسفا(قطنا) حين غدوت إلى المسجد خوفا من أن يبلغني شيء من قوله.
__________
(1) أعضل: أيانا أمره. (1/143)
صفحة 144
فلما دخلت المسجد إذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائم يصلى عند الكعبة فقمت قريبا منه فأبي الله إلا أن يسمعني بعض قوله فسمعت كلاما حسنا. فقلت في نفسي: والله إني رجل لبيب شاعر ما يخفي عليّ الحسن من القبيح فما يمنعني أن أسمع من الرجل ما يقول فإن كان حسنا قبلته وإن كان قبيحا تركته. ولماذا تحجر عليه قريش مجرد سماع محمد؟!
فمكثت حتى انصرف إلى بيته فتبعته وقصصت عليه ما حصل لي وقلت أعرض عليّ أمرك. فعرض عليّ الإسلام وتلا عليّ القرآن فوالله ما سمعت قولا قط أحسن منه ولا أمرا أعدل منه فأسلمت وشهدت شهادة الحق. ثم قال الطفيل بعد أن ذاق حلاوة الإيمان وتطوع ليكون من جنود الدعوة يستنقذ بها أهله وقومه.
يا نبي الله إني امرؤ مطاع في قومي وأنا راجع إليهم وداعيهم إلى الإسلام فادع الله أن يجعل لي آية تكون لي عونا عليهم فيما أدعوهم إليه فقال - صلى الله عليه وسلم - : ( اللهم اجعل له آية).
قال الطفيل: فخرجت إلى قومي حتى إذا دنوت منهم وقع نور بين عيني مثل المصباح. فقلت اللهم في غير وجهي إني أخشى أن يظنوا أنه مثلة(1) وقعت في وجهي لفراق دينهم. فتحول فوقع في رأس سوطي. فجعل القوم يتراءون ذلك النور في سوطي كالقنديل المعلق وأنا أهبط إليهم من الثنية حتى جئتهم فأصبحت فيهم.
دعوته لوالده: فلما نزلت أتاني أبي وكان شيخا كبيرا فقلت: إليك عني يا أبت فلست منك ولست مني. قال: ولم يا بني؟! قال: قلت: أسلمت وتابعت دين محمد. قال: أي بني ديني دينك. قال قلت: فاذهب فاغتسل وطهر ثيابك ثم تعال أعلمك ما علمت.
قال فذهب فاغتسل وطهر ثيابه ثم جاء فعرضت عليه الإسلام فأسلم وهكذا نجح الطفيل في كسب أول مدعو وأضاف إلى رصيد المسلمين عنصرا جديدا.
دعوته لزوجته:
__________
(1) مثلة: عقوبة. (1/144)
صفحة 145
قال الطفيل: ثم أتتني صاحبتي. فقلت: إليك عني فلست منك ولست مني. قالت: لم بأبي أنت وأمي؟ قلت: قد فرق بيني وبينك الإسلام وتابعت دين محمد. قالت: فديني دينك. قلت فاذهبي فتطهري.
فذهبت فاغتسلت ثم جاءت فعرضت عليها الإسلام فأسلمت وانضم عضو جديد للدعوة وفتح الله على الطفيل فكسب قلب زوجته وأنقذها من الظلمات إلى النور.
دعوته لقومه:
ثم دع الطفيل قبيلته دوسا فلم يسارعوا بالاستجابة له بل أبطأوا عليه ولم يطق هذا الداعية المبتدئ إبطاء قومه عن قبول دعوته فرجع إلى رسول الله بمكة يشتكي قومه. فقال لرسول الله: ( يا نبي الله إنه غلبني على دوس الزنا. فادع الله عليهم)
وذلك من شدة تأثره برفضهم الدعوة ويأسه من استجابتهم.
لكن الداعية القدوة الخبير النفوس المعاندة - صلى الله عليه وسلم - يهدئ الطفيل وعلمه الدعاء للناس لا عليهم ويوصيه بالصبر والرأفة بقومه قال محمد - صلى الله عليه وسلم - :
(اللهم اهد دوسا) وقال للطفيل: ( ارجع إلى قومك فادعهم وارفق بهم).
فقال الطفيل: فلم أزل بأرض دوس أدعوهم إلى الإسلام حتى هاجر رسول الله ومضى بدر وأحد والخندق وقدمت عليه بمن أسلم من قومي. سبعين أو ثمانين بيتا من دوس والنبي بخيبر فألحقناه وأسهم لنا مع المسلمين.
وقد كان الطفيل جادا في دعوة قومه حريصا على إنقاذهم وحطم صنم"ذي الكفين" ,احرقه ليؤكد لقومه أن الحجر لا ينفع ولا يضر وأن المستحق للعبادة هو الواحد الأحد الفرد الصمد.
(3) أبو هريرة يدعو أمه:
وينحدر من نفس قبيلة دوس الصحابي الجليل أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر الذي أسلم سنة سبع من الهجرة وهاجر إلى المدينة ولازم النبي بها.
حثه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الدعوة إلى الله وكلفه أن يبدأ بدعوة أمه حتى تفوز برضوان الله وتنعم بالإسلام.
أخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (1/145)
صفحة 146
كنت أدعو أمي إلى الإسلام وهي مشركة، فدعوتها يوما، فأسمعتني في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما أكره، فأتيت النبي عليه السلام. فقلت يا رسول الله إني كنت أدعو أمي إلى الإسلام فتأبي ,غني دعوتها فأسمعتني فيك ما أكره، فادع الله أن يهدي أم أبي هريرة.
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( اللهم اهد أم هريرة).
فخرجت مستبشرا بدعوة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلما جئت قصدت الباب فإذا هو مجاف(مردود). فسمعت حصحصة الماء(تحريكه) قال: ولبست درعها(قميصها وأعجلت عن خمارها وفتحت الباب وقالت:
( يا أبا هريرة: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله ) فرجعت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأخبره، أسعى إليه وأنا أبكي من الفرح كما بكيت من الحزن فقلت: أبشر يا رسول الله فقد أجاب الله دعوتك قد هدى الله أم أبي هريرة إلى الإسلام.
ثم قلت: ( يا رسول الله ادع الله أن يحببني وأمي إلى المؤمنين والمؤمنات) فقال - صلى الله عليه وسلم - :( اللهم حبب عبيدك هذا وأمه إلى كل مؤمن ومؤمنة فليس يسمع بي مؤمن ولا مؤمنة إلا أحبني)
(4) عروة بن مسعود يدعو ثقيفا:
عروة بن مسعود بن معتب بن مالك بن كعب الثقفي هو أحد العظيمين اللذين تمني الكفار لو نزل القرآن على أحدهما.
{ وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ… } …(الزخرف/31)
والقريتان مكة والطائف، فعظيم قريش الوليد بن المغيرة مات مشركا، أما عظيم ثقيف فهو عروة بن مسعود الذي أراد الله له أمن يستشهد في قومه ثقيف.
لقد كان عروة سيدا يفد على الملوك وسفيرا محنكا وقد حضر يوم الحديبية فلاحظ موقف المسلمين مع نبيهم ووصفه لقريش منبهرا . (1/146)
صفحة 147
قال عروة: ( يا قوم قد وفدت على كسرى وهرقل والنجاشي وإني والله ما رأيت ملكا قط أطوع فيها هو بين ظهرانيه من محمد في أصحابه، والله ما يشدون إليه النظر وما يرفعون عنده الصوت وما يلفيه إلا أن يشير إلى امرئ فيفعل.. وقد حزرت القوم فاعلموا إن أردتم السيف بذلوه لكم، وقد رأيت قوما لا يبالون ما يصنع بهم إذا منعوا صاحبهم.. فروا رأيكم.. يا قوم أقبلوا ما عرض فإني لكم ناصح مع أني أخاف ألا تنصروا عليه).
يبدو من كلام عروة أنه متأثر بتربية محمد - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه وأن دعوته عليه السلام ستنجح لذلكم نصح القريشيين بقبول ما يعرضه محمد - صلى الله عليه وسلم - .
وبعد انصراف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من غزوة الطائف اتبع عروة بن مسعود أثره حتى أدركه قبل أن يصل المدينة فأسلم. ثم استأذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يرجع إلى قومه فيدعوهم إلى الإسلام فقد كان فيهم محببا مطاعا.
فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( إني أخاف أن يقتلوك). فقال عروة: يا رسول الله أما أحب إليهم من أبكارهم، ولو وجدوني نائما ما أيقظوني). فخرج عروة يدعو قومه إلى الإسلام.
روى ابن سعد في طبقاته قال:
( قدم عروة الطائف عشاء فدخل منزله فأتته ثقيف تسلم عليه بتحية الجاهلية فأنكرها عليهم وقال: عليكم بتحية أهل الجنة السلام: ثم دعاهم إلى الإسلام، فآذوه واتهموه وأغضبوه وأسمعوه ونالوا منه فحلم عنهم وخرجوا من عنده فجعلوا يأتمرون به وطلع الفجر فأوفي على غرفة له فإذن بالصلاة فخرجت إليه ثقيف من كل ناحية فرماه رجل من بني مالك يقال له أوس فأصاب أكحله(عرق في اليد)ولم يرقأ دمه، فقام وجوه الأحلاف(رهط عروة) فلبسوا السلاح وحشدوا وقالوا: نموت عن آخرنا أو نثأر به عشرة من رؤساء بني مالك فلما رأى عروة ما يصنعون قال: (1/147)
صفحة 148
( لا تقتتلوا في، قد تصدقت بدمي على صاحبه لأصلح بذلك بينكم فهي كرامة أكرمني الله بها وشهادة ساقها الله إلى وأشهد أن محمد قد أخبرني بهذا أنكم تقتلوني.
ثم دعا رهطه فقال: إذا مت فادفنوني مع الشهداء الذين قتلوا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل أن يرتحل عنكم، فمات فدفنوه معهم).
ولما قتل عروة قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :
( مثل عروة مثل صاحب يس دعا قومه إلى الله فقتلوه).
قال الله تعالى:
{ وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ(20)اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ(21)وَمَا لِي لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ(22)أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِي الرَّحْمَانُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنقِذُونِي(23)إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ(24)إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِي… } …(سورة يس/20-25)
هكذا مضى عروة إلى قومه ليدعوهم ورغم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخبره أنهم قاتلوه لكنه لم يتراجع ولم يتوان بل قصد إنقاذ قومه وتخلى عن موضع العظمة الذي كان يحتله في قبيلته وكان جزاؤه على حرصه على إنقاذهم القتل مثلما رجم(حبيب النجار) صاحب يس الذي بشر بدخول الجنة. رحم الله الداعية عروة بن مسعود الثقفي.
ب- على مستوى الجماعي
البعوث
بعث الرجيع:(صفر/4هـ)
لم تزال مجالس رسول الله تزيد الصحابة رسوخا في الدين وعزوفا عن الشهوة وتفانيا في سبيل الدعوة وحنينا إلى مرضاة الله والفوز بالجنة كان يغذي أرواحهم بالقرآن ويربيهم بالإيمان ويوصيهم بالاستمرار في استنقاذ الناس من النار وغضب الجبار بدعوتهم لاعتناق الإسلام. (1/148)
صفحة 149
لذلك كان لا يدع - صلى الله عليه وسلم - فرصة إلا استغلها للدعوة. ولا يتأخر في توجيه أصحابه لتعليم المسلمين الجدد وتفقيههم وخاصة إن طلب منه ذلك.
قدم رهط من قبيلة عضل والقارة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: ( إن فينا إسلام فابعث معنا نفرا من أصحابك يفهموننا الدين ويقرئوننا القرآن ويعلموننا شرائع الإسلام)
فاستجاب النبي - صلى الله عليه وسلم - لطلبهم واختار ستة نفر من خيرة أصحابه فبعثهم معهم والنفر هم:
عاصم بن ثابت- مرثد بن أبي مرثد- خالد بن البكير- عبدالله ابن طارق- خبيب بن عدي- زيد بن الدثنة.
انطلق الوفد وغادر المدينة إلى عضل والقارة دعاة هداية لا محاربين ولم يعلموا ما تخفيه لهم هذا الرهط من خيانة وغدر.
فلما بلغ الوفد الرجيع- وهو ماء لهذيل بناحية الحجاز استصرخوا حي بني لحيان فتبعوهم بمائة من الرماة واقتصوا آثارهم حتى لحقوهم وأحاطوا بهم وفاجأوهم بسيوفهم المشرعة وقالوا للدعاة: ( لكم العهد والميثاق إن نزلتم إلينا أن لا نقتل منكم رجلا).
تأكد الدعاة من غدر المشركين وعلموا خداعهم في قولهم أنهم يريدون أن يصيبوا شيئا من أهل مكة بتسليمهم لهم.
فقال عاصم ومرثد وخالد: ( لا نقبل من مشرك عهدا ولا عقدا أبدا) وأبوا النزول وقاتلوا الغادرين فقتلوا منهم سبعة واستشهدوا.
أما عبدالله وخبيب وزيد فقد استسلموا ظنا منهم أن للمشركين عهدا وخدعوا ونسوا قوله تعالى:
{ لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُعْتَدُونَ… } …( التوبة/10)
فأسرهم الغادرون وربطوهم بأوتاد أقواسهم وخرجوا بهم إلى مكة لبيعهم فقال عبدالله بن طارق: ( هذا أول الغدر) وأبى أن يصحبهم ففك نفسه من القيد وأخذ سيفه فقاتل حتى قتل غير مستسلم. (1/149)
صفحة 150
وانطلق ركب الغدر بخبيب وزيد فباعوهما بمكة، فاشترى بنو الحارث خبيبا لينتقموا منه لأبيهم الذي قتله خبيب يوم بدر. فمكث عندهم مسجونا ولما أجمعوا على قتله خرجوا به من الحرم إلى التنعيم ولما أرادوا صلبه قال: دعوني أصلي ركعتين، فأداهما بخشوع ولما سلم قال: ( والله لولا أن تقولوا: إن ما بي جزع لزدت ثم قال: اللهم إنا قد بلغنا رسالة رسولك فبلغه الغداة ما يصنع بنا، اللهم أحصهم عددا واقتلهم بددا ولا تغادر منهم أحدا وقبل صلبه أنشد أبياتا يصف فيها مأسأته فقال:
لقد أجمع الأحزاب حولي وألبوا
وقد قربوا أبناءهم ونساءهم
إلى الله أشكو غربتي بعد كربتي
فذا العرش صبرني على ما يراد بي
وقد خيروني الكفر والموت دونه
ولست أبالي حين أقتل مسلما
وذلك في ذات الإله وإن يش
قبائلهم واستجمعوا كل مجمع
وقربت من جذع طويل ممنع
وما جمع الأحزاب لي عند مضجعي
فقد بضعوا لحمي وقد بؤس مطعمي
فقد ذرفت عيناي من غير مدمع
على أي جنب كان في الله مصرعي
يبارك على أوصال شلو ممزع
?
…………………………
فقتله عقبة بن الحارث انتقاما لأبيه الحارث وبعد صلبه وكلوا من يحرس جثته فجاء صحابي فاحتمله بخدعة ليلا فدفنه.
وأما زيد بن الدثنة فابتاعه صفوان بن أمية فقتله بأبيه وقبل صلبه سأله أبو سفيان:أنشدك الله زيد أتحب أن محمدا مكانك يضرب عنقه وإنك في أهلك فقال: والله ما أحب أن محمد وهو في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وغني جالس في أهلي. ……
فقال أبو سفيان( ما رأيت أحدا يحب أحدا كحب أصحاب محمد محمدا).
إن مأساة بعثة الرجيع تدل على تحريض قريش على الغدر وتبين أن ثاراتهم من بدر لم تشف وقد جدت في أحد ثارات جديدة لذلك لجأوا إلى التحريض على أخس أنواع الخيانة والغدر
فاستشهد هذا الوفد الذي انطلق ليدعو إلى الله فذهب ضحية الغدر.
وقد تألم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لهذا المأساة تألما شديدا ودعا على الغادرين الذين فتكوا بخيرة أصحابه.
بعث: بئر معونة(صفر/4هـ) (1/150)
صفحة 151
إثر مأساة الرجيع بأيام وفي نفس الشهر والسنة وقعت مصيبة أشد وأفظع لحقت بالدعاة الذين ابتعثهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليواصلوا نشر الدعوة وإخراج القبائل من ظلمات الشرك إلى أنوار التوحيد. وتعرف هذه الوقعة بمأساة بئر معونة.
فقد قدم المدينة أبو براء عامر بن مالك بن جعفر الملقب بملاعب الأسنة ولقي رسول الله فعرض عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - ودعاه إلى قبول الدعوة واعتناق دين التوحيد، لكنه لم يسلم ولم يبعد عن الإسلام وقال لرسول الله .
(لو بعثت رجالا من أصحابك إلى أهل نجد فدعوهم إلى أمرك رجوت أن يستجيبوا لك).
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:( إني أخشى عليهم أهل نجد) فقال أبو براء: أنا لهم جار فابعثهم فليدعوا الناس إلى أمرك.
اطمأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الحريص على تبليغ رسالة ربه حيث وجد موطنا جديدا لنشر الدعوة وخاصة في جوار ملاعب الأسنة.
واختار سبعين من أصحابه- على الصحيح- وأمر عليهم المنذر بن عمرو وأكثرهم قراء وكانوا من خيار المسلمين وفضلائهم وأرسلهم لدعوة أهل نجد فساروا يحتطبون بالنهار ويشترون به الطعام، ويتدارسون القرآن ويصلون الليل، ولما نزلوا بئر معونة- وهي أرض بين بني عامر وحرة(1) بني سليم- بعثوا حرام بن ملحان بكتاب رسول الله إلى عدو الله عامر بن الطفيل، فلم يقرأ الكتاب بل وثب على حرام فقتله طعنا بحربة من الخلف فلما نفذت قال حرام: فزت ورب الكعبة. وكان أول شهيد.
ثم استنفر عدو الله بني عامر لقتال الباقين فلم يجيبوه احتراما لجوار أبي براء، فاستنفر بني سليم فأجابته: عصية ورعل وذكوان وجاؤوا فأحاطوا بأصحاب رسول الله؛ فقال وفد الدعاة المسلمين:
(والله ما إياكم أردنا وإنما نحن مجتازون في حاجة للنبي).
__________
(1) حرة: جبل. (1/151)
صفحة 152
ولكن الغدر بدا على المهاجمين، فلما رآهم المسلمون محيطين بهم أخذوا سيوفهم فقاتلوهم حتى استشهدوا عن آخرهم إلا عمرو بن أمية الضميري الذي بقي في سرح المسلمين، فلما رأى الطير تحوم على موضع الوقعة رجع إلى المدينة يحمل أنباء المصاب الفادح: مصرع سبعين من أفاضل المسلمين ذهبوا في غدر شائن. فتأثر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تأثرا بالغا بهذه المأساة.
لقد ذهب الدعاة كما أمرهم رسول الله هداة مرشدين وأرسل معهم كتابا إلى عامر بن الطفيل يبين فيه أنهم مبلغون لا محاربون لكن عدو الله لم يرع جوارا ولا ذمة صاحبه أبي براء.
روى ابن سعيد عن أنس رضي الله عنه قال:
( ما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجد على أحد ما وجد على أصحاب بئر معونة).
وفي صحيح البخاري عن أنس أيضا قال:
( دعا النبي - صلى الله عليه وسلم - على الذين قتلوا أصحابه ببئر مونة ثلاثين يوما يدعو في صلاة الفجر على رعل وذكوان وعصيه ويقول:( عصية عصت الله ورسوله).
لقد قنت رسول الله شهرا يدعو على الغادرين ثم ترك قنوته وفي هذا دليل على أن القنوت شرع بسبب غدر هذه القبائل بالدعاة ثم نسخ بعدم مواظبة رسول الله عليه.(1)
وفي طريق عودة عمر بن أمية الضميري إلى المدينة إثر الحادثة المؤلمة لقي رجلين من بني عامر كان لهما عقد مع النبي وهو لا يعرف ففتك بهما انتقاما لقتل رفاقه ببئر معونة فدفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ديتهما.
ورغم جسامة يوم بئر معونة فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يتوقف عن إرسال أصحابه للدعوة وتفقيه الناس وتعلم القرآن واستمر في بعث الوفود لنشر الإسلام.
بعث أبي موسى الأشعري ومعاذ بن جبل إلى اليمن
__________
(1) أنظر: فقه السيرة رمضان البوطي. (1/152)
صفحة 153
بعدما جاءت وفود ملوك حمير من اليمن إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأعلنت إسلامها اختار النبي عليه السلام من أصحابه: أبا موسى الأشعري ومعاذ بن جبل ومالك بن عبادة وغيرهم ليكونوا دعاة لأهل اليمن يعلمونهم القرآن ويفقهونهم في الدين.
وقد وزع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المسؤوليات على وفده فكلف أبا موسى عبدالله بن قيس الأشعري بالدعوة والتعليم والإفتاء وعينه واليا على المنطقة القريبة من ساحل البحر الأحمر موطن قبيلة الأشعريين.
بينما كان معاذ بن جبل أميرا على منطقة المشرق وجهة عدن ثم على صنعاء يصلى بالناس ويجمع الزكاة ويدعو إلى الإسلام ويقضي بين الناس.
وقد كتب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى زرعة ذي يزن:
( إذا أتاك رسلي فأوصيك بهم خيرا وأن أميرهم معاذ بن جبل فلا ينقلبن إلا راضيا وإني قد أرسلت إليكم من صالحي أهلي وأولي دينهم وأولي علمهم فأمرهم بهم خيرا فإنهم منظور إليهم).
لقد أرسل النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أهل اليمن من يثق بعلمه ودينه وحذقه وفطنته اهتماما بهذه الناحية العزيزة من الوطن الإسلامي.
وعندما بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الداعيين أبا موسى ومعاذ قال: ( يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا وتطاوعا ولا تختلفا- رواه الشيخان).
لقد كان عليه السلام يحسن اختيار الدعاة ولا يسند المهام إلا لمستحقيها ولا عين في حمل الأمانة من يطلبها.
عن أبي بردة بن أبي موسى قال: قال أبو موسى الأشعري: أتاني ناس من الأشعريين فقالوا: أذهب معنا إلى رسول الله فإن لنا حاجة فقمت معهم فقالوا: يا رسول الله استعن بنا في عملك. فاعتذرت إلى رسول الله مما قالوا وقلت: لم أدر ما حاجتهم. فصدقني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعذرني وقال( إنا لا نستعين بعملنا بمن سألنا)(رواه النسائى) (1/153)
صفحة 154
وفعلا صدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبا موسى وأسند إليه هذه المهمة الدعوية فبذل كل ما يستطيع من جهد في تعليم القرآن ونشره بين الناس في كل بلاد نزل فيها.
واستعان بصوته الجميل وقراءته الندية فاجتمع عليه طلاب العلم في المساجد في اليمن وخاصة في البصرة بعد وفاة الرسول فكان يقسمهم حلقات ويطوف عليهم يسمعهم ويستمع منهم ويصحح لهم ويضبط لهم قراءتهم.
لقد صرف معظم وقته في التعليم والدعوة إلى العمل بكتاب الله في حلة وسفره.
عن أنس بن مالك قال: بعثني الأشعري إلى عمر فقال عمر: كيف تركت الأشعري؟ فقلت له: تركته يعلم الناس القرآن فقال( أما أنه كيس).
وقد أثمرت جهود أبي موسى وقرت عينه برؤية عدد من حفاظ القرآن حوله. وقد كان في اليمن يعظ وينصح ويفقه واستمر في الدعوة يبلغ الأحكام حتى السنة العاشرة حيث حج مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم عاد إلى اليمن فواجه فتنة المتنبي الأسود العنسي وقضى عليه هو ومعاذ، واستقر باليمن يقيم شعائر الله ويطبق أحكام الشرع وبقي هناك إلى أن مات رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
أما معاذ بن جبل الأنصاري الخزرجي فقد كان هو المكلف بالإمارة على اليمن وهو يودعه:( حفظك الله ودرأ عنك شرور الإنس والجن) وقال عنه لما بعثه:( إني بعثت لكم خير أهلي).
كان أبو عبد الرحمن مقدما في الحلال والحرام وهو أحد القراء الأربعة الذين يؤخذ عنهم القرآن وقد رشحه النبي عليه السلام للقضاء.
روى أحمد عن معاذ.قال: لما بعثني النبي إلى اليمن قال لي: كيف تقضي إن عرض قضاء؟
قال قلت: أقضي بما في كتاب الله.
فإن لم يكن بما في كتاب الله؟
قلت: بما قضي به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
قال: فإن لم يكن فيما قضي به الرسول؟
قلت: أجتهد رأيي ولا آلو.
فضرب صدري وقال: الحمد الله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي به رسول الله. (1/154)
صفحة 155
انطلق معاذ إلى المنطقة التي وجه إليها فضرب فسطاطا(خيمة) وبدأ يمارس الدعوة ويبلغ اليمنيين من كتابيين وغيرهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة وشرع الزكاة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقراءهم ودعاهم إلى التوحيد والاقتداء برسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
وكان معاذ وأبو موسى يتزاوران ويتدارسان القرآن. قال معاذ لأبي موسى: كيف تقرأ القرآن؟
قال أبو موسى: قائما وقاعدا وعلى راحلتي وأتفوقه تفوقا( اقرأ كتاب الله شيئا بعد شيء في آناء الليل والنهار لا مرة واحدة).
قال معاذ: أما أنا فأنام وأقوم فأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي.
وفي إحدى زيارات معاذ لأبي موسى وجد عنده رجلا موثقا فقال ما هذا؟ قال أبو موسى: يهودي أسلم ثم ارتد.فقال معاذ لأضربن عنقه.
هكذا كان الدعاة يتعاونون على إقامة حدود الله وتطبيق شرع الله يواصلون نشر الدعوة ويؤدون أشرف وظيفة وينتظرون ثواب الله والفوز برضوانه.
(6)- الرسائل شكل من أشكال الدعوة إلى الله تعالى
إن المتتبع للسيرة النبوية الشريفة يلاحظ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان حريصا في دعوته المباركة على تحقيق المنجزات التالية:-
- الخروج بالدعوة من فترة الإقليمية إلى مرحلة العالمية وإيصالها إلى الأقاليم المتباعدة بحسب الوسائل المتاحة والقدرات الممكنة.
- توظيف الهدنة التي تمت بينه وبين مشركي مكة في صلح الحديبية في سبيل نشر الدعوة.
- تأمين وطن الدعوة- المدينة المنورة- وذلك بالخروج بالدعوة إلى التجمعات المجاورة وكسب أنصار للإسلام.
هذا أهم ما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحرص على إنجازه فيما يخص مجال الدعوة ونشر دين الله تعالى.
فلما تم له ذلك تطلع إلى العالم الخارجي وشرع إلى التنفيذ، وذلك بإعطاء الدعوة الجديدة دورها الدولي والعالمي. (1/155)
صفحة 156
إن الوقائع الدقيقة والمعلومات المفصلة التي تصل إلى حد التواتر تدل على أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتحلى بأسلوب دبلوماسي في منتهي الرقي والتقدم، وكان يتميز أيضا برؤية سياسية شاملة تتناول العالم بأسره.
فمن المدينة المنورة(وطن الدعوة) إلى مناطق النفوذ الأجنبي خارج المدينة الذي تطوف به الدولتان المهيمنتان آنذاك بدءا بالممالك والإمارات التابعة لنفوذ الدول الكبرى ومرورا بالقبائل والتجمعات التي تتمتع بنوع من الاستقلال وتؤثر فيمن حولها من البلاد والعباد، وانتهاء بالدولتين الكبيرتين المتصارعتين على اقتسام العالم القديم.
وعلى ضوء هذا الواقع أرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سفراءه إلى رؤوس الإمارات والممالك المحيطة به من قبل دولة الفرس.
كما أرسل إلى رؤوس دول الأذناب المحيطة به من قبل دولة الروم.
كما لم يغفل عليه السلام شأن التجمعات القبلية المؤثرة في المنطقة.
أرسل عليه الصلاة والسلام رجالا من أصحابه إلى ملوك العرب والعجم، دعاة إلى عز وجل في الفترة ما بين الحديبية ووفاته.
ولاتمام هذه الخطوة التي أقدم عليها، اتخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خاتما من فضة وكان نقشه ثلاثة أسطر:
محمد(سطر)- رسول(سطر)- الله-(سطر) تقرأ من أسفل إلى أعلى
وبهذا الخاتم ختم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الكتب التي بعث بها إلى ملوك عصره.
لم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يكتب بنفسه، وإنما كان حوله فريق كبير- نسبيا من الكتبة يأمرهم بأن يكتبوا ويولى عليه السلام إملاء النص عليهم.
إن مثل هذه الحملة الدبلوماسية التي شملت العالم القديم كله، وسجلت تحركا تاريخيا كان له ما بعده في حياة الدعوة الإسلامية، تشتمل على استراتيجية سياسية مثيرة الإعجاب.
اختار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سفرائه مميزات كثيرة أدت إلى نجاحهم في مهماتهم في أغلب الحالات. (1/156)
صفحة 157
فقد اختار بعضهم بنفسه وتطوع البعض الآخر من تلقاء نفسه على أثر الطلب العالم الذي كان يطلقه رسول الله عليه الصلاة والسلام.
كقوله عليه السلام:" أيكم ينطلق بكتابي هذا إلى فلان" وكان يريد السفارة إلى المقوقس فتطوع كذلك حاطب بن أبي بلتعة.
وكان غالبيتهم يتميزون بميزة جذابة كالشجاعة أو السابقة في الإسلام، أو شهود بدر، أو الدهاء، أو الصبر على المكاره، أو أنهم كانوا يكثرون التردد على الجهة التي بعثوا إليها.
(1) الرسائل إلى الممالك المحيطة
بموطن الدعوة من قبل دولة الفرس
1- المنذر بن ساوى: ملك البحرين.
2- جيفر وعبد ابني الجلندي: ملك عمان.
3- هوذة بن علي: صاحب اليمامة.
4- وائل بن حجر.
5- أهل حضرموت.
الإمارات التي تمثل فك الكماشة الأيسر
الرسائل إلى رؤوس الأذناب من قبل دولة الروم
1- الحارث بن شمر الغساني: ملك الشام.
2- جرايح بن مينا: مقوقس مصر.
3- الأصحم بن أبجر: نجاشي الحبشة.
الإمارات التي تمثل فك الكماشة الأيمن
رسالة إلى هرقل عظيم الروم
رسالة إلى كسرى عظيم الفرس
المجمعات القبلية
1- طهفة النهدي: سيد بني نهد.
2- قبيلة همدان باليمن.
3- نصاري نجران.
4- دوحة الجندل.
(2) ثبت بكتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
بالترتيب الأبجدي
1- أبان بن عيد بن العاص الأموي.
2- أبي بن كعب الأنصاري(أول من كتب له من الأنصار).
3- الأرقم بن أبي الأرقم الزهري.
4- بريدة بن الحصيب الاسلمي.
5-أبو بكر الصديق.
6- ثبت بن قيس بن شامس الخزرجي.
7- جهيم بن الصلت المطلبي.
8- حاطب بن عمرو العامري.
9- الحصين بن عمرو العامري
10- حنظلة بن الربيع الاسدي.
11- حويطب بن عبد العزي القرشي.
12- خالد بن زيد الأنصاري.
13- خالد بن سعد بن العاص الأموي.
14- خالد بن الوليد.
15- الزبير بن العوام.
16- زيد بن ثابت الأنصاري.
17- سعيد بن سعيد بن العاص الأموي.
18- صخر بن حرب(أبو سفيان) الأموي.
19- أبو سلمة الخزرجي.
20- شرحبيل بن حسنة الكندي. (1/157)
صفحة 158
21- طلحة ابن أبي سفان.
22- عثمان بن عفان.
23- عامر بن فهيري التميمي.
24- عبدالله بن الأرقم الزهري.
25- عبدالله بن رواحة الأنصاري الخزرجي.
26- عبدالله بن زيد الضميري.
27- عبدالله بن سعد بن أبي سرح العامري.
28- عبدالله بن عبد الأسد المخزومي.
29- عبدالله بن عبدالله بن أبي الأنصاري الخزرجي.
30- العلاء بن الحضرمي.
31- العلاء بن عقبة.
32- علي بن أبي طالب.
33-عمر بن الخطاب
34- عمرو بن العاص.
35- محمد بن مسلمة الاوسي.
36- معاوية بن أبي سفان.
37- ميقيب بن أبي فاطمة الدوسي.
38- المغيرة بن شعبة.
39- النزال بن سبرة.
40- يزيد بن أبي سفيان.
…………
السفير??
الجهة المرسل إليها وملكها?
سابقته في الإسلام?
ميزاته الأخرى?
1- حاطب بن أبي بلتعة ... نتيجة سفارته
2- دحية بن خليفة الكلبي ... استقبال حسن وهدية للنبي ... كان أحد فرسان قريش وشعرائها في الجاهلية ... بدري – شهد الحديبية ... مصر- المقوقس
3- سليط بن عمرو العامري ... استقبال حسن اشترط هوذة للإسلام إشراكه في الأمر ... كان مضرب المثل في جمال الصورة. ... قديم الإسلام- شهد المشاهد ... الروم - هرقل
4- شجاع بن وهب الأسدي ... استقبال سيء ورفض ... كان يختلف إلى اليمامة ويعرف ملكها أخوه سهيل ابن عمرو المفاوض بأسم قريش في صلح الحديبية ... قديم الإسلام- بدري ... اليمامة- هوذة بن علي
5-عبدالله بن حذافة السهمي ... تمزيق الرسالة وتهديد بالحرب ... هاجر إلى الحبشة. ... بدري –من السابقين الأولين ... دمشق – الحارث بن أبي شمر الغساني (1/158)
صفحة 159
6- العلاء بن الحضرمي ... كان يتردد كثيرا على ابرويز بن هرمز- واسرة ملك الروم في إحدى الغزوات التي وجهه فيها عمر وعرض عليه التنصير وإشراكه في الملك فأبى فأمر به فصلب وأمر برميه بالسهام فلم يجزع، وأمر بأن يلقى أمامه بأسير مسلم في قدر به ماء يغلي حتى إنه شاهد عظام عظام الأسير تلوح من جسمه وأمر بالقائه إن لم ينتصر، فبكى .فسئل عن بكائه فقال: تمنيت أن لي مائة نفس تلقى هكذا.. فخلى عنه. ... بدري ... فارس- إبروي بن هرمز
7- عمرو بن أمية الضمري ... أسلم المنذر واجاب للنبي بالطاعة. ... مجاب الدعوة- خاض البحر بكلمات قالها مشهورة ... بن ساوي من سادة الصحابة، كان له عدة أخوة في صفوف المشركين وأخوه أول قتيل منهم. ... البحرين- المنذر
8- عمرو بن العاص ... أسلم النجاشي واجاب النبي كتابه. ... كان من مشاهير العرب جرأة ونجدة. ... اسلم منصرف الناس من أحد. أول مشاهدة بئر معونة- مشهور بالشجاعة. ... الحبشة- الاصحم بن ابجر النجاشي
عمان- جيفر وعبد ابني الجلندي
?
اسلم قبل الفتح- كان النبي صلى الله عليه وسلم يقربه ودينه لمعرفته وشجاعته.?
اسلم كان أحد دهاة العرب المعدودين للمعضلات وله فتوح مشهورة.?
?تودد من الأخوين المللكين انتهى بإسلامهما?
حملت هذه الرسائل في طياتها عناصر أساسية أهمها:
- عرض أفكار الإسلام الأساسية ببساطة وبدون أي تعقيد ولا تكل ف وتتخلص في:
- الدعوة إلى توحيد الله دون سواه.
- التصديق برسالة محمد.
- الدعوة إلى اتباع الهدى والترغيب فيه.
ففي رسالته - صلى الله عليه وسلم - إلى المقوقس ركز على دعوته إلى الإسلام والتذكير باليوم الآخر وما فيه من جزاء للمؤمنين، كما ختمها بدعوة إلى التسليم بالتوحيد التقي من شوائب اعتقادات أهل الكتاب الزائفة.
بسم الله الرحمن الرحيم (1/159)
صفحة 160
من محمد رسول الله إلى المقوقس عظيم القبط، سلام على من اتبع الهدى أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام. فأسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين فإن توليت فإن عليك إثم القبط ويا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بينا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله، فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأن مسلمون.(1) .
وبنفس العبارة يتوجه - صلى الله عليه وسلم - إلى هرقل فيدعوه إلى الإسلام ويرغبه فيه ويعده بالأجر في الآخرة ويختم الرسالة بآية فيها دعوة إلى توحيد الله ونبذ العبودية الزائفة.
نص رسالة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى هرقل:
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام. فأسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين فإن توليت فإن عليك إثم الاريسيين(2) ويا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بينا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله، فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأن مسلمون. (أخرجه الشيخان: البخاري ومسلم
أما في رسالته - صلى الله عليه وسلم - إلى النجاشي فقد ركز في دعوته على الثناء على عيسى عليه السلام مع بيان أنه روح الله ونبيه المرسل والتركيز على القول الصحيح فيه فهو بشر من خلق الله وهو ابن مريم البتول الطاهرة كما رغبه في اتباع الهدى وقبل النصيحة:
بسم الله الرحمن الرحيم
__________
(1) * فتوح مصر- لابن عبد الحكم طبعه لايدن ص46
* عيون الأثر – لابن سيد الناس- طبعة القدسي 2/265
(2) الاريسيون: دهاقين القرى، وكانوا إذ ذاك مجوسا. (1/160)
صفحة 161
من محمد رسول الله إلى النجاشي الأصحم ملك الحبشة، سلم(1) أنت/ فإني أحمد إليك الله الملك القدوس والسلام المؤمن المهيمن، وأشهد أن عيسى ابن مريم روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم البتول الطيبة الحصينة فحملت بعيسى، فخلقه الله من روحه ونفخه كما خلق آدم بيده ونفخه وإني أدعوك إلى الله وحده لا شريك له والموالاة على طاعته وأن تتبعني وتؤمن بالذي جاء نيفإنى رسول الله وقد بعثت إليك ابن عمي جعفرا ونفرا معه من المسلمين فإذا جاءك فأقرهم ودع التجبر فإني أدعوك وجنودك إلى الله فقد بلغت ونصحت فاقبلوا نصحي والسلام على من اتبع الهدى.
كما دعا - صلى الله عليه وسلم - كسرى عظيم الفرس إلى الإسلام والتصديق بالنبوة والرسالة بعبارات مختصرة وحذره من عاقبة التكذيب.
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس، سلام على من اتبع الهدى وآمن بالله ورسوله وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمد عبده ورسوله وأدعوك بدعاء الله فإني أنا رسول الله إلى الناس كافة لأنذر من كان حيا، أسلم تسلم فإن أبيت فعليك أثم المجوس.……(الطبري- المعارف2/655)
أما رسالة الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى عمان فقد كان السفير الحامل لها عمرو بن ابن العاص، وكان داهية العرب أدى دوره بفطنة نادرة لاحظ عمرو أن أحد الأخوين الملكين وهو عبد أسهل خلقا، وأجلد، وأقرب انقيادا، فإنفرد به وزوده بمعلمومات مؤثرة أدهشته ومهدت له طريق الإيمان بالدعوة ولاستجابة لها منها:
- إيمان كبراء العرب بمحمد واتباعهم إياه.
- إيمان النجاشي وتمرده على هرقل وامتناعه بعد إسلامه من أداء الخراج له.
- تصويره البسيط لما يدعو إليه محمد - صلى الله عليه وسلم - إذ قال له: إنه يأمر بطاعة الله، وينهي عن معصيته، ويأمر بالبر وصلة الرحم، وينهي عن الظلم والعدوان، وعن الزنا وشرب الخمر، وعن عبادة الحجر والصليب.
__________
(1) أي أنت سالم لان السلم يأتي بمعني السلامة. (1/161)
صفحة 162
وتمكن عمرو من أن يدخل شعاعا من الإسلام في قلب أحد الملكين، إلا أن الآخر، حين عرضت عليه الرسالة، تردد ثم استمهل، ثم أجاب إلى الإسلام هو وأخوه.
فجاء إسلامهما طواعية وبرغبة نفس، وأسلم إثر ذلك أهل عمان ودانوا بدين التوحيد دون أن يشهروا سيفا أو يرموا نبلا.
نصر رسالة النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى جيفر وعبد ابني الجلندي .
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد بن عبدالله إلى جيفر وعبد ابني الجلندي، سلام على من اتبع الهدى، ا/ا بعد فإني أدعوكم بداعية الإسلام، أسلما تسلما، فإني رسول الله إلى الناس كافة لأنذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين، وإنكما إن أقررتما بالإسلام وليتكما، وإن أبيتما أن تقرأ بالإسلام فإن ملككما زائل عنكما وخيلي تحل بساحتكما وتظهر نبوتي على ملككما.…………(ابن سيد الناس: 2/267-269
أدي رسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دورهم خير أداء فقد توجهوا إلى الجهات التي حددت لهم بكل عزم وإخلاص يحدوهم الأمل في خدمة الدعوة الجديدة وكسب أنصار لها وقد كللت مساعيهم في أغلب حالاتهم بالنجاح.
وقد سبق أن رأينا نجاح عمرو بن العاص في كسب ود الملكين بعمان وإسلام إهلها.
وقد اختلف الأمر نوعا ما مع بعض الملوك والأمراء.
أما المقوقس فقد استلم الرسالة من سفير الإسلام حاطب بن أبي بلتعه. وناقشه، وحاوره ورأى فيه حكمة وقال له: أنت حكيم جئت من عند حكيم.
فأحسن المقوقس استقباله وكاتب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبعث إليه بهدية: جاريتين، إحداهما مارية القطبية أم المؤمنين ووالدة إبراهيم، والأخرى سيرين التي وهبها لحسان بن ثابت. (1/162)
صفحة 163
أما سفير الإسلام دحية الكلبي إلى هرقل فقد صادف آنذاك ملك الروم بحمص متوجها إلى بيت المقدس. فلما علم بالسفارة دعا أبا سفيان، وكان في تجارة هناك. فاستفهم منه عن نسب النبي وصدقه ومكانته، وما إذا كان طامعا في ملك، وعمن تبعه من الناس، وهل خرج أحد من دينه بعد أن دخل فيه، فصدقه أبو سفيان القول وقال في الرسول خيرا رغم أنه كان على كفره وقتئذ.
ولما قرئ عليه الكتاب أظهر ميلا له وظهرت عليه علامات التصديق، فلغط أهل دولته استنكارا وضجوا، فخافهم على ملكه ولم يسلم، ووضع كتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قصبة من ذهب تعظيما له(1) .
تقديس ملوك الروم للرسالة المحمدية:
ذكر الحافظ ابن حجر أن الملك المنصور قلاوون أرسل بعض أمرائه إلى المغرب بهدية، فأرسله ملك المغرب إلى ملك الفرنج في شفاعة فقبله وأكرمه وقال له: لأتحفنك بتحفة سنيه، فأخرج له صندوق مصفحا بالذهب وأخرج منه مقلمة، أو قصبة من الذهب- ( وقد روى السهيلي رحمه الله أن هرقل وضع الكتاب- يعني كتاب رسول الله- في قصبة من ذهب تعظيما له)- فأخرج منها كتابا قد زالت أكثر حروفه، وقد ألصق عليه خرقة حرير، فقال هذا كتاب نبيكم لجدي قيصر، ما زلنا نتوارثه إلى الآن وذكر لنا آباؤنا عن آبائهم انه مادام هذا الكتاب عندنا لا يزول الملك عنا فنحن نحفظه غاية الحفظ ونعظمه ونكتمه عن النصارى ليدوم الملك فينا).
……………………السيرة الحلبية 276
أما النجاشي فقد بعث إليه عمرو بن أمية الضمرى برسالة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
ولما وصل الكتاب احترمه وكرم حامله.
وقد اختلفت الروايات عن إسلامه ففي رواية أنه قال لسفير الإسلام: إني أعلم والله أن عيسى بشر به ولكن أعواني بالحبشة قليل، فأنظرني حتى أكثر الأعوان وألين القلوب.
__________
(1) وما زال القياصرة يتوارثونه ردحا من الزمن اعتقادا منهم أن دوام ملكهم مرهون ببقاء هذا الكتاب عندهم. (1/163)
صفحة 164
وفي رواية أنه أسلم وروي خلافه ورجحه بعضهم(1) اعتمادا على ما جاء في صحيح مسلم عن أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كتب إلى كسرى، وإلى قيصر، وإلى النجاشي، وإلى كل جبار يدعوهم إلى الله تعالى، وليس النجاشي الذي صلى عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - .
وتروي بعض الروايات أن النجاشي عظم كتاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم أسلم وشهد شهادة الحق وكان من أعلم الناس بالإنجيل وصلى عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم مات بالمدينة وهو في الحبشة. هكذا قال جماعة منهم الوافدي وغيره(2) .
وقد رجح هذا الرأي العلامة محمد حميد الله في كتابه" مجموعة الوثائق السياسية" إذ أورد نص جواب الأصحم بن أبجر نجاشي الحبشة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحسن أن نثبته هنا(3).
بسم الله الرحمن الرحيم
إلى محمد رسول الله من النجاشي لأصحم بن أبجر، سلام عليك يا نبي الله ورحمة الله وبركاته، من الله الذي لا إله إلا هو الذي هداني إلى الإسلام، أما بعد.
فقد بلغني كتابك يا رسول الله فيما ذكرت من أمر عيسى.
فورب السماء والأرض إن عيسى ما يزيد على ما ذكر تتثفروقا. إنه كما قلت. وقد عرفنا ما بعث به إلينا، وقد قرينا ابن عمك وأصحابه فأشهد أنك رسول الله صدقا مصدقا، وقد بايعتك وبايعت ابن عمك وأصحابه وأسلمت على يديه لله رب العالمين.
__________
(1) محمد بن محمد أبو شهبة: السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة ص363ط دار القلم دمشق.
(2) ابن قيم الجوزية: فقه السيرة ص50 تنسيق د. السيسد الجميلي ط دار الفكر العربي بيروت ط2
(3) محمد حميد الله: مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة ص104ط دار النقاش بيروت الطبعة السادسة 1407هـ/1987م.
وقد أحال صاحب الكتاب على المراجع الأساسية المعتمدة في إثبات هذه الرسالة فليراجع. (1/164)
صفحة 165
وقد بعثت إليك بابني أرها(1) بن الأصحم بن أبجر، فإني لا أملك إلا نفسي. وإن شئت أن آتيك فعلت يا رسول الله فإني أشهد أن ما تقول حق.
والسلام عليك يا رسول الله
أما كسرى وكان السفير إليه عبدالله بن حذافة فما كاد أن يطلع على الرسالة حتى مزقها وكتب إلى بعض أمرائه في اليمن أن يقصد محمدا وأن يستتيبه.وإلا فليبعث برأسه فعلم رسول الله بذلك ودعا عليه قائلا" اللهم مزق ملكه" وكان عامله آنذاك واسمه(باذان) قد أرسل رجلين إلى النبي لتنفيذ أمر سيده. فلما قدما على النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لهما:" أبلغا صاحبكما أن ربي قتل ربه في هذه الليلة" وهو إخبارهما بمقتل كسرى على يد ابنه شيرويه.
وبعد عرض مختصر لدبلوماسية الرسول الخارجية من خلال رسائله إلى الملوك والأمراء من حوله، نرى أنه عليه الصلاة والسلام كانت له نظرة دقيقة لقضية الدعوة، حيث انه عرف بحكمته كيف يوصل الدعوة إلى الله خارج محيطها المحلي انطلاقا من مهدها (المدينة المنورة)، كما عرف كيف يخاطب هؤلاء المدعوين، ورغبهم في الإسلام، بعد أن رسخت الدعوة في المدينة وأثبتت قدرتها لا على الدفاع عن نفسها فحسب بل على الوصول إلى مواطن خصومها ولو بعدت الديار وكان من نتائجها أن انتقلت هذه الدعوة المباركة من مهدها الوطن إلى حلقات النفوذ الأجنبي لتكتمل معالم العالمية فيها وتتم رحماتها على البشرية.
(7) الوفود:
تم فتح مكة في السنة الثامنة للهجرة ودخل الناس في دين الله أفواجا، واستسلمت قريش العدو الأكبر للدعوة الإسلامية، وصار الرسول - صلى الله عليه وسلم - سيد الجزيرة العربية وتحطمت قوى المعارضة المسلحة فما كان من القبائل التي تهاب قريشا وتجاملها وتتحالف معها إلا أن وفدت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لتحاوره أو تناقشه أو تفرض شروطها عليه إن تمكنت من ذلك أو أن تسلم.
__________
(1) وفي رواية: أريحا: نفس المرجع السابق ص 107 (1/165)
صفحة 166
ولذلك عد كتاب السيرة السنة التاسعة للهجرة سنة الوفود رغم أن بعض القبائل جاءت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تعلن إسلامها قبل السنة المشار إليها.
1- وفد هوازن:
عاد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من حصار الطائف إلى الجعرانة(1) ونزل بها ومعه من السبايا والغنائم الشيء الكثير، كان ذلك إثر غزوة حنين وفيها انهزمت هوازن في المعركة وحقق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه نصرا ساحقا عليهم حتى ساق نعمهم ونسائهم وأبناءهم سبايا من هذه المعركة وفر قائدهم إلى ثقيف.. فلما أصاب - صلى الله عليه وسلم - منهم ما أصاب أدركه وفد منهم بالجعرانة وقد أسلموا.
فقالوا: يا رسول الله إنا أهل وعشيرة وقد أصابنا من البلاء ما لم يخف عليك فامنن علينا من الله عليك.
وأضاف خطيبهم زهير بن صرد قائلا: يا رسول الله إنما في الحظائر من السبايا خالاتك وحواضنك اللاتي كن يكفلنك.
وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعرف بالجميل وأرحم بالناس فقال لهم:
" نساءكم وأبناءكم أحب إليكم أم أموالكم؟ وقد كنت استأنيت بكم"
وقد انتظرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بضع عشرة ليلة حين قفل من الطائف وأحز قسمة السبي عسى أن يحضروا مسلمين فيشفع لهم إسلامهم.
فلما خيرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين النساء والأولاد أم الأموال اختاروا أن يرد لهم أبناءهم ونساءهم أحب إليهم من الأموال.
وتكريما لهؤلاء المسلمين الجدد وبيانا لمنهجية دعوة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - التي تعتمد على الرحمة والرأفة الناس وتوضيحا لغاياتها النبيلة رد إليهم نساءهم وأولادهم على الشرط أما الأموال فقد قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بتقسيمها على المجاهدين كما أمره الله عز وجل.
__________
(1) الجعرانة: موضع بين الطائف ومكة، قريب من مكة. (1/166)
صفحة 167
- وليزيد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من بره وصلته بهم سأل وفد هوازن عن رئيسهم مالك بن عوف فقالوا: هو بالطائف مع ثقيف.
فقال - صلى الله عليه وسلم - : أخبروه أنه إذا أتاني مسلما رددت إليه أهله وماله وأعطيته مائة من الإبل.
- فلما بلغ ذلك مالكا انسل من ثقيف خفية إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأعلن إسلامه، فرد عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ماله وأهله وأعطاه مائة من الإبل واستعمله على من أسلم من قومه.
- تلك هي حكمة الداعية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - التي أثرت على مالك وأسرته، وبمثل هذه المعاملة الكريمة أصبح مالك بن عوف يقاتل ثقيفا بمن أسلم من قومه بعد أن كان لاجئا عندهم.
2-وفد ثقيف:
كان قدومهم على النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد أن فك حصارهم ورجع عنهم.
اتبعه أحد أشرافهم: عروة بن مسعود الثقفي حتى أدركه قبل أن يصل إلى المدينة فأسلم وسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يرجع إلى قومه يدعوهم إلى الإسلام فقال له عليه السلام:
" إنهم قاتلوك"
فقال: عروة: يا رسول الله أنا أحب إليهم من إبكارهم.
- ولما عاد عروة بن مسعود إلى قومه وداهم إلى الإسلام رموه بالنبال وقتلوه كما توقع رسول الهدى" وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحي"
- وبعد استشهاد عروة بأشهر رأى القوم أن لا طاقة لهم بحرب من حولهم من العرب الذين بايعوا وأسلموا، فأجمع بنو ثقيف أن يرسلوا رجالا منهم إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يبايعونه على الإسلام بشروط منها:
أ- أن يدع لهم الطاغية صنمهم(اللات) ليتألفوا به سفهاءهم فأبي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يقبل المساومة.
ب- أن لا يصلوا، فرفض الشرط وبين الداعية محمد - صلى الله عليه وسلم - أن لا خير في دين لا صلاة فيه.
ج- أن لا يكسروا أصنامهم بأيديهم.
د- أن لا يستعمل عليهم غيرهم فأعطاهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك. (1/167)
صفحة 168
هـ- سألوه عن الزنا والربا والخمر فحرم عليهم ذلك.
- فلما أسلموا صاموا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما بقي من شهر رمضان وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأتيهم كل ليلة فيعظهم ويفقهم، ثم أمر عليهم أحدا منهم كما وعد عثمان بن أبي العاص أصغر من في الوفد، أمره لحرصه على القرآن والتفقه في الإسلام.
3- وفد بتي تميم:
أغار بنو تميم على قوم من خزاعة فبعث إليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عيينه بن حصن الفزاري في خمسين رجلا فأسرع منهم أحد عشر رجلا وإحدى عشرة امرأة وثلاثين صبيا فكان هذا سبب قدومهم إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
فتجمع رؤساؤهم وأشرافهم في وفد عظيم واتجهوا نحو المدينة المنورة ولما دخلوا المسجد النبوي الشريف وجدوا الناس ينتظرون رسول الله ليخرج إليهم لأداء صلاة الظهر وعوض أن ينتظروا كغيرهم من الناس حتى يخرج إليهم تعجلوا وصاروا ينادونه من وراء حجرات نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - "اخرج يا محمد فإن مدحنا زين وذمنا شين" وأكثروا من هذا النداء الجافي العاري وألحوا في الطلب فأنزل الله تعالى بسببهم هذا التأديب الإلهي:
{ إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ(4)وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ… } …(الحجرات/4-5)
ولما مثلوا بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبعد مناقشته أسلموا.
ولما أسلموا أجزل لهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - العطاء وأحسن جوائزهم.
4- وفد بني عبد القيس:
قدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الجارود بن عمرو في وفد بني عبد القيس وكان نصرانيا. (1/168)
صفحة 169
فلما انتهى إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عرض عليه الإسلام ورغبه فيه فقال" إني كنت على دين وإني تارك ديني لدينك أفتضمن لي ديني؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نعم، أنا ضامن أن قد هداك الله إلى ما هو خير منه.
فأسلم وأسلم أصحابه.
وتظهر هنا حكمة الداعية محمد - صلى الله عليه وسلم - أنه لم يجامل الجارود ولكن رغبه في الإسلام بكلمات مؤثرة، فالإجابة بنعم لا تعني أن النصرانية هي الإسلام ولذلك وضح له الرسول - صلى الله عليه وسلم - بأسلوبه الرائع أن الإسلام خير من النصرانية المحرفة...
5- وفد بني حنيفة:
قدم وفد بني حنيفة إلى المدينة وفيهم مسيلمة الكذاب.
نزلوا في دار رملة بنت الحارث- وكانت معدة للضيوف- فجعل مسيلمة يقول: إن جعل لي محمد الأمر بعده اتبعته.
- ولما التقوا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسلموا فإنصرفوا ولما انتهوا إلى اليمامة ارتد عدو الله مسيلمة وبعث برسالة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول فيها:
" من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله سلام عليكم، أما بعد"فإني قد أشركت في الأمر معك، وإن لنا نصف الأرض ولقريش نصف الأرض ولكن قريشا يعتدون...
- فبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى مسيلمة كتابا مع مبعوثيه جاء فيه:
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى مسيلمة الكذاب السلام على من اتبع الهدى أما بعد، فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين.
6- وفد نجران:
روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كتب إلى أهل نجران أهل كتابا يدعوهم فيه إلى عبادة الله وحده ونبذ عبادة العباد فإن أبوا فالجزية وإن أبوا فالحرب.
فلما وصلهم الكتاب جاؤوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ودخلوا المسجد النبوي الشريف وهم يلبسون ثيابا من حرير وفي أيديهم خواتيم من ذهب.
فأعرض عنهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يكلمهم من أجل زيهم. (1/169)
صفحة 170
وفي الغد أتوه بثياب الرهبان فقبلهم ودعاهم إلى الإسلام فأبوا، وقالوا: كنا مسلمين قبلكم فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - :
يمنعكم من الإسلام ثلاث:
عبادتكم الصليب
وأكلكم لحم الخنزير
وزعمكم أن لله ولدا
- وكثر الجدال والحجاج بينه عليه السلام وبينهم ولما لم تجد معهم المجادلة بالحكمة والموعظة الحسنة دعاهم إلى المباهلة أي الدعاء باللعنة امتثالا لقول الله عز وجل:
( فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين)(آل عمران/61)
- فتشاوروا فيما بينهم وخافوا الهلاك لعلمهم أن محمدا - صلى الله عليه وسلم - نبي حقا
وأنه ما باهل قوم نبيا إلا هلكوا فأبوا أن يلاعنوا وقالوا: أحكم بما أحببت.
- فصالحهم عليه السلام على الجزية واشترط عليهم أن لا يتعاملوا بالربا وأمنهم على أنفسهم ودينهم وأموالهم ثم رجعوا إلى بلادهم.
- وبعث معهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبا عبيدة عامر بن الجراح ليقبض منهم مال الصلح وقال: هذا أمين هذه الأمة...
- فلم يلبث العاقب وهو أميرهم وصاحب مشورتهم والسيد وهو صاحب رحلتهم إلا يسيرا حتى رجعا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأسلما وأنزلهما دار أيوب الأنصاري.
7- وفد طيىء:
- قدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفد طيىء وفيهم زيد الخيل وهو سيدهم، ولما انتهوا إليه كلموه وعرض عليهم الداعية محمد - صلى الله عليه وسلم - الإسلام فأسلموا وحسن إسلامهم.
وأجازهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعطايا ومنح وسمى سيدهم بزيد الخير. (1/170)
صفحة 171
- ومن قبيلة طيىء عدي بن حاتم الطائي وقد أشارت عليه أخته سفانة بأن يعود إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وكان ذلك بعد إطلاق سراحها من الأسر وقد أكرمها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أيما إكرام وأعادها إلى قومها معززة مبجلة، وحرضته على ملاقاة الرسول - صلى الله عليه وسلم - .
- ولما التقي عدي بالنبي محمد - صلى الله عليه وسلم - وبعد جدال طويل تأكد عدي من تواضع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسمو أخلاقه فأسلم وحسن إسلامه وشارك في فتح بلاد فارس.
8- وفد بني عامر:
- قدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفد بني عامر وفيهم عامر بن الطفيل وأربد بن قيس واشترطوا لإسلامهم أن يعود الأمر إليهم من بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرفض الرسول الكريم أن يخصهم بشيء.
- وعاد عامر وأربد إلى قومهما كافرين أما عامر فقد أصيب بغدة مات على إثرها قبل أن يصل إلى قومه.
وأما أربد فقد أحرقته صاعقة عقابا لهما من رب العزة إذ تواطأ على اغتيال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعصمه الله منهما وأنزل في شأنهما الآيات الكريمة التالية:
{ سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ(12)وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ… } …( الرعد/10-13) (1/171)
صفحة 172
9- قدوم مبعوث ملوك حمير إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :
بعد رجوع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من غزوة تبوك( رمضان سنة9هـ) وفد عليه مالك بن مرارة الرهاوي رسول ملوك حمير بكتابهم وإسلامهم.
- فأمر - صلى الله عليه وسلم - بلالا أن ينزله ويكرمه
- وكتب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رسالة إلى ملوك حمير هنئهم فيها على هداية الله لهم وإسلامهم.
10- وفد أهل اليمن:
استقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفد أهل اليمن عامة ووجدوا عنده وفد بني تميم ولكنهم كانوا افقه منهم وأرق في حديثهم وتعاملهم وتأدبهم مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - فمدحهم النبي عليه السلام بقوله:
" أتاكم أهل اليمن، هم أرق أفئدة وألين قلوبا، الإيمان يمان والحكمة يمانية والفخر والخيلاء في أصحاب الإبل والسكينة والوقار في أهل الغنم"..
11- وفد الأزد:……
ومن اليمن أيضا قدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفد الأزد، جاؤوا طائعين مؤمنين مصدقين يعلنون إسلامهم بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ممتثلين لأمره فيهم فسألهم عن حقيقة إيمانهم فأخبروه فأعجب بفقههم وعلمهم وقال فيهم:
" حكماء علماء كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء".
12- وفد الأشهث بن قيس:
قاد الأشعث بن قيس وفدا يضم ثمانين راكبا من أشراف كندة وكان من ملوكهم، فجاء بهم إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليعلنوا إسلامهم ودخلوا عليه المسجد وهو يلبسون الحرير فقال لهم: ألم تسلموا؟ قالوا: بلى قال: فما بال هذا الحرير في أعناقكم؟! فشقوه وألقوه وأسلموا.
13- وفد الداربيين:
يتكون وفد الداريين من عشرة أنفار وفيهم تميم الداري وأخوه نعيم وكانوا نصارى ولما قدموا إلى المدينة والتقوا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسلموا وأقاموا بالمدينة حتى توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
14-وفد تغلب: (1/172)
صفحة 173
كان وفد تغلب يضم ستة عشر رجلا مسلمين ونصاري ولما وصلوا المدينة ومثلوا بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صالح النصارى منهم على مال يدفعونه وأقرهم على دينهم وأجاز المسلمين منهم بجوائزهم.
15- وفد بجيلة والأحمس:
قدم جرير بن عبدالله البجلي في رمضان سنة عشر للهجرة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومعه من قومه مائة وخمسون رجلا فأسلموا وبايعوا.
عن جرير قال:
بايعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم.
- وقدم قيس بن عزرة الأحمسي في مائتين وخمسين رجلا من أحمس- أخوة بجيلة.
- فأعطى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للأحمسيين ولبجيلة وأجزل لهم، وكلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جريرا بهدم بيت باليمن لخثعم يضاهئون به الكعبة وبه نصب تعبد فإنطلق في مائة وخمسين من أحمس فخربها وحرقها وبعث إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يبشره بذلك.
16- مازن بن غضوبة:
يرجع معظم من ترجم للصحابي الجليل مازن بن غضوبة أنه قاد وفدا إلى المدينة لملاقات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإن لم يعلم من يضم هذا الوفد إلا أنه لا يعقل أن ينتقل مازن من عمان إلى المدينة بمفرده قاطعا البراري والفيافي على راحلته..
والثابت لدي المؤرخين وكتاب السيرة أن مازن بن غضوبة سعى إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والتقى به إذ يقول عن نفسه:
" فركبت راحلتي حتى قدمت على رسول الله فسألته عما بعث به فشرح لي الإسلام ونور الله قلبي للهدى فأسلمت."
- وطلب مازن من الرسول الكريم أن يدعو لقومه أهل عمان وكلما دعا الرسول - صلى الله عليه وسلم - استزاد من الدعاء مغتنما فرصة وجوده مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولقائه به، مؤمنا ومتيقنا في الآن نفسه أن دعاء الرسول - صلى الله عليه وسلم - مستجاب.
فقال عليه السلام:
"اللهم اهدهم وأثبهم"
" اللهم ارزقهم العفاف والكفاف والرضا بما قدرت لهم" (1/173)
صفحة 174
" اللهم وسع لهم وعليهم في ميرتهم(1) وأكثر خيرهم من بحرهم ولا تسلط عليهم عدوا من غيرهم"
- أدب جم تأدب به هذا الصحابي الجليل بحضرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عندما طلب الدعاء لقومه أولا ولم يطلبه لنفسه، وحتى يستفيد أكثر من هذه الجلسة المباركة الطيبة مع أشرف خلق الله طلب مازن من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يدعو له قائلا:
يا رسول الله: إني امرؤ مولع بالطرب وشرب الخمر، لجوج بالنساء وقد نفذ مالي في هذا فادع الله أن يذهب عني ما أجد.
فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - :
" اللهم أبدله بالطرب قراءة القرآن وبالحرام الحلال والعهر عفة الفرج وبالخمر ريا(2) لا لا إثم فيه وآته الحياء وهب له ولدا.
- ولما كان العالم القابل وفد مازن على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة ليبشره بإسلام قومه وتحقق دعوته - صلى الله عليه وسلم - ولقومه وأنشد قائلا وموثقا هذه الرحلة المباركة:
إليك رسول الله خبت مطيتي
………تجوب الفيافي من عمان إلى العرج(3)
لتشفع لي خير من وطئ الحصى
………فيغفر لي ربي فأرجع بالفلج(4)
- وفعلا تحقق دعاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمازن إذ يقول عن نفسه واصفا استقامة سلوكه وصلاح أمره بالإسلام:
" فإذهب الله تعالى عني ما كنت أجد من الطرب والنشاط لتلك الأسباب وحججت حججا وحفظت شطر القرآن وتزوجت أربع عقائل من العرب ورزقت ولدا فسميته حيان بن مازن.
- هذه هي أشهر الوفود التي قدمت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد جاءت إليه مختارة لا تزعمها على ذلك قوة وقد أعلنت الغالبية منها إسلامها بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد كلف بعض من أسلم منهم بدعوته أقوامهم إلى الإسلام.
__________
(1) ميرتهم: تجارتهم ومعاشهم.
(2) ريا: ارتواء- ضد العطش.
(3) العرج: مكان قريب من المدينة.
