صفحة 1
الكتاب: تخميس القصيدة العمرية لسليمان الكندي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] تخميس القصيدة العمرية
لصاحبها حافظ إبراهيم بك
تخميس الشيخ الأديب اللبيب سليمان بن مهنا بن خلفان الكندي
جمادي الأول 1427هـ - يونيو 2006م
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، نحمده حمدا يليق بذاته، ونشهد أن لا إله إلا هو ونصلي ونسلم على رسوله الأمي قدوة الهداة المهتدين، وصفوة الأمة وخاتم الأنبياء والمرسلين، وبعد:
فإنه لا يخفى أن سيرة الرسول العطرة صلى الله عليه وسلم وسيرة صحابته البررة رضوان الله عليهم، وتاريخهم وما صدر عنهم من آثار وتضحية في سبيل الله جل وعلا من أجل إعلاء كلمة الحق التي هي من أقوى المصادر الإيمانية والعاطفة الدينية التي لم تزل هذه الأمة تقتبس منها شعلة الإيمان.
فقد أطلعت على قصيدة الشاعر الأديب حافظ إبراهيم بك التي قالها في أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقد دعاني هاجس الشعر أن أخمسها كما خمست قبلها قصيدة البردة في مدح سيد الأمة محمد صلى الله عليه وسلم لصاحبها العلامة محمد بن سعيد البوصيري، أرجو أن يكون تخميسي في كلتا القصيدتين موفقا لفظا ومعناً والله الموفق.
تخميس القصيدة العمرية لحافظ إبراهيم بك
تحية من صميم القلب أبديها ... إلى مقام رفيع المجد أهديها
إلى ضريح فتى الخطاب أزجيها ... حسب القوافي وحسبي حين ألقيها
أني إلى ساحة الفاروق أهديها
كم آية نطقت وفقا لمطلبه ... أعلى لها الله شأنا عند قربته
وكم خطاب جرى منه بمنبره ... لاهم هب لي بيانا أستعين به
على قضاء حقوق نام قاضيها
حقا علي لنفسي أن أزكيها ... من كل عيب أراه قد يغشيها
ومنه أرجو تعالى أن ينجيها ... قد نازعتني نفسي أن أوفيها
وليس في طوق مثلي أن يوفيها
إليه الجوء قصداً أن يجانبني ... من سوء أعمال نفس قد تمارسني
وأن يمن بغفران يوأخذني ... فمر سري المعاني أن يواتيني
فيها فإني ضعيف الحال واهيها
(مقتل عمر رضي الله عنه)
رمتك بالسوء والبهتان كارثة ... غرتك غطرسة أودتك صاعقة (1/1)
صفحة 2
شلت يمينك ما مستك عافية ... مولى المغيرة لا جادتك غادية
من رحمة الله ما جادت غواديها
مزقت جسم ولي زانه كرم ... ماذا دعاك لهذا الأمر تجترم
أضحى ضجيعا لمن حفت به النعم ... مزقت منه أديما حشوه همم
في ذمة الله عاليها و ماضيها
أسأت في سيد من سادة كرما ... لم تحترمه ولم ترع له ذمما
تبت يداك لما قد صرت مجترما ... طعنت خاصرة الفاروق منتقما
من الحنيفة في أعلى مجاليها
أمست عيون أهيل المجد جاريةً ... من الدموع وللأعلام ناكسةً
لفقد نفس غدت للخير فاعلةً ... فأصبحت دولة الإسلام حائرةً
تشكو الوجيعة لما مات آسيها
مضى وقد ترك الأقلام راسمةً ... سطورها في صحاف المجد باسمةً
كما غدت لبديع القول كاتبةً ... مضى وخلّفها كالطود شامخةً
وزان بالعدل والتقوى مغانيها
أرسى دعائم مجد فهي قائمة ... على أساس من الإيمان راسية
لا ينثني عزمها للحق سالكة ... تنبو المعاول عنها وهي قائمة
والهادمون كثير في نواحيها
لله خدمة بر قد يقدمها ... خليفة المصطفى للدين يخدمها
لو صادفتها جبال فهي تهدمها ... حتى إذا ما تولاها مهدمها
صاح الزوال بها فانهد عاليها
عَمَّت أياديه خيرا منها قد ملئت ... جوانب الغرب مع شرق قد امتلئت
بهمة منه للجوزاء قد صعدت ... آها على دولة بالأمس قد ملئت
جوانب الشرق رغدا في أياديها
كم حطمت سور ذي كفر بأسلحة ... همات فاروقنا بالسيف مبرمةٍ
كم قد غدت جثثنا صرعى بمقبرة ... كم ظللتها و حاطتها بأجنحةٍ
عن أعين الدهر قد كانت تواريها
مكارم بالتقى قامت عزائمها ... رفيعة المستوى عزت قوائمها
منيعة للذراء بيض صوارمها ... من العناية قد ريشت قوادمها
ومن صميم التقى ريشت خوافيها
والله ما نالها خير وكان لها ... من الآله عظيم الخزي يصحبها
جزاء ما عملت سوأ بفعلتها ... والله ما غالها قدما وكاد لها
و اجتث دوحتها إلا مواليها
من بعد موت فتى الخطاب قد فشلت ... أمورهم وبها الأقوال قد كثرت
لو أنها للأسى والحزن قد صبرت ... لو أنها في صميم العرب ما بقيت
لما نعاها على الأيام ناعيها (1/2)
صفحة 3
لم تصغ آذانهم ما قاله عمر ... بل انه في الدجى أمسى لهم قمر
وهكذا لم تكن في نفسهم عبر ... ياليتهم سمعوا ما قاله عمر
والروح قد بلغت منه تراقيها
لا تحسن الظن في قوم فإن لهم ... مطامعا ونوايا تلك مطلبهم
