صفحة 1
الكتاب: في رحاب السيرة .. مِن سنوات البعثة الأولى، إلى إرساء دعائم الدولة الإسلامية في المدينة
صاحب الدروس: الشيخ/ إبراهيم بن عمر بيوض
تحرير وإخراج: رستم بن عيسى إتبيرن
دار النشر: جمعية التراث
البلد: الجزائر
تاريخ النشر: 1435هـ - 2014م
الطبعة: الأولى
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الخامس (1230 عنوان): ربيع الثاني 1438هـ / جانفي (يناير) 2017م (قرص مضغوط) سلسلة بحوث الشباب (2)
في رحاب السيرة
من سنوات البعثة الأولى، إلى إرساء دعائم الدولة الإسلامية في المدينة
سلسلة دروس للشيخ
إبراهيم بن عمر بيوض
تحرير
رستم بن عيسى إتبيرن
تقديم
الشيخ الناصر بن محمد المرموري
مراجعة
مصطفى بن محمد شريفي
... ... ... ... ... ... ... (1/1)
صفحة 2
نشر ... سلسلة بحوث الشباب
البحث الثاني
جمعية التراث
ص.ب. 19. القرارة - غرداية (47110) - الجزائر ... العنوان: ... في رحاب السيرة، من سنوات البعثة الأولى، إلى إرساء دعائم الدولة الإسلامية في المدينة.
فاكس: 029 85 31 02 ... دروس: ... للشيخ إبراهيم بن عمر بيوض
http://www.tourath.org
تحرير: ... رستم بن عيسى إتبيرن
طبع ... تقديم: ... الشيخ الناصر بن محمد المرموري
هاتف / فاكس: 029 88 36 53 ... مراجعة: ... مصطفى بن محمد شريفي
المنطقة الصناعية: 029 87 34 34
E
الطبعة الأولى
1434هـ / 2013م (1/2)
صفحة 3
بسم الله الرحمن الرحيم (1/3)
صفحة 4
صفحة 4 بيضاء (1/4)
صفحة 5
إهداء
أهدي هذا العمل إلى:
* أبي الكريم، رحمه وأسكنه فسيح جناته.
* أمِّي الفاضلة، شفاها الله وعافاها، وأطال عمرها في طاعته.
* زوجي العزيزة، بارك الله لي فيها.
* أبنائي قرَّة عيني، حفظهم الله ورعاهم.
* إخواني وأخواتي، أمدهم الله بالعافية ووقاهم.
* إلى كلِّ عائلة آل إتبيرن، أسكنهم ذُرى المجد ورقَّاهم. (1/5)
صفحة 6
شكر وعرفان
الشكر موصولٌ بكل امتنانٍ لكل من كانت له يد في هذا العمل، وأخصّ بالذكر:
* ... دار الإمام للبحث العلمي بالقرارة ولاية غرداية، على ما يوفّرونه من وسائل تعين على التفرّغ.
* ... الأستاذ الفاضل: قاسم بن.... حميد أوجانة، الذي كان بمثابة الأب الحاني من خلال إشرافه على دار الإمام للبحث العلمي، وتوفيرِه سبل الراحة للباحثين.
* ... الأستاذ الفاضل: مصطفى بن محمد شريفي، الذي أشرف على مراجعة العمل، وعلى تنسيقه حتى بدا في حلَّةٍ قشيبة. (1/6)
صفحة 7
تقديم الشيخ الناصر المرموري
#
الحمد لله الذي بنعمته تتمُّ الصالحات، وبالتفكُّر في خليقته تظهر الآيات البيِّنات، والصلاة والسلام على نبيئه الكريم الذي أخرج الناس إلى النور من الظلمات، وعلى آله وصحابته ذوي الكرامات، وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:
فإنّ من آلاء الله وألطافه بهذه الأمَّة أن يجعل فيها نجوما لامعة، من أناس يميِّزهم الله بمواهب وعبقريَّات فائقة، ويفيض عليهم من لدنهُ فيوضاتٍ من العلم والحكمة، يستحقُّون بها خلافة أسلافهم في تعليم الناس أمر دينهم، وإرشادهم إلى سبل السلام، يخرجونهم من الظلمات إلى النور.
ومن هؤلاء شيخُنا ومعلِّمُنا: إبراهيم بن عمر بيُّوض رحمه الله.
ومن آلاء الله علينا أن هيَّأ من شبابنا الأبرار من يُعنَى بحفظ آثاره الغرَّاء، ويبرزها محقَّقة منقَّحة، بارزة المعالم، دانيةَ القطوف، مُيَسَّرَةَ المجاني، تُقرِّب البعيد، وتزوِّد المستفيد، بما يغني المريد، ولهم فيها ما يشاءون من الفتوحات والمزيد.
ولقد وُفِّق الابن البار: إتبيرن رستم بن [عيسى] في اختيار حقبة الهجرة من سيرة المصطفى عليه السلام؛ لأنّها مبدأ إرساء قواعد الدولة الإسلاميَّة، وإشعاع أنوار الدعوة المحمديَّة إلى أطراف المعمورة، ولِمَا تحمل من دروس وعبر وحِكَم بالغة، فيها آيات للمتوسِّمين. (1/7)
صفحة 8
فنحن نبارك هذا العمل، ونثني على العاملين في القيام بهذه المبرَّات، وندعو شبابنا إلى الإقبال على الاكتراع من هذه الحياض الفيَّاضة.
والله من وراء القصد، وعليه التكلان، وهو مولانا ونعم النصير.
( مرموري الناصر (1)
[مليكة العليا يوم: الأحد 20 محرَّم الحرام 1432هـ
26 ديسمبر 2010م]
__________
(1) ... كتب الشيخ الناصر هذا التقديم قبل خمسة أشهر من وفاته.
... والشيخ هو: الناصر بن محمَّد بن الحاج عمر المرموري (ولد يوم 1 رجب سنة 1345هـ/ 7 جانفي 1927م - وتوفي يوم الأحد 12 جمادى الثانية 1432هـ/ 15 ماي 2011م) عالم فقيه مفتٍ، من القرارة، ولاية غرداية، الجزائر. تعلَّم بمسقط رأسه بمدرسة ومعهد الحياة. ثمَّ درَّس فيه. ترأَّس البعثة العلميَّة العمانيَّة في القاهرة لمدَّة. وأخذ فيها عن أبي زهرة، ومحمَّد الغزالي، وسيِّد سابق وغيرهم. عضو حلقة العزَّابة بالقرارة ثمَّ رئيسها. تميَّز بحكمة وعظه وسلاسة أسلوبه ووسطيَّة تفكيره. كان المرشد الدينيَّ لبعثات الحجِّ لعشرات السنين. عُرف بحسن معشره وتواضعه. من آثاره: اختصار تفسير «في رحاب القرآن» للشيخ بيوض. «في رحاب السُّنَّة النبويَّة: شرح مسند الربيع». مئات التلاميذ والدروس في مختلف المناسبات. ينظر: جمعية التراث: وفاة أبي الدعاة فضيلة الشيخ الناصر بن محمد المرموري، موقع: tourath.org. (1/8)
صفحة 9
صورة الصفحة الأولى من تقديم الشيخ الناصر المرموري (1/9)
صفحة 10
صورة الصفحة الثانية من تقديم الشيخ الناصر المرموري (1/10)
صفحة 11
تقديم الشيخ إبراهيم بن بنوح مصباح
#
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على سيِّدِ الأنبياء والمرسلين، سيِّدِ المربِّين، وإمامِ المعلِّمين، المبعوثِ رحمةً للعالمين.
وبعد... فإنَّ العلماءَ الربانيِّين الذين أوتوا قدرًا كبيرًا من نور العلم والإيمان؛ يلهمهم الله ربُّهُم أن يقولوا الحكمةَ وفصل الخطاب في مجتمعاتهم، ويضعوا الدواء على الجرح حين تَعَفُّنِه، حتى يغدوَ المريضُ طليقًا كأنما فُكَّ من عِقَالٍ.
ولعلَّ إمامَنا المخلصَ وشيخنا الفاضلَ: إبراهيم بن عمر بيُّوض من هذا النوع الذين ذكرناهم... فكَمْ من دروسٍ قيِّمة وبياناتٍ شافيةٍ أذاعها على جمهور المصلِّين في رحاب المسجد الكبير بالقرارة آتتْ أكلها، وأثمرت وأينعت، وكانت سببًا لعلاج كثير من القضايا التي كان يحكُم قيودَها طوائفُ من الناس: اجتماعيَّة ودينيَّة وأخلاقيَّة.
وبعضٌ من هذه الدروس يستغرق موضوعها الواحد بضعَ عشرةَ حلقةً. فتلك حلقاتٌ في موضوع صلح الحديبية، وأخرى في موضوع الصبر على البلاء، ومثلُها في موضوع المشاكل الزوجيَّة وحلِّ عُقدها، وهكذا... ولعلَّ من أبرزها ما عُرِضَ طَيَّ صفحاتِ هذا الكتاب في موضوع هجرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، والتي تناولها الشيخ رحمه الله في أوائل السبعينيَّات.
والحقُّ أنَّ حُظْوَتي كانت - بحمد الله - عظيمةً حينما كنت طالبًا بمعهد الحياة، فأخذتُ مجلسي مع الحاضرين في المسجد لأتلقَّى تلك النفحات من لسانِ الشيخ مباشرةً، وهو يذيع محطَّاتٍ من السيرة العطرة لنبيِّنا الأعظم محمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - ، (1/11)
صفحة 12
ويعرض القصَّة الكبرى لهجرته من مكَّة إلى المدينة، وما صاحبها من أحداث قبلها وبعدها، كلُّ ذلك كان - صلى الله عليه وسلم - مكلوءًا بألطاف من ربِّ السماء، يرعاه في جميع خطاه، مع صبر يفوق كلَّ تصوُّراتِ البشر... بدءًا من الصبر على ألم الأذى من قومه حين مبعثه لَمَّا يجلس إليهم ليعرض عليهم دينه، إلى الصبر على فراق الوطن ومراتع الفتوَّة، ثمَّ الصبر على خيانات اليهود ومراوغات المنافقين في المدينة، وما تخلَّل تلك المراحل من معاناة لا يقوى على تحمُّلها إلاَّ أولوا العزم من الرسل، ومن تربىَّ على أعينهم من حملة لواء الدين.
كان الشيخ بيُّوض رحمه الله يأسَرُ قلوب السامعين بسحر بيانه وحسن عرضه للأحداث، كأنَّك تراها رأيَ العَين، وصورةً شاهدة أمامك لأسبابها وتطوُّراتها ونتائجها، تودُّ لو أنَّ الدرس استمرَّ ساعاتٍ وساعاتٍ دون انقطاع، مع استجلائه للعبرة والتذكُّر لِمَا وقع؛ لأنَّ ذلك هي الغاية من سرد القصص {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الاَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىا وَلَكِن تَصْدِيقَ الذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُومِنُونَ} [سورة يوسف: الآية 111].
لَعَمْري... إنَّ هذه الدروسَ قد تركت أثرًا كبيرًا في نفوس السامعين؛ لأنَّ صاحبها كان يحمل صدقًا في النيَّة، وفصاحةً في اللهجة، واستشرافًا في مستقبل الأمَّة؛ ما جعل المتأمِّلين عند سماعها من الأشرطة ولو بعد زمان يقولون: تبصرةٌ وبرهانٌ وفراسةٌ صادقةٌ، والمؤمنُ بنور الله يُبصِر!.
فهاهو أخونا في الله، محبُّ العلم والعلماء... الطالب الباحث: رستم بن عيسى إتبيرن أراد بعزمه الصادق أن يضع بصمةً في طريق الخير والفلاح، وذلك بنقل هذه السلسلة الطيِّبة من حلقات الشيخ بيُّوض في الهجرة النبويَّة إلى كرَّاس، ثمَّ استنساخها بعد تنقيحها بلسان عربيٍّ مبين. (1/12)
صفحة 13
وقد وُفِّق أيَّما توفيقٍ، جزاهُ الله عن الإسلام خيرًا؛ لأنَّ العمل - فيما نحسبه - كان شاقًّا، لا يقوى عليه إلاَّ من أُوتي صبرًا جميلاً وإرادةً قويَّةً، والشكرُ موصول إليه على جهده المبارك...
أَثْبَتَ اللهُ عملَه في صحيفته، وزكَّاه أضعافًا مضاعفةً، وأورثَ هذا الفضل العظيمَ إلى ذرِّيَّته لتكونَ خيرَ خلفٍ لخير سلفٍ.
رَزَقَنا اللهُ حسنَ الاستماع وهدْيَ الاتِّباعِ، إنَّه وليُّ الصالحين.
والحمدُ لله ربِّ العالمين.
( الراجي عفوَ ربِّه: إبراهيم بن بنوح مصباح
غرداية: الاثنين 27 جمادى الآخرة 1432هـ
30 ماي 2011م (1/13)
صفحة 14
5
مقدمة المحقق
{يَآ أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَآءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الذِي تَسَّآءَلُونَ بِهِ وَالاَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [سورة النساء: الآية 1].
الحمد لله القائل: {لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنَ اَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُومِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} [سورة التوبة: الآية 128].
الحمد لله الذي نصر رسوله: {إِذَ اَخْرَجَهُ الذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنِ اِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىا وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [سورة التوبة: الآية 40].
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كلّ شيء قدير.
وأنت إلهَ الخلق ربّي وخالقي ... بذلك ما عُمِّرتُ في الناس أشهدُ
تعاليت ربَّ الناس عن قول من دعا ... سواك إلها، أنت أعلى وأمجدُ
لك الخلق والنعماء والأمر كلُّه ... فإياك نستهدي، وإياك نعبدُ
وأصلّي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، محمد بن عبد الله الرسول النبيّ الأمّيّ...
من زكّى الله لسانه فقال: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىآ} [سورة النجم: الآية 3].
وزكّى بصره فقال: {مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَىا} [سورة النجم: الآية 17]. (1/14)
صفحة 15
وزكّى فؤاده فقال: {مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىآ} [سورة النجم: الآية 11].
وزكّى خُلُقه فقال: {وَإِنَّكَ لَعَلىا خُلُقٍ عَظِيمٍ} [سورة القلم: الآية 4].
وزكّاه كلَّه فقال: {مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىا} [سورة النجم: الآية 2].
أغرُّ عليه للنبوّة خاتَمٌ ... من الله مشهود يلوح ويشهدُ
وضمّ الإلهُ اسمَ النبيّ إلى اسمه ... إذ قال في الخمسِ المؤذِّنُ أشهدُ
وشَقَّ له منْ إسمه (1) ليُجِلَّهُ ... فذو العرش محمودٌ وهذا محمَّدُ
نبيٌّ أتانا بَعد يأسٍ وفترة ... من الرسل، والأوثانُ في الأرض تُعْبَدُ
فأمسى سراجا مستنيرا وهاديا ... يلوحُ كما لاحَ الصَّقيلُ المهنَّدُ
وأنذرنا نارا وبشَّر جنَّةً ... وعلَّمنا الإسلامَ، فاللهَ نحمَدُ
هو - صلى الله عليه وسلم - القائل: «إنّما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو إلى امرأة ينكحها ، فهجرته إلى ما هاجر إليه» (2) .
بلّغ الرسالة، وأدّى الأمانة، ونصح الأمّة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حقّ جهاده حتّى أتاه اليقين، فصلوات ربّي وسلامه عليه ما هبّت النسائم، وأظلّت الغمائم، وما ناحت على الأيك الحمائم، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم تبلى السرائر.
وبعد:
وصف أصل المحتوى:
فهذه سلسلة من دروس الشيخ الجليل: إبراهيم بن عمر بيُّوض-رحمه الله- في موضوع: «الهجرة النبوية».
__________
(1) ... أُثبتت همزة القطع للضرورة الشعرية، فتنبّه.
(2) ... البخاري عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه.(باب: بدء الوحي، رقم: 1). (1/15)
صفحة 16
وأصل هذه السلسلة دروسٌ سمعيّة ألقاها الشيخ في المسجد الكبير بالقرارة بمناسبة حلول السنة الهجرية 1392، وكان وقت إلقائها بعد صلاة الجمعة من كلّ أسبوع.
ابتدأ هذه السلسلة من الدروس على بركة الله بتاريخ: 3 محرم الحرام 1392هـ، يوافقه: 18 فيفري 1972م، ووفّقه الله لإنهائها بتاريخ: 5 جمادى الأولى1392هـ، يوافقه: 16 جوان 1972م؛ أي في مدّة أربعة أشهر ويومين، وبلغ عدد الدروس: ستة عشر درسا.
وهذه سمة بارزة من سمات الشيخ؛ إذ وهبه الله تعالى مضاء العزيمة والقدرة على الاسترسال وطول النفس، كيف لا وهو الذي فسّر القرآن الكريم في مدّة زمنيّة قاربت نصف قرن، ودرّس فتح الباري شرْح صحيح البخاري في مدّة أربع عشرة سنة.
وفي هذا يقول الدكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام (1) : «...كما أنّه رُزق القدرة على الاسترسال في التفسير والتوضيح ساعات طويلة. فقد يستغرق في موضوع واحد شرحا وتحليلا ساعات، بل أياما والأمثلة على ذلك كثيرة: بقي مثلا في تفسير القرآن خمسة وأربعين عاما...وتدريس كتاب «فتح الباري شرح صحيح البخاري» مدة أربعة عشر عاما...وكتاب قناطر الخيرات للشيخ إسماعيل الجيطالي خمسة عشر عاما...» (2) .
كرونولوجيا الدروس:
المعدّل الزمنيّ للدروس-مع مقدّماتها- بلغ ثلاثا وستّين دقيقة لكلّ درس، وفق التفصيل الآتي:
__________
(1) ... أحد تلاميذ الشيخ بيوض رحمه الله، وهو حاليا أستاذ الأدب العربي بجامعة باتنة-الجزائر-.
(2) ... إبراهيم بن عمر بيوض، المجتمع المسجدي: ص22-23. (من مقدّمة المعدّ: محمد ناصر بوحجام). (1/16)
صفحة 17
رقم الدرس ... المدّة الزمنية ... تاريخ الإلقاء
الدرس الأول ... : 03: 1 سا ... محرم الحرام 1392هـ/ 18 فيفري1972م
الدرس الثاني ... : 56 د ... محرم الحرام 1392هـ/ 25 فيفري 1972م
الدرس الثالث ... : 01: 1 سا ... محرم الحرام 1392هـ/ 3 مارس 1972م
الدرس الرابع ... : 06: 1 سا ... محرم الحرام 1392هـ/ 10 مارس 1972م
الدرس الخامس ... : 00: 1 سا ... غرة صفر الخير 1392هـ/ 17 مارس 1972م
الدرس السادس ... : 53 د. ... صفر الخير 1392هـ/ 31 مارس 1972م
الدرس السابع ... : 19: 1 سا ... صفر الخير 1392هـ/ 7 أفريل 1972م
الدرس الثامن ... : 47 د. ... صفر الخير 1392هـ/ 14 أفريل 1972م
الدرس التاسع ... : 48 د. ... ربيع الأنور 1392هـ/ 21 أفريل 1972م
الدرس العاشر ... : 04: 1 سا ... ربيع الأنور 1392هـ/ 28 أفريل 1972م
الدرس الحادي عشر ... : 05: 1 سا ... ربيع الأنور 1392هـ/ 12 ماي 1972م
الدرس الثاني عشر ... : 11: 1 سا ... ربيع الآخر 1392هـ/ 19 ماي 1972م
الدرس الثالث عشر ... : 17: 1 سا ... ربيع الآخر 1392هـ/ 26 ماي 1972م
الدرس الرابع عشر ... : 54 د. ... ربيع الآخر 1392هـ/ 2 جوان 1972م
الدرس الخامس عشر ... : 09: 1 سا ... ربيع الآخر 1392هـ/ 9 جوان 1972م
الدرس السادس عشر ... 07: 08: 1 سا ... جمادى الأولى 1392هـ/ 16 جوان 1972م
أسباب اختيار الموضوع:
??السبب الأول الذي دفعني لإنجاز هذا العمل هو التقرّب إلى الله تعالى وطلب الأجر منه وابتغاء مرضاته؛ امتثالا لقوله تعالى: {وَمَآ أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَآءَ} [سورة البيِّنة: الآية 5].
?? (1/17)
صفحة 18
الدربة على منهجيّة التحرير والتحقيق والبحث العلميّ الأكاديميّ.
??أمّا عن سبب اختيار هذا الموضوع بالتحديد من جملة الدروس الكثيرة للشيخ والتي تعدّ بالآلاف؛ فلذلك قصّة، حيث إنّ الله تعالى جمعني بأحد الطلبة (1) المتخرّجين من قسم الشريعة بمعهد الحياة العامر بالقرارة، فدار بيننا حديث عن أقسام الشريعة وعن البحوث التي تُقدَّم مشاريعَ للتخرُّج، فذكر لي الأخ الكريم مقترحا لمشروعِ بحثِ تخرُّجٍ ظلَّ حبيس الفكرة تقدَّم به الأستاذ الفاضل: الشيخ بالحاج عيسى بن محمد (2) ، إذ كان يحدِّث طلبته عن رغبته في أن يرى سلسلة دروس الهجرة للشيخ بيُّوض أمامه مطبوعة تحت مسمّى: ”في رحاب السيرة“؛ حتّى يستفيد منها القاصي والداني، فنزل هذا المقترح في قلبي منزل الارتياح ووافق قبولا، خاصّة وأنّني متعطش إلى التفقه في سيرة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - . لكنّي ظللت برهة من الزمن متردّدا، إلى أن قدّر الله لي الاتصال مباشرة بالأستاذ عيسى وحدّثته عن رغبتي في إنجاز العمل، فاستبشر لذلك ورغّبني وشجّعني، ولكنّه -وبعقليّة الموجّه الحكيم- قذف في رُوعي أنّ الطريق لن تكون مفروشة بالورود، وأنّ هذا النوع من العمل يحتاج إلى صبر ومصابرة، كيف لا وهو الذي خبر الطريق وسبر أغواره (3) .
فوجدتُّني محتارا، هل أُقْدم أم أحجم؟!، فكنت بين المطرقة والسندان.
__________
(1) ... هو : بابزيز رضوان بن إبراهيم من مواليد 1397هـ/ 1977م بوارجلان-الجزائر-، يؤدّي حاليا رسالة التعليم بمدرسة الوفاق-وارجلان-، وهو أيضا مسؤول بتربّص تحفيظ القرآن الكريم التابع لداخلية الحياة بالقرارة في العطلة الصيفيّة.
(2) ... من مواليد 1954م بالقرارة، خريج معهد الحياة سنة 1973م. هو حاليا أستاذ النحو العربي والسيرة النبوية بمعهد الحياة-القرارة-وعضو في حلقة العزابة.
(3) ... يقول هذا عن تجربة؛ لأنه هو الذي قام بتحرير تفسير الشيخ بيوض -رحمه الله- من السمعيّ إلى المقروء ضمن سلسلة: «في رحاب القرآن». (1/18)
صفحة 19
أمّا المطرقة فهي قول من قال ناصحا:
إذا كنتَ ذا رأي فكن ذا عزيمة ... فإنّ فساد الرأي أن تتردَّدا
وأمّا السندان فهو قول من قال معارضا:
إذا كنت ذا رأي فكن ذا تَثبُّتٍ ... فإنّ فساد الرأي أن تتعجَّلا
فاستخرت واستشرت، ولَمَّا عزمت؛ توكّلت على الله {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [سورة آل عمران: الآية 159].
فاستعنت بالله وبدأت في إنجاز العمل آملا في تحقيق ما يلي:
الأهداف المتوخّاة من هذا العمل:
??الإسهام في إثراء المكتبة الإسلاميّة بمولود جديد عن سيرة أسوتنا محمّد - صلى الله عليه وسلم - في زمن كثرت فيه القدوات الزائفة.
??إبراز بعض الجوانب المشعّة من حياة حبيبنا محمّد - صلى الله عليه وسلم - في زمن تكالب عليه فيه السفهاء والحاقدون بمقالاتهم المسمومة ورسوماتهم الساخرة...
??الإسهام في إثراء التراث الإباضيّ بمؤلَّف عن سيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، خاصة وأنّ الإباضية لم يكن لديهم قديما ولا حديثا اعتناء بارز بالكتابة في هذا المجال.
??الإسهام في إبراز جزء من تراث الشيخ بيوض -رحمه الله- وتحريره من المسموع إلى المقروء، وإخراجه من إطار المحلية إلى سعة العالميّة؛ حتّى يتسنَّى للجميع الارتشاف من معينه العذب.
??إزالة الغبش عن اعتقاد الإباضية في الصحابة -رضوان الله عليهم-، فهذا عالم جليل من علمائهم وهو في مرحلة نضجه الفكري (1) يتحدّث عن أبي بكر وعمر
??
__________
(1) ... فهو قد ألقى هذه الدروس في العقد الأخير من عمره. (1/19)
صفحة 20
وعثمان وعليّ وطلحة والزبير...ويترضّى عن الجميع (1) .
??إبراز اهتمام الشيخ البالغ بالسيرة النبوية واتّخاذها ركيزةً له من ركائز مسيرته الإصلاحية المباركة، وهذا ما يبدو جليا في دروسه عامة وفي هذه السلسلة خاصة (2) .
??إبراز اهتمامه كذلك بالتأريخ الهجري الذي يذكِّر المسلمين ويربطهم بماضي أسلافهم المجيد الحافل بالتضحيات حتّى يقتدوا بهم، والدليل على ذلك أنّه عادة ما كان يتحيّن مناسبة حلول رأس السنة الهجرية الجديدة للبدء في عمل من أعماله أو إنجاز من إنجازاته: كالعمل الذي بين أيدينا، وإحيائه لفريضة الجمعة في مستهل سنة 1391هـ، وانطلاقه في تفسير القرآن الكريم في غرّة محرم 1353هـ...
سبب اختيار العنوان:
قد يتساءل القارئ الفاضل -وحُقَّ له أن يتساءل- عن سبب تسمية هذه السلسلة بـ: «في رحاب السيرة» (3) مع أنّ موضوعها وسبب الكلام فيها كان عن: «الهجرة» كما هو مذكور أعلاه؟.
السبب في هذه التسمية يرجع إلى فلسفة الشيخ بيوض -رحمه الله- ونظرته الخاصّة العميقة إلى الهجرة النبوية، فهو يرى أنّ الهجرة امتدادٌ لما قبلها من الأحداث
__________
(1) ... ينظر في هذا أيضا: إبراهيم بن عمر بيُّوض، فضل الصحابة والرضا عنهم، إعداد وتحقيق: حميد أوجانة بُهون بن يوسف، إشراف: بابا عمي محمد بن موسى، القرارة: محرم 1417هـ/ 1996م.
(2) ... ومما يؤيد اهتمامه البالغ بالسيرة النبوية أنّ آخر موضوع طالعه له كاتبه الأستاذ: صالح بن أحمد حدبون قبل ساعة من التحاقه بالرفيق الأعلى كان موضوع: «الهجرة» من كتاب: موسوعة أخلاق القرآن، للدكتور: الشرباصي. (محمد بن قاسم ناصر بوحجام في مقدمته على كتاب: المجتمع المسجدي: ص23).
(3) ... مقترِح هذه التسمية هو الأستاذ: الشيخ بالحاج عيسى بن محمد. (1/20)
صفحة 21
التي وقعت في مكة وسببٌ ناتج عنها؛ أي أنّه يرى أنّ الأحداث التي وقعت في الثلاث عشرة سنة التي قضاها النبي - صلى الله عليه وسلم - في مكة وسط قومه، وما قاساه هو والمسلمون من اضطهاد وظلم ومقاطعة وهجرة أولى وثانية إلى الحبشة وغيرها من الأحداث؛ تعتبر مقدّمات للهجرة الأخيرة إلى المدينة المنورة طيّب الله ثراها.
ويوافقه في هذه النظرة التي ذهب إليها إمامُ الدعاة الشيخ محمد متولي الشعراوي (1) حيث يقول: «...وإذا كانت الهجرة حدثا ضخما من أحداث الإسلام؛ فيجب أن نلحظ أن تاريخها لم يبدأ حيث بدأت حدثا، ولكنها نشأت مع البعثة نفسها؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حينما ذهبت به زوجه خديجة -رضي الله عنها- إلى ورقةَ فقص عليه ما يراه من خبر الوحي، قال له: لتقاتلن ولتخرجن.
قال: «أومخرجي هم؟».
قال: ما جاء أحد بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مظفرا.
فكأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد استقبل خبر الهجرة في الوقت الذي استقبل فيه تصديق أنه مبعوث.
إذن...فالهجرة نشأت مع البعثة» (2) .
لهذا نجد الشيخ بيُّوض -رحمه الله- يفتتح سلسلته بجملة من الدروس بلغت خمسةً من ستة عشر درسا، يتحدّث فيها عن هذه المقدّمات التي أدّت في نهاية المطاف
__________
(1) ... هو الإمام محمد متولي الشعراوي، ولد في 15 أفريل 1911م، بقرية دقادوس إحدى مدن الدقهلوية بمصر، حفظ القرآن الكريم في العاشرة وجوّده في الخامسة عشر من عمره. عمل بالتدريس في معاهد طنطا، الزقازيق، الإسكندرية، وغيرها. اشتهر بدروس في تفسير القرآن سماها «خواطر إيمانية». ومن مؤلّفاته: «المنتخب في تفسير القرآن الكريم»، «الأدلة المادية على وجود الله»، «معجزة القرآن...». توفي في فجر الأربعاء 23 صفر 1419هـ/17 أفريل 1998م.(أعضاء ملتقى أهل الحديث. المعجم الجامع في تراجم العلماء و طلبة العلم المعاصرين. مصدر الكتاب : ملتقى أهل الحديث، ج1، ص325).
(2) ... محمد متولي الشعراوي، الهجرة النبوية: ص18-19. (1/21)
صفحة 22
إلى الهجرة نحو المدينة، ثمّ ابتداءً من الدرس السادس ينطلق في حديثه عن الهجرة والنصرة، ولم ينته إلا مع أبرز أحداث السنة الأولى للهجرة.
فهذه الدروس إذن قد غطّت -إلى حدّ كبير- جزءً هامًّا من السيرة النبوية العطرة على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التسليم، وهذا الجزء عبارة عن:
??استعراض أبرز أحداث الفترة المكية.
?? استعراض مراحل رحلةِ الهجرة إلى المدينة.
??استعراض أحداث السنةِ الأولى من الفترة المدنية.
لذا كانت تسميتها: «في رحاب السيرة» أنسبَ وأليقَ من حصرها تحت مسمّى: «الهجرة». والله أعلم.
وهذا بيانُ موضوعِ كلّ درس على حدة؛ حتّى يتجلّى لنا الأمر أكثر، ويتسنّى لنا من خلال ذلك إلقاء نظرة إجماليّة للمنهجية التي اتّبعها الشيخ في سلسلته هذه:
رقم الدرس ... موضوعه (1)
الدرس الأول ... حالة المسلمين المستضعفين الأوائل مع سادات المشركين.
- هجرتهم الأولى والثانية إلى الحبشة، وموقف النجاشيّ إزاءهم.
- ذكر بعض المواقف من سيرة هذا الملك العظيم.
__________
(1) ... ملاحظة: هذه العناوين هي عبارة عن مقدمّة وتوطئة للدروس مسجلة بصوتِ الأستاذ الفاضل: الشيخ مصطفى بن بكير حشحوش رحمه الله. (ولد يوم الأحد 21 رجب 1364هـ/ 1 جويلية 1945. بالقرارة. وتوفي ليلة الأربعاء 14 محرم 1434هـ/ 28 نوفمبر 2012م. وكان أستاذًا بمعهد الحياة، وعضوًا في حلقة العزابة، ومن الرجال الذين سخَّرهم الله تعالى لحفظ تراث الشيخ وتسجيله، رغم قلّة الوسائل وصعوبة العمليّة آنذاك). (1/22)
صفحة 23
الدرس الثاني ... إسلام حمزة وعمر-رضي الله عنهما-.
- وقصّة صحيفة المقاطعة ونقضها.
الدرس الثالث ... - موتُ خديجة -رضي الله عنها- زوجِ الرسول - صلى الله عليه وسلم - .
- موتُ عمّه أبي طالب.
- حالتُه - صلى الله عليه وسلم - مع قومه بعدهما.
- ذهابه إلى الطائف.
- شدّة أذى قريش له وللمسلمين.
الدرس الرابع ... اجتماع الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالقبائل العربيّة في الأسواق السنويّة إبّان موسم الحجّ، ودعوته إيّاهم إلى الإسلام.
- بيعة أهل المدينة الأولى والثانية.
الدرس الخامس ... بيّن فيه كيف كفى اللهُ نبيَّه المستهزئين، وكيف كان مصير كلّ واحد منهم في الدنيا قبل الآخرة.
الدرس السادس ... هجرة الصحابة إلى المدينة قبل هجرة النبيّ - صلى الله عليه وسلم - .
الدرس السابع ... كيفية اجتماع المشركين في دار الندوة للكيد بالرسول - صلى الله عليه وسلم - ، وكيف مكر الله بهم وأحبط كيدهم.
- خروجه - صلى الله عليه وسلم - مع صاحبه أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- من داره إلى غار ثور.
وكيف أصبحت حالة نفسيّة المشركين بعد هذه الهزيمة المنكَرة، إذ مكروا ومكر الله والله خير الماكرين.
الدرس الثامن ... سفر الرسول - صلى الله عليه وسلم - مع صاحبه أبي بكر-رضي الله عنه- من غار ثور إلى المدينة، وما حدث له من كرامات ومعجزات في الطريق. (1/23)
صفحة 24
الدرس التاسع ... وصول النبيّ - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة، وحفاوة الأنصار والمهاجرين به.
الدرس العاشر ... بناؤه لمسجده وحُجره - صلى الله عليه وسلم - في المدينة، وذكر أوصافهما.
- كلمة مهمّة في صحبة أبي بكر -رضي الله عنه-.
الدرس الحادي عشر ... حالة المدينة إبّان الهجرة، والمشاكل التي واجهت النبيّ - صلى الله عليه وسلم - .
- الطرق الحكيمة التي سلكها في حلّها.
الدرس الثاني عشر ... حياة الشابّ المسلم الذي سبق ذكره في المهاجرين الأوّلين إلى المدينة المقرئ: مصعبُ بن عمير -رضي الله عنه-، وبيان حالته قبل الإسلام وبعده.
الدرس الثالث عشر ... زيادة بعض الكلام في الصحابيّ المتقدّم المقرئ مصعب بن عمير -رضي الله عنه-.
- الحديث عن بعض الشباب المحمّديّ كحَمِيِّ الدَّبَرِ عاصم بن ثابت، وغسيل الملائكة حنظلة بن أبي عامر رضي الله عنهم جميعا.
الدرس الرابع عشر ... مركز المسجد في الإسلام.
- أعمال الرسول - صلى الله عليه وسلم - في المدينة بعد الهجرة كإخماد الفتن القبائليّة وعقد معاهدة أمن مع اليهود.
الدرس الخامس عشر ... زيادة القول والبيان لما قام به الرسول - صلى الله عليه وسلم - من أعمال تمهيديّة لتأسيس الدولة الإسلاميّة في المدينة.
- غدر اليهود وخبثهم ونكثهم للعهود.
الدرس السادس عشر ... خلاصة شاملة وجامعة للدروس المتقدّمة كلّها، منذ أسباب الهجرة النبويّة إلى استتباب الأمن واستقرار الأوضاع في المدينة. (1/24)
صفحة 25
المنهجيّة المتّبعة في إنجاز العمل:
? قمت بإفراغ محتوى الأشرطة كلها وصبّها في دفتر من الحجم الكبير، وكنت في هذه الخطوة أكتب كلّ ما يقوله الشيخ حتى ولو كان تكرارا لفكرة؛ لأن هذا التكرار قد يحمل معنى جديدا، ولم ألتفت إلى الأسلوب؛ لأنّي كنت مركِّزا على المعنى. ...
وأحمد الله تعالى على أنّ التسجيل كان واضحا في كلّ الدروس عدا بعض التقطّعات القليلة في بعض الأحيان، ورداءة التسجيل في أحيان أخرى، لكن ذلك لم يؤثّر على المعنى العام.
? بعد أن أتممت المرحلة الأولى، انتقلت إلى المرحلة الموالية وهي إعادة صياغة الكلام باللغة العربية الفصحى، وهي أصعب مرحلة بالنسبة لي، لسببين اثنين:
? لأنّي كنت ملزما بالمحافظة على المعنى الذي يرمي إليه الشيخ بيوض -رحمه الله-، وهذا ما تتطلّبه الأمانة العلمية.
? ولأنّ الشيخ كان يستعمل في خطابه ثلاثة ألسن: الميزابية، والعربية الدارجة، والعربية الفصحى، فقد كان يخاطب كافة شرائح المجتمع على اختلاف مستوياتهم الثقافية والفكرية، فكان لزاما عليّ أن أصب هذه الألسن في القالب العربي الفصيح متقيِّدا بالمعنى الذي يذهب إليه الشيخ. ...
وفي هذه المرحلة كنت أحذف المكرَّر الذي لا جديد فيه سوى ما يستلزمه الخطاب المسجدي؛ لترسيخ المعنى في الأذهان.
? كتبت الآيات القرآنية بالرسم العثمانيّ على قراءة نافع رواية ورش من طريق الأزرق التي يقرأ بها الشيخ، دون النظر إلى اللحن الذي قد يقع منه، وهذا نادرا ما يحدث؛ لأنه -رحمه الله- محاطٌ بهالة من الحفّاظ الذين كانوا يصوّبونه، والشيخ كان متواضعا ولم يكن يستنكف عن طلب آية أو حديث أو بيت شعر غاب عنه. ...
? (1/25)
صفحة 26
... أما بالنسبة للأحاديث النبويّة فقد دوّنتها كما قالها الشيخ -وإن بالمعنى- في المتن، وأثبتت في الهامش النص كاملا من مظانّه. ...
... وأمّا الأبيات الشعرية فقد وقع له في بعض منها نسيان، فكان يسأل الحضور، وقد لا يهتدي إليها كاملة صحيحة، فأقوم بإثباتها صحيحة؛ لأن المسألة مسألة نسيان وليست اختلاف رواية، فكنت أراعي مقام الارتجال.
? بعد إعادة الصياغة، لاحظت في بعض المواضع تباعدا بين فقرات الفكرة الواحدة، فقد كان الشيخ ينتهي من فكرة ثم ينتقل إلى أخرى، ثم يخطر له خاطر من الفكرة الأولى فيرجع إليها، وهنا أيضا راعيت مقتضى الحال فتدخّلت بإعادة الترتيب؛ ضمانا لتسلسل الأفكار. وكان هذا منّي في إطار الدرس الواحد نفسِه.
? كلّ ما لم يكن من كلام الشيخ وضعته بين معقوفين [ ]، وهو يحوي على ثلاث أنواع من الإضافات:
1- ما أضفته لاستقامة أو توضيح المعنى.
2- ما أضفته من عناوينَ فرعيّةٍ تجزيئيّةٍ لكلّ درس.
3- أمّا بالنسبة لتقديم الدروس فهو من كلام الأستاذ: مصطفى بن بكير حشحوش -رحمه الله-، المسجل في بداية كل درس.
? وضعتُ خريطة وبعض الصور التوضيحيّة.
? وضعتُ فهارس فنية للآيات والأحاديث والأبيات الشعرية والأعلام والأماكن والخرائط والموضوعات.
? عملي في الهامش كان كما يلي:
? تخريج الآيات القرآنيّة بذكر اسم السورة ورقم الآية أو الآيات.
? تخريج الأحاديث النبويّة معتمدا على كتب التخريج وبرامج التخريج الإلكترونية كبرنامج الكتب التسعة، والجامع للحديث النبوي، وأحيانا
? (1/26)
صفحة 27
أخرّج الحديث من الكتاب الذي ورد فيه مباشرة كصحيح البخاري أو المستدرك للحاكم، وذلك بإضافة ذكر الجزء والصفحة.
? شرح بعض الألفاظ التي تحتاج إلى بيان.
? تخريج الأبيات الشعريّة منسوبة إلى قائليها من الدواوين أو أمّهات الكتب الأدبيّة.
? ترجمة الأعلام المغمورين.
? التعريف بالبلدان والأماكن.
? إضافة بعض التعليقات: تصويب، تعقيب، إثراء...
? إنزال ما يقتضي إنزاله من استطرادات الشيخ الكثيرة. وأقف عند هذه النقطة فأقول:
عُرف الشيخ بيُّوض -رحمه الله- بغزارة علمه وقوّة تحليله للأحداث والوقائع، فلم يكن يكتفي بالسرد الجافّ، بل كان يقف عند نقطة يفصّل فيها تفصيلا يخيِّل إليك وكأنه قد حاد عن وحدة الموضوع، لكنك لما ترجع إلى منطلق الفكرة؛ تجد الإحكام والترابط، وكان يستعمل منهج: «الشيءُ بالشيء يُذْكَر»، وكثيرا ما كانت ترد عليه خواطر وسط الدرس فيلقيها في حينها على الحضور ويصرّح بذلك ويسمّيها: «بنات اللحظة».
وأنت سوف لن تجد في دروسه السيرةَ النبويّة فقط، وإنّما ستجد أيضا العقيدة، وستجد الفقه، والأخلاق، والأدب، والسياسة، وإصلاح النفوس وتهذيبها، وستجد تربية المجتمع وتقييمه وتقويمه...، ولا غضاضة في هذا الأمر عندما يكون الكلام مرتجلا (1) ، لكن أن يكون كتابيّا؛ فالأمر حينها يختلف. فكنت أمام استطرادات الشيخ بين خيارين:
?
__________
(1) ... وهذا ما عُرِف به الشيخ رحمه الله، فلم يترك لنا مؤلّفات كثيرة مكتوبة، فقد كان يصب جلَّ اهتمامه على صناعة العملة النادرة: «الرجل»، كما يقول هو عن نفسه. (1/27)
صفحة 28
الخيار الأوّل: إمّا حذفها، وهذا يعني حذف كمّ هائل من الدرر التي كان يلقيها.
? الخيار الثاني: تركها في المتن كما هي، وبالتالي ستشوّش على تسلسل الأفكار.
فاهتديت إلى فكرة تجمع بين الخيارين، وهي المحافظة على الاستطرادات وعدم حذفها، بل إثباتها ولكن في الهامش على شكل تعليقات من الشيخ، ووضعها بين مزدوجين: «...»، مع الإشارة إلى أنّ هذا التعليق من كلام الشيخ.
ملاحظة:
من يستمع للشيخ؛ يجده كثيرا ما يستعمل في دروسه عبارة: «غريب» أو: «غريبة»، كأن يقول مثلا: «شهادة غريبة من الله تعالى»، أو: «وصف غريب»...، أو: «عبارات غريبة»...، وهو إنّما يقصد بها التعجّب لا الإنكار، وقد استعملها في هذه السلسلة كثيرا وفضّلت إثباتها، فتنبّه للمعنى الذي يستعملها فيه.
توصيتان:
? التوصية الأولى: أن ينبري من تلاميذ الشيخ ومحبّيه من يصلُ هذا العمل: «في رحاب السيرة» بأجزاء أخرى؛ وأقترح أن يكون ذلك بجمع ما يتعلّق بالسيرة من خلال تفسيره لسور القرآن الكريم، كتفسيره لسورة الفتح مثلا التي تتحدّث عن صلح الحديبية، أو تفسيره لسورة الحشر وغيرهما من المواضع. ...
... وعلى سبيل المثال؛ فقد خصّص للآية الأولى من سورة الفتح وهي قوله تعالى: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا} ستّة عشر درسا كاملةً وحلّلها بطريقة تسلب الألباب، ويمكن أن تكون لوحدها جزءً خاصّا. ...
... وقد كفى مؤونةَ التحرير الأستاذُ: الشيخ بالحاج عيسى -حفظه الله-، ولم يبق إلا جمع ما تفرّق وترتيبه تاريخيّا وإخراجه في ثوب قشيب.
? (1/28)
صفحة 29
التوصية الثانية: أقترح أيضا أن تُخصّص فرقُ عمل لإبراز تراث الشيخ؛ حتّى يستفيد منه الجميع، وأن يكون ذلك ضمن سلسلة: «في رحاب...»، على غرار: «في رحاب القرآن»، و: «في رحاب السنة» (1) ، ولِمَ لا أن نقرأ في المستقبل القريب -إن شاء الله-: «في رحاب العقيدة»، «في رحاب الصلاة»، «في رحاب الأخلاق»...
ختاما أقول:
لقد استمتعت كثيرا واستفدت وأنا أباشر هذا العمل، وأحسُّ أنّي مقصّر في بلوغ النهاية في إتقانه وتجويده، ومهما زعمت أنّي قد بذلت فيه من جهد؛ فإنّني من باب الموضوعيّة أقول ما قاله الدكتور محمد صالح ناصر في تقديمه لكتاب «في رحاب القرآن» جزء تفسير سورة الإسراء: «...ورغم كلّ ما سبق أن ذكرنا فإنّنا نرى من الموضوعيّة العلميّة أن نشير إلى أنّ التفسير وهو على هذه الصورة المقروءة لا يمكن أن يكون هو التفسير المسموع بأيّة حال من الأحوال. أقصد لا يمكن أن نتصوّر بأنّه يقدّم بين أيدينا صورة كاملة، دقيقة، أمينة، لتفسير الشيخ بيُّوض، فذلك ما لا يستطيعه إنسان مهما بلغ من العلم، والبراعة، والإجادة في النقل. فشخصيّة الشيخ بيُّوض تكمن وتتجلّى في فصاحته، وبيانه، وصوته، وطريقته الخاصّة به، إلقاء، وشرحا، وتفسيرا...» (2) .
وما قاله الدكتور ناصر ينطبق على ما أنا بصدد إنجازه؛ إذ لا يمكن بحالٍ أن يعطيَ صورة مماثلة للمسموع، ولكن حسبي أنّي قد تحرّيت فيه الدقّة في النقل والوقوف عند المعنى الذي يرمي إليه الشيخ.
__________
(1) ... هذا الكتاب عبارة عن مجموعة دروس للشيخ الناصر المرموري -رحمه الله- في شرح الجامع الصحيح للمحدّث الربيع بن حبيب الفراهيدي كان يلقيها في المسجد الكبير بالقرارة بعد وفاة الشيخ بيوض رحمه الله، قام بتحريرها مجموعة من الطلبة، وصدر منها لحدّ الآن جزء أوّلٌ، وهم بصدد إنجاز أجزاء أخرى، نسأل الله تعالى أن يعينهم ويسدّد خطاهم.
(2) ... إبراهيم بن عمر بيوض، في رحاب القرآن، تفسير سورة الإسراء: ص20 (المقدمة). (1/29)
صفحة 30
وككلّ عمل بشريّ؛ لا يخلو هذا العمل من نقص وهفوات، فرحم الله كلّ من نظر إليه بعين ناقدة بصيرة، ودلّني على هذه النقائص والهفوات قصد تداركها مستقبلا.
وإن تجد عيبا فسُدَّ الخللا ... فجلَّ من لا عيب فيه وعلا.
وفي الأخير لا يسعني إلا أن أتقدّم بالشكر الجزيل الموصول إلى كلّ من أسدى إليّ يد العون ووجّهني في مسيرتي حتّى استهلّ هذا العمل صارخا بعد عسر مخاض.
{رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً اِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ} [سورة آل عمران: الآية 8].
القرارة يوم السبت 11 ربيع الآخر 1431هـ
الموافق لـ 27 مارس 2010م
( رستم بن عيسى إتبيرن (1/30)
صفحة 31
ترجمة الشيخ بيُّوض
أهمّ المحطّات في حياة الشيخ بيُّوض رحمه الله (1) :
- هو الشيخ بيُّوض إبراهيم بن عمر بن بابه، وابن عائشة بنت كاسي بن بُهون.
- ولد ببلدة القرارة ولاية غرداية جنوب الجزائر بتاريخ الثاني عشر من شهر ذي الحجة 1316هـ يوافقه الثاني والعشرين من شهر أفريل 1899م.
- في سن السادسة من عمره ألحقه والده الفاضل بكُتَّاب الشيخ محمّد بن الحاج يوسف، وتلقّى هناك مبادئه الأولى في علوم اللغة العربية والشريعة الإسلامية، ثّم تدرّج في التعلّم مظهرا نبوغا وذكاء حادّين؛ ممّا لفت أنظار مشايخه إليه وتوسّموا فيه خيرا كثيرا.
__________
(1) ... بكير بن سعيد أعوشت، الإمام إبراهيم بيوض وجهاده الإسلامي في الجزائر، ومحمّد الحسن فضلاء، من أعلام الإصلاح في الجزائر، ج1: ص93-95، ومحمد صالح ناصر، الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض مصلحا وزعيما: ص51-56، وإبراهيم بن عمر بيوض، في رحاب القرآن (تفسير سورة الإسراء). تحرير: عيسى بن محمد الشيخ بالحاج: ص24-34 (المقدمة).
... وللتوسع أكثر في ترجمة الشيخ ومسيرته الحافلة؛ يُنظر مثلا:
... - محمد على دبوز، أعلام الإصلاح في الجزائر من 1340هـ/1921م إلى 1395هـ/1975م ، ج2، مطبعة البعث: قسنطينة، الجزائر، ط1، 1396هـ/1976م.
... - محمد على دبوز، نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، ج3، المطبعة العربية: غرداية، الجزائر، ط1، 1389هـ/1969م.
... - بيوض إبراهيم بن عمر، أعمالي في الثورة، نشر: جمعية التراث: القرارة، غرداية، الجزائر، 1410هـ/1990م.
... - محمد بن قاسم ناصر بوحجام: الشيخ بيوض والعمل السياسي، المطبعة العربية: غرداية، الجزائر، ط1، 1412هـ/1991م.
... - كتاب الملتقى الأول لفكر الإمام الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض، القرارة 8-9 محرم1421هـ/13-14 أفريل2000م، المطبعة العربية: غرداية، الجزائر، نشر: جمعية الحياة: القرارة، 1422هـ/2002م. (1/31)
صفحة 32
- في سنّ الثالثة عشرة من عمره وفّقه الله تعالى لاستظهار القرآن الكريم كاملا.
- تلقّى علومه على يد عدّة مشايخ من بينهم: الحاج إبراهيم الابريكي، والأستاذ أبو العلاء عبد الله بن إبراهيم والحاج عمر بن يحيى. وبخاصّة هذا الأخير إذ كان ملازما له، وخليفة له في التدريس بعد مماته سنة 1921م.
- لما بلغ السنة السادسة عشرة من عمره عيّنه شيخه الحاج عمر بن يحي مساعدا له في التدريس؛ لمواهبه التي حباه الله بها من قوّة ذاكرة و حدّة ذكاء وفصاحة لسان، مظهرا بذلك تفوّقا على أقرانه، ممّا بوأه الالتحاق بحلقة العزّابة سنة 1922م، وهو أصغر عضو يلتحق بهذه الحلقة، ليعيَّن بعد ذلك رئيسا لها سنة 1940م.
- في سنة 1924م اعتلى منبر المسجد واعظا ومرشدا وموجّها، واتّخذ من المسجد منطلقا له لنشر فكرته الإصلاحية لدى كافّة شرائح المجتمع؛ متمثّلا بقول الله تعالى: {وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ } [سورة الأعراف: الآية 29]، ومقتديا بالرسول - صلى الله عليه وسلم - عند هجرته إلى المدينة؛ حيث بنى مسجده قبل أن يبني بيوته - صلى الله عليه وسلم - ؛ لأهمية دور المسجد في بناء الأمة.
- امتدت مسيرته المباركة في ميدان الوعظ والإرشاد والتوجيه أزيد من نصف قرن من الزمن، وكانت هذه المسيرة حافلة بعدّة دروس في عدة مناسبات: دينية، وطنية، اجتماعية، دولية...، ومن أهمّ ما ألقى الشيخ من دروس في حياته الحافلة أذكر ما يلي- على سبيل الذكر لا الحصر-:
? تفسيره للقرآن الكريم كاملا، مدّة تناهز نصف قرن من الزمن،من غرة محرم 1353هـ/ 6 ماي 1935م، إلى يوم: الخامس والعشرين من شهر ربيع الآخر سنة 1400هـ/12 فيفري 1980م. وأقيم له بمناسبة ختمه للتفسير مهرجان كبير بالقرارة حضرته شخصيات بارزة من مختلف المستويات.
? تدريسه لمسند الربيع بن حبيب.
? (1/32)
صفحة 33
تدريسه لفتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني، مدة خمس عشرة سنة.
? تدريسه لكتاب دلائل الإعجاز في البلاغة لعبد القاهر الجرجاني، مدة خمس سنوات.
? تدريسه لكتاب طلعة الشمس للشيخ نور الدين السالمي في أصول الفقه.
? العديد من الدروس التي يعالج فيها بعض القضايا التي تهمّ المجتمع: الشباب، الزواج، الطلاق، محاربة البدع والخرافات...
- له إلى جانب ذلك أعمال جليلة على المستوى المحلي والوطني والدولي، منها:
% محليّا:
1- إحياؤه لمجلس عمي سعيد مجدَّدا سنة 1963هـ، فانتخب رئيسا له إلى وفاته (1) .
2- إحياؤه لفريضة صلاة الجمعة بالقرارة في غرّة محرَّم 1391هـ/26 فيفري 1971م، في ظلّ السيادة الوطنيّة (2) .
% وطنيّا:
1- مشاركته في وضع القانون الأساسي لجمعية العلماء المسلمين سنة 1931م، وكان عضوا في مجلس إدارتها، فأسندت إليه مهمّة نيابة أمين المال.
2- موقفه الرافض لقضيّة فصل الصحراء الجزائريّة عن الشمال التي تبنّاها الاستعمار الفرنسيّ.
3- تعيينه من مارس 1962م إلى سبتمبر من السنة نفسها ممثِّلا للشؤون الثقافية في اللجنة التنفيذية المؤقتة.
__________
(1) ... يعتبر هذا المجلس الهيئة العليا لعزابة وادي ميزاب.
(2) ... لمزيد من التفصيل انظر: الدرس الأوّل من هذه السلسلة. (1/33)
صفحة 34
% دوليّا:
1- كان عضوا في لجنة إغاثة فلسطين سنة 1948هـ.
2- كان من بين الأربعة الذي أمضوا على برقيات باسم اللجنة الجزائرية الفلسطينية لتأييد القضية الفلسطينية دوليا.
- لم يترك مؤلّفات مكتوبة سوى بعض الرسائل والمقالات والمذكرات والإجابة على بعض الاستفتاءات، فقد كان بالغ اهتمامه-رحمه الله-منكبّا على صناعة الرجال، وكان من ثمار ذلك أن تخرّجت على يديه كوكبة مباركة من العلماء والقادة والمصلحين، تفرّقوا في شتّى مجالات الحياة، وشغلوا مناصب متعدّدة في مختلف المستويات، وكان لهم الأثر البارز في مواصلة المسيرة الإصلاحية للشيخ، والفضل للمبتدي ولو أحسن المقتدي.
- وافاه أجله في بلدته القرارة مساء يوم الأربعاء 8 ربيع الأول 1401هـ/ 14 جانفي 1981م على الساعة السادسة، بعد مسيرة حافلة بالإنجازات والإصلاحات والبطولات دامت ثلاثة وثمانين عاما، وشيّع جثمانه إلى مثواه الأخير صبيحة يوم الجمعة 10 ربيع الأول 1401هـ/16 جانفي 1981هـ في موكب مهيب حضره ممثّلون من السلطات العليا للبلاد و شخصيات بارزة.
تقبّل الله عمله وجعله في ميزان حسناته، وأغدق عليه من فيض رحماته، وأسكنه فراديس جناته. (1/34)
صفحة 35
مدخل
1- أهمية دراسة السيرة النبوية:
لسيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - عدّة خصائص تبوّؤها مركزا رياديا في اهتماماتنا ودراساتنا، يمكن إجمالها في النقاط التالية:
? تعتبر السيرة النبوية أصحّ سيرة لتاريخ رسول؛ حيث إنّها وصلت إلينا بأصح الطرق وأقوى الأسانيد ثبوتا، مما يدفع عنا الشك والارتياب في أحداثها الكبرى: كحادثة الهجرة، والغزوات... ...
... وهذه الميزة الفريدة لا نجدها في سيرة رسول آخر، ولأضرب مثالا على أقرب الرسل إلى عهد نبيّنا محمّد - صلى الله عليه وسلم - وهو سيدنا عيسى عليه السلام؛ حيث بلغ التحريف في سيرته أنه رُفع إلى درجة الألوهية. ...
... أما عن الكتاب الذي يروي سيرته وهو الأناجيل الأربعة التي اعتمدتها الكنيسة؛ فإنها لم تكتب إلا بعد قرون من عهده، ونسبت إلى أشخاص بطرق لا تظمئن النفوس إلى صحّتها؛ إذ لا يوجد لديهم سند متصل إلى أحد هؤلاء الكتاب الذين كتبوها. ...
وإذا كان الحال هكذا مع سير الأنبياء والرسل؛ فإنه مع غيرهم من الزعماء والفلاسفة والقادة والعظماء أدهى وأمرّ.
? أن سيرة الرسول محمد - صلى الله عليه وسلم - كاملة وواضحة في جميع مراحل حياته، منذ ولادته-بل وقبل ذلك-وطفولته وزواجه وحياته بعد التكليف بالرسالة في مكة والمدينة ، ونجدها واضحة في أدق تفاصيلها، حتى في حياته الشخصية كأكله وشربه وجلوسه ونومه وغسله...، بل وبلغ الأمر في دقة وصفه أن عدّ البعض عدد الشعرات البيضاء في رأسه ولحيته - صلى الله عليه وسلم - . ...
? (1/35)
صفحة 36
... وهذا ما لا نجده في سيرة الأنبياء والمرسلين قبله، ولا في حياة الزعماء والقادة بعده.
? سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - في جميع جوانبها تصلح لأن تكون نموذجا يحتذي به الكلّ، وذلك من خلال مراحل حياته - صلى الله عليه وسلم - : فهو قدوة للشابّ الأمين المستقيم، وقدوة للزوج الصالح، وقدوة للأب الحاني، وقدوة للمربّي المرشد، وقدوة للقائد الشجاع البطل... ...
... وهذا مصداقا لقوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ إِسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الاَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [سورة الأحزاب: الآية 21].
? السيرة العطرة تمكّننا من فهم شخصيّته - صلى الله عليه وسلم - النبويّة، وذلك من خلال الظروف والأحداث التي عاشها، فهو لم يكن مجرّد عبقريّ، بل هو قبل ذلك رسول مؤيّد بالوحي وبتوفيق الله تعالى.
? السيرة النبويّة تساعدنا على فهم الكثير من آي القرآن؛ لأنّ سبب نزولها هو أحداثها، مثل: الآيات التي تتحدث عن غزوة بدر في سورة الأنفال، أو الآيات التي تتحدّث عن غزوة أحد في سورة آل عمران، أو الآيات التي تتحدث عن غزوة الخندق في سورة الأحزاب، أو الآيات التي تفضح المنافقين في سورة التوبة...
? السيرة النبوية تعطينا نموذجا تطبيقيا للعمل بالقرآن الكريم والتخلق به، وقد قالت عائشة -رضي الله عنها- لما سئلت عن خلقه - صلى الله عليه وسلم - ، فقالت: «كان خلقه القرآن» (1) .
?
__________
(1) ... سأل قتادةُ عائشةَ رضي الله عنها فقال: «يا أمّ المؤمنين، أنبئيني عن خُلُق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، قالت: ألست تقرأ القرآن؟، قلت: بلى، قالت: فإن خُلُق نبيّ الله - صلى الله عليه وسلم - كان القرآن». (جزء من حديث رواه مسلم في صحيحه، كتاب: صلاة المسافر وقصرها، باب: جامع صلاة الليل، رقم: 1270). (1/36)
صفحة 37
السيرة النبوية تمكّن دارسها من تجميع قدر كبير من الثقافة الشرعية الصحيحة: عقيدة، وفقها، وأخلاقا...جسّدها الرسول - صلى الله عليه وسلم - واقعا وسلوكا.
? من مزايا سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - أنّها محفوظة بحفظ القرآن وخلوده، وليس لفترة محدّدة من الزمن، وسيرته - صلى الله عليه وسلم - أيضا للعالمين وليست لأناس محدّدين كما هو الحال بالنسبة للرسالات الأخرى قبلَه (1) .
2-سبب اختيار الصحابة حدث الهجرة مبدءًا للتأريخ الإسلاميّ:
في السنة السادسة عشرة للهجرة -وقيل: السابعة عشرة-، جمع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب-رضي الله عنه- السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار كعادته للتشاور في وضع تأريخ يضبط للناس أمورهم، فقال: إن الأموال قد كثرت، وما قسمنا منها غير مؤقَّت بتأريخ مضبوط، فكيف التوصل إلى ما يضبط ذلك؟ لقد رُفع إليَّ صَكٌّ موعده شعبان، فلا أدري أي شعبان هو؟ آلذي مضى؟ أم الذي نحن فيه؟ أم الآتي؟ ضعوا للناس شيئا يَعرفون به.
فأشار إليه بعض الصحابة أن يؤرخ بتأريخ الروم، والبعض الآخر اقترح التأريخَ الفارسي، ولكنّ عمر- رضي الله عنه - أراد أن يميز المسلمين بتأريخ خاصّ بحادث من أحداثهم البارزة.
فأشار إليه بعضهم أن يؤرّخ بمولد النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، وأشار إليه البعض الآخر أن يؤرخ بوفاته، ولكن مقترح علي-كرم الله وجهه-لاقى قبولا لدى الفاروق- رضي الله عنه -، وهو أن يؤرّخ المسلمون بيوم خروج النبي - صلى الله عليه وسلم - من مكة مهاجرا إلى المدينة فرارا بدينه؛
__________
(1) ... مصطفى السباعي، السيرة النبوية دروس وعبر: ص15-25 و: محمد سعيد رمضان البوطي، فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة: ص15-16 و: محمد الغزالي، فقه السيرة: ص20-21. (1/37)
صفحة 38
وذلك لأنّ الهجرة كانت منعطفا هامّا في تاريخ الدعوة الإسلامية وكانت سببا من أهم الأسباب في انتصار الإسلام وانتشاره.
على أن الهجرة وقعت في ربيع الأول، فتباينت آراء الصحابة وتعددت حول الشهر الذي سيتخذ كمستهل للسنة الهجرية، واقترح عثمان بن عفان-رضي الله عنه- أن يكون شهرَ محرم؛ لأنه بداية السنة العربية في الجاهلية، فوافق الصحابة عليه (1) .
يقول الدكتور شوقي أبو خليل عن أهمية حدث الهجرة:«...فالهجرة حدث غير مجرى التاريخ، إنها المنطلق العملي، والموقف الحاسم في تاريخ الإسلام، وكل ما تحقق بعدها من منجزات، وتتابع من نجاحات وانتصارات، محسوب عليها، وراجع إليها.
إنها مرحلة انتقال من أرض حُجبت عنها أنوار النبوة، وغابت عنها شمس الهداية والمعرفة، فحسبوا الشرك دينا، وسفك الدماء شجاعة، وانتهاك الحرمات إقداما، ووأد البنات عفافا وشرفا...
إنها الحد الفاصل بين الباطل وطغيانه وظلمه وتجبره، وبين الحق وعدالته وسلامته وسماحته...
فالهجرة... قيام الدولة العربية الإسلامية على أسس راسخة سليمة، وتهيئة الظروف لبقائها واستمراريتها، رسمت للحياة العربية وجها مسلما جديدا في كل شيء (2) ، وكانت بداية الفتوح العربية الإسلامية العالمية، فانهارت دولة الروم ودولة الفرس» (3) .
__________
(1) ... شوقي أبو خليل، الهجرة حدث غير مجرى التاريخ: ص10-11.
(2) ... أي باعتبار البيئة الأولى التي انطلقت منها الرسالة، وإلاّ فلا اعتبار للقوميّة العربيّة هنا.
(3) ... شوقي أبو خليل، الهجرة حدث غير مجرى التاريخ: ص12-13. (1/38)
صفحة 39
الدرس الأول
محتويات الدرس:
محتويات الدرس
? بين يدي ذكرى الهجرة.
? حالة قريش عند مبعثه - صلى الله عليه وسلم - .
? إعراض كبراء القوم عن الدعوة.
? المؤمنون الأوّلون.
? ردّة فعل المشركين.
? فإنّ موعدكم الجنة.
? أوّل شهيدة في الإسلام.
? ألا تستنصر لنا؟!.
? أَحدٌ أَحدٌ.
? إلا من أكره وقلبه مطمئنٌّ بالإيمان.
? سيّدُنا وأعتق سيّدَنا.
? إلا ابتغاء وجه ربّه الأعلى.
? فإنّ بها ملكا لا يُظلَم في جواره أحد.
? أسماء بعض المهاجرين إلى الحبشة الهجرةَ الأولى.
? الرجوع من الحبشة.
? مرّة أخرى إلى الحبشة.
? والله لا أسلمهم إليكم أبدا.
? أفأرتشي أنا اليوم؟!.
? إسلام النجاشيّ وعقده للرسول - صلى الله عليه وسلم - على أمّ حبيبة في الحبشة. (1/39)
صفحة 40
صفحة 40 بيضاء (1/40)
صفحة 41
الدرس الأول (1)
[موضوعه: حالة المسلمين المستضعفين الأوائل مع ساداتهم المشركين، ثمّ هجرتهم الأولى والثانية إلى الحبشة، وموقف النجاشيّ إزاءهم، وذكر بعض المواقف من سيرة هذا الملك العظيم].
[بين يدي ذكرى الهجرة] :
بين يدي ذكرى الهجرة
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله.
نحن اليوم في الثالث محرّم 1392هـ، أوّل شهر في السنة العربيّة القمريّة الهجريّة، الجمعة الأولى في العام الثاني من بدئنا لصلاة الجمعة في هذا البيت المبارك، وكان قد صادف أوّل محرّم العام الماضي يومَ جمعة، وفيه كما تعلمون بُدئت صلاة الجمعة، وفّقنا الله تبارك وتعالى إلى إحياء هذه الشعيرة، وها قد دار حول كامل ودخلنا في العام الثاني، وهذه أوّل جمعة فيه، نسأل الله تبارك وتعالى أن يديم علينا هذه النعمة، ويوفّقنا لإقامة شعائر دينه (2) .
__________
(1) ... ألقاه بعد صلاة الجمعة يوم: 3 محرم 1392هـ الموافق لـ 18 فيفري 1972م.
(2) ... لم يكن الميزابيون قبل 1391هـ/ 1971م يصلّون صلاة الجمعة. يقول الشيخ بيوض رحمه الله تعالى: «قد تناول علماؤنا بيان أحكامها [أي صلاة الجمعة] بدقّة وعناية، وتولّى الأئمة إقامتها في أغلب بلاد الإسلام بما لهم من مسؤولية الرعاية، ولكنّنا نحن في بلاد ميزاب لا نصلّيها، ولسنا ندري هل كانت تُصلّى قبل ذلك ولا متى وكيف؟». (كعباش، حديث الشيخ الإمام في صلاة الجمعة ومالها من الأحكام: الحلقة 2، ص 7).
... ... ولعلماء الإباضية مستند في ذلك: «...فبعضهم يرى أنّ الجمعة واجبة في الأمصار التي مصّرها عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، وبعضهم يشترط لإقامتها وجود الإمام العادل... إضافة إلى عوامل اجتماعيّة وأمنيّة عاشها الميزابيّون في حقبة من تاريخهم جعلتهم لا يستطيعون إقامة الجمعة». (كعباش، حديث الشيخ الإمام: الحلقة 2، ص41).
... ... وأقيمت الجمعة في ميزاب لأوّل مرّة في غرّة محرّم 1391هـ/1971م بالقرارة على يد الشيخ الإمام بيوض رحمه الله تعالى. وفي ذلك يقول الشيخ بيوض بعد أن سرد تاريخيّا حالة الإباضية مع صلاة الجمعة: «...و بعدُ، فما هي وضعيتنا بعد استقلال الوطن؟، هل يجوز لنا أن نتمادى على تركها لأنّنا وجدنا آباءنا على أمّة وإنا على آثارهم مقتدون؟، أم أنّ واقعنا وموقعنا اليوم غيره بالأمس؟، وهل هي مفروضة علينا ونحن آثمون بتركها؟، أم هي غير واجبة ولكنّها تصحّ إن نحن أدّيناها؟... ويشهد الله أنّني بعد الاستقلال الوطنيّ [سنة 1962م] كنت أدمن التفكير في هذه القضيّة الحسّاسة، وأستقصي البحث في ما دوّنه علماؤنا في المشرق والمغرب بعد استرجاع العزّة والكرامة وقيام الدولة الوطنية حرّة مستقلّة على أشلاء شهدائنا الأبرار، وتزداد قناعتي على مرّ الأيام لتصبح هاجسا يقضّ مضجعي إن لم أقم بمبادرة شجاعة لإحياء هذه الشعيرة الدينيّة العظمى في منطقتنا، وقد بدّل الله من ذلّنا عزّا ومن خوفنا أمنا وارتفع العلم الوطنيّ عاليا خفّاقا، وبسطت الدولة نفوذها على كلّ التراب الوطنيّ، واحتضنت كلّ أبنائه لتصهرهم في بوثقتها شعبا واحدا له مقوّماته الأصيلة وهويّته الصحيحة... ». (كعباش، حديث الشيخ الإمام: الحلقة 2، ص43). (1/41)
صفحة 42
منذ ثلاثة أيّام انتهت سنة 1391هـ وابتدأت سنة 1392هـ، ومع حلول كلّ عام هجريّ، تُحْيىَ ذكرى الهجرةِ النبويّة الكريمة التي يؤرَّخ بها.
لا شكّ أنّ الكثير منكم سمع جميع الإذاعات في العالم الإسلاميّ تتكلّم عن الهجرة النبويّة، هذه الهجرة التي اختارها سيّدنا عمر -رضي الله عنه- وأجمع الصحابة عليها وأجمعت الأمّة الإسلامية كلّها على أنّها مبدأ التاريخ الإسلامي.
لم يبدؤوا التاريخ بميلاد سيّدنا محمّد - صلى الله عليه وسلم - ولا بمبعثه، ولكن اختاروا الهجرة لمعان ربّما ستأتينا من بعدُ.
كلّ المسلمين في المشارق والمغارب، كلّ المجتمعات والمنتديات الإسلاميّة يحيون هذه الليالي والأيّام بذكرى الهجرة وسرد تاريخها وبعض أحداثها التي وقعت فيها، كلّ على حسب طرحه، يضيّق أو يوسّع، ويورِد ما يمكن أن يُذكِّر به المسلمين في هذا التاريخ الحافل المليء بالذكريات، تاريخِهم المليء بالمعجزات والكرامات، المليء بالأحداث التي تنير الطريق أمام عارفها إلى الله تبارك وتعالى. (1/42)
صفحة 43
لا بدّ لنا من الكلام عن الهجرة، ولكنَّ الهجرةَ هجرتان:
- الهجرة المقصودة بهذا التاريخ، وهي هجرة النبيّ - صلى الله عليه وسلم - من مكّة إلى المدينة ليؤسّس فيها الدولة الإسلاميّة حين أذن الله تبارك وتعالى له بذلك، وهذه هي الهجرة التي يُؤرَّخُ بها.
- ولكن قبل الحديث عن هذه الهجرة، هناك هجرة أخرى تنطوي تحتها ولابدّ أن نبدأ بها، وهي هجرة المؤمنين المستضعفين من مكّة إلى الحبشة مرّتين اثنتين بعد أن اشتدّ إيذاء المشركين لهم.
ولنبدأ من البداية.
[حالة قريش عند مبعثه - صلى الله عليه وسلم - ] :
حالة قريش عند مبعثه صلى الله عليه وسلم
بُعِثَ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - والمشركون يعبدون الأصنام والأوثان التي ينحتونها (1) من أشجار وأحجار وذهب وفضّة ويعتقدون فيها النفع والضرّ، وقد ورثوا هذا عن أمم قديمة؛ فالناس ومنذ آلاف السنين يشركون بالله ويتّخذون من دونه آلهة، مثلما قال الله تبارك وتعالى على لسان سيدنا إبراهيم - عليه السلام - مخاطبا قومَه: {أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ} (2) أي: أتعبدُون ما تصنعُونه بأيديكم؟.
فدعا - صلى الله عليه وسلم - قومَه إلى التوحيد وترك عبادة الأصنام... نهاهم عن عبادة اللاّت والعزّى وهبل، ودعاهم إلى عبادة الواحد القهار، مالك الملك، خالق الخلق، الضارّ النافع، المحيي المميت، الذي يُبدئ ويُعيد، الذي لا إله غيره... من طلب حاجة فليطلبها من الله، من طلب دفع البلاء أو كشْف الضرّ أو شفاء المرض أو أيّ شيء كان لدنياه أو لأخراه، فليسأله من الله لا من غيره.
__________
(1) ... النحت: النشر والقشر. (ابن منظور، لسان العرب: مج 2، ص 97، مادة: نحت).
(2) ... سورة الصافات: الآية 95. (1/43)
صفحة 44
[إعراض كبراء القوم عن الدعوة] :
إعراض كبراء القوم عن الدعوة
جاء النبي - صلى الله عليه وسلم - بالدعوة إلى التوحيد، ودعا المشركين إلى نبذ أصنامهم فكفروا وقالوا: {إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىآ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىآ ءَاثَارِهِم مُّقْتَدُونَ} (1) كيف نبدّل دين آبائنا وأجدادنا؟
فتمسّكوا وتعصّبوا وبخاصّة صناديدهم وكبراءَهم الذين يجنون منافع كبيرة من تلك الطقوس، فإذا انتشر الدين الجديد وترَك الناس عبادة الأوثان، وهُدمت تلك الهياكل والقباب وبيوت العبادة ونُزع منها كلّ شيء؛ فلن يبقى لهم سلطان، ولن يبقى لهم شيء يتسلّطون به على الضعفاء ويستعبدون به الناس، وسيكون لهذا الدين الجديد السلطانُ، وتكون له الكلمة ويكون له الأمر والنهي، وسينضوي كلّ شيءٍ تحت لوائه، ولابدّ لهم حينئذ أن يعودوا جميعا إلى هذا الداعي الجديد، وهذا شيء مُقَرَّر طبيعيٌّ؛ ولذلك كفروا.
قالوا إن تبعنا هذا الدين فسنصبح رعيّة بعد أن كنّا رعاة، وسنصبح مرؤوسين وحثالة (2) بعد أن كنّا سادة؛ فتعصّبوا.
[المؤمنون الأوّلون] :
المؤمنون الأوّلون
وفي السنوات الأولى من البعثة النبويّة آمن بالنبيّ - صلى الله عليه وسلم - من أراد الله بهم خيرا، فكانوا السابقين الأوّلين إلى الإسلام، ولكنّهم قليلون، أوّلهم خديجة رضي الله عنها؛ لأنّها أوّل من أخبرها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بنبوّته لما رجع من غار حراء، فآمنت به وصدّقته، وأخذته إلى ابن عمّها ورقة بن نوفل فبشّره بأنّه هو نبيّ آخر هذا الزمان، وقال له: «هذا هو الناموس الذي كان يأتي عيسى» (3) .
__________
(1) ... سورة الزخرف: الآية 23.
(2) ... الحثالة: الرديء من كلّ شيء. (ابن منظور، لسان العرب: مج 11، ص142، مادة: حثل).
(3) ... أخرجه البخاري في صحيحه بلفظ: «...هذا الناموس الذي نزل الله على موسى...». (باب: كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، رقم: 3). ولم أجد عند من خرّجه من ذكر عيسى - عليه السلام - ، بل كلّهم يذكر موسى - عليه السلام - . جاء في سيرة ابن كثير: «ولم يُذكر عيسى وإن كان متأخرّا بعد موسى؛ لأنّه كانت شريعته متمّمة ومكمّلة لشريعة موسى عليهما السلام، ونسخت بعضها على الصحيح من قول العلماء. كما قال: {وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُم} [آل عمران: الآية 50]». (سيرة ابن كثير: ج1، ص 396). (1/44)
صفحة 45
أي أنّ الناموس الذي كلّمك اليوم، هو الذي كان يأتي الأنبياء من قبلك، وطمأنه بعد أن كانت بوادرُه (1) ترجف.
ودخل في الإسلام الإمام عليّ وهو صبيّ صغير، وكان قد رُبّي في حِجْر النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وبيتِه قبل أن يبلغ الحلم، أمّا الأعيان الذين أسلموا من قريش فهم قليلون؛ من بينهم أبو بكر الصدِّيق -رضي الله عنه-.
وآمن به - صلى الله عليه وسلم - بعضُ النسوة وبعض الموالي وبعض الشباب الصغار الذين لم تفسد قلوبهم بعدُ مثلما فسدت قلوب كبار قريش وصناديدها.
وماذا كان من أمر قريش؟
[ردّة فعل المشركين] :
ردّة فعل المشركين
عندما رأوا أولادهم يتفلّتون منهم ويدخلون في الإسلام واحدا بعد الآخر، شبابا ونساء أحرارا وعبيدا، اضطهدوهم وبدؤوا يمكرون بهم المكر الشديد. كلّ هذا في السنوات الأولى.
وكان سيدَ الوادي آنذاك أبو جهل، ولا أحد يجهل أبا جهل المخزوميَّ، وبنو مخزوم معروفون منذ القديم ومنذ الجاهلية الأولى بالكِبْر، فهم يرون أنفسهم أعلى الناس وأشرف القوم، حتى إنّ المثل يُضرب بتعاظمهم وتفاخرهم.
__________
(1) ... بوادره: جمع بادرة، وهي اللّحمة التي بين المنكب والعنق. (ابن منظور، لسان العرب: مج 4، ص 48، مادة: بَدَرَ). (1/45)
صفحة 46
فماذا فعل أبو جهل وحزبُه بالمسلمين؟
كان إذا أسلم أحد من الأعيان كأبي بكر -رضي الله عنه- مثلا، فإنه يمشي إليه فيعاتبه قائلا: «كيف تترك دين آبائك وأجدادك؟! كيف تترك دين قومك؟! إنّا لا نسفه حلمك، وإنا لا نهين شرفك، ولا نُفيِّل (1) رأيك، أين عقلك؟! أترضى أن تتّبع هذا الصابئ، إن لم ترجع إلى دينك فسننقص من شرفك وقدرك».
كان يعاتب هذا الصنف بهذه الكيفية؛ لأنّه لا يستطيع أن يضرّهم.
وإذا كان من أسلم تاجرًا -و كثيرٌ من القرشيّين تجّار- يهدّده: «والله لنُكَسّدنّ تجارتك، والله لنُهلكنَّ مالك، والله لنفلّسنّك ونعلنُ عليك قطيعة». يهدّدهم بما يخافون منه.
وإذا كان من أسلم ضعيفا كالموالي وبعض الشباب الصغار الذين لا يجدون من يدافع عنهم وبعض النزلاء الغرباء - وهم في مكّة كثيرون- كبلال من الحبش الذي كان مولًى، وعمار الذي كان أبوه حليفا لبني مخزوم، وكانت أمّه أمَةً، فمثل هؤلاء المستضعفين يمكر بهم المشركون مكرا شديدا ويعذبونهم بشتى أنواع العذاب، فكانوا يأخذونهم مثلا ويخرجونهم في القائلة -و الزمنُ صيف، ومكّةُ من أشدّ البلاد حرّا- ويبطحونهم على الأرض الملتهبة بأشّعة شمس الحجاز فتحرقُ أجسادَهم، كما فعل أميّة بن خلف ببلال، إذ كان يضجعه على ظهره ويضع فوق صدره حجارة، ويتركه للجوع والعطش والحرّ الشديد.
وأضرابه كثيرون.
وكانوا أيضا يسلّطون عليهم أولادهم يسبّونهم ويشتمونهم ويرمونهم بالحجارة ويعيِّرونهم.
__________
(1) ... نُفَيِّلُ: نقبّح ونخطّئ. (ابن منظور، لسان العرب: مج 11، ص 534، مادة: فَيَّلَ). (1/46)
صفحة 47
هذه للطّبقة الدنيا، الطبقةِ التي ليست من الأشراف فيهابوهم.
أمّا النبيّ - صلى الله عليه وسلم - فلم يستطيعوا أن يضرّوه أو ينالوا منه؛ لأنّه كان تحت حماية عمّه أبي طالب.
وأبو طالب سيد من سادات قريش بعد أبيه عبد المطّلب، لم يتبع ابن أخيه ولكن قال له: ادع إلى سبيل ربك ولن يستطيع أحد أن يمَسّك بسوء. فحماه حماية حقيقية منذ البعثة حتى توفّي.
لم يستطع المشركون أن يضرّوه - صلى الله عليه وسلم - ولم ينله أحد بأذى إلا عمّه الآخر الملعون أبو لهب، الكافر المبغض للنبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، الذي أنزل الله فيه سورة في القرآن:
{تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ مَآ أَغْنَىا عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ سَيَصْلَىا نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةُ الْحَطَبِ فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ} (1) .
كما تجرّأت امرأته حمالة الحطب -مثلما سماها الله تبارك وتعالى- كذلك على النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وكان جارَها، فكانت تحمل الأوساخ والأشواك وترميها أمام باب بيته، وهذا ما استطاعته.
وفي يوم من الأيّام وبعد أن نزلت سورة المسد جاءت غضبى وهي تحلف: «واللات والعزّى لأحطمنّ رأسه بهذا الحجر». وكانت تحمل صخرة كبيرة تريد رميها فوق عنق النبيّ - صلى الله عليه وسلم - الذي كان ساجدا عند الكعبة، فعميت عيناها عنه والتصقت الصخرة بيديها.
وقد أورد البوصيريّ (2) هذه الحادثة في همزيّته فقال:
__________
(1) ... سورة المسد.
(2) ... هو محمد بن سعد بن حماد بن عبد الله الصنهاجي، شرف الدين أبو عبد الله، بوصيري المنشأ، نسبة إلى بوصير من أعمال بني يوسف بمصر، أمه منها وأصله من المغرب، ولد بناحية دلاص في يوم الثلاثاء أول شوال سنة 608هـ/1212م. شاعر حسن الديباجة، مليح المعاني، بارع النظم، وأشهر شعره البردة الشهيرة التي مدح بها النبي - صلى الله عليه وسلم - وهي تقع في 162 بيتا، ترجمت إلى الهندية والتركية والفارسية والألمانية والفرنسية والإنكليزية، شرحها وعارضها الكثيرون، ومن أشهر شعره أيضا الهمزية، وقصيدة عارض بها «بانت سعاد» مطلعها: «إلى متى أنت باللذّات مشغول».
... ... وهو إضافة إلى ذلك محدّث وخطّاط ماهر. كانت وفاته بالإسكندرية سنة 696هـ/1296م. (الزركلي، الأعلام: ج7، ص11 وابن العماد الحنبلي، شذرات الذهب: ج7، ص753-754، ومصطفى رسام، تراجم الشعراء والأدباء: ص 91). (1/47)
صفحة 48
وأعدّت حمّالة الحطب الفهْـ ... ـرَ (1) وجاءت كأنها الورقاء (2)
يوم جاءت غضبى تقول أفي مثْـ ... ـليَ من أحمد يقال الهجاء
[و]تولّت وما رأته ومن أيْـ ... ـن ترى الشّمس مقلة عمياء (3)
فأبو لهب وزوجه حمّالة الحطب تجرءا على شخص النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، أمّا بقيّة قريش كأبي جهل وغيره فلم يستطيعوا أن يخترقوا جدار الحماية الذي أحاطه أبو طالب بابن أخيه.
[فإنّ موعدكم الجنّة] :
فإنّ موعدكم الجنّة
كان النبيّ - صلى الله عليه وسلم - يمرُّ على المؤمنين في البطحاء وهم يعذَّبون..
كان يمرّ فيجد عمّارا وأباه ياسرا وأمّه سميّة رضي الله عنهم -وهم أوّلُ بيت أَسلم- يعذَّبون تحت الشمس..
كان يمرّ عليهم ويراهم على تلك الحالة لكنّه لا يستطيع أن يمنع عنهم شيئا..
لا يستطيع أن ينزع صخرة عن أحد..
ولا يستطيع أن يفكَّ وثاق أحد..
__________
(1) ... الفهر: حجر ملء الكفّ وقيل هو الحجر مطلقا. (ابن منظور، لسان العرب: مج 5، ص 66، مادة: فهر).
(2) ... الورقاء: للناقة والأورق للجمل، وهي الناقة التي في لونها بياض إلى سواد. (ابن منظور، لسان العرب: مج 10، ص 374، مادة: ورق).
(3) ... البوصيري، القصائد البصيرية في مدح خير البرية: ص 13. (1/48)
صفحة 49
ولكن كان يقول لهم ويبشّرهم مثلما قال لآل ياسر: «صبرا يا آل ياسر فإنّ موعدكم الجنة» (1) كأنّه - صلى الله عليه وسلم - يقول لهم: إن كنت اليوم عاجزا أن أخلّصكم ممّا أنتم فيه؛ فالله هو مخلّصكم والجنّة هي موعدكم. فهنيئا لآل ياسر شهادة النبيّ - صلى الله عليه وسلم - لهم بالجنة.
[أوّل شهيدة في الإسلام] :
أوّل شهيدة في الإسلام
وربّما مات أحد من المستضعفين وهو يُعذَّب، وفعلا ماتت سميّة أمّ عمّار بن ياسر تحت وطأة العذاب، وقصّة استشهادها أنّ أبا جهل مرّ عليها فطعنها في فرجها بحربة كانت في يده وهي في العذاب فماتت رضي الله عنها، وحازت على شهادة في الأوّلية؛ بأن كانت أوّل شهيدة في الإسلام.
[ألا تستنصر لنا؟] :
ألا تستنصر لنا؟
جاء عمّار -رضي الله عنه- ذات مرّة إلى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - فقال له: «يا رسول الله بلغ منّا ما ترى، لقد رأيت العذاب الذي نحن فيه». فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : صبرا يا أبا اليقظان -وهي كنية عمار- ودعا لهم: «اللهم لا تدخل أحدا من آل عمّار النار» وفي رواية: «من آل بيت ياسر» (2) .
[أَحدٌ أَحدٌ] :
أَحدٌ أَحدٌ
أمّا بلال وقصّة العذاب الذي أذاقه إيّاه أميّة بن خلف حتى أنقذه أبو بكر -رضي الله عنه- فمعروفة، فقد مرّ عليه أبو بكر -رضي الله عنه- فرآه في عذاب عظيم وسيّده يقول له: «لا تزال في عذابٍ حتّى تكفر بمحمّد وتقول: اللات والعزّى إلهان مع الله». وكان كلّما قال له ذلك يردّ عليه بلال -رضي الله عنه-: «أحدٌ أحد».
__________
(1) ... أخرجه الحاكم في المستدرك على الصحيحين عن محمد بن إسحاق. وسكت عنه الذهبيّ في التلخيص. باب: ذكر مناقب عمار بن ياسر -رضي الله عنه-، رقم: 5646.
(2) ... لم أهتد إلى تخريج هاتين الروايتين. (1/49)
صفحة 50
[إلا من أكره وقلبه مطمئنّ بالإيمان] :
إلا من أكره وقلبه مطمئنّ بالإيمان
لقد بلغ من مكر قريش أنّهم كانوا يعذِّبون هؤلاء المستضعفين حتى يضطرّوهم لأن ينطقوا بكلمة الكفر، فأحيانا كان يصل الأمر بأحدهم وهو في حالة شديدة من الحرّ والعطش والجوع فينطق بتلك الكلمة ليخفّف عن نفسه العذاب، وقلبه مطمئن بالإيمان، ولكن الله تعالى عذرهم وقال: {مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِنم بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنُ اُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنُّم بِالاِيمَانِ} (1) .
وبلغ بهم المكر أيضا -مثلما تقول رواية- أنهم كانوا يقولون للمعذَّب حينما يمرّ بالقرب منه حيوان: «قل: هذا إله مع الله».
بل وحدث أنْ مرّت جُعَلٌ أمام أحد المعذَّبين فقال له معذِّبه: «لا تزال في العذاب حتى تقول: هذا إله مع الله». فيقول المعذَّب ذلك؛ كي يخفَّفَ عنه العذاب قليلا.
وقد اشتدّ العذاب مرّة بعمّار حتى نطق بكلمة الكفر، فجاء بعض الصحابة للرسول - صلى الله عليه وسلم - وقالوا له: يا رسول الله، كفر عمّار، فقال لهم النبيّ صلى لله عليه وسلم: «ما كفر عمّار، عمّار ملئ إيمانا من فَرْقِهِ إلى قدمه» (2) . شهادة غريبة من النبيّ - صلى الله عليه وسلم - .
وبالفعل ما كفر عمّار، ولكنه لمّا اشتدّ عليه العذاب؛ نطق بتلك الكلمة بلسانه {وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنُّم بِالاِيمَانِ}، ودون أن يناديه النبيّ - صلى الله عليه وسلم - أو يسأله أو يدريَ بالخبر؛ قال لهم بأنّ عمّارا لا يكفر ولن يكفر، «عمّار مُلئ إيمانا من فرقه إلى قدمه»، عمّار مَحْشُوٌّ بالإيمان، ولكن شدّة العذاب وشدّة الجوع والعطش والحرّ الشديد في الصيف برمضاء مكّة تُلجئُ المرءَ لأن يقول هذا.
__________
(1) ... سورة النحل: الآية 106.
(2) ... أخرجه ابن حبّان عن هانئ بن هانئ: قال: استأذن عمار على علي رضوان الله عليه فقال: مرحبا بالطيب المطيب، سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «عمَّار مُلِئَ إيمانا الى مُشَاشِه»؛ أي مثانته. قال شعيب الأرنؤوط: إسناده حسن. كتاب: إخباره - صلى الله عليه وسلم - عن مناقب الصحابة، ذكر شهادة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - لعمار بن ياسر بأخذه الحظ من جميع شعب الإيمان، رقم: 7076. (1/50)
صفحة 51
وقد أذن اللهُ لهم أن يقولوا ما يخفِّف عنهم العذاب شرطَ أن يكون القلب سالما مطمئنا بالإيمان.
[سيّدُنا وأعتق سيّدَنا] :
سيّدُنا وأعتق سيّدَنا
ولم يبق الأشراف الذين أسلموا مكتوفي الأيدي، بل حاولوا أن يخلّصوا المستضعفين ممّا هم فيه، فهذا سيّدنا أبو بكر -رضي الله عنه- يفدي ستّة من هؤلاء، منهم بلالٌ، إذ ذهب إلى سيده وقال له: «اتق الله، إلى متى تعذّب هذا؟»
قال له أميّة بن خلف: «أنت أفسدته فأنقذه». أي لم يكن عليه من بأس في الكفر، فأفسدته ودعوته إلى هذا الدين الجديد، فُكَّهُ إن استطعت.
قال له: «بكم تبيعه؟» رواية تقول بـ: 46 أوقية (1) ، ورواية أخرى تقول إنّ أبا بكر قال لأميّة: «عندي عبد أقوى منه وأصحّ، وهو على دينك، أعطيه لك وأطلق هذا». فاتفقا.
هذا بلال الذي فكّه أبو بكر من العذاب والعتق، وكان سيّدنا عمر بعد ذلك كلّما ذَكر أبا بكر يقول: «سيّدنا وأعتق سيّدنا». تُرى لماذا يقول عمرُ هذا في أبي بكر، ويعبّر عن بلال بالسيّد رغم أنّه حبشيّ؟؛ ذلك لأنّه سبقه للإسلام، وقد كان عمر في ذلك الوقت ممن يُعذِّب المسلمين، وقد عذّب إحدى المسلمات حتى أنقذها أبو بكر.
[إلا ابتغاء وجه ربّه الأعلى] :
إلا ابتغاء وجه ربّه الأعلى
ستّة من الرقاب اشتراها أبو بكر وأنقذها من العذاب وأعتقها في سبيل الله، حتى قال له أبوه مرّة: «أنت تشتري هؤلاء العبيد ومَن لا قيمة لهم وتعتقهم، فلو أنّك
__________
(1) ... الأوقية: معيار للوزن، جَمْعُه أَوَاقِي، يختلف مقدارها شرعا باختلاف الموزون واختلاف البلاد أيضا. (للتوسع انظر: محمد قلعه جي وحامد صادق قنيبي، معجم لغة الفقهاء: ص97). (1/51)
صفحة 52
أعتقت بهذا المال بعضا من الذين ينفعونك ويكونون لك في يوم من الأيّام سندا، ويكونون لك موالي يناصرونك».
فقال له أبو بكر: «إنّما أريد وجه الله». أي إنّني لا أعتقهم ليكونوا غدا مواليَ وينصروني ويعينوني، إنّما أنقذهم لوجه الله.
ويُروى أنّ قوله تعالى: {فَأَمَّا مَنَ اَعْطَىا وَاتَّقَىا وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىا فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىا} (1) نزلت فيه، وكذلك قوله عزّ وجلّ: {وَسَيُجَنَّبُهَا الاَتْقَىا الذِي يُوتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىا وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَىآ إِلاَّ ابْتِغَآءَ وَجْهِ رَبِّهِ الاَعْلَىا وَلَسَوْفَ يَرْضَىا} (2) ، هؤلاء يُجَنّبُونَ النار.
روايات كثيرة قيل إنّها نزلت في أبي بكر -رضي الله عنه-؛ لأنّه ينفق ماله، ويعتق هؤلاء المظلومين، لا ليكونوا له أنصارا وموالي، كما تفعل العرب الذين يشترون العبيد فيعتقونهم ليكونوا دائما مواليهم ينفعونهم كأنّهم جند لهم.
[فإنّ بها ملكا لا يُظلم في جواره أحد] :
فإنّ بها ملكا لا يُظلم في جواره أحد
لما بلغ العذاب بالمسلمين مبلغه ورأى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - نفسَه بمنجاة من ذلك دعا ربّه قائلا: «يا ربّ، إنّ الذين آمنوا بي يعذَّبون، وأنا بمأمن لا يَمَسُّني أيّ شيء». فوفّقه الله تبارك وتعالى إلى الإذن لهؤلاء المستضعفين بالهجرة إلى الحبشة، فأشار إليهم أنْ هاجِروا إلى الحبشة فإنّ بها ملكا اشتهر بعدله لا يُظْلَم عنده أحد، يحمي كل مَن هاجر إلى بلاده والتجأ إليه وينصره، ولا يُضام أحد في حماه أبدا، وهو النجاشيّ، هاجِروا إليه حتى يجعل الله لكم من أمركم فرجا ومخرجا.
ومتى وقع هذا؟
__________
(1) ... سورة الليل: الآيات 5-7.
(2) ... سورة الليل: الآيات 17-21. (1/52)
صفحة 53
وقع بعد خمس سنوات من بعثة النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، وبالتحديد في المنتصف من شهر رجب.
والحبشة جغرافيا -كما هي معروفة اليوم- تقع في إفريقيا على شاطئ البحر الأحمر بالمحيط الهندي من جهة شطّ إفريقيا؛ فهم في طريقهم إلى الحبشة إذن سيُضطرّون إلى قطع البحر الأحمر.
اتفق هؤلاء المضطهدون وكان عددهم أحد عشر رجلا وأربع نسوة (1) على أن يفرّوا في الليل سرّا، قاطعين المسافة بأرجلهم ومن وجد دابّة ركب عليها.
خرجوا خفية ولم يشعر بهم المشركون، وذهبوا إلى شاطئ البحر قاصدين مرسى الشُّعيبة (2) على البحر الأحمر، وقد كان الناس في ذلك الوقت يرسون فلكهم وسفنهم التجاريّة هناك قبل أن تكون جدّة هي المرسى الرئيسيّ.
ومرسى الشعيبة قريب من مكّة، والمسافة بينهما عبر الجبال والسهول والأودية ليست بعيدة مثلما هي اليوم عبر طريق السيارات المعبد؛ إذ تبلغ المسافة عبره ثلاثة وسبعين كيلومترا، بالضبط كما هي من القرارة إلى بريان (3) .
وبمجرّد وصولهم إلى شاطئ البحر -ومن فضل الله عليهم- وجدوا سفينتين من سفن التجّار راسيتين تتهيآن للاتّجاه نحو الجنوب؛ أي جهة الحبشة، فاستأجروهما بنصف دينار لكلّ شخص.
وكما هو معلوم فإنّ التجارة البحريّة موجودة منذ آلاف السنين قبل ذلك الوقت، فقد جرت بين مراسي الحجاز، ومراسي شرق إفريقيا، ومصر إلى تحت السودان إلى شرق إفريقيا تنزانيا وزنجبار، وإلى جنوب إفريقيا، وإلى بلاد الهند وبلاد
__________
(1) ... ذكر ابن هشام في سيرته أنّ عددهم عشرة رجال وأربع نسوة. (سيرة ابن هشام: ج2، ص 164).
(2) ... الشُّعَيْبَة: مرفأ السفن من ساحل بحر الحجاز، كان مرفأ مكّة ومُرسى سفنها قبل جدة. (ياقوت الحموي، معجم البلدان: ج 3، ص350-351).
(3) ... قريتان تقعان في ولاية غرداية التي تبعد عن العاصمة الجزائرية بحوالي 600 كلم جنوبا. (1/53)
صفحة 54
الصين، فالسفن موجودة في البحر منذ القديم تمخَر [عبابه] وتحمل البضائع من الشرق إلى الغرب ومن الغرب إلى الشرق، لكن المشكل أنّه وفي بعض الأحيان تصل سفينة واحدة في أسبوع أو في شهر، وأحيانا يأتين متتابعات، لكن هؤلاء أكرمهم الله تعالى؛ فبمجرد وصولهم إلى الشعيبة؛ وجدوا السفينتين فركبوا فيهما.
وفي صباح ذلك اليوم افتقدتهم قريش وبحثوا عنهم أين فلان؟ أين فلان؟...
لقد هربوا...
هربوا إلى أين؟...
فاكتشفوا أنّهم قد ذهبوا إلى جهة البحر الأحمر فتبعوهم، لكن لما وصلوا إلى المرسى لم يَجدوا شيئا، فقد ركبوا من الليلة الماضية وقطعوا مسافة نصف ليلة أو ليلة، فسُقط في أيديهم.
هذه هي الهجرة الأولى إلى الحبشة.
[أسماء بعض المهاجرين إلى الحبشة الهجرة الأولى] :
أسماء بعض المهاجرين إلى الحبشة الهجرة الأولى
وكان من المهاجرين إلى الحبشة بعض كبار الصحابة، على رأسهم الإمام عثمان بن عفّان ومعه زوجه رقية بنت الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، ومنهم عثمان بن مظعون، ومصعب بن عمير، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة وغيرهم. أحد عشر رجلا وأربع نسوة منهن رقيّة -كما ذكرنا- وأمّ سلمة زوجُ أبي سلمة الذي مات في الحبشة وتزوّجها النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد رجوعها من هناك؛ فأصبحت من أمّهات المؤمنين رضي الله عنها.
ومنهنّ أيضا سهلة بن سهيل زوج أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة، والرابعة أظنّها زوج عمر بن ربيعة (1) .
__________
(1) ... المهاجرة الرابعة هي ليلى بنت أبي حَثْمَةَ، زوج عامر بن ربيعة وليس عمر كما ذكر الشيخ رحمه الله. (سيرة ابن هشام: ج2، ص 164). (1/54)
صفحة 55
أربعة رجال مع نسائهم وسبعة بدونهنّ ذهبوا إلى الحبشة ومكثوا فيها زمانا، ووجدوا الأمن والأمان، فلا أحد يفتنهم عن دينهم.
[الرجوع من الحبشة] :
الرجوع من الحبشة
بعد شهور من إقامتهم بالحبشة بلغهم خبر وهو عبارة عن إشاعة مَفَادها أنّ قريشا قد أسلمت، وأكثر الكفّار الذين كانوا يعذّبونهم قد دخلوا في الإسلام، فقالوا: «بما أنّ والدِينا وأهلِينا قد أسلموا، فلنرجع إلى وطننا مكّة بلد الله الحرام».
ومن ذا الذي يطاوعه قلبه أن يهاجر منها ويترك الكعبة؟ اللّهم إلا إذا كان مضطرّا، وإذا وجد سبيلا للرجوع؛ رجع.
فرجعوا، لكن ما إن وصلوا مشارف مكّة حتّى ألفوا الخبرَ الذي بلغهم مكذوبا، فشدّد المشركون [عليهم] العذاب أكثر من ذي قبل.
إنّما والحقُّ يقال إنّ الإسلام بدأ ينتشر، ووجد المشركون أنّ عدد المسلمين ازداد أكثر ممّا كان عليه من قبل.
[مرّة أخرى إلى الحبشة] :
مرّة أخرى إلى الحبشة
أمرهم النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بالهجرة إلى الحبشة مرّة ثانية، فرجع من استطاع منهم وكانوا أكثريّة، ولحقتهم جماعة أخرى؛ فوصل عددهم هذه المرّة إلى ثلاثة وثمانين رجلا وتسع عشرة امرأة، فكان مجموع المهاجرين اثنان ومائة مهاجر، فيهم السابقون إلى الإسلام مثل: عثمان بن مظعون، وعثمان بن عفّان، والزبير، والمقداد، وجعفر بن أبي طالب، وآخرون وكلُّهم مذكورون في كتب السيرة بأسمائهم.
كان وقْعُ هذه الهجرة على قريش أكبرَ من الأولى، فليس بالأمر السهل عليهم أن يخرج منهم هذا العدد، سيزعزعون مكّة، وهم ليسوا من قبيلة واحدة، وأكثرهم شباب لم تفسد قلوبهم مثل أولئك الذين تغلغل الكفر وتمكّن من قلوبهم، ولعلّ (1/55)
صفحة 56
أكبرهم سنّا يومئذ هو الإمام عثمان [بن عفان] ؛ لأنّه وبعد موت النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بنيّف وعشرين عاما، يموت وعمره ثلاث وثمانون سنة، إذن يكون في ذلك الوقت في الخمسين من عمره، أمّا الباقي فجلّهم صغار بين الشباب والكهولة.
هاجروا في سفن إلى الحبشة، ونزلوا في جوار الملك العادل النجاشيّ، ووجدوا هناءً وراحة، فلا أحد يصدّهم عن دينهم.
[والله لا أسلمهم إليكم أبدا] :
والله لا أسلمهم إليكم أبدا
ولكن هل تسكت قريش عن [خروج] ثلاثة وثمانين رجلا [من مكة] في الوقت الذي كان الرجل يُعدّ عملة نادرة؟ فالقبائل بينها حروب، وهي تعتزّ بعدد رجالها مثلما تعتزّ بخطبائها وشعرائها، وكان من وُلد له ولدٌ ذكر يُعَدُّ ذا شأن كبير وشرف. فالرجل لا يستهان به في ذلك الوقت أوقاتِ الفتن، بل له قيمة وأيّة قيمة نجهلها اليوم.
اهتزّت قريش اهتزازا كبيرا، وقالوا: إن سكتنا عن هذه الجماعة التي خرجت اليوم؛ فستتبعها جماعة أخرى غدا، يؤمنون ويتبعون الدين الجديد ويخرجون فتصبح مكة خالية من أولادها.
فماذا صنعوا؟
دبّروا مكيدة، واتفقوا أن يختاروا اثنين من الفصحاء البلغاء الحذّاق يبعثونهما إلى ملك الحبشة النجاشيّ؛ يطلبان منه ردّ هؤلاء الفارّين إليهم.
وفعلا تآمروا واختاروا عمرو بن العاص، وهو داهية من دهاة العرب (1) ، وكان ممّا يمتاز به الكمالُ في العقل والفصاحةُ في القول، وقد لعب دورا كبيرا في الشرك، ولعب كذلك دورا كبيرا في الإسلام كفّر به ما مضى.
__________
(1) ... «وكانوا يعدّون في ذلك الوقت دهاةَ العرب أربعةً: معاوية [بن أبي سفيان] ، وعمرو بن العاص، وزياد بن أبيه، والمغيرة بن شعبة»(من كلام الشيخ). (1/56)
صفحة 57
اختاروا عمرو بن العاص وعبدَ الله بن ربيعة وبعثوهما وفدا للنّجاشي، وليس هذا فقط، بل وبعثوا معهما سفينة محمّلة بهدايا ممّا ينتجه الحجاز، هدايا لحاشية (1) الملك وهديّة كبيرة للملك النجاشيّ، وأوصوهما قائلِين: «تذهبان إلى الحبشة وقبل أن تلتقوا بالسلطان، تقصدون البطارقة أوّلا، فهؤلاء هم الأمراء والكبراء، وتمكّنون لكلّ واحد هديّته، وتبيّنون لهم بأنّ هؤلاء أولادنا انحرفوا عن دينهم وهربوا، وأنّ عائلاتهم وعشائرهم تطلب إرجاعهم، فلقد جاءنا دين جديد فتبعوه وخرجوا من دين آبائنا، ولم يتّبعوا دينكم أيّها النصارى (2) ، بل تبعوا دينا جديدا، وسنكلّم الملك في هذا الأمر وأنتم تعينوننا لكي يأمر بإرجاع هؤلاء إلينا».
وفعلاً حدَث، وقبِل كلّ واحد من البطارقة هديّته وأعطوهما وعدا بعقد مقابلة مع الملك، وطمأنوهما أنُ اطلُبا ونحن نعينكما وسنقول للملك بأنّنا لا نرضى ببقاء هؤلاء في وطننا.
وكان الموعد موعدُ لقاء الملك.
دخل عليه عمرو بن العاص وعبد الله بن [أبي] ربيعة -والبطارقة كلّهم معه- وقدّما له الهدايا وكلّماه في [أمر المهاجرين] مثلما كلّما البطارقة: «أيها الملك، هؤلاء أولادنا سفهاء منحرفون، مرقوا من دين آبائهم وأجدادهم ولم يدخلوا في دينك، إنّما ابتدعوا دينا جديدا، ونحن أدرى بحالهم، نطلب منك أن تسلّمهم لنا فنردّهم إلى وطنهم».
قال البطارقة -و قد أكلوا الرشوة من قبل لمّا قبلوا الهدايا-: «نعم أيّها الملك، رأْيُنا كلّنا أن تُرجِع هؤلاء».
__________
(1) ... «ولقد عبّر القرآن على حاشية الملك بالملإ مثلما قال عن حاشية فرعون: {قَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ...} [سورة الأعراف: الآية 109] وحاشية الملك هم الأمراء والوزراء، وكانت حاشية النجاشيّ من البطارقة». (من كلام الشيخ).
(2) ... «لأنّ الحبش وقتئذ مسيحيّون متمسّكون بالمسيحية، وهم كذلك إلى اليوم». (من كلام الشيخ). (1/57)
صفحة 58
فغضب الملك غضبة مُضَرِيَّة وقال: «أُرجِع من جاءني واحتمى بي واستجار بي؟! والله لا أرجعهم ولن أرجعهم حتّى أسمع كلامهم، فإذا كان الذي يقوله هذان السفيران حقّا؛ أُرجعهم، وإن كانوا مظلومين في وطنهم؛ فلهم حقّ أن يلتجئوا، ووالله لن أرجع أحدا منهم أبدا».
وكانت قريش قد أوصت السفيرين أنُ يبذلا كلّ جهديهما كي لا يصغيَ الملك إلى المهاجرين؛ لأنّه إن حدث ذلك؛ فلربَّما مال إليهم.
تقول أمّ سلمة رضي الله عنها: «إنّ الذي كنّا نخشاه أكثر هو هذا»؛ أي كنّا نخشى أن يصدّقهم الملك مباشرة دون أن يلتقي بنا ويسمع منّا.
ولكنّ الملك ناداهم وطلب مقابلتهم.
كبر الأمر على المسلمين -كما حدّثت أمّ سلمة وبعض الرّوّاة الذين كانوا حاضرين-، فالسلطان قد ناداهم فماذا يقولون له؟
فتشاوروا فيما بينهم واتّفقوا أن يقولوا الصّدق، نعرض عليه ديننا والذي جاءنا به نبيّنا، لا نزيد ولا ننقص، وليكن ما يكون، لن نكذب ولن ننافق ولن ندبّر شيئا، بل نقول الحقَّ.
واتّفق الوفد كلّه على أن يتقدّم جعفر -رضي الله عنه- متحدّثا عنهم.
وجعفر بن أبي طالب هو أخو الإمام عليّ ووالد عبد الله بن جعفر الفاتح العظيم لإفريقيا، وأسماء بنت عُمَيْس زوجه، وقد هاجرت معه وولدت عبد الله في الحبشة.
قدّم الوفد جعفرا لكي يتكلّم هو، فسألهم الملك -و كان الأساقفة والبطارقة حاضرين-: «ما خطبكم؟»
فقال له: «كنّا في جاهليّة، نعبد الأصنام، ونأكل الحرام، ونقطع الرحم، ويطغى قويّنا على ضعيفنا، ونرتكب الفواحش، فجاءنا نبيّ نعرف نسبه وصدقه وعفّته (1/58)
صفحة 59
وأمانته، لم يأتنا شخص بعيد، بل هو منّا نعرفه من نسبه الشريف، اختبرناه فعرفناه صادقا أمينا عفيفا، جاء ينهانا عن عبادة الأحجار والأشجار والأوثان، ويأمرنا أن نعبد الله وحده، ونصل الرحم، ونؤدّيَ الأمانة، ونصدُق في القول، ونأتيَ الخيرات، ونتركَ الفواحش والمنكرات، جاء يأمرنا بكلّ خير، وينهانا عن كلّ شرّ؛ فاتّبعناه، فما كان من أهلنا إلا أن أضرّوا بنا، ومن كبراء قومنا إلا أن ظلمونا وعذّبونا على هذا، لا شيء بيننا وبينهم إلا هذا».
قال لهم: «هل تحفظون شيئا مِمَّا جاءكم به هذا النبيّ؟»
فاستفتح جعفر بن أبي طالب قارئا سورة مريم: {كهيعص ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّآءَ} وفيها أيضا قصّة مريم وعيسى عليهما السلام، فلمّا سمع الملك ما يتلى عليه؛ بكى حتى اخضلّت لحيته بالدموع، وبكى الأساقفة كلّهم، وعندئذ قال: «هذا ينبعث من المشكاة التي ينبعث منها نور عيسى بن مريم». ثمّ حلف قائلا: «والله ما خالفَ هذا شيئا ممّا جاء به عيسى بن مريم، والله لن أردّ هؤلاء إلى أهلهم، ولن أقبل في هذا كلاما، هؤلاء الذين خصالهم هذه واستجاروا بي وخيّروني على من سواي، يُظلمون في جواري؟!» والتفت إلى المسلمين وقال لهم: «من سبّكم غَرِم».
خرج عمرو بن العاص وصاحبه مخزيّين، ولكن عمرو داهية، ففكّر في حيلة أخرى بديلة.
لما خرج قال لرفيقه عبد الله بن ربيعة: «والله لآتينّ الملكَ غدا وأقول له ما أستأصل به خضراءهم، فيمحقهم محقا ولا يترك فيهم أحدا».
قال له عبد الله أبي بن ربيعة: «اتّق الله فإنّهم رحم، هؤلاء أولادنا وأقاربنا».
قال له: «والله لأفعلنّها».
وفي الغد طلب المقابلة مرّة أخرى مع السلطان فذهب إليه وقال له: «أيّها السلطان، إنّك لا تدري ماذا يقول هؤلاء في عيسى بن مريم!! إنّهم يقولون فيه (1/59)
صفحة 60
قولا عظيما!!» ولم يخبره ما هو، وكان قد قال من قبل لرفيقه: «سأقول له إنّهم يقولون عن عيسى إنّه عبد»؛ لأنّ أهل الحبشة نصارى ويعتقدون أنّ عيسى ابنُ الله وفيه طبيعة إله.
فناداهم النجاشي مرّة ثانية.
تقول أمّ سلمة: «كبر علينا الأمر أكثر لماّ نادانا للمرّة الثانية، كنّا نظنّ أن الكَرّة انقلبت علينا، فبالأمس أنصفنا وسمح لنا بالبقاء، واليوم ينادينا!!، ففي الأمر ريبة».
تشاوروا مرّة أخرى: «ماذا نقول له اليوم؟» واتّفقوا على أن لا يقولوا إلا الحقّ الذي جاء به محمّد - صلى الله عليه وسلم - ، ما قلناه بالأمس نعيده اليوم، لن نعدل عن قول الحقّ وليكن ما يكون.
ولما دخل جعفر سأله السلطان: «ما تقولون في عيسى بن مريم؟»
قال: «نقول فيه عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم».
فقام الملك من الأرض وقال: «والله مَا عدا عيسى بنُ مريم مَا قلتَ، هو عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم». ثم ردّ الهدايا التي جاء بها عمرو بن العاص ورفيقه وقال لهما: «لا أقبل الرّشوة؛ لأنّ الله تعالى لم يأخذ منّي رشوة يوم ردّ إليّ ملكي، وما سمع فيَّ كلام الناس حتى أسمع كلام الناس في مثل هؤلاء الذين ينبع كلامهم من مشكاة عيسى بن مريم».
وما هي قصّة ردّ المُلك؟
[أفأَرْتَشي أنا اليوم؟!] :
أفأَرْتَشي أنا اليوم؟!
كان أبو النجاشي سلطانا ليس له ولد سواه، أما أخوه -أي عمّ النجاشيّ- فكان عنده اثنا عشر ولدا ذكرا، والحبشُ -قبل أن يكبر النجاشيّ- حسدوه وحسدوا أباه (1) ، ورأوا أنّ الآخر صاحب أولاد فمالوا إليه وقالوا: «إن مات هذا الملك فسيتولى
__________
(1) ... أرى أنّ التعبير بالحسد هنا غير مستساغ، فلو كان هناك حسد فسينصرف إلى عمّ النجاشي؛ لأنّه صاحب عائلة كبيرة، وليس إلى النجاشيّ ووالده، اللهمّ إلا إن كان هذا الحسد بسبب نبوغ النجاشيّ مثلما سيذكر الشيخ بعدُ. (1/60)
صفحة 61
علينا ابنه الوحيد (1) ، إذن فلنقتل السلطان لكي يتولّى أخوه الذي هو ربّ عائلة كبيرة». فتآمروا واغتالوا أبا النجاشيّ وتوّجوا أخاه سلطانا، فأحسن إلى ابن أخيه النجاشيِّ صغيرا وربّاه تربية صالحة، فأصبح ألمع الأولاد الذين في العائلة المالكة، ولم يصل إلى درجته أحد من أولاد عمّه السلطان، وكان النجاشيّ نجيبا ذكيّا أعطاه الله أخلاقا عالية؛ هي التي هدته إلى قول الحقّ وإلى الإسلام أخيرا -رضي الله عنه-.
مرّت الأعوام وكبُر النجاشي، فرأى الحبش أنّ السلطان إن مات فسيتولّى هذا مكانه، ولن يعطي الملك لأحد من أولاده؛ لأنّه قد تهيّأ واستعدّ للملك بتربيته وأخلاقه التي فطره الله تبارك وتعالى عليها، فقالوا للملك نفسِه: «إنّا نخاف من الأمر بعدك».
وأشاروا إليه أنُ اقتل ابن أخيك أو أخرجه من المدينة.