(4) الفلج: الفلاح والفوز. (1/174)
صفحة 175
أما من لم يسلم من الوفود كنصارى نجد صالحهم النبي - صلى الله عليه وسلم - على مال يدفعونه ضمانا لدينهم وأنفسهم وأولادهم على أن لا يتعرضوا أو يقفوا ضد استمرارية الدعوة لتأخذ طريقها حرة بين الناس ولا يتعرض أي مسلم إلى الأذى وفي هذا دليل على الحرية كان يتمتع بها كل فرد في اعتناق الإسلام من عدمه امتثالا لقول الله تعالى"
{ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ… } …(البقرة/256)
ثم إن هذه الوفود تمثل مختلف القبائل العربية وتمثل أهل الكتاب أيضا وبذلك تم للرسول الداعية - صلى الله عليه وسلم - تنفيذ ما أمره الله به في قوله:
{ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ… } …(آل عمران/20)
لقد قال لهم ذلك فاستجاب منهم من استجاب وامتنع من امتنع وما على الرسول إلا البلاغ.
{ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدْ اهْتَدَوا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ… } …(آل عمران/20)
رابعا: نتائج الدعوة
1- إقامة دولة الإسلام
2- الانتشار الواسع للإسلام في وقت ضيق
3- فتح مكة انتصار للدعوة
4- تكوين جيل من الدعاة
رابعا: نتائج الدعوة:
(1)إقامة دولة الإسلام:
…بدأ التخطيط لإقامة الدولة الإسلامية في مكان آمن غير مكة ووقع الاختيار على يثرب لتكون عاصمة للدولة الفتية مستقبلا. (1/175)
صفحة 176
ومنذ بيعة العقبة الأولى أصبح للرسول محمد - صلى الله عليه وسلم - أنصار"جدد خارج مكة إذ شاع ذكره بين الناس في تلك الربوع، وفي البيعة الثانية وعند العقبة بايع الأوس والخزرج الرسول - صلى الله عليه وسلم - على الإسلام والدفاع عنه وسميت البيعة الحرب(القتال) فكان من نتائج وآثار البيعتين أن حقق الداعية محمد - صلى الله عليه وسلم - انتصارات عدة تساعده على تحقيق الهدف من دعوته وإنشاء دولة إسلامية مستقرة ينعم فيها أتباعه بالأمن والاستقرار خاصة وأن الأتباع بدؤوا يتكاثرون يوما بعد يوم.
ولما تهيأت الأرض المناسبة لاستقبال الرسول محمد - صلى الله عليه وسلم - وأتباعه تمت الهجرة من مكة إلى يثرب لتصبح- كما سماها الرسول - صلى الله عليه وسلم - - المدينة عاصمة مستقلة بذاتها وبذلك توفر المناخ المناسب الذي يرتفع فيه صوت الإسلام بلا خوف ولا وجل.
ومنذ وصول النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة المنورة سعى إلى إنجاز الملقاة على عاتقه في مطلع المرحلة الجديدة من الدعوة والتي تستهدف أولا وقبل كل شيء إنشاء دولة إسلامية مبنية على أسس ثابتة وقوية.
ولقد كان بناء المسجد الخطوة الأولى، تلاه إصدار الوثيقة والمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار وتكوين جيش إسلامي مقاتل قوي يملك القدرة على حماية الدولة الناشئة ويمنع تقويض أركانها من البداية.
فكان المسجد هو البرلمان وهو " مجلس الشورى" منه تنطلق التوجيهات العسكرية وفيه تعقد الاتفاقيات والتحالفات وتقام فيه علاقة الدولة في الداخل والخارج.
أما الوثيقة والتي استمد الرسول - صلى الله عليه وسلم - أصولها وبنودها من القرآن الكريم أرادها أن تكون أساسا متينا نقوم عليه الدولة الإسلامية حيث حددت ونظمت العلاقات بين أفراد المجتمع الإسلامي ذاته وبينه وبين الكتل البشرية المتعايشة معه وخاصة اليهود. (1/176)
صفحة 177
ومن خلال هذه الوثيقة وبنودها وحد الرسول - صلى الله عليه وسلم - المجتمع الإسلامي وعده أمة واحدة من دون الناس واعتبر الأمة مقوما من المقومات الأساسية للدولة الإسلامية فألغى بذلك الحدود القبلية ولم يجعل لها وجودا رسميا في الدولة الجديدة ليصبح الإسلام ملكا لمن يدخل فيه.
وبناء على هذه القاعدة دخلت شعوب كثيرة في الإسلام وكونت أمة واحدة ذكرها الله عز وجل في كتابه بقوله:
{ وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِي… } …(المؤمنون/52)
أمة أعطت ولاءها المطلق لهذا الدين الجديد واعتمدها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركيزة ودعاة قوية لدولته الفتية وجعلها أمة قائمة على رابطة العقيدة وذلك بإقرار مبدأ الأخوة بين المسلمين ليجعل رابطة العقيدة من أقوى الروابط التي تقوم عليها علاقات المسلمين بعضهم ببعض ولا عبرة بعد الأخوة بالنسب أو القومية أو القبائلية أو اللون.
قال تعالى:
{ إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِي… } …(الأنبياء/92)
وقال أيضا:
{ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ… } …(الحجرات/10)
إن هذه الدولة التي أسسها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المدينة فذة في تاريخ البشرية لأنها أقرت مبدأين هامين:
أولهما:مبدأ حرية العقيدة حتى لا يكون اليهود أو النصارى عقبة أمام الدعوة الإسلامية وانتشارها.
ثانيها: مبدأ المساواة في الحقوق والواجبات بين جميع أفراد الدولة على اختلاف أجناسهم وألوانهم ولغاتهم وعاداتهم.
بهذه الإجراءات الهامة وضع الرسول - صلى الله عليه وسلم - القواعد الأولى لبناء دولة الإسلام في المدينة المنورة.
وأخذت التشريعات بعد ذلك تنمو وتتسع يوما بعد يوم فأخذت الصلاة شكلها النهائي وفرضت الزكاة وكتب الصوم وشرعت الحدود وأذن في القتال.
قال تعالى: (1/177)
صفحة 178
{ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ } …(الحج/39)
وبعد نزول الإذن بالقتال بدأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بإعداد الأمة عمليا لمواجهة أعداء الدولة في ميادين القتال وكان هذا الإعداد شاملا للتعبئة المعنوية والإعداد المادي ومنه التدريب وصناعة السلاح والتزود بالقوة قدر المستطاع.
قال تعالى:
{ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمْ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ… } …(الأنفال/60)
وفرض الجهاد، وبذلك استكملت الدولة الإسلامية عناصرها ومكوناتها إذ الجيش من المقومات الأساسية لكل دولة تزيد الحفاظ على كيانها والتمتع بسيادتها في الداخل والخارج.
وينبغي أن يكون الجيش قويا قادرا على الدفاع عن شخصيتها وصد العدوان عنها للحفاظ على ذاتيتها.
وقد نزلت الآيات الكريمة توضح للأمة فضل الجهاد ومكانته وفيها دفع معنوي وإعداد للأمة لتكون قادرة على حماية أرض الدعوة ونشرها.
فبين الرسول الكريم أن غاية الجهاد في الإسلام نصرة دين الله وإقامة حكم الله في الأرض لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلي.
قال تعالى:
{ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنْ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ… } …(الأنفال/39)
ولذلك رغب الله تعالى في الجهاد مبينا بقوله:
( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن، ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم).…(التوبة/111)
وقال - صلى الله عليه وسلم - : ذروة سنام الإسلام الجهاد لا يناله إلا أفضلهم.……(الترمذي) (1/178)
صفحة 179
وأثبتت هذه الدولة الإسلامية جدارتها ونفوذها وسيطرتها على الجزيرة العربية ولقنت الأعداء دروسا لن ينسوها سجلها التاريخ بأحرف ذهبية، لتكون مثالا حيا لكل من يريد أن يؤسس دولة إسلامية قوامها الأخوة والعدالة والمساواة والشورى كما فعل حاكمها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
وبذلك قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الوثنية القضاء المبرم وأعلن براءته من المشركين صراحة عند تلاوته لقول الله تعالى:
{ وَأَذَانٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرْ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ… } …(التوبة/3)
كما صرح الرسول - صلى الله عليه وسلم - علنا وأمام الملأ بنجاسة المشركين ومنعهم من الدخول إلى المسجد الحرام وتلا قول الله تعالى:
{ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ… } …(التوبة/8)
لم يعد للمشركين مكان بين المسلمين فهم محاربون في كل مكان منبوذون ممنوعون من الدخول إلى المسجد الحرام.
وهذا دليل على قوة الدولة الإسلامية وتماسكها وسيطرتها على الأوضاع.
وبفضل من الله ومنته استكملت دولة الإسلام كل مستلزمات البناء للدولة وقامت على أركان راسخة ثبتها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لتكون دولة العقيدة تستمد سلطتها وحاكميتها من الله تعالى.
قال تعالى: (1/179)
صفحة 180
{ قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنْ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ… } …(الأنعام/57)
وما على أفراد هذه الدولة إلا الطاعة لله ورسوله ولولاة الأمور ما داموا في طاعة الله ورسوله:
قال تعالى:
{ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا… } …(النساء/59)
(2)الانتشار الواسع للإسلام في وقت ضيق:
دامت رسالة النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - أقل من ربع قرن من الزمن، ورغم قصر المدة فإن الإسلام تخطى الجزيرة العربية وبلغ صداه الروم وفارس ووصلت دعوة الحق إلى أماكن بعيدة رغم قلة وسائل الاتصال ومحدوديتها مقارنة مع ما هو متوافر حاليا.
ولقد ابتدأ الإسلام بشخص واحد هو الرسول محمد - صلى الله عليه وسلم - في جبل بغار حراء وبعد ثلاث وعشرين سنة من الدعوة والتبليغ وقريبا من المكان نفسه التف حول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مائة وثلاثون ألفا(1) من منهم مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أما من آمن بدعوته فالعدد كثير.
ولو استعرضنا انتشار الإسلام في الفترة المدنية فقط واعتمدنا أهم الغزوات ومشاركة المسلمين فيها للاحظنا النمو العددي السريع للمجتمع الإسلامي في المدينة.
م??
الغزوات?
تاريخها?
1
2
3
4
5
6
7 ... عدد المشاركين من المسلمين
313
700
3000
3000
10000
12000
30000 ... رمضان 2هـ
شوال 3هـ
شوال 5هـ
جمادي الأولى 8هـ
رمضان 8هـ
شوال 8هـ
رجب 9هـ ... بدر الكبرى
أحد
الخندق
مؤتة
فتح مكة
حنين
تبوك
__________
(1) المنهج الحركي: الغضبان ص710 تحت عنوان: الحج الأكبر ومائة وثلاثون ألفا من المسلمين. (1/180)
صفحة 181
( الحصيلة: سبع ?
غزوات في ست سنوات?
?وعشرة أشهر)?
وبقراءة سريعة لهذا الجدول الذي يشمل سبعا من أهم الغزوات وتواريخها وعدد المشاركين من المسلمين فيها يلاحظ التزايد المطرد للمجاهدين المسلمين بين غزوة وأخرى.
وهذه بعض النتائج التي يمكن التوصل إليها واستخلاصها من خلال هذا الجدول.
أ- تضاعف عدد المجاهدين إلى ما يقارب المائة مرة ابتداء من غزوة بدر إلى غزوة تبوك في زمن قدره ست سنوات وعشرة أشهر تقريبا.
ب- وفي سنة واحدة وخلال ستة أشهر فقط تضاعف عدد المجاهدين في سبيل الله أربع مرات مع أن الخروج إلى الجهاد فرض كفاية للمسلم وكم مرة يمنع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعض المندفعين إليه من الشباب.
روي أن شابا استأذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الجهاد فقال له: أحي والداك، قال نعم: قال عليه السلام: ففيهما فجاهد.
ويكون الجهاد فرضا عينيا عندما تغزى أرض المسلمين.
كل هذه المؤشرات تدل على نجاح دعوة محمد - صلى الله عليه وسلم - وسرعة انتشارها لأنها قامت على الحريات وضمنتها ومن نتائجها أن بدأ الناس يقتنعون بالدين الجديد ويتنافسون للدخول فيه أفواجا.
بسم الله الرحمن الرحيم
{ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ(1)وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا(2)فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا… } …(صدق الله العظيم)
هكذا أيد الله تعالى نبيه محمدا - صلى الله عليه وسلم - وأنزل عليه هذه السورة التي تسمى بسورة النصر، وهي آخر سورة نزلت على الداعية محمد - صلى الله عليه وسلم - كاملة.
كان ذلك بمنى في أوسط أيام التشريق من حجة الوداع وتتضمن دلالة واضحة على ما كان من إقبال الناس على اعتناق الإسلام من الجزيرة العربية وخارجها. (1/181)
صفحة 182
ولما بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كتبه إلى ملوك العرب وغير العرب وأرسل رسله وانتشروا في أماكن مختلفة داخل الجزيرة العربية وخارجها بدأ الناس يفدون على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويعلنون إسلامهم بين يديه ويؤكدون ولاءهم وطاعتهم وينعمون بصحبته - صلى الله عليه وسلم - حتى لا تفوتهم الفرصة ليكونوا من صحابته الكرام وهم يعلمون المصير المحتوم لكل إنسان ولو كان رسولا.
قال تعالى:
{ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ… } …( آل عمران/144)
وقال جل وعلا مشيرا إلى نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - :
{ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ… } …(الزمر/30)
ووراء كل وفد من هذه الوفود المتدفقة على المدينة المنورة عدد كبير من الناس آمن منهم من آمن، ومن لم يؤمن من غير العرب رضي العيش تحت ظل الإسلام مقابل جزية يدفعها يحفظ بها نفسه وماله وعرضه.
وهكذا يمكن القول بأن النبي محمدا - صلى الله عليه وسلم - لم يمت إلا والإسلام قد وصل إلى كل ناحية من الجزيرة العربية وخارجها وبذلك أدى الأمانة وبلغ الرسالة ونصح الأمة وكشف الغمة وحج حجة إسلامية خالصة برئت من الشرك والمشركين.
قال تعالى:
{ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الْإِسْلَامَ دِينًا… } …(المائدة/3)
(3)فتح مكة انتصار للدعوة:
عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: أنزلت سورة النصر على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أوسط أيام التشريق فعرف أنه الوداع فأمر براحلته القصواء فرحلت ثم قام فخطب الناس خطبة الوداع.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما نزلت(إذا جاء نصر الله والفتح) دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاطمة فقال(إنه قد نعيت إلى نفسي). (1/182)
صفحة 183
إن الفتح والنصر ودخول الناس في دين الله أفواجا نعم عظيمة أمر الله رسوله أن يقابلها بالتسبيح بحمد الله والاستغفار.
فالتسبيح توحيد وعبادة وشكر والاستغفار عبودية وافتقار.
يسمس كثير من كتاب السيرة فتح مكة بالفتح الأعظم وهي تسمية دقيقة إنه فعلا فتح أعظم لأن المسلمين فتحوا أعتى قلاع الشرك ودانت لهم أقوى قبائل العرب وقريش.
لقد كانت أحياء العرب تنتظر فتح مكة لتسلم يقولون: إن ظهر على قومه فهو نبي فلما فتح الله مكة دخلوا في دين الله أفواجا ولم تمض سنتان حتى عم الإيمان جزيرة العرب.
روي البخاري عن عمر بن سلمة قال: لما كامن الفتح بادر كل قوم بإسلامهم إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
وتيقن العرب جميعا أن هذه الدعوة هي الحق الذي يجب اعتناقه وانهارت كل مقاومة بعد هذا الانتصار وتوالت الوفود بعد الفتح على رسول الله تبايع على الإسلام.
أن الفتوح كثيرة في حياة الدعوة وكلها عظيمة في نتائجها وآثارها لكن فتح مكة هو الفتح الأعظم مقارنة بما سبقه من فتوح.(1)
إن فتح مكة فتح أعظم أعز الله به دينه ونصر جنده واستنقذ به بلده وبيته من أيدي المشركين.
__________
(1) شيق فتح مكة الأعظم بفتحين قريب ومبين.
الفتح المبين هو الذي تم في صلح الحديبية 6هـ وقال فيه سبحانه وتعالى(إنا فتحنا لك فتحا مبينا- الفتح/1)
الفتح القريب هو فتح خيبر 7هـ ودمر العدو اليهودي الماكر.قال تعالى( وأثابهم فتحا قريبا.الفتح/18).
وقال سبحانه ( فجعل من دون ذلك فتحا قريب. الفتح/ 27).
ومن الحق أن نقول: إن الفتح القريب والفتح الأعظم كان ثمرة للفتح المبين في غزوة الحدييبية. (1/183)
صفحة 184
بعد أن دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكة ظافرا منتصرا أدى صلاة الفتح ثماني ركعات في بيت أم هانئ، ثم جلس عليه السلام على الصفا في اليوم الثاني من الفتح يقبل البيعة من الناس فبدأ بالرجال ولما فرغ منهم أخذ في بيعة النساء.(1)
علم أهل مكة أن لا سبيل إلى النجاة إلا بالإسلام فأذعنوا له وتبين لهم الحق وشهدوا أن دعوة محمد ترشد إلى الهدى والتقي ومكارم الأخلاق وأنها انتصرت بمبادئها السمحة على الشرك والقيم الجاهلية.
لقد فتحت هذه الغزوة أعين الناس إلى نور الله وأزالت الحجب التي كانت تحول بينهم وبين الإسلام واستطاع المسلمون بعد هذا الفتح أن يوجهوا جهودهم لنشر الدعوة آمنين في طول الجزيرة العربية وعرضها فتوجه الدعاة ووفدت الوفود تعتنق الإسلام وتبايع الرسول - صلى الله عليه وسلم - وتحمل الدعوة الخيرة إلى من حرمها.
فشتان بين دخول النبي عليه السلام المدينة المنورة أول الهجرة مطاردا يبغي الأمان .غريبا ينشد الإيواء فأكرمه الأنصار وأيدوه، وبين عودته إليها بعد فتح مكة وقد دانت له وألقت تحت أقدامه كبرياءها وجاهليتها فأعزها بالإسلام.
لقد تواصلت نجاحات الدعوة بعد فتح مكة فأرسل النبي إلى القبائل التي أسلمت عمالا لجمع الزكاة كما وجه سرايا لسيادة الأمن في عامة مناطق الجزيرة.
__________
(1) روى أحمد عن أميمة بنت رقيقة قالت( أتيت رسول الله في نساء لنبايعه فأخذ علينا ما في القرآن أن لا نشرك بالله شيئا ولا نسرق ولا نزني ولا نقتل أولادنا ولا نأتي ببهتان ولا نعصي في معروف. فقال: فيما أستطعتن وأطقتن.. قلنا يا رسول الله ألا تصافحنا قال: إني لا أصافح النساء أنما قولي لأمرأة واحدة قولي لمائة امرأة ). وكان يضع يده في إناء ثم تضع المبايعة يدها في الإناء وتبايع ولم تمس يده يد امرأة قط في المبايعة. (1/184)
صفحة 185
إن فتح مكة غزوة فاصلة بين الحق والباطل لم يبق بعدها مجال للشك في دعوة محمد فدخل الناس في دين الله أفواجا ونالت الدعوة قبولا تاما وبسط نفوذها في أرجاء جزيرة العرب.
لقد استطاع الرسول - صلى الله عليه وسلم - بعد فتح مكة أن يغير وجه الأرض فارتفعت راية التوحيد وقضي على الشرك وسقطت المعسكرات المعادية للإسلام فهزم اليهود في خيبر والنصارى عند مؤتة وأهل الشرك في مكة. وشق الأذان الأجواء وانطلق الدعاة يتلون كتاب الله ويعلمون أحكامه ويخلصون الفرد من أوهام العبودية والفساد ويخلصون المجتمع من الظلم والتفكك والطبقية ويبنونه على العفة والعدالة.
(4)مدرسة النبوة تخرج جيلا من الدعاة:
جاء الرسول - صلى الله عليه وسلم - رحمة للعلمين بعثه ربه عز وجل برسالة التوحيد.
لا إله إلا الله، ولا دين إلا الإسلام، والناس لآدم وآدم من تراب.
مبادئ سامية ترفع الإنسان إلى أعلى مراتب التحرر.
مبادئ تستجيب لها فطرة الإنسان التي جبلت على الخير ويستجيب لها العقل الذي طبع على معرفة الحق.
بهذا المبادئ دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الناس، وعليها رباهم وأدبهم وأقام دعوته فيهم، فاستجابوا له واتبعوه.
وأقبلت عليه الوفود من أطراف الجزيرة تعلن الولاء والطاعة وتدين بالإسلام وتسلم بالرسالة الخالدة.
فاستطاع عليه السلام أن يربي رجالا كانوا رعاة للإبل، وإذا بهم يتخرجون من مدرسة النبوة أساتذة الدنيا وقادة لبشر.
استطاع عليه السلام أن يحرر وجدانهم من كل ما هو زائف يحط من قيمة الإنسان وأن يرفعهم عليين رجالا صادقين ودعاة مخلصين وأتباعا علماء نشطين في حقل الجهاد، يحملون راية التوحيد في حلقات الدرس، وميادين الدعوة، وعلى صهوات الجياد وأسنة السيوف. (1/185)
صفحة 186
كان أتباع محمد - صلى الله عليه وسلم - دعاة إلى الله، أدبهم بكتاب ربه وأشبعهم من لبانه سنن أصبح فيهم يقينا، ثم وجه كل واحد منهم إلى ميدانه، ووضعه في محله، فكأنما خلق له، وكأنما كان المكان شاغرا لم يزل ينتظره ويتطلع إليه، ومن هذه النخبة الممتازة صنع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمة الدعوة وأمة الجهاد.
أمة تخرج من الضياع إلى الوجود، لم يكن لها ذكر بين الأمم وإذا بها تصبح خير أمة أخرجت للناس.
أمة كانت غائصة في وحل الوثنية والرذائل التي أوهنتها وجعلتها حقيرة مستصغرة، وإذا بها تصبح أمة داعية إلى التوحيد تحمل رايته عالية وتحارب الشرك والفوضى وترفض العبث والإباحية.
أمة تربت على يد الداعية الأول فتغذت من لبان دعوته وأخذت من معينها الصافي فنشأت على الصحوة واليقظة والاستعداد للجهاد.
أمة ترفض التبعية والانقياد لغير الواحد الأحد.
أمة مجاهدة ترفع راية الدعوة لتوصلها إلى الأماكن البعيدة لا تبالي بالمخاطر أمامها فيصل صداها إلى أقاصي الأرض شرقا وغربا،شمالا وجنوبا.
وهذا واحد من أولئك الدعاة المخلصين وهو ربحي بن عامر القائد المجاهد يدخل على رستم قائد جيش الفرس.
فيقول له رستم: ماذا جاء بكم إلى بلادنا؟
فيرد عليهم: الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله ، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام.
ما الذي جرأ ربحيا أن يقطع الصحارى ويجتاز الجبال والوديان ليصل إلى أرض مليئة بالمفاوز(1) كثيرة المخاطر، لولا تلك المبادئ التي تربي عليها واكتسبها من مدرسة النبوة التي لا ينضب معينها واقتنع بها وسرت فيه مسرى الدم.
خرج داعيا إلى الله، مجاهدا في سبيله ينشر الإسلام لكون حلقة وصل بالمدرسة النبوية العطرة.
ربت مدرسة النبوة الأولي رجالا:
- أمناء على دينهم حتى يبلغوه.
- أمناء على شريعة ربهم حتى يبثوها.
__________
(1) المفاوز: جمع مفازات ومفازر: المهلكة الفلاة لا ماء فيها. (1/186)
صفحة 187
- أمناء على أموال الناس وأعراضهم حتى يحفظوها.
- أمناء على أرضهم وديارهم حتى ينافحوا عنها ويحموها .
دعا قائد الروم واسمه"جرجة" خالد بن الوليد- أحد خرجي مدرسة النبوة_ وهو آنذاك مشرف على بلاد الروم أيام الفتح ودار بينهما هذا الحوار.
- يا خالد، اصدقني ولا تكذبني فان الحر لا يكذب.
هل أنزل الله على نبيكم سيفا من السماء فأعطاك أياه فلا تسله على أحد إلا هزمته؟
قال خالد: لا
قال القائد الروماني: فبم سميت سيف الله؟
قال خالد: إن الله بعث فينا رسوله فمنا من صدقه، ومنا من كذبه، وكنت فيمن كذب، حتى أخذ الله قلوبنا إلى الإسلام وهدانا برسوله فبايعناه.
فدعا لي رسول الله وقال لي : أنت سيف من سيوف الله؟
فهكذا حيث سميت سيف الله.
قال القائد: وإلام تدعون؟
قال خالد: إلى توحيد الله وإلى الإسلام.
قال: هل لمن يدخل في الإسلام اليوم مثل ما لكم من المثوبة والاجر؟
قال خالد: نعم وأفضل.
قال الرجل: كيف وقد سبقتموه؟
قال خالد: لقد عشنا مع رسول الله ورأينا آياته ومعجزاته وحق لمن رأى ما رأينا وسمع ما سمعنا أن يسلم في يسر.
أما أنتم يأمن لم تروه، ولم تسمعوه ثم آمنتم بالغيب فإن أجركم أجزل وأكبر إذا صدقتم الله سرائرهم ونواياهم.
عندئذ صاح القائد الروماني وقد دفع جواده إلى ناحية خالد ووقف بجواره: علمني الإسلام يا خالد.. وأسلم.
وصلى لله ركعتين لم يصل سواهما. فقد قاتل إلى جانب خالد حتى استشهد.
إن الشخصية الإسلامية التي تخرجت من مدرسة النبوة كانت شخصية فذة، العدل قيدها، والحق حكمها، والخوف من الله هدفها، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجهها في إطارها الصحيح.
فخرجت الدعاة المجاهدين، والعلماء المخلصين الذين تركوا الديار والبلاد وخرجوا مجاهدين في سبيل الله. همهم تبليغ الإسلام إلى الناس، وبلوغ مرضاة الله عز وجل.
فهذا ابن عباس رضي الله عنهما حبر الأمة يوقف حياته على الدعوة وتعليم المسلمين أمور دينهم. (1/187)
صفحة 188
وهؤلاء: عبدالله بن مسعود صاحب طهور النبي - صلى الله عليه وسلم - وسعد ابن مالك مجاب الدعوة وحذيفة صاحب رسول الله وعماد الذي أجاره الله من الشيطان على لسان نبيه - صلى الله عليه وسلم - . وسلمان صاحب الكتابين- الأنجيل والقرآن- ينطلقون إلى مشارف العراق ويقربهم القرار في الكوفة دعاة إلى الله وأنوارا يسطع ضياؤها على تلك الربوع بالعلم والمعرفة ونور الهداية.(1)
وهذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يثني على أولئك الرجال الذين تربوا على يديه ورضيهم ورثة له بعد وفاته ومعلمين لأمته حيث يقول:
" نعم الرجل أبو بكر: نعم الرجل عمر، نعم الرجل أبو عبيدة ابن الجراح، نعم الرجل أسيد بن حضير، نعم الرجل ثابت بن قيس بن شماس، نعم الرجل معاذ بن جبل، نعم الرجل عمرو بن الجموح".(2)
إنهم رجال تتألق حياتهم وتسمو بما بذلوه في سبيل الإسلام لقد شيدوا بكتاب الله وسنة المصطفي عالما جديدا يتألق عظمة وأمة مسلمة نضرة قادت العالم بأسره إلى سبيل السلام وشاطئ الأمان.
خرج معاذ بن جبل، وعبادة،وأبو الدرداء إلى الشام بأمر من عمر بن الخطاب أمير المؤمنين رضي الله عنه يعلمون الناس دينهم.(3)
يودعهم عمر ويوصيهم " ابدأوا بحمص، فإنكم ستجدون الناس على وجوه مختلفة من يلقن فإذا رأيتم ذلك فوجهوا إليه طائفة من الناس، فإذا رضيتم منهم فليقم بها واحد، وليخرج واحد إلى دمشق والآخر إلى فلسطين".
__________
(1) سعيد حوى: الأساس في السنة 3ط دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع.
(2) رواه الترمذي عن أبي هريرة.
(3) يلقن: تلقن الكلام من فلان: أخذه عنه مشافهة وفهمه. ولقننه الكلام: فهمه إياه مشافهة من كتاب المنجد في اللغة والإعلام. (1/188)
صفحة 189
فقدموا حمص فكانوا بها حتى إذا رضوا من الناس أقام بها عبادة ورجع أبو الدرداء إلى دمشق ومعاذ إلى فلسطين وبقوا يعلمون الناس مبادئ الإسلام ويؤدون واجب الدعوة إلى الله تعالى حتى وافاهم الأجل هناك رضوان الله عليهم .(1)
ونختم هذا العرض عن جبل الدعاة الذي نهل من معين النبوة الصافي بما كتبه أبو الحسن علي الحسني الندوى عن أولئك الرجال الذي ورثوا الدعوة من صاحبها، وتحملوا الأمانة على أعناقهم وخرجوا إلى الدنيا ينشرونها بين الناس: يقول:
رحال جاءتهم دعوة الإسلام فآمنوا بها، وصدقتها قلوبهم، وما كان قولهم إذا دعوا إلى الله ورسوله إلا أن قالوا { …رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ… } …(آل عمران/193)
__________
(1) أخرجه البخاري في التاريخ الصغير (انظر مختصر حياة الصحابة للكندهلوي. (1/189)
صفحة 190
ووضعوا أيديهم في يد رسول الله، وهانت عليهم نفوسهم، وأموالهم وعشيرتهم، واستطابوا المرارات والمكاره في سبيل الدعوة إلى الله، وأفضى يقينها إلى قلوبهم، وسيطر على نفوسهم وعقولهم، وصدرت عنهم عجائب الإيمان بالغيب، والحب لله والرسول، والرحمة على المؤمنين والشدة على الكافرين، والهداية على الجباية، والحرص على دعوة الناس، وإخراج خلق الله من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن جوهر الأديان إلى عدل الإسلام ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، والاستهانة بزخرف الدنيا ووحطامها، والتشوق إلى لقاء الله والحنين إلى الجنة وعلو الهمة، وبعد النظر في نشر رفد(1)الإسلام وخيراته في العالم، وانتشارهم لأجل ذلك في مشارق الأرض ومغاربها، وسهولها وحزونها، وزغوارها وأنجادها، ونسوا في ذلك لذاتهم، وهجروا راحاتهم، وغادوا أوطانهم، وبذلوا مهجهموحر أموالهم حتى القي الدين بجرانه(2) ، وأقبلت القلوب إلى الله، وهبت ريح الإيمان قوية عاصفة، طيبة مباركة وقامت دولة التوحيد، والإيمان والعبادة والتقوى، ونفقت(3) سوق الجنة وانتشرت الهداية في العالم ودخل الناس في دين الله أفواجا(4)
………قائمة المراجع والمصادر
……
م??
المؤلف?
1
2
3
4
5
6
7
8
9
10
11
12
13
14
15
16
17
18
19
20
21
22
23
24
25
26
27
28
29
30
31
32
33
34
35
36
37
38
39 ... المراجع أو المصدر
ابن القيم الجوزية
ابن كثير
ابن منظور
ابن هشام
أبو الحسن الندوي
أحمد حمد الخليلي
أحمد الشرباصي
أمين دويدار
حسين أدهم جرار
حسين محمد علي جابر
خليفة حسن العسال
رؤوف شلبي
سعيد حوى
سعيد رمضان البوطي
سيد سابق
سيد قطب
__________
(1) الرفد: العطاء
(2) بجرانه: القي فلان على هذا الأمر جرانه أي وطن نفسه عليه، وضرب الإسلام بجرانه أي ثبت واستقر.
(3) نفق الشيء نفاقا: نفدوقل. ونفق البيع: راج ورغب فيه. ونفقت السوق: قامت وراجت تجارتها.
(4) محمد يوسف الكاندهلوي : مختصر حياة الصحابة، ط. دار الإيمان. (1/190)
صفحة 191
صفي الرحمن المباركفوري
عبد الحميد طهماز
عبد الرحمن النجلاوي
عبد الرب نواب آل نواب
عبد الكريم زيدان
عبد المنعم محمد حسين
عبد الودود شلبي
عطية صقر
علي جريشة
علي سرور الزنكواني
علي محفوظ
عماد الدين خليل
عون الشريف قاسم
القرطبي
محمد أبو زهرة
محمد أحمد أبو شهبة
محمد أمين المصري
محمد البهي
محمد حميد الله
محمد زكي بيضون
محمد الغزالي
محمد عبد القادر أبو فارس
محمد قطب
محمد يوسف الكاندهلوي
مروان إبراهيم القيسي
منير الغضبان?
?القرآن الكريم
فقه السيرة النبوية
السيرة النبوية
لسان العرب
السيرة النبوية
ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين
جواهر التفسير
توجيه الرسول للحياة والأحياء
صور من حياة الرسول
الدعوة إلى الإسلام
الطريق إلى جماعة المسلمين
معالم الدعوة الإسلامية في عهدها المكي
الدعوة الإسلامية في عهدها المكي
الرسول - صلى الله عليه وسلم -
جند الله
الإسلام
من أجل خطوة إلى الأمام
فقه السيرة
دعوة الإسلام
في ظل القرآن
الرحيق المختوم
أبو موسى الأشعري
التربية بالآيات
الدعوة إلى الله
أصول الدعوة
الدعوة إلى الله على بصيرة
الدعوة الإسلامية في عهدها النبوي
الدعوة الإسلامية دعوة عالمية
على هامش فقه الدعوة
الدعوة والدعاة
هداية المرشدين
دراسة في السيرة
نشأت الدعوة الإسلامية
الجامع لأحكام القرآن
خاتم النبيين
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
سبيل الدعوة الإسلامية
خمس رسائل إلى السباب المسلم
مجموعة الوثائق السياسية
موكب النور في سيرة الرسول
مع الله( دراسات في الدعوة والدعاة)
فقه السيرة
الدعوة الإسلامية تستقبل القرن الـ 15
أسس في الدعوة ووسائل نشرها
منهج التربية الإسلامية
مختصر حياة الصحابة
معالم التوحيد
فقه السيرة النبوية
المنهج الحركي للسيرة النبوية?
فهرس الدعوة
الموضوع ... الصفحة
تقديم ... 2
أولا: الدعوة: ... 4
تعريف الدعوة من خلال القرآن والسنة ... 4
(1) حاجة الناس إلى دعوة الرسول ... 7 (1/191)
صفحة 192
(2) مواصفات الداعية: ... 9
(أ) العناية الإلهية ... 9
(ب) الداعية هو القدوة ... 10
(ج) الصبر على متاعب الدعوة ... 11
(3) منهجية الدعوة: ... 13
(أ) أسلوبه - صلى الله عليه وسلم - في الدعوة ... 13
(ب) معايشته لواقعه وقدرته على حل المشكلات ... 14
ثانيا: الدعوة في عهدها المكي: ... 19
(1) مراحل الدعوة ... 20
(أ) الدعوة سرا ... 20
(ب) الدعوة جهرا ... 21
(2) مميزاتها ... 22
(أ) السرية ... 22
(ب) انتقاء العناصر ... 22
(ج) الاتصال الفردي ... 23
(د) تكوين عناصر الدعوة ... 24
(هـ) الجهر والإعلان ... 26
(3) موضوعاتها ... 27
(أ) الوحدانية المطلقة ... 27
(ب) البعث والجزاء ... 29
(ج) تزكية النفس ... 31
(4) وسائلها: ... 33
(أ) القدوة الحسنة ... 33
(ب) التعليم والتربية ... 34
(ج) الترغيب والترهيب ... 36
(5) دعوة الرسول - صلى الله عليه وسلم - لأقاربه ... 39
(6) دعوته عليه السلام لبطون قريش ... 41
(7) أوائل من أسلم ... 43
(8) هموم الداعية ... 45
(أ) الإيذاء والاضطهاد ... 45
(ب) حصار الشعب ... 49
(ج) المفاوضات ... 51
(د) عام الحزن ... 57
(هـ) اللجوء إلى الجوار ... 58
(و) ظلم ذوي القربى ... 59
(ز) الثبات والاستمرار في الدعوة ... 61
(9) الرحلة من أجل تبليغ الدعوة ... 62
(أ) الهجرة إلى الحبشة ... 62
(ب) الرحلة إلى الطائف ... 63
(10) عالمية الدعوة ... 65
(11) عرض نفسه عليه السلام على القبائل ... 68
(أ) دعوته للقبائل الوافدة على مكة ... 68
(ب) وفد الأنصار الأول ... 71
(ج) وفد الأنصار الثاني وبيعة العقبة الأولى ... 71
(د) وفد الأنصار الثالث وبيعة العقبة الثانية ... 72
ثالثا: الدعوة في عهدها المدني: ... 76
(1) مصعب بن عمير ... 77
(2) مميزاتها ... 80
(أ) خلوها من السرية ... 80
(ب) لا إكراه في الدعوة ... 80
(ج) الفتح وسيلة لنشر الدعوة ... 82
(3) موضوعاتها ... 83
(أ) التوحيد ... 83
(ب) الأخوة ... 84 (1/192)
صفحة 193
(ج) تزكية النفس ... 87
(د) ملازمة الجماعة ... 88
(4) وسائلها ... 89
(أ) الحلقات بالمسجد ... 89
(ب) التعليم والمتابعة ... 90
(ج) إقامة الحجة ... 93
(5) تكليف الصحابة بالقيام بالدعوة ... 97
(أ) على المستوى الفردي ... 97
(ب) على المستوى الجماعي ... 102
(6) الرسائل شكل من أشكال الدعوة ... 108
(7) الوفود ... 117
رابعا: نتائج الدعوة: ... 125
(1) إقامة دولة الإسلام ... 126
(2) الانتشار الواسع للإسلام ... 129
(3) فتح مكة انتصار للدعوة ... 130
(4) مدرسة النبوة تخرج جيلا من الدعاة ... 132
- ملحق الخرائط ... ...
- قائمة المراجع: ... 136
الفهرست: ... 137
……………………
{ تم بحمد الله تعالى } (1/193)
صفحة 194
شذا من السيرة (3)
مواقف قيادية
من
السيرة النبوية
إعداد:
أحمد بن مهني مصلح
عاشور بن يوسف كسكاس
ميلاد بن مهني بن حريز
ضرورة القيادة للأمة المسلمة:
القيادة ضرورية للأمة إذ بها يسود النظام منها يأخذ الأفراد الأوامر وبنصائحها يسترشدون وبآرائها وتوجيهاتها يلتزمون.
وقد دلت السنة الشريفة على وجوب القيادة في مناسبات عدة حيث أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - المسلمين بأن يؤمروا عليهم من يرون فيه الصلاح والقدرة على تحمل المسؤولية.
قال عليه السلام فيما رواه أبو سعيد الخدري:
" إذا خرج ثلاثة في سفر فيؤمروا أحدهم" (1).
وقال عليه السلام فيما رواه عبدالله بن عمر رضي الله عنهما:
" لا يحل لثلاثة يكونون بأرض فلاة إلا أمروا عليهم أحدهم" (2).
ومعلوم هنا من نصي الحديث أن الإمارة تعني القيادة.
وإذا كان تعين القائد واجبا في النفر القليل فهو في الجماعة أوجب. يقول الشوكاني في تعليقه على هذين الحديثين:
" وفيهما دليل على أنه يشرع لكل عدد بلغ ثلاثة فصاعدا أن يؤمروا عليهم أحدا لأن في ذلك السلامة من الخلاف الذي يؤدي إلى التلف، فمع عدم التأمير يستبد كل واحد برأيه ويفعل ما يطابق هواه فيهلكون.. ومع التأمير يقل الخلاف وتجتمع الكلمة. وإذا شرع هذا لثلاثة يكونون في فلاة من الأرض أو يسافرون فتشريعه لعدد أكثر يسكنون الأرض والأمصار ويحتاجون لدفع التظالم وفصل التخاصم أولى وأحرى (3).
__________
(1) أخرجه أبو داود في كتاب الجهاد.
(2) أخرجه أحمد في مسنده 2/177
(3) نيل الأوطار 8/213 (2/1)
صفحة 195
وكذلك فإن السنة العملية تؤكد وجوب القيادة وبتتبع غزوات الرسول - صلى الله عليه وسلم - نجد أنه عليه السلام كان ولي أمر المسلمين وأميرهم، وإمامهم وقائد جندهم كان عليه السلام يقود المعركة ويتقدم جنده في القتال يعين الأمراء على السرايا ويعين الحاملين للرايات وهذا دليل عملي على ضرورة القيادة لتستقيم أمور الجند وليضمن نجاحه في القتال والنصر على الأعداء.
ولضرورة القيادة للأمة فلابد من شروط لها نلخصها فيما يلي:
معرفة القائد نفسه: وذلك بأن يكون واثقا من قدراته القيادية عارفا بنقاط ضعفه ونقصه.
أن يكون على قدر جيد من العلم بالشريعة وبمختلف المعارف عاملا بالمبادئ التي يدعو جنده وأتباعه إليها.
أن يكون ملما بنواحي عمله عارفا حدود مسؤولياته فقد كان عليه الصلاة والسلام وهو القائد الأعلى للأمة في سلمها وحربها المربي والموجه والمرشد، كما كان عليه السلام يعرف أصحابه معرفة دقيقة ومفصلة ويعرف ما يمتاز به كل واحد منهم من مزايا فيضعه في مكانه المناسب.
فقد روي عنه عليه الصلاة والسلام قوله:" إني لأؤمر الرجل على القوم فيهم من هو خير منه لأنه أيقظ عينا وأبصر بالحرب" .
كما روي أنه عليه السلام بعث عمرو بن العاص على رأس سرية فيها أبو بكر وعمر.
ولا غرابة فيمن يتصف بكل صفات القيادة العالية أن يكون حاكما على الناس فقد كان عليه السلام سياسيا ورئيس دولة ومسؤولا عن المجتمع.
وقد أسس عليه الصلاة والسلام دولته في المدينة على أسس قوية وبخبرة فائقة كان يرأسها بنفسه ويصدر الأوامر ويعلن النفير العام عندما تقتضي الأمور ذلك. (2/2)
صفحة 196
وهكذا فقد ذكر العلماء شروطا عديدة للقائد المسلم الناجح منها: الدراية بالحرب وفنونها ومعرفة معداتها وأساليبها وصلابة القائد وثبات جنانه عند المفاجآت وأن يكون القائد على قدر كبير من الحزم يتحرى الأمور ولا يندفع وراء الظنون وأن يكون واثقا من نفسه ومن مقدرته فلا يخشى ملاقاة الأعداء متصلا دوما بجنده موجها لهم وناصحا رحيما بهم عطوفا، سامعا لشكواهم عاملا بآرائهم إن كانت صوابا عادلا مع أعدائه، وفيا لعهده معهم مقسطا.
مواصفات القائد
اختار الله رسوله محمدا - صلى الله عليه وسلم - ليؤدي أعظم رسالة للبشرية فأعده وهيأه ووهبه من الصفات الواجبة للقائد والسمات اللازمة ما يجعله قادرا على أداء القيادة وتملك زمام الأمة وتوجيهها نحو الهدف السامي. وتعتبر القيادة موضع التنظيم ومركز التوجيه وأساس ترتيب الأمور. فكما أن للجسم البشري مركز قيادة واحدة هو الدماغ الذي يصدر الأوامر والتعليمات إلى أعضاء البدن كافة كذلك فإن الجماعة البشرية لابد لها من قائد واحد يضبط سيرها ويوجه حركتها حتى لا يختل التوازن وقد كان محمد - صلى الله عليه وسلم - المثل الكامل للقيادة الشاملة.
إن القائد المثالي يمتاز بمجموعة من الصفات الفذة ولكن قل أن تجتمع كل المواصفات في قائد واحد إلا أن جميع مواصفات القيادة اجتمعت في النبي عليه السلام، فقد حباه الله صفات خلقية مناسبة كاعتدال الجسم واتساع الخطو وقوة المشي وخلقية تؤهله ليكون خير قائد من شجاعة وصمود وجرأة وحزم وثبات وبعد نظر وتواضع وقدرة على المواجهة. (2/3)
صفحة 197
إن الشخصية القيادية فطرة يصقلها التدريب والعلم ولكن هناك أشخاص خلقوا ليكونوا قادة منحهم الله مزايا تؤهلهم للقيادة الفذة وأولهم محمد - صلى الله عليه وسلم - . لقد كان قادرا على قيادة جنده المؤمن الراغب في النصر أو الشهادة لم ترهبه كثرة ولم تخفه قوة، واجه أعداءه بشجاعة نادرة لقد كان الرأس المفكر واللسان الناطق والعقل المدبر والمخطط لمجريات المعارك يستشير ويناقش ويصدر القرار المناسب، وينظم العمل ويحدد الهدف ويبين الوسيلة ويتابع التنفيذ ،يرجع إليه في الملمات وتتجمع عنده المعلومات، ويستعين بالكفاءات المتخصصة ويصدر التعليمات اللازمة دون ترفع.
إن الله هو الذي اصطفى رسوله وعلمه فن القيادة قال عز وجل: { وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ } (النساء/113)
فلم يدخل محمد - صلى الله عليه وسلم - معهدا عسكريا ولا تتلمذ على يد قائد، بل على يديه صلى الله عليه وسلم نشأت المدرسة العسكرية الإسلامية وتعلم أصحابه أن القيادة أمانة ورسالة ومسؤولية ورأوا في أخلاق رسول الله وتصرفاته شروطا لازمة لكل من تولى مسؤولية قيادية.
ومن أهم مواصفات القائد في الاسلام:
* اللياقة البدنية:
أشار القرآن الكريم إلى اللياقة البدنية التي اختار الله على أساسها طالوت ملكا. قال تعالى:
إن الله اصطفه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم } (البقرة/241)
وكذا كانت عنايته بالرسول القائد، فقد كان في حروبه يقطع المسافات البعيدة على الأقدام، ليلاقي العدو ويقارعه بالسيف أياما وهو في المقدمة.
وكل ذلك يقتضي استعداد بدنيا عاليا وكان صلى الله عليه وسلم ملجأ أصحابه عندما يعجزهم أمر كما في حفر الخندق فقد كان يفتت الصخور التي يعجز عنها أصحابه ومن أدلة قوته البدنية صلى الله عليه وسلم أنه هزم ركانة المصارع المشهور بمكة.
* الشجاعة والثبات: (2/4)
صفحة 198
يتحلى القائد بالشجاعة والإقدام ويكون جريئا في اقتحام الحرب لا يهاب الموت وتتمثل شجاعة الرسول في قبوله بمواجهة كفار قريش في بدر وهو يعلم عدد العدو وخطورة الهزيمة في القضاء على مستقبل الاسلام. كما تبرز شجاعته النادرة في ثباته أمام عشرة آلاف من الكفار في غزوة الخندق خاصة بعد نكث اليهود عهدهم وقد شهد الأبطال من أصحابه بشجاعته قال علي- كرم الله وجهه- " إنا كنا إذا اشتد الخطب واحمرت الحدق اتقينا برسول الله فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه".
إن الشجاعة سبب في ثبات القائد ووسيلة لنيل النصر فالقائد يثبت عند الهرب ويتقدم عند الطلب وينتظر من الله المدد، أما القيادة الجبانة فإنها تؤثر سلبا على جندها فيضطرب الصف وتقع الهزيمة؛ لذلك يحتاج القائد إلى عزيمة صادقة وإرادة قوية ترفع معنويات جنده وتدفعهم إلى الالتفاف حوله فلا ينهارون وتكسبهم إقبالا وثباتا.
لقد كان عليه السلام أول المبادرين إلى استجلاء الخبر حين يحدث حدث، قال أنس:" فزع أهل المدينة ذات ليلة فانطلق ناس قبل الصوت فتلقاهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - راجعا وقد سبقهم إلى الصوت وهو يقول: لم تراعوا لم تراعوا".
إن الجندي يحتاج إلى قدوة تضحي أمامه بنفسها ومالها وأقاربها ليتبعها فالقائد يتقدم بنفسه وبأقاربه الصفوف، فقد قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة بدر عمه حمزة وابن عمه عبيدة، لم يضن بهم عن الموت، كما كان ثابتا في أحلك ساعات القتال ويتمكن بشجاعته من جمع أتباعه بعد الحركة المفاجئة والمشتتة لجنده فيلتفون حوله دون جزع رغم رؤيتهم لمصارع الجند استمداد من ثباته ولو تراجع لتراجعوا. (2/5)
صفحة 199
إن القائد المحنك في الحرب يتعامل مع العدو بحكمة فلا ينخدع ولا يستدرج ولا يتهور ولا يجبن، بل يحذر ويواجه ويتحمل ويتمالك نفسه ولا يضعف بل يحول الهزيمة إلى مطاردة للعدو كما في أحد وحنين، لا يغتر بتحقيق النصر بل يثبت على سموه النفسي النبيل ففي فتح مكة لم يدفع النصر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الانتقام ممن أخرجوه، ولم يجد الغرور بالفتح إلى نفسه سبيلا بل دخلها متواضعا وقابل نعمة الفتح بنعمة الشكر لله، ثابتا على الحق.
* قوة الإرادة وقوة الشخصية:
يمتاز الرسول - صلى الله عليه وسلم - بهذه الصفة الضرورية لكل قائد عسكري؛لأنه قدوة لجنده وموجه لهم وآمر ومرشد، يجب عليهم طاعته، فإن كان ضعيفا مترددا لم يتحقق طاعة ولا قدوة. وتتجلى عظمة شخصية القائد في رغبته في إسعاد البشرية بجهاده ودعوته، كما تتمثل قوة إرادته في عدم التنازل عن دعوته فقد واجه الرسول القائد أحداثا جساما مزلزلة، لكن قوة إرادته جعلت كل المحاولات لجره إلى ترك جهاده ودعوته تبوء بالفشل الذريع فقد صدع بقوله لعمه" والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على ان أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه" فأحبط بهذا التصميم كل محاولة لثنيه عن تبليغ دعوته والجهاد في سبيلها بل ولم تؤثر في عزيمته تهديدات بالقتل ولا وعود وإغراءات فأصر على المضي في جهاده بعزيمة ثابتة وإرادة صلبة ورجاحة عقل وحسن سياسة. لقد كان عليه السلام مثالا يحتذى في مضاء العزيمة وتنفيذ ما قرر مهما كانت العقبات التي تواجهه. (2/6)
صفحة 200
فلما استشار أصحابه في غزوة أحد هل يخرج لقتال قريش أم يتحصن بالمدينة أشار عليه جمهور أصحابه بالخروج حتى لا يتهمهم الكفار بالجبن عن ملاقاتهم، بينما كان رأي النبي القائد مخالفا، فقرر العمل برأي أصحابه فدخل وتجهز للحرب، وغير أصحابه رأيهم وقالوا:" استكرهناك على الخروج ولم يكن لنا ذلك فإن شئت فاقعد" فقال عليه السلام:" ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته (عدة الحرب) أن يضعها حتى يقاتل".
وفي غزوة الخندق صمم القائد على إنجاز حفر الخندق قبل موعد قدوم الأحزاب ورغم أن طوله كان خمسة آلاف ذراع (2310م) وعرضه تسعة أذرع وعمقه سبعة أذرع، والظروف الطبيعية سيئة:" البرد قارس والرياح شديدة والعام عام مجاعة، والمنافقون يثبطون، لكنه بقوة إرادته تمكن من حفر الخندق وأنجزه في شهر وقبل وصول العدو بثلاثة أيام.
وقد ربى النبي أصحابه على مضاء العزيمة فصمم عبدالله بن أم مكتوم وهو أعمى أن يشارك في غزوة أحد، وأن يعطى اللواء كما حمل مصعب بن عمير اللواء في أحد وظل مصمما على حمله حيث ضربه العدو فقطع يمناه فأمسك باليسرى فقطعت فأمسك بصدره وهو يتلو قوله تعالى:
{ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ } (سورة آل عمران/144)
* بعد النظر: (2/7)
صفحة 201
وهي صفة أرقى من الذكاء إذ لا تنحصر في الحادثة الآنية بل تتعداها لتدرس عواقبها ونتائجها على مدى بعيد. فقد كان الرسول القائد يفكر عند كل مواجهة في كل الاحتمالات القريبة والبعيدة ويضع في حسبانه أخطرها ويعد الخطط المناسبة لكل موقف لتطبيقه عند الحاجة إليه دون تأخير أو تردد. ويتضح بعد نظره صلى الله عليه وسلم خاصة في المسائل المتعلقة بالمصلحة الآجلة فإن فكره الثاقب يقدر رجحان المصلحة في الأخير فيوافق منذ البداية ويصر على الأمر رغم ما يبدو لأول وهلة من تقديم تنازلات وقبول بالضيم.
إن الشروط التي وضعتها قريش في صلح الحديبية مجحفة في نظر عقلاء أصحابه لكنه قبل بها وأدرك ببعد نظره أن فيها النصر للمسلمين ورأى أن قريشا تحفر قبرها بيدها بوضع تلك الشروط وتكتب دمارها بقلمها.
لقد علم أن الهدنة تؤمن الاستقرار فيمكنه أثناء مدة الصلح أن يضاعف نشاطه الدبلوماسي ويربط علاقات مع القبائل قصد الاعتراف بدولته الإسلامية كما ان الهدنة سبب لزيادة عدد المسلمين وقد تحقق ذلك فعلا فدخل في الاسلام أثناء سنتي الصلح مثل من كان في الاسلام أو أكثر، كما رأى القائد في الهدنة كسرا للطوق الذي ضربته عليه قريش بتحالفها مع خيبر فاستطاع أن يتفرغ ليهود خيبر فيجهز عليهم بالضربة القاضية.
ورأى فيها إثارة للرأي العام العربي ضد قريش التي تصد عن بيت الله الحرام من جاء معظما له فينقم الهرب على قريش الظالمة الصادة.
ومن أمثلة بعد نظره صلى الله عليه وسلم رفقه برأس المنافقين يوم بني قينقاع ويوم بني النضير ويوم بني المصطلق حتى انكشف نفاقه وظهرت عداوته ولم يضرب عنقه ولا سمح بذلك لمن طلب منه، فلما افتضح أصبح قومه كلما أساء عاتبوه وعنفوه فقال القائد لعمر بن الخطاب:" كيف ترى يا عمر؟ أما والله لو قتلته يوم قلت لي لارتعدت له آنف..لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته" فقال عمر:" والله قد علمت أن أمر رسول الله أعظم بركة من أمري". (2/8)
صفحة 202
* الحزم واتخاذ القرار الصائب:
القيادة بحاجة إلى الحزم واتخاذ القرار الحاسم والسرعة فيه مع تحري الصواب عند اتخاذه وهو ما نجح فيه الرسول القائد في مواضع كثيرة...لقد كان قادرا على البت في الأمور السريعة وإصدار الأوامر والقرارات بقوة ووضوح وإلزام الجند بها. إن القائد الحازم كالتاجر الحكيم لا يبذل ماله إلا فيما يعود عليه بالنفع فإن رأى ربحا اتجر وإلا حفظ رأس ماله ولا يطلب الغنيمة حتى يحرز السلامة.
ولابد للقائد من إصدار القرارات لبناء خطته العسكرية وذلك يتطلب الحصول على معلومات عن العدو وأرض المعركة كما يقتضي معرفة صفات جنده وجدارتهم.. وقد كان الرسول القائد يمتاز بعقلية راجحة ومنطق سليم واستطاع أن يعرف عن عدوه كل المعلومات المهمة بالاستطلاع والإرصاد واستنطاق الأسرى ودوريات المراقبة واستشارة ذوي الرأي والخبرة، وقد تمكن صلى الله عليه وسلم بحزمه ويقظته لكل حركة من حوله أن يصدر القرار الصحيح السريع ويحقق أبعد حدود النجاح ووفق في استعمال جنده في الموضع المناسب.. فقد عاد الجيش من أحد منهكا فاتخذ الرسول قراره السريع باللحاق بالعدو المنتصر وهو يعلم حالة جنده وأرسل من يخوف قريش ويخذلها فلحق الجيش بالعدو فما ان سمعوا بمقدمه حتى فروا من وجهه وكان القرار في غاية الصواب إذ أفسد على المشركين انتصارهم وحوله إلى انسحاب وهزيمة.
كما أدب بني قريظة بمجرد عودته من الخندق فاجأهم وهجم عليهم وحاصرهم حتى نزلوا على حكمه وكان القرار السريع صائبا وحاسما. (2/9)
صفحة 203
لقد نجح الرسول القائد في مواجهة المشاكل فلم يهرب منها بل فكر في حلها ولم يهملها حتى لا تؤدي إلى التنازع والفشل. كان حريصا على حل المشاكل الداخلية التي تبدد الجهود وتوهن القوة فيسارع إلى حسمها بقرار مناسب. أما مع العدو فقد كان حازما مع الغادر لا يسوف ولا يلين ولا يصبر على لئيم يخلف وعدا وينقض عهدا.. لما خان اليهود العهود لجأ القائد معهم إلى الحزم والإجلاء فقد حكم سعد بن معاذ في بني قريظة فجاء حكمه صائبا وحاسما بان يقتل المقاتلون وتسبى الذراري وتقسم الأموال وأمر الرسول القائد بالتنفيذ وأثنى على سعد الذي تعلم من قائده الحزم واتخاذ القرار المناسب والذي قال:" لقد آن لسعد ألا تأخذه في الله لومة لائم".
* الشورى:
رغم أن محمدا صلى الله عليه وسلم مؤيد بالوحي ويمتاز ببعد النظر ورجاحة العقل لكنه كان لا يستبد برأيه، بل كلما حزب أمر جمع المسلمين في مقر القيادة- وهو المسجد- واستشارهم في القرار العسكري المناسب لأنه مصيري تتعلق به مصلحة الأمة وتتأثر به هيبة الدولة.
لقد كان يلتزم الشورى مع أصحابه في تحديد مقر القيادة الميداني والمؤقت لتحصينه والاستفادة منه، وكان يرشد المقاتلين إلى آداب الجهاد ويدرس معهم بعض الخطط ويتذاكر معهم عوامل النصر وأخبار العدو. لقد كان القائد صلى الله عليه وسلم ملتزما الشورى في كل حين فقد أخذ برأي الأنصار في الخروج للغزوة وكان يردد: " أشيروا علي أيها الناس". كما أخذ برأي أصحابه في مغادرة المدينة في أحد.
* التواضع: (2/10)
صفحة 204
كان الرسول القائد صلى الله عليه وسلم يختلط مع جنده ولا يتميز عليهم في برج عاجي يطل عليهم من خلاله ويتركهم يعانون الجوع والحرمان والعطش والبرد بل كان معهم يمشي إذا مشوا ويحفر إذا حفروا ويركب إذا ركبوا.. عن ابن مسعود قال:" كنا يوم بدر كل ثلاثة على بعير، كان أبو لبابة وعلي بن أبي طالب زميلي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالا: نحن نمشي عنك. فقال صلى الله عليه وسلم بتواضع وأدب:" ما أنتما بأقوى مني ولا أنا بأغنى عن الأجر عنكما".
كان القائد يسهر والجند نيام يدعو ويستنصر ويضع الخطط ويشارك جنده النصب فينقل التراب ويحطم الصخر ويقاوم البرد والريح والجوع ولا يتميز بطعام أو شراب.
ويتجلى تواضعه بعد انتصاراته فلا يزهو ولا يغتر ولا يتكبر بل يحرص أن يتقبل الله جهاده ويدخل مكة مطأطأ الرأس تذللا لله ولا يتحدث عن نفسه وشجاعته بل يرجع الفضل لربه " لا إله إلا الله وحده نصر عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده".
* الحنكة العسكرية: (بتوظيف الاستعدادات ومعرفة النفسيات)
كان الرسول القائد ملما بمبادئ الحرب مطبقا لها فهو عليه السلام يحدد هدفه في كل معركة وهو: تحطيم إرادة العدو للقتال بالحط من معنوياته قبل أن يعمد إلى قتالهم فإذا لزم الأمر التعرض للعدو فإنه يهاجمه ليسحقه فتكون له المبادرة بالسيطرة على الموقف ورفع المعنويات. وقد اعتمد المباغتة في وقت لا يقدر بصورة لا يتوقعها العدو وبأسلوب يجهله بحيث يحدث ذلك شللا في التفكير لدى العدو ويؤثر على نفسية جنوده فيصابوا بالهزيمة فقد بعث القائد نعيم بن مسعود ليخذل ويشتت الأحزاب وأثمر هذا التوظيف هزيمة الأحزاب. (2/11)
صفحة 205
ومن حنكته صلى الله عليه وسلم أن يحشد أكبر قوة ممكنة مع الاقتصاد في المجهود والتصرف الحكيم بجميع الطاقات. لقد كان عارفا باستعدادات كل جندي وخبيرا بنفسياتهم فيضع الرجل المناسب في الموضع المناسب: من عرف بالشجاعة أسند إليه العمل المتطلب لذلك مثل إعطاء السيف لأبي دجانة، ومن برع في الشعر استفاد منه في الدفاع عن الله ورسوله" اهجوا قريشا فإنه أشد عليها من رشق بالنبل" ومن عرف بحسن الرأي استشاره وأخذ بمشورته ومن عرف بطغيان حب المال عليه مع إحداثه إسلامه ألف قلبه بغنيمة ومن وثق في إيمانه لم يعطه لمعرفته بنفسياتهم من أظهر من الشباب استعدادا للجهاد شجعه.. يوظف كل طاقة لخدمة رسالته وتوهين عدوه ويستغل كل فرصة لفضح قريش ففي يوم الحديبية أعلن القائد أنه يريد العمرة واستصحب المسلم والمشرك وساق الهدي فلما منعته قريش شن عليها حربا إعلاميا بأنها تصد من جاء يعظم البيت وآتت الحملة أكلها وكادت تسبب حربا أهلية بين الأحابيش وقريش بمكة. كما استطاع بإهدار دماء الشعراء: كعب بن الأشرف، وأبي عتيك، وعصماء بنت مروان أن يبطل إعلام العدو.
* انتهاج أسلوب الهجوم وتحديد الهدف: (2/12)
صفحة 206
اعتمد الرسول القائد الهجوم حتى يرهب عدوه فلا يطمع فيه وكي لا يتحمل أضرار الحرب الدفاعية وخسائرها.. وقد اختار الهجوم المبكر بحيث لا يترك للعدو فرصة استكمال تشكيله واستعداده، فكان يحرص على مباغتته في المكان والزمان وأسلوب القتال وذلك بنصب الكمائن على طريق مرور قافلة التجارة أو الجيش وبالسير ليلا والاختفاء نهارا واستغلال الليل للاقتراب من العدو ثم الانقضاض عليه عند الفجر كما فعل القائد في خيبر، وبتنويع أساليب القتال التي لم يتعودها العدو مثل: قتال الصف، الخندق، الهجوم على محاور كما في فتح مكة، استخدام سلاح جديد كالمنجنيق(في غزوة الطائف) وتضليل العدو ولإرباكه وعدم تمكينه من اتخاذ قرار صحيح فالحرب خدعة ومثل التورية عن الوجهة أو إيهام العدو بان حليفه غدر والأمر ليس كذلك.
كما اعتمد الرسول القائد الهجوم الصاعق والحرب الخاطفة وإحداث الصدمة الأولى للقضاء على عزائم العدو. لقد كان يخطط لكل المعارك المصيرية ويحدد صلى الله عليه وسلم أهدافه بدقة ووضوح ولا ينشغل عن تحقيق أي هدف بمعركة جانبية بل يتحرك نحو أهدافه بخطى ثابتة.
فقد وضع أول هدف عسكري له: القضاء على اليهود في جزيرة العرب ككيان سياسي وقوة عسكرية ورغم ما فرض على رسول الله من معارك جانبية من اليهود والمشركين فلم يتحول عن هدفه وجعل يصفي في كل سنة جماعة وبعد اختيار الهدف بدقة كان يتدرج في التنفيذ بالمناورة ففي قتال الحصون كان يشغلها جميعا بقوات صغيرة ويركز هجومه على حصن واحد حتى يسقط فينتقل إلى غيره، أو بتشتيت قوات العدو أثناء الهجوم بتوزيع قواته على جبهات كما في خيبر أو فتح مكة.
* المحافظة على الأسرار والثقة المتبادلة مع الجند: (2/13)
صفحة 207
سخاء الرسول القائد حببه إلى جنده وجعل بينه وبينهم تآلفا وتعاونا كبيرين فالقائد يبذل ماله بسخاء نفس ويواسي أتباعه ويحسن إليهم فيبادله جنده المحبة والثقة وتتحقق مصلحة الجيش وينتصر على عدوه ولو كان متفوقا عددا وعدة. وقد كان حريصا على إخفاء أسرار المسلمين وحركة جيشه عن العدو وكان يأمر قادته بعدم إفشائها وكتم أخباره عمن لا تلزمه من صديق أو عدو. واستعمل التورية في الحديث وفي الحركة وفي أغلب غزواته كان يوري بوجهته إلى مكان ويقصد غيره تفويتا على الأعداء.
* معاقبة المعتدي:
إن القائد الناجح لا يترك أي اعتداء يمر دون أن يعاقب المعتدي، فالسكوت عن العدوان دون انتقام دليل ضعف واستكانة... فقد أرسل الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - إلى قبيلتي عضل والقارة اللتين غدرتا بأصحابه قوة تغزوهم في بني لحيان، كما انتقم من العرنيين الذين غدروا بمولاه كرز بن جابر فلحقهم وأتى بهم إلى القائد فسمل أعينهم وكذلك فعل ببني قريظة لما غدروا وتحالفوا مع الأحزاب.