هم الموالي فلا تغررك سيرتهم ... لا تكثروا من مواليكم فإن لهم
مطامع بَسَمَاتُ الضعف تخفيها
(إسلام عمر رضي الله عنه)
قد خصك الله يا فاروق مكرمة ... بالاعتناق بدين الله موهبة
فصرت أنت لدين الله مفخرة ... رأيت في الدين آراء موفقة
فأنزل الله قرآنا يزكيها
أولاك خير الورى من نور فكرته ... مقال حق دليلا من محبته
فصرت أقرب شخص من مودته ... و كنت أول من قرت بصحبته
عين الحنيفة واجتازت أمانيها
هداية بعد عدوان منحت بها ... من ذي الجلال فصار الحال منتبها
فتلك منة فضل قد حضيت بها ... قد كنت أعدى أعاديها فصرت لها
بنعمة الله حصنا من أعاديها
أين العقول أبا حفص تروم بها ... قصد الأذى لرسول كان مطلبها
فالشكر أصبح موصولا لمرشدها ... خرجت تبغي أذاها في محمدها
وللحنيفة جبار يواليها
فلم تزل فيكم الآذان صاغية ... لآية من كتاب الله واعية
للحق لما أتى جاءتك طائعة ... فلم تكد تسمع الآيات بالغة
حتى انكفأت تناوي من يناويها
أصيغت أذنا لطه من مرتلها ... لذا تيقنت من فضل ألم بها
حكت قضية موسى أي بأكملها ... سمعت سورة طه من مرتلها
فزلزلت نية قد كنت تنويها
قد قلت قولا وجيها لا يماثله ... قول لدى حقها أو من يعادله
وليس من منطق يوما يماثله ... و قلت فيها مقالا لا يطاوله
قول المحب الذي قد بات يطريها
أعلام دين الهدى حقا بك ارتفعت ... وراية المجد في الآفاق قد سطعت
ذلت رقاب أهيل الكفر واتعضت ... و يوم أسلمت عز الحق وارتفعت
عن كاهل الدين أثقالا يعانيها
يا صيحة لبلال منها قد وجلت ... قلوبهم هيبة وكذا حقا بها لتعضت
هدت عراهم وللآفاق قد صعدت ... وصاح فيها بلال صيحة خشعت
لها القلوب ولبت أمر باريها
فلنبيّ ظنون فيك يعهدها ... للمسلمين بفعل البر تقصدها
أثابك الله أجرا من محمدها ... فأنت في زمن المختار منجدها (1/3)
صفحة 4
و أنت في زمن الصديق منجيها
كم استشارك في أشياء منبسطا ... فيها برأيك خير الرسل مغتبطا
لكونه واثقا حقا ومرتبطا ... كم استراك رسول الله مغتبطا
بحكمة لك عند الرأي يلفيها
______________________
(عمر و بيعة أبي بكر رضي الله عنهما)
فللسقيفة بعد المصطفى افترقت ... آراء الصحابة والأقوال قد نطقت
في بيعة لأبي بكر بها اجتمعت ... وموقف لك بعد المصطفى افترقت
فيه الصحابة لما غاب هاديها
أقمت بيعة حق ثم بايعه ... على الخلافة ممن كان شايعه
فأنت يا عمر قد صرت ساعده ... بايعت فيه أبا بكر فبايعه
على الخلافة قاصيها و دانيها
لولاك ما انطفأت من فتنة سعرت ... نار الوغى لكن الأحوال قد هدأت
وتلك قوة إيمان بكم عرفت ... وأطفئت فتنة لولاك لاستعرت
بين القبائل وانسابت أفاعيها
عم الأسى كل فرد من عشيرته ... أخصّه العمرين سيف دولته
أعظم بمثواه بل أكرم بسيرته ... بات النبي مسجا في حظيرته
و أنت مستعر الأحشاء داميها
لم تغض عينك يا فاروق من دهش ... لفقد خير الورى والناس في رعش
كأنهم قد أحسوا الجوع مع عطش ... تهيم بين عجيج الناس في دهش
من نبأة قد سرى في الأرض ساريها
إن الدوام به الآيات قد نطقت ... لخالق الكون لا للخلق قد وضحت
هذي إرادته للخلق قد سبقت ... تصيح من قال نفس المصطفى قبضت
علوت هامته بالسيف أبريها
أساءك الحال لما جاءك الخبر ... عن موت سيد هذا الكون يا عمر
ضاقت بك الأرض وأنهلت بك العير ... أنساك حبك طه أنه بشر
يجري عليه شؤون الكون مجريها
إن الممات لحكم الله مرجعه ... لو طال عمر الفتى لا شك يورده
فإنه الحوض كل كان وارده ... و أنه وارد لابد موردها
من المنية لا يعفيه ساقيها
نسيت آية فضل فهي قد نزلت ... بها الخصائص للمختار قد شملت
أكرم بها آية للفضل قد كسبت ... نسيت في حق طه آية نزلت
وقد يذكّر بالآيات ناسيها
سما بك المجد وانقادت لك الهمم ... وعند سهوك حلت فيهم النقم
وذاك أمر قضى حكما به القلم ... ذهلت يوما فصارت فتنة عمم
وثاب رشدك فانجابت دياجيها (1/4)
صفحة 5
من الفضائل إذ قد صرت جانبه ... لنصر دين الهدى ما كنت غائبه
كفاك فخرا لشخص أنت صاحبه ... وللسقيفة يوم أنت صاحبه
فيه الخلافة قد شيدت أواسيها
خلافة باتفاق لا تعادلها ... خلافة مدت الأيدي تناولها
فالأوس مع خزرج كل يساندها ... مدت لها الأوس كفا كي تناولها
فمدت الخزرج الأيدي تباريها
وحسبما أملوه أن صاحبهم ... أحق من غيره قرت بصائرهم
لأنه الكفوء قد جلت مطالبهم ... وظن كل فريق أن صاحبهم
أولى بها وأتى الشحناء آتيها
أبديت نصحا فاصغته مسامعهم ... وهكذا قد تحاشته مطامعهم