فقال لهم: «أقتلتم أباه بالأمس وتريدون أن أقتله اليوم؟! هذا والله لن يكون، ولكن إن أردتم أن تنفوه فافعلوا، أمّا القتل؛ فمحال».
فأخرجوه إلى السوق وباعوه عبدا لواحد من أصحاب السفن الذين يشترون العبيد من بلاد الحبشة وبلاد السودان مثلما هو معروف إلى العهد الأخير، باعوه له بستمائة درهم، فحمله في السفينة (2) .
__________
(1) ... علّة قتل والد النجاشيّ كما أوردها ابن هشام في سيرته هي: «فقالت الحبشة بينها: لو أنّا قتلنا أبا النجاشيّ وملّكنا أخَاهُ، فإنّه لا ولدَ لَهُ غير هذا الغلام وإنّ لأخيه من صلبه اثني عشر رجلا، فتوارثوا ملكه من بعده؛ بقيت الحبشة بعده دهرا. فغدوا على أبي النجاشيّ فقتلوه وملّكُوا أخاه». (سيرة ابن هشام: ج2، ص183).
(2) ... «وهنا نتذكّر محنة سيّدنا يوسف - عليه السلام - : {وَشَرَوْهُ بِثَمَنِم بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ} [سورة يوسف: الآية 20] ». (من كلام الشيخ). (1/61)
صفحة 62
وفي الليلة نفسها جاءت سحابة فأرعدت وأبرقت، وخرج الناس ومعهم الملك يستمطرونها وكانوا ذلك الوقت في أشدّ الحاجة إلى المطر، فنزلت على الملك صاعقة فقتلته، وارتبك الحبش، من نولّي الآن؟؟
ذهبوا إلى أولاده واختبروهم صغيرَهم وكبيرَهم فما وجدوا فيهم خيرا، كانوا كلّهم حمقى ولا أحد منهم يصلح للملك. فاحتاروا وتشاوروا فيها بينهم فقال بعضهم لبعض: «لا والله لا يليق ملكا علينا إلا الذي كنّا نفيناه».
فلحقوا بالسفينة التي حملت النجاشي واستردّوه منها وتوّجوه ملكا، فجاء صاحب السفينة وطالبهم بإرجاع نقوده فلم يجيبوه في طلبه، فجاء إلى الملك وجلس بين يديه وقال له: «أيّها الملك، اشتريتُ غلاما ودفعت ثمنه فأدركني أهله وأرجعوه، فطالبتهم بالثمن فلم يجيبوني». ففَهِم الملك وعلم أنّه المعنيُّ بالأمر وأنّ القضيّة تتعلّق به هو، فقال لقومه: «والله لتَرُدُنّ إليه ماله أو ليضعَنّ الغلامُ يدَه في يده ويذهب به حيث يشاء». فردّوا إليه ثمنه.
وكان هذا أوّل ما رأوه من صرامته وعزمه وعدله وقوّة إيمانه وصدقه؛ لأنّه قضى بالقضيّة في نفسه فعدل.
فهذا الذي أراده النجاشيّ لما قال لعمرو بن العاص ورفيقه: «لم يأخذ الله منّي رشوة يوم ردّ إليّ ملكي»؛ لأنّ المُلْكَ كان أصلا إليه من أبيه، فقُتل أبوه لكي لا تعطى المملكة له، ونُفي هو لكي لا يُمَلَّك، ولكنّ الله تبارك وتعالى أراد ردّه رغم أنف الحبشيّين كلِّهم، وذهبوا هم بأنفسهم فردّوه وتوّجوه ملكا عليهم.
رأى النجاشي أنّ ما بعثته إليه قريش من هدايا يُعتبر رشوة لكي يظلم هؤلاء الذين دخلوا في جواره، فردّها إليهم، وكأنّه بردّه لها يقول لهم: «بالأمس لمّا ردّ الله تعالى إليّ ملكي لم يأخذ منّي رشوة، ولم يُنْفِذْ مكر الناس فيَّ وما أطاع كلامهم، بل ردّ كيدهم في نحورهم وملّكني، أفأرتشي أنا اليوم وأقبلها؟! أم أسمع وأطيع كلام الناس اليوم في الذين حسدوهم؟! لا والله». (1/62)
صفحة 63
وردّ على عمرو بن العاص هديّته وخرج مَخزيًّا، ورُفع شأن المسلمين في الحبشة، ومكثوا فيها عدّة سنوات آمنين سالمين، منهم من رجع إلى مكّة لما تقوّى الإسلام، ومنهم من مكث فيها إلى أن هاجر النبيّ - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة فتوجّهوا إليها مباشرة، أمّا جعفر بن أبي طالب وجماعة معه، فبقوا في الحبشة إلى فتح خيبر في السنة السابعة من الهجرة، ولما وفدوا إلى المدينة، فرح بهم النبيّ - صلى الله عليه وسلم - فرحا شديدا، وقال كلمته المشهورة: «لم أدر أأفرح بفتح خيبر وذلّ اليهود، أم برجوع جعفر وأصحابه من الحبشة».
[إسلام النجاشيّ وعقدُه للرسول - صلى الله عليه وسلم - على أمّ حبيبة في الحبشة] :
إسلام النجاشيّ وعقدُه للرسول صلى الله عليه وسلم على أمّ حبيبة في الحبشة
وقبل أن يرجع جعفر من الحبشة كان النبيّ - صلى الله عليه وسلم - قد كتب كتبا إلى الملوك يدعوهم للإسلام، فكتب إلى المقوقس ملك مصر، وإلى [هرقل] ملك الروم، وإلى بُصرى وإلى كلّ ملوك العرب والعجم، وكتب إلى النجاشيّ كتابين بعثهما مع عمرو بن أميّة الضُّمْريّ العدّاء المشهور الذي يسبق الخيل في المشي.
أمّا الكتاب الأوّل فإنّه يدعوه فيه إلى الإسلام، ولمّا قرأه النجاشيّ وضعه على عينيه مثلما يحمل أحدنا مصحف القرآن ويقبّله، ثمّ نزل عن عرشه الذي يجلس عليه وجلس على الأرض وشهد شهادة الإسلام: «أشهد أن لا إله إلا الله وأنّ محمّدا رسول الله» وقال: «والله لو استطعت لذهبت إليه في مكانه الذي هو فيه»، لكن كبر سنّه وعجزه عن التنقّل حال بينه وبين ذلك. ومكث على إسلامه حتى مات، فأخبر جبريلُ - عليه السلام - الرسولَ - صلى الله عليه وسلم - بوفاته فصلّى عليه صلاة الغائب.
وأمّا الكتاب الثاني ففيه أمران اثنان؛ أحدهما أن يخطب ويعقد له على أمّ حبيبة رملة بنت أبي سفيان، وهي من المهاجرات إلى الحبشة مع زوجها عبيد الله بن جحش، ولكن هذا الأخير لما وصل إلى الحبشة وأطال فيها المكث، أعجبته ديانة النصرانية فتنصّر، فبقيت زوجته أرملةً (1) ، فخطبها النجاشيّ وعقد لها على النبيّ - صلى الله عليه وسلم -
__________
(1) ... ومات عبيد الله بن جحش نصرانيّا في الحبشة؛ لهذا قال الشيخ: « فبقيت زوجته أرملةً». (انظر: سيرة ابن هشام: ج2، ص51). (1/63)
صفحة 64
هناك وأعطاها أربعمائة دينار ذهبيّ صداقا من ماله، فأصبحت زوجةً للنبيّ - صلى الله عليه وسلم - معقودا عليها في الحبشة، وجاءت مع الوفد الراجع إلى المدينة وبنى بها هناك.
والأمر الآخر الموجود في الكتاب، فهو بعث بقيّة المسلمين الذين هناك، وإعطاؤهم سفنا تحملهم، وتزويدهم لكي يأتوا، فحملهم النجاشيّ وأعطاهم سفينتين، وجهّزهم بهدايا، وأعطاهم ما يلزمهم من الزاد، وعادوا ووصلوا إلى المدينة والنبيّ - صلى الله عليه وسلم - يومَ فتح خيبر، فسُرَّ بهم السرور كلَّه.
هذا هو النجاشي المسلم المؤمن -رضي الله عنه-، وهذه هي الهجرة الأولى والثانية إلى الحبشة قبل أن يُؤذن بدخول الإسلام إلى المدينة، وهؤلاء هم السابقون الأوّلون إلى الإسلام، وهؤلاء هم أهل الهجرتين -قبل الهجرة الثالثة إلى المدينة- الذين صبروا على العيش في بلد أجنبيّ وتركوا مكّة حرم الله ورسوله حيث الكعبة المعظّمة التي رفع قواعدَها إبراهيمُ وإسماعيلُ -عليهما السلام- وحيث شرف العرب، فرارا بدينهم فرضي الله عنهم أجمعين. والحمد لله ربّ العالمين. (1/64)
صفحة 65
الدرس الثاني
محتويات الدرس:
محتويات الدرس
? خلاصة ما تقدّم.
? إسلام أسدِ الله حمزة.
? اللهمّ أَعِزَّ الإسلام بأحبِّ العمرين إليك.
? أَسلِم يا ابن الخطّاب.
? لن نعبد الله سرّا بعد اليوم.
? صبأَ عمر!!.
? صحيفة المقاطعة.
? نقضُ الصحيفة.
? هذا أمرٌ دُبِّر بليل!!. (1/65)
صفحة 66
صفحة 66 بيضاء (1/66)
صفحة 67
الدرس الثاني (1)
[موضوعه: إسلام حمزة وعمر رضي الله عنهما، وقصّة صحيفة المقاطعة ونقضها].
[خلاصة ما تقدّم] :
خلاصة ما تقدّم
بسم الله الرحمن الرحيم.
ذكرنا في الدرس الماضي هجرة الصحابة رضي الله عنهم إلى الحبشة، وعند ذكر المسلمين تتنزّل الرحمة.
ذكرنا الجماعة الأولى التي هاجرت، ثمّ الجماعة الثانية.
الجماعة الأولى فيها أحد عشر رجلا وأربع نسوة، والثانية فيها ثلاثة وثمانون رجلا وتسع عشرة امرأةً.
كان هذا في السنة الخامسة للبعثة النبويّة.
فماذا جدَّ بعدُ من الحوادث إلى أن هاجر الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة؟
أحداث كثيرة جدّت بمكّة في هذه الفترة، لكلّ واحدة منها تأثير على الهجرة، هجرة الصحابة أوّلا بإذن الله تعالى إلى المدينة، ثمّ هجرته - صلى الله عليه وسلم - أخيرا وبصحبته سيّدنا أبو بكر -رضي الله عنه-، ولم يبق في مكّة إلا المستضعفون.
في الحقيقة لا يمكننا استقصاء كلّ الأحداث التي جرت؛ لأنّنا لو ذكرنا كلّ التاريخ في السنوات العشر الأولى (2) ؛ لأخذ منّا دروسا عديدة، وأمّا السنوات
__________
(1) ... ألقاه بعد صلاة الجمعة يوم: 10 محرّم الحرام 1392هـ الموافق لـ 25 فيفري 1972م.
(2) ... الفترة المكّية فيها ثلاث عشرة سنة، ولعلّ الشيخ رحمه الله بدأ العدّ من فترة الدعوة الجهريّة، فلم يحسب الفترة السرّية. والله أعلم. (1/67)
صفحة 68
العشر الأخيرة في المدينة فأحداثها أكثر، ولكن نأخذ بعض ما أمكن أن نمرّ عليه في حديثنا هذا.
فما هي الأحداث البارزة؟
من المعلوم أنّه ليس من الهيّن على قريش أن يفرّ منهم أولادهم -الذين دخلوا في الإسلامَ- إلى الحبشة.
في أوّل الأمر لمّا ذهب أحد عشر رجلا؛ تأثّروا، ولكن الأمر كان أهون ممّا وقع بعد ذلك؛ إذ خرج ما يربو عن المائة رجل وامرأة، ثلاثة وثمانون رجلا فيهم فلان وفلان...
فيهم الإمام عثمان، وفيهم جعفر بن أبي طالب، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير...
هذا الشيء هزّ مكّة هزّا، ولم يمرّ حادثا هيّنا فتسكتَ عنه قريش، يعني أنّ مكّة خلت من أولادها.
هنالك قال المشركون: «لقد عذّبْنا هؤلاء فلم ينفع ذلك لردّهم عن دينهم، بل ذهبوا ووجدوا دار هجرة في الحبشة، ووجدوا فيها أمنا واستقرارا، وأكرمهم النجاشيّ!!».
وهنا دبّروا بعض التدبير؛ إذ بعثوا وفدًا إلى النجاشي لردّهم، وكان جوابهم ما سمعتم في الدرس الماضي.
ذهبوا لكي يُرجعوا هؤلاء الناس، فقابلهم النجاشي -رضي الله عنه- بالرفض وردّ عليهم هداياهم، وقد أسلم بعد ذلك وصلّى عليه النبيّ - صلى الله عليه وسلم - صلاة الغائب.
فأصبحت قريش في حيرة من أمرها، وراح المشركون يدبّرون ويخطّطون. فماذا فعلوا؟
ازدادوا مكرا بالبقيّة الباقية بمكّة، وأمعنوا في تعذيبهم أكثر. (1/68)
صفحة 69
وأراد الله تبارك وتعالى في هذه الفترة أن يدخل الإسلام بطلان من الأبطال، ما بين إسلام الأوّل وإسلام الآخر ثلاثة أيّام.
أوّلهما سيدّنا حمزة بن عبد المطّلب -رضي الله عنه-، عمّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، وثانيهما سيدنا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-.
[إسلام أسد الله حمزة] :
إسلام أسد الله حمزة
ومَن مِن الناس لا يعرف السيّد حمزة؟! سيّد الشهداء -كما سمّاه النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي تزورونه في أحد؛ لأنّه استشهد يومها.
دخل النبيّ - صلى الله عليه وسلم - دار الأرقم بن أبي الأرقمِ، والأرقمُ هو أحد الصحابة الذين أسلموا وبقوا في مكّة، وجعل بيته مجتمعا للنبيّ - صلى الله عليه وسلم - يلتقي فيه مع أصحابه؛ لأنّهم كانوا لا يستطيعون أن يجتمعوا في المسجد الحرام الذي يجلس فيه كبراء قريش؛ لأنّهم حتما سيؤذونهم، ولا يتركونهم أن يطوفوا بالبيت -إلا القليل النادر- أو أن يصلّوا، وإذا كان اجتماعهم للتشاور والتدبير في أمورهم؛ فإن الاجتماع في المسجد الحرام حينئذ يكون مستحيلا.
كان النبيّ - صلى الله عليه وسلم - يلتقي في دار الأرقم مع من سبق إلى الإسلام، فيستمعون منه، يحدّثهم ويهذّبهم ويربّيهم ويقرئهم القرآن الذي نزل عليه.
وفي يوم من أيام السنة السادسة من البعثة يرشد الله تبارك وتعالى حمزة للإسلام.
وحمزة -كما قلنا- عمّ النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وأخوه من الرضاعة؛ إذ أرضعتهما ثويبة الأسلميّة (1) ، ووُلد قبل النبيّ - صلى الله عليه وسلم - في أرجح الروايات- بسنتين.
__________
(1) ... جارية أبي لهب، اختُلف في إسلامها، وهي أوّل من أرضع النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ، أرضعت قبله عمَّه حمزة بن عبد المطلب -رضي الله عنه-، وبعده أبا سلمة بنَ عبد الأسد، وكان النبيّ - صلى الله عليه وسلم - يكرمها ويصلها. ماتت بمكّة سنة سبع للهجرة. (ابن حجر العسقلاني، الإصابة في تمييز الصحابة: ج7، 548). (1/69)
صفحة 70
وكان ممّا يمتاز به سيّدنا حمزة -رضي الله عنه-؛ شدّة الشكيمة (1) وقوّة العارضة (2) ، وكان من أبطال قريش، جمع بين الشجاعة والعقل والدهاء وقوّة البدن.
وكان من عادته أن يخرج إلى بعض الشعاب ليصطاد إمّا الحيوانات الأرضيّة أو الحجل، فقد كان صيّادا ماهرا أيضا، وعندما يرجع من صيده وقبل أن يدخل إلى بيته، يذهب إلى البيت الحرام فيطوف به، كأنّه يطوف شكرا لله تعالى الذي مكّنه أن يخرج ويأتي برزق من الصيد، وكانت هذه عادته.
وفي يومٍ قفل راجعا من صيده سالكا طريقه مع الصفا (3) ، فالتقته مولاةٌ (4) لعبد الله بن جدعان التّيميّ (5) ، فقالت له:
«يا أبا عمارة (6) ، لو رأيت ما حدث اليوم، وما الذي فعله أبو جهل بابن أخيك!!».
قال لها: «وماذا فعل؟»
قالت: «التقاه أبو جهل وهو مغتاظ (7) ، فسبّه سبّا فاحشا، وسبّ دينه وسبّ إلهه وعيّره، ومحمّد ساكت، لم يجبه بكلمة أبدا، ومضى».
__________
(1) ... يقال: فلانٌ شديد الشكيمة؛ إذا كان ذا عارضة وجدّ. قال ابن الأعرابي: الشكيمة قوّةُ القلب. وقال ابن السِّكّيت: إنّه لشديد الشكيمة؛ إذا كان شديد النّفس أنِفا أبيّا. (ابن منظور، لسان العرب: ج 12، ص 323 مادة: شَكَمَ).
(2) ... فلان شديد العارضة؛ أي ذو جلد وصرامة. (الفراهيدي، العين: ج3، ص134، مادة: عَرَضَ).
(3) ... «كانت الأماكن في ذلك الوقت خاليةً إلا من بعض البيوت». (من كلام الشيخ).
(4) ... «أي خادمة». (من كلام الشيخ).
(5) ... «المشهور خاصّة بداره التي وقع فيها حِلف الفضول». (من كلام الشيخ).
(6) ... «يكنّى حمزة أبا عمارة وأبا يعلى؛ لأنّ له ولدين أحدهما يعلى، والآخر عمارة، ولكن اشتهر بـ: أبي عمارة». (من كلام الشيخ).
(7) ... «والمشركون كانوا في غيظ شديد، وأشدّهم غيظا وحنَقا على النبيّ - صلى الله عليه وسلم - أبو جهل». (من كلام الشيخ). (1/70)
صفحة 71
مخطط توضيحي لأجزاء الكعبة الشريفة ومقاساتها (1/71)
صفحة 72
فتحرّكت في حمزة -الذي أراد الله به خيرا- العاطفة تُجاه ابن أخيه.
هذا ابن أخيه وتِرْبُه، وأخوه من الرضاعة، تربّى معه، ثمّ يأتي هذا اللّعين فيسبّه هذا السبّ!!.
فذهب مغضَبا ودخل المسجد، وقريش مجتمعون كعادتهم في الحطيم، في الحِجْر تحت الميزاب الذي كان لكبراء قريش مجتمَعا.
جاء حمزة وعوض أن يذهب ويطوف بالبيت مثلما كان معتادا أن يفعل أوّلا، ذهب مغضبا مغتاظا إلى أبي جهل الذي كان جالسا مع قومه، فنزل عليه بضربة شديدة في رأسه بقوسه دون أن يكلمه أو يسأله.
فنهض قوم أبي جهل لكي يدافعوا عنه ويمسكوا بحمزة، فقال لهم أبو جهل: «دعوه، دعوا أبا عمارة، لقد سببت ابن أخيه وهو قد انتصر».
هناك قال له حمزة: «أتسبّه؟!...
أو لم تدر أنّي على دينه؟...
ها أنذا على دينه، فهل تستطيعون أن تردّوا عليّ؟...
أشهد أنّه رسول الله... ».
وفي تلك الحالة يسلم.
فشدّ الله به الإسلام منذ ذلك الوقت.
ووقع إسلامه كالصّاعقة على قريش، وقالوا: «لقد نجا محمّد ووجد سندا متينا آخرَ، وجد شخصا آخر قويّا يردّ عليه، بالأمس كان أبو طالب -شيخ الأباطح- واليومَ انضمَّ إليه حمزة».
وهم يعرفون حمزة ويعرفون شدّته وبطولته، وكان في الثامنة والأربعين أو التاسعة والأربعين من عمره في ذلك الوقت، ليس فتى من الفتيان وإنّما كهل من أشدِّ الكهول. (1/72)
صفحة 73
فقريش إذن اهتزّت لإسلام حمزة.
سُرَّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون والمستضعفون الذين معه بإسلام حمزة -رضي الله عنه-، وفرحوا فرحًا شديدا.
هذا أوّلا.
[اللهمّ أعزّ الإسلام بأحبّ العمرين إليك] :
اللهمّ أعزّ الإسلام بأحبّ العمرين إليك
وأراد الله تبارك وتعالى أن يسلم سيدنا عمر بعد ذلك، وفي بعض الروايات بعد ثلاثة أيام [من إسلام حمزة]، وقد كان عمر -وإلى الوقت الذي هاجر فيه المسلمون إلى الحبشة- لا يزال مشركا، ومن الذين يمكرون في الذين أسلموا.
ولإسلامه سبب.
كان سيّدنا عمر صغيرا في السنّ، فقد كان في الوقت الذي دخل الإسلام ابن ستّ وعشرين سنة، ولكنّه كان شديدا شدّةً غريبة كما تعلمون، وهو من صغره صعب المراس (1) ، شديد الشكيمة.
وكان أيضا مع قريش من قبلُ مغتاظا من هذا الدين الذي يزيد في الانتشار، رغم التعذيب والقتل، ولكن ذلك لم ينفع في شيء أبدا، فمن صبر صبر، ومن لم يصبر هرب من مكّة عوض أن يرجع عن دينه، فهم لم يكونوا يعذّبونهم لكي يهربوا، ولكن لكي يرجعوا إلى شركهم.
ولكن الإسلام ما فتئ في انتشار، رغم الذين ذهبوا إلى الحبشة، والذين بقوا في مكّة [بقوا] مستضعفين، ولكنّه يزداد انتشارا.
__________
(1) ... المِراسُ: مصدرٌ، وهي الممارسة والمعالجة. فلان شديد المراس: مارس الأمور وجربّها، وهو ذو جَلَدٍ وقوّة. (الرازي، مختار الصحاح: ص394، وابن منظور، لسان العرب: ج 6، ص 215 والفراهيدي، العين: ج4، ص 133، مادة: مَرَسَ). (1/73)
صفحة 74
وكان عمر ممّن اغتاظ، وممّن شارك كثيرا في تعذيب المستضعفين.
كان النبيّ - صلى الله عليه وسلم - في مرّات كثيرة يدعو الله تعالى: «اللّهم أعزّ الإسلام بأحبّ الرجلين إليك عمر بن الخطاب أو عمرو بن هشام».
وأحيانا يقول: «اللهم أيّد الإسلام بأحد العمرين» (1) .
أحدهما عمر بن الخطاب، والآخر أبو جهل الذي يسمّى عمرو بن هشام.
كان النبي - صلى الله عليه وسلم - لمّا يرى أحدا منهما يقول: «يا رب أيّد الإسلام»، مرّة يقول: «بأحدهما»، ومرّة يقول: «بأحبّهما إليك»؛ لأنّه يعرف أنّهما أشدَّاء وأقوياء، وأنّهما اثنان لا يصل أحد إلى درجتهما.
وسمع الصحابة هذه الدعوات مرّات عديدة.
وكان الحظّ لسيّدنا عمر.
ويومَ أراد الله بسيّدنا عمر خيرا -كما يُحدّث هو عن نفسه- بعثته قريش ليحسم الأمر مع محمّد، فالتقاه أحد من قومه، وهو نُعيم بن عبد الله النحام (2) من بني عديّ، وكان من عشيرة سيّدنا عمر، فقال له: «يا عمر، إلى أين؟»
__________
(1) ... رواه أحمد عن ابن عمر، باب: ومن مسند بني هاشم مسندُ عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، رقم: 5696. بلفظ: «اللّهمّ أعزّ الإسلام بأحبّ هذين الرجلين إليك بأبي جهل أو بعمر بن الخطاب، فكان أحبّهما إلى الله عمر بن الخطاب».
(2) ... هو نُعَيْم بن عبد الله بن أسيد بن عوف بن عبيد بن عويج بن عدي بن كعب بن لؤي، سُمّي النَّحَّام؛ لأنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «دخلت الجنة فسمعت نحمةً من نعيم فيها» والنَّحْمَةُ السعلةُ، وقيل هي النحنحة الممدودة إلى آخرها. قديمُ الإسلام، يقال إنّه أسلم بعد عشرة أنفس قبل إسلام عمر بن الخطاب، وكان يكتم إسلامه، ومنعه قومه لشرفه فيهم من الهجرة؛ لأنّه كان ينفق على أرامل بني عديّ وأيتامهم ويُمَوِّنهم. كانت هجرته عام خيبر، وقيل بل هاجر أيام الحديبية، وقيل إنه أقام بمكة حتى كان قبل الفتح. واختُلف في وقت وفاته، فقيل: قُتل بأجنادين سنة ثلاث عشرة في آخر خلافة أبي بكر، وقيل قُتل يوم اليرموك شهيدا في رجب سنة خمس عشرة في خلافة عمر. (ابن عبد البر، الاستيعاب في معرفة الأصحاب: ج3، ص1507-1508). (1/74)
صفحة 75
قال عمر: «إني ذاهب إلى هذا الذي بدّل ديننا، وأتانا بدين جديد، سفّه أحلامنا، وأصبح كبراء قريش أمامه مجانينَ لا يعلمون شيئا، وديننا باطل، سأذهب إليه لكي أحسم الأمر معه».
فقال له نعيم -الذي كان مسلما يخفي إسلامه-: «يا عمر، أو تظنّ أنّك إن ذهبت إلى محمّد وفعلت ما ستفعل به، أنّ بني هاشم وبني زهرة قومِ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - سيتركونك تسير على وجه الأرض؟»؛ لأنّ أمّ النبي - صلى الله عليه وسلم - آمنة بنت وهب من بني زهرة؛ فهم أخواله.
ولكنّ عمر أصرّ على فعلها.
فقال له نعيم: «إنّي أحذرك يا عمر، لا تفعل ذلك». ولا زال يصرفه عن ذلك إلى أن قال له عمر: «أراك تدافع عنه وكأنّك قد أسلمت!!، والله إن علمت أنّك قد أسملت لأبدأنّ بك».
هنالك قال له نعيم: «يا عمر، يا ابن الخطّاب، أتذهب إلى محمّد لتقتله وتترك أهلك؟! اذهب إلى بيتك أوّلا، فالإسلام قد غزاك في دارك وأنت لم تشعر!!».
قال عمر: «أوحدث ذلك؟!».
قال: «إي نعم، قد حدث».
قال: «من؟».
قال: «أختك فاطمة بنت الخطاب وسعيد بن زيد ابن عمّك، زوج أختك، مسلمان وهما يقرآن القرآن».
فغضب عمر غضبا شديدا، ورأى بأن يذهب إليهما أوّلا فيسوّيَ الأمرَ معهما.
ولمّا وصل إلى البيت، سمع من وراء [الباب] -مثلما قال- هينمة؛ أي سمع شيئا يُقرأ، فضرب الباب. (1/75)
صفحة 76
قيل: «من؟»
قال: «عمر».
وكانت هناك أخته فاطمة بنت الخطّاب، وسعيد بن زيد زوجها، ومعهما خبّاب بن الأرتّ، وهم لا يستطيعون أن يتركوه خارجا.
خبّاب -رضي الله عنه- من المؤمنين المستضعفين، ومن السابقين الأوّلين إلى الإسلام، وهو قارئ للقرآن الكريم.
وكان النبيّ - صلى الله عليه وسلم - قد سلك طريقة حكيمة مع الضعفاء المسلمين الذين بقوا في مكّة ولم يهاجروا إلى الحبشة، كان يوجّه كلّ واحد منهم إلى بيت مسلم من الأقوياء الذين لا يستطيع كفّار مكّة الوصولَ إليهم، فيضمّه إليه ويأويه، ويقيم معه كأحد أفراد العائلة.
فخبّاب -رضي الله عنه- ألحقه النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بسعيد بن زيد ابن عمّ عمر بن الخطاب وزوج أخته، يُدرّسهم القرآن ويُحفّظهم إيّاه. فكانوا هناك إذن في ثلاثة.
لمّا علموا أنّ الطارق هو عمر؛ خبّأت فاطمة الصحيفة التي كان القرآن مكتوبا فيها، وفتحوا له فدخل وقال لهم: «ماذا كنت أسمع؟».
قالوا له: «لا شيء».
قال لهم: «أخرجوا ما كنتم تقرؤون وما كنت أسمع أو لأفعلنّ». ثمّ ضرب ابن عمّه وزوج أخته سعيدا وألقاه أرضا، فنهضت امرأته فاطمة كي تردّ عنه فضربها وأدماها.
يقول عمر -واصفا المشهد- إنّه لما رأى الدّم في وجه أخته؛ رقّ قلبه، وعندما رأت فاطمة ذلك التأثّر باديا على وجهه؛ تشجّعت وقالت له: «افعل ما بدا لك يا ابن الخطّاب، فقد أسلمنا، لقد شهدنا أن لا إله إلا الله وأن محمّدا رسول الله». وقابلته بشجاعة. (1/76)
صفحة 77
هنالك خرج خبّاب الذي كان مختبئا فقال: «يا عمر، أسلم أحسن لك».
فقال لهم [عمر]: «أعطوني الصحيفة التي كنتم تقرؤون منها». فعمر كان يقرأ ويكتب، ولم يكن أمّيّا.
قالت له أخته: «لا، أنت نجس وهذا كلام طاهر، كلام ربّ العالمين: {لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ} (1) ».
ولكنّه أصرّ عليها ولازمها إلى أن أعطتها إيّاه.
بعض الروايات تقول إنّه اغتسل، ولكن بعضها لم تذكر ذلك، ويبدو أنّه ليس وقت الاغتسال؛ لأنّ عمر أسلم بعد أن قرأ الصحيفة وليس قبلها.
أعطته أخته الصحيفة، وكان مكتوبا فيها جزء من سورة طه من أوّلها، والقرآن كلّه بليغ حلو، خاصّة بعض السور عجيبة حقّا، منها سورة طه، مع الجرس الموسيقيّ الموجود في هذه الألف الليّنة: {طه مَآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لِتَشْقَىآ إِلاَّ تَذْكِرَةً لِّمَنْ يَّخْشَىا تَنزِيلاً مِّمَّنْ خَلَقَ الاَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىا...}، فقرأها عمر.
وفي رواية أنّه وجد سورة أخرى أيضا، هي أوائل سورة الحديد.
قرأ عمر الصحيفة فشرح الله صدره للإسلام في ذلك الوقت، فشهد شهادة الإسلام، وكبرّ الثلاثة، سعيد بن زيد، وخبّاب بن الأرتّ، وفاطمة بنت الخطّاب.
فقال لهم: «أين هو محمّد؟ أريد أن أذهب إليه».
فقالوا له: «في دار الأرقم».
فتوجّه إليه.
__________
(1) ... سورة الواقعة: الآية 79. (1/77)
صفحة 78
[أسلِم يا ابن الخطّاب] :
أسلِم يا ابن الخطّاب
وهناك كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - مجتمعا مع أصحابه، ومعهم حمزة الذي أسلم منذ ثلاثة أيّام.
وكان الباب مغلقا فقرعه، فنادوا: «من؟»
قال: «ابن الخطّاب».
ابن الخطّاب يعرفونه شديدا، وقد رأوا بالأمس القريب فقط كيف كان يمكر بالمسلمين.
فقال لهم النبيّ - صلى الله عليه وسلم - : «افتحوا له، فإن جاء إلى خير فمرحبا به، وإن جاء إلى شرّ قتلناه بسيفه».
لأنّهم رأوه من خَصاص الباب (1) مسلَّحا.
فتحوا له الباب، وجاء اثنان من الصحابة فأخذاه، واحد من الجهة اليمنى والآخر من الجهة اليسرى احتياطا، فمن يدري لعلّه يهجم على النبيّ - صلى الله عليه وسلم - .
وكان النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بعيدا منه جالسا في حجرة فقام إليه وجاءه، والصحابة ينظرون، فأخذه ولبّبه (2) ؛ أي أخذه في مجمع قميصه في صدره، وهزّه هزّا شديدا وجذبه جذبة قويّة، ثمّ قال له: «أسلم يا عمر يا ابن الخطّاب، والله إنّي أراك لا تنتهي حتى ينزل الله بك صاعقة». وفي رواية: «ما أنزلَ بالوليد بن المغيرة».
ويلك يا ابن الخطّاب، ألا تترك ضلالك حتى تنزل عليك صاعقة من السماء؟!
فنطق بكلمة الشهادة، فكبّر القوم، وكان عددهم قرابة الأربعين.
__________
(1) ... فُرجة الباب. (ابن منظور، لسان العرب: ج 7، ص 24، مادة: خصص).
(2) ... يقال لبّبتُه أخذتُ بتَلْبيبه وتلابيبه: إذا جمعتَ ثيابه عند نحره وصدره ثم جررته. (ابن منظور، لسان العرب: ج1، ص734، مادة: لبب). (1/78)
صفحة 79
كبروا تكبيرة قويّة سمعها أهل مكّة من كلّ جهة.
وهنا نفتح قوسين كي نرتشف من معين سنّة النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وصحابته رضوان الله عليهم، الذين كانوا عندما يُسَرُّون لأمر لا يصفّقون تصفيقا، وإنما يكبّرون تكبيرا.
فينبغي علينا إذا سمعنا أمرا مفرحا، أو وقع شيء يسرّنا، أو بلغنا نبأ جميل، أو نزل في لحظة عمل مؤثر؛ أن نعبّر وقتئذ عن سرورنا وفرحنا بهتافنا: «الله أكبر».
وكذلك صنع النبيّ - صلى الله عليه وسلم - والصحابة رضوان الله عليهم في دار الأرقم بن أبي الأرقم لمّا أسلم عمر، وصنع الثلاثة الأوّلون: فاطمة بنت الخطاب، وزوجها سعيد بن زيد، وخبّاب رضي الله عنهم، فبمجرّد أن نطق عمر بكلمة الشهادة، نادوا: «الله أكبر».
وهكذا دخل عمر في الإسلام، وأيّد الله به الدّين.
[لن نعبد الله سرّا بعد اليوم] :
لن نعبد الله سرّا بعد اليوم
في تلك اللحظة قال عمر: «لن نعبد الله سرّا بعد اليوم».
يقول ابن مسعود رضي الله عنه -وهو من السابقين الأوّلين إلى الإسلام-متحدّثا عن عمر: «لم يكن يستطيع أحد منّا أن يصلّي في الكعبة، بل كنّا نصلّي مختبئين، حتّى أسلم عمرُ، فردّ علينا، فصرنا نصلي جهارا».
ويقول عنه كذلك: «كان إسلام عمر نصرا، وكانت هجرته فتحا، وكانت إمارته رحمة».
كانت كلّ أطوار حياة عمر في الإسلام نصرا للمسلمين.
وماذا كان من أمر عمر بعد ذلك؟
[صبأ عمر!!] :
صبأ عمر!!
قال في نفسه: «لقد كنت بالأمس أضرّ المسلمين، ستّ سنوات وأنا أؤذيهم (1) ،
__________
(1) ... «فهو أسلم في ذي الحجة من العام السادس للبعثة، ولنا وقفة مع هذا التاريخ فيما بعد». (من كلام الشيخ). (1/79)
صفحة 80
ضربت وجرحت وفعلت كلَّ ما يخطر ببالي، واللهِ لا يتمّ إسلامي إلا إذا أُصبت وضُربت وجُرحت واحتُقرت وابتُليت بمثل ما ابتُلوا به.
أبمجرّد أن أسلم أذهب وأبقى هكذا سليما صحيحا معافى؟؟ هذا لا يصحّ، ولا ينبغي أن يكون.
ما مررت بشارع إلا ووجدت شخصا مضروبا...
يوجد في جميع أزقّة مكّة وشوارعها من يُعذَّب، إمّا جارية أو عبد يضربه سيده، أو مستضعَف مربوط...
أذهب مع هذا الشارع فأرى وأجد، وأذهب مع الشارع الآخر فأرى وأجد كذلك، فحيثما ذهبتُ وجدتُ من يعذََّب...
أريد أن يصيبني ما أصابهم، إذا أردت أن أعرف أنّ الله قد قبل إسلامي، يجب أن أُصاب بمثل ما أُصيبوا به، يجب أن أُقهر مثلما كنت أقهر الآخرين... »
فماذا صنع؟
يواصل عمر كلامه متحدثا عن نفسه: «ثمّ ذهبت إلى خالي أبي جهل».
تقول رواية بأنّ أمّ سيّدنا عمر هي أخت أبي جهل، فهو خاله مباشرة، وقيل إنّما هي ابنة عمّه، فهو منهم؛ أي من عائلتهم، فأصبح يناديه عمر: «يا خالي»
أمّ عمر من بني مخزوم قطعا، وإنّما اختُلف هل هي أخت أبي جهل مباشرة، أم العلاقة بينهما مجرّد انتماء إلى القبيلة؟ هنا اختلفت الروايات.
وعلى كلّ حال فأهل أمِّ أيّ شخص يسمَّون بالأخوال.
وهنا كذلك نستفيد فائدة، فكلّ أعمالنا التي نعملها عن طريق العادة والتقليد إن وجدنا لها أصلا في الشريعة، فإنّه يكون لنا ضوءا جليّا ونبراسا سنيّا نتمسّك به.
ما معنى هذا؟ (1/80)
صفحة 81
إذا كانت أمّ شخص من عشيرةٍ، وهو من عشيرة أخرى؛ فإن أفراد عشيرةِ أمّهِ هم أخواله، وعندما يرى أحدا من كبرائهم يقول له: «يا خالي»
وقد يظنّ البعض أنّ هذا من همجيّة الناس، لا أبدا، فالعرب كانوا يُعبّرون بهذا، وأكبر دليل على ما نقول، أنّ أمّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - آمنة بنت وهب بن عبد مناف من بني زهرة وليست هاشميّة، وكان - صلى الله عليه وسلم - يقول لسعد بن أبي وقّاص بطل القادسية (1) إذا رآه: «خالي».
فهذه إذن سنّة النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، عبّر عنها وذكرها، وهي فائدة نستفيدها.
قال عمر: «فذهبت إلى خالي أبي جهل». وأبو جهل كان من كبار قريش كما نعلم.
ذهب إليه يبحث عن بلاءٍ يصيبه، فهو يريد أن يتشاجر معه.
فدقّ عليه الباب، قال أبو جهل: «من؟».
قال: «ابن الخطاب».
فخرج إليه وقال له: «ماذا تريد يا عمر يا ابن الخطاب؟».
قال: «جئت فقط أخبرك أنّي قد أسلمت».
قال: «أوَفعلت؟!»
قال: «إي، نعم».
قال عمر: «فلم يزد على أن أوصد الباب في وجهي مغضبا». فتأسّف عمر أن لم يجد ما يبحث عنه من الضرّ والبلاء.
وكأنّ أبا جهل خافه فأغلق الباب دونه.
__________
(1) ... «أحد السابقين الأوّلين إلى الإسلام، وهو ممّن دخل الشعب، وكان من أعيان قومه -رضي الله عنه-». (من كلام الشيخ). (1/81)
صفحة 82
فذهب إلى آخر من أخواله وهو من كبار قريش أيضا، فلا زال مصرّا ويريد أن يُبتلى.
فدقّ عليه الباب، قال: «من؟»
قال: «ابن الخطاب».
فخرج له كذلك وقال له: «ماذا تريد يا ابن الخطّاب؟».
قال: «جئت أخبرك أنّني أسلمت».
قال له: «كيف تفعل يا ابن الخطّاب؟».
قال: «إي نعم، فعلت». فزاد هذا كلاما وهذا كلاما، ففعل مثل الأوّل، أغلق الباب في وجهه ودخل.
لم يهنأ لعمر بالٌ بعدُ.
إنه يريد أن يؤذى مثلما كان يؤذي.
وأشار إليه أحد من قريش أنِ اذهب وانظر أحدا من الذين ابتلاهم الله بمرض نقل الحديث، فإذا سمع خبرا يشيعه ويذهب به من مكان إلى مكان ويذكره ولا يصبر على كتمه أبدا.
فقال للذي أشار إليه بهذا: «أيّ قريشٍ نقّالٌ للحديث؟».
قال له: «جميل بن معمر، إذا أردت أن تشيع أمرا وتفشيه، فاذهب إليه وقله له في أذنه، وقل له هذا الكلام بيني وبينك فقط، وسترى كيف يشيع وكأنّ النار قد اشتعلت في الهشيم، فلا يصبر أبدا».
وبعض الناس ابتلاهم الله بهذا في كلّ زمان، ولا تخلو قرية من مثل هؤلاء.
ذهب عمر إلى جميل بن معمر فوجده في المسجد، فهمس له في أذنه قائلا: «أخبرك أنّي قد دخلت في الإسلام، وهذا الكلام بيني وبينك فقط»، ولكن ما إن أنهى (1/82)
صفحة 83
سيّدنا عمر كلامه حتّى بدأ جميل ينادي رافعا صوته: «أيها الناس! يا أهل مكّة، أخبركم أنّ عمر قد صبأ (1) ».
فقال له عمر: «كذبتَ، بل أسلمتُ».
فخرج متجوّلا بين الشوارع يخبر الناس، وعمر يتبعه.
وهنا يُحدّث عبد الله بن عمر (2) قائلا: «كنت صغيرا، ولكن في سنّ الإدراك -ربّما في الخامسة أو السادسة من عمره-: وأنا أتبع أبي، وهو يمشي وراءه -أي جميل بن معمر-، [و] كلّما وجد جماعة يقول لهم: إنّ عمر قد صبأ. فيقول له عمر: لا، كذبتَ، بل أسلمتُ».
وأخيرا كان لعمر ما أراد.
التقى مع جماعات فبدأ يتشاجر معهم، هو يضربهم وهم يضربونه، وذهب إلى الجماعة التي كانت مجتمعة في المسجد، وعندما نادى جميل بأنّ عمر قد صبأ، لاموه على إسلامه، فقال لهم عمر: «إنّه الحقّ الذي لا مِرية فيه».
فتشاجروا معه.
كان يضرب وهم يضربون، حتى قام العاصي بن وائل السهميّ (3) -عندما رأى الناس قد اجتمعوا على عمر- فصعد فوق جدار الحطيم، وأخذ بطرف ردائه ونادى: «ألا إنّي قد أجرت عمر (4) ».
__________
(1) ... «أي انحرف وزلّ الطريق». (من كلام الشيخ).
... صبأ: خرج من دين إلى دين آخر، وكانت العرب تسمّي النبي - صلى الله عليه وسلم - «الصَّابِئَ»؛ لأنّه خرج من دين قريش إلى الإسلام، ويسمّون من يدخل في الإسلام مَصْبُوًّا. (ابن منظور، لسان العرب: ج 1، ص 107-108، مادة: صَبَأَ).
(2) ... «من فقهاء الصحابة». (من كلام الشيخ). وهو ابن سيّدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنهما.
(3) ... «يعتبر العاص من أخوال عمرَ من جهةٍ باعتبارٍ، وكان مشركا». (من كلام الشيخ).
(4) ... «أي هو تحت حمايتي». (من كلام الشيخ). (1/83)
صفحة 84
والعرب إذا قالوا: «أجرت فلانا»؛ فلا أحد يتجرّأ على المجار أبدا.
فتفرّق الناس عن عمر.
ثم حدّث عمر نفسه قائلا: «أجارني خالي فابتعد الناس عنّي، ولكن ما زلت لم أهنأ بعد، ما زلت أريد أن [أُبتلى] أكثر».
وعاد من الغد، ووجد خاله العاص جالسا، فذهب إليه وقال له: «يا خالي، لقد رددت عليك جوارك، ارفع عنّي حمايتك».
قال له: «يا عمر لا تفعل، اقبل الحماية أحسن لك، فلربّما يضرّونك».
قال: «لا أريدها».
فقال: «شأنك، أنت الذي أبيت».
فنهض ونادى: «يا معشر قريش، لقد رفعت حمايتي التي حميت بها بالأمس عمر».
فوقع الاشتباك من جديد، فأخذ عمر يَضرب ويُضرب، إلى أن غربت الشمس، يوم كامل وهو كذلك، حتى لقي ما تمنّى.
وما هو قصده من هذا؟
قصده أن يصاب ببعض ما كان يصيب [به] المسلمين، وأن يدفع ثمن بعض الذي كان يفعله. وهذا ما ناله يومئذ.
[صحيفة المقاطعة] :
صحيفة المقاطعة
لمّا علمت قريشٌ بإسلام عمر سُقط في يديها، فاجتمع المشركون وقالوا: «إن الذين هربوا من مكّة قد وجدوا مأوى آمنا في الحبشة، وهم عدد كبير، واليوم أسلم حمزة وعمر، فلم يبق لنا شيء، يجب علينا أن ندبّر أمرنا، وإلا أُصِبْنَا. فهل يوجد رأي أو تدبير؟». (1/84)
صفحة 85
ومن هنا يبدأ التفكير في مقاطعة بني هاشم.
قلنا إنّ عمر أسلم في ذي الحجّة (1) ، ولم تكد تأتي ليلة الواحد من محرّم، حتى وقع الاتفاق وكُتبت صحيفة المقاطعة، وبُدئ في تنفيذها ليلة الواحد من محرّم، وهذا حرص غريب من قريش، كلّ هذا لأجل أن تعارض هذا الدين، ولكنّ الله تبارك وتعالى أراد له الظهور.
اجتمع كبراء قريش، وبعد جلسات اتّفقوا على أن يبرموا قطيعة على بني هاشم وبني المطّلب، وجاءوا بأحد الكُتَّاب وكتب الاتّفاق.
قطيعة مع مؤمنهم وكافرهم؛ لأنّه يوجد من بني هاشم وبني المطّلب من أسلم، ويوجد من لم يسلم، ولكنّهم كانوا جميعا يدافعون عن المسلمين، كأبي طالب عمّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - و كان لا يزال حيّا-، حالهم تماما كحال مؤمن آل فرعون (2) الذي قال: {وَإِنْ يَّكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَّكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الذِي يَعِدُكُمُ} (3) .
كان من مشركي بني المطّلب وبني هاشم من يقول: «لماذا تضرّون محمّدا؟!، إنّه يقول أنا نبيّ يأتيني الوحي، يدعوكم إلى شيء، فإن اتّبعتموه فشأنكم، وإن لم تتّبعوه فلم تضرّونه؟! دعوه وشأنه».
وكان أكثرهم حماية له، عمّه أبو طالب (4) .
اتّفقت قريش، وكتبوا العقد المعبَّر عنه في التاريخ بـ: «الصحيفة»، صحيفة
__________
(1) ... «لم يُذكر اليوم بعينه». (من كلام الشيخ).
(2) ... وإن كان ثمّة فرق بين هذا وأولئك؛ فمؤمن آل فرعون آمن ودافع عن موسى - عليه السلام - ، فنفعه إيمانه وإن كان يكتمه تقيّة. أمّا الذين لم يؤمنوا من بني هاشم وبني المطلب ودافعوا عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وعن المؤمنين؛ فلم ينفعهم ذلك شيئا، وأكبر دليل على ذلك عمُّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أبو طالب.
(3) ... سورة غافر: الآية 28.
(4) ... «من بني هاشم، وهاشم هو جدّ النبي - صلى الله عليه وسلم - الأكبر، فهو محمّد بن عبد الله بن عبد المطّلب بن هاشم، وهو الذي تنسب إليه بنو هاشم، يقال هاشميٌّ. وبنو المطلب كذلك». (من كلام الشيخ). (1/85)
صفحة 86
المقاطعة، وفحوى الصحيفة أن يُخرِجوا بني المطلب وبني هاشم من مكّة إلى شِعْبٍ (1) من شعابها.
وقد سمعتم ورأيتم وعلمتم أنّ مكّة محيطة بها الجبال من كلّ جهة وكلّها شعاب، حتى قالوا: «أهل مكّة أدرى بشعابها».
فألجؤوهم إلى شعب يعرف إلى اليوم بشعب بني هاشم، وهو شعب محصور من هنا وهناك.
قالوا: «نتركهم هناك، لا يؤاكَلون، ولا يشارَبون، ولا يناكَحون، ولا يموَّلون أبدا، لا نذهب إليهم ولا يأتون إلينا، لا نخطب منهم ولا يخطبون منّا، لا نبيع لهم ولا نشتري منهم، قطيعة مطلقة تامّة إلى أن يموتوا».
كتبوا هذا العقد وأمضوه، وزيادة على توثيقه؛ كُتب تحت الكعبة، وعُلّق داخلها، وأمضى فيه كبراء قريش، أي أنّ كلّ عرش وكلّ قبيلة تعاهدوا على المقاطعة، ما عدا بني هاشم وبني المطّلب الذين كانوا كلّهم مع النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، إلا أبا لهب الذي كان لا يزال حيّا، لم يدخلوه في الشعب، بل بقي في مكّة؛ لأنّه معهم، وشاركهم في هذا التدبير، تدبير المقاطعة.
وهكذا قاطعوهم، وبقوا هناك ثلاث سنوات.
ووصلوا في هذه الثلاث سنوات إلى حالة من الجوع والشدة غريبةٍ جدّا، لولا أنّ بعض الناس ممّن لهم قلوب تنبض كانوا يمدّونهم ببعض الأشياء سرّا، منهم [هشام بن] (2) عمرو بن ربيعة -وستأتي قصّته في نقض الصحيفة- إذ كان في بعض الأحيان -إذا حلّ الليل- يأخذ جملا فيحمّله بما يجد من الطعام، فيقوده إلى أن يقرب
__________
(1) ... الشُّعَبُ -بضم الشين وفتح العين-: رؤوس الجبال، وقيل ما تفرق من رؤوسها. والشِّعْبُ -بكسر الشين وسكون العين-: ما انفرج بين جبلين. (ابن منظور، لسان العرب: ج1، ص499، مادة: شعب).
(2) ... سيرة ابن هشام: ج2، ص219. (1/86)
صفحة 87
به إلى مدخل الشعبة، فينزع عنه لجامه ويتركه، فيسير وحده إلى أن يدخل على المقاطَعين فيجدون رزقا ساقه الله لهم، فيقتسمونه فيما بينهم، ويصبّرون به أنفسهم.
بقوا ثلاث سنوات وهم في هذه الحالة، وبعض الروايات تقول سنتين، ولكنّ الجمع بينهما سهل؛ لأنّه في غالب الأحيان عندما يُذكر شيء وبعض ذلك الشيء؛ فإن الكسر يُجْبَر، [وقد لا يُجبر].
نقول مثلا: «عامان وثمانية أشهر»، البعض يقولون: «ثلاث سنوات» فيجبرون الكسر، والبعض يتركون ذلك الكسر فيقولون: «سنتان».
يعني قرابة ثلاث سنوات وهم في هذا الشعب مقاطعون مقاطعة تامّة من كلّ جهة.
ولما أراد الله تبارك وتعالى إنجاءهم حدث أمران اثنان:
[نقض الصحيفة] :
نقض الصحيفة
أحدهما أنّ جبريل - عليه السلام - جاء إلى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وأخبره بأنّ العقد الذي كتبه هؤلاء وعلّقوه داخل الكعبة، قد بعث الله إليه الأرَضة (1) فأكلته كلّه ولم تترك منه أيَّ حرف إلا كلمة الجلالة [باسمك اللهمّ]. فالعرب لم يكونوا ينكرون وجود الله، بل كانوا يؤمنون به، ولكنّهم يجعلون له أندادا، فكانوا يكتبون على كتبهم وعقودهم «باسمك اللهمّ».
أخبر النبيّ - صلى الله عليه وسلم - عمّه أبا طالب بذلك، فذهب إلى بعض كبراء قريش وأخبرهم بما حدّثه به ابن أخيه، وقال لهم: «نذهب فنأخذ هذا العقد، فإن وجدناه مثلما أخبرنا
__________
(1) ... الأَرَضَةُ ضرْبان: ضَرْبٌ صغار مثل كبار الذَّر وهي آفة الخشب خاصّة، وضربٌ مثل كبار النمل ذوات أجنحة وهي آفّة كلّ شيء من خشب ونبات. (ابن منظور، لسان العرب: ج 7، ص111، مادة: أَرَضَ). (1/87)
صفحة 88
فهذا أمر، والله حكم حكما، ترفعون عنه هذه المقاطعة، وإن وجدتموه كاذبا أنا آتيكم به اقتلوه أو افعلوه به ما تريدون». ومحمّد - صلى الله عليه وسلم - لا يكذب أبدا، وأبو طالب متيقِّنٌ ويعلمُ ذلك جيدا.
هذا من جهة.
ومن جهة أخرى -و بينما هذه المعجزة تجري- إذا ببعضٍ من كبراء قريش الذين شاركوا في هذا الأمر -أمر المقاطعة- وهم غير راضين في قرارة أنفسهم، يحدّثون أنفسهم دائما قائلين: «هذا ليس حقّا، أنأكل ونشرب ونتمتّع، وبنو هاشم وهم الأصل والأوائل من أصحاب مكّة مقاطعون نسمع بكاء أطفالهم من شدة الجوع والحالة التي هم فيها؟!».
وكان عددهم خمسة، منهم هشام بن عمرو بن ربيعة، هذا الذي ذكرت أنّه كان كلّما وجد فرصة، يُحمِّل جملا بالطعام، وينتظر ساعة من ساعات الليل، فيبعثه إلى المقاطَعين في الشعب.
في يوم من الأيامٍ ذهب هشام -وهذا أوّل من سعى إلى نقض الصحيفة- إلى زهير بن عمرو (1) ، فقال له: «يا زهير، أيطاوعك قلبك على الحالة التي نحن فيها؟! نأكل ونشرب وننكح النساء ونتمتّع، وبنو هاشم وبنو المطلب بطنان من بطون قريش يموتون جوعا وسط الجبل؟! هل هذا حقّ؟!».
وحمّسه جيدا.
فقال له زهير: «الحقّ معك، ولكن ماذا أصنع؟ شخص واحد ماذا يفعل؟! ماذا عساي أفعل لوحدي وقريش كلّها متفقة؟!»
قال له: «معك آخر».
قال له: «ومن هو؟».
__________
(1) ... بل هو: زهير بن أبي أمية. (انظر: سيرة ابن هشام: ج2، ص219). (1/88)
صفحة 89
قال: «أنا».
قال: «ابغنا ثالثا».
قال له: «موجود».
فذهب إلى المطعم بن عديّ.
فكلّمه كذلك وحمّسه قائلا: «إلى متى هذا الظلم؟! في سبيل ماذا يموت هؤلاء جوعا وعطشا؟!».
فقال له المطعم بن عديّ مثلما قال الأوّل: «ماذا أفعل؟! رجل واحد ماذا يفعل؟!».
قال له: «معك آخر».
قال: «ومن هو؟»
قال: «زهير بن عمرو».
قال: «أضف لنا رابعا».
وذهب إلى أبي البُحْتُرِيّ [بن هشام] (1) .
فالتقوا ومشوا على هذه الطريقة. واجتمعوا الخمسة (2) ليلا في الحَجون (3) ، فقال
__________
(1) ... سيرة ابن هشام: ج2، ص220. ورُويت كذلك: البختري -بالخاء-.
(2) ... ذكر الشيخ -رحمه الله- أسماء أربعة منهم ولم يذكر الخامس، وهو: زَمْعَةُ بن الأسود بن المطّلب بن أسد. (سيرة ابن هشام: ج2، ص220).
(3) ... «والحَجون مكان معروف في مكّة، مثلما ذكره الشاعر [عمرو بن الحارث بن مُضاض الجُرْهميّ] :
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصّفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامرُ
... و هذا المكان معروف إلى اليوم بالحِجْرِ». (من كلام الشيخ).
... الحَجُونُ: جبلٌ بأعلى مكّة عنده مدافن أهلها. وقال السكريّ: مكانٌ من البيت على ميل ونصف. وقال الأصمعيّ: الحَجون هو الجبل المشرف الذي بحُذاء مسجد البيعة على شعب الخزّارين. (ياقوت الحموي، معجم البلدان: ج 2، ص225). (1/89)
صفحة 90
لهم زهير: «غدا عندما تجتمع قريش في الحطيم مثلما يجتمعون دائما، سأبدأ الكلام وأنتم أعينوني».
فاتفقوا.
[هذا أمر دُبّر بليل!!] :
هذا أمر دُبّر بليل!!
و[في الغد] وبينما [كان] كبراء قريش مجتمعين كعادتهم، نهض زهير وقال: «يا أهل مكّة، أيرضيكم، أترضى قلوبكم أن يموت عرشان كاملان؟!
هذا ليس عدلا...
يجب أن يُفَكَّ عنهم الحصار...
والله لتُنقَضَنَّ الصحيفة...
يجب أن نأخذ عقد المقاطعة ونقطّعه الآن... ».
وتكلّم كلاما جميلا.
فقال له أبو جهل: «كذبتَ، والله لا تنقض».
فنهض الآخر من هنا والآخر من هنا، وكلّهم ناصرَ الأول.
فقال أبو جهل: «هذا أمرٌ قضي بليل»، هذا الأمر ليس بنت هذه الساعة، إنّما عُقد ورُبط بليل، واتُّفق فيه في غير هذا المكان.
وكذلك كان.
ولكنّ الخمسة لم يسكتوا، بل ردّوا عليه.
ولقد نظم البوصيريّ هذا في همزيّته فقال (1) :
__________
(1) ... البوصيري. القصائد البصيرية في مدح خير البرية: ص 12. ويقول بعد هذه الأبيات:
... ... ... أذْكرَتنا بأكلها أكلَ مِنْسا ... ... ةِ سليمانَ الأَرْضَةُ الخرْساء
... ... ... وبها أَخبر النبيُّ، وكم أَخْـ ... ... ـرج خَبًّا له الغُيوبُ خِباء (1/90)
صفحة 91
يا لأَمر أتاه بعد هشام ... زَمعةٌ إنه الفتى الأتَّاء
وزهير والمطعم بن عدي ... وأبو البحتريِّ من حيث شاءوا
نقضوا مُبْرَم الصّحيفة إذ شَـ ... دّت عليهم من العِدى الأنْداء
ومع كلام أبي طالب، بعثوا شخصا ودخل الكعبة لأخذ هذه الصحيفة والتثبّت ممّا أخبرهم به أبو طالب عن ابن أخيه محمّد - صلى الله عليه وسلم - عن جبريل - عليه السلام - عن ربّ العزّة، فوجدوها قد أُكلت وفنيت كلّها، ولم يبق منها أي حرف سوى كلمة: «باسمك اللّهمّ».
فكان هذا من كرامات النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ومعجزاته.
نقض هؤلاء الخمسة صحيفة المقاطعة، وذهبوا بأسلحتهم إلى هذه الشّعب، وقالوا لبني هاشم بمن فيهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأبو طالب: «هيا اخرجوا إلى دياركم آمنين».
فأخرجوهم إلى ديارهم وأملاكهم، وانتهت المقاطعة.
هذه هي قصّة الصحيفة، وهذا ما وقع في هذه الفترة، وهي من الأسباب التي هيّأت للهجرة التي ستأتي فيما بعد.
وفي غضون هذه المدّة، أراد الله تبارك وتعالى أن يأتيَ الأنصار -أهل المدينة- ويبدؤوا بالدخول في الإسلام، بدْءًا بالعقبة الأولى، ثمّ العقبة الثانية، فالعقبة الثالثة.
في العام الأول جاء منهم ستّة، وفي العام الموالي وقت الموسم جاء اثنا عشر، وفي السنة الثالثة جاءوا في ثلاثة وسبعين رجلا وامرأتين.
ولأنّ الاجتماعات كانت تقع في الشعب الذي بجانب جمرة العقبة؛ أصبحت تسمّى بالعقبة الأولى والعقبة الثانية والعقبة الثالثة.
وبعض الروَاة يجعلونها اثنتين، إذ يلغون العقبة الأولى التي فيها الستّة الأوائل. (1/91)
صفحة 92
وأصحاب العقبات هم الذين مهّدوا الطريق لمهاجرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه إلى المدينة أرسالا (1) وأفرادا، بعد أن نشروا الإسلام في المدينة.
وهذا ما سيأتي الحديث عنه في الدرس الآتي إن شاء الله.
رأينا إذن بعض الأحداث التي مهّد الله تعالى بها السبيل لنبيه للهجرة التي ستأتي بعدُ ويُظهِر الله بها الإسلام، وهي من أعظم ما ابتُلي به النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه حتّى نصرهم الله.
وسنرى بعد ذلك كيف ماتت خديجة ومات أبو طالب اللّذَان كانا يدافعان عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، وكيف لحقته الأذيَّة بعد موتهما، ثمّ كانت الهجرة.
هذه هي نهاية الكلام عن هذه المرحلة في هذا الدّرس، والبقية للتّالي والحمد لله ربّ العالمين.
__________
(1) ... أَرْسَالاً: مصدره الرَّسَلُ، الجماعة من كلّ شيء. وفي الحديث: «أنّ الناس دخلوا عليه بعد موته أرسالا يُصَلُّون عليه»؛ أي أفواجا وفرقا متقطّعة، يتلو بعضهم بعضا. (ابن منظور، لسان العرب: ج 11، ص 281، مادة: رَسَلَ). (1/92)
صفحة 93
الدرس الثالث
محتويات الدرس:
محتويات الدرس
? حوصلة ما تقدّم.
? لن يسلم ابن الخطّاب حتى يسلم حماره.
? سنوات المقاطعة في الشعب ونقض الصحيفة.
? كلمة عن أبي طالب وخديجة -رضي الله عنها-.
? موت أبي طالب وخديجة.
? انكشافه - صلى الله عليه وسلم - بعد رحيل أبي طالب وخديجة.
? دعوته - صلى الله عليه وسلم - في الطائف.
? وإذ صرفنا إليك نفرا من الجنّ.
? في جوار المطعم بن عديّ. (1/93)
صفحة 94
صفحة 94 بيضاء (1/94)
صفحة 95
الدرس الثالث (1)
[موضوعه: لا زال الحديث متّصلا حول الظروف والأحداث التي أدّت إلى الهجرة، ففي هذا الدرس موتُ خديجة -رضي الله عنها- زوجِ الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، وموتُ عمّه أبي طالب، وحالتُه - صلى الله عليه وسلم - مع قومه بعدهما، وذهابه إلى الطائف، وشدّة أذى قريش له وللمسلمين].
[حوصلة ما تقدّم] :
حوصلة ما تقدّم
بسم الله الرحمن الرحيم.
لا زلنا نتكلّم عن بعض الأحداث المهمّة التي أدّى تسلسلها إلى الهجرة (2) .
ذكرنا في الدرسين الماضيين حالة النبي - صلى الله عليه وسلم - بمكّة في السنوات الأولى، وما لقيه من معارضة المشركين، ثمّ ما لقيه بعد ذلك من الأذى والضرر له ولبعض أصحابه، وكانوا قلّة؛ فكانت هجرة الحبشة الأولى التي هاجر إليها خمسة عشر فردا، أحد عشر رجلا وأربع نسوة، وهذا في السنة الخامسة من البعثة، وبعد شهور عادوا إلى مكّة، ثمّ كانت الهجرة الثانية في السنة السادسة، والتي ذهب فيها إلى الحبشة مائة شخص وشخصان، ثلاثة وثمانون رجلا وتسع عشرة امرأة.
وذكرنا ما وجده هؤلاء المهاجرون من استقرار وأمن تحت ظلّ الملك العادل النجاشيّ، فتمكنوا من إظهار دينهم، ممّا غاظ قريشا.
__________
(1) ... ألقاه بعد صلاة الجمعة يوم: 17 محرم 1392هـ الموافق لـ 3 مارس 1972م.
(2) ... «بعض الأسباب وليس كلها؛ فلا يكفينا يوم ولا أيام كثيرة لدراسة تاريخ السيرة كلّه، وإنما لَمّا كنا في شهر الهجرة محرم، أول العام القمري الهجري، سنأتي على بعض الأحداث المتّصلِ بعضها ببعض، والتي كان تواليها سببا للهجرة». (من كلام الشيخ). (1/95)
صفحة 96
وذكرنا كذلك أنّ قريشا لمّا اغتاظوا، بعثوا إلى النجاشيّ وطلبوا منه أن يردّ إليهم أولادهم الذين وصفوهم بالسّفهاء، وكان من أمره ما كان؛ إذ وجد النجاشيّ الحقَّ مع هؤلاء المهاجرين، فآواهم وردّ هدايا المشركين التي كانت رشوة.
ثمّ كان إسلام سيّدنا حمزة، وسيّدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنهما.
وهذا بعد الهجرة الثانية.
إسلام حمزة وعمر حيّر المشركين حيرة كبيرة، وقد ذكرنا إسلامهما وبعض ما يتّصل بإسلامهما في الدرس الماضي، أمّا عن شخصيتهما، فلا يوجد أحد -ممّن درس ولو قليلا من التاريخ الإسلاميّ- لا يعرف مكانةَ سيّدنا حمزة -رضي الله عنه- سيّد الشهداء، ولا مقامَ عمر بن الخطّاب الذي لا يزال العالم كلّه شرقا وغربا يلهج بذكره وذكر إيمانه وعدالته وقوّته وبالذي أيّد به الإسلام، وكما قيل فيه: «كان إسلامه نصرة، وهجرته فتحا، وإمارته رحمة».
هذا ما قاله الصحابة فيه -رضي الله عنه- (1) .
[لن يسلم ابن الخطّاب حتى يسلم حماره] :
لن يسلم ابن الخطّاب حتى يسلم حماره
الكلام عن سيّدنا عمر لا يُملّ، ولا بأس أن نذكر نكته في إسلامه، ولو أنّ الكلام قد مرّ على ذلك.
ذكرتْ إحدى الصحابيّات المهاجرات إلى الحبشة الهجرة الثانية أمُّ عبد الله زوجُ عامر بن أبي ربيعة، أنّ عمر مرّ عليها لمّا كانت هي وزوجها يربطان الراحلة ويعدّان الزاد ويستعدان للرحيل (2) ، فقال لها: «أين تريدون؟».
__________
(1) ... هذا الكلام قاله الصحابي عبد الله مسعود -رضي الله عنه-. (سيرة ابن هشام: ج2، ص186).
(2) ... كانت أمّ عبد الله في تلك اللحظة وحدها كما سيأتي في سياق القصة، وإنما يقصد الشيخ من التثنية أنّ الزوجين مسلمان وكلاهما سيرحل. والله أعلم. (1/96)
صفحة 97
قالت: «نذهب فرارا بديننا، فأنتم لم تتركونا نعبد الله، بل ألحقتم بنا الضرر، نريد أن نذهب إلى أرض الله الواسعة حيث نجد الحريّة لإظهار ديننا».
فقال لها عمر -وكان لا يزال مشركا-: «اذهبوا في صحبة الله وحفظه».
ولم يكن زوجها عامر حاضرا وقتئذ.
فلمّا جاء؛ قالت له أمّ عبد الله: «لقد رقّ قلب عمر بن الخطّاب ولان، ويمكن أن يسلم».
فقال لها: ماذا حدث؟
فقالت له مخبرةً إيّاه بما وقع: «لمّا أعلمته أنّنا ذاهبون إلى مكان نستطيع أن نعبد الله فيه أحرارا لأنّكم لم تتركونا بل ظلمتمونا وآذيتمونا، قال لي: اذهبوا صحبكم الله».
قال لها عامر: «أطمعت في إسلام عمر؟!».
قالت له: «نعم، طمعت في إسلامه».
فقال لها: «والله لن يسلم ابن الخطّاب إلا إذا أسلم حمار الخطّاب».
يقول هذا الكلام؛ لأنّهم -أي المسلمون- قد رأوا من عمر خلال السنوات الستّ الماضية شدّةَ تمسُّكٍ بدينه القديم، وإيذاءً للمسلمين.
ولكن ما عند الله ليس كمثل الذي عندهم.
وما قالته أمّ عبد الله كان حقيقة، فقد بدأ قلب عمر يرقّ، كان الله تبارك وتعالى يُلَيِّنُ قلبه للإسلام شيئا فشيئا، حتّى كانت قصّة إسلامه التي مضى ذكرها في الدرس الماضي.
[سنوات المقاطعة في الشعب، ونقض الصحيفة] :
سنوات المقاطعة في الشعب، ونقض الصحيفة
بعد هذه الحوادث: إسلام حمزة وإسلام عمر وهجرة المسلمين إلى الحبشة، أعاد المشركون ترتيب أمورهم؛ إذ وجدوا أنّ هذا الدين لا يزداد إلا ظهورا... (1/97)
صفحة 98
قالوا: بقدر ما نريد أن نقتله، هو يحيى أكثر...
الذين خرجوا من مكّة رجالا ونساء، سيرجعون أقوى ممّا كانوا...
عدد المسلمين في ازدياد...
كلّ ساعة يسلم أحد من أبنائنا...
وثالثة الأثافي إسلامُ حمزة وعمر، فصرنا لا نستطيع ولا نقدر على الذي كنّا نستطيعه ونقدر عليه من قبل...
ولذلك كتبوا الصحيفة، واتّفقوا على المقاطعة الاقتصاديّة حسب تعبير اليوم (1) .
كتب كبراء قريش هذا العقد، ووضعوه في جوف الكعبة، واتّفقوا على مقاطعة بني هاشم وبني المطّلب جميعهم، فأدخلوهم شعب بني هاشم المعروف بشعب أبي طالب، ومكثوا فيها نحو ثلاث سنين، ولم يكونوا كلّهم مسلمين، وإنما فيهم من آمن، وفيهم من لم يؤمن، ولكن عصبيّتهم مع عشيرتهم، منهم أبو طالب عمّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - .
بعد ذلك تحدّثنا عن الكيفيّة التي نُقضت بها صحيفة المقاطعة، وكان نقضها بشيئين:
أوّلا: بقيام بعض الذين ذكرناهم من قبل مِمّن أراد الله بهم خيرا، إذ تناجوا فيما بينهم قائلين: «كيف نأكل ونشرب ونشتري ونبيع، وبنو هاشم وبنو المطّلب بطنان من بطون عبد مناف باقون تحت ملهبة الجوع وحالة من الشدّة، حتّى أكلوا جلود الأنعام الميّتة؟!».
__________
(1) ... «وكما تسمعون في أخبار هذه الأيّام، فالأمم المهيمنة قرّرت مقاطعة اقتصادية للدولة المعروفة الواقعة قرب جنوب إفريقيا ”روديسيا“، فلا أحد يبيع لهم، ولا يشتري منهم، ولا يؤاكلهم، ولا يشاربهم، مقاطعة من كلّ المعاملات. إذن فالمقاطعة الاقتصاديّة أمر قديم». (من كلام الشيخ). -يراعى في هذا تاريخ إلقاء الدرس-. (1/98)
صفحة 99
هذا هو الأمر الأوّل الذي نُقضت به صحيفة المقاطعة، وقبل أن نذكر الأمر الثاني، لا بأس أن نقصّ حادثةً رواها سعد بن أبي وقّاص -رضي الله عنه- تعطينا -لوحدها- حالة الجوع والعطش التي وصل إليها المقاطعون وهم في الشعب.
ما هي هذه الحادثة التي رواها سعد بن أبي وقّاص؟
قال: «خرجت في إحدى الليالي لأتبوّل، فبعّدت قليلا من الشعب التي نحن فيها، وكان الظلام سائدا، فلمّا كنت أبول سمعت قعقعة تحت البول، فلمّا قضيت حاجتي أخذت هذا الشيء لأرى ما هو، فوجدته قطعة من جلد بعير، فأخذتها وغسلتها جيدا، ونشّفتها، ثمّ أحرقتها، ودققتها، وشربتها على الماء، ومكثت عليها ثلاث ليالي».
ثلاثة أيّام وقوته هذه القطعة التي أحرقها وشرب عليها الماء، طبعا كان فيها بقيّة من الغذاء؛ لأنّها جلد حيوان.
هذه رواية عن سعد -رضي الله عنه-، أحد الأصحاب العشرة، روى هذه القصّة التي بها فقط -فضلا عن غيرها من القصص الأخرى- نتبيّن حالة الشدّة التي وصل إليها أصحاب الشعب الذين قوطعوا.
وأمّا الأمر الثاني الذي نُقضت به الصحيفة، فهو الخبر الذي جاء به جبريل - عليه السلام - إلى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، حيث قال له: «أخبر المشركين بأنّ العقد الذي كتبوه وعلّقوه في جوف الكعبة، قد بعث الله عليه الأرَضة (1) فأكلته كلّه ولم تُبقِ منه إلا كلمة: «باسمك اللّهمّ».
ولم يكن المشركون من قبْلُ يعرفون: «بسم الله الرحمن الرحيم»، فهذا شيء جاء به الإسلام (2) ، ولكنّهم كانوا يبدؤون كتبهم من قبلُ بـ: «باسمك اللهم»، ويقصدون الله تبارك وتعالى.
__________
(1) ... «ليست أرضة الثياب، ولكنه نوع آخر معروف موجود في كثير من البلاد». (من كلام الشيخ). انظر تعريفها في الدرس الثاني من هذه السلسلة.
(2) ... ولعلّ أصدق دليل على هذا قوله تعالى في سورة الفرقان: الآية 60: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُواْ لِلرَّحْمَنِ قَالُواْ وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَامُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا}. (1/99)
صفحة 100
أخبر النبيّ - صلى الله عليه وسلم - عمَّه أبا طالب بما قاله له جبريل، وقام أبو طالب فأخبر المشركين بما أعلمه به ابن أخيه، وقال لهم: «بهذا أخبرني ابن أخي، وهو صدوق لا يكذب، اذهبوا وانظروا، فإن وجدتم صحيفتكم سليمة فأنتم على حقّ وهو على باطل، وسأعطيه لكم تفعلون به ما تشاءون، وإن وجدتموه صادقا فاعلموا أنّكم أنتم الظالمون».
[فذهبوا ووجدوا ما قاله النبي - صلى الله عليه وسلم - حقّا]، وأخيرا خرجوا من الشعب.
[كلمة عن أبي طالب وخديجة -رضي الله عنها-] :
كلمة عن أبي طالب وخديجة رضي الله عنها
في الوقت الذي كان بنو هاشم وبنو المطّلب في الشعب وإلى خروجهم، كان لا يزال أبو طالب حيًّا، وخديجةُ رضي الله عنها كذلك.
ومن المعلوم -لدى كلِّ من قرأ السيرة- أنّ أبا طالب هو والد الإمام عليّ، وعمُّ النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وهو الذي ربّاه وكفله بعد جدّه عبد المطّلب، وهو الذي كان يحميه.
ويُعتبر أبو طالب سيّد البطحاء، ولو أنّ أبا جهل المخزوميّ والوليد بن المغيرة وغيرهما من كبار قريش كانوا موجودين، إلا أنّ أبا طالب يعتبر سيّد البطحاء، بحيث لا يستطيع أحد أن يتجرّأ عليه؛ ولذلك حمى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ، وكان يقول له: «أمّا أنْ أؤمن بك واتّبعَك على دينك فلا، ولكن ادع لِمَا أمرك الله، ولن يستطيع أحد أن يصل إليك ما دمتُ على قيد الحياة».
ولهذا لم يمَسَّ أحدٌ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - بأذى، اللّهمّ إلا إذا كان شيئا ممّا لا يمكن تتبّعه، مثل أن يمرّ به شخص فيسبّه بكلمة، لكن أن يُضرب ويُطرد ويُجوَّع مثل باقي المسلمين، فإنّه لم ينله - صلى الله عليه وسلم - شيء من هذا.
وكذلك الحامي الثاني خديجةُ -رضي الله عنها-، كانت سيّدةً من سيّدات قريش جمالا ومالا وعقلا ومقاما في قومها، وهذا من المعروف، فما كان الله ليختار لنبيّه - صلى الله عليه وسلم - أوّل زوجة (1/100)
صفحة 101
تلد له وتحميه، إلا واحدةً مثل هذه (1) .
وفضائل خديجة لا تُحصى، فمن أيّ جهة جئتها وجدتها سيِّدةً، لذلك احتُرم النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - من جهة أصهاره، أهلِ خديجة كذلك، فأصبح في حماية الله تبارك وتعالى الذي سخّر له عمّه وزوجه اللّذَين ردَّا عنه [كيد الكفار] ردًّا كبيرا.
هناك رواية لا أعلم مبلغها من الصحّة، وعلى كلّ حال هي روايات في تاريخ السيرة.
مفادُ هذه الرواية، أنّ أبانا آدمَ - عليه السلام - قال: «أنا سيّد البشر، إلاّ ابنا من أبنائي فضّله الله بشيئين:
أوّلا: أعطاه امرأة كانت عونا له، وأنا أعطاني امرأة تعين عليَّ».
يشير إلى أمّنا حوّاء لما كان الشيطان يوسوس له ليأكل من الشّجرة فلم يغلبه، فدخل من جهة المرأة فتعاونت معه، الشيطان من جهة وحوّاء من جهة، فغلبته.
فلا عجب إذن إذا غلبتنا نساؤنا؛ لأنّ أبانا آدم قبلنا [قد غلبته زوجه].
أمّا الثانية، قال آدم: «ابني هذا أعانه الله على شيطانه فأسلم، وأنا شيطاني لم يسلم، بل بقي مصرّا على كفره» (2) .
__________
(1) ... قد يكون هذا استنباطا لعبرة من شيء قد حدث، وإلا فإنه لا يمنع -تبعا لسنن الابتلاء- أن تكون غير خديجة زوجًا للنبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقد ابتُلي قبله أخواه نوح ولوط بامرأتين كافرتين. قال تعالى في سورة التحريم: الآية 10: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلاَ النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ}.
(2) ... ورد في الذرية الطاهرة للدولابي عن عبد الرحمن بن زيد بلفظ: «قال آدم - عليه السلام - : إنّي لسيّد البشر يوم القيامة إلا رجلا من ذرّيتي نبيّ من الأنبياء يقال له: أحمد فضل علي باثنتين: زوجته عاونته فكانت له عونا وكانت زوجتي كونا وعونا، وأنّ الله أعانه على شيطانه فأسلم وكفر شيطاني». قال المحقق: «إسناده معضل ضعيف، وهذا مع إعضاله فيه عبد الرحمن بن زيد وهو ابن أسلم ضعيف كما في التقريب [تقريب التهذيب، ابن حجر العسقلاني: رقم الترجمة: 3890، ص578]». (الدولالبي، الذرية الطاهرة، باب: ذكر إسلام خديجة -رضي الله عنها-، رقم: 27، ص38). هذا بالإضافة إلى أنه مناقض لصريح القرآن. (1/101)
صفحة 102
فالشاهد إذن في خديجة، قال: «كانت عونا له».
فهي أوّل من أسلم، وكانت عونا له إذ ردّت عنه وحمته بمالها، وشرفها، وعقلها، وذكائها، وكانت غنيّة ذات مال تجهّز القوافل للتجارة إلى الشام، وقد ذهب النبيّ - صلى الله عليه وسلم - في تجارتها قبل البعثة [وقبل زواجه بها].
فكان إذن خروج النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وأبو طالب وخديجة وكلّ من كان في الشعب، فخالطوا الناس وعادوا كما كانوا من قبل.
فماذا كان بعد هذا؟.
[موت أبي طالب وخديجة] :
موت أبي طالب وخديجة
بعد خروجهم من الشعب بثمانية أشهر وواحد وعشرين يوما، يموت أبو طالب وتموت خديجة في وقت متقارب، بينهما أيّام قليلة، واختلفت الروايات فيمن مات الأوّل.
أقلّ ما قيل بين موتهما ثلاثة أيّام، وأكثر ما قيل شهر وخمسة أيّام تقريبا. ولم يكن التاريخ في ذلك الوقت يُضبط تماما باليوم، وإنّما أجمع الرواة على أن اللّذين كانا يحميان النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، أبا طالب وخديجةَ، ماتا في وقت متقارب.
حينذاك اشتدَّ أذى قريش بالنبيّ - صلى الله عليه وسلم - .
أمّا عن قصّة وفاة أبي طالب، فإنّه لمّا مرض واشتدّ به المرض، خافت قريش عليه وظنّوا أنّ هذا هو المرض الذي سيقضي عليه، وبالفعل كان.
فذهبت إليه جماعة من أشرافهم وعلى رأسهم أبو جهل والوليد ليزوروه، فقالوا له: «يا أبا طالب، قد نزل بك ما ترى، وإنّا نخاف عليك، فربّما تكون هي الموت، وإنّك تعلم ما بيننا وبين ابن أخيك، فادعه وخذ له منّا، وخذ لنا منه، ولْيكُفَّ عنّا، ولْنَكُفَّ عنه، ولْيدعنا وديننا، ولْندعه ودينه». (1/102)
صفحة 103
يعني أنّهم دعوا -مثل ما يُعبر عنه اليوم في قضيّة فلسطين وغيرها- إلى حلّ سلميّ (1) .
قالوا له اجعل بيننا تسوية، فلربّما هي آخر حياتك وقد تموت...
أنت تعرف العداوة التي بيننا وبين ابن أخيك...
ناده فخذ له منّا، وخذ لنا منه...
ليشترط علينا، ولنشترط عليه...
لنعطيه من جهتنا ما يريد، وليعطينا ما نريد...
ليكفّ عنا، ولنكفّ عنه...
هو لا يضرّنا، ونحن لا نضرّه...
ليتركنا على ديننا، ولنتركه على دينه...
هو لا يتعرّض لنا بسوء، ونحن لا نتعرّض له بسوء ولا لأصحابه...
وكلُّ هذا الكلام الطويل، ملخَّصُ في هذه العبارات: «ادعه، وخذ لنا منه وخذ له منا، وليكفَّ عنا ولنكفَّ عنه، وليدعنا وديننا، ولندعه ودينه».
فانظروا إلى العبارات العربيّة البليغة.
دعا أبو طالب النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - الذي كان يتفقَّده ويزوره من وقت إلى آخر فقال له: «هذه مكّة كلّها هنا، وهؤلاء هم أشراف قومك قد جمعوا لك وأتوا لكي تأخذ منهم ويأخذوا منك (2) ، فيُسوّى الأمر بينكم».
__________
(1) ... من السبعينيات -بل وربّما من قبل- واليهود تَعِدُ بحلٍّ سلميّ في قضية فلسطين، ونحن الآن في القرن الحادي والعشرين، وما زلنا نعيش هذا السراب، فمتى نعتبر ونعلم أنّ ما أُخذ بالسيف لا يُردّ إلا بالسيف، ومتى نضع قوله تعالى: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلِذِينَ ءَامَنُواْ الْيَهُودَ وَالذِينَ أَشْرَكُواْ} [سورة المائدة: الآية 82] وقوله: {وَلَن تَرْضَىا عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّىا تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} [سورة البقرة: الآية 120] دستورا في معاملاتنا مع المعتدين؟!.
(2) ... «عبارات مقصوصة غريبة». (من كلام الشيخ). (1/103)
صفحة 104
فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لهم: «كلمة واحدة تقولونها، تملكون بها العرب وتَدِينُ لكم بها العجم».
قال له أبو جهل: «نعم وأبيكَ، وعشرَ كلمات».
يعني وحقِّ أبيك، بل نعطيك عشر كلمات، وليس كلمة واحدة فقط.
فقال لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - : «تقولون لا إله إلاّ الله، وتخلعون ما تعبدونه من دونه».
وما إن نطق النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بهذا حتّى صفّق القوم ونادوا: «أتجعل الآلهة إلها واحدا؟! وتردّ الأخرى؟!».
فقاموا وقد قال بعضهم لبعض: «أيأمرنا أن ندع كلّ الآلهة ونترك واحدا؟! إنّ أمره لعجب!!، قوموا، فوالله ما هذا الرجل بمعطيكم شيئا ممّا تريدون، انطلقوا وانصروا دينكم حتى يحكم الله بيننا».
فنهضوا وخرجوا كلّهم.
وفي هذا نزلت الآيات التي في أوائل سورة ص، وفيها تصوير بارع وبديع [لهذا المشهد]، ولا عجب، فهي وصف من الله تعالى لحالتهم وقتئذ: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ صَ وَالْقُرْءَانِ ذِي الذِّكْرِ بَلِ الذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ كَمَ اَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ فَنَادَوْا وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ وَعَجِبُوا أَن جَآءَهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ اَجَعَلَ الاَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا اِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ وَانطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمُ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَىآ ءَالِهَتِكُمُ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الاَخِرَةِ إِنْ هَذَآ إِلاَّ اخْتِلاَقٌ} (1) .
{فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ} أي هم منتفخون وشامِخو أُنوفهم يريدون المشاقّة، ولا يريدون أن يرضخوا، ولا أن يحنوا رؤوسهم.
__________
(1) ... سورة ص: الآيات 1-7. (1/104)
صفحة 105
ثمّ يصف حالتهم كيف نهضوا بكيفيّة من الغضب والسخط: {وَانطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُم} وقد قالوا من قبل: {اَجَعَلَ الاَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا اِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} ويصفهم تعالى كيف قال بعضهم لبعض: {أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَىآ ءَالِهَتِكُم} وهنا التصوير الفنّي البديع لحالة قوم كانوا جالسين وهادئين لا بأس عليهم، وبمجرّد أن سمعوا هذه الكلمة؛ نهضوا كلّهم مهتاجين غِضَابًا بكيفيّة عبّر عنها القرآن الكريم بقوله: {وَانطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُم} يعني نهضوا مستعجلين يقول بعضهم لبعض: {أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَىآ ءَالِهَتِكُم} هيّا فليس في هذا خير يُرتجى، ولن يوافقنا في شيء، تمسّكوا بدينكم، واصبروا على آلهتكم: {إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ} يعني أنّ هذا الأمر له ما بعده، والنكرة هنا للتعظيم؛ أي أنّ هذا يقصدنا لأمر عظيم جدا، يريد أن يفرّق جمعنا، ويشتّت شملنا، ويتحكّم في ديننا، وينزع منّا سلطتنا، كلّ هذا داخل في قوله: {إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ}.
ذلك هو معنى أوائل سورة ص.
بعد أن خرج القوم من بيت أبي طالب -وكان النبيّ - صلى الله عليه وسلم - هناك والعبّاسَ بن عبد المطلب- قال أبو طالب للنبيّ - صلى الله عليه وسلم - : «والله ما رأيتُك سألتَهم شططا (1) ، وما رأيتُك سألتَ محالا».
بهذه الكلمة طمع النبيّ - صلى الله عليه وسلم - في إيمان عمّه أبي طالب، وقد كان دائما حريصا على ذلك، كان يحبّه جدّا؛لأنّه هو الذي ربّاه، فقال له: «يا عمّي، فقلها أنت أستحلّ لك بها الشفاعة يوم القيامة، قل لا إله إلا الله».
ولماذا قال أستحلُّ؟
__________
(1) ... «الشَّطَطُ هو تجاوز الحدّ. مثلا تريد أن تشتري شيئا ثمنه عشرة، فيقال لك: عشرون، فتقول للبائع: لقد اشْتَطتَّ في الطلب؛ [أي] طلبت شططا، وتجاوزت الحدود». (من كلام الشيخ). (انظر: الفراهيدي، العين: ج2، ص332، مادة: شَطط). (1/105)
صفحة 106
ذلك لأنّ الشفاعة للكافر محرّمة: {وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ اِرْتَضَىا} (1) ، {مَا كَانَ لِلنَّبِيءِ وَالذِينَ ءَامَنُوا أَنْ يَّسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَىا مِنم بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ أَنَّهُمُ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِّلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ} (2) ولكي يطلب الشفاعة لمشرك؛ حرام، ولهذا وعبّر النبي - صلى الله عليه وسلم - بهذا التعبير الذي يدلّ على معنى جميل ورائع، قال له: «يا عمّ، قل أنت هذه الكلمة، أستحلّ لك بها الشفاعة يوم القيامة». ولو قالها في آخر لحظة.
قال له أبو طالب: «والله لولا خوف السّبة لك ولبني أخيك، ولولا الخشية أن يبقى عارا لك ولبني أبيك والعائلة، ولولا الخوف أن يبقى الكلام من بعدي أنّ أبا طالب خاف من الموت فقال تلك الكلمة؛ لقلتها، ولا أقولها إلا لأسرّك بها». لأنّه من العيب عند هؤلاء الصناديد أن يقول أحد منهم: «أخاف من الموت».
وجاء في أبيات تُروى عن أبي طالب:
لولا الملامة أوحِذارُ مَسَبّةٍ ... لوجدتني سمحا بذاك مبينا (3)
ظلّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - يعيد ويكرّر: «يا عمّ، لعلّك أن تقول هذه الكلمة».
في لحظة من اللحظات رأى العبّاس والنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - شفتي أبي طالب تتحرّكان، فقال العباس -على أنّه لم يسلم هو كذلك بعدُ-: «يا ابن أخي، إنّ أخي قد قال
__________
(1) ... سورة الأنبياء: الآية 28.
(2) ... سورة التوبة: الآيتان 113- 114.
(3) ... وممّا قال أيضا: ... حتى أُوسَّد في التراب دفينا
0@والله لن يَصلوا إليك بجَمعهم ... أبشر وقرَّ بذاك منك عيونا
فامضِ لأمرك ما عليك غضاضة ... فلقد صدقت وكنتَ ثَمَّ أمينا
ودعوتني وعلمتُ أنّك ناصحي ... من خير أديان البرية دينا
وعرضتَ دينا قد عرفتُ بأنه ... لوجدتني سمحا بذاك مبينا
لولا الملامة أو حِذارُ مَسَبَّةٍ
... (سيرة ابن كثير: ج1، ص 464. والأزهري، تهذيب اللغة، ج10، ص111). (1/106)
صفحة 107
الكلمة التي أمرته أن يقولها».
فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «لم أسمع».
ولكن الذي ورد في الأثر والأخبار الصحيحة، أنّ الكلمة الأخيرة التي قالها أبو طالب وسُمعت منه هي: «على دين عبد المطّلب»؛ يعني يموت على دين عبد المطّلب، بدل أن يموت على «لا إله إلا الله».
لم يسلم أبو طالب ومات على دين عبد المطّلب وقومه، بمحضر النبي - صلى الله عليه وسلم - والعباس بن عبد المطلب.
وقيل فيه نزل قوله تعالى: {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنَ اَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَّشَآءُ} (1) وهذا سرّ إلهيّ لا دخل لنا فيه حتى نقول: لماذا وكيف؟.
هذا عن موت أبي طالب.
وأمّا عن موت خديجة -رضي الله عنها- فكان بعد تسع سنوات وثمانية أشهر من البعثة النبويّة -في أصحّ الروايات- وكانت مدّة عشرتها للنبيّ - صلى الله عليه وسلم - خمس عشرة سنة قبل البعثة، وتسع سنوات وثمانية أشهر بعدها؛ أي مدّة أربعة وعشرين عاما وثمانية أشهر.
[انكشافه - صلى الله عليه وسلم - بعد رحيل أبي طالب وخديجة] :
انكشافه صلى الله عليه وسلم بعد رحيل أبي طالب وخديجة
بعد رحيل أبي طالب، وخديجة -رضي الله عنها-، قرّرت قريش أن تتفرّغ لإيذاء النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، فبلغه بعض الأذى، ولكن أراد الله بذلك خيرا.
فهذا أبو لهب الذي لم يدخل الشعبَ مع بني هاشم، رغم أنّه عمّ النبي - صلى الله عليه وسلم - (2) ،
__________
(1) ... سورة القصص: الآية 56.
(2) ... «فالنبيّ - صلى الله عليه وسلم - هو: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب. وأبو لهب هو: عبد العزّى بن عبد المطلب، وكان أبو طالب أخاه الكبير». (من كلام الشيخ). (1/107)
صفحة 108
بل بقي مع المشركين، ووافق على المقاطعة، وكان من قبلُ يؤذي ابن أخيه مع امرأته حمّالة الحطب، لكنْ لمّا مات أبو طالب، فكأنّها تحرّكت الحميّة وقرابة الدمّ في قلبه رغم كفره، فنادى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وقال له: «امض لأمرك، واصنع كلّ ما كنت تصنعه إذْ كان أبو طالب حيًّا، ولن ينالك شيء ما دمت حيًّا».
ومضت على ذلك أيَّام.
وفعلاً [حماه]، فقد جاء أحد فسبَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ونال منه، فردَّ عليه أبو لهب، وعاقبه عقابا لا ندري كيف كان نوعه، وإنّما الروايات تقول: نال منه.
فذهب هذا الذي سبّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ونادى في مجمع قريش: «ألا إنّ [عبدَ] العزّى أبا لهب قد صبأ».
فجاء المشركون أبا لهبٍ وقالوا له: «أصبوت؟! أآمنت؟! هل دخلت في الدين الجديد؟!».
قال: «لا، ولكنّي أمنع ابن أخي، ولا أقبل أن يصيبه أحد بأذى».
قالوا له: «أحسنت وأجْملت ووصلت الرحم».
يعني فعلت جيّدا، وصلت رحمك، ودافعت عن ابن أخيك، وهذا مقبول منك، المهمّ أن لا تكون قد أسلمت.
وفي يوم من الأيّام جاء أبا لهب شيطانان من شياطين قريش، أبو جهل رأس الكفر، وعقبة بن أبي معيط، أشقى القوم كما سمّاه النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وهو الذي أمر بقتله صَبْرا (1) ، وعفا عن كلّ الناس وقتَ الفتح (2) ، ولمّا أخذوه ليقتلوه، قال
__________
(1) ... «يقال: قُتل صبرا للذي لم يُقتل في المعركة، وإنما يؤخذ ويحبس، ثمّ يؤتى به بعد ذلك ليُقتل، وهذا التعبير معروف منذ القديم، وكثيرا ما يحتار الطلبة عندما يجدون هذه اللفظة: ”فلان قُتل صبرا“، فإذا وجدتم هذا في كتاب؛ فاعلموا أنّ معناه كما ذكرنا». (من كلام الشيخ). (انظر: ابن منظور، لسان العرب ج 4، ص 437 والفراهيدي، العين: ج2، ص376، مادة: صَبَرَ).
(2) ... شكّ الشيخ رحمه الله في هذه المعلومة؛ لأنّه قال بعدها: «أظنّ قبل الفتح». وهذا صحيح؛ فعقبة بن أبي معيط -لعنه الله- قُتل صبرا في موضع يسمى بعِرق الظَّبْية -بين مكة والمدينة- بأمر من الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، وهذا لما كانوا قافلين من غزوة بدر إلى المدينة، وقد أسر هذا اللعين في هذه الغزوة. قتَله: عاصم بن ثابت وقيل: علي بن أبي طالب رضي الله عنهما. (سيرة ابن هشام: ج3، ص193-194). (1/108)
صفحة 109
للنبيّ - صلى الله عليه وسلم - : «من للصّبية؟».
فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : «النار».
فألحق أولاده معه.
وهو الذي أخذ سلا الجزور وألقاه على الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهو ساجد، فكان أشقى القوم بحقّ.
ذهب عقبة وأبو جهل إلى أبي لهب فقالا له -يغريانه ليرفع حمايته عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : «أتعرف ما يقول محمّد في مُدْخل عبد المطّلب؟».
قال: «لا».
فذهب فسأل محمّدا - صلى الله عليه وسلم - : «أين مُدخل عبد المطلب؟».
قال له: «مع قومه».
فعاد إليهما أبو لهب وقال: «لقد قال لي إنّه مع قومه».
قالا له: «هو يقول إنّ عبد المطّلب وقومه كلّهم في النار».
فعاد للنبيّ - صلى الله عليه وسلم - وسأله: «أعبد المطّلب في النار؟».
فقال النبيّ - صلى الله عليه وسلم - : «نعم، وكلّ من مات على مثل ما مات عليه عبد المطّلب فهو في النار». (1/109)
صفحة 110
عندئذ قال له أبو لهب: «أعبد المطّلب في النار؟!، والله لن أبرح عدوّا لك ما دمتُ حيّا». ورفع عنه حمايته.
وهذا من إغراء ومكر أبي جهل وعقبة بن أبي معيط.
وما كان النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بحاجة إلى حمايته.
بقي - صلى الله عليه وسلم - بعد عمّه أبي طالب وبعد خديجة -رضي الله عنها- وبعد هذه الأيام مكشوفا، كمن كان في حصن ثم نُزعت الأسوار التي كانت تردّ عنه.
وبعد أن أيس من أهل مكّة، ولم يجد فيهم رجاءً أن يسلموا، بدأ يعرض نفسه على الناس.
فإلى أين ذهب أوّلا؟
[دعوته - صلى الله عليه وسلم - في الطائف] :
دعوته صلى الله عليه وسلم في الطائف
إلى الطائف (1) .
والطائف هو المكانُ نفسه المعروف إلى اليوم بهذا الاسم، قريب من مكّة إذ لا يفصل بينهما إلا تسعون كيلومترا، وهو بلد خصب وخيرات وأجنّة، ويعدّ مصيفا لأهل الحجاز.
و[الطائف] مدينة مهمّة، تسمّى قرية ولكنّها مدينة معتبرة، وهي المرادة بإحدى
__________
(1) ... الطائف: مدينة صغيرة متحضّرة، تقع في الجنوب الغربي من شبه الجزيرة العربية، وتبعد مسافة 130كم عن مكة المكرمة. وهي إحدى القريتين المذكورتين في القرآن. كان اسم الطائف وجّ، سميت بوجّ بن عبد الحيّ من العمالقة، ثمّ سكنتها ثقيف، فبنوا عليها حائطا مطيفا بها؛ فسمّوه الطائف. مياهها عذبة، وهواؤها معتدل صيفا وبارد شتاءً؛ بسبب وقوعها بين مرتفعات جبلية في الغرب والسهل المنبسط في الشمال، وفواكهها كثيرة، وضياعها متصلة، وأكثر فواكه مكّة من الطائف. (انظر: الحميري، الروض المعطار في خبر الأقطار: ص379-380، و: مجموعة من العلماء، الموسوعة العربية الميسرة: مج3، ص1557). (1/110)
صفحة 111
القريتين في قول الله تعالى على لسان الكفّار: {لَوْلاَ نُزِّلَ هَذَا الْقُرْءَانُ عَلَىا رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} (1) قالوا: «لماذا وكيف ينزل القرآن على هذا اليتيم ويترك الصناديد والكبراء؟! لماذا لم ينزل على أحد من [عظيم] القريتين: عظيم مكّة وعظيم الطائف؟!» عظيم مكّة هو أبو الحكم، وكانوا يلقّبونه أبا جهل، وعظيم الطائف هو عروة بن مسعود الثقفي. فالمقصود هنا بالقريتين مكّة والطائف.
أيس النبيّ - صلى الله عليه وسلم - من أهل مكّة، فذهب إلى أهل الطائف، علّه يجد فيهم من يدخل في الإسلام، وينصر دين الله، ويعلي كلمته.
وذهب معه مولاه زيد بن حارثة -رضي الله عنه- (2) ، وقيل: إنّه مكث فيه نحو عشرة أيّام.
فتتبّع كبراء الطائف الذين يظنّ فيهم خيرا، كان يذهب إلى كلٍّ واحد منهم ويعرض عليه الدين ويعرض عليه نصرته ويعده بالخير العميم في الدنيا والآخرة، ولكن لم يؤمن به أحد أبدا، لا رجل ولا امرأة، فإذا كان يوجد من أهل مكّة من دخل في الإسلام؛ فإن الطائف -وبعد عشرة أيّام- لم يؤمن منهم أحد أبدا، بل ردّوه ردّا قبيحا.
والسيرة تذكر كثيرا ممّا أجابه به البعض، فمنهم من يقول له: «ألم يجد الله من يبعث إلا أنت؟! كلّ الرجال انتهوا فلم تبق إلاّ أنت حتى تقول إنّك نبي؟!».
وقال له أحد من هؤلاء: «إذا كنت صادقا وكنت نبيا واللهُ بعثك؛ فأنت في مكان عالٍ لا نستطيع أن نتحدّث معك ولا أن نخاطبك، وإن كنت تكذب على الله؛ فكيف ننزل نحن ونتحدّث مع كذّاب؟!».
وكلّ واحد يقول له قولا.
__________
(1) ... سورة الزخرف: الآية 31.
(2) ... «المذكور في القرآن في قوله تعالى بسورة الأحزاب: الآية 37: {فَلَمَّا قَضَىا زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا...}». (من كلام الشيخ). (1/111)
صفحة 112
وقال له آخرُ: «أنا أقطع أستار الكعبة إن كنت رسولا» (1) . فكذّبوه.
ثم إنّهم خافوا على أولادهم الشباب، فقالوا: «إن بقي هذا هنا، فسيوسوس شبابنا، وربّما يميّلهم إليه»؛ لأنّ الشباب ميّالون، وقلوبهم ما زالت نقيّة لم يتمكّن فيها الكفر مثلما تمكّن في الكبار، وهذا مُشاهَد ومعروف في كلّ زمان.
قالوا: «إن تركناه هنا فسيفسد أولادنا». فطردوه وقالوا له: «ارجع إلى بلادك». ولم يكتفوا بهذا، بل أغروا به السفهاء والأطفال وسلّطوهم عليه، فرموه بالحجارة، فكان يمشي وهم يتبعونه، حتى أدموا قدميه، وكان زيد بن حارثة يردّ عنه ويتلقّى الضربات، حتى شُجَّ رأسه.
أُصيب النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في قدميه، ولم يمنعه إلا طرف المدينة (2) ، فوجد هناك جنانا. والطائف كما قلنا من قبل بلادُ حدائق وأجنّةٍ.
وجد النبيّ - صلى الله عليه وسلم - جنانا لاثنين من أهل مكّة ومن كبار قريش هما (3) : عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة، وسيموت الاثنان كافرين يوم بدر.
التجأ ودخل إلى هذا الجِنان وجلس ليستريح تحت ظلّ عنب -وعنب الطائف مشهور كذلك- ومعه زيد، وصادف أن كان هناك شيبة وأخوه عتبة فرأياه، وتحرّكت فيهما الرحمة والشفقة، فهما لم يكونا يجهلانه، بل يعرفانه، دعاهم ودعوه، وكانا حاضرين يوم أبي طالب، ولكن شعرا بالمكر الذي مكره أهل الطائف فيه، فناديا
__________
(1) ... «ونحن في زماننا هذا نستعمل مثل هذا التعبير فيقول أحدنا عند تعظيم الأمر: ”وهل أحرقت حصير المسجد؟!“؛ يعني أنّ إحراق حصير المسجد شيء عظيم جدّا، وهذا حقيقة. وكذلك هم العرب، فهتك أستار الكعبة أو حرقها من أعظم الكبائر عندهم. وهو كذلك إلى اليوم». (من كلام الشيخ).
(2) ... أي مدينة الطائف.
(3) ... «ومثلما هو [الحال] إلى الآن، فأهل مكّة كانوا يتملّكون جنانا في الطائف منذ القديم». (من كلام الشيخ). (1/112)
صفحة 113
خادمهما الذي يعمل عندهما يقال له عَدّاس (1) ، فقالا له: «ضع عنقودا في طبق، وخذه إلى ذلك الرجل الجالس تحت شجرة العنب هناك».
جاء عدّاس بالطبق، ووضعه بين يدي النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، ولما مدّ يده لكي يأكل، قال: «بسم الله».
فقال له عدّاس: «هذا الكلام لا يقوله أهل هذه البلاد؟!
غريب!!
”بسم الله“ لا يقولها أهل هذا الوطن أبدا!!».
فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : «من أيّ البلاد أنت؟ وما دينك؟»
قال له: «أنا نصرانيّ من نَيْنَوى (2) ».
فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : «من نينوى بلد الرجل الصالح يونس بن متّى؟!».
فقال له الرجل متعجبا: «وما يدريك من يونس بن متّى؟!».
قال له: «ذلك أخي، هو نبيٌّ وأنا نبيٌّ».
عندئذ أكبَّ عليه يقبّل رأسه ويديه وقدميه، وعتبة وشيبة يريانه من بعيد، فقال أحدهما للآخر: «لقد أفسد علينا خادمنا».
أكل النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، ورجع عدّاس إلى سيّديه اللذين كانا ينتظران، فقالا له: «ويحك، ما الذي حملك على أن كببت عليه تقبّل رأسه ورجليه؟!».
__________
(1) ... عَدَّاس مولى عُتْبَةَ بن ربيعة، وكان من أهل نِينَوَى. قُتل يوم بدر على النصرانية، وكان ممّن يبشّر بالنبي - صلى الله عليه وسلم - . (المسعودي، مروج الذهب: ج1، ص53).
(2) ... «مدينة نينَوَى المشهورة بهذا الاسم إلى الآن، وهي تقع في الموصل بالعراق». (من كلام الشيخ).
... يذكرها الشيخ بفتح النون الأولى، ولكن الصواب بكسرها، وهي مدينة أيوب - عليه السلام - . (انظر: ياقوت الحموي، معجم البلدان: ج5، ص 339، والحِميري، الروض المعطار في خبر الأقطار: ص585-586). (1/113)
صفحة 114
قال لهما: «ما في من على الأرض خير من هذا، لقد أخبرني بأمر لا يعلمه إلا نبيّ».
قالا له: «ويلك، دينك خير من دينه، أتتبعه وتؤمن به؟!».
فانتهت القصّة وبقي عدّاس هناك.
ثمّ إنه - صلى الله عليه وسلم - دعا بدعائه المشهور: «اللهمّ إليك أشكو ضعف قوّتي، وقلّة حيلتي، وهواني على الناس
يا أرحم الراحمين، أنت ربّ المستضعفين وأنت ربّي، إلى من تكلني، إلى بعيد يتجهّمني أو إلى عدوّ ملّكته أمري، إن لم يكن بك عليّ غضبٌ فلا أبالي ولكنّ عافيتَك أوسعُ، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له السماوات والأرض، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن تُنزل بي غضبَك أو تُحلّ بي سخطك».
هذا دعاء النبيّ - صلى الله عليه وسلم - كاملا عند مرجعه من الطائف.
[وإذ صرفنا إليك نفرا من الجنّ] :
وإذ صرفنا إليك نفرا من الجنّ
خرج النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بعد استراحة، وواصل سيره وقفل راجعا إلى مكّة، ماشيا على رجليه ومعه زيد.
وفي بعض الطريق بين الطائف ومكّة، نزل في مكان يسمى «نَخلة (1) »، وهو مكان معروف كذلك إلى اليوم،
نزل وبقي هناك، وفي هذا المكان أرسل الله تبارك وتعالى إليه نفرا (2) من
__________
(1) ... نَخْلة: موضع على ليلة من مكّة، كانت بها العزّى، فبعث إليها الرسول - صلى الله عليه وسلم - خالد بن الوليد -رضي الله عنه- فهدمها. (الحميري، الروض المعطار في خبر الأقطار: ص576).
(2) ... «النفر ما بين خمسة إلى عشرة، أو من ثلاثة إلى تسعة، وهم تسعة، وقيل سبعة»(من كلام الشيخ).
... النَّفَرُ: اسم جمع يقع على جماعة من الرجال خاصة، مابين الثلاثة إلى العشرة. (لسان العرب: ج5، ص224، مادة: نَفَرَ). (1/114)
صفحة 115
جنّ مدينة نصيبين (1) مارّين إلى اليمن يستمعون القرآن مثلما هو وارد في الآية: {وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْءَانَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوِا اِلَىا قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ} (2) .
فآمنوا به وصدّقوه وولّوا إلى قومهم منذرين: {قَالُوا يَاقَوْمَنَآ إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا اُنزِلَ مِنم بَعْدِ مُوسَىا...} (3) .
ويبدو وكأنّ الله تبارك وتعالى أراد في تلك اللحظة التي رجع فيها نبيّه - صلى الله عليه وسلم - مكسور الخاطر مظلوما محروما ممّا كان قاصدا إليه، إذ لم يؤمن به رجل ولا امرأة، أراد الله أن يقوِّي عزيمته، فأعطاه دليلا على نصرته ونصرة دينه، وأنّ هذا الدّين سيظهر.
فكان في هذا الحادث نوع من التأييد والتسلية للنبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، وتقوية لروحه، وربط على قلبه، وهو شيء غريب في بابه؛ لأنّه ما كان يخطر بباله، ولا سأله، ولا طلبه.
ولا ندخل في هذا الشجن، فهذا شيء آخر، وهو من فروع الحديث، والكلام يطول في إيمان هذا النفر من الجنّ الذي نصّ الله تبارك وتعالى عليه في كتابه.
وفي هذا المكان الذي أتى إليه هؤلاء يقظة لا حلما ولا خيالا، بُني مسجدٌ معروفٌ يزار، يسمّى بمسجد الجنّ.
[في جوار المطعم بن عدي] :
في جوار المطعم بن عدي
ولمّا أراد أن يدخل النبي - صلى الله عليه وسلم - مكّة قال له زيد: «أتدخل مكّة وقد أخرجوك منها؟!».
__________
(1) ... نصيبين: مدينة قديمة عظيمة تقع بين دجلة والفرات، كثيرة المياه والأنهار والجنّات والبساتين، بها سور حصين وأسواق عامرة، فتحت في خلافة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- سنة ثماني عشرة على يد عيّاض بن غنم الفهري. (الحميري، الروض المعطار في خبر الأقطار: ص577).
(2) ... سورة الأحقاف: الآية 29.
(3) ... سورة الأحقاف: الآية 30. (1/115)
صفحة 116
قال له: «يا زيد، إنّ الله جاعل لي من أمري فرجا ومخرجا، وإنّ الله لناصر نبيّه، ومظهر دينه».
حيث بلغت الشدّة نهايتها، ولكنّه - صلى الله عليه وسلم - كان دائما معتمدا على الله.
ذهب إلى حراء، الجبل الذي نزل فيه عليه الوحي، فالتقى بشخص من خزاعة، فأرسله إلى المطعم بن عديّ في مكّة وكان مشركا، وهو من الخمسة الذين قاموا ضدّ صحيفة المقاطعة، وطالبوا بنقضها وتقطيعها.
أرسل إليه النبيّ - صلى الله عليه وسلم - طالبا دخول مكّة في جواره، ولا يوجد وقتئذ أحد يستجير به غير الله تعالى، ولكن السياسة البشريّة تقتضي العمل بهذا، فليس لأحد أن يقول أنا متوكّل على الله ثمّ لا يباشر الأسباب، فلربّما يقول قائل: «فلْيدخل مكّة دون طلب الحماية من أحد!!... ».
لا، لابدّ أن يتدبّر الأمر جيّدا، وأن يباشر الأسباب.
لذلك أرسل إلى المطعم بن عديّ من يقول له: «إنّ محمّدا رجع، وإنّه يسألك الدخول في جوارك».
وعندما يستجير أحد بعظيم من العظماء، ككبيرِ قبيلةٍ مثلا؛ فإنّه يكون له شرفٌ، فيحميه ولا يتركه، بل يبذل ماله ونفسه ويحارب الناس دونه. والعرب كما تعلمون عندهم هذه النخوة مهما بلغت العداوة وبعُد النسب.
ويبدو لي هذا [الجوارُ] وكأنّه نوع من اللجوء السياسيّ الذي يطبَّق في عصرنا الحاضر، فقد يُضام أحدٌ في دولته، وإن بقي بها فلربّما يُقتل، فيضطرّ للخروج إلى دولة أخرى، ويطلب منها أن تحميه وتعتبره لاجئا سياسيّا، هؤلاء الذين يُعبَّر عنهم اليوم: «اللاجئون السياسيون»، والدول المعتدّة بنفسها يأتيها اللاجئون فتحميهم، وتعطيهم السكن وتوفّر لهم المعاش، إنّما تشترط عليهم أن لا يعملوا ضدّها.
وهذا موجود عند العرب منذ القديم، إذ يدخل أحد مدينة تحت حماية كبير من كبرائها، فيعتبره كأحدِ أولاده، وينادي في الناس: «فلان تحت حمايتي فلا تقربوه، ومن (1/116)
صفحة 117
آذاه فقد آذاني».
قبل المطعم بن عديّ دخول النبيّ - صلى الله عليه وسلم - تحت جواره، وأمر أبناءه وأبناء أبنائه وعائلته قائلا: «تسلّحوا كلّكم فمحمّد في جواري، لا تدعوا أحدا يمسّه بسوء».
أُعلِم النبي - صلى الله عليه وسلم - بموافقة المطعم بن عديّ، فدخل مكّة في جواره، وذهب رأسا إلى المسجد الحرام ومعه مُجيره وأولاده مسلّحين، والكلُّ دائرٌ به يحميه.
ذهب النبيّ - صلى الله عليه وسلم - [صُحْبَتَهم] وطاف بالبيت، وصلّى ركعتين في مقام إبراهيم ثمّ رافقوه إلى بيته، ومكث على ذلك مدّة.
ولقد [خلّد] حسّان بن ثابت هذه القصّة في قصيدةٍ مدَحَ فيها المطعمَ بن عديّ (1) ؛ للحماية التي حمى بها النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، على أنّه لم يؤمن، بل بقي مصرّا على كفره.
إنّما كما قلنا، للعرب نخوة وشرف، ويعتبرون رفض طلب الإجارة عيبا وعارا وجفاء.
__________
(1) ... هذه القصيدة هي في الحقيقة رثاء للمطعم بن عدي لما مات، فقال حسان يبكيه ويذكر ما قام به من نقض الصحيفة وإجارته للنبي - صلى الله عليه وسلم - :
أيا عينُ فابكي سيّدَ القوم واسفحي ... بدمع وإن أنزَفْتِه فاسكبي الدما
وبكِّي عظيم المُشعرين كليهما ... على الناس معروفا له ما تكلما
فلو كان مجدٌ يُخلد الدهرَ واحدا ... من الناس، أبقى مجدُه اليومَ مطعما
أجرتَ رسول الله منهم فأصبحوا ... عبيدَك ما لي مُهِلٌّ وأَحْرَمَا
فلو سُئلتْ عنه مَعَدٌّ بأسرها ... وقحطان أو باقي بقيةِ جُرْهُما
لقالوا هو الموفّي بخُفْرَةِ جاره ... وذمّته يوما إذا ما تذمّما
فما تطلع الشمس المنيرة فوقهم ... على مثله فيهم أعزَّ وأعظما
وآبى إذا يأبى وألينَ شيمةً ... وأنومَ عن جارٍ إذا الليل أظلما
... (سيرة ابن هشام: ج2، ص224). (1/117)
صفحة 118
وهكذا تسلسلت الأحداث إلى هذه النقطة.
لمّا رجع النبيّ - صلى الله عليه وسلم - إلى مكّة، بدأ في عرض نفسه على قبائل العرب في مواسم الحجّ، ومازالت تفصله عن الهجرة ثلاث سنوات.
فبعد أن لقي ما لقيه من أهل مكّة وأهل الطائف الذين لم يؤمنوا به بل رفضوه وآذوه؛ أصبح يعرض نفسه على قبائل العرب التي تحج البيت كل عام في موسم الحجّ، فاتّصل بالأنصار في العقبة الأولى والثانية والثالثة، فآمنوا به ووعدوه بالنصرة إن هاجر إليهم، ولقد قال الله تبارك وتعالى عنهم: {وَالذِينَ تَبَوَّءُو الدَّارَ وَالاِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ} (1) .
وهنا تأتي الهجرة إلى المدينة.