* إعداد القياديين:
إن أفضل مقياس لمعرفة مدى نجاح القائد وجدارته هو ما قدمه وأعده من كفاءات لتوالي القيادة من بعده، فمن أسمى مهام القيادة إعداد الرجال ليكونوا قادة يتعهدهم بالتدريب والتوجيه ويفوض إليهم بعض الصلاحيات ويكلفهم في غيابه، فليس القائد الذي يركز الأمور في يده بل الذي يخرج الإطارات ويفجر الطاقات. لقد عني الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالتدريب على القتال واستعمال الأسلحة، وربى أصحابه على الرماية وركوب الخيل وعلى الطعن بالرماح وأجرى المسابقات ودرب على التخطيط واتخاذ القرار وعود على المبادرة والتصرف السليم في الموقف المفاجئ. (2/14)
صفحة 208
وقد وفق صلى الله عليه وسلم في اختيار أصحابه لتولي قيادة السرايا كدوريات الاستطلاع ومفارز الإغارات وتمت ممارسة هذه التدريبات تحت إشرافه، فاستفاد منها في دراسة طبيعة الأرض والطرق ومعرفة أحوال العدو واختيار قوته ونمى الثقة بالنفس عندهم وأفسح المجال للبعض منهم فعينهم قادة وحدات أو كتائب ليكتسبوا الخبرة القتالية.
لقد قاد الرسول صلى الله عليه وسلم في السنة الثانية للهجرة ثمان غزوات ليعلم أصحابه ويعد القادة للمستقبل وأرسل خمسين سرية طيلة تسع سنوات ليربي أصحابه على القيادة.
وبذلك قدم لأمته كفاءات صالحة لتولي القيادة من بعده فكان بحق القائد المعلم صلى الله عليه وسلم.
إن القيادة في الاسلام هي القلب النابض في جسم الجماعة فيجب أن تكون: قوية حازمة تأخذ بالشدة من يستحق ذلك، وتخاف الله في كل تصرف، وهي قدوة في كل الفضائل تتحلى بالتقوى والعفة والعدل والعلم والتفاؤل والحلم والمساواة والتواضع والشجاعة والجرأة والثبات والتماسك في الشدائد ومتانة الأعصاب وقصد في التصرف وتأليف القلوب واصلاح ذات البين وتعقل ونصح وأمانة وصدق وتخطيط وفعالية وحزم ومتابعة وبعد نظر وحسن تدبير وهكذا كانت قيادة محمد صلى الله عليه وسلم.
قيادة الرسول - صلى الله عليه وسلم - غير العسكرية:
- العناية الإلهية والتهنئة الربانية:
ولد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بطريقة مألوفة لدى الناس، ليس فيها ما يدعو إلى الغرابة، واسترضع في ديار بني سعد، شأنه شأن سائر أطفال قريش، ثم عاش في أحضان أمه تربيه وترقبه بعين مليئة بالعطف الجم والحنان الرقيق؛ لأنه عاش يتيم الأب لتعوضه ما قد يكون فقده من ذلك الجانب.
غير أن الناظر إليه عليه السلام بعين بصيرة والمتتبع لنموه عن كثب يلحظ العناية الإلهية تحوطه من كل جانب والرعاية الربانية تصحبه في كل مكان. (2/15)
صفحة 209
فقد بلغ شاب بني هاشم درجة كبيرة من الكمال الجسدي والنضج العقلي ما جعله يتميز عن شباب قومه وينال حظوة عند أعيان بلده ومكانة لدى أسيادها.
ولعل مما يؤكد ذلك أحداثا متعددة شهدها الرسول - صلى الله عليه وسلم - أبرزت مؤهلاته القيادية ونضجه العقلي والفكري.
رعى عليه السلام الأغنام، وما من نبي إلا ورعاها، وفي ذلك ما فيه من التعود على تحمل المسؤولية ورعاية الرعية، وفي ذلك أيضا الدربة على متابعة من تكون تحت امرته بالرفق والرحمة.
شارك عليه السلام في حرب الفجار، فكان يرد النبال عن أعمامه إذا رماهم الأعداء بها، وهي حرب قامت للدفاع عن الحرمات (1).
شارك عليه السلام في حلف الفضول وهو حلف لإقامة العدل ورد المظالم، شارك فيه عليه السلام وهو ابن عشرين سنة شابا حدثا.. وأمثال هذه الأحلاف لا يحضرها إلا كبار القوم سنا وقدرا ،ومشاركته فيه عليه السلام دليل على بداية طريقه نحو القيادة وتحمل المسؤوليات الجسام.
قال عليه السلام في الحلف- حين أرسله الله تعالى: " لقد شهدت مع عمومتي حلفا في دار عبدالله بن جدعان ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو دعيت به في الاسلام لأجبت"(2) .
ومن أهم الأحداث التي تؤهله عليه السلام للقيادة وضع الحجر الأسود في مكانه حيث ارتضاه الناس حكما بينهم وفيهم رؤساء القبائل وفضلاء القوم، ومن بلغ من العمر مبلغا.. وإذا بالصادق الأمين وهو في مقتبل العمر يفصل بين الناس بحكمة بالغة وفكرة جيدة ترضي الجميع وتضع حدا لما كان سيحدث من إراقة للدماء.
__________
(1) ابن هشام: السيرة النبوية ج1 ص186- الناشر: مؤسسة علوم القرآن.
(2) رواه ابن إسحاق في السيرة (2/16)
صفحة 210
ومن أبرز نجاحاته القيادية في حياته قبل البعثة نجاحه الباهر في تجارته مع خديجة، فقد قام عليه الصلاة والسلام بالمهمة خير قيام، فباع وابتاع وعاد بخير وفير. وقد جاء ميسرة إلى خديجة ليروي لها خصال الشاب المتميز التي لم يعهدها في رجل قبله.. رأى فيه القدرة على المعاملة السمحة مما جعل التجار يقبلون عليه ويربحونه كما رأى فيه الأمانة والرفق بمن معه والرحمة بهم، ورأى فيه القدرة على تحمل المسؤولية وتصريف الأمور. وهذه خصال قد يتصف بها بعضهم ولكنها اجتمعت في محمد صلى الله عليه وسلم في أرقى مستوياتها.
ثم إن خديجة نفسها عرفت كثيرا من الرجال فلم تجدهم إلا طلاب مال، وعرفت محمدا عليه السلام فوجدته ضربا آخر من الرجال.. وجدت رجلا لا تستهويه الدنيا ولا تدنيه حاجة، ثم إنها عندما تحاسب التجار بمالها تجد الشح والاحتيال ولكنها مع محمد - صلى الله عليه وسلم - وجدت النبل والأمانة، فقد أدى ما عليه من واجب وأخذ ما قسمه الله له من رزق ثم انصرف مرضيا.
ومن خلال هذه المواقف نستطيع أن نقول إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بدأ يبرز بين قومه بما حباه الله تعالى من خلق رفيع وعقل راجح وفكر حصيف وكل هذه الصفات من ميزات القائد الناجح في حياته.
- قيادته عليه السلام داخل أسرته قبل البعثة وبعدها:
لا شك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان زوجا وأبا ورب أسرة.. كانت خديجة أول نسائه، ولم يتزوج غيرها حتى ماتت وكان له منها الأولاد والبنات، وهم: القاسم وبه كان يكنى، والطاهر والطيب وهما لقبان لعبدالله، وزينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة. كان عليه السلام شديد الاهتمام بأسرته دائم المتابعة لها بالتربية وحسن الرعاية، وهو يقول مؤكدا على ذلك: " إن الله سائل كل امرئ عما استرعاه حفظ ذلك أم ضيعه"(1) .
__________
(1) أخرجه أبو نعيم في " حلية الأولياء (1/235) عن النسائي بسنده عن قتادة عن أنس. (2/17)
صفحة 211
ويقول أيضا محذرا الأمة من تضييع الحقوق: " بحسب امرئ من الإثم أن يضيع من يعول"
وفي رواية:" كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت" (1).
وتزوج نساء أخريات بعد وفاة خديجة رضي الله عنها فعكف عليهن يعلمهن مبادئ الاسلام ويسير فيهن السيرة العادلة على كل المستويات علمهن في الإنفاق قاعدة عتيدة" إن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى" (2) ، فكان عليه السلام بهذه السيرة مع زوجاته خير قائد وموجه فقد عشن رضوان الله عليهن معه للجهاد والتجهد، والبذل والمواساة والتواضع والخدمة، أما صلة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ببناته فكانت مضرب الأمثال، كان عليه السلام محبا لهن ومحسنا إليهن متجاوزا بذلك ما هو متعارف عند العرب من اشمئزاز بالبنات ومتحديا لهم وهم يعيرونه بأنه أبو البنات. كان عليه السلام أول أب قبل البعثة يستقبل ابنته زينب ببشر وترحاب وينحر الذبائح ويقيم الأفراح. كان عليه السلام يمازح بناته ويضاحكهن ويلاعبهن، وكان يقول: " خير أولادكم البنات".
وبهذه السيرة الناجحة كان عليه السلام محبوبا من الجميع فخديجة لا تألو جهدا في خدمته وما كان ذلك ليحصل لو لم يكن رفيع القدر عندها كريم المقام لديها محبا لها.
وهؤلاء بناته عليه السلام يتعلقن بوالدهن ويسلمن معه برغبة وإقدام، جاهدن معه وتحملن أعباء الدعوة.
كما كان عليه السلام واضح الأثر في حياة أسرته، ربى بناته التربية الناجحة وزوجهن وهو يتابع حياتهن في كل جوانبها.
__________
(1) أخرجه أبو داود(1/268) وغيره من حديث ابن عمر وصححه الحاكم.
(2) هذا حديث مرفوع إلى النبي" بسند صحيح. أخرجه أحمد(5/ 207) وكذا الطيالسي(رقم 979) في حديث لأبي الدرداء وسنده صحيح على شرط مسلم. (2/18)
صفحة 212
عاشت فاطمة يتيمة الأم وعانت الوحدة وذاقت مرارتها بعد أن تزوجت أخواتها كانت تقوم بأعباء البيت قبل زواجها وبعده حتى إذا شعرت بالتعب طلبت من والدها أن يعينها بخادمة، فقال كلمته:" لا أعطيك خادما وأدع أهل الصفة تتلوى بطونهم من الجوع" فأمرها أن تكتفي بما لديها وأن تعتمد على نفسها في حدود طاقتها ثم نصحها وزوجها بالتكبير والتحميد والتسبيح، فقال لها وزوجها: " ألا أدلكما على خير مما سألتماني؟" قالا: بلى. قال: "إذا آويتما إلى فراشكما تسبحان الله ثلاثا وثلاثين، وتحمدانه ثلاثا وثلاثين وتكبرانه ثلاثا وثلاثين، وإذا صليتما فقولا: سبحان الله عشرا وتحمدانه عشرا وتكبرانه عشرا" فكانت خيرا لهما.
كما كان عليه السلام يتدخل بين علي وفاطمة ويسعى للإصلاح بينهما، فكان علي يسأله: أينا أحب إليك يا رسول الله أنا أم فاطمة؟ فيرد بحكمة بالغة وعقل حصيف: " فاطمة أحب إلي منك، وأنت أعز علي منها".
وهكذا فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يدير شؤون بيته قبل البعثة وبعدها بنجاح فائق.
كان يعدل بين نسائه في الليالي ويقرع بينهن عند الخروج إلى الغزوات حتى لا يبقى في نفس أية واحدة منهن شيء، كما كان يعدل بينهن في النفقة ويجمعهن للموعظة والنصيحة، وإذا طلب الموقف ردعهن وزجرهن فإنه يفعل ذلك ولا يبالي قياما بواجبه ورعاية لأسرته، وتحقيقا لمبدأ القوامة والمسؤولية كما جاء في القرآن الكريم: { الرجال قوامون على النساء } .
القيادة في العبادة:
كان عليه السلام قائدا للأمة في كل ميادين حياتها، فهو رئيس الدولة، وهو المعلم للأمة أمور دينها وهو إمامها في العبادات كان عليه السلام يؤم المسلمين في الصلاة بالمسجد ويقول لهم: " صلوا كما رأيتموني أصلي". (2/19)
صفحة 213
كما كان عليه السلام يتولى الخطبة في المسجد ويعتلي المنبر يعظ الناس ويرشدهم إلى ما فيه صلاحهم في الدنيا وفلاحهم في الآخرة. وكان المسلمون مقابل ذلك يرقبون ك أعماله بدقة فيأخذون منه كل شيء صغير أو كبير، ويحاكونه في كل تصرفاته يقينا منهم أنه إنما بعث ليبلغ للناس شرع الله تعالى ويتم للناس مكارم الأخلاق وهو النبي المرسل الذي لا ينطق عن الهوى بل كل ما يصدر عنه إنما هو وحي من الله وتوجيه من رب العالمين.
كان عليه السلام يصدر خطبه بقوله:" الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ به من شرور أنفسنا،من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، ونشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله أرسله بالحق بشيرا ونذيرا بين يدي الساعة من يهد الله ورسوله فقد رشد ومن يعصمها فقد غوى". نسأل الله ربنا أن تجعلنا ممن يطيعه ويطيع رسوله، ويتبع رضوانه ويتجنب سخطه فإنما نحن به وله(1) .
كان عليه السلام يقود أصحابه إلى الخير، ويدعوهم إلى طاعة الله، فكان عليه السلام كلما حدث شيء أو بدا له رأي أمر بالنداء في أصحابه " الصلاة جامعة" فإذا تجمعوا خطب فيهم فحمد الله وأثنى عليه بما هو له أهل، ووعظ وأرشد وأمر ونهى وعرض عليهم ما استجد من الأحداث.
ومن أمثلة ذلك:
لما نزل عليه قوله تعالى: { وأنذر عشيرتك الأقربين } صعد على الصفا ونادى الناس وخطب فيهم وأعلن لهم ما جاء به من ربه وكانت أول خطبة له بمكة بعد أن حمد الله وأثنى عليه قال:
__________
(1) مراسيل أبي داود ، ص9 (2/20)
صفحة 214
" إن الرائد لا يكذب أهله، والله لو كذبت الناس جميعا ما كذبتكم، ولو غررت الناس جميعا ما غررتكم.. والله الذي لا إله إلا هو إني لرسول إليكم خاصة وإلى الناس كافة.. والله لتموتن كما تنامون ولتبعثن كما تستيقظون ولتحاسبن بما تعلمون، ولتجزؤن بالإحسان إحسانا وبالسوء سوءا وإنها لجنة أبدا أو النار أبدا" (1).
كما خطب في مكة عام الفتح:
" يا أيها الناس إنه ما كان من حلف في الجاهلية فإن الاسلام لم يزده إلا شدة، ولا حلف في الاسلام، والمسلمون يد على من سواهم تتكافأ دماؤهم، يجير عليهم أدناهم، ويرد عليهم أقصاهم، وترد سراياهم على قعدهم، لا يقتل مؤمن بكافر، دية الكافر نصف دية المسلم، لا جلب ولا جنب ولا تؤخذ صدقاتهم إلا في ديارهم.. ولا شعار في الاسلام، ولا هجرة بعد الفتح" (2) .
وهكذا فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقود أصحابه إلى مرضاة الله، بأخلاقه وأفعاله كما يقودهم بالتوجه إليهم بالموعظة والنصيحة، وبالتعليم والتربية وهي صفات القائد في أمته. خطب عليه السلام الناس في الجهاد وحببهم إليه ورغبهم فيه، فكان مثالا للقائد الناجح المقتدر على تنظيم الجيوش وإرسال البعوث للجهاد في سبيل الله، آتاه الله علما وخبرة ودراية بفنون الحرب واختيار القواد وتحديد المسؤوليات ومعاملة الأسرى والجرحى والرفق بالأطفال والنساء.
كما خطب أصحابه في مسائل أركان الاسلام في الصلاة وما يتصل بها من طهارة وأذان وسنن الصلاة والإمامة وغيرها.
عن أنس قال: صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم فلما قضى الصلاة أقبل علينا بوجهه فقال:" أيها الناس إني إمامكم فلا تسبقون بالركوع ولا بالسجود ولا بالقيام ولا بالانصراف فإني أراكم أمامي ومن خلفي" (3) .
__________
(1) من كتاب: خطب الرسول" جمع وشرح محمد خليل الخطيب الناشر: دار الفضيلة، القاهرة ص 9
(2) المرجع السابق ص15.
(3) المرجع السابق ص43 (2/21)
صفحة 215
وكان يحث أصحابه على الإخلاص ويصحح لهم ما أشكل عليهم من أمور الاعتقاد والعبادة والعمل.. وبهذا كله يتضح جليا الدور القيادي الذي يقوم به الرسول عليه السلام في أمته.
- القيادة في مكة قبل الهجرة:
كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بلا شك القائد الأول لأصحابه الذين آمنوا به واتبعوه، وهم أصحاب له وأتباع مخلصون يتحركون وفقا لأوامره، وينشطون في الدعوة ونشر كلمة الحق من منطلق أوامره.
كان عليه السلام يتولى بنفسه تحديد مكان الدعوة السري في بيت الأرقم بن أبي الأرقم، ولم يكن الاختيار عفويا بل كان مقصودا نابعا من بعد نظر القائد حيث أن صاحب البيت كان يتيما وفقيرا، لا يلفت الأنظار ولا ينتبه إليه ومن المستبعد أن يكشف أحد من الناس اجتماع القائد وأصحابه في ذلك المكان.
وكان عليه السلام يمضي بالمسلمين الأوائل إلى شعاب مكة سرا ليصلي بهم، كما كان عليه السلام يتصل سرا بمن يرى فيهمن القبول لدعوته ويوجه أصحابه للدعوة سرا يبلغون كلمة الله في خفاء وغفلة عن قريش حتى يأذن الله بالجهر بها.
ولما نزل قول تعالى: { وأنذر عشيرتك الأقربين } قام عليه السلام ليعلن أمر الدعوة في ملأ من الناس فخطب فيهم وأظهر لهم أمره ودعاهم إلى دينه. وكان عليه السلام في مقدمة من خرج إلى الشعب ليكون أول من يتحمل الحرمان والجوع والمعاناة في سبيل إعلاء كلمة الله.. وتلك هي خصال القائد المظفر الذي بعثه الله تعالى رحمة للعالمين.
ولما علمت قريش بالأمر أدركت أن محمدا يمثل القيادة العليا للمسلمين فصب عليه جام غضبها واستعملت معه كل وسائل الاضطهاد لتثني عزمه وتكسر شوكته فتوجهت إليه بأنواع من الاغراءات والمساومات دون غيره من أصحابه.
من ذلك أن عتبة بن ربيعة وكان سيدا في قومه قال: يا معشر قريش ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أمورا لعله يقبل بعضها فنعطيه أيها شاء ويكف عنا(1).
__________
(1) الحادثة مفصلة في سيرة ابن هشام، ص 293 (2/22)
صفحة 216
وعتبة معروف عند الجميع أنه كبير قومه، وهو أعرف الناس بمحمد - صلى الله عليه وسلم - . فما كان ليتوجه إليه بالمفاوضة ويقدم له العروض المغرية لولا يقينه بأن محمدا - صلى الله عليه وسلم - قائد جماعته.
ومن أمثلة ذلك أيضا أن زعماء قريش بعثوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقولون: إن أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك فأتهم. فجاءهم عليه السلام وجلس إليهم وطرحوا له عروضهم. فكان جوابه أن دعاهم إلى الاسلام ورغبتهم فيه وحذرهم ونصحهم. قال لهم: " ما بي ما تقولون. ما جئت بما جئتكم به أطلب أموالكم ولا الشرف فيكم ولا الملك عليكم، ولكن الله بعثني إليكم رسولا، وأنزل علي كتابا وأمرني أن أكون بشيرا ونذيرا فبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة وإن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم بيني وبينكم".
وطالت المفاوضة مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - وتعددت الاغراءات، لكن الرسول القائد عليه السلام صامد على مبدئه ثابت على رأيه مستقيم على نهجه يرد عليهم بحجة القرآن ولا يبالي.
وهكذا أخفق الإغراء والاهاب في تعويق الدعوة وأدركت قريش أن ما تصبوا إليه بعيد المنال.
ومن المواقف القيادية لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - :
- حسن التوجيه: فقد كان عليه السلام يدعو الناس إلى الاسلام ويرغبهم فيأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحذرهم من عبادة الطاغوت وغواية الشيطان. (2/23)
صفحة 217
- توجيه الأوامر لأصحابه: يأمرهم بالخروج إلى الشعب فيسمعون ويدعوهم إلى التحمل والصبر على مشاق الدعوة فيصبرون. ومما يدل على أنه القائد الذي لا يهاب المصاعب مواجهته لقومه بالحقيقة الساطعة، والإعلان عن مبادئ الاسلام دون أن يتردد أو يخشى. كما كان يسارع إلى نصرة المظلوم إذا استنصره فقد سارع عليه السلام إلى مناصرة الإعرابي الذي جاء إليه يشتكي من ظلم أبي جهل فلم يتوازن لحظة حتى أسرع يدق الباب على أعتى أعدائه ويواجهه بالطلب الذي يرفضه عدو الله، فينصره الله عليه ويستسلم أبو جهل للأمر الواقع ويرد للمظلوم حقه.
- حسن اختياره للمكان الذي يأوي إليه أصحابه ويأمنون فيه على حياتهم: أمر هم عليه السلام لما اشتد الأذى بالخروج إلى أرض الحبشة فقال لهم:" لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكا لا يظلم عنده أحد، وهي أرض صدق حتى يجعل الله لكم فوجا مما أنتم فيه" (1).
- البحث الجاد المستمر عن مكان جديد للدعوة والاجتهاد في تبليغ كلمة الله للناس: وهو عمل لا يقوم به إلا من كان مؤمنا برسالته حاملا لهمومها في نفسه وقائدا للناس إلى الخير.
فلم يكد عليه السلام يستقر في مكة بعد حصار الشعب حتى خرج ومعه زيد بن حارثة إلى الطائف ليقوم بأمر الدعوة غير مبال بما يعترضه في الطريق إلى بني ثقيف من عقبات ومتاعب.
وعمل كهذا لا يقوم به إلا من كانت فيه مقومات القيادة بحيث يندفع من تلقاء نفسه إلى القيام بالمسؤولية بإخلاص ويقطع المسافات الطويلة في سبيل ذلك.. بل ويعرض نفسه للمخاطر قبل غيره ليكون المثل الأعلى في التضحية وتحمل المصاعب.
__________
(1) السيرة النبوية: ابن هشام، المجلد الأول ص321. (2/24)
صفحة 218
وفي العقبة الأولى بايع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اثنا عشر رجلا، ونستنتج من هذه البيعة حصافة الرأي عند الرسول القائد وحسن التدبير، لم يدعهم إلى الحرب والقتال معه ضد قومه الذين اضطهدوه بل دعاهم إلى الاسلام وأن يخلعوا ما كانوا عليه من مآثر الجاهلية وعاداتها، ولهذا سميت البيعة ببيعة النساء، لأنهم لم يبايعوا على القتال وهو عليه السلام لم يطلب ذلك، لأنه يعلم أن أمره لم يحن بعد.
عن عبادة بن الصامت قال: بايعنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة العقبة الأولى:" أن لا نشرك بالله شيئا، ولا نسرق ولا نزني ولا نقتل أولادنا ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيه في معروف". قال: " فإن وفيتم فلكم الجنة واغشيتم(1) من ذلك فأخذتم بحده في الدنيا فهو كفارة له، وإن سترتم عليه إلى يوم القيامة فأمركم إلى الله إن شاء عذب وإن شاء غفر"(2) .
وبعدها رأى النبي القائد أن يبعث معهم أحد الثقات من رجاله ليتعهد نماء الاسلام في المدينة ويقرأ على أهلها القرآن ويفقههم في الدين، فأرسل مصعب بن عمير وكان بذلك أول سفير في الاسلام وهكذا فإن البيعة لا تكون إلا لمن حسن توجيهه وآمن الناس بقيادته.
ومن الدلالات القيادية للرسول عليه السلام ما كان من أمر العقبة الثانية حيث خطط لها الرسول القائد بحكمة:
- الأمر بالكتمان والسرية الكاملة في الخروج من منى حتى لا يحدث ريبة بين الحجاج فينكشف الأمر.
- اختيار الموعد ووقته الثلث الأخير من الليل حين يستسلم الحجاج إلى النوم بعد رهق النهار.
- أخبار الرسول عمه العباس بما هو عازم عليه ليكون حاضرا معه ويتوثق له.
- طلب المنعة من الأنصار. ولعل هذا هو الموقف العسكري في البيعة حيث أن الرسول عليه السلام طلب منهم أن لا يسلموه لعدوه وأن يقاتلوا دونه كما يقاتلون دون أهليهم وأموالهم. فكانت الاستجابة فورية من الأنصار حيث قالوا:
__________
(1) ارتكبتم
(2) أخرجه البخاري ومسلم. (2/25)
صفحة 219
" لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا فبايعنا يا رسول الله فنحن والله أبناء الحروب وأهل الحلقة (أي السلاح) ورثناها كابرا عن كابر".
ومن حكمة القائد في هذه الحادثة منع أنصاره من القتال وقد أبدوا له استعدادهم لكذلك. قال سعد بن عبادة: يا رسول الله والذي بعثك بالحق إن شئت لنملين على أهل منى غدا بأسيافنا. فأبى الرسول القائد وقال:" لم نؤمر بذلك ولكن ارجعوا إلى رحالكم".
هذه بعض مواقف الرسول - صلى الله عليه وسلم - القيادية وهي صادرة من رجل أوتي عقلا راجحا ورأيا حصيفا وخلقا رفيعا استطاع بذلك كله أن يكون خير أسوة لأصحابه.
هجرة الرسول القائد إلى المدينة المنورة
تمهيد:
كان الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - يضع الضمانات ويهيئ المواد والإمكانات الكفيلة بإيصاله إلى المدينة سالما لاقامة دولته فيها. وفي الوقت ذاته لم يغب عليه العنصر الأساسي لكل توفيقه وهو التوجه إلى العلي القدير بفؤاده وعقله وسمعه وبصره وحسه ليلقى منه المدد ويرجوه النصر.
فقد ظل قلبه موصولا بربه وظل العنصران يسيران في انسجام وتناغم: عنصر الصلة بالله تعالى وعنصر الإعداد والتخطيط. هيأ عليه السلام الأسباب الإرادية- أي تلك التي في متناوله- لنجاح هذه المسيرة وهو يتجه إلى ربه يدعوه مستفتحا:
{ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ } (الإسراء/80).
- اختيار عناصر المهمات الصعبة:
انتقى الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - من بين أصحابه أول اثنين أسلما في تاريخ الدعوة: أبو بكر وعلي واستبقاهما لأداء الأدوار التي رسمها لهما.
أما علي كرم الله وجهه فقد أنيطت بعهدته مهمتان: (2/26)
صفحة 220
الأولى: القيام بعمل الفداء لقائده والتمويه على المشركين وإيهامهم بأن محمدا موجود في فراشه، وهي مخاطرة صعبة عرف الرسول القائد من يختار لها.
قال عليه الصلاة والسلام:" نم على فراشي وتسبح ببردي هذا الحضرمي الأخضر، فنم فيه فإنه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم"(1)
الثانية: رد الودائع إلى أهلها.
وأما أبو بكر الصديق- رضي الله عنه- فقد اختاره عليه السلام للصحبة، وعند علمه بالأمر سارع رضي الله عنه إلى شراء راحلتين ودفعهما لمن يعلفهما استعدادا ليوم الميعاد المنتظر.
- القائد يعتمد السرية في تحركه للهجرة:
كان عليه الصلاة والسلام كثيرا ما يوصي أصحابه بالسرية في أعمالهم، بل كان يربيهم عليها ويأمرهم بها ويقول لهم:" استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان".
ففي الإعداد للهجرة أسر عليه السلام لعلي بالمهمة الصعبة في عبارات موجزة وواضحة بحيث لم يعلم بها سواه حتى يحافظ على عامل المفاجئة ومباغتة الخصوم مما يحدث في أعمالهم إرباكا يضعف من أدائهم وإيجابيتهم.
أما أبو بكر- رضي الله عنه- فقد تسلل إليه الرسول - صلى الله عليه وسلم - في هاجرة أحد الأيام على غير عادته في التردد على بيته وأمره بالابتعاد عن الأذان المصغية ولو كان من أهل بيته، وأسر إليه القول:" إن الله أذن لي بالخروج والهجرة" فاهتز أبو بكر فرحا: الصحبة يا رسول الله. فيجيب:" الصحبة" ولم يعلم بالأمر إلا من له صلة به للقيام بدوره الذي كلفه به إزاءه.
- استكمال الخطة لإنجاح الهجرة:
من المسلم به أن الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - كان قد استكمل الخطة لإنجاح حركة الهجرة المباركة ومن أهم ما جاء فيها:
تحديد وقت الخروج وإحكام خطته واختيار الطريق الآمن.
تحديد المكان الذي سيأوي إليه وصاحبه أياما لتضليل قريش وهو غار حراء.
تحديد العناصر الفاعلة وتكليف كل واحد بمسؤوليته بدقة متناهية لا يزيد عليها ولا ينقص.
__________
(1) الطبري: تاريخ الطبري 2/ 272. (2/27)
صفحة 221
تأمين الاتصال وضمان الغذاء والتزود بالأخبار
ولما أعد الرسول - صلى الله عليه وسلم - التخطيط جلس في بيته على أتم أهبة منتظرا أمر الله تعالى بالخروج ومستعدا للتنفيذ الدقيق. وفي ليلة التنفيذ بعد نزول أمر الله تبارك وتعالى لرسوله بالهجرة، بدأ القائد ينفذ خطته بوعي كامل وحزم كبير وحذر شديد.
خرج الرسول - صلى الله عليه وسلم - من بيته في الثلث الأخير من الليل في غفلة من الفتية الذين وقفوا شاهرين سيوفهم للانقضاض عليه.
سارع عليه السلام إلى دار أبي بكر وانطلقا معا في سرية كاملة جنوبا إلى غار ثور في اتجاه اليمن لتضليل قريش وكسب الوقت على الأقل لإحكام الخطة وإنهاك قوى المشركين في البحث عنهم.
لم يعلم بمخبأهما في الغار سوى عبدالله بن أبي بكر وأخته أسماء ذات النطاقين ومولاهم عامر بن فهيرة.
أما عبدالله فكان يقضي بين قريش يتنصت الأخبار ليقص ليلا على الرسول وصاحبه ما علمه من مؤامرات المشركين.
وأما أسماء فكانت تحمل الطعام إليهما بما يصلح أمورهما طبقا لما كلفت به.
وأما عامر فكان يرعى غنم أبي بكر فإذا أمسى أراح عليهما فأخذا حاجتهما من اللبن ثم عكف راجعا بغنمه ليمحو أثار أقدام عبدالله وأسماء.
أقام الرسول - صلى الله عليه وسلم - وصاحبه بالغار ثلاثة أيام فكان عليه السلام لا يفتر عن ذكر الله والالتجاء إليه بالدعاء وكان أبو بكر- رضي الله عنه يرهف السمع يتنصت وقع أقدام المتعقبين، وكلما اقترب بعض فتيان قريش من الغار أو أشرفوا عليه اشتد خوفه على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإذا بصاحبه يطمئنه ويذكره رعاية الله لهما وأنه تعالى لن يتخلى عنهما، قائلا:" لا تحزن إن الله معنا.. يا أبا بكر ما ظنك في اثنين الله ثالثهما". (2/28)
صفحة 222
إنه موقف الثقة التامة في الله تعالى يبزه الرسول القائد في وقت ترتجف فيه الفرائض وتبلغ القلوب الحناجر من الفرق. وإذا بهذه الكلمات تنزل على النفس بردا وسلاما وتطمئن صاحبه وتهدئ من روعه، فإنهما لا يزالان في بداية الطريق والرحلة شاقة والجهاد طويل فلابد إذن من تغذية النفس بالثقة في الله وحسن التوكل عليه.
- خروج الركب الميمون من الغار والاتجاه نحو المدينة:
لما شعر الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - أن اليأس بدأ يدب في نفوس الملاحقين والمتعقبين وهدأت الحركة وسكن الناس وخرج مع صاحبه متزودين بما يكفيهما من طعام وماء. واختار القائد دليلا خبيرا بالدروب ليسلك بهم طريقا غير مطروقة بعيدا عن أعين الناس.
سلك عبدالله بن أريقط بالركب طريقا آمنة ممنعا إلى الجنوب بأسفل مكة ثم متجها إلى تهامة على مقربة من شاطئ البحر الأحمر وهو طريق لم يألفه الناس وقل ما يطرقه أحد.
إنها خطة محكمة ورائعة نسجها الرسول القائد بنظره الثاقب وفكره الحصيف وحسن تقيمه للأمور، فلم يبق بعد هذا التخطيط وحسن الأداء إلا أن ينزل نصر الله على رسوله الكريم ويفوز الرسول القائد بالتأييد الرباني بعد أن استكمل كل الأسباب التي كانت بوسعه.
إنه التوافق الرائع بين إرادة الانسان ومشيئة الله عز وجل وبين خطوات العباد ومساعيهم وتأييد الله تعالى لهم. من هنا يتبين لنا بوضوح تام أن التأييد الرباني يسد الثغرات التي لم يقدر عليها الانسان والتدخل الإلهي يأتي ليستكمل ما عجز على تحقيقه الانسان.
وقد تنزل نصر الله فعلا على رسوله الكريم في مواطن عدة في هجرته المباركة فكان الله تعالى تدخل في هذه الرحلة تتويجا لحسن التوكل عليه مع حسن الإعداد والأداء.
أما المرة الأولى أمام بيت الرسول - صلى الله عليه وسلم - أثناء خروجه حيث أنزل الله تعالى على الأعداء المتربصين نوما وطمس على أبصارهم فخرج عليه السلام ينثر التراب على رؤوسهم ويتلو قوله تعالى: (2/29)
صفحة 223
بسم الله الرحمن الرحيم { يس والقرآن الحكيم.... } إلى قوله:
{ وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ } (يس/1-9)
والمرة الثانية فكانت عند الغار حيث نسج العنكبوت بيته على مدخل الغار وباضت الحمائم وهي جنود يخذل الله تعالى بها الباطل وينصر بها الحق.
{ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ } (المدثر/31)
وفي هذه الحادثة نزل قوله تعالى: { إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } (التوبة/40)
والمرة الثالثة: ما وقع لسراقة من أحداث وهو يتعقب رسول الله وصاحبه أصبح أول النهار جاهدا عليهما وأمسى آخره حارسا عليهما.. فقد تدخلت القدرة الإلهية وصدت الفرس عن الركب حتى أفاق سراقة من غفوته ونطق بشهادة الحق.
- الرسول القائد" يواصل طريقه صوب المدينة:
انطلقت المسيرة المباركة من غار ثور إلى يثرب التي استكملت استعدادتها لاستقبال الرحمة المهداة والقائد المظفر. كان الطريق وعرا تكتنفه مخاطر جمة وعقبات كأداء: بعد المسافة وهوام الأرض وسباعها ومفاجآت الصحراء، والحال أن المهاجرين يخرجان من مكة ومشركو قريش لهما بالمرصاد قد بثوا عيونهم في كل مكان واستنفروا فرسانهم لتعقب الرسول المهاجر وصاحبه، كما رصدت جوائز مغرية لمن يأتي بالرجلين ويردهما إليهما. (2/30)
صفحة 224
وفي الطريق الطويلة تبرز خصال الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - لم يتميز على صاحبه في مركب أو حلة أو مأكل بل سار جنبا إلى جنب مع صاحبه الصديق ولم يستطع أهل المدينة أن يفرقوا بينهما لانتفاء التمايز بين الرجلين.
يقول الصحابة من الأنصار:"... خرجنا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ظل نخلة ومعه أبو بكر- رضي الله عنه- في مثل سنه وأكثرنا لم يكن رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل ذلك، وازدحم عليه الناس وما يعرفونه من أبي بكر حتى زال الظل عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقام أبو بكر فأظله بردائه فعرفناه عند ذلك".
هذا نموذج واحد من تواضع الرسول عليه السلام، وهكذا فإن القائد إذا تواضع لأصحابه أحبوه وأطاعوه وبذلوا نفوسهم فداء له.
ومن مواقفه التي تبرز قيادته الناجحة عليه السلام أنه كان شديد الحرص على صاحبه أبي بكر، فكان عليه السلام يسليه في الطريق ليذهب عنه الخوف وما كان أبو بكر خائفا على نفسه لكنه كان يخشى على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يصيبه مكروه.
كما كان عليه السلام يقوم بنفسه بتأمين المشرب كلما احتاجا إلى ذلك، فقد توجه عليه السلام إلى أم معبد يسألها أن تأذن له بحلب الشاة المتخلفة عن الغنم فيحلب الشاة ويسقي أم معبد أولا ثم يسقي من معه حتى يرتووا ثم يشرب هو ولا ينس عليه السلام أن يترك لأم معبد فضلا منه ولأهل بيتها.
والقائد عليه السلام لا تنام عينه حتى يطمئن على صاحبه ومن معه ، فلا يأكل حتى يأكلوا ولا يشرب حتى يشربوا وبهذا الخلق الرفيع أسلمت أم معبد ورغبت زوجها في ذلك حتى قال لما عاد إلى بيته: هذا والله صاحب قريش الذي ذكر لنا في أمره ما ذكر بمكة، لقد هممت أن أصحبه ولأفعلن إن وجدت إلى ذلك سبيلا. (2/31)
صفحة 225
ولو تتبعنا أهم أحداث الرحلة المباركة لوجدنا كل حركة فيها صغيرة كانت أو كبيرة إنما هي مواقف قيادية نابعة عن خلق رفيع وهمة عالية ولا غرابة في ذلك فإن صاحبه إنما هو الرحمة المهداة الذي بعثه الله تعالى بدعوة الحق ليخرج الناس من الظلمات إلى النور.
وإذا بشعاع النور يخترق الصحراء، وإذا بالبدو والحضر على طول الطريق من مكة حتى يثرب تأتيهم أخبار البطل المهاجر وتصلهم خصاله الرفيعة بل ويتغنى بها الناس.
تقول أسماء بنت أبي بكر: مكثنا ثلاث ليال ما ندري أين وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى أقبل رجل من أسفل مكة يتغنى بأبيات من الشعر:
جزى الله رب الناس خير جزائه……رفيقين حلا خيمتي أم معبد
هما نزلا بالبر ثم تروحا……فأفلح من أمسى رفيق محمد…
ليهن بني كعب مكان فتاتهم……ومقعدها للمؤمنين بمرصد
قالت أسماء: فلما سمعنا قوله عرفنا حيث توجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأن وجهه إلى المدينة (1).
والأبيات تشير إلى حادثة أم معبد وما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم من بركات.
استعدادات القائد" للاستقرار بالمدينة
أمر القائد بالهجرة:
أمر القائد محمد - صلى الله عليه وسلم - أصحابه بالهجرة إلى يثرب بقوله:" إن الله قد جعل لكم إخوانا ودارا تأمنون بها"
والأمر هذه المرة على سبيل الوجوب لا على التخيير كالهجرة إلى الحبشة.
ووضح القائد معنى الهجرة بأنها انتقال من دار الكفر إلى دار الإيمان وانتقال من الخوف والفتنة إلى الأمن والاستقرار بعد أن اطمأن صلى الله عليه وسلم إلى بيعة الأنصار ووعدهم بان يمنعوه مما يمنعون منه أولادهم ونساءهم وأنهم سيكونون رهن إشارته في كل ما يأمر.
وقد تعرض القرآن الكريم لهذه الهجرة المباركة وامتدح المهاجرين والأنصار الذين آووهم وأعلن البراءة ممن لم يتمثل لأمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - باللحاق إلى دار الهجرة.
__________
(1) انظر فقه السيرة محمد الغزالي دار الكتاب الاسلامي، ص 180. (2/32)
صفحة 226
قال تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجَرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا } (الأنفال/72)
فبهذه الهجرة الميمونة تبين للقائد الرسول - صلى الله عليه وسلم - صدق وولاء أصحابه لدينهم وعقيدتهم وهي التي مهدت لقيام دولة إسلامية فتية في ظل قائد معصوم وبلد آمن وأنصار ومهاجرين أتقياء أبرار يضحون بالنفس والنفيس في سبيل نشر دعوة قائدهم محمد - صلى الله عليه وسلم - وقد بادروا بتنفيذ أوامره فور صدورها وهاجروا تاركين خلفهم أولادهم وأموالهم وكل عزيز عليهم طاعة الله عز وجل ولرسول الكريم.
وكان أول من هاجر- كما تذكر كتب السيرة- أبو سلمة بن عبد الأسد، إذ حاول الكفار منعه من مواصلة هجرته بأن افتكوا منه زوجته وولده حتى يثنوه عن عزمه ويتراجع ويعود إلى مكة إلا أنه أبى الرجوع وواصل طريقه وضحى بابنه وزوجه وتركهما بين يدي الكفار الله أعلم بمصيرهما، فرعاهما الله تعالى ومكنهما من اللحاق به.
ولما أراد صهيب الرومي الهجرة إلى يثرب امتثالا لأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حاول الكفار منعه وقالوا له:
" أتيتنا صعلوكا حقيرا فكثر مالك عندنا ثم تريد أن تخرج بمالك ونفسك! والله لا يكون ذلك".
فقال لهم صهيب:
" أرايتم إن جعلت لكم مالي أتخلوني سبيلي؟
قالوا: نعم.
فدلهم على ماله وخلوا سبيله.
ولما علم الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - بالأمر قال: " ربح صهيب ربح صهيب...".
هكذا ساوم صهيب الكفار بكل ما يملك من مال على أن يخلوا سبيله ويتمكن من الهجرة في سبيل الله ورسوله وليبرهن على أن حبه لدينه أعظم من حبه لماله. (2/33)
صفحة 227
ثم هاجر عمر وحمزة وزيد وعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام وأبو حذيفة وعثمان بن عفان وآخرون، ولم يتخلف إلا من حبس أو فتن.
كما تأخر عن الهجرة أبو بكر الصديق وعلي بن أبي طالب بأمر من القائد صلوات الله وسلامه عليه، فالأول للصحبة والثاني لرد الأمانات إلى أهلها.
وهذا التأخر مقصود من القائد ويدخل ضمن الخطة المحكمة التي أعدها للهجرة لأن غيابه صلى الله عليه وسلم يثير الشكوك لدى الكفار فيتألبون عليه ويحاولون عرقلة مسيرته ويدخلون معه في حروب هو في غنى عنها وهو ينوي تأسيس دولة جديدة.
ومن حكمة التأخر أيضا اطمئنانه صلى الله عليه وسلم على أصحابه ليقطعوا شوطا كبيرا في المسير إلى يثرب في أمان.
ولما كانت الفرصة سانحة وبعد أو وفر لها كل أسباب النجاح هاجر القائد وصاحبه الصديق إلى يثرب والمسلمون على أحر من الجمر ينتظرون وصوله صلى الله عليه وسلم.
- وصول القائد إلى المدينة واهتمامه بالمستضعفين:
وصل القائد - صلى الله عليه وسلم - يثرب- المدينة المنورة بعد تشريفه لها واستقراره بها- واستقبل بترحاب لا مثيل له، وسره ما لقيه من حسن القبول وكرم ضيافة الأنصار وشغله أمر المستضعفين الذين يرغبون في الهجرة ولكنهم لم يتمكنوا منها والحسرة تملأ قلوبهم فبعث إليهم يبشرهم بالوحي المنزل عليه وقول الله تعالى:
إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا، فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا } (النساء/98 /99)
حتى يدخل الطمأنينة على قلوبهم ويذكرهم بالعمل على الهجرة إذا انتفت الأعذار وزالت الأسباب لأن باب الهجرة ما زال مفتوحا ولم يغلق إلا بعد الفتح الأعظم فتح مكة وقول الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - : " لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية".
- حرص القائد على بناء المساجد: (2/34)
صفحة 228
أول ما اهتم به القائد إثر هجرته من مكة إلى المدينة هو إنشاء المساجد فعند وصوله صلى الله عليه وسلم إلى قباء ونزوله بها بنى مسجدا سمي بمسجد قباء، وهو أول مسجد في الإسلام، وصلى فيه أياما ثم سار بعد ذلك فأدركته صلاة الجمعة عند بني سالم بن عوف فبنى عندهم مسجدا فصلى فيه الجمعة(1) ،وكانت أول جمعة في الإسلام، ثم تابع الرسول - صلى الله عليه وسلم - سيره حتى وصل المدينة المنورة فبركت ناقته في مربد(2) لغلامين يتيمين هما سهل وسهيل ابنا عمرو فبنى عليه المسجد النبوي الشريف بعد أن اشتراه منهما وقد حاولا جاهدين هبته لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا أنه أبى إلا أن يدفع ثمنه ولا يضيق عليهما فما أحوج هذين اليتيمين إلى بدله.
- إشعاع المسجد النبوي الشريف:
__________
(1) المسجد الثاني الذي أقامه النبي" وصلى فيه الجمعة عند بني سالم بن عوف، مختلف فيه وأغلب المصادر تهمله إلا أنها لا تنكر إقامة الجمعة في ذلك المكان وللتوفيق نقول إنه يمكن أن يقام نظرا لبساطة بناء المساجد في ذلك العهد، إذ يكفي لتشيده بضع ساعات خاصة وأنه يبنى بالطوب وجذع النخيل وجريدها وسعفها وليفها وما أكثر هذه المواد في تلك المنطقة إلا أنه لا يمكن تصنيفه الثاني من حيث الأهمية إذ تجمع المصادر على أن مسجد قباء هو أول مسجد بناه الرسول ويليه في المرتبة الثانية من حيث التشييد لا الأهمية المسجد النبوي الشريف، أحد المساجد الثلاثة التي تشد إليها الرحال.
(2) مكان يجفف فيه التمر. (2/35)
صفحة 229
وفور وصول القائد إلى المدينة المنورة أمر ببناء المسجد النبوي الشريف وساهم في تشييده وشارك في إقامة دعائمه ووضع أسسه ليعطي المثل الأعلى لأتباعه وهو القائد المعصوم. وحرص على أن يكون هذا المسجد هو القلب النابض للمدينة وأن يكون له دور في عمرانها وذلك من خلال فتح الطرق واتصالها به ليكون المسجد مركزا أساسيا يجتمع المسلمون حوله، فمنه ينطلقون وإليه يثوبون وفي ظلاله يرشحون اخوتهم ويتحاورون ويتبادلون الرأي حتى يكون هذا المسجد بالذات عنوان الاستقرار والأمن والطمأنينة ورمزا لقيام الدولة الإسلامية وشعارا لها.
ولم يقتصر دور المسجد النبوي على إقامة الصلاة فيه وإنما جعله القائد صلى الله عليه وسلم مدرسة يتعلم فيها أتباعه حيث تقام حلقات العلم وهو الجامعة التي تخرج منها الفقهاء والعلماء وقادة الجيوش.
كما جعله صلى الله عليه وسلم دارا للجند تعقد فيه الرايات للجهاد وتتم فيه الاتفاقيات ويخطط فيه للغزوات حتى لا يقتصر دوره على أداء العبادات.
وقد ثبت عن قائد الأمة وراعيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن اتخذ من هذا المسجد الشريف مجلسا للشورى يتشاور فيه مع أصحابه في كل ما يتعلق بتأسيس الدولة والمحافظة عليها وخاصة المسائل العسكرية.
وفي هذا المكان الطاهر كان القائد يصدر أوامره العسكرية وتعليماته الحربية.
هكذا اختار الرسول القائد المسجد النبوي الشريف ليكون مقرا عسكريا دائما له يرسل منه السرايا والبعوث ويعقد الألوية لمحاربة كل من يقف في وجه الدعوة إلى الله تعالى. وفي المكان نفسه يتلقى القائد الأخبار من عيونه الذين يرسلهم ليجمعوا له معلومات كافية عن الأعداء ليعد لهم العدة.
ومن الموقع ذاته تعلن نتائج الحروب ويزود المسلمون بالأحداث ليكونوا على بينة من الأمر.
هكذا كان المسجد النبوي الشريف نقطة إشعاع دائم ومركز قيادة أساسي فكل الطرق تؤدي إليه وأغلب المساكن والمتاجر والدكاكين تحيط به. (2/36)
صفحة 230
- تنظيم القائد لسكان المدينة:
جمع القائد صلى الله عليه وسلم سكان المدينة على كلمة التوحيد وزرع الأخوة بين المسلمين منهم وحدد الحقوق والواجبات لكل فرد منهم مسلما كان أم غير ذلك، ونصحهم برمي الخلافات وراء ظهورهم وخاصة نزاعات الأوس والخزرج، ووجههم إلى الاستفادة من الأمور المشتركة وأرشدهم إلى خدمة الأرض وتوظيف مياهها لتعمير المدينة والاستفادة من خبرة المهاجرين في التجارة لتصبح مدينتهم مركزا تجاريا هاما موصولا بمراكز تجارية أخرى ولتكون بحق عاصمة للدولة الإسلامية.
وتحديدا للعلاقة التي ينبغي أن تكون بين أفراد الدولة الفتية أعد القائد وثيقة ضمنها حقوق وواجبات الرعية في بنود ومبادئ مستمدة ومستنبطة من القرآن الكريم الذي يتضمن الشريعة العادلة. وتعد هذه الوثيقة دستورا أخلاقيا يوفر الأمن ويحمي الإنسان ويحفظ له ماله وعرضه ودينه ويسري هذا الأمر على جميع سكان المدينة والراضين ببنود هذه الوثيقة التي تضمن وتكفل الحريات الفردية وأهمها حرية الفكر وحرية المعتقد وبذلك رفعت الوثيقة شعار " لا إكراه في الدين" هذا الشعار الذي دفع بالكثيرين إلى الانضمام والانضواء تحت لواء هذا القانون العادل، مما جعل اليهود يقبلون العيش- ولو إلى حين- تحت ظله وفي كنفه.
- تركيز القائد على النواحي الاقتصادية:
كان أهل المدينة قبل هجرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - إليها غير منتفعين بأراضيهم الزراعية بما فيه الكفاية غير قادرين على إعمار مدينتهم بسبب تفككهم الاجتماعي وعداوتهم وحروبهم المتواصلة.
ثم إن بالمدينة مساحات شاسعة من الأراضي الخالية والمهلة لا يسكنها أو يستفيد منها أحد . (2/37)
صفحة 231
كل هذه الظروف كانت ملائمة للرسول القائد في شحذ الهمم للاعتناء بالزراعة ومنتوجاتها لتوفير الغذاء لسكان المدينة نواة الأمة الإسلامية، لذلك أمر القائد باستصلاح الأراضي وإحيائها دفعا لعملية الاستقرار بالمدينة. وحث القائد الأنصار على إقطاع إخوانهم المهاجرين أجزاء من أراضيهم لاحيائها وإعمارها.. وتم ذلك إذ تمكنوا من بناء البيوت فيها وإحيائها فإذا كان هذا الأمر يدفع المهاجرين إلى العمل والمثابرة فمن باب أولى أن يتبعهم في ذلك الأنصار وهم أصحاب الأرض الأصليين، كما نبه الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى الاستفادة من مهارة المهاجرين في التجارة ودعاهم إلى تكوين أسواق تجارية خاصة بالمسلمين حتى لا يكونوا عالة على اليهود وحتى ينافسوهم بأسواق مستقلة تبعدهم عن ربا اليهود واستغلالهم البشع وجشعهم الفظيع، فتحسنت أحوال المدينة وأحوال سكانها من المهاجرين والأنصار وكثرت في المدينة الأسواق التجارية.
- اهتمام القائد بالنواحي العسكرية وتكوين الجيش:
الجيش دعامة من دعامات الدولة وقد حرص الرسول القائد على تكوين هذا الأساس من أتباعه المهاجرين والأنصار، فمعظم أتباعه صلى الله عليه وسلم قد مارسوا القتال قبل إسلامهم وعرفوا كيف يحملون السلاح ويستخدمونه، إلا أن الظروف الجديدة وتصاعد الموقف الحربي بين المسلمين وأعدائهم من الوثنيين واليهود حتم على القائد أن ينمي هذه القدرات وأن يدفع أتباعه إلى مزيد من التدريب والمهارات العسكرية في مواجهة الأعداء الذين يحيطون بالدولة الجديدة.
واستمر الرسول القائد طيلة العصر المدني من بعثته صلى الله عليه وسلم يعمل على تعليم الأنصار والمهاجرين فنون القتال وآدابه ويسعى إلى تدريبهم على حمل السلاح واستعماله رافعا شعارا واضحا لا غموض فيه: (2/38)
صفحة 232
{ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمْ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ } (الأنفال/60)
وقد لجأ الرسول القائد عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم إلى رفع معنويات المجاهدين المقاتلين فأخذ يلقي عليهم دروسا في الجهاد والقتال ويحدثهم عن أعدائهم والموقف الصحيح منهم ويمنحهم الأمل اليقيني بالنصر أو الجنة فكان صلى الله عليه وسلم ينادي أصحابه دوما في اللحظات الحرجة بين النصر والهزيمة لكي يهرعوا إلى الحسنيين النصر أو الجنة فكان يقول لهم:
" جاهدوا في سبيل الله فإن الجهاد باب من أبواب الجنة ينجي الله به من الهم والغم"
ويناديهم: إن الله تعالى يقول:
" ما من عبد من عبادي خرج مجاهدا في سبيلي إلا ضمنت له أن أرجعه مأجور غانما أو شهيدا أغفر له وأرحمه وأدخله الجنة..."
وكان صلى الله عليه وسلم دائم التذكير بقول الله تعالى:
{ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ } (آل عمران/169)
وكان يعلمهم بأن رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها ذلك لشحذ هممهم واندفاعهم في القتال بكل بسالة يدفعهم إيمانهم بالله واليوم الآخر محتسبين أجرهم عند الله تعالى.
وإلى جانب هذه التهيئة وهذا الإعداد النفسي اهتم الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - بالتدريب العملي، وقد سعى من خلاله إلى توظيف كل طاقات الأمة القادرة على البذل والعطاء رجالا ونساء وصبيانا وشبابا وشيوخا، كل حسب طاقته فدعاهم إلى التمرس على كل مهارة في القتال طعنا بالرماح وضربا بالسيوف ورميا بالنبال ومناورة على ظهر الخيل. (2/39)
صفحة 233
هكذا حرص النبي القائد على أن يكون هذا الجيش متطورا ومواكبا للعصر فلم يكتف بما عند العرب من فنون القتال بل أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرسل بعض أفراد الجيش الإسلامي إلى جرش باليمن ليتعلموا صناعة الدبابات(1) والمنجنيق(2) والضبور(3) .
ومن الجدير بالذكر أن اليمن كانت في ذلك الوقت واقعة تحت الحكم الفارسي، وكان الفرس متقدمين في صناعة الأسلحة المتطورة وانتاجها محليا لذلك استفاد الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - من خبرة سلمان الفارسي العسكرية عندما أشار إلى حفر الخندق في غزوة الأحزاب.
هكذا يتضح بعد نظر القائد في تكوين الجيش وحرصه الدائم على الاستقلالية هذا المبدأ الذي يرفع من شأن المسلمين الذين يؤمنون غذاءهم وسلاحهم لينتصروا على أعدائهم.
القيادة العسكرية في السرايا
- اهتمام القائد بالسرايا والإعداد لها:
بعد نزول الإذن بالقتال وقول الله تعالى:
{ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ } (الحج/39)
وبعد أن فرض بقوله تعالى: { وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ } (البقرة/190)
__________
(1) تصنع من الخشب وكان الناس يدخلون في جوفها ثم يدفعونها لإحداث ثقب في الحفر.
(2) المنجنيق: كلمة فارسية عربت وهي آلة ترمى بها الحجارة.
(3) الضبور: مفردها ضبر، وهو جلد يغشى خشبا فيها رجال تقرب إلى الحصون لقتال أهلها. (2/40)
صفحة 234
بدأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بإعداد الصحابة من المهاجرين والأنصار عمليا لمواجهة الأعداء في ميادين القتال. وكان هذا الإعداد شاملا للتعبئة المعنوية والمادية حيث أمرهم بتوفير السلاح وصناعته والتدرب عليه والتزود بالقوة امتثالا لقوله تعالى: { وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمْ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ } (الأنفال/60)
وتحقيقا لهذا الهدف السامي ومحافظة على كيان الدولة أخذ الرسول القائد بإعداد السرايا وهي عبارة عن دوريات استطلاعية تقوم بمهمات محددة للتعرف على الطرق المحيطة بالمدينة والمسالك المؤدية إلى مكة، ولذلك فإن الرسول القائد عليه السلام كان يأمر بها ويعين قادتها ويحدد لهم مهامهم ويصدر أوامره ويوضح الهدف منها دون أن يشارك فيها.
وعلى هذا الأساس اصطح كتاب السيرة على أن الغزوة هي معركة كبيرة أو صغيرة يقودها الرسول بنفسه في حين أن السرية هي المعركة التي يأمر بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويؤمر عليها ولا يخرج فيها، وعادة ما يكون عدد المشاركين فيها قليلا.
أما إذا كان عدد المشاركين في المعركة كبيرا تسمى غزوة ولو لم يشارك الرسول فيها كالمعركة التي دارت بين المسلمين والروم والتي اشتهرت بغزوة مؤته إذ بلغ عدد المسلمين المحاربين فيها ثلاثة آلاف جندي.
- الهدف من السرايا ودوافعها وأدوارها:
أ- الاقتصاص من قريش واسترداد الحقوق: (2/41)
صفحة 235
إن اعتراض قوافل قريش التجارية لا يدل على الرغبة في أخذ الأموال وقطع الطريق، وإنما الدافع الحقيقي هو الاقتصاص من قريش وتخويفها وبث الرعب في صفوفها وأخذ أموالها لقاء ما أخذت من أموال المؤمنين المهاجرين واستردادا لحقوقهم، وقد أجبرت قريش الكثير منهم على ترك دورهم وأراضيهم وأموالهم، ومن علمت بهجرته بعد غيابه عن مكة باعت له دوره واستولت على أمواله ولذلك فإن المحاولات السبع (1)لاعتراض عير قريش والتي سبقت معركة بدر لم يشارك فيها إلا المهاجرون ولم يرسل القائد فيها أنصاريا واحدا ذلك لأن المهاجرين إن اعترضوا قافلة قريش واستولوا عليها فإنما يفعلون ذلك عن حق مشروع(2).
ب- تدمير اقتصاد العدو:
كانت قريش تعتمد في بناء اقتصادها على التجارة الخارجية وكانت مشهورة برحلاتها الصيفية إلى بلاد الشام ورحلاتها الشتوية إلى اليمن وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك في سورة قريش.
__________
(1) السنة الأولى من الهجرة اعترضت عير قريش ثلاث سرايا بقيادة حمزة بن عبد المطلب وعبيدة بن الحارث وسعد بن أبي وقاص وتمت غزوة ودان بقيادة الرسول" الذي قاد ثلاث غزوات أخرى في السنة الثانية للهجرة والتي عرفت بغزوات بواط وبدر الأولى والعشيرة.
(2) السيرة النبوية. د. مصطفى السباعي ص111/ 112 بتصرف. (2/42)
صفحة 236
وكانت القبائل العربية على الطريق الممتد بين مكة والمدينة لا تتعرض لهذه القوافل بل كانت تقوم على حراستها وحمايتها لذلك أرسل الرسول القائد صلى الله عليه وسلم السرايا لتطارد هذه القوافل التجارية وتحاصرها وتستولي على ما فيها لتزعزع ثقة الناس بقريش وتتوقف عن التعامل معها. وقد نجح الرسول - صلى الله عليه وسلم - في مسعاه وأثر على ثقة القبائل العربية بقريش فضاقت السبل أمام قوافلها وأخذت تبحث عن طريق أخرى غير معروفة لتنجو من هذه المضايقات مثل ما تم في سرية زيد بن حارثة إذ خافت قريش واضطرت لتغيير الطريق الذي كانوا يسلكونه إلى الشام بطريق العراق، إذ خرج التجار القرشيون وفيهم أبو سفيان بن حرب ومعهم فضة كبيرة- وهي أعظم تجارتهم- واستأجروا رجلا من بني وائل يدلهم على ذلك الطريق، فبعث إليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زيد بن حارثة فلقيهم وأصاب العير وما فيها وعاد بها إلى قائده رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
ويعبر صفوان بن أمية عن هذا القلق الذي يعيشه أهل مكة بعد أن تعطلت طرق قوافلهم التجارية حيث يقول:
" إن محمدا وأصحابه قد عوروا علينا متجرنا فما ندري كيف نصنع بأصحابه وهم لا يبرحون الساحل وأهل الساحل قد وادعهم ودخل عامتهم معه فما ندري أين نسلك؟ وإن أقمنا نأكل رؤوس أموالنا ونحن في دارنا هذه ما لنا بقاء...".
وبعد الهدنة التي عقدها الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - في الحديبية مع مشركي العرب في مكة واصل حملاته العسكرية على الأعداء الآخرين ببعث السرايا التي ازدادت واشتدت وكانت تستهدف إضعاف الروح المعنوية القتالية لهم وإنهاك اقتصادهم والشواهد على ذلك كثيرة منها ما حدث في سرية أبي بكر رضي الله عنه التي هاجم فيها بني كلاب بن جد وسرايا غالب بن عبدالله الليثي إلى بني عوال وبني ثعلبة وبني الملوح بالكديد.
ج- عقد المعاهدات وتوفير الأمن: (2/43)
صفحة 237
من الأهداف التي أراد القائد تحقيقها من خلال إرساله السرايا عقد المعاهدات مع القبائل العربية المحيطة بالمدينة والممتدة على الطريق بين مكة والمدينة وذلك لتأمين الطريق وضمان سلامة الجيش الإسلامي في المستقبل وتضييق الخناق على الأعداء.
ولعل القائد صلى الله عليه وسلم كان يهدف إلى أبعد من ذلك ألا وهو توفير الأمن والاستقرار والسلام لكل رعايا الدولة الإسلامية الفتية.
د- إرهاب الأعداء:
ومن جملة الأهداف التي كان يرمي إليها الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - من وراء إكثاره من السرايا(1) أن يشعر مشركي مكة ومشركي المدينة ويهودها وأعراب البادية بأن المسلمين أقوياء وأنهم في طريقهم إلى نشر دينهم وتحرير حرمهم من أيدي المشركين ليدخل في قلوبهم الرعب، فيهاب الأعداء هذه الدولة فلا تسول لهم أنفسهم بالإساءة إليها وهو الهدف ذاته من سرية مؤته.
{ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ } (الأنفال/60)
هـ- الدفاع عن الدولة الإسلامية عن طريق الهجوم:
إن السرايا التي أمر بها الرسول - صلى الله عليه وسلم - والأحداث التي تمت ترشدنا إلى إن الدفاع عن الدولة الإسلامية ليس فقط بالتصدي لهجوم هؤلاء العداء الحاقدين وصد عدوانهم ودحرهم إذا اقتربوا من أرض المسلمين بل يتعدى إلى غزوهم في عقر دارهم وقتلهم وقتالهم وتدميرهم وتدمير فلولهم وتوجيه الضربات الموجعة التي تقصم ظهورهم وتكسر أعناقهم.
و- الدعوة إلى الله تعالى:
أوامر الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - عادة ما تكون واضحة ولا يجوز تجاوزها وهي تهدف أساسا إلى الدعوة إلى الله تعالى وإن كان في ظاهرها القتال وترويع الأعداء فقد تكون المهمة المناطة بعهدة قائد السرية الدعوة إلى الله أو تكسير صنم دون اللجوء إلى القتال.
__________
(1) أرسل القائد " أكثر من خمسين سرية في عشر سنوات. (2/44)
صفحة 238
ففي سرية عبد الرحمن بن عوف إلى ديار بني كلب بدومة الجندل والتي تمت في شعبان سنة 6 هـ أقعد الرسول القائد عليه السلام الصحابي الجليل عبد الرحمن بن عوف بين يديه وعممه بيده وأوصاه بأحسن الأمور في الحرب وقال له:
" إن أطاعوك فتزوج ابنة ملكهم"
فمكث عبد الرحمن بن عوف ثلاثة أيام يدعوهم إلى الإسلام فأسلم القوم وتزوج عبد الرحمن تماضر بنت الأصبغ وهي أم أبي سلمة وكان أبوها رأسهم وملكهم.
ز- التدريب العملي الميداني:
إن خروج قادة السرايا والمقاتلين تدريب عسكري عملي على أصناف عدة من القتال في أماكن مختلفة وفي هذا إعداد نفسي وبدني للجهاد في سبيل الله ومشاركة الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - في غزواته لنيل إحدى الحسنيين إما النصر أو الشهادة.
- وصايا وتوجيهات الرسول القيادية إلى قادة السرايا:
في السنة الأولى من الهجرة المباركة أمر الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - سعد بن أبي وقاص على سرية تعرف بسرية الخرار(1) مع عشرين راكبا وكانت المهمة التي حددها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اعتراض عير قريش وأوصى الرسول القائد الأمير بأن لا يجاوز الخرار..
وتذكر كتب السيرة النبوية الشريفة أنه لما وصل أمير السرية سعد بن أبي وقاص ومن معه وجدوا أن القافلة قد مرت بالأمس.. وكان بالإمكان تعقب القافلة إلا أن أوامر الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - واضحة ولا يجوز تجاوزها لأن مجاوزتها مخالفة للشرع وهو ما تم فعلا إذ رجع قائد السرية وجنوده ليعطي المثل الرائع في الانضباط مع أداء المهمة على أحسن وجه..
وفي السنة الثانية من الهجرة أمر الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - عبدالله بن جحش على سرية تعرف بسرية نخلة(2) في اثنى عشر رجلا من المهاجرين لاعتراض عير قريش وكانت القافلة تحمل زبيبا وأدما وتجارة وفيها:
عمرو بن الحضرمي.
__________
(1) الخرار: مكان قريب من الجحفة (رابغ حاليا).
(2) نخلة: مكان بين مكة والطائف. (2/45)
صفحة 239
عثمان ونوفل ابنا عبدالله بن المغيرة.
الحكم بن كيسان مولى بني المغيرة.