لأنهم عرفوا ممن يقاومهم ... حتى انبريت لهم فارتد طامعهم
عنها وآخى أبو بكر أواخيها
(عمر وعلي رضي الله عنهما)
مقالة من فتى الخطاب تعتبر ... إلى مقام الذي بالفضل مشتهر
أصغى علي بما جادت به الفكر ... وقولة لعلي قالها عمر
أكرم بسامعها أعظم بملقيها
لم يؤل جهدا وحقا صار منتبها ... إذ لم يكن شأنه إلا الوفاء بها
وذاك إيمان نفس منه يصحبها ... حرقتُ دارك لا أبقي عليك بها
إن لم تبايع وبنت المصطفى فيها
من ذا يروم سوى الفاروق يبدي بها ... هذي المقالة يلقيها لدى النبها
إلا عزيمة إيمان تفوه بها ... ما كان غير أبى حفص يفوه بها
أمام فارس عدنان وحاميها
كلاهما في رضاء الرحمن نيته ... ومن يقل غير ذا ظلت بصيرته
فالكل منهم بدين الله عصمته ... كلاهما في سبيل الحق عزمته
لا تنثني أو يكون الحق ثانيها
فاذكرهما بجميل القول ما ذكروا ... لأنهم بفعال الخير قد شكروا
وهكذا بعظيم العفو قد نذروا ... فاذكرهما وترحم كلما ذكروا
أعاظما ألِّهوا في الكون تأليها
(عمر و جبلة بن الأيهم)
كم قمت في حق مضعوف رجوت به ... رضوان خالق هذا الكون حزت به
وكم عفوت قويا عند عثرته ... كم خفت في الله مضعوفا دعاك به
و كم أخفت قويا ينثني تيها
أتاك نطقا حديث فيه موعظة ... عن نجل غسان قد حفته مكرمة
فياله من حديث فيه موهبة ... وفي حديث فتى غسان موعظة
لكل ذي نعرة يأبى تناسيها
إن القوي الذي من شأن همته ... إتباعه للهدى من طيب رغبته (1/5)
صفحة 6
فبالتقى قد ينل ادراك عزته ... فما القوي قويا رغم عزته
عند الخصومة و الفاروق قاضيها
رعاية لضعيف من محبته ... كفى بها الفخر من تلقا مودته
أكرم بسيرة عدل من مسيرته ... وما الضعيف ضعيفا بعد حجته
و إن تخاصم واليها وراعيها
(عمر و أبو سفيان)
لما رأيت أبا سفيان حين حوى ... على الهدايا وللأطماع كان نوى
أودعته السجن في حال عليه غوى ... و ما أقلت أبا سفيان حين طوى
عنك الهدية معتزا بمهديها
ما كان يغنيه عن فاروقنا نشب ... كلا ولم يحمه عز ولا حسب
حيث العدالة أس الفخر لا النسب ... لم يغن عنه و قد حاسبته حسب
ولا معاوية بالشام يجبيها
حركت ساكنه فاهتز مفرقه ... وقد ذوى من عظيم البؤس مرفقه
يا نكبة لأبي سفيان تغرقه ... قيدت منه جليلا شاب مفرقه
في عزة ليس من عز يدانيها
قد توجوا ذكره في جاهليته ... محامداً يالها في عائلتيه
وخصه المصطفى من قادسيته ... قد نوهوا باسمه في جاهليته
وزاده سيد الكونين تنويها
في فتح مكة حازت نفسه كرما ... مذ أصبحت داره للمصطفى حرما
حدث بأحسن قول عنه لا جرما ... في فتح مكة كانت داره حرما
قد أمّن الله بعد البيت غاشيها
وكل ذلك لم يغنيه من عمر ... أي اعتذار أبا سفيان أو حذر
أودعه سجنا فتى الخطاب لم يذر ... و كل ذلك لم يشفع لدى عمر
في هفوة لأبي سفيان يأتيها
لما رأى من أبي سفيان عثرته ... لم يغض طرفا ولم تأخذه شهرته
ولم يبال به أولاه قدرته ... تالله لو فعل الخطاب فعلته
لما ترخص فيها أو يجازيها
فلا القرابة يوما قد يجاملها ... في أخذ حق بعدل أو يعاملها
إذ لم تكن نفسه ممن يعادلها ... فلا الحسابة في حق يجاملها
و لا القرابة في بطل يحاميها
يا رفعة فاقت الجوزا بمطلبها ... لسيد قد رقا شأوا لمنصبها
يا سمعة شملت شرقا ومغربها ... وتلك قوة نفس لو أراد بها
شم الجبال لما قرت رواسيها
(عمر و خالد بن الوليد)
سل خالد الشهم ما في الفرس قد فعلت ... حسامه وبما في الروم قد صنعت
يخبرك عنها بما للمجد قد كسبت ... سل قاهرا الفرس والرومان هل شفعت
له الفتوح وهل أغنى تواليها (1/6)
صفحة 7
بالصافنات غزاهم غزوة وصفت ... أفعالها ولنعم السمر ما فعلت
هدت عراهم وللأعناق قد قطعت ... غزى فأبلى و خيل الله قد عقدت
باليمن والنصر والبشرى نواصيها
قد استعان بآراء مسددة ... في حقهم وبأقوال مهددة
حتى رماهم بأقواس مبددة ... يرمي الأعادي بآراء مسددة
وبالفوارس قد سالت مذاكيها
بآل مخزوم قد سالت جوارحها ... فرس مع الروم قد حارت بصائرها
بابن الوليد لقد دارت دوائرها ... ما دافع الروم إلا فر قادحها
ولا رمى الفرس إلا طاش راميها
أكرم بخالد من قد صار منتبها ... ما قر في بلد إلا يفوه بها
الله اكبر هذا منطق النبها ... و لم يجز بلدة إلا سمعت بها
الله أكبر تدْوي في نواحيها
عشرون من بعد عشر أعني مكملة ... له الفتوح بذا أضحت مسجلة
لنصر خالد جاءته مسلمة ... عشرون موقعة مرت محجلة
من بعد عشر بنان الفتح تحصيها