قصّة عرض النبيّ - صلى الله عليه وسلم - نفسه على قبائل العرب ستأتينا في الدروس الآتية إن شاء الله، والحمد لله ربّ العالمين.
__________
(1) ... سورة الحشر: الآية 9. (1/118)
صفحة 119
الدرس الرابع
محتويات الدرس:
محتويات الدرس
? خلاصة ما مرّ.
? منها أربعة حرم.
? عرض الدعوة على قبائل العرب في الموسم.
? بيعة العقبة الأولى مع الستة الأولين.
? البيعة الثانية.
? إسلام سعد بن معاذ -رضي الله عنه-.
? بيعة العقبة الأخيرة. (1/119)
صفحة 120
صفحة 120 بيضاء (1/120)
صفحة 121
الدرس الرابع (1)
[موضوعه: اجتماع الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالقبائل العربيّة في الأسواق السنويّة إبّان موسم الحجّ، ودعوته إيّاهم إلى الإسلام. وفيه أيضا بيعة أهل المدينة الأولى والثانية].
[خلاصة ما مرّ] :
خلاصة ما مرّ
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله.
في الدرس الماضي انتهى بنا الحديث إلى ذهاب النبيّ - صلى الله عليه وسلم - إلى الطّائف وعرض نفسه على ثقيف، وهذا بعد خروجه وبني هاشم مؤمنهم وكافرهم -إلا أبا لهب- من الشّعب بعد أن رُفعت عنهم القطيعة التي عُقدت ضدّهم نحو ثلاث سنوات.
وتقدّم لنا كذلك [الحديث عن] موتِ أبي طالب، وموت خديجة -رضي الله عنها- اللذين كانا يردان عنه؛ فانكشف النبيّ - صلى الله عليه وسلم - .
فذهب إلى الطائف يعرض نفسه على أهلها، فعاد مكسوف البال مكسور الخاطر، فلم يؤمن به رجل ولا امرأة، بل ضرّوه.
ولمّا رجع؛ دخل مكّة في جوار المطعم بن عديّ، الذي كان لا يزال مشركا (2) ، وهو أحد الذين سعوا لرفع المقاطعة ونقض الصحيفة، فكان للنبيّ - صلى الله عليه وسلم - ما أراد.
هنا أنهينا كلامنا.
فماذا كان من أمره - صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك؟.
شرع يعرض نفسه على قبائل العرب في الموسم.
__________
(1) ... ألقاه بعد صلاة الجمعة يوم: 24 محرّم الحرام 1392هـ الموافق لـ 10 مارس 1972م.
(2) ... كلام الشيخ يوهم وكأنّ المطعم أسلم فيما بعد، ولكنّه مات كافرا. (الصالحي الشامي، سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد: ج2، ص440). (1/121)
صفحة 122
[منها أربعة حرم] :
منها أربعة حرم
ومن المعلوم أنّ الموسم هو وقت الحجّ، والعرب كلّها من الشرق والغرب والشمال والجنوب، تحجّ البيت تحقيقا لدعوة إبراهيم - عليه السلام - [الذي قال الله له]: {وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَاتُوكَ رِجَالاً وَعَلَىا كُلِّ ضَامِرٍ يَاتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} (1) .
أصبح العرب كلّهم يحجّون بيت الله الحرام، من يوم أن رُفعت قواعد البيت إلى يوم الناس هذا، وإلى أن يرفع الله الكعبة.
والحجّ دائما موسم واحد ليس فيه تبديل ولا تغيير، تماما مثلما هو اليوم: من الطواف بالبيت، والوقوف بعرفات، ورمي الجمار بمنى، والسعي بين الصفا والمروة، فالأيّام نفسها والأماكن نفسها، لكنّ المشركين في تاريخهم بدّلوا وغيّروا بعض الأشياء، فزادوا وأنقصوا، والشيطان أملى لهم وأدخل في دينهم معتقدات ليفسد عليهم حجّهم، ومن جملة ما وسوس لهم به: ألاَّ تطوفوا حول الكعبة بالثياب التي تعصون الله بها، فعندما تريدون الطواف؛ تعرَّوا جميعا!!، وجعلوا أيضا حول البيت أصناما مثلما هو معروف.
ولكن الشاهد في كلامنا أين؟.
في كون الموسم محترَما، والأشهر الحُرُم كذلك، ولقد قال الله في كتابه: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضَ مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ} (2) ، والأشهر الحُرُم هي: ذو القعدة، وذو الحجّة، ومحرّم، ورجب، ثلاثة متتابعة، والرابع منفرد، كما قال صاحب العقيدة (3) في تفسير
__________
(1) ... سورة الحج: الآية 27.
(2) ... سورة التوبة: الآية 36.
(3) ... يعني بالعقيدة هنا كتاب «عقيدة العزابة» الذي أُلّف في أواخر القرن الثاني من الهجرة، وهي أولى المتون التي كان يحفظها التلاميذ في جميع قصور ميزاب، وقد شرحها الكثير من العلماء. ترجمها من البربريّة إلى العربيّة الشيخ أبو حفص عمرو بن جُمَيْع (ق7هـ/ 13م)، وهناك من ينسبها إليه.
... وكان علما من أعلام زمانه، ومن كبار المدرّسين بجامع «تيفرّوجِينْ» بجامع الزيتونة. أخذ العلم عن أبي العبّاس أحمد الدّرجيني -صاحب الطبقات- . (لجنة البحث العلمي لجمعية التراث، معجم أعلام الإباضية: مج3، ص662-663). (1/122)
صفحة 123
الأشهر [الحرم]: ثلاثة سرد وواحد فرد.
فالحجّ يبدأ مع بداية الأشهر الحرم؛ أي من أوّل ذي القعدة، فتضع العرب السلاح، ولا يحملونه إلا في أوّل صفر؛ أي بعد تسعين يوما، وذاك هو وقت الذهاب إلى مكّة والرجوع منها، وكما نعلم أنّ المسافات في الجزيرة العربية من طرف إلى طرف بعيدةٌ، ويتطلّب الأمر من أحدهم لكي يصل إلى مكّة ويرجع منها شهورا، مثلما أدركنا قديما، وليس مثلما هو الحال اليوم؛ ولذلك كانت الحرب بين العرب تضع أوزارها في هذه الأشهر الثلاثة، فالعرب دائما يعيشون بالنهب والسلب والحرب، لكن إذا أهلّ هلال ذي القعدة، يتوقّف كلّ شيء، و[هلالُ] رجبٍ كذلك؛ لأنّهم يعتمرون فيه.
هذه عادة عند العرب، بل هو دين يدينون الله به، فلقد يسّر لهم الله تبارك وتعالى هذا الأمر وجعل لهم هذه النظم التي سهّل بها الطريق لنبيّه - صلى الله عليه وسلم - كي يُمْكنه دعوة الناس إلى دين الله، فيجتمعون له دون أن يستدعيَهم.
[أسواق العرب في الجاهلية] :
أسواق العرب في الجاهلية
وكان العرب قبل الحجّ ينصبون الأسواق حول مكّة، وهي من جملة المنافع التي ذكرها الله تبارك وتعالى: {لِيَشْهَدُواْ مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَىا مَا رَزَقَهُمْ مِّنم بَهِيمَةِ الاَنْعَامِ} (1) .
ولقد ذُكرت قديما ثلاثة أسواق:
__________
(1) ... سورة الحج: الآية 28. (1/123)
صفحة 124
عُكَاظ: الذي يقع بين مكّة والطائف.
ومِجَنَّة: وهو سوق قرب عرفات بينهما نحو ستّ كيلومترات.
وذو المَجَاز: الذي يقع في الطريق إلى المدينة، وهو بعيد قليلا من مكّة (1) .
وأشهر هذه الأسواق هو سوق عكاظ، المشهور عند الطلبة، والذي تجدونه مذكورا في الأدب العربيّ.
وعكاظ موضع بين مكّة والطائف، قرب مكان يسمّى نخلة، فيه تُنصب سوق للتجارة بين أهل الشمال وأهل الجنوب وأهل الشرق وأهل الغرب، يبدأ من الفاتح ذي القعدة مستمرّا عشرين يوما (2) .
فكانت هذه أيضا عادة قديمة عند العرب.
وأكثر قبائل العرب تجتمع فيه للبيع وللشراء، كلُّ أحد يجلب البضاعة التي يبيعها ويشتري ما ليس عنده، ويجتمع فيه العرب أيضا للمفاخرة والمنافرة (3) .
فالشعراء والخطباء من كلّ جهة يأتون إلى هناك ويتبارون ويعقدون أسواقا أدبيّة، كلّ قبيلة تأتي بخطيبها إن كان عندها خطيب، أو بشاعرها إن نبغ فيهم شاعر، فيعقدون -في وقت غير وقت البيع والشراء- ندوات، يلتقون فيقوم خطيب بني
__________
(1) ... عُكاظ ومِجنّة وذو المَجاز أسواق لمكّة في الجاهلية، وكانت عكاظ من أعظم أسواق العرب، تنزلها قريش وهوازن وغطفان وأسلم وعقيل والمصطلق وطوائف العرب. وكانت قبائل العرب تجتمع بعكاظ من كلّ سنة ويتفاخرون فيها، ويحضرها شعراؤهم ويتناشدون ما أحدثوا من الشعر، ثمّ يتفرّقون. وكانت العرب تقيم بسوق عكاظ شهر شوال، ثمّ تنتقل إلى سوق مجنّة فتقيم فيه عشرين يوما من ذي القعدة، ثمّ تنتقل إلى سوق ذي المجاز فتقيم فيه إلى أيّام الحج. (الحميري، الروض المعطار في خبر الأقطار: ص411-412، وياقوت الحموي، معجم البلدان: ج4، ص142).
(2) ... انظر تصويب ذلك في الهامش أعلاه.
(3) ... المنافرة: أن يفتخر الرجلان كلّ منهما على صاحبه ثم يُحكِّما بينهما رجلا. (ابن منظور، لسان العرب: ج 5، ص 224، مادة: نَفَرَ). (1/124)
صفحة 125
فلان، أو شاعر بني فلان وينشد القصيدة التي نظمها، حتى إنّه ليطمع أن يقولوا: «شاعر بني فلان أشعرُ العرب»، أو: «خطيب بني فلان أخطبُ العرب».
وفي هذا المقام اشتهر قُسُّ بن ساعدة الإياديّ (1) بخطبته المشهورة التي شهدها النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وحضرها ورواها، وكان هذا قبل الإسلام.
إذن ينتصب هذا السوق عشرين يوما من أوّل ذي القعدة إلى العشرين منه، ثم ينفضّ، فيذهب الناس بعد ذلك إلى مكّة حيث المشاعر العظام، وحيث المناسك.
ذكرنا هذه الأسواق؛ لكي نفهم أنَّ العرب -سواء منهم القريب والبعيد- لم يكونوا يأتون إلى [مكّة] في اليوم الذي يقفون فيه بعرفات، إنّما كانوا يفدون إليها من أول ذي القعدة.
__________
(1) ... أحد حكماء العرب في الجاهلية، قيل إنّه عاش ثلاثمائة وثمانين سنة، وزعم كثير من العلماء أنه عمّر ستمائة سنة. وقد رآه سيّد البشر - صلى الله عليه وسلم - بعكاظ وروى خطبته التي يقول في آخرها:
في الذاهبين الأوّليـ ... ـن من القرون لنا بصائرْ
لما رأيت مواردا ... للموت ليس لها مصادرْ
ورأيت قومي نحوها ... يمضي الأكابر والأصاغرْ
لا يرجع الماضي ولا ... يبقى من الباقين غابرْ
أيقنت أني لا محا ... لةَ حيث صار القوم صائرْ
... وكان حكيمًا خطيبًا عاقلاً حليمًا له نباهة وفضل، وقد ذكره جماعة من الشعراء في أشعارهم بالحلم والخطابة وضربوا الأمثال به. وهو أوّل من آمن بالبعث من أهل الجاهلية، وأوّل من توكّأ على عصا في الخطبة، وأوّل من علا على شُرُف وخطب عليه، وأوّل من قال في كلامه: «أمّا بعد»، وأوّل من كتب: «من فلان إلى فلان». ذكره البعض في الصحابة وصُرِّح بأنه مات قبل البعثة. قال فيه الرسول - صلى الله عليه وسلم - : «يرحم الله قِسًّا، إني لأرجو أن يُبعث يوم القيامة أمّة وحده». (ابن حجر، الإصابة في تمييز الصحابة: ج5، ص551 والصلاح الصفدي، الوافي بالوفيات: ج24، ص180-181، وابن عبد ربّه الأندلسي، العقد الفريد: ج4، ص128 وأبو الفرج الأصبهاني، الأغاني: ج15، ص236-241). (1/125)
صفحة 126
[عرض الدعوة على قبائل العرب في الموسم] :
عرض الدعوة على قبائل العرب في الموسم
شرع النبيّ - صلى الله عليه وسلم - في الالتقاء بقبائل العرب، وأصبح يَخرج إلى منازلهم ليدعوَهم، فبعد أن أخفقت دعوته في الطائف لمّا لم يطيعوه ولم يتبعوه؛ بدأ يتبع العرب كلَّهم عرشا عرشا، ومن المعلوم أن لكلّ قبيلة من هذه القبائل العربيّة منزلا من المنازل حول مكّة، وحول منى، وحول عرفات كذلك، كلّ واحد ينزل في مكان مخصَّص له، فهم يأتون بالمئات وربّما بالآلاف، مجموعهم بالآلاف هذا قطعا، ولكن قد تأتي من القبيلة الواحدة المئات فيكون لكلّ عرش منازل.
وإلى اليوم -لمن طاف بالسيارة حول مكّة وحول منى- يرى هذه المضارب، فهذه منازل العراقيين، وهذه منازل الأردنيين...
وكان النبيّ - صلى الله عليه وسلم - قبل أن يبدأ الخروج إلى القبائل، ينتظر الوافدين إلى مكّة، ولكن كان المستهزئون وعلى رأسهم أبو جهل وأبو لهب والوليد بن المغيرة يصدّون الناس. فماذا كانوا يصنعون؟
كانوا يضعون في مداخل مكّة -أي الجهات التي ترمي إليها- من يصدّ الوافدين ويحذّرهم من الاجتماع بالنبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، فقد كان لمكّة مداخل متعدّدة، فالذي يأتي من الغرب لا يدخل من الشرق، والذي يأتي من الشرق لا يدخل من الغرب وهكذا...، فكلّ أصحاب جهة لهم مدخل خاص، وهذا أمر بَدَهِيٌّ ومنطقيّ، وإنّما حُصرت الطرق الآن في طريقين أو ثلاثة، وهي طرق السيارة، أمّا القوافل فكانت لها طرق عديدة.
كان ممّا صنعه هؤلاء المستهزئون، أنّهم ذهبوا إلى الثّنايا وأحصوا عدد الطرق التي يدخل الناس بها إلى مكّة، فوضعوا في كلّ مدخل شخصا مهمّته أن يُحذّر الناس الذين يريدون الدخول إلى مكّة ويقول لهم: «ستدخلون مكّة الآن وستجدون ساحرا وكذابا يقول: إنّي نبيّ، فاحذروا أن تطيعوه، ولا تجتمعوا به فإنّه سيسحركم، وإذا اجتمعتم به فاحذروا أن يخدعكم». (1/126)
صفحة 127
وهكذا كانوا يصدّون الناس ويمنعونهم من الاجتماع به - صلى الله عليه وسلم - .
حتىّ إنّ بعض المفسّرين فسّروا قوله تعالى: {وَقُلِ إِنِّيَ أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ كَمَآ أَنزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ الذِينَ جَعَلُوا الْقُرْءَانَ عِضِينَ} (1) أنَّ {الْمُقْتَسِمِينَ} هم: الذين اقتسموا طرق مكّة اقتساما؛ أي قالوا: أنتم تذهبون إلى هذه الطريق، وأنتم إلى هذه الطريق، وأنتم إلى هذه، والذي يأتيكم تعرّضوا له وحذّروه من الاجتماع بمحمّد.
كلّ ذلك ليمنعوهم من الاتّصال به - صلى الله عليه وسلم - ، وإذا حصل أن وقع الاتصال يقولون لهم: «احذروا، من الأسلم ألا تقربوا منه سيسحركم، وإذا استمعتم إلى كلامه، فخذوا حذركم لئلا يخدعكم».
وكان الوليد بن المغيرة (2) يقعد في باب المسجد حَكَمًا، فلمّا يفدُ الوافدون، كان أصحاب المداخل يقولون لهم: «إن احترتم وأردتم من يوضّح لكم الأمر أكثر، فعليكم بالوليد، فهو شخص له قدر كبير وعظيم وله مقام عال بيننا».
كان الوليد إذن يبقى في باب المسجد يكلّم من يأتيه يسأله: «ما خطب هذا الذي يزعم فيكم أنّه نبيّ؟!»
فينفّره أكثر قائلا: «هذا ساحر...
هذا كذاب...
إيّاكم أن تتبعوه...
إيّاكم أن تتركوا دينكم... ».
__________
(1) ... سورة الحجر: الآيات 89-91.
(2) ... «قيل هو أحد الرجلين اللذين قصدهما المشركون لما طلبوا أن تُنزّل الرسالة على أحد من عظيم القريتين: {وَقَالُوا لَوْلاَ نُزِّلَ هَذَا الْقُرْءَانُ عَلَىا رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} [سورة الزخرف: الآية 31 ]، ولكن المشهور أنّهما: أبو جهل من مكّة، وعروة بن مسعود الثقفيّ من الطائف». (من كلام الشيخ). (1/127)
صفحة 128
لمّا رأى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - هذا، صار يخرج هو بنفسه إلى منازل الأعراب، وكثيرا ما يكون معه أبو بكر وعليّ بن أبي طالب رضي الله عنهما، كان يخرج مرّات لوحده ومرّات يرافقانه، ويظهر أنّهما كانا في غالب الأحيان معه.
كان - صلى الله عليه وسلم - يذهب إلى المنازل يعرض نفسه عليهم: «هل لكم [في اتّباعي] ؟
لعلّي أقرأ عليكم ما أنزل الله عليّ...
إنّي نبيّ...
إنّي نذير مبين...
أرسلني الله تبارك وتعالى إليكم...
عساكم تحظون بي وتتّبعوني...
تشهدون أن لا إله إلا الله وأنّي رسول الله، وتخلعون هذه الأصنام والأوثان التي تعبدونها من دون الله، وتنصرونني حتى يظهر الله دينه ولكم الجنّة... ».
وبدأ يتبعهم.
فكان أكثر هؤلاء الأعراب يردّون عليه ولا يقبلون منه كلامه.
أمّا أبو لهب فإنّه لمّا رأى ابن أخيه يخرج هو بنفسه إلى منازل العرب يدعوهم، صار يتتبَّع خطواته ويتنقّل معه من مكان إلى مكان، فكلّما ذهب إلى قوم لحقه، فإذا تكلّم النبيّ وخطب ودعا إلى الإسلام، يقول لهم أبو لهب معقّبا عليه: «احذروا، لا تسمعوا كلامه، إنّه كذّاب، لا تطيعوه».
روى بعض الصحابة (1) فقال: «كنت مع أبي في منى -وأنا صغير- فجاء النبيّ
__________
(1) ... هو ربيعة بن عَبَّاد الدَّيْليّ. والقصّة كما جاءت في كتب السيرة: قال ربيعة الديليّ -وكان جاهليّا فأسلم-: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الجاهلية في سوق ذي المجاز وهو يقول: «يا أيّها الناس، قولوا لا إله إلا الله تفلحوا» والناس مجتمعون عليه، ووراءه رجل وضيء الوجه أحول ذو غديرتين يقول: إنّه صابئ كاذب. يتبعه حيث ذهب، فسألت عنه فقالوا: هذا عمّه أبو لهب. (انظر: سيرة ابن هشام: ج2، ص270). (1/128)
صفحة 129
- صلى الله عليه وسلم - ودعا الناس إلى الإيمان بالله، وإلى نبذ الأصنام، وأمر بالخير وبترك الفحشاء والمنكر كما يأمر الله تبارك وتعالى وينهى، فنهض رجل بعده، وكان أحول وضيئا (1) ، فسألت أبي من: هذا؟».
فقال: «هذا أبو لهب عبد العزّى (2) ».
فكان هذا الصحابيّ يتذكّر هذا الموقف منذ ذلك الوقت رغم صغر سنّه، أبو لهب يتبع النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، وكلّما قصد مكانا لحقه، هذا يأمر بالخير، وهذا يحذّر الناس من اتِّباعه.
فماذا كان يقول الأعراب للنبيّ - صلى الله عليه وسلم - ؟.
كانوا يقولون له: «قومك وعشيرتك أعلم بسيرتك ولم يتّبعوك، أفنتّبعك نحن؟!»، وظنّوا أنّ فيه أمرًا، فكانت شبهة قويّة.
ورُوي عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - أنّه كثيرا ما كان يقول: «يا ربّ، لو شئت لم يكونوا هكذا».
فالعرب اتّخذوا ذريعة عدم الإيمان؛ كونَ أهلِه وعشيرتِه لم يؤمنوا به.
والسرّ موجود هنا، فمن المعلوم أنّ العرب معروفون وقتئذ -بل ومن قرون- بالعصبيّة القبليّة المتجذّرة والمتمكّنة فيهم تمكُّنا غريبا، فكانت الحروب قائمة بينهم،
__________
(1) ... «وبالفعل كان أبو لهب أحولَ ولكن وضيئا، جميل الصورة، أبيض اللون، مشربا بحمرة، ذا هيئة جميلة؛ ولذلك لقّبوه بأبي لهب، وبعد ذلك يكون اللّهبُ لهبَ النار، ولو عُرف بمكّة من هو أكثر منه وضاءةً؛ لأُطلق عليه هذا اللقب». (من كلام الشيخ).
(2) ... «فأبو لهب هي كنيته، أمّا اسمه الحقيقيّ فهو: عبد العزّى بن عبد المطلب، فهو إذن عم النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ». (من كلام الشيخ). (1/129)
صفحة 130
وكان كلّ عرش وكلّ قبيلة يودّون لو يخرج منهم ملك يُضرب المثل بملكه، أو شاعر يُضرب المثل ببلاغته، أو خطيب يُضرب المثل بفصاحته، أو كريم يُضرب المثل بكرمه، فكان العرب يفخرون بهذا، فلمّا سمعت القبائل الوافدة كلام كبراء قريش، تعجّبوا وقالوا: «لو كان فيه شرف لقومه، ولو وجد قومه خيرا ينالهم منه، لاتّبعوه». فأصبحوا يقولون له: «عشيرتك يعرفونك أكثر منّا ولم يتّبعوك، ونحن غرباء فنتّبعك؟!».
وهذا غير مستساغ في عقولهم الضعيفة، فهم لا يدركون أنّ هذا الأمر فوق هذه العصبيّات، وفوق هذه الترّهات كلّها.
فكان النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ماضيا في عمله هذا لا يصرفه ولا يثنيه عنه شيء، وكان يتخيّر الأوقات والأماكن المناسبة، فما إن يحلّ موسم الحجّ، إلا ويتّبع تلك الأعراش، داعيا إيّاهم إلى دين التوحيد.
ذات مرّة وبينما كان - صلى الله عليه وسلم - كذلك، إذِ اتّجه إلى قبيلة من القبائل الوافدة وهي قبيلة بني عامر بن صعصعة، وعرض عليهم الأمر، فردّوا عليه قائلين: «إن تبعناك ونصرناك وظهر دينك، أيكون لنا الأمر بعدك؟ أتعطينا السلطة فتكون لنا بعد أن تموت؟ أنكون نحن الأمراء والرؤساء من بعدك؟».
كان ردّهم هكذا؛ لأنّهم فهموا أنّ هذا الدين إن ظهر لابدّ وأن يكونَ الرسول المبعوث هو الحَكَم المطلق، الحَكم الزمنيّ والروحيّ كما يقولون اليوم.
قالوا له: «إن وعدتنا وضمنت لنا أن تكون لنا السيطرة على العرب ويكون لنا الأمر من بعدك؛ فإنّنا سنؤمن بك ونتّبعك وننصرك».
فقال لهم النبيّ - صلى الله عليه وسلم - : «الأمر ليس إليّ، ولكنّه أمر الله يضعه حيث يشاء».
فقال رئيسهم: «أنهدف نحورنا لنبال العرب وسهامها، ثمّ إذا ظهر دينك كان الأمر لغيرنا؟! والله لا كان هذا، أنتّبعك ونحارب الناس كلَّهم ونعطيهم صدورنا، ويوم تقوى وينتصر الدين، يأتي أحد غيرنا ويكون له السلطان؟! إذن لا نتّبعك». (1/130)
صفحة 131
وهكذا لم يؤمنوا به؛ لأنّهم طُلاّب عزّة وشرف في الدنيا.
ولقي - صلى الله عليه وسلم - فيمن لقي اثنين من أهل يثرب، وعرض عليهما الرسالة، فلم يردّا عليه بردّ سيّء، وبالمقابل لم يصرّحا بإسلامهما، وإنّما اكتفيا بالإعجاب بهذا الدين، ورجعا إلى المدينة وحدّثا أهلها بما حصل، وأنّ بمكّة رجلا قد ظهر يدّعي النبوة.
فبدأ يشيع الخبر في المدينة.
أحد هذين الاثنين رجع إلى مكّة يوم بُعاث، والآخر قُتل فيها.
ويوم بعاث يوم كبير، فيه وقعت حرب أهليّة في المدينة بين القبيلتين الكبيرتين الأوس والخزرج (1) ، وكان بينهما دائما تنافس وتحارب، فكانت هذه الوقعة آخر أيّامهم المشهورة، وكان يوم بعاث آخرَ يوم من أيّام الحرب التي دارت بينهما.
كان أهل المدينة -الأنصار (2) - إذن منشغلين بالحروب الأهليّة الداخلية، فالفتنة مشتعلة بينهم، واليهود يزيدون نار الفتنة اضطراما، ويفرّقون فيما بينهم، وكان اليهود أنفسُهم متفرّقين، فريق مع الأوس وفريق مع الخزرج، وأحيانا يتّفقون كلّهم على العرب.
[بيعة العقبة الأولى مع الستّة الأوّلين] :
بيعة العقبة الأولى مع الستّة الأوّلين
وفي العام الذي أراد الله تبارك وتعالى أن يبدأ الخير في المدينة وينتقل إليها الإسلام ويحلَّ فيها النُّور، التقى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بستّة من أهلها، وفي رواية سبعة، فالروايات اختلفت، ولكن ستّة متّفَقٌ عليهم والسابعُ وهو عقبة بن
__________
(1) ... «قبيلتان كبيرتان، والخزرج هم أكثر عددا». (من كلام الشيخ).
(2) ... «وفي ذلك الوقت لم يكونوا يُسموّن بالأنصار، وإنما تُسُمُّوا بذلك بعد أن دخلوا في الإسلام، ونصروا الرسول - صلى الله عليه وسلم - ». (من كلام الشيخ). (1/131)
صفحة 132
عامر الجُهنيّ -رضي الله عنه- (1) ، مختلَفٌ فيه (2) .
وكان مجيئهم بعد يوم بعاث، فالتقى بهم النبيّ - صلى الله عليه وسلم - في العقبة جهة منى حيث إحدى الجمار، وعرض عليهم الإسلام، وقرأ عليهم القرآن، وأخبرهم بما يأمر الله تبارك وتعالى به وبما ينهى عنه، فقالوا له: «إن هذا لخير عظيم جدّا، ولكن، إنّ بين الأوس والخزرج عداوة قديمة جدّا أهلكت يثرب (3) ، فإن رفع الله عنّا هذه الحرب التي أضرّت بنا، وأصلحَ بيننا بفضلك وعاد السلم إلى نصابه؛ فلا أحدَ أعزُّ علينا في الدنيا منك».
فأسلموا إسلاما صحيحا، ورجعوا إلى المدينة، ولم يدْرِ بخبرهم أحد من مشركي مكّة.
فكانت هذه العقبة الأولى.
__________
(1) ... الصحابيّ المشهور. روى عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - كثيرًا، وروى عنه جماعة من الصحابة والتابعين منهم: ابن عباس وأبو أمامة وجبير بن نفير وبعجة بن عبد الله الجهني وأبو إدريس الخولاني وخلق من أهل مصر. كان قارئا عالما بالفرائض والفقه فصيح اللسان شاعرا كاتبا وهو أحد من جمع القرآن، وكان من أحسن الناس صوتا بالقرآن. شهد الفتوح وكان هو البريد إلى عمر بفتح دمشق. شهد صفين مع معاوية وأمّره بعد ذلك على مصر. وكانت وفاته -على الصحيح- سنة ثمان وخمسين في زمن معاوية. (انظر ترجمته عند: ابن حجر العسقلاني، الإصابة في تمييز الصحابة: ج4، ص526، والذهبي، سير أعلام النبلاء: ج2، ص467-468، والذهبي، تذكرة الحفّاظ: ج1، ص42-43).
(2) ... أَرجح الروايات على أنّهم ستّة وهم: أبو أمامة أسعد بن زرارة، وعوف بن الحارث، ورافع بن مالك، وقطبة بن عامر، وعقبة بن عامر، وجابر بن عبد الله. وكلّهم من الخزرج. (سيرة ابن هشام: ج2، ص277-278).
(3) ... «وفي ذلك الوقت كانت المدينة تُسمّى بيثرب، وورد في القرآن الكريم: {يَآ أَهْلَ يَثْرِبَ لاَ مَقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا} [سورة الأحزاب: الآية 13] وإنما أُطلق عليها اسم المدينة في الإسلام، بعد أن هاجر النبي - صلى الله عليه وسلم - إليها، وقد ورد في القرآن الكريم كذلك: {لَئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ...} [سورة الأحزاب: الآية 60] ». (من كلام الشيخ). (1/132)
صفحة 133
رجعوا إلى المدينة بعد موسم الحجّ، وأشاعوا فيها ذكر الحادث الذي وقع بمكّة، وبدؤوا نشر هذا الدين، وكما تقول الرواية لم تبق دار إلا وفيها ذكرٌ للرسول - صلى الله عليه وسلم - ، ولكن ليس ذاك هو الإيمان الذي انتشر، وإنّما أصبح -كما يُعبِّر الناس اليوم- حديثَ النوادي.
وكان الكثير من أهل المدينة يَوَدّون لو أنّ هذه الفتنة التي بينهم تزول، وهذه الحرب الأهليّة الداخلية «la -رضي الله عنها-uerre civile»، هي أكبر مصيبة تصيب الأمم.
[البيعة الثانية] :
البيعة الثانية
وفي الموسم القادم جاء اثنا عشر رجلا من أهل المدينة للحجّ، وكأنّهم قبل ذلك كانوا -كما قلنا- منشغلين بالحروب التي بينهم، فلم يبيّن التاريخ أنّهم كانوا يحجّون بكثرة، وسيأتي منهم العامَ القادمَ خمسُمائةٍ، ويدلّ هذا -لمن يتتبّع التاريخ- أنّ الذي كان يمنعهم من المجيء إلى مكّة للحج بكثرة، الحروبُ التي كانت بينهم، فالذين يخرجون من المدينة يخافون أن يهجم العدوّ على حِماهم، فلا يمكنهم إذن إخلاء أحيائهم التي يسكنونها، وهذا تأويلي أنا لهذه الحوادث.
جاء اثنا عشر رجلا من أهل يثرب (1) ، واجتمعوا بالنبيّ - صلى الله عليه وسلم - وأسلموا، وعاهدوه على البيعة.
والبيعةُ -كما تذكر الرواية- كبيعة النساء التي ذكرها الله تبارك وتعالى في سورة الممتحنة: {يَآ أَيُّهَا النَّبِيءُ اِذَا جَآءَكَ الْمُومِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَىآ أَن لاَّ يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلاَ يَسْرِقْنَ وَلاَ يَزْنِينَ وَلاَ يَقْتُلْنَ أَوْلاَدَهُنَّ وَلاَ يَاتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلاَ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ} (2) ، هذه البيعة يُعبَّر عنها ببيعة النساء مثلما هو منصوص عليها في القرآن الكريم.
__________
(1) ... «وكان أكثرهم من أعيان الصحابة، وهؤلاء الأنصار المشهورون، مذكورون في التاريخ، منهم: عبادة بن الصامت، وعبد الله بن حرام والد جابر بن عبد الله». (من كلام الشيخ).
(2) ... سورة الممتحنة: الآية 12. (1/133)
صفحة 134
بايعهم النبيّ - صلى الله عليه وسلم - على هذا، ولم يبايعهم على النُّصرة والموالاة من جهة الحرب؛ لأنّه -و إلى ذلك الوقت- لم يؤذن له بعدُ في الحرب، فاشترط عليهم أن يُعطوه العهد على هذه الكلمات التي أنزلها الله تبارك وتعالى: لا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم، ولا تعصوني في معروف.
بايع هؤلاء الاثنا عشر من سادة وخيرة الأنصار النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ورجعوا إلى المدينة، وأرسل معهم النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بعد أن تحقّق إسلامهم، أحد السابقين الأوّلين من المهاجرين الذين هاجروا إلى الحبشة ثم رجع منها، وكان قارئا للقرآن، ويحفظ كلّ ما أُنزل منه إلى تلك اللحظة، ليعلّمهم فريضة الإسلام التي فرضت آنذاك وهي الصلاة (1) ، وليقرئ أولادهم القرآن ويُحفِّظهم إيّاه.
فمن هو هذا الصحابيّ الجليل؟
إنّه مصعب بن عمير، شابّ من أحسن وأجمل وأظرف شباب مكّة.
ولعلّي أفرد يوما ما درسا خاصّا في الكلام عن مصعب بن عمير (2) ، لكي يعرف شبابنا كيف كان حال الشباب المسلم في أوّل عهد الإسلام، وعلى رأسهم هذا الشابّ.
بعثه النبيّ - صلى الله عليه وسلم - معهم فنزل بالمدينة عند أحد المبايعين الاثني عشر وهو أسعد بن زرارة، فأصبح يأتيه الذين أسلموا إلى البيت يُدرِّسهم القرآن، ومصعب بن عمير هو أوّل من أُطلق عليه لفظ المقرئ في الإسلام (3) .
ومكث بدار أسعد بن زرارة، يُقرئ ويُعلّم حتى شاع خبره.
__________
(1) ... «فُرضت ليلة الإسراء والمعراج». (من كلام الشيخ).
(2) ... وكذلك فعل. انظر الدرسين الثاني عشر والثالث عشر من هذه السلسلة.
(3) ... «ويعبَّر عنه في شمال إفريقيا بـ: ”الفقيه“ وهو: الشيخ الذي يُدرِّس القرآن الكريم، ويُعلِّم القراءة والكتابة، وبنو ميزاب أخذوا هذه الكلمة إلى البربريّة، فهم يقولون: ”لَفْقِي“. فمصعب بن عمير إذن هو سيّد المقرئين». (من كلام الشيخ). (1/134)
صفحة 135
[إسلام سعد بن معاذ -رضي الله عنه-] :
إسلام سعد بن معاذ رضي الله عنه
وكان لا يزال أكثر أهل المدينة على الشرك، ومنهم دار (1) بني عبد الأشهل الذين غضبوا، وكان سيّدهم آنذاك سعد بن معاذ -رضي الله عنه- الذي اهتزّ عرش الرحمن لموته، وأُسَيد بن حُضَير الذي كان دونه.
لمّا علم سعد بن معاذ وأسيد بن حضير وأصحاب هذه العائلة الكبيرة بنو [عبد] الأشهل أنّه قد جاء إلى دار أسعد بن زرارة من يدعو إلى شيء جديد، غضبوا وقالوا: «إنّه يفسد أبناءنا».
فقال سعد بن معاذ لأسيد بن حضير: «اذهب وانظر ماذا يحدث هناك، فلو لو لم يكن أسعد بن زرارة -صاحب البيت- ابن خالتي، ولا أريد أن يحدث شيء بيني وبينه، لذهبت إليهما بنفسي وأرحتك، ولكن اذهب أنت وانظر الأمر».
جاء أسيد بن حضير -رضي الله عنه- وهو في تلك الحال مشرك ودخل فقال لهما: «ما الذي جاء بكما؟ ألكي تفسدا أولادنا الأغرار؟!».
فقال له مصعب بن عمير: «أوَتجلس فتسمع؟، فإن رأيت شيئا تكرهه، كففنا عنك ما تكره، وإن رأيت شيئا رضيته، تابعت».
قال له أسيد: «أنصفتَ، هات ما عندك».
فقرأ عليه مصعب بن عمير آيات من القرآن، وبيّن له الإسلام، ووصف له حالتهم في الجاهليّة كيف كانت، قال له: «قد كنّا... وكنّا...، حتى جاء محمّد بن عبد الله، وهذا ما يأمرنا به».
__________
(1) ... «وحتّى نفهم معنى الدار، فإنّ أهل المدينة -غير اليهود- الأوسَ والخزرجَ مقسمّون إلى أعراش، ولكلّ عرش بيوت -مثلما هو الحال عندنا في ميزاب بالنسبة للعشائر-، فهذه دار بني سلَمة، وهذه دار بني عمرو بن عوف، وهذه دار بني النجّار، وهذه دار بني عبد الأشهل...، وهي ما يُعبَّر عنه اليوم بـ: ”الألقاب“، فتجد في عشيرةٍ ما خمس عشرة أو عشرين أو ثلاثين دارا، فصائلُ تجمعها لفظ القبيلة، فهؤلاء بنو عبد الأشهل، لهم لقب وحدهم». (من كلام الشيخ). (1/135)
صفحة 136
فشرح الله صدر أسيدٍ للإسلام، وقال لمصعب: «هذا خير عظيم، لقد فعلتَ شيئا حسنا، هذا الكلام حلو، فما يأمرنا إلا بالطيّبات والإحسان، وما ينهانا إلا عن الفواحش والمناكر». ثمّ قال له: «ماذا تصنعون للدّخول في دينكم؟»
قال له: «تشهد أن لا إله إلا الله وأنّ محمدا رسول الله، وتتطهّر، وتصلّي ركعتين».
هناك نهض أسيد بن حضير وفعل ذلك، فتشهّد وتطهّر وصلّى ورجع إلى الحيّ الذي فيه منازل بني عبد الأشهل، وكانت جماعة الأعيان جالسة ومعهم سعد بن معاذ -رضي الله عنه-، فعندما رأى هذا الأخيرُ أسيدا قادما من بعيد، قال لهم: «والله لقد جاءكم بغير الوجه الذي ذهب به عنكم، لقد جاءكم بوجه آخر جديد!!».
فلمّا وصل قال له سعد: «ماذا وجدت؟».
وكان أسيد -كما أشرنا- دونه في الدرجة؛ لذلك احتال عليه بحيلة لطيفة، إذ قال له: «ما وجدتُ شيئا فيه بأسٌ، ولم أجد شيئا أُنكره، ولكن سمعت أنّ بني حارثة قد ذهبوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه».
وأسعد هو ابن خالة سعد -كما ذكرنا- فقام سعد بن معاذ مغضبا، وتقلّد سلاحه وذهب.
وفي الحقيقة كانت هذه حيلة من أُسيد، فهو يريد من سعد أن يذهب ويطّلع هو بنفسه، ولم يرد أن يقول له مباشرة اذهب أنت وانظر بنفسك، فصوّر له هذه الصورة: «يقولون إنّ بني فلان ذاهبون ليقتلوا أسعد بن زرارة والذين معه».
غضب سعد وقام وذهب، فلمّا وصل لم يجد شيئا، بل ألفى أهل البيت والمقرئَ مطمئنّين، لا بأس عليهم، لم يحدث أيّ شيء، ففهم الآن أنّ أسيدا يريد أن يحضره إلى هنا لكي يسمع بنفسه.
فكرّر له [أي لمصعب] السؤال كما فعل أسيد أوّل مرة: «ماذا تصنعان؟ ما الذي جاء بكما، ألكي تفسدا أبناءنا؟». (1/136)
صفحة 137
فقال له مصعب: «أو تجلس فتسمع، فإن رضيت شيئا تبعته، وإن رأيت شيئا تكرهه كففنا عنك ما تكره».
قال له: «أنصفتَ، هذا هو الحق، أسمع أوّلا ثم أحكم». وكذلك العقلاء والحُذّاق.
وتكرّرت الحادثة نفسها التي وقعت مع أسيد، جلس وسمع دعوة الإسلام، وسمع القرآن، فما زاد على أن قال: «كيف يصنع من أراد الدخول في دينكم؟».
قال له: «تشهد أن لا إله إلا الله وأنّ محمّدا عبده ورسوله، وتخلع الأصنام التي تعبدها من دون الله، وتتطهّر وتصلّي».
فقام وفعل ذلك.
رجع سعد -رضي الله عنه- فجمع قومه بني عبد الأشهل، وقال لهم: «ما تعرفوني فيكم؟».
قالوا: «سيّدنا وأفضلنا وكبيرنا»، وأثنوا عليه.
فقال لهم: «كلام رجالكم ونسائكم عليَّ حرام حتىّ تسلموا».
فلم تغب شمس ذلك اليوم حتى أسلموا كلُّهم رجالا ونساءً.
وهذه إحدى المزايا الكبرى لسعد بن معاذ في الإسلام؛ فهذه دار كبيرة وفرع كبير من العشيرة دخلوا كلّهم في الإسلام بسببه.
ثمّ بدأ الإسلام ينتشر في يثرب.
[بيعة العقبة الأخيرة] :
بيعة العقبة الأخيرة
جاء وقت الموسم الموالي الذي تمّت فيه بيعة العقبة الثالثة والأخيرة، وهي المدّة التي بعدها بثلاثة أشهر -أي أوّل العام المقبل- سيهاجر النبيّ - صلى الله عليه وسلم - . (1/137)
صفحة 138
وحجّ في ذلك الموسم من أهل المدينة ثلاثة وسبعون رجلا وامرأتان من المسلمين، أمّا المجموع الكلّي الذي حجّ من المدينة فبلغ الخمسمائة أو يزيد؛ أي المسلمون منهم والمشركون. ولاحِظوا أنَّ العدد يكثُر حتّى من المشركين، فلماذا لم يوجد في الأعوام الماضية مثل هذا العدد؟ المتتبّعُ للحوادث، يجد أنّ الحروب التي كانت بينهم والتي انتهت بيوم بعاث، هي التي كانت تحول بينهم وبين الذهاب إلى مكّة، كما ذكرت من قبل.
ذهبوا كلّهم قافلة بعد قافلة، ودخل هؤلاء المسلمون مكّة ولقوا النبيّ - صلى الله عليه وسلم - في لقاء خفيف لا يُلفت الأنظار، وكانوا لا يزالون في مكّة؛ أي قبل أن ينزلوا إلى منى، وقبل الوقوف بعرفات، وقبل أيّام التشريق.
التقوا مع النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وحدّدوا الموعد، فقال: «موعدكم أوسط أيّام التشريق بمنى، بالشعب الذي عن يمين القادم إلى مكّة، بأسفل العقبة، ليلةَ النَّفْرِ (1) الأوّل».
وعدّة أيام التشريق مذكورة في القرآن الكريم في قوله تعالى: {وَاذْكُرُواْ اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ} (2) يعني في ثلاثة أيام {فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلآَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلآَ إِثْمَ عَلَيْهِ}، ويوم عيد الأضحى لا يُحسب، فاليوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من ذي الحجّة، هي أيّام التشريق التي يقيمها الحجّاج في منى، وفي كلّ يوم يرمون الجمار الثلاث، وأمّا يوم العيد، فلا يرمون إلا جمرة العقبة، ولكنّ الله تبارك وتعالى أذن لمن يريد أن يبقى يومين؛ أي اليوم الحادي عشر والثاني عشر من ذي الحجّة بعد الظهر، فيرمي الجمار ويذهب إلى مكّة، ذلك معنى قوله تعالى: {فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ}. واليوم الثاني من أيّام التشريق -وهو اليوم الثاني عشر من ذي الحجّة- يُعتبر يوم النّفر الأوّل.
__________
(1) ... «النَّفْرُ أو النَّفِيرُ هو خروج الناس وسفرهم». (من كلام الشيخ). النَّفْرُ: التَّفَرُّق. (ابن منظور، لسان العرب: ج5، ص224، مادة: نفر).
(2) ... سورة البقرة: الآية 203. (1/138)
صفحة 139
فواعدهم - صلى الله عليه وسلم - ليلة النّفر الأول؛ أي ليلة الثاني عشر؛ لأنّ الناس كلّهم لا يزالون ذلك الوقت بمنى.
ربط معهم موعدا محدّدا بالزمان والمكان، فالمكان عند العقبة بالشعب الذي عن يمين الداخل إلى مكّة، والزمان ليلة الثاني عشر من ذي الحجّة، بعد هُدأة من الليل، إذا سكنت الأقدام وأوى الناس إلى خيامهم.
ولكن وبما أنّ الاحتياط واجب؛ قال لهم النبيّ - صلى الله عليه وسلم - : «لا تنتظروا غائبا ولا توقظوا نائما». وهذا من دقّة ملاحظته - صلى الله عليه وسلم - وسداد رأيه في التخطيط والتوجيه؛ يعني مبالغة في الاحتياط للتعمية عن المشركين لكي لا يشعروا بهم، فلو شعر بهم كفار قريش لعارضوهم، ولربّما يكون ما يكون.
وكذلك كان.
وفي هذا عبرة لنا إذ نتعلّم أخذ الاحتياطات اللازمة إذا اقتضى المقام ذلك.
بعد نحو ثلث الليل، جاء الثلاثة والسبعون رجلا والامرأتان متسلّلِين، ليسوا جماعات، بل متفرّقين واحدا واحدا ومثنى مثنى، ولم يسلكوا طريقا واحدا، إنّما سلكوا طرقا مختلفة، حتىّ اجتمعوا جميعا، فوجدوا النبيّ - صلى الله عليه وسلم - قد سبقهم، وكان معه عمّه العباس -رضي الله عنه-، جاء لكي يحضر البيعة والعهد، وليستوثق، وليأخذ للنبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، ويرى أصحاب هذا العهد ويعرفهم، ويتثبّت هل يستطيعون أن يوفّوا أم لا؟.
وبدأ الكلامَ العباسُ، فقال لهم: «يا معشر الخزرج (1) ، أنتم تعرفون مكانة ابن أخي فينا، فهو في عزّ ومنعة ولا أحد يستطيع أن يصل إليه بضرر، ولكن لا يريد إلا أن يأويَ إليكم، وراغب في أن يأتي معكم، وأنتم أتيتم لكي تؤووه وتنصروه، فإن
__________
(1) ... «ولو أنّ الأوس كانوا معهم، ولكن جرت العادة عندهم أن ينادوا أهل يثرب بـ: يا معشر الخزرج؛ لأنهم أكثر أهل المدينة عددا، فلم يقل لهم: يا أهل يثرب، أو يا معشر الأوس والخزرج، إنما خاطب الغالب من أهل المدينة. ويسمّى هذا بالتغليب»(من كلام الشيخ). (1/139)
صفحة 140
علمتم أنّكم توفّون له بالعهد فتنصرونه وتحفظونه وتردّون عنه؛ فقد اختاركم على غيركم، وإن علمتم أنّكم غدا تسلمونه وتعجزون عن حمايته فتضيّعونه؛ فأطلقوه من اليوم ودعوه، فإنه في عزّ ومنعة».
فأعطوا العهود والمواثيق على أنّهم يؤوونه وينصرونه ويمنعونه ممّا يمنعون منه نساءهم وأبناءهم.
وتكلّم النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، ثمّ تكلّم بعض الأنصار فقالوا له: «يا رسول الله، خذ لربّك ولنفسك ما أردت»؛ يعني اشترطْ لربّك ولنفسك ما شئت.
قال: «الشرط لله تبارك وتعالى أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا»، وهذا شيء قد دخلوا الإسلام من أجله،
والشرط الآخر، قال: «تمنعوني ممّا تمنعون منه نساءكم وأبناءكم».
فقالوا له: «لك ذلك، نبايعك على أن نمنعك ممّا نمنع منه أُزُرنا (1) ، فما لنا بذلك؟»؛ يعني هذا شرطك أنت سنوفّي لك به، ونحن ماذا لنا؟
قال: «لكم الجنّة».
قالوا: «امدد يدك نبايعك».
فمدّ النبي - صلى الله عليه وسلم - يده لكي يأتي الأوّل الذي يبايع، وقبضها العبّاس، فقام أحد من كبار الأنصار ونظر إليهم قائلا: «يا قوم، أتعرفون على ما تبايعون؟ أتعرفون ما هو العهد الذي ستعطونه؟ إنّكم ستعطون العهد على محاربة الأسود والأحمر، على محاربة ناس الدنيا كلّهم»، وأردف قائلا: «فإذا نُهكت (2) أموالكُم مصيبة وأشرافكُم قتلا
__________
(1) ... «والإزار هو اللّباس الداخلي، وهو هنا كناية عن النساء». (من كلام الشيخ).
... ليس بالضرورة أن يكون لباسا داخليا وإنّما هو ما أحاط بجسم الإنسان من لباس. يقال: أَزر به الشيءُ؛ أي أحاط به. (ابن منظور، لسان العرب: ج4، ص10، والفراهيدي، العين: ج1، ص67، مادة: أَزَرَ).
(2) ... «نُهِكَ شيءٌ: ذهب معظمه». (من كلام الشيخ).
... النَّهْكُ هو التَّنَقُّصُ. (ابن منظور، لسان العرب: ج10، ص 499، مادة: نهك). (1/140)
صفحة 141
أسلمتموه؛ فمن الآن، فإنه والله خزي الدنيا والآخرة، وإن رأيتم أنكم توفّون بعهدكم؛ فبايعوا، فإنّه والله شرف الدنيا والآخرة».
وهذا كلام الفحول، أراد أن يُبَصِّرهم جيّدا بما هم مقدمون عليه، فهذا الذي أعطيتم العهد على أن تحاربوا دونه الأسود والأحمر -يعبّرون هكذا بهذه الكلمة- يعني ستعطون صدوركم للنّاس كلّهم وستقابلون الدنيا كلّها، فإن كنتم في اليوم الذي تصابون فيه وتذهب أموالكم ويُقتل أشرافكم (1) تتركونه؛ فمن الآن لا تعطوه العهد؛ لأنّه في ذلك الوقت سيكون خزي الدنيا والآخرة، وإن كنتم تعرفون أنّكم قادرون على الوفاء بما تعاهدون عليه اليوم؛ فخذوه، فإنه والله خير الدنيا والآخرة.
وهنا نكتة: لماذا قال قتل الأشراف ولم يقل قتل الناس أو قتل الرجال فقط؟.
لأنّ الذين يصابون ويُقتلون هم الأشراف والفحول الذين يتقدّمون الصفوف الأماميّة في الحرب، فهم الذين يُقصدون في المعارك ويقصدون بالاغتيالات؛ فنجد تعبيرا يدلّ على عقليّة دقيقة الملاحظة.
فنادوا كلّهم قائلين: «نعاهده ونبايعه على مصيبة الأموال وقتل الأشراف، فما لنا يا رسول الله؟».
فكرّر لهم: «الجنة».
فقالوا: «امدد يدك نبايعك».
اختلفت الرواية في من بايع أوّلا من الأنصار، قيل هو البراء بن معرور، وقيل اثنان آخران، ولكن هذا لا يهمّ، فبايعوا كلّهم (2) . وقبل أن يمدّ الأوّل يده ليبايع، قام أحد من الأنصار فقال: «هل عسيت إن أظهر الله دينك وارتفع شأنك وانتصرت ودخل قومك في دينك، أن ترجع إليهم وتتركنا؟».
__________
(1) ... «لأنّ الحرب لا بدّ أن تأكل المال وتأكل الرجال». (من كلام الشيخ).
(2) ... «البيعة صَفْقٌ في اليد، يقبض المبايِع على يد النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، ويقبض النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - على يده». (من كلام الشيخ). (1/141)
صفحة 142
فهم أيضا يحبّون أن يكون العهد مضبوطا.
فقال لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - : «لا، بل الدمَ الدمَ، والهدمَ الهدمَ، أُسالِم من تسالمون، وأُحارِب من تحاربون». مثلما يقول العرب: «سَلْمي سَلْمُكم، وحَرْبي حَرْبُكم».
يعني ولو انتصر الدّين غدا، ودخلت قريش كلّها في الإسلام؛ فأنا معكم.
ولقد قال - صلى الله عليه وسلم - عن الأنصار في غير ذلك الموضع (1) : «لولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار».
وقال كذلك: «الناس دثار (2) والأنصار شعار (3) ». وهذه العبارة معروفة تُقال عندما يحبّ أحد شخصا ويعزّه، فيقول: «فلان شعاري».
فقالوا حينئذ: «امدد يدك نبايعك». فهو أخذ لنفسه ولربّه، وهم أخذوا لأنفسهم كذلك ولربّهم، والنّصرة كلّها لله تبارك تعالى.
مدّ النبي - صلى الله عليه وسلم - يده فبايعوه متتابعين، ثمّ قال له بعض الأنصار: «والله لو شئت يا رسول الله لمِلْنا على أهل منى بسيوفنا».
فقال - صلى الله عليه وسلم - : «لم أُؤمر بعدُ بالحرب».
وفي ذلك الوقت حدث شيء من الضوضاء والضجيج وارتفاع الأصوات، فنبّههم العباس
__________
(1) ... قاله بعد غزوة حنين لما أعطى المؤلَّفة قلوبهم من الفيء ولم يعط للأنصار منه شيئا، فوجد الأنصار في أنفسهم من هذا الفعل، فاسترضاهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - بكلام مؤثّر تذرف منه الدموع، ولولا خشية الإطالة؛ لأوردته هنا. والقصّة كاملة تجدونها في كتب السيرة، فصل: مناقب الأنصار، أو عند الحديث عن غزوة حنين.
(2) ... «الدثار هو الرداء العلوي». (من كلام الشيخ). (انظر: ابن منظور، لسان العرب: ج4، ص276، مادة: دَثَرَ).
(3) ... «والشعار هو اللباس الداخلي الذي يلي الجسم». (من كلام الشيخ). وسمّي شعارا؛ لأنّه يلي شعر جسد الإنسان دون ما سواه من الثياب. (ابن منظور، لسان العرب: ج4، ص410، مادة: شَعَرَ). (1/142)
صفحة 143
قائلا: «اسكُنوا، إنّ علينا جواسيسَ فلا ترفعوا أصواتكم».
وبعد أن بايعوه جميعا قال لهم النبيّ - صلى الله عليه وسلم - : «ليرجع كلّ واحد إلى رَحْله مستخفيا كما أتيتم متسلّلين دون أن يشعر بكم أحد».
إلى هذه اللّحظة الأمر لا يزال مستورا، فقد أخرص الله شياطين الإنس والجنّ وأعماهم، وما إن تمّ صفق البيعة وتمّ العقد وقاموا ليفترقوا؛ حتى نادى إبليس اللّعين في الجمرة الكبرى -لأنّهم قريبون منها-: «يا أهل الأخاشب (1) -أخشبا مكّة- هل لكم في محمّد والصَّبِأة معه»، وفي رواية قال: «هل لكم في مذمّم»؛ يعني: «محمّدا» نطقها: «مذمّما».
فانكشف أمرهم، وقيل بأنّ رسول الله عليه وسلم ردّ عليه قائلا: «سأفرغ لك يا عدوَّ الله».
فتسلّلوا ولم يُمسَك منهم أحدٌ، وفي الصباح ومع ذلك النداء من الشيطان الذي سمعه أهل منى، تساءل المشركون وبحثوا، فجاءهم النبأ أنّ محمّدا قد التقى مع أهل يثرب وأعطوه العهد وسوف يذهب إليهم. فقامت قيامة قريش، فذهب كبراؤهم أبو جهل وأضرابه إلى أهل يثرب فوجدوهم مجتمعين المسلمون منهم والمشركون، فقالوا لهم: «بلغنا أنّكم جئتم إلى صاحبنا هذا، وأنّكم تريدون أن تؤووه وتنصروه؟».
فتكلّم كفّارهم وقالوا: «والله ما وقع شيء من هذا، والله ما رأيناه ولا حصل شيء أبدا». حتّى مشركي أهل المدينة لم يشعروا بما فعله مسلموهم.
وقال لهم عبد الله بن أُبي بن سلول (2) : «هذا شيء لا يقع أبدا، وما كان
__________
(1) ... الأخاشب وخشْبان: الجبال الخشن التي ليست بضخام ولا صغار، والأخشبان جبلان مُطيفان بمكة، وهما: أبو قُبَيس والأحمر. (ابن منظور، لسان العرب: ج 1، ص354، مادة: خَشَبَ).
(2) ... «وكان في ذلك الوقت وبعد وقعة بُعاث وموت كثير من كبار أهل المدينة، يستعدّ ليُلبَس التاج ويكون ملكا على يثرب؛ ولذلك عزّ عليه الدخول في الإسلام، وأصبح رأسَ المنافقين حتى مات». (من كلام الشيخ). (1/143)
صفحة 144
قومي ليفتاتوا (1) عليّ، حتى ولو كنت بيثرب ما فعلوا شيئا من هذا حتّى يؤامروني، فاطمئنّوا فإنّه لم يحدث شيء».
وهكذا عمّى الله عنهم كلّ شيء.
عاد المبايعون إلى المدينة، ولكن ما زال الغيظ يتحرّك في قلوب المشركين، فهم لم يطمئنّوا بعد ويريدون أن يتثبّتوا أكثر، فتبعوهم وأمسكوا سعدَ بن عبادة الذي وجدوه آخر من ارتحل، وكان لا يزال قرب مكّة، فقيّدوه وأتوا به مكّة وعذّبوه قليلا، حتى شفع فيه المطعم بن عديّ (2) ، وكان قاب قوسين أن يرجع أهل المدينة؛ لأنّهم -وهم في الطريق- افتقدوا سعدا، وسعد بن عبادة من سادة الخزرج، ولمّا كانوا يتهيؤون للرجوع فيشعلونها حربا مع أهل مكّة؛ إذا بسعد قادم من بعيد على راحلته.
وهكذا انتهت مرحلة البيعات الثلاث، وتأتي بعدها المرحلة الثالثة، وهي بدء هجرة المؤمنين إلى المدينة، ثمّ هجرته - صلى الله عليه وسلم - في الثاني عشر من ربيع الأوّل، فإلى الدرس الآتي، والحمد لله رب العالمين.
__________
(1) ... اِفْتَاتَ عليَّ ما لم أقله؛ اختلقه. وافْتات الرَّجُل عليَّ؛ إذا قال عليَّ الباطل. وافْتات فلانٌ برأيه؛ استَبدَّ به. (ابن منظور، لسان العرب: ج2، ص64، مادة: فَأَتَ).
(2) ... هنا تراجع الشيخ؛ لأنّه قال بعد أن نطق باسم المطعم بن عديّ: «شفع فيه بعض أهل مكّة». والصحيح أنّ من شفع في سعد بن عبادة -رضي الله عنه- هما: جبير بن مطعم بن عديّ، والحارث بن حرب بن أميّة. (سيرة ابن هشام: ج2، ص298-299). (1/144)
صفحة 145
الدرس الخامس
محتويات الدرس:
محتويات الدرس
? خلاصة الدرس الماضي.
? إنا كفيناك المستهزئين.
? مصارعته - صلى الله عليه وسلم - لركانة.
? إذلال أبي جهل قبل مقتله في بدر. (1/145)
صفحة 146
صفحة 146 بيضاء (1/146)
صفحة 147
الدرس الخامس (1)
[موضوعه: بيّن فيه كيف كفى اللهُ نبيَّه المستهزئين، وكيف كان مصير كلّ واحد منهم في الدنيا قبل الآخرة].
[خلاصة الدرس الماضي] :
خلاصة الدرس الماضي
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على رسول الله.
لا يزال الحديث متّصلا في دواعي الهجرة، أو بعبارة أخرى: في الفترة التي سبقت الهجرة.
في الدرس الماضي ذكرنا اجتماع النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بالأنصار ودخول الإسلام في المدينة وانتشاره في ربوعها، ولا بأس أن نبيّن في عجالة واختصار خلاصة ما تقدّم.
فقد باشر النبيّ - صلى الله عليه وسلم - في الثلاث سنوات التي أعقبت خروجه من الشعب إثر المقاطعة التي أُبرمت ضدّهم- اللّقاءَ بأهل المدينة في الموسم، وذلك بعد أن بدأ يطوف على منازل العرب إذا قدموا إلى الحجّ عارضا نفسه ودينه عليهم، فذكرنا أنّه التقى في العام الأوّل بستّة من الأنصار من أهل يثرب، وكان هؤلاء الستّة من الخزرج، وهم الذين أخذوا الإسلام إلى المدينة فبدأ ينتشر، ولو أنّه كان انتشارا ضعيفا (2) .
وفي الموسم الموالي؛ أي بعد عام، جاء اثنا عشر من أهل يثرب فاجتمعوا بالنبيّ - صلى الله عليه وسلم - وأعلنوا إسلامهم وبايعوه على بيعة النساء، فأرسل معهم مصعب بن
__________
(1) ... ألقاه بعد صلاة الجمعة يوم: غرّة صفر 1392هـ الموافق لـ 17 مارس 1972م.
(2) ... لم يبدأ الإسلام في الانتشار برجوع الستة الأوّلين، وإنما الذي حدث في المدينة هو انتشارُ ذِكْرِ ما جرى بين هؤلاء الستة والنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، وهذا ما ذكره الشيخ في الدرس الماضي، وإنّما بدأ الإسلام بالانتشار في العام الموالي. (انظر: سيرة ابن هشام: ج2، ص278). (1/147)
صفحة 148
عمير، هذا الشابّ السابق إلى الإسلام والقارئ للقرآن الكريم؛ لكي يعلّمهم كلام الله تعالى.
وبعد أن رجعوا إلى المدينة كانت قصّة إسلام [سعد بن] معاذ -رضي الله عنه-، وإسلام قومه بني عبد الأشهل.
وفي العام الثالث وهو العام الأخير -والذي بعده مباشرة سيهاجر النبيّ - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة، وهذا بعد موسم الحج، وبالضبط في ربيع الأوّل- حجّ من الأنصار ثلاثة وسبعون، وتقدّمت لنا قصّتهم وكيف اجتمعوا بالنبيّ - صلى الله عليه وسلم - بالعقبة، ورأينا العهد الذي أخذه منهم والعهد الذي أخذوه منه، ثمّ بعد ذلك يأذن الله تبارك وتعالى لنبيّه - صلى الله عليه وسلم - شخصيّا بالهجرة.
[إنّا كفيناك المستهزئين] :
إنّا كفيناك المستهزئين
ولكن قبل أن نبدأ الحديث في هجرة النبيّ - صلى الله عليه وسلم - مع أبي بكر -رضي الله عنه-، يوجد ثمّة كلام لابدّ منه في هذه الفترة، وهي هذه الأعوام الثلاثة الأخيرة التي قضاها بمكّة قبل أن يهاجر، فقد كان - صلى الله عليه وسلم - يواجه فتنا من قِبَلِ المشركين.
أصحاب السيرة الذين كتبوا في سيرة النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وتاريخ بدء الإسلام، يذكرون الفتنة الأولى والفتنة الأخيرة.
الفتنة الأولى هي التي كانت في العام الرابع والخامس والسادس من البعثة؛ لأنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - كان في أوّل البعثة يدعو الناس إلى الدين خفية، وبعد ثلاث سنوات أُمر أن يجهر بالدعوة إلى الإسلام، فأظهر دينه وجهر بالدعوة وتكلّم في آلهة المشركين ما تكلّم وأنّها لا تنفع ولا تضر ولا تشفع ولا تفعل شيئا ممّا يعتقدونه أبدا، وقتئذ تبدأ الفتنة الأولى ويشتدّ أذى المشركين، فبالأمس ولو أنّهم كانوا يعرفون أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - يدعو إلى الإسلام وأنّ البعض قد اتّبعه، إلاّ أن الأمر لا يزال هيّنا، ثمّ إنّه لم يجاهر بالدعوة. (1/148)
صفحة 149
فلمّا بدأت الفتنة الأولى وذلك بضرب المسلمين وتعذيبهم والمكر فيهم، هاجر المسلمون إلى الحبشة الهجرة الأولى ثمّ الهجرة الثانية، فخرج عدد كبير منهم إليها، ووجدوا فيها مأوى تحت ظلّ الملك العادل النجاشيّ -رضي الله عنه-. أقول رضي الله عنه لأنّه مات مسلما، وصلّى عليه النبيّ - صلى الله عليه وسلم - صلاة الغائب كما تقدّم.
وبعد أن رجعوا، دبّر المشركون فتنة أخرى، وهي الفتنة الكبرى، فأبرموا قطيعة ضدّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وقومه الذين ناصروه، المسلمون منهم والكافرون.
وكأنّه في ذلك الوقت -وفي أثناء المقاطعة- خفّ التعذيب نوعا ما، وبعد خروج النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ومن معه من الشعب -وذلك بعد ظهور معجزة الصحيفة والتي تتمثّل في الأرضة التي سلّطها الله تبارك وتعالى على عقد المقاطعة الذي كتبوه وأمضوا فيه وعلّقوه في الكعبة فأخبرهم النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بذلك بعد أن أعلمه جبريل - عليه السلام - ، انتصروا عليهم انتصارا معنويّا ومادّيا، ولو أنّ الحرب لم تكن بعدُ. فاحتار المشركون بعد ذلك كيف يصنعون؟!.
بعد الخروج من الشعب بقليل، بدأ الاتّصالَ بقبائل العرب في المواسم، حتى كان ما كان ممّا سمعتموه من الاجتماع بالأنصار في العام الأوّل والثاني والثالث.
وفي أوّل هذا العهد وبعد خروج النبيّ - صلى الله عليه وسلم - من الشّعب، ماتت خديجة ومات أبو طالب، وكان بينهما أيّام قليلة، وقتئذ تجدّدت الفتنة وعادت -كما يسمّيها أهل السيرة بالفتنة الآخرة أو الأخيرة-، فتحزّم المشركون بزيادة المكر في المسلمين؛ لأنّه قد بلغهم أنّ هناك اتّصالات سرّية بين النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وأهل المدينة، وأنّ الإسلام قد وصل إليها وبدأ ينتشر في ربوعها، وأنّه سوف يهاجر إليها، فقالوا: «بالأمس قطعوا البحر الأحمر وهاجروا إلى الحبشة، واليوم إذا دخل أهل يثرب في الإسلام؛ سيكون الخطب جللا».
ولماذا قالوا هذا؟. (1/149)
صفحة 150
لأنّ المدينة قريبة من مكّة، فالمسافة بينهما اليوم عشرون وأربعمائة كيلومترا، ولا يفصلهما بحر، والأخطر من ذلك أنّها تقع في طريق أهل مكّة إلى الشام، ودائما يمرّون عليها؛ لأنّها جاءت من الجهة الشمالية، فإذا ذهبوا إلى الشام للتجارة في رحلتهم الصيفية؛ مرّوا عليها.
فهنا اشتدّ إيذاؤهم.
وقلنا إنّ أصحاب السيرة يعبِّرون عنها بالفتنة الأخيرة، ففي هذا الوقت بالذات نشِط المستهزئون، ولقد كانوا كذلك من قبل ولكن زادوا ونشطوا في هذه المدّة، وهم الذين أنزل الله تبارك وتعالى فيهم قوله: {فَاصْدَعْ بِمَا تُومَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ الذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ـاخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىا يَاتِيَكَ الْيَقِينُ} (1) .
هذه الآيات جاءت في أواخر سورة الحجر، السورة التي بين [سورة] إبراهيم - عليه السلام - وسورة النحل، ونزلت قبل أن يهاجر النبيّ - صلى الله عليه وسلم - (2) . فمن هم هؤلاء المستهزئون؟ وماذا فعل الله بهم؟.
المستهزئون هم ألدّ أعداء النبيّ - صلى الله عليه وسلم - والذين يُذكرون دائما في التاريخ والسِّير، يعني خبثاء المستهزئين في قريش، قريشٌ كلّها كافرة، والعرب كلّهم كفّار إلا عدد قليل ممّن رحم ربّك، ولكن من بين هؤلاء ومن بين أهل مكّة، اشتهر نحو عشرين، هؤلاء هم الخبثاء وأكبر الماكرين الذين يؤذون النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، ويؤذون أصحابه ويستهزئون ويسخرون منهم.
وكلّ واحد منهم تقريبا نزلت فيه آية قرآنيّة مثلما نزلت في أبي لهب وامرأته حمّالة الحطب.
__________
(1) ... سورة الحجر: الآيات 94-99.
(2) ... أو بعبارة أخرى في اصطلاح أهل التفسير: هي سورة مكيّة. (1/150)
صفحة 151
كانت كلّ أمورهم سخريّة...
يتهكّمون بالنبيّ - صلى الله عليه وسلم - إذا مرّ بين أيديهم...
ويسخرون بالمسلمين ويستهزئون إذا مرّوا من أمامهم...
لم يتركوا شيئا يقدح...
فبالإيذاء تارة...
وبالضرب تارة أخرى إن استطاعوا أن يضرّوهم بالضرب...
ومن هؤلاء المستهزئين: الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، وأبو جهل، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وابنه عتبة، والنضر بن الحارث، وأميّة بن خلف، وأُبَيُّ بن خلف، والأسود بن المطلب، والأسود بن عبد يغوث... وأسماؤهم محفوظة للتاريخ (1) .
يقول الله تعالى: {إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ} أي سوف نريحك منهم، سواء قبل الهجرة أو بعدها؛ لأنّ البعض كفاه إيّاهم في مكّة قبل الهجرة، والبعض الآخر بقتلهم يوم بدر في السنة الثانية، وواقعة بدر مشهورة سمعتم أحداثها مرارا، وفيها عبر مهمّة.
وكان في صدارة قائمة المستهزئين الذين قُتلوا يوم بدر رأس الكفر أبو جهل، ولا أظنّ أحدًا يجهل أبا جهل، فالكلّ يشبِّه به عندما يرون شخصا كافرا عنيدا يُضادُّ الحقّ، ويناصر الباطل؛ فيلقّبونه: «أبا جهل».
وقُتل في بدر أيضا: عتبة بن ربيعة، وشيبة، والوليد بن عتبة، وأميّة بن خلف، وأُبيّ بن خلف، وعقبة بن أبي معيط...، فكانوا من جملة السبعين الذين قُتلوا يومها، ورماهم المسلمون في القليب (2) ، فطهّر الله الأرض منهم.
__________
(1) ... انظر مثلا: سيرة ابن هشام: ج2، ص199 وما بعدها.
(2) ... القليب: البئر لم تُطو، وجمع الكثير: قُلُبٌ. وسميت قليبا؛ لأنه قُلب ترابها. (ابن منظور، لسان العرب: ج1، ص689، مادّة: قلب). (1/151)
صفحة 152
ومَن قومه سبعون جرهمُ إلى قليب ... و مثلُ الهالكين له أسرى (1)
الجماعة الأخرى من المستهزئين وهم خمسة، لم يهلكوا بالحرب، وإنّما كلّ واحد منهم أصيب بمصيبة، ويقول بعض الروَاة: إنّهم ماتوا كلّهم في يوم واحد، وكلّ واحد منهم في مكان، وكلّ واحد منهم بنوع، وفي إهلاك كلّ واحد منهم عبرة.
هؤلاء الذين اشتهروا بالمستهزئين، حتى إنّه عُرف وفي أشهر الروايات -لدى قُرّاء السيرة الذين يتابعون تاريخ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وسيرته- إذا ذُكر المستهزئون يُذكر هؤلاء الخمسة دائما، وخلّدهم البوصيريّ -ليُلْعَنوا في كلّ زمان- في همْزيّته المديحيّة العصماء، وقال فيهم أبياتا، فاشتهر بين الطلاب: {إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ} هم هؤلاء: الأسود بن عبد يغوث، الأسود بن المطلب، الوليد بن المغيرة، العاص بن وائل، الحارث [بن الطلاطلة] (2) .
يقول فيهم البوصيري (3) :
__________
(1) ... بالبيت خلل في الوزن، ولقد بحثت عنه؛ فوجدت قريبا منه ما قاله البرعي في قصيدة مديحية، يقول في مطلعها: ... يقيم على آثارهم وأسير
0@فؤادي بربع الظاعنين أسير ... فكيف أكفّ الدمع وهو غزير
ودمعي غزير السكب في عرصاتهم
... إلى أن يقول:
وجنّد في بدرٍ ملائكة السما ... فجبريل تحت الرايتين أمير
ومَن قومه في البئر سبعون سيدا ... قتيلا ومثل الهالكين أسير
... (الموسوعة الشعرية).
(2) ... قال الشيخ: «الحارث بن يزيد»، والصحيح ما أثبتته أعلاه. انظر: سيرة ابن هشام، ج2، ص256-257.
(3) ... البوصيري. القصائد البصيرية في مدح خير البرية: ص11-12. (1/152)
صفحة 153
وكفاهُ المستهزئين وكم سا ... ء نبيئا من قومه استهزاءُ
ورماهم بدعوة من فناء الـ ... بيت فيها للظالمين فناءُ
خمسة كلّهم أصيبوا بداءٍ ... والرَّدى من جنوده الأدواءُ
فدهى الأسودَ بن مطلب أيـ ... يُ عمى ميِّتٌ به الأحياءُ
ودهى الأسودَ بن عبد يغوث ... أن سقاه كأسَ الردى استسقاءُ
وأصاب الوليدَ خِدشة سهم ... قصَّرتْ عنها الحيَّة الرقطاءُ
وقضت شوكة على مهجة العا ... صي فللّه النقعة الشوكاءُ
وعلى الحارث القُيوح وقد سا ... ل بها رأسه وساء الوعاءُ
خمسةٌ طُهّرت بقطعهم الأر ... ضُ فكَفُّ الأذى بهم شلاءُ
ثمّ يقابلهم بالخمسة الذين نقضوا الصحيفة فقال:
فُديت خمسة الصحيفة بالخمـ ... سة إن كان للكرام فداءُ
أورد هؤلاء المستهزئين الخمسة، وذكر سبب هلاك كلّ واحد منهم، فبدأ بالأسود بن المطلب:
«فدهى الأسود بن المطلب أيُّ عمى».
وكان من أشدّ المستهزئين بالنبيّ - صلى الله عليه وسلم - وبالمسلمين، وقد بلغ من إيذائه درجةً جعلتِ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - يدعو عليه بالعمى وقطع نسله؛ لأنّه من الذين يقولون: «إنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أبتر»، فعمي وقُتل هو وأبناؤه وأحفاده، وقطع الله ذرّيته فلم يبق منهم أحد بدعاء النبيّ - صلى الله عليه وسلم - .
تروي الرواية أنّ هؤلاء الخمسة كانوا في يوم من الأيّام يطوفون بالبيت، وكان النبيّ - صلى الله عليه وسلم - جالسا هناك مقابلا للكعبة بعيدا قليلا عن مطافهم، فجاءه جبريل - عليه السلام - وأشار إلى كلّ واحد منهم قائلا للنبيّ - صلى الله عليه وسلم - : «ماذا تقول فيه؟».
فيقول: «بئس الرجل، لا يوجد أحد أخبث منه». (1/153)
صفحة 154
وكان المشركون يرون النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وهو جالس ولكن لا يرون جبريل - عليه السلام - ؛ فهو لا يُرى إلا إذا أراد الله تبارك وتعالى.
فمرّ الأسود بن المطلب بين يديهما، وأشار جبريل إلى عينيه، وقيل إنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لجبريل: «ما صنعتَ شيئا!»؛ يعني لم تفعل شيئا يا جبريل، وإن كان الأمر يبدو لي غريبا، فكيف يقول له لم تفعل شيئا يا جبريل؟!.
قال له جبريل: «قد كَفَيْتُكَهُ».
فأشار إلى عين الأسود، فذهب ومرّ بشجرة فلمسته ورقة خضراء منها في عينيه، فبدأ منذ ذلك الوقت يشكو وجعا فيهما ويستغيث ويقول للناس: «يوجد شيء ينزغني في عيني...
ردّوا عني...
ما هذه الخناجر التي تطعنني في عيني؟... »
فقالوا له: «واللهِ لسنا نرى شيئا».
حتّى أنّه كان يضرب رأسه إلى الجدار لكي يسكن الوجع، فلا توجد طريقة أخرى ليخفّف بها ألم عينيه إلا أن يفعل ذلك، ثمّ عمي، ولكن بعد ماذا؟، بعد أن قاسى وعانى عذابا أليما.
هذه هي قصّة هلاك الأسود بن المطلب.
فدهى الأسودَ بنَ مطّلب أيْ ... يُ عمًى ميّتٌ به الأحياءُ
ثمّ يورد البوصيري قصة هلاك المستهزئ الثاني، فيقول:
ودهى الأسودَ بنَ عبد يغوث ... أن سقاه كأس الرّدى استسقاءُ
وكان من أشدّ المستهزئين كذلك. (1/154)
صفحة 155
مرّ هو أيضا بالنبيّ - صلى الله عليه وسلم - وجبريلَ لمّا كانا جالسين في الحرم، فأشار جبريل إلى بطنه، ولا ندري كيف هي هذه الإشارة، فمن هناك أصابه داء الاستسقاء.
ومرضُ الاستسقاء مرض موجود ومعروف إلى اليوم، وحتى العامّة تُعبّر عنه بهذه العبارة العربيّة الفصحى القديمة.
وداء الاستسقاء هو أن يصاب أحد في بطنه، فيجتمع فيه الماء الأصفر وينتفخ. وكلّكم تسمعون في بعض الأحيان أنّ فلانا دخل المستشفى فأخرجوا منه أربع أو خمس أو عشر لترات من الماء، فيبقى أيّاما ثمّ يأخذونه من جديد إلى المستشفى لكي يخرجوا منه كميّة أخرى.
هذا الماء الأصفر داء معروف ومشهور إلى اليوم وموجود في كلّ مكان، ولدينا بعض أناس ماتوا قريبا بعد أن أصيبوا بهذا الدّاء، وحقيقة يستغرب أحد إذا سمع أنّ فلانا أخرجوا له من بطنه كذا وكذا من اللترات ماءً.
فالأسود بن عبد يغوث أصيب بهذا الداء، فأصبح بطنه ينتفخ بهذا الماء الأصفر، حتى كان رجيعه (1) يخرج مِن فيهِ، وسخُ بطنه -أكرمكم الله- ينزل من فمه، ولكن قبل أن يصاب بهذا الداء، خرج يوما إلى الصحراء، وبعد أن أصيب بالحرّ ولفحته السَّموم وأحرقه القيظ، سوّده الله تعالى وغيَّر خِلقته، فجاء إلى أهله وأراد أن يدخل عليهم فلم يعرفوه فطردوه، وزاد عليه اللهُ أن ابتلاه بهذا المرض، حتى مات طريدا بهذا الاستسقاء.
ومن الغريب أن أباه هو أخو آمنة مباشرة، أي هو ابن خال النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، فهو عبد يغوث بن وهب، وهي آمنة بنت وهب، فعبد يغوث جاء بهذا الأسود الذي هو أسود حقّا كاسمه، وكان كلّما التقى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - صباحا يقول له في سخرية: «ألا يوجد خبر
__________
(1) ... الرجيع: الروث والعذِرة، وسمّي رجيعا؛ لأنّه رجع عن حاله التي كان عليها بعد أن كان طعاما أو علفا أو غير ذلك. (ابن منظور، لسان العرب: ج8، ص114، مادة: رجع). (1/155)
صفحة 156
من السماء اليوم؟!»، وكان إذا مرّ المسلمون بين يديه يقول للناس: «تعالوا تروا ملوك الأرض، هؤلاء الذين سيملكون قصور كسرى!!»، ويردّد أمثال هذه العبارات دائما.
وهكذا أصيب بهذا البلاء، وكان الجزاء من جنس العمل، «ومن شرط كلّ شرط جزاءُ» (1) ، فالفم الذي كان يستهزئ به، أصبح يخرج الرجيع منه، ومثلما كان يرمي الخبث من الكلام، أصبح يرمي الخبث من بطنه.
هذه هي قصّة هلاك الأسود بن عبد يغوث.
ودهى الأسود بن عبد يغوث ... أن سقاه كأس الردى استسقاء
ثمّ يقول:
وأصاب الوليدَ خِدْشة سهم ... قصّرت عنها الحية الرَّقطاءُ
الوليد بن المغيرة المخزوميّ القرشيّ وهو والد خالد بن الوليد سيف الله، وكان من أعزّ العرب وأغناهم، وبلغ من غناه أنّه كان يكسو الكعبة لوحده، بينما تشترك قريش [كلّها] إذا ما أرادوا ذلك، ولا ندري هل كانت الكسوة تبدّل كلّ عام في ذلك الوقت أم لا؟، لكن كانت قريش تجتمع كلّها لصنع ستار الكعبة؛ لأنّهم يصنعونه صنعا جيّدا بالحرير وبما يستطيعون، مثلما هو الأمر الآن، وإنّما الصناعة تختلف من وقت إلى وقت، لكنّ الوليد من جهة أخرى كان لما يأتيه الدور، يكسو الكعبة لوحده.
وكان الوليد من الذين يقولون: «كيف لا يأتي الوحي إليّ ويذهب إلى محمّد وأنا لبيب قريش وسيّدها؟! ولا يوجد أحد أعقل منّي وأحذق؟!، لماذا لم تأت هذه النبوّة إليّ أنا أو إلى عروة بن مسعود الثقفي؟!».
والوليد كذلك كان ممّن بالغ في إيذاء المسلمين، والمكر بهم، والاستهزاء بهم، والعجب بماله وقوّته.
__________
(1) ... هذا شطرٌ ثانٍ من بيتٍ في همزيّة البصيريّ، والشطر الأوّل فيه: «شُقَّ عن صدره وشُقَّ له البدرُ». مع ذهاب «راء» «البدر» إلى الشطر الثاني؛ لضرورة الوزن. (1/156)
صفحة 157
مرَّ الوليد ذات يوم برجل وهو في حالة تَبختر وخُيلاء، مسبلا إزاره، يجرّ رداءه على الأرض جرًّا، فتعلّق به نبلٌ وخدشه، ولكن كان متكبّرا، فهو من سادات العرب وعظمائها، وكان الانحناء عندهم عيبا، وهم إلى اليوم على هذه الطريقة.
فكان من العيب عنده إذن أن ينحنيَ وينزع ذلك السّنان الذي علق في ردائه، وما منعه إلا الكبر، ولعلَّ الخادم لم يكن معه في ذلك الوقت كي يأمره بنزعه، وكان ذلك السنان صغيرا رقيقا، فتركه وذهب، ولمّا مرّ على النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وجبريل - عليه السلام - ، أشار جبريل إلى ذلك الجرح، فبدأ ينتفخ حتى كان هلاكه به، فأحدث له عذابا أليما كأنّه أُصيب بسمٍّ من أشدّ أنواع السُّموم:
وأصاب الوليدَ خِدْشة سهم ... قصّرت عنها الحيّة الرَّقطاءُ
قال البوصيري في همزيّته: إنّ ذلك الجرح لما أشار إليه جبريل - عليه السلام - ؛ فعل فيه ما لم تفعله الحيّة المزركشة، وهم يعبّرون عنها اليوم ويقولون: «الثعبان المزركش»، وفي القديم: «الحيّة الرقطاء» (1) ، والسموم أنواع ولكن أشدّها سمّ الثعبان.
هذه هي قصّة هلاك الوليد بن المغيرة.
وكانت للوليد قصّة أخرى مع خبّاب بن الأرتّ صانع السيوف، تُبَيِّن المدى الذي بلغه استهزاؤه بالنبيّ - صلى الله عليه وسلم - وبالمسلمين، إذ صنع له خبّاب يوما سيفا، فلم يرد أن يدفع له ثمنه، فذهب يطالبه بحقّه فقال له الوليد: «ألستم تزعمون وتقولون: إنّنا إذا متنا سنذهب إلى الدار الأخرى فنجد فيها الخيرات؟، فعندما نذهب إلى هناك سأعطيك حقّك؛ لأنّك لا أنت ولا أصحابك ستكونون أعلى مقاما عند الله منّي»، فردّ الله تبارك وتعالى عليه: {أَفَرَآيْتَ الذِي كَفَرَ بِئَايَاتِنَا
__________
(1) ... الرَّقْطَاء: مصدره الرُّقُطَةُ، وهو سواد يشوبه نُقَطُ بياضٍ، أو بياض يشوبه نُقَطُ سوادٍ. يقال للذكر: «أرقط»، وللأنثى: «رقطاء». (ابن منظور، لسان العرب: ج7، ص304، مادة: رَقَطَ). (1/157)
صفحة 158
وَقَالَ لأوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَدًا} (1) ، تماما مثلما قال الآخر في آية أخرى: {وَلَئِن رُّدِدْتُ إِلَىا رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهُمَا مُنقَلَبًا} (2) .
هؤلاء الكفرة المغرورون يقولون: «مثلما رفعَنا الله في الدنيا وأعطانا العزّ والسلطان والمال؛ ففي الآخرة أيضا سنكون كذلك»، هذا هو الطمع الباطل الفارغ.
{أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا} (3) : يا هل ترى، أَطّلَع هذا على الغيب وعلم ما في الآخرة حتى يعلم أنّي قد حضّرت له جنّات وخيرات؟!، {أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا}: أم عنده عهد مع الله بالإيمان والطاعة والإسلام؟!، ومن آمن بالله وأحسن في إيمانه وإسلامه فقد اتّخذ عند الله عهدا أن يدخله الجنة، فردّ الله تبارك وتعالى عليه: {كَلاَّ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَاتِينَا فَرْدًا} (4) : لا يأتي بأيّ شيء معه: {وَلَقَدْ جِئْتُمُوناَ فُرَادَىا كَمَا خَلَقْنَاكُمُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَآءَ ظُهُورِكُمْ} (5) .
[ثمّ يورد البوصيري قصّة هلاك المستهزئ الرابع فيقول]:
و قضت شوكة على مهجة العا ... صي فللّه النقعة الشوكاءُ
ل بها رأسه وساء الوعاء
وهو العاصي بن وائل السهميّ، والد عمرو بن العاص، قضت عليه شوكة؛ [إذ] مرّ هو الآخر معهم بعد الطواف حيث كان النبيّ - صلى الله عليه وسلم - مع جبريل [جالسين]، فأشار جبريل إلى أخمصه، فمرّ مباشرة وركب حماره، وذهب إلى الطائف (6) ، وببعض الطريق أوقف حماره ونزل لقضاء حاجة،
__________
(1) ... سورة مريم: الآية 77.
(2) ... سورة الكهف: الآية 36.
(3) ... سورة مريم: الآية 78.
(4) ... سورة مريم: الآيتان 79-80.
(5) ... سورة الأنعام: الآية 94.
(6) ... «وقد سمعتم أنّ الطائف بلد فيه ماء [غزير]، وفيه نخل وأشجار، والغالب أنّ كبار مكّة يمتلِكون أجنّة فيه». (من كلام الشيخ). (1/158)
صفحة 159
فخدشه سنان شِبْرِقٍ (1) ، فلم يعره اهتماما.
وقضت شوكة على مهجة العا ... صي فللّه النقعة الشوكاءُ
ل بها رأسه وساء الوعاء
جرحه سنان شبرق في المكان الذي أشار إليه جبريل بيده لما مرّ، فبدأ ينتفخ، وأصبحت رجله كعنق الجمل، [فكان سببَ هلاكه].
[أمّا المستهزئ الخامس والأخير فهو الحارث بن الطلاطلة]:
وعلى الحارث القيوح وقد سا ... ل بها رأسه وساء الوعاءُ
لَمَّا مرّ هذا الأخير على النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وجبريل - عليه السلام - ، أشار جبريل إلى رأسه، فأصبحت كلّها تورّمات، وتفجرت عيونا من القيوح عن اليمين وعن الشمال، مع نتن ورائحة كريهة، حتى سئمه أهله، وكانت تلك نهايته.
ويقول بعض الرُّواة أنّ هؤلاء الخمسة ماتوا كلّهم في يوم واحد، ولذلك اشتهر لدى كُتّاب السيرة في الأربعمائة عام وألف كلّما ذُكر المستهزئون: {إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ}؛ يَذْكُرون هؤلاء الخمسة كما أوردهم البوصيري؛ لأنّهم لم يموتوا في قتال، ولو كان الأمر كذلك؛ فسيكون لهم بطولةً، إنّما ظهرت فيهم معجزات النبيّ - صلى الله عليه وسلم - .
أمّا البقية الباقية من المستهزئين وعلى رأسهم أبو جهل، فقُتلوا يوم بدر، ولم يبق منهم إلا أبو لهب وهو عمّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، وهو الذي نزلت فيه سورة المسد، هذا الأخير لم يذهب إلى بدر ولكنّه بقي في مكّة ومات فيها بالغيظ لما أُخبر بهزيمة أصحابه وقومه يومها، فتملّكته غصّة ونبت له ورم فمات.
__________
(1) ... «مثلما [نسمّيها نحن أيضا]، والشِبْرْقُ شجر ينزغ، وهو موجود عندنا في الصحراء كما تعرفونه كلّكم». (من كلام الشيخ). (انظر: ابن منظور، لسان العرب: ج10، ص171، مادة: شبرق). (1/159)
صفحة 160
فكفى الله تبارك وتعالى نبيّه المستهزئين، وانتقم منهم في مكّة قبل أن يهاجر ويذهب إلى المدينة، أمّا البقية الباقية فسيذهبون إلى بدر وتقع الواقعة ويُقتلون، وذلك قوله تعالى: {إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ}.
ولا بأس وبعد ذكر قصّة هلاك هؤلاء الخمسة، أن نذكر اثنين لأمرٍ، وهما: أبو جهل ورُكانة بن يزيد.
ولأبدأ بركانة (1) .
[مصارعته - صلى الله عليه وسلم - لركانة] :
مصارعته صلّى الله عليه وسلم لركانة
ركانة أحد المستهزئين، وكان شديدا، فلم يكن بمكّة كلِّها أحد يستطيع أن يطرحه أرضا، وكان معتدًّا بقوّته.
لقي النبيّ - صلى الله عليه وسلم - يوما فقال له: «يا ابن أخي بلغني عنك خبر ولستَ بكذّاب، فإن صرعتني وطرحتني أرضا، علمت أنّك نبيّ حقّا». فوافق النبيّ - صلى الله عليه وسلم - .
فتصارعا، وفي الجولة الأولى -مثلما يُعبَّر اليوم- أكبّه النبيّ - صلى الله عليه وسلم - أرضا، فقال له ركانة: «لنعد أخرى، فواحدة لا تكفي».
ثمّ جال معه الجولة الثانية، وفي أوّلها صرعه كذلك وطرحه أرضا، فقال له ركانة ثانية: «فلنزد الثالثة».
مازال يرجو أن يغلبه.
فأكمل معه الجولة الثالثة فصرعه كذلك، إنّما في الثلاث طرحه أرضا.
__________
(1) ... ركانة بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف المطلبي، أسلم في الفتح، وقيل: إنّه أسلم عقب مصارعته للنبي - صلى الله عليه وسلم - ، وكان مفرط القوى. مات بالمدينة في خلافة معاوية، وقال أبو نعيم: «مات في خلافة عثمان»، وقيل: عاش إلى سنة إحدى وأربعين. (ابن حجر، الإصابة في تمييز الصحابة: ج2، ص497، والذهبي، سير أعلام النبلاء: ج14، ص167، والنووي، تهذيب الأسماء واللغات: ج1، ص191-192). (1/160)
صفحة 161
فقال له النبيّ - صلى الله عليه وسلم - : «أسلم، فلقد وعدتني أنّي إن طرحتك أرضا ستؤمن». وحقيقة لا يوجد بمكّة كلّها أحد استطاع أن يطرحه أرضا.
قال ركانة -وكانت بالقرب منهما شجرة-: «لا أسلم حتى تدعو هذه الشجرة فتأتي إليك».
فدعاها النبيّ - صلى الله عليه وسلم - فجاءته تخدُّ (1) الأرض.
فقال ركانة: «ما زلت لم أر سحرا كهذا!!».
قال له النبيّ - صلى الله عليه وسلم - : «أسلم».
قال له: «مرها أن ترجع إلى مكانها أوّلا».
فأمر النبيّ - صلى الله عليه وسلم - الشجرة فعادت إلى أصلها، كأنّه لم يكن أثرٌ في الأرض. فماذا كان؟
ما زاد ركانة على أن قال: «إنّ هذا لسحر عظيم!!».
فلم يهده الله تبارك وتعالى للإسلام، فرغم أنّه هو الذي اقترح المصارعة، وصُرع ثلاث مرات، واقترح كذلك مجيء الشجرة وردّها (2) ؛ ولكن الله لم يرد به
__________
(1) ... تَخُدُّ الأرض: تشقُّ الأرض. (ابن منظور، لسان العرب: ج3، ص160).
(2) ... ذكرت بعض مصادر السيرة النبوية أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - هو الذي اقترح المصارعة ودعوة الشجرة وردّها شريطة أن يؤمن ركانة: «كان ركانة بن عبد يزيد بن هاشم بن عبد المطلب بن عبد مناف أشدَّ قريش، فخلا يوما برسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بعض شعاب مكة، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : يا ركانة، ألا تتقي الله وتقبل ما أدعوك إليه؟ قال: إني لو أعلم أن الذي تقول حق لاتبعتك. فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أفرأيت إن صرعتك، أتعلم أنّ ما أقول حق؟ قال: نعم. قال: فقم حتى أصارعك. فقام إليه ركانة يصارعه، فلما بطش به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أضجعه وهو لا يملك من نفسه شيئا، ثم قال عد يا محمد فعاد فصرعه. فقال: يا محمد، والله إنّ هذا للعجب أتصرعني!! فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : وأعجب من ذلك إن شئت أن أريكه إن اتقيت الله واتبعت أمري. قال: ما هو؟ قال: أدعو لك هذه الشجرة التي ترى فتأتيني. قال: ادعها. فدعاها، فأقبلت حتى وقفت بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال لها: ارجعي إلى مكانك. فرجعت إلى مكانها. فذهب ركانة إلى قومه فقال: يا بني عبد مناف ساحروا بصاحبكم أهلَ الأرض، فوالله ما رأيت أسحرَ منه قطُّ، ثمّ أخبرهم بالذي رأى والذي صنع». (انظر: سيرة ابن هشام: ج2، ص235). (1/161)
صفحة 162
خيرا، ففي آخر الأمر قال له: لا يوجد في الدنيا سحر أكبر من هذا.
ومات على كفره، وللأسف لم أعثر على الكيفيّة التي مات بها (1) .
[إذلال أبي جهل قبل مقتله في بدر] :
إذلال أبي جهل قبل مقتله في بدر
أمّا أبو جهل فأخباره كثيرة ومكره قد اشتهر، وكما قلت أوّل مرّة لا يوجد أحد لا يعرف أبا جهل ومكرَه، ولكنّ الله تبارك وتعالى أذلّه في مكّة بين قومه بحادثين قبل أن يموت يوم بدر.
بعد الخروج من الشعب، رأى أنّ الإسلام ما زال في انتشار وسمع خبر وصوله إلى المدينة، فازداد غيظه وحنقه عليه فقرّر الانتقام من النبيّ - صلى الله عليه وسلم - .
في يوم من الأيام كان جالسا مع قريش في مجمعهم بالمسجد فقال لهم: «لقد كبر الأمر، فماذا نصنع؟!، كلّ ما دبّرناه وخطّطناه لم ينفع!!».
وأضاف قائلا: «غدا سأحمل صخرة قدر جهدي، وعندما يخرج محمّد ليصلّي؛ ألقيها على رأسه وهو ساجد، فإن شئتم يا معشر قريش منعتموني من بني عبد مناف وإن شئتم أسلمتموني».
معناه تدبير لقتلٍ، فهذه ليست حجرة تجرحه إنّما تقتله.
لأنّه يعرف أنّ بني عبد مناف -قومِ النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يتركون ابنهم ولا يسلمونه، مسلمهم ومشركهم، مثلما كان أبو طالب يحميه.
__________
(1) ... لم يمت كافرا بل أسلم في الفتح كما أشرت إلى ذلك سابقا. (1/162)
صفحة 163
قال لهم أبو جهل: «هذا ما سأفعله غدا، لم نعد نصبر على هذا، ولكن غدا إذا خرج سأدقّ رأسه بصخرة كبيرة، وأنتم شأنكم وقتئذ، إن شئتم رددتم عنّي بني عبد مناف، أو تركتموهم يفعلون بي ما يشاءون».
فأقسموا له كلّهم: «والله لا نسلمك، وسوف ندافع عنك، فنفِّذ خطَّتك».
ومن الغد هيَّأ صخرة كبيرة بقدر ما يستطيع حمله ويصل بها إلى مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - (1) ، وكان يصلّي متّجها إلى بيت المقدس، فالقبلة كانت إلى بيت المقدس قبل أن تحوَّل إلى الكعبة، ومصلاّه دائما بين الركن اليمانيّ وركن الحجر، وكان من عادته - صلى الله عليه وسلم - أن يطيل السجود ولا ينقر نقرا، ويذكرون غرائب أحيانا في إطالته السجود بذكر الله والتسبيح له ودعوته؛ لأنّ العبد أقرب ما يكون إلى ربّه وهو ساجد، وأمّا القرآن فمنهيٌّ أن يقرأه أحد وهو ساجد لحكمة يعلمها الله تبارك وتعالى، وما علينا نحن إلا أن نمتثل.
جاء النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ليصلّيَ كعادته، وقريش كلّها مجتمعة، وبالطبع في ذلك اليوم سيكثر عددهم؛ لأنّهم ينظرون ما سيصنع سيدّهم أبو الحكم سيّدُ الوادي.
جاء أبو جهل ورفع صخرته الكبيرة، وذهب وتقدّم بها نحو النبيّ - صلى الله عليه وسلم - الذي لم يحرّك ساكنا، فلما اقترب منه إذا به يتراجع إلى الوراء، والصخرة ملتصقة بيديه، وهو مصفرّ اللون، ما بوجهه قطرة دم، حتى ابتعد وأطلق الصخرة، فهُرع إليه قومه قائلين: «مالك يا أبا الحكم؟! ماذا حدث لك؟!».
قال لهم وهو في حالة رعب وهلع: «لمّا اقتربت منه رأيت جملا هائجا هاجما عليَّ، لم أر في حياتي رأسا مثل رأس هذا الجمل، ولا عنقا مثل عنقه، ولا أنيابا مثل تلك الأنياب، ولو لم أتأخر لالتقمني!!».
__________
(1) ... يقصد الشيخ بالمسجد هنا: مكان السجود. جاء في لسان العرب: المسجَد والمسجِد: المكان الذي يُسجد فيه، وجعلوه اسما لبيت العبادة. (ابن منظور، لسان العرب: ج3، ص204، مادة: سجد). (1/163)
صفحة 164
وخلّد البوصيريّ هذه الحادثة أيضا (1) :
وأبو جهل إذ رأى عنق الفحـ ... ل إليه كأنّها العنقاءُ (2)
فقُهر وأهين بين قومه، وكفى اللهُ نبيَّه بهذا الجمل الذي هجم على أبي جهل، أمّا قومه الذين كانوا معه فلم يروا شيئا.
ووقعت له حادثة أخرى عندما اقتضاه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - دَيْنَ الإرَاشِيِّ.
يقول البوصيريّ في همزيّته (3) :
واقتضاه النبيُّ دَيْنَ الإراشي ... يِ وقد ساء بيعُه والشراءُ
ورأى المصطفى أتاه بما لم ... يَنْجُ منه دون الوفاء النَّجَاءُ
والإراشيُّ هو أعرابيّ بدويّ، جاء إلى سوق من أسواق مكّة، وكما تقدّم لنا فالناس يأتون قبل الموسم ومنذ ذي القعدة ويجتمعون، فيبيعون ويشترون حتى يحين وقت الحجّ فيدخلون إلى مكّة، ويذهبون إلى منى وعرفات...
هذا الأعرابيّ من قبيلة تسمّى: «إراش»، ساق شيئا من الإبل فباعها، واشتراها منه أبو جهل، فماطله ومكر فيه ولم يرد أن يدفع له ثمنها، والأعرابيّ بدويّ مشرك ولا يعرف شيئا، ولمّا أطال عليه المماطلة، جاء يوما إلى مَجمع قريش، وكان مجتمعهم دائما في الحرم، فوقف عليهم وخاطبهم: «يا معشر قريش، خلّصوني من أبي الحكم، أنا غريب ولست من أهل الوطن، لقد اشترى منّي إبلا ولم يقضني، فأعطوني حقّي».
وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - جالسا في جهة من جهات المسجد، فقالوا لهذا الإراشيّ: «أرأيت هذا الذي هو جالس هناك؟، اذهب إليه فهو الذي سيأخذ لك حقّك من أبي جهل»؛ يعني سخريّة بالنبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، وهذا من جملة استهزائهم.
__________
(1) ... البوصيري، القصائد البصيرية في مدح خير البرية: ص12.
(2) ... العنقاء: طويلة العنق. (ابن منظور، لسان العرب: ج10، ص271، مادة: عنق).
(3) ... البوصيري، القصائد البصيرية في مدح خير البرية: ص13. (1/164)
صفحة 165
فذهب إلى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وكان لا يعرف حتى اسمه، فقال له: «يا عبد الله، أنا رجل غريب، ولقد اشترى منّي عمرو بن هشام إبلا ولم يرد أن يدفع لي ثمنها، فذهبت إلى الجماعة الجالسة في الحرم، فقالوا لي اذهب إلى ذلك الرجل فيخلّصك منه، وها قد قصدتك، فأنصفني منه حتىّ أعود إلى أهلي».
وكان لا يعرف أنّه رسول الله، فلم يخاطبه بالرسالة ولا حتّى بمحمّد اسمِه، وإنّما قال له: «يا عبد الله».
فما زاد النبيّ على أن قال له: «تعال معي».
ولما مشيا، بعثت قريش أحدا قائلين له: «الحقهما وانظر ماذا سيحدث».
وهذا شيء طبيعيّ؛ لأنّهم استغربوا كيف نهض النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ورافق الإراشيّ؟!، فماذا سيكون بينه وبين أبي جهل؟!، هل سيتقاتلان، أم يتشاجران، أم يتسابّان، أم ماذا سيحدث؟!، فذهب معهما حتى وقفا بباب أبي جهل.
أخذ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - الإراشيّ إلى دار أبي جهل، ودقّ على الباب فخرج أبو جهل.
تقول الرواية إنّه خرج وهو يرتجف ما على وجهه قطرة دم، وفي بعض الروايات: «ما في وجهه رائحة دم»، مصفرّ اللون، يرتعد من شدّة الخوف، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : «اقض هذا حقّه».
فقال له أبو جهل: «لا تبرح حتى أَقضيَه». فدخل دارَه وأتى بحقّ الإراشيّ فدفعه إليه وذهبا.
فعاد القرشيّ -الذي كان يتفرّج وينظر ولكن لا يعرف ماذا يحدث- إلى قومه وقصّ عليهم ما حدث، فبلغ بهم العجب ذروته.
فكيف يحدث هذا؟! أهذا هو أبو جهل المعتدّ بنفسه؟!.
ولم يلبثوا إلا قليلا حتّى جاء أبو جهل، فقالوا له: «مالك يا أبا الحكم؟! ماذا حصل لك؟!، بمجرّد أن جاءك محمّد وقال لك اقض لهذا حقّه ففعلت؟!». (1/165)
صفحة 166
قال لهم: «ويلكم لو رأيتم ما رأيت، سمعت الباب ضُرب وكأنّ الدنيا تقرقعت، ثمّ لما خرجت وفتحت الباب، فقابلني محمّد ولكن من فوقه جمل له رأس وأنياب وعنقٌ... ذاك شيء ما رأيته!!، والله ما فكّني إلا أن أسرعت وقضيت لذاك [الإراشيّ] حقّه».
وهكذا أذلّه الله تعالى أمام النبيّ - صلى الله عليه وسلم - رغم شدّته وقوّته وعجرفته.
ويريد الله تبارك وتعالى أن يمكر فيه المكر الأخير، فادّخر له نهايته إلى غزوة بدر، تلك المعركة الكبرى التي انتصر فيها الإسلام، وكان فيها مقتل أبي جهل وأضرابه من صناديد قريش، فكانت بحقّ مفخرة للإسلام والمسلمين، إذ كانت لهم عزّا.
وأراد الله تبارك وتعالى أن يذلّه أكثر إذِ اجْتزّ رأسَه عبدُ الله بن مسعود -رضي الله عنه-، الذي سمّاه رُوَيْعِيَّ الغنم (1) ، فقد ضربه اثنان من الأنصار (2) وكان ضخما، فلم يمت، وجاءه عبد الله بن مسعود وصعد فوق أكتافه؛ ليقطع رأسه لكي يأخذها للرسول - صلى الله عليه وسلم - ، وكان لا يزال به رمق، فرفع له رأسه وقال: «من؟!»
قال: «عبد الله بن مسعود».
قال: «يا رُوَيْعِيَّ الغنم! إنّ أشدّ ما لقيته اليوم قتلُك إيّاي! هلاَّ قتلني أحد من المطيِّبين الأحلاف (3) ».
__________
(1) ... «رُوَيْعِيٌّ: تصغيرٌ لكلمة راعٍ». (من كلام الشيخ).
(2) ... هما: معوّذ بن عفراء، ومعاذ بن عمرو بن الجموح. (سيرة ابن هشام: ج3، ص182-185).
(3) ... المطيّبون الأحلاف هم الذين دخلوا في حلف بني عبد مناف في الجاهليّة لما اختلفت قريش بعد موت قصيّ بشأن تقسيم بعض الأعمال كالسقاية والرفادة والحِجابة...، وعند التعاهد أخرج بنو عبد مناف جفنة مملوءة طيبا، ويزعمون أنّ بعض نساء بني عبد مناف أخرجتها لهم فوضعوها لأحلافهم في المسجد عند الكعبة، ثمّ غمس القوم أيديهم فيها، فتعاقدوا وتعاهدوا هم وحلفاؤهم ثمّ مسحوا الكعبة بأيديهم؛ توكيدا على أنفسهم؛ فسمّوا المطيِّبين. (سيرة ابن هشام: ج1، ص262-263). (1/166)
صفحة 167
هذه هي نهاية أبي جهل، أمّا المستهزئون الأوّلون فهم الذين سمعتم قصّتهم، ويفسِّر بها دائما غالب المفسرين قوله تعالى: {إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ الذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ـ اخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ}.
فهؤلاء الخمسة طهّر الله [منهم] الأرض ولمَّا يمض الرسول - صلى الله عليه وسلم - من مكّة بعدُ، مثلما قال البوصيري (1) :
خمسة طُهّرت بقطعهم الأر ... ض فكفُّ الأذى بهم شلاّءُ
الفحـ
شُلَّت يد الكفر بهلاك هؤلاء الخمسة، ثم شُلّت تماما يوم بدر، وهكذا نصر الله تبارك وتعالى نبيّه، وهيّأ له النصر، ومهّد له الطريق، فبقطع هذه الرؤوس ودخول أهل المدينة في الإسلام ونصرتهم وموالاتهم، تمكّن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - من توطيد أركان الدولة الإسلاميّة التي لا تزال قائمة إلى اليوم، ألف وأربعمائة سنة ودولة المسلمين قائمة ولا تزال، وإن شاء الله لا تزداد بعدُ إلا قوّة.
وفي الوقت الذي اشتدّت فيه هذه الفتنة التي سمّاها كتّاب السيرة -كما قلنا سابقا- بالفتنة الأخيرة؛ أَذن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه أن يهاجروا، وأخبرهم أنّ الله تبارك وتعالى قد جعل لهم في المدينة إخوانا دخلوا في الإسلام، فمن استطاع أن يرحل فليرحل، فبدأ المسلمون في الهجرة، فرادى ومثنى وثُلاث...
هكذا ننهي الكلام عن هذه الفترة وليست هي الفترة الوحيدة التي تستحقّ هذه الدروس، وإنّما هو شيء نرى به المقدّمات التي هيّأ الله بها الطريق إلى المدينة، معقِلُ الإسلام الأوّل وعاصمة الإسلام الأولى.
بقيّة الكلام عن الهجرة وأوّل من هاجر وهجرة النبيّ - صلى الله عليه وسلم - مع أبي بكر صاحبه في الغار، ستأتي في الدرس الآتي والحمد لله ربّ العالمين.
__________
(1) ... البوصيري، القصائد البُصيرية في مدح خير البرية: ص12. (1/167)
صفحة 168
صفحة 168 بيضاء (1/168)
صفحة 169
الدرس السادس
محتويات الدرس:
محتويات الدرس
? حديث عن الهجرة والنصرة.
? تذكير بالهجرتين الأوليين وما وقع بعدهما.
? الإذن للصحابة بالهجرة إلى المدينة.
? هجرة أبي بكر الأولى.
? هجرة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-.
? كلام عن فضل الأنصار والمهاجرين.
? مِن مكْر المشركين بمن هاجر. (1/169)
صفحة 170
صفحة 170 بيضاء (1/170)
صفحة 171
الدرس السادس (1)
[موضوعه: بيّن فيه هجرة الصحابة إلى المدينة قبل هجرة النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ].
[حديث عن الهجرة والنصرة] :
حديث عن الهجرة والنصرة
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
لا يزال الكلام متّصلا في بعض الأحداث التي وقعت قبل هجرة النبيّ - صلى الله عليه وسلم - .
تكلّمنا في دروس متتالية عن مناسبة أوّل العام الهجريّ الذي نحن فيه، وذكرنا بعض الوقائع التي كانت بمكّة والتي تسبّبت في الهجرة.
والهجرة هي من أعظم ما منّ الله تبارك وتعالى به على من شاء من عباده وهم المهاجرون، أمّا الأنصار فقد منّ الله تبارك وتعالى عليهم بالنصرة حتى نزل في الجميع قوله: {وَالسَّابِقُونَ الاَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالاَنصَارِ وَالذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} (2) ، هذا هو الرعيل الأوّل والطائفة الأولى التي تَكوَّن منها الإسلام، فريق المهاجرين من مكّة، وفريق الأنصار الذين هاجر إليهم أهل مكّة، التأموا وكوّنوا المجتمع الذي لم يكن مثله في الدنيا، لا من قبل ولا من بعد.
[تذكير بالهجرتين الأوليين وما وقع بعدهما] :
تذكير بالهجرتين الأوليين وما وقع بعدهما
وقبل أن يأذن الله تبارك وتعالى لنبيّه - صلى الله عليه وسلم - شخصيّا بالهجرة؛ أذن لأصحابه، وكان ذلك بعد أن اشتدّت الفتنة الأخيرة، فقد تقدّم لنا في درس مضى أنّ فتنتين كبيرتين وقعتا بمكّة، الفتنة الأولى كانت في بداية الدعوة لمّا تسلّط المشركون على
__________
(1) ... ألقاه بعد صلاة الجمعة يوم: 16 صفر الخير 1392هـ الموافق لـ 31 مارس 1972م.
(2) ... سورة التوبة: الآية 100. (1/171)
صفحة 172
المؤمنين، فكانوا يعذّبوهم ويهينونهم ويحبسونهم حتّى يشرفوا على الهلاك؛ لكي يتركوا دينهم، وكان كلّ مشرك يتولّى عذاب من آمن من قرابته أو محيطه سواء كان عبدا أو أمة، هذه هي الفتنة، كانوا يفتنون الناس عن دينهم، فأذن الله تبارك وتعالى للمؤمنين بالهجرة إلى الحبشة، وهيّأ لهم مَلكا لا يُضام عنده أحد أوى إليه، فكانت الهجرة التي سمعتم خبرها ما بين السنة الخامسة والسادسة والسابعة للبعثة.
وبعد مدّة، رجعت طائفة منهم لحادث مضى ذكره، وطائفة بقيت، والبعض الآخر كتب الله تباك وتعالى لهم الموت هناك.
بعد ذلك جاءت مصيبة المقاطعة التي عقدتها قريش ضدّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وقومه بني هاشم، فكتبوا العقد وعلّقوه في الكعبة، وأخرجوهم من مكّة وحاصروهم في شعب من شعابها تُسمّى إلى الآن بشعب بني هاشم أو بشعب أبي طالب، فمكثوا فيه ثلاث سنوات حتى أضرّ بهم الجوع، وبلغت بهم الشدّة أن أكلوا ورق الشجر.
ولقد مرّ بنا كلام سعد بن أبي وقّاص -رضي الله عنه- في وصف حالة الشدّة التي بلغوها؛ حيث يروي أنّه خرج في ليلة من اللّيالي وابتعد قليلا لكي يقضيَ حاجته، فبينما هو يبول سمع لِوَقع البول قعقعة، فهو لا يقع على التراب وإنّما يردّه شيء صلب، وبعد أن قضى حاجته، بحث فوجده قطعة من جلد بعير، فأخذها وغسّلها جيّدا ثمّ تركها تجفّ، وبعد ذلك حرّقها وقطّعها إلى ثلاث قطع، وفي كلّ يوم ينسف (1) واحدة حتى ترجع كالرماد، فيسِفّها (2) ويشرب الماء عليها، قال: «ثلاثة أيام وأنا أعيش بهذا».
هذا بعض ما وصلوا إليه من الشدّة، أمّا ورق الأشجار وغير ذلك، فحدّث ولا حرج.
__________
(1) ... ينسِف: نَسَفَ الشيءَ؛ غربله ونقّى الجيّد من الرديء. (ابن منظور، لسان العرب: ج9، ص327، مادة: نسف).
(2) ... سَفَّ: سَفِفْتُ الشيءَ؛ أكلته جافًّا يابسا. (ابن منظور، لسان العرب: ج9، ص327، مادة: نسف). (1/172)
صفحة 173
وبعد خروجهم من الشعب بعد معجزة نقض الصحيفة وأكل الأرضة لها؛ احتارت قريش في أمرها ولم تدر ماذا تصنع، فقرّروا زيادة المكر بالنبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، خاصّة وأنّه قد صادف في هذه المدّة موت عمّه أبي طالب وزوجه خديجة، وكان بينهما أيّام، والاثنان كانا يحميان الرسول - صلى الله عليه وسلم - ويردّان عنه، خديجة بمالها وشرفها في قومها، وأبو طالب بمركزه في قومه.
أمّا المسلمون الآخرون فقد ازداد بهم الكفرة مكرا أيضا، وهذا ما يعبَّر عنه بالفتنة الثانية.
وفي وسط هذه الفتنة الأخيرة، فتح الله تبارك وتعالى بابا للنجاة من هذا الضيم من جهة، ولتكوين دولة الإسلام بالمدينة من جهة أخرى، فقيّض الله لهم الأنصار في ثلاث سنوات متوالية.