وكتب الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - كتابا لأمير السرية وأمره أن لا ينظر فيه إلا بعد يومين من المسير.
وامتثل الأمير عبدالله بن جحش الأسدي لأمر قائده رغم تشوقه الشديد لمعرفة مضمون الرسالة. وبعد يومين من المسير فتح قائد السرية الكتاب فوجد فيه ما يلي:
" نظرت كتابي هذا فامض حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف فترصد بها عير قريش وتعلم لنا من أخبارهم.."
ثلاثة أوامر واضحة لا غبار عليها ولا تحتمل أكثر من تأويل لتنفيذ المهمة المناطة بعهدة أمير السرية وبعد قراءتها فهم المقصود وقال: سمعا وطاعة. وأخبر بعد ذلك أصحابه ولم يستكرههم على مواصلة السير بل خيرهم بين المضي قدما ونيل الشهادة أو الرجوع بقوله:
" فمن أحب الشهادة فلينهض ومن كره الموت فليرجع وأما أنا فناهض.." فنهضوا كلهم.
ولما نزل عبدالله بن جحش نخلة كانت القافلة قد مرت بها، وكان ذلك في اليوم الأخير من الشهر الحرام رجب.. فشاور الأمير جنده واحتاروا في الأمر لأن في القتال انتهاك للشهر الحرام، وفي عدمه تمكن القافلة من النجاة ودخولها الحرم.. وبعد التشاور أجمعوا على تعقبهم وقتالهم ورمى أحدهم عمرو بن الحضرمي فقتله(1) وأسروا عثمان والحكم (2)وأفلت نوفل.. ثم قدموا بالعير والأسيرين إلى المدينة وقد عزلوا من ذلك الخمس (3).
أنكر الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - ما فعلوه لأنهم تجاوزوا حدود المهمة التي بعثوا من أجلها وقال لهم:
" ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام"
وأوقف التصرف في العير والأسيرين وبعد ذلك أطلق القائد الرسول - صلى الله عليه وسلم - سراح الأسيرين ودفع دية المقتول إلى أوليائه.
__________
(1) أول قتيل في الاسلام.
(2) أول أسير في الاسلام.
(3) أول خمس في الاسلام. (2/46)
صفحة 240
وهذا الدرس استوعبه عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- حينما أمره الرسول على سرية مكونة من ثلاثين رجلا من الصحابة الكرام وأمرهم بالتوجه إلى عجز هوازن بتربة في السنة السابعة للهجرة.
ولما سمع الأعداء بمقدمه ولو هاربين ولما قرر أمير السرية عمر بن الخطاب- رضي الله عنه الرجوع إلى المدينة أشار عليه دليله في الطريق بأن يتوجه إلى جمع آخر من خثعم بما أنه لم يقاتل ولم يلق كيدا وحقق انتصارا بهذه السهولة فأجابه عمر بقوله:
" لم يأمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بهم إنما أمرني بأن أعمد لقتال هوازن بتربة". انتهى كلام عمر ليوضح مدى الالتزام المطلق والانضباط التام في تنفيذ أوامر القائد محمد - صلى الله عليه وسلم - ولم تأخذه نشوة الانتصار السهل ليتجاوز المهمة التي حددت له ولم يغره قط كلام الدليل.
تلك هي الوصايا والأوامر القيادية النبوية التي كان يوجهها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى قادة السرايا ليعلمهم الانضباط ويربيهم على عدم تجاوزها ويعدهم لما هو أكبر، وإن لم يقع في معظمها قتال إلا أن نتائجها عظيمة تحقق خوف المشركين وتجسد أمامهم الخطر الحقيقي إذ تيقن الأعداء أن المسلم المقيم في المدينة قادر على العودة إلى مشارف مكة ليقتل ويأسر ويأخذ المال ويرجع سالما غانما.
أهم السرايا على الإطلاق
" غزوة مؤته"(1)
أ- أول معركة بين المسلمين والروم:
في جمادى الأولى من السنة الثامنة للهجرة دارت معركة مؤته وهي أول معركة يخوضها المسلمون ضد الروم خارج الجزيرة العربية وسميت بالغزوة وإن لم يحضرها الرسول - صلى الله عليه وسلم - لكثرة المحاربين فيها إذ بلغ عدد المسلمين المشاركين فيها ثلاثة آلاف وعدد المشركين من الروم مائتا ألف.
ب- سبب المعركة:
__________
(1) مؤتة: قرية على مشارف الشام تسمى الآن بالكرك. (2/47)
صفحة 241
لم تكن النية متجهة إلى قتال الروم ولم يكن الظرف ملائما للصدام ولكن غدر الروم وتعديهم وتحديهم للمسلمين دفع الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - إلى قتالهم وسبب ذلك أنه صلى الله عليه وسلم لما بعث الحارث بن عمير الأزدي بكتابه إلى عظيم بصرى(1) عرض له شرحبيل بن عمرو الغساني(2)- وكان عاملا على البلقاء(3) من أرض الشام من قبل قيصر- وقتله. وكان هذا الجرم الشنيع الذي ارتكبه عامل قيصر كافيا لاعلان الحرب عليهم لأنه عمل عدائي لا يدل على حسن الجوار. وبمجرد وصول الخبر إلى القائد عليه السلام بمقتل رسوله اشتد ذلك عليه وجهز جيشا جرارا لينذر الروم وسادتهم بقوة الدولة الإسلامية واستعدادها للدفاع عن نفسها حتى لا يفكر أي كان بالعدوان عليها مستقبلا.
ج- القائد يهيء الجند للغزو ويعين الأمراء:
حض الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - أصحابه على القتال وأعلمهم بنيته لغزو الروم فأسرع الصحابة رضوان الله تعالى عنهم وعسكروا بالجرف(4) ينتظرون الأوامر من قائدهم الأعلى محمد - صلى الله عليه وسلم - فقال:
" أمير الناس زيد بن حارثة، فإن قتل فجعفر بن أبي طالب، فإن قتل فعبدالله بن رواحة، فإن قتل فليرتض المسلمون بينهم رجلا فيجعلوه عليهم".
__________
(1) بصرى: مدينة من أعمال دمشق.
(2) شرحبيل: أمير عربي نصراني من أمراء قيصر على الشام.
(3) البلقاء: الأردن حاليا.
(4) الجرف: موضع على ثلاثة أميال من المدينة المنورة باتجاه الشام. (2/48)
صفحة 242
هكذا قدر الرسول القائد عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم بعمق دقة وأهمية سرية مؤته وأهمية المعركة التي يخوضها المسلمون مع الروم وخطورتها على حاضرهم ومستقبلهم لذلك جعل على هذه السرية ثلاثة قادة من أبرز قواده وألمعهم، وما ولى النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل سرية مؤتة ولا ولى بعدها ثلاثة قادة أو قائدين على سرية واحدة ولكن بعد نظره عليه الصلاة والسلام وتقديره لأهمية هذه السرية وخطورتها هو الذي جعله يولي ثلاثة قادة على سرية واحدة مرة واحدة فقط في حياته العسكرية كلها"(1).
د- الوصايا النبوية:
أوصى الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - جنده بقوله: " أوصيكم بتقوى الله وبمن معكم من المسلمين خيرا، اغزوا باسم الله وفي سبيله من كفر بالله.. ولا تغدروا ولا تغلوا ( لا تسرقوا الغنائم ولا تستحوذوا عليها) ولا تقتلوا وليدا ولا امرأة ولا كبيرا فانيا ولا منعزلا بصومعة.. ولا تقربوا نخلا ولا تقطعوا شجرا ولا تهدموا بناء".
ومن جملة الوصايا التي أوصى بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :
" أن تأتوا مقتل الحارث بن عمير، وأن تدعوا من هناك إلى الإسلام، فإن أجابوا وإلا استعانوا عليهم بالله وقاتلوهم".
وخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يشيع الجنود بنفسه حتى بلغ ثنية الوداع(2) وذلك لتشجيعهم ورفع معنوياتهم والدعاء لهم.
وعاد الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - ومن معه من المسلمين المشيعين إلى المدينة متمنين للمجاهدين في سبيل الله كل التوفيق والنجاح في المهمة الجسيمة الملقاة على عاتقهم.
هـ- استشهاد الأمراء الثلاثة ونعي القائد لهم:
__________
(1) قادة النبي. محمد شيت خطاب.
(2) ثنية الوداع: ثنية مشرفة على المدينة سميت لتوديع المسلمين. (2/49)
صفحة 243
مضى الجيش الإسلامي حتى وصل معان(1) ولما علم هرقل بقدوم المسلمين نزل مآب(2) بأرض البلقاء في مائة ألف من الروم، وانضم إليه من نصارى العرب مائة ألف فتشاور المسلمين يومين متتاليين على الكتابة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإخباره بعدد العدو ليرسل إليهم المدد أو يأمرهم بما يراه إلا أن عبدالله بن رواحة شجع الجند على القتال بقوله:
" يا قوم والله إن التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين إما ظهور وإما شهادة" (3).
فاستجاب الحاضرون له ومضوا إلى القتال.. فكان القتال عنيفا وشديدا أدى إلى استشهاد الأمراء الثلاثة ليأخذ الراية بعد ذلك خالد بن الوليد حتى لا يستسلم الجيش أو يضعف. وبدهائه وحنكته في الشؤون العسكرية أدخل خالد تغييرا في صفوف الجيش وكثرت تحركاته فظن الأعداء أن مددا وصل إلى المسلمين فامتلأت قلوبهم رعبا ولم يجرؤ أحد منهم على ملاحقة المسلمين وهم عائدون إلى المدينة.. وقد ثبت في كتب السيرة أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد نعى زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبدالله بن رواحة للناس قبل أن يأتيهم خبرهم فقال:
" أخذ الراية زيد فأصيب ثم أخذ الراية جعفر فأصيب ثم أخذها ابن رواحة فأصيب- وعيناه تذرفان- حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم".
و- الرسول القائد يستقبل جنده:
__________
(1) معان: مدينة بطرف بادية الشام.
(2) مآب: قرب عمّان اليوم.
(3) سيرة ابن هشام ج2 ص375 (2/50)
صفحة 244
حرص الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - على استقبال جنوده البواسل ليوضح للناس ما خفي عنهم لأن أهل المدينة لما سمعوا بجيش مؤتة قادمين تلقوهم بالجرف مكان تجمعهم عند الانطلاق وجعلوا يحثون على وجههم التراب ويقولون: يا فرار فررتم في سبيل الله! فيقول الرسول صلى الله عليه وسلم:" ليسوا بالفرار ولكنهم الكرار إن شاء الله"
ز- تقييم القائد لنتيجة المعركة:
اقتضت المصلحة كما رآها خالد بن الوليد أن لا يستمر المسلمون في القتال نظرا لقلة عددهم وكثرة عدوهم وأن الهدف من المعركة قد تحقق وهو تأديب الصليبيين لقتلهم سفير رسول الله، فقتلوا منهم آلافا وإن استشهد من المسلمين ثلاثة عشر.
ورغم هذا الانسحاب- المخطط له- فإن الرسول صلى الله عليه وسلم عده فتحا وليس فرارا بقوله عليه السلام: " حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم". وقوله:" ليسوا بالفرار ولكنهم الكرار إن شاء الله".
ومن الأهداف التي تحققت من خلال هذه المعركة انهيار معنويات العدو إذ لم يجرؤ على اللحاق بجيش المسلمين حينما قرر العودة.
ومهما تكن الخاتمة التي آلت إليها سرية مؤتة فإن نتائجها وآثارها كانت بعيدة المدى، وإن خفيت على عامة الناس إلا أنها كانت واضحة لدى الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - ومنها التطلع إلى فتح الشام وهذا ما حدث فعلا إذ قاد النبي - صلى الله عليه وسلم - بنفسه غزوة تبوك في العام التالي وأظهر قوة المسلمين وعاد إلى المدينة منتصرا.
ومن آثار هذه المعركة أن أصبحت للمسلمين سمعة طيبة لدى الأعداء الذين أصيبوا بالدهشة إذ من عجائب الدهر في نظرهم أن يصمد جيش صغير قوامه ثلاثة آلاف رجل أمام جيش عرمرم قوامه مئتا ألف مقاتل وأن لا تلحق في صفوف المسلمين خسائر فادحة في حين يخسر الرومان آلافا من رجاله وهو أكبر وأعظم قوة على وجه الأرض في ذلك الزمان. (2/51)
صفحة 245
فتأكد الموالون للروم من العرب من خلال هذه المعركة أن المسلمين مؤيدون ومنصورون من عند الله وأن قائدهم رسول الله حقا مما أدى إلى إسلام البعض منهم، فأسلمت قبائل بني سليم وأشجع وغطفان وذبيان وفزارة وغيرها وفتحت بلدان رومانية أخرى بعد ذلك وانتشرت دعوة الاسلام واتسعت رقعة الدولة الإسلامية بفضل من الله ومنته.
إن هذه الآثار والنتائج التي أسفرت عنها معركة مؤتة كانت بحق فتحا كما أخبر بذلك القائد الرسول صلوات الله وسلامه عليه.
جدول لأهم السرايا التي أمر بها الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم -
م ... أمير السرية ... تاريخ وقوعها ... المهمة ... النتيجة ... الملاحظات
1 ... حمزة بن عبد المطلب (سيف البحر) ... رمضان سنة 1هـ ... اعتراض قافلة قريش وفيها أبو جهل ... لم يقع قتال ... - لواء حمزة أول لواء عقده رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان أبيض
2 ... عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب (رابغ) ... شوال سنة 1 هـ ... اعتراض قافلة قريش وفيها أبو سفيان ... تراشق بالنبال ولم يقع قتال ... - من جنود الأمير سعد بن أبي وقاص.
- انضم جلان من قافلة مكة إلى المسلمين
3 ... سعد بن أبي وقاص( الخرار) ... ذو القعدة سنة 1هـ ... اعتراض عير قريش وعدم تجاوز الخرار ... لم يقع قتال إذ مرت القافلة بالأمس ... - الخرار: موضع قريب من الجحفة.
- انضباط في تنفيذ أوامر الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم -
4 ... عبدالله بن جحش الأسدي (نخلة) ... رجب سنة 2هـ ... اعتراض قافلة قريش ... قتل وأسر وغنائم ... - أول قتيل من المشركين في الإسلام
وأول أسيرين في الإسلام
وأول خمس في الاسلام
5 ... محمد بن مسلمة ... ربيع الأنوار سنة 3 هـ ... قتل عدو الله اليهودي كعب بن الأشرف ... قتل كعب وأصيب الحارث بن أوس ... - من جنود المير:
* عباد بن بشر
* وأبو نائلة سلكان بن سلامة
* (أخو كعب بن الأشرف من الرضاع)
* والحارث بن أوس
* وأبو عبس بن حبر (2/52)
صفحة 246
6 ... زيد بن حارثة (القردة) ... جمادى الآخرة سنة 3هـ ... مهاجمة قافلة قريش وفيها صفوان بن أمية ... - الاستيلاء على القافلة وفرار من كان فيها
- أسر الدليل فرات ابن حيان ... - القردة: ماء بأرض نجد.
7 ... أبو سلمة بن عبد الأسد ... محرم سنة 4هـ ... تأديب بني أسد بن خزيمة لمحاولتهم الهجوم على المدينة ... غنائم من الإبل والشياه وفرار جماعي
8 ... عبدالله بن أنيس ... محرم سنة 4هـ ... القضاء على خالد بن سفيان الهذلي الذي يعد لحرب المسلمين ... تم قتل خالد بن سفيان
9 ... عبدالله بن عتيك ... ذو القعدة سنة 5هـ ... قتل أبي رافع سلام ابن أبي الحقيق من أكابر مجرمي يهود خيبر كان يعين الأعداء بالمؤن والأموال. ... قتل اليهود ونفذ الأمير المهمة بكل دقة ... - أمير السرية يتقن العبرية، كسرت رجله في المعركة فمسح عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يشتك منها قط.
10 ... محمد بن مسلمة (القرطاء) ... محرم سنة 6هـ ... تأديب بني بكر بن كلاب ... فر سائر الأعداء وغنم المسلمون نعما وشاء وأسر ثمامة بن أثال الحنفي الذي أطلق الرسول سراحه فأسلم بعد ذلك. ... - ثمامة بن أثال الحنفي كان ينوي اغتيال الرسول - صلى الله عليه وسلم - بأمر من مسيلمة الكذاب.
11 ... عكاشة بن محصن (الغمر) ... ربيع الأنوار سنة 6هـ ... الذهاب إلى الغمر ... فر القوم وأصاب المسلمين مائتي بعير ... الغمر: ماء لبني أسد
12 ... محمد بن مسلمة(القصة) ... ربيع الآخر سنة 6هـ ... أرسل الأمير إلى ديار بني ثعلبة ... خطط الأعداء للمسلمين كمينا ولما ناموا غدر بهم الأعداء فاستشهدوا جميعا ولم يفلت منهم إلا الأمير ابن مسلمة جريحا. ... - عدد من كان مع بن مسلمة عشرة رجال (2/53)
صفحة 247
13 ... أبو عبيدة عامر بن الجراح (القصة) ... ربيع الآخر سنة 6هـ ... بعثه النبي - صلى الله عليه وسلم - علي إثر مقتل أصحاب محمد بم مسلمة ليثأروا لهم من بني ثعلبة ... فر الأعداء إلى الجبال وأصاب المسلمون رجلا واحدا أسلم بعد ذلك وغنموا نعما وشاء
14 ... زيد بن حارثة (الجموم) ... ربيع الآخر سنة 6هـ ... قتال بن سليم ... غنم المسلمون نعما وشاء وأسرى ... الجموم: ما لبني سليم في مر الظهران.
15 ... زيد بن حارثة (العيص) ... جمادى الأولى سنة 6هـ ... اعتراض قافلة قريش وفيهم أبو العاص بن الربيع ختن الرسول - صلى الله عليه وسلم - ... رجع الأمير سالما غانما فضة كثيرة لصفوان بن أمية وأسروا أناسا فيهم قائد القافلة أبو العاص بن الربيع ... - أبو العاصم بن الربيع زوج زينب بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسلم وهاجر فرد عليه - صلى الله عليه وسلم - زينب بالنكاح الأول.
16 ... زيد بن حارثة (الطرف) ... ربيع الآخر سنة 6هـ ... تأديب بني ثعلبة ... هرب الأعراب وغنم المسلمون عشرين بعيرا
17 ... زيد بن حارثة (جسمى) ... ربيع الآخر سنة 6هـ ... تأديب بني جذام ... غنم المسلمون ألف بعير وخمسة آلاف من الشياه ومائة من الأسرى
18 ... زيد بن حارثة (وادي القرى) ... رجب سنة 6هـ ... استكشاف تحركات الأعداء من بني فزارة بوادي القرى. ... هجم سكان وادي القرى على المسلمين واستشهد منهم تسعة ونجا ثلاثة منهم الأمير
19 ... أبو عبيدة عامر بن الجراح(الخبط) ... رجب سنة 6هـ ... اعتراض قافلة قريش ... أصاب المسلمين جوع شديد حتى أكلوا الخبط ... الخبط: ورق الأشجار
20 ... عبد الرحمن بن عوف ... شعبان سنة 6هـ ... دعوة ديار بني كلب بدومة الجندل إلى الإسلام ... أسلم القوم وتزوج الأمير ابنة ملكهم تماضر بنت الأصبغ. (2/54)
صفحة 248
21 ... علي بن أبي طالب ... شعبان سنة 6هـ ... منع بني سعيد بن بكر من أن يساعدوا اليهود ... هربت بنو سعد وغنم المسلمون خمسمائة بعير والفي شاة
22 ... أبو بكر الصديق( وادي القرى) ... رمضان سنة 6هـ ... تأديب بني فزارة لتفكيرهم في اغتيال الرسول - صلى الله عليه وسلم - إذ جهزت أم قرافة ثلاثين فارسا للقيام بالمهمة. ... قتل الثلاثون فارسا وأسرت أم قرافة وابنتها
23 ... كرز بن جابر الفهري ... شوال سنة 6هـ ... معاقبة العرنيين على ارتدادهم وقتلهم راعي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واستيلاذهم على الإبل ... دعا عليهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - فقطعت أيديهم وأرجلهم وسملت أعينهم جزاء وقصاصا بما فعلوا. ... - أمير هذه السرية كان قد أغار على سرح المدينة قبل بدر في غزوة سفوان ثم أسلم واستشهد يوم فتح مكة.
24 ... أبان بن سعيد ... صفر سنة 7هـ ... إرهاب أعراب نجد ومنعهم من النهب والسلب ... قام الأمير بما هو مطلوب منه
25 ... غالب بن عبدالله الليثي ... صفر سنة 7هـ ... الأخذ بالثأر من بني الملوح بقديد لقتلهم أصحاب بشير بن سويد ... تمكن المسلمون من قتل البعض منهم وساقوا النعم إلا أن جيشا كبيرا من الأعداء طاردهم فأنزل الله سيلا عظيما حال بين الفريقين لينجو المسلمون
26 ... أبو بكر الصديق ... شعبان سنة 7هـ ... تأديب بني كلاب بنجد ... قتل وسبي من الرجال والنساء
27 ... عمر بن الخطاب ... شعبان سنة 7هـ ... تأديب هوازن بتربة ... هرب الأعداء قبل أن يصل إليهم عمر
28 ... بشير بن سعد الأنصاري ... شعبان سنة 7هـ ... قتال بني مرة بفدك ... استشهد جميع من شارك في هذه السرية من المسلمين ولم ينج إلا الأمير فأقام عند يهود حتى برأت جراحه وعاد إلى المدينة ... عدد الشهداء ثلاثون (2/55)
صفحة 249
29 ... غالب بن عبدالله الليثي ... رمضان سنة 7هـ ... قتال بني عوال وبني عبد بن ثعلبة ... هاجم المسلمون ديارهم وقتلوا من أشرف لهم وغنموا أموالهم وساقوا الأنعام والشياه ... في هذه السرية قتل أسامة بن زيد مرداس بن نهيك بعد أن نطق بالشهادتين فلامه الرسول - صلى الله عليه وسلم - بقوله( هل شققت على قلبه فتعلم أصادق هو أم كاذب.
30 ... عبدالله بن رواحه ... شوال سنة 7هـ ... قتل بشير بن رزام من يهود خيبر إذ كان يجمع غطفان لغزو المسلمين ... تم قتل العدو ومن معه وأفلت منهم رجل واحد وجرح عبدالله بن أنيس ... - عدد من قتل من الأعداء ثلاثون
- وعدد المشاركين من المسلمين ثلاثون ومنهم عبدالله بن أنيس
31 ... بشير بن سعد الأنصاري ... شوال سنة 7هـ ... منع القاطنين بيمن وجبار من الإغارة على أطراف المدينة ... هرب الأعداء وأصاب القائد نعما كثيرة وأسر رجلين أسلما فيما بعد ... يمن: أرض لغطفان وقيل لفزارة وعذرة.
32 ... أبو الحدود الأسلمي (الغابة) ... شوال سنة 7هـ ... قتل رفاعة بن قيس الجشمي لمحاولته جمع الناس لمحاربة المسلمين ... هزم العدو هزيمة نكراء وقتل رفاعة بن قيس واستاق المسلمون إبلا وغنما ... - وقعت قبل عمرة القضاء.
- الغابة: مكان يقصده رفاعة لجمع قيس على محاربة المسلمين.
- نصيب القائد من الفيء ثلاثة عشر بعيرا، استعان بها على الزواج.
33 ... ابن أبي العوجاء ... ذو الحجة سنة 7هـ ... دعوة بني سليم إلى الإسلام ... دار قتال شديد جرح فيه أبو العوجاء وأسر رجلان من العدو
34 ... غالب بن عبدالله الليثي ... صفر سنة 8هـ ... الأخذ بالثأر من بني مرة يفدك وقتلهم الشهداء أصحاب بشير بن سعد ... قتل عدد كبير من الأعداء واستاق المسلمون نعما وعاد الأمير سالما غانما (2/56)
صفحة 250
35 ... كعب بن عمر الأنصاري (ذات أصلح) ... ربيع الأنور سنة 8هـ ... منع بني قضاعة من الإغارة على المسلمين ودعوتهم إلى الإسلام ... تراشق بالنبال واستشهاد كل من شارك في السرية إلا رجلا واحدا ... عدد المشاركين من المسلمين في هذه السرية خمسة عشر
36 ... شجاع بن وهب الأسدس (ذات عرق) ... ربيع الأنور سنة 8هـ ... منع بني هوزان من مساعدة الأعداء بالمدد ... استاق المسلمون النعم ولم يلقوا كيدا
37 ... زيد بن حارثة
جعفر بن أبي طالب
عبدالله بن رواحة
(مؤتة) ... جمادى الأولى سنة 8هـ ... إنذار وتحذير الروم الذين قتلوا سفير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ودعوتهم إلى الإسلام أولا وان أبو استعانوا بالله وقاتلوهم ... -استشهاد الأمراء الثلاثة ونفر من المسلمين.
- تولي خالد بن الوليد القيادة الذي عاد بالجيش إلى المدينة بعد أن قتل الآلاف من الأعداء
- تمهيد لفتح الشام والبلدان الرومانية. ... - السفير هو الحارث بن عمير الأزدي.
- السرية الوحيدة التي يعين فيها ثلاثة أمراء.
- تمسى هذه السرية بالغزة لكثرة عدد المقاتلين فيها.
38 ... عمر بن العاص (ذات السلاسل) ... جمادى الآخر سنة 8هـ ... تأديب القبائل العربية التي تقطن مشارف الشام لاجتماعهم إلى الرومان ضد المسلمين في معركة مؤتة ولاستئلافهم. ... حمل عليهم المسلمون فهربوا في البلاد وتفرقوا بعد وصول المدد ... طلب الأمير المدد من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فبعث إليه مائتي رجل يتقدمهم أبو عبيدة عامر بن الجراح وفيهم أبو بكر وعمر.
39 ... أبو قتادة ... شعبان سنة 8هـ ... منع بني غطفان من أن يحتشدوا لقتال المسلمين في خضرة بنجد ... - قتل نفر من الأعداء.
- سبي وغنائم
40 ... خالد بن الوليد ... رمضان سنة 8هـ ... هدم العزى أعظم أصنام قريش وكنانة بنخلة ... نفذ القائد المهمة بكل دقة (2/57)
صفحة 251
41 ... عمرو بن العاص ... رمضان سنة 8هـ ... هدم سواع صنم لهذيل ... أمر أصحابه بتكسيره وهدم بيت خزانته فأسلم السادن
42 ... سعد بن زيد الأشهلي ... رمضان سنة 8هـ ... هدم مناة صنم الأوس والخزرج وغسان ... هدم الصنم وكسر
43 ... خالد بن الوليد ... شوال سنة 8هـ ... دعوة بني جذيمة إلى الإسلام ... - قتال شديد وأسر وقتل
- أمر خالد بقتل الأسرى فاستجاب بنو سليم وأبى المهاجرون والأنصار ... مدح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صنيع المهاجرين والأنصار ولام خالد بن الوليد لأنه بعثه عليه السلام داعيا لا مقاتلا.
44 ... عيينة بن حصن الفزاري ... محرم سنة 9هـ ... تأديب بني تميم لحثهم القبائل العربية عن أداء الزكاة ... ولى الأعداء مدبرين وأسر المسلمون أحد عشر رجلا وإحدى وعشرين امرأة وثلاثين صبيا وساقوهم إلى المدينة ... أسلم رؤساء بني تميم وفيهم الأقرع بن حابس بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرد عليه نساءهم وأبناءهم.
45 ... قطبة بن عامر ... صفر سنة9 هـ ... بعث القائد إلى حيي بن خثعم بناحية تبالة بالقرب من تربة ... قتال شديد واستشهاد للقائد وسوق للنعم والشاه والنساء
46 ... الضحاك بن سفيان الكلايبي ... ربيع الأنور سنة 9هـ ... دعوة بني كلاب إلى الإسلام ... انهزم الأعداء وقتل منهم رجل
47 ... علي بن أبي طالب ... ربيع الأنور سنة 9هـ ... تحطيم صنم بطيء يقال له القلس ... حطم الصنم وغنم المسلمون نعما وشاه وسبوا ... من بين السبايا أخت عدي بن حاتم الطائي
48 ... علقمة بن مجزز المدلجي ... ربيع الأنور سنة 9هـ ... منع رجال من الحبشة يقومون بالقرصنة ضد أهل مكة ... فر الأعداء لما سمعوا بمسير المسلمين إليهم ... القرصنة بسواحل جدة.
49 ... علي بن أبي طالب ... سنة 10هـ ... دعوة مذحج باليمن ... قاتلهم وانتصر عليهم وعاد سالما غانما غنائم كثيرة من النساء والأسرى والنعم ... أسلموا بعد ذلك وأعلنوا إسلامهم (2/58)
صفحة 252
50 ... أسامة بن زيد ... صفر سنة 11هـ ... إرهاب الروم ووطء الخيل تخوم البلقاء والداروم بفلسطين ... تجمهر الناس وأجلو الأمر لوفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ... أنفذها أبو بكر في خلافته تنفيذا لوصية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
القيادة العسكرية للرسول - صلى الله عليه وسلم -
غزوة بدر الكبرى
جيش المسلمين:
…القائد: رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
…التاريخ: شهر رمضان السنة الثانية للهجرة
عدد المسلمين: ثلاثمائة وأربعة عشر رجلا
…العدة: فرسان: - فرس للزبير بن العوام
………- فرس للمقداد بن الأسود الكندي
……سبعون بعيرا.
الجيش المكي:
…القائد: أبو جهل عمرو بن هشام
…العدد: بين تسعمائة رجل وألف
العدة: مائة فرس
الجمال كثيرة بحيث لا يعرف عددها
النتيجة:
- النصر للمسلمين
- استشهاد أربعة عشر رجلا
ستة من المهاجرين وثمانية من الأنصار
- هزيمة المشركين
قتل سبعون وأسر سبعون أغلبهم من القادة
غزوة بدر الكبرى
تمهيد:
كانت غزوة بدر منطلق الصراع الحاسم بين المسلمين والمشركين وقد سمى الله تعالى يومها " يوم الفرقان يوم التقى الجمعان" فكانت مفرق الطريق بين الناس في الدنيا وعلى مدى التاريخ البشري وفي الآخرة.
فهي الحلقة الأولى من حلقات الجهاد في الاسلام بعد أن مهد لها الرسول القائد بعدد من السرايا والغزوات الصغيرة والخاطفة التي تؤمن الأرياف المحيطة بالمدينة.
أقام الرسول صلى الله عليه وسلم بضع عشرة سنة بعد نبوته يندر بالدعوة بغير قتال ولا جزية ويأمر بالكف والصبر والصفح ثم أذن له ربه بالهجرة ثم جاء الإذن بعدها بالجهاد وكان الناس آنذاك ثلاثة أقسام:
أهل صلح وهدنة: وهي القبائل المنتشرة بين مكة والمدينة والتي وادعها الرسول - صلى الله عليه وسلم - وصالحها.
أهل حرب: وهم كفار قريش الذين تتضمنهم بنود الوثيقة فأمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - العداء وصمموا على الانتقام. (2/59)
صفحة 253
ج- أهل ذمة: وهم اليهود الذين تتضمنهم بنود الوثيقة فأمر الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - أ يتم لأهل العهد عهدهم متى استقاموا على ذلك ولم يخونوا العهد. وأمر أن يقتل من نقض العهد إلى أن نزلت سورة براءة وشرع الله لرسوله قوانين الجهاد النهائية.
السبب المباشر للغزوة:
أصدر الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه نداء الخروج لملاحقة عير قريش لمن أراد منهم ذلك وهي عير ضخمة لم يبق قريشي واحد إلا وساهم فيها، وفيها من الأموال الشيء الكثير لو وقعت في أيدي المسلمين لحققت أمرين في غاية الأهمية:
أحدهما: إلحاق ضربة موجعة لقريش تهد كيانها وتضعف من سطوتها.
الثاني: استرداد حقوق المهاجرين التي نهبها الكفار بعد هجرتهم من مكة وفي ذلك تقوية للمسلمين ورافد هام لهم.
لذا فقد أطلق النداء بالخروج فقال عليه السلام:
" هذه عير قريش فيها أموالهم فاخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها"(1) .
وقبل الخروج نظم الرسول القائد شؤونه فجعل على المدينة أميرا أثناء غيابه كما استعمل عبدالله بن أم مكتوم (2)على الصلاة بالناس.
تجمع مع الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - كل من أمكنه الخروج للتصدي للقافلة وانطلق بهم صوبها، ولما تبين له أن القافلة توشك على النجاة أسرع في تعقبها لكن أبا سفيان استطاع بمهارته أن يفلت بها بعيدا عن أنظار الناس ومخاطر الطريق.
ولما علم عليه السلام بذلك وبلغته أخبار قريش وما تنويه من الخروج للحرب بقيادة أبي جهل توقف عليه السلام بأصحابه ليعيد تنظيم صفوفهم فدفع اللواء الأبيض إلى مصعب بن عمير ودفع الرايتين السوداوين أحدهما لعلي بن أبي طالب والثانية لسعد بن معاذ.
وزع عليه السلام السبعين بعيرا وهي كل ما كان بحوزة المسلمين على أصحابه كل ثلاثة يتناوبون واحدا منها ولم يكن لهم من الخيول سوى اثنين.
__________
(1) السيرة النبوية. ابن هشام ج2 ص607.
(2) ويسمى أيضا عمرو بن أم كلثوم أخا بني عامر بن لؤي. (2/60)
صفحة 254
وعند الاقتراب من بدر بعث الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - اثنين من الجند ليتحسسا الأخبار عن قافلة أبي سفيان ثم انطلق بجيشه في أعقابها ليكون الجنود عن كثب منهما وليقوموا بواجب الحماية لهما والنجدة عند الحاجة.
وبعد المسير ليلا كون الرسول القائد فرقة استكشاف يقودها ثلاثة من الفرسان الأبطال، هم: علي بن أبي طالب والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص مهمتهم جمع الأخبار عن القافلة وعن تحركاتها فكانت النتيجة أن أمسكوا باثنين من أتباع قريش اللذين أكدا لهم أن جيش قريش مشرف عليهم وهم يعسكرون بالقرب منهم وهذه معلومة هامة جدا غيرت مجرى الأمور.
استفاد الرسول القائد من الرجلين حيث علم منهما موقع الجيش وقدر عدد أفراده بما ينحرون من الإبل كل يوم، وهذا دليل على خبرة الرسول القائد في تقدير الأمور والاستفادة من الأخبار.
والآن تبينت الأمور للرسول - صلى الله عليه وسلم - فهم الآن في مواجهة مع جيش يفوقهم عددا وعدة.
إذن ضاع الهدف الأقرب وهو القافلة فلا مناص من التوجه إلى الهدف الأبعد وهو القتال وخوض غمار المغامرة الأولى في حقل الجهاد المسلح.
وتوقف الرسول القائد بالجند ليقرر ما يراه صالحا بعد فحص الأمور من كل جوانبها.
القائد يستشير أصحابه:
رأى القائد الأعلى للمسلمين أن الرجوع إلى المدينة دون مناجزة القوم معرة ستلحق بجيشه. وفرصة لعدوه كي يستصغرهم ويلحق بهم الأذى وهذا ما يمكن أن يكون. كما ظهر له أيضا أن الإقدام على المعركة مخاطرة صعبة قد تعرض جيشه إلى المحق والتدمير، خاصة وأنه لا يحمل من السلاح إلا السيوف وعدة السفر، والعدو مقبل بجحافله وعدده وعدته يدفعه الشيطان إلى الانتقام ويزين له الحرب وسفك الدماء.
{ وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمْ الْيَوْمَ مِنْ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ } (الأنفال/48) (2/61)
صفحة 255
عندما عدل الجيش عن التقدم وبدأ الرسول القائد مشاورته مع أصحابه ليرسم خطة واضحة يمكن من منطلقها صناعة القرار واتخاذ التدابير اللازمة للمواجهة.
استشار عليه السلام أصحابه الأوفياء في جو من حرية الرأي ومسؤولية القرار ما كان من المهاجرين من الوفاء والإقدام وكان ما كان من الأنصار من عزم وثبات.
استشار عليه السلام أصحابه في القتال، فقام أبو بكر الصديق فقال وأحسن الكلام وقام الفاروق فقال مثل ذلك ثم قام المقداد بن عمرو فقال: " يا رسول الله، امض لما أراك الله، فنحن معك، والله لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون.. فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه".
ثم قال عليه السلام:" أشيروا علي أيها الناس" وهي لفتة ذكية يريد بها توسيع دائرة المشورة وأن يكون للأنصار في المسألة رأي واضح، وقد كانوا بايعوه على نصرته في المدينة، فلعلهم يرون رأيا في مناصرته خارجها وهو عليه السلام يريد أن يقف عند حدود المعاهدات ولا يكره الناس على شيء لم يلتزموا به من قبل. عندئذ تفطن سعد بن معاذ لذلك فقال:" والله لكأنك تريدنا يا رسول الله" قال:" أجل". فقال: لقد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة لك فامض لما أردت فنحن معك.. فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد وما نكره أن نلقي عدونا غدا.. إنا لصبرٌ في الحرب، صدق عند اللقاء لعل الله يريك ما تقر به عينك، فسر على بركة الله".
فسر القائد بما سمعه من جنده المخلصين فقال عليه السلام:" سيروا وأبشروا فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم". (2/62)
صفحة 256
ومن هذه الجلسة الطارئة التي عقدها الرسول القائد مع أصحابه يبرز جليا أنه عليه السلام يعطي الفرصة لأصحابه حتى يدلو بآرائهم ويشعر كل فرد منهم أنه له مكانة في الجيش المسلم لا يستهان بها تتحد كلمتهم وتقوي صفوفهم.
كما برز موقف الشورى بوضوح أيضا في مكان إقامة الجيش حيث نزل الرسول - صلى الله عليه وسلم - بجيشه منزلا، رأى بعض أصحابه أنه ليس بمنزل، فأشار الحباب بن المنذر على الرسول - صلى الله عليه وسلم - برأيه فقال: أرأيت هذا المنزل أمنزلا أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدم أو نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيده؟ فقال عليه الصلاة والسلام:" بل هو الرأي والحرب والمكيدة" فقال: يا رسول الله هذا ليس بمنزل فامض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم فننزله ثم نغور ما وراءه من الآبار ثم نبني عليه حوضا فنملأه ماء ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون.. فلما رأى القائد صواب الرأي سارع إلى الأخذ به وتنفيذه في الحال.
تعبئة الجيش ووصايا الرسول القائد عليه السلام:
تحرك الرسول القائد بين كتائب جيشه يبعث فيهم روح الجهاد ويبشرهم بالنصر مشيرا بيده وقائلا لهم:
" هذا مصرع فلان غدا إن شاء الله، وهذا مصرع فلان غدا إن شاء الله".
وبات الرسول - صلى الله عليه وسلم - يصلي متضرعا إلى ربه يرجوه النصر والتمكين وبات المسلمون في ليلة هادئة حيث أنزل الله عليهم سكينته ونالوا من بركات المطر ما يطهر أجسامهم ونفوسهم وأخذوا قسطا من النوم ليكون لهم عونا(1).
قال تعالى: { إِذْ يُغَشِّيكُمْ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ } (الأنفال/11)
__________
(1) كانت هذه الليلة الجمعة السابعة عشر من رمضان في السنة الثانية من الهجرة المباركة. (2/63)
صفحة 257
وفي الغداة بعدما تفقد الرسول القائد جنده أدلى إليهم بأوامره:
ألا يبدأوا القتال حتى يتلقوا الأوامر.
البدء بالرمي بالنبال والحفاظ على السيوف إلى وقت الضرورة.
لا تسل السيوف حتى يلتحم الجيش
قال عليه السلام: " إذا أكثبوكم (يعني كثروكم) فرموهم واستبقوا نبلكم ولا تسلوا السيوف حتى يغشوكم".
القائد يرشح أقرباءه للقتال
في بداية المعركة انطلق ثلاثة من فرسان قريش: عتبة وأخوه شيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة فانبرى إليهم ثلاثة من فرسان المسلمين: عوف ومعوذ ابنا الحارث وعبدالله بن رواحة فأبوا لقاءهم داعين محمدا أن يخرج إليهم غيرهم، فلم يتوازن الرسول القائد من إرسال أقرب الناس إليه فقال عليه السلام:
" قم يا عبيدة بن الحارث قم يا حمزة قم يا علي".
وبهذا يعطي الرسول القائد نموذجا رائعا في التضحية بأقرب الناس إليه عمه وابني عمه ويتحمل تبعة الغرم قبل التفكير في الغنم.. وفي هذا ما يزيد أصحابه ثقة بقائدهم واندفاعا نحو الاستجابة لأوامره وتنفيذ قراراته.
التحام الجيشين:
- الرسول القائد يحرض على القتال:
لما كانت بداية المعركة نكبة على جيش المشركين بفقدهم ثلاثة من خيرة فرسانهم استشاطوا غيظا وأقبلوا بجموعهم على المسلمين فبادرهم جند الاسلام بالنبال يرمونهم بها ويحصدون حصدا متبعين في ذلك أوامر قائدهم بكل دقة. ولما التقى الجمعان والتحم الجيش سل المسلمون سيوفهم وفقا للخطة المرسومة من قبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكروا عليهم كرة رجل واحد يحدوهم الأمل في النصر أو الفوز بالجنة.
في هذه الأثناء خرج الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - إلى صفوف المسلمين يحرضهم على القتال ويعدهم بالنعيم الذي أعده الله للشهداء منهم وهو يقول:
" والذي نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر إلا أدخله الله الجنة".
ثم قال:" قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض". (2/64)
صفحة 258
فكان لتحريض الرسول - صلى الله عليه وسلم - الأثر الرائع على نفوس المسلمين المجاهدين حيث أقبلوا بكليتهم على الجهاد وجعلوا مطمحهم الشهادة والفوز بالجنة.
فهذا عمير بن الحمام الأنصاري يلقي تمرات كانت في يده ثم ينطلق قائلا: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة وأنشد وهو يقاتل:
ركضا إلى الله بغير زاد والصبر في الله على الجهاد
إلا التقى وعمل المعاد… …وكل زاد عرضه للنفاد
غير التقى والبر والرشاد
وما زال يقول حتى قتل شهيدا(1) .
- الرسول - صلى الله عليه وسلم - يناشد ربه النصر:
الالتجاء إلى الله تبارك وتعالى بالدعاء ومناشدته النصر عنصر ضروري للمسلم الواثق بربه، وهي صفة المرسلين في كل حين فكان عليه السلام إذا حزبه أمر أو اشتد عليه شيء سارع إلى ربه يناجيه ويدعوه ويرجوه ويناشده تفريج الكربات.
وفي غزوة بدر الكبرى بعد تحريض المؤمنين على القتال وعند اشتغال الحرب بين الفريقين سارع الرسول القائد إلى مناجاة ربه يستمد منه المدد ويرجوه النصر والتمكين قائلا: " اللهم أنجز لي ما وعدتني.. اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد".
وما زال يدعو ويستغيث حتى سقط رداؤه، فأخذه أبو بكر فرده على منكبيه ثم قال: يا رسول الله كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك.
فتأتي البشارات تترى الواحدة تلو الأخرى وتأخذ الرسول - صلى الله عليه وسلم - سنة ثم ينتبه، فيعد أصحابه بالمدد والنصر من الله تعالى يقول لأبي بكر:
" أبشر يا أبا بكر فقد أتاك نصر الله. هذا جبريل آخذ بعنان فرسه يقوده على ثنايا النقع".
وصدق الله العظيم إذ يقول:
__________
(1) الإصابة في تاريخ الصحابة ج3 ص31. (2/65)
صفحة 259
{ إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنْ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ، وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } (الأنفال/9- 10)
ويقول أيضا: { إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ } (الأنفال/12)
- الرسول القائد يشارك بنفسه في المعركة:
لم يكتف الرسول القائد صلوات الله عليه وسلامه بتحريض الجند على القتال ورسم الخطط وإصدار الأوامر، بل لم يرغب بنفسه عن المشاركة في القتال فخرج عليه السلام لابسا درعه وخاض المعركة يقود أصحابه إلى النصر، ويضرب أروع الأمثال في البطولة والإقدام والخبرة بفنون الحرب والنزال.
كان عليه السلام يتقدم أصحابه صوب العدو، وكان أصحابه يقتدون به وكانوا أحيانا يتقون النبل بقائدهم الأعلى وهذه شجاعة نادرة وقيادة صادقة لا يقدر عليها كل الرجال، إلا من أوتي إخلاصا لمبادئه وولاء لقائده وحبا لربه ورغبة في جنته.
عن علي كرم الله وجهه قال: لقد رأيتنا يوم بدر ونحن نلوذ برسول الله وهو أقربنا من العدو وكان من أشد الناس يومئذ بأسا (1).
__________
(1) رواه الإمام أحمد بسنده عن علي. أنظر: أبو شهبة- السيرة النبوية- دار القلم ج2 ص143. (2/66)
صفحة 260
ومما زاد أصحابه نشاطا وبأسا في القتال أن رأوا قائدهم يثبت المدرع يقاتل المشركين ويقول في حزم ويقين: { سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ } (القمر/45)(1)
بطولة فائقة يبديها الرسول القائد ويقين بالنصر من الله تعالى وهو عامل قوي جدا لدفع الجنود إلى النصر والإخلاص في الجهاد.
- الرسول القائد يصدر أمره باستثناء بعض القريشيين من القتل وموقف الجند من ذلك:
كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذا نظرة ثاقبة ورأي سديد وهو يعلم أن أناسا لم يخرجوا إلى محاربته عن رغبة نفس، بل خرجوا مكرهين، إضافة لما لهؤلاء من مواقف في مكة إزاء المسلمين تؤخذ بعين الاعتبار والتقدير.
فالعباس بن عبد المطلب لم يؤذ المسلمين في مكة أبدا، بل كان يسعى وراء ابن أخيه يحوطه ويحميه، حتى حضر معه بيعة العقبة خشية أن يصيبه مكروه.. خرج العباس مع الجيش مكرها ولعله لم يستطع مخالفة قومه حفاظا على نفسه من طيش سفهاء قريش.
وكذلك أبو البحتري فقد كان أكف القوم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو بمكة فكان لا يؤذيه ولا يبلغه عنه شيء يكرهه وكان ممن قام في نقض الصحيفة.
أصدر الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - أوامره بقوله:
__________
(1) هذه الآية مكية قطعا ولكن وقع مصداقها يوم بدر وهذا مما سبق نزوله معناه. ولما نزلت الآية بمكة قال عمر: أي جمع هذا؟ فلما كان يوم بدر رأيت رسول الله يثبت في الدرع وهو يقول:" سيهزم الجمع ويولون الدبر" فعرفت تأويلها يومئذ(الإتقان ج1 ص46). (2/67)
صفحة 261
" إني قد عرفت أن رجالا من بني هاشم وغيرهم قد أخرجوا كرها لا حاجة لهم بقتالنا، فمن لقي منهم أحدا من بني هاشم فلا يقتله ومن لقي أبا البحتري بن هشام بن الحارث بن أسد فلا يقتله(1) . ومن لقي العباس بن عبد المطلب- عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - - فلا يقتله فإنه إنما خرج مستكرها".
ورغم أن هذه الأوامر الصارمة قد لا يفقه المغزى منها ناس كثيرون من الجيش إلا أنهم قبلوها برحابة صدر لعلمهم بنزاهة قائدهم وبعد نظره في سياسة الأمور إلا ما حدث من أبي حذيفة من معارضة في بداية الأمر سرعان ما تراجع عنها وندم على ما قاله فيها.
قال أبو حذيفة: أنقتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا- وفي رواية وإخواننا- وعشيرتنا ونترك العباس؟ والله لئن لقيته لألجمنه السيف(2).
فلما علم الرسول القائد عليه السلام بمقالة حذيفة لم يأبه لها. بل اكتفى بقوله: " أيضرب وجه عم رسول الله بالسيف" ولعله أراد بذلك إطفاء جمرة الغضب من نفس حذيفة بكلمات رقيقة بعيدة عن الانتقام أو إنزال العقاب بصاحبه من جراء كلمة قالها صاحبه تحت تأثير الغضب أو العجلة في الأمر.
لذا ندم أبو حذيفة وشعر بفداحة مقالته فكان يقول باستمرار: ما أنا بآمن من تلك الكلمة التي قلت يومئذ ولا أزال منها خائفا إلا أن تكفرها عني الشهادة فقتل يوم اليمامة شهيدا.
__________
(1) قتل أبوة البحتري في غزوة بدر، قتله المجذر بن ذياد البلوي وهو كاره لذلك.. لكن أبا البحتري أبى إلا النزال دفاعا عن زميل له جاء معه من مكة، حاول المجذ أن يأسره دون قتل، لكنه أمام إصرار أبي البحتري على النزال قتله، ثم جاء إلى رسول الله" وقال: والذي بعثك بالحق لقد جهدت عليه أن يستأسر فآتيك به فأبى إلا أن يقاتلني فقتلته( ابن هشام ج2 ص630) ولا يعد هذا مخالفة لأمر القائد.
(2) قال ابن هشام: ويقال لألجمنه السيف. (2/68)
صفحة 262
وبهذا استطاع الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - أن يقتل بذور الفتنة في مهدها وذلك بالقدرة الفائقة على معالجة أمثال هذه الأمور الخطيرة التي تفاجئ القائد من حين لآخر وتنغص صفو الجو الجهادي الذي يعيشه الجند ولولا حكمة القائد في التصرف لتطورت الأمور إلى مالا تؤمن غائلته ولا يحمد عقباه.
- الهزيمة الساحقة تلحق بجيش المشركين:
تداعت صفوف المشركين وتهاوت هواه الخائرة أمام هجمات جند الله وضرباتهم القوية فاندحر المشركون وسقطوا بين قتيل وجريح وأسير وفار يرجو لنفسه النجاة. وصرع في هذه الغزوة صناديد قريش وزعماؤها كل في الموطن الذي حدده الرسول القائد بإلهام من ربه عز وجل.. فقد لقي سبعون مصرعهم منهم:
أبو جهل بن هشام.
أمية بن خلف.
العاص بن وائل أبو البختري.
عبدالله بن الجراح(والد أبي عبيدة)...وآخرون
ولما توقفت الحرب أقبل الرسول القائد حتى وقف على القتلى فقال:" بئس العشيرة كنتم، كذبتموني وصدقني الناس، وخذلتموني ونصرني الناس".
ثم أمر بهم فسحبوا إلى القليب فطرحوا فيه ثم أهيل عليهم التراب ثم قال عليه السلام مخاطبا أهل القليب:" هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا" ولعل في ذلك إشارة إلى اغترارهم بوعود الشيطان الذي قاد بهم الركب إلى الحرب وأوغر صدورهم حقدا على المسلمين ولما جد الجد نكص على عقبيه.
قال تعالى: { وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمْ الْيَوْمَ مِنْ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتْ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ } (الأنفال/48) (2/69)
صفحة 263
وقد قال عليه السلام كلمته مقيما عليهم الحجة فقد جاهد طويلا في سبيل دعوتهم إلى الإسلام وألح في الدعوة يريد هدايتهم فينكصون على أعقابهم حتى عاتبه ربه قائلا له: { فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ } (فاطر/8)
ولعل في مقالته هذه عبرة وذكرى لأولئك الأسرى الذين وقعوا بين يدي القائد المظفر وجنده الأبطال ينتظرون مصيرهم عسى أن تنفذ هذه الكلمات إلى عقولهم فتخبت لها قلوبهم وليكونوا في صف المسلمين بعد أن كانوا أعداء لهم.
المدينة تتلقى بشائر النصر:
لما انتهت المعركة وقد كسب فيها المسلمون مكاسب جمة من نصر وغنائم وأسرى رأى الرسول القائد أن يزف البشرى لأهل المدينة الذين جلسوا يترقبون ما تأتي به الأيام من أخبار في أول التحام بين جنود الإيمان وجنود الكفر والطغيان خاصة بعد إرجاف اليهود والمنافقين في المدينة أن محمدا قد قتل.
أرسل الرسول القائد عليه السلام عبدالله بن رواحة بشيرا إلى أهل العالية، وزيد بن حارثة إلى أهل السافلة، ولما بلغ الخبر أهل المدينة عمت الفرحة وخرج الناس يستقبلون القائد المظفر وجنده الميامين خارج المدينة.
الجيش يتحرك نحو المدينة والرسول القائد يصدر قراراته:
بعد أن أقام الجيش ببدر ثلاثة أيام ليسد باب الرجعة على فلول الجيش المهزوم وليأخذ قسطا من الراحة أصدر القائد العام للجند أوامره لجنده بالتحرك إلى المدينة.
مسألة الغنائم وحلها:
طرحت هذه المسألة على الجند قبل الرحيل من بدر حيث وقع الخلاف في مسألة الغنائم واشتد الخلاف فيها فقد تسابق بعض الجند إلى حيازة ما غنمه في المعركة والاستئثار به، فقال الذين جمعوا الغنائم: نحن حويناها، وليس لأحد فيها نصيب، وقال الذين خرجوا في طلب العدو، لستم أحق بها منا، نحن نحينا منها العدو وهزمناه، وقال الذين أحدقوا برسول الله: خفنا أن يصيب العدو منه غرة فاشتغلنا بها. (2/70)
صفحة 264
أمور بدرت من الصحابة ما كانت لتقع خاصة بعد حلاوة النصر على العدو لكن إذا رجعنا إلى الوراء قليلا نجد أنهم أخرجوا من ديارهم وأموالهم وعضهم الفقر والفاقة وضحوا في سبيل الله بأنفسهم وأولادهم فلا ضير أن يسعوا إلى استرداد ما ضاع منهم سابقا، لكن الأمر شائك خاصة في هذه اللحظة التي عقبت النصر. وإذا بالرسول القائد عليه الصلاة والسلام أمر أن يرد الجميع ما بأيديهم حتى يصدر الله حكمه فيها عندها لا يبقى للمؤمنين إلا الرضا بما قسمه الله لهم فنزل قوله تعالى:
{ يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْأَنْفَالِ قُلْ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ } (الأنفال/1)
فقسمها رسول الله بين المسلمين بما أراه الله تعالى.
هذا فقد كان الرسول القائد يولي حالة الخصاصة التي كان عليها أصحابه باهتمام كبير ويتألم لحالهم ويسأل الله أن يكشف كرباتهم.
عن عبدالله بن عمرو قال: خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم بدر في ثلاثمائة وخمسة عشر رجلا من أصحابه، فلما انتهى إليها قال: " اللهم إنهم جياع فأشبعهم اللهم إنهم حفاة فاحملهم اللهم إنهم عراة فاكسهم" ففتح الله له يوم بدر فانقلبوا حين انقلبوا وما منهم رجل إلا وقد رجع بحمل أو حملين واكتسوا وشبعوا.
معاقبة المجرمين:
رأى الرسول القائد أن يقتص من بعض المجرمين الذين ناصبوه العداء، وكالوا له ولأصحابه أصناف من الأذيات بل كانوا السبب الرئيسي لكل ما نزل بالمسلمين من ويلات، وفي طريق العودة إلى المدينة أمر عليه السلام بالقصاص من:
النضر بن الحارث، وكان من أكابر مجرمي قريش، أمر عليا أن يضرب عنقه، فقتله في منطقة اسمها الصفراء. (2/71)
صفحة 265
عقبة بن أبي معيط، عدو الرسول الألد ألقى سلا جزور على رأسه عليه السلام وهو يصلي، وخنقه بردائه وكاد يقتله لولا تدخل أبي بكر،وسلسلة جرائمه كثيرة وسجله ملوث بدماء المستضعفين من المسلمين، قتله عاصم بن ثابت الأنصاري بمكان اسمه عرق الظبية(1) وقيل قتله علي بن أبي طالب.
وهذا الإجراء الحازم من الرسول القائد تنفيذ لأمر الله تعالى وإرهاب لكل من تحدثه نفسه النيل من الإسلام وأهله من المشركين أو المنافقين الذين بلا شك لم يذوقوا برد العيش منذ أن نصر الله رسوله والمؤمنين.
الرسول القائد يدخل المدينة قبل الأسرى:
دخل الرسول - صلى الله عليه وسلم - المدينة قبل الأسرى بيوم واحد ليعطي الفرصة للمهنئين وهو يعلم أن أفواجا من الناس ستقبل عليه إما للتهنئة بالنصر، وإما لاعلان إسلامهم بعدما رأوا من الآيات المؤيدة لرسول الله عليه السلام، فقد جاءت الآيات تترى من نصر وتمكين في الأرض وإرجاف للأعداء الكافرين فأسرع الناس من مختلف القبائل يعلنون الولاء للرسول القائد ويشهرون إسلامهم بين يديه عليه الصلاة والسلام.
تقسيم الغنائم وتوصية الرسول القائد بالأسرى خيرا:
سبق أن رأينا أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لما رأى اختلاف أصحابه على الغنائم يتعقد حتى ليكاد يفسد على الناس فرحتهم بالنصر أمر بردها إليه دون مساس أو غلول حتى يحكم الله فيها فأنزل الله عز وجل حكمه فيها.. قال تعالى:
{ وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ } (الأنفال/41)
__________
(1) ابن هشام. السيرة النبوية ج2 ص644. (2/72)
صفحة 266
فأقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى إذ خرج من مضيق الصفراء نزل على كثيب فقسم هنالك النفل الذي أفاء الله على المسلمين على السواء ثم أوصى عليه السلام بالأسارى خيرا وأمر أصحابه أن يحسنوا إليهم.. قال: " استوصوا بالأسارى خيرا" فسارع الصحابة الكرام رضوان الله عليهم إلى العمل بوصية قائدهم، فكانوا يحسنون لأسراهم ويخصونهم بأحسن الطعام.
قال أبو عزيز بن عمير: وكنت في رهط من الأنصار حين أقبلوا بي من بدر فكانوا إذا قدموا غداءهم وعشاءهم خصوني بالخبز وأكلوا التمر.
وقال: ما تقع في يد رجل منهم كسرة خبز إلا نفحني بها. قال: فأستحي فأردها على أحدهم فيردها علي ما يمسها.
إنه خلق رفيع، ونفس أبية عالية تربت على يد المعلم والمربي الأول للأمة الإسلامية. أمرهم عليه السلام بالإحسان إلى أسراهم فسارعوا إلى ذلك وتسابقوا فيه، وما كان ذلك ليتم لولا الأثر البالغ للتربية الناجحة التي تلقاها الجند من قائدهم الأعلى.
الرسول القائد يستشير أصحابه في الأسارى:
لم يتصوف الرسول القائد عليه الصلاة والسلام في الأسارى بمفرده ولو فعل ذلك فإنه جدير به وأهل لكل رأي سديد لكنه عليه السلام كعادته عود أصحابه إشراكهم الرأي في كل المهمات.
فاستشار أبا بكر فكان رأيه قبول الفدية. قال: يا رسول الله هؤلاء بنو العم والعشيرة والإخوان وإني أرى أن تأخذ منهم الفدية فيكون ما أخذناه قوة لنا على الكفار وعسى أن يهديهم الله فيكونوا لنا عضدا.
واستشار عمر فكان رأيه الحزم في الأمر والانتقام من المجرمين وأعداء الدين. قال:الدين. قال: والله ما أرى أبو بكر، ولكن أرى أن تمكنني من فلان- قريب عمر- فأضرب عنقه، وتمكن حمزة من فلان- أخيه- فيضرب عنقه حتى يعلم الله أنه ليست في قلوبنا هوادة للمشركين وهؤلاء صناديدهم وأئمتهم وقادتهم. (2/73)
صفحة 267
لكن الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - مال إلى تصويب رأب أبي بكر لأنه يمثل الأغلبية ويحقق مصلحة للإسلام وأهله، ورأى أن يأخذ الفدية. لكن القرآن الكريم جاء موافقا لرأي عمر ومعاتبا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
ولعل العتاب من السماء لأمرين اثنين: لعدم الاثخان في القتل وقبول الفداء.. قال تعالى: { مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، لَوْلَا كِتَابٌ مِنْ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } (الأنفال/67- 68)
لم يكن تصرف القائد في أخذ الفداء خطأ لأنه يعلم أن الله تعالى سبق أن أعطاه الاختيار في الأسرى المن أو الفداء حيث قال: { فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً } (محمد/4)
ولكن الرسول القائد عليه السلام بعد استشارة واسعة رأى أن يأخذ باللين والرفق ليحقق بذلك فائدتين:
إمكانية دخول الأسارى أو البعض منهم في دين الله تعالى، وهؤلاء زعماء قريش قد يكون من وراء إسلامهم دخول أتباعهم في الإسلام فيحرز الإسلام بذلك نصرا كبيرا.
تقوية صفوف المسلمين بما ينالونه من فداء يذهب عوزهم ويمحو فقرهم، وهؤلاء زعماء قريش تدفع قبائلهم المال الكثير من أجلهم ولا تبالي.. فهذا مصعب بن عمير- رضي الله عنه- يرى أخاه في الأسر فيأمر صاحبه الذي أسره أن يغالي فيه ويطلب المزيد من المال.وهذا أبو عزيز يقول: مر بي أخي مصعب بن عمير ورجل من الأنصار يأسرني(1) فقال: شد يدك به فإن أمه ذات متاع لعلها تفديه منك. ففدته بأغلى ما فدي به أسير فدته بأربعة آلاف درهم.
__________
(1) الأنصاري: هو أبو البسر (انظر سيرة ابن هشام ج2 ص645 (2/74)
صفحة 268
لكن إرادة الله غالبة فنزل العتاب من السماء على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يلومه على الأخذ باللين في وقت لا ينفع فيه إلا الأخذ بالشدة والإثخان في القتل خاصة وإن الإسلام لا يزال في بداية طريقه الطويل في الجهاد.
وهذا تقدير من الله عز وجل حتى يشرع للمسلمين جواز أخذ الغنائم في الحرب وكانت محرمة في الديانات قبلهم على أتباع الرسول وهي منة من الله وفضل على عباده المؤمنين.
غزوة أحد
(شوال سنة 3هـ)
…قائد المسلمين: رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
…قائد المشركين: أبو سفيان بن حرب
المشاركون من المسلمين: 700 مقاتل
(100جارع+ 50 راميا+ فارس واحد+ 550 مشاة)
المقاتلون من المشركين: 3000مقاتل
(700دارع+ 100 رام+ 200فارس+ 2000مشاة)
النتيجة:
استشهد: 70
قتل من المشركين:23
غزوة أحد
- استعدادات القرشيين للغزو:
لا أحد ينكر النصر الساحق الذي حققه المسلمون في غزوة بدر ضد أعدائهم رغم قلة عددهم فإن الهزيمة النكراء للقرشيين جعلتهم يفكرون في الأخذ بالثأر من محمد - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ليستعيدوا هيبتهم وسمعتهم عند العرب، وهاهو أحد قادتهم صفوان بن أمية يحثهم على ذلك بقوله:
" يا معشر قريش إن محمدا قد وتركم وقتل خياركم فأعينونا بهذا المال على حربه، فلعلنا ندرك منه ثأرنا بمن أصاب منا".
وهو يشير إلى أموال القافلة التي نجت في بدر بأرباحها الطائلة لتكون ممولا لحربهم ضد المسلمين خاصة أن هذه الأموال لا تزال موجودة لم توزع ولم تقسم ولم ينقص منها شيء. (2/75)
صفحة 269
بالإضافة إلى عزم القرشيين على فك الحصار الاقتصادي الذي ضربه المسلمون على تجارتهم وذلك عن طريق السرايا المكثفة التي كان يرسلها محمد - صلى الله عليه وسلم - لاعتراض عير قريش والاستيلاء على أموالها استردادا للحقوق ولا يتم ذلك إلا بالقوة فكان الاستعداد لغزو المسلمين ومفاجأتهم في عقر دارهم، ولكن الله أراد أن يكشف أمرهم وأن يسخر أحدا منهم ليخدم الإسلام والمسلمين وقائدهم عليه أفضل الصلاة والسلام وأزكى التسليم بأن قام العباس بن عبد المطلب بتبليغ الرسول - صلى الله عليه وسلم - بعزم قريش على المسير إلى المدينة.
- وصول الخبر إلى القائد بخروج المشركين للغزو:
إذا كان خروج العباس بن عبد المطلب عم الرسول - صلى الله عليه وسلم - في غزوة بدر على مضض لأنه يكره أن يواجه ابن أخيه والمسلمين فإنه تمكن من عدم الخروج في غزوة أحد وأقدم على عمل خطير لو تفطنت إليه قريش لقتلته بسببه، لأنه يعد خيانة عظمى في نظر العسكريين إذ أرسل إلى القائد محمد - صلى الله عليه وسلم - يعلمه فيها بخروج قريش لحربه ومباغتته وليفوت الفرصة على المشركين ويمكن الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - ولو في ظرف وجيز من أن يعد العدة حتى لا يؤخذ على غرة إذ يقول له فيها:
"اصنع ما كنت صانعا إذا وردوا عليك وتقدم في استعداد التأهب".
وكان العباس- رضي الله عنه- حريصا على أن يتسلم ابن أخيه هذه الرسالة قبل أن تصل قريش إلى مشارف المدينة، إذ أرسلها مع رجل من بني غفار واشترط عليه أن يوصلها إلى الرسول نفسه - صلى الله عليه وسلم - بعد ثلاثة أيام ومعلوم أن تحرك الأفراد أسرع بكثير من تحرك الجماعات.
وفعلا وصلت الرسالة إلى القائد محمد - صلى الله عليه وسلم - مختومة ودفعها إلى أبي بن كعب ليقرأها عليه ولم علم الرسول - صلى الله عليه وسلم - بفحواها استكتمه على ذلك.