فخالد قد غدا للحرب موقدها ... سعيا لنيل الهدى أضحى يجددها
وللأمور غدا حقا يسددها ... وخالد في سبيل الله موقدها
وخالد في سبيل الله صاليها
لبى لأمر أبي حفص وجلله ... من حسن تقديره بالشكر أوصله
لم تسأم النفس من أمر فكمله ... أتاه أمر أبي حفص فقبله
كما يقبل آي الله تاليها
أبدى القبول لعزل رغم قدرته ... ولم يعبه وذا من حسن سيرته
فأعجب لخالد وأعجب من مروته ... واستقبل العزل في إبان سطوته
ومجده مستريح النفس هاديها
فانظر لأفعال بر قد يمارسها ... ذاك الوفي رعاه الله حارسها
وكم له من حروب كان فارسها ... فاعجب لسيد مخزوم وفارسها
يوم النزال إذا نادى مناديها
أعطاه ذو الجود عقلا من رعايته ... بمنة منه أضحت من سعادته
فانظر بعين اعتبار في صلابته ... يقوده حبشي في عمامته
ولا تحرك مخزوم عواليها
أمسى لأمر أبي الجراح ممتثلا ... ملبيا أمر من قد يحسن العملا
ذاك الوفي الذي من بره شملا ... ألقى القياد إلى الجراح ممتثلا
وعزة النفس لم تجرح حواشيها
ما حاد عنه وأضحى في قيادته ... لكونه واثقا حقا بغايته
لم يدع كبرا لنفس من سياسته ... وانضم للجند يمشي تحت رايته
وبالحياة إذا مالت يفديها (1/7)
صفحة 8
أتى بحسن ظنون من قريحته ... في حق من سار عدلا في طريقته
لم ينثني عزمه من طيب سيرته ... وما عرته شكوك في خليفته
ولا ارتضى إمرة الجراح تمويها
لما رأى خالد من أن صاحبه ... على طريق الهدى قد سار جانبه
أتاه طوعا وأمسى لا يعاتبه ... فخالد كان يدري أن صاحبه
قد وجه النفس نحو الله توجيها
قد سار سيرة إخلاص لدى عمل ... في صالح الناس يبديها بلا فشل
أكرم به سيدا من سادة كمل ... فما يعالج من قول ولا عمل
إلا أراد به للناس ترفيها
من فضله جل شأنا قد حبا عمرا ... وفور عقل وأولاه إذا فكرا
لما رأى من حياة قد قضى وطرا ... لذاك أوصى بأولاد له عمرا
لما دعاه إلى الفردوس داعيها
أبدى مقالة نهى يوم مصرعه ... عن البكاء عارفا حقا بموضعه
ملبيا أمر داع اثر مرجعه ... وما نهى عمر في يوم مصرعه
نساء مخزوم أن تبكي بواكيها
وكان خير مقال أن صاحبنا ... يعد أفضل شخص صار جانبنا
ولم يزل عمر للحق مرشدنا ... و قيل فارقت يا فاروق صاحبنا
فيه وقد كان أعطى القوس راميها
فيا له من مقال قد يفوه به ... أعوذ من شر شيطان وخيبته
بالله منه ومن جراء محنته ... فقال خفت افتتان المسلمين به
وفتنة النفس أعيت من يداويها
مال للخليفة إلا صدق مقصده ... في مبدأ وختام من تعهده
يبيت طول الليالي في تهجده ... هبوه أخطأ في تأويل مقصده
فإنها سقطة في عين ناعيها
قد أشرقت في ربوع الأرض حجته ... وهدمة صرح كبر تلك فكرته
وأطفأت فتنة شعواء همته ... فلن تعيب حصيف الرأي زلته
حتى تعيب سيوف الهند نائيها
زكت به النفس لم يأخذه فيها هوى ... ما ضل رأي أبي حفص وليس غوى
فكل نياته بالخير فيها نوى ... تالله لم يتَّبع في ابن الوليد هوى
ولا شفى علة بالصدر ينويها
من جوهر القول أبداه وأسمعه ... ولم يزل خالد للرشد يتبعه
وهكذا بجزيل الشكر أوصله ... لكنه قد رأى رأيا فأتبعه
عزيمة منه لم تثلم مواضيها
لم يتخذ عمر يوما سهولته ... عن القيام لعدل أو خؤولته
لطاعة الله قد مالت سريرته ... لم يرع في طاعة المولى خؤولته
و لا رأى غيرها فيما ينافيها (1/8)
صفحة 9
فانظر إلى ابنه ما كان يعذره ... عن أخذ الحد منه صار يقذفه
ولم تكن رأفة في الحد تأخذه ... وما أصاب ابنه والسوط يأخذه
لديه من رأفة في الحد يبديها
لا يعتريه انتقاص عنه نزهه ... إلهه جل من للحق أرشده
وأنه بعظيم الفضل توجه ... إن الذي برأ الفاروق نزهه
عن النقائص والأغراض تنزيها
أعطاه جنة خلد فهي حليته ... على نعيم بها قرت بصيرته
جوار من قد غدا صدقا خليفته ... فذاك خلق من الفردوس طينته
الله أودع فيها ما ينقيها
أبت له النفس من أن قط يصحبها ... ظلم وكبر وحقد ليس يقربها
وهكذا الضيم أضحى لا يقربها ... لا الكبر يسكنها لا الظلم يصحبها
لا الحقد يعرفها لا الحرص يغويها
(عمر وعمرو بن العاص)
رقى من المجد ابن العاص ذروته ... لدى توليه مصرا نال بغيته
فلم تدعه وقد شاطرت ثروته ... شاطرت داهية السواس ثروته
و لم تخفه بمصر وهو واليها
لم تثلم السمر من تلقى بواتيرها ... بل ذللت كل صعب من جابرها
وحطمت كل سور من حوائرها ... وأنت تعرف عمرا في حواضرها
ولست تجهل عمرا في بواديها
أضخت عدالته في مصر ناهية ... عن منكر ولفعل الخير آمرة