ففي العام الأوّل التقى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ستةًّ منهم ودعاهم إلى الإسلام، وكانوا قد جاءوا لكي يبحثوا ويتخاطبوا مع قريش للتحالف معهم ضدّ بعضهم بعضا؛ لأنّ الفتنة كانت مشتعلة بين الأوس والخزرج، واليهود في المدينة يزيدونها اشتعالا، فجاءوا إذن ليتحالفوا مع قريش وينظروا قبيلة من قبائلها لكي تنضمّ إليهم وتنصرهم على العدوّ، وعندما التقاهم النبيّ - صلى الله عليه وسلم - أخبروه عن السبب الذي جاء بهم فقال لهم: «لعلّ شيئا آخرَ أحسن؟ تؤمنون بي وتنصرونني»، وذكر لهم أمر الإسلام. فقال بعضهم لبعض: «هذا والله خير ممّا جئنا إليه، هذه الفكرة خير من الفكرة التي أتينا من أجلها، نؤمن بهذا النبيّ ويكون لنا النصر على يديه». حينئذ قالوا له: «إنّ بيننا فتنة، فإن انطفأت بسببك؛ فلا يكون ثمّة أحد أحبّ عندنا منك»، ثمّ ذهبوا (1) . وبدأ الإسلام يدخل المدينة.
__________
(1) ... وقد أسلموا جميعا. (انظر: السُهَيْلِيّ، الروض الأنف: ج2، ص 245، وسيرة ابن هشام: ج2، ص277). (1/173)
صفحة 174
وفي العام الثاني جاء من أهل المدينة اثنا عشر وأسلموا وعاهدوا وبايعوا -كما تقدّم لنا- على بيعة النساء {يَآ أَيُّهَا النَّبِيءُ اِذَا جَآءَكَ الْمُومِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَىآ أَن لاَّ يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلاَ يَسْرِقْنَ وَلاَ يَزْنِينَ وَلاَ يَقْتُلْنَ أَوْلاَدَهُنَّ وَلاَ يَاتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلاَ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (1) ، هذه هي مبايعة النساء، بايعوه على الإيمان والتمسّك به، وترك الفواحش والمنكرات.
ثمّ في العام الثالث، جاء منهم ثلاثة وسبعون رجلا وامرأتان، وبايعوه على النصرة والموالاة، ينصرونه ويعينونه ويحاربون الدنيا دفاعا عنه كما يدافعون عن أهلهم وأولادهم. وبدأ الإسلام ينتشر في المدينة.
في البدء لمّا وصل شعاع الإسلام إلى المدينة بعد العقبة الثانية لمّا أسلم اثنا عشر من الأنصار، أرسل النبيّ - صلى الله عليه وسلم - معهم مصعب بن عمير الشابّ القرشيّ، وكان من السابقين الأوّلين، ومن الحافظين لكلّ ما نزل من القرآن الكريم إلى تلك الفترة، بعثه معهم لكي يعلّمهم فرائض الإسلام ويحفّظهم القرآن، وهو أوّل من وطئت قدماه أرض المدينة، وكان ذهابه إليها بهذه النيّة وليس بقصد الهجرة.
[الإذن للصحابة بالهجرة إلى المدينة] :
الإذن للصحابة بالهجرة إلى المدينة
بعد هذا، أمر الله تبارك وتعالى نبيّه أن يأذن لأصحابه بالهجرة إلى المدينة، وأخبرهم بأنّ الله قد جعل لهم إخوانا ودارا يَأمَنون ويَهنَؤون ويطمئنّون فيها، فمن قدر على الخروج فليذهب، وبدأت الهجرة.
بدأ الصحابة يهاجرون -كما تقول الرواية- أرسالا؛ أي جماعة بعد جماعة، فيتّعد الاثنان والثلاثة على ليلة من الليالي ويهربون فيها مستخفين إلى المدينة.
__________
(1) ... سورة الممتحنة: الآية 12. (1/174)
صفحة 175
في ذلك الوقت، نزلت أوّل آية في الإذن بالقتال؛ لأنّه في أوّل الأمر لم يُسرّح الله تبارك وتعالى لنبيّه - صلى الله عليه وسلم - أن يحارب قريشا، فهو ما زال ضعيفا والمؤمنون كذلك، فكان يوصيهم بالصبر:
فعندما يضرّونكم اصبروا...
وعندما يسبّونكم اصبروا وتمسّكوا بدينكم...
والقرآن مليء بهذا.
ثمّ بعد ذلك تنزل أوّل آية -عند الجمهور- تأذن بالقتال وهي قوله تبارك وتعالى في سورة الحجّ: {اُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىا نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ اِلآَّ أَن يَّقُولُواْ رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلاَ دِفَاعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّهُدِمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَّنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} (1) .
وقال بعض الرواة: إنّ أول آية هي قوله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىا لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ} (2) ولكن الجمهور على الآية الأولى، وأنا أميل إلى هذا وأرجّحه بشيء؛ لأنّ فيها التعبير صراحة بالإذن بالقتال: {اُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ} فلفظة: {اُذِنَ}؛ تدلّ على أنّهم وإلى الوقت الذي نزلت فيه الآية، ما زالوا ممنوعين عن الردّ، وليس لهم إلا أن يصبروا، ولكن الآن سُرِّحوا {اُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ}: الذين يُهجم عليهم ويُقاتلون، أذن الله تبارك وتعالى لهم أن يردّوا؛ لأنّهم مظلومون، {اُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىا نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ}: يعني أعطي لهم التسريح الآن بالقتال.
والسؤال الذي يطرح نفسه بقوّة الآن هو: كيف سيبدأ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - الحرب معهم؟ فالحرب تقتضي نظاما، وتقتضي تكوين قاعدة مثلما يعبّرون الآن بـ: «القواعد
__________
(1) ... سورة الحج: الآيتان 39-40.
(2) ... سورة البقرة: الآية 193، وسورة الأنفال: الآية 39. (1/175)
صفحة 176
العسكريّة»، لا بدّ أن يكون ثمّة مكان وقاعدة يرتكز فيها المؤمنون ويجتمعون فيها، وتُكَوَّنُ قوّتهم فيها وتكون نقطة انطلاقهم، وهي القاعدة التي يجتمع فيها الجيش بمؤنته، وتعقد هناك ألويته، ويكون الرجوع إليها عندما يُغِيرُ الجيش، ومن غير الممكن أن تكون في مكّة، فهم لا يزالون مستضعفين، والله تبارك وتعالى أراد أن يخرجوا ويجتمعوا في مكان آخر حتى يتّخذوا لأنفسهم أساسا متينا وأرضيّة صلبة يقفون عليها، وهذا معقول ومنطقيّ حتّى في عمل الفرد؛ فلا بدّ إذن من قاعدة انطلاق وعمل، فبدأت تُكوَّن في المدينة بمجموع المؤمنين السابقين الأوّلين من المهاجرين وبالأنصار {الذِينَ تَبَوَّءُو الدَّارَ وَالاِيمَانَ} (1) .
أُعطي إذن الإذن للمسلمين بالهجرة: «أنتم أيّها المسلمون مظلومون في مكّة ومعذّبون، فمن وجد طريقا للخروج فليخرج».
وكما ذكرنا آنفا، أصبحوا يخرجون أرسالا، فرادى ومثنى و[ثلاث] ورباع...، جماعات الواحدة بعد الأخرى، ولا يمكننا أن نتحدّث عن هجرة الجميع، فلكلّ شخص ولكلّ فريق طريقة هجرته، ولكن سنتعرّض لهجرة اثنين:
هجرة سيّدنا أبي بكر الأولى، وهجرة سيّدنا عمر بن الخطّاب رضي الله عنهما.
[هجرة أبي بكر الأولى] :
هجرة أبي بكر الأولى
استأذن سيّدنا أبو بكر -رضي الله عنه- النبيّ - صلى الله عليه وسلم - في الهجرة أوَّل مرّة، فأذن له؛ فخرج.
وأبو بكر ليس شخصا نكرة مجهولا، بل هو من أعيان قريش، فلمّا خرج من مكّة التقاه سيّد الأحابيش ابن الدَّغِنَة (2) .
__________
(1) ... سورة الحشر: الآية 9.
(2) ... «ابن الدُّغُنَّة بضم المهملة والمعجمة وتشديد النون عند أهل اللغة، وبفتح أوَّله وكسر ثانيه وتخفيف النون [ابن الدَّغِنَة] عند الرواة». (جوامع السيرة لابن حزم، تحقيق: إحسان عباس، ص65، هامش المحقق). (1/176)
صفحة 177
ومن هم الأحابيش؟.
كان ذلك الوقت عصر التجمّعات مثلما نرى ونشاهد الآن، فكلّ دولة تودّ أن تجعل حلفا ومعاهدة مع بعض الدول الأخرى؛ كي تكون في صفّها وتحارب معها إذا جدّ الجِدّ، وكذلك كان في ذلك الوقت ولكن بصورة القبائل، فهؤلاء الأحابيش بعضُ القبائل ممّن يسكنون الحجاز حول مكّة ضمّوا بعضهم إلى بعض، منهم خزاعة وبعض القبائل الأخرى، وكوّنوا تحالفا، هذه العشيرة وتلك وتلك يترابطون ويكوّنون كلّهم حلفا واحدا، من عادى أحدا منها فقد عادى الآخرين، يموتون مع بعض أو يحيون مع بعض، فأُطلق عليهم الأحابيش، قيل نسبة إلى جبل حبشيّ اجتمعوا في سفحه (1) .
فابن الدَّغِنَة هو سيّد هذه القبائل المتحالفة وليس لعشيرة واحدة، إنّما هي أربع أو خمس قبائل اجتمعوا وأمّروا عليهم هذا، فأصبحت لديه مكانة كبيرة.
خرج أبو بكر -رضي الله عنه- فالتقى ابن الدَّغِنَة، وهذا من لطف الله تبارك وتعالى عندما يريد شيئا. فقال له: «إلى أين يا أبا بكر؟».
قال له: «لقد رأيتَ وعلمتَ كيف أنّ قومي آذوني وأضرّوا بي، فلم أستطع أن أعبد كيف أشاء، فاضطُررت إلى الخروج مهاجرا».
فقال له ابن الدَّغِنَة: «مثْلُك لا يهاجر!، إنّك لتزين العشيرة وتعين على نوائب الدّهر وتفعل الخير وتكسب المعدوم، مثلك ليس من يخرج!».
وحقيقة، لكلّ قبيلة ناس يزيّنونها؛ يعني قال له: «إذا خرجت أنت يا أبا بكر فمن سيبقى في قومك؟!، إنّك لتزين العشيرة بخلقك واستقامتك، أنت ركن من أركان العشيرة». ثمّ قال له: «ارجع إلى مكّة وأنت في جواري».
__________
(1) ... الأَحَابِيشُ هم: بنو الحارث بن عبد مناة بن كِنَانَةَ والهُونُ بن خزيمة بن مدركة وبنو المصطلق من خُزَاعَةَ، تَحَالَفُوا جَمِيعًا. وسُمّوا الأَحَابِيشَ؛ لأنّهم تحالفوا بواد يقال له: «الأَحْبَشُ» بأسفل مكّةَ. (سيرة ابن هشام: ج2، ص217). (1/177)
صفحة 178
والجوار هو المنع، وورد في القرآن الكريم قوله تعالى: {وَهُوَ يُجِيرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ} (1) ؛ فمن صفات الله تبارك وتعالى أنّه يجير ولا يجار عليه، ويَمنع ولا يُمنع عنه.
{وَهُوَ يُجِيرُ}؛ أي: إذا أراد أهل السماوات والأرض جميعهم أن يَمَسُّوا شخصا بسوء، فلن يصلوا إليه إذا كان تحت حماية الله تعالى.
{وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ}؛ أي: إذا أراد الله شخصا بسوء، فلن يستطيع أحد أن يمنعه منه أبدا.
ونقول في الدعاء بعد الصلاة: «اللهمّ أجرني من النار»؛ أي امنعني.
والشيطان قال للكفرة [كما أخبر الله تعالى عنه بقوله]: {وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ} أي قال لهم: «ادخلوا تحت حمايتي، سأردّ عنكم»، {فَلَمَّا تَرَآءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىا عَقِبَيْهِ} (2) .
ومن الإجارة، جاءت كلمة الجوار؛ لأنّ كلّ جار تحت حماية جاره، ومن حقّه أن يردّ عنه البلاء، ليس مثلما يحدث أحيانا من بعض الناس الذين يضرّون جيرانهم بأولادهم أو بأوساخهم، فالجار عند الرجل الكريم يُحمى حاضرا أو غائبا، ويدفع عنه السوء.
الجوار معناه إذن: الحماية.
قبِل أبو بكر -رضي الله عنه- هذا الجوار ودخل مكّة تحت حماية ابن الدَّغِنَة الذي بدوره دخل الحرم ونادى:
«يا معشر قريش قد أجرت ابن أبي قحافة فكُفّوا عنه، ولا يتعرضنّ له أحد إلا بخير».
فلم تستطع قريش أن تصل إليه.
__________
(1) ... سورة المؤمنون: الآية 88.
(2) ... سورة الأنفال: الآية 48. (1/178)
صفحة 179
ولكن ماذا وقع بعد ذلك؟
اتّخذ أبو بكر -رضي الله عنه- مصلّى أمام بيته في الفناء، فكان يصلّي فيه، والعرب في القديم -مثلما هو حال الناس اليوم إلا في المدن المكتظّة- لمّا يتّخذ أحدهم بيتا؛ يضع له فناءً ويكون مكشوفا (1) ، فأبو بكر اتّخذ مصلّى أمام بيته يخرج إليه ويقرأ القرآن ويصلّي، وكان رقيق القلب وعربيّا فصيحا يفهم ما يقرأ، فإذا قرأ القرآن بكى، يقرأ القرآن في صلاته بترتيل، ويقرأ بقراءة جميلة، وكان صوته شجيّا، فامتزج ترتيله بالبكاء تخشّعا لله تبارك وتعالى فأكسبها سحرا، وعندما يكون على هذه الحالة، يأتيه أطفال الحيّ والعبيد والنساء ويدورون حوله ويلتذّون بسماعه ويطيلون المكوث.
فاغتاظ كفّار قريش من هذا وقالوا: «إن تركنا الأمر هكذا، فسنهلك، أبناؤنا كلّهم سيضيعون منّا، سيعجبهم هذا الكلام ويؤمنون به ويتبعونه، فينفلت منّا زمام الأمور».
أَنْظَروه مدّة ولكنّه لازم تلك الطريقة، حتى ذهب أبو جهل وجماعة من المتعصّبين الكبار من قريش إلى ابن الدَّغِنَة فقالوا له: «أأجرت هذا لكي يضرّنا؟! قد كففنا أيدينا عنه فلسنا نضرّه، ولكنه يؤذينا، لقد أضرّ بنا، أبناؤنا وعبيدنا موشكون أن ينكبّوا عن الصراط ويفلتوا من أيدينا، رُدَّ علينا أو ارفع جوارك».
ذهب ابن الدَّغِنَة إلى أبي بكر فقال له: «يا أبا بكر، إنّي لم أجرك على أن تؤذي قومك، لك بيتك، ادخله وافعل فيه ما تريد ولن يمنعك أحد، أنا لك ضامن، صلّ في بيتك واقرأ ما شئت واعمل ما شئت، ولكن ليس بهذه الطريقة، فإنّ قومك قد اشتكوا منك، فإمّا أن تدخل ببيتك...»، فقاطعه أبو بكر قائلا: «أوَأَردّ إليك جوارك؟، أنا الذي أردّ إليك جوارك وأصرّح بذلك وأرضى بجوار الله».
قال له ابن الدَّغِنَة: «نعم إذا أردت أن تردّه».
__________
(1) ... يقصد أنّه دون سقف، وليس كما قد يتبادر إلى الذهن أنّه غير مسوَّر. (1/179)
صفحة 180
فقال أبو بكر: «قد رددته إليك».
ولأنّ هؤلاء كرام ولديهم همّة عالية ولا يرضى أحدهم أن يهان -و لو كانوا مشركين-، فقد ذهب ابن الدَّغِنَة مباشرة إلى المسجد، ومثلما نادى بالأمس نادى اليوم: «يا معشر قريش، إنّ ابن أبي قحافة قد ردّ إليّ جواري».
والحكمة أنّه لم يقل لهم: «إنّي قد وضعت عنه جواري»، إنّما قال لهم: « [ابن] أبي قحافة هو الذي ردّ عليّ جواري ولم أتراجع أنا».
يعني الآن شأنكم، افعلوا به ما تشاءون.
رضي أبو بكر بجوار الله تبارك وتعالى، وواصل تلك الطريقة في العبادة، وصبر على ما أوذي، حتى أتى الإذن الأخير بالهجرة صحبة النبي - صلى الله عليه وسلم - .
وكان قبل ذلك مرارا عندما كان الصحابة يخرجون أرسالا، يستأذن الرسول - صلى الله عليه وسلم - ويقول له:
«يا رسول الله ائْذن لي أن أهاجر وأذهب إلى المدينة كما ذهب إخواني».
فيقول له النبي - صلى الله عليه وسلم - : «لا تعْجل، لعلّ الله أن يجعل لك صاحبا».
ويطمع أبو بكر ويخطر في باله أن يكون ذلك الصاحبُ هو النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ، ولكنّه لم يقدر أن يقول له ذلك.
كان يقول في نفسه: «لعلّ الله تبارك وتعالى يأذن للنبيّ - صلى الله عليه وسلم - في الهجرة فأحظى بالصحبة».
حتّى كان آخر الأمر يوم أذن الله للنبيّ - صلى الله عليه وسلم - أن يهاجر ويتّخذ أبا بكر -رضي الله عنه- صاحبا له، وهذا بعد أن فرغت مكّة إلا من المستضعفين، ولم يبق من الأحرار إلا النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر وعلي بن أبي طالب لحكمة سنعلمها عند ذكر هجرته (1) ، ترك النبيّ
__________
(1) ... قال الشيخ هذا، ولكنّه أجملَ مضمون حكمةِ تركِهما هنا، وفصّله لاحقا. (1/180)
صفحة 181
- صلى الله عليه وسلم - هذين معه، أبا بكر ليكون صاحبا، وعليّا ليكون خلفا له يؤدّي الأمانات التي عليه، وليبيت على فراشه ليلة الهجرة، وتفصيل هذا سيأتينا فيما بعدُ إن شاء الله.
إذن كانت هذه هجرة أبي بكر الأولى، هاجر ورُدَّ ثمّ وقعت له هذه الحادثة.
[هجرة عمر بن الخطّاب -رضي الله عنه-] :
هجرة عمر بن الخطّاب رضي الله عنه
أمّا عن هجرة سيّدنا عمر بن الخطّاب -رضي الله عنه-، فكما يروي الإمام عليّ كرّم الله وجهه أنّ كلّ من خرج من مكّة مهاجرا إلا وخرج مستخفيا خوفا من المشركين أن يردّوهم من بعض الطريق إلا عمر، ففي اليوم الذي عزم فيه على الهجرة، تقلّد سيفا وتنكّب قوسا وكنانة مليئة بالنبال، وأخذ سهاما بيده وتحزّم كأنّه يريد أن يخرج إلى الحرب، وأتى ودخل الحرم، وكانت جماعات قريش مجتمعة هناك كعادتهم.
يقول الإمام علي: «دخل عمر الحرم وذهب إلى الكعبة فطاف بها سبعا متمكّنا (1) ، وقبّل الحجر، حتّى إذا أتمّ طوافه ذهب إلى مقام إبراهيم وصلّى ركعتين خلفه، ولمّا انفتل (2) ؛ ذهب إلى حِلق قريش فوقف عليهم وقال لهم: شاهت الوجوه (3) ، لا يُرغم الله إلا هذه المعاطس (4) ». وأردف قائلا: «من أراد أن تثكله أمّه وييتّم ولده ويرمّل زوجته، فليلقني وراء هذا الوادي».
ثمّ خرج ولم يحرّك أحد ساكنا، لا نطق ولا تحرّك ولا تكلّم أحد أبدا.
__________
(1) ... « أي لم يطف طواف من هو خائف يترقّب أو يرتجف أو يسرع، إنّما طاف بِتُؤَدة». (من كلام الشيخ).
(2) ... « أي أنهى الصلاة». (من كلام الشيخ).
(3) ... « قبّح الله هذه الوجوه». (من كلام الشيخ). شاهت: قُبّحت. (ابن منظور، لسان العرب: ج13، ص508، مادة: شوه).
(4) ... «المَعْطِس هو الأنف، وإرغامه يعني حكّه في الأرض». (من كلام الشيخ). وهو كناية عن الخضوع والذلّ. (انظر: ابن منظور، لسان العرب: ج12، ص245، مادة: رغم). (1/181)
صفحة 182
وهاجر معه -رضي الله عنه- عشرون شخصا احتماءً به، أمّا هو فقد اتّعد شخصيّا مع اثنين، الأوّل عيّاش بن أبي ربيعة، وهو ابن عمّ أبي جهل وأخوه من أمّه، والآخر هشام بن العاص بن وائل، أخو عمرو بن العاص، وكانوا كلّهم أشدّاء أقوياء، اتّفقوا مع بعض على الملتقى في ساعة معيّنة ومكان محدّد، فإذا التقى اثنان ولم يأت الثالث، يتركانه ولا ينتظرانه، فضبطوا الأمر ونظّموه بدقّة.
وفي اليوم المحدّد، التقى عمر بعيّاش بن أبي ربيعة، أمّا هشام بن العاص فإنّه لم يأت؛ لأنّ أهله بعد أن علموا بهروبه من مكّة، قيّدوه وحبسوه.
التقى سيّدنا عمر مع عياش وخرجا وسلكا طريقهما حتّى وصلا المدينة، والمدينة كما ذكرنا مليئة بالمسلمين المقيمين منهم والمهاجرين؛ فقد سبق عدد كبير خاصّة السابقين الأوّلين ومنهم الأصحاب العشرة: أبو عبيدة بن الجراح، عبد الرحمن بن عوف، سعد بن أبي وقّاص، طلحة والزبير...
[كلام عن فضل الأنصار والمهاجرين] :
كلام عن فضل الأنصار والمهاجرين
وتذكر السير أنّ كلّ مهاجريٍّ قصد عائلة من الأنصار، وكان الأنصار يتسابقون إليهم أيّهم يظفر بالبعض منهم فيأخذهم إلى بيته ويقيمون معه ويقتسمون معهم أملاكه، مثلما أخبر الله تبارك وتعالى عنهم: {وَالذِينَ تَبَوَّءُو الدَّارَ وَالاِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّآ أُوتُوا وَيُوثِرُونَ عَلَىآ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} (1) ، ثلاث خصال نادرة المثال، واللهُ المطلّع على القلوب والعالم بما فيها يشهد لهم بها، فأيّ شهادة أكبر من هذه؟!.
وجاء هذا الوصف بعد أن مدح الله المهاجرين الذين تركوا أموالهم وديارهم وأولادهم ووطنهم لأجل الله: {لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ الذِينَ أُخْرِجُوا
__________
(1) ... سورة الحشر: الآية 9. (1/182)
صفحة 183
مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} (1) .
وفراق الوطن صعب، خاصّة الوطن الذي فيه بيت الله الحرام والمشاعر العظام، فلا يوجد في الدنيا كلّها مكان يعدل مكّة والبيت الحرام، نعم قد يرغب أحد في الهجرة، ففي بعض الأحيان يترك الناس مدنَهم ويهاجرون، ولكن أن يترك مكّة، فالأمر يختلف، «..... ولك السعدان» (2) ، كما يقول العرب؛ إذن فترك بلد الله الحرام والخروج منه من أعظم ما يبتلى به المرء.
[من مكر المشركين بمن هاجر] :
من مكر المشركين بمن هاجر
وذات مرّة وبينما هم في المدينة إذا بأبي جهل وأخيه الحارث بن هشام قادمان ليبحثا عن أخيهما لأمّهما وابن عمّهما عياش، وكانا أخويه الكبيرين، فلمّا التقياه قالا له: «يا عيّاش، إنّ أمّك قد نذرت أن لا تَمَسَّ رأسَها مشطٌ ولا تستظلّ حتى تراك».
خدعوه بهذا لكي يرجع.
فقال له سيّدنا عمر: «يا عيّاش، إنّ القوم والله لا يريدون إلا أن يفتنوك عن دينك ويردّوك، وأمُّك واللهِ لو آذاها القمل لامتشطت، ووالله لو آذاها حرّ مكّة لاستظلّت».
لكنّ قلب عيّاش رقّ لما أخبراه عن حالة أمّه، فقال لعمر: «أريد أن أبرَّ قسمَ أمّي، ولي مال هناك أجمعه وأرجع».
لما رأى عمرُ منه الإصرارَ على الذهاب قال له: «خذ ناقتي هذه -وكان عند عمر مهريّة- فهي ليست مثل جملك، رَكوبها جيّد ولا تُدرك، اركب عليها، فإن رابك
__________
(1) ... سورة الحشر: الآية 8.
(2) ... أظنّه أورد مثلاً ولكن لم أتبيّن بدايته؛ لخلل في التسجيل. (1/183)
صفحة 184
شيء من أخويك في الطريق، فما عليك إلا أن تأمرها بالإسراع، فلا يستطيعان لحاقك بالجمال التي عندهم». وكان الانتقال كلّه على الجمال.
فأخذ ناقة عمر وذهب مع أخويه.
وفي بعض الطريق ولمّا ابتعدوا قليلا عن المدينة، قال أبو جهل لأخيه عياش -ومثلما قلنا منذ قليل هو أكبر منه سنًّا-: «يا أخي، قد آذاني الجمل الذي أنا عليه وأتعبني بمشيته الصعبة، فلو تناوبت معي قليلا فأرتاح على ناقتك الجيّد مشيها».
فوافق عيّاش وهبط، فبرّك أبو جهل جمله، وبرّك عياش ناقته، ولم يكد يمتطي على الجمل الآخر حتّى وثبا عليه وقيّداه جيّدا وأركباه فوق الجمل وذهبا به إلى مكّة، حتّى دخلاها -عمدا- في وسط النهار، ومرّا على مجامع قريش ونواديهم، ونادى أبو جهل: «هكذا فافعلوا بسفهائكم يا معشر قريش كما فعلنا بسفيهنا هذا، لقد ذهبنا إلى المدينة وأتينا به مقيّدا وها هو أمامكم».
شيطان مريد! لم يترك مكرا لم يفعله، لعنه الله وأخزاه!.
ثمّ ذهبا به إلى سجن وحبساه مع هشام بن العاص، هذا الذي كان متّعدا لكي يهاجر مع عمر وعيّاش ولكن قُبض عليه.
بقي عيّاش وهشام في السجن حتّى أذن الله تبارك وتعالى للنبيّ - صلى الله عليه وسلم - بالهجرة، فهاجر ووصل إلى المدينة ومكث فيها ما مكث، وكان يقنت دائما في صلاة الصبح في الركعة الثانية إذا قام من الركوع، ويدعو الله تبارك وتعالى أن ينجيَ المستضعفين، ومنهم هذا عيّاش بن أبي ربيعة، كان يطلب: «اللهمّ انج فلانا، اللهمّ أَنْجِ فلانا»، ثلاثة أو أربعة يسمّيهم بأسمائهم، ثمّ يقول: «اللّهم انج المستضعفين الذين هم مغلوبون على أمرهم»، مثلما قال الله فيهم: {اِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَآءِ وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً} (1) ؛ أي لا يقدرون على السفر وقطع الفيافي والقفار نحو المدينة، فهم مُهْمَلون هناك، وعيّاش منهم.
__________
(1) ... سورة النساء: الآية 98. (1/184)
صفحة 185
في يوم من الأيّام قال النبيّ - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه بالمدينة: «من لي بعيّاش بن أبي ربيعة وهشام بن العاص؟»؛ أي هل فيكم رجل قويّ يذهب إلى مكّة ويخلّص هذين الاثنين؟.
فقال له الوليد بن الوليد أخو خالد بن الوليد: «أنا لك يا رسول الله، أنا أذهب لآتيك بهما».
وارتحل على بعيره وذهب إلى مكّة، وبينما هو يطوف في أوّل الليل ببعض النواحي، إذا به يلمح امرأة تحمل طعاما، فلما مرّت عليه سألها: «إلى أين يا أمة الله؟».
قالت له: «إنّي ذاهبة إلى سجينين لآخذ لهما عشاءهما».
فظنّ أنّهما صاحباه، فذهب متستّرا خلف المرأة متقصّيا لآثارها، ورأى المكان.
وكان البناء مسوَّرا ولكنّه غير مسقف، ولمّا انصرفت المرأة، تسوّر عليهما وكسر قيودهما، ثمّ انطلقوا جميعا نحو المدينة، وفي الطريق عثرت به راحلة الوليد ودميت أصبعه، وقيل هو الذي قال (1) :
هل أنت إلا أُصبع دميتِ ... و في سبيل الله ما لقيتِ
فنفَّذ بذلك الوليدُ الوعدَ الذي أعطاه للرسول - صلى الله عليه وسلم - على أنّه يذهب وينقذهما، فخلّصهما بعد أن قضوا في العذاب مدّة.
كان هذا بعضٌ من النوادر التي وقعت في الهجرة، ولكي تكتمل الهجرة أخيرا، أذن الله تبارك وتعالى لنبيّه - صلى الله عليه وسلم - وأمره أن يهاجر، وكان لا يتحرّك ولا يسكن إلا بإذن الله، فكلّ شيء بأمره، ففي أيّ يوم سيذهب؟ ومن سيصاحب؟ وأيّ طريق سيسلك؟ هذا ما سيأتي في الدرس الآتي إن شاء الله فلا نقتضبه، والحمد لله ربّ العالمين.
__________
(1) ... نعم هو القائل. (سيرة ابن هشام: ج2، ص324). (1/185)
صفحة 186
صفحة 186 بيضاء (1/186)
صفحة 187
الدرس السابع
محتويات الدرس:
محتويات الدرس
? خلاصة ما مضى.
? رؤيا للنبيّ - صلى الله عليه وسلم - .
? الحكمة من وجوب الهجرة إلى المدينة.
? الحكمة من تأخير هجرة أبي بكر وعلي.
? وإذ يمكر بك الذين كفروا...
? الصحبة يا أبا بكر.
? فأغشيناهم فهم لا يبصرون.
? من تدابير الهجرة.
? لا تحزن إنّ الله معنا. (1/187)
صفحة 188
صفحة 188 بيضاء (1/188)
صفحة 189
الدرس السابع (1)
[موضوعه: بيّن كيفية اجتماع المشركين في دار الندوة للكيد بالرسول - صلى الله عليه وسلم - ، وكيف مكر الله بهم وأحبط كيدهم. وخروجه - صلى الله عليه وسلم - مع صاحبه أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- من داره إلى غار ثور، وكيف أصبحت حالة نفسيّة المشركين بعد هذه الهزيمة المنكَرة، إذ مكروا ومكر الله والله خير الماكرين].
[خلاصة ما مضى] :
خلاصة ما مضى
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على رسول الله.
لا زلنا في حديث الهجرة الممتع المفيد المليء بالحكم والأسرار والكرامات.
علمنا ممّا مضى أنّ أكثر الصحابة رضي الله عنهم هاجروا إلى المدينة بعد أن أذن لهم النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، وفي ذلك الوقت نزلت أوّل آية في الإذن بالجهاد وهي قوله تعالى: {اُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىا نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ...} (2) ، وقبل ذلك كانت بيعة العقبة، فقد أراد الله تبارك وتعالى أن يَدْخُلَ الإسلامُ إلى المدينة بواسطة الستّة الأوّلين من الأنصار، والاثني عشر بعدُ في العام التالي، والثلاثة والسبعين رجلا وامرأتين في العقبة الأخيرة.
دخل الإسلام المدينةَ وانتشر، وكان أهلها الذين سمّاهم الله تعالى أنصارا، قد عاهدوا النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - على النصرة، وأن يحارِبوا دونه الأحمر والأسود؛ أي كلّ أهل الدنيا.
هذا ملخّص ما مرّ.
__________
(1) ... ألقاه بعد صلاة الجمعة يوم: 23 صفر الخير 1392هـ الموافق لـ 7 أفريل 1972م.
(2) ... سورة الحج: الآية 39. (1/189)
صفحة 190
[رؤيا للنبيّ - صلى الله عليه وسلم - ] :
رؤيا للنبيّ صلى الله عليه وسلم
يقول النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - : «رأيت في المنام أنّ هجرتي إلى أرض فيها نخل، ولم يخطر في بالي أنّها يثرب، إنّما ظننت أن تكون إمّا اليمامة (1) وإمّا هَجَر (2) » (3) .
هذان هما البلدان اللذان خطرا ببال النبيّ - صلى الله عليه وسلم - أنّه سيهاجر إلى أحدهما لمّا رأى هذه الرؤيا، ولكنّ الله تبارك وتعالى أراد أن تكون بلادَ الأوس والخزرج التي كانت تُسمَّى يومئذ بـ: «يثرب»، ومن بعدُ سمّاها النبي - صلى الله عليه وسلم - «طيبة»، وأُطلق عليها المدينة، وكذلك سُمّيت في القرآن الكريم: {لَئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ...} (4) .
ولا ندري كيف ومتى أخبره الله تبارك وتعالى بأنّ مهاجَرَه سيكون إلى المدينة.
__________
(1) ... «اليمامة هي البلاد المعبَّر عنها اليوم بالرياض؛ حيث عاصمة المملكة السعودية، وهي بلد مسيلمة الكذّاب. والرياض كما عرفناه في نجد بلد خصب وفيه نخل»(من كلام الشيخ). وهي مدينة متّصلة بأرض عُمان من جهة المغرب مع الشمال، وسمّيت اليمامة بامرأة، وهي الزرقاء، زرقاء اليمامة، وهي المشهورة في الجاهلية بحدَّة البصر. واليمامة هي مدينة عامرة فيها مزارع ونخل كثير أكثر من بلاد الحجاز. فُتحت صلحًا في سنة اثنتي عشرة في خلافة الصدّيق -رضي الله عنه- على يد خالد بن الوليد -رضي الله عنه-، بعد أن قتل مسيلمة الكذَّاب ودجّال بني حنيفة. (الحميري، الروض المعطار في خبر الأقطار: ص619-621).
(2) ... «هَجَر بلادٌ كذلك في جزيرة العرب فيها نخل كثير، حتى إنّ المثل العربيّ يقول: ”كجالب التمر إلى هجر“. فهجر هي التي تبعث التمر إلى كلّ جهة» (من كلام الشيخ). وهي مدينة البحرين. (الحميري، الروض المعطار في خبر الأقطار: ص 592).
(3) ... نص الحديث كما ورد في صحيح البخاري عن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «رأيت في المنام أنّي أهاجر من مكّة إلى أرض بها نخل، فذهب وهَلي إلى أنّها اليمامة أو هجر، فإذا هي المدينة يثرب». (صحيح البخاري، باب: هجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه إلى المدينة، رقم: 3425). وهَلي: ظنّي ووهمي.
(4) ... سورة الأحزاب: الآية 61. (1/190)
صفحة 191
يسّر الله تبارك وتعالى وسهّل لأهل المدينة فجاءوا وأسلموا كما تقدّم في الدروس الماضية -وهذا وقع بعد خروجه من الشعب- وبعد ذلك أمر كلّ من استطاع من أصحابه الهجرةَ أن يُهاجر، لم يصبروا على هذه الفتنة وقد مات أبو طالب وماتت خديجة واشتدّ البلاء بالمسلمين خاصّة في الفتنة الأخيرة، فأذن لهم كلّهم بالخروج، فبدءوا يخرجون أرسالا جماعات وفرادى، حتّى فرغت مكّة من السابقين الأوّلين، حتّى الأشدّاء منهم كعمر بن الخطّاب والأصحاب العشرة: الإمام عثمان وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة بن الجرّاح... رضي الله عنهم-، ولم يبق منهم إلا اثنان: أبو بكر وعليّ؛ لحكمة سنعلمها.
ولم يخْفَ على المشركين أنّه إذا هاجر مثل عمر بن الخطّاب ومثل الإمام عثمان بن عفّان رضي الله عنهما وهما من هما في درجتهما ومقامهما ومركزهما ومقامهما بين قريش، فمن سيبقى في مكّة إذا داهمها عدوّ؟!؛ فالأمر يحتاج إلى تدبير.
[الحكمة من وجوب الهجرة إلى المدينة] :
الحكمة من وجوب الهجرة إلى المدينة
هاجر الجميع ولم يبق بمكّة سوى {الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَآءِ وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً} (1) ، الذين لا يستطيعون الخروج، فقد يكون أحدهم مقيًّدا محبوسا أو عاجزا مريضا، فهؤلاء معذورون، أمّا الآخرون فلا؛ لأنّ الله تبارك وتعالى أوجب الهجرة وجوبا، حتى إنّه أمر بمقاطعة الذين آمنوا ولم يهاجروا: {وَالذِينَ ءَامَنُوا وَلَمْ يُهَاجَرُوا مَا لَكُم مِّنْ وَّلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّىا يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ...} (2) ، فلا يتمُّ إيمانٌ في ذلك الوقت إلا بالهجرة، فإن أسلمتَ؛ فهاجرْ إلى المدينة إذن لكي تكون مؤمنا حقّا.
ولسائل أن يتساءل عن الحكمة من هذه الهجرة ولماذا كانت واجبة؟.
__________
(1) ... سورة النساء: الآية 98.
(2) ... سورة الأنفال: الآية 72. (1/191)
صفحة 192
الحكمة من هذا هو اجتماع المسلمين من أهل المدينة الذين سبق الإسلام فيهم والمسلمين الذين بمكّة، وكان لزاما عليهم أن يجتمعوا حتى تتكوّن منهم الجماعة الأولى كما ذكرنا في الدرس الماضي، ومن غير الممكن أن تتكوّن هذه النواة الأولى من المسلمين في مكّة، فإذا اجتمع عدد كبير من المسلمين في المدينة، حينئذ سيتجهّزون بكلّ ما استطاعوا من قوّة ويعدّوا عدّتهم لمحاربة المشركين، وكذلك كان، فإن لم تهاجر إلى المدينة فلست مسلما، ولم يستثن النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - من الأقوياء إلا أبا بكر وعلي رضي الله عنهما.
[الحكمة من تأخير هجرة أبي بكر وعليّ] :
الحكمة من تأخير هجرة أبي بكر وعليّ
أمّا أبو بكر فقد كانت له هجرتان، في البداية لمّا كانت هجرة الحبشة، خرج من مكّة بعد إذن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - له، ومشى فلقيه ابن الدَّغِنَة سيّد الأحابيش فاستنكر عليه خروجه من مكّة وقال له: «مثلك لا يخرج، إنّك لتزين العشيرة، وتحمل الكَلَّ، وتعين على النوائب، وتطعم المساكين، ارجع وادخل مكّة في جواري»، فوافق أبو بكر حتّى كان من أمره ما كان ممّا تقدّم (1) .
هذه هجرته الأولى، لم يمنعه النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بل تركه يهاجر، ولكنّه رجع.
وبعد أن هاجر الأصحاب بإذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، جاء أبو بكر كذلك حتّى هو يستأذن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - في الهجرة فلم يأذن له بل كان يقول له: «مهلا لا تعجل، لعلّ الله أن يجعل لك صاحبا»، فطمع أبو بكر وظنّ أنْ سيكون هو، فمن الذي بقي بمكّة غير رسول الله؟، قال في نفسه: «إنّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - لم يأذن لي بالخروج وخصني بهذه المكرمة؛ لكي أكون أنا رفيقه».
وكذلك كان.
__________
(1) ... انظر الدرس السادس من هذه السلسلة. (1/192)
صفحة 193
وأمّا الإمام عليّ فقد تركه بمكّة لحكمة.
من المعلوم أنّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - كان يُطلَق عليه لفظ الأمين، ولم يعد الناس يقولون له محمّد بن عبد الله، بل يقولون: «جاء الأمين»، «خرج الأمين»، «أين هو الأمين؟»...، فمنذ طرَّ شاربه رأوه وعرفوا صدق قوله وأمانته في المعاملات، وكان لا يقرب شيئا سيّئا أبدا، بل كان طاهرا نقيّا، وكان جوهرة صافية، فكان مستودعا للأمانات.
كانت عنده ودائع وأمانات يعرفها ويعرف أصحابها، فالذي يأتيه [يستردُّ] أمانته، يعطيه إيّاها كاملة غير منقوصة، ولا يمسك عليها درهما ولا دينارا أجرةً، ولا يطالبه بحقّ الكراء، إنّما يفعل ذلك لوجه الله تبارك وتعالى.
أخبر النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - الإمامَ عليا كرّم الله وجهه بهذه الأمانات، وعرّفها له وعرّف له أصحابها، «فهذه أمانة فلان، وهذه أمانة فلانة، وهذه وديعة فلان، وهذه وديعة فلانة... »، وتركه بمكّة حتّى بعد هجرته - صلى الله عليه وسلم - ؛ ليؤدّيَها إلى أهلها.
هذه مكرمة خصّه النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بها، والمكرمة الأخرى التي ستأتي، أكبر.
بهذه الطريقة الحكيمة ضرب الرسول - صلى الله عليه وسلم - عصفورين بحجر واحد، فمن جهة يؤدّي الأمانات إلى أهلها، حتى ولو كانوا مشركين، فهو لم يستحلّها ولم يقل هؤلاء طردوني وأخرجوني وحاولوا قتلي، فسآخذها معي، لا أبدا؛ لأنّها وُضعت عنده بطريق الأمانة.
ومن جهة أخرى لا يُرجعها بنفسه؛ لأنّه لم يرد أن يُظهر عزمه على الخروج، بل أراد أن يكون الأمر سرّا، فاستعان على ذلك بالإمام عليّ كرّم الله وجهه.
لهذه الحكمة إذن ترك هذين الإمامين الخليفتين من بعده.
[وإذ يمكر بك الذين كفروا... ] :
وإذ يمكر بك الذين كفروا...
في هذه الأثناء لمّا فرغت مكّة من المؤمنين واجتمع منهم بالمدينة عدد كثير، ازداد حنق المشركين ولم يهنأ لهم بال، وهم ليسوا بلداء، بل أذكياء وعقلاء ولكنّ الله لم (1/193)
صفحة 194
يهدهم إلى الإسلام، فأبو جهل والوليد بن المغيرة وعتبة بن ربيعة وشيبة وأميّة بن خلف وغيرهم، كلّهم صناديد وأصحاب فكر ورأي ودهاء، اجتمعوا فيما بينهم وقال بعضهم لبعض: «لقد خرج أتباع محمّد كلّهم حتّى الأعيان، وليس من البعيد أن يخرج لهم محمّد غدا، فماذا سيكون بعد؟!، إنّنا نخاف خطرا أن يأتينا، يجب أن ندبّر في هذا الأمر، فلهذه الهجرة ما بعدها، لقد تمكّن منهم دينهم حتّى تركوا أهلهم وتركوا أموالهم وخرجوا، إنّ لديهم شدّة وصلابة في هذا الدين الجديد، هذا الخروج الذي خرجوه قد لا يعود علينا بالخير».
وهذا منطق منذ القديم، فالنّاس الذين يُضامون في بلدهم ثمّ يخرجون، فإنّ أهل ذلك البلد يخافون أن يرجعوا عليهم بالقوّة بعد أن يكسبوا أنصارا في الخارج.
اجتمع المشركون للتشاور في هذه القضيّة التي أرّقتهم وأقضّت مضجعهم، وكان هذا اجتماع دار الندوة، وهو الحادث المعروف الذي أشار الله تبارك إليه بقوله: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} (1) .
الحادث الذي سأذكره، سجّله الله تبارك وتعالى في الكتاب الكريم وأنزل فيه آية قرآنيّة تتلى في سورة الأنفال:
{وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الذِينَ كَفَرُوا}: يتفكّرون في المكر بك ويدبّرون؛ {لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ}: ومكرُ الله هو القضاء على مكرهم.
فماذا صنعت قريش؟.
اجتمعت قريش بدار الندوة، ودار الندوة معروفة مشهورة منذ زمن طويل، والندوة معناها الاجتماع، وهي منتدى أو نادٍ بالعبارة التي تُستعمل ا ليوم.
__________
(1) ... سورة الأنفال: الآية 30. (1/194)
صفحة 195
وهذه الدار لقصيّ بن كلاب جدّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، فهو محمّد بن عبد الله بن عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصيّ، هو الذي أسّسها، فاتّخذتها قريش منتدى ومجتمعا لكبرائها إذا كان ثمّة أمر مهمّ، ومكانها معروف إلى اليوم بمكّة، فأهل مكّة ومن كان حاذقا من الحجّاج، يسأل عن مكانها فيهتدي إليها بسهولة.
تنادت قريش للاجتماع ودعت كلّ من كان متعصّبا معها من قبائل العرب للتدبير في هذا الأمر، وكان إذا اجتمع أشراف قريش في هذه الدار تمتلئ، حتى إنّ يوم الاجتماع كان معروفا عندهم بيوم الزحمة؛ لكثرة الوافدين من الناس.
في هذا اليوم الذي تواعدوا فيه، يروي ابن إسحاق وابن هشام والذين كتبوا في السيرة، أنّ المشركين وبينما هم داخلون، إذ جاءهم شيخ مشتمل بكسوة غليظة رماها على كتفيه قد شاب شعر رأسه، وكان غريبا عنهم فسألوه: «من أين الشيخ؟».
قال: «أنا من شيوخ نجد، سمعت بهذا الأمر الكبير الذي أنتم مجتمعون عليه اليوم، أمرِ هذا الشخص الذي أهمّنا أمرُه كلّنا، نحن معكم وأنا أتيتكم اليوم للتشاور لعلّكم تجدون عندي رأيا ينفعكم». فرحّبوا به.
وما كان هذا إلا إبليس اللّعين جاء في هذه الصورة، وإن كان بعض المتحذلقين يقولون إنّ هذه الرواية لا تصحّ، ولكنّ الشيطانَ وتمثُّله للكفّار وللمشركين وتحريضهم، شيءٌ واقع، وقد نصّ الله تبارك وتعالى على ذلك في القرآن في قصّة بدر: {وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ} (1) : لَمَّا أراد المشركون الخروج إلى بدر، خافوا وقالوا: «إنْ نحن خرجنا ومشينا في بعض الطريق، فإنّا نخاف عرشا هو عدوّ لنا أن يأتينا من الوراء، نحن نحارب محمّدا من الأمام وهذا العرش يأتينا من الوراء»، فتمثّل لهم
__________
(1) ... سورة الأنفال: الآية 48. (1/195)
صفحة 196
الشيطان في صورة رئيس هذا العرش (1) وقال لهم: «اهنؤوا بالا، أنا أضمن لكم أنّه لن يتحرك أحد، فهيّا تقدّموا إلى الأمام واهجموا على محمّد وصحبه».
فكيف ينكر بعض المتحذلقين مثل هذه الرواية وقد نصّ القرآن على مثلها؟!.
لمّا استقرّ بالمشركين المجلس في دار الندوة، افتتحوا الحوار فقال بعضهم لبعض: «هذا السكوت ليس في محلّه، أنتم ترون الحالة التي وصلنا إليها، فأولادنا خرجوا، ورجال منّا ذوو شجاعة وذوو قوّة خرجوا ودخلوا في هذا الدين الجديد، فإنْ نحن سكتنا، فلربّما يأتينا خطر ويدهمنا شرّ لا نستطيع ردّه، فعلينا أن ندبّر من اليوم».
فتكلّم خطيبهم الأوّل وقال: «الرأي عندي، [أن] نُقيّده وننتظر موته كما مات الشعراء من قبله النابغة وزهير وامرؤ القيس، جماعةٌ من الشعراء عاشوا في الدنيا وأخذوا صيتا، وفي الأخير جاء الموت فأخذهم، فحتّى هذا يموت كما ماتوا». وذلك قوله تعالى: {اَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ} (2) ، وقولِه أيضا: {لِيُثْبِتُوكَ} (3) ؛ يعني: ليتركوك بين ظهرانيهم ويسجنوك. وأردف قائلا: «وهو ليس له ذكور بل بنات فقط، فإذا مات انقطع نسله وأصبح أبترَ». وفيه نزل: {اِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الاَبْتَرُ} (4) .
__________
(1) ... العرش هم: بنو بكر، والذي تمثّل إبليس بصورته هو: سُراقة بن مالك بن جُعْشُمٍ المُدْلِجِيّ، وكان من أشراف بني كنانة، وقد أورد الشاعرُ حسّان بن ثابت -رضي الله عنه- هذه القصّة وكيف نكص الشيطان على عقبيه عندما حمي الوطيس في قصيدة له، وممّا قال فيها:
سرنا وساروا إلى بدر لحينهمُ ... لو يعلمون يقين العلم، ماساروا
دلاّهمُ بغرور ثمّ أسلمهم ... إنّ الخبيث لمن ولاّه غرّارُ
وقال إنّي لكم جار فأوردهم ... شرَّ الموارد فيه الخزي والعارُ
... (انظر: سيرة ابن هشام: ج2، ص215-217).
(2) ... سورة الطور: الآية 30.
(3) ... سورة الأنفال: الآية 30.
(4) ... سورة الكوثر: الآية 3. (1/196)
صفحة 197
فقال الشيخ النجديّ: «لا يوجد رأي أضعف من هذا الرأي، وإن أنتم نفّذتم هذا الأمر، فإنّكم تستعجلون البلاء بأنفسكم؛ لأنّكم إذا قيدتموه وحبستموه، فلا تنسوا أنّ له أصحابا خارج مكّة، وخبره سيصل إليهم لا محالة، وسيبحثون عن سبب عدم لحاقه بهم، ويعرفون أنّه مسجون، ولن يسكتوا أبدا، هنا سيتحزّمون ويهجمون على مكّة ليفكّوا قيده ويخلّصوه، فأنتم إذن تَجُرُّون البلاء إلى بلدكم الآمن، [وتقدّمون] للأعراش [ذريعة] لكي تأتي من الخارج وتهجم عليكم، وتوجّهون العيون كلّها إليكم».
فقال المجتمعون للشيخ النجديّ: «حقّا، هذا صواب، فما هو الرأي إذن؟!».
المتحدّث الثاني جاء بفكرة الإخراج: {أَوْ يُخْرِجُوكَ} فقال: «عندي رأي آخر، وهو أن ننفيه من البلاد ونحجّر عليه ولا نتركه يحوم بساحتنا أبدا، ولا يعنينا في أيّ موقع وقع، ولا إلى أيّ أرض ذهب، فلا مصلحة لنا به، نطرده ونبعده من هذا الموطن فلا يحوم حوله أبدا، ونحن بعد أن يخرج، نرجع إلى أنفسنا ونصلح شؤوننا ونوحّد كلمتنا ونثبّت أحوالنا». وهذا هو النفي المؤبّد «EXPULSION».
فقال الشيخ النجديّ لهم: «هذا ليس رأيا، فأنتم تعرفون محمّدا، وتعرفون أنّ لسانه حلو وحديثه طيّب، وأنه سحّار يسحر الناس ويتحكّم في قلوبهم، فإنّ قلْبَ أحدِهم يكون متّجها إلى جهة فيكلّمه؛ فيتّجه إليه، فإن أنتم أخرجتموه، فسيأوي إلى عرش من أعراش العرب التي في الخارج، والعرب فيهم من يطمع في الرئاسة والحكم، فيكلّمهم ويخدعهم بلسانه الحلو وكلامه الطيّب المعسول، فيجتمعون حوله كلّهم ويناصرونه ويطمعون في السلطان، ومن ثَمَّ يجمعهم ويغزوكم بهم ويخرجكم من مكّة، فماذا ستفعلون بعدها؟!، وها قد سحر أولادكم فلم تستطيعوا أن تردّوه!!».
فقال الحضور: «هذه الكلمة التي قالها الشيخ حقّ وصواب، فما الرأي إذن؟!».
هنا قال لهم أحد المشاركين: «إن تقبلوا رأيي أدلي إليكم به». (1/197)
صفحة 198
رواية تقول بأنّ إبليس هو الذي أدلى بهذا الرأي الأخير، ورواية تقول بأنّ أبا جهل هو الذي ذكره ثمّ عقّب عليه الشيخ النجديّ قائلا: «هذا هو الصواب».
قالوا: «وما هو هذا الرأي؟».
قال: «أن تُخرجوا من كلّ قبيلة من قبائل قريش شابّا قويّا نسيبا (1) وسيطا (2) جليدا (3) ، فنجمعهم ونعطي كلَّ واحد منهم سيفا صقيلا صارما حادًّا قاطعا، يضرب به ضربة ولا يعيد أخرى، فيقعون على محمّد ويضربونه ضربة واحدة يشتركون فيها جميعا، فيتفرّق دمه على الأعراش، ولا يبقى إلا بنو عبد مناف قوم النبيّ - صلى الله عليه وسلم - فلا يستطيعون أن يحاربوا قريشا وأحلافها ويأخذوا بالثأر منها، فيرضون بالدّية، ونتركهم يغالون فيها ونعطيهم بدل المائة ناقة مائتين أو ثلاثة مائة ولا نبالي، فنحن عندما نقتله فقد ربحنا».
قال الشيخ النجديّ: «هذا هو الرأي».
فنادى الجميع: «صدق النجديّ، صدق النجديّ، هذا هو الصواب».
فانتهى الأمر واتّفقوا على هذه الطريقة وتعاهدوا، وتواعدوا على يوم ينفِّذون فيه مكرهم.
الرواية لم تنصّ هل هو ذلك اليوم نفسه أم هو وقت آخر، ومهما [يكن] فهذا لا يهمّ، المهمّ أنّهم اتّفقوا على تنفيذ هذه الطريقة.
__________
(1) ... «أي: من عائلة قويّة كبيرة ذات نسب ولها أصل عريق» (من كلام الشيخ). (انظر: الفراهيدي، العين: ج4، ص214 وابن منظور، لسان العرب: ج1، ص576، مادة: نسب).
(2) ... يقال: «هو من أوسط قومه»؛ أي خيارهم. ويقال: «انظروا رجلا وسيطا»؛ أي حسيبا في قومه، ومنه سمِّيت الصلاة الوسطى؛ لأنّها أفضل الصلوات وأعظمها أجرا، ولذلك خُصّت بالمحافظة عليها. (ابن منظور، لسان العرب: ج7، ص 426، مادة: وسط).
(3) ... «يعني شابًّا يكون قويًّا صنديدا قادرا»(من كلام الشيخ). (انظر: الفراهيدي، العين: ج1، ص252 وابن منظور، لسان العرب: ج3، ص124، مادة: جلد). (1/198)
صفحة 199
وإلى ذلك الوقت، ما زال لم يأذن الله تبارك وتعالى لنبيّه - صلى الله عليه وسلم - بالهجرة، ولمّا أراد إنفاذ وعده، أذن لنبيّه بالخروج، وهو - صلى الله عليه وسلم - كما نعلم- كان لا يتحرّك ولا يسكن إلا بإذن الله، وما دام لم يأته أمر من الله أنْ تهيّأْ للخروج، لا يخرج.
جاءه جبريل - عليه السلام - وأخبره بكلّ ما جرى؛ أي أتى له بمسجّلة الحديث الذي وقع في دار الندوة، فهذا ما وقع في دار الندوة وهذا ما اتفّق عليه قومك، لقد اتّفقوا على قتلك بهذه الطريقة، فتهيّأ للهجرة.
وأخبره جبريل بأنّ موعده الليلةَ التي تواعدوا فيها على قتله، وقال له: «لا تبت تلك الليلة على فراشك».
[الصحبة يا أبا بكر] :
الصحبة يا أبا بكر
وعن التهيئة لخروج النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، تروي السيّدة عائشة -رضي الله عنها- وهي فتاة حاذقة لبيبة صغيرة السنّ ذكيّة، والنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - كان قد عقد عليها ولكن ما زال لم يدخل بها، فهو قد عقد عليها بمكّة وهي ابنة ستّ سنوات، ودخل بها بالمدينة لمّا بلغت تسع سنين.
قلت إنّ عائشة حدّثت كما حدّثت أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهم جميعا فقالت: «كان من عادة النبيّ - صلى الله عليه وسلم - دائما في مكّة أن يأتي إلى دارنا كلّ يوم». وكانت دار أبي بكر بعيدة نوعا ما عن المسجد الحرام.
قالت عائشة: «كان يأتينا كلّ يوم». رواية تقول: «يأتينا مرّتين صباحا وعشيّا»، والظاهر أنّ الرواية الصحيحة (1) تقول: «يأتينا إمّا بكرة وإمّا عشيّا»، لا يترك يوما لا يزور فيه أبا بكر في بيته، وإنّما يذهب إليه في البكرة بعد طلوع الشمس، أو في آخر العشيّة إذا بردت الشمس، ومكّة ساخنة كما نعرف.
__________
(1) ... انظر: سيرة ابن هشام: ج3، ص10. (1/199)
صفحة 200
تقول عائشة: «في يوم من الأيام جاءنا النبي - صلى الله عليه وسلم - في حرّ الظهيرة (1) ، فرأيناه قادما إلينا من بعيد متقنّعا؛ أي مغطيا رأسه بردائه من حرّ الشمس (2) ، فقلنا: لم يعتد النبيّ - صلى الله عليه وسلم - أن يجيء في مثل هذا الوقت!!، لم يأت في هذا الوقت إلا لأمر كبير».
دخل النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بيت أبي بكر بعد أن أذن له وكان جالسا على سريره فنزل وقعد النبيّ عليه وقال له: «أَخْرِجْ مَنْ عندَك يا أبا بكر».
قال له أبو بكر: «يا رسول الله، إن هما إلا ابنتاي، لا يوجد أحد في بيتي إلا عائشة وأختها».
فرضي النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وجلسا وتحدّثا والبنتان يستمعان الحديث، فقال النبيّ - صلى الله عليه وسلم - :
«يا أبا بكر قد أُذن لي في الخروج».
قال أبو بكر: «الصحبةَ يا رسول الله؟»؛ يعني: «أأكون صاحبك ورفيقك؟!».
قال له: «نعم، الصحبة يا أبا بكر».
وهنا تصف عائشة -رضي الله عنها- الحدثَ بأنّ أبا بكر -رضي الله عنه- بكى من شدّة الفرح وتقول: «لم أكن أدري أنّ قوّة الفرح تُبكي، حتى رأيت ذلك من أبي».
كان سيّدنا أبو بكر قد أعدّ من قبل راحلتين، فقد عرف أنّه لا بدّ وأن سيأتي الإذن بالخروج، طال الوقت أم قصر؛ لأنّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - قال له آنفا: «إنّي لأرجو أن يؤذن لي بالخروج». فاشترى ناقتين مهريّتين واعتنى بهما جيّدا استعدادا لمثل هذا اليوم.
وكان هذا من طبع أبي بكر -رضي الله عنه- الذي عُرف بالسّخاء، فقد كان يَخرج من ماله جميعا في سبيل الله، وممّا يُروى عنه في ذلك، أنّه لمّا خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مهاجرا، جاء والده أبو قحافة -وكان شيخا كبير السنّ قد عمي بصره- إلى عائشة وأسماء فقال لهما: «أظنّ أن هذا الولد قد خرج ولم يترك لكما شيئا».
__________
(1) ... «أو في نحر الظهيرة، وقت الزوال واشتدادِ الحرّ والشمسُ واقفة في كبد السماء». (من كلام الشيخ).
(2) ... ولعلّه أيضا متخفّيا عن العيون، خاصّة وأنّه - صلى الله عليه وسلم - ذهب في وقت لم يعتد الذهاب فيه. (1/200)
صفحة 201
فقالت أسماء (1) إنّها لم ترد أن تشغل بال جدّها، بل أرادت أن تصبّره وتسلّيه، فعمدت إلى أحجار فالتقطت بعضا منها ووضعتها في كوّة (2) بالبيت حيث كان يضع أبو بكر ماله وغطّتها، ثمّ أمسكت بيدي جدّها ووضعتهما داخل الكوّة فوق الأحجار وقالت له: «لقد ترك لنا ما يكفينا لمعاشنا»، فتحسّس الكوّة بيديه ثمّ قال: «الحمد لله، لقد ترك لكم ما يكفيكم». والحقيقة أنّ أبا بكر أخذ معه جميع ما يملك من مال لينفقه على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعلى نفسه، قيل: كان لديه خمسة آلاف درهم وقيل ستّة آلاف أخذها كلّها معه ولم يترك لهم منها شيئا، إنّما ترك لهم الله. فانظروا إلى قوّة الإيمان.
قلنا: إنّ أبا بكر -رضي الله عنه- قد أعدّ راحلتين من قبل لمثل هذا اليوم فقال للنبي - صلى الله عليه وسلم - : «يا رسول الله، إنّي هيّأت راحلتين وأعددتهما لهذا اليوم، واحدة لك والأخرى لي».
فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : «إلاّ بالثمن، أقبل منك واحدة ولكن أدفع لك ثمنها».
قال: «يا رسول الله، هذه هبة لك».
قال: «لا، إلا إذا دفعت لك ثمنها».
هنا يقول أصحاب السيرة إنّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أراد أن يهاجر على ناقة من ماله؛ لكي يتمّ له أجر الهجرة.
فدفع له ثمنها ثمانمائة درهم، وثمانُمائة درهم في ذلك الوقت عدد كبير جدّا، وتركا الناقتين عند راع يتعهّد لهما بهما إلى حين خروجهما.
__________
(1) ... «أخت عائشة -رضي الله عنها-، وكانت أكبر منها سنّا، وهي زوجة الزبير بن العوّام وأمّ عبد الله بن الزبير، بطلا الإسلام. [قال البوصيري في همزيته: القصائد البصيرية: ص26] :
وحواريِّك الزبير أبي القَرْ ... م الذي أَنجبت به أسماء»
... (من كلام الشيخ).
... القَرْمُ: هو السيّد المُكْرَم. (ابن منظور، لسان العرب: ج12، ص273، مادة: قرم).
(2) ... الكَوَّةُ: الخَرق في الحائط. (ابن منظور، لسان العرب: ج15، ص235، مادة: كوى). (1/201)
صفحة 202
[فأغشيناهم فهم لا يبصرون] :
فأغشيناهم فهم لا يبصرون
أخبر الله تبارك وتعالى نبيَّه بواسطة جبريل - عليه السلام - عن الليلة التي اتّعد فيها المشركون لإنفاذ مكرهم، وأمره أن لا يبيت على فراشه، وبالفعل لم يبت النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - تلك الليلة على فراشه، بل أمر الإمام عليّا بذلك، وأمره كذلك أن يتسجّى بثوبه، وكان للنبيّ - صلى الله عليه وسلم - غطاء حضرميٌّ (1) أخضر اللّون جيّد الصناعة يتغطّى به يعرفه جميع الناس، فقال لعليّ: «ارقد أنت على فراشي وتغطَّ بهذا الثوب، ولا تخف، فلن ينالك منهم مكروه».
جاء الشباب الذين تمَّ اختيارهم لتنفيذ هذه المهمّة وجلسوا أمام دار النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ونظروا من خصاص الباب، ونعرف أنّ البناء في ذلك الوقت لم يكن محكما مثل بنائنا اليوم، ويمكن أن نقول إنّه كان مثل البنيان الموجود الآن في بعض الأرياف، بناؤهم ليس متينا ولا عاليَ الأسوار، والأبواب فيها شقوق كثيرة، ويستطيع أحد أن يطلّ ويرى ما في الداخل، ثمّ لم تكن عندهم في ذلك الوقت الفكرة التي نستعملها نحن الآن في بيوتنا، وهي أنّه عندما نضع بابا للدار، نبني خلفه مباشرة جدارا على علوّ مترين أو أكثر ونضع كذلك ستارا، فإذا فُتح الباب المطلّ على الشارع، لا يرى أحد وسط الدار، وإنّما يقابله ذلك الجدار وذلك الستار، ولكن أحيانا تكون بعض الدّيار ضيّقة ولا يمكن أن يوضع فيها هذا الحائط الذي يردّ النظر، فأصبح الناس يكتفون بوضع قطعة من القماش ستارا.
__________
(1) ... «حضرميٌّ يعني من حضرموت، فقد كانت بلاد اليمن وبلاد حضرموت معروفة منذ القديم بالصناعة الدقيقة، صناعة النسيج وغيرها، ولا يخفى لدى المطّلعٍ على أخبار الأمم السابقة [أنّ] حضارة اليمن من أعرق الحضارات في الدنيا، وقد عرّفها الله تعالى لنا في كتابه: {لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسَاكِنِهِمُ ءَايَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَّمِينٍ وَشِمَالٍ...} [سورة سبأ: الآية 15]. كانوا متمدّنين بجميع الصنائع كالنسيج والصياغة والبناء والتعمير والغراسة...، فكانت الثياب تأتي من اليمن، والقوافل إذا جاءت من هناك، تمرُّ على الحجاز وتبيع فيه، ثمّ تسير إلى الشام». (من كلام الشيخ). (1/202)
صفحة 203
وأحيانا لا يكون هذا الستار أصلا، فإن وُجد فإنّه لا يستر إلا الثلث أو الربع. هذا لكي نتصوّر كيفية البناء الموجودة في ذلك الوقت.
وبيت النبي - صلى الله عليه وسلم - حتّى في المدينة كان على هذا النمط بدليل:
مسألة الإذن: فقد نهى الله تبارك وتعالى الناس أن يدخلوا الدّيار إلا بعد الاستئذان: {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىا تَسْتَانِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَىآ أَهْلِهَا...} (1) .
وهذه الرواية أيضا: ففي يوم من الأيّام كان النبيّ - صلى الله عليه وسلم - في بيته وعلى باب الدار ستار، فرأى إنسانا يطلّ من ثقب بالباب، فخرج إليه وبيده مشقص (2) لكي يدخلها في عينه التي يطلّ بها، وقال له: «إنّما جُعل الاستئذان من أجل النظر، فإذا دخل النظر فلا إذن» (3) . بمعنى لماذا جعل الله تعالى الاستئذان؟! لكي لا ترى الدار، وإذا دخلتْ عينُك الدار، فما الفائدة في الإِذْنِ إِذَنْ؟!، دخلتَ أو لم تدخل فالأمر سيان، ليس المراد جسدك وإنّما عينك. ولذلك أُذن لو أنّ إنسانا أطلّ في بيت أحدهم فرماه صاحب البيت برصاصة أو بحجرة أو بأيّ [شيء] كان وفقأ عينه، فليس عليه دية (4) .
__________
(1) ... سورة النور: الآية 27.
(2) ... «وهي آلة حديديّة حادّة تشبه المقصّ» (من كلام الشيخ) وجه شبهه بالمقص في الحدّة. (انظر: ابن منظور، لسان العرب: ج7، ص48، مادة: شقص).
(3) ... أخرجه البخاري عن سهل بن سعد الساعدي بلفظ: اطَّلع رجل من جُحْر في حُجَر النبي - صلى الله عليه وسلم - ومع النبي - صلى الله عليه وسلم - مِدْرًى [ما يعمل من حديد أو خشب على شكل سنّ من أسنان المشط وأطول منه يسرح به الشعر المتلبِّد] يحكّ به رأسه فقال: «لو أعلم أنّك تنظر، لطعنت به في عينك، إنّما جعل الاستئذان من أجل البصر». (صحيح البخاري، كتاب: الاستئذان، باب: الاستئذان من أجل البصر، رقم: 5887).
(4) ... عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لو أنّ رجلا اطّلع عليك بغير إذن فَخَذَفْتَه بحصاة ففقأت عينه ما كان عليك جناح». متفق عليه واللفظ لمسلم. (البخاري، كتاب: الديات، باب: من اطّلع في بيت قوم ففقئوا عينه، رقم: 6522، ومسلم، كتاب: الآداب، باب: تحريم النظر في بيت غيره، رقم: 4112). وروى الدارقطني عن أبي هريرة أيضا أنّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «من اطّلع في بيت قوم بغير إذنهم ففقئوا عينه، فلا دية ولا قصاص». (سنن الدارقطني، كتاب: الحدود والديات وغيره، رقم: 3010). (1/203)
صفحة 204
وأمر النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وقال: «إذا جاء أحد ووقف أمام الباب يستأذن وينادي ربَّ الدار، فلا يقف أمام الدار مباشرة، إنما يتنحّى يمينا أو شمالا، ولا يأتي وجها لوجه مقابلا [بابَ] الدّار». والحكمة من هذه الآداب ظاهرة جليّة ولا تخفى على عاقل، وكلّ هذه أحاديث صحيحة.
وهذه الروايات على ماذا تدلّ؟.
تدلّ على أنّ بنيانهم كان بالكيفيّة التي يستطيع أحد وهو بالخارج أن يرى ما بداخل الدار إذا فُتح الباب، أو كان الباب مشقوقا وأطلّ من خصاصه، هذا لكي نفهم الرّواية جيّدا.
كذلك كان بيت النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، والذي يطلّ من خصاص الباب، يرى فراشَه الذي ينام عليه؛ ولهذا قال للإمام علي: «ارقد على فراشي وتزمّل بغطائي، واطمئن، فلن ينالك مكروه».
جاء هؤلاء الشبّان وجلسوا أمام الدار، والنبيّ - صلى الله عليه وسلم - داخل البيت ولكنّه كان في جهة بحيث لا يُرى لو أنّ أحدهم أطلّ من الباب، فجلسوا يحرسون ويترقّبون خروجه من البيت فيثبون عليه ويضربونه بسيوفهم ضربة رجل واحد، وكانوا من حين لآخر يُطلّون فيرونه راقدا على فراشه مسجّى بغطائه الحضرميّ، فيطمئنّون ويحسبونه رسول الله، وما هو في الحقيقة إلاّ عليّ كرم الله وجهه، حتّى جاءت اللّحظة التي أذن الله تبارك وتعالى فيها لنبيّه بالخروج، فخرج وهو يقرأ أوّل سورة يس: { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يَسِ وَالْقُرْءَانِ الْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ عَلَىا صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ تَنزِيلُ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّآ أُنذِرَ ءَابَآؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَىآ أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لاَ يُومِنُونَ إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمُ أَغْلاَلاً فَهِيَ إِلَى الاَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ (1/204)
صفحة 205
وَجَعَلْنَا مِنم بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سُدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سُدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ} (1) ، وهو يكرّر: {فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ}، فأعمى الله أبصارهم ولم يره أحد منهم.
تقول رواية: إنّه في الوقت نفسه الذي خرج فيه النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، كان أبو جهل يُحدّث الشباب -لأنّه كان معهم- ويُحمّسهم ويسخر من النبيّ - صلى الله عليه وسلم - فوصل إلى أن قال: «إنّ هذا -أي محمّدا- يزعم أنّكم إذا اتّبعتموه، ستجدون بعد أن تموتوا جنانا مثل التي ترونها في الأردن، وتجدون خيرات وتجدون نعيما وتجدون وتجدون...، و[يقول] لكم: إذا كفرتم به ولم تتّبعوه، فستكون نارٌ بعد أن تموتوا، تدخلونها وتُشوَون فيها»، عند هذه الكلمة بالضبط، خرج النبيّ - صلى الله عليه وسلم - من بيته وقال له: «نعم، وأنت منهم»؛ أي قال له: نعم، قلتُ لهم بأنّ الذي لم يؤمن بي، فسيكون مصيره النار، وأنت واحد منهم.
وأخذ في يده الشريفة حفنة من تراب ووضع منها على رأس كلّ واحد منهم، ومرّ.
بقي الشباب منتظرين وهم مصمّمون على البقاء حتّى ولو طلع الصباح، فالأمر عندهم سيان، ولم يكن في نيّتهم أن يهجموا عليه في الدار، بل يتربّصون حتى يخرج، فيهجمون عليه كلّهم. فمكثوا زمانا طويلا.
وكما أعمى الله تبارك وتعالى أعينهم، عمّى عنهم الأخبار كذلك، حتّى الشيطان لم يأت إليهم بإذن الله، حتّى إذا مشى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - المسافة التي لا يقدرون على قطعها للّحاق به، جاء رجل لا يعرفونه فمرّ عليهم (2) وقال لهم: «ما الذي أقعدكم هنا؟!».
قالوا: «نحن ننتظر محمدا لكي نقتله حين يخرج».
__________
(1) ... سورة يس: الآيات 1-9.
(2) ... «لم تذكر الرواية من هو، وهناك رواية أخرى تقول: إنّه الشيطان تمثّل لهم لكي يمكر الله بهم مكرةً أخرى». (من كلام الشيخ). (1/205)
صفحة 206
فقال لهم: «لقد سخر منكم، لقد خرج منذ مدّة طويلة وقطع مسافة كبيرة وأنتم ما زلتم تنتظرون!! محمّد ليس في الدار». ثمّ تلفّت إليهم وزادهم حنقا بأن قال لهم: «وها قد حطّ على رؤوسكم جميعا التراب، هيّا انظروا ما بكم؟!»، فرفعوا أيديَهم إلى رؤوسهم وقد بلغ بهم العجب مداه، فالذي يمدّ يده إلى رأسه يتساقط منه ذرّات التراب!!، فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون غير مصدّقين ما يقع: «ماذا حدث؟! وكيف خرج ومتى، ونحن لم نرقد مذ جئنا؟! كيف يقول لنا إنّه خرج؟!»، فأطلّوا من الباب ليتأكّدوا، فأطلّ الأوّل وزاد الآخر فقال بعضهم لبعض: «إنّه ما زال راقدا على فراشه ومتزمّل بغطائه الأخضر ولم يخرج بعد، لقد كذب علينا هذا الرجل». فلم يصدّقوه بل قعدوا وانتظروا فترة أخرى، فلمّا انبثق الفجر أو بعده بقليل، قام الإمام عليّ وأزاح عنه الغطاء ووقف، فلمّا أطلّوا رأوا بأنّه ليس محمّدا الذي ينتظرونه بل هذا عليٌّ!! فلمّا فتح الباب وهمَّ بالخروج، تشبّثوا فيه قائلين: «أين هو محمد؟».
قال لهم: «لا أدري، يمكن أنّه خرج، أولستم أنتم الذين طردتموه؟!».
فأفرغوا غيظهم فيه وأخذوه إلى المسجد الحرام وحبسوه ساعة وحقّقوا معه، فما زاد على أن ردّ عليهم: «لا أعرف مكان محمّد».
فشنّوا حملة بحث في مكّة وشعابها فما وجدوا له أثرا، هناك شعروا بأنّ زمام الأمور قد تفلّتت من قبضتهم، وهكذا سُقط في أيديهم.
وكانت هذه المكرمة من مكارم الإمام عليّ كرم الله وجهه بأن سبّل نفسه ونام على فراش النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، متعرّضا لكلّ شيء.
قد يقول قائل ويتساءل: لماذا قعد هؤلاء الشباب أمام دار النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ينتظرونه لكي يخرج فيقتلوه ولم يهجموا على الدار فيكسرون الباب أو يتسوّرون الجدار؟! والأبواب كانت في ذلك الوقت ضعيفة والأسوار قصيرة ويمكن أن يصعدوها، كما تقدّم لنا في قصّة هشام بن العاص وعيّاش بن أبي ربيعة لما تسوّر عليهما الوليد بن (1/206)
صفحة 207
الوليد وفكّ أسرهما، إذن لو أراد هؤلاء الشبان لكسروا الباب، ولو أرادوا لقفزوا من فوق الجدار، فلماذا لم يفعلوا؟!.
أوّلا هذا يرجع إلى الله تبارك وتعالى وحماية نبيّه وحماية الإمام الذي ضحّى بنفسه، ثمّ إلى لفتة أخرى من كرامة العرب، فالعرب عندهم همّة ونخوة.
لمّا كان الشباب المتآمرون جالسين أمام الدار قال أحدهم: «تعالوا نتسوّر ونهجم على محمّد في داره».
فقالوا له: «لا، هذا عار علينا».
وقيل إنّهم سمعوا صوت امرأة تتكلّم في الدار فقالوا: «هذا عيب علينا، نتسوّر على بنات عمّنا ونهتك حرماتنا؟! هذه ليست رجولة، مرادنا نحن قتل محمّد وليس إزعاج النساء ولا هتك الحرمات، نحن رجال نقتل رجلا، وإنّا جالسون هنا حتّى يخرج، وهذا هو الباب الذي يخرج منه فليس لديه باب آخر، فإذا خرج أحطنا به وقتلناه».
هذه همّة العرب ونخوتهم، فمهما بلغوا من درجة في الشرك والكفر، إلا أنّ لديهم كرامة.
ويشبه هذا كلمة أبي سفيان يوم أُحُد لمّا مثّلت هند بنت عتبة بالسيد حمزة -رضي الله عنه-؛ إذ شقّت بطنه واستخرجت كبده وبدأت تمضغها، وبعد المعركة وفي قصة طويلة قال لهم أبو سفيان: «إنّكم تجدون مُثْلَةً لم آمر بها ولم تسؤني»، هو عدوّ من ألدّ أعداء النبيّ - صلى الله عليه وسلم - يومئذ، وحمزة كان كذلك من أعدى أعدائهم (1) ، ولكنّه قال: «إنّكم تجدون مثلة»، والتمثيل هو تشويه صورة الميّت بقطع أنفه مثلا أو قطع عورته أو شقّ بطنه...، وهذا في الإسلام حرام، حتّى المشركين لا نمثّل
__________
(1) ... أي المشركين. (1/207)
صفحة 208
بهم، وكان التمثيل بالميّت عند العرب إهانةً، ولذلك قال أبو سفيان: «إنّكم تجدون مثلة، لم آمر بها -يتبرّأ من الأمر لأنّه قائد الجيش- ولكنّها لم تزعجني»؛ لأنّها جاءت على هواه، وإنّما يدلّ هذا على همّة عالية.
ولماذا ذكرنا هذا كلّه؟.
لأنّه قد يسمع أحد القصّة فيخطر خاطر في قلبه ويقول: يا سبحان الله!! هؤلاء قعدوا الليل كاملا أمام الباب ينتظرون خروجه فيقتلونه، ها هو أمامكم، الباب الذي تستطيعون أن تطلّوا منه، بضربة من أحد منكم تسقطونه أرضا، أو يصعد أحد فوق كتف آخر فتسطون عليه!!.
ولكن، لما يتّضح السبب، يزول العجب.
[من تدابير الهجرة] :
من تدابير الهجرة
مكث الإمام عليّ كرم الله وجهه بمكّة يُرجع الودائع والأمانات إلى أصحابها، أمّا النبيّ - صلى الله عليه وسلم - فقد ذهب في الوقت الذي اتّعد فيه مع أبي بكر، وكانا قد اتّفقا أيضا مع الدليل (1) عبد الله بن أُريقط الذي استأجره أبو بكر وأعطاه الناقتين وقال له: «هاهما ناقتان برواحلهما، وفي الليلة الفلانية تكون تحت جبل ثَوْر وتكونان معك». وجبل ثور كما نعلم هو الجبل الذي يوجد فيه الغار الذي اختبأ فيه النبيّ - صلى الله عليه وسلم - مع صاحبه.
فكان اتّخاذ هذا الدليل تدبيرا من التدابير.
وهناك تدبير آخر، فقد وصّى أبو بكر راعيَه عامر بن فهيرة أن يأتيه في الساعة الفلانية من الليل ويسوق الغنم ويأتي إلى تحت جبل ثور في مكان عيّنه له ويبيّتها هناك، وقبل الفجر يذهب، وذلك لحكمة سنذكرها لاحقا.
__________
(1) ... «الدليل هو الذي يخبر بهم الطريق ويأخذهم حتى المدينة، وكان الدليل الذي اتّخذاه مشركا، ولكن يوجد مشركون فيهم ثقة [منهم هذا]، فالمهمّ عنده أن يأخذ أجرة عمله وكفى». (من كلام الشيخ). (1/208)
صفحة 209
ومن التدابير أيضا، أنّهما أوصيا عبد الله بن أبي بكر (1) قائلين: «نحن خارجون، وسنكون في غار ثور (2) ، وأنت تبقى في مكّة تَتَنَطَّسُ (3) الأخبارَ، تختلط في المجالس وتأتينا بما تقول قريش، يا ترى هل سيبعثون طلبا في أعقابنا أم ماذا يفعلون؟ التقط كلّ الأخبار، فإذا اعتكر الظلام بعد العِشاء، تأتينا إلى الغار وتوافينا بالمستجدّات».
فكان هذا دأب عبد الله يوميّا مدّة مكوثهما في الغار.
تروي أسماء وعائشة قائلتين: «أعددنا للنبيّ - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر قِرْبةَ ماء وسُفْرَةً (4) ، وجعلناه في جراب»؛ يعني في مزود.
جاءت أسماء -رضي الله عنها- لكي تربط هذا المزود -ولا بد أن تحكم وثاقه؛ لأنّ المسافة بعيدة-، فلم تجد في البيت ما تشدُّ به وكاء القربة وعصام السفرة، وكان عندها نطاق (5) فأخذته وقطّعته إلى نصفين، النصف الأوّل ربطت به السفرة، والنصف الآخر أوكأت به قربة الماء؛ ولذلك لُقِّبت أسماء بذات النطاقين.
__________
(1) ... «أخو عائشة وأسماء وكان شابّا ذكيّا ظريفا». (من كلام الشيخ).
(2) ... «هو غار ثور المعروف اليوم، ولا يزال على ما هو عليه إلى الآن، وقد ذكره الله تعالى في كتابه: {اِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذَ اَخْرَجَهُ الذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ...} [سورة التوبة: الآية 40]». (من كلام الشيخ). ثور هو جبل بمكّة والغار يوجد فيه، فسُمّيَ باسمه. (السهيلي، الروض الأنف: ج2، ص20).
(3) ... تَنَطَّسَ الأخبار: بحث عنها بدقّة، وبالغ في ذلك. (ابن منظور، لسان العرب: ج6، ص232، مادة: نطس).
(4) ... «السُّفْرَةُ لفظ يطلق على المائدة المليئة بأنواع الطعام، وأصل السُّفرة جاء من كلمة: ”السفر“، وهي ما يُعدُّ للمسافر من زاد عند سفره، [وهو من باب قول] أهل العربيّة: تسمية المحلّ باسم الحالِّ». (من كلام الشيخ). (انظر: ابن منظور، لسان العرب: ج4، ص367، مادة: سفر).
(5) ... «النِّطاق والمَنطَقَة معناها الحزام. يقال: ”تَمَنْطَقَ فلان بمنطَقة جلد أو كذا“، ويقال: ”تمنطقت المرأة وحزمت عليها نطاقها“. ومنه سُمّيت المناطق في الأرض، وكأنّها دوائر». (من كلام الشيخ). (انظر: ابن منظور، لسان العرب: ج 10، ص 354، مادة: نطق). (1/209)
صفحة 210
وتُذكر رواية عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - أنّه قال لها: «إنّ لك بنطاقيك هذا نطاقين في الجنّة»؛ كناية عن التشريف والتفضيل. وكانت -رضي الله عنها- تأخذ لهما عشاءهما إلى الغار كلَّ ليلة (1) .
فانظروا إلى دقّة التخطيط والتدبير والتوكل على الله تعالى وعدم التواكل، فطيلة الليالي الثلاث التي بات فيها النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر -رضي الله عنه- في الغار:
( كانت أسماء تمشي إليهما في جوف الليل تأخذ لهما عشاءهما.
( وكان عبد الله بن أبي بكر يأتي إليهما كلّ ليلة بالأخبار وما يقال من أحاديث في نوادي قريش.
( وكان عامر بن فُهيرة يأتي بالغنم إلى تحت الجبل ويُصعد لهما الحليب.
والحكمة في الغنم لا تكمن في شرب الحليب فقط، بل هناك حكمة جليلة، فإذا رجعت أسماء ورجع عبد الله إلى مكّة، فإنّ عامر بن فهيرة راعي الغنم يلعِقُ بالغنم آثارَهما فتعفى كلّها ولا تبقى، والذي يأتي إلى هناك لا يرى سوى آثار الغنم، والغنم تصبح في مكّة، فجبل ثور ليس بعيدا كثيرا، وعبد الله بن أبي بكر يصبح قبل الفجر داخل مكّة كذلك، ويبيت وينهض في الصباح مثل شباب قريش كواحد منهم لا يعرفون أنّه مشى في الليل، وأسماء كذلك.
هذه فائدة الغنم التي تأتيهما، وهذا من دقّة النظر والتدبير والمبالغة في التعمية على الأعداء.
مشت الأمور على هذا النمط حتّى الليلة التي أذن الله تبارك وتعالى فيها للنبيّ - صلى الله عليه وسلم - أن يخرج من الغار، والرواية تنصّ على أنّ خروجه إلى المدينة كان يوم الاثنين، وتقول رواية أخرى إنّه خرج يوم الخميس، ولكنّ الذي لم ينتبه للجمع بين الروايتين، يقول وكأنّ روايةً تُكذِّب أخرى، والأصل لا [تعارضَ بينهما]، فبالجمع بين
__________
(1) ... ويزداد العجب إذا علمنا أنّها -رضي الله عنها- حامل!!. (1/210)
صفحة 211
الروايتين، نجد أنّه خرج من مكّة يوم الخميس، وبات في الغار ليلة الجمعة وليلة السبت وليلة الأحد، ثلاث ليال، وفي ليلة الاثنين عند منتصف الليل خرج، فخروجه من مكّة للتوجّه إلى المدينة كان ليلة الاثنين؛ لأنّه بمكوثه في جبل ثور مازال في مكّة، والذي قال يوم الخميس قصد خروجه من مكّة إلى غار ثَوْر.
وفي ليلة الاثنين جاءهما عبد الله بن أُريقط بالراحلتين، وكان لديهما الزّاد وقربة الماء، وكانت أسماء -رضي الله عنها- حاضرة، وهي التي ربطت المِزود على الراحلة.
وهكذا اتّجه النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر -رضي الله عنه- صوب المدينة وأردفا معهما عامر بن فهيرة دليلا لهما.
[لا تحزن؛ إنّ الله معنا] :
لا تحزن؛ إنّ الله معنا
نرجع إلى مكّة وماذا وقع لقريش بعد الخروج، فقد طاشت أحلامهم وعقولهم وجُنُّوا: «كيف يهرب محمّد ويفلت من أيدينا؟! إلى أين مشى؟!»، وجعلوا مائة ناقة لمن يأتي به حيّا أو ميّتا.
فخرجوا يبحثون عنه، وبعد أيّام من التحرّي وتتبّع الآثار، انتهى بهم المسير إلى فم الغار وكان معهم رجل [حديد البصر] (1) فقال لهم: «ها هو ذا هنا في هذا الغار».
فردّوا عليه قائلين: «ما بك، ألا ترى نسيج العنكبوت الموجود على فم الغار وهذه الحمامة التي اتّخذت لها عشّا في مدخله؟!، فلو دخل محمّد هنا لفزعت الحمامة ولطارت ولتقطّع منسج العنكبوت!!».
__________
(1) ... قال الشيخ هنا: «وكان معهم شَوَّافٌ». ولكن بحثت عن كلمة شوّاف في عدة معاجم فلم أجدها إلا عند الزبيدي في تاج العروس، وقال إنّها لفظة عامّية وتعني حديد البصر، وذلك ما أثبتته في المتن، وهي مأخوذة من الشَّوْفِ؛ أي: البصر، وهي أيضا بالعامّيّة. (انظر: الزبيدي، تاج العروس من جواهر القاموس: ج23، ص534، مادة: شوف). (1/211)
صفحة 212
وهنا قال أبو بكر للنبيّ - صلى الله عليه وسلم - وقد رأيا أرجل المشركين وهم واقفون قرب فم الغار-: «يا رسول الله، لو نظر أحدهم من تحت قدميه لأبصرنا».
فقال له النبيّ - صلى الله عليه وسلم - : «يا أبا بكر، ما ظنّك باثنين اللهُ ثالثُهما؟».
وهذا معنى الآية: {إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنِ اِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} (1) .
وأبو بكر لم يكن خائفا على نفسه، إنّما خوفه كان على النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وعلى هذا الوحي أنْ ينقطع، وعلى هذه الصلّة التي بين السماء الأرض أن تنبتر، وإلا فإنّه لو كانت لديه مائة روح، لفدى بها النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - .
حزن إذن أبو بكر فقال له الرسول - صلى الله عليه وسلم - كما ورد في سورة التوبة: {لاَ تَحْزَنِ اِنَّ اللَّهَ مَعَنَا}، فكلّ شيء في هذه المعيّة: {اِنَّ اللَّهَ مَعَنَا}، ومن كان الله معه فمن عليه؟ ومن كان الله معه فلا يخاف من مخلوق في أعلى السماوات ولا فوق الأرضين ولا في جوفها.
{اِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} هي المعيّة التي يرجوها المسلمون ويعملون لاكتسابها، فإذا حصلْتَ ووصلْتَ إلى هذه الدرجة وكان الله معك، نم فالمخاوف كلهنّ أمان كما قال الشاعر (2) :
وإذا العناية لا حظتك عيونها ... نم فالمخاوف كلّهن أمانُ (3)
__________
(1) ... سورة التوبة: الآية 40.
(2) ... القائل هو عبد الرحيم بن عليّ بن محمّد بن الحسن اللخميّ الملقّب بـ: «القاضي الفاضل»، بإبدال «السعادة» مكان «العناية» في الشطر الأول من البيت. (الموسوعة الشعرية).
(3) ... للشيخ بيّوض -رحمه الله- نظرة أخرى إلى معنى البيت؛ فقد كتب يوما إلى أحد طلبته لمّا استشاره في قضيةٍ: ... «سِرْ» فالمخاوف كلهنّ أمان.
0@وإذا العناية لاحظتك عيونها ... )
... (جلسة مع الأستاذ حدبون صالح بن أحمد، أحدُ ملازمي الشيخ بيوض رحمه الله وكُتّابه، وهو حاليا مدير داخلية الحياة بالقرارة، الجزائر). (1/212)
صفحة 213
وكذلك كان النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر -رضي الله عنه-.
رجع المشركون مخزيِّين بعد أن نقّبوا تنقيبا، فلم يتركوا شعبة من شعاب مكّة -على كثرتها وتشعبها- إلا وبحثوا فيها.
وهكذا نجّى الله تبارك وتعالى نبيّه - صلى الله عليه وسلم - وخرج سالما بعد هذه الوقائع التي ذكرناها، وخرج ليلة الاثنين آخذا طريقه إلى المدينة. أمّا عن رحلته من غار ثور إلى المدينة، فستأتينا في الدرس الآتي إن شاء الله، والحمد لله ربّ العالمين. (1/213)
صفحة 214
صورة « غار ثور »
{اِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذَ اَخْرَجَهُ الذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنِ اِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} [سورة التوبة: الآية 40] (1/214)
صفحة 215
الدرس الثامن
محتويات الدرس:
محتويات الدرس
? استذكار ما مرّ.
? أين محمّد؟!.
? كيف بك يا سراقة إذا سُوِّرْتَ بسواريْ كسرى؟.
? فإنّكمُ إن تسألوا الشاة؛ تشهدِ.
? خبر الهاتف بمكّة. (1/215)
صفحة 216
صفحة 216 بيضاء (1/216)
صفحة 217
الدرس الثامن (1)
[موضوعه: سفر الرسول - صلى الله عليه وسلم - مع صاحبه أبي بكر -رضي الله عنه- من غار ثور إلى المدينة، وما حدثت له من كرامات ومعجزات في الطريق].
[استذكار ما مرّ] :
استذكار ما مرّ
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله.
استذكرنا في الدرس الماضي تهيّؤ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - للهجرة إلى المدينة، واختيارَه لأبي بكر حتّى يكون له صاحبا، واتّجاهَهما نحو جبل ثور المعروف إلى اليوم، واختباءَهما داخل غار فيه، وتقدّم لنا أنّهما مكثا فيه ثلاث ليال حتّى يسكن الطلب، ويُعمّيا الأخبار عن قريش فتيأس من اللّحاق بهما.
وكان عبد الله بن أبي بكر يأتيهما بالأخبار، فقد أمره النبيّ - صلى الله عليه وسلم - أن يتنطّس وينظر ماذا تقول قريش؛ لأنّ مكّة كلّها اهتزّت من طرف إلى طرف، وهم يسألون: «أين ذهب محمد؟! أين ذهب أبو بكر؟!»، وهذا هو همّهم الأكبر رجالا ونساء، كبارا وصغارا، فكان عبد الله يأتيهما في آخر كلّ ليل فيصعد إلى الجبل ويخبرهما بالأحاديث التي تدور في نوادي قريش.
وكان عامر بن فهيرة راعي أبي بكر -رضي الله عنه- يأتي بالغنم إلى سفح الجبل، ويصعد إليهما بالحليب فيغذّيهما به، وكانت أسماء كذلك تأتيهما بالطعام، حتّى إذا رجع عبد الله إلى مكّة قبل الفجر وأسماءُ، يقوم عامر بن فهيرة بإمرار الغنم على الآثار لكي تزول.
__________
(1) ... ألقاه بعد صلاة الجمعة يوم: 30 صفر الخير 1392هـ الموافق لـ 14 أفريل 1972م. (1/217)
صفحة 218
وذكرنا كذلك أنّ الإمام عليّا كرّم الله وجهه بات بأمر النبيّ - صلى الله عليه وسلم - على فراشه وتدثّر بغطائه، وذكرنا أيضا ما وقع للنبيّ - صلى الله عليه وسلم - من كرامات عند خروجه.
وكان خروجه ليلة الخميس، فاتّجه صحبة أبي بكر إلى غار ثَور ومكثا فيه إلى ليلة الاثنين.
وفي ليلة الاثنين أَسْرَيا مع الدليلِ الخبيرِ عبدِ الله بن أريقط، وكان خبيرا بالأرض خِرّيتا (1) ولكن مشرِكا، فسار بهم لكي يدلّهم على الطريق، فكانوا ثلاثة رابعهم عامر بن فُهيرة هذا الذي كان راعيا لأبي بكر يرعى غنمه، أخذوه معهم للخدمة.
ولندَع النبيّ - صلى الله عليه وسلم - سائرا ولنرجع إلى مكّة وننظر ماذا يحدث فيها.
[أين محمّد؟!] :
أين محمّد؟!
فبعد أن مكروا بعليّ كرّم الله وجهه وسألوه عن مكان محمّد وردّ عليهم: «أخرجتموه فخرج، ولا أدري أين ذهب»، وحبسوه ساعة في المسجد الحرام ثمّ أطلقوه؛ ذهبوا إلى أسماء -رضي الله عنها-.
وأسماءُ ذات النطاقين هي أخت عائشة وتكبرها بنحو سبع عشرة سنة، وتقدّم لنا أنّها زوجة الزبير بن العوام ووالدة عبد الله بن الزبير أحد أبطال الإسلام، وكانت يومئذ حاملا به، وهاجرت فيما بعدُ ولحقت بالمؤمنين إلى المدينة وجنينُها في بطنها فوُلد هناك، وكان من الأولويات، أوّل مولود وُلد للمهاجرين بالمدينة هو عبد الله بن الزبير، فالتاريخ قد حفظ كلّ شيء.
تروي أسماء وتقول إنّ جماعة من قريش وقفت على باب دار أبي بكر وسألوها -وعائشة ما زالت صغيرة بنت ستّ سنوات أو سبع-: «أين أبوك؟».
__________
(1) ... «خِرّيتٌ يعني ماهر في معرفة الطرق وحاذق في هذا الباب». (من كلام الشيخ). (1/218)
صفحة 219
فقالت: «لا أدري، لا نعلم أين هو».
وكان معهم أبو جهل، فلطمها لطمة على خدّها فكُسر قرطها، وكان خبيثا لئيما، ضربها لأنّها قالت: لا أدري، وحقّا لا تدري.
تقول أسماء: «لا ندري إلى أين خرج النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ولا أيّ طريق سلك [هو وأبي] »، لا هي ولا عائشة ولا أيّ شخص آخر، وإنّما أُمِرتا بالتجهيز وإعداد كلّ شيء حتى يخرجا [من مكّة] ، ولكن أيّ طريق سيسلكان؟ لا تدرِيان، يعني صدقت أسماء إذ قالت لجماعة قريش: «لا ندري أين ذهب».
أمّا النبيّ - صلى الله عليه وسلم - فقد خرج من الغار وأَغَذَّ السَّيرَ (1) ، سار هو ومن معه ليلة ويوما دون توقّف حتّى انتصف النّهار ووقفت الشمس في كبد السماء، فلاحت لأبي بكر -رضي الله عنه- صخرة فيها شيء من الظلّ فقال للنبيّ - صلى الله عليه وسلم - : «لنستظلّ هنا يا رسول الله ونستريح». قال أبو بكر: «وكانت عندي فروة (2) ففرشتها للنبيّ - صلى الله عليه وسلم - في الظلّ ليستريح فيها ويستبرد»، فاستظلّ واستراح، أمّا أبو بكر فلم يجلس وإنّما كان يحوم حول المكان، يطلع إلى جهة ويهبط إلى أخرى، ويطلع هذه الشعبة ويذهب إلى أخرى علّه يجد أحدا جاء يطلبهم، قال: «فالتقيت راعيا بغنيماته، فجاء إلى صخرة يعرفها ويقيل تحتها (3) »، فقال له أبو بكر: «لمن أنت؟».
قال: «لبعض رجال مكّة».
قال: «أعندك حليب؟».
__________
(1) ... أَغَذَّ السيرَ: أسرع في السير. (ابن منظور، لسان العرب: ج3، ص501، مادة: غذذ).
(2) ... «أي جلد مدبوغ فيه شَعَر أو فيه صوف يُستعمل فراشا، مثلما تصنع اليوم». (من كلام الشيخ). (انظر: ابن منظور، لسان العرب: ج15، ص151، مادة: فَرا).
(3) ... «ومثلما هو معروف لدى أهل الصحراء، خاصّةً الرعاة منهم، فإنّ لهم أماكن معيّنة يقصدونها إذا حميت عليهم الشمس، يستظلّون تحتها حتّى تبرد الشمس». (من كلام الشيخ). (1/219)
صفحة 220
قال له الراعي: «احلب». قال أبو بكر: «فذهبت إلى شاة وقد أخذت معي إناء فمسحت الغبار من ضرع الشاة وحلبت في الإناء، وكان معي إداوةُ (1) ماءٍ، فأخذت هذا الحليب وذهبت به إلى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ومزجته بالماء ليبرد، فأعطيت له منه فشرب حتى ارتوى ثمّ قال لي: «أما آن الرحيل؟»».
قلت: «بلى».
فارتحلوا وساروا.
[كيف بك يا سراقة إذا سُوِّرت بسواري كسرى؟] :
كيف بك يا سراقة إذا سُوِّرت بسواري كسرى؟
قال أبو بكر: «حتى إذا كنّا بأرض صلبة (2) ». وهنا تقع المعجرة، معجرةُ سُراقة.
ولندَع سراقة يحدّثنا شخصيّا بما وقع له.
سُراقة بن مالك بن جُعْشُم رجل من بني مُدْلِج، قال: «كنت بمكّة في مجلس من قومي في تلك الأيام الثلاثة أو الأربعة الأولى من خروج النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، وقريشٌ كلُّها تتحدّث عنه فقد كان حديث النوادي، وأعلنوا في مكّة بدية كاملة؛ أي مائة ناقة لمن يأتي بمحمّد حيّا أو ميّتا». قال سراقة: «كنت بمجلس من قومي فإذا برجل يدخل ويقول: لقد رأيتُ في مكان كذا أَسْوِدَةً، ما أظنّها إلّا محمّدا وأصحابه»؛ يعني رأيت ثلاثة أو أربعة أشخاص في المكان الفلانيِّ مارّين يُغِذّون السير، يمشون مشي من هو حريص في سيره، قال: «أظنّهم محمّدا وأصحابه».
قال سراقة: «فأوحيت له بعينيّ أنُ اسْكُتْ؛ فسكتَ، ثمّ قلت لمن بالمجلس: أولئك بنو فلان خرجوا يطلبون ضالّة لهم، إنّي أعرفهم، لقد ضاع لهم جمل فخرجوا
__________
(1) ... إداوة: إناء صغير من جلد، يُتَّخذ للماء. (ابن منظور، لسان العرب: ج14، ص24، مادة: أدا).
(2) ... «أرض الصحراء ليست على نمط واحد؛ فأحيانا تجد أرضا صلبة، وأحيانا تجد أرضا رمليّة، وأحيانا تجد أرضا هشّة». (من كلام الشيخ). (1/220)
صفحة 221
على أثره، وليسوا محمّدا وأصحابه. فسكتت، ومكثتُ قليلا في المجلس كي أُغَيِّب عن أذهانهم القضيّة ثمّ خرجت. قال: طمعت وقلت [في نفسي]: والله لأذهبنّ وآتينّ بهم فهذه مائة ناقة!! مال كبير!! لا أستطيع أن أجمع هذا العدد طول عمري!!»، فأخذه الطمع. قال: «فأخذت أزلامي فاستقسمت، فخرج ما أكره».
والأزلام -مثلما وردت في الآية: {وَأَن تَسْتَقْسِمُوا بِالاَزْلاَمِ} (1) - هي عبارةٌ عن سِهام، فقد كان العرب يصنعون بعض القطع من العيدان فيجعلونها في مزود وينظرون بها الحظ، والأصل أن تكون الأزلام عند صاحب الصنم في مكّة عند الكعبة أو في جهة أخرى، فقد كان عند العرب قديما ما يسمّى ببيوت الأصنام، وكان لكّل بيت سادِنٌ، والسادن هو خادم الصنم وخادم بيت العبادة، وهو الذي يقبل الهدايا، وإذا أراد أحد أن يتبرّك بشيء؛ يضعه في جراب هناك لتناله بركة الإله المعبود، وإذا أراد أحد أن يتزوّج مثلا أو يتاجر أو يسافر، يأتي السادنَ ويقول له: «استقسم لي على كذا»، ويذكر له حاجته.
والأزلام فيها ثلاثة، الأوّل مكتوب فيه: «أمرني ربي»، والآخر مكتوب فيه: «نهاني ربي»، والثالث لا يوجد فيه أي شيء، فيخلطها السادن بهزّ هذا الكيس الذي يحويها، ثمّ يدخل يده ويخرج واحدا، فإن خرج الذي كُتب فيه: «أمرني ربي»؛ يقول: «هذه سفرة مباركة»، أو: «امرأة مباركة»، أو: «تجارة مباركة»، «لقد رضي به الإله وباركه».
وإذا خرج الذي كُتب فيه: «نهاني ربّي»؛ تراجع، [وقال] هذه الصفقة ليست مباركة؛ لأنّ الربّ لم يرض. ويريدون بالربّ آلهتَهم (2) .
هذه هي الأزلام، وحكمها الحرمة؛ لأن الله تبارك وتعالى يقول: {وَأَن تَسْتَقْسِمُوا بِالاَزْلاَمِ} وقد وردت في سياق النهي.
__________
(1) ... سورة المائدة: الآية 3.
(2) ... أي أصنامهم التي يعبدونها من دون الله تعالى. (1/221)
صفحة 222
فالناس اليوم لمّا يستقسمون ويكتبون ورقة أو أيّا كان وينظرون حظّهم: «هل أفعل كذا أم لا؟»، فإذا كان لا يؤثّر في عزمه، فليس في الأمر حرج، ولكن أن يتراجع أحد عن العمل من أجل ما خرج له نتيجة الاستقسام؛ فهذا حرام، يقول: «اقترعت فكانت النتيجة: لا تفعل، أو: لا تذهب...؛ إذن أتراجع»، هذا لا يجوز، بل امش وتوكّل على ا لله.
ولنرجع إلى سراقة، قلنا إنّ هذه الأزلام الأصل فيها أن تكون عند الأصنام، وفي مكّة تكون عند سادن الكعبة، وكان العرب كذلك يتّخذون أزلاما لأنفسهم في بيوتهم. قال سراقة: «لمّا أردت أن أخرج، نظرت حظّي، [و]كانت عندي أزلام، فأدرتها وأخرجت واحدا منها فوجدت الأمر الذي لا يعجبني، خرج لي الأمر الذي ينهاني عن الخروج، يعني سوف لن تربح في طريقك، فهممت أن أتراجع لكن قلت في نفسي: هذه مائة ناقة!! هذه صفقة كبيرة!! دعني أعصي هذه الأزلام». فطمسَتِ المائة ناقة عينيه وخرج يطلب النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - .
وبينما هو يسير، إذ عثرت به فرسه فسقط وتشاءم وقال: «ليس من عادة هذه الفرس أن تتعثر، الأمر لا يُطَمئن!!» فرجع وكانت معه كيس أزلامه، فأعاد الاستقسام مرّة أخرى فخرج له كذلك ما يكره، قال: «ففكّرت في التراجع، ولكن... هذه مائة ناقة!، لن أتنازل عنها أبدا، فمضيت قدما حتى أدركت النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر ورأيتهما رأي العين».
ولمّا تقدّم منهما، رآه أبو بكر فقال للنبيّ - صلى الله عليه وسلم - : «يا رسول الله، أدركنا الطلب» (1) .
فقال له النبيّ - صلى الله عليه وسلم - الكلمة التي قالها له في الغار: {لاَ تَحْزَنِ اِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} (2) .
__________
(1) ... «مثلما قال بنو إسرائيل لموسى: {إِنَّا لَمُدْرَكُونَ} [سورة الشعراء: الآية 61] ». (من كلام الشيخ).
(2) ... سورة التوبة: الآية 40. (1/222)
صفحة 223
فبكى أبو بكر -رضي الله عنه-، ورأى الفرس تقترب منهما حتى صار بينها وبين النبيّ - صلى الله عليه وسلم - قدر رمحين أو ثلاثة، والنبيّ - صلى الله عليه وسلم - لم يلتفت ولم ينظر إلى الوراء أبدا، بل قال لأبي بكر في لهجة الواثق بنصر الله تعالى: «لِمَ تبكي يا أبا بكر؟! ألم تعلم أن الله معنا؟! الله هو الذي يكفينا [إياه]، وهو الذي يردّه عنّا» (1) .
قال أبو بكر: «فلمّا اقترب سراقة منّا أكثر ساخت قوائم فرسه في الأرض»، وهنا وقعت المعجزة، فرغم أن الأرض صلبة إلا أن قوائم فرسه دخلت في الأرض حتّى الفخذ، وسقط سراقة فاستغاث بالنبيّ - صلى الله عليه وسلم - وقال: «أعلم أنّ هذا من عندكم، ادع ليَ الله أن يفكنيّ ولا أؤذيكم».
فدعا النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - الله تعالى فصعدت قوائم فرسه، ولكنّه تقدّم إلى الأمام لكي يعيد المحاولة مرّة أخرى، فساخت هذه المرّة حتّى ضرب بطنها الأرض، ثمّ تشفّع وبكى ودعا وقال للنبيّ - صلى الله عليه وسلم - : «أعطيك العهد على أن لا أضرّكما وأن أردّ عليكما»، فدعا النبيّ - صلى الله عليه وسلم - فأطلقته الأرض وأرسلته. وفي مرّة أيضا طار غبار إلى عنان السماء كأنّه عاصفة حتّى حالت بينه وبينهما، فعلم سراقة أنّه لا يستطيع على هذا أحد، ولا أحد يقدر عليه، أخيرا سألهم وقال لهم: «انْظُروني أُكلِّمْكم».
فقال النبيّ - صلى الله عليه وسلم - لأبي بكر: «اسأله ماذا يريد».
__________
(1) ... قد يستغرب القارئ ويتعجّب من بكاء سيدنا أبي بكر -رضي الله عنه-، ولكن لمّا يعلم السبب يبطل العجب، فلم يكن بكاؤه -رضي الله عنه- خوفا من الموت، بل خوفا من أن ينال رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أذى، ولندعه يروي لنا ذلك بنفسه. يقول سيدنا أبو بكر -رضي الله عنه-: «...فارتحلنا والقوم يطلبوننا، فلم يدركنا أحد منهم إلا سراقة بن مالك بن جُعشم على فرس له، فقلت: يا رسول الله، هذا الطلب قد لحقنا! قال: {لاَ تَحْزَنِ اِنَّ اللَّهَ مَعَنَا}. حتى إذا دنا فكان بيننا وبينه قدر رمح، أو رمحين أو ثلاثة، قلت: يا رسول الله، هذا الطلب قد لحقنا! وبكيت. قال: لم تبكي؟ قلت: أمَا واللهِ ما على نفسي أبكي، ولكن أبكي عليك. فدعا عليه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - [أي على سراقة] فقال: ”اللّهمّ اكفناه بما شئت“، فساخت قوائم فرسه إلى بطنها في أرض صَلْدٍ...». (سيرة ابن كثير: ج2، ص252). (1/223)
صفحة 224
فقال: «أعطيكم العهد أن أردّ عليكم الطلب، وأقول لكلّ من التقيت به: لقد فتّشت هذه الناحية جيّدا فلم أجد لهم أثرا، ولكن اكتبوا لي كتابا تعطونني فيه الأمان».
فكتبوا له كتابا -قيل في قطعة جلد وقيل في عظم وقيل في خرقة (1) - ادّخَره سراقة -كما يقول- ليوم سيأتي أوانه.
وفي تلك الحادثة قال له النبيّ - صلى الله عليه وسلم - : «كيف بك يا سراقة إذا سُوِّرت بسواري كسرى (2) ؟» وفي رواية أضاف له: «وتُوِّجت بتاجه؟».
فقال سراقة: «كسرى بن هرمز؟!».
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «نعم، كسرى بن هرمز».
وهذه المعجزة من كلام النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، نوعٌ من الإخبار بشيء سيقع بعد سنين طويلة.
فقال له سراقة وقد بلغ به العجب مداه: «كسرى بن هرمز ملك الفرس؟!».
قال: «إي نعم، كسرى بن هرمز ملك الفرس (3) ».
رجع سراقة إلى مكّة، وحقيقة -وبإذن الله- نفع، فكلَّما رأى أو سمع أنّ شخصا يفتّش عن محمّد وأبي بكر حتّى يأخذ المائة ناقة، إلاّ ويقول له: «لقد نقّبت في
__________
(1) ... «والكتابة في ذلك الوقت كانت كما نعلم على هذه الأشياء البسيطة، حتّى القرآن كانوا يكتبونه على ما يجدون، قطعة لوح مثلا يخرمونها ويكتبون فيها، أو جلد يحكّونه جيّدا وييبّسونه ويكتبون فيه... إلخ». (من كلام الشيخ).
(2) ... «ومن المعلوم أنّ الملوك في القديم -فراعنةً وأكاسرةً- كانوا يتسوّرون بأساور من ذهب؛ ولذلك قال كفّار قريش: {فَلَوْلآَ أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسَاوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ} [سورة الزخرف: الآية 53]، والسّوار ما أحاط بالمعصم. ومن العيب عندنا نحن الآن أن يضع رجل أسورة في معصمه وإن كانت الساعة هي أسورة الوقت». (من كلام الشيخ).
(3) ... «بلاد فارس هي إيران اليوم». (من كلام الشيخ). (1/224)
صفحة 225
هذه الناحية جيّدا فلا تتعبوا أنفسكم وتذهبوا إليها، لم أترك شعبة ولا طريقا ولا جبلا ولا واديا إلاّ وبحثت فيه، لا يوجد آثار لمحمّد وصحبه».
وكذلك يردّ الله تبارك وتعالى ويدافع عن الذين آمنوا {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الذِينَ ءَامَنُواْ} (1) .
لما رجع سراقة إلى مكّة، كتم أمر ما حدث له مع النبيّ - صلى الله عليه وسلم - أوّل أمره، ولكنه فيما بعد نظم أبياتا ذكرها الرّواة في كتب السيرة يخاطب بها أبا جهل (2) ، منها قوله:
أبا حكمٍ واللهِ لو كنت شاهدا ... لأمر جوادي إذ تسيخ قوائمُه
علمتَ ولم تَشْكُكْ بأنّ محمدا ... رسولٌ ببرهان فمن ذا يُقاومُه
قال لأبي جهل: والله يا أبا الحكم لو حضرت معي ورأيت كيف ساخت قدما فرسي في الأرض الصلبة؛ لعلمت أنّ هذا رسول من عند الله حقيقة وأيدّه ببرهان فمن ذا يقاومه؟!.
أمّا عن بشارة النبيّ - صلى الله عليه وسلم - لسراقة، فقد قضى الله تبارك وتعالى أن تُفتح بلاد فارس وتُغلب الفرس بعد حروب تشيب لهولها الولدان زمنَ عمر بن الخطّاب -رضي الله عنه-، فبعد فتح العراق، فُتحت بلاد فارس وسقط ملك كسرى وغُنمت أمواله وكنوزه وسيقت إلى عمر بالمدينة، فنادى سيّدنا الفاروق سُراقة -وكان قد
__________
(1) ... سورة الحج: الآية 38.
(2) ... قال سراقة هذه الأبيات مخاطبا أبا جهل، بعد أن لامه هذا الأخير لرجوعه بلا شيء، فردّ عليه بهذه الأبيات -وكان شاعرا- :
أبا حكمٍ واللهِ لو كنت شاهدا ... لأمرِ جوادي إذ تسيخ قوائمهْ
علمت ولم تشكك بأنّ محمدا ... رسول ببرهان فمن ذا يقاومهْ؟
عليك بكفّ القوم عنه فإنّني ... أرى أمرَه يوما ستبدو معالمهْ
بأمر يودّ الناس فيه بأسرهم ... بأنّ جميع الناس طُرّا يسالمهْ
... (السهيلي، الروض الأنف: ج2، ص321). (1/225)
صفحة 226
أسلم- فألبسه سواري كسرى ووضع تاجه على رأسه وقال له: «هذا ما وعدك به محمّد - صلى الله عليه وسلم - »، وعده في الوقت الذي كان لا يزال ضعيفا هاربا في الصحراء مهاجرا من مكّة إلى المدينة وكلّ الدنيا ضدّه، ولكن الله تبارك وتعالى أراه أن العرب ستدين له وسيملك الجزيرة العربية كلّها من طرف إلى طرف، ويملك الشام ويملك بلاد فارس.
ومتى وقعت هذه المعجزة؟.
وقعت بعد أن قضى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - عشر سنوات بالمدينة، ثمّ قضى أبو بكر عامين في خلافته، ثمّ سبع سنوات أو ثماني من خلافة الفاروق؛ أي بعد حوالي عشرين سنة (1) .
[فإنّكمُ إن تسألوا الشاة؛ تشهدِ] :
فإنّكمُ إن تسألوا الشاة؛ تشهدِ
أكمل النبيّ - صلى الله عليه وسلم - طريقه مهاجرا نحو المدينة، ولم يسلك الطريق المعبَّد المشهور الذي يربط بين مكّة والمدينة، فالصحراء كلّها طرق، وكان دليلهم عبد الله بن أريقط -كما تقول السيرة- خرٍّيتا خبيرا بالأرض، لا يغيب عنه واد ولا شعبة ولا طريق، فسلك بهم طريق الساحل، وكان يبدّل الاتجاه مرّات عديدة، فمرّة إلى هذه الثَّنِيَّة ومرّة إلى هذه ومرّة إلى أخرى؛ ليعمّي الطريق فلا يستطيع الطالبُ أن يدركهم، تعدّدت الطرق ولكن الوجهة واحدة وهي المدينة.
وبينما هم سائرون، إذ لاحت لهم خيمة فمالوا إليها، فإذا فيها المرأة التي أصبح ذكرها مشهورا، صحابيّة جليلة هي أمّ معبد، فكلّ من كتب في السيرة يكتب عن أمّ معبد عاتكة بنت خالد.