- القائد يستشير أصحابه:: (2/76)
صفحة 270
ولما تأكد خبر خروج القريشيين لمحاربة المسلمين جمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصحابه ليعلمهم بما أقدمت عليه قريش من السير وليستشيرهم في اختيار ميدان المعركة، وأعلمهم بأنه يرى التحصن في المدينة وانتظار العدو وعدم الخروج إليه لقتاله فإن اختار الأعداء الإقامة في المعسكر فإن مقامهم مقام شر ولا فائدة فيه ولا جدوى ترجى منه وإن حاولوا الدخول إلى المدينة قاتلهم المسلمون على أفواه الأزقة وساعدهم الصبيان والنساء برمي الحجارة على الأعداء من فوق الأسطح وقد وافقه على هذا الرأي عبدالله بن أبي بن سلول بصفته أحد زعماء الخزرج، وكان يرمي من موافقته هذه إلى الابتعاد ما أمكن عن القتال، إلا أن الأكثرية من الصحابة وخاصة الشباب منهم والذين فاتهم شرف المشاركة في بدر كانوا مندفعين إلى القتال وفضلوا الخروج إلى العدو حتى لا يستهين بهم ولا يفكر مرة أخرى في قتالهم.
ولما كان الأمر شورى بينهم تنازل الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - عن رأيه وأخذ برأي الأغلبية وليس لأمته وقاد المسلمين إلى موقع المعركة "أحد".
- إعلان حالة الطوارئ وحراسة المدينة لتأمينها:
أ- حراسة المدينة:
لما وصل خبر مسير قريش إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واقترابها من المدينة المنورة استنفر الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - الناس وأعلن حالة الطوارئ ليتجهز الجميع إلى القتال وأمضوا ليلتهم في حذر شديد كل يصحب سلاحه ولا يفارقه حتى عند نومه.
واختار الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - خمسين رجلا من أشداء المسلمين ومحاربيهم بقيادة محمد بن مسلمة الأنصاري لحراسة المدينة. وهذا الإجراء يوفر الأمن العسكري لسكان المدينة عامة وللمقاتلين خاصة الذين يحتاجون إلى الراحة والنوم ولا يتسنى ذلك إلا بالحراسة الشديدة التي تدخل الطمأنينة على النفوس لتهدأ وتهنأ وتنام. (2/77)
صفحة 271
واهتم جمع من الصحابة بحراسة الرسول - صلى الله عليه وسلم - فبات سعد بن معاذ وسعد بن عبادة وأسيد بن حضير وآخرون ليلة الجمعة مدججين بالسلاح يحرسون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند باب المسجد.
ب- إرسال العيون للاستطلاع:
ولما عسكر أبو سفيان وجنوده بالقرب من المدينة أرسل القائد محمد - صلى الله عليه وسلم - رجلين من الصحابة هما أنس ومؤنس ابنا فضالة الظفريين ليأتياه ببعض المعلومات عن العدو من حيث المكان الذي اختاره وبعض أفعاله وتحركاته وبعد ذلك أرسل عليه السلام أحد القادة العسكريين المحنكين من الأنصار وهو الحباب بن المنذر بن الجموح وقال له:
"إذا رجعت فلا تخبرني بين أحد من المسلمين إلا أن ترى في القوم قلة".
فذهب الحباب مستخفيا متنكرا حتى تخللهم ودخل في صفوفهم دون أن يتفطن إليه أحد أو يشعر به أحد وعاد سالما إلى قائده عليه السلام يرد الخبر بقوله:
" رأيت عددا حزرتهم ثلاثة آلاف يزيدون قليلا أو ينقصون قليلا والخيل مائتي فارس ورأيت دروعا ظاهرة حزرتها سبعمائة درع".
قال عليه السلام: "هل رأيت ظعنا؟" (1)
قال الحباب: رأيت النساء معهن الدفوف والأكبار. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :" أردن أن يحضرن القوم ويذكرنهم قتلى بدر".
ولما كان عدد الأعداء كبيرا قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :" لا تذكروا من شأنهم حرفا حسبنا الله ونعم الوكيل، اللهم بك أجول وبك أصول".
- الحزم وصدق العزيمة:
ولما استقر الرأي على الخروج إلى العدو، صلى الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - بالناس ووعظهم وأمرهم بالجد والاجتهاد والتهيؤ والاستعداد للعدو فخطب فيهم يحرضهم على القتال ويحضهم على الثبات والصبر ويبشرهم بالنصر إن هم صبروا واتقوا ربهم، ويأمرهم بالطاعة.
__________
(1) 1 ) الظعن: جمع ظعينة وهي المرأة (2/78)
صفحة 272
ومما جاء في خطبته - صلى الله عليه وسلم - قوله:" أوصيكم بما أوصاني به ربي في كتابه من العمل بطاعته والتناهي عن محارمه، عليكم بتقوى اله والصبر عند اليأس إذا لقيتم العدو وانظروا ماذا أمركم الله فافعلوا".
وفرح الناس بذلك ولما صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالناس العصر احتشدوا وتجمعوا وكلهم استعداد لما يأمر به قائدهم عليه السلام ثم دخل الرسول - صلى الله عليه وسلم - بيته ومعه صاحباه أبو بكر وعمر فعمماه وألبساه لباس الحرب إذ لبس درعين وتقلد السيف ثم خرج على الناس، وكان الناس ينتظرون خروجه، وقد قال لهم سعد بن معاذ وأسيد بن حضير:
" استكرهتم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الخروج فردوا الأمر إليه".
فندموا جميعا على ما صنعوا وتوجهوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائلين له:" يا رسول الله ما كان لنا أن نخالفك فاصنع ما شئت إن أحببت أن نمكث بالمدينة فافعل"
فرد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بكل حزم وإصرار:" ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته (1)أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه".
واستعمل على المدينة عبدالله بن أم مكتوم وأذن بالرحيل فتحرك الجيش نحو الشمال.
- القائد يتفقد جنده:
لما وصل الجيش إلى مقام يقال له" الشيخان" استعرض الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - جنده ورد من استصغره ولم يره مطيقا للقتال وأجاز السلام رافع بن خديج وسمرة بن الجندب على صغر سنهما وذلك أن رافعا كان ماهرا في رماية النبال، وأما سمرة فكان أقوى من رافع لأنه صرعه، وهذا دليل على عزمهما وإصرارهما على الخروج إلى جانب قائدهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
__________
(1) لأمته: درعه. (2/79)
صفحة 273
وفي هذا المكان أدركهم المساء فصلى الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - بجنده المغرب ثم صلى العشاء وبات هنالك لأخذ قسط من الراحة تحت حراسة مشددة قام بها خمسون من المقاتلين الأشداء يتقدمهم محمد بن مسلمة، وتولى ذكوان بن عبد قيس حراسة النبي - صلى الله عليه وسلم - خاصة، وحراسة المقاتلين لقائدهم- ولو كان رسولا- أمر يفرضه الموقف وتحتمه الرغبة في نجاح المعركة وعلى القائد أن يقبل ذلك لأن في حياته حياة للدعوة وفي فقدانه خسارة للمعركة. ولم ينكر الرسول - صلى الله عليه وسلم - ذلك من شجاعته وعصمة الله له، وإنما عده عليه السلام من باب الأخذ بالأسباب وحسن الظن بالله.
- موقف القائد من تخاذل المنافقين:
لما كان الجيش الإسلامي على مقربة من العدو بحيث يراهم ويرونه وأصبح القتال لا محالة عندها تمرد عبدالله بن أبي بن سلول المنافق وانسحب بنحو ثلاثمائة مقاتل متعللا ومتظاهرا بالاحتجاج بقوله:
"أطاعهم وعصاني ما ندري علام نقتل أنفسنا هاهنا أيها الناس".
فرجع بمن اتبعه من أهل النفاق والريب، وكان الهدف الرئيسي من هذا التمرد في هذا الظرف الدقيق إحداث البلبلة والاضطراب في جيش المسلمين على مرأى ومسمع من الأعداء.
وحاول عبدالله بن حرام والد جابر بن عبدالله تذكير هؤلاء المنافقين بواجبهم فتبعهم وهو يوبخهم ويحضهم على الرجوع ولما لم يمتثلوا إلى أمره دعا عليهم بقوله:
"أبعدكم الله أعداء الله فسيغني الله عنكم نبيه". (2/80)
صفحة 274
وقد فضحهم القرآن بقوله تعالى: { وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمْ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } (آل عمران/167/ 168).
هذا الخذلان وهذا التراجع قابله الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - بكل صبر وحكمة، وأهمله ولم يعره اهتماما حتى لا يعلي من شأن هؤلاء المنافقين وواصل سيره نحو العدو متجنبا المرور المباشر أمامهم ومتخذا مسلكا صغيرا بين البساتين للتمويه على الأعداء متجنبا الاصطدام المباشر في هذا الظرف الدقيق ويظهر ذلك في قوله عليه السلام:
"من يخرج بنا على القوم من كثيب- أي من طريق قريب- لا يمر بنا عليهم؟".
فقال أبو خيثمة: أنا يا رسول الله.
وسار الجيش بين البساتين بعيدا عن أنظار العدو وقد أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - جنده بخفض الصوت وتجنب الحركات العنيفة حتى لا يفطن إليهم العدو. وبهذه الاحتياطات الأمنية العسكرية وصل بقية الجيش الإسلامي وعدده سبعمائة مقاتل إلى مكان المعركة دون أن يشعر بهم أحد أو يتعرض لهم أحد.
- التعليمات والأوامر العسكرية:
اختار الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - معسكره في الوادي قريبا من جيش قريش وجعل ظهر الجيش الاسلامي إلى جبل أحد ووضع على الجبل خمسين راميا بقيادة عبدالله بن جبير وهكذا احتل القائد عليه السلام أفضل موقع من ميدان المعركة رغم وصوله بعد العدو، إذ حمى ظهره ويمينه بارتفاعات الجبل ثم إن الموضع المختار مرتفع عن موضع الأعداء.
واختار الرسول عليه السلام ثلاث رايات فأعطى: (2/81)
صفحة 275
راية الخزرج إلى الحباب بن المنذر.
راية الأوس إلى أسيد بن حضير.
راية المهاجرين إلى مصعب بن عمير
ليكون التنافس على أشده.
كما اختار الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - شعارا للمعركة " أمت أمت" أي اقتل اقتل، ليرفع من معنويات المسلمين في القتال ويرهب بذلك المقاتلين المشركين.
- تخصيص الرماة بأوامر قاطعة وجازمة:
خص الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - الرماة الذين اختارهم بأوامر صارمة نظرا للمهمة الجسيمة والخطيرة الموكلة إليهم ونظرا لأن موضعهم دقيق وحساس فقال:
" لا تبرحوا حتى آذن لكم، لا يقاتلن أحد حتى آمره بالقتال".
وتوجه عليه السلام إلى أمير الرماة عبدالله بن جبير قائلا:
"إذا رأيتمونا نهزمهم حتى ندخل في عسكرهم فلا تفارقوا مكانكم..وإذا رأيتمونا نقتل فلا تغيثونا ولا تدافعوا عنا وارشقوهم بالنبل فإن الخيل لا تقدم على النبل...إنا لا نزل غالبين ما مكثتم مكانكم..اللهم إني أشهدك عليهم".
- القائد يتابع المبارزة أولى جولات المعركة:
اشتعل فتيل المعركة بتقدم طلحة بن أبي طلحة العبدي أحد المشركين وهو راكب جمله يحمل اللواء ويدعوا إلى المبارزة الفردية وكان من أشجع فرسان قريش فتقدم إليه الزبير بن العوام ولم يمهله بل وثب إليه حتى صار معه على جمله وألقاه أرضا وذبحه بسيفه.
جرى كل ذلك على مرأى ومسمع من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد سر بهذا الصراع الرائع والشجاعة النادرة التي أظهرها أحد أبطال المسلمين فكّبر وكبّر المسلمون معه وأثنى على الزبير. (2/82)
صفحة 276
واندلعت نيران المعركة بين الفريقين في كل نقطة من نقاط الميدان، وكان ثقل المعركة يدور حول لواء المشركين، فكلما حمل اللواء مشرك إلا وانقض عليه بطل مسلم يرديه قتيلا..فتمكن حمزة بن عبد المطلب من عثمان بن أبي طلحة وسعد بن أبي وقاص من أبي سعيد بن أبي طلحة، وعاصم بن ثابت من مسافع بن طلحة بن أبي طلحة، وطلحة بن عبدالله من الحلاس بن طلحة بن أبي طلحة...ثم حمل اللواء أرطأة بن شرحبيل من بني عبد الدار فقتله علي بن أبي طالب...حتى قتل جميع من حمل اللواء من المشركين ولم يتقدم أحد لحمله إلا غلام حبشي اسمه صواب وقتل كذلك رغم ما أبداه من شجاعة فائقة، ليسقط لواء المشركين على الأرض ولم يتجرأ أحد على حمله.
وفي أماكن أخرى من ميدان المعركة دار قتال عنيف أظهر فيه المسلمون شجاعة نادرة وهم يرددون شعار المعركة "أمت أمت" وهكذا يتضح أن الجيش الإسلامي سيطر على الموقف وكسب المعركة من جميع جوانبها وخارت عزائم المشركين ففروا فتبعهم المسلمون يجمعون الغنائم.
- أثر مخالفة الرماة لأوامر القائد:
لما رأى الرماة أن المسلمين حققوا انتصارا باهرا وبدأوا يجمعون الغنائم، قال بعضهم لبعض: الغنيمة الغنيمة ظهر أصحابكم فماذا تنتظرون؟
فانساقت الأغلبية وراء الرغبة في الاستيلاء على الغنائم وعددهم أربعون ونسوا ما أمر به قائدهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فما كان من عبدالله بن جبير إلا أن ذكرهم بأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا انهم أصروا على الالتحاق بالجيش وأخذ نصيبهم من غنائم العدو فتركوا موقعهم من الجبل ولم يبق إلا قائدهم عبدالله بن جبير وتسعة من أصحابه الذين التزموا مكانهم مصممين على البقاء حتى يؤذن لهم أو يبادوا عن آخرهم. (2/83)
صفحة 277
وبنزول الرماة من موقعهم انكشف ظهر الجيش الإسلامي أمام خالد بن الوليد- أحد قواد المشركين في ذلك الوقت- ليصل إلى مؤخرة الجيش الإسلامي بسرعة خاطفة وليقتل مفرزة الرماة وقائدها ولينقض على المسلمين من الخلف...عندها تمكنت إحدى المشركات من رفع اللواء من جديد وليطوق المسلمون وفيهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
مخالفة كبيرة ارتكبها أغلب الرماة لتقلب الوضع تماما فبعد أن كان الموقف لصالح المسلمين صار الموقف محرجا وكاد يتسبب في مقتل قائدهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .هذه الغلطة التي تركت أسوأ الأثر على نفوس المسلمين وعلى سمعتهم بعد الهيبة التي كانوا يتمتعون بها بعد معركة بدر.
- موقف الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - من التطويق:
كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - -عند مباغتة خالد بن الوليد للمسلمين- في مفرزة صغيرة من أصحابه الأشاوس فخاطر الرسول القائد عليه السلام بنفسه ودعا أصحابه للتجمع وتكوين جبهة قوية تشق طريق الجيش المطوق ونادى بأعلى صوته للثبات في هذا الظرف الدقيق:
" هلم إلي أنا رسول الله".
فتفطن إليه المشركون وبدأوا يصوبون ضرباتهم نحوه.
- ثبات القائد وشجاعته في الفترات الحرجة من المعركة:
سمع المشركون صوت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعرفوه فكروا إليه وهاجموه ومالوا عليه بثقلهم وطمعوا في الوصول إليه والقضاء عليه، إلا أنه عليه السلام أثبت للجميع أنه المثل الأعلى في الشجاعة والثبات والصبر وثبت معه القليل من الصحابة الذين تمكنوا من الاستماتة في القتال يتقدمهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. (2/84)
صفحة 278
ومر الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - بفترات حرجة للغاية إذ كسرت رباعيته وشج رأسه وجعل يسلت الدم عنه رغم ما أبداه طلحة بن عبيدالله وسعد بن وقاص من شجاعة نادرة إذ قاتلا ببسالة منقطعة النظير للذود عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يمكنا المشركين من تحقيق هدفهم الدنئ، إذ كانا من أمهر رماة العرب القرشيين.
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:
"إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كسرت رباعيته يوم أحد وشج في رأسه فجعل يسلت الدم عنه". ويقول:
"كيف يفلح قوم شجوا نبيهم وكسروا رباعيته وهو يدعوهم إلى الله"..
وتذكر كتب السيرة أن الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - أصيب في ركبتيه بجروح ووقع في حفرة حفرها المشركون وسال دمه الزكي من شجه في جبهته حتى اخضل الدم لحيته، كما جرحت شفته السفلى وكسر أنفه، ولقد أنهك جسم الرسول - صلى الله عليه وسلم - من شدة ما ألم به حيث لم يستطع أن يصلي واقفا فصلى جالسا بالمسلمين ولم يستطع أن ينهض إلا بإعانة من طلحة بن عبيدالله الذي احتضنه حتى استوى قائما.
وقعت كل هذه الأحداث في لحظات خاطفة وأغلب الصحابة الأخيار في مقدمة الجيش ولما شعروا بالتطورات المفاجئة جاؤوا للذود عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولما وصلوا أقاموا حوله سياجا من أجسادهم وسلاحهم لحمياته من ضربات العدو ورد هجماتهم وفيهم: أو دجانة- مصعب بن عمير- علي بن أبي طالب- سهل بن حنيف- مالك بن سنان (والد أبي سعيد الخدري)- قتادة بن النعمان- عمر بن الخطاب- حاطب بن أبي بلتعه- أبو طلحة- وأم عمارة نسيبة بنت كعب المازنية.
ومن الأحداث الدالة على عزم الكفار قتل محمد - صلى الله عليه وسلم - ما قام به أحد زعمائهم أبي بن خلف حيث أقبل على فرسه التي رباها لهذا الأمر، وكان كلما يلتقي برسول الله في مكة يقول له: "لأقتلنك عليها يا محمد". فيقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "بل أن قاتلك إن شاء الله". (2/85)
صفحة 279
ولما حمى وطيس المعركة دنا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يزمجر قائلا: أي محمد لا نجوت إن نجوت. فإعترضه المجاهدون ليقتلوه..فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :" استاخروا عنه" وقام وحربته في يده(1) فرماه بها لتستقر في عنقه،فتدحرج من على فرسه وكسر ضلع من أضلاعه فنجا الرسول محمد - صلى الله عليه وسلم - ولم يتمكن العدو الكافر من تحقيق هدفه ومات عدو الله بسرف(2) والقرشيون قافلون به إلى مكة.
ومن بين الشجعان الذين صمدوا أمام الأعداء مصعب بن عمير حتى قتل على يد أحد المشركين وهو ابن قمئة الذي ظن أنه قتل محمدا لشبهه به فإنصرف إلى المشركين وهو يصيح: لقد قتلت محمدا.
فشاع خبر موت القائد عليه السلام وانهارت معنويات بعض المسلمين وارتبكوا ارتباكا شديدا وتزعزعت صفوفهم فسادها الاضطراب وعمتها الفوضى وظن المشركون أنهم نجحوا في تحقيق هدفهم ونالوا مبتغاهم.
ومن المسلمين من ألقى السلاح تأثرا بخبر موت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجلس وفيهم عمر بن الخطاب وطلحة بن عبيدالله فجاءهم أنس بن النضر فقال لهم: ما يجلسكم؟ قالوا: قتل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: فماذا تصنعون من بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم استقبل القوم فقاتل حتى قتل.
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: لقد وجدنا بأنس بن النضر يومئذ سبعين ضربة فما عرفه إلا أخته، عرفته ببنانه(2).
__________
(1) 1 ) وقيل أخذ الحربة من الحارث بن الصمّة
2) سرف موضع على ستة أميال من مكة
(2) 3 ) سيرة ابن هشام م2، ص83. (2/86)
صفحة 280
ولما قتل مصعب بن عمير أعطى الرسول - صلى الله عليه وسلم - اللواء إلى علي بن أبي طالب، فقاتل قتالا شديدا مع بقية الصحابة حتى تمكن الرسول - صلى الله عليه وسلم - من أن يشق الطريق إلى جيشه المطوق فأقبل إليهم فعرفه كعب بن مالك فنادى بأعلى صوته: " يا معشر المسلمين أبشروا هذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " فأشار إليه أن اصمت لئلا يعرف المشركون موضعه. إلا أن هذا الصوت بلغ إلى مسامع المسلمين فتجمعوا حول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وشقوا الطريق بين المشركين بنية الانسحاب المنظم والقتال متواصل كل يتربص بعدوه.
وبدأت حدة الهجومات تنخفض وكأن المشركين اقتنعوا بمقتل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهيأوا أنفسهم للرجوع إلى مكة، إلا أن أبا سفيان أراد التأكد من مقتل القائد عليه السلام وهو الهدف الرئيس الذي كان يسعى إليه فصرخ بأعلى صوته قائلا: "أفيكم محمد؟ أفيكم أبن أبي قحافة؟ أفيكم ابن الخطاب؟ فلم يجبه أحد بأمر من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فظن عدو الله أن هؤلاء قتلوا جميعا فلو كانوا أحياء لأجابوا.
- ثبات القائد بالعقيدة في قلب المعركة ورده على أبي سفيان:
لم يهتم القائد صلى الله عليه وسلم في بداية الأمر بكلام أبي سفيان ومحاولته التأكد من موته عليه السلام وموت صاحبيه وأمرهم بعدم إجابته والرد عليه.. إلا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لم يتمالك نفسه من مقولة أحدهم:" إن هؤلاء قد قتلوا فلو كانوا أحياء لأجابوا".
فاجاب عمر أبا سفيان:" كذبت يا عدو الله، أبقى الله عليك ما يحزنك" قال أبو سفيان اعل هبل..
ولما ذكر العدو آلهته أمر رسول الله بإجابته والرد عليه، فقال الصحابة: ما نقول؟ فقال:" قولوا: الله أعلى وأجل".
فقال أبو سفيان: لنا العزى ولا عزى لكم.
فردوا عليه بعد أن أذن لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقوله:" قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم".
قال أبو سفيان: يوم بيوم بدر. (2/87)
صفحة 281
فرد عمر بأمر من الرسول - صلى الله عليه وسلم - : لا سواء قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار.
وتواعد الطرفان على اللقاء عندما قال أبو سفيان" إن موعدكم بدر العام القابل". فقال رسول صلى لرجل من أصحابه، قال:" نعم هو بيننا وبينك موعد".
- نهاية المعركة وتعقب القائد لآثار العدو:
اتفقت جل الروايات على أن قتلى المسلمين كانوا سبعين أكثرهم من الأنصار، فقد استشهد منهم خمسة وستون والبقية من المهاجرين ولم تكن هذه الخسارة متوقعة من أحد بعد الاستعدادات الكبيرة التي قام بها الجيش المسلم، ولم يكن العدو نفسه يتوقعها أيضا إذ لمجرد شعوره بالانتصار خرج مسرعا من أرض المعركة متجها نحو مكة ومخلفا وراءه ثلاثة وعشرون قتيلا.
فأرسل الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - عليا بن أبي طالب ليراقب العدو وقال له: "اخرج في آثار القوم فانظر ماذا يصنعون وماذا يريدون؟ فإن هم جنبوا الخيل وامتطوا الإبل فإنهم يريدون مكة وإن ركبوا الخيل وساقوا الإبل فإنهم يريدون المدينة فوالذي نفسي بيده لئن أرادوها لأسيرن إليهم ثم لأناجزنهم فيها".
وفي قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دلالة على أن:
- ركوب الإبل يدل على أن الجيش عازم على قطع مسافات طويلة.
- ركوب الخيل يدل على أن الجيش عازم على قطع مسافات قصيرة وأنه قد اقترب من هدفه وأن الجيش جاهز للإغارة والمباغته إذ الخيل معروفة بالإغارة.
قال علي بن أبي طالب: فخرجت في آثارهم أنظر ماذا يصنعون فوجدتهم قد جنبوا الخيل وامتطوا الإبل ووجهوا إلى مكة.
ثم عاد الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - وجنوده إلى المدينة وقد أنهكهم التعب وبات القائد عليه السلام يفكر في الموقف ولم يهدأ له بال إذ من المحتمل جدا أن يغير العدو رأيه ويغير على المدينة مرة أخرى، ولذلك أمر عليه السلام بحراسة المدينة ومداخلها حتى لا يفاجئهم العدو الذي لم يحقق هدفه ولم ستفد شيئا من النصر والغلبة التي حققها على ساحة القتال. (2/88)
صفحة 282
ولم يتوقف الرسول - صلى الله عليه وسلم - عند هذا الحد بل واصل الأخذ بالحيطة والحذر لأنه لا يطمئن أبدا إلى المشركين المعروفين بالغدر والمكيدة ولذلك أخذ يتحسس أخبارهم ويسأل عن تحركاتهم...فالتقى عليه السلام برجل من أهل مكة قدم إلى المدينة لساعته فسأله الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - عن أبي سفيان وأصحابه فقال:
"نازلتهم فسمعتهم يتلاومون ويقول بعضهم لبعض لم تصنعوا شيئا أصبتم شوكة القوم وحدهم ثم تركتموهم ولم تبتروهم فقد بقي منهم رؤوس يجمعون لكم"(1).
ولذلك صمم الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - أن يقول بمطاردة الجيش المكي وتعقب آثاره...وفي صباح الغد من يوم المعركة أمر عليه السلام أن ينادي الناس وندبهم إلى المسير للقاء العدو، وقال:
" لا يخرج معنا إلا من شهد القتال".
واستجاب المسلمون على ما بهم من جراح وقالوا: سمعا وطاعة.
وسار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجنوده حتى بلغوا حمراء الأسد على ثمانية أميال من المدينة فعسكروا بها بينما كان المشركون ينوون العودة بعد مسافة ست وثلاثين ميلا فتلاوموا فيما بينهم لأنهم لم يستأصلوا شأفة المسلمين وبعد أخذ ورد نصحهم صفوان بن أمية أحد زعمائهم بمواصلة الطريق إلى مكة على هذا الانتصار أفضل من الدخول في حرب غير مضمونة النتائج وعلل ذلك بقوله:
" يا قوم لا تفعلوا فإني أخاف أن يجمع عليكم من تخلف عن الخروج فإرجعوا والدولة لكم..."
وأقام الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - بحمراء الأسد أربعة أيام ثم رجع إلى المدينة تلك هي نتيجة غزوة أحد إذ لم يحقق أي طرف انتصارا ساحقا على الآخر فلا المشركون حققوا الهدف الذي جاؤوا من أجله ولا المسلمون انهزموا....إذ لو كانوا كذلك لما تمكنوا من تعقب آثار العدو وأظهروا عزمهم على القتال مرة أخرى وما غزوة حمراء الأسد إلا امتداد لمعركة أحد....وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.
__________
(1) 1 ) المدرسة النبوية العسكرية ص74. (2/89)
صفحة 283
غزوة بني المصطلق
المريسيع
( شعبان – السنة الخامسة للهجرة)
المسلمون: سبعمائة رجل بقيادة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
بنو المصطلق: من خزاعة بقيادة الحارث بن ضرار
النتيجة: استشهد من المسلمين رجل واحد وهو
(هشام بن صبابة) قتل بالخطأ.
قتل من بني المصطلق عشرة.
أسر الباقي.
غنم المسلمون: ألفي بعير وخمسة
آلاف شاة وسبيت النساء.
غزوة بني المصطلق
تمهيد:
خرج مع الرسول القائد إلى غزوة المريسيع- وهو ماء لبني المصطلق- سبعمائة رجل فيهم عدد كبير من المنافقين خرجوا لأول مرة مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طمعا في الغنائم ولأن المسافة قريبة.
أما بنو المصطلق فقد كان قائدهم الحارث بن ضرار، جمع قومه من خزاعة- وهم حلفاء لبني مدلج- ليواجه رسول الله، وطمع في غزو المدينة وظن أن المسلمين بعد أن أصبحوا ضعافا وكان هؤلاء الأحابيش قد شاركوا في أحد مع المشركين واستطاع أن يقنع جموعا من العرب فانضموا إلى قواته وجهزهم بالخيل والسلاح.
إرسال القائد للعيون:
استحلف القائد على المدينة أبا ذر الغفاري وأرسل بريدة بن الخصيب الأسلمي يستطلع أخبارهم، فاندس بينهم متظاهرا بمشاركتهم في حرب محمد فوجدهم مغرورين واطلع على أخبارهم ورجع إلى النبي فأخبره بأمرهم وحشدهم غندب الرسول الناس إلى الخروج.. وانطلق يسير ليلا حتى لا ينكشف، وأعطى لواء المهاجرين لأبي بكر ولواء الأنصار لسعد بن عبادة، وأمسكت دورية بعين لبني المصطلق فدعاه الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - إلى الإسلام فأبى فضرب عنقه لأنه جلسوس محارب ورفض الإسلام.
القائد في طريقه إلى المعركة: (2/90)
صفحة 284
لما بلغ الخبر الحارث خاف وانفض كثير ممن معه ووصل الرسول القائد إلى المريسيع ودعا القوم إلى الإسلام فرفضوا فأمر القائد بالحملة عليهم فما أفلت منهم أحد، وكان شعار المسلمين " يا منصور أمت أمت" وأسفرت الغزوة عن استشهاد صحابي واحد هو هشام بن صبابة، قتل خطأ ظن قاتله الأنصاري أنه من الأعداء، فكان له دية مسلمة إلى أهله وقد جاء أخوه قيس بن صبابة من مكة مظهرا الإسلام وطالب بالدية فأعطاها له القائد وأقام مع المسلمين حتى تمكن من قتل قاتل أخيه ثم ارتد وعاد إلى مكة، فما كان من القائد مقابل هاتين الجريمتين:
القتل بعد أخذ الدية (والقتل خطأ فلا قصاص).
الردة بعد إظهار الإسلام.
‘لا أن يهدر دمه ولو تعلق بأستار الكعبة. وقد قتل بعد فتح مكة وهكذا يكون الموقف من المرتد.
صبر القائد على المنافقين:
لم تكن نتائج غزوة بني المصطلق من الناحية العسكرية مكلفة، فقد قتل من جانب بني المصطلق عشرة، وأسر الباقي وغنم المسلمون ألفي بعير وخمسة آلاف شاة وسبيت النساء، وقد قسم الرسول القائد أربعة أخماس الغنيمة على المقاتلين: للفارس سهمان وللراجل سهم.
لكن الأحداث الجسام التي وقعت في هذه الغزوة وفتن المنافقين التي اقترفوها أثناءها كادت أن تعصف بوحدة الصف المسلم، فقد احدث المنافقون إرباكا وأحيوا فتنة العصبية وأساؤوا إلى مقام الرسول بنشر القالة حول عرضه.. وصدق الله العظيم حيث قال: { لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمْ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ، لَقَدْ ابْتَغَوْا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ } (التوبة/47/ 48) (2/91)
صفحة 285
ولولا مصابرة الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - وحكمته في معالجة مؤامرات النفاق لكان لكيدهم الأثر العظيم لكن لينه صلى الله عليه وسلم وتلطفه وبعد نظره أحبط كيدهم وأطفأ فتنتهم وفضح أمرهم.
أثر زواج القائد بجويرية على بني المصطلق:
كان بنو المصطلق من اعز العرب دارا وأشرفهم نسبا، فلما انتهت المعركة بأسر نسائهم كان لذلك وقع شديد على نفوسهم ولو استمر الأسر لترك جراحا لا تندمل وحزازات لا تنسى، فالمال على العربي يهون إن فقد لكن لا يهون عليه أن ينال من عرضه أو تخدش كرامته.
لذلك لم يرتح القائد لما أسفرت عنه الغزوة من سبي واسترقاق فتفتق عقله على تصرف حكيم، فقد كانت جويرية بنت الحارث سيد بني المصطلق من السبايا فوقعت في سهم ثابت بن قيس بن شماس فكاتبته على نفسها وأتت النبي وقالت:" أنا جويرية.. وقد أصابني من البلاء ما لم يخف عليك فوقعت في السهم لثابت فكاتبته على نفسي وجئت أستعينك على مكاتبتي" فوجد القائد فرصة سانحة لتخليص بني المصطلق من الأسر الذي وقعوا فيه، فقال لها:" هل لك في خير من ذلك؟" قالت: وما هو يا رسول الله؟ قال:" أقضي عنك كتابتك وأتزوجك" قالت: نعم.
وفشا خبر زواج الرسول القائد بجويرية وكان المسلمون عند حسن ظن نبيهم وبعد نظره فقالوا: أصهار رسول الله يسترقون، فأطلقوا من في أيديهم، فأعتق بالزواج مائة بيت من بني المصطلق، وقالت عائشة: " ما أعلم امرأة كانت أعظم على قومها بركة منها".
وبفضل هذا التصرف الحكيم من النبي القائد جاء الحارث وعدد من قومه مسلمين طواعية وصاروا أعوانا للمسلمين بعد أن كانوا عليهم. (2/92)
صفحة 286
لقد نجت جويرية من السبي وأعتقت قومها من الأسر وسلمت أموالهم ونساؤهم وذراريهم ببركة الزواج وانتظمت نفوسهم لنصرة الإسلام. وبعد إسلام بني المصطلق أرسل القائد إليهم الوليد بن عقبة بن أبي معيط ليجمع زكاتهم، فلما سمعوا بقدومه ركبوا إليه لاستقباله فخاف منهم وزعم أنهم هموا بقتله ومنعوه الزكاة.. لكن الرسول القائد أراد أن يتأكد من الخبر فبعث خالد بن الوليد وأوصاه أن يتريث قبل مهاجمتهم حتى يتأكد من الأمر فوجدهم خالد ثابتين على الإسلام ومستعدين لأداء الزكاة فاعتذر لهم من تصرف الوليد بن عقبة الذي نزل فيه قوله تعالى:
{ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ } (الحجرات/6)
فتنة العصبية:
أطلق المنافقون في هذه الغزوة سهاما فتاكة إلى قلب المجتمع الإسلامي كادت ان تستنزف الكثير من دمه.. لقد بدأت ظاهرة النفاق معسكرا ضخما قبيل أحد وبلغت ذروتها قوية في أحد إذ انفصل ابن أبي بثلث الجيش ثم أخذت في الانحسار بتصدي الرسول لها ومعالجته الحكيمة لارجافها، فعجز المنافقون عن نصرة حلفائهم من بني النضير وبم يتجاوز دورهم في غزوة الأحزاب التشكيك في النصر ويوم بني المصطلق رغم الدعوة في وقاحة إلى تمزيق الصف والتمرد على القيادة والتهديد بالثورة عند الرجوع إلى المدينة، لكن هذا الحديث لم يبث إلا بين عشرة من الأتباع يطمأن إلى نفاقهم ولم يعر اهتماما للغلام الحديث الذي أصغى إلى القول ونقله إلى القائد فأطفأ لهيب الفتنة. (2/93)
صفحة 287
أراد ابن أبي أن ينغص على المسلمين نصرهم في هذه الغزوة فاستغل خلافا بين غلام من المهاجرين وآخر من الأنصار حول ماء المريسيع ليشعل الفتنة، فقد صرخ جهجاه الغفاري أجير عمر بن الخطاب:" يا معشر المهاجرين"، وصاح سنان الجهني حليف الأنصار:" يا معشر الأنصار" وكثر الازدحام واللفظ فسمع الرسول القائد بالخومة فسارع إلى حسم الأمر وقال:" أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركمََ دعوها فإنها منتنة".
واستطاع عليه السلام أن يزيل ما بين المهاجرين والأنصار من شحناء وتدارك الأمر ونيم الفتنة ببعد نظره ورجاحة عقله.. لكن رأس النفاق عاد فأيقظها وأذكى نارها ونهض مغضبا، فقال لرهط قومه وفيهم زيد بن أبي أرقم:" أو قد فعلوها؟! قد نافرونا وكاثرونا في بلادنا والله ما نحن وجلابيب قريش إلا كما قال الأول: سمن كلبك يأكلك. أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل".
وتمادى في عتابه لرهطه فقال:" هذا ما فعلتم بأنفسكم أحللتموهم بلادكم وقاسمتموهم أموالكم أما والله لو أمستكم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إلى غير داركم" وقال:" لا تنفقوا على من عند النبي حتى ينفضوا". فأخبر زيد بن أرقم قائده بما سمع.
حكمة القائد في معالجة الفتنة:
لما علم الرسول بالأمر وكان عند عمر بن الخطاب اقترح هذا الأخير أن يقتل المنافق ابن أبي، فأجابه القائد:" كيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه ولكن آذن بالرحيل". (2/94)
صفحة 288
فمشى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالناس يومهم حتى أمسوا وليلتهم حتى أصبحوا، وصدر يومهم الثاني حتى آذتهم الشمس، فنزل بهم، فما مست جنوبهم الأرض حتى ناموا، واستطاع القائد أن يشغلهم عن مقولة المنافق ومنع تأجج الفتنة وعالج الأمر بحكمة ورحابة صدر، برحيله في ساعة لم يكن يرحل فيها حتى سأله أسيد بن حضير عن رحله في ساعة منكرة، فقال له عليه الصلاة والسلام:" أو ما بلغك ما قاله صاحبكم؟ زعم أنه رجع المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل" فقال أسيد: يا رسول الله أرفق به فوالله لقد جاءنا الله بك وإن قومه لينظمون له الخرز ليتوجوه فإنه يرى أنك استلبته ملكا. ثم قال أسيد: فأنت تخرجه يا رسول الله إن شئت هو والله الذليل وأنت العزيز.
أما ابن أبي فلما علم أن زيد بن أرقم بلغ الخبر، جاء إلى رسول الله وحلف أنه لم يقل ولا تكلم به. وقال من حضر من الأنصار: عسى أن الغلام أوهم في حديثه ولم يحفظ ما قاله الرجل.
وأما زيد فقد أصابه هم عظيم، فجلس في بيته حتى أنزل الله سورة المنافقين فأرسل إليه النبي يبشره بأن الله صدقه.. قال تعالى:
{ هُمْ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ، يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ } (المنافقون/7، 8)
ولما اقترح عمر قتل ابن أبي فرفض رسول الله انضبط عمر والتزم بالأمر، لكن عبدالله بن عبدالله بن أبي عرض على القائد أن يتولى قتل والده، إذ لا يمكنه أن يرى قاتل والده فيقتل مؤمنا بكافر، فقال عليه السلام بسماحة القائد الحكيم:" بل نترفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا". (2/95)
صفحة 289
ولما وصل الناس المدينة وقف عبدالله الابن في وجه أبيه ومنعه الدخول إلى المدينة حتى يأذن له رسول الله العزيز، فأذن له ودخلها ابن أبي ذليلا.
وقد كان لهذا التسامح مع الأب رغم استعداد الابن لقتله أبعد الأثر في كشف النفاق فأصبح كلما أحدث ابن أبي حدثا عاتبه قومه وعنفوه وعرضوا على القائد قتله.. كل ذلك بفضل المعالجة الحكيمة للفتنة.
قال عليه السلام لعمر:" كيف ترى يا عمر؟ أما والله لو قتلته يوم قلت لي لأرعدت له آنف لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته" فقال عمر:" قد والله علمت لأمر رسول الله أعظم بركة من أمري".
لقد استعمل رسول الله أسلوبا عمليا لعلاج الموقف ولم يجابهه بالأقوال التي لا تزيده إلا تعقيدا فطلع على راحلته في الحر الشديد وكان لا يروح حتى يبرد، وأجهد من معه وتكفل التعب والنسيان بامتصاص ما أفرزه الموقف من سموم في نفوس المسلمين. فما هو إلا أن خذهم السهر والتعب بالمسير فنزلوا وما يسمع لقول ابن أبي في أفواهم ذكر. وبذلك وأد القائد الفتنة قبل أن تستفحل.
كما أعطى رسول الله بمعالجته هذه الفتنة دروسا في سياسة النفوس ومعاملتها فمن خلال لقائه بالقيادات وجد تيارين:
أحدهما يرى الرفق برأس المنافقين، والآخر يرى قتله، واختار القائد الرفق به فأصحاب هذا الرأي هم الأنصار أوثق الناس عنده وحفاظا على سمعة الاسلام ومنعا للعدو من النفاذ من ثغرة الانشقاق إلى الصف الداخلي الملتحم" فكيف إذا تحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه" " ما أردت قتله وما أمرت به". (2/96)
صفحة 290
لكن لن تمر الوقاحة دون عقوبة حتى لا يتمادى الحاقدون في التمرد، وقد جاءت عظمة المعالجة النبوية في جعل من يحمل راية العقوبة لهذا المجرم ابنه عبدالله ورغم جواب النبي القائد له:" بل نترفق به" ورفضه صلى الله عليه وسلم أن يأتيه برأسه فإن الابن أشعر أباه بالصغار وأبقاه رهينة على باب المدينة حتى أذن له الرسول بالدخول بعد أن أعلن الابن على ملا الدنيا أنه ينتظر إشارة من القائد ليضرب عنق أبيه وبذلك لن يجرؤ أحد أن يتعاطف معه ما دام ابنه هو المنفذ للعقوبة.
عندها خنقت الفتنة في المهد وبدل أن يتحول زعيم المنافقين إلى بطل شهيد ترعف أنوف لقتله تحول إلى مجمع للسخرية والمذلة. وجعل بعد ذلك إذا أحدث الحدث كان قومه هم الذين يعاتبونه ويأخذونه ويعنفونه.
لقد صبر القائد صلى الله عليه وسلم على المجرم حتى افتضح أمره ونبذ ولم يستمر الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - في مكان الفتنة لأن الكلام لا ينقطع فقطع دابر الفتنة بالمسير مسافة طويلة أنهكت الأجسام وشغلت الألسنة.
عودة القائد من بني المصطلق:
- إيذا الرسول القائد في شرفه وأهله:
لم يجد رأس المنافقين فرصة ينشر فيها حقده إلا من خلال حادثة الإفك حيث أستغل تأخر عائشة عن الجيش بحثا عن عقدها الذي سقط منها بعد قضاء الحاجة، ثم مجيئها مع صفوان بن المعطل، لينشر مقالة السوء ويشوه عفة عائشة ويطعن في عرض الرسول القائد وصاحبه أبي بكر الصديق. وما كان المنافقون ليجرؤوا على بث بزعيمهم لولا انتشار الحديث في الصف المسلم مما جعل المجال رحبا ليدسوا أنوفهم فيه ويرسلوا ما في جعابهم من سهام وأفاض الناس في الحديث والقائد ساكت والأذية شديدة الوقع على نفسه لأنها مفاجئة وشائعة، لو صحت لكانت طعنة في العرض والشرف، وتأخر الوحي فلم يكشف الحقيقة ويفضح المنافقين مما زاد في معاناة القائد أكثر من شهر. (2/97)
صفحة 291
وقد ضاع دور ابن أبي في تولي كبر الإفك بسبب مشاركة المسلمين في الخوض فيه. قال تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنْ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ، لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ } (سورة النور/11/ 12)
وتأثر القائد من هذه الإشاعة وصعد المنبر يعلن تأذيه من الحادثة وقد كان ابن أبي يسعى إلى ترويج خير الإفك مما جعل أسيد بن حضير يعلن استعداده لقتل المنافق. وأخذت الحمية سعد بن عبادة الخزرجي فجرى بينهما كلام وكادت تحصل فتنة بين الأوس والخزرج لولا تهدئة الرسول القائد للحيين.
وبينت الحادثة الجانب الإنساني في الرسول القائد فقد شك وقلب الأمور وشاور أصحابه فهو لا يطلع على الغيب ولا يعلم القصد الملفق الكاذب. إنما هو بشر يوحى إليه والوحي لا يتنزل حسب رغبة الرسول وإلا لانتهت المشكلة من أول يوم وحمى عرضه وقطع لسان الأفاكين. وعندما استشار أصحابه، منهم من نصح بالمفارقة ومنهم من أشار بالإمساك ونزه عائشة التي كانت مريضة لا تعرف ما يجري ولما علمت إزدادت حالتها سوءا. والرسول القائد يصرح أنه لا يعلم عن أهله إلا خيرا، ويزكي صفوان بن المعطل فيشهد أيضا أنه لا يعلم عنه إلا خيرا وينادي من على المنبر:
" من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهل بيتي، والله ما علمت على أهلى إلا خيرا، ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا وما كان يدخل على أهلي إلا معي". (2/98)
صفحة 292
ورغم معاناته صلى الله عليه وسلم فإنه لم يخرج في معالجته لأثار القذف عن طوره وحافظ على هدوئه بل تدارك الأوس والخزرج قبل اقتتالهما بسبب الحية الرقطاء التي نفثت سمها وافتضح أمرها، فبعد أن كان ابن أبي الشريف الذي لا يكذب ولا يمس غدا المجرم الذي يدافع عنه ألا يقتل.
وحتى يمسح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - آثار فتنة الهم بالاقتتال بين الحيين مكث أياما ثم أخذ بيد سعد بن معاذ في نفر وخرج يقوده حتى دخل به على سعد بن عبادة ومن معه فتحدثا عنده ساعة وقرب سعد بن عبادة طعاما فأصاب منه رسول الله وسعد بن معاذ ومن معه، ثم خرج القائد من عند سعد ومكث أياما وفعل نفس الشيء في بيت سعد بن معاذ ليذهب ما كان في أنفسهم من قولهما الذي تبادلاه بسبب زعيم المنافقين، وتخلى سعد بن عبادة عن موقفه الانفعالي من ابن أبي الذي أصبح في خزي لا يؤبه له.. وذلك قبل نزول براءة عائشة.
وازدادت بذلك حركة النفاق ضعفا وانحسارا وعجزا عن المواجهة ورغم ذلك حذر النبي القائد من موالاتهم قال الله تعالى: { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتْ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمْ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ } (آل عمران/118)
من تطورات حادثة الإفك:
لم ينج منها حسان بن ثابت وتدخل فيها ونال من صفوان الذي غضب فضرب حسان بسيفه فوثب الأنصار وأوثقوه وأسروه أسر قبيحا، فساقهم عمارة بن حزم إلى الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - وتكلم حسان فاتهم صفوان بالتهجم عليه، وقال:" لا أراني إلا ميت من جراحتي" فتغيظ الرسول عليه السلام وسأله:" لم حملت عليه السلاح؟" فرد صفوان: إنه آذاني وهجاني وسفه علي وحسدني على الإسلام. فلام الرسول القائد حسان ثم قال:" احبسوا صفوان فإن مات حسان فاقتلوه به". (2/99)
صفحة 293
وتداركت بذلك يد النبوة العظيمة هذا الأمر رغم الجراحات التي يقاسيها القائد من النيل من أهله، وخرج سعد بن عبادة متراجعا عن الجدال عن المنافقين فقال لما علم بما فعل صفوان:" عمدتم إلى رجل من أصحاب رسول الله تؤذونه وتهجونه بالشعر وتشتمونه... ثم أسرتموه أقبح الاسار ورسول الله بين أظهركم! وإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليحب أن يترك صفوان والله لا أبرح حتى يطلق" فاستحى القوم وأطلقوه.
ثم جاء حسان بأمر سعد فقال لرسول الله: "كل حق لي قبل صفوان فهو لك يا رسول الله" فقال القائد صلى الله عليه وسلم:" قد أحسنت وقبلت ذلك".
ولم يسم من أهل الإفك إلا حسان ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش فحدوا بينما الذي تولى كبره ابن أبي كان يتحدث عنده فيقره ويستحكيه ويذيعه فلم يقم عليه الحد.
ثم أنزل الله براءة عائشة وفضح المنافقين فأمسكوا عن إشاعة الفاحشة والتلاعب بالأعراض وعوقبوا بما يستحقونه.
ولو أحسن المسلمون الظن بعضهم البعض لكان خيرا لهم ولما انطلت عليهم مؤامرات النفاق والتي لم يسلم من أذاها أطهر بيت.. بيت النبي القائد - صلى الله عليه وسلم - .
وبنزول براءة عائشة انقشعت سحابة الارتياب والاضطراب عن جو المدينة وافتضح رأس المنافقين فلم يستطع رفع رأسه بعد ذلك.
غزوة الأحزاب (الخندق)
( شوال- السنة الخامسة للهجرة)
المسلمون: ثلاثة آلاف بقيادة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
المشركون:عشرة آلاف بقيادة أبي سفيان
…………- 400 فرس
……- 1500 بعير
النتيجة: - استشهد من المسلمين ثمانية كلهم من الأنصار
قتل من المشركين اثنا عشر
(اثنا بالسيف
عشر بالرماة)
فشل الأحزاب
غزوة الأحزاب (الخندق)
الاستعداد للمعركة: (2/100)
صفحة 294
بعد إجلاء بني النضير عن المدينة توجه اليهود إلى خيبر، ثم خرج وفد يضم زعماءهم إلى مكة يدفعهم حقدهم وذلك للاتصال بقريش والتحالف معها لحرب محمد واستئصال الإسلام. وقد شهد اليهود زورا أن المشركين أهدى من الرسول محمد - صلى الله عليه وسلم - وقد فضحهم القرآن...قال تعالى:
{ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنْ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا } (النساء/51).
ثم اتصل وفد اليهود بغطفان يدعونها للتحالف معهم وعدوها بتمر خيبر لسنة فوافقت غطفان وخرجت قريش والأحابيش في أربعة آلاف ومعهم من الظهر ألف وخمسمائة بعير وأربع مائة فرس. ووافقت غطفان ومن تبعها من بني سليم وبني أسد وبني مرة وبني فزارة وأشجع في ستة آلاف ولهم من الخيل ثلاث مائة.
ولما خرجت قريش لحربه فندب الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - الناس وأخبرهم خبر عدوهم وشاورهم في أمر الجهاد ووعدهم بالنصر إن اتقوا وصبروا على هذا العدد الهائل من الأحزاب المتألبة الحاقدة.
التشاور حول خطة المواجهة:
أرسل الرسول القائد سليطا وسفيان بن عوف ليرصدا تحركات الأحزاب ويزوداه بأخبار العدو فوقعا في قبضة المشركين وقتلا وأتي بهما إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فدفنا معا شهيدين قرينين.
اقتضت خطة الرسول القائد بعد مشاورة الصحابة في كيفية مواجهة الأحزاب أن يتحصن في المدينة ويتبع أسلوب القتال الدفاعي في المعركة لضخامة عدد المشركين وعدتهم فالمدافع المتحصن- عسكريا- أفضل موقفا من المهاجم المقاتل المكشوف الذي تسهل إصابته. (2/101)
صفحة 295
ثم أشار سلمان الفارسي بحفر خندق في الجهة المكشوفة من المدينة وقال: "يا رسول الله إذا كنا بأرض فارس وتخوفنا الخيل خندقنا علينا... فهل لك يا رسول الله أن نخدق؟" فاعجب رأي سلمان المسلمين وذكروا حين دعاهم الرسول القائد أن يقيموا ولا يخرجوا فكره المسلمون الخروج وأحبوا الثبات في المدينة.
وقد كان لسلمان الفارسي دور بارز في الخندق، وتسابق عليه الأنصار والمهاجرين كل يعتبره منهم فقال القائد صلوات الله عليه " سلمان من أهل البيت".
وكان من خطة الرسول القائد أن يعسكر أمام جبل سلع ليحمي ظهره ويحفر الخندق أمامه ليصد هجمات الأحزاب، وكان صلى الله عليه وسلم يوجه السؤال لأهل الاختصاص من المعسكرين: "أشيروا علي أيها الناس، فإذا كان الجيش قليل العدد والعدو قويا فيجب الأخذ بالمكيدة في مواجهته ولا يسوغ التعرض له فذلك بمثابة إثارة الحية من حجرها".
وفي هذه الغزوة لم يسأم الرسول القائد من مطاولة العدو فالانتظار انتهاز للفرص ولا يطلب الظفر باللقاء ما وجد إلى الظفر بالحيلة سبيلا لأن الخروج إلى العدو تغرير بالنفس وإهلاك للمال وركوب للخطر وتحمل للمشاق وفي الأخذ بالمكيدة غنى عن ذلك كله.
وكان الرسول القائد والمسلمون معه يخشون على النساء والصبيان من يهود المدينة وبعد التشاور رأوا أن يضعوا في أماكن آمنة مثل حصن فارغ، وأعلم بني حارثة وبني رزيق، وأن يشكل الرسول القائد فرقة لحراسة المدينة متكونة من ثلاث مائة مقاتل وأخرى من مائتي مقاتل لا تغفل أعينهم عن المسلمين حول الخندق فإن الأمن للجنود مطلوب والمجاهد يحتاج إلى النوم والراحة بعدما بذله من جهد مضن ولا يتسنى ذلك إلا بالحراسة الشديدة واليقظة التامة وهذا ما طبقه القائد الرسول بدقة في غزوة الأحزاب.
التواضع وعدم التميز: (2/102)
صفحة 296
كان الشباب والشيوخ في غزوة الخندق ينقلون التراب ويحملونه على رؤوسهم بالمكائل ويرجعونها مملوءة بالحجارة من جبل سلع ليردوا بها جيوش الأحزاب إن اقتربت من الخندق، وكان الشيخان أبو بكر وعمر ينقلان التراب في ثيابهما من العجلة إذ لم يجدا مكاتل، وكانا لا يفترقان في مسير ولا منزل فماذا كان موقف القائد عندها؟ هل كان يتفرج على أصحابه وهم يحفرون الخندق وينقلون التراب؟ كلا إنه يشارك بل اجتهد في الحفر ونقل التراب حتى وارى التراب بطنه وهو يرتجز:
اللهم لولا أنت ما اهتدينا
فأنزل سكينة علينا
إن الألي قد بلغوا علينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا
وثبت الأقدام إن لاقينا
إذا أرادوا فتنة أبينا
وكانت الأنصار تقول يوم الخندق:
نحن الذين بايعوا محمد ... على الجهاد ما بقينا أبدا
فيجيبهم الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - :
اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة ... فأكرم الأنصار والمهاجرة
وتواصل تنافس الصحابة في الحفر فاعترضتهم صخرة كسرة معاولهم، وهموا بتركها، ثم شاوروا فيها الرسول القائد فقام صلى الله عليه وسلم وبطنه معصوب بحجر من الجوع فأخذ المعول وقال: بسم الله فكسر ثلث الحجر، وقال الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام، ثم ضرب أخرى فكسر ثلث الحجر، فقال الله أكبر أعطيت مفاتيح فارس، ثم قال بسم الله وضرب أخرى فقلع بقية الحجر فقال الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن. (2/103)
صفحة 297
لم يكن القائد متفرجا ولم يكتف بالتشجيع على الحفر ولم يصدر أمرا صارما يتهدد فيه بعقاب من يتردد في التنفيذ إنما شارك في تحطيم الصخور ونقل التراب فعليا وتحمل البرد والجوع والريح والنصب ولم يفارق الرسول القائد جنده طوال مدة الحفر وكان يأبى أن يتميز عنهم فيقعد وهم يعملون ويتساوى معهم في الأكل، ففي دعوة جابر بن عبدالله يوم الخندق أطعم الرسول القائد وجنده أولا ثم أكل هو وأطعم أهل البيت، فلم يزل يكسر الخبز ويغرف حتى شبعوا ولم يرغب أن يخص نفسه بطعام لذيذ ويحرم جنده بل نادى أهل الخندق كلهم وأكل الجميع.
المفاجأة وتوظيف القائد لخبرة جنده:
فكرة حفر الخندق حول المدن فكرة عسكرية فارسية أفاد منها المسلمون وفاجأوا بها الأحزاب فهو سلاح لم تعرفه العرب من قبل لذلك لم يخف أبو سفيان قائد العدو مفاجأته بالخندق، إذ لم يتوقعه وقد أثار غيظه وحفيظته،فحاول استفزاز النبي عليه السلام واستدراجه ليخرج من الخندق فينفذ خطته لاستئصال المسلمين بقوته التي تعدل أضعاف قوة المسلمين وكتب كتابا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول فيه:
" بسمك اللهم أحلف باللات والعزى وإساف ونائلة وهبل لقد سرت إليك أريد استئصالكم فأراك قد اعتصمت بالخندق وكرهت لقاءنا ولك مني يوم كيوم أحد".
فقرأ أبي بن كعب الرسالة للقائد فأمر بالرد عليه:" قد أتانا كتابك وقديما غرك- يا أحمق بني غالب وسفيههم- بالله الغرور وسيحول الله بينك وبين ما تريد ويجعل لنا العاقبة وليأتين عليك يوم أكسر فيه اللات والعزى وإسافا ونائلة وهبل يا سفيه بني غالب".
لقد كان الأمل يشع في قلب الرسول القائد رغم عمق المحنة والتفاؤل بالنصر على عدو لئيم في ساعة عسرة وظروف قاسية من برد وحصار طويل..أمل يغمر مشاعر الرسول القائد لثقته المطلقة بتأييد الله فانظر إلى قوله صلى الله عليه وسلم " ويجعل لنا العاقبة" ينطق بالانتصار على سدنة الأصنام المنهارة. (2/104)
صفحة 298
وقد كان للمؤمنين الصادقين نفس موقف قائدهم ثقة تامة بالنصر وثبات عتيد قال تعالى في وصفهم:
{ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا } (الأحزاب /21- 23)
لقد ربط الله المؤمنين بواهب النصر ليتجمعوا إليه بصدق يستنصرونه قال تعالى:
{ وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا } (الأحزاب/25)
لقد كان الخندق مفاجأة مذهلة فعلا صدت عدوان الأحزاب وحالت دون تطبيق خطتهم وسلبت منهم الإرادة فملت قواتهم وفقدت الحماسة للقتال وضعفت المعنويات ورغم ما أبداه المسلمون من إعداد وحراسة لكن الله وحده هو الذي هزم الأحزاب ونصر عبده وأعز جنده وذلك حتى يبرأ الإنسان من حوله وقوته وينقطع قلبه عن الاعتماد على الأسباب ويتصل برب الأرباب.
توزيع الرسول القائد المسؤوليات على الجند:
يعتبر القائد الرأس المدبر في المعركة فحمايته من أعظم المسؤوليات لذلك اتخذ الرسول القائد حراسة تحميه من كيد الأعداء لأن حياته ملك للأمة التي يجاهد لإعزازها لقد كان عباد بن بشر وبعض الأنصار يحرسونه كل ليلة كما كون فرقة حراسة تتناوب على طول الخندق تؤمن الجند وترصد العدو. (2/105)
صفحة 299
لقد كانت غزوة الأحزاب معركة أعصاب لا خسائر لذلك كان الرسول القائد حريصا على معنويات جنده يراعي مصلحة جيشه في ذلك الظرف العصيب من تآلف الأحزاب وغدر اليهود وتثبيط المنافقين بالتعويق والدعوة إلى الفرار.
فلما جاء خبر نقض العهد من بني قريظة أراد الرسول القائد التأكد من صحة الخبر فاختار- قطعا لدابر الشك- أن يرسل سعد بن معاذ وأسيد بن حضير سيدي الأوس، وسعد بن عبادة سيد الخزرج ولم يكن الاختيار عرضا بل قصد به القائد - صلى الله عليه وسلم - - إن كان الخبر صحيحا- أن يثني حلفاء بني قريظة من الأوس اليهود غدرهم وينهونهم عن نقض العهد ويحملونهم مغبة الغدر. وفي إرسال سيد الخزرج ضمن الوفد دلالة على أن صف المسلمين واحد خلف الرسول القائد فلا يطمع اليهود بشقة بعدما نقل إليهم المنافقون ما حصل بين السعدين في قضية الإفك وليكون السعدان رائدين لقومهما في مواجهة اليهود السفهاء المتسفلين في شتمهم.
وقد اعتمد القائد - صلى الله عليه وسلم - الكتمان فأوصى مبعوثيه إلى اليهود بأن يلحنوا له لحنا إن تأكد الخبر عن نقض قريظة للعهد، وحسب توجيهات الرسول القائد كانت كلمة السر هي "عضل والقارة" حتى لا يفت الخبر في عضد المسلمين ويحطم نفساتهم فينهاروا قبل استكمال الاستعداد العسكري.
وفهم الرسول القائد لحن أصحابه وأن الغدر وقع من يهود قريظة مثلما غدر بخبيب وصحبه، لكنه صلى الله عليه وسلم قال:" الله أكبر أبشروا يا معشر المسلمين بنصر الله وعونه". وأمنا المنافقون فقد نالوا من الرسول القائد وصحبه لاضعاف الهمم فكانت أخبارهم تنتقل إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيحتاط أن تؤثر في جنده ويبطل كيدهم.
التوجه إلى الله بالدعاء: (2/106)
صفحة 300
لعد أن زاغت الأبصار يوم الخندق من فرط الهول وبلغت القلوب الحناجر ولولا أن الحلوق ضاقت عنها لخرجت، وتوجه الرسول القائد إلى ربه يدعوه وأوصى أصحابه بإخلاص الدعاء، فكان صلى ا يقوم الليل ويدعو " اللهم ادفع عنا شرهم وانصرنا عليهم واغلبهم لا يغلبهم غيرك" وكان يوجه أصحابه فيقول: " قولوا: اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا". ويردد صلى الله عليه وسلم :" اللهم منزل الكتاب سريع الحساب اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم". ويقول أيضا:" يا صريخ المكروبين ويا مجيب المضطرين اكشف همي وغمي وكربي فقد ترى حالي وحال أصحابي".
وقد استجاب الله لدعاء الرسول وصحبه فشتت شمل الأحزاب وردهم خائبين لم ينالوا خيرا.
يقظة الرسول القائد وجنده تتكامل مع الشورى:
طال الحصار على المؤمنين وعلى الأحزاب ومزقت بنو قريظة صحيفة العهد ونقضته ولما نفذت المؤونة من القبائل المحاصرة للمدينة أرسل اليهود عشرين جملا محملا بالمؤن لإعانة الأحزاب على المسارعة باستئصال محمد وصحبه وأتباعه، لكن اليقظة الدائمة للطلائع الراصدة لتحركات العدو من داخل المدينة أو حولها تمكنت من التعرض للقافلة وصادرتها الاستخبارات العسكرية المسلمة وغنمتها وحرمت الأعداء من الاستفادة منها.
كما حاول القائد صلى الله عليه وسلم أن يحدث شرخا في جبهة الأحزاب ويشق صفهم فاستدعى زعيمي غطفان: عيينة بن حصن والحارث بن عوف، وعرض عليهما أن يعطيهما ثلث ثمار المدينة بشرط أن يرجعا بمن معهما وقبل أن يلتزم الرسول القائد نحوهما بشيء استشار زعيمي الأوس والخزرج: سعد بن معاذ وسعد بن عبادة لأن النخيل لهم فقالا بكل أدب:
" يا رسول الله: أمرا تحبه فنصنعه، أم شيئا أمرك الله به لابد من العمل به، أم شيئا تصنعه لنا؟".
قال:" بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا لأني رأيت العرب رمتكم عن قوس واحدة وكالبوكم من كل جانب فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما". (2/107)
صفحة 301
فقال سعد بن معاذ: "يا رسول الله: قد كنا وهؤلاء على الشرك بالله وعبادة الأوثان ولا نعبد الله ولا نعرفه وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة واحدة إلا قرى أو بيعا!! أفحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له وأعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا؟ ما لنا بهذا من حاجة..والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم".
فقال الرسول القائد: أنت وذاك. وتنازل صلى الله عليه وسلم عن رأيه وأخذ برأي سعد.
ولم تكن اليقظة خاصة بالرجال المرابطين في الميدان بل تعدتهم لتشمل النساء المتحصنات داخل المدينة حيث حاول يهودي التسلل إلى حصن النساء وبمجرد طوافه بالحصن استطاعت صفية بنت عبد المطلب أن تكمن له عند باب الحصن وتقتله وتنقذ المسلمات من شره. وقد اعجب الرسول القائد بشجاعتها ويقظتها.
التزام المخلصين يقلل من شأن تثبيط المنافقين:
يصطبغ الصف المسلم عموما بالالتزام والطاعة وعدم مجاوزة الأمر أو معصيته ويتمثل الالتزام في استغراق الجند في حفر الخندق رغم الجوع والبرد وقد لبثوا ثلاثة أيام لا يذوقون ذواقا فلا يتحرك الجندي إلا بإذن ولا يمضي إلى بيته إلا بإذن. وقد كان الالتزام بأوامر الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - ممزوجا بالحب والفداء والتضحية من الأبطال الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمن كلف بالحراسة والتضحية من الأبطال الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمن كلف بالحراسة سهر على الثغر حتى لا يؤتى المسلمون من قتله وهو يؤمل أن لا تمس النار عينه لأنها باتت تحرس في سبيل الله، ومن حددت له أمتار الحفر أنجزها دون تبرم وهو يردد " هذا ما وعدنا الله ورسوله".
في مقابل هذا الالتزام لم يخل الصف المسلم من مرضى القلوب الذين فضحهم القرآن فوصفهم بأنهم يتسللون لواذا دون أمر الرسول القائد أو إذنه ويتعللون بأن بيوتهم عورة.. قال الله تعالى في حقهم: (2/108)
صفحة 302
{ وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَاأَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا } (الأحزاب /12-13)
ويجرؤ بعضهم فيقول في وقاحة:" قد كان محمد يعدنا فتح فارس والروم وقد حصرنا هنا حتى ما يستطيع أحدنا أن يبرز لحاجته....ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا".
وقد كان موقف القائد الرسول - صلى الله عليه وسلم - من المنافقين حاسما وفاضحا سواء منهم الذين يدعون إلى الفرار أو الذين يعوقون ويثبطون فأبطل صلى الله عليه وسلم ما أرجفوا به.