قد فاق عمرو دهاء الناس قاطبة ... لم تنبت الأرض كابن العاص داهية
يرمي الخطوب برأي ليس يخطيها
لم يبد عمرو خلافا ما أمرت به ... إلا استطاعك فيه من تثبته
وذا دليل يرى من رفع منصبه ... فلم يرع حيلة فيما أمرت به
وقام عمرو إلى الأجمال يزجيها
لم يرتكب زلة عمرو له ذكرت ... أثنا توليه مصرا لا ولا عثرت
عليه من خلة في موقف خطرة ... و لم تقل عاملا منها وقد كثرت
أمواله وفشا في الأرض فاشيها
(عمر بن الخطاب وولده عبدالله)
ما كان ممن يرى بالزهد يسبقه ... ولا نظير له في البر يلحفه
فللخليفة أشياء تصدقه ... وما وقى ابنك عبد الله أنيقه
لما اطلعت عليها في مراعيها
في حالة قد رآها وهي سارحة ... من أين آلت لابنه وهي شامخة
كالطود في مسرح بالليل سارية ... أتى بها في حماه وهي سارحة
مثل القصور قد اهتزت أعاليها
ما كان من حق عبد الله يجمعها ... هذي النياق وما قد كان يتبعها (1/9)
صفحة 10
إني أراها لبيت المال مرجعها ... فقلت ما كان عبد الله يشبعها
لو لم يكن ولدي أو كان يرويها
فانظر بعين اعتبار في عبادته ... إذ لم يرى المال شأنا في سيادته
وذا عظيم مقام من تقاوته ... قد استعان بجاه في تجارته
وبات باسم أبي حفص ينميها
فلم يرى لمجال كان يوسعه ... عن ردها بل رأى شيئا يطهره
وذا دليل لزهد قد يقدره ... ردوا النياق لبيت المال إن له
حق الزيادة فيها قبل شاريها
فيالها عفة قد صار جاعلها ... في نفسه طهرة لله واضعها
وكم له من صفات كان جامعها ... وهذه خطة لله جاعلها
ردت حقوقا فأغنت مستميحيها
أكرم بها خطة قد صين جانبها ... عن وصمة وبها قد عز طالبها
هو الإمام فتى الخطاب صاحبها ... ما الإشتراكية المنشود جانبها
بين الورى غير مبنى من مبانيها
فإن تكن العرب أهلها ومنبتها ... فهم أحق لأن العرب عمدتها
وإنهم أسها فيها وشوكتها ... فإن نكن نحن أهلوها ومنبتها
فإنهم عرفوها قبل أهليها
(عمر رضي الله عنه ونصر بن حجاج)
لم يتركا عمر نصرا فغربه ... عن داره وأبى أن لا يقربه
خوف ارتكاب فساد منه يحذره ... جنى الجمال على نصر فغربه
عن المدينة تبكيه و يبكيها
كم من فتاتة رمت بالحسن صاحبها ... وأوردته حياض الموت جانبها
ولم تجد أحدا ممن يعاتبها ... وكم رمت قسمات الحسن صاحبها
وأتعبت قصبات السبق حاويها
وزهرة الروض قد أمست بأورقها ... مخضرة يالها من حسن رونقها
قد أخصبتها مياه في تدفقها ... وزهرة الروض لولا حسن رونقها
لما استطالت عليها كف جانيها
كانت له لمة حدث ولا عجب ... بشحمة الأذن شعرات ولا ريب
جنى جمالا بها قد ساده طرب ... كانت له لمة فينانة عجب
على جبين خليق أن يجليها
أضحت له رفعة جادة عقائلها ... في حقه وله طابت شمائلها
بيثرب الخيرعمته فضائلها ... وكان أنى مشى مالت عقائلها
شوقا إليه و كاد الحسن يسبيها
لحبهن له أبلينه شغفا ... لطاعة الله صار القلب منعطفا
يجنين منه ثمار الزهد مقتطفا ... هتفن تحت الليالي باسمه شغفا
و للحسان تمنٍّ في لياليها (1/10)
صفحة 11
بادرت لمته لما أتيت به ... بالجز ما شأنها عيب لمنصبه
من عاطل أكسبت فخرا لرتبته ... جززت لمته لما أتيتَ به
ففاق عاطلها في الحسن حاليها
ناديته أن تحول من مدينتهم ... مخافة لافتتان من مكيدتهم
فالله يوليك حفظا من صنيعتهم ... فصحت فيه تحول عن مدينتهم
فإنها فتنة أخشى تماديها
وفتنة النفس إن بانت قبائحها ... أشد وقعا وقد ساءت فضائحها
حاذر هوى النفس لو طابت روائحها ... و فتنة الحسن إن هبت نوافحها
كفتنة الحرب إن هبت سواقيها
(عمر ورسول كسرى)
قد أيقن العدل لما رأى عمرا ... رسول كسرى وأولى فكره نظرا
لحالة منه صار الوفد معتبرا ... وراع صاحب كسرى أن رأى عمرا
بين الرعية عطلا وهو راعيها
وظن حالته في الجند أن لها ... حماية مثل كسرى كان يعهدها
أبدى عجابا لأشياء قد يظن بها ... وعهده بملوك الفرس أن لها
سورا من الجند والأحراس يحميها
أتاه في حالة من نومه فرأى ... بأنه مستقر الحال دون مرا
وقاية من آله خصها عمرا ... رآه مستغرقا في نومه فرأى
فيه الجلالة في أسمى معانيها
لباسه بردة ما كان محتفلا ... لملبس من حرير سيد الفضلا
على أديم الثرى للنفس قد جعلا ... فوق الثرى تحت ظل الدوح مشتملا
ببردة كاد طول العهد يبليها
رأى القناعة أولى وهي تخبره ... بالفضل عن حب مال كان يؤثره
وتلك حالة زهد قد توقره ... فهان في عينه ما كان يكبره
من الأكاسر والدنيا بأيديها
أبدى مقالة صدق أصبحت مثلا ... في حق سيد قوم قد زكى عملا