__________
(1) ... انظر قصّة سراقة كاملة بتفاصيلها -على اختلاف في بعض الأحداث- عند: سيرة ابن هشام: ج3، ص15- 17. (1/226)
صفحة 227
طريق هجرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - (1/227)
صفحة 228
تقدّموا إلى خيمتها وكانت امرأة بدويّة شجاعة كريمة، وكانت نازلة هي وزوجها في جهة من نواحي قُدَيْد (1) ، ويروي أبو بكر ما حدث معها فقال: «توجّهنا إلى الخيمة فقابلتنا أمّ معبد، فسألناها عن زوجها، فأجابت بأنّه مع غنيماته يتتبّع الماء والكلأ ويباعد، فالعام عام جدب والصحراء صلبة يابسة»، فجلس النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر يستظلاَّن، ورأى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - شاة باركة في ركن الخيمة فقال لأمّ معبد: «ما شأن هذه الشاة؟ لماذا بقيت هنا؟».
قالت أم معبد: «أقعدها الجَهد عن الرعيّة، لم تعد قادرة على أن تتبع الغنم، هزيلة لا تستطيع أن ترافق الشياه، لو خرجت ربّما تموت في الطريق».
فقال لها: «هل بها من لبن؟».
قالت: «هي أجهد من ذلك، إذا هي قعدت ولم تقدر على الحراك فكيف يكون بها لبن؟!».
فقال لها النبيّ - صلى الله عليه وسلم - : «أتأذنين لي أن أحلبها؟».
قالت له: «بأبي أنت وأمّي إن وجدت بها حَلَبًا فاحلب!»؛ يعني أفديك بأبي وأمّي إن وجدت فيها شيئا.
فذهب النبيّ - صلى الله عليه وسلم - إلى هذه الشاة وقال: «بسم الله» ومسح على ضرعها ودعا، الرواية لم تذكر الدعاء ولا الآيات التي تلاها إنّما قال: «بسم الله» ومسح على الضرع وإذا بالشاة تفحَّجت (2) ، بمجرّد أن مسح النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ضرع الشاة بيديه الشريفتين بعد ذكر الله تعالى والتوسّل إليه؛ امتلأ الضرع بالحليب حتّى أصبحت
__________
(1) ... قُدَيْد: في الطريق بن مكّة والمدينة، بينها وبين الجحفة -ميقات أهل الشام- سبعة وعشرون ميلا، وهو حصن صغير. (الحميري، الروض المعطار في خبر الأقطار: ص454-455).
(2) ... «تقول تفحَّجت الشاة؛ إذا فتحت رجليها. ونقول فحَّج فلان؛ عندما يباعد بين رجليه». (من كلام الشيخ). (انظر: ابن منظور، لسان العرب: ج2، ص340، مادة: فحج). (1/228)
صفحة 229
الشاة تفتح رجليها تماما مثلما نرى بعض الشياه والماعز عندما ترجع من المرعى مليئة تمشي ببطء بذلك الضرع الثقيل، وكذلك وقع لشاة أمّ معبد، فدعا النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بإناء فأتت له بقدح يروي الرهط كما تقول أمّ معبد، فحلب وملأه وأعطاه للمرأة، وقال: «اشربي»، فشربت حتّى ارتوت، ثمّ أعطى لرفقائه أبي بكر وعامر بن فهيرة وعبد الله بن أريقط فنهلوا وعلُّوا (1) كلّهم حتّى ارتووا، والنبيّ - صلى الله عليه وسلم - كان آخرَهم شربا، ويومئذ قال كلمته المشهورة: «ساقي القوم آخرهم شربا»؛ لأنّهم قالوا له: «ابدأ أنت يا رسول الله»، فقال: «لا، أنا أسقيكم»، والذي يسقي الناس لا يبدأ بنفسه -مثلما يقولون اليوم (2) - بل ساقي القوم آخرُهم شربا، وكذلك فعل النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، فأصبحت هذه سنّة قوليّة وعمليّة.
شرب - صلى الله عليه وسلم - وارتوى ثمّ ملأ ذلك القدح وتركه لأمّ معبد وأتّموا سيرهم. ولمّا عاد الزوج، وجد الشاة على غير ما كانت عليه، ووجد قدحا مُلىءَ حليبا، فسأل زوجه عن سرّ الشاة وعن مصدر الحليب، فقالت له: «مرّت بي جماعة صفتهم كذا وكذا... »، وحكت له القصّة، فتعجّب وانبهر، وشرب من الإناء حتّى ارتوى هو كذلك، وبقيت تلك الشاة حلوبا تحلب كلّ يوم، فأصبحت شاة أمّ معبد من معجزاته - صلى الله عليه وسلم - وكراماته، وكلّ من كتب في السيرة أو نظم فيها يذكرها:
... ورقى شويهة أمّ معبد بعدما ... [نشفت] فكان له بها إدرارُ (3)
__________
(1) ... النَّهْلُ: أوّلُ الشرب. والعَلَلُ والعَلُّ: الشَّرْبَة الثانية. (ابن منظور، لسان العرب: ج11، ص680 و467 على الترتيب، مادّتا: نَهَلَ وعَلَلَ).
(2) ... لعلّ الشيخ يقصد العبارة العامية التي تدور على ألسنة الناس: «المومن يبدا بروحو» والتي وُظِّفت في غير معناها الحقيقيّ.
(3) ... «أظنّ أنّ هذا البيت من مديحيّة الشيخ عبد الله بن يحيى البارونيّ [وُلد تقريبا سنة: 1236هـ/1820م- توفي سنة: 1332هـ/1914م] والد الشيخ سليمان [باشا، ولد سنة: 1287هـ/1870م - توفي في: 23 ربيع الأول 1359هـ/1940م] التي كنّا نقرأها دائما وهي في ديوانه، والتي مطلعها:
... ... شَدّوا المطيَّ إلى العقيق وساروا ... ... و غدوا [بِرَوْحِ] مُتَيَّمٍٍ وتواروا
... وهذه القصائد في مدح النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، تُركت اليوم ونُسيت فلم تعد تُذكر». (من كلام الشيخ).
... شكّ الشيخ في نسبه هذه القصيدة المديحيّة إلى الشيخ عبد الله بن يحيى البارونيّ النفوسيّ بقوله: «أظنّ»، ولمّا نظرت في ديوان هذا الأخير، وجدتها في مستهلّه؛ فالنسبة إذن صحيحة. (انظر: ديوان عبد الله بن يحيى البارونيّ النفوسيّ، طبعة حجرية، طبعه: محمّد بن يوسف الباروني وسليمان بن عبد الله بن يحيى البارونيّ).
... عبد الله وابنه سليمان من أعلام الإباضية. انظر ترجمتهما في: معجم أعلام الإباضية: مج3، ص584-585 وص426-427 على التوالي). (1/229)
صفحة 230
أمّا في المدينة فقد كان الأنصار (1) ينتظرون بلهف وشوق عظيمين قدومَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ؛ لأنّ خبر خروجه من مكّة قد بلغهم، لكنّهم لا يدرون كم سيمكث في الطريق، فكانوا يخرجون يترقّبون وصوله كلَّ يوم.
كان ما تقدّم؛ بعضُ ما وقع للنبيّ - صلى الله عليه وسلم - في طريق هجرته من مكّة إلى المدينة، ويبقى وصوله إلى المدينة والتهيئة التي هيّأها أهلها لاستقباله وماذا وقع عند وصوله، سيأتينا في الدرس الآتي إن شاء الله.
ولنرجع قليلا إلى مكّة وما يدور فيها من أحداث تمخّضت عن خروج النبيّ - صلى الله عليه وسلم - .
[خبر الهاتف بمكّة] :
خبر الهاتف بمكّة
تقول أسماء بنت أبي بكر -كما أشرت إلى ذلك سابقا-: «لا ندري إلى أيّ جهة ذهب النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر، فلمّا خرجا وذهبا لم يُفصحا عن وجهتهما ونحن لم نسألهما عنها» -وذلك هو الواجب-، ولو أنّ الذين هاجروا من قبل قد توجّهوا إلى المدينة، ولكن من يدري لعلّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قد ذهب إلى جهة أخرى ثمّ يذهب بعدها إلى المدينة، إنّما قالت أسماء: «بعد أيّام من خروجهما، سمع أهل مكّة صوتا من غير أن يروا شخصا»، سمعوا
__________
(1) ... ومعهم المهاجرون طبعا. (1/230)
صفحة 231
صوتا صاعدا مع وادي مكّة ينشد أبياتا فحفظوها، وهي موجودة في كتب السيرة نقلتُ منها بعض الأبيات:
جزى الله ُربُّ الناس خيرَ جزائه ... رفيقين قالا خيمتي أمِّ معبدِ
هما نزلا بالبرِّ وارتحلا به ... فأفلح من أمسى رفيق محمّدِ
ثمّ يقول:
سلوا أُختكم عن شاتها وإنائها ... فإنكمُ إن تسألوا الشاةَ تشهدِ
دعاها بشاة حائل (1) فتَحَلَّبَتْ ... له بصريحٍ (2) ضُرَّةُ (3) الشاة مُزْبِدِ
يسمعون أبياتا تُكرّر ولكن لا يرون شخصا، فقالت أسماء -رضي الله عنها-: «حتى أنا سمعته وكان جِنِّيا، وقتئذ فقط علمنا أنّ محمّدا - صلى الله عليه وسلم - ذاهب إلى المدينة»؛ لأنّهم يعرفون أنّ المكان الذي نزلت فيه أمّ معبد وزوجها وغنمها في الصحراء، هو طريق المدينة.
قالت: «يومئذ فقط علمنا أنّه اتّجه إلى المدينة، أمّا قبلُ، فلم نكن نعلم».
هذه قصّة الخروج، وتأتينا قصّة الوصول إلى المدينة فيما بعدُ إن شاء الله بما فيها من حكم وأسرار ومعجزات وكرامات. والحمد لله ربّ العالمين.
__________
(1) ... شاة حائل: لم تحمل، والجمع: شاءٌ حِيال، ومنه حديث أمّ مَعبد رضي الله تعالى عنها: «والشاءُ عازب حِيال». (الزبيدي، تاج العروس: ج28، ص382، مادة: حول).
(2) ... الصريح: الخالص من كلّ شيء. وتحلّب له بصريحٍ مزبدِ: أي لبن خالص لم يُمْذَق. (ابن منظور، لسان العرب: ج2، ص509، مادة: صرح).
(3) ... «ضُرَّة الشاة هو أصل الضرع». (من كلام الشيخ). ولكن وجدتها بفتح الضّاد لا بضمّها. (انظر: ابن منظور، لسان العرب: ج4، ص482، مادة: ضرر). (1/231)
صفحة 232
صفحة 232 بيضاء (1/232)
صفحة 233
الدرس التاسع
محتويات الدرس:
محتويات الدرس التاسع
? خلاصة ما تقدّم.
? الطريق إلى المدينة.
? الوصول إلى المدينة.
? دعوها فإنّها مأمورة.
? المرء مع رحله.
? كلمة عن ناقة النبيّ - صلى الله عليه وسلم - .
? في دار أبي أيوب الأنصاريّ -رضي الله عنه-.
? الشروع في بناء المسجد والبيوت.
? كلمة عن عمار بن ياسر. (1/233)
صفحة 234
صفحة 234 بيضاء (1/234)
صفحة 235
الدرس التاسع (1)
[موضوعه: وصول النبيّ - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة، وحفاوة الأنصار والمهاجرين به].
[خلاصة ما تقدم] :
خلاصة ما تقدم
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على رسول الله.
لا زلنا في الكلام عن هجرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - .
في الدرس الماضي تكلّمنا عمّا لقيه في طريق هجرته قبل أن يصل إلى المدينة، فذكرنا حادثة سراقة بن مالك بن جُعْشم، هذا الذي أغراه الطمع في المائة ناقة التي جعلتها قريش مكافأة لمن يأتي بمحمّد حيًّا أو ميّتا، فتبع النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وكان ما كان من قصّة فرسه.
وذكرنا كذلك ما وقع للنبيّ - صلى الله عليه وسلم - في خيمة أمّ معبد، هذه الخيمة التي صادفوها في الطريق فتوجّهوا إليها ووجدوا فيها شاةً خلّفها الجَّهد فلم تستطع أن تلحق الغنم، ولم يكن بها لبن، وكان العام مجدبا، فحلبها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بعد استئذان ربّة البيت، فملأ إناء يكفي العشرة، فشرب هو وأصحابه والمرأة وترك الإناء مليئا وبقيت الشاة حلوبا، فكان من معجزاته - صلى الله عليه وسلم - شاةُ أمِّ معبد.
[الطريق إلى المدينة] :
الطريق إلى المدينة
سار النبيّ - صلى الله عليه وسلم - هو وأصحابه آخذين طريقهم إلى المدينة، وكان من حين لآخر يلتقيهم بعض الناس في الطريق، وسيّدنا أبو بكر معروف؛ لأنّه سافر مرّات عديدة إلى
__________
(1) ... ألقاه بعد صلاة الجمعة يوم: 7 ربيع الأول 1392هـ الموافق لـ 21 أفريل 1972م. (1/235)
صفحة 236
الشام وإلى اليمن تاجرا، أمّا النبي - صلى الله عليه وسلم - فقليل ممّن كان خارج مكّة يعرفه، فأصبح الذين يلقونهم يسلّمون على أبي بكر ويسألونه: «من هذا معك؟».
فيجبهم قائلا: «هاد يهديني السبيل».
وحقّا، فقد كان أبو بكر -رضي الله عنه- صادقا؛ فالنبيّ - صلى الله عليه وسلم - هاد يهديه السبيل إلى الله تعالى، ولكن الناس يفهمون وكأنّه دليل أو خبير يهديه في سفره، ولكنّ أبا بكر ورّى وعرَّض، وما كان ينبغي له أن يقول لهم: «هذا رسول الله». احتياطا منه -رضي الله عنه-.
وفي بعض الطريق التقوا قافلة تجاريّة راجعة من الشام فيها الزبير بن العوّام في جماعة من المسلمين، وكان الزبير مسلما، وكانت هذه القافلة راجعة من رحلة الصيف (1) ؛ لأنّ هذه الهجرة وقعت في ربيع الأول، أمّا الشهر الأعجميّ الذي يوافقه من السنة الشمسيّة، هو شهر سبتمبر، وحدّده بعض المؤرّخين بالعشرين منه، وهذا يحقّق لنا ما في القرآن، والأصل أنّ القرآن الكريم ليس في حاجة إلى تحقيق، ولكن نحاول دائما أن ننظر تفسيره عمليّا، فنفهم أنّ هذه القافلة القرشيّة كانت في الشام ورجعت؛ لأنّهم يذهبون إليه في وقت الصيف فهو من البلاد الباردة، وأمّا في الشتاء فيشدّون رحالهم إلى جهة اليمن وهو من البلاد الحارة.
كان إذن رجوع هذه القافلة في وسط سبتمبر، والجوّ في شُتَمبر -خاصّة في الحجاز- ما زال ساخنا، فالتقوا هذه القافلة وكسا الزبيرُ -رضي الله عنه- النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر حُللا جديدة بيضاء.
وهكذا أراد الله تبارك وتعالى لنبيّه وصاحبه أن يدخلا المدينة بعد يومين أو ثلاثة، وهما لابسان هذا اللباس الجديد الناصع البياض، وكان - صلى الله عليه وسلم - يحبّ البياض ويحبّ النظافة.
__________
(1) ... «وهذا ممَّا ذكره الله تبارك وتعالى في القرآن وامتنّ به على قريش، وهو رحلة الشتاء والصيف». (من كلام الشيخ). (1/236)
صفحة 237
واصل - صلى الله عليه وسلم - سيره، وكان خبر خروجه قد بلغ أهلَ المدينة والمهاجرين من الليلة التي خرج فيها من مكّة قاصدا الغار ليختبئ فيه، فكانوا يترقّبون وصوله من حين لآخر، فهم متيقّنون أنّه لابد وأنْ سيهاجر حيث أمرهم، خاصّة وقد أُذن له، ولكن ما زال لم يقرّر في أي يوم، فأصبح أهل المدينة -الرجال منهم- يخرجون بسلاحهم إلى ظاهر الحرّة (1) يترقّبون وصوله وينتظرونه، ولا يرجعون إلا إذا أحرقتهم شمس الظهيرة، فيظنّون أنّه لا يصل اليوم فإلى غد، وكان هذا دأبهم أيّاما، يخرجون وفي وقت القيلولة حين تلفح الشمس أجسامَهم يرجعون.
[الوصول إلى المدينة] :
الوصول إلى المدينة
وفي اليوم الذي سيصل فيه النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، انتظروا كعادتهم إلى الظهيرة، فلمّا أيسوا، رجعوا إلى المدينة ودخلوا بيوتهم، وإذا بيهوديّ يرى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - من مكان عال (2) . تقول رواية: رأى هذا اليهوديُّ رجالا مبيَّضين؛ أي ناصعي البياض، فعرف وتيقّن أنّ هؤلاء النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، فنادى بصوت عال: «يا معشر العرب، يا بني قَيْلة (3) ، هذا جَدُّكم» (4) ؛ أي الشأن أو الفخر الذي تنتظرونه قد أتى.
__________
(1) ... «الحرّة جهة في طريق مكّة والمدينة بها حجارة سود، والمدينة لها حرّتان يخرج إليها أهلها للقاء المسافرين، مثلما هو الحال في كلّ البلاد، ومثلما كنّا نفعل نحن هنا [في القرارة] حيث [كنّا] نخرج للقاء الحجّاج لما كانوا يأتون على الجمال قبل أن تكون هذه السيارات ووسائل النقل الجديدة، يخرج الناس إلى ظاهر البلدة للقاء المسافرين خاصّة الذين لهم قيمة ولهم شأن، فكيف يكون الحال إذا كان القادم النبي - صلى الله عليه وسلم - ؟». (من كلام الشيخ).
(2) ... «وكان لليهود حصون وأبراج عالية في المدينة يتحصّنون بها». (من كلام الشيخ).
(3) ... «بنو قيلة هم أهل المدينة، ويُطلق عليهم هذا اللقب نسبة إلى جدّتهم أمِّ الأوس والخزرج التي كانت تسمى قِيلة». (من كلام الشيخ).
(4) ... «جَدُّكُم: حظّكم». (من كلام الشيخ). (انظر ابن منظور، لسان العرب: ج3، ص107، مادة: جدد). (1/237)
صفحة 238
فقام الناس وتسارعوا إلى سلاحهم، وهي عادة العرب مثلما هو معروف، وأدركنا هذا أنْ يمشيَ الناس مسلّحين، ففي السلاح جمال للرجل وزينة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فالرجل المسلّح يكون متحزّما ومستعدّا لأيّ طارئ، وكان رفع السلاح أيضا عند اللّقاء، عنوان الفرح والاستبشار والاغتباط، وكذلك فعل الأنصار أهلُ المدينة ومن معهم من المهاجرين السابقين، نهضوا مسرعين -وكان الوقت وقت قيلولة، وشدّة الحرّ قد بلغت ذروتها- فبدّلوا ملابسهم ولبسوا لامة الحرب، وخرجوا إلى الحرّة ولقوا النبيّ - صلى الله عليه وسلم - .
قدم النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ودخل المدينة من جهة بني عمرو بن عوف في قباء، والمدينة طرق؛ لأنّه -ومثلما ذكرنا- هي عبارة عن عروش، وكلّ عرش مجتمعون في ناحية من البلد، وكلّ عرش عبارة عن ديار، ونعني بالديار العشائر، فكان الأقارب يتكتّلون ويتجمّعون في مكان واحد، ولا يبعد بعضهم عن بعض سوى بميل أو ميلن، هذه هي منازل المدينة، مثلما هي كذلك منازل اليهود بنو قريظة وبنو النضير وبنو قينقاع، فكلّ أحد في جهة.
[دعوها فإنّها مأمورة] :
دعوها فإنّها مأمورة
دخل النبيّ - صلى الله عليه وسلم - المدينة من جهة بني عمرو بن عوف في قباء، ولا يوجد أحد ممّن زار المدينة لا يعرف هذا الموضع الذي بُني فيه مسجدُ يسمّى «مسجد قباء»، والذي يذهب إليه الحجّاج والزوّار للصلاة فيه لفضله.
نزل - صلى الله عليه وسلم - من تلك الجهة وكان راكبا على ناقته التي اشتراها من أبي بكر بثمانمائة درهم بعد أن رفض أخذها هبة، فأرخى لها زمامها وأرسلها وتركها تمشي على هواها، لا يُميّلها يمنة ولا يسرة.
عندما اقترب من بني عمرو بن عوف، تلقّاه رؤساء وكبراء عشائر الأنصار، وكلّ أحد يدعوه ويقول له: (1/238)
صفحة 239
«يا رسول الله تعال إلينا فلدينا العدد والعدّة والمنعة»، يعني ستجد لدينا سلاحا ومنعة برجال لا ينال منهم غيرهم، رجال ممتنعون لشجاعتهم وبطولتهم، لا يستطيع أحد أن يقترب منهم.
وحاول البعض مرّات أن يأخذ زمام الناقة ويقودها إلى جهته، ولكن النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - كان يقول لهم: «دعوها فإنّها مأمورة»، وكرّر هذه العبارة عشرات المرّات، أتركوا هذه الناقة فهي مسيَّرة من عند الله تبارك وتعالى.
ذهبت الناقة أوّل ما ذهبت إلى بني عمرو بن عوف وبركت هناك، فنزل النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وأقام فيهم أربع ليال، وكان وصوله يوم الاثنين، فأقام يوم الثلاثاء والأربعاء والخميس إلى صباح الجمعة، وأثناء مكوثه هناك، خطّ لهم مسجدا في قطعة الأرض التي جعلوها من قبلُ مصلّى، وذلك هو المسجد المذكور في القرآن: {لَّمَسْجِدٌ اُسِّسَ عَلَى التَّقْوَىا مِنَ اَوَّلِ يَوْمٍ اَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَّتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} (1) .
بقي في قباء أربع ليال، ونزل عند الصحابيّ الجليل المشهور كلثوم بن الهدم -رضي الله عنه- وكان الأنصار أهل المدينة يأتون من كل جهة للتسليم عليه - صلى الله عليه وسلم - .
وفي ضحى يوم الجمعة ركب على ناقته وارتحل وواصل مسيره إلى المدينة، وألحّ عليه أهل قباء أن يبقى معهم، فكرّر لهم عبارته المشهورة: «دعوها فإنّها مأمورة»، ركب عليها وأرخى لها زمامها وأرسلها تمشي دون أن يحرّكها.
وفي طريقه مرّ كذلك على بني ساعدة، فخرج له سعد بن عبادة وجماعة من أشرافهم وقالوا له: «يا رسول الله، انزل على العدد والعدّة والمنعة»، ولكن جوابه - صلى الله عليه وسلم - دائما واحد: «دعوها فإنّها مأمورة»، حتى جاء إلى ديار بني سالم بن عوف، ووصل هناك وقت زوال الشمس عن كبد السماء واليوم جمعة، فنزل وخطب وصلّى الجمعة،
__________
(1) ... سورة التوبة: الآية 108. (1/239)
صفحة 240
وكانت تلك أوّل جمعة صلاَّها النبيّ - صلى الله عليه وسلم - في الإسلام، وهذا الموضع معروف ومشهور اليوم، وهو موجود في الطريق بين المدينة وقباء، وبُني فيه مسجد يُسمّى إلى اليوم بـ: «مسجد الجمعة».
ولمّا همّ بالانصراف، ألحّ عليه كذلك بنو سالم بن عوف أبناء عمّ عمرو بن عوف أهل قباء بالبقاء، وكان جوابه - صلى الله عليه وسلم - أن دعوا الناقة فإنّها مسيّرة من عند الله تعالى.
وكانت تعترضه في الطريق منازل الأنصار عن اليمين وعن الشمال وكلّ أحد يريد أن يجذبه إليه، حتّى وصلت الناقة إلى منازل بني عديّ بن النجار (1) فقالوا له: «انزل عند أخوالك يا رسول الله، أين تذهب وتتركنا؟!».
فقال لهم - صلى الله عليه وسلم - : «دعوها فإنّها مأمورة».
ثمّ جاء إلى بني مالك بن النجّار حيث منزل أبي أيّوب الأنصاري، فبركت الناقة لوحدها ولكنّها لم تُفَحِّج (2) ولم تحطّ بطنها على الأرض، وثبت النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - فوق ظهرها ولم ينزل؛ لأنّه أدرك أنّ الناقة لم تبرك للاستقرار، بل بركت بروكا خفيفا، ثمّ نهضت ودارت دورة أخرى، وتلفّتت إلى الوراء ثمّ رجعت، والنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لا يفعل شيئا، لا يحرّكها ولا يسوقها، والصحابة ينظرون، فرجعت إلى المنزل الأول وفحّجت (3) رجليها وبركت حتى حطّت بطنها على الأرض، في ذلك الوقت، نزل النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وقال لهم: «هذا هو المنزل إن شاء الله».
فالله تبارك وتعالى هو الذي اختاره له، ولم يقل له: اختر أنت مكانا، بل: اركب هذه الراحلة ودعها تمشي فحيث استقرّت فثمّة مكان المنزل.
__________
(1) ... «وهم أخواله - صلى الله عليه وسلم - ، فأمّ عبد المطلب جدِّ النبي - صلى الله عليه وسلم - منهم». (من كلام الشيخ).
(2) ... نطقها الشيخ بتقديم الجيم على الحاء.
(3) ... نطقها الشيخ بتقديم الجيم على الحاء كذلك. (1/240)
صفحة 241
[المرء مع رحله] :
المرء مع رحله
ولمّا نزل - صلى الله عليه وسلم - ، جاء أبو أيّوب الأنصاري خالد بن زيد -رضي الله عنه- وحلّ الراحلة عن الناقة وأخذها إلى بيته، ولمّا تنازع الناس فيمن يتشرّف بإنزال النبيّ - صلى الله عليه وسلم - في بيته، قال لهم النبيّ - صلى الله عليه وسلم - : «أين الرَّحْلُ؟».
قالوا له: «عند أبي أيّوب».
فقال: «المرء مع رحله».
أمّا الناقة فقد أخذها أسعد بن زرارة (1) ، فكان هو الذي يعتني بها ويرعاها ويعلفها.
[كلمة عن ناقة النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ] :
كلمة عن ناقة النبيّ صلى الله عليه وسلم
ولا بأس أن نزيد كلمة في ناقة النبيّ - صلى الله عليه وسلم - التي تُدعى بـ: «القُصواء» مثلما ذُكرت في الحديث، أو الجذْعة مثلما ورد في حديث: «خطبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطبة على ناقته الجدعاء... » (2) .
__________
(1) ... «أسعد بن زرارة من النقباء الذين سمّاهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بمكة في العقبة الثانية لمّا جاءوا إليه في ثلاثة وسبعين رجلا وامرأتين وأسلموا وعاهدوه على أن يمنعوه ممّا يمنعون منه نساءهم وأبناءهم، في ذلك الوقت قال لهم: اجعلوا نقباء، وكان عندهم اثنتا عشرة قبيلة، فعيّنوا له اثني عشر رئيسا، وأسعد بن زرارة أحدهم، وكان نقيبَ بني النجار. فالنقيب إذن هو شيخ العشيرة. هذا لكي نعلم أنّ هذه سنّة الرسول - صلى الله عليه وسلم - . وكان عندما يحتاج شيئا إلى أمّته، ينادي النقباء أو العرفاء كما سمّاهم في حديث: ”ارجعوا حتى يرفع إليّ عرفاؤكم أمرَكم“». (من كلام الشيخ). والحديث أخرجه البخاريّ عن المسور بن مخرمة أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال حين أذن لهم المسلمون في عتق سبي هوازن: «إني لا أدري من أذن منكم ممّن لم يأذن، فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم». فرجع الناس فكلّمهم عرفاؤهم، فرجعوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فأخبروه أنّ الناس قد طَيَّبوا وأَذِنوا. (صحيح البخاري، كتاب: الأحكام، باب: العرفاء للناس، رقم: 6776).
(2) ... أخرجه الحاكم في المستدرك على الصحيحين عن أبي أمامة الباهلي قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول وهو يخطب الناس على ناقته الجدعاء في حجة الوداع... »، قال الذهبي معلقا عليه في التلخيص: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. (الحاكم، المستدرك، أوّل كتاب المناسك، رقم: 1741). والجدع هو قطع الأنف والأذن والشفة، وهو بالأنف أخصّ، فإذا أطلق غلب عليه. (1/241)
صفحة 242
والقصواء هي التي قُطع شيء من أذْنها سِمةً لها، فكانت عادة العرب أن يَسِموا إبلهم بقطع جزء من الأذن أو بشقّها أو بقطعها على شكل خصوصيّ أو بطبعها بالنّار على الفخذ أو على الأذن، لكي تتميّز إبل فلان عن إبل فلان، فكانت ناقة النبيّ - صلى الله عليه وسلم - التي هاجر عليها مقطوعا شيء من أذنها؛ فسُمّيت بالقصواء. وكانت ناقة مهريّة قويّة، حتّى ورد في بعض الآثار أنّه لا توجد ناقة تستطيع حمل النبيّ - صلى الله عليه وسلم - إذا نزل عليه الوحي إلا هي لثقل الوحي: {اِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً} (1) ، ومثلما قالت عائشة (2) : «يكون النبيّ - صلى الله عليه وسلم - واضعا رأسه على فخذي، فإذا جاءه الوحي أحسّ فخذي كادت ترضّ»؛ أي تكاد تنشقّ من شدّة الثقل، وهذا شيء لا نعلمه لولا أنّ عائشة -رضي الله عنها- حدّثت به والنبيّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «أشدُّه عليّ» عندما سئل: «كيف يأتيك الوحي يا رسول الله؟» فقال: «أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشدّه عليّ فيفصم عنيّ وقد وعيت ما قال لي... » (3) ، ولا ندري هذه الشدّة ما هي، إنّما علم هذا عند الله.
قالوا في هذه الناقة أنّها تستطيع حمل النبيّ - صلى الله عليه وسلم - حال نزول الوحي عليه، أمّا إن جاءه الوحي وهو على ناقة أخرى، فإنّها تبرك، فيا سبحان الله!!.
وبقيت القصواء عند النبيّ - صلى الله عليه وسلم - إلى موته، فتركها الصحابة ترعى في الغَرْقَدِ حيث توجد الآن مقبرة المدينة البقيعُ، يقال مقبرة البقيع، ويسمّى المكان بقيع الغرقد،
__________
(1) ... سورة المزمل: الآية 5.
(2) ... بل هو زيد بن ثابت -رضي الله عنه- الذي قال: « أنزل الله على رسوله - صلى الله عليه وسلم - وفخذه على فخذي، فثقلت عليّ حتى خفت أن تُرَضَّ فخذي» (أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب: الصلاة، باب: ما يذكر في الفخذ، رقم: 3492).
(3) ... (أخرجه البخاري عن عائشة أم المؤمنين -رضي الله عنها-، باب: بدء الوحي، رقم: 2). ونصُّ الحديث كاملا هو: عن عائشة أمّ المؤمنين-رضي الله عنها- أنّ الحارث بن هشام -رضي الله عنه- سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشدّه عليّ فيفصم عنّي وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانا يتمثّل ليَ الملك رجلا فيكلّمني فأعي ما يقول». قالت عائشة -رضي الله عنها-: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه، وإنّ جبينه ليتفصّد عرقا. (1/242)
صفحة 243
والغرقد هو نوع من الحشيش يكثر تواجده في تلك الناحية فسُمّيت المنطقة به، ثمّ كان المسلمون يدفنون فيها موتاهم، وأوّل من دُفن هناك هو الصحابيّ الجليل عثمان بن مظعون -رضي الله عنه-، ودَفن فيه أيضا النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ابنَه إبراهيم، وقال لما دفنه: «اِلحق بسلفنا الصالح»، ولمن زار مقبرة البقيع الآن، يجدها محاطة بأسوار.
تركوا ناقة النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ترعى هناك حتّى ماتت، فلم يرثها أحد، ولا بيعت لأحد، ولا ذُبحت، بل تُركت كذلك حتى قبض الله روحها. هذه هي ناقة النبيّ - صلى الله عليه وسلم - .
[في دار أبي أيّوب الأنصاريّ -رضي الله عنه-] :
في دار أبي أيّوب الأنصاريّ رضي الله عنه
بعد نزول النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بدار أبي أيّوب، أصبح الصحابة رضوان الله عليهم يبعثون إليه كلّ يوم وليلة موائد الطعام. يقول زيد بن ثابت -رضي الله عنه- (1) : «أوّل هدية أُهديت للنبيّ - صلى الله عليه وسلم - في بيت أبي أيّوب، قصعة من ثريد (2) بعثت بها أمّي».
خبز مثرود به سمن ومعه لبن.
قال: «ذهبت للنبيّ - صلى الله عليه وسلم - بقصعة الثريد هذه آخذا معي إناءً من لبن، فلمّا قدّمتها له وانتظرت أن تُرجع لي الأواني، جاءت هديّة سعد بن عبادة سيّد الخزرج وهي قصعة فيها ثريد ولحم».
ويقول أصحاب السيرة إنّه وفي كلّ يوم كانت تلتقي ثلاث أو أربع قصعات، فيدعو إليها النبيّ - صلى الله عليه وسلم - أصحابه المهاجرين، الذين هم بدورهم نازلون عند إخوانهم الأنصار، فهم لم ينزلوا كلّهم في مكان واحد، بل توزّعوا في بيوت الأنصار، فالذين
__________
(1) ... «هو الصحابيّ الفقيه الذي قال فيه النبيّ - صلى الله عليه وسلم - : ”أفرضكم زيد“، وكان في ذلك الوقت صغيرا ولكنّه متوقّد الذكاء». (من كلام الشيخ). الحديث أخرجه أحمد وأصحاب السنن إلا أبو داود وصححه الحاكم وابن حبان من حديث أنس وهو معلول. (ابن حجر، الدراية في تخريج أحاديث الهداية: ج2، ص297، رقم: 1065).
(2) ... «الثريد هو خبز يُفَتَّت ثمّ يُسقى بالسّمن». (من كلام الشيخ). (1/243)
صفحة 244
هم بعائلاتهم نزلوا عند بعض العائلات، وبعض العزّاب نزلوا عند سعد بن خيثمة وكان أعزبا، وكان النبيّ - صلى الله عليه وسلم - يذهب إليه في بيته خلال الأيّام التي أقامها في قباء فيجتمع فيها مع الصحابة؛ لأنّها دار فارغة ليس فيها عائلة.
ويروي أبو أيّوب -رضي الله عنه- أنّه كانت تأتي في كلّ يوم ثلاث أو أربع قصعات بالتناوب، يعني أنّ الأنصار قسّموا أنفسهم بالدّور فلكلّ واحد منهم يومُه الذي يبعث فيه للنبيّ - صلى الله عليه وسلم - قصعته، فكانت الأيّام دُوَلا بينهم، إلا سعد بن عبادة -رضي الله عنه-، فقصعته تُطبخ وتذهب للنبيّ - صلى الله عليه وسلم - كلّ يوم، ولم يقبل التناوب مع أحد.
ومكث النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - سبعة أشهر في بيت أبي أيّوب ريثما يُبنى المسجد و[تُبنى] المنازل.
وكان أبو أيوب -رضي الله عنه- بدوره وطوال تلك المدّة، يصنع للنبيّ - صلى الله عليه وسلم - طعاما خاصّا في بيته فينزله إليه؛ لأنّه - صلى الله عليه وسلم - يسكن في الطبقة الأرضيّة، أمّا أبو أيّوب ففي العُلْوِ.
يقول أبو أيّوب: «كنت آخذ الطعام إلى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - كلّ يوم، وعندما يرجعه لنا، أنظر أنا وزوجي موضع يده فنأكل منه للبركة»، كان - صلى الله عليه وسلم - لا يُسوِّيه كما نفعل نحن في قصعاتنا، إذ يأكل الواحد منّا ولما ينهي، يسوّي ما يليه، وكأنّ لسان حاله يقول: «لكي لا يظهر أنّي أكلت كثيرا»، وكأنه عيب!!، وهل في الأكل الكثير خجلٌ؟!، لا، بالعكس فالذي دعاك لوليمة أو مأدبة سيقول لك: «بارك الله فيك، لقد أكلت أكثر من هذا الذي لا يريد أن يأكل»، وليس من المعقول أن يُقدِّم أحد طعاما، وهو يريد أن يرجع إليه، والمثل العاميّ يقول: «اللِّي ودَّكْ بَطْعامْ وَدُّوا بَلْمَاكْلَه» (1) .
إذن فما الدّاعي إلى تسوية الإناء بعد الأكل؟!، وهذا أبو أيّوب وزوجته يأكلان من حيث كان النبيّ - صلى الله عليه وسلم - يأكل، فلم يكن إذن يسوّي ما فضل في الإناء.
__________
(1) ... وهذا المثل معناه: من عبّر عن حبه لك بتقديم الطعام إليك، فعبّر له أنت عن حبّك له بأكلك طعامَه الذي قدمه إليك. (1/244)
صفحة 245
قال أبو أيّوب: «عندما نُرجع الماعون، أقصده أنا وزوجي فننظر حيث كان يأكل النبيّ - صلى الله عليه وسلم - فنأخذ منه».
ويواصل أبو أيّوب -رضي الله عنه- حديثه فيقول: «في ليلة من الليالي صنعنا للنبيّ - صلى الله عليه وسلم - نوعا من الطعام، ووضعنا فيه شيئا من الثوم والبصل لتمدّه بنكهة متميّزة، فأعطيته الماعون، وبعد ساعة ذهبت لأرجعه، فوجدت أنّه لم يذق منه شيئا، فلا أثر فيه للأكل، فكبُر علينا الأمر، فذهبت إليه وقلت له: يا رسول الله، كنت أنا وزوجي نتبرّك بموضع يدك، إذ كنّا نأكل من حيث تأكل، واليوم وجدناك لم تتذوّق من طعامنا شيئا!!».
فقال له النبيّ - صلى الله عليه وسلم - : «وجدت فيه رائحة هذه الشجرة -أي الثوم والبصل- وأنا أناجي» (1) ، وفي رواية: «أناجي من لا تناجون» (2) ؛ أي أنا أكلّم من لا تكلّمون، أو يكلّمني من لا يكلّمكم، ويقصد تكلّمه مع الملائكة، يأتيني جبريل فيكلّمني وأكلّمه؛ فأكره أن تنبعث من فمي رائحة الثوم والبصل. ولكن قال لهم: «فكلوهما فإنّهما ليسا بمحرّمين». ولكن نهى الذين أكلوهما أن يقربوا المساجد حتّى لا يؤذوا المصلّين برائحة أفواههم، خاصّة رائحة أكلهما بعد الطبخ.
ويروي أبو أيّوب أيضا أنّه ذهب إلى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ذات مرّة يطلبه: «يا رسول الله، لقد كبُر عليّ أن تبقى في الطابق الأرضيِّ ونحن فوقك، فلو صعدت ونزلنا مكانك».
__________
(1) ... النص الكامل للرواية هو: عن جابر بن سمرة: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أُتي بقصعة من ثريد فيها ثوم، فلم يأكل منها وأرسل إلى أبي أيوب وكان أبو أيوب يضع يده حيث يرى يد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وضع يده، فلما لم ير أثر يد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يأكل، فأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال له: إني لم أر أثر يدك فيها، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «فيها ريح الثوم ومعي ملك». (أخرجه ابن حبان في صحيحه، باب: الجماعة والإمامة، فصل في فضل الجماعة، رقم: 2119).
(2) ... عن سويد قال: أتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقصعة فيها ثوم، فوجد ريح الثوم فكف يده، فكف معاذ يده، فكف القوم أيديهم، فقال لهم: « ما لكم؟». فقالوا: كففت يدك فكففنا أيدينا، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : « كلوا بسم الله فإني أناجي من لا تناجون». (ابن سعد، الطبقات الكبرى لابن سعد، ذكر ما كان يعاف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، رقم: 867). (1/245)
صفحة 246
فقال له: «يا أبا أيّوب، السُّفل أرفق بي وبمن يزور»، فقد كان يتوافد عليه - صلى الله عليه وسلم - زوّار كثيرون، فلم يرد أن يتعبهم بإصعادهم إلى فوق؛ رفقا بهم.
فقبل أبو أيّوب -رضي الله عنه- هذا أوّل مرة.
قال: «وذات ليلة انسكب قدح من الماء وتدفّق، فخشينا أن يقطر على النبيّ - صلى الله عليه وسلم - فقمت أنا وزوجي فأخذنا قطعة من القماش كانت عندنا فبدأنا ننشّف الماء بها، وفي الصباح ذهبت إلى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - فأعدت وألححت عليه الطلب أن يصعد، وحكيت له ما حدث البارحة مع قدح الماء، فقبل عذري وصعد وأكمل مدّة مكثه في الطابق العلويّ».
[الشروع في بناء المسجد والبيوت] :
الشروع في بناء المسجد والبيوت
سبعة أشهر والنبيّ - صلى الله عليه وسلم - ساكن في دار أبي أيّوب، وفي هذه الأثناء شرع في بناء المسجد وبناء بيوته.
المسجد اختطّه منذ اليوم الأوّل حيث بركت الناقة، وكان مربضا (1) ، والمدينة بلد نخل وبلد زرع.
وكان هذا المربض لبعض اليتامى من شباب الأنصار، ولم يكونوا صغارا بل كانوا بُلَّغا، ولكن لديهم وكيل وهو أسعد بن زرارة، وكان الصحابة من بني النجّار قد اتّخذوه مصلّى قبل أن يصل إليهم النبيّ - صلى الله عليه وسلم - .
وكان مِن حَوْل هذا المربض بعض النخيل، فأمر النبيّ - صلى الله عليه وسلم - فقُطعت، وكان فيه أيضا بعض القبور القديمة لمشركين ماتوا في الجاهلية، فأمر بها فنُزعت وجُمعت العظام ورُميت في مكان بعيد، وجُعل للمسجد مخطّطٌ «plan»، وهو مسجد المدينة المعروف
__________
(1) ... «المربض هو المكان الذي يُجمع فيه التمر؛ لكي يُعسِّل، وكذلك يُجمع فيه البرّ ويُيَبَّسُ». (من كلام الشيخ). وجدت في بعض المعاجم، أنّ المَرْبِض -بفتح الميم- هو مأوى الغنم والبقر. (انظر مثلا: ابن منظور، لسان العرب: ج7، ص149). (1/246)
صفحة 247
اليوم بالمسجد النبويّ. رواية تقول: إنّه جعل مساحته من أوّل يوم مائة ذراع في مائة ذراع، وبعض الروايات تقول إنّه اختطّه في أوّل مرّة سبعين ذراعا طولا وسبعين عرضا، ولكن بعد سنوات قليلة وسّعه إلى المائة. على كلّ حال، لم يمت النبيّ - صلى الله عليه وسلم - حتىّ أصبحت مساحة مسجده مائة ذراع طولا ومائة عرضا، إنّما الخلاف في الرواية هل في اليوم الذي اختّطه جعله مائة أم بناه على سبعين، وبعد سنتين أو ثلاث وسّعه إلى مائة لمّا كثر عدد المسلمين؟ (1) .
شرع في البناء وأمر بالقبور فنُزعت وبالنخيل فاقتُلعت وبالأرض فسُوّيت؛ لأنّ المسجد أكبر من مقدار ذلك المربض، وكان بقرب المربض مستنقع يكثر في النزّ (2) ، فوضعوا له مجرى لكي يبتعد عن المسجد وردموا ذلك المستنقع، وهكذا أُصلحت الأرض بهذه الكيفيّة.
وأمر النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بضرب اللَّبِن تماما مثلما يقطع الآن بالطوب، فهذه الطريقة -عجنُ الطين وخلطه بالتبن لكي يصبح متينا- معروفة منذ أقدم العصور.
وبعدما صُنِع اللَّبِن، شرعوا في البناء بعد أن حفروا الأسس على عمق ثلاثة أذرع تقريبا، وجعلوها كلّها بالحجارة؛ لأنّ الأرض ليست متينة من الأسفل، وبدأ الناس يعملون والنبيّ - صلى الله عليه وسلم - يعمل معهم، حتى إنّ بعض الأنصار قالوا:
... لئن قعدنا والنبيُّ يعملُ ... ... فإنّ ذاك العمل المضَلَّلُ.
[كلمة عن عمّار بن ياسر] :
كلمة عن عمّار بن ياسر
ولا بأس أن أقصّ حادثة مهمّة وقعت في ذلك الموقف لعمّار بن ياسر -رضي الله عنه- لعلّه لا تأتي مناسبة أخرى للحديث عنها.
__________
(1) ... في الدرس الآتي سيرجّح ضمنيّا الرواية الثانية.
(2) ... النَّزُّ: بفتح النون وكسرها، ما يتحلّب من الأرض من الماء. (الرازي، مختار الصحاح: ص414، مادة: نزز). (1/247)
صفحة 248
كان عمّار -رضي الله عنه- يرفع اللّبِن على ظهره ويمدّه للبنّائين، فأثقلوا كاهله بحمل ما لا يطيق، هو يقول لهم: «يكفي»، وهم يقولون له: «زد هذه»، فلمّا رأى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال له مازحا: «قتلوني يا رسول الله».
فقال له قولته المشهورة: «ويح ابن سميّة، لن يقتلك هؤلاء، إنّما تقتلك الفئة الباغية» (1) . وكان كذلك، وقُتل عمّار يوم صفّين في حرب عليّ ومعاوية وهو مع الإمام عليّ، وأجمعَ المسلمون على أنّ معاوية هو الباغي، وكثير من المسلمين في ذلك الوقت التبس عليهم الأمر، الحقّ مع من؟! فهؤلاء مسلمون في كلّ جهة يتقاتلون، وكلّهم صحابة، فمع مَن الصواب يا ترى؟!، حتّى قُتل عمار -رضي الله عنه- في صفّ الإمام عليّ، وقتله من كان مع معاوية، وقتئذ تميّز الحقّ؛ لأنّهم يحفظون هذا الحديث، ورجع عدد كبير منهم إلى صفّ علي كرّم الله وجهه.
وسيأتينا بعدُ كيف بُني المسجد، وكيف بُنيت حُجَرُ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، وكيف بَعث إلى أهله وأهل أبي بكر كي يقدموا من مكّة، هذا موضوع الدرس الآتي إن شاء الله والحمد لله ربّ العالمين.
__________
(1) ... أخرجه ابن حبان في صحيحه عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- بلفظ: «ويح ابن سميّة، تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة، ويدعونه إلى النار». (صحيح ابن حبان، كتاب: إخباره - صلى الله عليه وسلم - عن مناقب الصحابة، رقم: 7187). (1/248)
صفحة 249
الدرس العاشر
محتويات الدرس:
محتويات الدرس العاشر
? فضل مسجد قباء.
? وصف بناء المسجد وبناء بيوته.
? توسيع المسجد وهدم بيوته - صلى الله عليه وسلم - .
? هي بنت أبيها -رضي الله عنها-.
? فلنولينّك قبلة ترضاها.
? إذ يقول لصاحبه... (1/249)
صفحة 250
صفحة 250 بيضاء (1/250)
صفحة 251
الدرس العاشر (1)
[موضوعه: بناؤه لمسجده وحُجره - صلى الله عليه وسلم - في المدينة وذكر أوصافهما، ثمّ كلمة مهمّة في صحبة أبي بكر -رضي الله عنه-].
[فضل مسجد قباء] :
فضل مسجد قباء
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على رسول الله.
انتهينا في الدرس الماضي عند وصول النبيّ - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة بعد أن مكث بقباء أربعة أيّام وصلّى الجمعة في طريقه وبالضبط في بني سالم بن عوف، وشرع في بناء المسجد هناك وهو معروف إلى اليوم بـ«مسجد قباء».
قباءُ هذا المكان الذي وصل إليه النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ولأمرٍ ما- صباح جمعة في منزل من منازل بني سالم بن عوف بواد يسمّى «رانوناء»، وفيه أدركته الجمعة، فصلّى أوّل جمعة وخطب أوّل خطبة مثلما هو معروف، وكانت هذه الأوّلية لمسجد قباء المشهور على أنّه نزل فيه قوله تعالى: {لَّمَسْجِدٌ اُسِّسَ عَلَى التَّقْوَىا مِنَ اَوَّلِ يَوْمٍ اَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَّتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} (2) .
وعن فضل هذا المسجد، يقول النبيّ - صلى الله عليه وسلم - : «من توضّأ فأسبغ الوضوء ثمّ جاء مسجد قباء فصلّى فيه، كان له أجر عمرة» (3) ، وهذا حديث صحيح عن
__________
(1) ... ألقاه بعد صلاة الجمعة يوم: 14ربيع الأوّل 1392هـ الموافق لـ 28 أفريل 1972م.
(2) ... سورة التوبة: الآية 108.
(3) ... أخرجه ابن ماجة عن سهل بن حُنَيْف بلفظ: «من تطهّر في بيته ثم أتى مسجد قباء فصلّى فيه صلاةً، كان له كأجر عمرة». (سنن ابن ماجه، كتاب: إقامة الصلاة، باب: ما جاء في الصلاة في مسجد قباء، رقم: 1408). (1/251)
صفحة 252
الرسول - صلى الله عليه وسلم - ؛ ولذلك يُستحسن لمن مشى إلى المدينة لزيارة النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، أن يزور مسجد قباء للصلاة فيه.
نَعم، الصلاةُ في المسجد النبويّ أفضل، فالفرض يصلّى فيه، ولكن لا تنس أن تزور قباء مرّة أو مرّتين تصلّي فيه ركعتين أو بضع ركعات نفلا؛ لأنّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - حثّ على هذا: «من توضّأ فأسبغ الوضوء»، و«أسبغ الوضوء» معناها أعمّ مِن «توضّأ» فمعنى «أسبغ الوضوء»؛ أي: توضّأ وضوءا كاملا ولم يُبق لمعة في عضو من أعضاء الوضوء؛ لأنّ الإسباغ في الأصل هو التعميم، يقال ثوب سابغ؛ أي اللباس الذي يغطي من ابن آدم كلَّ شيء، ومنه قوله تعالى: {أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ} (1) ، لهذا قال: «من توضّأ فأسبغ الوضوء»؛ أي كأنّه قال: فأحسن وضوءه. ومِن إسباغِ الوضوء؛ تَكرار غسل العضو ثلاث مرّات إلاَّ مسح الأذنين والرأس. قال: من توضّأ وضوءً جيّدا وذهب إلى [مسجد] قباء وصلّى فيه، فله أجر عمرة.
وكان من عادة النبيّ - صلى الله عليه وسلم - أن يذهب إلى هذا المسجد كلّ يوم سبت مشيا على الأقدام من المدينة، والمسافة بين المدينة وقباء حوالي أربع أو خمس كيلومترات، وكان سيّدنا عمر -رضي الله عنه- يزور مسجد قباء كلّ يوم اثنين وخميس ماشيا.
[وصف بناء المسجد وبناءِ بيوته] :
وصف بناء المسجد وبناءِ بيوته
وبعد صلاة الجمعة، ركب النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ناقته وأكمل مسيره قاصدا المدينة، وتقدّم لنا أنّ الطريق وقتئذ كانت عامرة بدور الأنصار، فكان كلّما مرّ على قوم، دعوه قائلين -وهم يحاولون الأخذ بزمام الناقة-: «انزل يا رسول الله على العدد والعدّة والمنعة»، وهو يقول لهم: «دعوها فإنّها مأمورة»، حتى برِكت في مربض لأيتام بالمدينة، فكان ثمّة مسجده، وكان ما كان ممّا تقدم لنا، وشرع في البناء.
__________
(1) ... سورة سبأ: الآية 11. (1/252)
صفحة 253
اشترى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ذلك المربض -الذي كان لجمع التمر- من أهله الذين قالوا له: «نعطيه لك يا رسول الله».
فقال: «لا، ثامنوني».
فدفع لهم ثمنه وأمر الصحابة بالبناء، أمر باللّبِن فصُنع وبالأسس فحُفرت، وأسّسه مربعا، وكانت مساحته أوّل مرّة، حوالي سبعين ذراعا، وبعد ثلاث أو أربع سنوات وسّعه إلى مائة ذراع طولا ومائة عرضا، وذكرنا بأنّ الأساس كان عمقه نحو ثلاثة أذرع وكان كلّه بالحجارة، وعندما استوى فوق الأرض، بُنِي باللبن المضروب من الطوب.
والعلماء لم يتركوا شيئا، فذكروا حتّى كيفيّة وضعه للّبن، فلمّا بناه أوّل مرة، وضع لبنة فوق لبنة، ومن بعدُ لما جدّد بناءه ووسعه، جعل لبنتين من فوقهما لبنتين متعاكستين مثلما نبني الآن؛ لأنّه لا يمكن أن تأتي [لبنة] واحدة فقط فوق أخرى وهي معاكسة لها، بل وضع اثنتين اثنتين؛ لكي يكون الحائط عريضا ومتينا.
بهذه الطريقة بُني المسجد النبويّ.
وجعل من الأبواب ثلاثة، باب من الوراء وآخر عن اليمين وثالث عن الشمال، ووقتئذ لمّا بناه كانت القبلة إلى بيت المقدس بالشام، وسيأتي الحديث عن تحويلها إلى البيت الحرام.
والعُلْوُ كما وصفه الذين شهدوه وذرعوه قالوا: «بسطة»؛ يعني بقدر القامة، إذ يستطيع أحد لمس السقف بمجرد مدّ يده.
والبناء كان كلّه باللبن، إلا عتبات الباب فإنّها كانت بالحجر، أمّا السواري - أي الأعمدة- فكلّها من جذوع النخل، رتّبها مصفّفة، وجعل بين كل ساريتين عوارض -مثلما نقول الآن: «زواجل» (1) -، والسقف من
__________
(1) ... جمع زاجل -بفتح الجيم وكسرها-: خَشَبة تُعْطَف وهي رَطْبة حتى تصير كالحَلْقة، ثم تُجَفَّف فتجعل في أَطراف الحُزُم والحِبال. وقيل: هو العود الذي يكون في طَرَف الحبل الذي تُشَدُّ به القِرْبة. (ابن منظور، لسان العرب: ج11، ص301، مادة: زجل). (1/253)
صفحة 254
ثُمامٍ (1) وإذْخِرٍ، ومثلما هو معروف وقبل أن توجد أدوات البناء الحديثة، كان كلّ قوم يُسَقّفون بالنبات الموجود عندهم، والمدينة بلد نخل، فكانوا يسقّفون بجريد النخل، إذ يحصرونها فيما بينها ويطرحون الجريد من فوقها ويضعون الطين عليها. هذا لكي نتصوّر كيف سُقِّف مسجده - صلى الله عليه وسلم - .
وعندما فرغوا من سقف المسجد، نزل المطر فقطر عليهم فقال الصحابة للرسول - صلى الله عليه وسلم - : «يا رسول الله، لو أمرت بسقف المسجد فصُقل؟».
فقال لهم: «عريش كعريش (2) موسى، ثُمام وخُشيبات، والأمر أعجل من ذلك» (3) ؛ أي: الأمر مستعجل أكثر من هذا، ولا يوجد عندنا وقت لهذا التطيين، فكم سنبقى؟!، لا ندري، لسنا خالدين في هذه الدنيا لكي نفعل ما نريد، [حسْبُنا أنّنا] أقمنا محلاًّ نأوي إليه ونصلّي فيه وكفى.
وتُرك السقف كذلك ولم يُطيَّن.
بعد أن أتمّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بناء المسجد، بنى حوله أوّل الأمر من الجهة القبليّة بيتين -حجرتين-، حجرة لعائشة -رضي الله عنها- التي عقد عليها وهي بنت ستّ سنوات في مكّة قبل الهجرة، ثمّ بنى بها وهي بنت تسع بعد سبعة أو ثمانية أشهر من وصوله إلى المدينة، إمّا في أوائل شوال، أو أوائل ذي القعدة؛ لأنّ وصوله إلى المدينة كان في ربيع الأول.
__________
(1) ... «الثُّمام: هو النبات الذي يسقّفون به كالإذخر». (من كلام الشيخ). الثُّمامُ: نَبْت معروف في البادية، ولا تَجْهَدُه النَّعَم إِلاَّ في الجُدوبة. (ابن منظور، لسان العرب: ج12، ص79، مادة: ثمم).
(2) ... «العريش: هو الزريب». (من كلام الشيخ).
(3) ... عن راشد بن سعد قال: وجد النبي - صلى الله عليه وسلم - عبد الله بن رواحة وأصحابا له معهم قصبة أو جريدة وهم يمسحون بها المسجد، فقال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله، لو بنينا مسجدنا هذا على بناء مسجد الشام، فأخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - الجريدة أو القصبة وهجل بها، يعني رمى بها، وقال: «خشيبات وثمام وعريش كعريش موسى، والأمر أعجل من ذلك». (فضائل المدينة للجندي، باب: ذكر مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - ومنبره وقبره، رقم: 38 ). (1/254)
صفحة 255
وبنى بجانب حجرة عائشة، حجرةً للسيدة سودة بنت زمعة التي تزوّجها بمكّة قبل عائشة بعد موت خديجة، وقد تقدّم لنا أنّ خديجة ماتت قبل الهجرة بنحو ثلاث سنوات، فسودة بنت زمعة هي الزوجة الثانية للرسول - صلى الله عليه وسلم - بعد خديجة، وعائشة هي الزوجة الثالثة، ولكنّهما لم تلتقيا بخديجة؛ لأنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يجعل لخديجة ضرّة أبدا، فبنى لهما بيتين على نمط بناء المسجد.
فكيف هي بيوته - صلى الله عليه وسلم - ؟.
من القبلة حجرتين باللّبن، بعد ذلك أكمل البيوت الأخرى حتى وصل عددها إلى تسع، وسنذكر بناءها كلّها إن شاء الله.
يذكر الرّواة أنّ من بين هذه البيوت التسع، أربع بيوت محاطة باللّبِن وفي وسطها حجرة، كأنّها غرفة وسط غرفة، والحجرة الداخليّة سُقّفت بجريد مطيّن، والجدار مُلّس بالزرب المطيَّن كذلك، أمّا البيوت الخمس الأخرى فليس فيهنّ حجر داخليّة.
هذه هي بيوته، لم يُبدِّل ولم يغيّر - صلى الله عليه وسلم - منهنّ شيئا.
أمّا الستار فقد جعل باب بيت عائشة من سياج وقيل من خشب العرعار (1) ، وعلى بيوته سُتُرٌ من مُسوح أسود؛ أي شعر أسود؛ لأنّ الشعر أثقل من الصوف خاصّة عندما يُصبغ جيّدا، وطول كلّ ستار ثلاثة أذرع، أمّا العرض فذراع، قدر ما يدخل الإنسان ويخرج.
وجاءت هذه البيوت صفّا متّصلةً ببعضها، بدءًا من الجهة الشرقيّة للمسجد ثمّ عن جهة اليسار، أمّا الجهة الغربية -أي عن يمين المصلّي- فليس فيها [بيوت]، تماما مثلما هو هيكلها الآن، وبيتُ عائشة حيث دُفن - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر وعمر، يُزار ويُسلَّم عليه.
__________
(1) ... «هو النبات المعروف إلى اليوم». (من كلام الشيخ). (1/255)
صفحة 256
وبنى لابنته فاطمة -رضي الله عنها- بيتا جهة المشرق خلف بيوته، والآن -لمن يتذكّر- عندما يقف أحد مقابلا لقبر النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ويمشي عن يمينه إلى أن يستدير لكي يخرج إلى صحن المسجد، يجد بيت فاطمة. إذن بيوته جاءت من جهة القبلة ثمّ من جهة الشرق وجهة الشمال، أمّا من جهة الغرب فلا يوجد، المبدأ من هناك حيث يوجد المحراب الذي كُتب فيه: «مصلّى الرسول»، وهو محرابه الأوّل للصلاة عن يمين الخارج، وثَمّة حدّ المسجد في زمانه - صلى الله عليه وسلم - .
ترك النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بيوته على هذه الحال، وفي يوم من الأيام سافر فخطر ببال أمّ سلمة -رضي الله عنها- أن تبنيَ باللّبن، ففعلت، ولمّا رجع [ - صلى الله عليه وسلم - ] ودخل بيتها وجد أنّها قد غيّرت وبدّلت فيه، لم تزد أو تنقص فحسب، إنّما بدّلت. فقال لها: «ما هذا يا أمّ سلمة؟!، ما هذا البناء؟!».
فقالت: «يا رسول الله، أردت أن أصرف أبصار الناس»؛ لأنّ ذلك البنيان المطيَّن قد يسقط منه شيء فتنكشف، فقالت له: «أردت أن أبعد أعين الناس وأجعل شيئا أحوط في الستر». وطبعا النبيّ - صلى الله عليه وسلم - لم ولن يرضى أن يطلّ أحد على أهل بيته، وحاشاه أن يكون كذلك، وإنّما اعتلّت بهذا.
فقال لها: «يا أمّ سلمة، إن شرّ ما يُصرف فيه مال المسلم، البنيانُ» (1) ، وكرّر لها ما قاله للصحابة آنفا: «الأمر أعجل من ذلك».
وجعل النبيّ - صلى الله عليه وسلم - لبيوته -خاصّة لبيت عائشة- بابا إلى المسجد، فلا يوجد لها مخرج آخر.
__________
(1) ... وردت الحادثة في الطبقات الكبرى لابن سعد، وفيه أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمّا غزا دومة الجندل بنت أمّ سلمة حجرتها بلبن، فلمّا قدم رسول الله فنظر إلى اللبن دخل عليها أول نسائه فقال: «ما هذا البناء؟» فقالت: «أردت يا رسول الله أن أكفّ أبصار الناس»، فقال: «يا أمّ سلمة إنّ شرّ ما ذهب فيه مال المسلم البنيانُ». (ابن سعد، الطبقات الكبرى: ج8، ص167). (1/256)
صفحة 257
تقول عائشة -رضي الله عنها- بأنّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - عندما يرغب أن أمشط له شعره وهو معتكف في المسجد، يجلس في عتبة الباب -أي أنّه يجلس في المسجد وهي داخل البيت- فترفع الستار، ويتّكئ برأسه إلى بيتها فتسرّح له شعره وتطيّبه؛ لأنّه وقتَ الاعتكاف لا يدخل ولا يخرج من المسجد ولو قدر تلك العتبة، فداخل بيت عائشة لا يعتبر مسجدا، وبيوته كلّها لا تُعتبر مسجدا ولو كان بابها إلى المسجد، فكانت هذه عادته - صلى الله عليه وسلم - عند الاعتكاف.
[توسيع المسجد وهدم بيوته - صلى الله عليه وسلم - ] :
توسيع المسجد وهدم بيوته صلّى الله عليه وسلّم
دام مسجد النبيّ - صلى الله عليه وسلم - على هذا الحال إلى زمن عثمان -رضي الله عنه- حيث أمر بتوسيعه ولكن ليس إلى جهة القبلة بل إلى الجهات الأخرى، وبقيت البيوت على حالها إلى زمن الوليد بن عبد الملك الذي جاء بعد الخلفاء الراشدين الأربعة: أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ ثمّ عهد معاوية بن أبي سفيان، وبعد معاوية يزيد، وبعد يزيد يأتي عبد الملك بن مروان، ثمّ ابنه الوليد بن عبد الملك، فقرّر هذا الأخير أن يوسّع المسجد ولكن هذه المرّة إلى كلّ الجهات حتّى جهة القبلة؛ وبالتالي إدخال كلّ حجر النبيّ - صلى الله عليه وسلم - إلى المسجد مثلما هي الآن، وكان الوالي على المدينة آنذاك عمر بن عبد العزيز، فجاءه أمر الملك؛ لأنّ مقرّ الملك كان في دمشق، وقد كانت المدينة هي مقرّ الخلافة زمن الخلفاء الراشدين (1) ، ثمّ نقلها معاوية إلى الشام وجعل العاصمةَ دمشق.
أرسل الوليد بن عبد الملك إلى والي المدينة كتابا يأمره فيه بهدم البيوت وإدخالها إلى المسجد، وهنا يروي أصحاب السيرة ماذا حدث.
الصحابة رضوان الله عليهم شقّ عليهم الأمر جدّا، وبكوا كثيرا وقتئذ؛ لأنّه كانت لديهم في الحجر ذكريات، فهم في المسجد يرون حجر النبيّ - صلى الله عليه وسلم - أمامهم مثلما
__________
(1) ... لم يشر إلى أنّ عليا كرّم الله وجهه نقلها إلى الكوفة بعد واقعة صفّين. (1/257)
صفحة 258
هي لم تُمسَس أصلا، وفي هذا حقيقةً ذكرى غريبة، إذ تُذكِّر أحدهم كلّما دخل وخرج بقدوتهم، فهذه هي بيوت النبيّ - صلى الله عليه وسلم - كما هي، الأرض نفسها، الجدران نفسها، الأبواب نفسها...، فأصبح من الصعب أن يتحمّل قلب المؤمن هدم ونزع ذلك الأثر كلّه، فبكوا بكاء شديدا.
ويروي بعض التابعين الذين حضروا ذلك العهد ماذا حدث أيضا وهذا كثير في السيرة.
يقول عطاء الخراساني: «أدركت حجر النبيّ - صلى الله عليه وسلم - من جريد النخل، على أبوابها المُسوح من شعر أسود، وحضرت كتاب الوليد بن عبد الملك يُقرأ بأمر إدخال حجر النبيّ - صلى الله عليه وسلم - في مسجده، فما رأيت باكيا أكثر من ذلك اليوم. وسمعت سعيد بن المسيّب يقول يومئذ: والله لوددت لو أنّهم تركوها على حالها، ينشأ ناس من المدينة ويقدِم القادم من الأفق، فيرى ما اكتفى به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حياته، فيكون ذلك مما يُزهِّد الناس في التكاثر والفخر».
وقال عمران بن أنس بن أبي أنس: «لقد رأيتني في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفيه نفر من أصحابه كأبي سلمة بن عبد الرحمن وأبي أمامة بن سهل وخارجة بن زيد، لما نُقضت حجر أزواجه - عليه السلام - وهم يبكون حتى اخضلّت لحاهم من الدّمع».
وقال يومئذ أبو أمامة: «ليتها تُركت حتّى يقصر الناس من البنيان، ويروا ما رضي الله عزّ وجلّ لنبيّه - صلى الله عليه وسلم - ومفاتح الدنيا بيده».
إذن يقول عطاء الخراساني -وهو أحد التابعين-: إنّه أدرك حجر النبيّ - صلى الله عليه وسلم - مثلما هي، زريبة مطيّنة بطين، وعاش إلى ذلك اليوم الذي جاء فيه أمر الملك الوليد بن عبد الملك من دمشق لكي يُقدِم والي المدينة عمر بن عبد العزيز على هذا العمل، ولا بدّ أن يُقرأ الأمر الذي صدر بهدم البيوت وإدخالها في المسجد على عامّة المسلمين. قال عطاء الخراساني: حضرت اليوم الذي جاء فيه الكتاب، فاجتمع الناس (1/258)
صفحة 259
كلّهم في المسجد وقرئ كتاب الوليد، بهذا أمر السلطان، لقد أمر أن يُوسَّع المسجد إلى جهة القبلة.
قال عطاء: لم أر في حياتي كثرةَ البكاء التي رأيتها يومئذ، كلّ الذين في المسجد -خاصة الصحابة والتابعون- شقّ عليهم الأمر وبكوا بكاء شديدا، فليس من السهل أن يُهدم -مثلما قلت آنفا- أثرٌ مثل هذا ولا تتأثّر قلوب المسلمين ولا تدمع عيونهم، حتّى قال سعيد بن المسيّب رحمه الله أحد كبار التابعين وعلمائهم: والله لوددت وتمنّيت لو تركوها، ينشأ ناس المدينة؛ أي الصّغار والذين يولدون في المدينة، ويفد من هو خارجَها، فيرون أين كان النبيّ - صلى الله عليه وسلم - يسكن، وكيف كانت حُجَرُه، فيكون ذلك ذكرى تنفع مثلما قال تعالى: {...فَإِنَّ الذِّكْرَىا تَنفَعُ الْمُومِنِينَ} (1) ، وحُجَرُه من الذكريات التي تنفع، إنّما -يقول ابن المسيّب- لو تركوها فيرى من لم ير من أهل المدينة من الصغار والذين سيولدون بعدُ والذي يأتون من بعيد فيعتبروا ويقصروا، ولكي لا يعطوا للدنيا قيمة أكثر ممّا تستحقّ، وينقصوا من التكاثر والتفاخر.
وكان أصحاب هاتين الروايتين المتقدمتين حاضرين عندما قرئ كتاب الملك.
ثمّ يروي عمران بن أنس الذي حضر عمليّة نقض البيوت فيقول: كنت في المسجد يوم وقع هدم حجر النبيّ - صلى الله عليه وسلم - . فذكر بعض وجوه الصحابة الذين كانوا حاضرين؛ لأنّه وإلى ذلك الوقت كان كثير من الصحابة موجودين. قال: «رأيتهم يبكون حتّى اخضلّت لحاهم»، لم يملكوا دموعهم، يعني أنّ لحاهم أصبحت رطبة من الدموع، وكانت تقطر بها.
وقال أبو أمامة: «يا ليتهم تركوها لكي يرى الناس ما ارتضاه الله تبارك وتعالى لنبيّه من هذه الدنيا ومفاتح الدنيا بيده»، لم يكن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وقتئذ فقيرا، بل كانت في يديه أموال بني قريظة وأموال بني النضير وبني قينقاع، يهود المدينة
__________
(1) ... سورة الذاريات: الآية 55. (1/259)
صفحة 260
التجار والأغنياء فكلّهم أبيدوا وذهبوا، وأصبحت أموالهم كلّها بيده - صلى الله عليه وسلم - وقد فتحت خيبر، ويهود خيبر من أشدّ اليهود ومن أغناهم، وبدأت الفتوح وغنم ما غنم وأمسك ما أمسك على أسارى بدر، فأصبح بيت مال المسلمين قويّا، فلو أراد النبيّ - صلى الله عليه وسلم - أن يبنيَ بالذهب والفضّة لفعل، زيادة على أنّ الله تبارك وتعالى عرض عليه ما يحبّ من الدنيا، فلو أراد لأوتي ملكا أكثر ممّا أوتي سليمان - عليه السلام - الذي قال: {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لاَّ يَنبَغِي ِلأَحَدٍ مِّنم بَعْدِيَ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ} (1) ، ولكن لم يقبل شيئا، لم يبدّل ولم يغيّر شيئا من بيوته أبدا، تلك الحجر من اللبن، والتقسيم الذي كان بداخلها -مثلما قلنا- بالزرب المبلّط بالطين، هذه هي البيوت التي سكنها حتّى لقي الله تعالى، وسيأتينا ما قاله [لابنته] فاطمة فيما بعد.
الشاهد عندما قال أبو أمامة -رضي الله عنه- أحد وجوه الصحابة: «تمنّيت لو تركوها ينشأ من ينشأ من أهل المدينة ويأتي من يأتي من الخارج، فيروا ما رضي الله تعالى لخير خلقه من هذه الدنيا».
وهكذا تمّ هدم الحجر وإدخالها في المسجد، وليس في هدمها إهانة للنبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، ولا أن قصد الخلفاء الذين هدموها كان سيّئا، لا، إنّما قصدوا من وراء ذلك توسعة المسجد، فالمسلمون في تكاثر، والناس يدخلون في دين الله أفواجا مثلما أنزل الله تبارك وتعالى في أواخر عهد النبيّ - صلى الله عليه وسلم - : {إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا...} (2) ، وقد كانت تمرّ الشهور والأعوام ولا يدخل أحد في الإسلام، وإن كان فواحدا واحدا، ومن بعدُ أصبح الناس يدخلون بالجماعات والقبائل؛ إذن كان لزاما أن يُوسَّع المسجد بالكيفيّة التي تحوي المسلمين.
__________
(1) ... سورة ص: الآية 35.
(2) ... سورة النصر: الآيتان 1-2. (1/260)
صفحة 261
واليوم قد رأيتم من الغرائب كيف أنّ مكّة كادت تكون كلّها مسجدا، طبقات فوق طبقات يجتمع فيها مائتان وخمسون ألفا ومليونا (1) من الوافدين الواقفين بعرفات، أمّا إذا أضيف أهل مكّة إلى هذا العدد، فهو شيء كبير جدا،
يعني أنّ دخول الناس في دين الله أفواجا كان في عهد النبيّ - صلى الله عليه وسلم - . وبعد ذلك وفي زمن الخلفاء الراشدين؛ توسّعت الفتوحات إلى جهة الشام والعراق وفارس ومصر، فكان شيئا يحتاج حقيقةً إلى توسيع المسجد إلى أبعد حدّ، فلا يَظُنّنّ أحد ويقول إنّ هذا من سيّئات الأمويّين أو بني مروان، لا أبدا، بل الضرورة اقتضت ذلك، إنّما احتُفظ -مثلما هو الآن- بالأصول، فمن يسأل المطوّفين العارفين سيبيّنون له كيف كانت حدود المسجد زمن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، ومن جهة القبلة احتُفظ ببيت عائشة وبالبيت المتّصل بها إلى بيت فاطمة.
تلك قصّة بيوته - صلى الله عليه وسلم - ، وحقيقةً يتمنّى أحدنا من كلّ قلبه أن لو رأى هيئة الحجر كما كانت، ويتبرّك بلثمها ولمسها والتمرّغ حتّى في ترابها، ولكنّ مصلحة الإسلام والمسلمين اقتضت هذه التوسعة.
[هي بنت أبيها -رضي الله عنها-] :
هي بنت أبيها رضي الله عنها
اتّخذ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - لابنته فاطمة -رضي الله عنها- بيتا، وهو كما وصفته أوّل مرة (2) ، وكانت أحبّ بناته إليه - صلى الله عليه وسلم - ، أمُّ الحسنين، زوج الإمام عليّ، سيّدة أمّ الشرفاء، وجعل بين بيته وبيتها خوخة (3) يطلّ منها ويسأل عن حالها وحال زوجها عليّ كرّم الله وجهه،
__________
(1) ... هذا في السبعينات من القرن الماضي، أمّا الآن فقد تضاعف العدد.
(2) ... لم يصفه، ولعلّه يقصد أنّه مثل البيوت الأخرى التي وصفها.
(3) ... «الخَوْخَةُ لفظ عربي مُستَعمل، وهو الباب الصغير الذي يُجعل بين محلّين، مثل الأبواب التي تُجعل الآن بين الجيران يقضون بها مصالح بعضهم، ولا يمكن أن يدخل منها أحد إلا مطأطئ الرأس. والخوخة كذلك هو الباب الصغير في الباب الكبير، مثلما نرى ونشاهد في أبواب المحلات الكبيرة كالمستودعات، باب كبير من الحديد أو من الخشب في وسطه باب صغير للدخول والخروج، فلا يُفتح الباب الكبير في كلّ وقت، وهذا يدلّ على أنّ بعض الأفكار -التي قد يخطر ببال أهل العصر وكأنّهم هم الذين ابتكروها الآن فقط- موجودةٌ من قديم العصور». (من كلام الشيخ).
... الخَوْخة مُخْتَرَقُ ما بين كل دارين، وعمّ به بعضهم فقال: هي مُخترق ما بين كلِّ شيئين. (ابن منظور، لسان العرب: ج3، ص14، مادة: خوخ). (1/261)
صفحة 262
وكان عندما يقوم للصلاة صباحا، يقف ويأخذ عتبات الباب بيديه، يد في عتبة ويد في عتبة أخرى وينادي: «الصلاة، الصلاة {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} (1) »، هكذا كان النبيّ - صلى الله عليه وسلم - يعتني هو بنفسه بإيقاظ فاطمة وعليّ، وليس معنى هذا أنّهما ينامان ولا ينهضان، إنّما يوقظهما في السحر، فما تفعل الأمّهات؟.
الأمّ التي تقف في غرفة ابنها وتوقظه وتناديه: «انهض لتصلّي، الصلاة، الصلاة... »، فلْتَعلم أنّ ما تقوم به هو سنّة من سنن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، وهو من أحسن وأفضل ما يفعله العبد، وهو واجب الآباء نحو أبنائهم، وغالبا فإنّ الأمّهات يكفيننا ويرفعن عنّا ذلك نحن معشر الرجال، تستيقظ الأمّ فتقف وتنادي المرّات ذوات العدد، وتغضب من النائمين في الغرف إذا لم يحرّكوا ساكنا، وتقول لهم: «ألا تنهضون؟!، ألا تصلّون؟!، الشمس قد طلعت!! ألا تعرفون كم هي الساعة!!»، وربّما يقلق أحدهم وينزعج ويتأفّف ويقول لها كلاما جارحا، فاحذروا وادعوا لهنّ بالخير، فإنّ الفضل لهنّ، فإذا كنّا نرى الآن الشبابَ الذي يصلّي، والمسجدَ ممتلئا، فالفضل بعد الله لمن علّمنا الصلاة ولمن يوقظنا لها ويحرص على ذلك كلّ صباح.
وأصعب الصلوات صلاة الفجر، خاصّة بالنسبة للشباب الذين يطيلون السهر، ونوم الصباح دائما لذيذ حتّى أصبح المثل يضرب به فيقال: «هذا الشيء ألذّ من نومة الصباح»؛ لأنّها نومة الشيطان، يلقي على الإنسان هذه الحلاوة؛ لكي يصدّه عن
__________
(1) ... سورة الأحزاب: الآية 33. (1/262)
صفحة 263
الصلاة، ولكن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - لم يقل -شفقةً على ابنته فاطمة التي يحبّها حبّا شديدا (1) -: لا أُزعجها، بل أتركها تنام قليلا وتستريح. وربّما بعض الآباء تحملهم الشفقة على أبنائهم بهذا فلا يزعجونهم ولا يوقظونهم بحجّة أنّه تعبٌ وأنّ الظلام لا يزال مخيِّما... !! لا أبدا، بل الشفقة على الولد أن تدقّ عليه باب غرفته لكي ينهض ويتعوّد القيام، وذلك ما كان النبيّ - صلى الله عليه وسلم - يفعله كلّ يوم مع ابنته فاطمة وزوجها علي رضي الله عنهما.
كان - صلى الله عليه وسلم - يحبّ فاطمة حبّا شديدا كما قلنا، وكان من عادته أنّه إذا عاد من سفر غزوٍ أو حجٍّ أو عمرةٍ، يذهب إلى بيت فاطمة يُقبِّل رأسها ويبقى معها ويطيل الجلوس إيناسا لها.
وفي مرّة من المرّات، رجع - صلى الله عليه وسلم - والإمامَ عليّا كرّم الله وجهه من إحدى الغزوات ودخل على فاطمة كعادته، وفاطمة لمّا علمت بمقدم أبيها وزوجها، أرادت أن تتزيّن، فاتّخذت مسّاكتين من ورق، واتّخذت قرطين (2) ، واشترت قماشا جيّدا اتّخذت منه ستارا على الباب.
جعلت هذا الستار الجميل ولبست هذه الفضّة فدخل النبيّ - صلى الله عليه وسلم - عليها وكان أصحابه خارج البيت، وعادته كما قلنا أن يدخل ويبقى معها طويلا إلاّ هذه المرة، فبمجرّد دخوله خرج، وعُرف الغضب في وجهه، ولمّا خرج رآه الصحابة منزعجا، فما مقدار إزعاج ابنته له؟!.
ذهب وهو ساكت لم يتكلَّم.
فهمت فاطمة -رضي الله عنها- أنّ أباها خرج وهو غضبان دون أن يقول لها شيئا، بل سلّم عليها وخرج، وفي تلك اللحظة نزعت تلك الأقراط التي في أذنيها، والسوارين اللذين
__________
(1) ... «ولا يوجد أب يحبّ ابنته أكثر من حبّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - لفاطمة -رضي الله عنها- ». (من كلام الشيخ).
(2) ... «لعلّكم تتخيّلون أقراطا تزن رطلا أو أكثر!!، لا، إنّما هو شيء تشغل به أذنها فحسب». (من كلام الشيخ). (1/263)
صفحة 264
في ذراعيها، والقلادة (1) التي في عنقها، ونزعت الستار وطوت فيها تلك الأشياء ونادت الخادم فقالت له: «خذ هذا إلى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وقل له: ابنتك تقرئك السلام وتقول لك: اجعل هذا في سبيل الله». فلمّا بلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذه الكلمات وبلغته تلك الأشياء، اغتبط وفرح فرحا شديدا وقال: «أو قد فعلت؟! فداها أبوها»، وكرّرها ثلاث مرات.
وقتئذ قام وذهب إليها وقال لها: «يا فاطمة، الدنيا ليست من محمّد ولا من آل محمّد (2) ، لا هي منّا ولا نحن منها، ولو كانت الدنيا تعدل عند الله من الخير جناح بعوضة، ما سقى كافرا منها شَربة ماء» (3) ؛ أي لو كان للدّنيا عند الله قيمة ولو قدر جناح بعوضة من الخير، لما نال الكافر شربة ماء، ولكن لمّا كانت لا قيمة لها؛ لأنّها زائلة فانية، ترك الناسَ يسرحون فيها ويمرحون، وأعطى الكفرةَ فيها ما لم يعط المؤمنين. وهذا حديث مهمّ يعدّل لنا جيّدا نظرنا إلى الدنيا، ويفهمنا القيمة الحقيقيّة لها، فلا قيمة لما يفنى في مقابل ما يبقى.
ثمّ قام - صلى الله عليه وسلم - إلى فاطمة وهو راض عنها.
وحقيقة هي بنت أبيها وبضعة منه، فهمت منه أنّه منزعج غاضب دون أن ينبس ببنت شفة بل تركها تدرك ذلك لوحدها، وهذا نوع من التربية والتهذيب.
وقد يتساءل سائل فيقول: «وما هي قيمة كلّ هذه الأشياء التي جعلَتها فرَحا بمقدم أبيها وزوجها؟!»، ولكن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يريد مثل هذه الزينة.
__________
(1) ... لم يذكر القلادة لما ذكر الأشياء التي تزيّنت بها فاطمة.
(2) ... «وآل محمّد هم أرحامه وأقاربه والمؤمنون به المتّبعون لسنّته». (من كلام الشيخ).
(3) ... أخرجه الحاكم في المستدرك على الصحيحين عن سهل بن سعد -رضي الله عنه- بلفظ: مرّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذي الحليفة فرأى شاة شائلة [الناقة التي شال لبنها؛ أي ارتفع] برجلها فقال: «أترون هذه الشاة هيّنة على صاحبها؟» قالوا: نعم، قال: «والذي نفسي بيده، للدّنيا أهون على الله من هذه على صاحبها، ولو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء». (الحاكم، المستدرك: كتاب: الرقاق، رقم: 7917). (1/264)
صفحة 265
تصدّق - صلى الله عليه وسلم - بما بعثت له، وشقّ ذلك الستار قطعا وفرّقه على بعض أصحابه.
[فلنولّينّك قبلة ترضاها] :
فلنولّينّك قبلة ترضاها
وممّا بقي في مسألة بناء المسجد، أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أراد أن يحوّل القبلة إلى الكعبة بعد أن أذن الله تبارك وتعالى له بذلك؛ لأنّه صلّى إلى بيت المقدس ثمانية عشر شهرا، وبيت المقدس يقع في اتّجاه معاكس للكعبة تماما، وفي الفترة المكيّة كان النبيّ - صلى الله عليه وسلم - إذا أراد أن يستقبل بيت المقدس ويصلّي، يقف ما بين الركن اليمانيّ والحجر الأسود، فهو إذن يتّجه إلى الكعبة ويجعلها بين عينيه، فلمّا هاجر إلى المدينة، أصبح إذا اتّجه إلى بيت المقدس، يستدبر مكّة؛ لأنّ الشام من جهة الشمال ومكّة من جهة الجنوب، وذلك الذي شقّ عليه، فكان يطلب الله تعالى ويتمنىّ أن تتبدّل القبلة، فاستجاب الله له، وذلك قوله تعالى: {قَدْ نَرَىا تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَآءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} (1) .
وعندما أراد أن يبني المحراب في اتّجاه الكعبة، استعان ببعض الصحابة الحذّاق الذين يعرفون جغرافيّةَ الأرض، والمسافةُ بين مكّة والمدينة بعيدة، حوالي خمسين وأربعمائة كيلومترا، يتخلّلها جبال ووهاد وأودية، ولكي يهتدي ويجعل محرابه مقابلا للكعبة تماما فإنّ الأمر صعب، وفي الحال وبعد أن شرع في اتّخاذ الأسباب وباشر العمل، جاءه جبريل - عليه السلام - وقال له: «ستبني المحراب وأنت ترى الكعبة»، ثمّ أشار إلى جهة الكعبة فأظهرها الله تبارك وتعالى، فأصبحت بين يدي النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، لا جبل ولا حجر ولا شجر أبدا، كأنّها زالت.
فبنى المحراب وجعله متّجها إلى الكعبة وبالضبط إلى جهة الميزاب الذي يصبّ وسط الحطيم، تلك القطعة التي أزيلت من الكعبة.
__________
(1) ... سورة البقرة: الآية 144. (1/265)
صفحة 266
ولمّا فرغ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - من البناء، أشار جبريل مرّة أخرى فرجع كلّ شيء إلى مكانه، والله تبارك وتعالى قادر على كل شيء، فلا يأتينّ أحد ويتفلسف بقوله: «كيف ذلك؟!، هل أزيحت الجبال أم نزلت أم صعدت؟!»، هذا شيء لا دخل لنا فيه، إنّما الله تبارك وتعالى خالق الأبصار، قادرٌ على أن يجعل لنبيّه بصرا يخترق كلّ مادّة فيرى الكعبة أمامه، وقادر على أن يدكّ الجبال ثمّ يردّها، وقادر على كلّ شيء، هذا أمر الله وليس أمرنا نحن، إنّما علينا أن نؤمن ونصدّق، فنحن قد صدّقنا بكرامات أكبر وأعظم، تماما مثلما أجاب أبو بكر -رضي الله عنه- المشركين لما جاءه أبو جهل يقصّ عليه ما حدّثهم به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن قضيّة الإسراء، وهذا لكي يتراجع عن إيمانه، فقال له أبو جهل: «تعال انظر كِذبة صديقك، هو يقول إنّه كان الليلة في بيت المقدس وأصبح هنا معنا!!».
فقال له أبو بكر فورا: «نعم، وماذا هذا؟!، إنّه صادق فيما يقول»، والشاهد في الكلمة الثانية إذ أردف قائلا: «بل أصدّقه فيما هو أبعد من هذا، فأنا آمنت بالخبر -الوحي- يأتيه من فوق سبع سماوات، وأنتم تشكّكونني في ذهابه إلى بيت المقدس ورجوعه في ليلة واحدة!!»، فأيّهما أبعدُ: مصدرُ الوحي أم بيت المقدس؟!
[إذ يقول لصاحبه... ] :
إذ يقول لصاحبه...
أولئك الذين شرح الله صدورهم للإسلام، فتلك حجّة دحضهم بها، وكثير من الناس قد لا تحضرهم حجّتهم في مثل هذه اللحظات الحرجة، ولذلك سُمّي بالصدّيق. وبهذه المناسبة تذكّرت كلمة في صحبة أبي بكر -رضي الله عنه- تخطر ببالي مرّات وأنساها (1) ، فالصحابي هو: كلّ من رأى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وآمن به، أمّا الذين رأوه وهم دون البلوغ، فيُلحقهم الكثير بالصحابة، ولكن في صحبة أبي بكر كلام خاص. يقول
__________
(1) ... وهذا من أسلوب الشيخ رحمه الله في الوعظ؛ إذ كثيرا ما كانت تخطر له بعض الخواطر لم يكن حضّرها من قبل، فيلقيها في حينها، ويسمّيها بـ: «بنات اللحظة». (1/266)
صفحة 267
العلماء: لا يوجد صحابيّ إلا وأَنكر صحبتَه أحدٌ من المسلمين، فلا نستطيع أن نقول له كفرت أو مرقت من الدين، إلاّ أبا بكر، فقد أجمع المسلمون [على] أنّه من أنكر صحبته كَفَر؛ لأنّها منصوص عليها في الكتاب: {اِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذَ اَخْرَجَهُ الذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنِ اِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} (1) ، هذه مزيّة نحفظها، فلم يُذكر أحد من الصحابة في القرآن الكريم غير أبي بكر بلفظ الصحبة، نعم ذُكر زيد: {فَلَمَّا قَضَىا زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا} (2) ولكن لم يُذكر بلفظ الصحبة.
هذه فائدة نستفيدها في حقّ أبي بكر وصحبته المنصوص عليها في القرآن، وفي هذا القدر كفاية والحمد لله ربّ العالمين.
__________
(1) ... سورة التوبة: الآية 40.
(2) ... سورة الأحزاب: الآية 37. (1/267)
صفحة 268
صفحة 268 بيضاء (1/268)
صفحة 269
الدرس الحادي عشر
محتويات الدرس:
محتويات الدرس
? المشاكل التي واجهت النبي - صلى الله عليه وسلم - عند وصوله المدينة.
- المشكل الأوّل: إيواء المهاجرين.
- المشكل الثاني: اليهود.
- المشكل الثالث: المنافقون.
- المشكل الرابع: الخلاف بين الأوس والخزرج.
? التحاق من بقي في مكّة من المسلمين إلى المدينة.
? المؤاخاة بين المسلمين.
? يحبّون من هاجر إليهم...
? دور المسجد في الإسلام.
? والسابقون الأوّلون...
? فأصبحتم بنعمته إخوانا.
? عقدُ معاهدات مع يهود المدينة.
? لا تعلَمُهم نحن نعلَمُهم.
? من أبرز أحداث السنة الأولى للهجرة. (1/269)
صفحة 270
صفحة 270 بيضاء (1/270)
صفحة 271
الدرس الحادي عشر (1)
[موضوعه: بيان حالة المدينة إبّان الهجرة، والمشاكل التي واجهت النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، وبيانُ الطرق الحكيمة التي سلكها في حلّها؛ وذلك لخلق بيئة صالحة مناسبة لنشوء أوّل دولة إسلاميّة تَسُوس الأرض بالمَثَلِ الأعلى في العدل والرّشاد].
[المشاكل التي واجهت النبيّ - صلى الله عليه وسلم - عند وصوله المدينة] :
المشاكل التي واجهت النبيّ صلى الله عليه وسلم عند وصوله المدينة
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
لا يزال الحديث متّصلا في موضوع الهجرة، هذا الحدث العظيم في الإسلام.
تتبّعنا قبل اليوم هجرة الحبشة، ثمّ هجرة الصحابة إلى المدينة حين أذن لهم النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، وذلك بعد مبايعة الأنصار له، وانتهى بنا الحديث في آخر درس مضى، إلى استقراره - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة، وذكرنا أنّ أول ما بدأ به، أنْ بنى مسجدَ قباء، ثمّ مسجدَه المعروفَ اليومَ، ثمّ بنى بيوته متّصلةً بالمسجد كما هي معروفة اليومَ كذلك.
واعترضت النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - عند وصوله إلى المدينة مشاكلُ كبيرةٌ جدّا، القضاءُ عليها ضروريٌّ لتأسيس دولة إسلاميّة قويّة، فلكي يُؤَسِّس دولة مبنيّة على قواعد متينة وأُسُسٍ صحيحة؛ لابدّ وأن يهيّئ لها الأسباب، وهذه القواعد والأسس هي التي ترتكز عليها أصول الدولة التي يريد الله تبارك وتعالى أن تنشر الإسلام والسلام في كلّ العالم، وتخرج الناس من الظلمات إلى النور.
وكما عرفنا من قبل حالة النبيّ - صلى الله عليه وسلم - لمّا كان بمكّة وما وقع له من مصادمات مع قومه، ممّا اضطرّ أصحابه إلى الهجرة الأولى والثانية إلى الحبشة، ثمّ هذه الهجرة التي كان فيها معهم؛ سنعرف في هذا الدرس بإذن الله ما عرض له بالمدينة.
__________
(1) ... ألقاه بعد صلاة الجمعة 28 ربيع الأنور 1392هـ الموافق لـ 12 ماي 1972م. (1/271)
صفحة 272
من لم يدرس الهجرة ولم يهتمَّ بها ولم يُقم لها وزنا ولم يتعرّف على الوسائل والأسباب والأسس التي يجب أن ترتكز وتتمكّن حتّى يعلو عليها بنيان؛ لا يمكن أن يتصوّر الصعوبات التي واجهت النبيّ - صلى الله عليه وسلم - في سبيل بناء أوّل دولة إسلاميّة بالمدينة مِنْ لاشيء، وبناءِ قوّة يجابه بها كلّ العالم لا العرب وحدَهم؛ [لأنه - صلى الله عليه وسلم - بُعث للعالمين كما قال تعالى: ] {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَآفَّةً لِلنَّاسِ} (1) ، فكيف سيبني هذه الدولة وهذه الأمّة؟، وكيف سيُكوِّن هذه القوّة التي يُعدّها لمهاجمة كلّ من يقف في سبيل تبليغ دين الله؟.
[المشكل الأوّل: إيواء المهاجرين] :
جاء النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لقوم غير قومه ووطن غير وطنه؛ لأنّ الوطن الذي تربَّى فيه هو مكّة، والمهاجرون خرجوا من مكّة وتركوا ديارهم وأموالهم كما قال الله تبارك وتعالى: {لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ الذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا...} (2) ، فمشكل المهاجرين هذا من أوّل المشاكل التي واجهته - صلى الله عليه وسلم - ، ونعرف في سياسة اليوم أنّ المهاجرين من وطن إلى وطن -أو كما نقول بالتعبير العصريّ: «مشكل اللاجئين» بصورة جماعيّة- من المشاكل التي تواجه العالم.
هؤلاء المهاجرون الذين قدموا من مكّة، وهؤلاء الذين يفدون على المدينة من كلّ جهة للإسلام والاستقرار فيها، فهل في المدينة من الوسائل ما يحويهم ويكفيهم؟.
ونحن نرى اليوم كيف أنّ البلاد تضيق بالوافدين عليها، وأهلها يتذمّرون ويقلقون ويقولون: «لقد جاءنا من الشرق والغرب آلاف يسكنون معنا، والبلد لا تسع أرضها ولا تكفي مواردها». وهذا مشكل العالم في كلّ مكان، فالمدن تغصّ بمن يفد إليها من الخارج، والحكومات اليوم تعمل على ردّ سكّان الريف لكي لا يدخلوا
__________
(1) ... سورة سبأ: الآية 28.
(2) ... سورة الحشر: الآية 8. (1/272)
صفحة 273
إلى المدينة، بحجّة أنّ الماء لا يكفي، وأنّ النور لا يكفي، وأنّ المساكن لا تكفي، وأشياء من هذا القبيل.
فكيف سيوفّر النبيّ - صلى الله عليه وسلم - السكنَ لهذا العدد الكبير الذي هاجر من مكّة وجاء إلى المدينة؟!، فليس الأمر من السهولة كما يتصوّر البعض، ومن درس ملفّ الهجرة اليوم، يعرف حجم هذا المشكل الذي عرض للنبيّ - صلى الله عليه وسلم - أوّل مرّة. هذا هو المشكل الأوّل.
[المشكل الثاني: اليهود] :
مشكل آخر هو وجود فرق من اليهود في المدينة، واليهود سكنوا المدينة واستوطنوها منذ قرون كما يقول أهل السيرة، منذ ستمائة وألف عام قبل المسيح.
واليهود لهم كيد ومكر، وربّما سيظهر لنا -فيما يأتينا من دروس- مكرُهم بالنبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، فلن يتقبّلوا الإسلام ولن يدخلوا فيه، وإن كانوا ينتظرون ويستفتحون على الذين كفروا بالنبيّ الذي يُبعث آخر الزمان كما قال الله تبارك وتعالى: {وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ} (1) ، فكانوا شوكةً لم تزل حتّى قضى عليهم النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في وقائع عديدة سيأتينا الكلام عنها إن شاء الله.
[المشكل الثالث: المنافقون] :
ونشأ مشكلٌ آخر فيما بعد، إذ لم يدخل أهل المدينة كلّهم الإسلام، بل بقيت طائفة أراد الله تبارك وتعالى فتنتَها، تخفي شركها وتُظهر إيمانها لغلبة القوّة، وهي طائفة المنافقين.
[المشكل الرابع: الخلاف بين الأوس والخزرج] :
والمشكل الأوّل الذي كان قبل هذا كلِّه -وهو الذي بدأ النبي - صلى الله عليه وسلم - بعلاجه- هو مشكل الخلاف بين الأوس والخزرج، ونحن نعرف أنّ العرب كانوا في القديم
__________
(1) ... سورة البقرة: الآية 89. (1/273)
صفحة 274
شديدي التعصّب لقبائلهم، والحروبُ التي بينهم حروبٌ قبليّة، فكلّ قبيلة تريد أن تتسلّط على القبيلة الأخرى وتتحكّم فيها، وأهلُ المدينة الأوسُ والخزرجُ المنقسمون إلى اثني عشر عرشا -وهم قحطانيّون من اليمن- كانت بينهم حروب دامت قرونا، وآخر حرب كبيرة بينهم كانت يوم بُعاث، هذا اليوم الكبير المشهود الذي كان قبل البعثة النبوية ببضع سنوات، ومات في هذا اليوم عدد كبير من كلّ فريق، وكانت الغلبة للأوس على الخزرج وإن كانوا أقلّ عددا؛ فقبائل الأوس ثلاثٌ، وتسعٌ للخزرج، حتى إنّ أكثر الناس إذا خاطبوا أهل المدينة يقولون: «يا أيّها الخزرج»؛ أي يُعبّرون بالكثرة.
كانت العداوة مستحكمة فيما بينهم، ولعلّكم تذكرون الحادثة التي أوردناها في درس مضى لمّا جاء ستّة من شباب المدينة والتقوا بالنبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، وكان مجيئهم لقضيّة خاصّة، فلمّا اجتمعوا بالنبيّ - صلى الله عليه وسلم - وعلم ما جاءوا به من أجله؛ قال لهم: «هل أدلّكم على خيرٍ منه؟»، وعرضَ عليهم الإسلام، فقبلوا وآمنوا به وعلى رأسهم أسعد بن زرارة -رضي الله عنه-، وقالوا له -الشاهد في هذه الكلمة-: «إنّ بيننا إحنا وحروبا، فإن أصلح الله بك بين قومنا؛ لا يكون على ظهر هذه الأرض أحبّ إلينا منك»؛ يعني أنّ أهل المدينة قد ملّوا الحروب الداخلية المعبّر عنها عندنا بـ: «الفتنة»، أو «الحروب الأهليّة»، فالحرب بين أقوام من وطن واحد أشدّ خطرا وأكثر إفسادا في الأرض من حرب العدوّ الخارجيّ، فالعدوّ الخارجيّ يمكن أن يردّه أهل الوطن إذا اتّحدت كلمتهم، ولكنّ الحرب إذا وقعت داخليّا وبين أهل القرية الواحدة والمدينة الواحدة، فتلك المصيبة العظمى التي تأكل الأخضر واليابس.
ولا تزال هذه العداوة مستحكمة بين الأوس والخزرج إلى قبيل البعثة المحمّديّة، ويريد النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بهجرته تكوين دار إسلام، أو كما عبّرنا عنها قبل اليوم بـ: «العاصمة الأولى للمسلمين»، فكيف ستتكوّن هذه الدولة بين أقوام بينهم من العدوات والثارات والأحقاد ما لا يُعدّ؟!، هذا من جهة. (1/274)
صفحة 275
ومن جهة أخرى، فالذين هاجروا من مكّة أشتاتٌ، وليسوا من قبيل واحد ولا من فريق واحد، نعم كانوا في مكّة، ولكنّهم موزّعون على قبائلها، فهذا من قبيلةٍ وهذا من قبيلةٍ أخرى، وفيهم الموالي أيضا الذين جاءوا من بعيد، فهذا مولى بني فلان وهذا مولى بني فلان...، كما كان بلال الحبشيّ وصهيب الروميّ وسلمان الفارسيّ وزيد بن حارثة...، فهم أشتات لا تجمعهم رابطة قبليّة عنصريّة حتى تُكوّن فيهم تماسكا.
فبين الأوس والخزرج إذن فتن وحروب ودماء، والذين هاجروا من مكّة أشتات، فكيف ستَتَكوّن بهم رابطة متينة يجابه بها النبيّ - صلى الله عليه وسلم - العالم كلَّه؟!، فكان لا بدّ من إصلاح ذات البين بينهم، ولا بدّ من تكوين رباط يمسكهم، حتّى يكُونوا كالذّرّات المتماسكة. وبالمثال يتّضح الحال، فيمكننا بمطرقة صغيرة من حديد -قدر ما يحمل الإنسان في يده- أن نهدم دارا؛ لأنّ ذرّات الحديد شديدة التماسك؛ فعلى قدر تماسك أفراد أيّ أمّة صغيرة مهما قلّ عددها، سيكون لها وزنها وستكون قادرة على أن تقابل فئات كثيرة مفكّكة العقيدة والأوصال، وقد قال الله تبارك وتعالى: {كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةَم بِإِذْنِ اللَّهِ...} (1) ، والفئة القليلة هذه لولا الرباط المتين الذي يربط بينها من العقيدة، ما أمكنها أن تنتصر على الفئات الكثيرة.
إذن، حقيقةً هذا مشكل عويص واجه النبيّ - صلى الله عليه وسلم - .
ولماذا ذكرت هذا؟.
لكي نتصوّر الصعوبة التي قابلت النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، فالأمر ليس سهلا.
[التحاق من بقي في مكّة من المسلمين إلى المدينة] :
التحاق من بقي في مكّة من المسلمين إلى المدينة
مكث [النبيّ - صلى الله عليه وسلم - عند وصوله المدينة] بديار بني عمرو بن عوف أربعة أيّام وأسّس أوّل مسجد في الإسلام: {لَمَسْجِدٌ اُسِّسَ عَلَى التَّقْوَىا مِنَ اَوَّلِ يَوْمٍ اَحَقُّ أَن
__________
(1) ... سورة البقرة: الآية 249. (1/275)
صفحة 276
تَقُومَ فِيهِ...} (1) ، ثمّ ارتحل منها يوم الجمعة صباحا، وأدركته صلاة الجمعة في بني سالم بن عوف، فجمّع ثمّة أوّلَ جمعة، والمسجد موجود اليوم، ثمّ ارتحل بعد صلاة الجمعة على ناقته حتى بركت به -كما تقدّم لنا في القصّة- عند بني النجّار أمام دار أبي أيّوب خالد بن زيد الأنصاري -رضي الله عنه-، وشرع في تأسيس المسجد هناك. فهذه أعمال تجري من جهة، وأعمال أخرى تجري من جهة موازية.
وبعث - صلى الله عليه وسلم - من يُحضر له من بقي بمكّة ممّن استطاع الهجرة، وكما تعلمون أنّه بقي فيها كثير من الصحابة، خاصّة المستضعفون منهم، فبدأ أوّلا بعائلته، إذ أرسل زيدَ بن حارثة وأبا رافع مولى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - رضي الله عنهما وأعطاهما بعيرين وخمسمائة درهم حتّى يأتيا بسودة بنت زمعة زوجِه التي تزوّجها بمكّة بعد موت خديجة -رضي الله عنها-، ويأتيا بفاطمة وأمّ كلثوم بنتيه، وربّما يسأل أحد ويقول: «وأين هي رقيّة وزينب؟!». أمّا رقية فهي حينذاك مع زوجها عثمان بن عفّان -رضي الله عنه- في الحبشة، وسيأتي بها إلى المدينة فيما بعد، وأمّا زينب -رضي الله عنها- فهي عند زوجها المشرك أبي العاص (2) الذي سيُسلم فيما بعد ويأتي بها، في قصَّة معروفة مذكورة في كتب السيرة. وبعث كذلك إلى مكّة عبدَ الله بن أبي بكر لكي يأتي بعائلة أبي بكر، وأحضر زيدٌ زوجَه أمَّ أيمن والدة أسامة بنِ زيدٍ حِبِّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي كان في ذلك الوقت ولدا صغيرا، وأمُّ أيمن هي التي ربّت النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وحضنته بعد موت أمّه آمنة.
وهاجر الإمام عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه الذي تركه النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بمكّة، لكي يودّيَ عنه الودائع والأمانات التي تركها الناس عنده ويفديَه بأن يبيت على فراشه ليضلّل المشركين، فردّ عليٌّ الأماناتِ وقطع المسافة من مكّة إلى المدينة على رجليه، وكان يسير الليل ويكمل بالنهار خوفَ الطلب، وما وصل المدينة حتّى
__________
(1) ... سورة التوبة: الآية 108.
(2) ... أبو العاص بن الربيع، ختن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ابنته زينب، اسمه لقيط بن الربيع بن عبد العزى، كان يسمى جرو البطحاء، توفي سنة 12للهجرة. (ابن حبان، مشاهير علماء الأمصار: ج1، ص31). (1/276)
صفحة 277
تورّمت رجلاه وتشقّقت من المشي، ولمّا بلغ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - خبرُ مقدمه، بعث إليه يدعوه، فقالوا له: «يا رسول الله، إنّ قدميه متورّمتان من المشي، ولا يستطيع أن يأتيك»، فذهب إليه - صلى الله عليه وسلم - بنفسه فعانقه وبكى لمّا رأى ما أصابه، ثمّ تفل على يديه الشريفتين ومرّر بهما على قدميه ورقاه، فزال عنه كلّ ألم، ويقولون إنّ عليّا لم يحسّ ألما في قدميه حتّى قُتل.
وهكذا اجتمعت عائلة النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، وبقيت رقيّة وزينب اللتان ستقدمان لا حقا، أمّا المسلمون الباقون في مكّة فمن استطاع منهم الخروج خرج، ولم يبق إلا المستضعفون، وكان النبيّ - صلى الله عليه وسلم - يدعو لهم بالفرج في الصلاة؛ لأنّ المشركين بدؤوا يمكرون بهم، وفي الأصل أنّ المكر قد بدأ منذ بدء الدعوة، ولكنّهم شدّدوا عليهم وردّوا غيظهم وحنقهم فيهم.
[المؤاخاة بين المسلمين] :
المؤاخاة بين المسلمين
هذا من جهة، ومن جهة أخرى شرع النبيّ - صلى الله عليه وسلم - في المؤاخاة، فآخى بين الأنصار أوّلا، وكتب لهم عقدا ينظّم عشائرهم وحقوقهم فيما بينهم، وضبط لهم أمر العاقلة (1) ، وجعل لكلّ قبيلة نقيبا.
ثمّ آخى بين المهاجرين والأنصار، فكان يَقْرن بين كلّ اثنين، أنصاريّ مع مهاجريّ، وهذا التآخي جعله النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بدل النسب، حتّى إنّهما -أي المتآخيان الأنصاريّ والمهاجريّ- يتوارثان كأنّها أُخُوّةُ نسبٍ، حتّى نزل قوله تعالى: {وَأُوْلُو الاَرْحَامِ بَعْضُهُمُ أَوْلَىا بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُومِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلآَّ أَن تَفْعَلُوا إِلَىآ أَوْلِيَآئِكُم مَّعْرُوفًا...} (2) ، فنُسخ التوارث بهذا التآخي، وبقي الميراث بحسب النسب كما فصّله الله في سورة النساء.
__________
(1) ... «العاقلة هي: الدية التي تشترك في دفعها عشيرة القاتل خطأ [لأولياء المقتول] ». (من كلام الشيخ).
(2) ... سورة الأحزاب: الآية 6. (1/277)
صفحة 278
[يحبّون من هاجر إليهم... ] :
يحبّون من هاجر إليهم...
والأنصار رحمهم الله كانوا كما قال الله تبارك وتعالى، إذْ وصفهم وصفا غريبا: {وَالذِينَ تَبَوَّءُو الدَّارَ وَالاِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّآ أُوتُوا وَيُوثِرُونَ عَلَىآ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُّوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (1) .
ولا نفهم حقيقة هذا المقام للأنصار، إلا إذا تصوّرنا وأدركنا كراهية أهل الأوطان للمهاجرين الأجانب اليوم، فكما أشرت أوّل مرّة أنّ هذه طبيعة بشريّة، فربّما يُقبَل بعضُ أفراد، ولكن إذا كانت هجرةً لعدد كثير، فالغالب أنّ أهل الوطن تضيق صدورهم منهم، ويقولون إنّ هؤلاء ضيّقوا علينا بلادنا وزاحمونا حتّى في الماء والكلأ، وهذا شيء موجود في كلّ زمان ومكان، فهل ضاق الأنصار صدرا لما دفّت عليهم هذه الدافّة من المهاجرين؟، لا أبدا، بل يقول الله تبارك وتعالى: {وَالذِينَ تَبَوَّءُو الدَّارَ وَالاِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ}، انظروا إلى هذا الوصف: {يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ}، وعلى الإنسان أن يفقه هذا الوصف، لماذا يقول الله تبارك وتعالى وينصّ على أنّهم: {يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ}؟، ومن لم يتفقّه تمرّ عليه الآية ولا يتنبّه لما فيها لعمق معناها، ولكن من درس طباع الاجتماع البشريّ وحقيقة أغراض الناس ومقاصدهم ونواياهم فيمن يهاجر إليهم، يفهم ويدرك قيمة هذا الوصف: {يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ}، وهذا لا يكون إلا نادرا، إلا إذا راعى أهل البلد فائدة أو مصلحة فيمن هاجر إليهم، كأن يوفّروا لهم الحماية مثلا، أو يدفعوا لهم مالا مقابل مكثهم، أو يحاربوا معهم ليردّوا عنهم البلاء...، وأمّا لغير هذا، فمن طبيعة أهل أيّ بلد أنّهم يكرهون المهاجرين، خاصّة إذا كانوا جماعات.
__________
(1) ... سورة الحشر: الآية 9. (1/278)
صفحة 279
فالله تعالى إذن مدح الأنصار وقال إنهم: {يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ}؛ أي يفرحون بهم، حتّى صاروا يتنازعون فيما بينهم، كلّ واحد يودّ أن يأخذ عددا من المهاجرين لينزلوا عنده فيأويهم ويقاسمهم ماله.
وهكذا نزل كلّ مهاجريّ عند أنصاريّ، ثمّ أحكم النبيّ - صلى الله عليه وسلم - الصّلة ووطّدها فيما بينهم.
وممّا مدح الله تعالى به الأنصار أيضا أنْ وصفهم بقوله: {وَيُوثِرُونَ عَلَىآ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}، والإيثار هو التخيير؛ أي يخيّرونهم، إذ يقول الأنصاريّ للمهاجريّ: «هذا مالي خذ منه ما شئت»، كما وقع بين عبد الرحمن بن عوف المهاجريّ الذي كان نازلا عند سعد بن الربيع الأنصاريّ، وكان الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد آخى بينهما، فقال سعد لعبد الرحمن: «إنّني من أكثر الأنصار مالا، لك شطر مالي، ولي زوجتان، اختر أيّهما أعجبتك وسمّها لي لأطلّقها فتتزوجّها بعد أن تعتدّ» (1) .
فقال له عبد الرحمن: «لا أرزؤك شيئا من مالك ولا من أهلك، ولكن أرني سوقكم».
وكان عبد الرحمن بن عوف من الأغنياء في مكّة وماهرا في التجارة، وقريش كلّهم تجّار؛ لأنّ مكّة ليست بلد زرع حتّى يكون أهلها فلاّحين كأهل المدينة.
فأراه سوق بني قينقاع، وبنو قينقاع ضاحية في المدينة ومنزل من منازل اليهود.
وفي الصباح كان عبد الرحمن بن عوف هناك، فباع واشترى ورجع في الظهر ومعه ربح، وبعد أيّام قليلة جمع مالا وتزوّج، حتّى رآه النبي - صلى الله عليه وسلم - وعليه آثار سُفرة؛ أي أمارةُ عرس، فقال له: «يا عبد الرحمن، هل تزوّجت؟».
__________
(1) ... «وإلى ذلك الوقت ما زال لم يأت التحريم في هذا الباب، ولم يُنَظَّم عقد النكاح بعدُ، أمّا العدّة فكانت معروفة من قديم وأقرّها الإسلام». (من كلام الشيخ). يقصد الشيخ بالتحريم: تحريمُ تطليق الزوجة ليتزوجها شخص آخر إيثارا؛ لأن في هذا إضرارا بالمرأة. والله أعلم. (1/279)
صفحة 280
قال: «نعم».
قال: «كم أَصْدقتها؟».
قال: «نواة (1) من ذهب».
فالشاهد في هذه القصّة أنّ عبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنه- قد أصبح تاجرا حقيقيّا وربح وجمع قدر صداق وتزوّج وما أخذ من سعد بن الربيع -رضي الله عنه- دينارا ولا درهما ولا أرضا ولا نخلة، ومات وهو من أغنى الناس.
فالأنصار فتحوا قلوبهم وفتحوا بيوتهم للمهاجرين إذ قالوا لهم: «نقاسمكم كلّ شيء أنصافا»، ولكنّ المهاجرين لم يكونوا طمّاعين، بل كانوا كرام النفوس فلا يأخذون إلا مقدار الضرورة، ومن عرف أنّه لا يحتاج كعبد الرحمن بن عوف فلا يأخذ شيئا.
بهذه العاطفة وبهذا الحبّ المكين لبعضهم بعضا الذي مكّنه الله في قلوبهم بالإيمان، تكوّنت هذه الجماعة، كما يدلّ عليه الحصر في قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُومِنُونَ إِخْوَةٌ} (2) ، هذا مؤمن والآخر مؤمن إذن قد انعقد الإخاء بينهم، فبمجرّد دخولِ الإيمان الصحيح في القلب وتمكّنه فيه، تكوّنت جماعة متينة شديدة الاتصال ببعضها البعض، يحبّ بعضهم بعضا، ويؤثر بعضهم بعضا، لا يتنابزون بالألقاب، ولا يؤذي بعضهم بعضا، كما في الحديث: «المؤمن أخو المؤمن لا يظلمه ولا يخذُله» (3) ؛ أي لا يضرّه بشيء، وكما قال - صلى الله عليه وسلم - : «المؤمنون كالبنيان المرصوص» (4) ، أو كاليدين [يشدّ]
__________
(1) ... «والنواة هنا هي مقدار من الوزن، مثلما نعبّر نحن اليوم مثلا ونقول: أوقية». (من كلام الشيخ).
(2) ... سورة الحجرات: الآية 10.
(3) ... أخرجه ابن منده في كتابه الإيمان، ذكر صفة المؤمن المسلم التقي، رقم: 329.
(4) ... أخرجه البخاري عن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يَشُدُّ بعضُه بعضا». وشبّك بين أصابعه. (كتاب: المظالم والغصب، باب: نصر المظلوم، رقم: 2334). (1/280)
صفحة 281
بعضهما بعضا. وهذا ما كوّنه النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة، كوّنه عمليّا بهذا التآخي الذي ربطه بين كلّ فرد وآخر، ثمّ جمع بين هذه الطائفة وأخرى، ثمّ بنى -كما قلنا- مسجدا.