الحرب خدعة:
لما انضم بنو قريظة إلى الأحزاب قصد القضاء على الدولة المسلمة، ونقضوا عهدهم مع المسلمين أرسل أبو سفيان إليهم عكرمة يحثهم لبدء القتال. وقد كان لنقض العهد من اليهود شديد الوقع على نفوس المسلمين، إذ كان يمكنهم التسلل إلى نساء وأطفال الصحابة وهم يعرفون مسالك المدينة، وهذا يؤثر على معنويات الجيش المسلم الذي لا يطمئن على مصير أهله وماله وذريته..لكن القيادة الحيمة وظفت نعيم بن مسعود هذا الذي أسلم حديثا ولم يعلم أحد بإسلامه فوجهه القائد - صلى الله عليه وسلم - إلى التخذيل وأذن له أن يقول بما يشاء فالحرب خدعة وإنما هو واحد، فقال عليه السلام:" ما استطعت أن تخذل الناس فاخذل قل ما بدا لك فأنت في حل". (2/109)
صفحة 303
فنهض نعيم بالمسؤولية على أحسن وجه، إذ اتصل ببني قريظة وقد كان نديما لهم في الجاهلية فقال: يا بني قريظة قد عرفتم ودي إياكم وخاصة ما بيني وبينكم. قالوا: صدقت لست عندنا بمتهم. فقال لهم: إن قريشا وغطفان ليسوا كأنتم البلد بلدكم فيه أموالكم وأولادكم ونساؤكم لا تقدروا أن تحولوا منه إلى غيره وإن قريشا وغطفان قد جاؤوا لحرب محمد وأصحابه وقد ظاهرتموهم عليه وبلدهم وأموالهم ونساؤهم بغبرة فليسوا كأنتم فإن رأوا نهزة أصابوها فإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل ببلدكم ولا طاقة لكم به إن خلا بكم فلا تقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رهنا من أشرافهم يكونون بأيديكم ثقة لكم على أن تقاتلوا معهم محمد حتى تناجزوه فقالوا له: لقد أشرت بالرأي.
ثم جاء نعيم إلى أبي سفيان ومن معه فقال لهم: إني قد بلغني أمر قد رأيت علي حقا أن أبلغكموه نصحا لكم فاكتموا عني فقالوا: نفعل. قال: تعلمون أن معشر اليهود قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم وبين محمد وقد أرس رسولا إليه إنا قد ندمنا على فعلنا فهل يرضيك أن نأخذ لك من القبيلتين (قريش وغطفان) رجالا من أشرافهم فنعطيكهم فتضرب أعناقهم ثم نكون معك على ما بقى منهم حتى نستأصلهم؟ فأرسل إليهم أن نعم. فإن بعثت لكم اليهود يلتمسون منكم رهنا من رجالكم فلا تدفعوا إليهم رجلا واحدا.
ثم جاء نعيم غطفان فقال لهم ما قال لقريش وحذرهم من إعطاء قريظة رهائن من رجالهم وصدقته غطفان لأنه منها. وقد ساهمت هذه المعلومات في هدم الثقة بين الأحزاب وأدت إلى التفرق بعد الاتفاق والعجز عن تنفيذ هدف استئصال شأفة المسلمين.
إن ما قام به نعيم من تخذيل وخدعة لا يعنيان الغدر والخيانة بل هي قمة الذكاء في استغلال وتوظيف الإمكانات لهزم العدو. (2/110)
صفحة 304
فلما أرسل أبو سفيان إلى اليهود ثانية يستعجلهم الهجوم على المدينة وذلك ليلة السبت، قالوا له:غدا السبت وهو يوم لا نعمل فيه شيئا ولا نقاتل معكم محمدا حتى تعطونا رهنا من رجالكم فإنا نخشى إن ضرستكم الحرب واشتد عليكم القتال أن تنسحبوا إلى بلادكم وتتركونا والرجل في بلدنا ولا طاقة لنا لذلك منه. فلما وصل الجواب دب الخلاف بين اليهود والأحزاب فقالت قريش وغطفان: إن ما حدثكم به نعيم لحق.
فأرسوا إلى بني قريظة: إنا والله لا ندفع لكم رجلا واحدا فإن كنتم تريدون القتال فاخرجوا فقال اليهود: إن الذين ذكركم نعيم الحق، ما يريد القوم إلا أن يقاتلوا فإن رأوا فرصة انتهزوها وإن كان غير ذلك انسحبوا إلى بلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل فاجبابوهم ثانية: إنا والله لا نقاتل معكم محمد حتى تعطونا رهنا.
فأبوا عليهم وخذل الله بينهم، فتشتت شمل الأحزاب وتفرقوا وانتهت مؤامرة اليهود بالفشل رغم غدرهم وهزم العدو بعد طول حصار دون قتال مع الظروف الطبيعية القاسية مما زاد في تبرم الأعراب وتذمرهم من البقاء فتسارعوا إلى الرحيل.
الانضباط طريق النصر:
دب الذعر في نهاية غزوة الأحزاب في صفوف المشركين وساد الاضطراب بعد أن هبت رياح شديدة قلعت الخيام وقلبت القدور، فأرسل الرسول القائد أمين سره حذيفة بن اليمان ليستطلع خبر القوم، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد طلب أن يأتيه أحد بخبر العدو ووعده بالرفقة في الجنة، وأمام الخوف والبرد لم يقم أي واحد من الصحابة لأن الرسول القائد لم يحدد، فلما صدر الأمر صراحة لحذيفة لم يكن له بد أن يقوم بعد أن فاجأه القائد باسمه، واشترط عليه فأوصاه أن يستطلع الخبر ولا يحدث شيئا في صفوف العدو. ومما قاله صلى عليه وسلم:
" اذهب فأتني بخبر القوم ولا تذعرهم على..يا حذيفة قم فادخل في القوم فانظر ماذا يصنعون ولا تحدثن شيئا حتى تأتينا". (2/111)
صفحة 305
فانطلق حذيفة حتى أتاهم فرأى أبا سفيان يصلى ظهره بالنار، فوضع سهما في كبد القوس وأراد أن يرميه. فأحجمت، ولولا عهد رسول الله إلي " أن لا تحدث شيئا حتى تأتيني" لقتلته بسهم.
وهنا تظهر قمة الانضباط من حذيفة فقائد الأحزاب في مرمى سهمه ولن يكلفه شيئا، وقتل أبي سفيان يعد هزيمة للأحزاب لكنه الالتزام بالأوامر. ودخل حذيفة في القوم والريح وجنود الله المرسلة تفعل ما تفعل،لا تقر لهم قدور ولا نار ولا بناء، وأحس أبو سفيان بحركة حذيفة فقال: يا معشر قريش لينظر امرؤ من جليسه؟ قال حذيفة: فأخذت بيد الرجل الذي على يمين فقلت: من أنت؟ قال: معاوية بن أبي سفيان.ثم أخذت بيد الرجل الذي على شمالي فقلت من أنت؟ قال: عمرو بن العاص.
ثم قال أبو سفيان: إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام لقد هلك الكراع، وأخلفتنا بنو قريظة، بلغنا منهم الذي نكره، ولقينا من هذا الريح ما ترون..والله ما تطمئن لنا قدور ولا تقوم لنا نار ولا يستمسك لنا بناء فارتحلوا فإني مرتحل. فقام إلى جمله وهو معقول فجلس عليه وضرب فوثب على ثلاث فما أطلق عقله وهو قائم، فرجع حذيفة ينتفض من البرد وأخبر الرسول القائد بخبر القوم.
وقد يقول قائل: لو تخلص حذيفة من أبي سفيان فهو صيد ثمين، وقد لا تواتي الفرصة وهو قائد العدو، ولكن من يدري العواقب المترتبة على مخالفة أمر الرسول القائد وعدم الانضباط به؟ لعل الأحزاب لو قتل قائدها تؤجج نار الحرب وتحكم الحصار وتبغي الانتقام له، والرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - في أمس الحاجة إلى فك الحصار فقد بلغ الجهد من المسلمين مبلغه وضاقت الأرض وزاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر؛ لذلك كانت المصلحة في عدم إثارتهم وفي الانضباط بأمر القائد الذي مهد الطريق للنصر وكفى الله المؤمنين القتال فارتحل الأحزاب مخذولين تاركين متاعهم خلفهم وما نالوا من المسلمين شيئا.
نهاية الغزوة: (2/112)
صفحة 306
يئس المشركون من استئصال المسلمين، بل حتى من النيل منهم، وحاولوا التسلل إلى الخندق فلم يفلحوا وفقدوا فارسهم عمرو بن عبد ود، قتله علي بن أبي طالب، وكذلك سقط نوفل بن عبدالله بن المغيرة المخزومي في الخندق، فسلم الرسول القائد جثته للأحزاب وقال بعد مساومته عليها: " لا نأكل ثمن الموتى".
وأخفق عكرمة وخالد في الوصول إلى المسلمين المتحصنين، وباءت محاولاتهم بالفشل الذريع ورغم عددهم الهائل(عشرة آلاف) فإن جمعهم متفرق الكلمة منخذل مهزوز الثقة.وعلى عكس الأحزاب كان الصف المسلم متماسكا ملتحما ملتزما تحت قيادة موحدة حازمة، بتعبئة جديدة ومعنويات مرتفعة وأسلوب جديد في القتال ومفاجئ، فحفر الخندق لم يعرفه العرب والمبادأة التي اعتمدها الرسول القائد وهي السبق بالعمل لإجبار العدو على تبديل خطته والاحتفاظ بهذا السبق..كل ذلك أسهم في هزيمة الأحزاب.. إلى جانب الجنود التي أرسلها الله عليهم فملوا الحصار وانقلبوا خائبين.
ورغم أن قتلى الفريقين يعدون على الأصابع لكن الغزوة كانت من أحسم المعارك في تاريخ الإسلام، إذ مصير الرسالة كان مهددا فيها وقد حشد لها ما يحقق استئصالها لكن الله كفى المؤمنين القتال وهزم الأحزاب وحده ونصر عبده وأعز جنده.
وانتقل الرسول القائد بعد هذه الغزوة من دور الدفاع عن المدينة إلى دور الهجوم لذلك تعتبر غزوة الخندق فاصلة بين المرحلتين، إذ كانت آخر وقعة تشن فيها قريش حربا هجومية على أرض المسلمين ويدافع فيها الرسول القائد وجنده الميامين عن المدينة وأهلها.
وقد أعلن الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - عن هذا التحول فقال(( الآن نغزوهم ولا يغزونا.. نحن نسير إليهم)).
وبعد عودة المسلمين إلى ديارهم بالمدينة ظافرين جاءهم النداء لتأديب ومعاقبة بني قريظة الغادرين الذين نكثوا العهد ومزقوا صحيفته، واستجاب الصحابة لنداء الرسول القائد صلى الله عليه وسلم .
صلح الحديبية (2/113)
صفحة 307
( ذو القعدة- السنة السادسة للهجرة)
عدد المسلمون: ألف وأربعمائة رجل من الأنصار والمهاجرين
الهدي: سبعون بدنة
أمير المدينة: نميلة بن عبدالله الليثي
عدد المشركون:حوالي ثمانية آلاف مقاتل
النتيجة: عقد الصلح وكتابة الوثيقة لاقرار الهدنة
صلح الحديبية(1)
(ذو القعدة 6 هـ)
تخطيط الرسول القائد عليه السلام:
- التوجه إلى مكة المكرمة لأداء مناسك العمرة:
بعد غزوة الأحزاب بلغ الرسول القائد خبر مفاده أن تحالفا عقد بين قريش- جنوب المدينة- واليهود في خيبر- شمال المدينة- الغاية منه جعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - وجنده ومدينته بين طرفي كماشة.
فكر عليه السلام مليا في إيجاد سبيل للخروج من هذا الحصار الذي حاول الأعداء إحكامه عليه من الشمال والجنوب، وفي الوقت الذي كان فيه الرسول القائد صلى الله عليه وسلم يفكر في تنفيذ خطة كسر فكي الكماشة بطرق دبلوماسية ويقلب الأمور من مختلف جوانبها لضمان أوفر الحظوظ لنجاحها جاءته إشارة ربانية تثبت فؤاده وتؤيد عزمه على ما نوى وقرر.
رأى عليه السلام رؤيا وهو بالمدينة أنه دخل هو وأصحابه المسجد الحرام وأخذ مفتاح الكعبة، وطافوا واعتمروا وحلق بعضهم وقصر بعضهم فأخبر بذلك أصحابه ففرحوا وحسبوا أنهم سيدخلون مكة عامهم هذا".
خرج الرسول القائد بأصحابه وهم يتمتعون بمعنويات عالية وآمال واسعة بالطواف بالكعبة ورؤية البلد الذي أخرجوا منه منذ سنين.
تأمين المدينة من الداخل:
__________
(1) 1 ) الحديبية: قرية متوسطة ليست بكبيرة سميت ببئر هناك عند مسجد الشجرة التي تمت تحتها البيعة بينها وبين المدينة تسع مراحل (عن معجم البلدان)
2) انظر تفاصيل الحادثة ابن هشام. السيرة النبوية ج3 ص275.
3) محمد أحمد باشميل صلح الحديبية دار الفكر ص107. (2/114)
صفحة 308
لم يتحرك المسلمون صوب مكة إلا بعد توفير الأمن للمدينة وأخذ الحيطة من كل ما من شأنه أن يعكر حياة الناس فيها أثناء غياب الرسول القائد عليه السلام وأصحابه رضوان الله عليهم وكسر شوك الأعداء داخل المدينة وخارجها.
أما في الداخل فقد أنزل الضربة القاصمة بخونة يهود بني قريظة بعد اندحار جيش الأحزاب.
وأما خارج المدينة فقد ألحق بيهود خيبر ضربات موجعة أضعفت قوتهم وزعزعت فيهم عزمهم على إيقاع الشر بالمسلمين، فانهارت معنوياتهم بعد أن تمكن الفدائيون المسلمون من قتل ملكين من ملوك خيبر الواحد بعد الآخر داخل منطقة خيبر نفسها وهما:
أبو رافع سلام بن أبي الحقيق ملك اليهود وكبير مجرميها(2).
أشير بن زرام(3).
وكان قد سبق للفدائيين أن قتلوا كعب بن الأشرف وكبير مجرميها.
وبعد مقتل هذين الخصمين الخطيرين استولى العرب على قلوب اليهود ولم يبق يهودي إلا وهو بخائف على نفسه، فتلاشت من أذهانهم فكرة غزو المدينة التي كانت تراود أحلامهم واكتفوا بالبقاء داخل حصونهم للدفاع عن أنفسهم.
أما قريش فقد بات من المؤكد عجزها عن الخروج إلى المدينة على الأقل في الوقت الراهن بعد أن تبدد جمعها أثر غزوة الأحزاب وخابت آمالها العريضة التي كانت تحلم بها.
وبعد هذه الخطوات الجريئة عين الرسول القائد أميرا على المدينة وهو نميلة بن عبدالله الليثي(1).
وبعد أن توفرت كل عوامل الأمن والسلام للمدينة قرر الرسول القائد الخروج برجاله إلى مكة المكرمة لأداء مناسك العمرة.
الرسول القائد يحدد الهدف ويعلن عنه:
ولتحديد المهمة من الخروج إلى مكة أعلن الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - الهدف من ذلك ليسمع به الناس ويصل إلى أهل مكة أل وهو زيارة البيت الحرام وأداء مناسك العمرة.
__________
(1) 1 ) هو من قبيلة كلب اليمنية الواقعة ديارها في شمال شرق الجزيرة.. صحابي جليل شجاع شهد فتح مكة. استعمله النبي" واليا على خيبر بعد فتحها. (2/115)
صفحة 309
واستنفر الرسول - صلى الله عليه وسلم - أصحابه فنشطوا للخروج وتخاذل المنافقون والأعراب لظنهم أن الرحلة محفوفة بالمخاطر ولا مغنم فيها. ولاتمام الأمر أبلغ الرسول القائد عليه السلام قريشا- رسميا- أن خروجه ليس للحرب وإنما للعمرة فقط، وطلب منهم أن يتركوه وأصحابه يؤدون مناسكهم ثم يعودون إلى المدينة قافلين.
وقريش تعلم أن زيارة البيت الحرام والطواف به حق مشاع لجميع العرب مهما تباينت آراؤهم واختلفت طوائفهم فليس لها أن تمنع من جاء معظما للبيت.
الاستعداد للطوارئ المحتملة:
إن القائد الناجح يخطط لأعماله كلها بدقة، ويكون في الوقت نفسه شديد الحذر خاصة إذا كان الأمر يتعلق بالناحية العسكرية فرغم عزم الرسول القائد عليه السلام على مسيرته السلمية فقد أدخل في حسبانه ما قد يفاجئه من أحداث في طريقه إلى مكة المكرمة قد تعترض سبيله وتصده عن البيت العتيق بالسلام، وقد يصدر من سفهاء قريش ما يلحق الأذى بأصحابه وبناء على هذا التصور قرر الرسول القائد ما يلي:
ندب المسلمين حاضرة وبادية للخروج معه في هذه الرحلة التي يتوقع أن تحفها بعض المخاطر، مع العلم أنه في حالة حرب مع قريش وكل شيء ممكن ووارد إذا لم يكن بينه وبين المشركين في مكة أي عهد أو صلح.
عدم إثارة قضية المنافقين وصنيعهم من تثبيط للعزائم وتشكيك في نصر الله لرسوله وللمؤمنين.
المسير بالصفوة المختارة التي سارعت إلى إجابة الدعوة دون تحفظ أو تودد وهي تعلم أن سعادتها في الدنيا وفلاحها في الآخرة في طاعة أمر نبيها الكريم عليه السلام.
وقدر الله تعالى ألا يخرج معه إلا الخلصاء من أصحابه الذين صدقوا الله ما عاهدوا عليه من إيمان به وحماية لدينه ونصرة لرسوله ووفاء بعهده. (2/116)
صفحة 310
ولعلها حكمة أرادها الله لعباده الصالحين وذلك بأن لا يشرف بفضل بيعة الرضوان إلا الصادقون ولن يتم الفتح إلا على أيدي جند الله الذين باعوا حياتهم في سبيل دينه. وقد جاءت آيات فيما بعد تفضح الأعراب والمنافقين وتعلي من شأن المؤمنين المجاهدين.
قال تعالى: { سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنْ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا } (الفتح/11- 12).
وفي المؤمنين نزل قوله تعالى: { لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا } (الفتح/18).
4- الأمر بحمل السلاح تحسبا لكل طارئ واستئناسا بقول عمر الذي قال للرسول القائد متعجبا: "تدخل على قوم هم لك حرب بغير سلاح ولا كراع؟".
إظهار علامات النسك:
ولكي يظهر الرسول القائد قصده للناس بجلاء ساق عليه السلام سبعين بدنة هديا وقلدها بعلامات تعرف بها ليعلم الناس أنها هدي، وقد استعمل عليه السلام على هديه ناجية بن جندب الأسلمي وأمره أن يتقدم بها إلى ذي الحليفة ميقات الإحرام لأهل المدينة. كما ساق الموسرون من الصحابة هديهم تأسيا برسول الله صلى الله عليه وسلم. (2/117)
صفحة 311
وبهذا يكون الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - قد أعلن للعرب كافة في أنحاء الجزيرة أنه لا يريد حربا بمسيره هذا إنما يريد أن يمارس حق العبادة والطواف بالبيت العتيق وهي حجة كافية لقريش حتى تتركه وشأنه ولا تتعرض له فغن منعته أو حاربته فقد أدينت عند جميع العرب وكل القبائل وخسرت الرهان.
الرسول القائد يرسل طلائع للاستكشاف:
أعلن القائد بوضوح وصراحة أن مسيره إنما هو لجل أداء مناسك العمرة لكن هذا القصد السلمي لا يمنع القائد من أخذ كل وسائل الحيطة والحذر، خاصة في مثل هذه الظروف التي تنصب فيها قريش نفسها وصية على الحر دون سواها من القبائل وتترصد المسلمين في كل مكان للانتقام منهم خاصة بعدما لحق بها من خسائر في غزوة الأحزاب.
أمر الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - بسر بن سفيان الكعبي(1) بان يقوم بمهمة الاستخبارات ويجمع المعلومات عن قريش وعن نواياها، وأمره بأن يتقدم الجيش ويدخل مكة ويرصد تحركات قريش وواعده مكانا يلقاه فيه.
فاستجاب بسر لأمر قائده ونشط لذلك، فقام بالواجب وعاد بأخبار قريش ولقي الرسول - صلى الله عليه وسلم - بعسفان(2).
وفي ذي الحليفة كون الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - فصيلة من عشرين فارسا لتكون طليعة أمامه ولتقوم بأعمال الاستكشاف تحسبا للطوارئ وأمر عليها عبد بن بشر الأنصاري.
ومن هنا نرى الحس العسكري عند الرسول القائد والخبرة العسكرية واليقظة الدائمة مع اتخاذ الأسباب اللازمة لضمان السلامة والنجاح مع صدق التوكل وحسن الظن بالله عز وجل.
الطريق إلى مكة المكرمة:
__________
(1) 1 )بسر (بضم أوله وسكون ثانيه) ابن سفيان بن عمر الخزاعي (انظر باشميل: صلح الحديبية ص128).
(2) 1 ) عسفاف: منهلة من مناهل الطريق بين الححفة ومكة على مرحلتين (معجم البلدان). (2/118)
صفحة 312
قاد الرسول - صلى الله عليه وسلم - أصحابه صوب مكة المكرمة تحدوهم آمال اللقاء بذويهم الذين منعوا من الخروج إلى المدينة، والطواف بالبيت العتيق. وقد بذل عليه السلام جهده للوصول إلى غايته دون أن تراق قطرة من دم وخطط للأمر بحكمة وحذر وسعى جهده تجنيب أتباعه المواجهة الدامية مع قريش ويبرز هذا التخطيط فيما يلي:
تحديد الطريق التي سيسلكها الرسول القائد وأصحابه وروعي في ذلك كل سبل السلامة والأمانة مع أخذ الحيطة لما قد يحدث من الغزوات المفاجئة أو الكمائن المباغتة.
عند الضرورة القصوى تم تغيير الطريق والمرور بالمسالك الوعرة لتفادي المصادمة الدموية مع قريش خاصة لما علم القائد أن جيوش الكفر اجتمعت لصده عن البيت الحرام.
عرض الإسلام على القبائل المتناثرة في الصحراء المحاذية للطريق الذي يسلكه المسلمون رجاء كسب مزيد من الأنصار وتأمين نقاط العبور فمن القبائل من أسلم أهلها أو بعض منهم ومنهم من أبى فترك على حاله.
التعامل مع بعض الأحداث بحكمة بالغة نابغة من روح الشريعة الاسلامية السمحة... فقد قدمت بعض القبائل للرسول القائد عليه السلام بعض الهدايا كاللبن وبعض الأغنام فلم يقبلها وأمر أصحابه بشرائها ويتحقق بذلك هدفان:
تربية المسلمين على الاعتماد على النفس.
إشعار المشركين أن المسلمين أقوياء ولعل في ذلك ترغيبا لهم في الإسلام أو على الأقل لأمن مكروهم ورد إذايتهم.
تعهد الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - لجنده بالرعاية والمتابعة لأمورهم فقد كان عليه السلام يتفقد أحوالهم ويشجعهم على مواصلة السير وتحمل المشاق والصمود أما م المخاطر. كما كان عليه السلام دائما يصلهم بربهم ويقوي إيمانهم بالله وثقتهم به.
قريش تعلن الحرب على المسلمين:
فهذه قريش في برلمانها تصدر القرارات بصد الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن مكة وتنتخب لجنة للمتابعة والتنفيذ وهي كالتالي: (2/119)
صفحة 313
إعلان حالة الاستنفار القصوى لصد المسلمين عن مكة بكل الوسائل فجندت كل من يقدر على الحرب.
طلب المساعدة الخارجية واستدعاء الخلفاء فدعت الأحابيش للوقوف معها عسكريا ضد المسلمين.
جمع الأموال واعتماد ميزانية خاصة لتموين الجند وبخاصة الحلفاء الذين ينضمون إليها.
الدعوة إلى التمركز العسكري خارج الحدود لصد المسلمين قبل دخولهم الحرم.
اتخاذ قرار بمصاحبة النساء والأطفال لقطع خط الرجعة عن الذين لا يرون رأي قريش في الحرب وهو إعلان صريح عن تصميمهم على الحرب إرجافا للمسلمين.
تكوين قوات كثيفة من الفرسان قوامها مائتا فارس بقيادة خالد بن الوليد لأجراء المناورات واستفزاز المسلمين قبل وصولهم إلى خط الحرم.
إقامة جهاز للاستخبارات العسكرية بقيادة الحكم بن عبد مناف مهمة رجاله الضرب في الأرض والتقاط أخبار الجيش المسلم وإبلاغ معسكر قريش بالمعلومات أولا بأول.
وخرجت قريش واستقرت بواد قبل مكة من جهة الغرب يسمى بلدح وعسكر الجند هناك متحفزا للانقضاض على المسلمين في أية لحظة.
الرسول القائد يستشير أصحابه في أمر قريش:
وصلت إلى الرسول القائد أخبار قريش وما تنوي فعله من صد للمسلمين ومحاربتهم يسوقها الغرور والطيش والتعنت والطغيان كان ذلك والمسلمون لا يزالون يعسكرون بعسفاف فالموقف إذا خطير جدا يتطلب قدرا كبيرا من الكياسة والرؤية وحسن التدبير.
توجه القائد لأصحابه مستشيرا إياهم قائلا:
" هذا خالد بن الوليد على خيل المشركين بالغميم" ثم وقف خطيبا في المسلمين فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال:
" أما بعد فكيف ترون يا معشر المسلمين في هؤلاء الذين استنفروا إلى من أطاعهم ليصدوا عن المسجد الحرام؟ أترون أن نمضي لوجهتنا إلى البيت فمن صدنا قاتلناه؟ أم ترون أن نخلف هؤلاء الذين استنفروا لنا إلى أهليهم فغن أتبعونا أتبعنا منهم عنق يقطعها الله، وإن قعدوا، قعدوا محزونين موتورين". (2/120)
صفحة 314
فتكلم أبو بكر وتكلم المقداد بن عمر الكندي وتكلم سيد الأوس أسيد بن الحضير فتبين للرسول القائد عليه السلام أن جميع المسلمين موافقون على المضي قدما نحو غايتهم وأنهم مستعدون للقاء العدو إذا ما ألجأهم لذلك.
وأمام هذه الأحداث الهائلة أكثر الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - من استشارة أصحابه حتى يكونوا على بينة من أمرهم يمضون حيث يختارون حتى قال أبو هريرة: فمل أر أحدا كان أكثر مشاورة لأصحابه من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
لم لا؟ والظرف صعب يقتضي الاستفادة من آراء الناس في مثل هذه الحالات الحرجة والرسول - صلى الله عليه وسلم - يعلم أن أصحابه رجال حرب وقوة وهم رجاله الخلص الذين لن يبخلوا عليه برأي ظهر لهم.
وفي نهاية الأمر أعلن القائد مواصلة الطريق إلى مكة وأنه مستعد لمناجزة القوم إذا اعترضوا سبيله.
استعانة الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - بالمرشدين لمعرفة الطريق:
كان المسلمون يسيرون مع قائدهم صوب مكة وهم واثقون بوعد الله لرسوله بالدخول إلى مكة..ساروا ملبين مكبرين في طريقهم التي اعتاد أن يسلكها عامة الناس وسائر القوافل فلا ضرورة للتخفي وقد أعلن قائدهم الهدف السلمي من رحلتهم هذه وأبلغ قريشا نيته بزيارة البيت العتيق.
لكن الرياح تجري بما لا تشتهي السفن فقد جاء بشر بن سفيان الكعبي بالخبر اليقين وأخبر قائده وهو بعسفان عن نوايا قريش. قال: يا رسول الله هذه قريش قد سمعت بمسيرك فخرجوا معهم العوذ المطافيل قد لبسوا جلود النمور وقد نزلوا بذي طوى يعاهدون الله لا تدخلها عليهم أبدا، وهذا خالد بن الوليد في خيلهم قد قدموها إلى كراع الغميم. (2/121)
صفحة 315
فاسف الرسول - صلى الله عليه وسلم - لموقف قريش المتعنت فقال: " يا ويح قريش، لقد أكلتهم الحرب. ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر العرب فإن هم أصابوني كان ذلك الذي أرادوا، وإن ظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وافرين، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة، فما تظن قريش؟ فوالله لا أزال أجاهد على الذي بعثني الله به حتى يظهره الله أو تنفرد هذه السالفة"(1).
ومشيا مع نية حب السلام وتجنب القتال وحقن الدماء، التفت الرسول القائد إلى أصحابه قائلا:" من رجل يخرج بنا على طريق غير طريقهم التي هم بها؟" فجاء رجل من أسلم فسلك بهم طريقا كثير الحجارة شق على المسلمين اجتيازه ولقوا عنتا كبيرا وكادوا يهلكون ثم أفضى بهم إلى أرض سهلة عند منقطع الوادي انثنى المسلمون عندها يمينا ليهبطوا عند الحديبية أسفل مكة.
وكان الرسول - صلى الله عليه وسلم - لما رأى أصحابه وقد شق عليهم السير في الأرض الصعبة ذكرهم بربهم قائلا بهم: { قولوا نستغفر الله ونتوب إليه { فقالوا ذلك، فقال " والله إنها اللحظة التي عرضت على بني إسرائيل فلم يقولوها" أي اللهم حط عنا ذنوبنا(2).
الاستقرار بسهل الحديبية وأهم المواقف القيادية:
__________
(1) 1 ) العوذ: ج عائذ، وهي الحديثة النتاج من الإبل، المطافيل: التي معها أولادها. ذو طوى: موضع قرب مكة. كراع الغميم: واد أمام عسفان بثمانية أميال (انظر كتاب: مختصر السيرة لابن هشام إعداد محمد عفيفي الزغني ط: دار المطبوعات الحديثة جدة)
والحديث أخرجه ابن إسحاق بسند صحيح وهو قطعة من حديث طويل أخرجه البخاري (ج5/ 351- 371).
2) سيرة أبن هشام ج3 ص310.
3) حديث صحيح من حديث الحديبية عند البخاري وغيره. (2/122)
صفحة 316
لما أشرف المسلمون على سهل الحديبية بركت ناقة الرسول - صلى الله عليه وسلم - فدهش المسلمون لما عراها فقالوا: خلأت القصواء! فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - :" ما خلأت وما مولها بخلق ولكن حسبها حابس الفيل عن مكة لا تدعوني قريش اليوم إلة خطة يسألونني فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياه" ثم أمر الناس أن يحلوا حيث انتهى بالناقة المسير(3).
كتائب للحراسة:
استقر المسلمون في سهل الحديبية منتظرين أن تعود قريش إلى رشدها وتتنازل عن طغيانها فتسمح لهم بأداء مناسك العمرة وفي انتظار ذلك بادر الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - بتأمين جنده لتوفير الراحة النفسية لهم رغم ما أصابهم من توتر لقاء ظلم المشركين. فقد شكل عليه السلام ثلاث كتائب للحراسة الليلية وأمر عليها ثلاثة قادة من أصحابه الكرام:
عباد بن بشر
أوس بن خولي(1)
محمد بن مسلمة
فكانت الكتائب الثلاث تتناوب الحراسة الليلية خشية قيام الطائشين من جند قريش بأعمال سفيهة غادرة.
الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - يعرض على قريش خطة للتفاوض:
لم يتعجل الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالدخول إلى مكة متجنبا بذلك كل الصدمات التي يمكن أن تحدث، بل تريث ليعطي الفرصة للمفاوضات فلعل في قريش بقية من رجال يحكمون عقولهم في مهمات الأمور ويستجيبون لنداء العقل والحكمة.
فقال عليه السلام: " والذي نفس محمد بيده لا تدعوني قريش اليوم إلا خطة يسألوني فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها". ومن هذا الموقف يتضح أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسعى إلى التسامح ويريد صلة الرحم وتحاشى الصدام حفاظا على أصحابه ورجاء أن يكون في قريش بقية خير فيدخل أهلها في الإسلام ولو بعد حين.
__________
(1) أوس: كان أحد الخمسة الذين فتكوا بزعيم اليهود سلام بن أبي الحقيق في خيبر (كتبا الاصابة).
خزاعة: قبيلة مجاورة للحرم موادعة للرسول على عدم الاعتداء وهي فيما يروى موضع الأمانة على سره عليه السلام. (2/123)
صفحة 317
وسيط السلام الأول ومقالة الرسول المؤثرة:
أقبل وفد من خزاعة(2) برئاسة بديل بن ورقاء ووقف بين يدي الرسول - صلى الله عليه وسلم - ناصحا له بعدم مجاراة قريش في تعنتها.. وهي نصيحة رجل محايد خرج من دائرة الصراع بين المسلمين وقريش وهي مبادرة فردية ليس لقريش فيها يد. فجاء الرد من الرسول القائد على بديل في كلمات تنبع منها الحكمة وحسن التدبير واستقامة الرأي وأعلن له أن الذي خرج من أجله إنما هو أداء مناسك العمرة فصدته قريش وبين له أنه عليه السلام لا يزال يملك من سعة الصدر وبعد النظر ما يعطي لقريش فرصة المفاوضات وقبول الهدنة.
قال عليه السلام:" إنا لم نأت لقتال أحد، إنما جئنا لنطوف بهذا البيت، فمن صدنا قاتلناه، وقريش قوم قد أضرت بهم الحرب وأنهكتهم، فإن شاؤوا ماددتهم مدة يأمنون فيها، ويخلون فيها بيننا وبين الناس، والناس أكثر منهم، فإن ظهر أمري على الناس كانوا بين أن يدخلوا فيها دخل الناس، أو يقاتلوا وقد جمعوا، والله لأجهدن على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي أو ينفذ الله أمره".
قول يحمل كل معاني الحصافة في الرأي والمرونة والاتزان مع إبداء الثقة بالنفس يعرضه القائد على الوسيط الأول المحايد، فيتأثر بديل وأعضاء الوفد معه تأثرا بالغا حتى قال عمرو بن سالم أحد أعضاء وكأنه بخاطب قريشا: " والله لا تنصرون على من يعرض هذا أبدا".
وبلغ بديل مقالة الرسول عليه السلام لقريش لكنها أغلقت عيونها عن الحق وصمت آذانها عن نداء العقل ورفضت النداء إلى السلام. فقال بديل ناصحا لقريش ومنتقدا لها فيما تنوي فعله: يا معشر قريش إنكم تعجلون على محمد، وإن محمد لم يكن باعث حرب، ولم يأت لقتال، وإنما جاء زائرا لهذا البيت.
فرفضوا مقالته واتهموه بالتحيز للمسلمين. وما كان لبديل أن يقول هذه المقالة لولا لمسة من صفاء السريرة وقصد العزم على السلم وأداء العمرة.
الوسيط الثاني: (2/124)
صفحة 318
وقف عروة بن مسعود الثقفي وسيطا لقريش على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يعلم أن محمدا عليه السلام على حق وأن قريشا على باطل، ولكنه بحكم الحلف بينه وبين قريش حاول أن يلقي اللوم على رسول - صلى الله عليه وسلم - ، كما حاول أن يرجفه ويخوفه من قوة قريش وسطوتها ليخرج حلفاءه من ورطتهم ويثني عزم المسلمين على دخول مكة. فقال: " أجمعت أو شاب (1) الناس ثم جئت إلى بيضتك لتفضها بهم، إنها قريش قد خرجت معها العوذ المطافيل قد لبسوا جلود النمور يعاهدون الله لا تدخلها عليهم عنوة أبدا .وأيم الله لكأني بهؤلاء قد انكشفوا عنك غدا" يقصد أصحاب الرسول.
فأجابه الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - بكل هدوء وتعقل وحلم بمثل ما أجاب به بديل ,انه لم يأت يريد حربا، فقام عنه وقد أسقط في يديه. رأى قائدا عظيما يحوط أصحابه بكل إجلال وتقدير ويتفانون في حمايته والذود عنه ويسارعون لتنفيذ أوامره. وعاد إلى أحلافه قريش يدعوهم إلى مهادنة الرجل ويثني عزمهم عن القتال والصد.
قال: " يا معشر قريش إني قد جئت كسرى في مكة، وقيصر في مكة، والنجاشي في مكة، وإني والله ما رأيت ملكا في قوم قط مثل محمد في أصحابه، ولقد رأيت قوما لا يسلمونه لشيء أبدا، فروا رأيكم".
الوسيط الثالث:
بعثت قريش مكرز بن حنص بن الأخيف، فلما رآه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - - وكان خبير بالرجال وأحوالهم- قال: " هذا رجل غادر"(2) فلما انتهى إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكلمه قال له الرسول القائد مما قاله لبديل وأصحابه فرجع إلى قريش فأخبرهم بما سمع من قائد المسلمين.
الوسيط الرابع:
__________
(1) الأوشاب: الأوباش والأخلاط . واحد وشب( بكسر أولها)- القاموس المحيط.
(2) كان مكرز قد قتل عامر بن يزيد سيد بني بكر غيلة وكادت تحصل حرب بين قريش وكنانة بسببه. (2/125)
صفحة 319
بعثت قريش الحليس بن علقمة سيد الأحابيش، فلما رآه الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال: " إن هذا من قوم يتألهون، فابعثوا الهدي في وجهه حتى يراه"(1)
فلما رأى الهدي مقبلا عليه من عرض الوادي عاد من حيث جاء قبل أن يصل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إعظاما لما شاهد.
وبهذا الخبرة الفائقة بأحوال الرجال وصفاتهم استطاع الرسول القائد عليه الصلاة والسلام أن يقنع الوسطاء بهدفه السلمي ويدين قريش أمام أهم أحلافها, فكانت النتيجة إضعاف صفوف المشركين وفك التحالفات التي كانت تقويهم وإدخال الرعب في قلوبهم ، فهذا بديل وجماعته يزدادون يقينا من تعنت قريش وطيشها وتزييفها الأمور للناس.. فقد أظهرت لهم أن المسلمين معتدين وأخفت عليهم قصدهم السلمي ففضحها الوسطاء بما علموه من النبي - صلى الله عليه وسلم - من نية العمرة. فينسحب بديل وقومه وفي نفوسهم من الحقد على المعتدين ما يرجح كفة الانضمام إلى صفوف المسلمين رغم أنهم كانوا قبل ذلك محايدين من جهة قريش وهذا أول سهم تطعن به قريش في صميمها.
وهذا عروة بن مسعود يعود إلى أحلافه قريش ويصدع بالحق ويعلن لهم أن محمدا في منعة من قومه وأنهم يلتفون حوله كالأسود لا يسلمونه لأحد أبدا . وأنه عليه السلام يدعوهم على التريث في الأمور وإعمال العقل فيها..فخير لقريش أن تترك المسلمين يؤدون مناسك العمرة وإلا فسيلاقون رجالا أشداء يحبون الموت في سبيل دينهم ويتسابقون إلى إرضاء قائدهم وحمايته . قال: ولقد رأيت قوما لا يسلمونه لشيء أبدا فروا رأيكم.
__________
(1) حديث صحيح رواه ابن إسحاق في حديث الحديبية. (2/126)
صفحة 320
وهذا الحليس يغضب لنفسه ولقبيلته وينسحب من الحلف الذي كان عليه لما رآه من إصرار قريش على التعنت والتهور، يقول لهم في غضب: " يا معشر قريش ، والله ما على هذا حالفناكم، ولا على هذا عاقدناكم. أيصد عن بيت الله من جاء معظما له؟! والذي نفس الحليس بيده لتخلن بين محمد وبين ما جاء له أو لأنفرن بالأحابيش نفرة رجل واحد"(1) وهو تهديد مباشر بإضعاف صف قريش وزعزعة أركانه.
الرسول القائد يبادر بإرسال مبعوثيه إلى قريش:
اطمأن الرسول القائد عليه الصلاة والسلام إلى أن كلمته وصلت إلى قريش وأحدثت فيها شرخا عظيما أدخل فيها الرعب وكسر شوكتها، خاصة بعدما عرف الناس حقيقة الموقف، لكن القائد كان شديد الحذر حيث أن سفهاء قريش لا يسمعون لنداء العقل، فبادر بمحاولة من عنده لاستكمال الخطة مع قريش ومواصلة المفاوضات .
خراش بن أمية موفد الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى قريش:
انطلق خراش بن أمية الخزاعي إلى معسكر المشركين يحمل رسالة السلام للناس، لكنه ما إن وصل إليهم حتى تعرض له سفهاء قريش بالاذاية فعقروا ناقته وحاولوا قتله لولا حماية الأحابيش له، وتدخلهم لإنقاذه .. فرجع على القائد الأعلى عليه السلام ليخبره بما جرى، وكأنه يحمل بين طيات كلامه بوادر الحرب.
المبعوث الثاني إلى قريش:
لم ييأس الرسول القائد من كسب جولات المفاوضات وهو حريص أكثر من أي وقت على حقن الدماء، والله تعالى يثبت فؤاده ويشد في المضي قدما إلى ما هو مصمم عليه من استبعاد الحرب وابتغاء السلام، فقرر إرسال رسول آخر ليجدد المحاولة ثانية ولتعلم قريش أن قائد المسلمين ذو عزيمة لا تنثني أمام تصلب المشركين خاصة وهم يلفظون آخر أنفاس التحمل والمقاومة بعد أن ضعف صفوفهم وتشتت جمعهم ولم يبق لهم من رأي سوى طيش الطائشين منهم.
__________
(1) ابن هشام . السيرة النبوية ج3 ص312 المجلد الثاني،ط: دار ابن كثير. (2/127)
صفحة 321
دعا عليه السلام عمر ليبعثه إلى مكة فيبلغ عنه أشراف قريش ما جاء له، وعمر رجل له خبرة كبيرة في المفاوضات، وقد شغل مهمة السفارة لقريش في الجاهلية.. لكن عمر رأى أنه لا يصلح لهذا المهمة الشاقة فلا بد لها من رجل تكون له منعة في مكة، فقال: " يا رسول الله ، إني أخاف قريشا على نفسي، وليس بمكة من بني عدي بن كعب أحد يمنعني، وقد عرفت قريش عدواتي إياها وغلظتي عليها، ولكني أدلك على رجل أعز بها مني: عثمان بن عفان".
رأى الرسول القائد عليه السلام الصواب في رأي عمر فأخذ به وأرسل عثمان بن عفان إلى قريش.
انطلق عثمان إلى مكة يحمل رسالة الرسول - صلى الله عليه وسلم - للناس، دخلها في جوار أبان بن سعيد بن العاص، فلقي زعماء قريش وفي مقدمتهم أبا سفيان فبلغ الرسالة فسمعوا منه، وقالوا له:" إن شئت أن تطوف بالبيت فطف" فقال: " ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " واحتبسته قريش عندها. وبلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن عثمان بن عفان قد قتل.
إن ترشيح القائد عليه السلام لعثمان مندوبا عنه ليفاوض قريش اختيار له ما يبرره، ذلك أنه رجل له منعة في قومه، وهو رجل ذو وجاهة ومسالم ومقبول عند القرشيين، أما اعتذار عمر فكان بلباقة كبيرة فيها إخلاص في النصح ووضح للأمور في نصابها أن عثمان ينفع في هذه المهمة وهو ما لم يستطعه غيره.
بيعة الرضوان : (2/128)
صفحة 322
لما بلغه عليه السلام مقتل عثمان رأى عليه السلام أن كل الوسائل السليمة استنفذت مع قريش وأن هؤلاء الأجلاف لا يؤدبهم إلا القتال، فدعا أصحابه للبيعة على السمع والطاعة وتجديد العهد على الولاء التام للقائد الأعلى، فهرع أصحابه إليه وهو تحت شجرة متشابكة الأغصان، يبايعونه على الموت أو على أن لا يفروا.. ولم يتخلف عنه أحد من المسلمين إلا الجد بن قيس أخو بني سلمة، فكان جابر يقول: والله لكأني أنظر إليه لاصقا بإبط ناقته قد ضبأ (1) إليها يستتر من الناس.
فسميت ببيعة الرضوان حيث قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه" أنتم خير أهل الأرض" .ونزل قوله تعالى يزكي هذا العمل المبارك:
{ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا } الفتح/18
وبعد تمام البيعة علم المسلمون أن عثمان لم يقتل .. ولما علمت قريش بخبر البيعة دخلها الرعب فسارعت تدعو الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى الموادعة والصلح.
وثيقة الصلح فتح للمسلمين:
بعد أن أخذ الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - البيعة من المسلمين، وصمم على مناجزة القوم قائلا:" لا نبرح حتى نناجز القوم"، دخل الرعب في قلوب المشركين وأيقنوا بالهزيمة والدمار، خاصة بعدما رأى سهيل بن عمرو وأعضاء الوفد التفاف الصحابة الكرام حول الرسول - صلى الله عليه وسلم - يبايعونه على الموت وعلى ألا يفروا. وقد وقع كل هذا أمام أنظارهم، عندئذ عاد سهيل إلى قريش يخبرها بما حدث، وينصحها بالمسارعة إلى عقد الصلح مع محمد وأصحابه مبرزا لهم قوة المسلمين، وشدة شوقهم للموت في سبيل نصرة دين الله تعالى.
عندئذ جلس زعماء قريش للتشاور في أمرهم، وعزموا على قبول التفاوض مع المسلمين، وشكلوا وفدا يتكون من:
ـ سهيل بن عمرو( عامري) رئيسا.
__________
(1) ضبا إليها : لصق بها واستتر. (2/129)
صفحة 323
حويطب بن عبد العزى (عامري) عضوا.
مكرز بن حفص (عامري) عضوا.
وقالوا لسهيل: أنت محمدا فصالحه وليكن صلحك: ألا يدخل في عامه هذا ، فوالله لا يتحدث العرب أنه دخل علينا عنوة.
وسهيل بن عمرو من سادات قريش، ذو عقل وحلم ورزانة وأصالة في الرأي ، وبعد في النظر، لذلك كانت قريش تدخره للقضايا المعقدة وتفزع إليه لحل المعضلات.
الرسول القائد " يفاوض سهيل بن عمرو(1):
كانت المفاوضات التي دارت بين الطرفين صعبه جدا.. فقد كان وفد قريش يملي شروطه المجحفة على الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، وكان عليه السلام يسمع من سهيل وأصحابه ويفاوضهم بكل حلم ورجاحة عقل. ولعل المفاوضات تتعثر أحيانا وتصل إلى طريق مسدود مما ينذر بقيام حرب بين الطرفين .. لكن القائد عليه السلام يجد لها حلا فيقدم لقريش تنازلات في ظاهرها تخدم المشركين ولكن في أبعادها خيرا للمسلمين إن كانوا يفقهون.
وفي هذه المفاوضات خصوصا، لم يعط الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - الأذن لأصحابه بالتدخل فيها، وذلك على غير عادته، حيث عهدوه كثير المشورة في شؤون الحرب والسلم، إذ كان كثير الرجوع إليهم ، وربما نزل على رأيهم وهو له كاره، لكنه اليوم ينفرد بالعمل ويقرر ما يكرهون، ولعل ذلك يعود إلى عوامل عدة منها:
أنه ملهم من ربه، مؤيد الخطى، وقد سبق أن رأى في منامه ما يبشره بالنصر، ورؤيا الأنبياء حق فلن يقع في خطأ بإذن الله، وعينا الله ترعاه وتوفيقه يسدد خطاه.
__________
(1) سهيل بن عمرو : رجل شهم عف اللسان لبق في المحادثة ، له منزلة عالية في دنيا الفصاحة ، أسلم فيما بعد وحسن إسلامه فاستشهد في معركة اليرموك الشهيرة بالشام ( انظر محمد أحمد باشميل- صلح الحديبية، دار الفكر ص244). (2/130)
صفحة 324
أن أصحابه بلغ بهم من التوتر النفسي بسبب منعهم من دخول مكة ما يجعلهم غير مستعدين للتفاوض، واللحظات هذه حرجة جدا، فالصحابة رضوان الله عليهم يرغبون في دخول مكة ، ولو بقتال .. وسفهاء قريش يسعون إلى الحرب، ويتصرفون بتعنت وطيش وسفه.. والرسول القائد عليه الصلاة والسلام شديد الرغبة في السلم واغتنام الفرصة التي يظهر له من خلالها الفتح المبين، وهو أمر قد يخفى على أصحابه الكرام.
وتم النقاش الطويل حول بنود المعاهدة، وتم إقرارها، ولم يبق إلا صياغتها وكتابتها. جرى كل هذا والصحابة واجمون، صعدت الدماء إلى رؤوسهم، لا يعلمون ماذا سينجز عن هذه المعاهدة ..منهم من تماسك على نفسه، ودفن أفكاره في رأسه، ومنهم من أبدى المعارضة الصريحة، فأنزل الله عز وجل سكينته على المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهل لها.
كتابة الوثيقة :
عقبات في طريق الصياغة والرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - عالجها بكل حكمة:
دعا الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - عليا ليملي عليه صيغة الصلح، وقال: " اكتب بسم الله الرحمن الرحيم " فاعترض زعيم المشركين قائلا: لا أعرف هذا ولكن اكتب باسم اللهم. فامتنع علي عن محو اسم الله الأعظم. فقال له الرسول - صلى الله عليه وسلم - : أرني موضعها. فمحاها بنفسه. ثم قال لعلي اكتب:" هذا ما صالح عليه رسول الله سهيل بن عمرو " فاعترض سهيل قائلا: لو شهدت أنك رسول الله لم أقاتلك، ولكن اكتب أسمك واسم أبيك. فأجابه الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى ما أراد رغم ظهور علامات الامتعاض على وجوه أصحابه ولكنه آثر التنازل ليهدئ من الموقف خاصة بعد المشاورات الطويلة بين الفريقين التي سبقت صياغة الوثيقة.
بنود الوثيقة:
هذا صالح عليه محمد بن عبدالله سهيل بن عمرو اصطلحا:
على وضع الحرب عن الناس عشر سنين يأمن فيها الناس ويكف بعضهم عن بعض.
على أنه من أتى محمدا من قريش بغير إذن وليه رده عليهم. (2/131)
صفحة 325
ومن جاء قريشا ممن مع محمد لم يردوه عليه.
وأنا بيننا عيبة مكفوفة(1).
وأنه لا إسلال(2).
ولا إغلال(3).
وأنه من أحب أن يدخل في عقيدة محمد وعهده دخل فيه.
ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه(4).
وأنك ترجع عامك هذا فلا تدخل علينا مكة.
وأنه إذا كان عام قابل خرجنا عنك فدخلتها بأصحابك فأقمت بها ثلاثا معك سلاح الراكب: السيوف في القرب لا ندخلها بغيرها.
فلما فرغ من الكتابة أشهد عليه السلام على الصلح رجالا متن المسلمين ورجالا من المشركين.
أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعبد الرحمن بن عوف، وعبدالله بن سهيل بن عمرو، وسعد بن أبي وقاص، ومحمود بن سليمة، ومكرز بن حفص، وهو يومئذ مشرك، وعلي بن أبي طالب كاتب الصحيفة.
وهكذا تصرف الرسول القائد بحكمة بالغة ونظرة فاحصة مع سائر البنود:
قبل الهدنة لمدة عشر سنين رغم ما رآه من حماسة أصحابه للقتال والانتقام ممن حرموهم مذاق الحياة في بلدهم، ومنعوهم من دخول الحرم الشريف، وهو عليه السلام يعلم أن الهدنة ستكون فتحا مبينا للمسلمين بحيث يفتح المجال للمسلمين لنشر الدعوة بين الناس وهم آمنون.
قبل العودة إلى المدينة دون الدخول إلى مكة على أن يعود إليها في العام القادم للاعتمار، وكانت الحكمة من ذلك الحفاظ على أصحابه من إراقة الدماء ونزولا عند رغبة قريش لحفظ ماء الوجه أمام القبائل العربية، وهو حل وسط رضية الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - وقبله.
استطاع الرسول القائد عليه السلام بحكمته وسعة صدره أن يقنع أبا جندل بالعودة من حيث جاء، ورغم أنه وجد نفسه حزينا من هذا الموقف إلا انه سمع وأطاع ليقينه أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لا ينطق إلا عن حق ولا يأمر إلا بخير.
__________
(1) العيبة: موضع السر – مكفوفة: مطوية.
(2) الاسلال: السرقة الخفيفة.
(3) الاغلال: الخيانة.
(4) دخلت خزاعة في حلف محمد" وبنو بكر في عقد قريش. (2/132)
صفحة 326
وهكذا كان الرسول القائد عليه السلام متيقظ الفكر أثناء المفاوضات لا يخطو خطوة إلا بعد علمه بأبعادها الإيجابية، ولا يقبل شرطا إلا بعد ضمان مصلحة الإسلام، وإن كانت بعيدة، ولا يتنازل عن رأي إلا بعد علمه بأن وراء التنازل مكاسب جمة يجنيها المسلمون.
ولا غرابة في ذلك ، فإن الرسول القائد أوتي من ربه عز وجل عقلا راجحا ، ورأيا سديدا، وإلهاما من عنده يثبت خطاه في كل ميدان وعلى كل حال.
ولا غزو فإن هذه المواقف كانت نابعة من موقف رسمه الرسول القائد عليه السلام يوم خروجه إلى مكة من المدينة المنورة، وهو أداء العمرة والكف عن القتال ..إذ قال :
" والذي نفس محمد بيده لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يسألوني فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها".
معارضة المسلمين للاتفاقية وحكمة الرسول القائد في معالجتها:
بعد الاتفاق النهائي على أهم بنود المعاهدة ظهرت معارضة شديدة من قبل الصحابة وخاصة على بعض البنود منها والتي في ظاهرها مظلمة وإجحاف مسلط عليهم. وقد كان أشد الناس معارضة لها عمر بن الخطاب، وأسيد بن حضير سيد الأوس، وسعد بن معاذ سيد الخزرج.. علما بأن هؤلاء من أفاضل الصحابة ولا شك في حبهم لله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
أعلن الثلاثة معارضتهم للاتفاقية بشدة. قال عمر بلهجة شديدة معبرا عن عدم رضاه بما حدث يا رسول الله . ألست برسول الله؟ قال:"بلى" قال: أولسنا بالمسلمين؟ قال: "بلى " قال: أو ليسوا بالمشركين؟ قال:"بلى" قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا؟
لم يغضب الرسول القائد وهو الخبير بمعالجة المشاكل المستحدثة ولم يضجر من كلام صاحبه لكنه عليه السلام رد على عمر بحكمة بالغة، وصدر رحب، واتزان كبير..قال له في يقين النبي المرسل وخبرة القائد الناجح المظفر: " أنا عبدالله ورسوله لن أخالف أمره ، ولن يضيعني"(1).
__________
(1) تاريخ الطبري ،ج 2 ص 634. (2/133)
صفحة 327
لم يكتف عمر بهذا الجواب لأن الغضب بلغ منه مبلغا كبيرا، بل اشتد به الغم على ما يراه غبنا في الاتفاقية فسارع إلى مناقشة أبي بكر الصديق، فنصحه الصديق أن يترك الاحتجاج والمعارضة، وبين له أنه يبدو للرسول الملهم والنبي المرسل من الأشياء ما يخفى على غيره، أو ليس عليه السلام مؤيدا بالوحي، ألم يعده ربه بالنصر ووعد الله حق؟ ثم قال له بكل حدة: الزم غرزه، فإني أشهد أنه رسول الله، وأن الحق ما أمر به ، ولن يخالف أمره ولن يضيعه.
وفي الوقت الذي كانت المعرضة فيه صريحة من هؤلاء الصحابة بسبب ما اشتد بهم من الغم كان الحزن على ملأ قلوب المسلمين واشتد بهم الكرب، وبدأوا يظهرون الامتعاص مما حدث وعدم الرضا به،فاشتدت بهم الصدمة خاصة وأنهم سيعودون إلى المدينة دون الدخول إلى مكة والطواف بالبيت العتيق وهي أمنية غالية على نفوسهم بذلوا لها الجهد الكبير لتحقيقها.. فإذا بهم يصلون إلى مشارفها ويصدون عنها كضمآن الذي يرى الماء ولا يقدر عليه.
قال أبو سعيد الخدري يصف امتعاص الصحابة وكرههم للصلح: وقد كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يكرهون الصلح لأنهم لا يشكون في الفتح لرؤيا الرسول - صلى الله عليه وسلم - - رأى أنه حلق رأسه ودخل البيت فأخذ مفتاح الكعبة وعرف مع المعرفين- فلما رأوا الصلح دخل الناس من ذلك أمر عظيم حتى كادوا يهلكون.
والأمر الذي زاد الطين بله وكاد ينسف خطة الصلح ما جرى لأبي جندل بن سهيل بن عمرو كبير مفاوضي قريش...يهرب أبو جندل من معسكر المشركين ويلجأ إلى المسلمين مستنجدا بهم وراجيا اللجوء إليهم، فيراه والده سهيل ويسرع إليه يصفعه على وجهه ويجره من تلابيبه، ثم يرد إلى المشركين..كل هذا يحدث والصحابة ينظرون ولا يستطيعون فعل شيء، وهم بين يدي قائدهم عليه السلام...وقد بلغ بهم الغم والكرب إلى درجة البكاء تألما وإشفاقا على أبي جندل الذي يجر أمامهم ولا يستطيعون إنقاذهم وهم قادرون على ذلك. (2/134)
صفحة 328
وتشتد المعارضة للاتفاقية يقودها عمر الذي بلغ به الأمر بشق عصا الطاعة غير أنه لم يحصل شيء من ذلك ليقينه أنه نبي مرسل ومؤيد بالوحي وأن الله ناصره لا محالة، لذلك راح عمر يتهم نفسه ويتجرع طعم الندم المر طول حياته لما صدر عنه في ذلك اليوم العصيب.
قال عمر: ارتبت ارتيابا لم أرتبه منذ أسلمت إلا يومئذ (أي الصلح) ولو وجدت ذلك اليوم شيعة تخرج عنهم رغبة عن القضية لخرجت. ثم قال: ما زلت أصوم وأتصدق من الذي صنعت مخافة كلامي الذي تكلمت يومئذ.
كل هذه الأحداث تقع بين يدي الرسول القائد وهو عليه السلام ثابت على مبدئه محافظ على هدوئه لم يجد الغضب على أصحابه إلى نفسه سبيلا..بل كان يعالج الأمور بحكمة القائد الذي حنكته التجارب. وهو على يقين أنه على حق وأن الله لن يضيعه ويعلم أن أصحابه لم يصبهم الغم من جراء ما حصل إلا لأنهم راغبون في الجهاد في سبيل الله مقبلون على الله بكل إخلاص.
وبهذه الحكمة البالغة والرأي السديد استطاع الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - أن يكسب الموقف كما استطاع أن يكسب قلوب أصحابه الذين لا يشك لحظة في إخلاصهم فكان يردد على المعارضين بكل هدوء: " أنا رسول الله ولن يضيعني" حتى هدأت العاصفة وسكنت النفوس وتم ما أراده الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - والجميع راضون، فلا انتقام إذن ولا إبعاد أو عنف من أي شخص مهما كان... بل الحكمة في المعالجة للأمور والتعقل والنظر إلى القضايا في أبعادها وما يسفر عنها في المستقبل القريب والبعيد.
وهنا ظهرت خبرة الرسول القائد عليه السلام فائقة في معالجة الأمور الجسيمة والقدرة على تهدئة الخواطر المؤمنة والحد من خلافات أعضاء الوفد المشارك.
وانتهت المفاوضات بسلام بعد صراعات معقدة وأحداث خطيرة كادت أن تؤدي إلى شق صفوف المسلمين لولا أن الله تعالى أنزل سكينته على الجند المجاهدين وربط على قلوبهم وألزمهم كلمة التقوى.
قال عز من قائل: (2/135)
صفحة 329
{ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا } ( الفتح/18)
وقال أيضا: { إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمْ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا } الفتح/26)
بنود المعاهدة فتح للمسلمين:
لم تكد تمر فترة قصيرة على عقد المعاهدة حتى ندمت قريش على ما فرط منها من إملاء لبعض الشروط، إذ ظهر لها عندئذ أنها بلية نزلت عليها ونصر للمسلمين منها:" أنه لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا" وهو شرط في ظاهره كسب للمشركين لكن الرسول القائد عليه السلام أعلن لأصحابه أنه شرط نصر وذلك عندما أخبر أبا جندل بأن الله تعالى سيجعل له ولمن معه من المؤمنين فرجا ومخرجا.
أما أبو بصير عبيد بن أسيد فقد فر من مكة والتحق بالمدينة يريد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لكن قريشا أرسلت وراءه اثنين من رجالها ليرداه إلى المشركين فاستجاب الرسول عليه الصلاة والسلام لهما تنفيذا لنصوص المعاهدة، وفي الوقت نفسه أقنع أبا بصير بما يدخل على قلبه الرضا والارتياح فقال:" يا أبا بصير إنا قد أعطينا هؤلاء القوم ما قد علمت، ولا يصلح لنا في ديننا الغدر وإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا فأنطلق إلى قومك" وكرر عليه المقالة مرة ثانية لما أبدى أبو بصير حزنا لذلك.
لكن أبا بصير استجاب ورجع مع الرجلين وفي الطريق استطاع أن يثأر لنفسه فقتل أحد الرجلين وهرب الثاني، ليعود أدراجه إلى الرسول عليه السلام بعد أن وفت ذمته وأدى الذي عليه ليعلمه بما فعل ثم ينطلق إلى الساحل ليهدد قريشا في تجارتها. (2/136)
صفحة 330
ولم يطل الوقت حتى تجمع المسلمون الفارون من قريش على الطريق التجارية التي اعتاد المشركون أن يسلكوها فأصابوهم في أرزاقهم وعطلوا تجارتهم فأرسلت قريش إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - تطلب إلغاء هذا الشرط حيث بعض أبو سفيان إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - رسالة يقول فيها:" إنا أسقطنا هذا الشرط من الشروط من جاء منهم إليك فأمسكه من غير حرج فإن هؤلاء الركب قد فتحوا علينا بابا لا يصلح إقراره"(1).
أمر المهاجرات من مكة إلى المدينة واستفاد الرسول من تفسير النصوص:
ما كاد الرسول - صلى الله عليه وسلم - يستقر بالمدينة حتى قدمت عليه نسوة مؤمنات من مكة هاربات من سطوة المشركين منهن أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط.. فأرسل المشركون من يردهن إلى معسكر الكفر كما فعل سهيل بن عمر بابنه أبي جندل لكن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لا يغلب في مثل هذه الحالات فأبى وقال:" كان ذلك في الرجال ولا في النساء" وبهذا يكون قد استفاد من تفسير نص المعاهدة برد الفارين دون النساء حتى لا يلحق الأذى بالمسلمات مع عدم نقض الميثاق المبرم مع قريش.
ونزل القرآن الكريم بعدها يؤيد في موقفه هذا..قال تعالى:
{ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمْ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } (الممتحنة/10)
__________
(1) 1 ) عبدالله محمد الرشيد: القيادة العسكرية في عهد الرسول ص492. (2/137)
صفحة 331
وكانت صيغة الامتحان أن تقسم بالله ما خرجت من بغض زوج وبالله ما خرجت رغبة عن أرض إلى أرض وبالله ما خرجت التماس دنيا ولا عشقا لرجل وبالله ما خرجت إلا حبا لله ولرسوله.
فإذا قالت المسلمة المهاجرة ذلك اكتفى به في إيمانها وحرم إرجاعها إلى المشركين. ذلك حكم الله تعالى به وأمر رسوله بتنفيذه ولا راد لحكمه
{ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمْ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } (الممتحنة/10).
أحداث ما بعد الصلح:
- القائد يعفوا ويصفح:
أبت عناصر قريش إلا أن تعكر صفو المصالحة فجاء فتيان منهم يستفزون المسلمين ويشتمون الرسول - صلى الله عليه وسلم - سعيا منهم إلى أن يبدأ المسلمون القتال ويكونون بذلك قد بدأوا بنقض المعاهدة.
وفي تلك الأثناء أسر سلمة بن الأكوع أربعة من المشركين جاؤوا إليه يستفزونه ويشتمون الرسول عليه السلام، فأخذ سلاحهم وساقهم إلى قائده الأعلى ليرى رأيه فيهم... كما جاء عمه عامر برجل يقال له مكرز يقوده إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومعه جمع من المشركين.
فهل ينتقم الرسول القائد من هؤلاء المعتدين وهو في حل من ذلك لأنهم بدأوا بالاعتداء؟ لكن الرسول - صلى الله عليه وسلم - نظر إليهم وقال:" دعوهم يكن لهم بدء الفجور وثناه".
- الرسول القائد عليه السلام يحل إحرامه ويأخذ برأي زوجته: (2/138)
صفحة 332
أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - أصحابه أن يحلوا إحرامهم وينحروا بدنهم ويحلقوا روؤسهم أو يقصروا. غير أنهم أبطأوا في بادئ الأمر ولزموا الصمت فدخل الرسول - صلى الله عليه وسلم - على زوجته غاضبا يشكو لها ما جرى من أصحابه فلما علمت أم سلمة بالأمر أشارت عليه أن يبدأ بنحر هديه بنفسه. قالت:" يا رسول الله انطلق أنت إلى هديك فانحره فإنهم سيقتدون بك".
فاستحسن الرسول - صلى الله عليه وسلم - الفكرة، ولم يكد يشرع في نحر هديه حتى تسابق أصحابه كل إلى هديه ينحره.
قالت أم سلمة: ثم أخذ- أي رسول الله- الحربة ينهم(1) هديه فكأني أنظر إليه حين يهوي بالحربة إلى البدنة رافعا صوته " بسم الله والله أكبر". قالت :فما إن رأوه ينحر تواثبوا إلى الهدي فازدحموا حتى خشيت أن يغم بعضهم بعضا.
وعند التحلل من الإحرام دعا الرسول - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه بالرحمة ومغفرة الذنوب.