يرويها جيل فجيل نعم من نقلا ... وقال قولة حق أصبحت مثلا
و أصبح الجيل بعد الجيل يرويها
أضحى لواء الهدى في الأفق مبتسم ... وأصبح الجور في الظلماء منهزم
أمنت والحق نور ليس ينكتم ... أمنت لما أقمت العدل بينهم
فنمت نوم قرير العين هانيها
(عمر رضي الله عنه والشورى)
يا من توليت للشورى رآستها ... أمرا ونهيا بها أصبحت فارسها
ولم تزل عمر ترعى سياستها ... يا رافعا راية الشورى وحارسها
جزاك ربك خيرا من محييها
لم يأل جهدك عن تأييد دولتها ... بل أنت سيف حماها عند جولتها (1/11)
صفحة 12
وأنت بحر نداها عند سطوتها ... لم يلهك النزع عن تأييد دولتها
وللمنية آلام تعانيها
قد كان أمرك للمقداد يجعله ... نصبا لأعينه ما كان يجهله
فهو الحري لأمر قد يوصله ... لم ينسى أمرك للمقداد يحمله
إلى الجماعة إنذارا وتنبيها
من بعد عد ثلاث أمرها صعبا ... من الليالي فحد السيف قد وجبا
لقطع أعناقهم لا ترتضي هربا ... إن ظل بعد ثلاث رأيهم شعبا
فجرد السيف واضرب في هواديها
لله عزم لنفس ليس يحرفها ... عن طاعة الله موت ظل يصرفها
تراه شهد لحق كان يدركها ... فاعجب لقوة نفس ليس يصرفها
طعم المنية مرا عن مراميها
مدت يداه إلى الشورى فأشبعها ... إتقان فكر بنور العقل أودعها
وهكذا بعظيم النصح أتبعها ... درى يدنيء للشورى بموضعها
فعاش ما عاش يبنيها ويعليها
قد سار سيرة حق في حكومته ... لم يستمد برأي من مشورته
وذا دليل له من حسن سيرته ... و ما استبد برأي في حكومته
إن الحكومة تغري مستبديها
رأي الجماعة لا يشفى الغليل به ... نتيجة لاختلاف في تقلبه
وتلك وحهة رأي من تلطفه ... رأي الجماعة لا تسقى البلاد به
رغم الخلاف ورأي الفرد يسقيها
(مثال من زهده رضي الله عنه)
لم تلتفت نفسه يوما لزينتها ... هذي الدنا بل رأى تركا لحليتها
ولم يرى الفخر إلا كسر شهوتها ... يا من صدفت عن الدنيا وزينتها
فلم يغرك من دنياك مغريها
رفضت لبس ثياب هم إليك غدو ... بالشام عن ملبس بال إليك أتو
بأفخر من لباس هم إليه حوو ... ماذا رأيت بباب الشام حين رأوا
أن يلبسوك من الأثواب زاهيها
هم أيقنو فيك من خير تقدمه ... ومن غوى عن طريق الرشد تعدمه
ومن غدا أنت تكرمه ... ويركبوك على البرذون تقدمه
خيل مطهمة تحلو مرائيها
مشى سويا بلا عيب يراد به ... وهو التمهلج في مشي براكبه
وذاك من زهده أضحى بجانبه ... مشى فهملج مختالا براكبه
وفي البراذين ما تزهي بعاليها
فقلت يا قوم إن الزهو يفتتني ... وليس لي حاجة فيه فيقتلني
وان حالة نفسي منه تعذرني ... فصحت يا قوم كاد الزهو يقتلني
وداخلتني حال لست أبديها (1/12)
صفحة 13
كانت لأبي حفص لها فكر ... مليئة بالتقى جادت بها عبر
لا يعتريها غرور لا ولا كبر ... و كاد يصبو إلى دنياكم عمر
و يرتضي بيع باقيه بفانيها
ما كنت أحسن قولا لا ولا عملا ... إذا تمكن أخذي منكم الأبلا
ردوا الثياب وردوا النوق ما حصلا ... ردوا ركابي فلا أبغي به بدلا
ردوا ثيابي فحسبي اليوم باليها
(مثال من رحمته رضي الله عنه)
لم تدعه النفس بل قد صار منبطحا ... أمام قدر غدا بالماء مفتضحا
لا شيء فيه لأمر كان متضحا ... ومن رآه أمام القدر منبطحا
و النار تأخذ منه و هو يذكيها
يا فوز عبد رعى قوما برحمته ... فكان منه العطا من فيض منته
أهان نفسا له من طيب رغبته ... وقد تخلل في أثناء لحيته
منها الدخان و فوه غاب في فيها
رآى سيادته حقا عليه على ... قوم مراعاتهم ما أن بهم نزلا
من احتياج لفقير فيهم حصلا ... رأى هناك أمير المؤمنين على
حال تروع لعمر الله رائيها
وظل مستقبلا للنار في فمه ... كفدية شاءها للنار في غده
وذا دليل بصبر قد أحاط به ... يستقبل النار خوف النار في غده
و العين من خشية مالت مآقيها
(مثال من تقشفه و ورعه رضي الله عنه)
إن حس جوع بقوم قد عهدتهم ... مدت يد الجود في فضل تقيتهم
لم تنسى يا عمر بل قد جعلتهم ... إن جاع في شدة قومٌ شركتهم
في الجوع أو تجتلي عنهم غواشيها
قد أصبح المال رهنا تحت حوزته ... فلم تمل نفسه أخذا لشهرته
بالزهد إذ لم ير من طيب رغبته ... جوع الخليفة والدنيا بقبضته
في الزهد منزلة سبحان موليها
من ذا يساوي أبا حفص وغيرته ... للحق أو أحد يرقى مسيرته
كلا ولا أحد يحتل سيرته ... فمن يباري أبا حفص وسيرته
أو من يحاول للفاروق تشبيها
ما كان يلبي النفس مطلبها ... بل قد رأى رفضها يحتل منصبها
فانظر مقالة حق كان يبد بها ... يوم اشتهت زوجه الحلوى فقال لها