[دور المسجد في الإسلام] :
دور المسجد في الإسلام
ومسجد النبيّ - صلى الله عليه وسلم - يُعتبر مدرسة وناديا ومركز حكومة ومركز جيش، هو مدرسة لتحفيظ القرآن، وتعليم الناس شؤون دينهم، ففي مسجد النبيّ - صلى الله عليه وسلم - تلقّى المسلمون الأخلاق الطيّبة، وتلقّوا أصول الدين، وضروريّات الدين، وتلقّوا أصول التربية الإسلامية الصحيحة التي يريدها الله تبارك وتعالى، فهو مركز للتعليم والتدريب والتربية، وهو معبد يتعبّد فيه الناس لله تبارك وتعالى، ويؤدّون فيه الصلوات الخمس وصلاة الجمعة، وهو نادٍ أيضا يجتمع فيه المسلمون الذين كانوا متناثرين، إذ كانت كلّ قبيلة تجتمع وحدها في سقائفها، كسقيفة بني ساعدة المعروفة في التاريخ، ولكن لمّا جاء مسجد النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، أصبح مجتمعا وناديا يضمّ بين جدرانه التي هي من طين وتحت سواريه التي هي من جذوع النخل، المهاجرينَ من مكّة وسكان المدينة، وفي هذا الاختلاط والاجتماع في بيت الله امتزاجٌ وتماسكٌ، ففي كلّ يوم يزدادون ترابطا لمّا يجتمعون في الصلوات الخمس وخاصّة الجُمع، ولأمر ما نهى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - أن تقام الجمعة إلا في مسجده، فالصلوات الخمس تقام في مسجده وتقام في المساجد الأخرى بمنازل المدينة، ولكن في الجمعة لابد أن يجتمع المسلمون كلّهم في مسجد النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ويستمعوا لخطابه.
[والسابقون الأوّلون... ] :
والسابقون الأوّلون...
بهذه الكيفيّة إذن تكوّنت هذه الجماعة الأولى التي لم يظهر لها مثيل على ظهر الأرض منذ خلق الله الدنيا ومنذ جاءت أوّل رسالة من الله تبارك وتعالى.
لم تقم على ظهر الأرض جماعة متماسكة متديّنة، شديدة التمسّك بدينها، شديدة الحبّ لبعضها مثل هذه الجماعة التي اختارها الله تبارك وتعالى لتكون صحابةً (1/281)
صفحة 282
لنبيّه - صلى الله عليه وسلم - ، فهم حواريّو النبيّ حقّا، ولذلك يسّر الله تبارك وتعالى على أيديهم فتحَ البلاد، ونشرَ كتابه ودينه في مشارق الأرض ومغاربها؛ لأنّهم لا يخافون في الله لومة لائم كما وصفهم الله. والمقام لا يتّسع لسرد كلّ خصالهم التي وصفهم الله تبارك وتعالى بها في القرآن، ولكن لا بأس أن نذكر بعضها:
? {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُومِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ...} (1) .
? {لَقَد تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيءِ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالاَنصَارِ الذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنم بَعْدِ مَا كَادَ تَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ...} (2) .
? {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا...} (3) .
? {...وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} (4) .
صفات غريبة حقًّا!.
[فأصبحتم بنعمته إخوانا] :
فأصبحتم بنعمته إخوانا
هذا ما كوّنه النبيّ - صلى الله عليه وسلم - واشتغل به في السنة الأولى من الهجرة، ولم يشغله شيء عن شيء، فهذه المساجد تبنى، وهذه المجالس تعقد للتآخي وتصفية الأحقاد والثارات التي كانت بين الأوس والخزرج.
كذلك لم يزل النبيّ - صلى الله عليه وسلم - يعظ ويرشد ويبشر وينذر إلى أن جمع شملهم، وطهّر قلوبهم من كلّ شيء، حتّى أنزل الله فيهم قوله: {وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكمُ إِذْ كُنتُمُ
__________
(1) ... سورة الفتح: الآية 18.
(2) ... سورة التوبة: الآية 117.
(3) ... سورة الفتح: الآية 29.
(4) ... سورة الحشر: الآية 8. (1/282)
صفحة 283
أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىا شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا} (1) .
ومن الغريب أن يكون تكوين هذه الجماعة بالمدينة في فترة وجيزة، فلم تكد تمضي ثمانية عشر شهرا من هجرة النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، حتّى كانت واقعة بدر الكبرى في شهر رمضان من السنة الثانية، والتي انتصر فيها المسلمون الذين كانوا قليلي العدد مقارنة بالكفّار بفضل إيمانهم وثباتهم ورسوخ العقيدة في قلوبهم، وبفضل تآزرهم وتناصرهم وتماسكهم، فاعْجَبوا لهذا!!.
[عقد معاهدات مع يهود المدينة] :
عقد معاهدات مع يهود المدينة
وفي نفس الوقت، لم يهمل النبيّ - صلى الله عليه وسلم - جانبا آخر عظيم الأهمية، وهو جانب اليهود بالمدينة.
ففي المدينة جماعات من اليهود ينقسمون إلى ثلاث قبائل كبرى: بنو قريظة، بنو النضير، بنو قينقاع، ولديهم مساكن وحصون.
ويبني اليهود مساكنهم لا كما يبنيها العرب أكواخا أو بيوتا كما اتّفق، إنّما يبنون أبراجا محصّنة متينة مبنيّة بالحجارة، ويدلّ على هذا قوله تبارك وتعالى في القرآن لمّا وقعت الحرب بينهم وبين النبيّ - صلى الله عليه وسلم - : {وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ} (2) ، والحصن هو برج متين مبنيٌّ بالحجارة بأشدّ ما يمكن أن يكون البناء على حسب العهد، الأسوار عالية متينة والأبواب كذلك، وتُغلّق الأبواب كلّ ليلة. هذه مساكن اليهود بالمدينة؛ ولذلك سُميت «حصونُهم» وكذلك «صياصيهم» في قوله تعالى: {وَأَنزَلَ الذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنَ اَهْلِ الْكِتَابِ مِن
__________
(1) ... سورة آل عمران: الآية 103.
(2) ... سورة الحشر: الآية 2. (1/283)
صفحة 284
صَيَاصِيهِمْ} (1) ؛ يعني أنزلهم الله تبارك وتعالى من أبراجهم ومن هذه الحصون العالية التي تحصّنوا بها.
وكانوا أهل كتاب، ومن صفاتهم البارزة الخوفُ من جهة، والمكرُ والخديعة من جهة أخرى.
والنبيّ - صلى الله عليه وسلم - يعرف مكر اليهود وما فعلوه بأنبيائهم كما ورد في القرآن: {وَيَقْتُلُونَ الاَنبِئَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّ...} (2) ، {وَيَقْتُلُونَ النَّبِيئِينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ...} (3) ، {قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنبِئَآءَ اللَّهِ...} (4) ...، وقد قتلوا يحيى بن زكريَّاء، وقتلوا في يوم واحد سبعين نبيّا!!.
وهذه الطائفة متمكّنة بالمدينة منذ زمن قديم، تقريبا ألفي سنة قبل مبعث النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، فبعض الخبراء يحدّدونها بألف وستمائة سنة قبل المسيح، وميلاد النبيّ - صلى الله عليه وسلم - كان عام خمسمائة وواحد وسبعين للميلاد، والإسلام جاء عام ستّمائة واثني عشر للميلاد.
كان اليهود في المدينة إضافة إلى امتناعهم في حصونهم، كثيري العدد ومالُهم وفير:
- فبنو قينقاع صاغة، مهنتهم صياغة الذهب والفضّة، وهي عادة اليهود من قديم، فهم قد عبدوا عجل الذهب في زمن موسى - عليه السلام - .
- وبنو النضير أصحاب زرع ونخل وفلاحة.
- أمّا بنو قريظة فيظهر أنّهم جمعوا بين التجارة وخدمة الأرض.
وكان اليهود يُغرون ويحرّكون الفتنة بين أهل المدينة بأموالهم ويتسلّطون بها
__________
(1) ... سورة الأحزاب: الآية 26.
(2) ... سورة آل عمران: الآية 112.
(3) ... سورة البقرة: الآية 61.
(4) ... سورة البقرة: الآية 91. (1/284)
صفحة 285
عليهم، وكانوا يقرضونهم بالربا (Les intérêts) حتّى يكونوا دائمي الاحتياج إليهم، وهي عادة اليهود في كلّ زمان أين ما وُجدوا.
واليهود متّفقون فيما بينهم ولكنهم فرّقوا أنفسهم على قبائل العرب في المدينة، لكي تكون في كلّ قبيلة طائفةٌ من اليهود ينتمون إليها، وعادتهم -كما ذكرنا- تحريكُ الفتنة بين هذه القبائل حتّى يبقوا متسلّطين، ويبقوا دائما هم الرابحين من جهة الصياغة والتجارة واستخدام العرب في فلاحتهم وفي ضياعهم.
هذا ملخَّصُ حالةٍ، وإلا فتاريخ اليهود في المدينة طويل، وهم قوّة لا يُستهان بها، والنبيّ - صلى الله عليه وسلم - لم يغفل -ولم يكن من طبيعته أن يغفل- عن هذا الجانب، فهو يعلم أنّه لمّا هاجر إلى المدينة، أنّ قريشا حتما ستحاربه أو هو من سيحاربهم، ولقد أوحي إليه ونزل عليه قوله تعالى: {اُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىا نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} (1) ، هو يعلم أنّ الحرب لا بدّ واقعة بينه وبين أهل مكّة حتّى يفتحها ويقيم دين الله في بيت الله الحرام حيث نزل الوحي، فهذا شيء ينتظره ويترقّبه، فإذا هجمت عليه قريش وهو بالمدينة-واليهودُ أعداء-؛ فسيكون ثمّة عدوان: خارجيٌّ وداخليٌّ، وإذا خرج هو من المدينة لكي يجابه قريشا؛ فسيترك من ورائه اليهود وهم أعداء.
إذن كان النبيّ - صلى الله عليه وسلم - يعمل من أوّل مرة في المجتمع الإسلاميّ من جهة، ويعمل في المجتمع اليهوديّ من جهة أخرى:
- أمّا عمله في المجتمع الإسلاميّ فهو ما تقدّم، يربط بين المسلمين، ويقوّي قلوبهم بالإيمان، ويؤاخي بينهم حتى يردّهم كرجل واحد، «يقوم بذمّتهم أدناهم وهم يد على من سواهم» (2) .
__________
(1) ... سورة الحج: الآية 39.
(2) ... عن قيس بن عبادة، قال: دخلت أنا والأشتر على علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- يوم الجمل، فقلت: هل عهد إليك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عهدا دون العامة؟ فقال: لا، إلا هذا وأخرج من قراب سيفه فإذا فيها: «المؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم، لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده». (أخرجه الحاكم في المستدرك، كتاب: قسم الفيء، حديث: 2555). (1/285)
صفحة 286
- وأمّا عمله في المجتمع اليهوديّ، فقد أخذ منهم عهودا ومواثيق فقبلوها وأمضوا عليها، إذْ عقدَ معهم معاهدة يمكن أن نعبّر عنها الآن بالمعاهدة العسكريّة، من عدم الاعتداء، وممارسة الحرية الدينيّة؛ أي: نترككم أحرارا في دينكم وتوْراتكم، على شرط أن لا تتعدّوا على حرمة مسلم ولا تضرّوه.
ومن بنود هذه المعاهدة أيضا أن تدافعوا عن المدينة بأموالكم وأنفسكم إذا هاجمها عدوّ. إذن:
( تعايش سلميّ.
( وحرية دينية.
( ومشاركة في الدفاع عن الوطن.
[أبرم] النبيّ - صلى الله عليه وسلم - هذه العقود والعهود مع اليهود حتى يأمن جانبهم ولو إلى حين، والنبيّ - صلى الله عليه وسلم - لم ينقض عهدا، ولكن سنرى أنّ اليهود نقضوا العهود فكانت عاقبتهم إخراجهم من المدينة بل من الحجاز كلّه في حروب ووقائع ستأتي.
من هنا ندرك حجم المشاكل التي واجهت النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، فلم يقرّ له قرار في العام الأوّل حتّى صنع كلّ هذا.
[لا تَعْلَمُهم نحن نَعْلمُهم] :
لا تَعْلَمُهم نحن نَعْلمُهم
وبعدُ تنجم ناجمة أخرى من النفاق، وهذه ستظهر من الذين دخلوا في الإسلام لمّا رأوا قوّة النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وقوّة أصحابه، ولكن لمّا تخالطْ بشاشةُ الإيمان قلوبَهم، وهم المنافقون، وعلى رأسهم عبد الله بن أبيّ [بن سلول] الذي كان (1/286)
صفحة 287
يتهيّأ ليُتوّجَ ملكا على المدينة لمّا جاء النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، فلمّا جاء - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة تغيّرت الظروف، فذهب منه الملك الذي كان يطمع فيه وانهدم كلّ شيء؛ فحزّ ذلك في قلبه، وحمل حقدا على هذا الدين وعلى هذا النبيّ، واتّفق مع اليهود ضدّ المسلمين، وهذا ما سيأتينا شرحه فيما بعدُ إن شاء الله، إنّما غرضنا اليوم أن نعرف ماذا فعل النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة في السنة الأولى من الهجرة، وكيف هيّأ عاصمة للإسلام، وكيف وطّد أركان الدولة الإسلامية، وكيف ربّى الذين سترتكز عليهم الدعوة، والذين سيرتكز عليهم الجهاد، إمّا هجوما وإمّا دفاعا.
[من أبرز أحداث السنة الأولى للهجرة] :
من أبرز أحداث السنة الأولى للهجرة
وفي السنة الأولى مات سعد بن الربيع وهو كهل، وهو أحد الستة الذين آمنوا بالنبيّ - صلى الله عليه وسلم - قبل [بيعة] العقبة الأولى والعقبة الثانية (1) ، وأدخلوا الإسلام في المدينة، هذا الذي آخى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بينه وبين عبد الرحمن بن عوف، وكان نقيب بني النجّار (2) .
ولمّا مات سعد قال بنو النجّار للنبيّ - صلى الله عليه وسلم - : «عيّن لنا نقيبا يا رسول الله».
فقال لهم - صلى الله عليه وسلم - : «أنتم أخوالي وأنا نقيبكم». وبنو النجّار أخوال النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ؛ لأنّ أمّ عبد المطّلب -كما تقدّم لنا- منهم.
فكانت لهم فضيلة ومكرمة أن يكون النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - شيخَ عشيرتهم، وهذا ممّا ميّزهم به النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وفضّلهم به لسبقهم إلى الإيمان.
ومن الحوادث التي وقعت في السنة الأولى أيضا، بناؤه بعائشة -رضي الله عنها- وكان ذلك في شوال.
__________
(1) ... في الدرس الأوّل لمّا تحدّث عن العقبات جعلها ثلاثا، وهنا جعلها اثنتين.
(2) ... «بنو النجار هي العشيرة التي نزل فيها النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ». (من كلام الشيخ). (1/287)
صفحة 288
وفي السنة نفسها مات كلثوم بن الهدم (1) ، أحد كبار الأنصار وساداتهم، وكان كثير من المهاجرين نازلين عنده.
وفيها كذلك وُلد عبد الله بن الزبير، وكانت أسماء بنت أبي بكر -رضي الله عنها- هاجرت إلى المدينة مع الزبير وهي حامل بعبد الله، فكان أوّلَ مولود يولد للمهاجرين بالمدينة، وحملته أسماء إلى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - قبل أن يرضع فبصق في فيه، فكان أوّلَ شيء يدخل في فمه ريقُ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، ثمّ دعا بتمرة فلاكها؛ أي مضغها، ثمّ جعلها في فم عبد الله وحنّكه بها، وفرح به المسلمون فرحا شديدا؛ لأنّ اليهود أشاعوا فيما بينهم أنّا سحرنا المسلمين وسينقطع نسلهم فلا يولد لهم مولود، واليهود من أسحر الناس في الدنيا من عهد هاروت وماروت، فراجت هذه الإشاعة بين المسلمين فخافوا، فهم يعرفون مكر اليهود ويعرفون سحرهم، وكان العرب يستعينون بهم في السحر قبل الإسلام، فلما وُلد عبد الله، عرفوا بأنّ هذا كذب فحمدوا الله تعالى. وأمّا أوّل مولود يولد للأنصار بعد حلول النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة فهو: النعمان بن بشير (2) .
هذا بعض ما وقع في السنة الأولى، وبعد ذلك تتوالى الوقائع الكبرى في السنة الثانية بدر ثمّ أُحُد ثمّ الخندق، ثمّ يجيء بعد ذلك فتح خيبر ثمّ فتح مكّة، ويتخلّل كلّ هذه الوقائع الكبرى وغيرها سرايا وأحداث صغرى، وفي كلّ منها معجزة وعبرة.
__________
(1) ... كلثوم بن الهدم الأنصاري بن عمرو بن عوف، كان شيخا كبيرا، أسلم قبل نزول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة، وهو الذي نزل عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - عند قدومه في هجرته من مكة إلى المدينة -وقيل على سعد بن خيثمة- فأقام عنده أربعة أيّام ثمّ خرج إلى أبي أيّوب الأنصاري. توفّي قبل بدر بيسير، وقيل إنّه أوّل من مات من أصحاب النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بعد قدومه المدينة، ولم يدرك شيئا من مشاهده. (ابن عبد البر، الاستيعاب في معرفة الأصحاب: ج3، ص 1327-1328).
(2) ... النعمان بن بشير بن سعد بن ثعلبة الأنصاري، من بني كعب بن الحارث ابن الخزرج، وأمّه عمرة بنت رواحة أخت عبد الله بن رواحة. ولد قبل وفاة النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بثمان سنين، وهو أوّل مولود ولد للأنصار بعد الهجرة. كان أميرا على الكوفة لمعاوية ثمّ حمص لمعاوية ويزيد، ثم أصبح زبيريا. وكان كريما جوادا شاعرا. قتل سنة أربع وستين لما كان هاربا من حمص. (ابن عبد البر، الاستيعاب في معرفة الأصحاب: ج3، ص1496-1500). (1/288)
صفحة 289
وخلاصة القول من هذا الدرس: أنّ الأصل في تكوين أيّ جماعة إنّما ينبني على الإخلاص والتماسك والتآخي، فمهما صغرت جماعة ولكن قلوبها متوحّدة، ووجهتها واحدة، وعقيدتها متينة، صادقة القول، صالحة العمل، وفيّة العهد؛ فإنّها تنال كلّ ما تريد، أمّا كثرة العدد مع اختلاف الأنظار والأفكار، وعدم الصدق في القول والإخلاص في العمل؛ فألفٌ كأفّ، وهذا أخذناه من أوّل شيء صنعه الرسول - صلى الله عليه وسلم - في المدينة ومن الآية التي امتنّت على المسلمين بإزالة ما كان بينهم من العداوة: {وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكمُ إِذْ كُنتُمُ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} (1) ، لم تزُل العداوة وبقي الفتور، إنّما انقلبت العداوةُ أخوّةً، وفي هذا منّة عظيمة، فلا يقتضي نفيُ العداوةِ الأخوّةَ، ومن لم يتفقّه لا يتنبّه لهذا، فقد تزول العداوة بينك وبين شخص آخر وهذا أمر طبيعيّ، فتقول: إنّ هذا ليس عدوّي وأنا لست عدوّه، ولكن أن تقول: هذا الذي كان عدوّي قد أصبح أخي؛ فهذه درجة أخرى، ولذلك قال الله تعالى: {كُنتُمُ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ}، ولم يقف عند الحدّ بل قال: {فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا}.
{وَكُنتُمْ عَلَىا شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا}: فالكفر والعداوة المتأصّلة بينهم لو استمرّت كذلك؛ لَتَرَدَّوْا بسببها في النار. {فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا}: ومن أجلّ النعم التي ينعم الله تعالى بها على عباده وحدةُ الكلمة ولمُّ الشمل.
جمع الله شملنا ووحّد كلمتنا والحمد لله ربّ العالمين.
__________
(1) ... آل عمران: الآية 103. (1/289)
صفحة 290
صفحة 290 بيضاء (1/290)
صفحة 291
الدرس الثاني عشر
محتويات الدرس:
محتويات الدرس
? توطئة.
? أول مقرئ في الإسلام.
? دخول النور إلى المدينة على يد مصعب.
? حالة مصعب قبل إسلامه.
? حالة مصعب بعد إسلامه.
? بطولة مصعب.
? فمنهم من قضى نحبه.
? هم درجات عند الله.
? شباب محمد وشباب اليوم. (1/291)
صفحة 292
صفحة 292 بيضاء (1/292)
صفحة 293
الدرس الثاني عشر (1)
[موضوعه: حياة الشابّ المسلم الذي سبق ذكره في المهاجرين الأوّلين إلى المدينة المقرئ: مصعبَ بنَ عميرٍ -رضي الله عنه-، وبيان حالته قبل الإسلام وبعده، فهو مثال صادق للشباب المسلم].
[توطئة] :
توطئة
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
ذكرنا قبل اليوم أوّل المهاجرين من مكّة إلى المدينة الشابّ المسلم مصعب بن عمير، وهو من السابقين الأوّلين إلى الإسلام.
ولقد أشرت في درس مضى (2) إلى أنّي سأفرد لهذا الشاب درسا خاصّا لأسرد قصّته كي يعرف شباب اليوم كيف كان يعيش أقرانهم زمنَ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - .
[أوّل مقرئ في الإسلام] :
أوّل مقرئ في الإسلام
يلتقي مصعب بن عمير نسبا مع النبيّ - صلى الله عليه وسلم - في الجدّ الخامس قصيّ الذي تُسمَّى به قريش، فمصعب من صميم قريش.
كانت هجرة مصعب -رضي الله عنه- بعد أن جاء الأنصار إلى مكّة في موسم الحجّ في السنوات الستّ الأولى وبايعوا النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وعاهدوه على الإيمان وعلى اتّباعه وأداء فرائض الإسلام ونشر الدين، فاختاره النبيّ - صلى الله عليه وسلم - لإيمانه وإسلامه ولحفظه القرآن وبعثه معهم إلى المدينة سفيرا للمسلمين يؤمّهم في صلواتهم؛ لأنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول في حديث
__________
(1) ... ألقاه بعد صلاة الجمعة يوم: 6 ربيع الآخر 1392هـ الموافق لـ 19 ماي 1972م.
(2) ... الدرس الرابع من هذه السلسلة. (1/293)
صفحة 294
صحيح: «يؤمّ القوم أقرؤهم لكتاب الله» (1) . والقرّاء في العهد الأوّل قليلون نادرون، فأصبح يُختار للإمامة من جمع من القرآن أكثر ممّا جمع غيره، ومصعبُ يحفظ جميع ما نزل إلى تلك اللحظة، وذكر له أصحاب السيرة كرامة وهي: أنّه صلّى أوّل جمعة أقيمت بالمدينة، وهذا قبل أن يهاجر النبيّ - صلى الله عليه وسلم - .
فكان يصلّي بالناس إماما وكان يقرئهم القرآن؛ ولذلك كان مصعب أوّل من سمي بالمقرئ، والمقرئُ هو الذي يحفِّظ النّاس القرآن، وإلى الآن مجوِّدُو القرآن الكريم يسمّونهم «المقرئين»، كعبد الباسط عبد الصمد مثلا، ومصعب هذا أوّلهم وسيّدهم، بعثه النبيّ - صلى الله عليه وسلم - لنشر الإسلام في المدينة؛ لأنّه مثقّف دينيّا أكثر من الأنصار الذين جاءوا، فهذا عامهم الأوّل في الإسلام، أمّا هو فقد آمن بالنبيّ - صلى الله عليه وسلم - وصاحبَه منذ أن نزل عليه الوحي قبل عشر سنوات تقريبا، وما نزل من القرآن إلى تلك اللحظة يحفظه.
[دخول النور إلى المدينة على يد مصعب] :
دخول النور إلى المدينة على يد مصعب
وتقدّم لنا فيما تقدّم من الكلام عن الأنصار ودخولهم في الإسلام، قصّةُ سعد بن معاذ -رضي الله عنه- سيّد الأوس، وكما نعرف أنّ أهل المدينة منقسمون إلى قسمين: الأوس والخزرج، وكلّ قسم فيه عدد من القبائل، وسعد بن معاذ هو سيّد الأوس، وعشيرته الأقربون هم بنو عبد الأشهل، وإسلامه كان على يد مصعب بن عمير -رضي الله عنه- في قصّة تقدّمت لنا نعيدها باختصار (2) .
__________
(1) ... أخرجه مسلم عن أبي مسعود البدريّ أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «يؤمّ القومَ أقرؤهم لكتاب الله، وأقدمهم قراءة، فإن كانت قراءتهم سواء، فليؤمّهم أقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء، فليؤمّهم أكبرهم سنّا، ولا تَؤُمَّنَ الرجلَ في أهله، ولا في سلطانه، ولا تَجْلِسْ على تَكْرِمَتِهِ في بيته إلا أن يأذن لك، أو بإذنه». (صحيح مسلم، كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: من أحقّ بالإمامة، رقم: 1114). والتَّكْرِمَةُ: هي الموضع الخاصّ لجلوس الرجل ممّا يُعَدّ لإكرامه.
(2) ... انظر الدرس الرابع من هذه السلسلة. (1/294)
صفحة 295
كان مصعب بالمدينة في بيت أحد النقباء العشرة -أسعد بن زرارة- يدعو إلى الإسلام ويعلّم القرآن، فانتشر خبره في المدينة وبلغ ذلك سعد بن معاذ، فقال لأسيد بن حضير-الرجل الثاني في الأوس بعده-: «اذهب وانظر هذا الذي يفسد عقول الشباب وينشر دعاية جديدة».
ولم يرد أن يذهب إليه بنفسه لعلاقة الرحم التي بينهما، إذ كان أسعدُ خالَ سعد (1) .
ذهب أسيدٌ ليرى ما يجري، فلمّا وصل قال لمصعب: «ما هذا؟!، ما هذه الفكرة التي جئت توسوس بها أبناءنا وتفسد عقولهم بها؟!، كيف تضرّنا في عقر دارنا؟!»، وأنكر عليه إنكارا شديدا.
فقال له مصعب لحذاقته: «أوَتجلس فتسمع؟، فإن أعجبك شيء؛ قبلتَه، وإن لم يعجبك شيء؛ فإنّا لا نفعل شيئا تكرهه».
قال له: «أنصفت»، وكأنّه قال في نفسه: «كيف أُنكر قبل أن أسمع؟!».
وهكذا المنصفون أصحاب القلوب الطيّبة؛ لأنّه طالب حقّ، ولم يأت للانتقام.
وفي الحال قرأ عليه القرآن ودعاه إلى الإسلام فشرح الله صدره، فقام وتطهّر وتوضّأ وصلّى ورجع إلى سعد وكان ينتظره في قومه، فلمّا رآه سعد مقبلا من بعيد قال لقومه: «والله لقد جاءكم بغير الوجه الذي ذهب به». فلمّا دخل أسيد لم يُرد أن يقول شيئا ولم يُرد أن يسبق سيّده في الكلام، فهم يحترمون مسؤوليهم احتراما كبيرا. فسأله سعد قائلا: «ماذا وجدت؟».
قال أسيد: «لا بأس، لم أجد مضرّة، ولكن سمعت أنّ بني حارثة يريدون الذهاب إلى بيت أسعد بن زرارة للانتقام من أصحابه».
__________
(1) ... تثبّتت من هذا في سيرة بن هشام: ج2، ص283؛ فوجدت أنّهما ابنا خالة، وهذا ما ذكره الشيخ في الدرس الرابع. (1/295)
صفحة 296
فنهض سعد مغضبا وتقلّد سيفه وذهب مسرعا، فلمّا وصل البيت ودخل، لم يجد شيئا، ففهم أنّ أسيدا فعل هذا لكي يذهب بنفسه وينظر فيحكم، وهذا من لطف التصرّف والتدبير.
ذهب سعد وتكلّم مع مصعب بن عمير مثلما تكلّم معه أسيد: «كيف جئت تفسد أبناءنا وتضرّنا؟!».
فقال له مصعب: «لعلّك تجلس وتسمع، فإن أعجبك؛ فكذلك، وإن لم يعجبك؛ كففنا عنك ما تكره».
فجلس وسمع الدعوة إلى الإسلام وما يدعو إليه من الفرائض والأخلاق، فلمّا علم أنّ الإسلام ينهى عن الفحشاء والمنكر والظلم ويأمر بالعدل والإحسان وبطاعة الله وإخلاص الدين له، أسلم وقام وتطهّر وصلّى ورجع في الحين إلى قومه فقال لهم: «ماذا تعرفون فيَّ؟».
قالوا: «سيّدنا وابن سيّدنا».
عندئذ قال لهم كلمته المشهورة: «كلام رجالكم ونسائكم عليّ حرام حتّى تسلموا». فلم يبت أحد من بني عبد الأشهل تلك الليلة وهو كافر، ما غرُبت شمس ذلك اليوم حتّى أسلموا جميعا، وهذه منقبة كبرى وفضيلة ومزيّة لسعد بن معاذ، وعلى يد من؟
على يد مصعب بن عمير.
بعد مضي عدّة شهور رجع مصعب بن عمير إلى مكّة، ولم يرجع ليستقرّ فيها، بل لكي يبشّر النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بانتشار الإسلام في المدينة ويبشّره بنجاح دعوته، وحكى له ما حدث ودخول سيّدي الأوس في الإسلام، ورجع إلى المدينة لعمله؛ أي لتعليم القرآن وإمامة الناس في الصلاة. (1/296)
صفحة 297
[حالة مصعب قبل إسلامه] :
حالة مصعب قبل إسلامه
وقصّة مصعب غريبة حقّا؛ لكي يعرف الشباب جيّدا من كان هذا الشخص؟، وكيف كانت حياته في مكّة؟، وكيف أصبحت بعد أن دخل الإسلامَ وهاجر؟، وكم كان عمره آنذاك؟.
كان مصعب بن عمير لمّا جاء الإسلام شابّا صغيرا، حيث كان في نحو الأربعين من عمره لَمَّا سقط شهيدا يوم أُحُد في العام الثالث بعد الهجرة (1) ، فلمّا جاء الإسلام إذن كان عمره حوالي أربع وعشرين سنة، شابٌّ في مقتبل العمر -ومن صفاته كما ذكر جميع الكتّاب والمؤرخين- أنّه شابّ مدلَّل من قبل والديه، ولا يوجد شابّ بمكّة أكثر دلالا منه، وكان جميل اللون، وأمّه تحرص على أن تطعمه أشهى الطعام، وتلبسه أحسن اللباس، وتعطره بأزكى العطر، فأصبح يسمّى -كما يعبر المؤرّخون-: «فتى شبابِ مكّة جمالا وعطرا»، عليه نضرة النعيم، وحين يراه النبيّ - صلى الله عليه وسلم - يقول فيه كلمته -وانظروا كيف كانت حالته الأولى وكيف آل الأمر-: «ما رأيت بمكّة أحسن لِمَّة (2) ولا أنعَم نعمة من مصعب بن عمير» (3) . فمصعب جميل اللون ومع شعر الناصية الجميل؛ فإنّه يزيده زينة. يقول النبيّ - صلى الله عليه وسلم - : لم أر بشبّان مكّة كلّهم أحدا أجمل ناصية، وعليه أنعم نعمة [من مصعب]، كما عبّرنا عنها: «نضرة النعيم»؛ أي معيشة الدلال تظهر على وجهه، مثلما نقول: «أبيض مشرَب بحمرة»، فالذي يأكل جيّدا ويرتاح جيّدا، تظهر عليه آثار النعمة
__________
(1) ... «أي ستّ عشرة سنة بعد نزول الوحي». (من كلام الشيخ).
(2) ... «اللمّة هي شعر الناصية». (من كلام الشيخ).
(3) ... عن إبراهيم بن محمد العبدري، عن أبيه قال: كان مصعب بن عمير فتى مكة شبابا وجمالا، وكان أبواه يحبانه، وكانت أمه تكسوه أحسن ما يكون من الثياب وأرقه، وكان أعطر أهل مكة، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يذكره ويقول: «ما رأيت بمكة أحسن لِمّة، ولا أرق حُلّة، ولا أنعم نعمة من مصعب بن عمير». (أخرجه الحاكم في المستدرك، كتاب: معرفة الصحابة رضي الله عنهم، ذكر مناقب مصعب الخير، رقم: 4856). (1/297)
صفحة 298
مثلما قال الله تبارك وتعالى في أصحاب الجنّة: {تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ} (1) ، والنضرة هي الضياء، نقول: «فلان وجهه وضّاءُ»، فالنضارة في الوجه هي هذا الجمال. وفي قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ اِلَىا رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} (2) ؛ أي: وجوه يومئذ مضيئة بيضاء متلألئة. فالإنسان حينما يكون مرتاح القلب مطمئنّ البال؛ فإنّ أثر ذلك يظهر على الوجه، وكذلك كان مصعب بن عمير، حتّى كان النبيّ - صلى الله عليه وسلم - يُعجَب لنضرة وجهه وجماله، فكانوا يقولون عنه: «فتى شباب مكّة»؛ أي: هو شابٌّ من خيار شباب مكّة.
بماذا؟.
بالدّلال الذي ربّاه به والداه.
هذه حالته قبل الإسلام، فما هي حالته بعد أن أسلم؟، وانظروا إلى العبرة.
[حالة مصعب بعد إسلامه] :
حالة مصعب بعد إسلامه
كان مصعب رغم دلاله الذي عجب منه النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، من الأوائل الذين دخلوا في الإسلام.
ومن المعلوم في التاريخ أنّهم إذا ذكروا صحابيّا أسلم مع الأوائل يقولون: «أسلم والنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في دار الأرقم»، وكما نعلم أنّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - في الأعوام الأولى كان يعبد الله سرّا ويلتقي مع إخوانه في الكتمان، ولا يستطيع أن يُظهر الدعوة في المسجد الحرام، فكان يتّخذ من دار أحد المسلمين: الأرقم بن أبي الأرقم -المعروفِ مكانها إلى اليوم- مجتمعا يلتقي فيها مع القلّة الذين آمنوا، فمصعب بن عمير -رضي الله عنه- أسلم والنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لا يزال يجتمع بأصحابه في دار الأرقم.
__________
(1) ... سورة المطفّفين: الآية 24.
(2) ... سورة القيامة: الآيتان 22-23. (1/298)
صفحة 299
ومتى خرج المسلمون من دار الأرقم؟.
خرجوا في اليوم الذي أسلم فيه سيّدنا عمر وحمزة رضي الله عنهما فتقوّى بهما الإسلام، وقال عمر للنبيّ - صلى الله عليه وسلم - : «لا نعبدُ الله سرّا». فخرج المسلمون وخرج النبيّ - صلى الله عليه وسلم - من الكتمان وأصبح يدعو إلى الله جهارا ويعبد الله في المسجد الحرام.
فالمسلمون الأوائل هم الذين أسلموا والنبيّ - صلى الله عليه وسلم - ما زال يجتمع في هذا البيت مع أصحابه، وكذلك كان مصعب بن عمير.
وكان يخفي إسلامه عن أمّه وأبيه خشية أن يمكروا به، حتّى فضحه عثمانُ بن طلحة العَبْدَرِيُّ (1) ، إذْ رآه ذات يوم يصلّي فأخبر أباه وأمّه فحبساه رغم المحبّة التي كان يُحظى بها من قِبَلِهما.
ومكث في الحبس مدّة حتّى فرّ مع المهاجرين الأوّلين إلى الحبشة، ثمّ رجع إلى مكّة قبل الهجرة إلى المدينة، فبعثه النبيّ - صلى الله عليه وسلم - إليها -كما ذكرنا- مقرئا وإماما.
وقَبِل بعد إسلامه المعيشة القاسية؛ إذ قطع عنه والداه المَدد والدلال الذي فاق به أهل مكّة كلَّهم، ترك كلّ ذلك النعيم وتحمّل الأذى والضرر والجوع والعطش والعذاب في سبيل الله.
يقول سعد بن أبي وقّاص في حقّ مصعب: «كنّا قوما يصيبنا ظَلَفُ العيش بمكّة مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فلمّا أصابنا [ما أصابنا] من البلاء صبرنا، وكان مصعب بن عمير أنعم غلام بمكّة وأجودهم حلّة مع أبويه، ثمّ رأيته جُهدَ في الإسلام جُهدا شديدا حتّى لقد رأيت جلده يتحشّف كما يتحشّف جلد الحيّة». وفي رواية: «يتطاير عنه تطاير جلد الحية».
__________
(1) ... «نسبة إلى بني عبد الدار بن عبد مناف بن قصيّ، وهو من أعيان قومه، وصاحب مفاتيح الكعبة، وله قصّة مشهورة». (من كلام الشيخ). (1/299)
صفحة 300
يقول سعد إنّنا نعرف مصعب بن عمير مثلما كنّا نراه، إذ لا يوجد أحد بمكّة أكثر دلالا منه أبدا، فلمّا دخلنا نحن في الإسلام -وكنّا معتادين من قبل على شظف العيش- لم يشقّ علينا أمر معيشتنا.
ونذكر جيّدا لمّا قاطعت قريش بني هاشم في شعاب مكّة ووصل بهم الاحتياج أشدّه، وسعد بن أبي وقّاص نفسه هو الذي قصّ حادثته التي وقعت له في الشعب؛ حيث إنّه ذهب يبول في ليلة من الليالي المظلمة فسمع لوقع البول قعقعةً، فهو لم يقع في التراب بل على شيء يابس، وبعد أن قضى حاجته تفقّده فوجده قطعة جلد جمل، فغسلها جيدا ويبّسها ورضفها (1) وقسّمها إلى ثلاث قطع، ثلاثة أيّام وهو يعيش عليها؛ لأنّها جلد وما زالت فيه بقيّة غذاء. هذا سعدٌ قال: نحن معتادون على الشقاء، مرّت علينا سنوات صعبة واعتدنا المعاناة، ولمّا جاء الإسلام عانينا أكثر ولكن صبرنا، أمّا مصعب بن عمير هذا الشابّ المدلّل، رأيته -مع تلك الوضاءة والتلألؤ الذي كان على وجهه- وجلدُه يتحشّف كما يتحشّف جلد الأفعى؛ أي رأيت جلده يجفّ حتّى أصبح يتطاير مثلما يتطاير جلد الأفعى.
ومن المعلوم أن للأفعى وقتا تبدل فيه جلدها.
هكذا قال سعد، قال: ذلك الشابّ الذي كان الدلال يغمر محيّاه، ووجهُه يكاد يقطر بالماء من أثر النعيم، أصبح جلده يابسا يتطاير، وصبر لذلك ولم يعر اهتماما لهذا أبدا، يبيت على الطوى ويصبر على العطش والجوع والمعاناة في سبيل الله، وهو مع هذا شابّ في مقتبل العمر، ولو عاد إلى ما يدعوه إليه والداه من الشرك؛ لضاعفا به الاعتناء أكثر من ذي قبل.
__________
(1) ... الرَّضْف: هي الحجارة المحماة، ورَضَفَهَا: أي وَضَعَهَا على حجارة قد حميت بالشمس أو بالنار. (ابن منظور، لسان العرب: ج9، ص121). (1/300)
صفحة 301
ودام على هذه الحال، حتّى إنّه في يوم من الأيّام -و هو بالمدينة- رآه النبيّ - صلى الله عليه وسلم - على تلك الهيأة فبكى لحاله، كما يروي ذلك الإمام عليّ كرّم الله وجهه في حديث نورده بنصّه ثمّ نأتي إلى شرحه.
يقول علي: «إنّا لجلوس مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المسجد إذ طلع علينا مصعب بن عمير وما عليه إلا بردة له مرقَّعة بفرو، فلمّا رآه النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، بكى للذي كان فيه من النعمة والذي فيه اليوم، ثمّ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «كيف بكم إذا غدا أحدكم في حلّة وراح في حلّة؟، ووُضعت بين يديه الصفحة ورُفعت أخرى؟، وسَترتم بيوتكم كما تسترون الكعبة؟».
قالوا يا رسول الله: نحن يومئذ خير منّا اليوم، نتفرّغ للعبادة ونُكفى الْمُؤْنَةَ.
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «أنتم اليوم خير منكم يومئذ» (1) ».
قال علي: «كنّا يوما في المسجد مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - إذ طلع علينا مصعب بن عمير»، وهذا أسلوب العرب في التعبير، فإذا دخل عليهم أحد قالوا: «طلع علينا فلان». قال: «كنّا جلوسا مع النبيّ - صلى الله عليه وسلم - في المسجد، فدخل مصعب بن عمير وعليه عباءة من صوف مرقّعة بالجلد»، هذا الذي كان في مكّة يلبس أحسن الثياب، وكان كلّ شباب قريش يتمنّون لو أنّهم يلبسون مثلما يلبس؛ قال عنه علي: دخل علينا ونحن في المسجد على هذه الحالة، فبكى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - لما رآه.
رواية تقول: «فذرفت عيناه - صلى الله عليه وسلم - شفقة على هذا الشابّ». قال علي: ّ إنّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - تفكّر وتذكّر كيف كان مصعب بالأمس وكيف هو الآن، كيف كان في رفاهية، وكيف أصبح في شظف من العيش، ومن أجل ماذا؟، من أجل الله تبارك وتعالى، فازداد له النبيّ - صلى الله عليه وسلم - حبّا ورحمة وشفقة.
__________
(1) ... انظر القصة عند: ابن الأثير، أسد الغابة: ج5، ص192. الحديث أخرجه الترمذي في الجامع الصحيح عن علي بن أبي طالب كرم الله، كتاب: الذبائح، أبواب: صفة القيامة والرقائق والورع عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، رقم: 2459 . (1/301)
صفحة 302
ثمّ خاطب - صلى الله عليه وسلم - المسلمين الذين كانوا في المسجد فقال لهم: «كيف بكم... »؛ أي كيف ستكون حالتكم في اليوم الذي يغدو أحدكم في حلّة ويروح في حلّة؟، والحلّة في العربيّة هي إزار ورداء، يعني بذلة كاملة، شيء يوالي اللحم وشيء من فوقه.
قال النبيّ - صلى الله عليه وسلم - : كيف تكونون عندما يخرج أحدكم في الصباح ببذلة، و[في] المساء ببذلة أخرى؟؛ أي يبدّل ملابسه مرّتين في اليوم.
وقال أيضا: «وتوضع صفحة وترفع أخرى؟»؛ أي: يوضع إناء من الطعام ويرفع آخر.
وقال أيضا: «وسترتم بيوتكم كما تستر الكعبة؟»؛ أي: تغطّون بيوتكم مثلما تستر الكعبة؛ لأنّ ذلك لم يكن معروفا عند العرب، وإنّما كان معروفا عند العجم؛ حيث إنّهم يسترون جدران بيوتهم، ولكنّ الكعبة كانت تُستر من عهد سيّدنا إبراهيم - عليه السلام - ويُصنع لها لباس خاصّ من حرير مطرّز بالذهب، وهذا أمر من أوامر الله تبارك وتعالى وليس بإسراف ولا تضييع مال، فهو بيت الله الأوحد الذي وُضع للناس على ظهر الأرض، والواجب أن يكون ممتازا ومميّزا على جميع بيوت الدنيا.
قال لهم - صلى الله عليه وسلم - : تصبحون تسترون بيوتكم كما تسترون الكعبة؛ بمعنى أنّه يكون لديكم فائض ملابس فتلبسونها للجدران، وهذا كلّه واقع؛ لأنّ الله تبارك وتعالى قد أطلع نبيّه - صلى الله عليه وسلم - على هذا الغيب، وأعلمه بما سيحصل وكيف ستكون عليه الحالة في المستقبل.
وفي ذلك الوقت كان من وجد بعض تميرات وجرعات ماء؛ محظوظا، و[قد] كان الإمام عليّ كرّم الله وجهه يجلب لأحد يهود المدينة ويعمل له إلى منتصف النهار بكفّ من تمر، وفي بعض الأحيان بتمرة لكلّ دلو.
قال لهم النبيّ - صلى الله عليه وسلم - : «كيف تكونون يومئذ؟».
قال له الصحابة: «نكون يومئذ خيرا ممّا نحن عليه اليوم، نتفرّغ للعبادة ونُكفى المؤونة»؛ أي نهب أنفسنا كلّها لعبادة الله. (1/302)
صفحة 303
فقال لهم النبيّ - صلى الله عليه وسلم - : «أنتم اليوم خير منكم يومئذ»، ولم يشرح أكثر، فالشرح معروف، وهم لم يطلبوا التفسير، فالتفسير معروف.
وما هو تفسير ذلك؟.
في ذلك الوقت الذي يُبسط لكم في الرزق، تزداد رغبتكم في الدنيا أكثر، وكلّ من ملك شيئا يتمنّى لو يملك أكثر، حتّى إنّه - صلى الله عليه وسلم - قال لهم بعدُ في حديث آخر في غير ذلك الوقت: «لو أُعطي ابن آدم واديين من ذهب لتمنّى ثالثا، ولا يملأ جوف ابنِ آدم إلا التراب» (1) ؛ أي لا يوجد شيء يملأ بطن الإنسان إلا التراب كناية عن القبر، يوم يُلقي عليك الناس حفنة من التراب ويغطّونك، هناك ترقد مطمئنّا، هذا حظّك من الدنيا.
قال النبيّ - صلى الله عليه وسلم - هذا الكلام في تلك اللحظة وقد دخل مصعب -رضي الله عنه- على هذه الحالة من الشدّة، لونه تغيّر، جلده يتطاير، الملابس لا توجد...، وقد يتساءل أحد ويقول: «لماذا لا يكفي أهلُ المدينة المهاجرين مؤونتَهم لمَّا ذهبوا إليهم؟!».
والجواب بكلّ بساطة أنّ معظم أهل المدينة فقراء مثلهم، والدليلُ على ذلك أنّ اليهود كانوا يستأجرونهم ويقرضونهم بالمضاربة، وسيأتينا الكلام على يهود المدينة وماذا فعلوا.
[بطولة مصعب] :
بطولة مصعب
ومن عجيب أمر مصعب هذا -ولْيعجب الشباب- ورغم الدّلال الذي رُبِّيَ فيه، عنده قلبُ بطلٍ شجاعٍ، ولم يكن جبانا ولا خوارا أو خِرقة لا تنفع،
__________
(1) ... أخرجه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سمعت النبيّ - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى ثالثا، ولا يملأ جوف ابنِ آدمَ إلاَّ التراب، ويتوب الله على من تاب»(صحيح البخاري، كتاب: الرقاق، باب: ما يُتَّقى من فتنة المال، رقم: 6081). (1/303)
صفحة 304
وظهرت بطولته أوّلا في إسلامه والتحمّل الذي تحمّل به هذه المعيشة أمام الهجرة إلى الحبشة والهجرة إلى المدينة والصبر على هذه الحالة، ثمّ تظهر شجاعة الحرب منه في غزوة بدر التي وقعت في رمضان من السنة الثانية للهجرة، الواقعة التي ذكرها الله تبارك وتعالى في القرآن في سورة الأنفال وأثنى على أصحابها، والنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - قال فيهم: «لعلّ الله اطّلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» (1) .
أبلى مصعب في بدر بلاءً حسنا، ويُبلي بلاء حسنا أكثر في غزوة أُحُد التي وقعت بعد عام وأيّام من غزوة بدر؛ أي في السنة الثالثة من الهجرة، هذه الواقعة التي ذكرها الله تعالى في سورة آل عمران.
توجّه مشركو مكّة صوبَ المدينة لكي ينتقموا لهزيمة يوم بدر، فكان ما كان، وقُتل السيّد حمزة -رضي الله عنه-، وقُتل مصعب بن عمير، هذا الشابّ الجَلْدِ الشجاع الذي أعطاه النبيّ - صلى الله عليه وسلم - اللواء. ومن عادة الجيوش في القديم أن يرفعوا العلم وسط المعركة.
ومن يرفعه؟.
يعطى لأشجع القوم.
وما الحكمة من ذلك؟.
الجيش يحارب على كلّ جهة، والميدانُ واسع، وكلّهم ينظرون إلى العلم، فما دام مرفوعا، فهم يحاربون بمعنويات مرتفعة، فإن نزل، فهو دليل على موت بطل من الأبطال؛ وبالتالي فإنّ معنويات الجيش تتحطّم وينهزم.
وقد يموت على الراية أكثر من واحد، يُقتل أحد فيرفعه آخر، ويُقتل فيرفعه آخر وهكذا، والأعداء يتّجهون صوب صاحب العلم فيقتلونه أوّلا، حتّى إذا سقط
__________
(1) ... جزءٌ من حديث أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب: المغازي، باب: فضل من شهد بدرا، حديث: 3782. (1/304)
صفحة 305
اللواء انهزم الجيش، ولهذا فإنّ القائد لا يعطي اللواء إلاَّ لمن تيقّن ووثق بأنّه يموت دونه ولا يتخلَّى عنه ولو قُطِّع إربا إربا.
ولمن أعطى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - اللواء يوم أُحُد؟.
أعطاه لمصعب بن عمير.
وليس في أُحُد إلا فلان وفلان من رجالات الحرب وأبطالها كأبي بكر وعمر وعليّ وحمزة وسعد بن أبي وقّاص بطل القادسية، ومن الأنصار كذلك يوجد فيهم أحْلاسُ حرب، رجال تمرّسوا بالحرب وتمرّست بهم، وعاشوا حروبا فيما بينهم في الجاهلية، لكن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - اختار مصعب بن عمير بتوفيق الله.
[فمنهم من قضى نحبه] :
فمنهم من قضى نحبه
حمل مصعب اللواء ودافع دفاع الأبطال، فهجم عليه المشركون لكي يُسقطوا اللواء، فضربوا يده اليمنى التي كان يحمله بها فقُطعت، فأمسك اللواء باليد اليسرى فقطعت كذلك، فاحتضن اللواء وأسنده إلى صدره، حتىّ تكاثروا عليه وذهب إليه اللعين ابن قَمِئَه فقتله وهو يظنّ أنّ حامل اللواء هو سيّدنا محمّد - صلى الله عليه وسلم - ، فنادى: «قتلتُ محمّدا»، وهو السبب الذي وقعت به الهزيمة يوم أُحُد مع الرماة الذين نزلوا ولم يلزموا أماكنهم حيث وصّاهم النبيّ - صلى الله عليه وسلم - .
ثمّ أُعطي اللواء بعد ذلك لعليّ بن أبي طالب كرّم الله وجه.
كان وقع المعركة شديدا جدّا، وقُتل فيها إضافة إلى مصعب، حمزةُ -رضي الله عنه-، وأحداث أُحُد كثيرة، لكنّنا لسنا بصدد الكلام عنها، إنّما كلامنا اليوم عن تاريخ مصعب بن عمير.
بعد انتهاء المعركة، جاء النبيّ - صلى الله عليه وسلم - فوقف على مصعب وهو منجعفٌ (1) مقطوعُ
__________
(1) ... «أي مُنْكَبٌّ على وجهه». (من كلام الشيخ). (1/305)
صفحة 306
اليدين شهيدا، فقرأ قوله تعالى: {مِنَ الْمُومِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىا نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّنْ يَّنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً} (1) .
وهذه الآية نزلت في حقّ الذين دافعوا حتّى الموت، وقرأها - صلى الله عليه وسلم - وهو واقف على جثمان مصعب بن عمير، ثمّ قال بعد أن قرأ هذه الآية وهو يخاطب الجثث المنتشرة: «رسول الله يشهد عليكم أنّكم شهداء عند الله يوم القيامة»، ثمّ أقبل على الناس فقال: «أيّها الناس، ائتوهم فزوروهم وسلّموا عليهم، فوالذي نفسي بيده لا يسلّم عليهم أحد إلى يوم القيامة، إلا ردّوا - عليه السلام - » (2) .
إذن فزيارة شهداء أُحُد والتسليم عليهم، شيءٌ مأمور به، مثلما هم شهداء بدر كذلك، ونحن لمّا نسلّم عليهم لا نسمع صوتا، ولكنّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - قال لنا: «يردّون عليكم السلام»، أرواحهم أو ملائكة نيابة عنهم، هذا الأمر سرّ من أسرار الله تعالى.
لمّا همّوا بدفن مصعب بن عمير، قال الحاضرون من الصحابة رضوان الله عليهم وكان -النبيّ - صلى الله عليه وسلم - معهم-: «لم نجد إلا عباءة واحدة نَمِرَةً (3) ، إن جذبناها إلى الرأس، تبقى الأرجل عارية، وإن جذبناها إلى الأرجل، يبقى الرأس عاريا»، فقال لهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - : «غطّوا رأسه بالثوب وارموا الإذخر على رجليه»، والبعض قال لهم: «بالحرمل»، فكانت هذه سنّة، إنْ لم يوجد لأحد ثوب كافٍ
__________
(1) ... سورة الأحزاب: الآية 23.
(2) ... أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى عن عبيد بن عمير: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقف على مصعب بن عمير وهو منجعف على وجهه، فقرأ هذه الآية: {مِّنَ الْمُومِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ...} إلى آخر الآية، ثم قال: «إن رسول الله يشهد أنكم الشهداء عند الله يوم القيامة»، ثم أقبل على الناس فقال: «أيها الناس، زوروهم، وأتوهم، وسلّموا عليهم، فوالذي نفسي بيده، لا يسلم عليهم مسلم إلى يوم القيامة إلا ردوا - عليه السلام - ». (ابن سعد، الطبقات الكبرى، طبقات البدريين من المهاجرين ومن بني عبد الدار بن قصي، ذكر: حمل مصعب لواء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، رقم: 2900 )
(3) ... «أي جبة من صوف». (من كلام الشيخ). بردة من صوف مخطَّطة يلبسها الأعراب. (ابن منظور، لسان العرب: ج5، ص234). (1/306)
صفحة 307
يستر به عورته، فإن رأسه يُغطَّى بذلك الثوب، أمّا الأرجل فتغطّى بالنبات -الحشيش- الموجود في ذلك المكان.
وقد أثّر هذا المشهد في كثير من الصحابة الذين كانوا حاضرين، فكانوا لمّا يقرؤون قوله تعالى: {مِنَ الْمُومِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىا نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّنْ يَّنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً} (1) ؛ يشفقون على أنفسهم ويقولون: «مصعب بن عمير وحمزة والأوائل الذين استُشهدوا، ذهبوا إلى الله تبارك وتعالى وأجرهم كامل، لم يأخذوا منه شيئا في الدنيا، وبسبب موتهم انتصر المسلمون».
يقولون هذا الكلام؛ لأنّه ومن بعدُ تبدّل الحال بعد أن انتصر النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وقهر اليهود وأجلاهم عن المدينة وأخذ أملاكهم وفتح خيبر وامتلك ما فيها من أموال، ثمّ بدأت الدنيا تُفتح لهم بعد موت النبيّ - صلى الله عليه وسلم - في زمن أبي بكر وعمر، فأصبح الصحابة -الذين فُتحت لهم الدنيا من كلّ جهة فملكوا الأراضي والديار والنخيل والملايين- يبكون ويقولون: «نحن فُتحت لنا الدنيا وخُضنا فيها فصرنا نتمتّع ونلبس جيّدا ونأكل جيّدا، وأدركنا ما لم يدركه الأوائل». فيبكون ويخافون أن يُحسب عليهم هذا تبديلا.
فهذا عبد الرحمن بن عوف لمّا كان في بيته وأحضروا له سُفْرَة فيها ألوان من الطعام، بكى.
ولماذا بكى؟.
لأنّه تذكّر مصعب بن عمير وحمزة والأولين الذي كانوا سببا في نصرة الإسلام، وسببا في كلّ هذه الفتوحات، ولكن لم يأخذوا من الدنيا شيئا، ذهبوا إلى ربّهم دون أن يذوقوا شيئا من لذّات الدنيا، ذهبوا وأجرهم كامل، ماتوا ولم يروا الدنيا ولم ترهم.
بكى عبد الرحمن خوفَ أن يحاسَب على هذا النعيم الذي هو فيه.
__________
(1) ... سورة الأحزاب: الآية 23. (1/307)
صفحة 308
[هم درجات عند الله] :
هم درجات عند الله
وحقيقةً، الشهداءُ ليسوا في درجة واحدة بل: {هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ اللَّهِ} (1) ، ومن غير شكّ أنّ الذين ماتوا ولم يأخذوا شيئا من أجرهم في الدنيا، هم في الدَّرَجَاتِ الْعُلَى، وسيعظم الله أجرهم يوم القيامة، وهذا الذي يتمنّاه جميع الصحابة، فكانوا يبكون عندما يدخل أحدهم إلى بيته فتُحضَر له ألوان الطعام، أو يرى أملاكا تأتيه، أو بعض مدخول الغَلَّة من الأراضي التي امتلكوها في الشام والعراق وفارس وغيرها، يخافون لعلّ الله تبارك وتعالى عجّل جزاءهم في هذه الدنيا.
[شباب محمّد وشباب اليوم] :
شباب محمّد وشباب اليوم
هذا هو مصعب بن عمير أيّها الشباب، الذي قالوا عنه إنّه لمّا مات كان في نحو الأربعين، وقاسى في هذه الأربعين بعد العشرين الأولى وبضع سنوات بعدها التي عاشها مع أهله في الشرك، وتحمّل التعب وهمَّ نشر الدعوة، وصبر على كلّ شيء، حتّى أصبح جلد هذا المدلّل يتقشّر ويتطاير، وأصبح لا يجد ما يلبسه إلا ثوبا واحدا من صوف مرّقعا بجلد.
فلْيَزِنْ شبابُ اليومِ أنفسَهم، ولْنَزِنْ أنفسَنا كلّنا، فهذا مصعب هرب هروبا من النعيم ومن أمّه وأبيه إلى الله ورسوله، أمّا الآن فبعض شبابنا بالعكس من هذا تماما، يفرّون من الله ورسوله ومن الوالدين الصلحاء إلى الشيطان، فترى أحدهم يجد مع والديه الخير والنعيم فلم يُنقصاه شيئا، ولكن يريد أن يهرب منهم وهم مسلمون مصلّون؛ لأنّهم يقولون له: «اقرأ (2) »، ويقولون له: «صلّ»، ويقولون له: «اتّق الله»، ويقولون له: «تزوّج»، ولكن هو يقول: «لا، أنا أريد أن أتنزه، أريد أن أفسق، أريد أن
__________
(1) ... سورة آل عمران: الآية 163.
(2) ... تستعمل في العرف المحلّي بمعنى طلب العلم. (1/308)
صفحة 309
أكفر، أريد أن أذهب إلى السينيماوات والمسارح والكباريهات «les boites -رضي الله عنه-e nuits» والليالي الحمراء»، يقول: «لا أتزوّج وأضع على عاتقي امرأة فأصبح أنفق عليها وعلى أولادها»، فيذهب يسرح ويمرح، ليس لأنّه حَصُور (1) ، بل هو في كامل رجولته، ولكن يريد قضاء شهوته في الحرام، ويريد أن يتمتّع بكلّ لذّة:
... يَوْمًا مُجْزَوِيٌّ ويوما بالعَقِيقِ ويَوْ ... مًا بالعُذَيْبِ ويوما بالخُلَيْصاء (2)
يريد أن يكون كلّ يوم مع عاهرة من العواهر، وهي الحياة التي يرغب فيها كثير من شباب اليوم الذين لم يرد الله بهم خيرا، فانظروا إلى أين بلغ حدّ التعاكس!!.
أنت اخترت هذا الطريق، ولكن هل تعلم عاقبته؟!، هل تعرف أنّ جهنّم تنتظر بعده؟!، فإن علمت فاحذر، اترك هذا الطريق واتّبع طريق المسلمين، وإن لم تؤمن وكفرت وقلت مثلما قال البعض: «لا توجد آخرة، ولا يوجد حساب وعقاب ولا ثواب»؛ فغضبَ الله عليك ولا كلام لنا معك، نحن نتكلّم مع الشباب الذين يدّعون أنّهم مسلمون، أمّا من طمس الله على بصيرته فأنكر البعث وأصبح من الكفرة؛ فلا كلام لنا معه! (3) .
__________
(1) ... الحَصُورُ هو الذي لا يشتهي النساء ولا يقربهنّ. (ابن منظور، لسان العرب: ج4، ص 193، مادة: حصر).
(2) ... هذا البيت لأبي محمّد الخازن في قصيدة مطلعها:
هذا فؤادك نُهْبَى بين أهواءِ ... وذاك رأيك شورى بين آراءِ
هواك بين العيون النُّجْل مقتسَمٌ ... داءٌ لعَمْرُك ما أبلاه من داءِ
لا تستقرُّ بأرض أو تسير إلى ... أخرى بشخص قريب عزمه ناءِ
يوما بجزوى ويوما بالعقيق ويو ... ما بالعُذَيْبِ ويوما بالخليصاءِ
وتارةً تنتحي نجدا وآونةً ... شعْبَ العقيق وطورا قصرَ تيماءِ
... (ياقوت الحموي، معجم الأدباء: ج2، ص702).
... وهذا البيت مَثَلٌ يُضرب لمن لا يَقِرُّ قرارُه ولا يُرجى اصطباره.
(3) ... قد يبدو للبعض من أوّل وهلة أنّ كلام الشيخ رحمه الله فيه نوع من القسوة والغلظة، ومجانب لأسلوب الحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن الذي أمر الله تعالى به، ولكن لكي نفهم سبب استعمال الشيخ لهذا الأسلوب في المخاطبة ونحكم عليه؛ وجب علينا أن ننظر إلى الملابسات التي كانت محيطة به زمانا ومكانا. فقد ظهرت بالقرارة في تلك الفترة موجةٌ إلحاديّة من بعض الشباب الذين تمدرسوا في دول شيوعية إلحادية؛ فتصدّى لهم الشيخ بيوض رحمه الله أول مرّة بجلسات حوارية لردّهم عن غيّهم وضلالهم، فمنهم من عاد إلى جادة الصواب ولله الحمد، ومنهم من تمادى وأصرّ على إلحاده وزعْمِه أن لاَّ إلهَ والحياةُ مادة، فطُبِّق عليه نظام البراءة، وأُعلن عن ذلك في المسجد الكبير لكي يُقاطَعوا حتى يتوبوا، وخصّص لهم الشيخ بيوض دروسا مسجدية للإنكار عليهم. فهؤلاء هم الذين يعنيهم الشيخ بخطابه. والله أعلم. (1/309)
صفحة 310
هذا خطر أحدق بنا بواسطة الشباب، فإلى أين نحن سائرون؟!.
يقال لك: «تزوّج»، فتقول: «لا أتزوّج».
يقال لك: «لا تفسق»، فتقول: «بل أفسق».
سبحان الله!!.
قيل لك: «تزوّج وأحصن دينك»، فتكره ذلك وتريد أن تفسق فسقا!!.
يقال لك: «تزوّج امرأة مسلمة طاهرة طيّبة مصلّية»، فتقول: «لا، بل أتزوّج يهوديّة أو نصرانيّة!!».
ويلكم لمن تتركون بنّات عمّكم وبنات خالكم وبنات عمّاتكم وبنات خالاتكم؟!، هل هذا الكلام يقوله عاقل؟!، لماذا انعكس تفكير بعض شبابنا؟!، هل أراد الله بنا شرّا؟!، لا ندري.
ولعلّ هذه المواضيع تحتاج دروسا ودروسا، علّنا نجعل لهذا الخطر القادم من هؤلاء الشباب سدّا.
ولكن لمّا نرى اليوم أنّ أكثر من يعمر المسجد شباب تتراوح أعمارهم ما بين الخمسة عشر والخمسة والعشرين تزيد قليلا أو تنقص، فإنّنا نستبشر ونأمل خيرا، فالمستقبل يُبنى بالشباب، «وهل كان أصحاب محمّد إلا شبابا؟!» مثلما قال أبو حمزة (1/310)
صفحة 311
المختار (1) لما عيّروه في أتباعه أنّهم كلّهم شباب. ففي شبابنا المنتظَرين الطاهرين خير، فليس فيهم التعصّب القديم، وليس فيهم شيء من الفواحش المتمكّنة، ويسهل عليهم فهم الحقّ وتقبّله.
مات مصعب وما عليه إلاَّ عباءة واحدة، ما ترك دينارا ولا درهما، ولكن ترك ذكرا في الأوّلين والآخرين، وها قد مضت أربعمائة وألف سنة تقريبا والناس يزورونه، وقبره معروف يزار بالمدينة؛ إذ يوجد في بطحة واحدة مع عبيدة بن الحارث (2) ، وكانت عليهما قبّة مثلما كانت على قبر حمزة، ولكن هدمها السعوديون؛ لأنّ الناس يعبدون القباب ويتبركون ويتمسّحون بها ويقبّلونها، فأصبح فضاءً وقطعة من الأرض فيها حائط صغير، وحبّذا لكلّ من زار المدينة، لو تعرّف على قبر مصعب بن عمير، هذا الشابّ الذي رضي شظف العيش والتقشّف في سبيل الله حتى مات بعد أن قُطعت يداه.
__________
(1) ... هو المختار بن عوف الشاري، المكنّى بأبي حمزة الشاري، من أعلام تابعي التابعين. ولد بقرية مجز بعمان، وانتقل إلى البصرة فأخذ العلم عن أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة. يعدّه الباحثون من أعلام الأدباء في عصره، ولا تزال خطبته التي خطبها على منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شاهدة على ذلك، ومما قال فيها: «... يأهل مكة، تُعيِّرُونني بأصحابي، تَزْعمون أنهم شَبَاب، وهل كان أصحاب رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - إلاّ شبَابًا؟!، نِعم الشباب مُكْتَهلين، عَمِيّة عن الشرّ أعيُنهم، بَطِيئة عن الباطل أرجُلُهم، قد نظر اللّه إليهم في آناء الليل مُنْثنِيَة أصلابهم بمثَاني القرآن، إذا مرّ أحدُهم بآية فيها ذِكر الجنّة بكي شوقًا إليها، وإذا مرّ بآية فيها ذكر النار شَهَق شهقة كأن زَفير جهنَّم في أُذُنيه، قد وَصَلُوا كَلالَ ليلهم بكلال نهارهم، أنْضَاء عِبادة، قد أكلَت الأرضُ جباهَهم وأيديَهم ورُكَبهم، مُصْفَرّة ألوَانُهم، ناحلة أجسامهم من كثرة الصِّيام، وطُول القِيَام... ». وقد حضرها الإمام مالك بن أنس فقال عنها: «...خطبنا أبو حمزة المختار بن عوف خطبة حيّرت المبصر وردّت المرتاب». وكان محاربا بارعا، وعادلا ورعا. قُتل في جمادى الأولى سنة 130هـ. (مجموعة من الباحثين، معجم أعلام الإباضية: مج4، ص856-857). أمّا الخطبة فمن (الأصبهاني، الأغاني: ج23، 250).
(2) ... شكَّ في اسم الصحابيّ، والصحيح أنّ عبيدة بن الحارث -رضي الله عنه- توفّي عند مرجعه من عزوة بدر في مكان يقال له الصفراء، ودُفن هناك. (ابن الأثير، أسد الغابة: ج3، ص572-574). (1/311)
صفحة 312
وهل نقول بعد ذلك إنّه خسر حياته؟!.
لا أبدا، بل ربح الدنيا والآخرة.
هذه عبرة، وعلى الشباب أن يتذكّروا ويقرؤوا تاريخ هذا البطل، وهذا المقرئ الأوّل، والإمام الأوّل، والمُجَمِّع الأوّل في المدينة، الذي لم يفعل هذا وهو ابن ستّين أو سبعين، إنّما ابن عشرين وثلاثين، والحمد لله ربّ العالمين. (1/312)
صفحة 313
الدرس الثالث عشر
محتويات الدرس:
محتويات الدرس
? مقدّمة.
? زيادة بعض الكلام عن مصعب.
? غسيل الملائكة.
? حَمِيُّ الدَّبَر.
? خبيب بن عدي.
? لقد كان في قصصهم عبرة.
? هؤلاء هم شباب محمّد، فأين أنتم يا شباب الإسلام اليوم؟!. (1/313)
صفحة 314
صفحة 314 بيضاء (1/314)
صفحة 315
الدرس الثالث عشر (1)
[موضوعه: زيادة بعض الكلام في الصحابيّ المتقدّم المقرئ مصعب بن عمير -رضي الله عنه-، ثمّ الحديث عن بعض الشباب المحمّديّ كحَمِيِّ الدَّبَرِ عاصم بن ثابت، وغسيل الملائكة حنظلة بن أبي عامر رضي الله عنهم جميعا].
[مقدمة] :
مقدمة
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على رسول الله.
في الدرس الماضي تحدّثنا عن تاريخ شابّ من الشباب المسلم، الشابّ المحمّديّ الذي عرض لنا في كلامنا عن الهجرة، وهذا الشابّ هو سيّدنا مصعب بن عمير -رضي الله عنه-.
تكلّمنا طويلا عن تاريخه وعن الشيء الذي امتاز به، فكما تقدّم لنا أنّه كان مدلّلا عند أمّه وأبيه، وشهد له بهذا كلّ أهل مكّة حتّى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - الذي كان يقول: «ما رأيت في مكّة أحسن لمّة ولا أنعم نعمة من مصعب بن عمير» (2) . أمّه تعطّره أحسن العطر، وتلبسه أجمل اللباس، وتطعمه أطيب الطعام، فأصبح فتى مكّة جمالا وشبابا وحُسْنَ لمِّةٍ كما قال النبيّ - صلى الله عليه وسلم - . ورأينا كيف أنّ هذا الشاب ترك دلال أبيه وأمّه ودخل في الإسلام وتعرّض للسجن من طرف أبويه، وتعرّض للبلاء والحاجة والشدّة والفقر والعراء، وهاجر إلى الحبشة ثمّ رجع إلى مكّة ثمّ هاجر إلى المدينة، وكان أوّل سفير بعثه النبيّ - صلى الله عليه وسلم - إليها مقرئا كما تقدّم لنا؛ إذ أسلم على يديه كبار الأنصار، وبسببه أسلم بنو عبد الأشهل قوم سعد بن معاذ، وكانت له مزايا في الإسلام لا تُقدَّر، ومع كلّ ذلك
__________
(1) ... ألقاه بعد صلاة الجمعة يوم: 13 ربيع الآخر 1392هـ الموافق لـ 26 ماي 1972م.
(2) ... سبق تخريجه. (1/315)
صفحة 316
الدلال الذي كان [ينعم] فيه من قبل؛ فقد اختار هذه الطريقة وتحمّل شظف العيش حتَّى شهد له الصحابة رضي الله عنهم بذلك، كما روى سيّدنا سعد بن أبي وقّاص وقال إنّنا -أي الصحابة- كنّا متعوّدين على التقشّف، ولكن رأيت مصعب بن عمير بعد النَّعمة التي كان فيها وبعد أن كان وجهه [وضّاء]، رأيت جلده يتحشّف كما يتحشّف جلد الأفعى ويتطاير، جلده يبس بشظف العيش الذي أصابه في مكّة وفي المدينة حتّى مات -رضي الله عنه-.
وكان حاملَ اللواء في أُحُد، وتقدّم لنا أنّ اللواء -وهو علم الجيش- يبقى بسببه الجيش متماسكا ما دام واقفا، فإذا سقط وتمرّغ في الأرض؛ انهزم الجيش، ولذلك لا يُعطى إلا لأشجع الشجعان وأشدّ الأبطال، وأُعطي يوم أُحُد لمصعب بن عمير، وقاتل عليه وقُتل، قُطعت يده اليمنى فأمسكه باليسرى، ثمّ قُطعت اليسرى فاحتضنه وقُتل تحته. هذا تقريبا ملخّص ما سردناه من حياة هذا الشابّ لنقارن بين شباب محمّد - صلى الله عليه وسلم - وبين شباب اليوم.
بقيت كلمة فيه نزيدها ثمّ نرى باختصار بعض شباب آخرين من الشباب المحمّديّ.
[زيادة بعض الكلام عن مصعب] :
زيادة بعض الكلام عن مصعب
مرّ مصعب بن عمير ومعركة بدر قائمة فرأى أحدا من الأنصار يقيّد أخاه أبا عزيز بن عمير للأسر، وكان مشركا يقاتل مع المشركين، فقال مصعب للأنصاري: «اشدد يديك عليه فإنّ أمّه ذات متاع، لعلّها تفديه منك».
قال له أبو عزيز: «أبهذا توصيه يا أخي؟!».
قال له [مصعب]: «هو أخي دونك»؛ أي لا توجد أيّ علاقة بيني وبينك، لقد قطع الشرك بيننا. فلم يعتبر رحما ولا نسبا ولا أخوّة، بل قاطع أهله كلّهم. (1/316)
صفحة 317
وقلنا بأنّه مات في حوالي الأربعين [من عمره]، فكلّ جهاده وحربه وهجرته إلى الحبشة وإلى المدينة كان دون ذلك، يعني في مقتبل العمر، وقتَ اشتداد القوّة، وهكذا الإيمان، ترك الرفاهية والنعيم في سبيل ماذا؟، في سبيل الله، حتّى أصبح النبيّ - صلى الله عليه وسلم - يبكي لحالته التي آل إليها.
وكان مصعب بن عمير -رضي الله عنه- زوجَ حمنة بنت جحش (1) أخت زينب بنت جحش أمّ المؤمنين -رضي الله عنها- ابنة عمّة النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وزوجه المذكورة في القرآن: {فَلَمَّا قَضَىا زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا} (2) .
بعد انتهاء وقعة أُحُد التي قُتل فيها مصعب، جاءت حمنة بنت جحش مع جماعة من نساء المؤمنين إلى موقع المعركة يتفقّدن ذويهنّ، كلّ واحدة تسأل عن أبيها أو أخيها أو عمها...، ويسألون أكثر ما يسألون عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - : «هل هو سالم؟»، وكان هذا هو همّهم الأكبر كما تذكر الرواية.
جاءت حمنة فرآها النبيّ - صلى الله عليه وسلم - فقال لها: «احتسبي يا حمنة، احتسبي»، وهي الكلمة الأولى التي يقولها المسلم في التعزية يومئذ، كما نقول نحن الآن: : «عظّم الله أجرك»، ولكن الكلمة المشهورة في السيرة والتي يقولها النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ويقولها أصحابه بعضهم لبعض: «احتسب»؛ أي اعتقد بأنّ أجرك مدّخَر عند الله على هذا المصاب،
__________
(1) ... حمنة بنت جحش بن رياب الأسدية، من بني أسد بن خزيمة، أخت زينب بنت جحش، كانت عند مصعب بن عمير وقُتل عنها يوم أحد، فتزوّجها طلحة بن عبيد الله فولدت له محمّدًا وعمران ابني طلحة بن عبيد الله، وكانت حمنة ممّن خاض في الإفك على عائشة، وجُلدت في ذلك مع من جُلد فيه عند من صحّح جلدهم. وكانت من المهاجرات، وشهدت أحدا فكانت تسقي العطشى وتحمل الجرحى وتداويهم. روت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وروى عنها ابنها عُمران بن طلحة. وكانت تستحاض. (ابن عبد البر، الاستيعاب في معرفة الأصحاب: ج4، ص1813-1814 وابن الأثير، أسد الغابة: ج8، ص78-80).
(2) ... سورة الأحزاب: الآية 37. (1/317)
صفحة 318
ويقتصرون على كلمة: «احتسب»، وقد يُزاد فيُقال للمتوفىّ له: «احتسب أباك»، أو: «احتسب أخاك»، أو: «احتسب ابنك»...
قال النبيّ - صلى الله عليه وسلم - لحمنة زوج مصعب بن عمير: «احتسبي يا حمنة».
قالت: «من يا رسول الله؟».
قال لها: «خالَك حمزة بن عبد المطلب»، سيّد الشهداء وسيّد الأبطال، وكان -رضي الله عنه- خالَها.
قالت حمنة: «إنا لله وإنّا إليه راجعون، غفر الله له، هنيئا له الشهادة».
ثمّ قال لها: «احتسبي يا حمنة».
قالت: «من يا رسول الله؟».
قال: «أخاك عبدَ الله بنَ جحش».
فقالت كأوّل مرّة: «إنا لله وإنا إليه راجعون، غفر الله له، هنيئا له الشهادة».
فقال لها ثالث مرّة: «احتسبي يا حمنة».
قالت: «من يا رسول الله؟».
قال لها: «زوجَك مصعب بن عمير».
هنا صاحت المرأة وصرخت، وقال النبيّ - صلى الله عليه وسلم - يومئذ: «إنّ زوج المرأة لبمكان ما هو لأحد»، هذه هي الزوجة الصالحة والزوج الصالح.
ومن بعدُ سألها النبيّ - صلى الله عليه وسلم - فقال لها: «لماذا قلت ما قلت؟»؛ أي لماذا صرخت لمّا ذكرت لك مقتل زوجك؟!.
قالت: «تذكّرت يُتْمَ بنيه فراعني». الشاهد هنا «تذكّرت يتم بنيه»؛ لأنّ مصعبًا -رضي الله عنه- مات في مقتبل العمر وخلّف أولادا صغارا، فخافت عليهم حمنة (1/318)
صفحة 319
من الضياع، فدعا النبيّ - صلى الله عليه وسلم - لها ولهم وأن يحسن الله عليها وعليهم الخَلَف بمن يعولهم ويحفظهم، فأجاب الله تبارك وتعالى دعوة نبيّه - صلى الله عليه وسلم - فتزوّجها سيّدنا طلحة بن عبيد الله -رضي الله عنه- أحد العشرة المبشّرين بالجنّة، وأحد أصحاب الشورى الستّة، طلحة الذي يُذكر دائما مقرونا بالزبير واللّذين قتلا في وقعة الجمل، وكان طلحة بن عبيد الله من أغنى الصحابة، فقام بأولاد مصعب بن عمير خير قيام وربّاهم وأحسن إليهم.
وهكذا خلف الله تبارك وتعالى على حمنة وأزال من قلبها ما كانت تخشاه، أمّا مصعب فهنيئا له الشهادة.
[غسيل الملائكة] :
غسيل الملائكة
هذا هو مصعب الشابّ المدلّل، ومع تدليله أصبح حامل لواء المسلمين.
وأَشْبَهَهُ في علوّ الهمّة حنظلةُ بن أبي عامر -رضي الله عنه-، وهو شابٌّ آخر من خيار الشباب المحمّديّ المسلم ومن أبطالهم.
حنظلة بن أبي عامر الذي يطلق عليه غسيل الملائكة، وهو أنصاريٌّ من الأوس، أبوه كافر لم يرض بالإسلام، بل غصَّ به وكرهه لمّا حلّ بالمدينة وانتشر، وكان يُسمّى في الجاهلية: «أبو عامر الراهب»، واشتهر بين قومه بهذا، ولكنّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك سماه: «أبو عامر الفاسق»؛ لأنّه تمسّك بكفره وعناده وحسد النبيّ - صلى الله عليه وسلم - على فضله، وكان مثل عبد الله بن أُبَيٍّ الذي أسلم نفاقا، ولكنّ أبا عامر بقي على شركه وكفره حتّى إنّه لم يستطع أن يبقى بالمدينة ويرى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين، فهاجر منها وذهب إلى مكّة بعد وقعة بدر، وكان من المتسبّبين في وقعة أُحُد التي جرت وقائعها في الخامس عشر من شوال من السنة الثالثة للهجرة، إذ حرّض أهل مكّة على الأخذ بثأرهم من أهل المدينة الذين قتلوا منهم سبعين وأسروا سبعين في غزوة بدر، وعَدَهم وأعانهم بماله وبكلّ شيء حتّى بنفسه. (1/319)
صفحة 320
هذا هو أبو عامر الفاسق فلندعه، ولنذهب إلى ابنه حنظلة حيث مكمن التضحية والإخلاص حتّى نرى عجيب ما وقع له ليلة أُحُد، وفي ذلك عبرة لكلّ شبابنا.
ليلة الحرب كانت ليلة زفافه، الليلة الأولى التي زُفّت إليه فيها عروسه، بات تلك الليلة في بيته، وفي الصباح سمع النفير والدعوة إلى الجهاد فخرج مسارعا إلى المعركة، وشارك في القتال بضراوة وشجاعة وبطولة حتّى قُتل في صبيحته، فقال النبيّ - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه: «إنّ صاحبكم لتغسله الملائكة فاسألوا أهله». والله تبارك وتعالى يطلع النبيّ - صلى الله عليه وسلم - على هذه الأسرار: {لَقَدْ رَأَىا مِنَ ـ ايَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى} (1) ، فكما رأى في السماء عند المعراج؛ فإنه يرى كلّ يوم.
سألوا زوجه فيما بعد عن شأنه فقالت لهم: «أجنب صباحا وأعجله الخروج إلى الجهاد على الاغتسال»؛ أي أجنب فغصبه النفير إلى الجهاد، وإن هو اغتسل فسيتخلّف عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فكبُر عليه ذلك فخرج مسرعا ولبّى النداء، وهذا هو الواجب، قدّم الخروج إلى الجهاد على الاغتسال، ولمّا قُتل في وسط المعركة رأى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - الملائكةَ تغسله.
وأراد الله تبارك وتعالى أن يكون في عمله هذا حكمة؛ فلو غُسِّل بمياه الدنيا كلّها بحارها وأنهارها؛ لما كان له هذا الفضل ولما بلغ هذه الدرجة أن يقوم بتغسيله الملائكة الذين هم {عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ} (2) ، {لاَ يَعْصُونَ اللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُومَرُونَ} (3) . فهنيئا لحنظلة غسل الملائكة له، حتّى أصبح يُعرف [بـ]: «غسيل الملائكة» (4) .
__________
(1) ... سورة النجم: الآية 18.
(2) ... سورة الأنبياء: الآية 26.
(3) ... سورة التحريم: الآية 6.
(4) ... «وكنا نلَقَّن ونحن صغار خصائص الصحابة ومزاياهم». (من كلام الشيخ). (1/320)
صفحة 321
ومرّ عليه أبوه أبو عامر الفاسق وهو في جيش المشركين فركله وشمت به، فانظروا درجة حقده على المسلمين حتّى ولو كان ابنه، وانظروا إلى هذا الشابّ الذي قدّم التضحية في سبيل الله على كلّ شيء حتّى على أهله.
وبمثل هؤلاء الشباب يفتخر الصحابة، فالأوس يفتخرون ويقولون للخزرج: «منّا غسيل الملائكة حنظلة بن أبي عامر، منّا حميّ الدَّبَر عاصم بن ثابت، منّا من اهتزّ العرش لموته سعد بن معاذ، منّا من عُدَّت شهادته شهادتين خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين... »، والخزرج كذلك يقولون للأوس ويفتخرون: «منّا حملة القرآن أبيّ بن كعب، معاذ بن جبل... »، فهم لا يتفاخرون بالمال ولا بالسلطان ولا بأيّ رئاسة أو حكم، إنّما يفتخرون إذا تفاخروا بمزايا أبطالهم ومؤمنيهم، وهذا هو الذي يحقّ به الفخر.
[حَمِيُّ الدَّبَر] :
حَمِيُّ الدَّبَر
ولنعرج إلى شابّ آخر يدعى: «حميّ الدَّبَر»، وهو الشابّ المحمّديّ: عاصم بن ثابت -رضي الله عنه-.
فما هو الدَّبَر؟، ولماذا لُقّب عاصم بحَمِيِّ الدَّبَر؟.
الدَّبَر هو الذباب الأصفر الذي يشبه النحلة في هيأتها - ويطلق على النحل كذلك دَبَرٌ-، وهو يلسع كما تلسع النحلة أو أشدّ.
وما معنى حميّ الدبر؟.
بعد وقعة أُحُد بعث النبيّ - صلى الله عليه وسلم - سريّة (1) فيها عشرة من الصحابة، وجعل عاصم بن ثابت الأنصاريّ رئيسا عليهم، وأخرجهم عينا يترصّدون ويطوفون حول
__________
(1) ... «السريّة تطلق على كوكبة من الجند إذا خرجوا وليس معهم النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، سواء كانت قليلة العدد أو كثيرة، وإذا كان معهم - صلى الله عليه وسلم - تسمّى غزوة. هذا هو اصطلاح المؤرّخين الذين كتبوا في السيرة». (من كلام الشيخ). (1/321)
صفحة 322
المدينة، وأمرهم أن يتفقّدوا الجهات لعلّ هنالك أناسا يتجمّعون لغزوها، فالنبيّ - صلى الله عليه وسلم - يعرف أنّ من أهل مكّة من هو مغتاظ، وأنّ فيهم من فسقة المدينة من يحرّضهم على الحرب، إذن لابدّ أن يختبر المنطقة كلّها مسيرة يومين أو ثلاثة، وكان يبعث في كلّ مرّة سرايا، فهذه سريّة مكوّنة من عشرة من الصحابة المتحزّمين يقودهم عاصم بن ثابت بعثها - صلى الله عليه وسلم - لِتَنَطُّس (1) الأخبار، فمشوا إلى جهةٍ فطافوا على كلّ الجبال والوديان والشعب، فلمّا اقتربوا من مكان يسمّى: «الرّجيع» (2) -وهذه السريّة تسمّى بـ: «سريّة الرّجيع»- ألْفَوا هنالك قبيلة من البدو تدعى هذيل، وهي إلى اليوم قبيلة معروفة مشهورة، ومن مشى إلى الحجاز يسمع كلمة هذيل كثيرا، وكانوا بداة مشركين، الشرك من جهة والبداوة من جهة أخرى، والله تبارك وتعالى يقول: {الاَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُوا حُدُودَ مَآ أَنزَلَ اللَّهُ عَلَىا رَسُولِهِ} (3) ، وهنا نستفيد فائدة وهي أنّ الأعراب غير العرب، فالعرب هم من يتكلّم العربية، أمّا الأعراب فيطلق على سكّان البادية (4) . فالآية: {الاَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا...}، ليس المراد هم العرب ومنهم سيّدنا محمّد - صلى الله عليه وسلم - ، إنّما المراد أعرابُ البادية، يقال: «أعربتُ»؛ إذا خرجت للبادية. ويقال: «فيك طبع الأعراب»، والعرب يُعَيِّرُ بعضهم بعضا بهذا، والنبيّ - صلى الله عليه وسلم - قالها مرّات لبعض أصحابه.
ذكرت هذه الفائدة لكي نفرّق بين العرب والأعراب، فلربّما يقرأ الإنسان الآية الآنفة ويتّهم فيقول إنّهم العرب كلّهم، لا أبدا، إنّما الأعراب هم أصحاب البادية.
وهؤلاء الأعراب جفاة لم تهذّبهم المدنيّة فهم دائما وراء أذناب الإبل والبقر والغنم، وإذا جاء أحد منهم إلى المدينة يقف أمام بيت النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وينادي بصوت
__________
(1) ... تَنَطَّسَ الأخبار: بحث عنها بدقّة، وبالغ في ذلك. (ابن منظور، لسان العرب: ج6، ص232، مادة: نطس).
(2) ... الرَّجِيع: ماء لهذيل قرب الهدأة بين مكة والطائف. (ياقوت الحموي، معجم البلدان: ج3، ص29).
(3) ... سورة التوبة: الآية 97.
(4) ... وهم أيضا يتكلّمون اللغة العربيّة، وإنّما هو تخصيص لهم. (1/322)
صفحة 323
جهوري: «يا محمّد، يا محمّد، اخرج إلينا»، وأنزل الله تباك وتعالى فيهم قرآنا يتلى وهو قوله في سورة الحجرات: {اِنَّ الذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَّرَآءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ وَلَوَ اَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّىا تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (1) ، هؤلاء الأعراب أصحاب البوادي.
وكان النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ينهى أصحاب الحواضر عن تبديل سكناهم والخروج من الحضر إلى البادية، فإن كان ولا بدّ فلقضاء حاجة لأيّام وليالي فيرجع، أمّا أن يترك السكنى في الحضر ويرحل وينزل على خيمة متّبعا أذناب الإبل والبقر فقد نهت الشريعة عن هذا.
ذكرت هذه الفائدة لكي تتبيّن لنا هذه الواقعة ونفهم سرّها.
كانت بعض بطون من هذيل (2) في هذه الجهة التي ذهب إليها عاصم بن ثابت مع أصحابه، وقد ذُكر لهم أنّ جماعة من أهل المدينة قليلو العدد قد خرجوا وهم في مكان كذا، والعرب دائما يطوفون في الصحراء ويتتبّعون الأخبار، فخرجوا في مائة رامٍ وأحاطوا بهؤلاء العشرة من الصحابة رضي الله عنهم، فلمّا رأوهم؛ التجؤوا إلى مكان مرتفع، فطافت بهم جند هذيل المغيرون وقالوا لهم: «لكم عهد الله وميثاقه، انزلوا»؛ يعني لا نمَسّكم بسوء ولا نضرّ منكم أحدا ونحن نعطيكم العهد على هذا، فانزلوا وسلّموا أنفسكم.
أمّا عاصم بن ثابت فقال لهم: «لا، لا أنزل على عهد مشرك أبدا، أأقبل أنا عهد مشرك!!»؛ لأنّ المشركين كما قال الله تبارك وتعالى: {لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُومِنٍ اِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً} (3) ، فهم يغدِرون؛ ولهذا قال عاصم: «أمّا أنا فلا أنزل».
__________
(1) ... سورة الحجرات: الآيتان 4-5.
(2) ... هم بنو لحيان. (سيرة ابن كثير: ج3، ص 123).
(3) ... سورة التوبة: الآية 10. (1/323)
صفحة 324
وثبت معه أصحابه، فقتلت هذيل سبعة ومنهم عاصم، أمّا الثلاثة الباقون فاستسلموا، فلمّا نزل الأوّل بدأ المشركون يقيّدونه فقالوا: «هذا أوّل الغدر»، فمكث الثالث وأبى أن ينزل وقال لهم: «أنا على ما مات عليه أصحابي»، فقتلوه هناك، وبقي اثنان: خبيب بن عديّ وابن الدِّثِنَّة -اللذان سيأتي عليهما الكلام- فقيّدوهما وساقوهما معهم.
وما هي الحكمة من تقييدهما؟، وماذا أراد المشركون لما قالوا: «انزلوا لكم عهد الله وميثاقه؟!»، ولمَ لمْ يقتلوهم من أوّل وهلة؟!.
هذيل كانت تعرف أنّ أهل مكّة قد قُتل لكلّ واحد منهم في بدر أب أو ابن أو أخ أو عمّ أو خال...، وأنّ عندهم ثارات، وأنّهم يتوعّدون المسلمين، وكلّ واحد منهم يقول: «والله لو أمسك الذي قتل ولدي أو أخي؛ لأفعلنّ به ولأفعلنّ»، فهذيل إذن أرادوا أن ينزلوا بهم إلى مكّة فيبيعوهم لأهلها بثمن غال حتّى ينتقموا منهم ويشفوا غليلهم، وكذلك فعلوا بالاثنين، وهذا هو القصد والنكتة.
وقبل أن نتحدّث عن خبيب وابن الدِّثِنَّة وما جرى لهما بمكّة؛ نرجع إلى حميّ الدبر عاصم بن ثابت والكرامة التي وقعت له.
كان عاصم بن ثابت هذا الشابّ المحمّديّ -رضي الله عنه- هو الذي قتل شرّ خلق الله في ذلك العهد عقبة بن أبي معيط أشقى القوم الذي له من الأعمال الخبيثة ما له، ومنها أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلّي ذات يوم في الحرم وأبو جهل وجماعته جالسون في الحِجر، فقال بعضهم لبعض وهم يشيرون إلى محمّد - صلى الله عليه وسلم - : «من منكم يتشجّع فيقوم ويمشي إلى مكان كذا ويأتي بسلا جزور (1) بني فلان فيلقيه على محمّد؟».
فمن انْتَضَلَ (2) لهذا؟.
__________
(1) ... «السّلا هو الوسخ الذي يخرج من بطن الجزور». (من كلام الشيخ).
(2) ... اخْتَارَ، يقال: انْتَضَلْتُ رجلاً من القوم؛ أي: اخْتَرْتُ. (ابن منظور، لسان العرب: ج11، ص665، مادة: نضل). (1/324)
صفحة 325
انتدب لهذا عقبة بن أبي معيط، إذ ذهب ورفع وسخ الناقة المذبوحة وألقاه على كاهل النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وهو ساجد، والمسلمون الذين كانوا حاضرين ضعاف فلم يقدر أحد منهم أن يتحرّك، فبقي النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ساجدا والسلا عليه حتّى جاءت السيدة فاطمة -رضي الله عنها- فأزالت عنه الأذى، ورفع - صلى الله عليه وسلم - رأسه ودعا على هذا الخبيث عقبة بن أبي معيط، فقتله عاصم بن ثابت، كما قتل بعضا من أبطال المشركين منهم أخوان (1) أمّهما تدعى سلافة، فحلفت: «والله لئن أظهرني الله بعاصم لأشربنّ الخمر في رأسه»؛ أي تقطع رأسه وتأتي بالقِحْفِ (2) -تجويف الدماغ- فتشرب فيه الخمر.
هذا ما قالت، فانظروا الغلوَّ أين وصل!!.
وهذا الخبر عند هذيل منتشر، فلمّا قتلوا عاصم؛ صعدوا إليه ليقطعوا رأسه فيأخذوها لسلافة فتشرب فيها الخمر كما زعمت قبّحها الله وتعطيَهم مالا كثيرا، ولكن ما إن اقتربوا منه حتّى أرسل الله تبارك وتعالى رِجلا من الدَّبَر، وهذا الذي أرسله الله لا بدّ أن يكون قويّا، فحماه الله به.
اجتهد المغِيرون في الوصول إليه فما استطاع أحد منهم أن يقرب الجثّة أبدا، فقال الكفّار بعضهم لبعض بعد أن حاولوا وكررّوا فلم يقدروا: «فلنتركه إلى الليل، فإذا حلّ؛ ذهب الدّبر فنقطع رأسه».
انتظروا به الليل لكن ما إن كاد يغشى الكونَ حتّى ساق الله تبارك وتعالى سحابة فأمطرت مطرا غزيرا حملت عاصم، ولم يُر له أثر إلى اليوم.
وكان عاصم بن ثابت -رضي الله عنه- قد دعا الله تعالى في حياته وقطع عهدا على نفسه أن لا يَمَسَّ مشركا ولا يمَسّه مشرك، فحفظه الله بالدّبر حتّى بعد موته فلم تمَسّ جثّتَه يدُ مشرك لقوّة تمسّكه وتعصّبه لدينه التعصُّبَّ الحقّ المطلوب.
__________
(1) ... هما: مُسَافِع بن طلحة والجُلاَس بن طلحة. (سيرة ابن هشام: ج4، ص84).
(2) ... هو العظم الذي فوق الدماغ، وهو أيضا إناء من خشب على مثاله كأنه نصف قدح. (ابن منظور، لسان العرب: ج9، ص275، مادة: قحف). (1/325)
صفحة 326
وهكذا إنّ لله رجالا لو أقسم أحدهم على الله لأبرّه، هؤلاء أولياء الله.
هذا هو حميّ الدّبر الذي حماه الله بهذا الذباب الأصفر اللاذع فحال بين هذه الكافرة وبين ما تريد، وبين هؤلاء الطمّاعين وما يخطّطون، ورفعه الله إليه.
هذا هو حميّ الدّبر الذي يفتخر به الأنصار، وحُقَّ لهم أن يفتخروا به.
[خبيب بن عديّ] :
خبيب بن عديّ
أمّا خبيب الذي باعوه في مكّة لصفوان بن أميّة (1) فقد قتله هذا الأخير صبرا، وهذه العبارة تمرّ عليكم في التاريخ، فالمقتول صبرا هو الذي لم يُقتل في معركة، بل هو الذي يُحبس مدّة ثمّ يؤتى به إلى مكان فيُقتل، هذا هو معنى: «قُتل صبرا» في عرف العرب.
وكذلك فعلوا مع خبيب -رضي الله عنه-؛ إذ أخذوه بعد أن اشتروه وسجنوه في بيت بمكّة، وبعد أيّام أخرجوه وقتلوه في التنعيم (2) هذا المكان المعروف إلى اليوم والذي يخرج إليه المقيمون في مكّة فيحرمون منه للحجّ أو العمرة.
وكانت لخبيب قبل قتله كرامات.
تقول المرأة التي سُجن في بيتها: «لقد رأيت خبيبا وبيده قِطْف عنب، ووالله ما في مكّة حبّة عنب -أي الموسم ليس موسم عنب-؛ فعلمْتُ أنّه رزق ساقه الله إليه».
وأثناء سجنه طلب خبيب -رضي الله عنه- من القيّم عليه أن لا يطعمه ممّا ذُبِح على النُّصب، وسأله أنْ إذا عزمتم على قتلي فأخبروني، لكي يصلّيَ ويدعو، وطلب
__________
(1) ... شكّ الشيخ رحمه الله لما ذكر صفوان بن أمية فقال: «أظن»، والصواب أنّ الذي ابتاعه هو حجير بن أبي إهاب التميمي. (سيرة ابن هشام: ج4، ص125).
(2) ... التنعيم: موضع بمكّة في الحلّ على فرسخين منها، وسُمّي بذلك؛ لأنّ جبلا عن يمينه يقال له: نعيم، وآخر عن شماله يقال له: ناعم، والوادي: نعمان، منه يحرم المكّيّون بالعمرة. (الحموي، معجم البلدان: ج2، ص49-50 و: الحميري، الروض المعطار في خبر الأقطار: ج1، ص138). (1/326)
صفحة 327
من صاحبة البيت موسىً ليستحدّ، فهو يعرف أنّه سيقتل فأراد أن يقوم بخصال الفطرة، يقصّ شاربه ويحلق شعر الإبط وشعر العانة، يتنظّف ويتطهّر استعدادا للموت. قالت المرأة [صاحبة البيت]: «بينما الموسى بيده، دلف (1) إليه ولدٌ لنا صغير فأجلسه على ركبته فخفت وقلت إنّ ولدي مذبوح لا محالة، فما دام خبيب سيُقتل وهو يعلم ذلك فلينتقم من هذا الولد وليذبحه إذن، وماذا سيفعل فيه أهل مكّة أكثر من القتل؟!»، هكذا توهّمت المرأة، فقال لها خبيب: «لا تخافي، فليس من شأننا أن نقتل الصبيان».
داعب الصبيّ وأرسله ولو شاء لقتله، ولكن لأنّه مؤمن وهو مقبل على ربّه؛ فلا يذهبُ إليه متلبّسا بذنب، فما ذنب هذا الصبيّ حتّى يُقتل؟!، وهذا يدلّ على كرم النفس وعلى الإيمان وأثره في القلب.
ولمّا خرجوا به إلى التنعيم ليقتلوه؛ استأذنهم في ركعتين يؤدّيهما فأذنوا له، وبعد أن أتمّهما وسلّم قال لهم: «لولا أن تظنّوا أنّ بي جزعا من الموت؛ لأطلت الركعتين». فكانت هذه سنّة سنّها خبيبٌ وأقرّها الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، فمن ابتُلي وذُهب به إلى القتل؛ يُسَنُّ له أن يصلّي ركعتين، ووقع مثل هذا كثيرا في تاريخ الإسلام.
أمّا صاحبه -ابن الدِّثِنَّة الذي بِيع هو أيضا- فإنّه لمّا ذهبوا به إلى القتل قالوا له: «أترضى أنّ محمّدا هنا تُضرب عنقه وأنت في أهلك؟»؛ أي: أترضى أن تُفدى بمحمّد؟.
فبماذا أجابهم؟.
قال لهم: «وأنا في هذه الحالة ما أحبّ أن تصيب محمّدا شوكة تؤذيه». وقال أبو سفيان متعجّبا: «ما رأيت أحدا يحبّ أحدا كما يحبّ أصحاب محمّد محمّدا!!».
__________
(1) ... «حَبَى». (من كلام الشيخ). (1/327)
صفحة 328
[لقد كان في قصصهم عبرة... ] :
لقد كان في قصصهم عبرة...
هذا هو حبّ الصحابة رضي الله عنهم للنبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، وهؤلاء هم الشباب الذين يُطلق عليهم شباب محمّد - صلى الله عليه وسلم - ، الذين يفْدون نبيّهم بأنفسهم وأموالهم، ويتّبعونه في الجليل والصغير.
هذه أمثلة مصغّرة من بعض الشباب المحمّديّ الذين أوصلنا إلى الكلام عنهم الحديثُ في موضوع الهجرة (1) ، وذَكَّرنا بهذا خروج أوّل مهاجر من مكّة إلى المدينة الشابّ مصعب بن عمير -رضي الله عنه- سفيرا للنبيّ - صلى الله عليه وسلم - ومقرئا للأنصار وإماما لهم يؤمّهم في صلواتهم، وهو أوّل من جمّع بالمدينة قبل أن يصل إليها النبيّ - صلى الله عليه وسلم - .
بعد هذا نرجع إلى حالتنا اليوم؛ لأنّ التاريخ لا يُذكر للتسلية وإمضاء الوقت، نعم نستلذّ ونتمتّع بسماعنا لمثل هذه الأخبار، خاصّة أخبار النبيّين والصدّيقين والشهداء والصالحين، ولكن ليست كلّ الفائدة أن نستمع ونتمتّع ثمّ نقوم ونترك كلّ شيء في المكان الذي سمعناه فيه، التاريخ يُقرأ للاتّعاظ والاعتبار والاقتداء، فإذا سمعت شرّا اتقيته، إذا قرأت تاريخ شرّير من الأشرار أو كافر من الكفّار أو منافق من المنافقين المنحرفين عن دينهم؛ تتّقي طريقه وتتجنّبه وتستعيذ بالله أن تكون مثله، وإذا سمعت أخبار صالح من هؤلاء الصلحاء أو مجاهد من هؤلاء المجاهدين أو شهيد من هؤلاء الشهداء الذين بذلوا كلّ مرتخص وغال في سبيل الله؛ تتمنّى وتحمل نفسك وتدعو: «اللهمّ اجعلنا منهم، اللهمّ ألحقنا بعبادك الصالحين»، ولا يكون بلوغ هذه الدرجة بالتمنّي فقط، بل بالعمل، و«قد تعدّى من تمنّى أن يساويَ من تعنّى»، فهؤلاء قد ناضلوا وجاهدوا وبذلوا أموالهم وأنفسهم في سبيل الله ونحن نطمع بالتمنّي أن نكون معهم في الدرجة!!، هذا كلام فارغ ودعاء باطل أقرب إلى الذنب كما يقول الحسن البصريّ (2) رحمه الله: «طلب الجنّة بغير عمل، ذنب من الذنوب».
__________
(1) ... وهكذا منهج الشيخ بيّوض رحمه الله في دروسه؛ إذ كان يجتهد في استنباط العبرة ولا يكتفي بمجرّد السرد الجافّ للأحداث.
(2) ... الحسن بن يسار البصريّ، أبو سعيد، تابعيّ، كان إمام أهل البصرة وحبر الأمّة في زمانه، وهو أحد العلماء الفقهاء الفصحاء الشجعان النسّاك. ولد بالمدينة سنة 21هـ، وسكن البصرة. كان يدخل على الولاَة فيأمرهم وينهاهم لا يخاف في الحق لومة لائم، وله مع الحَجّاج بن يوسف مواقف، وقد سلم من أذاه. وكان غاية في الفصاحة، تتصبّب الحكمة من فيهِ. قال الغزاليّ: «كان الحسن البصريّ أشبه الناس كلاما بكلام الأنبياء، وأقربهم هديا من الصحابة». توفّي بالبصرة سنة 110هـ. (الزركلي، الأعلام: ج2، ص242). (1/328)
صفحة 329
نقول دائما ونطلب: «يا ربّ ألحقنا بالصالحين، يا ربّ ألحقنا بالصالحين»، فكيف يلحقنا الله بهم دون أن نعمل؟!، لو كنت تقصد بقولك: «ألحقنا بهم»؛ أي وفّقنا للعمل بما عملوا حتّى نلتحق بهم؛ فنَعَمْ، وأتْبع الدعاءَ بالعمل، أمّا أن ترجوَ اللّحاق بهم دون جدّ ودون عمل ودون اقتداء ودون تحمّل مثلما تحمّلوا أو بعض ما تحمّلوا؛ فهذا [لغو في الدعاء].
[هؤلاء هم شباب محمّد، فأين أنتم يا شباب الإسلام اليوم؟!] :
هؤلاء هم شباب محمّد، فأين أنتم يا شباب الإسلام اليوم؟!
هذا مصعب بن عمير، وهذا غسيل الملائكة حنظلة بن أبي عامر، وهذا حميّ الدّبر عاصم بن ثابت، وهذا خبيب بن عديّ، وهذا فلان وهذا فلان...، هؤلاء شباب أحمد، فأين أنتم يا شباب [الإسلام اليوم] ؟!، من منكم يخرج صبيحة عرسه مسرعا إلى الجهاد؟!، هل شبابنا من الذين قال الله فيهم بعد ذكر الصالحين: {أُوْلَئِكَ الذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِّنَ النَّبِيئِينَ مِن ذُرِّيَّةِ ءَادَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إبْرَاهِيمَ وإِسْرَآئِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَآ إِذَا تُتْلَىا عَلَيْهِمُ ءَايَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّواْ سُجَّدًا وَبُكِيًّا} (1) ؟، أم من الذين توعّدهم وقال فيهم بعد ذكر الصالحين: {فَخَلَفَ مِنم بَعْدِهِمْ خَلْفٌ اَضَاعُواْ الصَّلاَةَ وَاتَّبَعُواْ الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} (2) ؟، وللأسف أكثر شبابنا اليوم من الذين: {اَضَاعُواْ الصَّلاَةَ وَاتَّبَعُواْ الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} [إن لم يتوبوا].
__________
(1) ... سورة مريم: الآية 58.
(2) ... سورة مريم: الآية 59. (1/329)
صفحة 330
شبابنا اليوم منحرف كثيرا بعبثهم ولهوهم ولعبهم، ولا أعمّم؛ لأنّ هناك الصالحون ولله الحمد، ولكن هناك بعض الشباب الطائش وهم أقلّيّة، آباءهم أحياء، وهم سبب بلاء رفقائهم، ولا يعجزكم أن تعلموهم، أفتغلبنا هذه الأقلّيّة ولا يمكننا أن نحرسهم؟!، أين الوالدان؟ أين الكبار والمعلّمون والأساتذة؟ وما أكثرهم! ولم يصلوا درجة التعليم إلا وعندهم حظّ كبير من الثقافة والصلاح؟!، أين الشباب الصالح؟!، ولا نُغلب على أمرنا إلا بضعف، أنضعف إلى هذا الحدّ؟!، كيف بشرذمة أن تغلبنا؟!، يجب أن يكون ثمّة موقف حازم صارم في تربية هؤلاء الشباب، في حراستهم وتتبّع أخبارهم، ماذا يفعلون؟!، إلى أين يذهبون؟!، وكلّ عائلة تقوم بهذا، ومن وراء الآباء العشائرُ والمعلّمون، يرشدونهم ويحذّرونهم ويبيّنون لهم المحرّمات والمناهي، وينهونهم عن كشف العورات وسبّ الدين والشتم، وكلّ من تخلّى عن هذا الدور يعدّ مقصّرا.
ويبدأ الخطر من عدم دراسة السيرة النبويّة وسيرة الخلفاء الراشدين وسيرة الصحابة رضي الله عنهم ومَن بعدهم، فالتاريخ ملآن بالروائع والمعجزات والبطولات النادرة، وكان والدونا يعلّموننا -مثلما ذكرتُ، وليس مبالغة إذا قلت قبل البلوغ- هذه الأمور، وقد درست أنا على يد الشيخ عيسى لَبْرِيكِي (1) رحمه الله وقرأت عليه السيرة
__________
(1) ... الابرِيكي (بتفخيم الراء) إبراهيم بن عيسى: من علماء القرارة، وأحد أصحاب نهضتها الحديثة. ولد فيها سنة (1273هـ/1857م). درس بمدينة الجلفة -الجزائر- واستظهر فيها القرآن الكريم على يد معلم من أولاد نايل اسمه: آدم، ثم التحق بمعهد الحاج محمد بن الحاج قاسم الشيخ بالحاج في القرارة، وبعده مرتقيا إلى معهد قطب الأئمة الشيخ اطفيش ببني يسجن، وعند عودته إلى بلدته القرارة اقتفى أثر شيخه وفتح معهدا للتدريس تخرّج منه الجيل الأول للإصلاح في القرارة منهم: إبراهيم بن عمر بيوض وإبراهيم أبو اليقظان وقاسم بن الحاج عيسى الشيخ بالحاج. ولما اغتيل شيخه الحاج محمد بن قاسم الشيخ بالحاج خلفه في منبر المسجد واعظا، وحارب الفساد والبدع والعصبية القبلية والجهل، إضافة إلى تولّيه مهام اجتماعية أخرى. توفّي في سحر منتصف ذي القعدة من سنة 1329هـ/ 6 نوفمبر 1911م بعد اشتداد مرض البواسير عليه، ورثاه تلميذه الشيخ أبو اليقظان بقصيدة تحت عنوان: «دمعة سخينة على العلم والدين»، وممّا قال فيها:
هذا ابن عيسى انطوت أيّامه ومضى ... عهد به الزهر بشرُ نورِه جذلُ
فاجأه الموت في ليل فطال به ... ليل الهموم فعمّ الضيق والخبلُ
... (انظر: مجموعة من الباحثين، معجم أعلام الإباضية: مج2، ص50-51). (1/330)
صفحة 331
النبويّة، وكنت أسرد حتّى فتوح الشام، فعرفنا البطولات التي وقعت، وكنّا نحفظ هذه الأوّليّات كلّها....
من هم فقهاء الصحابة؟...
من أعلم الناس بالحلال والحرام؟...
من أقرأ الصحابة؟...
من هو غسيل الملائكة؟...
من هو حميّ الدّبر؟...
يسألنا أسئلة ونجيب عنها...
أقرؤكم: أُبيّ [بن كعب] ...
أعلمُكم بالحلال والحرام: معاذ بن جبل...
أقضاكم: عليّ...
أفرضُكم: زيد بن ثابت...
غسيل الملائكة هو: حنظلة بن أبي عامر...
حميّ الدبر هو: عاصم بن ثابت...
كلّ هذا حفظناه قبل أن نصلّي ونصوم (1) ، فكنّا نشعر بلذّة غريبة لا تعادلها لذّة، والشيخ رحمه الله فصيح يقصّ علينا أخبار هذه السيرة النبويّة بفصاحة متناهية حتّى يملأ قلوبنا بها (2) .
__________
(1) ... أي قبل بلوغ سنّ التكليف.
(2) ... انظر: حديث الشيخ بيوض بإسهاب عن فضل شيخه الابريكي عليه وحبّه له في: محمد علي دبوز، أعلام الإصلاح في الجزائر: ج2، ص119-125. (1/331)
صفحة 332
أمّا الآن فماذا يقرأ شبابنا في مطالعاتهم؟.
إذا وقعَتْ بين يديْ أحد منهم جريدة؛ فإنّه يذهب مباشرة إلى صفحة الرياضة وصفحة الخلاعة حيث يجد الصور العارية المكشوفة ويجد أخبار السينيماءات والتلفزيونات، إنّهم لا يطالعون الصحف لكي يدرسوا شيئا ويروا أحوال [الناس]، أو يقرؤوا بعض المقالات المهمّة التي فيها تحليل لبعض الوقائع الحاضرة مثلا، أو بعضَ ما يتدرّبون به على التفكير وعلى التعبير، إنّما يذهبون مباشرة إلى الوسخ، فحديثهم في هذا، وأكثر مطالعاتهم الكتب الخليعة والروايات الفاسدة الفاسقة الحرام مطالعتها، أمّا البطولات فلا يعرفون إلا بطولات اللعب الرياضيّة، حتّى [أصبحنا] نرى في الجدران شعارات لبعض الفرق الرياضية: «vive كذا، تعيش كذا.... »، أمّا عن تتبّعهم لأخبار الممثّلين والممثّلات وأصحاب المسارح والسينيماءات الخبثاء اللئام الذين لا يعرفون ولا يرقبون في مؤمن إلاًّ ولا ذمّة سواء كانوا كفرة أو يزعمون أنّهم مسلمون وليس لهم من الإسلام شيء؛ فحدّث ولا حرج.
وهذا الذي انتشر بسببه العبث بين الشباب، ومن يأتي المسجد لا يراعي حرمة.
ولكن مهما يكن؛ فإنّ المجيء إلى المسجد خير، فلا نمنع أبناءنا من المسجد بل نحثّهم على ذلك ونعلّمهم الآداب. وأُسَرُّ السرور كلَّه لمّا آتي وأرى المسجد مليئا بالشباب، وفي هذا خير كثير.
وإنّ أخوف ما نخافه فصل الصيف الذي قد أطلّ على الأبواب (1) وما يتخلّله من إغلاق لأبواب المدارس سواء الرسميّة منها أو الحرّة (2) ؛ فيجد الشباب الحريّة
__________
(1) ... يراعى في هذا تاريخ إلقاء الدرس.
(2) ... المدارس الرسمية هي المدارس الحكومية، أمّا المدارس الحرّة فهي مؤسسات تربوية تمارس عملية التعليم الدينيّ هدفها المحافظة على الشخصية الإسلامية، وذلك بالتركيز على تعليم القرآن الكريم والمواد الشرعية كالفقه والتفسير والعقيدة والحديث واللغة العربية. وتشرف عليه جمعيات أو مساجد في وادي ميزاب ووارجلان. ومن أسباب قيامه تجاهل مناهج التعليم الرسميّ تدريسَ المذهب الإباضيّ ضمن المذاهب الإسلامية الأخرى، ومن أهم ميزات هذا النوع من التعليم أنّه شكل بديلا للتعليم الرسميّ المختلط خاصة للبنات الميزابيات. (مجموعة من الباحثين، معجم مصطلحات الإباضية: ج2، ص726-727، مادة: علم). (1/332)
صفحة 333
المطلقة، ويجدون الوقت الواسع للعبث والذهاب إلى مواطن الفساد، وكلّ شيء يقع في تلك الأماكن.
هذا الفصل خطير، فهل أعددنا له عدّة لحراسة الشباب وتأطيرهم؟، يجب أن نجتمع للنظر في هذا الأمر، خاصّة من قِبَل الشباب المثقّف الصالح الذين يجب أن يعتبروا أنفسهم جنودا للإصلاح؛ لأنّه لا يُصلح الشبابَ إلاَّ الشبابُ الصالحون تحت نظر وإشراف كبار العشائر والعزّابة (1) والمعلّمين، والله تبارك
__________
(1) ... العَزَّابَةُ: جمعٌ، مفرده عَزّابِيٌّ، وهو مشتقٌّ من عَزَبَ عن الشيء؛ أي تركه وانصرف عنه، واستُعير لمن بعُد عن الأمور الدنيويّة الشاغلة عن الآخرة. وتعود بداية استعمال هذا المصطلح إلى أيام أبي عبد الله محمد بن بكر الفُرسُطائي (و: 345هـ/956م - ت: 440هـ/1049م) حينما أسّس ما يسمّى بحلقة العزابة سنة 409هـ/1018م بوادي رِيغ بالجنوب الجزائري (بلدة أَعْمَرْ قرب مدينة تقرت حاليا).
... وعرّف أبو العبّاس أحمد الدرجيني (ق7هـ/13م) حلقة العزّابة بأنّها: «اسم لجماعة تشتمل على الشيخ يعلمهم العلم، ويلقنهم السير، ويبصرهم في الدين بحسب ما يفتح الله على كل واحد منهم... فكأنهم محلقون ولو أنهم مفترقون». فالحلقة بدأت تربوية علمية محضة، بحيث يجلس التلاميذ إلى شيخهم في شكل حلقة دائرية، ويبدو أن هذا النظام سرعان ما تطور ليصبح بمثابة نظام اجتماعي سياسي للجماعات الإباضية في مناطقها ببلاد المغرب الأدنى والأوسط.