صلح الحديبية فتح مبين:
سبق قبل خروج الرسول - صلى الله عليه وسلم - من المدينة إلى مكة بنية الاعتمار أن عقد تحالف بين قريش- جنوب المدينة- ويهود خيبر- شمال المدينة- الغاية منه جعل الرسول وجنده ومدينته بين طرفي كماشة.
فجاء صلح الحديبية فتحا مبينا حيث تم به فك الحصار من الناحية الجنوبية بطريقة سلمية- دبلوماسية- وبذلك تم للرسول القائد كسر شوكة الأعداء الجنوبيين.
وبعد الانتهاء من عملية الصلح توجه الرسول القائد وصحابته الكرام إلى خيبر لكسر شوكتها عسكريا بعد أن حمى ظهر جيشه من ناحية الجنوب.
ومن هنا توالت الانتصارات الواحد تلو الآخر فدخل الناس في الإسلام بأعداد كبيرة وأقبلت وفود إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - تعقد معه صلحا أو تعلن عن إسلامها. يقول الزهوي:
__________
(1) 1 ) ينهم: نهم الرجل دابته أي زجرها. (2/139)
صفحة 333
"ما فتح في الإسلام فتح قبله كان أعظم منه، إنما كان القتال حيت التقى الناس، فلما كانت الهدنة ووضعت الحرب أوزارها وأمن الناس كلم بعضهم بعضا والتقوا فتفاوضوا في الحديث والمنازعة فلم تكلم أحد في الإسلام يعقل شيئا إلا دخل فيه، ولقد دخل في تينك السنتين- بعد الحديبية- مثل ما كان في الإسلام قبل ذلك أو أكثر.
هذا من أعظم المكاسب التي جناها المسلمون وهو تكثير عددهم وتقوية صفوفهم ثم أنهم بعد عام دخلوا البيت الحرام واعتمروا وهم آمنون وازداد الرسول يقينا بقوة إيمان أصحابه وثباتهم على الإسلام بحيث لم يرتد أحد منهم ولم يلتحق بقريش مسلم أبدا عزوفا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بل ازدادوا يقينا أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لا يخطئ فهو مؤيد من ربه عز وجل مسدد الخطى فلا ضرورة للعجلة وتيقنوا أن رأي قائدهم أولى لهم من رأيهم لأنفسهم.
ومن دلائل الفتح نزول سورة الفتح إثر العودة من صلح الحديبية مفتتحة بقوله تعالى:
{ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا } (الفتح/1- 3)
وهي بشارة للرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالنصر المبين والفتح القريب.
وفي السورة فضح الله تعالى المنافقين وكشف عن نواياهم الخبيثة كما فضح الأعراب الطامعين.
{ سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنْ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا } (الفتح/11) (2/140)
صفحة 334
وجاء الإعلان بالرضا من رب العزة على أولئك المجاهدين الذين تحملوا كل المتاعب والأذايات في سبيل دين الله ورضوا وغضبوا لدين الله ونشطوا وتوقفوا من اجل نصرة الإسلام إذ كانت كل حركاتهم وسكناهم نابغة من عمق إيمانهم فجاءت المنحة من الله تعالى وهل من منحة أعظم من الفوز بمرضاة الله تعالى.
{ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا } (الفتح/18- 19).
موقف الرسول القائد من اليهود
القائد يضمن حقوق اليهود:
من الخطوات الأولى التي قام بها الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - بعد هجرته إلى المدينة المنورة تنظيم أمر سكانها وتحديد ما لهم وما عليهم من حقوق وواجبات ومن بين هؤلاء السكان اليهود وقد شملهم هذا التنظيم باعتبارهم من سكان المدينة إذ تضمنت الوثيقة بنودا تكفل لهم الحرية الدينية وتضمهم إلى الدولة ليصبحوا مواطنين بها ومن أهم بنودها:
لليهود دينهم وللمسلمين دينهم.
إن بين المسلمين واليهود النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة.
إن بين المسلمين واليهود النصح والنصيحة والبر دون الإثم.
ما كان من أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فإن مرده إلى الله عز وجل وإلى محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
وبإبرام هذه المعاهدة صار اليهود مواطنين في الدولة الفتية التي أسسها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدينون بالطاعة والولاء والنصيحة لقائدها عليه أفضل الصلاة والسلام . (2/141)
صفحة 335
وبهذا العمل الرائد الذي أقدم عليه القائد - صلى الله عليه وسلم - منذ حلوله المدينة أرجأ قضية اليهود ‘لى أن يحين وقتها مع علمه بعدواتهم له؛ حتى يتفرغ لكفار قريش الذين يلاحقون دعوته ويحاربونها في كل مكان لتكون من أوكد اهتماماته وحتى لا يقع هو وأنصاره بين عدوين شرسين أحدهما في الداخل (اليهود) والآخر في الخارج(كفار قريش).
ولكن اليهود الذين أظهروا الاستسلام والولاء للدولة الإسلامية في البداية ما لبثوا أن كشفوا عن نواياهم الحقيقية في عداوة الاسلام والمسلمين بعد أن رأوا انتصارات المسلمين المتلاحقة وإقبال الناس على هذا الدين الجديد. ومن طبع اليهود أنهم لا يحافظون على العهود لأنهم يكرهون الاسلام والمسلمين ويضرون الشر له ولهم وإن أظهروا الوفاق يعتمدون على مبدأ الغدر والنفاق.
وعوض أن يفرحوا لحلفائهم في أول انتصار لهم على المشركين في غزوة بدر أظهروا عداوتهم وكشروا عن أنيابهم ومع ذلك صبر عليهم الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - .
وواصل اليهود مكرهم وحسدهم للمسلمين على انتصارهم وأصبحت تحركاتهم واضحة للعيان مما أدى بالرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - إلى جمعهم في حي بني قينقاع فتوجه إليهم قائلا:
" يا معشر بني قينقاع احذروا ما نزل بقريش وأسلموا فإنكم قد عرفتم بأنني نبي مرسل".
فقالوا له بلؤم وخسة:" يا محمد إنك لاقيت قوما لا علم لهم بالحرب فأصبت منهم فرصة".
وبهذا الجواب تأكد الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - من بداية غدرهم ونقضهم العهد، وأن أجوبتهم توحي بذلك إلا أنه صلى الله عليه وسلم لا يريد معاقبتهم على قول لم ينفذوه فأرجأ الأمر حتى كانت الحادثة التي سمحت للرسول - صلى الله عليه وسلم - أن ينتقم من البعض منهم. (2/142)
صفحة 336
التحرك المريب لكعب بن الأشرف(1)
وفي هذه الأثناء كان كعب بن الأشرف أشد اليهود حقدا على الاسلام والمسلمين وإيذاء لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد صعد كيده ضد الإسلام والمسلمين وشكك في الانتصار الذي أحرزه الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون في غزوة بدر قائلا:
" والله لئن كان محمدا أصاب هؤلاء القوم- وقد وصفهم بأشراف العرب وملوك الناس- لبطن الأرض خير لنا من ظهرها" وقد كان يحرض اليهود ويحثهم على عداوة الرسول - صلى الله عليه وسلم - بل تجرأ وذهب إلى قريش يحضهم ويبكي قتلاهم ونزل عند أحد زعمائهم يكيد للرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - وينشد الأشعار في هجائه ويبكي أصحاب القليب من قادة قريش الذين صرعوا في بدر وقفل عائدا إلى المدينة لكي ينشد قصيدة يشبب فيها بامرأة مسلمة تدعى أم الفضل بنت الحارث:
إحدى بني عامر جن الفؤاد بها
لم أر شمسا بلبل قبلها طلعت ... ولو شاء شفت كعبا من السقم
حتى تجلت لنا في ليلة الظلم!
وتحول من أم الفضل إلى نساء مسلمات أخريات مشببا بهن حتى آذاهن عندها كانت الفرصة سانحة كي يأمر الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - بقتله قائلا:" من لي من ابن الأشرف؟ فإنه أذى الله ورسوله".
القائد يأمر بقتل اليهودي كعب بن الأشرف:
لما قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - من لكعب بن الأشرف؟ فإنه قد آذى الله ورسوله. قام محمد بن مسلمة، فقال: أنا يا رسول الله، أتحب أن أقتله؟ قال: نعم.
عندها أمره القائد - صلى الله عليه وسلم - على مفرزة فيها:
عباد بن بشر
أبو نائلة ( أخو كعب بن الأشرف من الرضاعة)
الحارث بن أوس
أبو عبس بن جبر
__________
(1) كعب بن الأشرف: من قبيلة طيء من بني نبهان وأمه من بني النضير. كان غنيا مترفا بجماله في العرب وكان شاعرا من شعرائها وكان حصنه في شرق جنوب المدينة في خلفيات ديار بني النضير. كان يهجو المسلمين ويشبب بنسائهم ويمدح عدوهم. (2/143)
صفحة 337
وعند بقيع الغرقد اجتمعوا بالرسول - صلى الله عليه وسلم - لتلقي التعليمات والأوامر فقال لهم:" انطلقوا على اسم الله.. اللهم أعنهم".
ونفذ الأمير ما طلب منه وتمكن من قتل العدو بعد استعمال الحيلة وأعانه أصحابه عليه، وأصيب الحارث في المعركة وعادت المفرزة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .. ولما وصلوا المدينة كبروا فسمعهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - فكبر وعرف أنهم قتلوه.. ولما انتهوا إليه قال: أفلحت الوجوه. قالوا: ووجهك يا رسول الله. فحمد اله على قتله.
ولما علمت اليهود بمصرع فارسهم وشاعرهم دب الرعب في قلوبهم فتظاهر بإيفاء العهود ودفعهم الفزع إلى مقابلة الرسول - صلى الله عليه وسلم - حيث قالوا له: " قد طرق صاحبنا الليلة وهو سيد من ساداتنا قتل غيلة بلا جرم ولا حدث علمناه". فأجابهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - بقوله:
" إنه لو قر كما قر غيره- ممن هو على مثل رأيه- ما اغتيل ولكنه نال منا الأذى وهجانا بالشعر ولم يفعل هذا أحد منكم إلا كان له السيف".(1)
معاقبة القائد ليهود بني قينقاع
(شوال 2 هـ)
لم يعاقب الرسول - صلى الله عليه وسلم - يهود بني قينقاع لمجرد القول ولكن عندما ترجمت العداوة إلى فعل الاعتداء على كرامة امرأة مسلمة وجبت العقوبة وسببها كما ترويه كتب السيرة:
أن امرأة مسلمة دخلت سوق بني قينقاع وجلست عند صائغ يهودي تريد شراء الحلي فروادها أحد اليهود لكشف وجهها فأبت فعمد إلى طرف ثوبها فعقده وانكشفت عورتها....صاحت المرأة فضحكوا منها ضحكا شديدا.
كان هذا المشهد بمحضر أحد المسلمين الذي لم يتمالك نفسه وارتمى على الجاني فقتله وقام يهودي وقتل المسلم.
__________
(1) دراسة في السيرة. د. عماد الدين خليل ص337. (2/144)
صفحة 338
عندما أدرك يهود بيني قينقاع أنهم نقضوا العد باعتدائهم على شرف امرأة وقتلهم المسلم ففروا وتحصنوا بحصونهم وهم أول يهود ينقضون العهد، فغزاهم النبي - صلى الله عليه وسلم - في عقر دارهم وحاصرهم خمسة عشر ليلة، حتى أعياهم الحصار فأسلموا أمرهم إلى القائد محمد - صلى الله عليه وسلم - ليحكم فيهم.
فقام المسلمون بتكتيفهم لقتلهم عقوبة لهم على خيانتهم ليعلم الجميع بأن كرامة امرأة مسلمة تعدل كرامة المسلمين جميعا وأنه من قتل مسلما كمن قتل المسلمين جميعا. عندها تقدم عبدالله بن أبي بن سلول- وكان حليفا لهم في السابق- من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكلمه فيهم وعدد مزاياهم في السابق وقد منعوه من الأحمر والأسود فاستجاب له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقوله: هم لك.
فطلب من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يكتفي بإجلائهم. فتم إجلائهم وغنم المسلمون ما كان لهم وما لم تكن لهم الأراضي إنما كانوا صاغة... وتولى عبادة بن الصامت بأمر من قائده صلى الله عليه وسلم إخراجهم من المدينة فتوجهوا إلى الشام فلم يلبثوا قليلا حتى هلكوا ونزل بهم عقاب الله تعالى.
هكذا تخلص المسلمون من إحدى القبائل اليهودية الرئيسية الثلاث المنتشرة منذ زمن بعيد داخل المدينة وخارجها، فازدادت وحدة المدينة تماسكا وازداد اليهود ضعفا وكان لإجلاء يهود بني قينقاع وقع عظيم في نفوس اليهود الآخرين حيث كفوا عن المجادلة الدينية ورمي المسلمين بالأقوال المنكرة إذ دخلت هيبة المسلمين في قلوبهم وفي قلوب البطون العربية التي لم تكن قد دخلت في الإسلام وفسح المجال أمام الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - لنشر دعوته.
عودة يهود بني النضير إلى المكر والخديعة: (2/145)
صفحة 339
يهود بني النضير من حلفاء القائد الرسول - صلى الله عليه وسلم - مثل غيرهم من بني جنسهم وبنود الوثيقة تشملهم والمفروض أن عقاب يهود بني قينقاع يعيدهم إلى رشدهم ولكن الطبع يغلب التطبع وبما أن من طبيعتهم الغدر والمكر والحقد على الإسلام فإنه لا تمر مناسبة مفرحة كانت أو مؤلمة إلا ووقفوا منها موقفا معاديا للرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - ... وقد ظهر ذلك جليا عندما تعرض المسلمون إلى محنة قاسية على يد كفار قريش إذ أصيب القائد صلى الله عليه وسلم وسقط في حفرة وكسرت رباعيته وأشيع بأنه مات ولم يحقق المسلمون نصرا ساحقا في أحد كالذي ببدر بل عده الأعداء هزيمة نكراء فأخذوا يطلقون الأقوال السيئة ويظهرون عداءهم وحقدهم وضغينتهم وشماتتهم على الإسلام والمسلمين عامة وعلى النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - خاصة فقالوا:
" ما محمد إلا طالب ملك ما أصيب هكذا نبي قط أصيب في بدنه وأصيب أصحابه".
وهذا القول كان كافيا لمعاقبتهم واستئصال شأفتهم مما دعا عمر بن الخطاب ان يستأذن قائده رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قتل رؤوسهم فما كان من الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - إلا ان هدأ من روعه مطمئنا إياه بقوله الحكيم:
" يا عمر، إن الله مظهر دينه ومعز نبيه. ولليهود ذمة فلا أقتلهم.."
هكذا أثبت الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - مرة أخرى أنه لا يعاقب على مجرد القول فإن تعدى القول إلى الفعل استحقوا العقوبة... ولذلك أراد الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - التثبت من الأمر واختبار هؤلاء اليهود فعليا للحكم لهم أو عليهم فطلب منهم أن يعينوه ويشاركوه في الوقوف ضد عامر بن الطفيل الذي يتحرش ويستعد لحرب أهل المدينة وفق المعاهدة. (2/146)
صفحة 340
فذهب إليهم مع نفر من أصحابه وفي مقدمتهم أبو بكر وعمر وعلي وعرض عليهم الأمر فقالوا : " نعم نعينك على ما أحببت" ثم خلا بعضهم إلى بعض وتآمروا على قتل النبي القائد - صلى الله عليه وسلم - غدرا فقال بعضهم لبعض: من يعلو هذا البيت فيلقى صخرة عليه- وهو جالس إلى جنب الدار- ويريحنا منه".
واختاروا لهذه المهمة عمرو بن جحاش بن كعب الذي قال: أنا لذلك. فصعد ليلقي عليه الصخرة.
وأخبر الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - من السماء بمكر اليهود وغدرهم وأطلعه على نبتهم فقام وقال لأصحابه:" لا تبرحوا مكانكم حتى أعود إليكم".
كلمات موجزة وعامة لا توحي بشيء معين ولا تفصح ولا تشير مطلقا إلى ما ينوي القائد عليه السلام القيام به، ولم يطلع أحدا على إرادته حتى لا يتصرف البعض تصرفا لا تضمن نتائجه. وقفل راجعا إلى المدينة فلما أبطأ قام أصحابه في طلبه فأعلمهم بالخبر وأفصح لهم عن إرادته بأن ينوي محاربتهم ..وأمر عليه السلام الصحابي" محمد بن مسلمة الأنصاري" أن يذهب إليهم ويبلغهم أمره العسكري.
" اخرجوا من بلدي فلا تساكوني بها وقد هممتم على ما هممتم به من الغدر وقد أجلتكم عشرا، فمن رؤي منكم بعد ذلك ضربت عنقه"(1).
أوامر صارمة وواضحة لا تحتاج إلى تأويل وهي بمثابة الإعلان عن الحرب في حالة الرفض ولاستمرار في البقاء مما جعل اليهود يستسلون في بداية الأمر إلى تحذير القائد لهم، إلا أن رأس المنافقين عبدالله بن أبي بن سلول حرضهم على البقاء في المدينة وعدم الخروج منها ووعدهم بأن يمدهم بألفين من قومه وغيرهم يقاتلون عنهم ضد الرسول - صلى الله عليه وسلم - . فأرسلوا إلى القائد عليه السلام يقولون له:
" إنا لن نخرج من ديارنا فاصنع ما بدا لك ".
ولما وصل الخبر إلى الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - قال:" حاربت اليهود". فأمر القائد عليه السلام بالاستعداد لحربهم والسير إليهم.
__________
(1) المدرسة النبوية العسكرية، ص 163. (2/147)
صفحة 341
ولما وصل إليهم ضرب عليهم حصارا شديدا وشدد عليهم المراقبة فتحصنوا بحصونهم ولم يخرجوا منها ولم يصل المدد من رأس المنافقين .. عندما أمر الله تعالى نبيه القائد بأن يحرق نخيلهم لإجبارهم على الخروج(1).
قال تعالى:
{ مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ } ( الحشر/5)
ولما اشتد الحصار عليهم وامتلأت قلوبهم بالرعب طلبوا من الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - أن يأذن لهم بالرحيل ومغادرة مساكنهم على أن يأخذ كل واحد منهم حمل بعير من مال ومتاع إلا السلاح ويترك الباقي غنيمة للمسلمين.
فقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك إذ أنه عليه السلام حقق هدفه من الغزوة ولم تكن غايته عليه السلام من حربهم قطع رقابهم. فرحل البعض منهم إلى خيبر ورحل البعض الآخر إلى الشام.
وهكذا تم إجلاء طائفة أخرى من اليهود بسبب خرقها المواثيق ونقضها للعهود وخيانتها للرسول - صلى الله عليه وسلم - ليكون هذا الانتصار مخففا عن فجائع متتالية أصابت المسلمين في غزوة أحد وحادثتي الرجيع وبئر معونة والتي كانت سببا غير مباشر لطرد هؤلاء اليهود من المدينة.
اتصالات ومؤامرات تدفع يهود بني قريظة إلى الغدر والخيانة
ــ تأليب الأحزاب على المسلمين:
__________
(1) الأمر بحرق النخيل أمر إلهي لإجبار اليهود على الخروج وهو لا يتناف مع آداب الحرب والجهاد في سبيل الله لأن الحرق خطة عسكرية يلجأ إليها القائد عند الضرورة. (2/148)
صفحة 342
استقر زعماء بني النضير في خيبر وأخذوا يتدارسون أمر هزيمتهم النكراء وتوصلوا إلى أن فشلهم يعود إلى انفرادهم في قتال محمد - صلى الله عليه وسلم - وعدم تضامنهم مع القبائل العربية فكانت انتصارات المسلمين متتالية، ولذلك سعوا إلى تشكيل حلف يضم كافة القوى الوثنية واليهودية ليوجهوا ضربة مشتركة للمسلمين. فقام بني النضير بالاتصال بقريش وغطفان وبقية القبائل الوثنية الكبرى لاقناعهم بحرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائلين لكل من اتصلوا بهم:
" إنا سنكون معكم حتى نستأصله"
ولضمان الغلبة في نظرهم رأوا الاتصال بيهود بني قريظة لإثنائهم عن عزمهم الوقوف إلى جانب الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - في هذه المعركة ( معركة الأحزاب).
وتطوع حيي بن أخطب للقيام بهذه المهمة، وتمكن من الدخول إلى المدينة وأتصل بزعيم بني قريظة كعب بن أسد ، وأخذ يقنعه بالتمرد على محمد - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه والانضمام إلى الأحزاب والعمل سوية على توجيه الضربة القاصمة للعدو المشترك. وقد حاول كعب بن أسد التمسك بالميثاق الذي بينه وبين محمد والالتزام به قائلا:
" ويحك يا حيي إنك امرؤ مشؤوم وإني قد عاهدت محمدا فلست بناقض ما بيني وبينه ولم أر منه إلا وفاء وصدقا". إلا أنه لم يلبث أمام مراوغات حيي فاستجاب له واشترط عليه أنه ما غادرت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمدا دخل معه في حصنه حتى يكون مصيرهم واحدا.
وهكذا وقع المسلمون بين عدوين شرسين: الأحزاب ويهود بني قريظة، الذين كلفوا بحماية ظهر المسلمين فأصبحوا يشكلون خطرا جسيما على المسلمين ليطعنوهم من الخلف.
وعندما وصلت الأخبار إلى المسلمين بأن يهود بني قريظة قد نقضوا العهد كلف الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - سعد بن معاذ وسعد بن عبادة وآخرين للتأكيد من الخبر، إذ قال لهم عليه السلام:
" انطلقوا حتى تنظروا أحق ما بلغنا من هؤلاء القوم أم لا؟" (2/149)
صفحة 343
فتوجه هؤلاء إلى حصن بني قريظة وسألوهم عما بلغهم عنهم فما كان جوابهم إلا أن قالوا: " من رسول الله؟! لا عهد بيننا وبين محمد ولا عقد" وعندما لامهم سعد بن معاذ وعنفهم سبوه وشتموه. وعاد الوفد يخبر الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن صحة ما بلغه من أنباء.
وقد هم يهود بني قريظة القيام بهجوم ليلي على قلب المدينة وأرسل زعماؤهم حيي بن أخطب إلى معسكر قريش ليمدوهم بألفي رجل يستهينون بهم في هذا الهجوم، مما دفع الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - إلى تجديد كتيبتين من خمسمائة فارش لحراسة المدينة والطواف في أحيائها وحماية أهلها ورفع معنوياتهم ومنع اليهود من التسلل إليهم.
وقد تمكن عشرة من أشداء اليهود من التسلل يوما إلى أطراف المدينة فتصدى لهم نفر من المسلمين واشتبكوا معهم في قتال بالنبال أسفر عن التراجع اليهود واحتمائهم بحصونهم(1)
قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه:
" لقد خفنا على الذراري بالمدينة من بني قريظة أشد من خوفنا من قريش وغطفان..فكان مما رد الله به بني قريظة عما أرادوا أن المدينة كانت تحرس".
ولما فرج الأمر وأيد جنده وتفككت عرى الأحزاب التي عادت إلى ديارهم خائبة وبقيت بنو قريظة وحيدة مكسورة الجناح، كانت الفرصة مواتية لمعاقبتها على غدرها وخيانتها في أخطر وأحرج ساعة عاشها المسلمون.
- القائد يأمر بالمسير إلى بني قريظة:
أمر الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - مناد ينادي في الناس:
" من كان سامعا مطيعا فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة".
__________
(1) دراسة في السيرة . د. عماد الدين خليل.
يلاحظ أن الرسول القائد استعمل الحصار ثلاث مرات مع اليهود وقد عمد عليه السلام إلى هذه الخطة العسكرية لفوائدها الجمة ومنها: إرهاب العدو- شعوره بالخوف- اعطاؤه مهلة للتفكير. مناسبة لاراحة الجنود المسلمين- إجبار العدو على الخروج منهك القوى- عدم استعمال الأسلحة والمحافظة على الأرواح (بتصرف...المدرسة النبوية العسكرية). (2/150)
صفحة 344
فلبى أكثر من ثلاثة آلاف مقاتل النداء وتوجهوا نحو بني قريظة لحصارها هذا الحصار الذي أجبر يهود بني قريظة على الخروج من حصونهم والاستسلام لأمر الرسول القائد صلوات الله وسلامه عليه(2).
فاقترح الأوي على الرسول - صلى الله عليه وسلم - بان يكون مصير مواليهم من يهود بني قريظة كمصير موالي الخزرج من يهود بني قينقاع أي إجلائهم من المدينة إلا أن القائد عليه السلام تدخل بحكمته المعهودة قائلا:
" ألا ترضون بحكم سيدكم سعد بن معاذ؟" قالوا بلى.
فاتاه قومه واحتملوه على حمار وأقبلوا معه على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسألوه أن يحسن إلى مواليه عندها قال:
" لقد آن لسعد ألا تأخذه في الله لومة لائم". ولم يفكر سعد بن معاذ كثيرا وأصدر حكمه العادل والرادع في مواليه فأمر بـ:
قتل كل من يقدر على القتال وحمل السلاح من الرجال.
سبي الذراري والنساء.
تقسيم الأموال بين المسلمين.
فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :
" لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة (أي سبع سماوات)".
قال تعالى: { وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمْ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا } (الأحزاب/ 26- 27).
هكذا أقر الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - حكم سعد بن معاذ، وسره بأن حكمه كان موافقا لحكم السماء واطمأن القائد عليه السلام إلى اختياره الموفق- وهو أعلم بجنده- فكان القرار حازما وحاسما في حق بني قريظة وقد أدرك سعد خطورة الجريمة التي ارتكبها حلفاؤه في الجاهلية بحق الدولة الإسلامية وكيان الأمة ومؤسساتها. (2/151)
صفحة 345
ونفذ الحكم في الحال إذ أمر الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - بحفر خنادق في سوق المدينة فضربت أعناق مقاتلي يهود بني قريظة وأهيل عليهم التراب وقد بلغوا سبعمائة وخمسين مقاتلا وكان بينهم كعب بن أسد وحيي بن أخطب.
وهكذا تخلص المسلمون من آخر يهودي يحيط بالمدينة.
غزوة خيبر
( محرم سنة 7هـ)
سبب الغزوة:
قضى الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - على فلول اليهود المحيطة بالمدينة الخطير في خيبر والمواقع المجاورة لها خاصة وأن خيبر غدت ملجأ يتجه إليه اليهود المبعدون من المدينة ليفكروا سوية في الانتقام من الرسول - صلى الله عليه وسلم - وصحبه واسترداد مواقعهم ومصالحهم التي جردهم منها القائد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
ولما وصل نبأ فشل الأحزاب وهزيمة بني قريظة والعقوبة الصارمة التي حلت بهم اتصل بعض اليهود بزعيمهم سلام بن مشكم وسألوه الرأي فأجابهم بقوله.
" نسير إلى محمد بما معنا من يهود خيبر فلهم عدو ونستجلب يهود تيماء وفدك ووادي القرى ولا نستعين بأحد من العرب(1) ثم نسير إليه في عقر داره".
فقالت اليهود. هذا هو الرأي.
ثم أن يهود خيبر ومن معهم من يهود بني النضير يعدون العدة للسطو على المدينة، ويهددون أمن الدولة الإسلامية بمؤامراتهم ودسائسهم ومكرهم وحوزتهم للأسلحة الهجومية كالمنجنيق." المنجنيق كما هو معلوم ليس للقتال الدفاعي وإنما هو لمهاجمة المدن وتدميرها"(2).
__________
(1) 1 ) لعلمهم بالصلح الذي أبرمه القريشيون من الرسول - صلى الله عليه وسلم - أو لعدم ثقتهم بهم بعد أن فشلوا في الأحزاب.
2) المدرسة النبوية العسكرية. (2/152)
صفحة 346
كل هذه المؤامرات والدسائس بلغت إلى الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - مما جعله يمهد ويعد العدة لغزو خيبر في عقر دارها إذ قرر تصفية التجمعات اليهودية المتبقية وإن كانت بعيدة عن المدينة حيث أنها تشكل خطرا دائما على عاصمة الدولة الإسلامية وأولى هذه التجمعات يهود خيبر خاصة بعد أن أمن جانب قريش بالصلح الذي تم في الحديبية والذي انتهى بهدنة بين المسلمين والقرشيين المشركين مدتها عشر سنوات.
القائد يرسم خطة لغزو خيبر:
اشتملت الخطة العسكرية التي رسمها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على كل مقوماتها لضمان نجاحها فكان الهدف منها واضحا وجليا، وهو غزو خيبر في عقر دارها واحتلالها وتدمير حصونها وقتل أبطالها.
ولتحقيق هذا الهدف اختار الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - أن يقود المعركة بنفسه وأن يكون المقاتلون المجاهدون في سبيل الله المشاركون في غزوة الحديبية وبيعة الرضوان وعددهم ألف وستمائة مقاتل منهم مائتا فارس وقد بشرهم المولى تبارك وتعالى بفتح قريب على أيديهم هو فتح خيبر ليواجهوا عشرة آلاف مقاتل من يهود خيبر الذين يملكون أسلحة كثيرة وعتادا قويا ويتحصنون بحصون منيعة.
وقد اختار الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - الوقت المناسب لذلك أي بعد القضاء المبرم على اليهود في المدينة وبعد تحييد قريش وتوقيع الصلح لعلمه عليه السلام أن يهود خيبر من أقوى الطوائف اليهودية بأسا وأعظمها دربة على القتال.
- اختيار القائد للطريق الآمن: (2/153)
صفحة 347
اختار الرسول القائد طريقا آمنا من المدينة إلى خيبر إذ لم يشعر به أحد لا من خيبر ولا من غطفان حتى يحافظ على عنصر المفاجأة إذ ينوي الرسول - صلى الله عليه وسلم - مباغتتهم حتى لا يتمكنون من الاستعداد للقتال؛ لأن عددهم وعدتهم لا يستهان بها، ولمزيد من الحذر ومحافظة على أمن الجيش وسلامته أرسل القائد عليه السلام فرقة استطلاعية من الجيش تكشف له الطريق وترصد جواسيس الأعداء وتحركاتهم وتبحث عن كمائن العدو... وفي هذا الاستطلاع تمكن قائد السرية من القبض على جاسوس ليهود خيبر من قبيلة أشجع وأمكن أيضا الاستفادة منه حول حقيقة الموقف العسكري.
- المسير ليلا ومفاجأة العدو نهارا:
كانت خطة الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - أن يسير بالجيش ليلا وأن يكمن في النهار بعيدا عن أعين الناس حتى لا يتسرب الخبر إلى يهود خيبر وحلفائها وظل كذلك حتى نزل مشارف خيبر.
وفي صباح أحد الأيام فاجأ القائد عليه السلام العدو بجيش قوي وهم في مزارعهم خارج حصونهم فلما رأوه ارتبكوا وارتعبوا وخافوا وقالوا :" محمد والله...محمد والخميس"(1).
عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتى خيبر ليلا وكان إذا أتى بليل لم يقربهم حتى يصبح فلما أصبح خرجت اليهود بمساحيحهم(2) ومكاتلهم(3) فلما رأوه قالوا: محمد والله، محمد والخميس. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين".
- قطع المدد:
__________
(1) 1 الخميس: الجيش.
2) مساحيحهم : جمع مسحاه وهي مجرفة من حديد.
3) مكاتلهم: جمع مكتل وهو القفة الكبيرة. (2/154)
صفحة 348
إن الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - يدرك الصلة الوثيقة بين يهود خيبر وغطفان وأن غطفان حليف عسكري لها ولا تتأخر في مد المعونة إليها إذا ما تعرضت إلى أي هجوم وأن غطفان لا يشملها صلح الحديبية إذ لم تدخل في حلف مع القريشيين ولذلك وفور وصوله ونزوله عليه السلام بوادي الرجيع( وهو مكان يقع بين خيبر وغطفان) أرسل مفرزة إلى بني غطفان لمباغتتها وإلقاء الرعب في ديارها.
ولما علمت غطفان بنزول الرسول - صلى الله عليه وسلم - وجنده حاولت مد يد العون إلى خيبر، وذلك بإرسال أربعة آلاف مقاتل إلا أنها لم تتمكن من ذلك وتراجعت ظنا منها أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - ينوي غزوها وبهذا الإجراء حقق الرسول الكريم عليه السلام أمرين هامين هما: منع المساعدة وعزل خيبر عن غطفان ليكون الظرف ملائما لحصار خيبر والهجوم عليها.
- القائد يستشير أصحابه في اختيار مقر القيادة:
أشار أهل الخبرة والاختصاص على الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - أن يختار مكانا له يكون بعيدا عن تصويبات الأعداء فلا تصله سهامهم حتى لا يصاب وتنهار معنويات الجيش المسلم. ومن مقر القيادة كان المسلمون ينطلقون إلى القتال مزودين بالأوامر العسكرية التي يصدرها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حينها، منفذين توجيهاته النبوية ثم يعودون بعد ذلك إلى مقر القيادة يصلون وينامون ويرتاحون ويسعفون جراحهم.
- الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - يسمح للمرأة بالمشاركة في هذه المعركة:
الجهاد في سبيل الله فرض كفاية على الرجال والنساء وخروج المرأة إلى ساحات الوغى شجاعة نادرة منها أقرها الرسول - صلى الله عليه وسلم - واستفاد منها.
قال ابن إسحاق: حدثني سليمان بن سحيم عن أمية بن أبي الصلت عن امرأة من بني غفار- قد سماها لي- قالت: (2/155)
صفحة 349
" أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في نسوة من بني غفار فقلنا يا رسول الله: قد أردنا أن نخرج معك إلى وجهك هذا وهو يسير إلى خيبر فنداوي الجرحى ونعين المسلمين بما استطعنا" فقال: على بركة الله.
فاصطحب معه عليه السلام إلى خيبر عشرين امرأة من نساء المسلمين تتقدمهم أم سلمة زوج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأم المؤمنين وهي التي خرجت معه إلى الحديبية.
ورغم القتال المرير لم تخرج المرأة عن وظيفتها الطبيعية فهي تسعف وتداوي الجرحى وتقوم على خدمة المقاتلين للرفع من معنوياتهم، هكذا قامت النسوة في هذه الغزوة بدورهن وواجبهن نحو الجيش الإسلامي خير قيام فأكرمهن الرسول - صلى الله عليه وسلم - ببعض العطايا اليسيرة ولم يخصص لهن سهما.
الخطة القتالية:
كانت خطة الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - أن يجري القتال في ثلاث مناطق عسكرية وهي: منطقة النطأة ومنطقة الشق ومنطقة الكتيبة، وأن يبدأ بأقواها وأحصنها وبعد فتحها ينتقل إلى الأخرى.
ومن خطته عليه السلام أن يشغل بعض الحصون بقوات صغيرة ويركز هجومه على حصن واحد بقواته الرئيسية يتم الاستيلاء عليه لينتقل إلى حصن آخر .كما أنه عليه السلام قسم قواته حسب القبائل والبطون وجعل لكل قسم قائدا منهم حتى يشتد التنافس بين القوات ولكي يقوم بعضها بالمشاغلة بينما يأخذ الباقي قسطا من الراحة ليستأنف القتال مرتاح عند الحاجة.
وكان القتال شرسا والمقاومة شديدة وخاصة في المنطقة الأولى حتى من الله تعالى عليهم بالفتح فهرب الناجون منها إلى الحصون الأخرى، فأخذ المسلمون يطاردونهم من حصن إلى آخر حتى فتحوا جميع الحصون إلا الحصنين الأخيرين فقد رغب أهلها في الصلح على أن تحقن الدماء ويخلي سبيل الذرية وأن يخرجوا من خيبر بذراريهم وأن لا يصحب أحد منهم إلا ثوبا واحدا فصالحهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - على ذلك.
- نتيجة المعركة: (2/156)
صفحة 350
لقد حققت الخطة النبوية العسكرية أهدافها من خلال العمليات العسكرية التي قام بها الجيش الإسلامي بقيادة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحملة الرايات والألوية وسائر الجنود وتمكن الجيش الإسلامي بعد قتال مرير من احتلا ل حصون خيبر والاستيلاء على ما فيها من أسلحة وعتاد وامتلاك لأراضيها ونخيلها وسبي نسائها وذراريها، ومن بين السبايا صفية بنت حيي بن أخطب، وقد أختارها الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - لنفسه لتكون زوجة له، ولتصبح بعد ذلك أما للمؤمنين.
وقتل عدد كبير من اليهود(1) في هذه المعركة، كما استشهد عدد من المسلمين(2).
ولما تيقن اليهود من الهلاك على يد الجيش الإسلامي سألوا الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - أن يجليهم عن المنطقة وأن يحقن دماءهم فاستجاب لهم، ولما نزلوا إليه صلى الله عليه وسلم عرضوا عليه أن يبقيهم في أرضيهم لقاء دفعهم للمسلمين نصف محاصيلهم فوافق الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - تقديرا منه لإمكاناتهم الزراعية ورغبة منه في الاستفادة من أي طاقة تسهم في إعمار الأراضي واستثمارها الاستثمار الأمثل إلا أنه وضح لهم بأن موافقته هذه غير ملزمة إلى الأبد بقوله عليه السلام:
" فإنا إن شئنا أن نخرجكم أخرجناكم".
__________
(1) 93 قتيلا في سيرة ابن هشام وفي السيرة النبوية دروس وعبر73 قتيلا في المدرسة النبوية العسكرية ص102
(2) من 15 إلى 21 في السيرة النبوية العسكرية.
من 15 شهيدا في السيرة النبوية دروس وعبر. (2/157)
صفحة 351
لما يعرفه عن طبع اليهود من عدم الوفاء بالعهد ومن انتهاز أي فرصة تسنح للغدر والخيانة، ثم إن خيبر كانت واحة واسعة الأطراف وفيها من الحدائق والمزارع ما يحتاج إلى الأيدي العاملة الكثيرة التي مارست أشغال الزراعة والفلاحة وتكون متفرغة لهذا العمل لذا فضل القائد صلوات الله وسلامه عليه أن يتولى هذا الأمر أهلها خاصة وأن شوكتهم انكسرت ولا خشية من وجودهم على أراضيهم ليستفيد من الأنصار والمهاجرين في الأعمال الحيوية الأخرى. تلك هي حكمة القائد في قبول مناصفة الإنتاج.
ولما علم يهود فدك( القرية اليهودية المجاورة لخيبر) بما حل برفاقهم وبالمعاملة التي آلت إليها الغزوة بعثوا إلى الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - يعلنون رغبتهم في المصالحة على مناصفة أراضيهم، وكان الأمر كذلك.
أما اليهود وادي القرى فظلوا عصاة، فتوجه إليهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - وضرب عليهم الحصار ودعاهم إلى الإسلام وأخبرهم بأنهم إن أسلموا أخرزوا أموالهم وحقنوا دماءهم وحسابهم على الله، ولكنهم أبوا وأصروا على القتال فقاتلهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - وفتح عنوة وبقي هنالك أربعة أيام قسم خلالها الغنائم على أصحابه وترك المزارع بيد اليهود مناصفة عليها.
ولما وصل نبأ انتصارات الجيش الإسلامي المتلاحقة إلى يهود تيماء صالحوا الرسول - صلى الله عليه وسلم - على الجزية وأقاموا في بلدهم.
تلك هي نتيجة غزوة خيبر وآثارها على القرى اليهودية المجاورة لها ليعود القائد عليه السلام وجنده إلى المدينة وليواصلوا مشوار الدعوة إلى الله تعالى.
تدرج القائد في مواجهة اليهود (2/158)
صفحة 352
يتضح جليا مما سبق أن الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - لم يعاقب اليهود إلا على جرم شنيع ارتكبوه ولم يأمر بحصارهم إلا بعد التثبت والتأكد اعتمادا على الأدلة القاطعة بنقضهم العهد أو كيدهم للإسلام والمسلمين أو التآمر عليهم لأنه صلى الله عليه وسلم كان حريصا منذ استقراره بالمدينة على أن يقيم بينه وبينهم علائق سلم وأن يؤمنهم على دينهم وأموالهم وكتب لهم في ذلك كتابا ولكن اليهود ثوم غدر ومكر فخانوا العهد وتمردوا على بنود الوثيقة؛ لذلك استحقوا العقاب من الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - وليس في استطاعة أحد من الكفار أن يلومه على ذلك.. فما لبثوا غير قليل حتى اعتدوا على كرامة امرأة مسلمة ليكون هذا الاعتداء سببا في إجلاء يهود بني قينقاع، بعدها تآمروا على قتل الرسول - صلى الله عليه وسلم - فكان إجلاء يهود بني النضير، ثم خانوا وغدروا ونقضوا العهد في أشد المواقف حرجا يوم الأحزاب فكان سببا لغزوتي بني قريظة وقطع رقابهم.
ولما بدأ يهود خيبر يهيؤن أنفسهم ويعدون العدة للانقضاض على المدينة ومن فيها غزاهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحاصرهم حتى استسلموا وجعلوا أمرهم بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وبسقوط خيبر والمواقع المجاورة لها تمت تصفية آخر تجمع يهودي لعب دوره في مواجهة الإسلام وخصومته ووضع العوائق في طريقه وحبك المؤامرات ضده وقضى الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - القضاء المبرم على القوة السياسية والاقتصادية والعسكرية ليهود الحجاز.
وغدت كلمة الإسلام وحدها هي العليا في معظم مساحات الجزيرة العربية وكبتت كل الجيوب التي كانت تشكل نقاط ضعف في جسد هذه الدولة التي يحيط بها الإعداء من كل مكان. (2/159)
صفحة 353
وهذا التريث يدل على فكر ثاقب ورجاحة عقل مميزة إذ لم يحارب الرسول - صلى الله عليه وسلم - كل اليهود دفعة واحدة بل انتظر الوقت المناسب وثبوت ارتكاب الجرم للضرب على أيدي الخصوم وإجلائهم من المدينة في الوقت الذي لا يتمكنون فيه من جمع كلمتهم أو التحالف مع بعضهم البعض، فكان إجلاء يهود بني قينقاع في السنة الثانية للهجرة وإجلاء يهود بني النضير في السنة الرابعة للهجرة وقطع رقاب مقاتلي بني قريظة في السنة الخامسة للهجرة وغزو خيبر في السنة السابعة للهجرة.
هكذا يظهر حزم الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - وتتجلى حكمته في تدرج معاقبة اليهود فكانت النتيجة أن استراح المسلمون من شرهم وكيدهم داخل المدينة وخارجها، وضمن بعد ذلك حدود دولته الجديدة وانتشار دعوته داخل الجزيرة العربية وخارجها، إذ تمكن الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - من تحويل التجمعات اليهودية في أقصى الشمال إلى جماعات من المواطنين في الدولة الإسلامية يدفعون لها الجزية ويحتمون بقوتها وسلطانها ويتمتعون بعدل قائدها وسماحته صلوات الله وسلامه عليه.
الفتح الأعظم
فتح مكة-
( رمضان سنة 8 هـ)
قائد المسلمين: رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استخلف على المدينة أبا رهم الغفاري.
قائد المشركين: أبو سفيان وآخرون
عدد المشاركين من المسلمين:أكثر من عشرة آلاف مقاتل.
عدد المشاركين من المشركين: القادرون على القتال من سكان مكة.
النتيجة: فتح مكة ودخول الناس في دين الله أفواجا
…… 14 قتيلا من المشركين في الخندمة.
… … + قتل بعض من أهدر دمهم ولا يتجاوز الثمانية
…… اثنان من المسلمين استشهدا
فتح مكة
(رمضان سنة 8هـ ) (2/160)
صفحة 354
لم يكن فتح مكة بالأمر الهين على المسلمين ولا بالميسور في كل الأحوال لذلك أيد الله تعالى نبيه عليه السلام بأن مهد لهذا الفتح أحداثا جسيمة سبقته لتكون جسرا للوصول إلى مكة بأقل ما يمكن من الخسائر إذ سبقت الفتح الأعظم فتوحات أخرى رفعت من شأن المسلمين وحطت من قيمة الكفار المشركين من القريشيين فكان صلح الحديبية فتحا مبينا وغزو خيبر فتحا قريبا، هذه الانتصارات المتلاحقة أدت إلى رفع معنويات المسلمين الذين أصبحوا ينتظرون الفرصة السانحة للدخول إلى مكة حيث المسجد الحرام ليؤدوا مناسكهم بكل حرية واطمئنان وأمان.
وما كان من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليغزو مكة وقد تحالف مع سكانها على الهدنة مدتها عشر سنوات، ولم تمر عليها إلا سنتان لو لم يكن هناك سبب مقنع يدفعه إلى إعلان النفير العام ليتجمع حوله عشرة آلاف مقاتل كلهم عزيمة وإصرار وثبات مستعدون كل الاستعداد لتنفيذ أمر قائدهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كلفهم ذلك ما كلفهم حتى وإن لم تكن الوجهة معلومة.
المشركون ينقضون العهد والرسول - صلى الله عليه وسلم - يتهيأ للغزو:
* نقض العهد:
حاول الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه دخول مكة لأداء مناسك العمرة فصدته قريش عن ذلك ومنعته، وبعد مفاوضات مطولة توصل الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - بحكمته المعهودة فبرام الصلح مع القريشيين يعرف بصلح الحديبية، ومن أهم بنوده:
وضع الحرب بين الطرفين عشر سنين يأمن فيها الناس ويكف بعضهم عن بعض.
من أحب أن يدخل في عقد محمد - صلى الله عليه وسلم - وعهده دخل فيه ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه وأن القبيلة التي تنضم إلى أي الفريقين تعتبر جزءا من ذلك الفريق فأي عدوان تتعرض له أي من هذه القبائل يعتبر عدوانا على ذلك الفريق. (2/161)
صفحة 355
وتنفيذا لهذا البند دخلت قبيلة خزاعة في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ودخلت قبيلة بني بكر في عهد قريش، وصارت كل من القبليتين في أمن من الأخرى، إلا أن قبلية بني بكر أبت إلا أن تثأر من خزاعة للعداوات السابقة فأعانتها على ذلك قريش فأمدتها بالسلاح وببعض الرجال مستغلين ظلمة الليل، فأغارت بنو بكر على خزاعة وقتلت منهم رجالا كثيرين (1)..
فأسرع عمرو بن سليم الخزاعي إلى المدينة ليخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بما جرى ويناشده التدخل للحلف الذي بينهم وبينه صلى الله عليه وسلم، وأنشد قائلا:
إن… قريشا… أخلفوك الموعدا……ونقضوا ميثاقك المؤكدا
وجعلوا لي في كداء(2) رصدا……وزعموا أن لست أدعو أحدا
وهم أذل وأقل عددا……هم بيتونا بالوتير(3)…هجدا(4)
وقتلونا ركعا وسجدا(5)
فما كان من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا أن أجاب بقوله : " نصرت يا عمرو بن سالم".
ثم وفد على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة بديل بن ورقاء الخزاعي في جمع من خزاعة يؤكدون خبر عمرو بن سالم ويعلمون الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - بمن أصيب منهم وبإعانة قريش لبني بكر عليهم ثم رجعوا إلى مكة.
" فلما بلغ ذلك الرسول غضب غضبا شديدا وتجهز لقتال قريش إلا أنه لم يرد أن يخبر الناس عن وجهته لئلا تستعد قريش فتستباح حرمة البلد الحرام وتمتلئ أرجاؤه باشلاء القتلى"(6).
ـ محاولات أبي سفيان لتجديد العهد، وموقف الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - من ذلك:
__________
(1) 20 رجلا ، انظر السيرة النبوية ، د مصطفى السباعي.
(2) كداء: موضع بأعلى مكة.
(3) الوتير: اسم ماء بأسفل مكة لخزاعة.
(4) هجدا : نائمين أو مستيقظين.
(5) ركعا وسجدا: كان فيهم من صلى الله فقتل لأن خزاعة لم تكن آمنت بعد (انظر سيرة ابن هشام م2 ص394/395 .
(6) السيرة النبوية.د مصطفى السباعي ، ص100 . (2/162)
صفحة 356
علمت قريش أن معوناتها لبني بكر نقض صريح للعهد الذي بينه وبين محمد - صلى الله عليه وسلم - وأن محمدا عليه السلام لن يسكت عنها وسيرد الفعل عاجلا أم آجلا ولذلك كلفت أبا سفيان بالذهاب إلى محمد ومطالبته بتجديد العهد وتمديده.
وفي الطريق التقي أبو سفيان ببديل بن ورقاء الذي أخفى عنه اتصاله بالنبي محمد - صلى الله عليه وسلم - ولكن أبل سفيان بدهائه تيقن من لقاء بديل بمحمد عليه السلام بعد أن فت بعر راحلته ووجد بها النوى.
ودخل أبو سفيان المدينة وقصد حجرة ابنته أم حبيبة- رملة- والتقى برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحاول معه تجديد العهد وتمديده إلا أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يجيبه بشيء ولم يرد عليه وبقي حائرا لا يعلم مراد النبي - صلى الله عليه وسلم - فاستنجد بأبي بكر الصديق كي يتدخل ويتوسط له عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأبى وقال: ما أنا بفاعل.
واتصل أبو سفيان بعمر بن الخطاب وكلمه في الأمر فرد عليه بعنف قائلا: أأنا أشفع لكم إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فوالله لو لم أجد إلا الذر لجاهدتكم به .
وكلم عليا في محاولة أخيرة يائسة كما يبدو من كلامه إذ قال: إني جئت في حاجة فلا أرجعن كما جئت خائبا، لقد عزم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أمر ما نستطيع أن نكلمه فيه.
فازداد أبو سفيان حيرة وأظلمت الدنيا في عينيه، ليعود إلى مكة خائبا مضطربا لا يستطيع الجزم بعزم محمد - صلى الله عليه وسلم - ونيته.
ـ أمر القائد بكتم الفتح وإجراءات المحافظة على السرية:
كان الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - حريصا على أن يكتم الخبر حتى لا تستعد قريش للقائه وحتى يبغتها في عقر دارها وهو يعلم أن تسرب الخبر ميسورا جدا خاصة من الذين يتوددون لقريش ويترددون عليها.
ففي المدينة منافقون يتظاهرون بالإسلام ويبطنون الكفر ويودون خدمة قريش حتى لا ينتصر الرسول - صلى الله عليه وسلم - عليها. (2/163)
صفحة 357
وفي المدينة أيضا بقايا يهود- غير بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة الذين قضى عليهم، ومن مصلحتهم أن ينقلوا أخبار المسلمين إلى قريش.
كما أن الطريق بين مكة والمدينة مفتوحة والداخلون والخارجون منها كثيرون قد ينقلون الخبر، ولذلك التجأ الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - إلى الله تعالى بالدعاء قائلا:
" اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها".
ولمزيد من ضمان كتمان الخبر قام الرسول - صلى الله عليه وسلم - بإجراءات أمنية احتياطية،إذ وضع حراسا يقودهم عمر بن الخطاب يقومون بمراقبة كل الطرق المؤدية إلى المدينة ويراقبون الخارجين منها والداخلين إليها ويردون كل من يريد الخروج ويشك في أمره ولا يسمحون لأحد بالدخول إلى المدينة حتى لا يطلع على أسرار المسلمين.
كل هذه الظروف الصعبة التي يتعذر معها حصر الخبر وعدم تسربه تم التغلب عليها لفضل الله ويقظة الحراس وتحقق كتمان خبر الإعداد والمسير إلى قريش حتى وصل الجيش الإسلامي إلى مشارف مكة.
إن هذه الترتيبات التي أمر بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يهدف من ورائها إلى حقن دماء المسلمين وعدم قيام حرب ضروس إذا ما تفطنت قريش وحشدت قواتها واستنجدت بحلفائها.
وبعناية إلاهية ورعاية منه تعالى لم يتسرب الخبر رغم تنقل جيش ضخم قوامه عشرة آلاف مقاتل مع ما يحمله من إبل وخيول ومعدات وغيرها ومع ما تثيره تحركاتهم من ضجيج ورفع أصوات.
وحتى المحاولة التي قام بها حاطب بن أبي بلتعة باءت بالفشل واستجاب الله لدعاء نبيه عليه السلام وعسكر الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - بجنوده على مشارف مكة دون أن يتفطن إليه أحد.
ـ معالجة القائد لمحاولة تسريب الخبر: (2/164)
صفحة 358
لم يكن حاطب بن أبي بلتعة منافقا ولا يهوديا ولا عدوا للإسلام والمسلمين، بل كان صحابيا جليلا شهد بدرا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وفي لحظة ضعف وسوء قدير للعواقب أراد حاطب أن يخدم حلفاءه القدامى في الجاهلية من القرشيين، فأرسل إليهم خطابا يعلمهم فيه بنية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لغزوهم.
وبعث الخطاب مع امرأة، دسته في ظفائرها، وكشف الوحي حقيقة الأمر وتمكن علي والمقداد والزبير- بتكليف من الرسول القائد- من اللحاق بها بروضة خاخ وافتكاك الورقة منها.
ولما مثل حاطب بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حاول أن يبرر فعلته النكراء وخيانته لله ورسوله بقوله:
" إني امرؤ كنت ملصقا بقريش وكنت حليفا لهم ولم أكن من صميمها ..ولم أفعله ارتدادا عن ديني ولا رضا بالكفر بعد الإسلام".
استمع الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - لهذه الكلمات ولمس منا صدقا وإخلاصا وقدر الموقف ونظر إليه من جميع الزوايا بفكرة الثاقب ورجاحة عقله التي يمتاز بها عن سائر البشر وألهم بالجواب، فقال عليه السلام:
" أما إنه قد صدقكم..".
إلا أن عمر بن الخطاب اندفع إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقوله:" يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقد خان الله ورسوله".
فقال عليه السلام:
" إنه شهد بدرا، وما يدريك يا عمر لعل الله قد اطلع على من شهد بدرا، فقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم".
هكذا تصرف القائد عليه السلام مع من ظهرت خيانته ليعطى المثل الأعلى في الرحمة والرفق واللين وهو النبي والرحمة المهداة فتصرفاته عليه السلام ملهمة ومؤيدة من الله تعالى وفيها من الأسرار التي لا يمكن للمرء أن يتفطن إليها أو يتوصل إليها إلا بعد حدوثها. (2/165)
صفحة 359
ويحلل الشيخ الغزالي هذا الموقف بقوله:" إن حاطبا خرج عن جادة الصواب بهذا العمل وما كان له أن يواد المشركين وهم الذين تبجحوا بالكفران وتظاهروا على العدوان وصنعوا بالمسلمين ما "حاطب" أعلم به من غيره.. لكن الإنسان الكبير تعرض له فترات يصغر فيها .
وقد استكشف النبي - صلى الله عليه وسلم - خيبئة حاطب فعرف أنه لم يكذب في اعتذاره ..على أن حاطبا شفع له ماضيه الكريم فجبرت عثرته وأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - المسلمين أن يذكروا الرجل بأفضل ما فيه.
وبهذا التقدير السمح علمنا الإسلام ألا ننسى الحسنات والفضائل لمن يخطئون حينا بعد أن أصابوا طويلا"(1).
ـ مفاجأة العدو بوصول الجيش الإسلامي إلى مشارف مكة:
عسكر الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - بجنوده عند مر الظهران بالقرب من مكة وللتمويه على العدو وإرهابه أمر عليه السلام بأن يشعل كل جندي نارا حتى يذهب إلى ظن المشركين أن العدد كثير جدا إذ يمكن أن يجتمع عشرة أنفار حول نار واحدة وبذلك يتضاعف عدد الجيش المسلم في أعين الكفار إلى عشرة أضعاف... وفعلا شعر أهل مكة بالخوف والذعر وخرج أبو سفيان يستطلع الخبر والمسلمون في حذر شديد، ثم إن هذه النار جعلت الليل نهارا وأصبح المسلمون المحاصرون لمكة قادرين على كشف أي حركة عسكرية لأهل مكة تحت ضوء النار التي أشعلوها.
ولما اقترب أبو سفيان من معسكر المسلمين التقطه العباس(2) وأركبه خلفه وأسرع به إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليأخذ له الأمان ويدعوه إلى الإسلام وينطق بالشهادتين حتى لا يفتك به من يراه.
وكاد عمر بن الخطاب أن يفتك به إلا أن العباس منعه من ذلك فتزاحما حتى وصلا إلى خيمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
__________
(1) فقه السيرة . محمد الغزالي.
لقبه الرسول بذي الحليفة وقد خرج بأهله وعياله مسلما مهاجرا. (2/166)
صفحة 360
ولما مثل بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طالب عمر بضرب عنقه لأنه قاد المشركين في بدر وأحد والأحزاب فأبى الرسول - صلى الله عليه وسلم - وتكلم كلاما كان له الأثر البليغ في نفس أبي سفيان فنطق بالشهادتين ليعود إلى قومه محذرا من عاقبة التعرض لمحمد وجنده.
ـ رجوع أبي سفيان إلى مكة يحذر قومه:
أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - العباس أن يحبس أبو سفيان ليرى جيوش المسلمين وهي تتقدم نحو مكة وقد دججت بالسلاح وهي عازمة كل العزم على الدخول إلى مكة مهما كانت النتائج فما على أهل مكة إلا الاستسلام للحفاظ على الأنفس والدماء والأموال.
قال العباس:" ومرت القبائل على راياتها كلما مرت قبيلة قال" أبو سفيان": مل لي ولسليم؟ ثم تمر القبيلة فيقول: يا عباس من هؤلاء؟ فأقول "مزينة" فيقول ما لي ولمزينة، حتى نفدت القبائل ما تمر قبيلة ويسألني عنها فإذا أخبرته بهم قال: ما لي ولبني فلان، حتى مر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في كتيبته الخضراء(1) وفيها المهاجرون والأنصار- رضي الله عنهم- لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد، فقال: سبحان الله يا عباس من هؤلاء؟ قال: قلت: هذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المهاجرين والأنصار. قال: ما لأحد بهؤلاء قبل ولا طاقة، والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيما.
قال: قلت: يا أبا سفيان، إنها النبوة. قال: فنعم إذن(2).
فأيقن أبو سفيان بأن قريشا لا طاقة لها بقتال هذا الجيش الذي يستعذب الموت من أجل تحرير الكعبة من براثن الشرك والجاهلية وعاد إلى قومه يدعوهم بل يناشدهم الاستسلام وينصحهم بذلك بناء على ما رآه من قوة هائلة وعزيمة صادقة واندفاع قوي يتمتع به الجيش الإسلامي.
عندها قال العباس لأبي سفيان: النجاء إلى قومك فعاد إلى قومه وهو يصرخ:
__________
(1) المرجع السابق.
سيرة أبن هشام م2 ص405 (2/167)
صفحة 361
" يا معشر قريش هذا محمد قد جاءكم فيما لا قبل لكم به فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن. فقامت إليه هند بنت عتبه( زوجته) فأخذت بشاربه فقالت: اقتلوا الحميت الدسم الأحمس قبح من طليعة قوم".
" قال: ويلكم لا تغرنكم هذه من أنفسكم فإنه قد جاءكم ما لا قبل لكم به فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن.
قالوا: قاتلك الله وما تغني عنا دارك.
قال: ومن أغلق عليه بابه فهو آمن ومن دخل المسجد الحرام فهو آمن".
فما كان من القرشيين إلا أن اقتحموا بيوتهم وغلقوا الأبواب عليهم وطرحوا السلاح في الطريق ليأخذه المسلمون بعد ذلك.
وبهذه الطريقة ذات التأثير النفسي تمكن الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - من الدخول إلى مكة دون إراقة دماء باستثناء من تصدى لخالد بن الوليد وجنده فلقى حتفه وكان عددهم اثنى عشر رجلا. واستشهد من المسلمين اثنان شذا من الجيش فسلكا طريقا غير طريقه فقتلا جميعا.
ـالفتح العظم وتواضع الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - :
* دخول مكة:
من الله تعالى على نبيه بالفتح الأعظم ليدخل مكة معززا مكرما ظافرا ومطأطئا رأسه متواضعا لله تعالى راكبا راحلته حتى أن شعر لحيته يكاد يمس ظهر ناقته وعليه عمامة سوداء من غير إحرام ولواؤه أبيض وهو يتلو سورة الفتح في خشوع وتذلل وانكسار للعزيز الحكيم.
* تطهير القائد للكعبة:
ودخل الجيش الإسلامي مكة ودخل الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - البيت الحرام وحوله ثلاثمائة وستون صنما فجعل يطعنها بعود في يده ويقول:
" جاء الحق وزهق الباطل جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد".
فيسقط كل نصب من فوره على قفاه مع أنه قد شد بالرصاص وثبت.
هكذا أراد الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - معالجة الشرك بالوحدانية بعمل محسوس فإزالته عليه السلام لهذه الأصنام إذلال لها وتحقير لها ولعابديها ليبين للناس أنها لا تضر ولا تنفع ولا تدفع عن نفسها شيئا. (2/168)
صفحة 362
ثم دخل الكعبة وأزال ما بها من صور الشرك وصلى فيها وأهل مكة ينتظرون حكم القائد المنتصر فيهم... وخرج للناس مستفسرا:
" يا معشر قريش ما تظنون أني فاعل بكم؟".
قالوا: خيرا أخ كريم وابن أخ كريم.
فقال صلى الله عليه وسلم: " اليوم أقول لكم ما قال أخي يوسف من قبل: لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين اذهبوا فأنتم الطلقاء".
ـ إهدار القائد لدماء بعض المجرمين وعفوه عن البعض منهم:
لما دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكة أعاد على مسامع الناس بأنه من دخل بيته فهو آمن ومن دخل المسجد الحرام فهو آمن ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، واستثنى نفر عظمت جرائمهم في حق الإسلام والمسلمين إذ أمر القائد عليه السلام بقتلهم وإن كانوا متعلقين بأستار الكعبة ومن هؤلاء:
عبدالله بن خطل: كان متعلقا- فعلا- بأستار الكعبة فقتله علي بن أبي طالب.
الحارث بن نقيذ بن وهب: كان شديد الأذى برسول الله بمكة- قتله علي بن أبي طالب.
مقيس بن صبابه: قتله نميلة بن عبدالله وهو متعلق بأستار الكعبة.
الحارث بن طلاطل الخزاعي: قتله علي بن أبي طالب.
قينتان كانتا لابن خطل: تغنيان وتهجوان الرسول - صلى الله عليه وسلم - قتلت إحداهما واستؤمن للأخرى فأسلمت.
سارة مولاة بني المطلب: وهي التي وجد معها كتاب حاطب بن أبي بلتعة. استؤمن لها فأسلمت.
عبدالله بن سعد بن أبي السرح: كان يكتب الوحي لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فارتد مشركا راجعا إلى قريش. استأمن له أخوة من الرضاع عثمان بن عفان فأمنه النبي - صلى الله عليه وسلم - فأسلم وحسن إسلامه.
كعب بن زهير: استأمن له أخو بجير...أسلم ومدح النبي - صلى الله عليه وسلم - .
عكرمة بن أبي جهل: فر إلى اليمن فاستأمنت له زوجته فأمنه النبي - صلى الله عليه وسلم - فتبعته ورجع معها فأسلم وحسن إسلامه.
وحشي بن حرب: هو قاتل حمزة في معركة أحد ثم أسلم وشارك في حروب الردة وتمكن من قتل مسيلمة الكذاب. (2/169)
صفحة 363
هبار بن الأسود: أسلم وحسن إسلامه.
هند بنت عتبة: زوجة أبي سفيان أسلمت وبايعت.
ـ الشكر لله:
دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الفتح الأعظم دار أم هانئ بنت أبي طالب وصلى في بيتها عند الضحى ثماني ركعات شكرا لله تعالى على ما أنعم.
وأقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمكة بضع عشر يوما يجدد معالم الإسلام ويرشد الناس إلى الهدى والتقى ويدعو إلى توحيد الله وكسر الأوثان... وأمر مناد ينادي بمكة:
" من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدع في بيته صنما إلا كسره".
غزوة حنين
( شوال السنة الثامنة للهجرة)
عدد المسلمين:
* عشرة آلاف مقاتل من جاءوا مع الرسول القائد لفتح مكة.
* ألفان من الأعراب والطلقاء والمؤلفة قلوبهم
* ثمانون من مشركي مكة من مجموعة الألفين المذكورين.
عدد المشركين:
* من هوازن وثقيف يزيد عن عشرين ألفا.
النتيجة:
* النصر للمسلمين على أعدائهم
* قتل سبعين رجلا من ثقيف.
الغنائم:
* نحو أربعة وعشرين ألف بعير.
* أكثر من أربعين ألف شاه.
* أربعة آلاف أوقية من الفضة.
* ستة آلاف من السبي (النساء والذراري).
* استشهاد أربعة من المسلمين
غزوة حنين(1)
(شوال –السنة الثامنة للهجرة)
* اجتماع الأعداء على مبادأة الرسول القتال:
لما علمت هوزان وثقيف بما ناله الرسول - صلى الله عليه وسلم - من فتح مكة عظيم بدخوله مكة منتصرا مظفرا اجتمعت للإغارة على المسلمين ومبادأتهم بالقتال قبل أن يستعدوا لهم.
__________
(1) حنين: ماء بينه وبين مكة ثلاث ليال قرب الطائف.
كان شجاعا مقداما إلا أنه سقيم الرأي سيء المشورة.
أوطاس: وادي في ديار هوزان كانت فيه وقعة حنين.
أنقض به: من الإنقاض: أحدث صفيرا ويفعلون ذلك عند إنكار القول أو العمل.