من أين لي ثمن الحلوى فأشريها
لا تترك النفس للشهوات جانحة ... حرصا بأن قد تكن في اللهو سابحة
فخلها علها تمسيك سانحة ... لا تمتطي شهوات النفس جامحة
فكسرة الخبز عن حلواك تجزيها (1/13)
صفحة 14
ما كان من حقنا بذل الوفاء بما ... تكن علينا حقوق دفعها لزما
ممن بيت مال نكن في هوة وعمى ... وهل يفي بيت مال المسلمين بما
نوحي إليك إذا طاوعت موحيها
أبدت له بمقال لست أرزءه ... أي لا أصيب لمال كنت أدرءه
من بيت مال ولو قد قل أتركه ... فقالت لك الله إني لست أدرءه
مالا لحاجة نفس كنت أبغيها
لكن سآخذ بعضا من وظيفتنا ... وأتركنا لاحتياج من مؤتنا
وما بقي سأعدع تلك نيتنا ... لكن أجنب شيئا من وظيفتنا
في كل يوم على حال أسويها
حتى يكون لنا شيء يكافئها ... أي نفسنا لاحتياج قد يعالجها
خوف احتياج لحال قد يعائقها ... حتى إذا ما ملكنا ما يكافئها
شريتها ثم إني لا أثنيها
قالت أتركي عنك إذ قد صرت جاهلة ... وراقبي الله فيما كنت فاعلة
حتى تكوني لتقوى الله حاملة ... قال اذهبي واعلمي إن كنت جاهلة
أن القناعة تغني نفس كاسيها
من ثم جاءت بحال وهي حاملة ... بعض الدراهم نقدا وهي قائلة
لا أبتغي درهما فالنفس جاهلة ... و أقبلت بعد خمس وهي حاملة
دريهمات لتقضي من تشهيها
أجابها أنت من منهي فعنك دعي ... هذي الدراهم لا حقا لنا فذري
فعوديها لبيت المال فهو حري ... فقال نبهت مني غافلا فدعي
هذي الدراهم إذ لا حق لي فيها
فأي نفس ترى يا ذا بموفية ... من نفس فاروقنا بالدين موقنة
لقد حباه إلهي خير موهبة ... ويل على عمر يرضى بموفية
على الكفاف وينهى مستزيدها
فمالنا من سبيل قد نلوذ به ... أخذا سوى قوتنا فلسا بموجبه
فإن أخذنا نكن في حال مشتبه ... ما زاد عن قوتنا فالمسلمين به
أولى فقومي لبيت المال رديها
هذي مكارمه في عهده سبقا ... وكم له من سنا الأخلاق قد عرفت
وحسبك الزهد منه حلية وصفت ... كذاك أخلاقه كانت وما عهدت
بعد النبوة أخلاق تحاكيها
(مثال من هيبته رضي الله عنه)
قد خيمت في عروش المجد هيبته ... في الجاهلية والإسلام شهرته
وزعزعت قلب ذي جهل قريحته ... في الجاهلية و الإسلام هيبته
تثني الخطوب فلا تعدو عواديها
أبدت أياديه من خير ومكرمة ... للعالمين وأولتهم بمرحمة (1/14)
صفحة 15
حازت مساعيه من فضل ومرتبة ... في طي شدته أسرار مرحمة
للعالمين ولكن ليس يغشيها
أولى اهتماما كبيرا في كرامته ... لكنه سيف حق في شهامته
إذ لم يراعي جهولا في سلامته ... و بين جنبيه في أوفى صرامته
فؤاد والدة ترعى ذراريها
فيالها درة أولتها قدرته ... غنى عن الصارم البتار شهرته
علت بها لغوي النفس فكرته ... أغنت عن الصارم المصقول درته
فكم أخافت غوي النفس عاتيها
أضحت لها هيبة في قهر صاحبها ... شبيهة بعصا موسى لجابنها
جليلة الشأن لا تألوا بحاجبها ... كانت له كعصا موسى لصاحبها
لا ينزل البطل مجتازا بواديها
أضحت تهاب الذراري في ملاعبها ... من بأسه والغواني في مرابعها
قد عمها البأس شرقا مع مغاربها ... أخاف حتى الذراري في ملاعبها
وراع حتى الغواني في ملاهيها
ما بال جارية بالدف قد نذرت ... إن عاد من سفر خير الورى قصدت
لضربها الدف يا ذا فرحة عهدت ... أريت تلك التي لله قد نذرت
أنشودة لرسول الله تهديها
أبدت مقالاً لئن عاد النبي لنا ... سأضرب الدق إشعارا لفرحتنا
وأن أغني به لا شيء يمنعنا ... قالت نذرت لئن عاد النبي لنا
من غزوة العلى دفي أغنيها
حتى أتت حضرت الهادي وقد حصلت ... مما تأمله للدف قد ضربت
وكان معه أبو بكر لما فعلت ... و يممت حضرة الهادي وقد ملأت
أنور طلعته أرجاء ناديها
وعند مشي لها للدف قد ضربت ... تشجي بألحانها صوتا به اندفعت
ولم يعب سيد الكونين ما فعلت ... واستأذنت ومشت بالدف واندفعت
تشجي بألحانها ما شاء مشجيها
وكان أفضل شخص حذو جانبه ... خن النبي فيا طوبا لصاحبه
ولم ينكرن أحد فيما أتته به ... والمصطفى و أبو بكر بجانبه
لا ينكران عليها من أغانيها
حتى إذا شاع في أفق السماء قمر ... فصير البطل حقا ذلك عمر
لله يومك قد ضاءت بك الفكر ... حتى إذا لاح من بعد لها عمر
خارت قواها وكاد الخوف يرديها
فصيرت دفئها في ذلكم فلقا ... تفاديا من عقاب يورثا حرقا
بالنار يوم الجزاء أو يوقعن رهقا ... وخبّأت دفها في ثوبها فرقا
منه وودت لو أن الأرض تطويها (1/15)
صفحة 16
من حسن أخلاق خير الرسل ألبسها ... ثوبا من الحلم أضحى ذاك يؤنسها