... ولابد للملتحق بهذا النظام أن تتوفر فيه شروط، من بينها أن يكون:
... - حافظا لكتاب الله.
... - مستمرّا في طلب العلم.
... - متأدّبا كيِّسا.
... - آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر.
... - غير ذي فاقة فيحتاج إلى الناس ويضعف في قول الحق.
... ولحلقة العزابة مهام، منها:
... - رعاية المساجد بناء وتسييرا من إمامة وأذان ووعظ...
... - الإشراف على الأوقاف.
... - مراقبة السوق وفق ضوابط الحسبة.
... - تغسيل الموتي وتكفينهم ودفنهم.
... ويتكون مجلس العزّابة غالبا من اثني عشر عضوا كلٌّ موكَّل بوظيفة يقوم بها، وللعزّابة لباس خاصّ موحَّد، ولهم مقرّ يجتمعون فيه يسمى: «تَامْنَايْت».
... ولقد اندثر هذا النظام في أماكن وجود الإباضية كجبل نفوسة بليبيا وجزيرة جربة بتونس وغيرها من بلاد المغرب، إلا في وادي ميزاب ووارجلان بالجزائر فإنّه لا يزال قائما إلى اليوم، مع تطوّر في الشروط والمهام والعدد. (مجموعة من الباحثين، معجم مصطلحات الإباضية: ج2، ص697-703، مادة: عزب) وانظر أيضا: (مجموعة من الباحثين، معجم أعلام الإباضية: مج4، ص772-779). (1/333)
صفحة 334
وتعالى يقول: {إِنْ يَّعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُوتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّآ أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ} (1) . فإذا علم الله منّا صدق النيّة بهذه التربية؛ سيأخذ بأيدينا ويعيننا على الصلاح، والله الموفّق للصواب والحمد لله ربّ العالمين.
__________
(1) ... سورة الأنفال: الآية 70. (1/334)
صفحة 335
الدرس الرابع عشر
محتويات الدرس:
محتويات الدرس الرابع عشر
? خلاصة ما مرّ.
? أعمال النبي - صلى الله عليه وسلم - عند وصوله المدينة:
1. بناء المسجد، ودوره في الإسلام.
2. عقد المؤاخاة.
3. تعيين النقباء.
4. عقد معاهدات مع يهود المدينة. (1/335)
صفحة 336
صفحة 336 بيضاء (1/336)
صفحة 337
الدرس الرابع عشر (1)
[موضوعه: مركز المسجد في الإسلام، وأعمال الرسول - صلى الله عليه وسلم - في المدينة بعد الهجرة كإخماد الفتن القبائليّة وعقد معاهدة أمن مع اليهود].
[خلاصة ما مرّ] :
خلاصة ما مرّ
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على رسول الله.
لا نزال في الكلام عن هجرة النبيّ - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة وما نتج عنها من خيرات وبركات للعالم كلّه.
في الحديثين الماضيين تناولنا حياة شابّين من شباب الإسلام الأوّلين وهما: مصعبُ بن عمير وحنظلةُ بنُ أبي عامر رضي الله عنهما (2) اللذان جاءا في معرض كلامنا عن الهجرة، خاصّة سيّدنا مصعب بن عمير، فلا يدرس أحد أو يطالع تاريخ الهجرة إلا ويلتقي بهذا الشابّ الذي -كما ذكرنا- يُعتبر أوّل من هاجر من مكّة إلى المدينة بإذن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، فكلّ من روى حدثَ الهجرة من أهل المدينة يقولون: «إنّ أوّل من جاءنا من أهل مكّة مصعبُ بن عمير -رضي الله عنه-»، إذ بعثه النبيّ - صلى الله عليه وسلم - سفيرا وداعيا إلى الدين ومقرئا، وخصّصنا درسا لتاريخه فرأينا ماذا فعل هذا الشابّ وما نفع الله تبارك وتعالى به على صغر سنّه وتدليله من قبل والديه المشركَين، ترك كلّ الخيرات والنعيم الذي كان يرفل فيه وذهب مهاجرا إلى الله ورسوله، وكان من أمره ما كان ممّا سمعتم، حتّى جاء يوم أُحُد فقطعت يده اليمنى فاليسرى ومات تحت اللّواء شهيدا إذ كان حاملَه يومئذ.
__________
(1) ... ألقاه بعد صلاة الجمعة يوم 20 ربيع الآخر 1392هـ الموافق لـ 2 جوان 1972م.
(2) ... وتحدّث كذلك عن شباب آخرين مثل: عاصم بن ثابت، وحنظلة بن أبي عامر... (1/337)
صفحة 338
ثمّ ذكرنا بعد ذلك حنظلة بن أبي عامر غسيل الملائكة، هذا الشابّ الذي استُشهد يوم أُحُد وهو لم يبت مع عروسه الجديدة إلا ليلة واحدة؛ إذ أجنب بعد صلاة الصبح وأعجله الأمر لمّا سمع نداء النفير، فخرج واستشهد فغسلته الملائكة.
ذكرنا تاريخ هذين الشابّين علّهم يكونان عبرة للشباب الخنافس، شباب الإلحاد، الشباب الذين تميّلهم بعض الدعايات الزائفة التي تخرجهم من الطريق المستقيم.
وليس اقتصاري عليهما على سبيل الحصر، وإنّما تاريخ الإسلام مليء بأعمال الشاب؛ لأنّ جلّ الذين دخلوا في الإسلام وأعانوا النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، دُونَه - صلى الله عليه وسلم - سنّا إلا ما قلّ وندر، فهذا سيّد الشهداء حمزة بن عبد المطّلب -رضي الله عنه- أقلّ من النبيّ - صلى الله عليه وسلم - عمرا (1) ، وهذا سعد بن معاذ الذي أسلم على يد مصعب بن عمير وتقدّمت لنا قصّة إسلامه مات يوم الخندق وهو في حوالي الأربعين من عمره، كذلك الذين استشهدوا في بدر وأُحُد، وأصحاب بئر معونة وأصحاب الرّجيع والسبعون الذين قُتلوا في سرية واحدة كلّهم شباب.
والنبيّ - صلى الله عليه وسلم - كان يستنهضهم ويحثّهم على الجهاد في سبيل الله، فيأتون يكتتبون متزاحمين وكلّهم يقول: «اكتبني يا رسول الله».
ومن حبّ الصحابة للجهاد، كان يتقدّم بعض صغار السنّ ذوي الأربعة عشر والخمسة عشر عاما للاكتتاب، فيردّهم النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، منهم: عبد الله بن عمر ومحمّد بن مسلمة، ومن جملة الذين ردّهم شابّ قال له: «يا رسول الله كيف رددتني وقبلت فلانا وأنا أصرعه؟!»، فأمرهما النبيّ - صلى الله عليه وسلم - أن يتصارعا، فتصارعا فغلبه فعيّنه في الجيش.
__________
(1) ... بل هو أسن منه بسنتين، وهذا ما ذكره الشيخ رحمه الله في الدرس الثاني من هذه السلسلة. (انظر: أبو نعيم الأصفهاني، معرفة الصحابة: ج2، ص673). (1/338)
صفحة 339
ولعلّ الله تبارك وتعالى يوفّقنا فنمرّ على كلّ هذه الغزوات والسرايا بحسب ما يتّسع له المقام، فنرى كيف يفعل الإيمان إذا تمكّن في القلب، وكيف يحوّل الناسَ وكأنّهم ملائكة طهرا ونقاءً، ويكسب الشبابَ رزانةً وحكمة وحبّا للجهاد في سبيل الله وكأنّهم قد شبعوا من الدنيا.
[أعمال النبيّ - صلى الله عليه وسلم - عند وصوله المدينة] :
أعمال النبيّ صلى الله عليه وسلم عند وصوله المدينة
بعد هذا سنرى الأعمال الأولى التي قام بها النبيّ - صلى الله عليه وسلم - في المدينة لمّا حلّ بها.
[1-بناء المسجد، ودوره في الإسلام] :
وقد تقدّم لنا من قبل كيف أسّس مسجد قباء وبنى مسجده مسجدَ المدينة، ورأينا كيف شارك هو بنفسه في بنائه، وكان هذا أوّل عمل قام به النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ؛ لأنّ المسجد في ذلك الوقت بيت من بيوت الله (1) يُتّخذ للعبادة أوّلا، إذ يتّصل فيه العبد بربّه، وبيت من بيوت الذكر وتلاوة القرآن وتعليم الدين ونشر العلم والحكمة والموعظة الحسنة، وهو المكان الذي يصلّي فيه المسلمون صلاة الجمعة وصلاة الجماعة، وهو المكان الذي يتهجّدون فيه.
ثمّ إنّ المسجد أيضا مجتمع للمسلمين ينظرون فيه ويتشاورون في أمور دنياهم وأخراهم، فهو نادٍ للتّداول في الرأي.
وهو مركز لعقد ألوية الجيش، فالنبيّ - صلى الله عليه وسلم - كان يعقد الألوية فيه؛ إذ يأمر المنادي أن ينادي في المسجد لما يجدّ الجدّ: «الصلاة جامعة»، وهذا في غير وقت الصلاة وكلّ الناس في أعمالهم، أمّا إذا كان الوقتُ وقتَ صلاةٍ؛ فإنّه يكون أذانا، فيأتي الصحابة ويخبرهم النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بما يريد، يأمرهم مثلا بتجهيز سريّة مكوّنة من عشرة شباب أو
__________
(1) ... «وحاشاه تعالى أن يحلّ في مكان، ولكن اتّخذ في الأرض بيوتا وقال: من أراد أن يزورني فليأت إلى بيت من بيوتي. وهذه منّة منّ الله تعالى بها على عباده». (من كلام الشيخ). (1/339)
صفحة 340
عشرين أو ثلاثين كي يبعثهم إلى إحدى الجهات لتأديب قوم من الأقوام، هذا هو الاكتتاب. وتارة يقصد النبيّ - صلى الله عليه وسلم - الأشخاص بأعينهم: «قم يا فلان، قم يا فلان»، فهو يجهّز الجنود ويعيّنهم في المسجد ويعقد اللواء هناك، وعَقْدُ اللواء يعني تعيين قائد الجيش، يختار الذي لا يترك العَلَم يسقط في الأرض وإن قُطِّع إربا إربا حتّى الموت، وكما مرّ بنا أنّه وفي الحروب القديمة ترى كلّ الجيش -على قدر اتّساع ميدان المعركة- ينظرون إلى العلم، فإن سقط سقطت قلوبهم؛ لأنّ سقوط العلم دليل على موت قائد الجيش، فكانوا يحرصون أن يبقى دائما مرفوعا، وغالبا فإن البؤرة التي يشتد فيها الوطيس ويحمى أكثر تكون حيث يكون اللواء، هناك تطير الرؤوس وسائر الأعضاء، وكلّما ابتعدنا عن حِمى اللواء، تفتر المعركة.
هذا هو المسجد في الزمن الأوّل وكذلك يجب أن يكون في كلّ زمان ومكان، لكن المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها لم يردّوا للمساجد قيمتها كما كانت من قبل، ولم يصلوا بعد إلى ما يُطلب منهم في شأن دينهم، ليس المسجد -كما يتوهّم بعض الذين يجهلون حقيقة الدين- للعجزة والمكفوفين والشيوخ الطاعنين في السنّ فقط، أمّا الشباب فلا يعنيهم المسجد!!، هذا خطأ وزيغ في التفكير، فالمسجد قد جُعل للشباب أيضا يعمرونه في أوقات الصلوات الخمس وفي الجمع وأوقات الذكر؛ هناك مركز عزّهم، يتلقّون فيه أوامر دين الله تبارك وتعالى التي ترشدهم إلى ما يُسعدهم دنيا وأخرى، كلّ هذا يجدونه في المسجد وليس في مكان آخر، لكن أخطأ المسلمون فأصبح المسجد لأناس فقراء يذهبون إليه عساهم يجدون من يتصدّق عليهم بحفنة تمر أو قطعة خبز، وقد ورد في الأثر: «أهان الله قوما أهانوا مساجدهم»، ومن جملة إهانة المساجد هذه العقيدة التي في قلوب بعض الناس.
وليس معنى ما ذكرته سابقا أن يأتي الشابّ إلى المسجد فيعتكف فيه متّكئا على عمود ويقول: «أنا أعبد ربي»، ثمّ لا يعمل، لا أبدا، إنّما إذا كان الوقت وقت صلاة أو درس أو حكمة تقال؛ فأنت في المسجد، فإن لم يوجد؛ فانتشر في الأرض وابتغ من (1/340)
صفحة 341
فضل الله، والله تبارك وتعالى يأمرنا بهذا كما هو الشأن في صلاة الجمعة: {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاَةِ مِنْ يَّوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوِا اِلَىا ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَالِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمُ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} (1) ، ثمّ قال: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ فَانتَشِرُوا فِي الاَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (2) ، إذا أنهيتم الصلاة{فَانتَشِرُوا}، وعبّر هنا بالانتشار، ولم يقل: فإذا قضيتم الصلاة فاخرجوا، أو: فاتركوا، بل: {فَانتَشِرُوا}، فلكلٍّ حرفته الخاصّة به، فيتوجّه كلٌّ إلى عمله مبتغيا من فضل الله وذاكرا له، هكذا شأن المسجد.
فالنبيّ - صلى الله عليه وسلم - لمّا بنى مسجد المدينة، بنى بيتا للعبادة وناديا للاجتماعات وثكنة للجنود...
وقد كان مسجد المدينة بيتا ومأوى لأهل الصُّفَّةِ. وأهلُ الصفَّة هم المؤمنون الذين يأتون من الخارج وليس عندهم مال ولا أهل ولا ولد، فينامون في زوايا المسجد ويبقون هناك يتلقّون الوحي إن جاء، وإن دعاهم النبيّ - صلى الله عليه وسلم - إلى عمل فهم دائما حاضرون.
وقد رأى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم عليَّ بن أبي طالب كرم الله وجهه متّكئا في المسجد والتراب يعلوه وقد تشاجر مع زوجه فاطمة -رضي الله عنها- فغضب ولم يذهب إلى البيت فقال له النبيّ - صلى الله عليه وسلم - : «قم يا أبا تراب» (3) ، فُلقّب عليّ بأبي تراب، بمعنى أنّ المسجد أصبح مأوى كذلك لمن لا مأوى له من فقراء المسلمين.
__________
(1) ... سورة الجمعة: الآية 9.
(2) ... سورة الجمعة: الآية 10.
(3) ... أخرجه البخاري عن سهل بن سعد -رضي الله عنه-، قال: جاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيتَ فاطمة فلم يجد عليّا في البيت، فقال: «أين ابن عمّك؟» قالت: كان بيني وبينه شيء، فغاضبني، فخرج، فلم يَقِلْ عندي. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لإنسان: «انظر أين هو؟» فجاء فقال: يا رسول الله، هو في المسجد راقد، فجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو مضطجع، قد سقط رداؤه عن شقّه، وأصابه تراب، فجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمسحه عنه، ويقول: «قم أبا تراب، قم أبا تراب». (صحيح البخاري، كتاب: الصلاة، باب: نوم الرجال في المسجد، رقم: 432). (1/341)
صفحة 342
ولماذا أطلنا الكلام في هذه النكتة؟.
لكي نفهم حقيقة مركز المسجد في الإسلام، فهو رأس الأمّة كلّها ومركز التدبير والتفكير والتسيير، زيادةً على ذكر الله وتلاوة القرآن.
[2- عقد المؤاخاة] :
ثمّ إنّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - أقام في المسجد عقدا للمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، يمكن أن نعبّر عنه بألفاظ التعبير العصريّ بـ: «المؤتمر»، جمع الأنصارَ أصحابَ المدينة والمهاجرين الذين جاءوا من مكّة فآخى بينهم، وقرَن مع كلّ مهاجرِيٍّ أنصاريًّا أخًا له في الله، فمثلا هذا الصحابيّ الشابّ مصعب بن عمير -رضي الله عنه- آخاه النبيّ - صلى الله عليه وسلم - مع أبي أيّوب الأنصاريّ -رضي الله عنه- الشابّ الأنصاريّ (1) .
وهذا التآخي الذي عقده النبيّ - صلى الله عليه وسلم - له من الأهمّيّة ما له؛ حيث إنّ كلّ متآخيين يصبحان وكأنّهما أخوان شقيقان، وإذا مات أحدهما يرثه الآخر، وإن
__________
(1) ... «هو الذي -لحذاقته ولطافته- سبق إلى رَحْل النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وأخذه إلى بيته [والأنصار] كلّهم يتنافسون أيّهم يتشرف بنزول النبي - صلى الله عليه وسلم - في بيته [لمّا قدم المدينة]، كلُّ عرش يجذبه إلى جهته وهو يمرّ عليهم، وكلّما مرّ على حيّ إلا ويخرج أهله ويقولون:
... ”يا رسول الله، ها هي ديارنا، الرجال والمال والسلاح، انزل عندنا“. وهو يقول لهم: ”دعوا الناقة فإنّها مأمورة، الله هو الذي يسيّرها“. حتى جاء إلى منزل بني النجار وبركت ناقته فكان هناك مكان بناء المسجد، هناك بدأ تزاحم الأشخاص، كان النزاع بين القبائل، أمّا الآن ولمّا نزل عند بني النجّار؛ أصبح كلّ فرد منهم يودّ أن [يأخذ] النبيّ - صلى الله عليه وسلم - إلى بيته هو، وبينما هم كذلك، إذ بأبي أيوب خالد بن زيد -رضي الله عنه- يذهب مسرعا إلى ناقة النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ويحلّ الراحلة ويحمل الأحمال ويأخذها إلى بيته دون أن ينبس ببنت شفة، فلمّا التفت النبيّ - صلى الله عليه وسلم - إلى ناقته قال لهم: ”وأين رَحْلي؟!“
... قالوا: ”عند أبي أيوب“.
... فقال لهم كلمته المشهورة والتي أصبحت مثلا: ”المرءُ مع رَحْلِه“ وقُضي الأمر. وكذلك عناية الله إذا أراد بأحد خيرا. ومكث في بيت أبي أيّوب سبعة أشهر حتى تمّ بنيان المسجد وتمّ بناء بيوته بجواره». (من كلام الشيخ). (1/342)
صفحة 343
كانت هذه المسألة لم تطل كثيرا، فبعد أن فتح الله البلاد وأعطى الرسول - صلى الله عليه وسلم - ما أعطى للمهاجرين نزل قوله تعالى: {وَأُوْلُو الاَرْحَامِ بَعْضُهُمُ أَوْلَىا بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُومِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلآَّ أَن تَفْعَلُوا إِلَىآ أَوْلِيَآئِكُم مَّعْرُوفًا كَانَ ذَالِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا} (1) .
هكذا فرح الأنصار بإخوانهم المهاجرين وتآخوا فيما بينهم، وعُقد بينهم رباط غريب في ذاته، فأصبح المسلمون من سكّان المدينة كتلة واحدة متراصّة لا ينفكّ بعضهم عن بعض ولا أحد يقدر أن يفرّق بينهم لا بحرب ولا بسلم، وهذا أمر ضروريّ لتكوين دولة، ولقد تمّ هذا في وقت قصير، فتمكّنت تلك المودّة في قلوبهم، واقتسموا أموالهم مع بعضهم، ونصر بعضهم بعضا مثلما وصفهم الله تبارك وتعالى، وهذا من أعظم ما قام به النبيّ - صلى الله عليه وسلم - في المدينة.
[3- تعيين النقباء] :
وكان النبيّ - صلى الله عليه وسلم - قد عيّن في بيعة العقبة -قبل الهجرة- لكلّ قبيلة من قبائل الأنصار نقباءَ، رواية تقول إنّه فوّض أمر اختيارهم إليهم، ورواية أخرى تقول إنّه هو الذي تولّى تعيينهم بنفسه، وقام بهذا؛ لأنّه يعلم أنّ القوم لا يصلح أمرهم إن لم يكن لديهم رئيس يقودهم، وإذا قال كلمة اتّبعوه، وإذا وقع خلاف بينهم احتكموا إليه:
... لا يصلح القوم فوضى لا سَراة لهم ... و لا سَراة إذا جُهَّالُهم سادوا (2)
__________
(1) ... سورة الأحزاب: الآية 6.
(2) ... القائل هو: الشاعر الأفوه الأودي، وممّا قال أيضا:
لا يَصلح الناسُ فوضى لا سَراة لهم ... ولا سَراة إذا جُهّالهم سادوا
والبيت لا يُبتنى إلا له عَمَد ... ولا عِماد إذا لم تُرسَ أوتادُ
فإن تجَمَّعَ أوتادٌ وأعمدة ... يوما فقد بلغوا الأمر الذي كادوا
... (ابن عبد ربه الأندلسي، العقد الفريد: ج1، ص09).
... ملاحظة: البيت ورد بلفظة: «القوم» كما قالها الشيخ رحمه الله، ووردت أيضا بلفظة: «الناس»، والوزن في كلا اللفظتين مستقيم. (1/343)
صفحة 344
وتعيين عريف للقوم شيء ضروريّ في الإسلام، تماما مثلما فعل سيّدنا موسى - عليه السلام - : {وَاخْتَارَ مُوسَىا قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا} (1) ، فإذا أراد النبيّ - صلى الله عليه وسلم - شيئا إلى القوم فلا يلزم أن يجمعهم كلّهم، إنّما يستدعي النقباء.
وقد حدث ذات مرّة في غزوة حنين حينما أراد - صلى الله عليه وسلم - أن يحكم حكما في الغنيمة إذ شاور كلّ الناس الجالسين فقالوا له: «قبلنا يا رسول الله»، فقال لهم: «ارجعوا حتّى يرفع إلي عرفاؤكم (2) أمركم» (3) ؛ أي اذهبوا وتشاوروا فيما بينكم وليأتني من كلّ عرش نقيبهم رافعا إليّ نتيجة ما اتّفقتم عليه. هناك يكون متيقّنا بأنّ ما قبله الناس كان عن رضًا وتروٍّ، وهذا في الحقيقة كما يعبّرون: «ديموقراطية الإسلام»، وليست كالدكتاتوريات التي تُمارس في بعض الأزمنة والأمكنة ويسمّونها ديموقراطيّة.
[4- عقد معاهدات مع يهود المدينة] :
لمّا ضبط النبيّ - صلى الله عليه وسلم - أمور المسلمين وركّز دعائم الأمّة الإسلاميّة؛ التفت إلى اليهود، ولم تكد تمض إلاَّ بضعة أشهر حتّى عقد معهم معاهدة حسن الجوار «bon voisinage» أو ما يسمّونه الآن بالتعايش السلميّ وعدم الاعتداء «Non agression».
واليهود في الأصل قد سكنوا المدينة منذ زمن قديم ردّه بعضهم إلى أكثر من ألف عام، حتّى أنّهم سكنوا المدينة وعمّروا فيها قبل أن يقدم إليها الأوس والخزرج الذين هاجروا من اليمن بعد أن وقع خراب سدّ مأرب، الذي ذكره الله تبارك وتعالى
__________
(1) ... سورة الأعراف: الآية 155.
(2) ... «وإلى اليوم لفظة ”عريف“ لقبٌ من ألقاب الجنديّة». (من كلام الشيخ).
(3) ... أخرجه البخاريّ عن المسور بن مخرمة أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال حين أذن لهم المسلمون في عتق سبي هوازن: «إنّي لا أدري من أذن منكم ممّن لم يأذن، فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمرَكم». فرجع الناس فكلّمهم عرفاؤهم، فرجعوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فأخبروه أنّ الناس قد طَيَّبوا وأَذِنوا. (صحيح البخاري، كتاب: الأحكام، باب: العرفاء للناس، رقم: 6776). (1/344)
صفحة 345
في سورة سبأ: {لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسَاكِنِهِمُ ءَايَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَّمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيُ اكْلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ ذَالِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ يُجَازَىآ إِلاَّ الْكَفُورُ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى التِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِي وَأَيَّامًا ـ امِنِينَ فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ...} (1) ، كانت سبأ تتمتّع بحضارة راقية وبنيان عظيم ويكفي أنّ الله تبارك وتعالى وصفها بالآية أي الأعجوبة، وكانت تتمتّع أيضا بواد خصب طويل يقطعه الراكب في ليالي وأيّام، وأغدق الله عليهم من النعم والخيرات حتّى إنّ المسافر كان يبيت في قرية ويفطر في أخرى ويتغدّى في ثالثة، فلا وجود للصحراء ولا للبادية، حتّى ملّ أهلها هذا النعيم وهذه الرفاهية وقالوا: {رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا}؛ فسلّط الله تبارك وتعالى الخراب على سدّهم سدّ مأرب الذي كان آية في حدّ ذاته بناء وهندسة وأحد أعاجيب الدنيا الذي بناه ملك من ملوكهم الأقدمين، فسلّط الله عليه نوعا من الجُرذ فأكلوا ذلك السدّ من أسفله فخُرِّب فغشيهم سيل العرم فتفرّق أهلها وفنيت.
وأصبح العرب بعد ذلك إذا أرادوا أن يصفوا قبيلة تشتّت أهلها وتفرّقوا كلّهم يقولون: «تفرّقوا أيدي سبأ».
فشرّقوا وغرّبوا في الدنيا، [و] كلّ أخذ وجهته، فأصبح منهم الغَسَاسِنَة الذين كانوا من أتباع الروم في جهة الشام، وأصبح منهم المَنَاذِرَة أتباع الفرس في جهة الحيرة بالعراق، ومنهم من جاء إلى يثرب واستقرّ بها؛ فهؤلاء هم أجداد الأوس والخزرج، ولمّا وصلوا يثرب وجدوا أنّ اليهود قد عمّروها.
ووقع بينهم وبين اليهود أوّل الأمر حروب ومن بعد اتّفقوا وتعاونوا.
إذن فاليهود موجودون في المدينة منذ زمن قديم.
__________
(1) ... سورة سبأ: الآيات 15-19. (1/345)
صفحة 346
وكانت لدى اليهود أحياءُ أيضا كبني قُرَيظة وبني النضير وبني قينُقاع، بين كلّ حيّ وآخر مسافة عدّة أميال، وهم كلّهم متّفقون فيما بينهم، ولكن لمّا كثرت ذرّيتهم افترقوا، وكانت العداوة بينهم فانقسموا، صفٌّ مع الأوس وصفّ مع الخزرج، وهذه سُنَّةُ الله في خلقه.
وكذلك الأوس والخزرج الذين عمروا المدينة، استشرت العداوة بينهم وتمكّنت منذ الجاهليّة، فكم من قرن والحرب بينهم، وكانت الغلبة دُوَلا بينهم مثلما قال الله تبارك وتعالى: {وَتِلْكَ الاَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} (1) ، فمرّات تكون للأوس ومرّات للخزرج، وآخر حرب وقعت بينهم كانت قبل البعثة النبويّة بنحو أربع أو خمس سنين (2) وسُمّيت بـ: «يوم بعاث»، وهو يوم كبير جدّا، وأراد الله أن تكون الغلبة فيه للأوس، وهذا من بين الأسباب التي فتح الله تبارك وتعالى لهم بها باب الإيمان لمّا ذهب البعض إلى مكّة لكي يتقوّوا بقريش عساهم يجدون عرشا يتحالف معهم، فالتقوا بالنبيّ - صلى الله عليه وسلم - وعرض عليهم الإسلام فقالوا لبعضهم بعضا: «لعلّ هذا الأمر خير ممّا جئنا من أجله، نحن جئنا إلى مكّة لكي نكسب أنصارا من قريش فأتى الله بهذا النبيّ وهذا الدين الجديد، فلنسبق إليه قبل أن يسبقنا اليهود»، وقد كان اليهود: {مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الذِينَ كَفَرُواْ} (3) ، أي يقولون لهم: «سيأتيكم نبيّ، ويوم يأتيكم سنحاربكم ونغلبكم ونستأصلكم من الدنيا كلّها، [ونقتلكم] قتل عاد وإرم». فاليهود أهل كتاب يقرؤون التوراة ويعرفون كلّ ما أخبرت به من مقدم نبيّ آخر الزمان: متى يبعث؟ وأين؟ وما هي صفاته؟، مثلما قال الله تبارك وتعالى: {الذِي
__________
(1) ... سورة آل عمران: الآية 140.
(2) ... شكّ في عدد السنوات فقال: «على ما أذكر»، والصواب أن يوم بعاث كان بعد البعثة وليس قبلها، وهذا محلّ اتّفاق بين المؤرّخين وكتّاب السيرة، لكنّهم اختلفوا في السنة، فقيل: في السنة السادسة للبعثة، وقيل: في السنة السابعة، وقيل: في السنة الثامنة. انظر مثلا: سيرة ابن هشام، وسيرة ابن كثير.
(3) ... سورة البقرة: الآية 89. (1/346)
صفحة 347
يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالاِنجِيلِ} (1) ، وقال: {يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمْ} (2) ، فاليهود متحقّقون ويعرفون أنّ وقت مبعثه قد حان.
وأراد الله بالأنصار خيرا فسبقوا اليهود وأسلموا وقالوا للرسول - صلى الله عليه وسلم - : «يا رسول الله، أنت تعرف العداوة التي بين قومنا في يثرب، منذ قرون ونحن دائما في حروب، ما إن تضع حرب أوزارها حتّى تقوم أخرى، فإن أصلح الله بك هذه الفتنة وأطفأها وأرجع أهل المدينة-الذين هم أبناء جدّ واحد- رجلا واحدا؛ لا يكون في الدنيا أعزّ ولا أحبّ إلينا منك». وهذا هو السرّ في بدء النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بإزالة العداوة المستشرية فيهم، والمؤاخاة بينهم ثمّ ربطهم مع المهاجرين في مؤتمر الإخاء، وبعد هذا التفت إلى اليهود.
واليهود -كما ذكرنا من قبل- مهرة في التجارة والصناعة، فبنو قينقاع مثلا الذي سكنوا في قلب المدينة أهلُ ذهب وفضّة وتجارة، وبنو قريظة الذين سكنوا ضواحيها كانوا أهل تجارة، وكانوا أهل غنم وإبل وأهل غابات وأجنة ومروج كذلك، ومن خيرات الله على المدينة أنّ أرضها طيّبة خصبة وماؤها عذب نمير.
وبما أنّ اليهود هم السابقون في المدينة، وبما أنّهم مهرة في التجارة والعمل والمراباة وصياغة الذهب والفضّة، والأراضي والمروجُ والضياعُ بين أيديهم، والسوق الأكبر في المدينة هو سوق بني قينقاع؛ أصبح الأوس والخزرج مضطرّين إلى أن يُذِلّوا أنفسهم لليهود، فمن أراد أن يتاجر ويربح فليذهب إلى هذه السوق في حيّ اليهود، ومن أراد أن يستلف مالا فالرّبا في انتظاره والرهنُ كذلك.
ثمّ إنّ هؤلاء ليسوا كيهود اليوم كما قد يتصوّرهم بعضنا، فهؤلاء تَربّوا في البلاد العربيّة وكثير منهم أصلهم عرب (3) ، ولذلك كان لديهم أبطال وشجعان في
__________
(1) ... سورة الأعراف: الآية 157.
(2) ... سورة البقرة: الآية 146.
(3) ... وإلى وقتنا هذا يوجد يهود أصلهم عرب ويعيشون في بلاد عربية ويُسَمَّون بـ: «اليهود الشرقيين». (1/347)
صفحة 348
الحرب، ولكن طبيعة الخوف دائما سمتهم، وطبيعة الخوف هذه هي التي جعلتهم يجمعون السلاح في حصونهم مثلما قال الله تبارك وتعالى: {وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ} (1) ، فلا [تكاد] تجد [بيتَ] يهوديّ خاليا من السلاح، بل تجده مليئا بسلاحه وسلاح أبنائه.
وطائفة منهم إسرائيليّون حقيقةً من نسل إسرائيل أولاد سيّدنا يعقوب الاثني عشر وهم يوسف - عليه السلام - وإخوته: {إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ} (2) ، فأحد عشر كوكبا هم: إخوة سيّدنا يوسف، ويوسف هو الثاني عشر، أمّا الشمس والقمر فهما: أبوه وأمّه، هؤلاء اثنا عشر عرشا من اليهود: {وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا اُمَمًا} (3) ، وكلّ عرش ينتسب إلى أحد أبناء سيّدنا يعقوب، وسُمّوا بني إسرائيل؛ لأنّ يعقوب هو إسرائيل، يعني أنّ طائفة من يهود المدينة يهودٌ أصليّون، جدّهم هو سيّدنا يعقوب عليهم السلام، وطبقة من اليهود تهوّدوا؛ أي اعتنقوا اليهوديّة وهم في الأصل عرب أقحاح، اعتنقوا اليهوديّة في الوقت الذي لم يكن في الجزيرة العربيّة إلا الوثنيّة، فأعجبتهم هذه الديانة وما فيها من ذكر الله والأنبياء والآخرة (4) ...
وفيهم طائفة وقع بينهم وبين العرب الأقحاح نسبٌ، تزوّجوا من العرب وتزوّج العرب منهم، فتجد يهوديّا من أب عربيّ وأمّ يهوديّة أو العكس، فخلق جيل مختلط.
هؤلاء اليهود لهم أثر وشأن كبير في بعض الوقائع بمكرهم وأموالهم ودسائسهم، إذ لعبوا دورا من أخطر الأدوار في المدينة ضدّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وضدّ
__________
(1) ... سورة الحشر: الآية 2.
(2) ... سورة يوسف: الآية 4.
(3) ... سورة الأعراف: الآية 160.
(4) ... مع ما فيها من التحريف الذي طالها. (1/348)
صفحة 349
المسلمين، لكنّ الله تبارك وتعالى انتقم منهم شرّ انتقام، إنّما في تاريخهم عبرة مهمّة جدّا لو اعتبر بها المسلمون؛ فإنّهم لا يطلبون تاريخا لليهود أكثر من تاريخ يهود المدينة، فقط يُسقطون الذي فعلوه وقتئذ على ما يصنعونه اليوم في العالم فيعتبرون، ومن الغريب أنّ قوّة المكر والدسّ والتحريش لا تزال بيد اليهود إلى اليوم، مثلما لا تزال قوّة المال بأيديهم إلى اليوم، ولا يزالون يندسّون وسط الأمم للإفساد كي تكون لهم السلطة، [فهذا] يهوديٌّ من أقصى المشرق وآخر من أقصى المغرب، هذا جنسيّته مثلا روسيّة أو صينيّة والآخر جنسيّته أمريكيّة أو سويديّة، لكنّ رباطا غريبا من اليهوديّة يربط بينهم.
وأخبارهم عجيبة في المدينة، خاصّة وأنّ معهم المنافقون، هذه الطبقة التي خُلقت من أوّل يوم وُجد فيه المؤمنون المخلصون، وهؤلاء المنافقون هم الناس الذين لم يرد الله بهم خيرا، إذ تظاهروا بالإسلام وأضمروا الشرك، فأصبحوا شوكة بجنب النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، اليهود من جهة، والمنافقون من جهة أخرى.
ولمن يقرأ تاريخ الأدب العربيّ يجد أنّ لليهود شعراء ماهرين بلغاء حكماء من الذين يُضرب بهم المثل [في الفصاحة]، من أشهرهم السموأل بن غريض بن عادياء (1) ، وله قصيدة مهمّة في الأخلاق نحفظها من الصغر، والمتأدّب من الشباب يحفظها عن ظهر قلب ويتمثّل بما فيها، هذا مطلعها وبعض أبيات منها:
إذا المرء لم يَدْنَس من اللُّؤْمِ عرضُه ... فكل رداء يرتديه جميلُ
وإن هو لم يحمل على النفس ضَيْمَها ... فليس له إلى حسن الثناء سبيلُ
سلي إن جهلت الناس عنا وعنهمُ ... فليس سواءً عالم وجهولُ
__________
(1) ... السموأل بن غريض بن عادياء الأزدي: شاعر جاهليّ حكيم، من سكان خيبر -في شمالي المدينة-، أشهر شعره لاميته التي مطلعها:
... ... إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه ... ... فكلّ رداء يرتديه جميل
... وهي من أجود الشعر. (انظر: الزركلي، الأعلام: ج3، 204). (1/349)
صفحة 350
تُعَيِّرُنا أنّا قليل عديدنا ... فقلت لها إنّ الكرام قليلُ
وما ضرّنا أنّا قليل وجارنا ... عزيز، وجار الأكثرين ذليلُ
قصيدة من القصائد الخُلقيّة المهمّة تُحفظ وتُقرأ؛ لأنّ فيها حكما مهمّة، وسأشرح البيتين الأوّلين لكي نستفيد فائدة.
إذا المرء لم يَدْنَس من اللُّؤْمِ عرضُه ... فكل رداء يرتديه جميلُ
أي: إذا لم يلطّخ ابنُ آدم عرضَه، وحافظ على كرامته وكرامة أهله وعائلته؛ فكلّ ما يلبسه من ثياب فإنّه يليق به، معنى هذا أنّه قد يكون فقيرا ويلبس لباسا مرقّعا أو باليا، ولكنّ هذا لا يضرّه أبدا إذا كان عرضه نقيّا صافيا، فالنظافة الحقيقيّة التي يحقّ أن يفخر بها الإنسان ويمشي بها بين الورى ورأسه مرفوع، هي نظافة العرض لا نظافة الثياب، هذا كلام العرب القدامى حتّى اليهود منهم فانظروا كيف كانوا يتمدّحون.
وعكسه:
وإن هو لم يحمل على النفس ضيمها ... فليس له إلى حسن الثناء سبيل
أي: لو تزيّنتَ بالحرير والذهب وفتلتَ شاربَك وأنت مقطّع العرض مهتوك الحرمة، فإن الناس يتغامزون عليك.
ومن الغريب أنّه وإلى يوم الناس هذا هناك من يُخيَّل إليه أن الشرف والرجولة إنّما يكونان باللّباس وتزيين الظاهر، وعرضُه أو عرض زوجته أو ابنته أو أخته أو عمّته أو خالته مهتوك، لا أبدا، إنّما صن عرضك وعرض أهلك وقتئذ تجد كلّ الناس يتمدّحون بك، وإذا كان عرضك غير نظيف فلن تصل إلى درجة من الشرف.
هكذا فلنعتبر ولنأخذ الحكمة ولو من هذا اليهوديّ؛ لأن في كلامه فائدة لنا، ولْنحافظْ على أعراضنا وأعراض عائلاتنا وأولادنا وبناتنا فهذا هو شرف الدنيا والأخرى، والله الموفق للصواب والحمد لله ربّ العالمين. (1/350)
صفحة 351
الدرس الخامس عشر
محتويات الدرس:
محتويات الدرس
? سرّ الاجتماع في المساجد.
? الحرب تلد الحرب.
? والذين آووا ونصروا.
? مشكل اليهود.
? فلمّا جاءهم ما عرفوا؛ كفروا به.
? كلّما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله.
? دعوها فإنّها منتنة.
? أهو هُو؟!.
? إسلام عبد الله بن سلام. (1/351)
صفحة 352
صفحة 352 بيضاء (1/352)
صفحة 353
الدرس الخامس عشر (1)
[موضوعه: زيادة القول والبيان لما قام به الرسول - صلى الله عليه وسلم - من أعمال تمهيديّة لتأسيس الدولة الإسلاميّة في المدينة، مع بيان غدر اليهود وخبثهم ونكثهم للعهود].
[سرّ الاجتماع في المساجد] :
سرّ الاجتماع في المساجد
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على رسول الله.
لا زال الكلام متّصلا في ما نحن فيه من هجرة النبيّ - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة.
من أوائل الأعمال التي قام بها - صلى الله عليه وسلم - تأسيسُ مسجد قباء وتأسيسُ مسجده (2) ، فمع هجرته - صلى الله عليه وسلم - شُرعت الجماعة.
وأسّس أهلُ كلّ حيّ مسجدا لكي تسهل الصلاة للضّعاف وكبار السنّ والعجزة الذين لا يستطيعون أن يقطعوا عدّة كيلومترات إلى المدينة في خلال أيّام الأسبوع [لأداء صلاة الجماعة]، فسنّ لهم ما لم يكن من قبل، وهو الاجتماع؛ لكي تزداد الصِّلات توطّدا بينهم، وتمتُن المحبّة والأخوّة والوداد بينهم في ذلك الاجتماع، وإن كانوا من قبل يجتمعون في سقائفهم كما ذكرنا، وبقيت محفوظةً للتاريخ سقيفةُ بني ساعدة، وقد أشرت في درس مضى إلى أنّ أهل جميع البلاد الإسلاميّة في القديم يتّخذون في كلّ حيّ من أحيائها ملتقى لجماعة [أهل ذلك] الحيّ، ويكون مسقوفا يتّقون فيه حرّ الصيف وبرد الشتاء، وهذا معروف منذ قرون وقرون، ولا يزال إلى اليوم موجودا [كما هو الحال] في أقرب البلاد إلينا (3) .
__________
(1) ... ألقاه بعد صلاة الجمعة يوم: 27 ربيع الثاني 1392هـ الموافق لـ 9 جوان 1972م.
(2) ... «وهو مسجده المعروف الآن»(من كلام الشيخ).
(3) ... «كوارجلان وقراها، ووادي ريغ وقراها كذلك، فيها هذه الجماعات، ويعبّرون عنها بالعامّية: ”لَجْمَاعَتْ“، وكما هو عندنا أيضا، إذ توجد في بعض الأحياء سقائف فيها بعض الدكاكين يجلس عليها الشيوخ العاجزون، وهذا أمر جيّد. وهنا أفتح -كما يقولون- قوسا وأقول كلمة دائما أتفكّر فيها وتخطر ببالي وتحزّ في قلبي وأرجو أن تتمّ منذ أن هدمت بعض هذه الدكاكين منذ خمس عشرة سنة. وما هي هذه الكلمة؟.
... يوجد في بعض الشوارع الواسعة وبعض السقائف دكاكين يجلس عليها شيوخ تلك الأحياء يروّحون عن أنفسهم، فلا يستطيع الشيخ أن يبقى في بيته طول النهار، سيضيق خاطره وسيرغب في الخروج والالتقاء بالعاجزين أمثاله من الشيوخ، فلا بأس على هؤلاء ولا يضرّ -لطفا بهم وشفقة عليهم- أن نخصّص لهم بعض الأماكن كهذه، وكلّما مررت بها [بعد أن هدمت] -ولو يوميّا- أتفكّر فيها: يا حبّذا لو أرجعنا الدكان هنا فيجلس فيها الشيوخ، ينزعون الضيق عن أنفسهم كما عرفناهم من قبل.
... وفي بعض الأماكن نُزعت هذه الدكاكين بدعوى: لماذا يجلس هؤلاء في الشوارع؟!.
... أمّا الشباب أصحاب الدماء الساخنة والعيون الساخنة -بتتبعهم العورات- والعملُ يلزمهم، فهؤلاء ننهاهم ولا ينبغي لهم أن يجلسوا في الشوارع، ليس شأنهم، إلا مرورا أو توقّفا لدقيقة مع شخص يقضي له حاجةً، أمّا الشيوخ العاجزون أو المرضى فليسوا كذلك.
... أوليس من الأحسن إذن أن تكون لهم هذه الأماكن يُفَرِّجون فيها ضيق خاطرهم؟.
... وهذه الدكاكين لا تعطّل مارّا أبدا، خير من أن نترك شيوخنا محصورين في بيوتهم، لا يجدون أين يروّحون عن أنفسهم، وخير من خروجهم وجلوسهم على الأرض، لأنّ الدكان دائما يكون محفوظا وبمعزل عن الأتربة والأوساخ.
... فهذه المجالس في الحقيقة ضروريّة عندما نتفكّر في اللطف والحنان والشفقة على شيوخنا، وكلّنا سنصل إلى هذه الحالة لمن أطال الله عمره.
... فلم يخطئ الناس في البلاد الإسلامية باتّخاذهم هذه الجماعات». (من كلام الشيخ).
... الدُّكَّانُ: لفظٌ فارسيٌّ معرَّبٌ، وهو المكان المرتفع يُجلَس عليه، ويُسمَّى أيضا: الدَّكَّة والمِسْطَبَةُ. كما يطلق الدكان أيضا على الحانوت. (انظر: الفيومي، المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي: ص120، مادة: دكك، و: ابن منظور، لسان العرب: ج13، ص157، مادة: دكن). (1/353)
صفحة 354
وكذلك كان أهل المدينة، ولكن لما جاء الإسلام؛ أصبحت المجتمعات هي المساجد، وفرق بين أن يكون الاجتماع في سقائف أو أن يكون في مساجد.
كان النبيّ - صلى الله عليه وسلم - يكوّن ويربط الجماعة الأولى في المدينة بهذه المساجد، فكانوا يجتمعون فيها لذكر الله وتلاوة القرآن والصلاة، وجعل لهم مرّة في كلّ أسبوع -لسرّ (1/354)
صفحة 355
غريب ولحكمة عظيمة- الجمعةَ، إذ يجب أن يأتوا كلّهم: «الجمعة على من آواه الليل إلى أهله» (1) لم يعذر أحدا أبدا، فكلّهم يأتون إلى مسجد المدينة كبيرا وصغيرا، كلّ من بلغ [سن التكليف] يأتي لكي يحضر وجوبا، إلاَّ إن كان عجزا، ولا يجزئ أن تصلّى صلاة الجمعة في مكان آخر، ولم تصلَّ صلاة الجمعة في المدينة بمحلّ ثانٍ أبدا [غير مسجد النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ] طول حياته - صلى الله عليه وسلم - وزمن الخلفاء من بعده تباعا لهذا، وهذا لكي يربط المسلمين رباطا وثيقا، فقد كانت الأخوّة فيما بينهم أخوّة قرابة الرحم، فهذا من عشيرتي وهذا من قومي، أمّا الآن فأصبح الإسلام يجمع بينهم، ولو كانت المساجد التي في بعض الأحياء يلتقي فيها غالبا عرش واحد (2) ، لكن يوم الجمعة لابدّ أن يكون اللقاء في المسجد الجامع عموما، وبذلك تتوطّد وتتمكّن المحبّة التي تُبنى على الوحدة؛ وحدةِ العقيدة والوحدةِ في كلّ شيء.
المعبود هو الله واحد...
والكتاب الذي تعبّدنا الله بتلاوته واحد وهو القرآن...
والرسول الذي هو إمامنا واحد...
وطريقنا كلّنا واحد...
وهذه الوحدة التي جمعت الناس كلّهم تَنزِع ولا تُبقي علاقة لعنصر دم أو رحم أو حِلف أو أيّ شيء، فكلّ شيء يدخل هنا.
هذا ما صنعه النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، وزاد أكّده بالتآخي الذي تكلّمنا عنه من قبل، عقدِ الأخوة [بين المهاجرين والأنصار]؛ إذ ربط كلّ أحد مع آخر، فأنت أخو فلان وأنت أخو فلان...، ريثما تتوطّد هذه الأخوّة أكثر وتتقوّى ويتكوّن الأساس الأوّل،
__________
(1) ... رواه الترمذي في سننه عن أبي هريرة -رضي الله عنه- وقال: «هذا حديث إسناده ضعيف». (سنن الترمذي، كتاب: الجامع الصحيح، باب: ما جاء من كم تؤتى الجمعة، رقم: 484 ).
(2) ... «قد يكون فيها غيرهم وإن كان ليس كثيرا». (من كلام الشيخ). (1/355)
صفحة 356
وتتكوّن القوّة الأولى التي يجابه بها النبيّ - صلى الله عليه وسلم - الدنيا كاملة؛ لأنّه في ذلك الوقت كان يعمل لكي تكون المدينة القاعدةَ الأولى التي تفتح بلاد الدنيا كلَّها، وتكون فيها -كما يعبّرون اليوم- القوّة الضاربة، ويجب أن تكون قوّة عسكريّة متينة، أهلها كلّهم على قلب رجل واحد، وهؤلاء سينصرون الدين وينشرونه ويحاربون -إمّا هجوما وإمّا دفاعا- كلّ من اقتضت الضرورة أن يحاربوهم.
بهذا كوّن - صلى الله عليه وسلم - العنصرَ الأوّل لهذه القوة، وهذا هو سرّ الجماعات في المساجد وسرّ الاجتماع يوم الجمعة كلَّ أسبوع وسرّ التآخي، ومن وراء ذلك خطب النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، فهو دائما يأمرهم بنبذ العنصريّة للقرابة والدم، وأن لا يدعوا بدعوى الجاهليّة أبدا كما سيأتينا بعدُ.
[الحرب تلد الحرب] :
الحرب تلد الحرب
تكوّنت هذه القوّة بين الأنصار أوّلا بإزالة العداوة التي كانت بينهم منذ مئات من السنين، ليس عشرات بل مئات السنين والعداوة مستحكمة بين الأوس والخزرج، حروب دائمة، لا تموت حرب إلا وتقوم أخرى؛ لأنّ الحرب دائما تلد الحرب الأخرى، ومَنْ دَرَسَ [تاريخ الحروب] ويميّز؛ يعرف أنّ الفتنة تلد الفتنة، تقع الفتنة في يومٍ -ولو خمدت-، فإنّ فيها بذرة الفتنة المستقبلة.
لماذا ؟
لأنّ الفتن والحروب التي تقع -مهما كان سببها- (1) ، لابدّ وأن فيها غالبا ومغلوبا، فالغالب رافعٌ رأسَه وراغبٌ في أن يأتي على أناس آخرين، والمغلوبون بينهم الغلبة، تلك الهزيمة تأكل قلوبهم، ويترقّبون اليوم الذي تأتيهم فيه الفرصة فيأخذون
__________
(1) ... «نستثني الحروب الدينيّة، فحديثنا عن الحروب التي تقع بين الأعراش والقبائل وعن الإغارات». (من كلام الشيخ). (1/356)
صفحة 357
بثأرهم، ولهذا فحروب الفتن إذا وضعت أوزارها (1) -ولو بقيت عاما أو عامين أو ثلاثة أو عشرة لم تندلع- فإنّ نارها لم تَخْبُ بعد.
أرى تحت الرماد وميض نار ... ويوشك أن يكون له ضرامُ (2) .
خاصّة إذا كانت تلك الطبقات الأولى التي حضرت تلك الفتنة مازالت موجودة، وهم يرون فلانا الذي قتل فلانا، وفلانا الذي قتل أخا فلان، وفلانا الذي قتل أباه...، فقلوب هؤلاء الذين حضروا ورأوا دائما تحترق، ويترقّبون متى يجدون فرصة للانتقام.
ومن الغريب -والشيء بالشيء يُذكر- أنّه ومنذ يومين أو ثلاثة سأل شخص سؤالا في الإذاعة قائلا: «ما هو سبب الحرب العالمية الثانية؟» (3) .
فبدأ المجيب جوابه بكلّ بساطة وقال -بهذه العبارة-: «بذور الحرب الثانية زُرعت في الحرب الأولى». أي يومَ خمدت الحرب عام 1918م؛ زُرعت بذور الحرب الثانية.
لماذا ؟
1- بما كنت أذكره الآن، فالذين غلبوا لم يشفقوا على المغلوبين، بل ضغطوا عليهم وظلموهم وتعدّوا عليهم، وعقدوا المعاهدات التي تعرفونها، كمعاهدة فيرساي
__________
(1) ... «خاصّة التي كانت تقع هذه بين الأوس والخزرج». (من كلام الشيخ).
(2) ... هذا البيت لنصر بن سيار، ويقول بعده:
... ... فإنّ النار بالعودين تُذكى ... ... ... وإنّ الحرب أوّلها الكلام
... (الجاحظ، الرسائل: ج2، ص271).
(3) ... «الحرب العالمية الثانية هي التي كانت من سنة 1939م إلى سنة 1945م. ويسمّونها الحرب العالمية؛ لأنّها ثانية الحروب التي اشتركت فيها كلّ دول العالم، وأصابت الدنيا كلّها. أمّا الحرب الأولى فهي التي كانت من سنة 1914م إلى سنة 1918م، وعرفناها كلّنا، ومن كان وقتئذ في عمر الإدراك يعرفها». (من كلام الشيخ). (1/357)
صفحة 358
المشهورة، ومعاهدة سيفر التي كانت بينهم وبين الأتراك، وغيرها، فكم من معاهدة عُقِدت، وهل سارت تلك المعاهدات على طريق الحقّ؟
[لا أبدا، بل] سارت بالكيفيّة التي حرّكت دم المغلوبين وأجَّجت النار في قلوبهم، فهم يترقّبون قدوم فرصة لكي ينتقموا.
2- ثمّ باضطهاد الغالبين الذين فرضوا عليهم تعويضات الحرب.
3- وبالجرائم التي ارتكبوها.
4- وبقتلهم عددا كبيرا بعد ذلك بالمحاكمات التي يسمّونها: «مجرمي الحرب». وغيرها من الأسباب.
فالبذور إذن زرعت في 11 نوفمبر 1918 (1) فبدأت تُنتج، وفي عام 1933 لمّا تولّى هتلر رئاسة ألمانيا، بدأت الشجرة تنمو وتنمو حتّى انفجرت الحرب [العالمية الثانية] عام 1939.
هذا هو معنى: «الحرب تلد الحرب»، إلا الحرب التي خاضها مسلمون، وساروا فيها بطريق شرعيّ إسلاميّ، وعاملوا أسراهم وأعداءهم معاملة بحقّ، قد تترك آثارا هي الأخرى، ولكن لا تكون كالحرب التي أعقبتها مظالم. وهذه الحرب الثانية أولم تعقبها مظالم كثيرة؟!، ولا ندري متى تنتج البذور التي بُذرت فيها؟!، وهم يغطّونها من كلّ جهة ويتستّرون عليها لكي لا تتحرّك، تماما كالذي يتصدّى لموجة من المياه.
[والذين آووا ونصروا] :
والذين آووا ونصروا
نرجع إلى الأوس والخزرج، هؤلاء ومن غريب أمر الله تبارك وتعالى الذي امتنّ عليهم في كتابه فقال: {وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكمُ إِذْ كُنتُمُ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ
__________
(1) ... تاريخ انتهاء الحرب العالميّة الأولى. (1/358)
صفحة 359
قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىا شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا} (1) ، أنّهم وبعد عشر أو خمس عشرة سنة زالت تلك العداوة التي كانت بينهم، حتّى أصبحوا كما قال الله تبارك وتعالى: {فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} كنتم أعداء فطهّر قلوبكم وصفّاها، ونزع منها تلك العداوة كلّها، وجعلكم إخوة، فأنت والذي قتل أباك أو قتل أخاك أو ابنك إخوةٌ، لا تفكّرون في شيء من الماضي أبدا على قرب عهده، لم تمرّ مئات السنين فنُسي، بل ما زال الذين شهدوا الحرب الأخيرة للأنصار كلهم حاضرين، فالعهد قريب جدّا.
ومن الصعب جدّا أن يجمع أحد بين قلبين هذا واتر وهذا موتور، هذا قتل وليّ هذا، ولسان حالهم يقول: كيف سأجتمع مع هذا الذي قتل أبي؟!، ولكن هذا وقع بفضل الإسلام، وبفضل دعوة النبيّ - صلى الله عليه وسلم - لكي تتكوّن هذه الكتلة المتراصّة، قليلةُ العدد ولكن سيكونون أنصار الله، وهذا هو سرّ تسمية أهل المدينة «الأنصار» (2) ، فهذا اسم [اختاره] الله [لهم]، ولم يَتسمَّوا هم به منذ القديم منذ آبائهم وأجدادهم، ما كانوا يعرفون هذه الكلمة، هؤلاء أوس وهؤلاء خزرج، عرشان، وفي كلّ عرش عدد من العشائر: بنو النجّار، بنو عمرو بن عوف، بنو الأشهل، بنو عدي...، ولكن لمّا دخلوا في الإسلام ونصروا دين الله، أطلق الله تبارك وتعالى عليهم في كتابه «الأنصار»، ولهم فضل وشرف كبير أن يلقَّبوا بهذا اللقب، فهو ليس كالألقاب الذي نضعها نحن لأحد من كبارنا أو علمائنا أو أبطالنا، أو لعرش أو لأناس ذلك العرش، فنسمّيهم شهداء أو نسمّيهم أنصارا، هذه كلّها تسمياتنا نحن، ولكن التسمية الحقيقية هي تسمية الله.
{وَالذِينَ ءَاوَوا وَّنَصَرُوا} (3) بالفعل، أثبت إليهم النصر ثمّ أطلق عليهم [اسم]: «الأنصار»، لماذا؟؛ لأنّهم حقيقة القوّة الأولى التي تكوّنت. ويدلّ على هذا
__________
(1) ... سورة آل عمران: الآية 103.
(2) ... «أمّا الآخرون الذين أتوا من مكّة، فأطلق عليهم لفظ ”المهاجرين“: {لَقَد تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيءِ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالاَنصَارِ} [سورة التوبة: الآية 117] ». (من كلام الشيخ).
(3) ... سورة الأنفال: الآية 72، والآية 74. (1/359)
صفحة 360
واقعة بدر التي سنتكلّم عنها [إن شاء الله]، واقعةُ بدر أوّل معركة بين الإسلام والكفر وانتصر فيها الدين، حتّى غفر الله لأهل بدر (1) ، والبدريّون أغلبهم من أهل المدينة؛ إذ شارك منهم فيها واحد وثلاثون ومائتان أنصاريّا، وستّة وثمانون من المهاجرين (2) ، [استشهد] من المسلمين أربعة عشر، ستّة من المهاجرين، وثمانية من الأنصار (3) .
وكذلك في غزوة أُحُد وفي غزوة الخندق، فالأكثريّة دائما من الأنصار أهل المدينة؛ ولذلك حَقَّ لهم هذا الاسم «الأنصار»، هؤلاء هم الأنصار حقيقة، هؤلاء الذين استجابوا لله مثلما قال الله تبارك وتعالى في الحواريّين: {كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنَ اَنصَارِيَ إِلَى اللَّهِ} (4) ، فأجابوا: {نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ}، هذه هي الكتلة التي هداها الله لدين الإسلام وأزال عنهم ما كان في قلوبهم من العداوة، ثمّ تعهّدهم النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بالتربية والوعظ والإرشاد، فهم دائما معه يربّيهم ويعلّمهم، ولم [تكد] تمض عدّة شهور بعد الهجرة -عامان لم يكتملا-، حتّى وقعت هذه الواقعة واقعة بدر، وانتصر فيها النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بفضل هذه الكتلة التي كوّنها أوّلا.
[مشكل اليهود] :
مشكل اليهود
ولكن، هل كان الأمر سهلا على النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ؟ ألم تكن له مصاعب؟.
[في الحقيقة كان] من الصعب أن يزيل تلك العداوة التي تثور لأقلّ شيء، فبقدر سعيه لإخمادها فلا ننسى أنّه يوجد بجنبه - صلى الله عليه وسلم - في المدينة اليهود.
__________
(1) ... لعلّه يقصد قول النبيّ - صلى الله عليه وسلم - لعمر بن الخطاب -رضي الله عنه- في حقّ حاطب بن أبي بلتعة -رضي الله عنه-: «إنّه قد شهد بدرا، وما يدريك لعلّ الله أن يكون قد اطّلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم»(أخرجه البخاري، كتاب: الجهاد والسير، باب: الجاسوس، رقم: 2866).
(2) ... « أي من أهل مكّة والذين معهم ممّن جاء من خارجها ودخل في الإسلام، ولو لم يكن قرشيّا، فهؤلاء كلّهم يُطلق عليهم اسم: ”مهاجرون“». (من كلام الشيخ).
(3) ... «ومن الكفرة سبعون قتيلا، وسبعون أسيرا، وقصّتهم ستأتي [بحول الله] ». (من كلام الشيخ).
(4) ... سورة الصف: الآية 14. (1/360)
صفحة 361
في الدرس الماضي بيّنا أنّ وجود اليهود في المدينة كان قبل الأوس والخزرج بمئات من السنين.
واليهود متفرّقون كما قلنا، فيهم تجّار، وفيهم صاغةٌ أصحابُ ذهب وفضة، وفيهم فلاّحون أصحابُ ضِياع، وملكوا القوّة في المدينة، قوّة المال، وقوّة المكر والدهاء، وقوّة السياسة.
لمّا جاء النبيّ - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة، [عمل من جهتين]:
1- من جهة المسلمين: ألّف بينهم وجمع كلمتهم.
2- ومن جهة اليهود: لم يغفل عنهم، بل من أوّل يوم جمعهم ودعاهم إلى الإسلام، ولكن أسلم منهم عدد قليل{حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم} (1) ، فهم يعرفون أنّه رسولٌ حقّا.
فماذا فعل - صلى الله عليه وسلم - ؟.
عقد بينه وبينهم معاهدة، فكما عقد عهد الإخاء بين المسلمين؛ عقد بينه وبين اليهود معاهدة، يعبّرون عنها بالتعبير العصريّ: «معاهدة التعايش السلميّ»، والتي تحتوي على:
? حريّة الدين [والمعتقد].
? [التعايش السلميّ].
? الدفاع المشترك.
? [عدم إيواء قريش].
والمعاهدة لم تكن مشافهة بل كُتبت بنصوصها وفصولها وشهودها.
__________
(1) ... سورة البقرة: الآية 109. (1/361)
صفحة 362
أوّلا- حرّية الدين والعقيدة: إن أردتم أن تدخلوا في الإسلام فلكم مالنا وعليكم ما علينا، [وإن أبيتم] فأنتم أحرار، لا تُقهرون لكي تتركوا دينكم، أنتم أحرار في عقيدتكم، أحرار في أن تعمروا كنائسكم، أحرار في أن تمارسوا كلّ طقوس دينكم، لا أحد يمنعكم {لآَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} (1) . هذه هي الحرّية الدينيّة وحرّية العقيدة، وهذا مبدأ أساسيّ للإسلام، لكي يفهم الذي يشكّ ويظنّ -بسبب قول بعض الطاعنين في الإسلام- أنّ الإسلام قام بالسيف، وأرغم الناس وقهرهم على الإيمان.
ثانيا- التعايش السلميّ: لا نظلمكم في اعتقادكم ولا في أموالكم ولا في أبدانكم، أنتم أحرار في تجارتكم، أحرار في عملكم، آمنون إذا دخلتم وخرجتم، من خرج من المدينة فهو آمن، ومن بقي [فيها] فهو آمن، والله رقيب على الجميع، لا نضرّكم ولا تضرّوننا، لا نؤذيكم ولا تؤذوننا في شيء أبدا. هذا هو التعايش السلميّ.
ثالثا- الدفاع المشترك: نحن إخوة في المدينة، إن جاءنا عدوّ من الخارج إلى المدينة كي يهاجمها، نشترك كلّنا في الدفاع مسلم ويهوديّ، فلأنه وطننا كلنا؛ نشترك كلنا، عليكم نفقتكم وعلينا نفقتنا، بمعنى أن تجهّزوا أنفسكم، وتقومون بمؤنتكم، والمسلمون يجهّزون أنفسهم ويقومون بمؤنتهم.
رابعا- لا تؤوى قريش: فأعداؤنا الذين في الخارج هم أهل مكّة، وهم يتربّصون بنا الدوائر، لا أحد يصادقهم ولا يحالفهم ولا ينصرهم ولا يؤيّدهم.
وهكذا أعطاهم الحريّة التامّة، ما صادر أموالهم، وما أخذ ممتلكاتهم، ولا ضرّهم في أبدانهم، ولا ضيّق عليهم حرّياتهم في التجارة والصناعة والحرث (2) .
فلكي يطمئنّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ويأمنَ جانب هؤلاء -فهو يعرف مكرهم- ويتفرّغَ لتكوين جماعة أصحابه؛ عقد هذه المعاهدة معهم، وحذّرهم إن نقض أحد هذا العهد
__________
(1) ... سورة البقرة: الآية 256.
(2) ... « وأكثر ممتلكات المدينة لهم، وكانوا متسلّطين على أهلها بالمال، وموزّعين في قبائل، ولكنهم كلّهم يرون أنّ سيادة اليهود يجب أن تبقى وتستمرّ». (من كلام الشيخ). (1/362)
صفحة 363
أو شرطا من شروطه؛ فلا يلومنّ إلا نفسه، وإن أحد خان هذه المعاهدة؛ فلا يُمْنَعَنَّ أن يُقتصَّ منه بحسب جريمته، سواء من المسلمين أم من اليهود.
هكذا والبحث هنا طويل، فلو أنّ أحدا تتبّع بنود المعاهدة؛ [لوجدها] مثل معاهدات اليوم [دقّةً]، بل أفضل وأشرف.
فماذا كان من أمر اليهود؟.
[فلمّا جاءهم ما عرفوا؛ كفروا به] :
فلمّا جاءهم ما عرفوا؛ كفروا به
تمكّن أوّلاً في قلوبهم الحسد لمّا تثبتّوا أنّه النبيّ الذي يقرؤونه في التوراة والإنجيل، مثلما قال تبارك وتعالى: {يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالاِنجِيلِ} (1) ، وقال [على لسان] سيّدنا عيسى: {وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَاتِي مِنم بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ} (2) .
وهم دائما يذكرون النبيّ لأهل المدينة وأنّ مقدمه قريب، ويقولون لهم: «قد وصل وقت نبيّ آخر الزمان، [ويوم يأتي] سنتبعه ونقتلكم قتل عاد وإرم» {فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ} (3) ؛ لأنّ هذا شيء عرفه اليهود في كلّ مكان، جميع الذين يقرؤون الكتب المقدّسة: التوراة والإنجيل، لديهم أمارات وعلامات ويعلمون ويحسبون بالليلة متى سيولد هذا النبيّ؟، وفي أيّ مكان سيولد؟، وإلى أيّ مكان سيهاجر؟، واسمه؟، وكلّ شيء، ولا دليل كالقرآن: {قُلْ كَفَىا بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ} (4) ؛ أي: إن أنكرك كفار قريش وقالوا لك: «أنت لست رسولا»، فقل: «ربّي شهيد، وأهل الكتاب شهداءُ؛ لأنّهم يجدونني مكتوبا عندهم».
__________
(1) ... سورة الأعراف: الآية 157.
(2) ... سورة الصف: الآية 6.
(3) ... سورة البقرة: الآية 89.
(4) ... سورة الرعد: الآية 43. (1/363)
صفحة 364
هم حقيقة كانوا يتمنّون أن يأتي هذا النبيّ فيكونون أوّل من يؤمن به، إنّما غرضهم لكي يزدادوا تسلّطا في الدنيا أكثر {فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ}، لمّا جاءهم النبيّ ووجدوه من العرب، من الناس الذين كانوا يحتقرونهم، [من الذين كانوا] يأخذون منهم المتاع بالربا، من الذين هم دائما تحتهم (1) ؛ [كفروا به].
[كلّما أوقدوا نارا للحرب؛ أطفأها الله] :
كلّما أوقدوا نارا للحرب؛ أطفأها الله
وسياسة اليهود من قبلُ أنّهم لا يعيشون إلا في التفرقة، ما إن تسكن الحرب قليلا بين أهل المدينة إلا ويحرّكونها، لكي يموت وينقص العرب ويبقوا هم، هذا أوّلا.
وثانيا لكي يأتوا فيأخذوا منهم المال بالربا (2) ، طريقهم وسياستهم [وشعارهم] دائما: «لا ننجح ولا نسعد في دنيانا إلا إذا كان العرب مختلفين»، ما إن تسكن الأمور قليلا حتى يحرّكوها، ويقفوا موقف المتفرّج من بعيد.
لمّا رأى اليهود أنّ العرب (3) اجتمعت كلمتهم وتوحّدوا وأصبح ما لم يكن من
__________
(1) ... « لأنّ العرب وثنيّون، ويرون اليهود خيرا منهم، أغنى منهم مالا، وأكثر منهم عددا، وأغزر منهم علما -علم الدنيا والآخرة-، وأفضل منهم إيمانا؛ إذ عندهم علم الكتاب، فيذهبون إليهم يسألونهم عن أمور السماوات والأرضين؟، وماذا بعد الموت؟، وما هي الآخرة؟، وما هي أخبار الأمم الماضية؟...، وكانوا يحترمونهم احتراما كبيرا؛ لأنّ لديهم من العلم ما لم يكن عند العرب، فالعرب لم يكن لديهم شيء من هذا مطلقا، سوى الكعبة التي يَقْدُرونها، على أنّهم أيضا يكفرون بالله حتى في طوافهم بها، فأصبحوا يرون اليهود أعلى منهم درجة بكثير، علما وحكمةً ومالا ورجالا وسلاحا، والصياغة لديهم هم، والتجارة لديهم هم، واليهود استغلوا هذه الفكرة، فغمسوهم في الربا. فهم يُرون إذن في درجة عالية». (من كلام الشيخ).
(2) ... « مثلما هم تجّار الحروب اليوم، الذين يصنعون القنابل والمدافع وغيرها، وبودّهم أن تندلع الحروب دائما لكي تتحرّك تجارتهم، وهؤلاء كيهود آخر الزمان، بعضهم من بعض تشابهت قلوبهم». (من كلام الشيخ).
(3) ... استعمل الشيخ هنا كلمة «المسلمين» ثم كرّر العبارة مستعملا كلمة «العرب»، واخترت إثبات هذه الأخيرة؛ لأنّ الشيخ لما كرّر العبارة ثانية فكأنّه تدراكٌ منه، ثمّ إنّ هذه العبارة على لسان اليهود باعتبار ما كان في المدينة قبل أن يأتي إليها النبيّ - صلى الله عليه وسلم - . (1/364)
صفحة 365
قبل في المدينة؛ إذ كان الحال فيها من قبلُ أنّ هذا لا يكلّم هذا، وهذا العرش لا يكلّم ذاك، فأصبحوا متحابّين متآخين، يلتقون مع بعضهم بعضا، [لما رأى اليهود هذا قالوا فيما بينهم]: «نحن دورنا في المدينة انتهى، إن بقيت هذه الرابطة بين هؤلاء؛ لم يبق لنا شيء، يجب أن نسعى للتفريق بينهم، نكفر بدينهم، ونشتّت شملهم، ونفرّق كلمتهم». وتعاهدوا على هذا.
في يوم من الأيّام -وهذا من جملة مكرهم- جاء أحد من كبارهم ومرّ على جماعة فوجد الأوس والخزرج مجتمعين في مكان، فرأى حالتهم ومخاطبتهم فوجدها مخاطبةَ أناس متحابّين كأنّهم أبناء أب واحد وأمّ واحدة، فذهب إلى قومه فقال: «قوّتنا في المدينة ذهبت، إن بقي هؤلاء الناس على هذه الحالة؛ لم يبق لنا شيء، لنحملْ أمتعتنا ولنرحلْ، هذه الرابطة التي بينهم، هذه الوحدة، وهذه المحبة التي بينهم لن تتركنا نعيش في هذا الوطن أبدا، فلنفرّق بينهم». فنادى لأحد من شباب اليهود وأمره أن يذهب إلى تلك الجماعة فيجلس معهم [ويوقع بينهم].
ذهب ذلك اليهوديّ فجلس معهم (1) ودخل معهم في الكلام، كلام من هنا وكلام من هناك، فتذاكروا الحروب الماضية، وتذاكروا المعركة الأخيرة يوم بعاث، المعركة الكبيرة الأخيرة التي انتصر فيها الأوس على الخزرج، واليهوديّ الخبيث من حين لآخر يجرّ الحديث بلطف إلى جهة الحروب القديمة، فبدأ كلٌّ يذكر ماذا حقّق من انتصارات تجاه خصمه، هؤلاء يقولون: «نحن قتلنا فلانا من أبطالكم»...
والآخرون يقولون: «ونحن أيضا قتلنا لكم فلانا»...
وهؤلاء شباب والدماء ساخنة، وبالطبع قلب الإنسان لابدّ وأن يتأثر، فبدأت الدماء تغلي، وفي الوقت قال أحد من الخزرج -المغلوبون يوم بعاث قبل أن يهاجر
__________
(1) ... « وهم -كما قلنا من قبل- كلّهم متخالطون، حتى اليهود فيهم عرب أصليّون، ولكن الديانة يهوديّة». (من كلام الشيخ). (1/365)
صفحة 366
النبي - صلى الله عليه وسلم - : «إن أردتم رددناها جذعة» (1) ؛ أي: إن شابت الحرب وشاخت، رددناها جذعة، يعني نحييها.
هكذا قال أحد من الخزرج، فقال الحاضرون: «هيّا، وهل تخيفوننا؟!، نحن حاضرون». واليهوديّ يزيد النار اضطراما، ويسكب عليها بنزينا، ويرمي إليها حطبا.
لمّا قال هذا: «إن أردتم رددناها جذعة» قال له الآخر: «نعم، موعدنا الظاهرة» (2) . فنهضوا وهبّوا إلى بيوتهم لأخذ السلاح، وبعدها خرجوا إلى الحرّة.
[دعوها فإنّها منتنة] :
دعوها فإنّها منتنة
ولكنّ الخبر وصل إلى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، ذهب أحد فأبلغه: «هذا ما وقع في المجمع الفلانيّ».
خرج إليهم النبيّ - صلى الله عليه وسلم - في بعض أصحابه -والحمد لله أنّهم لم يبدؤوا بعدُ الطعانَ- فقال لهم: «أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟!» (3) ، أنا معكم ووسطكم ولا زلتم تفكّرون في العهود الجاهلية؟!.
«يا آل بني فلان» هذه هي دعوى الجاهلية.
وبمجرّد أن رأوا النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، تحرّك الإيمان في قلوبهم وبكوا، واستغفروا لذنوبهم وتعانقوا، وطلبوا: «يارسول الله، ادع الله أن يغفر لنا، فهذه دماؤنا تحرّكت، حرّكها هذا الخبيث اليهوديّ».
__________
(1) ... « الجَذَع هو الجدي أو الكبش الصغير». (من كلام الشيخ).
(2) ... «ظاهر المدينة: خارجها. يُعبّر أحدنا فيقول: ”نزل بظاهر المدينة“؛ أي خارج المدينة، وهذه العبارة معروفة [ومتداولة] بينهم». (من كلام الشيخ).
(3) ... انظر القصة كاملة عند: الطبري، جامع البيان في تفسير القرآن: ج4، ص16. (1/366)
صفحة 367
هذا مثال من أمثلة كثيرة لمكر اليهود لكي يفرّقوا [بين أهل المدينة]، لكنّهم أشعلوا النار فلم تلتهب، اشتعلت قليلا فانطفأت بمجرّد أن جاء النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وذكّرهم بالإيمان، ونهاهم عن دعوى الجاهلية.
ولنا هنا عبرة علينا أن نفهمها ونعتبر بها جميعا كبارنا وصغارنا وشبابنا، حرام على أحد أن يستنصر بقومه؛ لأنّها دعوى الجاهليّة، يُظلم أحد مثلا فيأتي لكي يستغيث، فماذا يقول؟، حرام أن يقول: «أين أنتم يا بني فلان»؛ [أي يستغيث] بعشيرته، لا، استغث بالمسلمين، ناد: «أغيثوني أيّها المسلمون»، «يالَلَّه للمسلمين»، هذه دعوة الإسلام، لكن أن تقول: «أغيثوني يابني فلان»، أو: «أين أنتم يا بني فلان»، فهذه هي دعوى الجاهليّة، هذه هي المحرّمة، هذه هي العصيان والكفر، هذه هي التي قال عنها النبيّ - صلى الله عليه وسلم - في حادثة غير هذه: «دعوها فإنّها منتنة» (1) ، تعبير غريب من النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ؛ أي: إذا نطق بها أحد، فكأنّه أشاع نَتْنا في الوسط. استغث بالمسلمين، فالمسلم ينصر أخاه المسلم، ولو كان أخوه هو الذي يضربك ويضرّك، قل: «أغيثوني أيّها المسلمون»، يأتي أخوه فيفكّك من بين يديه وينصرك، فما ألجأنا إلى: «يا بني فلان»؟!.
فلنتعلّم هذه الكلمة جيّدا، ولنحذر من استعمالها، فإنّها سبب الشرّ في كلّ زمان ومكان. وسببُ الخير؛ الاستغاثة بالمسلمين، «أين أنتم أيّها المسلمون»، «أغيثوني أيّها المسلمون»...
استغث بالمسلمين؛ يأتيك كلّ من في قلبه ذرّة من الإسلام فينصرك، سواء قريبك أو بعيد عنك، وسواء الذي يظلمك أخوه أم ليس أخاه، وهكذا «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يُسلمه ولا يخذُله» (2) ، «المسلم أخو المسلم لا يظلمه»، «ولا يخذله» إن استغاث به، «ولا يسلمه» لا يتركه لأحد يظلمه.
__________
(1) ... متفق عليه عن جابر بن عبد الله. صحيح البخاري، كتاب: تفسير القرآن، سورة البقرة، باب: قوله: {سَوَآءٌ عَلَيْهِمُ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمُ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ}، رقم: 4625 ، وصحيح مسلم، كتاب: البر والصلة والآداب، باب: نصر الأخ ظالما أو مظلوما، رقم: 4788.
(2) ... سبق تخريجه. (1/367)
صفحة 368
فلنأخذ هذه الحكمة من هذه التربية النبويّة، لا يوجد: «يا آل بني فلان» في الإسلام أبدا، ولو أن ينادي المهاجريّ: «يا للمهاجرين»؛ لأنّه مهاجريّ، [أو الأنصاريّ]: «يا للأنصار»؛ [لأنّه أنصاريّ].
وقد حدث هذا أيضا في حرب من الحروب -التي ستأتينا [بحول الله]- فقال لهم النبيّ - صلى الله عليه وسلم - : «دعوها فإنّها منتنة» (1) . استغث بإخوانك المسلمين. وهذا الذي جمع بين هذه الطبقة التي كادت الحرب تثور بينهم بمكر اليهود.
[أهو هُو؟!] :
أهو هُو؟!
وهذا مثال آخر يتجلّى لنا فيه قوّة [مكر] اليهود، وكفرهم وبغضهم للنبيّ - صلى الله عليه وسلم - مع علمهم أنّه رسول الله حقّا، روته صفيّة -رضي الله عنها- بنت حييّ بن أخطب (2) ، سيّد بني النضير (3) .
فماذا قالت؟.
قالت: «كنت أحبَّ ولد أبي إليه وإلى عمّي»؛ أي: كنت محبوبة إلى أبي وعمّي أكثر من كلّ أولادهما، «كنّا كلّما نلتقي أذهب إلى أبي أنا وإخوتي، أو إلى عمّي ياسر أنا وأبناؤه، فيعانقاني ويقبّلاني أكثر من جميع أولادهما الآخرين ذكورا وإناثا»، كأنّ الله تبارك وتعالى جعل لها محبّة ونورا؛ لأنّها ستكون زوجة النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، فلنتذكّر هذه الحكمة.
__________
(1) ... سبق تخريجه.
(2) ... « أمّ المؤمنين، زوجة النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، يهوديّة الأصل، تزوّجت فطُلقت، ثم تزّوجت آخر، وكانت في خيبر، وبعد أن فُتحت خيبر وغُلب اليهود، سُبيت مع السبي، فكانت من نصيب دحية بن خليفة الكلبيّ، فأخذها إلى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - فأعتقها وتزوّجها، فكانت من خيار أمّهات المؤمنين عقلا وحكمة -رضي الله عنها-. أبوها حييّ بن أخطب، سيّد بني النضير غنًى وجمالا وكمالا وعلما، وهو حبر من الأحبار». (من كلام الشيخ).
(3) ... «وهؤلاء هم اليهود الذين نزلت فيهم سورة الحشر: {هُوَ الذِي أَخْرَجَ الذِينَ كَفَرُوا مِنَ اَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ} [الآية: 2]». (من كلام الشيخ). (1/368)
صفحة 369
قالت صفيّة: «في اليوم الذي هاجر [فيه] النبيّ - صلى الله عليه وسلم - كنت في البيت، فلمّا جاء ونزل في قباء (1) ، خرج إليه أبي وعمّي». ذهبا إليه لينظرا ويريا أمره، فهذا يقول إنّه نبي.
ومن الضروريّ أن يذهبا، خاصّة وأنّهما رؤساء وكبار وعلماء، هما اللذان يذهبان لكي يختبراه وينظرا حاله.
قالت صفية: «خرجا في الغلس (2) ، ولم يرجعا إلا مع غروب الشمس». طول النهار وهما ماكثان في قباء.
«فلمّا رجعا ورأيتهما من بعيد قادمين كسلانين يمشيان الهوينى» أتيا فشلانَيْن فاترَين، وهما في حالة من الضعف غريبة.
«هششت إليهما وذهبت إليهما مسرعة كعادتي». ذهبتْ وهي تبتسم فرحة بمقدم أبيها وعمّها، خصوصا وأنّهما قد خرجا قبل طلوع الشمس ولم يرجعا إلى غروبها، وعادتهما أن يعانقاها ويقبلاها بحرارة، قالت: «فوالله ما التفت إليّ أحد منهما».
وتضيف قائلة: «فسمعت عمّي يقول لأبي: أهو هو؟ قال: نعم والله هو هو». يعني: هل هذا هو النبيّ؟ قال: والله إنّه هو.
فزاد أكّد عليه قائلا: «أعرفته وثبّتته؟».
قال: «والله ثبتته، هذا الذي في التوراة والإنجيل، لا يوجد شكّ فيه، هذا هو النبيّ الموعود به».
فقال ياسر لأخيه الأكبر: «فما في نفسك منه؟» يعني ماذا في بالك؟ أتؤمن به وتتّبعه أم لا؟، خاصّة وأنّه لم يبعث منّا نحن اليهود. قال له: «عداوته والله ما بقيت».
__________
(1) ... «وهو اليوم الثاني عشر ربيع الأوّل، وبقي هناك -كما تقدّم لنا- أربعة أيّام: الاثنين، الثلاثاء، الأربعاء، الخميس، وفي صبيحة الجمعة ذهب إلى حيث نزل». (من كلام الشيخ).
(2) ... «يعني في الصباح الباكر، والجوّ مظلم قبل طلوع الشمس». (من كلام الشيخ). (1/369)
صفحة 370
وهذان حبران من أحبار اليهود، واثنان من كبارهم وعلمائهم، قرّرا بينهما: هو [نبيٌّ]، ولكن أن نعترف [به] ونؤمن، لا [أبدا]، [بل] عداوته والله ما بقينا وما دمنا أحياء. وهكذا أصرّا على الكفر، وكذلك ماتا عليه.
[إسلام عبد الله بن سلام] :
إسلام عبد الله بن سلام
ولم يسلم من اليهود إلا عدد قليل، منهم من حسن إسلامه كعبد الله بن سلام -رضي الله عنه-، وهذا [أيضا] حبر من أحبار اليهود، وعالم من كبار علمائهم، ومن خيارهم، هداه الله تبارك وتعالى إلى الإسلام.
لمّا أسلم، جاء إلى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - فقال له: «يا رسول الله، إنّ اليهود قوم بُهْت، أهل بهتان، لا يتورّعون عن قول البهتان والكذب، وقول ما هو زور وباطل، بودّي أن تفعل شيئا قبل أن يعلموا أنّي قد أسلمت، أدخلْني في حجرة من حجر المكان الذي أنت فيه بحيث لا يشعر بي اليهود، ثمّ ادعهم واسألهم عنّي: ماذا تقولون في فلان؟ قبل أن يعلموا أنّي قد أسلمت؛ لأنّي أعرف أنّهم لو علموا أنّي قد أسلمت؛ فسيطعنون».
وفعل النبيّ - صلى الله عليه وسلم - هذا، أدخله في غرفة وخبّأه فيها، [واستدعى] أعيان اليهود، فلمّا جاءوه سألهم: «الحُصَيْنُ (1) بن سلام ما هو فيكم؟».
قالوا: «هو سيّدنا وابن سيّدنا، وعالمنا وحَبرنا» (2) .
شكروه وتكلّموا فيه كلاما جميلا، ورفعوا قدره.
وبعد أن أتّموا كلامهم، خرج عبد الله بن سلام فقال لهم: «يا معشر يهود، والله أنتم تعلمون أنّ هذا رسول الله حقا، ووالله ما أنتم تشكّون فيه، وأنا مؤمن به ومصدّق أنّه رسول الله حقّا، وهذا الذي بُشِّرْنا به».
__________
(1) ... «لأنّ اسمه القديم: الحصين بن سلام، فسمّاه النبيّ - صلى الله عليه وسلم - : عبد الله بن سلام». (من كلام الشيخ).
(2) ... «والحَبر هو: عالِم الدين [اليهوديّ]، كالرهبان [عند النصارى]، يُجمع على: أحبار». (من كلام الشيخ). (1/370)
صفحة 371
وقتئذ نادوا كلّهم: «كذبت».
وبدؤوا يطعنون فيه.
فقال: «يا رسول الله، ألم أقل لك إنّهم قوم بُهْتٌ»؛ أي أصحاب غدر وفجور وبَهت، لا يتورّعون عن الكذب ولا عن البهتان ولا عن نقض العهود أبدا.
وهكذا دام هؤلاء على كفرهم، أمّا هو -رضي الله عنه- فأصبح من خيار المسلمين، وَرِعًا في دينه.
وممّا يُذكر عنه أنّه لم يشارك أبدا في حروب الفتن التي وقعت بين الصحابة يوم الجمل بين عليّ من جهة وطلحة والزبير وعائشة من جهة، ولا يومَ صفّين بين عليّ ومعاوية، بل اعتزل كلّ الفتن.
وهو الذي قال مرّة للإمام عليّ لما استقرّ له الأمر في المدينة وأراد أن ينقل العاصمة إلى الكوفة بطلب من قومه:
«الزم منبر رسول الله يا أمير المؤمنين، فإنّك إن تركته فلن ترجع إليه أبدا» (1) ؛ أي الزم المدينة فإنّك إن غادرتها فلن ترجع إليها.
فلم يطع [عليٌّ] كلامَه؛ وكان كذلك كما قال.
وهو الذي فضح اليهود لمّا خبّؤوا الآية في التوراة مثلما قال الله في القرآن: {قُلْ فَاتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَآ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} (2) ، اختلفوا على حكم الرجم، فقال لهم النبيّ - صلى الله عليه وسلم - : «يوجد عندكم الحكم في التوراة».
__________
(1) ... «فعاصمة الإسلام في زمن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر وعثمان كانت المدينة، وقُتل عثمان في المدينة، وبيته الذي قُتل فيه مشهور إلى الآن بجنب الحرم، لكن شيعة الإمام عليّ -الذين هم أنصاره- طلبوا منه أن يجعل العاصمة في الكوفة بالعراق؛ لأنّ معاوية جعل عاصمته في دمشق». (من كلام الشيخ).
(2) ... سورة البقرة: الآية 93. (1/371)
صفحة 372
قالوا له: «لا يوجد».
فقال لهم: {قُلْ فَاتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَآ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}. فأتوا بالتوراة وأتوا بمن يقرؤها، فلمّا وصل عند الآية غطّاها بيده وتخطّاها، فقال له عبد الله بن سلام -وهو يحفظ [التوراة]-: «ارفع يدك»، فإذا بالآية تتلألأ.
فقال له: «اقرأ الآية». وفضحهم هناك.
هذا مكر اليهود من جهة، ثمّ يتولّد عنصر النفاق، وهو عنصر جديد يخلق في الوسط، دخل الإسلام ولكن لم يخلص له، لكي نرى ونعلم كيف كان النبيّ - صلى الله عليه وسلم - يلاقي صعوبات غريبة جدّا في تكوينه لهذه الدولة، فهو لم يجد الأمر سهلا لمّا هاجر من مكّة إلى المدينة، [بل لاقى] مصاعب لا تُتصوّر ولا تُقدّر، لكن قاومها بفضل الله، وانتصر أخيرا بإذن الله، والحمد لله ربّ العالمين. (1/372)
صفحة 373
الدرس السادس عشر
محتويات الدرس:
محتويات الدرس
? حوصلة ما تقدّم من دروس.
? الفرق بين الفتنة والعذاب.
? عقيدة الامتحان.
? الإيمان اعتقاد وقول وعمل.
? وحنينه أبدا لأوّل منزل.
? أُخرجوا من ديارهم وأموالهم.
? يحبّون من هاجر إليهم.
? مشكل اليهود في المدينة.
? مشكل المنافقين.
? والسابقون الأوّلون.
? هم درجات عند الله.
? ومن الناس من يعبد الله على حرف.
? حتّى يردوكم عن دينكم.
? خاتمة الكلام. (1/373)
صفحة 374
صفحة 374 بيضاء (1/374)
صفحة 375
الدرس السادس عشر (1)
[موضوعه: في هذه الحلقة خلاصة شاملة وجامعة للدروس المتقدّمة كلّها، منذ أسباب الهجرة النبويّة إلى استتباب الأمن واستقرار الأوضاع في المدينة لنشأة الدولة الإسلاميّة].
[حوصلة ما تقدّم من دروس] :
حوصلة ما تقدّم من دروس
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على رسول الله.
كنّا في الدروس الماضية منذ شهر المحرّم نتتبّع النبيّ - صلى الله عليه وسلم - في هجرته.
ذكرنا بالاختصار شيئا من حالته في مكّة وما لقيه من أذى قريش، وما لقيه المسلمون الذين دخلوا في دين الإسلام من أذى قريش في مكّة؛ ممّا أدّى إلى الهجرة الأولى إلى الحبشة.
النبيّ - صلى الله عليه وسلم - أذن لأصحابه بعد أن مسّهم الأذى أن يهاجروا إلى الحبشة وقال لهم: «إنّ فيها ملكا لا يُظلم بجواره أحد». فكانت الهجرة الأولى إلى الحبشة، وذكرنا [بعض] أسماء المهاجرين وما وقع لهم، وذكرنا كذلك مكر قريش الذين أرسلوا [وفدا] إلى الحبشة ليغروا ويرْشُوا النجاشيّ ومن معه حتّى يطرد المسلمين من بلاده، فكان جوابه ما علمتم، ثمّ تتبّعنا هذه الأحداث باختصار حتّى انتهينا إلى هجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد أن أذن الله تبارك وتعالى له. واقتضت حكمة الله تعالى أن تكون المدينة هي العاصمة الأولى للدولة الإسلامية.
أذن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه من أهل مكّة أن يهاجروا بعد أن دخل الإسلام المدينةَ على يد أهلها من الأوس والخزرج الذين تتابعوا على زيارة مكّة في المواسم كما هو
__________
(1) ... ألقاه بعد صلاة الجمعة يوم: 5 جمادى الأولى 1392هـ الموافق لـ 16 جوان 1972م. (1/375)
صفحة 376
معروف، ولقيت جماعة منهم النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، الستة الأولون، والاثنا عشر من بعدهم في العام الآتي، والثلاثة والسبعون رجلا والمرأتان في العام الثالث، وذكرنا أنّ بعض المؤرّخين يذكرون العقبات [الثلاث]: العقبة الأولى والثانية والثالثة، وأكثر المؤرّخين يذكرون عقبتين؛ فلا يحسبون الستّة الأولين الذين اجتمعوا مع النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ولا يعدّونهم إذا قالوا: «العقبة الأولى والثانية».
دخل الإسلام إلى المدينة، وعرفنا سبب الدخول وأوّل من هاجر، وخصّصنا درسا خاصّا لسيّد الشباب يومئذ مصعب بن عمير -رضي الله عنه-، هذا الشابّ الذي كان مدلّلا بمكّة حتّى قال [فيه] النبيّ - صلى الله عليه وسلم - : «ما رأيت بمكّة أحسن لِمّة ولا أنعَم نَعمة من مصعب بن عمير» (1) ، كان مدلّلا بين أبويه ولكنّه اختار الإسلام وتعرّض لأذى أبويه، فكان أوّل مهاجر على الإطلاق من مكّة إلى المدينة، وأوّلَ مقرئ؛ أي معلّمٍ يُحفّظ الناسَ القرآنَ (2) ، ويدعو إلى الإسلام، وعلى يديه أسلم سعد بن معاذ سيّد الأوس -رضي الله عنه- الذي اهتزّ عرش الرحمن لموته، وأسلم على يديه أسيد بن حضير ثمّ بقية بني عبد الأشهل، وانتشر الإسلام [في المدينة] على يد هذا الشابّ الذي ضربناه مثلا لما يجب أن يكون عليه شباب اليوم، كان شابّا مدلّلا، ولا يوجد أكبر من شهادة النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بأنّه لم ير في مكّة أحسن لمّة ولا أنعم نعمة [منه]، على وجهه نضرة النعيم. ويقول سعد بن أبي وقّاص -رضي الله عنه- وجماعة من الصحابة: «رأينا بعد ذلك جلد مصعب بن عمير يتقشّف -ورواية: يتحشّف- كجلد الأفعى» من الجوع ومن الأذى وممّا تحمّله في سبيل الله.
[الفرق بين الفتنة والعذاب] :
الفرق بين الفتنة والعذاب
خصّصنا درسا خاصّا عن هذا الشاب علّه يكون مثالا لما يجب أن يكون عليه الشباب المسلم، فأنت إن وجدت في الإسلام يُسرا وسلامة وهناء وراحة تبعته، وإن
__________
(1) ... سبق تخريجه.
(2) ... «لأنّه جمع ما نزل إلى تلك الساعة من القرآن». (من كلام الشيخ). (1/376)
صفحة 377
كان فيه شيء من تعب تركته، فهذا من صفات المنافقين، الله تبارك وتعالى يقول في كتابه: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَّقُولُ ءَامَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَآ أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ} (1) ، انظروا إلى الحكمة الغريبة هنا: {جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ}، وهذه آية يجب أن نتفقّه فيها.
{جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ}: فتنة الناس وعذابُ الله كلاهما مصائبُ وبلايا وسوءٌ ينزل بالشخص، ولكن ينبغي على الشخص أن يفرّق بين ما كان عذابا من الله وسخطا وغضبا (2) ، وبين ما ينزل عليه من مصائب لا تدخل في نطاق العذاب، إنّما هي فتنة؛ أي ابتلاء واختبار، [بأنْ] سلّط الله عليه بلاءً على أيدي بعض الناس ليمتحن إيمانه، هل يَثْبُتُ في إيمانه ويتحمّل فتنة الناس فلا يفتتن ويتمسّك بالدين حتّى يتّقي بهذه الفتنة عذاب الله تعالى [أم لا] ؟، ومن الناس من لا يتنبّه لهذا فيجعل -كما يقول الله تبارك وتعالى-: {فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ}.
ولكي نوضّح المعنى أكثر [نقول]: نصاب في الدنيا [بفتن]، نجوع ونعطش ونمرض ونضام ونُضطهد ونُظلم ونُسجن ونُقتل، كلّ هذا يقع، تصيبنا مصائب من كلّ جهة ومن كلّ لون ومن كلّ نوع، ولكن على المسلم أن يفرّق ويعرف المصاب الذي أصيب به في سبيل ماذا؟
فإذا كان في الله {أُوذِيَ فِي اللَّهِ}...
إذا كان ناله ما ناله بسبب إيمانه...
بسبب إسلامه...
بسبب تمسّكه بالحقّ...
بسبب دفاعه عن الحقّ...
__________
(1) ... سورة العنكبوت: الآية 10.
(2) ... «وإذا غضب الله على عبد وسخط عليه فقد خسر الدنيا والآخرة». (من كلام الشيخ). (1/377)
صفحة 378
بسبب دعوته إلى الحقّ...
إذا كان من هذا القبيل؛ فليعلم أنّ هذا فتنة وامتحان ابتلاه الله تبارك وتعالى به، كما ابتلى أفضل خلقه سيّدَنا محمّدا بن عبد الله، وكما ابتلى الصحابة رضي الله عنهم {فَصَبَرُوا عَلَىا مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ} (1) ؛ لأنّ هذا الإيذاء في سبيل الله.
فكلّما صبرت عليه؛ اقتربت من رضا الله...
وأدركت رضا الله...
وحصّلت على رضوان الله...
هذا هو [معنى قوله]: {فِتْنَةَ النَّاسِ}.
ولكن هنالك بلاء يجيء من الله تبارك وتعالى عقابا وعذابا على تنكّب الطريق وجزاءً على المعصية: {وَمَآ أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةِم بِمَا كَسَبَتَ اَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ} (2) ، والواجب التفرقة هنا، الواجب على من ادّعى الإيمان وقال: «آمنت بالله» أن يكون من الذين يفرّقون بين ما يصاب به فتنة [من الناس]، وما يصاب به عذابا من الله، فيصبر على الفتنة.
وما كان من البشر [فهو] فتنةٌ، وهو يدرك [ذلك] إذا تأمّل، ولا [ينبغي أن] يقول: «أنا لا أفهم ولا أعقل»، بل يتأمّل، لا تجعل فتنة الناس كعذاب الله.
غريبة [حقًّا] هذه التربية القرآنيّة، [هذه] التربية الدينيّة الإسلاميّة.
{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَّقُولُ ءَامَنَّا بِاللَّهِ} يقول: «آمنت»، ويدّعي الإسلام، ويدخل في زمرة المسلمين، ولكن لا بدّ من الابتلاء، {فَإِذَآ أُوذِيَ فِي اللَّهِ} و[حرف] «في» في اللغة العربية -كما تعلمون- للسببيّة، {فَإِذَآ أُوذِيَ فِي اللَّهِ}؛ أي: بسبب الله، وفي
__________
(1) ... سورة الأنعام: الآية 34.
(2) ... سورة الشورى: الآية 30. (1/378)
صفحة 379
شأن الله؛ لأنّه تمسّك بأمر الله، {فَإِذَآ أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ}: يخاف ويجعل فتنة الناس كعذاب الله.
وفتنة الناس أمر مؤقَّت قصير الأمد لا بدّ وأن يزول، فيختبرك الله تبارك وتعالى، ويختبر صحّة إيمانك (1) ، فإذا صبرت على الأذى زمانا قصيرا انقلب كما يقول العشّاق، -ونمثّل حتّى بما يقولون!-:
والحبّ أوّل ما يكون مرارة ... فإذا صبرت على مرارته حلا (2)
وكذلك أمر المؤمنين، إذا ابتُلوا بالمرارة وامتُحنوا بها فصبروا على ذلك؛ انقلب الأمر إلى العكس، يجيء نصر الله تبارك وتعالى فينجّيهم ويمنعهم، وإذا أراد الله لأحدهم أن يموت في ذلك العذاب أو بتلك المصيبة؛ كانت له شهادةً، فهذا إكرام! {وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ}، والأمّة التي اتُّخذ منها شهداءُ، كرامة [لها]، فالله تبارك وتعالى قادر على أن ينصر المسلمين من غير أن يُقتل منهم أحد، لا عدد كثير ولا قليل، ولكن أراد كما قال: {وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ}، جعَل اتّخاذ الشهداء من كلّ أمّة إكراما لها وتشريفا لها، وبالطبع إذا كانت الشهادة تكريما وتشريفا؛ فكلّما كثر عدد الشهداء، عظمت الكرامة وكملت وازدادت وتقوّت.
[عقيدة الامتحان] :
عقيدة الامتحان
فما كان ينبغي لمؤمن ألا يفرّق بين ما يبتلى به في الدنيا من المصائب ما يكون من عذاب الله وما يكون فتنة من فتن الناس، {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُّتْرَكُوا أَنْ يَّقُولُوا ءَامَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ
__________
(1) ... «ليعلم الله الصادقين من الكاذبين، ويميّز بين المنافقين والمخلصين». (من كلام الشيخ).
(2) ... لم أهتد إلى قائله، ولكنّي وجدت قريبا منه قول عليّة بنت المهدي:
... ... ... الحبّ أوّل ما يكون مجانةً ... ... فإذا تحكَّم صار شُغلا شاغلا
... (إبراهيم بن علي الحصري، زهرة الآداب وثمرة الألباب: ج1، ص22). (1/379)
صفحة 380
الْكَاذِبِينَ} (1) ، الاختبار لا بدّ منه، [وهو] شيء طبيعيّ وممّا تدركه العقول السليمة، كلّ شخص [سواء أكان] كبيرا أم صغيرا، وسواء أكان رئيس دولة أم رئيس حكومة أو رئيس جماعة أو رئيس عائلة أو حتّى الأشخاص [فيما] بينهم، لا بدّ [لهم] من الاختبار، إذا جاءك شخص وادّعى أنّه صديقك وحبيبك، لا بدّ أن تختبره، ويجب أن تمتحنه، وفتنته هي الامتحان، «وعند الامتحان يُكرَم المرءُ أو يُهان».
إذن البشر كلّهم يؤمنون بعقيدة الامتحان، كلّ من ادّعى دعوةً يجب أن يُمتحن حتّى يُظهر الامتحان هل هو صادق في دعواه أم كاذب؟.
وتكون [حتّى] بين الزوجين، يقول الزوج: «أريد أن أعرف وأتيقّن وأمتحن زوجتي هل هي مخلصة في ما تدّعي من حبّ؟».
والمرأة كذلك تحبّ أن تمتحن زوجها، فهذا يدّعي الحبّ، إنّي أحبّكك، وإنّي، وإنّي،... وأنتِ نور عيني، وأنتِ حياتي... [وغيرها] من العبارات الركيكة التي أكثر منها هؤلاء الكتّاب، لا بأس، مقبول، [ولكن] بشيء من الامتحان يتبيّن صدقه أو كذبه.
وتبدأ من الحالة الشخصيّة بين اثنين تآخَيَا أو تصادَقَا، ويصعد هذا الأمر الشخصيّ بين اثنين حتّى يرتقي إلى أعلى الدرجات، إلى القمم كما يقولون، فيحتاج أو يضطرّ الرؤساء والمسؤولون والحكّام وغيرهم لاختبار رعاياهم أفرادا وجماعات وموظّفين ووزراء ونوّابا.
[الإيمان اعتقادٌ وقولٌ وعملٌ] :
الإيمان اعتقادٌ وقولٌ وعملٌ
إذن كيف يمكن أن يخطر ببال المسلم أنّه وبمجرد دعوى الإيمان [يكون مؤمنا]؟!، ما أيسر هذا الإيمان لو كان كلمة لسان فقط!!، ولكن الإيمان النافع الصالح
__________
(1) ... سورة العنكبوت: الآيتان 2 -3. (1/380)
صفحة 381
-كما نعلم ونعتقد- الذي يوصل إلى السعادتين الدنيويّة والأخرويّة، لا يمكن أن يكون إلا مقرونا بالعمل، قد يُطلق الإيمان ويراد به كلّ عمل، صحّةُ العقيدة وصدقُ القول وصلاحُ العمل، وقد يُذكر الإيمان في القرآن ويراد به العقيدة ويعطف عليه بعدُ بـ: {وَعَمِلَ صَالِحًا}، {وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} (1) ...، ومن غريب أمر القرآن أنّه إمّا أن يذكر العمل أوّلا ويثنّيَ عليه بالإيمان، وإمّا أن يذكر الإيمان ويعقّب عليه ويثنّيَ عليه بالعمل الصالح، وهذا من أقوى الأدلّة وأقطعها، ويدفع عن صدور الذين يزعمون أنّ الإيمان قول بلا عمل، [وأنّ الإيمان] ينفع بلا عمل.
{مَنَ ـ امَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا} (2) .
{وَمَنَ اَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَآ إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا} (3) ...
وقد يقتضي مقام سياق بعض الآيات [أن] يكون الابتداء فيها بالعمل:
{مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ اَوُ اُنثَىا وَهُوَ مُومِنٌ} (4) ...
ولسنا بصدد سرد هذه الآيات ولماذا بدأ الله تبارك وتعالى هذه الآية بالعمل وثنّى بالإيمان؟، ولماذا ذكر في الآية الأخرى الإيمان أوّلا وثنّى بالعمل؟، لسنا بصدد هذا، ولسنا في بحث كلّ آية، وإنّما الابتداء بالإيمان في بعض الآيات وبالعمل في بعض الآيات [الأخرى]، شيء يقتضيه السياق والمقام.
ومهما كان؛ فإنّ مجموع هذه الآيات كلّها على ماذا يدلّ؟.
[يدلّ] على جوب اقتران العمل بالعقيدة والقول، لكي يعطيَ الإيمان ثمرته مِن رِضا الله ومن إضفائه على المؤمنين النصر في الدنيا والسعادة في الأخرى.
__________
(1) ... وردت خمسين مرّة في القرآن الكريم بمثل هذه الصيغة في خمسين موضعا.
(2) ... وردت ثلاثا وعشرين مرّة بمثل هذه الصيغة.
(3) ... سورة فصلت: الآية 33.
(4) ... سورة النحل: الآية 97. (1/381)
صفحة 382
هذه هي مسألة الإيمان قول وعمل [التي] تكلّم فيها المتكلّمون قبلُ واختلفوا [فيها] كثيرا، ولكن نحمد الله تبارك وتعالى أنّنا لا نجد اليوم من كتب في الإيمان إلا ويقرنه بالعمل، ويجعل الإيمان لا قيمة له إلا بالعمل، وهذا مذهب أهل الحقّ والاستقامة منذ الصدر الأوّل، بل هو مذهب أهل الكتاب والسنّة.
إذن لا بدّ من الابتلاء، ولا بدّ من الامتحان، ولا بدّ لمن امتُحن وابتُلي وأُصيب أن يتفكّر: تُرى، ما سبب هذه المصيبة؟.
فإذا كانت في الله علمْتَ، ولا يمكن أن يخفى عليك أنّك أوذيت من أجل عقيدتك الصحيحة...
وأوذيت من أجل عملك الصالح...
وأوذيت من أجل قولك الحقّ...
صرّحْتَ وقلتَ الحقّ فأوذيت؛ تحمّلِ الأذى لكي يتكشّف الامتحان عن ذهب إبريز لا عن زَيْف...
واعلم أنّ لك أجرا كبيرا...
[وحنينه أبدا لأوّل منزل] :
وحنينه أبدا لأوّل منزل
هذه هي طريقة القرآن، وهذه هي دعوة القرآن، وهذه هي دعوة النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، وهذه هي سنّته العمليّة، وسنّة أصحابه الذين رأينا ما تحمّلوا به من أذى من أقربائهم وأهليهم لمّا كانوا مستضعفين بمكّة، كلُّ من آمن من ذكر أو أنثى من عبد مملوك [أو حرّ]، إلا وآذاه أبوه أو أمّه أوليّه أو مالكه، هذا نوع الأذى الذي كان في مكّة، فأنجى الله تبارك وتعالى المؤمنين من مكّة ووجدوا مقرّا هيأه الله تبارك وتعالى لهم، حتّى تبنى فيه الدولة الإسلامية، وتكون القاعدة الأولى والعاصمة الأولى الإسلاميّة التي تشعّ النور والعدل والحقّ والسلام على جميع العالم، وأراد الله أن تكون المدينة لا مكّةَ، مكّةُ منزل الوحي (1/382)
صفحة 383
ومبعث النور الأوّل، ولكن الدولة تكوّنت في المدينة لحكمة يعلمها الله، تكوّنت في المهجر بعد أن {أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ اِلآَّ أَن يَّقُولُواْ رَبُّنَا اللَّهُ (1) } (2) ، فهم قد اختُبروا، فهؤلاء الذين يمكن أن تبنى عليهم الأسس، وتكونَ رؤوسهم وأرواحهم كلّها أسسا لهذه الدعوة الإسلاميّة، ولهذه الدولة الإسلامية التي لا يزال نورها يشعّ على العالم، ولن يفلح العالم ولن يتمتّع بسلام إلا إذا عاد إلى الإسلام.
وهذه [الدولة الإسلاميّة] على ماذا بُنيت؟.
بُنيت على هؤلاء الذين اختبرهم الله وامتحنهم، فصبروا على ما أوذوا في سبيل الله، ولا يوجد شيء أكبر وأعظم على الإنسان من هجرة وطنه ومسقط رأسه، ومراتع صباه ومراحه، [وموطن] أعمامه وأخواله وعائلته، مراحُ الصِّبا هذا له قيمة كبيرة جدّا، ومفارقة الأوطان من أشدّ وأصعب الأشياء في الدنيا، فكيف يكون الأمر إذا كان هذا الوطن هو الوطن الذي فيه {أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ} (3) ...؟!
والذي فيه البيت الحرام...
وزمزم والمقام...
ومواطئ أقدام إبراهيم وإسماعيل اللذين رفعا القواعد من البيت؟!...
هل يستطيع أن يفتح إنسان فاه في الدنيا ويقول: «إنّ هناك بقعة في الأرض أشرف من البيت الحرام؟!»...
هذا لكي تتصوّروا كم هي قيمة الهجرة من الأوطان وكم هو البلاء، ولا نتصوّر هذا دون اعتبار أنّ للمقام -أي مسقط الرأس- قيمةً معنويّة أو مكرُمة أو فضيلة تاريخيّة مثلا، فلمَراتع الصّبى قيمةٌ لا تنسى.
__________
(1) ... «أي السابقون الأوّلون من المهاجرين». (من كلام الشيخ).
(2) ... سورة الحجّ: الآية 40.
(3) ... سورة آل عمران: الآية 96. (1/383)
صفحة 384
... كم منزل في الأرض يألفه الفتى ... وحنينه أبدا لأوّل منزل (1)
فالهجرة من أيّ وطن مهما كان فقيرا أو غنيّا، ومهما كان في صحراء أو في بلاد خصبة، صعبٌ ومن أشدّ الأمور على الإنسان، وإذا أضفنا إلى هذا ما هو أكبر، بأن كان لهذا الموطن مقام لا يدانيه على ظهر الأرض مقام، ندع لكم أن تتصوّروا كم قيمة البلاء الذي ابتُلي به المسلمون لما أُذن لهم بالهجرة، أو لمّا اضطُرّوا إلى الهجرة فرارا بدينهم.
حتّى إنّه ورد في هذا الباب أنّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - لما وصل المدينةَ، والمدينةُ كما تعلمون بلد خصب فيه واحات وأشجار ونخيل وعنب، وهي غزيرة المياه، وبالطبع فحيث تكون هذه البرك؛ يكثرُ الماء، ولو كان الماء عذبا حلوا، وحيث تكون البرك؛ تكون المستنقعات وتكون الأمراض والحُمِّيات، منها حمى المستنقعات المعروفة بـ «pali-رضي الله عنه-ise» ونعرفها نحن جيّدا؛ لأنّ أكثر مَن هنا بلوناها في وارجلان وفي وادي ريغ (2) ، هذه البلاد المعروفة بالحمى، إلا في هذه العهود الأخيرة لما توفّرت وسائل العلاج والأدوية المبيدة للحشرات؛ نقُصت.
كانت المدينة موبوءة، فلمّا وصل إليها المهاجرون اجتمع عليهم أمران:
( الهجرة أو الخروج من أقدس بقعة في الأرض، وهذا أعظم ما يصاب به الإنسان في الدنيا.
( وجدوا المدينة موبوءة، ما وصلوا إليها في الأيّام الأولى حتّى مرضوا.
تقول عائشة -رضي الله عنها- في العام الأوّل قبل أن يبنيَ بها النبيّ - صلى الله عليه وسلم - : «كان أبو بكر ومولاه عامر بن فُهَيرة وبلال في بيت واحد في المدينة، فدخلتُ عليهم فسمعتُ أبا بكر وقد اشتدّت عليه الحمى وهو يقول:
__________
(1) ... هذا البيت للشاعر أبي تمام الطائيّ، ويقول قبله:
... ... نَقِّل فؤادك حيث شئت من الهوى ... ... ما الحبّ إلا للحبيب الأوّل
... (الراغب الأصفهاني، محاضرات الأدباء: ج3، ص51).
(2) ... منطقتان تقعان في الجنوب الشرقي للعاصمة الجزائرية. (1/384)
صفحة 385
كلّ امرئ مُصَبَّحٌ في أهله ... و الموتُ أدنى من شِراك نعله
في أبيات يتكلّم بها. فاحتارت عائشة وقالت: «إنه يهذي (1) ».
ثمّ سمعت بلالا يقول:
ألا ليت شِعري هل أبيتنّ ليلةً ... بواد وحولي إذْخِرٌ وجليلُ
و هل أرِدَنْ يومًا مياه مَجَنَّةٍ ... و هل يَبْدُوَن لِي شامَةٌ وطُفَيْلُ
أي: يا ترى هل يأتي يوم وأرجع فيه إلى مكّة، وأكون بشامة وطفيل وأَرِدَنْ مجنّةً....؟، يذكر بلال -رضي الله عنه- الأماكن التي كان يروح ويغدو فيها ويحنّ إليها وهي في مكّة.
وسمعتْ كذلك عامر بن فُهيرة يقول أبياتا أخرى لست مستحضرها جميعا (2) ، فاشتدّ الأمر على عائشة، فذهبت إلى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وقالت له: «يا رسول الله، إنّ الحمى قد اشتدّت عليهم، وإنّهم ليهذون».
فهم إذن لم يذهبوا أوّل ما ذهبوا إلى أرض أطيب من مكّة وأنقى هواء منها، [بل] صادفهم أوّل ما صادفهم هذا الوباء، ولكن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - دعا دعوته المشهورة:
__________
(1) ... «يهذي؛ أي يتكلّم بكلام غير معقول بتأثير الحمى، ونعرف أنّ تأثير الحمى وخاصّة حمى المستنقعات هذه يبتلى أصحابها بالهذيان، وقد بلونا أمامنا كثيرا من إخواننا وهم يهذون، يرون أشياء لا نراها ويسمعون أصواتا [لا نسمعها] ». (من كلام الشيخ).
(2) ... لمّا سألته عائشة -رضي الله عنها-: «كيف تجدك يا عامر؟»، قال:
لقد وجدت الموت قبل ذوْقهِ ... إنّ الجبانَ حتفُه من فوْقهِ
كلّ امرئ مجاهَد بطَوْقِهِ ... كالثَّوْر يَحْمِي جِلْدَه برَوْقِهِ
... (سيرة ابن هشام: ج3، ص132).
... الطَّوْق: الطاقة؛ أي أقصى غايته.
... أمّا الرَّوْق: فهو القرن، والجمع: أرواق. (ابن منظور، لسان العرب: ج10، ص231، مادة: طوق، وص131، مادة: روق). (1/385)
صفحة 386
«اللّهمّ حبّب إلينا المدينة كحبّنا مكّة وأشدّ، اللّهمّ بارك في صاعها، اللّهمّ بارك في مُدّها، اللّهمّ انقل حماها إلى مَهْيَعَة (1) » (2) .
فاستجاب الله تبارك وتعالى لنبيّه ونقل هذه الحمى من المدينة إلى الجحفة، وأصبحت طَيْبةُ أطيبَ بلاد الله مناخا، وأعذب بلاد الله ماء (3) ، فلم يبق فيها أثر ممّا كان فيها قبل. وهكذا طهّرها الله تبارك وتعالى من هذا الوباء.
ومكّة كان حبّها في القلب، وهنا النكتة في هذا الحبّ «كحبّنا مكّة وأشدّ»، والله تبارك وتعالى فعّال لما يريد، والقلوب كما ورد في الأثر: «بين أصبعين من أصابع الرحمن» (4) ، فحبّبَ إليهم المدينة، فكانت وطنهَم الثاني، بل أصبحت هي الأصل، حتّى إنّ المهاجريّ لا يجوز له أن يرجع في هجرته ولو بعد فتح مكّة بعد أن أصبحت دارَ إسلام.