مختصر السيرة النبوية لابن هشام: إعداد محمد عفيف الزغبي- دار المطبوعات الحديثة جدة ص238/239 (2/170)
صفحة 364
فجمع مالك بن عوف النصراني(2) الرجال وجمع معهم الأموال والنساء والذراري ونزل بهم بأوطاس(3) وقد عزم على كسب الجولة ومفاجأة المسلمين وذلك بنصب الكمائن لهم وهم عن ذلك غافلون فجاءه دريد بن الصمة وهو فارس مجرب محنك طغى في السن ولم يبق له إلا حسن المشورة وإبداء الرأي فقال له: يا مالك إنك قد أصبحت رئيس قومك وإن هذا يوم كائن له ما بعده من الأيام ما لي أسمع رغاء البعير ونهاق الحمير وبكاء الصغير ويعار الشاء؟
قال: سقت مع الناس أموالهم ونساءهم.
قال: ولم ذاك؟
قال: أردت أن أجعل كل رجل منهم أهله وماله ليقاتل عنهم.
فانقض به(4) وقال: راعي ضأن الله وهل يرد المنهزم شيء؟ إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك فضحت في مالك وأهلك.
فسفر مالك رأيه وقال: والله لا أفعل ذلك... إنك قد كبرت وكبر عقلك والله لتطيعني يا معشر هوزان أو لأتكئن على هذا السيف حتى يخرج من ظهري فقالوا أطعناك(5).
* استعداد الرسول القائد لخوض المعركة:
- إرسال العيون لتنصت الأخبار:
بعث الرسول القائد صلوات الله عليه وسلامه عبدالله بن أبي حدرد الأسلمي ليتنصت له أخبار المشركين وأمره أن يدخل في الناس فيقيم فيهم حتى يعلم ما يريدون، فانطلق حاملا وصية قائده عليه السلام واستطاع أن يتسلل إلى جيش الأعداء فيقيم مدة تكفيه من جمع الأخبار الهامة ثم قفل راجعا إلى الرسول عليه الصلاة والسلام يحمل تفاصيل أخبارهم وما يزمعون عليه من الحرب.
فلما جاءته الأخبار بما فعل مالك بن عوف من جمع الأموال والنساء والذراري وراء الجيش قال صلى الله عليه وسلم :" تلك غنيمة المسلمين غدا إن شاء الله".
- الرسول القائد يسلح جيشه: (2/171)
صفحة 365
لما علم الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - بعزم المشركين على القتال وما أعدوه من حشود بشرية وعتاد عسكري سعى عليه السلام إلى تسليح جيشه بما يكفل له القدرة على القتال فتوجه إلى صفوان بن أميه(1) يطلب الدروع التي يملكها وأرسل إليه قائلا: " يا أبا أمية أعرنا سلاحك هذا نلق به عدونا غدا". فقال صفوان:" أغصبا يا محمد؟" قال: "بل عارية مضمونة حتى نؤديها إليك" قال: ليس بهذا بأس. فأعطاه مائة درع وتكفل بحملها.
- الرسول القائد يتوجه بجيشه إلى هوزان:
قبل أن يغادر الرسول - صلى الله عليه وسلم - مكة عين عتاب بن أسيد بن أبي العيص بن أميه أمير عليها، وسنه حينئذ إحدى وعشرون سنة، وهو شاب شجاع مقدام ثم خرج عليه السلام يريد هوزان بجيش قوامه عشرة آلاف فارس ممن فتح الله بهم مكة وانضم إليه ألفان من مسلمة الفتح وأخلاط من الناس منهم الأعراب والطلقاء ومنهم الطامعون في المغانم... لم يمنعهم الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - من الخروج معه طمعا في أن يحسن إسلامهم عندما يشاهدون بأنفسهم إقبال المجاهدين على القتال بإخلاص حبا بالله ولرسوله - صلى الله عليه وسلم - .
* الرسول القائد يدير المعركة ويقودها نحو النصر:
- مفاجأة الأعداء المسلمين:
كان عدد المسلمين مغريا بالفخر والاعتزاز فقد نصرهم الله في مواطن عديدة وهم قليلو العدد والعدة واليوم فهم ينطلقون إلى هوزان وعددهم يزيد على عشرة آلاف ...هذا الشعور جعل بعض الناس يغتر فيقول: لن نغلب اليوم من قلة.
__________
(1) 1 ) صفوان بن أمية: كان يملك أدراعا وسلاحا ولم يدخل في الاسلام بعد وهو يومئذ في المدة التي جعل له الرسول صلى الله عليه وسلم الخيار فيها وقد خرج مع المجاهدين في هذه الغزوة. (2/172)
صفحة 366
وسار الجيش نحو هوزان وثقيف يحدوه الأمل في النصر غير أن المشركين سبقوا إلى مداخل الوادي ونصبوا كمائن في الشعاب وسفوح الجبال، وفي غفلة من المسلمين الذين اطمأنوا إلى كسب المعركة ومالت نفوسهم إلى تحقيق النصر، هجم الأعداء في عماية الصبح وأمطروا المسلمين بوابل من النبال فارتاعت المقدمة لهذه المفاجأة واختلطت عليهم الأمور فانفرط عقدهم وتفرقت جماعتهم وتقهقروا إلى الوراء لا يلوي أحد على أحد وهم لا يدرون ماذا حدث لهم وكيف يمكن تفادي هذا الأمر الخطير.
- الرسول القائد يثبت في المعركة ويقود جيشه إلى النصر:
رأى الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - إن جيشه قد اختل نظامه واضطربت صفوفه حتى شمت فيهم ضعاف القلوب وبعض الطلقاء والأعراب وتكلموا بما يظهر ضغائنهم على المسلمين فماذا يصنع عليه السلام في هذه الظروف الحالكة، إنه ليعلم أنه رسول الله وأنه ناصره... فعزم على الثبات ولو كان وحده وركض ببغلته في نحر العدو ركضا والعباس ماسك بلجامها وأبو سفيان بن الحارث ابن عم الرسول آخذ بركابه ينافح عنه والرسول القائد عليه السلام يقول بصوت مرتفع:
" أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب" ثم نادى" إلي أيها الناس هلموا إلي أنا رسول الله أنا محمد بن عبدالله".
وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم في هذا اليوم العصيب:
" اللهم ؟أنزل نصرك اللهم إنك إن تشأ لا تعبد في الأرض بعد اليوم".
وماذا تفعل القلة القليلة أمام الزحوف المهاجمة من الأعداء... عندئذ وفي غمرة هذه الفوضى والذهول دعا الرسول - صلى الله عليه وسلم - عمه العباس- وكان جهوري الصوت- أن ينادي في الناس ويذكرهم بمواطن الإيمان وأحداث البطولة الصادقة.
" يا لأصحاب الشجرة يا أصحاب السمرة يا أصحاب البقرة" فبلغ الصوت إلى سفوح الجبال وتجاوب صداه بين الأودية والشعاب فلم تمض برهة من الوقت حتى سمع الرسول - صلى الله عليه وسلم - أصحابه يقولون :لبيك لبيك. (2/173)
صفحة 367
وفي هذه الأثناء والناس لا يزالون في ذهولهم بعيدين عن قائدهم انكفأ جمع من المشركين إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يريدون قتله، منهم شيبة بن عثمان بن أبي طلحة، قتل أبوه يوم أحد فأراد أن يأخذ له بالثأر من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لكنه صادف قائدا فذا صامدا ورجالا أشداء يقاتلون دونه بشجاعة نادرة فأنزل الله الرعب في قلبه فرجع خائبا خائر القوى مهزوما.
أما الصحابة الملتفون حول الرسول - صلى الله عليه وسلم - فهم: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، والعباس وابنه الفضل، وأبو سفيان بن الحارث وابنه، وربيعة بن الحارث، وأسامة بن زيد وأيمن بن عبيد(1)، وكلهم من خلصاء أصحابه عليه السلام ومن آل بيته فالموت لديهم أحلى مذاقا من البقاء بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
- اشتداد القتال وقول الرسول القائد "الآن حمي الوطيس":
عاد الصحابة إلى ميدان القتال بكل قوة بعد سماعهم صوت الرسول - صلى الله عليه وسلم -
يدوي في أرجاء ساحة المعركة وصوت العباس يناديهم ويذكرهم بمآثرهم وبطولاتهم السالفة وبدأوا يتجمعون حول قائدهم ورموا بأنفسهم في أوار المعركة يصطلون بنارها، وأقبلوا على القتال بنفس راغبة في الشهادة عازفة عن الدنيا. فاشتد القتال وفي الأثناء أخذ الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - حصيات رمى بها المشركين ثم قال:" انهزموا ورب الكعبة".
وتوالت الانتصارات والمؤيدات الإلهية على عباده المجاهدين فأنزل الله تعالى ملائكته يثبتون أقدام المجاهدين الأبطال، فالتحمت الأجسام وانكسرت السيوف ولم يبق أمام المسلمين سوى النصر أو الشهادة، عندها قال عليه السلام:" الآن حمي الوطيس"(2) فاندحر الأعداء تحت وطأة القتال وتشتتوا في الأودية والشعاب لا يلوون على شيء تاركين وراءهم قتلاهم ونساءهم وأموالهم غنيمة للمسلمين.
__________
(1) استشهد يومئذ
(2) أي اشتدت رحى الحرب، وهي من الكلم التي لم يسبق النبي إليها. (2/174)
صفحة 368
واعتصم بعض المنهزمين بناحية يقال لها أوطاس، فأرسل الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - في أعقابهم أبا عامر الأشعري في كتيبة من جنده فقاتلهم حتى استشهد، فأخذ الراية ابن عمه أبو موسى الأشعري فقاتلهم حتى بدد شملهم وهزمهم شر هزيمة، وفر مالك بن عوف ومن معه من المنهزمين إلى الطائف ليتحصن بحصونها تاركا وراءه القتلى والجرحى والأسارى والغنائم .
وفي هذه الحادثة نزل قول الله تعالى:
{ لَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمْ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ } (التوبة/25/26)
* موقف الرسول القائد من الغنائم:
بعد أن توقف القتال وفرت فلول المشركين لا تلوي على شيء رأى الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - ضخامة الغنائم التي خلفتها هوزان وثقيف وراءها فكره أن يتعجل بتوزيعها في تلك اللحظة ورأى أن يتأنى في الأمر عسى أن يعود المشركون إلى رشدهم ويرجعوا إليه تائبين وأو يحدث الله بعد ذلك أمرا، فأرسلها إلى الجعرانة يستبقيها هناك وجعل عليها مسعود بن عمرو الغفاري حارسا عليها إلى أن يحين أوان توزيعها.
* حصار الطائف(1):
لما تراجعت ثقيف منهزمة من حنين وأوطاس دخلت حصونها ونهيأت فيها لحصار طويل، لكن الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - سارع بجيشه ليحكم حصارها وهم في حصونهم دون أن ينوي الإغارة أو اقتحام حصونهم وإخراجهم منها قسرا... إذ لا يزال عليه السلام يأمر فيهم خيرا.
__________
(1) 1 الطائف : بلد كثير الأعناب والنخيل على ثلاثة مراحل من مكة. (2/175)
صفحة 369
حاولت ثقيف الدفاع عن نفسها بكل ما أوتيت من قوة فرمت المسلمين بالنبال فأصيب بعضهم وقذفتهم بكرات النار: كاد يهلك البعض من جرائها عندها أصدر الرسول القائد أوامره لجنده بالانسحاب إلى الوراء لاتقاء الأعداء ولتفادي الإصابات المنجرة عنها.
واستعمل الرسول القائد عدة وسائل لإخضاع ثقيف وإكراهها على النزول من الحصون:
أمر عليه السلام أن ينادي في ثقيف: أن من خرج إلينا من العبيد فهو حر، فهرب بضع وعشرون منهم متسورين الجدر والتحقوا بالرسول - صلى الله عليه وسلم - فاعتقهم وسماهم" عتقاء الله" ودفع كل واحد منهم إلى رجل من المسلمين يعوله ويحمله.0
رماهم بالمنجنيق محاولة منه لتدمير حصونهم.
أمر أصحابه بتقطيع الأعناب والزروع لحملهم على الاستسلام فأرسلوا إليه يستعطفونه ألا يفعل فترك ذلك.
طال الحصار حيث مكث المسلمون بضعا وعشرين ليلة عندها استشار القائد أصحابه فرغبوا في مواصلة الحصار ولما رأوا عزم القائد - صلى الله عليه وسلم - على عدم مهاجمة المنهزمين في حصونهم نزلوا على رأيه.
ثم استشار عليه السلام نوفل بن معاوية، فقال :" يا نوفل ما ترى في المقام عليهم؟" "فقال: يا رسول الله ثعلب في حجر إن أقمت عليه أخذته وإن تركته لم يضرك.
فأمر القائد عمر بن الخطاب أن يؤذن في الناس بالرحيل دون أن يتم فتح الطائف بل دعا لثقيف قائلا:" اللهم اهد ثقيفا".
ولم يطل بقاء ثقيف على شركها طويلا فما هي إلا أشهر حتى أرسلوا وفدهم إلى المدينة يخبر النبي برغبتهم في الإسلام وانشرح صدورهم لدين الله تعالى.
* الرسول - صلى الله عليه وسلم - يرد السبايا إلى أهلها:
ما كاد يصل الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى الجعفرنة بعد انسحابه من الطائف دون فتحها حتى أقبل عليه وفد هوازن يستعطفونه عليه السلام معلنين الولاء والاسلام.
قالوا: يا رسول الله إنا أهل وعشيرة، وقد أصابنا من البلاء ما لم يخف عليك فامنن علينا من الله عليك. (2/176)
صفحة 370
وجلسوا يستدرون عطفه ويلتمسون رحمته وحمله.
كان الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - أرحم الناس وأعرف بالجميل لأهله، وأشد عطفا وحلما بكسير الجناح.. فهذه هوزان تأتيه مكسورة الجناح نزلت بها بلايا من كل جانب قتل رجالها وأسر فرسانها وغنمت أموالها وسبيت نساؤها وذراريها.. فهم في حالة لا يحسدون عليها بلغوا من الذل مبلغه فلا بد من لفته كريمة ترد لهم الاعتبار، ومن يد سخية تداوي جروحهم خاصة بعد أن أعلنوا إسلامهم وجاؤوا إلى الرسول منقادين طائعين.
هنا جاء دور القائد فعسى إلى اغتنام هذه الفرصة فأفاض عليهم من حلمه ما يوطد فيهم الإيمان بأحقية رسالته عليه السلام وغمرهم بالكرم والاحسان بما يرغبهم في الإسلام ويكسبهم محبة الله ورسوله فينقلبون أنصارا لله بعدما كانوا أعداء لدين الله تعالى.
قال لهم عليه السلام:
" نساؤكم وأبناؤكم أحب إليكم أم أموالكم؟ وقد كنت اسنأنيت بكم" أي انتظرتكم فلم تأتوا. وكان الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد قسم السبايا على المقاتلين. فقالوا:" يا رسول الله خيرتنا بين أحسابنا واموالنا ...بل أبناؤنا ونساؤنا أحب إلينا".
ماذا يفعل الرسول القائد بعد أن قسم السبايا على الناس؟ وكيف يقنعهم بالتخلي عن ما اخذوه؟ لا بد للأمر من تدبير جيد وخطة محكمة.
فقال لهم:" أما ما كان لي ولعبد المطلب فهو لكم... وإذا أنا صليت بالناس فقوموا فقولوا: إنا نستشفع برسول الله إلى المسلمين وبالمسلمين إلى رسول الله في أبناؤنا ونسائنا فإني سأعطيكم عند ذلك وأسأل لكم".
لم يكن الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - جبارا في أصحابه فيأخذ ما يملكون قسرا ولم يكن في الوقت نفسه غليظ القلب فيتجاهل أولئك الذين جاؤوا مكسوري الخاطر مهيضي الجناح لكنه استطاع بما أتاه الله تعالى من حكمة في الرأي وقدرة على الاقناع وبما حباه الله من محبة في القلوب أن يرد النساء والأولاد إلى أهليهم دون أن يترك من وراء ذلك جرحا ينزف أو قلبا يحقد. (2/177)
صفحة 371
وبعد الصلاة وفد هوزان وقالوا مثل ما أوصاهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - فقام عليه السلام خطيبا في أصحابه فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال:
" أما بعد فإن إخوانكم هؤلاء قد جاؤوا تائبين وإني قد رأيت أن أرد إليهم سبيهم فمن أحب أن يطيب بذلك فليفعل ومن أحب منكم أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول مال يفئ الله به علينا فليفعل".
ثم قال:" ما كان لي ولبني المطلب فهو لكم" إشارة إلى وفد هوزان. أراد بذلك أن يقتدي به الناس فقال المهاجرين وما كان لنا فهو لرسول الله وقال الأنصار مثل ذلك(1).
وتسارع الصحابة إلى التنازل عما يملكون من السبايا اقتداء بقائدهم إلا ما كان من بعض الذين تمنعوا في بداية الأمر منهم: الأقرع بن حابس، وعيينة بن حصن، والعباس بن مرداس، فما زال بهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى أرضاهم.
وبذلك ردت إلى هوزان نساؤها وذراريها بفضل من الله تعالى ثم بحكمة الرسول القائد وحسن سياسته وبعد نظره.
* الرسول القائد يقسم الغنائم على المؤلفة قلوبهم:
وأصحاب المطامع وكانوا قد فروا عند الفزع ولم يكتفوا بذلك بل أطلقوا ألسنتهم بالتشفي وحب الانتقام من المسلمين.
تجمع كل هؤلاء على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتزاحموا عليه بشكل مرعب يريدون الغنائم ويطمعون في العطايا. تزاحموا عليه حتى نزعوا عنه رداءة وألجأوه إلى شجرة يطلبون المزيد من العطاء.
لكن الرسول - صلى الله عليه وسلم - ماذا عساه أن يفعل في هذا الموقف المحرج؟. له أن يغضب وله أن يحرم هؤلاء الطامعين في المغنم الفارين في المغرم.. لكنه قابل كل ذلك بخلق رفيع وحلم واسع وصدر رحب.
__________
(1) أبو شهبة: السيرة النبوية- دار القلم- دمشقج2 ص480
مختصر السيرة النبوية لابن هشام إعداد محمد عفيفي الزغبي ص253.
البخاري ومسلم (2/178)
صفحة 372
قال عليه السلام للناس:" ردوا على ردائي أيها الناس، فوالذي نفسي بيده لو كان لكم عندي عدد شجر تهامة نعما لقسمته عليكم ثم ما ألفتموني بخيلا ولا جبانا ولا كذابا".
ثم قام إلى جنب بعير فأخذ وبرة من سنامه فجعلها بين إصبعيه ثم رفعها ثم قال:
"أيها الناس والله ما لي من فيئكم ولا هذه الوبرة إلا الخمس والخمس مردود عليكم فادوا الخياط والمخيط، فإن الغلول يكون على أهله عارا ونارا وشنارا يوم القيامة"(2).
وجاء أعرابي وجذبه من ردائه جذبة أثرت في عاتقه وهو يقول: مر لي من مال الله الذي عندك.
فالتفت إليه الرسول - صلى الله عليه وسلم - فضحك ثم أمر له بعطاء(3).
إنه الحلم العظيم والخلق الرفيع والخبرة الواسعة في كسب القلوب والنصر عند المواقف الصعبة؛ لكل هذا حاز الرسول - صلى الله عليه وسلم - حب أصحابه واستطاع أن يطفئ جذوة الغضب ونار الفتنة وهو يعلم أن أناسا يقادون إلى الحق بالبطون، وأن الكثير منهم همهم المغانم والأموال، فأغدق عليهم بالعطاء ليؤلف قلوبهم ويكسبهم إلى رحاب الاسلام.
قال صفوان بن أمية : ما زال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعطيني من غنائم حنين وهو أبغض الخلق إلي حتى ما خلق الله شيئا أحب إلى منه(1).
كان المؤلفة قلوبهم أول من نال حظا وافرا من الغنائم:
أخذ أبو سفيان مائة من الإبل واربعين أوقية من الفضة ، ولم يقنع بذلك بل أراد المزيد، وقال: وابني معاوية؟ فمنح مثلها لابنه معاوية. فقال: وابني يزيد؟ فمنح مثلها لابنه يزيد.
وأعطى حكيم بن حزام مائة بعير
وأعطى الحارث بن الحارث بن كلدة مائة بعير
وأعطى سهيل بن عمرو مائة بعير
__________
(1) رواه مسلم 7/75، والترمذي 8/24،وأحمد. (2/179)
صفحة 373
وكان كلما أعطى حكيم بن حزام استزاده، حتى قال له عليه السلام: " يا حكيم، إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير من اليد السفلى"(1).
موعظة مؤثرة نفذت إلى قلب الرجل دون أن تترك فيه حقدا أو مأخذا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، بل استكفى بما أخذه وعاهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - ألا يمد يده بعده.
قال: والذي بعثك بالحق لا أرزأ(2) أحدا بعدك شيئا حتى أفارق الدنيا.
فكان أبو بكر وعمر يعرضان عليه العطاء فلا يأخذه.
كما صل العطاء عيينه بن حصن، والأقرع بن حابس ومغرمة بن نوفل وغيرهم من ضعاف الإيمان. والعجب أن هؤلاء الذين فروا عند الفزع هم الذين كثروا عند الطمع.. وشاء النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يلطف معهم، وينسى ماضيهم تكرما وتألفا..وماذا يصنع إن في الدنيا أقواما يقادرون إلى الحق من بطونهم لا من عقولهم".(3)
* حكمة القائد من هذا التقسيم:
يبدو لأول وهلة، ولكل ناظر نظرة سطحية، أن هذا التقسيم غريب في حد ذاته، يطرح تساؤلات عدة قد لا يهتدي إلى الإجابة عنها من لا يمعن التدبر في أفعال الرسول - صلى الله عليه وسلم - المبينة على الحكمة.
وصحابة مجاهدون جاؤوا مع الرسول الله - صلى الله عليه وسلم - مخلصين يحملون راية الاسلام ويجاهدون في سبيل الله ويثبتون عند اشتداد وطيس القتال لا هم لهم في الدنيا أو مغنم ، وإذا بهم يحرمون من العطاء ولا ينالون مما ناله الناس شيئا.
إنه أمر محير حقا ولا يفقه الحكمة منه إلا من أوتي إيمانا راسخا وثقة في أن كل أفعال الرسول القائد إنما تصدر عن حكمة وهدف نزيه.
__________
(1) رواه البخاري
(2) أي لن آخذ من أحد شيئا.
(3) محمد الغزالي: فقه السيرة. (2/180)
صفحة 374
وظهرت بعض بواد الاعتراض من الأنصار، خاصة بعد أن أعطى الرسول - صلى الله عليه وسلم - المؤلفة قلوبهم .. أمر زيد بن ثابت بإحضار الغنائم والناس، ثم فرضها على الناس، فكانت سهامهم لكل رجل أربعا من الإبل وأربعين شاة، فأن كان فارسا أخذ اثني عشر بعيرا وعشرين ومائة شاة (1).
وقد جاء أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - " أعطى الطلقاء والمهاجرين ولم يعط الأنصار شيئا(2).
وعتب الناس على الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ظنوا أن هذا الحرمان ضرب من الأعراض عنهم والإهمال لأمرهم. فقالوا: كيف يعطي أقواما لا تزال سيوفنا تقطر من دمائهم؟!
عن عمرو بن تغلب قال: " أعطى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قوما ومنع آخرين فكأنهم عتبوا عليه".
وهذا الأمر ليس غريبا لذلك لم يغضب الرسول القائد ولم يجد في نفسه عليهم شيئا، بل سارع إلى وضع الأمور في نصابها وتوضيح ما غمض عليهم .
قال عليه الصلاة والسلام:" إني أعطي قوما أخاف هلعهم وجزعهم وأكل قوما إلى ما جعل الله في قلوبهم من الخير والغنى منهم عمرو بن تغلب".
قال عمرو: فما أحب إلي أن لي بكلمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حمر النعم.
وبهذا الكلمة الهادفة والتزكية الصادقة استطاع الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يطيب خاطر هذا الرجل وأمثاله أما الأنصار فوجدوا في نفوسهم غبنا على ما حدث، حتى قال قائلهم: يعفو الله لرسول الله يعطي قريشا ويتركنا وسيوفنا نقطر من دمائهم.
فلما بلغت المقالة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سارع إلى أصحابه الكرام يستجلي صحة الخبر ويوضح لهم حقيقة الأم ويبين لهم ما غمض في خيمة وحدهم وقام فيهم خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
__________
(1) المباركفوي : الرحيق المختوم، دار القلم ، بيروت ص 405 .
(2) ابن كثير: السيرة النبوية ، دار الكتب العلمية، بيروت ج2 ص 246 . (2/181)
صفحة 375
" ما حديث بلغني عنكم؟" فقال فقهاء الأنصار:أما رؤساؤنا يا رسول الله فلم يقولوا شيئا وأما ناس منا حديثة أسنانهم فقالوا: يغفر الله لرسول الله...
ثم قال عليه السلام:" يا معشر الأنصار ألم أتكلم ضلالا فهداكم الله، وعالة فأغناكم الله وأعداء فألف الله بين قلوبكم؟" قالوا: بلى يا رسول الله. ثم قال:" ألا تجيبون يا معشر الأنصار؟" قالوا: وما نقول يا رسول الله؟ وبماذا نجيبك؟ المن لله ولرسوله.
فقال:" والله لو شئتم لقلتم فصدقتم وصدقتم جئتنا طريدا فآويناك وعائلا فآسيناك وخائفا فأمناك، ومخذولا فنصرناك" فقالوا: المن الله ولرسوله.
فقال عليه السلام:" أوجدتم في نفوسكم يا معشر الأنصار في لعاعة- شيء يسير- من الدنيا تألفت بها قوما أسلموا ووكلتكم إلى ما قسم الله لكم من الاسلام؟ أفلا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس إلى رحالهم بالشاء والبعير وتذهبون برسول الله إلى رحالكم؟ فوالذي نفس محمد بيده لو أن الناس سلكوا شعبا لسلكت شعب الأنصار ولولا الهجرة لكنت أمرا من الأنصار...اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار"(1).
خطبة بليغة جامعة يلقيها الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - على مجموعة من جنده المخلصين تجمع بين الحق والصراحة يسترضيهم بها ويزيل بعض ما شابهم من امتعاض أو خطأ في حقه صلى الله عليه وسلم إنها رقة الأب الحنون على أبنائه وعطف القائد الرحيم بجنده.
كلمات رقيقة تضرب على أوتار القلوب، وتهز المشاعر وتستولي على الوجدان، يبكي لها الأنصار حتى تخضل لحاهم ويقولون بأصوات صادقة:
" رصينا بالله ربا وبرسوله قسما".
كلام صريح لا مداهنة فيه، ولا مخادعة، ولا وعود كاذبة أو أماني براقة، إنما هو الحق ولو كان مرا.
__________
(1) 1 ) صحيح البخاري، كتاب المغازي باب غزوة الطائف. (2/182)
صفحة 376
إنها القيادة الناجحة والنبوة التي تسمو على كل نقيصة، وتأبى إلا إعلان الحق وإظهار الدين وإعلاء كلمة الله تعالى.. هكذا استطاع الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - أن يعود بأصحابه وهم أشد حبا له من أي وقت مضى، فيزداد الصف قوة، والقلوب ألفة والجند طاعة والتزاما بأوامره عليه الصلاة والسلام.
* الرسول القائد يمن على مالك بن عوف بالعفو ويرد عليه أهله:
ومن تمام بره عليه السلام أن يسأل عن زعيم ثقيف مالك بن عوف ويمنحه فرصة اللحاق به وإعلان إسلامه.
قال عليه السلام:" أخبراه انه إن أتاني مسلما رددت إليه أهله وماله وأعطيته مائة من الإبل".
فلما علم مالك بالخبر رغب في اللحاق برسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غفلة من ثقيف خشية أن تمنعه إذا علمت بالأمر، ولحق بالرسول عليه الصلاة والسلام، وأعلن إسلامه فرد إليه الرسول - صلى الله عليه وسلم - أهله واعطاه ما وعده ورد عليه اعتباره بين قومه فاستعمله على من أسلم من قومه فكان يقاتل بهم ثقيفا لا يخرج لهم سرح إلا أغار عليه حتى ضيق عليهم وجاؤوه بعد أشهر مسلمين.
وبهذه الحكمة كسب الرسول القائد مالك بن عوف وكسب بعد قومه ثقيفا فدخلوا في الإسلام راغبين.
غزوة تبوك
- جيش العسرة-
( رجب – السنة التاسعة للهجرة)
عدد المسلمين: ثلاثون ألف رجل بقيادة الرسول - صلى الله عليه وسلم -
…عشرة آلاف فرس
…اثنا عشر ألف بعير
عدد الروم: أربعون ألف مقاتل جندهم هرقل من الروم ونصارى العرب من لحم وجذام وغسان وعاملة
النتيجة: انهزم الروم وجبنوا عن المواجهة فلم يقع قتال
صالح الرسول القائد ملك أيلة وأهل جرباء وأرح وأكيدر دومه الجندل.
غزوة تبوك
( رجب – السنة التاسعة للهجرة)
* الاستعداد للغزوة: (2/183)
صفحة 377
كان من سياسة الرسول القائد إذا علم أن قوما هموا بغزوه أن يبادئهم قبل أن يغزوه وقد بلغه عن طريق الأنبا(1) الذين يتاجرون بين الشام والمدينة استعداد الروم للإغارة على المدينة وأن هرقل قد هيأ جيشا بأربعين ألف مقاتل واستنفر متنصره من لحم وجذام وغسان وعاملة فجندهم وعبأهم ورزق أصحابه لسنة وأعد قواته للمواجهة حتى وصلت مقدماتهم البلقاء فعسكروا بها.
وبادر الرسول القائد بالإعلان عن عزمه على مواجهة الروم وكسر الشوكة المتبقية في جزيرة العرب بعد القضاء على اليهود في خيبر وعلى المشركين بعد الفتح وهوازن وحنين. وقد كان صلى الله عليه وسلم قلما يخرج لغزوة إلا وروى بغيرها ليعمي الأخبار على الأعداء إلا في هذه فإنه جلى وجهته وأخبر بمقصده لصعوبة المواجهة وبعد الشقة وشدة الزمان وكثرة العدو حتى يأخذ الناس عدتهم لقتال بني الأصفر خاصة وقد طالبت الثمار والناس يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم ويؤثرونها على الجدب والحر والعسرة لذلك أعلن الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - بوضوح أنه يقصد غزو الروم وأرسل يستنفر القبائل ويحثهم على الجهاد.
فبعث بريدة بن الحصيب إلى الفرع وأبارهم الغفاري إلى قومه بني غفار وأبا واقد اللبثي إلى قومه وأبا جعدة الضمري إلى قومه بالساحل ورافع بن مكيث إلى جهينة ونعيم بن مسعود إلى أشجع وبديل بن ورقاء والأبسر بن سفيان إلى كعب بن عمرو من خزاعة والعباس بن مرداس إلى بني سليم.
__________
(1) الأنباط قوم ينزلون السواد والبطائح بين الشام والعراق. (2/184)
صفحة 378
ورغب الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - في الجهاد فخرج معه ثلاثون ألف رجل وعشرة آلاف فرس واثنا عشر ألف بعير وكانت تعبئة ضخمة رغم عسرة الناس وجدب البلد وأمر الرسول القائد بالتجهيز والاستعداد للمواجهة والصمود أمام العدو فلم يعتمد صلى الله عليه وسلم أسلوب التهديد والإكراه لإخراج الناس إلى الغزوة، بل تم الأمر من خلال الحث والدعوة والتذكير فاستجاب الناس مختارين دون رهبة أو رعب واستطاعت القيادة النبوية أن تجمع كل الطاقات المسلمة لتواجه بها فلول الروم المعتدين.
* تجهيز جيش العسرة:
حرض الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - أصحابه على المشاركة في تجهيز الجيش كل بحسب طاقته فقال:" من جهز جيش العسرة فله الجنة".
وقد استجاب الصحابة لأمر الرسول القائد فشارك كل من قدر بالقليل والكثير فمنهم من أنفق مدا أو مدين ومنهم من جاء بكل ماله ولم يبخل إلا المنافقون.
إن تزويد جيش العسرة بالمال والسلاح والمؤونة يحتاج إلى ميزانية سنوية عامة لكن أغنياء المسلمين سددوها على مستوى فردي فذ وتحملوا أعباءها المادية: فقد جهز عثمان بن عفان ثلث هذا الجيش وقدم أبو بكر كل مال: أربعة آلاف درهم وقال:" تركت لأهلي الله ورسوله" وجاء عمر بنصف ماله، وحمل العباس وطلحة وابن عوف وسعد بن عبادة ومحمد بن مسلمة وعاصم بن عدي أموالا كثيرة.
وتسابق الناس في الصدقة والخير والمعروف :هذا يأتي بالتمر وذاك ببعير وذلك بنفقة يتجهز بها الخارج وألقت النساء بحليهن في ثوب مبسوط بين يدي الرسول القائد، وبعثت بعضهن بما قدرن عليه من خلاخل وقرط وخواتم وشارك الفقير بما استطاع رغبة فيما عند الله.
فأبدى الرسول القائد إعجابه بجنده ورضاه عنهم واستطاع التخفيف من نقص التمويل لهذا الجيش العرمرم الخارج لمسافة بعيدة وفي حر شديد يتطلب كثرة الظهر وكفاية من الزاد. (2/185)
صفحة 379
لقد أمر الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - جيشه يالاستكثار من النعال فقال:" إن الرجل لا يزال راكبا ما دام منتعلا" فالصحراء مترامية الأطراف لا يكفيها نعل واحد ولا اثنان فكيف يتنقل الجندي على الجمر إذا فقد نعله.
لم يكتف المنافقون بإمساك أيديهم عن الإنفاق في تجهيز جيش العسرة، بل سخروا من المنفقين المقلين ولمزوا المتطوعين الذين لا يجدون إلا جهدهم واتهموا المكثرين في النفقة بالرياء وحب الظهور، وكل ذلك من أجل خلخلة الصف المسلم باللغط والغيبة والاتهام والسخرية.
قال تعال: { الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } (التوبة/79).
وجاء البكاؤون يرغبون في الخروج ولا يجدون جهازا فيسألون الرسول القائد أن يحملهم فيجيبهم بصراحة: لا أجد ما أحملكم عليه فتتدفق دموعهم غزيرة أسفا على عدم تمكنهم من الخروج مع الرسول القائد للجهاد في سبيل الله. وينزل الله توبته عليهم ويعذرهم فلا حرج من تخلفهم قال تعالى: { وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ } (التوبة/92).
ثم يسر الله للبكائين السبعة من جهزهم فقد روي أن عثمان بن عفان تولى تجهيز ثلاثة منهم وتكفل العباس باثنين وجهز يامين بن عمرو الآخرين. (2/186)
صفحة 380
لقد تعلم المسلمون من هذه الغزوة أن الجهاد بالمال قبل الجهاد بالنفس فتسابقوا إلى الإنفاق وتنافسوا في التجهيز امتثالا لأمر الله ورسوله بالجهاد بالأموال قال عز وجل: { الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَائِزُونَ } ( التوبة /20).
إن الجهاد بالمال دليل صدق المسلم في إسلامه وهو أهم فارق بين المؤمن والمنافق قال تعالى: { فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ } (التوبة/81) .
* تحرك القائد بالجيش إلى تبوك:
بدأ التجمع لملاقاة الروم في أيام قيظ وتتطلب جهودا مضنية ونفقة كبيرة لكن الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - عزم على تحدي الروم بإعداد جيش العسرة وتدريبه على تحمل المشاق ولم يرض بالسكوت على التحرك البيزنطي أو انتظاره حتى يوجه ضربته لأن ذلك يعني الاندحار والانتحار بل تولى صلى الله عليه وسلم زمام المبادرة والتجهز السريع والانطلاق عبر المتاعب والمصاعب للرد على التحدي النصراني.
قال تعالى { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ } (التوبة/38). (2/187)
صفحة 381
وبعد أن احكم الرسول القائد التجهز خلف على المدينة محمد بن مسلمة أميرا وعبدالله بن أم كلثوم إماما للصلاة وعلى أهله علي بن أبي طالب الذي طعن في إبقائه المنافقون فقالوا خلفه الرسول - صلى الله عليه وسلم - خوفا عليه وأبقاه مع النساء والصبيان. ولم يطق علي- كرم الله وجه- أن يسمع هذا الغمز فانطلق إلى الرسول القائد يبلغه ما تكلم به المنافقون ويرجوه أن يسمح له بالخروج للجهاد لكن الرسول القائد يهدئ من غضبه ويقول له:" أما ترضى أن تكون مني بمثابة هارون وموسى غير أنه لا نبي بعدي؟".
ثم أمر الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - بالتجمع بثنية الوداع لتوزيع الرايات والألوية وتنظيم صفوف هذا العدد الهائل (ثلاثون ألف مقاتل) وقد انطلق موكب مهيب عشرة آلاف فارس واثنا عشر ألف بعير واحد، وظهرت صعوبات أثناء مسير الجيش كشدة الحر ونقص الماء والزاد وطول المسافة وقلة الظهر رغم ما أعده الرسول القائد وجنده من تجهيز وما بذلوه من جهود ونفقات وحفت بهذا الجيش العظيم عناية الله فلما اشتد العطش بالمسلمين حتى كادت الرقاب تقطع استجاب الله لدعاء رسوله بطلب الغيث وأنزل المطر فشرب الجند وملأوا أوعيتهم ووجدوا أن السحابة لم تجاوز العسكر.
لقد كان الاستنفار لهذه الغزوة في رجب ملابسه بسبب تلاعب المشركين بالأشهر ففي العام التاسع للهجرة كان شهر رجب الحقيقي هو جمادى الأخر وبذلك تزول مشكلة استحلال رجب وهو من الأشهر الحرم. (2/188)
صفحة 382
لقد كانت تبوك امتحانا شديدا من الله محص به صفوف جيش العسرة فقد كان الله قادرا على أن يطلع رسوله على دعوى غزو غسان للمدينة وأنه لا صحة له فقد أدخل هذا الخبر رعبا في قلوب الصحابة حتى قال عمر لجاره:" هل جاء الغساني؟" ولكن الله أراد أن يحمل الرسول القائد جنده في رحلة عامة لذلك العدد الغفير الذي يصعب تجميعه في مكان بالمدينة ليتلقى عنه ويتربى معه على قيم الاسلام فكانت فرصة للبناء وكشف النفوس وتصحيح الأخطاء بإشراف الرسول القائد مباشرة على ذلك الجيل.
وبقي الصحابة لا يعلمون عن حقيقة الوضع في بلاد الروم لتنكشف خبايا النفوس وحنايا الضمائر وتكون الغزوة تجربة فذة للقائد ليواصل البناء.
وقد اتخذ الرسول القائد دليلا إلى تبوك وهو علقمة الخزاعي فمضى الجيش على بركة الله.
* توجيهات القائد في الطريق إلى تبوك:
سارت الألوف المؤلفة من المسلمين تلتزم بأوامر الرسول القائد في كل تحرك وتتلقى من المعين النبوي ما يروي ظمأها ويثبت إيمانها وعقيدتها وتتعلم من الرسول القائد الحزم والجد وتتدرب على الطاعة والصبر وتلزم الأدب مع القيادة الحكيمة.
وواصل الجيش سيره إلى أن بلغ الحجر( ديار ثمود) حيث الآبار والماء الزلال فأصدر الرسول القائد أمرا صارما" لا تشربوا من مائها" ورغم أن العطش يقطع الأعناق ويذبح الصدور لم تقع مخالفة واحدة في جيش قوامه ثلاثون ألف رجل، كما حظر الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - العجين الذي خلط بماء تلك الديار فلم يؤكل بل جعلوه علفا للإبل. إنه الالتزام الجماعي :صبر ومصابرة على العطش وامتثال للأوامر. (2/189)
صفحة 383
ثم جاءت المعجزة إذ دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ربه أن يسقيهم فانهمر المطر وشرب العطشى وبردت الأكباد وارتوت القلوب وامتلأت الأواني إنه غيث الله لجند الله استجابة لرسول الله أمير الجند في تلك الغزوة... كما وجه الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة أوامر إلى الجيش مع اشتداد الريح في الليل:" لا يقومن أحد... من كان له بعير فليوثق عقاله...لا يخرجن أحد منكم إلا ومعه صاحبه".
ومن ثلاثين ألف رجل حصلت مخالفتان: رجل خرج وحده لقضاء حاجته وآخر خرج وحده يطلب بعيره فأصابهما مكروه نتيجة المخالفة(1).
كما اتخذ الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - في هذه الغزوة حرسا على الجيش حتى لا يفاجأ على غرة واستعمل على حرسه عباد بن بشر فكان يطوف على العسكر بأصحابه.
ولما كانت النفقة قليلة والعطش شديدا فكر الصحابة بنحر النواضح لكن عمر بن الخطاب أشار أن نحرها يقلل الظهر واقترح تجميع الأزواد ودعا الرسول القائد بالبركة فيها فملأ الجنود أوعيتهم وأكلوا حتى شبعوا- بعدما اضطروا لأكل أوراق الشجر حتى تورمت شفاههم- وكان يكثر من الدعاء في صلاته(2) يسال ربه النصر على الروم كما يسأل مولاه الغيث وبركة الطعام.
* موقف الرسول القائد من المتخلفين عن الغزوة:
مثلت غزوة تبوك اختبارا عظيما محص الله به المشاركين فيها، فقد امتاز المؤمنون فخرجوا لها وسارعوا إلى تلبية ندائها وضحوا بالمال والنفس وتحملوا طول الطريق والحر والعطش وتركوا الظلال والغلال والمياه والنساء فطوبى للسابقين المجاهدين.
__________
(1) حملت الريح أحدهما حتى ألقته بجبل طئ وخنق الأخر الذي ذهب لحاجته انظر سيرة ابن هشام القسم الثاني ص521، 522
تأخر الرسول في الوضوء وكاد الفجر أن يسفر فتقدم عبد الرحمن بن عوف وصلى بالناس حفاظا على الصلاة في وقتها وصلى القائد خلفه وقال:" أحسنتم إنه لم يتوف نبي حتى يؤمه رجل صالح من أمته". (2/190)
صفحة 384
وتأخر البعض فلم ينطلقوا مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - لكنهم لحقوا بعد ذلك فكلما ذكر متخلف قال النبي عليه السلام:" دعوه فإن يكن فيه خير فسيلحقه الله بكم وإن لم يكن غير ذلك فقد أراحكم الله منه".
فقد تأخر أبو خيثمة مع أهله فعاد في يوم حار ووجد زوجته أعدتا له مجلسا وبردتا ماء وجهزتا طعاما فوقف على باب بستانه وقال:" رسول الله في لهب الشمس والريح والحر وأبو خيثمة في ظل بارد وطعام مهيأ وامرأة حسناء في حال مقيم.. ما هذا بالعدل" فأقسم أن لا يدخل بستانه حتى يلحق بمحمد - صلى الله عليه وسلم - .
وجهزت له زوجتاه راحلة وزادا وأسرع للالتحاق بالرسول القائد فأدركه بتبوك ودعا النبي له بالخير.
وهذا أبو ذر أبطأت به راحلته فتأخر ثم تركها ولحق برسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال عنه صلى الله عليه وسلم" رحم الله أبا ذر يمشي وحده ويموت وحده ويبعث وحده".
ويمكن تصنيف المتخلفين عن غزوة تبوك إلى أربعة أقسام:
مأمورون مأجورون: تخلفوا بأمر الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - وهم علي بن أبي طالب ومحمد بن مسلمة وعبدالله بن أم كلثوم.
معذورون: وهم الضعفاء والمرضى والمقلون كالبكائن.
قال تعالى: { لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ } (التوبة/91- 92).
عصاة مذنبون: تابوا فتاب الله عليهم مثل أبي لبابة وأصحابه الثلاثة الذين تخلفوا وصدقوا فلم يختلقوا أعذارا. (2/191)
صفحة 385
ملومون مذمومون: وهم المنافقون الذين آثروا الظل على الحر والراحة على التعب واعتذروا عن الخروج فقد عسكر عبدالله بن أبي دون ثنية الوداع ثم خذل بأتباعه جيش العسرة فلم يخرج بينما ذهب البعض يبرر تخلفه بخشية النساء من بني الأصفر والبعض يثبط عن الجهاد ويخوف بالروم الذي يعدون أكبر قوة في ذلك العصر وشارك البعض منهم في الغزوة فشك في المعجزات وخالف أوامر الرسول القائد وحاول بعضهم اغتياله ورميه عن ناقته من العقبة، إلى جانب لمز المتطوعين ورمي المنفقين بالرياء والسخرية من المؤمنين.
وعموما فقد فضح معسكر النفاق في هذه الغزوة ونزلت آيات الله تكشف المنافقين:
{ فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ } ( التوبة/81)
وقال عز وجل يفضح المنافق الجد بن قيس:
{ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ } ( التوبة/49).
* موقف الروم من قدوم الجيش المسلم:
لما سمع الرومان وحلفاؤهم بزحف الرسول القائد عليهم أخذهم الرعب ولم يجرؤوا على التقدم والمواجهة بل تفرقوا داخل حدودهم أرهبهم عدد المسلمين ففروا إلى حدود الشام وقد استهدف هرقل بانسحابه إلى الداخل أن يستدرج القوات المسلمة ويجرها إليه ثم ينقض عليها لكن الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - لم يتح لهم فرصة تحقيق هدفهم وعسكر في تبوك آخر نقطة في توغله شمالا. (2/192)
صفحة 386
وشاور الرسول القائد أصحابه في مجاوزة تبوك والتقدم فقال عمر بن الخطاب:" إن كنت أمرت بالمسير فسر" فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - " لو أمرت بالمسير لما استشرتكم فيه" فقال عمر:" يا رسول الله إن للروم جموعا كثيرة وليس بها أحد من أهل الإسلام وقد دنوت منهم حيث ترى قد أفزعهم دنوك فلو أنك رجعت هذه السنة حتى ترى أو يحدث الله لك في ذلك أمرا".
لقد مثلت تبوك خطوات مسلحة صوب الخارج وتجاوزت نطاق العرب وجزيرتهم فكان انسحاب الروم هزيمة منكرة حصل بها الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - وجيشه على سمعة عسكرية جيدة ومكاسب كبيرة لا يمكن تحقيقها لو حصل صدام بين الجيشين، وبذلك انكسر تحدي الروم للمسلمين ويئس المنافقون من التعويل على الروم وفي القضاء على الإسلام وأهله.
* الوصول إلى تبوك وأعمال الرسول القائد:
لما وصل الرسول القائد إلى تبوك بعد جهد وعناء لقلة الظهر وطول الطريق ونقص الزاد وشدة العطش فجر الله عينا غزيرة ارتوى منها الجند وظل الرسول - صلى الله عليه وسلم - طيلة إقامته بتبوك- وقد دامت عشرين يوما- يقصر الصلاة(1) ويجمع وينتظر عودة الروم لكنهم فروا وجبنوا عن المواجهة.
فلما تأكد الرسول القائد من انهزامهم أرسل إلى ملك أيلة يصالحه على أن يذعن أهلها للمسلمين ويدفعون الجزية ثلاث مائة دينار ويتولى المسلمون تأمينهم على حياتهم وقد كتبت وثيقة بين الطرفين ونصها:
__________
(1) نام رسول الله يوما فلم يستيقظ حتى كانت الشمس قيد رمح فقال:" ألم أقل لك يا بلال أكلأ لنا الفجر" فقال يا رسول الله ذهب بي من النوم الذي ذهب بك فانتقل الرسول من موضعه غير بعيد فصلى. (2/193)
صفحة 387
" بسم الله الرحمن الرحيم... هذه أمنة الله ومحمد النبي رسول الله ليحنة بن رؤية وأهل أيلة سفنهم وسياراتهم في البر والبحر لهم ذمة الله تعالى وذمة محمد النبي ومن كان معهم من أهل الشام وأهل اليمن وأهل البحر فمن أحدث منهم حدثا فإنه لا يحول ماله دون نفسه وأنه طيب لمن أخذه من الناس وأنه لا يحل أن يمنعوا ماء يردونه ولا طريقا يريدونه من بر أو بحر".
وقد أهدى صاحب أيلة الرسول القائد بغلة وكساه ردا.
كما صالح الرسول القائد أهل جرباء وأذرح لهم أمان الله ورسوله وعليهم في كل رجب مائة دينار وافية طيبة والله عليهم كفيل.
وأرسل النبي - صلى الله عليه وسلم - خالد بن الوليد إلى أكيد دومه الجندل ليصالحه فأخذه وصالحه الرسول القائد على ألفي بعير وثمانمائة رأس وأربعمائة درع وأربعمائة رمح.
فلما أمن حدوده وصالح أهل تلك البلاد قرر العودة إلى المدينة وقد كان لهذه الغزوة أثر معنوي ضخم إذ جاءت ركائز النصرانية في أرض العرب لتسالم الرسول القائد فجاء وفد أيلة ليهادن دولة الإسلام ووصل رسول قيصر إلى تبوك ليعلن الهدنة ودانت جزيرة العرب للإسلام ولم تكن مهمة جيش العسرة في تبوك أن يدمر ويسفك ويقتل ويسلب بل كانت قوته للردع موهوبة الجانب تمكن الحرية للناس فيعبدون الله وتمنع الطغاة الذين يريدون فتنة الناس عن دين الله.
* نتائج الغزوة والعودة إلى المدينة:
بعد انتصار المسلمين في تبوك بسطوا نفوذهم على جزيرة العرب فلم تبق قوة تهدد المسلمين وأسقط في أيدي المنافقين فاستسلموا بعد هذه الغزوة فقد انجلت عن انسحاب الروم وجبنهم عن ملاقاة المسلمين بما ألقي في نفوسهم من رعب لا يفكرون في الكيد للإسلام وأهله. (2/194)
صفحة 388
كما نتج عن هذه الغزوة: تصفية الجيوب المعادية في شمال الجزيرة إما بالخضوع والدخول في الإسلام أو بالاعتراف بسلطة الدولة الإسلامية بالمصالحة ودفع الجزية كما ارتفعت معنويات المسلمين تجاه الروم ونصارى العرب وأصبحوا يؤمنون بإمكان صد الروم وهزمهم.
وتحقق للدعوة الإسلامية مكسب إعلامي كبير خاصة بين نصارى العرب وألقيت في نفوسهم روح العزة بعد أن كانوا أذيالا تابعين للروم لأنهم متاخمون لأرضهم.
وأثرت المطاردة بعد المعركة على معنويات العدو فانهاروا وفقدوا ثقتهم في أسلحتهم وقادتهم لحرص كل واحد منهم على النجاة من المطاردة وبذلك تكسب ثمار المعركة لصالح الإسلام.
وبعد انتهاء الغزوة ظهرت حكمة الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - في عدوله عن الكتمان وإعلانه بوجهته إلى تبوك، فقد كانت المصلحة تقتضي ذلك حتى يأخذ الأصحاب أهبتهم لعدوهم، فبعد المسافة أمر صعب وقد كان في صحراء قليلة الماء والنبات فلابد من استعداد مسبق للمؤونة والظهر وإلا أدى النقص إلى الإخفاق كما أن كثرة عدد الروم ومواجهتهم كقوة عظمى يتطلب استنفارا عاما واستعدادا خاصا ليصمد المسلمون أمام أسلحته وعدده وقدرته القتالية وخبرته الحربية، كما استدعت شدة الزمان التصريح بالوجهة ليراعي الجيش ظروف النفقة له ولأهله في هذه الرحلة الشاقة والغياب الطويل فقد غاب الرسول القائد وجنده عن المدينة قرابة الشهرين إذ خرج في رجب وعاد في رمضان من السنة التاسعة للهجرة.
وقد كانت غزوة تبوك فرصة تدريب للجند على التأقلم مع الظروف الجوية الصعبة وقطع المسافات البعيدة والصبر على قلة الماء والزاد والظهر مع المحافظة على الروح المعنوية العالية والصبر الجميل الذي يعود على العمل تحت مختلف الظروف وتحمل أعباء الجهاد. (2/195)
صفحة 389
وفي طريق عودة الرسول القائد إلى المدينة مات الشهيد عبدالله المزني- ذو اليحادين- فدفنه النبي - صلى الله عليه وسلم - وأنزله إلى قبره أبو بكر وعمر، وقال عنه الرسول القائد:" اللهم أني أمسيت راضيا عنه فأرض عنه". وهذا الموقف من الرسول القائد يمثل قمة التكريم للشهيد في الدنيا ويبرز مدى اهتمام القائد بجنده وأصحابه وتولى شؤونهم أحياء وأمواتا.
وكما قام المنافقون في طريق العودة بمحاولة يائسة لاغتيال الرسول القائد بطرحه من عقبة وهو على ناقته يقود به حذيفة ويسوقها عمار بن ياسر، فهاجموه صلى الله عليه وسلم فردهم عمار بضرب رواحلهم ففشلوا وافتضح أمرهم. وقد كان المنافقون عند تجهيز الرسول - صلى الله عليه وسلم - لتبوك يجتمعون في بيت سويلم اليهودي، فامر النبي - صلى الله عليه وسلم - بإحراقه ثم بنى المنافقون مسجدا وطلبوا من الرسول أن يصلي لهم فيه فوعدهم بذلك عند عودته من تبوك.
وعند اقترابه من المدينة نزل عليه الوحي ينهاه عن الصلاة فيه فقال تعالى: { لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ } (التوبة/108).
فأصدر الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - أمره بهدم وكر التآمر والدس مسجد الضرار الذي أسسوه بتوجيه من أبي عامر الفاسق حيث قال : " ابنوا مسجدا واستعدوا بما استطعتم من قوة وسلاح فإني ذاهب إلى قيصر الروم فأتى بجند من الروم وأخرج محمدا وأصحابه" وكان قصد المنافقين من وراء بنائه مزاحمة مسجد قباء وليكون لهم مركز قيادة وإعداد لمن يحارب الله ورسوله وللتفريق بين المؤمنين كما قال تعالى: (2/196)
صفحة 390
{ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ } (التوبة/107)
فسحق الرسول القائد مؤامرة المنافقين وأمر بحرق المسجد...ثم مات عبدالله بن أبي فلم يبق لأهل النفاق تجمع ولا وحدة وهكذا استطاعت القيادة النبوية إجلاء غمامة النفاق من سمائها فتغيرت معاملة المسلمين للمنافقين بعد أن كشف الله سترهم فلا لين ولا رفق بل حزم وشدة عدم قبول لصداقتهم بل ولا صلاة عليهم ولا استغفار لهم أو قيام على قبورهم.
ولما دنا الرسول القائد من المدينة عند عودته من تبوك قال صلى الله عليه وسلم :" إن في المدينة أقواما ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم" قالوا يا رسول الله وهم بالمدينة؟ قال:" وهم بالمدينة حبسهم العذر".
* الوصول إلى المدينة وقصة الثلاثة المخلفين:
لما وصل الرسول القائد صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة بدأ فصلى بالمسجد ركعتين وجلس للناس فطفق المغموزون في النفاق يعتذرون ويحلفون فقبل الرسول منهم علانيتهم ووكل سرائرهم إلى الله. أما كعب بن مالك وهلال بن امية ومرارة بن الربيع فاختاروا الصدق ولم يعتذروا بل صرحوا أنهم كانوا قادرين على التجهيز ولكنهم لم يخرجوا فقرر الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - معاقبتهم بما يتناسب مع ما صدر منهم من إيثار للتخلف وعالج الأمر بعقاب نفسي ينال المتخلف وحده دون أن يلحق ذويه أي عقاب فامر الرسول القائد أصحابه أن يقاطعوا هؤلاء الثلاثة فلا يكلموهم ولا يتعاملون معهم وهجروهم وتغيروا لهم وتوقفوا عن رد السلام عليهم حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليه أنفسهم وفي الليلة الأربعين أمرهم الرسول القائد باعتزال نسائهم حتى مضت خمسون ليلة فأنزل الله توبته عليهم. (2/197)
صفحة 391
قال تعالى: { وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمْ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنْ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ } ( التوبة/118).
فخرج الثلاثة واستبشروا وتصدقوا وكان ذلك أسعد يوم في حياتهم كلها وروى كعب بن مالك واستطاع الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - بعقوبة البراءة أن يطهر الدرن الذي علق بأنفس الثلاثة من الأنصار الذين يعتبر الجهاد في حقهم فرض عين لنهم بايعوا على ذلك.
نحن الذين بايعوا محمد على الجهاد ما بقينا أبدا
ولكن العقوبة كالدواء إن أخذ منه المريض قليلا لم يكف لحصول الشفاء به وإن تعاطى كثيرا اهلك نفسه.
لقد جاءت توبة الله على الثلاثة بعد أن أثمر العقاب تطهيرا للنفس فعاهدوا الله على أن يتحروا الصدق طوال حياتهم وتقبلوا تهاني الرسول القائد وجنده بتوبة المولى عليهم.
قال كعب بن مالك: فلما سلمت على رسول الله قال وهو يبرق وجهه من السرور:" أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك" قال قلت: أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ قال:" لا بل من عند الله" فقلت: يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله ورسوله قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :" أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك" فقلت: يا رسول الله إنما نجاني الصدق وإن من توبتي ألا أحدث إلا صدقا ما بقيت.
الخاتمة
بعد أن استعرضنا مواقف مشرفة ومضيئة للرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - في غزواته وتبينا مراعاته للقيم النبيلة التي كان يدعو إليها ولم يحد عنها حتى مع أعدائه وفي ساحات الحرب.. (2/198)
صفحة 392
فإن مواجهة العدو في نظر الرسول القائد وسيلة وليست غاية فالحرب عنده ضمان لمسيرة الدعوة إلى الله ونشر العدل، إنها إنسانية لا تستهدف إراقة الدماء ولا إذلال الرقاب، ويتمثل هذا في أجلى مظهر عندما كان يرسل أمراء السرايا ويوصيهم بالالتزام التام بقيم الرحمة.. فعن بريدة قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أمر أميرا على جيش أو سرية أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرا ثم قال:" اغزوا باسم الله في سبيل الله قاتلوا من كفر بالله ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال فأيتهن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم للإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم.. فإن هم أبوا فسلهم الجزية فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، وإن هم أبوا فاستعن بالله عليهم وقاتلهم" (1).
ولا يغيب عن ذهننا ونحن ننوه بعبقرية الرسول القائد وحكمته أننا أمام رسول رب العالمين الموحى إليه والمسدد من ربه ولكنه سيد ولد آدم وهبه مولاه ذكاء وبصيرة أهلته ليكون قدوة البشرية في كل شيء.
قال تعالى: { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا } (الأحزاب/21)
لم تكن غزوات الرسول القائد مجرد مواجهة عسكرية تتلاقى فيها السيوف وتتطاير فيها الرقاب والرؤوس، بل كانت مجالات كشفت عن المعادن النفسية التي اتصفت بالتجرد والإخلاص والرغبة في الشهادة وبالعزم الصادق والثبات على المبدأ والتسامح والإيثار وغيرها من القيم.
__________
(1) رواه مسلم (2/199)
صفحة 393
إن الرسول القائد صلى الله عليه وسلم يؤثر اعتناق العدو للإسلام على قتل رجالهم وسبي نسائهم وذراريهم. قال صلى الله عليه وسلم:" تألفوا الناس وتأنوا بهم ولا تغيروا عليهم حتى تدعوهم فما على الأرض من أهل بيت من مدر ولا بر إلا أن تأتوني بهم مسلمين أحب إلي من أن تأتوني بأبنائهم ونسائهم وتقتلوا رجالهم".
لقد كان صلى الله عليه وسلم حريصا على حقن الدماء ومن يطالع سيرة الرسول القائد يجده اعتمد طريقة إيثار الدعوة بالحسنى والرفق على الحرب والمواجهة وقد أثمر هذا الأسلوب ففتح الرسول القائد القلوب قبل أن يفتح البلدان لم يتخل في أي موقعة عن دعوة المشركين إلى اعتناق الدين وأعطى الأمان كل من عاهده وصالحه.
لقد كانت أبرز سمة للرسول القائد وجنده في الحرب هي الرحمة فلا يقتل من لم يبلغ الحلم ولا المرأة ولا الأعمى ولا الراهب وكل من لا يقاتل إنما تقع الحرب حماية للدعوة ودفعا للعدوان، ويلتزم كل جندي بآدابها.
لقد أسس الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - علاقته مع أعدائه على المسالمة ما دام السبيل ميسرا لنشر الدين وإبلاغ الرسالة للناس وعلى الحرب إذا حال الطغاة بين الناس والدعوة واستشرى الظلم.
إن سيرة الرسول القائد في معاملته لعدوه في غزواته واضحة بدأت بكف الأيدي وإقامة الصلاة والصبر على الاضطهاد فلما اشتد الظلم على أتباع دعوته وامتنع ظهورها بغير دفع القوة بالقوة أذن له في القتال وأمر بالتزام الآداب حتى يتحقق النصر. ومع النصر لم يبطر ولم يكره الناس على الدخول في دينه ولم يجبر عليه..
{ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ } (البقرة/256)
وأرسى الرسول - صلى الله عليه وسلم - قواعد الحرية الدينية للناس كافة فإذا كف العدو عن فتنة الأمة عن دينها وعقيدتها لم يجز القتال.
وبهذا نعم المجتمع المسلم بالأمن والاستقرار والرخاء بفضل القيادة الحكيمة للرسول صلى الله عليه وسلم. (2/200)
صفحة 394
قائمة المصادر والمراجع
القرآن الكريم.
ابن القيم الجوزية. فقه السيرة، ط2 دار الفكر العربي ،بيروت.
ابن كثير .السيرة النبوية دار الكتب العلمية ،بيروت.
ابن المنظور. لسان العرب، دار صادر.
ابن هشام. السيرة النبوية، م2 ط2 مطبعة البابي الحلبي.
أحمد ماهر البقري. القيادة وفعاليتها في ضوء الإسلام، مؤسسة سباب الجامعة ،الإسكندرية/ 1981م.
بشير العوف. السياسة المرحلية، ط2 دار الفتح، بيروت 394// 1974م.
سعيد حوى. فصول الإمرة والأمير، دار عمار، الأردن 1988م.
صفي الرحمن المباركفوري. الرحيق المختوم، طبعة الأمانة العامة، مكة المكرمة.
10- عبدالله محمد الرشيد. القيادة العسكرية في عهد الرسول، ط1 دار القلم ،دمشق 1990م.
11- عماد الدين خليل. دراسة في السيرة، مؤسسة الرسالة، بيروت.
12- محمد أبو زهرة. خاتم النبيئين، مؤسسة دار الفكر.
13- محمد أبو شهبة. السيرة النبوية في ضوء الكتاب والسنة ،ط2 دار القلم، دمشق 1992م.
14- محمد أحمد باشميل. صلح الحديبية، دار الفكر.
15- محمد الحسن. أزمة القيادة وعلاجها، ط1 دار الثقافة، الدوحة 1990م.
16- محمد خليل الخطيب. خطب الرسول - صلى الله عليه وسلم - ،دار الفضيلة القاهرة.
17- محمد رواس قلعة جي. دراسة تحليلية لشخصية الرسول، ط1 دار النفائس، بيروت 1988م.
18- محمد سعيد رمضان البوطي. فقه السيرة ط1 دار الفكر، دمشق 1991م.
19- محمد عبد القادر أبو فارس. المدرسة النبوية العسكرية، ط1 مطبعة الحلبي القاهرة 1993م.
20- محمد عبد القادر أبو فارس. الصراع مع اليهود دار الفرقان عمان 1989م.
21- محمد عفيفي الزعبي. مختصر سيرة ابن هشام، دار المطبوعات الحديثة جدة 1402هـ.
22- محمد الغزالي . فقه السير، دار الكتاب الإسلامي القاهرة.
23- محمد فرج، العبقرية العسكرية في غزوات الرسول ،دار العربي القاهرة.
24- محمود شيت الخطاب. قادة النبي، ط1 دار قتيبة بيروت 1990م. (2/201)
صفحة 395
25- محمود شيت الخطاب. الرسول القائد، دار الفكر، بيروت 1974م.
26- محمود شيت الخطاب. بين العقيدة والقيادة، دار الفكر، بيروت.
27- محمود محمد عمارة. تأملات في السيرة النبوية، ط1 دار الخير، بيروت 1992م.
28- مصطفى السباعي. السيرة النبوية دروس وعبر، ط9 المكتب الإسلامي ،بيروت.
29- منير محمد الغضبان. الجانب التربوي للسيرة النبوية، ط1 مكتبة المنار، الأردن 1991م.
30- منير محمد الغضبان. فقه السيرة النبوية
الفهرس
الموضوع ... الصفحة
* المقدمة....................................................................
* مفهوم القيادة في الإسلام...............................................
* مواصفات القائد.........................................................
* قيادة الرسول - صلى الله عليه وسلم - غير العسكرية......................................
قيادته داخل الأسرة.................................................
القيادة في العبادة....................................................
القيادة في مكة قبل الهجرة.........................................
* هجرة الرسول القائد إلى المدينة...................................
* استعدادات القائد للاستقرار بالمدينة..................................
* القيادة العسكرية في السرايا...........................................
أهم السرايا: غزوة مؤتة...........................................
جدول لأهم السرايا.................................................
* القيادة العسكرية للرسول - صلى الله عليه وسلم - في الغزوات..........................
غزوة بدر الكبرى...................................................
غزوة أحد............................................................
غزوة بني المصطلق............................................... (2/202)
صفحة 396
غزوة الخندق........................................................
صلح الحديبية........................................................
موقف الرسول القائد من اليهود...................................
غزوة خيبر...........................................................
الفتح الأعظم.........................................................
غزوة حنين..........................................................
غزوة تبوك..........................................................
* الخاتمة....................................................................
* قائمة المصادر والمراجع..............................................
* الفهرس................................................................... ... 2
4
6
13
14
15
16
20
24
29
34
37
46
46
57
67
75
84
103
110
115
123
133
143
145
147 (2/203)