فأعظم له نية بالخير يغرسها ... قد كان حلم رسول الله مؤنسها
فجاء بطش أبي حفص يغشيها
أكرم بخلق نبي صار مختتما ... للأنبياء وجميع الرسل كن فهما
أوحي إليه بعلم لم يكن علما ... فقال مهبط وحي الله مبتسما
و في ابتسامته معنا يواسيها
أبدى اللعين فرارا منذ رأى عمر ... خليفة المصطفى بالدرة اشتهرا
فلم يقر نهارا كان أو سحرا ... قد فر شيطانها لما رأى عمرا
إن الشياطين تخشى من يخزيها
(مثال من رجوعه رضي الله عنه إلى الحق)
أبدى التسور في بيت قد انتبذوا ... أصاحبه بمكان فيه قد نبذوا
تناولا لشراب الخمر فيه بدوا ... وفتية ولعوا بالراح فانتبذوا
لهم مكانا وجدوا في تعاطيها
تركت حائطهم لما أتيت بهم ... ليلا ورمت دخولا عند مضجعهم
وهم بحالة سكر عند مطلبهم ... ظهرت حائطهم لما علمت بهم
و الليل معتكر الأرجاء ساديها
دخلت منزلهم والراح قد أخذت ... تناولا بالأيادي بأس ما صنعت
تسفهت بهم الاحلام وارتكبت ... حتى تبتليهم و الخمر قد أخذت
تعلو ذؤابة ساقيها و حاسيها
تبا لفعلتهم في ما له عبثوا ... وويلهم مع أيمان بها نكثوا
ولم يراعوا حقوق الله بل خبثوا ... سفهت آراءهم فيها فما لبثوا
أن أوسعوك على ما جئت تسفيها
في حال رشدك هم أبدوك شر أذى ... للفقه نبذ اليراع هاك قد نبذا
إذ لم يكن حبهم للفقه حين إذا ... ورمت تفقيههم في دينهم فإذا
بالشرب قد برعوا الفاروق تفقيها
قد جئتنا بثلاث غير واحدة ... ونحن نأتي بفرد غير ثالثة
والصدق أحواله أضحت بشاهدة ... قالوا مكانك قد جئنا بواحدة
و جئتنا بثلاث لا تباليها
فانظر حقيقة أمر زانه بصر ... فهل ترى لدخول البيت يا قمر
إلا لباب له قد صار يعتبر ... فأت البيوت من الأبواب يا عمر
فقد يُزنُّ من الحيطان آتيها
جاء البيان فلا تدخل بيوتهم ... إلا بعين الرضا هذا دليلهم
فأنت افطن شخص صرت عندهم ... و استأذن الناس أن تغشى بيوتهم
و لا تسلم بدار أو تحييها
كذا التجسس منهي به نطقت ... آي الكتاب فراقب ما بها نزلت (1/16)
صفحة 17
والعفو في حقكم أبوابه فتحت ... و لا تجسس فهذي الآي قد نزلت
بالنهي عنه فلم تذكر نواهيها
ألقيت عذرا وقد أبصرت حجتهم ... لما رأيت دليل الآي قوتهم
هم أوسعوك ولم يولوك قدرتهم ... فعدت عنهم و قد أكبرت حجتهم
لما رأيت كتاب الله يمليها
وما سئمت لما أبدوه من حرج ... بل صرت من أمرهم يا ذا على فرج
والعدل يرقى الى العلياء في درج ... و ما أنفت و إن كانوا على حرج
من أن يحجك بالآيات عاصيها
(عمر و شجرة الرضوان)
وشجرة في سماء المجد قد وضعت ... طويلة قد عراها الشوك وارتفعت
تختال تيها بها الأغصان قد خضعت ... و سرحة في سماء السرح قد وقعت
ببيعة المصطفى من رأسها تيها
وحينما بالغوا وقت الطواف بها ... أزالها إذ غدا للدين منتبها
وتلك قوة نفس قد يقدمها ... أزلتها حين غالوا للطواف بها
و كان تطوافهم للدين تشويها
(الخاتمة)
ما كان سعي أبي حفص لدولته ... إلا اكتساب المعالي عند جولته
ولم يبالي لبطل عند صولته ... هذي مناقبه في عهد دولته
للشاهدين و للأعقاب أحكيها
كانت يداه لبذل الجود فاعلة ... لمن غدت نفسه للفضل سائلة
فعم إحسانه فردا وعائلة ... في كل واحدة منهن نابلة
من الطبائع تعدوا نفس واعيها
قلوب أهل الهدى جاءته طائعة ... لما رأت نفسه للحق سالكة
طريقة الرشد ليست عنه حائدة ... لعل في أمة الإسلام ثابتة
تجلو لحاضرها مرآة ماضيها
مكارم عمت الأرجاء فضائلها ... وقد أتاحت له فخرا شمائلها
وقد أتت عمرا طوعا حمائلها ... حتى ترى بعض ما شادت أوائلها
من الصروح و ما عاناه بانيها
وخير ختم مقال جاء كالدرر ... قد أحكمته رجال الشعر والفكر
في قالب من لجين التبر مزدهر ... وحسبها أن ترى ما كان من عمر
حتى ينبه منها عين غافيها (1/17)
صفحة 18
تم بحمد الله وحسن توفيقه تخميس هذه القصيدة لصاحبها حافظ إبراهيم بك التي شملت قضايا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اله عنه، فلله در قائلها من شاعر حكيم قص قضاياه كلها بأسلوب جميل، أرجو أن يكون تخميسي لها مطابقا لفظاً ومعنى، وأسأله جل شأنه أن يتجاوز عني بفضله كل خطأ أو نسيان، والله من وراء القصد.
سليمان بن مهنا بن خلفان الكندي
وتم تفريغه في الكمبيوتر في ليلة الجمعة 4 من جمادي الآخر 1427هـ، بعدما طلب مني الشيخ الأريب اللبيب الأديب سليمان بن مهنا بن خلفان الكندي أطال الله في عمره ومتعنا بعلمه وحياته، وأنا العبد الراجي رحمة ربه منير بن ناصر بن منصور الحضرمي. (1/18)