قد يخطر بالبال أنّ هذه الهجرة وجبت لمّا كانت مكّة دار شرك، وبعد الشرك أصبحت دار حرب، ولما فُتحت في العام الثامن أصبحت دار إسلام؛ إذن هل يجوز للمهاجريّ أن يترك المدينة ويذهب إلى مكّة وطنه الأصليّ؟.
__________
(1) ... «وهي معروفة اليوم بـ: «الجُحْفة» مقابل رابغْ». (من كلام الشيخ).
(2) ... الرواية متّفَق عليها عن عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت- في نهاية القصة-:... ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «اللهمّ حبِّب إلينا المدينة كحُبِّنا مكّة أو أشدّ، اللهم بارك لنا في صاعنا وفي مُدِّنا، وصحّحها لنا، وانقل حماها إلى الجحفة». قالت: وقدمنا المدينة وهي أوبأ أرض الله. (صحيح البخاري، كتاب: كتاب الحج، فضائل المدينة، باب: كراهية النبي - صلى الله عليه وسلم - أن تُعْرَى المدينة، رقم: 1799، وصحيح مسلم، كتاب الحج، باب: فضل المدينة، رقم: 2522 . واللفظ للبخاري).
(3) ... «وطيبة -كما يعرفها الذين زاروها وهم بيننا كثر- [تمتاز] بالماء العذب الطيّب والهواء النقيّ». (من كلام الشيخ).
(4) ... أخرجه مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إن قلوب بني آدم كلَّها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد، يصرفه حيث يشاء»، ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «اللهم مصرَّف القلوب صرِّف قلوبنا على طاعتك». (صحيح مسلم، كتاب: القدر، باب: تصريف الله تعالى القلوب كيف شاء، رقم: 4905). (1/386)
صفحة 387
لا، لا يحقّ له، بل يستمسك حتى يتمّ له أجره عنده الله.
حتّى إنّ بعضا من الصحابة المهاجرين رضي الله عنهم من صادفته منيتّه في مكّة في رحلة من رحلاته إليها، فصار يبكي خائفا أن تفسخ هجرته، كأنّه عاد مرّة أخرى إلى الوطن الذي خرج منه فرارا بدينه، لكنّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - أخبر أنّ الذين جاءتهم منيّتهم وهم في مكّة حجّاجا أو معتمرين أو في أمر من الأمور التي يضطرّ الإنسان إلى السفر من أجلها؛ لم تبطل هجرتهم، ولذلك بقي المهاجرون متمسّكين بالمدينة؛ لأنّ الهجرة كانت في ذلك الوقت واجبة، حتّى أنّ من ادّعى الإيمان ولم يهاجر لا يتمّ له إيمان: {وَالذِينَ ءَامَنُوا وَلَمْ يُهَاجَرُوا مَا لَكُم مِّنْ وَّلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّىا يُهَاجِرُوا} (1) ، لم يعذر الله تبارك وتعالى أيّا من المؤمنين [أن] يبقى في مكّة إلا من استثناه بصريح الآية: {اِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَآءِ وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً} (2) ، هؤلاء عَذَرَهم، أمّا من استطاع فليتحمّل.
فانظروا إلى لون هذا الابتلاء، وإذا أضفنا إليه مرض الحمّى الذي بالمدينة؛ نرى عظم المصيبة التي ابتُلي بها المهاجرون الأوّلون.
[أُخرجوا من ديارهم وأموالهم] :
أُخرجوا من ديارهم وأموالهم
ولم يخرجوا من ديارهم فقط، بل خرجوا من أموالهم [أيضا]، فكثير من المهاجرين كانوا أغنياء ولديهم مال بمكّة، فتركوه. والنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - كانت عنده بمكّة ديار فتركها، ولذلك قال له -أظن الإمام علي- يوم الفتح: «أننزل بدارنا؟».
فقال له: «وهل ترك لنا عقيل من دار؟!». عقيل بن أبي طالب أخو الإمام عليّ سطا على أموال النبي - صلى الله عليه وسلم - وعلى دوره، فلم يُبق له شيئا في مكّة، فهو مسافر لا يملك
__________
(1) ... سورة الأنفال: الآية 72.
(2) ... سورة النساء: الآية 98. (1/387)
صفحة 388
شيئا فيها؛ فينزل في الحرم كغيره؛ لأنّه خرج من كلّ هذا في سبيل الله. والشاهد هنا: «وهل ترك لنا عقيل من دار؟!».
والله تبارك وتعالى يشهد لهم بقوله: {أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ} (1) ، تركوا الديار وتركوا الأموال، وبالطبع ترْكُ الديار والأموال يقتضي ترك الأقارب والأرحام، هاجروهم وتركوهم من أجل الله، وكانت بينهم مودّة القربى، ولكنهم تحمّلوا كلّ هذه [الابتلاءات].
[يحبّون من هاجر إليهم] :
يحبّون من هاجر إليهم
هؤلاء المهاجرون لمّا ذهبوا إلى المدينة، وجدوا -حقيقةً- قوما يأوونهم وينصرونهم ويحبّونهم كما قال الله فيهم: {وَالذِينَ تَبَوَّءُو الدَّارَ وَالاِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّآ أُوتُوا وَيُوثِرُونَ عَلَىآ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} (2) . وتقدّم لنا الكلام عن الأنصار، ولماذا سمّوا أنصارا، وعن هذا المقام وهذا المركز الممتاز الذي أعطاه الله تبارك وتعالى لهم فكان منهم أكثر جنود المسلمين؛ لأنّ عدد المهاجرين أقلّ في بدر وفي أُحُد وفي الخندق وفي قريظة وفي خيبر [وغيرها من المواقع]، فأكثر الجنود من الأنصار أهل المدينة، وألقى الله تبارك وتعالى هذه المحبّة وهذه المودّة في قلوب الأنصار لإخوانهم المهاجرين، فقابلوهم على الرحب والسعة وقاسموهم أموالهم، [ووصفهم الله تبارك وتعالى بأنّهم]: {يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ}.
وقد تقدّمت الإشارة إلى هذه الآية، فطبعُ الناس اليوم في جميع البلاد أنّهم يكرهون من هاجر إليهم؛ لأنّهم يرون فيهم مزاحما في كلّ شيء، مزاحما في منتوجات الوطن، في تجارته، في صناعته...، اللّهمّ إلا إن كان هؤلاء المهاجرون ممن يُحتاج إليهم
__________
(1) ... سورة الحشر: الآية 8.
(2) ... سورة الحشر: الآية 9. (1/388)
صفحة 389
ليعينوا على استثمار خيرات البلاد وكنوزها، وإلا فالأعمّ الأغلب المعروف في كلّ بلاد، أنّ أهل الوطن -أيَّ وطن- يكرهون من يهاجر إليهم، فأصحاب المدن يكرهون من يدخل إليهم كما هو واقع اليوم، وأصحاب العواصم دائما محتارون من أصحاب الأرياف الذين يتركون ديارهم في الريف وفي الصحاري والجبال والأودية ويدخلون إليهم العواصم ويغيظهم هذا، حتّى الحكومات تحتار في هذا وتتخذ كلّ وسيلة لكي توقف هذه الهجرة من الريف إلى المدينة؛ لما فيها من أخطار. وهذا طبع البشر.
أنت في مدينتك بودّك أن لا يأتيك مهاجرٌ حتّى تبقى لك خيرات المدينة، ولكن الله تبارك وتعالى خصّ الأنصار بهذه المكرمة وطهّر قلوبهم حتّى قال فيهم -ولولا [أنّها] شهادة الله لقلنا: ربّما فيها مبالغة-: {يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ}: هم يطلبون ويتمنّون ويرغبون في الهجرة، كلّ أحد يقول لأخيه المهاجريّ: «تعال انزل عندي على الرحب والسعة، أقاسمك مالي».
[مشكل اليهود في المدينة] :
مشكل اليهود في المدينة
[وقد] يظن ظانّ ممّن لم يتفقّه في السيرة أنّ المهاجرين وجدوا بلادا طيّبة الهواء، ووجدوا فيها قوما آووهم ونصروهم وكأنّهم لم تعترضهم صعوبات في تكوين هذه الدولة التي ما هاجروا إلا من أجلها؛ لأنّها حكمة الله تبارك وتعالى، ولكن الأمر عكس [هذا]، نعم وجدوا قوما هم الأنصار، وهؤلاء الأنصار ما هم إلا بعض أهل المدينة، ففي المدينة يهود.
[وقد] تقدّم لنا في درس مضى كلام المؤرّخين في تاريخ مجيء اليهود إلى الحجاز عموما، وإلى المدينة وإلى خيبر وفدك وتيماء ووادي القرى المحيطة بها [خصوصا]، على خلاف بينهم، ومهما يكن فإنّهم سبقوا -منذ قرون وقرون- الأوس والخزرج الذين جاءوا بعد خراب سدّ مأرب في اليمن.
وتقدّم لنا أنّ اليهود فيهم إسرائيليون أصليّون، وفيهم عرب متهوّدون، وفيهم من هو ممتزج، الأمّ عربية والأب يهوديّ. (1/389)
صفحة 390
فبالمدينة [إذن] يهود أغنياء أثرياء مرابون (1) .
( طائفة فلاّحون لهم ضياع فيها نخيل وأشجار مثمرة (2) .
( وطائفة تجّار.
( وطائفة صاغة تعمل الذهب والفضّة.
وهؤلاء شَرِقوا (3) بالإسلام لمّا جاء، وكانوا نواة لكلّ ما أصيب به النبيّ - صلى الله عليه وسلم - من بلاء بعد ذلك.
وذكرنا لمّا عرض عليهم النبيّ - صلى الله عليه وسلم - الإسلام كيف ابتعدوا عنه، وكيف اعترفوا فيما بينهم بأنّه حقّ، ولكنّهم اتّفقوا على معاداته ما بقوا.
وفي الدرس الماضي ذكرنا ما قاله حييّ بن أخطب والد صفيّة أمّ المؤمنين -رضي الله عنها- سيّد بني النضير مع أخيه ياسر فيم روته صفية -رضي الله عنها- قالت: «لما نزل النبيّ بقباء في أيّامه الأولى، خرج أبي حييّ بن أخطب وعمّي ياسر في الغلس ولم يعودا إلاّ مع غروب الشمس»، في اليومين الأوّلين، والنبيّ - صلى الله عليه وسلم - مكث بقباء أربعة أيّام، دخلها يوم الاثنين وخرج صبيحة الجمعة إلى المدينة.
قالت: «كنت أَحَبَّ ولد أبي إليه» وإلى عمّها كذلك، عندهما أولاد ولكن قالت: «ما جئتهما إلا وتركا الأولاد كلّهم وعانقاني وقبّلاني»، [كانت] محبوبة عندهما أكثر، وهذا سرّ من أسرار الله، أغدق الله عليها بهذه المحبة؛ لأنّها ستكون بعدُ زوجةَ لخير خلق الله، وتكونُ أمّا من أمّهات المؤمنين.
__________
(1) ... «واليهود مرابون منذ خلقوا». (من كلام الشيخ).
(2) ... «والمدينة -كما كنّا نقول- خصبة». (من كلام الشيخ).
(3) ... شَرِقَ فلان بريقه أو بالماء؛ إذا وقعا في غير مساغهما. يقال: «أخذته شرقة فكاد يموت». (الفراهيدي، العين: ج2، ص326، مادة: شرق). (1/390)
صفحة 391
قالت: «في ذلك اليوم خرج أبي وعمّي من الصباح الباكر في الغلس ولم يرجعا إلا مع غروب الشمس، فجاءا كالّين كسلانين يمشيان الهوينى، فهششت إليهما -ذهبت أجري وأنا مبتسمة كما كنت أفعل- وكنت أنتظر أن يمسكاني ويعانقاني، لكن والله ما التفت أحد منهما إليّ، وسمعت عمّي ياسر يقول لِحُيَيّ: أهو هو؟.
قال له: أي نعم، هو هو.
قال: أتعرفه وتثبته؟.
قال: نعم، أعرفه وأثبته (1) .
فقال ياسر: وماذا في نفسك؟ ماذا تنوي فعله؟، أتؤمن به وقد أمرك موسى وعيسى كلاهما [بذلك]؟ (2) .
قال [حيي]: عداوته والله ما بقيتُ». وصرّح بعداوته ما دام حيّا، وهذا يكفينا مثالا [لمكر اليهود]، وأمثلة مكرهم كثيرة.
[مشكل المنافقين] :
مشكل المنافقين
لكن لم يكن الخطر الذي تكوّن في المدينة من جديد وقاسى منه النبي - صلى الله عليه وسلم - من جهة اليهود [فقط]، فهناك خطر آخر جاء مِمّن؟.
جاء من المنافقين.
والمنافقون من هم؟.
__________
(1) ... «يعني أنّه هو النبيّ الموعود؛ لأنّهما حبران من الأحبار، قرءا التوراة وعرفا صفات النبيّ حقَّ المعرفة». (من كلام الشيخ).
(2) ... «يعني أنّ التوراة تأمر به: {يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالاِنجِيلِ} [سورة الأعراف: الآية 157]». (من كلام الشيخ). (1/391)
صفحة 392
عرب أقحاح من الأوس والخزرج، وإن كان الأكثر -كما يقول التاريخ- من الخزرج، لم يهدهم الله تبارك وتعالى إلى الإيمان، دخل الإيمان في قلوب من أراد الله تبارك وتعالى هدايته، وشرح صدره للإسلام، ولكن البعض تمكّن الكفر من قلوبهم، وحسدوا النبيّ - صلى الله عليه وسلم - على فضله، منهم عبد الله بن أُبيّ الذي كانت الوسائل تُعَدُّ لتتويجه ملكا على المدينة، ورأى في النبيّ - صلى الله عليه وسلم - السببَ الذي حجز بينه وبين الملك الذي كان ينتظره، وهنالك آخرون لم يهدهم الله تبارك وتعالى للإسلام، هؤلاء طائفة تربّصوا أوّل يوم، فلمّا رأوا كثرة أهل المدينة الأصليّين الأوس والخزرج أسلموا ونصروا النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وآووه، وجدوا في أنفسهم حسدا، ووجدوا أنفسهم مضطرّين أن يتظاهروا بالإسلام حتّى يردّوا البلاء عن أنفسهم، ولكن لا يخلصون في إيمانهم.
بهذا تكوّنت طائفة المنافقين الذين أنزل الله تبارك وتعالى في فضيحتهم آيات كثيرة في القرآن، ومن أطول الآيات كلاما عن المنافقين سورة التوبة أو براءة، {وَمِنْهُم...} {وَمِنْهُم...} {وَمِنْهُم...}...، فضح الله المنافقين فضحا غريبا.
وفي سورة التوبة من علم النفس -كما يعبّر الناس في هذا العصر- والكشف عن خبايا النفوس، ودراسة طبائع القلوب، ومن علم النفس القرآنيّ ما لا يوجد في كتابٍ، ومن تدبّر ما ذكره الله تبارك وتعالى من صفات المنافقين على الأخصّ ومن صفات اليهود وصفات المشركين، يتفقّه ويدرك علما كثيرا غزيرا في خبايا النفوس.
تكوّنت هذه الطبقة فكانت مصدر بلاء ومصدر مكر للنبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، وتمالأت مع اليهود، واليهود بقوا على دينهم وشرعوا في المكر والغدر حتى طهّر الله منهم الأرض بعد أن أُجْلِيَ بنو قينقاع، وأجلي بنو النضير، وقتل بنو قريظة، وهذا في قضايا سيأتي الكلام عليها بعدُ، ولكن قبل إجلائهم كانوا مع المنافقين أَلْبًا (1) على النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، متّفقين يتآمرون على الكيد والمكر بالمؤمنين وبالنبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، ولهذا النبيّ - صلى الله عليه وسلم - في الحقيقة- قاسى الأمرّين، قاسى بلاء شديدا لكي يكوّن هذه الدولة الفتيّة في المدينة ويركّز هذا الدين
__________
(1) ... مُنْضَمِّين ومُجتمِعين. (ابن منظور، لسان العرب: ج1، ص215، مادة: ألب). (1/392)
صفحة 393
فيها ويضع الدعامات والأسس المتينة التي تكون منطلقا إلى كلّ جهة شمالا وجنوبا شرقا وغربا، ليس هذا بالأمر السهل، الشيء الذي قاساه المهاجرون بمكّة قبل الهجرة كان بلاءً فرديّا، كلّ شخص يتولّى أهلُه الكفارُ تعذيبه وفتنَه عن دينه حتّى فرّ، ولكنّ الذي لقوه بالمدينة من اليهود ومن إخوانهم المنافقين [كان بلاء جماعياّ] (1) .
والمنافقون أخطر على المسلمين من الأعداء الصرحاء؛ لأنّهم يقولون ما تقولون ويفعلون ما تنكرون، ويَغْشَون دائما مجالس المسلمين ويشهدون جماعاتهم وجُمُعَهم، ولكنهم يكيدون ويمكرون، ودائما يتآمرون مع اليهود.
[والسابقون الأوّلون] :
والسابقون الأوّلون
وهذا يبيّن لنا شيئا ممّا قاساه أسلافنا الأوّلون الذين اختارهم الله تبارك وتعالى حتّى يكونوا السابقين الأوّلين، ومدحهم الله تبارك وتعالى وأثنى عليهم ورضي عنهم: {وَالسَّابِقُونَ الاَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالاَنصَارِ وَالذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ...} (2) ، وما كان رِضا اللهِ ليتحوّل.
هؤلاء الذين منهم الجنود الأوّلون في المعركة الأولى بدر، وهم ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا بدريّا الذين قال فيهم النبيّ - صلى الله عليه وسلم - مخاطبا عمر: «ما يدريك يا عمر، لعلّ الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» (3) ، هؤلاء [هم] البدريّون، وهؤلاء [هم] أصحاب شجرة الرضوان أخيرا في صلح الحديبية [الذين قال الله فيهم]: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُومِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَاخُذُونَهَا...} (4) ، وهكذا تكرّر مدحهم في كتاب الله.
__________
(1) ... «إخوانهم في النسب والجنس، ولكن أعداء في الدين». (من كلام الشيخ).
(2) ... سورة التوبة: الآية 100.
(3) ... سبق تخريجه.
(4) ... سورة الفتح: الآيتان 18-19. (1/393)
صفحة 394
[هم درجات عند الله] :
هم درجات عند الله
هؤلاء هم السابقون الأولون، وينتهي السبق إلى الفتح، والله تبارك وتعالى يقول في آية صريحة في القرآن: {لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنَ اَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الذِينَ أَنفَقُوا مِنم بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىا...} (1) ، فرقٌ بين الذين دخلوا في الإسلام وهو في مبدأ أمره ضعيفا في مكّة، أو هو في المدينة ولكنّه لا يزال ضعيفا ليس فيه إلا عدد [من] المهاجرين وبعض الأنصار لا يتجاوزون بضع مئات، والدنيا كلّها عدوّة لهم، مكّة وما حول مكّة ونجد وقبائلها واليهود شمالي المدينة وخيبر...، كلّ الناس أعداء [لهم] (2) .
الذين أسلموا في هذا العهد رغبة في الإسلام لا نفاقا ولا رياء ولا سمعة ولا خوفا ولا رهبة، [و]الذين أسلموا والنبيّ - صلى الله عليه وسلم - في دار الأرقم بمكّة قبل الهجرة، [أعظم درجة من] مسلمة الفتح بعد أن انتصر النبيّ - صلى الله عليه وسلم - في غزوة بدر، وبعد أن انتصر -وإن ابتلي- في غزوة أُحُد، وبعد [أن انتصر في] غزوة خيبر، وبعد أن فُتحت مكّة -فأصبحت كلّها كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - تحت قدميّ هاتين- ودخل الناس في دين الله أفواجا وذلك قوله: {إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا} (3) .
الذين دخلوا في الإسلام بعد هذه الحالة بعد تغلّب النبيّ - صلى الله عليه وسلم - على اليهود وقهرهم وطردهم من المدينة (4) ، [وبعد أن] دان له الحجاز كلّه، ودانت له مكّة
__________
(1) ... سورة الحديد: الآية 10.
(2) ... «ولذلك تحزّبوا فكانت غزوة الأحزاب {إِذْ جَآءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنَ اَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الاَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ...} [سورة الأحزاب: الآية 10]. وداخل المدينة اليهود والمنافقون، فالدنيا كلّها تألّبت على بعضٍ من أهل المدينة». (من كلام الشيخ).
(3) ... سورة النصر: الآيتان 1-2.
(4) ... «وبقيت بقيّة منهم في خيبر ولكن عمّالا، مزارعين بالنصف». (من كلام الشيخ). (1/394)
صفحة 395
كلّها، بما فيها من صناديد قريش كلّهم وأصبحت كلّها تحت قدمه، [أقل درجة ممّن أسلم قبلُ].
بعد هذا لا نقول: لا مزيّة لمن يدخل في الإسلام، [بل] لهم مزية، لكن أن يطمع الذي دخل في الإسلام بعد الفتح أن يدرك شأو الذين دخلوا في الإسلام قبل [الفتح] والإسلام ضعيف في مكّة أو ضعيف وهو بالمدينة فهذا محال.
هذا عدْل الله تبارك وتعالى، ولا نستطيع أن ندرك دقّة الموازين التي تزن بها العدالةُ الإلهيّة، أولم يقل: {وَإِن كَانَ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ اَتَيْنَا بِهَا وَكَفَىا بِنَا حَاسِبِينَ} بعد أن قال: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا} (1) ؟.
فالناس درجات، والقرآن يقول: {هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ اللَّهِ} (2) ويصرّح بهذا الحكم، وإنّما نعرف منه نحن الحالة الإجماليّة: {لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنَ اَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الذِينَ أَنفَقُوا مِنم بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىا...} (3) .
وأخيرا يقول: {وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىا}: لا يبخسهم الله حقهم، [هؤلاء] دخلوا في دين الله أفواجا؛ فيستقبلهم النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ويرحّب بهم: {وَلاَ تَقُولُوا لِمَنَ اَلْقَىآ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ لَسْتَ مُومِنًا} (4) .
وكثير من أوجه الصحابة الذين أبلوا البلاء الحسن في فتوح العراق وفتوح الشام وفتوح إفريقيا وغيرها، كانوا من مُسْلِمة الفتح، أسلموا وحسن إسلامهم
__________
(1) ... سورة الأنبياء: الآية 47.
(2) ... سورة آل عمران: الآية 163.
(3) ... سورة الحديد: الآية 10.
(4) ... سورة النساء: الآية 94. (1/395)
صفحة 396
ونصروا الله تبارك وتعالى ونشروا دينه ورفعوا ألويته في جميع الأرض، ولكن مهما بلغت درجتهم فإنّهم لا يصلون أبدا درجة السابقين الأوّلين، هذا نصُّ القرآن وتعبير القرآن: {السَّابِقُونَ الاَوَّلُونَ} (1) .
وقال في وصفهم بعدُ في غزوة تبوك: {لَقَد تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيءِ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالاَنصَارِ الذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنم بَعْدِ مَا كَادَ تَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ} (2) : الذين أسلموا في حال الضيق وحال الشدّة وحال المكر واتبعوا النبيّ - صلى الله عليه وسلم - في حال العسرة؛ هؤلاء هم السابقون الأوّلون، وهؤلاء هم الجماعة الأولى الذين يُضَمُّ إليهم كلّ من جاء بعدهم.
يقول [الله تبارك وتعالى] في آخر سورة الأنفال: {وَالذِينَ ءَامَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالذِينَ ءَاوَوا وَّنَصَرُوا أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُومِنُونَ حَقًّا لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ وَالذِينَ ءَامَنُوا مِنم بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُوْلَئِكَ مِنكُمْ...} (3) ؛ أي: الذين أتوكم وجاهدوا معكم بعدُ {فَأُوْلَئِكَ مِنكُمْ}.
ترى من هي هذه الجماعة التي تدخل في ضمير الجمع {مِنكُمْ} و{مَعَكُمْ}؟.
بالطبع إنّ الفضل للسابقين، الجماعة التي أرادها الله تبارك تعالى، [وقد] ذكر أصحاب السيرة والمؤرّخون كثيرا، وسمّوا من المهاجرين والأنصار ومن البدريّين عددا كثيرا، ولكن لا تظنّهم يستطيعون الإحصاء، هذا شيء أحصاه الله تبارك وتعالى.
والمراد بالتذكير بما أصاب المسلمين السابقين الأوّلين من المهاجرين والأنصار، [أن نعلم] ما أصابهم من شدّة في هذا الوقت الذي كوّنوا فيه وبنوا فيه ووضعوا فيه أسس هذه الدولة، فلم يكن الأمر بالسهل الميسور.
__________
(1) ... سورة التوبة: الآية 100.
(2) ... سورة التوبة: الآية 117.
(3) ... سورة الأنفال: الآيتان 74-75. (1/396)
صفحة 397
[ومن الناس من يعبد الله على حرف] :
ومن الناس من يعبد الله على حرف
ولم يكونوا من الذين قال فيهم -كما قلنا قبلُ- إظهارا لخبايا النفوس وهذا في سورة الحج: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَّعْبُدُ اللَّهَ عَلَىا حَرْفٍ فَإِنَ اَصَابَهُ خَيْرٌ اِطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنَ اَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ اِنقَلَبَ عَلَىا وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالاَخِرَةَ...} (1) .
ومثل هذه الكلمات في القرآن كثير، {وَمِنَ النَّاسِ...}، {وَمِنَ النَّاسِ...} (2) ، وفي سورة التوبة: {وَمِنْهُم...}، {وَمِنْهُم...} (3) ...
{وَمِنَ النَّاسِ مَن يَّعْبُدُ اللَّهَ عَلَىا حَرْفٍ}: كما يقول المثل عندنا: «شَادّْ بَالْيَسْرَى» (4) ؛ أي: ليس ممسكا الأمر بيده اليمنى، بل باليد اليسرى، دخل في الإيمان ولكنّه على طرف وعلى حافّة.
{فَإِنَ اَصَابَهُ خَيْرٌ اِطْمَأَنَّ بِهِ}: فإذا وجد اليُسر ولم يجد صعوبة فيقول: «هذا دين جيّد لا بأس عليه، وأنا لم يحدث لي أيّ شيء، فأنا مسلم»، فيتمسّك.
ولكن إذا ابتُلي بشيء أو: {إِنَ اَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ}؛ {اِنقَلَبَ عَلَىا وَجْهِهِ}.
{اَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ}: ولم يقل عذاب، [وهي] الفتنة التي كنّا نتكلّم عنها قبلُ، [بأنْ] سلّط [الله] عليه أحدا من الكفرة أو من المنافقين فآذاه من أجل دينه، أو لمّا دخل الإسلام ماتت زوجته العزيزة أو مات له ولد أو ضاع له مال، فيقول: «هذا الأمر ليس مباركا، وليس رابحا، دخلت في الإسلام فماتت امرأتي، أو مات ابني، أو ضاع مالي، أو حدث لي كذا»؛ فيفرّ من دينه.
__________
(1) ... سورة الحج: الآية 11.
(2) ... وردت عشر مرّات في القرآن الكريم بمثل هذه الصيغة.
(3) ... وردت بمثل هذه الصيغة ثلاثا وعشرين مرّة في القرآن الكريم، وفي سورة التوبة وحدها أربعَ مرات.
(4) ... مثل عاميٌّ، ترجمته الحرفية بالفصحى هي: «مَاسِكٌ باليسرى». (1/397)
صفحة 398
[... حتّى يردّوكم عن دينكم] :
... حتّى يردّوكم عن دينكم
والخلاصة أنّنا ابتلينا اليوم نحن المسلمين، نعم ابتُلِينا، سلّط الله تبارك وتعالى علينا بأعمالنا -ولا نشكّ في هذا مطلقا- من لا يرحمنا من دول هي أقوى منّا، وأمم أكثر منّا عددا، وأقوى منّا مالا، وأغزر منّا علما، تسلّطوا علينا بمختلف الوسائل فأُصبنا وفُتنّا عن ديننا، ونحن متيقّنون أنّنا مفتونون، هذه فتنة وابتلاء من الله، إذ سلّط علينا الكفرة والملاحدة شرقيّين وغربيّين (1) فغزوا ديارنا، وأكلوا أموالنا، وطردونا من أوطاننا الخصبة المهمّة إلى الصحاري والقفار وأذلّونا، ولكنْ أخطأنا فهم الحقيقة: لماذا ابتلينا بهذا؟ وهذا هو الخطأ الأكبر الذي وقع فيه أكثر المسلمين اليوم.
ظنّنا أنّنا غُلبنا بسبب تمسّكنا بديننا؛ لأنّ [أعداءنا] بثّوا فينا هذه الفكرة: أتدرون أنتم أيّها المسلمون لماذا استعمرناكم وغلبناكم فأصبحتم أذلّة؟.
لأنّكم متمسّكون بدين خرافيّ، ولأنّكم متّكلون (2) .
تحبّون أن ترتقوا وتنهضوا وتتقدّموا؟.
انبذوا دينكم وراءكم ظهريّا واتّبعونا في عقائدنا وفي أيديولوجياتنا (3) .
وهذا المرض وهذا الظنُّ جاء من عندهم، [وهو] من جملة مكرهم، لم يكتفوا بامتلاك الأموال والبلاد وقهر النفوس واضطهادها والقتل الجماعيّ والمكر بالمسلمين في العشرات والعشرات من السنين، [بل] زادوا وأدخلوا في عقيدة المسلمين -على أيدي من تتلمذ لهم قبل أن يتفقّه في دينه- أنّ سبب بؤسكم هو دينكم لا أكثر ولا أقل، فإذا أردت أن تترقّى، فاخرج من دينك.
__________
(1) ... «سواء عندهم كتاب ويزعمون أنّهم يتّبعونه، أو ليس عندهم أيّ شيء ولا يعتقدون بدين سماويّ، وكلُّ من خالفك في دينك فليس بمسلم، وهو عدوّ لك». (من كلام الشيخ).
(2) ... «يعني لا يفرّقون بين التواكل والتوكّل». (من كلام الشيخ).
(3) ... «كما يستعملونها [اليوم]، وأصبحت هذه العبارة شائعة». (من كلام الشيخ). (1/398)
صفحة 399
ومن الغريب [أنّه وإلى] اليوم لا يزال كثير من الشباب المسلم في الشرق والغرب يعتقدون هذه العقيدة، وقد تمكّنت في قلوبهم حتّى بعد النكسة [التي أصابتنا بأيدي] اليهود (1) والتي تكلّمنا عنها مرارا (2) ؛ حيث تسلّطت [علينا] شرذمة يهودٍ يعدّون على الأصابع بالنسبة للمسلمين (3) .
ومن الغريب [أن تُعتقد هذه العقيدة في هذا] الدّين الذي بدأ بفرد وقهر الدنيا كلّها وطاف العالم من شرقه إلى غربه في أقلّ من قرن، إي نعم في أقلّ من قرن، لم تكتمل مائة سنة من مبعث النبيّ - صلى الله عليه وسلم - حتّى وصل إلى المحيط الأطلسيّ إلى الأندلس، وإلى أقاصي الصين، وصل الإسلام في كلّ جهة، ووطئت أقدام فرسانه وخيّالته وعلمائه ودعاته كلّ جزء من أجزاء الدنيا ولا يزال، ولم يكن هنالك دين حورب مثلما حورب الإسلام، [فقد] أجمع الكلّ على محاربته، وانتصر رغم أنفهم وسينتصر كذلك.
[خاتمة الكلام] :
خاتمة الكلام
بهذه الخلاصة اليوم ننهي حديثنا المتواصل منذ أوّل محرّم عن الهجرة، حيث تتبّعنا كيف تسلسلت الحوادث حتّى أوصلتنا إلى الهجرة وإلى استقرار النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة...
__________
(1) ... يقصد بالنكسة، الهزيمةَ التي تعرّض لها المسلمون على أيدي اليهود سنة 1387هـ/ 5 جوان 1967م. وأقول: «المسلمون» تجوّزا؛ لأنّ مواجهاتنا ضدّ اليهود كانت ولا زالت باسم القوميّة العربيّة للأسف.
(2) ... أي في غير هذه السلسلة من الدروس الكثيرة والمتنوّعة التي كان يلقيها رحمه الله تعالى في المسجد الكبير بالقرارة.
(3) ... «مليونان في مقابل خمسمائة مليون مسلم في الدنيا، أو إذا تركنا المسلمين [عموما] وخصّصنا المسلمين الذين هم عرب في دول المواجهة؛ فإنّ عددهم أيضا كثير [بالنسبة لليهود] ». (من كلام الشيخ). يراعى في هذا تاريخ إلقاء الدرس. (1/399)
صفحة 400
فلندَع النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - في هذه المدينة المنوّرة يؤسّس هذه الدولة ويوطّد أركانها، ويربط بين المهاجرين والأنصار، ويعقد المعاهدات، معاهدة التعايش السلميّ، وعدم الاعتداء، والدفاع المشترك عن المدينة مع اليهود....
هو يعمل ويؤسّس...
فلندعه على هذه الحال حتّى يَتمّ هذا الأمر الذي كان له ما بعده...
بعد ذلك تأتي المراحل الأولى، فبعد أن وطّد النبيّ - صلى الله عليه وسلم - [أركان الدولة]، وجمع الجماعة التي التفّت حوله ووحّد بينها وربطها برباط متين فأصبحت كالبنيان المرصوص؛ بدأ في العام الأوّل سراياه باعتراض الطريق على [قافلة] لمشركي مكّة، ينتج عنها غزوة بدر الكبرى في العام الثاني، وبعد غزوة بدر تأتي كذلك سرايا، ثمّ غزوة أُحُد في العام الثالث، ثمّ غزوة الأحزاب في العام الرابع، ثمّ بعد أُحُد والأحزاب سرايا، ثمّ في العام الخامس بنو المصطلق، ويأتي صلح الحديبية ثمّ فتح خيبر ثمّ فتح مكّة ثمّ غزوة حنين...
هذه كلّها أحداث كبرى في الإسلام متتابعة، وفي كلّ منها عجب من إكرام الله تبارك وتعالى لنبيّه، وعجب من تفاني المسلمين في الذود عن دينهم، [وعجب] من شدّة صبرهم واحتمالهم، هذا الأمر الذي أدّى إلى تمكّن الإسلام، وكان كما قال الله تبارك وتعالى: {إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} (1) وفهمها سيّدنا ابن عباس رضي الله عنهما على أنّها نعي لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
أدّى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - مهمّته وهيّأ دولة موطّدة الأركان تركها لمن بعده، وهذا ما سيأتي فيما بعد (2) [إن شاء الله]؛ لأنّنا سنوقف دروس [هذه السلسلة] للتكلّم عن بعض
__________
(1) ... سورة النصر.
(2) ... أوقف الشيخ رحمه الله الكلام عن هذه السلسلة مؤقّتا، وأخبر بأنّه سوف يرجع إليها بعد حديثه عن بعض الأمراض الخُلُقيّة التي بدأت تظهر وتتفشّى في المجتمع قصد معالجتها، فقمت بالبحث عن تتمّة موضوع الهجرة النبوية فلم أجدها، وسألت عن ذلك بعض القائمين على تراث الشيخ رحمه الله، فأخبروني بأنّه لم يتسنّ له العودة إليها.
... والذي يلاحَظ هنا أن الشيخ رحمه الله كثيرا ما كان يردد في هذه السلسلة أنه سيتكلم عن حادثة كذا وعن غزوة كذا...، دون أن يقول في أي منها: «إن شاء الله»، ولكن اللهَ شاء أن لا يعود إليها، تماما كما حدث لسيدنا محمَّد - صلى الله عليه وسلم - الذي فتر عنه الوحي مدةً؛ لأنه قال لما سئل: «سأجيبكم غدا»، ولم يقل: «إن شاء الله»، وجلّ من لا يخطئ. وهذه نكتة لطيفة فلنتنبّه إليها. والله أعلم. (هذه النكتة نبّهني إليها الأستاذ المشرف: مصطفى بن محمد شريفي، بعد مراجعته للعمل). (1/400)
صفحة 401
أمراضنا الاجتماعيّة الأخلاقية المتفشية قصد معالجتها، وفي [الدرس] الآتي كلام عن مرض من هذه الأمراض.
نرجو من الله تبارك وتعالى أن يوفّقنا لما يحبّه ويرضاه، وأن يجعلنا متأسّين مقتدين بهؤلاء الرعيل الأوّل الذين قال لنا فيهم: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمُ إِسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الاَخِرَ} (1) . والحمد لله ربّ العالمين.
__________
(1) ... سورة الممتحنة: الآية 6. هذه الآية وردت في شأن قوم إبراهيم - عليه السلام - ، ولكن الشيخ وظفها في صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . (1/401)
صفحة 402
صفحة 402 بيضاء (1/402)
صفحة 403
الفهارس العامة
- قائمة المصادر والمراجع.
- فهرس الآيات القرآنية.
- فهرس الأحاديث النبوية.
- فهرس الأبيات الشعرية.
- فهرس الحكم والأمثال.
- فهرس الأعلام.
- فهرس الأديان والمذاهب والأقوام.
- فهرس الأماكن والبلدان.
- المحتويات. (1/403)
صفحة 404
صفحة 404 بيضاء (1/404)
صفحة 405
قائمة المصادر والمراجع
القرآن الكريم، قراءة نافع، رواية ورش، عن طريق الأزرق.
الكتب المطبوعة:
1. ابن الأثير أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الكريم الشيباني الجزري، أسد الغابة في معرفة الصحابة، تحقيق: عادل أحمد الرفاعي، دار إحياء التراث العربي: بيروت، لبنان، ط1، 1417هـ/1996م.
2. ابن العماد شهاب الدين أبو الفلاح عبد الحي بن أحمد بن محمد الحنبلي، شذرات الذهب في أخبار من ذهب، تحقيق: عبد القادر الأرناؤوط ومحمود الأرناؤوط، دار ابن كثير: دمشق، بيروت، ط1، 1412هـ/1991م.
3. ابن حبان محمد بن حبان بن أحمد التميمي البستي، صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة: بيروت، لبنان، ط2، 1414هـ/1993م. (الأحاديث مذيلة بأحكام شعيب الأرنؤوط عليها).
4. ابن حبان محمد بن حبان بن أحمد التميمي البستي، مشاهير علماء الأمصار، تحقيق: م. فلايشهمر، دار الكتب العلمية: بيروت، لبنان، ط1، 1959م.
5. ابن حجر العسقلاني أبو الفضل أحمد بن علي، الإصابة في تمييز الصحابة، تحقيق: محمد علي البجاوي، دار الجيل: بيروت، لبنان، ط1، 1412هـ/1992م.
6. ابن حجر العسقلاني أبو الفضل أحمد بن علي، الدراية في تخريج أحاديث الهداية، تحقيق: السيد عبد الله هاشم اليماني المدني، دار المعرفة: بيروت، لبنان.
7. ابن حجر العسقلاني أبو الفضل أحمد بن علي، تقريب التهذيب (مع التوضيح والإضافة من كلام الحافظين المزّي وابن حجر أو من مآخذهم)، تحقيق: أبو الأشبال صغير أحمد شاعف الباكستاني، دار العاصمة: الرياض، السعودية، ط1، 1413هـ/1993م.
8. ابن سعد محمّد بن سعد بن منيع، الطبقات الكبرى، تحقيق: إحسان عباس، دار صادر: بيروت، لبنان، ط1، 1388هـ/1968م.
9. (1/405)
صفحة 406
ابن عبد البر أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد، الاستيعاب في معرفة الأصحاب، تحقيق: علي محمد البجاوي، دار الجيل: بيروت، لبنان، ط1، 1412هـ/1991م.
10. ابن عبد ربه أحمد بن محمد الأندلسي، العقد الفريد، دار الكتب العربية: بيروت، 1403هـ/1983م.
11. ابن كثير أبو الفداء إسماعيل بن عمر، السيرة النبوية، تحقيق: مصطفى عبد الواحد، دار المعرفة: بيروت، لبنان، ط1، 1396هـ/1976م.
12. ابن منظور محمّد بن مكرم، لسان العرب. دار صادر: بيروت، لبنان، ط1.
13. ابن هشام أبو محمد عبد الملك، السيرة النبوية، تحقيق: طه عبد الرؤوف سعد، دار الجيل: بيروت، ط1، 1411هـ/1991م.
14. أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن مهران الأصفهاني، معرفة الصحابة، تحقيق: عادل بن يوسف العزازي، دار الوطن للنشر: الرياض، السعودية، ط1، 1419هـ/ 1998م.
15. أحمد بن حنبل، مسند أحمد بن حنبل، تحقيق: شعيب الأرناؤوط وآخرون، مؤسسة الرسالة: بيروت، لبنان، ط2، 1420هـ/1999م.
16. الأزهري أبو منصور محمد بن أحمد، تهذيب اللغة، تحقيق: محمد عوض مرعب، دار إحياء التراث العربي: بيروت، لبنان، ط1، 1421هـ/2001م.
17. الأصفهاني أبو الفرج، الأغاني، تحقيق: سمير جابر، دار الفكر: بيروت، لبنان، ط2، 1406هـ/1986م.
18. أعوشت بكير بن سعيد، الإمام إبراهيم بيوض وجهاده الإسلامي في الجزائر، المطبعة العربية: غرداية، الجزائر، 1407هـ/1987م.
19. الباروني عبد الله بن يحيى، ديوان عبد الله بن يحيى البارونيّ النفوسيّ، طبعه: محمّد بن يوسف الباروني وسليمان بن عبد الله بن يحيى البارونيّ، طبعة حجرية.
20. البخاري محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، تحقيق: مصطفى ديب البغا دار ابن كثير: اليمامة/بيروت، ط3، 1407هـ/1987م.
21. (1/406)
صفحة 407
البوصيري شرف الدين محمد بن سعد بن حماد، القصائد البُصيرية في مدح خير البرية. مطبعة أوفسات: تونس، ط1، 1392هـ/1972م.
22. البوطي محمد سعيد رمضان، فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة، دار الفكر: دمشق، سورية، ط11، 1423هـ/2003م.
23. بيوض إبراهيم بن عمر، المجتمع المسجدي، تحرير: الشيخ بالحاج عيسى بن محمد. الإعداد للطبع: محمد بن قاسم ناصر بوحجام، المطبعة العربية: غرداية، الجزائر، 1409هـ/1989م.
24. بيوض إبراهيم بن عمر، حديث الشيخ الإمام في صلاة الجمعة ومالها من الأحكام، إعداد وتنسيق: محمد إبراهيم سعيد كعباش. المطبعة العربية: غرداية، 1412هـ/1991م. (أصل الكتاب دروس مسجديّة للشيخ بيوض رحمه الله).
25. بيوض إبراهيم بن عمر، في رحاب القرآن (تفسير سورة الإسراء)، تحرير: عيسى بن محمد الشيخ بالحاج، مطبعة النخلة: الجزائر، ط2.
26. الجاحظ أبو عثمان عمر بن بحر، رسائل الجاحظ، تحقيق وشرح: عبد السلام محمد هارون، مطبعة السنة المحمدية: القاهرة، 1384هـ/1964م.
27. الحاكم محمد بن عبد الله النيسابوري، المستدرك على الصحيحين، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية: بيروت، لبنان، ط1، 1411هـ/1990م. (مع الكتاب تعليقات الذهبي في التلخيص).
28. الحصري أبو إسحاق إبراهيم بن علي، زهرة الآداب وثمرة الألباب، تحقيق: يوسف علي الطويل، دار الكتب العلمية: بيروت، لبنان، ط1، 1417هـ/1997م.
29. الحموي أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله، معجم الأدباء، إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب، تحقيق: إحسان عباس، دار الغرب الإسلامي: بيروت، لبنان، ط1، 1413هـ/1993م.
30. الحموي أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله، معجم البلدان، دار صادر ودار بيروت: بيروت.
31. (1/407)
صفحة 408
الحميري محمّد عبد المنعم، الروض المعطار في خبر الأقطار، تحقيق: إحسان عباس، دار السراج: بيروت، ط2، 1400هـ/1980م.
32. دبوز محمّد على، أعلام الإصلاح في الجزائر من 1340هـ/1921م إلى 1395هـ/ 1975م، مطبعة البعث: قسنطينة، الجزائر، ط1، 1396هـ/1976م.
33. الذهبي شمس الدين محمد بن أحمد، تذكرة الحفاظ، اعتنى به وصحّحه: عبد الرحمن بن يحي المعلمي، دار الكتب العلمية: بيروت، لبنان، ط3، 1374هـ/ 1955م.
34. الذهبي شمس الدين محمد بن أحمد، سير أعلام النبلاء، تحقيق: بشار عواد معروف، مؤسسة الرسالة: بيروت، لبنان، ط1، 1417هـ/1997م.
35. الرازي محمّد بن أبي بكر، مختار الصحاح، ضبط وتخريج وتعليق: مصطفى ديب البغا، دار الهدى: عين مليلة، الجزائر، ط4، 1410هـ/1990م.
36. الراغب الأصبهاني أبو القاسم حسين بن محمد، محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء، دار مكتبة الحياة: بيروت، لبنان.
37. رسام مصطفى، تراجم الشعراء والأدباء والخلفاء مع تراجم الأئمة ورواة الحديث. دار النجاح الجديدة: الدار البيضاء، المغرب، ط1، 1414هـ/ 1994م.
38. الزبيدي محمّد مرتضى الحسيني، تاج العروس من جواهر القاموس، تحقيق: عبد الفتاح الحلو، مطبعة حكومة الكويت، 1406هـ/1986م.
39. الزركلي خير الدين، الأعلام، ط3، بيروت، 1389هـ/1969م.
40. السهيلي عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد الخثعمي، الروض الأُنُف في تفسير السيرة النبوية لابن هشام، ومعه السيرة النبوية لابن هشام المَعافري، علّق عليه ووضع حواشيه: مجدي بن منصور بن سيد الشورى، دار الكتب العلمية: بيروت، لبنان.
41. الشعراوي محمد متولي، الهجرة النبوية، إعداد وتحقيق: مركز التراث لخدمة الكتاب والسنة. المكتبة التوفيقية: مصر، ط1، 1418هـ/1998م.
42. شوقي أبو خليل، الهجرة حدث غير مجرى التاريخ، دار الفكر: دمشق، سورية، ط5، 1423هـ/2002م.
43. (1/408)
صفحة 409
الصالحي محمّد بن يوسف الشامي، سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد، تحقيق: مصطفى عبد الواحد وآخرون، القاهرة، 1418هـ/1997م.
44. الصفدي صلاح الدين خليل بن أيبك، الوافي بالوفيات، تحقيق واعتناء: أحمد الأرناؤوط وتركي مصطفى، دار إحياء التراث العربي: بيروت، لبنان، ط1، 1420هـ/2000م.
45. الطبري أبو جعفر محمد بن جرير، جامع البيان في تفسير القرآن، دار المعرفة: بيروت، لبنان، ط1، 1403هـ/1983م.
46. الغزالي محمد، فقه السيرة، خرج أحاديث الكتاب: محمد ناصر الدين الألباني، مؤسّسة عالم المعرفة: بيروت، لبنان، ط7، 1396هـ/1976م.
47. الفراهيدي الخليل بن أحمد، كتاب العين (مرتبا على حروف المعجم)، ترتيب وتحقيق: عبد الحميد هنداوي، دار الكتب العلمية: بيروت، لبنان، ط1، 1424هـ/2004م.
48. فضلاء محمّد الحسن، من أعلام الإصلاح في الجزائر، دار هومه، 1409هـ/1989م.
49. الفيومي أحمد بن محمد بن علي المقري، المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي، دار الحديث: القاهرة، مصر، ط1، 1421هـ/ 2000م.
50. قلعه جي محمد رَواس وقنيبي حامد صادق، معجم لغة الفقهاء، دار النفائس: بيروت، لبنان، ط1، 1405هـ/ 1985م.
51. مجموعة من الباحثين. معجم أعلام الإباضية، المطبعة العربية: غرداية، الجزائر، ط1، 1420هـ/1999م.
52. مجموعة من الباحثين، معجم مصطلحات الإباضية، وزارة الأوقاف والشؤون الدينية: سلطنة عمان، ط1، 1429هـ/2008م.
53. مجموعة من العلماء، الموسوعة العربية الميسرة، دار الجيل: القاهرة، مصر، ط2، 1421هـ/ 2001م.
54. المرزباني، معجم الشعراء. (قس بن ساعدة الإيادي). الدرس 4.
55. المسعودي أبو الحسن علي بن الحسين بن علي، مروج الذهب ومعادن الجوهر، تحقيق: محمد محيى الدين عبد الحميد، دار الكتاب اللبناني: بيروت، 1386هـ/1966م.
56. (1/409)
صفحة 410
ناصر محمّد بن صالح، الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض مصلحا وزعيما، مكتبة الريام: الجزائر، 1426هـ/2005م.
57. النووي أبو زكرياء محيى الدين بن شرف، تهذيب الأسماء واللغات، دار الكتب العلمية: بيروت، لبنان.
البرامج الرقمية:
58. أعضاء ملتقى أهل الحديث، المعجم الجامع في تراجم العلماء و طلبة العلم المعاصرين، مصدر الكتاب: ملتقى أهل الحديث. (ملاحظة: الكتاب عبارة عن كتاب إلكترونيّ تمّ إدخاله إلى المكتبة الشاملة الإصدار الثالث ولا يوجد مطبوعا).
59. الجامع للحديث النبوي. (برنامج إلكتروني لتخريج الأحاديث).
60. المكتبة الشاملة، الإصدار الرابع. (برنامج إلكتروني يحوي على أكثر من ستة عشر ألف كتاب بحجم 27، 5 جيغا بايت).
61. الموسوعة الشعرية. (برنامج إلكتروني). (1/410)
صفحة 411
فهرس الآيات القرآنية
السورة ورقم الآية ... نص الآية ... الصفحات
البقرة: 25 وغيرها كثير ... +وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ" ... 381
البقرة: 61 ... +وَيَقْتُلُونَ النَّبِيئِينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ..." ... 284
البقرة: 89 ... +فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ" ... 363، 364
البقرة: 89 ... +وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ" ... 273، 346
البقرة: 91 ... +قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنبِئَآءَ اللَّهِ..." ... 284
البقرة: 93 ... +قُلْ فَاتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَآ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ" ... 371، 372
البقرة: 109 ... +حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم" ... 361
البقرة: 144 ... +قَدْ نَرَىا تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَآءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ" ... 265
البقرة: 146 ... +يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمْ" ... 347
البقرة: 193 ... +وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىا لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ" ... 175
البقرة: 203 ... +وَاذْكُرُواْ اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلآَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلآَ إِثْمَ عَلَيْهِ" ... 138
البقرة: 249 ... +كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ..." ... 275
البقرة: 256 ... +لآَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ" ... 362 (1/411)
صفحة 412
آل عمران: 8 ... +رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً اِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ" ... 30
آل عمران: 96 ... +أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ" ... 383
آل عمران: 103 ... +وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكمُ إِذْ كُنتُمُ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىا شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا" ... 283، 289، 359
آل عمران: 112 ... +وَيَقْتُلُونَ الاَنبِئَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّ..." ... 284
آل عمران: 140 ... +وَتِلْكَ الاَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ" ... 346
آل عمران: 140 ... +وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ" ... 379
آل عمران: 159 ... +فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ" ... 19
آل عمران: 163 ... +هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ اللَّهِ" ... 308، 395
النساء: 1 ... +يَآ أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَآءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الذِي تَسَّآءَلُونَ بِهِ وَالاَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا" ... 14
النساء: 94 ... +وَلاَ تَقُولُوا لِمَنَ اَلْقَىآ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ لَسْتَ مُومِنًا" ... 395
النساء: 98 ... +اِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَآءِ وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً" ... 191، 184، 387
المائدة: 3 ... +وَأَن تَسْتَقْسِمُوا بِالاَزْلاَمِ" ... 221
الأنعام: 34 ... +فَصَبَرُوا عَلَىا مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ" ... 378
الأنعام: 94 ... +وَلَقَدْ جِئْتُمُوناَ فُرَادَىا كَمَا خَلَقْنَاكُمُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَآءَ ظُهُورِكُمْ" ... 158 (1/412)
صفحة 413
الأعراف: 29 ... +وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ"
الأعراف: 109 ... +قَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ..." ... 57
الأعراف: 155 ... +وَاخْتَارَ مُوسَىا قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا" ... 344
الأعراف: 157 ... +الذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالاِنجِيلِ" ... 347، 363، 391
الأعراف: 160 ... +وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا اُمَمًا" ... 348
الأنفال: 30 ... +وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ" ... 194، 196، 197
الأنفال: 39 ... +وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىا لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ" ... 175
الأنفال: 48 ... +وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمَْلَمَّا تَرَآءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىا عَقِبَيْهِ" ... 178، 195
الأنفال: 70 ... +إِنْ يَّعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُوتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّآ أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ" ... 334
الأنفال: 72 ... +وَالذِينَ ءَامَنُوا وَلَمْ يُهَاجَرُوا مَا لَكُم مِّنْ وَّلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّىا يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ..." ... 191، 387
الأنفال: 72، 74 ... +وَالذِينَ ءَاوَوا وَّنَصَرُوا" ... 359
الأنفال: 74-75 ... +وَالذِينَ ءَامَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالذِينَ ءَاوَوا وَّنَصَرُوا أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُومِنُونَ حَقًّا لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ وَالذِينَ ءَامَنُوا مِنم بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُوْلَئِكَ مِنكُمْ..." ... 396
التوبة: 10 ... +لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُومِنٍ اِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً" ... 323 (1/413)
صفحة 414
التوبة: 36 ... +إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضَ مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ" ... 122
التوبة: 40 ... +اِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذَ اَخْرَجَهُ الذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنِ اِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىا وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ" ... 14، 209، 212، 222، 267
التوبة: 97 ... +الاَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُوا حُدُودَ مَآ أَنزَلَ اللَّهُ عَلَىا رَسُولِهِ" ... 322
التوبة: 100 ... +وَالسَّابِقُونَ الاَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالاَنصَارِ وَالذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ" ... 171، 393، 396
التوبة: 108 ... +لَّمَسْجِدٌ اُسِّسَ عَلَى التَّقْوَىا مِنَ اَوَّلِ يَوْمٍ اَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَّتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ" ... 239، 251، 276
التوبة: 113- 114 ... +مَا كَانَ لِلنَّبِيءِ وَالذِينَ ءَامَنُوا أَنْ يَّسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَىا مِنم بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ أَنَّهُمُ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِّلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ" ... 106
التوبة: 117 ... +لَقَد تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيءِ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالاَنصَارِ الذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنم بَعْدِ مَا كَادَ تَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ" ... 282، 359، 396
التوبة: 128 ... +لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنَ اَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُومِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ" ... 14
يوسف: 4 ... +إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ" ... 348 (1/414)
صفحة 415
يوسف: 20 ... +وَشَرَوْهُ بِثَمَنِم بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ" ... 61
يوسف: 111 ... +لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الاَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىا وَلَكِن تَصْدِيقَ الذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُومِنُونَ" ... 12
الرعد: 43 ... +قُلْ كَفَىا بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ" ... 363
الحجر: 89-91 ... +وَقُلِ إِنِّيَ أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ كَمَآ أَنزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ الذِينَ جَعَلُوا الْقُرْءَانَ عِضِينَ" ... 127
الحجر: 94-99 ... +فَاصْدَعْ بِمَا تُومَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ الذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ـ اخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىا يَاتِيَكَ الْيَقِينُ" ... 150
الحجر: 95-96 ... +إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ الذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ـ اخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ" ... 151، 152، 159، 160، 167
النحل: 97 ... +مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ اَوُ اُنثَىا وَهُوَ مُومِنٌ" ... 381
النحل: 106 ... +مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِنم بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنُ اُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنُّم بِالاِيمَانِ" ... 50
الكهف: 36 ... +وَلَئِن رُّدِدْتُ إِلَىا رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهُمَا مُنقَلَبًا" ... 158
مريم: 1-2 ... +كهيعص ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّآءَ" ... 59
مريم: 58 ... +أُوْلَئِكَ الذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِّنَ النَّبِيئِينَ مِن ذُرِّيَّةِ ءَادَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إبْرَاهِيمَ وإِسْرَآئِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَآ إِذَا تُتْلَىا عَلَيْهِمُ ءَايَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّواْ سُجَّدًا وَبُكِيًّا" ... 329 (1/415)
صفحة 416
مريم: 59 ... +فَخَلَفَ مِنم بَعْدِهِمْ خَلْفٌ اَضَاعُواْ الصَّلاَةَ وَاتَّبَعُواْ الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا" ... 329
مريم: 60 وغيرها ... +وَعَمِلَ صَالِحًا" ... 381
مريم: 77 ... +أَفَرَآيْتَ الذِي كَفَرَ بِئَايَاتِنَا وَقَالَ لأوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَدًا" ... 158
مريم: 78 ... +أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا" ... 158
مريم: 79-80 ... +كَلاَّ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَاتِينَا فَرْدًا" ... 158
طه: 1-5 ... +طه مَآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لِتَشْقَىآ إِلاَّ تَذْكِرَةً لِّمَنْ يَّخْشَىا تَنزِيلاً مِّمَّنْ خَلَقَ الاَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىا..." ... 77
الأنبياء: 26 ... +عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ" ... 320
الأنبياء: 28 ... +وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ اِرْتَضَىا" ... 106
الأنبياء: 47 ... +وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ اَتَيْنَا بِهَا وَكَفَىا بِنَا حَاسِبِينَ" ... 395
الحج: 11 ... +وَمِنَ النَّاسِ مَن يَّعْبُدُ اللَّهَ عَلَىا حَرْفٍ فَإِنَ اَصَابَهُ خَيْرٌ اِطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنَ اَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ اِنقَلَبَ عَلَىا وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالاَخِرَةَ..." ... 397
الحج: 27 ... +وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَاتُوكَ رِجَالاً وَعَلَىا كُلِّ ضَامِرٍ يَاتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ" ... 122 (1/416)
صفحة 417
الحج: 28 ... +لِيَشْهَدُواْ مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَىا مَا رَزَقَهُمْ مِّنم بَهِيمَةِ الاَنْعَامِ" ... 123
الحج: 38 ... +إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الذِينَ ءَامَنُواْ" ... 225
الحج: 39-40 ... +اُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىا نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ اِلآَّ أَن يَّقُولُواْ رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلاَ دِفَاعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّهُدِمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَّنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ" ... 175، 189، 285، 383
المؤمنون: 88 ... +وَهُوَ يُجِيرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ" ... 178
النور: 27 ... +يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىا تَسْتَانِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَىآ أَهْلِهَا..." ... 203
الشعراء: 61 ... +إِنَّا لَمُدْرَكُونَ" ... 222
القصص: 56 ... +إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنَ اَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَّشَآءُ" ... 107
العنكبوت: 10 ... +وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَّقُولُ ءَامَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَآ أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ" ... 377، 378، 379
العنكبوت: 2 -3 ... +أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُّتْرَكُوا أَنْ يَّقُولُوا ءَامَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ" ... 380
الأحزاب: 6 ... +وَأُوْلُو الاَرْحَامِ بَعْضُهُمُ أَوْلَىا بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُومِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلآَّ أَن تَفْعَلُوا إِلَىآ أَوْلِيَآئِكُم مَّعْرُوفًا كَانَ ذَالِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا" ... 277، 343
الأحزاب: 10 ... +إِذْ جَآءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنَ اَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الاَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ..." ... 394
الأحزاب: 13 ... +يَآ أَهْلَ يَثْرِبَ لاَ مَقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا" ... 132 (1/417)
صفحة 418
الأحزاب: 21 ... +لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ إِسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الاَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا" ... 36
الأحزاب: 23 ... +مِنَ الْمُومِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىا نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّنْ يَّنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً" ... 306، 307
الأحزاب: 26 ... +وَأَنزَلَ الذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنَ اَهْلِ الْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ" ... 284
الأحزاب: 33 ... +إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا" ... 262
الأحزاب: 37 ... +فَلَمَّا قَضَىا زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا" ... 111، 267، 317
الأحزاب: 60 ... +لَئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ..." ... 132
الأحزاب: 61 ... +لَئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ..." ... 190
سبأ: 11 ... +أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ" ... 252
سبأ: 15-19 ... +لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسَاكِنِهِمُ ءَايَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَّمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيُ اكْلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ ذَالِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ يُجَازَىآ إِلاَّ الْكَفُورُ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى التِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِي وَأَيَّامًا ـ امِنِينَ فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ..." ... 202، 345
سبأ: 28 ... +وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَآفَّةً لِلنَّاسِ" ... 272 (1/418)
صفحة 419
سبأ: 37 ... +مَنَ ـ امَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا" ... 381
يس: 1-9 ... +بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يَسِ وَالْقُرْءَانِ الْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ عَلَىا صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ تَنزِيلُ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّآ أُنذِرَ ءَابَآؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَىآ أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لاَ يُومِنُونَ إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمُ أَغْلاَلاً فَهِيَ إِلَى الاَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ وَجَعَلْنَا مِنم بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سُدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سُدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ" ... 205
الصافات: 95 ... +أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ" ... 43
ص: 1-7 ... +بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ صَ وَالْقُرْءَانِ ذِي الذِّكْرِ بَلِ الذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ كَمَ اَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ فَنَادَوْا وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ وَعَجِبُوا أَن جَآءَهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ اَجَعَلَ الاَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا اِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ وَانطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمُ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَىآ ءَالِهَتِكُمُ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الاَخِرَةِ إِنْ هَذَآ إِلاَّ اخْتِلاَقٌ" ... 104
ص: 35 ... +رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لاَّ يَنبَغِي ِلأَحَدٍ مِّنم بَعْدِيَ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ" ... 260
غافر: 28 ... +وَإِنْ يَّكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَّكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الذِي يَعِدُكُمُ" ... 85
فصلت: 33 ... +وَمَنَ اَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَآ إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا" ... 381
الشورى: 30 ... +وَمَآ أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةِم بِمَا كَسَبَتَ اَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ" ... 378
الزخرف: 23 ... +إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىآ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىآ ءَاثَارِهِم مُّقْتَدُونَ" ... 44 (1/419)
صفحة 420
الزخرف: 31 ... +وَقَالُوا لَوْلاَ نُزِّلَ هَذَا الْقُرْءَانُ عَلَىا رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ" ... 111، 127
الزخرف: 53 ... +فَلَوْلآَ أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسَاوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ" ... 224
الأحقاف: 29 ... +وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْءَانَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوِا اِلَىا قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ" ... 115
الأحقاف: 30 ... +قَالُوا يَاقَوْمَنَآ إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا اُنزِلَ مِنم بَعْدِ مُوسَىا..." ... 115
الفتح: 1 ... +إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا" ... 28
الفتح: 18 ... +لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُومِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ..."
الفتح: 18-19 ... +لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُومِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَاخُذُونَهَا..." ... 282، 393
الفتح: 29 ... +مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا..." ... 282
الحجرات: 4-5 ... +اِنَّ الذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَّرَآءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ وَلَوَ اَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّىا تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ" ... 323
الحجرات: 10 ... +إِنَّمَا الْمُومِنُونَ إِخْوَةٌ" ... 280
الذاريات: 55 ... +...فَإِنَّ الذِّكْرَىا تَنفَعُ الْمُومِنِينَ" ... 259
الطور: 30 ... +اَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ" ... 196
النجم: 2 ... +مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىا" ... 15 (1/420)
صفحة 421
النجم: 3 ... +وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىآ" ... 14
النجم: 11 ... +مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىآ" ... 15
النجم: 17 ... +مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَىا" ... 14
النجم: 18 ... +لَقَدْ رَأَىا مِنَ ـ ايَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى" ... 320
الواقعة: 79 ... +لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ" ... 77
الحديد: 10 ... +لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنَ اَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الذِينَ أَنفَقُوا مِنم بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىا..." ... 394، 395
الحشر 2 ... +هُوَ الذِي أَخْرَجَ الذِينَ كَفَرُوا مِنَ اَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ" ... 368
الحشر: 2 ... +وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ" ... 283، 348
الحشر: 8 ... +لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ الذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ" ... 183، 272، 282، 388
الحشر: 9 ... +وَالذِينَ تَبَوَّءُو الدَّارَ وَالاِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّآ أُوتُوا وَيُوثِرُونَ عَلَىآ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُّوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ" ... 118، 176، 182، 278، 279، 388، 389
الممتحنة: 6 ... +لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمُ إِسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الاَخِرَ" ... 401 (1/421)
صفحة 422
الممتحنة: 12 ... +يَآ أَيُّهَا النَّبِيءُ اِذَا جَآءَكَ الْمُومِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَىآ أَن لاَّ يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلاَ يَسْرِقْنَ وَلاَ يَزْنِينَ وَلاَ يَقْتُلْنَ أَوْلاَدَهُنَّ وَلاَ يَاتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلاَ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ" ... 133، 174
الصف: 6 ... +وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَاتِي مِنم بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ" ... 363
الصف: 14 ... +كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنَ اَنصَارِيَ إِلَى اللَّهِ" ... 360
الصف: 14 ... +نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ" ... 360
الجمعة: 9 ... +يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاَةِ مِنْ يَّوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوِا اِلَىا ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَالِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمُ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ" ... 341
الجمعة: 10 ... +فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ فَانتَشِرُوا فِي الاَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ" ... 341
التحريم: 6 ... +لاَ يَعْصُونَ اللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُومَرُونَ" ... 320
القلم: 4 ... +وَإِنَّكَ لَعَلىا خُلُقٍ عَظِيمٍ" ... 15
المزمل: 5 ... +اِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً" ... 242
القيامة: 22-23 ... +وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ اِلَىا رَبِّهَا نَاظِرَةٌ" ... 298
المطففين: 24 ... +تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ" ... 298
الليل: 5-7 ... +فَأَمَّا مَنَ اَعْطَىا وَاتَّقَىا وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىا فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىا" ... 52
الليل: 17-21 ... +وَسَيُجَنَّبُهَا الاَتْقَىا الذِي يُوتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىا وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَىآ إِلاَّ ابْتِغَآءَ وَجْهِ رَبِّهِ الاَعْلَىا وَلَسَوْفَ يَرْضَىا" ... 52 (1/422)
صفحة 423
البينة: 5 ... +وَمَآ أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَآءَ" ... 17
الكوثر: 3 ... +اِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الاَبْتَرُ" ... 196
النصر: 1-3 ... +إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا" ... 260، 394، 400
المسد: 1-5 ... +تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ مَآ أَغْنَىا عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ سَيَصْلَىا نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةُ الْحَطَبِ فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ" ... 47 (1/423)
صفحة 424
فهرس الأحاديث النبوية
«أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشدّه عليّ فيفصم عنّي وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانا يتمثّل ليَ الملك رجلا فيكلّمني فأعي ما يقول» ... 242
«ارجعوا حتّى يرفع إليّ عرفاؤكم أمرَكم» ... 241, 344
اطلع رجل من جُحْر في حُجَر النبي صلى الله عليه وسلم ومع النبي صلى الله عليه وسلم مِدْرًى يحكّ به رأسه فقال:لو أعلم أنّك تنظر، لطعنت به في عينك، إنّما جعل الاستئذان من أجل البصر» ... 203
«أفرضكم زيد» ... 243
«إن رسول الله يشهد أنكم الشهداء عند الله يوم القيامة» ، ثم أقبل على الناس فقال: أيها الناس، زوروهم، وأتوهم، وسلّموا عليهم، فوالذي نفسي بيده، لا يسلم عليهم مسلم إلى يوم القيامة إلا ردوا عليه السلام» ... 306
«إن قلوب بني آدم كلَّها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد، يصرفه حيث يشاء» ... 386
«إنّ لك بنطاقيك هذا نطاقين في الجنّة» ... 210
«إنّما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو إلى امرأة ينكحها ، فهجرته إلى ما هاجر إليه» ... 15
«الجمعة على من آواه الليل إلى أهله» ... 355
«خشيبات وثمام وعريش كعريش موسى، والأمر أعجل من ذلك» ... 254
«دعوها فإنّها مأمورة» ... 239, 240, 252
«دعوها فإنّها منتنة» ... 367, 368
«رأيت في المنام أنّي أهاجر من مكّة إلى أرض بها نخل، فذهب وهَلي إلى أنّها اليمامة أو هجر، فإذا هي المدينة يثرب» ... 190
«ساقي القوم آخرهم شربا» ... 229
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو يخطب الناس على ناقته الجدعاء في حجة الوداع...» ... 241 (1/424)
صفحة 425
«صبرا يا آل ياسر فإنّ موعدكم الجنة» ... 49
«عمّار مُلئ إيمانا من فرقه إلى قدمه» ... 50
«قم أبا تراب ، قم أبا تراب» ... 341
«كان خلقه القرآن» ... 36
«كلوا بسم الله فإني أناجي من لا تناجون» ... 245
«كيف بك يا سراقة إذا سُوِّرت بسواري كسرى؟» ... 224
«كيف بكم إذا غدا أحدكم في حلّة وراح في حلّة؟، ووُضعت بين يديه الصفحة ورُفعت أخرى؟، وسَترتم بيوتكم كما تسترون الكعبة؟»., 301
«لعلّ الله اطّلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» ... 304
«اللّهمّ أعزّ الإسلام بأحبّ هذين الرجلين إليك بأبي جهل أو بعمر بن الخطاب، فكان أحبّهما إلى الله عمر بن الخطاب» ... 74
«اللهمّ حبِّب إلينا المدينة كحُبِّنا مكّة أو أشدّ، اللهم بارك لنا في صاعنا وفي مُدِّنا، وصحّحها لنا، وانقل حماها إلى الجحفة» ... 386
«اللهم لا تدخل أحدا من آل عمّار النار» ... 49
«لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى ثالثا، ولا يملأ جوف ابنِ آدمَ إلاَّ التراب، ويتوب الله على من تاب» ... 303
«لولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار» ... 142
«ما رأيت بمكّة أحسن لِمّة ولا أنعَم نَعمة من مصعب بن عمير» ... 297, 376
«ما كفر عمّار، عمّار ملئ إيمانا من فَرْقِهِ إلى قدمه» ... 50
«ما يدريك يا عمر، لعلّ الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» ... 393
مرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بذي الحليفة فرأى شاة شائلة [الناقة التي شال لبنها؛ أي ارتفع] برجلها فقال: «أترون هذه الشاة هيّنة على صاحبها؟» قالوا: نعم، قال: «والذي نفسي بيده، للدّنيا أهون على الله من هذه على صاحبها، ولو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء» ... 264 (1/425)
صفحة 426
«المرء مع رحله» ... 241، 342
«المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يُسلمه ولا يخذُله» ... 367
«من اطّلع في بيت قوم بغير إذنهم ففقئوا عينه، فلا دية ولا قصاص» ... 203
«من تطهّر في بيته ثم أتى مسجد قباء فصلّى فيه صلاةً، كان له كأجر عمرة» ... 251
«المؤمن أخو المؤمن لا يظلمه ولا يخذُله» ... 280
«المؤمن للمؤمن كالبنيان يَشُدُّ بعضُه بعضا». وشبّك بين أصابعه ... 280
«المؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم، لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده» ... 285
«المؤمنون كالبنيان المرصوص» ... 280
«ويح ابن سميّة، تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة، ويدعونه إلى النار» ... 248
«يا أبا بكر، ما ظنّك باثنين اللهُ ثالثُهما؟» ... 212
«يا أمّ سلمة إنّ شرّ ما ذهب فيه مال المسلم البنيانُ» ... 256
«يؤمّ القوم أقرؤهم لكتاب الله» ... 294 (1/426)
صفحة 427
فهرس الأبيات الشعرية
* وأعدّت حمّالة الحطب الفهْـ ... ـرَ وجاءت كأنها الورقاء ... ...... ... 48
يوم جاءت غضبى تقول أفي مثْـ ... ـليَ من أحمد يقال الهجاء
[و]تولّت وما رأته ومن أيْـ ... ـن ترى الشّمس مقلة عمياء
* يا لأَمر أتاه بعد هشام ... زَمعةٌ إنه الفتى الأتَّاء ... ...... ... 91
وزهير والمطعم بن عدي ... وأبو البحتريِّ من حيث شاءوا
نقضوا مُبْرَم الصّحيفة إذ شَـ ... دّت عليهم من العِدى الأنْداء
* وكفاهُ المستهزئين وكم سا ... ء نبيئا من قومه استهزاءُ ... ...... ... 153
ورماهم بدعوة من فناء الـ ... بيت فيها للظالمين فناءُ
خمسة كلّهم أصيبوا بداءٍ ... والرَّدى من جنوده الأدواءُ
فدهى الأسودَ بن مطلب أيـ ... يُ عمى ميِّتٌ به الأحياءُ
ودهى الأسودَ بن عبد يغوث ... أن سقاه كأسَ الردى استسقاءُ
وأصاب الوليدَ خِدشة سهم ... قصَّرتْ عنها الحيَّة الرقطاءُ
وقضت شوكة على مهجة العا ... صي فللّه النقعة الشوكاءُ
وعلى الحارث القُيوح وقد سا ... ل بها رأسه وساء الوعاءُ
خمسةٌ طُهّرت بقطعهم الأر ... ضُ فكَفُّ الأذى بهم شلاءُ
* فُديت خمسة الصحيفة بالخمـ ... سة إن كان للكرام فداءُ ... ...... ... 153
* فدهى الأسودَ بنَ مطّلب أيْ ... يُ عمًى ميّتٌ به الأحياءُ ... ...... ... 154
* ودهى الأسودَ بنَ عبد يغوث ... أن سقاه كأس الرّدى استسقاءُ ... ...... ... 154، 156
* وأصاب الوليدَ خِدْشة سهم ... قصّرت عنها الحية الرَّقطاءُ ... ...... ... 156، 157
* وقضت شوكة على مهجة العا ... صي فللّه النقعة الشوكاءُ ... ...... ... 158، 159
* وعلى الحارث القيوح وقد سا ... ل بها رأسه وساء الوعاءُ ... ...... ... 159 (1/427)
صفحة 428
* وأبو جهل إذ رأى عنق الفحـ ... ل إليه كأنّها العنقاءُ ... ...... ... 164
* واقتضاه النبيُّ دَيْنَ الإراشي ... يِ وقد ساء بيعُه والشراءُ ... ...... ... 164
ورأى المصطفى أتاه بما لم ... يَنْجُ منه دون الوفاء النَّجَاءُ
* خمسة طُهّرت بقطعهم الأر ... ض فكفُّ الأذى بهم شلاّءُ ... ...... ... 167
* يَوْمًا مُجْزَوِيٌّ ويوما بالعَقِيقِ ويَوْ ... مًا بالعُذَيْبِ ويوما بالخُلَيْصاء ... ...... ... 309
* هل أنت إلا أُصبع دميتِ ... وفي سبيل الله ما لقيتِ ... ...... ... 185
* لا يصلح القوم فوضى لا سَراة لهم ... ولا سَراة إذا جُهَّالُهم سادوا ... ...... ... 343
* جزى الله ُربُّ الناس خيرَ جزائه ... رفيقين قالا خيمتي أمِّ معبدِ ... ...... ... 231
هما نزلا بالبرِّ وارتحلا به ... فأفلح من أمسى رفيق محمّدِ
* سلوا أُختكم عن شاتها وإنائها ... فإنكمُ إن تسألوا الشاةَ تشهدِ ... ...... ... 231
دعاها بشاة حائل فتَحَلَّبَتْ ... له بصريحٍ ضُرَّةُ الشاة مُزْبِدِ
* ومَن قومه سبعون جرهمُ إلى قليب ... ومثلُ الهالكين له أسرى ... ...... ... 152
* ورقى شويهة أمّ معبد بعدما ... [نشفت] فكان له بها إدرارُ ... ...... ... 229
* والحبّ أوّل ما يكون مرارة ... فإذا صبرت على مرارته حلا ... ...... ... 379
* لئن قعدنا والنبيُّ يعملُ ... فإنّ ذاك العمل المضَلَّلُ ... ...... ... 247
* إذا المرء لم يَدْنَس من اللُّؤْمِ عرضُه ... فكل رداء يرتديه جميلُ ... ...... ... 349-250
وإن هو لم يحمل على النفس ضَيْمَها ... فليس له إلى حسن الثناء سبيلُ
سلي إن جهلت الناس عنا وعنهمُ ... فليس سواءً عالم وجهولُ
* تُعَيِّرُنا أنّا قليل عديدنا ... فقلت لها إنّ الكرام قليلُ ... ...... ... 350
وما ضرّنا أنّا قليل وجارنا ... عزيز، وجار الأكثرين ذليلُ (1/428)
صفحة 429
* ألا ليت شِعري هل أبيتنّ ليلةً ... بواد وحولي إذْخِرٌ وجليلُ ... ...... ... 385
وهل أرِدَنْ يومًا مياه مَجَنَّةٍ ... وهل يَبْدُوَن لِي شامَةٌ وطُفَيْلُ
* كم منزل في الأرض يألفه الفتى ... وحنينه أبدا لأوّل منزل ... ...... ... 384
* أبا حكمٍ واللهِ لو كنت شاهدا ... لأمر جوادي إذ تسيخ قوائمُه ... ...... ... 225
علمتَ ولم تَشْكُكْ بأنّ محمدا ... رسولٌ ببرهان فمن ذا يُقاومُه
* أرى تحت الرماد وميض نار ... ويوشك أن يكون له ضرامُ ... ...... ... 357
* لولا الملامة أوحِذارُ مَسَبّةٍ ... لوجدتني سمحا بذاك مبينا ... ...... ... 106
* وإذا العناية لا حظتك عيونها ... نم فالمخاوف كلّهن أمانُ ... ...... ... 212
* كلّ امرئ مُصَبَّحٌ في أهله ... والموتُ أدنى من شِراك نعله ... ...... ... 385 (1/429)
صفحة 430
فهرس الحكم والأمثال
«إنّكم تجدون مُثْلَةً لم آمر بها ولم تسؤني» ... 207
«أهل مكّة أدرى بشعابها» ... 86
«تفرّقوا أيدي سبأ» ... 345
«الجزاء من جنس العمل» ... 156
«الحرب تلد الحرب» ... 358
«سَلْمي سَلْمُكم، وحَرْبي حَرْبُكم» ... 142
«شَادّْ بَالْيَسْرَى» ... 397
«عند الامتحان يُكرَم المرءُ أو يُهان» ... 380
«قتل عاد وإرم» ... 346، 363
«قد تعدّى من تمنّى أن يساويَ من تعنّى» ... 328
«كجالب التمر إلى هجر» ... 190
«اللِّي ودَّكْ بَطْعامْ وَدُّوا بَلْمَاكْلَه» ... 244
«من شرط كلّ شرط جزاءُ» ... 156
«هذا الشيء ألذّ من نومة الصباح» ... 262
«هذا أمرٌ قضي بليل» ... 90 (1/430)
صفحة 431
فهرس الأعلام
إبراهيم ابن النبي - صلى الله عليه وسلم - : 243.
إبراهيم عليه السلام: 43, 64, 122, 302, 383.
إبليس: 143, 195, 198.
ابن أبي قحافة: 178, 180.
ابن إسحاق: 195.
ابن الدِّثِنَّة: 324, 327.
ابن الدَّغِنَة: 176, 177, 178, 179, 180, 192.
ابن عباس: 400.
ابن قَمِئَه: 305.
ابن مسعود: 79.
ابن هشام (صاحب السيرة): 195.
أبو البُحْتُرِيّ بن هشام: 89.
أبو الحكم (أبو جهل): 111, 163, 165, 225.
أبو العاص بن الربيع: 276.
أبو اليقظان (عمار بن ياسر): 49.
أبو أمامة بن سهل: 258, 259, 260.
أبو أيّوب خالد بن زيد الأنصاري: 233, 240, 241, 243, 244, 245, 246, 276, 342.
أبو بكر الصِّدِّيق: 45, 46, 49, 51, 52, 67, 128, 148, 167, 169, 176, 177, 178, 179, 180, 181, 187, 189, 191, 192, 199, 200, 201, 208, 209, 210, 211, 212, 213, 217, 218, 219, 220, 222, 223, 224, 226, 228, 229, 230, 235, 236, 238, 248, 251, 255, 257, 266, 267, 276, 305, 307, 371, 384.
أبو تراب = علي بن أبي طالب: 341.
أبو جهل: 45, 46, 48, 49, 70, 72, 74, 80, 81, 90, 100, 102, 104, 108, 109, 110, 111, 126, 127, 143, 145, 151: 159, 160, 162, 163, 164, 165, 166, 167, 179, 182, 183, 184, 194, 198, 205, 219, 225, 266, 324.
أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة: 54.
أبو حمزة المختار: 311.
أبو رافع مولى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - : 276.
أبو سفيان: 207: 208, 327.
أبو سلمة بن عبد الرحمن: 54: 258.
أبو طالب: 47, 48, 72, 85, 87, 88, 91, 92, 98, 100, 102, 103, 105, 106, 107, 108, 110, 112, 121, 149, 162, 173, 191.
أبو عامر الراهب: 319. (1/431)
صفحة 432
أبو عامر الفاسق: 319, 320, 321.
أبو عبيدة بن الجراح: 182, 191.
أبو عزيز بن عمير: 316.
أبو عمارة = حمزة بن عبد المطّلب: 70, 72.
أبو قحافة: 51, 200.
أبو لهب: 47, 48, 86, 107, 108, 109, 110, 121, 126, 128, 129, 150, 159.
أبو يعلى(حمزة): 70.
أُبَيُّ بن خلف: 151.
أبيّ بن كعب: 321, 331.
آدم عليه السلام: 101.
الإرَاشِي: 164, 165, 166.
الأرقم بن أبي الأرقم: 69, 298.
أسامة بن زيدٍ: 276.
إسرائيل: 348.
أسعد بن زرارة: 134, 135, 136, 241, 246, 274, 295.
أسماء بنت أبي بكر الصديق: 199, 200, 201, 209, 210, 211, 217, 218, 219, 230, 231, 288.
أسماء بنت عُمَيْس: 58.
إسماعيل عليه السلام: 64, 383.
الأسود بن المطلب: 151, 152, 153, 154.
الأسود بن عبد يغوث: 151, 152, 155, 156.
أُسَيد بن حُضَير: 135, 136, 137, 295, 296, 376.
أمُّ الحسنين: 261.
أمُّ أيمن: 276.
أمّ حبيبة رملة بنت أبي سفيان: 63.
أمّ سلمة: 54, 58, 60, 256.
أمّ عبد الله (زوج عامر بن أبي ربيعة): 96, 97.
أمّ كلثوم بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رضي الله عنها: 276.
أمّ معبد عاتكة بنت خالد: 226, 228, 229, 231, 235.
امرؤ القيس: 196.
آمنة بنت وهب: 75, 81, 155, 276.
أميّة بن خلف: 46, 49, 51, 151, 194.
أيوب عليه السلام: 113.
البراء بن معرور: 141.
بلال بن رباح: 46, 49, 51, 275, 384, 385.
البوصيري: 47, 90, 152, 154, 157, 158, 159, 164, 167.
ثويبة الأسلميّة: 69.
جابر بن عبد الله: 133. (1/432)
صفحة 433
الجذْعة (ناقة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ): 241.
جعفر بن أبي طالب: 55, 58, 59, 60, 63, 68.
جميل بن معمر: 82, 83.
الحارث بن الطلاطلة: 152, 159.
الحارث بن هشام: 183.
حسّان بن ثابت: 117.
الحسن البصريّ: 328.
الحصين بن سلام: 370.
حمّالة الحطب: 47, 48, 108, 150.
حمزة بن عبد المطّلب: 65, 67, 69, 70, 72, 73, 78, 84, 96, 97, 98, 207, 299, 304, 305, 307, 311, 318, 338.
حمنة بنت جحش: 317, 318.
حَمِيُّ الدَّبَر: 313, 315, 321, 324, 326, 329, 331.
حنظلة بن أبي عامر: 315, 319, 320, 321, 329, 331, 337, 338.
حوّاء: 101.
حييّ بن أخطب: 368, 390, 391.
خارجة بن زيد: 258.
خالد بن الوليد: 156, 185.
خبّاب بن الأرتّ: 76, 77, 79, 157.
خبيب بن عدي: 313, 324, 326, 327, 329.
خديجة رضي الله عنها: 44, 92, 95, 100, 101, 102, 107, 110, 121, 149, 173, 191, 255, 276.
خزيمة بن ثابت: 321.
دحية بن خليفة الكلبيّ: 368.
ذات النطاقين: 209, 218.
رقية بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رضي الله عنها: 54, 276, 277.
رُكانة بن يزيد: 145, 160, 161.
الزبير بن العوَّام: 54, 55, 68, 182, 191, 201، 218, 236, 288, 319, 371.
زهير بن أبي سلمى: 196.
زهير بن عمرو: 88, 89, 90.
زياد بن أبيه: 56.
زيد بن ثابت: 243, 331.
زيد بن حارثة: 111, 112, 114, 115, 116, 267, 275, 276.
زينب بنت جحش: 317.
زينب بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رضي الله عنها: 276, 277.
سُراقة بن مالك: 215, 220, 222, 223, 224, 225, 235. (1/433)
صفحة 434
سعد بن أبي وقّاص: 81, 99, 172, 182, 299, 300, 305, 316, 376.
سعد بن الربيع: 279, 280, 287.
سعد بن خيثمة: 244.
سعد بن عبادة: 144, 239, 243, 244.
سعد بن معاذ: 135, 136, 137, 148, 294, 295, 296, 315, 321, 376.
سعيد بن المسيّب: 258, 259.
سعيد بن زيد: 75, 76, 77, 79.
سلافة: 325.
سلمان الفارسيّ: 275.
سليمان عليه السلام: 260.
السموأل بن غريض: 349.
سميّة: 48, 49.
سهلة بن سهيل: 54.
سودة بنت زمعة رضي الله عنها: 255, 276.
سويديّة: 349.
سيّدة أمّ الشرفاء فاطمة: 261.
شيبة بن ربيعة: 112, 113, 151, 194.
الشيخ النجديّ: 197, 198.
صفوان بن أميّة: 326.
صفيّة بنت حيي رضي الله عنها: 368, 369, 390.
صهيب الروميّ: 275.
طلحة بن عبيد الله: 182, 191, 319, 371.
العاص بن وائل السهمي: 83, 84, 151, 152, 158.
عاصم بن ثابت: 315, 321, 322, 323, 324, 325, 329, 331.
عامر بن أبي ربيعة: 96, 97.
عامر بن فهيرة: 208, 210, 211, 217, 218, 229, 384, 385.
عائشة رضي الله عنها: 199, 200, 201, 209, 218, 219, 242, 255, 256, 257, 261, 287, 371, 384, 385.
عبادة بن الصامت: 133.
العباس عمُّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - : 105, 106, 107, 139, 140, 142.
عبد الله بن أبي بكر: 209.
عبد الباسط عبد الصمد: 294.
عبد الرحمن بن عوف: 54, 68, 182, 191, 279, 280, 287, 307.
عبد العزّى بن عبد المطلب: 107, 108, 129.
عبد الله أبي بن ربيعة: 59.
عبد الله بن أبي بكر: 209, 210, 217, 276.
عبد الله بن أبيّ بن سلول: 143, 286, 319, 392. (1/434)
صفحة 435
عبد الله بن أريقط: 208, 211, 218, 226, 229.
عبد الله بن الزبير: 201, 218, 288.
عبد الله بن جحش: 318.
عبد الله بن جدعان التّيميّ: 70.
عبد الله بن جعفر: 58.
عبد الله بن حرام: 133.
عبد الله بن ربيعة: 57, 59.
عبد الله بن سلام: 370, 372.
عبد الله بن عمر: 83, 338.
عبد الله بن مسعود: 166.
عبد الله بن يحيى البارونيّ: 229.
عبد الله بن أبي ربيعة: 57.
عبد المطّلب: 47, 100, 107, 109, 110, 240, 287.
عبد الملك بن مروان: 257.
عبد مناف: 98.
عبد يغوث بن وهب: 155.
عبيد الله بن جحش: 63.
عبيدة بن الحارث: 311.
عتبة بن ربيعة: 112, 113, 151, 194.
عتبة بن شيبة: 151.
عثمانُ بن طلحة العَبْدَرِيُّ: 299.
عثمان بن عفّان: 54, 55, 56, 68, 191, 257, 276, 371.
عثمان بن مظعون: 54, 55, 243.
عدّاس: 113, 114.
عروة بن مسعود الثقفي: 111, 127, 156.
العزّى: 43, 47, 49.
عطاء الخراساني: 258, 259.
عقبة بن أبي معيط: 108, 109, 110, 151, 324, 325.
عقبة بن عامر الجُهنيّ: 132.
عقيل بن أبي طالب: 387.
عليّ بن أبي طالب: 45, 58, 100, 128, 180, 181, 187, 191, 192, 193, 202, 204, 206, 208, 218, 248, 257, 261, 262, 263, 276, 277, 301, 302, 305, 331, 341, 371, 387.
عمّار بن ياسر: 46, 48, 49, 50, 247, 248.
عمر بن الخطّاب: 42, 51, 65, 69, 73, 74, 75, 76, 77, 78, 79, 80, 81, 82, 83, 84, 85, 93, 96, 97, 98, 176, 181, 182, 183, 184, 191, 225, 252, 255, 257, 299, 305, 307, 371.
عمر بن ربيعة: 54.
عمر بن عبد العزيز: 257, 258.
عمران بن أنس: 258, 259. (1/435)
صفحة 436
عمرو بن العاص: 56, 57, 59, 60, 62, 63, 158, 182.
عمرو بن أميّة الضُّمْريّ: 63.
عمرو بن عوف: 240.
عمرو بن هشام (أبو جهل): 74, 165.
عيّاش بن أبي ربيعة: 182, 183, 184, 185, 206.
عيسى عليه السلام: 44, 59, 60, 363, 391.
عيسى لَبْرِيكِي: 330.
غسيل الملائكة: 320, 338.
الفاروق = عمر بن الخطاب: 225, 226.
فاطمة بنت الخطاب: 75, 76, 77, 79.
فاطمة بنت الرسول - صلى الله عليه وسلم - رضي الله عنها: 76, 256, 260, 261, 262, 263, 264, 276, 325, 341.
فرعون: 57.
قُسُّ بن ساعدة الإياديّ: 125.
القصواء (ناقة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ): 241, 242.
قصيّ بن كلاب: 195, 293.
كسرى بن هرمز: 156, 215, 220, 224, 225, 226.
كلثوم بن الهدم: 239, 288.
اللات: 43, 47, 49.
ماروت: 288.
محمّد بن مسلمة: 338.
مريم عليها السلام: 59, 60.
المسيح عليه السلام: 273, 284.
مسيلمة الكذّاب: 190.
مصعب بن عمير: 54, 134, 135, 136, 137, 148, 174, 291, 293, 294, 295, 296, 297, 298, 299, 300, 301, 303, 304, 305, 306, 307, 308, 311, 313, 315, 316, 317, 318, 319, 328, 329, 337, 338, 342, 376.
المطعم بن عديّ: 89, 116, 117, 121, 144.
معاذ بن جبل: 321, 331.
معاوية بن أبي سفيان: 56, 248, 257, 371.
المغيرة بن شعبة: 56.
المقداد: 55.
المقرئ: 24، 134، 136، 293, 294، 299، 312، 315، 328، 337، 376.
المقوقس: 63.
مهاجريّ: 182, 277, 279.
موسى عليه السلام: 222, 284, 344, 391.
مؤمن آل فرعون: 85.
النابغة الذبياني: 196.
النجاشي: 39, 41, 52, 56, 57, 60, 61, 62, 63, 64, 68, 95, 96, 149, 375. (1/436)
صفحة 437
النضر بن الحارث: 151.
النعمان بن بشير: 288.
نُعيم بن عبد الله النحام: 74, 75.
هاروت: 288.
هاشم: 85.
هبل: 43.
هتلر: 358.
هرقل: 63.
هشام بن العاص: 182, 184, 185, 206.
هشام بن عمرو بن ربيعة: 86, 88.
هند بنت عتبة: 207.
ورقة بن نوفل: 44.
الوليد بن المغيرة: 78, 100, 102, 126, 127, 151, 152, 156, 157, 194.
الوليد بن الوليد: 185, 207.
الوليد بن عبد الملك: 257, 258, 259.
الوليد بن عتبة: 151.
-*/ياسر بن أخطب: 390, 391.
ياسر: 48.
يحيى بن زكريَّاء عليهما السلام: 284.
يزيد بن معاوية: 257.
يعقوب عليه السلام: 348.
يهوديّ: 237.
يوسف عليه السلام: 61, 348.
يونس بن متّى عليه السلام: 113. (1/437)
صفحة 438
فهرس الأديان والمذاهب والأقوام
الأحابيش: 176, 177, 192.
أحبار اليهود: 368, 370, 391.
الأخاشب: 143.
إراش (قبيلة): 164.
الأردنيون: 126.
الأساقفة: 58, 59.
الإسرائيليُّون: 348, 389.
أصحاب شجرة الرضوان: 393.
الأعراب: 128, 129, 322.
الأكاسرة: 224.
آل ياسر: 49.
الأمويّون: 261.
الأنصار: 91, 118, 131, 133, 134, 140, 141, 142, 147, 148, 149, 166, 171, 173, 174, 176, 182, 189, 230, 235, 238, 239, 240, 243, 244, 246, 247, 252, 271, 277, 278, 279, 280, 288, 293, 294, 305, 315, 316, 326, 328, 342, 343, 347, 355, 356, 359, 360, 368, 388, 389, 394, 396, 400.
أهل الصفَّة: 341.
أهل الكتاب: 284, 346.
الأوس: 131, 132, 135, 139, 173, 190, 237, 273, 274, 275, 282, 294, 295, 296, 319, 321, 344, 345, 346, 347, 356, 357, 358, 359, 361, 365, 375, 376, 389, 392.
البدريّون: 360, 393, 396.
البطارقة: 57, 58.
بنو إسرائيل: 222, 348.
بنو الأشهل: 359.
بنو المصطلق: 400.
بنو المطّلب: 85, 86, 88, 98, 100.
بنو النجّار: 241, 246, 276, 287, 342, 359.
بنو النضير: 238, 259, 283, 284, 346, 368, 390, 392.
بنو حارثة: 136, 295.
بنو زهرة: 75, 81.
بنو ساعدة: 239, 353.
بنو سالم بن عوف: 239, 240, 251, 276.
بنو عامر بن صعصعة: 130.
بنو عبد الأشهل: 135, 136, 137, 148, (1/438)
صفحة 439
294, 296, 315, 376.
بنو عبد الدار بن عبد مناف بن قصيّ: 299.
بنو عبد مناف: 162, 163, 198.
بنو عدي بن النجار: 74, 240, 359.
بنو عمرو بن عوف: 238, 239, 275, 359.
بنو قريظة: 238, 259, 283, 284, 346, 347, 392.
بنو قَيْلة: 237.
بنو قينقاع: 238, 259, 279, 283, 284, 346, 347, 392.
بنو مالك بن النجّار: 240.
بنو مخزوم: 45, 46, 80.
بنو مُدْلِج: 220.
بنو مروان: 261.
بنو ميزاب: 134.
بنو هاشم: 75, 85, 86, 88, 91, 98, 100, 107, 121, 172, 300.
ثقيف: 121.
الحبش: 46, 57, 60, 61, 62.
الحبشة: 43, 52, 53, 54, 55, 56, 57, 58, 60, 61, 63, 64, 67, 68, 73, 76, 84, 95, 96, 97, 134, 149, 172, 192, 271, 276, 299, 304, 315, 317, 375.
الحبشيّون: 62.
الحواريّون: 360.
خزاعة: 116, 177.
الخزرج: 131, 132, 135، 139, 144, 147, 173, 190, 237, 243, 269, 273, 274, 275, 282, 294, 321, 344, 345, 346, 347, 356, 357, 358, 359, 361, 365, 366, 375, 389, 392.
الخلفاء الراشدون: 257, 261, 355.
خيبر: 63, 64, 260, 288, 307, 368, 388, 389, 394, 400.
الرهبان: 370.
الروم: 63, 345.
سبأ: 345.
السعوديون: 311.
الصحابة: لم نقم بفهرستها لكثرة ورودها..
العراقيون: 126.
العزّابة: 333.
الغَسَاسِنَة: 345.
الفراعنة: 224.
الفرس: 225, 345.
قحطانيّون: 274. (1/439)
صفحة 440
القرّاء: 294.
القرشيّون: 46.
قريش: 45, 47, 48, 50, 54, 55, 56, 58, 62, 68, 69, 70, 72, 73, 74, 75, 81, 82, 84, 85, 86, 87, 88, 90, 95, 96, 98, 100, 102, 107, 108, 112, 130, 142, 143, 150, 156, 162, 163, 164, 165, 166, 172, 173, 175, 176, 178, 179, 180, 181, 184, 191, 194, 195, 198, 209, 210, 211, 217, 218, 219, 220, 224, 235, 236, 279, 285, 293, 300, 301, 346, 362, 363, 375, 395.
قريظة: 388.
المجتمع اليهودي: 285.
المسيحية: 57.
المسيحيّون: 57.
المطيِّبون الأحلاف: 166.
المقرئون: 294.
الملائكة: 319, 320, 321, 329, 331.
المَنَاذِرَة: 345.
المنافقون: 143, 273, 286, 349, 377, 379, 391, 392, 393, 394, 397.
المهاجرون: 39, 54, 55, 57, 58, 96, 134, 169, 171, 176, 182, 218, 235, 237, 238, 243, 269, 272, 277, 278, 279, 280, 281, 288, 293, 299, 303, 342, 343, 347, 355, 359, 360, 368, 375, 383, 387, 388, 389, 394, 396, 400.
النصارى: 57, 60.
النصرانية: 63.
النقباء العشرة: 295, 335, 343, 344.
هذيل: 322, 323, 324, 325.
يهود المدينة: 259, 269, 283, 302, 303, 335, 344, 348, 349, 389, 390.
يهود خيبر: 260.
اليهود: 63, 131, 135, 173, 237, 238, 260, 273, 279, 283, 284, 285, 286, 287, 288, 303, 307, 337, 344, 345, 346, 347, 348, 349, 350, 353, 360, 361, 362, 363, 364, 365, 367, 368, 369, 370, 371, 372, 389, 390, 391, 392, 393, 394, 399, 400.
اليهوديّة: 348, 349. (1/440)
صفحة 441
فهرس الأماكن والبلدان
أُحُد: 69, 207, 288, 297, 304, 305, 306, 316, 317, 319, 320, 321, 337, 338, 360, 388, 394, 400.
الأردن: 205.
إفريقيا: 53, 58, 395.
ألمانيا: 358.
الأندلس: 399.
إيران: 224.
البحر الأحمر: 53, 54, 149.
بدر: 151, 159, 160, 162, 166, 167, 195, 260, 283, 288, 304, 306, 316, 319, 324, 338, 360, 388, 393, 394, 400.
بريان: 53.
بُصرى: 63.
البطحاء (مكة): 48, 100.
البقيع (بقيع الغرقد): 242.
البيت الحرام: 70, 122, 253, 383, 285.
بيت المقدس: 163, 253, 265, 266.
بيت عائشة: 255, 256, 257, 261.
بيت فاطمة: 256, 261, 263.
بئر معونة: 338.
بيوت الأصنام: 221.
بيوت الرسول - صلى الله عليه وسلم - : 255, 256, 257, 258, 259, 260, 261, 271, 342.
تبوك: 396.
تنزانيا: 53.
التنعيم: 326, 327.
تيماء: 389.
جبل ثور: 208, 210, 211, 217.
الجحفة: 386.
جدّة: 53.
الجزيرة العربية: 123, 226.
جنوب إفريقيا: 53.
الحجاز: 46, 53, 57, 110, 177, 202, 236, 286, 389, 394.
حُجَر أزواجه - صلى الله عليه وسلم - : 258.
الحجر الأسود: 265.
حجر النبيّ - صلى الله عليه وسلم - : 248, 257, 258, 259, 260, 261.
الحِجْر: 72, 89.
حجرة السيدة سودة بنت زمعة: 255.
حجرة عائشة: 254, 255. (1/441)
صفحة 442
الحَجون: 89.
الحديبية: 393, 400.
حراء: 116.
الحرّة: 237, 238, 366.
الحرم المدني: 371.
الحرم المكي: 165.
حضرموت: 202.
الحطيم: 72, 83, 90, 265.
حنين: 344, 400.
الحيرة: 345.
دار أسعد بن زرارة: 135.
دار الأرقم بن أبي الأرقم: 69, 77, 79, 298, 299, 394.
دار الندوة: 194, 196, 199.
دار بني النجّار: 135.
دار بني سلَمة: 135.
دار بني عبد الأشهل: 135.
دار بني عمرو بن عوف: 135.
دمشق: 257, 258, 371.
ديار بني سالم بن عوف: 239.
ذو المَجَاز: 124.
رانوناء: 251.
الرّجيع: 322, 338.
الركن اليمانيّ: 163, 265.
روديسيا: 98.
روسيّة: 349.
الرياض: 190.
زمزم: 383.
زنجبار: 53.
سقيفة بني ساعدة: 281, 353.
السودان: 53, 61.
الشام: 102, 150, 202, 226, 236, 253, 257, 261, 265, 308, 331, 345, 395.
شامة: 385.
شرق إفريقيا: 53.
شعب أبي طالب: 98, 172.
شعب بني هاشم: 86, 98, 172.
الشُّعيبة: 53, 54.
شمال إفريقيا: 134.
الصفا والمروة: 122.
الصفا: 70.
صفّين: 248, 371.
الصين: 54, 399.
الطائف: 110, 111, 112, 114, 118, 121, 124, 126, 127, 158. (1/442)
صفحة 443
طفيل: 385.
طيبة: 190, 386.
الظاهرة (خارج المدينة): 366.
العراق: 113, 225, 261, 308, 345, 371, 395.
عرفات: 122, 124, 125, 126, 138, 164, 261.
عكاظ: 124.
غار ثور: 209, 211, 212, 213, 218, 237.
غار حراء: 44.
الغَرْقَد: 242.
فارس: 224, 225, 226, 261, 308.
فدك: 389.
فلسطين: 103.
القادسية: 81, 305.
قباء: 238, 239, 240, 244, 251, 252, 339, 353, 369, 390.
قُدَيْد: 228.
القرارة: 53.
الكعبة: 153, 265, 266, 299, 301, 302.
الكوفة: 371.
مأرب: 344, 345, 389.
مجنّةً: 124, 385.
المحيط الأطلسيّ: 399.
المحيط الهندي: 53.
المدينة المنوَّرة: 43, 63, 64, 67, 68, 91, 92, 118, 121, 124, 131, 132, 133, 134, 135, 138, 139, 143, 144, 147, 148, 149, 150, 160, 162, 167, 169, 171, 173, 174, 176, 180, 182, 183, 184, 185, 187, 189, 190, 191, 192, 193, 199, 203, 208, 210, 211, 213, 217, 218, 225, 226, 230, 231, 233, 235, 236, 237, 238, 239, 240, 242, 246, 251, 252, 254, 257, 258, 259, 260, 265, 269, 271, 272, 273, 274, 275, 276, 279, 281, 283, 284, 285, 286, 287, 288, 289, 291, 293, 294, 295, 296, 299, 301, 302, 303, 304, 307, 311, 312, 315, 316, 317, 319, 322, 323, 328, 335, 337, 339, 341, 342, 343, 344, 345, 346, 347, 348, 349, 353, 354, 355, 356, 359, 360, 361, 362, 363, 364, 365, 366, 367, 371, 372, 373, 375, 376, 382, 383, 384, 386, 387, 388, 389, 390, (1/443)
صفحة 444
391, 392, 393, 394, 395, 399, 400.
مسجد الجمعة: 240.
مسجد الجنّ: 115.
المسجد الحرام: 69, 82, 199, 298, 299.
المسجد النبوي: 247, 252, 253, 254, 255, 256, 257, 258, 259, 260, 261, 265, 276, 301, 342.
مسجد النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - : 163, 254, 257, 258, 271, 281, 353, 355.
مسجد قباء: 238, 239, 251, 252, 271.
مصر: 53, 63, 261.
مقام إبراهيم: 117, 383.
مقبرة البقيع: 242, 243.
مكّة: 43, 46, 50, 53, 55, 56, 63, 64, 67, 68, 69, 73, 76, 80, 83, 84, 86, 88, 90, 95, 98, 103, 110, 111, 112, 114, 115, 116, 118, 121, 123, 124, 125, 126, 127, 129, 131, 132, 133, 134, 138, 139, 143, 144, 148, 150, 151, 158, 159, 160, 161, 162, 164, 167, 171, 172, 176, 177, 178, 180, 181, 182, 183, 184, 185, 191, 192, 193, 195, 197, 199, 206, 208, 209, 210, 211, 213, 215, 217, 218, 219, 220, 221, 222, 224, 225, 226, 230, 231, 236, 237, 248, 254, 255, 261, 265, 269, 271, 272, 273, 275, 276, 277, 279, 281, 285, 288, 293, 296, 297, 298, 299, 300, 301, 304, 315, 316, 319, 322, 324, 326, 327, 328, 337, 342, 346, 359, 360, 362, 372, 375, 376, 382, 385, 386, 387, 393, 394, 395, 400.
المملكة السعودية: 190.
منازل بني سالم بن عوف: 251.
منى: 122, 126, 132, 138, 139, 142, 143, 164.
الموصل: 113.
ميزاب الكعبة: 72, 265.
ميزاب: 135.
نجد: 190, 195, 394.
نخلة: 114, 124.
نصيبين: 115.
نينوى: 113.
هَجَر: 190.
الهند: 53. (1/444)
صفحة 445
وادي القرى: 389.
وادي ريغ: 353, 384.
وارجلان: 353, 384.
يثرب: 131, 132, 133, 137, 139, 143, 144, 147, 149, 190, 345, 347.
اليمامة: 190.
اليمن: 115, 202, 236, 274, 344, 389. (1/445)
صفحة 446
المحتويات
إهداء ... 5
شكر وعرفان ... 6
تقديم الشيخ الناصر المرموري ... 7
تقديم الشيخ إبراهيم بن بنوح مصباح ... 11
مقدمة المحقق ... 14
ترجمة الشيخ بيُّوض ... 31
مدخل ... 35
الدرس الأول
محتويات الدرس ... 39
بين يدي ذكرى الهجرة ... 41
حالة قريش عند مبعثه صلى الله عليه وسلم ... 43
إعراض كبراء القوم عن الدعوة ... 44
المؤمنون الأوّلون ... 44
ردّة فعل المشركين ... 45
فإنّ موعدكم الجنّة ... 48
أوّل شهيدة في الإسلام ... 49
ألا تستنصر لنا؟ ... 49
أَحدٌ أَحدٌ ... 49 (1/446)
صفحة 447
إلا من أكره وقلبه مطمئنّ بالإيمان ... 50
سيّدُنا وأعتق سيّدَنا ... 51
إلا ابتغاء وجه ربّه الأعلى ... 51
فإنّ بها ملكا لا يُظلم في جواره أحد ... 52
أسماء بعض المهاجرين إلى الحبشة الهجرة الأولى ... 54
الرجوع من الحبشة ... 55
مرّة أخرى إلى الحبشة ... 55
والله لا أسلمهم إليكم أبدا ... 56
أفأَرْتَشي أنا اليوم؟! ... 60
إسلام النجاشيّ وعقدُه للرسول صلى الله عليه وسلم على أمّ حبيبة في الحبشة ... 63
الدرس الثاني
محتويات الدرس ... 65
خلاصة ما تقدّم ... 67
إسلام أسد الله حمزة ... 69
اللهمّ أعزّ الإسلام بأحبّ العمرين إليك ... 73
أسلِم يا ابن الخطّاب ... 78
لن نعبد الله سرّا بعد اليوم ... 79
صبأ عمر!! ... 79
صحيفة المقاطعة ... 84 (1/447)
صفحة 448
نقض الصحيفة ... 87
هذا أمر دُبّر بليل!! ... 90
الدرس الثالث
محتويات الدرس ... 93
حوصلة ما تقدّم ... 95
لن يسلم ابن الخطّاب حتى يسلم حماره ... 96
سنوات المقاطعة في الشعب، ونقض الصحيفة ... 97
كلمة عن أبي طالب وخديجة رضي الله عنها ... 100
موت أبي طالب وخديجة ... 102
انكشافه صلى الله عليه وسلم بعد رحيل أبي طالب وخديجة ... 107
دعوته صلى الله عليه وسلم في الطائف ... 110
وإذ صرفنا إليك نفرا من الجنّ ... 114
في جوار المطعم بن عدي ... 115
الدرس الرابع
محتويات الدرس ... 119
خلاصة ما مرّ ... 121
منها أربعة حرم ... 122
أسواق العرب في الجاهلية ... 123
عرض الدعوة على قبائل العرب في الموسم ... 126 (1/448)
صفحة 449
بيعة العقبة الأولى مع الستّة الأوّلين ... 131
البيعة الثانية ... 133
إسلام سعد بن معاذ رضي الله عنه ... 135
بيعة العقبة الأخيرة ... 137
الدرس الخامس
محتويات الدرس ... 145
خلاصة الدرس الماضي ... 147
إنّا كفيناك المستهزئين ... 148
مصارعته صلّى الله عليه وسلم لركانة ... 160
إذلال أبي جهل قبل مقتله في بدر ... 162
الدرس السادس
محتويات الدرس ... 169
حديث عن الهجرة والنصرة ... 171
تذكير بالهجرتين الأوليين وما وقع بعدهما ... 171
الإذن للصحابة بالهجرة إلى المدينة ... 174
هجرة أبي بكر الأولى ... 176
هجرة عمر بن الخطّاب رضي الله عنه ... 181
كلام عن فضل الأنصار والمهاجرين ... 182
من مكر المشركين بمن هاجر ... 183 (1/449)
صفحة 450
الدرس السابع
محتويات الدرس ... 187
خلاصة ما مضى ... 189
رؤيا للنبيّ صلى الله عليه وسلم ... 190
الحكمة من وجوب الهجرة إلى المدينة ... 191
الحكمة من تأخير هجرة أبي بكر وعليّ ... 192
وإذ يمكر بك الذين كفروا... ... 193
الصحبة يا أبا بكر ... 199
فأغشيناهم فهم لا يبصرون ... 202
من تدابير الهجرة ... 208
لا تحزن؛ إنّ الله معنا ... 211
الدرس الثامن
محتويات الدرس ... 215
استذكار ما مرّ ... 217
أين محمّد؟! ... 218
كيف بك يا سراقة إذا سُوِّرت بسواري كسرى؟ ... 220
فإنّكمُ إن تسألوا الشاة؛ تشهدِ ... 226
خبر الهاتف بمكّة ... 230
الدرس التاسع
محتويات الدرس ... 233 (1/450)
صفحة 451
خلاصة ما تقدم ... 235
الطريق إلى المدينة ... 235
الوصول إلى المدينة ... 237
دعوها فإنّها مأمورة ... 238
المرء مع رحله ... 241
كلمة عن ناقة النبيّ صلى الله عليه وسلم ... 241
في دار أبي أيّوب الأنصاريّ رضي الله عنه ... 243
الشروع في بناء المسجد والبيوت ... 246
كلمة عن عمّار بن ياسر ... 247
الدرس العاشر
محتويات الدرس ... 249
فضل مسجد قباء ... 251
وصف بناء المسجد وبناءِ بيوته ... 252
توسيع المسجد وهدم بيوته صلّى الله عليه وسلّم ... 257
هي بنت أبيها رضي الله عنها ... 261
فلنولّينّك قبلة ترضاها ... 265
إذ يقول لصاحبه... ... 266
الدرس الحادي عشر
محتويات الدرس ... 269
المشاكل التي واجهت النبيّ صلى الله عليه وسلم عند وصوله المدينة ... 271 (1/451)
صفحة 452
التحاق من بقي في مكّة من المسلمين إلى المدينة ... 275
المؤاخاة بين المسلمين ... 277
يحبّون من هاجر إليهم... ... 278
دور المسجد في الإسلام ... 281
والسابقون الأوّلون... ... 281
فأصبحتم بنعمته إخوانا ... 282
عقد معاهدات مع يهود المدينة ... 283
لا تَعْلَمُهم نحن نَعْلمُهم ... 286
من أبرز أحداث السنة الأولى للهجرة ... 287
الدرس الثاني عشر
محتويات الدرس ... 291
توطئة ... 293
أوّل مقرئ في الإسلام ... 293
دخول النور إلى المدينة على يد مصعب ... 294
حالة مصعب قبل إسلامه ... 297
حالة مصعب بعد إسلامه ... 298
بطولة مصعب ... 303
فمنهم من قضى نحبه ... 305
هم درجات عند الله ... 308
شباب محمّد وشباب اليوم ... 308 (1/452)
صفحة 453
الدرس الثالث عشر
محتويات الدرس ... 313
مقدمة ... 315
زيادة بعض الكلام عن مصعب ... 316
غسيل الملائكة ... 319
حَمِيُّ الدَّبَر ... 321
خبيب بن عديّ ... 326
لقد كان في قصصهم عبرة... ... 328
هؤلاء هم شباب محمّد، فأين أنتم يا شباب الإسلام اليوم؟! ... 329
الدرس الرابع عشر
محتويات الدرس ... 335
خلاصة ما مرّ ... 337
أعمال النبيّ صلى الله عليه وسلم عند وصوله المدينة ... 339
الدرس الخامس عشر
محتويات الدرس ... 351
سرّ الاجتماع في المساجد ... 353
الحرب تلد الحرب ... 356
والذين آووا ونصروا ... 358
مشكل اليهود ... 360 (1/453)
صفحة 454
فلمّا جاءهم ما عرفوا؛ كفروا به ... 363
كلّما أوقدوا نارا للحرب؛ أطفأها الله ... 364
دعوها فإنّها منتنة ... 366
أهو هُو؟! ... 368
إسلام عبد الله بن سلام ... 370
الدرس السادس عشر
محتويات الدرس ... 373
حوصلة ما تقدّم من دروس ... 375
الفرق بين الفتنة والعذاب ... 376
عقيدة الامتحان ... 379
الإيمان اعتقادٌ وقولٌ وعملٌ ... 380
وحنينه أبدا لأوّل منزل ... 382
أُخرجوا من ديارهم وأموالهم ... 387
يحبّون من هاجر إليهم ... 388
مشكل اليهود في المدينة ... 389
مشكل المنافقين ... 391
والسابقون الأوّلون ... 393
هم درجات عند الله ... 394
ومن الناس من يعبد الله على حرف ... 397
... حتّى يردّوكم عن دينكم ... 398 (1/454)
صفحة 455
خاتمة الكلام ... 399
الفهارس العامة
قائمة المصادر والمراجع ... 405
فهرس الآيات القرآنية ... 411
فهرس الأحاديث النبوية ... 424
فهرس الأبيات الشعرية ... 427
فهرس الحكم والأمثال ... 430
فهرس الأعلام ... 431
فهرس الأديان والمذاهب والأقوام ... 438
فهرس الأماكن والبلدان ... 441
المحتويات ... 446
تم بحمد الله (1/455)